الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مختلف الشيعة - العلامة الحلي ج 5

مختلف الشيعة

العلامة الحلي ج 5


[ 1 ]

مختلف الشيعة تأليف أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (العلامة الحلي) 648 - 726 ه‍ الجزء الخامس تحقيق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة

[ 2 ]

مختلف الشيعة في أحكام الشريعة (ج 5) المؤلف: أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي " العلامة الحلي " الموضوع: فقه تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الاسلامي عدد الأجزاء: 12 الطبعة: الأولى الكمية: 1000 نسخة التاريخ: شهر ذي الحجة 1413 ه‍ مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 3 ]

كتاب المتاجر

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب المتاجر وفيه فصول: الأول في وجوه الاكتساب مسألة: قال الشيخ في النهاية: جميع النجاسات يحرم التصرف فيها والتكسب بها على اختلاف أجناسها من سائر أنواع العذرة والأبوال وغيرهما، إلا أبوال الإبل خاصة فإنه لا بأس بشربه والاستشفاء به عند الضرورة (1). وهذا الكلام يفهم منه باعتبار تفصيل النجاسات، صرف الأبوال التي عدها في الأقسام إلى أبوال ما لا يوكل لحمه، فإن غيرها ليس بنجس، وباعتبار استثناء بول الإبل صرفه إلى الأبوال مطلقا، سواء كانت طاهرة أو نجسة. وبالجملة فكلامه هنا مشتبه. وقال سلار: يحرم بيع الأبوال، إلا أبوال الإبل خاصة (2)، وهو قول المفيد (3).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 98.
(2) المراسم: ص 170. (3) المقنعة: ص 587.

[ 6 ]

وقال ابن إدريس: لا بأس بأبوال وأرواث ما يوكل لحمه، قال: وقال شيخنا في نهايته: والأبوال وغيرها، إلا أبوال الإبل خاصة فإنه لا بأس بشربه والاستشفاء به عند الضرورة، قال: والصحيح الأول، وهو أن بول الإبل وبول غيرها مما يوكل لحمه سواء لا بأس بذلك، لأنه طاهر عندنا، سواء كان لضرورة أو غير ضرورة (1). وقال في المبسوط: الطاهر الذي فيه منفعة يجوز بيعه، لأن الذي يمنع من بيعه نجاسته وزوال ملكه وهذا مملوك (2). والأقرب الجواز. لنا: عموم قوله تعالى: (وأحل الله البيع) (3) ولأنه طاهر منتفع به فكان بيعه سائغا كغيره. احتج المانعون بأنه من الفضلات التي لا نفع فيها فلم يجز بيعه كالمخاط والبصاق. والجواب: المنع من عدم الانتفاع. مسألة: قال المفيد: بيع العذرة والأبوال كلها حرام، إلا أبوال الإبل خاصة (4). وهذا يعطي تحريم بيع عذرة الانسان وغيره، وكذا قال سلار (5). وقال الشيخ في الخلاف: يجوز بيع سرجين ما يوكل لحمه (6)، وهو الأقرب عندي، وبه قال ابن إدريس (7). لنا: إنه عين طاهرة ينتفع بها فجازت المعاوضة عليها بالبيع كغيرها من الأعيان الطاهرة، لعموم قوله تعالى: (وأحل الله البيع) (8). وما رواه محمد بن مضارب، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس

(1) السرائر: ج 2 ص 219.
(2) المبسوط: ج 2 ص 167.
(3) البقرة: 275.
(4) المقنعة: ص 587.
(5) المراسم: ص 170.
(6) الخلاف: ج 3 ص 185 المسألة 310.
(7) السرائر: ج 2 ص 221. (8) البقرة: 275.

[ 7 ]

ببيع العذرة. احتج المانعون بما رواه يعقوب بن شعيب، عن الصادق - عليه السلام - قال: ثمن العذرة من السحت (1). والجواب: إنه محمول على عذرة الانسان جمعا بين الأدلة. وقال الشيخ: المراد بالحديث الأول ما عدا عذرة الادميين، وهذا الحديث محمول على عذرة الانسان، لما رواه سماعة بن مهران في الموثق قال: سأل رجل أبا عبد الله - عليه السلام - وأنا حاضر وقال: إني رجل أبيع العذرة فما تقول؟ قال: حرام بيعها وثمنها، وقال: لا بأس ببيع العذرة. فلولا أن المراد بقوله: (حرام بيعها وثمنها) ما ذكرناه لكان قوله بعد ذلك: (لا بأس ببيع العذرة) مناقضا له، وهو ممتنع في أقوالهم عليهم السلام (2). مسألة: قال الشيخان: يحرم بيع السلاح لاعداء الدين وعمله لمعونتهم (3)، وبه قال أبو الصلاح (4)، وسلار (5). وقال ابن إدريس: يحرم عمل السلاح مساعدة ومعونة لاعداء الدين وبيعه لهم إذا كانت الحرب قائمة بيننا وبينهم، فإذا لم يكن ذلك وكان زمان هدنة فلا بأس بحمله إليهم وبيعه عليهم على ما روي في الأخبار عن الأئمة الأطهار (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 372 ح 1080، وسائل الشيعة: باب 40 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 126.
(2) تهذب الأحكام: ج 6 ص 372 ذيل الحديث 1080 وحديث 1081 وذيله.
(3) المقنعة: ص 588، النهاية ونكتها: ج 2 ص 99.
(4) الكافي في الفقه: ص 282.
(5) المراسم: ص 170.
(6) السرائر: ج 2 ص 216.

[ 8 ]

احتج الشيخ بما رواه السراد، عن رجل عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قلت له: إني أبيع السلاح، قال: لاتبعه في فتنة (1). قال: فأما ما رواه أحمد بن محمد، ثم أسند إلى أبي بكر الحضرمي قال: دخلنا كل أبي عبد الله - عليه السلام - فقال له حكم السراج: ما ترى في ما يحمل إلى الشام من السروج وأداتها؟ قال: لا بأس، أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله - إنكم اليوم في هدنة، فإذا كانت المباينة حرم عليكم أن تحملوا إليهم السلاح والسروج (2). والوجه في هذا الخبر أحد شيئين: أحدهما: أن يكون مختصا بالسروج وشبهها مما لا يمكن استعماله في القتال، لما رواه محمد بن قيس قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الفئتين تلتقيان من أهل الباطل أبيعهما السلاح؟ قال: بعهما ما يمكنهما الدروع والخفين (3). والآخر: أن يكون بيع السلاح لهم إذا علم أنهم يستعملونه في قتال الكفار، لما رواه هند السراج قال: قلت لأبي جعفر - عليه السلام -: أصلحك الله ما تقول إني كنت أحمل السلاح إلى أهل الشام فأبيعه منهم فلما عرفني الله هذا الأمر ضقت بذلك وقلت: لا أحمل إلى أعداء الله؟ فقال لي: احمل إليهم، فإن الله عزوجل يدفع بهم عدونا وعدوكم - يعني الروم - فإذا كان الحرب بيننا

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 354 ح 1007، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يكتسب به ح 4 ج 12 ص 70.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 354 ح 1005، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 69.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 354 ح 1006، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يكتسب به ح 3 ج 12 ص 70.

[ 9 ]

فمن حمل إلى عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك (1). ودلالة هذه الأحاديث على ما ذهب إليه ابن إدريس أقوى. مسألة: قال المفيد: التجارة في القردة والسباع والفيلة والذئبة وسائر المسوخ حرام، وأكل أثمانها حرام، والتجارة في الفهود والبزاة وسباع الطير التي يصاد بها حلال (2). وكذا حرم الشيخ في النهاية بيع سائر المسوخ وشراءها والتجارة فيها والتكسب بها مثل: القردة والفيلة والدببة وغيرها من أنواع المسوخ، وبيع السباع والتصرف فيها والتكسب بها محظور، إلا الفهود خاصة، لأنها تصلح للصيد (3). وقال سلار: يحرم بيع القردة والسباع والفيلة والذئاب (4). وقال الشيخ في الخلاف: لا يجوز بيع شئ من المسوخ كالقردة والخنزير والدب والثعلب والأرنب والذئب والفيل وغير ذلك (5). وقال في المبسوط: الحيوان الذي هو نجس العين كالكلب والخنزير وما توالد منهما، وجميع المسوخ وما توالد من ذلك أو من أحدهما فلا يجوز بيعه ولا إجارته ولا الانتفاع به ولا اقتناؤه بحال إجماعا إلا الكلب، ثم قال: والطاهر غير المأكول مثل: الفهد والنمر والفيل وجوارح الطير والصقور والبزاة والشواهين والعقبان والأرنب والثعلب وما أشبه ذلك، فهذا كله يجوز بيعه، وإن كان مما

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 353 ح 1004، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 69.
(2) المقنعة: ص 589.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 98.
(4) المراسم: ص 170.
(5) الخلاف: ج 2 ص 184 المسألة 308.

[ 10 ]

لا ينتفع به فلا يجوز بيعه بلا خلاف مثل: الأسد والذئب (1). وقال ابن أبي عقيل: جميع ما يحرم بيعه وشراؤه ولبسه عند آل الرسول - عليهم السلام - بجميع ما ذكرناها من الاصناف التي يحرم أكلها من السباع والطير والسمك والثمار والنبات والبيض. وقال ابن الجنيد: لا خير في ما عدا الصيود والحارس من الكلاب وفي سائر المسوخ، واختار في أثمان ما لا يؤكل لحمه من السباع والمسوخ، ألا يصرف بائعه ثمنه في مطعم ولا مشرب له ولغيره من المسلمين. وقال ابن البراج: لا يجوز بيع ما كان مسخا من الوحوش، ويجوز بيع جوارح الطير والسباع من الوحوش (2). وقال ابن إدريس: يجوز بيع الفيلة والدببة وجميع السباع بيعا للانتفاع بجلدها وعظم الفيل (3). والأقرب الجواز. لنا: إنه عين طاهرة ينتفع بها فجاز بيعها، أما أنها عين طاهرة فلأنا قد بينا فيما سلف طهارة المسوخ، وأما الانتفاع بها فإنها ينتفع بجلودها وعظامها، وأما جواز بيعها حينئذ فللمقتضي وهو عموم قوله تعالى: (وأحل الله البيع) (4) وزوال المانع وهو النجاسة. لا يقال: لا نسلم عموم قوله تعالى: (وأحل الله البيع). لأنا نقول: هذه الصيغة وإن لم تدل على العموم لكن الفقهاء أجمعوا في جميع الأعصار والأصقاع على عمومية الاستدلال بهذه الآية في كل مبيع فيكون للعموم.

(1) المبسوط: ج 2 ص 165 - 166.
(2) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(3) السرائر: ج 2 ص 220. (4) البقرة: 275.

[ 11 ]

وقد روى عبد الحميد بن سعد قال: سألت أبا إبراهيم - عليه السلام - عن عظام الفيل أيحل بيعه أو شراؤه للذي يجعل منه الامشاط؟ فقال: لا بأس قد كان لأبي منه مشط أو أمشاط (1). وفي الصحيح عن عيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الفهود وسباع الطير هل يلتمس التجارة فيها؟ قال: نعم (2). وعن أبي مخلد السراج قال: كنت عند أبي عبد الله - عليه السلام - إذ دخل عليه معتب فقال: بالباب رجلان، فقال: أدخلهما فدخلا، فقال أحدهما: إني رجل سراج أبيع جلود النمر، فقال: مدبوغة هي؟ قال: نعم، قال: ليس بأس (3). احتج المانعون بأنها نجسة فيحرم بيعها، وبما رواه مسمع، عن أبي عبد الله - عليه السلام - أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - نهى عن القرد أن يشترى أو يباع (4). والجواب: المنع من النجاسة وقد تقدم، وعن الحديث المنع من صحة السند والحمل على الكراهة، فإن النهي كما يكون للتحريم يكون للكراهة جمعا بين الأدلة. مسألة: قال في النهاية: ثمن الكلب سحت إلا ما كان سلوقيا للصيد، فإنه

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 373 ح 1083، وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 123.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 386 ح 1148، وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 123.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 135 ح 595، وسائل الشيعة: ب 38 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 124.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 374 ح 1086، وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب ما يكتسب به ح 4 ج 12 ص 123.

[ 12 ]

لا بأس ببيعه وشرائه وأكل ثمنه والتكسب به (1)، وكذا قال المفيد (2). وفي المبسوط: الكلاب ضربان: أحدهما: لا يجوز بيعه بحال، والآخر: يجوز ذلك فيه، فما يجوز بيعه ما كان معلما للصيد. وروي أن كلب الماشية والحائط مثل ذلك، وما عدا ذلك كله لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به (3). وقال في الخلاف: يجوز بيع كلاب الصيد، ويجب على قاتلها قيمتها إذا كانت معلمة، ولا يجوز بيع غير الكلب المعلم على حال (4). وقال ابن الجنيد: لا بأس بشراء الكلب الصائد والحارس للماشية والزرع. وقال ابن البراج: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره من الكلاب (5). وقال ابن إدريس: يجوز بيع كلب الصيد سواء كان سلوقيا - وهو المنسوب إلى سلوق قرية باليمن - أو غير سلوقي وكلب الزرع وكلب الماشية وكلب الحائط (6)، وبه قال ابن حمزة (7)، وهو الأقرب عندي. لنا: الأصل الإباحة. ولأنه لو جاز بيع كلب الصيد جاز بيع باقي الكلاب الأربعة، والأول ثابت إجماعا وكذا الثاني. بيان الشرطية: إن المقتضي للجواز هناك كون المبيع مما ينتفع به وثبوت الحاجة إلى المعاوضة، وهذان المعنيان ثابتان في صورة النزاع فيثبت الحكم،

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 98.
(2) المقنعة: ص 589.
(3) المبسوط: ج 2 ص 166.
(4) الخلاف: ج 3 ص 181 المسألة 302.
(5) لم نعثر عليه والموجود في كتاب الإجارة من المهذب الجواز: ج 1 ص 502.
(6) السرائر: ج 2 ص 220.
(7) الوسيلة: ص 248.

[ 13 ]

عملا بالمقتضي السالم عن المعارض، إذ الأصل انتفاؤه. ولأن لها ديات منصوصة فيجوز المعاوضة عليها. ولأنه يجوز إجارتها فيجوز بيعها. احتج بما رواه الوليد العامري قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن ثمن الكلب الذي لا يصيد، فقال: سحت، وأما الصيود فلا بأس (1). وعن السكوني في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - قال: السحت ثمن الميتة، وثمن الكلب، وثمن الخمر، ومهر البغي والرشا في الحكم، وأجر الكاهن (2). ولأنها عين نجسة، فيحرم بيعها كالعذرات. والجواب عن الحديثين: بمنع صحة سندهما وبالقول بالموجب، فإن لفظ الكلب ليس من ألفاظ العموم فيحمل على كلب الهراش، وبالفرق بين الأصل والفرع في الثاني، لعدم الانتفاع في الأصل، مع أنه قياس لا يجوز العمل به. مسألة: قال ابن البراج: يحرم التماثيل المجسمة وغير المجسمة (3). وقال ابن إدريس: وسائر التماثيل والصور ذات الارواح مجسمة كانت أو غيرها (4). وأبو الصلاح قال: يحرم التماثيل (5)، وأطلق.

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 367 ح 1060، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب ما يكتسب به ح 7 ج 12 ص 83.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 368 ح 1061، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب ما يكتسب به ح 5 ج 12 ص 62.
(3) المهذب: ج 1 ص 344.
(4) السرائر: ج 2 ص 215.
(5) الكافي في الفقه: ص 281.

[ 14 ]

وقال الشيخان: يحرم عمل التماثيل المجسمة (1)، وكذا قال سلار (2). وهذا لا يعطي إباحة غيرها صريحا بل من طريق المفهوم، ولأن الأصل الإباحة والذي ورد عن أبي بصير في طريق ضعيف، قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: إنا نبسط عندنا الوسائد فيها التماثيل ونفرشها، قال: لا بأس بما يبسط منها ويفرش ويطأ، وإنما يكره منها ما نصب على الحائط وعلى السرير (3). ولا دلالة صريحة في التحريم هنا والاباحة، بل من حيث المفهوم أيضا. مسألة: قال ابن البراج: من باع هرة فليتصدق بثمنها ولا يتصرف فيه في غير ذلك (4). والوجه عدم وجوب ذلك. لنا: إنها مملوكة فكان الثمن ملكه كغيرها. مسألة: عد أبو الصلاح (5)، وابن البراج (6) في المحرمات خصاء شئ من الحيوان. وقال ابن الجنيد: يكره إخصاء البهائم وليس بمحرم، قال: وهو محرم عندي فعله بالناس. وقال ابن إدريس: إنه مكروه (7). احتجا بأنه تعذيب للحيوان غير مأمور به شرعا فيكون محرما عقلا.

(1) المقنعة: ص 587، النهاية ونكتها: ج 2 ص 97.
(2) المراسم: ص 170.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 381 ح 1132، وسائل الشيعة: ب 94 من أبواب ما يكتسب به ح 4 ج 12 ص 220. (4) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(5) الكافي في الفقه: ص 281.
(6) المهذب: ج 1 ص 345.
(7) السرائر: ج 3 ص 215 - 216.

[ 15 ]

احتج ابن إدريس بأن فيه منفعة للمالك، فجاز إيلام الحيوان تحصيلا لها، كما جاز إيلامه بالذبح. قال: ويحمل ما ورد من النهي في هذا الباب على الكراهة (1)، وقوله جيد. مسألة: قال ابن إدريس: يحرم بيع ما عدا الكلاب الأربعة وثمنه وثمن جلده، سواء ذكي أو لم يذك وسواء كلب بر أو بحر، لأنه لا تحله الذكاة، فقد ذكر العلماء أنه ما من شئ في البر إلا ومثله في الماء، سواء نسب إلى اسم أو أضيف إليه، لأن الكلب اسم جنس يتناول الوجوه كلها والأحوال (2). والأقرب أن النجاسة وعدم التذكية لاحقة بالكلب الحقيقي، وهو كلب البر دون كلب البحر. لنا: الأصل عدم النجاسة، واطلاق التعليق ينصرف إلى البري، لأنه المتعارف عند الإطلاق، وإذا أطلق الكلب عد كلب الماء فبنوع من المجاز، ولهذا افتقر إلى التقييد. مسألة: قال الشيخ في النهاية: يكره أخذ الأجرة على تعليم شئ من القرآن ونسخ المصاحف وليس بمحظور، وإنما يكره إذا كان هناك شرط، فإن لم يكن هناك شرط لم يكن به بأس (3). وكذا قال ابن البراج (4). والمفيد قال: لا بأس بالاجرة على تعليم القرآن والحكم كلها، والتنزه عن التكسب بذلك أفضل (5). وقال أبو الصلاح: يحرم أجر تعليم المعارف والشرائع وكيفية العبادة عن

(1) السرائر: ج 215 - 216 مع اختلاف.
(2) السرائر: ج 2 ص 220.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 102.
(4) المهذب: ج 1 ص 346.
(5) المقنعة: ص 588.

[ 16 ]

النظر فيها والفتيا بها وتنفيذ الأحكام وتلقين القرآن (1). وقال الشيخ في الاستبصار: يحرم مع الشرط ويكره بدونه (2). وقال ابن إدريس: يكره مع الشرط ولا بأس بدونه (3). والأقرب إباحته على كراهية. لنا: الأصل الإباحة. ولأن فيه منفعة تعليم القرآن، وتعميم إشاعة معجزة النبي - صلى الله عليه وآله -. ولأنه يجوز جعله مهرا فجاز أخذ الأجرة عليه، إذ لو حرمت الأجرة لحرم جعله مهرا. وما رواه الفضل بن أبي قرة قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: إن هؤلاء يقولون: إن كسب المعلم سحت، فقال: كذبوا أعداء الله إنما أرادوا لئلا يعلموا القرآن، ولو أن المعلم أعطاه رجل دية ولده كان للمعلم مباحا (4). احتج الشيخ بما رواه حسان المعلم قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن التعليم، فقال: لا تأخذ عك التعليم أجرا، قلت: الشعر والرسائل وما أشبه ذلك أشارطه عليه؟ قال: نعم بعد أن يكون الصبيان عندك سواء في التعليم، لا تفضل بعضهم على بعض (5). وعن زيد بن علي، عن أبيه - عليه السلام - عن آبائه - عليهم السلام - عن

(1) الكافي في الفقه: ص 283.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 65 - 66 ذيل الحديث 216 و 219.
(3) السرائر: ج 2 ص 223.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 364 ح 1046، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 112.
(5) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 364 ح 1045، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 112.

[ 17 ]

على - عليه السلام - أنه أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني لاحبك لله، فقال: ولكني أبغضك لله، فقال: ولم؟ قال: لانك تبغي في الأذان وتأخذ على تعليم القرآن أجرا (1). والجواب عن الأول: أنه محمول على الكراهة، فليس حمله على التحريم أولى. وعن الثاني: أن البغض على مجموع الشيئين. لا يقال: لو كان أحدهما سائغا لقبح ضمه في علة البغض إلى المحرم. لأنا نقول: الكراهة كافية في الضم. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس بأخذ الأجر والرزق على الحكم والقضاء بين الناس من جهة السلطان العادل (2). وقال المفيد: لا بأس بالأجر على الحكم والقضاء بين الناس، والتبرع بذلك أفضل وأقرب إلى الله تعالى (3). وقال أبو الصلاح: يحرم الأجر على تنفيذ الأحكام (4). وقال ابن البراج: يكره الأجر على القضاء وتنفيذ الأحكام من قبل الإمام العادل (5). وقال ابن إدريس: يحرم الأجر على القضاء، ولا بأس بالرزق من جهة السلطان العادل ويكون ذلك من بيت المال دون الأجرة على كراهية فيه (6). والأقرب أن نقول: إن تعين القضاء عليه إما بتعيين الإمام - عليه السلام -

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 376 ح 1099، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 113.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 102.
(3) المقنعة: ص 588.
(4) الكافي في الفقه: ص 283.
(5) المهذب: ج 1 ص 346.
(6) السرائر: ج 2 ص 217.

[ 18 ]

أو بفقد غيره أو بكونه الأفضل وكان متمكنا لم يجز الأجر عليه، وإن لم يتعين أو كان محتاجا فالأقرب الكراهة. لنا: الأصل الإباحة على التقدير الثاني. ولأنه فعل لا يجب عليه فجاز أخذ الأجر عليه، أما مع التعيين فلأنه يؤدي واجبا فلا يجوز أخذ الأجرة عليه، كغيره من العبادات الواجبة. مسألة: قال ابن البراج في أقسام المحرمات: والأذان والإقامة لا يحل الأجر عليهما، وكذا الصلاة بالناس وتغسيل الموتى وتكفينهم وحملهم ودفنهم (1). والأقرب تحريم الأجر، أما الفعل فلا. ويحتمل أن يقال: الفعل إنما كان طاعة لو وقع على الوجه المأمور به شرعا، ووقوعه على هذا الوجه ليس بشرعي فيكون بدعة فيكون حراما. مسألة: قال أبو الصلاح: ومن المحرمات الرمي عن قوس الجلاهق (2). والاطلاق ليس بجيد، بل ينبغي التقييد بطلب اللهو والبطر. أما لو قصد به الصيد للقوت أو للتجارة أو فعل لدفع الخصم أو لغير ذلك مما هو مباح فالوجه الإباحة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس بأجر المغنية في الاعراس إذا لم يغنين بالاباطيل، ولا يدخلن على الرجال، ولا يدخل الرجال عليهن (3). وجعله ابن البراج مكروها (4). وقال أبو الصلاح: يحرم الغناء كله (5).

(1) المهذب: ج 1 ص 345.
(2) الكافي في الفقه: ص 282. (3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 103.
(4) المهذب: ج 1 ص 346.
(5) الكافي في الفقه: ص 280.

[ 19 ]

وقال المفيد: كسب المغنيات حرام، وتعلم ذلك وتعليمه حرام في شرع الاسلام (1)، وأطلق ولم يفصل. وكذا قال سلار (2). وقال ابن إدريس: ولا بأس بأجر المغنيات في الاعراس إذا لم يغنين بالاباطيل على ما روي، والأظهر أن الغناء محرم ممن كان (3). والأقرب عندي س اختاره الشيخ في النهاية. لنا: الأصل، وما رواه أبو بصير في الصحيح قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس، وليست بالتي يدخل عليها الرجال (4). وعن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: المغنية التي تزف العرائس لا بأس بكسبها (5). وعن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن كسب المغنيات، فقال: التي يدخل عليها الرجال حرام، والتي تدعى إلى الاعراس ليس به، بأس، وهو قول الله عزوجل: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله) (6). احتج الآخرون بما رواه سعيد بن محمد الطاطري، عن أبيه، عن الصادق

(1) المقنعة: ص 588.
(2) المراسم: ص 170.
(3) السرائر: ج 2 ص 224.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 357 ح 1022، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب ما يكتسب به ح 3 ج 12 ص 85.
(5) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 357 خ 1023، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 84.
(6) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 358 ح 1024 ا، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 84.

[ 20 ]

- عليه السلام - قال: سأله رجل عن بيع جواري المغنيات، فقال: شراؤهن وبيعهن حرام، وتعليمهن كفر، واستماعهن نفاق (1). وعن الحسن بن علي الوشا قال: سئل أبو الحسن الرضا - عليه السلام - عن شراء المغنية، فقال: قد يكون للرجل جارية تلهيه وما ثمنها إلا ثمن كلب، وثمن الكلب سحت، والسحت في النار (2). وعن نضر بن قابوس قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: المغنية ملعونة، ملعون من أكل كسبها (3). وعن إبراهيم بن أبي البلاد قال: أوصى إسحاق بن عمر عند وفاته بجوار له مغنيات أن يبعن ويحمل ثمنهن إلى أبي الحسن الرضا - عليه السلام - قال إبراهيم: فبعت الجواري بثلاثمائة ألف درهم وحملت الثمن إليه فقلت له: إن مولى لك يقال له: إسحاق بن عمر أوصى عند وفاته ببيع جوار له مغنيات وحمل الثمن إليك وقد بعتهن وهذا الثمن ثلاثمائة ألف درهم، فقال: لا حاجة لي فيه، إن هذا سحت، وتعليمهن كفر، والاستماع منهن نفاق، وثمنهن سحت (4). والجواب: هذه الأحاديث وإن دلت على التحريم دلالة ظاهرة لا قاطعة إلا أنها مطلقة، وما تلوناه نحن من الأحاديث مقيدة، فيعمل بها في صورة التقييد

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 356 ح 1018، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب ما يكتسب به ح 7 ج 12 ص 88.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 357 ح 1019، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب ما يكتسب به ح 6 ج 12 ص 88.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 357 ح 1020، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب ما يكتسب به ح 4 ج 12 ص 85.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 357 ح 1021، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب ما يكتسب به ح 5 ج 12 ص 87.

[ 21 ]

ويبقى الإطلاق في الباقي، لئلا تتنافى الأدلة. مسألة: قال ابن البراج: يكره بيع عظام الفيل وعملها (1). وقال ابن إدريس: الأظهر بين الأصحاب أن ذلك ليس بمكروه (2)، وهو الأقرب. لنا: الأصل انتفاء الكراهة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ينبغي للمعلم أن يسوي بين الصبيان في التعليم والأخذ عليهم، ولا يفضل بعضهم في ذلك على بعض (3). وقال ابن إدريس: وينبغي للمعلم أن يسوي بين الصبيان في التعليم والأخذ عليهم، ولا يفضل بعضهم في ذلك على بعض، إلا أن يؤجر نفسه لهذا على تعليم مخصوص، وهذا يستأجره على تعليم مخصوص، فأما إذا استؤجر. على التعليم لجميعهم بالإطلاق فلا يجوز له أن يفضل بعضهم على بعض في التعليم، لأنه استؤجر عليه، سواء كانت أجرة بعضهم أكثر من أجرة بعض آخر (4). والأقرب عندي كراهة ذلك. لنا: إن المأخوذ عليه التعليم، وهو يحصل مع التفضيل. احتج المخالف بما رواه حسان المعلم قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن التعليم، فقال: لا تأخذ على التعليم أجرا، قلت: الشعر والرسائل وما أشبه ذلك أشارطه عليه؟ قال: نعم بعد أن يكون الصبيان عندك سواء في التعليم، لا تفضل بعضهم على بعض (5).

(1) المهذب: ج 2 ص 346.
(2) السرائر: ج 2 ص 220.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 102.
(4) السرائر: ج 2 ص 224.
(5) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 364 ح 1045، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب ما يكتسب به ح 1

[ 22 ]

والجواب: القول بالموجب، فإنه محمول على الاستحباب دون الوجوب. مسألة: من جمع مالا من حلال وحرام وتميز له الحرام وجب رده على مالكه، فإن لم يجده رده على ورثته، فإن لم يجد له وارثا قال الشيخ في النهاية: تصدق به عنه (1). وقال ابن إدريس: فإن لم يجد له وارثا أمسكه وحفظه وطلب الوارث، فإن لم يخلف وارثا وقطع على ذلك فهو لامام المسلمين، لأنه ميراث من لا وارث له. قال: وقد روي أنه يكون بمنزلة اللقطة، قال: وهذا بعيد من الصواب، لأن إلحاق ذلك باللقطة يحتاج إلى دليل (2). وليس ذلك عندي بعيد، فإنه مال وقع في يده لا يعرف مالكه فيكون كاللقطة. وقول ابن إدريس لا بأس به، إلا أنه يعارضه الصدقة بالخمس مع جهل المقدار والمالك. مسألة: قال ابن إدريس: لا بأس ببيع الخشب لمن يعمله صنما أو صليبا أو شيئا من الملاهي، لأن الوزر على من يجعله كذلك لا على الذي باع الالة على ما رواه أصحابنا، والأولى عندي اجتناب ذلك (3). والشيخ قال: لا بأس ببيع الخشب لمن يعمله صنما أو صليبا أو شيئا من الملاهي، لأن الوزر على من يجعله كذلك (4). والأقرب عندي أنه إذا كان البائع يعلم أن المشتري يعمله صنما أو صليبا أو شيئا من الملاهي حرم بيعه وإن لم يشترط في العقد ذلك. لنا: أنه قد اشتمل على نوع مفسدة فيكون محرما (5)، لأنه إعانة على المنكر

ج 12 ص 112. (1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 104. (2) السرائر: ج 2 ص 225 و 204.
(3) السرائر: ج 2 ص 225.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 105.
(5) م (2): حراما.

[ 23 ]

فيكون قبيحا. وما رواه عمر بن أذينة في الحسن قال: كتبت إلى أبي عبد الله - عليه السلام - أسأله عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذ منه برابط، فقال: لا بأس به، وعن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه صلبانا، فقال: لا (1). وعن عمرو بن حريث قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن التوت أبيعه ليصنع للصليب والصنم؟ قال: لا (2). احتج الشيخ بأن الأصل الإباحة. ولأنه عقد وقع من أهله في محله فكان سائغا. ولأن عالم المشتري بعد انتقال الملك إليه لا يؤثر في وجه البيع السابق. والجواب: الأصل قد يرجع عنه، لوجود دليل أقوى منه، وصدور العقد من أهله لا يقتضي إباحته، إلا مع خلوه عن جهات المفاسد، والمؤثر في وجه البيع إنما هو علم البائع بما يفعله المشتري. مسألة: من دفع مالا إلى غيره ليضعه في المحاويج أو في صنف معين وكان المدفوع إليه منهم فإن عين له أشخاصا معينين لم يجز له التعدي إلى غيرهم، وإن لم يعين قال الشيخ في النهاية: يجوز له أن يأخذ هو مثل ما يعطي غيره (3)، وبه قال ابن إدريس في كتاب المكاسب (4). وقال في كتاب الزكاة: لا يجوز له ذلك، وهو اختيار شيخنا في كتاب

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 373 ح 1082، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 127.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 373 ح 1084، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 127.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 101.
(4) السرائر: ج 2 ص 223.

[ 24 ]

الوكالة من المبسوط فإنه قال فيه: إذا وكله في إبراء غرمائه لم يدخل هو في الجملة، وكذلك في حبس غرمائه ومخاصمتهم، وكذلك إذا وكله في تفرقة ثلثه في الفقراء والمساكين لم يجز أن يصرف إلى نفسه منه شيئا وإن كان فقيرا مسكينا، لأن المذهب الصحيح أن المخاطب لا يدخل في أمر المخاطب إياه في أمر غيره، فإذا أمر الله تعالى نبيه أن يأمر أمته أن يفعلوا كذا لم يدخل هو في ذلك الأمر (1). والأقرب ما ذكره في المبسوط. لنا: ما استدل به الشيخ. وما رواه عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح قال: سألته عن رجل أعطاه رجل مالا ليقسمه في محاويج أو مساكين وهو محتاج أيأخذ منه لنفسه شيئا ولا يعلمه؟ قال: لا يأخذ منه شيئا حتى يأذن له صاحبه (2). وتأول الشيخ هذه الرواية بوجهين: أحدهما: الحمل على الكراهة، والثاني: أنه لا يأخذ أكثر مما يعطي منه غيره (3). مسألة: قال الشيخ في النهاية: من وجد عنده سرقة كان ضامنا لها، إلا أن يأتي على شرائها ببينة (4). وقال ابن إدريس: هو ضامن، سواء أتى على شرائها ببينة أو لا بلا خلاف، لكن مقصود شيخنا أنه ضامن، وهل يرجع على البائع أم لا؟ فإن كان المشتري عالما بالغصب لم يكن له الرجوع، وإلا رجع عليه (5).

(1) السرائر: ج 1 ص 463.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 54 ذيل الحديث 176، وسائل الشيعة: ب 84 من أبواب ما يكتسب به ح 3 ج 12 ص 206.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 54 ذيل الحديث 176.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 105.
(5) السرائر: ج 2 ص 225.

[ 25 ]

أقول: يحتمل قول الشيخ وجها آخر: وهو أن يأتي ببينة أنه اشتراها من مالكها فتسقط المطالبة عنه. والشيخ نقل الرواية التي رواها أبو عمار السراج، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يوجد عنده السرقة، قال: هو غارم إذا لم يأت على بائعها بشهود (1). مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا مر الانسان بالثمرة جاز له أن يأكل منها قدر كفايته ولا يحمل منها شيئا على حال (2)، وكذا قال علي بن بابويه (3) وابنه في المقنع (4). وقال أبو الصلاح: أباح الله تعالى عابري السبيل الانتفاع بما ينبته الحرث من الخضر والثمار والزرع من غير حمل ولا إفساد ينوب مناب إذن المالك في حسن التصرف (5). وقال ابن البراج: إذا مر الانسان بشجر الفواكه جاز له أن يأكل منها من غير إفساد بشئ من ذلك، ولا يجوز له أن يحمل شيئا إلا بأمر صاحبها (6). وقال ابن إدريس: إذا مر الانسان بالثمرة جاز له أن يأكل منها قدر كفايته، ولا يحمل منها شيئا على حال من غير قصد إلى المضي إلى الثمرة للأكل، بل كان الانسان مجتازا في حاجته ثم مر بالثمار، سواء كان أكله منها لأجل الضرورة أو غير ذلك، على ما رواه أصحابنا وأجمعوا عليه، لأن الأخبار في ذلك متواترة، والاجماع منعقد منهم، ولا يعتد بخبر شاذ أو خلاف من لا

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 374 ح 1091، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 10 ج 12 ص 251.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 106.
(3) نقله عنه في المقنع: ص 124.
(4) المقنع: ص 124.
(5) الكافي في الفقه: ص 322.
(6) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.

[ 26 ]

يعرف اسمه ونسبه، لأن الحق مع غيره (1). والأقرب المنع. لنا: أنه تصرف في مال الغير بغير إذنه فيكون قبيحا. وما رواه الحسن بن يقطين قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن الرجل يمر بالثمرة من الزرع والنخل والكرم والشجرة والمباطخ وغير ذلك من الثمر أيحل له أن يتناول منه شيئا ويأكل بغير إذن صاحبه؟ وكيف حاله إن نهاه صاحب الثمرة أو أمره المقيم وليس له؟ وكم الحد الذي يسعه أن يتناول منه؟ قال: لا يحل له أن يأخذ شيئا (2). احتج الشيخ بما رواه محمد بن مروان قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: أمر بالثمرة فآكل منها، قال: كل ولا تحمل، قلت: جعلت فداك إن التجار قد اشتروها ونقدوا أموالهم؟ قال: اشتروا ما ليس لهم (3). وفي الصحيح عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يمر بالنخل والسنبل والثمرة فيجوز له أن يأكل منها من غير إذن صاحبها من ضرورة أو غير ضرورة؟ قال: لا بأس (4). والجواب: الحمل على ما إذا علم بشاهد الحال إباحة المالك لذلك. ويؤيد ما ذكرناه ما رواه مروك بن عبيد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قلت له: الرجل يمر على قراح الزرع يأخذ منه السنبلة؟ قال: لا، قلت: أي شئ السنبلة؟ قال: لو كان كل من يمر يأخذ منه سنبلة كان لا يبقى منه شئ (5).

(1) السرائر: ص 226.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 92 ح 392، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب بيع الثمار ح 7 ج 13 ص 15. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 89 ح 380، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب بيع الثمار ح 4 ج 13 ص 14.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 93 ح 393، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب بيع الثمار ح 3 ج 13 ص 15.
(5) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 385 ح 1140، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب بيع الثمار ح 6 ج 13 ص 15.

[ 27 ]

مسألة: قال الشيخ في كتاب المكاسب من النهاية: من آجر مملوكا له فأفسد المملوك شيئا لم يكن على مولاه ضمان ما أفسده، لكنه يستسعي العبد في مقدار ما أفسده (1). وقال في باب الاجارات: من استأجر مملوك غيره من مولاه فأفسد المملوك شيئا أو أبق قبل أن يفرغ من عمله كان مولاه ضامنا لذلك (2). قال ابن إدريس: وجه الجمع حمل الأول: على أن مولاه لا يضمن ما عدا الأجرة، لأن السيد لا يضمن جناية المملوك على غير بني آدم ولا يستسعي فيها ولا يباع على الصحيح من أقوال أصحابنا، وقوله (3): (يستسعي العبد) غير واضح، لمخالفته الاجماع، وإنما ورد بعض أخبار الاحاد فأورده الشيخ إيرادا لا اعتقادا. وحمل الثاني: على أنه يضمن الأجرة الباقية وهو الصحيح، وأما ضمان ما أفسده فلا، لأن السيد لا يضمن جناية العبد على بني آدم ولا على أموالهم (4). وقول الشيخ ليس ببعيد، لأن الإذن في الإجارة إذن في توابعها، ومن جملة توابعها ضمان العبد إذا أفسد، ولا يمكن تعلق الضمان بالمولى، لأنه لا يضمن جناية عبده ولا بما في يد العبد فيتعلق بكسبه. وما رواه أبو بصير في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في رجل استأجر مملوكا فيستهلك مالا كثيرا، فقال: ليس على مولاه شئ وليس لهم أن يبيعوه ولكنه يستسعي، وإن عجز عنه فليس على مولاه شئ ولا على العبد شئ (5).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 106.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 284.
(3) أي قول الشيخ في النهاية.
(4) السرائر: ج 2 ص 227. (5) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 385 ح 1144، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أحكام الإجارة ح 3 ج 13 ص 252.

[ 28 ]

مسألة: من غصب من غيره مالا أو أخذه على غير جهة الغصب ثم منعه ووقع للغاصب عنده مال وديعة قال الشيخ في النهاية: يجب عليه ردها عليه ولا يخونه فيها (1). وقال ابن إدريس: يجوز ذلك على كراهية (2)، وهو قول الشيخ في الاستبصار (3)، وهو الأقوى، وبه قال ابن الجنيد. لنا: قوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (4). وما رواه جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل يكون له على الرجل الدين فيجحده فيظفر من ماله بقدر الذي جحده أيأخذه وإن لم يعلم الجاحد بذلك؟ قال: نعم (5). وعن ابن مسكان، عن أبي بكر قال: قلت له: رجل لي عليه دراهم فجحدني وحلف عليها أيجوز لي إن وقع له قبلي دراهم أن آخذ منه بقدر حقي؟ قال: فقال: نعم ولهذا كلام، قلت: وما هو؟ قال: يقول: اللهم إني لم آخذه ظلما ولا خيانة وإنما أخذته مكان مالي الذي أخذه مني لم أزدد عليه شيئا (6). لا يقال: لا دلالة في هذين الحديثين، أما الأول فلأنه لم يذكر الوديعة،

(1) السرائر: ج 2 ص 37.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 26.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 52 ذيل الحديث 172.
(4) البقرة: 194.
(5) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 349 ح 986، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب ما يكتسب به ح 10 ج 12 ص 205.
(6) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 348 ح 982، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب ما يكتسب به ح 4 ج 12 ص 203.

[ 29 ]

وليس النزاع في مطلق المال الكائن عند المظلوم، بل النزاع في المال الكائن عنده على سبيل الوديعة. وكذا الحديث الثاني مع أن فيه ما يمنع التمسك به وهو اشتماله على الحلف، مع أن الحالف تسقط عنه المطالبة، ولا يجوز مقاصته لا من وديعة ولا من غيرها. لأنا نقول: الحديثان وردا عامين فيعمل بهما في عمومهما، وهو شامل للوديعة وغيرها. وأما الحلف فجاز أن يكون قد وقع عند غير الحاكم فلا يعتد به، على أنه قد ورد على غير الوديعة. روى علي بن سليمان قال: كتب إليه رجل غصب من رجل مالا أو جارية ثم وقع عنده مال بسبب وديعة أو قرض مثل ما خانه به أو غصبه أيحل له حبسه عليه أم لا؟ فكتب: نعم يحل له ذلك إن كان بقدر حقه، وإن كان أكثر فيأخذ منه ما كان عليه ويسلم الباقي إليه إن شاء الله تعالى (1). وعن أبي العباس البقباق في الصحيح: أن شهابا ما راه في رجل ذهب له ألف درهم واستودعه بعد ذلك ألف درهم، قال أبو العباس: فقلت له: خذها مكان الألف الذي أخذ منك فأبى شهاب، قال: فدخل شهاب على أبي عبد الله - عليه السلام - فذكر له ذلك، فقال: أما أنا فأحب إلي أن تأخذ وتحلف (2). احتج الشيخ بعموم الأمر بالرد للامانة، قال الله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 349 ح 985، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب ما يكتسب به ح 9 ج 12 ج 205.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 347 ح 979، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 202.
(3) النساء: 58.

[ 30 ]

وما رواه سليمان بن خالد في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل وقع لي عنده مال فكابرني عليه ثم حلف ثم وقع له عندي مال آخذه لمكان مالي الذي أخذه وجحده وأحلف عليه كما صنع؟ قال: إن خانك فلا تخنه ولا تدخل في ما عبته عليه (1). وفي الصحيح عن ابن أخي الفضيل بن يسار قال: كنت عند أبي عبد الله - عليه السلام - إذ دخلت امرأة وكنت أقرب القوم إليها فقالت لي: أسأله، فقلت: عماذا؟ فقالت: إن ابني مات وترك مالا في يد أخي فأتلفه ثم أفاد مالا فأودعنيه فلي أن آخذ منه بقدر ما أتلف من شئ؟ فأخبرته بذلك فقال: لا، قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك (2). والجواب: هذه الأحاديث محمولة علما الكراهية. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا كان للولد مال ولم يكن لوالده مال جاز له أن يأخذ منه ما يحج به حجة الاسلام، وأما حجة التطوع فلا يجوز له أن يأخذ نفقتها من ماله إلا بإذنه (3). وتبعه ابن البراج (4). وقال في كتاب الحج من النهاية: ومن لم يملك الاستطاعة وكان له ولد له مال وجب عليه أن يأخذ من مال ابنه قدر ما يحج به على الاقتصاد ويحج (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 348 ح 980، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب ما يكتسب به ح 7 ج ص 204.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 348 ح 981، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب ما يكتسب به ح 3 ج 12 ص 202.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 94.
(4) المهذب: ج 1 ص 348 - 349.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 458.

[ 31 ]

ومنع ابن إدريس (1) من ذلك. احتج الشيخ بما رواه سعيد بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: أيحج الرجل من مال ابنه وهو صغير؟ قال: نعم، قلت: يحج حجة الاسلام وينفق منه؟ قال: نعم بالمعروف، ثم قال: نعم يحج منه وينفق منه، إن مال الولد للوالد، وليس للولد أن ينفق من مال والده إلا بإذنه (2). قال الشيخ في الاستبصار: المراد أنه إذا كان قد وجب عليه حجة الاسلام كان له أن يأخذ بالقرض على نفسه من مال ولده ما يحج به، فأما من لم يجب عليه الحج فلا يلزمه أن يأخذ من مال ولده ويحج به، فأما ما يضمنه من النفقة فإنه محمول على حال الحاجة الشديدة إلى ذلك وامتناع الولد من الانفاق عليه (3). ومنع ابن إدريس من الاقتراض للحج أيضا، وإن كانت حجة الاسلام قد وجبت فإنه لم يرد أن للوالد أن يستقرض المال (4). وقول الشيخ في الاستبصار جيد، وقوله في النهاية وقول ابن إدريس مدخولان، وأما ما ذكره في النهاية فقد تقدم. وأما قول ابن إدريس فإنه قد ورد الاقتراض من مال الولد، بل قد ورد في الحديث الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يحتاج إلى مال ابنه قال: يأكل منه ما شاء من غير سرف، وقال في كتاب علي - عليه السلام -: إن الولد لا يأخذ من مال والده شيئا إلا بإذنه،

(1) السرائر: ج 2 ص 208.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 50 ح 165، وسائل الشيعة: ب 78 من أبواب ما يكتسب به ح 4 ج 12 ص 195.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 50 ذيل الحديث 165 مع تقديم وتأخير في العبارة.
(4) السرائر: ج 2 ص 208.

[ 32 ]

والوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء، وله أن يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الإبن وقع عليها، وذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - قال لرجل: أنت ومالك لابيك (1). وفي الصحيح عن أبي حمزة الثمالي، عن الباقر - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله - لرجل: أنت ومالك لابيك، ثم قال أبو جعفر - عليه السلام - لا أحب أن يأخذ من مال ابنه إلا ما احتاج إليه مما لا بد منه، لأن الله تعالى لا يحب الفساد (2). وغير ذلك من الأحاديث (3) الدالة على تسويغ الأخذ فالاقتراض أولى. تذنيب: قال الصدوق في المقنع وأبوه في الرسالة: لا بأس للرجل أن يأكل أو يأخذ من مال ولده بغير إذنه، وليس للولد أن يأخذ من مال والده إلا بإذنه (4) والأقرب المنع من الأخذ في الموضعين. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا كان للولد جارية ولم يكن قد وطأها ولا مسها بشهوة جاز للوالد أن يأخذها ويطأها بعد أن يقومها على نفسه قيمة عادلة ويضمن قيمتها في ذمته (5). وقال في الاستبصار: يجوز ذلك إذا كان الولد صغيرا ويكون هو القيم بأمره والناظر في أمواله فيجري مجرى الوكيل فيجوز له أن يقومها على نفسه (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 343 ح 961، وسائل الشيعة: ب 78 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 194.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 343 ح 962، وسائل الشيعة: ب 78 من أبواب ما يكتسب به ج 12 ج 195 ح 2.
(3) راجع تهذيب الأحكام: ج 6 ص 343، وسائل الشيعة: ب 78 من أبواب ما يكتسب به ج 12 ص 194 إلى 198.
(4) المقنع: ص 124 - 125. (5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 94.
(6) الاستبصار: ج 3 ص 50 - 51 ذيل الحديث 165.

[ 33 ]

وقال ابن إدريس: هذا هو الصحيح الذي عليه الاجماع (1). وقال الصدوق في المقنع: ليس له أن يقع على جارية ابنته بغير إذنها، وله أن يقع على جارية ابنه بغير إذنه ما لم يكن مسها الإبن (2). احتج الشيخ على مذهبه في النهاية بحديث محمد بن مسلم في الصحيح، وقد سبق. وبما رواه إسحاق بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الوالد يحل له من مال ولده إذا احتاج إليه؟ قال: نعم، وإن كان له جارية فأراد أن ينكحها قومها على نفسه ويضمن ويعلن بذلك، قال: وإذا كان للرجل جارية فأبوه أملك بها أن يقع عليها ما لم يمسها الإبن (3). قال الشيخ في الاستبصار: إنه يحتمل شيئين: أحدهما: ما لم يمسها وإن كان صغيرا مولى عليه، لأنه إن مسها الإبن وهو غير بالغ حرمت على الأب. والآخر: إذا حملناه على البالغ أن يحمل على أن الأولى والأفضل للولد أن يصير إلى ما يريد والده وإن لم يكن واجبا، ثم قال: وأما ما رواه الحسن بن محبوب قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا - عليه السلام - إنى كنت وهبت لابنة لي جارية حيث زوجتها فلم تزل عندها وفي بيت زوجها حتى مات زوجها فرجعت إلي هي والجارية أيحل لي أن أطأ الجارية؟ قال: قومها قيمة عادلة وأشهد على ذلك ثم إن شئت تطأها. قال: فالوجه في هذه الرواية أن يقومها برضى منها، لأن البنت ليس تجري مجرى الإبن في أنه تحرم الجارية على الأب في بعض الأوقات إذا وطأها أو نظر منها إلى ما لا يحل لغير مالكه النظر إليه، لأن

(1) السرائر: ج 2 ص 209.
(2) لم نعثر عليه.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 50 ح 164، وسائل الشيعة: ب 79 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 198.

[ 34 ]

ذلك مفقود في البنت، بل متى ما رضيت كان ذلك جائزا (1). واعلم أن ابن إدريس لا يخلو كلامه من تناقض، لأنه منع الاقتراض من الولد ثم صوب قول الشيخ في الاستبصار: أنه إذا كان الولد صغيرا جاز للأب أن يقوم الجارية ويضمن قيمتها في ذمته (2)، وهذا نوع اقتراض، وله أن يفرق بأن البيع نسبة مغاير للقرض. والحق أن هذا الفرق غير واف للمطلوب. مسألة: قال الشيخ في النهاية: والوالدة لا يجوز لها أن تأخذ من مال ولدها شيئا، إلا على سبيل القرض على نفسها (3). وتبعه ابن البراج (4)، وهو قول علي ابن بابويه. ومنع ابن إدريس من ذلك لقوله - عليه السلام -: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه) ولأن التصرف في مال الغير بغير إذنه قبيح عقلا وشرعا (5). مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز التصرف في أموال اليتامى إلا لمن كان وليا لهم أو وصيا قد أذن له في التصرف في أموالهم، فمن كان وليا يقوم بأمرهم وبجمع أموالهم وسد خلاتهم وجمع غلاتهم ومراعاة مواشيهم جاز له أن يأخذ من أموالهم قدر كفايته وحاجته من غير إسراف ولا تفريط (6). وقال في الخلاف (7) والتبيان (8): له أقل الأمرين إن كانت كفايته أقل

(1) الاستبصار: ج 3 ص 51 ذيل الحديث 165 وح 166 وذيله.
(3) السرائر: ج 2 ص 208 - 209.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 94.
(4) المهذب: ج 1 ص 349.
(5) السرائر: ج 2 ص 209.
(6) النهاية ونكتها: ج 2 ص 95.
(7) الخلاف: ج 3 ص 179 المسألة 295.
(8) التبيان: ج 3 ص 119 - 120.

[ 35 ]

من أجرة المثل فله قدر الكفاية دون الأجرة، وإن كانت أجرة المثل أقل من كفايته فله الأجرة دون الكفاية. وقال في المبسوط: الولي إذا كان فقيرا جاز له أن يأكل من مال اليتيم أقل الأمرين من كفايته أو أجرة مثله، ولا يجب عليه قضاؤه، لقوله تعالى: (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) (1). وقال ابن إدريس: الذي يقوى في نفسي أن له قدر كفايته كيف ما دارت القضية، لقوله تعالى: (فليأكل بالمعروف) فالملتزم بظاهر التنزيل هو الواجب دون ما سواه، هذا إذا كان القيم بأمورهم فقيرا، وإن كان غنيا لم يجز له أخذ شئ من أموالهم لا قدر الكفاية ولا أجرة المثل (2). والوجه عندي أن له أجرة المثل، سواء كان غنيا أو فقيرا. نعم يستحب للغني تركه، وهو قول الشيخ في آخر باب التصرف في أموال اليتامى (3)، وبه قال ابن الجنيد فإنه قال في كتاب القضاء: ولا يختار أن يكون الوصي إلا من استكملت فيه خصال العدالة، والموسر أحب إلينا من المحتاج، ويكون للمحتاج من الأجرة على قدر قيامه لا على قدر حاجته. لنا: إنه فعل يصح المعاوضة عليه فاستحق فاعله الأجرة إذا لم يتبرع. ولأنه لولا ذلك لزم أحد الأمرين: وهو إما الاضرار باليتيم أو بالولي، وكلاهما منتف بالأصل، لأنا إن أوجبنا على الولي القيام مجانا تضرر الولي، وإن سوغنا ترك القيام تضرر اليتيم، وقوله تعالى: (ومن كان غنيا فليستعفف) (4) لا إشعار فيه بالوجوب، بل يدل بمفهومه على الأولوية.

(1) المبسوط: ج 2 ص 163.
(2) السرائر: ج 2 ص 211، وفيه: (فالتزم) بدل (فالملتزم).
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 96 - 97.
(4) النساء: 6.

[ 36 ]

مسألة: قال الشيخ: لو أتجر الولي للايتام نظرا لهم وشفقة عليهم كان الربح لهم والخسران عليهم، واستحب أن يخرج من جملته الزكاة (1). ومنع ابن إدريس من إخراج الزكاة، لعدم دليل عليه، ولأنه لا مصلحة لهم في الاخراج، إذ لا يستحقون به ثوابا ولا يدفعون به عقابا، فلا يجوز للولي فعله (2). وقد سبق البحث في ذلك. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لو أتجر الولي لنفسه وكان متمكنا في الحال من ضمان ذلك المال وغرامته إن حدث به حادث جاز ذلك وكان المال قرضا عليه، فإن ربح كان له، وإن خسر كان عليه، ويلزمه في ماله وحصته الزكاة كما يلزمه لو كان المال له ندبا واستحبابا (3). ومنع ابن إدريس من الاستقراض، سواء تمكن في الحال من الضمان والغرامة أو لا، لأنه أمين، والأمين لا يتصرف لنفسه في أمانته بغير خلاف، ولا يجوز له أن يتجر لنفسه بحال، وإنما أورد شيخنا ذلك إيرادا لا اعتقاد (4). والوجه أن الاقراض إن كان مصلحة لليتيم جاز له فعله، لأنه يجوز له أن يقرض غيره مع المصلحة فجاز أن يقرض معها، لأن مناط الجواز حصول المصلحة، وإذا اقترض خرج عن كونه أمينا في ذلك المال، والاجماع غير مناف لذلك. مسألة: قال الشيخ: ومتى كان لليتامى على إنسان مال جاز لوليهم أن يصالحه على شئ يراه صلاحا في الحال ويأخذ الباقي، وتبرأ بذلك ذمة من كان عليه المال (5).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 95.
(2) السرائر: ج 2 ص 212.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 95 - 96. (4) السرائر: ج 2 ص 212.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 96.

[ 37 ]

وقال ابن إدريس: أما الولي فجائز له مصالحة ذلك الغريم إذا رأى ذلك صلاحا للايتام؟ لأنه ناظر في مصلحتهم، وهذا من ذاك إذا كان لهم فيه صلاح، فأما من عليه المال فإن ذمته لا تبرأ إن كان جاحدا مانعا وبذل دون الحق وأنكر الحق ثم صالحه الولي على ما أقر له به أو أقر بالجميع وصالحه على بعض منه فلا تبرأ بذلك ذمته، ولا يجوز للولي إسقاط شئ منه بحال، لأن الولي لا يجوز له إسقاط شئ من مال اليتيم، لأنه نصب لمصالحه واستيفاء حقوقه لا لإسقاطها، فيحمل ما ورد من الأخبار وما ذكره بعض أصحابنا على ما قلناه: من أنه إذا رأى الصلاح الولي في مصالحة الغريم فيما فيه لليتيم الحظ فجاز له ذلك، ولا يجوز فيما عداه فيما ليس له الحظ والصلاح فيه (1). وهذا القول جيد، لكن كلام الشيخ لا ينافي ذلك، لأنه قال: يجوز للولي أن يصالح على شئ يراه صلاحا (2)، فهو عين ما قاله ابن إدريس.

(1) السرائر: ج 2 ص 213.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 96.

[ 38 ]

الفصل الثاني في الاحتكار والتلقي مسألة: اختلف علماؤنا في الاحتكار هل هو محرم أو مكروه؟ قال الصدوق في مقنعه: إنه حرام (1)، وبه قال ابن البراج (2)، والظاهر من كلام ابن إدريس (3). وقال الشيخ في المبسوط (4)، والمفيد (5): إنه مكروه، وبه قال أبو الصلاح في المكاسب من كتاب الكافي (6)، وقال في فصل البيع: إنه حرام (7). والأقرب الكراهة. لنا: الأصل عدم التحريم. وما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يحتكر - إلى أن قال: - وإن كان الطعام لا يسع الناس فإنه يكره أن

(1) المقنع: ص 125.
(2) المهذب: ج 1 ص 346.
(3) السرائر: ج 2 ص 238 - 239.
(4) المبسوط: ج 2 ص 195.
(5) المقنعة: ص 616.
(6) الكافي في الفقه: ص 283.
(7) الكافي في الفقه: ص 360.

[ 39 ]

يحتكر الطعام ويترك الناس ليس لهم طعام (1). ولأن الانسان مسلط على ماله. احتج الآخرون بما رواه إسماعيل بن أبي زياد، عن الصادق - عليه السلام - عن الباقر - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: لا يحتكر الطعام إلا خاطئ (2). وعن ابن القداح، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: الجالب مرزوق والمحتكر ملعون (3). وعن السكوني، عن الصادق - عليه السلام - قال: الحكرة في الخصب أربعون يوما، وفي الشدة والبلاء ثلاثة أيام، فما زاد على الأربعين يوما في الخصب فصاحبه ملعون، وما زاد في العسر على ثلاثة أيام فصاحبه ملعون (4). ولأن الاجبار على البيع يستلزم التحريم. والجواب عن الحديث الأول: إنه لا يدل على التحريم، والحديثان الآخران ممنوعا السند، والاجبار في البيع لا يوجب تحريم الاحتكار. مسألة: قال الشيخ في النهاية: الاحتكار: هو حبس الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن عن البيع، ولا يكون الاحتكار في شئ سوى هذه الاجناس (5). وتبعه ابن إدريس (6)، وابن البراج إلا أنه قال: وقد ورد ذكر

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 160 ح 708، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب آداب التجارة ح 2 ج 12 ص 313.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 159 ح 701، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب آداب التجارة ح 8 ج 12 ص 314. (3) الاستبصار ج 3 ص 114 ح 404، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب آداب التجارة ح 3 ج 12 ص 313.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 159 ح 703، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب آداب التجارة ح 1 ج 12 ص 312.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 114.
(6) السرائر: ج 2 ص 238.

[ 40 ]

الزيت (1). وقال المفيد: الحكرة احتباس الأطعمة (2). وقال أبو الصلاح: يكره احتكار الغلات (3). وقال الصدوق في المقنع: الحكرة تكون في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن والزيت (4). وقال الشيخ في المبسوط: الاقوات التي يكون فيها الاحتكار: الحنطة والشعير والتمر والزبيب والملح والسمن (5)، وبه قال ابن حمزة (6). وأجود ما وصل إلينا في هذا الباب ما رواه غياث بن إبراهيم في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - قال: ليس الحكرة إلا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن (7). وحينئذ يبقى ما عداه على الأصل. مسألة: قال الشيخ: حد الاحتكار في الغلاء وقلة الأطعمة ثلاثة أيام، وفي الرخص وحال السعة أربعون يوما (8). وتبعه ابن البراج (9). وقال المفيد: الحكرة احتباس الأطعمة مع حاجة أهل البلد إليها وضيق الأمر عليهم فيها وذلك مكروه، فإن كانت الغلات واسعة وهي موجودة في

(1) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(2) المقنعة: ص 616.
(3) الكافي في الفقه: ص 283.
(4) لم نعثر عليه في المقنع وذكرها رواية في من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 265 ح 3954.
(5) المبسوط: ج 2 ص 195.
(6) الوسيلة: ص 260.
(7) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 159 ح 704، وسائل الشيعة: ب من أبواب آداب التجارة ح 4 ج 12 ص 313.
(8) النهاية ونكتها: ج 2 ص - 116.
(9) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.

[ 41 ]

البلد على كفاية أهله لم يكره احتباس الغلات (1). واحتج الشيخ بما رواه السكوني، عن الصادق - عليه السلام - قال: الحكرة في الخصب أربعون يوما، وفي الشدة والبلاء ثلاثة أيام، فما زاد على الأربعين يوما في الخصب فصاحبه ملعون، وما زاد في العسر على ثلاثة أيام فصاحبه ملعون (2). احتج المفيد بما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يحتكر الطعام ويتربص به هل يجوز ذلك؟ فقال: إن كان الطعام كثيرا يسع الناس فلا بأس به، وإن كان الطعام قليلا لا يسع الناس فإنه يكره أن يحتكر الطعام ويترك الناس، ليس لهم طعام (3). وقول المفيد جيد، وروايته أوضح طريقا. مسألة: اختلف الشيخان في التسعير، فقال المفيد: وللسلطان أن يسعرها على ما يراه من المصلحة، ولا يسعرها بما يخسر أربابها فيها (4). وقال الشيخ: لا يجوز له أن يجبره على سعر بعينه، بل يبيعه بما يرزقه الله تعالى (5)، وبه قال ابن البراج (6)، وابن إدريس (7). وقال ابن حمزة: لا يسعر إلا إذا تشدد، وإن خالف أحد في السوق بزيادة

(1) المقنعة: ص 616.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 159 ح 703، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب آداب التجارة ح 1 ج 12 ص 312.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 160 ح 708، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب آداب التجارة ح 2 ج 12 ص 313.
(4) المقنعة: ص 616.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 114 - 115.
(6) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(7) السرائر: ج 2 ص 239.

[ 42 ]

أو نقصان لم يعترض عليه (1)، وهو الاجود. لنا: على عدم التسعير مع عدم التشدد أنه حكم عليه في ماله، فلا يسوغ لما فيه من التسلط علما أكل مال الغير بغير رضاه. وما رواه الحسين بن عبد الله بن ضمرة، عن أبيه، عن جده، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام - قال: رفع الحديث إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - أنه مر بالمحتكرين فأمر بحكرتهم أن تخرج إلى بطون الاسواق وحيث تنظر الابصار إليها، فقيل لرسول الله - صلى الله عليه وآله -: لو قومت عليهم، فغضب - عليه وآله السلام - حتى بأن عرق الغضب في وجهه فقال: أنا أقوم عليهم! إنما السعر إلى الله يرفعه إذا شاء ويخفضه إذا شاء (2). وأما التسعير حالة التشدد فلأنه لولاه لانتفت فائدة الجبر، إذ بدونه يمنع المالك من البيع إلا بأضعاف ثمنه، فلو سوغناه انتفت الحكمة في الزامه بالبيع. مسألة: قال الشيخان: التلقي مكروه (3). وقال ابن البراج: إنه محرم (4)، وتابعه ابن إدريس (5)، وهو قول أبي الصلاح (6). ونقل (7) عن الشيخ في المبسوط تحريم ذلك، والشيخ - رحمه الله - لم يصرح فيه

(1) الوسيلة: ص 260 (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 161 ح 713، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب آداب التجارة ح 1 ج 12 ص 317.
(3) المقنعة: ص 616، النهاية ونكتها: ج 2 ص 116.
(4) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(5) السرائر: ج 2 ص 238.
(6) الكافي في الفقه: ص 360. فقد صرح بالكراهة فقال: ويكره تلقى الركبان...
(7) نقله عنه في السرائر: ج 2 ص 238.

[ 43 ]

بالتحريم، بل قال: لا يجوز تلقي الجلب (1)، وكذا قال في الخلاف (2). وكثيرا ما يستعمل لفظة (لا يجوز) في المكروه، مع أنه قد صرح به في النهاية بالكراهة (3). والوجه الأول. لنا: الأصل الإباحة. احتج القائلون بالتحريم بما رواه منهال القصاب، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال: لا تلق ولا تشتر ما يتلقى ولا تأكل منه (4). وعن عروة بن عبد الله، عن الباقر - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: لا يتلق أحدكم تجارة خارجا من المصر، ولا يبيع حاضر لباد، والمسلمون يرزق الله بعضهم من بعض (5). والجواب: النهي كما يدل على التحريم فكذا يدل على الكراهة. مسألة: المشهور أن حد التلقي أربعة فراسخ فما دون، قاله الشيخان (6)، وأبو الصلاح (7)، وابن البراج (8). وقال ابن حمزة: التلقي استقبال المتاجر والمتاع إلى خارج البلد دون أربعة فراسخ (9).

(1) المبسوط: ج 2 ص 160.
(2) الخلاف: ج 3 ص 172 ذيل المسألة 282.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 116. (4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 158 ح 696، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب آداب التجارة ح 2 ج 12 ص 326.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 158 ح 697، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب آداب التجارة ح 5 ج 12 ص 326 وذيله في ب 37 من أبواب آداب التجارة ح 1 ج 12 ص 327.
(6) المقنعة: ص 616، النهاية ونكتها: ج 2 ص 116 وليس فيها (فما دون).
(7) الكافي في الفقه: ص 360.
(8) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(9) الوسيلة: ص 260.

[ 44 ]

لنا: ما رواه منهال القصاب قال: قلنا له: ما حد التلقي؟ قال: روحة (1). احتج ابن حمزة بما رواه منهال القصاب قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: لا تلق، فإن رسول الله - صلى الله عليه وآله - نهى عن التلقي، قلت: وما حد التلقي؟ قال: ما دون غدوة أو روحة، قلت: وكم الغدوة والروحة؟ قال: أربع فراسخ. قال ابن أبي عمير: وما فوق ذلك ليس بتلقي (2). والجواب: لا منافاة بينهما، فإن ما دون الغدوة أو الروحة يصدق بجزء ما لا يتجزأ مع أنه غير معتبر. مسألة: قال ابن إدريس: التلقي محرم، والبيع صحيح، ويتخير البائع (3). وقال ابن الجنيد: لا يمضي بيع من يتلقى الركبان خارجا من المصر بأربع فراسخ، وقد بينا نحن أنه مكروه. إذا ثبت هذا فنقول: البيع صحيح، ولا يتخير البائع مطلقا، بل مع ثبوت الغبن الفاحش، أما صحة البيع فللأصل الدال عليه السالم عن معارضة كون النهي عن التلقي الذي هو خارج عن عقد البيع مانعا من البيع، وأما ثبوت الخيار مع الغبن فللإجماع عليه، وأما انتفاؤه عدمه فللعمل بمقتضى أصل البيع وهو اللزوم في ماله ما لم يظهر مناف، والتقدير عدمه. مسألة: النجش - وهو الزيادة لزيادة من واطأه البائع - حرام، لكن لا يبطل البيع بمجرده، نعم يبت الخيار مع الغبن. وقال ابن الجنيد: النجش في البيوع يجري مجرى الغش والخديعة وهو

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 158 ح 698، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب آداب التجارة ح 4 ج ص 326.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 158 ح 699، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب آداب التجارة ح 1 ج 12 ص 326.
(3) السرائر: ج 2 ص 237.

[ 45 ]

يبطلها إذا كان من البائع، فإن كان من الواسطة لزم البيع ولزمه الدرك في الضرر إذا دخله على المشتري. وقال في الخلاف: يصح البيع، وللمشتري الخيار، لأنه عيب، وأطلق، ثم قال: وإن قلنا: إنه لا خيار له، لأن العيب ما يكون بالمبيع وهذا ليس كذلك كان قويا (1). وقال في المبسوط: إن كان النجش من غير أمر البائع ومواطاته فلا خيار له، لأنه لا يفسخ عليه البيع بفعل غيره، وإن كان بأمره [ ومواطاته اختلف فيه ] فمنهم من قال: لا خيار له، ومنهم من قال: له الخيار لأنه تدليس، والأول أقوى (2). وقال ابن البراج: له الخيار، لأنه تدليس لا يجوز، وكان الشيخ أبو جعفر يقول: بأنه لا خيار له. قال: وما ذكرناه أظهر (3). والأقرب صحة البيع مع ثبوت الخيار مع الغبن، سواء كان من الواسطة أو من البائع. لنا: الأصل صحة البيع، وعروض النجش له لا يقتضي فسادا في عقد البيع وثبوت الخيار لما تقدم.

(1) الخلاف: ج 3 ص 171 - 172 المسألة 280.
(2) المبسوط: ج 2 ص 159.
(3) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.

[ 46 ]

الفصل الثالث في الآداب مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا نادى المنادى على المتاع فلا يزيد في المتاع، فإذا سكت المنادي زاد حينئذ إن شاء (1). وقال في المبسوط: وأما السوم على سوم أخيه فهو حرام، لقوله - عليه السلام -: (لا يسوم الرجل على سوم أخيه) هذا إذا لم يكن المبيع في المزايدة، فإن كان كذلك فلا تحرم المزايدة (2). وقال ابن إدريس: هذا هو الصحيح دون ما ذكره قي النهاية، لأن ذلك على ظاهره غير مستقيم، لأن الزيادة في حال النداء غير محرمة ولا مكروهة، وأما الزيادة المنهي عنها هي عند الانتهاء، وسكون نفس كل واحد من البيعين على البيع بعد استقرار الثمن والأخذ والشروع في الايجاب والقبول وقطع المزايدة فعند هذه الحالة لا يجوز السوم على سوم أخيه، لأن السوم في البيع هو الزيادة في الثمن بعد قطعه والرضا به بعد حال المزايدة وانتهائها وقبل الايجاب والقبول، لقوله - عليه السلام -: (لا يسوم الرجل على سوم أخيه) (3).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 113.
(2) المبسوط: ج 2 ص 160.
(3) السرائر: ج 2 ص 235.

[ 47 ]

أقول: ليس بعيدا من الصواب حمل كلام الشيخ في النهاية على أن المنادى إذا سكت ولم يرض البائع بالعطية يجوز حينئذ الزيادة، وقد روى الشعيري، عن الصادق - عليه السلام - أنه كان يقول: إذا نادى المنادى فليس لك أن تزيد، فإذا سكت فلك أن تزيد، وإنما تحرم الزيادة والنداء يسمع ويحلها السكوت (1). مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز للرجل أن يدخل في سوم أخيه المؤمن (2). وقال في المبسوط: وأما السوم على سوم أخيه فهو حرام (3)، وتبعه ابن إدريس، لقوله - عليه السلام -: (لا يسوم الرجل على سوم أخيه) (4). والأقرب عندي الكراهة. لنا: الأصل، والحديث الذي نقله الشيخ لا يحضرني الآن حال رواته. قال الشيخ: وكذا يحرم إذا باع إنسان من غيره شيئا وهما في المجلس فلكل واحد منهما الخيار في الفسخ، فجاء آخر يعرض على المشتري سلعة مثل سلعته بأقل منها أو خيرا منها ليفسخ ما اشتراه ويشترى منه سلعة فهذا محرم، غير أنه متى فسخ الذي اشتراه انفسخ، وإذا اشترى الثاني كان صحيحا. قال: وإنما قلنا: إنه حرام، لقوله - عليه السلام -: (لا يبيعن أحدكم على بيع أخيه) قال: وكذا الشراء قبل البيع محرم، وهو أن يعرض على البائع أكثر من الثمن الذي باعه به فإنه حرام، لأن أحدا لم يفرق بين المسألتين (5)، وتبعه ابن

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 227 ح 994، وسائل الشيعة: ب 49 من أبواب التجارة ح 1 ج 12 ص 337.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 113.
(3) المبسوط: ج 2 ص 160.
(4) السرائر: ج 2 ص 235.
(5) المبسوط: ج 2 ص 159 - 160.

[ 48 ]

إدريس (1). وفي التحريم عندي نظر. مسألة: قال الشيخ في النهاية: يكره أيضا أن يبيع حاضر لباد، لقلة بصيرته بما يباع في البلاد، فإن لم يكن شئ من ذلك محظورا لكن ذلك من المسنونات (2). وقال في الخلاف: لا يجوز بيع حاضر لباد، سواء كان بالناس حاجة إلى ما معه أو لم يكن بهم حاجة، فإن خالف أثم، لعموم الخبر في النهي عن ذلك من قوله - عليه السلام -: (لا يبيعن حاضر لباد) (3). وقال في المبسوط: لا يجوز أن يبيع حاضر لباد - ومعناه: أن يكون سمسارا له - بل يتركه أن يتولى بنفسه ليرزق الله بعضهم من بعض، فإن خالف أثم وكان بيعه صحيحا، وينبغي أن يتركه في المستقبل. هذا إذا كان ما معهم يحتاج أهل الحضر إليه وفي فقده إضرار لهم، وأما إذ لم يكن بهم حاجة ماسة إليه فلا بأس أن يبيع له، فأما المتاع الذي يحمل من بلد إلى بلد ليبيعه السمسار ويستقصي في ثمنه ويتربص فإن ذلك جائز، لأنه لا مانع منه، وليس كذ لك في البادية (4). وقال ابن حمزة: وللسمسار أن يبيع متاع البدوي في الحضر ويستقصي في بيعه، وليس له أن يبيع لباد في البلد (5). وقال ابن البراج في المهذب (6) كقول الشيخ في المبسوط. وقال ابن إدريس: هذا هو الصحيح الذي لا خلاف فيه بين العلماء من

(1) السرائر: ج 2 ص 235.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 116.
(3) الخلاف: ج 3 ص 172 المسألة 281.
(4) المبسوط: ج 2 ص 160.
(5) الوسيلة: ص 260 وفيه: (البدو).
(6) لم نعثر عليه ونقله عنه في السرائر: ج 2 ص 236.

[ 49 ]

الخاص والعام، وبين مصنفي غريب الأحاديث من أهل اللغة كالمبرد وأبي عبيدة وغيرهما، فإن المبرد ذكر ذلك في كامله، فلا يتوهم متوهم أن المراد بقوله - عليه السلام -: (لا يجوز أن يبيع حاضر لباد) معناه: لا يبيع الحاضر للبادي، أو لا يبيع الحاضر على البادي. قال: وهذا لا يقوله من له أدنى تحصيل، فإني شاهدت بعض متفقهة أصحابنا وقد اشتبه عليه ذلك وقال: المراد به ما أوردته أخيرا: من أنه لا يبيع حاضر شيئا على باد، وهذا غاية الخطأ ومن أفحشه، وهل يمنع من أن يبيع حاضر على البادي أحد من المسلمين؟! ولو أراد ذلك - عليه السلام - لما قال: (ولا يجوز أن يبيع حاضر لباد) بل كان يقول: (ولا يجوز أن يبيع حاضر على باد) فلما قال: (لباد) دل عليه أنه لا يكون سمسارا له. قال: ووجدت بعض المصنفين قد ذكر في كتاب له قال: (نهي أن يبيع حاضر لباد) ومعنى هذا النهي - والله أعلم - معلوم من ظاهر الخبر: وهو الحاضر للبادي، يعني: متحكما عليه في البيع بالكره، أو بالرأي الذي يغلب به عليه - يريد أن ذلك نظر له -، أو يكون البادي يوليه عرض سلعته فيبيع دون رأيه، وما أشبه ذلك. فأما إن دقع البادي سلعته إلى الحاضر ينشرها للبيع ويعرضها ويستقصي ثمنها ثم يعرفه مبلغ الثمن فيلي البادي البيع بنفسه أو يأمر من يلي ذلك له بوكالته فذلك جائز، وليس في هذا من ظاهر النهي شئ، لأن ظاهر النهي إنما هو أن يبيع الحاضر للبادي، فإذا باع البادي بنفسه فليس هذا من ذلك بسبيل كما يتوهمه من قصر فهمه، قال: هذا آخر الكلام أحببت ايراده هنا ليوقف عليه، فإنه كلام محصل سديد في موضعه. فأما المتاع الذي يحمل من بلد إلى بلد ليبيعه السمسار ويستقصي في ثمنه ويتربص فإن ذلك جائز، لأنه لا مانع منه، وليس كذلك في البادية (1).

(1) السرائر: ج 2 ص 236 - 237.

[ 50 ]

وهذا الكلام على طوله خال عن الفائدة والتحصيل، وإنما البحث في مقامين: الأول: في التحريم والكراهة، والأقرب عندنا الكراهة عملا بالأصل. احتج المحرمون بالنهي. والجواب: المنع من صحة السند، وحمل النهي على الكراهة. والثاني: في تفسيره، والمراد ما ذكره الشيخ في مبسوطه لا ما استحسنه ابن إدريس من كلام الفاضل الذي نقله عنه، لما رواه عروة بن عبد الله، عن الباقر - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: لا يتلق أحدكم تجارة خارجا من المصر، ولا يبيع حاضر لباد، والمسلمين يرزق الله بعضهم من بعض (1). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: نهى النبي - صلى الله عليه وآله - عن بيعتين في بيعة، قال: وقيل: إنه يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون المراد أنه إذا قال: بعتك هذا الشئ بألف درهم نقدا أو بألفين نسيئة فأيهما شئت خذه فإنه لا يجوز، لجهالة الثمن، الثاني: أن يقول: بعتك عبدي هذا بألف على أن تبيعني دارك هذه بألف فهذا أيضا لا يصح، لأنه للا يلزمه بيع داره، ولا يجوز أن يثبت في ذمته، لأن السلف في بيع الدار لا يصح (2). وتبعه ابن إدريس (3). والأقرب عندي الحمل على الأول وصحة الثاني، فقول الشيخ ليس بجيد، لأن بيع الدار هنا لازم باعتبار اشتراطه في عقد لازم وإن لم يكن لازما في نفس الأمر لولاه.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 158 ح 697، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب آداب التجارة ح 5 ج 12 ص 326 وب 37 ح 1 ج 12 ص 327.
(2) المبسوط: ج 2 ص 159.
(3) السرائر: ج 2 ص 240.

[ 51 ]

الفصل الرابع في عقد البيع وشرائطه مسألة: قال الشيخ في المبسوط: البيع هو انتقال عين مملوكة من شخص إلى غيره بعوض مقدر على وجه التراضي (1)، وتبعه ابن إدريس (2) على ذلك. وقال ابن حمزة: البيع عقد على انتقال عين مملوكة أو ما هو في حكمها من شخص إلى غيره بعوض مقدر على وجه التراضي (3). والأقرب قول ابن حمزة. لنا: إنه المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق فيكون حقيقة فيه. مسألة: لا بد في عقد البيع من الايجاب والقبول، ولا تكفي المعاطاة في العقد، ذهب إليه أكثر علمائنا. وللمفيد قول يوهم الجواز فإنه قال: والبيع ينعقد على تراض بين الإثنين فيما يملكان التبايع له إذا عرفاه جميعا وتراضيا بالبيع وتقابضا وافترقا بالأبدان (4). وليس في هذا تصريح بصحته، إلا أنه موهم. لنا: الأصل بقاء الملك على مالكه وعدم الانتقال عنه، إلا بسبب يثبت

(1) المبسوط: ج 2 ص 76.
(2) السرائر: ج 2 ص 240.
(3) الوسيلة: ص 236. (:) المقنعة: ص 591.

[ 52 ]

اعتباره شرعا، فلم يثبت في المعاطاة. مسألة: وفي اشتراط تقديم الايجاب على القبول قولان أشهرهما ذلك، اختاره الشيخ في المبسوط قال: وإن تقدم القبول فقال: نعنيه بألف فقال: بعتك صح، ثم قال: والأقوى عندي أنه لا يصح حتى يقول المشتري بعد ذلك: اشتريت (1)، وهو قول ابن حمزة (2)، وابن إدريس (3). وقال في الخلاف كقوله في المبسوط: من أنه لا يصح إذا قال: بعنيه فقال: بعتك حتى يقول المشتري بعد ذلك: اشتريت. ونقل عن أبي حنيفة إن كان القبول بلفظ الخبر مثل: اشتريت منك وابتعت منك صح، وإن كان بلفظ الأمر لم يصح، واستدل بالاجماع على صحة ما اعتبره، وعدم دليل على خلافه (4). قال ابن البراج: يجوز تقديم القبول على الايجاب (5). لنا: الأصل بقاء الملك على مالكه (6)، فلا ينتقل عنه إلا بسبب شرعي، ولم يثبت كون العقد المتقدم فيه القبول سببا شرعيا فيبقى على الأصل. احتج بأنه يجوز تقديم القبول في النكاح على الايجاب فكذا في البيع، لأن الأصل اعتبار الرضا من المتبايعين، والألفاظ دالة عليها، فلا عبرة بالترتيب. والجواب: المنع من المساواة بين النكاح والبيع، وإنما سوغنا في النكاح، لضرورة لم توجد في البيع وهي الحياء الحاصل للمرأة، فلا تبادر إلى تقديم

(1) المبسوط: ج 2 ص 87.
(2) الوسيلة: ص 237.
(3) السرائر: ج 2 ص 250.
(4) الخلاف: ج 3 ص 39 المسألة 56.
(5) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(6) م (2): بائعه.

[ 53 ]

الايجاب، فلهذا جوزنا تقديم القبول، بخلاف البيع، والرضا وحده غير كاف، بل لا بد من اتحاد الالفاظ التي هي صلب العقد. مسألة: ولا بد من الاتيان فيها بلفظ الماضي، مثل أن يقول: بعتك هذا بكذا فيقول المشتري: اشتريت، ولو أتى بلفظ الأمر أو الاستفهام لم يقع، اختاره الشيخ (1)، وابن حمزة (2). وقال ابن البراج في الكامل: لو قال المشتري: بعني هذا فقال البائع: بعتك انعقد (3). وفي المهذب: لو قال المشتري: بعني هذا فيقول البائع: بعتك صح (4). لنا: إنه لم يوجد القبول، لأنه لو تأخر عن الايجاب لم يصح البيع، فكذا إذا تقدم كلفظ الاستفهام. مسألة: شرط لزوم البيع الملك أو ما يقوم مقامه بالاجماع، وهل هو شرط الصحة؟ قولان، فلو باع مالا للغير من غير ولاية بل كان فضوليا صح ووقف على إجازة المالك، فإن أجازه المالك لزم البيع، وإن فسخه بطل، وهو اختيار الشيخ في النهاية (5)، ومذهب المفيد (6)، وابن الجنيد، وابن حمزة (7). وقال في الخلاف (8) والمبسوط (9): يقع البيع باطلا غير موقوف على الاجازة.

(1) المبسوط: ج 2 ص 87.
(2) الوسيلة: ص 237.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) المهذب: ج 2 ص 350.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 135.
(6) المقنعة: ص 606.
(7) الوسيلة: ص 236.
(8) الخلاف: ج 3 ص 168 المسألة 275.
(9) المبسوط: ج 2 ص 397.

[ 54 ]

قال في الخلاف: وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: ينعقد البيع ويقف على إجازة صاحبه، وبه قال قوم من أصحابنا (1). وتبعه ابن إدريس (2) في ذلك. لنا: إنه بيع صدر من أهله في محله فكان صحيحا، أما صدوره من أهله فلصدوره من بالغ عاقل مختار، ومن جمع هذه الصفات كان أهلا للايقاعات، وأما صدوره في محله فلأنه وقع على عين يصح تملكها وينتفع بها وتقبل النقل من مالك إلى غيره، وأما الصحة فلثبوت المقتضي السالم عن معارضة كون الشئ غير مملوك للعاقد غير مانع من صحة العقد، فإن المالك لو أذن قبل البيع لصح فكذا بعده، إذ لا فارق بينهما. وما رواه عروة بن الجعد البارقي أن النبي - صلى الله عليه وآله - أعطاه دينارا ليشتري به شاة فاشترى شاتين ثم باع إحداهما بدينار في الطريق، قال: فأتيت النبي - صلى الله عليه وآله - بالدينار والشاة، فأخبرته فقال: بارك الله لك في صفقة يمينك (3). احتج الشيخ بإجماع الفرقة، ومن خالف منهم لا يعتد بقوله. ولأنه لا خلاف في أنه ممنوع عن التصرف في ملك غيره، والبيع تصرف. وأيضا روى حكيم أن النبي - صلى الله عليه وآله - نهى عن بيع ما ليس عنده، وهذا نص. وروى عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وآله - أنه قال: لاطلاق إلا فيما يملك، ولا عتق إلا فيما يملك، ولا بيع إلا فيما يملك، فنفى النبي - صلى الله عليه وآله - البيع في غير الملك ولم يفرق (4).

(1) الخلاف: ج 3 ص 168 المسألة 275.
(2) السرائر: ج 2 ص 275.
(3) سنن الترمذي: ج 3 ص 559 ح 1258.
(4) الخلاف: ج 3 ص 168 المسألة 275.

[ 55 ]

ولأنه باع ما لم يقدر على تسليمه، فأشبه الطير في الهواء. والجواب: المنع من الاجماع مع وجود المخالف وهو من جملة المخالفين في ذلك، كما ذكره في النهاية، والمنع من التصرف في ملك الغير مسلم لكن إذا كان بغير إذنه، والإذن هنا موجود وهو الاجازة القائمة مقامه، والنهي عن بيع ما ليس عنده نقول بموجبه، فإنه متوجه على من باع سلعة غيره لنفسه لا للمالك ثم يمضي إلى المالك فيشتريها منه، أما على ما صورناه نحن من أنه يبيع مال غيره عن الغير فأن أمضاه مضى، وإلا فلا. وكذا قوله - عليه السلام -: (لا بيع إلا في ما يملك) مع أن النفي هنا ليس بمتوجه إلى حقيقة البيع بل إلى صفته، فيحمل على نفي اللزوم، ويمنع من تعذر التسليم، لأنه مع إجازة المالك يتمكن من التسليم، كما لو كان الطائر معتادا للعود فإنه يصح بيعه كذا هنا. تذنيب: لو ضم ما يملك إلى ما لا يملك وباعهما في عقد واحد. نفذ البيع في المملوك، إلا أن يختار المشتري الفسخ، ولو فسخ مالك الآخر البيع فيما يخصه كان في غير المملوك موقوفا على رضى المالك، فإن أجازه نفذ البيع، وإلا بطل، والخلاف هنا كما في الأول. مسألة: لو غصب شيئا وباعه فإن أمضاه المالك صح على ما قلناه، وإلا بطل، فإن هلك في يد المشتري تخير المالك في الرجوع على من شاء من الغاصب والمشتري، فإن رجع على المشتري رجع المشتري مع جهله على البائع بما غرمه من الثمن، وما غرمه عوضا عن المنافع التي لم يحصل له في مقابلتها نفع كقيمة الولد، وإن كان عالما بالغصب لم يكن له الرجوع بالثمن ولا غيره. والبحث في هذه المسألة يقع في مقامات: الأول: إذا رجع على المشتري العالم قال علماؤنا: لم يكن للمشتري الرجوع على الغاصب البائع، لأنه علم بالغصب فيكون دافعا للمال بغير عوض، وأطلقوا القول في ذلك.

[ 56 ]

والوجه عندي التفصيل، وهو أن الثمن إن كان موجودا قائما بعينه كان للمشتري الرجوع به، وإن كان تالفا فالحق ما قاله علماؤنا. لنا: إنه مع بقاء العين يكون متسلطا على أخذها، لعدم انتقالها عنه، إذ لا عقد يوجب الانتقال، فأن العقد الذي وقع كان باطلا. المقام الثاني: هل يضمن الغاصب القيمة بقيمته يوم الاتلاف أو بأعلى القيم؟ قال علماؤنا: بالثاني، وفي النهاية: يرجع بقيمته يوم غصبه إياه (1). والوجه الأول. لنا: إنها زيادة غير مضمونة مع بقاء العين فكذا مع تلفها. ولأنه في كل وقت مخاطب بأداء العين ومكلف بدفعها إلى المالك، والانتقال إلى القيمة إنما هو عند تعذر دفع العين. المقام الثالث: لو رجع على المشتري الجاهل بالعين والمنافع رجع المشتري على البائع بالثمن إجماعا، وأما المنافع التي استوفاها هل يرجع بها أم لا؟ قال في المبسوط: الأقوى أنه لا يرجع، لأنه غرم في مقابله نفع، فلا يرجع به على أحد (2). وقال بعض علمائنا: له الرجوع، لأنه مغرور فكان الضمان على الغار، كما لو قدم إليه طعام الغير فأكله مع الجهل فإنه إذا رجع على الآكل رجع الآكل على الأمر، لجهله وتغرير الأمر له. وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى في باب الغصب. المقام الرابع: قال الشيخ في النهاية: من غصب من غيره متاعا وباعه من غيره ثم وجده صاحب المتاع المشتري كان له انتزاعه من يده، فإن لم يجده حتى هلك في المبتاع رجع على الغاصب بقيمته يوم غصبه إياه (3).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 178 - 179.
(2) المبسوط: ج 3 ص 71.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 178 - 179.

[ 57 ]

وقال ابن إدريس: هذا القول غير واضح، بل المعتمد الضمان بأعلى القيم (1). وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. المقام الخامس: لو اختلف في قيمة المتاع قال الشيخ في النهاية: القول قول صاحبه مع اليمين (2). والحق أن القول قول الغارم. لنا: الأصل براءة الذمة، ولأنه منكر، وسيأتي. المقام السادس: قال في النهاية: لو أمضى المغصوب منه البيع لم يكن له بعد ذلك درك على المبتاع، وكان له الرجوع على الغاصب بما قبضه من الثمن (3). وفيه نظر، فإن إمضاء البيع لا يوجب الاجازة في قبض الثمن، فحينئذ للمالك مطالبة المشتري بالثمن، سواء كان قد دفعه إلى الغاصب أو لا، نعم لو أجاز القبض كان ما قاله الشيخ جيدا. مسألة: للوكيل أن يبيع مال الموكل على نفسه، وكذا كل من له الولاية كالأب والجد والوصي والحاكم وأمينه. وقال الشيخ في المبسوط (4) والخلاف (5): لا يجوز لغير الأب والجد، نعم لو وكله على ذلك صح. وقال أبو الصلاح بما اخترناه، قال: ويكره لمن سأله غيره أن يبتاع له متاعا أن يبيعه من عنده أو يبتاع منه ما سأله بيعه له، وليس بمحرم (6). مع أنه يحتمل أن يكون قصد مع الاعلام. لنا: إنه بيع مأذون فيه فكان سائغا. وأما المقدمة الأولى: فإنه مأمور ببيعه

(1) السرائر: ج 2 ص 326.
(2) و (3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 180.
(4) المبسوط: ج 2 ص 381.
(5) الخلاف: ج 3 ص 346 المسألة 9.
(6) الكافي في الفقه: ص 360.

[ 58 ]

لكل مالك دافع للثمن، والوكيل كذلك ويدخل تحت الإذن. وأما الثانية: فظاهرة، كما لو نص له على البيع من نفسه. احتج الشيخ أنه لا دليل على الصحة. والجواب: الدليل ما تقدم، وعموم قوله تعالى: (وأحل الله البيع) (1). قال الشيخ: وكذلك لا يجوز له أن يشتري مال الموكل لابنه الصغير، لأنه يكون في ذلك البيع قابلا موجبا فتلحقه التهمة ويتضاد الغرضان، وكذلك لا يجوز أن يبيعه من عبده المأذون له في التجارة، لأنه وإن كان القابل غيره فالملك يقع له فتلحقه التهمة فيه ويبطل الغرضان (2). والحق عندي الجواز في ذلك كله، وكونه موجبا قابلا لا استحالة فيه، لأنه موجب باعتبار كونه بائعا وقابل باعتبار كونه مشتريا، وإذا اختلف الاعتبار ان لم يلزم المحال ثم ينتقض بيع والأب والجد مال الصبي من نفسهما لنفسهما، ولحوق التهمة متطرق في حقهما. مسألة: لا يصح بيع الصبي وإن بلغ عشرا عاقلا، سواء أذن له الولي أو لا، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. والمملوك يصح بيعه وشراؤه إذا أذن له المولى، ولو أمره أجنبي أن يبتاع له نفسه من مولاه جاز، وقيل: لا يجور (3). لنا: إنه عاقل يصح أن يكون وكيلا بإذن مولاه فصح هذا العقد، إذ بيع مولاه له رضاء منه بالتوكيل عن الغير، وايقاع العقد منه وكونه محلا للعقد غير متنافيين. مسألة: لا يجوز أن يشتري الكافر عبدا مسلما، فإن اشتراه كان باطلا،

(1) البقرة: 275.
(2) المبسوط: ج 2 ص 381.
(3) شرائع الاسلام: ج 2 ص 14.

[ 59 ]

وقيل: يجوز ويجبر على بيعه من مسلم (1)، واختار الشيخ الأول (2)، وهو الحق. لنا: قوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) (3) ودخوله في ملكه أعظم السبيل. احتج الآخرون بأن للكافر أهلية التملك، والعبد المسلم يصح تملكه وقد وجد العقد فتثبت صحة البيع. والسبيل ينتفي بإجباره على بيعه، كما لو أسلم الكافر تحت يد الكافر. والجواب: لا يكفي المقتضي مع وجود المانع في ثبوت الحكم، والمانع هنا موجود وهو إثبات السبيل للكافر على المسلم. مسألة: لو اشترى الكافر أباه المسلم قال الشيخ في المبسوط: لا يصح البيع ولا ينعتق عليه، لما تقدم من أن فيه إثبات السبيل على المسلم (4)، وتبعه ابن البراج (5). والأقرب عندي الجواز، وهو اختيار والدي - رحمه الله - والسبيل منتف بالعتق، لأنه في العقد لا سبيل له عليه، وفي الآن الثاني ينعتق عليه فينتفي السبيل. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: لا يجوز بيع رباع مكة وبيوتها ولا إجارتها (6)، وفيه نظر.

(1) شرائع الاسلام: ج 2 ص 16.
(2) المبسوط: ج 2 ص 167.
(3) النساء: 141.
(4) المبسوط: ج 2 ص 168.
(5) جواهر الفقه: ص 60 مسألة 222. (6) الخلاف: ج 3 ص 188 مسألة 316.

[ 60 ]

احتج الشيخ بقوله تعالى: (سواء العاكف فيه والباد) والمسجد اسم لجميع الحرم، لقوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى) وإنما أسرى به من بيت خديجة، وروي من شعب أبي طالب فسماه مسجدا، ولما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: بيع مكة حرام وحرام بيع رباعها وحرام أجر بيوتها، وللاجماع من الفرقة والأخبار (1).

(1) الخلاف: ج 3 ص 189 - 190 ذيل مسألة 316.

[ 61 ]

الفصل الخامس في الخيار مسألة: الظاهر من كلام الشيخ أن المشتري يملك بانقضاء الخيار لا بنفس العقد، قال في الخلاف: العقد يثبت بنفس الايجاب والقبول، فإن كان مطلقا فإنه يلزم بالافتراق بالأبدان، وإن كان مشروطا يلزم بانقضاء الشرط، فإن كان الشرط لهما أو للبائع فإذا انقضى الخيار ملك المشتري بالعقد المتقدم، فإن كان الخيار للمشتري وحده زال ملك البائع عن الملك بنفس العقد، لكنه لم ينتقل إلى المشتري حتى ينقضي مدة الخيار، فإذا انقضى ملك المشتري بالعقد الأول (1). وقال في المبسوط: الملك لا يلزم إلا بعد مضي مدة الخيار، وأما الحمل فلا حكم له، ومعناه: أن الثمن لا يتقسط عليهما بل يكون الثمن في مقابلة الأصل والحمل تابع، فإذا ثبت ذلك فمتى وضع الحمل في مدة الخيار فإن لم ينفسخ العقد كانا معا للمشتري، وإن فسخ كان للبائع (2). والحق أن الملك ينتقل إلى المشتري بنفس العقد انتقالا يقبل الفسخ في مدة الخيار، فإذا خرجت لزم العقد واستقر.

(1) الخلاف: ج 3 ص 22 المسألة 29.
(2) المبسوط: ج 2 ص 84 - 85.

[ 62 ]

لنا: إن المقتضي موجود، والمعارض لا يصلح للمانعية فيثبت الملك. أما المقتضي فهو البيع، لأن البيع تمليك بدليل قوله: (ملكتك) فيثبت به الملك كسائر البيوع، لأن التمليك يدل على انتقال الملك إلى المشتري ويقتضيه لفظه، والشرع قد اعتبره وقضى بصحته فيجب أن يعتبره فيما يقتضيه ويدل عليه لفظه. ولأنه لو لم يكن سببا لم يكن سببا مع الافتراق، إذ الافتراق لا مدخل له حالة الانفراد عن العقد فلا مدخل له حالة الانضمام عملا بالاستصحاب. ولأنه كلما وجد العقد ثبت الملك، وكلما انتفى العقد انتفى الملك فيكون هو المؤثر عملا بالدوران. وأما عدم صلاحية المانع للمانعية فليس إلا ثبوت الخيار، وهو غير مناف للملك، كما لو باع عرضا بعرض فوجد كل منهما فيما انتقل إليه عيبا. احتج الشيخ بأنه عقد قاصر فلا ينتقل الملك - كالهبة - قبل القبض. والجواب: المنع من القصور عن إفادة الملك، فإن عني به قبول الفسخ فذلك لا يوجب القصور ولا عدم نقل الملك كالمعيب. مسألة: خيار المجلس يثبت في عقد البيع خاصة ولا يبطل إلا بإسقاطه، ولو قال أحدهما لصاحبه: اختر وسكت فخيار الساكت باق وكذا الآخر، قاله الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2)، وقيل: يسقط خيار الآخر (3). لنا: قوله - عليه السلام -: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) (4)، ولأنه خيره فلم يختر فلم يؤثر. احتج الاخرون بما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله - (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) (5) أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر. ولأنه جعل لصاحبه ما ملكه

(1) الخلاف: ج 3 ص 8 مسألة 7.
(2) المبسوط: ج 2 ص 82.
(3) شرائع الاسلام: ج 2 ص 21.
(4) و (5) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 736 ح 2182 وح 2183.

[ 63 ]

من الخيار فيسقط خياره. والجوب: بعد صحة الحديث حمله على أنه خيره فاختار، ونمنع أنه ملك صاحبه خياره. مسألة: لو تبايعا بشرط رفع الخيار بينهما صح ولا خيار، سواء شرطا إسقاطه في العقد أو بعده. وقال ابن الجنيد في بعض الحديث: كل متبايعين فلا بيع بينهما حتى يفترقا، إلا بيع الخيار يريد الشرط بعد العقد. قال: وقد يحتمل أن يكون الشرط لرفع الاختيار قبل العقد في الغنائم والمواريث وبيع المزابنة فقط. وكذلك روي عن أمير المؤمنين - عليه السلام - (إذا صفق الرجل على البيع فقد وجب وإن لم يفترقا) (1). قال الشيخ: هذا الحديث لا ينافي ما تقدم من أن الافتراق بالأبدان هو الموجب للبيع، لأن مقتضى هذا الخبر أن الصفقة على البيع من غير افتراق موجب للبيع، ومعنى ذلك أنه سبب لاستباحة الملك، إلا أنه مشروط بأن يفترقا بالأبدان ولا يفسخا العقد الواقع ما داما في المكان، والأخبار الأولة اقتضت أن لهما الخيار ما لم يفترقا بأن يفسخا العقد الواقع. وقوله في الخبر: (وإن لم يفترقا) يحتمل أن يكون المراد به إن لم يفترقا تفرقا بعيدا أو تفرقا مخصوصا، لأن القدر الموجب للبيع شئ يسير ولو مقدار خطوة (2). مسألة: قال في الخلاف: لو شرطا قبل العقد ألا يثبت بينهما خيار بعد العقد صح الشرط ولزم العقد بنفس الايجاب والقبول (3). وعندي في ذلك نظر، فإن م الشرط إنما يعتبر حكمه لو وقع في متن العقد، نعم

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 20 ح 87 وسائل الشيعة: ج 12 ص 347 ح 7.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 21 ذيل ح 87.
(3) الخلاف: ج 3 ص 21 المسألة 28.

[ 64 ]

لو شرطا قبل العقد وتبايعا على ذلك الشرط صح ما شرطاه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا أراد أن يشتري لولده من نفسه وأراد الانعقاد ينبغي أن يختار لزوم العقد عند انعقاد العقد أو يختار بشرط بطلان الخيار على كل حال، وقد قيل: إنه ينتقل من المكان الذي يعقد فيه العقد فيجري ذلك مجرى تفرق المتبايعين (1)، وكذا قال ابن البراج (2). ولم يسند هذا القول إلى أحد من علمائنا بالنصوصية، وهذا القول عندي محتمل. مسألة: خيار الحيوان ثلاثة أيام يثبت بالعقد، سواء شرطاه أو لا للمشتري خاصة، ذهب إليه الشيخان (3) وابن الجنيد، وسلار (4)، والصدوق (5)، وابن البراج (6)، وابن إدريس (7). وقال السيد المرتضى: يثبت الخيار للبائع والمشتري معا (8). لنا: الأصل لزوم العقد وبطلان الخيار، لقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (9). ولقوله - عليه السلام -: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) (10) جعل مدة الخيار عدم الافتراق وهو ثابت في الحيوان وغيره، خرج خيار المشتري بالاجماع فيبقى البائع على الأصل.

(1) المبسوط: ج 2 ص 78.
(2) المهذب: ج 1 ص 353.
(3) المقنعة: ص 592، النهاية ونكتها: ج 2 ص 140.
(4) المراسم: ص 173.
(5) المقنع: ص 122 - 123.
(6) المهذب: ج 1 ص 353.
(7) السرائر: ج 2 ص 279 - 280. (8) الانتصار: ص 207.
(9) المائدة: 1.
(10) سنن ابن ماجه: ج 2 ص 736 ح 2182 وح 2183.

[ 65 ]

ولأن الحكمة في الخيار للمشتري منتفية في حق البائع، فلا يكون الخيار مشروعا في حقه، لانتفاء حكمته. وبيانه: أن عيب الحيوان قد يخفى ولا يظهر كظهوره في غير الحيوان، والمالك أعرف به من المشتري، فضرب الشارع للمشتري مدة ثلاثة أيام، لإمكان ظهور عيب فيه خفي عنه، بخلاف البائع المطلع على عيوبه. وما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: في الحيوان كله ثلاثة أيام للمشتري، وهو بالخيار إن اشترط أو لم يشترط (1). وجعل الخيار للمشتري يدل بمفهومه على سقوطه عن البائع. احتج السيد المرتضى بأنه أحد المتبايعين فكان له الخيار كالآخر كخيار المجلس (2). وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا (3). وفي الصحيح عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: البائعان بالخيار حتى يتفرقا، وصاحب الحيوان ثلاث (4). والجواب عن الأول: بالفرق بين المشتري والبائع في خفاء العيب وظهوره. وعن الحديثين: بأن الخيار للمشتري وعلى البائع، فهو بالنسبة إليهما مدة ثلاثة أيام. وليس ببعيد من الصواب حمل الروايتين على ما إذا تبايعا حيوانا بحيوان فإن المقتضي لثبوت الخيار للمشتري ثابت هنا للبائع. وبعد هذا فالحق ما ذهبنا إليه أولا.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 24 ح 101، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الخيار ح 1 ج 12 ص 349.
(2) الانتصار: ص 207 - 208.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 23 ح 99، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الخيار ح 3 ج 12 ص 349.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 24 ح 100، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الخيار ح 6 ج 12 ص 349.

[ 66 ]

مسألة: خيار الشرط لا بد أن يكون مضبوطا، فإن شرطا خيارا وأطلقا بطل العقد، وهو اختيار الشيخ (1)، والسيد المرتضى (2). وقال في الخلاف: إذا ابتاع شيئا فشرط الخيار ولم يسم وقتا ولا أجلا بل أطلقه كان له الخيار ثلاثة أيام، ولا خيار له بعد ذلك (3)، وهو مذهب شيخنا المفيد (4)، والسيد المرتضى في الانتصار (5)، وابن البراج (6)، وأبي الصلاح (7). لنا: إنه شرط مجهول فيجهل الثمن بجهالته فيبطل البيع. ولأن هذا الشرط غرر، إذ لا يعلم المشتري هل يحصل له البيع أم لا، والنبي - صلى الله عليه وآله - نهى عن بيع الغرر (8)، فيكون شرط ما يوجبه باطلا. ولما رواه ابن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: المسلمون عند شروطهم، إلا كل شرط خالف كتاب الله عز وجل فهو باطل فلا يجوز (9). وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله عز وجل فلا يجوز له، ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم فيما وافق كتاب الله

(1) المبسوط: ج 2 ص 83.
(2) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(3) الخلاف: ج 3 ص 20 المسألة 25.
(4) المقنعة: ص 592.
(5) الانتصار: ص 210 - 211.
(6) المهذب: ج 1 ص 353.
(7) الكافي في الفقه: ص 353. (1) مسند أحمد بن حنبل: ج 1 ص 302.
(9) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 22 ح 93، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الخيار ح 2 ج 12 ص 353.

[ 67 ]

عز وجل (1). احتج الشيخ بإجماع الفرقة وأخبارهم (2). والجواب: الاجماع والأخبار إنما دلا على الثلاثة في الحيوان، أما في غيره فلا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (3) والخلاف (4): إذا باعه بشرط أن يستأمر فلانا صح، وليس له الرد حتى يستأمره، وليس للاستئمار حد إلا أن يشترط مدة معينة قلت أم كثرت، فإن أطلق امتد أبدا. والأقرب عندي مع الإطلاق البطلان. لنا: إنه مع الإطلاق بجهل الشرط فيكون غررا. احتج الشيخ بأنه قد ثبت صحة هذا الشرط مع الإطلاق، فتقييده بزمان مخصوص يحتاج إلى دليل. والجواب: قد بينا حصول الغرر. مسألة: خيار الشرط يثبت من حين العقد. وقال الشيخ في الخلاف (5) والمبسوط (6): من حين التفرق، وتبعه ابن إدريس (7). لنا: إن إطلاق المدة يقتضي الاتصال، بالعقد، كغيره من الازمنة المشترطة في العقود.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 22 ح 94، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الخيار ح 1 ج 12 ص 353.
(2) الخلاف: ج 3 ص 20 ذيل المسألة 25.
(3) المبسوط: ج 2 ص 86.
(4) االخلاف: ج 2 ص 37 المسألة 50 و 51.
(5) الخلاف: ج 3 ص 33 المسألة 44.
(6) المبسوط: ج 2 ص 83.
(7) السرائر: ج 2 ص 276.

[ 68 ]

ولأنه لو لا ذلك لحصلت الجهالة بالمبدأ فيبطل الشرط إن لم يعين المبدأ. احتج الشيخ بأن الخيار يثبت بعد ثبوت العقد، والعقد لا يثبت إلا بعد التفرق، فوجب أن يكون الخيار ثابتا من ذلك الوقت (1). وباستلزامه اجتماع المثلين. والجواب: قد بينا بطلان الكبرى، ونمنع اجتماع لزوم المثلين، لأن الخيار واحد والجهات مختلفة وهو ممكن، كما أنه يثبت الخيار بجهة المجلس والعيب معا. مسألة: إذا ابتاع إنسان شيئا بثمن حال ولم يتقابضا في الثمن ولا في المثمن ومضى المشتري ليأتي بالثمن كان البيع لازما ثلاثة أيام، فإن جاء المشتري بالثمن كان أحق بالسلعة ولم يكن للبائع خيار، وإن مضت المدة ولم يأت بالثمن كان للبائع خيار الفسخ، فإن هلك المتاع في الثلاثة قال المفيد: يكون التلف من المشتري، فإن تلف بعدها كان من البائع (2). ولا خلاف في الحكم الثاني، إذ المبيع إذا تلف قبل قبضه كان من مال بائعه، وإنما الخلاف في الأول، فالذي اختاره الشيخ أن التلف من البائع أيضا (3)، وهو الأصح، وهو اختيار ابن إدريس (4)، وابن البراج (5). وقال سلار (6)، وأبو الصلاح (7) بالأول. وقال ابن حمزة: إنه من ضمان البائع، إلا أن يكون عرضه للتسليم ولم يتسلم المبتاع (8). لنا: إنه مبيع تلف قبل قبضه فيكون من مال بائعه.

(1) الخلاف: ج 3 ص 33 ذيل المسألة 44.
(2) المقنعة: ص 592.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 137.
(4) السرائر: ج 2 ص 278.
(5) المهذب: ج 1 ص 358.
(6) المراسم: ص 172.
(7) الكافي في الفقه: ص 355.
(8) الوسيلة: ص 239.

[ 69 ]

وما رواه عقبة بن خالد، عن الصادق - عليه السلام - في رجل اشترى متاعا من رجل وأوجبه غير أنه ترك المتاع عنده ولم يقبضه وقال: آتيك غدا إن شاء لله فإن فات المتاع من مال من يكون؟ قال: من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد إليه ماله (1). احتج المفيد بأنه مال انتقل إلى المشتري فيكون ضمانه عليه. والجواب: المنع من الملازمة، ولا بأس بقول ابن حمزة، وكلام أبي، الصلاح يدل عليه فإنه قال: فإن كان تأخيره من قبل المبتاع فهلاكه ونقصه من ماله (2). تذنيب: لو قبضه المشتري ثم تلف فإن كان في مدة الثلاثة كان من مال المشتري دون مال البائع، وإن هلك بعدها فكلام الشيخ يشعر بأنه من مال البائع. واحتج بأن له الخيار بعد انقضاء الثلاثة، فإن عبارته هكذا: إذا باع الانسان شيئا ولم يقبض المتاع ولا قبض الثمن ومضى المبتاع كان العقد موقوفا ثلاثة أيام، فإن جاء المبتاع في مدة ثلاثة أيام كان المبيع له، وإن مضى ثلاثة أيام كان البائع أولى بالمتاع، فإن هلك المتاع في هذه الثلاثة أيام ولم يكن قبضه إياه كان من مال البائع دون مال المبتاع، وإن كان قبضه إياه ثم هلك في مدة الثلاثة أيام كان من مال المبتاع دون مال البائع، وإن هلك بعد الثلاثة أيام كان من مال البائع على كل حال (3). وفيه نظر، إذ مع القبض

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 21 ح 89، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الخيار ح 1 ج 12 ص 358، وفيه: (فسرق) بدل (فإن فات).
(2) الكافي في الفقه: ص 355.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 137 - 138.

[ 70 ]

يلزم البيع. آخر (1): لم يفرق الشيخان (2) واتباعهما من الحيوان وغيره في التربص ثلاثة أيام. وقال الصدوق في المقنع: إذا اشترى رجل من رجل جارية وقال: أجيئك بالثمن فإذا جاء فيما بينه وبين شهر مضى وإلا فلا بيع له، وإذا اشترى ما يفسد ليومه كالبقول فإن جاء ما بينه وبين الليل وإلا فلا بيع له، وإذا اشترى ما لا يفسد ليومه فإن جاء ما بينه وبين ثلاثة أيام، وإلا فلا بيع له (3). وقال أبو الصلاح: الخيار في جميع الحيوان ثلاثة أيام. وفي الأمة مدة استبرائها (4). لنا: الأصل عدم الخيار، وقدرناه بالثلاثة للاجماع عليه ولدفع ضرر البائع فيبقى الزائد على الأصل. احتج الصدوق بما رواه علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن رجل اشترى جارية وقال: أجيئك بالثمن، فقال: إن جاء فيما بينه وبين شهر، وإلا فلا بيع له (5). والجواب: المنع من صحة السند. مسألة: قال ابن الجنيد: إذا خرجت الثلاثة ولم يأت بالثمن فلا بيع له. وفي المبسوط: روى أصحابنا أنه إذا اشترى شيئا بعينه بثمن معلوم وقال

(1) أي التذنيب الآخر.
(2) المقنعة: ص 592، النهاية ونكتها: ج 2 ص 137.
(3) لم نعثر عليه في المقنع، ونقل مقطع منه في لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 203 ذيل الحديث 3767.
(4) الكافي في الفقه: ص 353. (5) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 203 ذيل الحديث 3767، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الخيار ح 6 ج 12 ص 357.

[ 71 ]

للبائع: أجيئك بالثمن ومضى فإن جاء في مدة الثلاث كان المبيع له، وإن لم يجئ في هذه المدة بطل البيع (1). وظاهر هذه العبارة توهم بطلان البيع بعد مضي الثلاثة. والذي نص عليه المفيد (2)، والشيخ في النهاية (3): أنه يكون للبائع الخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء طالب بالثمن، وهو الحق. لنا: الأصل بقاء صحة العقد، والأخبار تعطي الذي قاله الشيخ أولا وابن الجنيد. وروى زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: قلت: الرجل يشتري من الرجل المتاع ثم يدعه عنده يقول: حتى آتيك بثمنه، قال: إن جاء فيما بينه وبين وثلاثة أيام، وإلا فلا بيع له (4). وفي الصحيح عن علي بن يقطين أنه سأل أبا الحسن - عليه السلام - عن الرجل يبيع البيع فلا يقبضه صاحبه ولا يقبض الثمن، قال: الأجل بينهما ثلاثة أيام، فإن قبض، بيعه وإلا فلا بيع بينهما (5). وغير ذلك. والجواب: الحمل على أنه لا بيع لازم له. مسألة: قال سلار: المبيع إذا كان حاضرا فتسمية الثمن وقبض المبيع شرط في صحة البيع (6). وليس بجيد إن قصد أن القبض شرط في نفس الصحة، وإن قصد أنه شرط في اللزوم كان صوابا، أما التسمية فإنها شرط في الصحة قطعا.

(1) المبسوط: ج 2 ص 87.
(3) المقنعة ونكتها: ج 2 ص 591 - 592.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 139.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 21 ح 88، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الخيار ح 12 ص 356.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 22 ح 92، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الخيار ح 3 ج 12 ص 357.
(6) المراسم: ص 172.

[ 72 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1)، وتابعه ابن إدريس (2): الصرف يدخله خيار المجلس، للعموم، ولا يدخله خيار الشرط إجماعا، لأن من شرط صحة العقد القبض. الاجماع ممنوع، والتعليل ليس بجيد، فإن التقابض لا يدفع خيار الشرط، مع أنه قد روى ابن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: المسلمون عند شروطهم، الأكل شرط خالف كتاب الله تعالى فلا يجوز (3). وقال في الخلاف: السلم يدخله خيار الشرط، خلافا للشافعي. ثم استدل بعموم الأخبار الواردة في جواز الشرط في العقود، إلا ما أخرجه الدليل من الصرف (4). فإن كان دليله ما ذكره في المبسوط فقد بينا ضعفه، وإن كان غيره فلا بد من بيانه. لا يقال: موضوع الصرف على انتفاء العلقة بينهما بعد التفرق بدليل اشتراط القبض وثبوت الخيار يثبت العلقة بينهما بعد التفريق. لأنا نقول: لا نسلم انتفاء العلقة. سلمنا، لكن متى تنتفي العلقة إذا لم يقع بشرط الخيار وإذا وقع ممنوعا كما في سائر أنواع البيع؟ مسألة: قال في المبسوط: وأما الوكالة والعارية والوديعة والقراض والجعالة فلا يمنع من دخول الخيارين معا فيها مانع (5). وتبعه ابن إدريس (6)، وابن

(1) المبسوط: ص 79.
(2) السرائر: ج 2 ص 244.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 22 ح 93، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الخيار ح 2 ج 12 ص 353.
(4) الخلاف: ج 3 ص 12 المسألة 9.
(5) المبسوط: ج 2 ص 82.
(6) السرائر: ج 2 ص 246.

[ 73 ]

البراج (1). وقال في الخلاف: لا خيار فيها في المجلس، ولا يمتنع دخول خيار الشرط فيها (2). والتحقيق عندي أن هذه عقود جائزة لكل منهما الخيار في الفسخ والامضاء، سواء كانا في المجلس أو تفرقا، وسواء شرطا الخيار أو لا، بل لو شرطا سقوط الخيار لم يصح وكان الخيار ثابتا بمقتضى الأصل. والشيخ استدل في الخلاف على عدم دخول خيار المجلس فيها بالاجماع، فإنه لا خلاف أنه لا يدخلها خيار المجلس (3). وليس بجيد، فإن الاجماع ممنوع، مع أنه نفسه خالف في ذلك، ثم كيف يتحقق سقوط الخيار في المجلس مع أنه عقد جائز مطلقا؟! مسألة: إذا ابتاع ثوبا على خف نساج وقد نسج بعضه على أن ينسج الباقي ويدفعه إليه قال الشيخ في المبسوط: يبطل البيع (4). وتبعه ابن البراج (5). واحتج الشيخ بأن ما شاهده من الثوب البيع لازم فيه من غير خيار الرؤية، وما لم يشاهده يقف على خيار الرؤية فيجتمع في شئ واحد خيار الرؤية وانتفاؤها، وهذا متناقض (6). والأقرب عندي الجواز. لنا: إنها عين مملوكة يصح الانتفاع بها، فيجوز بيعها كغيرها من الأعيان. واحتجاج الشيخ ليس بجيد، لأنا نثبت الخيار في الثوب أجمع إن لم ينسج الباقي كالأول، ونمنع لزوم البيع في المنسوج. سلمنا، لكن نمنع التناقض، لأن الموضوع يختلف، فإن موضوع اللزوم هو

(1) المهذب: ج 1 ص 356.
(2) الخلاف: ج 3 ص 13 المسألة 12.
(3) الخلاف: ج 3 ص 14 ذيل المسألة 12.
(4) المبسوط: ج 2 ص 77.
(5) المهذب: ج 1 ص 352.
(6) المبسوط: ج 2 ص 77.

[ 74 ]

المنسوج وموضوع الجواز هو غيره، ومع تغاير محل الموضوعين لا تناقض. لا يقال: إنه بيع لشيئ معدوم معين، لأنه باعه ثوبا ولم يثبت مثله في الشرع، لأن الثابت إما بيع عين موجودة معينة أو بيع معدوم غير معين. لأنا نقول: نمنع أولا من أنه باع معدوما، وقوله: (إنه باعه ثوبا) قلنا: بمعنى أنه باع نصف ثوب منسوج ونصف ثوب غير منسوج، وليس النسج هنا إلا كما لو شرط الخياطة أو الصباغة، وكما يصح هنا فكذا هناك. سلمنا، لكن نمنع بطلان ذلك، ولا يجب في كل حكم ثبوت نظير له. والمعتمد في صحته عموم قوله تعالى: (وأحل الله البيع) (1). مسألة: قال في الخلاف (2) والمبسوط (3): إذا وطأ المشتري الجارية في مدة الخيار لزمه البيع ولم يجب عليه شئ ويلحق به الولد ما لم يفسخ البائع، فإن فسخه كان الولد لاحقا بأبيه ويلزمه للبائع قيمته، وإن لم يكن هناك ولد لزمه عشر قيمتها إن كانت بكرا، وإن كانت غير بكر لزمه نصف عشر قيمتها ويبطل خياره، ولا يبطل خيار البائع بوطئ المشتري، سواء وطئ بعلمه أو بغير علمه، إلا أن يعلم رضاه به. وتبعه ابن البراج (4) على ذلك. وقال ابن الجنيد: وللمشتري الانتفاع بالأمة والعبد مدة الخيار، إلا ما أجمع على منعه. وقال ابن إدريس: لا يلزم المشتري قيمة الولد ولا عشر قيمة الجارية ولا نصف العشر، سواء فسخ البائع البيع أو لا (5)، وهو الأقرب.

(1) البقرة: 275.
(2) الخلاف: ج 3 ص 24 المسألة 32. (3) المبسوط: ج 2 ص 83.
(4) المهذب: ج 1 ص 358.
(5) السرائر: ج 2 ص 248.

[ 75 ]

لنا: إن المشتري تصرف في ملكه تصرفا مشروعا فلا يجب عليه عوضه، والفسخ المتعقب لا يبطل التصرف السابق. احتج الشيخ بالاجماع على وجوب القيمة والمهر والاحتياط (1). ولأن المبيع إنما ينتقل بالعقد ومضي الخيار. والجواب: المنع من الاجماع، والاحتياط للمشتري ببراءة ذمته معارض بالاحتياط للبائع، لعدم شغل ذمته وبأصالة البراءة والانتقال بالعقد وقد سبق. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو جن صاحب الخيار أو أغمي عليه أو خرس في مدة الخيار قام وليه مقامه فيفعل ما له الحظ فيه هذا إذا كان الأخرس لا تعرف إشارته، فإن عرفت إشارته أو كان يحسن أن يكتب كان خياره باقيا، ومتى تصرف الولي في ذلك ثم زال عذر هؤلاء فلا خيار لهم، ولا اعتراض لهم فيما فعله الولي (2). وهذا القول حق بالنسبة إلى المجنون والمغمى عليه، وأما الأخرس فعندي فيه إشكال، أقربه أن الولي لا يعترض على ما فعله، إلا أن يدعي فهم إشارته، أما بدون ذلك فلا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا شرط المبتاع خيارا لنفسه ثم أراد بيعه والتصرف فيه قبل مضي ذلك الوقت فليوجب البيع على نفسه ثم يتصرف فيه (3). قال ابن إدريس: لا وجه لقوله: (فليوجب البيع على نفسه) ولا حاجة إليه، فإنه بنفس التصرف يبطل خياره، لأن تصرف المشتري في مدة الخيار

(1) الخلاف: ج 3 ص 25 ذيل المسألة 32.
(2) المبسوط: ج 2 ص 84.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 140.

[ 76 ]

لزوم العقد (1). وهذه منازعة لفظية طائل تحتها. مسألة: قال ابن حمزة: إذا شرطا الخيار لهما واجتمعا على فسخ أو إمضاء نفذ، وإن لم يجتمعا بطل، وإن شرطت لغيرهما ورضي نفذ البيع، وإن لم يرض [ الأجنبي ] كان المبتاع بالخيار بين الفسخ والامضاء (2). فإن قصد بقوله: (بطل) أي البيع، بمعنى: أنه انفسخ لاختيار أحدهما الفسخ صح، وإن قصد بطل التخاير فليس بجيد، إذ لا يشترط اتفاقهما. بل متى اختار أحدهما الفسخ والآخر الامضاء انفسخ العقد وإن كان الحكم لمختار الفسخ. وقوله: (وإن لم يرض الأجنبي كان المبتاع بالخيار بين الفسخ والامضاء) ليس بجيد، لأن الخيار إذا جعل للأجنبي لم يكن لأحد المتبايعين خيار، فإن اختار الأجنبي الامضاء نفذ، وإن اختار الفسخ انفسخ، ولا عبرة بالمتبايعين. مسألة: إذا اختار صاحب الخيار بين المتبايعين أو غيرهما فسخ البيع كان له ذلك بمحضر من الآخر وغيبته، ولا يفتقر إلى الشهادة، ولا إلى حكم الحاكم ولا حضوره. وبه قال الشيخ في المبسوط (3). وقال ابن الجنيد: إذا أراد من له الاختيار من المتبايعين أو غيرهما فسخ البيع كان ذلك بمحضر الآخر إن كان حاضرا أو إيذانه به أو بمحضر من ولي المسلمين أو صاحبه أو أشهد على نفسه بذلك، وكذلك إذا أراد إمضاءه قبل آخر وقت الخيار وإن كان الخيار لهما جميعا لم يكن قبول أحدهما، أو فسخه بغير محضر من الآخر فمضى على الآخر ما يأباه من ذلك. لنا: إنه حق له فجاز طلبه في حال غيبة الآخر وحضوره، وحال حضور

(1) السرائر: ج 2 ص 282، وفيه: (لزوم للعقد).
(2) الوسيلة: ص 238.
(3) المبسوط: ج 2 ص 85 - 86.

[ 77 ]

الحاكم وغيبته، وحال الشهادة وعدمها، كغيره من الحقوق. ولأنه شرط خيارا مطلقا وهو غير مقتض بشئ من ذلك، وإلا لم يكن مطلقا فيثبت ما شرط، لقوله - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) (1). احتج ابن الجنيد بأن العقد تعلق به حق كل واحد من المتبايعين فلم يملك أحدهما فسخه بغير حضور صاحبه كالوديعة. والجواب: المنع من ثبوت الحكم في الأصل مع أنه قياس محض.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ح 1503، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ذيل ح 4 ج 15 ص 30.

[ 78 ]

الفصل السادس في الربا مسألة: الربا حرام بالنص والاجماع، فمن ارتكبه بجهالة ثم علم وجب عليه التوبة، لأنه من الكبائر، وهل يجب عليه رد المال الزائد المأخوذ بالربا؟ قال الشيخ في النهاية: لا يجب (1)، وبه قال الصدوق في كتاب المقنع (2)، ورواه في من لا يحضره الفقيه (3). وقال ابن الجنيد: ومن اشتبه عليه الربا لم يكن له أن يقدم عليه إلا بعد اليقين بأن ما يدخل فيه حلال فإن قلد غيره أو استدل فأخطأ ثم تبين له أن ذلك ربا لا يحل، فإن كان معروفا رده على صاحبه وتاب إلى الله تعالى، وإن اختلط بماله حتى لا يعرفه أو ورث مالا كان يعلم أن صاحبه يربي ولا يعلم الربا بعينه فيعز له جاز له أكله والتصرف فيه إذا لم يعلم فيه الربا. وقال ابن إدريس: يجب رد المال (4)، وهو الأقوى.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 117.
(2) ل نعثر عليه في المقنع كما قال صاحب مفتاح الكرامة: كتاب التجارة في أحكام الربا ج 4 ص 534 س 9، فلا حظ المقنع: ص 125 وفيه عكس ذلك.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 275 ح 3997، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الربا ح 2 ج 12 ص 431.
(4) السرائر: ج 2 ص 251.

[ 79 ]

لنا: قوله تعالى (وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم) (1). ولأنها معاوضة باطلة، فلا ينتقل بها الملك كغيرها من المعاوضات. احتج الشيخ بقوله تعالى: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف) (2). وما رواه ابن بابويه، عن الباقر عليه السلام - إلى أن قال: - فإن رسول الله - صلى الله عليه وآله - قد وضع ما مضى من الربا وحرم ما بقي، فمن جهله وسعه جهله حتى يعرفه (3). وعن الصادق - عليه السلام - كل ربا أكله الناس بجهالة ثم تابوا فإنه يقبل منهم إذا عرفت منهم التوبة (4). والجواب عن الآية: يحتمل العود إلى الذنب، بمعنى سقوطه عنهم بالتوبة، أو ما كان في زمن الجاهلية، كما ذكره الشيخ في التبيان (5)، وكذا عن الحديثين. مسألة: لا ربا بين الوالد وولده ولا بين الرجل وزوجته، ذهب إليه علماؤنا، غير أن ابن الجنيد فصل فقال: لا ربا بين الوالد وولده إذا أخذ الوالد الفضل، إلا أن يكون له وارثا أو عليه دين. وقال السيد المرتضى: كتبت قديما وتأولت في جواب مسائل وردت من

(1) البقرة: 279. (2) البقرة: 275.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 276 ح 3999، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الربا ح 3 ج 12 ص 431.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 16 ح 69، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الربا صدر ح 2 ج 12 ص 431.
(5) التبيان: ج 2 ص 365.

[ 80 ]

الموصل الأخبار التي يرويها أصحابنا المتضمنة لنفي الربا بين من ذكرناه على أن المراد بذلك - وإن كان بلفظ الخبر - معنى الأمر، كأنه قال: يجب ألا يقع بين من ذكرناه ربا، كما قال تعالى: (ومن دخله كان آمنا) ولقوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) وقوله - عليه السلام -: (العارية مردودة والزعيم غارم) ومعنى ذلك كله معنى الأمر أو النهي وإن كان بلفظ الخبر. واعتمدنا في نصرة هذا المذهب على عموم ظاهر القرآن فإن الله حرم الربا على كل متعاقدين، لقوله تعالى: (ولا تأكلوا الربا) وهو شامل للوالد وولده والرجل وزوجته، ثم قال: لما تأملت ذلك رجعت عن هذا المذهب، لاني وجدت أصحابنا مجمعين على نفي الربا بين من ذكرناه وغير مختلفين فيه في وقت من الأوقات، واجماع هذه الطائفة قد ثبت أنه حجة ويخص بمثله ظواهر القرآن، والصحيح نفي الربا بين من ذكرناه، وإذا كان الربا حكما شرعيا جاز أن يثبت في موضع دون موضع كما يثبت في جنس دون جنس وعلى وجه دون وجه، فإذا دلت الأدلة على تخصيص من ذكرناه وجب القول بموجب الدليل. قال: ومما يمكن أن يعارض ظواهره به من ظواهر القرآن، إن الله تعالى قد أمر بالاحسان والأنعام، مضافا إلى ما دل عليه العقول من ذلك، وحد الاحسان إيصال النفع لا على وجه الاستحقاق إلى الغير مع القصد إلى كونه إحسانا، ومعنى الاحسان ثابت فيمن أخذ من غيره درهما بدرهمين، لأن من أعطى الكثير بالقليل وقصد به إلى نفعه فيه فهو محسن إليه، وإنما أخرجنا من عدا من استثنيناه من الوالد وولده والزوج وزوجته بدليل قاهر تركنا له الظواهر، وهذا ليس مع المخالف في المسائل التي خالفنا فيها، فظاهر أمر الله تعالى بالاحسان في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: (وأحسن كما أحسن الله إليك) وقوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والاحسان) معارض للآيات التي ظاهرها عام في تحريم الربا، فإذا قالوا بتخصيص آيات الاحسان لأجل آيات الربا،

[ 81 ]

قلنا: ما الفرق بينكم وبين من خصص آيات الربا بعموم آيات الأمر بالاحسان. قال: وهذه طريقة إذا سلكت كانت قوية (1). مسألة: وهل يثبت بين المسلم وأهل الذمة؟ قولان، قال المفيد (2)، والسيد المرتضى (3)، وابنا بابويه (4): لا يثبت. وقال الشيخ: يثبت (5)، وهو اختيار ابن إدريس (6)، وابن البراج (7)، وهو الظاهر من كلام ابن حمزة (8). وقال ابن الجنيد: وأهل الذمة في دار المسلمين المقيمين والراحلين فلا يجوز الربا في أموالهم، ولا بأس بأخذه منهم في دار حربهم. والأقرب اختيار الشيخ. لنا: عموم النهي عن تحريم الربا. ولأن أموال أهل الذمة معصومة فلا يجوز أخذها بعقد فاسد كالمسلمين. احتج السيد المرتضى بإجماع الطائفة (9)، وبما رواه الصدوق عن الصادق - عليه السلام - قال: ليس بين المسلم والذمي ربا ولا بين المرأة وزوجها ربا (10).

(1) الانتصار: ص 212 - 214.
(2) لم نعثر عليه في المقنعة كما ذكره مفتاح الكرامة: ج 4 ص 532 س 17، ونقله ابن إدريس في السرائر: خ 2 ص 252.
(3) الانتصار: ص 212 - 213.
(4) المقنع: ص 126، ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 118.
(6) السرائر: ج 2 ص 252.
(7) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(8) الوسيلة: ص 254.
(9) الانتصار: ص 213.
(10) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 278 ح 4002، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الربا ح 5 ج 12 ص 437.

[ 82 ]

الجواب عن الاجماع: إنه ممنوع مع مخالفة من تقدم ذكره، وعن الرواية بالحمل عن الذمي الخارج عن شرائط الذمة جمعا بين الأدلة. تذنيبات الأول: قال ابن إدريس: أهل الحرب فإنا نأخذ منهم الزيادة، ولا يجوز لنا أن نعطيهم ذلك (1). ولا بأس به، لما رواه ابن بابويه عن رسول الله - صلى الله عليه وآله - قال: ليس بيننا وبين أهل حربنا ربا نأخذ منهم ولا نعطيهم (2). وقال ابن البراج: لا ينعقد الربا بين الوالد وولده والسيد وعبده والحربي والمسلم والمرأة وزوجها، يجوز أن يأخذ كل واحد مما ذكرناه من صاحبه الدرهم بدرهمين والدينار بدينارين (3). الثاني: قال الشيخ في النهاية: لا ربا بين الوالد وولده، لأن مال الولد في حكم مال الوالد (4). قال ابن إدريس: يبطل هذا التعليل في قوله: ولا بين الرجل وأهله (5). وليس بجيد، لأن الأحكام المتساوية قد تعلل بالعلل المختلفة، فلا يلزم من عدم انسحاب هذه العلة في طرف الزوج والزوجة إبطالها، على أن المنع قائم في طرف الزوجين، لشدة الملابسة بينهما، فكان مال أحدهما في حكم مال الآخر.

(1) السرائر: ج 2 ص 252.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 277 ح 4000، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الربا ح 2 ج 12 ص 436.
(3) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 118.
(5) السرائر: ج 2 ص 252.

[ 83 ]

الثالث: قال ابن إدريس: فأما قولهم: (ولا بين العبد وسيده) فلا فائدة فيه ولا لنا حاجة إلى هذا التعليل، وأي مال للعبد، وإنما الربا بين اثنين مالكين (1). وهذا الكلام ليس بجيد، فإن الشيخ نقل الحديث، وهو قول الصادق - عليه السلام -: (وليس بين السيد وعبده ربا) (2) ونفي الربا قد يكون لنفي التملك، وقد يكون لغير ذلك، فنفي التملك علة لنفي الربا، فأي مأخذ على الشيخ حيث ذكر الحكم المعلل ولم يذكر علته إذا كانت معروفة، ثم إن الشيخ يذهب إلى أن العبد يملك (3). وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. الرابع: قال ابن الجنيد: ولا ربا بين العبد وسيده إذا كان مالكا له من غير شريك فيه، فإن كان له فيه شريك حرم الربا بينهما. ونعم ما قال، وباقي أصحابنا أطلقوا القول ومقصودهم ذلك أيضا، إذ المشترك ليس عبدا له. ثم قال: وكذلك المأذون له في التجارة إذا كان قد أدان مالا. مسألة: الربا يجري في المكيل والموزون مع اتفاق الجنسين بالاجماع، وهل يثبت في المعدود؟ قال في الخلاف: لا يثبت (4)، وهو الظاهر من قوله في المبسوط (5) والنهاية (6)، ومن قول ابن أبي عقيل، وهو مذهب ابني بابويه (7)،

(1) السرائر: ج 2 ص 253.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 18 ح 76، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الربا ح 1 ج 12 ص 436. (3) كذا في جميع النسخ وفي النهاية ونكتها: كتاب البيع ج 2 ص 252 قال: العبد لا يملك، وفي كتاب العتق: ج 3 ص 13 قيده بإذن مولاه.
(4) الخلاف: ج 3 ص 50 المسألة 72.
(5) المبسوط: ج 2 ص 88.
(6) النهاية ونكتها: ج 2 ص 125.
(7) المقنع: ص 175، ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.

[ 84 ]

وابن البراج (1)، وابن إدريس (2). وقال المفيد: إنه يثبت (3)، وهو قول ابن الجنيد، وسلار (4). والأقرب الأول. لنا: الأصل الجواز. ولأن الانسان مسلط على ماله وحاكم فيه، فلا يمنع منه إلا بدليل. وما رواه عبيد بن زرارة في الصحيح قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: لا يكون الربا إلا في ما يكال أو يوزن (5). وفي الصحيح عن سعيد بن يسار قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن البعير بالبعيرين يدا بيد ونسيئة، قال: لا بأس، ثم قال: خط على النسيئة (6). وفي الصحيح عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: البعير بالبعيرين والدابة بالدابتين يدا بيد ليس به بأس (7). وعن منصور بن حازم، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن البيضة بالبيضتين، قال: لا بأس به. والثوب بالثوبين، قال: لا بأس به. والفرس بالفرسين، فقال: لا بأس به. ثم قال: كل شئ يكال أو يوزن فلا

(1) المهذب: ج 1 ص 362.
(2) السرائر: ج 2 ص 253.
(3) المقنعة: ص 605.
(4) المراسم: ص 179.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 19 ح 81، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الربا ح 1 ج 12 ص 434.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 117 - 118 ح 510، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب الربا ح 7 ج 12 ص 451.
(7) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 118 ح 511، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب الربا ح 4 ج 12 ص 450.

[ 85 ]

يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لا يكال ولا يوزن فلا بأس به اثنين بواحد (1). وغير ذلك من الأحاديث. احتج المفيد بعموم النهي عن الربا، وهي في اللغة الزيادة، وهي متحققة في المعدود. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الثوبين الرديئين بالثوب المرتفع والبعير بالبعيرين والدابة بالدابتين، فقال: كره ذلك علي - عليه السلام - فنحن نكرهه، إلا أن يختلف الصنفان. قال: وسألته عن الإبل والبقر والغنم أو أحدهن في هذا الباب، قال: نعم نكرهه (2). وعن سماعة قال: سألته عن بيع الحيوان اثنين بواحد، فقال: إذا سميت الثمن فلا بأس (3). والجواب عن الأول: إن الزيادة المطلقة غير معتبرة، بل لا بد من شرائط معها، فخرجت الحقيقة اللغوية عن الارادة. وعن الأحاديث أن الكراهة قد تكون للتنزيه، بل هي المعنى المتعارف منها. مسألة: الثمن والمثمن إما أن يكونا ربويين، أو أحدهما، أو يكونا معا غير ربويين. الأول: فإن تماثلا في الجنس وجبت المساواة والحلول، فلا يجوز بيع

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 119 ح 517، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الربا ح 3 ج 12 ص 448.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 120 ح 521، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الربا ح 7 ج 12 ص 449.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 120 ح 522، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب الربا ح 15 ج 12 ص 453. ( *)

[ 86 ]

أحدهما بالآخر نسيئة وإن تساويا قدرا، ولا أعرف في ذلك خلافا إلا قولا شاذا للشيخ ذكره في الحلاف فإنه قال: إذا باع ما فيه الربا من المكيل والموزون مختلف الجنس جاز بيع بعضه ببعض متماثلا ومتفاضلا، ويجوز بيع الجنس بعضه ببعض متماثلا يدا بيد ويكره نسيئة (1). لكن الشيخ قد يطلق على المحرم اسم المكروه، كما قال في هذا الكتاب: يكره الأكل والشرب من آنية الذهب والفضة (2). وقصده التحريم. وفي المبسوط ما يناسب ما ذكره في الخلاف فإنه قال: ومن باع بعض الجنس - يعني مما يكون الثمن والمثمن ربويين - بجنس مثله غير متفاضل جاز، والأحوط أن يكون يدا بيد (3). والحق أن نقول: إنه يجب وإن اختلفا في الجنس، فإن كان أحدهما من الأثمان صح بالاجماع نقدا ونسيئة، لأنه بيع الأجل في أحدهما يكون إما سلفا أو نسيئة، وكلاهما جائز بالاجماع، وإن لم يكن أحدهما من الأثمان جاز بيع أحدهما بالآخر نقدا متفاضلا أو متماثلا بلا خلاف، وهل يجوز التفاضل في النسيئة؟ قولان: قال الشيخ في النهاية: يجوز (4)، وهو قول ابن حمزة (5). وقال المفيد (6)، وسلار (7)، وابن البراج (8): لا يجوز. ونص ابن أبي عقيل على تحريمه، وكذا ابن الجنيد. وقال في المبسوط: بالكراهية (9)، وهو قول ابن إدريس (10)، وهو الأقرب. لنا: الأصل، وما نقل شائعا من قوله - عليه السلام -: (إذا اختلف

(1) الخلاف: ج 3 ص 46، المسألة 65.
(2) الخلاف: ج 1 ص 69 المسألة 15.
(3) المبسوط: ج 2 ص 89.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 119 - 120.
(5) الوسيلة: ص 253.
(6) المقنعة: ص 603.
(7) المراسم: ص 179.
(8) المهذب: ج 1 ص 364. (9) المبسوط: ج 2 ص 89.
(10) السرائر: ج 2 ص 256.

[ 87 ]

الجنسان فبيعوا كيف شئتم) (1). احتج المانعون بالحديث المشهور (إنما الربا في النسيئة) (2). وبما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شئ من الأشياء يتفاضل فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يدا بيد، فأما نظرة فإنه لا يصح (3). والجواب: أن الربا من شرطه اتحاد الجنس على ما بينه علماؤنا. وعن الحديث الثاني: إنه يدل على الكراهة. الثاني: أن يكون أحدهما ربويا والآخر غير ربوي فإنه يجوز بيع أحدهما بالآخر نقدا ونسيئة كيف كان إجماعا. الثالث: أن يكونا معا غير ربويين كثوب بثوبين وعبد بعبدين ودابة بدابتين فإنه يجوز نقدا بلا خلاف، وفي النسيئة قولان: قال في النهاية: لا يجوز (4)، وكذا في الخلاف قال: الثياب بالثياب والحيوان بالحيوان لا يجوز بيع بعضه ببعض نسيئة متماثلا ولا متفاضلا (5). وقال المفيد: لا يجوز فإن باع ثوبا بثوبين أو بعيرا ببعيرين أو شاة بشاتين أو دارا بدارين أو نخلة بنخلتين كان البيع باطلا (6). وأطلق ابنا بابويه الجواز (7)،

(1) صحيح مسلم: ج 3 ص 1211 ح 81.
(2) سنن البيهقي: ج 6 ص 141.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 93 ح 396، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب الربا ح 2 ج 12 ص 442، وفيهما: (فلا يصلح).
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 120 - 121.
(5) الخلاف: ج 3 ص 48 المسألة 67.
(6) المقنعة: ص 604.
(7) المقنع: ص 125، ولم نعثر على رسالة علي ابن بابويه.

[ 88 ]

ومنع منه ابن أبي عقيل، وابن الجنيد. وقال في المبسوط: يكره (1). والوجه عندي الجواز. لنا: الأصل، وقوله - عليه السلام -: (إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم) (2). ولأن المقتضي موجود والمانع معدوم فيثبت الجواز، وأما وجود المقتضي فهو عموم البيع، وأما عدم المانع فإنه ليس إلا الربا وهو منفي هنا، لقول أبي عبد الله - عليه السلام - في الصحيح: لا يكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن (3). وما رواه منصور بن حازم، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن البيضة بالبيضتين، قال: لا بأس به، والثوب بالثوبين قال: لا بأس به والفرس بالفرسين، فقال: لا بأس به (4). وعن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: لا بأس بالثوب بالثوبين (5)، وهو عام في النقد والنسيئة. احتج المانعون بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الثوبين الرديئين بالثوب المرتفع والبعير بالبعيرين والدابة بالدابتين، قال: كره ذلك على - عليه السلام - فنحن نكرهه إلا أن يختلف

(1) المبسوط: ج 2 ص 89.
(2) صحيح مسلم: ج 3 ص 1211 ح 81.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 118 ح 515، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الربا ح 1 ج 12 ص 434.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 119 ح 517، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الربا ح 3 ج 12 ص 448.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 119 ح 518، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الربا ح 4 ج 12 ص 448.

[ 89 ]

الصنفان (1). وعن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: البعير بالبعيرين والدابة بالدابتين يدا بيد ليس به بأس (2). وعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن العبد بالعبدين والعبد بالعبد والدراهم، فقال: لا بأس بالحيوان كلها يدا بيد (3). والتقييد بالنقد يشعر بمنع النسيئة. والجواب: إن الأخبار التي ذكرتموها تدل على الكراهة. مسألة: الحنطة والشعير جنس واحد لا يجوز التفاضل بينهما نقدا ولا نسيئة، ولا بيع أحدهما بالآخر نسيئة وإن تساويا، وهو مذهب الشيخين (4)، ورواه الصدوق في من لا يحضره الفقيه (5)، وهو مذهب سلار (6) أيضا، وأبي الصلاح (7)، وابن البراج (8)، وابن حمزة (9). وقال ابن الجنيد: هما نوعان (10)، وكذا قال ابن أبي عقيل قال: وقد قيل:

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 120 ح 520، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الربا ح 7 ج 12 ص 449.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 118 ح 511، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب الربا ح 4 ج 12 ص 450.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 118 ح 512، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب الربا ح 6 ج 12 ص 450.
(4) المقنعة: ص 604، النهاية ونكتها: ج 2 ص 120. (5) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 281 ح 4013.
(6) المراسم: ص 179.
(7) الكافي في الفقه: 357.
(8) المهذب: ج 1 ص 362.
(9) الوسيلة: ص 253.
(10) نقله عنه في السرائر: ج 2 ص 255.

[ 90 ]

لا يجوز بيع الحنطة بالشعير إلا مثلا بمثل سواء، لأنهما من جنس واحد، بذلك جاءت بعض الآثار عنهم - عليهم السلام - قال: والقول والعمل على الأول (1)، وهو اختيار ابن إدريس (2). لنا: أنهما من جنس واحد يشملهما لفظ واحد وهو الطعام، لتقارب حقيقتهما، وإنما يختلفان بالصفات. وما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يصلح بيع الشعير بالحنطة إلا واحدا بواحد (3). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يباع مختومان من شعير بمختوم من حنطة إلا مثلا بمثل، والتمر مثل ذلك. وسئل عن الزيت بالسمن اثنين بواحد، قال: يدا بيد. وسئل عن الرجل يشتري الحنطة فلا يجد إلا شعيرا أيصلح له أن يأخذ اثنين بواحد؟ قال: لا إنما أصلهما واحد (4). وفي الصحيح عن أبي بصير وغيره، عن الصادق - عليه السلام - قال: الحنطة والشعير رأسا برأس، ولا يزداد واحد منهما على الآخر شيئا (5). وفي الموثق عن سماعة قال: سألته عن الحنطة والشعير، فقال: إذا كانا سواء فلا بأس (6).

(1) نقله عنه في السرائر: ج 2 ص 255.
(2) السرائر: ج 2 ص 254.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 94 ح 398، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الربا ح 5 و 7 ج 12 ص 439.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 94 ح 399، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الربا ح 4 ج 12 ص 438. (5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 95 ح 402، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الربا ح 3 ج 12 ص 438.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 95 ح 405، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الربا ح 6 ج 12 ص 439.

[ 91 ]

وعن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الحنطة بالشعير والحنطة بالدقيق، فقال: إذا كانا سواء فلا بأس، وإلا فلا (1). وفي الصحيح عن محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام -: لا تبع الحنطة بالشعير إلا يدا بيد، ولا تبع قفيزا من حنطة بقفيزين من شعير (2). وفي الصحيح عن هشام بن سالم، عن الصادق - عليه السلام - قال: سئل عن الرجل يبيع الرجل طعاما الأكرار فلا يكون عنده ما يتم له ما باعه فيقول له: خذ مني مكان كل قفيز من حنطة قفيزين من شعير حتى يستوفي ما نقص من الكيل، قال: لا يصلح، لأن أصل الشعير من الحنطة، ولكن يرد عليه من الدراهم بحساب ما نقص من الكيل (3). وفي الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قلت له: أيجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير؟ قال: لا يجوز إلا مثلا بمثل، ثم قال: إن الشعير من الحنطة (4). وهذه أخبار صحاح دالة على المطلوب مع التعليل. احتج ابن إدريس بأنه لا خلاف بين المسلمين العامة والخاصة أن الحنطة والشعير جنسان مختلفان حسا ونطقا، ولا خلاف بين أهل اللغة واللسان العربي في ذلك، فمن ادعى أنهما كالجنس الواحد فعليه الدلالة، وأخبار الاحاد ليست حجة، ثم لم يذهب إلى هذا القول سوى الشيخ أبي جعفر والشيخ المفيد ومن قلدهما، بل جلة أصحابنا المتقدمين ورؤساء مشايخنا الماضين لم يتعرضوا

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 95 ح 407، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الربا ح 6 ج 12 ص 4411.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 95 ح 408، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الربا ح 8 ج 12 ص 439.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 96 ح 409، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الربا ح 1 ج 12 ص 438.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 96 ح 410، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الربا ح 2 ج 12 ص 438.

[ 92 ]

لذلك، بل أفتوا وصنفوا أن مع اختلاف الجنس يجوز بيع الواحد باثنين، وقوله - عليه السلام -: (إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم) والحنطة والشعير مختلفان صورة وشكلا ولونا وطعما ونطقا وادراكا وحسا (1). ثم طول في كلامه الذي لا يفيد شيئا. والجواب: المنع من الاجماع، مع أن أكثر علمائنا قالوا: بأنهما جنس في باب الربا، وأما العامة فقد اختلفوا فذهب جماعة منهم سعد بن أبي وقاص والحكم وحماد ومالك والليث أنهما جنس واحد (2)، وبعض هؤلاء من الصحابة وبعضهم من التابعين، فلولا أن ذلك قد سمعوه من النبي - صلى الله عليه وآله - وإلا لم يكن لهم الحكم بذلك، إذ هما مختلفان صورة وشكلا، فكيف يحكم باتحادهما وأنهما كالجنس الواحد؟! أما اختلافهما بالجنس والصورة والشكل والحس والادراك فغير مفيد مع ما ذكرناه من الأحاديث الصحاح المشهورة التي لم يوجد لها ما يعارضها من الأحاديث. والاختلاف بالاسم والشكل والصورة لا يوجب المغايرة في الربا، فإن السمسم والشيرج مختلفان شكلا وصورة وجنسا واسما مع اتحادهما في باب الربا. وبالجملة فالمسألة منصوصة عن الأئمة - عليهم السلام - وقد أفتى أكثر علمائنا بها ولم نجد معارضا من الأحاديث، فتعين القول بما نطقت به ودلت عليه، مع أن الشيخ في الخلاف نقل إجماع الفرقة عليه (3)، والاجماع دليل معلوم، ونقل

(1) السرائر: ج 2 ص 254 - 255.
(2) المحلى: ج 8 ص 491 - 492، تفسير القرطبى: ج 3 ص 349، بداية المجتهد: ج 2 ص 146.
(3) الخلاف: ج 3 ص 47 المسألة 66.

[ 93 ]

الشيخ له يقتضي المصير إليه، لأن الأدلة المنقولة يعمل بها وإن نقلت ظنا. مسألة: قال الشيخ في النهاية (1): لا يجوز بيع الغنم باللحم لا وزنا ولا جزافا، وكذا قال المفيد (2)، وسلار (3)، وابن البراج (4). وفي الخلاف (5) والمبسوط (6): لا يجوز بيع اللحم بالحيوان إذا كان من جنسه كلحم الشاة بالشاة ولحم البقر بالبقر، فإن اختلف لم يكن به بأس. وكذا قال ابن حمزة (7)، وهو مذهب ابن الجنيد أيضا. وقال ابن إدريس: يجوز ذلك إذا كان اللحم موزونا، سواء اتفق الجنس أو لا، يدا بيد وسلفا أيضا إن كان اللحم معجلا دون العكس، ولا يجوز السلف في اللحم ويجوز في الحيوان (8). والأقرب الأول. لنا: إنه أحوط وأسلم من الربا. ولأنه قول من ذكرناه من علمائنا، ولم نقف لغيرهم هنا كل مخالف. وابن إدريس قوله محدث لا يعول عليه ولا يثلم في الاجماع. ولأن الشيخ احتج في الخلاف بإجماع الفرقة (9)، ونقله حجة، لثقته وعدالته ومعرفته. وبما رواه غياث بن إبراهيم في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - أن أمير

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 121.
(2) المقنعة: ص 604.
(3) المراسم: ص 179.
(4) المهذب: ج 2 ص 373. (5) الخلاف: ج 3 ص 75 المسألة 126.
(6) المبسوط: ج 2 ص 100.
(7) الوسيلة: ص 254.
(8) السرائر: ج 2 ص 258.
(9) الخلاف: ج 3 ص 175 المسألة 126.

[ 94 ]

المؤمنين - عليه السلام - كره اللحم بالحيوان (1). لا يقال: إن غياث بن إبراهيم بتري، والمتن غير دال على المطلوب، إذ الكراهة لا تدل على التحريم. لأنا نقول: إن غياثا وإن كان بتريا إلا أن أصحابنا وثقوه فيغلب على الظن ما نقله، والظن يجب العمل به، والكراهة تستعمل كثيرا في التحريم. احتج ابن إدريس بأن المقتضي وهو قوله تعالى: (وأحل الله البيع) موجود، والمانع وهو الربا منفي، إذ الربا إنما يثبت في الموزون، والحيوان الحي ليس بموزون (2). والجواب: المنع من نفي المانع ومن كون المانع هو الربا خاصة، ولو قيل: بالجواز في الحيوان الحي دون المذبوح جمعا بين الأدلة كان قويا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز بيع الرطب بالتمر مثلا بمثل، لأنه إذا جف نقص، فلا يجوز بيع العنب بالزبيب إلا مثلا بمثل، وتجنبه أفضل (3). وقال في الخلاف: لا يجوز بيع الرطب بالتمر، فأما بيع العنب بالزبيب أو ثمرة رطبة بيابسها مثل التين الرطب بالجاف والخوخ الرطب بالمقدد وما أشبه ذلك فلا نص لأصحابنا فيه، والأصل جوازه، لأن حملها على الرطب قياس، ونحن لا نقول به (4). وقال في المبسوط: لا يجوز بيع الرطب بالتمر لا متفاضلا ولا متماثلا على حال، وكذا الخبز لا يجوز بيع لينه بيابسه لا متماثلا ولا متفاضلا (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 45 ح 194، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الربا ح 1 ج 12 ص 442.
(2) السرائر: ج 2 ص 258.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 121 و 124. (4) الخلاف: ج 3 ص 64 المسألة 105.
(5) المبسوط: ج 2 ص 91.

[ 95 ]

ثم قال في موضع آخر منه: بيع الرطب بالتمر لا يجوز إذا كان خرصا بما يؤخذ منه، وأما إذا كان تمرا موضوعا على الأرض فإنه يجوز، وأما بيع العنب بالزبيب والكمثرى الرطب والتين الرطب بالمقدد منه وما أشبه ذلك فلا نص لأصحابنا فيه، والأصل جوازه، لقوله تعالى: (وأحل الله البيع) ثم قال: ولا يجوز بيع الحنطة المبلولة بالجافة وزنا مثلا بمثل، لأنه يؤدي إلى الربا، لأن مع أحدهما ماء ينقص إذا جف، والتفاضل لا يجوز لفقد الطريق إلى العلم بمقدار الماء (1). وقال في الاستبصار: إن بيع الرطب بالتمر مكروه لا محرم (2). وقال ابن أبي عقيل: لا يجوز بيع التمر اليابس بالرطب ولا الزبيب بالعنب، لأن الزبيب والتمر يابسان والعنب والرطب رطبان، فإذا يبسا نقصا، وكذلك الفاكهة اليابسة بالفاكهة الجافة الرطبة مثل التمر بالرطب. وقال ابن الجنيد: لا يشترى التمر اليابس بالرطب لنهي النبي - صلى الله عليه وآله - عن ذلك، هذا في الفاكهة وغيرها من اللحم إذا كان من جنس واحد، سواء كان جفافه بالنار أو الهواء. وقال ابن البراج: لا يجوز بيع الرطب بالتمر مثلا بمثل ولا غير ذلك (3). وقال ابن حمزة: لا يجوز بيع الرطب بالتمر ولا العنب بالزبيب لا متماثلا ولا متفاضلا (4). وقال ابن إدريس: قول الشيخ في النهاية: (لا يجوز بيع الرطب بالتمر مثلا بمثل، لأنه إذا جف نقص) غير واضح، بل يجوز ذلك، ومذهبنا ترك التعليل

(1) المبسوط: ج 2 ص 93.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 93 ذيل الحديث 316.
(3) المهذب: ج 1 ص 362.
(4) الوسيلة: ص 253.

[ 96 ]

والقياس، لأنه كان يلزم عليه أن يجوز بيع رطل من العنب برطل من الزبيب، وهذا لا يقول به أحد من أصحابنا بغير خلاف، وأيضا فلا خلاف أن بيع الجنس بالجنس مثلا بمثل جائز سائغ، والمنع منه يحتاج إلى دليل، وقوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) قال: وقد رجع شيخنا عما ذكره في نهاية في الجزء الثالث من استبصاره، فقال: الوجه في هذه الأخبار ضرب من الكراهة دون الحظر (1). والمعتمد تحريم كل رطب مع يابسه إلا العرية. لنا: إنه جنس فيه الربا بيع بعضه ببعض على وجه ينفرد أحدهما بالنقصان فلا يجوز. وما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يصلح بيع التمر اليابس بالرطب من أجل أن اليابس يابس والرطب رطب، فإذا يبس نقص (2). وفي الصحيح عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام - إلى أن قال: - وكره أن يباع التمر بالرطب عاجلا بمثل كيله إلى أجل من أجل أن التمر ييبس فينقص من كيله (3). وعن داود بن سرحان، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يصلح التمر بالرطب، لأن الرطب رطب والتمر يابس، فإذا يبس الرطب نقص (4). وعن داود الابزاري، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: لا يصلح التمر بالرطب، التمر يابس والرطب رطب (5).

(1) السرائر: ج 2 ص 258 - 259.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 94 ح 398، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب الربا ح 1 ج 12 ص 445.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 95 ح 408، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب الربا ح 2 ج 12 ص 445.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 90 ح 384، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب الربا ح 6 ج 12 ص 446.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 90 ح 385، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب الربا ح 7 ج 12 ص 446.

[ 97 ]

احتج الاخرون بما رواه سماعة قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - عن العنب بالزبيب، قال: لا يصلح إلا مثلا بمثل، قال: والتمر بالرطب مثلا بمثل (1). والجواب: أخبارنا أصح طريقا، والقائل به أكثر فتعين العمل. إذا عرفت هذا فإنما عدينا الحكم إلى كل رطب مع يابسه، للعلة التي ذكرها الصادق - عليه السلام - حيث قال: (من أجل أن اليابس يابس والرطب رطب) وعندي أن العلة إذا كانت منصوصة تعدى الحكم من الأصل المنصوص عليه إلى كل فرع يشاركه في تلك العلة، وقد بينا ذلك على الاستقصاء في أصول الفقه (2) فليطلب هناك. مسألة: قال المفيد: إذا كان الشئ يباع في مصر من الامصار كيلا أو وزنا ويباع في مصر آخر جزافا فحكمه حكم المكيل والموزون إذا تساوت الأحوال في ذلك، وإن اختلف كان الحكم فيه حكم الأغلب الأعم (3). وكذا قال ابن إدريس (4) وقال الشيخ في النهاية: إذا كان الشئ يباع في بلد جزافا وفي بلد آخر كيلا أو وزنا فحكمه حكم المكيل والموزون في تحريم التفاضل فيه (5). وكذا قال سلار (6). وقال في المبسوط: المماثلة شرط في الربا، وإنما تعتبر المماثلة بعرف العادة

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 97 ح 417، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب الربا ح 3 ج 12 ص 445. (2) مبادئ الوصول إلى علم الأصول: ص 219.
(3) المقنعة: ص 604 - 605.
(4) السرائر: ج 2 ص 263.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 123.
(6) المراسم: ص 179.

[ 98 ]

بالحجاز على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله - فإذا كانت العادة فيه الكيل لم يجز إلا كيلا في سائر البلاد، وما كان العرف فيه الوزن لم يجز فيه إلا وزنا في سائر البلاد، والمكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة، هذا كله بلا خلاف، فإن كان مما لا يعرف عادته في عهد النبي - صلى الله عليه وآله - حمل عد عادة البلد الذي يثبت فيه ذلك الشئ، فإذا ثبت ذلك فما عرف بالكيل لا يباع إلا كيلا، وما كان العرف فيه وزنا لا يباع إلا وزنا (1). وكذا قال ابن البراج (2)، وهو الأقرب. لنا: إن ما انتفى العرف به في زمان رسول الله - صلى الله عليه وآله - يحكم فيه بالعرف، ولا ريب أن كل بلد لهم عرف خاص فينصرف إطلاق الخطاب إليه، لأن الأصل عدم التحريم. احتج الاخرون بالاحتياط. والجواب: المعارضة بالأصالة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: يجوز بيع الحنطة بدقيقها متماثلا، ولا يجوز متفاضلا يدا بيد، ولا يجوز نسيئة، والأحوط أن يباع بعضه ببعض وزنا مثلا بمثل، لأن الكيل يؤدي إلى الفاضل، لأن الدقيق أخف وزنا من الحنطة، ومتى كان أحدهما يباع وزنا والآخر كيلا فلا يباع أحدهما بصاحبه إلا وزنا ليزول التفاضل مثل الحنطة والخبز (3). وكذا قال ابن البراج (4). وقال في باب السلم: لا يجوز بيع الجنس الواحد فيما يجري فيه الربا بعضه ببعض وزنا إذا كان أصله الكيل، ولا كيلا إذا كان أصله الوزن (5). وقال ابن إدريس: يجوز أن يسلف في المكيل من الادهان والحبوب وزنا

(1) المبسوط: ج 2 ص 90.
(2) المهذب: ج 1 ص 363. (3) المبسوط: ج 2 ص 90.
(4) المهذب: ج 1 ص 363.
(5) المبسوط: ج 2 ص 182.

[ 99 ]

وفي الموزون كيلا إذا كان يمكن كيله ولا يتجافى في المكيال، ولا يجوز بيع الجنس الواحد فيما يجري فيه الربا بعضه ببعض وزنا إذا كان أصله الكيل، ولا كيلا إذا كان أصله الوزن. والفرق أن المقصود من السلم معرفة مقدار المسلم فيه حتى تزول عنه الجهالة، وذلك يحصل بأيهما قدره من كيل أو وزن، وليس كذلك ما يجري فيه الربا، فإن الشارع أوجب علينا التساوي والتماثل بالكيل في المكيلات وبالوزن في الموزونات، فإذا باع المكيل بعضه ببعض وزنا فإذا رد إلى الكيل جاز أن يتفاضل لثقل أحدهما وخفة الآخر فلذلك افترقا، ويجوز بيع المكيل بالوزن، ولا يجوز بيع الموزون بالمكيل، لأنه غرر وجزاف (1). والأقرب عندي أن المكيل لا يباع بعضه ببعض بالوزن مع احتمال التفاوت، وكذا العكس. لنا: أنها قد تختلف بالثقل والخفة فيلزم الربا، ولو جهل الثقل والخفة كان كالجزاف. إذا عرفت هذا فالحنطة من المكيلات، وكذا الدقيق، لأن أصله الحنطة وهي مكيلة، فلا يباع أحدهما بالآخر إلا بالكيل، ولا يباع أحدهما بالآخر إلا بالوزن، وإلا جاء الربا. لا يقال: إذا بيعا بالكيل حصل الربا أيضا، لأن الحنطة أثقل من الدقيق فيحصل التفاوت بالوزن وهو عين الربا. لأنا نقول: لا اعتبار بالتفاوت بالميزان في المكيل، ثم قد روى زرارة، عن الباقر - عليه السلام - في الصحيح قال: الدقيق بالحنطة والسويق بالدقيق مثلا بمثل لا بأس به (2).

(1) السرائر: ج 2 ص 260 وفيه: (ولا يجوز بيع الموزون بالكيل).
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 94 ح 401، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الربا ح 4 ج 12 ص 440.

[ 100 ]

ومحمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: قلت له: ما تقول في البر بالسويق؟ قال: مثلا بمثل لا بأس به (1). وأنما تتحقق المماثلة لتساوي المقدار الذي جعله الشارع معيارا لهما وهو الكيل، وإن اختلفا في غيره مما لم يجعله معيارا لهما. وقول الشيخ: (إن الأحوط الوزن، لأن الدقيق أخف من الحنطة) غير جيد، لأنه من هذه الحيثية كان الأحوط الكيل، إذ مع تساويهما في الوزن يقتضي التفاضل بينهما في ما جعله الشارع معيارا لهما وهو الكيل الذي نهي عنه، وتساويهما في الكيل يقتضي تماثلهما في ما جعله الشارع معيارا لهما الذي أمر به وإن اختلفا في ما سواه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: يجوز بيع السمن بالزيت متفاضلا نسيئة (2). مع أنه قال أولا: وكل ما يكال أو يوزن فإنه يحرم التفاضل فيه والجنس واحد نقدا ونسيئة، وإذا اختلف الجنسان فلا بأس بالتفاضل فيهما نقدا ونسيئة إلا الدراهم والدنانير والحنطة والشعير (3). وقد بينا جواز ذلك، وهو اختيار ابن إدريس (4). لنا: ما تقدم. احتج الشيخ بما رواه عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: لا ينبغي للرجل إسلاف السمن بالزيت ولا الزيت بالسمن (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 95 ح 404، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الربا ح 1 ج 12 ص 440.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 123.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 119 - 120.
(4) السرائر: ج 2 ص 261.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 97 ح 415، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب الربا ح 10 ج 12 ص 444.

[ 101 ]

وفي الصحيح عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الزيت بالسمن اثنين بواحد، قال: يدا بيد لا بأس به (1). وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رب أسلف زيتا على أن يأخذ منه سمنا، قال: لا يصلح (2). والجواب: أن هذه الأحاديث محمولة على الكراهة جمعا بين الأدلة، وكذا قال: لا يجوز بيع التمر بالزبيب متفاضلا (3). والحق الكراهة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز بيع السمسم بالشيرج ولا الكتان بدهنه، بل ينبغي أن يقوم كل واحد منهما على انفراده (4)، وأطلق، وتبعه ابن إدريس (5). والحق أنه لا يجوز التفاضل فيهما، ويجوز التساوي. لنا: إنهما إما متساويان في الجنس فيباع أحدهما بما يساويه في المقدار، وإما مختلفان فيباع أحدهما بالآخر مطلقا. مسألة: قال في الخلاف: يجوز بيع مد من طعام بمد من طعام، وإن كان في أحدهما فضل وهو عقد التبن، أو زوان - وهو حب أصفر منه دقيق الطرفين - أو شيلم وهو معروف، احتج بالاية وعدم المانع (6). وكذا في المبسوط إلا أنه قال فيه: وقال قوم: لا يجوز، وهو الأحوط (7). والمعتمد الأول، وهو قول ابن إدريس (8).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 97 ح 416، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب الربا ح 7 ج 12 ص 444. (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 97 ح 414، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب الربا ح 6 ج 12 ص 444.
(3) و (4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 124.
(5) السرائر: ج 2 ص 261.
(6) الخلاف: ج 3 ص 58 المسألة 88.
(7) المبسوط: ج 2 ص 92.
(8) السرائر: ج 2 ص 264.

[ 102 ]

لنا: إنها تابعة فلا تؤثر في المبيع ولا في المماثلة والتجانس، ولهذا لو اشترى منه طعاما ودفع إليه مثل ذلك مما قد جرت العادة بكونه فيه وجب عليه القبض. احتج المانع بأنه زيادة لا قيمة لها فيبقى الباقي أقل من الصافي فيحصل الربا، إذ هذه الزيادة لا تدخل في المعاوضة، لعدم تقويمها. والجواب: قد بينا أنها غير مؤثرة في المماثلة. مسألة: قال في الخلاف: يجوز بيع خل الزبيب بخل العنب مثلا بمثل، ولا يجوز متفاضلا (1). وكذا في المبسوط إلا أنه قال: وقال قوم: لا يجوز بيعه أيضا مثلا بمثل، لأن خل الزبيب فيه ماء، وهو قوي (2). والمعتمد الأول. لنا: ما تقدم من أن الماء غير مقصود ولا مؤثر في الاختلاف والتماثل. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: الطين الذي يأكله الناس حرام، لا يحل أكله ولا بيعه (3). وقال في المبسوط: الطين الذي يتداوى به الناس من الارمني فيه الربا، لأنه من الموزون، وغيره من الخراساني لا يجوز بيعه أصلا، لأنه محرم، وإذا لم يجز بيعه فلا اعتبار للربا فيه (4). وقال ابن البراج: وأما ما يدخل في الأدوية من الطين الارمني والخراساني فلا يجوز بيعه، لأنه حرام، ولا معنى لذكر دخول الربا فيه (5). وهذه الأقوال كلها ليست جيدة، فإن تحريم الأكل لا يستلزم تحريم البيع،

(1) الخلاف: ج 3 ص 54 المسألة 78.
(2) المبسوط: ج 2 ص 91.
(3) الخلاف: ج 3 ص 48 المسألة 69. (4) المبسوط: ج 2 ص 90.
(5) المهذب: ج 1 ص 362 - 363.

[ 103 ]

للانتفاع به في غير ذلك. نعم لو قيل: إنه غير مكيل ولا موزون أمكن، وحينئذ فالحق أن نقول: كل طين يباع كيلا أو وزنا يثبت فيه الربا، وما يباع جزافا لا ربا فيه. مسألة: قال في الخلاف (1) والمبسوط (2). يجوز بيع الحنطة بالسويق منه وبالخبز وبالفالوذق المتخذ من النشاء مثلا بمثل. ثم قال في المبسوط: ولا يجوز متفاضلا يدا بيد، ولا يجوز نسيئة، فأما الفالوذق فيجوز بيعه بالحنطة والدقيق متفاضلا ما لم يؤد إلى التفاضل في الجنس، لأن فيه غير النشاء (3). والأقرب أن نقول: الفالوذق إن بيع بأقل منه وزنا بحيث يحصل التفاضل في الجنس الواحد إما بجنسه أو بغير جنسه لم يجز، وإلا جاز، لأن المقتضي للمنع ثبوت الربا، وعلى تقدير الزيادة في الثمن على ما في الفالوذق من الحنطة لا ربا، لأن المساوي في مقابلة مساويه، والزيادة في مقابلة ما اشتمل عليه من غير الجنس. مسألة: قال في المبسوط: إذا باع صنفا من لحم بصنف آخر جاز مثلا بمثل، رطبين كانا أو يابسين، أو أحدهما رطب والآخر يابس وزنا وجزافا، لأن التفاضل بينهما يجوز (4). وليس بجيد، لأن جواز التفاضل لا يقتضي صحة بيع الجزاف، لأن اللحم موزون، فلا يجوز بيعه جزافا، لما فيه من الغرر لا باعتبار الربا. مسألة: قال ابن الجنيد: الربا في النقد زيادة يأخذها أحد المتبادلين

(1) الخلاف: ج 3 ص 52 المسألة 74.
(2) المبسوط: ج 2 ص 90.
(3) المبسوط: ج 2 ص 91.
(4) المبسوط: ج 2 ص 99.

[ 104 ]

بسلعتهما في الكيل والوزن والعدد على ما يعطيه في ما يقع عليه اسم واحد من المأكول أو من المشروب أو من الفضة والذهب، وفي النسيئة أن يجعل ذلك شرطا على الأخذ منه نسيئة لهذه الأشياء عند القضاء، ولو كان الشرط أن يأخذ نقصانا فيما اعطي لم يكن ذلك ربا على الأخذ بل تفضلا من المعطى، ولأن الربا في ما يزيد لا في ما ينقص. والكلام في ذلك في موضعين: الأول: تخصيص الربا بالمأكول أو المشروب أو الذهب أو الفضة. والحق أنه أعم من ذلك في كل مكيل وموزون، سواء كان مأكولا أو لا، وهذا الذي اختاره مذهب من يجعل علة الربا هو الطعم أو الجوهرية الثمينة من المخالفين، ونحن لا نثبت للربا علة بل هو حرام، للنص. الثاني: قوله: (لو شرط نقصانا فيما اعطي جاز، لأن الربا في الزيادة) ليس بجيد، فإن النقصان في أحد الطرفين زيادة في الآخر فيثبت الربا. مسألة: قال ابن الجنيد: وهو في النقد في ما اتفق اسمه وجنسه أو اتفق اسمه واختلف جنسه، وفي النسيئة في ما اتفق اسمه واتفق جنسه أو اختلف، وفي ما لو كان مأكولا أو مشروبا أو ثمنا من ذهب أو فضة إذا اختلف اسمه واتفق جنسه، وفي ثبوت الربا في ما اتفق اسمه واختلف جنسه نظر، إلا أن يشير باختلاف الجنس إلى اختلاف الصنف مع الاتفاق في الاسم كاتفاق الحنطة والشعير في اسم الطعام وإن اختلفت حقيقتهما، وكذا الشئ مع فرعه فإن قصد ذلك صح كلامه. مسألة: قال ابن الجنيد: إذ اختلط الذهب بالفضة لم يجز أن يشتري المختلط بواحد منهما، وإن كان أحدهما مختلطا بنحاس أو رصاص فإن كان معلوما جاز أن تباع الفضة بمثلها وأسقط الغش وفي اطلاقه الأول نظر، بل الأولى التفصيل، وهو أن نقول: إما أن يكونا معلومين أو لا، فإن كانا معلومين جاز بيعه بما يزيد على أحدهما، وإن كانا مجهولين لم يبع بأحدهما، إلا

[ 105 ]

بشرط أن يعلم زيادته على مماثله من المثلين، وقد نبه على هذا أيضا بعد كلامه فقال: والذهب إن كان معه جوهر له قسط من الثمن لم استحب شراءه بذهب، إلا بعد اليقين بأن الذهب من الثمن زائدا على قدر الذهب في السلعة، لتكون الزيادة ثمنا للجوهر، ويحبب ذلك إلى شرائه بالفضة، والعروض أحب إلي. مسألة: منع ابن حمزة من بيع المعدود بالمعدود متفاضلا نسيئة كجوزة بجوزتين وبيضة ببيضتين نسيئة، وجوزه نقدا، وكذا جوز التفاضل نقدا ونسيئة مع الاختلاف كبيضة بجوزتين (1). والحق ما قدمناه من الجواز مطلقا. لنا: إن شرط الربا التقدير بالكيل أو الوزن وهو منفي هنا.

(1) الوسيلة: ص 254.

[ 106 ]

الفصل السابع في الصرف مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا كان لانسان على صيرفي دراهم أو دنانير فيقول له: حول الدنانير إلى الدراهم أو الدراهم إلى الدنانير وساعره على ذلك كان ذلك جائزا وإن لم يوازنه في الحال، ولا يناقده، لأن النقدين جميعا من عنده (1). وقال ابن إدريس: إن أراد بذلك أنهما افترقا قبل التقابض في المجلس فلا يصح ذلك، ولا يجوز بغير خلاف، لأن الصرف لا يصح أن يفترقا من المجلس إلا بعد التقابض، فإن افترقا قبل أن يتقابضا بطل البيع والصرف، وإن أراد أنهما تقاولا على السعر وعينا الدراهم المبتاعة أو الدنانير المبيعة وتعاقدا لبيع ولم يوازنه ولا يناقده بل نطق البائع بمبلغ المبيع ثم تقابضا قبل التفرق والانفصال من المجلس كان ذلك جائزا صحيحا، وإن أراد الأول كان باطلا بلا خلاف يدل عليه قوله في المبسوط: تصح الاقالة في جميع السلم وبعضه، فإن أقاله في الجميع برئ المسلم إليه من المسلم فيه ولزمه رد ما قبضه من رأس المال إن كان قائما، وإن كان تالفا لزمه مثله، فإن تراضيا يقبض بدله من جنس آخر، بأن يأخذ الدراهم بدل الدنانير أو بالعكس كان جائزا، أخذ الدنانير بدل

النهاية ونكتها: ج 2 ص 125.

[ 107 ]

الدراهم أو بالعكس وجب التقابض في المجلس، لأنه صرف، وإن أخذ عرضا آخر جاز أن يفارقه قبل القبض، لأنه بيع عرض معين بثمن في الذمة (1). وابن الجنيد وافق الشيخ فإنه قال: لو كان لرجل على رجل ورق فصارفه عليه وقال له: اثبت بدل ما كان لي معك من الورق قيمة العين وهو كذا وكذا جاز ذلك، والحديث دل عليه. روى الشيخ في الصحيح عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: يكون للرجل عندي الدراهم فيلقاني فيقول: كيف سعر الوضح اليوم؟ فأقول: كذا وكذا، فيقول: أليس لي عندك كذا وكذا ألف درهم وضحا؟ فأقول: نعم، فيقول: حولها إلى دنانير بهذا السعر وأثبتها لي عندك فما ترى في هذا؟ فقال لي: إذا كنت قد استقصيت له السعر يومئذ فلا بأس بذلك، فقلت: إني لم أوازنه ولم أناقده وإنما كان كلام مني ومنه، فقال: أليس الدراهم من عندك والدنانير من عندك؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس (2) وفي الصحيح عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يكون عنده دراهم قم فآتيه فأقول: خذها وأثبتها عندك، ولم أقبض شيئا، قال: لا بأس (3). ولا استبعاد في مخالفة هذا النوع من الصرف لغيره باعتبار اتحاد من عليه الحق وكان كالتقابض، يحتمل أن يحمل كلام الشيخ على التوكيل، فإن

(1) السرائر: ج 2 ص 265 - 266.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 102 ح 441، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب بيع الصرف ح 1 ج 12 ص 463.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 103 ح 442، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب بيع الصرف ح 2 ج 12 ص 464.

[ 108 ]

قوله: (حول الدراهم إلى الدنانير أو الدنانير إلى الدراهم) نوع توكيل، وحينئذ لا إشكال سواء تقابضا في المجلس أو لا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس أن يبيع درهما بدرهم ويشترط معه صياغة خاتم أو غير ذلك من الأشياء (1). وقال ابن إدريس: وجه الفتوى بذلك على ما قاله - رحمه الله -: إن الربا هو الزيادة في العين إذا كان الجنس واحدا، وهنا لا زيادة في العين، فيكون ذلك على جهة الصلح في العمل. فهذا وجه الاعتذار له إذا سلم العمل به، ويمكن أن يحتج لصحته بقوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) وهذا بيع، والربا المنهي عنه غير موجود هاهنا لا حقيقة لغوية ولا حقيقة عرفية شرعية (2). والكلام في هذه المسألة يقع في مواضع: الأول: في صحة هذا البيع، والوجه عندي بطلانه. لنا: أنه باع المثل بالمثل وزيادة، وقول ابن إدريس: (إن الزيادة العينية هنا منفية) غير مفيد، لأن مطلق الزيادة محرمة، سواء كانت عينية أو حكمية. احتج الشيخ بما رواه الحسين بن سعيد، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يقول للصائغ: صغ لي هذا الخاتم وأبدل لك درهما طازجا بدرهم غلة، قال: لا بأس (3). والجواب: ليس في الحديث دلالة على البيع، بل جعل له إبدال الدرهم بالدرهم شرطا في العمل.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 127.
(2) السرائر: ج 2 ص 267.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 110 ح 471، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب الصرف ح 1 ج 12 ص 480.

[ 109 ]

الثاني: لو سوغناه هل يتعدى الحكم عنه إلى غيره؟ كلام الشيخ يدل على التعدية في العمل بقوله: (أو غير ذلك من الأشياء) فحينئذ يجوز أن يبيعه درهما بدرهم ويشترطه صياغة سوار أو خياطة ثوب، وفي تعدية الحكم في الثمن والمثمن بأن يبيع دينارا بدينار ويشترط عملا أو يبيع عشرة دراهم بعشرة دراهم ويشترط العمل إشكال. والأقرب تفريعا على الجواز هنا. لنا: إن الزيادة المذكورة إن أوجبت الربا لزم التحريم في الجميع، وإلا فلا. الثالث: قول ابن إدريس: (الربا منفى هنا، لانتفاء الزيادة في العين) مناف لقوله: (ويكون ذلك على جهة الصلح). مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا باع تم لانسان دراهم بالدنانير لم يجز له أن يأخذ بالدنانير دراهم مثلها، إلا بعد أن يقبض الدنانير ثم يشتري بها دراهم إن شاء (1). وقال ابن إدريس: إن لم يتفارقا من المجلس إلا بعد قبض الدراهم المبتاعة بالدنانير التي على المشتري الأول فلا بأس بذلك وإن لم يكن قبضه الدنانير التي هي ثمن الدراهم الأول المبتاعة هذا إذا عينا الدراهم الأخيرة، فإن لم يعيناها فلا يجوز ذلك، لأنه يكون بيع دين بدين، وإن عيناها لم يصر بيع دين بدين، بل يصير بيع دين بعين (2). وهذا الكلام ليس بجيد أما أولا: فلأن الشيخ يمنع من بيع ما يكال أو يوزن قبل قبضه (3)، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. ويدل على

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 127 - 128.
(2) السرائر: ج 2 ص 267 - 268.
(3) المبسوط ج 2 ص 119.

[ 110 ]

المنع هنا ما رواه إسحاق بن عمار في الصحيح قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام -: الرجل يجيئني بالورق يبيعها يريد بها ورقا عندي فهو اليقين عندي أنه ليس يريد الدنانير ليس يريد إلا الورق ولا يقوم حتى يأخذ ورقى فأشتري منه الدراهم بالدنانير فلا تكون دنانيره عندي كاملة فأستقرض له من جاري فاعطيه كمال دنانيره ولعلي لا أحرز وزنها، فقال: أليس يأخذ وفاء الذي له؟ قلت: بلى، قال: ليس به بأس (1) وأما ثانيا: فحكمه أنه لو اشترى بثمن غير معين لكان قد اشترى بالدين، وليس بمعتمد، وكذا قال ابن إدريس: لا بأس أن يبيع الانسان ماله على غيره من الدراهم والدنانير بدراهم معينة ودنانير معينة ويقبضها قبل التفرق من المجلس من الذي هو عليه، ولا يجوز أن يبيعها إياه بدراهم أو دنانير غير معينة، لأنه يكون في ذمته فيصير بيع دين بدين (2). وليس بجيد. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز انفاق الدراهم المحمول عليها (3) إلا بعد أن يبين حالها (4). قال ابن إدريس: الشيخ أطلق ذلك، والتحرير فيه أنه لا يجوز إنفاقها إلا بعد أن يبين حالها، إلا أن تكون معلومة الحال شائعة متعاملا بها غير مجهولة في بلدها وعند بائعها ومشتريها فيقوم ذلك مقام تبيين حالها، والشيخ حرر ما حررناه في استبصاره، وبه أورد الأخبار المتواترة الكثيرة، ثم أورد الخبر الذي ذكره في نهايته متأولة. قال: والخبر عن المفضل بن عمر الجعفي قال: كنت

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 مر 105 ح 450، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الصرف ج 12 ح 3 ص 465.
(2) السرائر: ج 2 ص 268.
(3) أي الدراهم المغشوشة.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 129.

[ 111 ]

عند أبي عبد الله - عليه السلام - فألقي بين يديه دراهم فألقى إلي درهما منها، فقال: إيش هذا؟ فقلت ستوق، فقال: وما الستوق؟ فقلت: طبقتين فضة وطبقة نحاس وطبقة فضة، فقال: اكسر هذا فإنه لا يحل بيع هذا ولا إنفاقه، ثم أورد حديثا عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن إنفاق الدراهم المحمول عليها، فقال: لا بأس بإنفاقها. وعنه قال: سألته عن الدراهم المحمول عليها، فقال: إذا جازت الفضة الثلثين فلا بأس. قال الشيخ: الوجه في هذه الأخبار أن الدراهم إذا كانت معروفة متداولة بين الناس فلا بأس بإنفاقها على ما جرت عادة البلد، وإذا كانت مجهولة لم يجز إنفاقها إلا بعد أن يبين عيارها. قال ابن إدريس: وهذا التأويل هو الذي يقوى في نفسي، لأنه الحق اليقين (1). والحق أن هذا تطويل لا فائدة تحته، ولا خلاف بين قول الشيخ في النهاية وقوله في الاستبصار، لأن التبيين إنما يكون مع الجهالة، أما مع الظهور فلا بأس بإنفاقها إجماعا. والحديث الذي جعله ابن إدريس قول الشيخ في النهاية صحيح، لأن الإمام - عليه السلام - منع من ذلك للجهالة لا مطلقا، وحينئذ فهو قول الشيخ في النهاية وقوله في الاستبصار، ولم يرد الإمام المنع مطلقا، وإلا لم يكن هو ما ذكره الشيخ في النهاية، والأخبار التي ادعى تواترها وردت بالجواز مطلقا، وليس هو المراد بالاجماع بل مع التبيين لحالها. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز بيع الفضة إذا كان فيها شئ من النحاس والرصاص والذهب أو غير ذلك إلا بالدنانير إذا كان الغالب الفضة، فإن كان الغالب الذهب والفضة الأقل فلا يجوز بيعه إلا بالفضة، ولا يجوز بيعه بالذهب، هذا إذا لم يحصل العلم بمقدار كل واحد منهما على التحقيق، فإن تحقق ذلك

(1) السرائر: ج 2 ص 269 - 270.

[ 112 ]

جاز بيع كل واحد منهما بجنسه مثلا بمثل من غير تفاضل. والأواني المصاغة من الذهب والفضة معا إن كان مما يمكن تخليص كل واحد منهما من صاحبه فلا يجوز بيعها بالذهب أو الفضة، وإن لم يمكن ذلك فيها فإن كان الغالب فيها الذهب لم تبع إلا بالفضة، وإن كان الغالب فيها الفضة لم تبع إلا بالذهب، فإن تساويا النقدان بيع بالذهب والفضة معا، وإن جعل معها شئ آخر من المتاع كان أولى وأحوط (1). وقال ابن الجنيد: وإذا اختلط الذهب بالفضة لم يجز أن يشتري المختلط بواحد منهما، وإن كان أحدهما مختلطا بنحاس أو رصاص وإن كان معلوما جاز ابتياع الفضة بمثلها وأسقط الغش، وإن ابتاع المختلط منهما بشئ منهما بأن يجعل الذهب في الثمن ثمن الفضة من السلعة والفضة في الثمن ثمن الذهب من السلعة جاز، وقول النبي - صلى الله عليه وآله -: (بيعوا الذهب بالفضة يدا بيد كيف شئتم) (2) مبيح لذلك في الاختلاط والانفراد والزيادة والنقصان، فإن كان الغش المختلط في أحدهما لا حكم له في نفس الأمر - كالاسرب الذي فيه فضة لا حكم لها - جاز شراؤه بفضة دون وزنه، ولو كان هذا حكم الذهب والفضة فغلب أحدهما كان شراء ذلك بعروض غيرهما أحب إلي. واعلم أن قول الشيخ: (لا يجوز بيع الفضة إذا كان فيها شئ من المس أو الرصاص أو الذهب أو غير ذلك إلا بالدنانير إذا كان الغالب الفضة) موضع بحث ونظر، إذ يجوز بيع الفضة المغشوشة بفضة إذا كان في الثمن زيادة تقابل الغش، سواء علم المقدار أو لا بعد أن يعلم مقدار المجموع، وأن في الثمن زيادة تقابل الغش، لانتفاء الربا، إذ الفضة التي في المغشوشة تقابل باقي الثمن

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 129 - 130 - 131.
(2) سنن البيهقي: ج 5 ص 282.

[ 113 ]

والغش يقابل الزيادة. وأما الأواني المصاغة من الذهب والفضة معا فإنه يجوز بيعها بالذهب وحده أو الفضة وحدها إذا علم أن في الثمن زيادة على ما في الآنية من جنسه، ويجوز بيعها بالذهب والفضة معا، سواء أمكن التخليص أو لا، وسواء علم مقدار كل واحد منهما أو لا بعد أن يعلم المجموع، وسواء غلب أحدهما أو لا. نعم يشترط زيادة في الثمن على ما في الآنية من جنسه، ولا ربا هنا، لاختلاف الجنس. مسألة: قال الشيخ: السيوف المحلاة والمراكب المحلاة إن كانت محلاة بالفضة وعلم مقدار ما فيها جاز بيعها بالذهب والفضة، فإن بيع بالفضة فيكون ثمن السيف أكثر مما فيه من الفضة، وإن لم يعلم مقدار ما فيها وكانت محلاة بالفضة فلا تباع إلا بالذهب، وإن كانت محلاة بالفضة وأرادوا بيعها بالفضة وليس لهم طريق إلى معرفة مقدار ما فيها فليجعل معها شيئا آخر، وبيع حينئذ بالفضة إذا كان أكثر مما فيه تقريبا ولم يكن به بأس (1). قال ابن إدريس: ولي في ذلك نظر (2). ولم يذكر شيئا. والحق أن الفضة إن علم مقدارها جاز بيعها بأكثر منها ليحصل من الثمن ما يساوي المقدار من الحلية في مقابلته وزيادة في مقابلة السيف، وإن لم يعلم بيعت بجنس غير الفضة، أو بالفضة مع علم زيادة الثمن، أو يضم إلى الثمن شيئا فتكون الفضة في مقابلة السيف، والمضموم في مقابلة الحلية، لانتفاء الربا. ولما رواه أبو بصير قال: سألته عن السيف المفضض يباع بالدراهم، قال: إذا كانت فضته أقل من النقد فلا بأس، وإن كان أكثر فلا يصلح (3).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 132 - 134.
(2) السرائر: ج 2 ص 272.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 113 ح 489، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الصرف ح 8 ج 12 ص 483 - 484.

[ 114 ]

وكذا رواه منصور الصيقل، عن الصادق - عليه السلام - (1). وإذا كان الضابط قلة الحلية جاز البيع مطلقا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا اشترى ثوبا بمائة درهم إلا دينارا أو بمائة دينارا إلا درهما لم يصح، لأن الثمن مجهول، لأنه لا يدري كم حصة الدرهم من الدنانير ولا حصة الدينار من الدرهم إلا بالتقويم والرجوع إلى أهل الخبرة (2). وكذا قال ابن البراج (3). وفي النهاية: لا يجوز أن يشتري بدينار إلا درهما (4). وفي موضع آخر: غير درهم، وعلله بالجهالة (5). وقال ابن إدريس: قولنا: (لا يصح) نريد به العقد، وقولنا: (لأنه مجهول) المراد به الثمن مجهول، وإذا كان الثمن مجهولا فالعقد والبيع لا يصح (6). وهو غير صحيح. ووجه كون الثمن في هذه الصورة مجهولا، لأنه لا يدري كم حصة الدرهم من الدينار ولا حصة الدينار من الدرهم إلا بالتقويم والرجوع إلى أهل الخبرة، وذلك غير معلوم وقت العقد فهو مجهول. وقال ابن الجنيد: لو باع ثوبا بمائة درهم غير دينار نقدا جاز، فإن باعه نسيئة لم يصح البيع، لأنه لا يعلم قدر الدينار من الدرهم وقت الوجوب. وكذا

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 113 ح 488، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الصرف ح 7 ج 12 ص 483.
(2) المبسوط: ج 2 ص 98. (3) المهذب: ج 1 ص 370 - 371.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 154.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 134.
(6) السرائر: ج 2 ص 272.

[ 115 ]

قال: كل ما اختلف جنساه. والتحقيق هنا أن نقول: البيع إن كان نقدا فإن علم المتعاقدان نسبة الاستثناء من المستثنى منه صح البيع، وإن جهلاه أو أحدهما بطل البيع، وإن كان نسيئة فإن شرطا استثناء الدرهم المتعامل به وقت العقد أو أطلقا فكالأول يصح إن علما النسبة ويبطل إن حصل الجهل لأحدهما، وإن شرطا استثناء الدرهم المتعامل به وقت الحلول بطل البيع للجهالة، وعلى هذا يحمل كلام ابن الجنيد، وعلى الجهالة يحمل كلام الشيخ، والتعليل الذي ذكره يدل عليه، وحينئذ لا خلاف هنا. احتج الشيخ بما رواه حماد بن ميسر، عن جعفر، عن أبيه - عليهما السلام - أنه كره أن يشتري الثوب بدينار غير درهم، لأنه لا يدري كم الدينار من الدرهم (1). واحتج ابن الجنيد بما رواه السكوني، عن جعفر، عن أبيه - عليهما السلام - عن أمير المؤمنين - عليه السلام - في الرجل يشتري السلعة بدينار غير درهم إلى أجل، قال: فاسد فلعل الدينار يصير بدرهم (2). وعن وهب، عن جعفر، عن أبيه - عليهما السلام - أنه كره أن يشتري الرجل بدينار إلا درهما وإلا درهمين نسيئة، ولكن يجعل ذلك بدينار إلا ثلثا وإلا ربعا وإلا سدسا أو شيئا يكون جزء من الدينار (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 116 ح 504، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام العقود ح 4 ج 12 ص 399.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 116 ح 502، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام العقود ح 2 ج 12 ص 399.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 116 ح 503، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام العقود ح 3 ج 12 ص 399.

[ 116 ]

وعلى ما حققناه نحن أولا لا نزاع بين القولين، لأن مناط البطلان الجهالة، وإنما يتحقق فيما صورناه. مسألة: قال الشيخ: وجوهر الفضة لا يجوز بيعه إلا بالذهب أو بجنس غير الفضة، وجوهر الذهب لا يجوز بيعه إلا بالفضة أو بجنس غير الذهب (1). وأطلق. والتحقيق أن نقول: إذا كان في الثمن زيادة على ما في الجوهر يقابل ما في الجوهر من غير الجنس صح البيع، وإلا فلا، ولو فرض خلوص الجوهر من غير جنسه جاز بيعه بجنسه مع المساواة في المقدار. مسألة: إذا اشترى منه دراهم غير معينة وظهر عيب من الجنس في بعضها قال الشيخ في المبسوط: للمشتري أن يبدل البعض، وأن يفسخ البيع في الجميع (2). وعندي في فسخ البيع نظر. والأقرب أن له المطالبة بالبدل، وليس له الفسخ إلا مع تعذر الابدال، فإن قصد الشيخ ذلك فهو حق، وإلا فلا، والذي اخترناه قول ابن حمزة (3). مسألة: قال في المبسوط: إذا كان معه مائة درهم صحاحا وأراد أن يشتري بها مكسرة أكثر وزنا منها فاشترى بالصحاح ذهبا ثم اشترى بالذهب مكسرة أكثر من الصحاح صح، إذا تقابضا وافترقا بالأبدان، سواء كان مرة أو مكررا، والافتراق بالبدن لا بد منه، فإن لم يفترقا لكن خيره فقال: اختر ما شئت من إمضاء البيع وفسخه، فإن اختار إمضاء البيع لزم البيع وسقط الخيار وقام التخاير مقام التفرق، إلا أنه يكون التخاير بعد التقابض، فإن تخايرا قبل التقابض بطل الصرف، وإن تقابضا ولم يتفرقا ولم يتخايرا صح، لأن شروعهما

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 130.
(2) المبسوط: ج 2 ص 95.
(3) الوسيلة: ص 244.

[ 117 ]

في البيع قطع للخيار وامضاء للبيع، لأنا بينا أنه إذا تصرف فيه أو أحدث فيه المشتري حدثا بطل خياره، وإن باعه قبل التخاير أو التفرق من غير بائعه لم يصح، لأن للبائع حق الخيار (1). وفي هذا نظر في مواضع: الأول: إنه لا يشترط مع التقابض التفرق بالأبدان، نعم إنه شرط في اللزوم إذا لم يسقط الخيار في متن العقد أو بعده. الثاني: إنه لو خيره قبل التقابض لم يبطل الصرف إذا تقابضا بعد ذلك قبل التفرق. الثالث: إنه لو باعه من غير بائعه صح، ولا يبطل حق البائع من الخيار، كما لو باع المشتري في زمن خيار البائع. مسألة: قال في المبسوط: إذا سلم ما في يده ووكل رجلا في قبض ما في يد صاحبه فإن فارقه قبل أن يقبض وكيله بطل الصرف، لأن التوكيل في القبض ليس بقبض، فإن فارقه بعد أن قبض الوكيل صح، وإن لم يكن له بد من مفارقته ولم يكن قبضه في الحال لم يجز له أن يفارقه قبل المفاسخة، لأنه ربا، فإذا كان كذلك فاسخه (2). وفي تحريم المفارقة قبل المفاسخة نظر، فإن المفارقة تقتضي المفاسخة، نعم لو كره الآخر فطالب بحقه لم يجز المفارقة ولا المفاسخة. مسألة: قال في المبسوط: إذا اشترى ثوبا بمائة درهم من صرف عشرين درهما بدينار لم يصح الشراء، لأن الثمن غير معين ولا موصوف بصفة فيصير: بها معلوما (3). وليس هذا الإطلاق بجيد، لأنه مع وجود دراهم صرفها ذلك يصح البيع.

(1) المبسوط: ج 2 ص 96.
(2) المبسوط: ج 2 ص 97.
(3) المبسوط: ج 2 ص 98.

[ 118 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا اشترى ثوبا بنصف دينار لزمه شق دينار ولا يلزمه صحيح، فإن اشترى ثوبا آخر بنصف دينار وشرط في الثاني أن يعطيه دينارا صحيحا عن الأول والثاني نظر، فإن كان الأول قد لزم وانقطع الخيار بينهما بطل الثاني وصح الأول، لأنه لم يرض بأن يكون في الثوب الثاني نصف دينار صحيح حتى يزيد في ثمن الثوب الأول فيجعل المكسور من دينار صحيح، وهذه الزيادة لا تلحق بالأول، لالتزامه، ولأن الزيادة مجهولة، وإذا لم تلحق بالأول لم تثبت فكان الثمن في الثوب الثاني مجهولا فلم يصح، وإن كان الأول لم يلتزم وكان الخيار باقيا بينهما فسد الأول والثاني، لأن زيادة الصفة منفردة عن العين مجهولة ولا يصح الحاقه بالثمن ولم تثبت، وإذا لم تثبت هذه الزيادة فلم يرض، بأن يكون نصف دينار ثمنا حتى يكون معه هذه الزيادة في ثمن الثوب الآخر صار الثمن مجهولا فلم يصح هذا (1). وهذا ليس بجيد، أما مع لزوم البيع فإنه يجوز الثاني أيضا، لأن الثمن فيه نصف دينار صحيح، وقد شرط فيه زيادة صفة في الثمن الأول ولا منع فيه، لقوله - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) (2) ولزوم الأول لا يمنع لحوق الزيادة بثمنه للشرط في الثاني، ونمنع جهالة الزيادة، لأن الزيادة هنا كون النصف صحيحا وهو أمر معلوم، فإن عني أنه مجهول المقدار منعناه أيضا، لأن هذا الوصف يستحيل عليه التقدير فلا يصدق عليه جهالة المقدار ولا علمه. وأما مع عدم لزومه فإنه يصح البيعان معا، لوجود المقتضي وهو العقد الخالي من المانع سوى الشرط، وقد بينا أنه لا يصح للمانعية من حيث إنه أمر مطلوب للعقلاء

(1) المبسوط: ج 2 ص 98 - 99.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ذيل ح 1503، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ذيل ح 4 ج 15 ص 30.

[ 119 ]

ويتعلق بالأغراض فاقتضت الحكمة مشروعيته، وهو أمر معلوم، لما تقدم فصح اشتراطه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا اشترى ثوبا بعشرين درهما وجاءه بعشرين صحاحا وزنها عشرون ونصف وقبض بنصف درهم فضة جاز، وإن كان ذلك شرطا في أصل بيع الثوب لم يصح البيع، لأنه شرط عليه بيع نصف درهم، وهذان بيعان في بيعة واحدة، وذلك لا يجوز (1). وهذا ليس بجيد، لأنه يجوز أن يشتري منه شيئا ويشترط عليه بيع آخر أو شراءه، ولا يكون ذلك بيعان في بيعة، بل المراد بذلك أن بيعه بدينار إلى أجل وبدينارين إلى أجل آخر، أما الأول فلا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا باع دنانير بدراهم أو دراهم بدنانير وكانا قد عينا وكان العيب من غير الجنس في البعض بطل البيع فيه ولا يبطل في الباقي، ويأخذ بحصته من الثمن، ويكون بالخيار بين أن يرده ويفسخ البيع وبين أن يرضى به بحصته من الثمن، وإن كان من الجنس وكان العيب في البعض كان له رد الجميع وليس له أن يرد البعض المعيب ويمسك الباقي، ولو اشترى دراهم بدراهم أو دنانير بدنانير ووجد ببعضها عيبا من جنسها أو من غير جنسها كان البيع صحيحا، وللمشتري أن يرد المبيع بالعيب أو يفسخ العقد في الجميع (2). وقال ابن حمزة: إذا باع الذهب بالذهب فإن كان مشارا إليهما وتقابضا وظهر ببعض أحد البدلين عيب من جنسه أو من غير جنسه كان لمن لم يعب ماله الخيار بين رد المعيب وبين فسخ البيع في الكل، وإن بيع الذهب بالفضة

(1) المبسوط: ج 2 ص 99.
(2) المبسوط: ج 2 ص 93 - 94.

[ 120 ]

مشارا إليهما وتقابضا وظهر عيب في المجلس من جنسه في البعض أو الكل أو من أحد البدلين كان بالخيار بين الفسخ والامضاء، وإن كان العيب من غير جنسه وظهر العيب في البعض تبعضت الصفقة، وإن ظهر في الكل انفسخ البيع (1). والتحقيق أن نقول: متى ظهر العيب في البعض من الجنس سواء تساوى الثمن والمثمن في الجنس أو اختلفا كان للمشتري الخيار بين رد الجميع وبين الامضاء، وليس له رد المعيب وحده إلا أن يرضى البائع به، وإن كان العيب من غير الجنس لم يكن له الامضاء في الجميع بل يبطل في المعيب ويتخير المشتري بين فسخ البيع في الجميع وبين الامضاء في البعض بقدره من الثمن، وفي تخيير البائع حينئذ نظر، يأتي البحث فيه. مسألة: لو كانا غير معينين أو أحدهما وظهر في غير المعين عيب فإن كان العيب بعد التفريق وكان العيب من الجنس قال الشيخ (2)، وابن حمزة (3): يتخير واحدة بين الفسخ والأبدال والرضا مجانا. وعندي فيه نظر في موضعين: الأول: الفسخ، فإن لقائل أن يقول: ليس له الفسخ، كما لو دفع المسلم فيه معيبا، فإن للمشتري المطالبة بصحيح دون الفسخ، إلا مع تعذر التسليم فكذا هنا، إذ المعقود عليه غير معين، فلا يتعين المعيب بالقبض، فلا يتحقق الفسخ. الثاني: في كون الرضا مجانا، والأقرب أن نقول: إن كان الجنس واحدا فكذلك، وإن اختلف فالوجه ثبوت الأرش ولا ربا هنا، إذ المأخوذ عوض عن الجزء الفائت من الصفات الواجبة، والربا إنما يثبت في المبيع.

(1) الوسيلة: ص 243 - 244.
(2) المبسوط: ج 2 ص 95.
(3) الوسيلة: ص 244.

[ 121 ]

مسألة: قال ابن حمزة: المخلوط من الذهب بالفضة إذا أمكن تخليص أحدهما من الآخر ولم يعلم مقدار ما فيه من الذهب والفضة لم يجز بيعه بالذهب ولا بالفضة ولا بالمخلوط (1). وهذا ليس بجيد، فإن الحق أنه يجوز بيعه بالذهب أو بالفضة بشرط العلم بزيادة الثمن على ما فيه الممتزج من جنسه، وكذا يجوز بيعه بالممتزج بأن يبيع ما في الثمن من الذهب بالفضة وبالعكس، وقد سوغ البيع إذا لم يمكن التخلص واشتبه الغالب بالمجموع منهما، وأي فرق في ذلك بين إمكان التخليص وعدمه. ثم قال: وإن كان كلا البدلين مخلوطا كذلك (2) أي مع عدم إمكان التخليص والاشتباه لم يجز بيع أحدهما بالآخر، والوجه عندي الجواز. مسألة: قال ابن الجنيد: لو استوفى ثمن سلعته من الصير في فرأى فيه ما لا يجوز فقال له الصير في: انقد ورد نقايتها جاز ذلك ما لم يتجاوز اليومين، فيدخل في حد بيع النسيئة. ولا أرى هذا شيئا، بل التحقيق: أن الثمن إن كان معينا لم يكن له الابدال، وإن لم يكن معينا فله ذلك بعد يومين أو أزيد.

(1) و (2) الوسيلة: ص 244.

[ 122 ]

الفصل الثامن في النقد والنسيئة مسألة: قال الشيخ في النهاية: فإن ذكر المتاع بأجلين ونقدين مختلفين بأن يقول: ثمن هذا المتاع كذا عاجلا وكذا آجلا ثم أمضى البيع كان له أقل الثمنين وأبعد الأجلين (1). وقال المفيد: لا يجوز البيع بأجلين على التخيير كقولهم: هذا المتاع بدرهم نقدا وبدرهمين إلى شهر أو سنة أو بدرهم إلى شهر وباثنين إلى شهرين، فإن ابتاع إنسان شيئا على هذا الشرط كان عليه أقل الثمنين في آخر الأجلين (2). وقال السيد المرتضى في المسائل الناصرية: المكروه أن يبيع الشئ بثمنين بقليل إن كان الثمن نقدا وبأكثر منه نسيئة (3). قال ابن الجنيد: وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وآله - أنه قال: (لا تحل صفقتان في بيعة واحدة) وذلك أن يقول: إن كان بالنقد فبكذا وإن كان بالنسيئة فبكذا وكذا، ولو عقد البائع للمشتري كذلك وجعل الخيار إليه لم أختر للمشتري أن يقوم على ذلك، فإن فعل واستهلكت السلعة لم يكن للبائع

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 147 - 148.
(2) المقنعة: ص 595.
(3) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 252.

[ 123 ]

إلا أقل الثمنين لاجازته البيع له، وكان للمشتري الخيار في تأخير الثمن الأقل إلى المدة التي ذكرها البائع بالثمن الاوفر من غير زيادة الثمن الأقل. وقال سلار: ما علق بأجلين وهو أن يقول: بعتك هذه السلعة إلى عشرة أيام بدرهم وإلى شهرين بدرهمين كان باطلا غير منعقد (1)، وهو قول أبي الصلاح (2). وقال ابن البراج: من باع شيئا بأجلين على التخيير - مثل أن يقول: أبيعك هذا بدينار أو بدرهم عاجلا أو بدينارين أو بدرهمين إلى شهر أو شهرين أو سنة أو سنتين - كان البيع باطلا، فإن أمضى البيعان ذلك كان للبايع أقل الثمنين في أبعد الأجلين (3). وقال ابن حمزة: إن باع بثمنين متفاوتين إلى أجلين مختلفين لم يصح، وقيل: يلزم أقل الثمنين في أبعد الأجلين، والأول هو الصحيح (4). وقال ابن إدريس: لا يجوز ويبطل البيع (5)، واختاره الشيخ في المبسوط (6)، وهو المعتمد. لنا: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله - أنه نهى عن بيعتين في بيعة (7). ولأنه لم يحصل الجزم ببيع واحد فكان باطلا، كما لو قال: بعتك هذا أو هذا.

(1) المراسم: ص 174.
(2) الكافي في الفقه: ص 357.
(3) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(4) الوسيلة: ص 241.
(5) السرائر: ج 2 ص 287.
(6) المبسوط: ج 2 ص 159.
(7) الموطأ: ج 2 ص 663 ح 72، سنن الترمذي: ج 3 ص 533 ح 1231.

[ 124 ]

ولأن الثمن مجهول فلا يصح البيع. احتج المجوزون بعموم (وأحل الله البيع) (1). بما رواه محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام -: من باع سلعة وقال: إن ثمنها كذا وكذا يدا بيد وثمنها كذا وكذا نظرة فخذها بأي ثمن شئت واجعل صفقتها واحدة فليس له إلا أقلهما وإن كانت نظرة، وقال - عليه السلام -: من ساوم بثمنين أحدهما عاجلا والآخر نظرة فليسم أحدهما قبل الصفقة (2). وعن محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - قال: قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - في رجل أمره نفر أن يبتاع لهم بعيرا بنقد ويزيدونه فوق ذلك نظرة فابتاع لهم بعيرا ومعه بعضهم فمنعه أن يأخذ منهم فوق ورقه نظرة (3). وعن السكوني، عن جعفر عن أبيه، عن آبائه - عليهم السلام - أن عليا - عليه السلام - قضى في رجل باع بيعا واشترط شرطين بالنقد كذا وبالنسيئة كذا فأخذ المتاع على ذلك الشرط فقال: هو بأقل الثمنين وأبعد الأجلين يقول: ليس له إلا أقل النقدين إلى الأجل الذي أجله نسيئة (4). ولأنه يجوز استئجار خياط بدرهم إن خاطه اليوم أو فارسيا وبدرهمين إن خاطه روميا أو في غد، وإن كان الثمن هناك مجهولا كان مال الإجارة هنا كذلك مع أنه صحيح.

(1) البقرة: 275.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 47 ح 201، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب أحكام العقود ح 1 ج 12 ص 367. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 47 ح 202، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب أحكام العقود ح 1 ج 12 ص 368.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 53 ح 230، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب أحكام العقود ح 2 ج 12 ص 367.

[ 125 ]

والجواب عن الآية: المنع من كونها للعموم. وعن الحديث بالمنع من صحة السند، فإن محمد بن قيس مشترك بين أشخاص، منهم من لا يقبل روايته، فلعل راوي الحديثين ذلك المردود، مع أنه غير دال علا مطلوبهم، لجواز أن يكون قد عقد البيع بالثمن الأقل نقدا. ثم إن البائع جعل له تأخير الثمن بزيادة، فحكم - عليه السلام - بأنه ليس له إلا الثمن الأقل وإن صبر البائع إلى الأجل، وكذا الحديث الثاني. والاستئجار ممنوع، فإنا نقول: ببطلانه أيضا. سلمنا، لكن الفرق بأن العقد في الإجارة يمكن أن يصح جعالة يحتمل فيها الجهالة، بخلاف البيع. ولأن العمل الذي يستحق به الإجارة لا يمكن وقوعه إلا على إحدى الصفتين فتعين الإجارة المسماة عوضا له، فلا يفضي إلى التنازع، بخلاف صورة النزاع، لأنه لو ساوى البيع لوجب أن يكون له أقل الاجرتين في أقرب الأجلين أو أكثرهما في أبعدهما، وليس كذلك. لا يقال: نمنع من جهالة الثمن هنا، لأنا أوجبنا له أقل الأمرين في أبعد الأجلين، لا بمعنى أنه يجب له الثمن الأقل ويكون له الصبر إلى الأجل الأبعد، بل نقول: يجب عليه الثمن الأقل حالا أو في الأجل الأقرب، فإن صبر عليه البائع لم يزد الثمن بمجرد الصبر، وإن طالبه عاجلا كان له ذلك. لأنا نقول: إيجاب الأقل على التعيين لم يقع التراضي عليه فيكون حراما، لقوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) (1). ويمكن أن يقال: إنه رضي بالثمن الأقل فليس له الأكثر في البعيد، وإلا لزم الربا، أو تبقى الزيادة في مقابلة تأخير الثمن لا غير، فإذا صبر إلى البعيد لم يجب له أكثر من الأقل.

(1) النساء: 29.

[ 126 ]

مسألة: إذا اشترى نسيئة فحل الأجل ولم يكن معه ما يدفعه إلى البائع قال الشيخ في النهاية: جاز للبائع أن يأخذ منه ما كان باعه إياه من غير نقصان من ثمنه، فإن أخذه بنقصان مما باع لم يكن ذلك صحيحا ولزمه ثمنه الذي كان أعطاه به، فإن أخذ من المبتاع متاعا آخر بقيمته في الحال لم يكن به بأس (1). وقال ابن إدريس: يجوز أن يأخذ ما كان باعه إياه بيعا صحيحا بزيادة مما كان باعه إياه أو نقيصة منه (2)، وهو اختيار والدي - رحمه الله - وهو الأقرب. لنا: عموم قوله تعالى: (وأحل الله البيع) (3). ولأنه مال مملوك يصح المعاوضة عليه ويمكن نقله وقد وقع عليه عقد البيع من أهله فيكون صحيحا عملا بالعلة. وما رواه عبيد الله بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل باع طعاما بدراهم إلى أجل فلما بلغ الأجل تقاضاه فقال: ليس عندي دراهم خذ مني طعاما، قال: لا بأس به، انما له دراهمه يأخذ بها ما شاء (4). احتج الشيخ بما رواه خالد بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل بعته طعاما بتأخير إلى أجل مسمى فلما جاء الأجل أخذته بدراهم فقال: ليس عندي دراهم ولكن عندي طعام فاشتراه مني، فقال: لا تشتره فإنه لا خير فيه (5).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 149 - 150.
(2) السرائر: ج 2 ص 287.
(3) البقرة: 275.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 33 ح 136، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب السلف ح 10 ج 13 ص 71.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 33 ح 137، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب السلف ح 3 ج 13 ص 74.

[ 127 ]

وعن عبد الصمد بن بشير قال: سأله محمد بن القاسم الحناط فقال: أصلحك الله، أبيع الطعام من الرجل إلى أجل فأجئ وقد تغير الطعام من سعره فيقول: ليس عندي دراهم، قال: خذ منه بسعر يومه، قال: افهم - أصلحك الله - إنه طعامي الذي اشتراه مني، قال: لا تأخذه منه حتى يبيعه ويعطيك، قال: أرغم الله أنفي رخص لي فرددت عليه فشدد علي (1). والجواب: بعد سلامة سند الحديثين أنهما غير دالين على المطلوب. أما الأول: فلأنه نهاه عن الشراء مطلقا، وكما يتناول النهي بالأزيد والأنقص فكذا يتناول بالمثل وهو لا يقول به. سلمنا، لكن لا يدل على التحريم. سلمنا، لكنه مخصوص بالطعام فلا يعم الجميع. وعن الثاني: أنه غير دال على المطلوب الذي لنا، لأنه سوغ له أخذه بسعر يومه، والنهي الأخير محمول على الكراهة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا باع شيئا إلى أجل وأحضر المبتاع الثمن قبل حلول الأجل كان للبائع الخيار في قبضه وتركه إلى حلول الأجل، فإن حل الأجل ومكنه المبتاع من الثمن ولم يقبض البائع ثم هلك الثمن كان من مال البائع دون المبتاع. وكذا لو اشترى شيئا إلى أجل وأحضر البائع المبيع قبل الأجل كان المبتاع بالخيار في أخذه وتركه، فإن هلك قبل الأجل كان من مال البائع، فإن حل الأجل وأحضر البائع المتاع ومكن المبتاع من قبضه وامتنع من قبضه ثم هلك المتاع كان من مال المبتاع دون البائع (2). وكذا قال المفيد (3)، وسلار (4)، وابن حمزة (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 35 ح 145، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب السلف ح 5 ج 13 ص 74.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 150.
(4) المراسم: ص 174.
(3) المقنعة: ص 595.
(5) الوسيلة: ص 239.

[ 128 ]

وقال أبو الصلاح: إذا امتنع المبتاع من قبض المبيع أو رضي بتركه عند البائع فهلاكه من ماله (1). وهو يناسب ذلك أيضا، ويخالفه في تعيين المبيع، بخلاف صورة النزاع. وقال الشيخ في المبسوط: إذا أتى المسلم إليه بالمسلم فيه على صفته لزمه قبول، فإن امتنع قيل له: إما أن تقبله وإما أن تبرأ ذمته، لأن للانسان غرضا في تبرئة ذمته من حق غيره، وليس لك أن تبقيه في ذمته بغير اختياره، وبراءته تحصل بقبض ما عليه أو إبرائه منه، وأيهما فعل جاز. وإن امتنع قبضه الإمام أو النائب عنه عن المسلم إليه وتركه في بيت المال إلى أن يختار قبضه ويبرأ المسلم إليه منه، ولم يجز للحاكم إبراؤه منه بالاسقاط عن ذمته، لأن الابراء لا يملك بالولاية وقبض الحق يملك بالولاية (2). وقال ابن الجنيد: إذا امتنع المشتري سلما من أخذه عند وجوبه أجبر على ذلك لتبرأ ذمة المعطي. وقال ابن إدريس: الأولى أنه إذا امتنع الممتنع من قبض حقه بعد حلوله واستحقاقه وتمكنه منه وافراده أن يرفع أمره إلى الحاكم ويطالبه بقبضه أو إبرائه مما عليه، فإن لم يفعل ولم يجب إلى أحد الأمرين تسلمه الحاكم ممن هو عليه وجعله في بيت المال ليحفظه على صاحبه، ولا يجوز للحاكم أن يجبره على البراءة به ولا على قبضه، لأن الحاكم منصوب للحق وازالة الضرر عن غير المستحق (3). والحق أن نقول: إن أمكن الوصول إلى الحاكم وجب كما قاله في

(1) الكافي في الفقه: ص 353.
(2) المبسوط: ج 2 ص 190.
(3) السرائر: ج 2 ص 288.

[ 129 ]

المبسوط، وإن لم يمكن سقط لإيجابه وكان التلف من صاحب الحق كما قاله في النهاية. لنا: إنه جمع بين الفتاوى. ولأنه مع تعذر الحاكم إذا امتنع من قبض حقه كان فيه ضرر على من عليه الحق، والضرر منفي، لقوله - عليه السلام -: (لا ضرر ولا ضرار) (1). ولأن من عليه المال مخير في جهة القضاء من أي أنواع ماله شاء، فإذا عينه من مال بعينه تعين، فإذا تعين وامتنع مالكه من القبض كان أمانة في يده، فإذا تلف كان من مال الممتنع. لا يقال: ينتقض هذا بما لو دفعه قبل الأجل، فإنه قد عينه فيتعين فيكون التلف من مال الممتنع كما قلتم، وربما لو كان الحاكم موجودا ولم يدفعه إليه. لأنا نجيب عن الأول: بأن المدفوع حينئذ ليس هو الحق الذي عليه، إذ الحق إنما يكون حقا في الأجل، فإذا امتنع من قبضه يكون قد امتنع من قبض ما ليس له فيكون ضامنا، بخلاف صورة النزاع. وعن الثاني: بأن الحاكم قائم مقام المالك مع امتناع المالك من القبض، لأن له الولاية دون من عليه الحق، فيكون من عليه الحق مفرطا ببقاء مال الغير في يده إذا تمكن من دفعه إلى المالك أو من يقوم مقامه، فقد ظهر مما قلناه حجة كل فريق على مذهبه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس بابتياع جميع الأشياء حالا وإن لم يكن حاضرا في الحال إذا كان الشئ موجودا في الوقت أو يمكن وجوده، ولا يجوز أن يشتري حالا ما لا يمكن تحصيله، وأما ما يمكن تحصيله فلا بأس به وإن لم يكن عند بائعه في الحال (2).

(1) سنن البيهقي: ج 6 ص 69.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 151.

[ 130 ]

ومنع ابن إدريس من ذلك، ونسب هذا القول أنه خبر واحد شاذ رواه الشيخ عن ابن سنان لا يجوز العمل به ولا التعويل عليه، لأنا قد بينا أن البيع على ضربين: بيع سلم ولا بد فيه من التأجيل، وبيع عين إما مرئية مشاهدة أو غير حاضرة وهو ما يسمى بخيار الرؤية، وما أورده الشيخ خارج عن هذه البيوع لا مشاهد ولا موصوف يقوم مقام المشاهدة فدخل في بيع الغرر، والنبي - صلى الله عليه وآله - نهى عن بيع الغرر. وعن بيع ما ليس عند الانسان ولا في ملك إلا ما أخرجه الدليل من بيع السلم، ولأن البيع حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، لا يرجع عن الأمور المعلومة بالدلالة القاهرة وبالأمور المظنونة وأخبار الاحاد التي لا توجب علما ولا عملا (1). وابن أبي عقيل قال: البيع عند الرسول - صلى الله عليه وآله - بيعان: أحدهما: بيع شئ حاضر قائم العين، والآخر: بيع شئ غائب موصوف بصفة مضمونة إلى أجل. والحق ما قاله الشيخ. لنا: الأصل الجواز. وعموم الأدلة المسوغة للبيع. ولأن المقتضي للصحة موجود والمانع منتف فتثبت الصحة. أما وجود المقتضي فلأن الأدلة تقتضيه، ولأنه بيع وقع من أهله في محله فكان سائغا كغيره من المبيعات، ولأن الحاجة إلى هذه المعاوضة مما يتفق كثيرا، فلولا المشروعية لزم الحرج. وأما نفي المانع فنقول: المانع هنا إما عدم الأجل وهو باطل ببيع المشاهدة وخيار الرؤية، وإما الإطلاق وهو باطل بالسلم، ولا مانع سواهما عملا بالأصل والسبر والتقسيم. ولأن مشروعية السلم تستلزم مشروعية هذا النوع من المعاوضة، إذ الأجل إنما جعل إرفاقا لمن عليه الحق، لا أنه شرط في تلك المعاوضة فتكون المعاوضة

(1) السرائر: ج 2 ص 290.

[ 131 ]

هنا سائغة، لأن القدرة على التسليم هنا أتم والحكمة في معاوضة البيع إنما تتم بالقدرة على التسليم، فإذا كانت أتم في صورة النزاع وجب أن يكون الحكم فيها ثابتا. وما رواه زيد الشحام، عن الصادق - عليه السلام - في رجل اشترى من رجل مائة من صفرا وليس عند الرجل شئ منه، قال: لا بأس به إذا وجد وفاه دون الذي اشترط له (1). وعن عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يأتيني يريد مني طعاما وبيعا وليس عندي أيصلح لي أن أبيعه إياه وأقطع سعره ثم أشتريه من مكان آخر وأدفع إليه؟ قال: لا بأس إذا قطع سعره (2). وعن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يشتري الطعام من الرجل ليس عنده فيشتري منه حالا، قال: ليس به بأس، قلت: إنهم يفسدونه عندنا، قال: فأي شئ يقولون في السلم؟ قلت: لا يرون به بأسا يقولون: هذا إلى أجل فإذا كان إلى غير أجل وليس عند صاحبه فلا يصلح، قال: فإذا لم يكن أجل كان أجود، ثم قال: لا بأس بأن يشتري الطعام وليس هو عند صاحبه إلى أجل، فقال: لا يسمي له أجلا إلا أن يكون بيعا، ولا يوجد مثل العنب والبطيخ وشبهه في غير زمانه فلا ينبغي شراء ذلك حالا (3). وهذا الحديث وإن كان نصا في الباب فإنه يتضمن الانكار على المانعين

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 44 ح 188، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب السلف ح 6 ج 13 ص 61. (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 44 ح 190، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب أحكام العقود ح 2 ج 12 ص 375.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 49 ح 211، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب أحكام العقود ح 1 ج 12 ص 374.

[ 132 ]

منه، والتعجب من تسويغ السلم، ومنع هذا باعتبار أن البيع الخالي من الأجل أجود من السلم، ووجه الجودة ما قلناه أولا. ولعل ابن إدريس لم يقف على هذا الحديث، ونقل حديث ابن سنان لا غير، ثم جعله شاذا مع مطابقته لغيره من الأحاديث المشهورة، ولعموم الكتاب وللأصل. وما أدري الأدلة المعلومة التي التجأ إليها ما هي؟ فإن الأصل على خلاف معتقده، وكذا الحكمة وملائمة أفعال العقد والحاجة الماسة لهم إلى المعاوضة وعموم الكتاب وهذه الأخبار المشهورة لم يأت بحجة، سوى قوله: وإحالته على ما بين أن البيع ينقسم إلى سلم وعين مشاهدة وخيار الرؤية. وما أدري ما الذي أوجب له هذا الحصر من الأدلة؟ مع أنه قد وردت أحاديث صحاح دالة على خلاف قوله غير ما ذكرناه. منها: ما رواه ابن سنان في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يأتيني يريد مني طعاما وبيعا نسيئة وليس عندي أيصلح لي أن، أبيعه إياه وأقطع له سعره ثم اشتريه من مكان آخر وأدفعه إليه؟ قال: لا بأس (1). والنهي الوارد عن النبي - صلى الله عليه وآله (2) - للكراهة، أورد عن الشئ المشخص الذي في ملك الغير، فإنه لا يصح بيعه، لأدائه إلى التنازع، إذ ربما يمنع مالكه من بيعه والمشتري يطالب البائع به، وأما الغرر الذي ادعاه فليس في هذا الباب من شئ. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا باع طعاما قفيزا بعشرة دراهم مؤجلة

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 49 ح 213، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب أحكام العقود ح 2 ج 12 ص 375.
(2) مسند ابن حنبل: ج 3 ص 402.

[ 133 ]

فلما حل الأجل أخذ بها طعاما جاز ذلك إذا أخذ مثله، فإن زاد عليه لم يجز. وقال الشافعي: يجوز على القول المشهور، ولم يفصل، وبه قال بعض أصحابنا. وقال مالك: لا يجوز، ولم يفصل (1). وقال ابن إدريس: يجوز، (2) وهو الوجه عندي. لنا: الأصل. وما رواه بشار بن يسار قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يبيع المتاع بنسأ فيشتريه من صاحبه الذي يبيعه منه؟ قال: نعم لا بأس به، فقلت له: أشتري متاعي؟ فقال: ليس هو متاعك ولا بقرك ولا غنمك (3). احتج الشيخ بإجماع الفرقة، وبأن ذلك يؤدي إلى بيع طعام بطعام، والتفاضل فيه لا يجوز (4). والجواب: عن الاجماع بالمنع منه، فإنه - رحمه الله - نقل الخلاف، واستلزام بيع طعام بالطعام ممنوع، فإنه إذا باع الطعام بدراهم مؤجلة فإذا باعه لم يبعه إلا بالدراهم لا الطعام. ثم قال الشيخ: والقول الآخر الذي لأصحابنا قوي، وذلك أنه بيع طعام بدراهم في القفيزين معا لا بيع طعام بطعام، فلا يحتاج إلى اعتبار المثلية (5).

(1) الخلاف: ج 3 ص 101 المسألة 166.
(2) السرائر: ج 2 ص 311.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 47 ح 204 وص 48 ج 205، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب أحكام العقود ح 3 ج 12 ص 370.
(4) الخلاف: ج 3 ص 101 المسألة 166.
(5) الخلاف: ج 3 ص 101 المسألة 166.

[ 134 ]

الفصل التاسع في السلف مسألة: قال الشيخ في النهاية: لو أخل بالاجل كان البيع غير صحيح (1). وفي الخلاف: السلم لا يكون إلا مؤجلا، ولا يصح أن يكون حالا (2). وتبعه ابن إدريس (3)، وهو قول ابن أبى عقيل. والتحقيق أن نقول: إن قصد السلم وجب الأجل، أما لو قصد الحال مثل أن يقول: أسلمت إليك هذا الدينار في هذا الكتاب أو في قفيز حنطة فالأقرب الصحة، وينعقد بيعه مطلقا لا سلما. لنا: أن البيع جزء من السلم، ويصح إطلاق اسم الكل على جزئه، فإذا قصداه وجب انعقاده عملا بالقصد. ولأنه عقد يصح مؤجلا فيصح حالا كبيوع الأعيان. ولأنه إذا جاز مؤجلا كان الحال أولى بالجواز، لأنه من الغرر أبعد. احتج الشيخ بإجماع الفرقة، وبالاجماع على الصحة مع الأجل، وما عداه لا دليل عليه. وبما رواه ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وآله - أنه قال:

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 162 - 163.
(2) الخلاف: ج 3 ص 196 المسألة 3.
(3) السرائر: ج 2 ص 317.

[ 135 ]

من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم، وروي إلى أجل معلوم، والأمر يقتضي الوجوب (1). ولأنه أمر بهذه الأمور تبيينا لشروط السلم، ومنعنا منه بدونها، ولهذا لا يصح إذا انتفى الكيل والوزن فكذلك الأجل. ولأن السلم موضوع للرخصة حتى يرتفق به المتعاملان، وإنما يحصل الرفق بالاجل. والجواب: القول بموجب هذه الأدلة، فإنا نسلم أن مع قصد السلم يجب ذكر الأجل، وليس صورة النزاع، بل البحث فيما لو تبايعا حالا بحال بلفظ السلم. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: لا يتقدر الأجل قلة أو كثرة (2)، وهو المشهور بين علمائنا. وقال ابن الجنيد: البيع المضمون إلى أجل يتأخر تسليمه فيه إلى ثلاثة أيام فصاعدا من وقت الصفقة وهو السلم. لنا: الأصل جواز اشتراط الأقل، وعموم الآية (3) يدل عليه. ولأن الأخبار الصحاح (4) نطقت بالجواز مع ذكر الأجل المعلوم من غير تقييد بقليل وكثير فيصح معهما بالإطلاق. ولأن التأجيل إنما اعتبر لأن المسلم فيه معدوم في الأصل، لكون السلم إنما يثبت رخصة في حق المفاليس، فلا بد من الأجل ليحصل فيسلم، وهذا

(1) الخلاف: ج 3 ص 196 المسألة 3.
(2) الخلاف: ج 3 ص 196 المسألة 3.
(3) البقرة: 275.
(4) راجع تهذيب الأحكام: باب 3 من أبواب التجارة ج 7 ص 27، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب السلف ج 12 ص 57.

[ 136 ]

يتحقق بأقل مدة يتصور تحصيله فيها. احتج ابن الجنيد بأن الأجل لا بد أن يكون له وقع في الثمن، وأقله ثلاثة أيام. والجواب: المنع من المقدمتين. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2): إذا جعل محله في يوم كذا أو في شهر كذا أو في سنة كذا جاز، ولزمه بدخول اليوم والشهر والسنة. وعندي فيه نظر، من حيث أنه جعل الأجل مدة الشهر أو مدة السنة ولم يعينا جزء مضبوطا فكان البطلان أقرب. تذنيب: المشهور أنه لا ضابط للزيادة، بل يجوز إلى سنين متطاولة. وقال ابن الجنيد: لا أختار أن يبلغ بالمدة ثلاث سنين، لنهي النبي - صلى الله عليه وآله - عن بيع السنين. لنا: الأصل الجواز. مسألة: جوز الشيخ في المبسوط (3) والخلاف (4) كون الثمن من غير الأثمان، كالجوهرة واللؤلؤة وغيرهما من الاعراض المكيلة والموزونة وغيرهما، وهو المشهور. وقال السيد المرتضى: يجوز عندنا أن يكون رأس المال في السلم عرضا غير ثمن من سائر المكيلات والموزونات، ويجوز أن يسلم المكيل في الموزون والموزون في المكيل فتختلف أجناسهما، وما أظن في ذلك خلافا بين الفقهاء، واستدل عليه بالاجماع (5).

(1) المبسوط: ج 2 ص 172. (2) الخلاف: ج 3 ص 202 المسألة 8.
(3) المبسوط: ج 2 ص 173.
(4) الخلاف: ج 3 ص 203 المسألة 10.
(5) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 253 المسألة 176.

[ 137 ]

وقال ابن أبى عقيل: لا يجوز السلم إلا بالعين والورق، ولا يجوز بالمتاع. لنا: الأصل، وقد تقدم البحث في هذه المسألة في باب الربا (1). مسألة: المشاهدة غير كافية في معرفة الثمن إذا كان مما يكال أو يوزن، بل لا بد من الكيل أو الوزن، اختاره الشيخ في المبسوط (2) والخلاف (3)، وهو الأشهر. وقال السيد المرتضى في المسائل الناصرية - حيث ذكر المسألة -: إن معرفة مقدار رأس المال شرط في صحة السلم، لا أعرف لأصحابنا إلى الان نصا في هذه المسألة، إلا أنه يقوى في نفسي أن رأس مال السلم إذا كان معلوما بالمشاهدة مضبوطا بالمعاينة نم يفتقر إلى ذكر صفاته ومبلغ وزنه وعدده، وهو المعمول عليه من قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن كان رأس مال السلم مكيلا أو موزونا أو مما يباع عددا فلا بد من ضبط صفاته، وإن كان مما عدا ذلك جاز أن لا يضبط صفاته (4). لنا: إنه غرر فيكون منهيا عنه، لأن النبي - صلى الله عليه وآله - نهى عن الغرر (5). ولأنه عقد لا يمكن إتمامه في الحال، ولا تسليم المعقود عليه، ولا يؤمن انفساخه، فوجب معرفة مقدار رأس المال ليرد بدله. ولأنه لولاه لأفضى إلى التنازع، والشارع أرشد إلى المصالح النافية للتنازع كالشهادة وغيرها، ومعلوم أن الضرر شئ من تجهيل الثمن أشد من ضرر ترك الشهادة.

(1).
(2) المبسوط: ج 2 ص 170.
(3) الخلاف: ج 3 ص 198 المسألة 4.
(4) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 253 المسألة 275. (5) مسند أحمد بن حنبل: ج 1 ص 302.

[ 138 ]

ولأنه لا يؤمن أن يظهر بعض الثمن مستحقا فينفسخ العقد في قدره، فلا يدري في كم بقي وكم انفسخ. احتج السيد المرتضى بما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله - أنه قال: من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم، فأذن النبي - صلى الله عليه وآله - في السلم على هذه الصفات، ولم يشترط سواها. ثم اعترض على ما قلنا: من إمكان تطرق الفسخ بأن يعجز عن تسليم المتاع عند الأجل فيحتاج المسلم إلى بذل الثمن، فإذا كان جزافا لا يمكن الرجوع إلى بذله، لجهالته بأن هذا باطل بالاجازة فإنه عقد غير متبرم بل هو مراعى، وربما انهدمت الدار قبل استيفاء المنافع فتنفسخ الإجارة، ويثبت للمستأجر حق الرجوع على المؤجر بالاجرة، ولا يشترط في الإجارة ضبط الصفات والعقود مبنية على السلامة دون ما يخاف طريانه، فإن من باع شيئا بثمن معين بالمشاهدة صح البيع، وإن جاز أن يخرج المبيع مستحقا فيثبت للمشتري على البائع حق الرجوع ببذل الثمن، ومع ذلك لا يشترط ضبط صفات الثمن (1). والجواب عن الأول: أنه - عليه السلام - بين أولا النهي عن الغرر، ومن جملته جهالة الثمن، فالإذن في السلم بعد ما بين أولا غير دال على ما ادعاه. وعن اعتراضه بالمنع من صحة الإجارة والبيع، وسيأتي. تذنيب: لو كان الثمن من المذروعات قال الشيخ في المبسوط (2) والخلاف (3): لا بد من معرفة ذرعه قبل العقد كالوزن والكيل في المكيل والموزون، والسيد المرتضى لم يوجب ذلك. وعندي في ذلك نظر.

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 253 المسألة 175.
(2) المبسوط: ج 2 ص 170.
(3) الخلاف: ج 3 ص 198 المسألة 4.

[ 139 ]

مسألة: إذا حل الأجل وتعذر التسليم على البائع كان للمشتري الفسخ، فإن باعه البائع ما باعه إياه جاز، سواء باعه بزيادة عن الثمن أو نقصان، وسواء كان من جنس الثمن أو لا، وبه قال المفيد (1). وجوز سلار البيع بعد الأجل (2)، وأطلق ولم يفصل. وابن إدريس (3) اختار ما قلناه. والشيخ منع من بيعه بعد الأجل بجنس الثمن مع الزيادة (4)، وبه قال ابن الجنيد، وابن أبي عقيل، وابن البراج (5)، وابن حمزة (6). وقال أبو الصلاح: ومقتضى العقد يقتضي التسليم المعجل منهما وتأخير المؤجل وتسليمه عند حلول أجله، سواء كان التأجيل مشروطا في المبيع أو الثمن، فإذا حل ولم يكن عنده عين ما عقد عليه فعليه إحضاره، ويصح إقامة العوض عنه من غير جنسه، ولا يجوز له ابتياعه من مستحقه بمثل ما باعه منه في الجنس ولا زيادة عليه نقدا ولا نسيئة ولا نقله إلى سلف آخر، ويجوز له ابتياعه بغير ما قبضه منه نقدا. ثم قال بعد كلام طويل: لا يجوز لمن أسلم في متاع أن يبيعه من مستسلمه ولا غيره قبل أجله، فإذا حل أجله جاز بيعه منه بمثل ما نقد منه من غير جنسه ومن غير المستسلم بمثل ذلك، وأكثر منه من جنسه وغيره (7). وأجمعوا على أنه لا يجوز بالأزيد من غير الجنس. لنا: الأصل الجواز.

(1) المقنعة: ص 596. (2) المراسم: ص 174.
(3) السرائر: ج 2 ص 287.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 150.
(5) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(6) الوسيلة: ص 241.
(7) الكافي في الفقه: ص 357 وص 358.

[ 140 ]

ولأن المقتضي موجود والمانع منتف فثبت الحكم، أما وجود المقتضي فلأنه بيع وقع من أهله في محله فكان سائغا، وأما انتفاء المانع فليس إلا الربا وهو منتف هنا، لأنه إنما باع المتاع الذي استحقه بعد السلم دون الثمن الذي دفعه أولا. ولأنه يجوز أن يدفع من غير الجنس أكثر أو أقل، فكذا من الجنس. وما رواه ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في الرجل يسلف الدراهم في الطعام إلى أجل فيحل الطعام فيقول: ليس عندي طعام ولكن انظر ما قيمته فخذ مني ثمنه، قال: لا بأس بذلك (1). لا يقال: هذه رواية مرسلة. لأنا نقول: عمل الأصحاب على مراسيل ابن أبي عمير. وعن الحسن بن علي بن فضال قال: كتبت إلى أبي الحسن - عليه السلام - الرجل يسلفني في الطعام فيجئ الوقت ليس عندي طعام أعطيه بقيمته دراهم؟ قال: نعم (2). احتج الشيخ بما رواه علي بن جعفر قال: سألته عن الرجل له على آخر تمر أو شعير أو حنطة أيأخذ بقيمته دراهم؟ قال: إذا قومه دراهم فسد، لأن الأصل الذي اشترى به دراهم، فلا يصلح دراهم بدراهم (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 30 ح 127، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب السلف ح 5 ج 13 ص 69.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 30 ح 128، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب السلف ح 8 ج 13 ص 70. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 30 ح 129، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب السلف ح 12 ج 13 ص 71.

[ 141 ]

وفي الصحيح عن عبد الله بن بكير قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يسلف في شئ يسلف الناس فيه من الثمار فذهب زمانها ولم يستوف سلفه، قال: فليأخذ من رأس ماله أو لينظره (1). وفي الصحيح عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يسلف في الغنم ثنيان وجذعان وغير ذلك إلى أجل مسمى، قال: لا بأس إن لم يقدر الذي عليه الغنم على جميع ما عليه يأخذ صاحب الغنم نصفها أو ثلثها، ويأخذ رأس مال ما بقي من الغنم دراهم، ويأخذون دون شروطهم، ولا يأخذون فوق شروطهم. قال: والأكسية أيضا مثل الحنطة والشعير والزعفران والغنم (2). وعن محمد بن قيس، عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - فيمن أعطى رجلا ورقا بوصيف إلى أجل مسمى فقال له صاحبه بعد: لا أجد وصيفا خذ مني قيمة وصيفك اليوم ورقا، قال: لا يأخذ إلا وصيفه أو ورقه الذي أعطاه أول مرة لا يزداد عليه شيئا (3). وعن محمد بن قيس، عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام -: من اشترى طعاما أو علفا فإن لم يجد شرطه وأخذ ورقا لا محالة قبل أن يأخذ شرطه فلا يأخذ إلا رأس ماله، لا يظلمون ولا تظلمون (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 31 ح 131، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب السلف ح 14 ج 13 ص 72.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 32 ح 132، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب السلف ح 1 ج 13 ص 68، وفيه: عن الحلبي.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 32 ح 133، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب السلف ح 9 ج 13 ص 70.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 32 ح 134، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب السلف ح 15 ج 13 ص 72.

[ 142 ]

وفي الصحيح عن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يسلف في الحنطة والتمر بمائة درهم فيأتي صاحبه حين يحل له الذي له فيقول: والله ما عندي إلا نصف الذي لك فخذ مني إن شئت بنصف الذي لك حنطة وبنصفه ورقا، فقال: لا بأس إذا أخذ منه الورق كما أعطاه (1). قال الشيخ: الذي أفتي به الحديث الذي رواه علي بن جعفر، لأنه ربا، ولا ينافي الحديثان الآخران هذه الروايات، لأن الأول مرسل غير مسند، وأيضا يحتمل أن يكون قوله: (انظر ما قيمته فخذ مني ثمنه) أراد به: انظر ما قيمته على السعر الذي أخذت مني، لأنا قد بينا أنه يجوز له أن يأخذ القيمة برأس ماله من غير زيادة ولا نقصان، والخبر الثاني مثل ذلك، وليس في واحد من الخبرين أنه يعطيه القيمة بسعر الوقت، على أن الخبرين يحتملان وجها آخر، وهو أن يكون إنما جاز له أن يأخذ الدراهم بقيمته إذا كان قد أعطاه في وقت السلف غير الدراهم فلا يؤدي ذلك إلى الربا، وخاصة الخبر الأول، لأنه ليس فيه أكثر من أنه يجوز له أن يأخذ الثمن، وليس فيه أنه من جنس ما أعطاه أو من جنس آخر (2). واستدل على ذلك بما رواه عيص بن القاسم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل أسلف رجلا دراهم بحنطة حتى إذا حضر الأجل لم يكن عنده طعام ووجد عنده دوابا ورقيقا ومتاعا يحل له أن يأخذ من عروضه تلك بطعام؟ قال: نعم، يسمي كذا وكذا بكذا وكذا صاعا (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 32 ح 135، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب السلف ح 16 ج 13 ص 72.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 30 - 31 ذيل الحديث 129.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 31 ح 130، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب السلف ح 6 ج 13 ص 69.

[ 143 ]

والجواب عن الأول: أنه يدل على خلاف ما ذهب إليه الشيخ فلا يصح الاحتجاج به، بيانه: أنه - عليه السلام - منعه على تقدير تقويمه بالدراهم مطلقا، وذلك يقتضي المنع، سواء أخذ بقدر الثمن أو أقل أو أزيد، وجوز الشيخ التساوي، فما يدل عليه الحديث وهو الإطلاق لا يقول به الشيخ، وما يقول به الشيخ لا يدل الحديث عليه، إذ لا دلالة للعام على الخاص، فلا يمكنه الاحتجاج به. لا يقال: المنع إنما هو في الزائد والناقص لتطرق الربا، لا في المساوي فتكون دلالته على الزائد والناقص ظاهرة. لأنا نقول: لا ربا هنا، ونمنع أن يكون النهي إنما كان لذلك، وليس ببعيد أن يكون النهي عن تقويم الدراهم التي دفعها، فإن الربا هناك لا يتحقق، ولا دلالة في الحديث الثاني على منع أخذ الزائد بالتراضي، والحديث الثالث يدل على الأولوية، إذ لا يجب على الانسان أن يأخذ دون حقه، وكذا الرابع والخامس محمول على أنه إذا فسخ البائع، لعدم وجدان السلعة، وكذا السادس، وهذا التأويل سار في الجميع، والتأويل الذي ذكره الشيخ أولا ضعيف، لما فيه من التخصيص من غير دليل، وحديث عيص لا ينافي ما قلناه. مسألة: قال ابن الجنيد: لا يسلم في نوع من المأكول في نوع منه إذا اتفق جنساهما من الكيل والوزن والعدد وإن اختلف أسماؤهما كالزيت والسمن، لأنه كالصرف نسيئة. والمعتمد الجواز. لنا: أنهما جنسان مختلفان فصح إسلاف أحدهما في الآخر، وقد تقدم. احتج بما رواه ابن سنان في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - في رجل أسلف رجلا زيتا على أن يأخذ منه سمنا، قال: لا يصح (1).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 43 ح 182، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب الربا ح 6 ج 12 ص 444.

[ 144 ]

وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: لا ينبغي للرجل إسلاف السمن بالزيت ولا الزيت بالسمن (1). والجواب: الحمل على الكراهة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس بالسلم في مسوك الغنم إذا عين الغنم وشوهد الجلود (2). وقال في الخلاف: اختلف روايات أصحابنا في السلم بالجلود، فروي أنه لا بأس به إذا شاهد الغنم، وروي أنه لا يجوز. واستدل عليه بآية البيع، وبالأخبار المروية في ذلك، وبالأصل الدال على الجواز مع انتفاء المانع (3). وقال في المبسوط: يجوز السلم في جلود الغنم إذا شاهدها، وروي أنه لا يجوز وهو الأحوط، لأنه مختلف الخلقة واللون، فلا يمكن ضبطه بالصفة، لاختلاف خلقته، ولا يمكن ذرعه، ولا يجوز وزنه، لأنه يكون ثقيلا وثمنه أقل من ثمن الخفيف، وعلى هذا لا يجوز السلف في الرق ولا في ما يتخذ من الجلود، لاختلاف خلقة الجلد وعدم ضبطه بالصفة (4). وقال ابن البراج في الكامل: يجوز السلم في مسوك الغنم إذا عينت الغنم وشوهدت الجلود، فإن كان ذلك مجهولا لم يجز السلم (5). وقال في المهذب: قد كنا ذكرنا في الكتاب الكامل جواز بيع مسوك الغنم

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 43 ح 185، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب الربا ح 10 ج 12 ص 444.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 166.
(3) الخلاف: ج 3 ص 210 المسألة 21. (4) المبسوط: ج 2 ص 189، وفيه: (لا يجوز السلف في جلود الغنم....) والصحيح ما في المتن.
(5) لم نعثر على كتابه.

[ 145 ]

إذا عينت وشوهدت، والأحوط أنه لا يجوز السلم فيها، لأنه يختلف في اللون والخلقة، ولا يمكن ضبطها بالصفة، لاختلاف خلقته (1). واختار ابن إدريس (2) قول الشيخ في المبسوط من المنع، وهو المعتمد. لنا: أنه مما لا يمكن ضبطه كما قاله الشيخ، فلا يصح السلف فيه، لجهالته، ولا بيعه مشاهدا قبل الذبح لهذا المعنى أيضا. احتج الشيخ بما تقدم. وبما رواه أبو مخلد السراج قال: كنا عند أبي عبد الله - عليه السلام - فدخل معتب فقال: بالباب رجلان، فقال: أدخلهما فدخلا، فقال أحدهما: إني رجل قصاب وإني أبيع المسوك قبل أن أذبح الغنم، قال: ليس به بأس، ولكن أنسبها غنم أرض كذا وكذا (3). وعن حديد بن حكم قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل اشترى الجلود من القصاب فيعطيه كل يوم شيئا معلوما، فقال: لا بأس (4). والجواب: بمنع صحة السندين وبالقول بالموجب في الثاني، إذ لا دلالة فيه على بيع السلف، ولا على البيع قبل الذبح، فيحتمل أن يبيعها مشاهدة ويدفع إليه كل يوم منها قدرا معلوما، والآية مخصوصة بالمجهول وهو ثابت هنا، والأصل يصار إليه مع عدم المعارض لا مع وجوده. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أسلف في الغنم وشرط معه أصواف نعجات بعينها كائنا ما كان لم يكن به بأس (5).

(1) لم نعثر عليه.
(2) السرائر: ج 2 ص 312 - 313.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 28 ح 119، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب السلف ح 4 ج 13 ص 61.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 28 ح 120، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب السلف ح 7 ج 13 ص 59.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 169.

[ 146 ]

وقال ابن إدريس: إن جعل في جملة السلف أصواف النعجات المعينة فلا يجوز السلف في المعين، وبيع الصوف على ظهر الغنم أيضا لا يجوز، سواء كان سلفا أو بيوع الأعيان، وإنما هي رواية شاذة أوردها شيخنا في نهايته إيرادا لا اعتقادا (1). والحق ما قاله الشيخ إذا كان الصوف مشاهدا فيكون شرطا في السلم لا جزء من المبيع، ولو فرضناه جزء لم يكن محالا، لأنا قد بينا جواز السلف حالا فيمكن أن يكون بعضه كذلك، ومنعه من بيع الصوف على ظهر الغنم، وليس بجيد. وسيأتي البحث فيه. مسألة: إذا تعذر المسلم فيه عند الأجل تخير المشتري بين الصبر وفسخ البيع قاله الشيخ (2)، وهو الحق. وقال ابن إدريس: لا يكون للمشتري الخيار (3). لنا: إنه شرط الاستيفاء في وقت بعينه وقد تعذر الايفاء فكان له الفسخ إذا لم يأت بالمبيع على وصفه، وقد ثبت أنه متى لم يأت بالموصوف كان له الفسخ. ولأنها معاوضة لم يسلم فيها أحد العوضين فيكون الفسخ فيها متطرقا، كغيرها من المعاوضات. ولأنها معاوضة يتطرق الفسخ في بعضها لو تعذر فكان له الفسخ في الجميع، كغيرها من المعاوضات. وأما بيان المقدم فلما رواه عبد الله بن سنان في الحسن قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام - إلى أن قال: - قلت: أرأيت

(1) السرائر: ج 2 ص 316.
(2) الخلاف: ج 3 ص 196 المسألة 2.
(3) السرائر: ج 2 ص 317.

[ 147 ]

إن أوفاني بعضا وعجز عن بعض أيصلح أن آخذ بالباقي رأس مالي؟ قال: نعم ما أحسن ذلك (1). وغير ذلك من الأحاديث الصحاح. وما رواه عبد الله بن بكير في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل أسلف في شئ يسلف الناس فيه من الثمار فذهب زمانها ولم يستوف سلفه، قال: فليأخذ من رأس ماله أو لينظره (2). وهو نص في الباب. احتج بأن هذا العقد ثابت بالاجماع، وقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) وفسخه يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. والجواب: القول بالموجب، فإنا نقول: إنه عقد صحيح ثابت، لكن الفسخ يتطرق إليه باعتبار تعذر القبض. واعلم أنه نقل عن الشيخ في الخلاف مسألة في كتاب البيوع وهو إنه: إذا انقطع المسلم فيه لم ينفسخ البيع ويبقى في الذمة، وللشافعي قولان: أحدهما: أنه ينفسخ والثاني: أنه له الخيار إن شاء فسخ وإن شاء أخره إلى قابل، واستدل الشيخ بأنه عقد ثابت يحتاج فسخه إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. ثم نقل أخرى في كتاب السلم وهو أنه: إذا أسلم في رطب إلى أجل فلما حل الأجل لم يتمكن من مطالبته لغيبة المسلم إليه أو غيبته أو هرب منه أو توارى من سلطان وما أشبه ذلك ثم قدر عليه وقد انقطع الرطب كان المسلف بالخيار بين أن يفسخ العقد وبين أن يصبر إلى عام القابل. ثم قال: المسألة الأولى القول فيها هو الصحيح دون الأخيرة، لأن الأخيرة اختار شيخنا فيها أحد قولي الشافعي (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 28 ح 122، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب السلف ح 2 ج 13 ص 68.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 31 ح 131، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب السلف ح 14 ج 13 ص 72.
(3) السرائر: ج 2 ص 316 - 317.

[ 148 ]

وتوهم أن الشيخ خالف رأيه في المسألة الأولى، واجترأ على الشيخ بنسبته إلى تقليد الشافعي، مع أنه كان ممن لا يقلد في الأحكام، وهذا تجاهل عظيم أما أولا: فلعدم تفطنه للجمع بين المسألتين، فإن الشيخ حكم في الأولى: بعدم الفسخ، وفي الثانية: حكم بالخيار بين الفسخ والابقاء، وهو حكم موافق للأول، إذ الخيار إنما يتم لو كان العقد باقيا. وأما ثانيا: فلاستنباطه قولا لم يوافقه فيه أحد من علمائنا، ولا أظن أحدا أفتى به، ولم يوجب له الخيار. وأما ثالثا: فلنسبة الشيخ إلى التقليد، وأي تقليد هنا إذا وافق الدليل عند الشيخ قولا لغيره. ومن الغريب قوله: (وليس في الشرع ما يدل عليه) ليت شعري ما يعني بلفظة الشرع هنا، فإن أقوال الفقهاء متطابقة علا تسليط المشتري على الفسخ، وعموم الكتاب يدل على ذلك، لقوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) (1) ومع تعذر المسلم فيه لم يحصل التراضي فيجب رد العوض، والأحاديث متظاهرة على ذلك كما تقدم. وقد روى الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس بالسلم في الحيوان إذا سميت الذي تسلم فيه فوصفته، فإن وفيته وإلا فأنت أحق بدراهمك (2). وغير ذلك من الأخبار، والعقل أيضا يدل عليه. مسألة: المشهور أن قبض الثمن في المجلس شرط في السلم، ذهب إليه الشيخ (3)، وابن أبي عقيل وغيرهما.

(1) النساء: 29.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 41 ج 174، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب السلف ح 17 ج 13 ص 73.
(3) المبسوط: ج 2 ص 170.

[ 149 ]

وقال ابن الجنيد: ولا أختار أن يتأخر الثمن الذي يقع به بيع السلم أكثر من ثلاثة أيام، وهو يدل بمفهومه على جواز تأخر الاقباض. لنا: الأصل بقاء الملك على بائعه، وعدم انتقاله عنه إلا بسبب شرعي، ولم يثبت ما تعاقداه مع عدم القبض سببا. ولأنه يصير بيع دين بدين وهو قد سلم بطلانه. مسألة: يجوز أن يكون الثمن حيوانا أو جارية. وقال ابن الجنيد: لا أختار أن يكون ثمن المسلم فيه فرجا وطئ. لنا: الأصل الإباحة. احتج بأنه قد يتطرق الفسخ إلى العقد بسبب تعذر المسلم فيه فيصادف الفسخ الحبل، وهو يوجب انتقال أم الولد. والجواب: لا يمنع تجويز تجدد المفسدة صحة العقد. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا كان السلم مؤجلا فلا بد من ذكر موضع التسليم، وإن كان في حمله مؤونة لا بد من ذكره أيضا بدليل الاحتياط، لأنه إذا ذكر موضع التسليم والمؤونة صح السلم بلا خلاف، وإذا لم يذكرهما فلا دليل على صحته (1). وقال في المبسوط: يجب أن يذكر موضع التسليم، وإن كان لحمله مؤونة وجب ذكره. وإن لم يكن له مؤونة لم يجب وكان ذكره احتياطا. ثم عد شرائط السلم ثمانية، وجعل الخامس ذكر موضع التسليم على ما تقدم (2). وقال ابن حمزة: إنما يصح السلم إذا اشتمل على تسعة شروط، وعد من

(1) الخلاف: ج 3 ص 202 - 203 المسألة 9.
(2) المبسوط: ج 2 ص 173.

[ 150 ]

جملتها تعيين موضع التسليم إن كان لنقله أجرة (1). وقال ابن الجنيد: واجب أن يقع التشارط في السلم على المكان الذي وقع فيه. وقال في النهاية: يصح السلم إذا جمع شرطين، ذكر الجنس والوصف والأجل (2). وهذا يدل على عدم اشتراط موضع التسليم، وهو الظاهر من كلام ابن أبي عقيل. وقال ابن إدريس: وليس من شرط صحة السلم ذكر موضع التسليم بغير خلاف بين أصحابنا، والأصل براءة الذمة، وقوله تعالى: (وأحل الله البيع) وهذا بيع، وقوله: (أوفوا بالعقود) وهذا عقد، وما ذكره الشيخ في الخلاف لم يذهب إليه أحد من أصحابنا، ولا ورد به خبر عن أئمتنا - عليهم السلام - وإنما هذا أحد قولي الشافعي اختاره شيخنا أبو جعفر، ألا تراه في استدلاله لم يتعرض بإجماع الفرقة، ولا أورد خبرا في ذلك، لا من طريقنا ولا من طريق المخالف (3). والمعتمد أن نقول: إن تعاقدا في برية أو بلد ليس قصدهما الاجتماع فيه وجب ذكر موضع التسليم، وإلا فلا. لنا: إنهما متى كانا في برية أو بلد لا يجتمعان فيه لم يمكن التسليم في مكان العقد فيتعين غيره، وليس أحد الامكنة أولى من الآخر، وذلك يقتضي إلى التنازع، لجمالته لهما إذا كانا في بلد يجتمعان فيه، فإن إطلاق العقد يقتضي التسليم في بلده.

(1) الوسيلة: ص 241.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 162.
(3) السرائر: ج 2 ص 317 - 318.

[ 151 ]

ولأن في تعيين المكان غرضا ومصلحة لهما فأشبه تعيين الزمان. ومن العجب قول ابن إدريس أنه لا يشترط بغير خلاف بين أصحابنا مع وجود ما نقلناه من الخلاف، وقوله: (الأصل براءة الذمة) يعارضه أصالة بقاء المال على صاحبه، وحمل البيع مصروف إلى البيع الصحيح دون الفاسد، ونحن نمنع من صحة التنازع، وكذا قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1). ونسبة ما ذكره الشيخ في الخلاف إلى أحد قولي الشافعي ليس قولا لأحد من أصحابنا يدل على قلة معرفته بمواضع الخلاف. وقوله: (لم يوجد في أحاديث أصحابنا ولا غيرهم) ممنوع، لأنهم - عليهم السلام - نصوا على اشتراط الوصف (2)، وهو يتناول المكان، لأن الاين من جملة الأوصاف اللاحقة بالماهية. وكون الشيخ لم يستدل بالاجماع ولا بالأخبار لا يدل على بطلان الحكم، لإمكان الاستدلال عليه بغيرهما. مسألة: قال ابن حمزة: لا يجوز السلف في ذوات القيمة، بل في ذوات الامثال (3). فإن عني بذوات الامثال ما هو المشهور بين الفقهاء، وهو ما يتساوى أجزاؤه في الحقيقة فليس بشرط، لورود النصوص (4) الدالة على جواز السلف في الحيوان وغيره. وإن عني به ما يمكن ضبط أوصافه المطلوبة التي تتفاوت الأثمان باعتبارها فهو حق.

(1) المائدة: 1.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 27 ب 3 في بيع المضمون، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب السلف ج 13 ص 54.
(3) الوسيلة: ص 241.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 46 ح 198، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب السلف ج 13.

[ 152 ]

مسألة: قال ابن الجنيد: السلم لا يصح إلا أن يحدد قدره بكيل أو وزن أو عدد، وهو يعطي جواز السلف في المعدود. وقال الشيخ: لا يجوز السلف في الجوز والبيض إلا وزنا (1). والأجود أن نقول: إن كان المعدود مما يوزن في عرف الشرع والناس وجب ذكر الوزن وإن لم يكن موزونا فإن اختلفت مقاديره وجب ضبطه بالوزن، وإلا كفى العدد. لنا: أن الغرض تحصيل القدر ومعرفته والعلم به وقد حصل فكان جائزا. مسألة: إذا جعل الأجل إلى خمسة أشهر فإن لم يكن مضى من الهلال شئ عد خمسة بالاهلة سواء تمت أو نقصت، وإن كان قد مضى من الهلال شئ حسب ما بقي ثم عد ما بعده بالاهلة سواء كانت تامة أو ناقصة ثم أتم الشهر الأخير بالعدد ثلاثين يوما قاله الشيخ، لأنه فات الهلال قال: وإن قلنا: بعدد مثل ما فات من الشهر الأول الهلالي كان قويا (2). ورجح بعض علمائنا الأول، لأن الشهر في المتعارف إما عدة بين هلالين أو ثلاثون يوما وقد فات الهلال فيتعين الثلاثون ولا أستبعد أن يجعل الخمسة كلها عددية بناء على المتعارف من الحمل عليه عند فوات الهلال. مسألة: قال الشيخ: يجوز اشتراط الجيد والردئ لا الأجود والأردأ (3). ونازع بعض المتأخرين في الأخير، لإمكان التخلص بدفع الردئ إذ البائع إذا دفع الاجود من المشترط وجب القبول وليس بجيد، لأن الشيخ لم يبطله من حيث تعذر التسليم بل من حيث الجهالة، لأن الأردأ لا ينضبط

(1) المبسوط: ج 2 ص 189.
(2) المبسوط: ج 2 ص 171.
(3) المبسوط: ج 2 ص 175 وفيه: (لا يجوز أن يذكر جيدا أو رديئا).

[ 153 ]

بالوصف فلهذا المعنى أبطله الشيخ خصوصا وقد بين الشيخ ذلك فقال: لو شرط الأجود والأردأ لم يصح، لأنه لا يوقف عليه (1). تذنيب: المشهور أنه إذا دفع الأجود في الوصف وجب القبول. وقال ابن الجنيد: لا يجب، لأن ذلك ليس له. احتج الأصحاب بأنه قد زاده خيرا. مسألة: قال الشيخ: لا يجوز السلف في جارية حبلى، لأن الحمل مجهول لا يمكن ضبطه بأوصافه (2). ونحوه قال ابن الجنيد فإنه قال: لا يجوز أن يشترط أن يؤتى بها حوامل: يعني إناث الحيوان. والأقرب عندي الجواز، لأن الحمل تابع فلا يضر جهالة وصفه كما لو باع الحبلى نقدا، ولو كانت جهالة الحمل مانعة من الانعقاد منعت في الموضعين. لا يقال: كون الجارية حاملا مجهولا. لأنا نقول: المرجع في ذلك إلى أرباب الخبرة والمعرفة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا أسلم في الثوب المصبوغ فإن كان قد صبغ غزله جاز، لأن لونه يجري مجرى لون الغزل ويقف على صفته وإن كان يصبغ بعد النسج لم يجز، لأن ذلك يكون سلما في الثوب والصبغ المجهول ولأنه يمنع من الوقوف على نعومة الثوب وخشونته وإدراك صفته (3). والأقرب الجواز في الموضعين، لأن الصبغ بعد حلوله في الثوب يكون تابعا ويتمكن من معرفته بأن يوصف بالشبع وعدمه وإن لم يدرك ما يمكنه، لأنا لا نوجب ذلك في شئ من الأوصاف بل نكتفي بما يطلق عليه الاسم ولو منع

(1) المبسوط: ج 2 ص 175.
(2) المبسوط: ج 2 ص 176.
(3) المبسوط: ج 2 ص 177 - 178.

[ 154 ]

بعد النسج لمنع قبله، لأن الاختلاف الموجود بعد النسج موجود قبله، ونعومة الثوب وخشونته قد تدرك بعد الصبغ. مسألة: قال الشيخ: يجوز السلف في الأواني المتخذة من الحديد والصفر والرصاص والشبه كالطشت والقمقمة والتور بشرط ذكر السعة ولا يشترط الوزن (1). وليس بجيد، لأن الأواني مختلفة في الثقل والخفة فيجب ذكر الوزن. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: ولا يجوز السلف في القز، لأن في جوفه دودا ليس بمقصود ولا فيه مصلحة فإنه إذا ترك فيه أفسده، لأنه يقرضه ويخرج منه فإن كان يابسا مات فيه الدود ولا يجوز بيعه، لأنه ميتة فإن أسلف في قز قد خرج منه الدود جاز (2). والوجه عندي الصحة مطلقا. لنا: الأصل الجواز وما ذكره الشيخ ضعيف، لأن الدود ليس بمقصود في البيع فلا فرق بين أن يكون ميتا أو حيا، نعم يشترط كون القز طريا أو يابسا. مسألة: قال الشيخ: لو أسلم في اللبن وشرط أن يطبخه لم يجز، لأنه لا يعرف قدر ما يذهب في طبخه من الحطب ولأنه قد يفسد (3). والوجه عندي الجواز. لنا: إنه عمل سائغ فيصح اشتراطه وما ذكره الشيخ لا يقتضي الفساد كما لو باعه اللبن الحاضر وشرط طبخه. وقال أيضا: لو أسلم في طعام على أن يطبخه لم يجز (4). وقال أيضا في موضع آخر منه: لا يجوز أن يشتري طعاما على أن يطبخه إجماعا وقد روي في أخبارنا جوازه (5). والحق الجواز.

(1) المبسوط: ج 2 ص 178.
(2) المبسوط: ج 2 ص 182.
(3) المبسوط: ج 2 ص 184 - 185.
(4) المبسوط: ج 2 ص 186.
(5) المبسوط: ج 2 ص 194.

[ 155 ]

مسألة: لو شرط أن يكون الثمن من دين عليه قال الشيخ: لا يصح، لأنه بيع دين بمثله (1) وقيل: يكره (2). والمعتمد الأول، لأنه بيع دين بدين وقد نهي عنه. مسألة: لو اختلفا في قبض الثمن قبل التفرق كان القول قول مدعيه، لتمسكه بصحة العقد ولو أقاما بينة قال الشيخ في المبسوط: القول قول من يدعي الصحة أيضا ويحتمل تقديم بينة الآخر (3). لنا: أن البينة على المدعي وهو هنا من يدعي البطلان. مسألة: قال في المبسوط: لو أسلم في حنطة لزمه أن يدفعها خالصة نقية من الشعير والتراب فإن كان كثيرا يؤثر في الكيل لم يجبر على قبوله، وإن كان يسيرا لا يؤثر في الكيل أجبر على قبوله، وإن كان موزونا لا يلزمه قبوله وإن قل (4). والأقرب أن نقول: إذا شرط الصرابة (5) والنظافة وجب أن يعطيه ما يطلق عليه هذان الاسمان وإن كان فيها شعير قليل أو تراب يسير سواء كان بالوزن أو لا. نعم لو شرط الخلو من الشعير والتراب كان قول الشيخ جيدا.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 31.
(2) شرائع الاسلام: ج 2 ص 66.
(3) المبسوط: ج 2 ص 136.
(4) المبسوط: ج 2 ص 191.
(5) الصرب: اللبن الحقين الحامض (لسان العرب: ج 1 ص 522 مادة صرب).

[ 156 ]

الفصل العاشر في المرابحة والمواضعة مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز أن يبيع الانسان مرابحة بالنسبة إلى أصل المال بأن يقول: أبيعك هذا المتاع بربح عشرة واحدا أو اثنين بل يقول بدلا من ذلك: هذا المتاع بكذا وأبيعك إياه بكذا بما أراد (1). وكذا قال المفيد (2). وسلار قال: لا يصح لو قال: بعتك هذا بربح العشرة واحدا أو أكثر بالنسبة (3). وقال أبو الصلاح: لا يجوز بيع المرابحة بالنسبة إلى الثمن كقوله: أربح عليك في كل عشرة دراهم من ثمنه درهما وإنما يصح بيع المرابحة بأن يخبر بجملة الثمن ويربح في غير المبيع (4). وقال ابن البراج: لا يجوز في بيع المرابحة حمل الربح على المال، مثل: أبيعك هذا المتاع بكل عشرة منه واحد أو اثنين، بل يحمل الربح على المتاع (5).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 152.
(2) المقنعة: ص 605.
(3) المراسم: ص 175.
(4) الكافي في الفقه: ص 359.
(5) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.

[ 157 ]

وقال الشيخ في المبسوط: يكره بيع المرابحة بالنسبة إلى أصل المال وليس بحرام فإن باع كذلك كان البيع صحيحا (1). وكذا قال في الخلاف (2) وبه قال ابن إدريس (3) وهو المعتمد. لنا: الأصل الجواز. وما رواه العلا في الصحيح قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: الرجل يريد أن يبيع البيع فيقول: أبيعك بده دوازده أو ده يازده، فقال: لا بأس إنما هذه المراوضة فإذا جمع المبيع جعله جملة واحدة (4). وفي الصحيح عن محمد قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: إني أكره بيع عشرة أحد عشر وعشرة اثني عشر ونحو ذلك من البيع ولكن أبيعك بكذا وكذا مساومة. وقال: أتاني متاع من مصر فكرهت أن أبيعه كذلك وعظم علي فبعته مساومة (5). وعن جراح المدائني قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: إني أكره بيع ده يازده وده دوازده ولكن أبيعك بكذا وكذا (6). احتج الشيخ بما رواه محمد الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: قدم لأبي عبد الله - عليه السلام - متاع من مصر فصنع طعاما ودعا له

(1) المبسوط: ج 2 ص 141.
(2) الخلاف: ج 3 ص 134 المسألة 223. (3) السرائر: ج 2 ص 291.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 54 ح 235، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب أحكام العقود ح 5 ج 12 ص 386.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 54 ح 236، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب أحكام العقود ح 4 ج 12. ص 386.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 55 ح 237، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب أحكام العقود ح 2 ج 12 ص 385.

[ 158 ]

التجار فقالوا: نأخذه بده دوازده فقال: وكم يكون؟ فقالوا: في كل عشرة ألف ألفين فقال: إني أبيعكم هذا المتاع بإثني عشر ألفا (1). وبما تقدم من الأحاديث الدالة على الكراهة ولما فيه من تطرق الجهالة. والجواب عن الأول: إنه غير مانع من صورة النزاع والأحاديث الدالة على الكراهة لا تدل على التحريم، والجهالة ممنوعة إذا أخبر برأس المال أولا. نعم لو لم يخبر برأس المال أو لا بطل البيع ولو أخبره برأس المال وزاد في كل عشرة درهما ولم يعلما وقت العقد كمية الثمن احتمل البطلان، للجهالة، والصحة، لإمكان العلم بأنه يستخرج بالحساب والأقوى البطلان، لاشتراط العلم بالثمن وقت العقد. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا اشترى ثيابا جماعة بثمن معلوم ثم قوم كل ثوب على حدة مع نفسه لم يجز أن يخبر بذلك الشراء ولا أن يبيعه بذلك مرابحة إلا بعد أن يبين أنه إنما قوم ذلك كذلك (2). وقال ابن إدريس: ليس هذا بيع المرابحة، لأن موضوع بيع المرابحة في الشرع أن يخبر بالثمن الذي اشتراه وهذا ليس كذلك (3). أقول: هذه المنازعة لفظية. وقال ابن الجنيد: ولا يجوز البيع مرابحة لما قبض، البائع ثمنه مع غيره على السلعة المشتراة صفقة واحدة حتى يعرف المشتري ذلك إذا كانت متفاضلة ولو عرفه ذلك، وإن لم يكن متفاضلا أيضا كان أحوط. وقال في موضع آخر: لو اشترى معدودا ونحوه مما لا تفاضل فيه فأكل

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 54 ح 234، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب أحكام العقود ح 1 ج 12 ص 385 (2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 154.
(3) السرائر: ج 2 ص 292.

[ 159 ]

بعضه جاز له بيع الباقي مرابحة بقسطه من الثمن فإن تفاضل أو كان البيع من نوعين لم يجز ذلك فيه إلا بعد إعلام المشتري الحال، وهذا يدل على تجويز الأخبار بالقسط من الثمن في التساوي الأجزاء. والأقرب ما قاله الشيخ. لنا: إن الاغراض تتفاوت بالقلة والكثرة وتتفاوت بذلك الأثمان فيجب الأخبار بالحال، لئلا تقع الخيانة. مسألة: إذا اشتراه بالنسيئة ثم باعه مرابحة ولم يخبره بالاجل قال الشيخ في النهاية: كان للمبتاع من الأجل مثل ماله (1)، وبه قال ابن البراج (2)، وابن حمزة (3)، وهو الظاهر من كلام ابن الجنيد (4)، فإنه قال: ومن باع مرابحة كان للمشتري من النظرة وغيرها في الثمن ما كان للبائع عند الشراء. وقال الشيخ في الخلاف (5) والمبسوط (6): إذا اشترى سلعة بمائة إلى سنة ثم باعها في الحال مرابحة وأخبر أن ثمنها مائة فالبيع صحيح بلا خلاف، فإذا علم المشتري بذلك كان بالخيار بين أن يقبضه بالثمن حالا أو يرده بالعيب، لأنه تدليس وهو اختيار ابن إدريس (7) وهو الأقرب. لنا: إنه عقد على قدر من الثمن حالا فكان له ما عقد عليه لوقوع الرضا به وإخفاء الأجل لا يوجب ثبوته في حق المشتري بل يقتضي تخييره بين الفسخ للخيانة في الأخبار وبين الامضاء معجلا بجميع الثمن.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 151 - 152.
(2) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(3) الوسيلة: ص 243.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) الخلاف: ج 3 ص 135 المسألة 224.
(6) المبسوط: ج 2 ص 142.
(7) السرائر: ج 2 ص 291 - 292.

[ 160 ]

احتج الشيخ بما رواه ميسر بياع الزطي قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: إنا نشتري المتاع نظرة فيجيئني الرجل فيقول: بكم يقوم عليك؟ فأقول: بكذا وكذا فأبيعه بربح كذا فقال: إذا بعته مرابحة كان له من النظرة مثل مالك، قال: فاسترجعت وقلت: هلكنا فقال: مما؟ قلت: ما في الأرض ثوب يقوم بكذا وكذا قال: فلما رأى ما شق علي قال: أفلا أفتح لك بابا يكون لك فيه فرج منه؟ قل: قام علي بكذا وأبيعك بزيادة كذا وكذا ولا تقل بربح (1). وعن أبي محمد الوابشي قال: سمعت رجلا يسأل أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل اشترى من رجل متاعا بتأخير إلى سنة ثم باعه من رجل آخر مرابحة أله أن يأخذ ثمنه حالا والربح؟. قال: ليس عليه إلا مثل الذي اشترى إن كان نقد شيئا فله مثل ما نقد وإن لم يكن نقد شيئا آخر فالمال عليه إلى الأجل الذي اشتراه إليه، قلت له: فإن كان الذي اشتراه منه ليس على مثله قال: فليستوثق من حقه إلى الأجل الذي اشتراه (2). وعن هشام بن الحكم في الحسن عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يشتري المتاع إلى أجل فقال: ليس له أن يبيعه مرابحة إلا إلى الأجل الذي اشتراه إليه وإن باعه مرابحة ولم يخبره كان للذي اشتراه من الأجل مثل ذلك (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 56 ح 245، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب أحكام العقود ح 1 ج 12 ص 400.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 59 ح 254، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب أحكام العقود ح 3 ج 12 ص 401.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 47 ح 203، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب أحكام العقود ح 2 ج 12 ص 400.

[ 161 ]

والجواب: أنه محمول على ما إذا باعه بمثل ما اشتراه وأخفى عنه النسيئة ولم يشترط النقد فإنه والحال هذه يكون له من الأجل مثل ما كان للبائع على إشكال. مسألة: قال المفيد: إذا قوم التاجر على الواسطة المتاع بدرهم معلوم ثم قال له: بعه بما تيسر لك فوق هذه القيمة وهو لك والقيمة لي جاز ذلك، ولم يكن بين التاجر والواسطة بيع مقطوع، وإن باعه الواسطة بزيادة على القيمة كانت له، وإن باعه بها لم يكن على التاجر شئ، وإن باعه بدونها كان عليه تمام القيمة لصاحبها، وإن لم يبعه كان له رده ولم يكن للتاجر الامتناع من قبوله، ولو هلك المتاع في يد الواسطة من غير تفريط منه كان من مال التاجر ولم يكن على الواسطة فيه ضمان، وإذا قبض الواسطة المتاع من التاجر - على ما وصفناه - لم يجز أن يبيعه مرابحة ولا يذكر الفضل على القيمة في الشراء، وإذا قال الواسطة للتاجر: خبرني بثمن هذا الثوب واربح علي فيه شيئا لأبيعه ففعل التاجر ذلك وباعه الواسطة بزيادة على رأس المال والربح كان ذلك للتاجر دون الواسطة، إلا أن يضمنه الواسطة ويوجبه على نفسه، فإن فعل ذلك جاز له أخذ الفضل على الربح ولم يكن للتاجر إلا ما تقرر بينه وبينه فيه (1). ونحوه قال الشيخ في النهاية (2)، وابن البراج (3). وقال ابن إدريس: ما أورده الشيخ غير واضح، وأشار بذلك إلى ما ذكره أولا: من أنه إذا قوم التاجر متاعا على الواسطة بشئ معلوم وقال له: بعه فما زدت على رأس المال فهو لك والقيمة لي ثم زاد كانت الزيادة للواسطة، ولا

(1) المقنعة: ص 605 - 606.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 152 - 153.
(3) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.

[ 162 ]

يجوز أن يبيعه مرابحة. قال: لأن هذا جميعه لا بيع مرابحة ولا إجارة ولا جعالة محققة، وإذا باع الواسطة بزيادة على ما قوم عليه لم يكن للواسطة في الزيادة شئ، لأنها من جملة ثمن المتاع والمتاع للتاجر لم ينتقل عن ملكه بحال وللواسطة أجرة المثل، لأنه لم يسلم له العوض فرجع إلى المعوض، وكذلك إن باعه برأس المال، وإن باعه بأقل كان البيع باطلا، فإن تلف المبيع كان الواسطة ضامنا، ثم أي شراء بين التاجر والواسطة حتى يخبر بالثمن، وليس هذا موضوع بيع المرابحة في الشريعة بغير خلاف، وإنما أورد أخبار الاحاد في هذا الكتاب إيرادا لا اعتقادا. وقول الشيخ ثانيا: وإذا قال الواسطة: خبرني بثمن هذا المتاع واربح علي فيه كذا ففعل كانت الزيادة للتاجر وله أجرة المثل، ويوضح ما نبهنا عليه (1). والشيخ عول على ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: في رجل قال لرجل: بع ثوبي هذا بعشرة دراهم فما فضل فهو لك، قال: ليس به بأس (2). وفي الصحيح عن زرارة، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: رجل يعطي المتاع فيقال: ما ازددت علي بكذا وكذا فهو لك، فقال: لا بأس (3). وقول الشيخ محمول على الجعالة على التقدير الأول: وهو ما إذا قال التاجر للواسطة:. بعه بكذا فما زدت فهو لك، لكن يبقى الاشكال في الجعالة إذا تضمنت عوضا مجهولا.

(1) السرائر: ج 2 ص 294 - 295.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 53 ح 231، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب أحكام العقود ح 1 ج 12 ص 381.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 54 ح 232، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب أحكام العقود ح 2 ج 12 ص 381.

[ 163 ]

ويحتمل أن يقال هنا: بالصحة، لأنا إنما منعنا جهالة مال الجعالة لأدائه إلى التنازع فهو منفي هنا، إذ الواسطة إن زاد في الثمن مهما كان كانت الزيادة له، وإلا فلا شئ له، لأنهما تراضيا على ذلك، بخلاف الجعالة المجهولة المؤدية إلى التنازع، وهذا القول لا بأس به عملا بالاحاديث الصحيحة. أما الصورة الثانية: فإنه لا جعالة هناك ولا بيع، فلهذا أوجبنا على التاجر أجرة المثل. مسألة: قال ابن إدريس: إذا اشترى الوكيل بعين مال الموكل لنفس الوكيل كان الملك واقعا للموكل دون الوكيل (1). وعندي في ذلك نظر، نعم لو أطلق كان ما قاله جيدا، ولو اشترى للوكيل بالعين ففي الانعقاد إشكال، من حيث أن البيع وقع للوكيل بعين مال الموكل. مسألة: قال الشيخ: لا بأس أن يبيع الانسان متاعا بأكثر مما يساوي في الحال نسيئة إذا كان المبتاع من أهل المعرفة، فإن لم يكن كذلك كان البيع مردودا (2). وقال ابن البراج: يكون باطلا (3). وقال ابن إدريس: يكون موقوفا للمشتري الخيار فيه (4). والتحقيق أن نقول: إن كان الثمن نسيئة أكثر مما يساوي نسيئة كثرة لا يقع التغابن فيها كان البيع موقوفا على رضى المشتري، وإن كانت الكثرة مما يتغابن الناس بها كان البيع لازما، ولا اعتبار بالزيادة بالنسبة إلى الحال، بل بالنسبة إلى الأجل. مسألة: لو اشترى بثمن ثم استأجره لعمل فيه كقصارة أو خياطة أو صبغ

(1) السرائر: ج 2 ص 295.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 153.
(3) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(4) السرائر: ج 2 ص 295.

[ 164 ]

جاز أن يضم الأجرة إلى الثمن ويخبر حينئذ بعبارتين: أحدهما: يقوم علي بكذا، والثانية: هو علي بكذا، وليس له أن يخبر بعبارة: اشتريته بكذا، وهل يخبر بقول: رأس مالي فيه كذا؟ قال في المبسوط. ليس له ذلك (1). والأقرب عندي الجواز. لنا: إن قوله: (رأس مالي) عبارة عما لزم عليه، ولا ريب في لزوم الأجرة عليه. احتج بأنه كذب. والجواب: المنع، إذ ليس موضوعا للثمن خاصة. مسألة: إذا قال: اشتريته بمائة وبعتك إياه بربح كل عشرة واحدا فقال المشتري: اشتريت ثم قال البائع: غلطت والثمن تسعون قال الشيخ في المبسوط: البيع صحيح والثمن تسعة وتسعون درهما، قال فيه: وقيل: إن المشتري بالخيار بين أن يأخذ بمائة وعشرة وبين أن يرد، لأن نقصان الثمن عما قال عيب له أن يرد به، قال: وعلى الأول لا خيار للمشتري، لأنه نقصه من الثمن، قال: وقيل: إن له الخيار، لأن هذا خيانة، فلا يؤمن أن يكون في القول الذي رجع إليه خائنا (2). وقال في الخلاف: البيع صحيح، ولم يلزمه عندنا أنه بالخيار بين أن يأخذ بمائة وعشرة أو يرد، وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: يلزمه تسعة وتسعون درهما، وهو أحد قولي الشافعي. قال: وهو قوي، لأنه باعه مرابحة. ثم استدل في الخلاف بأن العقد وقع على مائة وعشرة، فإذا تبين نقصانا في الثمن كان ذلك عيبا له رده به أو الرضا به، ومن ألزمه بدون ذلك فعليه الدليل. قال: ولو

(1) المبسوط: ج 2 ص 141.
(2) المبسوط: ج 2 ص 142 - 143.

[ 165 ]

قال: بعتك برأس مالي وزيادة العشرة واحدا كان القول قول أبي يوسف (1). وقال ابن الجنيد: لو تبايعا مرابحة بالثلث فأقر البائع أو قامت البينة بأن ثمن ما خبر شراؤه بستين درهما ثلاثين درهما كان للمشتري أن يرجع بالثلاثين الدرهم من رأس المال وقسطها من الربح، لأن البائع قد أوجبها برأس مالها، فإن كان الربح درهما معينا غير جزء من الثمن يرجع بما كذبه من الشراء دون الربح. والمعتمد للمشتري الخيار بين أخذه بمائة وعشرة وبين الفسخ مطلقا، لأن العقد إنما يتناول هذا القدر وقد رضي المشتري به، فظهور النقص لا يوجب بطلان البيع إجماعا، بل يقتضي ثبوت الخيار للمشتري، وكذا لو قال: بعتك برأس مالي وربح كذا، لأن رأس المال قد كذب في إخباره، وإنما وقع للمشتري الشراء بما أخبر به لا بما وقع هو في نفس الأمر، لأنه مجهول. احتج الشيخ بأنه باعه برأس ماله وما قدره من الربح، فإذا بان رأس ماله قدرا كان مبيعا به وبالزيادة التي عيناها. والجواب: إنما باعه برأس ماله الذي أخبر به لا بما هو في نفس الأمر. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو قال: رأس مالي مائة ثم قال: غلطت والثمن مائة وعشرة لم يقبل قوله، ولو أقام بينة على أنه أخطأ وأن شراءه كان أكثر لم تقبل بينته، لأنه كذبها بالقول الأول، ولا يلزم المشتري اليمين أنه لا يعلم أنه اشتراه بأكثر من ذلك، لأنه لا دليل عليه، فإن قال: وكيلي كان اشتراه بمائة وعشرة وأقام بذلك بينة قبلت بينته. قال: وإن قلنا: إنه لا تقبل، لأنها كذبها بالقول الأول كان قويا (2).

(1) الخلاف: ج 3 ص 138 المسألة 227.
(2) المبسوط: ج 2 ص 143.

[ 166 ]

والوجه إن له إقامة البينة والمطالبة بالثمن في المسألتين معا. لنا: إنه قد ادعى شيئا لو صدقه الغريم يثبت حقه وكان له إقامة البينة عليه واليمين على خلافه، والتكذيب ممنوع، لأنه ادعى شيئا خفيا غير مناف لما شهدت به البينة وهو الغلط. وقال ابن الجنيد: لو غلط فخبر ما اشتراه بستين بثلاثين درهما، فإن كان البيع مرابحة بالخبر كان المشتري بالخيار إن شاء قبلها بالواجب من الثمن والقسط من الربح مبيعا وإن شاء ردها إن كانت قائمة، وإن كان حدثه فيها ينقصها ردها ومقدار ما نقصها، وإن كان حدثه يزيدها فقبلها البائع ردها وقيمة ما أحدثه المشتري من الزيادة، وإن لم يخبر المشتري رد الغلط وقسط من الربح، وإن كانت السلعة مستهلكة كان على المشتري غلط البيع وقسطه من الربح. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو اشترى عبدا بمائة فحط البائع عشرة في زمن الخيار لم يجز له الإخبار بالمائة، لأن الحط في زمان الخيار يلحق بالعقد فيلزمه أن يحط عنه (1)، وبه قال ابن البراج. والحق أن الحط هنا هبة، كما هو بعد الخيار وأن له الإخبار بالمائة، وهو مذهب والدي رحمه الله. لنا: أن العقد ناقل ومضي مدة الخيار مؤكد للنقل ويلزم له، لأن له حظا في النقل، وهذه المسألة تبتنى على أن الملك ينتقل بالعقد، أو به وبانقضاء الخيار وقد مضت. مسألة: قال ابن البراج: من اشترى طعاما وأكل نصفه جاز أن يبيع النصف الآخر مرابحة على نصف الثمن، وهكذا كل ما يكال أو يوزن إذا كان

(1) المبسوط: ج 2 ص 144.

[ 167 ]

ضربا واحدا، وهذا مذهب ابن الجنيد كما قلناه. والأجود خلافه وإلحاقه بالمختلف. مسألة: قال ابن البراج: إذا اشترى عبدا بألف فوهب له البائع بجميع الثمن كان له بيعه مرابحة على الألف، فإن وهب له البعض أو حط عنه البعض باعه مرابحة على ما بقي من الثمن. وليس بجيد. والمعتمد أنه يخبر بالجميع، كما لو وهبه الجميع، كما لو باعه بعشرة جياد فنقد فيها زيفا ورضي البائع بالجياد فإنه يخبر بالجياد عنده. مسألة: إذا قال: بعتك بمائة بمواضعة العشرة درهما، قال في المبسوط: يكون الثمن تسعين (1). وقال في الخلاف: اختلف الناس فيها فقال أبو حنيفة والشافعي: يكون الثمن تسعون وعشرة أجزاء من أحد عشر جزء من درهم، وقال أبو ثور: الثمن تسعون. ثم قال: دليلنا: ما ذكره حذاق العلماء: وهو أن البيع مرابحة ومواضعة، فإذا باعه مرابحة ربح درهم على كل عشرة كان مبلغ الثمن مائة وعشرة وكان قدر الربح جزء من أحد عشر جزء من الثمن، فإذا باعه مواضعة وجب أن تكون المواضعة حط جزء من أحد عشر جزء من الثمن، فإذا كان مائة حططت منه جزء من أحد عشر جزء فيحط من تسعة وتسعين ويبقى درهم ينحط منه جزء من أحد عشر جزء، وقيل فيه أيضا: قوله: (وضيعة درهم من كل عشرة) معناه: يوضع من كل عشرة يبقى لي درهم من أصل رأس المال، وتقديره: وضيعة درهم بعد كل عشرة فيكون الثمن أحد وتسعين إلا جزء من أحد عشر جزء من درهم. قالوا: إذا أردت مبلغ الثمن في ذلك فعقد الباب فيه أن تضيف الوضيعة إلى رأس المال ثم تنظركم قدرهما، فما اجتمع فأسقط

(1) المبسوط: ج 2 ص 142.

[ 168 ]

ذلك القدر من رأس المال وهو الثمن. وبابه إذا قال: رأس مالي عشرون بعتكها برأس مالي مواضعة العشرة درهمان ونصف، فتضيف إلى العشرين قدر الوضيعة وهو خمسة دراهم فيصير خمسة وعشرين، فتنظركم خمسة من خمسة وعشرين، فإذا هو خمسها فأسقط من رأس المال وهو عشرون الخمس أربعة يبقى الثمن ستة عشر. ثم قال: وقول أبي ثور أقوى عندي، لأنه إذا قال: مواضعة عشرة واحدا أضاف المواضعة إلى رأس ماله، فرأس ماله مائة، فيجب فيه عشرة فيبقى تسعون ولم يضفه إلى ما يبقى في يده. ولو قال ذلك لكان الأمر على ما قالوه، وأما حمل الوضيعة على الربح واضافة ذلك إلى أصله فهو قياس، ونحن لا نقول به (1). فقد رجع عما قاله أولا إلى ما ذكره في المبسوط.

(1) الخلاف: ج 3 ص 135 - 136 المسألة 225.

[ 169 ]

الفصل الحادي عشر في العيوب مسألة: قال المفيد: لو ظهر المعيب تخير المشتري بين رده على البائع وارتجاع الثمن، وبين أرش العيب يقوم الشئ صحيحا ويقوم معيبا، ويرجع على البائع بقدر ما بين القيمتين (1). وكذا قال علي بن بابويه (2). وقال الشيخ في النهاية: يكون بالخيار بين الرد أو يطالب بالأرش، بين قيمة المتاع صحيحا وبينه معيبا (3). وقال الشيخ في المبسوط: إذا اشترى أمة ثم ظهر بها عيب بعد الوطئ لم يكن له الرد، بل الأرش بأن تقوم صحيحة، فإذا قيل: ألف، قومت معيبة، فإذا قيل: تسعمائة علم نقص عشر القيمة فيرجع بعشر ثمنها، وإنما قلنا: يرجع بما نقص من القيمة دون الثمن، لأنه لو رجع بما نقص من القيمة أدى إلى أن يجتمع للمشتري الثمن والمثمن جميعا بأن يشتري ما يساوي ألفين بألف، فإذا وجد بها عيبا ينقص نصف القيمة وهو ألف، فلو رجع بما نقص من القيمة لرجع بألف فيحصل الثمن والمثمن (4).

(1) المقنعة: ص 596 - 597.
(2) لم نعثر على رسالته.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 155.
(4) المبسوط: ج 2 ص 127.

[ 170 ]

والظاهر أن مراد المفيد وشيخنا علي بن بابويه ذلك، إذ الظاهر أن البائع والمشتري إنما يتبايعان بالمساوي، وإنه لا يقع التغابن، فلهذا أوجبنا التفاوت بين القيمتين. وقال ابن إدريس: هذا مما يغلط فيه بعض الفقهاء، فيوجبون الأرش ما بين القيمتين، فليلحظ ما حررناه ويتأمل (1). فكأنه فهم من كلام ابن بابويه والمفيد ذلك، وإن كان هو الظاهر من كلامهما، لكن مثل هذا لا يخفى عن مثل هؤلاء المشايخ. وبالجملة والذي أمر بالتأمل لما حرره أمر بالمعدوم الذي لم يحرر هو شيئا، فإن ذلك شئ ذكره الشيخ في المبسوط. مسألة: المشهور أنه يستحب للبائع إذا أراد التبري من العيوب أن يفصلها، فإن تبرأ منها أجمع من غير تفصيل في العقد برئ من الجميع، اختاره الشيخان (2)، وسلار (3)، وأبو الصلاح (4)، وابن حمزة (5)، وابن إدريس (6). ونقل ابن إدريس عن بعض أصحابنا أنه لا يكفي التبري من العيوب إجمالا في إسقاط الرد (7)، وهو قول ابن الجنيد. وقال ابن البراج في المهذب: كنا قد ذكرنا في كتابنا الكامل إنه إذا تبرأ البائع إلى المشتري من جميع العيوب لم يكن له الرد، وكان ذلك كافيا له ومغنيا

(1) السرائر: ج 2 ص 296.
(2) المقنعة: ص 598، النهاية ونكتها: ج 2 ص 155.
(3) المراسم: ص 175.
(4) الكافي في الفقه: ص 358.
(5) الوسيلة: ص 255. (6) السرائر: ج 2 ص 296.
(7) السرائر: ج 2 ص 296 - 297.

[ 171 ]

عن ذكر العيوب عن التفصيل، والذي ذكرناه هاهنا من تبين العيوب للمشتري واطلاعه عليه على التفصيل أحوط، والذي ينبغي أن يكون العمل عليه وعلى هذا إذا باع غيره سلعة أو بهيمة وقال: برئت إليك من جميع العيوب لم يبرأ من ذلك حتى يخبر بالعيب الذي تبرأ منه، ولا يصح البراءة من عيب غير معلوم للمشتري (1). لنا: إن التبري الإجمالي يتناول كل عيب فيدخل تحته الجزئيات، وكما لو ذكر الجزئيات كذا لو ذكر الإجمالي. ولأنهما تبايعا على شرط التبري من كل عيب، فيثبت لهما ما شرطاه، لقوله - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) (2). وما رواه جعفر بن عيسى في الحسن قال: كتبت إلى أبي الحسن - عليه السلام - جعلت فداك المتاع يباع في من يزيد فينادي عليه المنادي، فإذا نادى عليه برئ من كل عيب فيه، فإذا اشتراه المشتري ورضيه ولم يبق إلا نقده الثمن فربما زهد، فإذا زهد فيه ادعى فيه عيوبا وأنه لم يعلم بها، فيقول له المنادي: قد برئت منها، فيقول المشتري: لم أسمع البراءة منها، أيصدق فلا يجب عليه الثمن أم لا يصدق فيجب عليه الثمن؟ فكتب - عليه السلام -: عليه الثمن (3). احتج ابن الجنيد بأنه بيع المجهول. والجواب: المنع من كونه مجهولا، إذ هو مشاهد.

(1) المهذب: ج 1 ص 392.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ذيل ح 1503، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ذيل ح 4 ج 15 ص 30.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 66 ح 285، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب أحكام العيوب ح 1 ج 12 ص 420.

[ 172 ]

مسألة: لو اختلفا فقال البائع: حدث العيب عند المشتري وقال المشتري: إنه كان في المبيع قبل أن يبيعني إياه كان القول قول البائع مع يمينه، قال الشيخ: فإن لم يحلف كان عليه الدرك فيه (1). وقال ابن إدريس: الحق أن يقال: إن لم يحلف جعل ناكلا وردت اليمين على خصمه، لأن بمجرد النكول عن اليمين لا يستحق المدعي ما ادعاه إلا بيمينه (2)، وهو الحق. وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. وقال ابن الجنيد: إن إدعى البائع أنه حدث عند المشتري حلف المشتري إن كان نكل. والمعتمد الأول. لنا: الأصل عدم السبق فالقول قول البائع مع يمينه. مسألة: قال الشيخان: إذا وجد المبتاع بالعبد أو الأمة عيبا بعد عتقهما لم يكن له الرد وكان له الأرش، فإن وجد ذلك بعد تدبيرهما أو هبتهما كان مخيرا بين الرد وأرش العيب أيهما اختار كان له ذلك، وليس العتق كالتدبير والهبة، لأن للمدبر أن يرجع في تدبيره وللواهب الرجوع في ما وهب ما لم يتعوض عنه، ولا يجوز رد الحر إلى العبودية على حال (3). وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول المذهب أن المشتري إذا تصرف في المبيع فإنه لا يجوز له رده بعد ذلك وله الأرش، ولا خلاف إن التدبير والهبة تصرف، وقول الشيخ: (أن له أن يرجع في التدبير والهبة) ممنوع، فإن التدبير إن كان عن نذر أو كانت الهبة للولد أو للأجنبي بعد الاقباض والتصرف أو التعويض فلا رجوع، وأيضا فليس للراهن تدبير العبد المرهون، لأنه ممنوع من

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 156.
(2) السرائر: ج 2 ص 297.
(3) المقنعة: ص 597 - 598، النهاية ونكتها: ج 2 ص 158 - 159.

[ 173 ]

التصرف فيه (1). وقول ابن إدريس لا بأس به، ثم ألزمهما أن المشتري لو باع العبد والجارية بشرط الخيار لنفسه كان يجوز أن يردهما على البائع بعد أن سلمهما إلى المشتري الثاني، لأن هذا البيع لا يمنع من العود إلى المالك كالهبة والتدبير، وليس كذلك إجماعا. ولابن الجنيد هنا قول غير معتمد وهو أنه: إذا رجع على البائع بعيب كان في ملك من اشتراه منه كان له أيضا أن يرجع بذلك عليه إما بالرد أو بالأرش، أما الأرش فجيد، وأما الرد فلا، لأنه لا رد بعد التصرف. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من اشترى جارية على أنها بكر فوجدها ثيبا لم يكن له ردها ولا الرجوع على البائع بشئ من الأرش، لأن ذلك قد يذهب من العلة والنزوة (2). وقال في الخلاف: روى أصحابنا أنه ليس له الرد للاخبار التي رووها، وأيضا إثبات ذلك عيبا يرد منه يحتاج إلى دليل (3). وقال في المبسوط: روى أصحابنا أنه ليس له الخيار وله الأرش (4). وقال ابن البراج في الكامل: إن ابتاعها على أنها بكر فوجدها ثيبا لم يكن له ردها ولا أرش في ذلك (5). وقال في المهذب: وإن اشترى جارية ولم يشترط أنها بكر أو ثيب فخرجت

(1) السرائر: ج 2 ص 299.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 160.
(3) الخلاف: ج 3 ص 112 المسألة 184. (4) المبسوط: ج 2 ص 129.
(5) لم نعثر على كتابه.

[ 174 ]

ثيبا أو بكرا لم يكن له خيار وكان له الأرش (1). وقال ابن إدريس: قد رجع الشيخ عما ذكره في نهايته في استبصاره، فقال: يرجع عليه بالأرش ما بين قيمتها بكرا وثيبا. قال: وهذا هو الصحيح الذي يقتضيه أصول المذهب، والذي أورده في نهايته خبر واحد، ثم بعد ذلك قوي تخير المشتري بين الرد والأرش، لأنه تدليس يجب به الرد، وقد انعقد الاجماع على أن التدليس يجب به الرد (2). والتحقيق أن نقول: إن علم سبق الثيبوبة على العقد تخير المشتري بين الرد والأرش إن لم يكن تصرف وله الأرش إن تصرف، وإن لم يعلم لم يكن له الأرش ولا الرد، وهو الظاهر من كلام الشيخ واياه عني، لأن تعليله يعطي ذلك حيث قال: فإن ذلك يذهب بالعلة والنزوة. والذي وصل إلينا في هذا الباب حديثان: أحدهما: رواه علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس في رجل اشترى جارية على أنها عذراء فلم يجدها عذراء، قال: يرد عليه فضل القيمة إذا علم أنه صادق (3). ولا ريب في مناسبة هذه الرواية لما اخترناه، لكن يونس لم يسندها إلى إمام. الثاني: روى أحمد بن محمد، عن الحسن، عن زرعة، عن سماعة قال: سألته عن رجل باع جارية على أنها بكر فلم يجدها على ذلك، قال: لا ترد عليه ولا يجب عليه شئ، لأنه يكون يذهب في حال مرض أو أمر يصيبها (4).

(1) المهذب: ج 1 ص 395.
(2) السرائر: ج 2 ص 304.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 64 ح 278، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أحكام العيوب ح 1 ج 12 ص 418.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 65 ح 279، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أحكام العيوب ح 2 ج 12 ص 418

[ 175 ]

وزرعة وسماعة واقفيان، ولم يسندها سماعة إلى إمام أيضا، والتحقيق ما فصلناه نحن أولا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من اشترى جارية لا تحيض في مدة ستة أشهر ومثلها تحيض كان له ردها، لأن ذلك عيب إذا لم يتصرف فيها (1). وقال ابن إدريس: أورد ذلك شيخنا في نهايته من طريق خبر الواحد إيرادا لا اعتقادا (2)، وهو يعطي عدم المصير إليه. وابن البراج تبع الشيخ في ذلك، وابن حمزة (3). والحق ما قاله الشيخ. لنا: إن ذلك خارج عن المجرى الطبيعي بالنسبة إلى أمثالها فيكون عيبا. وما رواه الشيخ في الصحيح عن داود بن فرقد قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل اشترى جارية مدركة فلم تحض عنده حتى مضى لها ستة أشهر وليس بها حمل، قال: من كان مثلها تحيض ولم يكن ذلك من كبر فهذا عيب ترد منه (4). مسألة: ترد الشاة المصراة إجماعا، ثم إن كان اللبن موجودا رده، وإن فقد فالمثل، وإن تعذر فالقيمة، ذهب إليه الشيخ في النهاية (5)، والمفيد (6)، وابن البراج في الكامل (7)، وابن إدريس (8).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 161.
(2) السرائر: ج 2 ص 304 - 305.
(3) الوسيلة: ص 256.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 65 ح 281، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب أحكام العيوب ح 1 ج 12 ص 413.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 159.
(6) المقنعة: ص 598.
(7) لم نعثر على كتابه.
(8) السرائر: ج 2 ص 299 - 300.

[ 176 ]

وقال الشيخ في الخلاف: عوض اللبن الذي يحلبه صاع من تمر أو صاع من بر على ما نص النبي - صلى الله عليه وآله -. احتج بإجماع الفرقة وأخبارهم، والأخبار الواردة عن النبي - صلى الله عليه وآله - تضمنت التمر أو البر، فمن قال، بغيرها فعليه الدلالة (1). وكذا قال في المبسوط، ثم قال فيه: فإن تعذر - يعني الصاع - وجبت القيمة وإن أتى على قيمة الشاة، ولا اعتبار بفضل الاقوات، وإذا كان لبن التصرية باقيا لم يشرب منه شيئا فأراد رده مع الشاة لم يجبر البائع عليه، وإن قلنا: إنه يجبر عليه، لأن عين ماله كان قويا (2). وقال ابن الجنيد: وقد حكم النبي - صلى الله عليه وآله - في المصراة إذا كرهها المشتري فردها، بأن يرد معها عوضا عما حلب منها صاعا من حنطة أو تمر، وإذا لم يكن حلب منها شيئا أو رد ما حلبه معها لم يكن عليه شئ. وقال ابن البراج في المهذب كقول الشيخ في المبسوط، إلا أنه لم يتردد في عدم إجبار البائع على أخذ عين اللبن، بل جزم بأنه لم يجبر على أخذه، بل له أخذ الصاع من التمر أو البر، فإن تعذر فقيمته وإن بلغت قيمة الشاة (3). والمعتمد الأول. لنا: إن اللبن من ذوات الامثال فعند حضوره: يجبر البائع على أخذه، لأنه عين ماله، وعند عدمه له المثل، لأنه مثلي، ومع التعذر تجب قيمته كغيره من الأعيان المضمونة، وما نقله علماؤنا من الصاع محمول على تعذر اللبن، وإن قيمته حينئذ كانت صاعا من تمر أو بر لا أنه عام. وقول الشيخ، وابن

(1) الخلاف: ج 3 ص 104 - 105 المسألة 169.
(2) المبسوط: ج 2 ص 125.
(3) المهذب: ج 1 ص 391 - 392.

[ 177 ]

البراج: (إنه لا يجبر البائع على أخذ اللبن) محمول على التغير، لأن شأن اللبن ذلك غالبا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2): التصرية تثبت في البقرة والناقة كثبوتها في الشاة، وبه قال ابن الجنيد، وابن البراج (3)، وابن إدريس (4)، ونحن في ذلك من المتوقفين. وادعى الشيخ الاجماع عليه (5)، فإن ثبت كان حقا، وإلا فالوجه المنع. لنا: الأصل عدم الخيار ولزوم العقد بعد التصرف، نعم لو شرط اللبون فظهرت التصرية ثبت الخيار، لأن اللبن حينئذ يكون مقصودا، وشيخنا المفيد لم يتعرض لغير الشاة (6). مسألة: قال الشيخ في المبسوط (7) والخلاف (8): لا تثبت التصرية في الأمة والأتان، وبه قال ابن إدريس (9)، وابن البراج في المهذب وقال فيه: وأما ما عدا الشاة والبقرة والناقة فمختلف فيه، وليس على صحة إجرائه دليل فيقال به (10). وقال ابن الجنيد: المصراة من كل حيوان آدمي وغيره.

(1) المبسوط: ج 2 ص 125.
(2) الخلاف: ج 3 ص 105 المسألة 170.
(3) المهذب: ج 1 ص 391.
(4) السرائر: ج 2 ص 300.
(5) الخلاف: ج 3 ص 46 المسألة 170.
(6) المقنعة: ص 598.
(7) المبسوط: ج 2 ص 125.
(8) الخلاف: ج 3 ص 105 - 106 المسألة 171 - 172.
(9) السرائر: ج 2 ص 300. (10) المهذب: ج 1 ص 391.

[ 178 ]

لنا: الأصل المنع من الرد بعد التصرف يثبت في الشاة، بمعنى ألا يوجد في غيرها، وهو أن معظم فائدتها اللبن، فلا تثبت في غيرها عملا بالأصل. احتج بأنه المشترك، وهو التدليس بكثرة اللبن علة للرد، إذ الحاجة إلى لبن الأمة وغيرها من أصناف الحيوان ماسة، فلو لم يثبت له الرد لزمه الضرر المنفي. والجواب: المنع من علية المشترك. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا وجد بالجارية عيبا بعد أن وطأها لم يكن له ردها وكان له أرش العيب خاصة، وإلا أن يكون العيب من حبل فيلزمه ردها على كل حال، وطأها أو لم يطأها، ويرد معها إذا وطأها نصف عشر قيمتها (1). وقال المفيد: فإن وجد بها عيبا بعد أن وطأها لم يكن له ردها وكان له الأرش، إلا أن يكون عيبها من حبل أو مع ظهور حبل فله ردها، وطأها أو لم يطأها، ويرد معها إذا وطأها نصف عشر قيمتها (2). وقال أبو الصلاح: فإن وطأ الأمة لم يجز ردها بشئ من العيوب وله الأرش، إلا الحبل فإنه ترد به بعد الوطئ ويرد معها عشر قيمتها، فإن كان الوطئ بعد علمه بالحمل ورضاه بالبيع لم يكن له ردها وله الأرش (3). وقال سلار: إلا أن تكون حبلى فيردها على كل حال ويرد معها نصف عشر قيمتها (4). وقال ابن الجنيد - ونعم ما قال -: فإن وجد المشتري بالسلعة عيبا كان عند

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 157 - 158.
(2) المقنعة: ص 597.
(3) الكافي في الفقه: ص 358.
(4) المراسم: ص 175.

[ 179 ]

البائع وقد أحدث المشتري في السلعة ما لا يمكن رد السلعة إلى ما كانت عليه قبله كالوطئ للامة أو القطع للثوب أو تلف السلعة بموت أو غيره كان للمشتري فضل ما بين الصحة والعيب دون ردها، فإن كان العيب ظهور حمل من البائع وقد وطأها المشتري من غير علم بذلك كان عليه ردها ونصف عشر قيمتها. وقال ابن حمزة: وإن وطأ الأمة ثم علم بها عيبا لم يكن له ردها إلا إذا كان العيب حملا وكان حرا فإنه وجب عليه ردها ورد [ معها ] نصف عشر قيمتها، وإن كان الحمل مملوكا لم يجب ذلك (1). وقال ابن إدريس: فإن وجد بها عيبا بعد أن وطأها لم يكن له ردها وكان له أرش العيب خاصة، اللهم إلا أن يكون العيب من حبل فله ردها على كل حال وطأها أو لم يطأها، ويرد معها إذا وطأها نصف عشر قيمتها إن كانت ثيبا، وإن كانت بكرا فعشر قيمتها بلا خلاف بيننا (2). والمعتمد ما قاله ابن الجنيد. لنا: الأصل لزوم البيع وعدم الرد مع التصرف، خرج عنه ما لو كان الحبل من البائع لكون الجارية حينئذ أم ولد، ولا يصح بيعها فيبقى الباقي على أصله. وكان الشيخ - رحمه الله - لمح ذلك ولهذا قال: يلزمه ردها، وإنما يلزمه ذلك على هذا التقدير. وابن حمزة أشار إلى ذلك، لكن إطلاق كون الحمل حرا لا يقتضي وجوب الرد إلا أن يكون من مولاها. والظاهر أن قصده ذلك، ولو كان الحمل من غير المولى فالوجه عدم الرد للتصرف، وتحمل الأحاديث على هذا، وهذا الذي اخترناه أوسط الأقوال وأقر بها إلى الجمع بين الأدلة المختلفة والأقاويل المتباينة، والأقرب إلى الوصول والتزامها.

(1) الوسيلة: ص 256.
(2) السرائر: ج 2 ص 298.

[ 180 ]

وقول ابن إدريس: (يلزمه العشر مع البكارة والنصف مع الثيبوبة) ضعيف، لاستبعاد الحمل مع البكارة، ولو أمكن كان قوله صوابا. بقي هنا بحث وهو أنه: لو تصرف بغير الوطئ ثم ظهر الحمل من مولاها فإنه ترد أيضا، وقد يتوهم بعض الفقهاء أنه لو تصرف بغير الوطئ ثم ظهر الحبل لم يكن له الرد، وهو حق إن جوزنا الرد مع الوطئ وظهور الحبل مطلقا، سواء كان من المولى أو لا، أما على ما اخترناه فلا فرق بين جميع أنواع التصرف. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا رضيها المشتري - يعني المصراة - وحلبها زمانا ثم أصاب بها عيبا غير التصرية فله ردها بالعيب ويرد صاعا من تمر أو بر بدل لبن التصرية ولا يرد لبن الحادث، وإذا باع شاة غير مصراة وأحلبها أياما ثم وجد بها عيبا فأراد ردها نظر، فإن اشتراها محلوبة لا لبن في ضرعها كان له ردها وما حلب من اللبن ولا شئ عليه، لأنه حدث في ملكه، وإن كان في ضرعها لبن فإن كان قد استهلك لم يجز له رده، لأن بعض المبيع قد تلف وله المطالبة بالأرش، وإن كان قائما لم يستهلكه كان له ردها (1). وتابعه ابن البراج (2) على ذلك. ثم قال الشيخ في المبسوط: وقيل: ليس له ردها، لأنه تصرف في اللبن بالحلب (3)، وهو المعتمد. لنا: إنه قد تصرف فيسقط الرد. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو أراد المشتري رد المعيب بالعيب السابق على العقد وكان قد حصل منه نماء فإن كان النماء حصل، قبل القبض كان

(1) المبسوط: ج 2 ص 125 - 126.
(2) المهذب: ج 1 ص 392. (3) المبسوط: ج 2 ص 126.

[ 181 ]

للبائع إذا رد المشتري المبيع، لقوله - عليه السلام -: (الخراج بالضمان) وهو ما في ضمان البائع حينئذ (1). والأقرب عندي أنه للمشتري، كما لو تجدد القبض. مسألة: قال ابن البراج: إذا اشترى جارية وكان لها زوج عند البائع وأقره المشتري على النكاح ووطأها عند المشتري كان له ردها بالعيب، وإن كانت بكرا ولم يكن قد دخل الزوج عند البائع ودخل بها عند المشتري ثم وجد بها عيبا لم يكن له ردها (2). والحكم الثاني جيد، والأول غير جيد، لأن تصرف الزوج بإذن المشتري يجري مجرى تصرف المشتري فيسقط الربا، كما لو كانت بكرا ولا ينحصر التصرف في إذهاب البكارة، ولا ينحصر سقوط الرد في تجدد عيب، بل الرد يسقط مع تصرف المشتري وقد حصل هنا، لأن تصرف الزوج بإذنه تصرف منه في الحقيقة. مسألة: قال ابن البراج: إذا اشترى بهيمة حائلا ثم حملت عند المشتري وولدت ووجد بها عيبا كان عند البائع لم يكن له ردها وكان له أرش العيب (3). وهذا الإطلاق ليس بجيد، بل ينبغي أن يقيد بالتصرف، ولا يستلزم الحمل عند استناده إلى فعله. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من اشترى شيئا ولم يقبضه ثم حدث فيه عيب كان له رده، فإن أراد أخذه وأخذ الأرش كان له ذلك (4). وقال في الخلاف: إذا حدث بالمبيع عيب في يد البائع كان للمشتري الرد

(1) المبسوط: ج 2 ص 126.
(2) المهذب: ج 1 ص 393.
(3) المهذب: ج 1 ص 393.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 161 - 162.

[ 182 ]

والامساك، وليس له إجازة البيع مع الأرش، فلا يجبر البائع على بذل الأرش بلا خلاف، فإن تراضيا على الأرش كان جائزا (1). وتبعه ابن إدريس (2) على ذلك، وكذا قال في المبسوط (3). والمعتمد الأول، وهو اختيار ابن البراج (4)، وأبي الصلاح (5). لنا: إن المبيع لو تلف أجمع لكان من ضمان البائع فكذا أبعاضه وصفاته، لأن المقتضي لثبوت الضمان في الجميع - وهو عدم القبض - موجود في الصفات فيثبت الحكم. احتج الشيخ بأن الأصل ثبوت البيع ولزومه وعدم التسلط بالأرش، وإنما أوجبنا له الخيار من الرد والقبول لدفع الضرر اللاحق بإيجاب القبول، فيبقى الباقي على الأصل. والجواب: التزامه بأحد هذين نوع ضرر، إذ الحاجة قد مست إلى المعاوضة، وإلا لم يوجد، والزامه بجميع الثمن ضرر عظيم، لأنه دفعه في مقابلة الجميع بصفاته، فلا يجب دفعه عن البعض. مسألة: قال المفيد: فإن لم يعلم المبتاع بالعيب حتى أحدث في المبيع حدثا لم يكن له الرد بل له الأرش، فإن لم يعلم بالعيب حتى حدث فيه عيب آخر كان له أرش العيب المتقدم دون الحادث إن اختار ذلك، وإن اختار الرد كان له ذلك ما لم يحدث فيه حدثا (6). وهذا القول يحتمل أمرين:

(1) الخلاف: ج 3 ص 109 المسألة 178.
(2) السرائر: ج 2 ص 196.
(3) المبسوط: ج 2 ص 127.
(4) المهذب: ج 1 ص 392.
(5) الكافي في الفقه: ص 358.
(6) المقنعة: ص 597.

[ 183 ]

أحدهما: أن يكون قد حدث فيه عيب آخر عند البائع قبل القبض فيكون للمشتري. أرش المتقدم على العقد دون المتجدد عند البائع أو الرد، لكنا قد بينا فيما سلف أن الأجود ثبوت الأرش أيضا. الثاني: أن يكون قد حدث عند المشتري بغير فعله فلا يكون له الرد ولا الأرش أيضا، إلا أن يكون المبيع حيوانا وتجدد العيب في الثلاثة المذكورة خاصة. مسألة: إذا تصرف المشتري بعد العلم بالعيب سقط الرد إجماعا، أما الأرش فالمشهور أنه لا يسقط، قاله الشيخان (1)، وأبو الصلاح (2)، وابن البراج (3)، وسلار (4)، وابن إدريس (5). وقال ابن حمزة: ليس له الرد ولا الأرش، ثم نقل قول الشيخ في النهاية (6). لنا: إن الأرش ثابت له قبل العلم فكذا بعده، وليس الإحداث دليلا على الرضا بالعيب وإن كان دليلا على الرضا بالمبيع، وعموم الأحاديث الدالة على أن له الأرش بعد الإحداث من غير تقييد بالعلم وعدمه فيعمل به على الإطلاق. روى زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب أو عوار لم يبرأ إليه ولم يبين ما حدث فيه بعد ما قبضه شيئا وعلم بذلك

(1) المقنعة: ص 597، النهاية ونكتها: ج 2 ص 157.
(2) الكافي في الفقه: ص 358. (3) المهذب: ج 1 ص 392.
(4) المراسم: ص 175.
(5) السرائر: ج 2 ص 299.
(6) الوسيلة: ص 257.

[ 184 ]

العوار، وبذلك العيب أنه يمضي عليه البيع ويرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به (1). وعن جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما - عليهما السلام - في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد فيه عيبا، قال: إن كان الثوب قائما بعينه رده على صاحبه وأخذ الثمن، وإن كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ رجع بنقصان العيب (2). احتج بأن التصرف يدل على الرضا. والجواب: المنع، بل الرضا بالمبيع دون العيب كما تقدم. مسألة: قال في الخلاف: لو اشترى ثوبا فصبغه ثم علم أن به عيبا كان له الرجوع بأرش العيب، إلا أن يشاء البائع أن يقبله مصبوغا ويضمن قيمة الصبغ، فيكون المشتري بالخيار بين إمساكه بغير أرش أو يرد فيأخذ قيمة الصبغ (3). وليس بجيد. والمعتمد أن له أخذ الأرش، سواء رضي البائع بأخذه مع دفع قيمة الصبغ أو لا، نعم لو اتفقا على ذلك جاز. مسألة: قال في الخلاف: إذا اشترى ثوبا فقطعه أو باعه أو صبغه ثم باعه ثم علم بالعيب فليس له إلا المطالبة بالأرش (4). وليس بجيد، والحق أن له الأرش.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 60 ح 257، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الخيار ح 2 ج 12 ص 362.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 60 ح 258، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الخيار ح 3 ج 12 ص 363.
(3) الخلاف: ج 3 ص 129 المسألة 214.
(4) الخلاف: ج 3 ص 129 المسألة 215.

[ 185 ]

مسألة: قال ابن الجنيد: إذا انعقدت البيعة على سلع مختلفة غير محدودة ثمن كل واحدة منها وكان ببعضها عيب كان للمشتري فضل ما بين قيمة تلك السلعة المعينة صحيحة ومعيبة دون الرد للسلعة، فإن كان العقد وقع على بيان قسط كل واحدة من السلع من الثمن كان مخيرا بين بدل تلك المعيبة بنظيرتها أو ردها بثمنها ما لم يحدث فيها، فإن أحدث كان له فضل القيمة إن كانت السلع متقاربة، وإن كانت متفاوتة والمعيبة أعلاها واختار ردها كانت له قيمتها يوم يردها ولم يكن واجبا عليه أن يرد سائر السلع. وفي هذا الكلام نظر، فإن بيان قسط كل واحدة من الثمن لا يوجب تعدد العقد وحينئذ لا يكون له رد تلك السلعة بعينها، بل إما يرد الجميع أو يأخذ الأرش. ثم قوله: (له المطالبة ببدل تلك المعيبة) ليس بجيد، لأن العقد وقع على هذه المعيبة فلا ينتقل إلى بدلها. ثم قوله: (وإن أحدث فيها حدثا والسلع متفاوتة والمعيبة أعلاها واختار ردها كانت له قيمتها يوم ردها) ليس بجيد، إذ مع التصرف يسقط الرد. مسألة: المشهور إن شراء العبد المطلق لا يقتضي الاسلام، فلو خرج كافرا لم يكن له أرش ولا رد، نعم لو شرط الاسلام فخرج كافرا كان له الرد. وقال ابن الجنيد: كل زيادة في الخلق أو نقصان عنه في الرقيق فهو عيب يوجب له الرد إذا كانت له قيمة يزيد بها الثمن أو ينقص، وكذلك ما يلزم المولى معرة من دين أو فعل لم يبرأ منه. لنا: الأصل الدال على لزوم البيع. احتج بالنقص. والجواب: المنع من نقصه في المالية، بل التراضي بالمبيع.

[ 186 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2): إذا قال واحد لإثنين: بعتكما هذا العبد بألف فقال أحدهما: قبلت نصفه بخمسمائة لم ينعقد العقد، لعدم التطابق بين القبول والايجاب، وتبعه على ذلك ابن البراج (3). والأقوى عندي الصحة وثبوت الخيار للبائع. أما الصحة فلأن البائع لم يقصد بقوله: (بعتكما) تمليك كل واحد منهما جميع المبيع، ولا تمليك أحدهما ذلك، ولا تمليك كل واحد منهما نصف الثمن، وإنما قصد تمليك كل واحد منهما نصف المبيع بنصف الثمن، وقد أتى باللفظ الدال عليه وضعا فيجب الحكم بالصحة، كما لو قال: بعتكما هذا العبد بألف نصفه منك بخمسمائة ونصفه من هذا بخمسمائة فإنه يجوز عندهما ولا فرق بينهما. وأما ثبوت الخيار فلأن البائع قصد تمليك كل واحد بشرط تمليك الآخر، فإذا فقد الشرط وجب أن يثبت له الخيار. مسألة: المشهور إنه إذا اشترى اثنان عينا صفقة ووجدا بها عيبا لم يكن لهما الافتراق، فيختار أحدهما الأرش والآخر الرد، بل يتفقان على أرش أو رد، قاله الشيخ في النهاية (4) والمبسوط (5) والخلاف (6)، وبه قال المفيد في المقنعة (7)، وأبو الصلاح (8)، وابن البراج (9)، وسلار (10)، وابن حمزة (11). وقال في باب الشركة من الخلاف (12) والمبسوط (13): إن لأحدهما الرد

(1) المبسوط: ج 2 ص 128.
(2) الخلاف: ج 3 ص 111 المسألة 181.
(3) المهذب: ج 1 ص 393 - 394.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 193 - 194.
(5) المبسوط: ج 2 ص 127.
(6) الخلاف: ج 3 ص 110 المسألة 179.
(7) المقنعة: ص 600.
(8) الكافي في الفقه: ص 358 - 359.
(9) المهذب: ج 2 ص 393.
(10) المراسم: ص 176.
(11) الوسيلة: ص 256.
(12) الخلاف: ج 3 ص 333 المسألة 10.
(13) المبسوط: ج 2 ص 351.

[ 187 ]

وللآخر الأرش، واختاره ابن إدريس (1)، وابن البراج (2). وقال ابن الجنيد: لو كانت المعيبة بين رجلين فرضي أحدهما بالعيب ولم يرض الآخر كان حكم الذي لم يرض في حقه قائما، وكذا لو كانت لرجل اشتراه من رجلين. والأقرب الأول. لنا: إن الشركة عيب، فليس لأحدهما رد نصيبه خاصة وإلا لرده معيبا. احتج الشيخ بأن لكل منهما رد نصيبه مع رد الآخر، فيكون له رده منفردا، والشركة حصلت من البائع. والجواب: المنع من الملازمة، لأن رده منفردا يستلزم رده معيبا، أو يمنع حصول الشركة من البائع، فإنه باعهما صفقة واحدة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا رأى شعر الجارية جعدا فاشتراها ثم ظهر بعد أيام أنه صار سبطا وتبين أن البائع دلس فيه كان له الخيار، لأنه عيب، وإن أسلم في جارية جعدة فسلم إليه سبطة كان له ردها، لأنها دون ما أسلم إليه، لأنه عيب، وإن أسلم في جارية سبطة فسلم إليه جعدة كان له الرد، لأنها بخلاف ما شرط (3). وقال في الخلاف: إذا اشترى جارية رأى شعرها جعدا ثم وجده سبطا لم يكن له الخيار، لأنه قد ثبت بالعقد، واثبات الرد بذلك وجعله عيبا يحتاج إلى دليل (4). وقال ابن البراج: إذا ابتاع جارية جعدة فخرجت سبطة كان له الرد إن اختار ذلك، فإذا ابتاعها سبطة فخرجت جعدة لم يكن له الرد، لأنها خير مما

(1) السرائر: ج 2 ص 345.
(2) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(3) المبسوط: ج 2 ص 129.
(4) الخلاف: ج 3 ص 111 المسألة 182.

[ 188 ]

شرط، وقد ذكر أن له الرد، لأنها بخلاف ما شرط، والأول أقوى، لما ذكرناه (1). والمعتمد أن المشتري إن شرط أحد الوصفين فخرجت على الآخر كان له الرد، وإن لم يشترط أحدهما فإن رآها على إحداهما فخرجت على الأخرى فإن كان الفوات عيبا كان له الرد والأرش، وإلا لم يكن له أحدهما عملا بأصالة صحته بالبيع مع سلامته عن وجود العيب المنافي للزوم البيع. مسألة: قال أبو الصلاح: وإن كان العيب في بعض الثمن أو جميعه فللبائع بدل الردئ، وليس له الفسخ (2)، وأطلق. والمعتمد أن الثمن إن كان معيبا كان له الفسخ، وإن كان مطلقا كان له البدل. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا بيض وجهها بالطلاء ثم اسمر أو أحمر خديها بالدمام - وهو الكلكون - ثم أصفر لم يكن له الخيار (3). وقال في المبسوط: يثبت له الخيار، ثم قال: وإن قلنا: ليس له الخيار، لأنه لا دليل في الشرع على كونه عيبا يوجب الرد كان قويا (4). وقال ابن البراج: يتخير بين الرد والامساك (5)، وبه قال ابن إدريس (6)، وهو المعتمد. لنا: إنه تدليس فأوجب الخيار كغيره.

(1) المهذب: ج 1 ص 395. (2) الكافي في الفقه: ص 358.
(3) الخلاف: ج 3 ص 111 المسألة 183.
(4) المبسوط: ج 2 ص 129.
(5) المهذب: ج 1 ص 395.
(6) السرائر: ج 2 ص 358.

[ 189 ]

ولأن الاغراض تختلف، والمشتري ربما يرغب في ما شاهده أو لا ولم يسلم له فيثبت له الخيار كالعيب. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2): إذا اشترى عبدا على أنه كافر فخرج مسلما لم يكن له الخيار، لقوله - عليه السلام -: (الاسلام يعلو ولا يعلى عليه)، وتبعه ابن البراج (3). وكان والدي - رحمه الله - يوجب الخيار، وكذا اختار ابن إدريس (4)، وهو المعتمد. لنا: أنه شرط وصفا لم يثبت له فكان له الخيار. ولأنه شرط فيجب العمل به، لقوله - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) (5). ولأن المشتري إنما رضي بدفع الثمن في مقابلة وصف لم يوجد، ولم يرض بدفعه في مقابلة الموجود، فيدخل تحت قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) (6). ولأنه قد ينتفع من الكافر بما لا ينتفع من المسلم، وذلك كالخدمة في أوقات العبادات الواجبة التي يفعلها المسلم، وكالبيع على المسلم والكافر بخلاف المسلم، وإذا تحقق غرض حكمي وجب اعتبار هذا الشرط في نظر الشرع، والخبر نقول بموجبه، فإنا لم نثبت الخيار لشرف الكفر.

(1) الخلاف: ج 3 ص 112 المسألة 185.
(2) المبسوط: ج 2 ص 130.
(3) المهذب: ج 1 ص 395.
(4) السرائر: ج 2 ص 357.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ذيل ح 1503، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ذيل ح 4 ج 15 ص 30. (6) البقرة: 188.

[ 190 ]

مسألة: إذا اشترى عبدا مطلقا فخرج كافرا قال الشيخ في المبسوط: لا يثبت له خيار (1)، وكذا قال ابن البراج في المهذب (2). وقال فيه أيضا: أن له الخيار، لأنه عيب فله الرد (3). والثاني يناسب ما قاله ابن الجنيد كما نقلناه عنه أولا، وليس ببعيد من الصواب، لأنه نقص في التصرف، إذ لا يتمكن المشتري من عتقه ولا من وطئه ولا من تزويجه بالمسلم فكان له الخيار كالتدليس. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (4) والخلاف (5): إذا اشترى جارية أو غلاما فوجدهما زانيين لم يثبت له الخيار، لأنه لا دليل عليه. والظاهر من كلام ابن الجنيد ثبوت الخيار، لأنه قال: وما يلزم المولى بغيره من دين أو فعل. وقال ابن البراج: إذا اشترى جارية فوجدها زانية كان ذلك عيبا وله أن يردها بذلك (6)، وهو الأقرب. لنا: إن ذلك نقص عند العقلاء، وأكثر الناس لا يستولد مثل هذه فكان له الخيار لما فيه من التدليس. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (7) والخلاف (8): إذا اشترى العبد والجارية فوجدهما أبخرين لم يكن له الخيار.

(1) المبسوط: ج 2 ص 130.
(2) المهذب: ج 1 ص 395.
(3) المبسوط: ج 2 ص 130.
(4) المبسوط: ج 3 ص 130.
(5) الخلاف: ج 3 ص 112 المسألة 186.
(6) المهذب: ج 1 ص 398.
(7) المبسوط: ج 2 ص 130.
(8) الخلاف: ج 3 ص 113 المسألة 187.

[ 191 ]

وقال ابن البراج: البخر عيب (1). وقال ابن إدريس: إنه يثبت فيهما الخيار (2). والأقرب عندي أنه عيب في الجارية دون العبد، لكن يثبت به الخيار فيه. لنا: إنه خارج عن الأمر الطبيعي فأثبت الخيار كالعيب. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا رد الحيوان بعيب كان له ركوبه في طريق الرد وحلبه (3). وقال ابن البراج: من اشترى ناقة أو بقرة أو شاة فحلبها أو شرب لبنها لم يكن له ردها بعيب (4)، وهو الأقرب. لنا: إنه تصرف فيسقط الرد. مسألة: لو اشترى عبدا أو أمة فوجدهما غير مختونين قال الشيخ في المبسوط (5) والخلاف (6): لا يثبت له الخيار، سواء كانا صغيرين أو كبيرين. وتبعه ابن البراج (7). والمعتمد إن له الخيار في الذكر إن كان كبيرا. لنا: إنه زيادة عن المجرى المعتاد عند الناس. ولأن فيه خطرا على المشتري، إذ يجب عليه ختانه، فربما أدى إلى التلف ولا تدليس أعظم من ذلك، ومن المستبعد إثبات الخيار بتدليس ينقص بعض

(1) المهذب: ج 1 ص 398.
(2) السرائر: ج 2 ص 358.
(3) المبسوط: ج 2 ص 139.
(4) المهذب: ج 1 ص 398.
(5) المبسوط: ج 2 ص 130.
(6) الخلاف: ج 3 ص 113 المسألة 189.
(7) المهذب: ج 1 ص 396.

[ 192 ]

الصفات، ولا يثبت في تدليس يؤدي إلى اتلاف العين. مسألة: قال في المبسوط: إذا اشترى شيئا وباعه وعلم أن فيه عيبا فإن علم به قبل البيع كان ذلك رضى منه بالعيب، لأنه تصرف فيه، وانقطعت العلقة بين البائع والمشتري، وينظر في المشتري الثاني فإن علم بالعيب ورده عليه لم يكن له رده على بائعه، وإن حدث عنده عيب ورجع بأرش العيب لم يكن له أن يرجع بأرش العيب، لأنه قد رضي بالعيب (1). وليس بجيد، وقد بينا فيما تقدم أن التصرف بعد العلم بالعيب لا يسقط الأرش وإن أسقط الرد. ثم قال: وإن باعه قبل العلم بالعيب فإنه لا يمكنه الرد لزوال ملكه، ولا يجب أيضا له الأرش، لأنه لم ييأس من رده على البائع، فإن رده المشتري الثاني عليه رده هو على بائعه، وإن رجع الثاني بالأرش رجع هو على البائع بالأرش أيضا، وإن رضي الثاني بالعيب سقط رده والأرش معا، ولا يرجع المشتري الأول بأرش العيب، لأنه لا دليل عليه إجماعا (2). وهذا ليس بجيد، لأن إمكان رده إليه لا يسقط الأرش، فإنه لو لم يعلم بيعه أو باعه ورده إليه بالفعل كان له الأرش، إذ الخيار للمشتري بين الأرش والرد فكيف يسقط اختيار الأرش بإمكان العود إليه؟! ثم قوله: (إن رده المشتري الثاني عليه كان له رده على بائعه) ليس بجيد، لأن الرد قد يسقط بالتصرف وقد وجد. وقوله: (إن رضي الثاني بالعيب سقط أرش الأول) ليس بجيد، لأنه قد ثبت له الأرش بمجرد العيب وتصرفه، فلا يسقط باسقاط الثاني له.

(1) المبسوط: ج 2 ص 130.
(2) المبسوط: ج 2 ص 131.

[ 193 ]

ثم قال بعد ذلك: لا يخلو المبيع إما أن يرجع إلى المشتري الأول ببيع أو هبة أو إرث أو لا يرجع ذلك، بل يعرض فيه ما يسقط الرد بالعيب، فإن رجع ببيع أو هبة أو إرث كان له رده على بائعه (1). وليس بجيد، لما تقدم من أن التصرف يسقط الرد. قال: فإن كان قد وهبه ثم علم بالعيب فليس له الرجوع بالأرش، لأنه لم ييأس من الرد، فإن رجع إليه ببيع أو هبة أو إرث فإنه يجوز له رده على بائعه (2). وقد تقدم ما قلناه في ذلك أن الحق إن له الأرش وليس له الرد لتصرفه. قال: فإن كان الاباق موجودا قبل البيع كان له الرد، لكن المشتري لا يمكنه رده ما دام آبقا، ولا يجوز له الرجوع بأرش العيب فإنه لم ييأس من رده، فإن رجع الآبق رده على بائعه، وإن لم يرجع وهلك في الاباق رجع على البائع بأرش العيب (3). وليس بجيد، لأن له الأرش، سواء آيس من رده أو لا، وهذه الأحكام التي ذكرها الشيخ - رحمه الله - منافية لأصول المذهب المقررة. وقد تبعه ابن البراج في ذلك كله إلا في شئ واحد وهو أنه قال: وإن كان المشتري الثاني علم بالعيب ورده عليه لم يكن له رده على الذي اشتراه منه (4). وباقي الأحكام تابعة فيها، مع أن فيها ما ينافي هذا القول منه. ولعل الشيخ اعتمد في هذه المسألة على أن التصرف لا يسقط الأرش الذي هو أحد الحقين، فلا يسقط به الرد الذي هو الحق الآخر، ولأن المشتري إنما

(1) المبسوط: ج 2 ص 131.
(2) المبسوط: ج 2 ص 131.
(3) المبسوط: ج 2 ص 131.
(4) المهذب: ج 1 ص 396 - 397.

[ 194 ]

اشترى سلعة صحيحة فالمعيبة لم يقع عليها عقد فكان له ردها، فإن أخذها كان قصاصا بدون حقه، لكن ذلك كله عندنا غير آت. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: البول في الفراش ليس بعيب، سواء كان الرقيق صغيرا أو كبيرا (1). والأقرب عندي أنه عيب في الكبير، لأنه خارج عن المجرى الطبيعي. مسألة: قال ابن البراج: إذا اشترى عبدا وعليه دين لم يعلم به ثم علم كان له رده، إلا أن يقضي عنه بائعه الدين (2). وفي هذا نظر، لأن العبد إن استدان بغير إذن مولاه تبع به بعد العتق، فلا تنقص به المالية الثابتة له حال العبودية، وإن كان بإذن المولى تعلق بالمولى بعد البيع فلا عيب حينئذ.

(1) الخلاف: ج 3 ص 113 المسألة 188.
(2) المهذب: ج 1 ص 400.

[ 195 ]

الفصل الثاني عشر في بيع الثمار مسألة: إذا باع الثمرة بعد ظهورها قبل بدو الصلاح سنة واحدة منفردة بشرط التبقية أو مطلقا، اختلف علماؤنا في ذلك، فذهب الشيخ في التهذيب (1) والاستبصار (2) إلى جوازه على كراهية، وبه قال المفيد (3)، وسلار (4)، وابن إدريس (5). وقال الشيخ في النهاية: يبطل البيع (6)، وبه قال في المبسوط (7) والخلاف (8) وادعى فيهما الاجماع، وبه قال الصدوق (9) وابن الجنيد، وأبو الصلاح (10)، وابن حمزة (11).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 88 ذيل الحديث 375.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 88 ذيل الحديث 301.
(3) المقنعة: ص 602.
(4) المراسم: ص 177.
(5) السرائر: ج 2 ص 359.
(6) النهاية ونكتها: ج 2 ص 207. (7) المبسوط: ج 2 ص 113.
(8) الخلاف: ج 3 ص 84 المسألة 139.
(9) المقنع: ص 123.
(10) الكافي في الفقه: ص 356.
(11) الوسيلة: ص 250.

[ 196 ]

وقال سلار: متى خاست الثمرة المبتاعة سنة واحدة قبل بدو صلاحها فللبائع ما غلت دون ما انعقد عليه من الثمن (1)، وأخذ ذلك من قول المفيد (2). والمعتمد الأول. لنا: عموم قوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) (3) (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) (4). ولأنه بيع وقع عن أهله في محله فكان لازما، والكل متفق عليه سوى قولنا: (في محله) فنقول: إن محل البيع هنا مال يصح تملكه، ونقله بجميع أنواع الانتقالات من بيع بشرط القطع وغيره، ولا نعني بقولنا: (في محله) سوى ذلك. وما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق عليه السلام - إلى أن قال: - اختصموا في ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - فكانوا يذكرون ذلك، فلما رآهم لا يدعون الخصومة نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ولم يحرمه، ولكن فعل ذلك من أجل خصومتهم (5). احتج الشيخ بما رواه عن أبي الربيع الشامي قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: كان أبو جعفر - عليه السلام - يقول: إذا بيع الحائط فيه النخل والشجر سنة واحدة فلا يباعن حتى تبلغ ثمرته، وإذا بيع سنتين أو ثلاثا فلا بأس ببيعه بعد أن يكون فيه شئ من الخضرة (6).

(1) المراسم: ص 177.
(2) المقنعة: ص 602.
(3) البقرة: 275.
(4) النساء: 29.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 85 ح 364، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب بيع الثمار ح 2 ج 12 ص 3. (6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 87 ح 372، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب بيع الثمار ح 7 ج 13 ص 4.

[ 197 ]

وعن علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل اشترى بستانا فيه نخل ليس فيه غير بسر أخضر، فقال: لا حتى يزهو، قلت: وما الزهو؟ قال: حتى يتلون (1). وعن الحسن بن علي الوشا قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - هل يجوز بيع النخل إذا حمل؟ فقال: لا يجوز بيعه حتى يزهو، قلت: وما الزهو جعلت فداك؟ قال: حتى يحمر أو يصفر وشبه ذلك (2). والجواب: بعد سلامة سند هذه الأحاديث أنها دالة على الأولوية جمعا بين الأدلة، وقد نص - عليه السلام - على علة المنع وهي الخصومة. مسألة: المشهور أنه لا يجوز بيع الثمرة قبل ظهورها لا عاما واحدا ولا عامين. أما العام الواحد فبالاجماع، ولأنه بيع عين معدومة فلا يصح. وأما بيعها عامين فالمشهور أنه كذلك. وادعى ابن إدريس الاجماع فيه أيضا قال: وقد يشتبه على كثير من أصحابنا ذلك، ويظنون أنه يجوز بيعها سنتين وإن كانت فارغة لم تطلع بعد وقت العقد. قال: وهذا الخلاف لم نجد فيه نصا في تصانيف أصحابنا وخلاف إجماعهم وأخبار أئمتهم وفتاويهم (3). وهذا غلط في النقل، فإن الصدوق قال في المقنع: بالجواز (4). والمعتمد الأول. لنا: إنه بيع عين مجهولة معدومة فلا يصح كغيرها من المجهولات، ولقول الباقر - عليه السلام - في حديث أبي الربيع الشامي: وإذا بيع سنتين أو ثلاثا

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 84 ح 359، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب بيع الثمار ح 5 ج 13 ص 4.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 85 ح 363، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب بيع الثمار ح 3 ج 13 ص 3.
(3) السرائر: ج 2 ص 359 - 360.
(4) المقنع: ص 123.

[ 198 ]

فلا بأس ببيعه بعد أن يكون فيه شئ من الخضرة (1). احتج ابن بابويه بما رواه يعقوب بن شعيب في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن شراء النخل، فقال: كان أبي يكره شراء النخل قبل أن تطلع ثمرة السنة، ولكن السنتين والثلاث كان يقول: إن لم يحمل في هذه السنة حمل في السنة الأخرى، قال يعقوب: وسألته عن الرجل يبتاع النخل والفاكهة قبل أن تطلع فيشتري سنتين أو ثلاث سنين أو أربعا؟ فقال: لا بأس إنما يكره شراء سنة واحدة قبل أن تطلع مخافة الافة حتى تستبين (2). والجواب: إنه محمول على ظهور الثمرة قبل تأبيرها. مسألة: إذا بدا صلاح أحد البستانين دون الآخر جاز بيعهما جميعا، قال الشيخ في المبسوط (3) والخلاف (4): إنه لا يجوز. لنا: إنه يجوز بيع ما لم يبد صلاحه منضما إلى غيره بلا خلاف، وما لم يدرك ثمرته من أحد البستانين إذا ضم إلى البستان الآخر الذي يصح بيعه بانفراده فكان صحيحا. وما رواه إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن بيع الثمرة قبل أن تدرك، فقال: إذا كان في تلك الأرض بيع غلة قد أدركت فبيع كله حلال (5). احتج الشيخ بأن لكل بستان حكم نفسه، وبما رواه عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال: سئل عن الفاكهة متى يحل بيعها؟ قال: إذا كانت

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 87 ح 372، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب بيع الثمار ح 7 ج 13 ص 4.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 87 ح 373، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب بيع الثمار ح 8 ج 13 ص 4.
(3) المبسوط: ج 2 ص 114.
(4) الخلاف: ج 3 ص 88 المسألة 144.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 84 ح 361، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب بيع الثمار: ح 2 ج 13 ص 8.

[ 199 ]

فاكهة كثيرة في موضع واحد وأطعم بعضها فقد حل بيع الفاكهة كلها، فإذا كان نوعا واحدا فلا يحل بيعه حتى يطعم، فإن كان أنواعا متفرقة فلا يباع منها شئ حتى يطعم كل نوع منها وحده ثم يباع تلك الانواع (1). والجواب: المنع من كون كل بستان له حكم نفسه، نعم لو تعددت العقود كان الحق ذلك وعلى هذا تحمل الرواية. مسألة: قال ابن إدريس: لو باع الثمرة سنة واحدة قبل ظهورها ومعها شئ آخر فالأولى أن يقال: لا بأس بذلك، فإن قيل: هذا غرر، قلنا: الشئ المنضم إلى العقد يخرجه من كونه غررا. ثم قال: والذي أعتمده وأعمل عليه وأفتي به أنه لا يصح بيعها قبل أن تطلع ومعها شئ آخر.
(2) والذي اختاره أخيرا هو الجيد. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: بدو الصلاح يختلف، فإن كانت الثمرة مما تحمر أو تسود أو تصفر فبدو الصلاح فيها حصول هذه الالوان، وإن كانت مما تبيض فبأن يتموه - وهو أن ينمو فيه الماء الحلو ويصفو لونه - وإن كان مما لا يتلون مثل التفاح فبأن يحلو ويطيب أكله، وإن كان مثل البطيخ فبأن يقع فيه النضج، قال: وقد روى أصحابنا أن التلون يعتبر في ثمرة النخل خاصة، فأما ما يتورد فبدو صلاحه أن ينتثر الورد وينعقد وفي الكرم أن ينعقد الحصرم، وإن كان مثل الخيار والقثاء الذي لا يتغير طعمه ولا لونه فإن ذلك يؤكل صغارا فبدو صلاحه أن يتناهى عظم بعضه (3). وقال ابن إدريس: بدو الصلاح في ثمرة النخل الحمرة والصفرة، وما عداها فحين يتموه فيها الماء الحلو ويصفو لونها. قال: ولا يعتبر اللون والتموه

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 92 ح 391، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب بيع الثمار ح 5 ج 13 ص 8.
(2) السرائر: ج 2 ص 360 - 361.
(3) المبسوط: ج 2 ص 114.

[ 200 ]

والحلاوة عند أصحابنا إلا في ثمرة النخل خاصة، وإن كانت الثمرة مما يتورد فبدو صلاحها أن ينثر الورد وينعقد وفي الكرم أن ينعقد الحصرم، وإن كان غير ذلك فحين يحلو ويشاهد، وقال بعض المخالفين: إن كان مثل القثاء والخيار الذي لا يتغير طعمه ولا لونه فبدو صلاحه أن يتناهى عظم بعضه. قال: وقد بينا أن أصحابنا لم يعتبروا بدو الصلاح، إلا فيما اعتبره من النخل والكرم وانتثار الورد في الذي يتورد (1). وهذا كله عندي لا عبرة به، لأنا قد بينا جواز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، نعم يشترط ظهورها. مسألة: المشهور أنه يجوز أن يستثني البائع أرطالا معينة. وقال أبو الصلاح: لا يجوز (2). لنا: الأصل الجواز السالم عن المعارض فيثبت الحكم. مسألة: المشهور إنه إذا باع أصول النخل وقد ظهرت الثمرة فإن كانت قد أبرت فهي للبائع إلا أن يشترطها المشتري، وإن لم تكن مؤبرة فهي للمشتري. وقال ابن حمزة: إن أطلق بيع الأصل وقد بدا صلاح الثمرة كان الثمر للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، وإن لم يبد صلاحها كان الثمر للمبتاع إلا أن يشترطه البائع (3). والمعتمد الأول. لنا: إن الأصل بقاء الملك على بائعه وعدم انتقاله إلى المشتري، إذ العقد إنما وقع على الأصول وهي مغايرة للثمرة، فكان الأصل عدم انتقال البيع إليها مطلقا، خرج عنه ما إذا لم تؤبر، لكونها حينئذ كالجزء من الأصل، فيبقى

(1) السرائر: ج 2 ص 361.
(2) الكافي في الفقه: ص 356. (3) الوسيلة: ص 250.

[ 201 ]

الباقي على الأصل. ويؤيد ذلك ما رواه يحيى بن أبي العلا قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: من باع نخلا قد لقح فالثمرة للبائع إلا أن يشترط المبتاع، قضى رسول الله - صلى الله عليه وآله - بذلك (1). وعن عقبة بن خالد، عن الصادق - عليه السلام - قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وآله - إن ثمرة النخل للذي أبرها، إلا أن يشترط المبتاع (2). وعن غياث بن إبراهيم، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام -: من باع نخلا قد أبره فثمرته للذي باع إلا أن يشترط المبتاع. ثم قال: إن عليا - عليه السلام - قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وآله - بذلك (3). وهذه الأحاديث إنما تدل على أن الثمرة قبل التأبير للمشتري من حيث المفهوم، ودلالته ضعيفة، لكن الاجماع عضدها. مسألة: المشهور إنه يجوز بيع الزرع قبل أن يسنبل وبعده. وقال الصدوق في المقنع: لا يجوز أن يشتري زرع حنطة أو شعير قبل أن يسنبل وهو حشيش، إلا أن يشتريه للقصيل تعلفه الدواب (4). لنا: إنه مملوك يصح بيعه بشرط القطع فصح مطلقا كغيره.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 87 ح 369، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب أحكام العقود ح 2 ج 12 ص 407.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 87 ح 371، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب أحكام العقود ح 1 ج 12 ص 407.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 87 ح 370، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب أحكام العقود ح 3 ج 12 ص 407.
(4) المقنع: ص 132.

[ 202 ]

احتج بعدم أمن الافة. والجواب: التسليم، ومنع كونه مؤثرا في الجواز حينئذ. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا باع نخلا قد ابر ولقح فثمرته للبائع إلا أن يشترط المبتاع الثمرة، فإن شرط كان على ما شرط، وكذلك الحكم في ما عدا النخل من شجر الفواكه (1). وكذا قال المفيد (2). وقال ابن إدريس: قصد الشيخ من ذلك أن الثمرة للبائع، لأنه ما ذكر إلا ما يختص بالبائع، ولا اعتبار عند أصحابنا بالتأبير إلا في النخل، فأما ما عداه فمتى باع الأصول وفيها ثمرة فهي للبائع إلا أن يشترطها المشتري، سواء لقحت وأبرت أو لم تلقح (3). والشيخ قال في المبسوط: إذا باع القطن وقد خرجت جوزته فإن كان قد تشقق فالقطن للبائع إلا أن يشترطه المشتري، وإن لم يكن قد تشقق فهو للمشتري. قال: وما عدا النخل والقطن فعلى أقسام: أحدها: أن تكون ثمرتها بارزة لا في كمام ولا ورد كالعنب والتين وما أشبه ذلك، فإذا باع أصلهما فإن كانت الثمرة قد خرجت فهي للبائع، وإن لم تكن قد خرجت فهي للمشتري. الثاني: أن تخرج الثمرة في ورد، فإن باع الأصل بعد خروج وردها فإن تناثر الورد وظهرت الثمرة فهي للبائع، وإن لم يتناثر وردها ولم تظهر الثمرة ولا بعضها فهي للمشتري. الثالث: أن تخرج في كمام كالجوز واللوز، وما دونه قشر يواريه إذا ظهرت ثمرته فالثمرة للبائع. الرابع: ما يقصد ورده كشجر الورد والياسمين، فإذا بيع الأصل فإن كان ورده قد تفتح فهو للبائع، وإن لم يكن

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 207 - 209.
(2) المقنعة: ص 602.
(3) السرائر: ج 2 ص 362.

[ 203 ]

قد تفتح وإنما هو جنبذ (1) فهو للمشتري (2). وتبعه ابن البراج (3) على ذلك، وابن حمزة (4) أيضا عمم الحكم في النخل والشجر. والأقرب ما قاله ابن إدريس، وهو قول والدي رحمه الله. لنا: الأصل بقاء الثمرة على ملك البائع، خرج عنه ثمرة النخل قبل التأبير، لمفهوم الأحاديث التي ذكرناها أولا، فيبقى الباقي على الأصل. مسألة: إذا انتقل النخل بغير عقد بيع فإن كان بعقد معاوضة كالنكاح والصلح والاجارة قال الشيخ: كالبيع إن كان قد أبر ثمرته فهي للناقل، وإن لم يكن قد أبر فهي لمن انتقلت إليه (5). وتبعه ابن البراج (6) على ذلك، ومنع ابن إدريس من ذلك واقتصر في نقل الثمرة على البيع خاصة (7)، وهو المعتمد. لنا: الأصل بقاء الثمرة على الناقل، خرج عنه صورة البيع، للأحاديث (8)، فيبقى الباقي على المنع. احتج الشيخ بأنه إنما حكم في البيع بالانتقال إلى المشتري لكون الثمرة حينئذ جزء من المسمى، إذ لا وجه سوى ذلك، وهذا لا يختلف باختلاف العقود الناقلة. والجواب: المنع من التعليل.

(1) جنبذ: ما ارتفع من الشئ واستدار كالقبة (لسان العرب: ج 3 ص 482 مادة جنبذ).
(2) المبسوط: ج 2 ص 102 - 103.
(3) المهذب: ج 1 ص 374 - 375.
(4) الوسيلة: ص 250.
(5) المبسوط: ج 2 ص 100.
(6) المهذب: ج 1 ص 373. (7) السرائر: ج 2 ص 364 - 365.
(8) راجع تهذيب الأحكام: ج 7 ص 87، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب أحكام العقود ج 12 ص 407.

[ 204 ]

سلمنا، لكن ينتقض عليك بالعقود الخالية عن المعاوضة كالهبة والرجوع للفلس، فإنك سلمت كون الثمرة هناك للناقل مع وجود ما ادعيته علة هناك. مسألة: إذا اشترى نخلا على أن يقطعه أجذاعا فتركه حتى أثمر فثمرته له دون صاحب الأرض، فإن كان صاحب الأرض ممن قام بسقيه ومراعاته كان له أجرة المثل، قاله الشيخ في النهاية (1)، وتبعه ابن البراج، وهو قول ابن الجنيد، وأبي جعفر بن بابويه في المقنع (2). وقال ابن إدريس: لا يستحق صاحب الأرض أجرة على السقي والمراعاة، لأنه متبرع بذلك، إلا أن يأمره صاحب النخل فتكون له أجرة المثل (3). والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على ما رواه هارون بن حمزة الغنوي قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: الرجل يشتري النخل ليقطعه للجذوع فيدعه فيحمل النخل، قال: هو له، إلا أن يكون صاحب الأرض سقاه وقام عليه (4). وليس في كلام الشيخ ولا الرواية ذكر التبرع، فيحمل على ما إذا كان العمل بإذنه، وتحمل الأجرة على أجرة الأرض لا العمل، وبالجملة فلا منازعة كثيرة هنا. مسألة: يحرم بيع المزابنة والمحاقلة بالاجماع، واختلفوا في التفسير. فقال الشيخ في النهاية: المزابنة بيع الثمرة في رؤوس النخل بالتمر من ذلك

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 209 - 210.
(2) المقنع: ص 124.
(3) السرائر: ج 2 ص 366 - 367.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 90 ح 382، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب بيع الثمار: ح 2 ج 13 ص 17.

[ 205 ]

النخل، والمحاقلة بيع الزرع بالحنطة من ذلك الزرع (1) وقال في الخلاف: لا يجوز بيع المحاقلة: وهو بيع السنابل التي انعقد فيها الحب واشتد بحب من جنسه أو من ذلك السنبل، وروى أصحابنا أنه إن باع بحب من جنسه من غير ذلك السنبل فإنه يجوز، وقال الشافعي: لا يجوز بيعها بحب من جنسها على كل حال، وإليه ذهب قوم من أصحابنا. والمزابنة: بيع الثمر على رؤوس النخل بتمر موضوع على الأرض، ومن أصحابنا من قال: المحرم أن يبيع ما على رؤوس النخل بتمر منه، فأما بتمر آخر فلا بأس (2). وقال في المبسوط: بيع المحاقلة والمزابنة يحرم بالاجماع وإن اختلفوا في تأويله، فعندنا أن المحاقلة: بيع السنابل التي انعقد فيها الحب واشتد بحب من ذلك السنبل، ويجوز بيعه بحب من جنسه على ما روي في بعض الأخبار، والأحوط ألا يجوز بيعه بحب من جنسه على كل حال، لأنه لا يؤمن أن يؤدي إلى الربا. والمزابنة: هي بيع الثمر على رؤوس النخل بتمر منه، فأما بتمر موضوع على الأرض فلا بأس به، والأحوط أنه لا يجوز ذلك بمثل ما قلناه في بيع السنابل سواء (3). والمفيد - رحمه الله - أطلق فقال: لا يجوز بيع الثمرة في رؤوس النخل بالتمر كيلا ولا جزافا، ولا يجوز بيع الزرع بالحنطة كيلا ولا جزافا، وهذه هي المحاقلة (4). وقال سلار: المحاقلة حرام وهو أن يبيع التمر في رؤوس النخل بالتمر أو الزرع بالحنطة كيلا وجزافا (5).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 210 - 211.
(2) الخلاف: ج 3 ص 93 - 94 المسألة 152 - 153.
(3) المبسوط: ج 2 ص 117 - 118.
(4) المقنعة: ص 603.
(5) المراسم: ص 178.

[ 206 ]

وابن حمزة منع منه، سواء كان بحب منه وثمرة منه أو من غيرهما (1). وقال أبو الصلاح: لا يجوز بيع الثمرة في رؤوس النخل بكيل ولا وزن منها ولا بيع الزرع بكيل ولا وزن منها، ويصح ذلك بالعين والورق (2). ولابن البراج قولان: أحدهما في الكامل (3) مثل قول الشيخ في النهاية، والثاني في المهذب (4) كقول الشيخ في المبسوط. واختار ابن إدريس (5) قول الشيخ في المبسوط.. واحتج الشيخ - رحمه الله - على الأول بأن الأصل الإباحة (6)، وعموم قوله تعالى: (وأحل الله البيع) (7). وما رواه أبو الصباح الكناني قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: إن رجلا كان له على رجل خمسة عشر وسقا من تمر وكان له نخل فقال له: خذ ما في نخلي بتمرك فأبى أن يقبل، فأتى النبي - صلى الله عليه وآله - فقال: يا رسول الله إن لفلان علي خمسة عشر وسقا من تمر فكلمه أن يأخذ ما في نخلي بتمره، فبعث النبي - صلى الله عليه وآله - فقال: يا فلان خذ ما في نخله بتمرك، فقال: يا رسول الله إنه لا يفي وأبى أن يفعل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله - لصاحب النخل: اجذذ نخلك فجذه فكان له خمسة عشر وسقا، فأخبرني بعض أصحابنا عن ابن رباط ولا أعلم، إلا إني قد سمعته منه إن أبا

(1) الوسيلة: ص 250.
(2) الكافي في الفقه: ص 356. (3) لم نعثر على كتابه.
(4) المهذب: ج 1 ص 383.
(5) السرائر: ج 2 ص 367.
(6) الخلاف: ج 3 ص 94 ذيل المسألة 152.
(7) البقرة: 275.

[ 207 ]

عبد الله - عليه السلام - قال: إن ربيعة الرأي لما بلغه هذا عن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: هذا ربا، قلت: أشهد بالله أنه من الكاذبين، قال: صدقت (1). ولأنه غير موزون ولا مكيل فلا يجري فيه الربا. والمعتمد عندي ما اختاره الشيخ في المبسوط. لنا: إنه أحوط. ولأنه لا يؤمن فيه الربا، لأنه بيع أحد المتجانسين بالآخر وهما مكيلان، ولا تعرف المساواة بينهما وكان حراما، إذ شرط هذا البيع التساوي في القدر. وما رواه الشيخ في الصحيح عن أبان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وآله - عن المحاقلة والمزابنة، قلت: وما هو؟ قال: أن يشتري حمل النخل بالتمر والزرع بالحنطة (2). وعن عبد الرحمن البصري، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وآله - عن المحاقلة والمزابنة، قال: والمحاقلة بيع النخل بالتمر، والمزابنة بيع السنبل بالحنطة (3). والجواب عن الأصل: بأنه إنما يصار إليه إذا لم يوجد دليل ينافيه، وعن العموم بالمنع منه. سلمنا، لكن الخاص مقدم، وعن الأحاديث يمنع صحة سنده، فإن في طريقه الحسن بن محمد بن سماعة وهو ضعيف.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 91 ح 390، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب بيع الثمار ح 3 ج 13 ص 12.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 143 ح 633، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب بيع الثمار ح 1 ج 13 ص 23. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 143 ح 635، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب بيع الثمار ح 2 ج 13 ص 24.

[ 208 ]

سلمنا، لكن لا دلالة فيه على البيع، بل هو دال على نوع من الصلح والاستيفاء، ونحن نقول بجوازه، وهذان النوعان وإن لم يكونا موزونين الان فإنهما في حكم ذلك. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: العرايا جمع عرية: وهي النخلة لرجل في بستان غيره يشق عليه الدخول إليها (1). وكذا قال ابن البراج في المهذب (2). وقال في الكامل: هي النخلة تكون في دار الانسان لغيره. وقال في الخلاف: هي النخلة تكون في بستان الانسان أو غيره (3). وكذا قال ابن إدريس (4)، وهو الأقوى، لنص أهل اللغة (5) عليه، ولاشتراك الموضعين في الحاجة الداعية إلى المشروعية. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: شرط بيع العرية أمران: أحدهما: المماثلة من طريق الخرص بين ثمرة النخل عند صيرورتها تمرا وبين الثمر الذي هو الثمن، والثاني: التقابض قبل التفرق (6). وقال ابن إدريس: لا يشترط التقابض، نعم يشترط الحلول (7). والشيخ - رحمه الله - احتج بأن ما فيه الربا لا يجوز التصرف فيه قبل التقابض. ومنع ابن إدريس ذلك إلا في الصرف (8)، وهو الأقوى.

(1) المبسوط: ج 2 ص 118.
(2) المهذب: ج 1 ص 384.
(3) الخلاف: ج 3 ص 95 المسألة 154.
(4) السرائر: ج 2 ص 368.
(5) الصحاح: ج 6 ص 2423.
(6) المبسوط: ج 2 ص 119.
(7) السرائر: ج 2 ص 369.
(8) السرائر: ج 2 ص 369.

[ 209 ]

لنا: الأصل عدم الاشتراط. تذنيب: الظاهر من كلام ابن حمزة (1) تحريم العرية بتمر منها، بل يجوز بغيرها ولا بأس به، وإلا لزم أن يكون الثمن والمثمن واحدا مع احتمال الجواز، عملا بالإذن المطلق، ولوجود المقتضي وهو الرخصة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا باع حمل البطيخ أو القثاء أو الخيار أو الباذنجان بعد ظهوره وقبل بدو الصلاح بشرط القطع جاز، وإن شرط التبقية أو مطلقا لم تجز، وإن كان بعد بدو الصلاح بشرط التبقية إلى أوان البلوغ أو اللقاط فإن اختلط بغيره ولم يتميز قيل: للبائع، إما أن يتسلم الجميع فيجبر المشتري على القبول، أو يفسخ الحاكم البيع (2). وتبعه ابن حمزة (3). والمعتمد أن نقول: إن كان البائع قد سلم المبيع لزم البيع ويحكم الحاكم بالصلح بينهما - كما لو امتزج طعام زيد بطعام عمرو - ولا يجبر المشتري على قبول الجميع لو دفعه البائع، وإن لم يكن قد سلمه فإن تراضيا على قبض البعض أو على أي أمر كان صح، وإلا فسخ الحاكم البيع لتعذر التسليم هذا في ما بدا صلاحه، وأما ما لم يبد صلاحه فإن الأقوى صحة بيعه مطلقا كالثمرة. مسألة: قال ابن حمزة: يجوز بيع الرطبة وأشباهها الجزة أو الثانية أو الثالثة أو جميعا (4). وهذا يشعر بجواز البيع الثانية منفردة، وليس بمعتمد. لنا: أنه بيع مجهول فلا يصح بانفراده، بخلاف ما لو ضمه إلى الموجود.

(1) الوسيلة: ص 250.
(2) المبسوط: ج 2 ص 114 - 115.
(3) الوسيلة: ص 252 - 253.
(4) الوسيلة: ص 253.

[ 210 ]

الفصل الثالث عشر في بيع الحيوان مسألة: قال الشيخ في النهاية: كل من يعتق عليه من جهة النسب لا يصح تملكه منه ولا من جهة الرضاع (1)، وبه قال ابن البراج (2)، وابن حمزة (3). والصدوق في كتاب المقنع في باب العتق منه: إذا أرضعت جارية رجلا جاز له بيعها إذا شاء، إلا أن لها عليه حقا، ولا يجوز للرجل أن يبيع أخته من الرضاعة، إلا إذا لم يجد ما ينفق عليها ولا ما يكسوها فلا بأس حينئذ أن يبيعها (4). وقال الشيخ في الخلاف: إذا ملك أمه أو أباه أو أخته أو بنته أو عمته أو خالته من الرضاع عتقن كلهن، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وذهب إليه بعض أصحابنا (5). وقال المفيد في المقنعة في باب السراري: ولا بأس أن يملك الانسان أمه

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 192.
(2) المهذب: ج 2 ص 356.
(3) الوسيلة: ص 340.
(4) لم نعثر عليه في باب العتق ووجدناه في باب بدو النكاح، راجع المقنع: ص 112.
(5) الخلاف: ج 3 ص 368 المسألة 5، طبعة اسماعيليان.

[ 211 ]

من الرضاع وأخته منه وابنته وخالته وعمته منه، لكن يحرم عليه وطؤهن (1). وفي كتاب ابتياع الحيوان: ولا يصح استرقاق الرجل أبويه ولا ولده ولا أخته ولا عمته وخالته من جهة النسب، وإذا ملكهم عتقوا في الحال، ويملك من سميناه من جهة الرضاع (2). وذهب سلار (3)، وابن إدريس (4) إلى ما ذهب إليه المفيد. وقال ابن الجنيد: ومن ملك ذا رحم محرم عليه عتق عليه عند ملكه مثل الوالدين ومن ولدهما والولد وما ولد، وكذلك كل رحم يحرم عليه نكاحها بالنسب يعتق عليه، والذي يوجبه الفقه ألا يختار الانسان أن يتملك ذا رحم منه قرب أو بعد، ولا من يقوم مقام من يحرم عليه بالنسب ملكه من جهة الرضاع تملك العبيد، فإن ملكهم لم يبعهم، إلا عند ضرورة إلى أثمانهم وجعلوا آخر ما يباع في الدين عليه. وقال ابن أبي عقيل: لا بأس بملك الأم والأخت من الرضاعة وبيعهن، إنما يحرم بيعهن ما يحرم من النسب في وجه النكاح فقط. والأقرب ما اختاره الشيخ. لنا: الأصل عدم الرقية وثبوت الحرية. وما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - وأنا حاضر عن امرأة قد أرضعت غلاما مملوكا لها من لبنها حتى فطمته هل يحل لها بيعه؟ قال: فقال: لا هو ابنها من الرضاعة حرم عليها بيعه وأكل ثمنه. قال: ثم قال: أليس قد قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: يحرم من

(1) المقنعة: ص 544 - 545.
(2) المقنعة: ص 599.
(3) المراسم: ص 176.
(4) السرائر: ج 2 ص 342 - 343 وج 3 ص 7 - 8.

[ 212 ]

الرضاع ما يحرم من النسب (1). وما رواه أبو بصير وأبو العباس وعبيد. كلهم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا ملك الرجل والدته أو أخته أو عمته أو خالته أو بنت أخيه - وذكر أهل هذه الآية من النساء - عتقوا جميعا، ويملك عمه وابن أخيه والخال، ولا يملك أمه من الرضاعة ولا عمته ولا خالته، وإذا ملكهن عتقن، وقال: ما يحرم من النسب فإنه يحرم من الرضاع، وقال: يملك من الذكور ما خلا والدا وولدا، ولا يملك من النساء ذات رحم محرم، قلت: يجري في الرضاع مثل ذلك؟ قال: نعم يجري في الرضاع مثل ذلك (2). وفي الصحيح عن الحلبي وابن سنان، عن الصادق - عليه السلام - في امرأة أرضعت ابن جاريتها، قال: تعتقه (3). احتج المانعون بالأصل، وبما رواه أبو عيينة، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: غلام بيني وبينه رضاع يحل لي بيعه؟ قال: إنما هو مملوك إن شئت بعته وإن شئت أمسكته، ولكن إذا ملك الرجل أبويه فهما حران (4). وعن عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا اشترى الرجل أباه وأخاه فملكه فهو حر، إلا ما كان من قبل الرضاع (5). وعن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - في بيع الأم من الرضاعة، قال:

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 244 ح 880، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب العتق ح 3 ج 16 ص 14.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 243 ح 877، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب بيع الحيوان ح 1 ج 13 ص 29.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 243 ح 878، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب بيع الحيوان ح 3 ج 13 ص 29.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 244 ح 881، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب بيع الحيوان ح 4 ج 13 ص 29.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 245 ح 885.

[ 213 ]

لا بأس بذلك إذا احتاج (1). والجواب: قد بينا أن الأصل عدم الرق. وعن الأحاديث بضعف سندها، وأيضا لا دلالة فيها، لأن السؤال في الأول إنما وقع عن الأخ من الرضاع وذلك يجوز بيعه، وهو المفهوم من الحديث، ويدل عليه الاستثناء من الإمام - عليه السلام - وهو قوله: (ولكن إذا ملك الرجل أبويه فهما حران) وهذا يدل على ما اخترناه. وحمل الشيخ الحديث الثاني على أن (إلا) فيه بمعنى (مع) لا بمعنى الاستثناء، وذلك كثير في اللغة، فكأنه قال: إذا ملك الرجل أباه وأخاه فهو حر، وما كان من قبل الرضاع أو على أن الرضاع لم يحصل فيه شرائط التحريم. وحمل الحديث الثالث بأن بيع الأم من الرضاعة إنما جاز لأبي الغلام (2). مسألة: قال المفيد: لا يصح استرقاق الرجل أبويه ولا ولده وأخته وعمته وخالته من جهة النسب، ويملك من سميناه من جهة الرضاع ومن سواهم من أقاربه من النسب والرضاع، ولا يصح استرقاق المرأة أبويها ولا أولادها ولا أخاها ولا عمها ولا خالها من جهة النسب، وتملكهم من جهة الرضاع (3). والكلام معه يقع في موضعين: الأول: في حصر تحريم الاسترقاق للرجل في من عده، والأصح إن بنت الأخ وبنت الأخت وإن نزلتا ينعتقن أيضا. وبالجملة كل محرمة من جهة النسب، وكذا الأجداد وأولاد الأولاد وهؤلاء قد يطلق عليه اسم الأبوين والأولاد بالمجاز، وكذا عمات الأجداد وخالاتهم، والظاهر أن مراد المفيد - رحمه

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 245 ح 886.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 246 ذيل ح 886. (3) المقنعة: ص 599.

[ 214 ]

الله - من ذكرناه أيضا. الثاني: قوله عن المرأة أنها: (لا تملك أخاها ولا عمها ولا خالها من جهة النسب) فيه نظر، فإن الحق يقتضي أن المرأة تملك أخاها وعمها وخالها، وهو الأشهر. وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. مسألة: إذا باع الحامل كالجارية والدابة كان الحمل للبائع، سواء علم به أو لا، إلا أن يشترطه المشتري، وسواء شرطه البائع لنفسه أو لا، وهو قول الشيخ في النهاية (1)، وقول المفيد (2)، وسلار (3)، وأبي الصلاح (4)، وابن البراج في الكامل (5)، وابن إدريس (6). وقال الشيخ في المبسوط: إذا باع بهيمة أو جارية حاملا واستثنى حملها لنفسه لم يجز (7). وتابعه ابن البراج في المهذب (8) وجواهر الفقه (9) على ذلك. وقال ابن الجنيد: يجوز أن يستثنى الجنين في بطن أمه من آدمي أو حيوان. وقال ابن حمزة: والإناث من الادمي والنعم إذا كانت حوامل وبيعت مطلقا كان الولد للمبتاع إلا إذا شرط البائع، وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي - رحمه الله -: يكون للبائع إلا إذا شرط المبتاع (10).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 192.
(2) المقنعة: ص 600.
(3) المراسم: ص 176.
(4) الكافي في الفقه: ص 356.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) السرائر: ج 2 ص 343.
(7) المبسوط: ج 2 ص 156.
(8) المهذب: ج 2 ص 386.
(9) جواهر الفقه: ص 60 المسألة 221.
(10) الوسيلة: ص 248.

[ 215 ]

لنا: أن البيع تعلق بالأم فلا يتناول الحمل، لعدم دلالة اللفظ عليه مطابقة وتضمنا والتزاما. ولأن الأصل بقاء ملك البائع عليه فلا ينتقل عنه إلا بسبب، ولم يطرأ عليه من الأسباب ما يزيله عن أصله. احتج الشيخ بأن الحمل يجري مجرى عضو من أعضائها (1)، فكما لا يجوز استثناء عضو فكذا لا يجوز استثناؤه. والجواب: المنع من المساواة، فإنه تصح الوصية بالحمل ويرث وتلحقه أحكام كثيرة لا تتعلق بالاعضاء، وهذا الذي ذكره الشيخ كأنه هو الذي لمحه ابن حمزة، وحينئذ يأتي ما قاله، والحق خلافه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو باع جارية حبلى بولد حر لم يجز، لأن الحمل يكون مستثنى، وهذا يمنع صحة البيع (2)، وتبعه ابن البراج في المهذب (3). وليس بجيد لما تقدم. قال الشيخ في المبسوط: ولو باع البائض دخل البيض على طريق التبع، وإن شرط لنفسه لم يجز (4). وليس بجيد، لأنه شرط سائغ. مسألة: قال الشيخان: لا يجوز بيع الآبق منفردا، فإن بيع كان باطلا، ويجوز منضما (5). قال المفيد: فإن وجد العبد وإلا كان ما نقد من الثمن في مقابلة الشئ الموجود (6)، وأطلقا. وكذا قال ابن البراج (7)، وأبو الصلاح (8)، وسلار (9)،

(1) المبسوط: ج 2 ص 156.
(2) المبسوط: ج 2 ص 156.
(3) لم نعثر عليه.
(4) المبسوط: ج 2 ص 156.
(5) المقنعة: ص 600، النهاية ونكتها: ج 2 ص 192.
(6) المقنعة: ص 600.
(7) المهذب: ج 1 ص 397.
(8) الكافي في الفقه: ص 356.
(9) المراسم: ص 176.

[ 216 ]

وابن حمزة (1). وقال السيد المرتضى: لا يشترى الآبق وحده، إلا إذا كان بحيث يقدر عليه المشتري (2). وقال ابن الجنيد: لا يشترى وحده، إلا إذا كان بحيث يقدر عليه المشتري أو يضمن له البائع، وهو الأقرب. لنا: إن القدرة على التسليم شرط في صحة البيع، وهي متحققة على التقديرين فيصح البيع عملا بوجود المقتضي مع وجود الشرط. احتج الشيخ بما رواه سماعة قال: سألته عن رجل يشتري العبد وهو آبق من أهله؟ فقال: لا يصلح، إلا أن يشتري معه شيئا آخر فيقول: أشتري منك هذا الشئ وعبدك بكذا وكذا، فإن لم يقدر على العبد كان ثمنه الذي نقده في ما اشترى منه (3). والجواب: الرواية ضعيفة السند مقطوعة فلا تصلح حجة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من ابتاع عبدا أو أمة وكان لهما مال كان مالهما للبائع دون المبتاع، اللهم إلا أن يشترط المبتاع ماله فيكون حينئذ له دون البائع، سواء كان ما معه أكثر من ثمنه أو أقل منه (4). وقال المفيد: من ابتاع عبدا أو أمة لهما مال فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، ولا بأس بابتياع عبد أو أمة لهما مال بأقل من مالهما وأكثر (5).

(1) الوسيلة: ص 246.
(2) الانتصار: ص 209.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 124 ح 540، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 2 ج 12 ص 263.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 193.
(5) المقنعة: ص 600.

[ 217 ]

وقال سلار: وابتياع العبيد الذين لهم مال بأقل مما معهم جائز (1). وقال ابن الجنيد: إذا شرط المشتري وكان الثمن زائدا على قدر المال من جنسه جاز البيع وإن كان المال عروضا يساوي قدر الثمن أو دونه أو أكثر منه جاز أيضا، وإن كان الثمن من جنس مال العبد ومال العبد أكثر من الثمن لم يجز. وقال الشيخ في الخلاف: إذا كان مع العبد مائة درهم فباعه بمائة درهم لم يصح البيع، فإن باعه بمائة ودرهم صح (2). وقال في المبسوط: إذا باعه سيده وفي يده مال وشرط أن يكون للمبتاع صح البيع إذا كان المال معلوما وانتفى عنه الربا، فإن كان معه مائة درهم فباعه بمائة درهم لم يصح، فإن باعه بمائة ودرهم صح، ثم قال: وإذا باع عبدا قد ملكه ألفا بخمسمائة صح البيع على قول من يقول: إنه يملك، ولو باع ألفا بخمسمائة لم يصح، لأنه ربا. والفرق بينهما أنه إذا باع العبد فإنما يبيع رقبته مع بقاء ما ملكه عليه فصح ذلك ولم يصح بيع الألف بخمسمائة (3). وقال أبو الصلاح (4)، وابن البراج (5): إذا ابتاع عبدا أو أمة ومعه مال فهو للبائع، إلا أن يشترطه في عقد البيع فيكون له. وقال ابن حمزة: ولو باعه مع المال صح إن كان الثمن أكثر مما معه إن كان من جنسه، وإن كان من غير جنس ما معه صح على كل حال، وإن لم يعرف

(1) المراسم: ص 176.
(2) الخلاف: ج 3 ص 124 المسألة 208. (3) المبسوط: ج 2 ص 137 - 138.
(4) الكافي في الفقه: ص 356.
(5) المهذب: ج 1 ص 394.

[ 218 ]

مقدار ما معه وباع بجنسه لم يصح، وإن باع بغير جنسه صح، وإن باع المملوك دون المال صح، فإن شاء سوغه المال وإن شاء استرد (1). وابن إدريس (2) فصل ذلك أيضا. والتحقيق أن نقول: إن كان الثمن وما مع العبد ربويين واتفقا جنسا اشترط زيادة الثمن على ما في يد العبد، وإلا فلا. لنا: إنه على التقدير الأول: أنه لولاه لثبت الربا المحرم، وعلى التقدير الثاني: إن المقتضي للصحة موجود - وهو البيع الصادر من أهله في محله - والمانع - هو مفسدة الربا - منتف. احتج الشيخ بما رواه زرارة، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: الرجل يشتري المملوك وما له، قال: لا بأس به، قلت: فيكون مال المملوك أكثر مما اشتراه به قال: لا بأس (3). والجواب: هذه الرواية ضعيفة السند، فإن في طريقها علي بن حديد وهو ضعيف، ومع ذلك فإنها محمولة على ما إذا اختلف الجنسان أو كان المال غير ربوي جمعا بين الأدلة. والظاهر أن مقصود الإمام - عليه السلام - ذلك، وكذا مقصود الشيخ. وقول ابن حمزة: (إن لم يعرف مقدار ما معه وباعه بغير جنسه صح، وإن باعه بجنسه لم يصح) لأن الجهل يستلزم جواز تطرق الربا، لكن يبقى فيه إشكال، من حيث أنه باع مجهولا، إلا أن يقال: إن المال تابع وجهالة التابع لا تمنع صحة البيع.

(1) الوسيلة: ص 248 - 249.
(2) السرائر: ج 2 ص 344 - 345.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 71 ح 305، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب بيع الحيوان ح 1 ج 13 ص 34.

[ 219 ]

مسألة: مال العبد للبائع إلا أن يشترطه المشتري، سواء كان البائع عالما بالمال أو لا. وقال ابن الجنيد: مال العبد إذا لم يعلم به البائع والمشتري لبائعه إلا أن يشترطه المشتري، لأن البيع انعقد على الرقبة فقط، فإن ظهر له المال أو علم به البائع كان للمشتري إذا سلمه البائع مع العبد. وقال ابن البراج في المهذب: وإن باعه وله مال والسيد عالم به كان المال للمشتري، وإن لم يكن عالما به كان المال للسيد (1). وقال الشيخ في المبسوط: إذا باعه وله مال فإن شرط أن يكون المال للمشتري صح، وإن لم يشترط كان للمولى. وروي أنه إن علم له مالا كان للمشتري، وإن لم يعلم كان للسيد (2). والذي اخترناه مذهب الشيخين (3)، وسلار (4)، وأبي الصلاح (5). لنا: ما يأتي من أن العبد لا يملك شيئا، فما معه لمولاه في الحقيقة، والعقد إنما تناول عين العبد لا ما معه، فيبقى على أصل ملك السيد عملا بالاستصحاب. وبما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن رجل باع مملوكا فوجد له مالا، فقال: المال للبائع، إنما باع نفسه، إلا أن يكون شرط عليه أن ما كان له من مال أو متاع فهو له (6). وهو شامل

(1) المهذب: ج 1 ص 402.
(2) المبسوط: ج 2 ص 137.
(3) المقنعة: ص 600، النهاية ونكتها: ج 2 ص 193.
(4) المراسم: ص 176.
(5) الكافي في الفقه: ص 356.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 71 ح 306، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب بيع الحيوان ح 1 ج 13 ص 32.

[ 220 ]

للعالم وغيره. احتج ابن البراج بأن المال ملك العبد، وقد نقل البائع العبد فينتقل معه ملكه. وبما رواه زرارة في الحسن قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: الرجل يشتري المملوك وله مال لمن ماله؟ فقال: إن كان علم البائع أن له مالا فهو للمشتري، وإن لم يكن علم فهو للبائع (1). والجواب عن الأول: بالمنع من كونه مالكا على ما يأتي. وعن الحديث بأنه محمول على أن البائع شرط المال للمشتري. مسألة: قال الشيخ: إذا استبرأ البائع - الثقة - الجارية لم يجب الاستبراء على المشتري، بل يستحب (2). اختاره الشيخان ش (3)، وابن البراج (4)، وهو الظاهر من كلام ابن الجنيد. وقال ابن إدريس: يجب على المشتري الاستبراء على كل حال (5). لنا: الأصل عدم الوجوب. ولأن المفسدة الحاصلة بتركه معدومة بأخبار العدل. وما رواه محمد بن حكيم، عن العبد الصالح - عليه السلام - قال: إذا اشتريت جارية فضمن لك مولاها أنها على طهر فلا بأس بأن تقع عليها (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 71 ح 307، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب بيع الحيوان ح 2 ج 13 ص 32. (2) كذا في النسخ والظاهر أن عبارة (قال الشيخ) زائدة لما يأتي من قوله: (أختاره الشيخان).
(3) المقنعة: ص 600 - 601، النهاية ونكتها: ج 2 ص 388 - 389.
(4) المهذب: ج 2 ص 246.
(5) السرائر: ج 2 ص 346.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 173 ح 602، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 3 ج 14 ص 503.

[ 221 ]

وعن منصور بن البختري، عن الصادق - عليه السلام - في رجل يشتري الأمة من رجل فيقول: إني لم أطأها، فقال: إن وثق به فلا بأس بأن يأتيها (1). وفي الصحيح عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: الرجل يشتري الجارية وهي طاهرة وزعم صاحبها أنه لم يمسها منذ حاضت، فقال: إن أمنته فمسها (2).، احتج بأن الاستبراء واجب على المشتري، فلا يسقط بإخبار البائع. وبما رواه محمد بن إسماعيل في الصحيح قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن الجارية تشترى من رجل مسلم يزعم أنه استبرأها أيجزئ ذلك أم لا بد من استبرائها؟ قال: استبرئها بحيضتين، قلت: يحل للمشتري ملامستها؟ قال: نعم ولا يقرب فرجها (3). والجواب: المنع من إيجابه مطلقا، بل مع عدم إخبار الثقة. وعن الحديث بالحمل على الاستحباب جمعا بين الأدلة، أو على أن المخبر لم يثق به المشتري. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا ملك أمة بابتياع أو هبة أو إرث أو استغنام لم يجز له وطؤها إلا بعد الاستبراء (4). وقال ابن إدريس: لا يجب في غير البيع، لأن الذي رواه أصحابنا في

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 173 ح 603، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 503. وفيهما: (وعن حفص ء).
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 173 ح 604، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 4 ج 14 ص 504.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 173 ح 605، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 5 ج 14 ص 504.
(4) الخلاف: ج 3 ص 63 المسألة 41، طبعة اسماعيليان.

[ 222 ]

تصانيفهم الخالية من فروع المخالفين وقياساتهم ونطقت به أخبار الأئمة - عليهم السلام - أن الاستبراء لا يجب إلا على البائع والمشتري، ولم يذكروا غيرهما، والأصل براءة الذمة والتمسك بقوله تعالى: (وما ملكت أيمانكم) وهذه ملك يمين (1). والحق ما قال الشيخ. لنا: إن المقتضي لوجوب الاستبراء في صورة البيع ثابت في غيره، وهو العلم باستفراغ رحمها والاحتياط على الانساب والتحفظ من اختلاطها، وأي فرق بين قوله: (بعتك) وقوله: (وهبتك) بحيث يوجب الأول الاستبراء دون الثاني، ولا يخفى ذلك على محصل. وأسند النقل إلى كتاب الخلاف، ونسبه إلى أنه من فروع المخالفين، ولعله لم يقف في النهاية على باب السراري وملك الأيمان، فإن الشيخ نص فيه على ذلك أيضا، بل هو نفسه قال في هذا الباب: متى ملك الرجل جارية بأحد وجوه التمليكات من بيع أو هبة أو سبي أو غير ذلك لم يجز له وطؤها في قبلها إلا بعد أن يستبرئها (2). فلعله بعد ذلك قد وقف على شئ لم يقف عليه في الأول حتى خرج من كونه فروع المخالفين، وبالجملة فهذا الرجل يخبط ولا يبالي أين يذهب ويتجرأ على شيخنا - قدس الله روحه - بما لا يجوز. مسألة: المشهور أن الاستبراء لمن كانت في سن من تحيض ولم تحض بخمسة وأربعين يوما، ذكره الشيخ (3)، وابن البراج (4)، وأبو الصلاح (5) وغيرهم.

(1) السرائر: ج 2 ص 346 - 347.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 388.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 194.
(4) المهذب: ج 2 ص 245.
(5) الكافي في الفقه: ص 312.

[ 223 ]

وقال المفيد: تستبرئ بثلاثة أشهر (1). لنا: الأحاديث الدالة على ذلك، روى منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن عدة الأمة التي لم تبلغ المحيض وهو يخاف عليها؟ قال: خمس وأربعون ليلة (2). وعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يشتري الجارية ولم تحض أو قد قعدت من المحيض كم عدتها؟ فقال: خمس وأربعون ليلة (3). وسيأتي البحث في ذلك. مسألة: قال الشيخ في النهاية (4)، والمفيد (5): إذا اشترى جارية وعزلها عند إنسان للاستبراء كانت من مال البائع إذا هلكت في مدة الاستبراء ما لم يحدث المبتاع فيها حدثا، فإن أحدث كان تلفها منه. وفي المبسوط: لا يجوز للمشتري وطؤها في الفرج ولا غيره ولا مسها بشهوة وتكون في زمان الاستبراء عنده، وإن كانت حسنة فإن جعلت عند من يوثق به جاز، فإن باعها بشرط المواضعة لم يبطل البيع، وإن باعها مطلقا ثم اتفقا على المواضعة جاز، وإن هلكت فإن كان المشتري قبضها ثم جعلت عند عدل فمن ضمان المشتري، لأن العدل وكيله، وإن سلمها البائع إلى العدل قبل قبض المشتري بطل البيع (6)، واختاره ابن إدريس (7). ولا أرى بينهما تنافيا فإن

(1) المقنعة: ص 600.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 172 ح 599، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 5 ج 14 ص 499.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 172 ح 600، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 6 ج 14 ص 499.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 144 - 145.
(5) المقنعة: ص 592 - 593.
(6) المبسوط: ج 2 ص 140.
(7) السرائر: ج 2 ص 284 - 285.

[ 224 ]

كلام النهاية قد يحمل على هذا. مسألة: قال الشيخ في النهاية (1)، والمفيد (2)، وابن حمزة: (3) النفقة مدة الاستبراء على البائع. وليس بجيد، لأنها ملك المشتري، والنفقة تتبع الملك، وسيأتي. مسألة: للشيخ في النهاية قولان في التفرقة بين الأطفال وأمهاتهم: قال في باب ابتياع الحيوان: لا يجوز (4)، وقال في باب العتق: إنه مكروه وليس بمحظور (5). وممن قال بالأول أبو علي ابن الجنيد، وشيخنا المفيد (6)، وابن البراج (7). وسلار قال: لا يفرق بين الأطفال وأمهاتهم بالبيع (8)، ولم ينص على تحريم ولا كراهة. وابن إدريس (9) اختار الثاني. والأقرب تغليظ الكراهية. لنا: الأصل الصحة، وقوله - عليه السلام -: (الناس مسلطون على أموالهم) (10). احتج الشيخ بما رواه هشام بن الحكم في الحسن، عن الصادق - عليه

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 144 - 145.
(2) المقنعة: ص 592 - 593.
(3) الوسيلة: ص 248. (4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 194.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 23.
(6) المقنعة: ص 601.
(7) المهذب: ج 1 ص 318.
(8) المراسم: ص 177.
(9) السرائر: ج 2 ص 347.
(10) لم نعثر عليه في المصادر الروائية في كتب الطريقين.

[ 225 ]

السلام - إنه اشتريت له جارية من الكوفة قال: فذهبت لتقوم في بعض الحاجة فقالت: يا أماه، فقال لها أبو عبد الله - عليه السلام -: ألك أم؟ قالت: نعم، فأمر بها فردت، وقال: ما أمنت لو حبستها أن أرى في ولدي ما أكره (1). وفي الحسن عن معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: أتي رسول الله - صلى الله عليه وآله - بسبي من اليمن فلما بلغوا الجحفة نفذت نفقاتهم فباعوا جارية من السبي كانت أمها معهم، فلما قدموا على النبي - صلى عليه وآله وسلم - سمع بكاءها فقال: ما هذه؟ فقالوا: يا رسول الله احتجنا إلى نفقة فبعنا ابنتها، فبعث بثمنها وأتي بها وقال: بيعوهما جميعا أو امسكوهما جميعا (2). وعن سماعة قال: وسألته عن أخوين مملوكين هل يفرق بينهما وعن المرأة وولدها؟ قال: لا هو حرام، إلا أن يريدوا ذلك (3). وفي الصحيح عن ابن سنان قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: في الرجل يشتري الغلام أو الجارية وله أخ أو أخت أو أم بمصر من الامصار قال: لا يخرجه من مصر إلى مصر آخر إن كان صغيرا ولا تشتره، وإن كانت له أم فطابت نفسها ونفسه فاشتره إن شئت (4). والجواب: الحمل على الكراهة المغلظة.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 73 ح 313، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب بيع الحيوان ح 3 ج 13 ص 41.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 73 ح 314، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب بيع الحيوان ح 2 ج 13 ص 41. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 73 ح 312، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب بيع الحيوان ح 4 ج 13 ص 42.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 67 ذيل ح 290، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب بيع الحيوان: ح 1 ج 13 ص 41.

[ 226 ]

تذنيب: منع ابن الجنيد من التفرق بين الأختين، وبالجملة إذا كان بعضهم لا يقوم بنفسه. وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ولا بأس أن يشتري الانسان ما يسبيه الظالمون إذا كانوا مستحقين للسبي، ولا بأس بوطئ من هذه صفتها، وإن كان فيها الخمس لمستحقه ولم يصل إليهم، لأن ذلك قد جعلوه لشيعتهم من ذلك في حل وسعة (1). وقال ابن إدريس: هذا غير واضح، لأن هذا السبي جميعه لامام المسلمين، فمن أين يجب فيه الخمس فحسب؟ وفقه ذلك: أن كل سرية غزت بغير إذن الإمام فما غنمت من أهل الحرب فهو فئ لامام المسلمين أجمع (2). وهذه المنازعة ضعيفة، أما أولا: فلأن إيجاب الخمس لمستحقيه لا ينافي كون الجميع للامام، والشيخ - رحمه - الله لم يقل فيه الخمس حسب، ولهذه الزيادة التي ذكرها ابن إدريس وقع في الغلط على الشيخ. وأما ثانيا: فللمنع من اختصاص الإمام - عليه السلام - بهذه الغنيمة. وأما ثالثا: فلأنا لو سلمنا، لكن نمنع كون ما يسبيه الظالم غنيمة، لجواز أخذه نهبا من غير قتال ولا حرب ولا سرقة. مسألة: قال المفيد: من ابتاع أمة فوطأها وأولدها ثم ظهر أن بائعها كان غاصبا لها أو محتالا على مالكها ولم يكن يملك بيعها كان لمالكها انتزاعها من يد المبتاع واسترقاق ولدها، إلا أن يرضيه الأب بشئ عن ذلك، وللمبتاع الرجوع على البائع بما قبضه في ثمنها وغرمه عن ولدها (3). وكذا قال الشيخ في

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 195 - 196.
(2) السرائر: ج 2 ص 348 وفيه: عبارة (وفقه ذلك...) قبل عبارة (هذا غير واضح...).
(3) المقنعة: ص 601.

[ 227 ]

النهاية (1)، إلا أنه قال عوض: (استرقاق ولدها) (قبض ولدها). والتحقيق في ذلك أن نقول: المشتري إما أن يكون عالما قبل الوطئ بأنها ملك الغير أو لا يكون، فإن علم كان الولد رقا لمولاها، إلا أن يرضيه الأب بشئ، وكان ما ذكره حقا، لكن ليس للمشتري حينئذ الرجوع على البائع بما غرمه عن ولدها، وإن لم يكن عالما كان الولد حرا ليس للمولى استرقاقه. نعم له المطالبة بثمنه وحينئذ يرجع المشتري على البائع بقيمته. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن قال لغيره اشتر حيوانا بشركتي والربح بيني وبينك فاشتراه ثم هلك الحيوان كان الثمن بينهما، كما لو زاد في ثمنه كان أيضا بينهما على ما اشترطا عليه، فإن اشترط عليه أن يكون له الربح إن ربح، وليس عليه من الخسران شئ كان على ما اشترطا عليه (2). وتبعه ابن البراج. وقال ابن إدريس: معنى أنه إذا قال لغيره: (اشتر حيوانا بشركتي) المراد أنه انقد عني نصف الثمن أو ما يختاره ويجعله قرضا عليه، وإلا فما تصح الشركة إلا هكذا. قال: فأما قول شيخنا - رحمه الله -: (فإن اشترط عليه أن يكون له الربح إن ربح، وليس عليه من الخسران شئ كان على ما اشترطا عليه) فليس بواضح ولا مستقيم، لأنه مخالف لأصول المذهب، لأن الخسران على رؤوس الأموال بغير خلاف، فإذا شرطه أنه على واحد من الشريكين كان هذا شرطا مخالفا للكتاب والسنة، لأن السنة جعلت الخسران على قدر رؤوس الأموال (3). وما ذكره ابن إدريس في تفسير قول الانسان لغيره: (اشتر الحيوان

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 194 - 195.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 196.
(3) السرائر: ج 2 ص 349.

[ 228 ]

بشركتي) ليس بصحيح، لأن الأمر بالشراء عنه ليس أمرا بنقد الثمن عنه، والشركة تتحقق بالعقد إذا أوقعه المشتري عنه، وعن الأمر بالنيابة لا بالامر بنقد الثمن، وأما نسبة قول الشيخ إلى عدم الوضوح وعدم الاستقامة وأنه مخالف لأصول المذهب وأن هذا الشرط مخالف للكتاب والسنة فليس بجيد، لأن الشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على الكتاب والسنة والعقل. أما الكتاب: فقوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) (1) والتراضي إنما وقع على ما اتفقا عليه، فلا يجوز لهما المحالفة، وقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (2) والعقد إنما وقع على هذا فيجب الوفاء به. وأما السنة: فقوله - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) (3). وما رواه رفاعة في الصحيح قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن رجل شارك في جارية له وقال: إن ربحنا فيها فلك نصف الربح، وإن كان وضيعة فليس عليك شئ، فقال: لا أرى بهذا بأسا إذا طابت نفس صاحب الجارية (4). وأما العقل: فلأن الأصل الجواز فيها. وقوله: (إن الخسران على قدر رأس المال) قلنا: متى هي مع الشرط لغيره أو بدونه ممنوع، وبالجملة فقول الشيخ - رحمه الله - هو المعتمد. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن اشترى من رجل عبدا وكان عند الجائع

(1) النساء: 29.
(2) المائدة: 1. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ح 1503، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ذيل ح 4 ج 15 ص 30.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 71 ح 304، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب بيع الحيوان ح 1 ج 13 ص 42.

[ 229 ]

عبدان فقال للمبتاع: إذهب بهما فاختر أيهما شئت ورد الآخر وقبض المال، فذهب بهما المشتري فأبق أحدهما من عنده فليرد الذي عنده منهما ويقبض نصف الثمن مما أعطى، ويذهب في طلب الغلام فإن وجده اختار حينئذ أيهما شاء ورد النصف الذي أخذه، وإن لم يجده كان العبد بينهما نصفين (1). وتبعه ابن البراج على ذلك. ثم قال ابن البراج بعد ذلك في كامله: لا يجوز أن يبتاع الانسان من جملة مماليك مملوكا أو أكثر منه بشرط أن ينتفي خيار تلك الجملة، لأنه مجهول. وقال الشيخ في الخلاف في باب السلم: إذا قال: اشتريت منك أحد هذين العبدين بكذا أو أحد هؤلاء العبيد الثلاثة بكذا لم يصح الشراء، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: إذا شرط فيه الخيار ثلاثة أيام جاز، لأن هذا غرر يسير، وأما في الأربعة فما زاد عليها فلا يجوز. دليلنا: أن هذا بيع مجهول فيجب ألا يصح بيعه، ولأنه بيع غرر، لاختلاف قيمتي العبدين، ولأنه لا دليل على صحة ذلك في الشرع. وقد ذكرنا هذه المسألة في البيوع وقلنا: إن أصحابنا رووا جواز ذلك في العبدين، فإن قلنا بذلك تبعنا فيه الرواية ولم نقس غيرها عليها (2). والذي قاله في كتاب البيوع: روى أصحابنا أنه إذا اشترى عبدا من عبدين على أن للمشتري أن يختار أيهما شاء أنه جائز، ولم يرووا في الثوبين شيئا، وقال الشافعي: إذا اشترى ثوبا من ثوبين على أن له الخيار ثلاثة أيام لم يصح البيع - إلى أن قال: - دليلنا: إجماع الفرقة، وقال - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) (3).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 197 - 198.
(2) الخلاف: ج 3 ص 217 المسألة 38.
(3) الخلاف: ج 3 ص 38 المسألة 54.

[ 230 ]

وقال ابن إدريس: ما ذكره شيخنا في نهايته خبر واحد لا يصح، ولا يجوز العمل به، لأنه مخالف لما عليه الأمة بأسرها، ومناف لأصول مذهب أصحابنا وفتاويهم وتصانيفهم واجماعهم، لأن المبيع إذا كان مجهولا كان البيع باطلا بغير خلاف، وقوله: (يقبض نصف الثمن ويكون العبد الآبق بينهما ويرد الباقي من العبدين) فيه اضطراب كثير وخلل كبير إن كان الآبق الذي وقع عليه البيع فمن مال مشتريه والثمن بكماله لبائعه، وإن كان الآبق غير من وقع عليه البيع والباقي الذي وقع عليه البيع فلأي شئ يرده، وإنما أورد شيخنا هذا الخبر على ما جاء إيرادا لا اعتقادا، لأنه رجع عنه في مسائل خلافه في كتاب السلم، ثم أورد ما نقلناه عن الشيخ في كتاب السلم (1). والتحقيق أن نقول: العقد إن وقع على عبد مطلق موصوف بصفاته المقصودة الموجودة الرافعة للجهالة صح البيع، فإذا دفع البائع العبدين إلى المشتري ليتخير أحدهما جاز أن يتخير أيهما شاء، فإذا أبق أحدهما فإن قلنا: المقبوض بالسوم مضمون ضمنه المشتري هنا، وإلا فلا، وإن وقع على أحدهما كان باطلا. والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على رواية محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن رجل اشترى من رجل عبدا وكان عنده عبدان فقال للمشتري: اذهب بهما فاختر أيهما شئت ورد الآخر وقد قبض المال فذهب بهما المشتري فأبق أحدهما من عنده، قال: يرد الذي عنده منهما ويقبض نصف الثمن مما أعطى من البيع ويذهب في طلب الغلام، فإن وجد يختار أيهما شاء ورد النصف الذي أخذ، وإن لم يجد كان العبد بينهما نصفه للبائع ونصفه

(1) السرائر: ج 2 ص 350.

[ 231 ]

للمبتاع (1). وهذه الرواية تدل على أن البيع وقع صحيحا، لا على أنه وقع على عبد من عبدين، وكذا كلام الشيخ. وأما قول الشيخ في الخلاف عن الرواية فإن لها محملا، وهو أن يفرض تساوي العبدين من كل وجه، ولا استبعاد حينئذ في بيع أحدهما لا بعينه، كما لو باعه من متساوي الأجزاء بعضه، كما لو باعه قفيزا من الصبرة. وأما تضمين النصف فلأن البيع وقع مشاعا على أحدهما فقبل الاختيار يكون العبدان بينهما، فلما أبق أحدهما ضمن نصفه الذي اشتراه والنصف الآخر لا يضمنه، لأنه مقبوض على وجه السوم، والعبد الآخر الباقي بينهما، لشياع الاستحقاق في العبدين. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا كانت الجارية بين شركاء فتركوها عند واحد منهم فوطأها فإنه يدرأ عنه من الحد بقدر ما له منها من الثمن ويضرب بمقدار ما لغيره من القيمة وتقوم الأمة قيمة عادلة ويلزمها، فإن كانت القيمة أقل من الثمن الذي اشتريت به الزم ثمنها الأول، فإن كانت قيمتها في ذلك اليوم الذي قومت فيه أكثر من ثمنها الزم ذلك الأكثر، فإن أراد واحد من الشركاء الجارية كان له أخذها ولا يلزمه إلا ثمنها الذي يسوى في الحال (2). وقال ابن إدريس: هذا خبر واحد أورده شيخنا إيرادا لا اعتقادا، والأولى أن يقال: لا يلزم الواطئ لها شيئا سوى الحد الذي ذكرناه، على تقدير أن يكون عالما بالتحريم بقدر حصص شركائه، إلا أن تكون بكرا فيأخذ عذرتها

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 72 ح 308، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب بيع الحيوان ح 1 ج 13 ص 44.
(2) النهاية: ج 2 ص 198 - 199.

[ 232 ]

فيلزمه ما بين قيمتها بكرا وغير بكر ويسقط عنه ما يخصه من ذلك ويستحق الباقي باقي الشركاء، فأما إن كانت غير بكر فلا يلزم ذلك هذا إذا لم يحبلها، فأما إذا أحبلها بولد فإنه يغرم ثمنها الذي يساوي يوم جنايته عليها وثمن ولدها يوم يسقط حيا لو كان عبدا، ويسقط من ذلك بمقدار حصته من الثمنين (1). والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على رواية عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجال اشتركوا في أمة فائتمنوا بعضهم على أن تكون الأمة عنده فوطأها، قال: يدرأ عنه من الحد بقدر ما له فيها من النقد ويضرب بقدر ما ليس له فيها وتقوم الأمة عليه بقيمة ويلزمها، فإن كانت القيمة أقل من الثمن الذي اشتريت به الجارية الزم ثمنها الأول، وإن كانت قيمتها في ذلك اليوم الذي قومت فيه أكثر من ثمنها الزم ذلك الثمن وهو صاغر، لأنه استفرشها، قلت: فإن أراد بعض الشركاء شراءها دون الرجل، قال: ذلك له، وليس له أن يشتريها حتى تستبرئ، وليس على غيره أن يشتريها إلا بالقيمة (2). والتحقيق أن نقول: الواطئ إن كان عالما بالتحريم حد بقدر حصص الشركاء وعليه من المهر بقدر حصصهم أيضا إن كانت مكرهة أو جاهلة، وإن كانت مطاوعة فكذلك على الخلاف - وسيأتي - وإن كانت بكرا لزمه أرش البكارة قطعا، ولا تقوم عليه بنفس الوطئ بل مع الحمل، وعليه تحمل الرواية وقول الشيخ أيضا، وعليه حصص الشركاء من القيمة ويطالب بأعلى القيم من حين الاحبال إلى وقت التقويم، وعليه حصص الشركاء أيضا من قيمة الولد

(1) السرائر: ج 2 ص 351 - 352.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 72 ح 309، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب ببع الحيوان ح 1 ج 13 ص 45.

[ 233 ]

يوم سقط حيا إن لم تكن قد قومت عليه حبلى، ولو أراد بعض الشركاء أخذها فإن كانت قد حبلت لم يكن له ذلك، وإن لم تكن قد حبلت كان له ذلك ويأخذها بقيمتها يوم الأخذ. مسألة: قال الشيخ في النهاية: المملوكان إذا كانا مأذونين في التجارة فاشترى كل واحد منهما صاحبه من مولاه فكل من سبق منهما بالبيع كان البيع له وكان الآخر مملوكا له، فإن اتفق أن يكون العقدان في حالة واحدة أقرع بينهما، فمن خرج اسمه كان البيع له وكان الآخر مملوكه، وقد روي أنه إذا اتفق العقدان في حالة واحدة كانا باطلين، والأحوط ما قدمناه (1). وتبعه ابن البراج. وقال ابن إدريس: إذا اتفق العقدان في حالة واحدة كان البيع باطلا، والقرعة لا يمكن المصير إليها إنما تستعمل في الأشياء التي يجوز وقوع الصحة فيها وصحة أحدهما وبطلان الآخر، والسؤال مبني على أنه وقع العقدان في حالة واحدة وتيقن ذلك، وقد روي أنه يذرع الطريق. والأول من الأقوال هو الصحيح الذي يقوى في نفسي (2). والذي رواه الشيخ في كتابي الأخبار عن أبي خديجة، عن الصادق - عليه السلام - في رجلين مملوكين مفوض إليهما يشتريان ويبيعان بأموالهما وكان بينهما كلام فخرج هذا يعدو إلى مولى هذا وهذا إلى مولى هذا وهما في القوة سواء فاشترى هذا من مولى هذا العبد وذهب هذا فاشترى هذا من مولى العبد الآخر فانصرفا إلى مكانهما فتشبث كل واحد منهما بصاحبه وقال له: أنت عبدي قد اشتريتك من سيدك، قال: يحكم بينهما من حيث افترقا، يذرع الطريق فأيهما

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 199 - 200.
(2) السرائر: ج 2 ص 352.

[ 234 ]

كان أقرب فهو الذي سبق الذي هو أبعد، وإن كانوا سواء فهما رد على مواليهما بأن جاءا سواء وافترقا سواء، إلا أن يكون أحدهما سبق صاحبه فالسابق هو له إن شاء باع وإن شاء أمسك، وليس له أن يضربه (1). قال في الكتابين: وفي رواية أخرى إذا كانت المسافة سواء يقرع بينهما فأيهما خرجت القرعة باسمه كان عبدا للآخر (2). ثم قال في الاستبصار: وهذا عندي أحوط، لمطابقته لما روي من أن كل مشكل يرد إلى القرعة فما أخرجته القرعة حكم به، وهذا من المشكلات (3). والتحقيق أن نقول: إن اشتبه السبق والسابق حكم بالقرعة، وإن علم التقارن فإن كان قد اشترى كل واحد منهما لنفسه وقلنا: إنه يملك بطل العقدان، وإن قلنا: إنه لا يملك أو إن كل واحد منهما اشترى لمولاه فإن كانا وكيلين صح العقدان وكان كل واحد منهما عبدا لمولى الآخر، وإن كانا مأذونين فالأقرب إيقاف العقدين على الاجازة، فإن أجازه الموليان صح العقدان وانتقل كل واحد منهما إلى مولى الآخر، لأن كل واحد منهما قد بطل إذنه ببيع مولاه له، فإذا اشترى الآخر لمولاه كان كالفضولي، وإن فسخه الموليان بطلا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا قال مملوك إنسان لغيره: اشترني فإنك إذا اشتريتني كان لك علي شئ معلوم فاشتراه، فإن كان المملوك في حال ما قال ذلك له مال لزمه أن يعطيه ما شرط له، وإن لم يكن له مال في تلك

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 72 ح 310، الاستبصار: ج 3 ص 82 ح 279، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب بيع الحيوان ح 1 ج 13 ص 46. (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 73 ح 311، الاستبصار: ج 3 ص 82 ح 279، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب بيع الحيوان ح 2 ج 13 ص 46.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 83 ذيل الحديث 279.

[ 235 ]

الحال لم يكن عليه شئ (1). وتبعه ابن البراج. وقال ابن إدريس: هذه رواية أوردها الشيخ إيرادا لا اعتقادا، لأن العبد عندنا لا يملك شيئا، فأما على قول بعض أصحابنا أنه يملك فاضل الضريبة وأروش الجنايات يصح ذلك، والصحيح من المذهب أنه لا يملك (2). والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على رواية فضيل قال: قال غلام سندي لأبي عبد الله - عليه السلام -: إني قلت لمولاي: بعني بسبعمائة درهم وأنا أعطيك ثلاثمائة درهم، فقال أبو عبد الله - عليه السلام -: إن كان يوم شرطت لك مال فعليك أن تعطيه، وإن لم يكن لك يومئذ مال فليس عليك شئ (3). وما قاله ابن إدريس جيد، لما يأتي من أن العبد لا يملك شيئا وأن ملكه لمولاه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ويجتنب وطي من ولد من الزنا مخافة العار بالعقد والملك معا، فإن كان لا بد فاعلا فليطأهن بالملك دون العقد وليعزل عنهن (4). وقال ابن إدريس: الذي تقتضيه الأدلة وأصول المذهب إن وطئ الكافرة حرام، ولا خلاف بين أصحابنا أن ولد الزنا كافر، وإنما أجمعنا على أن وطئ اليهودية والنصرانية بالملك والاستدامة والباقيات من الكافرات على ما هن عليه من الآيات، والتخصيص يحتاج إلى دليل، وليس العموم إذا خص يصير مجازا، بل الصحيح من قول محصلي أصول الفقه أنه يصح التمسك بالعموم

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 200.
(2) السرائر: ج 2 ص 353.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 74 ح 315، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب بيع الحيوان ح 1 ج 13 ص 47.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 201.

[ 236 ]

إذا خص بعضه فيلحظ ذلك (1). والحق ما قاله الشيخ، أما الإباحة فلقوله تعالى: (وما ملكت أيمانكم) (2). وأما الكراهية فلما رواه أبو خديجة قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: لا يطيب ولد الزنا أبدا (3). وأما قول ابن إدريس: (إنه كافر) فغلط. ثم ادعاؤه (الاجماع من أصحابنا عليه) غلط أيضا، وبأي اعتبار يكون كافرا وهو يشهد الشهادتين ويعتقد أركان الشريعة. ثم ادعاؤه (الاجماع على إباحة اليهودية والنصرانية بالملك والاستدامة) غلط، فإن فيه خلافا، وسيأتي. ثم فرق بين ولد الزنا واليهودية في هذا الحكم غلط أيضا. وهب أن النص دل على إباحة اليهودية والنصرانية (4)، فإنه يكون على إباحة ولد الزنا أدل من حيث مفهوم الخطاب، إذ من المعلوم أن النص على الأدنى يدل على النص على الأعلى، كما في دلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب. ثم ادعاؤه (إن العام بعد التخصيص لا يصير مجازا) غلط أيضا، وليس هذا موضع بحثه. مسألة: اللقيط حر لا يجوز بيعه ولا شراؤه، فإن كبر وأقر على نفسه بالعبودية قال ابن إدريس: لا يقبل إقراره عند محصلي أصحابنا، وهو الصحيح، لأن الشارع حكم عليه بالحرية. وقال بعضهم: يقبل، لأن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز (5).

(1) السرائر: ج 2 ص 353 - 354.
(2) النساء: 36.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 133 ح 587، وسائل الشيعة: ب 96 من أبواب ما يكتسب به ح 8 ج 12 ص 224.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 478 ح 1920، وسائل الشيعة: ب 5 و 6 من أبواب ما يحرم بالكفر ج 14 ص 416 و 418.
(5) السرائر: ج 2 ص 354.

[ 237 ]

والحق القبول، لقوله - عليه السلام -: (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز) (1) وحكم الشارع بالحرية بناء على الأصل ما لم يعرف بالعبودية، ولا فرق بين اللقيط وغيره من المجهولين، ولو جاء رجل لا يعرف وأقر بالعبودية يقبل، وقد كان على مذهبه أنه لا يقبل، لأنه محكوم عليه بالحرية شرعا فلا يقبل إقراره بالعبودية، وهذا كله غلط. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا باع الانسان بعيرا أو بقرا أو غنما واستثنى الرأس والجلد كان شريكا للمبتاع بمقدار الرأس والجلد (2)، وبه قال ابن البراج (3)، وبه قال في المبسوط (4) والخلاف (5) أيضا. وقال المفيد: لا بأس أن يشترط البائع على المبتاع شيئا يستثنيه مما باعه، مثل أن يبيعه شاة ويستثني عليه جلدها أو رأسها بعد الذبح لها (6). وقال أبو علي ابن الجنيد: لو استثنى رأس الحيوان أو صوفه أو جلده لجاز. وقال أبو الصلاح: وإذا قرن العقد باستثناء بعض ما يتناوله وكان معينا كالشاة إلا رأسها وجلدها أو ربعها - صح البيع في ما عدا المستثنى (7). وقال ابن إدريس: إذا استثنى الرأس والجلد جاز له، لأنه استثنى معلوما من معلوم، وهو مذهب السيد المرتضى يناظر عليه المخالفين في انتصاره، لأنه لا دليل على خلاف ذلك من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا إجماع، لأن

(1) لم نعثر عليه لا في الكتب الروائية ولا الفقهية، ولعله قاعدة عقلية. (2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 203 - 204.
(3) المهذب: ج 1 ص 382.
(4) المبسوط: ج 2 ص 116.
(5) الخلاف: ج 3 ص 92 المسألة 149.
(6) المقنعة: ص 608.
(7) الكافي في الفقه: ص 354.

[ 238 ]

أصحابنا يختلفون في ذلك، وقال تعالى: (وأحل الله البيع) وهذا بيع. فقول الشيخ في كتبه: ب (أنه يكون شريكا بمقدار الرأس والجلد) اعتمادا على خبر ضعيف رواه السكوني، وهو عامي (1). وقال سلار: كل شرط شرط البائع على المبتاع من رأس ذبيحة يبيعها أو جلدها أو بعضها بالوزن جائز (2). والتحقيق أن نقول: إن كانت مذبوحة أو اشتراها للذبح جاز الاستثناء، وإلا فلا. لنا: إن مع الذبح يكون استثناء معلوما ولا غرر فيه فكان جائزا، وأما مع عدمه بشرط التبقية فإنه لا يصح الاستثناء، لما فيه من الجهالة، وتضرر الشريك لو أراد أخذ حقه، وضرره لو أجبر على إبقائه. وما رواه السكوني، عن الصادق - عليه السلام - قال: اختصم إلى أمير المؤمنين - عليه السلام - رجلان اشترى أحدهما من الآخر بعيرا واستثنى البائع الرأس والجلد ثم بدا للمشتري أن يبيعه فقال للمشتري: هو شريكك في البعير على قدر الرأس والجلد (3). ولأنه قد سلم أن أحد الشريكين إذا شرط أن يكون له الرأس أو الجلد وللآخر الباقي بطلان ذلك، وأنه يكون شريكا بقدر ما له، والحديث قد دل عليه، ولا فرق بين ذلك وبين صورة النزاع. ولأنه لا يجوز إفراده بالبيع، فلا يجوز استثناؤه البعض، والبيع إنما يكون حلالا لو وقع على وجهه، وهو ممنوع هنا.

(1) السرائر: ج 2 ص 355.
(2) المراسم: ص 178. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 81 ح 350، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب بيع الحيوان ح 2 ج 13 ص 49.

[ 239 ]

تذنيب: كلام سلار يعطي جواز استثناء البعض كاللحم بالوزن. وقال أبو علي ابن الجنيد: لا يجوز، لأن موضع اللحم يتفاضل، ولقلة ما يختلط به من العظم وغيره وكثرته، فإن حدد المكان بما لا يختلط بغيره جاز فهو حسن. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا اشترى الانسان ثلاث جوار بثمن معلوم ثم حملهن إلى البيع وقال له: بع هؤلاء الجواري ولك على نصف الربح فباع ثنتين منهن بفضل وأحبل المالك الثالثة لزمه أن يعطيه نصف الربح في ما باع، وليس عليه في ما أحبل شئ (1). وتبعه ابن البراج. وقال ابن إدريس: يستحق البيع أجرة المثل في ما باع خاصة (2). والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على رواية أبي علي بن راشد قال: قلت له: إن رجلا اشترى ثلاث جوار قوم كل واحدة بقيمة فلما صاروا إلى البيع جعلهن بثمن فقال للبائع: لك علي نصف الربح فباع جاريتين بفضل على القيمة وأحبل الثالثة، قال: يجب عليه أن يعطيه نصف الربح في ما باع، وليس عليه في ما أحبل شئ (3). وما ذكره الشيخ قد يحمل على الجعالة فيمكن المصير إلى ما قاله، لا على أنها إجارة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من اشترى جارية كانت قد سرقت من أرض الصلح كان له ردها على من اشتراها منه واسترجاع ثمنها، وإن كان قد

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 204 - 205.
(2) السرائر: ج 2 ص 355 - 356 وليس فيه (البيع).
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 82 ح 352، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب بيع الحيوان ح 6 ج 13 ص 52.

[ 240 ]

مات فعلى ورثته، فإن لم يخلف وارثا استسعت الجارية في ثمنها (1). وتبعه ابن البراج. وقال ابن إدريس: كيف تستسعى هذه الجارية بغير إذن صاحبها؟ وكيف تعتق وليس على ذلك دليل وقد ثبت أنها ملك الغير؟ والأولى أن تكون بمنزلة اللقطة، بل يرفع خبرها إلى حاكم المسلمين ويجتهد في ردها على من سرقت منه، فهو الناظر في أمثال ذلك (2). والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على رواية مسكين السمان، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل اشترى جارية سرقت من أرض الصلح، قال: فليردها على الذي اشتراها منه، ولا يقر بها إن قدر عليه لو كان موسرا، قلت: جعلت فداك فإنه قد مات ومات عقبه، قال: فليستسعها (3). ومسكين من لا يحضرني الان حاله، فإن كان ثقة فالرواية صحيحة. والتحقيق أن نقول: المشتري إن كان عالما وجب عليه ردها إلى المالك إن عرفه، وإلا إلى الحاكم ليحفظها إلى مالكها ولا يرجع بشئ، وإن كان جاهلا كان له الرجوع على البائع بالثمن، فإن تعذر ولا تركة له سقط الثمن ولا تستسعى الجارية. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من أعطى مملوك غيره - مأذون له في التجارة - مالا ليعتق عنه نسمة ويحج فاشترى المملوك أباه وأعتقه وأعطاه بقية المال ليحج عن صاحب المال، ثم اختلف مولى المملوك وورثة الأمر ومولى الأب

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 205 - 206.
(2) السرائر: ج 2 ص 356.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 83 ح 355، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب بيع الحيوان ح 1 ج 13 ص 50.

[ 241 ]

الذي اشتراه منه فكل واحد منهم قال: إن المملوك اشترى بمالي كان الحكم أن يرد المعتق على مولاه الذي كان عنده ويكون رقا له كما كان، ثم أي الفريقين الباقيين منهما أقام البينة بأنه اشترى بماله سلم إليه، وإن كان المعتق قد حج ببقية المال لم يكن له إلى رد الحجة سبيل (1). وتبعه ابن البراج. وقال ابن إدريس: لا أرى لرد المعتق على مولاه وجها، بل الأولى عندي أن القول قول سيد العبد المأذون له في التجارة والعبد المبتاع لسيد العبد المباشر للعتق، وأن عتقه غير صحيح، لأن إجماع أصحابنا على أن جميع ما بيد العبد فهو لسيده، وهذا الثمن في يد المأذون وأنه اشتراه، فإذا اشتراه فقد صار ملكا لسيد المأذون الذي هو المشتري، فإذا أعتقه المأذون بعد ذلك فعتقه غير صحيح، لأنه لم يؤذن له في العتق (2). والشيخ عول في ذلك على رواية ابن أشيم، عن الباقر - عليه السلام - عن عبد لقوم مأذون له في التجارة دفع إليه رجل ألف درهم فقال له: اشتر بها نسمة وأعتقها عني وحج عني بالباقي، ثم مات صاحب الألف فانطلق العبد فاشترى أباه فأعتقه عن الميت ودفع إليه الباقي ليحج عن الميت فحج عنه، فبلغ ذلك موالي أبيه ومواليه وورثة الميت جميعا فاختصموا جميعا في الألف فقالوا موالي معتق العبد: إنما اشتريت أباك بمالنا وقال الورثة: إنما اشتريت أباك بمالنا وقالوا موالي العبد: إنما اشتريت أباك بمالنا، فقال أبو جعفر - عليه السلام -: أما الحجة فقد مضت بما فيها لا ترد، وأما المعتق فهو رد في الرق لموالي أبيه، وأي الفريقين بعد أقاموا البينة أنه اشترى أباه من أموالهم كان لهم رقا (3). وفي سند

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 206.
(2) السرائر: ج 2 ص 357. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 234 ح 1023، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب بيع الحيوان ح 1 ج 13 ص 53، وفيه: (البعد المعتق).

[ 242 ]

هذه الرواية قول. والمعتمد ما قاله ابن إدريس، وتحمل الرواية على أن المأذون كالوكيل فيقبل إقراره بما في يده، أو على أن موالي العبد أنكروا البيع بالكلية. مسألة: قال ابن البراج في الجواهر: إذا كان لرجلين مملوكان لكل واحد منهما واحد بانفراده فباعاهما من إنسان بثمن واحد لا يصح، لأنه بمنزلة عقدين، لأنه لعاقدين، وثمن كل واحد منهما مجهول، لأنه يتقسط على قدر قيمتهما وذلك مجهول، وإذا كان الثمن مجهولا بطل العقد، بخلاف ما إذا كانا لواحد وباعهما بثمن معلوم، لأنه هنا عقد واحد، وإنما لم يصح الأول من حيث كانا عقدين (1). وليس بجيد، لأن العقد الواحد إن تكثر باعتبار المالك، وكذا يتكثر باعتبار المحل، فإن بطل في أحدهما بطل في الآخر، وإن صح في أحدهما صح في الآخر. والحق صحة البيع في الصورتين، لأن العقد واحد، إذ العقد إنما وقع عليهما معا بثمن واحد، فلا تضر جهالة استحقاق أحدهما لنصيبه، لأنه داخل في البيع. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (2)، وابن البراج في الجواهر (3): لا يجوز بيع الدابة على أنها تحمل، لأنه مما لا يعلم، فإن باع كذلك فوافق كان البيع ماضيا ولا خيار للمشتري، وإن لم تحمل كان مخيرا بين الامضاء والفسخ. والحق بطلان البيع في الموضعين، لأن الجهالة إذا تطرقت إلى الصفة المشترطة في البيع تطرق الجهل إلى البيع فلا يصح، سواء وافق الشرط أو لا. ولأنه غرر، والنبي - صلى الله عليه وآله - نهى عنه (4).

(1) جواهر الفقه: ص 63 المسألة 238.
(2) المبسوط: ج 2 ص 156.
(3) جواهر الفقه: 60 المسألة 219 - 220.
(4) سنن الترمذي: ج 3 ب 17 ص 532.

[ 243 ]

الفصل الرابع عشر في بيع الغرر والمجازفة مسألة: لا يجوز البيع بحكم أحدهما في الثمن، فإن بيع أحدهما كذلك بطل البيع، ولو حكم الحاكم فيها بأي شئ كان لم يلزم بل يبطل البيع، فإن كانت السلعة قائمة استردها البائع، وإن كانت تالفة وجب على المشتري قيمتها، ولا اعتبار بما يحكم به أحدهما هذا إذا كانت من ذوات القيم، وإن كانت من ذوات الامثال وجب عليه مثلها، فإن تعذر المثل فقيمة المثل يوم الاعواز. وقال الشيخ في النهاية: من اشترى شيئا بحكم نفسه ولم يذكر الثمن بعينه كان البيع باطلا، فإن هلك في يد المبتاع كان عليه قيمته يوم ابتياعه، إلا أن يحكم على نفسه بأكثر من ذلك فيلزمه ما حكم به دون القيمة، وإن كان الشئ قائما بعينه كان لصاحبه انتزاعه من يد المبتاع، فإن أحدث المبتاع فيه حدثا نقص به ثمنه كان له انتزاعه منه وأرش ما أحدث فيه، فإن كان الحدث يزيد في قيمته وأراد انتزاعه من يده كان عليه أن يرد على المبتاع قيمة الزيادة لحدثه فيه، فإن ابتاعه بحكم البائع فحكم بأقل من قيمته كان ذلك ماضيا ولم يكن له أكثر من ذلك، وإن حكم بأكثر من قيمته لم يكن له أكثر من القيمة في حال البيع، إلا أن يتبرع المبتاع بالتزام ذلك على نفسه، فإن لم

[ 244 ]

يفعل لم يكن عليه شئ (1). وكذا قال المفيد (2)، وابن البراج، وأبو الصلاح (3). وقال سلار: من لم يسم ثمنا بطل بيعه وشراؤه، فإن هلك المبيع في يد من ابتاع ولم يسم الثمن كان عليه قيمته يوم أخذه، فإن كان باقيا فللبائع أخذه، فإن كان قد أحدث فيه حدثا فإن نقصت قيمته فللبائع أرش النقصان، وإن زادت فالارش للمبتاع (4). وهو قريب مما اخترناه. وقال ابن إدريس كما قلناه، إلا في موضعين: أحدهما: إن مع التلف ولا مثل يجب عليه أكثر القيم من وقت القبض إلى وقت التلف كالغصب، والثاني: أن الحدث الذي أثره المشتري إن كان عين ماله كان له أخذه وإن كان فعلا لم يكن له الرجوع على البائع بشئ (5). لنا: على بطلان البيع مع الجهالة الاجماع عليه، والنهي عن الغرر، والحكم غير لازم، إذ ذلك لا يصير ما ليس بثابت في الذمة ثابتا. وأما الموضع الأول من كلام ابن إدريس فسيأتي البحث فيه في باب الغصب، وأما الثاني فلأن المشتري مغرور فله الرجوع على الغار. مسألة: لا خلاف بيننا في أن الثمن إذا كان مجهولا بطل البيع، إلا من ابن الجنيد فإنه قال: لو وقع على مقدار معلوم بينهما والثمن مجهول لأحدهما جاز إذا لم يكن يواجبه كان للمشتري الخيار إذا علم، وذلك كقول الرجل: بعني كر طعام بسعر ما بعت، فأما إن جهلا جميعا قدر الثمن وقت العقد لم يجز وكان البيع

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 145 - 146.
(2) المقنعة: ص 593.
(3) الكافي في الفقه: ص 353.
(4) المراسم: ص 172.
(5) السرائر: ج 2 ص 285 - 286.

[ 245 ]

منفسخا. وإلا من السيد المرتضى في المسائل الناصرية فإنه قال: لا يشترط العلم بقدر رأس مال في السلم إذا كان معلوما بالمشاهدة مضبوطا بالمعاينة (1). وإلا من الشيخ في المبسوط في كتاب الإجارة فإنه قال: إذا باع شيئا بثمن جزاف جاز إذا كان معلوما مشاهدا وإن لم يعلم وزنه، وكذا مال السلم (2). لنا: إنه غرر فيكون منهيا عنه. مسألة: بيع الصبرة باطل، إلا أن يعلما قدرها أو يعلمه أحدهما ويخبر به الآخر حالة العقد، ولو جهلاها وقت العقد أو أحدهما بطل، سواء شاهداها أو لا، وسواء كالاها بعد ذلك أو لا، ذهب إليه علماؤنا أجمع، إلا ابن الجنيد فإنه جوز ذلك. والشيخ قال في المبسوط: إذا قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم صح البيع، لأن الصبرة مشاهدة، ومشاهدة المبيع تغني عن معرفة مقداره، وقد روي أن ما يباع كيلا لا يباع جزافا، وهو الأقوى عندي، ثم فرع على جوازه، وهو يدل على تردده (3). وجزم في الخلاف ببطلانه (4). لنا: إنه غرر، والنبي - صلى الله عليه وآله - نهى عن الغرر (5)، وللاجماع. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (6) والمبسوط (7): إذا قال: بعتك هذه

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية) ص 253 المسألة 175.
(2) المبسوط: ج 3 ص 223.
(3) المبسوط: ج 2 ص 152.
(4) الخلاف: ج 3 ص 163 المسألة 261.
(5) سنن الترمذي: ج 3 ب 17 ص 532.
(6) الخلاف: ج 3 ص 162 المسألة 259.
(7) المبسوط: ج 2 ص 152.

[ 246 ]

الصبرة كل قفيز بدرهم صح البيع، وأطلق. قال في الخلاف: وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يصح، واستدل بقوله تعالى: (وأحل الله البيع) والأصل جوازه، والمنع يحتاج إلى دليل (1). ولم يذكر هل المقدار معلوم أو لا؟ وهل مع جهالة المقدار يصح البيع في الجميع أو في واحد؟ وقال ابن الجنيد: لو وقع التبايع على صبرة بعينها كل كر بشئ معلوم أو مائة كر بكذا وكذا فقبض المشتري البعض ثم زاد السعر أو نقص كان باقي الصبرة وباقي المائة كر للمشتري بالسعر الذي قاطعه عليه وعليه الثمن، وكذا لو لم يكن قبض من السلعة شيئا، وكذا لو دفع إليه مالا واشترى منه كل كر بكذا ولم يشترط جميع الصبرة المحصورة ولا أكرارا معلومة منها ولا من غيرها كان له بقدر ما وزن بسعر يوم اشترى. والتحقيق أن نقول: إن كانت الصبرة معلومة المقدار صح البيع، وإلا احتمل البطلان في الجميع والصحة في قفيز واحد. وأبو حنيفة لم يبطل البيع بالكلية، بل قال: إنه يصح في قفيز واحد ويبطل الزائد (2)، لأن جملة الثمن مجهولة. أما بطلان البيع في الجميع فلأنه مبيع مجهول المقدار والثمن فيه غير معلوم فكان باطلا. وأما صحته في قفيز واحد فلأن بيع كل قفيز يستلزم بيع قفيز ما فيصح، لتعيينه وتعيين ثمنه. وقول الشيخ يقتضي الصحة في الجميع، لأنه نقل كلام أبي حنيفة ولم

(1) الخلاف: ج 3 ص 162 - 163 المسألة 259.
(2) المبسوط للسرخسي: ج 3 ص 5.

[ 247 ]

يرتضه، واختار كلام الشافعي، وقد ثبت صحة الجميع. والحق ما قررناه نحن أولا. مسألة: قد بينا أنه يجب معرفة المقدار من الثمن والمثمن معا إذا كانا مما يكال أو يوزن على الأشهر، ولا يجوز بيع المجازفة وإن شوهد، لأنه غرر. وقال أبو علي بن الجنيد: لا بأس ببيع الجزاف بالجزاف مما اختلف جنساهما، لأن المقتضي - وهو البيع - موجود، والمعارض منتف، لأنه إما مانع الجهالة وهو منتف بالمشاهدة، أو مانع تطرق الربا وهو منتف باختلاف الجنس. والجواب: المانع نفس جهالة المقدار لكونه غررا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز أن يباع اللبن في الضرع، فمن أراد بيع ذلك حلب منه شيئا واشتراه مع ما بقي منه في الضرع في الحال أو مدة من الزمان، وإن جعل معه عرضا آخر كان أحوط (1). وقال المفيد: لا يجوز بيع اللبن من الغنم إلى وقت انقطاعه، لأن ذلك جزاف ومجهول، ولا بأس ببيعه أرطالا مسماة تكون في ضمان البائع حتى يستوفيها المبتاع (2). وقال ابن البراج: لا يجوز بيع اللبن في الضرع، إلا أن يكون معه لبن حاضر، فإن لم يكن معه ذلك لم يجز بيعه. وقال أبو الصلاح: لا يجوز بيع اللبن في ضروع الانعام، ويجوز ذلك أرطالا مسماة (3).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 169 - 171.
(2) المقنعة: ص 609.
(3) الكافي في الفقه: ص 356.

[ 248 ]

وقال ابن حمزة: يجوز بيع اللبن في الضرع إذا حلب بعضه وبيع المحلوب مع ما بقي في الضرع (1)، وهو قول ابن الجنيد. وقال ابن إدريس: لا يجوز ذلك (2)، وهو المعتمد. لنا: إنه بيع مجهول ضم إلى معلوم وكان المجهول أصلا في البيع فلم يصح، لتطرق الجهالة إلى المبيع، إذ انضمام المعلوم إليه لا يصير جملة المبيع معلوما، بل المقصود الذاتي مجهولا فيكون غررا. احتج الشيخ بما رواه سماعة قال: سألته عن اللبن يشترى وهو في الضرع؟ قال: لا إلا أن يحلب إلى سكرجة فيقول: أشتري منك هذا اللبن الذي في السكرجة وما في ضرعها بثمن مسمى، فإن لم يكن في الضرع شئ كان ما في السكرجة (3) والجواب: السند ضعيف، ومع ذلك فإن سماعة لم يسنده إلى إمام، وأيضا يحمل على ما إذا كان المحلوب يقارب الثمن ويصير أصلا والذي في الضرع تابعا. وروى عيص في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل له نعم يبيع ألبانها بغير كيل؟ قال: نعم حتى ينقطع أو شئ منها (4). مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس أن يعطي الانسان الغنم والبقر بالضريبة مدة من الزمان بشئ من الدراهم والدنانير والسمن واعطاء ذلك

(1) الوسيلة: ص 246.
(3) السرائر: ج 2 ص 321.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 123 ح 538، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 2 ج 12 ص 259.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 123 ح 537، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 1 ج 12 ص 259.

[ 249 ]

بالذهب والفضة أجود في الاحتياط (1). وقال ابن إدريس: لا يجوز ذلك (2). والتحقيق: أن هذا ليس ببيع، وإنما هو نوع معاوضة ومراضاة غير لازمة بل سائغة، ولا منع في ذلك. وقد روى الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يكون له الغنم يعطيها بضريبة سمنا شيئا معلوما أو دراهم معلومة من كل شاة كذا وكذا؟ قال: لا بأس بالدراهم، ولست أحب أن يكون بالسمن (3). وهذا نص في الباب. وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل دفع إلى رجل غنمه بسمن ودراهم معلومة لكل شاة كذا وكذا في كل شهر، قال: لا بأس بالدراهم، فأما السمن فلا أحب ذلك، إلا أن تكون حوالب فلا بأس (4). مسألة: اختلف علماؤنا في بيع الصوف على ظهر الغنم مع المشاهدة. فجوزه المفيد (5)، ومنع الشيخ إلا أن يضم إليه غيره (6)، وتبعه أبو الصلاح (7) وابن

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 171 - 172.
(2) السرائر: ج 2 ص 322.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 127 ح 554، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 1 ج 12 ص 260. (4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 127 ح 556، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 4 ج 12 ص 260.
(5) المقنعة: ص 609.
(6) النهاية ونكتها: ج 2 ص 172 - 173.
(7) الكافي في الفقه: ص 356.

[ 250 ]

البراج. والمعتمد الأول، وهو اختيار ابن إدريس (1). لنا: إن المقتضي للبيع موجود والمانع منتف فيثبت الحكم، أما وجود المقتضي فلأنه بيع وقع من أهله في محله، وأما انتفاء المانع فليس المانع إلا الجهالة لا غير وهي منتفية، لأنه مشاهد وهو يرفع الجهالة. لا يقال: إنه موزون ولا يعرف وزنه فكان مجهولا. لأنا نقول: متى يكون موزونا بعد الجز وقبله ممنوع، والبيع إنما وقع حالة الاتصال: وهي حالة انتفاء الوزن كبيع الثمرة على رؤوس النخل فإنه سائغ إجماعا، مع أن الثمرة من الموزونات، ولم يمنع أحد من بيعها جزافا على رؤوس النخل. ولأنه لو لم يجز لكان المانع إنما هو الجهالة، إذ المالية موجودة، والقدرة على التسليم حاصلة، فلم يبق مانع سوى الجهالة، لكن التالي باطل، وإلا لم يجز ضمه إلى ما في بطونها، لأن انضمام المجهول إلى مثله لا يصير الجملة ولا الأجزاء معلومة، لكن قد روى جواز الضم إبراهيم الكرخي قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام - ما تقول في رجل اشترى من رجل أصواف مائة نعجة وما في بطونها من حمل بكذا وكذا درهما؟ قال: لا بأس بذلك إن لم يكن في بطونها حمل كان رأس ماله في الصوف (2). مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز بيع ما في بطون الأنعام والأغنام وغيرهما من الحيوان، فإن أراد بيع ذلك جعل معه شيئا آخر، فإن لم يكن ما في البطون حاصلا كان الثمن في الآخر (3). وتبعه ابن البراج، وابن حمزة (4).

(1) السرائر: ج 2 ص 322.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 123 ح 539، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 1 ج 12 ص 261. (3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 173.
(4) الوسيلة: ص 246.

[ 251 ]

وقال ابن إدريس: البيع باطل لو ضم إليه شيئا آخر (1). والمعتمد أن نقول: إن كان الحمل تابعا صح البيع، كما لو باعه الأم وحملها أو باعه ما يقصد مثله بمثل الثمن وضم الحمل فهذا لا بأس به، وإلا لكان باطلا. لنا: على صحة التقدير الأول: أن المقتضي للصحة ثابت والمانع منتف، أما وجود المقتضي فظاهر، وأما انتفاء المانع فلأنه ليس إلا الجهالة المذكورة في المسألة المتقدمة، لكنها منتفية هنا، إذ جهالة البائع لا تنافي عقد البيع. وعلى البطلان على التقدير الثاني: أن المبيع حينئذ يكون مجهولا فيكون باطلا. ولأن النبي - صلى الله عليه وآله - نهى عن البيع المجر وهو: بيع ما في بطون الأرحام (2). احتج الشيخ بالحديث الذي رواه إبراهيم الكرخي، وقد تقدم في المسألة السابقة. ولأنه يجوز بيعه منضما إلى أمه فيجوز بيع اجتماعه إلى غيرها. والجواب: أن الحديث محمول على ما إذا كانت تابعة، وهو الجواب عن الثاني. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس أن يشتري الانسان أو يتقبل بشئ معلوم، مثل جزية رؤوس أهل الذمة وخراج الأرضين وثمرة الأشجار وما في الاجام من السموك إذا كان قد أدرك شئ من هذه الاجناس وكان البيع في عقد واحد، ولا يجوز بيع ذلك ما لم يدرك منه على حال (3). وقال ابن إدريس: لا يجوز ذلك، لأنه مجهول (4).

(1) السرائر: ج 2 ص 322.
(2) معاني الأخبار: ص 278، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب عقد البيع ح 2 ج 12 ص 262.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 173.
(4) السرائر: ج 2 ص 323.

[ 252 ]

والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على رواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في الرجل يتقبل بجزية رؤوس الرجال وخراج النخل والاجام والطير وهو لا يدري لعله لا يكون من هذا شئ أبدا أو يكون، قال: إذا علم من ذلك شيئا واحدا أنه قد أدرك فاشتراه وتقبل منه (1). والرواية ضعيفة السند ومقطوعة أيضا، مع أنها محمولة على أنه يجوز شراء ما أدرك، ومقتضى اللفظ ذلك من حيث عود الضمير إلى الأقرب، على أنا نقول: أن هذا ليس بيعا في الحقيقة، وإنما هو نوع مراضاة غير لازمة ولا محرمة. مسألة: قال الشيخ، في النهاية: لا بأس أن يشتري الانسان تبن البيدر لكل كر من الطعام تبنه بشئ معلوم وإن لم يكل بعد الطعام (2)، وتبعه ابن حمزة (3). وقال ابن إدريس: لا يجوز ذلك، لأنه مجهول غير معلوم وقت العقد، فصار كالصبرة بشئ معلوم (4). والمعتمد الأول. لنا: إنه مشاهد فيصح بيعه، لانتفاء الغرر فيه. وما رواه زرارة في الصحيح قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن رجل اشترى تبن بيدر قبل أن يداس تبن كل بيدر بشئ معلوم يأخذ التبن ويبيعه قبل أن يكال الطعام، قال: لا بأس (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 124 ح 544، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 4 ج 12 ص 264.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 174.
(3) الوسيلة: ص 246.
(4) السرائر: ج 2 ص 323.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 125 ح 547، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 1 ج 12 ص 267.

[ 253 ]

والجهالة ممنوعة، إذ من عادة الزراعة قد يعلم مقدار ما يخرج من الكر غالبا، ولا يشترط الاحاطة بجميع المبيع بحيث تنتفي الجهالة عن. كل أحواله، بل يبني في ذلك على المتعارف. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا اشترى إنسان من غيره شيئا من القصب أطنانا معروفة ولم يتسلمها غير أنه شاهدها فهلك القصب قبل أن يقبض كان من مال البائع دون المبتاع، لأن الذي اشترى منه في ذمته (1). قال ابن إدريس: هذا البيع ما هو في الذمة، بل بيع عين مرئية مشاهدة فكيف يكون في الذمة؟ وأيضا لو كان في الذمة طالبه بعوضه وبدله. وقوله - رحمه الله -: (كان من مال البائع) صحيح إن لم يمكن البائع المبتاع من قبضه، فإن مكنه من قبضه ولم يقبضه وهلك كان من مال المبتاع (2). ولست أرى بينهما نزاعا طائلا، فإن المبيع مضمون على البائع حتى يقبضه المشتري، وهو معنى قوله: (لأن الذي اشترى منه في ذمته) ولا يريد الشيخ إن القصب في الذمة. وقد روى بريد بن معاوية العجلي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طن قصب في أنبار بعضه على بعض من أجمة واحدة، والأنبار فيه ثلاثون ألف طن فقال له البائع: قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طن فقال المشتري: قد قبلت واشتريت ورضيت، فأعطاه من ثمنه ألف درهم ووكل المشتري من يقبضه، فأصبحوا وقد وقع النار في القصب فاحترق منه عشرون ألف طن وبقي عشرة آلاف طن، فقال: عشرة آلاف طن التي بقيت هي للمشتري، والعشرون التي

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 175 - 176.
(2) السرائر: ج 2 ص 324.

[ 254 ]

احترقت هي من مال البائع (1). وهذه الرواية محمولة على ما إذا كانت الأطنان متساوية. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز بيع ما في الاجام من المسك، لأن ذلك مجهول، فإن كان فيها شئ من القصب فاشتراه واشترى معه ما فيها من السموك لم يكن به بأس، وكذلك إن أخذ شيئا من السمك وباعه إياه مع ما في الاجمة كان البيع ماضيا (2). وتبعه ابن البراج، وابن حمزة (3). وقال الشيخ في المبسوط: السمك في الماء الطير في الهواء لا يجوز بيعه إجماعا، وقد روى أصحابنا أنه يجوز بيع قصب الاجام مع ما فيها من السمك (4). وقال ابن إدريس: الاحتياط عندي ترك العمل بهذه الرواية، فإنها من شواذ الأخبار، لأن المعلوم إذا أضيف إلى المجهول والمجهول إذا أضيف إلى المعلوم صير ذلك المعلوم مجهولا، وهذه كلها أخبار آحاد يوردونها في أبواب الغرر، فلا تترك الأصول ويرجع إليها، بل لا يعرج عليها (5). والتحقيق أن نقول: المضاف إلى السمك إن كان هو المقصود بالبيع ويكون السمك تابعا له صح البيع، وإلا فلا. والشيخ - رحمه الله - عول في هذا الباب على حديثين ضعيفين: أحدهما: رواه معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال:

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 126 ح 549، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 1 ج 12 ص 272.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 176 - 177.
(3) الوسيلة: ص 246.
(4) المبسوط: ج 2 ص 157.
(5) السرائر: ج 2 ص 324.

[ 255 ]

لا بأس بأن يشتري الانسان الاجام إذا كان فيها قصب (1). وفي طريقه الحسن بن محمد بن سماعة، وهو ضعيف، ومع ذلك فإنا نقول بموجبه، ويحمل البيع على القصب المشاهد. الثاني: رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - في شراء الاجمة ليست فيها قصب، قال: إنما هي ماء، قال: يصيد كفا من سمك يقول: أشتري منك هذا السمك وما في هذه الاجمة بكذا وكذا (2). والراوي الحسن بن محمد بن سماعة، وهو ضعيف، وفي السند إرسال ضعيف لذلك أيضا. مسألة: بيع العنب على من يجعله خمرا والخشب على من يجعله صنما قال بعض، أصحابنا: إنه مكروه، وإن بيع على شرط جعله كذلك كان حراما، هذا هو الأشهر. والتحقيق أن نقول: إن باعه على من يعلم أنه يجعله كذلك كان حراما وإن لم يشترطه وإن لم يعلم ذلك كان جائزا، وأما إذا شرطه جعله كذلك فإنه حرام. وابن إدريس قال: لا بأس ببيع الخشب على من يتخذه ملاهي، والعنب ممن يجعله خمرا فإنه مكروه، ويكون الإثم على من يجعله كذلك، فأما إن شرط البائع على المبتاع أن يجعله خمرا وعقدا على ذلك شرطا وقرناه بالعقد كان حراما. قال: وقال شيخنا في المبسوط: بيع العصير ممن يجعله خمرا مطلقا مكروه

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 126 ح 550، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 5 ج 12 ص 264.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 126 ح 551، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 6 ج 12 ص 264.

[ 256 ]

وليس بفاسد، وبيعه لمن يعلم أنه يجعله خمرا حرام ولا يبطل البيع، لما روي عنه - عليه السلام - أنه لعن الخمر وبائعها وشاربها، وكذا الحكم في من يبيع شيئا يعصى الله به من قتل مؤمن أو قطع طريق. قال: وهذا الذي يقوى عندي، لأن العقد لا دليل على بطلانه، لقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) وليس انضمام هذا الشرط الفاسد الباطل إليه مما يفسده، بل يبطل الشرط ويصح العقد (1). لنا: أن ذلك مساعدة على فعل الحرام وإعانة عليه فيكون محرما. وما رواه عمر بن أذينة في الحسن قال: كتبت إلى أبي عبد الله - عليه السلام - أسأله عن رجل له خشب فباعه على من يتخذ منه برابط، فقال: لا بأس به. وعن رجل له خشب فباعه ممن يتخذ منه صلبانا، فقال: لا (2). وعن عمرو بن حريث قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن التوت أبيعه يصنع للصليب والصنم؟ قال: لا (3). وما رواه صابر قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يواجر بيته يباع فيه الخمر، قال: حرام أجره (4). وقول أبن إدريس ليس بجيد، وسيأتي بيان أن الشرط إذا بطل يبطل البيع المشروط، وهذه المسألة قد سبقت. مسألة: قال الشيخ في النهاية في باب بيع الغرر: يكره استعمال الصور

(1) السرائر: ج 2 ص 327 - 328.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 134 ح 590، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 127.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 134 ح 591، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 127.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 134 ح 593، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 125.

[ 257 ]

وشراء ما عليه التماثيل، ولا بأس باستعماله في الفرش وما يوطأ بالارجل (1). وحرم في باب المكاسب عمل التماثيل المجسمة والصور (2). وقال ابن البراج في كتاب الكامل في باب الغرر: يكره بيع ما عليه تماثيل واستعمال الصور أيضا وإن كان في الفرش وما يداس بالارجل، وتجنب ذلك أفضل. مع أنه حرم في كتاب المكاسب التماثيل المجسمة وغيرها. وقال ابن إدريس في باب الغرر: يكره استعمال الصور والتماثيل التي هي على صور الحيوان، وأما صور الأشجار وغيرها مما لا تكون على صور الحيوانات فلا بأس به، وقد روي أنه لا كراهة في ذلك إذا استعمله مستعمله في الفرش وما يوطأ بالارجل (3). وقال في باب المكاسب: يحرم سائر التماثيل والصور ذات الارواح مجسمة كانت أو غير مجسمة (4). والحق التحريم في صور الحيوان، وقد تقدم البحث في ذلك. مسألة: قال الشيخ في النهاية: المجوسي إذا كان عليه دين جاز أن يتولى بيع الخمر والخنزير وغيرهما مما لا يحل للمسلم أن يتملكه غيره ممن ليس بمسلم ويقضي بذلك دينه، ولا يجوز له أن يتولاه بنفسه، ولا أن يتولى عنه غيره من المسلمين (5). ومنع ابن إدريس (6) من ذلك، وكذا ابن البراج منع منه أيضا، وهو المعتمد.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 182.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 97.
(3) السرائر: ج 2 ص 328.
(4) السرائر: ج 2 ص 215.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 182.
(6) السرائر: ج 2 ص 329.

[ 258 ]

لنا: أنه كما يحرم على المسلم بيع الخمر مباشرة كذا يحرم بيعه عليه تسبيبا. والشيخ عول في ذلك على رواية يونس في مجوسي باع خمرا أو خنزيرا إلى أجل ثم أسلم قبل أن يحل المال، قال: له دراهمه. وقال: إن أسلم رجل وله خمر وخنازير ثم مات وهي في ملكه وعليه دين، قال: يبيع ديانه أو ولي له غير مسلم خنازيره وخمره فيقضي دينه، وليس له أن يبيعه وهو حي ولا يمسكه (1). وهذه الرواية غير مسندة إلى إمام، ومع ذلك فإنها وردت في صورة خاصة: وهي ما إذا مات المديون وخلف ورثة، فيحمل أن يكون الورثة كفارا والخمر لهم بيعه وقضاء دين الميت منه، ولهذا حرم بيعه في حياته وامساكه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من غصب غيره مالا واشترى به جارية كان الفرج له حلالا وعليه وزر المال، ولا يجوز له أن يحج به، فإن حج لم يجزئه عن حجة الاسلام (2). وقال ابن إدريس: إن كان الشراء بالعين بطل ولم يجز الوطئ، وإن كان قد وقع في الذمة صح البيع وحل الوطئ، والشيخ قد رجع عما ذكره في النهاية في المسائل الحائرية، حيث سأله السائل عمن اشترى ضيعة أو خادما بمال أخذه من قطع الطريق أو من سرقة هل له ما يدخل عليه من ثمرة هذه الضيعة أو يحل له أن يطأ هذا الفرج الذي قد اشتراه بمال من سرقة أو قطع طريق؟ وهل يجوز لأحد أن يشتري من هذه الضيعة وهذا الخادم وقد علم أنه اشتراه بمال حرام؟ وهل يحل للمشتري الضيعة والخادم؟ فأجاب الشيخ: إن كان

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 138 ح 612، وسائل الشيعة: ب 57 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 167.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 182 - 184.

[ 259 ]

الشراء وقع بعين ذلك المال كان باطلا، ولم يصح جميع ذلك، وإن كان الشراء قد وقع بمال في ذمته كان الشراء صحيحا، وقبضه ذلك المال فاسدا، وحل له وطئ الجارية وغلة الأرض والشجر، لأن ثمن الأصل في ذمته، وهذا جواب الشيخ هو الحق. قال: فأما الحج بهذا المال فإن كانت حجة الاسلام لم يجب عليه قبل ذلك ولا استقرت في ذمته ثم حج بهذا المال الحرام ووجد بعد ذلك القدرة على الحج بالمال الحلال وحصلت له شرائط وجوب الحج فإن حجته الأولى بالمال الحرام لم تجزئه والواجب عليه الحج ثانيا، وإن كان الحج قد وجب عليه واستقر في ذمته قبل غصب المال ثم حج بذلك المال فالحجة مجزئة عنه، لأنه قد حصل بالمواضع وفعل أفعال الحج بنفسه إلا الهدي إن كان قد اشتراه بعين المال المغصوب فلا يجزئه عن هديه الواجب عليه، ووجب عليه شراء هدي أو الصوم بدلا منه، إلا أنه لا يفسد عليه حجه، لأن الهدي ليس بركن (1). أقول: كلام الشيخ في النهاية يحتمل أمرين: أحدهما: ما ذكره في جواب المسائل الحائرية: (من أن الشراء بالمال أعم من أن يكون بالعين أو في الذمة) وإن كان الأول هو الظاهر، لكن يمكن العدول عن الظاهر للعلم به. والثاني: أن يكون البائع عالما بأن المال غصب فإن المشتري حينئذ يستبيح وطئ الجارية وعليه وزر المال وإن كان الشراء وقع بالعين. وأما الحج فمراد الشيخ أنه حج حجة الاسلام بذلك المال، من غير أن يسبق وجوبها عملا بالأصل، ولو كان قد سبق الوجوب احتمل عدم الإجزاء أيضا، لأنه لا يجوز له أداء المناسك قبل دفع المال إلى مالكه، فالزمان الذي

(1) السرائر: ج 2 ص 329 - 331.

[ 260 ]

صرفه في الحج قد كان يجب فيه صرف المال إلى ربه فيكون الحج حينئذ باطلا إذا لم يمكن الجمع بين الحج ودفع المال. مسألة: قال الشيخان: كل شئ من المطعوم والمشروب يمكن الانسان اختباره من غير إفساد له - كالادهان الطيبة المستخبرة بالشم وصنوف الطيب والحلاوات والحموضات - فإنه لا يجوز بيعه بغير اختبار له، فإن بيع من غير اختبار له كان البيع غير صحيح والمتبايعان بالخيار، فإن تراضيا بذلك لم يكن به بأس (1). وقال سلار: ما يختبر بالذوق أو الشم إذا لم يفسده الاختبار، إذا بيع من غير اختبار لم ينعقد البيع (2). وقال أبو الصلاح: من شرط صحة بيع الحاضر اختبار ما يصح اختباره بشم أو ذوق أو مشاهدة (3). وقال بن البراج: لا يجوز بيعه إلا بعد أن يختبر، فإن بيع شئ منه من غير الاختبار له كان المشتري مخيرا في رده على البائع. وقال ابن حمزة: كل ما أمكن اختباره من غير إفساده لم يصح بيعه من غير اختبار (4). وقال ابن إدريس: قد روي أنه لا يجوز بيعه بغير اختبار، فإن بيع من غير اختبار له كان البيع غير صحيح، والمتبايعان فيه بالخيار، فإن تراضيا بذلك لم يكن به بأس. قال: وهذه الرواية يمكن العمل بها على بعض الوجوه، وهو أن البائع لم يصفه، فإذا لم يصفه يكون البيع غير صحيح، لأنه ما يعرف

(1) المقنعة: ص 609، النهاية ونكتها: ج 2 ص 184.
(2) المراسم: ص 180.
(3) الكافي في الفقه: ص 354.
(4) الوسيلة: ص 246.

[ 261 ]

بمشاهدة طعمه فلا بد من وصفه، فأما إذا وصفه فالبيع صحيح ويعتبر فيه ما اعتبرناه في بيع خيار الرؤية، لأنه لا يمكن معرفته إلا بالطعم، فإن وجد طعمه أو ريحه كما وصف البائع له فلا خيار له، وإن وجده بخلاف وصف بائعه كان بالخيار، ولا دليل على بطلان هذا العقد. ثم قال: ويمكن أن يقال: إن بيع العين المشاهدة المرئية لا يجوز أن يكون موصوفا، لأنه غير غائب فيباع بيع خيار الرؤية بالوصف، فإذا لا بد من شمه وذوقه، لأنه حاضر مشاهد غير غائب فيحتاج إلى الوصف، فهذا وجه قوي (1). والمعتمد أن نقول: البيع صحيح، سواء وصفه البائع أو لا، لكن إن كان صحيحا لزم البيع، وإن خرج معيبا كان للمشتري الخيار بين الرد والأرش كما في غيره من المبيعات، لأنه مشاهد فجاز بيعه وإن لم يختبره، وما حمله عليه ليس بجيد، بل الأولى أن يقال: معنى كونه غير صحيح كونه غير لازم، لأنه قد يؤدي إلى الفساد، بأن يظهر على خلاف الصحة فيفسخه المشتري. ويؤيده جعل الخيار للمشتري، ولو كان باطلا في أصله لم يكن للمشتري خيار، بل كان باقيا على ملك البائع ثم يقومه ما حصل له في غاية الضعف، وأي فرق بين حضور العين وغيبتها، بل إذا جاز الوصف مع الغيبة فمع الحضور أولى، لزيادة العلم بالعين مع الحضور على العلم بها مع الغيبة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ما لا يمكن اختباره إلا بإفساده واهلاكه كالبيض والبطيخ والقثاء والباذنجان وأشباه ذلك فابتياعه جائز على شرط الصحة أو البراءة من العيوب، فإن وجد فيه فاسد كان للمبتاع ما بين قيمته صحيحا ومعيبا، وإن شاء رد الجميع واسترجع الثمن وليس له رد المعيب دون ما سواه (2).

(1) السرائر: ج 2 ص 331.
(2) النهاية ونكتها: ص 184 - 185.

[ 262 ]

وقال ابن إدريس: إذا كسره لم يكن له الرد بل له الأرش خاصة، إلا أن تكون مكسورة لا قيمة له فيكون البيع باطلا (1). ولا خلاف بينهما، فإن الشيخ - رحمه الله - لم يذكر التصرف، وإنما قال: (فإن وجد فيه فاسد كان للمشتري الرد) والوجدان لا يستلزم التصرف فيه، فقد يتصرف البائع ويكسره فيظهر فساده بعد البيع. مسألة: المشهور إن الأعمى كذلك. قال الشيخان: إذا ابتاع الأعمى شيئا بشرط الصحة وكان معيبا كان له الخيار في رده أو أرش العيب، إلا أن يكون قد تصرف فيه (2). وقال سلار: ما يفسده الاختبار كالبيض والبطيخ والقثاء وما شاكل ذلك فيصح شراؤه بشرط الصحة، فإن خرج غير صحيح فله عليه أرشه لا رده، اللهم إلا أن يشتريه أعمى فإنه يكون له أرشه أو رده (3). وليس بجيد. لنا: إنه قد تصرف فيسقط رده عملا بالعموم المقتضي لبطلان الرد مع التصرف. مسألة: قد اختلف عبارة علمائنا هنا، فقال المفيد: مما لا يمكن اختباره إلا بإفساده كالبيض الذي لا يعرف جيده من رديئه إلا بعد كسره فابتياعه جائز بشرط الصحة، فإن وجد فيه فاسد كان للمبتاع ما بين قيمته صحيحا ومعيبا (4)، وكذا قال سلار (5).

(1) السرائر: ج 2 ص 332.
(2) المقنعة: ص 610، النهاية ونكتها: ج 2 ص 185.
(3) المراسم: ص 180.
(4) المقنعة: ص 609 - 610.
(5) المراسم: ص 180.

[ 263 ]

وقال الشيخ: ابتياعه جائز على شرط الصحة أو البراءة من العيوب (1). وكذا أبو الصلاح (2)، وابن حمزة (3). وقال ابن البراج: وأما ما لا يمكن اختباره إلا بإفساده فلا يجوز بيعه إلا بشرط الصحة أو البراءة من العيوب، فإن باع بخلاف ذلك لم يكن البيع صحيحا. وهذه العبارة توهم اشتراط أحد القيدين في العقد، إما الصحة أو التبري من العيوب، وليس بجيد، بل الأولى انعقاد البيع، سواء شرط أحدهما أو أخلاه عنهما أو شرط العيب. والظاهر أنه إنما صار إلى هذا لإبهام عبارة الشيخين حيث قالا: (إنه جائز على شرط الصحة أو بشرط الصحة) ومقصودهما: إن البيع بشرط الصحة أو على شرط الصحة جائز، لأن جوازه مشروط بالصحة أو البراءة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا ابتاع أرضا وغرس فيها واستحقت فللمستحق قلع الغرس ويرجع المبتاع على البائع بقيمة ما ذهب منه، فإن كان ما غرسه قد أثمر كان ذلك لرب الأرض وعليه للغارس ما أنفقه وأجرة مثله في عمله (4). وكذا قال المفيد، وابن البراج. وقال ابن حمزة: إذا ابتاع أرضا وغرس فيها ثم استحقت ولم يثمر الغرس كان المستحق مخيرا بين أن يقلع ويأخذ أرش ما فسد، وبين أن يأخذ لنفسه ويرد أجرة المثل وما أنفق فيه عليه، وللغارس الرجوع على البائع

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 185.
(2) الكافي في الفقه: ص 354.
(3) الوسيلة: ص 246 - 247. (4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 186 - 187 (5) المقنعة: ص 611 - 612.

[ 264 ]

إن لم يعلم بذلك. وإن أثمر الغرس كان له الأرض بما فيها ويرد عليه ما أنفقه مع أجرة العمل (1). وقال ابن إدريس: في أورده شيخنا في نهايته غير واضح ولا مستقيم، لأنه مناف لأصول المذهب ولما عليه كافة المسلمين، لأن الغراس ملك للغارس فكيف يستحقها رب الأرض؟ ومن أي وجه صارت له، وأي دليل دل على ذلك؟ بل الثمرة لصاحب الغرس، فلا يرجع في ذلك إلى سواد مسطور أو خبر واحد من أضعف أخبار الاحاد إن كان قد ورد، وتترك الأدلة القاهرة والأصول الممهدة من أدلة العقل والسمع. قال: ولقد شاهدت جماعة من أصحابنا الذين عاصرتهم يخبطون في ذلك خبط عشواء، وكل منهم يقول قولا غير محصل (2). وقول ابن إدريس جيد، والغرس لمالكه، وكذا الثمرة له وعليه الأجرة لمالك الأرض، فإن قصد الشيخ أن الغرس لمالك الأرض فليس بجيد، وإن قصد أن الثمرة له فكذلك، إلا أنه محتمل على ضعف، من حيث إن الثمرة ليست نماء الغرس خاصة، بل بمشاركة من الأرض. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لا يجوز أن يبيع عينا لا يملكها ثم يشتريها ويسلمها إلى المشتري (3). وقال أبو الصلاح: يصح بيع ما ليس عند البائع، ويلزم بعد مضي العقد اخضاره (4). ويمكن الجمع بينهما بأن يحمل قول أبي الصلاح على بيع جنس مطلق

(1) الوسيلة: ص 247.
(2) السرائر: ج 2 ص 333 - 334.
(3) المبسوط: ج 2 ص 156.
(4) الكافي في الفقه: ص 359.

[ 265 ]

غير مشخص، كحنطة ضريبة مثلا أو ثوب صفته كذا لا على عين مشخصة مملوكة للغير. وقول الشيخ بالمنع على الثاني دون الأول. مسألة: المشهور أنه يجوز بيع الثوب منشورا وإن لم يذرع إذا كان طوله مشاهدا وإن لم يعرف ذرعه، ذكره ابن إدريس (1) أيضا. وقال أبو الصلاح: من شرط صحة بيع الحاضر [ اعتبار حال ما يمكن اعتباره ] ومعرفة مقداره بكيل أو وزن أو ذرع (2). وقال الشيخ في الخلاف في باب السلم: لا يكفي النظر إلى رأس مال السلم إلا بعد العلم بمقداره، سواء كان مكيلا أو موزونا أو مذروعا، ولا يجوز جزافا (3)، وهو يعطي وجوب ذكر الذرع في المذروع. لنا: إنه بيع صدر من أهله في محله فكان سائغا، لوجود المقتضي السالم عن المعارض الذي هو الجهالة، إذ لا معارض سواه، عملا بأصالة العدم وانتفاء الجهالة باعتبار مشاهدته. احتج بأنه غير معلوم القدر، فلا يصح بيعه قبل علم مقداره بالكيل والوزن. والجواب: المنع من مساواة الذرع للكيل أو الوزن. مسألة: قال في المبسوط: إذا قال: بعتك هذا العبد بألف على أن تبيعني دارك هذه بألف لم يصح، لأنه لا يلزمه بيع داره، ولا يجوز أن يثبت في ذمته، لأن السلف في بيع الدار لا يصح (4).

(1) السرائر: ج 2 ص 327.
(2) الكافي في الفقه: ص 354.
(3) الخلاف: ج 3 ص 198 المسألة 4.
(4) المبسوط: ج 2 ص 159.

[ 266 ]

وجعل ذلك أحد التفسيرين، لنهي النبي - صلى الله عليه وآله - عن بيعتين في بيعة (1)، وتبعه ابن إدريس (2) على ذلك. والحق الجواز. لنا: إنه بيع يضمن شرطا سائغا فكان لازما، ونمنع توجه النهي إلى ذلك، بل المراد البيع بثمن حالا وبأزيد مؤجلا، ولا خلاف أن الشرط السائغ إذا تضمنه عقد البيع فإن البيع والشرط صحيحان ولا سلم هنا. مسألة: إذا باع ما في الاعدال المختومة والجرب المشدودة افتقر إلى وصف يرفع الجهالة، فإن وجدها المشتري على الوصف لزم البيع، وإن لم يجدها عليه قال المفيد: كان البيع باطلا (3)، وكذا قال سلار (4)، وأبو الصلاح (5). وقال الشيخ: يكون مردودا (6). والتحقيق أنه يكون المشتري بالخيار إن كان ناقصا عن الوصف وكان من الجنس، وإن كان الوصف أجود وجب عليه القبول وكان للبائع الخيار إن لم يكن شاهده أولا، وإن كان من غير الجنس بطل البيع. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (7) والخلاف (8): إذا قال: هذه الدار مائة ذراع بعتك عشرة أذرع منها صح. وتبعه ابن البراج، وابن إدريس (9)،

(1) الموطأ: ج 2 ص 663 ح 72.
(2) السرائر: ج 2 ص 337.
(3) المقنعة: ص 609.
(4) المراسم: ص 180.
(5) الكافي في الفقه: 354. (6) النهاية ونكتها: ج 2 ص 154.
(7) المبسوط: ج 2 ص 153.
(8) الخلاف: ج 3 ص 164 المسألة 264.
(9) لم نعثر على نص العبارة في السرائر كما في مفتاح الكرامة (ج 4 ص 272) حيث قال: فيما نقل.

[ 267 ]

لأنه عشر الدار. والتحقيق أن نقول: إن قصد الاشاعة صح البيع، وإلا كان باطلا، لأنه يكون مجهولا، إذ الذرع إشارة إلى بقعة من الأرض، فإذا لم يعين بطل. مسألة: لو قال: بعتك عشرة أذرع من ها هنا إلى حيث ينتهي الذرع قال الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2): يصح. وتبعه ابن البراج، وابن إدريس (3). والأولى عندي البطلان، لأن الذرع مختلف، والموضع الذي ينتهي إليه الذرع لا يعلم حال العقد فكان مجهولا فكان باطلا. احتج الشيخ بأنه باعه جزء معلوما من موضع معين فكان صحيحا (4). والجواب: المنع من كونه معلوما. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا اشترى الانسان من غيره (جربانا) معلومة من الأرض ووزن الثمن ثم مسح الأرض فنقص عن المقدار الذي اشتراه كان بالخيار بين أن يرد الأرض ويسترجع الثمن بالكلية، وبين أن يطالب برد ما نقص من الأرض، وإن كان للبائع أرض بجنب تلك الأرض وجب عليه أن يوفيه تمام ما باعه إياه (5). وقال في المبسوط: يتخير المشتري بين فسخ البيع وبين إجازته بجميع الثمن، لأن العقد وقع عليه (6). وتبعه ابن البراج.

(1) الخلاف: ج 3 ص 164 المسألة 265.
(2) المبسوط: ج 2 ص 154.
(3) لم نعثر على نص العبارة في السرائر.
(4) الخلاف: ج 3 ص 164 المسألة 265.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 221.
(6) المبسوط: ج 2 ص 154.

[ 268 ]

وابن إدريس تبع قول الشيخ في النهاية، إلا في قوله: (إن كان للبائع أرض بجنب تلك الأرض وجب عليه أن يوفيه تمام ما باعه منها) فإنه منع من ذلك (1). احتج الشيخ على قوله في النهاية بما رواه عمر بن حنظلة، عن الصادق - عليه السلام - في رجل باع أرضا على أن فيها عشرة أجربة فاشترى المشتري منه بحدوده ونقد الثمن ووقع صفقة البيع وافترقا فلما مسح الأرض فإذا هي خمسة أجربة، قال: إن شاء استرجع ماله وأخذ الأرض، وإن شاء رد البيع وأخذ ماله كله، إلا أن يكون إلى جنب تلك الأرض له أيضا أرضون فليوفه ويكون البيع لازما له وعليه الوفاء بتمام البيع، فإن لم يكن له في ذلك المكان غير الذي باع فإن شاء المشتري أخذ الأرض واسترجع فضل ماله، وإن شاء رد الأرض وأخذ المال كله (2). وفي طريق هذه الرواية من لا يحضرني الان حاله، فالتخطي إلى الأرض المجاورة ممنوع. بقي الاشكال فيما لو أراد المشتري أخذ الأرض هل يأخذ بالثمن أجمع أو يقسطه؟ الأقرب الثاني، لأنه وجده ناقصا في المقدار فكان له أخذه بقسطه من الثمن، كما لو اشترى الصبرة على أنها عشرة أقفزة فبانت تسعة، وكذا المعيب له إمساكه وأخذ أرشه. احتج الشيخ بأنه اشترى بجميع الثمن، فله الخيار بين الامضاء بالجميع والفسخ.

(1) السرائر: ج 2 ص 375.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 153 ح 675، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب الخيار ح 1 ج 12 ص 361.

[ 269 ]

الجواب: هذا مبني على أن المعيب ليس لمشتريه، إلا الفسخ أو الامساك لجميع الثمن، وهو قول الشافعية (1)، ولا يجئ على مذهبنا، وإن كان قول الشيخ لا يخلو من قوة، لأن المشتري إنما اشترى هذه القطعة بالثمن وشرط له البائع قدرا معينا، فإذا نقص ثبت له الخيار، أما نقص الثمن فلا. إذا تقرر هذا فعلى ما اخترناه من أنه يرجع المشتري بالقسط من الثمن لو اختار ذلك هل يثبت للبائع خيار الفسخ؟ يحتمل ذلك من حيث إنه إنما رضي ببيعها بالثمن أجمع، فإذا لم يصل إليه كان له الفسخ، فإن بذل له المشتري جميع الثمن لم يملك الفسخ، لوصول ما رضيه إليه. مسألة: لو باعه أرضا على أنها عشرة أجربة فظهرت أحد عشر جريبا قال في المبسوط: قيل فيه وجهان: أحدهما: أن يكون للبائع الخيار بين الفسخ وبين الاجازة بجميع الثمن، وهو الأظهر. والثاني: أن البيع باطل، لأنه لا يجبر على ذلك (2). وقال ابن إدريس: للمشتري الخيار بين الرد واسترجاع الثمن وبين إمساك المبيع، ويكون شريكا للبائع. ثم قال: ولي في هذه المسألة نظر وتأمل (3). وقال ابن البراج: يكون للبائع الخيار بين إمضاء البيع بجميع الثمن وبين الفسخ. وقال ابن حمزة: للبائع الخيار بين الفسخ والامضاء، ويكون شريكا له بقدر الزيادة (4).

(1) الشرح الكبير (المغني): ج 4 ص 87.
(2) المبسوط: ج 2 ص 154.
(3) السرائر: ج 2 ص 377.
(4) الوسيلة: ص 257.

[ 270 ]

والأقرب أن نقول: يتخير البائع بين تسليم المبيع زائدا وبين تسليم العشرة، فإن رضي بتسليم المبيع فلا خيار للمشتري، لأنه زاده خيرا، وإن امتنع من تسليمه زائدا فللمشتري الخيار بين الفسخ والأخذ بجميع الثمن المسمى وقسط الزائد، فإن رضي بالأخذ أخذ العشرة والبائع شريك له بالزائد، وهل للبائع خيار الفسخ؟ يحتمل ذلك، لتضرره بالمشاركة، والثاني: لا خيار له، لأنه رضي ببيع الجميع بهذا الثمن، فإذا وصل إليه الثمن في البعض كان أولى. ولأن الضرر حصل بتغريره وإخباره بالكذب فلا يتسلط به على الفسخ. ووجه البطلان أنه لا يمكن إجبار البائع على تسليم الزيادة وإنما باع عشرة، ولا المشتري على أخذ البعض وإنما اشترى الكل وعليه ضرر في الشركة أيضا. والأقرب الصحة، لأن ذلك نقص على المشتري، فلا يمنع صحة البيع كالعيب. مسألة: لو كان المبيع متساوي الأجزاء كالصبرة من الطعام قال الشيخ: يتخير المشتري لو نقصت عما أخبره به البائع بين أخذها بحصتها من الثمن وبين فسخ البيع، وإن كانت أكثر أخذ القدر الذي عينه البائع بالثمن ويترك الزيادة، بخلاف الأرض والثوب، لأن الثمن هنا يقسم على أجزاء الطعام لتساوي قيمتها، وليس كذلك الثوب والخشب والأرض، فإن أجزاءها مختلفة القيمة، فلا يمكن قسمة الثمن على الأجزاء، لأنه لا يعلم أن الناقص من الذراع لو وجدكم كانت قيمته، فإذا كان كذلك خير البائع في الزيادة بجميع الثمن وخير المشتري قي النقصان بجميع الثمن، ولهذا قلنا: لو باع ذراعا من خشب أو دار أو ثوب غير معين لم يجز، ولو باع قفيزا من صبرة صح (1). وقد تقدم البحث في ذلك.

(1) المبسوط: ج 2 ص 155.

[ 271 ]

الفصل الخامس عشر في ما يدخل في المبيع مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا باع أرضا فيها زرع يبقى عروقه ويجز مرة بعد مرة فإن كان مجزوزا فهو للمشتري، وإن لم يكن مجزوزا وكان ظاهرا فالجزة الأولى للبائع والباقي للمشتري، لأنه نبت في ملكه (1) وتبعه ابن البراج في المهذب (2) على ذلك. والمعتمد إن الزرع للبائع وعليه قلعه، ثم إن أفسد الأرض ولم يكن المشتري عالما به كان له الفسخ، وإلا فلا. لنا: إن العقد تناول الأرض والزرع، وليس جزء من المسمى ولا نفسه، فلا مدخل له في البيع. ولأن الأصل بقاء ملك البائع عليه، ولم يوجد المنافي، فلا يخرج عنه. لا يقال: المنافي موجود: وهو بيع الأرض المستلزم له. لأنا نقول: لا منافاة بينهما، وإلا امتنع بعتك هذه الأرض دون زرعها. مسألة: قال في المبسوط: القطن ضربان: منه ما له أصل ثابت يبقى سنين كثيرة يحمل كل سنة، كالنخل يكون ذلك بالبصرة والحجاز. ومنه ما

(1) المبسوط: ج 2 ص 103.
(2) المهذب: ج 1 ص 376.

[ 272 ]

لا أصل له ثابت، كما في بغداد وخراسان وسائر البلاد، فإذا بيعت الأرض وفيها هذا القطن - أعني الثاني - فإن كان القطن زرعا أو جوزا لم يشتد فإنه للبائع، إلا أن يشترطه المشتري فيكون له، وأن كان قد تشقق وظهر القطن فهو للبائع أيضا، إلا أن يشترطه المشتري فيكون له، وإن كان قد قوي جوزه واشتد ولم يظهر القطن كان أيضا للبائع والأرض للمشتري، فإن شرط المشتري أن يكون القطن له لم يصح شرطه، لأن القطن مقصود وهو معيب، فلا يصح شراؤه، فيبطل البيع فيه ولا يبطل في الأرض. وهكذا إذا باع أرضا وفيها حنطة قد أخرجت السنابل واشتدت وشرط السنابل للمشتري فإن البيع في السنابل يبطل ولا يبطل في ما عداها من الأرض (1). وتبعه ابن البراج (2) على ذلك. وليس بجيد، بل الحق أنه إذا شرطه المشتري كان له، سواء ظهر القطن أو لا. وكذا الحنطة في السنابل، لوجود المقتضي، وهو صحة العقد مع الشرط. احتج الشيخ بأنه مجهول فلا يصح اشتراطه. والجواب: منع الجهالة. سلمنا، لكن على هذا التقدير يبطل البيع، لأن انضمام المجهول إلى المعلوم إما أن يبطل البيع أو لا، وعلى التقدير الأول يبطل البيع في الموضعين، وعلى التقدير الثاني يصح في الموضعين، فصحة البيع في الأرض دون القطن لا وجه له ألبتة. والشيخ بعد ذلك قال في المبسوط: يجوز بيع الحنطة في كمامها (3)،

(1) المبسوط: ج 2 ص 102.
(2) المهذب: ج 1 ص 375.
(3) المبسوط: ج 2 ص 108.

[ 273 ]

وكذا في الخلاف (1)، بل قال فيهما أبلغ من ذلك وهو: بيع الأرض مع البذر المودع فيها (2)، وهو أكثر جهالة من السنبل الظاهر. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا باع ثمرة ظاهرة ولم يلقطه المشتري حتى امتزج بغيره فإن تميز فلا بحث، وإن لم يتميز فسخ البيع أو يقول البائع: (سلمت الجميع إلى المشتري) فيجبر المشتري على قبوله، لأنه زاده فضلا، فإن امتنع البائع من ذلك فسخ [ الحاكم ] البيع، لأنه لا يمكن تسليمه، لأنه غير متميز. وكذا لو باع حنطة معينة فانثال عليها حنطة فله الخيار في أن يسلم إليه الزيادة أو يفسخ لاختلاط ما باع بما لم يبع، وإذا اختلطت بعد قطعها وقبضها لم ينفسخ البيع، ويكون القول قول من في يده الثمرة في قدر ما يدعيه لنفسه. وصورته أن يكون المشتري تركها بعد القبض وديعة عند البائع ثم اختلط فيكون القول قول البائع في مقدار ما يدعيه، وإن كان البائع ترك الطعام في يد المشتري وديعة عنده فاختلط كان القول قول المشتري مع يمينه (3). والمعتمد أن نقول: لا فرق بين القطع وعدمه، ولا ينفسخ البيع بامتزاجه، ولا يجب على البائع دفع الجميع لو لم يفسخ البيع، وليس له فسخه أيضا، بل نقول: للمشتري الخيار بين الفسخ والامضاء إن كان المزج قبل التسليم، وإن كان بعده لم يكن له الفسخ ويبقى شريكا للبائع، فإن علمت حصة كل واحد منهما فلا بحث، وإلا وجب أن يصطلحا، ولا يجب على المشتري قبول الزيادة لو وهبه إياها البائع. وظاهر كلام الشيخ أن

(1) الخلاف: ج 3 ص 84 المسألة 137.
(2) المبسوط: ج 2 ص 109، الخلاف: ج 3 ص 84 المسألة 138.
(3) المبسوط: ج 2 ص 104، وفيه: (إذا باع حملا من ثمرة).

[ 274 ]

المزج حصل قبل التسليم، وحينئذ يتخير المشتري كما قررناه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2): إذا باع أرضا فيها بناء أو شجر وقال في العقد بحقوقها دخل البناء والشجر، وإن لم يقل بحقوقها لم يدخلا. وتبعه ابن البراج (3). وابن حمزة (4)، وهو الظاهر من كلام ابن إدريس (5). والمعتمد أن نقول: لا يدخلان، إلا أن يقول: بعتك الأرض وما فيها أو ما أغلق عليه بابها. لنا: الأصل عدم الدخول وبقاء الملك على البائع. احتج الشيخ بأن الزرع والشجر من حقوق الأرض فيدخل في البيع. والجواب: المنع من كونهما من حقوقها، وكتب محمد بن الحسن بن الصفار إلى أبي محمد الحسن العسكري - عليه السلام - في رجل اشترى من رجل أرضا بحدودها الأربعة فيها الزرع والنخل وغيرهما من الشجر، ولم يذكر النخل ولا الزرع ولا الشجر في كتابه، وذكر فيه أنه قد اشتراها بجميع حقوقها الداخلة فيها والخارجة منها أيدخل النخل والأشجار والزرع في حقوق الأرض أم لا؟ فوقع عليه السلام: إذا ابتاع الأرض بحدودها وما أغلق عليه بابها فله جميع ما فيها إن شاء الله (6).

(1) المبسوط: ج 2 ص 105.
(2) الخلاف: ج 3 ص 81 المسألة 132.
(3) المهذب: ج 1 ص 376. (4) الوسيلة: ص 240.
(5) السرائر: ج 2 ص 379 - 380.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 138 ح 613، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب أحكام العقود ح 1 ج 12 ص 405.

[ 275 ]

قال ابن إدريس: قوله - عليه السلام -: (وما أغلق عليه بابها) يريد بذلك جميع حقوقها، والجواب مطابق للسؤال (1). ونحن نمنع هذا التفسير ونقول بموجب الحديث، فإنه إذا اشترى بما أغلق عليه بابها دخل الجميع بلا خلاف، ولعل الإمام - عليه السلام - أشار إلى الجواب بطريق المفهوم وهو عدم الدخول، فإنه - عليه السلام - علق الدخول بقوله: (وما أغلق عليه بابها) ويفهم من ذلك عدم الدخول عند عدمه. مسألة: قال في المبسوط: إذا قال: بعتك دارا دخل في البيع الأرض والبناء، وإن كانت فيها نخلة أو شجرة كان أيضا داخلا في الأرض، لأنه من حقوق الدار (2). والمنع هنا كما في الأول، بل هنا أقوى، لأنه لم يصرح بقوله: بحقوقها، ونحن قد منعنا من الدخول لو قال: بحقوقها، فمع الإطلاق أولى. مسألة: قال في المبسوط: يدخل الخوابي المدفونة في الدار، لأنها مخازن كالخزائن (3). والأقرب المنع. لنا: أنها تنقل وتحول. نعم لو كانت مدفونة في البناء دخلت، لأنها حينئذ جزء من الحيطان الداخلة في مسمى البناء. مسألة: قال في المبسوط (4) والخلاف (5): إذا باع دارا وفيها رحى مبنية دخل السفلاني والفوقاني في البيع.

(1) السرائر: ج 2 ص 380.
(2) المبسوط: ج 2 ص 105.
(3) المبسوط: ج 2 ص 105، وفيه: (لأنها محارزه).
(4) المبسوط: ج 2 ص 106.
(5) الحلاف: ج 3 ص 82 المسألة 133.

[ 276 ]

والأقرب عندي أنهما لا يدخلان، لأنهما ليسا جزء من المسمى فصار كالمبتاع فيها، سواء قال بحقوقها أو لا. مسألة: يدخل الماء الذي في البئر التي في الدار في بيع الدار، لأنه مملوك، قال الشيخ في المبسوط: لا يصح بيعه وإن كان مملوكا، لأنه إن باع الجميع فهو مجهول، لأن له مددا، وإن باع الموجود منها فذلك لا يمكن تسليمه إلا بأن يخلط بغيره (1). وقال ابن البراج: إنه مملوك لا يصح بيعه، وإذا لم يصح بيعه لم يدخل في البيع (2). والحق جواز بيع الموجود، وتسليمه ممكن إن جعلناه عبارة عن التخلية، وإن كان عبارة عن النقل والتحويل فكذلك، لكن تسليمه ممتزجا بغيره فيتخير المشتري إن لم يعلم. وعلى تقدير المنع من صحة بيعه منفردا فإنه يدخل في بيع الدار بالتبعية وتسليمه بتسليم الدار وهو التخلية قطعا، والجهالة منتفية هنا. ولو سلمنا، لكن جهالة البائع غير مؤثر في صحة البيع كأساسات الحيطان. مسألة: إذا باع نخلا مؤبرا فالثمرة للبائع على ما تقدم، فإن عطشت فانقطع الماء ولم يتمكن من سقيها وكان تركها على الأصول يضربها، فإن كان قدرا يسيرا أجبر المشتري عليه، وإن كان كثيرا بأن يخاف على الأصول الجفاف أو نقصان حملها مستقبلا نقصانا كثيرا فإنه لا يجبره المشتري على القطع، لأنه لما دخل في بيع الأصول منفردا عن الثمرة فقد رضي بما يؤدي الثمرة إليه من الضرر هذا قول الشيخ في المبسوط، وقال

(1) المبسوط: ج 2 ص 106.
(2) المهذب: ج 1 ص 377.

[ 277 ]

قوم: يجبر البائع على نقل الثمرة وتفريغ الأصول، لأن الثمرة لا تخلو من الضرر على كل حال تركت أو صرمت (1). والأقرب أن نقول: يجبر البائع علي القطع كما قاله هؤلاء القوم، لأن تسويغ التبقية إنما كان لمصلحته، ولولا ورود النص بذلك لم تصر إليه، لأنه يجب عليه تسليم المبيع مفرغا، وإذا انتفت المصلحة المقتضية لتسويغ التبقية رجعنا إلى أصل وجوب الازالة. مسألة: قال ابن البراج: إذا عطشت الثمرة على ملك البائع كان له سقيها وليس للمشتري منعه، وكذا لو عطشت الأصول كان للمشتري سقيها وليس للبائع منعه، فإن كان سقي الأصل يضر بالثمرة أو سقي الثمرة يضر بالاصول ووقعت المشاحة بينهما في ذلك فسخ العقد بينهما، وقد ذكر أن الممتنع من ذلك يجبر عليه (2). والمعتمد أن نقول: تقدم مصلحة المشتري في ذلك، لأن البائع هو الذي أدخل على نفسه الضرر وتسلط المشتري عليه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا باع أرضا فيها بذر لاصل يبقى لحمل بعد حمل كنوى الشجرة وبذر القت وشبه ذلك دخل في البيع، وإن كان لما يحصد مرة واحدة كالحنطة والشعير لم يدخل (3). ثم قال فيه (4) وفي الخلاف (5): فإن باع الأرض مع البذر صح البيع. أما الحكم الأول فممنوع وقد تقدم ما عندنا فيه، وأما الثاني فالاطلاق

(1) المبسوط: ج 2 ص 107.
(2) المهذب: ج 1 ص 376.
(3) المبسوط: ج 2 ص 109.
(4) المبسوط: ج 2 ص 109.
(5) الخلاف: ج 3 ص 84 المسألة 138.

[ 278 ]

فيه ليس بجيد. بل التحقيق أن نقول: إن كان البذر أصلا في البيع بطل، وإن كان الأصل هو الأرض والبذر تابع صح البيع. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2): إذا اشترى نخلة مطلعة ولم يقل للمشتري أنها مؤبرة ولم يعلم المشتري بتأبيرها ثم علم كان له الخيار، إن شاء رضي به وإن شاء فسخه، لأنه تفوته ثمرة عامه ولم يعلم منه الرضى. والأقرب أنه إذا اشترط الثمرة كانت له، سواء كانت مؤبرة أو لا، وإن لم يشترط لم يكن له ولا خيار له أيضا، لانتفاء العيب. مسألة: لو كان في الأرض حجارة مستودعة للنقل وكانت الأرض بيضاء وكانت لا تضر بالزرع والغرس وأراد البائع تركها في الأرض قال الشيخ: لم يكن للمشتري خيار، لأنه لا ضرر عليه في تركها (3). وليس بجيد إن قصد بذلك أنه ليس للمشتري قلعها، لأن للمشتري التصرف في ملكه كيف شاء، ومطالبته شاغلة بنقل ما يشغله عنه، سواء كان مضرا به أو لم يكن فيجبر البائع حينئذ على نقلها، وإن امتنع كان له إجباره. نعم لا يثبت له خيار كما قاله إن قصد معناه الحقيقي، إذ لا عيب هنا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو كانت الحجارة مخلوقة في الأرض دخلت في البيع (4). وفيه إشكال، ينشأ من كون الاسم لا يصدق عليها ولا يدخل تحت معناها، بخلاف ما لو كانت مثبتة فيها.

(1) الخلاف: ج 3 ص 78 المسألة 129.
(2) المبسوط: ج 2 ص 109.
(3) المبسوط: ج 2 ص 110 - 111. (4) المبسوط: ج 2 ص 110.

[ 279 ]

الفصل السادس عشر في القبض وحكمه مسألة: قال الشيخ في المبسوط: القبض في ما لا ينقل ويحول هو التخلية، وإن كان مما ينقل ويحول فإن كان مثل الدراهم والدنانير والجواهر وما يتناول باليد فالقبض هو التناول، وإن كان مثل الحيوان كالعبد والبهيمة فإن القبض في البهيمة هو أن يمشي بها إلى مكان آخر وفي العبد أن يقيمه إلى مكان آخر، وإن كان اشتراه جزافا كان القبض فيه أن ينقله من مكانه، وإن اشتراه مكايلة فالقبض فيه أن يكيله (1). وتبعه ابن البراج (2)، وابن حمزة (3). وقيل: إن القبض التخلية مطلقا (4). والأقرب أن البيع إن كان منقولا فالقبض فيه هو النقل أو الأخذ باليد، وإن كان مكيلا أو موزونا فقبضه هو ذلك أو الكيل أو الوزن، وإن لم يكن منقولا فالقبض فيه التخلية.

(1) المبسوط: ج 2 ص 120.
(2) المهذب: ج 1 ص 385 - 386.
(3) الوسيلة: ص 252.
(4) شرائع الاسلام: ج 2 ص 29.

[ 280 ]

لنا: أن العرف يقتضي بما قلناه، ومن عادة الشرع رد الناس إلى ما يتعارفونه من الاصطلاحات في ما لا نص على مقصوده باللفظ. ويؤيده ما رواه عقبة بن خالد، عن الصادق - عليه السلام - في رجل اشترى متاعا من آخر وأوجبه غير أنه ترك المتاع عنده ولم يقبضه وقال: آتيك غدا إن شاء الله فسرق المتاع من مال من يكون؟ قال: من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد ماله إليه (1). فجعل - عليه السلام - النقل هو القبض، لأنه علل زوال الضمان به، ولا خلاف أنه معلل بالقبض فكان هو القبض. وما رواه معاوية بن وهب في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يبيع المبيع قبل أن يقبضه، فقال: ما لم يكن كيل أو وزن فلا تبعه حتى تكيله أو تزنه، إلا أن يوليه الذي قام عليه (2). فجعل - عليه السلام - الكيل والوزن هو القبض، للاجماع على تسويغ بيع الطعام بعد قبضه. مسألة: قال المفيد: لا بأس ببيع ما استوجبه المبتاع قبل قبضه إياه، ويكون قبض المبتاع الثاني له نائبا عن قبض الأول، ويكره ذلك في ما يكال ويوزن، وليس بمفسد للبيع ولا مانع من مضيه (3). وكذا ذكره الشيخ في النهاية بيع ما لم يقبض مما يكال أو يوزن (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 21 ح 89، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الخيار ح 1 ج 12 ص 358.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 35 ح 146، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب أحكام العقود ح 11 ج 12 ص 389.
(3) المقنعة: ص 596.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 154.

[ 281 ]

وقال في المبسوط: إذا ابتاع شيئا وأراد بيعه قبل قبضه فإن كان طعاما لم يجز بيعه حتى يقبضه إجماعا، وأما غير الطعام من سائر الأموال فإنه يجوز بيعه قبل القبض (1). وقال في الخلاف في موضع: يجوز بيع ما عدا الطعام قبل أن يقبضه (2). وفي موضع: إذا باع عبدا أو سلعة وقبض المشتري المبيع ولم يقبض البائع الثمن يجوز للبائع أن يشتريه منه بأي ثمن شاء نقدا أو نسيئة، وعلى كل حال وفي أصحابنا من روى أن ذلك لا يجوز (3). وفي موضع آخر: الثمن إن كان معينا يجوز بيعه قبل قبضه ما لم يكن صرفا، فإن كان في الذمة أيضا يجوز (4). وقال ابن أبي عقيل: كل من اشترى شيئا مما يكال أو يوزن فباعه قبل أن يقبضه فالبيع باطل، وإن كان مما لا يكال ولا يوزن - كالنبات والورق والأرضين والرقيق - فباعه قبل أن يقبضه فالبيع جائز، والفرق بينهما أن السنة جاءت عن رسول الله - صلى الله عليه وآله - بإبطال بيع الطعام وجميع ما يكال أو يوزن قبل القبض، وأجازه فيما سوى ذلك. واختار ابن البراج في المهذب (5) قول الشيخ في المبسوط، وفي الكامل قوله في النهاية. وقال سلار: يجوز بيع الدين قبل قبضه فيباع الذهب والفضة منه بالعروض (6).

(1) المبسوط: ج 2 ص 119 - 120.
(2) الخلاف: ج 3 ص 97 المسألة 158.
(3) الخلاف: ج 3 ص 139 - 140 المسألة 230.
(4) الخلاف: ج 3 ص 99 المسألة 161.
(5) المهذب: ج 1 ص 385.
(6) المراسم: ص 181.

[ 282 ]

وابن حمزة منع من بيع الطعام قبل القبض، سواء كان مبيعا أو قرضا، وغير الطعام جوز بيعه قبل القبض على كل حال إلا أن يكون سلفا، فإنه منع من بيعه قبل قبضه إلا من المسلف إليه (1). وقال الصدوق: لا يجوز أن يشتري الطعام من بائعه قبل أن يكتاله، وما لم يكن فيه كيل ولا وزن فلا بأس أن تبيعه قبل أن تقبضه (2). وقال في موضع آخر من المقنع: ولا بأس أن يشتري الرجل النخل والثمار ثم يبيعه قبل أن يقبضه، وروي في حديث أنه لا بأس أن يشتري الطعام ثم يبيعه قبل أن يقبضه ويوكل المشتري بقبضه (3). وروي في كتاب من لا يحضره الفقيه عن منصور بن حازم، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه إلا أن توليه فإن لم يكن فيه كيل ولا وزن فبعه: يعني أنه يوكل المشتري بقبضه (4). وقال أبو الصلاح: يصح بيع ما استحق تسليمه قبل قبضه، وينوب قبض الثاني عن الأول (5)، وأطلق. والمعتمد هو الأول، وهو الكراهية في ما يكال أو يوزن خصوصا الطعام، والاباحة في التولية ما عدا ما يكال أو يوزن، وليس بحرام في الجميع، وإن قلنا: بتحريمه في الطعام كان البيع منعقدا.

(1) الوسيلة: ص 252.
(2) المقنع: ص 123.
(3) المقنع: ص 123.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 206 ح 3772، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب أحكام العقود ح 1 ج 12 ص 387.
(5) الكافي في الفقه: ص 355.

[ 283 ]

لنا: الأصل الإباحة، وعموم قوله تعالى: (وأحل الله البيع) (1). ولأنه بيع صدر من أهله في محله فكان سائغا كغيره. ولأن الطعام مملوك يجوز التصرف فيه قبل قبضه لمشتريه بجميع أنواع التصرف فجاز له بيعه. وما رواه ابن الحجاج الكرخي قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: أشتري الطعام إلى أجل مسمى فيطلبه التجار بعد ما قد اشتريته قبل أن أقبضه؟ قال: لا بأس أن تبيع إلى أجل كما اشتريت، وليس لك أن تدفع قبل أن تقبض، قلت: فإذا قبضته جعلت فداك فلي أن أدفعه بكيله؟ قال: لا بأس بذلك إذا رضوا (2). وعن جميل بن دراج، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يشتري الطعام ثم يبيعه قبل أن يقبضه؟ قال: لا بأس، ويوكل الرجل المشتري منه بكيله وقبضه؟ قال: لا بأس (3). ولأنه يجوز بيعه تولية، للأحاديث الدالة عليه فيجوز مطلقا. احتج المانعون بما رواه معاوية بن وهب في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يبيع المبيع قبل أن يقبضه، فقال: ما لم يكن كيل أو وزن فلا تبيعه حتى تكيله أو تزنه، إلا أن يوليه الذي قام عليه (4).

(1) البقرة: 275.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 39 ح 164، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب أحكام العقود ح 19 ج 12 ص 391.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 36 ح 151، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب أحكام العقود ح 6 ج 12 ص 388.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 35 ح 146، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب أحكام العقود ح 11 ج 12 ص 389.

[ 284 ]

وفي الصحيح عن منصور بن حازم، عن الصادق - عليه السلام - وقد تقدم. وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يبتاع الطعام ثم يبيعه قبل أن يكتاله، قال: لا يصلح له ذلك (1). وفي الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله - عليه السلام - مثل ذلك، وقال: لا تبيعه حتى تكيله (2). وسأل علي بن جعفر أخاه موسى - عليه السلام - عن الرجل يشتري الطعام أيصلح بيعه قبل أن يقبضه؟ قال: إذا ربح لم يصلح حتى يقبض، وإن كان يوليه فلا بأس. وسأله عن الرجل يشتري الطعام أيحل له أن يولي منه قبل أن يقبضه؟ قال: إذا لم يربح عليه شيئا فلا بأس، فإن ربح فلا يصلح حتى يقبضه (3). والجواب: حمل هذه الأحاديث على الكراهية جمعا بين الأدلة، ولو قلنا: بالتحريم لم يلزم بطلان البيع. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: الإجارة قبل القبض تصح، إلا في مالا يصح البيع فيه قبل القبض، لأن الإجارة ضرب من البيوع، وكذلك الكتابة تصح، لأنها نوع من البيوع، إلا فيما استثنيناه (4). وهو ممنوع.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 36 ح 149، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب أحكام العقود ح 13 ج 12 ص 390.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 36 ح 150، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب أحكام العقود ح 14 ج 12 ص 390. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 36 ح 153، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب أحكام العقود ح 9 ج 12 ص 389.
(4) المبسوط: ج 2 ص 120.

[ 285 ]

أما أولا: فلأنا قد بينا جواز البيع على كراهية فتصح الاجازة. وأما ثانيا: فلأنا نمنع من انسحاب الحكم على الاجازة، لاختصاصه بموضع النص، ولولاه لشمل الجواز الجميع، وأما الكتابة فلا يتأتى فيها المنع، لجواز بيع ما لا يكال ولا يوزن قبل قبضه إجماعا. مسألة: قال في المبسوط (1) والخلاف (2): يجوز بيع الثمن إذا كان معينا قبل قبضه، وكذا إذا كان دينا ما لم يكن صرفا فإنه لا يجوز بيعه قبل القبض. وتبعه ابن البراج (3) على ذلك. وليس بجيد، والحق جوازه، نعم لا يجوز التفرق قبل القبض، فإن تفرقا قبله بطل الصرف. مسألة: قال في المبسوط: إذا أسلم في طعام ثم باعه من آخر لم يصح إلا أن يجعله وكيله في القبض، فإذا قبض عنه صار حينئذ قبضا عنه (4). والأقرب الجواز له مطلقا، لأنه لما جاز بعد التوكيل جاز قبله، لعدم الفرق. ثم قال فيه: وإذا أسلم في طعام معلوم واستسلف من رجل مثله فلما حل عليه الطعام قال لمن أسلم إليه: (أحضر معي عند من أسلمت إليه حتى اكتاله لك) فإنه يجوز له أن يكتاله لنفسه ويقبضه إياه ما يكيله له إذا شاهده، وإن أمره بأن يكتال له من ذلك الغير ووكله فيه فإذا قبضه احتسب به عنه كان أيضا جائزا، وإن اكتال هو لنفسه منه ووثق به ذلك الغير الذي له عليه كان أيضا جائزا، وإن قال له: (امض إليه واكتل لنفسك) لم

(1) المبسوط: ج 2 ص 120.
(2) الخلاف: ج 3 ص 99 المسألة 161.
(3) المهذب: ج 1 ص 386.
(4) المبسوط: ج 2 ص 121.

[ 286 ]

يصح، لأنه يكون قد باع طعاما قبل أن يكيله ويحتاج أن يرد ما أخذه على صاحبه ويكتاله: إما عن الأمر بقبضه أو يكتاله الأمر فيصح ثم يقبضه منه إما بكيل مجدد أو يصدقه فيه، وإن اكتاله الأمر ثم كاله المشتري منه كان صحيحا بلا خلاف، وهو الأحوط (1). وتبعه ابن البراج (2) على ذلك. وقال في الخلاف: إذا قال لمن أسلم إليه: اذهب إلى من أسلمت إليه واكتل منه الطعام لنفسك فذهب واكتاله لم يصح قبضه بلا خلاف، وإذا قال: أحضر اكتيالي منه حتى اكتاله لك فحضر معه واكتاله لم يجز أيضا بلا خلاف، وإن قال: أحضر معي حتى اكتاله لنفسي ثم تأخذه أنت من غير كيل فإن رضي باكتياله لنفسه كان عندنا جائزا (3). والوجه عندي جواز ذلك كله عملا بالأصل ولا مانع منه، وقد بينا أنه يجوز بيع ما لم يقبض قبل قبضه على أنا نمنع كون هذا بيعا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا حل عليه طعام بعقد السلم فدفع إلى المسلم دراهم نظر، فإن قال: خذها بدل الطعام لم يجز، لأن بيع المسلم فيه قبل القبض لا يجوز، سواء باعه من المسلم إليه أو من الأجنبي إجماعا، وإن قال: اشتر بها الطعام لنفسك لم يصح، لأن الدراهم باقية على ملك المسلم إليه، فلا يصح أن يشتري بها طعاما لنفسه، وإن اشترى الطعام لنفسه فإن كان بالعين بطل، وإن كان في الذمة صح، وإن قال له: اشتر بها الطعام لي ثم اقبضه لنفسك صح الشراء، لأنه وكيل في شراء الطعام، وإذا قبضه منه لنفسه فهل يصح أم لا؟ فعلى ما تقدم ذكره في المسألة الأولى،

(1) المبسوط: ج 2 ص 121.
(2) المهذب: ج 1 ص 386 - 387.
(3) الخلاف: ج 3 ص 99 - 100 المسألة 162.

[ 287 ]

وإن قال اشتر بها طعاما واقبضه لي ثم اقبضه لنفسك من نفسك لم يجز قبضه من نفسه لنفسه، لأنه لا يجوز أن يكون وكيلا لغيره في قبض حق نفسه من نفسه (1). وتبعه ابن البراج (2). والمعتمد أنه إذا دفع إليه الدراهم بدل الطعام جاز، وكان معاوضة على ما في الذمة وليس بيعا، بل قبضا للحق من غير جنسه، ولو كان بيعا لم يكن باطلا على ما اخترناه من جوازه، ولو قال: اشتر بها الطعام لنفسك فالأقرب الجواز، ويكون إما قبضا للطعام بجنس الدراهم أو قبضا للدراهم، ولو قال: اشتر لي ثم اقبضه لنفسك صح ذلك أيضا، ولو قال: اقبضه لي ثم اقبضه لنفسك من نفسك جاز، لأنه يكون قد وكل في الاقباض. وقد روى الحلبي في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل أسلفته دراهم في طعام فلما حل طعامي بعث إلي بدراهم فقال: اشتر لنفسك طعاما واستوف حقك، قال: أرى أن تولي ذلك غيرك أو تقوم معه حتى تقبض الذي لك، ولا تتولى أنت شراءه (3). مسألة: لو كان له طعام من سلف وعليه مثله من سلف فأحاله بما عليه قال في المبسوط: لا يجوز، لأن بيع السلم قبل القبض لا يجوز إجماعا لا لعلة، ولا يلحقه فسخ، لأن المسلم فيه إذا انقطع لم ينفسخ السلم ويبقى في ذمته، وله الخيار إما أن يؤخره إلى القابل أو يفسخ البيع (4). وتبعه ابن البراج (5).

(1) المبسوط: ج 2 ص 121. (2) المهذب: ج 1 ص 387.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 29 ح 125، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب السلف ح 1 ج 13 ص 73.
(4) المبسوط: ج 2 ص 122.
(5) المهذب: ج 1 ص 387 - 388.

[ 288 ]

وقال في الخلاف: يجوز سواء كان الطعامان قرضين أو أحدهما قرضا والآخر سلما بلا خلاف، وإن كانا سلمين عندنا، لأن الأصل جوازه، والمنع يحتاج إلى دليل (1). والمعتمد ما اختاره في الخلاف. مسألة: قال في المبسوط: إذا كان له في ذمة غيره طعام فباع منه طعاما بعينه ليقبضه منه الطعام الذي له في ذمته لم يصح، لأنه شرط قضاء الدين الذي في ذمته من هذا الطعام بعينه، وهذا لا يلزم، ولا يجوز أن يجبر على الوفاء به، فإذا كان كذلك سقط الشرط وكان فاسدا، لأن الشرط الفاسد إذا اقترن بالبيع فسد البيع، لأن الشرط يحتاج إلى أن يزيد بقسطه من الثمن وهذا مجهول ففسد البيع، ولو قلنا: يفسد الشرط ويصح البيع كان قويا (2). وكذا قال ابن البراج إلا في فساد البيع فإنه قال: فسد البيع، وقد ذكر جواز ذلك، والأحوط ما ذكرناه (3). والمعتمد عندي جواز الشرط والبيع معا، عملا بالأصل المقتضي لصحة البيع، وقوله - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) (4). وأما ما قواه الشيخ من صحة البيع وفساد الشرط فليس بجيد، بل الأولى أنه إذا اقترن الشرط الفاسد بالعقد بطلا معا. مسألة: قال في المبسوط: إذا باع طعاما بعشرة على أن يقبضه الطعام الذي له عليه أجود منه فإنه لا يصح، لأن الجودة لا يجوز أن تكون ثمنا

(1) الخلاف: ج 3 ص 100 المسألة 164.
(2) المبسوط: ج 2 ص 123.
(3) المهذب: ج 1 ص 389.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ذيل ح 1503، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ذيل ح 4 ج 15 ص 30.

[ 289 ]

بانفرادها، وإن قضاه أجود ليبيعه طعاما بعينه بعشرة لم يجز (1). وتبعه ابن البراج (2). والمعتمد الجواز في الموضعين عملا بالأصل، وبقوله - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) وكون الجودة لا تصح أن تكون ثمنا لا يمنع من كونها شرطا. مسألة: قال في الخلاف: إذا باع طعاما قفيزا بعشرة مؤجلة فلما حل الأجل أخذ بها طعاما جاز ذلك إذا أخذ مثله، فإن زاد عليه لم يجز، وقال الشافعي: يجوز، ولم يفصل، وبه قال بعض أصحابنا، واستدل بإجماع الفرقة والأخبار، وبأنه يؤدي إلى بيع طعام بطعام فالتفاضل فيه لا يجوز، والقول الآخر الذي لأصحابنا قوي وذلك: أنه بيع طعام بدراهم في القفيزين معا لا بيع طعام بطعام، فلا يحتاج إلى اعتبار المثلية (3). وفي المبسوط قال: لا يجوز (4)، وتبعه ابن البراج (5). قال الشيخ: وقد روي أنه يجوز على كل حال (6). والذي قواه الشيخ في الخلاف هو الوجه عندي عملا بالأصل، وقد تقدم البحث في ذلك. مسألة: قال في المبسوط: إذا أقرضه طعاما بمصر فلقيه بمكة وطالبه به لم يجبر على دفعه، لأن قيمته تختلف، وإن طالبه المستقرض بقبضه منه لم

(1) المبسوط: ج 2 ص 123.
(2) المهذب: ج 1 ص 391 مع اختلاف.
(3) الخلاف: ج 3 ص 101 المسألة 166.
(4) المبسوط: ج 2 ص 123.
(5) المهذب: ج 1 ص 391.
(6) المبسوط: ج 2 ص 123.

[ 290 ]

يجبر المقرض على قبضه، لأن عليه في حمله مؤونة، وإن تراضيا عليه جاز، وإن طالبه بقيمته بمصر أجبر على دفعها، لأنه يملك ذلك، وكذا إن غصب طعاما وأتلفه كان الحكم فيه ما ذكرناه (1). وتبعه ابن البراج (2). والمعتمد أن له مطالبة الغاصب بالمثل إن كان مثليا، فإن تعذر فقيمته بسعر مصر، لأنه غصبه هناك، فإذا تعذر المثل وجب عليه قيمة طعام بمصر. ويحتمل بسعر مكة، وبه قال والدي - رحمه الله - لأنه يجب عليه دفعه بمكة، فإذا تعذر عليه فله قيمته في موضع الاعواز، كما أنه يجب عليه دفع المثل في ذلك الموضع. والذي قاله الشيخ - رحمه الله - ليس بجيد، وفي القرض عندي إشكال، أقر به أنه كالغصب، لوجوب دفع المثل في وقت المطالبة، ولا يجب الصبر، بل إما الدفع في بلد المطالبة أو في بلد القرض في الحال إن أمكن. تذنيب: قال الشيخ في المبسوط: فإن أسلم إليه في طعام كان الحكم مثل ذلك، إلا في أخذ البدل فإنه لا يجوز، لأن بيع المسلم فيه قبل قبضه لا يجوز (3). والوجه عندي الجواز. مسألة: المشهور أن المبيع إذا تلف قبل، قبضه كان من مال البائع مطلقا. وقال أبو الصلاح: إن رضي المشتري بتركه عند البائع فهلاكه من ماله (4) وهو حسن. ثم قال: فإن تشفع إلى البائع في أنظاره بالثمن وقتا معينا فأجابه فهو من ماله دون مال البائع (5).

(1) المبسوط: ج 2 ص 123.
(2) المهذب: ج 1 ص 390.
(3) المبسوط: ج 2 ص 123 - 124.
(4) و (5) الكافي في الفقه: ص 353.

[ 291 ]

والمعتمد أن الانظار لا يوجب انتقال الضمان. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا باع نخلا لم يؤبر فالثمرة للمشتري، فإن هلكت الثمرة في يد البائع قبل التسليم تخير المشتري بين فسخ البيع، لتلف بعض المبيع قبل التسليم، وإن شاء أجاز البائع في الأصول بجميع الثمن أو بحصته من الثمن، وإن اشترى عبدا فقطعت يده قبل القبض فالمشتري بالخيار بين فسخ البيع، لنقصان المبيع وبين إجازته بجميع الثمن، لأن الثمن لا ينقسم على الأطراف، وينقسم على الأصل والثمرة في المسألة الأولى (1). والمعتمد المساواة، وأن للمشتري أخذ العبد والأرش، وقد تقدم البحث في ذلك. مسألة: لو امتنع البائع والمشتري من التسليم وكان مبيعا في الذمة فقال البائع: لا أسلم المبيع حتى آخذ الثمن وقال المشتري: لا أسلم الثمن حتى أتسلم المبيع قال الشيخ في المبسوط: الأولى أن يقال: على الحاكم أن يجبر البائع على تسليم المبيع، ثم يجبر بعد ذلك المشتري على تسليم الثمن، لأن الثمن تابع للمبيع، وكذا إذا كان بيع عين بعين هذا إذا كان كل منهما باذلا، فأما إذا كان أحدهما غير باذل أصلا وقال: (لا أسلم ما علي) أجبره الحاكم على البذل، فإذا حصل البذل حصل الخلاف في أيهما يدفع على ما بيناه (2). وتبعه ابن البراج. والمعتمد أن الحاكم يجبرهما معا دفعة واحدة، لأن حالة انتقال المبيع إلى المشتري هي حالة انتقال الثمن إلى البائع، فلا أولوية.

(1) المبسوط: ج 2 ص 107. (2) المبسوط: ج 2 ص 148.

[ 292 ]

ونحوه قال ابن الجنيد فإنه قال: ليس يستحق البائع الثمن إلا بتسليم السلعة، ولا يستحق المشتري إياها إلا بتسليم الثمن، فإن تشاحا أخرج كل واحد منهما ما يملكه إلى مرضي بينهما، فإذا تسلمها سلم إلى البائع ماله وإلى المشتري سلعته، وإذا حصل الشئ في يد العدل كان المال للبائع والسلعة للمشتري. وقال الشيخ في الخلاف: يجبر البائع أولا (1)

(1) الخلاف: ج 3 ص 151 المسألة 239.

[ 293 ]

الفصل السابع عشر في الاختلاف مسألة: إذا اختلف المتبايعان في الثمن فادعى البائع أكثر وادعى المشتري أقل قال الشيخ في النهاية (1) والمبسوط (2) والخلاف (3): القول قول البائع مع يمينه إن كانت السلعة قائمة، وقول المشتري مع يمينه إن كانت تالفة. وتبعه ابن البراج (4). وقال ابن الجنيد: إذا اختلف المتبايعان في الثمن ولا بينة وكانت السلعة في يد البائع فالقول قوله، والمشتري بالخيار إن شاء أخذ وإن شاء تتاركا البيع، ولو أراد المشتري إحلاف البائع بعد الافتراق وكون السلعة في يد البائع كان ذلك له، وكان للمشتري بعد ذلك الخيار، وإن كان المشتري قد أحدث في السلعة حدثا أو كانت في يده فالقول قوله مع يمينه ما لم يكن للبائع بينة (5). وقال أبو الصلاح: وإذا انعقد البيع ولم يتقابضا واختلفا في مقدار المبيع

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 142 - 144.
(2) المبسوط: ج 2 ص 146.
(3) الخلاف: ج 3 ص 147 المسألة 236.
(4) جواهر الفقه: ص 57 المسألة 209.
(5) نقله عنه في السرائر: ج 2 ص 282 - 283.

[ 294 ]

أو الثمن وفقدت البينة لزم كل منهما ما أقر به وحلف على ما أنكره، وفسخ البيع أولى (1). وابن إدريس قال أولا بقول الشيخ، ثم نقل عن ابن الجنيد وأبي الصلاح وغيرهما: إن كان المبيع في يد البائع قدم قوله مع اليمين، وإن كان في يد المشتري قدم قوله مع اليمين. ثم قال: وقول ابن الجنيد قوي، لأن إجماع الأمة منعقد على أن على المدعي البينة وعلى الجاحد اليمين، ولا خلاف أن البائع مدع في الحالين - أعني حالة البقاء والتلف - فأما إذا كان الشئ في يده فالمشتري يدعي انتزاعه من يده فيكون القول قول البائع ها هنا، لأنه مدعى عليه، واطلاق قول الآخر من أصحابنا يخص بالادلة، وشيخنا أورد في تفصيل ذلك خبرا واحدا مرسلا في التهذيب، والأخبار المسندة لا توجب علما ولا عملا فكيف الاحاد؟ ويمكن حمله على ما قاله ابن الجنيد، ولم يذهب إلى الأول سوى شيخنا أبي جعفر ومن قلده، ثم إنه استدل في الخلاف على ما ذكره بإجماع الفرقة والأخبار، قال: ومن أجمع معه؟! وأي أخبار وردت له؟! وإنما هو خبر واحد مرسل، ثم لما ضاق عليه الكلام مع الخصم تأول وخصص فقال: لو خلينا لقلنا بذلك، لكن روي عن أئمتنا - عليهم السلام - أنهم قالوا: (القول قول البائع) فحملناه على أنه إذا كان مع بقاء السلعة، فإذا ساغ له حمله ساغ لنا ما جوزناه (2). والمعتمد أن نقول: إن السلعة إما أن تكون باقية أو تالفة، فإما أن تكون قد تلفت في يد البائع قبل الاقباض أو في يد المشتري أو في يد البائع بعد الاقباض، فإن تلفت في يد البائع قبل الاقباض بطل البيع ولا معنى

(1) الكافي في الفقه: ص 355.
(2) السرائر: ج 2 ص 282 - 284.

[ 295 ]

للتحالف، فإن تلفت في يد المشتري أو في يد البائع بعد الاقباض أو كانت قائمة فلا يخلو إما أن يكون الثمن معينا أو في الذمة، فإن كان معينا فإما أن يكون الأقل مغايرا لاجزاء الأكثر أو لا، فإن كان مغايرا تحالفا وفسخ البيع، فإن لم يكن فالقول قول المشتري، ويحتمل التحالف. لنا: إنه على تقدير المخالفة يكون التحالف في عين الثمن، كما تحالفا في قدره، ولا ريب أنه مع التحالف في عين الثمن يتحالفان فكذا هنا، فأما على باقي التقادير فلأن البائع يدعي زيادة في الثمن والمشتري ينكرها فالقول قوله مع اليمين، كما لو تلفت السلعة أو كانت في يد المشتري على الرأيين. وأما احتمال التحالف على هذه التقادير غير تقدير المخالفة فلما مر في تقدير المخالفة من أنهما متداعيان كل منهما مدع، فإن البائع يدعي العقد بعشرين والمشتري يدعي العقد بعشرة، والعقد بعشرين غير العقد بعشرة. احتج الشيخ بما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن رجل، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يبيع الشئ فيقول المشتري: هو بكذا وكذا بأقل مما قال البائع، قال: القول قول البائع إذا كان الشئ قائما بعينه مع يمينه (1). وهو يدل بالمفهوم على أن القول قول البائع إذا كان الشئ قائما بعينه مع يمينه، وهو يدل بالمفهوم على أن القول قول المشتري مع التلف. ولأن المشتري حال بقاء السلعة يدعي نقلها إليه بالثمن الأقل والبائع ينكره فالقول قوله مع اليمين، والبائع حال التلف يدعي زيادة في ذمة

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 229 ح 1001، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أحكام العقود ح 1 ج 12 ص 383.

[ 296 ]

المشتري والمشتري ينكرها فالقول قوله مع اليمين. والجواب عن الحديث: أنه منقطع السند، فلا حجة فيه. وعن الثاني: بالمنع من كون المشتري مدعيا حال بقاء السلعة، لأن الذي يدعيه المشتري ها هنا هو أن البائع باعه بعشرة، فقد اشتملت دعواه على أمرين: أحدهما: مطلق البيع، والثاني: كونه بعشرة، والبائع يدعي أمرين: أحدهما: مطلق البيع، والثاني: كون البيع بتلك العشرة وزيادة عشرة أخرى، فقد اتفقا على مطلق البيع وتملك المشتري السلعة، وبقي التنازع في الدعويين الأخريين، فينظر المنكر منهما حينئذ، ولا ريب أنه المشتري، فيكون القول قوله مع اليمين. فأما قول ابن إدريس فلا اعتداد بما احتج عليه. وقول الشيخ من تقديم قول البائع مع بقاء السلعة لا يخلو من قوة عملا بالاستصحاب. لا يقال: البائع يسلم زوال الملك عنه فلا يبقى الاستصحاب. لأنا نقول: إنه لم يسلم زواله مطلقا، بل بالقدر الذي ادعاه، فيبقى ما ادعاه على الأصل. مسألة: لو اختلفا في المبيع فقال: بعتني هذين العبدين بألف وقال: بل هذا العبد بألف قال الشيخ في المبسوط: القول قول البائع مع يمينه، لعموم قولهم - عليهم السلام -: (إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع) وفي الناس من قال: يتحالفان وينفسخ العقد (1). وتبعه ابن البراج. وقال أبو الصلاح: إذا انعقد البيع ولم يتقابضا واختلفا في مقدار المبيع أو الثمن وفقدت البينة لزم كلا منهما ما أقر به وحلف على ما أنكره، وفسخ

(1) المبسوط: ج 2 ص 146.

[ 297 ]

البيع أولى (1). والشيخ هنا بناه على أصله من تقديم قول البائع في قدر الثمن لو اختلفا فيه والسلعة قائمة. وبيانه: أن البائع يقول: بعتك هذه السلعة بألف والمشتري يقول: بل هاتين بألف، فكأنه يقول: قسط السلعة التي ادعاها البائع خمسمائة، وحينئذ يكون في الحقيقة الاختلاف هنا في أمرين: أحدهما: قدر الثمن فيقدم قول البائع، والثاني: في انتقال السلعة الأخرى بباقي الثمن والبائع ينكر ذلك فكان القول قوله مع اليمين أيضا، وحينئذ يثبت له الألف في مقابلة تلك السلعة خاصة. وعلى ما اخترناه في المسألة الأولى من التحالف يتحالفان هنا فينفسخ العقد، وعلى ما اخترناه من تقديم قول المشتري يقدم هنا قول البائع مع اليمين. مسألة: إذا اشترى شيئا كان قد رآه قبل العقد صح، فإن رآه ناقصا كان له الرد، فإن اختلفا فقال المبتاع: نقص وقال البائع: لم ينقص قال الشيخ: القول قول المبتاع، لأنه الذي ينتزع الثمن منه، ولا يجب انتزاعه إلا ببينة أو إقرار (2) والأقرب أن القول قول البائع، لأن الأصل عدم النقصان، واعتراف المشتري بالشراء إقرار بوجوب انتزاع الثمن منه.

(1) الكافي قي الفقه: ص 355.
(2) المبسوط: ج 2 ص 77.

[ 298 ]

الفصل الثامن عشر في الشروط مسألة: البيع إذا تضمن شرطا فاسدا قال الشيخ في المبسوط: يبطل الشرط خاصة دون البيع (1)، وبه قال ابن الجنيد، وابن البراج. والمعتمد عندي بطلان العقد والشرط معا. لنا: أن للشرط قسطا من الثمن، فإنه قد يزيد باعتباره وقد ينقص، وإذا بطل الشرط بطل ما بإزائه من الثمن وهو غير معلوم، فتطرقت الجهالة إلى الثمن فيبطل البيع، وأيضا البائع إنما رضي بنقل سلعة بهذا الثمن المعين على تقدير سلامة الشرط له، وكذا المشتري إنما رضي ببذل هذا الثمن في مقابلة العين على تقدير سلامة الشرط له، فإذا لم يسلم لكل منهما ما شرطه كان البيع باطلا، لأنه لا يكون تجارة عن تراض. احتج بقوله تعالى: (وأحل الله البيع) (2) وهذا بيع فيكون صحيحا، والشرط باطل، لأنه مخالف للكتاب والسنة. وبما روي عن عائشة أنها اشترت بريرة بشرط العتق، ويكون ولاؤها لمواليها، فأجاز النبي - صلى الله عليه وآله - البيع وأبطل الشرط، وصعد على المنبر وقال: ما بال أقوام

(1) المبسوط: ج 2 ص 149.
(2) البقرة: 275.

[ 299 ]

يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وكتاب الله أحق وشرطه أوثق (1). والجواب عن الأول: أن البيع إنما يكون حلالا لو وقع على الوجه المشروع، ونحن نمنع من شرعيته، وعن الثاني من وجوه: الأول: الطعن في السند. الثاني: أن الحديث ورد هكذا: قالت عائشة: جائتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فاعتقيني، فقالت: أن أحب أهلك أن أعدها لهم عدة ويكون ولاؤك لي، فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها، فجاءت من عندهم ورسول الله - صلى الله عليه وآله - جالس، فقالت: إني عرضت عليهم فأبوا ألا يكون الولاء إلا لهم، فسمع النبي - صلى الله عليه وآله - [ فسألني ] فأخبرته، فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وآله - فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، ما كان كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط فقضاء الله أحق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق (2). وهذا ينافي ما ذكره الشيخ، واستدل به عليه، لأن بريرة أخبرت بأنها قد كوتبت وطلبت الاعانة من عائشة فسقط الاستدلال به بالكلية. الثالث: أن المراد بقوله - عليه السلام -: (اشترطي لهم الولاء) أي عليهم، لأنه - عليه السلام - أمرها به ولا يأمرها بفاسد، وكيف يتأتى من

(1) صحيح البخاري: ج 3 ص 198 - 199 مع اختلاف.
(2) صحيح البخاري: ج 3 ص 198 و 199 مع اختلاف.

[ 300 ]

الرسول - صلى الله عليه وآله - مع تحريم خائنة الاعين - وهو الغمز بها - وصنع حيلة لا تتم؟ مسألة: أطلق الأصحاب جواز البيع بشرط أن يعمل المشتري له شيئا أو يقرضه أو غير ذلك، أو شرط أن يعمل له البائع. وقال ابن الجنيد: لو وقع البيع على أن يعمل البائع في السلعة عملا أو عمله غيره لا يستحق عليه أجرة جاز ذلك وإن لم يتميز بين الثمن والاجازة، إلا أن يكون البيع مما يدخله الربا بالزيادة لأحد المتبايعين مما شرطه من العمل. ولا بأس بقوله، لاشتماله على الربا. مسألة: المشهور بين علمائنا الماضين ومن عاصرناهم إلا من شذ أنه يجوز بيع الشئ اليسير بأضعاف قيمته بشرط أن يقرض البائع المشتري شيئا، لأنهم نصوا على جواز أن يبيع الانسان شيئا بشرط الاقراض أو الاستقراض أو الإجارة أو السلف أو غير ذلك من الشروط السائغة، وقد كان بعض من عاصرناهم يتوقف في ذلك. لنا: وجوه: الأول: قوله تعالى: (وأحل الله البيع) (1) وهذا أحد جزئياته فيكون داخلا تحت حكمه. الثاني: قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) (2) دل الاستثناء على تسويغ التجارة المقترنة بالرضى، وصورة النزاع داخلة تحته. الثالث: أنه لا خلاف بين علماء الامصار في جواز بيع الشئ بأضعاف قيمته أو بأقل من قيمته، فنقول: انضمام الشرط إليه لا يغير حكمه، لأنه

(1) البقرة: 275.
(2) النساء: 29.

[ 301 ]

شرط سائع يجوز اشتراطه في البيع بثمن المثل أو في الإجارة وغيرها من العقود إجماعا فيجوز في صورة النزاع، إذ الحكمة الداعية إلى شرعيته في تلك الصورة موجودة هنا، ولقوله - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) (1). الرابع: أنه اتفاق علماء الامامية السابقين فإنهم قالوا: لا بأس أن يبتاع الانسان من غيره متاعا أو حيوانا أو عقارا أو غير ذلك بالنقد والنسيئة، ويشترط أن يسلفه البائع شيئا في بيع أو يستسلف منه في مبيع أو يقرضه شيئا معلوما إلى أجل أو يستقرض منه، فيكون حجة لما ثبت من أن إجماع الامامية حجة. قال المفيد: لا بأس بأن يبتاع الانسان من غيره متاعا أو حيوانا أو عقارا بالنقد والنسيئة معا، على أن يسلف البائع شيئا في مبيع أو يستسلف منه في مبيع أو يقرضه مائة درهم إلى أجل أو يستقرض منه. قال: وقد أنكر ذلك جماعة من أهل الخلاف لسنا نعرف لهم حجة في الانكار، وذلك أن البيع وقع على وجه حلال، والسلف والقرض جائزان، واشتراطهما في عقد البيع غير مفسد له بحال. قال: وقد سئل الباقر - عليه السلام - عن القرض يجر النفع؟ فقال - عليه السلام -: خير القرض ما جر نفعا (2). الخامس: تظافر الروايات عليه وتطابقها من غير معارض، فيتعين العمل عليه. روى محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه، عن رجل كتب إلى العبد الصالح - عليه السلام - يسأله إني أعامل قوما أبيعهم الدقيق أربح عليهم في

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ح 1503، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 30.
(2) المقنعة: ص 610 - 611.

[ 302 ]

القفيز درهمين إلى أجل معلوم وإنهم يسألوني أن أعطيهم عن نصف الدقيق دراهم فهل لي من حيلة ألا أدخل في الحرام؟ فكتب - عليه السلام - إليه: أقرضهم الدراهم قرضا وازدد عليهم في نصف القفيز بقدر ما كنت تربح عليهم (1). وفي الصحيح عن عبد الملك بن عتبة قال: سألته عن الرجل يريد أن أعينه المال أو يكون لي عليه مال قبل ذلك فيطلب مني مالا أزيده على مالي الذي لي عليه أيستقيم أن أزيده مالا وأبيعه لؤلؤة تسوي مائة درهم بألف درهم فأقول له: أبيعك هذه اللؤلؤة بألف درهم على أن أؤخرك بثمنها وبمالي عليك بكذا أو كذا شهرا؟ قال: لا بأس (2). وعن محمد بن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن - عليه السلام -: يكون لي على الرجل دراهم فيقول: أخرني بها وأنا أربحك فأبيعه حبة تقوم علي بألف درهم بعشرة الآف درهم، أو قال: بعشرين ألفا وأؤخره بالمال، قال: لا بأس (3). وعن محمد بن إسحاق بن عمار قال: قلت للرضا - عليه السلام -: الرجل يكون له المال فدخل على صاحبه يبيعه لؤلؤة تسوي مائة درهم بألف درهم ويؤخر عنه المال إلى وقت، قال: لا بأس، قد أمرني أبي ففعلت ذلك. وزعم أنه سأل أبا الحسن - عليه السلام - عنها فقال مثل ذلك (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 45 ح 195، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب أحكام العقود ح 7 ج 12 ص 381. (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 52 ح 226، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب أحكام العقود ح 5 ج 12 ص 380.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 52 ح 227، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب أحكام العقود ح 4 ج 12 ص 380.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 53 ح 228، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب أحكام العقود ح 6 ج 12 ص 380.

[ 303 ]

السادس: أن هذا شرط سائع، فإن القرض أمر مطلوب، وقد ندب الشارع إليه وجعل ثوابه ضعف ثواب الصدقة، وإذا كان سائغا وجب الوفاء به، لما رواه ابن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: المسلمون عند شروطهم، إلا كل شرط خالف كتاب الله عز وجل فلا يجوز (1). وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله عز وجل فلا يجوز له، ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم في ما وافق كتاب الله عز وجل (2). السابع: الأحكام إنما شرعت للمصالح ووضعت لمنافع العباد - وهو ظاهر قد ثبت في علم الكلام - فكل مصلحة لا مفسدة فيها وجب في حكم الله تعالى مشروعيتها، ولا ريب في ثبوت المصلحة في مثل هذا البيع، لأن الحاجة إلى الاقتراض داعية، ولا يجب على الانسان نفع غيره، فقد يبخل بذلك إلا مع المعاوضة، وشرط الزيادة في القرض حرام، فوجب أن يجعل لها ذريعة إلى تسويغ ذلك، وما ذكرناه صالح له ولا مفسدة فيه، فوجب أن يكون سائغا. الثامن: إن جازت المحاباة في البيع مطلقا جازت مع اشتراط الاقتراض والمقدم حق بالاجماع، إذ لا نزاع في جواز بيع الشئ اليسير بأضعاف قيمته مجردا عن القرض فيكون التالي حقا، لأنه لما ساغ بذل الثمن الكبير في مقابلة الشئ اليسير مجردا عن نفع الباذل ساغ بذله مع نفعه، وإلا لزم

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 22 ح 93، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الخيار ح 2 ج 12 ص 353. (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 22 ح 94، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الخيار ح 1 ج 12 ص 353.

[ 304 ]

حصول الضرر الخالي عن النفع للباذل، وهو منفي بقوله - عليه السلام -: (لا ضرر ولا إضرار) (1) ولا ريب في حصول النفع بالاقراض، مع أنه سائغ في نفس الأمر، فوجب أن يكون أولى بالمشروعية. التاسع: القرض سائغ بالاجماع، فيكون سائغا على تقدير الاشتراط في هذا البيع، عملا بالاستصحاب. العاشر: بيع اليسير بالثمن الكثير سائغ بالاجماع، فيكون سائغا على تقدير اشتراط الاقراض فيه عملا بالاستصحاب. الحادي عشر: الأصل إباحة الأشياء إلى أن يظهر المزيل عنه، فيكون صورة النزاع كذلك، ولم يثبت المزيل فيها عن حكم الأصل فيكون مباحا. الثاني عشر: تحريم هذا البيع يستلزم الضرر فيكون منفيا لانتفاء لازمه. بيان الملازمة: أن الحاجة قد تدعو إلى الاقتراض وإلى بيع الشئ اليسير بثمن يزيد على قيمته، فلولا مشروعية ذلك لزم الضرر وأما انتفاء اللازم فلقوله - عليه السلام -: (لا ضرر ولا إضرار في الاسلام). الثالث عشر: في التحريم تكليف، والأصل عدمه. الرابع عشر: كل واحد من البيع والقرض سائغ بالاجماع، فيكون المجموع كذلك، لأن عند الاجتماع إن لم يحصل أمر زائد على الاحاد وجب بقاء الإباحة، لوجود العلة السالمة عن المعارض له، وإن حصل فالمقتضي لذلك الزائد إما كل واحد من الأجزاء أو أحدها، وكلاهما باطل، وإلا لزم أن يكون كل واحد من الأجزاء أو الواحد علة في التحريم، وهو باطل بالاجماع، ولأنه خالف القرض، إذ كل منهما قد فرضنا أنه مباح.

(1) سنن البيهقي: ج 6 ص 70.

[ 305 ]

الخامس عشر: المناسبة تقتضي الإباحة، لأن المجموع المركب من البيع والقرض أمر مطلوب، والتحليل طريق صالح، فوجب أن يكون طريقا ثابتا عملا بالمناسبة. السادس عشر: الدوران يقتضي الإباحة، لأن البيع الصادر من أهله في محله الجامع لشرائطه علة في الإباحة، لاقترانهما في جميع صور النزاع، وإذا كان البيع علة وقد وجد في صورة النزاع فيثبت مقتضاه وهو التحليل. السابع عشر: قد بينا في علم الكلام (1) أن أفعال الله تعالى معللة بالمصالح والحكم، وأنه سبحانه يفعل لغرض وغاية لا لعبث كما يقوله الأشاعرة، والأصل في الأحكام أنها لا تثبت تعبدا، فإذا أمرنا الشارع بأمر وجب أن يكون له حكمة باعثة عليه، وإباحة البيع مستندة إلى الاحتياج إلى المعاوضة، فوجب أن يكون هو العلة، وهي ثابتة في صورة النزاع فيثبت مقتضاها. الثامن عشر: علة التحريم منتفية فيكون منتفيا، لوجوب انتفاء المعلول عند انتفاء علته. بيانه: أن هذا المجموع قد اشتمل على ماهية البيع وليست علة للتحريم بالضرورة، وإلا لكان كل بيع حراما، وعلى ماهية القرض فالبحث فيها كالبحث في ماهية البيع، وعلى المحاباة فالبحث فيها كالأولين، فإذا البيع والقرض والمحاباة سائغة وهو المدعي. التاسع عشر: البيع المشتمل على المحاباة سائغ بالاجماع، فلا يكون حراما باعتبار انضمامه إلى القرض المثاب عليه بالاجماع. العشرون: أنه قرض قد اشتمل على منفعة فيكون سائغا، لما رواه محمد ابن مسلم في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قلت: إن من عندنا يروون

(1) نهج الحق: ص 85.

[ 306 ]

أن كل قرض يجر منفعة فهو فاسد، قال: أو ليس خير القرض ما جر منفعة (1). وعن محمد بن عبدة قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن القرض يجر المنفعة؟ قال: خير القرض ما يجر المنفعة (2). الحادي والعشرون: أنه يجوز اشتراط انقاد القرض بأرض أخرى، وهو مشتمل على النفع، فيجوز اشتراطه في البيع. أما المقدمة الأولى: فلما رواه زرارة في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - ويعقوب بن شعيب في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في الرجل يسلف الرجل الورق على أن ينقدها إياه بأرض أخرى ويشترط [ ذلك عليه ]، قال: لا بأس (3). ونحوه رواه أبو الصباح في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - (4). وأما الثانية: فلعدم الفرق بين المنافع في المشروعية إذا انتفت وجوه المفاسد عنها. الثاني والعشرون: يجوز انضمام عقد الإجارة وعوضها إلى القرض، فكذا يجوز البيع.

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 201 ذيل ح 452، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب الدين والقرض ح 4 ج 13 ص 104.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 202 ح 453، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب الدين والقرض ح 5 ج 13 ص 104.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 203 ح 459، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب الصرف ح 1 ج 12 ص 480.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 203 ح 458، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب الصرف ح 2 ج 12 ص 480.

[ 307 ]

أما المقدمة الأولى: فلما رواه أبو بصير في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: قلت له: الرجل يأتيه النبط بأحمالهم فيبيعها لهم بالأجر فيقولون له: أقرضنا دنانير فإنا نجد من يبيع لنا غيرك ولكنا نخصك بأحمالنا من أجل أنك تقرضنا، فقال: لا بأس (1). وأما الثانية: فلعدم الفرق بين العقدين، فأن كانت المنفعة في القرض علة في التحريم كانت كذلك في البابين، وإلا فلا فيهما. الثالث والعشرون: أن المال للمتعاقدين، وقد جعل الشارع لهما ولاية النقل إليهما والالتزام والتسلط عليه بجميع أسباب النقل، وقد التزما فوجب أن يلزم. الرابع والعشرون: أن القول بالتحريم في صورة النزاع مع القول بإباحة غيرها من أنواع البيوعات مما لا يجتمعان، والثاني ثابت بالاجماع فينتفي الأول. وبيان عدم الاجتماع وجهان: الأول: أن المشترك - وهو ماهية البيع - إما أن يكون علة في الإباحة أو لا، وعلى كلا التقديرين يحصل التنافي بين عدم الإباحة في صورة النزاع وثبوتها في غيرها من البيوعات. الثاني: أن مقتضى الإباحة في كل الصور المباحة إنما هو كونها بيعا، إذ الأصل عدم غيره، وهذا موجود في صورة النزاع فلا يقع الافتراق. الخامس والعشرون: أن إباحة هذا البيع لا يستلزم ارتفاع الواقع، وإذا لم يستلزم ارتفاع الواقع كان واقعا. أما المقدمة الأولى: فلأنه لو استلزم ارتفاع الواقع لكان منفيا، لانتفاء

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 203 ح 461، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب الدين والقرض ح 10 ج 13 ص 105.

[ 308 ]

لازمه، وينعكس بالنقيض إلى قولنا: لو كان ثابتا لا يستلزم ارتفاع الواقع، وإذا لم يكن مستلزما على تقدير ثبوته لا يكون مستلزما. وأما الثانية: فلأنه لو لم يكن واقعا لكان عدمه ثابتا في الواقع، فيكون ثبوته مستلزما لارتفاع الواقع - وقد بينا بطلانه - هذا خلف. وهذه الوجوه بعضها ذكرناه على سبيل الاحتجاج وبعضها ذكرناه على سبيل الالتزام. احتج المانعون بما رواه يعقوب بن شعيب في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يسلم في بيع أو تمر عشرين دينارا أو يقرض صاحب السلم عشرة دنانير أو عشرين دينارا، قال: لا يصلح إذا كان قرضا يجر نفعا فلا يصلح (1). وعن محمد بن قيس، عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: من أقرض رجلا ورقا فلا يشترط إلا مثلها، فإن جوز شيئا بأجود منها فليقبل، ولا يأخذ أحد منكم ركوب دابة أو عارية متاع يشترطه من أجل قرض ورقه (2). وما رواه خالد بن الحجاج قال: جاء الربا من قبل الشروط، وإنما يفسده الشروط (3). وما رواه الوليد بن صبيح، عن الصادق - عليه السلام - الذهب بالذهب والفضة بالفضة والفضل بينهما هو [ الربا ] المنكر (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 204 صدر ح 462، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب الدين والقرض ح 9 ج 13 ص 105.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 203 ح 457، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب الدين والقرض ح 11 ج 13 ص 106.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 112 ح 483، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الصرف ح 1 ج 12 ص 476.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 98 ح 421، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الصرف ح 2 ج 12 ص 457.

[ 309 ]

ولأن البيع بالمحاباة نفع، وهو مشترط في القرض فيجب أن يكون حراما. ولأنه ربا فيكون حراما بالاجماع، وبيان الأول: أن الربا هو الزيادة من غير عوض لغة وشرعا. ولأنه لو جاز اشتراط بيع المحاباة من القرض لجاز اشتراط الهبة والعارية، لأن كل منهما عقد لو انفرد لأفاد الحل، ومع اشتراطه في القرض يحرم. ولأن الروايات قد اختلفت في الإباحة والتحريم، فيحكم بالتحريم للاحتياط. والجواب عن الروايات: بعد سلامة سندها أنها دالة على الكراهة لا على التحريم على أنا نقول: الرواية الأولى - وهي صحيحة - معارضة برواية محمد بن مسلم، ونقول بموجب الرواية الثانية، فإن اشتراط النفع بالقرض حرام بالاجماع وهو غير صورة النزاع. وكذا عن الرواية الثالثة فإن كل شرط لو تضمن الربا لكان باطلا بالاجماع، مع أنا نصحح أكثر الشروط بالاجماع، فإذا لا محمل لها إلا مع اشتراط الزيادة في المتساوي جنسا مع عقد البيع، وهذا هو الربا بعينه، وهو غير محل النزاع. وكذ الرابعة فإنها صريحة في تناول الربا، إذ لا قائل بإباحة الفضة بالفضة مع الزيادة ولا الذهب بالذهب مع الزيادة. وعن الثاني بوجهين: الأول: المعارضة بما روي من قولهم - عليهم السلام -: (خير القرض ما جر نفعا) (1)، ولأن المتنازع إباحة البيع بالمحاباة

(1) الكافي: باب القرض يجر المنفعة ج 5 ص 255 ح 3، وسائل الشيعة: باب 19 من أبواب الدين والقرض ح 6 ج 13 ص 105.

[ 310 ]

مع اشتراط القرض لا العكس. وعن الثالث: أن مجرد الزيادة ليس حراما بالاجماع، وإنما المحرم الزيادة مع تساوي الجنس وعقد البيع. وعن الرابع: بالمنع من الملازمة. سلمنا، لكن نمنع استحالة الثاني، بل يجوز الهبة والعارية. لا يقال: حديث محمد بن قيس يقتضي منعهما. لأنا نقول: محمد بن قيس مشترك بين أشخاص، منهم من طعن فيه، ولعل الراوي ذلك الشخص، فلا يجوز التعويل على مثل هذه، لما عرفت من أن الاسم المشترك بين العدل وغيره لا يجوز العمل بالرواية المشتملة عليه، إلا بعد بيان أنه العدل. وعن الخامس: أن الأدلة إذا تعارضت تساقطت ورجع إلى حكم الأصل، وهو ها هنا الإباحة. وإنما أطنبنا الكلام في هذه المسألة لعموم البلوى بها وكثرة استعمال ما يتضمنها، وبالله التوفيق. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2): إذا باعه بشرط ألا خسارة عليه بطل الشرط، وهو الأشهر. وفي الاستبصار: ما يشعر بجوازه فإنه قال: من باع من رجل شيئا على أنه إن ربح كان بينهما، وإن خسر لا يلزمه شئ. ثم صدر الباب بما رواه عن أبي الربيع الشامي، عن الصادق - عليه السلام - في رجل شارك رجلا في جارية فقال له: إن ربحت فلك وإن وضعت فليس عليك شئ، فقال:

(1) المبسوط: ج 2 ص 148 - 149.
(2) الخلاف: ج 3 ص 157 المسألة 249.

[ 311 ]

لا بأس بذلك إن كانت الجارية للقائل بذلك (1). ومن عادته في هذا الكتاب أن يصدر الباب بما يعتمد عليه. ثم قال: فأما ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن عبد الملك بن عتبة قال: سألت أبا الحسن موسى - عليه السلام - عن الرجل ابتاع منه طعاما أو ابتاع متاعا على أن ليس علي منه وضيعة هل يستقيم هذا؟ وكيف يستقيم؟ وحد ذلك؟ قال: لا ينبغي. ثم قال: الوجه فيه أن يحمله على ضرب من الكراهة دون الحظر (2). وهذا يعطي جواز البيع والشرط عند الشيخ. والمعتمد بطلانهما معا، لحديث عبد الملك بن عتبة فإنه صحيح السند، وحمل الشيخ ممنوع. وأما ما رواه الشيخ أولا فإنا نقول بموجبه، إذ نفي البأس في ذلك لا يستلزم التمليك، فنقول: يجوز مثل ذلك على سبيل التبرع لا الوجوب، وسند رواية الشيخ عندي لم يثبت صحته.

(1) الاستبصار: ج 3 ص 83 ح 1، وسائل الشيعة: باب 14 من أبواب بيع الحيوان ح 1 ج 13 ص 42.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 84 ح 2 وذيله، وسائل الشيعة: باب 14 من أبواب بيع الحيوان ح 2 ج 13 ص 43.

[ 312 ]

الفصل التاسع عشر في اللواحق مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا اشترى دارا أو أرضا ثم علم بعد ذلك أن صاحبها قد أخذ شيئا من الطريق فيها لم يكن عليه شئ إذا لم يتميز له الطريق، فإذا تميز له وجب عليه رده إليها (1). وتبعه ابن إدريس (2). والأقوى عندي أنه يجب عليه اجتناب هذا الموضع، لاشتباهه في كل جزء من أجزائه بين المحلل والمحرم مع العلم بأن فيه شيئا محرما. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا كان للانسان في يده دارا وأرض ورثها عن أبيه عن جده غير أنه يعلم أنها لم تكن ملكا لهم وإنما كانت ملكا للغير ولا يعرف المالك لم يجز له أن يبيعها، بل ينبغي له أن يتركها بحالها، وإن أراد بيعها، فليبع تصرفه فيها ولا يبع أصلها على حال (3). وقال ابن إدريس: يمكن أن يقال: إنما كان الأمر على ما ذكر في هذا الحديث، والوجه في ذلك: وكيف يجوز له تركها في يده ويبيع ما جاز له بيعه وهو يعلم أنه لم يكن لمورثه أن هذه الدار لم يحط علمه بأنها قد

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 226 - 227.
(2) السرائر: ج 2 ص 380.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 227 - 228.

[ 313 ]

غصبت؟ وإنما قال في الحديث: لم يكن لمورثه، ومن كان بيده شئ ولم يعلم لمن هو فسبيله سبيل اللقطة. فبعد التعريف المشروع يملك التصرف، فجاز أن يبيع ماله فيها، وهو التصرف الذي ذكره في الخبر دون رقبة الأرض إذا كانت في الأرض المفتتحة عنوة، فهذا وجه في تأويل هذا الحديث، وبعد هذا كله فهذه أخبار آحاد أوردها شيخنا في النهاية لئلا يشذ من الأخبار شئ (1). أقول: ليس بعيدا من الصواب أن يكون المراد بقوله: (فليبع تصرفه فيها) أي الالات الموجودة من الأبنية والسقوف، ولا يلزم من كون الدار ليست له كونها غصبا، بل جاز أن يكون عارية وهو الظاهر، إذ تصرف المسلم إنما يبنى في الظاهر على المشروع. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لو نصب نفسه لبيع الامتعة كان له أجر البيع على البائع، ولو نصب نفسه للشراء كان أجره على المبتاع، فإن كان ممن يبيع ويشتري كان له أجرة على ما يبيع من جهة البائع وأجرة على ما يشتري من جهة المبتاع (2). وقال ابن إدريس: ليس قصد الشيخ في ذلك أن يكون في عقد واحد بائعا مشتريا، بل يكون تارة يبيع وتارة يشتري في عقدين، لأن العقد لا يكون إلا بين اثنين (3). وليس بجيد، لأنا نجوز كون الشخص الواحد وكيلا للمتعاقدين، كالأب يبيع على ولده من ولده الآخر، وحينئذ يستحق أجرة البيع على من أمره وأجر

(1) السرائر: ج 2 ص 380.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 188.
(3) السرائر: ج 2 ص 338.

[ 314 ]

الشراء على من أمره. وقوله: (العقد لا يكون إلا بين اثنين) قلنا: مسلم وهو هنا كذلك، لتعدد المنتسب إليه، كالأب العاقد عن ولده. مسألة: لو دفع إلى السمسار متاعا فباعه من غير أن يأمره المالك قال الشيخ في النهاية: يتخير المالك في الفسخ والامضاء (1). وقال ابن إدريس: يكون العقد باطلا (2). والحق الأول، وقد تقدم البحث في صحة بيع الفضولي وأنه موقوف على الاجازة. مسألة: لو أمره بالبيع ولم يذكر له النقد ولا النسيئة فباع نسيئة، وكذا إن قال: بعه نقدا فباعه نسيئة، وقال: بعها نسيئة بدراهم فباعها نقدا بدون ذلك قال الشيخ: يتخير البائع في الفسخ، لمخالفته ما أمره به، وبين الامضاء، وجرى ذلك مجرى عقد الفضولي في نفس العقد (3). وقال ابن إدريس: يبطل جميع ذلك (4). والحق الأول، لما تقدم. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا اختلف الواسطة وصاحب المتاع فقال الواسطة: قلت لي: بعه بكذا وقال المالك: بأكثر ولا بينة قدم قول المالك مع اليمين، وله أن يأخذ المتاع إذا وجده بعينه، وإن كان قد أحدث فيه ما ينقصه أو استهلك ضمن الواسطة من الثمن ما حلف عليه صاحب المتاع (5). وقال ابن إدريس: يتخير المالك في الرجوع على أيهما شاء بقيمته أكثر ما كانت إلى يوم الهلاك، فإن رجع على الواسطة لم يكن للواسطة أن يرجع

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 188.
(2) السرائر: ج 2 ص 338.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 189.
(4) السرائر: ج 2 ص 339.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 189 - 191.

[ 315 ]

على المشتري، لأنه يقول لصاحبه: ظلمني، فكيف يرجع بالظلم على غير الظالم؟ فأما إن رجع على المشتري فللمشتري أن يرجع على الواسطة بمنافعه التي ضمنها التي لم يحصل له في مقابلتها نفع، فأما الثمن فلا يرجع عليه به، لأن الاتلاف قد حصل في يده، فإن اختلفا في القيمة كان القول قول الجاحد، لزيادة ما اتفقا عليه - وهو الواسطة أو المشتري - وعلى المالك البينة، وقول الشيخ: (إن الواسطة يضمن ما حلف عليه صاحب المتاع) غير واضح، لأن صاحب المتاع المدعي للزيادة فعليه البينة، ولا يكون القول قوله في ذلك مع اليمين (1). وقول ابن إدريس جيد، ويحمل قول الشيخ على ما إذا ادعى البائع الإذن بما يساوي القيمة. مسألة: لو قال للواسطة: بعه بكذا فباعه بأقل قال الشيخ: يكون الواسطة ضامنا لتمام القيمة إلى أن يسلمها إلى صاحب المتاع على الكمال (2). وقال ابن إدريس: البيع باطل (3). وليس بجيد. والأقرب أن نقول: إن كانت السلعة قائمة كان للمالك أخذها من يد المشتري، وله أن يطالب الواسطة بتحصيلها، فإن تعذر كان على الواسطة القيمة. لنا: أن الواسطة باع بيع الفضولي فيكون موقوفا على رضى المالك، فإن رضي كان له ما انعقد عليه البيع من الثمن، وإن لم يرض كان البيع باطلا فله أخذ عينه، فإن تعذرت كان له القيمة.

(1) السرائر: ج 2 ص 339 - 340.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 191.
(3) السرائر: ج 2 ص 340.

[ 316 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: والضمان في جودة المال، والمبيع على المبتاع، والبائع دون الواسطة في الابتياع (1). وقال ابن إدريس: الشيخ ذهب في النهاية إلى أن الدرك والعهدة على المتبايعين دون الواسطة، لأنه وكيل فيرجع على الموكل في جميع ما يعاد من الاستدراكات والاستحقاقات. إلا أنه ذهب في الجزء الثاني من الخلاف في كتاب الرهن فقال: إذا باع العدل الرهن بتوكيل الراهن وقبض الثمن وضاع في يده واستحق المبيع من يد المشتري فإنه يرجع على الوكيل والوكيل يرجع على الراهن، وكذا كل وكيل باع شيئا فاستحق وضاع الثمن في يد الوكيل فإن المشتري يرجع على الوكيل والوكيل على الموكل، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي في جميع هذه المسائل: يرجع على الموكل. ثم - رحمه الله - رجع في كتاب التفليس إلى ما اختاره في النهاية فقال: إذا باع الوكيل على رجل ماله أو الولي مثل الأب والجد والحاكم وأمينه والوصي ثم استحق المال على المشتري فإن ضمان العهدة يجب على من يبيع عليه ماله، فإن كان حيا كان في ذمته، وإن كان ميتا كانت العهدة في تركته، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يجب على الوكيل. فاختار - رحمه الله - في كتاب الرهن قول أبي حنيفة، واختار في التفليس قول الشافعي، لأن الأصل براءة الذمة، ولا دليل على لزوم الوكيل (2) والشيخ في النهاية لم ينص على ما قاله ابن إدريس عنه. ويحتمل أن يقال: لا استبعاد في أن يكون الوكيل في المسألة التي ذكرها الشيخ في الرهن هو المرتهن، فإذا قبض لنفسه كان للمالك أخذ

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 191.
(2) السرائر: ج 2 ص 340 - 341.

[ 317 ]

الثمن منه ويرجع هو على الراهن، أو أن المشتري جهل الوكالة ولم ينسب الوكيل البيع إليه، ويكون الوكيل في المسألة الثانية هو الجد أو الأب، فإن الرجوع هنا حينئذ يكون عليهما. وبالجملة فالرجوع على الموكل، إلا في ما صورناه نحن. مسألة: قال ابن الجنيد: العربون من جملة الثمن، ولو شرط المشتري على البائع أنه إن جاء بالثمن وإلا فالعربون له كان ذلك عوضا عما منعه ذلك من النفع، وهو التصرف في سلعته. والمعتمد أنه يكون من جملة الثمن، فإن امتنع المشتري من دفع الثمن وفسخ البائع العقد وجب عليه رد العربون. لنا: الأصل بقاء الملك على المشتري، فلا ينتقل منه إلا بوجه شرعي. وما رواه وهب، عن الصادق - عليه السلام - قال: كان أمير المؤمنين - عليه السلام - يقول: لا يجوز بيع العربون إلا أن يكون هذا من الثمن (1). احتج بقوله - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) (2). والجواب: المراد الشروط السائغة. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو قدم عربونا ثم قدم المشتري كان البيع له لازما، ولو تقدم البائع إلى السلطان فباع السلعة بما تساوي كان الثمن للمشتري وللبائع استيفاء ما باعه بعد ما أخذه من العربون، وإن فضل شئ كان للمشتري، فإن بقي للبائع كان دينا على المشتري ويكون ذلك بعد ما

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 234 ح 1021، وسائل الشيعة: باب 28 من أبواب أحكام العقود ح 1 ج 12 ص 405.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ح 1503، وسائل الشيعة: باب 20 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 30.

[ 318 ]

مضى أجل إن كان بينهما أو ثلاثة أيام من عقد البيع. والتحقيق أن نقول: إن فسخ البائع البيع لتعذر الثمن الحال كان الفاضل له وعليه رد العربون، وإن لم يفسخه كان للمشتري فسخ البيع إن شاء والامضاء، ولا يحتاج إلى مضي مدة من وقت البيع. مسألة: قال ابن الجنيد: إذا اشترى طعاما في ظرف بوزن صدق بائعه على قدره فاعتبره، والأحوط له إن خرج زائدا أن يوفي البائع ثمن الزيادة، وخاصة إذا كانت فاحشة، وإن خرج ناقصا فله ثمن النقصان. والتحقيق: أن عليه رد الزيادة إذا كانت فاحشة، وإن كانت مما تختلف بها الموازين لم يجب ردها ولا رد ثمنها. قال: وكذا القول في الظرف إذا وضع قدر وزنه فإن كان ذلك مما يختلف كالعدل يشتريه على أن فيه خمسين ثوبا بألف درهم فيجدها أحدا وخمسين ثوبا فذلك البيع باطل، وإن وجده تسعة وأربعين فالبيع صحيح، وذلك كالسلعة المعيبة، وله إن شاء ارتجع قيمة الثوب بقسطه من الثمن أو ثوبا من نظائر الثياب، وإن شاء رد السلعة كلها وأخذ الثمن، ولو كان شراؤه للعدل كل ثوب بعشرة دراهم كان البيع في الزيادة والنقصان صحيحا وثمن الثوب لمستحقه. والمعتمد أن نقول: يبطل البيع في صورة الزيادة، وأما في صورة النقصان فله من الثوب الناقص بقسطه من الثمن، وليس له المطالبة بثوب من نظائر الثياب، لأن العقد وقع على عين معينة فلا يجوز التخطي، ولو كان قد اشترى للعدل كل ثوب بعشرة دراهم فإن كان البائع والمشتري عالمين بالعدد صح وكان حكمه كالأول، وإن جهل أحدهما بطل البيع. مسألة: قال أبو الصلاح: إذا كان البيع فاسدا مما يصح التصرف فيه للتراضي فلكل واحد منهما الرجوع بعين ما رضي بتسليمه خاصة، فإن هلكت

[ 319 ]

العين في يد أحدهما لم يصح الرجوع (1). والمعتمد أنه يصح الرجوع، فيكون لمن تلفت سلعته القيمة. مسألة: قال ابن حمزة: إذا باع أحد بيعا فاسدا وانتفع به المبتاع ولم يعلما بفساده ثم عرفاه واسترد البائع المبيع لم يكن له استرداد ثمن ما انتفع به، واسترداد الولد إن حملت الأم عنده وولدت، لأنه لو تلف لكان له من ماله، والخراج بالضمان (2). والمعتمد أن النماء للبائع، لأن الملك باق عليه، والنماء يتبع الملك، وقوله - عليه السلام -: (الخراج بالضمان) (3) محمول على الصحيح، وإلا لكان الغاصب مالكا للمنافع، لدخول الأصل تحت ضمانه. مسألة: قال ابن حمزة: بيع الاقالة إنما يصح بأربعة شروط: أحدها: أن يبيع ما يكون من ذوات الامثال (4). وعني ببيع الاقالة: أن يبيع على شرط أن يقيل البيع في وقت كذا بمثل الثمن الذي باعه به. والمعتمد أنه لا يشترط ذلك، لا في البيع ولا في ثمنه. لنا: إنه عقد يتضمن شرطا سائغا فكان صحيحا، ولا فرق بين المثلي وغيره. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا هلك المبيع قبل القبض هلك على ملك البائع وبطل الثمن، فإن كان مقبوضا رده، وإن كان غير مقبوض سقط عن المشتري (5)، وأطلق.

(1) الكافي في الفقه: ص 355.
(2) الوسيلة: ص 255.
(3) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 754 ح 2243.
(4) الوسيلة: ص 249. (5) المبسوط: ج 2 ص 86.

[ 320 ]

وقال أبو الصلاح - ونعم ما قال -: لو تلف البعض تخير المشتري بين فسخ البيع وبين قبض السالم واسقاط ثمن الهالك بحساب البيع ومطالبته بقيمته يوم طالبه فامتنع من التسليم، فإن هلك جملة البيع لم يكن له إلا ما نقد من الثمن، فإن كان لتعد من البائع أو لمنع واجب فالمبتاع بالخيار بين المطالبة بما نقد وبين قيمته يوم استحق تسليمه، فإن كان تأخيره من قبل المبتاع فهلاكه ونقصه من ماله (1). لنا: إن البيع ناقل فكانت العين مضمونة في يد البائع بالمثل إن كانت مثلية، والقيمة إن كانت من ذوات القيم إن تعذر المثل، خرج عنه لو تلف قبل منع البائع بالاجماع الدال على فسخ البيع، فيبقى الباقي على الأصل. ولأن القدرة على التسليم شرط في البيع وقد فقدت، إذ لا يجب التسليم إلا وقت الطلب فيبطل البيع، بخلاف صورة النزاع، وكذا إذا كان تأخيره من قبل المشتري. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: بعتك هذه الثمرة بأربعة آلاف درهم إلا ما يخص ألفا منها صح، ويكون المبيع ثلاثة أرباعها، لأنه يخص ألفا منها ربعها، وإن قال: إلا ما يساوي ألفا منها بسعر اليوم بطل، لأن ما يساوي ألف درهم من الثمرة لا يدري قدره فيكون مجهولا (2)، وتبعه ابن البراج (3). وفيه نظر. أما الأول: فلأن ما يخص ألفا منها ليس هو الربح بعد الاستثناء بل أقل منه، وقبل الاستثناء لا اعتبار به، وحينئذ لا يعرف قدر ما يخص الألف إلا بعد معرفة قدر المبيع، ولا يعرف قدر المبيع إلا بعد تحقق ما

(1) الكافي في الفقه: ص 355.
(2) المبسوط: ج 2 ص 116.
(3) المهذب: ج 1 ص 382.

[ 321 ]

يخص الألف وذلك دور. والحق أن نقول: يصح البيع في أربعة أخماس الثمرة بجميع الثمن، وطريقته أن نقول: صح البيع في الثمرة إلا شيئا منها بأربعة آلاف، فالثمرة بأجمعها في مقابلة خمسة آلاف، لأن الشئ في مقابلة ألف، لأنا قلنا: إنه يخص ألفا هذا إن عرفا ذلك حالة البيع، وإلا بطل، للجهالة. وأما الثاني: فلأن المتبايعين لو عرفا حالة العقد ما يساوي الألف لم تبق جهالة. مسألة: قال في المبسوط: إذا اشترى شيئا ووجده معيبا ولم يقبض وفسخ فإن كان قد حصل منه نماء فهو للبائع، لقوله - عليه السلام -: (الخراج بالضمان)، وإن كان بعد القبض فالنماء للمشتري (1). والأقرب أن النماء للمشتري مطلقا، كما لو قبض لانتقال الملك إليه في الموضعين، والنماء تابع له. مسألة: المشهور أن المقبوض بالسوم مضمون كالمقبوض بالبيع الفاسد. وقال ابن إدريس: لا يكون مضمونا (2)، وهو الأقرب. وله قول آخر في باب الغصب: إنه مضمون (3). لنا: الأصل عدم الضمان. ولأن القابض قبضه على وجه التغليب، بحيث إن استصلحه البائع اشتراه، وإلا رده على المالك فيكون أمانة في يده فلا يضمنها القابض. احتجوا بعموم قوله - عليه السلام -: (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) (4).

(1) المبسوط: ج 2 ص 126، (2) السرائر: ج 2 ص 86.
(3) السرائر: ج 2 ص 491.
(4) سنن البيهقي: ج 6 ص 95.

[ 322 ]

والجواب: ليس ذلك على العموم بالاجماع، فيخص صورة النزاع بما يخص به الامانات. مسألة: منع الشيخ في المبسوط من بيع الجاني عمدا (1). والأجود الجواز. لنا: إنه مملوك يصح بيعه قبل الجناية، فكذا بعدها. ولأن الجناية لم تخرجه عن ملكية المالك، وكل ملك يجوز بيعه، إلا أن يمنع منه مانع شرعي، والأصل عدمه. احتج الشيخ بتعلق حق المجني عليه به، فإن له أن يملكه. والجواب: لا نسلم أن مجرد تعلق حق المجني عليه يمنع من بيعه، بل يصح بيعه ويكون المجني عليه على حاله إن شاء تملكه وأبطل البيع، وإن شاء اقتص منه، وإن شاء طالب بالدية إذا رضي المولى بدفعها. مسألة: يجوز بيع الحنطة زرعا في سنبلها، وبه قال الشيخ في الخلاف في موضعين منه، واستدل عليه بالاية، والأصل، وبأحاديث دالة على جواز بيع السنبل إذا اشتد من غير تفصيل (2). وقال في موضع آخر من الخلاف: إذا باع زرعا بشرط أن يحصده وكان الزرع مما يجوز بيعه إما أن يكون قصيلا أو يكون قد عقد الحب واشتد وهو شعير - لأن بيع سنبل الشعير جائز، ولا يجوز بيع سنبل الحنطة، لأنه في غلاف - كان البيع صحيحا (3). وهذا تصريح منه بالمنع من بيع سنبل الحنطة، والحق الأول، لما تقدم.

(1) المبسوط: ج 2 ص 135 - 136.
(2) الخلاف: ج 3 ص 91 المسألة 147.
(3) الخلاف: ج 3 ص 161 المسألة 257.

[ 323 ]

مسألة: قال في الخلاف (1) والمبسوط (2): إذا ادعى عمرو عبدا في يد زيد وأقام البينة أنه له اشتراه من زيد وأقام زيد البينة أنه له اشتراه من عمرو فالبينة بينة الخارج وهو عمرو، لأنه المدعي. مع أنه في الخلاف قال في كتاب القضاء: أن البينة بينة الداخل، سواء أطلقت البينتان أو ذكر السبب (3). والمعتمد أن نقول: إن اختلف الزمان حكم للمتأخر، وإن اتحد احتمل التساقط والرجوع إلى الأصل: وهو الحكم به لذي اليد وتقديم الخارج. وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. مسألة: قال في المبسوط: إذا باع جارية بيعا فاسدا فوطأها المشتري ثم ولدت كان الولد حرا وعليه قيمته للبائع يوم سقط حيا، فإن ملكها المشتري بعد ذلك بعقد صحيح صارت أم ولد (4). وفيه نظر، للمنع من صيرورتها أم ولد، لأنها لم تتعلق به في ملكه، وكون الولد حرا لا يوجب كونها أم ولد. وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لا يجوز أن يشتري طعاما على أن يطبخه إجماعا، وقد روي في أخبارنا جوازه (5). والظاهر أن مراد الشيخ بالاجماع هنا إجماع الجمهور، فإنهم يقولون بذلك. والحق جوازه، عملا بقوله - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) (6).

(1) الخلاف: ج 3 ص 130 المسألة 217.
(2) المبسوط: ج 2 ص 140.
(3) الخلاف: ج 3 ص 354 المسألة 3، طبعة اسماعيليان.
(4) المبسوط: ج 2 ص 149 - 150.
(5) المبسوط: ج 2 ص 194.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ذيل ح 1503، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب المهور ذيل ح 4 ج 15 ص 30.

[ 324 ]

مسألة: المشهور أن العيوب التي يرد بها المملوك إلى سنة هي: الجنون والجذام والبرص. وقال الصدوق: وترد الجارية والمملوك من أحداث السنة: مثل الجنون والجذام والبرص وغير ذلك من الزمانات ما بينه وبين سنة (1). والمعتمد الأول. لنا: الأصل الصحة. وأما الروايات فأصح ما بلغنا في هذا الباب ما رواه أبو همام في الصحيح، عن الرضا - عليه السلام - قال: يرد المملوك من أحداث السنة الجنون والجذام والبرص (2). وقد روي عن علي بن أسباط، عن الرضا - عليه السلام - مثل ذلك، وأضاف القرن (3). وفي رواية محمد بن علي قال: سمعت الرضا - عليه السلام - يقول: يرد المملوك من أحداث السنة من الجنون والجذام والبرص والقرن (4). مسألة: قال الشيخ في الخلاف: لو أذن لمملوك غيره أن يشتري نفسه له من مولاه بكذا فاشتراه به لا يصح، لأنه ليس له التصرف إلا بإذن مولاه، وإذا اشترى العبد نفسه من مولاه لغيره فصدقه ذلك الغير أو لم يصدقه لم يكن البيع صحيحا ولا يلزمه شي (5). والوجه عندي الصحة في المسألتين معا، والإذن هنا ثابت، فإن عقد البيع وقع معه برضى منه بفعله.

(1) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 63 ح 273، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب أحكام العيوب ح 2 ج 12 ص 411.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 63 ح 274، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب أحكام العيوب ح 4 ج 12 ص 412.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 64 ح 275، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب أحكام العيوب ذيل الحديث 2 ج 12 ص 412.
(5) الخلاف: ج 3 ص 216 - 217 المسألة 36 - 37.

[ 325 ]

الفصل العشرون في الشفعة مسألة: قال الشيخ في النهاية: كل شئ كان بين شريكين من ضياع أو عقار أو حيوان أو متاع ثم باع أحدهما نصيبه كان لشريكه المطالبة بالشفعة (1). وهذا يقتضي إيجاب الشفعة في المنقولات. ثم قال: ولا شفعة في ما لا يصح قسمته (2). وقال في الخلاف: لا شفعة في السفينة وكل ما يمكن نقله من الثياب والحيوان والحبوب والسفن وغير ذلك عند أكثر أصحابنا، وعلى الظاهر من رواياتهم، وحكي عن مالك: أن الشفعة في كل شئ من الأموال والثياب والطعام والحبوب والحيوان، وفي أصحابنا من قال بذلك وهو اختيار المرتضى - رحمه الله - (3). وقال في المبسوط: الأشياء في الشفعة على ثلاثة أضرب: ما يجب فيه الشفعة متبوعا مقصودا، كالعراص والأراضي البراح (4). وما لا يجب فيه تابعا ولا متبوعا بحال، وكل ما ينقل ويحول غير متصل، كالحيوان والثياب

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 228. (2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 229.
(3) الخلاف: ج 3 ص 425 المسألة 1.
(4) الأراضي البراح: ما لا سترة فيه من شجر وغيره.

[ 326 ]

والحبوب والسفن ونحو ذلك لا شفعة فيه، وفي أصحابنا من أوجب الشفعة في ذلك. وما يجب فيه تابعا ولا متبوعا، وهو كل ما كان في الأرض من بناء وأصل (1). ولم يصرح المفيد في المقنعة بشئ، بل قال: الشفعة واجبة في كل مشاع إذا كان الملك مشتركا بين اثنين (2). وقال الصدوق في المقنع: لا شفعة في سفينة ولا طريق ولا حمام ولا رحى ولا نهر ولا ثوب ولا في شئ مقسوم، وهي واجبة في كل شئ ما عدا ذلك من حيوان وأرض ورقيق وعقار (3). ورواه في كتاب من لا يحضره الفقيه (4). وقال أبوه: الشفعة واجبة في كل شئ من حيوان أو عقار أو رقيق إذا كان الشئ بين الشريكين، وليس في الطريق شفعة ولا في نهر ولا في رحى ولا في حمام ولا في ثوب ولا في شئ مقسوم. وقال ابن أبي عقيل: لا شفعة في سفينة ولا في رقيق. وقال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية إثباتهم حق الشفعة في كل شئ من المبيعات من عقار وضيعة ومتاع وعروض وحيوان، وكان ذلك مما يحتمل القسمة أو لا يحتملها (5). وكذا مذهب ابن الجنيد، وأبي الصلاح (6).

(1) المبسوط: ج 3 ص 106 - 107.
(2) المقنعة: ص 618.
(3) المقنع: ص 135.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 78 ح 3374 وص 79 ح 3377، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الشفعة ح 2 ج 17 ص 321 وب 8 ح 1 ج 17 ص 322.
(5) الانتصار: ص 215.
(6) الكافي في الفقه: 362.

[ 327 ]

والظاهر من كلام سلار اختصاص الشفعة بالأملاك (1). وأما ابن البراج فإنه عمم ثبوت الشفعة (2)، كالسيد المرتضى، وابن الجنيد. وكذا ابن إدريس (3)، وابن حمزة (4) تابع قول الشيخ قي المبسوط، وهو قول والدي - رحمه الله -، وهو قول الطبرسي. والمعتمد أنها إنما تثبت في ما تصح قسمته خاصة، إلا المملوك. لنا: الأصل عدم الشفعة وبقاء الملك على المشتري، خرج عنه ما تصح قسمته، للنص، ولمعنى لم يوجد في غيره وهو التضرر بالقسمة، فيبقى الباقي على الأصل. وما رواه سليمان بن خالد، عن الصادق - عليه السلام - قال: ليس في الحيوان شفعة (5). وفي الموثق عن السكوني، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: لا شفعة في سفينة ولا في نهر ولا في طريق (6). وعن طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن علي - عليه السلام - قال: لا شفعة إلا لشريك مقاسم (7).

(1) المراسم: ص 183.
(2) المهذب: ج 1 ص 458.
(3) السرائر: ج 2 ص 389.
(4) الوسيلة: ص 298.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 165 ح 733، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الشفعة ح 6 ج 17 ص 322.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 166 ح 738، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الشفعة ح 1 ج 17 ص 322.
(7) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 167 ح 741، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الشفعة: ح 1 ج 17 ص 325.

[ 328 ]

وعن عقبة بن خالد، عن الصادق - عليه السلام - قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وآله - بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن وقال: لا ضرر ولا إضرار، وقال: إذا أرفت الأرض وحدت الحدود فلا شفعة (1). وهو يدل بمفهومه على انتفاء الشفعة عن غير الأرضين والمساكن، أما أولا: فلتعليق الحكم عليهما، وأما ثانيا: فلقوله - عليه السلام -: (لا ضرر ولا إضرار) (2). وأما الثاني: وهو ثبوتها في المملوك، فلما رواه الشيخ في الصحيح، عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: في المملوك بين شركاء فيبيع أحدهم نصيبه فيقول صاحبه: أنا أحق به أله ذلك؟ قال: نعم إذا كان واحدا، فقيل له: في الحيوان شفعة؟ فقال: لا (3). وهو كما يدل على ثبوت الشفعة في المملوك يدل على نفيها عن الحيوان. احتج الاخرون بهذا الحديث على ثبوتها في المملوك فيثبت في غيره، إذ لا قائل بالفرق. وبما رواه يونس، عن بعض رجاله، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الشفعة لمن هي؟ وفي أي شئ هي؟ ولمن تصلح؟ وهل يكون في الحيوان شفعة؟ فقال: الشفعة جائزة في كل شئ من حيوان أو أرض أو متاع (4)، الحديث.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 164 ح 727، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الشفعة ح 1 ج 17 ص 319.
(2) سنن البيهقي: ج 6 ص 96.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 166 ح 735، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الشفعة ح 3 ج 17 ص 321.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 164 ح 730، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الشفعة ح 2 ج 17 ص 321.

[ 329 ]

قال ابن إدريس: الاجماع من المسلمين وقع على وجوب الشفعة لأحد الشريكين إذا باع شريكه ما هو بينهما، وعموم الأخبار في ذلك، والأقوال والمخصص يحتاج إلى دليل (1). قال الشيخ في الخلاف - حجة على دعواه -: دليلنا: الأخبار المعتمدة التي ذكرناها في تهذيب الأحكام، وأيضا روى جابر قال: إنما جعل رسول الله - صلى الله عليه وآله - الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. ولفظة (إنما) موضوعة لاشتمال ما يتناوله اللفظ ونفي ما عداه، فكان الظاهر أنه لا شفعة إلا في ما تقع فيه الحدود وتصرف له الطرق، فمن أوجبها في غير هذا فقد خالف ذلك، وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: لا شفعة إلا في ربع أو حائط (2). قال ابن إدريس: تمسك من قال من أصحابنا بما رواه المخالف من قوله - عليه السلام -: (الشفعة في ما لم يقسم) دليل لنا، لأنه - عليه السلام - قال: (في ما لم يقسم) والاشياء المختلف فيها لم تقسم، وقولهم: (أراد ما لم يتقدر القسمة فيه لا شفعة فيه) قول بعيد من الصواب، لأن في ذلك دليل الخطاب، وهو عندنا لا يجوز، على أنه يقال لهم: إذا كنتم تذهبون إلى أن الشفعة وجبت لا زالة الضرر عن الشفيع، وكان هذا المعنى حاصلا في سائر المبيعات لزمكم القول بوجوب الشفعة فيها، وقولهم: (من صفة الضرر الذي تجب الشفعة لازالته إنما يكون حاصلا على الدوام، وهذا إنما يكون في الأرضين) ليس بشئ، لأن الضرر المنقطع أيضا يجب إزالته عقلا كالدائم. قال: ومن أصحابنا من قال: لا يثبت حق الشفعة إلا في ما لا يحتمل القسمة شرعا من العقار والأرضين، ولا

(1) السرائر: ج 2 ص 389.
(2) الخلاف: ج 3 ص 426 المسألة 1.

[ 330 ]

يثبت في ما لا يحتمل القسمة كالحمامات والارحية (1). والجواب عن الأول: نمنع عدم القائل بالفرق، سلمنا، لكن نمنع امتناعه، وإنما يمتنع لو استلزم رفع الاجماع، أما إذا لم يستلزم فلا، والقول بالفرق لا يستلزم خرق الاجماع فكان سائغا. وعن حديث يونس بأنه مرسل وما تلوناه نحن مسند فيكون أولى. وادعاء ابن إدريس الاجماع فأن قصد وقوعه على العموم في جميع الأشياء فهو جهل، إذ الخلاف وقع فيه، وإن قصد بوقوعه على ثبوت الشفعة في نوع ما فأي تخصيص يبقى هناك. واعتراضاته على الشيخ غير واردة، لأن الشيخ تمسك بلفظة (إنما) الدالة على الحصر، وبتمام الحديث وهو قوله: (فإذا وقعت الحدود... إلى آخره) وهذا إنما يتم في الأرض، وهو حذف لفظة (إنما) وباقي الحديث. ثم اعترض على ما أورده واقتصر عليه دون باقي الحديث، والضرر الحاصل بالمنع من الشفعة إنما هو طلب القسمة، وهو إنما يتأتى في الأرض، سلمنا، لكن فرق بين الضرر الدائم والمنقطع. مسألة: المشهور أن الشفعة لا تثبت في المقسوم إذا عرفت السهام وميزت. وقال ابن أبي عقيل: الشفعة في الأموال المشاعة أو المقسومة جميعا، ولا شفعة للجار مع الحائط. وهذا إشعار منه بثبوتها مع الجواز. والمعتمد الأول. لنا: الأصل عدم الشفعة. ولأن المقتضي لثبوت الشفعة دفع أحد الضررين، إما بقاء الشركة أو طلب القسمة وهما منفيان في المقسوم. وما رواه محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: إذا وقعت السهام ارتفعت الشفعة (2)

(1) السرائر: ج 2 ص 389 - 390.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 163 ح 724، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الشفعة ح 4 ج 17 ص 317.

[ 331 ]

وعن أبي العباس البقباق قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: الشفعة لا تكون إلا لشريك (1). وذلك ينفي ثبوت الشفعة للجار والمقسوم أيضا، لانتفاء الشركة. وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا تكون الشفعة إلا لشريكين ما لم يتقاسما، فإذا صاروا ثلاثة فليس لواحد منهم شفعة (2). وفي الموثق عن السكوني، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا شفعة إلا لشريك غير مقاسم (3). احتج ابن أبي عقيل بالعموم الدال على ثبوت الشفعة، وبما رواه منصور ابن حازم في الصحيح قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: دار بين قوم اقتسموها وأخذ كل واحد منهم قطعة فبناها وتركوا بينهم ساحة فيها ممرهم فجاء رجل فاشترى نصيب بعضهم أله ذلك؟ قال: نعم ولكن يسد بابه، وإن أراد صاحب الطريق بيعه فإنهم أحق به، وإلا فهو طريقه يجئ يجلس على ذلك الباب (4). والجواب: بمنع العموم، بل إنما وردت الأحاديث بالشفعة مع الشركة.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 164 ح 725، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الشفعة ح 1 ج 17 ص 315.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 164 ح 729، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الشفعة ح 1 ج 17 ص 316.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 166 ح 737، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الشفعة ح 2 ج 17 ص 316 - 317.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 165 ح 732، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الشفعة ح 2 ج 17 ص 318.

[ 332 ]

وعن الحديث أنا نقول بموجبه، فإنا نثبت الشفعة مع الشركة في الطريق وإن وقعت القسمة. مسألة: قال في النهاية: لا شفعة في ما لا يمكن قسمته كالحمامات والارحية والطرق والأنهار (1). وفي الخلاف: إذا باع شقصا من مشاع لا يجوز قسمته شرعا كالحمام والارحية والدور الضيقة والعضائد الضيقة فلا شفعة فيها (2). وفي المبسوط: إذا باع شقصا من مشاع لا يجوز قسمته شرعا كالحمام والارحية والدور الضيقة والعضائد الضيقة فلا شفعة فيها (3). وبه قال علي بن بابويه، وابن البراج (4)، وسلار (5). وقال السيد المرتضى (6)، وابن الجنيد، وابن إدريس (7): تثبت الشفعة. والمعتمد الأول، لما تقدم. مسألة: اختلف علماؤنا في الشفعة هل تثبت مع زيادة الشركاء على اثنين؟ فمنع منه الشيخان (8)، وعلي بن بابويه، السيد المرتضى (9)، وسلار (10)، وأبو الصلاح (11)، وابن البراج (12)، وابن حمزة (13)،

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 229.
(2) الخلاف: ج 3 ص 441 المسألة 16.
(3) المبسوط: ج 3 ص 119. (4) المهذب: ج 1 ص 458.
(5) المراسم: ص 183.
(6) الانتصار: ص 215.
(7) السرائر: ج 2 ص 390.
(8) المقنعة: ص 618، النهاية ونكتها: ج 2 ص 228.
(9) الانتصار: ص 216.
(10) المراسم: ص 183.
(11) الكافي في الفقه: ص 361.
(12) المهذب: ج 1 ص 453.
(13) الوسيلة: ص 258.

[ 333 ]

والطبرسي (1) وابن زهرة (2)، وقطب الدين الكيدري (3)، وابن إدريس (4)، وأبي - رحمه الله -. والصدوق في المقنع قال فيه: وإن كان الشركاء أكثر من اثنين فلا شفعة لواحد منهم، وروي أن الشفعة على عدد الرجال، وروي أنها تجب لأكثر من اثنين (5). وروي من كتاب من لا يحضره الفقيه عن طلحة بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه - عليهما السلام - قال: قال علي - عليه السلام -: الشفعة على عدد الرجال (6). ثم قال بعد ذلك بروايات: وسئل الصادق - عليه السلام - عن الشفعة لمن هي؟ وفي أي شئ هي؟ وهل تكون في الحيوان شفعة؟ وكيف هي؟ قال: الشفعة واجبة في كل شئ من حيوان أو أرض أو متاع إذا كان الشئ بين الشريكين لا غيرهما فباع أحدهما نصيبه فشريكه أحق به من غيره، فإذا زاد على الإثنين فلا شفعة لأحد منهم. ثم قال: قال مصنف هذا الكتاب: يعني بذلك الشفعة في الحيوان وحده، فأما في غير الحيوان فالشفعة واجبة للشركاء إن كانوا أكثر من اثنين. وتصديق ذلك ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبد الله بن سنان قال: سألته عن مملوك بين شركاء أراد أحدهم بيع نصيبه،

(1) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا. (2) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 528 س 16.
(3) إصباح الشيعة (الينابيع الفقهية): ج 16 ص 341.
(4) السرائر: ج 2 ص 387.
(5) المقنع: ص 135 وليس فيه: (وروي أن الشفعة على عدد الرجال).
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 77 ح 3371، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الشفعة ح 5 ج 17 ص 322.

[ 334 ]

قال: يبيعه، قال: قلت: فإنهما كانا اثنين فأراد أحدهما بيع نصيبه فلما أقدم على البيع قال له شريكه: اعطني، قال: هو أحق به، ثم قال - عليه السلام -: لا شفعة في حيوان إلا أن يكون الشريك فيه واحدا (1). وكذا اختار ابن الجنيد ثبوت الشفعة مع الكثرة. والمعتمد الأول. لنا: الأصل عدم الشفعة، وثبوت الملك للمشتري، خرج منه موضع الاجماع، لنفي ضرر الشركة أو طلب القسمة، فيبقى الباقي على الأصل. وما رواه يونس، عن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا تكون الشفعة إلا لشريكين ما لم يتقاسما، فإذا صاروا ثلاثة فليس لواحد منهم شفعة (2). وعن يونس، عن بعض رجاله، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا كان الشئ بين شريكين لا غيرهما فباع أحدهما نصيبه فشريكه أحق به من غيره، فإن زاد على اثنين فلا شفعة لأحد منهم (3). فلأن ثبوت الشفعة خارج عن حكم الأصل، إذ حكم الأصل تسلط المالك على ملكه وانتفاء ولاية الغير عنه، والمالك ربما نقل الملك إلى المشتري، فتسلط الشفيع عليه خارج عن أحكام الأصول، فيثبت في موضع الاجماع، ويبقى الباقي على حكم المساواة للأصول. احتج الاخرون بأن المقتضي لشفعة - وهي الشركة - ثابت مع الكثرة. ولما رواه السكوني، عن الصادق - عليه السلام - عن أبيه، عن آبائه - عليهم السلام -

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 79 - 80 ح 3377 وذيله وح 3378.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 164 ح 729، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الشفعة ح 1 ج 17 ص 320. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 164 ح 730، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الشفعة ح 2 ج 17 ص 321.

[ 335 ]

عن علي - عليه السلام - قال: الشفعة على عدد الرجال (1). وما رواه منصور بن حازم في الحسن قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن دار فيها دور وطريقهم واحد في عرصة الدار فباع بعضهم منزله من رجل هل لشركائه في الطريق أن يأخذوا بالشفعة؟ فقال: إن كان باع الدار وحول بابها إلى طريق غير ذلك فلا شفعة لهم، وإن باع الطريق مع الدار فلهم الشفعة (2). وفي الصحيح عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: دار بين قوم اقتسموها فأخذ كل واحد منهم قطعة فبناها وتركوا بينهم ساحة فيها ممرهم فجاء رجل فاشترى نصيب بعضهم أله ذلك؟ قال: نعم ولكن يسد بابه، وإن أراد صاحب الطريق بيعه فإنهم أحق به، وإلا فهو طريقه يجئ يجلس على ذلك الباب (3). وعن عقبة بن خالد، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وآله - بالشفعة بين الشركاء (4). وأقل الجمع ثلاثة. والجواب: أن الضرر ينتفي على تقدير ثبوت الشفعة للواحد، أما الكثير فلا، وحينئذ يثبت التفريق بين كثرة الشركاء وعدمها. ورواية السكوني

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 166 ح 736، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الشفعة ح 5 ج 17 ص 322.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 165 ح 731، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الشفعة ح 1 ج 17 ص 318.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 165 ح 732، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الشفعة ح 2 ج 17 ص 318.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 164 ح 727، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الشفعة ح 1 ج 17 ص 319.

[ 336 ]

ضعيفة السند، ورواية منصور بن حازم تدل من حيث المفهوم، مع أنه يجوز أن يراد الاثنان من لفظ الجمع، أو أنه أراد تعميم الحكم بالنسبة إلى المكلفين لا بالنسبة إلى قضية واحدة تشترك فيها جماعة، وكذا الرواية الأخيرة مع منع صحة سندها، وقول هؤلاء لا يخلو من قوة، لصحة حديث منصور بن حازم. وادعاء ابن إدريس (الاجماع على سقوطها مع الكثرة) (1) خطأ. مسألة: اختلف القائلون بثبوت الشفعة مع الكثرة من علمائنا، فنقل الشيخ عنهم أنها تثبت على عدد الرؤوس (2)، وهو الذي اختاره الصدوق (3). وقال ابن الجنيد: الشفعة على قدر السهام من الشركة، ولو حكم بها على عدد الشفعاء جاز ذلك. وقال ابن البراج: وفي أصحابنا من ذهب إلى أن الشركاء إذا زادوا على اثنين كانت الشفعة بينهم بالحصص (4). وهذا الفرع ساقط عنا. ويمكن أن يحتج للصدوق بالرواية المنقولة عن علي - عليه السلام - أن الشفعة تثبت على عدد الرجال (5). ولأن من حصته قليلة لو كان منفردا لأخذ المال بأجمعه كصاحب الأكثر فيتساويان في الاستحقاق، إذ المقتضي هو مطلق الشركة. ويمكن أن يحتج لابن الجنيد بأن المقتضي للشفعة الشركة، والمعلول تزايد بتزايد علته، وينقص بنقصانها إذا كانت قابلة للضعف والشدة.

(1) السرائر: ج 2 ص 387.
(2) المبسوط: ج 3 ص 113.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 80 ذيل الحديث 3377.
(4) المهذب: ج 1 ص 453.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 77 ح 3371، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الشفعة ح 5 ج 17 ص 322.

[ 337 ]

تذنيبان الأول: قال ابن الجنيد: من تأكدت شركته من جهتين أحق بالشفعة ممن كانت من جهة واحدة. الثاني: قال ابن الجنيد: إذا سمح جميع الشركاء بحقوقهم من الشفعة كان لمن لم يسمح بحقه على قدر حقه منها، ولا يلزم أخذ جميعها، إلا أن يختار ذلك. ونقل الشيخ: أنه ليس له ذلك، بل إما أن يترك الجميع أو يأخذ الجميع (1). مسألة: إذا كان الثمن من ذوات الامثال تثبت الشفعة إجماعا، وإن كان من ذوات القيم قال الشيخ في الخلاف: بطلت الشفعة (2). ونقله في المبسوط عن بعض أصحابنا، وقال فيه: إن الشفيع يأخذه بقيمته (3). وبالأول قال الطبرسي (4)، وابن حمزة (5). وبالثاني قال المفيد (6)، وأبو الصلاح (7)، وابن إدريس (8). وقال ابن الجنيد: وإذا انتقل عنه بعوض لم يجعل عوضا عن ثمن تفرد (9) لم

(1) المبسوط: ج 3 ص 114.
(2) الخلاف: ج 3 ص 432 المسألة 7.
(3) المبسوط: ج 3 ص 110 - 111.
(4) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(5) الوسيلة: ص 258. (6) المقنعة: ص 619.
(7) الكافي في الفقه: ص 362.
(8) السرائر: ج 2 ص 385.
(9) كذا في النسخ وفي المطبوع الحجري (مقور).

[ 338 ]

يكن للشفيع شفعة، إلا أن يرد على المشتري تلك العين بذاتها لا قيمتها. والمعتمد الأول. لنا: الأصل عدم الشفعة، وتسليط المشتري على ما انتقل إليه، وعدم تسليط الشفيع عليه، فيثبت خلافه في الموضع المجمع عليه، فيبقى الباقي على الأصل. ولأنه يستلزم معاوضة غير مرضي بها فيبطل، وذلك لأن المشتري إنما رضي ببذل سلعته في مقابلة الشقص، فإذا لم يسلم له وجب أن يسلم له عينه، ولما كان التساوي في الشخص غير مراد ولا معتبر في نظر الشرع، لتساوي أشخاص النوع الواحد في جميع المصالح، والأمور المطلوبة من أي شخص كان لم يعتد، باختلاف أشخاص المال فأوجبنا الشفعة وسلمنا إلى المشتري ما يساوي ماله، أما مع الاختلاف نوعا فإن الاغراض تختلف والمصالح تتفاوت فجاز أن يرغب المشتري إلى سلعته، ولا يسمح ببذلها إلا في عين مخصوصة، فلو أوجبنا الشفعة وجب عينه ولم يسلم له ما طلبه، وذلك مناف للحكمة، بخلاف المجمع عليه، لعود ما يساوي ما له في جميع الأمور المطلوبة للعقلاء، وإنما قلنا ببطلان هذه المعاوضة، لقوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) (1). وما رواه علي بن رئاب، عن الصادق - عليه السلام - في رجل اشترى دارا برقيق ومتاع وبز وجوهر، قال: ليس لأحد فيها شفعة (2). وفي الحسن عن هارون بن حمزة الغنوي، عن الصادق عليه السلام - إلى أن قال: - فهو أحق بها من غيره بالثمن (3).

(1) النساء: 29.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 167 ح 740، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الشفعة ح 1 ج 17 ص 324.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 164 ح 728، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الشفعة ح 1 ج 17 ص 316.

[ 339 ]

وإنما يتحقق ذلك في المثلى، إذ قد بينا أن المراد بالمثل النوعي لا الشخصي. والشيخ احتج على هذا بإجماع الفرقة وأخبارهم، وبأن إيجاب الشفعة في ذلك يحتاج إلى دليل (1). احتج الاخرون بعموم ثبوت الشفعة. والجواب: العموم معارض، وقد يخص بالادلة، ويكون الاعتبار بالخاص. مسألة: المشهور أنه لا شفعة إلا إذا انتقلت الحصة إليه بالبيع، ولو انتقلت بغيره من المعاوضات كالصلح والاجارة والهبة - بعوض وغيره - والاصداق بطلت الشفعة. وقال ابن الجنيد: إذا زال ملك الشريك عنه بهبة منه بعوض شرط يعوضه إياه أو غير عوض كان، للشفيع شفعة فيه، فإن حبس ملكه أو أسكنه لم يكن للشفيع شفعة. لنا: الأصل عدم الشفعة. وما رواه أبو بصير في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن رجل تزوج امرأة على بيت في دار له وله في تلك الدار شركاء، قال: جائز له ولها، ولا شفعة لأحد من الشركاء عليها (2). احتج ابن الجنيد بأن الحكمة الباعثة لايجاب الشفعة في صورة توجيه البيع موجودة في غيره من عقود المعاملات، فلا اعتبار في خصوصية العقود في ذلك

(1) الخلاف: ج 3 ص 432 - 433 المسألة 7.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 167 ح 742، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الشفعة: ح 1 ج 17 ص 325.

[ 340 ]

في نظر الشرع، فإما أن يثبت الحكم في الجميع أو ينتفي عن الجميع، فإثباته عن البعض دون البعض ترجيح من غير مرجح. والجواب: لا يجوز التعليل بها، لعدم انضباطها، فلا بد من ضابط، ولما رأينا صور ثبوت الشفعة موجودة فيها مطلق البيع جعلناه ضابطا للمناسبة والاقتران، على أن القياس عندنا باطل. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2): إذا باع بشرط الخيار للبائع أو لهما فلا شفعة للشفيع، وإن كان للمشتري وجبت الشفعة للشفيع، لأن الملك يثبت للمشتري بنفس العقد، وله المطالبة بعد انقضاء الخيار. وتبعه ابن البراج (3). وقال ابن الجنيد: والبيع إذا كان على خيار المشتري وجبت الشفعة، وإن كان على خيار البائع أو خيارهما لم يجب إلا بعد تمامه، أو أن يطالب المشتري بشفعة يستوجبها بملك العين المعينة على خيار، وهو يناسب ما قاله الشيخ. وقال ابن إدريس: الشفعة يستحقها الشفيع على المشتري بانتقال الملك إليه، والملك عند جميع أصحابنا ينتقل من البائع إلى المشتري بمجرد العقد لا بمضي الخيار وانقضاء الشرط (4)، وهو الأقوى عندي، لأن البيع قد حصل والشفعة تابعة له. لا يقال: إن ذلك يقتضي إسقاط حق البائع من الخيار الثابت في صلب العقد سابقا على حق الشفيع الثابت بعد تحققه. لأنا نقول: إن حق البائع باق، فإن فسخ بطل البيع والشفعة وعاد الملك

(1) الخلاف: ج 3 ص 445 المسألة 21.
(2) المبسوط: ج 3 ص 123.
(3) المهذب: ج 1 ص 455.
(4) السرائر: ج 2 ص 386.

[ 341 ]

إليه، وإن لم يفسخ حتى خرجت المدة ثبتت الشفعة والبيع معا. مسألة: قال الشيخ في النهاية (1) والخلاف (2) والمبسوط (3): حق الشفعة على الفور، فمتى علم الشريك بالبيع وتمكن من المطالبة وأهمل بطلت شفعته. وبه قال ابن البراج (4)، وابن حمزة (5)، والطبرسي (6)، وأبي - رحمه الله -. وقال السيد المرتضى: إنها على التراخي لا تسقط إلا بالاسقاط (7). وبه قال ابن الجنيد، وعلي بن بابويه، وابن إدريس (8)، وهو ظاهر كلام أبي الصلاح فإنه قال: فإن علم بالبيع وأسقط حق المطالبة بطلت الشفعة (9). والمعتمد الأول. لنا: الأصل عدم الشفعة، وعدم التسلط على ملك المشتري بعد ثبوته وثبوت ولاية المشتري على ملكه. ولأنه حق بني على الضيق، لعدم ثبوتها في جميع الأشياء، بل في بعضها لا على أي وجه انتقل ذلك البعض، بل على جهة خاصة، ومبطلاتها أمور كثيرة فلا تناسب مشروعية التأخير في طلبها، لما فيه من التوسعة العظيمة. ولأن ذلك لا ينفك عن ضرر المشتري، لأنه قد لا يرغب إلى عمارة ملكه مع علمه بتزلزله وانتقاله عنه فيؤدي إلى تعطيل ملكه، وذلك ضرر عظيم فيكون منفيا.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 230 - 231.
(2) الخلاف: ج 3 ص 430 المسألة 4.
(3) المبسوط: ج 3 ص 108.
(4) المهذب: ج 1 ص 458 - 459.
(5) الوسيلة: ص 258.
(6) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا. (7) الانتصار: ص 219.
(8) السرائر: ج 2 ص 388.
(9) الكافي في الفقه: ص 361.

[ 342 ]

وما رواه علي بن مهزيار في الحسن قال: سألت أبا جعفر الثاني - عليه السلام - عن رجل طلب شفعة أرض فذهب إلى أن يحضر المال فلم ينض فكيف يصنع صاحب الأرض إن أراد بيعها أيبيعها أو ينتظر مجئ شريكه صاحب الشفعة؟ قال: إن كان معه بالمصر فلينتظر به ثلاثة أيام، فإن أتاه بالمال وإلا فليبع وبطلت شفعته في الأرض، وإن طلب الأجل إلى أن يحمل المال من بلد آخر فلينتظر به مقدار ما يسافر الرجل إلى تلك البلدة وينصرف، وزيادة ثلاثة أيام إذا قدم، فإن وافاه وإلا فلا شفعة له (1). وجه الاستدلال أنه - عليه السلام - حكم ببطلان الشفعة بعد مضي ثلاثة أيام، ولو كان حق الشفعة ثابتا على التراخي لا على الفور لم تبطل شفعته، بل كانت تثبت له متى أحضر الثمن، لأنها تثبت كذلك، وإن لم يطالب فلا تؤثر المطالبة بها الذي هو أحد أسباب وجودها في عدمها. ولأنه خيار لدفع الضرر على المال فكان على الفور كخيار العيب. احتج الاخرون بأنه خيار فلا يبطل بتراخيه كحق القصاص، وبأن البيع سبب في استحقاق الشفعة، والأصل ثبوت الشئ على ما كان عليه عملا بالاستصحاب، فلا يزول إلا لمزيل، والأصل عدمه. احتج المرتضى على دعواه بإجماع الفرقة (2). والشيخ أيضا احتج على نقيضه بالاجماع (3). وقال المرتضى: ويقوي ذلك أن الحقوق في أصول الشريعة وفي العقول أيضا لا تبطل بالامساك عن طلبها، فكيف خرج حق الشفعة عن أصول

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 167 ح 739، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الشفعة: ح 1 ج 17 ص 324.
(2) الانتصار: ص 220.
(3) الخلاف: ج 3 ص 431 المسألة 4.

[ 343 ]

الأحكام الشرعية والعقلية؟ فإن من لم يطلب وديعته أو دينه لا يبطل حقه بالتغافل عن الطلب. ثم اعترض بأن هذه حقوق غير متجددة، وحق الشفعة متجدد. أجاب: بأنا نفرضه متجددا، بأن من حل له أجل دين فقد تجدد له حق ما كان مستمرا، ومع هذا لو أخر المطالبة لم يبطل الحق، وكذا من مات وله قريب فاستحق في الحال ميراثه وعالم بذلك ولم يطالب بالميراث لم يبطل حقه، ونظائره كثيرة. ثم اعترض بأداء هذا القول إلى الاجحاف بالمشتري، لأن المدة إذا تطاولت لم يتمكن المشتري من التصرف في المبيع وهدمه وبنائه وتغيره، لأن للشفيع إزالة ذلك ومطالبته بالازالة، وهو ضرر في حق المشتري. وأجاب: بإمكان التحرز، بأن يعرض المبيع على الشفيع ويبذل تسليمه إليه، فإما أن يتسلم أو يترك شفعته فيزول الضرر عن المشتري، فإن لم يفعل المشتري ذلك كان التفريط من قبله. ثم اعترض على المساواة بين حق الشفعة وحق الرد بالعيب في سقوطها مع التراخي. [ قلنا ] فإن حق الرد بالعيب إنما كان في تأخيره إبطال له من حيث تخفي أمارات العيب، فلا تظهر فتقع الشبهة في وجود العيب، فلزمت المبادرة إلى الرد لهذا المعنى، وذلك غير موجود في حق الشفعة، لأنه يجب بعقد البيع، وذلك مما لا يجوز أن يتغير، ولا يخفى في وقت ويظهر في آخر (1). والجواب عن الأول: بالفرق بين حق القصاص وحق الشفعة، فإن في تأخير الأول نفعا للمأخوذ منه الحق فكان مشروعا سائغا، بخلاف الثاني فافترقا. وعن الثاني: بالمنع من المقدمة الأولى، فإنما المقتضي لثبوت الشفعة حدوث علم العيب لا نفسه، والحدوث يبطل في زمان البقاء، وإذا بطلت العلة بطل معلولها.

(1) الانتصار: ص 220.

[ 344 ]

سلمنا، لكن البيع سبب في استحقاق الشفعة مطلقا، أو في استحقاقها على الفور، وهو نفس النزاع، وهو المطلوب. سلمنا، لكن الاستصحاب ضعيف الدلالة. سلمنا، لكن مع معارضة غيره لا يبقى دليلا. ودعوى المرتضى الاجماع ممنوعة ومعارضة بدعوى الشيخ الاجماع بنقيضها، وليس أحد النقلين أولى من الآخر، ولو فرضنا ثابتين كان العمل على الثاني لتأخيره. وقوله: (الحقوق لا تبطل بترك مطالبتها) قلنا: متى إذا كانت الحقوق على التراخي أو على الفور ممنوع، والفرق بينه وبين حق الدين والاستيداع ظاهر مما تقدم، وهو التضرر بالتأخير هنا دون الأول. وجوابه (عن الضرر اللاحق بالمشتري بالتحرز عنه بعرضه عليه، فإما أن يترك أو يأخذ) ليس بجيد، أما أولا: فلأنه ليس إيجاب ذلك على المشتري لنفع الشفيع أولى من إسقاط حق الشفيع لنفع المشتري، مع أن العرض إنما يثبت له أثر لو لم يعلم الشفيع، فأما إذا علم فالضرر اللاحق به حاصل من جهته. وأما ثانيا: فإن الشفعة إذا كانت على التراخي كان للشفيع أن يقول: الحق لي متى شئت أخذته، ولا يجب الزامه بأخذه حالا كالمدين والمودع. مسألة: لو كان الثمن مؤجلا قال الشيخ في النهاية: أخذ الشفيع في الحال وكان الثمن عليه مؤجلا، فإن لم يكن مليا الزم بإقامة كفيل (1). وقال في المبسوط (2) والخلاف (3): يتخير الشفيع بين أن يأخذ بالثمن حالا

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 231.
(2) المبسوط: ح 3 ص 112.
(3) الخلاف: ج 3 ص 433 المسألة 9.

[ 345 ]

وبين أن يصبر إلى الأجل ويأخذ بالثمن عند الأجل، وهو أحد قوليه. ونقل، في الكتابين عن بعض أصحابنا ما ذكره في النهاية، قال في المبسوط: والصحيح عندي الثاني (1). وفي الخلاف نقل عن بعض أصحابنا ما ذكره في النهاية، قال: وقد ذكرناه في النهاية وهو قوي (2). والأول قول شيخنا المفيد (3)، وابن البراج (4)، وابن إدريس (5). قال المفيد: وإن عجل المال قبل الأجل كان المبتاع بالخيار في قبضه وتأخيره على الضمان له إلى الأجل (6). والثاني قول ابن الجنيد، والطبرسي (7). والمعتمد الأول. لنا: أن حق الشفعة على الفور، فترك الطلب إلى الأجل تأخير للطلب وهو مسقط للشفعة، وأداء الثمن في الحال زيادة صفة في الثمن وهي غير واجبة على الشفيع. وإذ قد تمهدت هاتان المقدمتان فنقول: القول الثاني يستلزم أحد محذورين: إما إسقاط الشفعة على تقدير ثبوتها أو إلزام المشتري بزيادة لا موجب لها، وكلاهما باطل. بيان الشرطية: أنا لو جوزنا له التأخير لزم الأمر الأول، لما تقدم من كونها على الفور وسلم لنا الشيخ ذلك، وإن لم نجوز له التأخير ألزمناه بزيادة صفة في

(1) المبسوط: ج 3 ص 112.
(2) الخلاف: ج 3 ص 433 المسألة 9.
(3) المقنعة: ص 620.
(4) المهذب: ج 1 ص 458.
(5) السرائر: ج 2 ص 388.
(6) المقنعة: ص 620.
(7) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.

[ 346 ]

الثمن: وهو تعجيل الثمن من غير موجب. وأما استحالة الثاني بقسميه فظاهر، فتعين القول الأول. ولأن الرواية دلت على استحقاق الشفعة بالثمن، وعين الثمن الشخصية غير مرادة هنا قطعا بل المماثل، وإنما تتحقق المماثلة بالمساواة في الأجل. احتج الشيخ في الخلاف بأن الشفعة قد وجبت بنفس الشراء، والذمم لا تتساوى، فوجب عليه الثمن حالا أو يصبر إلى وقت الحلول فيطالبه بالشفعة مع الثمن (1). والجواب: لا يلزم من عدم تساوي الذمم بثبوت أحد الأمرين، لإمكان التخلص بالتضمين. مسألة: إذا اختلف المشتري والشفيع في الثمن ولا بينة فالقول قول المشتري مع يمينه بالله تعالى، قاله الشيخ في النهاية (2)، وبه قال المفيد (3)، وسلار (4)، وأبو الصلاح (5)، وابن إدريس (6)، وهو جيد، لأنه العاقد فهو أعرف بالثمن، ولأن الشخص ملكه فلا ينتزع منه بالدعوى بغير بينة. لا يقال: الشفيع غارم ومنكر للزيادة فكان كالغاصب والمتلف والضامن لنصيب شريكه إذا أعتق. لأنا نقول: الشفيع ليس بغارم، لأنه لا شئ عليه، وإنما يطلب تملك الشخص بيمينه، بخلاف الغاصب والمتلف والضامن بالعتق، ولو أقاما بينة

(1) الخلاف: ج 3 ص 434 ذيل المسألة 9.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 232 - 233.
(3) المقنعة: ص 619.
(4) المراسم: ص 183.
(5) الكافي في الفقه: ص 362.
(6) السرائر: ج 2 ص 391.

[ 347 ]

قال الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2): البينة بينة المشتري أيضا. وعلل في المبسوط بأنه الداخل (3)، وفي الخلاف بأنه المدعي لزيادة الثمن والشفيع ينكره فالبينة على المدعي (4). وقال ابن الجنيد: إذا اختلف الشفيع والمشتري في الثمن كانت البينة على الشفيع في قدر الثمن إذا لم يقر له بالشفعة، فإن أقر بها المشتري كانت البينة في قدر الثمن عليه، وإلا كانت يمين الشفيع، لأنه لا يستحق عليه زيادة على ما يقر له به من الثمن. وقال ابن إدريس: البينة بينة الشفيع، لأنه خارج (5). ويحتمل عندي في هذه المسألة أمور ثلاثة: أقواها: تقديم بينة المشتري، لأنها تترجح بقول المشتري، فإنه مقدم على قول الشفيع، وهذا بخلاف الداخل والخارج، لأن بينة الداخل يمكن أن تستند إلى اليد، فلهذا قدمنا بينة الخارج، وفي صورة النزاع البينة تشهد على نفس العقد كشهادة بينة الشفيع. الثاني: تقديم بينة الشفيع، لأنهما بينتان تعارضتا فقدمت بينة من لا يقبل قوله عند عدمها كالداخل والخارج. والثالث: القرعة، لأنهما يتنازعان في العقد، فلا يدلهما عليه، فصارا كالمتنازعين في يد غيرهما. مسألة: اختلف علماؤنا في أن الشفعة هل تورث أم لا؟ قال المفيد (6)، والسيد المرتضى (7): أنها تورث كالاموال، وهو قول ابن الجنيد. وقال الشيخ في النهاية (8) والخلاف (9): إنها لا تورث، وبه قال ابن

(1) (4) الخلاف: ج 3 ص 431 - 432 المسألة 6.
(2) (3) المبسوط: ج 3 ص 110.
(5) السرائر: ج 2 ص 391.
(6) المقنعة: ص 619.
(7) الانتصار: ص 217.
(8) النهاية ونكتها: ج 2 ص 233.
(9) الخلاف: ج 3 ص 436 المسألة 12.

[ 348 ]

البراج (1)، والطبرسي (2)، وابن حمزة (3). وللشيخ قول آخر في كتاب البيوع من الخلاف يدل على أنها تورث، قال: خيار الثلاثة موروث، وكذا إذا مات الشفيع قبل الأخذ بالشفعة قام وارثه مقامه (4)، وهو اختيار ابن إدريس (5)، وهو المختار. لنا: عموم قوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم) (6). ولأنه حق للموروث فانتقل إلى الوارث كغيره من الحقوق. ولأنه خيار ثابت لدفع الضرر عن المال فيورث، كخيار الرد بالعيب. ولأن المقتضي لثبوت الخيار في طرف المورث ثابت في طرف الوارث فيثبت المقتضي، وهو الحق. احتج الشيخ بما رواه طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن علي - عليهم السلام - قال: لا تورث الشفعة (7). ولأن كونها ميراثا يحتاج إلى دليل ولا دليل في الشرع. ولأنه لا يخلو إما أن يملك بما تجدد لهم من الملك أو يملك بالمورث، والأول باطل، لأن ذلك لا يملك به شئ، والثاني باطل، لأن الانسان لا يستحق الشفعة بملك غيره، وباطل أن يكون للشفيع، لأن ملكه زال عنه فلم يبق إلا أنها قد بطلت.

(1) المهذب: ج 1 ص 459.
(2) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(3) الوسيلة: ص 259.
(4) الخلاف: ج 3 ص 27 المسألة 36.
(5) السرائر: ج 2 ص 392. (6) النساء: 12.
(7) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 167 ذيل ح 741 وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الشفعة ح 1 ج 17 ص 325.

[ 349 ]

والجواب عن الأول: بضعف السند، فإن طلحة هذا بتري. وعن الثاني: بقيام الدليل على الإرث، وقد تقدم. وعن الثالث: بالمنع من بطلان الأول. وقوله: (إن ذلك لا يملك به شئ) قلنا: هذا نفس النزاع، فإنا نقول: إن تجدد ملك الوارث عن مورثه سبب لاستحقاق الشفعة. لا يقال: تجدد الملك لا يوجب الشفعة. لأنا نقول: مطلقا أو في غير صورة النزاع ممنوع. سلمنا، لكن لم لا يملك الوارث بملك المورث؟ قوله: (الانسان لا يستحق الشفعة بملك غيره) قلنا: متى إذا لم يكن الغير مورثا، أو إذا كان ممنوعا. مسألة: قال الشيخان (1)، وابن حمزة (2): لو عرض البائع الشئ على صاحب الشفعة بثمن معلوم فلم يرده فباعه من غيره بذلك الثمن أو زائدا عليه لم يكن لصاحب الشفعة المطالبة بها. وقال ابن إدريس: يكون له المطالبة، لأنه إنما يستحقها بعد البيع ولا حق له قبل البيع، فإذا عفا قبله فما عفا عن شئ يستحقه فله إذا باع شريكه أخذ الشفعة، لأنه تجدد له حق فلا دليل على إسقاطه، وقبل البيع لم يسقط شيئا. وكذا لو قال الشفيع للمشتري: (اشتر نصيب شريكي فقد نزلت عن الشفعة وتركتها لك) ثم اشترى المشتري ذلك على هذا لا تسقط شفعته بذلك وله المطالبة، لأنه إنما يستحق الشفعة بعد العقد، فإذا عفا قبل ذلك لم يصح، لأنه يكون قد عفا عما لم يجب له ولا يملكه، فلا يسقط حقه حين وجوبه. وكذا الورثة إذا عفوا عما زاد على الثلث في الوصية قبل موت الموصي ثم مات بعد

(1) المقنعة: ص 619، النهاية ونكتها: ج 2 ص 231 - 232.
(2) الوسيلة: ص 258 - 259.

[ 350 ]

ذلك فلهم الرجوع لمثل ما قلناه على الصحيح من المذهب (1) وقال أبو علي ابن الجنيد. وكما أن الشفعة لا تجب إلا بعد صحة البيع وتمامه، فكذلك لا يكون ترك الشفيع إياها قبل البيع مبطلا ما وجب له منها بعد البيع، وهو المختار. لنا: إنه إسقاط حق قبل ثبوته فلا يصح، كما لو أبرأه مما لم يجب له أو أسقطت المرأة صداقها قبل التزويج. احتج الشيخان بأن الشفعة تثبت في موضع الاتفاق على خلاف الأصل، لكونه يأخذ ملك المشتري من غير رضاه ويجبر على المعاوضة به، لدخوله مع البائع في العقد الذي أساء فيه بإدخال الضرر على شريكه وترك الاحسان إليه في عرضه عليه، وهذا المعنى معدوم هنا فإنه قد عرضه عليه، فامتناعه من أخذه دليل على عدم الضرر في حقه ببيعه، وإن كان فيه ضرر فهو الذي أدخله على نفسه، كما لو أخر المطالبة، وفيه قوة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (2) والخلاف (3): لو ادعى أحد الشريكين أنه باع على زيد فأنكر المشتري الشراء ثبتت الشفعة للشريك الآخر على البائع. وقال ابن إدريس: لا تثبت الشفعة (4). والمعتمد الأول. لنا: قوله - عليه السلام -: (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز) وقد أقر البائع باستحقاق الشفعة للشريك فيحكم عليه، ولا يقبل قوله في حق المشتري، وعدم قبول قوله في حق المشتري لا يوجب إبطال حق الشفيع، إذ الاقرار تضمين حكمين غير متلازمين.

(1) السرائر: ج 2 ص 393.
(2) المبسوط: ج 3 ص 125.
(3) الخلاف: ج 3 ص 451 المسألة 34.
(4) السرائر: ج 2 ص 394.

[ 351 ]

احتج بأن الشفعة إنما تستحق بعد ثبوت البيع، ويأخذها الشفيع من المشتري دون البائع، والبيع ما صح وما وقع ظاهرا، ولا يحل للحاكم أن يحكم بأن البيع حصل وانعقد فكيف يستحق الشفعة في بيع ما لم يثبت عند الحاكم؟ والأصل ألا شفعة. والجواب: استحقاق الشفعة لا يتوقف على ثبوت البيع بل على البيع نفسه، وقد أقر به البائع. سلمنا، لكن ثبوت البيع بأمرين: إما البينة أو الاقرار، وقد حصل أحد الأمرين بالنسبة إلى المقر، ولهذا لو صدقه المشتري تثبت الشفعة بمجرد الاقرار، ونمنع عدم ثبوت البيع عند الحاكم، فإنه قد يثبت بالنسبة إلى الشريك دون المشتري. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا شهد بالبيع بطلت شفعته (1)، وكذا قال ابن حمزة (2). وقال ابن إدريس: لا تبطل الشفعة (3)، والمختار أن نقول: إن وجدت دلالة على الرضا بالبيع بطلت الشفعة، وإلا فلا. مسألة: قال في الخلاف (4) والمبسوط (5): إذا كان الشفيع وكيلا في بيع الشقص الذي يستحقه بالشفعة لم تسقط بذلك شفعته، سواء كان وكيلا للبائع في البيع أو وكيلا للمشتري في الشراء، لأنه لا مانع من وكالته، ولا دليل على سقوط حق الشفعة. وتبعه ابن إدريس (6). والوجه عندي بطلان الشفعة.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 230 - 231. (2) الوسيلة: ص 258.
(3) السرائر: ج 2 ص 393.
(4) الخلاف: ج 3 ص 448 المسألة 27.
(5) المبسوط: ج 3 ص 125.
(6) السرائر: ج 2 ص 394.

[ 352 ]

لنا: أن قبول الوكالة رضاء منه بالتمليك للمشتري وحينئذ تسقط الشفعة، وهو أقوى دلالة من الشهادة، مع أنه قد حكم ببطلان الشفعة في صورة الشهادة، ففي صورة الوكالة أولى. مسألة: قال في المبسوط (1) والخلاف (2): إذا تبايعا شقصا فضمن الشفيع الدرك للبائع عن المستحق أو للمشتري عن البائع في نفس العقد أو تبايعا بشرط الخيار على أن الخيار للشفيع لم تبطل شفعته. وتبعه ابن إدريس (3) على ذلك. والأقوى عندي البطلان لو ضمن الدرك عن البائع في ذلك أو عن المشتري أو اختار إمضاء البيع أو فسخه لو جعل له الخيار، لأن ذلك كله دلالة على الرضا بالبيع فتبطل شفعته. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا حط البائع عن المشتري بعض الثمن سقط عن المشتري، ثم قال: إن كان في مدة الخيار الذي للمجلس أو الشرط كان حطا من الشفيع أيضا، لأن الشفيع يأخذ الشقص بالثمن الذي يستقر العقد عليه، وهذا هو الذي استقر العقد عليه (4). وقال ابن إدريس: لا ينحط عن الشفيع، كما لو كان بعد انقضاء الخيار (5)، وهو المعتمد. لنا: أنه يأخذ بالثمن الذي وقع العقد عليه والمشتري ملكه بالعقد لا بانقضاء الخيار، والاسقاط هنا هبة متجددة. احتج الشيخ بأن الانتقال بعد انقضاء مدة الخيار.

(1) المبسوط: ج 3 ص 125.
(2) الخلاف: ج 3 ص 447 المسألة 25.
(3) السرائر: ج 2 ص 390 - 391. (4) المبسوط. ج 3 ص 127.
(5) السرائر: ج 2 ص 395.

[ 353 ]

والجواب: المنع، وكذا البحث لو زاده المشتري قبل اللزوم قال الشيخ: يلحق بالعقد (1)، وليس بجيد. مسألة: قال السيد المرتضى: لامام المسلمين وخلفائه المطالبة بشفعة الوقوف التي ينظرون فيها على المساكين أو على المساجد ومصالح المسلمين، وكذلك كل ناظر بحق في وقف من وصي وولي له أن يطالب بشفعته (2). وقال الشيخ في المبسوط: إذا كان نصف الدار وقفا ونصفها طلقا فبيع الطلق لم يستحق أهل الوقف الشفعة بلا خلاف (3). وقال ابن إدريس: إن كان الموقوف عليه واحدا صحت الشفعة، وإلا فلا (4)، وهو الأقوى. لنا: أنه مع الاتحاد شريك واحد في مبيع فكان له الشفعة كالطلق. احتج الشيخ بعدم انحصار الحق في الموقوف عليه، وبعدم الانتقال إليه. والجواب: المنع في المقدمتين. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا اختلف المتبايعان في الثمن وأقاما بينتين حكم بالقرعة بينهما عندنا، فمن خرج اسمه حكم له وأخذ الشفيع بذلك الثمن الذي يحكم به بالقرعة (5). والمعتمد أن يحكم ببينة المشتري إن قلنا: إن القول قول البائع مع يمينه مع بقاء السلعة، وإن قلنا: بالتفاسخ خير الشفيع بين الأخذ بما يدعيه البائع وبين الترك، لأن تفاسخ المتبايعين لا يسقط حق الشفعة كما لو تقايلا، وأن قلنا:

(1) المبسوط: ج 3 ص 128.
(2) الانتصار: 220 - 221.
(3) المبسوط: ج 3 ص 145.
(4) السرائر: ج 2 ص 397.
(5) المبسوط: ج 3 ص 110.

[ 354 ]

القول قول المشتري حكم ببينة البائع فيأخذ الشفيع حينئذ بما ادعاه لمشتري، لأن المشتري يدعي كذب بينة البائع ولا يدعي الأكثر، لأنه مظلوم بزعمه في الزيادة فلا يظلم غيره بها، وإن قلنا: بالقرعة - كما قال الشيخ - فإن الشفيع يأخذ بما ادعاه المشتري أيضا، سواء خرجت القرعة على اسمه أو على اسم البائع، أما إذا وقعت على اسمه فظاهر، وأما إذا وقعت على اسم البائع فلادعاء المشتري كذبه. مسألة: وقد بينا أن الشفعة هل تورث أم لا؟ فعلى تقدير الثبوت لو مات وخلف زوجة وابنا قال الشيخ في المبسوط - تفريعا على هذا القول -: إن الإرث على فريضة الله تعالى للزوجة الثمن، وقيل: إنه كذلك على رأي من يقول الشفعة على الانصباء، ومن قسمه على الرؤوس جعلها بينهما نصفين (1). فحينئذ تصير المسألة خلافية. والأقرب أن الشفعة هنا على قدر الانصباء، ولا عبرة هنا بالرؤوس، لأن كل واحد من الورثة لا يستحق الشفعة باعتبار نفسه، بل باعتبار مورثه ومورثه استحق الجميع وانتقل عنه إلى ورثته فيجب أن يثبت لهم على حد الإرث، إذ بالارث يأخذون لا باعتبار الشركة، ولهذا أثبتها هنا من لم يثبت الشفعة مع الكثرة. مسألة: فرع الشيخ على تقدير الثبوت مع الكثرة في المبسوط: أن أحد الشريكين لو كان حاضرا فترك المطالبة خوفا من قدوم الغائب وأخذ ما يجب له هل تبطل شفعته بذلك أم لا؟ ذكر فيه وجهين: أحدهما: عدم البطلان وقواه، لأنه ترك لعذر، والآخر: البطلان، لأنه ترك [ الأخذ ] مع القدرة (2)،

(1) المبسوط: ج 3 ص 113.
(2) المبسوط: ج 3 ص 114 - 115، وفيه: (لأنه تأخير لعذر).

[ 355 ]

وهو الأقوى عندي، ونمنع كون المشاركة عذرا في الترك. مسألة: قال في المبسوط: إذا اشترى شقصا فوجب للشفيع فيه الشفعة فأصابه نقص وهدم قبل أن يأخذه الشفيع بالشفعة فهو بالخيار بين أن يأخذه ناقصا بكل الثمن أو يدع، وسواء كان هدمها المشتري أو غيره أو انهدمت من غير فعل أحد، ثم إن الالات إن كانت باقية أخذها وآلاتها بجميع الثمن، وإن كان قد استعمل آلتها المشتري أخذ العرصة بالقيمة، وإن احترقت الدار أخذ العرصة بالجميع أو ترك، لأنه ما فرط (1). وقال في الخلاف: إن كان ذلك بأمر سماوي فالشفيع بالخيار بين أن يأخذه بجميع الثمن أو يترك، وإن كان بفعل آدمي كان له أن يأخذ العرصة بحصتها من الثمن (2). وقال أبو الصلاح: وإن استهدم المبيع أو هدمه المبتاع من غير علم بالمطالبة فليس للشفيع إلا الأرض والآلات، وإن هدمه بعد المطالبة فعليه رده إلى أصله (3). والمعتمد ما قاله في المبسوط، إلا في قوله: (إن كان المشتري قد استعمل آلتها أخذ العرصة بالقيمة) فإن الشيخ إن قصد بالقيمة هنا ما ذكره في الخلاف من الأخذ بالنسبة من الثمن كان حقا، وإن قصد الأخذ بالقيمة من غير النسبة إلى الثمن فليس بجيد. لنا: أنه تصرف تصرفا سائغا فلا يجب به الضمان، كما لو تلفت بأمر سماوي.

(1) المبسوط: ج 3 ص 116. (2) الخلاف: ج 3 ص 437 المسألة 13.
(3) الكافي في الفقه: ص 362.

[ 356 ]

مسألة: لو بنى المشتري أو غرس بعد القسمة ثم علم الشفيع وطالب بالشفعة فإن اختار المشتري القلع فله ذلك، قال في المبسوط: وليس عليه تسوية الحفر، ولا أرش ما نقص من الأرض بالقلع، لأنه تصرف في ملك نفسه (1). ويتخير الشريك حينئذ بين الأخذ بجميع الثمن أو الترك، وإذا اختار الابقاء قال في المبسوط: يتخير الشفيع بين ثلاثة أشياء: الترك أو الأخذ للشقص بالثمن وللغرس والبناء بالقيمة أو القلع بعد رد ما نقص الغرس من القلع، ولو لم يختر أحدهما بل القلع من غير إلزام شئ لم يكن له ذلك (2). وكذا أوجب في الخلاف عليه مع القلع أرش ما نقص من الغرس بالقلع (3). وقال أبو الصلاح.: وإن أحدث المشتري فيه شيئا يزيد في القيمة فهو له يأخذه بعينه أو بقيمته (4). والمختار أن نقول: إن اختار المشتري القلع كان له ذلك وعليه أرش ما نقص من الأرض بذلك وطم الحفر، لأنه يطلب تخليص ملكه من ملك غيره فعليه أرش ما ينقص بذلك، كما لو أراد كسر القدر لتخليص رأس دابته. قوله: (إنه تصرف في ملكه) قلنا: ممنوع، بل تصرف بالقلع في ملك الشفيع فكان عليه أرشه. نعم تصرفه بالغرس صادف ملكه فلم يكن عليه غرم من أجرة وغيرها، أما القلع فلا، إن اختار المشتري الابقاء لم يكن للشفيع أخذه بالقيمة إلا مع رضى المشتري بذلك، لأنها معاوضة على ملك الغير فلا يجب إلا برضاه، ولو اختار الشفيع القلع فالأقرب عدم وجوب الأرش عليه، لأن التفريط حصل من المشتري حيث زرع في أرض متزلزلة الملك.

(1) المبسوط: ج 3 ص 118.
(2) المبسوط: ج 3 ص 118.
(3) الخلاف: ج 3 ص 437 المسألة 14.
(4) الكافي في الفقه: ص 362.

[ 357 ]

ولأنه غرس في حق غيره بغير إذنه فأشبه ما لو بانت الأرض مستحقة، وقوله - عليه السلام -: (لا ضرر ولا إضرار) (1) مشترك بين الشفيع والشريك، فلا يختص به أحدهما. إذا عرفت هذا فاعلم أن الشيخ أبا علي ابن الجنيد - رحمه الله - قال: وإذا أحدث المشتري في العين المبيعة حدثا بعد المطالبة بالشفعة فهو كحدث الغاصب، وإن كان قبل المطالبة أو بعد تركها لعلة فاسدة ثم حكم له بها كان الشفيع مخيرا بين أن يعطي قيمة ما أحدثه المشتري مضافا إلى الثمن وبين أن يترك الشفعة إن كان مما لا يجوز زواله، إلا بضرر يلحق المشتري، ولم يجبر الشفيع على أخذ الزيادة واعطاء قيمتها وقدر النقص فيها، وكذلك إن كان مما لا يجوز إزالته من غير ضرر فيه، وإن كان مما ينتظر بزوال الضرر فيه وقتا كان للشفيع إجارة المثل إلى حين أخذ المشتري حدثه من غير ضرر فيه، فإن كان الحدث مما ينقصها كان قيمة ذلك على المشتري إذا كان الحدث من جهته، وإن لم يكن من جهته كان الشفيع مخيرا بين أن يعطي ما وزن المشتري ويأخذ بالشفعة منقوصة وبين أن يترك. مسألة: إذا كانت دار بين ثلاثة فباع أحدهم نصيبه واشتراه أحد الآخرين استحق الشفعة الذي لم يشتر على قول من يقول: إن الشفعة على عدد الرؤوس، قاله الشيخ في الخلاف، ثم قال: وقال أبو حنيفة: يستحق الشفعة الذي اشتراه مع الذي لم يشتر بينهما نصفين، واستدل بأن الانسان لا يستحق الشفعة على نفسه والشفعة مستحقة على المشتري (2).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 مر 146 ح 651، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الموات ح 3 ج 17 ص 341.
(2) الخلاف: ج 3 ص 447 المسألة 26.

[ 358 ]

ثم قال في الخلاف في موضع آخر: على قول من قال من أصحابنا: إن الشفعة على عدد الرؤوس إذا كانت دارا بين ثلاثة أثلاثا فاشترى أحدهم نصيب أحد الآخرين استحق الشفعة المشتري مع الآخر بينهما نصفين، وبه قال أبو حنيفة، ومن الشافعية من قال: لا حق للمشتري فيه، ثم استدل بأنهما تساويا في الشركة الموجودة حين الشراء فوجب أن لا ينفرد أحدهما بالشفعة، لأنه لا دليل على ذلك. قال: الذي اختاره بعض الشافعية هو الذي اخترناه فيما تقدم، غير أن هذا أقوى (1). واختار في المبسوط (2) الثاني، والأول عندي تفريعا على القول بثبوت الشفعة مع الكثرة أوجه. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (3) والمبسوط (4): إذا باع النخل منضما إلى الأرض وهو مثمر وشرط الثمرة في البيع كان للشفيع أخذ ذلك أجمع، وقال بعض فقهائنا: ليس للشفيع أخذ الثمرة، بل يأخذ النخل والأرض بحصتهما من الثمن، وهو المعتمد. لنا: أن الأصل عدم الأخذ بالشفعة. ولأنا قد بينا أن الشفعة لا تثبت في ما ينقل وبحول، والثمرة التي على رؤوس النخل من هذا الباب فلا شفعة فيها. احتج الشيخ بعموم الأخبار التي رويناها في وجوب الشفعة في المبيع (5). والجواب: العام. قد يخص، لدليل أقوى منه. مسألة: قال في المبسوط: إذا اشترى دارا في درب مشترك بين اثنين

(1) الخلاف: ج 3 ص 452 المسألة 35.
(2) المبسوط: ج 3 ص 138. (3) الخلاف: ج 3 ص 440 المسألة 15.
(4) المبسوط: ج 3 ص 119.
(5) الخلاف: ج 2 ص 440 المسألة 15.

[ 359 ]

فللشريك في الدرب الشفعة، إلا أن يكون المشتري يحول باب الدار إلى درب آخر فتبطل الشفعة في الدار (1). وهذه العبارة موهمة، فإن قصد ظاهرها منع، وإن قصد أنه يحول الباب قبل الشراء ويخرج الدرب عن البيع كان حقا. مسألة: لو كان من تجب له الشفعة مولى عليه - كالصبي والمجنون - فترك الولي الأخذ لا لعذر وكان الترك مصلحة - بأن يبيع بأكثر من ثمن المثل أو بثمن المثل إلا أنه لم يكن للمولى عليه مال واحتاج الولي إلى بيع عقار وهو أجود من المأخوذ - جاز الترك ولم يجز له الأخذ، قاله الشيخ في المبسوط (2) والخلاف (3)، وهو حق. ثم قال: فإن بلغ الصبي أو أفاق المجنون بعد ذلك فهل له أن يأخذ ما ترك وليه؟ الأولى أن نقول: له الخيار في الأخذ والترك، واستدل بعموم الأخبار (4). والأجود عندي سقوط الشفعة. لنا: أن فعل الولي مع المصلحة ماض، وليس للصبي نقضه بعد رشده وقد ترك، فلم يكن للصبي الأخذ كغيره من التصرفات. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو تلف العبد المجعول ثمنا قبل القبض بطل البيع وبطلت الشفعة أيضا (5). ويحتمل عندي بقاء الشفعة، لأن الشفيع قد تعلق حقه بالشقص قبل تجدد

(1) المبسوط: ج 3 ص 121.
(2) المبسوط: ج 3 ص 122.
(3) الخلاف: ج 3 ص 444 المسألة 19.
(4) المبسوط: ج 3 ص 123، الخلاف: ج 3 ص 444 المسألة 20.
(5) المبسوط: ج 3 ص 133.

[ 360 ]

الفسخ، وليس البيع هنا باطلا من أصله، فالأقرب بقاء الشفعة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا بارك للبائع فيما باع أو للمشتري فيما اشترى بطلت شفعته (1). وقال في المبسوط: إذا قال للمشتري سلام عليكم بارك الله لك في صفقة يمينك وأنا مطالب بالشفعة لم تسقط شفعته بالتشاغل بالسلام والدعاء، لأن السلام تحية، والدعاء له بالبركة يرجع إلى نفسه، لأنه يملك عن المشتري ما ملكه المشتري فلم تسقط شفعته (2). والمعتمد الأول. لنا: إنه وجد منه ما يدل على الرضا بالبيع فكان مسقطا للشفعة. مسألة: إذا وكل أحد الشريكين الآخر في بيع نصف نصيبه مع نصف نصيب الوكيل صفقة واحدة فباع الوكيل ذلك قال في المبسوط: للموكل أخذ النصيب الذي للوكيل بالشفعة، لأنه ليس فيه أكثر من رضى الموكل، واسقاط شفعته قبل البيع، وهذا لا تسقط به الشفعة. وأما الوكيل فقيل: لا تسقط شفعته، لأنه إذا باشر العقد فليس فيه إلا رضاه بالبيع، وهذا لا يسقط الشفعة، وقيل: ليس له الأخذ، لأنه لو أراد أن يشتري هذا المبيع من نفسه لم يصح، فكذلك لا يستحق الأخذ بالشفعة، ولأنا لو جعلنا له الأخذ بالشفعة كان متهما في تقليل الثمن. قال: وهذا أقوى (3). وفي هذا القول نظر. والتحقيق: إنه لا شفعة للموكل، لما بينا من أن الاسقاط والرضا بالبيع قبل العقد تسقط الشفعة، وأما الوكيل فالصحيح إنه لا شفعة له أيضا كذلك، لكن تعليل الشيخ لا يأتي على مذهبه، لأنه قدم قبل ذلك أن الشفيع إذا كان وكيلا في بيع الشقص الذي يستحقه بالشفعة لا تسقط بذلك شفعته، سواء

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 230 - 231.
(2) المبسوط: ج 3 ص 141 - 142.
(3) المبسوط: ج 3 ص 142.

[ 361 ]

كان وكيلا للبائع في البيع أو وكيلا للمشتري في الشراء. مسألة: إذا باع الشفيع حصته قبل علمه ببيع شريكه قال الشيخ في المبسوط: الأولى ثبوت الشفعة، لأنها وجبت له أو لا، ولم يوجد سبب إسقاطها، والأصل بقاؤها (1). والمعتمد السقوط. لنا: أن السبب في الاستحقاق الملك، وقد زال فيزول معلوله. ولأن الشفعة شرعت لازالة الضرر، وقد زال ببيع ملكه، فلو أثبتناها هنا لزم حصول ضرر آخر، وأصالة البقاء منفية هنا، لزوال السبب. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا باع ولي اليتيم حصته من المشترك بينه وبينه لم يكن له الأخذ بالشفعة، إلا أن يكون أبا أو جدا، لأن الوصي متهم فيؤثر تقليل الثمن، ولأنه ليس له أن يشتري لنفسه، بخلاف الأب والجد فإنهما غير متهمين ولهما أن يشتريا لانفسهما (2). والوجه عندي بطلان الشفعة في الموضعين لا لما قاله الشيخ، بل لأنه بائع فلا تثبت له الشفعة لرضاه بالبيع، كما قلنا: إنه لو توكل في البيع بطلت شفعته، ويجوز عندنا أن يشتري الوصي لنفسه كالأب والجد. مسألة: لو كانت الأرض مشغولة بزرع للمشتري فيطلب الشفيع التأخير إلى الحصاد ثم يأخذ بالشفعة قال الشيخ: كان له ذلك، لأن له فيه غرضا صحيحا، وهو أن ينتفع بالثمن إلى الحصاد ولا يدفع الثمن ويأخذ أرضا لا منفعة له فيها، كما لو كان الثمن مؤجلا فإن له التأخير للأخذ حتى يأخذ في محل الثمن (3). وليس بجيد.

(1) المبسوط: ج 3 ص 142.
(2) المبسوط: ج 3 ص 158.
(3) المبسوط: ج 3 ص 159.

[ 362 ]

والأقوى أن له الأخذ في الحال، فإن أخر بطلت شفعته، وكذا في المقيس عليه وقد تقدم. مسألة: المشهور أن المشتري إذا عيب المبيع بعد المطالبة بالشفعة ضمن، وقيل: لا يضمن، لأن الشفيع لا يملك بنفس المطالبة بل بالأخذ (1). والمعتمد الأول، لأنه وإن لم يملك بالمطالبة إلا أن حقه تعلق بالعين، فلم يجز للمشتري إحداث نقص فيه فيضمن حينئذ. مسألة: لو حمل النخل بعد الابتياع فأخذه الشفيع قبل التأبير قال الشيخ: الطلع للشفيع، لأنه بحكم السعف، ولأنه يتبع الأصل في البيع فكذا هنا، لأن المقتضي للشفعة هناك ليس إلا كونه جزء من المسمى (2). والوجه اختصاص هذا الحكم بالبيع وقوفا على مورد النص، وكونه بحكم السعف ممنوع، وكذا نمنع كونه جزء من المسمى، والمقتضي في البيع إنما هو النص. مسألة: لو كان الشقص معيبا ولم يعلم المشتري فأخذه الشفيع لم يكن للمشتري الفسخ، قال الشيخ: ولا أرش له أيضا (3). والأجود أن نقول: يثبت له الأرش، لأنه مبيع ظهر فيه عيب فاستحق المشتري الأرش كما لو باعه. احتج الشيخ بأن الرد يسقط فكذا الأرش. والجواب: نفي التلازم بينهما. مسألة: لو ادعى كل منهما السبق في البيع وأقاما بينتين قيل: يستعمل

(1) شرائع الاسلام: ج 3 ص 260.
(2) المبسوط: ج 3 ص 118 - 119 مع اختلاف.
(3) المبسوط: ج 3 ص 126.

[ 363 ]

القرعة (1)، لأنه أمر مشكل، إذ لا تقديم لأحدهما على الأخرى، وإلا لزم الترجيح من غير مرجح. وقيل: سقطتا، ويبقى الملك على أصل الشركة (2)، لعدم أولوية التقديم. وسيأتي تتمة ذلك في البينات المتعارضة إن شاء الله تعالى. مسألة: لو كانت الدار لغائب وحاضر وحصة الغائب في يد آخر فباع الحصة وادعى أن ذلك بإذن الغائب نقل الشيخ الفقيه نجم الدين أبو القاسم جعفر بن سعيد عن الشيخ في الخلاف: ثبوت الشفعة (3). والأقرب المنع، لعدم ثبوت البيع، فلا يقضى بالشفعة.

(1) شرائع الاسلام: ج 3 ص 268.
(2) شرائع الاسلام: ج 3 ص 268.
(3) شرائع الاسلام: ج 3 ص 265.

[ 365 ]

كتاب الديون وتوابعها

[ 367 ]

كتاب الدين وتوابعها وفيه فصول الأول في الدين مسألة: المشهور كراهة الاستدانة مع الغنى عنها وإن لم يكن قادرا على قضائه. وقال أبو الصلاح: يحرم (1). لنا: الأصل الإباحة. وما رواه موسى بن بكير قال: قال لي أبو الحسن - عليه السلام -: من طلب هذا الرزق من حله ليعود به على عياله ونفسه كان من المجاهدين في سبيل الله، فإن غلب عليه فليستدن على الله تعالى وعلى رسوله - صلى الله عليه وآله - ما يقوت به عياله، فإن مات ولم يقضه كان على الإمام قضاؤه، فإن لم يقضه كان عليه وزره، إن الله تعالى يقول: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين) فهو فقير مسكين

(1) الكافي في الفقه: ص 330.

[ 368 ]

مغرم (1). وإذا ثبت الجواز حينئذ مع الحاجة كان مع الغنى أولى، لحفظ المال على صاحبه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: يكره للانسان الدين مع الاختيار، فإن فعل مختارا فالأولى له ألا يفعل، إلا إذا كان له ما يرجع إليه فيقضي به دينه، فإن لم يكن له ما يرجع إليه فإن كان له ولي يعلم أنه إن مات فيقضى عنه قام ذلك مقام ما يملك (2). وقال ابن إدريس: هذا غير واضح، لأن الولي لا يجب عليه قضاء دين من هو ولي له بغير خلاف، وأما ما أورده شيخنا في نهايته من طريق خبر الاحاد إيرادا لا اعتقادا (3). وهذا القول خطأ من ابن إدريس، فإن الشيخ - رحمه الله - لم يدع وجوب القضاء على الولي، بل قال: (إذا علم أن له وليا يقضي عنه زالت الكراهة) وليس في هذا القول دلالة على وجوب القضاء على الولي لا بتصريحه ولا بإيمائه. والشيخ عول في ذلك على ما رواه سلمة، عن الصادق عليه السلام - إلى أن قال: - ولا يستقرض على ظهره إلا وعنده وفاء، ولو طاف على أبواب الناس فردوه باللقمة واللقمتين والتمرة والتمرتين، إلا أن يكون له ولي يقضي عنه من بعده، ليس منا من ميت يموت إلا جعل الله عز وجل له وليا يقوم في عدته ودينه

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 184 ح 381، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الدين والقرض، ح 2 ج 13 ص 91.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 22.
(3) السرائر: ج 2 ص 30.

[ 369 ]

فيقضى عدته ودينه (1). مسألة: قال ابن إدريس: لا يجوز للانسان أن يستدين ما يصرفه في نفقة الحج، إلا بعد أن يكون الحج قد وجب عليه بوجود شرائطه ويكون له ما إذا رجع إليه قضى منه دينه، وما ورد من الأخبار في جواز الاستدانة للنفقة في الحج محمول على ما ذكرناه لا على من لا يكون الحج قد وجب عليه ولا يكون له ما إذا رجع إليه قضى عنه دينه، لأن هذا لا يجب عليه الحج وهو على هذه الصفة، وإذا كان كذلك لا يجب عليه فلا يجوز أن يستدين له ليفعل ما لا يجب عليه (2). وهذا القول غلط نشأ من سوء فهمه لكلام الشيخ - رحمه الله - في النهاية حيث قال: (فكيف يجوز أن يجب عليه أن يستدين ويقضي ما لم يجب عليه؟!) (3) فإنه فهم من تعجب الشيخ من الجواز للاستدانة، والشيخ إنما تعجب من جواز وجوب الاستدانة فوقع فيما وقع فيه. والحق أنه ليس بمحرم، وعدم الوجوب لا يستلزم التحريم، وكذا عدم الأجزاء لا يستلزم أيضا. والتحقيق أن نقول: إن لم يكن الحج قد استقر عليه أو لا لم يجب عليه الاستدانة، فإن استدان وحج به فعل جائزا ولم يجزئه عن حجة الاسلام، وإن كان قد استقر عليه أولا لم يجب عليه الاستدانة أيضا، لكن لو فعله وحج عما في ذمته أجزأ عنه، وكذا لو حج به للنذر أو القضاء فإنه يجزئه مطلقا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا رأى صاحب الدين المديون في الحرم لم

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 185 ح 383، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الدين والقرض ح 5 ج 13 ص 80.
(2) السرائر: ج 2 ص 30 - 31.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 23.

[ 370 ]

يجز له مطالبته فيه ولا ملازمته، بل ينبغي أن يتركه حتى يخرج من الحرم ثم يطالبه كيف شاء (1). وقال علي بن بابويه: إذا كان لك على رجل حق ووجدته بمكة أو في الحرم فلا تطالبه ولا تسلم عليه فتفزعه، إلا أن يكون قد أعطيته حقك في الحرم فلا بأس بأن تطالبه به في الحرم (2). وقال ابن إدريس: قول الشيخ محمول على أن صاحب الدين طالب المديون خارج الحرم ثم هرب منه فالتجأ إلى الحرم فلا يجوز لصاحب الدين مطالبته ولا إفزاعه، فأما إذا لم يهرب إلى الحرم ولا التجأ إليه خوفا من المطالبة بل وجده في الحرم وهو ملئ بماله موسر بدينه فله مطالبته وملازمته. وقول ابن بابويه: (إلا أن تكون أعطيته حقك في الحرم فلك أن تطالبه به في الحرم) يلوح ما ذكرناه، ولو كان ما روي صحيحا لورد ورود أمثاله متواترا، والصحابة والتابعون والمسلمون في جميع الأعصار يتحاكمون إلى الحكام في الحرم ويطالبون الغرماء بالديون ويحبس الحاكم الغرماء على الامتناع من الأداء إلى عصرنا هذا من غير تناكر بينهم في ذلك، والانسان مسلط على أخذ ماله والمطالبة به عقلا وشرعا (3). والأقرب عندي كراهة ذلك على تقدير الادانة خارج الحرم دون التحريم، عملا بالأصل والاباحة مطلقا على تقدير الادانة في الحرم. إذا عرفت هذا فاعلم أن ابن البراج قال: ومن وجد من له عليه دين في الحرم أو مسجد النبي - صلى الله عليه وآله - أو أحد مشاهد الأئمة - عليهم السلام -

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 24.
(2) نقله عنه صاحب السرائر: ج 2 ص 32.
(3) السرائر: ج 2 ص 32.

[ 371 ]

لم يجز له مطالبته حتى يخرج منه، وكذا قال أبو الصلاح (1). والوجه ما قلناه من الكراهة، لما رواه سماعة، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل لي عليه مال فغاب عني زمانا فرأيته يطوف حول الكعبة فأتقاضاه؟ قال: قال: لا تسلم عليه ولا تروعه حتى يخرج من الحرم (2). مسألة: قال ابن إدريس: الدين المؤجل لا يجوز بيعه على غير من هو عليه بلا خلاف (3). والوجه عندي الكراهة، للأصل الدال على الجواز، والاجماع ممنوع، وأما إن كان حالا لم يجز بيعه بدين آخر مثله، وهل يجوز بيعه نسيئة؟ قال في النهاية: يكره ذلك، مع أنه منع من بيعه بدين آخر مثله (4). وقال ابن إدريس: لا يجوز بيعه نسيئة، بل هو حرام محظور، لأنه بعينه بيع الدين بالدين (5)، وهو حسن. مسألة: لو باع الدين بأقل مما له على المديون قال الشيخ: لم يلزم المدين أكثر مما وزن المشتري من المال (6)، وتبعه ابن البراج على ذلك. وقال ابن إدريس: قول الشيخ طريف عجيب يضحك الثكلى، وهو أنه إذا كان الدين ذهبا كيف يجوز أن يبيعه بذهب أقل منه؟! وإن كان فضة فكيف يجوز أن يبيعها بفضة أقل منها؟! وإن كان ذهبا فباعه بفضة أو فضة

(1) الكافي في الفقه: ص 331.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 194 ح 423، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب الدين والقرض ح 1 ج 13 ص 115.
(3) السرائر: ج 2 ص 55.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 30 - 31.
(5) السرائر: ج 2 ص 55 - 56.
(6) النهاية ونكتها: ج 2 ص 31 - 32.

[ 372 ]

فباعها بذهب كيف يجوز انفصالهما من مجلس البيع؟! إلا بعد أن يتقابضا الثمن والمثمن، يقبض البائع الثمن والمشتري المثمن، فإن هذا لا خلاف فيه بين طائفتنا، بل لا خلاف فيه بين المسلمين. وقوله: (لم يلزم المدين أكثر مما وزن المشتري من المال) إذا كان البيع صحيحا لزم المدين تسليم ما عليه جميعه إلى المشتري، لأنه صار مالا من أمواله بالشراء وقد يشتري الانسان ما يساوي خمسين قنطارا بدينار واحد إذا كان البائع من أهل الخبرة، وإنما هذه أخبار أحاد أوردها على ما وجدها إيرادا لا اعتقادا (1). واعلم أن كلام الشيخ قد اشتمل على حكمين: الأول: جواز بيع الدين بأقل منه، ولا ريب في جوازه، ونسبة ابن إدريس كلام الشيخ فيه إلى أنه (طريف عجيب يضحك الثكلى) جهل منه، وقلة تأمل، وسوء فهم، وعدم بصيرة، وانتفاء تحصيل كلام العلماء، وعدم معرفته بمدلول أقوالهم، فإن الشيخ لم يحصر هو ولا غيره من المحصلين الدين في النقود، بل يجوز أن يكون ذهبا أو فضة أو غيرهما من الاقمشة والأمتعة، ثم لم يحصروا بيع الدين بالنقود، ولا أوجبوا أن يكون الثمن من الذهب أو الفضة حتى يتعجب من ذلك، ويظهر للغاية قلة ادراكه، وعدم تحصيله، وسوء أدبه، ومواجهته مثل هذا الشيخ المعظم الذي هو رأس المذهب، والمعلم له، والمستخرج للمعاني من كلام الأئمة - عليهم السلام - بمثل هذه الشنعة والقول الردئ، وهل منع أحد من المسلمين بيع قفيز حنطة في الذمة يساوي دينارا بربع دينار أو بيع الدينار من الدين بربع القفيز؟! فإن أداه سوء فهمه وقلة تحصيله إلى اشتراط المساواة في الجنس باعتبار لفظة (أقل) كان ذلك غلطا ظاهرا، وجعل المال مالا يدخل فيه الربا، لظهور مثل هذه القواعد الممهدة والقوانين المطردة من

(1) السرائر: ج 2 ص 56.

[ 373 ]

تحريم الربا، على أنه في باقي كلامه صرح بجواز ذلك، حيث تعجب من عدم التزام المديون بجميع الدين، وسوغ بيع ما يساوي قنطارا بدينار، لكن هذا الرجل لقلة تحصيله لا يفهم وقوع التناقض في كلامه، وتعجبه بنفسه لا يبالي أين يذهب. الحكم الثاني: عدم التزام المديون بأكثر مما وزنه المشتري. والشيخ قد عول في ذلك على رواية محمد بن الفضيل قال: قلت للرضا - عليه السلام -: رجل اشترى دينا على رجل ثم ذهب إلى صاحب الدين فقال له: ادفع إلي ما لفلان عليك فقد اشتريته منه، فقال: يدفع إليه قيمة ما دفع إلى صاحب الدين ويبرئ الذي عليه المال من جميع ما بقي عليه (1). وما رواه أبو حمزة، عن الباقر - عليه السلام - قال: سئل عن رجل كان له على رجل دين فجاء رجل فاشترى منه بعرض ثم انطلق إلى الذي عليه الدين فقال له: اعطني ما لفلان عليك فإني قد اشتريته منه فكيف يكون القضاء في ذلك؟ فقال له أبو جعفر - عليه السلام -: يرد على الرجل الذي عليه الدين ماله الذي اشتراه من الرجل الذي عليه الدين (2). ولا ريب في صحة البيع ولزومه ووجوب إيفاء المشتري ما على المديون، ولا بد حينئذ من محمل للروايتين، وليس بعيدا من الصواب أن يحملا على أمرين: الأول: الضمان ويكون إطلاق البيع عليه والشراء نوع من المجاز، إذ الضامن إذا أدى عن المضمون عنه بإذنه عرضا عوضا عن الدين كان له المطالبة

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 191 ح 410، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الدين والقرض ح 3 ج 13 ص 100.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 189 ح 401، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الدين والقرض ح 2 ج 13 ص 99.

[ 374 ]

بالقيمة، وهو نوع من المعاوضة يشبه البيع، بل هو في الحقيقة، وإنما ينفصل عنه بمجرد اللفظ لا غير. المحمل الثاني: أن يكون البيع وقع فاسدا، فإنه يجب على المديون دفع ما يساوي مال المشتري إليه بالإذن الصادر من صاحب الدين، ويبرأ من جميع ما بقي عليه من مال المشتري لا من البائع، ويجب عليه دفع الباقي إلى البائع لبراءته من المشتري. وهذان المحملان قريبان يمكن صرف الروايتين إليهما، وكلام الشيخ أيضا يحمل عليهما من غير أن ينسب كلام الشيخ إلى ما نسبه ابن إدريس. مسألة: إذا غاب المالك غيبة منقطعة أو مات ولم يعرف له وارث قال الشيخ في النهاية: يجتهد المديون في طلب الوارث، فإن لم يظفر به تصدق به عنه (1)، وتبعه ابن البراج. وقال ابن إدريس: يدفعه إلى الحاكم إذا لم يعلم له وارثا، فإن قطع على أنه لا وارث له كان لامام المسلمين، لأن الإمام يستحق ميراث من لا وارث له (2). والمعتمد أن نقول: إن لم يعلم انتفاء الوارث وجب حفظه، فإن آيس من وجوده الظفر به أمكن أن يتصدق به وينوي القضاء عند الظفر بالوارث، وإن علم انتفاء الوارث كان للامام. أما الحكم الأول: فلأنه مال معصوم فيجب حفظه على مالكه كغيره من الأموال، ومع اليأس من الظفر بالوارث وعدم العلم به يمكن التصدق به، لئلا يعطل المال، إذ لا يجوز له التصرف فيه، ولا يمكن إيصاله إلى مستحقه فأشبه

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 26.
(2) السرائر: ج 2 ص 37.

[ 375 ]

اللقطة، إذ الحكمة المنوطة بها حكم اللقطة موجودة هنا فيثبت الحكم، عملا بوجود المقتضي. وأما الثاني: فلأنه ميراث من لا وارث له فيكون للامام - عليه السلام -. وقد روى زرارة بن أعين في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يكون عليه الدين لا يقدر على صاحبه ولا على وليه ولا يدري بأي أرض هو، قال: لا جناح عليه بعد أن يعلم الله أن نيته الأداء (1). وفي الصحيح عن معاوية بن وهب قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - عن رجل كان له على رجل حق ففقد ولا يدري أحي هو أم ميت ولا يعرف له وارث ولا نسب ولا بلد؟ قال: اطلبه، قال: إن ذلك قد طال فاصدق به؟ قال: اطلبه (2). وهذا يشعر بوجوب الحفظ، ويمكن أن يفرق بين جهالة حياة المالك وجهالة الوارث بالأصل الدال على بقاء الحياة وانتفاء الوارث. مسألة: إذا جحد المديون المال ولا بينة فحلفه المدين عند الحاكم لم يجز له بعد ذلك مطالبته بشئ، فإن جاء الحالف ثانيا ورد عليه ماله جاز له أخذه، فإن أعطاه مع رأس المال ربحا أخذ رأس المال ونصف الربح، قاله الشيخ في النهاية (3)، وتبعه ابن البراج. وقال ابن إدريس: إن كان المال دينا أو قرضا أو غصبا واشترى الغاصب في الذمة ونقد المغصوب فالربح كله له دون المالك، وإن اشترى بالعين

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 188 ح 395، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب الدين ح 1 ج 13 ص 109 - 110.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 188 ح 396، وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب الدين ح 2 ج 13 ص 110.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 25 - 26.

[ 376 ]

المغصوبة فالصحيح بطلان البيع، والأمتعة لأصحابها، والأرباح والأثمان لاصحابها، وإن كان مضاربة وشرط له من الربح النصف صح قول الشيخ وحمل عليه وخص ما ورد من الأخبار بذلك، فإن العموم قد يخص بالادلة (1). أقول: الشيخ - رحمه الله - لم يتعرض لبيان مستحق الربح وإنما قال: إذا دفع الحالف المال والربح أخذ المالك المال لاستحقاقه إياه وأخذ نصف الربح من حيث أن الحالف أباحه بالأخذ فكان ينبغي له أن يأخذ نصفه على عادات العاملين (2) في التجارات. مسألة: إذا كان المديون معسرا وجب إنظاره، وإن رفع خبره إلى الإمام قضى عنه دينه من سهم الغارمين إن كان قد استدانه وأنفقه في طاعة أو في مباح، وإن كان قد أنفقه في معصية لم يجز قضاؤه من سهم الغارمين، وإن جهل في ماذا أنفقه قال الشيخ: إنه كالثاني (3). وقال ابن إدريس: إنه كالأول (4). احتج الشيخ بأن شرط القضاء - وهو الانفاق في الطاعة - غير معلوم، وانتفاء المانع - وهو الانفاق في المعصية - غير معلوم أيضا، فيكون الحكم بالجواز منتفيا. وبما رواه محمد بن سليمان، عن رجل من أهل الجزيرة - يكنى أبا محمد - قال: سأل الرضا - عليه السلام - وأنا أسمع - إلى أن قال: - فإن كان لا يعلم فيما أنفقه في طاعة الله تعالى أو في معصيته، قال: يسعى له في ماله فيرده عليه وهو صاغر (5).

(1) السرائر: ج 2 ص 36.
(2) م (2): المعاطين.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 25.
(4) السرائر: ج 2 ص 33.
(5) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 185 - 186 ح 385، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الدين ح 3 ج 13 ص 91.

[ 377 ]

احتج ابن إدريس بالأصل، وقد سبق البحث في ذلك. مسألة: إذا جحد المديون الدين ولم يحلفه المالك ووقع له بمال جاز له المقاصة، إلا أن يكون قد أودعه إياه، فإن فيه قولين: أحدهما: الكراهة، اختاره الشيخ في الاستبصار (1)، وابن إدريس (2). والثاني: التحريم، اختاره الشيخ في أكثر كتبه (3)، وبه قال أبو الصلاح (4)، وابن البراج، وأبو علي الطوسي. والأقرب الأول. لنا: الأصل، واطلاق الأمر بالاقتصاص. ولأنه قد ورد أن للمستودع بعد موت المودع صرف أجرة الحج إذا عرف أن الورثة لا يؤدون عن الميت حجة الاسلام، فهذا أولى. وما رواه أبو بكر الحضرمي قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل كان له على رجل مال فجحده إياه وذهب به ثم صار بعد ذلك للرجل الذي ذهب بماله مال قبله أيأخذ مكان ماله الذي ذهب به منه ذلك الرجل؟ قال: نعم، ولكن لهذا كلام يقول: اللهم إني آخذ هذا المال مكان مالي الذي أخذه مني، وإني لم آخذ الذي أخذته خيانة ولا ظلما (5). وهو يتناول صورة النزاع، ولو تخالفت الجزئيات في الأحكام وجب على الإمام - عليه السلام - التفصيل. احتج الشيخ بقوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) (6).

(1) الاستبصار: ج 3 ص 53 ذيل الحديث 172.
(2) السرائر: ج 2 ص 36 - 37. (3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 26.
(4) الكافي في الفقه: ص 331.
(5) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 197 - 198 ح 439، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب ما يكتسب به ح 5 ج 12 ص 203 - 204.
(6) النساء: 58.

[ 378 ]

وبما رواه معاوية بن عمار في الموثق قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: الرجل يكون لي عليه الحق فيجحدنيه ثم يستودعني مالا ألي أن آخذ ما لي عنده؟ فقال: لا هذه خيانة (1). والجواب عن الآية: المنع من كون المودع أهلا لها، فإن المستودع أخذ ماله منها. وعن الثاني: بالحمل على من حلف أو على الكراهية. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من وجب عليه دين وغاب عنه صاحبه غيبة لم يقدر عليه معها وجب عليه أن ينوي قضاءه ويعزل ماله عن ملكه (2). وقال ابن إدريس: العزل غير واجب بإجماع المسلمين (3). وليس عندي بعيدا من الصواب حمل قول الشيخ على من حضرته الوفاة، أو حمل العزل على استيفاء ما يساوي الدين بمعنى: إنه يجوز له التصرف في جميع أمواله بالصدقة وغيرها، إلا ما يساوي الدين فإنه يجب عليه إبقاؤه للايفاء. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا استدانت المرأة على زوجها وهو غائب عنها فأنفقته بالمعروف وجب عليه القضاء عنها (4). وقال ابن إدريس: الواجب على الزوج تسليم النفقة بالمعروف إلى المرأة ثم تقضي هي ما استدانت، فإن قضاء الدين واجب عليها دون الزوج والغريم هي دونه، وهي المطالبة بالدين دون الزوج (5). وقول الشيخ عندي ممكن، إذ الزوجة هنا كالوكيل عن الزوج فيجب عليه القضاء.

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 197 ح 438، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب يكتسب به ح 11 ج 12 ص 205.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 26.
(3) السرائر: ج 2 ص 37. (4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 26.
(5) السرائر: ج 2 ص 38.

[ 379 ]

والشيخ عول في ذلك على رواية السكوني عن الصادق، عن الباقر - عليهما السلام - قال: قال علي - عليه السلام -: المرأة تستدين على زوجها وهو غائب، فقال: يقضي عنها ما استدانت بالمعروف (1). على أن المراد بالقضاء دفع المال لا إيجابه على الزوج. مسألة: قد بينا أنه يجوز بيع الدين، وهو مذهب علمائنا، ولا فرق بين بيعه على من هو عليه أو على غيره. ومنع ابن إدريس من بيعه على غير من هو عليه، واستدل عليه - بحصر استفاده من ذهنه القاصر وهو -: إن المبيع إما عين معينة أو في الذمة، والأول إما بيع عين مرئية مشاهدة فلا يحتاج إلى وصف، وأما بيع عين غير مشاهدة فيحتاج إلى وصفها وذكر جنسها، وهو بيع خيار الرؤية. وأما الذي في الذمة فإنه السلف المفتقر إلى الأجل المعين (2). والوصف الخاص والدين ليس عينا مشاهدة ولا معينة موصوفة، إذ للمديون التخيير في جهات القضاء، وليس بمسلم إجماعا، ولا قسم رابع لنا. ثم اعترض على نفسه بأنه خلاف إجماع الامامية، لانعقاده على صحة بيع الدين. ثم أجاب: بأن العمومات قد تخص، والأدلة هنا عامة يخصها بيعه على غير من هو عليه، ويجوز بيعه على من هو عليه. ثم عقب بذلك بعد ذلك بأنه تحقيق لا يبلغه إلا محصل لأصول الفقه، ضابط لفروع المذهب، عالم بأحكامه، محكم لمراده وتقريراته وتقسيماته. ثم شيد احتجاجه بالاجماع على منع جعل الدين مضاربة إلا بعد قبضه، لأنه قبل قبضه ملك لمن هو عليه.

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 194 - 195 ح 426.
(2) السرائر: ج 2 ص 38 - 39.

[ 380 ]

ثم اعترض على نفسه بأن منع جعل الدين مضاربة إلا بعد قبضه لا يستلزم منع بيعه على من هو عليه قبل قبضه وتعينه في ملك بائعه. ثم أجاب: بأن بيع خيار الرؤية لا يحتاج إلا إلى ذكر الجنس، وكونه في ملك البائع والوصف له دون تعيين عينه بالاشارة إليه والمشاهدة له والقطع عليه، وليس كذلك حكم مال المضاربة، لأنه يجب أن يكون مذكور الجنس معينا، ولا يكفي ذكر الجنس والوصف دون تعيينه في الملك كما كفى ذلك في بيع خيار الرؤية، وإن كان كل واحد من المالين مملوك الجنس غير متعين ملك عينه، ولا يتعين ملك عينه إلا بعد قبضه فيصح بيعه على من هو عليه بيع خيار الرؤية، لأنه مملوك الجنس للبائع، ومن هو عليه عالم بقبضه فقام - علم من هو عليه به وبصفته - مقام وصف البائع له. فجمع هذا البيع الأمرين اللذين هما شرط في صحة بيع خيار الرؤية وهو: ذكر الجنس وعلم من هو عليه الذي هو قائم مقام صفته، فلذلك جوزنا بيعها على من هي عليه، لأن البيع عليه بيع خيار الرؤية، لأن من شرطه ذكر الجنس والصفة، فإذا بيع عليه فقد جمع الأمرين جميعا، بخلاف بيعه على غيره، لأن أحد الأمرين لا يحصل له، لأن صاحبه لا يعلم عينه حتى يصفها للمشتري، فإن وصفها كان كاذبا جاهلا، فيدخل في النهي عن بيع الغرر، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، فلهذا جوزنا بيعها على من هي عليه دون غيره، وليس كذلك إذا ضاربه بها، لأن مال المضاربة يحتاج أن يكون متميز العين في ملك رب المال وقبل قبضه لمن هو في ذمته ليس هو متميز العين فافترقا (1). وطول في هذا الباب، وأطنب بما لا تحصيل له، وسبب غلطه ما توهمه من الحصر ولم يدل عليه بدليل. ثم اعتذاره عن مخالفة الاجماع بجواز التخصيص

(1) السرائر: ج 2 ص 39، وفيه: (بصفته) بدل (بقبضه).

[ 381 ]

خطأ، لأنه إنما يجوز مع قيام ناهض يخصص العموم ولم يوجد، ومنع علماؤنا من جعله مضاربة ليس لانتفاء الملك بل لانتفاء التعيين. ثم قوله: (إن بيع خيار الرؤية لا يفتقر إلى الإشارة) ليس بجيد، إذ هو بيع شخصية غير مشاهدة على ما قرره في تقسيمه، وهذا الاضطراب يدل على أنه لا يبالي أين ذهب بكلامه، وانتفاء العلم بالعين الشخصية لا يمنع من العلم بالعين الكلية الموصوفة بالصفات المطلوبة المشترطة في وصف السلم، وأي غرر هنا، ولا فرق بين هذا البيع وبين السلم إلا بالاجل، ولا شك في أن ضرب الأجل لا يصير المجهول معلوما. مسألة: قال الشيخ: من شاهد مدينا له قد باع ما لا يحل للمسلم تملكه من خمر أو خنزير أو غيرهما وأخذ ثمنه جاز له أن يأخذ منه، ويكون حلالا له، ويكون ذنب ذلك على من باع (1)، لما رواه داود بن سرحان في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل كانت له على رجل دراهم فباع خنازير أو خمرا وهو ينظر فقضاه، فقال: لا بأس، أما للمقضي فحلال، وأما للبائع فحرام (2). وقال ابن إدريس: المراد بذلك أن يكون البائع ممن أقرته الشريعة على ما يراه من تحليل بيع الخمر وهم أهل الكتاب لا المسلم، والشيخ أنما يورد أخبار الاحاد وغير الاحاد في كتاب النهاية إيرادا لم اعتقادا، لأنه كتاب خبر لا كتاب بحث ونظر (3). وهذا لا طائل تحته، فإن قصد الشيخ أهل الذمة على ما

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 26.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 195 ح 429، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب الدين ح 1 ج 13 ص 116. (3) السرائر: ج 2 ص 43 - 44.

[ 382 ]

صرح به في المبسوط (1) وغيره (2). مسألة: إذا قتل المديون عمدا ولا مال له قال الشيخ في النهاية: لم يكن لاوليائه القود، إلا بعد أن يضمنوا الدين عن صاحبهم، فإن لم يفعلوا ذلك لم يكن لهم القود وجاز لهم العفو بمقدار ما يصيبهم (3)، وبه قال أبو الصلاح (4)، وابن البراج. وقال أبو منصور الطبرسي: إذا بذل القاتل الدية لم يكن للأولياء القود، إلا بعد ضمان الدين، وإن لم يبذل جاز لهم القود من غير ضمان. وقال ابن إدريس: لهم القود وإن لم يضمنوا الدين (5). وهو الأقوى. لنا: إن موجب العمد القصاص لا الدية، لأنها إنما تثبت صلحا، وليس ذلك واجبا على الورثة. احتج الشيخ بما رواه عبد الحميد بن سعيد قال: سألت أبا الحسن الرضا - عليه السلام - عن رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالا فأخذ أهل الدية من قاتله أعليهم أن يقضوا الدين؟ قال: نعم، قال: قلت: وهو لم يترك شيئا، قال: إنما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا عنه الدين (6). والجواب: المنع من الدلالة على محل النزاع، أما أولا: فلاحتمال أن يكون القتل خطأ أو شبهة، وأما ثانيا: فلأن السؤال إنما وقع عن أولياء أخذوا

(1) المبسوط: ج 2 ص 223.
(2) الخلاف: ج 3 ص 248 المسألة 52.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 29.
(4) الكافي في الفقه: ص 332.
(5) السرائر: ج 2 ص 49.
(6) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 192 ح 416، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الدين ذيل الحديث 1 ج 13 ص 112.

[ 383 ]

الدية، ونحن نقول بموجبه، فإن الورثة لو صالحوا القاتل على الدية وجب قضاء الدين منها، وإن كان كلام ابن إدريس يوهم المنع من ذلك. مسألة: إذا مات صاحب الدين المؤجل لم يحل دينه، وبه قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2)، قال: وقد روي أنه يحل دينه. وقال في النهاية: يحل ماله (3)، وبه قال أبو الصلاح (4)، وابن البراج، والطبرسي. لنا: الأصل بقاء الأجل. ولأن الوارث إنما يرث مال مورثه وهو مال مؤجل فلا يرث حالا. احتج الشيخ بما رواه أبو بصير قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: إذا مات الرجل حل ما له وما عليه من الديون (5). والجواب: الرواية مرسلة، والفرق بين موت من له ومن عليه، لأنا إن أمرنا الورثة بالتصرف لزم الضرر على المالك، وإن منعناهم لزم الضرر عليهم، فوجب القول بالحلول دفعا للمفسدين، بخلاف من له الدين. تذنيب: قال السيد المرتضى في المسائل الناصرية: هذه المسألة - وأشار بها - (إن الدين المؤجل لا يصير حالا بموت من عليه الدين) لا أعرف إلى الان لأصحابنا فيها نصا معينا فأحكيه، وفقهاء الأنصار كلهم يذهبون إلى أن الدين المؤجل يصير حالا بموت من عليه الدين، ويقوى في نفسي ما ذهب؟ إليه

(1) المبسوط: ج 2 ص 274.
(2) الخلاف: ج 3 ص 271 المسألة 14.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 30.
(4) الكافي في الفقه: ص 333.
(5) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 190 ح 407، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الدين ح 1 ج 13 ص 97.

[ 384 ]

الفقهاء، ويمكن أن يستدل عليه بقوله تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) فعلق القسمة بقضاء الدين، فلو أخر تضررت الورثة، ولأنه يلزم انتقال الحق من ذمة الميت إلى ذمة الورثة (1). والحق لا ينتقل إلا برضى من عليه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا مات المديون وتعدد الغرماء تحاصوا ما وجد من تركته بمقدار ديونهم، فإن وجد واحد منهم متاعه وكان للميت مال يقضي ديون الباقين رد عليه ولم يحاصه باقي الغرماء، وإن لم يخلف سوى ذلك المتاع كان صاحبه وباقي الغرماء سواء، وكذلك لو كان حيا والتوى على غرمائه ورد عليه ماله ولم يحاصه باقي الغرماء (2). وقال ابن إدريس: حكم الحي بخلاف ذلك، لأن الحي إذا وجد عين ماله كان له أخذها، سواء كان هناك وفاء أو لا، والميت إنما يأخذ صاحب الدين المتاع منه لو خلف وفاء للباقين (3). أقول: كلام الشيخ لا إشعار له بحالة القصور، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. مسألة: قال ابن حمزة: لا يجوز تأخير الدين الحال مع المطالبة إلا مع العذر، إما الاعسار أو دخول وقت الصلاة حتى يفرغ من أدائها (4). وقال ابن إدريس: لا تجوز الصلاة في أول وقتها مع المطالبة (5)، وهو المعتمد، لأن وقت الصلاة موسع وأداء الدين مضيق، وإذا اجتمعا وجب تقديم المضيق.

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 260 - 261 س 34. (2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 30.
(3) السرائر: ج 2 ص 54.
(4) الوسيلة: ص 273.
(5) السرائر: ج 2 ص 33.

[ 385 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا كان من وجب عليه الحق غائبا وجب على الحاكم سماع البينة عليه، ويجوز له أن يبيع عليه شيئا من أملاكه، غير أنه لا يسلمه إلى خصمه إلا بعد كفلاء (1). وكذا قال ابن البراج، وابن إدريس (2). وقال ابن حمزة: يحلفه الحاكم أنه يستحق عليه اليوم جميع هذا المال (3)، وهو جيد احتياطا للغائب، ولأن تجويز الابراء والاقباض الثابت في حق الميت موجود هناك. احتج الشيخ بما رواه جميل بن دراج، عن جماعة من أصحابنا، عنهما - عليهما السلام - قالا: الغائب يقضى عنه إذا قامت عليه البينة، ويباع ماله ويقضى عنه دينه وهو غائب، ويكون الغائب على حجته إذا قدم، قال: ولا يدفع المال إلى الذي أقام البينة إلا بكفلاء (4). والجواب: إنا نقول بموجبه، فإن القضاء عليه إنما يتم باليمين. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا أفلس المديون وكان ما في يده لا يفي بقضاء ديونه فإنه لا يؤاجر ليكتسب ويدفع إلى الغرماء، لقوله تعالى: (فإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) والأصل براءة الذمة، ولا دليل على وجوب إجارته (5). واختاره ابن إدريس (6).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 24 - 25.
(2) السرائر: ج 2 ص 34.
(3) الوسيلة: ص 273 - 274.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 296 ح 827، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب القضاء ذيل الحديث 1 ج 18 ص 216.
(5) الخلاف: ج 3 ص 272 المسألة 15.
(6) السرائر: ج 2 ص 34.

[ 386 ]

وقال ابن حمزة: إن كان المديون معسرا صبر عليه من له الدين حتى يجد، فإن كان مكتسبا أمر بالاكتساب والانفاق بالمعروف على نفسه وعياله وصرف الفاضل في وجه دينه، وإن كان غير مكتسب خلي سبيله حتى يجد (1)، لما رواه السكوني في الموثق، عن جعفر، عن أبيه - عليهما السلام - إن عليا - عليه السلام - كان يحبس في الدين ثم ينتظر فإن كان له مال أعطى الغرماء، وإن لم يكن له مال دفعه إلى الغرماء فيقول لهم: اصنعوا به ما شئتم، إن شئتم آجروه وإن شئتم استعملوه (2). وذكر الحديث. وقول ابن حمزة جيد، ونمنع من اعسار المكتسب، ولهذا يحرم عليه الزكاة. مسألة: إذا استدان العبد بإذن مولاه فإن باعه أو مات لزم المولى قضاؤه، وإن أعتقه قال الشيخ في النهاية: كان المال في ذمة العبد، ولا يلزم المولى شئ مما عليه (3). وبه قال أبو الصلاح، إلا أن تكون الاستدانة للسيد فيلزمه القضاء دون العبد (4). وابن البراج تبع الشيخ أيضا. وقال الشيخ في الاستبصار: إنه لازم للمولى (5). وبه قال ابن إدريس (6)، وابن حمزة (7). والأقرب الأول. لنا: ما رواه عجلان، عن الصادق - عليه السلام - في رجل أعتق عبدا له

(1) الوسيلة: ص 274.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 300 ح 838، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الحجر ح 3 ج 13 ص 148.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 32.
(4) الكافي في الفقه: ص 331.
(5) الاستبصار: ج 4 ص 20 ذيل الحديث 64.
(6) السرائر: ج 2 ص 58.
(7) الوسيلة: ص 274.

[ 387 ]

وعليه دين، قال: دينه عليه لم يزده العتق إلا خيرا (1). وعن ظريف الاكفاني قال: كان أذن لغلام له في الشراء والبيع فأفلس ولزمه دين فأخذ بذلك الدين الذي عليه وليس يساوي ثمنه ما عليه من الدين، فسأل أبا عبد الله - عليه السلام - فقال: إن بعته لزمك، وإن أعتقته لم يلزمك الدين بعتقه ولم يلزمه شئ (2). ولأن المولى أذن لعبده في الاستدانة فاقتضى ذلك رفع الحجر عليه فلا يستعقب الضمان، كالمحجور عليه إذا أذن له المولى في الاستدانة. قال الشيخ: هذان الخبران محمولان على أن المولى أذن لعبده في التجارة دون الاستدانة، فلهذا يتعلق بذمته بعد العتق (3). ولم يذكر على ذلك حجة، مع أن الدليل على خلافه، وهو أصالة براءة ذمة السيد. وقول ابن إدريس: (المولى إذا أذن للعبد في الاستدانة فقد وكله في أن يستدين له فالدين في ذمة المولى) خطأ فاحش، فإن التقدير أن الدين للعبد لا للمولى، ونحن لا ننازع في أن المولى إذا أذن لعبده في الاستدانة له لا للعبد أن الدين لازم للمولى، وليس ذلك محل النزاع. لا يقال: الدين المأذون فيه قد صرفه العبد في مصالحه بإذن مولاه، وقد كان ذلك لازما للمولى، وكذا لو أذن له في الدين. لأنا نقول: لا نسلم أن جميع مصالح العبد لازمة للمولى، وإنما يلزمه الانفاق عليه بالمعروف.

(1) الاستبصار: ج 4 ص 20 ح 64، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب العتق ح 1 ج 16 ص 57.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 11 ح 29، وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب الدين ح 3 ج 13 ص 118 - 119.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 20 ذيل الحديث 64.

[ 388 ]

ونحن نقول: لو استدان بإذن مولاه في النفقة الواجبة على مولاه كان الدين لازما للمولى، وليس ذلك محل النزاع. وقول الشيخ في الاستبصار لا استبعاد فيه، لما رواه أبو بصير في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: قلت له: الرجل يأذن لمملوكه في التجارة فيصير عليه دين، قال: إن كان أذن له أن يستدين فالدين على مولاه، وإن لم يكن أذن له أن يستدين فلا شئ على المولى ويستسعى العبد في الدين (1)، ويمكن أن تحمل على ما إذا استدان للتجارة. مسألة: لو أذن له في التجارة دون الاستدانة قال الشيخ في النهاية: ما يحصل عليه من الدين يستسعى فيه، ولا يلزم مولاه من ذلك شئ (2). وقال في المبسوط: إذا أذن لعبده في التجارة فركبه دين فإن كان أذن له في الاستدانة فإن كان في يده مال قضي منه، وإن لم يكن في يده مال كان على السيد القضاء عنه، وإن لم يكن أذن له في الاستدانة كان ذلك في ذمة العبد يطالبه به إذا أعتق، وقد روي أنه يستسعى العبد في ذلك (3). وكذا قال في الخلاف مثله (4) إلا أنه أسقط ذكر الرواية. وقال ابن حمزة: إن كان المدين علم أنه غير مأذون له في الاستدانة بقي في ذمته إلى أن يعتق، وإن لم يعلم استسعى فيه إذا أتلف المال (5). وأبو الصلاح لم يفصل إلى المأذون له في التجارة وغيره، بل إلى المأذون له

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 200 ح 445، وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب الدين ح 1 ج 13 ص 118.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 32.
(3) المبسوط: ج 2 ص 164. (4) الخلاف: ج 3 ص 179 - 180 المسألة 297.
(5) الوسيلة: ص 274.

[ 389 ]

في الاستدانة وغيره. وقال عن الثاني: إنه لا ضمان على المولى ولا على العبد، إلا أن يعتق فيلزمه الخروج إلى مدينه مما عليه (1). وقال ابن إدريس: لا يستسعى، بل يتبع به بعد العتق (2). والمعتمد أن نقول: إن استدان لمصلحة التجارة لزم المولى أداءه كالاجنبي، وإن لم يكن لمصلحتها لم يلزم مولاه منه شئ وتبع به بعد العتق، عملا بأصالة براءة ذمة المولى، ولأنه فعل غير مأذون فيه، والحديث الذي رواه أبو بصير في المسألة السابقة يعطي وجوب الاستسعاء. وليس ببعيد، فإن المولى غار بالإذن للعبد في التجارة، فوجب عليه التمكين من السعي. مسألة: لو لم يأذن له في التجارة ولا في الاستدانة قال في النهاية: لا يلزم المولى منه شئ ولا يستسعى المملوك، بل كان ضائعا، إلا إذا بقي المال في يده، أو كان قد دفعه إلى سيده (3). وقال ابن إدريس: يتبع به بعد العتق (4). وعليه فسر قول الشيخ (بل كان ضائعا)، وهو اختيار أبي الصلاح (5) أيضا، وهو المعتمد.

(1) الكافي في الفقه: ص 331 - 332.
(2) السرائر: ج 2 ص 57.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 32.
(4) السرائر: ج 2 ص 57.
(5) الكافي في الفقه: ص 332.

[ 390 ]

الفصل الثاني في القرض مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإن أعطاه الغلة وأخذ منه الصحاح شرط ذلك أو لم يشرط لم يكن به بأس (1). وقال أبو الصلاح: يجوز القرض أن يعطيه عوض الغلة صحاحا منه، وعوض المصوغ من الذهب عينا، ومن الفضة ورقا، وعوض نقد مخصوص من خالص الذهب والفضة من الغش من نقد غيره، ويلزم ذلك مع الشرط، ومع عدمه ليس له، إلا مثل ما أقرض إلا أن يتبرع أحدهما (2). وقال ابن حمزة: يصح اشتراط الصحيح عن الغلة (3). وكذا قال ابن البراج. وقال ابن إدريس: لا يصح أن يشترط رد الصحاح عوضا عن المكسرة (4). وهو الأقوى. لنا: ما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 34.
(2) الكافي في الفقه: ص 331.
(3) الوسيلة: ص 273.
(4) السرائر: ج 2 ص 62.

[ 391 ]

أقرضت الدراهم ثم أتاك بخير منها فلا بأس إن لم يكن بينكما شرط (1). وهو يدل على ثبوت الثاني مع الشرط قضية للشرط، وللاجماع على أنه إذا أقرضه شيئا وشرط عليه أن يرد خيرا مما أقرضه كان حراما وبطل القرض، وصورة النزاع مندرجة تحت هذا العام. احتج الشيخ بما رواه يعقوب بن شعيب في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يقرض الرجل الدراهم الغلة فيأخذ منه الدراهم الطازجية طيبة بها نفسه، قال: لا بأس. وذكر ذلك عن علي - عليه السلام - (2). والجواب: لا دلالة في الحديث إذا لم يذكر فيه الشرط، ويجوز عندنا أخذ الجيد، والأكثر عوض الأردأ، والأقل مع عدم الشرط. ويريد ب (الطازجية) الدراهم البيض الجيدة، وهي بالطاء غير المعجمة والزاي والجيم. مسألة: لو أقرضه وشرط الزيادة في الصفة أو القدر بطل، ولم يجز للمقرض التصرف فيه. وقال ابن حمزة: ويكون أمانة في يده (3). وعندي فيه نظر. والأقرب أنه مضمون عليه، لأنه قبضه على ذلك. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: كل ما يضبط بالصفة أو كل مال يصح فيه السلم كالمكيل والموزون والمذروع من الثياب والحيوان فإنه يجوز، ولا يجوز إقراض ما لا يضبط بالوصف كالجواهر (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 201 ح 449، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الصرف ح 3 ج 12 ص 477.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 201 ح 450، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الصرف ح 5 ج 12 ص 477.
(3) الوسيلة: ص 273.
(4) المبسوط: ج 2 ص 161.

[ 392 ]

وقال ابن إدريس: يجوز. وهو الأقرب. لنا: الأصل عموم جوازه، والاجماع على جواز إقراض الخبز، وأن السلم لا يجوز فيه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2): يجوز للمقرض أن يرجع في عين القرض. وقال ابن إدريس: ليس له ذلك إلا برضى المقترض (3). وهو الأجود. لنا: إنه ملكه بالقرض والقبض، فلا يتسلط المالك على أخذه منه، لانتقال حقه إلى المثل أو القيمة. احتج الشيخ بأنه كالهبة. والجواب: المنع من المساواة بين المسألتين. مسألة: القرض إن كان مثليا وجب على المقرض رد المثل، فإن تعذر فالقيمة. قال ابن إدريس: يوم المطالبة (4). والأجود يوم الدفع. لنا: إن الثابت في الذمة المثل، ولا يبرأ إلا بالمعاوضة عليه. مسألة: لو شرط المستقرض الزكاة على القارض صح، وسقطت الزكاة عنه، ووجبت على القارض، قاله الشيخ - رحمه الله - (5)، وتبعه ابن البراج، وابن حمزة (6).

(1) المبسوط: ج 2 ص 161.
(2) الخلاف: ج 3 ص 177 المسألة 299. (3) السرائر: ج 2 ص 60.
(4) السرائر: ج 2 ص 60.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 34.
(6) الوسيلة: ص 273.

[ 393 ]

وقال ابن إدريس: الزكاة على المستقرض على كل حال (1)، ولا يصح هذا الشرط. والأقرب الأول. لنا: قوله - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) (2) وقوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) (3) والتراضي إنما وقع بهذا الشرط. احتج الشيخ بأن المستقرض يملك القرض بالقبض، ويخرج عن ملك القارض فكيف يشترط أن يزكي مال الغير؟! والزكاة إنما تجب على رب المال. ولأنه شرط يخالف الكتاب والسنة، فيكون باطلا. ولأن الأصل براءة الذمة، ووجوب الزكاة على رب المال دون غيره. والجواب: أن المستقرض إنما يملك على حد القرض، وإنما خرج عن ملك القارض على حسب الشرط لا مطلقا، وأي استبعاد في مثل هذا الشرط، ونمنع من كونه مخالفا للكتاب والسنة ومن أصالة براءة الذمة مع حصول الشرط. مسألة: لو أقرض شيئا وارتهن عليه وسوغ له الراهن الانتفاع بالرهن من غير شرط جاز ذلك، سواء كان ذلك متاعا أو آنية أو جارية. قال الشيخ في النهاية: إلا الجارية خاصة فإنه لا يجوز استباحة وطئها بإباحته إياها، لمكان القرض (4)، وتبعه ابن حمزة (5). وسوغ في المبسوط ذلك (6)، وبه قال ابن إدريس (7). وهو الأقوى.

(1) السرائر: ج 2 ص 61.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ح 1503، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 30.
(3) النساء: 29.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 34.
(5) الوسيلة: ص 273.
(6) المبسوط: ج 2 ص 161. (7) السرائر: ج 2 ص 63.

[ 394 ]

لنا: أنها منفعة مقصودة فيجوز إباحتها من غير قرض، فجاز مع القرض مع عدم الاشتراط كغيرها من المنافع. ويحمل قول الشيخ: (على أن الإباحة إنما وقعت لمكان القرض) بمعنى: أنها اشترطت فيه فيكون حراما. وقال ابن إدريس: قول الشيخ: (لمكان القرض) إن أراد أنه اشترط في القرض فالجميع حرام، وليس الجارية بالتخصيص أولى من غيرها، وإن أراد عدم الاشتراط فالجميع سائغ (1). أقول: لا امتناع في الحمل على الأول فتكون الجارية مخالفة لغيرها، إذ غيرها لا يجوز الانتفاع به بمجرد الإذن، لكن يضمن المنتفع الأجرة، بخلاف وطئ الجارية. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من أقرض غيره دراهم ثم سقطت تلك الدراهم وجاءت غيرها لم يكن عليه إلا الدراهم التي أقرضها إياه، أو سعرها بقيمة الوقت الذي اقترضها فيه (2). وكذا قال ابن البراج، وابن إدريس (3). وقال الصدوق في المقنع: وإن استقرضت من رجل دراهم ثم سقطت تلك الدراهم وتغيرت فلا يباع بها شئ فلصاحب الدراهم الدراهم التي تجوز بين الناس (4). وقال في كتاب من لا يحضره الفقيه: كان شيخنا محمد بن الحسن يروي حديثا - في أن له الدراهم التي تجوز بين الناس - عقيب رواية يونس، عن الرضا - عليه السلام - أن له الدراهم الأول، ثم قال الصدوق: والحديثان متفقان غير مختلفين، فمتى كان للرجل على رجل دراهم بنقد معروف فليس له إلا ذلك النقد، ومتى كان له على رجل دراهم بوزن معلوم بغير نقد معروف فإنما له

(1) السرائر: ج 2 ص 63.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 134 - 135.
(3) السرائر: ج 2 ص 64.
(4) المقنع: ص 124.

[ 395 ]

الدراهم. التي تجوز بين الناس (1). وقال ابن الجنيد: من أعطى رجلا له عليه دنانير عروضا من فلوس وغيرها أو دراهم، في وقت ثم تغيرت الاسعار حسب المعطي على الأخذ سعر يوم أخذه، لأن ذلك من ماله، فإن كان ما أعطاه قرضا فارتفعت الفلوس كان على المستقرض رد ما أخذه على من أقرضه برأس ماله لا قيمة يوم القرض، ولا يختار للمستقرض إلا أن يعطي ما ينفق بين الناس. وقال ابن إدريس في موضع آخر: من كان له على إنسان دراهم أو دنانير أو غيرهما من السلع جاز له أن يأخذ مكان ماله من غير الجنس الذي له عليه بسعر الوقت، فإن كانت له دراهم ويعامل الناس بغيرها وأسقط الأولى السلطان فليس له إلا مثل دراهمه الأولى، ولا يلزمه غيرها مما يتعامل الان به إلا بقيمتها من غير الجنس، لأنه لا يجوز بيع الجنس بالجنس هاهنا متفاضلا (2). والمعتمد أن نقول: لصاحب الدراهم من النقد الأول، فإن تعذر فقيمته الان من غير الجنس. لنا: أنها من ذوات الامثال، وحكم المثلي ما قلنا. وما رواه يونس في الصحيح قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا - عليه السلام - أنه كان لي على رجل دراهم وأن السلطان أسقط تلك الدراهم وجاءت دراهم أعلى من تلك الدراهم الأولى ولها اليوم وضيعة، فأي شئ لي عليه التي أسقطها السلطان أو الدراهم التي أجازها السلطان؟ فكتب: الدراهم الأولى (3).

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 191 ذيل الحديث 3716.
(2) السرائر: ج 2 ص 64.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 116 ح 505، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب الصرف ح 1 ج 102 ص 487 - 488.

[ 396 ]

وفي الصحيح عن صفوان قال: سأله معاوية بن سعيد، عن رجل استقرض دراهم من رجل فسقطت تلك الدراهم أو تغيرت فلا يباع بها شئ الصاحب الدراهم الأولى أو الجائزة التي تجوز بين الناس؟ فقال: لصاحب الدراهم الأولى (1). احتج الشيخ بما رواه محمد بن عيسى قال يونس: كتبت إلى الرضا - عليه السلام - أن لي على رجل ثلاثة آلاف درهم وكانت، تلك الدراهم تنفق بين الناس تلك الأيام وليس ينفق اليوم ألي عليه تلك الدراهم بأعيانها أو ما ينفق بين الناس؟ قال: فكتب إلي: لك أن تأخذ منه ما ينفق بين الناس كما أعطيته ما ينفق بين الناس (2). والجواب: في طريق الرواية سهل بن زياد، وفيه قول، ومع ذلك فهي مشتملة على المكاتبة، وهي أضعف من السماع، وأيضا فإن ابن الوليد كان يتوقف في ما يرويه محمد بن عيسى، عن يونس. قال الشيخ: هذا الحديث لا ينافي الخبرين الأولين، لأنه إنما قال: (لك أن تأخذ منه ما ينفق بين الناس) يعني: بقيمة الدراهم الأولى بما ينفق بين الناس، لأنه يجوز أن تسقط الدراهم الأولى حتى لا يكاد أن تؤخذ أصلا، فلا يلزمه أخذها، وهو لا ينتفع بها، وإنما له قيمة دراهمه الأولى، وليس له المطالبة بالدراهم التي تكون في الحال (3). مسألة: من كان له على غيره حق في ملك لم يبطل حقه بتأخير المطالبة،

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 117 ح 508، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب الصرف ح 4 ج 12 ص 488.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 100 ح 345، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب الصرف ح 3 ج 12 ص 487 - 488.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 100 ذيل الحديث 345.

[ 397 ]

سواء كان لعذر أو لا. وقال الصدوق في المقنع: واعلم أن من يترك دارا أو عقارا أو أرضا في يد غيره فلم يتكلم ولم يطالب ولم يخاصم في ذلك عشر سنين فلا حق له (1). لنا: الأصل بقاء الحق، والاحتجاج بالعادة ضعيف. وما رواه يونس، عن العبد الصالح - عليه السلام - قال: قال: إن الأرض لله جعلها الله عزوجل رزقا على عباده، فمن عطل أرضا ثلاث سنين متوالية لغير علة أخرجت من يده ودفعت إلى غيره، ومن ترك مطالبة حق له عشر سنين فلا حق له (2). وعن يونس عن رجل، عن الصادق - عليه السلام - قال: من أخذت منه أرض ثم مكث ثلاث سنين لا يطلبها لا يحل له بعد ثلاث سنين أن يطلبها (3). وفي السند قول، فإن في طريق الأولى سهل بن زياد والأخرى مرسلة. مسألة: المديون إذا كان معسرا وجب إنظاره على الأشهر. وقال ابنا بابويه: إن كان قد أنفق بالمعروف وجب إنظاره، لقوله تعالى: (فنظرة إلى ميسرة) وإن كان قد أنفقه في المعاصي فطالبه بحقك فليس هو من أهل هذه الآية (4). لنا: عموم هذه الآية، وظاهر كلام أبي الصلاح يوافق قولنا (5).

(1) المقنع: ص 123.
(2) تهذيب الأحكام: ج 1 ص 232 - 233 ح 1015، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب إحياء الموات ح 1 ج 17 ص 345.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 233 ج 1016، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب إحياء الموات ح 2 ج 17 ص 345.
(4) المقنع: ص 126. (5) الكافي في الفقه: ص 330.

[ 398 ]

مسألة: قال أبو الصلاح: وإذا ألح المدين على غريمه بالمطالبة وأحضره مجلس الحكم فخاف من الاقرار الحبس فله الانكار واليمين عليه، والتورية فيها بما يخرج به عن الكذب بشرط العزم على قضائه متى تمكن، واعلامه بذلك قبل اليمين وبعدها (1). والأقرب أن إعلامه ليس شرطا في الجواز. مسألة: قال أبو الصلاح: يحرم النزول على الغريم أكثر من ثلاثة أيام على كل حال (2). والأقرب عندي أنه مكروه شديد الكراهية، عملا بالأصل الدال على نفي التحريم. مسألة: لا يجوز بيع دار المديون إذا كانت دار سكناه، وإن كانت كبيرة يكفيه بعضها وجب بيع الزائد عن كفايته، ولو كانت مثمنة ففي وجوب بيعها وشراء ما يكفيه بدون ثمنها نظر. قال الصدوق: كان شيخنا محمد بن الحسن - رضي الله عنه - يروي أنها إن كانت الدار واسعة يكتفي صاحبها ببعضها فعليه أن يسكن منها ما يحتاج إليه ويقضي ببقيتها دينه، وكذا إن كفته دار بدون ثمنها باعها واشترى بثمنها دارا ليسكنها ويقضي بباقي الثمن دينه (3).

(1) الكافي في الفقه: ص 330 - 331.
(2) الكافي في الفقه: ص 331.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 190 ذيل الحديث 3715.

[ 399 ]

الفصل الثالث في الرهن مسألة: للشيخ قولان: في أن القبض شرط في الرهن أولا؟ فقال في النهاية: إنه شرط (1)، وبه قال المفيد (2)، وابن البراج (3)، وابن الجنيد، وأبو الصلاح (4)، وسلار (5)، وأبو منصور الطبرسي، وابن حمزة (6). وقال الشيخ في الخلاف: يلزم الرهن بالايجاب والقبول خاصة (7)، وبه قال ابن إدريس (8). وقال الشيخ في المبسوط في كتاب الرهن (9) كما قال في النهاية، وقال فيه أيضا (10) كما قال في الخلاف. وفي فصل بيع الخيار: الأحوط أن نقول: إن الرهن يلزم من قبل الراهن بالقبول، ويلزمه إقباضه (11). والمعتمد قوله في الخلاف.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 244.
(2) المقنعة: ص 623.
(3) المهذب: ج 2 ص 23.
(4) الكافي في الفقه: ص 334.
(5) المراسم: ص 192.
(6) الوسيلة: ص 265.
(7) الخلاف: ج 3 ص 223 المسألة 5.
(8) السرائر: ج 2 ص 416. (9) المبسوط: ج 2 مر 196.
(10) المبسوط: ج 2 ص ص 196.
(11) المبسوط: ج 2 ص 79.

[ 400 ]

لنا: الأصل عدم الاشتراط، وقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1). واحتج الشيخ على قوله الآخر بقوله تعالى: (فرهان مقبوضة) (2). وبما رواه محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - قال: لا رهن إلا مقبوضا (3). والجواب: أن الآية تدل من حيث دليل الخطاب، وليست حجة عند المحققين على أنا نقول: إنها دليل لنا. أما أولا: فلأن القبض لو كان شرطا كالايجاب والقبول لكان قوله تعالى: (مقبوضة) تكرارا لا فائدة تحته، وكما لا يحسن أن نقول: (مقبولة) كذا كان لا يحسن أن نقول: (مقبوضة). وأما ثانيا: فلأن الآية إنما سيقت لبيان الارشاد إلى حفظ المال، وذلك إنما يتم بالاقباض، كما أنه لا يتم إلا بالارتهان فالاحتياط يقتضي القبض كما أنه يقتضي الرهن، وكما أن الرهن ليس شرطا في الدين فكذا القبض ليس شرطا في الرهن، والرواية ضعيفة السند، مع أنها مشتملة على اضمار فلا يبقى حجة. مسألة: لو وطأ الراهن الجارية المرهونة بغير إذن المرتهن حملت وولدت صارت أم ولد، ولا يبطل الرهن. قال الشيخ في الخلاف: فإن كان موسرا لزم قيمة الرهن من غيرها لحرمة ولدها ويكون رهنا مكانها، وإن كان معسرا كان الدين باقيا وجاز بيعها (4).

(1) المائدة: 1.
(2) الخلاف: ج 3 ص 223 ذيل المسألة 5.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 176 ح 779، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الرهن ح 1 ج 13 ص 123.
(4) الخلاف: ج 3 ص 229 - 230 ذيل المسألة 19.

[ 401 ]

وقال في المبسوط: لا يبطل الرهن، لأنها مملوكة، سواء كان معسرا أو موسرا (1). وهو الأقوى، وبه قال ابن إدريس (2). لنا: الاستصحاب، وكونها أم ولد لا ينافي استدامة الارتهان كالمعسر. مسألة: إذا تلف الرهن بتفريط المرتهن واختلفا في القيمة قال الشيخ في النهاية: القول قول صاحب الرهن مع يمينه بالله تعالى بقيمته يوم هلك دون يوم رهن الراهن (3)، وهو قول المفيد (4)، وهو يشتمل على حكمين: الأول: أن القول قول الراهن في قدر القيمة، وهو قول الشيخين (5)، وسلار (6)، وأبي الصلاح (7)، وابن البراج (8)، وابن حمزة (9). وهو أيضا قول ابن الجنيد فإنه قال: فإن اختلفا في القيمة كانت خيانة المرتهن تسقط عدالته وأمانته. وكان الأولى عندي أن يؤخذ بقول الراهن مع يمينه إذا كانت الدعوى مما لا ينكر مثلها في القيمة، ولا عرف بدعوى زور ولا ظلم ولا تعدي في ذلك الرهن وقت رهنه. وقال ابن إدريس: القول قول المرتهن مع يمينه (10). وهو الأقوى. لنا: أن الراهن مدع والمرتهن منكر فيكون القول قوله مع اليمين، وسقوط عدالته لا يسقط حكم إيجاب البينة على المدعي واليمين على المنكر. الحكم الثاني: أوجب الشيخان (11) القيمة يوم الهلاك لا يوم رهن الراهن. وقال ابن الجنيد: وهو مخير بين أن يصفها ويكلف المرتهن إحضار مثلها إن

(1) المبسوط: ج 2 ص 206.
(2) السرائر: ج 2 ص 418.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 245.
(4) المقنعة: ص 623.
(5) تقدم آنفا.
(6) المراسم: ص 193.
(7) الكافي في الفقه: ص 335.
(8) المهذب: ج 2 ص 73.
(9) الوسيلة: ص 266.
(10) السرائر: ج 2 ص 421.
(11) تقدم آنفا.

[ 402 ]

كانت عدمت، وبين أن يأخذ القيمة. وقال: فإن تعدى المرتهن في الرهن واستهلكه لزمه أعلى قيمته من يوم استهلاكه إلى يوم أن يحكم عليه بقيمته. والمعتمد أن نقول: إن أوجبنا على الغاصب أعلى القيم وجب هنا على المرتهن أعلى القيم من حين التفريط إلى وقت التلف، وإن أوجبنا هناك القيمة وقت التلف فكذا هنا، هذا إذا كان من ذوات القيم، وإن كان مثليا وجب المثل، فإن تعذر فالقيمة يوم الأداء. مسألة: لو اختلفا في قدر ما على الراهن قال الشيخ في النهاية: القول قول الراهن مع يمينه إذا لم يكن للمرتهن بينة، وقد روي أن القول قول المرتهن مع يمينه، لأنه أمينه، والبينة على الراهن ما لم يستغرق الرهن ثمنه (1). وكذا قال في المبسوط (2) والخلاف (3): إن القول قول الراهن مع يمينه، وبه قال أبو الصلاح (4)، والصدوق (5)، وابن البراج (6)، وابن حمزة (7)، وابن إدريس (8). وقال ابن الجنيد: والمرتهن يصدق في دعواه حتى يحيط بالثمن ما لم تكن بينة، فإن زادت دعوى المرتهن على الرهن لم يقبل إلا ببينة، وله أن يستحلف الراهن على ما يقوله. والمعتمد الأول. لنا: إن الأصل عدم الزيادة وبراءة الذمة. ولأن الراهن منكر فالقول قوله مع اليمين. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - في رجل رهن عند صاحبه رهنا لا بينة بينهما فيه ادعى الذي عنده الرهن أنه بألف درهم

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 245 - 246.
(2) المبسوط: ج 2 ص 236.
(3) الخلاف: ج 3 ص 250 ذيل المسألة 57.
(4) الكافي في الفقه: ص 335.
(5) المقنع: ص 129.
(6) المهذب: ج 2 ص 73.
(7) الوسيلة: ص 266.
(8) السرائر: ج 2 ص 421.

[ 403 ]

وقال صاحب الرهن: إنه بمائة، قال: البينة على الذي عنده الرهن أنه بألف درهم، فإن لم يكن له بينة فعلى الراهن اليمين (1). وكذا في الموثق عن عبيد بن زرارة، عن الصادق - عليه السلام - (2). احتج ابن الجنيد بما رواه السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي - عليهم السلام - في رهن اختلف فيه الراهن والمرتهن فقال الراهن: هو بكذا وكذا وقال المرتهن: هو بأكثر، قال علي - عليه السلام -: يصدق المرتهن حتى يحيط بالثمن، لأنه أمينه (3). والجواب: الطعن في السند، فإن رواتها عامة، ومع ذلك فهي محمولة على أن الأولى للراهن تصديق المرتهن، لا أن ذلك واجب، قاله الشيخ في الاستبصار (4). مسألة: إذا اختلفا فقال الذي عنده المتاع: إنه رهن وقال المالك: إنه وديعة عندك كان القول قول صاحب المتاع أنه وديعة مع اليمين وعدم البينة، وبه قال الشيخ في النهاية (5)، وهو الظاهر من كلامه في الخلاف (6) والمبسوط (7)، وبه قال ابن البراج (8)، وابن إدريس (9).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 174 ح 769، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الرهن ح 1 ج 13 ص 136.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 174 ح 770، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب الرهن ح 3 ج 13 ص 138.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 175 ح 774، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب الرهن ح 4 ج 13 ص 138.
(4) الاستبصار: ج 3 ص 122 ذيل الحديث 435.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 245 - 246.
(6) الخلاف: ج 3 ص 250 المسألة 57.
(7) المبسوط: ج 2 ص 236.
(8) المهذب: ج 2 ص 69.
(9) السرائر: ج 2 ص 421.

[ 404 ]

وقال أبو الصلاح: على مدعي الرهن البينة، فإن فقدت طولب الآخر بها، فإن تعذرت حلف أنه وديعة ويسلمه، فإن نكل عن اليمين فهو رهن (1). وقال الصدوق في المقنع: على صاحب الوديعة البينة، فإن لم يكن له بينة حلف صاحب الرهن (2). واختاره الشيخ في الاستبصار (3). وقال ابن الجنيد: وإن ادعى رجل أن له عقارا أو غيره في يد رجل عارية أو وديعة فاعترف المدعى عليه أنه يملك العقار وغيره، وادعى إنه كان في يده كذلك ثم صار في يده رهنا لم يقبل دعواه - الرهن - إلا ببينة، وكذلك إن صدقه صاحب العقار على الدين ولم يصدقه على الرهن، وعلى صاحب العقار الدين بغير رهن، فإن أنكر إنه كان في يده إلا على سبيل الرهن كانت على صاحبه البينة أنه لم يخرجه عن يده إليه إلا على سبيل الوديعة. وقال ابن حمزة: فإن ادعى صاحب المتاع كونه وديعة عنده وخصمه كونه رهنا فإن اعترف صاحب المتاع بالدين كان القول قول خصمه، وإن لم يعترف بالدين كان القول قول صاحب المتاع مع اليمين (4). لنا: إن الأصل عدم الارتهان، وكون الرهن مجرد أمانة لا غير. ولأن المالك منكر وذو اليد مدع، والقول قول المنكر مع اليمين. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: في رجل رهن عند صاحبه رهنا فقال الذي عنده الرهن: ارتهنته عندي بكذا وكذا وقال الآخر: إنما هو عندك وديعة، فقال: البينة على الذي عنده الرهن أنه

(1) الكافي في الفقه: ص 335.
(2) المقنع: ص 129.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 123 ذيل الحديث 3.
(4) الوسيلة: ص 266.

[ 405 ]

بكذا، فإن لم يكن له بينة فعلى الذي له الرهن اليمين (1). احتج الشيخ بما رواه عباد بن صهيب في الموثق قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن متاع في يد رجلين فيقول أحدهما: استودعتكه والآخر يقول: هو رهن، فقال: القول قول الذي يقول: إنه رهن عندي، إلا أن يأتي الذي ادعاه أنه أودعه بشهود (2). وعن ابن أبي يعفور، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا اختلفا في الرهن فقال أحدهما: هو رهن وقال الآخر: هو وديعة، فقال: على صاحب الوديعة البينة، فإن لم يكن له حلف صاحب الرهن (3). والجواب عن الروايتين: بضعف سندهما، فإن عباد بن صهيب بتري، وفي طريق الثاني الحسن بن محمد بن سماعة وهو واقفي، وفي طريقها أيضا أبان وفيه قول. وابن إدريس شنع على الشيخ هنا واستعجب من فتواه (4). ولم يدر أن قول الشيخ ليس ببعيد، أما أولا: فللروايات، وأما ثانيا: فلأنه صاحب اليد فيسمع قوله، لأن يده ليست يد عادية، وأما ثالثا: فلأنه يدعي الظاهر، إذ الظاهر احتياط صاحب الدين على ماله، وإنما يتم بأخذ الرهن عليه، والظاهر أن المال هنا رهن، لوجود قرينة الأداء به. ولأن المالك

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 174 ذيل الحديث 769، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الرهن ح 1 ج 13 ص 136.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 176 ح 776، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الرهن ح 3 ج 13 ص 136. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 174 ح 771، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الرهن ح 2 ج 13 ص 136.
(4) السرائر: ج 2 ص 422.

[ 406 ]

اعترف له بالامانة وجعله أمينا يقدم قوله في التلف وغيره، وهذا الأخير هو حجة كل واحد من ابن الجنيد، وابن حمزة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا اشترط المرتهن على الراهن أنه إذا حل أجل ماله كان وكيلا له في بيع الرهن كان ذلك جائزا (1). وقال ابن إدريس: هذا غير واضح (2)، لأن شرط الوكالة التخيير فلا يجوز تعليقها، نعم يجوز تخيير الوكالة وتعليق التصرف، وهذه مؤاخذة لفظية، وقصد الشيخ ذلك. مسألة: قال ابن إدريس: إذا كان عند إنسان رهون جماعة فهلك بعضها وبقي البعض كان ماله في ما بقي إذا كان الراهن واحدا (3). وهذا الإطلاق ليس بجيد، بل ينبغي أن يقيد بوحدة الدين، بحيث يكون المجموع رهنا عليه، وعلى كل جزء منه إذا وحده الراهن غير كافية مع تغاير الديون. مسألة: النماء الموجود حالة الارتهان إذا كان منفصلا كالولد واللبن، أو متصلا أيضا لا يقبل الانفصال كالصوف والشعر خارج عن الرهن، ذهب إليه أكثر علمائنا. وقال ابن الجنيد: إن جميع ذلك يدخل في الرهن. لنا: أن العقد يتناول الأصل، وليس النماء جزء من المسمى، فلا يدخل في الرهن. احتج بأن النماء تابع للمالك، فكذا في الرهن.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 250.
(2) السرائر: ج 2 ص 422.
(3) السرائر: ج 2 ص 423.

[ 407 ]

والجواب: المنع من الملازمة. مسألة: النماء المتجدد بعد الارتهان إن كان متصلا اتصال ممازجة كالسمن والطول داخل في الرهن إجماعا، وإن كان منفصلا أو يقبل الانفصال كالولد والزرع والصوف والشعر قال الشيخ في النهاية: إنه يدخل في الرهن (1)، وبه قال المفيد (2)، وابن الجنيد، وأبو الصلاح (3)، وابن البراج (4)، وابن حمزة (5)، وابن إدريس (6). وقال الشيخ في الخلاف (7) والمبسوط (8): بعدم الدخول، وهو المعتمد. لنا: الأصل عدم الدخول. وما رواه السكوني في الموثق، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن علي - عليهم السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: الظهر يركب إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركبه نفقة، والدر يشرب إذا كان مرهونا، وعلى الذي يشرب نفقته (9). فأثبت - عليه السلام - للراهن منفعة الحلب والركوب، وليس ذلك للمرتهن إجماعا، لانتفاء ملكه، فبقي أن يكون للراهن.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 251 - 252. (2) المقنعة: ص 623.
(3) الكافي في الفقه: ص 335.
(4) المهذب: ج 2 ص 81.
(5) الوسيلة: ص 265.
(6) السرائر: ج 2 ص 423 - 424.
(7) الخلاف: ج 3 ص 251 المسألة 58.
(8) المبسوط: ج 2 ص 237.
(9) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 175 - 176 ح 775، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الرهن ح 1 ج 13 ص 134.

[ 408 ]

وعن إسحاق. بن عمار في الصحيح، عن أبي إبراهيم - عليه السلام - قلت: فإن أرهن دارا لها غلة لمن الغلة؟ قال: لصاحب الدار (1). وادعى ابن إدريس أن قوله مذهب أهل البيت - عليهم السلام - واجماعهم عليه، وأن ما ذكره الشيخ في المبسوط والخلاف مذهب المخالفين (2)، خطأ لا برهان عليه ولا شبهة له. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإن كان الرهن دابة فركبها المرتهن كانت نفقتها عليه، وكذلك إن كانت شاة وشرب لبنها كان عليه نفقتها، وإن كان عند إنسان دابة أو حيوان رهنا فإن نفقتها على الراهن دون المرتهن، فإن أنفق المرتهن عليها كان له ركوبها والانتفاع بها أو الرجوع على الراهن بما أنفق (3). وقال ابن إدريس: إذا كان عند إنسان دابة أو حيوان أو رقيق رهنا فإن نفقة ذلك على صاحبها الراهن دون المرتهن، فإذا أنفق المرتهن عليها تبرعا فلا شئ له على الراهن، وإن أنفق بشرط العود أو أشهد على ذلك كان له الرجوع على الراهن بما أنفق، وقد روي أن له ركوبها والانتفاع بها بما أنفق أو الرجوع على الراهن. والأولى عندي أنه لا يجوز له التصرف في الرهن على حال، للاجماع على أن الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف في الرهن (4). وقال أبو الصلاح: يجوز للمرتهن إذا كان الرهن حيوانا فيتكفل مؤونته أن ينتفع بظهره أو خدمته أو صوفه أو لبنه، وإن لم يتراضيا فلا يحل شئ من ذلك من غير تكفل مؤونة ولا مراضاة، والأولى أن تصرف قيمة منافعه في مؤونته (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 173 ذيل الحديث 767، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الرهن ذيل الحديث ج 13 ص 130.
(2) السرائر: ج 2 ص 424.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 254 - 255.
(4) السرائر: ج 2 ص 425.
(5) الكافي في الفقه: ص 334.

[ 409 ]

والمعتمد أن نقول: إذا ركب المرتهن أو حلب كان عليه أجرة الركوب مثل اللبن والنفقة على الراهن، وإذا أنفق المرتهن تبرعا لم يكن له الرجوع، كما قاله ابن إدريس، وليس له الركوب، للمنع من تصرف كل واحد من المتراهنين. والشيخ عول على رواية أبي ولاد قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يأخذ الدابة والبعير رهنا بماله أله أن يركبها؟ فقال: إن كان يعلفها فله أن يركبها، وإن كان الذي رهنها عنده يعلفها فليس له أن يركبها (1). ونحن نحمل هذه الرواية علا تساوي الحقين. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا اختلف نفسان فقال أحدهما: لي عندك دراهم دين فقال الآخر: هي وديعة عندي كان القول قول صاحب المال مع يمينه (2). وقال ابن إدريس: الذي ينبغي تحصيله أنه إذا ادعى أحدهما فقال له: لي عندك دراهم دين وقال الآخر: هي وديعة ولم يصدقه على دعواه ولا وافقه على جميع قوله من، أنها دين فالقول قول المودع مع يمينه، لأنه ما أقر بما ادعاه خصمه من كونها دينا، بل أقر بأن له عنده وديعة، ومن أقر بذلك فما أقر بما يلزمه في ذمته لو ضاعت من غير تفريط منه، بل قد ادعى عليه الخصم أن له عنده وفي ذمته دينا وجحد المدعى عليه ذلك ولم يكن مع المدعي بينة بصحة دعواه فالقول قول المدعى عليه مع يمنيه، فأما لو ادعى أن له عليه كذا ثم صدقه على دعواه وقال بعد ذلك: إنه وديعة لم يقبل دعواه بعد إقراره وتصديقه، لأن حرف (على) حرف وجوب والتزام، وحرف (عند) ليس بالتزام، بل

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 176 ح 778، وسائل الشيعة: ب 2 1 من أبواب الرهن ح 1 ج 13 ص 134. (2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 255 - 256.

[ 410 ]

قد يكون له عنده وديعة فلا يلزم بالمحتمل، لأن الأصل براءة الذمة. وما أورده شيخنا في نهايته يحتمل أن المدعى عليه صدق المدعي بأن الدراهم دين، ووافقه على [ لفظ ] دعواه وجميع قوله، فيلزمه حينئذ الخروج إليه منه (1). وهذا الكلام على طوله خال عن التحصيل، لأن الغريم اعترف بثبوت يده على مال الغير وهو يوجب الضمان إلا مع الاستئمان، والأصل عدمه. مسألة: قال المفيد في المقنعة: من باع شيئا وقبض ثمنه واشترط على المبتاع أن يقابل البيع بعد شهر أو سنة إذا أحضر المال كان الشرط باطلا، والمبتاع بالخيار إن شاء أقاله البيع وإن شاء لم يقله، وإذا اقترن إلى البيع اشتراط في الرهن أفسده، فإن تقدم أحدهما صاحبه كان الحكم له دون المتأخر (2). وهذا الكلام قد اشتمل على حكمين: الأول: إبطال اشتراط الرد عند مدة بشرط إعادة الثمن. والتحقيق أن نقول: إن كان الشرط في متن العقد كان لازما، ووجب على المبتاع رده مع الشرط، عملا بقوله - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) (3) وإن كان الشرط خارجا عن العقد، بل حصل بعد انعقاد البيع، وتمامه لم يكن لازما، وكان الحق ما ذكره شيخنا المفيد. الثاني: قوله: (إذا اقترن إلى البيع اشتراط في الرهن أفسده، فإن تقدم أحدهما صاحبه كان الحكم له دون المتأخر). واعلم أن الشيخ أبا جعفر الطوسي - رحمه الله - سئل في المسائل الحائرية عن معنى هذا الكلام فأجاب: بأن قال: معناه إذا باعه إلى مدة - مثل الرهن - كان البيع فاسدا، وإن باعه

(1) السرائر: ج 2 ص 425 - 426.
(2) المقنعة: ص 624.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ذيل الحديث 1503، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ذيل الحديث 4 ج 15 ص 30.

[ 411 ]

مطلقا ثم شرط أن يرده عليه إلى مدة إن رد عليه الثمن كان ذلك صحيحا يلزمه الوفاء به، لقوله - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) (1). وقال ابن إدريس: جواب الشيخ غير واضح، لأنه غير مطابق للسؤال، وإنما الجواب: أنه إذا باع من غيره شيئا على أن يكون المبيع رهنا في يد البائع لم يصح البيع (2). وسيأتي البحث في هذه المسألة إن شاء الله. مسألة: قال الصدوق في المقنع: إذا رهن عنده متاعا فلم ينشر المتاع ولم يخرجه ولم يتعاهده ففسد فإن ذلك لم ينقص من ماله شيئا (3). والأقرب، أن على المرتهن الضمان، لأنه ترك نشر الثوب المفتقر إلى نشره فيكون مفرطا، والمفرط ضامن فيتقاصان. مسألة: قال أبو الصلاح: إذا هلك الرهن في مدة السوم لاجله وكان البيع سائغا فهو من مال الراهن، وعليه الخروج من الحق إلى المرتهن، وإن كان ممنوعا منه فهو من مال المرتهن (4). وهذا يعطي أن المقبوض بالسوم غير مضمون، كما قاله ابن إدريس (5)، خلافا لجماعة من علمائنا، وهو حسن، لأنه قبض مأذون فيه. مسألة: قال الصدوق في المقنع: إذا كان الرهن دارا لها غلة فالغلة لصاحب الدار، فإن سكنها المرتهن لم يلزم عليه غلتها لصاحبها، إلا أن يكون استأجرها منه، فإن آجرها فيجب عليه أن يحسب كراها من رأس ماله (6).

(1) الحائريات (الرسائل العشر): ص 314.
(2) السرائر: ج 2 ص 429.
(3) المقنع: ص 128.
(4) الكافي في الفقه: ص 335.
(5) السرائر: ج 2 ص 86.
(6) المقنع: ص 129، وعبارة: (فإن سكنها... إلى آخره) غير موجودة.

[ 412 ]

وهذا الإطلاق ليس بجيد، بل ينبغي التقييد بالسكنى بإذن الراهن، والظاهر أن مراده ذلك، إذ الظاهر صحة التصرف الصادر من المسلم. مسألة: إذا حل الدين لم يجز بيعه، إلا أن يكون، وكيلا أو يأذن له الحاكم، قاله ابن إدريس (1)، وهو جيد. وأطلق أبو الصلاح جواز البيع مع عدم التمكن من استئذان الراهن (2). مسألة: إذا بيع الرهن فإن أقام بالدين وإلا وجب، على الراهن إيفاؤه متى كان البيع صحيحا، وإن كان باطلا كان المبيع باقيا على ملك الراهن، ولم ينقص من الدين شئ على التقديرين عند أكثر علمائنا. وقال أبو الصلاح: إذا تعذر إيذان الراهن في بيعه بعد حلول الدين فالأولى تركه حين تمكن الايذان، ويجوز بيعه، فإن نقصت قيمته عن الدين لم يكن له غيرها، وإن كان بيعه بإذنه فعليه القيام بما بقي من الدين عن ثمن الرهن (3). وهذا التفصيل ليس بجيد، فإن البيع مع عدم الإذن إما أن يكون صحيحا أو باطلا، فإن كان صحيحا لم ينقص من الدين شئ، وإن كان باطلا فكذلك ويسترد المبيع، ويمكن أن يحمل قوله على ما إذا باعه بأقل من ثمن المثل وتلفت عينه وتعذر الرجوع على المشتري وكانت قيمته بأزاء الدين. مسألة: قال ابن حمزة: إنما يصح الرهن بالايجاب والقبول والقبض برضى الراهن (4). والبحث في اشتراط القبض قد تقدم، إلا أنه قال - بعد أن قسم الرهن إلى مطلق ومشروط، ثم قسم المشروط إلى ما يقتضيه العقد وإلى ما لا يفتضيه

(1) السرائر: ج 2 ص 422 - 423. (2) الكافي في الفقه: ص 335.
(3) الكافي في الفقه: ص 335.
(4) الوسيلة: ص 265.

[ 413 ]

العقد، ثم قسم الثاني إلى ما يناقض الرهن ويبطل الشرط دون الرهن -: مثل أن يشترط أن لا يسلم الرهن (1)، وهو قول الشيخ في المبسوط (2). وفيه نظر. فإنا نقول: إن وجب تسليم الرهن لم يكن القبض شرطا، لأنه قد تم بالايجاب والقبول لا غير، وهو ينافي ما قرره، وإن لم يجب لم يصح الرهن ولا الشرط أيضا. مسألة: منع الشيخ في الخلاف (3) والمبسوط (4) من رهن العبد الجاني مطلقا، سواء كان عمدا أو خطأ أوجب عليه القصاص أو لا، لأنه إذا كان عمدا فقد استحق المجني عليه العبد، وإن كان خطأ تعلق الأرش برقبته فلا يصح رهنه. والمعتمد أن نقول: يصح رهنه مطلقا، ثم إن المجني عليه في العمد إذا اقتص وكانت نفسا أو اختار التملك بطل الرهن، وإن عفا أو اقتص في الطرف بقي رهنا على حاله، وإن كانت الجناية خطأ وجب على المولى فكه إما بالأرش أو بالأقل على الخلاف على ما يأتي، لأنه اختار ذلك بالرهن، فإن تعذر ذلك منه كان للمجني عليه إبطال الرهن. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا دبر الراهن المملوك كان باطلا (5). وكذا قال المفيد (6). وقال في المبسوط: إذا دبر عبده ثم رهنه بطل التدبير، لأن التدبير وصية ورهنه رجوع فيها، وإن قلنا: إن الرهن صحيح والتدبير بحاله كان قويا، لأنه لا دليل على بطلانه، فعلى هذا إذا حل الأجل في الدين وقضاه المدين من غير

(1) الوسيلة: ص 265.
(2) المبسوط: ج 2 ص 198.
(3) الخلاف: ج 3 ص 235 - 236 المسألة 28.
(4) المبسوط: ج 2 ص 212.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 251. (6) المقنعة: ص 622.

[ 414 ]

رهن كان جائزا، وإن باعه كان له ذلك، وإن امتنع من قضاء الحق نظر الحاكم فإن كان له مال غيره قضى دينه منه وزال الرهن من العبد وكان مدبرا بحاله، وإن لم يكن له مال غيره باعه الحاكم في الدين وزال التدبير والرهن معا (1). وقال في الخلاف: وإذا دبر عبده ثم رهنه بطل التدبير وصح الرهن إن قصد بذلك فسخ التدبير، وإن لم يقصد بذلك الفسخ لم يصح الرهن. واستدل بالاجماع على أن التدبير بمنزلة الوصية، والوصية له الرجوع فيها فكذا التدبير، فأما إذا لم يقصد الرجوع فلا دلالة على بطلانه ولا دلالة على صحة الرهن فينبغي أن يكون باطلا. ثم قال: وإن قلنا: إنه يصح التدبير والرهن معا، لأنه لا دلالة على بطلان واحد منهما كان قويا، لأن ما جاز بيعه جاز رهنه، وبيع المدبر جائز بلا خلاف عندهم وكذلك عندنا، وهذا قوي (2). وقال ابن إدريس: إذا دبر عبده ثم رهنه بطل التدبير، لأنه وصية ورهنه رجوع فيها، ثم قال: وإن قلنا: إن الرهن صحيح والتدبير بحاله كان قويا، لأنه لا دليل على بطلانه (3). والمعتمد أن نقول: إن كان التدبير والرهن متنافيين كان الرهن المتأخر مبطلا للتدبير السابق، سواء قصد إبطاله أو لا، وإن لم يتنافيا لم يبطل التدبير السابق ولا اللاحق، وهو الأقوى من القسمين، فأبطل الشيخ التدبير اللاحق (4)، لأنه تصرف في الرهن فيكون ممنوعا منه. والوجه إبطال السابق خاصة.

(1) المبسوط: ج 2 ص 213.
(2) الخلاف: ج 3 ص 237 - 238 المسألة 31.
(3) السرائر: ج 2 ص 428.
(4) المبسوط: ج 2 ص 213.

[ 415 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا اشترى عبدا بألف درهم ورهن به عند البائع عصيرا واستحال خمرا قبل القبض بطل الرهن وكان للمشتري الخيار، وإن صار بعد القبض بطل الرهن ولا خيار، وإن اختلفا فقال الراهن: أقبضته عصيرا وقال المرتهن: أقبضته خمرا فلى الخيار فالقول قول المرتهن مع يمينه وعدم البينة، وقد قيل: إن القول قول الراهن مع يمينه، لأنهما اتفقا على القبض، وادعى المرتهن أنه قبض فاسد فعليه البينة (1). وقال في الخلاف: القول قول المرتهن مع يمينه، لأن هذا اختلاف في القبض، لأنه إذا ادعى المرتهن أنه قبضه خمرا، وقبض الخمر كلا قبض، فصار كأنه اختلاف في القبض، وفي اختلاف القبض القول قول المرتهن، لأنه تكون فائدته أن المرتهن يقول: ما قبضت رهنا، والراهن يقول: قبضت، فمن يدعي القبض فعليه البينة وعلى من ينكره اليمين. قال: والقول الآخر أيضا قوي، لأنهما اتفقا على القبض، وإنما يدعي المرتهن أنه قبض فاسد فعليه الدلالة، والأصل الصحة (2). وما قواه الشيخ في الخلاف هو الأقوى عندي، لما تقدم. ولأن الأصل ثبوت البيع ولزومه. مسألة: إذا رهن عصيرا فصار خمرا بطل الرهن قال الشيخ في الخلاف: يجوز إمساكه للتخلل والتخليل، ولا يجب عليه الاراقة، لأنه لا خلاف بين الطائفة في جواز التخلل والتخليل (3). وقال أب والصلاح: فإن صار خمرا بطلت وثيقة الرهن ووجبت إراقته (4).

(1) المبسوط: ج 2 ص 214.
(2) الخلاف: ج 3 ص 240 المسألة 35.
(3) الخلاف: ج 3 ص 241 المسألة 36.
(4) الكافي في الفقه: ص 336.

[ 416 ]

والحق ما قاله الشيخ - رحمه الله -. مسألة: لو رهن ما يسرع إليه الفساد قبل الأجل قال الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2): بطل، إلا أن يشترط البيع. والوجه ما قاله بعض علمائنا أنه يصح ويجبر على بيعه، ويكون ثمنه رهنا. لنا: أنه يصح مع الشرط فيصح بدونه، ويكون الحكم فيه ذلك. مسألة: قال ابن حمزة: يشترط في الراهن أن يكون حرا عاقلا غير محجور عليه، أو عبدا مأذونا له في التجارة (3). والوجه أن الإذن له في التجارة ليس إذنا في الإرهان، بل لا بد من التنصيص عليه إما بالخصوصية أو بما يدخل تحته. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لا يجوز أخذ الرهن على مال الكتابة المشروطة (4)، وتبعه ابن البراج (5)، وابن إدريس (6). والوجه عندي الجواز. لنا: أنه دين ثابت في الذمة، فيجوز أخذ الرهن عليه كالمطلق. احتج الشيخ بأن للمكاتب فسخ الكتابة بتعجيز نفسه فلا يكون واجبا في الذمة، إذ له إسقاطه أي وقت أراد فلا يكون ثابتا في ذمته شئ. ولأنه متى امتنع من مال الكتابة كان لسيده رده في الرق، فلا يحتاج مع ذلك إلى الرهن (7). والجواب: المنع من كون المكاتب له أن يعجز نفسه، فإن الكتابة عندنا عقد لازم، ولا يلزم من كون المولى يتخير في الفسخ عند عجز المكاتب تسويغ التعجيز للمكاتب.

(1) الخلاف: ج 3 ص 241 المسألة 38. (2) المبسوط: ج 2 ص 215 - 216.
(3) الوسيلة: ص 265.
(4) المبسوط: ج 2 ص 197.
(5) المهذب: ج 2 ص 44.
(6) السرائر: ج 2 ص 417.
(7) المبسوط: ج 2 ص 197.

[ 417 ]

سلمنا، لكن لا يلزم من ذلك بطلان الرهن كالرهن في مدة الخيار، وأيضا فلا يلزم من تعجيز المكاتب نفسه فسخ الكتابة، بل للمولى الصبر عليه والزامه بالمال مع السعة، وكونه لا حاجة له في الرهن مع رده في الرق لا يدل على بطلان الرهن لو لم يرده. مسألة: إذا ارتهن الغاصب الغصب صح، قال الشيخ في الخلاف: ولا يزول الضمان، لثبوته قبل الرهن، فمن ادعى براءته منه فعليه الدلالة، ولما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله - أنه قال: (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) (1). وقد ذكرنا نحن في بعض كتبنا (2) زوال الضمان، لأنه مأذون له في الامساك فيسقط الضمان، وقول الشيخ لا يخلو من قوة. مسألة: إذا وطأ المرتهن بإذن الراهن فحبلت ثم ملكها المرتهن بعد ذلك قال الشيخ: تصير أم ولده، ذكره في الخلاف (3) والمبسوط (4)، للاشتقاق، فإنه يقتضيه. والأجود أنها لا تصير أم ولد. وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله. مسألة: قال في الخلاف: إذا وطأ الجارية المرهونة بإذن الراهن مع العلم بتحريم ذلك لم يجب عليه المهر (5)، وهو يعطي تحريم الوطئ مع الإذن، كما تقدم في قوله في النهاية (6). وصرح في المبسوط بذلك فقال: إذا وطأها بإذن الراهن فإن لم يدع الجهالة بتحريم ذلك فهو زنا، والحكم فيه على ما تقدم (7)، يعني من وجوب الحد،

(1) الخلاف: ج 3 ص 228 المسألة 17.
(2) قواعد الأحكام: ج 1 ص 161. (3) الخلاف: ج 3 ص 232 المسألة 24.
(4) المبسوط: ج 2 ص 209.
(5) الخلاف: ج 3 ص 232 المسألة 22.
(6) النهاية ونكتها: ج 2 ص 251.
(7) المبسوط: ج 2 ص 209.

[ 418 ]

والبحث في ذلك قد تقدم. والحق جواز الوطئ مع الإذن. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا باع العدل الرهن بتوكيل الراهن وقبض الثمن وضاع في يده واستحق المبيع في يد المشتري فإنه يرجع على الوكيل والوكيل يرجع على الراهن، وكذا كل وكيل، باع شيئا فاستحق وضاع الثمن في يد الوكيل فإن المشتري يرجع على الوكيل والوكيل على الموكل. واحتج بأن الوكيل إذا كان هو العاقد للبيع فيجب أن يكون هو الضامن للدرك، ومن قال: إن الموكل ضامن من غير واسطة فعليه الدلالة (1). وقال في المبسوط: يرجع على الموكل دون الوكيل، وليس عليه ضمان العهدة في جميع هذه المسائل (2). وهو الحق. لنا: الأصل براءة ذمة الوكيل. ولأن ضمان عهدة الحق وغيرها لازم للموكل فلا شئ على الوكيل، وقول الشيخ: (إن العاقد ضامن) ممنوع، إذ الضمان يتعلق بمن تعلق المال في ذمته، وهو الموكل. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (3) والخلاف (4): إذا استقرض ذمي من مسلم مالا ورهن عنده بذلك خمرا يكون على يد ذمي آخر يبيعها عند محل الحق فباعها وأتى بثمنها جاز له أخذه ولا يجبر عليه، لعدم الدليل على إجباره، وله أن يطالب بما لا يكون بثمن محرم. وهذا يعطي جواز الرهن، وليس بجيد، لأن الذمي نائب عن المسلم، وكما

(1) الخلاف: ج 3 ص 246 المسألة 48.
(2) المبسوط: ج 2 ص 219.
(3) المبسوط: ج 2 ص 223. (4) الخلاف: ج 3 ص 248 المسألة 52.

[ 419 ]

لا يصح للمسلم مباشرة الارتهان فكذا الاستنابة، ونمنع عدم الاجبار على القبض، لأنه بيع صحيح بالنسبة إليه ومالك للثمن، ويجوز دفعه إلى المسلم، ويجوز للمسلم قبضه، فيجبر على قبضه أو إخلاء ذمته من دينه كغيره من الأموال. مسألة: قال في الخلاف: إذا شرط في حال عقد الرهن شروطا فاسدة كانت الشروط فاسدة، ولم يبطل الرهن ولا البيع الذي كان الرهن شرطا فيه (1). والأقوى عندي بطلان الجميع، لما تقدم من أن بطلان الشرط يقتضي بطلان المشروط. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: الذي يجوز أخذ الرهن به هو كل دين ثابت في الذمة، ثم قال: ووقته بعد لزوم الحق، ويجوز أيضا مع لزومه، مثل أن يكون مع الرهن بأن يقول: بعتك هذا الشئ بكذا على أن ترهن كذا بالثمن وقال: اشتريته على هذا صح الشرط والرهن وثبت، ويرهنه بعد عقد البيع ويسلمه إليه، وإذا ثبت جواز شرطه جاز إيجاب الرهن وقبوله فيه، فيقول: بعتك هذا الشئ بألف وارتهنت منك هذا الشئ بالثمن وقال المشتري. اشتريته منك بألف ورهنتك هذا الشئ فيحصل عقد البيع وعقد الرهن (2). وعندي في الأخير موضع نظر، لأن الرهن وثيقة لدين المرتهن، فله تأخر بالذات عن الدين، فلا يصح اقترانه معه في العقد. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: عقد الرهن ليس بلازم، ولا يجبر الراهن على تسليم الرهن، فإن سلم باختياره لزم بالتسليم. ثم قال: والأولى أن نقول:

(1) الخلاف: ج 3 ص 253 المسألة 61.
(2) المبسوط: ج 2 ص 197 - 198.

[ 420 ]

يجب بالايجاب والقبول، ويجبر على تسليمه. ثم قال: إذا مات المرتهن قبل قبض الرهن لم ينفسخ الرهن، وكان للراهن تسليم الرهن إلى وارث المرتهن. ثم قال: وإذا أذن الراهن للمرتهن في قبض الرهن ثم رجع عن الإذن ومنعه من القبض لم يكن له ذلك، لأن بالايجاب والقبول أوجب قبض الرهن، وإذا أذن له في قبض الرهن ثم جن أو أغمي عليه جاز للمرتهن قبضه، لأنه لزمه ذلك بالايجاب والقبول، ولو خرس الراهن فإن كان الراهن يحسن الكتابة أو الإشارة فكتب بالإذن في القبض أو إشارة قام ذلك مقام النطق، وإن كان لا يحسن الكتابة ولا يعقل الإشارة لم يجز للمرتهن قبضه، لأنه يحتاج إلى رضاه، ولا طريق له إلى ذلك وكان على وليه تسليم الرهن، لأن بالعقد قد وجب ذلك (1). والأحكام الأولى تدل على لزوم الرهن بمجرد العقد، ولأن القبض واجب على الراهن. وقوله بعد ذلك: (لأنه يحتاج إلى رضاه ولا طريق له إلى ذلك) ينافي ما تقدم. مسألة: قال في الخلاف: إذا زوج الراهن عبده المرهون أو جاريته المرهونة كان تزويجه صحيحا، لقوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم) ولم يفصل، فمن ادعى التخصيص فعليه الدلالة (2). وكذا قال في المبسوط، إلا أنه قال: لا يسلم إلى الزوج إلا بعد الفك (3). وقال أيضا في المبسوط: فإن كانت جارية لم يجز له تزويجها، لأنه لا دليل عليه (4). وهو المعتمد.

(1) المبسوط: ج 2 ص 198 - 200، وفيه: (وجب قبض الرهن).
(3) الخلاف: ج 3 ص 253 المسألة 60.
(3) المبسوط: ج 2 ص 238.
(4) المبسوط: ج 2 ص 200.

[ 421 ]

لنا: قوله عليه السلام: (الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف في الرهن) (1) والتزويج نوع تصرف، ولو قيل: له العقد دون التسليم والتمكين من الوطئ كان وجها. مسألة: قال في المبسوط: إذا أذن المرتهن في العتق أو الوطئ ثم رجع قبل الفعل ولم يعلم الراهن كان ما فعله ماضيا، وقد قيل: إنه لا يكون ماضيا، وكذا القول في الوكيل إذا باع ولم يعلم بالعزل من الموكل فيه الوجهان معا. ثم قال: إذا أذن الراهن في البيع فباع المرتهن بعد الرجوع وقبل العلم بالرجوع فالأولى أن نقول: إن رجوعه صحيح والبيع باطل، ولا يفتقر إلى علمه بالرجوع، وقيل: إن الرجوع باطل ما لم يعلم الراهن به (2). والأقوى عندي ما اختاره الشيخ أخيرا، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كاتبه ثم أقر أنه جنى أو باعه أو غصبه من فلان قبل الكتابة وكانت الكتابة مشروطة قبل إقراره بطلت الكتابة، وإن كانت مطلقة وقد تحرر بعضه نفذ إقراره بمقدار ما بقي [ له ] وبطل بمقدار ما تحرر منه (3). والمعتمد إن إقراره ماض في حقه لا في حق العبد. مسألة: قال ابن الجنيد: إذا كان الرهن أعيانا جماعة فاستحق بعضها بقي ما لم يستحق رهنا، وعلى الراهن تعويض المرتهن بما استحق. والمعتمد عدم وجوب ذلك على الراهن، عملا بالأصل الدال على البراءة.

(1) درر اللآلي: ج 1 ص 368.
(2) المبسوط: ج 2 ص 206 و 209. (3) المبسوط: ج 2 ص 212 - 213.

[ 422 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا رهن عبدا قد ارتد صح رهنه (1). وقال ابن الجنيد: من شرط الرهن أن يكون الراهن مثبتا لملكه إياه، غير خارج بارتداد، أو استحقاق لرقبته بجنايته من ملكه. والوجه التفصيل وهو: إن كان الارتداد عن فطرة لم يصح رهنه، وإن كان عن غير فطرة أو كان جارية صح. أما الأول: فلأنه واجب القتل لا يصح إبقاؤه، فلا يجوز رهنه لتضاد الحكمين. وأما الثاني: فلأنه لم يخرج عن الملك بالارتداد فصح رهنه كغيره، ووجوب قتله ليس مطلقا بل بشرط عدم الرجوع فجاز رهنه، لوجود المقتضي وانتفاء المانع. مسألة: قال في المبسوط: الأولى عندي أنه يصح أن يرهن المسلم عبدا مسلما عند كافر، أو مصحفا ويوضع على يد مسلم (2). وقال بعض علمائنا: لا يجوز، وهو أولى، لما فيه من الاعظام لكتاب الله تعالى. وقال ابن الجنيد: لا أختار أن يرهن الكافر مصحفا، ولا ما يجب على المسلم تعظيمه، ولا صغيرا من الأطفال. مسألة: إذا باع بثمن مؤجل وشرط أن يرهن بالثمن رهنا معلوما جاز، فإن امتنع المشتري من تسليم الرهن قال الشيخ: أجبر عليه (3). وليس بعيدا من الصواب تخير البائع بين الفسخ والامضاء بغير رهن، لأنه شرط في متن عقد البيع الرهن الصحيح، وإنما يصح باختيار الراهن فلا يجبر

(1) المبسوط: ج 2 ص 211.
(2) المبسوط: ج 2 ص 232.
(3) المبسوط: ج 2 ص 232.

[ 423 ]

عليه، فإن امتنع لم يسلم البائع ما شرطه، وكان له خيار الفسخ. وقال ابن الجنيد: في البيع إذا اشترط على المشتري أن يرهنه شيئا بعينه ثم المبيع بتسليم ذلك الرهن إلى البائع، وليس يجبر المشتري على التسليم ولا البائع على تسليمه ما لم يقبض الرهن إذا أوجب المفاسخة، ولو رضي البائع بذمة المشتري إذا امتنع من التسليم لم يكن للمشتري فسخ البيع، ولو أراد المشتري أن يجعل الثمن للبائع بدلا من الرهن ثم البيع، إلا أن يكون للبائع في الرهن منفعة عند كونه في يده. وهو يوافق ما قلناه، وهو الوجه. مسألة: إذا وجد المرتهن بالرهن عيبا سابقا كان له الرد بالعيب، فيتخير معه في فسخ البيع وإجازته بلا رهن إذا كان الرهن باقيا بالصفة التي قبضه، فأما إذا مات أو حدث في يده عيب فليس له رده وفسخ البيع، لأن رد الميت لا يصح، ورد المعيب مع عيب حدث في يده لا يجوز، لأنه لا دلالة عليه كما نقوله في البيع، ولا يرجع في ذلك بأرش العيب، بخلاف البيع. هذا قول الشيخ في المبسوط (1). والأقوى عندي أن له فسخ البيع، لفقدان الشرط، سواء مات العبد أو رده، لأن العبد أمانة في يده فليس للراهن الامتناع من قبضه بالعيب السابق، فكذا الموت. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا رهن عبدين وسلم أحدهما إلى المرتهن فمات في يده وامتنع من تسليم الآخر لم يكن للمرتهن الخيار في فسخ البيع، لأن الخيار إنما يثبت إذا رد الرهن، ولا يمكنه رد ما قبضه لفواته، وكذا إذا قبض أحدهما وحدث به عيب في يده وامتنع الراهن من تسليم الآخر إليه لم يكن له الخيار في فسخ البيع، لأنه لا يجوز له رد المعيب للعيب الحادث في يده (2).

(1 و 2) المبسوط: ج 2 ص 234، وفيه: (وفسخ الرهن).

[ 424 ]

والوجه عندي ما تقدم في المسألة السابقة من ثبوت الخيار للمرتهن، لعدم سلامة ما شرطه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا باع من غيره شيئا على أن يكون المبيع رهنا في يد البائع لم يصح البيع، لأن شرطه أن يكون رهنا لا يصح، لأنه شرط أن يرهن ما لا يملك، فإن المبيع لا يملكه المشتري قبل تمام العقد، وإذا بطل الرهن بطل البيع، لأن البيع يقتضي إيفاء الثمن من غير ثمن المبيع والرهن يقتضي إيفاء الثمن من ثمن المبيع وذلك متناقض، وأيضا فإن الرهن يقتضي أن يكون أمانة في يد البائع والبيع يقتضي أن يكون المبيع مضمونا عليه وذلك متناقض، وأما إذا شرط البائع أن يسلم المبيع إلى المشتري ثم يرده إلى يده رهنا بالثمن فإن الرهن والبيع فاسدان مثل الأول (1). وتبعه ابن إدريس على ذلك ثم قال: وهذا معنى قول شيخنا المفيد: إذا اقترن إلى البيع اشتراط في الرهن أفسده، وإن تقدم أحدهما على صاحبه حكم له به دون المتأخر (2). والوجه عندي صحة البيع والرهن معا في المسألتين. لنا: إن المقتضي موجود والمانع لا يصلح للمانعية فيثبت الحكم، أما وجود المقتضي فلأنه بيع وقع من أهله في محله بشرائطه فكان صحيحا، وأما عدم صلاحية المانع للمانعية فلأنه ليس هناك مانع إلا اقترانه بهذا الشرط، وهذا سائغ لا ينافي الكتاب والسنة فيكون لازما، لقوله - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) (3).

(1) المبسوط: ج 2 ص 235.
(2) السرائر: ج 2 ص 429. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ح 1503، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 30.

[ 425 ]

والجواب: عما احتج به الشيخ - رحمه الله - المنع من كونه رهن ما لا يملك، فإن العقد قد اشتمل على أمرين: بيع ورهن، ولأحدهما تقدم على الآخر، فالرهن إنما يتم بعد كمال العقد وهو حينئذ مملوك، مع أن الشيخ جوز ما هو أبعد من ذلك وهو: جواز الرهن مع لزوم الحق، مثل: بعتك هذا الشئ بألف وارتهنت منك هذا الشئ بالثمن فيقول المشتري: اشتريته منك بألف درهم ورهنتك هذا الشئ فيحصل عقد البيع وعقد الرهن معا (1). قوله: (البيع يقتضي إيفاء الثمن من غير الثمن للمبيع والرهن يقتضي إيفاء الثمن من ثمن المبيع وذلك متناقض) قلنا: فرق بين أن يقتضي البيع إيفاء الثمن من غير ثمن المبيع وبين أن لا يقتضي إيفاء الثمن من ثمن المبيع، فإن الثاني أعم - وهو المسلم - دون الأول، فلا تناقض بين العام وإيفاء الثمن من المبيع، بخلاف الخاص. وقوله: (الرهن يقتضي أن يكون أمانة في يد البائع، والبيع يقتضي أن يكون مضمونا عليه وهو متناقض) قلنا: الضمان خرج بجعله رهنا فلا تناقض،. ثم قوله: (يبطل البيع والرهن معا) يقتضي بطلان العقد إذا انضم إليه شرط فاسد. وقد قال في الخلاف: وإذا شرط في حال عقد الرهن شروطا فاسدة كانت الشروط فاسدة، ولم يبطل الرهن ولا البيع الذي كان الرهن شرطا فيه، واستدل بأن فساد الشرط لا يتعدى إلى فساد الرهن ولا فساد البيع، لأنه لا دليل على ذلك (2).

(1) المبسوط: ج 2 ص 197 - 198.
(2) الخلاف: ج 3 ص 253 - 254 المسألة 61.

[ 426 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا رهن على دين مؤجل ليزيده في الأجل لم يصح ويبطل الرهن، والحق كما كان، ولا تثبت الزيادة في الأجل، لأنه لا دليل على ذلك (1). والوجه عندي الجواز. لنا: أنه شرط لا يخالف الكتاب والسنة في عقد لازم فكان لازما، كما لو شرطه في البيع. مسألة: قال في المبسوط: إذا كان عليه ألفان بأحدهما رهن دون الآخر ثم قضى ألفا ولم يقصد شيئا قال الشيخ: له أن يصرف إلى أيهما شاء، وفي الناس من قال: ينقسم عليهما، وكذا لو أبرأه من ألف (2). والوجه عندي الأخير. لنا: أنه لما دفع ألفا برئت ذمته منهما، وليس يختص أحدهما بالمقبوض أولى من الآخر، فوجبت القسمة بينهما. مسألة: قال ابن الجنيد: أكره رهن الاعجمي وارتهانه، إلا أن يوكل من يسلم ويتسلم. وكأنه نظر إلى عدم استكمال معرفته بألفاظ المحاورة. والوجه عدم الكراهية، للأصل. مسألة: قال ابن الجنيد: رهن أم الولد والمدبرة كرهن الأمة. وهو يعطي جواز رهن أم الولد، لأنها لم تخرج بالاستيلاد عن الملك. ومنع بعض علمائنا من ذلك إذا شرط الرهن إمكان بيعه في دين المرتهن ولا يمكن البيع هنا. وقول ابن الجنيد ليس ببعيد من الصواب. مسألة: قال ابن الجنيد: إذا كان الشئ في يد رجل غصبا فرهن إياه

(1) المبسوط: ج 2 ص 235.
(2) المبسوط: ج 2 ص 237.

[ 427 ]

لمالكه لم أجز للمرتهن، إلا أن يسلمه إلى الراهن لتبرأ ذمته من الغصب ثم يتسلمه منه بالرهن. وقد تقدم البحث في ذلك. والوجه المنع، نعم يستحب ذلك ليزول الضمان إن لم نقل بزواله بالرهن. مسألة: قال ابن الجنيد: لو أذن المرتهن للعدل في بيع الرهن وتسليم حقه فهلك في يد العدل كان هلاكه من مال المرتهن. وليس بمعتمد، لأنه لم يفرط بسبب ذلك فلا يكون ضامنا. مسألة: قال ابن الجنيد: إذا ذهب عقل العدل بعلة من غير تحريم - أدخله على نفسه - أزال عقله لم تبطل أمانته وكان كالنوم، وإن كان بمحرم كان ذلك زوالا لعدالته. ويحتمل زوالها في الموضعين، لأنه وكيل فتبطل بزوال عقله وكالته. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو باع عدلان متاعا لرجل على أن يرهنهما عبدا ففعل فشهدا بعد تسليمه أن العبد لغير الراهن فإن رضيا بذمة الراهن على دينهما قبل شهادتهما، وإن طالبا برد متاعهما أو بتسليم رهن غير العبد لم تقبل شهادتهما. والمعتمد أن نقول: إن كان هناك تهمة في شهادتهما - كفسخ بيع شرط فيه الرهن أو غير ذلك - لم تقبل شهادتهما في حق الراهن وقبلت على أنفسهما، وإن لم يكن هناك تهمة قبلت شهادتهما مطلقا. مسألة: قال ابن الجنيد: إذا أراد المرتهن شرط ملك الرهن إن أخر بدينه كان الأحوط عندي أن يقول للراهن: بعني هذا بكذا وأنت بالخيار فيه إلى وقت كذا وأبرئني من ضمانه إلى ذلك الوقت، فإذا فعل ذلك فجاء الوقت ولم يؤد ما له عليه استحقه المرتهن، وكان ما فعله فيه ماضيا. أقول: هذا هو بيع الخيار، ولا خلاف بين علمائنا في صحته.، إلا أن في قوله: (وأبرئني من ضمانه) نظر، فإن الوجه البطلان، إذ مقتضى البيع تعلق الضمان بالمشتري.

[ 428 ]

مسألة: إذا وكل المرتهن الراهن في البيع جاز على الأشهر بين علمائنا من غير كراهية. وقال ابن الجنيد: ولو وكل المرتهن في بيعه لم أختر له بيع ذلك، وخاصة إن كان الرهن مما يحتاج إلى استيفاء أو وزن أو أراد المرتهن شراءه أو بيعه لولده أو شريكه أو من يجري مجراهما. لنا: أنه مأذون له في البيع فكان سائغا. احتج بتطرق التهمة. والجواب: المنع. مسألة: الأشهر أن القول قول المرتهن في تلف الرهن مع اليمين، سواء تلف له شئ أو لا، وسواء ادعيا شيئا ظاهرا أو خفيا. وقال ابن الجنيد: والمرتهن يصدق في ضياع الرهن إذا كانت جائحة ظاهرة، أو إذا ذهب متاعه والرهون، فإن ادعى ذهاب الرهن وحده لم يصدق. لنا: أنه أمين فالقول قوله مع اليمين. احتج بأنه يدعي خلاف الظاهر. وما رواه أبان، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته كيف يكون الرهن بما فيه إن كان حيوانا أو دابة أو ذهبا أو فضة أو متاعا فأصابه جائحة حريق أو لص فهلك ماله أو نقص متاعه وليس له على مصيبته بينة؟ قال: إذا ذهب متاعه كله فلم يوجد له شئ فلا شئ عليه، وإن قال: ذهب من بيتي مال وله مال فلا يصدق (1).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 173 ح 768، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الرهن ح 1 ج 13 ص 131.

[ 429 ]

والجواب: المنع من ادعائه خلاف الظاهر، والحديث مرسل، وفي أبان قول. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كان الشرط مخالفا لمقتضاه، مثل أن يشترط أن لا يسلم الرهن إليه، أو لا يبيعه في محله، أو يبيعه بعده بشهر، أو لا يبيعه إلا بما يرضاه الراهن، أو يرضاه رجل آخر ويكون نماؤه رهنا معه وما أشبه ذلك، فهذه كلها شروط فاسدة، لأنها مخالفة لمقتض عقد الرهن، وما كان كذلك فهو مخالف للشرع فكان فاسدا، وهل يفسد الرهن، الأقوى في نفسي أن الشرط يفسد ويصح الرهن، ولا يبطل بيع الذي اقترن به الرهن، لعدم الدليل (1). والمعتمد أن شروط عدم التسليم إليه والبيع بعده بشهر أو بما يرضاه رجل أو كون نمائه رهنا ليست فاسدة بل لازمة، لأنها غير منافية للكتاب والسنة فتكون صحيحة، لقوله - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) (2). ثم حكمه عك تقدير فساد الشرط بعدم فساد الرهن والبيع، لعدم الدليل ليس بجيد، إذ المتعاقدان إنما تراضيا على هذه الشروط الفاسدة فيكون العقد مع عدمها غير مرضي لهما، فيدخل تحت قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) (3). إذا عرفت هذا فإن الشيخ بعد ذلك قال: إذا رهن نخلا على أن ما أثمرت يكون رهنا مع النخل، أو رهن ماشيته على أن ما ينتج يكون النتاج داخلا في الرهن فالشرط باطل، وقيل: إنه يصح ويدخل في الرهن، وهو الأقوى (4).

(1) المبسوط: ج 2 ص 244.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ح 1503، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ح 4 ح 15 ص 30.
(3) النساء: 29.
(4) المبسوط: ج 2 ص 246.

[ 430 ]

وهذا رجوع منه إلى ما اخترناه. مسألة: قال الشيخ: لو قال: رهنتك هذا الحق بما فيه لم يصح في ما فيه، للجهل به (1). وهذا يشعر بمنع رهن المجهول. والأولى عندي الجواز، عملا بالأصل الدال عليه، نعم يشترط بعينه، فلو قال: رهنتك أحدهما بطل. مسألة: لا يصح رهن المنافع، فلو رهن خدمة المدبر لم يصح، وقيل: تصح، للرواية الدالة على جواز بيع خدمته (2). وليس بجيد، لتعذر بيع المنفعة منفردة، وبمنع الرواية. مسألة: إذا وطأ الراهن صارت أم ولد، وهل يصح بيعها؟ قيل: لا (3)، لعموم النهي عن بيع أم الولد، وقيل: نعم (4). وهو الوجه، لأن حق المرتهن أسبق. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو رهن أرضا بيضاء فسال إليها نوى ونبت أو أنبت الراهن فيها نخلا أو شجرا لم يجبر الراهن على إزالته (5). والوجه الوجوب، لتعلق حق المرتهن بأرض بيضاء، وقال - عليه السلام -: (الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف في الرهن) (6). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو رهن لقطة مما يلقط كالخيار فإن كان الحق متأخرا إلى أجل يحصل معه اختلاط الرهن بغيره بحيث لا يتميز بطل (7). ويحتمل عندي الصحة، ويقضى فيه بما يقضى في الأموال الممتزجة.

(1) المبسوط: ج 2 ص 246. (2) شرائع الاسلام: ج 2 ص 76.
(3) شرائع الاسلام: ج 2 ص 82.
(4) نقله في شرائع الاسلام: ج 2 ص 82.
(5) المبسوط: ج 2 ص 216.
(6) درر اللآلي: ج 1 ص 368.
(7) المبسوط: ج 2 ص 242.

[ 431 ]

الفصل الرابع في الحجر مسألة: المشهور أن حد بلوغ الصبي خمس عشرة سنة. وقال ابن الجنيد: أربع عشرة سنة. لنا: الأصل بقاء الحجر. احتج بما رواه أبو حمزة الثمالي، عن الباقر - عليه السلام - قال: قلت له: جعلت فداك في كم تجري الأحكام على الصبيان؟ قال: في ثلاث عشرة سنة وأربع عشرة سنة، قلت: فإن لم يحتلم فيها؟ قال: وإن لم يحتلم، فإن الأحكام تجري عليه (1). وفي السند عبد الله بن جبلة وهو وإن كان ثقة إلا أن فيه قولا، وفي الطريق أيضا سندي بن الربيع ويحيى بن المبارك ولا أعرف حالهما. مسألة: شرط الشيخ في المبسوط (2) وفي الخلاف (3) في الرشد أمرين: اصلاح المال والعدالة. وقال ابن الجنيد: الرشد هو العقل والاصلاح للمال، وهو الأقرب، لأنه

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 310 ح 856، وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب الوصايا ح 3 ج 13 ص 433.
(2) المبسوط: ج 2 ص 284.
(3) الخلاف: ج 3 ص 283 المسألة 3.

[ 432 ]

المفهوم من الرشد، والأصل عدم التعيين. وقال ابن الجنيد: وقد روي عن أبي عبد الله - عليه السلام - أن اليتيم إذا بلغ ولم يكن له عقل لم يدفع إليه شئ أبدا. أقول: وهو يدل على المطلوب من حيث مفهوم الخطاب، إذ تعلق الحكم على وصف لا يقتضي عدمه عند عدم ذلك الوصف. مسألة: قال ابن الجنيد: الصبية إذا تزوجت ولها تسع سنين أيضا لم يحجر عليها وكان زوجها الرشيد قيما بمالها، ومن اؤتمن على فرجها اؤتمن على مالها. وهذه المسألة تشتمل على أحكام: الأول: أنه علق عدم الحجر بالتزويج، وليس شرطا عند علمائنا، لقوله تعالى: (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا) (1). لا يقال: الآية تدل على حكم الذكور. لأنا نقول: إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر. الثاني: الحكم ببلوغ المرأة لتسع سنين، وهو المشهور، وقد روي عشر سنين (2)، لكن الأشهر ما قاله. الثالث: جعل الزوج قيما على مالها، وليس بجيد، لأنها إن كانت رشيدة فالولاية إليها، وإن لم تكن رشيدة فإلى وليها دون زوجها. وتعليل الائتمان على المال بالائتمان على الفرج غير واضح. مسألة: قال ابن الجنيد: إذا كان المحجور عليه مع وصيه في السوق يتجر فاستدان دينا لم يكن محكوما به في ماله المحجور عليه، فإن كان في يده مال

(1) النساء: 6.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 410 - 411 ح 1640، وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب النكاح ح 7 ج 14 ص 71.

[ 433 ]

غيره كان قضاؤه منه. وهذا يشعر بتعلق الحجر بنوع دون نوع. والأشهر أن الحجر يتعلق بالصبي والمفلس والسفيه بجميع أموالهم، للعموم. مسألة: قال ابن الجنيد: إذا أقر المحجور عليه بمال رجل فلما فك حجره طالبه المقر له به، فإن اعترف به بعد الفك أخذه، وإلا استحلف أن المدعي لا يستحق عليه ذلك الذي ادعاه. والحق أن المقر له له المطالبة، لأن الحجر لم يسلبه أهلية العقل، وإنما منع من ماله لمصلحته. مسألة: قال ابن الجنيد: إذا أقر المحجور عليه بجناية توجب القصاص عليه في نفسه والحدود في جسمه أخذ بها، وإن شاء ولي الجناية في العمد أخذ الدية أخذها من مال المحجور عليه. وليس بجيد، إذ موجب العمد القصاص، ولا تثبت الدية إلا صلحا، وليس للولي هنا خيار، بل ولا للجاني، لتعلق حق الغرماء بالمال، فلا يلزم ما اصطلحا عليه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2): إذا صار فاسقا إلا أنه غير مبذر فالأحوط أن يحجر عليه. وبناؤه على أصله من أن العدالة شرط في الرشد. واستدل بقوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) وبما روي عنهم - عليهم السلام - أنهم قالوا: (شارب الخمر سفيه) (3). ونحن قد منعنا ما أصله، والسفيه الذي في الحديث ليس هو السفيه الذي في الآية.

(1) المبسوط: ج 2 ص 285.
(2) الخلاف: ج 3 ص 289 المسألة 8. (3) المبسوط: ج 2 ص 285، الخلاف: ج 3 ص 289 ذيل المسألة 8.

[ 434 ]

مسألة: إذا أذن الولي للسفيه في البيع فباع قال الشيخ في المبسوط: لا يصح (1). وتبعه ابن البراج. وقال بعض علمائنا: يصح، وهو الأقوى. لنا: أن المقتضي للصحة - وهو صدور البيع من أهله في محله - موجود، والمانع - وهو السفه - مفقود، إذ التقدير الإذن فأمن من الانخداع فيثبت الحكم. مسألة: قال ابن البراج: إذا أذن رجل لابنه في جنس من التجارة وهو يعقل البيع والشراء كان مأذونا له في غير ذلك من التجارات. والتحقيق أن نقول: إن كان الإبن بالغا رشيدا لم يتوقف تصرفه على إذن الأب، بل يصح كل عقد يباشره أو فعل يفعله، سواء أذن له الأب أو لا، وإن لم يتصف بأحدهما لم يكن الإذن له في نوع من التجارة إذنا في غيره، لعدم التلازم بينهما. مسألة: قال ابن البراج: كل شئ لا يجوز للأب والوصي أن يفعلاه في مال الصبي ففعله إنسان وأجازه الصبي بعد أن كبر فإجازته له غير صحيحة، وكل شئ جاز أن يفعلاه في ماله وفعله أجنبي وأجازه الصبي بعد ما كبر كانت إجازته صحيحة، وإن أبطله كان باطلا. وفي الحكم الأول عندي نظر، والأقرب المساواة. لنا: أنه يصح فعله منه ابتداء فجازت إجازته، كغيره من التصرفات. مسألة: قال ابن البراج: إذا قال إنسان لعبده: قد أذنت لك في التجارات كان مأذونا له في جميع التجارات وله أن يؤجر نفسه ويستأجر غيره ويأخذ الأرض مزارعة ويستأجرها، وإذا شاهد السيد عبده يبيع ويشتري ولم ينهه عن ذلك كان بمنزلة قوله: قد أذنت لك في التجارة، وإذا قال لعبده:

(1) المبسوط: ج 2 ص 286.

[ 435 ]

اجلس. قصارا أو صباغا فقد أذن له في التجارات وله أن يجلس في غير ذلك من التجارات، فإن دفع السيد إلى عبده أرضا بيضاء وأمره أن يشتري طعاما ويزرعها ويستأجر الأرض البكر وأنهارها ويسقي الزرع ويكريها ويستأدي خراجها كان ذلك إذنا له في التجارة وله أن يجلس في غير ذلك، فإن قال لعبده: قد أذنت لك في التجارة يوما واحدا فإذا مضى رأيت رأيي كان مأذونا له حتى يحجر عليه سيده، فإن قال: قد أذنت لك في التجارة هذا الشهر فإذا انقضى فقد حجرت عليك كان مأذونا له أبدا حتى يحجر عليه، فإن قال: اشهدوا علي أني قد حجرت عليه رأس الشهر كان باطلا ولا يكون الحجر إلى وقت، وإذا قال لعبده: إذا كان رأس الشهر فقد أذنت لك في التجارة كان ذلك كما قال: ولا يكون مأذونا حتى يجوز الشهر ولا يشبه ذلك الحجر، وإذا آجر السيد عبده من غيره كل شهر بأجرة معلومة على أن يبيع له البر ويشتريه كانت الإجارة جائزة وكان العبد مأذونا له في التجارة، وما لزم العبد من دين في ما ابتاعه للمستأجر يرجع به عليه، وما لزمه من دين في ما ابتاعه لنفسه فهو في رقبته يباع به، وإذا باع العبد المأذون له في التجارة واشترى فلحقه دين أو لم يلحقه دين فأراد السيد الحجر عليه لم يجز أن يكون الحجر إلا مشتهرا في أهل سوقه بحضرة جميعهم أو أكثرهم، فإن حجر عليه في خفية أو لم يعلم بذلك إلا رجل أو اثنان ثم باع العبد واشترى كان بيعه وشراؤه جائزا وإن باعه أحد ممن أعلمه السيد بأنه حجر عليه، لأن الحجر لم يتم، وإذا أذن السيد لعبده في التجارة فباع واشترى وهو لا يعلم بإذن سيده ولا علم به أحد لم يكن مأذونا له في التجارة ولا يجوز شئ مما فعله، فإن علم بعد ذلك واشترى وباع جاز ما فعله بعد العلم بالإذن ولم يجز ما فعله قبل ذلك، فإن أمر السيد قوما أن يبايعوا العبد والعبد لا يعلم بإذنه له كان بيعه وشراؤه منهم جائزا وجرى ذلك مجرى الإذن الظاهر، فإن اشترى العبد بعد ذلك من غيرهم وباع كان ذلك جائزا.

[ 436 ]

وإذا أبق العبد المأذون له في التجارة فأدانه إنسان في المكان الذي أبق إليه ثم أقام عليه فقال سيده،: كان آبقا وقال الذي أدانه: لم يكن آبقا لم يصدق السيد على إباقه إلا ببينة، فإن أقام بينة بأنه أبق منه إلى مكان كذا وكذا وأقام الذي أدانه بينة بأن سيده أرسله إلى ذلك المكان يبيع فيه ويشتري كانت البينة بينة الذي أدان العبد. وإذا أذن المكاتب لعبده في التجارة ثم عجز وعلى العبد دين أو لا دين عليه كان عجزه حجرا عليه، وإذا مات المكاتب وأذن ولده للعبد بعد موت أبيه في التجارة لم يجز إذنه، لأن على المكاتب دينا فلا يجوز ما فعل الولد في ماله حتى يقضي دينه، وإذا قال أحد سيدي العبد لشريكه: ائذن لنصيبك فيه بالتجارة كان جميع العبد مأذونا له في ذلك، وإذا باع العبد من إنسان متاعا فقال له المشتري: أنت محجور عليك ولست أدفع الثمن إليك وقال العبد: أنا مأذون لي في التجارة كان القول قول العبد، ويجبر المشتري على أخذ ما اشتراه، ولم يكن على العبد في ذلك يمين، ولا تقبل بينة المشتري على أنه محجور عليه ولا على إقراره عند غير الحاكم بأنه محجور عليه، فإن أقر العبد بأنه محجور عليه عند الحاكم رد المبيع. وإذا باع العبد متاعا من غيره واختلفا فقال العبد: هذا المتاع الذي ابتعته مني لمولاي لم يأذن له في بيعه فقال المشتري: بل أنت مأذون لك في التجارة كان القول قول المشتري، وكذا لو كان العبد هو المشتري فقال: أنا محجور علي لم يصدق واجبر على دفع الثمن، وإذا ابتاع عبد من عبد متاعا واختلفا فقال أحدهما: أنا محجور علي وقال الآخر: بل أنا وأنت مأذونان في التجارة كان القول قول مدعي جواز البيع والشراء ولا يقبل قول مدعي الحجر وفساد البيع ولا الاقرار بذلك إلا بحضرة الحاكم. وفي هذه الأحكام كلها نظر، فإن الإذن مقصور على ما يتناوله، فليس الإذن في التجارة إذنا في الإجارة ولا المزارعة، لأن الأصل بقاء الحجر وعصمة مال الغير ومشاهدة السيد عبده يبيع ويشتري ليست إذنا في التجارة، عملا

[ 437 ]

بالأصل، وإذنه في القصارة والصباغة ليس إذنا في التجارة، إذ الإذن في شئ لا يتناول ما عداه، وكذا لو أمره بالزرع والاستئجار عليه، وإذا أذن له يوما واحدا لم يكن مأذونا في غيره عملا بالأصل، وكذا لو أذن له في التجارة شهرا فإذا انقضى حجر عليه، ونمنع بطلان توقيت الحجر وتعليقه، إذ هو تابع للاذن، وفرقه بين الإذن والحجر ليس بشئ. وإجازة العبد للتجارة ليس إذنا له فيها بالنسبة إلى المولى، ولا يباع في دين لزمه مما يشتريه لنفسه ولو أذن له مولاه في التجارة، بل إما أن يطالب المولى أن يأذن له في الابتياع أو يبيع العبد بعد العتق على الخلاف السابق. ولا يفتقر الحجر إلى الاشهاد، بل إذا كان العبد مأذونا له في التجارة ثم حجر عليه المولى وعلم المعامل بحجره أو شهد به اثنان ثبت الحجر. ولا يفتقر الإذن في التجارة إلى علم العبد، فلو أذن المولى ولم يعلم العبد فباع العبد صح بيعه، لأنه صادف الإذن في التجارة ولا يؤثر فيه إعلام المولى بعض المعاملين. وإذا أقام السيد ومدعي الإرسال بينتين كان الترجيح لبينة السيد، أما أولا: فلأن القول عندنا قول مدعي الإرسال فتكون البينة بينة السيد، ولأن السيد مدعي خروج العبد عن الطاعة فيكون مدعيا لأمر ثبوتي. وليس حجر المكاتب حجرا على عبده ما لم يسترقه المولى، وإذا مات المكاتب فإن كان مطلقا فإن لم يؤد شيئا بطلت الكتابة وكان ما بيده لمولاه وليس عليه دين هنا، وإن كان قد تحرر بعضه بطلت الكتابة في الباقي، ولمولاه من تركته بقدر ما فيه من الرقية، ولورثته بقدر ما فيه من الحرية ويؤدي الوارث من نصيب الحرية ما بقي من مال الكتابة، فإن لم يكن له مال سعى الأولاد في ما بقي على أبيهم، ومع الأداء ينعتق الأولاد وحينئذ لا ينبغي الحجر عليهم، لأنهم يؤمرون بالسعي، وإن كان مشروطا بطلت الكتابة وكان ما تركه لمولاه

[ 438 ]

ولا دين هنا. فتعليله (الحجر بأن عليه دينا) ليس بجيد، وطلب الشريك إذن شريكه في نصيبه لا يقتضي إذنه في نصيبه، وادعاء العبد أنه مأذون فيه لا يقبل منه إلا ببينة، والقول قول المشتري في الحجر، فلا يجبر على أخذ ما اشتراه. ولو سلم تقديم قول العبد، لكن تسمع بينة المشتري بذلك لادعائه خلاف الظاهر وقد أقام البينة. ولا يشترط في إقرار العبد بذلك الحضور عند الحاكم، لأن إقراره إن كان ماضيا نفذ، سواء كان عند الحاكم أو لا، وإن لم يمض لم ينفذ مطلقا. وتقديم قول المشتري في الإذن لو ادعى العبد عدمه ممنوع، إذ الأصل عدم الإذن، ولا يجبر على دفع الثمن الذي بيده، لعدم ثبوت له في الإذن. وكذا لو ادعى أحد العبدين الإذن لهما كان القول قول مدعي الحجر، لأنه يستند إلى الأصل. مسألة: قال ابن البراج: إذا كان العبد مأذونا له في التجارة فما لحقه من دين أو وديعة أو عارية يجحدها أو غصب أو دابة عقرها أو مهر جارية اشتراها ووطأها أو آجر أجيرا واستحق ذلك جاز بيعه في ذلك، إلا أن يفديه سيده، فإن بيع في ذلك اقتسم الغرماء ثمنه فيما بينهم بالحصص، ولا يجوز أن يبيعه سيده بأمر بعض الغرماء، فإن دفعه بعض الغرماء إلى الحاكم والباقي منهم غائب جاز للحاكم بيعه، وأن يدفع إليهم من ثمنه بالحصص ويقف ثمن حصص الغائب منهم هذا إذا كان قد ثبت عنده بالبينة العدول أو بإقرار العبد قبل أن يقوم الغرماء عليه، فإن لم يكن ثبت عنده مما ذكرناه لم يجز له فعل شئ من ذلك. وهذا ليس بمعتمد، فإن المأذون له في التجارة إن كان قد استدان لها لزم المولى أداؤه إذا كانت التجارة للمولى، أو مطلقا إن قلنا: إن المأذون له في الاستدانة يلزم المولى ما استدانه، ولا يتبع به بعد العتق.

[ 439 ]

وأما ما يلزمه من وديعة أو عارية أو غصب أو مهر جارية فإنه يتبع به بعد العتق، ولا يباع فيه، ولا يلزم المولى منه شيئا. ثم منع سيده من بيعه بأمر بعض الغرماء ليس بصحيح، إذ للمولى بيعه، سواء أذن له الغرماء أو لا، لأنا قد بينا أنه يتبع به بعد العتق، ولا يباع فيه. مسألة: قال ابن البراج: إذا كان العبد مأذونا له في التجارة واكتسب مالا فأخذه سيده منه ولحقه دين بعد ذلك وكان سيده قد استهلك ما أخذه منه أو لم يستهلكه نظر، فإن كان على العبد يوم أخذ سيده المال دين كان عليه رد المال، وإن لم يكن دين يومئذ فهو مسلم إلى سيده، ويكون الدين في ما في يد العبد من كسب قبل ذلك أو بعده. وليس بجيد، فإن الدين لازم لذمة العبد يتبع به بعد العتق، إلا أن يكون مأذونا فيه فإنه كذلك عند بعض علمائنا ولازم لذمة المولى عند آخرين، ولا فرق بين أن يكون الأخذ وقت الدين أو قبله أو بعده. مسألة: قال ابن البراج: إذا كان في يد العبد المأذون شئ وعليه دين فأقر بأن ذلك الشئ وديعة لمولاه أو لوالد مولاه أو لولد مولاه أو لعبد مولاه لآخر عليه دين أو لا دين عليه أو لأم ولده أو لمكاتبه كان إقراره لمولاه، ومكاتبه وعبده وأم ولده غير صحيح، واقراره لغيره ممن ذكرناه جائز ويأخذ وديعته، وإذا لم يكن على هذا العبد المأذون دين كان إقراره في ذلك جائز، وإذا أقر المأذون وعليه دين أو ليس عليه ذلك لوالده الحر أو لولده الحر أو لزوجته الحرة أو لمكاتب ولده أو لعبد ولده وعليه دين أو ليس عليه ذلك كان إقراره لمن ذكرناه جائز ويشاركون الغرماء. وهذه أحكام كلها عندي باطلة، لأن العبد لا ينفذ إقراره في ما في يده، بل يتبع به بعد العتق. نعم إذا صدقه المولى نفذ، وإذا لم يصدقه كان جميع ما في يده لمولاه.

[ 440 ]

مسألة: قال ابن البراج: إذا وهب إنسان لعبد محجور عليه مائة درهم فقبضها العبد ولم يأخذها سيده منه حتى استهلك العبد مائة درهم لرجل كانت المائة - الهبة - لسيده والدين في رقبة العبد، ولو كان الدين قبل الهبة كانت الهبة لصاحب الدين. وليس بجيد، ولا فرق بين تقدم الدين وتأخره فإنه لازم للعبد. مسألة: قال ابن البراج: إذا باع العبد من مال سيده وأرهنه كان باطلا، إلا أن يجيزه سيده، فإن أجازه كان ماضيا وكانت العهدة على العبد. وليس بجيد، فإن العهدة لازمة للمولى، إذ هو البائع في الحقيقة. مسألة: قال ابن البراج: إذا ابتاع العبد المحجور عليه متاعا بغير إذن سيده ثم أذن له في التجارة لم يجز ابتياعه الأول، فإن أجازه السيد أو أجازه العبد إجازة مستقلة كان جائزا، فإن لم يأذن سيده لكن أعتقه لم يجز الابتياع الأول، فإن أجازه العبد بعد العتق لم يجز، وكذا لو أجازه السيد، ولو مات ا لسيد وأجاز وارثه ذلك لم يجز. وليس بجيد، فإن الحجر لحق السيد، فإذا أجاز العبد بعد العتق نفذ، وكذا لو أجاز وارثه لانتقال حقوق السيد إليه. مسألة: قال ابن البراج: إذا وجب للعبد المأذون على غيره دين من قرض أو إجارة أو استهلاك أو ما جرى مجراه ثم حجر عليه مولاه كان الخصم فيه العبد، فإن دفعه الذي عليه الدين إلى العبد برئ، سواء كان على العبد دين أو لم يكن، وإن دفعه إلى سيده برئ أيضا إن لم يكن على العبد دين، وإن كان عليه دين لم يبرأ بدفعه إلى سيده، وإن كان سيده أعتقه كان الخصم هو العبد وهو الذي يقتضيه، وكذا لو باعه ثم أعتقه المشتري. وكل ذلك ضعيف. والحق أنه إذا دفعه إلى العبد لم يبرأ، لأن مولاه قد حجر عليه، وسبق

[ 441 ]

الأذن لا يقتضي تسويغ الدفع، لانتفائه بالحجر، ولو دفع إلى سيده برئ، سواء كان على العبد دين أو لا، ولو أعتقه سيده كان المال للمولى دون العبد، وكذا لو أعتقه المشتري. مسألة: قال ابن البراج: إذا أذن العبد المأذون لعبده في التجارة ثم أقر عليه بشئ مما ذكرناه كان إقراره بذلك كإقرار الحر على العبد. وليس بجيد، لأن عبد العبد عبد للمولى، فلا ينفذ إقرار المأذون عليه، لأنه إقرار على مولاه، ولأنه لا ينفذ إقراره على نفسه فكيف على غيره؟ وأيضا إذن المولى لعبده في التجارة ليس إذنا للعبد المأذون فيبقى على الحجر، فإن أذن له صريحا صار مأذونا له بالأصالة. مسألة: قال ابن البراج: إذا كان على العبد المأذون دين فسلم إلى سيده متاعا أو أمره أن يبيعه فباعه من إنسان ودفعه إليه ثم أقر السيد بأنه قبض الثمن من المشتري ودفعه إلى العبد قبل قوله في ذلك إذا حلف ولم يكن للمشتري يمين. والوجه أنه لا يمين على المولى، بل لو اعترف بأخذه لم يكن لصاحب الدين عليه سبيل إذا لم يكن الدين بأمر المولى. مسألة: قال ابن البراج: إذا أراد الحاكم بيع العبد للغرماء ينبغي أن يصبر عليه، ولا يبيعه إلا بمحضر من سيده، فإن اشتراه السيد أو غيره قسم ثمنه على الغرماء، ولم يكن لهم سبيل على العبد، فإن أذن له سيده بعد ذلك في التجارة ولحقه دين أيضا بيع فيه، ولا يشارك الغرماء الاولون الآخرين في الثمن الآخر، إلا بما بقي لهم على العبد من دينهم الأول، فإن باعه سيده من غير أمر الحاكم كان بيعه باطلا، إلا أن يقضي عنه الدين، أو يكون في الثمن وفاء به فيدفعه إلى الغرماء، أو يجبر له بيعه الغرماء فيكون ذلك مثل بيع الحاكم إياه. والمعتمد أنه ليس للحاكم بيعه إذا لم يكن مولاه قد أذن له في الاستدانة،

[ 442 ]

بل يتبع به بعد العتق، فإن أذن له في الاستدانة كان له بيعه وعليه الدين على أحد القولين وعلى الآخر يتبع به أيضا، وليس للسيد أن يشتريه، إذ لا يصح أن يشتري السيد مملوكه، ويصح بيعه من غير إذن الحاكم، لأنه لم يخرج عن ملكه بالإذن. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: حجر السفيه لا يثبت إلا بحكم الحاكم، ولا يزول إلا بحكم الحاكم (1). وقال ابن حمزة: وإذا صلح السفيه انفك الحجر (2). والأقرب الأول. لنا: أنه حكم شرعي وقد ثبت، فلا يزول إلا بدليل شرعي. احتج بأن الحجر تابع للسفه، وقد زال فيزول بزوال سببه. والجواب: الحكم بالزوال للحاكم، لأن نظره أتم، وزوال السفه أمر خفي فيناط بنظر الحاكم لا غير.

(1) المبسوط: ج 2 ص 286.
(2) الوسيلة: ص 235.

[ 443 ]

الفصل الخامس في المفلس مسألة: من وجد عين ماله كان أحق به، سواء كان هناك وفاء لباقي الغرماء أو لم يكن إذا كان المفلس حيا، وهو اختيار الشيخ في الخلاف (1)، وابن إدريس (2)، وابن البراج، وهو مذهب ابن الجنيد أيضا. وللشيخ قول آخر: إنه لا اختصاص إلا أن يكون هناك وفاء، ذكره في النهاية (3) والاستبصار (4)، ورجحه في المبسوط (5). لنا: ما رواه عمر بن يزيد في الصحيح، عن الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يركبه الدين فيوجد متاع رجل عنده بعينه، قال: لا يحاصه الغرماء (6). ولأنه لم يسلم له العوض فكان له الرجوع إلى المعوض دفعا للضرر. احتج الشيخ بأن دينه ودين غيره متعلق بذمته وهم مشتركون في ذلك (7)،

(1) الخلاف: ج 3 ص 261 المسألة 1.
(2) السرائر: ج 2 ص 54.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 30.
(4) الاستبصار: ج 3 ص 8 ذيل الحديث 1.
(5) المبسوط: ج 2 ص 250. (6) الاستبصار: ج 3 ص 8 ح 19، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الحجر ح 2 ج 13 ص 145.
(7) الاستبصار: ج 3 ص 8 ذيل الحديث 19.

[ 444 ]

فلا وجه للتخصيص. ولأن المال قد انتقل من مالكه إليه، فلا يعود إلى مالكه إلا بوجه شرعي. وبما رواه أبو ولاد قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل باع من رجل متاعا إلى سنة فمات المشتري قبل أن يحل ماله وأصاب البائع متاعه بعينه أله أن يأخذه إذا تحقق له؟ قال: وقال: إن كان عليه دين وترك نحوا مما عليه فليأخذ إن تحقق له ذلك فإن ذلك حلال له، وإن لم يترك نحوا من دينه فإن صاحب المتاع كواحد ممن له عليه شئ يأخذ بحصته، ولا سبيل له على المتاع (1). والجواب: وجه التخصيص ظاهر - وهو النص - والحكمة فيه ظاهرة، فإنه قد وجد عين ماله ولم يحصل له العوض فكان له التسلط بأخذها، بخلاف باقي الغرماء، إذ الذمة محل ديونهم والوجه الشرعي ظاهر - وهو النص - ورواية أبي ولاد تتناول غير صورة النزاع، لاختصاصها بالميت، وقول الشيخ لا يخلو من قوة. مسألة: قال الشيخ: لو كان المديون ميتا كان صاحب العين أحق بها من غيره إن كان هناك وفاء، وإلا فلا اختصاص، بل يشارك صاحب العين غيره (2). وبه قال ابن إدريس (3). وقال ابن الجنيد: إنه يختص وإن لم يكن له وفاء. والوجه الأول. لنا: أنه مديون فتقسم تركته على الديون بالحصص، لعدم أولوية البعض، ووجدان العين لا يوجب التخصيص لرضى مالكها بذمته فكان كفاقدها، وما

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 193 ح 421، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الحجر ح 3 ج 13 ص 146.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 30 نقلا بالمضمون.
(3) السرائر: ج 2 ص 54.

[ 445 ]

تقدم في حديث أبي ولاد في المسألة المتقدمة، وبانتقال الملك إليه فيشارك فيه الغرماء. احتج بما رواه عمر بن يزيد وقد تقدم، وبأنه واجد للعين فكان أولى كالمفلس، وبأنه لم يسلم له العوض فكان له الرجوع إلى المعوض دفعا للضرر. والجواب: رواية عمر بن يزيد مطلقة، ورواية أبي ولاد مفصلة، والمطلق يحمل على المقيد، والفرق بينه وبين المفلس ظاهر، إذ المفلس له ذمة يمكن أن يرجع صاحب الحق عليها بخلاف الميت، والضرر ينجبر بالذمة بخلاف الميت. مسألة: لو باع شقصا من دار ولم يعلم شريكه بالبيع حتى فلس المشتري قال الشيخ في الخلاف: استحق الشفيع الشفعة، ويؤخذ ثمن الشقص منه فيكون بين البائع وباقي الغرماء، لسبق حق الشفيع لاقترانه بالعقد، ولا يكون البائع أحق بالثمن، لأن الحق إنما يثبت له في عين ماله، فأما في ثمنه فلا (1). وقال في المبسوط: يؤخذ بالشفعة، ويكون البائع وباقي الغرماء أسوة في الثمن. قال: وقيل: فيه وجهان آخران وهو: أن البائع أحق بعين ماله من الشفيع، وقيل: إن الشفيع يأخذ الشقص بالثمن ويخص البائع بالثمن. ثم قال: وعلى ما فصلناه نحن في المفلس إن كان له وفاء لباقي الغرماء كان أولى بالثمن لا بالشقص، لأن الشقص قد بيع ونفذ البيع وأخذه الشفيع بالشفعة، وإن لم يخلف غيره كان أسوة للغرماء في الثمن لا في العين في الموضع الذي نقول: إنه أحق بعين ماله (2). وقوله في الخلاف أوجه، مع أنه لا مخالفة كثيرة بينه وبين قوله في المبسوط. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا أعسر زوج المرأة بنفقتها كان لها

(1) الخلاف: ج 3 ص 264 - 265 المسألة 3.
(2) المبسوط: ج 2 ص 250 - 251.

[ 446 ]

المطالبة بفسخ النكاح (1). وليس بجيد، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا وجد العين ناقصة فإن كان الناقص يمكن إفراده بالبيع - كما لو كان المبيع عبدين تلف أحدهما - كان له أخذ الباقي بحصته من الثمن وضرب مع الغرماء بما يخص التالف من الثمن فيقسط الثمن عليهما على قدر قيمتهما، وإن لم يمكن إفراده بالبيع - كذهاب طرف العبد - فإن لم يوجب أرشا - بأن يذهبه الله تعالى أو المشتري - تخير البائع بين الضرب بالدين وبين أخذ العين ناقصة من غير أن يضرب مع الغرماء بما نقص، لأن الأطراف لا يقابلها الثمن ولا جزء منه، وإن أوجب أرشا - بأن يتلف بجناية أجنبي - تخير البائع بين الضرب بدينه وبين أخذه والضرب بقسط ما نقص بالجناية من الثمن (2). وقال ابن الجنيد: إن وجد بعض متاعه أخذه بالقيمة يوم يسترده وضرب بما يبقى له من الثمن مع الغرماء في ما وجده المفلس، وكذلك لو وجده ناقصا أخذه بقيمته وكان ما بقي من أصل ثمنه كالغرماء في باقي مال المفلس. فقد خالف الشيخ في موضعين: الأول: إطلاق الضرب بالنقص، والثاني: احتساب المأخوذ بالقيمة والتالف بها، والشيخ نسبها إلى الثمن. وقول ابن الجنيد لا يخلو من قوة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا وجد العين زائدة زيادة متصلة كالسمن والكبر وتعلم الصنعة كان للبائع الرجوع في العين وتبعتها زيادة، بخلاف المنفصلة، لأن النماء المتصل يتبع الأصل، فإذا فسخ العقد فيه تبعته الزيادة (3).

(1) المبسوط: ج 2 ص 251. (2) المبسوط: ج 2 ص 251 - 252.
(3) المبسوط: ج 2 ص 252.

[ 447 ]

وقال ابن الجنيد: ولو وجده زائدا أخذه أيضا بقيمته ورد على الغرماء فضل القيمة إن شاء، وإلا سلمه. وابن البراج تبع الشيخ، والأقوى عندي قول ابن الجنيد. لنا: إن أخذ العين خارج عن الأصل، فيثبت في الموضع المتفق عليه - وهو ما إذا وجدها كما هي أو ناقصة - ويبقى. الباقي على حكم الأصل. ولأن فيه ضررا على المفلس والغرماء فيكون منفيا، ولا ضرر على المالك لو أخذ العين ودفع قيمة الزيادة. ولأن الزيادة مملوكة للمفلس فلا يخرج عنه مجانا. ولأنها ليست عين مال الغريم بل زائدة عليه، فليس له أخذها، وإنما سوغنا أخذها بدفع القيمة جمعا بين المصالح، وهو أخذ عينه التي لا تتم إلا بأخذها واستعادة قيمة الزيادة للمفلس والغرماء، إذ لا فرق بين أخذ عين الشئ وقيمته في المالية، ولا اعتبار في نظر الشرع بالخصوصيات. وقول الشيخ: (إن العقد انفسخ في الأصل فتتبعه الزيادة) ممنوع كالمنفصلة، لأن وجود الفسخ المتجدد إن كان في تقدير وجوده حال العقد لزم في المنفصلة ما قاله في المتصلة، وإلا لزم في المتصلة ما قاله في المنفصلة. مسألة: لو باع نخلا حائلا فأفلس المشتري فاسترجع البائع النخل وهو مثمر غير مؤبر قال الشيخ: يتبعه الثمرة، وإن أبرت لم يتبعه الثمرة (1). والحق أن الثمرة للمفلس في الموضعين، والحمل على البيع قياس من غير جامع، فلا يجوز المصير إليه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: في ثلاث مسائل قولان: أحدها: إقرار المفلس بعين في يده لغيره، والثانية: إقرار بدين في ذمته، والثالثة: تصرفه في ما

(1) المبسوط: ج 2 ص 253.

[ 448 ]

في يده. [ و ] هل يصح وينفذ أم لا [ في جميع ذلك؟ قيل فيه قولان ] أحدهما: يصح، وهو الأقوى (1). وفيه نظر، لتعلق حق الغرماء بالعين تعلق المرتهن بالرهن، فكما لا ينفذ إقرار الراهن بالعين المرهونة، ولا يشارك المقر له بالدين في الرهن، ولا يصح تصرف الراهن إلا بإذن المرتهن، فكذا المفلس هنا حكمه حكم الراهن. مسألة: إذا باع عبدين قيمتهما سواء بثمن وأفلس المشتري به وكان قد قبض منه قبل الافلاس نصف الثمن قال الشيخ في المبسوط: الصحيح أن حقه يثبت في العين، فإن كانا موجودين فالمقبوض ثمن نصفهما فيرجع بنصف العبدين فيحصل له من كل واحد نصفه، وإن كان أحدهما تالفا قيل: فيه قولان: أحدهما: أن المأخوذ ثمن التالف، والذي بقي ثمن الموجود فيسترجع العبد الباقي، والثاني: إنه يأخذ نصف العبد ويضرب بربع الثمن مع باقي الغرماء (2). ولم يتخير من القولين شيئا. وقال ابن البراج: كان له أن يأخذ نصف الموجود ويضرب بربع الثمن مع باقي الغرماء، وهو يشعر باختيار الوجه الثاني. وقال ابن الجنيد: لو باع عبدين متساويا القيمة بعشرين دينارا فقبض عشرة ووجد أحد الغلامين قيمته يوم التفليس كقيمته يوم البيع عشرة كان مخيرا في أخذ العبد بما بقي له، أو أن يدعه ويكون أسوة للغرماء. والأقرب الأول. لنا: أن الثمن في مقابلة الجملة، وليس صرف المقبوض إلى التالف أولى من الباقي فوجب بسطه عليهما. احتج بأنه قد وجد عين ماله فكان أحق بها.

(1) المبسوط: ج 2 ص 259.
(2) المبسوط: ج 2 ص 260 - 261.

[ 449 ]

والجواب: أن الموجود قد قبض نصف ثمنه فلم يكن عين ماله. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا باع مكيالا من زيت أو شيرج ثم خلطه المشتري فأفلس فإن خلطه بالمساوي لم يسقط حق البائع من العين وكان له المقاسمة، وقيل: يباع ويدفع إليه ما يخصه من الثمن. وكذا إن خلطه بالأردأ، إلا أنه هنا يأخذ الذي يخصه من العين إن شاء، أو يطالب بالبيع ويدفع إليه بقدر ما يساوي زيته ويسلم الباقي إلى الغرماء، إذ لا يجب أن يأخذ دون حقه. وإن خلط بالأجود قيل: يسقط حقه من العين، وهو الصحيح، لأنها تالفة، إذ ليست موجودة من طريق المشاهدة ولا الحكم، فإنه ليس له أن يطالبه بقسمته، فإذا لم يكن موجودا من الوجهين كان بمنزلة التالف، ولا حق له في العين، ويضرب بدينه مع الغرماء. وقيل: لا يسقط فيباع الزيتان معا، ويؤخذ ثمنه فيقسم على قدر قيمة الزيتين. وقيل: يدفع من غير الزيت بقدر ما يخصه، فلو كان له جرة تساوي دينارين واختلط بجرة تساوي أربعة فالجملة ستة فيكون للبائع قيمة ثلث الجميع فيدفع إليه ثلث الزيت وهو ثلثا جرة. قال: وهو غلط، لأنه إن أخذ ذلك عوضا عن جزته لزم الربا، وإن دفع بازاء الحق وسئل ترك الباقي لم تجب الاجابة (1). وقال ابن الجنيد: لو كان المبيع مما يكال أو يوزن فخلط بما لا يتميز منه بمحضر من شهود ثم أفلس المشتري كان للبائع ثمن متاعه مبتدئا به على الغرماء. ولم يفصل، وهو الوجه عندي. لنا: إن العين تعذر استيفاؤها فوجب الانتقال إلى القيمة ويبسط الثمن على نسبة القيمتين، لأنه أقرب إلى أخذ العين. مسألة: إذا أفلس المسلم إليه في حنطة مثلا فإن وجد المسلم عين ماله

(1) المبسوط: ج 2 ص 262 - 263.

[ 450 ]

أخذه، وهو أحق به من سائر الغرماء. وإن لم يجد عين ماله ضارب مع الغرماء بقدر ماله من قيمة الحنطة، قاله الشيخ في المبسوط، قال: وقيل أيضا: إن أراد فسخ العقد والضرب مع الغرماء برأس المال كان له ذلك، قال: والأول أصح (1). المعتمد الثاني. لنا: إنه قد تعذر استيفاء المسلم فيه فكان للمشتري فسخ المبيع كغيره من أصناف السلم، ثم يضرب بالقيمة مع الغرماء وحينئذ يضرب برأس المال. ثم قال: وكيفية الضرب بالطعام: أن يقوم الطعام الذي استحقه بعقد السلم ثم يضرب بالقيمة مع الغرماء بما يخصه منها ثم ينظر فيه فإن كان في مال المفلس طعام اعطي منه بقدر ما يخصه من القيمة، وإن لم يكن في ماله طعام اشترى له بالقدر الذي خصه من القيمة طعاما مثل الطعام الذي يستحقه ويسلم إليه، ولا يجوز أن يأخذ بدل الطعام القيمة التي تخصه، لأنه لا يجوز صرف المسلم فيه إلى غيره قبل قبضه (2). والوجه الكراهة، وقد تقدم. مسألة: إذا بيع مال المفلس لم يسلم السلعة إلا بعد قبض الثمن، فإن امتنع المشتري من الدفع حتى يقبض الثمن قال الشيخ: فيه ثلاثة أقوال: أحدها - وهو الصحيح -: أنهما يجبران معا، والثاني: لا يجبران، ومتى يتبرع أحدهما أجبر الآخر، والثالث: أن البائع يجبر أولا ثم المشتري، وهو الأولى (3). فقد اختلف قوله في هذه المسألة. والحق الأول، لعدم الأولوية، وهذه المسألة قد سلفت. مسألة: قال ابن الجنيد: لو كان للمفلس سلعة عند صانع قد استحق عليه أجرة صنعته فيها كانت أجرته كسائر الغرماء.

(1) المبسوط: ج 2 ص 266.
(2) المبسوط: ج 2 ص 266 - 267.
(3) المبسوط: ج 2 ص 270.

[ 451 ]

وقال الشيخ في المبسوط: إذا باع ثوبا فقصره بأجرة قدمت على سائر الغرماء، لأن صنعته بمنزلة العين الموجودة (1)، وهو أقوى، لما قاله الشيخ، وإن كان فيه إشكال. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو اشترى أرضا فيها بذر وشرطه المشتري لنفسه صح، فإذا استكمل في يده الزرع وأفلس قبل حصاده أو بعد تصفيته كان للبائع الرجوع في عين الأرض دون البذر، لأنه ليس بعين ماله، وإنما هي أعيان ابتدأ الله تعالى بخلقها من بذر البائع (2). وقال ابن الجنيد: لو استأجر أرضا وابتاع بذرا وماء بنسيئة وأفلس وقت حصاد الزرع كان المؤجر وصاحب الماء وصاحب البذر مبدين بمالهم من ثمن الزرع على الغرماء، وإن كان معهم أجير يزرع وقام في الغلة كان أيضا شريكهم وما فضل منهم للغرماء. والوجه ما قاله الشيخ، إذ هو ليس عين المال، مع أن فيه احتمالا. مسألة: المشهور أنه لا يجوز بيع دار المفلس التي يسكنها ولا خادمه الذي يخدمه ولا ثوب تجمله. وقال ابن الجنيد: ويستحب للغريم إذا علم عسر من عليه الدين أن لا يحوجه إلى بيع مسكنه وخادمه الذي لا يجد غنى عنهما ولا ثوبه الذي يتجمل به، وأن ينظره إلى أن ينهي خبره إلى من في يده الصدقات إن كان من أهلها أو الخمس إن كان من أهله، فإن لم يفعل ويثبت دينه عند الحاكم وطالب الحاكم بيع ذلك فلا بأس أن يجعل ذلك الملك رهنا في يد غريمه، وإن أبى إلا استيفاء حقه أمره الحاكم بالبيع وتوفية أهل الدين حقوقهم، فإن امتنع حبسه

(1) المبسوط: ج 2 ص 263 - 264.
(2) المبسوط: ج 2 ص 253 - 254.

[ 452 ]

إلى أن يقبل ذلك، فإن دافع باع عليه الحاكم. لنا: قوله تعالى (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) (1). وما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا تباع الدار ولا الجارية في الدين، وذلك أنه لا بد للرجل من ظل يسكنه وخادم يخدمه (2). وفي الموثق عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: إن لي على رجل دينا وقد أراد أن يبيع داره فيعطيني، قال: فقال أبو عبد الله - عليه السلام -: أعيذك بالله أن تخرجه من ظل رأسه (3). ولأن فيه ضررا فيكون منفيا. مسألة: إذا شهد للمفلس شاهد واحد بمال ولم يحلف معه لم يكن للغرماء أن يحلفوا، قاله الشيخ (4). وقال ابن الجنيد: إذا امتنع المفلس حلف الغرماء إن كان دون قدر ديونهم أو مثلها، ولا مال له غير الدين. لنا: أنه لا يصح أن يحلف الانسان ليثبت مالا لغيره، والمغرماء هنا يحلفون، لاثبات مال المفلس، فلا يكون سائغا. احتج ابن الجنيد بأنه إذا حلف الغرماء كان لهم المطالبة، وكان النفع لهم، فجاز لهم الحلف.

(1) البقرة: 280.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 186 ح 387، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الدين ح 1 ج 13 ص 94. (3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 187 ح 390، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الدين ح 3 ج 13 ص 94 - 95 وفيه: (عثمان بن زياد).
(4) المبسوط: ج 2 ص 276.

[ 453 ]

والجواب: أنهم يأخذون عن المفلس لا بالأصالة. مسألة: المشهور أن الدين المؤجل لا يحل على المفلس بالافلاس. وقال ابن الجنيد: إنه يحل. وكذا لا يحل الدين الذي له إذا كان مؤجلا بإفلاسه. فقال ابن الجنيد: إنه يحل أيضا. لنا: الأصل بقاء ما كان على ما كان عليه. واحتج بالقياس على الدين على الميت. والجواب: الفرق في الأول، لتضرر الورثة لو منعوا من التصرف وصاحب الدين لو لم يمنعه، بخلاف المفلس، ونمنع الحكم الثاني في الميت. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو رهن المشتري ما ابتاعه ثم أفلس كان البائع أحق بعين ماله إذا لم يكن أخذ من ثمنها شيئا ولا كان فيها زيادة، والمرتهن أحق بالزيادة من سائر الغرماء. والوجه تقديم حق المرتهن، لتعلقه بالعين قبل تعلق حق البائع. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا أفلس الرجل وحجر عليه الحاكم ثم تصرف في ماله إما بالهبة أو البيع أو الإجارة أو العتق أو الكتابة أو الوقف قيل: فيه قولان: أحدهما - وهو الأقوى -: أن تصرفه باطل. والثاني: أن تصرفه موقوف، ويقسم ماله سوى ما تصرف فيه بين غرمائه، فإن وفى بديونهم نفذ تصرفه في ما بقي، وإن لم يف بطل تصرفه (1). وقال ابن الجنيد: إذا أفلس أحد وعلم أنه بعد إفلاسه وقبل إيفاء الحاكم ماله للغرماء قد كان أتلف شيئا بغير عوض من صدقة أو عتق أو نحو ذلك كان باطلا، لأنه كان فعل ذلك في مال غيره، فأن فعل شيئا من ذلك بعوض

(1) المبسوط: ج 2 ص 272.

[ 454 ]

وغير عوض بعد إيفاء الحاكم ماله لم ينفذ، إلا أن يكون في ماله المحجور عليه زيادة على قدر ما عليه من الدين فيكون ذلك مختصا بعد استيفاء الغرماء. وقول ابن الجنيد جيد، إلا في البيع بعوض، فإن الأولى فيه الوقف، كما قاله الشيخ في الوجه الثاني، لأنه عقد صدر من أهله في محله خال عن المانع فكان صحيحا. وبيان خلوه عن المانع أنه بعد رفع الحجر لم يبق مانع، إذ لا غيره، عملا بالأصل. مسألة: قال ابن البراج: إذا ثبت عند الحاكم اعسار من عليه الحق فطلب خصمه إقامة ضامن يحفظ عليه حقه معجلا كان أو مؤجلا كان له ذلك. وليس بجيد، عملا بالأصل.

[ 455 ]

الفصل السادس في الضمان مسألة: قال الشيخ في الخلاف: ليس من شرط الضمان أن يعرف المضمون له أو المضمون عنه (1). وقال في المبسوط: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن من شرطه معرفتهما، وهو الأظهر (2). والوجه عندي أن معرفة المضمون عنه شرط دون معرفة المضمون له. لنا: إن المضمون عنه لا بد وأن يتميز عند الضامن، ويتحقق من غيره ليقع الضمان عنه، وذلك يستدعي العلم به. وما رواه أبو سعيد الخدري قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وآله - في جنازة فلما وضعت قال - عليه السلام -: هل على صاحبكم من دين؟ قالوا: نعم درهمان، فقال: صلوا على صاحبكم، فقال علي - عليه السلام -: هما علي يا رسول الله وأنا لهما ضامن، فقام رسول الله - صلى الله عليه وآله - فصلى عليه ثم أقبل على علي - عليه السلام - فقال: جزاك الله عن الاسلام خيرا، وفك رهانك كما فككت رهان أخيك (3).

(1) الخلاف: ج 3 ص 313 المسألة 1.
(2) المبسوط: ج 2 ص 323.
(3) سنن الدارقطني: ج 3 ص 78 ح 291.

[ 456 ]

وروى جابر بن عبد الله الأنصاري أن النبي - صلى الله عليه وآله - كان لا يصلى على رجل كان عليه دين، فأتي بجنازة قال: هل صاحبكم دين؟ فقالوا: نعم ديناران، فقال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: هما على يا رسول الله، قال: فصلى عليه، فلما فتح الله على رسوله - صلى الله عليه وآله - قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن ترك مالا فلورثته، ومن ترك دينا فعلى (1). وهما يدلان على صحة الضمان مع عدم العلم بالمضمون له. احتج الشيخ على قوله في الخلاف بالحديثين بأن النبي - عليه السلام - لم يسأل عليا - عليه السلام - ولا أبا قتادة عن معرفتهما بصاحب الدين ولا الميت، فلا يشترط علمهما (2). وعلى قوله في المبسوط بأنه يشترط معرفة المضمون له ليعرف هل هو سهل المعاملة أم لا؟ ومع انتفاء ذلك يتطرق الغرر ومعرفة المضمون عنه لينظر هل يستحق ذلك أم لا (3)؟ والجواب عن الأول: القول بالموجب في المضمون له، وأما المضمون عنه فإنه معين لتشخصه وحضوره عنده، ولا يشترط علمه بنسبه ولا حاله، والغرر ليس بمعتبر، إذ لا يشترط علمه حالة الضمان بحسن معاملة المضمون له وعدمه وإن علمه بعينه إجماعا، فلو كان الغرر معتبرا كان العلم بهذا الوصف شرطا، وليس كذلك بالاجماع. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: ليس من شرط الضمان رضى المضمون عنه والمضمون له، وإن قيل: من شرطه رضى المضمون له كان أولى (4).

(1) سنن أبي داود: ج 3 ص 247 ح 3343.
(2) الخلاف: ج 3 ص 313 ذيل المسألة 1.
(3) المبسوط: ج 2 ص 323.
(4) الخلاف: ج 3 ص 313 المسألة 2.

[ 457 ]

وقال في المبسوط: لا يحتاج إلى رضى المضمون عنه، لأنه بمنزلة القضاء، ولأن عليا - عليه السلام - ضمن عن الميت، ولا يصح اعتبار رضاه، وأما المضمون له فلا بد من اعتبار رضاه، لأن ذلك إثبات مال في الذمة بعقد، فلا يصح ذلك إلا برضاه (1). ثم احتج في الخلاف على عدم اعتبار رضاهما بضمان علي - عليه السلام - وأبي قتادة، فإن النبي - عليه السلام - لم يسأله عن رضى المضمون له، ولا يمكن اعتبار رضى المضمون له، فلأنه إثبات حق في الذمة فلا بد من اعتبار رضاه كسائر الحقوق. قال: والأول أليق بالمذهب، لأن الثاني قياس، ونحن لا نقول به (2). والأقرب اختيار الشيخ في المبسوط، وقضية علي - عليه السلام - وأبي قتادة حكاية حال لا عموم لها، فكما لا يدل على الرضى كذا لا يدل على عدمه، على إنا نقول: يصح الضمان، لكن لا يلزم إلا برضى المضمون له، لأن حقه على المضمون عنه فلا ينتقل عنه إلا برضاه. ومن العجائب أن الشيخ أنكر وجوب قبض الدين من غير الغريم فكيف أوجب قبول ضمانه؟! لنا: ما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يموت وعليه دين فيضمنه ضامن للغرماء، فقال: إذا رضي به الغرماء فقد برئت ذمة الميت (3). وهو يدل بمفهومه على عدم البراءة مع عدم الرضى قضية للشروط.

(1) المبسوط: ج 2 ص 323.
(2) الخلاف: ج 3 ص 314 ذيل المسألة 2.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 167 ح 680، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الضمان ح 1 ج 13 ص 149 - 150.

[ 458 ]

وما رواه عيسى بن عبد الله قال: احتضر عبد الله بن الحسن فاجتمع عليه غرماؤه فطالبوه بدين لهم، فقال: ما عندي ما أعطيكم ولكن ارضوا بمن شئتم من بني عمي علي بن الحسين - عليه السلام - أو عبد الله بن جعفر، فقال الغرماء: أما عبد الله بن جعفر فملي مطول وعلي بن الحسين - عليهما السلام - رجل لا مال له صدوق وهو أحبهما إلينا فأرسل إليه فأخبره الخبر، فقال: أضمن لكم المال إلى غلة ولم يكن له غلة كملا، فقال القوم: قد رضينا وضمنه، فلما أتت الغلة أتاح الله له المال فأداه (1). ولو لم يعتبر رضى المضمون له لم يخبرهم. مسألة: قال الشيخ في النهاية: متى تبرع الضامن من غير مسألة المضمون عنه ذلك وقبل المضمون له ضمانه فقد برئت عهدة المضمون عنه، إلا أن ينكر ذلك ويأباه فيبطل ضمان المتبرع، ويكون الحق على أصله لم ينتقل عنه بالضمان (2). وقال ابن البراج: إذا تبرع إنسان بضمان حق ثم أنكر المضمون عنه ذلك كان الحق باقيا في ذمته، ولم ينتقل إلى المتبرع بضمان ذلك عنه. وهذا يوافق قول الشيخ من اعتبار رضى المضمون عنه في الضمان، وبه قال ابن حمزة (3)، وهو قول شيخنا المفيد (4). وقال ابن إدريس: لا يعتبر رضى المضمون عنه، بل يلزم الضمان مع رضى الضامن والمضمون له (5)، وهو مذهب والدي - رحمه الله - وهو الأقوى.

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 211 ح 495، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الضمان ح 1 ج 13 ص 152 - 153. (2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 36 - 37.
(3) الوسيلة: ص 280.
(4) المقنعة: ص 814.
(5) السرائر: ج 2 ص 69 - 70.

[ 459 ]

لنا: قوله - عليه السلام -: (الزعيم غارم) (1). وما رواه داود البرقي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: مكتوب في التوراة كفالة ندامة غرامة (2). ولأنه كالقضاء فلا خيار له، كما لو قضى عنه. مسألة: للشيخ قولان في اشتراط الأجل: قال في النهاية: ولا يصح ضمان مال ونفس إلا بأجل معلوم (3)، وهو قول شيخنا المفيد في مقنعته (4)، وقول ابن البراج في الكامل، وابن حمزة (5). وقال في المبسوط: يصح حالا (6)، وبه قال ابن البراج في المهذب (7)، وتبعه ابن إدريس (8)، وهو الأقوى. لنا: الأصل، وعموم قوله - عليه السلام -: (الزعيم غارم) (9) وقوله تعالى: (وأنا به زعيم) (10). احتج الشيخ بأنه إرفاق به فيشترط فيه الأجل، إذ الحال لا إرفاق فيه، فإن الحال يقتضي تسويغ المطالبة في الحال للضامن فيتسلط على مطالبة المضمون عنه في الحال، فتنتفي فائدة الضمان. والجواب: نمنع انحصار فائدة الضمان في التأخير. مسألة: للشيخ قولان في ضمان المجهول: أحدهما: الصحة، وهو قوله

(1 و 9) مسند أحمد بن حنبل: ج 5 ص 267 و 293.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 210 ح 492، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الضمان ح 5 ج 13 ص 155.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 38.
(4) المقنعة: ص 815.
(5) الوسيلة: ص 280.
(6) المبسوط: ج 2 ص 323. (7) المهذب: ج 2 ص 71.
(8) السرائر: ج 2 ص 70.
(10) يوسف: 72.

[ 460 ]

في النهاية (1)، وهو قول شيخنا المفيد في المقنعة (2)، وابن الجنيد، وسلار (3)، وأبي الصلاح (4)، وابن زهرة (5)، وابن البراج في الكامل. وقال الشيخ في المبسوط (6) والخلاف (7): لا يصح، وبه قال ابن البراج في المهذب (8)، وتبعه ابن إدريس (9). والمعتمد الأول. لنا: الأصل الصحة، وعموم قوله تعالى: (وأنا به زعيم) (10) وأشار به إلى حمل البعير، والأصل عدم تعيينه، وقوله - عليه السلام -: (الزعيم غارم) (11). وما رواه عطا، عن الباقر - عليه السلام - قال: قلت له: جعلت فداك إن علي دينا إذا ذكرته فسد علي ما أنا فيه، فقال: سبحان الله أو ما بلغك أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - كان يقول في خطبة: من ترك ضياعا فعلي ضياعه، ومن ترك دينا فعلي دينه، ومن ترك مالا فأكله، فكفالة رسول الله - صلى الله عليه وآله - ميتا ككفالته حيا، وكفالته حيا ككفالته ميتا، فقال الرجل: نفست عني جعلني الله فداك (12). ولو لم يكن ضمان المجهول صحيحا لم يكن لهذا الضمان حكم ولا اعتبار، إذ الباطل لا اعتبار به، فامتنع من الإمام - عليه السلام - الحكم بأن النبي - صلى الله عليه وآله - كافل.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 38 - 39.
(2) المقنعة: ص 815.
(3) المراسم: ص 200..
(4) الكافي في الفقه: ص 340.
(5) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 533 س 24.
(6) المبسوط: ج 2 ص 335.
(7) الخلاف: ج 3 ص 319 المسألة 13.
(8) المهذب: ج 2 ص 71. (9) السرائر: ج 2 ص 72.
(10) يوسف: 72.
(11) مسند أحمد بن حنبل: ج 5 ص 267 و 293.
(12) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 211 ح 494، وسائل الشيعة: ب 9 ص أبواب الدين ح 5 ص 13 ص 92 - 93.

[ 461 ]

احتج الشيخ بأن النبي - صلى الله عليه وآله - نهى عن الغرر، وضمان المجهول غرر، لأنه لا يدري كم قدرا من المال عليه، ولعدم الدليل على صحته (1). والجواب: الغرر إنما هو في المعاوضات التي تقضي إلى التنازع، أما مثل الاقرار والضمان وشبههما فلا، لأن الحكم فيهما معين، وهو الرجوع إلى قول المقر في الاقرار وإلى البينة في الضمان فلا غرر هنا، والدليل قد بيناه. وابن إدريس شنع على الشيخ هنا حيث قال: قال الشيخ في المبسوط: ولست أعرف به نصا، وقال: إنه أدل دليل على صحة اعتذارنا له في ما يورده في نهايته من أخبار الاحاد، وأنه يوردها إيرادا من طريق أخبار الاحاد بحيث لا يشذ شئ من الأخبار ولا اعتقادا، وإلا لزمه العمل بما أورده في نهايته وهو قد دفع، وقال: لست أعرف بذلك نصا فيكون مناقضا لأقواله (2). ولم يدر أن عدم النص لا يقتضي عدم الدليل، لعدم انحصار الدليل في النص، لجواز أن يكون دليلا مستنبطا من النص أو دليلا عقليا، وجاز أن يقف بعد ذلك عليه، وأي دليل في ذلك على أن الشيخ لا يعمل بخبر الواحد فإنه لم يذكر استناده في النهاية إلى أنه خبر واحد، وأي تناقض في ذلك، فلا شك في عدم تحصيل هذا الرجل. مسألة: قال المفيد - رحمه الله -: ضمان المجهول جائز كضمان المعلوم حتى يخرج منه بحسب ما تقوم به البينة للمضمون له أو يحلف عنه، وتفسير هذا أن يقول قائل لانسان قد لازم غيره على حق له عنده: خل سبيله وأنا ضامن لحقك عليه كائنا ما كان، فإن أقام المضمون له البينة على مقدار

(1) الخلاف: ج 3 ص 319 - 320 ذيل المسألة 13.
(2) السرائر: ج 2 ص 73.

[ 462 ]

الحق خرج إليه الضامن منه، ولا يقبل دعواه بغير بينة، إلا أن يحلف على ما يدعيه، ولا يجوز أن يضمن إنسان عن غيره ما يدعيه خصمه عليه كائنا ما كان، ولا ما يقترحه من الحقوق، ولا ما يخرج به حساب في كتاب لا حجة فيه، إلا أن يتعين المضمون أو تقوم به حجة على ما ذكرناه (1). وهذا القول يقتضي إلزام الضامن ما يحلف عليه المضمون له. والشيخ قيد ذلك برضاه (2)، وكذا ابن البراج (3). ولو حلف المدعي بالرد من غير رضى الضامن لزمه على مقتضى قول المفيد دون قول الشيخ. والتحقيق أن نقول: إن جعلنا يمين المدعي كالبينة كان له الرجوع على الضامن، سواء رضي بيمينه أو لا، وإن جعلناه كالاقرار افتقر إلى رضى الضامن. مسألة: إذا ضمن المجهول قال أبو الصلاح: لزمه ما قامت به البينة أو أقر به الغريم خاصة (4)، وكذا قال ابن زهرة (5). والحق أن الاقرار ينفذ في طرف المقر خاصة دون الضامن، إلا أن يكون الاقرار سابقا على الضمان فيلزم الضامن ما أوجبه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: قال قوم من أصحابنا: إنه يصح أن يضمن ما يقوم به البينة دون ما يخرج به دفتر الحساب، ولست أعرف به نصا (6).

(1) المقنعة: ص 815 - 816.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 39.
(3) المهذب: ج 2 ص 72.
(4) الكافي في الفقه: ص 340.
(5) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 533 س 24.
(6) المبسوط: ج 2 ص 335.

[ 463 ]

وفي هذه العبارة إشكال، وعبارة المفيد (1) وأبي الصلاح (2) هنا أحق، وهو أنه يضمن حقه عليه، إذ ما يقوم به البينة لا يعلم ثبوته وقت الضمان فلا يصح، لأنه يكون ضمان ما لم يجب. مسألة: منع الشيخ في المبسوط (3) ضمان مال الكتابة، لأنه ليس بلازم في الحال، ولا يؤول إلى اللزوم، لأن للمكاتب إسقاطه بفسخ الكتابة للعجز، فلا يلزم العبد في الحال، ولا يؤول إلى اللزوم، لأنه إذا أداه عتق، وإذا أعتق خرج من أن يكون مكاتبا، فلا يتصور أن يلزمه في ذمة مال الكتابة بحيث لا يكون له الامتناع من أدائه، فهذا المال لا يصح ضمانه، لأن الضمان إثبات مال في الذمة والتزام لأدائه، وهو فرع للمضمون عنه، فلا يجوز أن يكون ذلك المال في الأصل غير لازم ويكون في الفرع لازما، فلهذا منعنا من صحة ضمانه، وهذا لا خلاف فيه. والأقرب عندي صحة الضمان، ويمنع عدم لزوم مال الكتابة، وتجدد الفسخ بالعجز ليس أقوى من تجدد الفسخ بالخيار، فكما لم يمنع هناك من الضمان فكذا هنا، والشيخ بنى ذلك على مذهبه من عدم لزوم مال الكتابة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: يصح ضمان النفقة الماضية والحاضرة للزوجة دون المستقبلة، لأنها تجب بالتمكين، ومتى ضمن النفقة فإنها تصح مقدار نفقة المعسر، لأنها ثابتة بكل حال، وأما الزيادة عليها إلى تمام نفقة الموسر فهي غير ثابتة، لأنها تسقط بإعساره (4). وتبعه ابن البراج على ذلك. وقال ابن إدريس: وفي الموضع الذي يصح ضمانها، فلا يصح إلا أن تكون

(1) المقنعة: ص 815 - 816، (2) الكافي في الفقه: ص 340.
(3) المبسوط: ج 2 ص 336.
(4) المبسوط: ج 2 ص 325 - 326.

[ 464 ]

معلومة، لأن ضمان المجهول على الصحيح من المذهب، وعند المحصلين من الأصحاب لا يصح (1). وكلا القولين عندي باطل. أما قول ابن إدريس فلما بينا من صحة ضمان المجهول. وأما قول الشيخ وقول ابن البراج فإن الضمان في النفقة على ما قرراه إنما يصح في الحاضرة والماضية، ولا اعتبار حينئذ بالزوج، فإنه إن كان موسرا وجبت نفقة الموسر، وإن كان معسرا وجبت نفقة المعسر، ولا يسقط الزائد على نفقة المعسر بإعسار الموسر بعد وجوبه وإنما يتم ذلك على مذهب القائلين بصحة ضمان النفقة المستقبلة. وقول الشيخ في المبسوط كأنه مذهب المخالفين، وتفريع على تسويغ ضمان النفقة المستقبلة، وتبعه ابن البراج توهما أن ذلك فتواه. مسألة: يصح ضمان العهدة للبائع عن المشتري، فإذا خرج المبيع مستحقا كان للمشتري الرجوع بالثمن على الضامن، ولا يصح ضمان تخليص المبيع، لأنه لا يملك المبيع، ولا يمكنه تخليصه إلا بابتياعه، فيكون ذلك ضمان المبيع وضمان المبيع لا يصح. وقال الشيخ في المبسوط: إن شرطه في العقد بطل البيع، وكذا إن شرطه في مدة الخيار، لأن مدة الخيار بمنزلة حال العقد (2). والصحيح إن الشرط في مدة الخيار لا يفسد البيع، لتمامية العقد وانتقال المبيع، ولا يلزم من تطرق الفسخ باختياره عدم البيع. وقول الشيخ هنا: (ببطلان البيع) يؤكد ما ذهبنا إليه: من أن الشرط

(1) السرائر: ج 2 ص 72.
(2) المبسوط: ج 2 ص 327.

[ 465 ]

الفاسد إذا اشتمل عليه عقد بطل ذلك العقد، وله فيه قول قد سلف. مسألة: قال في المبسوط: إذا شرط ضمان الخلاص في العقد منفردا عن ضمان العهدة بطل العقد، وإن شرط مع ضمان العهدة بطل في خلاص البيع ولا يبطل في ضمان العهدة، كما قلناه في تفريق الصفقة، والبيع بحاله لم يؤثر فيه بلا خلاف (1). والحق بطلان البيع، لما قلناه أو لا: من أن الشرط الفاسد يبطل به مشروطه. مسألة: إذا خرج بعض المبيع مستحقا رجع المشتري على الضامن، للعهدة بما قابل المستحق من الثمن، فإن فسخ البيع لتبعيض الصفقة قال الشيخ: رجع بما قابل الباقي أيضا على الضامن إن شاء (2). وليس بجيد. لنا: إنه حصل بسبب متأخر - وهو الفسخ المتجدد بعد البيع - فلا يرجع به على الضامن، لعدم دخوله في ضمانه، لأنه لم يجب وقت الضمان. احتج الشيخ بأن السبب فيه الاستحقاق الذي حصل في بعضه (3). والجواب: المنع، بل السبب الفسخ. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا ضمن بإذنه كان له مطالبة المضمون عنه بتخليصه وإن لم يطالبه المضمون له (4). والأقرب المنع، وبه قال ابن البراج، لأنه إنما رجع بما أدى، فلا يتسلط قبل الأداء، لجواز الابراء. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا ادعى الضامن الجنون حالة الضمان

(1) المبسوط: ج 2 ص 327. (2 و 3) المبسوط: ج 2 ص 328.
(4) المبسوط: ج 2 ص 328 - 329.

[ 466 ]

ولم يعرف له حالة الجنون كان القول قوله، لأن الأصل براءة الذمة (1). والمعتمد أن القول قول المضمون له، عملا بأصالة عدم الجنون وأصالة صحة الضمان، فيعارض أحدهما بأصالة البراءة ويبقى الآخر سليما عن المعارض. مسألة: قال ابن حمزة: ينقسم الضمان على قسمين آخرين: ضمان انفراد وضمان اشتراك، وضمان الانفراد ضمان جماعة عن واحد ويكون للمضمون له الخيار في مطالبة المال من أيهم شاء على الانفراد وعلى لاجتماع، وضمان الاشتراك بالعكس من ذلك (2). والتحقيق أن نقول: قد بينا أن الضمان عندنا ناقل له، فضمان الجماعة إما أن يقع على التعاقب أو دفعة، فإن وقع على التعاقب فإما أن يرضى المضمون له بضمان كل واحد على التعاقب بأن يرضى بضمان السابق قبل تجدد اللاحق، فيطالب الأول هنا خاصة، لأنه رضي بضمانه، ورضي المالك به انتقل الحق من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، فإذا ضمن الثاني المضمون عنه بطل، لخلو ذمته عن المال عندنا. وكذا لو تقدم رضى المضمون له بضمان المتأخر على ضمان المتقدم كان له مطالبة من تقدم الرضا بضمانه وإن تأخر ضمانه، فكذا إن رضي المالك بضمان كل واحد دفعة، لأنه إذا رضي بضمان كل واحد فقد رضي بضمان الأول فينتقل المال إليه، فلا يصادف ضمان الثاني ولا الرضا به حقا على المضمون عنه فيبطل. وأما إن وقع ضمان الجماعة دفعة فإن وقع رضى المضمون له بضمان كل واحد على التعاقب أو دفعة، فإن وقع على التعاقب صح ضمان من رضي

(1) المبسوط: ج 2 ص 336.
(2) الوسيلة: ص 281.

[ 467 ]

بضمانه أولا، لانتقال المال بالضمان، ورضى المالك إلى ذمته فلا يصادف الضمان الثاني ذمة مشغولة فيبطل، وإن وقع الرضا دفعة احتمل بطلان الضمان، لامتناع انتقال الحق دفعة واحدة إلى ذمم متعددة، والصحة فيطالب كل واحد بقسطه لا بالجميع، والأقوى الأول. وقد قال ابن الجنيد هنا: ولو كفل جماعة بمال الرجل على رجل ولم يفصلوا قدر ما كفل به كل واحد من المال كان كل واحد منهم كفيلا بحقه على قدر عددهم. مسألة: قال في الخلاف: يصح ضمان مال الجعالة إذا فعل ما شرط الجعالة له (1). وأطلق في المبسوط، لقوله تعالى: (وأنا به زعيم) وعموم قوله - عليه السلام -: (الزعيم غارم) ولأنه وإن لم يكن لازما لكن يؤول إلى اللزوم (2). وعندي فيه نظر، فإن الجعالة عقد جائز قبل الشروع في الفعل، فلا يكون لازما، إلا أن الحاجة ماسة إليه فجاز ضمانه، كقوله: إلق متاعك في البحر وعلي ضمانه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لا يصح ضمان ما لم يجب، مثل: أنا ضامن لما تقرضه في درهم إلى عشرة، لأنه غير واجب (3). وقال ابن الجنيد: وإذا قال رجل لآخر: بايع فلانا فما يجب لك عليه من درهم إلى مبلغ تحده له فهو علي دونه دخل في ضمان الأمر ما يبايع به ذلك الرجل الآخر من أكثر المبلغ إلى ما دونه. والأجود الأول، لعدم ثبوت الحق، فلا يتحقق الانتقال.

(1) الخلاف: ج 3 ص 316 المسألة 7. (2) المبسوط: ج 2 ص 325.
(3) المبسوط: ج 2 ص 335.

[ 468 ]

مسألة: منع الشيخ من ضمان العبد (1)، وكذا ابن الجنيد. والوجه عندي الصحة، ويتبع العبد بعد العتق، لأنه كالدين. احتج الشيخ بقوله تعالى: (عبدا مملوكا لا يقدر على شئ). والضمان شئ فوجب أن لا يصح، لأنه تعالى إنما نفى حكم ذلك لا نفس القدرة عليه (2). والجواب: المراد بالشئ المال، لقوله في مقابلته: (ومن رزقناه منا رزقا حسنا) (3). مسألة: قال الطبرسي: لا يصح ضمان من لم يعقل من الصبي والمجنون والمغمى عليه، وكذلك لا يصح الضمان عنهم. والحكم الأول حق دون الثاني، لأن الضمان يصح عن الميت، فعن هؤلاء أولى. مسألة: يصح ضمان العبد بإذن مولاه إجماعا. قال في المبسوط: وقيل: إنه يتعلق بكسبه، وقيل: إنه يتعلق بذمته هذا إذا أطلق، وإن عينه في ذمته أو في كسبه أو في مال غيرهما من أمواله تعين فيه ووجب قضاؤه، هذا إذا كان غير مأذون له في التجارة، وكذا إن كان مأذونا له فيها غير أن الموضع الذي جعل الضمان في كسبه جعل هنا في المال الذي في يده، لأنه من كسبه (4). ولم يختر الشيخ قولا من القولين في الأول. وقال ابن الجنيد: فإن أذن السيد أدى المال، فإن كان معدما بيع العبد

(1) الخلاف: ج 3 ص 321 المسألة 15.
(2) الخلاف: ج 3 ص 321 ذيل المسألة 15.
(3) النحل: 75.
(4) المبسوط: ج 2 ص 335 - 336

[ 469 ]

وأدى ثمنه في كفالته عن المعسر، ولو كفل أحد من هؤلاء - يعني العبد والمكاتب وأم الولد - بإذن سيده لرجل ثم عتق من غير أن يجعل عتقه عوضا عما توجبه الكفالة ثم أعسر المكفول عنه لم يرجع على المعتوق، وكان على السيد ما يجب بحق الكفالة. وهذا البحث يبنى على البحث عن استدانة العبد بإذن مولاه، فإن قلنا: أنه لازم للمولى فكذا هنا، وإن قلنا: إنه لازم لذمة العبد فكذا هنا. وكان أبو علي ابن الجنيد نظر إلى ذلك، فإن الضمان نوع من الاستدانة في الحقيقة. والتحقيق: ما ذهبنا إليه هناك، وهو إن الضمان يتعلق بذمة العبد يتبع به بعد العتق كالإذن في الاستدانة، سواء أذن له في الضمان أو لا، وسواء كان مأذونا له في التجارة أو لا. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو كفل مكاتب بدين عليه وليس للمكفول عنه على المكاتب قدر ذلك الدين كانت الكفالة باطلة، فإن كان للمكفول عنه على المكاتب قدر ذلك الدين صحت الكفالة وصارت كالحوالة. والوجه صحة الكفالة في الموضعين، لكن في الأول يتبع به بعد العتق. مسألة: المشهور أن الضامن يرجع بأقل الأمرين من المال الذي ضمنه، ومن القدر الذي دفعه. وقال ابن الجنيد: لو ضمن زيد لعبدالله دينا على عمرو فصالح زيد عبد الله من جملة ضمانه عن عمرو على ما يجوز التبايع به بينهما، فإن كان ذلك قبل وجوب الحكم على زيد بالمال الذي ضمنه لم يكن له إلا قيمته أو قدر ما أعطاه عبد الله يرجع به على عمرو، وإن كان بعد وجوب الحكم عليه كان له الرجوع بأصل الحق على عمرو. لنا: إنه وضع للارفاق، والرجوع بأكثر مما دفع مناف له فلا يصح. احتج بأن الثابت في ذمة الضامن قدر المال، ودفع الأقل بعد الحكم عليه

[ 470 ]

بالأكثر ابتداء عطية من المضمون له للضامن فلا يسقط. والجواب: ما تقدم من منافاة الضمان لذلك، فالحكم يقتضي عدم الصحة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا ضمن رجل عن رجل ألف درهم وضمن المضمون عنه عن الضامن لم يجز، لأن المضمون عنه أصل للضامن وهو فرع المضمون عنه، فلا يجوز أن يصير الأصل فرعا والفرع أصلا، وأيضا فلا فائدة فيه (1). والوجه عندي صحة ذلك، لوجود المقتضي وانتفاء المانع. أما وجود المقتضي فلأن عقد الضمان صدر من أهله في محله. وأما انتفاء المانع فليس إلا الأصالة والفرعية، وذلك لا يصلح للمانعية، لتحقق المال في ذمة الضامن وبراءة ذمة المضمون عنه، فيكون كالأجنبي. قوله: (لا فائدة فيه) قلنا: ممنوع، لجواز أن يضمن الحال مؤجلا أو بالعكس. مسألة: إذا ضمن المؤجل حالا قال في المبسوط: الأقوى أنه لا يصح، لأنه لا يجوز أن يكون الفرع أقوى من الأصل (2). والوجه عندي الصحة، ولا نسلم تحقق القوة هنا، فإنه كما يجوز للمضمون عنه دفع المال مؤجلا كذا يجوز الضمان معجلا، فإن الضمان كالقضاء. إذا ثبت هذا فإذا ضمن حالا لم يكن له الرجوع على المضمون عنه إلا بعد الأجل وإن أخذ منه المال حالا. ثبت هذا فإذا ضمن حالا لم يكن له الرجوع على المضمون عنه إلا بعد الأجل وإن أخذ منه المال حالا. وقد استخرج ولدي العزيز محمد - جعلت فداه - وجها حسنا يقوي قول الشيخ

(1) المبسوط: ج 2 ص 340.
(2) المبسوط: ج 2 ص 341.

[ 471 ]

وهو: أن الحلول زيادة في الحق، ولهذا تختلف الأثمان به، وهذه الزيادة غير واجبة على المديون ولا ثابتة في ذمته، فيكون ضمان ما لم يجب، فلا يصح عندنا (1). إلى هنا ينتهي الجزء الخامس حسب تجزئتنا ويليه إن شاء الله (الجزء السادس) وأوله (الفصل السابع في الحوالة)

(1) إيضاح الفوائد: ج 2 ص 81 - 82. ثبت هذا فإذا ضمن حالا لم يكن له الرجوع على المضمون عنه إلا بعد الأجل وإن أخذ منه المال حالا. وقد استخرج ولدي العزيز محمد - جعلت فداه - وجها حسنا يقوي قول الشيخ

(1) المبسوط: ج 2 ص 340.
(2) المبسوط: ج 2 ص 341.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية