الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مختلف الشيعة - العلامة الحلي ج 4

مختلف الشيعة

العلامة الحلي ج 4


[ 1 ]

مختلف الشيعة تأليف أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (العلامة الحلي) 648 - 726 ه‍ الجزء الرابع تحقيق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة

[ 2 ]

مختلف الشيعة في أحكام الشريعة (ج 4) المؤلف: أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي " العلامة الحلي " الموضوع: فقه تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الاسلامي عدد الأجزاء: 12 الطبعة: الأولى الكمية: 1000 نسخة التاريخ: شهر ذي الحجة 1413 ه‍ مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 3 ]

كتاب الحج

[ 4 ]

.......

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الحج وفيه مقاصد: الأول في أنواعه وشرائطه وفيه فصلان: الأول في الشرائط مسألة: ذهب الشيخان (1) إلى أن الرجوع إلى كفاية شرط في وجوب الحج، ورواه أبو جعفر ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه (2)، وبه قال أبو الصلاح (3)، وابن البراج (4)، وابن حمزة (5). وقال السيد المرتضى في المسائل الناصرية: الاستطاعة هي الزاد والراحلة وصحة الجسم وارتفاع الموانع، قال: وزاد كثير من أصحابنا أن يكون له نفقة يحج ببعضها ويبقي بعضها لقوت عياله (6). ولم يجعل الرجوع إلى كفاية شرطا في

(1) المقنعة: ص 384، المبسوط: ج 1 ص 296.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 418 ح 2858، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب وجوب الحج ح 1 و 2 ج 8 ص 24.
(3) الكافي في الفقه: ص 192.
(4) شرح جمل العلم والعمل: ص 205.
(5) الوسيلة: ص 155.
(6) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 243 المسألة 136.

[ 6 ]

كتاب جمل العلم والعمل، وكذا ابن أبي عقيل، وابن الجنيد، وهو اختيار ابن إدريس (1). ونقل عن الشيخ الرجوع عما ذهب إليه في كتاب الاستبصار والخلاف، قال: فإنه روى في أول باب الاستطاعة ما اخترناه، وعادة الشيخ في هذا الكتاب أن يصدر الباب بما يعتقده وأخر حديث أبي الربيع الشامي (2). وهذا من الغرائب فإن الشيخ صدر الباب (3) بحديث أبي الربيع الشامي الذي هو عمدته على ما ذهب إليه في نهايته (4) وغيرها من كتبه (5). وأما نقله عن الشيخ أنه رجع عما أفتى به في الخلاف فغلط، فإن الشيخ قال في الخلاف، في ثاني مسألة من كتاب الحج: من شرط وجوب الحج الرجوع إلى كفاية زائدة على الزاد والراحلة ثم استدل عليه بإجماع الفرقة (6). ثم نقل ابن إدريس أن هذا المذهب لم يذهب إليه أحد من أصحابنا سوى الشيخ في النهاية والجمل (7)، وهذا يدل على عدم تطلعه لأقوال الفقهاء، مع أن الشيخ نقل الاجماع عليه، وهو أعرف منه. والسيد المرتضى نقل أن كثيرا من أصحابنا ذهبوا إليه. والأقرب عندي ما اختاره السيد المرتضى. لنا: عموم قوله تعالى: " من استطاع إليه سبيلا " وهذا مستطيع.

(1) السرائر: ج 1 ص 507 - 508.
(2) السرائر: ج 1 ص 410 و 411.
(3) الاستبصار: ج 2 ص 139 ح 453، تهذيب الأحكام: ج 5 ص 2 ح 1. (4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 457.
(5) الجمل والعقود: ص 127.
(6) الخلاف: ج 2 ص 245 المسألة 2.
(7) راجع السرائر: ج 2 ص 509 - 510.
(8) آل عمران: 97.

[ 7 ]

وما رواه محمد بن يحيى الخثعمي في الصحيح قال: سأل حفص الكناسي أبا عبد الله - عليه السلام - وأنا عنده عن قول الله عزوجل: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " ما يعني بذلك؟ قال: من كان صحيحا في بدنه مخلى سربه له زاد وراحلة فهو ممن يستطيع الحج، [ فقال له حفص الكناسي: فإذا كان صحيحا في بدنه مخلى سربه وله زاد وراحلة فلم يحج فهو ممن يستطيع الحج؟ (1) ] قال: نعم (2). وفي الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - في قول الله عز وجل: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا "، قال: أن يكون له ما يحج به، قال: قلت: من عرض له ما يحج به فاستحيا من ذلك أهو ممن يستطيع إليه سبيلا؟ قال: نعم ما شأنه يستحي ولو حج على حمار أبتر، فإن كان يطيق أن يمشي بعضا ويركب بعض فليحج (3). ومثله رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام (4). احتج الشيخ بأصالة البراءة وبالاجماع. وبما رواه أبو الربيع الشامي قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - عن قول الله عز وجل: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " فقال: ما يقول الناس؟ قال: قلت له: الزاد والراحلة، قال: فقال أبو عبد الله - عليه السلام -: قد سئل أبو جعفر - عليه السلام - عما عن هذا، فقال: هلك الناس إذن، لأن كان كل من كان له زاد له وراحلة قدر ما يقوت به عياله، ويستغني به عن الناس ينطلق إليه فيسلبهم إياه لقد هلكوا إذن، فقيل له: فما السبيل؟

(1) ما بين المعقوفتين غير موجودة في جميع النسخ واثبتناه من المصدر لاقتضاء السياق.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 3 ح 2، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب وجوب الحج ح 4 ج 8 ص 22.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 3 ح 3، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب وجوب الحج ح 5 ج 8 ص 27. (4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 3 ح 4، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب وجوب الحج ح 1 ج 8 ص 26.

[ 8 ]

قال: فقال: السعة في المال إذا كان يحج ببعض ويبقي بعض لقوت عياله، أليس قد فرض الله الزكاة فلم يجعلها إلا على من ملك مائتي درهم (1). والجواب عن الأول: المعارضة بالاحتياط. ولأن الأصل إنما يصار إليه إذا لم يقم دليل على مخالفته، وقد بينا الدليل على خلافه. وأما الاجماع فممنوع، فإن جماعة من أصحابنا خالفوا في ذلك. وأما الحديث فلم يعرف صحة سنده وإن كان مشهورا ومع ذلك فهو غير مخالف لما ذهبنا إليه، لأنا نوجب بقاء النفقة لعياله مدة ذهابه وعوده. والامام - عليه السلام - إنما أنكر إسقاط ذلك، وليس في الحديث دلالة على الرجوع إلى الكفاية. نعم قد روى شيخنا المفيد - رحمه الله - في المقنعة هذا الحديث بزيادة مرجحة لما ذهبنا إليه، وهو قد قيل لأبي جعفر - عليه السلام - ذلك، فقال: هلك الناس إذا كان من له زاد وراحلة لا يملك غيرهما، ومقدار ذلك مما يقوت به عياله، ويستغني به عن الناس فقد وجب عليه أن يحج، ثم يرجع فيسأل الناس بكفه لقد هلك إذن، فقيل له: فما السبيل عندك؟ قال: السعة في المال، وهو أن يكون معه ما يحج ببعضه ويبقي البعض يقوت به نفسه وعياله (2). فقوله - عليه السلام -: " ثم يرجع فيسأل الناس بكفه " فيه تنبيه على اشتراط الكفاية من المال أو صنعة، كما ذهب إليه الشيخان (3). ثم قوله: " ويبقي البعض يقوت به نفسه وعياله " يعني وقت رجوعه، وإلا

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ح 1 ص 2، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب وجوب الحج ح 1 و 2 ج 8 ص 24.
(2) المقنعة: ص 384 - 385.
(3) المقنعة: ص 384، المبسوط: ج 1 ص 296.

[ 9 ]

فكيف يقوت نفسه بذلك البعض مع أنه قد خرج إلى الحج. وبعد هذا كله فالرواية غير ناهضة بالمطلوب، فالأولى اعتماد ما ذهب إليه السيد المرتضى، للأحاديث وعموم القرآن. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من لم يملك الاستطاعة وكان له ولد له مال وجب عليه أن يأخذ من مال ولده قدر ما يحج به على الاقتصاد ويحج (1)، وبه قال ابن البراج (2). وقال في المبسوط (3) والخلاف (4): روى أصحابنا أنه إذا كان له ولد له مال وجب أن يأخذ من ماله ما يحج به ويجب عليه إعطاؤه، ومنع ابن إدريس (5) من ذلك، وكان والدي - رحمه الله (6) - يختار ما ذهب إليه ابن إدريس، وهو الحق. لنا: إن الاستطاعة شرط إجماعا، وهي مفسرة بملك الزاد والراحلة، وملك الولد ليس ملكا للوالد، فقد عدم شرط الوجوب فلم يثبت. ولأن الأصل براءة الذمة. احتج الشيخ بما رواه سعيد بن يسار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: الرجل يحج من مال ابنه وهو صغير؟ قال: نعم يحج منه حجة الاسلام، قلت: وينفق منه؟ قال: نعم، ثم قال: إن مال الولد للوالد، إن رجلا اختصم هو ووالده إلى النبي - صلى الله عليه وآله - فقضى أن الولد

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 458.
(2) المهذب: ج 1 ص 267.
(3) المبسوط: ج 1 ص 299.
(4) الخلاف: ج 2 ص 250 المسألة 8.
(5) السرائر: ج 1 ص 517.
(6) لم نعثر على كتابه.

[ 10 ]

والمال للوالد (1). والجواب: إن الرواية محمولة على من له مال غير مال ولده، فإنه يجوز له أن يقترض من مال ولده ويحج. أو على من وجب عليه الحج أولا واستقر في ذمته وفرط فيه ثم تمكن من الاقتراض من مال الولد فإنه يلزمه ذلك، وعلى كلا التقديرين يسقط الاحتجاج بالرواية. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا لم يكن له ولد وعرض عليه بعض اخوانه ما يحتاج إليه من مؤونة الطريق وجب عليه الحج أيضا، ومن ليس معه مال وحج به بعض اخوانه فقد أجزأه ذلك عن حجة الاسلام وإن أيسر بعد ذلك (2). وقال ابن إدريس: الذي عندي في ذلك أن من يعرض عليه بعض اخوانه ما يحتاج إليه من مؤونة الطريق فحسب لا يجب عليه الحج إذا كان له عائلة يجب عليه نفقتهم ولم يكن له ما يخلفه لهم، بل هذا يصح فيمن لا يجب عليه نفقة غيره بشرط أن يملكه ما يبذل له ويعرض عليه لا وعدا بالقول دون الفعل، وكذا أقول فيمن حج به بعض اخوانه بشرط أن يخلف لمن يجب عليه نفقته إن كان ممن يجب عليه نفقته (3). أما قوله: في اشتراط عدم العائلة، أو يكون له ما يخلفه لهم، أو يتبرع به المتبرع فصحيح لا حاجة إلى ذكره، لأنه معلوم مما سبق، مع أن الشيخ ذكر ذلك في المبسوط فإنه قال: إذا بذل له الاستطاعة قدر ما يكفيه ذاهبا وجائيا ويخلف لمن يجب عليه نفقته لزمه فرض الحج (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 15 ح 44، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب وجوب الحج ح 1 ج 8 ص 63.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 458 - 459.
(3) السرائر: ج 2 ص 517.
(4) المبسوط: ج 1 ص 298.

[ 11 ]

وأما اشتراط التمليك ففيه نظر، فإن فتاوى أصحابنا خالية عنه، وكذا الروايات، بل لو وهب المال لم يجب عليه القبول. مسألة: قال الشيخ في النهاية: فإن حصلت الاستطاعة ومنعه من الخروج مانع من سلطان أو عدو أو مرض ولم يتمكن من الخروج بنفسه كان عليه أن يخرج رجلا يحج عنه، فإذا زالت عنه بعد ذلك الموانع كان عليه إعادة الحج، لأن الذي أخرجه إنما كان يجب عليه في ماله، وهذا يلزمه على بدنه وماله، وإن لم يزل الموانع عنه وأدركه الموت كان ذلك مجزئا عنه، فإن لم يخرج أحدا عنه والحال هذه أو يكون متمكنا من الخروج فلا يخرج وأدركه الموت وجب أن يخرج عنه من صلب ماله، وما بقي بعد ذلك يكون ميراثا (1)، ونحوه قال في الخلاف (2) والمبسوط (3)، وبه قال أبو الصلاح (4)، وابن البراج (5). وقال ابن الجنيد (6): الاستطاعة للحج هي القوة في البدن والقدرة على النفقة، ومتى وجد الانسان أحدهما ومنع الآخر لزمه، فإن أداه بأحدهما ثم استجمعا له أعاد ليكون مؤديا بهما فريضة الحج عليه بهما. وقال ابن أبي عقيل (7): ومن كان كبيرا لا طاقة له بالركوب جهز عن نفسه من يحج عنه، ومنع ابن إدريس (8) من ذلك، وهو الأقرب. لنا: الأصل براءة الذمة.

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 457.
(2) الخلاف: ج 1 ص 253 المسألة 16.
(3) المبسوط: ج 1 ص 303.
(4) الكافي في الفقه: ص 218.
(5) المهذب: ج 1 ص 267.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) لم نعثر على كتابه. (8) السرائر: ج 1 ص 516.

[ 12 ]

ولأن الاستطاعة شرط وهي مفقودة هنا، فيسقط الوجوب قضية للشرط. ولما وراه محمد بن يحيى الخثعمي في الصحيح قال: سأل حفص الكناسي أبا عبد الله - عليه السلام - وأنا عنده عن قول الله عز وجل: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " ما يعني بذلك؟ قال: من كان صحيحا في بدنه مخلى سربه له زاد وراحلة فهو ممن يستطيع الحج (1)، دل بمفهومه على أن فاقد الصحة ليس بمستطيع. احتج الشيخ بما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إن عليا - عليه السلام - رأى شيخا لم يحج قط ولم يطق الحج من كبره، فأمره أن يجهز رجلا فيحج عنه (2). وعن علي بن حمزة قال: سألته عن رجل مسلم حال بينه وبين الحج مرض أو أمر يعذره الله فيه، قال: عليه أن يحج عنه من ماله صرورة لا مال له (3). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: كان علي - عليه السلام - يقول: إن رجلا أراد الحج فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم يستطع الخروج فليجهز رجلا من ماله، ثم ليبعثه مكانه (4). والجواب عن الرواية الأولى: أنها حكاية حال لا عموم لها، فلعل الشيخ الذي رآه - عليه السلام - وأمره بالتجهيز كان قد وجب عليه الحج.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 3 ح 2، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب وجوب الحج ح 4 ج 8 ص 22.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 14 ح 38، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب وجوب الحج ح 1 ج 8 ص 44.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 14 ح 39، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب وجوب الحج ح 7 ج 8 ص 45.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 14 ح 40، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب وجوب الحج ح 5 ج 8 ص 44.

[ 13 ]

سملنا، لكن لا نسلم أن أمره كان على الوجوب. وبالجملة فحكاية الحال قد عرفت أنها غير عامة. وعن الحديث الثاني: بمنع صحة سنده، فإن علي ابن أبي حمزة واقفي، ولعنه ابن الغضائري (1) قال: وكان أشد الخلق عداوة للولي من بعد أبي إبراهيم - عليه السلام - ونسبه علي بن فضال (2) إلى الكذب والتهمة، ولعنه أيضا. ومع هذه الأقاويل كيف يكون نقله حجة خصوصا ولم يسند قوله إلى إمام؟! وأيضا في الطريق إليه القاسم بن محمد، وهو اسم لجماعة منهم جماعة مطعون فيهم. وأيضا فيحتمل الوجهين الذين ذكرناهما في الحديث الأول. وعن الثالث بالوجهين المذكورين أولا. مسألة: قال في المبسوط: إذا لم يجد المأكول بحال أو وجده بثمن يضر به وهو أن يكون في الرخص بأكثر من ثمن مثله وفي الغلاء مثل ذلك لم يجب عليه، وكذا حكم المشروب (3). وهذا التفسير يشعر بأنه إذا زاد الثمن عن ثمن المثل في المأكول والمشروب لا يجب شراؤهما. والوجه وجوب ذلك مع القدرة. لنا: إنه مستطيع فوجب عليه الحج. احتج بأنه قد زاد الثمن عن المثل فلا يجب، لاشتماله على الضرر. والجواب: المنع من الضرر مع القدرة.

(1) لم نعثر على كتابه ونقله عنه في مجمع الرجال: ج 4 ص 157.
(2) رجال الكشي: ص 403 الرقم 755.
(3) المبسوط: ج 1 ص 300.

[ 14 ]

مسألة: لو مات المستطيع ولم يحج مع تمكنه منه وجب أن يخرج من تركته من يحج عنه من صلب المال من أقرب الأماكن إلى الميقات، سواء كان هناك سعة للحج من بلده أولا. وللشيخ قولان: هذا أحدهما، ذكره في المبسوط (1) والخلاف (2)، والثاني: يجب من بلد الميت مع السعة، اختاره في النهاية (3)، وهو قول ابن إدريس (4)، وابن البراج (5). والأقرب عندي التفصيل، وهو أن الحج إن كان منذورا من بلد معين وجب الاستئجار عنه من ذلك البلد، وإن كان مطلقا أو حجة الاسلام فمن أقرب الأماكن. لنا: الأصل براءة الذمة من الاستئجار من البلد. ولأن الواجب هو الحج، وقطع المسافة ليس مرادا للشارع بالذات، فإن المسافر لو اتفق قربه من الميقات فحصلت له الشرائط وجب أن يحج من ذلك الموضع. وكذا لو استطاع في غير بلده لم يجب عليه قصد بلده، وانشاء الحج منه بلا خلاف، فعلم إن قطع المسافة ليس واجبا، فلا يجب الاستئجار عنه. احتج ابن إدريس بأنه كان يجب عليه نفقة الطريق من بلده فلما مات سقط عنه الحج عن بدنه، وبقي في ماله بقدر ما كان يجب عليه لو كان حيا من نفقة الطريق من بلده، وبه تواترت أخبارنا وروايات أصحابنا (6).

(1) المبسوط: ج 1 ص 301. (2) الخلاف: ج 2 ص 255 المسألة 18.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 457.
(4) السرائر: ج 1 ص 516.
(5) المهذب: ج 1 ص 267.
(6) السرائر: ج 1 ص 516.

[ 15 ]

والجواب: المنع من وجوب نفقة الطريق، فإنه لو خرج متسكعا أو في ضيافة غيره لم يجب عليه بذل مال ولا نفقة، وتواتر الأخبار دعوى باطلة، فإنا لم نقف في ذلك على خبر واحد فكيف على متواتر. وقول الشيخ في النهاية ليس حجة وإن كان فيه احتمال. مسألة: المشهور أن للأم ولاية الاحرام بالصبي، اختاره الشيخ (1) - رحمه الله -. وقال ابن إدريس: يجوز أن يحرم عنه الولي، والولي الذي يصح إحرامه عنه الأب والجد وإن علا، فإن كان وصيا أو له عليه ولاية وليها فهو بمنزلة الأب (2)، وهو يشعر بمنع ولاية الأم. لنا: إنه طاعة وفعل مرغوب إليه شرعا، فساغ للأم فعله. وما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سمعته يقول مر رسول الله - صلى الله عليه وآله - برويثة وهو حاج فقامت إليه امرأة ومعها صبي لها فقالت: يا رسول الله أيحج عن مثل هذا؟ فقال: نعم ولك أجره (3). واحتج بانتفاء الولاية عنها في المال والنكاح فينتفي هنا. والجواب: المنع من الملازمة، والفرق ثبوت الطاعة هنا بخلاف المال والنكاح. ولأن ولاية المال والنكاح تفتقر إلى تمامية النظر والتطلع على المصالح، والمرأة بمعزل من ذلك. مسألة: من وجب عليه الحج وخرج لأدائه فمات في الطريق فإن لم

(1) المبسوط: ج 1 ص 329.
(2) السرائر: ج 1 ص 636.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 6 ح 16، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب وجوب الحج ح 1 ج 8 ص 37.

[ 16 ]

يكن قد سبق الوجوب عليه سقط الفرض بموته، وإن كان قد سبق واستقر في ذمته قبل ذلك ثم خرج في عام آخر لأدائه فمات في الطريق، قال الشيخ في النهاية (1) والمبسوط (2): إن مات بعد دخول الحرم أجزأه، وإن لم يكن قد دخل الحرم كان على وليه أن يقضي عنه حجة الاسلام من تركته. وقال ابن إدريس: لو مات بعد الاحرام أجزأت عنه، وإن كان قبله لم يجز (3). والمعتمد الأول. لنا: الأصل ثبوت الحج في ذمته وعدم سقوطه عنه، إلا بالاتيان به حرج عنه ما لو أحرم ودخل الحرم، فيبقى الباقي على الأصل. وما رواه بريد بن معاوية العجلي قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل خرج حاجا ومعه جمل ونفقة وزاد فمات في الطريق فقال: إن كان صرورة فمات في الحرم فقد اجزأت عنه حجة الاسلام، وإن كان مات قبل أن يحرم وهو صرورة جعل جمله وزاده ونفقته في حجة الاسلام، فإن فضل من ذلك شئ فهو لورثته، قلت: أرأيت إن كانت الحجة تطوعا فمات في الطريق قبل أن يحرم لمن يكون جمله ونفقته وما ترك؟ قال: للورثة، إلا أن يكون عليه دين فيقضى عنه دينه، أو يكون أوصى بوصية فينفذ ذلك لمن أوصى له ذلك من الثلث (4). وقال المفيد في المقنعة: قال الصادق - عليه السلام -: من خرج حاجا فمات في الطريق فإنه إن كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة، وإن

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 557.
(2) المبسوط: ج 1 ص 323.
(3) السرائر: ج 1 ص 628.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 407 ح 1416، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب وجوب الحج ح 2 ج 8 ص 47.

[ 17 ]

مات قبل دخوله الحرم لم يسقط عنه الحج فليقض عنه وليه (1). وهذا الشيخ ثقة تقبل مراسيله كما يقبل مسنده. احتج بأن القصد التلبس وقد حصل بالاحرام. والجواب: المنع، بل المطلوب (2) قصد البيت الحرام، وإنما يحصل بالدخول في الحرم. مسألة: ولو مات النائب بعد الاحرام ودخول الحرم أجزأ الحج عن المنوب وسقطت عن النائب الحجة، وإن مات قبل ذلك وجب على الورثة أداء ما تخلف من صلب ماله ولم يجزئ عن المنوب، كما قلنا في الأصل، وبه قال الشيخان (3)، وأبو الصلاح (4)، وابن الجنيد (5). وقال ابن إدريس: يكفي الاحرام (6)، كما قال في الأصل. لنا: ما تقدم. احتج ابن إدريس بما تقدم، وبما رواه إسحاق بن عمار في الصحيح قال: سألته عن الرجل فيوصي بحجته فيعطى رجل دراهم يحج بها عنه فيموت قبل أن يحج ثم أعطى الدراهم غيره، قال: إن مات في الطريق أو بمكة قبل أن يقضي مناسكه فإنه يجزئ عن الأول (7). وعن أبي أبي حمزة والحسين بن يحيى، عمن ذكره، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في رجل أعطى رجلا ما لا يحج به فمات، قال: إن كان في

(1) المقنعة: ص 445.
(2) ن: الظاهر من.
(3) المقنعة: ص 443، النهاية ونكتها: ج 1 ص 552.
(4) الكافي في الفقه: ص 220.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) السرائر: ج 1 ص 628.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 417 ح 1450، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب النيابة في الحج ح 2 ج 8 ص 130.

[ 18 ]

منزله قبل أن يخرج فلا يجزئ عنه، وإن مات في الطريق فقد أجزأ عنه (1). والجواب: أن في طريق الأول إسحاق بن عمار، وفيه قول. والثاني طريقه ضعيف، مع إنهما متروكا العمل لو حملناهما على ظاهرهما فلا بد من تخصيصهما، وليس تخصيصهما بالاحرام أولى بتخصيصهما بدخوله الحرم. مسألة: لو حج المسلم ثم ارتد بعد إكمال مناسكه لم يجب عليه الإعادة وصح حجه. وقال الشيخ في المبسوط: المرتد إذا حج حجة الاسلام في حال إسلامه ثم عاد إلى الاسلام لم يجب عليه الحج، وإن قلنا أن عليه الحج كان قويا، لأن إسلامه الأول لم يكن اسلاما عندنا، لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يكفر، وإذا لم يكن اسلاما لم يصح حجة، وإذا لم يصح فالحجة باقية في ذمته، فأما سائر العبادات التي تفوته في حال الارتداد من الصلاة والزكاة وغيرهما فإنه يجب عليه القضاء في جميع ذلك، وكذلك ما كان فاته في حال إسلامه ثم ارتد ثم رجع إلى الاسلام يلزمه قضاؤه، ومتى أحرم المرتد في حال ارتداده ثم أسلم استأنف الاحرام، فإن أحرم ثم ارتد ثم عاد إلى الاسلام جاز أن يبني عليه، لأنه لا دليل على فساده، إلا على ما استخرجناه في المسألة المتقدمة في قضاء الحج، فإن على ذلك التعليل لم ينعقد إحرامه الأول أيضا، غير أنه يلزم عليه إسقاط العبادات التي فاتته في حال الارتداد عنه لمثل (2) ذلك، لأنا إذا لم نحكم بإسلامه الأول فكأنه كان كافرا في الأصل، وكافر الأصل لا يلزمه قضاء ما فاته في الكفر. فإذا قلنا بذلك كان خلاف المعهود من المذهب، وفي المسألة نظر، ولا نص فيها (3)

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 461 ح 1604، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب النيابة في الحج ح 4 ج 8 ص 130.
(2) ق وم (2): بمثل.
(3) ق: لنا.

[ 19 ]

على المسألة عن الأئمة - عليهم السلام - (1). لنا: إنه فعل المأمور به على وجهه، فوجب أن يخرج عن العهدة. أما المقدمة الأولى: فلأنه فعل الحج حالة إسلامه، وأما المقدمة الثانية: فلأن الأمر لا يقتضي التكرار. وما احتج به الشيخ " من أن الاسلام لا يتعقبه الكفر " ضعيف لقوله تعالى: " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا. الآية " (2). لا يقال: لو كان مسلما لاستحق الثواب الدائم بما فاته، فإذا كفر استحق العقاب الدائم، وهما متضادان. لأنا نقول: الاستحقاق للثواب والعقاب الدائمين يتوقف على الموافاة، فلا يلزم اجتماع الضدين. مسألة: المخالف إذا حج ثم استبصر فإن كان قد أخل بشئ من أركان الحج وجب عليه الإعادة، وإن لم يكن قد أخل بشئ من واجباته لم تجب عليه الإعادة لكن يستحب، ذهب إليه الشيخ (3) - رحمه الله - وابن إدريس (4). وقال ابن الجنيد (5): وابن البراج: تجب عليه الإعادة وإن لم يخل بشئ. لنا: إنه فعل المأمور به فيخرج عن العهدة، والمقدمتان ظاهرتان. أما الأولى ففرضية، وأما الثانية فاجماعية.

(1) المبسوط: ج 1 ص 305.
(2) النساء: 137.
(3) المبسوط: ج 1 ص 303.
(4) السرائر: ج 1 ص 518 - 519.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) المهذب: ج 1 ص 268.

[ 20 ]

وما رواه بريد بن معاوية العجلي في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل حج وهو لا يعرف هذا الأمر ثم من الله عليه بمعرفته والدينونة به، عليه حجة الاسلام أو قد قضى فريضة؟ قال: قد قضى فريضته، ولو حج لكان أحب إلي. قال: وسألته عن رجل وهو في بعض هذه الاصناف من أهل القبلة ناصب متدين ثم من الله عليه فعرف هذا الأمر يقضي حجة الاسلام؟ فقال: يقضي أحب إلي، وقال: كل عمل عمله وهو في حال نصبه وضلالته ثم من الله عليه وعرفه الولاية فإنه يؤجر عليه، إلا الزكاة فإنه يعيدها، لأنه قد وضعها في غير مواضعها، لأنها لأهل الولاية، وأما الصلاة والحج والصيام فليس عليه قضاء (1). وفي الحسن عن عمر بن أذينة قال: كتبت إلى أبي عبد الله - عليه السلام - أسأله عن رجل حج ولا يدري ولا يعرف هذا الأمر ثم من الله عليه بمعرفته والدينونة به أعليه حجة الاسلام أو قد قضى فريضة الله؟ قال: قد قضى فريضة الله، والحج أحب إلي. وعن رجل هو في بعض هذه الاصناف من أهل القبلة ناصب متدين ثم من الله عليه فعرف هذا الأمر أيقضي عنه حجة الاسلام أو عليه أن يحج من قابل؟ قال: يحج أحب إلي (2). احتج المخالف بأن الايمان شرط العبادة ولم يحصل. وما رواه أبو بصير، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: وكذلك الناصب إذا عرف فعليه الحج وإن كان قد حج (3). وعن علي بن مهزيار قال: كتب إبراهيم بن محمد بن عمران الهمداني إلى

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 9 ح 23، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب وجوب الحج ح 1 ج 8 ص 42.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 10 ح 25، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب وجوب الحج ح 2 ج 8 ص 42.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 9 ح 22، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب وجوب الحج ح 5 ج 8 ص 43.

[ 21 ]

أبي جعفر - عليه السلام - إني حججت وأنا مخالف وكنت صرورة فدخلت متمتعا بالعمرة إلى الحج، فكتب إليه: أعد حجك (1). والجواب: المنع من كون الايمان شرطا في العبادة. وعن الرواية الأولى: بمنع صحة سندها، فإن في طريقها علي بن أبي حمزة وهو ضعيف، مع أنا نقول بموجبها. إما لأن الناصب كافر بخلاف المخالف، أو أن قوله - عليه السلام -: " عليه الحج " على سبيل الاستحباب جمعا بين الأخبار. وكذا الجواب عن الثاني، مع أن في طريقه سهل بن زياد وهو ضعيف. مسألة: قال الشيخ: من استقر عليه وجوب الحج فلم يفعل ومات وجب أن يحج عنه من صلب ماله، فإن لم يخلف شيئا كان وليه بالخيار في القضاء عنه (2). وقال ابن الجنيد (3): وإنما يجب أن يحج ويعتمر عمن كان مستطيعا للحج ببدنه وماله فقط، وببدنه إذا لم يكونوا ممنوعين من ذلك في وقت يصح لهم أن يأتوا بهما لو خرجوا من أوطانهم، لذلك في الوقت الذي يخرج فيه أهل بلدهم وهم بالغون حد التكليف مستطيعون للحج، وسواء كانوا في طريق الحج أو غير طريقه ما لم يبلغوا الحرم، فإن كان أول ما وجب عليه خرج ولم يبلغ الحرم وكان ذا مال دفع من ماله إلى من يحج عنه من حيث بلغ، وإن لم يكن ذا مال قضى عنه وليه. والكلام يقع معه في مقامين: الأول: إيجاب الاستئجار عن المتمكن إذا مات في أول ما وجب عليه بعد خروجه. والمعتمد عدمه.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 10 ح 24، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب وجوب الحج ح 6 ج 8 ص 43.
(2) الخلاف: ج 2 ص 253 المسألة 16.
(3) لم نعثر على كتابه.

[ 22 ]

لنا: إنه قد امتثل ما أمر به، فلم يجب القضاء عنه (1). والفرض سقط بالموت. الثاني: إنه يجب أن يقضي عنه وليه لو لم يخلف مالا، وهو أشد إشكالا من الأول، فإن الأصل براءة الذمة، ولأن الأصل لم يجب عليه الحج، فالأولى أن لا يجب على الولي. وعلى هذا لو استقر في ذمته كان الايجاب على الولي عنده أولى، ونحن نمنع ذلك أيضا، فإن الأصل براءة ذمة الولي، ولا يجب من تحمل الولي الصلاة والصوم تحمله للحج. احتج بما رواه ضريس في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - في رجل خرج حاجا حجة الاسلام فمات في الطريق، قال: إن مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجة الاسلام، وإن مات دون الحرم فليقض عنه وليه حجة الاسلام (2). والجواب: عن نقول بموجب الرواية في حق من وجب عليه الحج واستقر أولا، وإذا خلف شيئا يستأجر به النائب من يحج عنه، أما وجوب المباشرة على الولي، أو أن يستأجر عنه من مال نفسه فلا. مسألة: قال الشيخ في مسائل الخلاف: من قدر على الحج عن نفسه لا يجوز له أن يحج عن غيره، وإن كان عاجزا عن الحج عن نفسه لفقد الاستطاعة جار له أن يحج عن غيره، وبه قال الثوري. وقال مالك وأبو حنيفة: يجوز له أن يحج عن غيره على كل حال قدر عليه أو لم يقدر، وكذلك يجوز له أن يتطوع به وعليه فرض نفسه، وبه نقول. وقال الشافعي: كل من لم يحج حجة الاسلام لا يصح له أن يحج عن غيره، فإن حج عن غيره أو تطوع انعقد إحرامه عما يجب عليه،

(1) ن: فلم يجب عليه القضاء.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 440 ح 2915، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب وجوب الحج ح 1 ج 8 ص 47.

[ 23 ]

سواء كانت حجة الاسلام أو واجبا عليه بالنذر، وإن كان عليه حجة الاسلام ونذر حجة فأحرم بالنذر انعقد عن حجة الاسلام، وبه قال ابن عباس، والأوزاعي، وأحمد وإسحاق. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل جوازه، والمنع يحتاج إلى دليل، وكذلك إجازته مطلقا يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. وأما الدليل على أنه إذا نوى التطوع وقع عنه لا عن حجة الاسلام قوله - عليه السلام -: " الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى " وهذا نوى التطوع، فوجب أن يقع عما نوى عنه (1). وقال ابن إدريس: هذا الكلام غير واضح، لأن الحج يجب على الفور، فلا يجوز التطوع قبل الاتيان به (2). وهو المعتمد، مع أن الشيخ قال في المبسوط: من وجب عليه حجة الاسلام لا يجوز أن يحج عن غيره ولا أن يتطوع، فإن حج تطوعا وقعت عن حجة الاسلام (3)، وهو أشد إشكالا من الأول.

(1) الخلاف: ج 2 ص 255 المسألة 19.
(2) السرائر: ج 1 ص 519.
(3) المبسوط: ج 1 ص 302.

[ 24 ]

الفصل الثاني في أنواع الحج مسألة: القارن هو الذي يسوق إلى إحرامه الهدي، وليس قارنا باعتبار القران بين الحج والعمرة في إحرام واحد، فإنه لو فعل ذلك بطل، ذهب إلى ذلك أكثر علمائنا. وقال ابن أبي عقيل (1): القارن يلزمه إقران الحج مع العمرة، لا يحل من عمرته حتى يحل من حجة، ولا يجوز قران العمرة مع الحج إلا لمن ساق الهدي. لنا: إن أحد النسكين لا يدخل في الآخر. وما رواه حفص بن البخترى في الصحيح، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: لا يكون القارن إلا بسياق الهدي، وعليه طوافان بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة كما يفعل المفرد، وليس بأفضل من المفرد إلا بسياق الهدي (2). احتج بما روي أن عليا - عليه السلام - حيث أنكر على عثمان القران بين الحج والعمرة فقال: لبيك بحجة وعمرة معا (3).

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 42 ح 123، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب أقسام الحج ح 10 ج 8 ص 156.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 85 ح 282، وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب الاحرام ح 7 ج 9 ص 30.

[ 25 ]

وبما روى الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إنما نسك الذي يقرن بين الصفا والمروة مثل نسك المفرد ليس بأفضل منه إلا بسياق الهدي، وعليه طواف بالبيت، وصلاة ركعتين خلف المقام، وسعي بين الصفا والمروة واحد، وطواف البيت بعد الحج. وقال: أيما رجل قرن بين الحج والعمرة فلا يصح إلا أن يسوق الهدي، وقد أشعره وقلده، والاشعار أن يطعن في سنامها بحديدة حتى يدميها وإن لم يسق الهدي فليجعلها متعة (1). والجواب عن الأول: إنه من طرق الجمهور فلا يكون حجة علينا، وإنما ذكره ابن أبي عقيل حجة عليهم من طرقهم. وعن الثاني: قال الشيخ: إن قوله: " أيما رجل قرن بين الحج والعمرة " يريد به في تلبية الاحرام، لأنه يحتاج أن يقول: إن لم يكن حجة فعمرة ويكون الفرق بينه وبين التمتع أن المتمتع يقول هذا القول وينوي به العمرة قبل الحج ثم يحل بعد ذلك ويحرم بالحج فيكون متمتعا، والسائق يقول هذا القول وينوي الحج، فإن لم يتم له الحج فليجعله عمرة مبتولة (2). مسألة: قال الشيخ في النهاية: التمتع فرض من ليس من أهل مكة وحاضريها، وهو ممن يكون بمكة أو يكون بينه وبينها ثمانية وأربعون ميلا (3)، وكذا قال ابنا بابويه (4). وقال في المبسوط والاقتصاد (6) والجمل (7): القران والإفراد فرض من

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 42 ح 124، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب أقسام الحج ح 6 ج 8 ص 154.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 42 - 43 ذيل الحديث 124.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 461 - 462.
(4) المقنع: ص 67 ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(6) الاقتصاد: ص 298.
(5) المبسوط: ج 1 ص 306.
(7) الجمل والعقود: ص 129.

[ 26 ]

كان من حاضري المسجد الحرام، هو كل من كان بينه وبين المسجد الحرام من أربع جوانبه اثنا عشر ميلا، وهو قول أبي الصلاح (1)، وابن إدريس (2). والأقرب الأول. لنا: إن المراد في الظاهر من قوله تعالى: " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " (3) الحرم، وحاضر الحرم ليس هو الحرم عرفا، وحد الحرم أربعة فراسخ هي اثنا عشر ميلا. وما رواه زرارة في الصحيح، عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: قلت لأبي جعفر - عليه السلام -: قال الله تعالى في كتابه: " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام "، قال: يعني أهل مكة ليس عليهم متعة، كل من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلا ذات عرق وعسفان كما يدور حول مكة فهو ممن دخل في هذه الآية، وكل من كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة (4). وعن الحلبي، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: في حاضري المسجد الحرام، قال: ما دون المواقيت إلى مكة فهو حاضري المسجد الحرام، وليس لهم متعة (5). وفي الصحيح عن أبي بصير والحلبي وسليمان بن خالد، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: ليس لأهل مكة ولا لأهل مرو ولا لأهل سرف متعة، وذلك لقول الله عز وجل: " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " (6). والشيخ - رحمه الله - كأنه إلى نظر توزيع الثمانية والأربعين من أربع جوانب،

(1) الكافي في الفقه: ص 191 - 192 (2) السرائر: ج 1 ص 520.
(3) البقرة: 196.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 33 ح 98، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أقسام الحج ح 3 ج 8 ص 178.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 33 ح 99، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أقسام الحج ح 4 ج 8 ص 178. (6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 32 ح 96، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أقسام الحج ح 1 ج 8 ص 186.

[ 27 ]

وكان قسط كل جانب ما ذكره في المبسوط (1)، وليس بجيد. مسألة: أشهر الحج: شوال وذو العقدة وذو الحجة، قال الشيخ في النهاية (2). وبه قال ابن الجنيد (3)، ورواه الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه (4). وقال الشيخ في الجمل (5) والاقتصاد (6): شوال وذو القعدة وتسعة من ذي الحجة، وهو قول ابن البراج (7). وقال في المبسوط (8) والخلاف (9): شوال وذو القعدة وإلى يوم النحر قبل طلوع الفجر، فإذا طلع فقد مضى أشهر الحج، وبه قال ابن حمزة (10). وقال ابن أبي عقيل (11): شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وهو مذهب السيد المرتضى (12)، وسلار (13) وقال أبو الصلاح: شوال وذو القعدة وثمان من ذي الحجة (14)

(1) راجع المبسوط: ج 1 ص 306.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 464 و 559.
(3) لم نعثر على كتابه. (4) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 456 ح 2959، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أقسام الحج ح 8 ج 8 ص 197.
(5) الجمل والعقود: ص 131.
(6) الاقتصاد: ص 300.
(7) المهذب: ج 1 ص 213.
(8) المبسوط: ج 1 ص 308.
(9) الخلاف: ج 2 ص 258 المسألة 33.
(10) الوسيلة: ص 158.
(11) لم نعثر على كتابه.
(12) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 62.
(13) المراسم: ص 104.
(14) الكافي في الفقه: ص 201.

[ 28 ]

وقال ابن إدريس: شوال وذو القعدة وإلى طلوع الشمس من اليوم العاشر (1). لنا: قوله تعالى: " الحج أشهر معلومات " (2)، والأشهر صيغة جمع لا يطلق في الحقيقة إلا على الثلاثة فما زاد. وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: الحج أشهر معلومات: شوال وذو القعدة وذو الحجة (3). ورواه الشيخ في الحسن، وعن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: الحج أشهر معلومات: شوال وذو القعدة وذو الحجة (4). والتحقيق: إن هذا النزاع لفظي، فإنهم إن أرادوا بأشهر الحج ما يفوت الحج بفواته فليس كمال ذي الحجة من أشهره، لما يأتي من فوات الحج دونه على ما يأتي تحقيقه، وإن أرادوا بها ما يقع فيه افعال الحج فهي الثلاثة كملا، لأن باقي المناسك تقع في كمال ذي الحجة، فقد ظهر أن النزاع لفظي. مسألة: قال الشيخ - رحمه الله - في الخلاف: فرض المكي ومن كان من حاضري المسجد الحرام القران والإفراد، فإن تمتع يسقط عنه الفرض، ولم يلزمه دم (5). وقال في المبسوط: القران والإفراد فرض من كان من حاضري المسجد الحرام، فإن تمتع من أصحابنا من قال: إنه لا يجزئه، ومنهم من قال: يجزئه، وهو

(1) السرائر: ج 1 ص 524.
(2) البقرة: 197.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 46 ح 139، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أقسام الحج ح 3 ج 8 ص 196.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 51 ح 155، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أقسام الحج ح 5 ج 8 ص 197.
(5) الخلاف: ج 2 ص 272 المسألة 42.

[ 29 ]

الصحيح (1). وقال ابنا بابويه: لا يجوز لهم التمتع (2)، وكذا قال ابن إدريس (3). وقال ابن أبي عقيل (4): لا متعة لأهل مكة. لنا: قوله تعالى: " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " (5)، دل بمفهومه على أن من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام لم يكن لهم ذلك. وما رواه عبيد الله الحلبي وسليمان ابن خالد وأبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: ليس لأهل مكة ولا لأهل مرو ولا لأهل سرف متعة، وذلك لقول الله تعالى: " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " (6). وفي الصحيح عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى - عليه السلام - قال: قلت: لأهل مكة أن يتمتعوا بالعمرة إلى الحج؟ فقال: لا يصلح أن يتمتعوا، لقول الله عزوجل: " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " (7). احتج الشيخ بما رواه عبد الرحمان ابن الحجاج وعبد الرحمن بن أعين في الصحيح قالا: سألنا أبا الحسن موسى - عليه السلام - عن رجل من أهل مكة خرج إلى بعض الامصار ثم رجع فمر ببعض المواقيت التي وقت رسول الله - صلى الله عليه وآله - له أن يتمتع؟ فقال: ما أزعم أن ذلك ليس له، والاهلال بالحج أحب إلي (8). (1) المبسوط: ج 1 ص 306.
(2) المقنع: ص 67، ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(3) السرائر: ج 1 ص 520. (4) لم نعثر على كتابه.
(5) البقرة: 196.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 32 ح 96، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أقسام الحج ح 1 ج 8 ص 186.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 32 ح 97، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أقسام الحج ح 2 ج 8 ص 186.
(8) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 33 ح 100، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب أقسام الحج ح 1 ج 8 ص 189.

[ 30 ]

ولأنه قد أجمع علماؤنا على أن التمتع أفضل، وإنما يتحقق ذلك مع تسويغه وتسويغ غيره، وذلك إنما يكون في حق أهل مكة، روى زرارة في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: المتعة والله أفضل، وبها نزل القرآن وجرت السنة (1). وفي الصحيح عن أبي أيوب إبراهيم بن عيسى قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - أي أنواع الحج أفضل؟ فقال: المتعة، وكيف يكون شئ أفضل منها؟! ورسول الله - صلى الله عليه وآله - يقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت فعلت كما فعل الناس (2). ولأن المتمتع يأتي بالحج وبجميع أفعاله، وإنما يضيف إليه افعال العمرة مثل ذلك، ولا ينافي ذلك ما يأتي به من افعال الحج في المستقبل. والجواب عن الأول: أنه لا دلالة فيه، لاحتمال أن يكون له منزل غير مكة فله أن يتمتع، أو إنه من أهل مكة لكنه حج متطوعا، فإن الأفضل له التمتع. وعن الثاني: أنه لا يلزم من كون الفعل أفضل من غيره تسويغ ذلك الفعل لكل أحد، فإنه لا استبعاد في أن يكون التمتع فرض قوم والقران والإفراد فرض آخرين، ويكون التمتع في نفسه أفضل من القران والإفراد في نفسه. سلمنا، لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك في التطوع. وعن الثالث: يمنع أنه أتى بجميع أفعال المفرد والقارن، فإنه قد أخل بالاحرام للحج من ميقاته مع أنه المتعين عليه، وأوقع بدله الاحرام بالعمرة، وليس ذلك فرضه.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 29 ح 88، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب أقسام الحج ح 15 ج 8 ص 180. (2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 29 ح 89، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب أقسام الحج ح 16 ج 8 ص 280.

[ 31 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2): المكي إذا تمتع لم يكن عليه هدي، وفيه نظر. لنا: عموم قوله تعالى: " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج " (3). احتج الشيخ بقوله تعالى: " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " معناه: إن الهدي لا يلزم إلا لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، ويجب أن يكون قوله: " ذلك " راجعا إلى الهدي لا إلى التمتع، لأنه يجري مجرى قول القائل: من دخل داري فله درهم، ذلك لمن لم يكن غاصبا، في أن " ذلك " يرجع إلى الجزاء دون الشرط. ثم قال: ولو قلنا إنه راجع إليهما وقلنا إنه لا يصح منهم التمتع أصلا لكان قويا (4). والجواب: رجوع الضمير إلى الأبعد أولى، لما عرف من أن النحاة فصلوا بين الرجوع إلى القريب والبعيد، والأبعد في الإشارة، فقالوا: في الأول ذا، وفي الثاني ذاك، وفي الثالث ذلك، مع أن الأئمة - عليهم السلام - استدلوا على أن أهل مكة ليس لهم متعة، لقوله تعالى: " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " (5) والحجة في قولهم - عليهم السلام -. مسألة: المجاور بمكة فرضه التمتع، ومتى يخرج عن ذلك للشيخ قولان: أحدهما: إنه يخرج عن فرض التمتع ويصير فرضه فرض أهل مكة بإقامة سنتين، ذكره في كتابي الأخبار (6)، وهو الأقوى عندي.

(1) المبسوط: ج 1 ص 308.
(2) الخلاف: ج 2 ص 272 المسألة 42.
(3) البقرة: 196.
(4) الخلاف: ج 2 ص 272 ذيل المسألة 42.
(5) البقرة: 196.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 34 ذيل الحديث 100، الاستبصار: ج 2 ص 159 ذيل الحديث 518.

[ 32 ]

وقال في النهاية (1) والمبسوط (2): إن أقام سنة أو سنتين جاز له أن يتمتع، فإن جاوز ثلاث سنين لم يكن له ذلك، وبه قال ابن الجنيد (3)، وابن إدريس (4). لنا: الأصل أنه من أهل المسجد، إذ يطلق عرفا للمقيم به، إذ الحضور في المكان يطلق عرفا عليه. وما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة لا متعة له، فقلت لأبي جعفر - عليه السلام - أرأيت إن كان له أهل بالعراق وأهل بمكة، قال فلينظر أيهما الغالب عليه فهو من أهله (5). وفي الصحيح عن عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: المجاور بمكة يتمتع بالعمرة إلى الحج سنتين، فإذا جاوز سنتين كان قاطنا، وليس له أن يتمتع (6). وفي الصحيح عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - لأهل مكة أن يتمتعوا؟ فقال: لا، ليس لأهل مكة أن يتمتعوا، قال: قلت: فالقاطنين بها؟ قال: إذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع أهل مكة، فإذا أقاموا شهرا فإن لهم أن يتمتعوا (7).

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 464.
(2) المبسوط: ج 1 ص 308.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) السرائر: ج 1 ص 522.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 34 ح 101، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب أقسام الحج ح 1 ج 8 ص 191.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 34 ح 102، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب أقسام الحج ح 2 ج 8 ص 192.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 35 ح 103، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب أقسام الحج ح 3 ج 8 ص 192.

[ 33 ]

لا يقال: هذا الحديث يدل على خلاف مطلوبكم، لأنه - عليه السلام - نقل حكمهم إلى أهل مكة بإقامة سنة أو سنتين وأنتم أوجبتم السنتين. لأنا نقول: السؤال وقع عن القاطنين، وإنما يتحقق الاستيطان بإقامة سنة كاملة لتأتي عليه الفصول الأربعة، وحينئذ إذا أقام هؤلاء الذين أقاموا سنة سنة أخرى انتقل فرضهم، ولا منافاة بينه وبين ما قلناه نحن أولا. احتج الشيخ بأن الأصل عدم النقل صرنا إليه إذا أقام ثلاث سنين للاجماع، فيبقى الباقي على الأصل. والجواب: إن النقل والتقدير بالمدة ليس بمجرد التشهي، بل هو أمر شرعي وتقدير نقلي لا مدخل للعقل فيه، وقد بينا أن النقل إنما ورد بالسنتين. مسألة: قال الشيخ في النهاية (1) والمبسوط (2): من كان من أهل مكة وحاضريها ثم نأى عن منزله إلى مثل المدينة أو غيرها من البلاد ثم أراد الرجوع إلى مكة وأراد أن يحج متمتعا جاز له ذلك. وقال ابن أبي عقيل (3): لو أن رجلا من أهل مكة خرج إلى سفر من الاسفار ثم رجع إلى أهله بمكة في أشهر الحج فدخل بعمرة من الميقات وهو يريد الحج في عامه وأحل من عمرته ثم أهل بالحج يوم التروية لم يكن متمتعا، وليس عليه هدي ولا صيام، لأنه لا متعة لأهل مكة، وذلك أن الله عز وجل يقول: " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " (4). والشيخ - رحمه الله - عول على رواية عبد الرحمان بن الحجاج وعبد الرحمان بن أعين الصحيحة فالا: سألنا أبا الحسن موسى - عليه السلام - عن رجل من أهل

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 463.
(2) المبسوط: ج 1 ص 308.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) البقرة: 196.

[ 34 ]

مكة خرج إلى بعض الامصار ثم رجع فمر ببعض المواقيت التي وقت رسول الله - صلى الله عليه وآله - أن يتمتع، فقال: ما أزعم أن ذلك ليس له، والاهلال بالحج أحب إلي. ورأيت من سأل أبا جعفر - عليه السلام - وذلك أول ليلة من شهر رمضان، فقال له: جعلت فداك إني قد نويت أن أصوم بالمدينة، قال: تصوم إن شاء الله، قال له: وأرجو أن يكون خروجي في عشر من شوال، فقال: تخرج إن شاء الله، فقال له: إني قد نويت أن أحج عنك أو عن أبيك فكيف أصنع؟ فقال له: تمتع، فقال له: إن الله ربما من علي بزيارة رسول الله - صلى الله عليه وآله - وزيارتك والسلام عليك، وربما حججت عنك، وربما حججت عن أبيك، وربما حججت عن بعض اخواني أو عن نفسي فكيف أصنع؟ فقال له: تمتع، فرد عليه القول ثلاث مرات يقول له: إني مقيم بمكة وأهلي بها، فيقول: تمتع (1). ويمكن الجمع بين القولين: بأن يصرف قول ابن أبي عقيل إلى المقيم بمكة إذا عرض له سفر ولم يقطع نيته عن المقام بمكة، بل عاد للاستيطان بها. وقول الشيخ إلى من طلب المقام بغيرها، لكن هذا الجمع يحتاج إلى دليل. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: شروط التمتع ستة، ثم قال: السادس: النية، وهي شرط في التمتع، والأفضل أن يكون مقارنة للاحرام، فإن فاتت جاز تجديدها إلى وقت التحليل (2). وفيه نظر، فإن الأولى إبطال ما لم يقع بنية لفوات الشرط. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا قرن بين الحج والعمرة في إحرامه لم

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 33 ح 100، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب أقسام الحج ح 1 ج 8 ص 189.
(2) المبسوط: ج 1 ص 307.

[ 35 ]

ينعقد إحرامه إلا بالحج (1). والأقرب بطلان الاحرام. لنا: إنه عقده على وجه منهي عنه، والنهي يدل على الفساد في العبادات. مسألة: المشهور أن القارن إنما يكون قارنا لأنه ساق الهدي وقرن الاحرام بالسياق ويتعين ذلك ذلك من الميقات، فإن لم يسق من الميقات لم يكن قارنا، وذكره الشيخ المفيد - رحمه الله - في المقنعة (2)، وسلار (3). وقال في كتاب الأركان: فمتى لم يسق الهدي الميقات أو قبل دخول الحرم إن لم يقدر على ذلك من الميقات لم يكن قارنا (4). وهذا الكلام إنما يشعر بتجويز تأخير السياق عن الاحرام. والمعتمد الأول، لأنه أشهر بين الأصحاب. مسألة: قال الشيخ في النهاية (5) والمبسوط (6): القارن إذا دخل مكة وأراد الطواف تطوعا فعل، إلا أنه كلما طاف بالبيت لبى عند فراغه من الطواف ليعقد إحرامه بالتلبية، لأنه لو لم يفعل ذلك دخل في كونه محلا، وبطلت حجته وصارت عمره. وقال في موضع آخر من المبسوط: يستحب لهما تجديد التلبية عند كل طواف (7). وقال المفيد: وعلى القارن طوافان وسعي واحد وتجديد التلبية عند وقت كل طواف، وأما المفرد فليس عليه تجديد التلبية عند وقت كل طواف (8). وكذا

(1) الخلاف: ج 2 ص 264 المسألة 30.
(2) المقنعة: ص 390 - 391.
(3) المراسم: ص 103.
(4) لم نعثر على كتابه ونقله عنه ابن إدريس في السرائر: ج 1 ص 524.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 464.
(6) المبسوط: ج 1 ص 311.
(7) المبسوط: ج 1 ص 308.
(8) المقنعة: ص 391.

[ 36 ]

قال السيد المرتضى (1)، وسلار (2). وقال الشيخ في الجمل: يستحب للقارن والمفرد تجديد التلبية عند كل طواف (3). وقال ابن إدريس: ليس تجديد التلبية بواجب، ولا يبطل الحج، ولا ينقلب إلى العمرة باعتبار تركها (4). والأقرب أنه لا يحل إلا بنية التحليل. لنا: قوله - عليه السلام -: " الأعمال بالنيات " (5). ولأنه دخل في الحج دخولا مشروعا، فلا يخرج عنه إلا بدليل شرعي ولم يثبت. احتج الاخرون بما رواه معاوية بن عمار في الحسن، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: المفرد عليه طواف بالبيت وركعتان عند مقام إبراهيم - عليه السلام - وسعي بين الصفا والمروة وطواف الزيارة وهو طواف النساء، وليس عليه هدي ولا أضحية، قال: سألته عن المفرد للحج هل يطوف بالبيت بعد طواف الفريضة؟ قال: نعم ما شاء، ويجدد التلبية بعد الركعتين، والقارن بتلك المنزلة يقعدان ما أحلا من الطواف بالتلبية (6). قال الشيخ: وفقه هذا الحديث أنه قد رخص للقارن والمفرد أن يقدما

(1) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 64. (2) المراسم: ص 103.
(3) الجمل والعقود: ص 131.
(4) السرائر: ج 1 ص 524 - 525.
(5) صحيح البخاري: ج 1 ص 2، مسند أحمد بن حنبل: ج 1 ص 25، سنن ابن ماجة: ج 2 ص 1413 ح 4227.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 44 ح 131، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب أقسام الحج ح 13 ج 8 ص 156.

[ 37 ]

طواف الزيارة قبل الوقوف بالموقفين، فمتى فعلا ذلك فإن لم يجددا التلبية بصيرا محلين ولا يجوز ذلك، فلأجله أمر السائق والمفرد بتجديد التلبية عند الطواف، مع أن السائق لا يحل وإن كان قد طاف لسياقه الهدي (1). قال: وروى ذلك زرارة قال: سمعت أبا جعفر - عليه السلام - يقول: من طاف بالبيت وبالصفا والمروة أحل، أحب أو كره (2). وعن يونس بن يعقوب، عمن أخبره عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: ما طاف بين هذين الحجرين الصفا والمروة أحد إلا أحل، إلا سائق هدي (3). والجواب عن الأول: أنه ليس في الحديث دلالة على انتفاء نية التحلل (4)، فلعله طاف بنية التحليل. والحديث الثاني: في طريقه ابن فضال وابن بكير، وهما ضعيفان، وليس فيه دلالة على مطلوبه قاطعة. وعن الثالث: إنه مرسل ولا دلالة قاطعة أيضا فيه، لاحتمال إرادة التمتع، فإنه يحل بعد السعي. وروى الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: إني أريد الجواز فكيف اصنع؟ قال: إذا رأيت الهلال هلال ذي الحجة فاخرج إلى الجعرانة فاحرم منها بالحج، فقلت له: كيف أصنع إذا دخلت مكة أقيم إلى يوم التروية لا أطوف بالبيت؟ قال: تقيم عشرا لا تأتي

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 44 ذيل الحديث 131.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 44 ح 132، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب أقسام الحج ح 5 ج 8. ص 184. (3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 44 ح 133، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب أقسام الحج ح 6 ج 8 ص 184.
(4) في متن المطبوع ون: على انتفائه التحليل.

[ 38 ]

الكعبة، إن عشرا لكثير، إن البيت ليس بمهجور، ولكن إذا دخلت فطف بالبيت واسع بين الصفا والمروة، فقلت له: أليس كل من طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة فقد أحل؟ فقال: إنك تعقد بالتلبية، ثم قال: كلما طفت طوافا وصليت ركعتين فاعقد بالتلبية (1). مسألة: قال الشيخ: يجوز للقارن والمفرد تقديم طوافهما وسعيهما على المضي إلى عرفات لضرورة وغير ضرورة (2)، وهو المشهور بين الأصحاب. وقال ابن إدريس: لا يجوز ذلك (3). لنا: الأصل دال على جواز ذلك. ولأن قصد البيت والطواف به أهم نسك الحج، فجاز تقديمه. لا يقال: ينتقض بالمتمتع، فإنه لا يجوز له تقديم طوافه ولا سعيه في حجه على الوقوف. لأنا نقول: إن إحرامه بالحج إنما يقع عقيب قصد البيت والطواف به والسعي لعمرته، فلا فائدة حينئذ للتقديم هناك، فوجب أن لا يجوز بخلاف صورة النزاع. وما رواه زرارة في الموثق قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن المفرد للحج يدخل مكة أيقدم طوافه أو يؤخره؟ قال: سواء (4). وفي الصحيح عن حماد بن عثمان قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام -

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 45 ح 137، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب أقسام الحج ح 1 ج 8 ص 206.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 507.
(3) السرائر: ج 1 ص 575.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 45 ح 134، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب أقسام الحج ح 2 ج 8 ص 204.

[ 39 ]

عن مفرد الحج أيعجل طوافه أو يؤخره؟ قال: هو والله سواء عجله أو أخره (1). لا يقال: يحتمل أن يكون دخولهما مكة بعد عودهما من منى لا قبل الوقوف بعرفة، ويكون السؤال عن التعجيل قبل انقضاء أيام التشريق أو بعدها. لأنا نقول: قد روى أبو بصير، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إن كنت أحرمت بالمتعة فقدمت يوم التروية فلا متعة لك، فاجعلها حجة مفردة تطوف بالبيت وتسعى بين الصفا والمروة، ثم تخرج إلى منى ولا هدي عليك (2). وعن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن المفرد للحج إذا طاف بالبيت وبالصفا والمروة أيعجل طواف النساء؟ قال: لا، إنما طواف النساء بعد أن يأتي من منى (3). احتج ابن إدريس بأن الاجماع قد دل على وجوب ترتيب المناسك. والجواب: المنع من دلالة الاجماع، وكيف يدعي ذلك والخلاف ظاهر؟! والشيخ قد استدل بالاجماع على تسويغه.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 45 ح 135، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب أقسام الحج ح 1 ج 8 ص 204.
(2) لم نعثر عليها في المصادر المتوفرة لدينا من كتب الحديث، ونقلها المحقق في المعتبر: ج 2 ص 794.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 132 ح 435، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب أقسام الحج ح 4 ج 8 ص 205.

[ 40 ]

المقصد الثاني في افعال عمرة التمتع وفيه فصول: الأول في الاحرام وفيه مطالب: الأول في المواقيت مسألة: المشهور أن الاحرام من ذات عرق مختارا سابق لكن الأفضل المسلخ، وأدون منه غمرة، وكلام الشيخ علي بن بابويه (1) - رحمه الله - يشعر بأنه لا يجوز التأخير إلى ذات عرق، إلا لعليل أو لتقية. لنا: ما رواه أبو بصير قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: حد العقيق أوله المسلخ وآخره ذات عرق (2). مسألة: جوز الشيخ (3) - رحمه الله - الاحرام قبل الميقات للناذر، وهو

(1) لم نعثر على رسالته.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 56 ح 171، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب المواقيت ح 7 ج 8 ص 226.
(3) المبسوط: ج 1 ص 311.

[ 41 ]

مذهب (1) سلار (2)، وابن حمزة (3)، ومنع ابن إدريس (4) من ذلك، ونقل عن الشيخ أنه رجع عن ذلك في مسائل الخلاف وهو خطأ، فإن الشيخ قال في الخلاف: فإن أحرم قبل الميقات لم ينعقد، إلا أن يكون نذر ذلك (5). والسيد المرتضى (6)، وابن أبي عقيل (7) منعا من الاحرام قبل الميقات مطلقا، ولم يسثتنيا النذر، وكذا ابن الجنيد (8)، وابن بابويه (9). احتج المجوزون بالأصل، وبما رواه علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل جعل لله عليه شكرا أن يحرم من الكوفة، قال: فليحرم من الكوفة، وليف لله بما قال (10). وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سمعته يقول: لو أن عبدا أنعم الله عليه نعمة أو ابتلاه ببلية فعافاه من تلك البلية، فجعل على نفسه أن يحرم بخراسان، كان عليه أن يتم (11). والجواب: المنع من بقاء حكم الأصل بعد تواتر (12) النقل عن رسول الله

(1) ن: قول.
(2) المراسم: ص 108.
(3) الوسيلة: ص 159.
(4) السرائر: ج 1 ص 526 - 527.
(5) الخلاف: ج 2 ص 286 المسألة 62.
(6) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 65.
(7) لم نعثر على كتابه ونقله عنه الحلي في السرائر: ج 1 ص 527. (8) لم نعثر على كتابه.
(9) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 305 ذيل الحديث 2526.
(10) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 53 ح 163، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب المواقيت ح 2 ج 8 ص 237، وليس فيهما: وليف لله بما قال.
(11) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 54 ص 164، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب المواقيت ح 3 ج 8 ص 237.
(12) راجع تهذيب الأحكام: ج 5 ص 51 باب المواقيت، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب المواقيت ج 8 ص 221.

[ 42 ]

- صلى الله عليه وآله - أنه وقت المواقيت المعينة، وعن الحديثين بضعف سندهما، فإن علي بن أبي حمزة واقفي وسماعة أيضا. واحتج المانعون بأنها عبادة شرعية فيقف فعلها على أمر الشارع بها، وبما رواه ابن مسكان في الصحيح قال: حدثني ميسر قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل أحرم من العقيق وآخر من الكوفة أيهما أفضل؟ قال: يا ميسر تصلي العصر أربعا أفضل أو تصليها ستا؟ فقلت: أصليها أربعا أفضل، قال: فكذلك سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله - أفضل من غيره (1). والتشبيه يقتضي المساواة في الأحكام، فكما كانت الزيادة محرمة لا يصح نذرها في باب الصلاة فكذا في الميقات. وعن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: وليس لأحد أن يحرم قبل الوقت الذي وقت رسول الله - صلى الله عليه وآله -، وإنما مثل ذلك مثل من صلى في السفر أربعا وترك الثنتين (2). وكما كانت الزيادة مبطلة لا ينعقد نذرها فكذا صورة الحمل. ولأنه نذر عبادة غير مشروعة، فكان بدعة، فكان معصية، فلا ينعقد نذره، وهذا عندي أقرب. مسألة: قال الشيخ - رحمه الله -: لو عرض له عارض جاز له تأخير الاحرام عن الميقات، فإذا زال أحرم عند زواله من الموضع الذي انتهى إليه (3). وقال ابن إدريس: قوله: " جاز له أن يؤخره " مقصوده كيفية الاحرام الظاهرة، وهو التعري وكشف الرأس والارتداء والتوشح والاتزار، فأما النية

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 52 ح 156، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب المواقيت ح 6 ج 8 ص (2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 51 ذيل الحديث 155، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب المواقيت ح 3 ج 8 ص 234.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 466.

[ 43 ]

والتلبية مع القدرة عليهما، فلا يجوز له ذلك، لأنه لا مانع يمنع من ذلك ولا ضرورة فيه ولا تقية، وإن أراد غير ذلك فهذا يكون قد ترك الاحرام متعمدا فيبطل حجه (1). وهذه موآخذة لفظية، فإن الحرام ماهية مركبة من النية والتلبية ولبس الثوبين، ولا شك في عدم المركب بعدم أحد أجزائه. ونحن نسلم إيجاب ما يتمكن منه، لكن لا يكون قد أتى بماهية الاحرام، فإذا زال المانع وجب عليه الاتيان بباقي الأفعال. نعم يبقى في كلام الشيخ شئ، وهو أنه يمكن أن يقال: إذا زال المانع وجب عليه الرجوع إلى الميقات والاحرام منه، فإن تعذر أحرم من موضعه. لنا: إنه متمكن من الاحرام من الميقات، فلا يجوز من غيره. مسألة: قال ابن إدريس: ميقات أهل مصر ومن صعد من البحر جدة (2). وقال ابن الجنيد (3): ومن سلك البحر أو أخذ طريقا لا يمر فيه على هذه المواقيت كان إحرامه من مكة بقدر أقرب المواقيت إليها [ فيحرم ] (4) منه. وقال الشيخ في المبسوط: فإن قطع الطريق بين الميقاتين أو على طريق البحر نظر إلى ما يغلب في ظنه أنه يحاذي أقرب المواقيت إليه فيحرم منه (5). فإن كان الموضع الذي ذكره ابن إدريس يحاذي أحد المواقيت صح وإلا فلا، فإنه ليس في شئ من الأحاديث ذلك، والذي ورد في ميقات أهل مصر الجحفة، وأهل السند من ميقات أهل البصرة.

(1) السرائر: ج 1 ص 527.
(2) السرائر: ج 1 ص 529.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في جميع النسخ، أثبتناه وذلك لاقتضاء السياق.
(5) المبسوط: ج 1 ص 313.

[ 44 ]

روى علي بن جعفر في الصحيح، عن أخيه موسى - عليه السلام - قال: سألته عن إحرام أهل الكوفة وخراسان وما يليهم من أهل الشام ومصر من أين هو؟ فقال: أما أهل الكوفة وخراسان وما يليهم فمن العقيق، وأهل المدينة من ذي الحليفة والحجفة، وأهل الشام ومصر من الجحفة، وأهل اليمن من يلملم، وأهل السند من البصرة - يعني من ميقات أهل البصرة (1). مسألة: المشهور أنه لا يجوز لأهل المدينة العدول عن الاحرام من ميقاتهم إلى ميقات أهل العراق، قاله الشيخ (2) وابتاعه، لما رواه إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن موسى - عليه السلام - قال: سألته عن قوم قدموا المدينة فخافوا كثرة البرد وكثرة الأيام - يعني الاحرام من الشجرة - فأرادوا أن يأخذوا منها إلى ذات عرق يحرموا منها؟ فقال: لا - وهو مغضب - من دخل المدينة فليس له أن يحرم إلا من المدينة (3). والأقرب عندي أنه إن خرج من المدينة حتى وصل ميقاتها لم يجز له العدول منه بعد تجاوزه إلا محرما، وإن لم يصل ميقاتها جاز له العدول إلى أي ميقات شاء، وكذا غير المدينة. لنا: إنه قبل الوصول إلى الميقات مخير في السلوك إلى مكة بأي مكان شاء، ولم يتلبس بالوصول إلى موضع يجب عليه فيه العبادة المخصوصة، فلا حجر عليه في الاحرام من أي المواقيت شاء. وفي المبسوط: ومن خرج على طريق المدينة كره له أن يرجع إلى طريق العراق ليحرم من العقيق (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 55 ح 169، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب المواقيت ح 5 ج 8 ص 223.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 467.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 57 ح 179، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب المواقيت ح 1 ج 8 ص 230.
(4) المبسوط: ج 1 ص 312.

[ 45 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية (1) والمبسوط (2): ومن جاء إلى الميقات ولم يقدر على الاحرام لمرض أو غيره فليحرم عنه وليه ويجنبه ما يجتنب المحرم، وقد تم إحرامه. وقال ابن الجنيد (3): ومن كان عليه في وقت الاحرام أحرم به، ويمنع مما يمنع منه المحرم، وكذلك الطفل. قال ابن إدريس: قول الشيخ غير واضح، بل إن كان عقله ثابتا عليه فالواجب عليه أن ينوي هو ويلبي هو، فإن لم يقدر فلا شئ عليه وانعقد إحرامه بالنية وصار بمنزلة الأخرس ولا يجزئه نية غيره عنه، وإن كان زائل العقل فقد سقط عنه الحج مندوبا كان أو واجبا، فإن أريد بذلك أن وليه لا يقربه شيئا مما يحرم على المحرم استعماله فحسن، وإن أريد بأنه ينوي عنه ويحرم عنه فقد قلنا ما عندنا في ذلك (4). والوجه أن نقول: لا نزاع في أن العاقل يحرم بنفسه ويعقد الاحرام بقلبه ويلبي، إنما النزاع في المغمى عليه والمغلوب على عقله، فإنا نقول: يجوز للولي أن يحرم عنه، فإذا بلغ أحد الموقفين كاملا لزمه الحج وصح منه وأجزأه، وإن فاته الموقفان سقط عنه فرض الحج. لنا: إن الاحرام عبادة يصح فيها النيابة فأجزأ إحرام الولي عنه. وما رواه جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما - عليهما السلام - في مريض أغمي عليه فلم يعقل حتى أتى الموقف، فقال: يحرم عنه رجل (5).

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 467.
(2) المبسوط: ج 1 ص 313.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) السرائر: ج 1 ص 529.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 60 ح 191، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المواقيت ح 4 ج 8 ص 245.

[ 46 ]

مسألة: ميقات حج التمتع مكة، فلو أحرم من خارجها وجب عليه الرجوع إلى مكة واستئناف الاحرام منها، فإن تعذر قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2): أجزأه وصح حجه ولا دم عليه، سواء أحرم في الحل أو الحرم. والأقرب عندي استئناف الاحرام من موضعه الذي يتمكن من الاحرام فيه ولو بعرفة إن لم يتعمد ذلك، وفي سقوط الدم إشكال. لنا: إنه أحرم من غير وقته فكان باطلا. مسألة: لو ترك الاحرام ناسيا حتى أكمل مناسكه قال الشيخ: صح حجه (3). وقال ابن إدريس: يجب القضاء (4). احتج الشيخ بأنه ناس، فوجب أن يرتفع عنه القلم. وما رواه جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما - عليهما السلام - في رجل نسي أن يحرم أو جهل وقد شهد المناسك كلها وطاف بالبيت وسعى، قال: تجزئه نيته إذا كان قد نوى ذلك، فقد تم حجه وإن لم يهل (5). ولأن الانسان في معرض السهو والنسيان، وتكليف إعادة الحج مشقة عظيمة، فلو أوجبناه لزم التكليف بالحرج غالبا، وهو منفي بالأصل. احتج ابن إدريس بأنه لم يأت بالعبادة على وجهها، فيبقى في العهدة، والنسيان مسقط للاثم لا للفعل، والرواية مرسلة. والأقرب عندي الأول لما تقدم.

(1) المبسوط: ج 1 ص 309.
(2) الخلاف: ج 2 ص 265 المسألة 31. (3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 467.
(4) السرائر: ج 1 ص 529 - 530.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 61 ح 192، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المواقيت ح 1 ج 8 ص 245.

[ 47 ]

قال ابن إدريس: إنما تجب عليه الإعادة لقوله - عليه السلام -: " الأعمال بالنيات " وهذا عمل بلا نية، فلا يرجع عن الأدلة بأخبار الاحاد، ولم يقل بذلك أحد من أصحابنا سوى الشيخ أبي جعفر، والرجوع إلى الأدلة أولى من تقليد الرجال (1). وهذا دليله الذي أوجب الرجوع إليه دون تقليد الرجال غير ناهض، فإنه لا عمل هنا بغير نية، وهذا الدليل غير مناسب للدعوى فيه. المطلب الثاني في كيفية الاحرام مسألة: قال المفيد: إذا أراد الحج فليوفر شعر رأسه من في مستهل ذي القعدة، فإن حلقه في ذي القعدة كان عليه دم يهريقه (2). وقال في النهاية: عليه أن يوفر شعر رأسه (3)، وهو يعطي الوجوب، وكذا في الاستبصار (4). وقال في الجمل: إنه مستحب (5)، وهو قول ابن إدريس (6)، وهو الأقوى. لنا: الأصل براءة الذمة. وما رواه سماعة، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الحجامة وحلق القفا في أشهر الحج، فقال: لا بأس به، والسواك والنورة (7).

(1) السرائر: ج 1 ص 350.
(2) المقنعة: ص 391.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 463.
(4) الاستبصار: ج 2 ص 161 ذيل الحديث 524.
(5) الجمل والعقود: ص 133.
(6) السرائر: ج 1 ص 522.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 47 ح 145، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الاحرام ح 3 ج 9 ص 7.

[ 48 ]

احتج الشيخ بما رواه معاوية بن عمار في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: الحج أشهر معلومات: شوال وذو القعدة وذو الحجة، فمن أراد الحج وفر شعر رأسه إذا نظر إلى هلال ذي القعدة، ومن أراد العمرة وفر شعره شهرا (1). والجواب: نقول بموجب الحديث، فإن المستحب مأمور به كالواجب. مسألة: لو اغتسل للاحرام ثم نام قبله استحب له إعادته، قاله الشيخ (2) - رحمه الله -. قال ابن إدريس: لا يستحب (3). لنا: إنه بنومه خرج عن الطهارة الحقيقة، فعن الوهمية أولى. ولأنه أبلغ في التنظيف. وما رواه النضر بن سويد في الصحيح، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يغتسل للاحرام ثم ينام قبل أن يحرم، قال: عليه إعادة الغسل (4). وعن على ابن أبي حمزة قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن رجل اغتسل للاحرام ثم نام قبل أن يحرم، قال: عليه إعادة الغسل (5). احتج ابن إدريس بأنه قد ورد أنه من اغتسل نهارا كفاه غسله، وكذا من اغتسل ليلا (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 46 ح 139، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الاحرام ح 4 ج 9 ص 4.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 468.
(3) السرائر: ج 1 ص 350.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 65 ح 206، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الاحرام ح 1 ج 9 ص 14.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 65 ح 207، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الاحرام ح 2 ج 9 ص 14 - 15.
(6) السرائر: ج 1 ص 530.

[ 49 ]

والجواب: لا نزاع في ذلك، إنما النزاع في النوم إذا تعقب الغسل هل يبطله أم لا؟ نعم قد روى عيص في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يغتسل للاحرام بالمدينة ويلبس ثوبين ثم ينام قبل أن يحرم، قال: ليس عليه غسل (1). وأجاب عنه الشيخ بأنه نفي وجوب الغسل لا استحبابه (2)، وهو جيد. مسألة: قال الشيخ - رحمه الله - في النهاية: من أحرم من غير صلاة وغير غسل كان عليه إعادة الاحرام بصلاة وغسل (3). وفي المبسوط: كان إحرامه منعقدا، غير أنه يستحب له إعادة الاحرام بصلاة وغسل (4). قال ابن إدريس: إن أراد أنه نوى الاحرام وأحرم ولبى من دون صلاة وغسل فقد انعقد إحرامه، فأي إعادة تكون عليه وكيف يتقدر ذلك؟ وإن أراد أنه أحرم بالكيفية الظاهرة من دون النية والتلبية فيصح ذلك، ويكون لقوله وجه (5). وهذا ليس بجيد، وإنما قصد الشيخ - رحمه الله - أنه إذا عقد إحرامه بالتلبية والنية ولبس الثوبين التي هي أركان الاحرام وأجزاؤه من غير غسل ولا صلاة استحب له إعادة التلبية ولبس الثوبين والنية، عملا برواية الحسين بن سعيد الصحيحة، عن أخيه الحسن قال: كتبت إلى العبد الصالح أبي الحسن - عليه

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 65 ح 208، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الاحرام ح 3 ج 9 ص (2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 65 ذيل الحديث 208.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 469.
(4) المبسوط: ج 1 ص 315.
(5) السرائر: ج 1 ص 532.

[ 50 ]

السلام -: رجل أحرم بغير صلاة أو بغير غسل جاهلا أو عالما ما عليه في ذلك وكيف ينبغي له أن يصنع؟ فكتب: يعيده (1). ولا استبعاد في استحباب إعادة الفرض لأجل النفل، كما في الصلاة المكتوبة إذا دخل المصلي فيها بغير أدان ولا إقامة فإنه يستحب له إعادتها. مسألة: قال ابن أبي عقيل (2): غسل الاحرام فرض واجب، والمشهور الاستحباب. لنا: الأصل براءة الذمة، وقد سبق البحث في ذلك. مسألة: قال ابن أبي عقيل (3): ثم يحرم من دبر صلاة مكتوبة أو نافلة، فإن كان وقت صلاة مكتوبة صلى ركعتين ثم أحرم بعد التسليم، وهو يشعر بتقديم الفريضة على نافلة الاحرام، وايقاع الاحرام تبعا لها. والمفيد (4) - رحمه الله - قدم نافلة الاحرام، ثم أتبعها بالفريضة، ثم أتبعها بالاحرام. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا أحرم مبهما ولم ينو لا حجا ولا عمرة كان مخيرا بين الحج والعمرة أيهما شاء فعل إذا كان في أشهر الحج، وإن كان في غيرها لم ينعقد إحرامه إلا بالعمرة، وإن أحرم وقال: إحراما كإحرام فلان فإن علم بماذا أحرم فلان من حج أو عمرة قران أو إفراد أو تمتع عمل عليه، وإن لم يعلم ذلك بأن يهلك فلان فليتمتع احتياطا للحج والعمرة، وإنما قلنا: بجوازه، لاحرام أمير المؤمنين - عليه السلام - حين جاء من اليمن وقال: إهلالا كاهلال نبيك، وأجازه النبي - صلى الله عليه وآله - إن بان له أن فلانا ما أحرم

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 78 ح 260، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب الاحرام ح 1 ج 8 ص 28.
(2) لم نعثر على كتابه. (3) لم نعثر على كتابه.
(4) المقنعة: ص 396.

[ 51 ]

أصلا كان إحرامه موقوفا إن شاء حج وإن شاء اعتمر (1). وهذا الكلام كله عندي مشكل، لأن الواجب عليه تعيين أحد النسكين، وإنما يتميز أحدهما عن الآخر بالنية، ونمنع كون علي - عليه السلام - لم يعلم باهلال رسول الله - صلى الله عليه وآله - حين أهل. مسألة ظاهر كلام ابن الجنيد (2) يعطي وجوب الغسل وصلاة الاحرام، فإنه قال: ثم اغتسل ولبس ثوبي إحرامه ويصلي لاحرامه، لا يجزئه غير ذلك إلا الحائض، فإنها تحرم بغير صلاة. ثم قال بعد كلام طويل: وليس ينعقد الاحرام إلا من في الميقات بعد الغسل والتجرد والصلاة. والأشهر الاستحباب. لنا: الأصل براءة الذمة. احتج بما تقدم من إعادة الاحرام إذا لم يقع عقيبهما. والجواب: إنه محمول على الاستحباب. مسألة: قال الشيخ - رحمه الله -: الاحرام ينعقد بالتلبية للمتمتع والمفرد. وأما القارن فإنه ينعقد بها أو باشعار هدي السياق أو تقليده (3)، وإليه ذهب ابن الجنيد (4)، وسلار (5)، وأبو الصلاح (6)، وابن البراج، إلا أن ابن البراج قال قولا غريبا وهو: إن عقد الاحرام بالتلبية أو ما قام مقامها من الايماء لمن لا يستطيع الكلام، والتقليد والاشعار من القارن والمفرد (7). وقال السيد المرتضى: لا ينعقد إلا بالتلبية (8) دون الاشعار والتقليد، وبه قال ابن إدريس (9). والأصح الأول.

(1) المبسوط: ج 1 ص 316 - 317.
(6) الكافي في الفقه: ص 208.
(2) لم نعثر على كتابه.
(7) المهذب: ج 1 ص 214 - 215.
(3) الاقتصاد: ص 301.
(8) الانتصار: ص 102.
(4) لم نعثر على كتابه.
(9) السرائر: ج 1 ص 532.
(5) المراسم: ص 108.

[ 52 ]

لنا: أصالة براءة الذمة من وجوب التلبية بعد الاشعار أو التقليد. وما رواه معاوية في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - أنه قال: في القارن لا يكون قران إلا بسياق الهدي (2) وهو يدل بمفهومه (2) على تحقيق القران عند السياق، لأن الاستثناء من النفي إثبات. وفي الصحيح عن حريز، عن الصادق - عليه السلام - قال: ولا يشعرها أبدا حتى يتهيأ للاحرام، فإنه إذا اشعر وقلد وجب عليه الاحرام، وهو بمنزلة التلبية (3). وفي الصحيح عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله - عليه السلام -: قال: يوجب الاحرام ثلاثة أشياء: التلبية والاشعار والتقليد، فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد أحرم (4). وفي الصحيح عن عمر بن يزيد، عن الصادق - عليه السلام - قال: من اشعر بدنة فقد أحرم وإن لم يتكلم بقليل ولا كثير (5). احتج السيد المرتضى بالاجماع، وبأنه إذا لبى دخل في الاحرام وانعقد بالاجماع، بخلاف ما إذا لم يلب، وبأن فرض الحج مجمل، والنبي - عليه السلام - إذا فعل بيانه كان واجبا. وقد روى الناس كلهم أنه - عليه السلام -

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 41 ح 122، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب أقسام الحج ح 1 و 2 ج 8 ص 149.
(2) في متن المطبوع وم (2): بمنطوقه.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 43 ح 128، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب أقسام الحج ح 19 ج 8 ص 202.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 43 ح 129، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب أقسام الحج ح 20 ج 8 ص 202.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 44 ح 130، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب أقسام الحج ح 21 ج 8 ص 202.

[ 53 ]

لبى حين أحرم فيجب التلبية. وبقوله - عليه السلام -: خذوا عني مناسككم. وبأنه - عليه السلام - قال: أتاني جبرئيل فقال: مر أصحابك بأن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعائر الحج. وبما رواه الجمهور بأنه - عليه السلام - قال لعائشة: انفضي رأسك وامتشطي واغتسلي ودعي العمرة وأهلي بالحج، والاهلال التلبية. والأمر للوجوب، فإن خالفوا في أن المراد بالاهلال التلبية وادعوا أن المراد بها الاحرام كان ذلك واضح البطلان، لأن اللغة تشهد بما ذكرناه، وكل أهل العربية قالوا: استهل الصبي إذا رفع صوته عند الولادة صارخا. قالوا: ومثله استهلال الحج الذي هو رفع الصوت بالتلبية، وكذلك استهلال السماء بالمطر إنما هو صوت وقعه على الأرض (1). والجواب: أن الاجماع على وجوب التلبية على المتمتع والمفرد أما القارن فلا، وباقي أدلته ضعيفة لا ترد علينا وإن وردت على الجمهور. والظاهر أن السيد المرتضى ذكر هذه الأدلة مبطلة لاعتقاد مالك والشافعي وأحمد من استحباب التلبية مطلقا، فتوهم ابن إدريس أن ذلك في حق القارن أيضا، والحاق ابن البراج المفرد بالقارن في ذلك غلط. مسألة: قال الشيخ في النهاية (2) والمبسوط (3): التلبيات الأربع فريضة وهي: لبيك اللهم لبيك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك، وبه قال أبو الصلاح (4)، وابن البراج (5)، وابن حمزة (6)، وابن إدريس (7). وقال في الاقتصاد: ثم يلبي فرضا واجبا فتقول: لبيك اللهم لبيك،

(1) الانتصار: ص 102.
(5) المهذب: ج 1 ص 215.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 471.
(6) الوسيلة: ص 161 - 162.
(3) المبسوط: ج 1 ص 316.
(7) السرائر: ج 1 ص 536.
(4) الكافي في الفقه: ص 193.

[ 54 ]

لبيك إن الحمد والنعمة والملك لك، لا شريك لك لبيك، بحجة وعمرة، أو حجة مفردة تمامها عليك لبيك (1). وقال المفيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك (2). وكذا قال علي بن بابويه في رسالته (3)، وابنه أبو جعفر في مقنعه (4) وهدايته (5)، وهو قول ابن أبي عقيل (6)، وابن الجنيد (7)، وسلار (8). وقال السيد المرتضى: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك (9). والأقرب عندي ما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - إلى أن قال: والتلبية أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك - إلى أن قال -: فإن تركت بعض هذه التلبية فلا يضرك، غير أن تمامها أفضل. واعلم أنه لا بد من التلبية الأربعة الأربعة التي كن أول الكلام، وهي الفريضة، وهي التوحيد، وبها أتى المرسلون. الحديث (10)، وهو أصح حديث رأيناه في هذا الباب. مسألة: قال ابنا بابويه: ثم يلبي سرا بالتلبية الأربعة المفروضة (11)، والمشهور أن الجهر بها مستحب للرجال.

(1) الاقتصاد: ص 301.
(5) الهداية (الجوامع الفقهية): ص 55.
(2) المقنعة: ص 397.
(6) لم نعثر على كتابه.
(3) لم نعثر على رسالته.
(7) لم نعثر على كتابه.
(4) المقنع: ص 69.
(8) المراسم: ص 108 - 109.
(9) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 67. (10) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 91 ح 300، وسائل الشيعة: ب 40 من أبواب الاحرام ح 2 ج 9 ص 53.
(11) الهداية (الجوامع الفقهية): ص 57 ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.

[ 55 ]

وقال الشيخ في التهذيب: الاجهار بالتلبية واجب مع القدرة والامكان (1). وفي الخلاف: التلبية فريضة، ورفع الصوت بها سنة، ولم أجد من ذكر كونها فرضا، ثم استدل على وجوبها بالاجماع من الفرقة، والأخبار، والاحتياط، وبما رواه خلاد بن السائب، عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: أتاني جبرئيل فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالاهلال، وظاهر الأمر الوجوب. قال: ولو خلينا وظاهره لقلنا: إن رفع الصوت أيضا واجب، لكن تركناه بدليل (2). وقال ابن إدريس: والجهر بها على الرجال مندوب على الأظهر من أقوال أصحابنا، وقال بعضهم: الجهر بها واجب (3). والأقرب الاستحباب. لنا: الأصل عدم الوجوب، ويدل على الأرجحية ما رواه حريز بن عبد الله في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - وجماعة من أصحابنا ممن روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله - عليهما السلام - أنهما قالا: لما أحرم رسول الله - صلى الله عليه وآله - أتاه جبرئيل - عليه السلام - فقال له: مر أصحابك بالعج والثج، فالعج: رفع الصوت، والثج: نحر البدن، قالا: فقال جابر بن عبد الله: فما مشى الروحا حتى بحت أصواتنا (4). إذا عرفت هذا فإن الجهر بالتلبية إنما يكون لمن حج على طريق المدينة وكان راكبا إذا علت راحلته البيداء، فإن كان ماشيا فحيث يحرم، لما رواه منصور بن حازم في الصحيح عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إذا صليت

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 92 ذيل الحديث 300.
(2) الخلاف: ج 2 ص 291 المسألة 69.
(3) السرائر: ج 1 ص 536.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 92 ح 302، وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب الاحرام ح 1 ج 9 ص 50.

[ 56 ]

عند الشجرة فلا تلب حتى تأتي البيداء حيث يقول الناس يخسف بالجيش (1). وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله - لم يكن يلبي حتى يأتي البيداء (2). وفي الصحيح عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إن كنت ماشيا فاجهر بإحرامك وتلبيتك من المسجد، وإن كنت راكبا فإذا علت بك راحلتك البيداء (3). احتج الموجبون بأن الأمر ورد بالجهر، والأمر للوجوب. والجواب: المنع من الكبرى. مسألة: المشهور إن الأخرس يلبي بتحريك لسانه واشارته بالأصبع، وبه قال ابن الجنيد (4) فإنه قال: والأخرس يجزئه تحريك لسانه مع عقده إياها بقلبه، ثم قال: ويلبي عن الصبي والأخرس وعن المغمى عليه، وهذا الكلام يشعر بعدم وجوب التلبية عليه، وأنه يجزئه النيابة. والأقرب الأول. لنا: إنه متمكن من الاتيان بها على الهيئة الواجبة عليه مباشرة، فلا يجوز له الاستنابة فيها. وما رواه السكوني عن أبي جعفر - عليه السلام - أن عليا - عليه السلام - قال: تلبية الأخرس وتشهده وقراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه واشارته باصبعه (5). مسألة: المعتمر عمرة مفردة يستحب له تكرار التلبية إلى أن يدخل الحرم إن

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 84 ح 278، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب الاحرام ح 4 ج 9 ص 44.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 84 ح 279، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب الاحرام ح 5 ج 9 ص 44.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 85 ح 281، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب الاحرام ح 1 ج 9 ص 44.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 93 ح 305، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب الاحرام ح 1 ج 9 ص 52.

[ 57 ]

كان ممن أحرم من خارج، وإن كان ممن خرج من مكة للاحرام فإذا شاهد الكعبة، ذكر ذلك الشيخ - رحمه الله -، وهو قول ابن الجنيد (2)، وابن أبي عقيل (3). وقال الصدوق: إنه مخير (4). وقال أبو الصلاح: إذا عاين البيت (4). لنا: ما رواه محمد بن عذافر في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: من دخل مكة مفردا للعمرة فليقطع التلبية حين تضع الإبل إخفافها في الحرم (6). وعن يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يعتمر عمرة مفردة من أين يقطع التلبية؟ قال: إذا رأيت بيوت ذي طوى فاقطع التلبية (7). وعن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: من أراد أن يخرج من مكة ليعتمر أحرم من الجعرانة والحديبية وما أشبههما، ومن خرج من مكة يريد العمرة ثم دخل معتمرا لم يقطع التلبية حتى ينظر إلى الكعبة (8). وروى الفضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - قلت:

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 472.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) لم نعثر على كتابه. (4) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 456 ذيل الحديث 2958.
(5) الكافي في الفقه: ص 193.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 95 ح 313، وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب الاحرام ح 2 ج 9 ص 60.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 95 ح 314، وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب الاحرام ح 3 ج 9 ص 61.
(8) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 95 ح 315، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب المواقيت ح 1 ج 8 ص 247 وب 45 من أبواب الاحرام ح 8 ج 9 ص 61.

[ 58 ]

دخلت بعمرة فأين اقطع التلبية؟ قال: حيال عقبة المدنيين، فقلت: أين عقبة المدنيين؟ قال: بحيال القصارين (1). قال الشيخ: الوجه في الجمع بين هذه الأخبار أن تحمل الرواية الأخيرة على من جاء من طريق المدينة خاصة، فإنه يقطع التلبية عند عقبة المدنيين. والرواية التي قال فيها: " أنه يقطع عند ذي طوى " على من جاء من طريق العراق. والرواية التي تضمنت عند النظر إلى الكعبة على من يكون قد خرج من مكة للعمرة، وعلى هذا الوجه لا تنافي بينها ولا تضاد (2). وكان أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه - رحمه الله - حين روى هذه الروايات حملها على التخيير (3)، حيث ظن أنها متنافية، وعلى ما فسرناه ليست متنافية، ولو كانت متنافية لكان الوجه الذي ذكره صحيحا. مسألة: لا خلاف عندنا في وجوب التلبيات الأربع، ولكن الخلاف في أنها ركن أم لا؟ فللشيخ قولان: أحدهما: إنها ليست ركنا، ذهب إليه في المبسوط (4) والجمل (5). وقال في النهاية: من ترك التلبية متعمدا فلا حج له (6)، فجعلها ركنا. وبالأول قال السيد المرتضى (7)، وابن حمزة (8)، وابن البراج (9).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 96 ح 316، وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب الاحرام ح 11 ج 9 ص 62.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 96 ذيل الحديث 316.
(3) راجع من لا يحضره الفقيه: باب مواقيت العمرة من مكة وقطع تلبية المعتمر ج 2 ص 454 - 456 وذيل الحديث 2958. (4) المبسوط: ج 1 ص 307.
(5) الجمل والعقود: ص 130.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 544.
(7) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 63.
(8) الوسيلة: ص 158.
(9) المهذب: ج 1 ص 215.

[ 59 ]

وبالثاني قال سلار (1)، وابن إدريس (2)، وأبو الصلاح (3). والأقرب الأول. لنا: إنه مع الاخلال بالتلبية لم يأت بالمأمور به على وجهه، فيبقى في عهدة التكليف. ولأنه ذكر واجب في عبادة افتتحت به، فكان ركنا كالتكبير للصلاة. ولما رواه معاوية بن عمار في الصحيح عن الصادق - عليه السلام - فإذا فعل شيئا من الثلاثة يعني - التلبيات والاشعار والتقليد فقد أحرم (4). تعليق الحكم على الوصف يقتضي عدمه عند عدمه، والاخلال بالاحرام عمدا مبطل إجماعا. احتج الاخرون بأن الأصل صحة الحج. والجواب: المنع، لأنه لم يأت بالمأمور به على وجهه. مسألة: قال ابن إدريس: يستحب للمتمتع (5) تكرار التلبية إلى أن يشاهد بيوت مكة، فإذا شاهدها قطع التلبية التي كان مندوبا إلى تكرارها، فإذا كان حاجا قادما على طريق المدينة قطع التلبية إذا بلغ عقبة المدنيين، وإن كان على طريق العراق قطع التلبية إذا بلغ عقبة ذي طوى، هذا إذا كان متمتعا، فإذا كان قارنا أو مفردا فلا يقطع التلبية، إلا عند الزوال يوم عرفة. قال: وقال شيخنا المفيد في مقنعته: فإذا عاين بيوت مكة قطع التلبية، وحد بيوت مكة

(1) المراسم: ص 105.
(2) السرائر: ج 1 ص 538.
(3) الكافي في الفقه: ص 193.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 43 ح 129، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب أقسام الحج ح 20 ج 8 ص 202.
(5) ق: للحاج.

[ 60 ]

عقبة المدنيين، وإن كان قاصدا إليها من طريق المدينة فإنه يقطع التلبية إذا بلغ عقبة ذي طوى. قال: والأول أظهر، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في مصباحه، وسلار في رسالته. قال: وهو الصحيح (1). وقال السيد المرتضى: إن كان قصده إلى مكة على طريق المدينة قطع التلبية إذا عاين بيوت مكة عند عقبة المدنيين، وإن كان قصده إليها على طريق العراق قطع التلبية إذا بلغ عقبة ذي طوى (2). وقال ابن أبي عقيل (3): والمتمتع بالعمرة إلى الحج إذا نظر إلى بيوت مكة قطع التلبية، وحد بيوت مكة عقبة المدنيين والأبطح. وقال شيخنا علي ابن بابويه وابنه في المقنع: وحد بيوت مكة عقبة المدنيين أو بحذائها، ومن أخذ على طريق المدينة قطع التلبية إذا نظر إلى عريش مكة، وهو عقبة ذي طوى (4)، وهو يوافق قول المفيد (5). والشيخ - رحمه الله - حيث جمع بين الأخبار، جعل حديث الفضيل بن يسار، عن الصادق - عليه السلام - قلت: دخلت بعمرة فأين اقطع التلبية؟ قال: حيال العقبة عقبة المدنيين، فقلت: أين عقبة المدنيين؟ قال: بحيال القصارين (6)، مختصا بمن جاء على طريق المدينة. والرواية التي تضمنت القطع عند ذي طوى لمن جاء من طريق العراق (7). ولم نقف لاحدهم على دليل.

(1) السرائر: ج 1 ص 520.
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 67.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) المقنع: ص 81 ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(5) المقنعة: ص 398 - 399.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 96 ح 316، وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب الاحرام ح 11 ج 9 ص 62.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 96 ذيل الحديث 316.

[ 61 ]

مسألة: منع الشيخ (1) - رحمه الله - من إحرام المرأة في الحرير المحض، وكذا ابن الجنيد (2)، وجوزه المفيد في كتاب أحكام النساء (3)، واختاره ابن إدريس (4)، وهو الأقوى. لنا: الأصل الإباحة. ولأنه يسوغ لهن الصلاة فيه، فيسوغ لهن فيه الاحرام، لما رواه حريز في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: كل ثوب يصلى فيه فلا بأس أن يحرم فيه (5). وفي الصحيح عن يعقوب بن شعيب قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: المرأة تلبس القميص تزره عليها وتلبس الحرير والخز والديباج، قال: نعم لا بأس به، وتلبس الخلخالين والمسك (6). احتج الشيخ بالاحتياط، وبما رواه عيص في الصحيح قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير والقفازين (7). والجواب: الاحتياط معارض بالبراءة، ورواية عيص محمولة على الكراهة جمعا بين الأخبار. مسألة: منع الشيخ في النهاية (8) والمبسوط (9) من جواز لبس المرأة المخيط،

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 75 ذيل الحديث 246.
(2) لم نعثر على كتابه. (3) لم نعثر على كتابه ونقله عنه في السرائر: ج 1 ص 531.
(4) السرائر: ج 1 ص 531.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 66 ح 212، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب الاحرام ح 1 ج 9 ص 36.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 74 ح 246، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب الاحرام ح 1 ج 9 ص 41.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 73 ح 243، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب الاحرام ح 9 ج 9 ص 43.
(8) النهاية ونكتها: ج 1 ص 475.
(9) كذا في جميع النسخ، والظاهر أن كلمة " والمبسوط " زائدة، لأن الشيخ قال في المبسوط - ج 1 ص 331 -: ويجوز لها لبس المخيط.

[ 62 ]

وجوزه ابن إدريس (1) وأكثر الأصحاب، وهو الحق. لنا: إنهن عورة، وإنما يحصل الستر لهن بلبس المخيط، وعمل المسلمين كافة اليوم على ذلك. وما تقدم من حديث يعقوب بن شعيب الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: المرأة تلبس القميص. وفي الصحيح عن عيص، عن الصادق - عليه السلام - قال: المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب. احتج الشيخ بعموم المنع من لبس المخيط. والجواب: إنه في حق الرجال خاصة، وكلام ابن أبي عقيل (2) يشعر بما قاله الشيخ، فإنه قال: والمرأة في الاحرام كالرجل، إلا أنها تخفض صوتها بالتلبية، ولها أن تلبس القناع والدرع والخمار والسراويل والخفين. مسألة: قال بعض أصحابنا: يقول المتمتع: لبيك بحجة وعمرة تمامها عليك (3)، وهو قول ابن البراج فإنه قال - لما ذكر التلبيات في أثنائها -: لبيك بحجة وعمرة معا لبيك، ثم قال: وإن كان مفردا أو قارنا قال عوض قوله: " بحجة وعمرة لبيك " بحجة لبيك (4). والشيخ - رحمه الله - قال في النهاية (5) والمبسوط (6): وأفضل ما يذكر في التلبية الحج والعمرة معا، فإن قصد ما ذكره ابن البراج فليس بجيد، وإن قصد ما ذكره في المصباح (7) وهو: لبيك بعمرة وبمتعة إلى الحج لبيك، جاز. وهذا الكلام ليس بجيد. والحق ما قاله أبو الصلاح: وهو أن المتمتع يقول: لبيك متمتعا بالعمرة إلى

(1) السرائر: ج 1 ص 624.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 371. (2) لم نعثر على كتابه.
(6) المبسوط: ج 1 ص 316.
(3) منهم الشيخ في الاقتصاد: ص 301.
(7) المصباح المتهجد: ص 619.
(4) المهذب: ج 1 ص 216.

[ 63 ]

الحج لبيك، ولا يقل، بحجة وعمرة تمامها عليك، لأن ذلك تعليق منه للاحرام بالحج والعمرة، وهو فاسد باتفاق (1)، ونعم ما قال. وابن أبي عقيل (2) قال: يقول لبيك بمتعة وعمرة تمامها وبلاغها عليك. وابن حمزة قال: لبيك بمتعة بعمرة إلى الحج لبيك (3). واستدلال أبي الصلاح جيد. مسألة: قال في الخلاف: من أهل بحجتين انعقد إحرامه بواحدة منهما، وكان وجود الأخرى وعدمها سواء، ولا يتعلق بها حكم فلا يجب قضاؤها ولا الفدية. وهكذا من أهل بعمرتين أو بحجة ثم أدخل عليها أخرى أو بعمرة ثم أدخل أخرى فالكلام فيما زاد عليه كالكلام فيه سواء (4). والحق أنه إذا قرن بين الحجتين أو الحجة والعمرة والعمرتين بطل إحرامه، ولا ينعقد بواحدة منهما على ما تقدم. مسألة: لو أدخل إحرام الحج على العمرة، فإن أحرم للحج عقيب السعي للعمرة المتمتع بها قبل التقصير قال الشيخ - رحمه الله -: تبطل متعته وتصير حجته مفردة (5). وقال ابن إدريس: أصول المذهب والأدلة تقتضي أنه لا ينعقد إحرامه بحج، لأنه بعد في عمرته لم يتحلل منها، وقد اجمعنا على أنه لا يجوز إدخال الحج على العمرة، ولا العمرة على الحج قبل فراغ مناسكهما (6).

(1) الكافي في الفقه: ص 208.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) الوسيلة: ص 162.
(4) الخلاف: ج 2 ص 383 المسألة 235.
(5) المبسوط: ج 1 ص 316.
(6) السرائر: ج 1 ص 581.

[ 64 ]

والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على الرواية التي رواها أبو بصير الصحيحة، عن الصادق - عليه السلام - قال: المتمتع إذا طاف وسعى ثم لبى بالحج قبل أن يقصر فليس عليه أن يقصر، وليس له متعة (1). وحملها الشيخ على المتعمد، لما رواه معاوية بن عمار في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل أهل بالعمرة ونسي أن يقصر حتى دخل الحج، قال: يستغفر الله ولا شئ عليه وتمت عمرته (2). وقول الشيخ عندي أرجح عملا بالرواية، وفي طريقها إسحاق بن عمار، وفيه قول، إلا أن الأقرب عندي ثقته، وقد ذكرت حاله في كتاب الرجال (3). مسألة: لو أخل بالتقصير ناسيا وأدخل إحرام الحج على العمرة سهوا لم يكن عليه إعادة الاحرام، وتمت عمرته إجماعا، وصح إحرامه، وهل يجب عليه دم؟ قال الشيخ (4) وعلي بن بابويه (5): نعم، وهو قول ابن البراج (6). وقال سلار: لا شئ عليه (7)، وهو قول ابن إدريس (8)، وهو الأقرب. لنا: الأصل براءة الذمة. وما رواه معاوية بن عمار في الحسن، وقد تقدمت. وعن معاوية بن عمار في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل أهل بالعمرة ونسي أن يقصر حتى دخل في الحج، قال: يستغفر الله

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 159 ح 529، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب الاحرام ح 5 ج 9 ص 73.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 159 ح 528، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب الاحرام ح 3 ج 9 ص 73.
(3) خلاصة الأقوال في معرفة الرجال: ص 200.
(4) المبسوط: ج 1 ص 363.
(5) لم نعثر على رسالته.
(6) المهذب: ج 1 ص 242.
(7) المراسم: ص 124.
(8) السرائر: ج 1 ص 580.

[ 65 ]

ولا شئ عليه وتمت عمرته (1). وفي الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج قال: سألت أبا إبراهيم - عليه السلام - عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فدخل مكة فطاف وسعى ولبس ثيابه وأحل ونسي أن يقصر حتى خرج إلى عرفات، قال: لا بأس به، يبني على العمرة وطوافها وطواف الحج على أثره (2). ولو كان الدم واجبا لذكره، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. احتج الشيخ بما رواه إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي إبراهيم - عليه السلام -: الرجل يتمتع فينسى أن يقصر حتى يهل بالحج، فقال: عليه دم يهريقه (3). والجواب: إنه محمول على الاستحباب جمعا بين الأدلة. مسألة: يستحب للمحرم الاشتراط حال عقد الاحرام إن لم يكن حجة فعمرة، وأن يحله حيث حبسه إجماعا، وفائدة الاشتراط جواز التحلل عند العذر مع نية التحلل، وهل يسقط الدم حينئذ؟ قولان: أحدهما: يسقط، وهو قول السيد المرتضى (4)، وابن إدريس (5). وقال الشيخ - رحمه الله -: لا بد من الهدي (6)، وهو قول ابن الجنيد (7)، وهو الأقرب.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 159 ح 528، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب الاحرام ح 3 ج 9 ص (2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 159 ح 530، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب الاحرام ح 2 ج 9 ص 73.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 158 ح 527، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب الاحرام ح 6 ج 9 ص 73.
(4) الانتصار: ص 104 - 105.
(5) السرائر: ج 1 ص 640.
(6) المبسوط: ج 1 ص 334.
(7) لم نعثر على كتابه.

[ 66 ]

لنا: عموم قوله تعالى: " فإن احصرتم فما استيسر من الهدي " (1). احتج السيد المرتضى بالاجماع، وعارض الجمهور بما رواه عن النبي - صلى الله عليه وآله - إنه قال لضباعة بنت الزبير: حجي واشترطي وقولي: اللهم فحلني حيث حبستني، قال: ولا فائدة لهذا الشرط، إلا التأثير فيما ذكرناه من الحكم، وحمل الآية على غير المشترط (2). والجواب: بمنع الاجماع وهو ظاهر، فإن الخلاف موجود. وعن الحديث بمنع سلامة روايته. سلمنا، لكن لا دلالة فيه، فإنه يجوز أن يكون الفائدة هي التعبد أو جواز الاحلال لا سقوط الهدي، وحمل الآية على غير المشترط تخصيص بغير دليل. وأما ابن إدريس فإنه لم يزد في الاستدلال على ما قاله السيد، إلا تعجبه من الشيخ - رحمه الله - واستطراف كلامه في الخلاف، وتوهم بجهله بالأحكام مناقضة الشيخ نفسه في مسألتين متتاليتين، فقال: إن الشيخ قال: مسألة: يجوز للمحرم أن يشترط، ويكون ذلك صحيحا، ويجوز أن يتحلل إذا عرض له عارض - إلى أن قال -: وقال بعض الشافعية: لا تأثير لهذا الشرط ووجوده كالعدم، وبه قال الزهري، ومالك، وابن عمر. ثم استدل الشيخ بالاجماع، وبانه شرط لا يمنع منه الكتاب ولا السنة، فيجب جوازه، لأن المنع يحتاج إلى دليل، ولحديث ضباعة بنت الزبير. ثم قال: مسألة: إذا شرط على ربه في حال الاحرام ثم حصل الشرط وأراد التحلل فلا بد من نية التحلل والهدي، وللشافعي قولان. دليلنا: عموم الآية والاحتياط. قال ابن إدريس الشيخ: يناظر ويخاصم في المسألة الأولى من قال: إن الشرط لا تأثير له، ووجوده كعدمه، وإنه لا يفيد شيئا، ثم يستدل على صحته

(1) البقرة: 196.
(2) الانتصار: ص 105.

[ 67 ]

وتأثيره. وفي الثانية: يذهب إلى أن وجوده كعدمه، ولا بد من الهدي وإن اشترط، ويستدل بعموم الآية. وهذا عجيب طريف فيه ما فيه (1). أقول: أي عجب فيما ذكره الشيخ، وأي استطراف فيه، فلعله توهم أن الشيخ حيث أوجب الهدي جعل وجود الشرط كعدمه، ولم يتفطن، لأن التحلل إنما يجوز مع الاشتراط، وأنه لولاه لم يجز له التحلل، وهل هذا إلا جهل منه، وقلة تأمل بفتاوى الفقهاء، وعدم مزيد تحصيل لمقاصدهم. مسألة: لو لم يكن معه ثوبا الاحرام وكان معه قباء قال الشيخ: فليلبسه مقلوبا، ولا يدخل يديه في كميه (2). قال ابن إدريس: معناه يلبسه منكوسا: بأن يجعل ذيله من أسفل، لا بأن يجعل ظاهره باطنا وباطنه ظاهرا، لأنه يشبه لبس المخيط وهو حرام عليه، والأول لا يشبه لبس المخيط (3). والأقوى عندي جواز الأمرين، أما الأول: فلما رواه البزنطي في جامعه، عن المثنى، عن الصادق - عليه السلام - قال: من اضطر إلى ثوب وهو محرم وليس معه إلا قباء فلينكسه، فيجعل أعلاه أسفله ويلبسه (4). ورواه الشيخ عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: وإن لم يكن له رداء طرح قميصه على عنقه أو قباءه بعد أن ينكسه (5).

(1) السرائر: ج 1 ص 533.
(2) المبسوط: ج 1 ص 320.
(3) السرائر: ج 1 ص 543.
(4) السرائر (مستطرفات البيزنطي): ج 3 ص 560، وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب تروك الاحرام ح 8 ج 9 ص 125.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 70 ح 229، وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب تروك الاحرام ح 2 ج 9 ص 124.

[ 68 ]

وأما الثاني: فلما رواه الحلبي في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إذا اضطر المحرم إلى القباء ولم يجد غيره فليلبسه مقلوبا، ولا يدخل يديه في يدي القباء (1). وهذا النهي إنما يتحقق مع القلب بالتفسير الثاني. وروى ابن بابويه في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - ويلبس المحرم القباء إذا لم يكن له رداء، ويقلب ظهره لباطنه (2)، وهو نص في الثاني. مسألة: قال الشيخ في النهاية (3) والمبسوط (4): من لبى بالحج مفردا ودخل مكة وطاف وسعى جاز أن يقصر ويجعلها عمرة ما لم يلب بعد الطواف، فإن لبى بعده فليس له متعة، وليمض في حجته. وقال ابن إدريس: لا أرى لذكر التلبية هنا وجها، وإنما الحكم للنية دون التلبية، لقوله - عليه السلام -: " الأعمال بالنيات " (5). لنا: ما رواه أبو بصير في الصحيح قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: الرجل يفرد الحج ثم يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ثم يبدو له أن يجعلها عمرة، قال: إن كان لبى بعد ما سعى قبل أن يقصر فلا متعة له (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 70 ح 228، وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب تروك الاحرام ح 1 ج 9 ص 124.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 340 ح 2616، وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب تروك الاحرام ح 7 ج 9 ص 124.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 472.
(4) المبسوط: ج 1 ص 316.
(5) صحيح البخاري: ج 1 ص 2، صحيح مسلم: ج 3 ص 1515 ح 155، سنن أبي داود: ج 2 ص 262 ح 2201.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 90 ح 295، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب أقسام الحج ح 9 ج 8 ص 185.

[ 69 ]

واحتجاجه بعموم مثل حديثه الذي رواه لا ينهض في مقابلة هذا الخاص، وفي الطريق إسحاق بن عمار، إلا أن الأقرب عندي قبول روايته. المطلب الثالث في تروك الاحرام مسألة: للشيخ قولان في الطيب: أحدهما: أنه كله حرام، ذهب إليه في المبسوط (1) والاقتصاد (2) فإنه قال: ويحرم عليه الطيب على اختلاف أجناسه، وأغلظها خمسة أجناس: المسك والعنبر والكافور والزعفران والعود، وقد الحق بذلك الورس. وكذا قال ابن أبي عقيل (3)، إلا أنه قال: أكثر الطيب عندهم أربعة أشياء: المسك والعنبر والورس والزعفران، وهو الظاهر من كلام ابن الجنيد (4) فإنه قال: فأما المسك والعنبر والزعفران والورس وما جرى مجراها فعلى المحرم أن يجتنبها. وممن قال بتعميم التحريم شيخنا المفيد (5)، والصدوق أبو جعفر بن بابويه في المقنع (6)، والسيد المرتضى (7)، وأبو الصلاح (8)، وسلار (9)، وابن إدريس (10).

(1) المبسوط: ج 1 ص 319.
(2) الاقتصاد: ص 301.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) لم نعثر على كتابه. (5) المقنعة: ص 432.
(6) المقنع: ص 72 - 73.
(7) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 66.
(8) الكافي في الفقه: ص 202 - 203.
(9) المراسم: ص 106.
(10) السرائر: ج 1 ص 545.

[ 70 ]

الثاني: قال في النهاية: الذي يحرم من الطيب خاصة: المسك والعنبر والزعفران والورس والعود والكافور، فأما ما عدا هذا من الطيب والرياحين فمكروه (1)، وبه قال ابن حمزة (2). وقال في الخلاف: ما عدا المسك والعنبر والكافور والزعفران والورس والعود عندنا لا يتعلق به كفارة إذا استعمله المحرم (3). وللشيخ قول آخر في التهذيب وهو: إن الطيب الذي يجب اجتنابه أربعة: المسك والعنبر والورس والزعفران. قال: وقد روي العود (4). وابن البراج حرم المسك والكافور والعنبر والعود والزعفران (5). والمعتمد الأول. لنا: إنه نوع ترفة، فكان حراما كغيره. ولأن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: في المحرم الذي وقصت به ناقته لا تقربوه طيبا فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا (6)، وإذا حرم لتوهم الاحرام فلوجوده أولى. لا يقال: المراد بالطيب هنا الكافور، لأن غيره محرم على الميت. لأنا نقول: لا استبعاد في أن يبين ما هو ظاهر ليزداد الحكم قوة. وما رواه معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا تمس شيئا من الطيب (7).

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 476 - 477.
(2) الوسيلة: ص 162.
(3) الخلاف: ج 2 ص 302 المسألة 88.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 299 ذيل الحديث 1012.
(5) المهذب: ج 1 ص 220.
(6) سنن ابن ماجه: ج 2 ص 1030 ح 3084. (7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 304 ح 1039، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب تروك الاحرام ح 8 ج 9 ص 94.

[ 71 ]

وفي الصحيح عن حريز عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يمس المحرم شيئا من الطيب (1). احتج الشيخ بما رواه معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال: إنما يحرم عليك من الطيب أربعة أشياء: المسك والعنبر والورس والزعفران (2). وعن ابن أبي يعفور، عن الصادق - عليه السلام - قال: الطيب: المسك والعنبر والزعفران والعود (3). وعن عبد الغفار قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: الطيب المسك والعنبر والزعفران والورس (4). ولأن الأصل الإباحة. والجواب: إن الأحاديث من طرقنا أصح طريقا، فيتعين العمل بها، والأصل معارض بالاحتياط. مسألة: منع المفيد - رحمه الله - من شم الرياحين (5). وجعله الشيخ مكروها (6)، وهو قول ابن إدريس (7). والأول هو الظاهر من كلام ابن

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 297 ح 1007، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب تروك الاحرام ح 11 ج 9 ص 95.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 299 ح 1013، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب تروك الاحرام ح 14 ج 9 ص 96.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 299 ح 1014، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب تروك الاحرام ح 15 ج 9 ص 96.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 299 ح 1015، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب تروك الاحرام ح 16 ج 9 ص 96.
(5) المقنعة: ص 432.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 476 - 477.
(7) السرائر: ج 1 ص 545.

[ 72 ]

الجنيد (1)، وسوغ نبت الحرم، كالشيح والحزامي والاذخر والقيصوم. والأول أقرب. لنا: إنه نوع ترفة، وللاحتياط. ولأن الطيب الموجود في الأطياب موجود هنا، وهو علة التحريم بالمناسبة والدوران، فيثبت التحريم هنا. وما رواه حريز في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يمس المحرم شيئا من الطيب ولا الريحان ولا يتلذذ به، فمن ابتلى بشئ من ذلك فليتصدق بقدر ما صنع بقدر شبعه - يعني من الطعام - (2). احتج الشيخ - رحمه الله - بالأصل، وبما تقدم من الأحاديث الدالة على تحريم الأطياب الستة لا غير. وبما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس أن تشم الاذخر والقيصوم والخزامي والشيح وأشباهه وأنت محرم (3). والجواب عن الأصل: أنه معارض بالاحتياط، وعن الأحاديث بما تقدم، وعن رواية عمار إنا نقول بموجبها، فإن الاحتراز عن نبت الحرم عسر فكان منفيا، كخلوق الكعبة يجوز شمه للضرورة. وقد روى الشيخ في الصحيح، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن التفاح والأترج والنبق وما طابت رائحته، فقال: يمسك على شمه وتأكله (4).

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 297 ح 1007، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب تروك الاحرام ح 11 ج 9 ص 95.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 305 ح 1041، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب تروك الاحرام ح 1 ج 9 ص 101.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 305 ح 1042، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب تروك الاحرام ح 3 ج 9 ص 103.

[ 73 ]

قال الشيخ: ولا ينافي هذا الخبر ما رواه عمار الساباطي - قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن المحرم أيتخلل؟ قال: نعم لا بأس به، قلت له: أن يأكل الأترج، قال: نعم، قلت له: فإن له رائحة طيبة، فقال: إن الأترج طعام وليس هو من الطيب (1) - لأنه إنما أباح أكله، ولم يقل أنه يجوز له شمه، والخبر الأول مفصل فالعمل به أولى (2)، وهذا القول من الشيخ يشعر بما قلناه أولا. مسألة: منع الشيخ في النهاية (3) والمبسوط (4) من الادهان بالدهن مطلقا، ويجوز أكل ما ليس بطيب منها واستعمال ما كان طيبا إذا انقطعت رائحته، وبه قال ابن الجنيد (5)، وسوغ المفيد (6) - رحمه الله - غير الطيب منها، وكذا سلار (7)، وابن أبي عقيل (8)، وأبو الصلاح (9). والأقرب الأول. لنا: إنه نوع ترفة. وما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا تدهن حين تريد أن تحرم بدهن فيه مسك ولا عنبر، من أجل أن رائحته تبقى في رأسك بعد ما تحرم، وادهن بما شئت من الدهن حين تريد أن تحرم، فإذا أحرمت فقد حرم

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 306 ح 1043، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب تروك الاحرام ح 2 ج 9 ص 102.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 306 ذيل الحديث 1043. (3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 477 - 478.
(4) المبسوط: ج 1 ص 321.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) المقنعة: ص 432.
(7) المراسم: ص 106.
(8) لم نعثر على كتابه.
(9) الكافي في الفقه: ص 203.

[ 74 ]

عليك الدهن حتى تحل (1). احتج المجوزون بالأصل، وبما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن محرم تشققت يداه، قال: فقال: يدهنهما بزيت أو سمن أو أهالة (2). والجواب عن الأول: أنه معارض بالاحتياط، ولأن الأصل إنما يصار إليه مع عدم دليل يدل على خلافه. وعن الحديث إنا نقول بموجبه، فإن الضرورة مبيحة لاستعماله إجماعا. مسألة: جعل ابن حمزة استعمال الادهان الطيبة قبل الاحرام إذا كانت مما يبقى رائحتها إلى وقت الاحرام مكروها (3). والشيخ جعله محرما في المبسوط (4) والنهاية (5). لنا: ما تقدم من حديث الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا تدهن حين تريد أن تحرم بدهن فيه مسك ولا عنبر، من أجل أن رائحته تبقى في رأسك بعد ما تحرم. احتج بالأصل. والجواب: إنه لا يجوز العمل به مع وجود الدليل على خلافه. مسألة: للشيخ في تحريم الاكتحال بالسواد قولان: أحدهما: إنه محرم، ذكره

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 303 ح 1032، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب تروك الاحرام ح 1 ج 9 ص 104.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 304 ح 1037، وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب تروك الاحرام ح 2 ج 9 ص 107.
(3) الوسيلة: ص 164.
(4) المبسوط: ج 1 ص 321.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 477 - 478.

[ 75 ]

في النهاية (1) والمبسوط (2)، وبه قال المفيد (3)، وسلار (4)، وابن إدريس (5)، وجعله في الخلاف (6) والاقتصاد (7) مكروها. وقال أبو جعفر بن بابويه في المقنع: ولا بأس للمرأة أن تكتحل بالكحل كله، إلا كحل اسود لزينة (8). وقال ابن الجنيد (9): ولا تكتحل المرأة بالاثمة. والأقرب المنع. لنا: إنه نوع ترفة. وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: لا يكتحل الرجل والمرأة المحرمان بالكحل الأسود إلا من علة (10)، والنهي يقتضي التحريم. وفي الصحيح عن زرارة، عن الصادق - عليه السلام - قال: تكتحل المرأة المحرمة بالكحل كله، إلا الكحل الأسود للزينة (11). وفي الصحيح عن حريز، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: لا تكتحل

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 477.
(2) المبسوط: ج 1 ص 321.
(3) المقنعة: ص 432.
(4) المراسم: ص 106.
(5) السرائر: ج 1 ص 546.
(6) الخلاف: ج 2 ص 313 المسألة 106.
(7) الاقتصاد: ص 302.
(8) المقنع: ص 73.
(9) لم نعثر على كتابه.
(10) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 301 ح 1023، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب تروك الاحرام ح 2 ج 9 ص 111. (11) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 301 ح 1024، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب تروك الاحرام ح 3 ج 9 ص 119.

[ 76 ]

المرأة المحرمة بالسواد، أن السواد زينة (1). احتج المخالف بأصالة الإباحة. والجواب: الاجتهاد في مقابلة النص باطل. مسألة: المشهور تحريم الاكتحال بما فيه طيب، وجعله ابن البراج (2) مكروها. لنا: ما تقدم من تحريم استعمال الطيب. وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: لا بأس أن تكتحل وأنت محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه، وأما للزينة فلا (3). وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: يكتحل المحرم إن هو رمد بكحل ليس فيه زعفران (4). احتج بالأصل والجواب: ما ذكرناه من الأدلة يبطله. مسألة: المشهور كراهة استعمال الحناء للزينة والوجه التحريم. لنا: إنه نوع ترفة. ولأنه داع إلى جلب الشهوة، وللتعليل في الحديث الذي رواه حريز في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا تكتحل المرأة المحرمة بالسواد، إن

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 301 ح 1025، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب تروك الاحرام ح 4 ج 9 ص 112.
(2) المهذب: ج 1 ص 221، 222.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 302 ح 1028، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب تروك الاحرام ح 1 ج 9 ص 111.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 301 ح 1026، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب تروك الاحرام ح 5 ج 9 ص 112.

[ 77 ]

السواد زينة (1). وما رواه أبو الصباح الكناني، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن امرأة خافت الشقاق فأرادت أن تحرم هل تخضب يديها بالحناء قبل ذلك؟ قال: ما يعجبني أن تفعل (2). احتجوا بالأصل، وبما رواه ابن سنان في الصحيح قال: سألته عن الحناء، قال: إن المحرم ليمسه ويداوي به بعيره، وما هو بطيب وما به بأس (3). والجواب: عن الأصل أنه معارض بالاحتياط. وعن الحديث إنا نقول بموجبه، فإنا نجوز استعماله، وإنما نمنع استعماله للزينة. مسألة: للشيخ - رحمه الله - في النظر في المرآة قولان: أحدهما: التحريم، ذكره في النهاية (4) والمبسوط (5)، وبه قال أبو الصلاح (6)، وابن إدريس (7). والثاني: إنه مكروه، ذكره في الخلاف (8)، وإليه ذهب ابن البراج (9)، وابن حمزة (10).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 301 ح 1025، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب تروك الاحرام ح 4 ص 112.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 300 ح 1020، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب تروك الاحرام ح 2 ج 9 ص 100.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 300 ح 1019، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب تروك الاحرام ح 1 ج 9 ص 100.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 477.
(5) المبسوط: ج 1 ص 321.
(6) الكافي في الفقه: ص 203.
(7) السرائر: ج 1 ص 319 المسألة 119.
(8) الخلاف: ج 2 ص 319 المسألة 119.
(9) المهذب: ج 1 ص 221 و 222.
(10) الوسيلة: ص 164.

[ 78 ]

وقال أبو جعفر بن بابويه في المقنع: ولا تنظر في المرآة فإنه من الزينة (1)، وهو يشعر بالتحريم. والأقرب الأول. لنا: إنه زينة، فيكون حراما. وما رواه حماد في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: لا تنظر في المرآة وأنت محرم فإنها من الزينة (2). وفي الصحيح عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: لا تنظر المرأة [ المحرمة ] في المرآة للزينة (3). احتجوا بالأصل. والجواب: المعارضة بالاحتياط. مسألة: للشيخ في الحجامة قولان: أحدهما: التحريم إلا مع الحاجة (4)، وبه قال شيخنا المفيد (5) - رحمه الله -، والسيد المرتضى (6)، وسلار (7)، وأبو الصلاح (8)، وابن البراج (9)، وابن إدريس (10)، وهو الظاهر من كلام ابن

(1) المقنع: ص 73.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 302 ح 1029، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب تروك الاحرام ح 1 ج 9 ص 114.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 302 ح 1030، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب تروك الاحرام ح 2 ج 9 ص 114.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 478.
(5) المقنعة: ص 432.
(6) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 66.
(7) المراسم: ص 106.
(8) الكافي في الفقه: ص 203.
(9) شرح جمل العلم والعمل: ص 214 و 215.
(10) السرائر: ج 1 ص 546.

[ 79 ]

بابويه (1)، وابن الجنيد (2). والثاني: إنه مكروه، ذكره في الخلاف (3)، وبه قال ابن حمزة (4). والأقرب الأول. لنا: إنه أحوط. وما رواه الحسن الصيقل، عن أبي عبد الله - عليه السلام - عن المحرم يحتجم؟ قال: لا، إلا أن يخاف على نفسه التلف ولا يستطيع الصلاة، وقال: إذا آذاه الدم فلا بأس به ويحتجم ولا يحلق الشعر (5). وعن يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن المحرم يحتجم؟ قال: لا أحبه (6). احتج المخالف بالأصل، وبما رواه حريز في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس أن يحتجم المحرم ما لم يحلق، أو يقطع الشعر (7). والجواب عن الأول: بالمعارضة بالاحتياط، وبأنه قول أكثر علمائنا فيكون أرجح. وعن الثاني: بالحمل على الضرورة، كما قاله الشيخ (8).

(1) المقنع: ص 73.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) الخلاف: ج 2 ص 315 المسألة 110.
(4) الوسيلة: ص 163، ذكره فيما يجوز للمحرم. (5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 306 ح 1044،، وسائل الشيعة: ب 62 من أبواب تروك الاحرام ح 3 ج 9 ص 144.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 306 ح 1045، وسائل الشيعة: ب 62 من أبواب تروك الاحرام ح 4 ج 9 ص 144.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 306 ح 1046، وسائل الشيعة: ب 62 من أبواب تروك الاحرام ح 5 ج 9 ص 144.
(8) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 306 ذيل الحديث 1046.

[ 80 ]

إذا عرفت هذا فالقصد منه إدماء الجسد والحك والسواك على وجه يدميان محرم كلها على الخلاف. روى معاوية بن عمار في الصحيح قال: سألته عن المحرم كيف يحك رأسه؟ قال: بأظافيره ما لم يدم، أو يقطع الشعر (1). وفي الصحيح عن الحلبي قال: سألت الصادق - عليه السلام - عن المحرم يستاك؟ قال: نعم ولا يدمي (2). مسألة: المشهور تحريم لبس السلاح لغير ضرورة، قاله الشيخ - رحمه الله - في المبسوط (3) والنهاية (4)، وبه قال أبو الصلاح (5)، وابن البراج (6)، وابن حمزة (7)، وابن إدريس (8). وقيل: إنه مكروه (9). لنا: إنه المشهور بين علمائنا، فيتعين العمل به. احتج المخالف بالأصل. والجواب: المعارضة بالاحتياط. مسألة: لو اضطر إلى لبس الخفين لعدم النعلين جاز لبسهما إجماعا، وهل يشقهما؟ قال: الشيخ في المبسوط: نعم يشق ظهر قدميهما (10).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 113 ح 1076، وسائل الشيعة: ب 71 من أبواب تروك الاحرام ح 1 ج 9 ص 157.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 313 ح 1078، وسائل الشيعة: ب 73 من أبواب تروك الاحرام ج 3 ج 9 ص 159.
(3) المبسوط: ج 1 ص 322.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 479. (5) الكافي في الفقه: ص 203.
(6) المهذب: ج 1 ص 221.
(7) الوسيلة: ص 162.
(8) السرائر: ج 1 ص 548.
(9) شرائع الاسلام: ج 1 ص 251.
(10) المبسوط: ج 1 ص 320.

[ 81 ]

وقال في الخلاف: من لا يجد النعلين لبس الخفين وقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين على جهتهما، ثم نقل عن أحمد أنه يلبسهما غير مقطوعين ولا شئ عليه. قال: ورواه أصحابنا وهو الأظهر، ثم استدل عليه بكمال الاحرام إجماعا مع الشق بخلاف العدم، ثم أحال الرواية الأخرى على كتاب التهذيب (1). وقال ابن الجنيد (2): ولا يلبس المحرم الخفين إذا لم يجد نعلين حتى يقطعهما أسفل الكعبين. وقال ابن حمزة: فإن لم يجد النعل لبس الخف إن وجد وشق ظاهر القدمين، وإن قطع الساقين كان أفضل (3). وقال ابن إدريس: لا يشقهما (4)، وأطلق في النهاية (5) ولم يذكر الشق، وكذا ابن أبي عقيل (6). والأقرب الأول. لنا: إنه منهي عن ستر القدمين بالخف، والاحتراز عنه إنما هو بالشق، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - في المحرم يلبس الخف إذا لم يكن له نعل؟ قال: نعم، ولكن يشق ظهر القدم، رواه ابن بابويه (7). احتجوا بالأصل، وبما رواه رفاعة بن موسى قال: سألته عن المحرم يلبس

(1) الخلاف: ج 2 ص 295 المسألة 75.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) الوسيلة: ص 163.
(4) السرائر: ج 1 ص 543.
(5) النهاية ونكتها: ص 475.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 340 ح 2616، وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب تروك الاحرام ح 5 ج 9 ص 135.

[ 82 ]

الجوربين؟ قال: نعم، والخفين إذا اضطر إليهما (1). والجواب: إنا نقول بموجبه ويجوز لبسهما، لكن الشق أثبتناه بالحديث الأول، وحديثكم غير مناف، والاحتياط يعارض بالبراءة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز الاحرام في الثياب السود (2). وقال ابن إدريس معناه: أنه مكروه شديد الكراهة، لا إنه محظور (3). وفي المبسوط: فإن كانت غير بيض كان جائزا، إلا إذا كانت سوداء فإنه لا يجوز الاحرام فيها، أو يكون مصبوغة بصبغ فيه طيب مثل الزعفران والمسك وغيرهما (4). وهذه العبارة تعطي التحريم، وبه قال ابن حمزة (5). والأقرب الكراهة. لنا: الأصل الإباحة. ولأنه ثوب يصلى فيه فيجوز فيه الاحرام. أما المقدمة الأولى فاجماعية، وأما الثانية فلما رواه حريز عن الصادق - عليه السلام - في الصحيح قال: كل ثوب يصلى فيه فلا بأس أن يحرم فيه (6). احتج المخالف بما رواه الحسين بن المختار قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: يحرم الرجل في الثوب الأسود؟ قال: لا يحرم في الثوب الأسود، ولا يكفن فيه الميت (7).

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 340 ح 2615، وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب تروك الاحرام ح 4 ج 9 ص 134.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 474.
(3) السرائر: ج 1 ص 542.
(4) المبسوط: ج 1 ص 319.
(5) الوسيلة: ص 163.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 66 ح 212، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب الاحرام ح 1 ج 9 ص 36.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 66 ح 214، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب الاحرام ح 1 ج 9 ص 36.

[ 83 ]

والجواب: إنه محمول على الكراهة، فإنه ليس تخصيص العام بهذا الخبر أولى من حمل هذا على الكراهة. مسألة: حرم أبو الصلاح (1) الاغتسال للتبريد، وهو غريب. لنا: الأصل الإباحة. وربما احتج بأن إفاضة الماء على الرأس يستلزم التغطية وهو ممنوع. نعم الارتماس ممنوع منه، فإن قصد ذلك فهو مسلم، وإلا فلا. مسألة: قال المفيد - رحمه الله -: والكذب يفسد الاحرام (2) وليس بجيد. لنا: الأصل بقاء الاحرام وتحريم الكذب، وإيجاب الفدية به لا يستلزم إبطال الاحرام كغيره من المحرمات. مسألة: المشهور تحريم الظلال حالة السير. وقال ابن الجنيد (3): يستحب للمحرم أن لا يظلل على نفسه، لأن السنة بذلك جرت، فإن لحقه عنت أو خاف من ذلك فقد روي عن أهل البيت - عليهم السلام - جوازه، وروي أيضا أنه يفدي عن كل يوم بمد، وروي في ذلك أجمع دم، وروي لاحرام المتعة دم، ولاحرام الحج دم آخر. فإن أراد بذلك المتعارف من المستحب وهو الذي يتعلق بفعله مدح ولا يتعلق بتركه ذم فهو ممنوع، فإن المشهور تحريم ذلك، لما روى إسحاق بن عمار في الموثق، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن المحرم يظلل عليه وهو محرم؟ قال: لا، إلا مريض، أو من به علة، والذي لا يطيق الشمس (4). وغير

(1) الكافي في الفقه: ص 203.
(2) المقنعة: ص 432.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 309 ح 1057، وسائل الشيعة: ب 64 من أبواب تروك الاحرام ح 7 ج 9 ص 147.

[ 84 ]

ذلك من الأحاديث (1). مسألة: قال ابن الجنيد (2): ليس للمحرم أن يتزوج، ولا يزوج محلا، ولا يشهد نكاح محلين، ولا يخطب. وهذا يشعر بالتحريم في الخطبة. وقال الشيخ (3) وابن حمزة (4): إنه مكروه، وهو الأقرب. لنا: إن النهي تناول العقد وليس الخطبة عقد، فيبقى على الإباحة. نعم لما كانت داعية إلى تحصيل ما حرم عليه كانت مكروهة. مسألة: قال الشيخ - رحمه الله - يحرم عليه الفسوق: وهو الكذب (5)، وكذا قال علي بن بابويه (6)، وابنه في المقنع (7). وقال ابن الجنيد (8): والفسوق: وهو الكذب والسباب، وكذا قال السيد المرتضى (9). وقال ابن أبي عقيل (10): والفسوق: وهو الكذب والفراء واللفظ القبيح. وقال ابن البراج: والفسوق: وهو الكذب على الله وعلى رسوله والأئمة - عليهم السلام - (11). والأقرب ما ذكره الشيد المرتضى.

(1) راجع تهذيب الأحكام: ج 5 ص 309 وص 310، وسائل الشيعة: ب 64 من أبواب تروك الاحرام ج 9 ص 146 - 148.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) المبسوط: ج 1 ص 318.
(4) الوسيلة: ص 164. (5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 476.
(6) نقله عنه في من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 329 ذيل الحديث 2587.
(7) المقنع: ص 70 - 71.
(8) لم نعثر على كتابه.
(9) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 65.
(10) لم نعثر على كتابه.
(11) المهذب: ج 1 ص 221.

[ 85 ]

لنا: ما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - والفسوق: الكذب والسباب (1). وفي الصحيح عن سليمان بن خالد، عن الصادق - عليه السلام - وفي السباب والفسوق بقرة (2). وفي الصحيح عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى - عليه السلام - والفسوق: الكذب والمفاخرة (3). وهي لا تنفك عن السباب، إذ المفاخرة إنما تتم بذكر فضائل المفتخر وسلبها عن خصمه، أو بسلب رذائل عنه واثباتها لخصمه، وهذا هو معنى السباب. وقول ابن البراج لا حجة عليه فإن تمسك بالأصل، وبأن الموجب للافطار هو الكذب على الله تعالى وعلى رسوله وأئمته - عليهم السلام - فيكون هو المحرم هنا، منعنا الملازمة والتمسك بالأصل مع وجود المنافي. مسألة: لو ادعى الزوج وقوع العقد حالة الاحرام وأنكرت المرأة فالقول قولها مع اليمين وعدم البينة قال الشيخ: ويجب لها نصف المهر إن لم يكن دخل (4). والأقرب الجمع (5). لنا: إن المقتضي - وهو العقد - موجود فثبت الحكم.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 296 - 297 ح 1003، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب تروك الاحرام ح 1 ج 9 ص 108.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 297 ح 1004، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1 ج 9 ص 282.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 297 ح 1005، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب تروك الاحرام ح 4 ج 9 ص 109.
(4) المبسوط: ج 1 ص 318.
(5) في متن المطبوع وق وم (2): الجميع.

[ 86 ]

احتج بأنه حرم عليه نكاحها باعترافه قبل الدخول، فيجب نصف المهر كالطلاق. والجواب: الفرق، فإن الطلاق حصل معه البينونة، بخلاف صورة النزاع. مسألة: المشهور أن المحرم إذا مات يكفن كالمحل. وقال ابن الجنيد (1): لا يعم. لنا: الأصل. احتج بمنع تقريبه من الكافور، لبقاء حكم الاحرام. والجواب: لولا النص لما قلنا بتحريمه، فيبقى الباقي على الأصل. مسألة: المشهور تحريم قتل القمل، ويجوز تحويله. وجوز ابن حمزة قتل القمل على بدنه (2). لنا: ما رواه ابن بابويه، عن معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: المحرم يلقي عنه الدواب كلها إلا القملة فإنها من جسده، فإن أراد أن يحول قملة من مكان إلى مكان فلا يضره (3). والالقاء أخف من القتل. مسألة: قال الصدوق في كتاب المقنع: ولا بأس أن تشم الاذخر والقيصوم والخزامي والشيح وأشباهه وأنت محرم (4)، وكذا قال ابن الجنيد (5) إلا أنه قال: فإن ذلك مباح له شمه ما لم يعتمد الشم ويجتذبه بنفسه. والأول أقرب.

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) الوسيلة: ص 163.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 360 ح 2704، وسائل الشيعة: ب 78 من أبواب تروك الاحرام ح 5 ج 9 ص 163.
(4) المقنع: ص 73.
(5) لم نعثر على كتابه.

[ 87 ]

لنا: الأصل الإباحة على الإطلاق. وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: لا بأس أن يشم الاذخر والقيصوم والخزامي والشيح وأشباهه وأنت محرم (1). مسألة: المشهور أن الجدال مطلقا حرام، وهو قول: لا والله وبلى والله، وكذا قال ابن الجنيد (2): إلا أنه قال: وما كان من يمين يريد بها طاعة الله وصلة رحمه فمعفو عنها ما لم يدأب في ذلك، وهذا لا بأس به. المطلب الرابع في كفارات الاحرام والنظر في أمور: الأول: الصيد مسألة: قال في المبسوط: الوحشي غير المأكول أقسامه ثلاثة: الأول: لاجزاء فيه بالاتفاق، كالحية والعقرب والفارة والغراب والحدأة (3) والكلب والذئب. والثاني: يجب فيه الجزاء عند جميع من خالفنا، ولا نص لأصحابنا فيه. والأولى أن نقول: لا جزاء فيه لأنه لا دليل عليه، والأصل براءة الذمة، كالمتولد بين ما يجب فيه الجزاء وما لا يجب، كالسبع المتولد بين الضبع والذئب والمتولد بين الحمار الاهلي والوحشي. والثالث: مختلف فيه، وهو الجوارح من الطير، كالبازي والصقر والشاهين والعقاب ونحو ذلك. والسباع من البهائم،

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 305 ح 1041، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب تروك الاحرام ح 1 ج 9 ص 101.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) الحدأة: طائر يطير يصيد الجرذان.

[ 88 ]

كالاسد والنمر والفهد وغير ذلك، فلا يجب الجزاء عندنا في شئ منه. وقد روي أن في الأسد خاصة كبشا (1). وفي الخلاف: إذا قتل السبع لزمه كبش على ما رواه بعض أصحابنا، ولا شئ في الذئب وغيره من السباع، سواء صال أو لم يصل (2). ولا في السبع، أما المتولد بين الوحشي والانسي فالأقرب عندي فيه اعتبار الاسم. لنا: إنه قد ورد النص على الجزاء عن أشياء مسماة بأسمائها، فيثبت في كل ما صدق عليه ذلك الاسم. وأما الأسد فالأقوى عندي أنه لا شئ فيه، سواء أراده أو لم يرده، وبه قال ابن إدريس (3). وقال علي بن بابويه (4): وإن كان الصيد أسدا ذبحت كبشا، وأوجب ابن حمزة (5) فيه الكبش. لنا: الأصل براءة الذمة. ولأنه أكثر ضررا من الحية والفارة والعقرب، وقد جاز قتلها، فجواز قتله أولى. وما رواه حريز في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: كل ما يخاف المحرم من السباع والحيات وغيرها فليقتله، وإن لم يردك فلا ترده (6). احتج الموجبون بما رواه أبو سعيد المكارى قال: قلت لأبي عبد الله - عليه

(1) المبسوط: ج 1 ص 338.
(2) الخلاف: ج 2 ص 417 المسألة 299. (3) السرائر: ج 1 ص 567.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) الوسيلة: ص 164.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 365 ح 1272، وسائل الشيعة: ب 81 من أبواب تروك الاحرام ح 1 ج 9 ص 166.

[ 89 ]

السلام -: رجل قتل أسدا في الحرم، قال: عليه كبش يذبحه (1). والجواب: سند حديثنا أوضح وأصح، ويحمل هذا على الاستحباب. مسألة: قال الشيخ: من صاد نعامة فقتلها كان عليه جزور، فإن لم يقدر على ذلك قوم الجزاء وفض ثمنه على الحنطة وتصدق به على كل مسكين نصف صاع، فإن زاد ذلك على إطعام ستين مسكينا لم يلزمه أكثر منه، وإن كان أقل منه فقد أجزأه، وإن لم يقدر على إطعام ستين مسكينا صام عن كل نصف صاع يوما، فإن لم يقدر على ذلك صام ثمانية عشر يوما (2). والكلام في هذه المسألة يقع في مقامات: الأول: هل هذه الكفارة وغيرها مخيرة أو مرتبة؟ قيل: بالأول للآية (3)، وهو مذهب ابن إدريس، ونقله عن شيخنا في الجمل والخلاف (4). وقيل: بالثاني، وهو مذهب الشيخ في النهاية (5)، وابن أبي عقيل (6)، وابن بابويه (7)، والسيد المرتضى (8)، وقد سبق البحث في ذلك في كتاب الصوم. الثاني: إيجاب الجزور، قاله الشيخ في النهاية (9) والمبسوط (10)، وهو قول ابن إدريس (11)، وباقي أصحابنا قالوا: يجب فيه بدنة. والأول: رواه أبو الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام -

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 366 ح 1275، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 234.
(2) المبسوط: ج 1 ص 339 - 340.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 480.
(3) المائدة: 95.
(6) لم نعثر على كتابه.
(4) السرائر: ج 1 ص 557.
(7) المقنع: ص 56.
(8) الانتصار: ص 101. (9) النهاية ونكتها: ح 1 ص 480.
(10) المبسوط: ج 1 ص 339.
(11) السرائر: ج 1 ص 556.

[ 90 ]

إلى أن قال: وفي النعامة جزور (1). الثاني: رواه حريز في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في قول الله عزوجل: " فجزاء مثل ما قتل من النعم "، قال: وفي النعامة بدنة (2). وكذا في الصحيح عن سليمان بن خالد، عن الصادق - عليه السلام - (3). الثالث: التقويم وهو قول الشيخ - رحمه الله - فإنه قال: فإن لم يجد قوم الجزاء، وفض ثمنه على البر، وتصدق به على كل مسكين نصف صاع (4)، وبه قال ابن إدريس (5)، وابن البراج (6). وقال أبو الصلاح: فإن لم يجد البدنة فقيمتها، وإن لم يجد فض القيمة على البر وصام لكل نصف صاع يوما (7). وهو يعطي الصدقة بالقيمة، فإن لم يجد القيمة فضها على البر وصام عن كل نصف صاع يوما. وقال ابن بابويه (8)، وابن أبي عقيل (9): فإن لم يجد البدنة فاطعام ستين مسكينا، وهو قول المفيد (10)، والسيد المرتضى (11)، وسلار (12). والأقرب الأول. (1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 314 ح 1180، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب كفارات الصيد ح 3 ج 9 ص 181.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 341 ح 1181، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 181.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 341 ح 1182، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب كفارات الصيد ح 2 ج 9 ص 181.
(4) المبسوط: ج 1 ص 339.
(7) الكافي في الفقه: ص 205.
(5) السرائر: ج 1 ص 556.
(8) المقنع: ص 77.
(6) المهذب: ج 1 ص 227.
(9) لم نعثر على كتابه.
(10) المقنعة: ص 435.
(11) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 71.
(12) المراسم: ص 119.

[ 91 ]

لنا: ما رواه أبو عبيدة في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا أصاب المحرم الصيد ولم يجد ما يكفر من موضعه الذي أصاب فيه الصيد قوم جزاؤه من النعم دراهم ثم قومت الدراهم طعاما لكل مسكين نصف صاع، فإن لم يقدر على إطعام صام لكل نصف صاع يوما (1). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن قوله: " أو عدل ذلك صياما " قال: عدل الهدي ما بلغ يتصدق به، فإن لم يكن عنده فليصم بقدر ما بلغ لكل طعام مسكين يوما (2). احتج الاخرون بما رواه الصدوق، عن محمد بن مسلم وزرارة في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في محرم قتل نعامة، قال: عليه بدنة، فإن لم يجد فاطعام ستين مسكينا (3). والجواب: أن تتمة الحديث: فإن كانت قيمة البدنة أكثر من إطعام ستين مسكينا لم يزد على طعام ستين مسكينا، وإن كانت قيمة البدنة أقل من إطعام ستين مسكينا لم يكن عليه إلا قيمة البدنة (4). الرابع: قال الشيخ: إطعام الستين لكل مسكين نصف صاع (5)، وبه قال

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 466 ح 1626، ووسائل الشيعة: ب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 183.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 342 ح 1184، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 8 ج 9 ص 185.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 365 ح 2723، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 7 ج 9 ص 185.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 365 ذيل الحديث 2723، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب كفارات الصيد ذيل الحديث 7 ج 9 ص 185.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 480.

[ 92 ]

ابن البراج (1)، وابن حمزة (2)، وابن إدريس (3). وقال علي بن بابويه (4) وابن أبي عقيل (5): لكل مسكين مد. والمفيد (6) والسيد المرتضى (7)، وسلار (8) أطلقوا القول باطعام ستين. والشيخ - رحمه الله - عول على رواية أبي عبيدة، عن الصادق - عليه السلام - ثم قومت الدراهم طعاما لكل مسكين نصف صاع (9). والآخرون عولوا على البراءة لضعف هذه الرواية، فإن في طريقها سهل بن زياد، وهو ضعيف. وبما رواه معاوية بن عمار في الصحيح قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: من أصاب شيئا فداؤه بدنة من الإبل، فإن لم يجد ما يشتري بدنة فأراد أن يتصدق فعليه أن يطعم ستين مسكينا لكل مسكين مدا، فإن لم يقدر على ذلك صام مكان ذلك ثمانية عشر يوما مكان كل عشرة مساكين ثلاثة أيام، ومن كان عليه فداء شئ من الصيد فداؤه بقرة، فإن لم يجد فليطعم ثلاثين مسكينا، فإن لم يجد تسعة أيام، ومن كان عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج (10).

(1) المهذب: ج 1 ص 227.
(2) الوسيلة: ص 167.
(2) السرائر: ج 1 ص 556.
(4) لم نعثر على رسالته.
(5) لم نعثر على كتابه. (6) المقنعة: ص 435.
(7) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 71.
(8) المراسم: ص 119.
(9) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 466 ح 1626، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 183.
(10) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 343 ح 1187، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 11 ج 9 ص 186.

[ 93 ]

الخامس: لو نقصت القيمة عن إطعام ستين قال الشيخ (1): لم يلزمه أكثر من القيمة، وبه قال ابن البراج (2)، وابن حمزة (3)، وابن إدريس (4)، ولم يذكر ذلك باقي المخالفين أولا. لنا: ما رواه جميل عن بعض أصحابنا في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: فإن كانت قيمة البدنة أقل من إطعام ستين مسكينا لم يكن عليه إلا قيمة البدنة (5). السادس: لو عجز عن إطعام الستين قال الشيخ: يصوم عن كل نصف صاع يوما (6)، وبه قال ابن البراج (7)، وأبو الصلاح (8)، وابن حمزة (9)، وابن إدريس (10). وقال المفيد: فإن لم يقدر صام شهرين متتابعين (11)، وهو مناسب لما قاله الشيخ في العدد، وبه قال السيد المرتضى (12)، وسلار (13). وقال ابن أبي عقيل (14)، وابن بابويه (15): فإن لم يجد فعليه صوم ثمانية عشر

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 480.
(2) المهذب: ج 1 ص 227.
(3) الوسيلة: ص 167.
(4) السرائر: ج 1 ص 556.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 342 ح 1185، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 2 ج 9 ص 183.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 480.
(9) الوسيلة: ص 167.
(7) المهذب: ج 1 ص 227.
(10) السرائر: ج 1 ص 556. (8) الكافي في الفقه: ص 187.
(11) المقنعة: ص 435.
(12) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 71.
(13) المراسم: ص 119.
(14) لم نعثر على كتابه.
(15) المقنع: ص 77.

[ 94 ]

يوما. والأوائل جعلوا ذلك مرتبة متأخرة، فقالوا: إن لم يقدر على صوم الشهرين صام ثمانية عشر يوما. والأقرب الأول. لنا: إن صوم اليوم بدل عن إطعام مسكين في عادة الشرع، فيكون هنا كذلك قضية للمساواة. وما رواه أبو عبيدة، عن الصادق - عليه السلام - فإن لم يقدر على إطعام صام لكل نصف صاع يوما (1). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - فإن لم يكن عنده فليصم بقدر ما بلغ لكل طعام مسكين يوما (2). وفي الحسن عن جميل، عن بعض أصحابنا، عن الصادق - عليه السلام - فإن لم يقدر على إطعام ستين مسكينا ولا أن يصوم بقدر ما يصيب كل مسكين يوما فليصم ثمانية عشر يوما، ولا شئ عليه (3). احتج الاخرون بأصالة البراءة، وبما رواه الصدوق في الصحيح، عن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: يطعم ستين مسكينا، قلت: فإن لم يقدر على ما يتصدق به ما عليه؟ قال: فليصم ثمانية عشر يوما (4). والجواب: الروايات من طرقنا أكثر، ويحتمل أن يكون السؤال وقع عمن

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 341 ح 1183، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 183.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 342 ح 1184، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 8 ج 9 ص 185.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 342 ح 1185، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 2 ج 9 ص 183. (4) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 365 ح 2725، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 3 ج 9 ص 183.

[ 95 ]

لا يقدر على صوم الستين أيضا. ولأن قوله: " فليصم ثمانية عشر يوما " لا إشعار فيه بنفي الزائد، والبراءة معارضة بالاحتياط. السابع: جعل المفيد (1)، والسيد المرتضى (2)، وسلار (3) - رحمهم الله - هذه الكفارات متتابعة في الصوم. والشيخ (4) - رحمه الله - نص على أن صوم جزاء الصيد لا يجب فيه التتابع، وقد سبق ذلك. مسألة: قال الشيخ: فإن صاد بقرة وحش أو حمار وحش فقتله كان عليه دم بقرة، فإن لم يقدر عليه قومها وفض ثمنها على الطعام وأطعم كل مسكين نصف صاع، فإن زاد ذلك على إطعام ثلاثين مسكينا لم يكن عليه أكثر من ذلك، فإن لم يقدر على ذلك أيضا صام عن كل نصف صاع يوما، فإن لم يقدر على ذلك صام تسعة أيام (5)، وكذا قال ابن البراج (6)، وابن إدريس (7). وأما ابن حمزة (8) فكذا قال في بقره الوحش، وأما حمار الوحش فأوجب فيه البقرة، ولم يذكر له بدلا. والبحث في المقامات هنا كما تقدم: الأول: التخيير والترتيب، وقد سبق في كتاب الصوم. الثاني: التقويم، وهو مذهب الشيخ (9)، وابن البراج (10)، وابن إدريس (11). وقال أبو الصلاح: فإن كان حمار وحش أو بقرة وحش فعليه بقرة، فإن لم يجدها تصدق بقيمتها، فإن لم يجد فض القيمة على البر وصام لكل نصف صاع

(1) المقنعة: ص 435.
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 71.
(3) المراسم: ص 119.
(8) الوسيلة: ص 167.
(4) المبسوط: ج 1 ص 280.
(9) المبسوط: ج 1 ص 340.
(5) المبسوط: ج 1 ص 340.
(10) المهذب: ج 1 ص 227.
(6) المهذب: ج 1 ص 223 وص 227.
(11) السرائر: ج 1 ص 556.
(7) السرائر: ج 1 ص 556 - 557.

[ 96 ]

يوما (1). والمفيد قال: فإن صاد بقرة أو حمار وحش فعليه بقرة، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا، فإن لم يقدر صام تسعة أيام (2)، وكذا قال علي بن بابويه (3). وقال السيد المرتضى: وعليه عن بقرة الوحش بقرة، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا، فإن لم يقدر صام تسعة أيام (4)، وكذا قال سلار (5). لنا: إن التقويم ثبت في النعامة فيثبت هنا، لعدم القائل بالفرق. ولما رواه أبو عبيده، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا أصاب المحرم الصيد ولم يجد ما يكفر من موضعه الذي أصاب فيه الصيد قوم جزاؤه من النعم دراهم، ثم قومت الدراهم طعاما، لكل مسكين نصف صاع، فإن لم يقدر على إطعام صام لكل نصف صاع يوما (6). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن قوله تعالى: " أو عدل ذلك صياما " قال: عدل الهدي ما بلغ يتصدق به، فإن لم يكن عنده فليصم بقدر ما بلغ، لكل طعام مسكين يوما (7). احتج المفيد وموافقوه بما رواه أبو بصير، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قلت: فإن أصاب بقرة أو حمار وحش ما عليه؟ قال: عليه بقرة، قلت: فإن لم

(1) الكافي في الفقه: ص 205.
(2) المقنعة: ص 435.
(3) لم نعثر على رسالته.
(4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 71 وفيه: سبعة.
(5) المراسم: ص 119 - 120.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 466 ح 1626، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 183.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 342 ح 1184، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 8 ج 9 ص 185.

[ 97 ]

يقدر على بقرة؟ قال: فليطعم ثلاثين مسكينا، قلت: فإن لم يقدر على ما يتصدق به؟ قال: فليصم تسعة أيام (1). الثالث: جعل الشيخان - رحمهما الله - في حمار الوحش وبقرته بقرة (2). وقال أبو جعفر بن بابويه: في حمار الوحش بدنة (3). وقال ابن الجنيد (4): في حمار الوحش بدنة، ويجوز بقرة، وممن قال بالبقرة في حمار الوحش ابن أبي عقيل (5)، وشيخنا علي بن بابويه (6)، وأبو الصلاح (7)، وابن البراج (8)، وابن حمزة (9)، وابن إدريس (10). ولم يذكر السيد المرتضى، ولا سلار حكم الحمار. لنا: الأصل براءة الذمة. وما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قلت: فإن أصاب بقرة أو حمار وحش ما عليه؟ قال: عليه بقرة (11). وعن أبي الصباح الكناني، عن الصادق - عليه السلام - قال: وفي حمار

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 342 ح 1186، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 10 ج 9 ص 185.
(2) المقنعة: ص 435، النهاية ونكتها: ج 1 ص 480.
(3) المقنع: ص 77.
(4) لم نعثر على كتابه. (5) لم نعثر على كتابه.
(6) لم نعثر على رسالته.
(7) الكافي في الفقه: ص 205.
(8) المهذب: ج 1 ص 223.
(9) الوسيلة: ص 167.
(10) السرائر: ج 1 ص 556.
(11) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 342 ح 1186، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 10 ج 9 ص 185.

[ 98 ]

الوحش بقرة (1). وفي الصحيح عن حريز، عن أبي عبد الله - عليه السلام - وفي حمار الوحش بقرة (2). احتج ابن بابويه بما رواه سليمان بن خالد في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: وفي الحمار بدنة (3). وفي من لا يحضره الفقيه عن أبي بصير في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن محرم أصاب نعامة أو حمار وحش، قال: عليه بدنة (4). والجواب: إذا تعارضت الأحاديث فإن أمكن تأويل أحدها وجب، وإلا رجع إلى الأصل، والتأويل هنا موجود، وهو الحمل على الاستحباب والرجوع إلى الأصل، وهو البراءة موجود من طرقنا، وباقي المباحث آتية هنا. مسألة: قال الشيخ - رحمه الله -: ومن أصاب ظبيا أو ثعلبا أو أرنبا كان عليه دم شاة، فإن لم يقدر على ذلك قوم الجزاء وفض قيمته على البر وأطعم كل مسكين منه نصف صاع، فإن زاد ذلك على إطعام عشرة مساكين فليس عليه شئ غير ذلك، وإن نقص عنه لم يلزمه أيضا أكثر منه، فإن لم يقدر عليه صام عن كل نصف صاع يوما، فإن لم يقدر على ذلك صام ثلاثة أيام (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 341 ح 1180، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب كفارات الصيد ح 6 ج 9 ص 182.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 341 ح 1181، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 181.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 341 ح 1182، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب كفارات الصيد ح 2 ج 9 ص 181.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 365 ح 2725، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 3 ج 9 ص 183.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 480.

[ 99 ]

وقال المفيد: فإن صاد ظبيا فعليه شاة، فإن لم يجد أطعم عشرة مساكين، وإن لم يستطع صام ثلاثة أيام (1)، وكذا قال السيد المرتضى (2)، والصدوق في المقنع (3)، وسلار (4)، وابن أبي عقيل (5)، وشيخنا علي بن بابويه (6)، وكرر هنا قدر الاطعام وهو مد لكل مسكين. وقال أبو الصلاح: وإن صاد ظبيا أو ثعلبا أو أرنبا فعليه شاة، فإن لم يجد فقيمتها، فإن لم يجد صام عن كل نصف صاع من قيمتها يوما، ويجوز له إن فقد الفداء أو القمية أن يصوم للنعامة ستين يوما وللبقرة ثلاثين يوما وللظبي ثلاثة أيام، وإن صام بالقيمة أقل من هذه المدة أجزأه، وإن زادت القيمة عليها لم يتجاوزها (7). والبحث هنا في المقامات كما تقدم، بقي هنا بحثان: الأول: هل حكم الثعلب والأرنب في الابدال حكم الظبي؟ قال الشيخان (8): نعم، وهو قول السيد المرتضى (9)، وابن إدريس (10). وقال ابن الجنيد (11): وفي الظبي والثعلب والأرنب شاة، ولم يتعرض لبدل شئ من ذلك. وابن أبي عقيل (12) وعلى بن بابويه (13) لم يتعرضا لغير بدل

(1) المقنعة: ص 435.
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 71.
(3) المقنع: ص 77 - 78.
(4) المراسم: ص 120.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) لم نعثر على رسالته.
(7) الكافي في الفقه: ص 205.
(8) المقنعة: ص 435، النهاية ونكتها: ج 1 ص 480. (9) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 71.
(10) السرائر: ج 1 ص 557.
(11) لم نعثر على كتابه.
(12) لم نعثر على كتابه.
(13) لم نعثر على رسالته.

[ 100 ]

الظبي، ولم يذكر ابن أبي عقيل حكم الثعلب والأرنب. وأوجب علي بن بابويه (1) فيهما شاة شاة، وكذا قال الصدوق في المقنع (2). والشيخ ذكر حديثين استدلالا على قول المفيد: " أن في الأرنب والثعلب مثل ما في الظبي " أحدهما: عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل قتل ثعلبا، قال: عليه دم، قلت: فأرنبا، قال: مثل ما في الثعلب (3)، وهو ضعيف السند. والثاني: رواه أحمد بن محمد في الصحيح قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن محرم أصاب أرنبا أو ثعلبا، فقال: في الأرنب شاة (4). وليس في هذين الحديثين حجة على ما ادعاه. ويمكن الاحتجاج على الابدال بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن قوله تعالى: " أو عدل ذلك صياما "، قال: عدل الهدي ما بلغ يتصدق به، فإن لم يكن عنده فليصم بقدر ما بلغ لكل طعام مسكين يوما (5). الثاني: قال ابن البراج: إذا وجب عليه شاة ولم يقدر عليها قومها وفض ثمنها على البر وأطعم عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع، فإن زاد على ذلك لم يلزمه غيره، وإن نقص لم يجب عليه أكثر منه، فإن لم يقدر على ذلك صام عن كل نصف صاع يوما، فإن لم يقدر صام ثلاثة أيام، وحكم الحمل والجدي يجري هذا المجرى (6). مع أنه عدد أشياء كثيرة تجب فيها الشاة، فإن

(1) لم نعثر على رسالته.
(2) المقنع: ص 78.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 343 ح 1188، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب كفارات الصيد ح 4 ج 9 ص 190.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 343 ح 1189، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب كفارات الصيد ح 3 ج 9 ص 189.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 342 ح 1184، وسائل الشيعة ب: 2 من أبواب كفارات الصيد ح 8 ج 9 ص 185.
(6) المهذب: ج 1 ص 227.

[ 101 ]

قصد جميع ذلك فهو في موضع المنع، إذ الابدال إنما يجب في الظبي والثعلب والأرنب على إشكال. وكذا قال فيما يوجب البدنة والبقرة (1). مسألة: قال الشيخان (2): ومن أصاب يربوعا أو قنفذا أو ضبا أو ما أشبهه كان عليه جدي، وكذا قال السيد المرتضى (3)، وشيخنا علي بن بابويه (4)، وابن إدريس (5)، وابن البراج (6)، وابن حمزة (7)، وكذا قال ابن الجنيد (8)، وسلار (9)، إلا أن سلار لم يذكر الضب، وابن الجنيد لم يذكر اليربوع. وقال أبو الصلاح: وفي القنفذ والضب واليربوع حمل قد فطم ورعي من الشجر (10). والمعتمد الأول. لنا: إنه قول أكثر الأصحاب، فيكون راجحا على قول الأول فيتعين العمل به، إذ ترك النقيضين أو العمل بهما أو بالمرجوح محال، فتعين ما قلناه. وما رواه مسمع في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: في اليربوع والقنفذ والضب إذا أصابه المحرم فعليه جدي، والجدي خير منه، وإنما جعل هذا لكي ينكل عن فعل غيره من الصيد (11).

(1) المهذب: ج 1 ص 227.
(2) المقنعة: ص 435، النهاية ونكتها: ج 1 ص 481.
(3) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 71.
(4) لم نعثر على رسالته.
(5) السرائر: ج 1 ص 558.
(6) شرح جمل العلم والعمل: ص 232.
(7) الوسيلة: ص 168.
(8) لم نعثر على كتابه.
(9) المراسم: ص 120.
(10) الكافي في الفقه: ص 206، وفيه: " الحمل " بدل " الجدي ".
(11) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 344 ح 1192، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 191.

[ 102 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: في فراخ النعامة سواء، وقد روي أن فيه من صغار الإبل، والأحوط ما قدمناه (1)، وكذا في المبسوط (2). وقال في الخلاف: في صغار أولاد الصيد صغار أولاد المثل (3). وقال ابن البراج: والكبار أفضل (4). وقال شيخنا المفيد: في صغار النعام فداء بقدره من صغار الإبل في سنه، وكذا في صغار ما قتله من البقر والحمير والظباء (5). وقال السيد المرتضى: وعلى المحرم في صغار النعام بقدرة من صغار الإبل (6)، وبه قال أبو الصلاح (7). وقال ابن الجنيد (8): والاحتياط أن يكون جزاء الذكر من الصيد ذكرا من النعم وجزاء الأنثى أنثى والمسن مسنا والصغير صغيرا من الجنس الذي هو مثله في الجزاء، فإن تطوع بالأعلى سنا كان تعظيما لشعائر الله، وهو اختيار ابن إدريس (9)، وهو الأقوى. لنا: قوله تعالى: " فجزاء مثل ما قتل من النعم " (10). احتج الشيخ بالاحتياط، وبأن الفرخ يسمى باسم النوع فيثبت فيه ما

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 484.
(2) المبسوط: ج 1 ص 342.
(3) الخلاف: ج 2 ص 399 المسألة 262.
(4) المهذب: ج 2 ص 230.
(5) المقنعة: ص 436.
(6) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 71.
(7) الكافي في الفقه: ص 206.
(8) لم نعثر على كتابه.
(9) السرائر: ج 1 ص 561.
(10) المائدة: 95.

[ 103 ]

يثبت في الكبير، لتعلق الحكم على الاسم. وما رواه أبان بن تغلب قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن محرمين أصابوا فراخ نعام فذبحوها وأكلوها، فقال: عليهم مكان كل فرخ أصابوه وأكلوه بدنة (1). الحديث. والجواب: الاحتياط معارض بأصالة البراءة، ونسلم تعلق الحكم بالنوع لكن الجزاء أيضا من النوع. والحديث بعد صحة سنده محمول على أن البدنة تصدق على الصغير والكبير أو على الاستحباب. مسألة: قال الشيخ: ومن أصاب عصفورا أو صعوة (2) أو قبرة وما أشبهها كان عليه مد من طعام (3). وقال ابن الجنيد (4): وفي القمري والعصفور وما جرى مجراها قيمته، وفي الحرم قيمتان. وبالأول قال ابن البراج (5)، وابن حمزة (6)، وابن إدريس (7). وقال علي بن بابويه: وإن كان الصيد يعقوبا أو حجلة أو بلبلة أو عصفورا أو شيئا من الطير فعليك دم شاة (8). واليعقوب الذكر من القبج، والحجلة الأنثى. لنا: الأصل براءة الذمة.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 353 ح 1227، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 9 ج 9 ص 185.
(2) الصعوة: صغار العصافير.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 481.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) المهذب: ج 1 ص 225.
(6) الوسيلة: ص 171.
(7) السرائر: ج 1 ص 558.
(8) لم نعثر على رسالته.

[ 104 ]

وما رواه صفوان بن يحيى، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: القبرة والصعوة والعصفور إذا قتله المحرم فعليه مد من طعام عن كل واحد منهم (1). احتج ابن بابويه بما رواه ابن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: في المحرم ذبح طيرا أن عليه دم شاة يهريقه، فإن كان فرخا فجدي أو حمل صغير من الضأن (2). والجواب: روايتنا خاصة، فتكون مقدمة. مسألة: قال الشيخ في النهاية (3) والخلاف (4): ومن أصاب جرادة فعليه أن يتصدق بتمرة، فإن أصاب جرادا كثيرا أو أكله كان عليه دم شاة، وهو قول ابن بابويه (5)، وابن حمزة (6)، وابن البراج (7)، وابن إدريس (8). وقال في المبسوط: في الجرادة تمرة أو كف من طعام، وفي الكثير دم (9). وقال السيد المرتضى: في الجرادة كف من طعام، وفي الكثير شاة (10)، وبه

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 344 ح 1193، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 191.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 346 ح 1201، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب كفارات الصيد ح 6 ج 9 ص 194.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 492.
(4) الخلاف: ج 2 ص 414 المسألة 294. (5) المقنع: ص 79.
(6) الوسيلة: ص 167.
(7) المهذب: ج 1 ص 224 و 227.
(8) السرائر: ج 1 ص 348.
(9) المبسوط: ج 1 ص 348.
(10) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 72.

[ 105 ]

قال شيخنا المفيد (1)، وسلار (2). ونقل ابن إدريس عن علي بن بابويه: وإن أكلت جرادة فعليك دم شاة (3). والذي وصل إلينا من كلام ابن بابويه في رسالته (4): وإن قتلت جرادة تصدقت بتمرة، والتمرة خير من جرادة، فإن كان الجراد كثيرا ذبحت شاة، وإن أكلت منه فعليك دم شاة. وهذا اللفظ ليس صريحا في الواحدة. ونقل عن المفيد: ومن قتل زنبورا وهو محرم كفر عن ذلك بتمرة، وكذلك إن قتل جرادة، فإن قتل جرادا كثيرا كفر بمد من تمر، وإن كان قليلا كفر بكف من تمر (5). وقال ابن أبي عقيل (6): في الجراد كف من طعام. وقال ابن الجنيد (6): في أكل الجراد عمدا دم كذلك. روى ابن يحيى، عن عروة الحناط، عن أبي عبد الله - عليه السلام - ومعناه إذا كان على الرفض لاحرامه، وقد ذهب إلى ذلك ابن عمر، فإن قتلها خطأ كان فيها كف من طعام. وكذلك روى ابن سعيد، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله - عليهما السلام - قالا: إن قتل كثيرا فشاة (7). والأقرب الأول. لنا: ما رواه زرارة في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في محرم قتل جرادة، قال: يطعم تمرة، وتمرة خير من جرادة (8).

(1) المقنعة: ص 438.
(2) المراسم: ص 120 و 122.
(3) السرائر: ج 1 ص 558.
(4) لم نعثر على رسالته.
(5) السرائر: ج 1 ص 566. (6) لم نعثر على كتابه.
(7) لم نعثر على كتابه.
(8) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 363 ح 1265، وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب كفارات الصيد ح 2 ج 9 ص 232.

[ 106 ]

احتج ابن الجنيد بما رواه عروة الحناط، عن الصادق - عليه السلام - في رجل أصاب جرادة فأكلها، فقال: عليه دم (1). واحتج المفيد بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن محرم قتل جرادا، قال: كف من طعام، وإن كان كثيرا فعليه دم شاة (2). والجواب عن الأول: بأن طريق حديثنا أصح. وحديث ابن الجنيد في طريقه صالح بن عقبة، وهو كذاب غال لا يلتفت إليه، وعروة لا يحضرني الآن حاله. وحديث المفيد لا بأس به، لكن لا يدل على الواحدة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن قبل زنبورا أو زنابير خطأ لم يكن عليه شئ، فإن قتله عمدا فليتصدق بشئ (3). وفي المبسوط: يجوز للمحرم قتل الزنابير (4). وقال المفيد: ومن قتل زنبورا تصدق بتمرة، فإن قتل زنابير كثيرة تصدق بمد من طعام أو مد من تمر (5)، وكذا قال السيد المرتضى (6). وقال ابن الجنيد (7): وفي الزنبور كف من تمر أو طعام. وقال ابن البراج: لو أصاب زنبورا متعمدا فعليه كف من طعام (8)، وكذا

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 364 ح 1266، وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب كفارات الصيد ح 5 ج 9 ص 232.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 364 ح 1267، وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب كفارات الصيد ح 3 ج 9 ص 232.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 493.
(4) المبسوط: ج 1 ص 339.
(5) المقنعة: ص 438.
(6) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 72. (7) لم نعثر على كتابه.
(8) المهذب: ج 1 ص 226.

[ 107 ]

قال ابن إدريس قال: ولا شئ في الخطأ (1)، وهو قول الصدوق في المقنع (2) ومن لا يحضره الفقيه (3). وقال ابن حمزة: لو قتل زنبورا تصدق بكف من طعام (4)، وهو قول علي بن بابويه (5). وقال سلار: من قتل زنبورا تصدق بتمرة، وإن كثر تصدق بمد من تمر (6). وقال أبو الصلاح: وفي قتل الزنبور كف من طعام، فإن قتل زنابير فصاع، وفي قتل الكثير دم شاة (7). والأقوى أنه إن قتله خطأ لم يكن عليه شئ، بخلاف غيره من الصيود، وإن كان عمدا تصدق بشئ. لنا: الأصل براءة الذمة في الخطأ، وقوله - عليه السلام -: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " (8). وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن محرم قتل زنبورا، فقال: إن كان خطأ فلا شئ عليه، قلت: بل عمدا، قال: يطعم شيئا من الطعام (9).

(1) السرائر: ج 1 ص 558.
(2) المقنع: ص 79.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 372 ذيل الحديث 2732.
(4) الوسيلة: ص 171.
(5) لم نعثر على رسالته.
(6) المراسم: ص 122.
(7) الكافي في الفقه: ص 206.
(8) سنن ابن ماجة: ج 1 ص 659 ح 2045.
(9) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 365 ح 1271، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 192.

[ 108 ]

مسألة: قال الصدوق في المقنع (1) ومن لا يحضره الفقيه (2): فإن قتل عظاية فعليه أن يتصدق بكف من طعام، وهو قول الشيخ في التهذيب (3). وقال ابن الجنيد (4): كف من تمر أو طعام. والأقوى الأول. لنا: ما رواه معاوية في الصحيح قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: محرم قتل عظاية، قال: كف من طعام (5). مسألة: قال في المبسوط: البط والأوز والكركي يجب فيه شاة، وهو الأحوط، وإن قلنا فيه القيمة - لأنه لا نص فيه - كان جائزا (6). وقال ابن حمزة: في صيد الكركي شاة على رواية، وفي صيد البط والأوز شاة (7). ويجئ على قول ابن بابويه (8) الشاة، حيث أوجبها في كل طير عدا النعامة، لرواية ابن سنان الصحيحة، عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: في محرم ذبح طيرا أن عليه دم شاة يهريقه (9). مسألة قال الشيخ في النهاية (10): يكره شراء القماري وما أشبهها واخراجها

(1) المقنع: ص 79.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 372 ذيل الحديث 2732. (3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 344 ذيل الحديث 1193.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 345 ح 1194، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب كفارات الصيد ح 3 ج 9 ص 192.
(6) المبسوط: ج 1 ص 346.
(7) الوسيلة: ص 167.
(8) المقنع: ص 78.
(9) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 346 ح 1201، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب كفارات الصيد ح 6 ج 9 ص 194.
(10) النهاية ونكتها: ج 1 ص 483.

[ 109 ]

من مكة. وفي المبسوط: يكره شراء القماري والدباسي بمكة واخراجها منها (1). ومنع ابن إدريس (2) من ذلك، وهو الأقرب. لنا: إنه صيد. وما رواه عيص في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن شراء القماري يخرج من مكة والمدينة، فقال: ما أحب أن يخرج منها شئ (3). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: يجوز له قتل البراغيث والقمل، إلا أنه إذا قتل القمل على بدنه لا شئ عليه، وإن أزاله عن جسمه فعليه الفداء، والأولى ألا يعرض له ما لم يؤذه (4). وقال في النهاية: لا يجوز للمحرم أن يقتل البق والبرغوث وما أشبههما في الحرم، فإن كان محلا لم يكن به بأس (5)، وبه قال ابن إدريس (6). وقال ابن الجنيد (7): ولا كفارة في قتل البقة والبرغوث إذا أذيا المحرم. وقال ابن أبي عقيل (8): وإن قتل القملة تصدق بكف من طعام. وقال في التهذيب: لا بأس أن يقتل البق والبرغوث والقمل في الحرم إذا

(1) المبسوط: ج 1 ص 341.
(2) السرائر: ج 1 ص 559 - 560. (3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 349 ح 1212، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب كفارات الصيد ح 3 ج 9 ص 203.
(4) المبسوط: ج 1 ص 339.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 493.
(6) السرائر: ج 1 ص 567 - 568.
(7) لم نعثر على كتابه.
(8) لم نعثر على كتابه.

[ 110 ]

كان محلا، ولا يجوز له إذا كان محرما، وفيه الكفارة (1). وقال المفيد (2) والسيد المرتضى (3): ومن نزع عن جسده قملة فقتلها أو رمى بها فليطعم مكانها كفا من طعام. احتج الشيخ على المنع بما رواه معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال: اتق قتل الدواب كلها إلا الأفعى والعقرب والفار (4). وعلى الجواز بما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس بقتل القمل والبق في الحرم (5). وفي الصحيح عن معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس بقتل النمل والبق في الحرم، ولا بأس بقتل القملة في الحرم (6). ولأنها من المؤذيات فجاز قتلها. واستدل على إيجاب الفدية بما رواه حماد بن عيسى في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن المحرم يبين القملة عن جسده فيلقيها، قال: يطعم مكانها طعاما (7).

تهذيب الأحكام: ج 5 ص 366 ذيل الحديث 1275.
(2) المقنعة: ص 435.
(3) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 71.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 365 ح 1273، وسائل الشيعة: ب 81 من أبواب تروك الاحرام ح 2 ج 9 ص 166.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 366 ح 1276، وسائل الشيعة: ب 84 من أبواب تروك الاحرام ح 1 ج 9 ص 171. (6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 366 ح 1277، وسائل الشيعة: ب 84 من أبواب تروك الاحرام ح 2 ج 9 ص 171.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 366 ح 1158، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1 ج 9 ص 297.

[ 111 ]

وروي السقوط في الصحيح عن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: ما تقول في محرم قتل قملة؟ قال: لا شئ في القلمة، ولا ينبغي أن يتعمد قتلها (1). وأوجب الشيخ (2) الكفارة. مسألة: قال الشيخ: إذا كسر المحرم بيض النعام اعتبر، فإن كان قد تحرك فيه الفرج فعليه عن كل بيضة بكارة من الإبل، وإن لم يكن تحرك فعليه أن يرسل فحولة الإبل في إناثها بعدد البيض، فما خرج كان هديا لبيت الله تعالى، فإن لم يقدر على ذلك كان عليه عن كل بيضة شاة، فإن لم يقدر على ذلك كان عليه إطعام عشرة مساكين، فإن لم يقدر على ذلك صام ثلاثة أيام (3). وقال المفيد: إذا كسر المحرم بيض نعام فعليه أن يرسل فحولة الإبل في إناثها بعدد ما كسر، فما نتج كان هديا لبيت الله تعالى، فإن لم يجد ذلك فعليه لكل بيضة دم شاة، فإن لم يجد فاطعام عن كل بيضة عشرة مساكين، فإن لم يجد صام عن كل بيضة ثلاثة أيام (4). وكذا قال السيد المرتضى (5). وقال ابن الجنيد (6): فما جزاء الأم منه بدنة، ضرب الفحل عدد البيض الذي فدغه أو أكله المحرم النوق العراب، فما خرج كان هديا بالغ الكعبة. وقال علي بن بابويه (7): وإن أكلت بيضة نعامة فعليك دم شاة، وكذلك إن وطئتها وكان فيها فرخ يتحرك فعليك أن ترسل فحولة من الإبل على الإناث

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 337 ح 1166، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 6 ج 9 ص 298.
(2) المبسوط: ج 1 ص 350.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 484 - 485.
(4) المقنعة: ص 436.
(5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 71. (6) لم نعثر على كتابه.
(7) لم نعثر على رسالته.

[ 112 ]

بقدر عدد البيض، فما نتج منها فهو هدي لبيت الله تعالى. وقال ابنه في المقنع: فإذا أصاب المحرم بيض نعام ذبح عن كل بيضة شاة بقدر عدد البيض، فإن لم يجد شاة فعليه صيام ثلاثة أيام، فإن لم يقدر فاطعام عشرة مساكين. فإذا وطئ بيض نعام ففدغها وهو محرم فعليه أن يرسل الفحل من الإبل على قدر عدد البيض، فما لقح وسلم حتى ينتج كان النتاج هديا بالغ الكعبة (1). وكذا قال في كتاب من لا يحضره الفقيه إلا أنه قال: فإن وطئ بيض نعام ففدغها وهو محرم وفيها أفراخ تتحرك فعليه أن يرسل فحوله من البدن (2). إلى آخر كلامه. وقال سلار: ومن كسر بيض نعام كان عليه الإرسال، فإن لم يكن له ابل فعليه لكل بيضة شاة (3). وقال أبو الصلاح: إن تحرك فيه الفرخ فلكل بيضة فصيل، وإن لم يتحرك فارسال فحولة الإبل، فإن لم يكن له الإبل فلكل بيضة شاة (4). وقال ابن البراج: إن تحرك الفرخ فبدنة عن كل بيضة، وإن لم يتحرك أرسل (5). وقال ابن حمزة: إن تحرك الفرخ لزمه ماخض من الإبل، وإن لم يتحرك أرسل الفحولة، فإن عجز فعن كل بيضة، فإن عجز تصدق على عشرة مساكين، فإن عجز صام ثلاثة أيام (6).

(1) المقنع: ص 78.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 369 ذيل الحديث 2730.
(3) المراسم: ص 120.
(4) الكافي في الفقه: ص 206.
(5) المهذب: ج 1 ص 222.
(6) الوسيلة: ص 169.

[ 113 ]

وقال ابن إدريس: إن تحرك الفرخ فعن كل بيضة من صغار الإبل، وروي بكارة من الإبل، وليست هنا الأنثى بل هي جمع بكر، فوجب عن كل بيضة واحد من هذا الجمع، وإن لم يتحرك أرسل الفحولة، فإن عجز فعن كل بيضة شاة، فإن عجز فعن كل بيضة إطعام عشرة مساكين، فإن عجز فعن كل بيضة صيام ثلاثة أيام (1). والأقرب أنه إن تحرك فيه الفرخ فعن كل بيضة بعير أو بكارة من الإبل، وإن لم يتحرك فالارسال، فإن لم يتمكن فعليه لكل بيضة شاة، فإن لم يجد تصدق على عشرة مساكين لكل مسكين مد، فإن لم يقدر صام ثلاثة أيام. لنا: ما رواه سليمان بن خالد في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قال: في كتاب علي - عليه السلام - في بيض القطاة بكارة من الغنم إذا أصابه المحرم مثل ما في بيض النعام بكارة من الإبل (2). وإنما قيدنا ذلك بالتحريك للاجماع، ولما رواه علي بن جعفر في الصحيح قال: سألت أخي عن رجل كسر بيض نعام وفي البيض فراخ قد تحرك، فقال: عليه لكل فرخ تحرك بعير ينحره في المنحر (3). ولأنه قد روي الإرسال مع جهل حاله، فلا يجوز إيجاب البكارة أو البعير معه. روى الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: من أصاب بيض نعام وهو محرم فعليه أن يرسل الفحل في مثل عدة البيض من الإبل، فإنه

(1) السرائر: ج 1 ص 561 - 562.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 355 ح 1233، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب كفارات الصيد ح 4 ج 9 ص 217.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 355 ح 1234، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 216.

[ 114 ]

ربما فسد كله، وربما خلق كله، وربما صلح بعضه وفسد بعضه (1). الحديث. وعلى العجز ما رواه علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن رجل أصاب بيض نعامة وهو محرم، قال: يرسل الفحل - إلى أن قال: - فمن لم يجد إبلا فعليه لكل بيضة شاة، فإن لم يجد فالصدقة على عشرة مساكين لكل مسكين مد، فإن لم يقدر فصيام ثلاثة أيام (2). إذا عرفت هذا فاعلم أن ابن إدريس نقل عن المفيد في المقنعة: إن من وطئ بيض نعام وهو محرم فكسره كان عليه أن يرسل فحولة الإبل على إناثها بعدد ما كسر من البيض، فما نتج منها كان المنتوج هديا لبيت الله عزوجل، فإن لم يقدر على ذلك كفر عن كل بيضة باطعام ستين مسكينا، فإن لم يجد الاطعام صام عن كل بيضة شهرين متتابعين، فإن لم يستطع صام ثمانية عشر يوما عوضا عن إطعام كل عشرة مساكين بصيام ثلاثة أيام (3). ولم ينقل الشيخ ذلك في التهذيب عنه، ولا ظفرت أنا به أيضا (4). مسألة: قال الشيخ: إذا أصاب المحرم بيض القطاة أو القبج فعليه أن يعتبر حال البيض، فإن كان قد تحرك فيها فرخ كان عليه عن كل بيضة مخاض من الغنم، فإن لم يكن فيها شئ كان عليه أن يرسل فحولة الغنم في إناثها بعدد البيض، فما نتج كان هديا لبيت الله تعالى، فإن لم يقدر عليه حكمه حكم بيض النعام سواء (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 354 ح 1230، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 214. (2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 354 ح 1229، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب كفارات الصيد ح 5 ج 9 ص 215.
(3) السرائر: ص 565.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 489.
(5) لقد ظفرت عليه في المقنعة في كتاب الكفارات: ص 572.

[ 115 ]

قال المفيد: فإن كسر بيض القطاة أو القبج وما أشبههما أرسل فحولة الغنم في إناثها، وكان ما نتج هديا لبيت الله، فإن لم يجد فعليه لكل بيضة دم شاة، فإن لم يجد أطعم عن كل بيضة عشرة مساكين، فإن لم يجد صام عن كل بيضة ثلاثة أيام (1). وقال ابن الجنيد (2): وما كان جزاء الأم منه شاة، قرع الفحل عددها من النعاج أو المعزى، فما خرج كان هديا بالغ الكعبة. وقال شيخنا علي بن بابويه (3): وفي بيض القطاة إذا أصابه قيمته، فإن وطئتها وفيها فراخ يتحرك فعليك أن ترسل الذكر من المعز على عددها من الإناث على قدر عدد البيض، فما نتج فهو هدي لبيت الله. وقال ابنه في المقنع (4) ومن لا يحضره الفقيه (5): فإن وطئ بيض قطاة فشدخه فعليه أن يرسل الفحل من الغنم في عدد البيض، كما أرسل الفحل من الإبل في عدد البيض. وقال سلار: وفي كسر بيض القطاة إرسال ذكور الغنم في إناثها، وجعل ما نتج هديا (6). وقال أبو الصلاح: ولبيض القبج والدراج إرسال فحولة الغنم على إناثها، فما نتج كان هديا (7).

(1) المقنعة: ص 436، وعبارة " فإن لم يجد فعليه لكل بيضة دم شاة. الخ " موجودة في الهامش.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) لم نعثر على رسالته.
(4) المقنع: ص 78.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 369 ذيل الحديث 2730.
(6) المراسم: ص 120. (7) الكافي في الفقه: ص 206.

[ 116 ]

وقال ابن البراج: فإن أصاب بيض حجلة أو حمامة وقد تحرك الفرخ فشاة، فإن لم يكن قد تحرك أرسل فحولة الغنم في إناثها بعدد البيض، فما نتج كان هديا لبيت الله (1). وقال ابن حمزة: إن تحرك الفراخ في بيض القطاة والقبج فعن كل بيضة ماخض من الغنم، وإن لم يتحرك أرسل فحولة الغنم في إناثها بعدد البيض فالناتج هدي، فإن عجز تصدق عن كل بيضة قطاة بدرهم (2). وقال ابن إدريس: إن تحرك الفرخ في بيض القطاة والقبج والدراج فعن كل بيضة مخاض من الغنم، أي ما يصح أن يكون ماخضا ولا يريد به الحامل -، وإن لم يكن تحرك كان عليه أن يرسل فحولة الغنم في إناثها بعدد البيض، فما نتج كان هديا لبيت الله عزوجل، فإن لم يقدر كان حكمه حكم بيض النعام. هكذا أورده شيخنا في نهايته، وقد وردت بذلك أخبار، ومعناه: إن النعام إذا كسر بيضة فتعذر الإرسال الغنم وجب في كل بيضة شاة، والقطاة إذا كسر بيضه فتعذر إرسال الغنم وجب في كل بيضة شاة، فهذا وجه المشابهة بينهما فصار حكمه حكمه، ولا يمتنع ذلك إذا قام الدليل عليه (3). والأقرب عندي أنه إن تحرك الفرخ فعن كل بيضة مخاض من الغنم، وإن لم يتحرك فالارسال. لنا: ما رواه سليمان بن خالد في الصحيح قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: في كتاب علي - عليه السلام - في بيض القطاة بكارة من الغنم (4).

(1) المهذب: ج 1 ص 224.
(2) الوسيلة: ص 169.
(3) السرائر: ج 1 ص 565.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 355 ح 1233، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب كفارات الصيد ح 4 ج 9 ص 217.

[ 117 ]

وإنما قلنا: إن ذلك مع التحريك، لما رواه سليمان بن خالد ومنصور بن حازم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قالا: سألناه عن محرم وطئ بيض القطاة فشدخه، قال: يرسل الفحل في مثل عدة البيض من الغنم، كما يرسل الفحل في عدة البيض من الإبل (1). ولا يجوز حمل هذا الحديث على التحرك والأول على عدمه، لعدم التناسب، ولمرجوحية الراجح. بقي الاشكال لو تعذر الإرسال فنقول: لا يجوز المصير إلى ما قاله شيخنا المفيد، ولا ما تأول به ابن إدريس، لأنه لا يجوز استدلال الأقوى على الاضعف مع العجز عن الاضعف، لامتناع التكليف بمثل ذلك، ولا ريب أن الإرسال في التكليف أضعف، إذ ربما لا يحصل النتاج، فكيف يتوهم إيجاب الأقوى وهو الشاة التي لا تجب مع المكنة حالة العجز؟! فإن ذلك غير معقول. وما أحسن قول ابن حمزة إن ساعده النقل والأخبار التي ادعى ابن إدريس لم يرد بما قاله. نعم قد روى سليمان بن خالد في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: في كتاب علي - عليه السلام - في بيض القطاة كفارة مثل ما في بيض النعام (2). لكن إيجاب الكفارة كما يجب في بيض النعام لا يقتضي المساواة في القدر. مسألة: قال الشيخ: يعتبر حال بيض الحمام، فإن كان قد تحرك فيه الفرخ فعليه عن كل بيضة شاة، فإن لم يتحرك فعليه القيمة (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 356 ح 1237، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب كفارات الصيد ح 5 ج 9 ص 218.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 357 ح 1240، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب كفارات الصيد ح 2 ج 9 ص 218.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 489 - 490.

[ 118 ]

وقال ابن البراج: من أصاب حجلة أو حمامة أو شيئا من بيضهما ويكون قد تحرك فيه الفرخ فعليه شاة، وإن لم يتحرك أرسل فحولة الغنم في إناثها بعدد البيض، فما نتج كان هديا لبيت الله تعالى (1). وقال ابن إدريس: إن تحرك فعن كل بيضة حمل، وإن لم يتحرك فالقيمة (2). فالشيخ وابن إدريس لم يعتبرا الإرسال مع عدم التحرك، وابن البراج اعتبره. وقال ابن إدريس: بيض الحمام خاصة لا يجب على من أصابه إرسال فحولة الغنم ولا الإبل، وإنما يجب في بيض النعام والقطاة والقبج خاصة (3). وابن الجنيد (4): - رحمه الله - قال: وما كان جزاء الأم منه شاة، قرع الفحل عددها من النعاج أو المعز، فما خرج كان هديا بالغ الكعبة، وهو يوافق قول ابن البراج إلا أنه لم يعتبر التحرك وعدمه. والمعتمد الأول. لنا: ما رواه علي بن جعفر في الصحيح قال: سألت أخي موسى - عليه السلام - عن رجل كسر بيض الحمام وفي البيض فراخ قد تحرك، فقال: عليه أن يتصدق عن كل فرخ قد تحرك بشاة ويتصدق بلحومها إن كان محرما، وإن كان الفرخ لم يتحرك تصدق بقيمته ورقا اشترى به علفا يطرحه لحمام الحرم (5). مسألة: قال الشيخ في المبسوط (6) والخلاف (7: إذا قتل صيدا مكسورا أو

(1) المهذب: ج 1 ص 224.
(2) السرائر: ج 1 ص 566. (3) السرائر: ج 1 ص 559.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 358 ح 1244، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 219.
(6) المبسوط: ج 1 ص 344.
(7) الخلاف: ج 2 ص 400 المسألة 263.

[ 119 ]

اعور فالأحوط أن يفديه بصحيح، فإن أخرج مثله كان جائزا. وقال ابن الجنيد (1): لو كان الصيد الذي أصابه مقصوصا لم يجزه إلا بكامل. والأقرب الأول. لنا: قوله تعالى: " فجزاء مثل ما قتل من النعم " (2)، والمماثلة تقتضي المساواة في الذات والصفات. مسألة: قال الشيخ: لا يجوز صيد حمام الحرم في الحل (2)، وجوزه في المبسوط (4) والخلاف (5) في كتاب الصيد والأطعمة، وبه قال ابن إدريس (6). والأول أولى. لنا: إن للحرم حرمة ليست لغيره، فناسب تحريم الملتجئ إليه وإن خرج عنه. وما رواه علي بن جعفر في الصحيح قال: سألت أخي موسى - عليه السلام - عن حمام الحرم يصاد في الحل؟ فقال: لا يصاد حمام الحرم حيث كان إذا علم أنه من حمام الحرم (7). احتج الشيخ بالأصل. والجواب: إنه معارض بالاحتياط. مسألة: قال الشيخ: لو رمى اثنان صيدا فأصابه أحدهما وأخطأه الآخر كان

(1) المائدة: 95.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 482.
(4) المبسوط: ج 6 ص 275.
(5) الخلاف: ج 3 ص 251 المسألة 29 طبع اسماعيليان.
(6) السرائر: ج 1 ص 559. (7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 348 ح 1209، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب كفارات الصيد ح 4 ج 9 ص 203.

[ 120 ]

على كل واحد منهما الفداء (1). وقال ابن إدريس: لا يجب على المخطئ شئ إلا أن يدل، فيجب للدلالة لا للرمي (2). والمعتمد الأول. لنا: إنه أعان المصيب فوجب الفداء. وما رواه ضريس بن أعين في الصحيح قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن رجلين محرمين رميا صيدا فأصابه أحدهما، قال: على كل واحد منهما الفداء (3). وعن إدريس بن عبد الله قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن محرمين يرميان صيدا فأصابه أحدهما الجزاء بينهما أو على كل واحد منهما؟ قال: عليهما جميعا، يفدي كل واحد منهما على حدته (4). احتج بالأصل. والجواب: المعارضة بالاحتياط. مسألة: المشهور أن المخطئ والعامد سواء في الجزاء المبتدئ. وقال السيد المرتضى في الانتصار: مما انفردت به الامامية القول: بأن المحرم إذا قتل صيدا متعمدا كان عليه جزاءان، وإن صاد المحرم في الحرم تضاعفت عليه الفدية (5).

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 483.
(2) السرائر: ج 1 ص 561.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 352 ح 1223، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 20 ص 212.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 351 ح 1222، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب كفارات الصيد ح 2 ج 9 ص 212.
(5) الانتصار: ص 99.

[ 121 ]

وفي المسائل الناصرية: عندنا إن من قتل صيدا متعمدا قاصدا رفص إحرامه وكان عليه جزاءان، وإن كان قتله خطأ أو جهلا فعليه جزاء واحد (1). لنا: قوله تعالى: " ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم " (2). ولأن الأصل براءة الذمة. وما رواه أحمد بن محمد في الصحيح قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن المحرم يصيب الصيد بجهالة أو خطأ أو عمد فهم فيه سواء؟ قال: لا، قلت: جعلت فداك ما تقول في رجل أصاب صيدا بجهالة وهو محرم؟ قال: عليه الكفارة، قلت: فإن أصابه خطأ؟ قال: وأي شئ الخطأ عندك؟ قلت: يرمي مع هذه النخلة فيصيب نخلة أخرى، فقال: نعم هذا الخطأ، وعليه الكفارة، قلت: فإنه أخذ ظبيا متعمدا فذبحه وهو محرم؟ قال: عليه الكفارة، قلت: جعلت فداك ألست قلت: إن الخطأ والجهالة والعمد ليس بسواء؟ فبأي شئ يفصل المتعمد [ من ] الخاطئ؟ قال: بأنه أثم ولعب بدينه (3). فجعل الفارق الإثم خاصة. احتج السيد المرتضى بإجماع الطائفة، وطريقة الاحتياط، واليقين ببراءة الذمة، لأنه مع تضاعف الجزاء يحصل يقين ببراءة ذمته من جنايته، وليس كذلك لو اقتصر على جزاء واحد. قال: ويمكن أن يقال: إنه قد ثبت إن من قتل صيدا ناسيا يجب عليه الجزاء، والعمد أغلظ من النسيان في الشريعة، فيجب أن يتضاعف الجزاء عليه

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية) ص 245 وفيه: نقض إحرامه.
(2) المائدة: 95.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 360 ح 1253، وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب كفارات الصيد ح 3 ج 9 ص 226.

[ 122 ]

مع العمد (1). والجواب: منع الاجماع، والاحتياط معارض بالبراءة، ولأنه لا ينهض دليلا مستقلا بإيجاب ما لم يثبت سبب وجوبه، إذ ليس لقائل أن يقول: يجب عليه ثلاث جزاءات أو أربع ويسوق ما قاله، والغلظ في العقوبة لا يستلزم تزايد الفدية، كما في قتل العمد والخطأ. مسألة: تتكرر الكفارة بتكرر الصيد خطأ إجماعا، وفي تكررها مع العمد للشيخ قولان: أحدهما: تتكرر، ذكره في الخلاف (2) والمبسوط (3)، وبه قال ابن إدريس (4)، وهو الظاهر من كلام السيد المرتضى فإنه قال: وكل ما أتلفه المحرم من عين حرم عليه اتلافها، فعليه بتكرار الاتلاف تكرار الفدية، سواء كان ذلك في مجلس واحد أو في مجالس، كالصيد الذي يتلفه من جنس واحدا أو أجناس مختلفة، وسواء كان قد فدى العين الأولى أو لم يفدها (5)، وكذا قال ابن الجنيد (6). وقال أبو الصلاح: تكرير القتل يوجب تكرير الكفارة (7)، وأطلق. وقال شيخنا علي بن بابويه (8): وكل شئ أتيته في الحرم بجهالة وأنت محل أو محرم أو أتيته في الحل وأنت محرم فليس عليك شئ، إلا الصيد فإن عليك

(1) الانتصار: ص 99.
(2) الخلاف: ج 2 ص 397 المسألة 259.
(3) المبسوط: ج 1 ص 342.
(4) السرائر: ج 1 ص 563. (5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 72.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) الكافي في الفقه: ص 205.
(8) لم نعثر على رسالته.

[ 123 ]

فداؤه، فإن تعمدته كان عليك فداؤه وإثمه. وأطلق القول الثاني للشيخ في النهاية: إنه لا كفارة عليه، وهو ممن ينتقم الله تعالى منه (1)، وهو اختيار الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه (2) والمقنع (3)، وبه قال ابن البراج (4). والأقرب الأول. لنا: إن المقتضي موجود، والمعارض لا يصلح أن يكون معارضا فيثبت الحكم. أما وجود المقتضي فلأن العموم قائم في قوله تعالى: " فمن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم " (5)، فإنه كما يتناول الابتداء يتناول التكرير من غير رجحان. وأما عدم المعارض فلأنه ليس إلا قوله تعالى: " ومن عاد فينتقم الله منه " (6)، وإنما قلنا: إنه لا يصلح للمانعية، لأنه لا امتناع في الجمع بين إيجاب الجزاء مع العود وثبوت الانتقام، ومع إمكان الاجتماع فلا منافاة، فيبقى الدليل الدال على الوجوب سالما عن المعارض. وما رواه معاوية بن عمار في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - في المحرم يصيد الصيد، قال: عليه الكفارة في كل ما أصاب (7). وفي الصحيح عن ابن أبي عمير قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: محرم أصاب صيدا، قال: عليه الكفارة، قلت: فإن عاد، قال: عليه كلما عاد

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 485.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 370 ذيل الحديث 2731.
(3) المقنع: ص 78.
(4) المهذب: ج 1 ص 228.
(5) المائدة: 95.
(6) المائدة: 95.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 372 ح 1295، وسائل الشيعة: ب 47 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 243.

[ 124 ]

كفارة (1). وترك الاستفصال يدل على عمومية المقال. ولأنه أحوط. ولأنه قتل صيدا عمدا، فوجب عليه جزاؤه كالمرة الأولى. ولأنه قتل صيدا فتكرر بتكرره كالخطأ. ولأن الذنب فيه أفحش فالعقوبة أكمل. ولأنها جناية في إحرام فتكررت المؤاخذة عليها بتكريرها، كاللبس والطيب. ولأنه اتلاف عين فتكررت الصدقة عنه، كقلع الشجر. ولأن التكرر إما أن يكون مسقطا مع اتحاد نوع الصيد أو مطلقا، والقسمان باطلان، فيبطل كونه مسقطا. أما الأول: فلأنه مع اختلافه يصدق عليه العود فيتحقق مجازاة الانتقام خاصة فيه. وأما الثاني: فلأنه يلزم أن من قتل نعامة عقيب قتل جرادة أو زنبور أن يسقط عنه كفارة قتل النعامة ويجب عليه كفارة الزنبور أو الجرادة، وذلك غير مناسب للحكمة. ولأن الاسقاط إما لعظم الذنب أو للتخفيف (2)، والقسمان باطلان. أما الأول: فلأنه يلزم أن يكون ذنب من قتل جرادة عقيب قتل نعامة أعظم من ذنب قتل النعامة، وليس كذلك، لأن التفاوت بين الجزءين عظيم جدا، وهو على نسبة التفاوت بين الذنبين. والثاني: باطل قطعا، لأن الذنب المتكرر أفحش من المبتدئ، فيقبح التخفيف عنه عن المبتدئ. احتج الشيخ بقوله تعالى: " ومن عاد فينتقم الله منه " (3)، جعل مجازاة

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 372 ح 1296، وسائل الشيعة: ب 47 من أبواب كفارات الصيد ح 3 ج 9 ص 244.
(2) ن: التخفيف.
(3) الخلاف: ج 2 ص 397 ذيل المسألة 259.

[ 125 ]

العود الانتقام، فيسقط الجزاء عملا بأصالة البراءة. وبما رواه الحلبي في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاؤه ويتصدق بالصيد على مسكين، فإن عاد فقتل صيدا آخر لم يكن عليه جزاؤه، وينتقم الله منه، والنقمة في الآخرة (1). وما رواه ابن أبي عمير في الصحيح، عن بعض أصحابه، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا أصاب المحرم الصيد خطأ فعليه الكفارة، فإن أصابه ثانية خطأ فعليه الكفارة أبدا إذا كان خطأ، فإن أصابه متعمدا كان عليه الكفارة، فإن أصابه ثانية متعمدا فهو ممن ينتقم الله منه، ولم يكن عليه الكفارة (2). والجواب: قد بينا عدم التنافي بين الانتقام بالعود وعمومية الجزاء فيه وفي الابتداء، وأصالة البراءة معارضة بالاحتياط وبعمل أكثر الناس. فإن الشيخ قال: إنه قول عامة أهل العلم، والاسقاط قال به داود (3)، فيكون مرجوحا بالنسبة إلى الأول. وعن الرواية الأولى: إنها متروكة الظاهر، لأن مقتول المحرم حرام، فكيف يسوق له التصدق به على المسكين؟! فيحمل على ما إذا جعله غير ممتنع فيصير كالمقتول، وحينئذ لا يبقى فيه دلالة. سلمنا، لكنه يحتمل أن يكون قوله: " ولم يكن عليه جزاؤه " أي منفردا عن غيره، كالابتداء المنفرد عن غيره، بل هو واجب مع غيره وهو الانتقام. وبهذا

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 372 ح 1297، وسائل الشيعة: ب 48 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 244.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 372 ح 1298، ووسائل الشيعة: ب 48 من أبواب كفارات الصيد ح 2 ج 9 ص 244.
(3) الخلاف: ج 2 ص 397 المسألة 259.

[ 126 ]

نجيب عن الثاني، مع أن طرق أحاديثنا أظهر. واعلم أن هذا التأويل بعيد، لعدم فهمه وسبقه إلى الذهن، وليس بعيدا من الصواب ما ذهب إليه، لدلالة لحديث عليه. وقد عرفت أن خبر الواحد يخص عموم القرآن، لكن الأول أظهر بين العلماء. مسألة: المشهور أن المحرم في الحرم يجب عليه الجزاء والقيمة. وقال ابن الجنيد (1): يجب الفداء مضاعفا، وهو أحد قولي السيد المرتضى (2)، وجعله أبو الصلاح (3) رواية. والقول الآخر: يجب عليه الفداء والقيمة أو القيمة مضاعفة (4). وقال المفيد: يجب الفداء والقيمة مضاعفة (5) وكذا قال سلار (6). والمشهور الأول. لنا: ما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن قتل المحرم حمامة في الحرم فعليه شاة، وثمن الحمامة درهم أو شبهه، ويتصدق به أو يطعمه حمام مكة، فإن قتلها في الحرم وليس بمحرم فعليه ثمنها (7). وقد روى معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - وإن أصبته وأنت محرم في الحرم فعليك الفداء مضاعفا (8).

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) الانتصار: ص 99.
(3) الكافي في الفقه: ص 205.
(4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 72 وفيه: عليه الفداء والقيمة مضاعفة.
(5) المقنعة: ص 438.
(6) المراسم: ص 121. (7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 370 ح 1289، وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب كفارات الصيد ح 2 ج 9 ص 240.
(8) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 370 ح 1288، وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب الصيد ح 5 ج 9 ص 227.

[ 127 ]

مسألة: المشهور أن المحرم إذا قتل حمامة في الحرم كان عليه الجزاء والقيمة، وهو شاة ودرهم. وقال ابن أبي عقيل (1): من قتل حمامة في الحرم وهو محرم فعليه شاة. لنا: ما تقدم في رواية الحلبي الحسنة، عن الصادق - عليه السلام -. مسألة: قال الشيخ في النهاية (2) والمبسوط (3) والتهذيب (4): ما يجب فيه التضعيف هو ما لم يبلغ بدنة، فإذا بلغ ذلك لم يجب عليه غير ذلك. وقال ابن إدريس: يتضاعف، وباقي أصحابنا أطلقوا القول بالتضعيف (5). واحتج الشيخ بما رواه الحسن بن علي بن فضال، عن رجل سماه، عن الصادق - عليه السلام - في الصيد يضاعفه ما بينه وبين البدنة، فإذا بلغ البدنة فليس عليه التضعيف (6). وفي طريق هذه الرواية ضعف مع أنها مرسلة. والأصل يناسب ما ذهب إليه الشيخ، والاحتياط يناسب ما ذهب إليه ابن إدريس. وكذا عموم رواية معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام -، لكن في طريقها إبراهيم بن سماك، ولا يحضرني الآن حاله، فإن كان ثقة فالعمل بعموم الرواية - وهو قوله: " فإن أصبته وأنت حرام في الحرم فعليك الفداء مضاعفا " (7) - أولى.

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 485.
(3) المبسوط: ج 1 ص 342.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 371 ذيل الحديث 1293.
(5) السرائر: ج 1 ص 563. (1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 372 ح 1294، وسائل الشيعة: ب 46 من أبواب كفارات الصيد ح 2 ج 9 ص 243. (7) م (2) ون: مضاعفة.

[ 128 ]

مسألة: المشهور أن على المحرم في الحل الفداء وعلى المحل في الحرم القيمة، ويجتمعان على المحرم في الحرم. وقد يجري في بعض أقوال الشيخ: إن من ذبح صيدا في الحرم وهو محل كان عليه دم لا غير (1)، وتابعه ابن إدريس (2). وقال أبو الصلاح: إن كان محلا في الحرم أو محرما في الحل فداه بمثله من النعم، وإن كان محرما في الحرم فالفداء والقيمة، وروي الفداء مضاعفا (3). والأقرب الأول لما تقدم. مسألة: قال الشيخ في النهاية (4) والمبسوط (5): من قتل صيدا وهو محرم في الحل كان عليه فداء واحد، فإن أكله كان عليه فداء آخر. وقال في الخلاف: إذا أكل المحرم من صيد قتله لزمه قيمته (6). وقال ابن إدريس: قال بعض أصحابنا: عليه قيمة ما أكل أو شرب من اللبن (7). لنا: ما رواه علي بن جعفر في الصحيح، عن أخيه موسى - عليه السلام - قال: سألته عن قوم اشتروا ظبيا فأكلوا منه جميعا وهم حرم ما عليهم؟ فقال: على كل من أكل منه فداء صيد، على كل إنسان منهم على حدته فداء صيد كامل (8).

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 484، المبسوط: ج 1 ص 341.
(2) السرائر: ج 1 ص 561.
(3) الكافي في الفقه: ص 205.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 486.
(5) المبسوط: ج 1 ص 342.
(6) الخلاف: ج 1 ص 405 المسألة 274.
(7) السرائر: ج 1 ص 564.
(8) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 351 ح 1221، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب كفارات الصيد ح 2 ج 9 ص 209.

[ 129 ]

وعن يوسف الطاطري قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: صيد أكله قوم محرمون، قال: عليهم شاة شاة، وليس على الذي ذبحه إلا شاة (1). مسألة: قال الشيخ: من شرب لبن ظبية في الحرم كان عليه دم وقيمة اللبن (2). وقال ابن إدريس: على ما روي في بعض الأخبار (3)، وهو يشعر بتردده في ذلك. وقال في موضع آخر: ومن قتل صيدا وهو محرم في الحل كان عليه فداء واحد، فإن أكله كان عليه فداء آخر على ما روي. وقال بعض أصحابنا: عليه قيمة ما أكل أو شرب من اللبن (4). والوجه وجوب الدم والقيمة معا إذا كان في الحرم، لما رواه يزيد بن عبد الملك، عن الصادق - عليه السلام - في رجل مر وهو محرم في الحرم فأخذ غيره ظبية فاحتلبها وشرب لبنها، قال: عليه دم، وجزاء الحرم عن اللبن (5). مسألة: قال الشيخ في النهاية (6) والمبسوط (7): لا يجوز لأحد أن يرمي الصيد والصيد يؤم الحرم وإن كان محلا، فإن رماه وأصابه ودخل الحرم ومات فيه كان لحمه حراما وعليه الفداء.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 352 ح 1225، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب كفارات الصيد ح 8 ج 9 ص 211.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 485.
(3) السرائر: ج 1 ص 562.
(4) السرائر: ج 1 ص 564.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 371 ح 1292، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 249.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 490 - 491.
(7) المبسوط: ج 1 ص 343.

[ 130 ]

وقال ابن إدريس: لا شئ عليه، ولا يحرم عليه ذلك (1)، وهو الذي رواه الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه (2)، وهو المعتمد. لنا: إن المقتضي للاباحة وسقوط الفدية موجود، والمعارض منتف، فوجب ثبوت الحكمين. أما المقتضي للاباحة وسقوط الفدية فهو أصالة الحل وبراءة الذمة، وأما انتفاء المعارض فلأنه ليس إلا الاحرام أو دخول الحرم، وهما منتفيان. وما رواه ابن بابويه في الصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل رمى صيدا في الحل وهو يؤم الحرم فيما بين البريد والمسجد فأصابه في الحل فمضى بريشه حتى دخل الحرم فمات من رميه هل عليه جزاء؟ قال: ليس عليه جزاء، إنما مثل ذلك مثل رجل نصب شركا في الحل إلى جانب الحرم فوقع فيه صيد فاضطرب حتى دخل الحرم فمات فليس عليه جزاء، لأنه نصب حيث نصب وهو له حلال ورمى حيث رمى وهو له حلال، فليس عليه فيما كان بعد ذلك شئ، فقلت: هذا القياس عند الناس، فقال: إنما شبهت لك الشئ بالشئ لتعرفه (3). احتج الشيخ بما رواه ابن أبي عمير في الصحيح، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: يكره أن يرمي الصيد وهو يؤم الحرم (4). وفي الحسن عن مسمع، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في رجل رمى صيدا

(1) السرائر: ج 1 ص 566.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 260 ح 2361، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب كفارات الصيد ح 3 ج 9 ص 225.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 260 ح 2361، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب كفارات الصيد ح 3 ج 9 ص 225.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 359 ح 1249، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 223.

[ 131 ]

في الحل فتحامل الصيد حتى دخل الحرم، فقال: لحمه حرام مثل الميتة (1). وعن عقبة بن خالد، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل قضى حجه ثم أقبل حتى إذا خرج من الحرم فاستقبله صيد قريبا من الحرم والصيد متوجه نحو الحرم فرمى فقتله ما عليه من ذلك شئ؟ فقال: يفديه (2). والجواب: الرواية الأولى تدل على الكراهة، ونحن نقول بموجبها، ولا يقتضي التحريم. وعن الثانية: إن السؤال وقع عن رجل رمى صيدا فلعله كان محرما، إذ ليس تناوله للمحل أقوى من تناوله للمحرم. ولأنه يحتمل أن يكون الموت حصل بحركته وتعبه حيث تحرك إلى أن دخل الحرم فكان لحمه حراما. وعن الثالثة: يضعف طريقها مع احتمال إرادة الندبية. مسألة: قال الشيخان (3): من أصاب صيدا وهو محل فيما بين البريد والحرم كان عليه الجزاء، ومنعه ابن إدريس (4)، وهو المعتمد. لنا: قوله تعالى: " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " (5). ولأن الأصل براءة الذمة. ولأن المقتضي للاباحة - وهو الأصل - موجود، والمانع - وهو أحد الأمرين: إما الحرم أو الاحرام - مفقود، فتثبت الإباحة. احتج الشيخان بما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام -

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 359 ح 1250، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب كفارات الصيد ح 2 ج 9 ص 224.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 360 ح 1251، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 224.
(3) المقنعة: ص 439، النهاية ونكتها: ج 1 ص 491.
(4) السرائر: ج 1 ص 567.
(5) المائدة: 96.

[ 132 ]

قال: إذا كنت محلا في الحل فقتلت صيدا فيما بينك وبين البريد إلى الحرم فإن عليك جزاؤه، فإن فقأت عينه أو كسرت قرنه تصدقت بصدقة (1). والجواب: الحمل على الاستحباب. مسألة: قال ابن الجنيد (2): إن وطئ بعير الراكب شيئا في وكرة بليل من غير عمد راكبه فلا جزاء عليه. والمشهور أن الصيد مضمون، سواء قتله عمدا أو نسيانا، مع العلم أو الجهل. لنا: إنه قاتل فيكون ضامنا. مسألة: قال الشيخ إذا كسر المحرم بيضا لم يجز له أكله ولا لمحل (3). والأقرب عندي جواز أكله للمحل، إذ لا مانع منه، فإن البيض لا يفتقر في إباحة أكله إلى فعل، كما يفتقر الحيوان إلى التذكية حتى يشترط إيقاعه من المحل. مسألة: قال الشيخ: إذا ذبح المحرم صيدا في غير الحرم أو ذبحه محل في الحرم لم يجز أكله لأحد وكان لحكم الميتة (4)، وكذا قال ابن البراج (5). وقال المفيد (6) والسيد المرتضى (7): لا بأس أن يأكل المحل مما صاده المحرم وعلى المحرم فداؤه.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 361 ح 1255، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 228.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) المبسوط: ج 1 ص 348.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 494.
(5) المهذب: ج 1 ص 230.
(6) المقنعة: ص 438. (7) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 72.

[ 133 ]

وقال الصدوق في المقنع (1) ومن لا يحضره الفقيه (2): وإن أصاب المحرم صيدا خارج الحرم فذبحه ثم ادخله الحرم مذبوحا وأهدي إلى رجل محل فلا بأس بأكله، وإنما الفداء على الذي أصابه. وقال أبو علي بن الجنيد (3): ولا يذبح الصيد في الحرم وإن كان صيد في الحل محل ولا محرم، وإذا ذبحه المحرم في الحرم لم يأكله المحرم ولا المحل وهو كالميتة، وإن ذبحه المحرم في المحل أكله. احتج الشيخ بقوله تعالى: " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " (4)، وبما رواه وهب، عن جعفر، عن أبيه، عن علي - عليهم السلام - قال: إذا ذبح المحرم الصيد لم يأكله الحلال ولا الحرام وهو كالميتة، وإذا ذبح الصيد في الحرم فهو ميتة حلال ذبحه أو حرام (5). وعن إسحاق، عن جعفر - عليه السلام - أن عليا - عليه السلام - كان يقول: إذا ذبح المحرم الصيد في غير الحرم فهو ميتة لا يأكله محل ولا محرم، وإذا ذبح المحل الصيد في جوف الحرم فهو ميتة لا يأكلها محل ولا محرم (6). احتج الاخرون بالأصل. ولأن النهي إنما هو لحرمة الاحرام فلا يستلزم تحريم الأكل. وما رواه حريز في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن محرم

(1) المقنع: ص 79.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 372 ذيل الحديث 2732.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) المائدة: 96.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 377 ح 1315، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب تروك الاحرام ح 4 ج 9 ص 86.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 377 ح 1316، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب تروك الاحرام ح 5 ج 9 ص 86.

[ 134 ]

أصاب صيدا أياكل منه المحل؟ فقال: ليس على المحل شئ، إنما الفداء على المحرم (1). وفي الصحيح عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل أصاب صيدا وهو محرم أياكل منه الحلال؟ فقال: لا بأس، إنما الفداء على المحرم (2). والجواب عن احتجاج الشيخ: بتسليم مقتضى الآية وهو تحريم الصيد، أما الصيد فهو متنازع. سلمنا، لكن الخطاب للمحرم، لقوله تعالى:: ما دمتم حرما " (3). ونحن نقول بموجبه، فإن المحرم يحرم عليه الصيد مطلقا. وعن الروايتين بضعف السند. وعن احتجاج الآخرين بمنع بقاء حكم الأصل مع قيام الدليل الدال على ما ينافيه، والمعارضة بالاحتياط، والنهي إنما يفيد تحريم الأكل. وعن الروايات بالحمل على ما صاده ولم يقتل ثم ذبحه المحل فإنه يكون حلالا عليه. والأقوى في هذه المسألة الأول. مسألة: إذا اضطر المحرم إلى أكل الصيد والميتة قال الشيخ: أكل الصيد وفداه ولا يأكل الميتة، فإن لم يتمكن من الفداء جاز له أن يأكل الميتة (4)، وكذا قال ابن البراج (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 375 ح 1306، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب تروك الاحرام ح 4 ج 9 ص 78.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 375 ح 1307، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب تروك الاحرام ح 5 ج 9 ص 78.
(3) المائدة: 96.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 494.
(5) المهذب: ج 1 ص 230.

[ 135 ]

وقال المفيد: من اضطر إلى صيد وميتة فليأكل الصيد ويفديه، ولا يأكل الميتة (1)، وأطلق، وكذا قال السيد المرتضى في جمله (2) وانتصاره (3)، وسلار (4). وقال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه: وإذا اضطر المحرم إلى صيد وميتة فإنه يأكل الصيد ويفدي، وإن أكل الميتة فلا بأس. إلا أن أبا الحسن الثاني - عليه السلام - قال: يذبح الصيد ويأكله ويفدي أحب إلي من الميتة (5). وقال في المقنع: فإذا اضطر المحرم إلى أكل صيد وميتة فإنه يأكل الصيد ويفدي (6). وقد روي في حديث آخر أنه يأكل الميتة، لأنها قد أحلت له ولم يحل له الصيد (7). وقال ابن الجنيد (8): وإذا اضطر المحرم المطيق للفداء إلى الميتة والصيد أكل الصيد وفدى، وإن كان في الوقت من لا يطيق الجزاء أكل الميتة التي كان مباحا أكلها بالذكاة، فإن لم يكن كذلك أكل الصيد. وقال ابن إدريس: اختلف أصحابنا في ذلك واختلفت الأخبار، فبعض قال: يأكل الميتة، وبعض قال: يأكل الصيد ويفديه، وكل منهما أطلق مقالته.

(1) المقنعة: ص 438.
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 72.
(3) الانتصار: ص 100. (4) المراسم: ص 121.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 373 ذيل الحديث 2733 و 2734.
(6) المقنع: ص 79.
(7) علل الشرائع: ص 445 ذيل الحديث 3، وسائل الشيعة: ب 43 من أبواب كفارات الصيد ح 8 ج 9 ص 239.
(8) لم نعثر على كتابه.

[ 136 ]

وبعض قال: لا يخلو الصيد إما أن يكون حيا أو لا، فإن كان حيا فلا يجوز له ذبحه بل يأكل الميتة، لأنه إذا ذبحه صار ميتة بغير خلاف. فإما أن كان مذبوحا فلا يخلو ذابحه إما أن يكون محرما أو محلا، فإن كان محرما فلا فرق بينه وبين الميتة، وإن كان ذابحه محلا فإن ذبحه في الحرم فهو ميتة أيضا، وإن ذبحه في الحل فإن كان المحرم المضطر قادرا على الفداء أكل الصيد ولم يأكل الميتة، وإن كان غير قادر على فدائه أكل الميتة. قال: وهذا الذي يقوى في نفسي، لأن الأدلة تعضده وأصول المذهب تؤيده، وهو الذي اختاره شيخنا في اسبتصاره. وذكر في نهايته أنه يأكل الصيد ويفديه ولا يأكل الميتة، ثم رجع عما قواه وقال: الأقوى عندي أنه يأكل الميتة على كل حال، لأنه مضطر إليها، ولا عليه في أكلها كفارة، ولحم الصيد ممنوع منه، لأجل الاحرام على كل حال، لأن الأصل براءة الذمة من الكفارة (1). والأقرب عندي خيرة المفيد. لنا: إن أكل الصيد حينئذ سائغ باتفاق أكثر علمائنا فيكون راجحا على الآخر. ولأن الصيد فداء يسقط إثمه بخلاف الميتة. ولأن بعض الناس يذهب إلى أن الصيد ليس بميتة، وأنه مذكى وأكله مباح، بخلاف الميتة المتفق على تحريمها. ولأنهما اشتركا في التحريم والإثم اختيارا، والاباحة حالة الاضطرار، واختصت الميتة بفساد في المزاج، فيكون أكلها مع الاجتماع ممنوعا. وما رواه منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن محرم اضطر إلى أكل الصيد والميتة، قال: أيهما أحب إليك أن تأكل؟ قلت: الميتة،

(1) السرائر: ج 1 ص 568.

[ 137 ]

لأن الصيد محرم على المحرم، فقال: أيهما أحب إليك أن تأكل من مالك أو الميتة؟ قلت: آكل من مالي، فقال: فكل الصيد وافده (1). وفي الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن المحرم يضطر فيجد الميتة والصيد أيهما يأكل؟ قال: يأكل من الصيد، أما يحب أن يأكل من ماله؟ قلت: بلى، قال: إنما عليه الفداء فليأكل الصيد وليفده (2). احتج الاخرون بأن الحظر في الصيد ثبت من وجوه: منها تناوله، ومنها قتله، ومنها أكله، وكل ذلك محظور، بخلاف الميتة فإنها حظر واحد وهو الأكل. وبما رواه إسحاق في الصحيح، عن جعفر، عن أبيه - عليهما السلام - أن عليا - عليه السلام - كان يقول: إذا اضطر المحرم إلى الصيد وإلى الميتة فليأكل الميتة التي أحل الله له (3). والجواب عن الأول: منقوض بما لو فرضنا إن انسانا غصب شاة ثم وقذها وضربها حتى ماتت ثم أكلها كان الحظر هنا من وجوه، كما ذكرتم في الصيد، وأنتم مع ذلك لا تفرقون بين أكل هذه الميتة وبين غيرها عند الضرورة وتعدلون إليها عن أكل الصيد. وعن الرواية بأن في طريقها إسحاق، وفيه قول. قال الشيخ: ليس في الحديث إشعار بالقدرة على الصيد، فيحمل على من لا يتمكن من الصيد إذا وجده، أو على من لا يجده وإن اضطر إليه. فأما مع وجود الصيد والتمكن منه فلا يجوز أكل الميتة على حال، لما رواه يونس بن

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 368 ح 1282، وسائل الشيعة: ب 43 من أبواب كفارات الصيد ح 9 ج 9 ص 239.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 368 ح 1283، وسائل الشيعة: ب 43 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 238.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 368 ح 1284، وسائل الشيعة: ب 43 من أبواب كفارات الصيد ح 11 ج 9 ص 240.

[ 138 ]

يعقوب في الموثق قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن المضطر إلى الميتة وهو يجد الصيد، قال: يأكل الصيد، قلت: إن الله عزوجل قد أحل له الميتة إذا اضطر إليها ولم يحل له الصيد، قال: تأكل من مالك أحب إليك أو ميتة؟ قلت: من مالي، قال: هو مالك، لأن عليك فداؤه، قلت: فإن لم يكن عندي [ مال ]؟ قال: تقضيه إذا رجعت إلى مالك (1). ثم روى الشيخ في الصحيح عن عبد الغفار الحارثي قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن المحرم إذا اضطر إلى ميتة فوجدها ووجد صيدا، فقال: يأكل الميتة ويترك الصيد (2). وحمله الشيخ على التقية، أولا، لأنه مذهب بعض العامة. وثانيا: على من وجد الصيد غير مذبوح فإنه يأكل الميتة ويخلى سبيله، لأن الصيد إذا ذبحه المحرم كان حكمه حكم الميتة، وإذا كان كذلك ووجد الميتة فليقتصر عليها، ولا يذبح الحي بل يخليه (3). وهذا الحمل لا بأس به. مسألة: قال الشيخ في النهاية (4) والمبسوط (5)، وابن إدريس (6)، وابن البراج (7): إذا رمى الصيد فأدماه أو كسر يده أو رجله ثم رآه بعد ذلك صحيحا كان عليه ربع الفداء. فجعل في الادماء مع البرء ربع الفداء.

(1) الاستبصار: ج 2 ص 209 ذيل الحديث 715 وح 716.
(2) الاستبصار: ج 2 ص 210 ح 717، وسائل الشيعة: ب 43 من أبواب كفارات الصيد ح 12 ج 9 ص 240.
(3) الاستبصار: ج 2 ص 210 ذيل الحديث 717.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 490.
(5) المبسوط: ج 1 ص 343.
(6) السرائر: ج 1 ص 566.
(7) المهذب: ج 1 ص 228.

[ 139 ]

وقال علي بن بابويه (1): يتصدق بشئ، وهو قول المفيد (2)، وأبي الصلاح (3). والروايات (4) الدالة على ربع الفداء إنما وردت على من كسر يده أو رجله ثم رآه سويا، والشيخ - رحمه الله - في كتابيه ساوى بين الجرح والكسر، ولم نقف له على حجة. فالاعتماد على قول المفيد. مسألة: قال الصدوق في المقنع: وإن رمى محرم ظبيا فأصاب يده فعرج منها فإن كان مشى عليها ورعى فليس عليه شئ (5). والمشهور أن عليه ربع الفداء مع الكسر والبرء. وقال أبو الصلاح: من رمى صيدا ثم رآه كسيرا فعليه ما بين قيمته سليما وكسيرا، وإن رآه سليما تصدق بشئ (6)، وهو قول المفيد (7). لنا: إنه فعل محرما فوجب عليه الفداء، ولا نص فيه، فوجب أن يتصدق بمهما (8) أراد. أما مع الكسر والبرء فالأولى ربع الفداء، لما رواه علي بن جعفر في الصحيح، عن أخيه موسى - عليه السلام - قال: سألته عن رجل رمى صيدا فكسر يديه أو رجله وتركه ورعى الصيد، قال: عليه ربع الفداء (9).

(1) لم نعثر على رسالته.
(2) المقنعة: ص 437.
(3) الكافي في الفقه: ص 206.
(4) راجع تهذيب الأحكام: ج 5 ص 358 - 359، وسائل الشيعة: ب 27 و 28 من أبواب كفارات الصيد ج 9 ص 220 - 222. (5) المقنع: ص 78.
(6) الكافي في الفقه: ص 206.
(7) المقنعة: ص 437 - 438.
(8) ق: بهما.
(9) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 359 ح 1247، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 222.

[ 140 ]

وفي الصحيح عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل رمى ظبيا وهو محرم فكسر يده أو رجله فذهب الظبي على وجهه فلم يدر ما صنع، قال: عليه فداؤه، قلت: فإنه رآه بعد ذلك يمشي، قال: عليه ربع ثمنه (1). احتج الصدوق بما رواه أبو بصير، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته عن محرم رمى صيدا فأصاب يده فعرج، فقال: إن كان الظبي مشى عليها ورعى وهو ينظر إليه فلا شئ عليه (2). الحديث. والجواب: إنه قد روى في كتاب من لا يحضره الفقيه (3) حديث أبي بصير الصحيح الذي ذكرناه أولا، ولم يذكر هذا الحديث فيكون محجوجا عليه به. مسألة: قال الشيخ - رحمه الله -: إذا فقأ عيني الصيد كان عليه كمال قيمته، فإن فقأ إحداهما كان عليه نصف القيمة (4). وقال المفيد: إن فقأ عينه تصدق بصدقة، وقد بينا كيف يكون ذلك فيما سلف (5). وكأنه أشار إلى قوله: إذا رماه فجرحه ومضى لوجهه ولم يعلم أحي هو أم ميت فعليه فداؤه، فإن رآه بعد ذلك حيا قد صلح وزال منه العيب وعاد إلى ما كان تصدق بشئ واستغفر الله، وإن بقي معيبا فعليه الفداء ما بين قيمته صحيحا وبين ذلك العيب (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 359 ح 1248، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب كفارات الصيد ح 2 ج 9 ص 222.
(2) علل الشرائع: ص 457 - 458، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب كفارات الصيد ح 3 ج 9 ص 221.
(3) من لا يحضره الفقيه، ج 2 ص 366 ح 2726، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب كفارات الصيد ح 2 ج 9 ص 222.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 487.
(5) المقنعة: ص 439.

[ 141 ]

وقال سلار: إذا فقأ عين الصيد تصدق بصدقة (1)، وأطلق. والأقرب خيرة الشيخ. لنا: إنه مع الجناية على العينين يكون الصيد كالمتلف فوجب عليه جزاؤه، ومع الجناية على إحداهما يكون قد جنى نصف الجناية فيكون عليه نصف العقوبة. ويؤيده ما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت: فإن هو فقأ عينه؟ قال: عليه قيمته (2). ولا بأس بالقول بالأرش في الصورة الثانية. مسألة: قال الشيخ: إذا كسر قرني الغزال كان عليه نصف القيمة، فإن كسر أحدهما كان عليه ربع قيمته (3). وقال شيخنا علي بن بابويه (4)، والمفيد (5)، وسلار (6): يتصدق بشئ لو كسر قرنه. والأقرب الأرش. لنا: إنه أعاب صيدا فكان عليه أرشه. احتج الشيخ بما رواه أبو بصير، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قلت له: ما تقول في محرم كسر أحد قرني غزال في الحل؟ قال: عليه ربع قيمة الغزال، قلت: فإن هو كسر قرنيه؟ قال: عليه نصف قيمته يتصدق به (7).

(1) المراسم: ص 122.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 387 ح 1354، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب كفارات الصيد ح 3 ج 9 ص 223.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 486 - 487.
(4) لم نعثر على رسالته.
(5) المقنعة: ص 439.
(6) المراسم: ص 122.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 387 ح 1354، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب كفارات الصيد ح 3 ج 9 ص 223.

[ 142 ]

والجواب: الرواية ضعيفة السند. مسألة: قال الشيخان: من دل على صيد فقتل كان عليه الفداء (1). وقال ابن البراج: من دل على الصيد فعليه الفداء (2). ولم يقيد بالقتل، فإن قصد الإطلاق فهو ممنوع. لنا: إنه مع عدم القتل لم يحصل على الصيد جناية مباشرة ولا سببية فلا ضمان. احتج بما وراه منصور بن حازم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: المحرم لا يدل على صيد، فإن دل فعليه فداء (3). والجواب: الرواية محمولة على ما قيدناه (4). مسألة: قال ابن البراج: إذا رمى صيدا ولم يعلم هل أصابه أم لا فعليه الفداء (5). والشيخ - رحمه الله - قال: إذا أصابه ولم يعلم هل أثر فيه أم لا فعليه الفداء (6)، وهو الوجه. لنا: الأصل براءة الذمة وعدم الاصابة. احتج ابن البراج بأن الأصل الاصابة مع الرمي. والجواب: المنع.

(1) المقنعة: ص 436، النهاية ونكتها: ج 1 ص 483.
(2) المهذب: ج 1 ص 228.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 467 ح 1634، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب كفارات الصيد ح 2 ج 9 ص 208.
(4) ق وم (2): ما قدمناه.
(5) المهذب: ج 1 ص 228.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 490.

[ 143 ]

مسألة: قال الشيخان (1)، وعلي بن بابويه (2)، وابن البراج (3)، وسلار (4)، وابن إدريس (5)، وابن حمزة (6): من نفر حمام الحرم فإن رجعت فعليه دم شاة، وإن لم ترجع فعن كل طير شاة. وقال ابن الجنيد (7): ومن نفر طيور الحرم كان عليه لكل طائر ربع قيمته. والظاهر أن مقصوده بذلك إذا رجعت، إذ مع عدم الرجوع يكون كالمتلف فيجب (8) عليه عن كل واحدة شاة. والشيخ - رحمه الله - حيث حكى كلام المفيد: إن من نفر حمام الحرم فعليه دم شاة إذا رجعت، فإن لم ترجع فعليه لكل طير شاة. قال: هذا قد ذكره علي ابن الحسين بن بابويه - رحمه الله - في رسالته، ولم اجد به حديثا مسندا (9). مسألة: قال ابن الجنيد (10): ولا بأس بما ذبحه المحل من الصيد خارج الحرم أن يأكله المحل داخل الحرم، إلا الحاج بقيه الأيام بمنى. وفي هذا الاستثناء نظر، فإن المشهور أن مع الحق يحل له كل شئ إلا النساء والطيب إن كان متمتعا، وإن كان غيره حل له كل شئ إلا النساء، فإن أراد بذلك التحريم قبل الحلق فهو حق، لكنه ليس بمحل حينئذ، وإن قصد

(1) المقنعة: ص 436، النهاية ونكتها: ج 1 ص 483.
(2) لم نعثر على رسالته، ونقله عنه في تهذيب الأحكام: ج 5 ص 350 ذيل الحديث 1217.
(3) المهذب: ج 1 ص 223. (4) المراسم: ص 120.
(5) السرائر: ج 1 ص 560.
(6) الوسيلة: ص 167.
(7) لم نعثر على رسالته.
(8) ق وم (2): فيكون.
(9) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 350 ذيل الحديث 1217.
(10) لم نعثر على كتابه.

[ 144 ]

التحريم مطلقا مدة مقامه بمنى فهو ممنوع، وإن قصد كراهة فممكن. مسألة: قال ابن الجنيد (1): وإذا جنى الصبي أو العبد على الصيد لزمت الولي أو السيد إن كان بإذنه، وإن كان بغير إذنه ولا علمه فعلى العبد الفداء بالصيام في نفسه. والشيخ - رحمه الله - قال: إذا أمر السيد غلامه بالاحرام فأصاب صيدا كان على السيد الفداء، وكذا لو أمر المحرم غلامه بالصيد (2). والمفيد - رحمه الله - صرح فقال: المحرم إذا أمر غلامه المحل بالصيد فقتله كان على السيد الفداء، فإن كان الغلام محرما فقتل الصيد بغير إذن سيده فعلى السيد أيضا الفداء إذا كان هو الذي أمره بالاحرام (3). لنا: إن الإذن في الاحرام يستلزم ثبوت الأحكام المرتبة عليه، ومن جملتها الصدقة عن الصيد مع القتل، فيثبت على المولى. وما رواه حريز في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: كل ما أصاب العبد وهو محرم في إحرامه فهو على السيد إذا أذن له في الاحرام (4). احتج ابن الجنيد بأصالة براءة، وبما رواه عبد الرحمن بن أبي نجران قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن عبد أصاب صيدا وهو محرم هل على مولاه شئ من الفداء؟ فقال: لا شئ على مولاه (5). والجواب عن الأول: أنه لا يجوز الاستدلال بالأصل مع قيام النص على

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 493.
(3) المقنعة: ص 439. (4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 382 ح 1334، وسائل الشيعة: ب 46 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 251.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 383 ح 1335، وسائل الشيعة: ب 56 من أبواب كفارات الصيد ح 3 ج 9 ص 252.

[ 145 ]

خلافه. وعن الثاني: إنا نقول بموجبه، لاحتمال أن يكون إحرام العبد بغير إذن مولاه، فلا يترتب عليه شئ من الأحكام. واعلم أن أبا الصلاح قال: كفارة العبد والأمة إن كان إحرامهما بإذن السيد عليه، وبغير إذنه عليهما بالصوم دون الهدي والاطعام (1). وعندي في ذلك نظر، فإن إحرامهما بغير إذن سيدهما يقع باطلا، فلا يتعقبه ضمان جناية. مسألة: قال الشيخ - رحمه الله -: إذا انتقل الصيد إليه بالميراث لا يملكه ويكون باقيا على ملك الميت إلى أن يحل، فإذا أحل ملكه قال: ويقوى في نفسي أنه إن كان حاضرا معه فإنه ينتقل إليه ويزول ملكه عنه، وإن كان في بلده يبقى في ملكه (2). وفي الانتقال إليه الذي قواه الشيخ إشكال. لنا: قوله تعالى: " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " (3). مسألة: قال أبو الصلاح: في كل حمامة من حمام الحرم شاة، وفي أفراخها حمل، وفي بيضها درهم، وفي حمامة الحل درهم، وفي فراخها نصف درهم، وفي بيضها ربع درهم (4). وهذا العبارة رديئة، فإنه لا فرق بين حمام الحرم وغيره، وإنما التفصيل المشهور أنه إن قتل المحرم حمامة في الحرم فعليه الفداء والقيمة، وفي الحل الفداء، والمحل في الحرم القمية. فإن قصد بحمام الحرم ما وجد في الحرم وبحمام الحل ما وجد في الحل فصحيح، وإلا كان ممنوعا. مسألة: المشهور إن من أغلق بابا على حمام من حمام الحرم وفراخ وبيض

(1) الكافي في الفقه: ص 205.
(2) المبسوط: ج 1 ص 347.
(3) المائدة: 96.
(4) الكافي في الفقه: ص 206.

[ 146 ]

فهلكت ضمن. وقيل: يضمن بمجرد الاغلاق (1). لنا: إنه مع عدم الهلاك لم يحصل منه جناية في الصيد فيكون بمنزلة من رمى صيدا ولم يؤثر فيه. احتج المخالف بأن الروايات (2) تضمنت إيجاب الجزاء على مجرد الاغلاق. والجواب: إن الجزاء الذي في الروايات هو جزاء الاتلاف، فيكون منوطا به لاستبعاد إيجاب جميع جزاء الاتلاف في صورة الاغلاق مع السلامة. نعم يجب ذلك مع عدم العلم بالحال، كما لو رمى صيدا وأصابه ولم يعلم هل أثر فيه أم لا فإنه يجب عليه الجزاء، لأنه فعل مظنة الاتلاف، فكذا هنا. النظر الثاني في الاستمتاع مسألة: قال الشيخ: من جامع امرأة في الفرج عامدا قبل الوقوف بالمشعر فسد حجه، وكان عليه بدنة والحج من قابل (3). وبه قال شيخنا علي بن بابويه (4)، وابنه في المقنع (5)، ورواه في كتاب من لا يحضره الفقيه (6)، وهو قول ابن الجنيد (7)، وابن البراج (8)، وابن حمزة (9)، وابن إدريس (10).

(1) شرائع الاسلام: ج 1 ص 289.
(2) راجع تهذيب الأحكام: ج 5 ص 350، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب كفارات الصيد، ج 9 ص 207.
(3) المبسوط: ج 1 ص 336.
(4) لم نعثر على رسالته ونقله عنه في من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 329 ذيل الحديث 2587.
(5) المقنع: ص 76، وليس فيه: وكان عليه بدنة.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 330 ح 2588، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2 ج 9 ص 261.
(7) لم نعثر على كتابه.
(9) الوسيلة: ص 166.
(8) المهذب: ج 1 ص 222.
(10) السرائر: ج 1 ص 548.

[ 147 ]

وقال المفيد: إن جامع قبل الوقوف بعرفة فكفارته بدنة وعليه الحج من قابل ويستغفر الله تعالى، وإن جامع بعد وقوفه بعرفة فعليه بدنة وليس عليه الحج من قابل (1)، وهو قول سلار (2)، وأبي الصلاح (3). وللسيد المرتضى قولان: أحدهما هذا ذكره في الجمل (4)، والثاني كالأول ذكره في الانتصار فإنه قال: مما انفردت به الامامية القول: بأن من وطأ عامدا في الفرج قبل الوقوف بالمشعر فعليه بدنة والحج من قابل، ويجري عندهم مجرى من وطأ قبل الوقوف بعرفة (5). وكذا قال في المسائل الرسية فإنه قال: اعلم أنه لا خلاف بين الامامية في أن المجامع قبل الوقوف بعرفة أو بالمشعر الحرام يجب عليه مع الكفارة قضاء هذه الحجة نفلا كانت أو فرضا (6). وقال ابن أبي عقيل (7): فإن جامع قبل أن يشهد الموقفين بطل حجه وعليه بدنه والحج من قابل، وهو يوافق قول الشيخ أيضا، وهو المعتمد. لنا: إنه انتهك إحرامه فكان عليه العقوبة، كما لو كان قبل عرفة. ولأن مزدلفة أحد الموقفين فكان له حكم الآخر. وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا وقع الرجل بامرأته دون المزدلفة أو قبل أن يأتي المزدلفة فعليه الحج من

(1) المقنعة: ص 433.
(2) المراسم: ص 118.
(3) الكافي في الفقه: ص 203.
(4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 70.
(5) الانتصار: ص 97.
(6) المسائل الرسية الأولى (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثانية): ص 334.
(7) لم نعثر على كتابه.

[ 148 ]

قابل (1). احتج المفيد بما روي عنه - عليه السلام - أنه قال: " الحج عرفة " (2). والجواب: إنه محمول على أن معظم الحج عرفة، وهذا بعد تسليم الحديث. مسألة: قال الشيخ في النهاية: الأولى هي حجة الاسلام، والثانية عقوبة (3). وقال ابن إدريس بالعكس، ونقله عن الشيخ في الخلاف (4). احتج الشيخ بأنها قد كانت حجة الاسلام قبل الجماع فكذا (5) بعده عملا بالاستصحاب. ولأن الجماع بعد الوقوف في المزدلفة لا يخرج الحج عن كونه حجة الاسلام فكذا قبله، وإيجاب الإعادة لا يستلزم الخروج أيضا. وما رواه زرارة في الصحيح قال: سألته عن محرم غشى امرأته - إلى أن قال -: قلت: فأي الحجتين لهما؟ قال: الأولى التي أحدثا فيها ما أحدثا، والأخرى عليهما عقوبة (6). والجواب: الفرق بين حالة السلامة عن الذنب والدخول فيه ظاهر، وكذا بين الجماع بعد الوقوف وقبله، ولهذا اقتضى أحدهما إيجاب إعادة الحج دون الآخر فيثبت الفرق. ورواية زرارة وإن كانت صحيحة لكنه لم يسندها إلى إمام.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 319 ح 1099، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارات الاستماع ح 1 ج 9 ص 255.
(2) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 1003 ح 3015.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 494. (4) السرائر: ج 1 ص 550.
(5) ن: وكذا.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 317 ح 1092، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 9 ج 9 ص 257.

[ 149 ]

احتج ابن إدريس بأنه حج فاسد فلا يجزئ ولا يبرئ الذمة به (1). والجواب: المنع من المقدمتين: أما الأولى: فلأن الأحاديث دلت على إيجاب حج في القابل من غير تضمن ذكر فساد، نعم ورد في العمرة. وأما الثانية: فنحن نسلم أن الذمة لا تبرئ بها، بل بها وبالقضاء. وبالجملة فالترجيح لما قاله ابن إدريس، لأن الفقهاء أطلقوا القول بفساد الحج، وهو اختيار والدي (2) - قدس الله روحه -. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا وجب عليهما الحج في المستقبل فإذا بلغا إلى الموضع الذي واقعها فيه فرق بينهما، واختلف أصحاب الشافعي هل هي واجبة أو مستحبة (3). ولم ينص الشيخ هنا على أحدهما. وفي النهاية (4) والمبسوط (5): ينبغي لهما أن يفترقا. وليس صريحا في أحدهما، إذ قد يستعمله كثيرا فيهما. ونص شيخنا علي بن بابويه على وجوبه فقال: ويجب أن يفرق بينك وبين أهلك (6)، وكذا قال ابنه في المقنع (7)، ورواه في من لا يحضره الفقيه، وهو الظاهر من كلام ابن الجنيد. والروايات (9) تدل على الأمر بالتفريق، فإن قلنا

(1) السرائر: ج 1 ص 550.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) الخلاف: ج 2 ص 368 المسألة 207.
(4) النهاية ونكتها: ص 494.
(5) المبسوط: ج 1 ص 336.
(6) لم نعثر على رسالته ونقله عنه في من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 329 ذيل الحديث 2587.
(7) المقنع: ص 71.
(8) لم نعثر عليه في من لا يحضره الفقيه في مضانه المحتملة، ووجدناه في معاني الأخبار: ص 294، والموجود في الفقيه -: ج 2 ص 328 ح 2587 - صدر الحديث الموجود في المعاني. (9) راجع تهذيب الأحكام: ج 5 ص 317، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ج 9 ص 255.

[ 150 ]

الأمر للوجوب كان واجبا، وإلا فلا. مسألة: الشيخ - رحمه الله - حكم بالتفريق في حجة القضاء مدة بقائهما على النسك، فإذا قضيا المناسك سقط هذا الحكم (1). وقال شيخنا علي بن بابويه: ويجب أن يفرق بينك وبين اهلك حتى تقضيا المناسك ثم تجتمعا، فإذا حججتما من قابل وبلغتما الموضع الذي كان منكما ما كان فرق بينكما حتى تقضيا المناسك، ثم تجتمعا (2). فأوجب التفريق في الحجتين معا. وقال ابن الجنيد (3): يفرق بينهما إن كانت زوجته أو أمته إلى أن يرجعا إلى المكان الذي وقع عليها فيه من الطريق وهما في جميع ذلك ممتنعان من الجماع، وإن كانا قد أحلا فإذا رجعا إليه جاز لهما ذلك، فإذا حجا قابلا فبلغا ذلك المكان فرق بينهما ولا يجتمعا حتى يبلغ الهدي محله. فاثبت التفريق في الحجتين معا، وبعد قضاء الحج الفاسد إلى أن بلغ في الرجوع إلى مكان الخطيئة. وأما الروايات: فقد روى زرارة في الصحيح قال: سألته عن محرم غشي امرأته وهي محرمة - إلى أن قال -: وإن كانا عالمين فرق بينهما من المكان الذي أحدثا فيه وعليهما بدنة والحج من قابل، فإذا بلغا المكان الذي أحدثا فيه فرق بينهما حتى يقضيا مناسكهما ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا (4). وعن علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن - عليه السلام - إلى أن قال:

(1) المبسوط: ج 1 ص 336.
(2) لم نعثر على رسالته ونقله عنه في من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 329 ذيل الحديث 2587.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 317 ح 1092، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 9 ج 9 ص 257.

[ 151 ]

ويفترقان من المكان الذي كانا فيه ما كان حتى ينتهيا إلى مكة، وعليهما الحج من قابل لا بد منه، قال: قلت فإذا انتهيا إلى مكة فهي امرأته كما كانت؟ فقال: نعم هي امرأته كما هي، فإذا انتهيا إلى المكان الذي كان منهما ما كان افترقا حتى يحلا فإذا أحلا فقد انقضى عنهما (1). وهذه الرواية يدل على اختيار ابن بابويه. وروى معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - ويفرق بينهما حتى يقضيا المناسك ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا، وعليهما الحج من قابل (2). وهذه الرواية تدل ما اختص به أبو علي ابن الجنيد من التفريق بعد الاحلال في الأول. وفي الصحيح عن معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - في المحرم يقع على أهله، قال: يفرق بينهما ولا يجتمعان في خباء، إلا أن يكون معهما غيرهما حتى يبلغ الهدي محله (3). وقول ابن بابويه لا بأس به. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إن كان جماعه في الفرج قبل الوقوف كان عليه بدنة والحج من قابل، وإن كان جماعه فيما دون الفرج كان عليه بدنة دون الحج من قابل (4)، وأطلق. وقال في المبسوط: إن جامع المرأة في الفرج قبلا كان أو دبرا قبل الوقوف

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 317 ح 1093، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2 ج 9 ص 259.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 318 ح 1095، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2 ج 9 ص 255.
(3) تهذيب الأحكام: تهذيب الأحكام: ج 5 ص 319 ح 1100، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 5 ج 9 ص 256.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 494.

[ 152 ]

بالمشعر عامدا، سواء كان قبل الوقوف بعرفة أو بعده فسد حجه، ووجب عليه المضي فيه والحج من قابل وبدنة، وإن كان الجماع فيما دون الفرج كان عليه بدنة لا غير (1). فهنا جعل الدبر من الفرج. وقال في الخلاف: إذا وطأ في الفرج أفسد حجه، وإن وطأ فيما دونه لم يفسد حجه وإن أنزل. ثم قال: ومن أصحابنا من قال: إتيان البهيمة واللواط بالرجال والنساء واتيانها في دبرها كل ذلك يتعلق به فساد الحج، وبه قال الشافعي. ومنهم من قال: لا يتعلق الفساد إلا بالوطئ في القبل من المرأة، واستدل على الأول بالاحتياط، وعلى الثاني بالبراءة (2). وقال أبو الصلاح: وفي الاستمناء والتلوط واتيان البهائم بدنة (3). وجعل ابن حمزة الجماع في فرج كل حيوان مطلقا مفسدا (4). وقال ابن البراج: إذا جامع في الفرج أو فيما دونه متعمدا قبل الوقوف بالمزدلفة فسد حجه (5). فإن جعل الفرج عبارة عن القبل وما دونه عبارة عن الدبر صح كلامه، وإلا فلا. وابن إدريس (6) فصل كالشيخ في المبسوط، وباقي علمائنا أطلقوا، كما قال في النهاية (7). والأقرب عندي أنه لا فرق بين القبل والدبر، سواء كان بامرأة أو بغلام. لنا: إنه هتك محرم عليه، مساو للقبل في الأحكام فيساويه في الافساد.

(1) المبسوط: ج 1 ص 336.
(2) الخلاف: ج 2 ص 363 المسألة 200 وص 370 - 371 المسألة 209 و 210.
(3) الكافي في الفقه: ص 203.
(4) الوسيلة: ص 166. (5) المهذب: ج 1 ص 222.
(6) السرائر: ج 1 ص 548 - 549.
(7) النهاية ونكتها: ج 1 ص 494.

[ 153 ]

ولأنه أفحش فالعقوبة به أتم. ولأنه يصدق عليه أنه قد واقع وغشي امرأته فيثبت فيه الحكم، ولأن الأحاديث معلقة عليه. احتج الاخرون بما رواه معاوية بن عمار في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل وقع على أهله فيما دون الفرج، قال: عليه بدنة، وليس عليه الحج من قابل (1). والجواب: إنا نقول بموجبه، فإن الدبر يسمى فرجا، لأنه مأخوذ من الانفراج، وهو متحقق فيه. مسألة: قال الشيخ في النهاية (2) والمبسوط (3): ومن عبث بذكره حتى أمنى كان حكمه حكم من جامع على السواء في اعتبار ذلك قبل الوقوف بالمشعر فإنه يلزمه الحج من قابل، وإن كان بعد ذلك لم يكن عليه غير الكفارة شئ، وبه قال ابن البراج (4)، وابن حمزة (5). وقال أبو علي ابن الجنيد: وعلى المحرم إذا أنزل الماء إما بعبث بحرمته أو بذكره أو بادمان نظره مثل الذي يجامع، في حديث الكلبي، عن مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد الله - عليه السلام - (6). وليس هذا القول صريحا منه بالافساد، لاحتمال المساواة في البدنة، فإن النظر لا يقتضي الافساد.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 318 ح 1097، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1 ج 9 ص 262.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 497.
(3) المبسوط: ج 1 ص 337.
(4) المهذب: ج 1 ص 222.
(5) الوسيلة: ص 166.
(6) لم نعثر على كتابه.

[ 154 ]

وقال أبو الصلاح: في الاستمناء بدنة (1)، وكذا قال ابن إدريس دون الفساد، ونقله عن الشيخ في الخلاف والاستبصار (2). والمعتمد الأول. لنا: إنه إنزال على وجه محرم غير مباح على وجه، فكان أفحش من الجماع فناسب المساواة، أو الزيادة في العقوبة دون القصور. وما رواه إسحاق بن عمار في الحسن، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال قلت: ما تقول في محرم عبث بذكره فأمنى؟ قال: أرى عليه مثل ما على من أتى أهله وهو محرم بدنة والحج من قابل (3). وفي الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن المحرم يعبث بأهله وهو محرم حتى يمني من غير جماع، أو يفعل ذلك في شهر رمضان ماذا عليهما؟ قال: عليهما جميعا الكفارة مثل ما على الذي يجامع (4). والحكم منوط بالامناء، وهو موجود في صورة النزاع. واحتج ابن إدريس بالبراءة الأصلية (5). والجواب: المعارضة بالاحتياط، وبما تقدم من الأدلة. مسألة: الشيخ نقل الخلاف عن أصحابنا في إتيان البهائم، وأنه هل يفسد الحج أم لا؟ في الخلاف (6)، وجعله أبو الصلاح موجبا للبدنة خاصة (7).

(1) الكافي في الفقه: ص 203.
(2) السرائر: ج 1 ص 552.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 324 ح 1113، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1 ج 9 ص 272.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 324 ح 1114، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1 ج 9 ص 271.
(5) السرائر: ج 1 ص 552.
(6) الخلاف: ج 2 ص 370 المسألة 210.
(7) الكافي في الفقه: ص 203.

[ 155 ]

وظاهر كلام ابن حمزة أنه كالجماع للمرأة حيث قال: وبالجماع في فرج حيوان (1). وعندي في ذلك تردد بين الأخذ بالبراءة وبين العمل بالاحتياط، والمناسبة بين الاستمناء وبينه. مسألة: قال الشيخ - رحمه الله - في النهاية (2) والمبسوط (3): من جامع امرأته وهو محرم بعمرة مبتولة قبل أن يفرغ من مناسكها فقد بطلت عمرته، وكان عليه بدنة والمقام بمكة إلى الشهر الداخل إلى أن يقضي عمرته ثم ينصرف إن شاء. وقال أبو الصلاح: في الوطئ في إحرام المتعة قبل طوافها وسعيها فساد المتعة، وكفارة بدنة (4). وقال ابن أبي عقيل (5): فإذا جامع الرجل في عمرته بعد أن طاف بها وسعى قبل أن يقصر فعليه بدنة وعمرته تامة، فأما إذا جامع في عمرته قبل أن يطوف لها ويسعى فلم احفظ عن الأئمة - عليهم السلام - شيئا أعرفكم، فوقفت عند ذلك ورددت الأمر إليهم. والوجه أنه إن جامع قبل السعي في العمرة فسدت عمرته، سواء كان عمرة التمتع أو العمرة المفردة، وعليه بدنة والاتيان بها، أما كون القضاء في الشهر الداخل فسيأتي بحثه. وأما الافساد والبدنة فلما رواه مسمع في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يعتمر عمرة مفرد فيطوف بالبيت طواف الفريضة ثم يغشي أهله قبل أن يسعى بين الصفا والمروة قال: قد أفسد عمرته، وعليه بدنة، ويقيم

(1) الوسيلة: ص 166، وفيه: " الحرام " بدل " الحيوان ".
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 496 - 497.
(3) المبسوط: ج 1 ص 337.
(4) الكافي في الفقه: ص 203.
(5) لم نعثر على كتابه.

[ 156 ]

بمكة محلا حتى يخرج الشهر الذي اعتمر فيه، ثم يخرج إلى الوقت الذي وقته رسول الله - صلى الله عليه وآله - لأهل بلاده فيحرم منه ويعتمر (1). وفي الصحيح عن بريد ابن معاوية العجلي قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن رجل اعتمر عمرة مفردة فغشي أهله قبل أن يفرغ من طوافه وسعيه، قال: عليه بدنه لفساد عمرته، وعليه أن يقيم إلى الشهر الآخر فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم بعمرة (2). مسألة: لو جامع أمته المحرمة بإذنه وهو محل قال الشيخ - رحمه الله -: يلزمه بدنة، فإن عجز فشاة أو صيام ثلاثة أيام (3). وكان والدي (4) - رحمه الله - يوجب على الموسر بدنة أو بقرة أو شاة، وعلى المعسر شاة أو صيام، وهو الوجه، لما رواه إسحاق بن عمار في الصحيح قال: قلت لأبي الحسن موسى - عليه السلام -: أخبرني عن رجل محل وقع على أمة محرمة، قال: موسرا أو معسرا؟ قلت: أخبرني عنهما، فقال: هو أمرها بالاحرام أو لم يأمرها وأحرمت من قبل نفسها؟ قلت: أجبني فيهما، قال: إن كان موسرا وكان عالما أنه لا ينبغي له وكان هو الذي أمرها بالاحرام فعليه بدنة، وإن شاء بقرة، وإن شاء شاة، وإن لم يكن أمرها بالاحرام فلا شئ عليه موسرا كان أو معسرا، وإن كان أمرها وهو معسر فعليه دم شاة أو صيام (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 323 ح 1111، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2 ج 9 ص 268.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 324 ح 1112، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الاستمتاع ح 1 ج 9 ص 268.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 494 - 495. (4) لم نعثر على كتابه.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 320 ح 1102، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2 ج 9 ص 263.

[ 157 ]

مسألة: لو جامع بعد طواف العمرة وسعيها قبل التقصير قال الشيخ: عليه بدنة، فإن عجز فبقرة، فإن عجز فشاة (1)، وهو اختيار ابن إدريس (2). وقال ابن أبي عقيل (3): عليه بدنة. وقال سلار: عليه بقرة (4). والمعتمد الأول. لنا: ما رواه الحلبي في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن متمتع طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة فقبل امرأته قبل أن يقصر من رأسه، قال: عليه دم يهريقه، وإن كان بجماع فعليه جزور أو بقرة (5). وفي الصحيح عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن متمتع وقع على امرئته قبل أن يقصر، قال: ينحر جزورا، وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجه (6). احتج سلار بالحديث الأول، فإنه خير بين البقرة والبدنة فيسقط وجوب البدنة. واحتج ابن أبي عقيل بالحديث الثاني. والجواب: إنه كما يحتمل التخيير يحتمل التفصيل، وهو أولى لاستبعاد التخيير بين الأعلى والأدنى (7). وعن الثاني إنا نقول بموجبه مع اليسار.

(1) المبسوط: ج 1 ص 363.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) السرائر: ج 1 ص 581.
(4) المراسم: ص 120.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 160 ح 535، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1 ج 9 ص 269.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 161 ح 537، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2 ج 9 ص 270.
(7) ق وم (2): بين الأدنى والأعلى.

[ 158 ]

وفي رواية ابن مسكان، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت: متمتع وقع على امرأته قبل أن يقصر، قال: عليه دم شاة (1)، وهو محمول على العاجز جمعا بين الأخبار. مسألة: قال المفيد: إذا سعى بين الصفا والمروة ستة أشواط وظن أنها سبعة فقصر وجامع لزمه دم بقرة وسعى شوطا آخر فإن لم يجامع النساء سعى شوطا ولا شئ عليه (2). وقال الشيخ في النهاية - في باب كفارات الاحرام -: ومتى طاف من طواف الزيارة شيئا ثم واقع أهله قبل أن يتمه كان عليه بدنة واعادة الطواف، وإن كان قد سعى من سعيه شيئا ثم جامع كان عليه الكفارة ويبني على ما سعى، وإن كان قد انصرف من السعي ظنا منه أنه قد تممه ثم جامع لم يلزمه الكفارة، وكان عليه تمام السعي (3). وكذا قال في المبسوط وزاد: لأن هذا في حكم الساهي (4). وقال في باب السعي: من سعى أقل من سبع مرات ناسيا وانصرف ثم ذكر أنه نقص منه شيئا رجع فتمم ما نقص منه، فإن لم يعلم كم نقص منه وجب عليه إعادة السعي، وإن كان قد واقع أهله قبل إتمامه السعي وجب عليه دم بقرة، وكذلك إن قصر أو قلم أظفاره كان عليه دم بقرة واتمام ما نقص من السعي (5)، وكذا قال في المبسوط في فصل السعي (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 161 ح 538، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 3 ج 9 ص 270.
(2) المقنعة: ص 434.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 495 - 496.
(4) المبسوط: ج 1 ص 337. (1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 513.
(6) المبسوط: ج 1 ص 362.

[ 159 ]

وقال سلار: من ظن أنه قد تمم السعي فقصر وجامع فعليه دم ويتمم السعي (1). وقال ابن إدريس: من سعى ستة أشواط وظن التمام فقصر وجامع وجب عليه دم بدنة، وروي بقرة ويسعى شوطا آخر. وإنما وجب عليه الكفارة، لأجل أنه خرج من السعي غير قاطع ولا متيقن إتمامه، بل خرج عن ظن منه، وهاهنا لا يجوز له أن يخرج مع الظن، بل مع القطع واليقين، وهذا ليس بحكم الناسي، وهكذا يكون في سعي العمرة المتمتع بها إلى الحج، ولو كان في سعي الحج كان يجب عليه الكفارة. ولو سلم له سعيه وخرج منه على يقين، لأنه قاطع على وجوب طواف النساء عليه. وليس كذلك العمرة المتمتع بها لو سلم له سعيه وقصر لم تجب عليه الكفارة، لأنه قد أحل بعد تقصيره من جميع ما أحرم منه، لأن طواف النساء غير واجب في العمرة المتمتع بها إلى الحج، ثم أمر بتأمل ما قاله. ثم قال: فلا يصح القول بهذه المسألة، فإنها ذكرها الشيخ المفيد في مقنعته إلا بما حررناه. ثم قال: وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي في نهايته: وإن كان قد انصرف من السعي ظنا منه أنه تممه ثم جامع لم تلزمه الكفارة، وكان عليه تمام السعي. فجعله في حكم الناسي، ولا يصح هذا أيضا إلا في سعي العمرة المتمتع بها إلى الحج (2). وقال في باب السعي: ومتى سعى أقل من سبعة مرات ناسيا وانصرف ثم ذكر أنه نقص منه شيئا رجع فتمم ما نقص منه، وإن لم يعلم كم نقص منه وجب عليه إعادة السعي، وإن كان قد واقع أهله قبل إتمامه السعي وجب عليه دم بقرة. وكذا إن قصر أو قلم أظفاره كان عليه دم بقرة واتمام ما نقص

(1) المراسم: ص 120.
(2) السرائر: ج 1 ص 551.

[ 160 ]

إذا فعل ذلك عامدا (1). والأقرب عندي قول المفيد. لنا: ما رواه عبد الله بن مسكان في الموثق قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل طاف بين الصفا والمروة ستة أشواط وهو يظن أنها سبعة فذكر بعد ما أحل أو واقع النساء أنه إنما طاف ستة أشواط، فقال: عليه بقرة يذبحها ويطوف شوطا آخر (2). وقول ابن إدريس هذا إنما يتم في سعي العمرة، لأنه في سعى الحج تجب الكفارة مطلقا، لأنه لم يطف للنساء، وفيه نظر، لأنا لو فرضنا أنه قدم طواف النساء لعذر لحقه هذا الحكم أيضا. مسألة: قال الشيخ: إذا طاف من طواف النساء شيئا بعد قضاء مناسكه ثم جامع فإن كان قد طاف منه أكثر من النصف بنى عليه بعد الغسل ولم يلزمه الكفارة، وإن كان أقل من النصف كان عليه الكفارة واعادة الطواف (3). وقال ابن إدريس: أما اعتبار النصف في صحة الطواف والبناء عليه فصحيح، وأما سقوط الكفارة ففيه نظر، لأن الاجماع حاصل على أن من جامع قبل طواف النساء وجبت عليه الكفارة، وهذا جامع قبل طواف النساء، فالاحتياط يقتضي إيجاب الكفارة (4). والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على رواية حمران ابن أعين، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن رجل كان عليه طواف النساء وحده فطاف منه خمسة أشواط ثم غمزه بطنه فخاف أن يبدره فخرج إلى منزله فنقض ثم غشي

(1) السرائر: ج 1 ص 580.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 153 ح 505، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب السعي ح 2 ج 9 ص 529.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 496. (4) السرائر: ج 1 ص 552.

[ 161 ]

جاريته، قال: يغتسل ثم يرجع فيطوف طوافين تمام ما كان بقي عليه من طوافه ويستغفر ربه ولا يعود، وإن كان طاف طواف النساء فطاف منه ثلاثة أشواط ثم خرج فغشي فقد أفسد حجه وعليه بدنة ويغتسل ثم يعود فيطوف أسبوعا (1). ولأن الأصل براءة الذمة. ولأنه مع تجاوز النصف يكون قد أتى بالأكثر فيكون حكمه حكم من أتى بالجميع. وقول الشيخ عندي هو المعتمد، للرواية، وهي وإن رواها الشيخ في سند في طريقه سهل بن زياد فإن ابن بابويه روى في الصحيح، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر - عليه السلام - في رجل كان عليه طواف النساء وحده فطاف منه خمسة أشواط بالبيت ثم غمزه بطنه فخاف أن يبدره فخرج إلى منزله فنقض ثم غشي جاريته، قال: يغتسل ثم يرجع فيطوف بالبيت تمام ما بقي عليه من طواف ويستغفر ربه ولا يعود (2). وروى ابن بابويه أيضا عن أبي بصير - في طريقه على ابن أبي حمزة -، عن الصادق - عليه السلام - في رجل نسي طواف النساء، قال إذا زاد على النصف (3). وخرج ناسيا أمر من يطوف عنه، وله أن يقرب النساء إذا زاد على النصف (3). مسألة: قال المفيد - رحمه الله - من نظر إلى غير أهله فأمنى وجب عليه بدنة إن كان موسرا، وإن كان متوسطا فعليه بقرة، وإن كان فقيرا فعليه دم شاة ويستغفر الله عزوجل، فإن لم يجد شيئا مما ذكرناه لفقره في الحال فعليه صيام

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 323 ح 1110، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب كفارة الاستمتاع ح 1 ج 9 ص 297.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 390 ح 2788، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1 ج 9 ص 297 (3) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 391 ح 2789، وسائل الشيعة: ب 58 من أبواب الطواف ح 10 ج 9 ص 469.

[ 162 ]

ثلاثة أيام يصومها (1). ولم يذكر الشيخ - رحمه الله - الصيام، ورواية أبي بصير، عن أبي عبد الله - عليه السلام - (2). ليس فيها ذكر الصوم. وكذا رواية زرارة الصحيحة، عن الباقر - عليه السلام - (3). وقال أبو جعفر ابن بابويه في المقنع: فإن نظر محرم إلى غير أهله فأنزل فعليه جزور أو بقرة، فإن لم يقدر فشاة (4). وعليه دلت رواية زرارة الصحيحة، عن الباقر - عليه السلام -. مسألة: قال الشيخ - رحمه الله -: من قبل امرأته وهو محرم من غير شهوة كان عليه دم شاة، وإن قبلها بشهوة كان عليه جزور (5). وقال المفيد: من قبل امرأته وهو محرم فعليه بدنة أنزل أو لم ينزل (6)، وكذا قال السيد المرتضى (7). وزاد المفيد: وإن هويت المرأة ذلك كان عليها مثل ما عليه (8). وقال ابن الجنيد (9): إن قبلها بغير شهوة كان عليه (10) دم شاة، وإن قبلها

(1) المقنعة: ص 433.
(2) راجع تهذيب الأحكام: ج 5 ص 325 ح 1115، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2 ج 9 ص 272. ذيل الحديث 2589. (3) راجع تهذيب الأحكام: ج 5 ص 325 ح 1116، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1 ج 9 ص 272.
(4) المقنع: ص 76.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 497.
(6) المقنعة: ص 434.
(7) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 70.
(8) المقنعة: ص 434.
(9) في متن المطبوع وم (2): فعليه.
(10) لم نعثر على كتابه.

[ 163 ]

بشهوة فأمنى فعليه جزور. وقال الصدوق في المقنع: فإن قبلها فعليه بدنة، وروي أن عليه دم شاة (1). وقال في كتاب من لا يحضره الفقيه: فإن قبلها فعليه دم شاة (2). وقال أبو الصلاح: وفي القبلة دم شاة، وإن أمنى فعليه بدنه (3). وقال ابن إدريس: إن قبلها بغير شهوة فدم، وإن قبلها بشهوة فشاة إذا لم يمن، فإن أمنى كان عليه جزور (4). والذي رواه الشيخ في هذا الباب حديثين: أحدهما صحيح: رواه مسمع أبو سيار قال: قال لي أبو عبد الله - عليه السلام -: يا أبا سيار إن حال المحرم ضيقة إن قبل امرأته على غير شهوة وهو محرم فعليه دم شاة، ومن قبل امرأته على شهوة فأمنى فعليه جزور ويستغفر الله (5). والثاني: رواه علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن رجل قبل امرأته وهو محرم، قال: عليه بدنة وإن لم ينزل، وليس له أن يأكل منه (6). وفي طريقه سهل بن زياد وعلي بن أبي حمزة وهما ضعيفان، فالأولى الاعتماد على الرواية الأولى. مسألة: قال المفيد (7)، وسلار (8): من قبل امرأته وقد طاف طواف النساء

(1) المقنع: ص 76، وليس فيه: " وروي أن عليه دم شاة ".
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 332 ذيل الحديث 2589.
(3) الكافي في الفقه: ص 203. (4) السرائر: ج 1 ص 552.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 326 ح 1121، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 3 ج 9 ص 274.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 327 ح 1123، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 4 ج 9 ص 277.
(7) المقنعة: ص 439 - 440.
(8) المراسم: ص 120.

[ 164 ]

وهي لم تطف وهو مكره لها فعليه دم، فإن كانت مطاوعة فالدم عليها دونه. ولم يذكر الشيخ ذلك، ولم نقف في ذلك على حديث مروي. ويمكن الاحتجاج لهما بأنه فعل موجب لذلك لو كان الرجل محرما فكذا المرأة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من تزوج امرأة وهو محرم فرق بينهما ولم تحل له أبدا إذا كان عالما بتحريم ذلك عليه، فإن لم يكن عالما به جاز له أن يعقد عليها بعد الاحلال (1)، وكذا قال المفيد (2) - رحمه الله -. وقال في الخلاف: إذا عقد المحرم على نفسه عالما بتحريم ذلك أو دخل بها وإن لم يكن عالما فرق بينهما ولا تحل له أبدا (3). وقال الصدوق في المقنع: من ملك بضع امرأة وهو محرم قبل أن يحل فعليه أن يخلي سبيلها وليس نكاحه بشئ، فإذا أحل خطبها إن شاء. وروي أنه إذا تزوج المحرم امرأة فرق بينهما إن كان دخل بها. وروي أنه إذا تزوج المحرم في إحرامه فرق بينهما ولم تحل له أبدا (4). فهذا هو الحديث الذي اقصده وأفتي به، وهو المعتمد عندي. وقال ابن الجنيد: فإن نكح ودخل بها جاهلا كان لها المهر وفرق بينهما، وإن كانت محرمة فعليها الكفارة، وإن لم تكن محرمة فليس عليها شئ، وإن لم يدخل بها وكانا جاهلين تزوجها إذا أحل، وإن كانا عالمين فالنكاح باطل ولا تحل له أبدا. وسيأتي البحث في هذه المسألة إن شاء الله تعالى في كتاب

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 497.
(2) المقنعة: ص 433 - 434.
(3) الخلاف: ج 2 ص 317 المسألة 114. (4) المقنع: ص 76. وليس فيه: " وروي أنه إذا تزوج المحرم في إحرامه فرق بينهما ولم تحل له أبدا " وذكرها في من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 361 ح 2711.

[ 165 ]

النكاح. النظر الثالث في باقي المحظورات مسألة: قال الشيخان: في تقليم كل ظفر مد من طعام، فإن قلم أظفار يديه جميعا كان عليه دم شاة، وكذا في أظفار رجليه، فإن قلم أظفار يديه ورجليه فدمان إن تعدد المجلس، وإن اتحد فدم واحد (1)، وكذا قال السيد المرتضى (2)، والصدوق (3)، وابن البراج (4)، وسلار (5)، وابن إدريس (6). وقال ابن أبي عقيل (7): من انكسر ظفره وهو محرم فلا يقصه، فإن فعل فعليه أن يطعم مسكينا في يده. وقال ابن الجنيد (8): من قص ظفرا كان عليه مد أو قيمته، وفي الظفرين مدان أو قيمتهما، فإن قص خمسة أظافير من يد واحدة أو زاد على ذلك كان عليه دم إن كان في مجلس واحد، فإن فرق بين يديه ورجليه كان عليه ليديه ورجليه دم. وقال أبو الاصلاح: في قص ظفر كف من طعام، وفي أظفار إحدى يديه

(1) المقنعة: ص 434، النهاية ونكتها: ج 1 ص 498.
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 70.
(3) المقنع: ص 74 - 75.
(4) المهذب: ج 1 ص 224.
(5) المراسم: ص 120.
(6) السرائر: ج 1 ص 553.
(7) لم نعثر على كتابه.
(8) لم نعثر على كتابه.

[ 166 ]

صاع، وفي أظفار كلتيهما دم شاة، وكذلك حكم أظفار رجليه، وإن قص أظفار يديه ورجليه في مجلس واحد فعليه دم واحد (1). والمعتمد الأول. لنا ما رواه أبو بصير في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل قلم ظفرا من أظفاره وهو محرم، قال: عليه في كل ظفر قيمة مد من طعام حتى يبلغ عشرة، فإن قلم أصابع يديه كلها فعليه دم شاة، قلت: فإن قلم أظافير رجليه ويديه جميعا، فقال: إن كان فعل ذلك في مجلس واحد فعليه دم، وإن كان فعله متفرقا في مجلسين فعليه دمان (2). مسألة: قال الشيخ: من حلق رأسه لأذى فعليه دم شاة أو صيام ثلاثة أيام أو يتصدق على ستة مساكين، لكل مسكين مد من طعام. وقد روى عشرة مساكين، وهو الأحوط (3). وكذا قال المفيد، إلا أنه لم يذكر الرواية، بل جعل الاطعام لستة مساكين، لكل مسكين مد (4)، وبه قال ابن إدريس (5). وقال ابن الجنيد (6): أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، وهو الذي رواه الصدوق في المقنع (7)، وبه قال ابن أبي عقيل (8)، وهو الأقوى. لنا: إنه أحوط.

(1) الكافي في الفقه: ص 204. (2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 332 ح 1141، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1 ج 9 ص 293.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 498.
(4) المقنعة: ص 434.
(5) السرائر: ج 1 ص 553.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) المقنع: ص 75، وفيه: لكل مسكين مدان ".
(8) لم نعثر على كتابه.

[ 167 ]

وما رواه حريز في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: مر رسول الله - صلى الله عليه وآله - على كعب بن عجزة الأنصاري والقمل تتناثر من رأسه فقال: أيؤذيك هوامك؟ فقال: نعم، فأنزلت هذه الآية: " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك "، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وآله - فحلق رأسه، وجعل عليه الصيام ثلاثة أيام والصدقة على ستة مساكين، لكل مسكين مدان، والنسك شاة (1). وكذا في حديث زرارة، عن الصادق - عليه السلام - أو يتصدق على ستة مساكين، والصدقة نصف صاع لكل مسكين (2). احتج الشيخ بما رواه عمر بن يزيد، عن الصادق - عليه السلام - والصدقة على عشرة مساكين يشبعهم من الطعام (3). وقال الشيخ: ليس بين الروايتين تضاد في كمية الاطعام، لأن الرواية الأولى فيها أن يطعم ستة مساكين، لكل مسكين مدين. والرواية الأخرى عشرة مساكين، لكل مسكين قدر ما يشبعه، وهو مخير بأي الخبرين أخذ جاز له ذلك (4). مسألة: قال الشيخ: ومن ظلل على نفسه كان عليه دم يهريقه (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 333 ح 1147، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1 ج 9 ص 295 وفيهما: عجرة.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 334 ح 1149، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 3 ج 9 ص 296. (3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 333 ح 1148، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 2 ج 9 ص 296.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 334 ذيل الحديث 1148.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 498.

[ 168 ]

وقال المفيد: فإن ظلل على نفسه مختارا فعليه دم (1). وقال ابن الجنيد: يستحب للمحرم أن لا يظلل على نفسه، لأن السنة بذلك جرت، فإن لحقه عنت أو خاف من ذلك فقد روي عن أهل البيت - عليهم السلام - جوازه. وروي أيضا أن (2) يفدي عن كل يوم بمد. وروي في ذلك أجمع دم. وروي لاحرام المتعة دم ولاحرام الحج دم آخر (3). وقال ابن أبي عقيل (4): فإن كان حلق رأسه لأذى أو مرض أو ظلل على نفسه فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك، والصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة أصيع بين ستة مساكين، والنسك شاة. وقال أبو الصلاح: في تظليل المحمل وتغطية رأس الرجل ووجه المرأة مختارا، لكل يوم دم شاة، ومع الاضطرار بجملة المدة دم شاة (5). وقال الصدوق في المقنع: لا يجوز للمحرم أن يركب في القبة، إلا أن يكون مريضا. وروي أنه لا بأس أن تستظل المرأة وهي محرمة، ولا بأس أن يضرب على المحرم الظلال ويتصدق بمد لكل يوم (6). والمعتمد التحريم، وقد تقدم. ويؤيده ما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: لا تمس الريحان وأنت محرم، ولا تمس شيئا فيه زعفران، ولا تأكل طعاما فيه زعفران، ولا ترتمس في ماء يدخل فيه رأسك (7).

(1) المقنعة: ص 434.
(2) ق وم (2): أنه.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) الكافي في الفقه: ص 204.
(6) المقنع: ص 74.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 307 ح 1048، وسائل الشيعة: ب 58 من أبواب تروك الاحرام ح 1 ج 9 ص 140.

[ 169 ]

وفي الصحيح عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن المحرم يركب في القبة، قال: ما يعجبني ذلك، إلا أن يكون مريضا (1). وفي الصحيح عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن المحرم يركب في الكنيسة (2)؟ فقال: لا، وهو للنساء جائز (3). وفي الصحيح عن عبد الله بن المغيرة قال: قلت لأبي الحسن الأول - عليه السلام -: أظلل وأنا محرم؟ قال: لا، قلت: أفأظلل وأكفر؟ قال: لا، قلت: فإن مرضت؟ قال: ظلل وكفر، ثم قال: أما علمت إن رسول الله - صلى الله عليه وآله - قال: ما من حاج يضحي ملبيا حتى تغيب الشمس إلا غابت ذنوبه معه (4). احتج المجوزون بالأصل، وبما رواه العباس بن معروف، عن بعض أصحابنا، عن الرضا - عليه السلام - قال: سألته عن المحرم له زميل فاعتل وظلل على رأسه أله أن يستظل؟ قال: نعم. وما رواه علي بن جعفر في الصحيح قال: سألت أخي اظلل وأنا محرم؟ فقال: نعم، وعليك الكفارة، قال: فرأيت عليا إذا قدم مكة بنحر بدنة لكفارة الظل (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 309 ح 1058، وسائل الشيعة: ب 64 من أبواب تروك الاحرام ح 2 ج 9 ص 146.
(2) الكنيسة: شئ يغرز في المحمل أو الرحل ويلقى عليه ثوب يستظل به الراكب ويستتر به (مجمع البحرين: ج 4 ص 100).
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 312 ح 1072، وسائل الشيعة: ب 64 من أبواب تروك الاحرام ح 4 ج 9 ص 146.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 313 ح 1075، وسائل الشيعة: ب 64 من أبواب تروك الاحرام ح 3 ج 9 ص 146.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 334 ح 1150، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 2 ج 9 ص 287.

[ 170 ]

والجواب عن الأصل: أنه معارض بالاحتياط. وعن الحديث الأول أنه مرسل وضعيف السند، واحتمال إرادة التعليل، وكذا عن الحديث الثاني، وهل يجب الكفارة مع الضرورة والحاجة؟ قال الشيخ في التهذيب: نعم، لما رواه سعد بن سعد في الصحيح، عن الرضا - عليه السلام - قال: سألته عن المحرم يظلل على نفسه؟ فقال: أمن علة؟ فقلت: يؤذيه حر الشمس وهو محرم، فقال: هي علة يظلل ويفدي (1). وفي الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيغ قال: سأله رجل عن الظلال للمحرم من أذى مطر أو شمس وأنا أسمع، فأمره أن يفدي بشاة يذبحه بمنى (2). وفي الصحيح عن إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا - عليه السلام -: المحرم يظلل على محمله ويفدي إذا كانت الشمس والمطر يضره؟ قال: نعم، قلت: كم الفداء؟ قال: شاة (3). ثم قال الشيخ: إذا كان إحرامه للعمرة التي يتمتع بها إلى الحج ثم ظلل لزمه كفارتان، لما رواه أبو علي بن راشد قال: قلت له - عليه السلام - جعلت فداك إنه يشتد علي كشف الظلال في الاحرام، لاني محرور يشتد علي الشمس، فقال: ظلل وارق دما، فقلت له: دما أو دمين؟ قال: للعمرة؟ قلت: أنا محرم بالعمرة وندخل مكة فنحل ونحرم بالحج، قال: فأرق دمين (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 310 ذيل الحديث 1062، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 4 ج 9 ص 287.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 111 ح 1065، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 6 ج 9 ص 288.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 311 ح 1066، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 5 ج 9 ص 287.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 311 ذيل الحديث 1066 وح 1067، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1 ج 9 ص 288.

[ 171 ]

مسألة: سوغ ابن الجنيد (1)، والشيخ في المبسوط (2) تغطية الوجه للرجل. وكذا في التهذيب (3)، إلا أنه شرط فيه الكفارة، لما رواه زرارة قال: قلت لأبي جعفر - عليه السلام -: المحرم يقع على وجهه الذباب حين يريد النوم فيمنعه من النوم أيغطي وجهه إذا أراد أن ينام؟ قال: نعم (4). واستدل على وجوب الكفارة بما رواه الحلبي في الصحيح قال: المحرم إذا غطى وجهه فليطعم مسكينا في يده (5). والأقرب عندي الاستحباب، مع أن الرواية لم تسند إلى إمام. وقال ابن أبي عقيل (6): لا يغطي وجهه، فإن فعل فعليه أن يطعم مسكينا في يده. مسألة: قال الشيخ: إذا مس المحرم رأسه أو لحيته فوقع منهما شئ من شعره كان عليه أن يطعم كفا من طعام أو كفين، فإن سقط شئ من شعر رأسه أو لحيته بمسه لهما في حال الوضوء لم يكن عليه شئ (7)، وكذا قال ابن إدريس (8). وقال المفيد: ومن أسبغ وضوءه فسقط شئ من شعره فعليه أيضا كف

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) المبسوط: ج 1 ص 321.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 308 ذيل الحديث 1052. (4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 308 ح 1053، وسائل الشيعة: ب 55 من أبواب تروك الاحرام ح 7 ج 9 ص 309.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 308 ح 1054، وسائل الشيعة: ب 55 من أبواب تروك الاحرام ح 4 ج 9 ص 138.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) النهاية ونكتها: ج 1 ص 499.
(8) السرائر: ج 1 ص 554.

[ 172 ]

من طعام يتصدق به، فإن كان الساقط من شعره كثيرا فعليه دم شاة (1). وقال الصدوق في المقنع: إذا عبث الرجل المحرم بلحيته فسقط منها شعرة أو شعرتان فإن عليه أن يتصدق بكف أو كفين من طعام (2). وقال سلار: وإن أسقط بفعله شيئا من شعره فعليه كف من طعام، ومن أسقط كثيرا من شعره فعليه دم شاة (3)، وأطلق. ولم يذكر التفصيل في غير الوضوء أو فيه، وكذا قال السيد المرتضى (4). وقال ابن البراج: إذا مس رأسه أو لحيته لغير طهارة فسقط شئ من شعرهما بذلك فعليه كفان من طعام، فإن كان مسهما لطهارة لم يكن عليه شئ. وقد ذكر أنه إن سقط ذلك في حال وضوء كان عليه كف من طعام، وإن كان كثيرا فدم شاة (5). وقال ابن حمزة: إن حك رأسه أو لحيته وسقط شئ من شعره أو مسه في غير الوضوء تصدق بكفين (6). والأقرب الأول. لنا: إنه فعل سائغ مطلوب للشارع، فلا يتعقبه كفارة، إذ هي مناسبة للاثم الحاصل بارتكاب المنهي عنه. وما رواه الهثيم بن عروة التميمي في الصحيح قال: سأل رجل أبا عبد الله - عليه السلام - عن المحرم يريد اسباغ الوضوء فيسقط من لحيته الشعرة أو الشعرتان، فقال: ليس بشئ، ما جعل الله عليكم في الدين من حرج (7).

(1) المقنعة: ص 435.
(2) المقنع: ص 75.
(3) المراسم: ص 120 و 122.
(4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 71. (5) المهذب: ج 1 ص 226.
(6) الوسيلة: ص 171.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 339 ح 1172، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب كفارات الاحرام ح 6 ج 9 ص 299.

[ 173 ]

وعلى الكف أو الكفين ما رواه منصور، عن الصادق - عليه السلام - في المحرم إذا مس لحيته فوقع منها شعر، قال: يطعم كفا من طعام أو كفين (1). وفي الصحيح عن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: المحرم يعبث بلحيته فيسقط منها الشعرة والثنتان، قال: يطعم شيئا (2). وفي الصحيح عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: إذا وضع أحدكم يده على رأسه أو لحيته وهو محرم فسقط شئ من الشعر فليتصدق بكف من طعام أو كف من سويق (3). وإنما حملنا ذلك على غير حالة الوضوء لما عرف من أن المطلق والمقيد إذا تنافيا في الحكم حمل المطلق على غير ذلك المقيد، لئلا يلزم التنافي في الأدلة. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (4) والمبسوط (5): في الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة، وفي الاغصان قيمة. وقال ابن الجنيد (6): وإن قلع المحرم أو المحل من شجر الحرم شيئا فعليه قيمة ثمنه. وقال أبو الصلاح: في قطع بعض شجر الحرم من أصله دم شاة، ولقطع

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 338 ح 1169، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1 ج 9 ص 299.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 338 ح 1170، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 2 ج 9 ص 299.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 338 ح 1171، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 5 ج 9 ص 299.
(4) الخلاف: ج 2 ص 408 المسألة 281، وليس فيه: " وفي الاغصان قيمة ".
(5) المبسوط: ج 1 ص 354.
(6) لم نعثر على كتابه.

[ 174 ]

بعضها أو اختلاء ما تيسر من الصدقة (1). وقال ابن البراج فيما يجب فيه بقرة: أو يقطع (2) شيئا من شجر الحرم الذي لم يغرسه هو في ملكه، ولا نبت في داره بعد بنائه لها (3). ولم يفصل الكبيرة والصغيرة. وقال ابن حمزة: والبقرة يلزم بصيد بقرة الوحش وقلع شجر الحرم، ثم قال: يجب شاة بقلع شجر صغير من الحرم (4). وقال ابن إدريس: الأخبار واردة عن الأئمة - عليهم السلام - بالمنع من قلع شجر الحرم وقطعه، ولم يتعرض فيها الكفارة لا في الكبيرة ولا في الصغيرة (5). وهذا قوله يشعر بسقوط الكفارة، والمعتمد وجوب الكفارة. لنا: إنه إتلاف منهي عنه، فكان عليه الكفارة كالصيد. والشيخ استدل في الخلاف بإجماع الطائفة والاحتياط (6). وفي التهذيب: بما رواه سليمان بن خالد عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل قلع من الاراك الذي بمكة، قال: عليه ثمنه. وقال: لا ينزع من شجر مكة شئ إلا النخل وشجر الفاكهة (7). ثم قال: وقد روي أن من قطع شجرة من الحرم فكفارته بقرة يتصدق بلحمها على المساكين (8).

(1) الكافي في الفقه: ص 204.
(2) ن: أو لقلع شئ.
(3) المهذب: ج 1 ص 223.
(4) الوسيلة: ص 167.
(5) السرائر: ج 1 ص 554.
(6) الخلاف: ج 2 ص 408 المسألة 281.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 379 ح 1324، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 2 ج 9 ص 301.
(8) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 381 ذيل الحديث 1330.

[ 175 ]

روى موسى بن القاسم قال: روى أصحابنا، عن أحدهما - عليهما السلام - أنه قال: إذا كان في دار الرجل شجرة من شجر الحرم لم ينزع، فإن أراد نزعها نزعها وكفر بذبح بقرة يتصدق بلحمها على المساكين (1). وهذه الرواية مرسلة، فالأقوى الرواية الأولى، وهو اختيار ابن الجنيد - رحمه الله -. مسألة: قال الشيخ: حشيش الحرم ممنوع من قلعه، فإن قلعه أو شيئا منه لزم قيمته، ولا بأس أن يخلي الإبل ترعى (2). وقال ابن الجنيد (3): وأما الرعي فمما لا اختاره، لأن البعير ربما جذبت النبت من أصله، فأما ما حصده الانسان منه وبقي أصله في الأرض فلا بأس به. وقد روى الشيخ في الصحيح، عن عبد الرحمن بن أبي نجران ومحمد بن حمران قالا: سألنا أبا عبد الله - عليه السلام - عن النبت الذي في أرض الحرم أينزع؟ فقال: أما شئ تأكله الإبل فليس به بأس أن ينزعه (4). قال الشيخ: قوله - عليه السلام -: " لا بأس به أن ينزعه " يعني الإبل، لأن الإبل يخلى عنها يرعى كيف شاء، لما رواه حريز بن عبد الله في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: تخلي عن البعير في الحرم يأكل ما شاء (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 318 ح 1331، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 3 ج 9 ص 301.
(2) المبسوط: ج 1 ص 354.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 380 ح 1328، وسائل الشيعة: ب 89 من أبواب تروك الاحرام ح 2 ج 9 ص 177.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 381 ح 1329، وسائل الشيعة: ب 89 من أبواب تروك الاحرام ح 1 ج 9 ص 176.

[ 176 ]

مسألة: الدهن الطيب يحرم استعماله وتجب به الكفارة، قاله الشيخ في الخلاف (1) والنهاية (2) والمبسوط (3). وقال ابن إدريس: تجب به الكفارة، سواء كان مختارا أو مضطرا (4). وقال الشيخ في الجمل: أنه مكروه (5). وغير الطيب قال ابن إدريس: لا تجب به الكفارة، بل الإثم، وليستغفر الله تعالى (6). والأقوى وجوب الكفارة في الطيب دون غيره، وأما أكل غير الطيب فإنه سائغ مطلقا. مسألة: كل شئ فعله المحرم مما يحرم عليه ناسيا أو جاهلا لم يكن عليه شئ سوى الصيد، فإنه يجب فداؤه على الساهي والجاهل. وقال ابن أبي عقيل: وقد قيل: في الصيد إن من قتله ناسيا فلا شئ عليه (7). لنا: عموم الآية والأخبار. احتج المخالف بقوله - عليه السلام -: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " (8).

(1) الخلاف: ج 2 ص 303 المسألة 90.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 500.
(3) المبسوط: ج 1 ص 353.
(4) السرائر: ج 1 ص 555.
(5) الجمل والعقود: ص 135 و 136، وعده من المتروكات المفروضة، نعم قال في المتروكات المكروهة: واستعمال الادهان الطيبة قبل الاحرام إذا كانت رائحتها تبقى إلى بعد الاحرام.
(6) السرائر: ج 1 ص 555.
(7) لم نعثر على كتابه.
(8) سنن ابن ماجة: ج 1 ص 659 ح 2045، من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 59 ح 132، وفيهما: وضع عن أمتي.

[ 177 ]

والجواب: إنه مخصوص بما ذكرناه للاجماع. ولأن الحديث يقتضي رفع الموآخذة، ونحن نقول بموجبه، وليس فيه نفي وجوب الكفارة. مسألة: قال الصدوق في المقنع: وإذا أكلت خبيصا فيه زعفران حتى شبعت منه وأنت محرم فإذا فرغت من مناسكك وأردت الخروج فابتع بدرهم تمرا وتصدق به، فيكون ذلك كفارة لك ولما دخل عليك في احرامك مما لا تعلم به (1). مع أنه قدم: إن من أكل طعاما فيه طيب أو أكل طعاما لا يحل له أكله فعليه دم شاة (2)، فإن قصد بالأول النسيان والصدقة بدرهم استحبابا - كما هو المشهور - فهو حق، وإن قصد العمد فهو في مقام المنع، ويجب عليه شاة على ما هو متفق بين الأصحاب. مسألة: قال الشيخ: من قلع ضرسه كان عليه دم (3). وقال ابن الجنيد (4)، وابن بابويه (5): لا بأس به مع الحاجة. ولم يوجبا شيئا. والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على رواية محمد بن عيسى، عن عدة من أصحابنا، عن رجل من أهل خراسان أن مسألة وقعت في الموسم لم يكن عند مواليه منها شئ: محرم قلع ضرسه، فكتب - عليه السلام -: يهريق دما (6). والاستناد إلى البراءة الأصلية أولى، فإن الرواية غير مسندة إلى إمام.

(1) المقنع: ص 73.
(2) المقنع: ص 73.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 500.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) المقنع: ص 74.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 385 ح 1344، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1 ج 9 ص 302.

[ 178 ]

مسألة: قال ابن الجنيد (1): كل عين على المحرم محرم إتلافها، فعليه لكل عين فدية إذا أتلفها في مجلس واحد كان ذلك أو في مجالس، وذلك كالصيد من جنس واحد أو أجناس، وسواء كان قد فدى العين الأولى أو لم يفدها، وكذلك الجماع. وكذا قال السيد المرتضى (2)، وابن إدريس (3)، إلا أنه استثني النسيان. وقال ابن حمزة - ونعم ما قال -: الجماع إما مفسد للحج أو لا، فالأول: لا تتكرر فيه الكفارة، والثاني: إن تكرر فعله في حالة واحدة لا تتكرر فيه الكفارة بتكرر الفعل، وإن تكرر في دفعات تكررت الكفارة (4). والشيخ في المبسوط لم يتعرض لذلك، بل قسم ما يفعله المحرم إلى مختلف فتجب به الكفارة المتعددة مطلقا، وإلى متحد، فإن كان اتلافا على وجه التعديل كالصيد الذي يعدل به، ويجب فيه مثله، ويختلف بالصغر والكبر فتتعدد الكفارة بتعدده، وإن كان إتلافا مضمونا لا على سبيل التعديل كالحلق والقلم فإن تعدد الوقت تعددت الكفارة، وإلا فلا، فإن كان استمتاعا باللبس والطيب والقبلة فكفارة واحدة مع اتحاد الوقت، وإن تكثر الفعل ومتعدده إن تغاير الوقت سواء كفر عن الأول أو لا (5). لنا: الأصل براءة الذمة. احتج ابن الجنيد بأن الكفارة إذا وجبت بالفعل الأول، فإن وجبت بالثاني لزم تحصيل الحاصل، وإلا خرج الثاني عن العلية، مع أنه مساو للأول.

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 72.
(3) السرائر: ج 1 ص 569.
(4) الوسيلة: ص 165 - 166.
(5) المبسوط: ج 1 ص 351.

[ 179 ]

والجواب: المنع من المساواة، والنقض بالقبلة وغيرها مما لا تتكرر الكفارة فيه بتعدده. قال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية القول: بأن الجماع إذا تكرر من المحرم تكررت الكفارة، سواء كان ذلك في مجلس واحد أو في أماكن كثيرة، وسواء كفر عن الأول أو لا، للاجماع وحصول اليقين بالبراءة. ثم اعترض بأن الجماع الأول أفسد الحج بخلاف الثاني. وأجاب: بأن الحج وإن كان قد فسد لكن حرمته باقية، ولهذا وجب المضي فيه فجاز أن يتعلق به الكفارة (1). مسألة: قال الشيخ في المبسوط (2) والنهاية (3)، والمفيد في المقنعة (4): من وجب عليه جزاء صيد أصابه وهو محرم فإن كان حاجا نحر ما وجب عليه بمنى، وإن كان معتمرا نحره بمكة قبالة الكعبة، وكذا قال السيد المرتضى (5)، وسلار (6)، وأبو جعفر بن بابويه (7). وزاد الشيخ - رحمه الله -: وما يجب على المحرم بالعمرة في غير كفارة الصيد جاز أن ينحره بمنى (8). وقال علي بن بابويه (9): وكل ما أتيته من الصيد في عمرة أو متعة فعليك

(1) الانتصار: ص 101 - 102. (2) المبسوط: ج 1 ص 345.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 485.
(4) المقنعة: ص 438.
(5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 72.
(6) المراسم: ص 121.
(7) المقنع: ص 79.
(8) المبسوط: ج 1 ص 345.
(9) لم نعثر على كتابه.

[ 180 ]

أن تنحر أو تذبح ما يلزمك من الجزاء بمكة عند الحزورة قبالة الكعبة، وإن شئت أخرته إلى أيام التشريق فتنحره بمنى إذا وجب عليك في متعة، وما أتيته فيما يجب عليك فيه الجزاء في حج فلا تنحره إلا بمنى. وقال أبو الصلاح: محل فداء ما أتاه في إحرام المتعة أو العمرة المبتولة قبالة الكعبة، وفي إحرام الحج بمنى (1). وقال ابن إدريس: من وجب عليه جزاء صيد وهو محرم فإن كان حاجا أو معتمرا عمرة متمتعا بها إلى الحج نحر أو ذبح ما وجب عليه بمنى، وإن كان معتمرا عمرة مبتولة نحر بمكة أو ذبح قبالة الكعبة (2). وقال ابن حمزة: وما يلزم المحرم من جزاء الصيد وقيمته في إحرام الحج، والعمرة المتمتع بها من الذبح والنحر والاطعام صنعها بمنى، وإن لزمه في إحرام العمرة المبتولة لزمه ذلك بمكة (3). وقد وردت في هذا الباب روايات: الأولى: ما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: من وجب عليه فداء صيد أصابه وهو محرم فإن كان حاجا نحر هديه الذي وجب عليه بمنى، وإن كان معتمرا نحره بمكة قبالة الكعبة (4). الثانية: روى زرارة، عن الباقر - عليه السلام - في المحرم إذا أصاب صيدا فوجب عليه الهدي فعليه أن ينحره إن كان في الحج بمنى حيث ينحر الناس، وإن كان عمرة نحره بمكة، فإن شاء تركه إلى أن يقدم فيشتريه فإنه يجزئ

(1) الكافي في الفقه: ص 206. (2) السرائر: ج 1 ص 564.
(3) الوسيلة: ص 171.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 373 ح 1299، وسائل الشيعة: ب 49 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 245.

[ 181 ]

عنه (1). قال الشيخ: قوله - عليه السلام -: " فإن شاء تركه إلى أن يقدم فيشتريه " رخصة لتأخر شراء الفداء إلى مكة أو منى، لأن من وجب عليه كفارة الصيد فإن الأفضل أن يفديه من حيث أصابه، لما رواه معاوية بن عمار في الصحيح قال: يفدي المحرم فداء الصيد من حيث صاده (2). الثالثة: روى إسحاق بن عمار في الصحيح أن عباد البصري جاء إلى أبي عبد الله - عليه السلام - وقد دخل مكة بعمرة مبتولة وأهدى هديا فأمر به فنحر في منزله بمكة، فقال له عباد: نحرت الهدي في منزلك وتركت أن تنحره بفناء الكعبة وأنت رجل يؤخذ منك؟! فقال له: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله - نحر هديه بمنى في المنحر وأمر الناس فنحروا في منازلهم، وكان ذلك موسعا عليهم (3). الرابعة: روى منصور بن حازم في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن كفارة العمرة المفردة أين تكون؟ فقال: بمكة، إلا أن يشاء صاحبها إن يؤخرها إلى منى ويجعلها بمكة أحب إلي وأفضل (4). قال الشيخ: هذا الخبر رخصة لما يجب من الكفارة في غير الصيد، فأما ما تجب في كفارة الصيد فإنه لا ينحر إلا بمكة، لما رواه أحمد بن محمد، عن بعض

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 373 ح 1300، وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب كفارات الصيد ح 2 ج 9 ص 248.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 373 ذيل الحديث 1300 وح 1301، وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 247.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 374 ح 1302، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 248. (4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 374 ح 1303، وسائل الشيعة: ب 49 من أبواب كفارات الصيد ح 4 ج 9 ص 246.

[ 182 ]

رجاله، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: من وجب عليه هدى في إحرامه فله أن ينحره حيث شاء إلا فداء الصيد، فإن الله تعالى يقول: " هديا بالغ الكعبة " (1). وليس في هذه الروايات تصريح بالعمرة المتمتع بها، والأولى إلحاق حكمها بالعمرة المبتولة كما قاله أبو الصلاح، لا بالحج كما قاله ابن حمزة وابن إدريس. لنا: صدق عموم العمرة عليها. الفصل الثاني في الطواف مسألة: قال الشيخ في النهاية: ينبغي أن يكون الطواف على سكون لا سرع فيه ولا إبطاء (2)، وهو قول أبي الصلاح (3) وابن إدريس (4). وفي المبسوط: يستحب أن يرمل ثلاثا ويمشي أربعا في الطواف، هذا في طواف القدوم فحسب اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وآله -، لأنه كذا فعل. رواه جعفر بن محمد - عليهما السلام - (5). وقال ابن أبي عقيل (6): يطوف سبعة أشواط، وليس فيها رمل، كما يفعله العامة.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 374 ذيل الحديث 1303 وح 1304، وسائل الشيعة: ب 49 من أبواب كفارات الصيد ح 3 ج 9 ص 246.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 503.
(3) الكافي في الفقه: ص 194.
(4) السرائر: ج 1 ص 572.
(5) المبسوط: ج 1 ص 356.
(6) لم نعثر على كتابه.

[ 183 ]

وقال ابن الجنيد (1): ولا ترمل في الطواف، لأن في ذلك اذى للطائفين، ولو رمل عند حلول الطواف ليسرع من أجل حاجة له لم يكن بذلك بأس. وقال ابن حمزة: يستحب الرمل في الثلاثة الاشواط الأول: والمشي في الأربعة وخاصة في طواف الزيارة (2). والأقرب الأول، لما رواه عبد الرحمان بن سيابة قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الطواف فقلت: أسرع وأكثر أو أمشي وأبطئ؟ فقال: مشي بين المشين (3). ولأنه أشهر. مسألة: المشهور أنه لا يجوز إدخال المقام في الطواف. وقال ابن الجنيد (4): يطوف الطائف بين المقام والبيت الآن، وقدره من كل جانب، فإن اضطر أن يطوف خارج المقام أجزأه. لنا: قوله - عليه السلام -: " خذوا عني مناسككم " (5)، وإنما طاف كما قلناه. احتج بما رواه محمد بن علي الحلبي قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الطواف خلف المقام، قال: ما أحب ذلك وما أرى به بأسا، فلا تفعله إلا أن لم تجد منه بدا (6).

(1) لم نعثر على كتابه. (2) الوسيلة: ص 172 - 173.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 109 ح 352، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب الطواف ح 4 ج 9 ص 428.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) سنن البيهقي: ج 5 ص 125.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 399 ح 2809، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب الطواف ح 2 ج 9 ص 427.

[ 184 ]

مسألة: المشهور بين علمائنا وجوب ركعتي طواف الفريضة، ونقل ابن إدريس (1) عن شواذ منهم الاستحباب. وقال الشيخ في الخلاف: ركعتا الطواف واجبتان عند أكثر أصحابنا، وبه قال عامة أهل العلم، وللشافعي قولان: أحدهما: إنهما غير واجبتين، وبه قال قوم من أصحابنا (2). لنا: قوله تعالى: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " (3). ولما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا فرغت من طوافك فأت مقام إبراهيم فصلي ركعتين (4). الحديث. ولأن وجوب قضائهما يستلزم وجوب الأداء، والملزوم ثابت، لما رواه عمر ابن يزيد في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: من نسي أن يصلي ركعتي طواف الفريضة حتى خرج من مكة فعليه أن يقضي، أو يقضيه عنه وليه، أو رجل من المسلمين (5). احتج المخالف بالأصل. والجواب: المعارضة بالاحتياط، وبما تقدم من الأدلة. مسألة: قال الشيخ: من نذر أن يطوف على أربع كان عليه أن يطوف طوافين أسبوعا ليديه واسبوعا لرجليه (6).

(1) السرائر: ج 1 ص 576.
(2) الخلاف: ج 2 ص 327 المسألة 138.
(3) البقرة: 125.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 136 ح 450، وسائل الشيعة: ب 70 من أبواب الطواف ح 3 ج 9 ص 479.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 143 ح 473، وسائل الشيعة: ب 74 من أبواب الطواف ح 13 ج 9 ص 484.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 508.

[ 185 ]

وقال ابن إدريس: لا ينعقد هذا النذر (1)، وهو المعتمد. لنا: إنه نذر كيفية غير مشروعة فلا ينعقد. ولأن الطواف إما صلاة أو مشابه لها في الأحكام، لقوله - عليه السلام -: " الطواف بالبيت صلاة " (2)، وقد ثبت وجوب القيام في الصلاة، فكذا فيه. احتج الشيخ بما رواه السكوني، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام -: في امرأة نذرت أن تطوف على أربع، قال: تطوف أسبوعا ليديها واسبوعا لرجليها (3). وعن أبي الجهم، عن الصادق - عليه السلام - عن أبيه، عن آبائه - عليهم السلام -، عن علي - عليه السلام - أنه قال: في امرأة نذرت أن تطوف على أربع، قال: تطوف أسبوعا ليديها واسبوعا لرجليها (4). والجواب: المنع من صحة سند الروايتين. مسألة: أطلق الأصحاب جواز أن يطوف الحامل عن نفسه، فقال ابن الجنيد (5) - ونعم ما قال -: والحامل للمريض يجزئه طوافه عن طواف الواجب عليه إذا لم يكن أجيرا. لنا: إنه يجب عليه السعي في غير الطواف، فلا يجوز صرفه إليه. والرواية التي رواها الهيثم بن عروة، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت

(1) السرائر: ج 1 ص 576.
(2) سنن الدارمي: ج 2 ص 44.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 135 ح 446، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الطواف ح 1 ج 9 ص 478.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 135 ح 447، وسائل الشيعة: ب 70 من أبواب الطواف ح 2 ج 9 ص 478.
(5) لم نعثر على كتابه.

[ 186 ]

له: إني حملت امرأتي ثم طفت بها وكانت مريضة وقلت له: إني طفت بها بالبيت في طواف الفريضة وبالصفا والمروة وقد احتسبت بذلك لنفسي فهل يجزئني؟ فقال: نعم (1). والتي رواها حفص بن البخترى في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في المرأة تطوف بالصبي الصغير وتسعى به هل يجزئ ذلك عنها وعن الصبي؟ قال: نعم (2)، لا تعارضان ما ذكرناه، فإن المطلق قد يقيد لدليل. والتحقيق أنه إن استؤجر للحمل في الطواف أجزأ عنهما، وإن استؤجر للطواف لم يجز عن الحامل (3). مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز للرجل أن يطوف وعليه برطلة (4). وقال في التهذيب: يكره للرجل أن يطوف وعليه برطلة (5). وقال ابن إدريس: إنه مكروه في طواف الحج محرم في طواف العمرة (6)، وهو الوجه. لنا: إنه في طواف العمرة يكون قد غطى رأسه وهو محرم عليه، وفي طواف الحج يجوز له تغطيه رأسه فلا وجه للتحريم. وأما الكراهة فلما رواه زياد بن يحيى الحنظلي، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا تطوفن بالبيت وعليك برطلة (7).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 125 ح 410، وسائل الشيعة: ب 50 من أبواب الطواف ح 2 ج 9 ص 460.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 125 ح 411، وسائل الشيعة: ب 50 من أبواب الطواف ح 3 ج 9 ص 460.
(3) عبارة " والتحقيق. عن الحامل " ليس في ق ون.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 508.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 134 ذيل الحديث 441.
(6) السرائر: ج 1 ص 576.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 134 ح 442، وسائل الشيعة: ب 67 من أبواب الطواف ح 1 ج 9 ص 477.

[ 187 ]

وعن يزيد بن خليفة قال: رآني أبو عبد الله - عليه السلام - أطوف حول الكعبة وعلي برطلة؟ فقال لي بعد ذلك: قد رأيتك تطوف حول الكعبة وعليك برطلة، لا تلبسها حول الكعبة فإنها من زي اليهود (1). احتج الشيخ بالنهي. والجواب: إنه محمول على الكراهة، مع أن سند الروايتين ضعيف. مسألة: اختلف الشيخان في حكم الشك في نقصان الطواف، فقال الشيخ - رحمه الله -: لو شك في طواف الفريضة هل طاف ستة أم سبعة فإن كان بعد انصرافه لم يلتفت، وإن كان في حال الطواف وجب عليه الإعادة، وكذا لو شك فيما نقص عن الستة (2). وقال المفيد - رحمه الله -: من طاف بالبيت فلم يدر ستا طاف أم سبعا فليطف طوافا آخر ليستيقن أنه طاف سبعا (3). واختار الأول ابن البراج (4)، وبه قال الصدوق في كتابي المقنع (5) ومن لا يحضره الفقيه (6)، وابن إدريس (7). وبالثاني قال الشيخ علي بن بابويه في رسالته (8)، وأبو الصلاح (9)، وهو

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 134 ح 443، وسائل الشيعة: ب 67 من أبواب الطواف ح 2 ج 9 ص 477. (2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 503 - 504.
(3) المقنعة: ص 440.
(4) المهذب: ج 1 ص 238.
(5) المقنع: ص 85.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 397 ذيل الحديث 2805.
(7) السرائر: ج 1 ص 572.
(8) لم نعثر على رسالته.
(9) الكافي في الفقه: ص 195.

[ 188 ]

قول ابن الجنيد (1) أيضا، فإنه قال: وإذا شك في إتمام طوافه تممه حتى يخرج منه على يقين، وسواء كان شكه في شوط أو بعضه، وإن تجاوز الطواف إلى الصلاة وإلى السعي ثم شك فلا شئ عليه، وإن كان في طواف الفريضة كان الاحتياط خروجه منه على يقين من غير زيادة ولا نقصان، وإن كان في نافلة بنى على الأقل. والمعتمد الأول. لنا: ما رواه الصدوق في الصحيح، عن رفاعة عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: في رجل لا يدري ثلاثة طاف أو أربعة، قال: طواف نافلة أو فريضة؟ قلت: أجبني فيهما جميعا، قال: إن كان طواف نافلة فابن على ما شئت، وإن كان طواف فريضة فأعد الطواف (2). وروى الشيخ، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل طاف بالبيت فلم يدر أستة طاف أو سبعة طواف فريضة، قال: فليعد طوافه، قيل: إنه قد خرج وفاته ذلك، قال: ليس عليه شئ (3). وفي طريق هذه الرواية عبد الرحمان بن سيابة، ولا يحضرني الآن حاله، فإن كان ثقة فهي صحيحة. وعن معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - في رجل لم يدر ستة طاف أو سبعة، قال: يستقبل (4).

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 397 ح 2805، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب الطواف ح 6 ج 9 ص 434. (3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 110 ح 356، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب الطواف ح 1 ج 9 ص 433.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 110 ح 357، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب الطواف ح 2 ج 9 ص 434.

[ 189 ]

وعن حنان بن سدير في الموثق قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: ما تقول في رجل طاف فأوهم قال: طفت أربعة، وقال: طفت ثلاثة؟ فقال أبو عبد الله - عليه السلام -: أي الطوافين طواف نافلة أو طواف فريضة؟ ثم قال: إن كان طواف فريضة فليلق ما في يديه وليستأنف، وإن كان طواف نافلة واستيقن الثلاثة وهو في شك من الرابع فليبن على الثلاث فإنه يجوز له (1). ولأنه مع البناء على الأقل لا يخرج عن العهدة بيقين، لاحتمال الزيادة. ولأنه أحوط. ولأنه كالصلاة، لقوله - عليه السلام - " وزيادتها مبطلة كنقصانها " (2)، فكذا هنا. احتج الاخرون بأصالة براءة الذمة وعدم الزيادة. وبما رواه منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام -: إني طفت فلم أدر ستة أم سبعة فطفت طوافا آخر، فقال: هلا استأنفت؟ قلت: قد طفت وذهبت، قال: ليس عليك شئ (3). ولو كان الشك موجبا للاعادة لأوجبها عليه. ولأن الإعادة فرض ثان، والأصل عدمه. والجواب: المعارضة بالاحتياط، وبأن الأصل إنما يصار إليه مع عدم المعارض، أما مع وجوده فلا. والرواية بعد سلامة سندها لا تدل على المطلوب

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 111 ح 360، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب الطواف ح 7 ج 9 ص 434.
(2) لم نعثر عليها لفظا، والذي وجدناه معنى في ما رواه في تهذيب الأحكام: ج 5 ص 151 ح 498، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب الطواف ح 11 ج 9 ص 438.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 110 ح 358، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب الطواف ح 3 ج 9 ص 434.

[ 190 ]

صريحا، لاحتمال أن يكون في النافلة، وإن يكون الشك بعد الانصراف، وأن يكون قوله: " قد طفت " إشارة إلى الإعادة. مسألة: لو زاد على السبع شوطا ناسيا قال الشيخ: أضاف إليها ستة أشواط أخر، وصلى معها أربع ركعات، يصلي ركعتين منها عند الفراغ من الطواف لطواف الفريضة ويمضي إلى الصفا ويسعى فإذا فرغ عاد فصلى ركعتين أخراوين (1)، وبه قال علي بن بابويه (2)، وابن الجنيد (3)، وابن البراج (4). وقال الصدوق في المقنع: يجب عليه الإعادة. قال: وروى أنه يضيف إليها ستة يجعل واحدا فريضة والباقي سنة (5). والمعتمد الأول. لنا: إنه أشهر بين الأصحاب، وقد رواه هو في كتاب من لا يحضره الفقيه (6). وروى الشيخ في الصحيح، عن رفاعة قال: كان علي - عليه السلام - يقول: إذا طاف ثمانية فليتم أربعة عشر (7). وعن عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: من طاف بالبيت فوهم حتى يدخل في الثامن فليتم أربعة عشر شوطا ثم ليصلي

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 504.
(2) لم نعثر على رسالته.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) المهذب: ج 1 ص 238.
(5) المقنع: ص 85.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 396 ح 2802، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب الطواف ح 15 ج 9 ص 439.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 112 ح 363، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب الطواف ح 9 ج 9 ص 437.

[ 191 ]

ركعتين (1). احتج بأن الزيادة مبطلة كالنقصان، لما رواه أبو بصير في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط المفروض، قال: يعيد حتى يستيقنه (2). والجواب: المنع من المساواة، فإن المبطل هو الزيادة عمدا، أما سهوا فلا، والرواية محمولة عليه. مسألة: أطلق الشيخ في النهاية (3) والمبسوط (4) ذلك، ولم يذكر أي الطوافين هو الواجب. وابن إدريس لم يذكر الزيادة، بل قال: إذا ذكر في الشوط الثامن إنه طاف سبعا قطع الطواف، وإن لم يذكر حتى يجوزه فلا شئ عليه وكان طوافه صحيحا (5). وقال شيخنا علي بن بابويه (6): واعلم أن الفريضة هي الطواف الثاني والركعتين الأولتين لطواف الفريضة والركعتين الأخيرتين، والطواف الأول تطوع. وقال ابن الجنيد (7): إن أيقن أنه في الثامن من الاشواط وقد بلغ الركن

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 112 ح 364، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب الطواف ح 5 ج 9 ص 437. (2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 111 ح 361، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب الطواف ح 1 ج 9 ص 436.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 504.
(4) المبسوط: ج 1 ص 358.
(5) السرائر: ج 1 ص 572.
(6) لم نعثر على رسالته.
(7) لم نعثر على كتابه.

[ 192 ]

أضاف إليها ستة أشواط تممه سبعة أخر، ويعتقد أن السبعة الأخيرة هي فريضة، ويصلي ركعتين لطواف الفرض ثم يسعى، فإذا فرغ من سعيه صلى ركعتين لطوافه المضاف إلى فرض طوافه. والصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه قال: وروي عن أبي أيوب قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط طواف الفريضة، قال فليضم إليها ستا ثم يصلي أربع ركعات (1). قال: وفي خبر آخر: أن الفريضة هي الطواف الثاني والركعتان الاوليان لطواف الفريضة، والركعتان الأخريان، والطواف الأول تطوع (2). وعندي في ذلك إشكال، لأن مع الزيادة سهوا إن بطل الأول وجب عليه إضافة الست، وفيه بعد، وإن لم يبطل فقد خرج عن العهدة. وكيف يتحقق بعد ذلك اعتقاد أن الست هي الواجبة مع الشوط الزائد بعد حصول البراءة بالأول؟ وهذا إنما يتأتى على مذهب من يعتقد إبطال الأول فيجب عليه الزيادة. مسألة: قال الشيخ: لا يجوز القران في طواف الفريضة (3). وقال ابن إدريس: إنه مكروه شديد الكراهة، وليس المراد بذلك الحظر، فإن المكروة إذا كان شديد الكراهة قيل فيه: لا يجوز (4). والذي رواه زرارة في الصحيح قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: إنما يكره أن يجمع الرجل بين اسبوعين والطواف في الفريضة، وأما في النافلة فلا

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 396 ح 2801، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب الطواف ح 13 ج 9 ص 438.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 396 ذيل الحديث 2801.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 504.
(4) السرائر: ج 2 ص 572 - 573.

[ 193 ]

بأس (1). وعن عمر بن يزيد قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: إنما يكره القران في الفريضة، فأما في النافلة فلا والله ما به بأس. وهما غيره دالين على التحريم. وروى علي بن حمزة قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن الرجل يطوف يقرن بين اسبوعين، فقال: إن شئت رويت لك عن أهل المدينة، قال: قلت: لا والله مالي في ذلك حاجة جعلت فداك، ولكن إرو لي ما أدين الله عزوجل به، فقال: لا تقرن بين اسبوعين كما طفت أسبوعا، فصل ركعتين (3). الحديث. وعن صفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر قالا: سألناه عن إقران الطواف السبوعين والثلاثة، قال: إنما هو سبوع وركعتان، وقال: كان أبي يطوف مع محمد بن إبراهيم فيقرن، وإنما كان ذلك منه لحال التقية (4). وفي الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سأل رجل أبا الحسن - عليه السلام - عن الرجل يطوف الأسباع جميعا فيقرن؟ فقال: لا إلا سبوع وركعتان، وإنما قرن أبو الحسن - عليه السلام - لأنه كان يطوف مع محمد بن إبراهيم لحال التقية (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 115 ح 372، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب الطواف ح 1 ج 9 ص 440.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 115 ح 373، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب الطواف ح 4 ج 9 ص 441.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 115 ح 374، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب الطواف ح 3 ج 9 ص 441.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 115 ح 375، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب طواف ح 6 ج 9 ص 441. (5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 116 ح 376، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب الطواف ح 7 ج 9 ص 441.

[ 194 ]

مسألة: قال الشيخ: يستحب أن يستلم الأركان كلها، وأشدها تأكيدا الركن الذي فيه الحجر، ثم الركن اليماني فإنه لا يترك استلامها مع الاختيار (1). وقال ابن الجنيد (2): يستلم الركن الذي فيه الحجر واليماني، ولا يستلم الركنين الآخرين من البيت، وهما الثاني والثالث الملاصقان للحجر. احتج الشيخ - رحمه الله - بما رواه إبراهيم بن أبي محمود في الصحيح قال: قلت للرضا - عليه السلام -: استلم اليماني والشامي والمغربي؟ قال: نعم (3). وفي الصحيح عن جميل بن صالح، عن الصادق - عليه السلام - قال: كنت أطوف بالبيت فإذا رجل يقول: ما بال هذين الركنين يستلمان ولا يستلم هذان؟ فقلت: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله - استلم هذين ولم يعرض لهذين، فلا تعرض لهما إذ لم يعرض لهما رسول الله - صلى الله عليه وآله -. قال جميل: ورأيت أبا عبد الله - عليه السلام - يستلم الأركان كلها (4). ولأنهما موضعان شريفان فاستحب استلامهما كغيرهما. احتج ابن الجنيد بما رواه غياث بن إبراهيم، عن أبيه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وآله - لا يستلم الركن إلا الركن الأسود واليماني ويقبلهما ويضع خده عليهما، ورأيت أبي يقبله (5). وبحديث جميل وقد سبق.

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 503.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 106 ح 343، وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب الطواف ح 2 ج 9 ص 423.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 106 ح 342، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب الطواف ح 1 ج 9 ص 418.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 105 ح 341، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب الطواف ح 2 ج 9 ص 418.

[ 195 ]

والجواب عن الرواية الأولى: بضعف سندها، وعن الثانية: إن فيها دلالة على استحباب الاستلام، ويمكن الجمع بأن النبي - صلى الله عليه وآله - جاز أن لا يتعرض لهما، لزحام أو لغيره أو لقلة الاستحباب فيهما، والصادق - عليه السلام - استلمهما حيث لا زحام هناك. مسألة: المشهور استحباب لثم الحجر واستلام الركن اليماني. وقال سلار: بوجوبهما (1). لنا: الأصل براءة الذمة. مسألة: قال الشيخ: من قطع طوافه بدخول البيت أو بالسعي في حاجة له أو لغيره فإن كان قد جاز النصف بنى عليه، وإن لم يكن جاز النصف وكان طواف الفريضة أعاد الطواف، وإن كان طواف نافلة بنى عليه على كل حال (2). وقال ابن الجنيد (3): لو خرج الطائف لعارض عرض له من الطواف اضطره إلى الخروج جاز له أن يبني على ما مضى إذا لم يعمل غير دفع ذلك العارض فقط، والابتداء بطواف الفريضة أحوط، ولو لم يمكنه العود وكان قد تجاوز النصف أجزأه أن يأمر من يطوف عنه، فإن لم يكن تجاوز النصف وطمع في إمكان ذلك له يوما أو يومين أخر الاحلال، وإن تهيأ أن يطاف به طيف، وإلا أمر به من يطوف عنه ويصلي الركعتين خلف المقام ويسعى عنه وقد خرج من إحرامه، وإن كان صرورة أعاد الحج، فإذا خرج من طوافه مختارا بنى في التطوع من حيث بلغ وابتدأ للفرض.

(1) المراسم: ص 110.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 505.
(3) لم نعثر على كتابه.

[ 196 ]

وقال المفيد: وإذا طاف الرجل بالبيت بعض الطواف ثم قطعه واشتغل بغيره ناسيا كان أو متعمدا، فإن كان ما طافه يزيد على النصف بنى على ما مضى، وإن كان أقل من النصف أعاد الطواف (1)، وكذا (2) قال سلار (3). وقال أبو الصلاح: ولا يجوز له قطع الطواف إلا لصلاة فريضة أو لضرورة، فإن قطعه لصلاة فريضة بنى على ما طاف ولو شوطا واحدا، وإن كان لضرورة أو سهو وكان ما طاف أكثر من النصف بنى عليه، وإن كان أقل منه استأنف، وإن قطعه مختارا أثم وعليه استئنافه على كل حال (4). والأقرب جواز القطع لقضاء حاجة أو صلاة فريضة أو دخول البيت، فإن تجاوز النصف بنى، وإن كان أقل استأنف. لنا: ما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل طاف بالبيت ثلاثة أشواط ثم وجد البيت خلوة كيف يصنع؟ قال: يعيد طوافه وخالف السنة (5). وعن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في رجل طاف شوطا أو شوطين ثم خرج مع رجل في حاجته، قال: إن كان طواف نافلة بنى عليه، وإن كان طواف فريضة لم يبن (6).

(1) المقنعة: ص 440.
(2) ن: وبه.
(3) المراسم: ص 123.
(4) الكافي في الفقه: ص 195.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 118 ح 386، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب الطواف ح 3 ج 9 ص 447. (6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 119 ح 388، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب الطواف ح 5 ج 9 ص 448.

[ 197 ]

وأما جواز البناء مع الزيادة فلما رواه أبو غرة قال: مر بي أبو عبد الله - عليه السلام - وأنا في الشوط الخامس من الطواف فقال لي: انطلق حتى تعود هاهنا رجلا، فقلت: أنا في خمسة أشواط فأتم اسبوعي، قال: أقطعه واحفظه من حيث تقطعه حتى تعود إلى الوضع الذي قطعت منه فتبني عليه (1). وعن عبد الله الكاهلي، عن أبي الفرج قال: طفت مع أبي عبد الله - عليه السلام - خمسة أشواط ثم قلت: إني أريد أن أعود مريضا، فقال: احفظ مكانك ثم اذهب فعده ثم أرجع فأتم طوافك (2). وعن سليمان بن عمار، عن رجل من أصحابنا يكنى أبا أحمد قال: كنت مع أبي عبد الله - عليه السلام - في الطواف يده في يدي أو يدي في يده إذ عرض لي رجل له حاجة فأوميت إليه بيدي فقلت له: كما أنت حتى أفرغ من طوافي، فقال أبو عبد الله - عليه السلام -: ما هذا؟ فقلت: أصلحك الله رجل جاءني في حاجة، فقال: مسلم هو؟ فقلت: نعم، قال: اذهب معه في حاجته، فقلت له: أصلحك الله واقطع الطواف؟ قال: نعم، قلت: وإن كان في المفروض؟ قال: نعم وإن كنت في المفروض، قال: وقال أبو عبد الله - عليه السلام -: من مشى مع أخيه المسلم في حاجته كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة (3). مسألة: قال الشيخ: لا يجوز أن يطوف وفي ثوبه شئ من النجاسة (4)، وبه

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 119 ح 389، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب الطواف ح 10 ج 9 ص 449.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 119 ح 390، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب الطواف ح 6 ج 9 ص 448.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 119 ح 391، وسائل الشيعة: ب 42 من أبواب الطواف ح 3 ج 9 ص 450.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 506.

[ 198 ]

قال ابن زهرة (1)، وابن إدريس (2). وقال أيضا: لا فرق بين الدم وغيره، وسواء كان الدم دون الدرهم أو أزيد (3). وقال ابن الجنيد (4): لو طاف في ثوب إحرامه وقد أصابه دم لا يحل له الصلاة فيه كره له ذلك، ويجزئه إذا نزعه عند صلاته. وجعل ابن حمزة الطواف في الثوب النجس مكروها، وكذا إذا أصاب بدنه نجاسة (5). والمعتمد الأول. لنا: إنه يتضمن إدخال النجاسة المسجد وهو ممنوع. ولأنه كالصلاة، وكما يجب الاحتراز في الصلاة عن النجاسة في الثوب والبدن فكذا هنا. وما رواه يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل يرى في ثوبه الدم وهو في الطواف، قال: ينظر الموضع الذي رأى فيه الدم فيعرفه ثم يخرج فيغسله ثم يعود فيتم طوافه (6). والأمر للوجوب. احتج ابن الجنيد بالأصل، وبما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قلت له: رجل في ثوبه دم مما لا يجوز الصلاة في مثله فطاف في ثوبه، فقال: أجزأه الطواف فيه ثم ينزعه

(1) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 516.
(2) السرائر: ج 1 ص 574.
(3) السرائر: ج 1 ص 574.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) الوسيلة: ص 173.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 126 ح 415، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب الطواف ح 2 ج 9 ص 462.

[ 199 ]

ويصلي في ثوب طاهر (1). ولأنه ليس له حرمة الصلاة. والجواب عن الأول: المعارضة بالاحتياط. وعن الرواية أنها مرسلة ومع ذلك فهي غير دالة عن صورة النزاع، لاحتمال أن يكون قد طاف جاهلا فيه. وعن الثالث بعدم دلالته على المراد. مسألة: قال أبو الصلاح: لا يصح طواف فرض ولا نفل لمحدث (2). وقال ابن الجنيد (3): ولا يطوف إلا وهو طاهر لفرضه، ويجزئه لغير الفرض، ويتطهر ويصلي ركعتين بعد ذلك، ولا يختار ذلك إلا لضرورة (4). وأصحابنا نصوا على أنه إذا طاف ناسيا على غير وضوء فإن كان طواف فريضة أعاد، وإن كان طواف نافلة أجزأه. احتج أبو الصلاح بقوله - عليه السلام -: " الطواف بالبيت صلاة " (5)، وبما رواه أبو حمزة في الموثق، عن أبي جعفر الباقر - عليه السلام - أنه سئل أتنسك من المناسك على غير وضوء؟ فقال: نعم إلا الطواف بالبيت فإنه فيه صلاة (6). احتج ابن الجنيد بأن الأصل عدم الاشتراط، وبما رواه زرارة في الموثق، عن أبي جعفر الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يطوف بغير وضوء أيعيد ذلك الطواف؟ قال: لا (7).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 126 ح 416، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب الطواف ح 3 ج 9 ص 462.
(2) الكافي في الفقه: ص 195. (3) لم نعثر على كتابه.
(4) ن: للضرورة.
(5) سنن الدارمي: ج 2 ص 44.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 116 ح 379، وسائل الشيعة: ب 38 من أبواب الطواف ح 6 ج 9 ص 445.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 116 ح 378، وسائل الشيعة: ب 38 من أبواب الطواف ح 5 ج 9 ص 444.

[ 200 ]

وفي الموثق عن عبيد بن زراره قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل يطوف على غير وضوء، فقال: إن كان تطوعا فليتوضأ وليصل (1). وعن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قلت له: إني أطوف طواف النافلة وأنا على غير وضوء، فقال: توضأ وصل (2). مسألة: قال الشيخ في الخلاف (3): ستر العورة شرط في الطواف، وتبعه ابن زهرة (4) على ذلك. واحتج برواية ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله تعالى أحل فيه النطق (5). وللمانع أن يمنع ذلك، وهذه الرواية غير مسندة من طرقنا فلا حجة فيها. مسألة: قال الشيخ في النهاية (6) والمبسوط (7): فإذا فرغ من طوافه أتى مقام إبراهيم - عليه السلام - وصلى فيه ركعتين، فمن صلاهما في غير المقام فليعد إلى المقام فليصل فيه، ولا يجوز له أن يصلي في غيره، فإن كان في موضع المقام زحام فلا بأس أن يصلي خلفه، فإن لم يتمكن من الصلاة هناك فلا باس أن يصلي حياله، وكذا قال المفيد: يصلي في مقام إبراهيم - عليه السلام - (8).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 117 ح 382، وسائل الشيعة: ب 38 من أبواب الطواف ح 8 ج 9 ص 445.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 117 ح 383، وسائل الشيعة: ب 38 من أبواب الطواف ح 9 ج 9 ص 445.
(3) الخلاف: ج 2 ص 322 المسألة 129.
(4) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 516.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 509. (7) المبسوط: ج 1 ص 360.
(8) المقنعة: ص 404.

[ 201 ]

وقال الشيخ في الخلاف: يستحب أن يصلي الركعتين خلف المقام، فإن لم يفعل وفعل في غيره أجزأه (1). وقال ابن الجنيد (2): ركعتا طواف الفريضة فريضة عقيبه خلف مقام إبراهيم - عليه السلام -، وكذا قال ابن أبي عقيل (3). وقال علي بن بابويه (4): لا يجوز أن يصلي ركعتي طواف الحج والعمرة إلا خلف المقام حيث هو الساعة، ولا بأس أن تصلي ركعتي طواف النساء وغيره حيث شئت من المسجد الحرام، وكذا جوز ابنه في المقنع صلاة ركعتي طواف النساء في جميع المسجد (5). وقال أبو الصلاح: يجب على كل من طاف بالبيت عند فراغه من اسبوعه أن يصلي ركعتين عند مقام إبراهيم - عليه السلام -، ويجوز تأديتهما في غير المقام من المسجد الحرام (6). وأما الروايات فقد روى معاوية بن عمار في الصحيح قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام - فإذا فرغت من طوافك فأت مقام إبراهيم - عليه السلام - فصل ركعتين واجعله أمامك (7). وعن صفوان بن يحيى، عمن حدثه، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: ليس لأحد أن يصلي ركعتي طواف الفريضة، إلا خلف المقام، لقوله تعالى:

(1) الخلاف: ج 1 ص 327 المسألة: 139.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) المقنع: ص 92.
(6) الكافي في الفقه: ص 157 - 158.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 286 صدر ح 973، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الطواف ح 1 ج 9 ص 391.

[ 202 ]

" واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى "، فإن صليتهما في غيره فعليك إعادة الصلاة (1). وعن زرارة، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: لا ينبغي أن يصلى ركعتي طواف الفريضة إلا عند مقام إبراهيم - عليه السلام -، فأما التطوع فحيثما شئت من المسجد (2). وفي الصحيح عن إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا - عليه السلام -: أصلي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام حيث هو الساعة أو حيث كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله -؟ قال: حيث هو الساعة (3). وغير ذلك من الأحاديث، وقول ابن بابويه، وأبي الصلاح فيه نظر. والأقوى خيرة الشيخ - رحمه الله -. مسألة: طواف النساء واجب إجماعا، فإن أخل به حرمت عليه النساء حتى يطوف أو يستنيب فيه فيطاف عنه. وقال ابن بابويه في الرسالة (4): ومتى لم يطف الرجل طواف النساء لم يحل له النساء حتى يطوف، وكذلك المرأة لا تجوز لها أن تجامع حتى تطوف طواف النساء، إلا أن يكونا طافا طواف الوداع فهو طواف النساء. وفي هذا الكلام بحثان:

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 137 ح 451، وسائل الشيعة: ب 72 من أبواب الطواف ح 1 ج 9 ص 480.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 137 ح 452، وسائل الشيعة: ب 73 من أبواب الطواف ح 1 ج 9 ص 481.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 137 ح 453، وسائل الشيعة: ب 79 من أبواب الطواف ح 1 ج 9 ص 478.
(4) لم نعثر على رسالته.

[ 203 ]

الأول: حكمه على المرأة تحريم الرجل لو أخلت به، وفيه منع، فإن حمله على الرجال فقياس، وإن استند إلى دليل فلا بد منه، ولم نقف عليه. الثاني: استغناؤه بطواف الوداع عنه، وفيه إشكال، فإن طواف الوداع عندنا مستحب فكيف يجزئ عن الواجب؟! فإن استند إلى رواية إسحاق بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال: لو لا ما من الله به على الناس من طواف الوداع لرجعوا إلى منازلهم، ولا ينبغي لهم أن يمسوا نسائهم - يعني لا تحل لهم النساء - حتى يرجع فيطوف بالبيت أسبوعا آخر بعد ما سعى بين الصفا والمروة، وذلك على النساء والرجال واجب (1). قلنا: إن في إسحاق بن عمار قولا، ومع ذلك فهي معارضة بغيرها من الروايات. وابن الجنيد (1) سمي طواف النساء طواف الوداع، وأوجبه. مسألة: المشهور أنه يستحب أن يطوف بالبيت ثلاثمائة وستين أسبوعا مدة مقامه بمكة، فإن لم يستطع فثلاثمائة وستين شوطا، وعلى هذا تلحق الزيادة بالطواف الأخير فيكون عدد اشواطه عشرة. وقال ابن زهرة: يستحب أن يطوف ثلاثمائة وستين طوافا، فإن لم يتمكن فثلاثمائة وأربعة وستين شوطا (3). زاد أربعة، ولا بأس به لما عرفت أن كل طواف سبعة أشواط. والأصحاب عولوا على ما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: يستحب أن يطوف ثلاثمائة وستين أسبوعا عدد أيام السنة، فإن لم يستطع فثلاثمائة وستين شوطا، فإن لم تستطع فما قدرت عليه من

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 253 ح 856، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الطواف ح 3 ج 9 ص 389.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 515.

[ 204 ]

الطواف (1). مسألة: قال أبو الصلاح: وقت طواف العمرة التمتع بها من حيث يدخل مكة إلى أن تغرب الشمس من يوم التروية للمختار، وللمضطر إلى أن يبقى من الزمان ما يدرك في مثله عرفة في آخر وقتها، فإن فاته بخروج وقته وتفريطه بطلت متعته وبطل حجه إن كان فرض العمرة أو واجبا عن نذر أو كفارة تعينا، وإن كان تطوعا فهو مأزور وعليه أيضا الاحرام للحج وقضاء المتعة بعد الفراغ منه، وإن كان فوته لضرورة فحجه ماض، ووقت طواف الزيارة للمتمتع بعد الرمي والحلق والذبح من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، وللمفرد والقارن من حين دخولهما مكة إلى انقضاء أيام التشريق، ووقت طواف النساء يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، فإن خرج وقته ولم يطفه لم تحل له النساء حتى يطوفه من قابل أو يطاف عنه، ويأثم إن كان ذلك عن إيثاره، ولا إثم إن كان لسهو أو ضرورة (2). والأقرب إن ذلك على جهة الأفضل، فإن طواف الزيارة للقارن والمفرد، وطواف النساء مطلقا يجوز فعلهما طول ذي الحجة. مسألة: لو نسي طواف الزيارة حتى رجع إلى أهله وواقع أهله وجب عليه بدنة والرجوع إلى مكة وقضاء طواف الزيارة، قاله الشيخ في النهاية (3) والمبسوط (4). وقال ابن إدريس: الأظهر عدم وجوب الكفارة، لأنه في حكم الناسي.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 135 ح 445، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الطواف ح 1 ج 9 ص 396.
(2) الكافي في الفقه: ص 194 - 195. (3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 506.
(4) المبسوط: ج 1 ص 359.

[ 205 ]

نعم يجب عليه الرجوع إلى مكة وقضاء طواف الزيارة (1). وللشيخ أن يحتج بما رواه معاوية بن عمار في الحسن قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن متمتع وقع على أهله ولم يزر، قال: ينحر جزورا، وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجه إن كان عالما، وإن كان جاهلا فلا بأس عليه (2). لا يقال: قوله: " وإن كان جاهلا فلا بأس عليه " ينافي وجوب الكفارة. لأنا نقول: لا نسلم ذلك، فإن نفي البأس لا يستلزم نفي الكفارة، ولاحتمال أن يكون المقصود أنه لا يثلم حجه لأجل نسيانه. وروى عيص بن القاسم في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل واقع أهله حين ضحى قبل أن يزور البيت، قال: يهريق دما (3). والأقرب عندي وجوب البدنة إن جامع بعد الذكر. مسألة: قال الشيخ في النهاية (4) والمبسوط (5): المتمتع إذا أهل بالحج لا يجوز له أن يطوف ويسعى إلا بعد أن يأتي منى ويقف بالموقفين، إلا أن يكون شيخا كبيرا لا يقدر على الرجوع إلى مكة أو مريضا أو امرأة تخاف الحيض فيحول بينها وبين الطواف فإنه لا بأس بهم أن يقدموا طواف الحج والسعي. ومنع ابن إدريس (6) من ذلك. والمعتمد الأول.

(1) السرائر: ج 1 ص 574.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 321 ح 1104، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1 ج 9 ص 264.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 321 ح 1105، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2 ج 9 ص 183.
(4) النهاية ونكتها: ح 1 ص 507.
(5) المبسوط: ج 1 ص 359.
(6) السرائر: ج 1 ص 575.

[ 206 ]

لنا: إنها ضرورة فأباحت التقديم. وما رواه علي بن يقطين في الصحيح قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن الرجل المتمتع يهل بالحج ثم يطوف ويسعى بين الصفا والمروة قبل خروجه إلى منى؟ قال: لا بأس به (1). وإنما حملناه على الضرورة، لما رواه إسماعيل بن عبد الخالق قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: لا بأس أن يعجل الشيخ الكبير والمريض والمرأة والمعلول طواف الحج قبل أن يخرج إلى منى (2). وفي الصحيح عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن المتمتع إذا كان شيخا كبيرا أو امرأة تخاف الحيض فتعجل طواف الحج قبل أن تأتي منى؟ فقال: نعم، من كان هكذا يعجل (3). لا يقال: تخصيص العام ببعض إفراده باطل، وكذا تقييد المطلق بقيد يوافقه في الحكم. لأنا نقول: قد روى أبو بصير قال: قلت: رجل كان متمتعا فأهل بالحج، قال: لا يطوف بالبيت حتى يأتي عرفات، فإن هو طاف قبل أن يأتي منى من غير علة فلا يعتد بذلك الطواف (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 131 ح 430، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب أقسام الحج ح 3 ج 8 ص 203.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 131 ح 431، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب أقسام الحج ح 6 ج 8 ص 203.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 131 ح 432، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب أقسام الحج ح 7 ج 8 ص 203.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 130 ح 429، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب أقسام الحج ح 5 ج 8 ص 203.

[ 207 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية (1) والمبسوط (2): وأما المفرد والقارن فإنه لا بأس بهما أن يقدما الطواف قبل أن يأتيا عرفات، وأما طواف النساء فإنه لا يجوز إلا بعد الرجوع من منى مع الاختيار، فإن كان هناك ضرورة تمنعه من الرجوع إلى مكة أو امرأة تخاف الحيض جاز لهما تقديم طواف النساء ثم يأتيا الموقفين ومنى. وقال ابن إدريس: القارن والمفرد حكمهما حكم المتمتع في أنهما لا يجوز لهما تقديم الطواف قبل الموقفين، وكذا لا يجوز تقديم طواف النساء مع الضرورة (3). وقد تقدم البحث في هذه المسألة (4). مسألة: قال المفيد: ثم يستفتح الطواف بالحجر الأسود فيستقبله بوجهه ثم يرفع يديه (5). وقال ابن الجنيد (6): ويبتدئ بالطواف بأن يقف بالركن الذي فيه الحجر الأسود ويجعله على يساره ولا يستقبله بين يديه. قال الشيخ - رحمه الله -: وفي رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إذا دخلت المسجد الحرام فامش حتى تدنو من الحجر الأسود فتستقبله وتقول (7).

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 507.
(2) المبسوط: ج 1 ص 359.
(3) السرائر: ج 1 ص 575. (4) تقدم في ص 38.
(5) المقنعة: ص 400.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 102 ح 330، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الطواف ح 3 ج 9 ص 401.

[ 208 ]

مسألة: قال ابن الجنيد (1): من طيف به لعلة فبرئ أعاد الطواف إذا قدر عليه، وكذلك السعي، وليس بجيد. لنا: إنه قد خرج عن العهدة بفعله فلا يجب عليه الإعادة. مسألة: قال الشيخان: إذا حاضت المرأة في أثناء الطواف قطعته وانصرفت، فإن كان ما طافت أكثر من النصف بنت عليه إذا طهرت، وإن كان أقل استأنفت (2)، وهو المشهور، واختاره علي بن بابويه (3). ولابنه قولان: هذا أحدهما ذكره في المقنع قال فيه: وقد روي أنها إن كانت طافت ثلاثة أشواط أو أقل ثم رأت الدم حفظت مكانها، فإذا طهرت طافت منه واعتدت بما مضى (4). الثاني: في كتاب من لا يحضره الفقيه قال: روى حريز، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن امرأة طافت ثلاثة أطواف أو أقل من ذلك ثم رأت دما، فقال: تحفظ مكانها، فإذا طهرت طافت منه واعتدت بما مضى. وروى العلا، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - مثله (5). قال: وبهذا الحديث أفتي دون الحديث الذي رواه ابن مسكان، عن إبراهيم ابن إسحاق، عمن سأل أبا عبد الله - عليه السلام - عن امرأة طافت أربعة أشواط وهي معتمرة ثم طمثت، قال: تتم طوافها وليس عليها غيره ومتعتها تامة، ولها

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) المقنعة: ص 440، المبسوط: ج 1 ص 331.
(3) لم نعثر على رسالته.
(4) المقنع: ص 84.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 383 ح 2766، وسائل الشيعة: ب 58 من أبواب الطواف ح 3 ج 9 501.

[ 209 ]

أن تطوف بين الصفا والمروة، لأنها زادت على النصف وقد قضت متعتها فلتستأنف بعد الحج، وإن هي لم تطف إلا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج، فإن أقام بها جمالها بعد الحج فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر. قال: لأن هذا الحديث إسناده منقطع، والحديث الأول رخصة ورحمة واسناده متصل (1). واعلم أن الرواية التي رواها الصدوق صحيحة السند، والتي رواها ثانيا مقطوعة السند كما قال، إلا أن الأشهر بين الأصحاب اعتبار مجاوزة النصف كغيره من الأحداث. ولما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت أو بين الصفا والمروة فجازت النصف فعلمت ذلك الموضع فإذا طهرت رجعت فأتمت بقية طوافها من الموضع الذي علمت، وإن هي قطعت طوافها في أقل النصف فعليها أن تستأنف الطواف (2). والشيخ - رحمه الله - تأول رواية ابن بابويه على طواف النافلة (3). مسألة: للشيخ قولان في استحباب القراءة في الركعتين: فقال في باب القراءة من النهاية: يقرأ في الأولى الحمد وقل يا أيها الكافرون وفي الثانية التوحيد (4). وفي باب الطواف: يقرأ في الأولى قل هو الله أحد وفي الثانية الحمد وقل يا أيها الكافرون (5). وهذا الثاني هو المشهور بين الأصحاب، لما رواه معاوية بن

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 383 ذيل الحديث 2766 وح 2767 وذيله.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 395 ح 1377، وسائل الشيعة: ب 85 من أبواب الطواف ح 1 ج 9 501.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 397 ذيل الحديث 1380.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 305.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 509.

[ 210 ]

عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - واقرأ فيهما سورة التوحيد قل هو الله أحد وفي الثانية قل يا أيها الكافرون (1). مسألة: المشهور أنه يكره الطواف راكبا، بل الأفضل المشي. وقال ابن زهرة: لا يجوز الركوب إلا لضرورة (2). وقال سلار: لا بأس بالسعي راكبا، وكذلك الطواف (3). لنا: الأصل الجواز.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 136 ح 450، وسائل الشيعة: ب 71 من أبواب الطواف ح 3 ج 9 ص 479.
(2) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 517.
(3) المراسم: ص 124.

[ 211 ]

الفصل الثالث في السعي مسألة: المشهور إن الطهارة ليست شرطا في السعي بل هي مستحبة، ذهب إليه الشيخان (1) وغيرهما. وقال ابن أبي عقيل (2): لا يجوز الطواف والسعي بين الصفا والمروة إلا بطهارة. لنا: الأصل عدم الاشتراط. وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن امرأة طافت بالبيت ثم حاضت قبل أن تسعى، قال: تسعى، وقال: سألته عن امرأة طافت بين الصفا والمروة فحاضت بينهما، قال: تتم سعيها (3). لا يقال: لا دلالة في هذا الحديث، لاحتمال أن يكون الأمر بالسعي وإتمامه بعد الطهارة، والفائدة فيه الفرق بينه وبين الطواف الذي يبطل معه

(1) لم نعثر عليه في المقنعة، الاقتصاد: ص 304.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 395 ح 1376، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب السعي ح 5 ج 9 ص 530.

[ 212 ]

المتعة. لأنا نقول: لو كان كذلك لبينه - عليه السلام - لما فيه من الابهام. ولما رواه عجلان بن صالح أنه سمع أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: إذا اعتمرت المرأة ثم اعتلت قبل أن تطوف قدمت السعي وشهدت المناسك، فإذا طهرت وانصرفت من الحج قضت طواف العمرة الحج وطواف النساء ثم أحلت من كل شئ (1). واعلم أن قوله - عليه السلام -: " ثم اعتلت قبل أن تطوف " المراد منه قبل أن تطوف كملا، لما تقدم من اعتبار مجاوزة النصف. احتج ابن أبي عقيل بما رواه الحلبي في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن امرأة تطوف بين الصفا والمروة وهي حائض؟ قال: لا، لأن الله تعالى يقول: " إن الصفا والمروة من شعائر الله " (2). وفي الموثق عن ابن فضال قال: قال أبو الحسن - عليه السلام -: لا تطوف ولا تسعى إلا بوضوء (3). والجواب: الحمل على الاستحباب لما تقدم. ولما رواه إسحاق بن عمار في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الحائض تسعى بين الصفا والمروة؟ فقال: إي لعمري قد أمر رسول الله - صلى الله عليه وآله - أسماء بنت عميس فاغتسلت واستثفرت وطافت بين

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 394 ح 1374، وسائل الشيعة: ب 84 من أبواب الطواف ح 3 ج 9 ص 498.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 394 ح 1373، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب السعي ح 3 ج 9 ص 530.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 154 ح 308، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب السعي ح 7 ج 9 ص 531.

[ 213 ]

الصفا والمروة (1). وما رواه زيد الشحام عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يسعى بين الصفا والمروة من غير وضوء، فقال: لا بأس (2). وفي الصحيح عن معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس أن يقضي المناسك كلها على غير وضوء إلا الطواف فإن فيه صلاة، والوضوء أفضل (3). وفي الصحيح عن رفاعة بن موسى قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: أشهد شيئا من المناسك وأنا على غير وضوء؟ قال: نعم إلا الطواف بالبيت فإن فيه صلاة (4). لا يقال: هذا الحديث إنما يدل على الحكم الجزئي. لأنا نقول: نمنع ذلك، فإن المراد منه العموم. أما أولا: فلأنه لولاه لزم الاجمال، وأما ثانيا: فلأن الاستثناء إنما يصح على تقديره. مسألة: يجوز أن يجلس بين الصفا والمروة في أثناء السعي للاستراحة، ذكره الشيخ (5)، وهو المشهور. وقال أبو الصلاح: لا يجوز الجلوس بين الصفا والمروة، ويجوز الوقوف عند الاعياء حتى يستريح، والجلوس على الصفا والمروة (6)، وتبعه ابن زهرة (7).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 396 ح 1378، وسائل الشيعة: ب 89 من أبواب الطواف ح 3 ج 9 ص 505.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 154 ح 507، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب السعي ح 4 ج 9 ص 530. (3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 154 ح 509، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب السعي ح 1 ج 9 ص 530.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 154 ح 510، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب السعي ح 2 ج 9 ص 530.
(5) المبسوط: ج 1 ص 362.
(6) الكافي في الفقه: ص 196.
(7) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 517.

[ 214 ]

لنا: الأصل. وما رواه الحلبي في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يطوف بين الصفا والمروة أيستريح؟ قال: نعم، إن شاء جلس على الصفا والمروة، وبينهما فيجلس (1). احتج بما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عنه - عليه السلام - قال: لا يجلس بين الصفا والمروة إلا من جهد (2). والجواب: إنه مبني على الكراهة. مسألة: المشهور استحباب الهرولة بين المنارة وزقاق العطارين. وقال أبو الصلاح: وإذا سعى راكبا فليركض الدابة بحيث تجب الهرولة (3). وهذا الكلام يشعر بوجوبها. لنا: الأصل. احتج بأنه قد أمر به. والجواب: الأمر قد يدل على الاستحباب. مسألة: موضع الهرولة من المنارة إلى زقاق العطارين. والشيخ - رحمه الله - عبر عن ذلك في كتاب النهاية (4) والمبسوط (5) بعبارة قاصرة فقال: فإذا انتهى إلى أول زقاق عن يمينه بعد ما تجاوز الوادي إلى المروة

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 156 ح 516، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب السعي ح 1 ج 9 ص 535.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 417 ح 2854، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب السعي ح 4 ج 9 ص 546.
(3) الكافي في الفقه: ص 196.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 511. (5) المبسوط: ج 1 ص 361 - 362.

[ 215 ]

سعى، فإذا انتهى إليه كف عن السعي ومشى مشيا، وإذا جاء من عند المروة بدأ من الزقاق الذي وصفناه، فإذا انتهى إلى الباب قبل الصفا بعد ما تجاوز الوادي كف عن السعي ومشى مشيا. والشيخ نقل في ذلك رواية سماعة قال: سألته عن السعي بين الصفا والمروة، فقال: إذا انتهيت إلى الدار التي على يمينك عند أول الوادي فاسع حتى تنتهي إلى أول زقاق عن يمينك بعد ما تجاوز الوادي إلى المروة، فإذا انتهيت إليه فكف عن السعي وامش مشيا، وإذا جئت عند المروة فابدأ من عند الزقاق الذي وصفت لك، فإذا انتهيت إلى الباب الذي قبل الصفا بعد ما تجاوز الوادي فاكفف عن السعي وامش مشيا (1). مع ضعف سند هذه الرواية وكونها غير مسندة إلى إمام، وما ذكرناه أولى في العبادة، وإن كان مقصود الشيخ ذلك، وعليه دلت رواية معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال: ثم انحدر ماشيا وعليك السكينة والوقار حتى تأتي المنارة - وهي طرف السعي - فاسع ملا فروجك وقل: بسم الله - إلى أن قال: - حتى يبلغ المنارة الأخرى، ثم امش وعليك السكينة والوقار حتى تأتي المروة (2). مسألة: أطلق الشيخ - رحمه الله - في النهاية (3) والمبسوط (4) أنه إذا قطع السعي لقضاء حاجة أو صلاة نافلة فإنه يتم سعيه. والمفيد - رحمه الله - جعل ذلك كالطواف في اعتبار مجاوزة النصف (5)، وبه

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 148 ح 488، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب السعي ح 4 ج 9 ص 522.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 148 ح 487، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب السعي ح 1 ج 9 ص 521.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 513 وليس فيه: " أو صلاة نافلة ".
(4) المبسوط: ج 1 ص 362 - 363 وليس فيه: " أو صلاة نافلة ".
(5) المقنعة: ص 441.

[ 216 ]

قال أبو الصلاح (1)، وسلار (2). والوجه الأول. لنا: الأصل. وما رواه الحسن بن فضال في الموثق قال: سأل محمد بن علي أبا الحسن - عليه السلام - فقال له: سعيت شوطا واحدا ثم طلع الفجر، فقال: صل ثم عد فأتم سعيك (3). وفي الصحيح عن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: الرجل يدخل في السعي بين الصفا والمروة فيدخل وقت الصلاة أيخفف أو يقطع أو يصلي ثم يعود أو يثبت كما هو على حاله حتى يفرغ؟ قال: لا بل يصلي ثم يعود، أو ليس عليهما مسجد؟ (4). وفي الصحيح عن يحيى بن عبد الرحمان الأزرق قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن الرجل يدخل في السعي بين الصفا والمروة فيسعى ثلاثة أشواط أو أربعة ثم تلقاه الصديق له فيدعوه إلى الحاجة أو إلى الطعام، قال: إن أجابه فلا بأس (5). احتجوا بأن هذا الاعتبار قد ثبت في طواف فكذا السعي، لأنه نوع طواف. والجواب: المنع من المساواة، فإن حرمة الطواف أكثر من حرمة السعي.

(1) الكافي في الفقه: ص 195.
(2) المراسم: ص 123.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 156 ح 518، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب السعي ح 2 ج 9 ص 534.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 156 ح 519، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب السعي ح 1 ج 9 ص 534.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 157 ح 520، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب السعي ح 1 ج 9 ص 535.

[ 217 ]

مسألة: منع في النهاية (1) والمبسوط (2) من الحلق بعد السعي، وأوجب الدم لو حلق، وجعل التحلل واجبا بالتقصير. وقال في الخلاف: يجوز الحلق، والتقصير أفضل (3)، وكان يذهب إليه والدي - رحمه الله -. وبالأول قال ابن البراج (4)، وابن إدريس (5). احتج الشيخ بما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن المتمتع أراد أن يقصر فحلق رأسه، قال: عليه دم يهريقه (6). وفي طريق هذه الرواية محمد بن سنان وإسحاق بن عمار، وفيهما قول. مسألة: اختلف علماؤنا في وقت فوات المتعة، فقال شيخنا المفيد: إذا زالت الشمس من يوم التروية ولم يكن أحل من عمرته فقد فاته المتعة، ولا يجوز له التحلل منها، بل يبقى على إحرامه ويكون حجة مفردة، ونقله ابن إدريس عنه (7). والذي ذكره في مقنعته في باب تفصيل فرائض الحج: من دخل مكة يوم التروية وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة فأدرك ذلك قبل مغيب الشمس أدرك المتعة، فإذا غابت الشمس قبل أن يفعل ذلك فلا متعة له فليقم على إحرامه ويجعلها حجة مفردة (8).

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 513.
(2) المبسوط: ج 1 ص 362.
(3) الخلاف: ج 2 ص 330 المسألة 144.
(4) المهذب: ح 1 ص 242. (5) السرائر: ج 1 ص 580.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 158 ح 525، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب التقصير ح 3 ج 9 ص 542.
(7) السرائر: ج 1 ص 582.
(8) المقنعة: ص 431.

[ 218 ]

وقال الشيخ في النهاية (1) والمبسوط (2): لو دخل يوم التروية مكة طاف وسعى وقصر وأحل ثم عقد الاحرام للحج، فإن لم يلحق مكة إلا ليلة عرفة جاز له أن يفعل ذلك أيضا، فإن دخلها يوم عرفة جاز له أن يحل أيضا ما بينه وبين زوال الشمس، فإذا زالت الشمس فقد فاتته العمرة وكانت حجته مفردة. هذا إذا علم أنه يلحق عرفات، فإن غلب على ظنه أنه لا يلحقها فلا يجوز له أن يحل، بل يقيم على إحرامه ويجعل حجته مفردة. وروى ابن الجنيد، عن جميل بن دراج، عن الصادق - عليه السلام - قال: المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة (3). ثم قال ابن الجنيد (4): المتمتع إذا أدرك عمل المتعة والاحرام بالحج قبل زوال الشمس يوم عرفة فأحرم ولحق بالناس بها نهارا أو ليلا فقد صحت له المتعة والحج. وقال علي بن بابويه (5): في الحائض إذا طهرت يوم التروية قبل زوال الشمس فقد أدركت متعتها، وإن طهرت بعد الزوال يوم التروية فقد بطلت متعتها فتجعلها حجة مفردة. وقال ابنه في المقنع: فإن قدم المتمتع يوم التروية فله أن يتمتع ما بينه وبين الليل، فإن قدم ليلة عرفة فليس له أن يجعلها متعة، بل يجعلها حجة مفردة، فإن دخل المتمتع مكة فنسي أن يطوف بالبيت وبالصفا والمروة حتى كان ليلة

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 516 - 517.
(2) المبسوط: ج 1 ص 364.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 171 ح 569، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب أقسام الحج ح 15 ج 8 ص 213.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) لم نعثر على رسالته.

[ 219 ]

عرفة بطلت متعته ويجعلها حجة مفردة (1). واعتبر ابن حمزة زوال الشمس يوم عرفة (2)، وكذا ابن البراج (3). وقال ابن إدريس: يجوز للمحرم المتمتع إذا دخل مكة أن يطوف ويسعى ويقصر إذا علم أو غلب على ظنه أنه يقدر على إنشاء الاحرام بالحج بعده والخروج إلى عرفات والمشعر ولا يفوته شئ من ذلك، سواء كان دخوله إلى مكة بعد الزوال من يوم التروية أو ليلة عرفة أو يوم عرفة قبل زوال أو بعد زواله على الصحيح والأظهر من أقوال أصحابنا، لأن وقت الوقوف بعرفة للمضطر إلى طلوع الفجر من يوم النحر (4). والأقرب عندي أنه متى أدرك الموقفين صحت متعته وإن كان بعد زوال الشمس يوم عرفة. وأصح ما بلغنا في هذا الباب من الروايات منها: رواية جميل بن دراج الصحيحة، عن الصادق - عليه السلام - قال: المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة وله الحج إلى زوال الشمس من يوم النحر (5). وفي الحسن عن هشام بن سالم ومرازم وشعيب، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل المتمتع دخل ليلة عرفة فيطوف ويسعى ثم يحل ثم يحرم ويأتي منى، قال: لا بأس (6).

(1) المقنع: ص 85.
(2) الوسيلة: ص 176.
(3) المهذب: ج 1 ص 246.
(4) السرائر: ج 1 ص 581 - 582.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 171 ح 569، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب أقسام الحج ح 15 ج 8 ص 213.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 171 ح 571، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب أقسام الحج ح 1 ج 8 ص 210.

[ 220 ]

وفي الصحيح عن عيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن المتمتع يقدم مكة يوم التروية صلاة العصر تفوته المتعة؟ فقال: لا، له ما بينه وبين غروب الشمس، وقال: قد صنع ذلك رسول الله - صلى الله عليه وآله - (1). والروايات في ذلك كثيرة، وقد روى يعقوب بن شعيب المحاملي قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: لا بأس للمتمتع أن يحرم من ليلة التروية ما تيسر له ما لم يخف فوت الموقفين (2). وفي طريقها إسماعيل بن مراد، ولا يحضرني الآن حاله، فإن كان ثقة فالرواية حسنة. وروى محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: متى يكون للحاج عمرة؟ قال: إلى السحر من ليلة عرفة (3). احتج المخالف بما رواه زكريا بن عمران قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن المتمتع إذا دخل يوم عرفة، قال: لا متعة له، يجعلها حجة مفردة (4). وعن علي بن يقطين في طريق قوي قال: سألت أبا الحسن موسى - عليه السلام - عن الرجل والمرأة يتمتعان بالعمرة إلى الحج ثم يدخلان مكة يوم عرفة كيف يصنعان؟ قال: يجعلانها حجة مفردة، وحد المتعة إلى يوم التروية (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 172 ح 574، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب أقسام الحج ح 10 ج 8 ص 212.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 171 ح 567، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب أقسام الحج ح 5 ج 8 ص 211.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 172 ح 573، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب أقسام الحج ح 9 ج 8 ص 212.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 173 ح 579، وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب أقسام الحج ح 8 ج 8 ص 215.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 173 ح 582، وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب أقسام الحج ح 11 ج 8 ص 216.

[ 221 ]

وفي الصحيح عن عمر بن يزيد، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا قدمت مكة يوم التروية وقد غربت الشمس فليس عليك متعة امض كما أنت بحجك (1). قال الشيخ في كتابي الأخبار: المتمتع يكون عمرته تامة ما أدرك الموقفين، وسواء كان ذلك يوم التروية أو ليلة عرفة أو يوم عرفة إلى بعد الزوال، فإذا زالت الشمس من يوم عرفة فقد فاتت المتعة، لأنه لا يمكنه أن يلحق الناس بعرفات، إلا أن مراتب الناس تتفاضل في الثواب، فمن أدرك يوم التروية عند زوال الشمس يكون ثوابه أكثر ومتعته أكمل ممن يلحق بالليل، ومن يلحق بالليل أكمل ممن يلحق يوم عرفة. والمراد في الأخبار الدالة على أن من لم يدرك يوم التروية فقد فاتته المتعة فوت الكمال، والأمر يجعلها حجة مفردة إذا غلب على ظنه أنه إذا اشتغل بالطواف والسعي والاحلال فاته الموقفان (2). وهذا الحمل لا بأس به. بقي هاهنا بحث مهم: وهو أنه لو عرف أنه يدرك عرفة اضطراريا ويدرك المشعر خاصة اختياريا هل تفوته العمرة؟ ظاهر كلام ابن إدريس عدم الفوات، لأنه علل بأن وقت الوقوف للمضطر إلى طلوع فجر النحر (3). والأقرب عندي خلاف ذلك، وأن المتعة تفوته، لما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يكون في يوم عرفة بينه وبين مكة ثلاثة أميال وهو متمتع بالعمرة إلى الحج، فقال: يقطع التلبية تلبية المتعة، ويهل بالحج بالتلبية إذا صلى الفجر، ويمضي إلى عرفات فيقف مع الناس ويقضي جميع المناسك ويقيم بمكة حتى يعتمر عمرة المحرم ولا شئ عليه (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 173 ح 583، وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب أقسام الحج ح 12 ج 8 ص 216.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 170 ذيل ح 564، الاستبصار: ج 2 ص 249 ذيل ح 878.
(3) السرائر: ج 1 ص 582.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 174 ح 585، وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب أقسام الحج ح 7 ج 8 ص 215.

[ 222 ]

المقصد الثالث في أفعال الحج وفيه فصول: الأول في الاحرام مسألة: المشهور استحباب الاحرام للحج يوم التروية. وقال ابن حمزة: إذا أمكنه والاحرام والاحلال بالحج ولم يتضيق الوقت لزمه الاحرام يوم التروية (1). لنا: الأصل عدم الوجوب. ولأن الغرض تحصيل الوقوف بعرفة في وقته. احتج بالامر بالاحرام يوم التروية. روى معاوية بن عمار في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا كان يوم التروية إن شاء الله فاغتسل ثم البس ثوبيك وادخل المسجد حافيا (2). الحديث. والجواب: إن أكثر الأوامر المذكورة في هذا الحديث للندب، فلا دلالة فيه.

(1) الوسيلة: ص 176.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 167 ح 557، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب الاحرام ح 1 ج 9 ص 71.

[ 223 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية (1) والمبسوط (2): إذا أراد أن يحرم للحج فليكن ذلك عند زوال الشمس بعد أن يصلي الفرضين. وقال المفيد: فإذا زالت الشمس فليصل ست ركعات ثم ليصل المكتوبة وليدع الله كثيرا بالعون، ثم يقول: اللهم إني أريد الحج، ثم قال بعد ذلك كله: فإذا أتى منى فليقل - إلى أن قال: - ثم يصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر (3). وقال السيد المرتضى في الجمل: فإذا كان يوم التروية فليغتسل وينشئ الاحرام من المسجد الحرام، ويلبي ويمضي إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر (4). وقال علي بن بابويه (5): وإذا كان يوم التروية فاغتسل والبس ثياب احرامك وائت المسجد حافيا وعليك السكينة والوقار، وصل عند المقام الظهر والعصر، واعقد احرامك للحج في دبر العصر، وإن شئت في دبر الظهر بالحج مفردا. وقال ابن الجنيد (6): الأفضل أن يكون عقيب صلاة العصر المجموعة إلى الظهر. وقال ابن إدريس: ويصلي ركعتين عند المقام أو في الحجر، وإن صلى ست ركعات للاحرام كان أفضل، وإن صلى فريضة الظهر ثم أحرم في دبرها

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 468 وفيه: بعد الفراغ من فريضة الظهر. (2) المبسوط: ج 1 ص 314 - 315 وفيه: ويكون ذلك بعد فريضة الظهر.
(3) المقنعة: ص 407 - 408.
(4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 68.
(5) لم نعثر على رسالته.
(6) لم نعثر على كتابه.

[ 224 ]

كان أفضل (1). والأقرب التفصيل: وهو أن الاحرام للامام مستحب أن يكون قبل الزوال ويصلي الظهرين بمنى، وأما غيره فيستحب أن يكون بعد الظهرين. لنا: إن المسجد الحرام أفضل من غيره من البقاع، فاستحب الصلاة (2) فيه، وقد تقدم استحباب الاحرام عقيب الفريضة. وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من الشجرة (3). احتج الاخرون بما رواه عمر بن يزيد في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - إلى إن قال: وصل الظهر إن قدرت بمنى (4). والجواب: إنه محمول على الإمام للحاجة إلى تقديمه قبل الناس. مسألة: قال شيخنا المفيد - رحمه الله -: إذا كان يوم التروية فليأخذ من شاربه وليقلم أظفاره ويغتسل ويلبس ثوبيه، ويأتي المسجد الحرام حافيا وعليه السكينة والوقار فليطف أسبوعا إن شاء، ثم ليصل ركعتين لطوافه عند مقام إبراهيم - عليه السلام -، ثم ليقعد حتى تزول الشمس، فإذا زالت فليصل ست ركعات (5). وقال ابن الجنيد (6): ومن أحل من متعته أحرم يوم التروية للحج قبل

(1) السرائر: ج 1 ص 583.
(2) ق: العبادة.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 167 ح 557، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب الاحرام ح 1 ج 9 ص 71.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 169 ح 561، وسائل الشيعة: ب 46 من أبواب الاحرام ح 2 ج 9 ص 63.
(5) المقنعة: ص 407. (6) لم نعثر على كتابه.

[ 225 ]

خروجه إلى منى عقيب طواف أسبوع بالبيت وركعتين عند مقام إبراهيم - عليه السلام - أو غيره. وقال أبو الصلاح: يطوف أسبوعا ثم يصلي ركعتي الطواف ثم يحرم بعدهما (1). ولم يذكر الشيخ هذا الطواف، ولا السيد المرتضى، ولا ابن إدريس، ولا ابن بابويه. والشيخ - رحمه الله - عول على الحديث، فإنه لم يذكر فيه الطواف (2). والمفيد - رحمه الله - عول على أنه قادم إلى المسجد فاستحب له التحية، والطواف أفضل من الصلاة، ولا نزاع بينهما حينئذ. بقي أن يقال: إن قصد المفيد - رحمه الله - استحباب هذا الطواف للاحرام، فهو ممنوع، فإن المجاور يستحب له الصلاة أكثر من الطواف إذا جاوز ثلاث سنين. مسألة: كلام المفيد يقتضي تقديم الغسل والأخذ من الشارب والأظفار واللبس واتيان المسجد والطواف وركعتيه قبل الزوال. وقال أبو الصلاح: إذا زالت الشمس من يوم التروية فليغتسل ويلبس ثوبي إحرامه، ويأتي المسجد الحرام حافيا وعليه السكينة والوقار فيطوف بالبيت أسبوعا، ثم يصلي ركعتي الطواف، ثم يحرم بعدهما (3). والنزاع في الأولوية، وقول المفيد أولى. لنا: إن فيه مبادرة إلى فعل الطاعات. وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال:

(1) الكافي في الفقه: ص 212.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 167 ح 557 وص 168 ح 559، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب الاحرام ج 9 ص 71.
(3) الكافي في الفقه: ص 212.

[ 226 ]

إذا كان يوم التروية إن شاء الله فاغتسل ثم البس ثوبيك وادخل المسجد حافيا وعليك السكينة والوقار، ثم صل ركعتين عند مقام إبراهيم - عليه السلام - أو في الحجر، ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من الشجرة فاحرم بالحج (1). الحديث. احتج أبو الصلاح بأن وقت استحباب الاحرام عند الزوال. والجواب: نحن نسلم ذلك، والذي تقدمه إنما هو مقدمات الاحرام. مسألة: قول أبي الصلاح: " ثم يحرم بعدهما " (2) يوهم أن الاحرام عقيب ركعتي الطواف، وكذا قول ابن الجنيد (3). وأما الشيخان (4) فإنهما جعلاه عقيب ست ركعات، وأقله ركعتان. والأفضل عقيب فريضة الظهرين، وهو أولى. لنا: ما تقدم في حديث معاوية بن عمار. وما رواه أبو بصير في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - إلى أن قال: ثم ائت المسجد الحرام فصل فيه ست ركعات قبل أن تحرم (5). الحديث. مسألة: قال الشيخ - رحمه الله -: فإن كان ماشيا لبى من موضعه الذي صلى فيه (6). مع أنه قدم: أن الصلاة عند مقام إبراهيم - عليه السلام - أو في الحجر والاحرام من عند المقام أفضل، وإن كان راكبا إذا نهض به بعيره فإذا انتهى إلى الردم وأشرف على الأبطح رفع صوته بالتلبية (7).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 167 ح 557، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب الاحرام ح 1 ج 9 ص 71.
(2) الكافي في الفقه: ص 212.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) المقنعة: ص 407، النهاية ونكتها: ج 1 ص 469.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 168 ح 559، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب الاحرام ح 2 ج 9 ص 71.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 470.
(7) النهاية ونكتها: ج 1 ص 517.

[ 227 ]

وقال المفيد: ثم ليلب حين ينهض به بعيره ويستوي قائما، وإن كان ماشيا فليلب من عند الحجر الأسود، فإذا انتهى إلى الرقطاء دون الردم وأشرف على الأبطح فليرفع صوته بالتلبية حتى يأتي منى (1). وقال علي بن بابويه (2): فإذا خرجت إلى الأبطح فارفع صوتك بالتلبية. وقال ابن الجنيد (3): ويلبي إن شاء من المسجد أو من حيث يخرج من منزله بمكة، وإن شاء أن يؤخر إجهاره بالتلبية إلى أن ينتهي إلى الأبطح خارج مكة فعل، وهو يدل على الاجهار عند الاحرام. وقال ابن إدريس: فإن كان ماشيا جهر بالتلبية من موضعه الذي عقد الاحرام فيه، وإن كان راكبا لبى إذا نهض به بعيره، فإذا انتهى إلى الردم وأشرف على الأبطح رفع صوته بالتلبية (4). وقال أبو الصلاح: ثم يلبي مستسرا، فإذا نهض به بعيره أعلن بالتلبية، وإن كان ماشيا فليجهر بها من عند الحجر الأسود، فإذا انتهى إلى الرقطاء دون الردم وأشرف على الأبطح فليرفع صوته بالتلبية حتى يأتي منى (5). والأقرب ما تضمنه حديث معاوية بن عمار الصحيح، فإذا انتهيت إلى الرقطاء دون الردم فلب، فإذا انتهيت إلى الردم وأشرفت على الأبطح فارفع صوتك بالتلبية حتى تأتي منى (6). قال الشيخ: ولا تنافي بين هذا الحديث وبين ما رواه أبو بصير، عن الصادق

(1) المقنعة: ص 407 - 408.
(2) لم نعثر على رسالته. (3) لم نعثر على كتابه.
(4) السرائر: ج 1 ص 584.
(5) الكافي في الفقه: ص 212.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 167 ح 557، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب الاحرام ح 1 ج 9 ص 71.

[ 228 ]

- عليه السلام - ثم يلبي من المسجد الحرام، لأن الماشي يلبي من الموضع الذي يصلي فيه والراكب يلبي عند الرقطاء وعند شعب دب، ولا يجهران بالتلبية إلا عند الاشراف على الأبطح (1). وهذا لا بأس به، لما رواه عمر بن يزيد، عن الصادق - عليه السلام - ثم أهل بالحج، فإن كنت ماشيا فلب عند المقام، وإن كنت راكبا فإذا نهض بك بعيرك (2). مسألة: قال الشيخ - رحمه الله -: أفضل المواضع التي يحرم منها المسجد الحرام، وفي المسجد من عند المقام (3)، وهو قول ابن إدريس (4)، والظاهر من كلام ابن بابويه (5)، والمفيد (6). وقول أبي الصلاح (7) يشعر أن أفضله تحت الميزاب أو عند المقام. لنا: ما رواه عمر بن يزيد، عن الصادق - عليه السلام - ثم صل ركعتين خلف المقام ثم أهل بالحج، فإن كنت ماشيا فلب عند المقام، وإن كنت راكبا فإذا نهض بك بعيرك (8). احتج أبو الصلاح بما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - ثم صل ركعتين عند مقام إبراهيم - عليه السلام - أو في الحجر، ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 168 ذيل الحديث 560.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 169 ح 561، وسائل الشيعة: ب 46 من أبواب الاحرام ح 2 ج 9 ص 63.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 517.
(4) السرائر: ج 1 ص 583.
(5) المقنع: ص 85.
(6) المقنعة: ص 407.
(7) الكافي في الفقه: ص 212.
(8) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 169 ح 561، وسائل الشيعة: ب 46 من أبواب الاحرام ح 2 ج 9 ص 63.

[ 229 ]

أحرمت من الشجرة (1). الحديث. والجواب: التخيير لا ينافي أولوية أحد الأمرين المخير فيهما من لغز آخر غير أمر التخيير، كما في خصال الكفارة. مسألة: قال ابن أبي عقيل (2): وإذا اغتسل يوم التروية وأحرم بالحج طاف بالبيت سبعة أشواط وخرج متوجها إلى منى، ولا يسعى بين الصفا والمروة حتى يزور البيت فيسعى بعد طواف الزيارة. ولم يذكر باقي أصحابنا هذا الطواف، فإن قصد بذلك ما ذكره الشيخ المفيد، وابن الجنيد فذلك قبل الاحرام. مسألة: قال الشيخ في النهاية (3) والمبسوط (4): إذا أحرم بالحج لم يجز له أن يطوف البيت إلى أن يرجع من منى، فإن سهى فطاف بالبيت لم ينتقض إحرامه غير أنه يعقده بتجديد التلبية، وهو اختيار ابن حمزة (5). وقال ابن إدريس: لا ينبغي أن يطوف بالبيت إلى أن يرجع من منى، فإن سها فطاف بالبيت لم ينتقض إحرامه، سواء جدد التلبية أو لم يجدد، وإحرامه منعقد فلا حاجة به إلى انعقاد المنعقد (6). وقال الشيخ في التهذيب: لا يجوز لمن أحرم بالحج أن يطوف بالبيت تطوعا إلى أن يعود من منى فإن فعل ذلك ناسيا فليس عليه شئ (7). وقد بينا أن ابن أبي عقيل قال: إذا أحرم بالحج طاف بالبيت سبعة أشواط.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 167 ح 557، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب الاحرام ح 1 ج 9 ص 71.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 517 - 518.
(4) المبسوط: ج 1 ص 365.
(5) الوسيلة: ص 177.
(6) السرائر: ج 1 ص 584.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 169 ذيل الحديث 562.

[ 230 ]

والشيخ - رحمه الله - استدل بما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يأتي المسجد الحرام يطوف بالبيت؟ قال: نعم ما لم يحرم (1). وهذا غير دال على ما ذهب إليه في النهاية. والأقرب أن انعقاد إحرامه باق. لنا: الأصل بقاء ما كان على ما كان عليه. وما رواه عبد الحميد بن سعيد، عن أبي الحسن الأول - عليه السلام - قال: سألته عن رجل أحرم يوم التروية من عند المقام بالحج ثم طاف بالبيت بعد إحرامه وهو لا يرى أن ذلك لا ينبغي له أينقض طوافه بالبيت إحرامه؟ فقال: لا، ولكن يمضي على إحرامه (2). مسألة: لو نسي الاحرام بالحج إلى أن يحصل بعرفات جدد الاحرام منها وليس عليه شئ، فإن لم يذكر حتى يرجع إلى بلده فإن كان قد مضى مناسكه كلها لم يكن عليه شئ، قاله الشيخ - رحمه الله - (3) وابن حمزة (4). وقال ابن إدريس: قال الشيخ في المبسوط: أما النية فهي ركن في الانواع الثلاثة من تركها فلا حج له عامدا كان أو ناسيا إذا كان من أهل النية، ثم قال بعد ذلك: وعلى هذا إذا فقد النية لكونه سكران. قال: وهذا الذي يقتضيه أصول المذهب، لقوله تعالى: " وما لأحد عنده من نعمة تجزي إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى "، وقول الرسول - صلى الله عليه وآله -: " الأعمال بالنيات وإنما

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 169 ح 563، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب الطواف ح 4 ج 9 ص 496.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 169 ح 564، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب الطواف ح 5 ج 9 ص 496.
(3) المبسوط: ج 1 ص 382.
(4) الوسيلة: ص 177.

[ 231 ]

لكل امرئ ما نوى "، وهذا الخبر مجمع عليه. قال: وبهذا أفتي، فلا يرجع عن الأدلة بأخبار الآحاد إن وجدت (1). والأقرب عندي أنه إن تمكن من الرجوع إلى مكة للاحرام فيها وجب، وإن لم يتمكن أحرم من موضعه ولو من عرفات، فإن لم يذكر حتى أكمل مناسكه صح وأجزأه. لنا: إنه مع التمكن من الرجوع يكون قادرا على الاتيان بالمأمور به على وجهه فيجب عليه فعله، ولا يجزئه لو أحرم من غيره، لأنه حينئذ يكون قد أتى بغير المأمور فيبقى في عهدة التكليف، ومع النسيان يكون معذورا، لقوله - صلى الله عليه وآله -: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " (2). ولأن التزام الإعادة مشقة عظيمة فيكون منفيا، لقوله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (3). وما رواه العمركي بن علي الخراساني في الحسن، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى - عليه السلام - قال: سألته عن رجل نسي الاحرام بالحج فذكره وهو بعرفات ما حاله؟ قال: يقول: اللهم على كتابك وسنة نبيك فقد تم إحرامه، فإن جهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده إن كان قضى مناسكه كلها فقد تم حجه (4). وحجة ابن إدريس غير مناسبة لدعواه. * * *

(1) السرائر: ج 1 ص 584 و 586.
(2) سنن أبي ماجة: ج 1 ص 659 ح 2045، سنن البيهقي: ج 7 ص 357.
(3) الحج: 78. (4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 175 ح 586، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب المواقيت ح 8 ج 8 ص 239.

[ 232 ]

الفصل الثاني في الوقوف بالموقفين مسألة: إذا أفاض من منى إلى عرفات لم يجر وادي محسر إلا بعد طلوع الشمس استحبابا، ويكره له تجاوزه قبل طلوعها، وهو اختيار ابن إدريس (1). وقال الشيخ في النهاية (2) والمبسوط (3): لا يجوز له أن يجوز وادي محسر إلا بعد طلوع الشمس. وعد ابن البراج في التروك المفروضة، ولا يجوز الخارج منها وادي محسر إلا بعد طلوع الشمس (4). لنا: الأصل براءة الذمة وعدم التحريم. ولأن المبيت بمنى ليس بواجب. احتج الشيخ بما رواه هشام بن الحكم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يجوز وادي محسر حتى تطلع الشمس (5). والجواب: إنه محمول على الاستحباب عملا بأصالة البراءة. مسألة: المشهور استحباب الافاضة من منى إلى عرفات بعد الفجر وليس واجبا. وقال أبو الصلاح: لا يجوز له أن يفيض منها قبل الفجر مختارا (6).

(1) السرائر: ج 1 ص 585.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 519.
(3) المبسوط: ج 1 ص 368.
(4) المهذب: ج 1 ص 251.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 193 ح 640، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 2 ج 10 ص 48.
(6) الكافي في الفقه: ص 197.

[ 233 ]

وقال ابن البراج في أقسام التروك المفروضة: ولا يخرج أحد من منى إلى عرفات إلا بعد طلوع الفجر (1). لنا: الأصل براءة الذمة وتسويغ الافاضة. ولأن المبيت بمنى للراحة، لا أنه نسك. احتج بما رواه عبد الحميد الطائى قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: إنا مشاة فكيف نصنع، قال: أما أصحاب الرحال فكانوا يصلون الغداة بمنى، وأما أنتم فامضوا حيث تصلوا في الطريق (2). والجواب: لا دلالة فيه على الوجوب. مسألة: قال ابن أبي عقيل (3): فإذا أتيت عرفات فاضرب خباءك حيث شئت. والمشهور استحباب ضرب خبائه بنمرة، وهي بطن عرنة. لنا: أنه اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وآله -. وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - فإذا انتهيت إلى عرفات فاضرب خباءك بنمرة - وهي بطن عرنة - دون الموقف ودون عرفة (4). مسألة: عرفة كلها موقف. والمشهور استحباب الوقوف في الميسرة في سفح الجبل.

(1) المهذب: ج 1 ص 251.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 179 ح 599، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ح 1 ج 10 ص 8.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 179 ح 600، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ح 1 ج 10 ص 9.

[ 234 ]

قال السيد المرتضى: وأفصل المواقف منه ميسرة الجبل (1)، وكذا قال ابن الجنيد (2)، وابن أبي عقيل (3). وقال ابن إدريس: بل الواجب الوقوف بسفح الجبل (4). وقال الشيخ: ولا يرتفع إلى الجبل، إلا عند الضرورة، ويكون وقوفه على السهل (5). ولم ينص في ذلك على الوجوب. لنا: الأصل براءة الذمة. وما رواه ابن بابويه (6)، وابن أبي عقيل (7) وغيرهما أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - وقف بعرفه في ميسرة الجبل، فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته فيقفون إلى جانبها فنخاها ففعلوا مثل ذلك، فقال: أيها الناس أنه ليس موضع إخفاف ناقتي في الموقف، ولكن هذا كله موقف، وأشار بيده إلى الموقف فتفرق الناس، وقال - صلى الله عليه وآله -: عرفة كلها موقف، ولو لم يكن إلا ما تحت خف ناقتي لم يسع الناس ذلك. احتج ابن إدريس بفعل رسول الله - صلى الله عليه وآله -. والجواب: أن قوله - صلى الله عليه وآله - على ما ادعيناه أدل فيجب المصير إليه.

(1) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 68. (2 * لم نعثر على كتابه.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) السرائر: ج 1 ص 587.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 520. (6) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 464 ح 2980، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ح 1 ح 10 ص 13.
(7) لم نعثر على كتابه.

[ 235 ]

مسألة: قال أبو الصلاح: ويلزم فيه افتتاحه بالنية وقطع زمانه بالدعاء والتوبة والاستغفار (1). وهذا يوهم وجوب هذه الأشياء. والحق أن الواجب النية، والكون بها خاصة دون وجوب شئ من الاذكار. وكذا قال في المشعر (2)، وهو اختيار ابن البراج (3). لنا: الأصل براءة الذمة. وما رواه عبد الله بن جذاعة الأزدي قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل وقف بالموقف فأصابته دهشة الناس فبقي ينظر إلى الناس ولا يدعو حتى أفاض الناس، قال: يجزئه وقوفه، ثم قال: أليس قد صلى بعرفات الظهر والعصر وقنت ودعا؟ قلت: بلى، قال: فعرفات كلها موقف، وما قرب من الجبل فهو أفضل (4). وعن أبي يحيى زكريا الموصلي قال: سألت العبد الصالح - عليه السلام - عن رجل وقف بالموقف فأتاه نعي موت أبيه ونعي بعض ولده قبل أن يذكر الله بشئ أو يدعو فاشتغل بالجزع والبكاء عن الدعاء ثم أفاض الناس، فقال: لا أرى عليه شيئا وقد أساء فليستغفر الله، أما لو صبر واحتسب لأفاض من الموقف بحسنات أهل الموقف جميعا من غير أن ينقص من حسناتهم شيئا (5). مسألة: قال الشيخ: حد عرفة من بطن عرنة وثوية ونمرة إلى ذي المجاز (6).

(1) الكافي في الفقه: ص 197.
(2) الكافي في الفقه: ص 197.
(3) المهذب: ج 1 ص 253.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 184 ح 613، وسائل الشيعة: 16 من أبواب الحج والوقوف بعرفة ح 2 ج 10 ص 19.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 184 ح 614، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ح 3 ج 10 ص 19.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 520.

[ 236 ]

وكذا قال ابن البراج (1)، وابن إدريس (2). وقال ابن أبي عقيل (3)، وأبو الصلاح (4): حد عرفة من المأزمين إلى الموقف. وقال ابن الجنيد (5): وحدها من المأزمين إلى الجبل. وروى الصدوق في الصحيح، عن معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - حد عرفات من المأزمين إلى أقصى المواقف (6). وقال - عليه السلام - حد عرفة من بطن عرنة وثوية ونمرة وذي المجاز، وخلف الجبل موقف إلى وراء الجبل (7). ولا تنافى بين القولين، فإن ذلك كله حدود عرفة، لكن من جهات متعددة. مسألة: يكره الوقوف على الجبل، بل المستحب الوقوف على السهل، هذا هو المشهور. وعد ابن البراج في التروك المفروضة: أن لا يرتفع إلى الجبل إلا لضرورة (8). لنا: الأصل عدم التحريم.

(1) المهذب: ج 1 ص 273.
(2) السرائر: ج 1 ص 587.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) الكافي في الفقه: ص 196.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 463 ح 2978، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ح 8 ج 10 ص 12.
(8) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 463 ح 2979، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ح 9 ج 10 ص 12.
(8) المهذب: ج 1 ص 246.

[ 237 ]

ولأنه داخل في حد عرفة. وما رواه إسحاق بن عمار في الصحيح قال: سألت أبا إبراهيم - عليه السلام - عن الوقوف بعرفات فوق الجبل أحب إليك أم على الأرض؟ فقال: على الأرض (1). وفي الموثق عن سماعة بن مهران قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: فإذا كانوا في الموقف وكثروا وضاق عليهم كيف يصنعون؟ قال: يرتفعون إلى الجبل (2). مسألة: قال الشيخ في الخلاف: وقت الوقوف بعرفة من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم العيد (3). وقال ابن إدريس: إن وقتها من الزوال إلى غروب الشمس يوم عرفة، لأنه لا خلاف في ذلك، وما ذكره الشيخ في الكتابين مذهب بعض المخالفين (4). والتحقيق: أن النزاع هنا لفظي، فإن الشيخ قصد الوقوف الشامل للاختياري وهو من زوال الشمس إلى غروبها، والاضطراري من الزوال إلى طلوع الفجر. فتوهم ابن إدريس أن الشيخ قصد بذلك الوقت (5) الاختياري فأخطأ في اعتقاده، ونسب الشيخ إلى تقليد بعض المخالفين، مع أن الشيخ أعظم المجتهدين وكبيرهم، ولا ريب في تحريم التقليد للمحق من المجتهد، فكيف

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 180 ح 603، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ح 5 ج 10 ص 11.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 180 ح 604، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ح 6 ج 10 ص 11.
(3) الخلاف: ج 2 ص 337 المسألة 156.
(4) السرائر: ج 1 ص 587.
(5) م (1): الوقف.

[ 238 ]

للمخالف الذي يعتقد المقلد له أنه مخطئ؟! وهل هذا إلا جهالة منه واجتراء على الشيخ - رحمه الله -. مسألة: الوقوف بالمشعر ركن، فمن تركه متعمدا بطل حجه. وقال ابن الجنيد (1): تجب عليه بدنة. لنا: إنه لم يأت بالمأمور به على وجهه فيبقى في عهدة التكليف. ولأنه إن كان فوات عرفة مبطلا للحج كان فوات المشعر مبطلا، والمقدم حق فالتالي مثله. بيان الشرطية: إن الوقوف بالمشعر أوكد من الوقوف بعرفة فيكون تركه أولى بالابطال، ويدل على كونه أوكد وجهان: أحدهما: إنه ثبت بنص القرآن، لقوله تعالى: " فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام " (2)، والذكر به يستلزم الكون فيه، وعرفة إنما وجبت بالسنة. الثاني: ما رواه ابن فضال، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: الوقوف بالمشعر فريضة، والوقوف بعرفة سنة (3). وأما صدق المقدم فلما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - أن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: أصحاب الاراك لا حج لهم - يعني الذين يقفون عند الاراك - (4).

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) البقرة: 198.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 278 ح 977، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ح 14 ج 10 ص 26.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 287 ح 975، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ح 11 ج 10 ص 12.

[ 239 ]

وفي الحسن عن الحلبي، عن أبي عبد الله - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله - في الموقف ارتفعوا عن بطن عرنة، وقال: أصحاب الاراك لا حج لهم (1). وقد اعترض على الاستدلال بالآية بأنها تدل على وجوب الذكر وأنتم لا توجبونه، وإنما توجبون الوقوف مثل عرفة. وأجاب السيد: بأنه لا يمتنع أن نقول بوجوب الذكر بظاهر هذه الآية. وبعد فإن الأمر يقتضي وجوب الكون في المكان المخصوص والذكر جميعا، فإذا دل الدليل على أن الذكر مستحب غير واجب أخرجناه من الظاهر وبقي الآخر يتناوله الظاهر، وتقدير الكلام: فإذا أفضتم من عرفات فكونوا بالمشعر الحرام واذكروا الله تعالى فيه. ثم اعترض بأن الكون في المكان يتبع الذكر في وجوب أو إستحباب، لأنه إنما يراد له ومن أجله، فإذا ثبت أن الذكر مستحب فكذا الكون. وأجاب: بالمنع من كون الكون في ذلك المكان تابعا للذكر، لأن الكون عبادة مفردة عن الذكر، والذكر عبادة أخرى، وإحداهما لا يتبع الأخرى، كما لم يتبع الذكر في عرفات الكون في ذلك المكان، على أن الذكر إن لم يكن واجبا فشكر الله على نعمه واجب على كل حال، وقد أمر بأن نشكره عند المشعر فيجب الكون فيه. ثم اعترض بأن تقييد الذكر لا يستلزم تقييد الشكر، فإن المعطوف لا يجب تقييده بما قيد المعطوف عليه.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 287 ح 976، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ح 10 ج 10 ص 25.

[ 240 ]

وأجاب: بأن العطف يقتضي التساوي في حكم المحل كقوله: " اضرب زيدا في الدار " وقيده، فإن الدار محل للفعلين معا (1). واعلم أن أصل الاعتراض مشكل، وجواب السيد أو لا بوجوب الذكر ليس بجيد، والاعتراض على جوابه الثاني مشكل أيضا، ومنعه التبعية ليس بجيد. والأقرب جوابه الأخير، وهو أن الشكر إذا وجب بالمشعر وجب الكون به، والاعتراض بأن تقييد المعطوف عليه لا يقتضي تقييد المعطوف جيد، وجوابه بالمنع ليس بجيد. نعم الأولى أن يقول: التقييد هنا ثابت، لأن الكلام الأول لم يتم، لقوله: ثم أفيضوا، فكان التقييد ثابتا، وإلا لزم أن يكون وجوب الشكر كلاما مستقلا متخللا بين أجزاء الكلام وهو غير مستعمل عرفا. وغير بعيد من الصواب أن يقال: يجب الذكر لا بالمعنى المتعارف بل بمعنى النية المشتملة على قصد إيقاع الفعل متقربا به إلى الله تعالى. احتج بقوله - صلى الله عليه وآله -: " أصحاب الاراك لا حج لهم " (2) دل بمفهومه على أن غير أصحاب الاراك يثبت لهم الحج، ومن وقف بعرفة لم يكن من أصحاب الاراك. والجواب: أن دلالة المفهوم ضعيفة خصوصا مع معارضة الاجماع، فإن غير أصحاب الاراك لو أخلوا بأركان الحج متعمدين بطل حجهم بالاجماع. مسألة: المشهور أنه يستحب أن يجمع بين المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد

(1) الانتصار: ص 89 - 90 مع اختلاف.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 287 ح 976، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ح 10 ج 10 ص 25.

[ 241 ]

واقامتين، وهو قول الشيخ في النهاية (1). وقال في الخلاف: يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة بالمزدلفة بأذان واحد وإقامة واحدة مثل صلاة واحدة (2). لنا: إن مفهوم الجمع عندنا بين الصلاتين ذلك، كما في يوم الجمعة وعرفة. وما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا تصل المغرب حتى تأتي جمعا فصل بها المغرب والعشاء الآخرة بأذان واحد واقامتين (3). وفي الموثق عن زرعة قال: سألته عن الجمع بين المغرب والعشاء الآخرة بجمع، فقال: لا تصليهما حتى تنتهي إلى جمع وأن تصلي من الليل ما مضى، فإن رسول الله - صلى الله عليه وآله - جمعهما بأذان واحد واقامتين، كما جمع بين الظهر والعصر بعرفات (4). وفي الصحيح عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: صلاة المغرب والعشاء يجمع بأذان واحد واقامتين، ولا تصل بينهما شيئا، وقال: هكذا صلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - (5). احتج الشيخ بالاجماع من الفرقة، وبحديث جابر قال: جمع رسول الله - صلى

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 521.
(2) الخلاف: ج 2 ص 339 المسألة 159.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 188 ح 626، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 1 ج 10 ص 40.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 188 ح 624، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 2 ج 10 ص 39. (5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 190 ح 630، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 3 ج 10 ص 40.

[ 242 ]

الله عليه وآله - بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان واقامتين لم يسبح بينهما شيئا (1). والجواب: إن الاجماع على ما قلناه، وكذا حديث جابر. وهذا الاستدلال من الشيخ إنما هو على قول من يكرر الأذان، أما من يكرر الإقامة فلا. مسألة: قال في النهاية: ولا تصلي المغرب والعشاء الآخرة إلا بالمزدلفة وإن ذهب من الليل ربعه أو ثلثه، فإن عاقه عائق عن المجئ إلى المزدلفة إلى أن يذهب من الليل أكثر من الثلث جاز له أن يصلي المغرب في الطريق، ولا يجوز ذلك مع الاختيار (2). وكلام ابن أبي عقيل (3) يوهم الوجوب فإنه قال: حيث حكى صفة سير رسول الله - صلى الله عليه وآله - فأوجب سنته على أمته أن لا يصلي أحد منهم المغرب والعشاء بعد منصرفهم من عرفات حتى يأتوا المشعر الحرام، وكلام الشيخ في الخلاف (4) يوهم الوجوب أيضا. والأقرب أنه مكروه. لنا: الأصل عدم الوجوب. وما رواه هشام بن الحكم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس أن يصلي الرجل المغرب إذا أمسى بعرفة (5). ولقوله - عليه السلام -: " أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت " (6). والظاهر إن قصد الشيخ الكراهة دون التحريم، وكثيرا ما يطلق على المكروه

(1) الخلاف: ج 2 ص 340 ذيل المسألة 159.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 521.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) الخلاف: ج 2 ص 339 - 340 المسألة 159.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 189 ح 629، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 3 ج 10 ص 39.
(6) صحيح البخاري: ج 1 ص 91. وفيه: " فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ".

[ 243 ]

أنه لا يجوز. مسألة: قال ابن إدريس: ذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه إلى أن وقت المشعر ليلة العيد، وهو مذهب المخالفين. والأول هو المذهب، وهو اختياره في النهاية (1). وأشار إلى ما قدمه من أن وقته من طلوع الفجر يوم النحر إلى طلوع الشمس. والشيخ - رحمه الله - قصد بذلك الوقت الاضطراري، فإن العليل والمريض وخائف الزحام يجوز لهم الخروج من المشعر قبل الفجر إذا وقفوا به ليلا على ما يأتي. مسألة: عد ابن البراج في أقسام الواجب: الذكر لله تعالى، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وآله - في الموقفين معا (2). والمشهور الاستحباب. لنا: الأصل براءة الذمة، وما تقدم من الحديثين اللذين ذكرناهما في الوقوف بعرفة. احتج بالامر في الآية، والأمر للوجوب. والجواب: المنع من الكبرى. مسألة: لو خرج من المشعر قبل طلوع الفجر عامدا مختارا لم يبطل حجه، ووجب عليه شاة، ذهب إليه الشيخ (3)، وابنا بابويه (4)، وابن البراج (5). وقال ابن الجنيد (6): يجب عليه دم، وهو موافق لما قلناه، فإن الدم إذا أطلق

(1) السرائر: ج 1 ص 587 - 588.
(2) المهذب: ج 1 ص 254.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 522.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 467 ذيل الحديث 2986، ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(5) المهذب: ج 1 ص 224.
(6) لم نعثر على كتابه.

[ 244 ]

حمل على أقل مراتبه. وقال ابن إدريس: يبطل حجه (1). وقول الشيخ في الخلاف يوهم ذلك فإنه قال: فإن دفع قبل طلوع الفجر مع الاختيار لم يجزئه (2). لنا: إنه أتى بالمأمور به فيخرج عن العهدة. أما المقدمة الأولى: فلأنه أمر بالكون بالمشعر، لقوله تعالى: " فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام " (3) وأما الثانية فظاهرة. وما رواه مسمع في الموثق عن أبي عبد الله - عليه السلام - في رجل وقف مع الناس بجمع ثم أفاض قبل أن يفيض الناس، قال: إن كان جاهلا فلا شئ عليه، وإن كان أفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة (4). ولأن إبطال الحج مشقة عظيمة وضرر كثير. وقال - عليه السلام -: " لا ضرر ولا إضرار " (5). وقال الله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (6). ولأنه يجوز للخائف والمريض والمرأة التي تخاف الحيض وغيرهم من المضطرين المسارعة قبل الفجر ليدركوا منى ويلحقوا البيت في نهارهم للطوافين والسعي فيكون وقتا، وإلا لما ساغ لهؤلاء، مع أنه وافق (7) على ذلك.

(1) السرائر: ج 1 ص 589.
(2) الخلاف: ج 1 ص 344 المسألة 166.
(3) البقرة: 198.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 193 ح 642، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 1 ج 10 ص 49.
(5) مسند أحمد بن حنبل: ج 1 ص 313، سنن ابن ماجة: ج 2 ص 784 ح 2341، مستدرك الحاكم: ج 2 ص 58.
(6) الحج: 78.
(7) في متن المطبوع وق: واقف.

[ 245 ]

احتج بأن الوقوف بالمشعر في وقته ركن من أركان الحج إجماعا، ولا خلاف في أن من أخل بركن عامدا بطل حجه. والجواب: المنع من المقدمة الأولى إن قصد الوقت الاختياري، وإن قصد الاضطراري وغيره التزمنا به ومنعنا فوات الوقت، فإن الليل عندنا وقت للمضطر. مسألة: المشهور أنه إذا أفاض من عرفات قبل الغروب عامدا عالما وجب عليه بدنة. وقال ابنا بابويه (1): تجب عليه شاة. لنا: ما رواه ضريس، عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس، قال: عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في الطريق أو في أهله (2). وفي الصحيح عن مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في رجل أفاض من عرفات قبل غروب الشمس، قال: فإن كان جاهلا فلا شئ عليه، وإن كان متعمدا فعليه بدنة (3). مسألة: قال الشيخ في الخلاف: الأفضل أن يقف إلى غروب الشمس في النهار ويدفع من الموقف بعد غروبها، فإن دفع قبل الغروب لزمه دم (4). والكلام فيه يقع في موضعين: الأول: أن عبارته هذه توهم جواز الافاضة قبل الغروب، ولا خلاف بيننا أنه

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 467 ذيل الحديث 2986، ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 186 ح 620، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ح 3 ح 10 ص 30.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 187 ح 621، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ح 1 ج 10 ص 30. (4) الخلاف: ج 2 ص 338 المسألة 157.

[ 246 ]

يجب بعد الغروب ولا يجوز قبله. وقد روى يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: متى يفيض من عرفات؟ فقال: إذا ذهبت الحمرة من هاهنا، وأشار بيده إلى المشرق وإلى مطلع الشمس (1). وفي الصحيح عن معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: إن المشركين كانوا يفيضون قبل أن تغيب الشمس فخالفهم رسول الله - صلى الله عليه وآله - فأفاض بعد غروب الشمس (2). وبالجملة فالمسألة إجماعية، ويمكن أن يحمل قول الشيخ على أن اللبث في الموقف إلى الغروب من وقت ابتدائه مستحب، فإنه لو دفع قبل الغروب ثم عاد إلى الموقف قبل الغروب أجزأه أو أن الأفضل أن يقف إلى الغروب ثم يدفع في أول الليل ولا يقف بعد، وكأنه قصد الثاني. الثاني: أنه أوجب الدم، وقد عرفت أن الدم إذا أطلق حمل على أقل مراتبه وهو الشاة، عملا بأصالة البراءة. وقد بينا في المسألة السابقة أن الواجب بدنة خلافا لا بني بابويه. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: يجوز الوقوف بعرفة راكبا وقائما سواء (3). وفي المبسوط القيام أفضل (4)، وهو الحق. لنا: أنه أشق، وقال - عليه السلام -: " أفضل الأعمال أحمزها " (5) على أنه في

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 186 ح 618، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ح 2 ج 10 ص 29.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 186 ح 619، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ح 1 ج 10 ص 29.
(3) الخلاف: ج 2 ص 337 المسألة 155.
(4) المبسوط: ج 1 ص 367.
(5) راجع الصحاح: ج 3 ص 875 مادة حمز.

[ 247 ]

الخلاف قال في استدلاله: وأيضا القيام أشق من الركوب فينبغي أن يكون أفضل (1). مسألة: تجوز الافاضة من المشعر قبل طلوع الشمس. وقال ابن أبي عقيل (2): فإذا اشرق الفجر وتبين ورأت الإبل مواضع أخفافها أفاض بالسكينة والوقار والدعة والاستغفار. وقال الشيخ: وإذا كان قبل طلوع الشمس بقليل رجع إلى منى، ولا يجوز وادي محسر إلا بعد طلوع الشمس، ولا يجوز للامام أن يخرج من المشعر إلا بعد طلوع الشمس، وإن أخر غير الإمام الخروج إلى بعد طلوع الشمس لم يكن به بأس (3). وهذا الكلام من الشيخين يدل على أولوية الافاضة قبل طلوع الشمس، وكذا قال ابن الجنيد (4)، وابن حمزة (5). وقال علي بن بابويه (6): واياك أن تفيض منها قبل طلوع الشمس، ولا من عرفات قبل غروبها فيلزمك دم شاة. وقال الصدوق: ولا يجوز للرجل الافاضة قبل طلوع الشمس، ولا من عرفات قبل غروبها فليزمه دم شاة (7). وهذا الكلام يشعر بوجوب اللبث إلى طلوع الشمس. وقال المفيد: فإذا طلعت الشمس فليفض منها إلى منى، ولا يفيض قبل

(1) الخلاف: ج 2 ص 337 المسألة 155.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 522.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) الوسيلة: ص 177.
(6) لم نعثر على رسالته.
(7) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 467 ذيل الحديث 2986.

[ 248 ]

طلوع الشمس إلا مضطرا (1)، وكذا قال السيد المرتضى (2)، وسلار (3). وقال أبو الصلاح: وليقف داعيا إلى أن تطلع الشمس، ولا يجوز للمختار أن يفيض منه حتى تطلع الشمس (4). وعد ابن حمزة في الواجبات الإقامة بالمشعر للامام إلى أن تطلع الشمس (5). وقال الشيخ: لا يجوز للامام أن يخرج من المشعر الحرام إلا بعد طلوع الشمس (6). وقال ابن إدريس: وملازمة الموضع إلى أن تطلع الشمس مندوب غير واجب (7). والأول أقرب. لنا: ما رواه معاوية بن حكيم قال: سألت أبا إبراهيم - عليه السلام - أي ساعة أحب إليك أن نفيض من جمع؟ قال: قبل أن تطلع الشمس بقليل هي أحب الساعات إلي، قلت: فإن مكثنا حتى تطلع الشمس؟ قال: ليس به بأس (8). وفي الصحيح عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا إبراهيم - عليه السلام - أي ساعة أحب إليك أن أفيض من جمع؟ قال: قبل أن تطلع الشمس بقليل هي

(1) المقنعة: ص 417.
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 68.
(3) المراسم: ص 113.
(4) الكافي في الفقه: ص 197.
(5) الوسيلة: ص 179. (6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 522.
(7) السرائر: ج 1 ص 589. تهذيب الأحكام: ج 5 ص 192 ح 638، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 3 ج 10 ص 48.

[ 249 ]

أحب الساعات إلي، قلت: فإن مكثنا حتى تطلع الشمس؟ فقال: ليس به بأس (1). احتج الاخرون بما رواه معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: ثم أفض حيث يشرق لك ثبير وترى الإبل مواضع إخفافها، وقال أبو عبد الله - عليه السلام -: كان أهل الجاهلية يقولون: أشرق ثبير - يعنون الشمس - كيما تغير. وفي الصحيح عن معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام -: ثم أفض حيث يشرق لك وترى الإبل مواضع إخفافها (3). والجواب: لا مشاحة فيما اختلفا فيه، ولا دلالة في الحديث على مطلوبهم. مسألة: الوقوف بالمشعر ركن، من تركه متعمدا بطل حجه، ذهب إليه علماؤنا إلا ابن الجنيد (4) فإنه قال: ويستحب أن لا ينام الحاج تلك الليلة، وأن يحيوها بالصلاة والدعاء والوقوف بالمشعر، ومن يقف به، جاهلا رجع ما بينه وبين زوال الشمس من يوم النحر حتى تقف به، وإن تعمد ترك الوقوف به فعليه بدنة. وهذا الكلام يحتمل أمرين: أحدهما: أن من ترك الوقوف بالمشعر الذي حده ما بين المأزمين إلى الحياض وإلى وادي محسر وجب عليه بدنة.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 192 ح 639، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 1 ج 10 ص 48.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 192 ح 637، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 5 ج 10 ص 48.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 192 صدر ح 637، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الوقوف بالمشعر صدر ح 5 ج 10 ص 48. (4) لم نعثر على كتابه.

[ 250 ]

والثاني: أن من ترك الوقوف على نفس المشعر - الذي هو الجبل - فإنه يستحب الوقوف عليه عند أصحابنا وجب عليه بدنة. وكلا الاحتمالين فيه خلاف، لما ذكره علماؤنا، فإن أحدا من علمائنا لم يقل بصحة الحج مع ترك الوقوف بالمشعر عمدا مختارا، ولم يقل أحد منهم بوجوب الوقوف على نفس المشعر - الذي هو الجبل - وإن تأكد استحباب الوقوف به. وحمل كلامه على الثاني أولى، لدلالة سياق كلامه عليه. ويحتمل ثالث: وهو أن يكون قد دخل المشعر ثم ارتحل متعمدا قبل أن يقف مع الناس مستخفا، لما رواه علي بن رئاب، عن الصادق - عليه السلام - قال: من أفاض من عرفات مع الناس فلم يلبث معهم بجمع ومضى إلى منى متعمدا أو مستخفا فعليه بدنة (1). مسألة: نقل ابن إدريس عن السيد المرتضى في انتصاره: أن وقت الوقوف بالمشعر جميع اليوم من يوم العيد، فمتى أدرك المشعر قبل غروب الشمس من يوم العيد فقد أدرك المشعر (2). وهذا النقل غير سديد، وكيف يخالف السيد المرتضى جميع علمائنا؟! فإنهم نصوا على أن الوقت الاضطراري للمشعر إلى زوال الشمس يوم النحر، وإنما حصل الوهم لابن إدريس باعتبار أن السيد - رحمه الله - نازع المخالفين في أن الوقوف بالمشعر ركن كالوقوف بعرفة. ثم إن السيد - رحمه الله - ذكر مسألة أخرى عقيب هذه المسألة مؤكدة لمطلوبه وهي: أن من فاته الوقوف بعرفة حتى أدرك المشعر يوم النحر فقد أدرك

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 294 ح 996، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 1 ج 10 ص 65.
(2) السرائر: ج 1 ص 619.

[ 251 ]

الحج (1)، خلافا للمخالفين كافة، ولم يفصل قبل طلوع الشمس أو بعد طلوعها فكيف بعد الزوال. ثم استدل السيد على مطلوبه بإجماع الفرقة (2)، ومعلوم إن أحدا من علمائنا لم يذكر ذلك البتة. مسألة: إذا أدرك أحد الموقفين اختيارا وفاته الآخر لضرورة صح حجه، ولو أدرك الاضطراريين معا فالأقرب صحة الحج. قال المفيد: من حضر بعرفات قبل الفجر من يوم النحر فقد أدركها، وإن لم يحضرها حتى تطلع الشمس فقد فاتته، فإن حضر المشعر الحرام قبل طلوع الشمس من يوم النحر فقد أدرك الحج، فإن لم يحضره حتى تطلع الشمس فقد فاته الحج. وقد جائت رواية أنه إن أدركه قبل زوال الشمس فقد أدرك الحج، غير أن هذه الرواية جاءت من نوادر الأخبار، وما ذكرناه متواتر ظاهر من الأخبار (3). وهذا الكلام يعطي أنه إذا لم يحضر عرفه ولا ليلا ولم يدرك المشعر حتى تطلع الشمس فقد فاته الحج وهو وفاق، ويشعر بأنه إذا حضر عرفة ليلا وأدرك المشعر بعد طلوع الشمس فقد أدرك الحج. وقال ابن الجنيد (4): المتمتع إذا أدرك عمل المتعة والاحرام بالحج قبل زوال الشمس يوم عرفة فاحرم ولحق الناس بها نهارا وليلا فقد صحت له المتعة والحج، ومن لم يلحق ذلك ولحق الوقوف بالمشعر إلى زوال الشمس من يوم النحر فقد أدرك الحج وعليه دم لفوات عرفة.

(1) الانتصار: ص 90.
(2) الانتصار: ص 90.
(3) المقنعة: ص 431.
(4) لم نعثر على كتابه.

[ 252 ]

وهذا القول يشعر بأن الحج يدركه لو أدرك المشعر قبل الزوال وإن فاته الوقوف بعرفة اختيارا واضطرارا كما نقل الشيخ المفيد الرواية التي نسبها إلى الشذوذ. وكلام الشيخ في النهاية (1) والمبسوط (2) لا دلالة فيه على أن من أدرك الاضطراريين أدرك الحج أو لا. نعم تأويله الأخبار في كتابي الأخبار (3) يدل عليه. لنا: إن كل واحد من الموقفين الاختياريين له بدل حال الاضطرار يجزئ بانفراده فيجزئ حال الاجتماع تحقيقا للبدلية. وما رواه جميل في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: من أدرك المشعر يوم النحر من قبل زوال الشمس فقد أدرك الحج. وعن عبد الله بن المغيرة في الصحيح قال: جاءنا رجل بمنى فقال: إني لم أدرك الناس بالموقفين جميعا، فقال له عبد الله بن المغيرة: فلا حج لك، وسأل إسحاق بن عمار فلم يجبه، فدخل إسحاق على أبي الحسن - عليه السلام - فسأله عن ذلك، فقال: إذا أدرك مزدلفة فوقف بها قبل أن تزول الشمس يوم النحر فقد أدرك الحج (5). وعلى هذين الخبرين عول ابن الجنيد، ونحن حملناهما على ما إذا لم يدرك الموقفين في وقتهما الاختياري، لما رواه الحسن العطار، عن الصادق - عليه

(1) راجع النهاية ونكتها: ص 545.
(2) راجع المبسوط: ج 1 ص 383.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 292 ذيل الحديث 989، الاستبصار: ج 2 ص 304 ذيل الحديث 1087.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 291 ح 988، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 9 ج 10 ص 59. (5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 291 ح 989، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 6 ج 10 ص 58.

[ 253 ]

السلام - قال: إذا أدرك الحاج عرفات قبل طلوع الفجر فأقبل من عرفات ولم يدرك الناس بجمع ووجدهم قد أفاضوا فليقف قليلا بالمشعر ليلحق الناس بمنى ولا شئ عليه (1). احتج القائلون - بفوات الحج لو أدرك الاضطراريين - بما رواه محمد بن سنان قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن الذي أدركه الناس فقد أدرك الحج، فقال: إذا أتى جمعا والناس بالمشعر الحرام قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحج ولا عمرة له، وإن أدرك جمعا بعد طلوع الشمس فقد أدرك الحج ولا عمرة له، وإن أدرك جمعا بعد طلوع الشمس فهي عمرة مفردة ولا حج له، فإن شاء أن يقيم بمكة أقام، وإن شاء أن يرجع إلى أهله رجع وعليه الحج من قابل (2). والجواب: إنه محمول على ما إذا لم يلحق عرفات ليلا، لما رواه إسحاق بن عبد الله قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن رجل دخل مكة مفردا للحج فخشي أن يفوته الموقفان، فقال له: يومه إلى طلوع الشمس من يوم النحر، فإذا طلعت الشمس فليس له حج، فقلت: كيف يصنع بإحرامه؟ قال: يأتي مكة فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، فقلت له: إذا صنع ذلك فما يصنع بعد؟ قال: إن شاء أقام بمكة، وإن شاء رجع إلى الناس بمنى وليس منهم في شئ، وإن شاء رجع إلى أهله وعليه الحج من قابل (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 292 ح 990، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 1 ج 10 ص 62.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 290 ح 984، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 3 و 4 ج 10 ص 57.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 290 ح 985، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 5 ج 10 ص 58.

[ 254 ]

وفي الصحيح عن حريز قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل مفرد للحج فاته الموقفان جميعا، فقال له: إلى طلوع الشمس يوم النحر، فإن طلعت الشمس من يوم النحر فليس له حج ويجعلها عمرة وعليه الحج من قابل (1). فجعل - عليه السلام - إدراك المشعر قبل طلوع الشمس ضابطا لمن فاته الوقوف بعرفة، حيث سأله السائل عن فوات الموقفين. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: المواضع التي يجب أن يكون الانسان فيها مفيقا حتى يجزئه أربعة: الاحرام والوقوف بالموقفين والطواف والسعي، وصلاة الطواف حكمه حكم الأربعة سواء، وكذلك طواف النساء، وكذلك حكم النوم فيه سواء. والأولى أن نقول: يصح منه الوقوف بالموقفين وإن كان نائما، لأن الغرض الكون فيه لا الذكر (2). وقال ابن إدريس: هذا غير واضح، ولا بد من نية الوقوف بغير خلاف والاجماع عليه، إلا أنه قال في نهايته: ومن حضر المناسك كلها ورتبها في مواضعها إلا أنه كان سكران فلا حج له وكان عليه الحج من قابل، وهذا هو الواضح الصحيح الذي تقتضيه الأصول (3). قال: والأولى عندي أنه لا يصح شئ من العبادات والمناسك إذا كان مجنونا، لأن الرسول - صلى الله عليه وآله - قال: " الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى "، والنية لا تصح منه، وقال تعالى: " وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى "، فنفى تعالى أن يجزئ أحدا بعمله إلا ما أريد وطلب به وجه ربه الأعلى، والمجنون لا إرادة له (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 291 ح 986، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 4 ج 10 ص 66.
(2) المبسوط: ج 1 ص 384.
(3) السرائر: ج 1 ص 621.
(4) السرائر: ج 1 ص 620.

[ 255 ]

واعلم أن الشيخ - رحمه الله - شرط العقل في المواضع التي يفوت الحج بتركها، وما عداها يجب عليه فعلها ولكن يجزئه الحج. فقوله: " المواضع التي يجب أن يكون الانسان فيها مفيقا حتى يجزئه أربعة " يشير بذلك إلى أجزاء الحج وحينئذ يتم كلامه، وأما الوقوف للنائم فنقول: إذا ابتدأ الوقوف بالنية أجزأه الكون وإن كان نائما، ولا يجب استمرار الانتباه في جميع الوقت، فإن قصد الشيخ وابن إدريس ذلك فقد أصابا واتفقا، وإن قصد الشيخ تسويغ ابتداء الوقوف للنائم من غير نية أو قصد ابن إدريس استمرار الانتباه منعنا ما قصداه. أما الأول: فلما قاله ابن إدريس فإنه لا يدل إلا على ما اخترناه، وأما الثاني: فلما قاله الشيخ - رحمه الله -. مسألة: قال أبو الصلاح: وقت الوقوف بعرفة للمختار من زوال الشمس من يوم التاسع إلى غروبها، وللمضطر إلى طلوع الفجر من يوم النحر، فإن فات الوقوف بها عن إيثار بطل الحج، وإن كان عن اضطرار وأدرك المشعر الحرام في وقت المضطر فحجه ماض، ووقت المختار في المشعر من طلوع الفجر من يوم النحر إلى طلوع الشمس، ووقت المضطر ممتد إلى الليل كله وإلى أن تزول الشمس من نهاره (1). فقوله: " وإن كان عن اضطرار وأدرك المشعر في وقت المضطر فحجه ماض " إن قصد أنه أدرك المشعر ليلا صح حجه وسماه وقت المضطر، إما بالنسبة إلى المشعر أو بالنسبة إلى عرفة على ما قاله صح كلامه وإن أدرك عرفة ليلا وإلا فإشكال، وإن قصد أنه إذا فاته الوقتان بعرفة وأدرك المشعر قبل الزوال بعد طلوع الشمس فإشكال أيضا. مسألة: عد ابن البراج في أقسام التروك الواجبة: أن لا يرتفع إلى الجبل إلا

(1) الكافي في الفقه: ص 197.

[ 256 ]

لعائق من ضيق أوما أشبهه، ولا يخرج الإمام من المشعر إلا بعد طلوع الشمس مع التمكن من ذلك، وأن لا يجوز أحد وادي محسر إلا بعد طلوعها (1). والأقرب في ذلك كله الاستحباب عملا بالأصل، وبما تقدم من الأدلة.

(1) المهذب: ج 1 ص 254.

[ 257 ]

الفصل الثالث في نزول منى وقضاء المناسك بها وفيه مطالب: الأول رمي جمرة العقبة مسألة: ذهب الشيخ في الجمل إلى أن الرمي مسنون (1)، وكذا قال ابن البراج (2). والمشهور الوجوب. والمفيد - رحمه الله - قال: وفرض الحج: الاحرام والتلبية والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة وشهادة الموقفين، وما بعد ذلك سنن بعضها أوكد من بعض (3)، وهو يشعر بالاستحباب أيضا. والشيخ - رحمه الله - لما عد فرائض الحج في كتابي النهاية (4) والمبسوط (5) لم

(1) الجمل والعقود: ص 145.
(2) المهذب: ج 1 ص 254.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 544.
(3) المقنعة: ص 431.
(5) المبسوط: ج 1 ص 382.

[ 258 ]

يذكر الرمي. وفي الاستبصار: قد بينا أن الرمي سنة وليس بفرض في كتابنا الكبير (1). وقال ابن حمزة: الرمي واجب عند أبي يعلى، مندوب إليه عند الشيخ أبي جعفر الطوسي، والخذف واجب عند السيد المرتضى (2). وقال ابن الجنيد (3): ورمي الجمار سنة، ثم قال: ومن ترك رمي الجمار كلها متعمدا فقد روي عن أبي عبد الله - عليه السلام - أنه لم يتم حجه وعليه الحج من قابل ولم يحل له النساء أيضا، فإن كان جاهلا فعلم وهو بمكة رجع حتى يرميها متفرقا، فإن خرج من مكة أمر من يرمي عنه. وقال أبو الصلاح: فإن أخل برمي الجمار أو شئ منه ابتداء وقضاء أثم بذلك، ووجب عليه تلافي ما فرطه وحجه ماض (4). وقال ابن إدريس: وهل رمي الجمار واجب أو مسنون؟ لا خلاف بين أصحابنا في كونه واجبا، ولا أظن أحدا من المسلمين يخالف فيه، وقد يشتبه على بعض أصحابنا، ويعتقد أنه مسنون غير واجب لما يجده من كلام بعض المصنفين، وعبارة موهمة أوردها في كتبه ويقلد المسطور بغير فكر ولا نظر، وهذا غاية الخطأ وضد الصواب، فإن شيخنا قال في الجمل: والرمي مسنون فيظن من يقف على هذه العبارة أنه مندوب، وإنما أراد الشيخ بقوله: " مسنون " أن فرضه عرف من جهة السنة، لأن القرآن لا يدل على ذلك (5). ثم أخذ يستدل على ذلك بكلام طويل لا فائدة في ايراده. والأقرب الوجوب.

(1) الاستبصار: ج 2 ص 297 - 298 ذيل الحديث 1061.
(2) الوسيلة: ص 180 - 181.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) الكافي في الفقه: ص 199.
(5) السرائر: ج 1 ص 606.

[ 259 ]

لنا: ورود الأمر به، وظاهر الأمر للوجوب. وما رواه عبد الله بن جبلة، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: من ترك رمي الجمار متعمدا لم تحل له النساء وعليه الحج من قابل (1). لا يقال: هذا الخبر متروك الظاهر إجماعا، لأن ما يدل عليه لا يقولون به، فإن أحدا لم يذهب إلى إعادة الحج بسبب ترك الرمي ولا تحريم النساء به. لأنا نقول: يحمل على استحباب ذلك لما اشتمل الحج عليه من النقصان لهذا الواجب. وما رواه عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: من أغفل رمي الجمار أو بعضها حتى يمضي أيام التشريق فعليه أن يرميها من قابل، فإن لم يحج رمى عنه وليه، فإن لم يكن له ولي استعان برجل من المسلمين يرمي عنه، فإنه لا يكون رمي الجمار إلا أيام التشريق (2). ولفظة " على " تدل على الوجوب. احتج الاخرون بأن الأصل براءة الذمة. والجواب: أن الأصل قد يخالف لقيام الدليل، وقد بيناه، مع أنه أشهر في قول الأصحاب واظهر في الفتاوى. مسألة: قال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية القول بوجوب الخذف بحصا الجمار: وهو أن يضع الرامي الحصاة على إبهام يده اليمنى ويدفعها بظفر إصبعه الوسطى (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 264 ح 901، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب العود إلى منى ح 5 ج 10 ص 214. (2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 264 ح 900، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب العود إلى منى ح 4 ج 10 ص 213.
(3) الانتصار: ص 105.

[ 260 ]

والكلام معه يقع في موضعين: الأول: وجوب الخذف وهو شئ تفرد به - قدس الله روحه -. وابن حمزة نقل عنه في موضع وجوب الخذف (1) ثم قال هو لما عد الفرض ثلاثة: أن يرمي كل جمرة سبع حصيات، ويبدأ بالعظمى ويرميها خذفا (2). وابن إدريس قال: وإذا رماها فإنه يجب أن يرميها خذفا (3). لنا: الأصل عدم الوجوب، وعدم شغل الذمة بواجب حتى يظهر الدليل. احتج بإجماع الطائفة، وبأن النبي - صلى الله عليه وآله - في أكثر الروايات أمر بالخذف، والخذف كيفية في الرمي مخالفة لغيرها. والجواب: الاجماع دل على الأولوية والاستحباب، أما على الوجوب فلا، والأمر هنا للندب. الثاني: في كيفية الخذف، والمشهور ما ذكره الشيخ من أنه يضع الحصاة على ظهر (4) إبهام يده اليمنى ويدفعها بظفر السبابة (5). وكذا قال أبو الصلاح (6)، والمفيد (7)، وسلار (8). وقال ابن البراج: ويأخذ الحصاة فيضعها على باطن إبهامه ويدفعها بالمسبحة. قال: وقيل: يضعها على باطن إبهامه ويدفعها بالمسبحة (9).

(1) الوسيلة: ص 181.
(2) الوسيلة: ص 188.
(3) السرائر: ج 1 ص 590.
(4) كذا في جميع النسخ، ولعل " بطن " هو الصحيح كما في جميع المصادر.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 523.
(6) الكافي في الفقه: ص 215.
(7) المقنعة: ص 417.
(8) المراسم: ص 113.
(9) المهذب: ج 1 ص 255.

[ 261 ]

لنا: ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر في الموثق، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: حصا الجمار يكون مثل الأنملة، ولا يأخذ فيها سوداء ولا بيضاء ولا حمراء، خذها كحلية منقطة تخذفهن خذفا وتضعها على الابهام وتدفعها بظفر السبابة (1). مسألة: المشهور استحباب الطهارة في الرمي وليس واجبا، ذهب إليه الشيخ (2)، وأبو الصلاح (3). وقال المفيد: فإن قدر على الوضوء فليتوضأ، وإن لم يقدر أجزأ عنه غسله، ولا يجوز له رمي الجمار إلا وهو على طهر (4). وقال السيد المرتضى: ولا يرمي الجمار إلا وهو على طهر (5). وقال ابن الجنيد (6): ولا يرمي إلا وهو طاهر، ولو اغتسل لذلك كان حسنا. وكان قصد المفيد والسيد تأكد الاستحباب. لنا: الأصل عدم الوجوب. وما رواه حميد بن مسعود قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رمي الجمار على غير طهور، قال: الجمار عندنا مثل الصفا والمروة حيطان، إن طفت بينهما على غير طهر لم يضرك، والطهر أحب إلي، فلا تدعه وأنت تقدر عليه (7).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 197 ح 196، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب رمي جمرة العقبة ح 1 ج 10 ص 73.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 523.
(3) الكافي في الفقه: ص 199.
(4) المقنعة: ص 417.
(5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 68.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 198 ح 660، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب رمي جمرة العقبة ح 5 ج 10 ص 70.

[ 262 ]

احتج المفيد بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن الجمار، فقال: لا ترم الجمار إلا وأنت على طهر (1). والجواب: إنه محمول على الاستحباب جمعا بين الأدلة، وأما الغسل للجمار - كما ذهب إليه ابن الجنيد (2) - ممنوع استحبابه. لنا: الأصل عدم المشروعية. وما رواه الحلبي في الحسن، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته عن الغسل إذا رمى الجمار، فقال: ربما فعلت، فأما السنة فلا، ولكن للحر والعرق. مسألة: للشيخ قولان في استحباب الرمي راكبا: قال في النهاية: لا بأس أن يرمي الانسان راكبا، وإن رمى ماشيا كان أفضل (4). وقال في المبسوط - لما ذكر رمي جمرة العقبة -: يجوز أن يرميها راكبا وماشيا، والركوب أفضل، لأن النبي - صلى الله عليه وآله - رماها راكبا (5)، وهو اختيار ابن إدريس (6). والوجه الأول. لنا: أنه أشق، وقال - عليه السلام -: " أفضل الأعمال أحمزها " (7).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 197 ح 659، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب رمي جمرة العقبة ح 1 ج 10 ص 69.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 197 ح 658، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب رمي جمرة العقبة ح 2 ج 10 ص 69.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 539.
(5) المبسوط: ج 1 ص 369.
(6) السرائر: ج 1 ص 610.
(7) راجع الصحاح: ج 3 ص 875 (مادة حمز).

[ 263 ]

وما رواه علي بن جعفر في الصحيح، عن أخيه موسى - عليه السلام -، عن أبيه، عن آبائه - عليهم السلام - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وآله - يرمي الجمار ماشيا (1). وعن عنبسة بن مصعب قال: رأيت أبا عبد الله - عليه السلام - بمنى يمشي ويركب فحدثت نفسي أن أسأله حين أدخل عليه، فابتدأني هو بالحديث فقال: إن علي بن الحسين - عليهما السلام - كان يخرج من منزله ماشيا إذا رمى الجمار، ومنزلي اليوم أنفس من منزله، فأركب حتى آتي إلى منزله، فإذا انتهيت إلى منزله مشيت حتى أرمي الجمار (2). احتج الشيخ بما رواه أحمد بن محمد بن عيسى في الصحيح أنه رأى أبا جعفر الثاني - عليه السلام - رمى الجمار راكبا (3). وعن محمد بن الحسين، عن بعض أصحابنا، عن أحدهم - عليهم السلام - في رمي الجمار أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - رمى الجمار راكبا على راحلته (4). وعن عبد الرحمن بن أبي نجران في الصحيح أنه رأى أبا الحسن الثاني - عليه السلام - يرمي الجمار وهو راكب حتى رماها كلها (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 267 ح 912، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب رمي جمرة العقبة ح 1 ج 10. ص 74.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 267 ح 913، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب رمي جمرة العقبة ح 2 ج 10 ص 74.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 267 ح 908، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب رمي جمرة العقبة ح 1 ج 10 ص 73.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 267 ح 909، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب رمي جمرة العقبة ح 2 ج 10 ص 73.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 267 ح 910، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب رمي جمرة العقبة ح 3 ج 10 ص 74.

[ 264 ]

والجواب: إنهم - عليهم السلام - عرفوا الشرع فعلا وقولا، وكانوا يرمون مشاة وركبانا ليعرفوا الخلق عدم وجوب كل واحد من الكيفيتين. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والجمل (2): لا يجوز له الرمي إلا بالحصا، وكذا قال ابن البراج (3)، وابن إدريس (4). وقال الشيخ في الخلاف: لا يجوز الرمي إلا بالحجر وما كان من جنسه من البرام والجوهر وانواع الحجارة، ولا يجوز بغيره كالمدر والآجر والكحل والزرنيخ والملح، وغير ذلك من الذهب والفضة (5). وقال ابن الجنيد (6): لا يجوز الرمي بغير الحجارة. وقال ابن حمزة: وأن يرمي بالحجر، وأن يكون من حصا الحرم (7). وقال السيد المرتضى: مما أظن انفراد الامامية به وهو مذهب الشافعي القول: بأن رمي الجمار لا يجوز إلا بالأحجار خاصة دون غيرها من الاجسام كلها (8). والوجه الأول. لنا: إنه مأمور بأخذ الحصا من الحرم للرمي، وهو يستلزم الرمي بالحصا. وما رواه زرارة في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يرمي الجمار إلا بالحصا (9).

(1) المبسوط: ج 1 ص 369.
(2) الجمل والعقود: ص 145. (3) المهذب: ج 1 ص 254.
(4) السرائر: ج 1 ص 590.
(5) الخلاف: ج 2 ص 342 المسألة 163.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) الوسيلة: ص 180.
(8) الانتصار: ص 105.
(9) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 196 ح 654، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب رمي جمرة العقبة ح 1 ج 10 ص 71.

[ 265 ]

ولأنه أحوط، فإن الرمي به مما يخرج عن العهدة بيقين، بخلاف الرمي بغيره. ولأن الجمهور رووا عن الفضل بن العباس أنه قال: لما أفاض رسول الله - صلى الله عليه وآله - من عرفة وهبط وادي محسر قال: أيها الناس عليكم بحصا الخذف (1). والأمر للوجوب. وروي أنه - عليه السلام - قال - غداة جمع اللقط -: حصيات من حصا الخذف، فلما وضعهن في يده قال: بأمثال هؤلاء فارموا بأمثال هؤلاء فارموا، ومثل الحصا حصا (2). احتج الشيخ بأن الحصا من الحجر وجنسه، إذ لا فارق بينهما. والجواب: المتبع الاسم. مسألة: المشهور أنه يرمي جمرة العقبة من قبل وجهها لا من أعلاها. وقال ابن أبي عقيل (3): يرميها من قبل وجهها من أعلاها. لنا: ما رواه معاوية بن عمار في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - ثم ائت جمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قبل وجهها، ولا ترمها من أعلاها (4). واعلم أن الشيخ سمى الجمرة الأولى بالعظمى (5)، وكذا أبو الصلاح (6)،

(1) سنن البيهقي: ج 5 ص 127.
(2) سنن البيهقي: ج 5 ص 127 مع اختلاف.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 198 ح 661، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب رمي جمرة العقبة ح 1 ج 10 ص 70.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 538.
(6) الكافي في الفقه: ص 198.

[ 266 ]

وسماها ابن أبي عقيل (1) بالصغرى. وهذا نزاع لفظي مع أن الشيخ سمى في الاقتصاد جمرة العقبة بالعظمى (2)، فيكون الصغرى هي الأولى. وسمى في موضع آخر من الاقتصاد الأولى بالعظمى (3). مسألة: المشهور جواز أخذ حصا الجمار من جميع الحرم عدا المسجد الحرام ومسجد الخيف وحصا الجمار، وقال الشيخ (4)، وأبو الصلاح (5)، وابن حمزة (6)، وابن بابويه (7)، وابن إدريس (8). وقال ابن الجنيد (9): ويأخذ الحاج حصا الجمار من سائر الحرم، ولا يأخذ من مسجد الخيف، ولا من الجمار، وقيل: لا يأخذ من المساجد مطلقا (10) وهو الأقرب. لنا: إنه نهي عن إخراج الحصا عن المسجد مطلقا، والنهي يدل على الفساد في العبادات. احتج الاولون بما رواه حنان، عن الصادق - عليه السلام - قال: يجوز أخذ حصا الجمار من جميع الحرم إلا من مسجد الخيف (11).

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) الاقتصاد: ص 306. وفيه: " العليا " بدل " العظمى ".
(3) الاقتصاد: ص 309.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 522 - 523.
(5) الكافي في الفقه: ص 198.
(6) الوسيلة: ص 180.
(7) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 473 ح 2997.
(8) السرائر: ج 1 ص 590.
(9) لم نعثر على كتابه.
(10) شرائع الاسلام: ج 1 ص 257.
(11) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 196 ح 652، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 2 ج 10 ص 53.

[ 267 ]

وعن حريز عمن أخبره، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته من أين ينبغي أخذ حصا الجمار؟ قال: لا تأخذ من موضعين: من خارج الحرم ومن حصا الجمار، ولا بأس بأخذه من سائر الحرم (1). وفي الصحيح عن زرارة، عن الصادق - عليه السلام - قال: حصا الجمار إن أخذته من الحرم أجزأك، وإن أخذته من غير الحرم لم يجزئك. قال: وقال: لا ترمي الجمار إلا بالحصا (2). والجواب: أنه لا دلالة على تسويغ أخذ الحصا من المساجد في هذه الأحاديث. مسألة: المشهور استحباب المنقطة الكحلية، قاله الشيخان (3)، وابنا بابويه (4) وغيرهم. وابن الجنيد (5) قال: ويكون كالأنملة أبرش، ولا يكون ذات لون واحد. وقال أبو الصلاح: وأفضل الحصا البرش ثم البيض والحمر، ويكره السود (6)، وهو يشعر بأفضلية البيض والحمر. والأقرب كراهة البيض والحمر أيضا. لنا: إنه استحب البرش، وترك المستحب مرجوح. وما رواه هشام بن الحكم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 196 ح 653، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 3 ج 10 ص 53.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 196 ح 654، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 1 ج 10 ص 53.
(3) لم نعثر عليه في المقنعة، النهاية ونكتها: ج 1 ص 523.
(4) المقنع: ص 87، ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) الكافي في الفقه: ص 198.

[ 268 ]

حصا الجمار، قال: كره الصم منها، وقال: خذ البرش (1). وفي الموثق عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: ولا تأخذ منها سوداء ولا بيضاء ولا حمراء خذها كحلية منطقة (2). مسألة: المشهور أنه يرمي هذه الجمرة من قبل وجهها مستدبرا القبلة ومستقبلا لها، وإن رماها عن يسارها مستقبلا للقبلة جاز، إلا أن الأول أفضل، وهو اختيار الشيخ (3)، وابن أبي عقيل (4)، وأبي الصلاح (5) وغيرهم. وقال علي بن بابويه (6): تقف في وسط الوادي مستقبل القبلة يكون بينك وبين الجمرة عشر خطوات أو خمس عشرة خطوة وتقول وأنت مستقبل القبلة. لنا: ما رواه معاوية بن عمار في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - ثم ائت جمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قبل وجهها (7). المطلب الثاني في الذبح مسألة: الهدي واجب على المتمتع خاصة، ويستحب للقارن، هذا هو

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 197 ح 655، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 1 ج 10 ص 54.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 197 ح 656، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 2 ج 10 ص 54.
(3) المبسوط: ج 1 ص 369.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) الكافي في الفقه: ص 215.
(6) لم نعثر على رسالته.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 198 ح 661، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الوقوف بالمشعر: ب 3 من أبواب رمي جمرة العقبة ح 1 ج 10 ص 70.

[ 269 ]

المشهور. وعد سلار في أقسام الواجب سياق الهدي للمقرن والمتمتع (1). وقال أبو الصلاح: الهدي ضربان: مفروض ومسنون، والمفروض أربعة: هدي النذر والكفارة وهدي القران وهدي التمتع، إلا أنه قال بعد ذلك: وأما هدي القران فابتداؤه تطوع، فإذا أشعر أو قلد لزم سياقه (2). لنا: قوله تعالى: " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي " (3)، وهو يدل بمفهومه على سقوطه عن غير المتمتع. وما رواه سعيد الاعرج قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: من تمتع في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى يحضر الحج فعليه شاة، ومن تمتع في غير أشهر الحج ثم جاور بمكة حتى يحضر الحج فليس عليه دم، إنما هي حجة مفردة، وإنما الأضحى على أهل الامصار (4). ولأن الأصل براءة الذمة. احتج الموجب بأن المايز بين القارن والمفرد إنما هو السياق. وما رواه عيص بن القاسم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: في رجل اعتمر في رجب فقال: إن أقام بمكة حتى خرج منها حاجا فقد وجب الهدي، وإن خرج من مكة حتى يحرم من غيرها فليس عليه هدي (5). والجواب عن الأول: إن المايز غير واجب التحصيل. وعن الثاني: بالحمل على الاستحباب، أو على من اعتمر في رجب وأقام بمكة إلى أشهر الحج ثم تمتع فيها بالعمرة إلى الحج.

(1) المراسم: ص 105.
(2) الكافي في الفقه: ص 199 و 200.
(3) البقرة: 196.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 199 ح 662، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الذبح ح 11 ج 10 ص 87.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 199 ح 663، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الذبح ح 1 ج 10 ص 85.

[ 270 ]

مسألة: إذا فقد الهدي ووجد ثمنه خلفه عند من يثق به حتى يشتري له هديا يذبح عنه في العام المقبل في ذي الحجة، فإن أصابه في مدة مقامه بمكة إلى انقضاء ذي الحجة جاز له أن يشتريه ويذبحه، وإن لم يصبه فعل ما ذكرناه، فإن لم يقدر على الهدي ولا على ثمنه وجب عليه الصوم، واختاره الشيخ - رحمه الله - في النهاية (1) والمبسوط (2) والخلاف (3). وكذا السيد المرتضى جعل الانتقال إلى الصوم مشروطا بعدم الهدي وعدم ثمنه (4). وقال الصدوق: قال أبي - رضي الله عنه - في رسالته: إلى أن وجدت ثمن الهدي ولم تجد الهدي فخلف الثمن عند رجل من أهل مكة ليشتري لك في ذي الحجة ويذبحه عنك، فإن مضى ذو الحجة ولم يشتر آخر إلى قابل في ذي الحجة فإن أيام الذبح قد مضت (5). وقال المفيد: إذا لم يجد المتمتع بالعمرة إلى الحج ثمن الهدي لاعساره فعليه أن يصوم (6). وهذا يؤذن بما قاله الشيخ - رحمه الله -. وقال أبو الصلاح: يلزم من تمتع بالعمرة إلى الحج وتعذر عليه الذبح وثمنه أن يصوم (7)، وهو يشعر بمذهب الشيخ أيضا. وقال ابن البراج: إذا لم يقدر على ابتياع الهدي ترك ثمنه عند مأمون ثقة ليشتريه ويذبحه عنه في العام المقبل (8)، ونحوه قال ابن حمزة (9).

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 524.
(8) المهذب: ج 1 ص 258.
(2) المبسوط: ج 2 ص 370.
(9) الوسيلة: ص 182.
(3) الخلاف: ج 2 ص 274 المسألة 47. (4) الانتصار: ص 93.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 513.
(6) المقنعة: ص 390.
(7) الكافي في الفقه: ص 200، وفيه: فعليه ذلك من قابل أو عدله صياما.

[ 271 ]

وقال ابن أبي عقيل (1): المتمتع إذا لم يجد هديا فعليه صيام. وقال ابن الجنيد (2): ولو لم يجد الهدي إلى يوم النفر كان مخيرا بين أن ينظر أوسط ما وجد به في سنة هدي فيتصدق به بدلا منه، وبين أن يصوم، وبين أن يدع الثمن عند بعض أهل مكة يذبح عنه إلى آخر ذي الحجة، فإن لم يجد ذلك أخره إلى قابل أيام النحر. وقال ابن إدريس: الأظهر والأصح أنه إذا لم يجد الهدي ووجد ثمنه لا يلزمه أن يخلفه، بل الواجب عليه إذا عدم الهدي الصوم، سواء وجد الثمن أو لم يجد (3). والحق ما قاله الشيخ - رحمه الله -. لنا: أن واجد العين والثمن واجد، كما في العتق. وما رواه حريز في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - في متمتع يجد الثمن ولا يجد الغنم، قال يخلف الثمن عند بعض أهل مكة ويأمر من يشتري له ويذبح عنه وهو يجزئ عنه، فإن مضى ذو الحجة أخر ذلك إلى قابل من ذي الحجة (4). وعن النضر بن قرداش قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فوجب عليه النسك فطلبه فلم يصبه وهو موسر حسن الحال وهو يضعف عن الصيام فما ينبغي له أن يصنع؟ قال: يدفع ثمن النسك إلى من يذبحه بمكة إن كان يريد المضي إلى أهله، وليذبح في ذي الحجة،

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) السرائر: ج 1 ص 591 - 592.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 37 ح 109، وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب الذبح ح 1 ج 10 ص 153.

[ 272 ]

فقلت: فإنه دفعه إلى من يذبحه عنه فلم يصبها في ذي الحجة نسكا وأصابه بعد ذلك، قال: لا يذبح عنه إلا في ذي الحجة ولو أخره إلى قابل (1). ولأنه أنفع للفقراء، فكانت مشروعيته أولى. احتج ابن إدريس بأن الله تعالى نقلنا من الهدي عند عدمه إلى الصوم من غير واسطة، فمن نقلنا إلى ما لم ينقلنا الله تعالى إليه يحتاج إلى دليل شرعي (2). وما رواه أبو بصير، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن رجل تمتع فلم يجد ما يهدي حتى إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة أيذبح أو يصوم؟ قال: بل يصوم، فإن أيام الذبح قد مضت (3). والجواب: إن وجدان الهدي عبارة عن وجود عينه أو ثمنه. والرواية بعد سلامة سندها محمولة على أنه إذا لم يجد الهدي ولا ثمنه فشرع في الصوم ثم وجد الهدي فإنه لا يجب عليه الهدي، لما رواه حماد بن عثمان في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن متمتع صام ثلاثة أيام في الحج ثم أصاب هديا يوم خرج من منى، قال: أجزأه صيامه (4). مسألة: إذا فاته صوم الثلاثة قبل العيد صامها بعد انقضاء أيام التشريق هذا هو الأشهر، وهو اختيار الشيخ - رحمه الله - في بعض كتبه (5)، وأبي الصلاح (6)، وابن البراج (7)، وابن حمزة (8).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 37 ح 110، وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب الذبح ح 2 ج 10 ص 153.
(2) السرائر: ج 1 ص 592.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 37 ح 111، وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب الذبح ح 3 ج 10 ص 153.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 38 ح 112، وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب الذبح ح 1 ج 10 ص 154.
(5) الاقتصاد: ص 308.
(6) الكافي في الفقه: ص 188.
(7) المهذب: ج 1 ص 200 - 201.
(8) الوسيلة: ص 182.

[ 273 ]

وقال الشيخ في النهاية: فإن فاته صوم الثلاثة أيام قبل العيد فليصم يوم الحصبة - وهو يوم النفر - ويومان بعده (1)، وكذا قال علي بن بابويه (2)، وابنه (3)، وابن إدريس (4). وقال ابن الجنيد (5): فإن دخل يوم عرفة وفاته صيام الثلاثة الأيام في الحج صام فيما بينه وبين آخر ذي الحجة، وكان مباحا صيام أيام التشريق في السفر، وفي أهله إذا لم يمكنه غير ذلك. وقال في الخلاف: لا يجوز صيام أيام التشريق في بدل الهدي في أكثر الروايات وعند المحصلين من أصحابنا (6). لنا: الاجماع منا على تحريم صوم أيام التشريق. وما روي أن النبي - صلى الله عليه وآله - بعث بديل بن ورقاء الخزاعى على جمل أورق (7) وأمره أن يتخلل الفساطيط وينادي في الناس أيام منى: ألا لا تصوموا فإنها أيام أكل وشرب وبعال (8). وما رواه ابن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل تمتع فلم يجد هديا قال: فليصم ثلاثة أيام ليس فيها أيام التشريق ولكن يقيم بمكة حتى يصومها، وسبعة إذا رجع إلى أهله، وذكر حديث بديل

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 524. (2) لم نعثر على رسالته.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 508.
(4) السرائر: ج 1 ص 592.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) الخلاف: ج 2 ص 275 المسألة 48.
(7) الاورق: الإبل ما لونه لون الرماد.
(8) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 509، وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب الذبح ح 8 ح 10 ص 166.

[ 274 ]

ابن ورقاء (1). وفي الصحيح عن ابن مسكان قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل تمتع فلم يجد هديا، قال: يصوم ثلاثة أيام، قلت له: أفيها أيام التشريق؟ قال: لا، ولكن يقيم بمكة حتى يصومها (2). وهذه الأحاديث تدل على تحريم صوم أيام التشريق، ولا ريب أن يوم الحصبة هو الثالث من أيام التشريق، إلا أن يقال: إن الشيخ ذكر في المبسوط أن ليلة الرابع ليلة التحصيب (3) فيصح ذلك، إلا أن هذا التأويل بعيد. أما أولا: فلأن التحصيب إنما يكون لمن نفر في الأخير وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، وأما ثانيا: فلأنه قال: فليصم يوم الحصبة وهو يوم النفر، والنفر نفران أول: وهو الثاني عشر، وثان: وهو الثالث عشر، ويحمل قول الشيخ في المبسوط بأنه أراد ليلة الرابع من يوم النحر لا الرابع عشر. احتج الشيخ بما رواه عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: فإن فاته ذلك، قال: يصوم صبيحة الحصبة ويومين بعد ذلك (4). واحتج ابن الجنيد بما رواه إسحاق بن عمار، عن الصادق، عن أبيه - عليهما السلام - أن عليا - عليه السلام - كان يقول: من فاته صيام الثلاثة الأيام التي في الحج فليصمها في أيام التشريق، فإن ذلك جائز له (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 228 ح 774، وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب الذبح ح 1 ج 10 ص 164.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 229 ح 775، وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب الذبح ح 2 ج 10 ص 164. (3) المبسوط: ج 1 ص 370 و 380.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 230 ح 779، وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب الذبح ح 4 ج 10 ص 165.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 229 ح 277، وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب الذبح ح 5 ج 10 ص 165.

[ 275 ]

وعن عبد الله بن ميمون القداح، عن جعفر، عن أبيه - عليهما السلام - أن عليا - عليه السلام - كان يقول: من فاته الصيام ثلاثة أيام في الحج وهي: قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة فليصم أيام التشريق فقد أذن له (1). والجواب عن الأول: يحتمل أنه أراد بصبيحة يوم الحصبة ثاني يومها. وعن الحديثين الآخرين بضعف السند، مع احتمال وهم الراوي. مسألة: هذه الثلاثة متتابعة إلا في موضع واحد، وهو أنه إذا فاته قبل يوم التروية صام يوم التروية وعرفة، ثم صام الثالث بعد أيام التشريق، قاله (2) ابن إدريس (3). وقال ابن حمزة: لو صام قبل التروية ويوم التروية وخاف إن صام يوم عرفة عجز عن الدعاء أفطر وصام بدله بعد انقضاء أيام التشريق (4)، ولا بأس بهذا القول. احتج ابن إدريس بأن الأصل التتابع، خرج عنه الصورة المجمع عليها، فيبقى الباقي على الوجوب. احتج ابن حمزة بأن التشاغل بالدعاء أمر مطلوب للشرع (5) فساغ له الافطار، كما لو كان الفائت الأول. مسألة: قال الشيخ: لو مات قبل أن يصوم شيئا مع تمكنه قضى الولي الثلاثة دون السبعة (6)، وهو قول ابن حمزة (7).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 229 ح 278، وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب الذبح ح 6 ج 10 ص 165.
(2) م (2): وبه قال.
(3) السرائر: ج 1 ص 593.
(4) الوسيلة: ص 182.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 524.
(5) م (1): للشارع.
(7) الوسيلة: ص 182.

[ 276 ]

وقال الصدوق: روى صفوان، عن معاوية بن عمار، وعن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: من مات ولم يكن له هدي لمتعته (1) فليصم عنه وليه (2). إن هذا على الاستحباب لا الوجوب، وهذا (3) إذا لم يصم الثلاثة في الحج أيضا. وقال ابن إدريس: يجب قضاؤها (4)، وهو الأقرب. لنا: أنه صوم واجب فات الميت مع تمكنه منه، وكل صوم واجب فات الميت مع تمكنه منه وجب على وليه قضاؤه. أما الصغرى ففرضية، وأما الكبرى فاجماعية. مسألة: المشهور تحريم صيام هذه الثلاثة أيام التشريق لمن كان بمنى خاصة، أما من كان في غيرها من الامصار فلا. وقال الشيخ في المبسوط: ولا يجوز أن يصوم الثلاثة أيام بمكة ولا بمنى أيام التشريق (5). لنا: ما رواه معاوية بن عمار في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الصيام أيام التشريق، فقال: أما بالامصار فلا بأس به، وأما بمنى فلا (6). احتج الشيخ بالنهي عن صوم هذه الأيام في أيام التشريق.

(1) م (2) المتعة.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 510 ح 3097، وسائل الشيعة: ب 48 من أبواب الذبح ح 3 ج 10 ص 161.
(3) ق وم (2): وهو.
(4) السرائر: ج 1 ص 592.
(5) المبسوط: ج 1 ص 370.
(6) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 297 ح 897، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الصوم المحرم والمكروه ح 1 ج 7 ص 385.

[ 277 ]

والجواب: أنه محمول على من كان بمنى، وكلام الشيخ لا يخلو من قوة، فإنه يجب أن يكون في هذه الأيام بمنى وإن كان ليلا. مسألة: قال الشيخ في النهاية (1) والمبسوط (2) والخلاف (3): قد وردت رخصة في جواز تقديم الصوم الثلاثة من أول ذي الحجة، ولم يجزم القول بذلك، وأفتى به شيخنا جعفر بن سعيد (4) - رحمه الله -. وقال ابن إدريس: وقد رويت رخصة في تقديم صوم الثلاثة الأيام من أول العشر، والأحوط الأول. ثم قال بعد ذلك: إلا أن أصحابنا اجمعوا على أنه لا يجوز الصيام إلا يوم قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة، وقبل ذلك لا يجوز (5). احتج المجوزون بما رواه زرارة، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: من لم يجد الهدي وأحب أن يصوم الثلاثة الأيام من أول العشر فلا بأس بذلك (6). مسألة: قال الشيخ في النهاية (7) والمبسوط (8): ومن لم يصم الثلاثة الأيام بمكة ولا في الطريق ورجع إلى بلده وكان متمكنا من الهدي بعث به، فإنه أفضل من الصوم. وهذا يؤذن بجواز الصوم، وليس بجيد، لأنه إن كان قد خرج ذو الحجة تعين الهدي، وكذا إن (9) لم يخرج، لأن من وجد الهدي قبل شروعه في

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 525. (2) المبسوط: ج 1 ص 370.
(3) الخلاف: ج 2 ص 274 المسألة 47.
(4) شرائع الاسلام: ج 1 ص 262.
(5) السرائر: ج 1 ص 593 - 594.
(6) الكافي: ج 4 ص 507 ح 2، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب الذبح ح 1 ج 10 ص 169.
(7) النهاية ونكتها: ج 1 ص 526.
(8) المبسوط: ج 1 ص 371.
(9) في متن المطبوع وق: إذا.

[ 278 ]

الصوم وجب عليه الهدي. مسألة: إذا لم يصم الثلاثة في العشر صامها بعد انقضاء أيام التشريق ويكون أداء لا قضاء، قاله في الخلاف (1)، وبه قال ابن إدريس (2). وقال في المبسوط: يكون قضاء لا أداء (3). والأقرب الأول. لنا: إن ذا الحجة محل الصوم، كما أنه محل الهدي، ولأنه محل للهدي (4) فكان محلا لبدله، وأداء العبادة في وقتها يكون أداء لا قضاء. مسألة: قال الشيخ في النهاية (5) والمبسوط (6) والخلاف (7) والجمل (8) والاقتصاد (9): يجزئ الهدي الواجب عند الضرورة عن خمسة وعن سبعة وعن سبعين. وقال المفيد: يجزئ البقرة عن خمسة إذا كانوا أهل بيت (10). وقال سلار: يجزئ بقرة عن خمسة نفر (11)، وأطلق. وقال ابن البراج: ولا يجزئ الهدي الواحد عن أكثر من واحد إلا في حال

(1) الخلاف: ج 2 ص 278 المسألة 52.
(2) السرائر: ج 1 ص 594.
(3) المبسوط: ج 1 ص 371 وفيه: يكون أداء لا قضاء.
(4) ق وم (1): الهدي.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 528.
(6) المبسوط: ج 1 ص 372.
(7) لم نعثر عليه، والذي وجدناه في الخلاف: - ج 3 ص 261 المسألة 27 طبع اسماعيليان - هكذا: وقد روى أصحابنا أنها تجزئ عن السبعين مع التعذر.
(8) الجمل والعقود: ص 146.
(9) الاقتصاد: ص 307.
(10) المقنعة: ص 418.
(11) المراسم: ص 114. .

[ 279 ]

الضرورة فإنه يجزئ عن أكثر من ذلك (1). وقال علي بن بابويه (2): ويجزئ البقرة عن خمسة نفر إذا كانوا من أهل بيت. وروي أن البقرة لا تجزئ إلا عن واحد، وأنه إذا عزت الاضاحي بمنى أجزأت شاة عن سبعين. وقال الشيخ في الخلاف: يجوز اشتراك سبعة في بدنة أو بقرة واحدة إذا كانوا متفرقين وكانوا أهل خوان واحد، سواء كانوا متمتعين أو قارنين (3). وقال في الجزء الثالث منه: الهدي الواجب لا يجزئ إلا واحد عن واحد (4)، وإن كان تطوعا يجوز عن سبعة إذا كانوا أهل بيت واحد، وإن كانوا من أهل بيوت شتى لا يجزئ (5). وقال ابن إدريس: لا يجزئ واحد إلا عن واحد مع الاختيار، ومع الضرورة والعدم فالصيام (6). والأقرب الإجزاء عند الضرورة عن الكثير دون الاختيار. لنا: قوله تعالى: " فما استيسر من الهدي " (7)، وكما يتناول الجميع يتناول أبعاضه. ولأن ذلك أنفع للفقراء، فإنه ربما اجتمع لا يتمكن كل واحد منهم عن هدي كامل ويتمكن من بعضه، فإذا اشتركوا في شرائه حصل النفع

(1) المهذب: ج 1 ص 257.
(2) لم نعثر على رسالته.
(3) الخلاف: ج 2 ص 441 المسألة 341.
(4) م (1): لا يجزئ واحد إلا عن واحد، وم (2): لا يجزئ منه إلا واحد عن واحد.
(5) الخلاف: ج 3 ص 261 المسألة 27 طبع اسماعيليان.
(6) السرائر: ج 1 ص 595. (7) البقرة: 196.

[ 280 ]

للفقراء، بخلاف ما لو منعوا منه فوجب مشروعية الشراء دفعا لحاجة الفقير. وما رواه عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح قال: سألت أبا إبراهيم - عليه السلام - عن قوم غلت عليهم الاضاحي وهم متمتعون وهم مترافقون ليسوا بأهل بيت واحد فقد اجتمعوا في مسيرهم ومضربهم واحد ألهم أن يذبحوا بقرة؟ فقال: لا أحب ذلك إلا مع ضرورة (1). وعن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: تجزئ البقرة عن خمسة بمنى إذا كانوا أهل خوان واحد (2). وفي الموثق عن يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن البقرة يضحي بها، فقال: تجزئ عن سبعة (3). وعن وهب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: البدنة والبقرة تجزئ عن سبعة إذا اجتمعوا من أهل بيت واحد ومن غيرهم (4). وفي الصحيح عن حمران قال: عزت البدن سنة بمنى حتى بلغت البدنة مائة دينار فسئل أبو جعفر - عليه السلام - عن ذلك، فقال: اشتركوا فيها، قال: قلت: كم؟ قال: ما خف فهو أفضل، فقال: قلت: عن كم يجزئ؟ قال: عن

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 210 ح 706، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب الذبح ح 10 ج 5 ص 114.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 208 ح 697، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب الذبح ح 5 ج 10 ص 113.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 208 ح 698، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب الذبح ح 2 ج 10 ص 113.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 208 ح 699، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب الذبح ح 6 ج 10 ص 114.

[ 281 ]

سبعين (1). وفي الموثق عن سوادة القطان وعلي بن أسباط، عن أبي الحسن الرضا - عليه السلام - قال: قلنا له: جعلنا فداك عزت الاضاحي علينا بمكة أفيجزئ اثنين أن يشتركا في شاة؟ فقال: نعم وعن سبعين (2). احتج الشيخ بقوله تعالى: " فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج. الآية " (3)، وبما رواه الحلبي عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: تجزئ البقرة والبدنة في الامصار عن سبعة، ولا تجزئ بمنى إلا عن واحد (4). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: لا يجوز البقرة والبدنة إلا عن واحد بمنى (5). والجواب عن الأول: المنع من عدم الوجدان هنا، والآية أدل. لنا: والروايات محمولة على الاختيار جمعا من الأخبار. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز في الهدي الخصي، فمن ذبح خصيا وكان قادرا على أن يقيم بدله لم يجزه ذلك ووجب عليه الإعادة، فإن لم يتمكن من ذلك فقد أجزأ عنه (6). وقال ابن الجنيد (7): ولا يجزئ في الهدي ناقص بعض الأعضاء.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 209 ح 703، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب الذبح ح 11 ج 10 ص 115.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 209 ح 704، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب الذبح ح 9 ج 10 ص 114.
(3) البقرة: 196.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 207 ح 695، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب الذبح ح 4 ج 10 ص 113.
(5) الاستبصار: ج 2 ص 266 ح 941، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب الذبح ح 1 ج 10 ص 113.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 528.
(7) لم نعثر على كتابه.

[ 282 ]

وقال ابن أبي عقيل (1): يكره أن يضحي بالخصي. لنا: ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن الأضحية بالخصي؟ قال: لا (2). وعن عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح قال: سألت أبا إبراهيم - عليه السلام - عن الرجل يشتري الهدي فلما ذبحه إذا هو خصي محبوب ولم يكن يعلم أن الخصي لا يجوز في الهدي هل يجزئه أم يعيد؟ قال: لا يجزئه إلا أن يكون لا قوة به عليه (3). وعن عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يشتري الكبش فيجده خصيا مجبوبا، قال: إن كان صاحبه موسرا فليشتر مكانه (4). احتج ابن أبي عقيل بقوله تعالى: " فما استيسر من الهدي " (5)، ولأنه أنفع للفقراء. والجواب: الأحاديث الصحيحة مخصصة لما قاله. مسألة: إذا اشترى الهدي على أنه مهزول فخرج سمينا أجزأه، ذكره الشيخ (6) - رحمه الله -، وهو اختيار ابن حمزة (7)، وابن إدريس (8).

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 205 ح 686، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الذبح ح 1 ج 10 ص 105.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 211 ح 708، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الذبح ح 3 ج 10 ص 105.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 211 ح 709، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الذبح ح 4 ج 10 ص 105.
(5) البقرة: 196.
(7) الوسيلة: ص 183.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 527.
(8) السرائر: ج 1 ص 597.

[ 283 ]

وقال ابن أبي عقيل (1): لا يجزئه ذلك. لنا: أنه امتثل المأمور به فيخرج عن العهدة، أما المقدمة الأولى: فلأن المأمور به إهداء السمين وقد فعل، وأما الثانية: فاجماعية. وما رواه منصور، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: ومن اشترى وهو يرى أنه مهزول فوجده سمينا أجزأ عنه (2). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: إن اشترى أضحية وهو ينوي أنها سمينة فخرجت مهزولة أجزأت عنه، وإن نواها مهزولة فخرجت سمينة أجزأت عنه، وإن نواها مهزولة فخرجت مهزولة لم تجز عنه (3). احتج ابن أبي عقيل بأنه ذبح ما يعتقد عدم أجزائه فوجب أن لا يجزئ عنه، لأنه يتقرب به إلى الله تعالى، إذ لا يتقرب بالمنهي عنه، وإذا انتفت نية التقرب إنتفى الإجزاء. والجواب: المنع من الصغرى، فإن عدم الإجزاء ليس معللا بشراء المهزول مطلقا بل مع خروجه كذلك، أما مع خروجه على أنه سمين فلا. مسألة: المشهور استحباب أن يكون سمينة تمشي في سواد وتبرك في سواد وتنظر في سواد، وأن يكون مما قد عرف بها، وكلام ابن حمزة (4) يشعر بوجوبها. لنا: الأصل عدم الوجوب.

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 211 ح 712، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الذبح ح 2 ج 10 ص 110.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 205 ح 686، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الذبح ح 1 ج 10 ص 110. (4) الوسيلة: ص 182.

[ 284 ]

وما رواه سعيد بن يسار قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عمن اشترى شاة لم يعرف بها، قال: لا بأس بها عرف بها أو لم يعرف (1). احتج ابن حمزة بما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وآله - يضحي بكبش أقرن فحل، ينظر في سواد ويمشي في سواد (2)، وهو يدل على المداومة فيكون واجبا. وعن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يضحي إلا بما قد عرف به (3). والجواب: المنع من دلالة كان على المداومة. سلمنا، لكنه - صلى الله عليه وآله - كما كان يداوم على الفرض كذا كان يداوم على الندب، والنهي في الثاني الكراهة جمعا بين الأدلة. مسألة: اختلف في تفسير قولهم أن يبرك في سواد، وأن ينظر في سواد، وأن يمشي في مثله، فقال بعضهم: أن يكون هذه المواضع سوداء، واختاره ابن إدريس قال: وقال أهل التأويل: معناه: أن يكون من عظمه وشحمه ينظر في شحمه ويمشي في فيئه ويبرك في ظل شحمه (4)، وهو الأقرب عندي، لأنه أنفع للفقراء.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 207 ح 693، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب الذبح ح 4 ص 112.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 205 ح 685، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب الذبح ح 1 ج 10 ص 107.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 206 ح 691، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب الذبح ح 2 ج 10 ص 112.
(4) السرائر: ج 1 ص 596 - 597.

[ 285 ]

مسألة: لا بأس بالموجوء (1)، قاله الشيخ (2). وقال ابن إدريس: لا يجوز (3). وقال أيضا: بالجواز قبل ذلك (4). لنا: الأصل التسويغ. ولأنه أسمن فيكون أنفع للفقراء، والنقص ليس في عضو حتى يكون ممنوعا منه. مسألة: قال الشيخ - رحمه الله -: ومن السنة أن يأكل من هديه لمتعته ويطعم القانع والمعتر، يأكل ثلثه ويطعم للقانع والمعتر ثلثه ويهدي للأصدقاء ثلثه (5). وقال أبو الصلاح: والسنة أن يأكل بعضها ويطعم الباقي (6). وقال ابن البراج: وينبغي أن يقسم ذلك ثلاثة أقسام: فيأكل أحدها إلا أن يكون الهدي لنذر أو كفارة، ويهدي قسما آخر، ويتصدق بالثالث (7). وهذه العبارات توهم الاستحباب. وقال ابن أبي عقيل (8): ثم انحر واذبح وكل واطعم وتصدق. وقال ابن إدريس: وأما هدي المتمتع والقارن فالواجب أن يأكل منه ولو قليلا، ويتصدق على القانع والمعتر ولو قليلا للآية، وهو قوله تعالى: " فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر " (9)، وهو الأقرب للأمر، وأصل الأمر للوجوب.

(1) الموجوء: دق عروق خصيتيه بين حجرين من غير أن يخرجهما (لسان العرب: ج 1 ص 191 مادة وجأ). (2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 527.
(4) السرائر: ج 1 ص 596.
(3) السرائر: ج 1 ص 597.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 531.
(6) الكافي في الفقه: ص 200.
(7) المهذب: ج 1 ص 259.
(8) لم نعثر على كتابه.
(9) السرائر: ج 1 ص 598.

[ 286 ]

وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا ذبحت أو نحرت فكل واطعم، كما قال الله تعالى: " فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر " (1). احتج الاخرون بأن الأصل عدم الوجوب. والجواب: لا دلالة للأصل مع ورود الأمر. مسألة: قال الشيخ في النهاية: جميع ما يلزم المحرم المتمتع وغير المتمتع من الهدي والكفارات في الاحرام لا يجوز ذبحه ولا نحره، إلا بمنى، وكل ما يلزمه في إحرام العمرة فلا ينحره إلا بمكة (2). وقال علي بن بابويه (3): كل ما أتيته من الصيد في عمرة أو متعة فعليك أن تنحر أو تذبح ما يلزمك من الجزاء بمكة عند الحزورة قبالة الكعبة موضع النحر، وإن شئت أخرته إلى أيام التشريق فتنحره بمنى إذا وجب عليك في متعة، وما أتيته فيما يجب عليك فيه الجزاء في حج فلا تنحره إلا بمنى، وإن كان عليك دم واجب وقلدته أو حللته أو أشعرته فلا تنحره إلا يوم النحر بمنى. وقال ابن البراج: وكل من كان محرما بحج ووجب عليه جزاء صيد أصابه وأراد ذبحه إن نحره فليذبحه أو ينحره بمنى، وإن كان معتمرا فعل ذلك بمكة أي موضع شاء منها، والأفضل أن يكون فعله لذلك بالحزورة مقابل الكعبة، وما يجب على المحرم بعمرة مفردة من كفارة ليست من كفارة صيد فإنه يجوز له ذبحها أو نحرها بمنى (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 223 ح 751، وسائل الشيعة: ب 40 من أبواب الذبح ح 1 ج 10 ص 142.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 529. (3) لم نعثر على رسالته.
(4) المهذب: ج 1 ص 230.

[ 287 ]

وقال أبو الصلاح: ويذبح أو ينحر من الفداء لما قتله من الصيد في إحرام المتعة أو العمرة المبتولة بمكة قبالة الكعبة، وفي إحرام الحج بمنى (1). وقال سلار: وكل ما يجب من الفدية على المحرم بالحج فإنه يذبحه أو ينحره بمنى، وإن كان محرما بالعمرة ذبح أو نحر بمكة (2). وقال ابن إدريس: لا يجوز أن يذبح الهدي الواجب في الحج والعمرة المتمتع بها إلى الحج إلا بمنى في يوم النحر أو بعده، فإن ذبح بمكة أو بغير منى لم يجز، وما ليس بواجب جاز ذبحه أو نحره بمكة، وإذا ساق هديا في الحج فلا يذبحه أيضا إلا بمنى، فإن ساقه في العمرة المبتولة نحره بمكة قبالة الكعبة بالحزورة (3). والذي رواه الشيخ - رحمه الله - في هذا الباب حديثان: أحدهما: عن إبراهيم الكرخي، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في رجل قدم بهديه مكة في العشر، فقال: إن كان هديا واجبا فلا ينحره إلا بمنى، وإن كان ليس بواجب فلينحره بمكة إن شاء، وإن كان أشعره أو قلده فلا ينحره إلا يوم الأضحى (4). والثاني: ما رواه (5) معاوية بن عمار في الحسن قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام - أن أهل مكة أنكروا عليك إنك ذبحت هديك في منزلك بمكة، فقال: إن مكة كلها منحر (6). قال الشيخ: والوجه في هذا الحديث الحمل على الهدي المستحب فإنه يجوز ذبحه بمكة (7).

(1) الكافي في الفقه: ص 200.
(2) المراسم: ص 121.
(3) السرائر: ج 1 ص 594 - 595.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 201 ح 670، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الذبح ح 1 ج 10 ص 92.
(5) ق: رواية.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 202 ح 671، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الذبح ح 2 ج 10 ص 92.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 202 ذيل الحديث 671.

[ 288 ]

مسألة: قال الشيخ: لا تجزئ العضباء وهي المكسورة القرن، فإن كان القرن الداخل صحيحا لم يكن به بأس، وإن كان ما ظهر منه مقطوعا، ولا يجوز الجذاء وهي المقطوعة الأذن (1). وقال الصدوق ابن بابويه: روى جميل، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في الأضحية يكسر قرنها، قال: إذا كان القرن الداخل صحيحا فهي تجزئ (2). قال: وسمعت شيخنا محمد بن الحسن - رضي الله عنه - يقول: سمعت محمد بن الحسن الصفار - رحمه الله - يقول: إذا ذهب من القرن الداخل ثلثاه وبقي ثلثه فلا بأس بأن يضحي به (3). وقال ابن أبي عقيل (4): ولا يضحي بالجذاء وهي التي ليس لها إلا ضرعا واحدا. والنزاع معه لفظي، وأما ما نقله الصدوق عن محمد بن الحسن الصفار ففيه إشكال. والمعتمد على الرواية. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: ينبغي أن يبدأ بمنى يرمي الجمرة العقبة، ثم ينحر، ثم يحلق، ثم يذهب إلى مكة فيطوف طواف الزيارة - وهو طواف حج الفرض - ويسعى أن لم يكن قدم السعي حين كان بمكة قبل الخروج، والترتيب في ذلك مستحب وليس بواجب، فإن قدم الحلق على الرمي أو على الذبح أجزأه (5). وقال في المبسوط: ولا يجوز أن يحلق رأسه ولا أن يزور البيت إلا بعد الذبح

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 529.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 496 ح 3062، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب الذبح ح 1 ج 10 ص 120.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 496 ذيل الحديث 3062.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) الخلاف: ج 2 ص 345 المسألة 168.

[ 289 ]

أو أن يبلغ الهدي محله، وهو أن يحصل في رحله، فإذا حصل في رحله بمنى وأراد أن يحلق رأسه جاز له ذلك، والأفضل أن لا يحلق حتى يذبح، ومتى حلق قبل أن يحصل الهدي في رحله لم يكن عليه شئ (1). وفي النهاية: ولا يجوز أن يحلق الرجل رأسه ولا أن يزور البيت إلا بعد الذبح أو أن يبلغ الهدي محله، وهو أن يحصل في رحله، فإذا حصل في رحله بمنى وأراد أن يحلق جاز له ذلك، ومن فعل ذلك ناسيا لم يكن عليه شئ (2). وقال أبو الصلاح: وأما الحلق فمن مناسك الحج، ومحله منى يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة، ويجوز قبل الرمي وتأخيره إلى آخر أيام التشريق (3). وقال ابن الجنيد (4): فإن كان ممن عليه دم قد أمر بذبحه فالاحتياط له أن لا يحلق رأسه حتى يعلم أنه قد ذبح هديه. وقال ابن أبي عقيل (5): ومن حلق رأسه قبل أن ينحر أو يذبح أجزأه ولم يكن عليه شئ. وقال ابن إدريس: لا بأس بتقديم أيهما شاء على الآخر، إلا أن الترتيب أفضل (6). أشار بذلك إلى رمي جمرة العقبة والذبح والحلق. والأقرب عندي الاستحباب. لنا: أصالة البراءة. وما رواه عبد الله بن سنان قال: سألته عن رجل حلق رأسه قبل أن

(1) المبسوط: ج 5 ص 374 - 375. (2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 531.
(3) الكافي في الفقه: ص 200 - 201.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) السرائر: ج 1 ص 602.

[ 290 ]

يضحي، قال: لا بأس، وليس عليه شئ ولا يعودن (1). وفي الصحيح عن جميل بن دراج، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يزور البيت قبل أن يحلق، قال: لا ينبغي إلا أن يكون ناسيا، ثم قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله - أتاه أناس يوم النحر فقال بعضهم: يا رسول الله حلقت قبل أن أذبح، وقال بعضهم: حلقت قبل أن أرمي، فلم يتركوا شيئا كان ينبغي أن يقدموه إلا أخروه، ولا شيئا كان ينبغي لهم أن يؤخروه إلا قدموه، فقال: لا حرج (2). وفي الموثق عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: قلت لأبي جعفر الثاني - عليه السلام -: جعلت فداك إن رجلا من أصحابنا رمى الجمرة يوم النحر وحلق قبل أن يذبح، فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله - كان يوم النحر أتاه طوائف من المسلمين فقالوا: يا رسول الله ذبحنا من قبل أن نرمي، وحلقنا من قبل أن نذبح، فلم يبق شئ مما ينبغي أن يقدموه إلا أخروه، ولا شئ مما ينبغي أن يؤخروه إلا قدموه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: لا حرج (3). احتج الشيخ بأن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: " خذوا عني مناسككم " (4)، وقدم المناسك بعضها على بعض فتجب متابعته. وما رواه موسى بن القاسم، عن علي بن جعفر قال: لا يحلق رأسه ولا يزور

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 237 ح 798، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب الذبح ح 10 ج 10 ص 141.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 236 ح 797، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب الذبح ح 4 ج 10 ص 140.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 236 ح 796، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب الذبح ح 6 ج 10 ص 140. (4) سنن البيهقي: ج 5 ص 125.

[ 291 ]

حتى يضحي فيحلق رأسه ويزور متى شاء (1). والجواب: [ إنا ] نقول بموجبه، فإن الترتيب مستحب لما تقدم من الأحاديث، فيكون فعله - صلى الله عليه وآله - غير دال على الوجوب، وكذا الحديث. مسألة: المشهور استحباب الأضحية. وقال ابن الجنيد (2): إنها واجبة. لنا: الأصل براءة الذمة. احتج بالامر الدال على الوجوب. والجواب: المنع من دلالته على الوجوب. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا اشترى شاة يجزئ في الأضحية بنية إنها أضحية صارت أضحية، ولا يحتاج أن يجعلها أضحية بقول ولا بنية مجددة ولا تقليد وإشعار، لأن ذلك إنما يراعى في الهدي خاصة، وكذا لو كانت في ملكه فقال: قد جعلت هذه أضحية فقد زال ملكه عنها وانقطع تصرفه فيها، فإن باعها فالبيع باطل، ولو اشترى شاة فجعلها أضحية فإن كانت حاملا تبعها ولدها (3)، وفي الجميع عندي نظر. والأقرب أن الشاة إنما تصير أضحية يجب تفرقها بالنذر المعين أو بالتفرقة، ولا يتبعها الولد إلا إذا تجدد الحمل بعد النذر. مسألة: قال الشيخ: ولا بأس بركوب الهدي وشرب لبنه ما لم يضر به ولا بولده (4)، وأطلق.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 236 ح 795، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب الذبح ح 9 ج 10 ص 141.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) المبسوط: ج 1 ص 390 - 391.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 530.

[ 292 ]

وقال ابن الجنيد (1): ولا بأس بأن يشرب من لبن هديه، ولا يختار ذلك في المضمون، فإن فعل غرم قيمة ما شرب من لبنها لمساكين الحرم، ولا بأس بقوله. مسألة: قال الشيخ: إذا اشعر الهدي أو قلده ثم ضاع واشترى غيره ثم وجد الأول وأراد ذبح الثاني لزمه ذبح الأول (2). والأقرب عندي الاستحباب. لنا: إنه امتثل المأمور به، فيخرج عن العهدة. نعم لو عينه بالنذر كان قول الشيخ جيدا. المطلب الثالث في الحلق مسألة: الحلق أفضل من التقصير مطلقا، وبه قال الشيخ في الجمل (3)، وابن البراج (4)، وابن إدريس (5). وقال الشيخ: لا يجزئ للصرورة ولا الملبد إلا الحلق (6)، وبه قال ابن حمزة (7). وقال ابن الجنيد (8): ولا يجزئ الصرورة ومن كان غير صرورة ملبد الشعر أو مضفورا أو معقوصا من الرجال غير الحلق.

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) المبسوط: ج 1 ص 373 - 374. (3) الجمل والعقود: ص 148.
(4) المهذب: ج 1 ص 259.
(5) السرائر: ج 1 ص 601.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 523.
(7) الوسيلة: ص 186.
(8) لم نعثر على كتابه.

[ 293 ]

وقال ابن أبي عقيل (1): ويحلق رأسه بعد الذبح، وإن قصر أجزأ، ومن لبد رأسه وأعقصه فعليه الحلق واجب. ولم يذكر حكم الصرورة بالنصوصية. وقال المفيد: ولا يجزئ الصرورة غير الحلق، ومن لم يكن صرورة أجزأه التقصير، والحلق أفضل (2). ولم ينص على حكم الملبد، وكذا قال أبو الصلاح (3). لنا: قوله تعالى: " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين " (4)، وليس المراد الجمع بل إما التخيير أو التفصيل، والثاني بعيد، وإلا لزم الاجمال، فتعين الأول. وما رواه حريز في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله - يوم الحديبية: " اللهم اغفر للمحلقين " مرتين، قيل: وللمقصرين يا رسول الله، قال: وللمقصرين (5). احتج الشيخ بما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: الصرورة أن يحلق رأسه ولا يقصر، إنما التقصير لمن حج حجة الاسلام (5). وعن بكر بن خالد، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: ليس للصرورة أن يقصر وعليه أن يحلق (7).

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) المقنعة: ص 419.
(3) الكافي في الفقه: ص 201.
(4) الفتح: 27.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 243 ح 822، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الحلق والتقصير ح 6 ج 10 ص 186. (6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 243 ح 819، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الحلق والتقصير ح 5 ج 10 ص 186.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 243 ح 820، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الحلق والتقصير ح 10 ج 10 ص 187.

[ 294 ]

وفي الصحيح عن معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال: ينبغي للصرورة أن يحلق، وإن كان قد حج فإن شاء قصر وإن شاء حلق. قال: وإذا لبد شعره أو عقصه فإن عليه الحلق وليس له التقصير (1). والجواب: الحمل على الاستحباب عملا بالأصالة وجمعا بين الأدلة. مسألة: لا يجوز للمرأة الحلق إجماعا ويجب عليها التقصير، والمشهور أقل مسماه. وقال ابن الجنيد (2): وعليها أن تقصر مقدار القبضة من شعر رأسها. لنا: إن الأمر بالكلي يكفي فيه أي فرد من جزئياته وجد، فيخرج عن العهدة بأقل المسمى. مسألة: قال الصدوق: من زار البيت قبل أن يحلق وهو عالم أنه لا ينبغي له أن يفعل ذلك فعليه دم شاة، وإن كان جاهلا فلا شئ (3). وروى فيمن لا يحضره الفقيه عن جميل بن دراج في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يزور البيت قبل أن يحلق، فقال: لا ينبغي إلا أن يكون ناسيا، ثم قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله - أتاه أناس يوم النحر فقال بعضهم: يا رسول الله حلقت قبل أن أذبح، وقال بعضهم: حلقت قبل أن أرمي، فلم يتركوا شيئا كان ينبغي لهم أن يقدموه إلا أخروه، ولا شيئا كان ينبغي لهم أن يؤخروه إلا قدموه، فقال: لا حرج (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 243 ح 821، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الحلق والتقصير ح 1 ج 10 ص 185.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) المقنع: ص 89.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 505 ح 3091، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب الذبح ح 4 ج 10 ص 140.

[ 295 ]

وهذا كما يتناول مناسك منى كذا يتناول مناسك منى مع الطواف. وروي في الصحيح عن معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - في رجل نسي أن يذبح بمنى حتى زار البيت فاشترى بمكة ثم نحرها، فقال: لا بأس قد أجزأ عنه (1). وقال الشيخ: إن فعل ذلك عمدا كان عليه دم شاة، وإن كان ناسيا لم يكن عليه شئ وكان عليه إعادة الطواف (2)، وهو قول ابن إدريس (3)، وابن حمزة (4)، وهو الأقرب. لنا: إنه طاف على غير ما أمر به، فيبقى في عهدة التكليف. وما رواه علي بن يقطين في الصحيح قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن المرأة رمت وذبحت ولم تقصر حتى زارت البيت وطافت وسعت من الليل ما حالها وما حال الرجل إذا فعل ذلك؟ قال: لا بأس به يقصر ويطوف للحج، ثم يطوف للزيارة، ثم قد حل من كل شئ (5). وروايات ابن بابويه وغيرها لا تنافى إعادة الطواف. مسألة: لو ارتحل قبل الحلق فليرجع إلى منى وليحلق، فإن لم يتمكن أثم وحلق موضعه واجبا وبعث بشعره إلى منى ليدفن بها استحبابا (6)، قاله الشيخ

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 506 ح 3092، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب الذبح ح 5 ج 10 ص 140.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 533.
(3) السرائر: ج 1 ص 601.
(4) الوسيلة: ص 186.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 241 ح 811، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الحلق والتقصير ح 1 ج 10 ص 182.
(6) م (1) وم (2): مستحبا.

[ 296 ]

في التهذيب (1). وقال أبو الصلاح: فإن حلق بغيرها أثم ولزمه أن يدفنه بها (2). لنا: الأصل عدم الوجوب. وما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل نسي أن يحلق رأسه حتى ارتحل من منى، فقال: ما يعجبني أن يلقي شعره إلا بمنى، ولم يجعل عليه شيئا (3). احتج أبو الصلاح بأن الاخلال بأحد الواجبين لا يستلزم تسويغ الاخلال بالآخر. وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: كان علي بن الحسين - عليهما السلام - يدفن شعره في فسطاطه بمنى ويقول: كانوا يستحبون ذلك. قال: وكان أبو عبد الله - عليه السلام - يكره أن يخرج الشعر من منى، ويقول: من أخرجه فعليه أن يرده (4). وعن حفص بن البخترى في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يحلق رأسه بمكة، قال: يرد الشعر إلى منى (5). وعن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - في رجل زار البيت ولم يحلق

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 242 ذيل الحديث 814 وذيل الحديث 817. (2) الكافي في الفقه: ص 201.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 242 ح 818، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الحلق والتقصير ح 6 ح 10 ص 184.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 242 ح 815، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الحلق والتقصير ح 5 ح 10 ص 184.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 242 ح 816، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الحلق والتقصير ح 1 ج 10 ص 184.

[ 297 ]

رأسه، قال: يحلقه بمكة ويحمل شعره إلى منى وليس عليه شئ (1). والجواب: المنع من وجوب الدفن، والأمر للندب، ولو قيل: بوجوب الرد لو حلق عمدا بغير منى إذا لم يتمكن من الرجوع بعد خروجه عامدا، وبعدم الوجوب لو كان خروجه ناسيا كان وجها. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: فإذا حلق رأسه أو قصر فقد حل كل شئ أحرم منه إلا النساء والطيب وهو التحلل الأول إن كان متمتعا، وإن كان غير متمتع حل له الطيب أيضا، ولا تحل له النساء، فإذا طاف المتمتع طواف الزيارة حل له الطيب ولا تحل له النساء وهو التحلل الثاني، فإذا طاف طواف النساء حلت له النساء وهو التحلل الثالث الذي لا يبقى بعده شئ من حكم الاحرام (2)، ونحوه قال في النهاية (3). وفي الخلاف: التحلل في الحج ثلاثة: أولها إذا رمى وحلق وذبح فإنه يتحلل من كل شئ إلا النساء والطيب، فإذا طاف طواف الزيارة وسعى حل له كل شئ إلا النساء، فإذا طاف طواف النساء حلت له النساء (4). فقد خالف الأول في موضعين: أحدهما: إنه شرط في التحلل الأول الرمي والذبح والحلق، وفي كلام المبسوط جعل التحلل منوطا بالحلق، وظاهر عدم التنافي، فإن الحلق آخر المناسك، إلا أنه يبقى شئ واحد وهو إنه لو قدم الحلق هل يحصل التحلل الأول أم لا؟ الثاني: أنه شرط في التحلل الثاني مع طواف الزيارة السعي، وفي المبسوط لم يجعله شرطا (5).

(1) تهذيب: ج 5 ص 242 ح 817، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الحلق والتقصير ح 7 ح 10 ص 185. (2) المبسوط: ج 1 ص 376 - 377.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 533.
(4) الخلاف: ج 2 ص 348 المسألة 172.
(5) المبسوط: ج 1 ص 377.

[ 298 ]

وقال ابن أبي عقيل (1): وإذا رمى يوم النحر جمرة العقبة وحلق حل له لبس الثياب والطيب، إلا المتمتع فإنه يكره له الطيب إلى أن يطوف طواف الزيارة ويسعى، فأما القارن والمفرد فلا بأس له بالطيب، فإذا طاف وسعى حل له النساء والطيب. وقال علي بن بابويه (2): واعلم أنك إذا رميت جمرة العقبة حل لك كل شئ إلا النساء والطيب، فإذا طفت طواف الحج حل لك كل شئ إلا النساء، فإذا طفت طواف النساء حل لك كل شئ إلا الصيد فإنه حرام على المحل في الحرم. وقال السيد المرتضى في الجمل: فإذا طاف طواف الزيارة وسعى بين الصفا والمروة فقد أحل من كل شئ أحرم منه إلا النساء (3). وفي الانتصار: من طاف طواف الزيارة فقد تحلل من كل شئ كان منه محرما إلا النساء، فليس له وطؤهن إلا بطواف آخر متى فعله حللن له، ويسمي طواف النساء (4). وقال ابن الجنيد (5): ومن حلق بعد ذبحه ورميه فقد حل له لبس الثياب من سائر الحاج، ومن كان مفردا حل له الطيب، وكذلك السائق، ويمنع منه المتمتع، ومن أخر إحرامه من أهل مكة إلى يوم التروية. وقال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه: وإذا رميت جمرة العقبة حل لك كل شئ إلا النساء والطيب (6).

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) لم نعثر على رسالته.
(3) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 69.
(4) الانتصار: ص 103.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 549.

[ 299 ]

وقال أبو الصلاح: وبالطواف الأول والسعي يحل من كل شئ أحرم منه إلا النساء، وبالطواف الآخر يحل منهن (1). وأشار بالأول إلى طواف الزيارة وبالآخر إلى طواف النساء، وكذا قال ابن البراج (2). وقال ابن حمزة: المتمع له ثلاث تحللات: فإذا حلق أحل من كل شئ أحرم منه إلا من الطيب والنساء، فإذا طاف للزيارة حل له الطيب، فإذا طاف طواف النساء حل له النساء. وللقارن والمفرد تحللان: ويحلان بعد الحلق من كل شئ إلا من النساء، وبعد طواف النساء من النساء (3). وقال ابن إدريس: وإذا حلق رأسه فقد حل له كل شئ أحرم منه إلا النساء والطيب إن كان متمتعا، وإن كان قارنا أو مفردا حل له كل شئ إلا النساء فحسب، فإذا طاف المتمتع طواف الحج - ويسمي طواف الزيارة - حل له كل شئ إلا النساء فحسب، فإذا طاف طوافهن حلت له النساء (4). ثم قال في موضع آخر: ثم يطوف طواف الحج ويصلي ركعتيه ثم يسعى، فإذا فعل ذلك فقد حل له كل شئ أحرم منه إلا النساء، هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر في نهايته، إلا أنه رجع عنه في استبصاره وقال: إذا طاف طواف الحج فحسب حل له كل شئ إلا النساء، وإلى هذا يذهب السيد المرتضى في انتصاره، قال: وهو الذي اعمل عليه وأفتي به (5). والأقرب عندي أن التحلل الأول يحصل بالذبح والحلق ورمي جمرة العقبة، والتحلل الثاني يحصل بطواف الزيارة والسعي، والتحلل الثالث

(1) الكافي في الفقه: ص 216.
(2) المهذب: ج 1 ص 261.
(3) الوسيلة: ص 187.
(4) السرائر: ج 1 ص 601.
(5) السرائر: ج 1 ص 603 وليس فيه: ويصلي ركعتيه.

[ 300 ]

بطواف النساء خاصة. لنا: إنه محرم يحرم عليه الطيب قبل طواف الزيارة، فكذا بعده عملا بالاستصحاب. ولأن الاحرام انعقد شرعا فلا يزول حكمه إلا بدليل شرعي. وما رواه منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل رمى وحلق أيأكل شيئا فيه صفرة؟ قال: لا حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، ثم قد حل له كل شئ إلا النساء حتى يطوف بالبيت طوافا آخر، ثم قد حل له النساء (1). احتج ابن إدريس بأن الأصل الإباحة بعد الطواف. والجواب: المنع، بل الأصل البقاء على الاحرام قبل السعي. مسألة: قال الشيخ في التبيان: الحلق والتقصير مندوب غير واجب، وكذلك أيام منى ورمي الجمار (2). والمشهور إن ذلك كله واجب. لنا: إنه - صلى الله عليه وآله - فعل ذلك، والأخبار ناطقة بالامر بهذه الأشياء، وإيجاب الكفارة على تاركها. مسألة: المشهور إن النساء لا يحللن إلا بطواف النساء، ذهب إليه علماؤنا إلا ابن أبي عقيل (3) فإنه قال: فإذا فرغ من الذبح والحلق زار البيت فيطوف به سبعة أشواط ويسعى، فإذا فعل ذلك أحل من إحرامه، وقد قيل في رواية شاذة عنهم: إنه إذا طاف طواف الزيارة أحل من كل شئ أحرم منه إلا

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 245 ح 829، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب الحلق والتقصير ح 2 ج 10 ص 193.
(2) التبيان: ج 2 ص 154.
(3) لم نعثر على كتابه.

[ 301 ]

النساء حتى يرجع إلى البيت فيطوف به سبعا أخر ويصلي ركعتي الطواف ثم يحل من كل شئ، وكذلك إن كانت امرأة لم تحل للرجل حتى يطوف بالبيت سبعا أخر كما وصفت، فإذا فعلت ذلك فقد حل لها الرجال. والكلام هنا يقع في مقامين: الأول: في وجوب طواف النساء وتحريمهن على المحرم قبل فعله، وهو مذهب علمائنا أجمع إلا ابن أبي عقيل (1) فإن كلامه هذا يشعر بإباحة وطئهن قبله. لنا: إنه - صلى الله عليه وآله - فعله، وقال: " خذوا عني مناسككم " (2). ورواية منصور بن حازم عن الصادق - عليه السلام - ثم قد حل له كل شئ إلا النساء حتى يطوف بالبيت طوافا آخر، ثم قد حل له النساء (3)، وللاجماع. المقام الثاني: هل يحرم الرجال على النساء قبل أن يطفن طواف النساء؟ كلام ابن أبي عقيل (4) يقتضي إيجاب ذلك على الرواية الشاذة عنده، وذهب علي بن بابويه (5) - رحمه الله - إلى ذلك أيضا، وعندي فيه إشكال، لعدم الظفر بدليل يدل (6) عليه. إذا ثبت هذا فاعلم أن علي بن بابويه (7) - رحمه الله - قال: ومتى لم يطف

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) سنن البيهقي: ج 5 ص 125.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 245 ح 829، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب الحلق والتقصير ح 2 ج 10 ص 193.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) لم نعثر على رسالته.
(6) م (1): ما يدل. (7) لم نعثر على رسالته.

[ 302 ]

الرجل طواف النساء لم يحل له النساء حتى يطوف، وكذلك المرأة لا يجوز لها أن تجامع حتى تطوف طواف النساء، إلا أن يكونا قد طافا طواف الوداع فهو طواف النساء. وهذا القول في غاية الاشكال، فإن طواف الوداع مستحب، وطواف النساء واجب، فكيف يجزئ طواف الوداع عن طواف النساء؟ الفصل الرابع في زيارة البيت مسألة: قال المفيد (1)، والسيد المرتضى (2)، وسلار (3): لا يجوز للمتمتع أن يؤخر الزيارة والطواف عن اليوم الثاني من النحر. وقال الشيخ: لا يؤخره المتمتع إلا لعذر، فإن كان مفردا أو قارنا جاز له أن يؤخره إلى أي وقت شاء (4). ولم ينص على المنع، وكذا قال ابن الجنيد (5). وقال ابن أبي عقيل (5): ويكره للمتمتع تأخيره يوم النحر. وقال ابن إدريس: يستحب له أن لا يؤخره إلا لعذر، فإن أخره لعذر زار البيت من الغد، ويستحب له أن لا يؤخر طواف الحج وسعيه أكثر من ذلك، فإن أخره فلا بأس عليه، وله أن يأتي بالطواف والسعي طول ذي الحجة، لأنه من شهور الحج، وإنما يقدم ذلك على جهة التأكيد للمتمتع (7). وكلام الشيخ في

(1) المقنعة: ص 420.
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 69.
(3) المراسم: ص 114.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 534.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) السرائر: ج 1 ص 602.

[ 303 ]

الاستبصار (1) يشعر بالندب، وهو الأقرب. لنا: قوله تعالى: " الحج أشهر معلومات " (2) فجعل باقي ذي الحجة من أشهره، وإنما يكون من أشهره إذا وقع فيه بعض أفعاله. ولأن الأصل إباحة التأخير. وما رواه إسحاق بن عمار في الصحيح قال: سألت أبا إبراهيم - عليه السلام - عن زيارة البيت تؤخر إلى يوم الثالث؟ قال: تعجيلها أحب إلي، وليس به بأس أن أخره (3). وعن عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس أن يؤخر زيارة البيت إلى يوم النفر، وإنما يستحب تعجيل ذلك مخافة الأحداث والمعاريض (4). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل نسي أن يزور البيت حتى أصبح، فقال: ربما أخرته حتى تذهب أيام التشريق، ولكن لا يقرب النساء والطيب (5). احتج المانعون بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن المتمتع متى يزور البيت؟ قال: يوم النحر (6). والأمر

(1) الاستبصار: ج 2 ص 291 ذيل الحديث 1035.
(2) البقرة: 197. (3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 250 ح 845، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب زيارة البيت ح 10 ج 10 ص 202.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 250 ح 846، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب زيارة البيت ح 9 ج 10 ص 201.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 250 ح 847، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب زيارة البيت ح 2 ج 10 ص 201.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 249 ح 841، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب زيارة البيت ح 5 ج 10 ص 201.

[ 304 ]

للوجوب. وعن منصور بن حازم في الصحيح قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: لا يبيت المتمتع يوم النحر بمنى حتى يزور (1). وفي الصحيح عن عمران الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: ينبغي للمتمتع أن يزور البيت يوم النحر أو من ليلته، ولا يؤخر ذلك اليوم (2). والجواب: هذه الأحاديث تدل على الرجحان، أما الوجوب فلا، لما تقدم من الأحاديث الدالة على التسويغ. مسألة: يستحب لمن أراد الزيارة والطواف أن يغتسل، ويكفيه غسل النهار ليومه وغسل الليل لليلته ما لم ينم أو ينقض الوضوء، فإن نقض الوضوء بحدث أو نوم أعاد الغسل استحبابا، ذهب إليه الشيخ (3)، وعلي بن بابويه (4). وقال ابن إدريس: لا يستحب إعادته سواء نام أو لم ينم (5). لنا: إن النوم ناقض للطهارة الواجبة، وكذا الحدث، فالغسل المندوب أولى. وما رواه عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح قال: سألت أبا إبراهيم - عليه السلام - عن الرجل يغتسل للزيارة ثم ينام أيتوضأ قبل أن يزور؟ قال: يعيد غسله، لأنه إنما دخل بوضوء.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 249 ح 842، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب زيارة البيت ح 6 ج 10 ص 201.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 249 ح 843، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب زيارة البيت ح 7 ج 10 ص 201. (3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 534.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) السرائر: ج 1 ص 603.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 251 ح 851، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب زيارة البيت ح 4 ج 10 ص 204.

[ 305 ]

وعن إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن غسل الزيارة يغتسل بالنهار ويزور بالليل بغسل واحد، قال: يجزئه إن لم يحدث، فإن أحدث ما يوجب وضوء فليعد غسله [ بالليل ] (1). احتج بأن الأصل براءة الذمة من واجب أو ندب. والجواب إن الأصل قد يخالف لدليل، وقد بيناه. الفصل الخامس في الرجوع إلى منى والمبيت بها مسألة: قال المفيد (2)، وسلار (3): لا يبيت ليالي التشريق إلا بمنى، فإن بات بغيرها كان عليه دم شاة. وقال ابن أبي عقيل (4): ولا يبيت أيام التشريق إلا بمنى ولا يبيت بمكة، فإن بات بمكة فعليه دم. وقال ابن الجنيد (5): وليس للحاج أن يبيت ليالي منى إلا بمنى، فإن فعل ذلك عامدا فعليه لكل ليلة دم. وقال الشيخ في النهاية: من بات الثلاث ليال بغير منى متعمدا كان عليه ثلاثة من الغنم (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 251 ح 850، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب زيارة البيت ح 2 ج 10 ص 204.
(2) المقنعة: ص 421.
(3) المراسم: ص 115.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 536.

[ 306 ]

وقال في المبسوط (1) والخلاف (2): من بات عن منى ليلة كان عليه دم، فإن بات عنها ليلتين كان عليه دمان، فإن بات الليلة الثالثة لا يلزمه شئ، لأن له النفر في الأول، وقد روي في بعض الأخبار إن من بات ثلاث ليالي عن منى فعليه ثلاث دماء، وذلك محمول على الاستحباب أو على من لم ينفر في الأول حتى غابت الشمس، وبه قال ابن حمزة (3)، وقال ابن إدريس (4) بقول الشيخ في النهاية، وهو الأقرب. لنا: ما رواه صفوان في الصحيح قال: قال أبو الحسن - عليه السلام - سألني بعضهم عن رجل بات ليلة من ليالي منى بمكة، فقال: لا أدري، فقلت له: جعلت فداك ما تقول فيها؟ قال: عليه دم إذا بات، فقلت: إن كان إنما حبسه شأنه الذي كان فيه من طوافه وسعيه لم يكن لنوم ولا لذة أعليه مثل ما على هذا؟ قال: ليس هذا بمنزلة هذا، وما أحب أن ينشق له الفجر إلا وهو بمنى (5). وعن جعفر بن ناجية قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عمن بات ليالي منى بمكة، فقال: ثلاثة من الغنم يذبحهن (6). وفي الصحيح عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى - عليه السلام - عن رجل بات بمكة في ليالي منى حتى أصبح، قال: إن كان أتاها نهارا فبات فيها حتى

(1) (1) المبسوط: ج 1 ص 378.
(2) الخلاف: ج 2 ص 358 المسألة 190.
(3) الوسيلة: ص 187.
(4) السرائر: ج 1 ص 604، 605.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 257 ح 871، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب العود إلى منى ح 5 ج 10 ص 207.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 257 ح 872، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب العود إلى منى ح 6 ج 10 ص 206.

[ 307 ]

أصبح فعليه دم يهريقه (1). قال ابن إدريس: التخريج الذي خرجه الشيخ لا يستقيم له، وذلك أن من عليه كفارة لا يجوز له أن ينفر في النفر الأول بغير خلاف، فقوله - رحمه الله -: " له أن ينفر في الأول " غير مسلم، لأن عليه كفارة لأجل إخلاله بالمبيت ليلتين. واعلم أن مأخذ هذه المسألة من مسألة النفر الأول فإنه يجوز للمتقي، لكن المتقي هل هو من اتقى النساء والصيد في إحرامه أو كل محرم يوجب الكفارة؟ فإن كان الحق هو الأول كان الصواب ما قاله الشيخ، وإن كان الثاني كان الوجه ما قاله ابن إدريس. مسألة: لو بات بمكة مشتغلا بالعبادة والطواف لم يكن عليه شئ، قاله الشيخ (3)، وابن حمزة (4)، وابن أبي عقيل (5)، وابن الجنيد (6). وقال ابن إدريس: لا تسقط الكفارة (7). والأقرب الأول. لنا: إنه مشتغل بالعبادة في أشرف البقاع سقوط الكفارة. وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا فرغت من طوافك للحج وطواف النساء فلا يبيت إلا بمنى، إلا أن يكون شغلك في نسكك، وإن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرك أن تبيت في غير

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 257 ح 873، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب العود إلى منى ح 2 ج 10 ص 206. (2) السرائر: ج 1 ص 605.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 536.
(4) الوسيلة: ص 187.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) السرائر: ج 1 ص 604.

[ 308 ]

منى (1). وفي الصحيح عن صفوان قال: قال أبو الحسن - عليه السلام - سألني بعضهم عن رجل بات ليلة من ليالي منى بمكة، فقلت: لا أدري، فقلت له: جعلت فداك ما تقول فيها؟ قال: عليه دم إذا بات، فقلت: إن كان إنما حبسه شأنه الذي كان فيه من طوافه وسعيه لم يكن لنوم ولا لذة أعليه مثل ما على هذا؟ قال: ليس هذا بمنزلة هذا، وما أحب أن ينشق له الفجر إلا وهو بمنى (2). وفي الصحيح عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل زار البيت فلم يزل في طوافه ودعائه والسعي والدعاء حتى طلع الفجر، فقال: ليس عليه شئ، كان في طاعة الله عزوجل (3). احتج ابن إدريس بعموم الأمر بوجوب الكفارة. والجواب: الخاص مقدم على العام. مسألة: قال الشيخ: وإن خرج من منى بعد نصف الليل جار له أن يبيت بغيرها، غير أنه لا يدخل مكة إلا بعد طلوع الفجر، وإن تمكن أن لا يخرج منها إلا بعد طلوع الفجر كان أفضل. وقال ابن حمزة: ولا يخرج ليالي التشريق منها إلا بعد نصف الليل على كراهية (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 256 ح 868، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب العود إلى منى ح 1 ج 10 ص 206.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 257 ح 871، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب العود إلى منى ح 5 ج 10 ص 207. (3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 258 ح 876، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب العود إلى منى ح 13 ج 10 ص 208.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 536.
(5) الوسيلة: ص 187 - 188.

[ 309 ]

وقال ابن الجنيد (1): وإن خرج بعد نصف الليل فلا يضره أن يصبح بغيرها. وقال ابن إدريس: وإن خرج من منى بعد نصف الليل جاز له أن يبيت بغيرها، غير أنه لا يدخل مكة إلا بعد طلوع الفجر على ما روي من الأخبار، وإن تمكن أن لا يخرج منها إلا بعد طلوع الفجر كان أفضل على تلك الرواية (2)، وهو يعطي تردده في جواز الخروج قبل نصف الليل. لنا: ما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - وإن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرك أن تصبح في غيرها (3). وعن عبد الغفار الجازي، عن الصادق - عليه السلام - فإن خرج من منى بعد نصف الليل لم يضره شئ (4)، وهو يدل على الجواز وانتفاء الكراهية، وإن كان الأفضل المبيت إلى الفجر. الفصل السادس في رمي الجمار مسألة: قال الشيخ في النهاية: الرمي عند الزوال أفضل، فإن رماها ما بين طلوع الشمس إلى غروبها لم يكن به بأس (5).

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 256 ح 868، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب العود إلى منى ح 1 ج 10 ص 206 وفيهما: أن تبيت في غير منى.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 258 ح 877، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب العود إلى منى ح 14 ج 10 ص 209.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 536.

[ 310 ]

وفي المبسوط: يكون ذلك بعد الزوال فإنه أفضل، فإن رماها بين طلوع الشمس إلى غروبها لم يكن به بأس (1). وقال في الخلاف: لا يجوز الرمي أيام التشريق إلا بعد الزوال، وقد روي رخصة قبل الزوال في الأيام كلها (2). وقال ابن أبي عقيل (3): رمي الجمار ما بين طلوع الشمس إلى غروبها. وقال علي بن بابويه (4) في رسالته: ومطلق لك رمي الجمار من أول النهار إلى الزوال، وقد روي من أول النهار إلى آخره. وقال ابنه في المقنع: وارم الجمار في كل يوم بعد طلوع الشمس إلى الزوال، وكلما قرب من الزوال فهو أفضل (5). وكذا في من لا يحضره الفقيه وزاد: وقد رويت رخصة من أول النهار إلى آخره (6). وقال المفيد في المقنعة (7) والرسالة الغرية (8): يكون ذلك - يعني الرمي - من طلوع الشمس موسعا إلى غروبها، وأفضل ذلك ما قرب من زوال الشمس. وقال ابن الجنيد (9): ويرميها - يعني جمرة العقبة والجمرتين الأخيرتين - في سائر أيام منى ما بين طلوع الشمس إلى غروبها، وأفضل الأوقات عند الزوال الشمس وضحوة نهار يوم النحر.

(1) المبسوط: ج 1 ص 378.
(2) الخلاف: ج 2 ص 351 المسألة 176.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) لم نعثر على رسالته.
(5) المقنع: ص 92.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 553 - 554.
(7) المقنعة: ص 421 - 422.
(8) لم نعثر على رسالته.
(9) لم نعثر على كتابه.

[ 311 ]

وقال السيد المرتضى: وقت ذلك من طلوع الشمس إلى غروبها (1). وقال سلار: يكون ذلك - يعني الرمي - من طلوع الشمس إلى غروبها، وأفضل ذلك ما قرب من زوال الشمس (2). وقال أبو الصلاح: وأفضل الأوقات للرمي قبل الزوال (3). وقال ابن حمزة: ووقت الرمي طول النهار، والفضل في الرمي عند الزوال (4)، وبه قال ابن إدريس (5). والكلام في هذه المسألة يقع في ثلاث مقامات: الأول: في تسويغ الرمي قبل الزوال، وهو المشهور بين علمائنا، إلا ما قاله الشيخ في الخلاف، وهو شاذ لم يعمل به أحد من علمائنا. لنا: إنه أشهر بين الأصحاب، حتى أن الشيخ المخالف وافق أصحابه فيكون ذلك إجماعا، لأن الخلاف إن وقع منه - رحمه الله - قبل الوفاق فقد حصل الاجماع، وإن وقع بعده لم يعتد به، إذ لا اعتبار، بخلاف من يخالف الاجماع. وما رواه صفوان بن مهران في الصحيح قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: الرمي ما بين طلوع الشمس إلى غروبها (6). ونحوه عن منصور بن حازم، عن الصادق - عليه السلام - (7).

(1) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 69.
(2) المراسم: ص 115.
(3) الكافي في الفقه: ص 199. (4) الوسيلة: ص 188.
(5) السرائر: ج 1 ص 605.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 262 ح 891، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب رمي جمرة العقبة ح 2 ج 10 ص 78.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 262 ح 890، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب رمي جمرة العقبة ح 4 ج 10 ص 79.

[ 312 ]

وفي الصحيح عن زرارة وابن أذينة، عن الباقر - عليه السلام - أنه قال للحكم بن عتيبة: ما حد رمي الجمار؟ فقال الحكم: عند زوال الشمس، فقال أبو جعفر - عليه السلام - يا حكم أرايت لو أنهما كانا اثنين فقال أحدهما لصاحبه: احفظ علينا متاعنا حتى أرجع، أكان يفوته الرمي؟! هو والله ما بين طلوع الشمس إلى غروبها (1). احتج الشيخ بإجماع الفرقة وطريقة الاحتياط، فإن من فعل ما قلناه لا خلاف أنه يجزئه، وإذا خالفه ففيه الخلاف (2)، وبما رواه معاوية بن عمار في الصحيح عن الصادق - عليه السلام - قال: ارم في كل يوم عند زوال الشمس (3). والجواب عن الاجماع: إنه قد دل على خلاف قوله، والاحتياط معارض بأصالة البراءة، والرواية تدل على الاستحباب جمعا بين الأدلة. المقام الثاني: في جواز الرمي بعد الزوال وهو المشهور، ويظهر من كلام ابني بابويه المنع. لنا: ما تقدم من الأخبار. المقام الثالث: أفضل أوقات الرمي عند الزوال، كما قاله في النهاية (4)، خلافا لقوله في المبسوط. لنا: رواية معاوية بن عمار الصحيحة، عن الصادق - عليه السلام - قال: ارم كل يوم عند زوال الشمس (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 262 ح 892، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب رمي جمرة العقبة ح 5 ج 10 ص 79.
(2) الخلاف: ج 2 ص 351 المسألة 176. (3) و (5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 261 ح 888، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب رمي جمرة العقبة ح 1 ج 10 ص 78.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 536.

[ 313 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: فإن نسي فرمى الجمرة الأولى بثلاثة حصيات ورمى الجمرتين الاخرتين على التمام أعاد الرمي عليها كلها، وإن كان قد رمى الجمرة الأولى بأربع حصيات ثم رمى الجمرتين على التمام أعاد على الأولى بثلاث، وكذلك إن رمى الوسطى أقل من الأربعة أعاد عليها وعلى ما بعدها، وإن رماها بأربعة تممها ولا أعاده عليه في الثالثة، وإن رمى الأولتين على التمام ورمى الثالثة ناقصة تممها على كل حال، لأنه لا يترتب عليها ورمى آخر (1). وهذا الكلام يشعر بأنه إذا رمى على الأولى بثلاث أو على الثانية أعاد الرمي عليها من أوله، ونحوه قال في النهاية (2)، وبه قال ابن حمزة (3) أيضا، وابن البراج (4). وقال ابن الجنيد (5) نحو ذلك فإنه قال: إذا رمى أربع حصيات فصاعدا الجمرة أجزأه، وإن نسي باقيها أن يرمي تلك الجمرة بما بقي لتتمة السبعة، وإن كان رمى أقل من أربعة عاد عليها وعلى ما بعدها. وقال علي بن بابويه (6): فإن جهلت ورميت إلى الأولى بسبع حصيات والي الثانية بست وإلى الثالثة بثلاث فارم على الثانية واحدة وأعد الثالثة، ومتى لم يجز النصف فأعد الرمي من أوله، ومتى جزت النصف فابن على ما رميت، وإذا رميت إلى الجمرة الأولى دون النصف فعليك أن تعيد الرمي إليها وإلى ما

(1) المبسوط: ج 1 ص 379.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 538.
(3) الوسيلة: ص 189.
(4) المهذب: ج 1 ص 256.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) لم نعثر على رسالته.

[ 314 ]

بعدها من أوله. وقال ابن إدريس: فالاعتبار بحصول رمي أربع حصيات، فإذا كان كذلك تممها ولا يجب الإعادة على ما بعدها، وإن كان قد رمى أقل من أربع حصيات على إحدى الجمرات تممها وأعاد مستأنفا على ما بعدها (1). وهذا يدل على اعتبار ما رماه أقل من أربع حصيات، ووجوب الاتمام عليها والاعادة على ما بعدها. والأقرب الأول. لنا: إنه رمى أقل من النصف وانتقل عنه فلم يكن معتدا بما رماه. وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في رجل رمى الجمرة الأولى بثلاث والثانية بسبع والثالثة بسبع، قال: يعيد رميهن جميعا بسبع سبع، قلت: فإن رمى الأولى بأربع والثانية بثلاث والثالثة بسبع، قال: يرمي الجمرة الأولى بثلاث والثانية بسبع ويرمي جمرة العقبة بسبع، قلت: فإن رمى الجمرة الأولى بأربع والثانية بأربع والثالثة بسبع، قال: يعيد فيرمي الأولى بثلاث والثانية بثلاث، ولا يعيد على الثالثة (2). وعن علي بن أسباط قال: قال أبو الحسن - عليه السلام -: إذا رمى الرجل الجمار أقل من أربع أعاد عليها وأعاد على ما بعدها وإن كان قد أتم ما بعدها، وإذا رمى شيئا منها أربعا بنى عليها، ولم يعد على ما بعدها إن كان قد أتم رميه (3). وفرق بين الإعادة والاتمام، فإن الإعادة إنما يقال على الفعل الثاني عقيب

(1) السرائر: ج 1 ص 610.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 265 ح 904، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب العود إلى منى ح 2 ج 10 ص 217.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 266 ح 905، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب العود إلى منى ح 3 ج 10 ص 217.

[ 315 ]

الاتيان به أولا، ولهذا فرقوا - عليهم السلام - فقالوا في الثلاث: بالاعادة، وفي الأربع: بالاتمام. وروى ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه عن الصادق - عليه السلام - في رجل رمى الجمار فرمى الأولى بأربع حصيات ثم رمى الأخيرتين بسبع سبع، قال: يعود فيرمي الأولى بثلاث وقد فرغ، وإن كان رمى الوسطى بثلاث ثم رمى الأخرى فيلرم الوسطى بسبع، وإن كان رمى الوسطى بأربع رجع فرمى بثلاث (1). احتج ابن إدريس بأنه قد رمى بثلاث فوجب أن يجزئه الثلاث. والجواب: المنع من الإجزاء، فإنه إنما يجزئ لو فعله على الوجه المعتبر شرعا، ونحن نمنع اعتباره إلا مع تجاوز النصف كالطواف. مسألة: يستحب التكبير عقيب خمس عشرة صلاة أولها ظهر النحر لمن كان بمنى، وعقيب عشر أولها ذلك لمن كان بغيرها، ذهب إليه أكثر علمائنا. وقال الشيخ في المبسوط: ومن أصحابنا من قال: إن التكبير واجب، ومنهم من قال: إنه مسنون، وهو الأظهر (2). والسيد المرتضى قال بوجوبه (3)، وكذا ابن حمزة (4). والأقرب الاستحباب. لنا: الأصل براءة الذمة. احتج السيد المرتضى بقوله تعالى: " واذكروا الله في أيام معدودات " (5).

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 474 ح 3000، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب العود إلى منى ح 1 ج 10 ص 216.
(2) المبسوط: ج 1 ص 380.
(3) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا ونقله عنه في السرائر: ج 1 ص 611.
(4) الوسيلة: ص 189 - 190.
(5) البقرة: 203.

[ 316 ]

المراد به التكبير، لما رواه محمد بن مسلم في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن قول الله عزوجل: " واذكروا الله في أيام معدودات "، قال: التكبير في أيام التشريق (1). الحديث، والأمر للوجوب. وما رواه عمار بن موسى، عن الصادق - عليه السلام - قال: التكبير واجب في دبر كل فريضة أو نافلة أيام التشريق (2). والجواب: نمنع كون الأمر هنا للوجوب، والحديث ضعيف السند ومتروك بالاجماع، فإن أصحابنا لم يستحبوا التكبير عقيب النوافل فضلا عن إيجابه. مسألة: المشهور أنه يجوز النفر في الأول للصرورة وغيرها إذا اتقى. وقال أبو الصلاح: لا يجوز للصرورة النفر في الأول (3). لنا: عموم قوله تعالى: " فمن تعجل في يومين فلا أثم عليه ومن تأخر فلا أثم عليه لمن اتقى " (4)، فإنه شامل للصرورة وغيرها. وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا أردت أن تنفر في يومين فليس لك أن تنفر حتى تزول الشمس، وإن تأخرت إلى أيام التشريق وهو يوم النفر الأخير فلا عليك أي ساعة نفرت (5). الحديث. وفي الصحيح عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 269 ح 920، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب العود إلى منى ح 4 ج 10 ص 219.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 270 ح 923، وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب صلاة العيد ح 12 ج 5 ص 126.
(3) الكافي في الفقه: ص 198.
(4) البقرة: 203. (5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 271 ح 926، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب العود إلى منى ح 3 ج 10 ص 221.

[ 317 ]

الرجل ينفر في النفر الأول، قال: له أن ينفر ما بينه وبين أن تصفر الشمس (1). الحديث، والاطلاق في الجواب يعطي العمومية.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 272 ح 931، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب العود إلى منى ح 4 ج 10 ص 224.

[ 318 ]

المقصد الرابع في التوابع وفيه فصول: الأول في النيابة مسألة: قال الشيخ في النهاية (1) والاستبصار (2) والمبسوط: لا بأس أن تحج المرأة عن الرجل إذا كانت قد حجت حجة الاسلام وكانت عارفة، وإذا لم تكن قد حجت حجة الاسلام وكانت صرورة لم يجز لها أن تحج عن غيرها ولا عن النساء، وكذا قال ابن البراج (4). وقال الصدوق: ولا بأس أن تحج المرأة عن المرأة والمرأة عن الرجل والرجل عن المرأة والرجل عن الرجل، ولا بأس أن تحج الصرورة عن الصرورة وغير الصرورة (5). وقال ابن الجنيد (6): ويحج الرجل عن الرجل والمرأة عن المرأة.

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 553.
(2) الاستبصار: ج 2 ص 322 ذيل الحديث 1141.
(3) المبسوط: ج 1 ص 326.
(4) المهذب: ج 1 ص 269.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 426 ذيل الحديث 2878.
(6) لم نعثر على كتابه.

[ 319 ]

وقال ابن أبي عقيل (1): ولا بأس أن يحج عن الميت من لم يحج، وأطلق. وقال أبو الصلاح: ويصح نيابة من لم يحج (2)، وهو يتناول المرأة والرجل. وقال ابن حمزة: وكل من يصح أن يحج لنفسه يصح أن يحج لغيره (3). وقال المفيد في المقنعة: ولا بأس أن يحج الصرورة عن الصرورة إذا لم يكن للصرورة مال يحج به عن نفسه (4). وقال في كتاب الأركان: ومن وجب عليه الحج لا يجوز له أن يحج عن غيره ولا بأس أن يحج الصرورة عن الصرورة إذا لم يكن للصرورة مال يحج به عن نفسه (5). وقال في باب مختصر المسائل في الحج والجوابات: إن سأل سائل فقال: لم زعمتم أن الصرورة الذي لم يحج حجة الاسلام يجوز له أن يحج عن غيره وهو لم يؤد فرض نفسه؟ جواب الدليل عليه مع ما ورد من النص عن أئمة الهدى - عليهم السلام -: إن القضاء عن الحاج إنما يحتاج فيه إلى العلم بمناسك الحج. ويؤيده ما رواه الفضل بن العباس قال: أتت امرأة من خثعم رسول الله - صلى الله عليه وآله - فقالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يثبت على دابته، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وآله -: فحجي عن أبيك. فاطلق الأمر لها بالحج عن غيرها، ولم يشترط - صلى الله عليه وآله - عليها في ذلك أن تحج أولا عن نفسها (6). وهذا القول نص منه - رحمه الله -

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) الكافي في الفقه: ص 219.
(3) الوسيلة: ص 156.
(4) المقنعة: ص 442.
(5) لم نعثر على كتابه ونقله عنه في السرائر: ج 1 ص 630.
(6) نقله عنه في السرائر: ج 1 ص 630 - 631.

[ 320 ]

على تسويغ نيابة المرأة الصرورة عن الرجل، وهو الحق عندي، وهو قول ابن إدريس (1). لنا: ما رواه رفاعة في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: تحج المرأة عن أخيها وعن أختها، وقال: تحج المرأة عن أبيها (2). وفي الحسن عن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: المرأة تحج عن الرجل، والرجل يحج عن المرأة، قال: لا بأس (3). ولأنها مكلفة يصح منها مباشرة الحج عن نفسها وعن مثلها، فجاز لها الحج عن مخالفها في الصنف كالرجل. وقال الشيخ: هذان الخبران وإن وردا عامين في جواز حج المرأة عن الرجل على كل حال فينبغي أن نخصهما بامرأة كانت حجت حجة الاسلام، لأنها لو كانت صرورة لم يجز لها أن تحج عن الرجل، لما رواه مصادف قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - تحج المرأة عن الرجل؟ قال: نعم إذا كانت فقيهة مسلمة وكانت قد حجت، رب امرأة خير من رجل. فشرط في جواز حجتها مجموع الشرطين الفقه بمناسك الحج، وإن تكون قد حجت فيجب اعتبارهما معا (4). وما رواه زيد الشحام، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: يحج الرجل الصرورة عن الرجل الصرورة، ولا تحج المرأة الصرورة عن الرجل

(1) السرائر: ج 1 ص 630. (2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 413 ح 1438، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب النيابة في الحج ح 5 ج 8 ص 124.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 413 ح 1437، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب النيابة في الحج ح 2 ج 8 ص 124.
(4) الاستبصار: ج 2 ص 322 ذيل الحديث 1141 وح 1142 وذيله.

[ 321 ]

الصرورة (1). وعن سليمان بن جعفر قال: سألت الرضا - عليه السلام - عن امرأة صرورة حجت عن امرأة صرورة، قال: لا ينبغي (2). والجواب: ما ذكرناه من الأحاديث أوضح طريقا، مع أنه لا دلالة قاطعة على المطلوب عن هذه الأحاديث، بل بعضها بطريق المفهوم. مسألة: قال الشيخ في النهاية (3) والمبسوط (4) والتهذيب (5): لا يجوز لأحد أن يحج عن غيره إذا كان مخالفا له في الاعتقاد، واستثنى في النهاية (6) والمبسوط (7) إلا أن يكون أباه. وقال ابن إدريس: لا يجوز ذلك وإن كان أباه، وما ذكره شيخنا في نهايته رواية شاذة أوردها في هذا الكتاب، كما أورد أمثالها مما لا يعمل به ولا يعتقد صحته ولا يفتى به إيرادا لا اعتقادا، لأنه كتاب خبر لا كتاب بحث ونظر (8). وقال ابن البراج: ومن كان مخالفا في الاعتقاد فلا يجوز الحج عنه، قريبا كان في النسب أو بعيدا، إلا الأب خاصة، فقد ذكر جواز الحج عنه مع كونه مخالفا في ذلك، والأظهر خلافه (9).

(1) الاستبصار: ج 2 ص 323 ح 1143، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب النيابة في الحج ح 1 ج 8 ص 125.
(2) الاستبصار: ج 2 ص 323 ح 1144، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب النيابة في الحج ح 3 ج 8 ص 126.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 553.
(4) المبسوط: ج 1 ص 326.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 414 ذيل الحديث 1440.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 553. (7) المبسوط: ج 1 ص 326.
(8) السرائر: ج 1 ص 632.
(9) المهذب: ج 1 ص 269.

[ 322 ]

والأقرب عندي جواز النيابة عنه مطلقا، سواء كان قريبا أو بعيدا، إلا أن يكون ناصبا (1) فلا تجوز النيابة عنه مطلقا، ونعني بالناصب: من يظهر العداوة لأهل البيت - عليهم السلام - كالخوارج ومن ماثلهم. لنا: على الحكم الأول أن المنوب ممن يصح منه العبادة مباشرة فيصح منه تسبيبا، لأن الفعل مما يدخله النيابة. ولأن عباداته يقع صحيحة، ولهذا لا يجب عليه إعادتها إلا الزكاة، ومع استنابته (2) يصح الحج منه، أما الناصب فلأنه لما جحد ما يعلم بطلانه (ثبوته صح) من الدين ضرورة حكم بكفره، فلا يصح النيابة عنه، كما لم يصح مباشرته له. احتج الشيخ بأن من خالف الحق كافر، فلا يصح النيابة عنه، وبما رواه وهب بن عبد ربه في الصحيح قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: أيحج الرجل عن الناصب؟ قال: لا، قلت: فإن كان أبي؟ قال: وإن كان أبوك فنعم (3). والجواب عن الأول: بالمنع من الصغرى، وعن الرواية بالقول بالموجب، فإن الناصب عندنا لا يجوز النيابة عنه. بقي هنا إشكال يرد علينا خاصة حيث سوغنا النيابة عن المخالف مطلقا، ومنعنا من النيابة عن الناصب مطلقا، فإن هذه الرواية فصلت بين الأب وغيره، فنقول: المراد بالناصب إن كان هو المخالف مطلقا ثبت ما قاله الشيخ، وإن كان هو المعلن للعداوة والشنآن لم يبق فرق بين الأب وغيره، ولو قيل بقول الشيخ كان قويا.

(1) م (2): ناصبيا.
(2) ق وم (2): استقامته.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 414 ح 1441، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب النيابة في الحج ح 1 ج 8 ص 135.

[ 323 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية (1) والمبسوط (2) والخلاف (3): لو استأجره للتمتع فقرن أو أفرد لم يجزئ عنه، ولو استأجره للافراد فتمتع أجزأه. وقال في النهاية (4) والمبسوط (5): لو استأجره للقران فتمتع أجزأه. وقال ابن إدريس: هذه رواية أصحابنا وفتياهم، وتحقيق ذلك: أن من كان فرضه التمتع فحج عنه قارنا أو مفردا فإنه لا يجزئه، ومن كان فرضه القران أو الأفراد فحج عنه متمتعا فإنه لا يجزئه، إلا أن يكون قد حج المستنيب حجة الاسلام فحينئذ يصح إطلاق القول والعمل بالرواية. قال: ويدل على هذا التحرير قولهم، لأنه يعدل إلى ما هو الأفضل، فلو لم يكن قد حج حجة الاسلام بحسب حاله وفرضه وتكليفه لما كان التمتع أفضل، بل كان إن كان فرضه التمتع فهو الواجب، وليس الدخول " أفضل " معنى، لأن " أفضل " لا يدخل إلا في أمرين يشتركان تم يزيد أحدهما على الآخر، وكذا لو كان فرضه القران أو الأفراد لما كان التمتع أفضل، بل لا يجوز له التمتع، فكيف يقال أفضل؟! فيخص إطلاق القول والأخبار بالأدلة، لأن العموم قد يخص بالادلة إجماعا (6). وقال ابن الجنيد (7): وإذا خالف الأجير المستأجر فيما شرطه عليه إلى ما هو أفضل في الفعل والسنة جاز، وإن كان غير ذلك لم يجز، بل يستدرك ذلك إن كان يمكن حتى يأتي بما شرط عليه بعينه، إما بفدية أو رجوع (8) إلى الميقات أو

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 550.
(2) المبسوط: ج 1 ص 324.
(3) الخلاف: ج 2 ص 391 المسألة 247.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 550.
(5) المبسوط: ج 1 ص 324.
(6) السرائر: ج 1 ص 627.
(7) لم نعثر على كتابه.
(8) م (2): برجوع.

[ 324 ]

إعادة حج أو استئناف عمرة. وقال ابن البراج: ومن أمر غيره بأن يحج عنه متمتعا لم يجز له أن يحج عنه قارنا أو مفردا إذا كان نائبا بأجرة، فإن أمره أن يحج عنه قارنا أو مفردا فحج متمتعا كان ذلك جائزا ولا شئ عليه (1). والأقرب أن نقول: إن كان الفرض هو القران والإفراد بأن يكون حجة الاسلام لمكي أو حجة ناذر لم يجز له التمتع، وإن كان الحج ندبا فإن عدل إلى التمتع جار، بخلاف العكس. لنا: على الأول: إنه قد استؤجر لإبراء ذمة المستأجر بالاتيان بما وجب عليه شرعا ولم يفعل فيبقى في العهدة، ولا يجزئه ما فعله، كما لو استأجره للتمتع (2) فقرن أو أفرد. ويؤيده ما رواه الحسن بن محبوب، عن علي - عليه السلام - في رجل أعطى رجلا دراهم يحج بها حجة مفردة، قال: ليس له أن يتمتع بالعمرة إلى الحج، لا يخالف صاحب الدراهم (3). قال الشيخ: إنه حديث موقوف غير مسند إلى أحد من الأئمة - عليهم السلام - (4). وعلى الثاني: إنه أتى بالأفضل من المشترط، فوجب أن يخرج عن العهدة، لقوله تعالى: " ما على المحسنين من سبيل " (5).

(1) المهذب: ج 1 ص 268. (2) ق: للمتمتع.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 416 ح 1447، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب النيابة في الحج ح 2 ج 8 ص 128.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 416 ذيل الحديث 1447.
(5) التوبة: 91.

[ 325 ]

لا يقال: ينتقض هذا بما ذكرتموه أولا. لأنا نقول: الفرق ظاهر، فإن الأول تعلق غرض الشرع بإيقاع نوع (1) معين فلا يجزئ غيره، كما لو أوقعه المكلف مباشرة فكذا لو أوقعه نيابة. أما الثاني فإن غرض الشارع الاتيان بالأفضل وقد فعله النائب، ولا اعتبار هاهنا بتعيين المستأجر، ألا ترى أن من اشترى من غيره سلعة فأتاه بأجود من الموصوف وجب عليه القبول. بقي هنا بحث: وهو أنه لو كان المنوب متخيرا في أنواع الحج بأن يكون له منزلان متساويان في الإقامة أو نذر حجا مطلقا فاستؤجر عنه للتمتع فقرن النائب أو أفرد أو بالعكس ففي الإجزاء عن المنوب نظر، ومع القول بالإجزاء ففي استحقاق الأجير شيئا من الأجرة نظر. مسألة: لو صد الأجير قبل الاحرام قال الشيخ في النهاية: كان عليه مما أخذه من الأجرة بمقدار ما بقي من الطريق، اللهم إلا أن يضمن الحج فيما يستأنف ويتولاه بنفسه، فإن مات قبل الاحرام ودخول الحرم كان على ورثته إن خلف في أيديهم شيئا مقدار ما بقي عليه من نفقة الطريق (2). وقال في المبسوط: إذا أحصر الأجير كان له التحلل بالهدي ولا قضاء عليه، والمستأجر على ما كان عليه إن كان متطوعا كان بالخيار، وإن كان وجب عليه حجة الاسلام لزمه أن يستأجر من ينوب عنه، غير أنه يلزم الأجير أن يرد ما بقي من الطريق أو يضمن الحج فيما يستأنفه ويتولاه بنفسه، ولو مات الأجير قبل الاحرام وجب على ورثته أن يردوا جميع ما أخذ ولا يستحق شيئا من الأجرة، لأنه لم يفعل شيئا من افعال الحج، وإن كان بعد الاحرام لم يلزمه

(1) م (2): فرع.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 552.

[ 326 ]

شئ وأجزأه عن المستأجر، وسواء كان ذلك قبل استيفاء الأركان أو بعدها، قبل التحلل أو بعده، هذا إذا استأجره على أن يحج عنه وأطلق، وإن استأجره على أن يحج مثلا من بغداد أو خراسان بأن يقطع المسافة إلى الميقات استحق الأجرة بمقدار ما قطع من المسافة (1). وقال في الخلاف: لو مات الأجير أو أحصر قبل الاحرام لا يستحق شيئا من الأجرة، وأفتى الصيرفي بأنه يستحق من الأجرة بقدر ما عمل. دليلنا: إن الإجارة إنما وقعت على افعال الحج، وهذا لم يفعل شيئا منها فيجب أن لا يستحق الأجرة، ومن أوجب له ذلك فعليه الدلالة، ثم قال: ويقوى في نفسي ما قاله الصير في، لأنه كما استؤجر على افعال الحج استؤجر على قطع المسافة، وهذا قد قطع قطعة منها فيجب أن يستحق من الأجرة بحسبه (2). وقال ابن الجنيد (3): لو مات الأجير في الطريق استحب للمستأجر أن يرجع على ورثته. وقال أبو الصلاح: فإن صد أو مات النائب أو أحصر قبل أن يؤدي المناسك فله من المال بحسب ما قطع من المسافة، ولم تجزئ الحجة عن المستنيب إلا أن يضمن العود، وإن مات بعد ما أحرم ودخل الحرم لم يرجع على ورثته بشئ من مال النيابة وأجزأت الحجة عن المستنيب (4). وقال ابن البراج: ومن أخذ حجة عن غيره فصد في بعض الطريق فعليه أن يرد من أجرة النيابة بمقدار ما بقي عليه إلا أن يضمن الحج بنفسه إلى المستقبل،

(1) المبسوط: ج 1 ص 323.
(2) الخلاف: ج 2 ص 389 المسألة 243.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) الكافي في الفقه: ص 220.

[ 327 ]

والنائب إذا مات قبل الاحرام ودخول الحرم فعلى ورثته إن ترك لهم شيئا أن يردوا مقدار ما بقي عليه من نفقة الطريق إلى من استنابه (1). وقال ابن إدريس: إذا مات الأجير فإن كان قبل الاحرام وجب على ورثته أن يردوا بمقدار أجرة ما بقي من المسافة، ومن حج عن غيره فصد عن بعض الطريق كان عليه مما أخذه بمقدار ما بقي من الطريق، اللهم إلا أن يضمن الحج فيما يستأنف ويتولاه بنفسه إن كانت السنة معينة، وإن كانت الإجارة في الذمة فعلى ما ذكرناه، ثم قال: والذي يقتضيه أصول المذهب ويشهد بصحته الاعتبار إن المستأجر على الحج إذا صد أو مات قبل الاحرام لا يستحق شيئا من الأجرة، لأنه ما فعل الحج الذي استؤجر عليه ولا دخل فيه ولا فعل شيئا من أفعاله (2). والأقرب أن نقول: في الميت إن كانت الإجارة وقعت على افعال الحج لم يستحق الأجير بقطع المسافة شيئا، وإن وقعت على الحج من بلد معين استحق في مقابلة قطع المسافة قدرا من الأجرة. لنا: على الأول إن مال الإجارة في مقابلة فعل لم يصدر عنه شئ، فلا يستحق في مقابلة قطع المسافة (3) أجرة. وعلى الثاني: إن المال جعل في مقابلة مجموع أمرين صدر عنه أحدهما فاستحق في مقابلته قسطا من المال، وأما المصدود: فإن كان الحج لعام واحد معين لم يجب على الورثة الاجابة إلى الضمان، وإن كان مطلقا لم يكن لهم فسخ الإجارة، لأن الإجارة تناولت زمانا معينا ولم يأت بالفعل فيه وغيره لم يتناوله العقد فلا يجب على الورثة الاجابة.

(1) المهذب: ج 1 ص 268 - 269.
(2) السرائر: ج 1 ص 628 - 629.
(3) م (2): في مقابلته أجرة. ب

[ 328 ]

مسألة: لو استأجره أن يحج عنه من طريق فسلك غيرها أجزأ إن لم يتعلق به غرض، وهل يرد الأجرة ما بين الميقاتين (1) ويؤخذ منه النقصان؟ قال الشيخ في المبسوط: لا يلزم الأجير ذلك، لأنه لا دليل عليه (2). والأقرب الوجوب. لنا: إنه لو استأجره (3) للحج على طريق ولم يأت بما شرطه فوجب عليه رد التفاوت، وإن تعلق به غرض فالأقرب أنه كذلك. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: فإن شرط عليه أن يحرم قبل الميقات لم يلزمه ذلك، لأنه باطل (4). وهذا على الإطلاق ليس بجيد على رأيه، لأنه يجوز الاحرام قبل الميقات للناذر، فحينئذ يجب عليه الاتيان بما شرط المستأجر. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (5) والخلاف (6): إذا أحرم الأجير بالحج عن المستأجر ثم أفسد حجه انتقلت عن المستأجر إليه وصار محرما بحجة عن نفسه فاسدة، فعليه قضاؤها عن نفسه والحج باق عليه للمستأجر، يلزمه أن يحج عنه فيما بعد إن كانت الحجة في الذمة، ولم يكن له فسخ هذه الإجارة. وإن كانت معينة انفسخت الإجارة وكان على المستأجر أن يستأجر من ينوب عنه، فأوجب عليه حجتان بعد إتمام الحجة الفاسدة، وهو اختيار ابن إدريس (7). وليس بعيدا من الصواب أن يقال: إذا كان الحج مطلقا اكتفى بالقضاء

(1) في متن المطبوع وق: المسافتين.
(2) المبسوط: ج 1 ص 325.
(3) ق: لأنه استأجره.
(4) المبسوط: ج 1 ص 322.
(5) المبسوط: ج 1 ص 322.
(6) الخلاف: ج 2 ص 388 المسألة 239. (7) السرائر: ج 1 ص 632.

[ 329 ]

عن الحج الثاني، وإن كان معينا فإن قلنا: الأولى حجة الاسلام والثانية عقوبة برئت ذمة المستأجر بإتمامها ولا (1) تنفسخ الإجارة، والقضاء في القابل عقوبة. وإن قلنا: الأولى فاسدة والثانية قضاء لها كان الجميع لازما للأجير، ولا يجزئ عن المستأجر، ويستعاد منه الأجرة. لنا: على الأول: إن الحجة الثانية قضاء عن الحجة الفاسدة، وكما يجزئ عن الحاج نفسه كذا يجزئ عن النائب. وما رواه إسحاق بن عمار في الصحيح قال: سألته عن الرجل - إلى أن قال: - فإن ابتلى بشئ يفسد عليه حجته حتى يصير عليه الحج من قابل أيجزئ عن الأول؟ قال: نعم، قلت: لأن الأجير ضامن للحج؟ قال: نعم (2). وعن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في رجل حج عن رجل فاجترح في حجه شيئا يلزمه فيه الحج من قابل أو كفارة؟ قال: هي على الأول تامة وعلى هذا ما اجترح (3). وعلى الثاني: إن الاجازة وقعت معلقة بزمان معين وقد فات ولم يتناول غيره، فلا يقع الفعل فيه مجزئا. ولأنه استؤجر في هذا العام لحج صحيح فلم يأت به فيبطل فعله. احتج الشيخ بأنه استأجره أن يحج عنه حجة صحيحة شرعية وهذه فاسدة فيجب أن لا يجزئه. والجواب: نحن نقول بموجب هذا الدليل مع التعيين، أما مع الإطلاق فلا،

(1) م (2): ولم.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 417 ح 1450، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب النيابة في الحج ح 1 ج 8 ص (3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 461 ح 1606، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب النيابة في الحج ح 2 ج 8 ص

[ 330 ]

إذ الزمان غير معين. مسألة: إذا استأجره للحج من بغداد فجاء الميقات فأحرم بالعمرة عن نفسه صحت، فإذا تحلل منها وأحرم بالحج عن مستأجره فإن كان قد رجع إلى الميقات أجزأه، وإن لم يرجع مع تمكنه من الرجوع لم يجزئه، وإن لم يمكنه الرجوع أجزأ عن المستأجر، ولا يلزمه دم، ولا يرد شئ من الأجرة، لأنه لا دليل عليه، قاله الشيخ في المبسوط (1). والأقرب أن عليه رد تفاوت ما بين حجة أحرم الحاج فيها من الميقات وبين حجة أحرم الحاج فيها من مكة للصرورة. لنا: أن التفريط منه. ولأنه قد شرط عليه فعل لم يأت به فيسقط من الأجرة ما قابله. مسألة: لو قال حج عني أو اعتمر بكذا قال الشيخ في الخلاف: كان صحيحا، فمتى حج أو اعتمر استحق المائة (2). وقال في المبسوط: الإجارة باطلة، لأن العمل مجهول، فإن حج أو اعتمر وقع عمن حج عنه، لأنه أذن له فيه ولزمه أجرة المثل، ولا يستحق المسمى لفساد العقد، ولو قلنا: إن العقد صحيح ويكون مخيرا في ذلك كان قويا (3). والوجه ما قاله في المبسوط أولا، لأنه مجهول، فلا يصح الإجارة. مسألة: قال في المبسوط (4) والخلاف (5): إذا قال: من حج عني فله عبد أو دينار أو عشرة دراهم كان ذلك صحيحا ويكون مخيرا في ذلك كله، فمتى حج

(1) المبسوط: ج 1 ص 323 - 324.
(2) الخلاف: ج 2 ص 393 المسألة 252.
(3) المبسوط: ج 1 ص 325.
(4) المبسوط: ج 1 ص 325.
(5) الخلاف: ج 2 ص 394 المسألة 253.

[ 331 ]

استحق واحدا من ذلك ويكون المستأجر بالخيار. والأقرب عندي بطلان الإجارة لجهالة العوض. مسألة: قال ابن الجنيد (1): لا تصح الإجارة حتى يشترط المستأجر على الأجير شرائط الحج وفعل مناسكه الفرائض والسنن الكبار والمستحبة، وتكون تلك فيهما معلومة محدودة، فإن كانت مجهولة لم تصح الإجارة. وفي قوله نظر، لأن الواجب الاتيان بالواجبات، فلا يجب الاستئجار على غيره. مسألة: قال الشيخ: لو استأجره ليحج فاعتمر أو ليعتمر فحج فلم يقع عن المحجوج عنه، سواء كان حيا أو ميتا، ولا يستحق شيئا من الأجرة. وقال شيخنا أبو القاسم جعفر بن سعيد: يصح سواء كان المستأجر حيا أو ميتا،، لأن المتبرع تصح نيابته، لكن لا يستحق أجرة لا خلاله بما وقعت الإجارة عليه وتبرعه بما وقع منه (3). والتحقيق أن نقول: الإجارة إن وقعت مطلقا وجب على الأجير الاتيان بما شرط عليه وصح تبرعه عن المستأجر، بمعنى أنه لو كان النسك الآخر واجبا عليه برئت ذمته، ولا يستحق أجرة بالتبرع بالاتيان بما شرط عليه، وإن وقعت معينة لسنة (4) معلومة فخالف فالحق ما قاله الشيخ أبو جعفر الطوسي - رحمه الله -، لأن تلك السنة استحق المستأجر عملا معينا من الأجير فيها، فإذا فعل خلاف ما أمر به كان عاصيا، فلا يقع ما فعله عبادة مأمورا بها شرعا، فلا تقع صحيحة.

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) الخلاف: ج 2 ص 395 المسألة 255. (3) المعتبر: ج 2 ص 778.
(4) م (2): لسنة معينة.

[ 332 ]

مسألة: إذا فاته الموقفان بغير تفريط لزمه التحلل بعمرة لنفسه. قال الشيخ: وله أجرة مثله إلى حين الفوات (1). والأقرب أن له من الأجرة التي وقع عليها العقد بنسبة ما أوقع من الأفعال، ويستعاد ما بقي. لنا: إن العقد وقع على أجر معين فله من المسمى بنسبة ما عمل (2) كغيره من الاجارات. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا أحرم عمن استأجره سواء كانت في حجة الفرض أو التطوع ثم نقل الاحرام إلى نفسه لم يصح نقله، ولا فرق بين أن يكون الاحرام بالحج أو العمرة، فإن مضى على هذه النية وقعت الحجة عمن بدأ بنيته، لأن نقل ما صح، ويستحق الأجرة على ما وقعت الحجة عنه (3). والوجه عندي أنها لا تقع عن أحدهما ولا يستحق أجرة، أما عن المستأجر فلأن الأجير لم يوقع الأفعال عنه، وأما عن نفسه (4) فلأن النقل غير صحيح. مسألة: الصبي المميز لا تصح نيابته قاله الشيخ (5)، وقيل: تصح (6). والوجه الأول. لنا: إن أفعاله تمرين لا يستحق بها ثوابا، لعدم التكليف. احتج الاخرون بأنه يصح منه الاتيان بالحج فيصح أن يكون نائبا كالبالغ. والجواب: إن عنيتم بالصحة ما يستحق بها الثوب منعناه، فإن الثواب

(1) المبسوط: ج 1 ص 325 - 326.
(2) ق: فعل. (1) المبسوط: ج 1 ص 299.
(4) م (2): الأجير.
(5) المبسوط: ج 1 ص 302.
(6) نقله في شرائع الاسلام: ج 1 ص 232.

[ 333 ]

معلول التكليف وهو ساقط عنه، لقوله - عليه السلام -: " رفع القلم عن ثلاثة: وذكر منهم الصبي حتى يبلغ " (1). وإن عنيتم بالصحة بالنسبة إلى ما يراد منه من التمرين فهو حق، لكن ذلك غير كاف من الاسقاط عن المكلف. مسألة: من وجب عليه حجة الاسلام لا يجوز له أن يحج عن غيره ولا تطوعا، فإن حج عن غيره لم يجزه عنه ولا عن غيره، وإن حج تطوعا قال في المبسوط: وقعت عن حجة الاسلام (2)، وليس بجيد، لأن شرط الامتثال النية، وهي إرادة إيقاع الفعل المأمور به على الوجه المأمور به شرعا ولم يحصل. الفصل الثاني في أحكام العبيد والصبيان والمجانين والنساء في الحج مسألة: إذا أذن المولى لعبده في الاحرام ثم رجع قبل التلبس ولم يعلم العبد حتى تلبس للشيخ قولان: قال في الخلاف: ليس للمولى فسخه (3)، وهو اختيار ابن حمزة (4)، لأنه انعقد صحيحا لاستناده إلى الإذن ولم يعلم النهي. وقال في المبسوط: الأولى أن نقول: ينعقد إحرامه غير أن للسيد منعه منه. قال: وقد قيل: إنه لا ينعقد إحرامه أصلا (5). والأقرب ما قاله في المبسوط. لنا: إن السيد رجع في وقته فكان له منع العبد من الاستمرار، كما لو علم

(1) صحيح البخاري: ج 7 ص 59، سنن ابن ماجة: ج 1 ص 658 ح 2041، سنن الدارمي: ج 2 ص 171، الخصال: ج 1 ص 93 ح 40.
(2) المبسوط: ج 1 ص 302.
(3) الخلاف: ج 2 ص 283 المسألة 233.
(4) الوسيلة: ص 194.
(5) المبسوط: ج 1 ص 327.

[ 334 ]

العبد، وعلم العبد غير مؤثر في اللزوم وعدمه، والصحة التي ادعاها الشيخ نحن نقول بها على إشكال، من حيث أن دوام الإذن شرط في صحة انعقاده ولم يوجد. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو أحرم بإذن مولاه فارتكب محظورا يلزمه (1) به دم، مثل اللباس والطيب وحلق الشعر وتقليم الأظفار (2) واللمس بشهوة والوطئ في الفرج أو فيما دون الفرج وقتل الصيد وأكله ففرضه الصيام، وليس عليه دم، ولسيده منعه منه، لأنه فعله بغير إذنه (3). وقال ابن إدريس: ليس لسيده منعه من الصيام، لأنه دخل في الاحرام بإذنه، فيلزمه الإذن في توابعه (4). وعلى كل من القولين رواية، أما الثاني: فقد رواه جرير في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: المملوك كلما أصاب الصيد وهو محرم في إحرامه فهو على السيد إذا أذن في الاحرام (5). لا يقال: هذا يقتضي إيجاب الجزاء وأنتم لا تقولون به، وإنما توجبون الصوم على العبد. لأنا نقول: العاجز عن الجزاء يجب عليه الصوم، ولا شك في أن العبد عاجز، فلا يجب عليه الجزاء فيجب بدله وهو الصوم، وكان ذلك إيجابا على المولى، باعتبار أن الضرر الحاصل بالتكليف كما تناول العبد تناول المولى أيضا،

(1) ق: فلزمه.
(2) م (2): الظفر.
(3) المبسوط: ج 1 ص 328. (4) السرائر: ج 1 ص 636.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 382 ح 1334، وسائل الشيعة: ب 56 من أبواب كفارات الصيد ح 1 ج 9 ص 251.

[ 335 ]

وكان بالحقيقة إيجابا عليه. وأما الأول: فقد رواه عبد الرحمان بن أبي نجران قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن عبد أصاب صيدا وهو محرم هل على مولاه شئ من الفداء؟ فقال: لا شئ على مولاه (1). قال الشيخ: لا تنافى بينهما، لأن الحديث الثاني محمول على ما إذا أحرم بغير إذن مولاه (2). وليس بعيدا من الصواب أن يقال: المراد ليس عليه فداء، وإنما عليه تمكين العبد من الصوم. وعندي في القولين نظر. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: كل ما يحرم على المحرم البالغ يحرم على الصبي، والنكاح إن عقد له كان باطلا، وأما الوطئ فيما دون الفرج واللباس والطيب واللمس بشهوة وحلق الشعر وترجيل الشعر وتقليم الظفر فالظاهر أنه يتعلق به الكفارة على وليه، وإن قلنا: لا يتعلق به شئ - لما روي عنهم عليهم السلام من أن عمد الصبي وخطأه سواء، والخطأ في هذه الأشياء لا يتعلق به كفارة للبالغين - كان قويا. وقتل الصيد يتعلق به الجزاء على كل حال، لأن النسيان يتعلق به من البالغ الجزاء. وأما الوطئ في الفرج فإن كان ناسيا فلا شئ عليه ولا يفسد حجه مثل البالغ سواء، وإن كان عامدا فعلى ما قلناه من أن عمده (3) وخطأه سواء لا يتعلق به أيضا فساد الحج، ولو قلنا: إن عمده عمد لعموم الأخبار فيمن وطأ عامدا في الفرج من أنه يفسد حجه فقد فسد حجه ويلزمه القضاء. والأقوى الأول، لأن إيجاب القضاء يتوجه إلى المكلف، وهذا ليس بمكلف (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 383 ح 1335، وسائل الشيعة: ب 56 من أبواب كفارات الصيد ح 3 ج 9 ص 252.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 383 ذيل الحديث 1335، الاستبصار: ج 2 ص 216 ذيل الحديث 742.
(3) م (2): عمد الصبي.
(4) المبسوط: ج 1 ص 229.

[ 336 ]

وقال في الخلاف: الصبي إذا وطأ في الفرج عامدا فقد روى أصحابنا أن عمد الصبي وخطأه سواء، فعلى هذا لا يفسد حجه ولا يتعلق به الكفارة، وإن قلنا: إن ذلك عمد يجب أن يفسد الحج ويتعلق به الكفارة - لعموم الأخبار فيمن وطأ عامدا أنه يفسد حجه - كان قويا، إلا أنه لا يلزمه القضاء، لأنه ليس بمكلف، ووجوب القضاء يتوجه (1) إلى المكلف، وضمان ما يتلفه الصبي للحرم ومن الصيد على الولي (2). فقوى في المبسوط كون عمد الوطئ كالخطأ، وفي الخلاف قوى أنه عمد. وقال ابن إدريس: لا يجب بأفعاله المحظورة شئ، ولا يفسد حجه، ولا يجب بصيده شئ، لأن إيجاب الكفارة على الصيد إنما يتعلق بالعقلاء البالغين، وإيجاب الكفارة على الناسي لا يقتضي ايجابها على الصبي، فإنه قياس (3). والشيخ قال في التهذيب: إذا فعل ما يلزمه فيه الكفارة فعلى وليه، واستدل بما رواه زرارة، عن أحدهما - عليهما السلام - إلى أن قال: وإن قتل صيدا فعلى أبيه (4). وهذه الرواية مع صحة سندها إنما تدل على حكم الصيد والهدي دون باقي المحظورات. والأقرب أنه لا كفارة عليه في غير الصيد، فعلى وليه الكفارة. لنا: على الأول: إن عمد الصبي هو خطأ، ولا كفارة في الخطأ. وعلى الثاني: إن الكفارة تجب بالصيد مطلقا، ولا يجب عليه لانتفاء التكليف فيثبت على الولي.

(1) م (2): إنما يتوجه.
(2) الخلاف: ج 2 ص 361 المسألة 197 وص 363 المسألة 198.
(3) السرائر: ج 1 ص 636 - 637.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 409 - 410 ذيل الحديث 1423 وح 1424.

[ 337 ]

بقي هنا بحث: وهو أنه لو جامع في عقد حالة الاحرام فالأقرب التحريم المؤبد. مسألة: لو وجب على الصبي القضاء أو على العبد وكانا قد لحقهما البلوغ والحرية قبل فوات أحد الموقفين قال الشيخ: يجب أن يبدأ بحجة الاسلام ثم يقضيان، فإن بدأ بالقضاء وقعت لحجة الاسلام (1). وفيه نظر، أما أولا: ففي تعيين تقديم حجة الاسلام، فإن القضاء أيضا يجب على الفور. سلمنا، لكن على تقدير وجوب تقديم حجة الاسلام. والأقرب البطلان، لأنه لم يقصد حجة الاسلام فلم يقع، ولا يصح القضاء، لأنه لم يقع على الوجه المأمور به شرعا. مسألة: قال في الخلاف: إذا جن بعد إحرامه فقتل صيدا أو حلق شعرا أو وطأ ما يفسد الحج لزمه الجزاء بقتل الصيد، وليس فيما عداه شئ لأصالة براءة الذمة، وقوله - عليه السلام -: " رفع القلم عن ثلاثة: أحدهم المجنون حتى يفيق " (2)، وأما الصيد فما بيناه من أن حكم العمد والنسيان سواء توجبه. والأقرب عدم إيجاب شئ بالصيد أيضا. لنا: الحديث وأصالة البراءة، وفرق بين الناسي والمجنون، فإن الناسي ربما توجهت المؤاخذة إليه باعتبار تفريطه بالنسيان بخلاف المجنون. مسألة: قال الشيخ في الجمل: وما يلزم الرجال بالنذر يلزم مثله النساء (3)، وأطلق. وفي المبسوط: إن نذرت الحج فإن كان بإذن زوجها كان حكمه حكم

(1) الخلاف: ج 2 ص 382 المسألة 232.
(2) الخلاف: ج 2 ص 448 - 449 المسألة 352.
(3) الجمل والعقود: ص 152.

[ 338 ]

حجة الاسلام، وإن كان بغير إذنه لم ينعقد نذرها (1). وقال ابن إدريس: الحق ما ذكره في المبسوط (2). والأقرب أن نقول: إن نذرت وهي خالية من الزوج انعقد نذرها إجماعا، وإن كانت ذات بعل فإن عينت الوقت فإن جاء وهي كانت ذات بعل كان له إبطال نذرها، وإن خلت عنه سواء تزوجت غيره أو لا كان نذرها منعقدا، وإن أطلقت انعقد نذرها، وإن خلت عن الزوج أو أذن لها صح، وإن لم تخل في ذلك العام انتظرت العام الآخر، فإن ماتت ولم يخل سقط نذرها. لنا: إن المانع إنما هو حق الزوج ولا حق فيما قلناه. مسألة: قال ابن حمزة: إذا كان لها زوج أو ذو محرم فإن لم يساعدها أحد منهم في حجة الاسلام حجت من دونهم، وإن ساعدها أحد منهم لم يكن لها أن تحج دونه (3)، وليس بجيد. والوجه أن لها أن تحج من دون المحارم، ولا يجب عليها طاعتهم. نعم الزوج يجب عليها طاعته والمضاجعة له. مسألة: لو حاضت في أثناء طواف المتعة فإن جاوزت النصف قطعته وسعت وقصرت وتمت متعتها، وإن طافت أقل من أربعة أشواط بطل طوافها، فإن طهرت قبل فوات وقت العمرة طافت وسعت وقصرت وأحرمت للحج، وإن لم تطهر بطلت متعتها وصارت حجتها مفردة، اختاره الشيخان (4)، وابن البراج (5)، وابن حمزة (6)، وبه أفتى علي بن بابويه (7) والصدوق (8) ولده في أحد

(1) المبسوط: ج 1 ص 330.
(2) السرائر: ج 1 ص 622.
(3) الوسيلة: ص 191. (4) المقنعة: ص 440، ولم يتعرض إلى حكم فوات وقت العمرة، المبسوط: ج 1 ص 331.
(5) المهذب: ج 1 ص 232.
(7) لم نعثر على رسالته.
(6) الوسيلة: ص 912.
(8) المقنع: ص 84.

[ 339 ]

قوليه، وفي القول الآخر: إنها تكتفي بثلاثة أطواف (1) أو أقل (2). قال ابن إدريس: الذي تقتضيه الأدلة أنها إذا جاءها الحيض قبل جميع الطواف فلا متعة لها، وإنما أورد بما قاله شيخنا أبو جعفر خبران مرسلان فعمل عليهما، وقد بينا أنه لا يعمل بأخبار الاحاد وإن كانت مسندة، فكيف بالمراسيل (3). وأصح ما بلغنا في هذا الباب ما رواه محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن امرأة طافت ثلاثة أشواط أو أقل من ذلك ثم رأت دما، قال: تحفظ مكانها، وإذا طهرت طافت واعتدت بما مضى (4). وتأول الشيخ هذه الرواية على النافلة (5). واستدل على مذهبه بما رواه أبو بصير، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت أو بين الصفا والمروة فجاوزت النصف فعلمت ذلك الموضع فإذا طهرت رجعت وأتمت بقية طوافها من الموضع الذي علمت، وإن هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوله (6). واعلم أن المشهور ما اختاره الشيخان، وما أدري الأدلة التي قادته لابن إدريس إلى ما ذهب إليه أيها هي؟

(1) م (2): أشواط.
(2) المقنع: ص 84.
(3) السرائر: ج 1 ص 623.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 397 ح 1380، وسائل الشيعة: ب 85 من أبواب الطواف ح 3 ج 9 ص 501.
(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 5 ص 397 ذيل الحديث 1380.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 395 ح 1377، وسائل الشيعة: ب 85 من أبواب الطواف ح 1 ج 9 ص 501.

[ 340 ]

مسألة: قال ابن الجنيد (1): الحائض والنفساء من ابتدأ إحرامه منهما وبها الدم وكانت متمتعة بالعمرة إلى الحج أقامت على إحرامها، ولم تطف إذا وردت مكة إلى أن يخرج الناس إلى منى، فإن لم تطهر قبل ذلك خرجت معهم، فإذا طهرت رجعت سعت له وطافت طواف النساء وقد صحت متعتها وعليها دم، وكانت كالسائق المهل بمتعة (2) إلى الحج، ولو اختارت عند خروجها إلى منى إبطال متعتها وافراد الحج جاز ذلك لها واعتمرت من التنعيم واخراجها من متعتها، وأما من أحرم منهن طاهرا بمتعة إلى الحج ثم حاضت كانت مخيرة إذا قدمت مكة أن تقدم السعي، فإذا طهرت قبل الخروج إلى منى طافت وأحلت، وبين أن تقف على إحرامها، وإن لم تطهر حتى خرج الناس إلى منى كانت أيضا (3) مخيرة أن تجعلها حجة مفردة وتقدم السعي وتشهد المناسك، فإن رجعت طافت طواف الزيارة وطواف النساء وأحلت، فإن اختارت المقام على متعتها كان لها أن تقدم سعي العمرة وتسعى وتقيم على إحرامها، فإذا رأت الطهر يوم النحر طافت ثلاثة أشواط طواف العمرة وطواف الحج وطواف النساء وذبحت دم متعتها، وإن لم تطهر إلى أن نفر الناس آخر أيام التشريق أقامت إلى أن يمضي لها تتمة عشرة أيام ثم فعلت ما تفعل المستحاضة، فإن فعلت ذلك ثم أقامت بمكة ورأت الطهر بعده إعادة الطواف والسعي وطواف النساء. وهذه المسألة قد اشتملت على أحكام مشكلة: منها قوله: " فإذا طهرت رجعت وسعت وطافت طواف النساء وقد صحت متعتها " فإنه وإن قصد أنها

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) م (1): بمتعته.
(3) ليس في م (1) وم (2).

[ 341 ]

كانت طافت طواف العمرة صح وإلا فلا. وأما قوله: " وأما من أحرم منهن طاهرا بمتعة إلى الحج ثم حاضت كانت مخيرة إذا قدمت مكة أن تقدم السعي " ففيه إشكال، لأن السعي إنما يكون بعد الطواف. ومنها قوله: " وإن لم تطهر حتى خرج الناس إلى منى تخيرت بين أن تجعلها حجة مفردة وأن تقيم على متعتها " ففيه إشكال، فإن البقاء على المتعة إنما يصح لو طافت أربعة أشواط، أما إذا لم تطف فلا. مسألة: إذا قضت المتعة (1) وأحرمت بالحج وخافت من الحيض جاز لها تقديم طواف الحج وسعيه وطواف الحج وسعيه وطواف النساء على الخروج إلى عرفات، قاله الشيخ (2) - رحمه الله -، ومنع ابن إدريس ذلك وادعى الاجماع عليه (3). والحق ما قاله الشيخ. لنا: إنها مضطرة فجاز لها التقديم، وإلا لزم الحرج. وما رواه صفوان بن يحيى الأزرق في الصحيح، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن امرأة تمتعت بالعمرة إلى الحج ففرغت من طواف العمرة وخافت من الطمث قبل يوم النحر أيصلح لها أن تعجل طوافها طواف الحج قبل أن تأتي منى؟ قال: إذا خافت أن تضطر إلى ذلك فعلت (4). والذي ادعاه ابن إدريس من الاجماع لم تثبت. مسألة: قال الشيخ في النهاية: يحرم على النساء في الاحرام من لبس المخيط

(1) م (2): العمرة.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 548.
(3) السرائر: ج 1 ص 624.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 398 ح 1384، وسائل الشيعة: ب 64 من أبواب الطواف ح 2 ج 9 ص 473.

[ 342 ]

مثل ما يحرم على الرجال (1)، وسوغ في المبسوط اللبس (2)، وكذا ابن إدريس (3)، وهو الحق. لنا: إنهن عورة، والستر واجب، ولأنه إجماع. مسألة: قال الشيخ في ف في الجزء الأول: يجوز للمرأة أن تخرج في حجة الاسلام وإن كانت معتدة أي عدة كانت (4). وقال في كتاب العدد منه: لو أحرمت بالحج ثم طلقها زوجها وجب عليها العدة، فإن كان الوقت ضيقا بحيث تخاف فوت الحج إن أقامت فإنها تخرج وتقضي حجتها ثم تعود فتقضي باقي العدة إن بقي عليها شئ، وإن كان الوقت واسعا وكانت محرمة بعمرة فإنها تقيم وتقضي عدتها ثم تحج وتعتمر (5). وقال ابن إدريس: الصحيح الأول، لأن حجة الاسلام تخرج بغير إذن الزوج إجماعا (6). والتحقيق يقتضي أنه لا تنافى بين القولين، فإن الشيخ فرض في المسألة الثانية اتساع الوقت لقضاء العدة وأدرك الحج، فإنه يجب البدأة بقضاء العدة لما فيه من الجمع بين الاتيان بالواجب المضيق وهو العدة، وبين الاتيان بالموسع. مسألة: قال ابن حمزة: يسقط عن المرأة مما يلزم الرجل أربعة أشياء: كشف الرأس ورفع الصوت بالتلبية والحق ودخول البيت (7)، وهذا القول

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 475.
(2) المبسوط: ج 1 ص 475.
(3) السرائر: ج 1 ص 624.
(4) الخلاف: ج 2 ص 434 المسألة: 329.
(5) الخلاف: ج 3 ص 58 المسألة 25 طبع اسماعيليان. (6) السرائر: ج 1 ص 625.
(7) الوسيلة: ص 193.

[ 343 ]

يشعر بوجوب رفع الصوت بالتلبية ودخول البيت. والأقرب الاستحباب. لنا: الأصل براءة الذمة (1). الفصل الثالث في المحصور والمصدود مسألة: المحصور هو الممنوع بالمرض، فهذا يبعث هديا إلى مكة ويبقى على إحرامه إلى أن يبلغ الهدي محله - وهو منى - يوم النحر إن كان حاجا، وإن كان معتمرا فمحله مكة بفناء الكعبة، فإذا بلغ الهدي محله قصر من شعر رأسه وحل له كل شئ إلا النساء، قاله الشيخ (2)، وابنا بابويه (3)، وأبو الصلاح (4)، وابن البراج (5)، وابن حمزة (6)، وابن إدريس (7). وقال ابن الجنيد (8): ومن حصر بعد الاحرام كان عليه الهدي، ومباح له أن ينحر حيث حصر ويرجع حلالا إلا عن النساء، وعليه إذا برئ قضاء ما عقده بإحرامه، ولو أنفذ هديه إلى مكة وأقام على إحرامه إلى أن يبرئ ثم تمم ما كان عقده فخرج منه كان أولى. وقال سلار: والمحصور بالمرض ضربان: أحدهما: في حجة الاسلام، والآخر:

(1) م (2): البراءة.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 554 - 555.
(3) المقنع: ص 77 ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(4) الكافي في الفقه: ص 218.
(5) المهذب: ج 1 ص 270.
(6) الوسيلة: ص 193.
(7) السرائر: ج 1 ص 638.
(8) لم نعثر على كتابه.

[ 344 ]

في التطوع، فالأول: يجب بقاؤه على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله، ثم يحل من كل شئ أحرم منه إلا النساء، فإنه لا يقربهن حتى يقضي مناسكه من قابل. والثاني: ينحر هديه، وقد أحل من كل شئ أحرم منه (1). ورواه شيخنا المفيد في المقنعة مرسلا عن الصادق - عليه السلام - (2). لنا: قوله تعالى: " فإن احصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله " (3). وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل أحصر فبعث بالهدي، قال: يواعد أصحابه ميعادا، فإن كان في حج فمحل الهدي النحر، فإذا كان يوم النحر فليقصر من رأسه، ولا يجب الحلق حتى يقضي مناسكه، وإن كان في عمرة فلينظر مقدار دخول أصحابه مكة والساعة التي يعدهم فيها، فإذا كان تلك الساعة قصر وأحل، وإن كان مرض في الطريق بعد ما أحرم فأراد الرجوع إلى أهله رجع ونحر بدنة إن أقام مكانه، وإن كان في عمرة فإذا برئ فعليه العمرة واجبة، وإن كان عليه الحج رجع إلى أهله وأقام ففاته الحج كان عليه الحج من قابل، فإن ردوا الدراهم عليه ولم يجدوا هديا ينحرونه فقد أحل لم يكن عليه شئ، ولكن يبعث من قابل ويمسك أيضا (4). وعن زرارة بن أعين في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: إذا أحصر

(1) المراسم: ص 118.
(2) المقنعة: ص 446، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الاحصار والصد ح 6 ص 304.
(3) البقرة: 196.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 421 ح 1465، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الاحصار والصد ح 1 ج 9 ص 305.

[ 345 ]

الرجل بعث بهديه (1). الحديث. احتج سلار بما رواه المفيد في المقنعة مرسلا، وبما رواه الصدوق عن رفاعة ابن موسى، عن الصادق - عليه السلام - قال: خرج الحسين - عليه السلام - معتمرا وقد ساق بدنة حتى انتهى إلى السقيا فبرسم (2) فحلق شعر رأسه ونحرها مكانه ثم أقبل حتى جاء فضرب الباب، فقال علي - عليه السلام -: ابني ورب الكعبة افتحوا له الباب، وكانوا قد حموه الماء فأكب عليه فشرب ثم اعتمر بعد (3). واحتج ابن الجنيد بالحديث الأول حيث قال: وإن كان مرض في الطريق. والجواب: ما قلناه أشهر، مع أنه لا استبعاد في حمل ما قالوه على ما إذا لم يتمكن المريض من المقام على إحرامه، بل يفتقر إلى الحلق، فيجوز له التحلل مطلقا بعد الذبح والنحر. مسألة: قال الشيخ في النهاية: فإن وجد من نفسه خفة بعد أن بعث هديه فليلحق بأصحابه، فإن أدرك مكة قبل أن ينحر هديه قضى مناسكه كلها وقد أجزأه وليس عليه الحج من قابل، وإن وجدهم قد ذبحوا الهدي فقد فاته الحج وكان عليه الحج من قابل، وإنما كان الأمر على ذلك، لأن الذبح إنما يكون يوم النحر، فإذا وجدهم فقد ذبحوا الهدي فقد فاته الموقفان، فإن لحقهم قبل الذبح

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 422 ح 1466، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الاحصار والصد ح 1 ج 9 ص 306.
(2) البرسام - بالكسر: علة معروفة يهذي فيها، يقال: برسم الرجل فهو مبرسم (مجمع البحرين: ج 6 ص 17 مادة برسم). (3) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 516 ح 3107، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الاحصار والصد ح 2 ج 9 ص 309.

[ 346 ]

يجوز أن يلحق أحد الموقفين، فإن لم يلحق واحدا منهما فقد فاته أيضا الحج (1). وقال ابن إدريس: لا اعتبار بإدراك مكة قبل النحر، لأن النحر يكون في منى يوم العيد، ولا يصل الحاج منى إلا بعد طلوع الشمس من يوم النحر، وبطلوع الشمس يفوت وقت المشعر الحرام، وبفواته يفوته الحج، فلو أدرك أصحابه بمنى ولم ينحروا الهدي ما نفعه ذلك، فلا اعتبار بذبح الهدي وادراكه، بل بإدراك المشعر الحرام في وقته (2). وهذه المنازعة لفظية، فإن مقصود الشيخ ذلك، ولهذا جزم بفوات الحج، ولو وجدهم قد ذبحوا وجوز ادراكه لو لم يذبحوا، وعلل بأنه يجوز أن يلحق أحد الموقفين، فالضابط إدراك أحد الموقفين، وإنما ذكر الذبح ضابطا متابعة للرواية. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن لم يكن ساق الهدي فليبعث بثمنه مع أصحابه ويواعدهم وقتا بعينه، بأن يشتروه ويذبحوه عنه ثم يحل بعد ذلك، فإن ردوا عليه الدراهم ولم يكونوا وجدوا الهدي وكان قد أحل لم يكن عليه شئ، ويجب عليه أن يبعث به في العام القابل، ويمسك مما يمسك عنه المحرم إلى أن يذبح عنه (3)، وكذا قال في المبسوط (4)، وهو قول ابن البراج (5)، وابن الجنيد (6)، إلا أن ابن الجنيد قال: وامسك عن النساء. وقال ابن إدريس: لا يجب الامساك مما يمسك عنه المحرم (7).

(1) المقنعة: ص 555.
(7) السرائر: ج 1 ص 639.
(2) السرائر: ج 1 ص 638 - 639.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 555.
(4) المبسوط: ج 1 ص 335.
(5) المهذب: ج 1 ص 271.
(6) لم نعثر على كتابه.

[ 347 ]

احتج الشيخ برواية معاوية بن عمار الصحيحة، عن الصادق - عليه السلام - فإن ردوا عليه الدراهم ولم يجدوا هديا ينحرونه وقد أحل لم يكن عليه شئ، ولكن يبعث من قابل ويمسك أيضا (1). احتج ابن إدريس بأنه ليس بمحرم، فلا يحرم عليه المخيط والجماع، وليس بمحرم ولا في الحرم، فلا يحرم عليه الصيد (2). والأقرب عندي حمل الرواية على الاستحباب جمعا بين النفل وبين ما قاله ابن إدريس. مسألة: المحرم إذا كان قد ساق الهدي ثم أحصر اكتفى بهدي السياق عن هدي الاحصار، ذهب إليه الشيخ (3)، وسلار (4) وأبو الصلاح (5)، وابن البراج (6). وقال علي بن بابويه: فإذا قرن الرجل الحج والعمرة وأحصر بعث هديا مع هديه، ولا يحل حتى يبلغ الهدي محله (7). وكذا قال ابنه في كتاب من لا يحضره الفقيه (8). وقال ابن الجنيد (9) - ونعم ما قال -: فإذا حصر ومعه هدي قد أوجبه الله

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 421 ح 1465، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الاحصار والصد ح 1 ص 305.
(2) السرائر: ج 1 ص 639.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 555، المبسوط: ج 1 ص 333.
(4) المراسم: ص 118.
(5) الكافي في الفقه: ص 218.
(6) المهذب: ج 1 ص 270.
(7) لم نعثر على رسالته ونقله عنه في السرائر: ج 1 ص 639.
(8) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 514 ذيل الحديث 3104.
(9) لم نعثر على كتابه.

[ 348 ]

بعث بهدي آخر عن إحصاره، فإن لم يكن أوجبه بحال من إشعاره ولا غيره أجزأه عن إحصاره. وقال ابن إدريس: أما قول ابن بابويه: " وإذا قرن الرجل الحج والعمرة " فمراده كل واحد منهما على الانفراد (1)، ويقرن إلى إحرامه بواحد من الحج أو العمرة هديا يشعره أو يقلده فيخرج من ملكه بذلك وإن لم يكن ذلك عليه واجبا ابتداء. وما مقصوده ومراده أن يحرم بهما جميعا ويقرن بينهما، لأن هذا مذهب من خالفنا من حد القران. وأما قوله: " بعث هديا مع هديه إذا أحصر " يريد أن هديه الأول الذي قرنه إلى إحرامه ما يجزئه في تحليله من إحرامه، لأن هذا كان واجبا عليه قبل حصره، فإذا أراد التحليل من إحرامه بالمرض فيجب عليه هدي آخر لقوله تعالى: " فإن احصرتم فما استيسر من الهدي "، وما قاله قوي معتمد، غير أن باقي أصحابنا قالوا: يبعث بهديه الذي ساقه، ولم يقولوا: يبعث بهدي آخر (2). لنا: مع إيجاب الهدي أنه قد تعين نحر هذا الهدي أو ذبحه بسبب غير الاحصار، فلا يكون مجزئا عن هدي الاحصار، لأن مع تعدد السبب يتعدد المسبب، ومع عدم إيجابه قوله تعالى: " فإن احصرتم فما استيسر من الهدي " (3). مسألة: قال الشيخ في الخلاف: لو شرط على ربه في حال الاحرام ثم حصل الشرط فأراد التحلل فلا بد من نية التحلل، ولا بد من الهدي (4). ونحوه قال في المبسوط (5).

(1) م (2): على انفراده.
(2) السرائر: ج 1 ص 639 - 640.
(3) البقرة: 196.
(4) الخلاف: ج 2 ص 431 المسألة 324.
(5) المبسوط: ج 1 ص 334.

[ 349 ]

وقال السيد المرتضى: المحرم إذا اشترط جاز له أن يتحلل عند العوائق من مرض وغيره بغير دم (1). وقال ابن إدريس: وانفاذ الهدي أو بعث ثمنه على ما ذكرناه أولا إنما يجب على من لم يشترط على ربه في إحرامه، وأما من اشترط على ربه (2) في إحرامه إن عرض له عارض فمحله حيث حبسه، ثم عرض المرض فله أن يتحلل من دون إنفاذ هدي أو ثمن هدي، إلا أن يكون قد سافه وأشعره أو قلده فلينفذه، فأما إذا لم يكن ساقه واشترط فله التحلل إذا بلغ الهدي محله (3). وقول الشيخ جيد للعموم، وهو قوله تعالى: " فإن احصرتم فما استيسر من الهدي " (4). وقال السيد المرتضى: إنه محمول على من لم يشترط (5)، ولا بد له من دليل، واحتج بالاجماع (6)، وهو ممنوع. مسألة: قال الشيخ: إذا أحصر وكان قد أحرم بالحج قارنا فليس له أن يحج في القابل متمتعا، بل يدخل بمثل ما خرج منه (7). وقال ابن حمزة: وإذا قضى دخل في مثل ما خرج منه (8). ومنع ابن إدريس من ذلك، وجعل له أن يحرم بما شاء (9). والأقرب أن نقول: إن تعين عليه نوع وجب عليه الاتيان به وإلا تخير، غير

(1) الانتصار: ص 104 - 105.
(2) " على ربه " ليس في ق وم (1).
(3) السرائر: ج 1 ص 640.
(4) البقرة: 196.
(5) و (6) الانتصار: ص 105.
(7) المبسوط: ج 1 ص 335. (8) الوسيلة: ص 193.
(9) السرائر: ج 1 ص 641.

[ 350 ]

أن الأفضل الاتيان بمثل ما خرج منه. لنا: إن الواجب عليه نوع فلا يجزئ غيره. وما رواه محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - في الصحيح، ورفاعة، عن الصادق - عليه السلام - في الصحيح، أنهما قالا: القارن يحصر، وقد قال واشترط فحلني حيث حبستني، قال: يبعث بهديه، قلنا: هل يتمتع من قابل؟ قال: لا، ولكن يدخل بمثل ما خرج منه (1). واحتج الشيخ بهذه الرواية، وهي محمولة على ما قلناه. مسألة: المصدود بالعدو يحل في موضع الصد بالهدي من كل شئ أحرم منه، بأن يذبح هديه أو ينحره في موضع الصد، سواء كان في الحرم أو خارجه، ولا ينتظر في إحلاله بلوغ الهدي محله، ولا يراعي زمانا ولا مكانا في إحلاله، هذا اختيار الشيخين (2)، وابن البراج (3)، وابن حمزة (4)، وسلار (5)، وابن إدريس (6)، وهو الظاهر من كلام علي بن بابويه (7) فإنه قال: وإذا صد رجل عن الحج وقد أحرم فعليه الحج من قابل، ولا بأس بمواقعة النساء، لأنه مصدود وليس كالمحصور. وقال أبو الصلاح: وإذا صد المحرم بالعدو أو أحصر بالمرض عن تأدية

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 423 ح 1468، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الاحصار والصد ح 1 ج 9 ص 307.
(2) المقنعة: ص 446، النهاية ونكتها: ج 1 ص 556.
(3) المهذب: ج 1 ص 270.
(4) الوسيلة: ص 194.
(5) المراسم: ص 118.
(6) السرائر: ج 1 641.
(7) لم نعثر على رسالته.

[ 351 ]

المناسك فلينفذ القارن هديه والمتمتع والمفرد ما يبتاع به شاة فما فوقها، فإذا بلغ الهدي محله - وهو يوم النحر - فليحلق رأسه، ويحل المصدود بالعدو من كل شئ أحرم منه (1). وقال ابن الجنيد (2): وإذا كان المصدود سائقا فصدت بدنته أيضا نحرها حيث صدت ورجع حلالا من النساء ومن كل شئ أحرم منه، فإن منع هو ولم يمنع وصول بدنته إلى الكعبة انفذ هديه مع من ينحره وأقام على إحرامه إلى الوقت الذي يواعد فيه نحرها. وقال الشيخ في الخلاف: إذا أحصر بالعدو جاز أن يذبح هديه مكانه، والأفضل أن ينفذ به إلى منى أو مكة (3). والأقرب الأول. لنا: أن انفاذ الهدي يتضمن مشقة، وإيقاف التحلل عليه حرج عظيم، فيكون منفيا بخلاف الحصر، فإن المحصور يتمكن من انفاذ هديه. وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - إلى أن قال: قلت: فما بال النبي - صلى الله عليه وآله - حيث رجع إلى المدينة حل له النساء ولم يطف بالبيت؟ قال: ليس هذا مثل هذا، النبي - صلى الله عليه وآله - كان مصدودا والحسين - عليه السلام - محصورا (4). مسألة: قال ابن الجنيد (5): ومن لم يكن عليه ولا معه هدي أحل إذا صد، ولم يكن عليه دم.

(1) الكافي في الفقه: ص 218.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) الخلاف: ج 2 ص 424 المسألة 316.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 421 ح 1465، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الاحصار والصد ح 3 ج 9 ص 303.
(5) لم نعثر على كتابه.

[ 352 ]

وقال الشيخ في المبسوط: كل من له التحلل فلا يتحلل إلا بالهدي، ولا يجوز له قبل ذلك (1). وقال ابن إدريس: وبعضهم يخص وجوب الهدي بالمحصور لا بالمصدود، وهو الأظهر، لأن الأصل براءة الذمة، ولقوله تعالى: " فإن احصرتم فما استيسر من الهدي " أراد بالمرض، لأنه يقال: احصره المرض، ولا يقال: أحصره العدو (2). وابن البراج (3)، وأبو الصلاح (4)، وابن حمزة (5)، وسلار (6) أوجبوا الهدي، وهو الأقرب. لنا: ما رواه ابن بابوبه في الصحيح، عن معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - إلى أن قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله - حين صده المشركون يوم الحديبية نحر وأحل ورجع إلى المدينة (7). وقال - عليه السلام -: " خذوا عني مناسككم " (8) فيجب متابعته. وعن الصادق - عليه السلام - قال: المحصور والمضطر ينحران بدنتيهما في المكان الذي يضطران فيه (9).

(1) المبسوط: ج 1 ص 332.
(2) السرائر: ج 1 ص 641.
(3) المهذب: ج 1 ص 270.
(4) الكافي في الفقه: ص 218. (5) الوسيلة: ص 194.
(6) المراسم: ص 118.
(7) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 517 ح 3109، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الاحصار والصد ح 5 ج 9 ص 313.
(8) سنن البيهقي: ج 5 ص 125.
(9) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 515 ح 3105، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الاحصار والصد ح 3 ج 9 ص 309.

[ 353 ]

واستدلال ابن إدريس بالبراءة معارض بالاحتياط وبالآية، غير معتمد (1)، لأنها يقتضي إيجاب الهدي على المحصور، ولا يمنع من وجوبه على المصدود. مسألة: إذا شرط ثم صد قال السيد المرتضى: يسقط الهدي (2). وقال الشيخ في الخلاف: لا يسقط (3). وقال ابن حمزة: وفي سقوط الدم مع الشرط قولان (4)، وقد تقدم البحث في ذلك في المحصور. مسألة: قال الشيخ: ومن أراد أن يبعث بهدي تطوعا فليبعثه ويواعد أصحابه يوما بعينه، ثم ليجتنب جميع ما يجتنبه المحرم من الثياب والنساء والطيب وغيره إلا أنه لا يلبي، فإن فعل شيئا مما يحرم عليه كانت عليه كفارة كما تجب على المحرم سواء، فإذا كان اليوم الذي واعدهم أحل، وأن بعث بالهدي بأفق من الآفاق يواعدهم يوما بعينه بأشعاره وتقليده، فإذا كان ذلك اليوم اجتنب ما يجتنبه المحرم إلى أن يبلغ الهدي محله، ثم إنه أحل من كل شئ أحرم منه (5). وقال ابن إدريس: هذا غير واضح، وهذه أخبار آحاد لا يلتفت إليها ولا يعرج عليها، وهذه أمور شرعية يحتاج مثبتها ومدعيها إلى أدلة شرعية، ولا دلالة من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا إجماع، فإن أصحابنا لا يوردون هذا في كتبهم ولا يودعونه في تصانيفهم، وإنما أورده شيخنا أبو جعفر في النهاية إيرادا لا اعتقادا، لأن الكتاب المذكور كتاب خبر لا كتاب بحث ونظر، وكثيرا ما يورد فيه أشياء

(1) م (1) وم (2): مفيد.
(2) الانتصار: ص 104 - 105. (3) الخلاف: ج 2 ص 431 المسألة 324.
(4) الوسيلة: ص 194.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 556.

[ 354 ]

غير معمول عليها، والأصل براءة الذمة من التكاليف الشرعية (1). فهذا الانكار من ابن إدريس خطأ، فإن الشيخ قد ذكره في غير كتاب (2) النهاية، وابن البراج (3) أيضا ذكره. والصدوق وهو شيخ الجماعة وكبيرهم قد روى في كتاب من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يبعث بالهدي تطوعا وليس بواجب، فقال: يواعد أصحابه يوما فيقلدونه، فإذا كان تلك الساعة اجتنب ما يجتنبه المحرم إلى يوم النحر، فإذا كان يوم النحر أجزأ عنه، وإن رسول الله - صلى الله عليه وآله - حين صده المشركون يوم الحديبية نحر وأحل ورجع إلى المدينة (4). وقال الصادق - عليه السلام -: ما يمنع أحدكم أن يحج كل سنة؟ فقيل له: لا تبلغ أموالنا ذلك، فقال: أما يقدر أحدكم إذا خرج أخوه أن يبعث معه بثمن أضحية ويأمره أن يطوف عنه أسبوعا بالبيت ويذبح عنه، فإذا كان يوم عرفة لبس ثيابه وتهيأ وأتى المسجد فلا يزال في الدعاء حتى تغرب الشمس (5). وروى الشيخ في الصحيح عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل بعث بهديه مع قوم ساق وواعدهم يوم يقلدون فيه هديهم ويحرمون، فقال: يحرم عليه ما يحرم على المحرم في اليوم الذي واعدهم فيه حتى

(1) السرائر: ج 1 ص 642.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 423 ذيل الحديث 1470.
(3) المهذب: ج 1 ص 271.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 517 ح 3109، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الاحصار والصد ح 5 ج 9 ص 313.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 518 ح 3110، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الاحصار والصد ح 6 ج 9 ص 313.

[ 355 ]

يبلغ الهدي محله، قلت: أرأيت إن اختلفوا في الميعاد وأبطأوا في السير عليه وهو يحتاج أن يحل هو في اليوم الذي وعدهم فيه؟ قال: ليس عليه جناح أن يحل في اليوم الذي وعدهم فيه (1). وروي عن معاوية بن عمار في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - (2)، وذكر الحديث الذي رواه الصدوق أولا. وعن عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن ابن عباس وعليا - عليهما السلام - كانا يبعثان بهديهما من المدينة ثم يتجردان، وإن بعثا بها من افق من الآفاق واعد أصحابهما بتقليدهما وإشعارهما يوما معلوما، ثم يمسكان يومئذ إلى يوم النحر عن كل ما يمسك عنه المحرم ويجتنبان كل ما يجتنبه المحرم، إلا أنه لا يلبي إلا من كان حاجا أو معتمرا (3). وفي الصحيح عن هارون بن خارجة قال: إن أبا مراد بعث بدنة وأمر الذي بعث بها معه أن يقلد ويشعر في يوم كذا وكذا، فقلت له: إنه لا ينبغي لك أن تلبس الثياب، فبعثني إلى أبي عبد الله - عليه السلام - وهو بالحيرة فقلت له: إن أبا مراد فعل كذا وكذا، وإنه لا يستطيع أن يدع الثياب لمكان أبي جعفر، فقال: مره فليلبس الثياب ولينحر بقرة يوم النحر عن لبسه الثياب (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 424 ح 1471، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الاحصار والصد ح 4 ج 9 ص 313.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 424 ح 1472، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الاحصار والصد ح 5 ج 9 ص 313.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 424 ح 1473، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الاحصار والصد ح 3 ج 9 ص 312.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 425 ح 1474، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الاحصار والصد ح 1 ج 9 ص 314.

[ 356 ]

وهذه الأخبار متظاهرة (1) مشهورة صحيحة السند عمل بها أكثر العلماء، فكيف يجعله (2) شاذا من غير دليل؟! وهل هذا إلا جهل منه بمواقع الأدلة ومدارك أحكام الشرع. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا أحرموا وصدهم العدو فإن كان مسلما كالأعراب والأكراد فالأولى ترك قتالهم وينصرفون إلى أن يدعوهم الإمام أو من نصبه إلى قتالهم، وإن كان مشركا لم يجب على الحاج قتالهم، لأن قتال المشركين لا يجب إلا بإذن الإمام أو الدفع عن النفس والاسلام، وليس هاهنا واحد منهما، وإذا لم يجب فلا يجوز أيضا سواء كانوا قليلين أو كثيرين (3). وقال ابن الجنيد (4): ولو طمع المحرم في دفع من صيده إذا كان ظالما له بقتال أو غيره كان ذلك مباحا له، ولو أتى على النفس الذي صده سواء كان كافرا أو ذميا أو ظالما، وقول ابن الجنيد لا بأس به. مسألة: قال الشيخ: إذا لم يجد المحصر الهدي ولا يقدر على ثمنه لا يجوز له أن يتحلل حتى يذبح، بهدي، ولا يجوز له أن ينتقل إلى بدل من الصوم أو الاطعام، لأنه لا دليل على ذلك (5). وقال ابن الجنيد (6): إذا (7) لم يكن للهدي مستطيعا أحل، لأنه ممن لم يتيسر له الهدي، وكلا القولين محتمل. مسألة: قال علي بن بابويه (8): ولو أن رجلا حبسه سلطان جائر بمكة وهو متمتع بالعمرة إلى الحج فلم يطلق عنه إلى يوم النحر فإن عليه أن يلحق الناس

(1) م (2): متظافرة.
(5) المبسوط: ج 1 ص 333.
(2) م (1) وم (2): يجعل ذلك.
(6) لم نعثر على كتابه.
(3) المبسوط: ج 1 ص 334.
(7) م (1) وم (2): وإن.
(4) لم نعثر على كتابه.
(8) لم نعثر على رسالته.

[ 357 ]

بجمع ثم، ينصرف إلى منى فيرمي ويذبح ويحلق رأسه ولا شئ عليه، وإن خلي عنه يوم النحر بعد الزوال فهو مصدود عن الحج، وإن كان دخل مكة متمتعا بالعمرة إلى الحج فليطف بالبيت أسبوعا ويسعى أسبوعا ويحلق رأسه ويذبح شاة، وإن كان دخل مكة مفردا للحج فليس عليه الذبح ولا شئ عليه، بل يطوف بالبيت ويصلي عند مقام إبراهيم - عليه السلام - ويسعى بين الصفا والمروة ويجعلها عمرة ويلحق بأهله. وقد اشتمل هنا الكلام على حكمين: الأول: إن إدراك الحج يحصل بإدراك المشعر قبل الزوال، وهو مفهوم من كلامه، وفيه نظر. الثاني: إيجاب الدم على المتمتع مع الفوات، وفيه نظر، فإنه يتحلل بالعمرة. والأقرب أنه لا دم عليه، ولا فرق بينه وبين المفرد. مسألة: قال ابن حمزة: إذا صد بالعدو ظلما تحلل إذا لم يكن له طريق سواه وقد شرط على ربه وينوي إذا تحلل، وإن لم يكن ظلما فإن أمكنه النفوذ بعد ذلك نفذ، فإن أدرك أحد الموقفين فقد حج، وإن صد عن بعض المناسك وقد أدرك الموقفين فقد صح حجه واستناب في قضاء باقي المناسك، وإن لم يمكنه النفوذ وكان له طريق مسلوك سواه بحيث لو لم ينفذ زاده لبعده أو لم يشترط على ربه لم يتحلل (1). وهذا القول يعطي أنه يشترط في التحلل الاشتراط، وهو قول بعض أصحابنا. والأقرب خلافه، لما رواه الصدوق قال: سأل حمزة بن حمران أبا عبد الله - عليه السلام - عن الذي يقول: حلني حيث حبستني، قال: هو حل حيث حبسه الله قال أو لم يقل (2).

(1) الوسيلة: ص 194.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 517 ح 3108، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الاحصار والصد ح 3 ج 9 ص 311.

[ 358 ]

مسألة: قال سلار: وأما المصدود بالعدو فإنه ينحر الهدي حيث انتهى إليه ويقصر من شعره، وقد أحل من كل شئ أحرم منه (1)، وهو يشعر باشتراط التقصير في الحل. وكذا يفهم من كلام أبي الصلاح إلا أنه قال: فليحلق رأسه (2)، ولم يشترط الشيخ ذلك. الفصل الرابع في العمرة مسألة: قال السيد المرتضى: الذي يذهب إليه أصحابنا إن العمرة جائزة في سائر السنة، وقد روي أنه لا يكون بين العمرتين أقل من عشرة أيام، وروي أنه لا يجوز إلا في كل شهر مرة (3). واستدل في المسائل الناصرية عليه بقوله - صلى الله عليه وآله -: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، ولم يفصل - عليه السلام - بين أن يكون ذلك في سنة أو سنتين أو شهر أو شهرين (4). وقال الشيخ في النهاية: يستحب أن يعتمر كل شهر إذا تمكن من ذلك، وقد روي أنه يجوز أن يعتمر في كل عشرة أيام، فمن عمل على ذلك لم يكن به بأس (5). وفي المبسوط: أقل ما يكون بين العمرتين عشرة أيام (6).

(1) المراسم: ص 118.
(2) الكافي في الفقه: ص 218.
(3) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 244 المسألة 139.
(4) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 244 المسألة 139.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 554.
(6) المبسوط: ج 1 ص 309.

[ 359 ]

وفي الخلاف: يجوز أن يعتمر في كل شهر، بل في كل عشرة أيام (1). وقال ابن الجنيد (2): لا يكون بين العمرتين أقل من عشرة أيام. وقال ابن أبي عقيل (3): لا يجوز عمرتان في عام واحد، قد تأول بعض الشيعة هذا الخبر على معنى الخصوص فزعمت أنها في المتمتع خاصة، فأما غيره فله أن يعتمر في أي المشهور شاء وكم شاء من العمرة، فإن يكن ما تأولوه موجودا في التوقيف عن السادة آل الرسول - عليهم السلام - فمأخوذ به، وإن كان غير ذلك من جهة الاجتهاد والظن فذلك مردود عليهم، وراجع في ذلك كله إلى ما قالته الأئمة - عليهم السلام -. وقال ابن البراج: يستحب أن يعتمر في كل عشر أو في كل عشرة أيام (4). وقال أبو الصلاح: وكل منهم مرغب بعد تأدية الواجب عليه إلى الاعتماد في كل شهر مرة أو في كل سنة مرة (5). وقال سلار: وأما العمرة فلا وقت لها مخصوص، وأفضل الأوقات لمفرديها رجب، وروي أنه لا يكون بين العمرتين أقل من عشرة أيام، وروي أنها لا تكون في كل شهر إلا مرة (6). وقال ابن حمزة: العمرة إما مرتبطة بالحج أو متقدمة وهي عمرة التمتع، أو متأخرة وهي عمرة القران والإفراد. وغير المرتبطة إما واجبة بالنذر فيلزم الاتيان بها على ما نذر، والمندوب إليها يصح الاتيان بها في كل شهر، وروي في كل عشرة أيام (7).

(1) الخلاف: ج 2 ص 260 المسألة 26.
(3) لم نعثر على كتابه.
(2) لم نعثر على كتابه.
(4) المهذب: ج 1 ص 211.
(5) الكافي في الفقه: ص 221.
(6) المراسم: ص 104.
(7) الوسيلة: ص 195 - 196.

[ 360 ]

وقال ابن إدريس: اختلف أصحابنا في أقل ما يكون بين العمرتين، فقال بعضهم: شهر، وقال بعضهم: يكون في كل شهر يقع عمرة، وقال بعضهم: عشرة أيام، وقال بعضهم: لا أوقت وقتا ولا اجعل بينهما مدة، وتصح في كل يوم عمرة، وهذا القول يقوى في نفسي وبه أفتي، وإليه ذهب السيد المرتضى في الناصريات، وما روي في مقدار ما يكون بين العمرتين أخبار آحاد لا يوجب علما ولا عملا (1). والأقرب أنه لا يكون بين العمرتين أقل من شهر. لنا: أن هذه أحكام شرعية متلقاة عن الشارع فيجب اعتبار ما وقع الاتفاق عليه، وقد أجمعت (2) الامامية إلا ابن أبي عقيل على تسويغ العمرتين في شهرين، فيجب المصير إليه أخذا بالمتيقن. وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: كان علي - عليه السلام - يقول: لكل شعر عمرة (3). وعن يونس بن يعقوب في الصحيح قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام يقول: كان علي - عليه السلام - يقول: لكل شهر عمرة (4). احتج ابن أبي عقيل بما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: والعمرة في كل سنة مرة (5).

(1) السرائر: ج 1 ص 540 - 541.
(2) في متن المطبوع وم (1): اجتمعت.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 435 ح 1509، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب العمرة ح 4 ج 10 ص 245.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 435 ح 1510، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب العمرة ح 5 ج 10 ص 245. (5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 435 ح 1511، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب العمرة ح 6 ج 10 ص 245.

[ 361 ]

وفي الصحيح عن حريز، عن الصادق - عليه السلام - وزرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: لا تكون عمرتان في سنة (1). احتج الشيخ بما رواه علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن رجل يدخل مكة في السنة المرة والمرتين والأربعة كيف يصنع؟ قال: إذا دخل فليدخل ملبيا، وإذا خرج فليخرج محلا، قال: ولكل شهر عمرة، فقلت: يكون أقل؟ فقال: يكون لكل عشرة أيام عمرة، ثم قال: وحقك لقد كان في عامى هذه السنة ست عمر، قلت: لم ذلك؟ قال: كنت مع محمد بن إبراهيم بالطائف وكلما دخل دخلت معه (2). والجواب عن الأول: بأنه محمول على عمرة التمتع جمعا بين الأدلة، واتباعا للمشهور بين الأصحاب، وتخلصا من تناقص الأخبار. وعن الثاني: بالطعن في السند، فإن علي بن أبي حمزة ضعيف. وأما احتجاج ابن إدريس فضعيف جدا، إذ ليس فيه سوى التشنيع على الشيخ والحكم باسناد هذا المطلب إلى أخبار الاحاد، وذلك ليس حجة. وقول السيد المرتضى لا حجة فيه، واستدلاله غير ناهض، إذ حكمه - عليه السلام - بكون العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما لا دلالة فيه على التقدير ولا على عدمه، مع أن أصحابنا - رحمهم الله - نصوا على أن المفسد للعمرة يجب عليه الكفارة وقضاؤها في الشهر الداخل، ولو كان كل وقت صالحا للعمرة لما انتظر في القضاء الشهر الداخل، وأيضا حكموا على الخارج من مكة بعد الاعتماد بأنه إذا دخل مكة في ذلك الشهر اجتزأ بعمرته،

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 435 ح 1512، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب العمرة ح 7 و 8 ج 10 ص 245.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 434 ح 1508، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب العمرة ح 3 ج 10 ص 244.

[ 362 ]

ولو دخل في غيره وجب عليه عمرة أخرى ويتمتع بالاخيرة، وكل ذلك يدل على اعتبار الشهر بين العمرتين. مسألة: من دخل مكة بعمرة التمتع في أشهر الحج لم يجز له أن يجعلها مفردة، ولا أن يخرج من مكة، لأنه صار مرتبطا بالحج، وهو اختيار الشيخ في النهاية (1)، وبه قال ابن حمزة (2)، وابن البراج (3). وقال ابن إدريس: لا يحرم ذلك بل يكره، لأنه لا دليل على حظر الخروج من مكة بعد الاحلال من جميع مناسكها (4). لنا: قوله - عليه السلام -: " دخلت العمرة في الحج هكذا وشبك بين أصابعه " (5)، فإذا فعل عمرة التمتع فقد فعل بعض افعال الحج، فيجب عليه الاتيان بالباقي، لقوله تعالى: " وأتموا الحج والعمرة لله " (6) وكما لو فعل بعض افعال الحج. وما رواه معاوية بن عمار في الحسن قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: من أين اقترن المتمتع والمعتمر؟ فقال: إن المتمتع مرتبط بالحج، والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء (7). وعن وهب بن حفص، عن علي قال: سأله أبو بصير - وأنا حاضر - عمن

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 554. (2) الوسيلة: ص 195.
(3) المهذب: ج 1 ص 272.
(4) السرائر: ج 1 ص 633 - 634.
(5) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 1024 ح 3074، سنن أبي داود: ج 2 ص 184.
(6) البقرة: 196.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 437 ح 1519، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب العمرة ح 3 ج 10 ص 246.

[ 363 ]

أهل بعمرة في أشهر الحج له أن يرجع؟ فقال: ليس في أشهر الحج عمرة يرجع فيها إلى أهله، ولكنه يحبس بمكة حتى يقضي حجه، لأنه إنما أحرم لذلك (1). فبين - عليه السلام - في هذا الخبر أنه إنما لم يجز له ذلك، لأنه أحرم له، وهذا لا يكون إلا لمن قصد التمتع بالعمرة إلى الحج. وقول ابن إدريس لا دليل على حظر الخروج خطأ، فإنا قد بينا الدليل. مسألة: قال الشيخ: إذا دخل مكة بالعمرة المفردة في أشهر الحج جاز له أن يقضيها ويخرج إلى بلده أو أي موضع شاء، والأفضل له أن يقيم حتى يحج ويجعلها متعة (2)، وهو اختيار ابن حمزة (3)، وابن إدريس (4). وقال ابن البراج: من اعتمر بعمرة غير متمتع بها إلى الحج من شهور الحج ثم أقام بمكة إلى أن أدرك يوم التروية فعليه أن يحرم بالحج ويخرج إلى منى ويفعل ما يفعله الحاج ويصير بذلك متمتعا، ومن دخل مكة بعمرة مفردة في أشهر الحج جاز له أن يقضيها ويخرج إلى أي موضع شاء ما لم يدركه يوم التروية (5). لنا: والأصل عدم الوجوب، وقوله - عليه السلام -: " وإنما لامرئ ما نوى " (6)، وقد نوى العمرة المفردة فوجب أن يحصل له. وما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس بالعمرة المفردة في أشهر الحج ثم يرجع إلى أهله (7).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 437 ح 1520، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب العمرة ح 7 ج 10 ص 247.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 553 - 554.
(3) الوسيلة: ص 195. (4) السرائر: ج 1 ص 633.
(5) المهذب: ج 1 ص 272.
(6) صحيح البخاري: ج 1 ص 2، سنن ابن ماجة: ج 2 ص 1413.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 436 ح 1515، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب العمرة ح 1 ج 10 ص 246.

[ 364 ]

وعن إبراهيم بن عمر اليماني، عن الصادق - عليه السلام - أنه سئل عن رجل خرج في أشهر الحج معتمرا ثم رجع إلى بلاده، قال: لا بأس، وإن حج من عامه وأفرد الحج فليس عليه دم، إن الحسين - عليه السلام - خرج قبل التروية إلى العراق وكان معتمرا (1). وعن معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - وقد اعتمر الحسين - عليه السلام - في ذي الحجة ثم راح يوم التروية إلى العراق والناس يروحون إلى منى، فلا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج (2). احتج ابن البراج بما رواه عمر بن يزيد، عن الصادق - عليه السلام - قال: من دخل مكد بعمرة فأقام إلى هلال ذي الحجة فليس له أن يخرج حتى يحج مع الناس (3). وعن موسى بن القاسم قال: أخبرني بعض أصحابنا أنه سأل أبا جعفر - عليه السلام - في عشر من شوال فقال: إني أريد أن أفرد عمرة هذا الشهر، فقال له: أنت مرتهن بالحج، فقال له الرجل: إن المدينة منزلي ومكة منزلي ولي بينهما أهل وبينهما أموال، فقال له: أنت مرتهن بالحج، فقال له الرجل: فإن لي ضياعا حول مكة واحتاج إلى الخروج إليها، فقال: تخرج حلالا وترجع حلالا إلى الحج (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 436 ح 1516، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب العمرة ح 2 ج 10 ص 246.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 437 ح 1519، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب العمرة ح 3 ج 10 ص 246 - 247.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 436 ح 1517، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب العمرة ح 6 ج 10 ص 247.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 436 ح 1518، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب العمرة ح 8 ج 10 ص 247.

[ 365 ]

والجواب: ليس في الحديثين أي العمرتين هي، ونحن نقول بموجبهما ونحملهما على عمرة التمتع، إذ هي الأشهر، فإن الأكثر النائي عن مكة فانصرافه إليها أولى، أو على الاستحباب. مسألة: قال الشيخ - في صفة العمرة المفردة -: فإذا دخل مكة طاف بالبيت طوافا واحدا للزيارة ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يقصر إن شاء، وإن شاء حلق، والحلق أفضل، ويجب عليه بعد ذلك لتحلة النساء طواف، وقد أحل من كل شئ أحرم منه (1). فجعل الحلق أو التقصير مقدما على طواف النساء، وهو المشهور، واختاره ابن حمزة (2)، وابن إدريس (3). وقال أبو الصلاح: ثم يدخل المسجد فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يرجع إلى البيت فيطوف طوافا آخر وهو طواف النساء، ثم يحلق رأسه (4). فجعل الحلق متأخرا عن طواف النساء. وابن أبي عقيل (5) لما وصف العمرة المفردة قال: فإذا طاف بالبيت وصلى خلف الإمام وسعى بين الصفا والمروة قصر أو حلق، وإن شاء خرج، وإن شاء أقام، ولم يذكر طواف النساء. وقال ابن البراج: ثم يطوف بالبيت سبعا ويسعى بين الصفا والمروة سبعا، فإذا فعل ذلك فقد أحل من كل شئ أحرم منه، وعليه لتحلة النساء طوافهن، فإذا طافه حللن له (6). ولم يذكر التقصير.

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 554.
(2) الوسيلة: ص 195 - 196.
(3) السرائر: ج 1 ص 634 - 635.
(4) الكافي في الفقه: ص 222.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) المهذب: ج 1 ص 211.

[ 366 ]

نعم قد سبق ذكره حيث قال: وفرائض ذلك قسمان، أركان وغيرها، والأركان: هي النية والاحرام والطواف والسعي، وما ليس بركن: فهو التلبية وركعتا الطواف والتقصير وطواف النساء وركعتا هذا الطواف (1). والمعتمد الأول. لنا: ما رواه إبراهيم بن عبد الحميد، عن عمر أو غيره، عن الصادق - عليه السلام - قال: المعتمر يطوف ويسعى ويحلق، قال: ولا بد له بعد الحلق من طواف آخر (2). وفي الصحيح عن معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال: المعتمر عمرة مفردة إذا فرغ من طواف الفريضة وصلاة الركعتين خلف الإمام والسعي بين الصفا والمروة حلق أو قصر (3)، وهو يدل على متابعة الحلق والتقصير للسعي. الفصل الخامس في مسائل متعددة من هذا الباب مسألة: قال الشيخ: لا ينبغي لأحد أن يمنع الحاج شيئا من دور مكة ومنازلها، لأن الله تعالى قال: " سواء العاكف فيه والباد " (4)، وهذا القول يشعر بالكراهة.

(1) المهذب: ج 1 ص 211.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 254 ح 859، وسائل الشيعة: ب 82 من أبواب الطواف ح 2 ج 9 ص 493.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 438 ح 1523، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب التقصير ح 1 ج 9 ص 543.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 557.

[ 367 ]

وقال ابن البراج: ليس لأحد أن يمنع الحاج موضعا من دور مكة ومنازلها، لقوله تعالى: " سواء العاكف فيه والباد " (1)، وهذه العبارة تشعر بالتحريم. وقال ابن الجنيد (2): الأجرة لبيوت مكة حرام، ولذلك استحب للحاج أن يدفع ما يدفعه لأجرة حفظ رحله لا أجرة ما ينزله. وقال ابن إدريس: لا ينبغي أن يمنع الحاج خصوصا شيئا من دور مكة ومنازلها، للاجماع على ذلك، فأما الاستشهاد بالآية فضعيف، بل إجماع أصحابنا منعقد وأخبارهم متواترة، فإن لم يكن متواترة فهي متلقاة بالقبول لم يدفعها أحد منهم، فالاجماع هو الدليل القاطع على ذلك دون غيره، فأما الآية فالضمير فيها راجع إلى المسجد الحرام دون مكة جميعها، وأيضا قوله تعالى: " لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم " فحظر علينا دخول غير بيوتنا. فأما من قال: لا يجوز بيع رباع مكة ولا إجارتها فصحيح إن أراد نفس الأرض، لأن مكة أخذت عنوة بالسيف، فهي لجميع المسلمين لا تباع ولا توقف ولا تستأجر، فأما التصرف والتحجير والآثار فيجوز بيع ذلك وإجارته، كما يجوز بيع سواد العراق المفتتحة عنوة، فنحمل ما ورد في ذلك على نفس الأرض دون التصرف (3). ونقل عن بعض أصحابنا التحريم، والأولى الكراهة. لنا: ما رواه حفص بن البخترى في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: ليس ينبغي لأهل مكة أن يجعلوا على دورهم أبوابا، وذلك أن الحاج ينزلون معهم في ساحة الدار يقضوا حجهم (4). وليس في ذلك دلالة على

(1) المهذب: ج 1 ص 273.
(2) لم نعثر على كتابه. (3) السرائر: ج 1 ص 644 - 645.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 463 ح 1615، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب مقدمات الطواف ح 5 ج 9 ص 368.

[ 368 ]

التحريم، لأن الأصل عدمه. مسألة: اللقطة قسمان: لقطة الحرم وغيرها، فالأول: يتخير الملتقط بين شيئين الصدقة والحفظ، فإن تصدق ففي الضمان للشيخ قولان: أحدهما: إنه يضمن، ذكره في باب آخر من فقه الحج من النهاية (1). والثاني: عدمه، ذكره في باب اللقطة (2). واختار ابن إدريس (3) الأول، وهو قول ابن البراج (4). والثاني: يتخير الملتقط بين ثلاثة أشياء: الصدقة مع الضمان والحفظ والتملك. وقال ابن إدريس يتخير بين شيئين: الصدقة مع الضمان والتملك خاصة (5). وسيأتي البحث في ذلك كله إن شاء الله تعالى في باب اللقطة. مسألة: قال الشيخ: إذا ترك الناس الحج وجب على الإمام أن يجبرهم على ذلك، وكذلك إن تركوا زيارة النبي - صلى الله عليه وآله - كان عليه إجبارهم عليها (6). وقال ابن إدريس: لا يجب الاجبار، لأنها غير واجبة (7). واحتج الشيخ بأنه يستلزم الجفاء وهو محرم. مسألة: قال الشيخ في النهاية: الأيام المعلومات أيام التشريق، والأيام المعدودات هي عشر ذي الحجة (8). وفي الخلاف (9) بالعكس، وهو اختيار ابن

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 558.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 45 - 46.
(3) السرائر: ج 1 ص 645.
(4) المهذب: ج 1 ص 567.
(5) السرائر: ج 1 ص 645.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 559.
(8) النهاية ونكتها: ج 1 ص 559.
(7) السرائر: ج 1 ص 647.
(9) الخلاف: ج 2 ص 435 المسألة 332.

[ 369 ]

إدريس (1). وروى المفيد في المقنعة عن الصادق - عليه السلام - قال: سئل عن قوله عز وجل: " واذكروا الله في أيام معدودات " ما هذه الأيام؟ فقال: أيام التشريق (2). والأقرب ما ذكره في الخلاف. لنا: ما رواه حماد بن عيسى في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: قال على - عليه السلام -: في قول الله عزوجل: " واذكروا الله في أيام معلومات "، قال أيام العشر، وقوله: " واذكروا الله في أيام معدودات " قال: أيام التشريق (3). مسألة: لو أوصى بالحج أخرج عنه من أقرب الأماكن إلى الميقات، سواء كان واجبا أو ندبا ما لم ينص على قدر معين أو مكان معين، اختاره الشيخ في المبسوط (4). وقال في النهاية: إذا أوصى الرجل بحجة وكانت حجة الاسلام أخرجت من أصل المال، وإن كانت نافلة أخرجت من الثلث، فإن لم يبلغ الثلث ما يحج عنه من موضعه حج عنه من بعض الطريق (5). وقال ابن إدريس: إذا أوصى بحجة وكانت حجة الاسلام أخرجت من أصل المال من الموضع الذي مات فيه من بلده، وهو الذي وردت روايات أصحابنا به (6).

(1) السرائر: ج 1 ص 648.
(2) المقنعة: ص 452.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 447 ح 1558، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب العود إلى منى ح 5 ج 10 ص 219.
(4) المبسوط: ج 1 ص 304 وج 4 ص 23 - 24.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 556 - 557.
(6) السرائر: ج 1 ص 648 - 649.

[ 370 ]

لنا: إن التكليف وقع بالحج لا قطع (1) المسافة، ولهذا لو سافر المستطيع لا يعزم الحج ثم جدد نية الحج في الميقات أجزأه، ولم يجب عليه الرجوع إلى بلده، وكذا لو كان مسافرا في بعض البلدان جاز له أن يجدد نية الحج من ذلك البلد بل ومن الميقات، ولم يقل أحد أنه يجب عليه الرجوع إلى بلده وانشاء العقد منه، وكذا لو حصلت الشرائط للمجاور بمكة لم يجب عليه المضي إلى بلده ويقصد (2) الحج منه، بل أجزأه الحج من مكة. احتج الشيخ بما رواه علي بن رئاب في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل أوصى أن يحج عنه حجة الاسلام فلم يبلغ جميع ما ترك إلا خمسين درهما، قال: يحج عنه عن بعض المواقيت التي وقت رسول الله - صلى الله عليه وآله - من قرب (3). والجواب: لا دلالة في هذا الحديث على مطلوب الشيخ وهو وجوب الحج من بلد الميت، بل لو قيل: إنه دال على نقيضه كان أولى، فإنه - عليه السلام - أوجب الاستئجار من بعض المواقيت، ولو كان الاستئجار من أبعد واجبا لأجاب بأن يحج عنه من أبعد المواضع التي يرغب الأجير إليها بالاجرة المعينة، إذ قد يؤجر من يرغب إلى الحج من أبعد المواقيت بالخمسين المذكورة. مسألة: من نذر الحج ومات وعليه حجة الاسلام أخرجتا من صلب المال، وهو اختيار ابن إدريس (4).

(1) م (1) بقطع، م (2): لقطع.
(2) م (1) وم (2): لقصد.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 405 ح 1411، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب النيابة في الحج ح 1 ج 8 ص 117.
(4) السرائر: ج 1 ص 649.

[ 371 ]

وقال الشيخ في النهاية (1) والتهذيب (2) والمبسوط (3): يخرج حجة الاسلام من الأصل والمنذورة من الثلث، وهو قول ابن الجنيد (4)، ورواه الصدوق في كتابه (5). لنا: إنهما واجبان، فيجب اخراجهما من صلب المال كالديون. احتج الشيخ بما رواه ضريس بن أعين قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن رجل عليه حجة الاسلام ونذر في شكر ليحجن رجلا فمات الرجل الذي نذر قبل أن يحج حجة الاسلام وقبل أن يفي بنذره، فقال: إن كان ترك مالا حج عنه حجة الاسلام من جميع ماله ويخرج من ثلثه ما يحج به عنه للنذر، وإن لم يكن ترك مالا إلا بقدر حجة الاسلام حج عنه حجة الاسلام فيما ترك وحج عنه وليه النذر، فإنما هو دين عليه (6). والجواب: إنه محمول على من نذر في مرض الموت. مسألة: قال ابن الجنيد (7): إذا لم يترك مالا سوى ما يحج حج به عنه حجة الاسلام وحج عنه وليه لنذره (8). وقال الشيخ في التهذيب: إنه على جهة الاستحباب (9)، وهو الحق.

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 557.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 406 ذيل الحديث 5412.
(3) المبسوط: ج 1 ص 306.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 428 ح 2882، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب وجوب الحج وشرائطه ح 1 ج 8 ص 51.
(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 406 ح 1413، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب وجوب الحج وشرائطه ح 1 ج 8 ص 51. (7) لم نعثر على كتابه.
(8) في متن المطبوع وق: النذر.
(9) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 406 ذيل الحديث 1413.

[ 372 ]

لنا: الأصل براءة الذمة. وما رواه عبد الله بن أبي يعفور في الصحيح قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل نذر لله إن عافى الله ابنه من وجعه ليحجنه إلى بيت الله الحرام فعافى الله الإبن ومات الأب، فقال: الحجة على الأب يؤديها عنه بعض ولده، قلت: هي واجبة على ابنه الذي نذر فيه؟ فقال: هي واجبة على الأب من ثلثه أو يتطوع ابنه فيحج عن أبيه (1). وكلام ابن الجنيد لا يدل على الوجوب. مسألة: قال الشيخ في النهاية (2) والمبسوط (3): من وجب عليه حجة الاسلام فخرج لأدائها فمات في الطريق فإن كان قد دخل في الحرم فقد أجزأ عنه، وإن لم يكن دخل الحرم كان على وليه أن يقضي عنه حجة الاسلام من تركته. وقال ابن إدريس: إن كان الحج قد وجب عليه أولا واستقر في ذمته صح ما قاله الشيخ، وإن كان الحج قد وجب عليه فخرج من غير أن يستقر الحج في ذمته فمات في الطريق لم يجب على أحد القضاء عنه سواء دخل الحرم أو لا (4)، وهو الحق. لنا: إنه لم يفرط في الواجب ولم يتمكن منه فسقط عنه فرضه، مع أن الكلام الشيخ يحتمل ما قاله ابن إدريس، فلا مشاحة في ذلك. والظاهر أن مراد الشيخ ما نقله ابن إدريس من إيجاب القضاء على الولي وإن كان قبل الاستقرار، لأن الشيخ ذكر ما أفتى به في النهاية. وفي التهذيب: استدل بما رواه بريد ين معاوية العجلي قال: سألت أبا

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 406 ح 1414، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب وجوب الحج وشرائطه ح 3 ج 8 ص 52.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 557.
(3) المبسوط: ج 1 ص 306.
(4) السرائر: ج 1 ص 649 - 650.

[ 373 ]

عبد الله - عليه السلام - عن رجل خرج حاجا ومعه جمل ونفقة وزاد فمات في الطريق، فقال: إن كان صرورة فمات في الحرم فقد أجزأت عنه حجة الاسلام، وإن مات قبل أن يحرم وهو صرورة جعل جمله وزاده ونفقته في حجة الاسلام، فإن فضل من ذلك شئ فهو لورثته، قلت: أرأيت إن كانت الحجة تطوعا فمات في الطريق قبل أن يحرم ما يكون حكم نفقته وما ترك؟ قال: لورثته، إلا أن يكون عليه دين فيقضى دينه، أو يكون أوصى بوصية فينفذ ذلك لمن أوصى، ويجعل ذلك من الثلث (1). ولم يفصل الشيخ إلى ما فصله ابن إدريس، والرواية لا تقتضي مخالفة ما اخترناه نحن، لأنا نقول بموجبها، ونحملها على ما إذا استقر الحج في ذمته، وكذا كلام الشيخ فإنه محتمل. مسألة: من أوصى أن يحج عنه ولم يذكر كم مرة ولا بكم من ماله قال الشيخ في النهاية (2) والمبسوط (3): وجب أن يحج عنه ما بقي من ثلثه شئ يمكن أن يحج به. وقال ابن إدريس: يحج عنه مرة واحدة (4). والأقرب أنه يحج عنه مع قصد التكرار ما بقي من ثلثه شئ، وإن لم يعرف قصد التكرار كفت المرة. لنا: إنه مع قصد التكرار يكون قد أوصى بصرف الثلث في الحج، فيجب

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 407 ح 1416، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب وجوب الحج وشرائطه ح 2 ج 8 ص 47.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 557.
(3) المبسوط: ج 1 ص 206.
(4) السرائر: ج 1 ص 650.

[ 374 ]

العمل بمقتضاه، ومع عدمه يكفي المرة، لأن الأصل براءة الذمة من الزائد، والأمر لا يقتضي التكرار. احتج الشيخ بأنه أوصى بالحج، ولم يعين المرات، وصرف جميع المال في الحج باطل، والمرة ترجيح من غير مرجح، إذ تناوله للمرة والزائد على السواء، وبما رواه محمد بن الحسين بن أبي خالد قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن رجل أوصى أن يحج عنه مبهما، قال: يحج عنه ما بقي من ثلثه شئ (1). وعن محمد بن الحسين أنه قال لأبي جعفر - عليه السلام -: جعلت فداك قد اضطررت إلى مسألتك، فقال: هات، فقلت: سعد بن سعد أوصى: " حجوا عني " مبهما ولم يسم شيئا ولا ندري كيف ذلك؟ فقال: يحج عنه ما دام له مال (2). والجواب عن الأول: بالمنع من الترجيح بغير مرجح، فإن الأصل عصمة مال الغير وحفظه على الوارث، ولم يثبت ما ينافيه لعدم العلم بالوصية به، فتعين الرجوع إلى الأصل. وعن الحديثين أنهما محمولان على قصد إرادة التكرار، ولهذا قال: " حجوا عني مبهما "، فإنه يحتمل أنه قصد عددا، ولم يبين قدره بل أبهمه. مسألة: من نذر الحج وجب عليه الوفاء به، فإن حج الذي نذر ولم يكن قد حج حجة الاسلام فقد أجزأت حجته عن حجة الاسلام، وإن خرج بعد النذر بنية حجة الاسلام، لم يجزئه عن الحجة التي نذر فيها وكانت في ذمته، قاله الشيخ

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 408 ح 1420، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب النيابة في الحج ح 2 ج 8 ص 120.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 408 ح 1419، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب النيابة في الحج ح 1 ج 8 ص 120.

[ 375 ]

في النهاية (1). وقال في المبسوط: من نذر أن يحج ولم يعتقد أن يحج زائدا على حجة الاسلام ثم حج بنية النذر لم يجره عن حجة الاسلام والأولى أن نقول: لا يجزئه أيضا عن النذر، لأنه لا يصح منه ذلك قبل أن يقضي حجة الاسلام، ولو قلنا: بصحته كان قويا، لأنه لا مانع من ذلك (2). وقال ابن إدريس: إذا حج بنية النذر ولم يجزئه حجته المنذورة عن حجة الاسلام، وما ذكره الشيخ في النهاية خبر واحد، وقد رجع عنه في جمله وعقوده وفي مسائل خلافه، وقال: الفرضان لا يتداخلان (3). وهنا بحثان: الأول: عدم التداخل، فنقول: الناذر إن نذر حجة الاسلام تداخلتا، وإن نذر غيرها لم يتداخلا إجماعا، وإن أطلق ففيه الخلاف، قيل: بعدم التداخل (4)، وهو الحق، وهو اختيار الشيخ في الجمل (5) والخلاف (6)، واختيار ابن البراج (7)، وابن حمزة (8)، وابن إدريس (9)، خلافا للشيخ في النهاية (10). لنا: إنهما فرضان متغايران فلا يجزئ أحدهما عن الآخر. ولأن حجة الاسلام واجبة، فلا يجزئ حجة النذر عنها، كما لا يجزئ حجة

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 459 - 460.
(2) المبسوط: ج 1 ص 279.
(3) السرائر: ج 1 ص 518.
(4) شرائع الاسلام: ج 1 ص 231.
(5) الجمل والعقود: ص 128.
(6) الخلاف: ج 2 ص 394 المسألة 254.
(7) المهذب: ج 1 ص 268.
(8) الوسيلة: ص 156.
(9) السرائر: ج 1 ص 518.
(10) النهاية ونكتها: ج 1 ص 459 - 460.

[ 376 ]

الاسلام عن النذر. احتج الشيخ بما رواه رفاعة بن موسى في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله هل يجزئه ذلك عن حجة الاسلام؟ قال: نعم، قلت: أرأيت أن حج عن غيره ولم يكن له مال وقد نذر أن يحج ماشيا أيجزئ عنه ذلك من مشيه؟ قال: نعم (1). والجواب: إنا نقول بموجب الرواية، ونحملها على ما إذا نذر حجة الاسلام. الثاني: هل يجزئه عن النذر لو نواه؟ الأقرب التفصيل، وهو أن النذر إما أن يتعلق بوقت معين أو مطلق، فإن تعين وقته فإن حصلت الشرائط في ذلك الوقت فإن كان نذره بعد حصول الشرائط لم ينعقد، لأنه زمان يجب صرفه في حجة الاسلام، فلا يجوز صرفه في غيره، وإذا كان الفعل منهيا عنه كان فاسدا، وإن حصلت بعد النذر وجب أن يحج النذر، ولأن الزمان قد استحق لحج النذر، فلا يجوز صرفه في غيره. وبالحقيقة (2) لم تحصل شرائط حجة الاسلام لعدم زمان يقع فيه، وإن كان الزمان مطلقا وجب صرف الزمان إلى حجة الاسلام، لأنه واجب مضيق، والنذر غير مقيد بوقت فيكون وجوبه موسعا، وإذا اجتمعا قدم المضيق، فإن قدم حجة النذر لم يجز عن النذر ولا عن حجة الاسلام، أما عن النذر فللنهي، والنهي في العبادة للفساد، وأما عن حجة الاسلام فلأنها غير منوية، وقال - عليه السلام -: " وإنما لامرئ ما نوى " (3). مسألة: لو نذر الحج فحج عن غيره قال الشيخ في التهذيب: أجزأ عن

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 406 ح 1415، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب وجوب الحج وشرائطه ح 3 ج 8 ص 49.
(2) م (2): وبالجملة.
(3) سنن البيهقي: ج 7 ص 341، صحيح البخاري: ج 1 ص 2، سنن ابن ماجة: ج 2 ص 1413 ح 4227.

[ 377 ]

النذر (1). والحق خلافه. لنا: إنه نوى غير ما وجب عليه فلا يكون مجزئا. احتج الشيخ برواية رفاعة الصحيحة، عن الصادق - عليه السلام - قلت: أرأيت إن حج عن غيره ولم يكن له مال وقد نذر أن يحج ماشيا أيجزئ عنه ذلك من مشيه؟ قال: نعم (2). والجواب: تحمل الرواية على ما إذا قصد في النذر المطلق الشامل لحجة الاسلام وحجة النيابة لا مطلق الحج. مسألة: لو نذر الحج ماشيا ثم عجز فليركب وليسق (3) بدنة كفارة لركوبه، قاله الشيخ في النهاية (4) والمبسوط (5). وقال المفيد: لا كفارة عليه ولا شئ، لقوله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (6)، وهو اختيار ابن إدريس (7). والأقرب أن النذر إن كان معينا بسنة فعجز عن المشي ركب ولا شئ عليه، وإن كان مطلقا توقع المكنة. لنا: على الأول: إنه عجز عن الصفة فسقط اعتبارها، للاجماع الدال على سقوط ما عجز الناذر عنه من غير تفريط. لا يقال: فيسقط الحج للعجز كما نقل عن بعض علمائنا ذلك.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 406 ذيل الحديث 1414.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 406 ح 1415، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب وجوب الحج وشرائطه ح 3 ج 8 ص 49.
(3) في متن المطبوع وق: وينحر.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 460 - 461.
(5) المبسوط: ج 1 ص 303.
(6) المقنعة: ص 441، وفيه: استدل بمضمون الآية حيث قال: ما جعل الله على خلقه في الدين من حرج.
(7) السرائر: ج 1 ص 518.

[ 378 ]

لأنا نقول: العجز إنما حصل عن الصفة لا عن أصل الحج، والنذر تعلق بأمرين، ولا يلزمه من سقوط أحد النذرين سقوط الآخر إذا افترقا في العلة. وعلى الثاني: إن كل وقت يمكن فرض الاتيان بالمنذور فيه فيجب التربص إلى وقت حضوره عملا بمقتضى النذر وتحصيلا للمصالح المتعلقة بالوفاء به، وأما سقوط الكفارة فلما تقدم من العجز المقتضي لسقوط الذنب، فلا يناسب العقوبة بالكفارة. وما رواه رفاعة بن موسى في الصحيح قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله، قال: فليمش، قال: قلت: فإنه تعب، قال: فإذا تعب ركب (1). احتج الشيخ بما رواه ذريح المحاربي قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل حلف ليحجن ماشيا فعجز عن ذلك فلم يطقه، قال: فليركب وليسق الهدي (2). والجواب: إنه محمول على الاستحباب جمعا بين الأدلة. مسألة: لو ركب ناذر المشي مع القدرة قال الشيخ في المبسوط: عليه الإعادة يمشي ما ركب ويركب ما مشى (3). والأقرب إن كان مشروطا بوقت معين وجب عليه القضاء والكفارة، وإن كان غير مشروط بوقت معين وجب عليه الاستئناف ماشيا. لنا: على الأول: إنه أخل بالصفة المنذورة، فيجب عليه القضاء لتحصيل

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 403 ح 1402، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه ح 1 ج 8 ص 59.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 403 ح 1403، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه ح 2 ج 8 ص 60.
(3) المبسوط: ج 1 ص 303.

[ 379 ]

تلك الصفة والكفارة، لاخلاله بإيقاع تلك الصفة في الوقت المعين الواجب بالنذر. وعلى الثاني: إن الواجب عليه الحج ماشيا ولم يأت به في الأول، فيبقى في عهدة التكليف. احتج الشيخ بأن الواجب عليه قطع المسافة ماشيا، وقد حصل مع التلفيق، فيخرج عن العهدة. والجواب: المنع من حصوله مع التلفيق، إذ لا يصدق عليه أنه قد حج ماشيا. ويحتمل أن يقال بصحة الحج وإن كان الزمان معينا، وتجب الكفارة، لأن المشي ليس جزء من الحج ولا صفة من صفاته، فإن الحج مع المشي كالحج مع الركوب، فيكون قد امتثل نذر الحج وأخل بنذر المشي، فتجب الكفارة ويصح حجه. مسألة: لو أوصى بالحج تطوعا وقصد الثلث حتى لا يرغب فيه أحد يستأجر من أقرب الأماكن، قيل: يرجع ميراثا (1)، لأن الوصية قد تعذر العمل بها، فيبقى الملك على الورثة. وقال الشيخ: يصرفه في وجوه البر (2)، لأنه خرج عن ملك الوارث بالوصية إذا تعذر صرفه في نوع من أنواع الطاعات صرف في غيره من أنواعها، لاشتراكها في مطلق الطاعة. وعندي في القولين تردد. مسألة: قال ابن الجنيد (3): المملوك والأمة الحج لازم لهما وإن كانا ممنوعين منه كالمصدود والمحصور، فإن أذن لهما سيدهما في الحج فقد لزمهما أداؤه إن

(1) نقله في شرائع الاسلام: ج 1 ص 325.
(2) المبسوط: ج 1 ص 306.
(3) لم نعثر على كتابه.

[ 380 ]

استطاعا إليه سبيلا بإيذانهما، فإن حجا أجزأ ذلك عنهما إذا اعتقا، ويستحب لهما بعد العتق أن يحجا، لأن الاستطاعة للحج هي القوة في البدن والقدرة على النفقة، ومتى وجد الانسان أحدهما ومنع الآخر لزمه، فإن أداه بأحدهما ثم استجمعا له أعاد ليكون مؤديا بهما فريضة الحج عليه بهما. فهذا خلاف المشهور من أن الحرية شرط، وقد أجمع علماؤنا سواه عليه، لقوله تعالى: " من استطاع إليه سبيلا " (1)، والاستطاعة ملك للزاد والراحلة بلا خلاف عندنا في ذلك. مسألة: قال أبو الصلاح: صحة الحج موقوفة على ثبوت الاسلام والعلم بتفصيل أحكام الحج وشروطه وتأديته لوجهه الذي له شرع مخلصا لربه، مع كون مؤديه مطهرا بالختانة، ثم بين الاشتراط - إلى أن قال: - وكون الحاج أغلف لا يصح حجه بإجماع آل محمد - عليهم السلام - (2). وفي هذا الكلام إشكال، فإن المروي أنه لا يجوز أن يطوف الرجل وهو غير مختتن (3)، فإن أخذه من هذه الرواية من حيث أن بطلان طوافه يستلزم بطلان حجه أمكن (4)، لكن كلامه يوهم بطلان حجه مطلقا، ونحن نمنع من ذلك، فإنه لو لم يتمكن من التطهير (5) صح حجه وطوافه، فقوله: " على الإطلاق " ليس بجيد، مع أن ابن الجنيد قال: ولا يجوز للرجل أن يطوف بالبيت وهو غير مختون على ما روى أصحابنا في الأخبار (6)، وهو يعطي توقفه في ذلك.

(1) آل عمران: 97.
(2) الكافي في الفقه: ص 192 - 193.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 126 ح 414، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب مقدمات الطواف ح 3 ج 9 ص 369.
(4) في متن المطبوع وق: أولى.
(5) في متن المطبوع وق: التطهر.
(6) السرائر: ج 1 ص 574.

[ 381 ]

وقال شيخنا المفيد: ومن أسلم فأراد الحج فلا يجوز له ذلك حتى يختتن (1). مسألة: قال الشيخ في النهاية: واعلم أن للمدينة حرما مثل حرم مكة، وحده ما بين لابتيها وهو ظل عائر إلى ظل وعير لا يعضد شجرها، ولا بأس أن يؤكل صيدها إلا ما صيد بين الحرمين (2). وقال ابن إدريس: الأولى أن يقال: وحده من ظل عائر إلى ظل وعير لا يعضد شجرها، ولا بأس أن يؤكل صيدها إلا ما صيد بين الحرتين، لأن الحرتين غير ظل عائر وظل وعير، والحرتان بين الظلين، لأنه قال: لا يعضد الشجر فيما بين الظلين، ولا بأس أن يؤكل الصيد إلا ما صيد بين الحرتين، فدل على أن الحرتين داخلتان في الظلين، وإلا كاد يكون الكلام متناقضا، فلو كانت الحرتان هما حد حرم المدينة الأول لما حل الصيد في شئ من حرم المدينة (3). وقول ابن إدريس جيد، وإذا عرفت هذا فكلام الشيخ يعطي تحريم الصيد في حرم المدينة. والأقرب عندي أنه مكروه عملا بالأصل.

(1) المقنعة: ص 442.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 560.
(3) السرائر: ج 1 ص 651.

[ 382 ]

كتاب الجهاد وفيه فصول: الأول فيمن يجب عليه وحكم الرباط مسألة: المديون إن كان الدين الذي عليه حالا وهو معسر لم يكن لصاحبه منعه من الجهاد، وكذا إن كان مؤجلا سواء كان برهن وشهادة أو لا. وقال الشيخ في المبسوط: الدين ضربان: حال ومؤجل، فإن كان حالا لم يكن له أن يجاهد إلا بإذن صاحبه، وإن كان مؤجلا فالظاهر أنه يلزمه وليس لصاحبه منعه، لأنه بمنزلة من لا دين عليه، وقيل: إن له منعه، لأنه مغرور بدينه، لأنه يطلب الشهادة (1). وقال ابن أبي عقيل (2): وإذا استنفر الإمام وجب النفر على كل مؤمن، ولم يسع التخلف عنه، ويرتفع مع استنفاره إذن الاهل والغريم وطاعة الأبوين، لقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر

(1) المبسوط: ج 2 ص 6.
(2) لم نعثر على كتابه.

[ 383 ]

منكم " (1). وقال ابن الجنيد (2): إذا كان على الرجل دين حال ولا أحد يقوم مقامه في تأدية ذلك عنه لم يخرج حتى يوفي صاحب الدين حقه، ولو كان مع صاحب الدين رهن فيه استيفاء حقه منه فأذن له في ذلك كان له الخروج، ولو كان الدين غير حال وكانت بشهادة أو إقرار وهو برهن أوله وفاءه خرج، وإن لم يكن كذلك لم يخرج إلا بإذن صاحب الدين. لنا: إنه مع الاعسار عن الدين مخاطب بالجهاد للعموم، فيجب عليه عملا بالمقتضي السالم عن معارضة منع صاحب الدين، إذ لا سبيل له عليه حينئذ، وكذا مع التأجيل. والعموم الذي احتج به ابن أبي عقيل نقول بموجبه، فإن الإمام إذا عينه بالاستنفار وجب عليه، ولا عبرة حينئذ بإذن صاحب الدين سواء كان حالا أو مؤجلا. مسألة: الحرية شرط في الجهاد، وهو المشهور، ويظهر من كلام ابن الجنيد عدم الاشتراط فإنه قال: والخطاب بفرض (3) الجهاد إنما هو للعاقل من سواء البالغين، كان شابا أو شيخا إذا كان ممن يطيق مبارزة الرجال ومقاومة الابطال. ولم يذكر شرط الحرية، ثم روى بعد ذلك أن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين - عليه السلام - ليبايعه فقال: يا أمير المؤمنين أبسط يدك على أن أدعو لك بلساني وأنصحك بقلبي وأجاهد معك بيدي، فقال: أحر أنت أم عبد؟ فقال: بل عبد، فقبض أمير المؤمنين - عليه السلام - يده فبايعه (4). لنا: إنه معسر فيسقط عنه فرض الجهاد، لقوله تعالى: " ولا على الذين

(1) النساء: 59.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) م (1) وم (2): لفرض.
(4) لم نعثر على كتابه.

[ 384 ]

لا يجدون ما ينفقون حرج " (1)، والرواية محمولة على الجهاد معه، على تقدير الحرية وأذن المولى أو عموم الحاجة. مسألة: قال الشيخ: الأبوان إن كانا مسلمين لم يكن له أن يجاهد إلا بأمرهما ولهما منعه (2). وقال ابن أبي عقيل (3): ويرتفع مع استنفاره إذن الاهل والغريم وطاعة الوالدين. وقال ابن الجنيد: إذا لم يدهم المسلمين العدو والذين يلونه لا يقومون به، فلا يختار نحن أن يعصى فيه الأبوان أو أحدهما إذا منعا من ذلك، سيما إذا كان بهما فاقة إلى قيام الولد عليهما. احتج ابن أبي عقيل بعموم قوله تعالى: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " (4)، وبقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض " (5)، وبقوله تعالى: " قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم. الآية " (6). احتج الشيخ بما روي إن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وآله - يستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ فقال: نعم، قال: ففيهما فجاهد (7). وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - قال: أذنا لك؟ قال: لا، قال:

(1) التوبة: 91.
(2) المبسوط: ج 2 ص 6. (3) لم نعثر على كتابه.
(4) النساء: 59.
(5) التوبة: 38.
(6) التوبة: 24.
(7) سنن البيهقي: ج 9 ص 25.

[ 385 ]

فارجع فاستأذنهما، فإن أذنا فجاهد أو فهاجر وإلا فبرهما (1). والأقرب عندي التفصيل، وهو عدم اعتبار رضاهما إن عمت الحاجة أو استنفر الإمام بخصوصه، وعليه تحمل الآيات التي استدل بها ابن أبي عقيل، ووجوب اعتبار رضاهما إذا لم تعم الحاجة، ولم يعينه الإمام، لقوله تعالى: " وصاحبهما في الدنيا معروفا " (2). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا خرج إلى الجهاد ولا منع هناك ولا عذر ثم حدث عذر فإن كان قبل أن يلتقي الزحفان وكان ذلك من قبل غيره، مثل أن يكون صاحب الدين أذن له ثم رجع أو كان أبواه كافرين فأسلما ومنعاه فعليه الرجوع، وإن كان العذر من نفسه كالعرج والمرض فهو بالخيار إن شاء قعد وإن شاء رجع، وإن كان بعد التقاء الزحفين وحصول القتال فإن كان لمرض في نفسه كان له الانصراف، لأنه لا يمكنه القتال، وإن كان للدين والأبوين فليس لهما ذلك، لأنه لا دليل عليه (3). وقال ابن الجنيد (4): ولو خرج فأصابه المرض قبل بلوغه الحرب كان له أن يرجع، فإن له ذلك، والزحفان قد التقيا لم يكن له الرجوع، لقول الله عزوجل: " ومن يولهم يومئذ دبره. الآية " (5). والأقرب ما قاله الشيخ. لنا: إنه عاجز فيسقط عنه في الأثناء كما يسقط في الابتداء، ولقوله تعالى: " ولا على المريض حرج " (6).

(1) سنن البيهقي: ج 9 ص 26.
(2) لقمان: 15.
(3) المبسوط: ج 2 ص 6.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) الانفال: 16. (6) الفتح: 17.

[ 386 ]

والجواب: عما احتج به ابن الجنيد القول بالموجب، فإن من يولهم الدبر مع عدم العذر معاقب. مسألة: قال ابن الجنيد (1): لو حضر القتال من لا يلزمه فرض القتال للزمه من أحكام الفرار ما يلزم من حضره ممن وجب عليه حضوره. والأقرب عندي المنع عملا بالأصل. مسألة: إذا كان موسرا وعجز عن القيام به بنفسه قال الشيخ (2)، وابن البراج (3) وابن إدريس (4): يجب عليه إقامة غيره مقامه. وقال أبو الصلاح: فإن كان ذو العذر غنيا فعليه معونة المجاهدين بماله في الخيل والسلاح والظهر والزاد وسد الثغر (5)، وقيل: يستحب (6). احتج الاولون بعموم الأمر بالجهاد على الكفاية وهو فعل يقبل النيابة، فإذا تعذرت المباشرة وجبت الاستنابة تحصيلا لما أوجبه الشارع. احتج الآخرون بسقوطه عنه مباشرة لعجزه فيسقط عنه النيابة، لأنها تبع لوجوب المباشرة، ولأصالة براءة الذمة. والأقرب الأخير، نعم لو احتيج إلى الاستنابة بأن يعجز القائمون وجبت. مسألة: لو نذر أن يصرف شيئا من ماله إلى المرابطين فإن كان الإمام ظاهرا وجب الوفاء به إجماعا، وإن كان مستترا قال الشيخ في النهاية (7)

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 4.
(3) المهذب: ج 1 ص 298.
(4) السرائر: ج 2 ص 3.
(5) الكافي في الفقه: ص 246.
(6) شرائع الاسلام: ج 1 ص 308.
(7) النهاية ونكتها: ج 2 ص 5 - 6.

[ 387 ]

والمبسوط (1) تصرف في وجوه البر، إلا أن يكون قد نذر ظاهرا ويخاف في الاخلال به الشنعة عليه، فحينئذ يجب عليه الوفاء به، وتابعه ابن البراج (2). وقال ابن إدريس: يجب الوفاء به مطلقا، ويصرف إلى المرابطين سواء كان الإمام - عليه السلام - ظاهرا أو لا، وسواء خاف الشنعة أو لا (3)، وهو الأقوى. لنا: إنه قد نذر طاعة، فيجب عليه الوفاء به كغيرها من الطاعات. احتج الشيخ بما رواه علي بن مهزيار قال: كتب رجل من بني هاشم إلى أبي جعفر الثاني - عليه السلام - إني كنت نذرت نذرا منذ سنتين أن أخرج إلى ساحل البحر إلى ناحيتنا مما يرابط فيه المتطوعة نحو مرابطتهم بجدة وغيرها من سواحل البحر، أفترى جعلت فداك أن يلزمني الوفاء به أو لا يلزمني أو أفتدي الخروج إلى ذلك بشئ من أبواب البر لأصير إليه إن شاء الله؟ فكتب إليه بخطه وقرأته: إن سمع منك نذرك أحد من المخالفين فالوفاء به إن كنت تخاف شنعته، وإلا فاصرف ما نويت من ذلك إلى أبواب البر، وفقنا الله واياك لما يحب ويرضى (4). والجواب: إنه محمول على المرابطة في ثغر لا يجب المرابطة فيه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن أخذ من إنسان شيئا ليرابط عنه في حال انقباض يد الإمام فليرد عليه فلا يلزمه الوفاء به، فإن لم يجد من أخذه منه

(1) المبسوط: ج 2 ص 8 - 9.
(2) المهذب: ج 1 ص 303.
(3) السرائر: ج 2 ص 4 - 5.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 126 ح 221، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب جهاد العدو ح 1 ج 11 ص 21.

[ 388 ]

وجب عليه الوفاء به ولزمته المرابطة (1)، وتابعه ابن البراج (2). وفي المبسوط: من أجر نفسه لينوب عن غيره في المرابطة فإن كان في حال انقباض يد الإمام فلا يلزمه الوفاء به ويرد عليه ما أخذ منه، فإن لم يجده فعلى ذريته، وإن لم يكن له ذرية لزمه الوفاء به، وإن كان في حال تمكن الإمام لزمه الوفاء به على كل حال (3). وقال ابن إدريس: يجب على الأجير الوفاء به، سواء كان الإمام ظاهرا أو لا، وسواء وجد المستأجر أو لا (4)، وهو الأقرب. لنا: إنها طاعة قد استؤجر لها فوجب عليه القيام بها كالجهاد. احتج الشيخ بالحديث الأول، وقد سبق جوابه. مسألة: قال الشيخ: حد المرابطة ثلاثة أيام إلى أربعين يوما (5). وقال ابن الجنيد (6): الذي سمعته في أقل المرابطة ليلة، وأكثره أربعون ليلة. والأول أقوى. لنا: ما رواه محمد بن مسلم وزرارة في الحسن، عن الباقر والصادق عليهما السلام قالا: الرباط ثلاثة أيام، وأكثره أربعون يوما (7). ولأنها لبث للعبادة فيقدر بثلاثة أيام كالاعتكاف.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 6.
(2) المهذب: ج 1 ص 303.
(3) المبسوط: ج 2 ص 9.
(4) السرائر: ج 2 ص 5.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 5.
(6) لم نعثر على كتابه. (7) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 125 ح 218، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب جهاد العدو ح 1 ج 11 ص 19.

[ 389 ]

الفصل الثاني في كيفية الجهاد مسألة: قال في النهاية: لا يجوز أن يفر واحد من واحد ولا من اثنين، فإن فر منهما كان مأثوما (1)، وكذا قال ابن إدريس (2). وقال في المبسوط: ليس المراد بوقوف الواحد للاثنين أن يقف الواحد بأزاء اثنين وإنما يراد الجملة، وإن جيش المسلمين إذا كان نصف جيش المشركين بلا زيادة وجب الثبات، وإن كان أكثر من ذلك لم يلزم وجاز الانصراف (3)، وهو الأقرب. لنا: الأصل براءة الذمة، والآية إنما دلت على وجوب ثبات المائة بازاء المائتين. احتج الشيخ بما رواه الحسن به صالح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: كان يقول: من فر من رجلين في القتال من الزحف فقد فر، ومن فر من ثلاثة من الزحف فلم يفر (4). والجواب: إنه محمول على ما إذا كان في سرية أو جيش، وهو الظاهر من حيث المفهوم. مسألة: لو غلب عنده الهلاك قال الشيخ في المبسوط: الأولى أن يقول: ليس له ذلك، لقوله تعالى: " وإذا لقيتم فئة فاثبتوا "، قال: وقيل: إنه يجوز له

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 8.
(2) السرائر: ج 2 ص 9.
(3) المبسوط: ج 2 ص 10.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 174 ح 342، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب جهاد العدو ح 1 ج 11 ص 63.

[ 390 ]

الانصراف، لقوله تعالى: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " (1). والأقرب عندي الأخير لما فيه من حفظ النفس الواجب دائما وامكان تحصيل المقصود من الجهاد بعد ذلك، ووجوب الثبات لا ينافي ما قلناه، فإن المطلق يصدق في أي جزئي (2) كان. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كان المشركون أكثر من ضعف المسلمين لم يلزم الثبات، وهل يستحب أم لا إن غلب في ظنه الهلاك؟ فالأولى الانصراف، وقيل: يجب الانصراف، وكذا القول فيمن قصده رجل وغلب في ظنه أنه إن ثبت له قتله فعليه الهرب، وإن غلب السلامة فالمستحب له أنه يثبت، ولا ينصرف لئلا يكسر المسلمين (3). وقال ابن الجنيد (4): لا يجوز مع الاستظهار من المسلمين على المشركين، وإن كان المشركون أضعاف المسلمين أن تولوا الدبر، سواء كان في عسكر أو سرية. والأقرب أنه إن غلب السلامة استحب له الثبات، ولم يجب عملا بالأصل، وإن غلب الهلاك وجب الهرب لما تقدم. مسألة: قال ابن الجنيد (5): ومن كان في جيش يكون عدده اثنا عشر ألف رجل لم يستحب له أن يولي الدبر على وجه، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: لا تغلب اثنا عشر ألف من قلة (6)، وأصحابنا أطلقوا القول بجواز الهرب مع كثرة المشركين على الضعف، وهو الأقرب عملا بأصالة البراءة.

(1) المبسوط: ج 2 ص 10.
(2) في متن المطبوع وق: جزء.
(3) المبسوط: ج 2 ص 10.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 944 ح 2827 وفيه: ولن تغلب.

[ 391 ]

وقد روى عمرو بن أبي نصر قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: خير الرفقة أربعة، وخير السرايا أربع مائة، وخير العسكر أربعة آلاف، ولا يغلب عشرة آلاف من قلة (1). مسألة: قال الشيخ في النهاية: يجوز قتال الكفار بسائر أنواع القتل وأسبابه، إلا السم فإنه لا يجوز أن يلقي في بلادهم السم (2). وفي المبسوط: كره أصحابنا القاء السم في بلادهم (3). واختار ابن إدريس المنع وقال: ما ذكره الشيخ في النهاية به نطقت الأخبار عن الأئمة الأطهار - عليهم السلام - (4). والأقرب ما ذكره في المبسوط، وهو اختيار ابن الجنيد (5). لنا: الأصل الجواز. وما رواه حفص بن غياث قال: كتب إلي بعض اخواني أن أسال أبا عبد الله - عليه السلام - عن مدينة من مدائن الحرب هل يجوز أن يرسل عليهم الماء أو يحرقوا بالنيران أو يرموا بالمنجنيق حتى يقتلوا وفيهم النساء والصبيان والشيخ الكبير والأسارى من المسلمين والتجار؟ فقال: يفعل ذلك بهم ولا يمسك عنهم لهؤلاء، ولا دية عليهم للمسلمين ولا كفارة (6). والسم في معنى هذه الأشياء فيكون مشاركا لها في الحكم.

(1) (1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 174 ح 346، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب جهاد العدو ح 1 ج 11 ص 103.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 8. (3) المبسوط: ج 2 ص 11.
(4) السرائر: ج 2 ص 7.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 142 ح 242، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب جهاد العدو ح 2 ج 11 ص 46.

[ 392 ]

احتج الشيخ بما رواه السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي - عليهم السلام - إن النبي - صلى الله عليه وآله - نهى أن يلقى السم في بلاد المشركين (1). والجواب: القول بالموجب، فإن النهي كما يكون للتحريم يكون للكراهة، وليس في الحديث دلالة على أحدهما، فيحمل على المطلق الشامل لهما. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: أهل الصوامع والرهبان يقتلون إلا من كان شيخا فانيا هرما عادم الرأي (2). وقال ابن الجنيد (3): لا يقتل منهم شيخ فإن ولا صبي ولا امرأة ولا راهب في صومعة أو حيث قد حبس نفسه فيه، إلا أن يكون أحد منهم قد قتل أحدا من المسلمين، أو يكون منهم قتال يخاف مع ترك قتلهم النكاية في المسلمين. والأقرب ما اختاره الشيخ. لنا: عموم الأدلة. احتج ابن الجنيد بعدم حصول الضرر منهم فأشبهوا الفاني عديم الرأي. والجواب: المنع من المساواة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز قتال أحد من الكفار، إلا بعد دعائهم إلى الاسلام واظهار الشهادتين والاقرار بالتوحيد والعدل والتزام جميع شرائع الاسلام، فمتى دعو إلى ذلك ولم يجيبوا حل قتالهم، ومتى لم يدعو لم يجز قتالهم (4)، وأطلق، وكذا قال ابن إدريس (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 143 ح 244، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب جهاد العدو ح 1 ج 11 ص 46.
(2) المبسوط: ج 2 ص 12.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 7. (5) السرائر: ج 2 ص 6.

[ 393 ]

وقال في المبسوط: لا يجوز قتال أحد من الكفار الذين لم تبلغهم الدعوة، إلا بعد دعائهم إلى الاسلام وإظهار الشهادتين والاقرار بالتوحيد والعدل والتزام جميع شرائع الاسلام، وإن كان الكفار قد بلغتهم دعوة النبي - صلى الله عليه وآله - وعلموا أنه يدعو إلى الايمان والاقرار به، وإن من لم يقبل قاتله ومن قبل منه آمنه، فهؤلاء حرب للمسلمين وللإمام أن يبعث إليهم الجند من غير أن يراسلهم ويدعوهم، لأن ما بلغهم قد أجزأ (1). وهذا التفصيل أجود، وهو اختيار ابن الجنيد (2)، مع أنه قال: الدعوة للقسم الثاني أحوط، لجواز حدوث الرغبة في الاسلام أو اعطاء الجزية أو إيقاع الهدنة بفدية، وخاصة إن كانت البلاد بلادا قد اشترك في مساكنها من قوتل على الدعوة ومن لم يقاتل ومن لا يتيقن بلوغها على الشرع إليهم. لنا: ما روي أن النبي - صلى الله عليه وآله - أغار على بني المصطلق - وهم غارون وأنعامهم على الماء - فقاتلهم وسبى سبيهم (3). وما رواه أبو عمرو الشامي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سأله رجل - إلى أن قال: - غزوت فواقعت المشركين فينبغي قتالهم قبل أن أدعوهم، فقال: إن كان غزوا وقوتلوا وقاتلوا فإنك تجتزئ بذلك، وإن كانوا قوما لم يغزوا ولم يقاتلوا فلا يسعك قتالهم حتى تدعوهم (4). احتج الشيخ بما رواه السكوني، عن الصادق - عليه السلام - عن آبائه - عليهم السلام - قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام -: بعثني رسول الله - صلى الله عليه

(1) المبسوط: ج 2 ص 13.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) سنن البيهقي: ج 9 ص 79 مع اختلاف.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 135 ح 228، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب جهاد العدو ح 2 ج 11 ص 30.

[ 394 ]

وآله - إلى اليمن فقال: يا علي لا تقاتلن أحدا حتى تدعوه، وأيم الله لئن يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت، ولك ولاؤه يا علي (1). والجواب: القول بالموجب، فإن من عرف الدعوة فقد دعى أولا في الحقيقة فيصدق عليه أنه يدعو إلى الاسلام. والتحقيق أنه لا خلاف في هذه المسألة، فإن إطلاق الشيخ وتفصيله محمولان على ما قررناه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس بالمبارزة بين الصفين في حال القتال، ولا يجوز له أن يطلب المبارزة إلا بإذن الإمام (2)، وكذا قال ابن إدريس (3). وقال في المبسوط: المبارزة قسمان: مستحبة بأن يدعو المشرك إلى البراز فيستحب للمسلم أن يبارزه، ومباحة بأن يخرج المسلم إلى المشرك ابتداء فيدعوه إلى البراز، وينبغي أن لا يخرج أحد إلى طلب المبارزة إلا بإذن الإمام، لأنه أعرف بالفرسان ومن يصلح للبراز (4). وقال أبو الصلاح: لا يجوز لمسلم أن يستبرز كافرا، إلا بإذن سلطان الجهاد، ويجب عليه أن يبرز إلى من استبرزه بغير إذن (5). وقال ابن الجنيد (6): والمبارزة مما قد جرت بها السنة في زمن النبي - صلى

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 141 ح 240، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب جهاد العدو ح 1 ج 11 ص 30.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 8.
(3) السرائر: ج 2 ص 8.
(4) المبسوط: ج 2 ص 19.
(5) الكافي في الفقه: ص 256.
(6) لم نعثر على كتابه.

[ 395 ]

الله عليه وآله - وبحضرته، وجرت أيضا في حروب أمير المؤمنين - عليه السلام -. والأقوى الكراهة بغير إذن الإمام، لأن في المبارزة حرصا على الجهاد وبعثا عليه، وإنما كره لكون الإمام - عليه السلام - أعرف بالمصلحة. وقد روى عمرو بن جميع رفعه إلى أمير المؤمنين - عليه السلام - أنه سئل عن المبارزة بين الصفين بغير إذن الإمام، قال: لا بأس به، ولكن لا يطلب ذلك إلا بإذن الإمام (1). مسألة: لو طلب المشرك المبارزة ولم يشترط جاز معونة قرنه، وإن شرط ألا يقاتله غيره قال الشيخ: وفى له بشرطه، ولم يجز لغيره رميه، لأنه قد عقد لنفسه أمانا (2). وقال ابن الجنيد: إذا خرج جماعة إلى جماعة لم يقع بينهم شرط على أن كل واحد لواحد لا يعين بعضهم بعضا كان لبعضهم إعانة بعض على صاحبه قبل الفراغ من صاحبه وبعده، فإن تشارطوا على أن لا يعين أحد على أحد كان هذا الشرط باطلا، لأن الله ألزم المؤمنين الدفع عن المؤمن ممن يريد البغي عليه، وقال النبي - صلى الله عليه وآله -: " المؤمنون يد على من سواهم " (3)، وكلا القولين محتمل. مسألة: لو فر المسلم فإن طلبه الحربي جاز دفعه، وإن لم يطلبه لم يجز محاربة الحربي. وقال بعض علمائنا: يجوز ما لم يشترط الأمان حتى يعود إلى فئة (4)، وهو

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 169 ح 323، وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب جهاد العدو ح 1 ج 11 ص 67. (2) المبسوط: ج 2 ص 19.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) نقله في شرائع الاسلام: ج 1 ص 312.

[ 396 ]

الظاهر من كلام الشيخ (1). لنا: إن طلب المبارزة قاض بأن لا يقاتل غير المبارز عند البراز عادة وقد خرج المسلم إليه على ذلك فلا يجوز العذر. احتج الشيخ بأنه حربي لا أمان له. والجواب: المنع من انتفاء الأمان. الفصل الثالث في عقد الإمام والهدنة والجعالة مسألة: يجوز لواحد من المسلمين أن يذم لواحد من الكفار ولعشرة، لا عاما ولا لأهل اقليم، وهل يذم لقرية أو حصن؟ قيل: نعم (2)، وقيل: لا (3). احتج الاولون بأن عليا - عليه السلام - أجاز ذمام الواحد لحصن من الحصون (4). والأقرب المنع، لقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله " (5)، وفعل علي - عليه السلام - لا باعتبار وجوب القبول بل ابتداء. إذا ثبت هذا فالمشهور ذمام الواحد من المسلمين لاحاد المشركين كما تقدم. وقال أبو الصلاح: لا يجوز لأحد من المسلمين أن يجير كافرا، ولا يؤمن أهل حصن ولا قرية ولا مدينة ولا قبيلة إلا بإذن سلطان الجهاد، فإن أجار بغير إذنه

(1) المبسوط: ج 1 ص 19.
(2) نقله في شرائع الاسلام: ج 1 ص 314.
(3) شرائع الاسلام: ج 1 ص 314.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 235، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب جهاد العدو ح 2 ج 11 ص 49 لاخطهما.
(5) الحجرات: 1.

[ 397 ]

أثم ووجبت إجازة جواره، ولم تحقر ذمته وإن كان عبدا، وأمسك عمن أجاره من الكفار (1). والنزاع معه في مقامين: الأول: في تحريم ذمام الواحد للاحاد، وقد بينا أن المشهور جوازه، لدعاء الحاجة إليه وما فيه من الترغيب إلى الاسلام، ولقوله - عليه السلام -: " ويسعى بذمتهم أدناهم " (2). الثاني: وجوب قبول أمانه، فإن قصد بذلك عدم الاعتراض لو خرجوا إلينا حتى يرجعوا إلى مأمنهم فهو حق، وإن قصد مطلقا فهو ممنوع. وظاهر كلامه الأول فإنه قال بعد ذلك: حتى يسمع كلام الله، فإن أسلم وإلا أبلغ مأمنه (3). مسألة: قال الشيخ: إذا اجتمعت جماعة من المسلمين فأقروا أنهم عقدوا الأمان له قبل الاسر لم يقبل، لأنهم يشهدون على فعلهم (4). وقال ابن الجنيد (5): لو ادعى بعض المسلمين بعد الغلبة للعدو أنه كان قد أمن بعضهم لم يقبل ذلك منه إلا ببينة، ولو شهد اثنان أنهما أمنا رجلا أو جماعة لم تصح الشهادة، وإن كانوا ثلاثة شهود يشهدون بأنهم أمنوا هؤلاء القوم أو الرجل الواحد صحت الشهادة. احتج بأن الواحد من الثلاثة قد أمن ويصح منه الأمان وشهد بفعله الآخران من الثلاثة، فمضى كما لو لم يمضوا فعلهم في الشهادة.

(1) الكافي في الفقه: ص 257.
(2) سنن البيهقي: ج 9 ص 94، الكافي: ج 1 ص 403 ح 1 و 2، وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب القصاص في النفس ح 1 و 2 و 3 ج 19 ص 55.
(3) الكافي في الفقه: ص 257.
(4) المبسوط: ج 2 ص 15.
(5) لم نعثر على كتابه.

[ 398 ]

والجواب: المنع من المساواة، فإنه شهادة للواحد على فعل نفسه، كما قاله الشيخ. مسألة: قال الشيخ: لو جعل لدليل جارية من قلعة وفتحت صلحا على أن لصاحب القلعة أهله وكانت الجارية من أهله قيل للدليل: أترضى بالقيمة؟ فإن رضي فلا بحث، وإن امتنع قيل لصاحب القلعة: أترضى بالقيمة عنها؟ فإن رضي فلا بحث، وإن امتنع قيل لصاحب القلعة: أرجع إلى قلعتك بأهلك، ويزول الصلح، لأنه قد اجتمع أمران متنافيان لا يمكن الجمع بينهما، وحق الدليل سابق فوجب تقديمه (1). وقال ابن الجنيد (2): ولو أن علجا دل المسلمين على قلعة وشرط عليهم جارية سماها، فلما انتهوا إلى القلعة صالحوا صاحب القلعة على أن يفتحها لهم ويخلي بينه وبين أهله، وكانت زوجته تلك الجارية المشروطة للصلح، فإن كان المسلمون صالحوا صاحب القلعة قبل قدرتهم عليها وعن استظهار على من فيها كان الصلح جائزا، ولم يجب أن يسلم الجارية إلى العلج، ويفسخ شرط صاحب القلعة، ووجب أن يعوض العلج قيمتها من الغنيمة وإن كانوا إنما صالحوا بعد الاستظهار على القلعة ومن فيها، فإن علموا بحال الجارية ولم يشترطوها فإن شرطوها بجهل أو لم يعلموا فواجب عندي تعويض العلج، فإن أبى إلا الجارية المشروطة له قيل لصاحب القلعة: إن أحببت أن تسلمها وتتعوض منها، لأن شرطنا تقدم بها لغيرك ووقع لك شرطنا على جهل منا بما قد صار لغيرنا فعلنا ذلك، فإن لم تسلمها إليها نبذنا إليك وقاتلناك إلى أن تسلم المرأة إلى العلج الذي شرطناها له.

(1) المبسوط: ج 2 ص 28.
(2) لم نعثر على كتابه.

[ 399 ]

والأقرب عندي اعتبار المصلحة، فإن كانت مصلحة المسلمين في بقاء الصلح عوض العلج عنها كما قال ابن الجنيد، ولم يجب إلى فسخ الصلح كما لو أسلمت، وإن لم يكن في فساد الصلح ضرر على المسلمين جاز فسخه مع التغاير. مسألة: لو قدمت أمة من بلاد الشرك مزوجة فأسلمت لم ترد على الزوج ويحكم بحريتها، فإن جاء سيدها يطلبها لم يجب ردها ولا قيمتها، قاله الشيخ (1). وقال ابن الجنيد (2): لو طالب مولى الأمة بقيمتها كان ذلك له وعتقت. والوجه الأول. لنا: إنها قهرت الكافر على نفسها فملكها وانعتقت من غير عوض. مسألة: قال الشيخ: كل موضع يجب فيه رد المهر فإنه يكون ذلك من بيت المال المعد للمصالح (3). وقال ابن الجنيد (4): فإن كانت إحدى المهاجرات المؤمنات ذات بعل قد دفع إليها زوجها صداقها أو بعضه فجاء زوجها أو وكيله خاصة دون من سواهما في طلبها دفع إليه مثل ما ساقه من الصداق دون غيره من هبة أو هدية فإن كان الذي ساقه إليها قائما بعينه وقد جاءت به معها رد عليه، وإلا عوض عنه من سهم الغارمين. والبحث هنا في موضعين: الأول: في وجوب رده بعينه إن كان قائما، والشيخ أطلق الرد من بيت المال. احتج الشيخ بقوله تعالى: " وآتوهم ما أنفقوا " (5)، وهذا خطاب للامام.

(1) المبسوط: ج 1 ص 55.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) المبسوط: ج 1 ص 55.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) الممتحنة: 10.

[ 400 ]

احتج ابن الجنيد بأنه عوض عن البضع وقد حالت بينه وبينه، فوجب رد العين عليه. الثاني: الأخذ من بيت المال على تقدير عدمه، وابن الجنيد قال: من سهم الغارمين. احتج الشيخ بما تقدم. واحتج ابن الجنيد بأنه مال قد تلف ويجب رده على صاحبه فكان كالدين، فوجب من سهم الغارمين. مسألة: لو عقد الكافر الأمان لنفسه وماله ثم لحق بدار الحرب للاستيطان انتقض أمانه لنفسه خاصة، فإن قتل زال ملكه عن ماله إلى ورثته، فإن كانوا مسلمين استقر ملكهم عليه، وإن كانوا مشركين انتقض الأمان في المال ويصير فيئا للامام خاصة، لأنه لو يؤخذ بالسيف، فهو بمنزلة ميراث من لا وارث له، قاله الشيخ في المبسوط (1). وقال ابن الجنيد (2): ولو خلف المستأمن بدار الاسلام ودائع أو قرضا أو ملكا ثم قتل في دار الحرب كان جميع ذلك فيئا للجيش الذين كان فيهم قاتله. والأقرب الأول. لنا: إنه لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فيكون للامام. احتج ابن الجنيد بأنه مال مغنوم فيختص بالغانمين. والجواب: المنع من الصغرى. مسألة: منع ابن الجنيد (3) من تحكيم مسلم أسير في أيدي المشركين.

(1) المبسوط: ج 2 ص 15 - 16.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) لم نعثر على كتابه.

[ 401 ]

وقال الشيخ: يكره ذلك إذا جمع الصفات المشترطة (1). احتج ابن الجنيد بأنه مغلوب مقهور فلا يجوز تحكيمه. احتج الشيخ بأن الاسلام يمنع من الحكم بالباطل فجاز تحكيمه كغيره. مسألة: يجوز الهدنة أقل من أربعة، ولا يجوز أكثر من سنة، وهل يجوز أكثر من أربعة أشهر؟ قال الشيخ: الظاهر أنه لا يجوز، قال: وقيل: إنه يجوز مثل مدة الجزية (2). احتج بعموم قوله تعالى: " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " (3). والأقرب عندي اعتبار المصلحة وحينئذ يتقدر بقدرها. الفصل الرابع في الغنائم مسألة: قال الشيخ في النهاية: كلما يغنم من دار الحرب مما ينتقل ويحول مما حواه العسكر للمقاتلة خاصة بعد الخمس، للراجل سهم وللفارس سهمان (4)، وكذا قال ابن إدريس (5)، وابن البراج (6)، وأبو الصلاح (7)، وظاهر ذلك يقتضي منع اختصاص بعضهم بشئ.

(1) المبسوط: ج 2 ص 17.
(2) المبسوط: ج 2 ص 51.
(3) التوبة: 5.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 9، وراجع ج 1 ص 449. (5) السرائر: ج 2 ص 9 - 10.
(6) المهذب: ج 2 ص 185 - 186.
(7) الكافي في الفقه: ص 158.

[ 402 ]

وقال في المبسوط: للمسلمين أن يأكلوا ويعلفوا في دار الحرب دوابهم، فإن أصابوا طعاما فلهم أكله قدر الكفاية مع الاعسار واليسار، سواء كان معهم طعام أو لم يكن، ولا ضمان عليهم، ولهم أن يذبحوا البهائم المأكولة مع الحاجة إليها ذبحها وأكل لحمها، ولا قيمة عليهم دون الجلود والثياب فإنه ليس لهم لبسها، ولا استعمال شئ من أدوية الغنيمة ولا الادهان بشئ من دهنه لنفسه ولا لدوابه إلا مع الضمان، ولا إطعام البزاة والصقور وغيرها من الجوارح شيئا من الغنيمة، لأنه لا ضرورة إلى ذلك (1). وقال ابن الجنيد (2): كل ما كان للمسلم محللا أكله من طعام المشركين فحلل أكله من الغنيمة قبل القسمة، لقوله تعالى: " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " (3)، ولم يشترط في ذلك قسمة ولا غيرها. قال: ولا أعلم خلافا أنه جائز لأهل العسكر أن يأكلوا ويعلفوا دوابهم مما يجدونه للعدو من غير موآمرة صاحب العسكر ولا غيره، وغير تقويم له على أنفسهم، وأنه لا بأس أن يطعمه لأحد غيره وإن كان من غير أهل الغنيمة ولا يقسم عليه. وما ذكره الشيخ في المبسوط، وابن الجنيد هو الأقوى. لنا: إن الضرورة تدعو إلى ذلك فكان سائغا، وللآية التي ذكرها ابن الجنيد. مسألة: للامام أن يصطفي لنفسه ما شاء من الغنيمة، كفرس فارة وثوب مرتفع وجارية حسناء، وليس له استيعاب الجميع. وقال أبو الصلاح: له أن يصطفي لنفسه قبل القسمة الفرس والسيف

(1) المبسوط: ج 2 ص 29.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) الانفال: 69.

[ 403 ]

والدرع والجارية، وأن يبدأ بسد ما ينويه من خلل في الاسلام وثغوره ومصالح أهله، ولا يجوز لأحد أن يعترض عليه إن استغرق جميع المغانم (1). لنا: الأصل المنع، ولقوله تعالى: " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " (2). ولأن المفهوم من الاصطفاء التخصيص. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: السلب إن شرط للقاتل ملكه ولا يخمس عليه، وكذا النفل إذا شرط الإمام لا يخمس صاحبه، وما يرضخه الإمام للعبيد والكفار إن قاتلوا بأمره - عليه السلام - والحافظ وغير ذلك يكون من أصل الغنيمة، وقال قوم: إنه يكون من أربعة أخماس المقاتلة. والأول أصح (3). وقال ابن حمزة: يخرج الإمام الصفايا قبل القسمة المؤن وهي ثمانية أصناف: أجرة الناقل، والحافظ، والنقل، والجعائل، والرضخة للعبيد، والنساء ومن عاونهم من المؤلفة، والاعراب على حسب ما يراه الإمام، ثم يخرج الخمس من الباقي لاهله (4). وقال أبو الصلاح: يخرج ما يصطفيه وما يمونه، ثم يخمس الباقي (5). وقال ابن الجنيد (6): وفي النفل الخمس لأهله، فقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - قال: لا نفل إلا بعد الخمس، وأما السلب فللقاتل غير مشارك له أهل الغنيمة ولا أهل الخمس. والوجه عندي أن الإمام إن شرط لأرباب الحقوق حقوقهم من غير خمس لم

(1) الكافي في الفقه: ص 258.
(2) الانفال: 69.
(3) المبسوط: ج 2 ص 70.
(4) الوسيلة: ص 203 - 204.
(5) الكافي في الفقه: ص 258.
(6) لم نعثر على كتابه.

[ 404 ]

يجب عليهم الخمس، وإلا وجب عملا بالآية وهي قوله تعالى: " واعلموا أنما غنمتم من شئ. الآية "، وبان فعله - عليه السلام - حجة. مسألة: السلب لا يستحقه القاتل، إلا إذا شرطه والي الجيش له، قاله الشيخ (2). وقال ابن الجنيد (3): من قتل قتيلا فله سلبه غير مشارك له أهل الغنيمة ولا أهل الخمس، سواء قال ذلك والي العسكر أو لم يقله، ولو كان القاتل من لا سهم له في الغنيمة لم يكن له سلب، إلا أن يشرط ذلك الإمام أو الوالي. والأقرب الأول. لنا: الأصل عدم الاختصاص، فلا يصار إليه إلا بدليل ولم يثبت. احتج الشيخ بأن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: من قتل قتيلا فله سلبه (4). والجواب: القول بالموجب، فإنه يجوز للوالي عندنا الجعالة. مسألة: قال الشيخ: يقسم للفارس سهمان وللراجل سهم واحد ولذي الأفراس ثلاثة أسهم (5). قال في المبسوط (6) والخلاف (7): وفي أصحابنا من قال: للفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه، وكذا نقل ابن إدريس (8) عن بعض أصحابنا.

(1) الانفال: 41.
(2) الخلاف: ج 2 ص 330 المسألة 8، طبع اسماعيليان.
(3) لم نعثر على كتابه. (4) سنن البيهقي: ج 6 ص 307 و 309.
(5) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 147 ذيل الحديث 257.
(6) المبسوط: ج 2 ص 71.
(7) الخلاف: ج 2 ص 335 المسألة 24، طبع اسماعيليان.
(8) السرائر: ج 2 ص 10.

[ 405 ]

والمشهور الأول، وهو قول ابن أبي عقيل (1) وأبي الصلاح (2)، وابن البراج (3)، وابن حمزة (4)، وابن إدريس (5). وقال ابن الجنيد (6): للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه وسهم له وللراجل سهم. لنا: ما رواه حفص به غياث قال: كتب إلي بعض اخواني أن أسال أبا عبد الله - عليه السلام - عن مسائل من السيرة - إلى أن قال: - كيف يقسم الغنيمة بينهم؟ فقال: للفارس سهمان وللراجل سهم (7). احتج ابن الجنيد بما رواه إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه - عليهما السلام - إن عليا - عليه السلام - كان يقول للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما (8). والجواب: إنه محمول على ما إذا كان له أكثر من فرس واحد، لما رواه ابن البخترى، عن جعفر عن أبيه - عليهما السلام - إن عليا - عليه السلام - كان يسهم للفارس ثلاثة أسهم: سهمين لفرسه وسهما له، ويجعل للراجل سهما (9).

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) الكافي في الفقه: ص 258 - 259.
(3) المهذب: ج 1 ص 186.
(4) الوسيلة: ص 204.
(5) السرائر: ص 10.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 145 ح 253، وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب جهاد العدو صدر ح 1 ج 11 ص 77.
(8) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 147 ح 257، وسائل الشيعة: ب 42 من أبواب جهاد العدو ح 2 ج 11 ص 88.
(9) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 147 ح 258، وسائل الشيعة: ب 42 من أبواب جهاد العدو ح 3 ج 11 ص 89.

[ 406 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2): وعلى الإمام أن يتعاهد خيل المجاهدين، ولا يترك أن يدخل دار الحرب حطما: وهو الذي ينكس، ولا قحما: وهو الكبير الذي لا يمكن القتال عليه لكبر سنه وهرمه، ولا ضعيفا ولا ضرعا: وهو الذي لا يمكن القتال عليه لصغره، ولا أعجف: وهو المهزول، ولا رازخا: وهو الذي لا حراك به، لأن هذه الاجناس لا يمكن القتال عليها بلا خلاف، فإن خالف وادخل دابة بهذه الصفة فإنه يسهم لها لعموم الأخبار، وقال قوم: لا يسهم له، لأنه عما فائدة فيه. وقال ابن إدريس: يسهم للجميع (3). وقال ابن الجنيد (4): وأما الحال التي يسهم فيها للفرس فهي إذا كان سليما ولم يكن حال يصلح أن يحارب عليها الفرسان فتأخر صاحبه عن ذلك لعله بالفرس، فأما إن كان سقيما أو به ما يمنع من القتال عليه لو احتج إلى ذلك لم يسهم له. والأقرب ما قاله الشيخ عملا بعموم اللفظ. احتج ابن الجنيد بأن الغرض يتعلق بالمنفعة وهي منفية. والجواب: المنع من ذلك فإنا نسهم للطفل ولمن لحق المدد وإن لم يقاتل. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (5) والخلاف (6): إذا قاتل على فرس مغصوب لا يستحق له سهما لا هو ولا المغصوب منه، وهو قول ابن حمزة (7).

(1) المبسوط: ج 2 ص 71.
(2) الخلاف: ج 2 ص 337 المسألة 28، طبع اسماعيليان.
(3) السرائر: ج 2 ص 10.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) المبسوط: ج 2 ص 71.
(6) الخلاف: ج 2 ص 337 المسألة 27، طبع اسماعيليان.
(7) الوسيلة: ص 204.

[ 407 ]

وقال في موضع آخر من المبسوط: لو غصب فرسا وغزا عليه وغنم فأسهم له ثلاثة أسهم كان ذلك كله له دون صاحب الفرس، فإن دخل دار الحرب بفرس نفسه فغزا ثم غصبه غاصب من أهل الصف فغنموا فأسهم للذي في يده الفرس ثلاثة أسهم كان له من ذلك سهم وسهمان لصاحب الفرس. والفرق أن في المسألة الأولى: الغاصب هو الحاضر للقتال دون صاحب الفرس وقد آثر في القتال بحضوره فارسا فكان السهم له دون صاحب الفرس، وفي المسألة الثانية: صاحب الفرس حضر القتال وآثر في القتال والغصب حصل بعد ذلك فكان السهم له دون الغاصب (1). والأقرب أن نقول: إن كان صاحب الفرس حاضرا كان السهم له، وإن لم يكن حاضرا لم يكن له ولا للغاصب شئ. لنا: إنه منهي عن هيئة هذا القتال، فلا يستحق على هذه الهيئة شيئا. مسألة: قال الشيخ: العبيد لا سهم له، سواء خرجوا بإذن سيدهم أو بغير إذنهم (2). وقال ابن الجنيد (3): يقسم للعبد المأذون له والمكاتب. احتج الشيخ بنقصه وعدم قبوله للملك فلا يسهم له. احتج ابن الجنيد بما رواه حفص بن غياث قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: وسئل عن قسمة بيت المال، فقال: أهل الاسلام هم أبناء الاسلام أسوي بينهم في العطاء، وفضائلهم بينهم وبين الله أجملهم كبني رجل واحد لا يفضل أحد منهم لفضله وصلاحه في الميراث على آخر ضعيف

(1) المبسوط: ج 2 ص 24.
(2) المبسوط: ج 2 ص 70.
(3) لم نعثر على كتابه.

[ 408 ]

منقوض (1). ولأنه أبلى في الحرب، ويقع فيه فأشبه الفرس، وخروجه عن التملك لا ينافي الاسهام له، ويكون لمولاه كالرضخ والفرس، وعندي في ذلك تردد. مسألة: قال ابن الجنيد (2): الأجير الذي لم يمكنه الغزو إلا بإجارة نفسه بمأكله ومحمله له سهمه، فإن كان مستأجرا بعوض فأخذه وشرط على من استأجره أن له سهمه كان ذلك له وإلا فهو للمستأجر. وقال الشيخ: إذا استأجر رجل أجيرا ودخلا معا دار الحرب فإنه يسهم للأجير والمستأجر، سواء كانت الإجارة في الذمة أو معينة، ويستحق مع ذلك الأجرة (3). وهذا يشعر بأن السهم للأجير، وهو الأقرب. لنا: أن السهم يستحقه الحاضر بحضوره، فلا يكون للمستأجر فيه حق، لانتفاء المقتضي، والغرض دفعه عن الجهاد لا عن الغنيمة. مسألة: إذا انفلت أسير من يد المشركين ولحق الغانمين قبل تقضي القتال وحيازة المال فحضر الوقعة وشهد القتال أسهم له، وإن لحق بعد تقضي القتال وبعد حيازة الغنيمة أسهم له ما لم يقسم الغنيمة، وإن لحق بهم بعد تقضي الحرب وقبل حيازة المال أسهم له أيضا، قال الشيخ ذلك كله في المبسوط (4). وقال ابن الجنيد (5): وأما من لحق بالغانمين ممن أسلم في بلاد الحرب أو كان أسيرا فلحق بالمسلمين فيستحب القسمة له إذا كان لحوقه بالمسلمين قبل

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 146 ح 255، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب جهاد العدو ح 3 ج 11 ص 81. (2) لم نعثر على كتابه.
(3) المبسوط: ج 2 ص 72.
(4) المبسوط: ج 2 ص 72.
(5) لم نعثر على كتابه.

[ 409 ]

قسمة الغنيمة ما لم يخرجوا من دار الحرب. والأقرب عندي أن الاسير إن لحق بالمسلمين طلبا للمعاونة استحق السهم إذا لحق قبل القسمة، وإن لحق بهم للاحتفاظ لا للمقاتلة لم يستحق شيئا. لنا: إنه ليس بمجاهد ولا حضر الجهاد. مسألة: قال ابن الجنيد (1): التاجر في دار الحرب لا يسهم له إلا فيما شهد القتال عليه وأحرز بعد حضوره من الغنيمة. والشيخ شرط في المبسوط أن يكون قد حضر للقتال أو قاتل، فإن حضر لا للقتال ولم يقاتل لم يسهم له وإن شهد القتال (2)، وهو الوجه. لنا: إنه ليس بمجاهد فلا يستحق شيئا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ليس للاعراب من الغنيمة شئ وإن قاتلوا مع المهاجرين (3). ومنع ابن إدريس من ذلك وقال: هذه رواية شاذة مخالفة لأصول مذهب أصحابنا، أوردها الشيخ في النهاية في باب الزيادات، وهو يدل على وههنا عنده، لأنه لا خلاف بين المسلمين أن كل من قاتل من المسلمين كان من جملة المقاتلة وإن الغنيمة للمقاتلة، فلا يخرج عن هذا الاجماع إلا بإجماع مثله (4). والأقرب الأول. لنا: إن النبي - صلى الله عليه وآله - صالح الاعراب عن المهاجرة بترك النصيب. وما رواه عبد الكريم بن عتبة الهاشمي في الحسن قال: كنت قاعدا عند

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) المبسوط: ج 2 ص 72.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 14.
(4) السرائر: ج 1 ص 21.

[ 410 ]

أبي عبد الله - عليه السلام - بمكة، إذ دخل عليه ناس من المعتزلة وفيهم عمرو بن أبي عبيد - إلى أن قال: أرأيت أربعة الأخماس قسمتها بين جميع من قاتل عليها؟ قال عمرو: نعم، قال له الصادق - عليه السلام -: فقد خالفت رسول الله - صلى الله عليه وآله - في سيرته، بيني وبينك فقهاء أهل المدينة ومشيختهم فسلهم فإنهم لا يختلفون ولا يتنازعون في أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - إنما صالح الأعراب على أن يدعهم في ديارهم ولا يهاجروا على أن دهمه من عدوه دهم أن يستنفرهم فيقاتل بهم، وليس لهم في الغنيمة نصيب، وأنت تقول بين جميعهم فقد خالفت رسول الله - صلى الله عليه وآله - في كل ما قلت في سيرته في المشركين (1). وإذا نسب الإمام - عليه السلام - من أعطاهم كالمهاجرين إلى مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وآله - كان القول به باطلا، والاجماع الذي احتج به ممنوع. مسألة: المشركون لا يملكون أموال المسلمين بالاستغنام، فإذا أغار المشركون على المسلمين فأخذوا منهم ذراريهم وعبيدهم وأموالهم ثم ظفر بهم المسلمون فاستعادوا ذلك فالأولاد أحرار بعد البينة، وأما العبيد والأمتعة، فللشيخ قولان: قال في النهاية: يقومون في سهام المقاتلة، ويعطي الإمام مواليهم أثمانهم من بيت المال (2). وقال في المبسوط (3) والخلاف (4): يكون لأربابها بعد البينة، فإن كان بعد القسمة أعطى الإمام من حصل في سهمه قيمته من بيت المال لئلا ينتقض

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 148 ح 261، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب جهاد العدو صدر ح 2 ج 11 ص 28 واورد ذيله في ب 41 ح 3 ج 11 ص 85.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 10.
(3) المبسوط: ج 2 ص 26.
(4) الخلاف: ج 3 ص 230 المسألة 10، طبع اسماعيليان.

[ 411 ]

القسمة، وإن كان قبل القسمة أخذه صاحبه بغير ثمن، وهو اختيار ابن إدريس (1). وقال ابن البراج: فأما ما عدا الأولاد فإن كانت عينه باقية وعلم أو قامت به بينة إنه لمن يدعيه من المسلمين سلم إليه، وقد قيل: إن ذلك يقوم في سهام المقاتلة، ويدفع الإمام - عليه السلام - إلى مواليهم أثمانهم من بيت المال، فمن عمل بذلك لم يكن به بأس (2). وقال ابن الجنيد (3): وأما المماليك فإنهم يقومون في سهام المقاتلة فيباعون ويعطى مواليهم أثمانهم من بيت مال المسلمين، رواه عن الصادق - عليه السلام -، ولم يذكر شيئا. وقال أبو الصلاح: الاهل والذراري خارجون عن الغنيمة، والرقيق قبل القسمة لمالكيه، وبعد القسمة لا سبيل لهم عليه، والأموال والخيل والكراع والسلاح وغير ذلك بعد حصوله في حرز الكفار وتملكهم على ظاهر الحال للمقاتلين عليه، وقيل: ذلك راجع إلى أربابه من المسلمين (4). والوجه ما اختاره الخلاف في المبسوط والخلاف. لنا: قوله - عليه السلام -: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيبة نفس منه " (5)، وعندنا أن الأموال باقية على أربابها، فإن استغنام الكفار لها لا يوجب تملكها فيستمر الملك الأول. وما رواه الجمهور عن عمران بن حصين أن قوما من المشركين أسروا امرأة

(1) السرائر: ج 2 ص 11.
(2) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) الكافي في الفقه: ص 259.
(5) سنن الدارقطني: ج 3 ص 26 ح 90، سنن البيهقي: ج 6 ص 100.

[ 412 ]

أنصارية وناقة، وذكر الحديث - إلى أن قال: - فلما كانت في ذات ليلة انفلتت المرأة من وثاقها فجاءت إلى الإبل فلما مست بعيرا رغى إلى أن مست تلك الناقة فلم ترغ فجلست على عجزها وصاحت بها، فانطلقت وطلبوها من ليلتها فلم يدركوها، ونذرت إن نجاها الله تعالى عليها أن تنحرها، فلما قدمت المدينة عليها عرفوا الناقة بأنها ناقة رسول الله - صلى الله عليه وآله - فقالت: نذرت إن نجاني الله تعالى عليها أن أنحرها، فأخبروا النبي - صلى الله عليه وآله - فقال: بئسما جزيتيها، لا وفاء لنذر فيه معصية، ولا وفاء لنذر لم يملكه ابن آدم، وأخذ الناقة منها (1). ومن طريق الخاصة ما رواه هشام بن سالم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سأله رجل عن الترك يغزون على المسلمين فيأخذون أولادهم فيسترقون منهم أيرد عليهم؟ قال: نعم، والمسلم أحق بالمسلم، والمسلم أحق بماله أينما وجده (2)، وهو عام. احتج الشيخ بما رواه هشام بن سالم، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله - عليه السلام - في السبي يأخذ العدو من المسلمين في القتل من أولاد المسلمين فيجوزونه، ثم إن المسلمين قاتلوهم فظفروا بهم فسبوهم وأخذوا منهم ما أخذوا من مماليك المسلمين وأولادهم الذين كانوا أخذوهم من المسلمين ومماليكهم، فكيف يصنع فيما كانوا أخذوه من أولاد المسلمين ومماليكهم؟ قال: فقال: أما أولاد المسلمين فلا يقام في سهام المسلمين ولكن يرد إلى أبيه أو إلى أخيه أو إلى وليه بشهود، وأما المماليك فإنهم يقامون في

(1) راجع مسند أحمد بن حنبل: ج 4 ص 430 و 432 مع اختلاف. (2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 159 ح 288، وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب جهاد العدو ح 3 ج 11 ص 74.

[ 413 ]

سهام المسلمين فيباعون ويعطى مواليهم قيمة أثمانهم من بيت مال المسلمين (1). والجواب: روايتنا أصح طريقا. قال الشيخ في التهذيب: الذي أفتي به أنه يرد على المسلم ماله إذا قامت له به البينة ما لم يقسم، ومتى قسم لم يجب عليه إلا الثمن لكن يعطي قيمته من بيت المال، وإنما كان كذلك لئلا يؤدي إلى نقض القسمة، فأما ألا يرد عليه ولا قيمته فلا يجوز بحال، لأن بغصب الكافر له لم يملكه حتى يصح أن يكون فيئا، ويجوز أيضا أن نقول: يرد عليه على كل حال، ويرجع المشتري على الإمام بثمن ذلك (2). وما رواه الحسن بن محبوب - في كتاب المشيخة -، عن علي بن رئاب، عن طربال، عن أبي جعفر - عليه السلام - قال سئل عن رجل كانت له جارية فأغار عليه المشركون فأخذوها منه ثم إن المسلمين أخذوهم بعد غزوهم فأخذوها فيما غنموا منهم، فقال: إن كانت في الغنائم وأقام البينة أن المشركين أغاروا عليهم فأخذوها منه ردت عليه، وإن كان قد اشتريت وخرجت من المغنم فأصابها [ بعد ] ردت عليه برمتها وأعطى الذي اشتراها الثمن من المغنم من جميعه، قيل له: إن لم يصبها حتى تفرق الناس وقسموا جميع الغنائم فأصابها بعد، قال: يأخذها من الذي هي في يده إذا قام البينة، ويرجع الذي هي في يده إذا أقام البينة على أمير الجيش بالثمن (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 159 ح 287، وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب جهاد العدو ح 1 ج 11 ص 73.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 190 ذيل الحديث 290.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 160 ح 291، وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب جهاد العدو ح 5 ج 11 ص 75.

[ 414 ]

وقال في الاستبصار: الذي أعمل عليه أنه أحق بعين ماله على كل حال، فالأخبار المخالفة لذلك وردت على ضرب من التقية (1). مسألة: عبيد المشركين إذا أسلموا وخرجوا إلينا قبل مواليهم كانوا أحرارا لا سبيل لمواليهم عليهم بالاجماع، لأنهم قهروا مواليهم على أنفسهم فملكوها، وإن لم يخرجوا إلينا قال في النهاية: يكونون عبيدا (2)، وهو اختيار ابن الجنيد (3)، و ابن إدريس (4). وقال في المبسوط: وإن لم يخرج إلى دار الاسلام فهو على أصل الرق، وإن غنم كان غنيمة للمسلمين، لأنه لم يغلب مولاه على نفسه فيبقى على أصل الرق. قال: وإن قلنا: إنه يصير حرا على كل حال كان قويا (5)، وهو يدل على رجحان العتق عنده. والأقرب الأول لما تقدم. وما رواه السكوني في الموثق، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه - عليهم السلام - إن النبي - صلى الله عليه وآله - حيث حاصر أهل الطائف، قال: أيما عبد خرج إلينا قبل مولاه فهو حر، وأيما عبد خرج إلينا بعد مولاه فهو عبد (6)، وللاستصحاب. احتج الشيخ بأن الاسلام يعلو ولا يعلى عليه، فإذا أسلم صار حرا، وإلا لكان الاسلام يعلى عليه.

(1) الاستبصار: ج 3 ص 6 ذيل الحديث 10.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 10.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) السرائر: ج 2 ص 10 - 11.
(5) المبسوط: ج 2 ص 27.
(6) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 152 ح 264، وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب جهاد العدو ح 1 ج 11 ص 89.

[ 415 ]

والجواب: إنه يباع من المسلمين إن لم يغنم. مسألة: قال في المبسوط: السلب يستحقه القاتل إذا جعله الإمام له بشروط أن يقتل المشرك والحرب قائمة، سواء قتله مقبلا أو مدبرا وإن لم يغزو بنفسه، وإلا يكون المقتول مجروحا مثخنا، بل يكون قادرا على القتال (1)، وكذا قال ابن الجنيد (2). وقال في الخلاف: يستحق القاتل السلب إذا جعله الإمام مطلقا من غير شرط، لأن الجعل للقتل وقد حصل، ولأن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: " من قتل كافرا فله سلبه " على عمومه، ومن راعى شرطا زائدا فعليه الدلالة (3). مسألة: إذا وجد الغانم شيئا في دار الحرب مما يمكن أن يكون للمسلمين والكفار كالخيمة والسلاح قال الشيخ في المبسوط: عرف سنة كاللقطة وإن لم يظهر صاحبه الحق بالغنيمة (4)، وفيه نظر. والأقرب أنه كاللقطة له أن يتملكه، لأنه لقطة. مسألة: إذا سرق أحد الغانمين من الغنيمة شيئا فإن كان بمقدار نصيبه من الغنيمة فلا قطع عليه، وإن زاد على نصيبه بنصاب وجب القطع، قاله الشيخ (5). وقال ابن الجنيد (6): وأما الغلول: فهو أن يأخذ أحد من العسكر من أموال

(1) المبسوط: ج 2 ص 66.
(2) لم نعثر على كتابه. (3) الخلاف: ج 2 ص 330 - 331 المسألة 11، طبع اسماعيليان.
(4) المبسوط: ج 2 ص 30.
(5) المبسوط: ج 2 ص 31.
(6) لم نعثر على كتابه.

[ 416 ]

المشركين شيئا فيخفيه ليختاره دون المسلمين، فلا يأتي به المقسم قليلا كان ذلك الشئ أو كثيرا، فإن ظهر أن أحدا من المقاتلة قد غل فإنه ليس بسارق، لأنه سرق ماله فيه حق، فإن وجد في رحله أخذ منه وكان الأمر في عقوبته في بدنه إلى الإمام، وأما في ماله فإنه ينظر في قدر حقه من الغنيمة، فإن كان دون قيمة المغلول أغرم فضل القيمة على حقه من ماله، ولم يعط ما كان نصيبه لو لم يغل، وإن كان قدر حقه أكثر من قيمة المغلول قوم بقيمة حقه ودفع إليه الباقي، وإن كان المغلول مستهلكا كان عليه قدر قيمته مضاعفة وقوم سهمه في الغنيمة إن كان ناقصا عنه ورد عليه الفضل إن كان زائدا عليه. والحق الأول. لنا: إنه سرق مال الغنيمة فيجب عليه القطع ورد عين المال. مسألة: إذا وطأ بعض الغانمين جارية من المغنم قال الشيخ في الخلاف: لم يلزمه الحد (1)، وأطلق. وقال في المبسوط: عليه من الحد ما يصيب الباقين، سواء كان الغانمون قليلين أو كثيرين هذا إذا كان عالما بالتحريم، فإن لم يكن عالما بتحريم الوطئ بل ظن أنه يحل له درئ عنه الحد لمكان الشبهة (2). وهذا التفصيل أقوى. لنا: إنه شريك وطأ الجارية المشتركة عالما بالتحريم، فوجب عليه من الحد بقدر حصة الشريك كغير الغنيمة. تذنيب: قال في المبسوط: ولا مهر على الواطئ، لأن الأصل براءة الذمة (3). وليس بجيد.

(1) الخلاف: ج 3 ص 233 المسألة 14، طبع اسماعيليان.
(2) المبسوط: ج 2 ص 31 - 32.
(3) المبسوط: ج 2 ص 32.

[ 417 ]

لنا: إنه وطأ جارية غيره أو مشتركة بينه وبين غيره فكان عليه من العقر بقدر نصيب الغير، نعم لو كانت مطاوعة لم يجب عليه شئ على إشكال، وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى. مسألة: لو كان في الغنيمة من يعتق على بعض الغانمين قال الشيخ: الذي يقتضيه المذهب أن نقول: إنه ينعتق نصيبه منه ويكون الباقي للغانمين، ولا يلزمه قيمة ما يبقى للغانمين، لأنه لا دليل عليه. وقد قيل: إنه لا ينعتق عليه أصلا إن لم يقسمه الإمام في حصته أو حصة جماعة هو أحدهم، لأن للامام أن يعطيه حصته من غيره فنصيبه غير مميز من الغنيمة، وإن قومه عليه أو على جماعة هو أحدهم ورضي به انعتق نصيبه، لأنه ملكه، ويلزمه حصة شركائه ويقوم عليه، كما لو أعتق شقصا له من مملوكه إذا كان موسرا، ولو كان معسرا لم يلزمه ذلك ويكون قدر حصته حرا وما سواه مملوكا. قال: والأول أقوى عندي (1). وقال ابن الجنيد (2): وأما الغنائم إذا كان في جملتها ذو رحم محرم على أحد الغانمين فليس يستقر العتق عليه، إلا بأن يخرجا جميعا إلى دار الاسلام وهما حيان، وحصة الغانم من المغنم قدر قيمة المغنوم أو يتجاوز ذلك، أو بأن يقع القسمة في دار الحرب فيكون قيمة ذلك القريب كذلك، فإن عجزت عتق من المغنوم قدر حق الغانم في جميع المغنم من قيمة ذلك القريب وبقي ما زاد من القيمة على حق الغانم غنيمة لاهلها، ولو أراد الغانم بعد علمه بحال قريبه أن يهب حقه ليبقى قريبه في الرق ولا يعتق منه قدر حقه ما كان ذلك له. والأقرب عندي ما قاله الشيخ أولا. لنا: إن الغنيمة حق لجميع الغانمين، وكل واحد منهم يستحق جزء من كل

(1) المبسوط: ج 2 ص 32 - 33.
(2) لم نعثر على كتابه.

[ 418 ]

عين منها، فهذا الغانم قد استحق جزء من قريبه وملكه ملكا تاما فيعتق عليه ما يملكه منه. لا يقال: نمنع من تملك الغانم لكل جزء من العين فإنه لو ملكه ملكا تاما لم يكن للامام نقله عنه، وبالاجماع للامام أن يخص بتلك العين من شاء من الغانمين. لأنا نقول: تخصيص الإمام البعض لا ينافي التملك كالمشترك، فإن الإمام بالحقيقة هنا قاسم بالتخصيص. الفصل الخامس في الاسارى وأحكام الأرضين مسألة: إذا أسر الزوجان وكانا مملوكين قال الشيخ (1)، وابن إدريس (2): لا ينفسخ النكاح، لأنه لم يحدث رق فيهما. والأقرب عندي أنه يتخير الغانم الذي جعلا في نصيبه بين فسخ النكاح وإبقائه، لأنه مالك تجدد ملكه على الزوجين فكان له فسخ النكاح كغيرهما. قال الشيخ: ولو أسر الزوج فإن استرق انفسخ النكاح، وكذا لو أسرت الزوجة انفسخ النكاح (3)، ولو قيل: يتخير الإمام أو من جعلت في نصيبه بين إبقاء العقد وفسخه كان وجها. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (4) والمبسوط (5): إذا سبيت المرأة وولدها لم

(1) المبسوط: ج 2 ص 21.
(2) السرائر: ج 2 ص 14. (3) المبسوط: ج 2 ص 20.
(4) الخلاف: ج 3 ص 234 المسألة 18، طبع اسماعيليان.
(5) المبسوط: ج 2 ص 21.

[ 419 ]

يجز التفريق بينهما بالبيع ولا أن يعطي الإمام الأم لواحد والولد لآخر بل ينظر، فإن كان في الغانمين من يبلغ سهمه الأم والولد أعطاهما إياه، وإلا أخذ الفاضل من القيمة أو يجعلها في الخمس أو باعهما ورد ثمنهما في المغنم. قال: وكذا لو كان لرجل أمة وولدها لم يجز أن يفرق بينهما ببيع ولا هبة ولا غير ذلك من أسباب الملك. قال: وفي أصحابنا من قال: إن ذلك مكروه ولا يفسد البيع به، ثم قال: فإن خالف وباع جاز البيع على الظاهر من المذهب. قال: ومن الناس من قال: إن البيع فاسد. وقال ابن الجنيد (1): وأما التفرقة بين السبايا فلا يختار أن يفرق بينهم إذا كان مع الصبي أحد أبويه أو من يقوم مقامهما في الخير والشفقة عليه من جد أو جدة أو أخ أو أخت ما كان بالصبي فاقة إلى قيام قريبه عليه، فإن استغنى بعضهم عن بعض وطابت نفس الأصغر بذلك أو بلغ سبع سنين فلا بأس بذلك، والمرأة بطفلها (2)، أحق بالجمع بينهما من جمعه مع والده إلى أن يبلغ سبع سنين، إلا أن يشاء الإمام، فإن بيع منفردا عن قرينه قبل بلوغ السبع فسخ البيع ولا يباعان إلا معا وهذا في السبايا، فأما من كان مولودا فالاستحباب أن يفعل به كذلك، فإن لم يفعل جاز التفرقة بينهما قبل بلوغ سبع سنين إذا قام الغريب للطفل مقام القريب. وقال ابن إدريس: إن ذلك مكروه عند بعض أصحابنا ولا يفسد البيع به. قال: وهو الأقوى عندي (3). والأقوى ما اختاره ابن إدريس. لنا: إنه مال فجاز بيعه كيف شاء المالك كغيره.

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) في متن المطبوع وق: بالطفل.
(3) السرائر: ج 2 ص 13.

[ 420 ]

احتج المحرمون بما رواه سماعة قال: وسألته عن أخوين مملوكين هل يفرق بينهما وعن المرأة وولدها؟ فقال: لا هو حرام، إلا أن يريدوا ذلك (1). وفي الحسن عن هشام بن الحكم، عن الصادق - عليه السلام - إنه اشتريت له جارية من الكوفة، فذهبت لتقوم في بعض الحاجة فقالت: يا أماه، فقال لها أبو عبد الله - عليه السلام -: ألك أم؟ قالت: نعم، فأمر بها فردت، وقال: ما آمنت لو حبستها أن أرى في ولدي ما أكره (2). وفي الحسن عن معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: أتى رسول الله - صلى الله عليه وآله - بسبي من اليمن، فلما بلغوا الجحفة فقدت نفقاتهم فباعوا جارية من السبي كانت أمها معهم، فلما قدموا على النبي - صلى الله عليه وآله - سمع بكاءها فقال: ما هذه؟ قالوا: يا رسول الله احتجنا إلى نفقة فبعنا ابنتها، فبعث بثمنها فأتى بها وقال: بيعوهما جميعا أو امسكوهما جميعا (3). وروى أبو أيوب الأنصاري أن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته في الجنة (4). والجواب عن الحديث الأول: إن سنده ضعيف. وعن الثاني: إنها تدل على الكراهة لا التحريم.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 73 ح 312، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب بيع الحيوان ح 4 ج 13 ص 42.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 73 ح 313، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب بيع الحيوان ح 3 ج 13 ص 41.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 73 ح 314، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب بيع الحيوان ح 2 ج 13 ص 41.
(4) مسند أحمد بن حنبل: ج 5 ص 413، وفيه: يوم القيامة.

[ 421 ]

واعلم أن خلاف ابن الجنيد للشيخ هنا في مواضع: الأول: إن كلامه يدل على الكراهة دون التحريم، والشيخ قد نص في بعض كتبه على التحريم. الثاني: كره ابن الجنيد التفريق بين الولد وبين من يقوم مقام الأبوين كالأخوة والأجداد في الشفقة، والشيخ (1) جوز ذلك إلا في أم الأم، لأنها بمنزلة الأم في الحضانة. الثالث: فرق ابن الجنيد بين السبي وغيره، والشيخ لم يفرق بينهما. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (2)، وابن البراج (3)، وابن الجنيد (4): لو سبي الطفل مع أحد أبويه كان تابعا له في الكفر والاسلام إن أسلم تبعه وإلا بقي على كفره، ولو سبي منفردا كان تابعا للسابي في الاسلام يجوز بيعه من مسلم ولا يجوز من كافر، وعندي في ذلك نظر. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (5) والمبسوط (6): الاسير إن أخذ قبل أن تضع الحرب أوزارها تخير الإمام بين أن يضرب رقبته وبين أن يقطع الأيدي والأرجل ويترك حتى ينزف الدم ويموت، وإن أخذ بعد انقضاء القتال تخير بين المن والفداء والاسترقاق وليس له قتلهم، وكذا قال ابن إدريس (7). وقال ابن البراج: الاسارى على ضربين: أحدهما: يجوز استبقاؤه وهو كل أسير أخذ بعد تقضي الحرب والفراغ منها، ويكون الإمام أو من نصبه الإمام مخيرا فيهم إن شاء قتلهم، وإن شاء فاداهم، وإن شاء من عليهم، وإن شاء

(1) المبسوط: ج 2 ص 21.
(2) المبسوط: ج 2 ص 22 - 23. (3) المهذب: ج 1 ص 318.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) الخلاف: ج 2 ص 332 المسألة 17، طبع اسماعيليان.
(6) المبسوط: ج 2 ص 20.
(7) السرائر: ج 2 ص 12.

[ 422 ]

استرقهم. والثاني: لا يستبقي ويتخير الإمام أو من نصبه في قتلهم بأي نوع أراده من أنواع القتل (1). وقال أبو الصلاح: وإذا أسر المسلمون كافرا عرض عليه الاسلام ورغب فيه، فإن أسلم أطلق سراحه، وإن أبى وكان أسره قبل انقضاء الحرب كان الإمام مخيرا بين قتله وصلبه حتى يموت وقطعه من خلاف وتركه يجوز (2) في دمه حتى يموت أو الفداء به، وإن كان أسره بعد ما وضعت الحرب أوزارها لم يجز له قتله وكان الإمام مخيرا بين استعباده والمفاداة به والمن عليه، ولا يجوز لغير الإمام العادل المن عليه، ويجوز له ما عداه (3). وقال ابن حمزة: الرجل إن أسر قبل انقضاء القتال فإن لم يسلم تخير الإمام بين قتله وقطع يديه ورجليه وتركه حتى ينزف، وإن أسر بعد الانقضاء فإن جاز له عقد الذمة تخير الإمام فيه بين ثلاثة أشياء: أخذ الفداء والاسترقاق والمن، وإن لم يجز له عقد الذمة تخير بين شيئين: المن والفداء (4). وقال ابن أبي عقيل (5): إذا ظهر المؤمنون على المشركين فاستأسروهم فالامام في رجالهم البالغين بالخيار إن شاء استرقهم، وإن شاء فاداهم، وإن شاء من عليهم، قال الله تعالى: " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فأما منا بعد وأما فداء حتى تضع الحرب أوزارها " (6) وأطلق، ولم يفصل.

(1) المهذب: ج 1 ص 316 - 317.
(2) كذا في جميع النسخ وفي المصدر.
(3) الكافي في الفقه: ص 257.
(4) الوسيلة: ص 202 - 203.
(5) لم نعثر على كتابه.

[ 423 ]

والمشهور ما ذكره الشيخ، لما رواه طلحة بن زيد، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: كان أبي يقول: إن للحرب حكمين: إذا كانت قائمة لم تضع أوزارها ولم تضجر أهلها، فكل أسير أخذ في تلك الحال فإن الإمام فيه بالخيار إن شاء ضرب عنقه، وإن شاء قطع يده ورجله من خلاف بغير حسم وتركه يتشحط في دمه حتى يموت - إلى أن قال: - والحكم الآخر إذا وضعت الحرب أوزارها وأثخن أهلها فكل أسير أخذ على تلك الحال وكان في أيديهم فالامام فيه بالخيار إن شاء من عليهم، وإن شاء فاداهم، وإن شاء استعبدهم فصاروا عبيدا (1). واعلم أن الشيخ قال في المبسوط: وإن أسر رجل بالغ فإن كان من أهل الكتاب أو ممن له شبهة كتاب فالامام مخير فيه على ما مضى بين ثلاثة أشياء، وإن كان من عبدة الاوثان فإن الإمام مخير فيه بين المفاداة والمن، ويسقط الاسترقاق، لأنه لا يقر على دينه بالجزية كالمرتد (2)، وهو حق. مسألة: لو أسر رجل من المشركين فقتله مسلم قبل أن يختار الإمام شيئا مما ذكرناه كان هدرا، ولا يجب عليه الدية. وقال ابن الجنيد (3): لو قتل الموسر أسيره (4) أو قتله غيره بغير إذن الإمام أو وإليه أدب، واغرم قيمة ثمن رقبته ترد في المقسم. والأقرب الأول. لنا: الأصل براءة الذمة، ولا نعلم استبقاؤه ومفاداته فلا يجب له عوض. مسألة: لو أسلم الاسير فإن كان بعد ما حكم الإمام فيه بشئ لم يبطل

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 143 ح 245، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب جهاد العدو ح 1 ج 11 ص 53.
(2) المبسوط: ج 2 ص 20.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) في متن المطبوع وق: اسيرا.

[ 424 ]

الحكم إلا القتل خاصة، وإن كان قبل حكمه لم يسقط التخيير فيه إلا القتل أيضا. وقال الشيخ: إن أسلموا لم يسقط عنهم هذه الأحكام الثلاثة، وإنما يسقط عنهم القتل لا غير، قال: وقد قيل: إن أسلم سقط عنه الاسترقاق، لأن عقيلا أسلم بعد الاسر ففاداه النبي - صلى الله عليه وآله - ولم يسترقه (1). وقال ابن الجنيد (2): ولو أسلم الاسير حقن دمه أيضا وصار فيئا. والأقرب ما اخترناه عملا بالاستصحاب. مسألة: إذا أسر المسلم وشرط عليه الكفار المقام عندهم حرم عليه المقام، سواء حلف لهم أو لا، وإن أطلقوه على مال لم يجب الوفاء به، وإن أطلقوه وأحلفوه على العود لم يجب عليه، وهو اختيار الشيخ (3). وقال ابن الجنيد (4): والأسير إذا فدى نفسه من العدو فلا أعلم خلافا أنه إذا كان مما بذله من غير إكراه عليه أو على المسلم إن بقي بما ضمنه للمشرك، وكذلك استحب لو أكرهوه إلى أن أعطاهم الموثق من الله على الوفاء أو لم يحلف لهم، لقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " (5)، ولو فارقهم على أنه إن لم يجدوا لم يقدر على ما بذله أنه يرجع إليهم، فإن كان قد أخذ عليهم أنه إن رجع إليهم لم يفتنوه ولم يؤذوه لم أحب لهم العذر والنكث إن لم يقدروا على الفداء، وإن لم يكونوا اعطوه ذلك من أنفسكم وكان قد فتنوه أولا وأكرهوه بالأذى حتى بذل لهم ما بذل وأخذوا ثمنه جاز له ألا يرجع إن لم يقدر على

(1) المبسوط: ج 2 ص 20.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) المبسوط: ج 2 ص 25.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) المائدة: 1.

[ 425 ]

الفداء بماله ولا مسكنه، وكان ما بذله في ذمته إلى حين يقدر فيعطيهم إياه، ولو أراد الرجوع إليهم كان لولي المسلمين منعه من ذلك، وعلى من في يديه أموال المسلمين أن يعطي فداه من فيئهم وصدقاتهم إن كان دون ديته، فإن كان أكثر منعه عن الرجوع إذا بذل قدر الدية. لنا: إن الهجرة واجبة عن بلد الكفر (1)، فلا يجب العوض على فعلها، لأن تركها حرام. قال ابن الجنيد (2): ولو أذن والي المسلمين لقوم من المشركين أن يدخلوا بأسارى المسلمين ليقع المفاداة بهم، فلما دخلوا استغلوا (3) في الفداء كان لهم منعهم إذا أعطاهم قدر دياتهم إن كانوا أحرارا وقيمتهم إن كانوا عبيدا وإماء. والأقرب أنه لا يجب لهم عوض سواء استغلوه (4) أو لا. قال: ولو حلف الاسير أن لا يخرج من بلاد الشرك إلا بإذنهم استحب لهم الخروج إذا لم يقع بهم أذى منهم. والأقرب وجوب الهجرة مع المكنة ولا أثر لليمين. مسألة: أرض من أسلم أهلها عليها طوعا ملك لهم يتصرفون فيها كيف شاؤوا، فإن تركوا عمارتها تقبلها الإمام من يعمرها ويعطي صاحبها طسقها واعطى المتقبل حصته، وما يبقى فهو متروك لصالح المسلمين في بيت مالهم، قاله الشيخ (5)، وأبو الصلاح (6).

(1) في متن المطبوع وق: الكفار.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) ق: استقلوا، م (1): استطوا.
(4) ق: استقلوه، م (1): استطوا. (5) المبسوط: ج 1 ص 234 - 235.
(6) الكافي في الفقه: ص 260.

[ 426 ]

وقال ابن حمزة: إذا تركوا عمارتها صارت للمسلمين وأمرها إلى الإمام (1). وقال ابن البراج: إن تركوا عمارتها حتى صارت خرابا كانت حينئذ لجميع المسلمين، يقبلها الإمام - عليه السلام - ممن يقوم بعمارتها بحسب ما يراه من نصف أو ثلث أو ربع، وعلى متقبلها بعد إخراج مؤنة الأرض وحق القبالة فيما يبقى في خاصة من غلتها إذا بلغ خمسة أوسق أو أكثر من ذلك العشر أو نصف العشر (2). وقال ابن إدريس: الأولى ترك ما قاله الشيخ، فإنه يخالف الأصول والأدلة العقلية والسمعية، فإن ملك إنسان لا يجوز لأحد أخذه ولا التصرف فيه بغير إذنه واختياره، فلا يرجع عن الأدلة بأخبار الاحاد (3). والأقرب ما اختاره الشيخ. لنا: إنه أنفع للمسلمين وأعود عليهم فكان سائغا، وأي عقل يمنع من الانتفاع بأرض يترك أهلها عمارتها وإيصال أربابها حق الأرض، مع أن الروايات متظاهرة بذلك. روى صفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر قالا: ذكرنا له الكوفة وما وضع عليها من الخراج وما سار فيها أهل بيته، فقال: من أسلم طوعا تركت أرضه في يده وأخذ منه العشر مما سقت السماء والأنهار، ونصف العشر مما كان بالرشا فيما عمروه منها، وما لم يعمروه منها أخذه الإمام فقبله ممن يعمره وكان للمسلمين، وعلى المتقبلين في حصصهم العشر أو نصف العشر (4).

(1) الوسيلة: ص 132.
(2) المهذب: ج 1 ص 181 - 182.
(3) السرائر: ج 1 ص 477.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 38 ح 96، وسائل الشيعة: ب 72 من أبواب جهاد العدو ح 1 ج 11 ص 119.

[ 427 ]

وفي الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر: قال ذكرت لأبي الحسن الرضا - عليه السلام - الخراج وما سار به أهل بيته، فقال: العشر أو نصف العشر فيما عمر منها وما لم يعمر أخذه الوالي فقبله من يعمره وكان للمسلمين، وليس فيما كان أقل من خمسة أو سبق شئ، وما أخذ بالسيف فذلك للامام يقبله بالذي يرى، كما صنع رسول الله - صلى الله عليه وآله - بخيبر (1). لا يقال: السؤال وقع عن أرض الخراج ولا نزاع فيه، بل في أرض من أسلم أهلها عليها طوعا. لأنا نقول: الجواب وقع أولا عن أرض من أسلم أهلها، ثم إنه - عليه السلام - أجاب عن أرض العنوة. واحتج ابن حمزة، وابن البراج بما رواه معاوية بن وهب في الصحيح قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: أيما رجل أتى خربة فاستخرجها وكرى أنهارها وعمرها فإن عليه فيها الصدقة، فإن كانت أرضا لرجل قبله فغاب عنها وتركها وأخربها ثم جاء بعد ذلك يطلبها فإن الأرض لله عزوجل ولمن يعمرها (2). والجواب: أنه محمول على أرض الخراج أو على أن المحيي أحق ما دام يقوم بعمارتها وأداء حقها من مالكها إذا أراد خرابها، لما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - إلى أن قال: وعن الرجل يأتي الأرض الميتة فيستخرجها ويجري أنهارها ويعمرها ويزرعها ماذا عليه فيها؟ قال: الصدقة،

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 119 ح 342، وسائل الشيعة: ب 72 من أبواب جهاد العدو ح 2 ج 11 ص 120.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 152 ح 672، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب إحياء الموات ح 1 ج 17 ص 328 وفيهما: معاوية بن وهب.

[ 428 ]

قلت: فإن كان يعرف صاحبها؟ قال فليؤد إليه حقه (1). مسألة: أرض الصلح هي أرض الذمة إذا باعها الذمي من مسلم سقط عن الأرض مال الجزية الذي صولح عليه ووجب في رقبة الذمي، اختاره الشيخ (2)، وهو المشهور. قال أبو الصلاح: إذا نقلها إلى مسلم فعليه فيها ما كان على الذمي العشر أو نصفه (3). والمعتمد الأول. لنا: الأصل براءة الذمة. ولأن المأخوذ إنما هو جزية وهي منافية للاسلام. احتج بأنه حق على هذه الأرض، فيجب على من انتقلت إليه كالخراج. والجواب: المنع، وإنما هو حق على رقبة الذمي في نوع من ماله، فإذا انتقلت عنه سقط الحق عن المال. تذنيب: قال أبو الصلاح: لو استأجرها المسلم أو الذمي من الذمي فعلى المستأجر خراجها - يعني أرض الصلح - ورجع على المالك به (4). والأقرب إن الخراج على المالك بالأصالة ما لم يشترط على المستأجر. قال: وإذا انتقل بأحد الوجوه إلى عبد مسلم أو ذمي مدبر أو مكاتب مشروط فحق الأرض يختص بالسيد، وإن كان مكاتبا قد عتق بعضه فعليه من حق الأرض بحسب ما عتق منه وعلى مكاتبه الباقي (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 148 ح 658، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب إحياء الموات ح 3 ج 17 ص 329 وفيهما: عن سليمان بن خالد.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 446. (3) الكافي في الفقه: ص 260.
(4) الكافي في الفقه: ص 261.
(5) الكافي في الفقه: ص 261.

[ 429 ]

وليس بجيد، لما تقدم من أن الحق على الذمي خاصة، فإذا انتقلت الأرض عنه سقط عن المشتري، ثم قوله: " إذا انتقل إلى عبد مسلم أو ذمي " يشعر بأن للعبد صلاحية التملك، وليس بجيد على ما يأتي. ثم جعل المكاتب المشروط كالعبد والباقي من المكاتب المطلق كالعبد، وليس بجيد، فإن الحق على المكاتب دون سيده لو فرضنا أن عليه حقا، سواء كان مطلقا أو مشروطا. مسألة: الأرض المفتوحة عنوة قال في المبسوط: لا يصح بيع شئ من هذه الأرضين، ولا أن يبني دورا ومنازل ومساجد وسقايات، ولا غير ذلك من أنواع التصرف الذي يتبع الملك، ومتى فعل شئ من ذلك كان التصرف باطلا وهو باق على الأصل (1). وقال ابن إدريس: فإن قيل: نراكم تبيعون وتشترون وتقفون أرض العراق وقد أخذت عنوة، قلنا: إنما نبيع ونقف تصرفنا فيها وتحجيرنا وبناؤنا، فأما نفس الأرض فلا يجوز ذلك فيها (2)، وهو يشعر بجواز البناء والتصرف وهو أقرب، ويحمل قول الشيخ على الأرض المحياة دون الموات. الفصل السادس في أحكام أهل الذمة مسألة: تقبل الجزية ممن له كتاب وهم اليهود والنصارى إجماعا. والمشهور إن المجوس حكمهم حكمهم وإن لم يكونوا أهل كتاب، بل لهم شبهة كتاب، وذلك أن المجوس كان لهم كتاب فرفع عنهم هذا هو المشهور، ذهب إليه

(1) المبسوط: ج 2 ص 34.
(2) السرائر: ج 1 ص 478.

[ 430 ]

الشيخان (1)، وأبو الصلاح (2)، وابن الجنيد (3)، وابن البراج (4)، وسلار (5)، وابن إدريس (6). وقال ابن أبي عقيل (7): الحكم في المشركين حكمان: فمن كان منهم من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فإنهم يقاتلون حتى يعطوا الجزية أو يسلموا، فإن اعطوا الجزية قبلت منهم. ومن كان منهم من المشركين من غير أهل الكتاب قوتلوا حتى يسلموا، فإن اعطوا الجزية لم يقبل منهم. ولم يذكر حكم المجوس بالنصوصية، والظاهر من كلامه هذا إن حكمهم مخالف لحكم أهل الكتاب. لنا: الخبر المشهور الذي نقله الخاصة والعامة من قوله - عليه السلام -: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " (8)، ومن طريق الخاصة ما رواه أبو يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - عن المجوس أكان لهم نبي؟ قال: نعم، أما بلغك كتاب رسول الله - صلى الله عليه وآله - إلى أهل مكة أسلموا وإلا نابذتكم بحرب، وكتبوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله -: أن خذ منا الجزية ودعنا على عبادة الاوثان، فكتب إليهم النبي - صلى الله عليه وآله -: إني لست آخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، فكتبوا إليه - يريدون بذلك

(1) المقنعة: ص 270، المبسوط: ج 2 ص 36.
(2) الكافي في الفقه: ص 249. (3) لم نعثر على كتابه.
(4) المهذب: ج 1 ص 148.
(5) المراسم: ص 141.
(6) السرائر: ج 1 ص 473.
(7) لم نعثر على كتابه.
(8) الموطأ: ج 1 ص 278 ح 42، أمالي الطوسي: ج 1 ص 375، وسائل الشيعة: ب 49 من أبواب جهاد العدو ح 9 ج 11 ص 98.

[ 431 ]

تكذيبه -: وزعمت أنك لا تأخذ الجزية إلا من أهل الكتاب ثم أخذت الجزية من مجوس هجر، فكتب إليهم رسول الله - صلى الله عليه وآله -: إن المجوس كان لهم نبي فقتلوه وكتاب أحرقوه أتاهم نبيهم بكتابهم بإثني عشر ألف جلد ثور (1). احتج ابن أبي عقيل بعموم الأمر بقتال المشركين. والجواب: إن العام يحض بخبر الواحد خصوصا إذا استفاض. مسألة: قال ابن الجنيد (2): لا أعلم خلافا أن من أعطى الجزية من كفار أهل الكتاب من غير العرب - قبل أن يقدر عليه وهو ممتنع بنفسه أو بغيره في دار الحرب وسأل أن يقر على دينه على أخذ الجزية الجائز أخذها منه على أن أحكام المسلمين جارية عليه - أنه واجب أخذ ذلك منه، واقراره على ما كان يدين به قبل الأمر من الله عزوجل بقتال المشركين، سواء كانوا يهودا أو نصارى أو مجوسا أو صابئين، فيجوز أخذ الجزية من الصابئة. وقال المفيد: الواجب عليه الجزية من الكفار ثلاثة أصناف: اليهود على اختلافهم، والنصارى على اختلافهم، والمجوس على اختلافهم، وقد اختلف فقهاء العامة في الصابئين ومن ضارعهم في الكفر سوى من ذكرنا من الثلاثة الاصناف، فقال مالك والأوزاعي: كل دين بعد دين الاسلام سوى اليهود والنصارى فهو مجوسية وحكمهم حكم المجوس، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: الصابئون مجوس، وقال الشافعي وجماعة من أهل العراق: حكمهم حكم المجوس، وقال بعض أهل العراق: حكمهم حكم النصارى. فأما نحن فلا نتجاوز بإيجاب الجزية إلى من غير من عددناه لسنة رسول الله - صلى الله عليه وآله -

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 113 ح 332، وسائل الشيعة: ب 49 من أبواب جهاد العدو ح 1 ج 11 ص 96.
(2) لم نعثر على كتابه.

[ 432 ]

فيهم والتوقيف الوارد عنه في أحكامهم. وقد روي عن أمير المؤمنين - عليه السلام - أنه قال: المجوس إنما الحقوا باليهود والنصارى في الجزية والديات، لأنه كان لهم فيما مضى كتاب، ولو خلينا والقياس لكانت المانوية والمزدقية والديصانية عندي بالمجوس أولى من الصابئين، لأنهم يذهبون في أصولهم مذاهب تقارت المجوسية وتكاد تختلط بها. فأما المرقونية والماهانية: فإنهم إلى النصرانية أقرب من المجوسية، لقولهم في الروح والكلمة والابن بقول النصارى وإن كانوا يوافقون الثنوية في أصول أخر. وأما الكينونية: فقولهم يقرب من النصرانية لاصلهم في التثليث وإن كان أكثره لأهل الدهر. وأما السمينة: فتدخل في جملة مشركي العرب وتضارع مذاهبها قولها في التوحيد للبارئ وعبادتهم سواه، تقربا إليه وتعظيما فيما زعموا عن عبادة الخلق له، وقد حكي عن بعضهم ما يدخلهم في جملة الثنوية، فأما الصابئون: منفردون بمذاهبهم ممن عددناه، لأن جمهورهم يوحد الصانع في الازل، ومنهم من يجعل معه الهيولى في القدم صنع منها العالم فكانت عندهم الأصل، ويعتقدون في الفلك وما فيه من الحياة والنطق، وأنه المدبر لما في هذا العالم والدال عليه وعظموا الكواكب وعبدوها من دون الله عزوجل، وسماها بعضهم ملائكة، وجعلها بعضهم آلهة وبنوا لها بيوتا للعبادات. وهؤلاء على طريق القياس إلى مشركي العرب وعباد الاوثان أقرب من المجوس، لأنهم وجهوا عبادتهم إلى غير الله سبحانه في التحقيق وعلى القصد والضمير، وسموا من عداه من خلقه بأسمائه " جل عما يقول المبطلون "، والمجوس قصدت بالعبادة لله تعالى على نياتهم في ذلك وضمائرهم، وإن كانت عبادة الجميع على أصولنا غير متوجهة في الحقيقة إلى القديم، ولم يسموا من أشركوا بينه وبين الله تعالى في القدم باسمه في معنى الالهية ومقتضى العبادة، بل من ألحقهم بالنصارى أقرب في التشبيه لمشاركتهم إياهم من اعتقاد الالهية في غير القديم،

[ 433 ]

وتسميتهم له بذلك وهما الروح عندهم والنطق الذي اعتقدوه المسيح. قال: وليس هذا موضع الرد على متفقهة العامة (1). وقال الشيخ: تؤخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس، وأما من عدا هؤلاء من سائر الأديان من عباد الاوثان وعباد الكواكب من الصابئة وغيرهم، فلا يؤخذ منهم الجزية عربيا كان أو أعجميا (2). والأقرب عندي ما اختاره الشيخان. لنا: إنهم ليسوا من أهل الكتاب فلم يجز أخذ الجزية منهم، لقوله تعالى: " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " (3)، وقوله تعالى: " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب " (4). مسألة: قال الشيخ في الخلاف: الصغار المذكور في الآية هو التزام الجزية على ما يحكم به الإمام من غير أن يكون مقدرة والتزام أحكامنا عليهم (5). وقال في المبسوط: الصغار المذكور في الآية هو التزام أحكامنا وجريانها عليهم. قال: وفي الناس من قال: الصغار هو وجوب جريان أحكامنا عليهم، ومنهم من قال: الصغار أن تؤخذ منهم الجزية قائما والمسلم جالسا (6). وقال ابن الجنيد (7): الصغار عندي هو أن يكون مشروطا عليهم في وقت العقد أن تكون أحكام المسلمين جارية عليهم إذا كانت الخصومات بين

(1) المقنعة: ص 270 - 271 - 272.
(2) المبسوط: ج 2 ص 36.
(3) التوبة: 5.
(4) محمد: 4.
(5) الخلاف: ج 3 ص 238 المسألة 5، طبع اسماعيليان.
(6) المبسوط: ج 2 ص 38.
(7) لم نعثر على كتابه.

[ 434 ]

المسلمين وبينهم أو تحاكموا في خصوماتهم إلينا، وأن تؤخذ منهم وهم قيام على الأرض. وقال ابن إدريس: اختلف المفسرون في الصغار، والأظهر أنه التزام أحكامنا عليهم واجراؤها، وأن لا يقدر الجزية فيوطن نفسه عليها، بل يكون بحسب ما يراه الإمام بما يكون معه ذليلا صاغرا خائفا، فلا يزال كذلك غير موطن نفسه على شئ فحينئذ يتحقق الصغار الذي هو الذلة. قال: وذهب بعض أصحابنا وهو شيخنا المفيد إلى أن الصغار هو أن يأخذهم الإمام بما لا يطيقون حتى يسلموا، وإلا فكيف يكون صاغرا وهو لا يكترث بما يؤخذ منه فيألم لذلك فيسلم (1). والمفيد نقل ذلك فإنه قال: وقال - عليه السلام - يشير إلى الصادق - عليه السلام -: إن الله تعالى يقول: " يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون "، وللإمام أن يأخذهم بما لا يطيقون وحتى يسلموا، وإلا فكيف يكون صاغرا وهو لا يكترث بما يؤخذ منه فيألم لذلك فيسلم (2). والمشهور ما قاله الشيخ في الخلاف. مسألة: إذا أحاط المسلمون بقوم من المشركين فذكروا أنهم أهل كتاب وبذلوا الجزية فإنه يقبل منهم، قاله الشيخ (3). وقال ابن الجنيد (4): فأما من كان من العرب متدينا دين أهل الكتاب قبل أمر الله عزوجل رسوله بقتال المشركين فجار مجرى أهل الكتاب، فإن شك

(1) السرائر: ج 1 ص 473 - 474. (2) المقنعة: ص 273.
(3) المبسوط: ج 2 ص 37.
(4) لم نعثر على كتابه.

[ 435 ]

الآن في قوم من العرب أن آباءهم ممن يدين بدين أهل الكتاب بعد الاسلام لم يقبل منهم الجزية، ويقروا على ما أظهروه إلا ببينة أن آباءهم تدينوا بذلك قبل أمر الله عزوجل رسوله بقتال المشركين، ثم قال: ولو أحدث وشرط عليهم أنهم متى تبين أنهم دانوا بذلك بعد أن لم يكن لهم ذمة ولم يقبل منهم وغير الاسلام أو السيف جاز ذلك. والأقرب ما قاله الشيخ، لأنه لا يتوصل إلى معرفة دينهم إلا من جهتهم. مسألة: الإمام في الجزية مخير إن شاء وضعها على رؤوسهم، وإن شاء وضعها على أرضهم، وهل له الجمع؟ قال الشيخ في النهاية (1): لا، وبه قال ابن البراج (2)، وابن حمزة (3)، وابن إدريس (4). وجوز ابن الجنيد (5) الجمع، وهو اختبار أبي الصلاح (6). والأقرب الأول. لنا: ما رواه ابن بابويه في الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: أرأيت ما يأخذ هؤلاء من الخمس من أرض الجزية ويأخذون من الدهاقين جزية رؤوسهم أما عليهم في ذلك شئ موظف؟ فقال: كان عليهم ما أجازوا على أنفسهم، وليس للامام أكثر من الجزية إن شاء الإمام وضع ذلك على رؤوسهم وليس على أموالهم شئ، وإن شاء فعلى أموالهم وليس على رؤوسهم شئ، فقلت: فهذا الخمس؟ فقال: هذا شئ

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 444.
(2) المهذب: ج 1 ص 185.
(3) الوسيلة: ص 205.
(4) السرائر: ج 1 ص 473.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) الكافي في الفقه: ص 260.

[ 436 ]

كان صالحهم عليه رسول الله - صلى الله عليه وآله - (1)، ورواه المفيد (2) أيضا. احتج الاخرون بأن الجزية لا حد لها، فجاز أن يضع قسطا على رؤوسهم وقسطا على أرضهم. والجواب: ليس النزاع في تقسيط الجزية على الرأس والأرض، بل في وضع جزيتين عليهما، وبالجملة فلا بأس بهذا القول. مسألة: المشهور أنه لا حد للجزية، بل بحسب ما يراه الإمام، ذهب إليه الشيخان (3)، وابن البراج (4)، وابن حمزة (5)، وسلار (6)، وابن إدريس (7)، وأكثر علمائنا. وقال ابن الجنيد (8): ولا أرى أن يقتصر بأخذ الجزية على أقل ما سنه رسول الله - صلى الله عليه وآله - من الجزية التي أخذها وهو عن كل رأس دينار. لنا: ما رواه حريز في الصحيح، عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: ما حد الجزية على أهل الكتاب وهل عليهم في ذلك شئ موظف لا ينبغي أنه يجوز إلى غيره؟ فقال: ذلك إلى الإمام يأخذ من كل إنسان منهم ما شاء على قدر ماله (9). الحديث.

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 51 ح 1671، وسائل الشيعة: ب 68 من أبواب جهاد العدو ح 2 ص 114.
(2) المقنعة: ص 273 - 274.
(3) المقنعة: ص 272، النهاية ونكتها: ج 1 ص 444.
(4) المهذب: ج 1 ص 184 - 185.
(5) الوسيلة: ص 205.
(6) المراسم: ص 141.
(7) السرائر: ج 1 ص 473.
(8) لم نعثر على كتابه.
(9) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 117 ح 337، وسائل الشيعة: ب 68 من أبواب جهاد العدو ح 1 ج 11 ص 113.

[ 437 ]

احتج بأن أمير المؤمنين علي - عليه السلام - وضع على الغني ثمانية وأربعين درهما، وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهما، وعلى الفقير اثني عشر درهما (1). والجواب: إن ذلك على سبيل الاتفاق ولمصلحة رآها - عليه السلام -، لا أنه شئ لازم موظف لا يتجاوز قلة وكثرة. مسألة: للشيخ في إيجاب الجزية على الفقير قولان: أحدهما: الوجوب، وينظر بها إذا لم يكن معه شئ إلى وقت مكنته، فإذا استغنى أخذت منه الجزية من يوم ضمنها وعقد العقد له بعد أن يحول عليه الحول (2). وقال في الخلاف: بعدم الوجوب (3)، وهو اختيار ابن الجنيد (4). والظاهر من كلام المفيد (5)، وسلار (6) وابن حمزة (7)، وأبي الصلاح (8) الأول. وقوى ابن إدريس الأول، ثم تردد بعد ذلك وقال عقيب ما نقل عن الشيخ في الخلاف: ولي في ذلك نظر (9). والأقرب عندي ما ذكره في المبسوط. لنا: قوله تعالى: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله - إلى قوله تعالى: - حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " (10) أمر بالقتل إلا مع العطاء وهو شامل للغني

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 119 ح 343، وسائل الشيعة: ب 68 من أبواب جهاد العدو ح 5 ج 11 ص 115.
(2) المبسوط: ج 2 ص 38. (3) الخلاف: ج 3 ص 239 المسألة 10 طبع اسماعيليان.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) المقنعة: ص 272 - 273.
(6) المراسم: ص 141.
(7) الوسيلة: ص 205.
(8) الكافي في الفقه: ص 249.
(9) السرائر: ج 1 ص 475 مع اختلاف.
(10) التوبة: 29.

[ 438 ]

والفقير. احتج في الخلاف بالاجماع، وأصالة براءة الذمة، وبقوله تعالى: " لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها "، وإذا لم يكن له قدرة على المال ولا الكسب فلا يجوز أن يجب عليه الجزية (1). والجواب: منع الاجماع، وكيف يدعيه وهو قد خالف نفسه وجماعة من فضلائنا خالفوا في ذلك أيضا؟! وأصالة البراءة معارضة بالآية والحجة فيها دون الأصالة، والآيات التي استدل بها نحن نقول بموجبها، إذ لا يوجب أداء المال في الحال، بل مع الاستغناء، وذلك مقدور. مسألة: المشهور أن الجزية تسقط عن المماليك، وهو قول أبي الصلاح (2). وروى ابن الجنيد (3) وابن بابويه (4) في كتابيهما عن الباقر - عليه السلام - أنه سئل عن مملوك نصراني لرجل مسلم عليه جزية؟ قال: نعم، قال: فيؤدي عنه مولاه المسلم الجزية؟ قال: نعم، إنما هو ماله يفتديه إذا أخذ فيؤدي عنه. وروى ابن الجنيد قال: في كتاب النبي - صلى الله عليه وآله - لمعاذ وعمرو ابن حمران أخذ الجزية من العبد (5). لنا: إنها تكليف متعلق بالملك، والعبد لا يملك شيئا فيسقط عنه. وقال الصدوق في كتاب المقنع: إذا كان لرجل مملوك نصراني وعليه الجزية أدى مولاه الجزية عنه (6).

(1) الخلاف: ج 3 ص 239 ذيل المسألة 10 طبع اسماعيليان.
(2) الكافي في الفقه: ص 249. (3) لم نعثر على كتابه.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 54 ح 1679، وسائل الشيعة: ب 49 من أبواب جهاد العدو ح 6 ج 11 ص 97.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) المقنع: ص 160.

[ 439 ]

مسألة: قال ابن الجنيد (1): المملوك إذا أعتقه ذمي أو مسلم فإن أدى الجزية صارت له ذمة، وإن أبى فقد قال الشافعي: إنه ينبذ إليه. قال: وعندي أنه في اطلاقه اللحوق بأرض الحرب معونة على المسلمين ودلالة على عورات المسلمين، ولكن يخير بين أداء الجزية أو الحبس ولا يقيم على دينه، ولا بأس عندي يقول الشافعي. لنا: إنه كافر دخل بأمان فينبذ إليه كغيره. مسألة: لو أسلم الذمي بعد حلول الحول ووجوب الجزية سقطت عنه، اختاره الشيخ (2)، وابن الجنيد (3)، وابن البراج (5)، وابن إدريس (6). ونقل شيخنا المفيد (7) عن بعض أصحابنا، وابن البراج (8)، وابن إدريس (9) وجوب الجزية. وقال أبو الصلاح: ولو أسلم قبل حلول الأجل سقطت عنه بقية الجزية (10). وهذا يفهم منه حكمان من طريق المفهوم: أحدهما: إنه لو أسلم بعد الأجل وجبت الجزية، والثاني: إنه لو أسلم في الأثناء وجب عليه من الجزية بقدر مدة

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) المبسوط: ج 2 ص 42.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) المقنعة: ص 279.
(5) المهذب: ج 1 ص 184.
(6) السرائر: ج 1 ص 473.
(7) المقنعة: ص 279.
(8) المهذب: ج 1 ص 184. (9) السرائر: ج 1 ص 473.
(10) الكافي في الفقه: ص 249.

[ 440 ]

كفره. والمعتمد الأول. لنا: قوله - عليه السلام -: " الاسلام يجب ما قبله " (1). ولأنها وضعت للصغار والاهانة وللرغبة في الاسلام والدخول فيه، والصغار ينافي الاسلام، والنتيجة قد حصلت. احتج المخالف بأنه قد وجبت عليه بحلول الحول، فلا يسقط عنه بالاسلام كالدين. والجواب: المنع من المساواة. مسألة: قال ابن الجنيد (2): لا تؤخذ الجزية من مغلوب مطبق على عقله، وكل ممنوع من قتله في دار الحرب فلا جزية عليهم كالنساء وغيرهم ممن قد ذكرنا في كتاب الجهاد، مع أنه قال في كتاب الجهاد: ولا يقتل منهم شيخ فإن ولا صبي ولا امرأة ولا راهب في صومعة أو حيت قد حبس نفسه فيه، والأعمى والمقعد والزمن الذي لا حراك به لا يقتل. وقال الشيخ في المبسوط: والشيخ الفاني والزمن وأهل الصوامع والرهبان الذي لا قتال لهم ولا رأي تؤخذ منهم الجزية، لعموم الآية، وقد روي أنه لا جزية عليهم، وكذا إن وقعوا في الاسر جاز للامام قتلهم (3). وقال في الخلاف: الشيوخ الهرمى وأصحاب الصوامع والرهبان يؤخذ منهم الجزية، وفي أصحابنا من قال: لا يؤخذ منهم الجزية (4). وقال أبو الصلاح: لا يجب على ذوي العاهات من فقرائهم (5).

(1) مسند أحمد بن حنبل: ج 4 ص 199.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) المبسوط: ج 2 ص 42.
(4) الخلاف: ج 3 ص 238 المسألة 7، طبع اسماعيليان.
(5) الكافي في الفقه: ص 249.

[ 441 ]

والظاهر من كلام ابن البراج (1)، وابن حمزة (2) إيجاب الجزية عليهم، لكن ابن حمزة أسقطها عن السفيه المفسد لدينه أو ماله. والأقرب الوجوب. لنا: عموم الكتاب. ولأنها وضعت للصغار والاهانة، وهو مناسب للكفر الثابت في هؤلاء، فيجب وضعها عليهم عملا بالمقتضي. احتج المخالف بما رواه حفص بن غياث، عن الصادق - عليه السلام - لما علل وضع الجزية عن النساء - إلى أن قال: - وكذلك المقعد من أهل الشرك والذمة والأعمى والشيخ الفاني والمرأة والولدان في أرض الحرب، من أجل ذلك رفعت عنهم الجزية (3). والجواب: إن حفص بن غياث عامي فلا يعول على روايته، خصوصا مع معارضتها بعموم القرآن. مسألة: لو قتل الرجال قبل عقد الجزية فسأل النساء إقرارهن وأن يعقد لهن ليكن ذميات في دار الاسلام قال الشيخ: عقد لهن بشرط أن يجري أحكامنا عليهن، وليس له سبيهن ولا أن يأخذ منهن شيئا، فإن أخذ منهن شيئا رده. قال: وقد قيل: إنه يحتال عليهن حتى يفتحن فيسبين ولا يعقد لهن الأمان (4). وقال بعض أصحابنا: ولو سألن إقرارهن ببذل الجزية صح، وقيل: لا يصح (5)، وهو الحق.

(1) المهذب: ج 1 ص 184.
(2) الوسيلة: ص 204 - 205.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 156 ح 277، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب جهاد العدو ح 1 ج 11 ص 47.
(4) المبسوط: ج 2 ص 40.
(5) شرائع الاسلام: ج 1 ص 328.

[ 442 ]

لنا: إنهن شرطن ما يخالف المشروع وهو أخذ الجزية منهن فيبطل. ولأن النساء مال فلا تؤخذ منها الجزية. مسألة: قال الشيخ في النهاية: الجزية واجبة على جميع الاصناف المذكورة إذا كانوا بشرائط المكلفين، وتسقط عن الصبيان والمجانين والبله (1)، وكذا قال ابن إدريس (2)، وابن البراج (3)، وابن حمزة (4)، وأبو الصلاح (5). وقال في الخلاف (6) والمبسوط (7): المجنون إن كان جنونه مطبقا لا شئ عليه، وإن كان يجن في بعض الحول ويفيق في البعض حكم للاغلب ويسقط الأقل. والأقرب عندي السقوط. لنا: ما رواه طلحة، عن الصادق - عليه السلام - قال: جرت السنة بأن لا تؤخذ الجزية من المعتوه ولا من المغلوب عليه عقله (8)، وهو يصدق في حق المطبق وغيره، نعم لو أفاق حولا كاملا لوجبت. مسألة: لا بأس بأخذ الجزية من ثمن المحرمات وعليه علماؤنا، وبه قال ابن الجنيد (9)، ولكنه قال: ولو علم المسلمون بأن الذمي أداها من ثمن خمر جاز ذلك منه، لا من حوالة على المبتاع للخمر منه. والأقرب أنه لا فرق بين الحوالة وبين قبضه منه عملا بالعموم الدال على

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 444.
(2) السرائر: ج 1 ص 473.
(3) المهذب: ج 1 ص 184.
(4) الوسيلة: ص 204 - 205. (5) الكافي في الفقه: ص 249.
(6) الخلاف: ج 3 ص 238 المسألة 6، طبع اسماعيليان.
(7) المبسوط: ج 2 ص 41.
(8) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 159 ح 286، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب جهاد العدو ح 3 ج 11 ص 48.
(9) لم نعثر على كتابه.

[ 443 ]

جواز الأخذ من ثمن المحرمات. مسألة: لو تظاهروا باظهار المنكر في دار الاسلام ولا ضرر فيه على المسلمين كاحداث البيع والكنائس وإطالة البنيان وضرب النواقيس وإدخال الخنازير واظهار الخمر في دار الاسلام لم تنتقض ذمتهم، قال الشيخ، سواء كان مشروطا عليهم أو لم يكن. قال: ولكن يعزر فاعله أو يحد إن كان مما يوجب الحد. قال: وقد روى أصحابنا أنه متى تظاهروا بشرب الخمر أو بأكل لحم الخنزير أو نكاح المحرمات في شرع الاسلام نقضوا بذلك العهد (1). وقال في الخلاف: لو فعلوا ما يجب به الحد مما يحرم في شرعهم مثل الزنا واللواطة والسرقة والقتل أقيم عليهم الحد بلا خلاف، لأنهم عقدوا الذمة بشرط أن تجري عليهم أحكامنا، وإن فعلوا ما يستحلونه مثل شرب الخمر وأكل لحم الخنزير ونكاح المحرمات لم يتعرض لهم ما لم يظهروه بلا خلاف، فإن أظهروه وأعلنوه كان للامام أن يقيم عليهم الحد (2). والأقرب عندي أنه لو شرط عليهم في العقد الكف عن هذه الأشياء نقضوا الذمة بفعلها، إلا أقيم عليهم الحد. لنا: إنه مع الشرط يكونون قد نقضوا العهد. وما رواه زرارة، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله - قبل الجزية من أهل الذمة على أن لا يأكلوا الربا ولا يأكلوا لحم الخنزير ولا ينكحوا الأخوات ولا بنات الأخ ولا بنات الأخت، فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمة الله تعالى وذمة رسول الله - صلى الله عليه وآله - (3).

(1) المبسوط: ج 2 ص 44.
(2) الخلاف: ج 3 ص 242 المسألة 22، طبع اسماعيليان.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 158 ح 284، وسائل الشيعة: ب 48 من أبواب جهاد العدو ح 1 ج 11 ص 95.

[ 444 ]

وأما مع عدم الشرط فلأنهم قد فعلوا السائغ في مذهبهم، وقد أمرنا أن نقرهم على أحكامهم أقصى ما في الباب أنهم تظاهروا بالمحرم عندنا فاستحقوا إقامة الحد عليهم كغيرهم. مسألة: إذا انهدمت كنيسة مما لهم استدامتها ففي جواز إعادتها قولان: أحدهما: الجواز، والآخر: المنع. قال الشيخ في المبسوط: والموضع الذي قلنا: إن له إقرارهم على ماهي عليه إن انهدم منها شئ لم يجز إعادتها، لأنه لا دليل على ذلك، وبناؤها محرم ممنوع منه. قال: وإن قلنا: إن لهم ذلك كان قويا، لأنا أقررناهم على التقية، فلو منعناهم من العمارة لخربت (1). والأقرب الجواز. لنا: إن لهم الاستدامة، فجاز لهم الإعادة لتساويهما. مسألة: لا يجوز أن يعلو الذمي بناء دار سكناه على مجاوريه من المسلمين، وهل يجوز المساواة؟ قيل: نعم (2). وقال الشيخ في المبسوط: وإن ساوى بناء المسلمين ولم يعل عليه فعليه أن يقصره عنه. قال: وقيل: إنه يجوز ذلك، والأول أقوى (3)، وعليه فتوى ابن إدريس (4). والأقرب المنع. لنا: قوله - عليه السلام -: " الاسلام يعلو ولا يعلى عليه " (5)، ومع تسويغ المساواة لا يتحقق علو الاسلام.

(1) المبسوط: ج 2 ص 46.
(2) شرائع الاسلام: ج 1 ص 331 - 332.
(3) المبسوط: ج 2 ص 46.
(4) السرائر: ج 1 ص 476.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 334 ح 5719، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب موانع الإرث ح 11 ج 17 ص 376، سنن البيهقي: ج 6 ص 205.

[ 445 ]

احتج الاخرون بأنه مالك فيجوز له التصرف في ملكه كيف شاء. والجواب: المنع من الملازمة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: نصارى تغلب: وهم تنوخ وفهد، وتغلب: وهم من العرب انتقلوا إلى دين النصارى وأمرهم مشكل، والظاهر يقتضي بأنه يجري عليهم أحكام أهل الكتاب، لأنهم نصارى، غير أن مناكحهم وذبائحهم لا تحل بلا خلاف، وينبغي أن يؤخذ منهم الجزية ولا يؤخذ منهم الزكاة (1)، ولا قبضها باسم الزكاة. وقال ابن الجنيد (2): لو وجد المسلمون قوة واجتمعوا على القيام بالحق في بني تغلب لم يقروا على النصرانية، لما روي من تركهم الشرط الذي شرط رسول الله - صلى الله عليه وآله - عليهم أن لا ينصروا أولادهم، لما روي عن أمير المؤمنين - عليه السلام - أنه قال: لئن بعثت لنصارى بني تغلب لا قتلن المقاتلة ولا سبين الذرية، فإني كتبت الكتاب بين النبي - صلى الله عليه وآله - وبينهم على أن لا ينصروا أبناءهم، فليست لهم ذمة، لأنهم قد ضيعوا أولادهم ونصروهم يريدوا أن يسلموا. والأقرب ما قاله ابن الجنيد. لنا: ما رواه أبو بصير في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الجزية، قال: إنما حرم الله الجزية من مشركي العرب. ولأنهم انتقلوا إلى دين أهل الكتاب بعد النسخ فلا يكون مقبولا. مسألة: لو انتقل الذمي إلى دين يقر أهله عليه غير دين الاسلام كاليهودي

(1) المبسوط: ج 2 ص 50.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 171 ح 331، وسائل الشيعة: ب 49 من أبواب جهاد العدو ح 4 ج 11 ص 97.

[ 446 ]

ينتقل إلى النصرانية وبالعكس قال ابن الجنيد (1): يجوز إقراره عليه. وللشيخ قولان: قال في الخلاف: يجوز ذلك (2). وقال في المبسوط: ظاهر المذهب يقتضي أنه يجوز أن يقر عليه، لأن الكفر عندنا كالملة الواحدة، ولو قيل: إنه لا يقر عليه - لقوله تعالى: " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه "، وقوله - عليه السلام -: " من بدل دينه فاقتلوه "، وذلك عام إلا من أخرجه الدليل - كان قويا (3). وادعى في الخلاف إجماع الفرقة على تسويغ الاقرار (4). والأقرب ما قاله في الخلاف. لنا: إن الشيخ نقل الاجماع وهو دليل، والنقل الظني حجة فيه. ولأن ابتداء الكون على المذهب المنتقل إليه مقبول، فكذا عقيب كفره المساوي له في جميع الاعتبارات. والجواب عن الآية: إنه مخصوص بالذمي بالأصالة، فإنه قد ابتغى غير الاسلام دينا، ونحمل الآية على المسلم إذا ابتغى غير دين الاسلام لم يقبل منه. وكذا عن الحديث فإن الكافر لو بدل دينه إلى الاسلام لكان مقبولا منه ولم يجب قتله، بل كان مستحقا للتعظيم، فيحمل على ما إذا بدل دين الاسلام فإنه يبقى مرتدا يجب قتله. تذنيب: قول الشيخ في المبسوط: من عدم الاقرار لو انتقل الذمي إلى دين يقر أهله عليه (5)، هل يقبل رجوعه إلى دينه الأول؟

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) الخلاف: ج 3 ص 241 المسألة 19، طبع اسماعيليان.
(3) المبسوط: ج 2 ص 57. (4) الخلاف: ج 3 ص 241 المسألة 19. طبع اسماعيليان.
(5) تقدم آنفا.

[ 447 ]

قال في المبسوط: وإذا قلنا: لا يقر على ذلك وهو الأقوى عندي فإنه يصير مرتدا عن دينه، فيطالب إما أن يرجع إلى الاسلام أو إلى الدين الذي خرج منه. قال: ولو قيل: إنه لا يقبل منه إلا الاسلام أو القتل كان قويا، للآية والخبر، ثم قال: فعلى هذا إن لم يرجع إلا إلى الدين الذي خرج منه قتل ولم ينفذ إلى دار الحرب، لأن فيه تقوية لأهل الحرب وتكثيرا لعددهم، وأما إذا انتقل إلى دين لا يقر أهله عليه كالوثنية فإنه لا يقر عليه، والأقوى أنه لا يقبل منه إلا الاسلام. قال: وعلى ما تقدم إن رجع إلى ما خرج أقر عليه، وكذا إن رجع إلى دين يقر عليه أهله أقر عليه. والأول أحوط (1). وقال ابن الجنيد (2) - ونعم ما قال -: وإذا انتقل بعض أهل الذمة من دينه إلى دين آخر والجزية جائز قبولها من أهل الدين الذي انتقل إليه كما هو جائز قبولها ممن انتقل عنه جاز إقراره على ذلك، فإن لم يكن يجوز إقراره عليه لم يقر ولا أبيح الرجوع إلى ما يجوز إقراره عليه من دين أهل الكتاب ولا إلى دينه الأول، لأنه بدخوله فيما لا يجوز إقراره عليه قد أباح دمه وصار حكمه حكم المرتد الذي لا يقبل منه غير الاسلام. تذنيب: قال الشيخ: ينظر في أم أولاد المبدل الصغار فإن كانت على دين يقر أهله عليه ببذل الجزية أقر ولده الصغير في دار الاسلام، سواء ماتت الأم أو لم تمت، وإن كان على دين لا يقر عليه أهله كالوثنية وغيرها فإنهم يقرون أيضا لما سبق لهم من الذمة (3). وعندي في قول الشيخ نظر. مسألة: لا يجوز للمشرك أن يشتري المصاحف، فإن اشتراها قال الشيخ:

(1) المبسوط: ج 2 ص 57.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) المبسوط: المبسوط: ج 2 ص 58.

[ 448 ]

يبطل. قال: وفي الناس من قال: يملكها ويلزم الفسخ. قال: والأول أصح، ثم قال: وهكذا حكم الدفاتر التي فيها أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وآله - وآثار السلف وأقاويلهم حكمها حكم المصاحف (1). والأقرب عندي كراهة ذلك. لنا: الأصل الجواز، وحرمتها أقل من حرمة المصاحف، فلا يتعدى حكمها إليها. الفصل السابع في أحكام البغاة مسألة: قال الشيخ في الخلاف: الباغي من خرج على إمام عادل ومنع تسليم الحق إليه وهو اسم ذم، وفي أصحابنا من يقول: إنه كافر. قال: ووافقنا على أنه اسم ذم جماعة من علماء المعتزلة بأسرهم ويسمونهم فساقا، وقال أصحاب الشافعي: ليس باسم ذم عند الشافعي، بل اسم من اجتهد فأخطأ بمنزلة خالف من الفقهاء في بعض مسائل الاجتهاد. قال: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا قوله - عليه السلام -: " حربك يا علي حربي وسلمك سلمي "، وحرب النبي - صلى الله عليه وآله - كفر، فيجب أن يكون حرب علي - عليه السلام - مثل ذلك، وقوله - عليه السلام -: " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله " صريح بذلك، لأن المعاداة من الله تعالى لا تكون إلا للكفار دون المؤمنين (2). وهذه المسألة تتعلق بأصول الدين ليس

(1) المبسوط: ج 2 ص 62.
(2) الخلاف: ج 3 ص 164 المسألة 1 وليس فيه: " وأيضا قوله - عليه السلام -: حربك. مثل ذلك و " طبع اسماعيليان.

[ 449 ]

هنا موضع ذكرها. مسألة: اختلف علماؤنا في قسمة ما حواه العسكر من أموال البغاة، فذهب السيد المرتضى في المسائل الناصرية إلى أنها لا تقسم ولا تغنم، قال: ومرجع الناس في ذلك كله إلى ما قضى به أمير المؤمنين - عليه السلام - في محاربي أهل البصرة فإنه منع من غنيمة أموالهم وقسمتها كما تقسم أموال الحرب. ولا أعلم خلافا من الفقهاء في ذلك، ولما رجع أمير المؤمنين - عليه السلام - في ذلك قال: أيكم يأخذ عائشة في سهمه، ولا امتناع في مخالفة حكم قتال أهل البغي لقتال أهل الحرب، كما خالفه في أنه لا يتبع مولاهم وإن كان اتباع المولى من باقي المحاربين جائزا، وإنما اختلف الفقهاء في الانتفاع بدواب أهل البغي وسلاحهم في دار الحرب، وقال الشافعي: لا يجوز، وجوزه أبو حنيفة. قال السيد: ليس يمنع عندي أن يجوز قتالهم بسلاحهم على وجه يقع التملك له، فاستدلال الشافعي بقوله - عليه السلام -: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه " ليس بصحيح، لأنه إنما نفي تملك مال المسلم بغير طيب نفس منه، وليس كذلك المدافعة والممانعة. قال السيد: وقد استدل أصحاب أبي حنيفة على صحة ما ذهبوا إليه في هذه المسألة بقوله تعالى: " فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " فأباح القتال عاما، وذلك يشتمل على قتالهم بدوابهم وسلاحهم وعلى قتالهم بدوابنا وسلاحنا. قال السيد: وهذا أقرب (1). والشيخ في المبسوط وافقه فإنه قال: فإذا أنقضت الحرب بين أهل العدل والبغي أما بالهزيمة أو بأن عادوا إلى الحق وطاعة الإمام، وقد كانوا أخذوا الأموال وأتلفوا وقتلوا، نظرت فكل من وجد عين ماله عند غيره كان أحق به، سواء كان من أهل العدل أو أهل البغي، لما رواه ابن عباس أن النبي - صلى

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 261 المسألة 206.

[ 450 ]

الله عليه وآله - قال: " المسلم أخو المسلم لا يحل دمه وماله إلا بطيبة من نفسه ". وروي أن عليا - عليه السلام - لما هزم الناس يوم الجمل قالوا له: يا أمير المؤمنين ألا تأخذ أموالهم؟ قال: لا، لأنهم تحرموا بحرمة الاسلام، فلا يحل أموالهم في دار الهجرة. وروى أبو قيس أن عليا - عليه السلام - نادى من وجد ماله فليأخذه، فمر بنا رجل فعرف قدرا نطبخ فيها فسألناه أن يصبر حتى ينضج الطبيخ فلم يفعل ورمى برجله فأخذها. قال - رحمه الله -: روى أصحابنا أن ما يحويه العسكر من الأموال فإنه يغنم. قال: وهذا يكون إذا لم يرجعوا إلى طاعة الإمام، فأما إن رجعوا إلى طاعته فهو أحق بأموالهم (1). فهذا رجوع عما أطلقه أولا في تفصيل العبارة. وابن إدريس (2) وافق السيد المرتضى. وقال ابن أبي عقيل (3): يقسم أموالهم التي حواها العسكر. وقال الشيخ في الخلاف: ما يحويه عسكر البغاة يجوز أخذه والانتفاع به ويكون غنيمة يقسم في المقاتلة، وما لم يحوه العسكر لا يتعرض له. واستدل على ذلك بإجماع الفرقة وأخبارهم، وبقوله تعالى: " فقاتلوا إلي تبغي " أمر بقتالهم، ولم يفرق بين أن يقاتلوا بسلاحهم وعلى دوابهم أو بغير ذلك (4) وقال في النهاية: يجوز للامام أن يأخذ من أموالهم ما حواه العسكر ويقسم في المقاتلة حسب ما قدمناه، وليس له ما لم يحوه (5). وجوز ابن الجنيد (6) قسمة ما حواه العسكر أيضا، وهو اختيار ابن

(1) المبسوط: ج 7 ص 266 - 267.
(2) السرائر: ج 2 ص 19.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) الخلاف: ج 3 ص 169 المسألة 18 طبع اسماعيليان.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 12.
(6) لم نعثر على كتابه.

[ 451 ]

البراج (1)، وأبي الصلاح (2). واستدل ابن أبي عقيل بما روي أن رجلا من عبد القيس قام يوم الجمل فقال: يا أمير المؤمنين ما عدلت حين تقسم بيننا أموالهم ولا تقسم بيننا نساءهم ولا أبناءهم، فقال له: إن كنت كاذبا فلا أماتك الله حتى تدرك غلام ثقيف، وذلك أن دار الهجرة حرمت ما فيها ودار الشرك أحلت ما فيها فأيكم يأخذ أمه من سهمه، فقام رجل فقال: وما غلام ثقيف يا أمير المؤمنين؟ قال: عبد لا يدع لله حرمة إلا هتكها، قال: يقتل أو يموت؟ قال: بل يقصمه الله قاصم الجبارين (3). والأقرب ما ذهب إليه الشيخ في النهاية. لنا: ما رواه ابن أبي عقيل وهو شيخ من علمائنا تقبل مراسيله لعدالته ومعرفته. ولأن البغاة عند بعض علمائنا كفار، لما تقدم، فجاز قسمة أموالهم. ولأن بعض الشيعة جوز سبي ذراريهم فأموالهم أولى. ولأنه قول الأكثر فيتعين المصير إليه، إذ تطرق الغلط إلى الأكثر أندر من تطرقه إلى الأقل، فيغلب على الظن صواب حكم الأكثر وخطأ الأقل. وما رواه أبو حمزة الثمالي قال: قلت لعلي بن الحسين - عليهما السلام -: إن عليا - عليه السلام - سار في أهل القبلة، بخلاف سيرة رسول الله - صلى الله عليه وآله - في أهل الشرك، قال: فغضب ثم جلس، ثم قال: سار فيهم والله بسيرة رسول الله - صلى الله عليه وآله - يوم الفتح، إن عليا - عليه السلام - كتب إلى مالك وهو على مقدمته يوم البصرة: لا تطعن في غير مقبل ولا تقتل مدبرا ولا

(1) المهذب: ج 1 ص 325 - 326.
(2) الكافي في الفقه: ص 251.
(3) لم نعثر على كتابه.

[ 452 ]

تجهز على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن. فأخذ الكتاب فوضعه بين يديه على القربوس ثم قال قبل أن يقرأه: اقتلوا فقتلهم حتى أدخلهم سكك البصرة، ثم فتح الكتاب فقرأه ثم أمر منادي ينادي بما في الكتاب (1). لا يقال: أن المراد تنافى هذه الأحكام. لأنا نقول: تفصيل هذه الأحكام لا ينافي إرادة العموم. وعن حفض بن غياث، عن الصادق - عليه السلام - إلى أن قال: وكانت السيرة فيهم من أمير المؤمنين - عليه السلام - ما كان من رسول الله - صلى الله عليه وآله - إلى أهل مكة يوم فتح مكة، فإنه لم يسب لهم ذرية، وقال: من أغلق بابه وألقى سلاحه وأدخل دار أبي سفيان فهو آمن، وكذلك قال أمير المؤمنين - عليه السلام - فيهم: لا تسبوا لهم ذرية ولا تتموا على جريح ولا تتبعوا مدبرا، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن (2). ولأن عصمة النفس أولى من عصمة المال، فإباحة المال أولى من إباحة النفس. وعن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن أبي حدثني - وكان خبر أهل الأرض وأعلمهم بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وآله - إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من ضرب الناس بسيفه ودعاهم إلى نفسه وفي المسلمين من هو أعلم منه فهو ضال متكلف (3). وإذا كان ضالا جاز قسمة ماله.

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 155 ح 274، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب جهاد العدو ح 2 ج 11 ص 55.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 155 ح 274، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب جهاد العدو ح 2 ج 11 ص 16. (3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 148 - 151 ح 261، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب جهاد العدو ذيل ح 2 ج 11 ص 29.

[ 453 ]

احتج المخالف بما رواه حفص بن غياث، عن أبيه، عن جده، عن مروان ابن الحكم قال: لما هزمنا علي بالبصرة رد على الناس أموالهم من أقام بينة أعطاه، ومن لم يقم بينة أحلفه، قال: فقال له قائل: يا أمير المؤمنين أقسم الفئ بيننا والسبي. قال: فلما أكثروا عليه قال: أيكم يأخذ أم المؤمنين في سهمه؟ فكفوا (1). ولأنهم مسلمون فيحرم أموالهم، لقوله - عليه السلام -: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه " (2). والجواب عن الحديث: بضعف السند، ولأنهم سألوه قسمة الأموال والذرية، وجاز أن تكون المصلحة في رد الأموال عليهم ففعله - عليه السلام -. وعن الثاني: إن المسلم المعصوم يحرم ماله، أما غيره فلا. مسألة: المشهور بين علمائنا تحريم سبي نساء البغاة، وهو قول ابن أبي عقيل (3) ونقل عن بعض الشيعة إن الإمام في أهل البغي بالخيار إن شاء من عليهم، وإن شاء سباهم. قال: واحتجوا بقول أمير المؤمنين - عليه السلام - للخوارج لما سألوه عن المسائل التي اعتلوا بها فقال لهم: أما قولكم: إني يوم الجمل أحللت لكم الدماء والأموال ومنعتكم النساء والذرية، فإني مننت على أهل البصرة كما من رسول الله - صلى الله عليه وآله - على أهل مكة، وبعد فأيكم يأخذ عائشة من سهمه؟ قالوا: فأخبرنا به إنما لم يسهم، لأنه من عليهم كما من رسول الله - صلى الله عليه وآله - على أهل مكة، ولو شاء لسباهم، كما لو شاء النبي - صلى الله عليه وآله - أن يسبي نساء أهل مكة. قال: واحتجوا أيضا

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 155 ح 273، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب جهاد العدو ح 5 ج 11 ص 58.
(2) سنن الدارقطني: ج 3 ص 26 ح 91 وليس فيه: منه، سنن البيهقي: ج 6 ص 100.
(3) لم نعثر على كتابه.

[ 454 ]

في ذلك بأخبار كثيرة وعلل، كرهت ذكرها لطول الكتاب (1). مسألة: إذا أسر أسيرا من أهل البغي وكان قاتلا أخذ منه القود، سواء أظهر التوبة أو لا. وقال ابن الجنيد (2): لا يؤخذ منه القود. لنا: قوله تعالى: " النفس بالنفس " (3). مسألة: إذا أسر من أهل البغي وليس من أهل القتال كالنساء والصبيان والزمنى والشيوخ قال الشيخ في الخلاف: ولا يحبسون. قال: وفي أصحابنا من قال: يحبسون كالرجال الشباب المقاتلين (4). وقال ابن الجنيد (5): ولو كان الاسير من أهل البغي امرأة ومن لا يقتل اعتقل ما كانت الحرب قائمة. والأقرب ما قاله الشيخ. لنا: الأصل براءة الذمة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا اشتبه قتلى المشركين بقتلى المسلمين فليوار منهم من كان صغير الذكر على ما روي في بعض الأخبار (6). وقال في المبسوط: إذا اشتبه قتلى المسلمين بقتلى المشركين دفن منهم من كان صغير الذكر (7). وقال ابن إدريس: هذه رواية شاذة لا يعضدها شئ من الأدلة. قال:

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) المائدة: 45.
(4) الخلاف: ج 3 ص 166 المسألة 7.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) النهاية ونكتها: ج 2 ص 14.
(7) المبسوط: ج 2 ص 19.

[ 455 ]

والأقوى عندي أنه يقرع عليهم، لأن كل أمر مشكل عندنا فيه القرعة بلا خلاف، وهذا من ذاك (1). والذي استبعده ابن إدريس ليس ببعيد بالنسبة إلى اختياره - وهو القرعة -، فإنه لم يعهد القرعة في العبادات، فكيف يصير إلى القرعة بخبر واحد مع عمومه ويترك ما رواه حماد بن يحيى في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله - يوم بدر: لا تواروا إلا كميشا - يعني من كان ذكره صغيرا -، وقال: لا يكون ذلك إلا في كرام الناس (2). مع أن هذا خاص، فإذن التعويل على هذه الرواية أولى، ولا إشكال مع ورود النص، فإذن لا تدخل هذه الصورة في عموم ما رواه. وأما الصلاة عليهم فقد قال ابن إدريس: الأظهر من قول أصحابنا إنه يصلى عليهم بنية الصلاة على المسلمين دون الكفار (3). وهذا يعطي الخلاف في هذه المسألة: ولا بأس بما اختاره. وقال الشيخ في المبسوط: إذا اختلط قتلى المسلمين بالمشركين روي أن أمير المؤمنين - عليه السلام - قال: ينظر إلى مؤتزرهم فمن كان صغير الذكر يدفن، قال: فعلى هذا يصلى على من هذه صفته. قال: وإن قلنا: إنه يصلى على كل واحد منهم منفردا بنفسه بشرط إسلامه كان احتياطا، وإن قلنا: يصلى عليهم صلاة واحدة وينوي بالصلاة الصلاة على المؤمنين منهم، كان قويا (4). تتمة: للشيخ قولان في تغسيل الباغي والصلاة عليه إذا قتل:

(1) السرائر: ج 2 ص 20. (2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 172 ح 336، وسائل الشيعة: ب 65 من أبواب جهاد العدو ح 1 ج 11 ص 112.
(3) السرائر: ج 2 ص 20.
(4) المبسوط: ج 1 ص 182.

[ 456 ]

قال في المبسوط: لا يغسل ولا يصلى عليه، لأنه كافر (1)، وكذا قال في الجزء الأول من الخلاف (2). وقال في الجزء الثاني منه: يغسل ويصلى عليه (3). ومبنى الخلاف أنه هل هو كافر أم لا؟ فإن حكمنا بكفره لم يغسل ولم يصل عليه وإلا وجبا عليه، وهذا بحث عقلي ليس هذا موضع ذكره. الفصل الثامن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسألة: لا خلاف في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما الخلاف في مقامين: الأول: هل هما واجبان عقلا أو سمعا؟ فقال السيد المرتضى (4)، وأبو الصلاح (5) والأكثر بالثاني، وقواه الشيخ في كتاب الاقتصاد (6)، ثم عدل إلى اختياره الأول. والأقرب ما اختاره الشيخ، والأول قول ابن إدريس (7). احتج السيد بأنه لو كان واجبا بالعقل لم يرتفع معروف ولم يقع منكر، ويكون الله تعالى مخلا بالواجب، واللازم بقسميه واجب فالملزوم مثله. بيان الشرطية: إن الأمر بالمعروف إذا كان هو الحمل عليه وحقيقة النهي

(1) المبسوط: ج 1 ص 182.
(2) الخلاف: ج 1 ص 262 المسألة 59.
(3) الخلاف: ج 3 ص 168 المسألة: 168 المسألة 13، طبع اسماعيليان.
(4) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا ونقله عنه في السرائر: ج 1 ص 21 - 22.
(5) الكافي في الفقه: ص 264.
(6) الاقتصاد: ص 146 - 147.
(7) السرائر: ج 2 ص 21 - 22.

[ 457 ]

عن المنكر هو المنع منه، فلو وجبا بالعقل لكان واجبا على الله تعالى، لأن كل ما وجب بالعقل فإنه يجب على كل من حصل وجه الوجوب في حقه، فكان يجب على الله تعالى الحمل بالمعروف والمنع من المنكر. فأما أن يفعلهما فلا يرتفع معروف ولا يقع منكر ويلزم الالجاء، أو لا يفعلهما فيكون مخلا بالواجب، وفيه نظر، لاحتمال أن يكون الواجب علينا في الأمر والنهي غير الواجب عليه، فإن الواجب يختلف باختلاف الآمرين والناهين، فالقادر يجب عليه بالقلب واللسان واليد، والعاجز يجب بالقلب لا غير، وإذا كان الواجب مختلفا بالنسبة إلينا جاز اختلافه بالنسبة إلينا وإليه تعالى، فالواجب من ذلك عليه تعالى التوعد والانذار بالمخالفة لئلا يبطل التكليف. لنا: إنه لطف وكل لطف واجب، والمقدمتان ظاهرتان. المقام الثاني: إنهما هل يجبان على الأعيان أو على الكفاية؟ فقال الشيخ: والأكثر: إنهما من فروض الكفاية، وقال قوم: هما من فروض الأعيان. قال: وهو الأقوى عندي (1)، وبه قال ابن حمزة (2). وقال السيد المرتضى: إنهما من فروض الكفاية (3). احتج الشيخ بالعموم في القرآن، وبما رواه محمد بن عرفة قال: سمعت أبا الحسن - عليه السلام - يقول: لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليستعملن عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم (4). وعن أبي سعيد الزهري، عن الباقر - عليه السلام - قال: ويل لقوم لا يدينون

(1) الاقتصاد: ص 147.
(2) الوسيلة: ص 207.
(3) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا ونقله عنه في السرائر: ج 2 ص 22.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 176 ح 352، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الأمر والنهي ح 4 ج 11 ص 394.

[ 458 ]

الله تعالى بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر (1). وعن محمد بن طلحة، عن الصادق - عليه السلام - إن رجلا من خثعم جاء إلى النبي - صلى الله عليه وآله - فقال: يا رسول الله أخبرني ما أفضل الاسلام؟ فقال: الايمان بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: صلة الرحم، قال: ثم ماذا؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: فقال الرجل: فأي الأعمال أبغض إلى الله عزوجل؟ قال: الشرك بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: قطيعة الرحم، قال: ثم ماذا؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (2). احتج السيد المرتضى بأن المطلوب في نظر الشرع تحصيل المعروف وارتفاع المنكر، ولم يتعلق غرضه من مباشر بعينه فيكون واجبا على الكفاية. والأقرب قول السيد، وهو اختيار أبي الصلاح (3)، وابن إدريس (4)، لقوله تعالى: " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " (5)، ولم يعمم ذلك. وقال ابن البراج: إنهما فرضان من فرائض الاسلام، وربما انتهت الحال في ذلك إلى أن يكون فرضهما على الكفاية، وربما لم ينته إلى ذلك فيكون فرضا على الأعيان. وفسر الأول: بأن يكفي في الانتهاء عن المنكر وايقاع المعروف أمر بعض المكلفين ونهيه، والثاني: بأن لا يكفي إلا الجميع فيجب

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 176 ح 353، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الأمر والنهي ح 1 ج 11 ص 393. (2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 176 ح 355، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الأمر والنهي ح 11 ج 11 ص 396.
(3) الكافي في الفقه: ص 267.
(4) السرائر: ج 2 ص 22.
(5) آل عمران: 104.

[ 459 ]

عاما (1)، وهذا الذي اختاره مذهب السيد بعينه، لأن واجب الكفاية هو الذي إذا أقام به البعض سقط عن الباقين، وإن لم يقم به البعض وجب على الجميع. مسألة: قال الشيخ: الأمر بالمعروف ينقسم بانقسام المعروف إلى الواجب والندب، والمنكر كله قبيح، فالنهي عنه واجب لا غير (2). وقال ابن حمزة: النهي عن المنكر يتبع المنكر، فإن كان المنكر محظورا كان النهي عنه واجبا، وإن كان مكروها كان النهي مندوبا (3). وقول الشيخ أحق، لأن المنكر هو كل فعل قبيح عرف فاعله قبحه أو دل عليه، فإن فسر المنكر بغير ذلك أمكن، لكن يجب أن يفيدنا أولا تصوره وما قصده. وعبارة أبي الصلاح هنا جيد، فإنه قال: الأمر والنهي كل منهما واجب وندب، فما وجب فعله عقلا أو سمعا الأمر به واجب، وما ندب إليه فالامر به مندوب، وما قبح عقلا أو سمعا النهي عنه واجب، وما كره منهما النهي عنه مندوب (4). مسألة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان باليد واللسان والقلب، واختلف في التقديم فقال الشيخ: يجب أولا باللسان ثم باليد ثم بالقلب (5). وربما قيل: بتقديم القلب (6)، وبالأول قال ابن حمزة (7). وقال سلار: وهو مرتب باليد أولا، فإن لم يكن فباللسان، فإن لم يكن

(1) المهذب: ج 1 ص 340.
(2) الاقتصاد: ص 148.
(3) الوسيلة: ص 207.
(4) الكافي في الفقه: ص 264.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 15.
(6) شرائع الاسلام: ج 2 ص 15. (6) شرائع الاسلام: ج 2 ص 343.
(7) الوسيلة: ص 207.

[ 460 ]

فبالقلب (1). ولا أرى في ذلك كثير بحث. والتحقيق: إن النزاع لفظي فإن القائل بوجوبه باللسان أولا ثم باليد أشار بذلك إلى الأمر بالمعروف بأن يعد فاعله الخير ويعظه بالقول ويزجره عن الترك، فإن أفاد وإلا ضربه وأدبه، فإن خاف وعجز من ذلك كله اعتقد وجوب المعروف وتحريم المنكر وذلك مرتبة القلب. والقائل بتقديم القلب يريد أنه يعتقد الوجوب ثم يأمر به باللسان، أو بأن فاعل المنكر ينزجر باظهار الكراهة أو بالاعراض والهجر. والقائل بتقديم اليد يريد أنه يفعل المعروف ويجتنب المنكر بحيث يتأسى به الناس، فإن أفاد ذلك الانقياد إلى المتأسي وإلا وعظ وزجر وخوف باللسان، فإن عجز عن الجميع اعتقد الوجوب. مسألة: لو افتقر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى ضرب من التأديب والايلام والاضرار به والجراح واتلاف نفسه قال الشيخ في الاقتصاد الظاهر من مذهب شيوخنا الامامية أن هذا الجنس من الانكار لا يكون إلا للائمة - عليهم السلام - أو لمن يأذن له الإمام فيه، ثم قال: وكان المرتضى - رحمه الله - يخالف في ذلك ويقول: يجوز فعل ذلك بغير إذنه، لأن ما يفعل بإذنهم يكون مقصودا، وهذا بخلاف ذلك، لأنه غير مقصود، وإنما قصده المدافعة والممانعة، فإن وقع ضرر فهو غير مقصود (2). والشيخ وافق المرتضى في كتاب التبيان (3) ونصره وضعف ما عداه، وفي النهاية (4) قال بقوله في الاقتصاد.

(1) المراسم: ص 260.
(2) الاقتصاد: ص 150.
(3) التبيان: ج 2 ص 549 و 566.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 15.

[ 461 ]

وقال سلار: وأما القتل والجراح في الانكار فإلى السلطان ومن يأمره (1)، وأبو الصلاح لم يشترط السلطان في ذلك، وبه قال ابن إدريس (2)، وابن البراج (3) اشترط إذن الإمام. والأقرب ما قاله السيد. لنا: عموم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وما رواه ابن أبي عمير في الحسن، عن جماعة من أصحابنا، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: ما قدست أمة لم تأخذ لضعيفها من قويها بحقه غير مضيع (4). وعن جابر، عن الباقر - عليه السلام - قال: يكون في آخر الزمان قوم يتبع فيهم قوم مراؤون يتقرؤون ويتنكسون حدثاء سفهاء، لا يوجبون أمرا بمعروف ولا نهيا عن منكر إلا إذا أمنوا الضرر، يطلبون لانفسهم الرخص والمعاذير، يتبعون زلات العلماء وفساد علمهم، يقبلون على الصلاة والصيام وما لا يكلمهم في نفس ولا مال، ولو أضرت الصلاة بسائر ما يعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها كما رفضوا أتم الفرائض وأشرفها. أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، هنالك يتم غضب الله عليهم فيعمهم بعقابه فتهلك الأبرار في دار الفجار والصغار في دار الكبار. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء، ومنهاج الصالحين، فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحل المكاسب، وترد المظالم، وتعمر الأرض، وينتصف من الاعداء، ويستقيم الأمر، فأنكروا بقلوبكم، والفظوا بألسنتكم

(1) المراسم: ص 260.
(2) السرائر: ج 2 ص 24.
(3) المهذب: ج 1 ص 341 - 342.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 180 ح 371، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الأمر والنهي ح 9 ج 11 ص 395.

[ 462 ]

وصكوا بها جباههم، ولا تخافوا في الله لومة لائم، فإن اتعظوا وإلى الحق رجعوا فلا سبيل عليهم، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب اليم، هنالك فجاهدوهم بأيديكم وأبغضوهم بقلوبكم غير طالبين سلطانا ولا باغين مالا ولا مريدين بالظلم ظفرا حتى يفيئوا إلى أمر الله ويمضوا على طاعته. قال: أوحى الله تعالى إلى شعيب النبي - عليه السلام - إني لمعذب من قومك مائة ألف، أربعين ألفا من شرارهم وستين ألفا من خيارهم، فقال: يا رب هؤلاء الاشرار فما بال الأخيار؟! فأوحى الله عزوجل إليه إنهم داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي (1). ولأنهما واجبان لمصلحة العالم، فلا يقعان على شرط كغيرهما من المصالح. ولأنهما واجبان على الإمام - عليه السلام - والنبي - صلى الله عليه وآله - فيجب علينا كما وجب عليهما، لوجوب التأسي. احتج الاخرون بوجوب عصمة النفوس وتحريم الأقدام على إراقة الدماء. والجواب: المنع من ذلك مطلقا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: قد رخص في حال قصور أيدي أئمة الحق وتغلب الظالمين أن يقيم الانسان الحد على ولده وأهله ومماليكه إذا لم يخف في ذلك ضررا من الظالمين ومن بوائقهم، فمتى لم يأمن ذلك لم يجز له التعرض لذلك على كل حال (2)، وكذا قال ابن البراج (3)، ومنع سلار (4) من ذلك.

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 180 ح 372، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الأمر والنهي ح 6 ج 11 ص 394. (2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 16.
(3) المهذب: ج 1 ص 342.
(4) المراسم: ص 261.

[ 463 ]

وقال ابن إدريس: الأقوى عندي أنه لا يجوز له أن يقيم الحدود إلا على عبده فحسب دون ما عداه من الاهل والقرابات، لما ورد في العبد من الأخبار واستفاض به النقل بين الخاص والعام (1). والأقرب الأول. لنا: إنه يشترط فيه أن يكون فقيها، وسيأتي بيان تجويز ذلك للفقهاء. مسألة: قال الشيخ: من استخلفه سلطان ظالم على قوم وجعل إليه إقامة الحدود جاز له أن يقيمها عليهم على الكمال، ويعتقد أنه إنما يفعل ذلك بإذن سلطان الحق لا بإذن سلطان الجور، ويجب على المؤمنين معونته وتمكينه من ذلك ما لم يتعد الحق في ذلك وما هو مشروع من شريعة الاسلام، فإن تعدى فيما جعل إليه الحق لم يجز له القيام به ولا لأحد معاونته على ذلك، اللهم إلا أن يخاف في ذلك على نفسه فإنه يجوز له حينئذ أن يفعل في حال التقية ما لم يبلغ قتل النفوس، فأما قتل النفوس فلا يجوز فيه التقية على حال (2). وقال ابن إدريس: هذه رواية شاذة أوردها الشيخ في نهايته، وقد اعتذرنا له فيما يورده في هذا الكتاب (3). وقال سلار: وأما القتل والجراح في الافكار فإلى السلطان ومن يأمره، فإن تعذر الأمر لمانع فقد فوضوا - عليهم السلام - إلى الفقهاء إقامة الحدود والأحكام بين الناس بعد أن لا يتعدوا واجبا ولا يتجاوزوا حدا، وأمر عامة الشيعة بمعاونة الفقهاء على ذلك ما استقاموا على الطريقة (4). والأقرب عندي جواز ذلك للفقهاء. لنا: إن تعطيل الحدود يقضي إلى ارتكاب المحارم وانتشار المفاسد، وذلك

(1) السرائر: ج 2 ص 24.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 17.
(3) السرائر: ج 2 ص 25.
(4) المراسم: ص 260 - 261.

[ 464 ]

أمر مطلوب الترك في نظر الشرع. وما رواه عمر بن حنظلة، عن الصادق - عليه السلام - إلى أن قال: انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما بحكم الله استخف وعلينا رد، والراد علينا راد على الله تعالى ورسوله، وهو على حد الشرك بالله عزوجل (1). وغير ذلك من الأحاديث (2) الدالة على تسويغ الحكم للفقهاء، وهو عام في إقامة الحدود وغيرها. والعجب أن ابن إدريس (3) ادعى الاجماع في ذلك مع مخالفة مثل الشيخ وغيره من علمائنا. إلى هنا ينتهي الجزء الرابع حسب تجزئتنا ويليه إن شاء الله " الجزء الخامس " وأوله (كتاب المتاجر)

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 301 ح 845، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب صفات القاضي ح 1 ج 18 ص 98. فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما بحكم الله استخف وعلينا رد، والراد علينا راد على الله تعالى ورسوله، وهو على حد الشرك بالله عزوجل (1). وغير ذلك من الأحاديث (2) الدالة على تسويغ الحكم للفقهاء، وهو عام في إقامة الحدود وغيرها. والعجب أن ابن إدريس (3) ادعى الاجماع في ذلك مع مخالفة مثل الشيخ وغيره من علمائنا. إلى هنا ينتهي الجزء الرابع حسب تجزئتنا ويليه إن شاء الله " الجزء الخامس " وأوله (كتاب المتاجر)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية