الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مختلف الشيعة - العلامة الحلي ج 3

مختلف الشيعة

العلامة الحلي ج 3


[ 1 ]

مختلف الشيعة تأليف أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (العلامة الحلي) 648 - 726 الجزء الثالث تحقيق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة

[ 2 ]

مختلف الشيعة في أحكام الشريعة (ج 3) المؤلف: أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي " العلامة الحلي " الموضوع: فقه تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الاسلامي عدد الأجزاء: 12 الطبعة: الأولى الكمية: 1000 نسخة التاريخ: شهر رمضان المبارك 1413 ه‍ مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الفصل الثاني في قضاء الصلوات مسألة: الظاهر من كلام الشيخين (1) القول بالمضايقة، وهو وجوب ترتب (2) الفائتة على الحاضرة ما لم يتضيق وقت الحاضرة. وقد صرح في المبسوط على ذلك فقال: إن علم أن عليه قضاء وأدى فريضة الوقت في أوله فإنه لا يجزئه (3). أما المفيد فقال: من فاتته صلاة بخروج وقتها صلاها كما فاتته، ولم يؤخر ذلك إلا أن يمنعه تضيق وقت فرض حاضر (4). وقال السيد المرتضى في الجمل: كل صلاة فاتت وجب قضاؤها في حال الذكر لها من سائر الأوقات، إلا أن يكون في آخر وقت فريضة حاضرة ويخاف فيه من التشاغل بالفائتة فوت الحاضرة فيجب حينئذ الابتداء بالحاضرة والتعقيب بالماضية (5).

(1) المقنعة: ص 211. المبسوط: ج 1 ص 126.
(2) ق وم (2): ترتيب.
(3) المبسوط: ج 1 ص 127.
(4) المقنعة: ج 1 ص 211.
(5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 38.

[ 4 ]

وأوجب في المسائل الرسية الإعادة لو صلى الحاضرة في أول وقتها، أو قبل تضيق وقتها (1). وقال ابن أبي عقيل (2): من نسي صلاة فرض صلاها أي وقت ذكرها، إلا أن يكون في وقت صلاة حاضرة (3) فخاف (4) إن بدأ بالفائتة فاتته الحاضرة، فإنه يبدأ بالحاضرة لئلا يكونا جميعا قضاء، وفيه إشعار بالتقدم (5) واجبا. وقال ابن الجنيد (6): وقت الذكر لما فات من الفروض وقت القضاء ما لم يكن أخر فريضة يخشى إن ابتدأ بالقضاء فاتته الصلاة التي هي في وقتها، فإن لم يكن يخشى ذلك بدأ بالفائتة وعقب بالحاضرة (7) وقتها. وقال ابن البراج: لو صلى الحاضرة والوقت متسع وهو عالم بذلك لم ينعقد، وعليه أن يقضي الفائتة، ثم يأتي بالحاضرة (8). وقال أبو الصلاح: وقت الفائت حين الذكر، إلا أن يكون آخر وقت فريضة حاضرة يخاف بفعل الفائتة (9) فوتها، فيلزم المكلف الابتداء بالحاضرة ويقضي الفائت، وما عدا ذلك من سائر الأوقات فهو وقت للفائت، ولا يجوز التعبد فيه بغير القضاء من فرض حاضر ولا نفل (10) (11).

(1) المسائل الرسية (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثانية): ص 364.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) م (2): صلاة فريضة حاضرة.
(4) قوم (1): يخاف.
(5) في متن المطبوع وم (1) وم (2): بالتقديم.
(6) لا يوجد كتابه لدينا.
(7) م (1) ون: بالحاضر.
(8) المهذب: ج 1 ص 126.
(9) م (2) ون: الفائت.
(10) ق وم (1): أو لانفل.
(11) الكافي في الفقه: ص 150.

[ 5 ]

وقال سلار: كل صلاة فاتت بعمد أو تفريط يجب فيهما القضاء على الفور، وإن فاتت بسهو وجب قضاؤه (1) وقت الذكر (2). وقال أبو جعفر بن بابويه: إذا فاتتك صلاة فصلها إذا ذكرت، فإن ذكرتها وأنت في وقت فريضة أخرى فصل التي أنت في وقتها ثم صل الصلاة الفائتة. قال: وإن نمت عن الغداة حتى طلعت الشمس فصل الركعتين، ثم صل الغداة - وهذا القول منه يقتضي تسويغ تقديم قضاء النافلة في هذا الموضع على الفريضة - قاله في المقنع (3) وكتاب من لا يحضره الفقيه (4). وقال أبوه (5): إن فاتتك فريضة فصلها إذا ذكرت، فإن ذكرتها وأنت في وقت فريضة أخرى فصل التي أنت في وقتها، ثم صل الصلاة الفائتة. وهذا قول منه بالمواسعة. وقال ابن حمزة: إن فاتته نسيانا فوقتها حين يذكرها، إلا عند تضيق وقت الفريضة، وإن تركها قصدا جاز له الاشتغال بالقضاء إلى آخر وقت الحاضرة (6). وابن إدريس (7) تبع السيد المرتضى وغيره من المتقدمين في المضايقة، حتى أن السيد المرتضى (8)، وابن إدريس (9) منعا المكلف من الاشتغال بغير القضاء في الوقت المتسع، ومنعا من التكسب بالمباح وأكل ما يزيد على ما يمسك به الرمق. وبالجملة منعا من كل فعل مباح أو مندوب أو واجب موسع، ومن النوم إلا بقدر

(1) في متن المطبوع وم (2): قضاؤها.
(2) المراسم: ص 90.
(3) المقنع: ص 32.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 355 ذيل الحديث 1029 وذيل الحديث 1030.
(5) لم نعثر على رسالته.
(6) الوسيلة: ص 84. (7) السرائر: ج 1 ص 272.
(8) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 38.
(9) السرائر: ج 1 ص 274.

[ 6 ]

الضرورة التي لا يمكن الصبر عنها. وقد تلخص من كلام المتقدمين مذهبان: أحدهما: المضايقة، وهو القول: بوجوب الاشتغال بالفائت قبل الصلاة الحاضرة إلا مع تضيق الحاضرة. والثاني: المواسعة، وهو القول: بجواز فعل الحاضرة في أول وقتها، لكن الأولى الاشتغال بالفائتة إلى أن تتضيق الحاضرة، وهو مذهب والدي - رحمه الله - (1) وأكثر من عاصرناه من المشائخ (2). والأقرب عندي التفصيل: وهو أن الصلاة الفائتة إن ذكرها في يوم الفوات وجب تقديمها على الحاضرة ما لم يتضيق وقت الحاضرة، سواء تعددت أو اتحدت، ويجب تقديم سابقها على لا حقها، وإن لم يذكرها حتى يمضي ذلك اليوم جاز له فعل الحاضرة في أول وقتها، ثم يشتغل بالقضاء سواء اتحدت الفائتة أو تعددت. ويجب الابتداء بسابقها على لا حقها، والأولى تقديم الفائتة إلى أن تتضيق الحاضرة. أما الحكم الأول: فيدل عليه ما رواه صفوان في الصحيح، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن رجل نسي الظهر حتى غربت الشمس وقد كان صلى العصر، فقال: كان أبو جعفر أو كان أبي - عليه السلام - يقول: إذا أمكنه أن يصلهما قبل أن يفوته المغرب بدأ بها، وإلا صلى المغرب ثم صلاها (3). وبما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: إذا نسيت صلاة أو صليتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات فابدأ بأولهن (4)، فأذن لها وأقم ثم صلها، ثم صل ما بعدها بإقامة، إقامة لكل صلاة. قال: وقال أبو جعفر - عليه السلام -: فإن كنت قد صليت الظهر وقد فاتتك

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) منهم المحقق في الشرائع: ج 1 ص 111.
(3) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 269 ح 1073. وسائل الشيعة: ب 62 من أبواب المواقيت ح 7 ج 3 ص 210.
(4) ق: بأولاهن.

[ 7 ]

الغداة فذكرتها فصل أي ساعة ذكرتها ولو بعد العصر، ومتى ما ذكرت صلاة فاتتك صليتها. وقال: إن نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وأنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الأولى ثم صل العصر، فإنما هي أربع مكان أربع، وإن ذكرت أنك لم تصل الأولى وأنت في صلاة العصر وقد صليت منها ركعتين فصل الركعتين الباقيتين وقم فصل العصر، وإن كنت قد ذكرت أنك لم تصل العصر حتى دخل وقت المغرب ولم تخف فوتها فصل العصر ثم صل المغرب، وإن كنت قد صليت المغرب فقم فصل العصر، وإن كنت قد صليت من المغرب ركعتين ثم ذكرت العصر فانوها العصر ثم سلم ثم صل المغرب، وإن كنت قد صليت العشاء الآخرة ونسيت المغرب فقم فصل المغرب، وإن كنت قد ذكرتها وقد صليت من العشاء الآخرة ركعتين أو قمت في الثالثة فانوها المغرب ثم سلم ثم قم فصل العشاء الآخرة، وإن كنت قد نسيت العشاء الآخرة حتى صليت الفجر فصل العشاء الآخرة، وإن كنت قد ذكرتها وأنت في ركعة أو في الثانية من الغداة فانوها العشاء ثم قم فصل الغداة وأذن وأقم، وإن كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعا فابدأ بهما قبل أن تصلي الغداة، ابدأ بالمغرب ثم العشاء، وإن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بالمغرب فصل الغداة ثم صل المغرب والعشاء ابدأ بأولهما لأنهما جميعا قضاء أيهما ذكرت فلا تصلهما إلا بعد شعاع الشمس. قال: قلت: لم ذاك؟ لانك لست تخاف فوته (1). لا يقال: هذا الحديث يدل على وجوب الابتداء بالقضاء في اليوم الثاني، لأنه - عليه السلام - قال: وإن كان المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعا فابدأ بهما قبل أن تصلي الغداة إن كان الأمر للوجوب، وإلا سقط الاستدلال به.

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 158 ح 341. وسائل الشيعة: ب 63 من أبواب المواقيت ح 1 ج 3 ص 211.

[ 8 ]

لأنا نقول: جاز أن يكون للوجوب في الأول دون الثاني، لدليل فإنه لا يجب من كونه للوجوب مطلقا كونه للوجوب في كل شئ، ولأن كل صلاة متأخرة يجب أداؤها بعد المتقدمة عليها لوجوب الترتيب، ولأنها ظهر يوم مثلا فيجب بعد صبحه. لا يقال: إنما يجب ذلك لو بقي وقت الصبح، أما إذا خرج وصارت قضاء في الذمة لم قلتم بوجوب بقاء التقديم؟. لأنا نقول: التقديم واجب في نفسه، وايقاع الغداة في وقتها واجب آخر، ولا يلزم من فوات الواجب الثاني فوات الأول. وأما الحكم الثاني: وهو المعركة العظيمة بين الفقهاء فنقول: الذي يدل على ما اخترناه من جواز تقديم الحاضرة في أول وقتها المنقول والمعقول. أما المنقول: فالكتاب والأثر، أما الكتاب فوجهان: الأول: قوله تعالى: " اقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " (1) وبيان الاستدلال به يتوقف على مقدمات: إحداها: إن الأمر للوجوب، وقد تبين ذلك في أصول الفقه (2) وهو إجماع هنا. الثانية: إن الأمر هنا ليس مختصا بالنبي - صلى الله عليه وآله - بل هو متناول للامة كتناوله للنبي - صلى الله عليه وآله - وهو مجمع عليه أيضا، ولقوله - عليه السلام -: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (3)، ولقوله تعالى: " أقيموا الصلوة " (4). الثالثة: إن المراد بالصلاة هنا اليومية، وهو إجماع أيضا، إذ المراد بالدلوك أما الزوال أو الغروب، فيتناول إما الظهر والعصر أو المغرب والعشاء أو الجميع. الرابعة: إنه عام، وهو ظاهر أما في حق المكلفين فبالاجماع، إذ لا يختص به أحد وإلا لزم التخصيص من غير دليل. وأما في الوقت فبقوله: " إلى غسق الليل " وهو

(1) الاسراء: 78.
(2) مبادئ الوصول إلى علم الأصول: ص 91.
(3) صحيح البخاري: ج 1 ص 162 - 163. سنن البيهقي: ج 2 ص 345.
(4) البقرة: 43.

[ 9 ]

يدل على التخيير بين الاتيان بالصلاة في كل جزء من أجزاء الوقت، فتخصيص أحد الأجزاء به ترجيح من غير مرجح، أو تخصيص من غير دليل، لأنا سنبطل أدلة القائلين بالمضايقة إن شاء الله تعالى. لا يقال: المقدمات كلها مسلمة إلا الأخيرة، فإنا نمنع العمومية بالنسبة إلى المكلفين وبالنسبة إلى أجزاء الوقت لما سيأتي من وجوب التضيق على من فاتته الصلاة. لأنا نقول: العموم ظاهر لإمكان الاستثناء لكل فرد من أفراد المكلفين، ولكل جزء من أجزاء الوقت، وصورة النزاع يمكن استثناؤها، فيكون تناوله لها كتناوله لغيرها، والأدلة التي يذكرونها سنبطلها إن شاء الله تعالى. سلمنا ثبوت أدلتكم، لكنها تدل على وجوب قضاء الفوائت في كل وقت ما لم تتضيق الحاضرة، ولأنه يدل على وجوب الحاضرة من أول وقتها إلى آخره، فليس ترجيح أحد الواجبين أولى من الآخر، فيبقى المكلف مخيرا في الجمع بينهما، بأن يقدم ما شاء منهما. الوجه الثاني من الكتاب: قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا أقيموا الصلوة " (1). ولا خلاف في أن الأمر للوجوب، ولا وجوب لغير الفرائض المعينة فيتعين الأمر بها، وايجابها عام فلا يتخصص (2) بوقت ولا بحال إلا بدليل. لا يقال: نحن لا نمنع وجوب اليومية مثلا بهذه الآية وبغيرها من الأدلة، لكنا قد اجمعنا على أنها واجب موسع والأمر بالقضاء مضيق، لقوله - عليه السلام -: " من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها " (3)، وإذا اجتمع الموسع والمضيق قدم المضيق إجماعا.

(1) كذا في جميع النسخ، ولا توجد آية بهذا النص ولعله سهو من النساخ.
(2) ق وم (1): فلا تخصيص.
(3) سنن الدارمي: ج 1 ص 280. سنن أبي داود: ج 1 ص 118 - 119 ح 435. سنن ابن ماجه: ج 1 ص 228 ح 698.

[ 10 ]

لأنا نقول: نمنع أولا: وجوب القضاء مضيقا، ويدل عليه البراءة الأصلية، وقوله - عليه السلام -: فليقضها إذا ذكرها، نقول بموجبه، إذ وجوب القضاء متعلق بالذكر، لكن الواجب ينقسم إلى موسع ومضيق، وليس في الحديث ما يدل على التضييق فلا يبقى حجة. وما رواه أبو بصير في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إن نام الرجل ولم يصل المغرب والعشاء الآخرة أو نسي فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كليتهما فليصلهما، وإن خشي أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة، وإن استيقظ بعد الفجر فليبدأ فليصل الفجر ثم المغرب ثم العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس، وإن خاف أن تطلع الشمس فتفوته إحدى الصلاتين فليصل المغرب ويدع العشاء الآخرة حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها ثم ليصلها (1). ولو كانت مضيقة لما جاز له التأخير حتى يذهب الشعاع. لا يقال: هذا الخبر غير معمول عليه عندكم للاجماع من الطائفة على أن قضاء الفرائض يجوز في وقت كراهة قضاء النافلة. لأنا نقول: سملنا الجواز، لكن لم لا يجوز أن يكون التأخير عن هذا الوقت أفضل؟. سلمنا تضيق القضاء، لكن قولكم: إذا اجتمع المضيق والموسع قدم المضيق كلام غير محقق، لأن التضيق ينافي التوسعة، فلا يمكن اجتماع الأمر الدال على التوسعة والتضيق، إذ مع فرض تضيق أحد الفعلين لا يمكن اتساع الآخر، فلا يكون ما فرضناه موسعا، هذا خلف. إذا عرفت هذا فنقول: الأمر بالقضاء ورد مطلقا، فلا يجب تقديمه على

(1) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 270 ح 1077. وسائل الشيعة: ب 62 من أبواب المواقيت ح 3 ج 3 ص 209.

[ 11 ]

الأمر الدال على التوسعة، وإلا لما كان موسعا. وأما الأثر فما روى ابن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن نام رجل ونسي أن يصلي المغرب والعشاء الآخرة، فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما، وإن خاف أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء، وإن استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء قبل طلوع الشمس (1). فأمره - عليه السلام - بالبدأة بالصبح قبل المغرب إن لم يكن للوجوب، فلا أقل من أن يكون للندب أو الإباحة، ولا يمكن أن يعتذر بضيق وقت الفجر، لأنه - عليه السلام - قال: ثم العشاء قبل طلوع الشمس. وكذا في رواية أبي بصير الصحيحة، عن الصادق - عليه السلام - وقد تقدمت (2). وعن عمار الساباطي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يفوته المغرب حتى تحضر العتمة، فقال: إن حضرت العتمة وذكر أن عليه صلاة المغرب فإن أحب أن يبدأ بالمغرب بدأ، وإن أحب بدأ بالعتمة ثم صلى المغرب بعده (3). ولا يمكن أن يكون المراد بذلك مغرب يومه، لأن وقت العتمة إن كان قد تضيق استحال التخيير بين الاتيان بها وبالمغرب، وإن كان متسعا وجبت البدأة بالمغرب، فلم يبق إلا مغرب أمسه، والتخيير ينافي التعيين. وفي الصحيح عن سعد بن سعد قال: قال الرضا - عليه السلام - يا فلان إذا

(1) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 270 ح 1076 وسائل الشيعة: ب 62 من أبواب المواقيت ح 4 ج 3 ص 209.
(2) في ص 10.
(3) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 271 ح 1079. وسائل الشيعة: ب 62 من أبواب المواقيت ح 5 ج 3 ص 210.

[ 12 ]

دخل الوقت عليك فصلهما، فإنك لا تدري ما يكون (1). وجه الاستدلال به أنه - عليه السلام - أمره (2) بالمبادرة إلى الصلاة عند دخول الوقت، وعلل بعدم العلم بالعاقبة، وهو يتناول الموت والعذر المانع من أدائها. والتقدير الأول: مشترك بين القضاء والأداء، أما الثاني: فإنه يقتضي أولوية البدأة بالاداء لئلا يصير الأداء بسبب العذر قضاء فيساوي القضاء، وكون القضاء قضاء حاصل له على كل تقدير فيكون مرجوحا. وأما المعقول: فمن وجوه: الأول: إن الترتيب تكليف فيكون منفيا بالأصل، والمقدمتان ظاهرتان. الثاني: إن الترتيب مشقة عظيمة، وحرج كثير، وضرر عظيم فيكون منفيا. أما الأولى: فلاشتماله على ضبط الوقت، والترصد لأواخر كل صلاة، وحفظ الوقت الباقي عن تطرق الزيادة والنقصان لفعل الفريضة الحاضرة، ولا شك بين العقلاء في أن ذلك من أعسر الأشياء. وأما الثانية: فللإجماع، ولقوله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (2)، وقوله - عليه السلام -: " لا ضرر ولا ضرار " (4)، وقوله - عليه السلام -: " بعثت بالحنفية السمحة السهلة " (5). الثالث: إن القول بوجوب الترتيب يستلزم تكليف ما لا يطاق واللازم باطل فالملزوم مثله، بيان الشرطية من وجوه:

(1) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 272 ح 1082. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب المواقيت ح 3 ج 3 ص 87.
(2) في متن المطبوع ون: أمر.
(3) الحج: 78.
(4) مسند أحمد بن حنبل: ج 5 ص 327. وسنن ابن ماجة: ج 2 ص 784 ح 2340. وتهذيب الأحكام: ج 7 ص 146 - 147 ح 36. وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب إحياء الموات ح 5 ج 17 ص 341 - 342.
(5) مسند أحمد بن حنبل: ج 5 ص 266. وفيه: ولكني بعثت بالحنفية السمحة.

[ 13 ]

أحدها: إنه يستلزم معرفة العبد بالوقت المتسع للصلاة بحيث لا يقصر عنها لاستلزامه التكليف بالمحال، وهو الفعل في الوقت القاصر عن العبادة، ولا يزيد عليها بحيث لا يؤدي الصلاة قبل حضور وقتها لأنه منهي عنه، ومعرفة مطابقة الوقت للفعل يستلزم معرفة أجزاء الوقت ومقابلتها لاجزاء الفعل بحيث يقع كل جزء من الفعل في وقته المختص به من غير تقدم ولا تأخر، وذلك عين تكليف ما لا يطاق. وثانيها: إنه يستلزم معرفة انتصاف الليل أو ثلثه على الخلاف في وقت العشاء، وإنما يتم ذلك بإدراك أجزاء الليل باعتبار مطابقة أوله لآخره بحيث لا يفضل أحدهما عن الآخر ولا يقصر عنه، وهو تكليف ما لا يطاق. وثالثها: إنه يستلزم معرفة طلوع الشمس من تحت الافق بحيث يقع انتهاء الصلاة قبله والطلوع (1) بعده بغير أن يفصل بينهما زمان، وذلك تكليف ما لا يطاق. الرابع: إن القول بوجوب الترتيب ملزوم لأحد محالين فيكون محالا. بيان الملازمة: أنه ملزوم لتجويز الصلاة قبل وقتها، أو القول بتعدد تكليف ما ثبت وحدة التكليف به، لأن المصلي إذا عرف أنه صلى قبل التضيق لظنه التضيق فإما أن يجب عليه الإعادة وهو الأمر الثاني، وإما أن لا يجب عليه وهو الأول (2). الخامس: إن لازم وجوب الترتيب منتف فينتفي الملزوم. أما المقدمة الأولى: فلأن العلم بوجوب الترتيب لازم لوجوب الترتيب، والعلم منتف فينتفي الوجوب، أما المقدمة الأولى: فلأن وجوب الترتيب مما

(1) في متن المطبوع وم (2): ويقع الطلوع.
(2) في متن المطبوع وم (2): وهو الأمر الأول.

[ 14 ]

يعم به البلوى لاشتراك المكلفين في الاحتياج إليه، إذا يبعد انفكاك المكلف من وجوب القضاء لتجدد الاعذار ولو في العمر مرة واحدة، فلو كان واجبا لعلمه المكلفون بأجمعهم. وأما الثانية: فظاهرة، فإن العلم حاصل بانتفاء العلم به. وأما المقدمة الثانية: وهي وجوب انتفاء الملزوم عند انتفاء اللازم فظاهرة. السادس: لو وجب الترتيب لوجب في آخر الوقت، والتالي باطل بالاجماع وبالنصوص الدالة على تعيين الحاضرة عند تضيق وقتها، فالمقدم مثله. وبيان الشرطية: إن المقتضي للترتيب حينئذ ليس إلا وجوب الاتيان بالفائت كما هو، والفائت في نفسه متقدم على الحاضرة مطلقا، فيجب الاتيان به مطلقا مقدما على الحاضرة مطلقا. السابع: إن الفائتة إما أن يتعين لها وقت لا يجوز تأخيرها عنه أو لا، والأول باطل، وإلا لكانت قضاء على تقدير خروج ذلك الوقت خاليا عن فعلها بالنسبة إليه، وليس كذلك إجماعا، وإنما هي قضاء بالنسبة إلى وقتها المضروب لها أولا، فتعين الثاني وهو المطلوب. ولا ينتقض ذلك بالواجب على الفور، لأنه ليس الفور من حيث أن الوقت الأول وقت له خاصة، بل من حيث وجوب المبادرة، بخلاف صورة النزاع فإن الخصم يقول: إن وقتها حين الذكر. الثامن: إنه كان قبل القضاء يجوز له فعل الحاضرة في أول وقتها فكذا بعده عملا بالاستصحاب. التاسع: إن القول بتحريم الحاضرة في أول وقتها مع القول بجواز غيرها من الأفعال مما لا يجتمعان، والثاني ثابت فينتفي الأول. أما بثوب التنافي: فلأن المانع حينئذ من فعل الحاضر في أول وقتها، إنما هو الاشتغال (1) بغير القضاء وهو متحقق في كل فعل يضاد فعل الفائتة من

(1) ن: للاشتغال.

[ 15 ]

الفرائض كالحج وأداء الزكاة والمنذورات وقضاء الديون وطلب الرزق الواجب، ومن النوافل والمباحات كالنوم وأكل الزائد على أقل (1) مراتب الشبع والشرب الازيد مما يمسك الرمق وغير ذلك من جميع الأفعال. وأما ثبوت الثاني: فبالاجماع الدال على جواز ذلك قبل القضاء فيكون كذلك بعده، وبالاجماع على عدم إفتاء أحد من فقهاء الأمصار في جميع الأعصار لتحريم زيادة لقمة، أو شرب جرعة، أو طلب استراحة من غير تعب شديد، أو المنع من فعل الطاعات الواجبة أو المندوبة لمن عليه قضاء. ولأن الاجماع واقع والأخبار متطابقة (2) على استحباب الأذان والإقامة لكل صلاة فائتة، وإن من فاتته صلوات كثيرة يجزئ بالأذان في أول ورده وبالاقامة في البواقي. لا يقال: إنهما من افعال الصلاة، ومقدمات الصلاة غير الصلاة. العاشر: إن أول وقت الحاضرة إنما يخرج عن كونه وقتا لها مع الفوات أولا، والأول باطل، وإلا لكان إيقاع الحاضرة فيه مع النسيان يوجب الاستئناف لإيقاع الصلاة في غير وقتها، وأنه موجب للاعادة بالاجماع. الحادي عشر: أن وجوب الترتيب يستلزم سقوط وجوب نية القضاء، واللازم باطل بالاجماع فالملزوم مثله. بيان الشرطية: إن المقتضي لوجوب النية إنما هو التمييز (3) بين الأفعال الصالحة وقوعها في الوقت الواحد، ولا شك في أن الحاضرة عند القائل بوجوب

(1) م (2) ون: عن أقل.
(2) م (1) وم (2): مطابقة.
(3) ق وم (1) وم (2): التميز.

[ 16 ]

المضايقة غير جائزة في أول وقتها، وإنما يصلح ذلك الوقت للفائتة لا غير، فكان يستغني المكلف عن نية القضاء. الثاني عشر: لو وجب الترتيب لبطل إجراء اسم الفائتة على القضاء والحاضرة على الأداء، والتالي باطل فالمقدم مثله. بيان الشرطية: إن الفائتة عبارة عن صلاة حاضرة فاتت المكلف في وقت وجب عليه إيقاعها فيه تقديرا أو تحقيقا، فاطلاق هذا الاسم يدل على زمان متقدم تصح الصلاة الحاضرة فيه وهو المطلوب. وأما الحاضرة فإنما سميت بذلك لحضور وقتها، فاطلاق هذا الاسم يقتضي جواز فعلها في أول وقتها، إذ المانع من صحتها عند الخصم إيقاعها في غير وقتها. احتج المخالف بالنص والأثر والمعقول. أما النص: فقوله تعالى: " واقم الصلاة لذكري " (1). وأما الأثر: فروايات منها: ما رواه زرارة في الحسن، عن الباقر - عليه السلام - أنه سئل عن رجل صلى بغير طهور، أو نسي صلاة لم يصلها، أو نام عنها، فقال: يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها من ليل أو نهار، فإذا دخل وقت الصلاة ولم يتم ما قد فاته فليقض ما لم يتخوف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي قد حضرت وهذه أحق فليقضها، فإذا قضاها فليصل ما فاته مما قد مضى، ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها (2). ومنها: ما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - وإن كنت قد صليت الظهر وقد فاتتك الغداة فذكرتها فصل أي ساعة ذكرتها ولو بعد العصر،

(1) طه: 14.
(2) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 266 ح 1059. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب قضاء الصلاة ح 3 ج 5 ص 350.

[ 17 ]

ومتى ما ذكرت صلاة فاتتك صليتها (1). ومنها: ما رواه زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت آخر فإن كنت تعلم أنك إذا صليت التي قد فاتتك كنت من الأخرى في وقت فابدأ بالتي فاتتك، فإن الله عزوجل يقول: " أقم الصلاة لذكري "، وإن كنت تعلم أنك إذا صليت التي فاتتك فاتتك التي بعدها فابدأ بالتي أنت في وقتها واقض الأخرى (2). وغير ذلك مما تقدم من الروايات. وأما المعقول: فلأن الترتيب أحوط، إذ به يحصل يقين البراءة إجماعا بخلاف عدمه، وسلوك الطريق المأمون قطعا أولى من المشكوك فيه. والجواب عن الآية: المنع من حملها على الفائتة لا غير، وليس المراد بقوله تعالى: " لذكرى " وقت الذكر قطعا لاحتمال إرادة اقم الصلاة لطلب ذكري لا غير حملا على التساوي، بل ما ذكرناه أرجح. أما أولا: فلأنه أعم، وأما ثانيا: فلأن تعقيب الآية بالجزاء على السعي يشعر إرادة الاخلاص لتحصيل الثواب المستند إلى فعل العبادة لوجه الله تعالى لا غير. سلمنا أن المراد لوقت الذكر، لكن كما يحتمل الفائتة يحتمل الحاضرة، فإن الحاضرة يجب أداؤها إذا ذكرها في وقتها، بل هذا أولى من التخصيص بالفائتة لندوره. سلمنا التخصيص بالفائتة، لكنا نقول بموجبه، وهو وجوب الفائتة عند الذكر لكن وجوبا مضيقا أو مطلقا، الأول ممنوع والثاني مسلم، وهذا الأخير هو

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 158 قطعة من حديث 340. وسائل الشيعة: ب 63 من أبواب المواقيت قطعة من حديث 1 ج 3 ص 211.
(2) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 268 ح 1070. وسائل الشيعة: ب 62 من أبواب المواقيت ح 2 ج 3 ص 209.

[ 18 ]

الجواب عن الروايات. وأما المعقول: فالاحتياط معارض بأصالة براءة الذمة أولا. وثانيا: معارض بالحاضرة لجواز تعدد (1) العذر عن أدائها لو قدم الفائتة. وثالثا: بالمسارعة إلى تقديم الصلاة في أول وقتها فإنه أفضل. ورابعا: بأن الاحتياط لا يقتضي الوجوب بل الأولوية، ونحن نقول به، إذ عندنا الأفضل تقديم الفوائت (2). أما وجوبا قال السيد المرتضى في المسائل الرسية: الصلاة في أول وقتها لمن عليه فريضة فائتة منهي عنها والنهي يدل على الفساد، ولأنها مفعولة في غير وقتها المشروع لها، لأنه بالذكر يتعين عليه الفائتة في ذلك الوقت بعينه، فإذا صلى في هذا الوقت غير هذه الصلاة كان مصليا لها في غير وقتها فيجب عليه الإعادة. ثم قال: فإن كان محتاجا إلى تعيش يسد به جوعته، وما لا يمكنه دفعه من خلته كان ذلك الزمان مستثنى من أوقات الصلاة كاستثناء الحاضرة عند التضيق، ولا يجوز له الزيادة على مقدار الزمان الذي لا بد منه في طلب ما يمسك به الرمق، وحكم من عليه فرض نفقة في وجوب تحصيلها كحكم نفقته في نفسه. فأما فرض يومه وليلته في زمان التعيش فلا يجوز أن يفعله إلا في آخر الوقت كما قلناه، فإن الوجه في ذلك لا يتغير بإباحة التعيش. وأما النوم فيجري ما يمسك الحياة منه في وجوب التشاغل به مجرى ما يمسك الحياة من الغذاء وتحصيله. قال: وليس الفرائض الفائتة غير الصلاة جارية مجرى الفائتة من الصلاة في تعين (3) وقت القضاء، فإن من فاته صيام أيام من شهر رمضان فإنه مخير في

(1) في المطبوع وم (1) وم (2): تجدد.
(2) ق وم (1): إذ عندنا تقديم الفوائت أولى.
(3) ق وم (2): تعيين.

[ 19 ]

تقديم القضاء وتأخيره إلى أن يخاف هجوم رمضان الثاني فيتضيق عليه حينئذ القضاء. ويجوز لمن عليه صيام من شهر رمضان أن يصوم نذرا عليه أو يصوم عن كفارة لزمته، ولو صام نفلا أيضا لجاز وإن كان مكروها، وليس كذلك الصلاة الفائتة (1). وخلاصة كلام ابن إدريس يرجع إلى دليلين: أحدهما: إن الصلاة في أول وقتها منهي عنها. الثاني: إن الحاضرة والفائتة فرضان، والفائتة مضيق والحاضرة موسع، فيكون المضيق أولى. وطول كلامه وختمه بالحوالة على مسألة ذكر أنه قد بلغ إلى أبعد الغايات، وأقصى النهايات، وتغلغل في شعاب القول وبسطه، وأرشد الطالب إليه (2). والجواب عن كلام السيد: بالمنع من النهي، فإن احتج بما روي من قوله - عليه السلام -: لا صلاة لمن عليه صلاة (3)، منعنا صحة النقل، فإن السند لم يثبت عندنا. سلمناه، لكن نمنع النهي، فإن الصيغة إخبار، ورفع الأفعال لا يصح بل الصفات، وكما يحتمل الجواز يحتمل الكمال. سلمناه، لكن الحاضرة صلاة عليه، فيبقى قوله - عليه السلام -: " لا صلاة " كما يحتمل الحاضرة يحتمل الفائتة، وليس حمله على إحداهما أولى من حملة على الأخرى، فإن حمل عليهما حمل قوله: " لا صلاة " على النافلة، وهو الأقرب. سلمناه، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد إذا تضيق وقت الحاضرة؟ فإنه حينئذ يصدق عليه أن عليه صلاة قطعا بحيث لا يجوز له تأخيرها ولا تركها.

(1) المسائل الرسية (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثانية): ص 364 - 366.
(2) السرائر: ج 1 ص 273.
(3) لم نعثر عليه في المصادر الروائية المتوفرة ووجدناه في المبسوط: ج 1 ص 127 وكشف الرموز: ج 1 ص 207.

[ 20 ]

وعن قوله: " أنها مفعولة في غير وقتها المشروع لها " ممنوع، فإن الوقت بأسره وقت للحاضرة قبل القضاء فكذا بعده. وما ذكره من الالزام بترك الاشتغال في المباحات والطاعات المندوبة وغير ذلك فإنه من أعظم الحرج وقد بينا بطلانه. وكلام ابن إدريس يظهر بطلانه مما تقدم، وإنما طولنا الكلام في هذه المسألة لكونها أحد المطالب الجليلة. مسألة: لو اشتغل بالفريضة الحاضرة في أول وقتها ناسيا ثم ذكر الفائتة بعد الاتمام صحت صلاته إجماعا، ولو ذكر في الأثناء فإن أمكنه العدول إلى الفائتة عدل بنيته استحبابا عندنا، ووجوبا على رأي القائلين بالمضايقة. لنا: ما تقدم من جواز فعل الحاضرة في وقت الرفاهية (1). ولأنه دخل فيها دخولا مشروعا فلا يجب عليه العدول، بل يجوز له الاتمام. وما رواه معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل قام في الصلاة المكتوبة فسها فظن أنها نافلة، أو قام في النافلة فظن أنها مكتوبة، قال: يبني على ما افتتح الصلاة عليه (2). وهو يتناول صورة النزاع، وقد ثبت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وأما تجويز العدول فلما رواه الحلبي في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - وسألته عن رجل أم قوما في العصر فذكر وهو يصلي بهم أنه ما صلى الأولى، قال: فليجعلها الأولى التي فاتته واستأنف العصر، وقد قضى القوم صلاتهم (3).

(1) ق وم (1): الفائتة.
(2) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 197 ح 776. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب النية ح 2 ج 4 ص 712.
(3) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 197 ح 777. وسائل الشيعة: ب 63 من أبواب المواقيت ح 3 ج 3 ص 312.

[ 21 ]

وما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - وإن كنت ذكرت إنك لم تصل العصر حتى دخل وقت المغرب ولم تخف فوتها فصل العصر ثم صل المغرب، وإن كنت قد صليت المغرب فقم فصل العصر، وإن كنت قد صليت من المغرب ركعتين ثم ذكرت العصر فانوها العصر ثم سلم ثم صل المغرب (1). مسألة: قال الشيخ أبو جعفر بن بابويه: فإن نمت عن الغداة حتى تطلع الشمس فصل الركعتين ثم صل الغداة (2). وقال ابن الجنيد (3): ولا يبتدئ بقضاء شئ من التطوع حتى يؤدي جميع الفرائض الفائتة والحاضرة وقتها ثم يقضي النوافل كما ذكرناه في الفرائض الفائتة، ولو كان الوقت يحتمل أن يقضي الفائت من الفرائض والنوافل ويأتي بالفريضة التي هو في وقتها وتطوعا فاختار المصلي أن يقع القضاء على حسب ما فات من ترتيب التطوع والفرائض جاز، والأول أحب إلي، والمشهور المنع من فعل النافلة لمن عليه فريضة. لنا: إن الفائتة أولى من الحاضرة، فمن النافلة أولى. وما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة (4). وفي الصحيح عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 158 - 159 قطعة من الحديث 340. وسائل الشيعة: ب 63 من أبواب المواقيت قطعة من الحديث 1 ج 3 ص 211 - 212.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 356 ذيل الحديث 1030.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 159 ذيل الحديث 341. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب قضاء الصلوات ذيل الحديث 3 ج 5 ص 350.

[ 22 ]

عن رجل نام عن الغداة حتى تبزع الشمس أيصلي حين يستيقظ أو ينتظر حتى تنبسط الشمس؟ قال: يصلي حين يستيقظ، قلت: يوتر أو يصلي الركعتين؟ قال: بل يبدأ بالفريضة (1). احتجوا بالامر بالقضاء على صفة الأداء والمؤداة ينبغي تقديم النافلة عليها فكذا القضاء. وما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس، فقال: يصلي ركعتين ثم يصلي الغداة (2). وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سمعته يقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله - رقد فغلبته عيناه فلم يستيقظ حتى آذاه حر الشمس، ثم استيقظ فركع ركعتين، ثم صلى الصبح وقال: يا بلال مالك؟ فقال بلال: أرقدني الذي أرقدك يا رسول الله، قال: وكره المقام وقال: نمتم بوادي الشيطان (3). والجواب: إن النافلة ليست جزء من الصلاة ولا هيئة لها، فلا تدخل تحت الأمر بالمماثلة. وعن الحديثين بما ذكره الشيخ: وهو الحمل على من يريد أن يصلي بقوم وينتظر اجتماعهم فإنه يجوز له حينئذ أن يبتدئ بركعتي النافلة حتى يدرك الجماعة في القضاء، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وآله - ذلك (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 265 ح 1056. وسائل الشيعة: ب 61 من أبواب المواقيت ح 4 ج 3 ص 206 - 207.
(2) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 265 ح 1057. وسائل الشيعة: ب 61 من أبواب المواقيت ح 2 ج 3 ص 206.
(3) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 265 ح 1058. وسائل الشيعة: ب 61 من أبواب المواقيت ح 1 ج 3 ص 206. (4) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 265 ذيل الحديث 1058.

[ 23 ]

مسألة: قال ابن الجنيد (1): لو حاضت الطاهر بعد أن كان يصح لها لو صلت في أول وقت الصلاة أو أكثرها وجب عليها قضاء تلك الصلاة، وهو اختيار السيد المرتضى في الجمل (2). والمعتمد وجوب القضاء بإدراك الصلاة كملا مع الطهارة، أما الأكثر فلا. لنا: إنه يستلزم تكليف ما لا يطاق، والتالي باطل فالمقدم مثله، والشرطية ظاهرة، لأن تكليف الفعل في زمن الأكثر تكليف ما لا يطاق. مسألة: المشهور بين علمائنا أن من فاتته صلاة واحدة لا يعلم عينها فإنه يقضي صبحا ومغربا وأربعا عما في ذمته، اختاره الشيخان (3)، وابن بابويه (4)، وابن الجنيد (5)، والسيد المرتضى (6)، وسلار (7)، وابن البراج (8) وابن إدريس (9). وقال أبو الصلاح: يجب عليه قضاء الخمس (10)، واختاره ابن زهرة (11)، والمعتمد الأول. لنا: إن الواجب واحدة، فتكليفه بالخمس يحتاج إلى دليل مع معارضة

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 38.
(3) المقنعة: ص 148 - 149. المبسوط: ج 1 ص 127.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 353 ذيل الحديث 1028.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 39.
(7) المراسم: ص 91.
(8) المهذب: ج 1 ص 274.
(9) السرائر: ج 1 ص 274.
(10) الكافي في الفقه: ص 147.
(11) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 500.

[ 24 ]

أصالة براءة الذمة. ولأنه خالف وهو معروف النسب، فلا يعتد بخلافه. ولأن الشيخ ادعى إجماع الفرقة (1)، وقول الشيخ يفيد الظن. وما رواه علي بن أسباط عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: من نسي صلاة من صلاة يومه واحدة ولم يدر أي صلاة هي صلى ركعتين وثلاثا وأربعا (2). احتج بأنه يجب عليه إعادة (3) الفائتة، ولا يتم إلا بالخمس، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. أما الأولى: فظاهرة، وكذا الثالثة. وأما الثانية: فلأن الفائتة جاز أن يكون صبحا وظهرا وعصرا ومغربا وعشاء، فلا تبرأ ذمته بيقين إلا بأداء الجميع، ولا يكفي الأربع لوجوب تعيين النية، ولأنه أحوط. والجواب: المنع من المقدمة الثانية، فإن الاتيان بالواجب يتم بأداء الثلاث كما صورناه، ووجوب نية التعيين ممنوع. أما أولا: فلأنه غير معين في نفسه. وأما ثانيا: فلأن التكليف بالتعيين إنما يصح لو علمه، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق، وإذا سقط التكليف بالتعيين كفت الواحدة. وإنما أوجبنا الصبح والمغرب، لأن الزيادة والنقصان في الصلاة مبطلان، فلهذا أوجبنا الثلاث. مسألة: قال ابن البراج: لو نسي المسافر تعيين الفائتة صلى ركعتين وثلاثا،

(1) الخلاف: ج 1 ص 310 المسألة 58.
(2) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 310 المسألة 58.
(2) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 197 ح 774. وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب قضاء الصلوات ح 1 ج 5 ص 365.
(3) م (2) ون: أداء.

[ 25 ]

ينوي بالثلاث المغرب وبالركعتين إحدى الأربع الباقية (1). وقال ابن إدريس: يجب عليه خمس صلوات (2). لنا: ما تقدم في المسألة الأولى من أصالة براءة الذمة من الزائد على ما ثبت منها، وهو الواحدة ترك العمل به في الاثنتين والثلاث خوفا من الزيادة والنقصان المبطلين، فيبقى الباقي على حكمه. ولأن القول بتكرير الثنائية هنا مع القول بانتقاء تكرير (3) الرباعية هناك مما لا يجتمعان، والثاني ثابت فينتفي الأول. وبيان عدم الاجتماع: أن أصالة براءة الذمة، ووحدة الفائت فيها، وتساوي المتعددة في العدد إما أن يكون مقتضيا لانتفاء التكرير أو لا يكون، وأيما كان يلزم عدم الاجتماع. أما إذا كان مقتضيا لانتفاء التكرير فلأنه يثبت المطلوب من انتفاء التكرير في الثنائية، وأما إذا لم يكن مقتضيا فلوجوب التكرير في الرباعية عملا بالاحتياط السالم عن معارضة كون ما ذكرناه من الأوصاف علة لانتفاء التكرير. احتج بأن حمل الثنائية على الرباعية قياس، وهو باطل، ولو انعقد الاجماع على عين تلك المسألة لما قلنا به، لأن الصلاة في الذمة بيقين ولا تبرأ إلا بيقين مثله ولم يورد. ويجمع أصحابنا إلا على صورة المسألة، وتعينها في حق من فرضه أربع ركعات من الحاضرين ومن في حكمهم، فالتجاوز عن ذلك قياس بغير خلاف، وفيه ما فيه فليلحظ ذلك.

(1) المهذب: ج 1 ص 126.
(2) السرائر: ج 1 ص 275.
(3) ن: مع القول بعدم تكرير.

[ 26 ]

والجواب: إن هذا ليس بقياس، وإنما هو حكم ثبت في صورة النزاع لثبوته في أخرى (1) مساوية لها من كل وجه، وذلك يسمى دلالة التنبيه ومفهوم الموافقة، كما في تحريم التأفيف وما ساواه أو زاد عليه، هذا إن استدللنا بالحديث، وإن استدللنا بالمعقول - وهو البراءة الأصلية - فلا يرد عليه ما ذكره البتة، ثم دعواه أن الصلاة في الذمة بيقين. قلنا: متى إذا فعل ما ذكرناه أو إذا لم يفعل ممنوع، ثم دعواه أن البراءة إنما (2) تحصل بيقين ممنوعة أيضا، فإن غلبة الظن يكفي في العمل بالتكاليف الشرعية إجماعا، ومن أغرب الأشياء أمره بأن يلحظ ما أفاده واستنبطه واعتقده غريبا. مسألة: قال السيد المرتضى (3) وابن الجنيد (4): إذا مات المريض وقد فاته في ذلك المرض صلوات فرائض قضاها الولي، وإن جعل مكان القضاء أن يتصدق عن كل ركعتين بمد أجزأه، فإن لم يقدر فعن كل أربع بمد، فإن لم يقدر فمد لصلاة الليل ومد لصلاة النهار. وقال ابن الجنيد (5): والصلاة أفضل، وباقي المشهورين من الأصحاب لم يذكروا الصدقة في الفرائض. لنا: إنه واجب عليه، فلا تجزئ عنه الصدقة كالميت. احتجوا بأنه واجب عليه على سبيل البدل، فأجزأت الصدقة عنه كالصوم. والجواب: لو لا النص لما صرنا إليه في الصوم. مسألة: قال الشيخ: يستحب أن يقضي نوافل النهار بالليل ونوافل الليل

(1) ن: في صورة أخرى.
(2) ق وم (2): أن البراءة الأصلية إنما.
(3) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 39.
(4) و (5) لم نعثر على كتابه.

[ 27 ]

بالنهار (1). وقال ابن الجنيد (2): يستحب أن يقضي الفائت من صلاة الليل بالليل، والفائت من صلاة النهار بالنهار إلى أن يزيد زوال الشمس ثمانية أقدام على زوال يومها. والأقرب الأول. لنا: إنه مبادرة إلى فعل الطاعات، وقضاء الفائت من العبادات فيكون أولى من تأخيرها. وما رواه الحسين بن أبي العلا، عن الصادق - عليه السلام - قال: اقض صلاة النهار أي ساعة شئت من ليل أو نهار كل ذلك سواء (3). وعن محمد بن يحيى بن حبيب قال: كتبت إلى أبي الحسن - عليه السلام - يكون علي الصلاة النافلة متى أقضيها؟ فكتب أي ساعة شئت من ليل أو نهار (4). لا يقال: لا دلالة في هذين الحديثين على مطلوبكم، وهو أولوية قضاء نافلة النهار بالليل وبالعكس لدلالتهما على التسوية، وهي تنافي الرجحان. لأنا نقول: نحن استدللنا بهذين الحديثين على عدم مرجوحية ما ادعيناه، وأثبتنا الرجحان بما تقدم من المسارعة. احتج ابن الجنيد بمساواة القضاء للأداء، وبما رواه معاوية بن عمار في الصحيح قال: قال لي أبو عبد الله - عليه السلام -: اقض ما فاتك من صلاة النهار بالنهار ومن صلاة الليل بالليل، قلت: أقضي وترين في ليلة؟ فقال: نعم

(1) المبسوط: ج 1 ص 128.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 173 ح 691. وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب المواقيت ح 13 ج 3 ص 176.
(4) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 272 ح 1083. وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب المواقيت ح 3 ج 3 ص 175.

[ 28 ]

اقض وترا أبدا (1). والجواب: إن ما ذكرناه أرجح للمبادرة، والحديث يدل على صيغة الأمر مع جواز إرادة الإباحة بخروجها (2) عن حقيقتها، وهي الوجوب إجماعا، وليس استعمالها مجازا في الندب أولى من استعمالها مجازا في الإباحة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: المبطون إذا صلى ثم حدث ما ينقض صلاته أعاد الوضوء وبنى على صلاته، ومن به سلس البول يصلي كذلك بعد الاستبراء، ويستحب له أن يلف خرقة على ذكره لئلا تتعدى النجاسة إلى ثيابه وبدنه (3). وقال ابن إدريس: صاحب السلس إن تراخى زمان الحدث منه توضأ للصلاة، فإن بدره الحدث وهو فيها خرج عن مكانه من غير استدبار القبلة ولا تعمد الكلام فتوضأ وبنى على صلاته، وإن كان الحدث يتوالى عليه من غير تراخ توضأ عند دخوله إلى الصلاة ويستعمل خريطة يجعل فيها احليله ويمضي في صلاته، ولا يلتفت إلى الحادث المستديم على اتصال الأوقات، ولا يجمع بين صلاتين بوضوء واحد، وحكم من به سلس الثفل حكم سلس البول في التفصيل الذي ذكرناه (4). والوجه عندي: أن سلس البول والغائط أو الحدث إن كان يتراخى قدر الصلاة وجب عليه الطهارة وأداؤها وينوي رفع الحدث ويصلي، فإن فاجأه الحدث أما البول أو الغائط أو الريح في الصلاة بطلت صلاته وتوضأ واستأنف

(1) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 162 ح 637. وسائل الشيعة: ب 57 من أبواب المواقيت ح 6 ج 3 ص 200.
(2) ن: لخروجها.
(3) المبسوط: ج 1 ص 130.
(4) السرائر: ج 1 ص 349 - 350.

[ 29 ]

من الرأس، وإن كان لا يتراخى عنه قدر الصلاة توضأ ونوى الاستباحة خاصة ثم صلى، ولا تبطل صلاته بما يتجدد عليه من الأحداث. لنا: مع إمكان الصلاة بغير حدث أنه متمكن من إيقاع صلاة بطهارة رافعة للحدث، فيجب عليه كغيره، وعلى الاستمرار مع ضيق الوقت أنه لو كلف الرفع للحدث لزم تكليف ما لا يطاق، والحدث المتجدد لو نقض الطهارة لا بطل الصلاة، واللازم باطل فكذا الملزوم. وما رواه محمد بن مسلم في الموثق قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن المبطون، قال: يبني على صلاته (1)، ولم يذكر التجديد فيكون منفيا بالأصل. وعن الحلبي في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - أنه سئل عن تقطير البول، قال: يجعل خريطة إذا صلى (2)، ولو وجب عليه استئناف الطهارة لذكره. احتجوا بما رواه محمد بن مسلم في الموثق، عن الباقر - عليه السلام - قال: صاحب البطن الغالب يتوضأ في صلاته فيتم ما بقي (3). والجواب: المنع من صحة السند، فإن في طريقه عبد الله بن بكير وهو فطحي. سلمنا، لكن (4) يحتمل أنه أتى بمقدمات الصلاة من الأذان والإقامة

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 305 - 306 ح 941. وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب أحكام الخلوة ح 3 ج 1 ص 210.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 306 ح 943. وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب أحكام الخلوة ح 5 ج 1 ص 211.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 306 ح 942. وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب أحكام الخلوة ح 4 ج 1 ص 210 - 211.
(4) ق، م (1): لكنه.

[ 30 ]

والتكبيرات والأدعية بينها، ولم يدخل في الصلاة فيتجدد حدثه فإنه يتوضأ حينئذ ويستأنف. مسألة: قال ابن إدريس: إذا كان الحدث متواليا خفف الصلاة ولا يبطلها وليقتصر على الفاتحة في الأولتين وعلى أربع تسبيحات في الأخيرتين، فإن لم يتمكن من الفاتحة لتوالي الحدث منه فليقتصر على التسبيح أربعا في الركعات، فإن لم يتمكن من التسبيح أربعا لتوالي الحدث منه فليقتصر على مرة واحدة في قيامه ومثلها في ركوعه وسجوده، ويقتصر في التشهد على الشهادتين خاصة والصلاة على النبي وآله (1). والوجه وجوب استيفاء الواجبات. لنا: إنه مأمور بفعلها فلا يسقط للعذر الذي لا يمكن (2) الخروج عنه. مسألة: لو تعذر ما يتطهر به من الماء والتراب سقطت الصلاة أداء وقضاء. وقال المفيد في رسالته إلى ولده: عليه أن يذكر الله تعالى في أوقات الصلاة بمقدار صلاته، وليس عليه قضاء الصلاة (3). وقال ابن إدريس: الصحيح أنه تسقط الصلاة عنه أداء ويجب القضاء (4). لنا: إن وجوب القضاء تابع لوجوب الأداء والأداء ساقط، أما أولا: فلأنه سلم ذلك، وأما ثانيا: فلاستلزامه التكليف بالمحال أو بفعل الصلاة من دون شرطها، والتالي بقسميه باطل. ولأن الأصل براءة الذمة، ولأن القضاء يجب بأمر جديد ولم يثبت. احتج بقوله - عليه السلام -: لا صلاة إلا بطهور (5)، فنفي أن تكون صلاة

(1) السرائر: ج 1 ص 351.
(2) ق وم (1): يمكن.
(3) لم نعثر على رسالته ونقله عنه في السرائر: ج 1 ص 353.
(4) السرائر: ج 1 ص 353.
(5) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 140 ح 545. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الوضوء ح 1 ج 1 ص 256.

[ 31 ]

شرعية إلا بطهور. ونحن نقول بموجبه، فإن كان يستدل بذلك على سقوط الأداء فهو المطلوب، وإن استدل به على وجوب القضاء فبعيد، إذ لا مناسبة بينهما. مسألة: ذهب السيد المرتضى (1)، وسلار (2) إلى وجوب تأخير الصلاة إلى آخر الوقت لأصحاب الاعذار، وهو اختيار ابن الجنيد (3). وقال الشيخ: يجوز في أول الوقت إلا المتيمم (4)، وهو الأقوى عندي. لنا: إنه مخاطب بالصلاة عند أول الوقت فكان مجزئا، لأنه امتثل. احتجوا بإمكان زوال الاعذار. والجواب: إنه معارض باستحباب المبادرة والمحافظة على أداء العبادة لا مكان فواتها بالموت وغيره. مسألة: قال المفيد: حد المرض الذي يبيح الصلاة جالسا هو ما لا يقدر معه على المشي بمقدار زمان صلاته قائما (5). وقال الشيخ في النهاية: حده ما يعلمه الانسان من حال نفسه أنه لا يتمكن من الصلاة قائما، أو لا يقدر على المشي زمان صلاته (6). والمعتمد الحد الأول من قول الشيخ. لنا: إن العجز عن القيام إنما يطلق على ما ذكرناه، فأما العجز عن المشي فليس حدا للعجز عن القيام لا مكان العجز عن القيام دون المشي وبالعكس.

(1) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 49.
(2) المراسم: ص 76.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) المبسوط: ج 1 ص 31.
(5) المقنعة: ص 215.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 369.

[ 32 ]

وما رواه عمر بن أذينة، عمن أخبره، عن الباقر - عليه السلام - أنه سئل ما حد المرض الذي يفطر صاحبه والمرض الذي يدع صاحبه فيه الصلاة قائما؟ قال: بل الانسان على نفسه بصيرة، قال: ذاك إليه هو أعلم بنفسه (1). وفي الصحيح عن جميل قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - ما حد المرض الذي يصلي صاحبه قاعدا؟ فقال: إن الرجل ليوعك ويخرج، ولكنه أعلم بنفسه إذا نوى فليقم (2). احتج بما رواه سليمان بن حفص المروزي قال: قال الفقيه - عليه السلام -: المريض إنما يصلي قاعدا إذا صار إلى الحالة التي لا يقدر فيها أن يمشي مقدار صلاته إلى أن يفرغ قائما (3). والجواب: المنع من صحة السند. سلمنا، لكن يحمل على المريض الذي لا يقدر على القيام ويقدر على المشي ما حده؟ فقال: إن عجز عن المشي قدر الفراغ كان عاجزا وإلا فلا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا لم يتمكن من الصلاة جالسا اضطجع على جانبه الأيمن، فإن لم يتمكن من الاضطجاع صلى مستلقيا (4)، وكذا في المبسوط (5)، وكذا قال ابن البراج (6). وقال ابن الجنيد (7): إن لم يتمكن من الاضطجاع على جنبه الأيمن

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 177 ح 399. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب القيام ح 1 ج 4 ص 698.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 177 ح 400. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب القيام ح 3 ج 4 ص 698 - 699.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 178 ح 402. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب القيام ح 4 ج 4 ص 699.
(4) النهاية: ونكتها: ج 1 ص 368.
(5) المبسوط: ج 1 ص 368.
(6) المهذب: ج 1 ص 129.
(7) لم نعثر على كتابه.

[ 33 ]

اضطجع على جنبه الأيسر، فإن لم يتمكن استلقى، وهو اختيار ابن إدريس (1). وقال السيد المرتضى: يصلي قاعدا، فإن لم يتمكن فعلى جنبه، فإن لم يتمكن استلقى (2)، وأطلق. والأقرب قول ابن الجنيد. لنا: قوله تعالى: " وعلى جنوبهم " (3) وهو شامل للأيمن والأيسر. وروى أبو حمزة في الحسن، عن الباقر - عليه السلام - في قول الله عزوجل: " الذين يذكرون الله قياما وقعودا " قال: الصحيح يصلي قائما وقعودا، والمريض يصلي جالسا، وعلى جنوبهم الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلي جالسا (4). وما رواه حماد، عن الصادق - عليه السلام - قال: المريض إذا لم يقدر أن يصلي جالسا كيف قدر صلى، إما أن يوجه فيومئ ايماء، وقال: توجه كما توجه الرجل في لحده وينام على جنبه الأيمن ثم يومئ بالصلاة، فإن لم يقدر أن ينام على جنبه الأيمن فكيف ما قدر، فإنه جائز ويستقبل بوجهه القبلة ثم يومئ بالصلاة ايماء (5). وعن سماعة قال: سألته عن المريض لا يستطيع الجلوس، قال: فليصل وهو مضطجع وليضع على جبهته شيئا إذا سجد، فإنه يجزئ عنه، ولن يكلف الله ما لا طاقة له به (6).

(1) السرائر: ج 1 ص 349.
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 49.
(3) آل عمران: 191.
(4) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 176 ح 396. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب القيام ح 1 ج 4 ص 689.
(5) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 175 ذيل الحديث 392. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب القيام ذيل الحديث 1 ج 4 ص 119. وفيه: عن عمار.
(6) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 306 ح 944. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب القيام ح 5 ج 4 ص 690.

[ 34 ]

ولأنه أحد الجنبين فجازت الصلاة مع الاضطجاع عليه كالأيمن. مسألة: قال ابن الجنيد (1): العاري إذا صلى ثم وجد ما يستر به العورة أعاد في الوقت لا خارجه. والمعتمد سقوط الإعادة مطلقا. لنا: إنه فعل المأمور به فيخرج عن العهدة. أما المقدمة الأولى: فلما رواه زرارة في الحسن قال: قلت لأبي جعفر - عليه السلام -: رجل خرج من سفينة عريانا أو سلب ثيابه ولم يجد شيئا يصلي فيه، فقال: يصلي ايماء (2). وأما الثانية: فظاهرة. احتج بأنه صلى مع فوات شرط الصلاة وهو الستر، فيجب عليه الإعادة كالمتيمم. والجواب: المنع من المقدمتين، فإن الستر إنما يكون شرطا مع القدرة أما مع عدم القدرة فلا، وأما المتيمم فنمنع وجوب الإعادة في الوقت إذا صلى لعذر لا يمكن زواله، أو مطلقا عند القائلين بجوازه في أول الوقت. الفصل الثالث في صلاة الخوف مسألة: قال الشيخ في المبسوط: اختلف أصحابنا فظاهر أخبارهم يدل على أنها تقصر مسافرا كان أو حاضرا، ومنهم من قال: لا تقصر إلا بشرط السفر ثم قال بعد ذلك: هذا الترتيب كله إذا أرادوا أن يصلوا جماعة. فأما إذا انفرد كل واحد منهم وصلى منفردا كانت صلاته ماضية، وتبطل حكم القصر إلا في

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 178 ح 403. وسائل الشيعة: ب 50 من أبواب لباس المصلي ح 6 ج 3 ص 327.

[ 35 ]

السفر (1). وفي الجمل: فإن حصل الشرطان - يعني كثرة المسلمين - وكون العدو في خلاف جهة القبلة وجبت صلاة الخوف مقصورة ركعتين إلا المغرب في السفر والحضر (2). وقال في الخلاف: ومن أصحابنا من يقول: إن صلاة الخوف مقصورة ركعتين ركعتين إلا المغرب سواء كان الخوف في سفر أو حضر. ومن أصحابنا من يقول: لا يقصر أعدادها إلا في السفر، وإنما يقصر هيئاتها، والمذهب الأول أظهر (3). وقال السيد المرتضى في الجمل: الخوف إذا انفرد عن السفر لزم فيه التقصير مثل ما يلزم في السفر المنفرد عن الخوف، ثم ذكر وصف صلاة الخوف مع الإمام فقال: وصفة صلاة الخوف أن يفرق الإمام أصحابه. إلى آخره (4). واطلاق كلامه يشعر بعدم اشتراط الجماعة، وقوله بعد ذلك: " وصفة صلاة الخوف " يقتضي الاشتراط. وابن أبي عقيل (5) وصف صلاة الخوف: بأن يصلي الإمام بالأولى ركعة ويتم من خلفه، ثم يأتي الأخرى فيصلي بهم الثانية ويتمون ركعة أخرى ويسلم بهم. ولم يفصل إلى سفر أو حضر، والظاهر أنه يريد الجميع، وكذا المفيد (6)، وابنا بابويه (7).

(1) المبسوط: ج 1 ص 163 و 165.
(2) الجمل والعقود: ص 84.
(3) الخلاف: ج 1 ص 637 المسألة 409.
(4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 48.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) المقنعة: ص 213.
(7) المقنع ص 39 ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.

[ 36 ]

وقال ابن الجنيد (1): والتقصير للخوف، وإن لم يكن سفر كما هو للسفر، وإن لم يكن خوف واجب، ويصليهما الخائف منفردا وفي جماعة. وقال سلار: صلاة الخوف مقصورة في الرباعيات (2)، وأطلق. وقال ابن البراج: التقصير واجب في صلاة الخوف، وإن انفرد من السفر كما يجب في السفر وإن انفرد من الخوف (3). وقال أبو الصلاح: الخوف بانفراده موجب للقصر (4). وقال ابن إدريس: الخوف إذا انفرد لزم فيه القصر في الصلاة مثل ما يلزم في السفر إذا انفرد على الصحيح من المذهب. وقال بعض أصحابنا: لا قصر إلا في حال السفر، والأول عليه العمل والفتوى من الطائفة. ثم ذهب إلى أنه لا يقصر إلا مع الصلاة جماعة، فإن صليت فرادى أتم في الحضر (5). وقال ابن حمزة: هي مقصورة سفرا وحضرا (6). وقال ابن زهرة: الخوف بانفراده موجب لقصر الصلاة سواء كان الخائف حاضرا أو مسافرا. ثم قال: وكيفية صلاة الخوف جماعة أن يفرق الإمام أصحابه فرقتين (7)، وهذا يدل على أنه يرى التقصير للمنفرد. والأقرب عندي وجوب التقصير مطلقا سواء صليت جماعة أو فرادى، وسواء الحضر والسفر. لنا: قوله تعالى: " فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) المراسم: ص 76.
(3) المهذب: ج 1 ص 112.
(4) الكافي في الفقه: ص 146.
(5) السرائر: ج 1 ص 346 و 348.
(6) الوسيلة: ص 110.
(7) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 499.

[ 37 ]

يفتنكم الذين كفروا " (1). وجه الاستدلال: أن الشرطين - أعني السفر والخوف - إن كانا على سبيل الجمع في جواز التقصير وجب الاتمام لو فقد أحدهما، والتالي باطل بالاجماع فيبطل المقدم. وإذا لم يكونا شرطين على سبيل الجمع وجب أن يكونا شرطين على البدل، فأيهما حصل جاز القصر. وما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - سألته عن صلاة الخوف وصلاة السفر يقصران جميعا؟ قال: نعم وصلاة الخوف أحق أن يقصر من صلاة السفر الذي ليس فيه خوف (2). وفي الحسن عن محمد بن عذافر، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إذا جالت الخيل يضطرب بالسيوف أجزأه تكبيرتان، فهذا تقصير آخر (3). وهو يدل على جواز التقصير في حالة الانفراد، إذ تتعذر الجماعة في تلك (4) الحالة، وتقصير التكبير إلى اثنتين يقتضي المبدل منه. وعن عبد الله بن المغيرة قال: حدثني بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: أقل ما يجزئ في حد المسايفة من التكبير تكبيرتان لكل صلاة إلا صلاة المغرب، فإن لها ثلاثا (5).

(1) النساء: 101.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 302 ح 921. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة ح 1 ج 5 ص 478.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 300 ح 913. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة ح 7 ج 5 ص 486.
(4) ن: هذا.
(5) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 174 ح 387. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة ح 3 ج 5 ص 485.

[ 38 ]

وعبد الله ثقة، والظاهر أنه لا يرسل عن بعض أصحابنا إلا والمسند إليه ثقة، والطريق إلى عبد الله بن المغيرة صحيح. ولأن وصف الصلاة التي صلاها رسول الله - صلى الله عليه وآله - بذات الرقاع (1) مشهورة منقولة من طرق يعتمد عليها (2)، وقد صلاها مقصورة جماعة فيكون كذلك إفرادا، إذ الجمع لا يقتضي قصر الصلاة كغيرها من الفرائض. ولأن الخوف مناسب للقصر فيكون موجبا له كالجماعة. قال الشيخ في الخلاف: الدليل على القصر سفرا وحضرا قوله تعالى: " وإذ كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك. الآية " وجه الاستدلال من وجهين: الأول: قوله تعالى: " فلتقم طائفة منهم معك. فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم " يعني تجاه العدو، فقد أخبر أنهم يفعلون قياما وسجودا فقط، وثبت أنهم إنما يصلون ركعة واحدة. الثاني: قوله تعالى: " ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك " يعني يصلون صلاتهم معك، والذي بقي عليه ركعة واحدة. فثبت أن الذي يصلون معه الركعة الباقية، ولاجماع الفرقة على ذلك وأخبارهم تشهد به، لأنهم وصفوا صلاة الخوف ركعتين. ولم يفصلوا بين السفر والحضر، فيجب حملها على جميع

(1) وهي غزوة معروفة كانت في سنة أربع أو خمس من الهجرة بأرض غطفان من نجد، وقال ابن هشام: إنما قيل لها: ذات الرقاع لأنهم رقعوا فيها راياتهم، ويقال: ذات الرقاع شجرة بذلك الموضع يقال لها: ذات الرقاع. ونقل عن أبي قال: إنما قيل له ذات الرقاع لأنهم نزلوا بجبل يسمى بذلك، وقيل: ذات الرقاع هي بئر جاهلية على ثلاثة أميال من المدينة، وإنما سميت بذلك لأن تلك الأرض بها بقع سود وبقع بيض كلها مرقعة برقاع مختلفة.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 172 ح 380. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة ح 1 ج 5 ص 479.

[ 39 ]

الأحوال، وذكر حديث زرارة وقد تقدم. ثم قال: وإذا نصرنا القول الآخر فدليله: إن الصلاة أربع ركعات في الذمة أسقطنا حال السفر ركعتين لدليل، ولم يقم على إسقاط شئ منها في غير السفر. قال: ويقوى الطريقة الأولى ما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله - أنه صلى صلاة الخوف في المواضع التي صلاها ركعتين ولم يروا أنه - عليه السلام - صلى أربعا في موضع من المواضع (1). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: صلاة المغرب مخير بين أن يصلي بالطائفة الأولى ركعة واحدة وبالاخرى ثنتين، وبين أن يصلي بالأولى ثنتين وبالاخرى واحدة، كل ذلك جائز (2). ولم يرجح إحداهما على الآخر، وكذا في الجمل (3). وفي النهاية (4) ذكر الوجه الأول ولم يتعرض للثاني. وقال في الخلاف: الأفضل أن يصلي بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين، فإن صلى بالأولى ثنتين وبالاخرى ركعة واحدة كان أيضا (5) جائزا (6). وفي الاقتصاد قال: والأول أحوط (7)، يعني: الذي جعله في الخلاف أفضل، والمفيد - رحمه الله - لم يذكر الثاني في المغرب، ولا السيد المرتضى. وقال علي بن بابويه: وإن كانت المغرب فصل بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين (8)، وكذا قال ابنه في كتاب من لا يحضره الفقيه (9)، وسلار (10)، وابن البراج (11).

(1) الخلاف: ج 1 ص 638 ذيل المسألة 409.
(7) المبسوط: ج 1 ص 164.
(8) لم نعثر على رسالته.
(3) الجمل والعقود: ص 84.
(9) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 463 ح 1335. (4) النهاية: ونكتها: ج 1 ص 370 - 371.
(10) المراسم: ص 88.
(5) ن: ذلك أيضا.
(11) المهذب: ج 1 ص 113.
(6) الخلاف: ج 1 ص 642 المسألة 411.

[ 40 ]

وقال ابن أبي عقيل (1): يصلي الإمام في المغرب خاصة بالطائفة الأولى ركعة واحدة وبالطائفة الأخرى ركعتين حتى يكون لكلتا الطائفتين قراءة، بذلك تواترت الأخبار عنهم - عليهم السلام -. وقال ابن الجنيد (2): فإن صلى بهم المغرب فالذي أختاره أن يصلي بالطائفة الأولى ركعة واحدة، فإذا قام إلى الثانية أتم من معه بركعتين أخراوين. وقال أبو الصلاح: يصلي بالأولى ركعة أو اثنتين وبالثانية ما بقي (3). والأقرب عندي التخيير. لنا: ما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - أنه قال: إذا كان صلاة المغرب في الخوف فرقهم فرقتين، فيصلي بفرقة ركعتين ثم جلس بهم ثم أشار إليهم بيده، فقام: كل إنسان منهم فيصلي ركعة ثم سلموا وقاموا مقام أصحابهم وجاءت الطائفة الأخرى فكبروا ودخلوا. الحديث (4). ورواه زرارة وفضيل ومحمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - أيضا (5). ويدل على جواز صلاة ركعة بالأولى ما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: وفي المغرب مثل ذلك يقوم الإمام وتجئ طائفة فيقفون خلفه ويصلي بهم ركعة، ثم يقوم ويقومون فيمثل (6) الإمام قائما ويصلون

(1) لم نعثر على كتابه عنه في كشف الرموز: ج 1 ص 218.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) الكافي في الفقه: ص 146.
(4) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 301 ح 917. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة الخوف المطاردة ح 2 ج 5 ص 380.
(5) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 301 ح 918. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة ذيل الحديث 2 ج 5 ص 480.
(4) ق: فيميل.

[ 41 ]

الركعتين (1). مسألة: قال ابن الجنيد (2): وإذا أوجبت الحال قصر الصلاة قصرها كل من شملته من الرجال حرا كان أو عبدا ممن يحمل السلاح دون النساء في الحرب. والأقرب العموم. لنا: إن المقتضي للخوف موجود لهن (3). فأبيح لهن القصر كالرجال عملا بوجود العلة. مسألة: المشهور أن الإمام إذا صلى بالثانية الركعة الباقية من الثنائية طول تشهده حتى يتم الثانية ويسلم بهم. وقال ابن الجنيد (4): وإن كان الإمام قد سبقهم بالتسليم لم يبرح من مكانه حتى يسلموا وانصرفوا أجمعين. وروى ابن بابويه في الصحيح - في كتاب من لا يحضره الفقيه - عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن الصادق - عليه السلام - إلى أن قال - عليه السلام -: ثم جلس رسول الله - صلى الله عليه وآله - فتشهد ثم سلم عليهم فقاموا فقضوا لانفسهم ركعة ثم سلم بعضهم على بعض، ثم قال في آخره: فهذه صلاة الخوف التي أمر الله - عزوجل - بها نبيه - صلى الله عليه وآله - (5). قال ابن إدريس: والأول هو الأظهر في المذهب والصحيح من الأقوال (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 171 ح 379. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة ح 4 ج 5 ص 480.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) في متن المطبوع وق: فيهن.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 461 - 462 ح 1334.
(6) السرائر: ج 1 ص 346.

[ 42 ]

والأقرب عندي جواز تسليم الإمام قبل إتمام الطائفة الثانية. لنا: إنها جماعة فلا يجب الانتظار، وما تقدم في حديث عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن الصادق عليه السلام. مسألة: قال السيد المرتضى: إذا صلى بالأولى ركعة في المغرب وأتموا ثم قام إلى الثالثة كانت ثانية للثانية، سبح هو وقرأت الطائفة الثانية (1)، وكذا قال ابن الجنيد (2). وقال ابن إدريس: والصحيح عند أصحابنا المصنفين، والاجماع حاصل عليه أنه لا قراءة عليهم (3). والبحث في ذلك يأتي إن شاء الله تعالى. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: الإمام والمأموم سواء في أنه يجب عليهما ركعتين ركعتين في جميع الصلوات إلا المغرب فإنها ثلاث على كل حال (4). وقال ابن الجنيد (5): فإن كانت الحالة الثالثة - وهي مصافة الحرب والمواقفة (6) والتعبئة والتهيؤ للمناوشة من غير بداية - صلى الإمام بالفرقة الأولى ركعة وسجد سجدتين ثم انصرفوا وسلم القوم بعضهم على بعض في مصافهم. وقد روي عن أبي جعفر محمد بن علي - عليهما السلام - أن رسول الله صلى الله عليه وآله - صلى كذلك بعسفان (7). وروي ذلك عن حذيفة بن اليمان وجابر وابن عباس وغيرهم (8). وقال بعض الرواة: فكانت لرسول الله - صلى

(1) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 48.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) السرائر: ج 1 ص 347.
(4) المبسوط: ج 1 ص 163.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) ق: مضايقة الحرب والمواقعة.
(7) المبسوط: ج 1 ص 166. وفيه: عن النبي - صلى الله عليه وآله -.
(8) الخلاف: ج 1 ص 636 المسألة 408 وفيه: عن جابر فقط.

[ 43 ]

الله عليه وآله - ركعتان ولكل طائفة ركعة (1). قال ابن بابويه: وسمعت شيخنا محمد بن الحسن - رضي الله عنه - يقول: رويت أنه سأل الصادق - عليه السلام - عن قول الله - عزوجل -: " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا " فقال: هذا تقصير ثان، وهو أن يد الرجل ركعتين إلى ركعة، قال: وقد رواه حريز، عن أبي عبد الله - عليه السلام - (2)، وطريقه إلى حريز صحيح. والمعتمد الأول. لنا: الاجماع على عدم نقص الركعتين عن الإمام والمأموم. وما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - وقد وصف صلاة الخوف أنه يصلي بالأولى ركعة ثم يصلون الثانية وهو قائم، ثم تأتي الثانية فيصلي بهم الثانية ثم يتمون ثانيتهم ويسلم بهم (3). احتج بما رواه الشيخ (4) وابن بابويه (5) معا، عن حريز في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في قول الله - عزوجل -: " لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا " قال: في الركعتين ينقص منهما واحدة.

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 461 - 462 ح 1334. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة ح 1 ج 5 ص 479.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 464 ح 1340.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 / 171 ح 379. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاه الخوف والمطاردة ح 4 ج 5 ص 480.
(4) تهذيب الأحكام ج 3 ص 300 ح 914. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة ح 3 ج 5 ص 478.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 464 ح 1340. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة ح 2 ج 5 ص 478.

[ 44 ]

والجواب: لعل المراد أن الإمام يصلي بالأولى واحدة ويتم، ثم يصلي بالثانية أخرى ويتم الثانية. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: يكره أن يكون السلاح ثقيلا لا يتمكن معه من الصلاة والركوع والسجود كالجوشن (1) الثقيل والمغفر السائغ، لأنه يمنع من السجود على الجبهة (2). والأقرب أن يقول: إن احتاج إلى أخذه وجب ولم يكن مكروها، وإن لم يحتج إليه حرم أخذه، لأنه يمنعه من استيفاء الأفعال الواجبة. مسألة: قال في المبسوط: لو صلى ركعة مع شدة الخوف ثم أمن نزل وصلى بقية صلاته على الأرض، وإن صلى على الأرض أمنا ركعة ولحقه شدة الخوف ركب وصلى بقية صلاته ايماء ما لم يستدبر القبلة في الحالين، فإن استدبرها بطلت صلاته واستأنفها (3). والأقرب أن يقول: إن استدبر في الحالة الأولى حالة الخوف لم تبطل صلاته، وإن كان بعد الامن بطلت. وأما الحالة الثانية فإن الصلاة لا تبطل. لنا: إنه مضطر إلى الاستدبار فكان سائغا، كما لو صلى على حالة الشدة. مسألة: قال في المبسوط: لو صلى صلاة الخوف في غير الخوف كانت صلاة الإمام والمأموم صحيحة، وإن تركوا الأفضل من حيث فارقوا الإمام وصاروا منفردين، وسواء كان كصلاة النبي - صلى الله عليه وآله - بذات الرقاع أو بعسفان أو بطن النخل. وعلى كل حال لا يجوز صلاة الخوف في طلب العدو، لأنه ليس هناك خوف، فإن طلبهم ليس بفرض، وكل قتال كان واجبا - مثل الجهاد - أو مباحا

(1) الجوشن: الدرع. وقيل: من السلاح زرد يلبسه الصدر.
(2) المبسوط: ج 1 ص 164 - 165.
(3) المبسوط: ج 1 ص 166.

[ 45 ]

- مثل الدفع عن النفس والمال - جاز أن يصلي صلاة الخوف وصلاة شدة الخوف، وكل قتال كان محظورا - مثل قتال اللصوص وقطاع الطريق - فلا يجوز لهم صلاة الخوف، فإن خالفوا وصلوا صلاة الخوف كان صلاتهم ماضية، لأنهم لم يخلوا بشئ من أركان الصلاة، وإنما يصيرون منفردين بعد أن كانوا مأمومين، وذلك لا يبطل الصلاة (1). والكلام معه يقع في مقامات: الأول: تسويغ صلاة عسفان، وصورتها: أن يصف الإمام الناس صفين إذا كان العدو في جهة القبلة ولا ساتر لهم ثم يصلي بالصفين، فإذا ركع ركعوا جميعا، فإذا سجد سجد الصف الذي يليه ووقف الآخر يحفظونهم، فإذا قاموا إلى الثانية سجد الصف الثاني ثم يتأخر الصف الذي يليه إلى مقام الصف الأخير ويتقدم الصف الأخير إلى مقام الصف الأول، فإذا ركع في الثانية ركعوا جميعا، فإذا سجد سجد الصف الذي يليه ويقف الآخر للحفظ، فإذا جلس عقيب السجدة الثانية سجد الآخرون ثم جلسوا جميعا وسلم بهم جميعا، وهذه الهيئة لم نعرفها من طرقنا متصلة، بل ذكرها الشيخ مرسلة (2)، فإن صحت اقتصرنا بها على موضع النقل - وهو الخوف -، أما فعلها حالة الامن فمشكل، لما فيه من تغيير (3) هيئة الصلاة وتأخر المأموم عن الإمام (4). المقام الثاني: هل تجوز صلاة الخوف على هيئة ذات الرقاع حالة الامن؟ فيه إشكال من حيث مفارقة المأموم لامامه، وإمامة القاعد للقائم، وتوقع الإمام للمأموم. أما صلاة بطن النخل فالأقرب جوازها.

(1) المبسوط: ج 1 ص 168.
(2) المبسوط: ج 1 ص 166.
(3) ق وم (1) وم (2): تغير.
(4) م (1): وتأخر المأمومين في الأفعال عن الإمام.

[ 46 ]

المقام الثالث: في الجمع بين كلاميه، فإنه قال أولا: يجوز صلاة الخوف في غير الخوف، ثم قال: ولا يجوز صلاة الخوف في طلب العدو، لأنه ليس هناك خوف، والجمع مشكل، وكذا حكمه بمنع صلاة الخوف حال تحريم القتال. مسألة: منع الشيخ في المبسوط من الافتراش للحرير والاتكاء عليه وحرمه، وكذا حرم الستور المعلقة منه (1). والأقرب عدم التحريم في ذلك كله عملا بالأصل السالم عن معارضة كون هذا الاستعمال لبسا، والتحريم إنما ورد فيه. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: لو فرقهم في الحضر أربع فرق وصلى بكل فريق (2) منهم ركعة بطلت صلاته وصلاتهم، لأن صلاة الخوف مقصورة ركعتان، فإذا صلى أربعا لم يجزئه، وإن قلنا بالشاذ من قول أصحابنا - يعني الاتمام في الحضر - ينبغي أن نقول أيضا ببطلان صلاتهم، لأنه لم يثبت لنا في الشرع هذا الترتيب، وإذا كان غير مشروع وجب أن يكون باطلا (3). والأقوى تفريعا على الشاذ صحة الصلاة، لأنه يجوز للمأموم مفارقة الإمام، ويجوز الائتمام مع سبق الإمام وحينئذ لا مقتضي للبطلان. إلا أن يقال: إن إطالة الإمام وانتظاره ممنوع منه. فنقول: أي مانع من إطالته للقراءة أو للدعاء أو للذكر حتى يلحق به المأموم. مسألة: أوجب الشيخ أخذ السلاح (4)، وجعله ابن الجنيد (5) مستحبا.

(1) المبسوط: ج 1 ص 168.
(2) في متن المطبوع وم (2): فرقة.
(3) الخلاف: ج 1 ص 643 المسألة 413.
(4) المبسوط: ج 1 ص 164.
(5) لم نعثر على كتابه.

[ 47 ]

والأقرب الأول. لنا: قوله تعالى: " وليأخذوا أسلحتهم " (1) والأمر للوجوب. احتج بالبراءة الأصلية. والجواب: المنع من المصير إليها مع ورود الأمر. مسألة: قال الشيخ - رحمه الله - في المبسوط: أخذ السلاح واجب على الطائفة (2). وقال في الخلاف: أخذ السلاح واجب على الطائفة المصلية (3). وقال ابن إدريس: أنه واجب على الفريقين (4). والآية تدل على ما قاله الشيخ، ولكلام ابن إدريس لا بأس به، لأن فيه حراسة وحفظا للمسلمين. مسألة: قال المفيد - رحمه الله -: وأكثر علمائنا إذا صلى بالطائفة الثانية جلس للتشهد وقامت الطائفة الثانية فصلوا ما بقي عليهم وجلسوا معه وسلم بهم وكان الاولون لهم التكبير معه، والآخرون لهم التسليم (5). ولم يذكروا أنهم حال قيامهم إلى الثانية ينوون الانفراد. وقال ابن حمزة: فإذا جلس الإمام للتشهد قامت هي ناوية لمفارقة الإمام وقرأت وركعت وسجدت وتشهدت وسلم بهم الإمام (6). والأقرب الأول. لنا: إنهم لو انفردوا لما احتاج الإمام إلى التوقع لهم، ولما صح لهم التسليم

(1) النساء: 102.
(2) المبسوط: ج 1 ص 164.
(3) الخلاف: ج 1 ص 643 المسألة 414.
(4) السرائر: ج 1 ص 347.
(5) المقنعة: ص 213.
(6) الوسيلة: ص 110.

[ 48 ]

معه، والتالي باطل، لما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: فصار للأولين التكبير وافتتاح الصلاة وللآخرين التسليم (1)، ومع الانفراد لا يحصل لهم ذلك. الفصل الرابع في صلاة الجماعة مسألة: قال الشيخ: الظاهر من المذهب أن الجماعة لا تنعقد جماعة إلا بشرط تقديم الأذان والإقامة، وفي أصحابنا من قال: إن ذلك من الفضل (2) دون الوجوب (3). والأقرب عندي الاستحباب. لنا: الأصل براءة الذمة، وقد سبق البحث في هذه المسألة. ونقل القطب الراوندي عن بعض أصحابنا الاستحباب في الجماعة، ولكن لا تنعقد إلا بهما (4). مسألة: قال ابن إدريس: لو صلى اثنان جماعة وقف المأموم على جانب الإمام الأيمن، ولا بد من تقدم (5) الإمام عنه بقليل (6). أما الحكم الأول فصحيح على جهة الاستحباب، وأما لزوم تقدم الإمام بقليل فهو ممنوع. لنا: الأصل براءة الذمة.

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 301 ح 917. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة ح 2 ج 5 ص 480.
(2) ن: إن ذلك للفضل.
(3) المبسوط: ج 1 ص 152.
(4) فقه القرآن: ج 1 ص 140. وليس فيه " عن بعض أصحابنا ".
(5) ق وم (1): تقديم.
(6) السرائر: ج 1 ص 277.

[ 49 ]

وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: الرجلان يؤم أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه (1). وفي الحسن عن زرارة، عن أبي عبد الله - عليه السلام - ويقوم الرجل عن يمين الإمام (2)، ولم يوجب التقديم بقليل. ولأنه لو كان كذلك لبطلت صلاة الإثنين إذا قال: كل واحد منهما كنت إماما، لأنهما إن أخلا بالتقديم المذكور مع وجوبه بطلت صلاتهما، ويستحيل أن يأتيا به معا. وإن تقدم أحداهما فهو الإمام، لكن التالي باطل إجماعا فكذا المقدم، وكذا قال في العراة والمنع آت فيه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا صلى في مسجد جماعة كره أن يصلي فيه دفعة أخرى جماعة تلك الصلاة بعينها، فإن حضر قوم وأرادوا أن يصلوها جماعة فليصل بهم واحد منهم ولا يؤذن ولا يقيم، بل يقتصر على ما تقدم من الأذان في المسجد إذا لم يكن الصف قد انفض، فإن انفض الصف وتفرق الناس فلا بد من الأذان والإقامة (3). وقال في المبسوط: إذا صلى في مسجد جماعة كره أن يصلي دفعة أخرى جماعة تلك الصلاة (4)، وكذا قال ابن إدريس (5). ثم قال الشيخ: فإن حضر قوم صلوا فرادى. وروي صحة ذلك غير أنهم

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 26 ح 89. وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الجماعة ح 1 ج 5 ص 411.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 24 ح 82. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 ج 5 ص 379.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 353.
(4) المبسوط: ج 1 ص 152.
(5) السرائر: ج 1 ص 289.

[ 50 ]

لا يؤذنون ولا يقيمون، ويجتزئون تقدم من الأذان والإقامة هذه إذا لم يكن الصف قد انفض، فإن انفض جاز لهم أن يؤذنوا ويقيموا (1). وقال في الخلاف: إذا صلى في مسجد جماعة وجاء قوم آخرون ينبغي أن يصلي فرادى (2). وفي التهذيب: إذا صلى في مسجد جماعة لا يجوز أن يصلي دفعة أخرى جماعة بأذان وإقامة (3). وقال ابن الجنيد (4): ولا بأس بالجمع في المسجد الذي قد جمع فيه صاحبه، ولا أختار أن يبتدئ غير صاحبه بالجمع فيه، ولو فعل لم تنفض (5) صلاته. احتج الشيخ على المنع بما رواه أبو علي الجبائي قال: كنا عند أبي عبد الله - عليه السلام - فأتاه رجل فقال: جعلت فداك صلينا في المسجد الفجر وانصرف بعضنا وجلس بعض في التسبيح، فدخل رجل المسجد فأذن فمنعناه ودفعناه عن ذلك، فقال أبو عبد الله - عليه السلام -: أحسنت ادفعه عن ذلك وامنعه أشد المنع، فقلت: فإن دخلوا فأرادوا أن يصلوا في جماعة، قال: يقومون في ناحية المسجد ولا يبدر لهم إمام (6). والأقرب عندي قول الشيخ في النهاية. لنا: إنها جماعة فتكون مندوبة. والنهي الذي رواه الشيخ محمول على الأذان والإقامة لا على الجماعة.

(1) المبسوط: ج 1 ص 152.
(2) الخلاف: ج 1 ص 542 المسألة 280.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 55 ذيل الحديث 189.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5): يبطل.
(6) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 55 ح 190. وسائل الشيعة: ب 65 من أبواب صلاة الجماعة ح 2 ج 5 ص 466.

[ 51 ]

ويؤيده ما رواه زيد بن علي، عن آبائه - عليهم السلام - قال: دخل رجلان المسجد وقد صلى علي - عليه السلام - بالناس، فقال لهما: إن شئتما فليؤم أحدكما صاحبه ولا يؤذن ولا يقيم (1). ولأن الجماعة أمر مطلوب للشارع، لما فيه من التظافر على الدعاء، والاجتماع للعبادة، وامتثال الأوامر الدالة على فضلها، والخروج من المسجد مكروه قبل أداء الفريضة، لما فيه من تأخير العبادة عن وقتها. ولما رواه السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي - عليهم السلام - أنه كان يقول: إذا دخل الرجل المسجد وقد صلى أهله فلا يؤذنن ولا يقيمن ولا يتطوع حتى يبدأ بصلاة الفريضة، ولا يخرج منه إلى غيره حتى يصلي فيه (2). مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز أن يؤم الصبي الذي لم يبلغ الحلم الناس (3)، وبه قال ابن البراج (4). وجوز في المبسوط (5) والخلاف (6) كون المراهق المميز العاقل إماما في الفرائض. وقال ابن الجنيد (7): غير البالغ إذا كان سلطانا مستخلفا للامام الأكبر

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 56 ح 191. وسائل الشيعة: ب 65 من أبواب صلاة الجماعة ح 3 ج 5 ص 466.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 56 ح 195. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب الأذان والإقامة ح 4 ج 4 ص 654.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 345.
(4) المهذب: ج 1 ص 80.
(5) المبسوط: ج 1 ص 154.
(6) الخلاف: ج 1 ص 553 المسألة 295.
(7) لم نعثر على كتابه.

[ 52 ]

كالولي لعهد المسلمين يكون إماما، وليس لأحد أن يتقدمه، لأنه أعلى ذوي السلطان بعد الإمام الأكبر، وأما غيره من الصبيان فلا أرى أن يؤم في الفرائض من هو أسن منه. والأقوى عندي المنع. لنا: إن غير البالغ ليس من أهل التكليف، ولا يقع منع الفعل على وجه يعد طاعة، لأنها موافقة الأمر، والصبي ليس مأمورا إجماعا. ولأن العدالة شرط إجماعا، وهي غير متحققة في طرف الصبي، لأنها هيئة قائمة بالنفس تقتضي البعث على ملازمة الطاعات والانتهاء عن المحرمات، وكل ذلك فرع التكليف. ولأنه عالم بعدم المؤاخذة له بما يصدر عنه من القبائح، فلا يؤمن بطلان صلاته بما يوقعه من الأفعال المنافية للصلاة، إذ لا زاجر له عنه (1). وما رواه إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه - عليه السلام - أن عليا - عليه السلام - كان يقول: لا بأس أن يؤذن الغلام قبل أن يحتلم، ولا يؤم حتى يحتلم، فإن أم جازت صلاته وفسدت صلاة من خلفه (2). ورواه ابن بابويه مرسلا في كتابه، عن علي - عليه السلام - (3). احتج الشيخ بإجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في أن من هذه صفته تلزمه الصلاة. وأيضا قوله - عليه السلام -: " مروهم بالصلاة لسبع " يدل على أن صلاتهم شرعية (4). ولأنه جاز أن يكون مؤذنا فجاز أن يكون إماما. وبما رواه طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه - عليه السلام -، عن علي

(1) م (1) ون: إذ لا زاجر عنه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 29 ح 103. وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب الأذان والإقامة ح 2 ج 4 ص 661.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 289 ح 896. (4) الخلاف: ج 1 ص 553 ذيل المسألة 295.

[ 53 ]

- عليه السلام - قال: لا بأس أن يؤذن الغلام الذي لم يحتلم وأن يؤم (1). والجواب: بمنع الاجماع على وجوب تكليف غير البالغ، بل لو قيل بالضد كان أولى، وأمر الولي بأمرهم بالصلاة ليس أمرا لهم، فإن الأمر بالامر بالشئ ليس أمرا بذلك الشئ، ومشروعية صلاتهم إن عني بها أنها مطلوبة منهم للتمرين، فهو مسلم أما لاستحقاق الثواب فلا، والرواية ضعيفة السند. فإن طلحة بتري، ومتأولة بالغلام الذي بلغ بالسنين ولم يحتلم. مسألة: قال الشيخ في النهاية (2) والمبسوط (3): لا يجوز أن يؤم العبيد الأحرار، ويجوز أن يؤم العبد بمواليه إذا كان أقرأهم للقرآن، وهو اختيار ابن البراج (4). وفي الخلاف: يجوز إمامة العبد إذا كان من أهلها وأطلق. ثم قال: وروي في بعض رواياتنا أن العبد لا يؤم إلا مولاه، ثم استدل بعموم الأخبار الواردة في فضل الجماعة، وقوله - عليه السلام -: " يؤمكم أقرؤكم "، (5)، ولم يفصل. وقال الصدوق أبو جعفر بن بابويه في كتاب المقنع: ولا يؤم العبد إلا أهله، رواية مرسلة عن علي عليه السلام (6). وقال ابن الجنيد (7): لا بأس بإمامة الأعمى والعبد إذا كانا بالوصف الذي يوجب التقدم، وكذا قال ابن إدريس (8)، وجعله أبو الصلاح مكروها

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 29 ح 104. وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب الأذان والإقامة ح 3 ج 4 ص 661.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 344.
(3) المبسوط: ج 1 ص 155.
(4) المهذب: ج 1 ص 80.
(5) الخلاف: ج 1 ص 547 المسألة 286.
(6) المقنع: ص 35.
(7) لم نعثر على كتابه.
(8) السرائر: ج 1 ص 282.

[ 54 ]

مطلقا (1). والأقرب عندي الجواز مطلقا، لكن الحر أولى منه إذا شاركه في الصفات الصالحة للامامة. لنا: قوله - عليه السلام -: " يؤمكم أقرؤكم " (2). وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - أنه سئل عن العبد يؤم القوم إذا رضوا به وكان أكثرهم قراءة، قال: لا بأس به (3). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم - من طريق آخر - عن الصادق - عليه السلام - مثل ذلك (4). ولأنه إن جاز إمامة الحر جاز إمامة العبد، والتالي كالمقدم حق. بيان الملازمة: إن المقتضي لتجويز الامامة - وهو طلب فضيلة الجماعة وتحصيل المصالح المتعلقة بالاجتماع - موجود في صورة النزاع فيثبت الحكم فيه. ولأن مولاه وغيره متساويان فيتساويان في الأحكام، فكما جاز ائتمام المولى بعبده جاز لغيره. احتج المخالف بما رواه السكوني، عن جعفر، عن أبيه - عليهما السلام -، عن علي - عليه السلام - قال: لا يؤم العبد إلا أهله (5).

(1) الكافي في الفقه: ص 144.
(2) سنن البيهقي: ج 3 ص 125. من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 285 ح 880. وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الأذان والإقامة ح 3 ج 4 ص 640. (3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 29 ح 100. وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب صلاة الجماعة ح 2 ج 5 ص 400.
(4) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 29 ح 99. وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب صلاة الجماعة ذيل الحديث 2 ج 5 ص 400.
(5) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 29 ح 102. وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب صلاة الجماعة ح 4 ج 5 ص 401.

[ 55 ]

والجواب: المنع من صحة السند، والحمل على الاستحباب. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: سبعة لا يؤمون الناس على كل حال: المجذوم، والأبرص، والمجنون، وولد الزنا، والأعرابي بالمهاجرين، والمقيد بالمطلقين، وصاحب الفالج بالاصحاء (1)، ولم يذكر تحريما ولا كراهة. وفي المبسوط: لا يجوز أن يؤم ولد الزنا ولا الأعرابي بالمهاجرين. ثم قال بعد تجويز إمامة الأعمى: ولا يؤم المجذوم، والأبرص، والمجنون، والمحدود من ليس كذلك، وتجوز إمامته لمن كان مثله، ولا يؤم المقيد المطلقين، ولا صاحب الفالج الاصحاء (2)، وكذا في النهاية (3). وقال السيد المرتضى: لا تجوز الصلاة خلف الفساق ولا يؤم بالناس الاغلف، وولد الزنا، والأجذم، والأبرص، والمحدود، ولا صاحب الفالج الاصحاء، ولا الجالس القيام، ولا المتيمم المتوضئين. ويكره للمسافر أن يؤم المقيم، والمقيم أن يؤم المسافر في الصلاة التي يختلف فيها فرضهما (4)، وهذا (5) يشعر بالمنع. وقال في الانتصار: الظاهر من مذهب الامامية أن الصلاة خلف ولد الزنا غير مجزئة للاجماع والاحتياط. ثم قال: يكره إمامة الأبرص، والمجذوم، والمفلوج (6). وقال الصدوق أبو جعفر بن بابويه: لا يجوز أن يؤم ولد الزنا، ولا بأس أن يؤم

(1) الخلاف: ج 1 ص 561 المسألة 312.
(2) المبسوط: ج 1 ص 155.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 344.
(4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى): ص 39.
(5) ق وم (1): وهو.
(6) الانتصار: ص 50.

[ 56 ]

صاحب التيمم المتوضئين، ولا يؤم الأعرابي المهاجرين (1). وقال أبو الصلاح: ولا تنعقد الجماعة إلا بإمام عدل، طاهر الولادة، سليم من الجنون والجذام والبرص. ثم قال: وقد تتكامل صفات الامامة لجماعة، وتنعقد على وجه دون وجه، وهو المقيد بالمطلق، والزمن بالصحيح، والخصي بالسليم، والأغلف بالمطهر (2)، والمحدود بالبرئ، والمرأة بالرجال. ويجوز أن يؤم كل واحد منهم بأهل طبقته (3). وقال ابن البراج: لا يصح تقدم المجذوم والأبرص والمقعد والمفلوج والمقيد على من خالفهم، ويصح على مثله (4). وأما ولد الزنا والمحدود فقد جعلهما ممن لا يصح أن يكون إماما مطلقا، وكذا المجنون. قال: وقد ذكر في ذلك - يعني في هذا القسم - الاغلف وعاق والديه وقاطع رحمه، ومنع من إمامة الأعرابي بالمهاجرين لا لغيرهم، والمتيمم للمتوضئين لا لمثله، والمسافر للحاضرين لا لمثله. وقال: وقد ذكر أن إمامته للحاضرين مكروهة (5). وحرم سلار إمامة ولد الزنا والفاسق والمرأة للرجل، ولم يذكر غيرهم بل جعل إمامة المتيمم للمتطهر، والمسافر للحاضر مكروهة (6). والأقوى عندي كراهة إمامتهم. لنا: قوله - عليه السلام -: " يؤمكم أقرؤكم " (7) وهو عام. وما رواه عبد الله بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن

(1) المقنع: ص 35.
(2) ق وم (1): بالمتطهر.
(3) الكافي في الفقه: ص 143 - 144.
(4) ق: مثلهم.
(5) المهذب: ج 1 ص 80.
(6) المراسم: ص 86.
(7) سنن البيهقي: ج 3 ص 125.

[ 57 ]

المجذوم والأبرص يؤمان المسلمين؟ قال: نعم، قلت: هل يبتلي الله بهما المؤمن؟ قال: نعم، وهل كتب الله البلاء إلا على المؤمن (1). ولأن الضابط العدالة والتقدير وجودها. وما رواه حمزة بن عمران وجميل بن دراج في الصحيح قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: إمام قوم أصابته جنابة في السفر وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل أيتوضأ بعضهم ويصلي بهم؟ قال: لا، ولكن يتمم الجنب ويصلي بهم، فإن الله - عزوجل - جعل التراب طهورا (2). وفي الموثق عن عبد الله بن بكير، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: رجل أم قوما وهو جنب وقد تيمم وهم على طهور، فقال: لا بأس (3). ولأن الصلاة مباحة له ومشروعة ومخرجة عن العهدة ومجزئة وحاصلة عن أحد الطهورين، فصح أن يكون إماما كالمتوضئ. أما الأغلف فإن كان متمكنا من الختان والوقت متسع فلا يجوز أن يكون إماما، وإن لم يتمكن أو خاف على نفسه التلف معه أو بلغ آخر الوقت وهو غير مختتن فالأقوى حينئذ جواز إمامته. أما على التقدير الأول: فلأنه فاسق، فلا تصح الامامة، والمقدمتان ظاهرتان. وما رواه زيد بن علي، عن آبائه - عليهم السلام -، عن علي - عليه السلام -

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 27 ح 93. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 ج 5 ص 399.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 167 ح 365. وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 ج 5 ص 401.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 167 ح 366. وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب صلاة الجماعة ح 3 ج 5 ص 401.

[ 58 ]

قال: الاغلف لا يؤم القوم وإن كان أقرأهم (1)، لأنه ضيع من السنة أعظمها، ولا يقبل له شهادة، ولا يصلى عليه إلا أن يكون ترك ذلك خوفا على نفسه. وأما على التقدير الثاني: فلأنه عدل، فصح أن يكون إماما كغيره. وأما ولد الزنا فالأقرب عدم جواز إمامته. لنا: إنها من المناصب الجليلة فلا تليق به. احتجوا بما رواه أبو بصير في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: خمسة لا يئمون الناس على كل حال: المجذوم، والأبرص، والمجنون، وولد الزنا، والاعرابي (2). وما رواه السكوني، عن أبي عبد الله - عليه السلام - عن أبيه - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام -: لا يؤم المقيد المطلقين، ولا يؤم صاحب الفالج الاصحاء، ولا صاحب التيمم المتوضئين، ولا يؤم الأعمى في الصحراء إلا أن يوجه إلى القبلة (3). والجواب: حمل الحديث الأول على الكراهة في البعض، والثاني بذلك أيضا مع منع سنده. وأما المقيد بالمطلقين (4) فإن تمكن من القيام صح أن يكون إماما، وإلا فلا. وأما الأعرابي فإن عرف شرائط الصلاة وكان أقرأ القوم عدلا جاز أن يكون إماما، وإلا فلا.

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 30 ح 108. وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 ج 5 ص 396.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 26 ح 92. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب صلاة الجماعة ح 5 ج 5 ص 399 - 400.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 27 ح 94. وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 ج 5 ص 411.
(4) ق وم (1): بالمطلق.

[ 59 ]

لنا: إن الضابط وهو العدالة والقراءة موجودان فيمن سوغنا (1) إمامته. مسألة: المشهور أن المرأة يجوز أن تؤم النساء في الفرائض. ونقل ابن إدريس عن السيد المرتضى المنع (2)، وهو اختيار ابن الجنيد (3). احتج الاكثرون بقوله - عليه السلام -: " يؤمكم أقرؤكم ". لا يقال: إنه خطاب مذكر فلا يتناول صورة النزاع. لأنا نقول: إن شرعه - عليه السلام - عام في حق الذكور والإناث إجماعا، وإذا اجتمع الذكور والإناث غلب التذكير في الصيغة. وما رواه سماعة بن مهران في الموثق قال: سألت الصادق - عليه السلام - عن المرأة تؤم النساء، فقال: لا بأس به (4). وعن عبد الله بن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في الرجل يؤم المرأة؟ قال: نعم تكون خلفه، وعن المرأة تؤم النساء؟ قال: نعم تقوم وسطا بينهن ولا تتقدمهن (5). احتج بأنه - عليه السلام - وصفها بنقص الدين، فلا تصح للامامة المنوطة بكماله، وما رواه سليمان بن خالد في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن المرأة تؤم النساء، فقال: إذا كن جميعا امتهن في النافلة، وأما في المكتوبة فلا (6).

(1) ن: شرعنا.
(2) السرائر: ج 1 ص 281.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 31 ح 111. وسائل الشيعة: 20 من أبواب صلاة الجماعة ح 11 ج 5 ص 408.
(5) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 31 ح 112. وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب صلاة الجماعة ح 4 ج 5 ص 405.
(6) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 269 ح 768. وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب صلاة الجماعة ح 12 ج 5 ص 408.

[ 60 ]

وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: تؤم المرأة النساء - إلى أن قال: - في النافلة ولا تؤمهن في المكتوبة (1). وفي الصحيح عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: قلت: المرأة تؤم النساء؟ قال: لا إلا على الميت (2). وقول السيد لا بأس به لصحة الأخبار الدالة عليه، وضعف الحديثين الأولين مع احتمالهما للتفصيل، وهو جواز إمامة المرأة في النفل دون الفرض. أما أولا: فللجمع بين الأخبار، وأما ثانيا: فللروايات التي تلوناها من طرف السيد فإنها دلت على التفصيل صريحا، والمطلق يحمل على المقيد مع التنافي إجماعا. وقوله - عليه السلام -: " يؤمكم أقرؤكم " إنما يدل على صورة النزاع لو ثبت دخول النساء في الخطاب، فإن خطاب المذكر لا يدخل فيه المؤنث. نعم إذا عرف دخول المؤنث جاز أن يندرجن مع المذكرين في خطاب التذكير (3). فإذن ما لم يثبتوا دخول المرأة في هذا الخطاب لا يمكنهم الاستدلال به، وذلك دور ظاهر. مسألة: منع أبو الصلاح من إمامة الاغلف بالمتطهر، وجوزه بمثله (4). والحق أن الأغلف إن كان مفرطا بالترك للطهورية لم تصح إمامته لمثله كالمطهر (5)،

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 268 ح 765. وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب صلاة الجماعة ح 9 ج 5 ص 408.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 268 ح 766. وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب صلاة الجماعة ح 3 ج 5 ص 406.
(3) ق وم (1): المذكر.
(4) الكافي في الفقه: ص 144.
(5) ق وم (2): كالمتطهر.

[ 61 ]

لأنه فاسق، وإن لم يكن مفرطا صحت إمامته كغيره عملا بالأصل السالم عن معارضة الفسق. مسألة: منع أبو الصلاح من إمامة الخصي بالسليم، وجوزه لمثله (1). والحق جوازه في الأول أيضا. لنا: إنه عدل قارئ، فصح أن يكون إماما. والخصاء لا يسلبه الرجولية، ولا يوجب الفسق. مسألة: منع أيضا من إمامة المحدود بالبرئ، وجوزه لمثله (2). والحق أنه إن كان قد تاب صحت إمامته للبرئ، وإلا لم يصح لمثله أيضا. لنا: إنه مع التوبة عدل، فصح أن يكون إماما كالفاسق إذا تاب، بل الكافر إذا تاب صح أن يكون إماما، ومع عدم التوبة هو فاسق فلا يكون إماما لمثله. مسألة: قال سلار: صلاة الجماعة واجب وندب ومكروه ومحظور، وعد في المكروه صلاة المتوضئ خلف المتيمم، والحاضر خلف المسافر. ثم قال: الإمام والمأموم خمسة أقسام: حاضر بحاضر ومسافر بمسافر - إلى أن قال: - ومسافر ائتم بحاضر وهو يسلم في اثنتين، ولا يتبع الإمام إلا في صلاة المغرب. وأما الحاضر خلف المسافر فقد بينا أنه يكره أن يأتم به (3). وهذا القول يشعر بانتفاء الكراهة في ائتمام المسافر بالحاضر. والشيخ في النهاية والمبسوط والجمل والاقتصاد لم يعد في قسم المكروه ائتمام المسافر بالحاضر، وكذا ابن البراج.

(1) الكافي في الفقه: ص 144.
(2) الكافي في الفقه: ص 144.
(3) المراسم: ص 86 و 88.

[ 62 ]

وقال المفيد (1)، والسيد المرتضى (2)، والشيخ في الخلاف (3)، وأبو الصلاح (4)، وابن إدريس (5): يكره ائتمام المسافر بالحاضر كالعكس. وقال علي بن بابويه (6): لا يجوز إمامة المتمم (7) للمقصر ولا بالعكس. وقال ابنه في المقنع: لا يجوز أن يصلي المسافر خلف المقيم (8). فإن كان سلار يعتقد نفي الكراهية صارت المسألة خلافية، وإلا فلا. احتج القائلون بالكراهة بما رواه أبو العباس بن عبد الملك في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يؤم الحضري المسافر، ولا المسافر الحضري (9). احتج المانع بأن الأصل انتفاء الكراهة، وبأن المقتضي لكراهة هذه الصلاة أما اختلاف الإمام والمأموم في الصلاة مطلقا، أو في الاختلاف المقتضي للمفارقة مطلقا، أو الاختلاف (10) المقتضي لمفارقة الإمام وتخلف المأموم، والأقسام باطلة فلا كراهة. أما الحصر: فبالسبر، وأما بطلان الأول: فلانتقاضه بائتمام مصلي الظهر بمن يصلي العصر وبالعكس، وأما بطلان الثاني: فلانتقاضه بالمسبوق، وكذا الثالث.

(1) المقنعة: ص 212.
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 39.
(3) الخلاف: ج 1 ص 560 المسألة 311.
(4) الكافي في الفقه: ص 144.
(5) السرائر: ج 1 ص 281.
(6) ق وم (2) المقيم.
(7) لم نعثر على رسالته.
(8) لم نعثر عليه، كما أن صاحب مفتاح الكرامة لم يجده في المقنع حيث قال - في ج 3 ص 467 -: ولم أجده فيما حضرني من نسخته.
(9) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 164 ح 355. وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب صلاة الجماعة ح 6 ج 5 ص 403 - 404.
(10) ن: للاختلاف.

[ 63 ]

لا يقال: كما كره ائتمام الحاضر بالمسافر كره العكس لتساويهما. لأنا نقول: نمنع التساوي، فإن المسافر الإمام صلاته انقص من صلاة المأموم الحاضر بخلاف العكس. والحديث في طريقه داود بن الحصين، وهو واقفي. مسألة: قال السيد المرتضى في الجمل: لو دخل المقيم في صلاة مسافر وجب عليه أن لا ينفتل من الصلاة بعد سلامه إلا بعد أن يتم المقيم صلاته (1). والأقرب الاستحباب وانتفاء الوجوب، وهو اختيار الشيخ (2)، وابن إدريس (3). لنا: إنه قد صلى فرضه، فلا يجب عليه انتظار المأموم كالمأموم المسبوق. مسألة: قال ابن حمزة: يجوز للخنثى أن تؤم بمثلها (4). والحق خلافه. لنا: إنه يحتمل أن يكون المأموم ذكرا والامام أنثى، وإمامة المرأة للرجل باطلة بالاجماع. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: يكره إمامة من يلحن في قراءته، سواء كان في الحمد أو غيرها، أخل المعنى أو لم يخل إذا لم يحسن اصلاح لسانه. فإن كان يحسن وتعمد اللحن فإنه تبطل صلاته وصلاة من خلفه إن علموا بذلك، لأنه إذا لحن لم يكن قارئا للقرآن، لأن القرآن ليس بملحون (5). وقال ابن إدريس: لا يجوز إمامة اللحنة الذي يغير بلحنه معاني القرآن (6).

(1) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 39.
(2) المبسوط: ج 1 ص 138. نقلا بالمضمون.
(3) السرائر: ج 1 ص 281.
(4) الوسيلة: ص 105.
(5) المبسوط: ج 1 ص 153.
(6) السرائر: ج 1 ص 281.

[ 64 ]

والوجه عندي أنه لا يصح أن يكون إماما. أما إذا تعمد فلأن صلاته باطلة، لأنه لم يقرأ القرآن كما أنزل، وأما إذا لم يتمكن فلأنه بالنسبة إلى الاعراب كالأخرس، فكما أنه لا يصح إمامة الأخرس لا يصح إمامة من لا يتمكن من الاعراب. احتج بأن صلاته صحيحة، فجاز أن يكون إماما. والجواب: المنع من الملازمة كالأخرس. مسألة: قال في المبسوط: يكره الصلاة خلف التمتام: وهو الذي لا يحسن أن يؤدي التاء، والفأفاء: وهو الذي لا يؤدي الفاء (1). والحق أنه لا يكون إماما لمفصح. لنا: إنه بالنسبة إلى هذين الحرفين أخرس فلا يجوز إمامته. احتج بأنه غير مكلف بالاتيان بذلك الحرف، لعجزه عنه، فصحت صلاته وصلاة من خلفه، لأنها منوطة بصلاة صحيحة وقد حصلت. والجواب: المنع كما في الأخرس. مسألة: قال في المبسوط: لو صلى أمي بقارئ بطلت صلاة القارئ وصحت (2) صلاة الامي، وأعني بالامي من لا يحسن قراءة الحمد، فإن صلى بقارئ وأمي بطلت صلاة القارئ وحده وصحت صلاة الإمام والمأموم الامي (3)، وأطلق. والتحقيق أن نقول: إن كان القارئ مرضيا وجب على الامي الائتمام به، فإن صلى من غير ائتمام بطلت صلاته، وحينئذ تبطل صلاة الامي في الفرض

(1) المبسوط: ج 1 ص 153.
(2) م (2): القارئ وحده وصحت.
(3) المبسوط: ج 1 ص 154.

[ 65 ]

الأول على تقدير عدالة الإمام، وصلاة الإمام والمأموم في الثاني على تقدير العدالة. لنا: إنه مع صلاته مأموما يسقط عنه وجوب القراءة ويتمكن من الصلاة على الوجه المطلوب منه شرعا وتكون صلاته كاملة، فلا يجب عليه إعادتها لو صلاها مع التمكن من التعلم. فإذا عدل إلى الانفراد فقد أخل بواجب، وهو الاتيان بالقراءة الصحيحة أو ما يقوم مقامها - وهو الائتمام - مع تمكنه منه، فلا تقع صلاته مجزئة. مسألة: قال في الخلاف: يجوز للقاعد أن يأتم بالمؤمي، ويجوز للمكتسي أن يأتم بالعريان (1). والوجه المنع. لنا: إن صلاة العاري بالايماء ولا يتمكن من الركوع والسجود كما ينبغي، فيكون كالقاعد لا يصلح إماما للقائم لا خلاله بالقيام. مسألة: قال في المبسوط: شرائط إمام (2) الصلاة خمس: القراءة والفقه والشرف والهجرة والسن، فالقراءة والفقه مقدمان، والقراءة مقدمة على الفقه، فإن تساويا فيهما قدم الاشرف، فإن تساويا في الشرف قدم أقدمهما هجرة، فإن تساويا في الهجرة قدم أسنهما (3). وفي هذه المسألة أحكام: الأول: هذا الترتيب ليس واجبا، بل لو تقدم القارئ على الأقرأ فالأقرب عندي الجواز إذا كان القارئ يأتي بما يجب عليه من الحروف والاعراب. وكلام الشيخ هنا يشعر بالوجوب، فإن الشرائط لا يفهم منها إلا ما لا بد منه، وسلار صرح بالوجوب (4).

(1) الخلاف: ج 1 ص 545 المسألة 283.
(2) ق وم (1): إمامة.
(3) المبسوط: ج 1 ص 157.
(4) المراسم: ص 87.

[ 66 ]

لنا: الأصل عدم الوجوب، وجواز الائتمام بمن اجتمع له شرائط الامامة. احتجوا بتقبيح (1) تقديم المفضول على الفاضل. والجواب: التقبيح في الرئاسة العامة، أما في الأمور الجزئية فممنوع. الثاني: جعل الشيخ الأفقه بعد الأقرأ، وقيل غيره، وهو اختيار ابن بابويه في رسالته (2)، والسيد المرتضى (3)، وسلار (4)، وأبي الصلاح (5)، وابن حمزة (6)، وابن زهرة (7). ولم يذكر ابن البراج في المراتب كلها، بل جعل بعد الأقرأ الأكبر سنا، ثم الأصبح وجها (8). وأما ابن الجنيد (9) فإنه جعل بعد الأقرأ الأكبر سنا، ثم بعده الأعلم بالسنة، والأفقه في الدين، وكذا قال ابن إدريس (10). والمعتمد الأول. لنا: إن الأفقه أشرف وأعلم بأركان الصلاة وامكان تدارك السهو ومراتبه وكيفية الصلاة، فيكون أولى بالتقديم. قال الله تعالى: " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " (11). وما رواه العزرمي، عن أبيه رفع الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وآله -

(1) ق: بقبح.
(2) لم نعثر على رسالته ونقله عنه في من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 377 ذيل الحديث 1099.
(3) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 40.
(4) المراسم: ص 87.
(5) الكافي في الفقه: ص 143.
(6) الوسيلة: ص 105.
(7) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 498.
(8) المهذب: ج 1 ص 80 - 81.
(9) لم نعثر على كتابه.
(10) السرائر: ج 1 ص 282.
(11) الزمر: 9.

[ 67 ]

قال: من أم قوما وفيهم من هو أعلم منه لم يزل أمرهم إلى السفال إلى يوم القيامة (1). ولأنه يستحب تقديم أهل الفضل وأولي النهى في الصفوف بقرب الإمام لينبهوه على الغلط والسهو ولمزية شرفهم على غيرهم. روى جابر، عن الباقر - عليه السلام - قال: ليكن الذين يلون الإمام أولي الاحلام منكم والنهى، فإن نسي الإمام أو تعايا قوموه (2). احتجوا بما رواه أبو عبيدة قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن القوم من أصحابنا يجتمعون فتحضر الصلاة فيقول بعضهم لبعض تقدم يا فلان، فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله - قال: يتقدم القوم أقرأهم للقرآن، فإن كانوا في القراءة سواء فأقدمهم هجرة، وإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنا، وإن كانوا في السن سواء فيلؤمهم أعلمهم بالسنة وأفقههم في الدين (3). والجواب: بعد (4) المنع من صحة السند أنه يحتمل أن يكون قوله: " فإن كانوا في السن سواء " جملة غير مرتبة على ما تقدم، وإن عاد الضمير فيها إلى القوم لكنه ليس مرتبا على ما تقدم بل ابتداء كلام فيبقى دلالته على مطلوبهم من حيث دليل الخطاب وهو ضعيف. وبالجملة فالذي ذكرناه نحن أولى تمسكا بالكتاب العزيز والمعقول.

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 56 ح 106. وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 ج 5 ص 415.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 265 ح 751. وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب صلاة الجماعة ح 2 ج 5 ص 386. (3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 31 - 32 ح 113. وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 ج 5 ص 419.
(4) ق وم (1): مع.

[ 68 ]

الثالث: جعل الشيخ في المبسوط الاشرف بعد الأفقه، ثم من بعده الأقدم هجرة، ثم الأسن (1). ولم يذكر الشرف في النهاية، بل جعل بعد الأفقه الأقدم هجرة، ثم الأسن (2)، وكذا علي بن بابويه (3)، وكذا سلار (4). وقال السيد المرتضى: فإن تساووا - يعني في العلم بالسنة - فأسنهم (5)، ولم يذكر الأقدم هجرة في المراتب. وقال أبو الصلاح: بعد الأفقه القرشي دون غيره، ثم الكبير دون الصغير (6)، ولم يذكر الأقدم هجرة في المراتب. ولم يذكر ابن البراج الأقدم هجرة أيضا، بل قال: يقدم الأقرأ فالأكبر فالأصبح (7). والأقرب الأول. لنا: حديث أبي عبيدة وقد تقدم. الرابع: جعل أبو الصلاح القرشي بعد الأفقه، ولم يذكر الهاشمي. والشيخ إن أراد بقوله في المبسوط: يقدم بعد التساوي في الفقه الاشرف القرشي، فقد وافق كلام أبي الصلاح، وإلا فلا. والمشهور بين الأصحاب تقديم الهاشمي مطلقا إذا كان يحسن القراءة. لنا: إنه أشرف، فتقديمه أولى من غيره. الخامس: جعل الشيخ الأحسن وجها مرتبة أخيرة في النهاية (8)، وكذا علي

(1) المبسوط: ج 1 ص 157.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 344.
(3) لم نعثر على رسالته ونقله عنه ابنه في من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 377 ذيل الحديث 1099.
(4) المراسم: ص 87.
(5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 40.
(6) الكافي في الفقه: ص 143.
(7) المهذب: ج 1 ص 80 - 81.
(8) النهاية ونكتها: ج 1 ص 344.

[ 69 ]

ابن بابويه (1)، وسلار (2)، وابن البراج (3)، وابن حمزه (4). ولم يجعله ابن الجنيد مرتبة من المراتب، ولا أبو الصلاح. وقال السيد المرتضى: فإن استووا (5) - يعني في الفقه - فأسنهم، وقد روي إذا تساووا فأصبحهم وجها (6)، وكذا قال ابن إدريس (7)، وهو يدل على ضعف ذلك عندهما، ولا بأس به عندي لما فيه من الدلالة على عناية الله تعالى به. السادس: جعل ابن زهرة الهاشمي مرتبة بين الأفقه المتأخر عن الأقرأ وبين الأسن (8). والمشهور تقديم الهاشمي، لأنه أشرف. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: يكره للامام أن يطول صلاته انتظارا لمن يجئ فتكثر به الجماعة، أو ينتظر من له قدر، فإن أحس بداخل لم يلزمه التطويل ليلحق الداخل الركوع. وقد روي أنه إذا كان راكعا يجوز أن يطول ركوعه مقدار الركوع مرتين ليلحق الداخل تلك الركعة (9). وقال ابن الجنيد (10): فإن تنحنح بالامام مريد الدخول في صلاته انتظر عليه في ركوعه بمقدار لبثه في ركوعه مرة ثانية، فإن لحقه وإلا رفع رأسه، وهو الأقوى عندي، وقد أفتى به الشيخ في التهذيب (11).

(1) لم نعثر على رسالته ونقله عنه ابنه في من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 377 ذيل الحديث 1099.
(2) المراسم: ص 87.
(3) المهذب: ج 1 ص 81. (4) الوسيلة: ص 105.
(5) ق وم (1): تساووا.
(6) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 40.
(7) السرائر: ج 1 ص 282.
(8) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 498.
(9) المبسوط: ج 1 ص 153.
(10) لم نعثر على كتابه.
(11) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 48 ذيل الحديث 166.

[ 70 ]

لنا: إن فيه تحصيل فضيلة الجماعة للداخل فيكون مشروعا. ولأن تكليف الإمام الاطالة أخف من تكليفه إعادة الصلاة، طلبا لفضيلة الجماعة للداخل، والثاني ثابت لقوله - عليه السلام -: " ألا رجل يتصدق عليه فيصلي معه " (1). وما رواه جابر الجعفي قال: قلت لأبي جعفر - عليه السلام - إني أؤم قوما فاركع فيدخل الناس وأنا راكع فكم انتظر؟ فقال: ما اعجب ما تسأل عنه يا جابر انتظر مثلي ركوعك، فإن انقطعوا وإلا فارفع رأسك (2). احتج الشيخ باستحباب تخفيف الصلاة للامام. والجواب: إنا نقول بموجبه ما لم يحصل مزاحم، وهو تحصيل فضيلة الجماعة للداخل. والعجب أن الشيخ قال في الخلاف: يستحب للامام إذا أحس بداخل أن يطول الركوع حتى يلحق الداخل، واستدل عليه بالاجماع والأخبار (3). مسألة: المشهور بين الأصحاب إن من صلى خلف إمام ثم تبين أنه كان كافرا أو فاسقا لا إعادة عليه في الوقت ولا خارجه، اختاره الشيخ (4). قال ابن إدريس: هذا هو الصحيح من الأقوال. قال: ذهب السيد المرتضى إلى وجوب الإعادة، ولا دليل على ذلك (5)، وهو قول ابن الجنيد (6)،

(1) مسند أحمد بن حنبل: ج 5 ص 254. سنن أبي داود: ج 1 ص 157 وفيه: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 48 ح 167. وسائل الشيعة: ب 50 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 ج 5 ص 450.
(3) الخلاف: ج 1 ص 547 المسألة 285.
(4) المبسوط: ج 1 ص 154.
(5) السرائر: ج 1 ص 282.
(6) لم نعثر على كتابه.

[ 71 ]

والمعتمد الأول. لنا: إنها صلاة مأمور بها، فيخرج الآتي بها عن عهدة التكليف. أما الصغرى فظاهرة، لأنه مأمور بالجماعة خلف من يظن عدالته، إذ علم العدالة في نفس الأمر غير ممكن. وأما الكبرى فظاهرة. وما رواه فضالة في الصحيح، عن عبد الله بن كبير قال: سأل حمزة بن حمران أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل أمنا في السفر وهو جنب، وقد علم ونحن لا نعلم، قال: لا بأس (1). لا يقال: عبد الله بن بكير فطحي، ومع ذلك فإنه غير المتنازع، لأن النزاع وقع في الإمام الكافر أو الفاسق، أما الجنب فلا. لأنا نقول: عبد الله بن بكير وإن كان فطحيا إلا أن المشائخ وثقوه. وقال الكشي عن العياشي: عبد الله بن بكير وجماعة من الفطحية، كعمار الساباطي وعلي بن أسباط والحسن بن علي بن فضال - [ هم ] فقهاء أصحابنا (2). وقال في موضع آخر: عبد الله بن بكير ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، وأقروا له بالفقه (3). وأما الفرق بين الجنب والكافر فضعيف، لأن كلاهما غير صالح للامامة. فإن كان الشرط في صحة الجماعة الصلاحية الظاهرة صحت الجماعة في الموضعين، وإلا بطلت فيهما. وما رواه ابن أبي عمير في الحسن، عن بعض أصحابه، عن الصادق - عليه السلام - في قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال فكان يؤمهم رجل، فلما

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 39. وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب صلاة الجماعة ح 8 ج 5 ص 434.
(3) الكشي: ص 345 السلسلة 639.
(3) الكشي: ص 375 السلسلة 705.

[ 72 ]

صاروا إلى الكوفة علموا أنه يهودي، قال: لا يعيدون (1). ولأن القول بوجوب الإعادة هنا مع القول بعدم الإعادة على تقدير استمرار الجهل مما لا يجتمعان، والثاني ثابت بالاجماع فينتفي الأول. وبيان عدم الاجتماع: أن المقتضي لوجوب الإعادة هناك إنما هو كون الإمام كافرا، وهذا المعنى متحقق في الكافر إذا استمر الجهل بكفره. لا يقال: بمنع استناد الإعادة إلى الكفر خاصة، بل إليه وإلى تجدد العلم به. لأنا نقول: المقتضي للاعادة ليس هو تجدد العلم ولا هو جزء منه، لأن الصلاة مع كفر الإمام إما أن تقع صحيحة أو فاسدة، ولا جهة ثالثة لها تقع عليه، والأول يستلزم المطلوب، والثاني يستلزم الإعادة مطلقا. احتج السيد المرتضى بأنها صلاة قد تبين فسادها لفوات شرطها وهو عدالة الإمام، فتحب الإعادة كالمحدث. ولأنها صلاة منهي عنها فتقع فاسدة، أما الصغرى فلما روي من النهي عن الصلاة خلف الكافر والفاسق (2)، وأما الكبرى فظاهرة. والجواب: لا نسلم فوات الشرط، ولا أن شرط الامامة العدالة، بل ظنها. والفرق بينه وبين المحدث ظاهر، لأن الشرط في المحدث علم الطهارة والنهي ممنوع، فإن النهي إنما ورد في حق العالم بالكفر والفسق، وأما الجاهل فلا، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق. وقال محمد بن بابويه - عن المصلي خلف الكافر مع جهله -: وسمعت جماعة

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 40 ح 141. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 ج 5 ص 435.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 31 ح 109. وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب صلاة الجماعة ح 4 ج 5 ص 392.

[ 73 ]

من مشائخنا يقولون: ليس عليهم إعادة شئ مما جهر فيه، وعليه إعادة ما صلى به مما لم يجهر الإمام فيه (1). وفي المقنع: أنه لو خرج قوم من خراسان أو من بعض الجبال وكان يؤمهم رجل فلما صاروا إلى الكوفة أخبروا أنه يهودي، فليس عليهم إعادة شئ من الصلوات التي جهر فيها بالقراءة، وعليهم إعادة الصلوات التي صلى ولم يجهر بالقراءة (1). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو صلى بقوم إلى غير القبلة متعمدا كان عليه إعادة الصلاة، ولا إعادة عليهم مع الجهل، فإن علموا كان عليهم الإعادة، فإن لم يعلم الإمام ولا المأموم أعادوا إن بقي الوقت، وإن فات وصلوا مستدبرين أعادوا أيضا، وإن كان إلى يمين القبلة وشمالها لم يكن عليهم شئ (3). وقال ابن إدريس: من صلى بقوم إلى غير القبلة ثم أعلمهم بذلك كانت عليه الإعادة دونهم. وقال بعض أصحابنا: أن الإعادة تجب على الجميع ما لم يخرج الوقت، وهذا هو الصحيح، وبه أقول وأفتي. والأول مذهب السيد المرتضى، والثاني مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي، وهو الذي يقتضيه أصول المذهب (4). وقال ابن الجنيد (5): لو صلى بهم إلى غير القبلة وجبت عليهم أجمعين الإعادة ما داموا في الوقت وعليه أن يؤذنهم بذلك، فإن علم بذلك بعد خروج الوقت وكانوا قد تحروا القبلة وتبعهم هو كانت الإعادة عليه دونهم، إلا أن

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 405 ذيل الحديث 1201.
(2) المقنع: ص 35.
(3) المبسوط: ج 1 ص 158.
(4) السرائر: ج 1 ص 158.
(5) لم نعثر على كتابه.

[ 74 ]

يكون ضريرا. وإن كان هو قد تحرى القبلة وتبعوه كانت الإعادة عليهم دونه، إلا أن يكونوا أضراء فإن الإعادة ساقطة عنهم، لأنهم ليسوا من أهل التحري في القبلة. فإن قلدوا كلهم غيرهم أعاد الجميع إلا أن يكون الكل أضراء، أو قلدوا من يعلمون فسقه. والأقرب أن نقول: إن كان الوقت باقيا أعادوا أجمع إلا مع الانحراف اليسير، وإن كان قد خرج أعادوا مع الاستدبار. لنا: إنهم أخلوا بالشرط، فوجب عليهم الإعادة. أما مع الخروج فلا يجب إلا مع الاستدبار، لأن القضاء فرض ثان يحتاج إلى دليل. وما رواه عبد الله بن علي الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: في الرجل يصلي بالقوم ثم يعلم أنه صلى بهم إلى غير القبلة، فقال: ليس عليهم إعادة (1). احتج السيد بأنهم صلوا بظن القبلة مع إمام يغلب على ظنهم اجتهاده واحتياطه في القبلة، فلا يجب عليهم الإعادة. والجواب: المنع من عدم الإعادة مع تبين الخطأ، وقد سلف. مسألة: جوز الشيخ في الخلاف نقل النية من الجماعة إلى الانفراد، وإن من سبق الإمام في ركوعه أو سجوده وتمم صلاته ونوى مفارقته صحت صلاته لعذر وغيره (2). وفي المبسوط: من فارق الإمام لغير عذر بطلت صلاته، وإن فارقه لعذر وتمم صلاته صحت صلاته ولا يجب عليه إعادتها (3). والأقرب الأول. لنا: إن الجماعة لا تجب ابتداء فلا تجب انتهاء.

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 40 ح 142. وسائل الشيعة: ب 38 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 ج 5 ص 436.
(2) الخلاف: ج 1 ص 559 المسألة: ج 1 ص 559 المسألة 309.
(3) المبسوط: ج 1 ص 157.

[ 75 ]

ولأن الجماعة لا تجب في جميع الصلاة فلا تجب في أبعاضها. احتج بقوله - عليه السلام - " الصلاة على ما افتتحت عليه " (1)، وبقوله تعالى: " ولا تبطلوا أعمالكم " (2)، وبقوله - عليه السلام -: " إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا " (3). والجواب عن الأول: إنا نقول بموجبه، فإن الصلاة يستصحب حكم نية الابتداء فيها في الانتهاء ما لم تغير تلك النية. وعن الثاني: إن النهي توجه إلى الأفعال الواجبة لا المندوبة. وعن الثالث: بالقول بالموجب، فإن من ائتم يجب عليه متابعة إمامه ما دام على نية الائتمام. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا تقدم من هو بشرائط الامامة فلا تقرأن خلفه جهرية أو اخفاتية، بل تسبح مع نفسك وتحمد الله، وإن كانت جهرية فأنصت للقراءة، فإن خفي عليك قراءة الإمام قرأت لنفسك، فإن سمعت مثل الهمهمة من قراءة الإمام جاز لك أن لا تقرأ وأنت مخير في القراءة، ويستحب أن تقرأ الحمد وحدها فيما لا يجهر الإمام فيها بالقراءة، فإن لم تقرأ فليس عليك شئ (4)، ونحوه في المبسوط (5). وقال السيد المرتضى: لا يقرأ المأموم خلف الموثوق به في الأولتين في جميع الصلوات من ذوات الجهر والاخفات، إلا أن تكون صلاة جهر لم يسمع فيها المأموم قراءة الإمام فيقرأ كل واحد لنفسه، وهذه أشهر الروايات. وروي أنه لا يقرأ فيما جهر فيه الإمام، وتلزمه القراءة فيما يخافت فيه الإمام. وروي أنه

(1) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 197 ح 776. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب النية ح 2 ج 4 ص 712.
(2) محمد: 33.
(3) صحيح البخاري: ج 1 ص 309 ح 82. سنن البيهقي: ج 2 ص 304.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 345 - 346.
(5) المبسوط: ج 1 ص 158.

[ 76 ]

بالخيار فيما خافت فيه. فأما الاخيرتان فالأولى أن يقرأ المأموم أو يسبح فيهما. وروي ليس عليه ذلك (1). وقال الصدوق أبو جعفر بن بابويه: واعلم أن على القوم في الركعتين الأولتين أن يستمعوا إلى قراءة الإمام، وإن كان في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة سبحوا موضع القراءة، وعليهم في الركعتين الأخيرتين أن يسبحوا (2). وقال سلار في قسم المندوب: وأن لا يقرأ المأموم خلف الإمام. وروي أن ترك القراءة في صلاة الجهر خلف الإمام واجب وإلا ثبت الأول (3). وجعل ابن حمزة الانصات إلى قراءة الإمام إذا سمعها واجبا (4). وقال ابن إدريس: اختلفت الرواية في القراءة خلف الإمام الموثوق به فروي أنه لا قراءة على المأموم في جميع الركعات والصلوات، سواء كانت جهرية أو اخفاتية، وهي أظهر الروايات والذي يقتضيه أصول المذهب، لأن الإمام ضامن للقراءة بلا خلاف. وروي أنه لا قراءة على المأموم في الأولتين في جميع الصلوات الجهرية والاخفاتية، إلا أن تكون صلاة جهر لم يسمع المأموم فيها قراءة الإمام فيقرأ لنفسه. وروي أنه ينصت فيما جهر فيه الإمام بالقراءة، ولا يقرأ هو شيئا، وتلزمه القراءة فيما خافت. وروي أنه بالخيار فيما خافت فيه الإمام بالقراءة. فأما الركعتان الاخيرتان فقد روي أنه لا قراءة فيهما ولا تسبيح. وروي أنه يقرأ فيهما أو يسبح، والأول الأظهر لما قدمناه (5). وقال أبو الصلاح: ولا يقرأ خلفه في الأولتين من كل صلاة ولا في الغداة،

(1) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 40.
(2) المقنع: ص 36.
(3) المراسم: ص 87.
(4) الوسيلة: ص 106.
(5) السرائر: ج 1 ص 284.

[ 77 ]

إلا أن يكون بحيث لا يسمع قراءته ولا صوته فيما يجهر فيه فيقرأ، وهو في الأخيرتين من الرباعيات وثالثة المغرب بالخيار بين القراءة والتسبيح، والقراءة أفضل (1). ولنورد هنا أجود ما بلغنا من الأحاديث وأوضحها طريقا، روى عبد الرحمن ابن الحجاج في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الصلاة خلف الإمام أقرأ خلفه؟ فقال: أما التي يجهر فيها فإنما أمرنا بالجهر لينصت من خلفه، فإن سمعت فأنصت، وإن لم تسمع فاقرأ (2). وفي الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا صليت خلف إمام تأتم به فلا تقرأ خلفه سمعت قراءته أو لم تسمع، إلا أن تكون صلاة يجهر فيها ولم تسمع فاقرأ (3). وفي الحسن عن زرارة، عن أحدهما - عليه السلام - قال: إذا كنت خلف إمام تأتم به فأنصت وسبح في نفسك (4). وفي الحسن عن قتيبة، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إذا كنت خلف إمام يرتضى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك، وإن كنت تسمع الهمهمة فلا تقرأ (5). وفي الصحيح عن سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -:

(1) الكافي في الفقه: ص 144.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 32 ح 114. وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 5 ج 5 ص 422 - 423.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 32 ح 115. وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 ج 5 ص 421 - 422.
(4) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 32 ح 116. وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 6 ج 5 ص 423.
(5) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 33 ح 117. وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 7 ج 5 ص 423.

[ 78 ]

أيقرأ الرجل في الأولى والعصر خلف الإمام وهو لا يعلم أنه يقرأ؟ فقال: لا ينبغي له أن يقرأ يكله إلى الإمام (1). وفي الصحيح عن الحسن بن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن الأول - عليه السلام - عن الرجل يصلي خلف إمام يقتدي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلا يسمع فيها القراءة، قال: لا بأس أن صمت وإن قرأ (2). وفي الصحيح عن ابن سنان، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إن كنت خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتى يفرغ وكان الرجل مأمونا على القرآن فلا تقرأ خلفه في الأولتين، وقال: يجزئك التسبيح في الأخيرتين، قلت: أي شئ تقول أنت؟ قال: اقرأ فاتحة الكتاب (3). وفي الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر - عليه السلام -: كان أمير المؤمنين - عليه السلام - يقول: من قرأ خلف إمام يأتم به فمات بعث على غير الفطرة (4). والأقرب في الجمع بين الأخبار استحباب القراءة في الجهرية إذا لم تسمع قراءة ولا همهمة لا الوجوب، وتحريم القراءة فيها مع السماع لقراءة الإمام، والتخيير بين القراءة والتسبيح في الأخيرتين من الاخفاتية. مسألة: قال في النهاية: ومن لحق تكبيرة الركوع فقد أدرك تلك الركعة،

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 33 ح 119. وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 8 ج 5 ص 423.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 34 ح 122. وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 11 ج 5 ص 424.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 35 ح 124. وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب القراءة في الصلاة ح 12 ج 4 ص 794.
(4) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 269 ح 770. وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 4 ج 5 ص 422.

[ 79 ]

فإن لم يلحقها فقد فاتته (1)، وبه قال ابن البراج (2). وقال السيد المرتضى: لو أدركه راكعا فقد أدرك تلك الركعة (3)، واختاره ابن إدريس وإن لم يدرك تكبيرة الركوع (4)، وبه قال ابن الجنيد (5)، وهو الأقوى. لنا: إن تكبيرة الركوع مستحبة، فلا تكون شرطا لادراك الركعة. وما رواه سليمان بن خالد في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: في الرجل إذا أدرك الإمام وهو راكع فكبر الرجل وهو مقيم صلبه، ثم ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة (6). وفي الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا أدركت الإمام وقد ركع فكبرت وركعت قبل أن يرفع رأسه فقد أدركت الركعة، فإن رفع الإمام رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك (7). احتج الشيخ بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: قال لي: إن لم تدرك القوم قبل أن يكبر الإمام للركعة فلا تدخلن معهم في تلك الركعة (8).

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 347 - 348.
(2) المهذب: ج 1 ص 82.
(3) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 41.
(4) السرائر: ج 1 ص 285.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 43 ح 152. وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 ج 5 ص 441.
(7) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 43 - 44 ح 153. وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب صلاة الجماعة ح 2 ص 5 ص 441 - 442.
(8) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 43 ح 149. وسائل الشيعة: ب 43 من أبواب صلاة الجماعة ح 2 ج 5 ص 441.

[ 80 ]

وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: لا تعتد بالركعة التي لم تشهد تكبيرتها مع الإمام (1). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: إذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الإمام فقد أدركت الصلاة (2). ثم يؤول الحديثين الأولين على الادراك في الصف الذي لا ينبغي التأخر عنه مع الامكان وإن كان قد أدرك تكبيرة الركوع قبل ذلك، لأن من سمع الإمام يكبر للركوع وبينه وبينه مسافة يجوز له أن يكبر ويركع معه حيث انتهى به المكان، ثم يمشي في ركوعه إن شاء حتى يلحق به أو يسجد في مكانه، فإذا فرغ من سجدته لحق به أي ذلك شاء فعل، ولا تناقض حينئذ. ويؤيده ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - أنه سئل عن الرجل يدخل المسجد فيخاف أن تفوته الركعة، فقال: يركع قبل أن يبلغ القوم ويمشي وهو راكع حتى يبلغهم (3). ولأنه بفوات أول الركوع بفوته الواجب من الركوع الذي يخرج به الإمام عن عهدة تكليفه بالركوع، فيكون قد أدركه بعد قضاء الواجب وهو في حالة الندب، فيكون حكمه حكم من أدركه بعد الانتصاب. والجواب: المراد بإدراك تكبير الركوع في الأحاديث إدراك الركوع، لأنه الظاهر، ونمنع فوات الركوع بفوات أوله، فإن الوجوب لا يتخصص بأول

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 43 ح 150. وسائل الشيعة: ب 43 من أبواب صلاة الجماعة ح 3 ج 5 ص 441.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 43 ح 151. وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 ج 5 ص 440.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 44 ح 154. وسائل الشيعة: ب 46 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 ج 5 ص 443.

[ 81 ]

الأحوال. قال القطب الراوندي في كتاب الرائع (1): قول الشيخ في النهاية: من أدرك تكبيرة الركوع فقد أدرك تلك الركعة لا يدل هذا على أن من لم يدرك تكبيرة الركوع فقد فاتته تلك الركعة على ما ظنه بعض الناس، فإنه دليل الخطاب وهو فاسد. وهذا القول ليس بجيد، لأن الشيخ صرح في النهاية وقال: فإن لم يلحقها فقد فاتته (2). مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن خاف فوت الركوع أجزأته تكبيرة واحدة للافتتاح والركوع، فإن لم يخف فلا بد له من التكبيرتين (3). ونقل ابن إدريس عنه في النهاية وجوب التكبيرتين (4)، وقول الشيخ ليس بصريح في ذلك. فهاهنا بحثان: الأول قول الشيخ: " أجزأته تكبيرة واحدة للافتتاح والركوع " إن أراد بذلك إيقاعها للاحرام والركوع فليس بجيد، لأن الأول جهة وجوب، والثاني جهة استحباب، ولا يقع الفعل الواحد على الوجهين، وإن لم يوقعها لهما لم يصح، إذ انتفاء القصد مطلقا يخرجها عن كونها تكبيرة إحرام. وإن أراد أنه إذا أوقعها للاحرام أجزأته عنه وعن الركوع، فهو حق. وقد أوضح ذلك في المبسوط حيث قال: فإن خاف فوت الركوع أجزأه تكبير واحد عن الاستفتاح والركوع إذا نوى به الاستفتاح، فإن نوى به الركوع لم تصح صلاته (5).

(1) لم نعثر على الكتاب المذكور.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 347 - 348.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 348.
(4) السرائر: ج 1 ص 285.
(5) المبسوط: ج 1 ص 158.

[ 82 ]

الثاني: قوله: " وإن لم يخف فلا بد له من التكبيرتين " إن قصد به الوجوب كما توهمه ابن إدريس فهو ممنوع، لأن تكبيرة الركوع مستحبة عنده، وإن أراد شدة الاستحباب فلا نزاع، والظاهر أن مراده ذلك. مسألة: قال الشيخ: لو أدرك الإمام وقد رفع رأسه من الركوع استفتح الصلاة وسجد معه السجدتين ولا يعتد بهما، وإن وقف حتى يقوم الإمام إلى الثانية كان له ذلك (1). وعندي في ذلك إشكال من حيث أنه قد زاد في الصلاة ركنا هو السجدتان، مع أنه - عليه السلام - نهى عن الدخول في الركعة عند فوات تكبيرها في رواية محمد بن مسلم الصحيحة، عن الباقر - عليه السلام - (2). مسألة: قال الشيخ: إذا اجتمع رجال ونساء وخناثى وصبيان، وقف الرجال وراء الإمام ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء (3)، وبه قال ابن حمزة (4). وقال ابن إدريس: يقدم الرجال ثم الخصيان ثم الخناثى ثم الصبيان ثم النساء (5)، وهو الأقرب، وهو اختيار ابن الجنيد (6). لنا: إن الخنثى مكلف فيه شبه الرجولية وعقله أتم، فيكون تقديمه أولى من تقديم الصبيان. مسألة: قال الشيخ وابن الجنيد (7) (8): تصح الجماعة وبين الإمام والمأموم

(1) المبسوط: ج 1 ص 159.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 43 ح 149. وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب صلاة الجماعة ح 2 ج 5 ص 441.
(3) المبسوط: ج 1 ص 155.
(4) الوسيلة: ص 108.
(5) السرائر: ج 1 ص 282.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) م (1): قال ابن الجنيد. متن المطبوع وم (2): قال الشيخ وابن الجنيد.
(8) لم نعثر على كتابه.

[ 83 ]

نهر وشبهه. وقال أبو الصلاح: لا يجوز أن يكون بين الصفين من المسافة ما لا يتخطى، ولا حائل من بناء أو نهر (1). وقال الشيخ في الخلاف: كون الماء بين الإمام والمأموم ليس بحائل إذا لم يكن بينهما ساتر من حائط وشبهه (2)، ولا حد لذلك إلا ما يمنع من المشاهدة. احتج أبو الصلاح بما رواه زرارة في الحسن، عن الباقر - عليه السلام - قال: إن صلى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطى فليس ذلك الإمام لهم بإمام، وأي صف كان أهله يصلون بصلاة الإمام وبينهم وبين الصف الذي يتقدم قدر ما لا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة، فإن كان بينهم سترة أو جدار فليس ذلك لهم بصلاة إلا من كان حيال الباب. قال: وقال: هذه المقاصير لم تكن في زمن أحد من الناس، وإنما أحدثها الجبارون ليس لمن صلى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة (3). ولأنه مانع من التخطي، فلم يجز كالجدار. احتج الشيخ - رحمه الله - بعموم الأمر بالجماعة، والصلاة في السفن (4). مسألة: قال أبو الصلاح: لا يجوز أن يكون بين الصفين من المسافة ما لا يتخطى (5). والمشهور المنع من التباعد الكثير، ويستند في ذلك إلى العرف. قال الشيخ في المبسوط: وحد البعد ما جرت العادة في تسميته بعدا. قال:

(1) الكافي في الفقه: ص 144.
(2) الخلاف: ج 1 ص 558 المسألة 306.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 52 ح 182. وسائل الشيعة: ب 59 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 ج 5 ص 460.
(4) الخلاف: ج 1 ص 559 ذيل المسألة 306.
(5) الكافي في الفقه: ص 144.

[ 84 ]

وحد قوم ذلك بثلاثمائة ذراع (1). ومراده بالقوم بعض الجمهور، إذ لا قول لعلمائنا في ذلك. احتج أبو الصلاح بالحديث السابق عن زرارة في الحسن، عن الباقر - عليه السلام - قال: إن صلى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطى فليس ذلك الإمام لهم بإمام (2). والجواب: يحتمل أنه أراد ما لا يتخطى من الحائل لا من المسافة، عملا بأصالة الصحة. مسألة: قول أبي الصلاح يعطي المنع من الصلاة خلف الشبابيك (3)، وهو موافق لما قاله الشيخ في المبسوط، فإنه قال: الحائط وما يجري مجراه مما يمنع من مشاهدة الصفوف يمنع من صحة الصلاة والاقتداء بالامام، وكذلك الشبابيك. ثم قال: والمقاصير يمنع من الاقتداء بإمام الصلاة، إلا إذا كانت مخرمة لا يمنع من مشاهدة الصفوف (4). وفي الخلاف: من صلى وراء الشبابيك لا تصح صلاته مقتديا بصلاة الإمام الذي يصلي داخلها (5). والأقرب الجواز. لنا: إنه مشاهد للامام أو للمأموم، فصحت صلاته كالمخرم من المقاصير. وأي فارق بين الشبابيك والمقاصير المخرمة، واستدلوا بحديث زرارة. والجواب: جاز أن يكون المقاصير المشار إليها فيه غير مخرمة. مسألة: قال السيد المرتضى: لو فاتته ركعتان من الظهر أو العصر أو العشاء

(1) المبسوط: ج 1 ص 156.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 52 ح 182. وسائل الشيعة: ب 59 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 ج 5 ص 460.
(3) الكافي في الفقه: ص 144.
(4) المبسوط: ج 1 ص 156.
(5) الخلاف: ج 1 ص 558 المسألة 305.

[ 85 ]

وجب أن يقرأ في الأخيرتين الفاتحة في نفسه، وإذا سلم الإمام قام فصلى الركعتين الأخيرتين مسبحا فيهما (1). وأصحابنا وإن قالوا: أنه يقرأ، لكن لم يذكروا الوجوب. والأقرب عدم الوجوب. لنا: إنه مأموم فتسقط عنه القراءة، والروايات الدالة على القراءة تمنع دلالتها على الوجوب. روى زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: فإن أدرك من الظهر أو العصر أو العشاء الركعتين وفاتته الركعتان قرأ في كل ركعة مما أدرك خلف الإمام في نفسه بأم الكتاب وسورة، فإن لم يدرك السورة تامة أجزأته أم الكتاب، فإذا سلم الإمام قام فصلى ركعتين لا يقرأ فيهما (2). مسألة: قال الشيخ: إذا دخل في صلاة نافلة ثم أقيمت (3) الصلاة جاز له قطعها والدخول في الجماعة، فإن دخل في صلاة فريضة وكان الإمام الذي يصلي خلفه إمام عدل جاز له أيضا قطعها ويدخل أيضا معه في الجماعة، فإن لم يكن إمام عدل وكان ممن يقتدى به فليتم صلاته التي دخل فيها ركعتين نافلة ودخل في الجماعة (4)، وكذا قال ابن البراج (5). قال ابن إدريس عقيب ذلك: على ما روي في بعض الأخبار (6)، وهو يشعر باستضعاف الاحتساب من النافلة، بل يتمم فرضه.

(1) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 41.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 45 ح 158. وسائل الشيعة: ب 47 من أبواب صلاة الجماعة ح 4 ج 5 ص 445.
(3) ن: افتتحت.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 353.
(5) المهذب: ج 1 ص 83.
(6) السرائر: ج 1 ص 289.

[ 86 ]

وقال علي بن بابويه: وإن كنت في نافلة وأقيمت (1) الصلاة فاقطعها وصل الفريضة مع الإمام، وإن كنت في فريضة وأقيمت الصلاة فلا تقطعها واجعلها نافلة وسلم في ركعتين ثم صل مع الإمام (2). ولم يفصل إلى إمام عدل أو غيره ممن يقتدى به، وهو الأقرب. لنا: أنها فريضة، فلا يجوز قطعها لقوله تعالى: " ولا تبطلوا أعمالكم " (3). لا يقال: العدول إلى النفل إبطال للعمل أيضا. لأنا نقول: نمنع كونه إبطالا، بل هو عدول من فرض إلى تطوع تحصيلا لغرض أتم من الأول. ولأن مقتضى الدليل يمنع من العدول عن الاتمام (4)، للنهي عن قطع الصلاة، والجماعة ندب فلا تبطل لها الفريضة، لكن صرنا إليه لما فيه من الجمع بين التنفل، وتحصيل فضيلة الجماعة وتسويغ العدول إلى النفل في موارد كثيرة، أما الابطال فلا. ويؤيده ما رواه سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلي فخرج الإمام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة، قال: إن كان إماما عادلا فليصل أخرى وينصرف ويجعلها تطوعا، وليدخل مع الإمام في صلاته (5). وفي الصحيح عن سليمان بن خالد، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة، قال: فبينا هو قائم يصلي إذ أذن

(1) ن: افتتحت.
(2) لم نعثر على رسالته، ونقله عنه ابنه في من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 381 ذيل الحديث 1117.
(3) محمد: 33.
(4) ن: العدول إلى الاتمام.
(5) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 51 ح 177. وسائل الشيعة: ب 56 من أبواب صلاة الجماعة ح 2 ج 5 ص 458.

[ 87 ]

المؤذن فأقام الصلاة قال: فليصل ركعتين ويستأنف الصلاة مع الإمام، ولتكن الركعتان تطوعا (1). مسألة: قال الشيخ: لو كان الإمام ممن لا يقتدى به وقد سبقه المأموم لم يجز له قطع الفريضة، بل يدخل معه في صلاته ويتم هو في نفسه، فإذا فرغ سلم وتابعه نفلا، فإن وافق حال تشهده حال قيام الإمام فليقتصر في تشهده على الشهادتين، والصلاة على النبي وآله، ويسلم ايماء، ويقوم مع الإمام (2). وقال علي بن بابويه - رحمه الله -: فإذا صليت أربع ركعات وقام الإمام إلى رابعته فقم معه وتشهد من قيام وسلم من قيام (3). والأقرب عندي التفصيل، فإن تمكن المأموم من تخفيف الشهادتين جالسا وجب، وإلا جاز له القيام قبله للتقية، وفعل ما قاله علي بن بابويه. أما الأول: فلأنه لولاه لكان قد زاد في الصلاة متعمدا فتبطل صلاته. وأما الثاني: فلأنه غير متمكن من التشهد جالسا فجاز قائما كالخائف. مسألة: قال في النهاية: إذا أقيمت (4) الصلاة التي يقتدى بالامام فيها فلا يجوز أن يصلي النوافل (5). فإن كان المراد بذلك التحريم - كما ذهب إليه ابن حمزة - (6) فهو ممنوع. لنا: إن الجماعة مندوبة فلا يجب فعلها، فلا تحرم النافلة لأجلها، إذ

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 274 ح 792. وسائل الشيعة: ب 56 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 ج 5 ص 458.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 353.
(3) لم نعثر على رسالته، ونقله عنه ابنه في من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 370 ذيل الحديث 1117.
(4) ن: افتتحت.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 354.
(6) الوسيلة: ص 106.

[ 88 ]

لا يحرم تركها، وهو أقل رتبة من التشاغل بالنفل (1). مسألة: قال ابن الجنيد (2): كل المسلمين على العدالة إلى أن يظهر منه (3) ما يزيلها، وهو يشعر بجواز إمامة المجهول حاله إذا علم إسلامه. والمعتمد المنع إلا بعد العلم بالعدالة. لنا: إن الفسق مانع، فلا يخرج عن العهدة إلا بعد العلم بانتفائه. مسألة: قال ابن الجنيد (4): لو صلى خلف من يشك في طهارته فعلم بعد ذلك أعاد جميع ما صلى معه خرج الوقت أو لم يخرج، وكذا الإمام إذا علم ذلك من نفسه قبل أن يركع خرج وتطهر وابتدأ، وإن علم بعد ما صلى بعضها أو جميعها فعليه أن يؤذن المصلين خلفه إن كان في الوقت ليعيدوا، فإن كان الوقت قد خرج جازت صلاتهم، وعلى الإمام الإعادة. والذي أفتى به الأصحاب عدم الإعادة في الوقت وخارجه. لنا: الأصل براءة الذمة، والخروج عن العهدة بامتثال ما كلف به، وهو الصلاة خلف من يظنه متطهرا. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يؤم القوم وهو على غير طهر فلا بعلم حتى تنقضي صلاته، قال: يعيد ولا يعيد من خلفه وإن أعلمهم أنه على غير طهر (5). وفي الصحيح عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن قوم صلى بهم إمامهم وهو غير طاهر أتجوز صلاتهم أم يعيدونها؟ فقال: لا إعادة

(1) ن: بالفعل.
(2) و (4) لم نعثر على كتابه.
(3) ق وم (1): منهم.
(5) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 39 ح 137. وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب صلاة الجماعة ح 4 ج 5 ص 434.

[ 89 ]

عليهم تمت صلاتهم وعليه هو الإعادة، وليس عليه أن يعلمهم، هذا عنه موضوع (1). احتج بفوات شرط الامامة وهو الطهارة. والجواب: المنع من فوات الشرط في حق المأموم، وهو ظن الطهارة. والأصل فيه أن إخباره بعدم الطهارة لا يثمر يقينا، فلا تبطل صلاة المحكوم بصحتها قطعا لولاه. مسألة: قال ابن الجنيد (2): لا بأس أن يدخل المنفرد وفي نيته تطوع فيذكر فرضا عليه فينقل نيته إلى الفرض، وليس بجيد، فإن المشهور استئناف الفرض من رأس وابطال النافلة، لأن نية الفرض شرط ولم تحصل. مسألة: المشهور بين الأصحاب أن موقف المأموم وحده أو الجماعة على ما رتبوه نفل لا فرض. وقال ابن الجنيد (3): لا تجوز صلاته لو خالف. لنا: الأصل عدم الوجوب. وما رواه أبو الصباح في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يقوم في الصف وحده، فقال: لا بأس إنما يبدو واحدا بعد واحد (4). احتج بما رواه زرارة عن الصادق - عليه السلام - قلت: الرجلان يكونان في جماعة؟ فقال: نعم ويقوم الرجل عن يمين الإمام (5)، والأمر للوجوب.

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 39 ح 139. وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب صلاة الجماعة ح 5 ج 5 ص 434.
(2) و (3) لم نعثر على كتابه.
(4) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 280 ح 828. وسائل الشيعة: ب 57 من أبواب صلاة الجماعة ح 4 ج 5 ص 459.
(5) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 24 ح 82. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 ج 5 ص 379.

[ 90 ]

والجواب: المنع من كونه للوجوب. مسألة: قال ابن الجنيد (1): الإمام إذا صلى في المسجد الحرام أحاط المصلون حول البيت من حيث لا يكون أحدهم أقرب إلى جدار البيت منه، ولم يذكر علماؤنا ذلك. والأقرب الوقوف خلف الإمام للعموم. مسألة: المشهور المنع من كون الإمام أعلى من المأموم بما يعتد به. وقول الشيخ في الخلاف: يكره أن يكون الإمام أعلى من المأموم على مثل سطح ودكان وما أشبه ذلك (2)، إنما قصد به التحريم. وقال ابن الجنيد (3): لا يكون الإمام أعلى في مقامه بحيث لا يرى المأموم فعله، إلا أن يكون المأمومون أضراء، فإن فرض البصراء الاقتداء بالنظر، وفرض الأضراء الاقتداء بالسماع إذا صح لهم الوجه. واستدل بعض أصحابنا بما رواه عمار الساباطي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل صلى بقوم وهم في موضع أسفل من موضعه الذي يصلي فيه، فقال: إن كان الإمام على شبه الدكان أو على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم (4). وهو شامل للبصراء والأضراء، ولأنه موقف فاستويا فيه كالخلف والقدام. مسألة: وقت القيام إلى الصلاة إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، ذكره ابن الجنيد (5)، وقال بعض علمائنا: إذا قال حي على الصلاة. والأقرب الأول.

(1) و (3) لم نعثر على كتابه.
(2) الخلاف: ج 1 ص 556 المسألة 301.
(4) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 53 ح 185. وسائل الشيعة: ب 63 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 ج 5 ص 463.
(5) لم نعثر على كتابه.

[ 91 ]

لنا: إنه وقت الأمر بالقيام إلى الصلاة، فيستحب عنده. احتجوا بأن حي على الصلاة دعاء إليها، فاستحب القيام عنده. والجواب: إنه موجود في الأذان، ولم يستحب فيه فتعين ما قلناه. مسألة: المشهور الإمام يسلم تسليمة واحدة تجاه القبلة يشير بعينه إلى يمينه، ذكره الشيخ (1) وغيره (2). وقال ابن الجنيد (3): وتسليمة واحدة تجزئه، إما قبالة وجهه، وإما عن يمينه. فإن كان عن يمينه وشماله من يسلم عليه أحببت له أن يسلم عن يمينه وشماله. لنا: الأصل براءة الذمة من واجب أو ندب، فلا تكون الذمة مشغولة بالتسليم الثاني. وما رواه أبو بكر الحضرمي قال: قلت له: إني أصلي بقوم، فقال: سلم واحدة ولا تلتفت (4). وفي الصحيح عن عبد الحميد بن عواض، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن كنت تؤم قوما أجزأك تسليمة واحدة عن يمينك (5). وفي الصحيح عن منصور قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام - الإمام يسلم واحدة ومن ورائه يسلم اثنتين، فإن لم يكن عن شماله أحد سلم واحدة (6). مسألة: قال الصدوق أبو جعفر بن بابويه: لا بأس أن يصلي الرجل الظهر خلف من يصلي العصر، ولا يصلي العصر خلف من يصلي الظهر، إلا أن

(1) المبسوط: ج 1 ص 159.
(2) السرائر: ج 1 ص 287.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 48 ح 168. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب التسليم ح 9 ج 4 ص 1008.
(5) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 92 ح 345. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب التسليم ح 4 ج 4 ص 1004.
(6) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 93 ح 346. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب التسليم ح 4 ج 4 ص 1007.

[ 92 ]

يتوهمها العصر فيصلي معه العصر ثم يعلم أنها كانت الظهر فتجزئ عنه (1). والوجه التسوية بين الفريضتين، فإن فرض المأموم لا يتغير بل ينويه، سواء كان الإمام يصلي ذلك الفرض أو غيره. الفصل الخامس في المساجد وأحكامها مسألة: للشيخ - رحمه الله - قولان في الحكم في المساجد، قال في الخلاف: لا بأس به (2)، وهو اختيار ابن إدريس (3)، وكرهه في النهاية (4). والأقرب الأول. لنا: إن أمير المؤمنين - عليه السلام - حكم في جامع الكوفة، وقضى فيه بين الناس، ودكة القضاء مشهورة إلى الآن (5). ولأن الحكم طاعة، فجاز إيقاعها في المساجد الموضوعة للطاعات. احتج الشيخ بما رواه علي بن أسباط، عن بعض رجاله قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: جنبوا مساجدكم البيع والشراء والمجانين والصبيان والأحكام والضالة والحدود ورفع الصوت (6). والجواب: الطعن في السند، مع أنه مرسل، ويحتمل أن يكون المراد انفاذ الأحكام كالحبس على الحقوق، والملازمة فيها عليها، والقصاص فيها. أو كما

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 358 ذيل الحديث 1030.
(2) الخلاف: ج 3 ص 310 المسألة 3 طبعة اسماعيليان.
(3) السرائر: ج 1 ص 279.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 341.
(5) لم نعثر على مصدر له ووجدنا نص العبارة في السرائر: ج 1 ص 279.
(6) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 249 ح 282. وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب أحكام المساجد ح 1 ج 3 ص 507.

[ 93 ]

قال القطب الراوندي (1): وهو أن المراد الحكومات الجدلية أو الخصومات، لأن التحاكم المشروع إلى القضاء يستحب في الجامع. مسألة: قال في النهاية: لا يجوز أن تبنى المساجد مشرفة، بل تبنى جما (2)، وهو قول ابن إدريس (3). فإن أراد بذلك التحريم منعناه عملا بالبراءة الأصلية، وإن أراد الكراهة فهو حق. احتج الشيخ بما رواه طلحة بن زيد، عن جعفر عن أبيه - عليهما السلام - أن عليا - عليه السلام - رأى مسجدا بالكوفة قد شرف فقال: كأنه بيعة، وقال: أن المساجد تبنى جما لا شرف فيها (4). والجواب: المنع من صحة السند، ودلالته على المطلوب، إذ ليس فيه إشعار بالتحريم. مسألة: قال في النهاية: لا يجوز أن تبنى المنارة في وسط المسجد، بل ينبغي أن تبنى مع حائطه (5). فإن قصد التحريم فهو ممنوع، وإن قصد الكراهة فهو مسلم. لنا: الأصل هو الإباحة. مسألة: قال ابن إدريس: لا يجوز أن تكون الميضاة في وسط المسجد، بل تجعل خارجه (6). والوجه أن الميضاة إن وضعت بعد وضع المسجد لم تجز أن تكون

(1) لم نعثر عليه في فقه القرآن ولعله في كتابه الرائع.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 340.
(3) السرائر: ج 1 ص 278.
(4) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 253 ح 697. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب أحكام المساجد ح 2 ج 3 ص 494.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 340.
(6) السرائر: ج 1 ص 279. نقلا بالمضمون.

[ 94 ]

داخلة فيه، وإن وضعت ابتداء مع وضع المسجد فالأقرب الكراهة. لنا: إن المسجد حينئذ ما خرج من الميضاة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز التوضؤ من البول والغائط في المساجد (1)، واختاره ابن إدريس (2). والوجه الكراهية. لنا: الأصل الإباحة. وما رواه رفاعة بن موسى في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الوضوء في المسجد، فكرهه من الغائط والبول (3). ولأنه يجوز الوضوء من غيرهما، فكذا منهما لاشتراكهما في رفع الحدث، وعدم النجاسة العينية فيهما. قال في المبسوط: لا يجوز إزالة النجاسة في المساجد، ولا الاستنجاء من البول والغائط، وغسل الأعضاء في الوضوء لا بأس به فيها (4). فإن كان قصده في النهاية من " التوضؤ " (5) الاستنجاء فهو حق، وإلا كان ممنوعا. مسألة: قال في النهاية: لا يجوز كشف العورة ولا الركبة والفخذ والسرة، فإن جميعه من العورة، ولا يجوز رمي الحصى خذفا (6). والوجه عندي الكراهة في ذلك كله. لنا: الأصل براءة الذمة من التحريم، وأما الكراهة فلأن ما ذكره من

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 341.
(2) السرائر: ج 1 ص 279.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 257 - 258 ح 719. وسائل الشيعة: ب 57 من أبواب الوضوء ح 1 ج 1 ص 345.
(4) المبسوط: ج 1 ص 161.
(5) في متن المطبوع ون: الوضوء.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 342.

[ 95 ]

الأعضاء ينبغي سترها عن الناس. روى السكوني، عن الصادق - عليه السلام - وعن الباقر - عليه السلام - أن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: كشف السرة والفخذ والركبة في المسجد من العورة (1). احتج الشيخ بأن هذه من العورة، والعورة يجب سترها، فلا يجوز كشفها. وعلى الخذف بما روي عن الباقر - عليه السلام - قال: قال النبي - صلى الله عليه وآله - أبصر رجلا يخذف بحصاة في المسجد فقال: ما زالت تلعنه حتى وقعت، ثم قال: الخذف في النادي من أخلاق قوم لوط، ثم تلا - عليه السلام -: " وتأتون في ناديكم المنكر " قال: هو الخذف (2). والجواب عن الأول: بالمنع من المقدمتين، فإن تسميته بالعورة للمجاورة، ونمنع وجوب ستر العورة مطلقا. وعن الثاني: بالمنع من صحة السند والحمل على الكراهة الشديدة. وقال في المبسوط: يستحب أن يستر ما بين السرة إلى الركبة (3). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لا يجوز بيع آلة المساجد بحال (4). والأقرب التفصيل، وهو أن الآلة لو احتيج إلى بيعها لعمارته أو عمارة غيره مع عدم الانتفاع بها جاز بيعها، وإلا فلا، ويتولى البيع الحاكم. لنا: إنه مصلحة للمسجد، فساغ فعلها كغيرها من المصالح.

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 263 ح 742. وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب المساجد ح 1 ج 3 ص 515.
(2) تهذيب الأحكام: ج 2 ص 262 ح 741. وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب المساجد ح 1 ج 3 ص 514.
(3) المبسوط: ج 1 ص 161.
(4) المبسوط: ج 1 ص 160.

[ 96 ]

الفصل السادس في صلاة السفر مسألة: قال الشيخ في النهاية: لو كان الصيد للتجارة وجب عليه التقصير في الصوم والتمام في الصلاة (1)، وهو اختيار المفيد (2)، وعلي بن بابويه (3)، وابن البراج (4)، وابن حمزة (5)، وابن إدريس. وقال ابن إدريس: روى أصحابنا بأجمعهم أنه يتم الصلاة ويقصر الصوم، وكل سفر أوجب التقصير في الصوم وجب تقصير الصلاة فيه، إلا هذه المسألة فحسب للاجماع عليها (6)، وهذا يدل على أنه يعتقد ذلك. وقال في المبسوط: إذا كان للتجارة دون الحاجة روى أصحابنا أنه يتم الصلاة ويفطر الصوم (7). وأوجب السيد المرتضى (8)، وابن أبي عقيل (9)، وسلار (10) التقصير على من كان سفره طاعة أو مباحا، ولم يفصلوا الصيد وغيره. والأقرب عندي وجوب التقصير. لنا: قوله تعالى: " فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم " (11)

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 358.
(2) المقنعة: ص 349.
(3) لم نعثر على رسالته. ونقله عنه في كشف الرموز: ج 1 ص 221.
(4) المهذب: ج 1 ص 106.
(5) الوسيلة: ص 109.
(6) السرائر: ج 1 ص 327.
(7) المبسوط: ج 1 ص 136.
(7) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 47.
(9) لم نعثر على كتابه.
(10) المراسم: ص 74.
(11) النساء: 101.

[ 97 ]

وقد بينا أن كل واحد منهما سبب في القصر، وليس أحدهما شرطا في الآخر. وما رواه عبد الله في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يتصيد، فقال: إن كان يدور حوله فلا يقصر، وإن كان تجاوز الوقت فليقصر (1). وما رواه معاوية بن وهب في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا دخلت بلدا وأنت تريد مقام عشرة أيام فأتم الصلاة حين تقدم، وإن أردت دون العشرة فقصر ما بينك وبين شهر، فإذا تم الشهر فأتم الصلاة، قال: قلت: دخلت بلدا أول يوم من شهر رمضان ولست أريد أن أقيم عشرا، قال: قصر وأفطر، قلت: فإن مكثت كذلك أقول غدا أو بعد غد فأفطر الشهر كله واقصر؟ قال: نعم هما واحد إذا قصرت أفطرت، وإذا أفطرت قصرت (2). وجه الاستدلال: أنه - عليه السلام - حكم بوحدة الافطار والقصر في الصلاة، والمراد التساوي لاستحالة الاتحاد. ثم قوله - عليه السلام -: " إذا أفطرت قصرت " نص في الباب ولأنه سفر مباح، وكل مباح يجب فيه القصر. أما الصغرى فلأن التقدير ذلك، ولانتفاء وجوه القبح عنه، إذ طلب التجارة إما واجب أو مستحب، وأقل مراتبه الإباحة إذا خلت عن المفاسد، ولأنه موجب لقصر الصوم، ولو لم يكن سائغا لما جاز الافطار. وأما الكبرى فظاهرة، ولأن القول بوجوب قصر الصوم مع القول بوجوب الاتمام في الصلاة مما لا يجتمعان، والأول ثابت فينتفي الثاني. أما بيان عدم الاجتماع فلأن مناط الترخص قصد المسافة مع تسويغ

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 218 ح 541. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 2 ج 5 ص 511.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 220 - 221 ح 551. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب صلاة المسافر ح 17 ج 5 ص 528.

[ 98 ]

السفر، لأنه لو لم يكن كذلك لما جاز القصر في الصوم عملا بالمقتضي، وهو قوله تعالى: " كتب عليكم الصيام " (1) " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " (2) السالم عن معارضة كون القصر المخصوص مناطا، وإذا كان القصد المخصوص مناطا وجب تأثيره في صورة النزاع عملا بالمقتضي. وأما ثبوت الأول فبالاجماع، ولأنه يصدق كلما وجب القصر في الصلاة مع السفر المقتضي له - ونعني به قصد المسافة مع إباحة السفر - وجب القصر في الصوم مع السفر المقتضي له. وهذه المسألة إجماعية، ويلزمها كلما لم يجب القصر في الصوم مع السفر المقتضي له لم يجب القصر في الصلاة مع السفر المقتضي له، لكن صدق هذا اللازم باطل لكذب لازمه، وهو قد يكون إذا لم يجب القصر في الصلاة مع السفر المقتضي له لم يجب القصر في الصوم مع السفر المقتضي له، وإنما كان هذا اللازم كاذبا، لانحصار إفراد مقدمها في صورة النزاع، ولا يجامع انتفاء وجوب قصر الصوم فتكون هذه المتصلة الجزئية كاذبة، إنما كذبت للمجامعة بين انتفاء وجوب قصر الصلاة وثبوت وجوب قصر الصوم. لا يقال: نمنع انحصار إفراد مقدم الجزئية في صورة النزاع لثبوت فرد آخر، وهو المواضع التي يستحب فيها الاتمام. لأنا نقول: نمنع ذلك على مذهب بعض علمائنا وسيأتي. سلمناه، لكن يقيد مقدم المتصلة الأولى بقيد يخرج عنه تلك الصورة، وهو أن تقول: كلما وجب القصر في الصلاة مع السفر المقتضي له في غير المواضع الأربعة وجب القصر في الصوم ونتمم الدليل. ولأن ملزوم القصر موجود فيثبت لازمه.

(1) البقرة: 183.
(2) البقرة: 185.

[ 99 ]

وبيان الصغرى: إن المشقة ملزومة للترخص عملا بالمناسبة والاقتران، وهي موجودة في صورة النزاع، وإلا لما وجب القصر في الصوم. ولأن أحد الأمرين لازم، وهو إما مساواة المصالح المتعلقة بالترخص في الصوم للمصالح المتعلقة بالترخص في الصلاة أو قصورها عنها، وأيما كان يلزم وجوب الترخص في الصلاة في كل صورة يثبت فيها الترخص في الصوم. وبيان لزوم أحد الأمرين: أنه لولاه لما وجب القصر في الصوم مطلقا، عملا بالدليل الدال على وجوب الصوم السالم على معارضة مساواة الترخص فيه للترخص في الصلاة. احتج الشيخ بما رواه ابن بكير قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يتصيد اليوم واليومين والثلاثة أيقصر الصلاة؟ قال: لا، إلا أن يشيع الرجل أخاه في الدين، فإن التصيد مسير باطل لا يقصر الصلاة فيه، وقال: يقصر إذا شيع أخاه (1). وعن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يخرج إلى الصيد أيقصر أو يتم؟ قال: يتم، لأنه ليس بمسير حق (2). وعن عمران بن محمد بن عمران القمي، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قلت له: الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين يقصر أو يتم؟ فقال: إن خرج لقوته وقوت عياله فليفطر ويقصر، وإن خرج لطلب الفضول فلا ولا كرامة (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 217 ح 536. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 7 ج 5 ص 512.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 217 ح 537. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 4 ج 5 ص 511 - 512.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 538217. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 5 ج 5 ص 512.

[ 100 ]

والجواب عن الأول: أنه ضعيف السند، فإن ابن بكير فطحي المذهب وإن كان ثقة، وفي طريقه علي بن أسباط وهو فطحي أيضا، وسهل بن زياد وهو ضعيف. سلمنا، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد بذلك صيد اللهو والبطر؟ ولهذا قال - عليه السلام -: " إن التصيد مسير باطل " وإذا كان كذلك لم يجز له القصر في الصلاة ولا الصوم، وليس المراد بذلك الصيد للتجارة، لأنه ليس مسيرا باطلا، وإلا لما وجب القصر في الصوم. وعن الثاني: بضعف السند، فإن في طريقه ابن بكير وأحمد بن فضال، وفيهما قول. وعن الثالث: أنه مرسل وبما تقدم. لا يقال: أن قوله: " وإن خرج لطلب الفضول فلا ولا كرامة " إنما يراد به طلب الزيادة على القوت، وهو التجارة التي هي فضول. لأنا نقول: نمنع ذلك، بل المراد طلب اللهو فإنه الفضول. أما التجارة فإنه مباح، ويؤيده منعه من الافطار وتعليله بالفضول، فلو كان المراد به التجارة لمنع من الافطار، وليس كذلك على ما أفتى به الجماعة، على أن الشيخ قال في باب الصوم من كتاب النهاية: وكل سفر لا يجوز له فيه التقصير في الصلاة لم يجز له التقصير في الصوم (1). وقال السيد المرتضى - في مسألة تحديد السفر ببريدين - في الانتصار: ولا خلاف بين الأمة في أن كل سفر أسقط فرض الصيام ورخص في الافطار فهو بعينه موجب لقصر الصلاة (2).

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 403 - 404.
(2) الانتصار: ص 51.

[ 101 ]

مسألة: قال ابن الجنيد (1): والمتصيد مشيا إذا كان دائرا حول المدينة غير مجاوز حد التقصير لم يقصر يومين، فإن تجاوز الحد واستمر دورانه ثلاثة أيام قصر بعدها. ولم يعتبر علماؤنا ذلك، بل أوجبوا التقصير مع قصد المسافة والاباحة. لنا: إنه مسافر فوجب عليه التقصير. احتج بما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: ليس على صاحب الصيد تقصير ثلاثة أيام، وإذا جاوز الثلاثة لزمه (2). والجواب: إنه مرسل، فلا يعول عليه. مسألة: حد المسافة التي يجب فيها التقصير بريدان ثمانية فراسخ لا يجوز في أقل منها، إلا أن يقصد أربعة فراسخ ويرجع من يومه، فإن لم يرجع من يومه وقصد أربعة فما زاد. قال المفيد: يتخير في قصر الصلاة والصوم (3). وقال الشيخ: يتخير في إتمام الصلاة وقصرها، ولا يجوز القصر في الصوم (4). والسيد المرتضى - رحمه الله - لم يعتبر ذلك، وأوجب الاتمام في الصلاة والصوم (5)، وهو اختيار ابن إدريس (6)، والظاهر من كلام ابن البراج (7).

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 218 ح 542. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 511.
(3) المقنعة: ص 349.
(4) المبسوط: ج 1 ص 141. وعبارة " ولا يجوز القصر في الصوم " غير موجودة.
(5) لم نعثر عليه في كتبه المتوفرة لدينا. ونقله عنه في السرائر: ج 1 ص 329. وكذا نقله عنه في المعتبر: ج 2 ص 468.
(6) السرائر: ج 1 ص 329.
(7) المهذب: ج 1 ص 106 نقلا بالمعنى.

[ 102 ]

وقال ابن أبي عقيل (1): كل سفر كان مبلغه بريدان وهو ثمانية فراسخ، أو بريد ذاهبا وجائيا وهو أربعة فراسخ في يوم واحد أو ما دون عشرة أيام. فعلى من سافر عند آل الرسول - عليهم السلام - إذا خلف حيطان مصره أو قريته وراء ظهره وغاب عنه منها صوت الأذان أن يصلي صلاة السفر ركعتين. وحد ابن الجنيد (2) مسيرة يوم للماشي وراكب السفينة. وقال سلار: وإن كانت المسافة أربعة فراسخ وكان راجعا من يومه قصر واجبا، وإن كان من غده فهو مخير بين التقصير والاتمام (3)، وهو قول ابني بابويه (4). والمعتمد اختيار السيد المرتضى. لنا: إنه في البريدين قد شغل يومه فحصلت المشقة، فوجب القصر بخلاف الأربعة. وما رواه عبد الله بن يحيى الكاهلي في الصحيح قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول في التقصير في الصلاة قال: بريد في بريد أربعة وعشرون ميلا (5). وفي الصحيح عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: في كم يقصر الرجل؟ قال: في بياض يوم أو بريدين (6). وفي الصحيح عن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن الأول - عليه

(1) و (2) لم نعثر على كتابه.
(3) المراسم: ص 75.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 436 ذيل الحديث 1268. ولا يوجد لدينا رسالة علي بن بابويه.
(5) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 207 ح 493. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 391.
(6) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 222 ح 651. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 11 ج 5 ص 492.

[ 103 ]

السلام - عن الرجل يخرج في سفره وهو مسير يوم، قال: يجب عليه التقصير إذا كان مسيرة يوم وإن كان يدور في عمله (1). وفي الصحيح عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن التقصير، فقال: في بريدين، أو بياض يوم (2). ولأنه أحوط. ولأن المكلف قبل الخروج إلى ما دون الثمانية يجب عليه الاتمام، فكذا بعده عملا بالاستصحاب. احتج الشيخ بما رواه زرارة في الحسن، عن الباقر - عليه السلام - قال: التقصير في بريد، والبريد أربعة فراسخ (3). وفي الحسن عن أبي أيوب قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: أدنى ما يقصر فيه المسافر؟ فقال: بريد (4). وبما رواه زيد الشحام في الموثق قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: يقصر الرجل في مسيرة اثني عشر ميلا (5). وفي الموثق عن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: في كم اقصر الصلاة؟ فقال: في بريد، ألا ترى أهل مكة إذا خرجوا إلى عرفة

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 209 ح 503. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 16 ج 5 ص 493.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 210 ح 506. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 7 ج 5 ص 492.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 207 ح 494. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 494.
(4) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 207 ح 495. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 11 ج 5 ص 497.
(5) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 208 ح 498. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 494 - 495.

[ 104 ]

كان عليهم التقصير (1). وفي الصحيح عن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: إن أهل مكة يتمون الصلاة بعرفات، فقال: ويلهم أو ويحهم، وأي سفر أشد منه لا يتم (2). والجواب عن هذه الأحاديث: أن المراد بها إذا أراد الرجوع من يومه لما فيه من الجمع بين الأخبار وبين مطابقته للسير في يوم بريدين أو بياض يوم، وقد علق التقصير عليهما. ولما رواه معاوية بن وهب في الصحيح قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام - أدنى ما يقصر فيه الصلاة؟ فقال: بريد ذاهبا وبريد جائيا (3). قال للشيخ: المراد بذلك التخيير بين الاتمام والقصر (4)، وليس بمعتمد، لأن في بعض الأحاديث إنكار الاتمام، ولو كان الاتمام سائغ لما وقع الانكار عنه بقوله - عليه السلام -: " ويلهم أو ويحهم وأي سفر أشد منه " وهذا اللفظ إنما يكون مع التوبيخ والتقريع على الفعل المأتي به، ولو كان سائغا لم يصح منه - عليه السلام - تقريعهم عليه. ثم قوله: " لا يتم " نهي له عن الاتمام، والنهي يقتضي التحريم أو الكراهة على أقل المراتب، وليس واحدا منهما ثابتا هنا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز التقصير للمكاري، والملاح،

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 208 ح 499. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب صلاة المسافر ح 5 ج 5 ص 500.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 210 ح 507. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 499.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 208 ح 496. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 2 ج 5 ص 494.
(4) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 208 ذيل الحديث 496.

[ 105 ]

والراعي، والبدوي إذا طلب القطر والنبت، والذي يدور في جبايته، والذي يدور في امارته، ومن يدور في تجارته من سوق إلى سوق، ومن كان سفره أكثر من حضره، هؤلاء كلهم لا يجوز لهم التقصير ما لم يكن لهم في بلدهم مقام عشرة أيام، فإن كان لهم في بلدهم مقام عشرة أيام وجب عليهم التقصير، وإن كان مقامهم في بلدهم خمسة أيام قصروا بالنهار وتمموا الصلاة بالليل (1). وفي هذا الكلام مباحث: الأول: أضاف الشيخ علي بن بابويه الاشتقان والكري (2). والاشتقان: وهو الأمير الذي يبعثه السلطان على حفاظ البيادر، فهذا إن كان في معصية وجب عليه التمام (3)، وإلا وجب عليه القصر. وأما الكري: فهو المكاري، وقيل أنه من اسماء الاضداد يكون بمعنى المكارى والمكتري (4). الثاني: قال الشيخ في الجمل: ومن يلزمه الصوم في السفر عشرة: من نقص سفره عن ثمانية فراسخ، ومن كان سفره معصية لله تعالى، ومن كان سفره لصيد اللهو والبطر، ومن كان سفره أكثر من حضره - وحده أن لا يقيم في بلده عشرة أيام -، والمكاري والملاح، والبدوي، والذي يدور في امارته، والذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق، والبريد (5). وهذا يشعر بكون كل واحد من هذه الأقسام أصلا برأسه، ولم يجعل كون السفر أكثر من الحضر ضابطا لهم، ولا إقامتهم في بلدهم أقل من عشرة. وفي النهاية (6) جعل الثاني ضابطا.

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 358.
(2) لم نعثر على رسالته، ونقله عنه في السرائر: ج 1 ص 336 - 337.
(3) ق وم (1): الاتمام.
(4) السرائر: ج 1 ص 337.
(5) الجمل والعقود: ص 115.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 358.

[ 106 ]

وقال السيد المرتضى: من كان سفره أكثر من حضره كالملاحين والجمالين ومن جرى مجراهم لا تقصير عليهم (1)، فجعل الضابط كون السفر أكثر من الحضر. ولم يذكر ابن أبي عقيل (2) هؤلاء أجمع، بل عمم وجوب القصر على المسافر. لنا: ما رواه إسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر، عن أبيه - عليهما السلام - قال: سبعة لا يقصرون الصلاة: الجابي يدور في جبايته، والأمير الذي يدور في امارته، والتاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق، والراعي، والبدوي الذي يطلب مواضع القطر ونبت الشجر، والرجل يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا، والمحارب الذي يقطع السبيل (3). وإسماعيل بن أبي زياد إن كان هو السكوني الشعيري فهو عامي، وإن كان هو السلمي روى عن أبي عبد الله - عليه السلام - فالحديث صحيح. وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: ليس على الملاحين في سفينتهم تقصير، ولا على المكارين، ولا على الجمالين (4). وفي الصحيح عن زرارة قال: قال أبو جعفر - عليه السلام: - أربعة قد يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر: المكاري والكري والراعي والاشتقان، لأنه عملهم (5).

(1) الانتصار: ص 53.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 214 ح 524. وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب صلاة المسافر ح 9 ج 5 ص 516.
(4) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 214 ح 525. وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب صلاة المسافر ح 8 ج 5 ص 516.
(5) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 215 ح 526. وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب صلاة المسافر ح 2 ج 5 ص 515.

[ 107 ]

وفي الموثق عن إسحاق بن عمار قال: سألته عن الملاحين والاعراب عليهم تقصير؟ قال: لا بيوتهم معهم (1). والضابط الذي ذكرناه من المقام عشرة أيام جيد شامل للجميع. الثالث: روى محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: المكارى والجمال إذا جد بهما السير فليقصرا (2). وفي الموثق عن الفضيل بن عبد الملك قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن المكارين الذين يختلفون، فقال: إذا جدوا السير فليقصروا (3). وقال محمد بن يعقوب الكليني: الوجه في هذين الخبرين أن المراد به على أن يجعل المنزلين منزلا فيقصر في الطريق ويتم في المنزل (4). ونقله الشيخ - رحمه الله - وحمله عليه (5). ولما رواه عمران بن محمد بن عمران الأشعري، عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله - عليه السلام - قال: الجمال والمكاري إذا جد بهما السير فليقصرا فيما بين المنزلين ويتما في المنزل (6). والأقرب عندي حمل الحديثين على أنهما إذا أقاما عشرة أيام قصرا.

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 215 ح 527. وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب صلاة المسافر ح 5 ج 5 ص 516.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 215 ح 528. وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 519.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 515 ح 529. وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 519.
(4) الكافي: ج 3 ص 437 ذيل الحديث 2.
(6) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 215 ح 530. وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 519.

[ 108 ]

الرابع: قال الشيخ في النهاية (1) والمبسوط (2): لو كان لهم مقام خمسة أيام في بلدهم قصروا بالنهار وتمموا الصلاة بالليل، واختاره ابن البراج (3)، وابن حمزه (4)، ومنعه ابن إدريس وأوجب التمام مطلقا (5)، وهو الأقوى. لنا: إن حكم السفر ينقطع بنية إقامة عشرة أيام، فدل على أن إقامته هذا العدد يخرج المسافر عن السفر ويوجب له حكم المقيم، فإذا أنشأ أحدهم سفرا بعد إقامة هذه المدة وجب عليه التقصير، لدخوله تحت اسم المسافر. احتج بما رواه عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - قال: المكارى إن لم يستقر في موضعه إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار وأتم بالليل وعليه صوم شهر رمضان، وإن كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام وأكثر قصر في سفره وأفطر (6). والجواب: يحمل (7) على تقصير النافلة، بمعنى أنه يسقط عنه نوافل النهار. الخامس: قال ابن إدريس: وليس يصير الانسان بسفرة واحدة إذا ورد إلى منزله ولم يقم عشرة أيام ممن سفره أكثر من حضره، بل بأن يتكرر هذا منه ويستمر دفعات على توال، أدناها ثلاث دفعات، لأن هذا طريقة عرف العادة، بأن يقال: فلأن سفره أكثر من حضره، لأن من أقام في منزله مثلا مائة سنة ثم سافر سفرة واحدة، ثم ورد إلى منزله ولم يقم فيه عشرة أيام، ثم سافر

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 358.
(2) المبسوط: ج 1 ص 141.
(3) المهذب: ج 1 ص 106.
(4) الوسيلة: ص 108.
(5) السرائر: ج 1 ص 341.
(6) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 216 ح 531. وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب صلاة المسافر ح 5 ج 5 ص 519. (7) ق وم (1): الحمل.

[ 109 ]

فإنه يجب عليه في سفره الثاني التقصير وإن كان لم يقم عشرة. ثم قال - بعد كلام طويل -: فأما صاحب الصنعة من المكارين، والملاحين، ومن يدور في تجارته من سوق إلى سوق، ومن يدور في امارته فلا يجرون مجرى من لا صنعة له ممن سفره أكثر من حضره، ولا يعتبر فيهم ما اعتبرناه فيهم من الدفعات، بل يجب عليهم التمام بنفس خروجهم إلى السفر، لأن صنعتهم يقوم مقام تكرر من لا صنعة له ممن سفره أكثر من حضره (1). والأقرب أن أرباب الصنائع لا يثبت فيهم (2) التمام بأول مرة، بل بثاني مرة، مثلا إذا ابتدأ بالمكارات وخرج من بلده مكاريا وجب عليه التقصير، فإذا عاد إلى بلده ثم خرج بعد إقامة عشرة أيام خرج مقصرا، وإن كان بعد إقامة أقل خرج متمما، وكذا من لا صنعة له إذا جعل السفر عادته، فإنه يجب عليه التمام في ثاني مرة إذا لم يتخلل الإقامة عشرة أيام. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز التقصير للمسافر، إلا إذا توارى عنه جدران بلده، أو خفي عليه أذان مصره (3)، وهو قول ابن البراج (4). وكذا في المبسوط قال فيه: ولا يجوز أن يقصر ما دام بين بنيان البلد سواء كانت عامرة أو خرابا، فإن اتصل بالبلد بساتين فإذا حصل بحيث لا يسمع أذان المصر قصر، وإن كان دونه تمم (5). وفي الخلاف: لا يجوز أن يقصر حتى تغيب عنه البنيان، ويخفى عنه أذان مصره، أو جدران بلده (6).

(1) السرائر: ج 1 ص 339 - 340.
(2) ن: لهم.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 358.
(4) المهذب: ج 1 ص 106.
(5) المبسوط: ج 1 ص 136.
(6) الخلاف: ج 1 ص 572 المسألة 324.

[ 110 ]

وقال السيد المرتضى: ابتداء وجوب التقصير عليه من حين يغيب عنه أذان مصره، ويتوارى عنه بنيان مدينته (1). وقال المفيد: لا يجوز التقصير في الصلاة والافطار في الصوم حتى يغيب عنه أذان مصره على ما جاءت به الآثار (2)، وهو قول أبي الصلاح (3). وقال ابن أبي عقيل: على من سافر عند آل الرسول - عليهم السلام - إذا خلف حيطان مصره أو قريته وراء ظهره وغاب عنه منها صوت الأذان أن يصلي صلوة السفر ركعتين (4). وقال الصدوق محمد بن بابويه في المقنع: يجب التقصير على الرجل إذا لم ير حيطان المدينة. وقد روي عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه (5). وقال سلار: ابتداء وجوب التقصير من حيث يغيب عنه أذان مصره (6). وقال ابن إدريس: الاعتماد عندي على الأذان المتوسط دون الجدران (7). وقال علي بن بابويه (8): وإذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه. والأقرب خفاؤهما معا. لنا: قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا (9) إذا ضربتم في الأرض فليس عليكم

(1) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 47.
(2) المقنعة: ص 350.
(3) الكافي في الفقه: ص 117.
(4) لا يوجد كتابه لدينا ونقله عنه في كشف الرموز: ج 1 ص 226 نقلا بالمعنى. (5) المقنع: ص 37 وفيه: " ويجب التقصير على الرجل إذا توارى من البيوت " وعبارة " وقد روي.. إلى أن تعود إليه " غير موجودة. ووجدناه في من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 436 ح 1267.
(6) المراسم: ص 75.
(7) السرائر: ج 1 ص 331.
(8) لا يوجد كتابه لدينا.
(9) لا يخفى أن المصنف قد خلط بين آيتي 94 و 101، والمقصود هو آية 101.

[ 111 ]

جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم " (1) فعلق نفي البأس بالضرب في الأرض، ولا يتحقق في المنازل، فلا بد من اعتبار الخروج عن البلد، وإنما يتحقق ذلك بغيبوبة الأذان والجدران. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل يريد السفر فيخرج متى يقصر؟ قال: إذا توارى من البيوت (2). وما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن التقصير، قال: إذا كنت في الموضع الذي لا يسمع فيها الأذان فقصر، وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك (3). احتج ابن بابويه بما روي عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه. رواه ابنه مرسلا (4). والجواب: لا حجة في المرسل. مسألة: وحد التقصير بلوغ المشاهدة للجدران، أو سماع الأذان. وقال الشيخ علي بن بابويه (5): إذا دخل منزله. وقال ابن الجنيد (6): المسافر يقصر إلى أن يدخل منزله، فإن حيل بينه وبينه بعد وصوله إليه أتم.

(1) النساء: 101.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 224 ح 566. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 505.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 230 ح 675. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 506.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 436 ح 1267. وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب صلاة المسافر ح 5 ج 5 ص 508.
(5) لم نعثر على رسالته.
(6) لم نعثر على كتابه.

[ 112 ]

لنا: إن حد ابتداء السفر أحدهما فيكون هو نهايته، إذ الأقرب لا يعد قاصده مسافرا كما في الابتداء، ولحديث عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - وقد تقدم في المسألة السابقة. احتجوا بما رواه إسحاق بن عمار في الموثق، عن أبي إبراهيم - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يكون مسافرا ثم يقدم فيدخل بيوت الكوفة أيتم الصلاة أم يكون مقصرا حتى يدخل أهله؟ قال: بل يكون مقصرا حتى يدخل أهله (1). وفي الصحيح عن العيص بن القاسم، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يزال المسافر مقصرا حتى يدخل بيته (2). والجواب: المراد بذلك ما ذكرناه. فإن من سمع الأذان أو شاهد الجدران يخرج عن حكم المسافر، فيكون بمنزلة من دخل منزله. مسألة: ذهب أكثر علمائنا كالشيخين (3)، وابني بابويه (4)، وابن أبي عقيل (5)، والسيد المرتضى (6)، وسلار (7)، وأبي الصلاح (8)، وابن البراج (9)،

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 222 ح 555. وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 508. (2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 222 ح 556. وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب صلاة المسافر ح 4 ج 5 ص 508.
(3) المقنعة: ص 354. ولم يذكر فيه حالة عدم النية. المبسوط: ج 1 ص 141.
(4) المقنع ولم يذكر فيه حالة عدم النية. ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 47.
(7) المراسم: ص 74.
(8) الكافي في الفقه: ص 117.
(9) المهذب: ج 1 ص 107.

[ 113 ]

وابن حمزه (1)، وابن إدريس (2) إلى أن المسافر إذا نوى إقامة عشرة أيام في بلد الغربة (3) أتم، وإن لم ينو قصر إلى شهر. وقال ابن الجنيد (4): يقصر إلى شهر إن لم ينو إقامة خمسة أيام فصاعدا، فإن نوى عند دخول البلد أو بعده مقام خمسة أيام فصاعدا أتم. لنا: إنه مسافر قبل النية، فيكون كذلك بعدها عملا بالاستصحاب. ولأن تقدير العشرة ثابت في حق من كثر سفره، فدل على أنه الضابط في الخروج عن اسم المسافر. وما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: قلت له: أرايت من قدم بلدة إلى متى ينبغي له أن يكون مقصرا؟ ومتى ينبغي له أن يتم؟ فقال: إذا دخلت أرضا فأيقنت أن لك بها مقام عشرة أيام فأتم الصلاة (5). احتج بما رواه ابن أبي عمير في الحسن، عن أبي أيوب قال: سأل محمد بن مسلم أبا عبد الله - عليه السلام - وأنا أسمع عن المسافر إن حدث نفسه بإقامة عشرة أيام، قال: فليتم الصلاة، وإن لم يدر ما يقيم يوما أو أكثر فليعد ثلاثين يوما ثم يتم وإن كان أقام يوما أو صلاة واحدة، فقال له محمد بن مسلم: بلغني أنك قلت خمسا، فقال: قد قلت ذلك، قال أبو أيوب: فقلت: أنا جعلت فداك يكون أقل من خمس، فقال: لا (6).

(1) الوسيلة: ص 109.
(2) السرائر: ج 1 ص 342.
(3) ق وم (1): السفر.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 219 ح 546. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب صلاة المسافر ح 9 ج 5 ص 526.
(6) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 219 - 220 ح 548. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب صلاة المسافر ح 12 ج 5 ص 527.

[ 114 ]

قال الشيخ: أنه محمول على الاستحباب، أو مختص بمن كان مقيما بمكة أو المدينة (1)، لما رواه محمد بن مسلم قال: سألته عن المسافر يقدم الأرض، فقال: إن حدثته نفسه أن يقيم عشرة أيام فليتم، وإن قال: اليوم أخرج أو غدا أخرج ولا يدري فليقصر ما بينه وبين شهر، فإن مضى شهر فليتم، ولا يتم في أقل من عشرة إلا بمكة والمدينة، وإن أقام بمكة والمدينة خمسا فليتم (2). والحمل الأول ليس بجيد، لأن فرضه التقصير. والثاني حسن. مسألة: من تمم الصلاة مع وجوب التقصير عليه فإن كان عالما عامدا وجب عليه الإعادة مطلقا، وإن لم يكن عالما لم يجب عليه شئ مطلقا، وإن كان ناسيا أعاد في الوقت لا خارجه، أفتى بذلك الشيخ في النهاية (3). وقال في المبسوط: لو سهى المسافر فصلى أربعا بطلت صلاته، لأن من أصحابنا من قال: إن كل سهو يلحق في صلاة السفر يوجب الإعادة، ومن لم يقل بذلك يقول هذا زاد في صلاته فعليه الإعادة على كل حال (4)، وبه قال الشيخ علي بن بابويه (5). أما السيد المرتضى فإنه قال في الانتصار: إذا تعمد أعاد على كل حال، وإن نسي أعاد في الوقت دون خارجه (6)، ولم يذكر حكم الجاهل، بل قال في المسائل الرسية حيث قال له السائل: ما الوجه في ما يفتي به الطائفة من سقوط

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 220 ذيل الحديث 593.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 220 ح 594. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب صلاة المسافر ح 16 ج 5 ص 527.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 359.
(4) المبسوط: ج 1 ص 140.
(5) لم نعثر على رسالته.
(6) الانتصار: ص 52.

[ 115 ]

فرض القضاء عمن صلى من المقصرين صلاة يتم بعد خروج الوقت إذا كان جاهلا بالحكم في ذلك مع علمنا بأن الجهل بأعداد الركعات لا يصح معه العلم بتفصيل أحكامها ووجوهها، إذ من البعيد أن يعلم التفصيل من جهل الجهلة التي هي كالأصل والاجماع، على أن من صلى صلاة لا يعلم أحكامها فهي غير مجزئة، وما لا يجزئ من الصلوات يجب قضاؤه، فكيف يجوز الفتيا بسقوط القضاء عمن صلى صلاة لا يجزئه؟ فأجاب: بأن الجهل وإن لم يعذر صاحبه بل هو مذموم جاز أن يتغير معه الحكم الشرعي، ويكون حكم العالم بخلاف حكم الجاهل. إلى آخر كلامه (1). وهذا يشعر بأن الجاهل سقط عنه القضاء، وترك إنكار كلام السائل يشعر بأن القضاء يسقط مع خروج الوقت، وهو كالناسي. وهذا شئ قد أفتى به أبو الصلاح فإنه قال: وإن تمم المقصر مع العلم والقصد أعاد على كل حال، وإن كان لسهو أو لجهل ببعض الأحكام أعاد في الوقت (2). وقال المفيد: المتم في السفر ناسيا يعيد إن كان الوقت باقيا، وإن خرج الوقت فلا إعادة عليه، ومن تعمد التمام في السفر بعد الحجة عليه في التقصير وجب عليه الإعادة (3)، وهو يشعر بموافقة كلام الشيخ. وقال ابن الجنيد (4): ومن صلى في السفر الواجب عليه فيه التقصير أربعا

(1) المسائل الرسية (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثانية): ص 383.
(2) الكافي في الفقه: ص 116.
(3) المقنعة: ص 212.
(4) لم نعثر على كتابه.

[ 116 ]

عالما بما قال الله - عزوجل -، ونقل عن رسول الله - صلى الله عليه وآله - كانت الإعادة عليه واجبة، لزيادته في فرضه، وإن قام إلى الثالثة ناسيا عمل كما ذكرناه في كتاب السهو فيمن قام إلى خامسة، فإن أتم جاهلا أعاد إذا علم ما هو في وقته، واستحب له الإعادة لما خرج من وقته لتركه معرفة ما عليه أن يعرفه ويجد السبيل إليه، وإن لم يعد ما خرج وقته رجوت أن لا حرج عليه إذا لم يعلم. وقال ابن أبي عقيل (1): من صلى في السفر صلاة الحضر فصلاته باطلة وعليه الإعادة، لأن عليه الفرض في السفر ركعتان وصلى هو أربعا، والزائد في الفرض فاسد العمل وعليه الإعادة. وقال الصدوق أبو جعفر بن بابويه في المقنع: فإن نسيت فصليت في السفر أربع ركعات فأعد الصلاة إذا ذكرت في ذلك اليوم، وإن لم تذكر حتى يمضي ذلك اليوم فلا تعد (2)، وجعله الشيخ في النهاية رواية (3). وأجود ما بلغنا في هذا الباب روايات ثلاث: الأولى: روى عيص بن القاسم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل صلى وهو مسافر فاتم الصلاة، قال: إن كان في وقت فليعد، وإن كان الوقت قد مضى فلا (4). الثانية: ما رواه أبو بصير في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل ينسى فيصلي في السفر أربع ركعات، قال: إن ذكر في ذلك

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) المقنع: ص 38.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 359.
(4) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 225 ح 569. وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 530.

[ 117 ]

اليوم فليعد، وإن لم يذكر حتى يمضي ذلك اليوم فلا إعادة عليه (1). الثالثة: ما رواه زرارة ومحمد بن مسلم في الصحيح قالا: قلنا لأبي جعفر - عليه السلام -: رجل صلى في السفر أربعا أيعيد أم لا؟ قال: إن كان قرئت عليه آية التقصير وفسرت له فصلى أربعا أعاد، وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه (2). ولا يجوز حمل الرواية الأولى على العامد العالم، لأن الزيادة في الصلاة مبطلة مع التعمد والعلم بالاجماع، ويتعين حملها على الناسي، لتوافق الرواية الثانية، وقوله: " إن ذكر في ذلك اليوم فليعد " محمول على بقاء الوقت، لأن الإعادة إنما يطلق ظاهرا على المأتي به في وقت الفعل، لأن الاتيان بالفعل بعد خروج وقته يسمى قضاء. والأقرب عندي مذهب الشيخ في النهاية عملا بالروايات الثلاث. احتج أبو جعفر بن بابويه بالرواية الثانية. والجواب: ما قدمناه من التأويل. احتج ابن أبي عقيل بأن الزيادة مبطلة، سواء وقعت عمدا أو سهوا. والجواب: المنع. مسألة: لو سافر بعد دخول الوقت قال ابن أبي عقيل (3)، والصدوق أبو جعفر بن بابويه في المقنع يجب عليه الاتمام (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 225 ح 570. وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب صلاة المسافر ح 2 ج 5 ص 530.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 226 ح 571. وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب صلاة المسافر ح 4 ج 5 ص 531.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) المقنع: ص 37.

[ 118 ]

وقال الشيخ في النهاية: يجب عليه التمام إن بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه على التمام، فإن تضيق الوقت قصر ولم يتمم (1)، وبه قال ابن البراج (2)، وبه قال في المبسوط (3). وقال في موضع آخر منه: لو كان قريبا من البلد فصلى بعد غيبوبة الأذان بنية القصر فرعف بعد أداء ركعة فانصرف إلى بنيان البلد ليغسله فدخل البنيان أو شاهده بطلت صلاته لكثرة الفعل، فإن صلى في موضعه الآن تمم، لأنه في وطنه، فإن لم يصل وخرج إلى السفر والوقت باق قصر، فإن فاتت قضاها تماما، لأنه فرط في الصلاة في وطنه (4). وفي الخلاف: إذا خرج إلى السفر وقد دخل الوقت إلا أنه مضى مقدار الفرض (5) أربع ركعات جاز له التقصير، ويستحب له الاتمام (6). وإن سافر وقد بقي من الوقت ما يمكنه أن يصلي فيه أربعا فالحكم كذلك (7). وإن سافر وقد بقي من الوقت ما يصلي فيه ركعة أو ركعتين ففيه خلاف بين أصحابنا، منهم من يقول: إن الصلاة تكون أداء، ومنهم من يقول: إن بعضها أداء وبعضها قضاء، والأول أظهر. فعلى هذا لو سافر في هذا الوقت وجب عليه التقصير، لأنه لحق الوقت وهو مسافر (8).

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 358 - 359.
(2) لم نعثر عليه في المهذب ولعله في الكامل كما في مفتاح الكرامة: ج 3 ص 487.
(3) المبسوط: ج 1 ص 141.
(4) المبسوط: ج 1 ص 140.
(5) م (2): مقدار أداء الفرض.
(6) الخلاف: ج 1 ص 577 المسألة 332.
(7) الخلاف: ج 1 ص 578 المسألة 333.
(8) الخلاف: ج 1 ص 579 المسألة 334.

[ 119 ]

وقال المفيد: إذا دخل وقت الصلاة على الحاضر فلم يصلها لعذر حتى سافر وكان الوقت باقيا صلاها على التقصير (1)، واختاره ابن إدريس (2)، ونقله عن السيد المرتضى في المصباح (3)، وهو اختيار الشيخ علي بن بابويه في رسالته (4). وروى أبو جعفر بن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه عن إسماعيل ابن جابر قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: يدخل علي وقت الصلاة وأنا في السفر فلا أصلي حتى أدخل اهلي، فقال: صل وأتم الصلاة، قلت: فيدخل علي وقت الصلاة وأنا في اهلي أريد السفر فلا أصلي حتى أخرج، فقال: صل وقصر، فإن لم تفعل فقد خالفت رسول الله - صلى الله عليه وآله - (5). ثم قال بعد ذلك وأما خبر حريز، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته عن رجل يدخل من سفره وقد دخل وقت الصلاة وهو في الطريق، قال: يصلي ركعتين، وإن خرج إلى سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصل أربعا. فإنه يعني بذلك إذا كان لا يخاف خروج الوقت أتم، وإن خاف خروج الوقت قصر (6). قال: وتصديق ذلك في كتاب الحكم بن مسكين قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام - في الرجل يقدم من سفره في وقت صلاة، فقال: إن كان

(1) المقنعة: ص 211.
(2) السرائر: ج 1 ص 333.
(3) السرائر: ج 1 ص 334.
(4) لم نعثر على رسالته.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 443 ح 1287. وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب صلاة المسافر ح 2 ج 5 ص 535.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 443 - 444 ح 1288 وذيله. وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب صلاة المسافر ح 5 ص 535.

[ 120 ]

لا يخاف خروج الوقت فليتم، وإن كان يخاف خروج الوقت فليقصر. قال: وهذا موافق لحديث إسماعيل بن جابر (1). وقال ابن الجنيد (2): من دخل عليه وقت الصلاة وهو في منزله فأخر الصلاة إلى أن يخرج إلى سفر يوجب (3) التقصير فأراد أن يصليها في وقت غير مشترك مع التي بعدها قصرها، وإن كانت تأديته إياها في وقت مشترك أتمها لدخول وقت الثانية قبل تأديته إياها. والأقرب قول ابن أبي عقيل. لنا وجوه: الأول قوله تعالى: " أقم الصلاة لدلوك الشمس " (4) أوجب عليه الصلاة عند الدلوك، فإما أن يكون مخاطبا حين الدلوك بعدد معين أو لا، والثاني باطل. أما أولا: فبالاجماع، وأما ثانيا: فلاستلزامه تكليف ما لا يطاق إذ لا يجزئه ركعة واحدة قطعا، بل لا بد من الزائد، فلو لم يكن معينا لزم المحال. والأول: إما أن يكون مخاطبا بأربع أو باثنين، والثاني: باطل قطعا، لأنه حاضر في البلد، فلا يقصر صلاته فتعين الأول، وهو وجوب الأربع، فلا يسقط بالعذر المتجدد كالحيض والموت. لا يقال: لا نسلم الاجماع ولا تكليف ما لا يطاق، إذ يمكن أن يكون حين الدلوك مخاطبا بالصلاة التي يوقعها حالة الأداء، فإن كان مسافرا كان مخاطبا بركعتين، وإلا كان مخاطبا بأربع، والله تعالى عالم بحاله (5) حين الأداء، وينكشف لنا الأمر والتكليف وقدره بعد الأداء.

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 444 ح 1289 وذيله. وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب صلاة المسافر ح 6 ج 5 ص 536.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) في متن المطبوع وق: فوجب.
(4) الاسراء: 78.
(5) م (1) ون: بحاليه.

[ 121 ]

سلمنا، لكن لم لا يجوز أن يكون مخاطبا بركعتين؟ قوله: " أنه حاضر "، لنا: متى حالة الخطاب أو حالة الأداء؟ الأول مسلم والثاني ممنوع، ونحن لا نسلم أنه حالة الخطاب مكلف بالاربع مطلقا، بل مع انتفاء السفر في أثناء الوقت قبل الأداء. سلمنا، لكن لم لا يجوز أن يسقط الزائد عن الركعتين بالسفر؟ لقوله تعالى: " فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة " (1) على نفي البأس على الضرب، وهو صادق على تقدير الدخول وعدمه. لأنا نقول: التكليف يستدعي علم العبد بما يكلف به قبل الادانة، وإلا لزم تكليف بالمحال، والتقدير أنه مخاطب حين الدلوك بإيقاع الفعل إما على وجه التخيير، أو الفورية على ما تقدم من الخلاف. ولا يجوز أن يكون مكلفا بالتقصير، لأنه حاضر فتعين المطلق. ولا يجوز أن يناط التكليف بفعله، بحيث إن أوقعه تقصيرا كان مكلفا به، وإن أوقعه تماما كان مكلفا به، لوجوب سبق الوجه على الفعل. والسقوط ممنوع، إذ الأصل شغل الذمة بعد توجه الخطاب. والآية لا تدل على مطلوبكم قطعا. الثاني: ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل يدخل من سفره وقد دخل وقت الصلاة وهو في الطريق، فقال: يصلي ركعتين، وإن خرج إلى سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصل أربعا (2). وعن بشير النبال قال: خرجت مع أبي عبد الله - عليه السلام - حتى أتينا الشجر فقال لي أبو عبد الله - عليه السلام -: يا نبال، قلت: لبيك، قال: إنه لم

(1) النساء: 101.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 222 ح 557. وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب صلاة المسافر ح 5 ج 5 ص 535.

[ 122 ]

يجب على أحد من أهل هذا العسكر أن يصلي أربعا غيري وغيرك، لأنه دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج (1). وعن الحسن بن علي الوشا قال: سمعت الرضا - عليه السلام - يقول: إذا زالت الشمس وأنت في المصر وأنت تريد السفر فأتم، وإذا خرجت بعد الزوال فقصر العصر (2). الثالث: الاحتياط، فإن فعل القصر غير مبرئ للذمة قطعا، وفعل التمام مبرئ للذمة، لاشتماله على القصر وزيادة، فيتعين العمل به، إذ سلوك أرجح الطريقين أولى من سلوك أضعفهما. الرابع: الاستصحاب، فإنه قبل الخروج إلى السفر يجب عليه التمام، فكذا بعده. الخامس: إن القول بالتقصير مع القول بوجوب القضاء على الحائض والمغمى عليه إذا فرطا بعد إمكان الأداء وبقاء الوقت مشغولا بالعذر مما لا يجتمعان، والثاني ثابت بالاجماع فينتفي الأول. بيان التنافي: إن العذر المسقط المتجدد إما أن يسقط الفعل بعد إمكانه ومضى وقت فعله وبقاء الوقت أو لا، وعلى كل واحد من التقديرين يثبت التنافي. أما على التقدير الأول فلسقوط الفعل عن الحائض والمغمى عليه حينئذ عملا بالمقتضي وهو البراءة، وكون العذر مسقطا. وأما على التقدير الثاني: فلعدم سقوط الركعتين الزائدتين على صلاة السفر، وهو المطلوب.

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 224 ح 563. وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب صلاة المسافر ح 10 ج 5 ص 536 - 537.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 224 ح 562. وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب صلاة المسافر ح 12 ج 5 ص 537.

[ 123 ]

السادس: لو وجب القصر لوجب قصر القضاء لو أخل بهذه الفريضة، والتالي باطل فالمقدم مثله. بيان الشرطية: إن القضاء تابع للأداء، لما رواه زرارة في الحسن قال: يقضي ما فاته كما فاته (1)، فإذا كان الأداء قصرا فالقضاء كذلك. وأما بطلان التالي فلأن ابن إدريس المخالف والشيخ معا سلما وجوب الاتمام في القضاء (2). السابع: إن القول بوجوب القصر مع بقاء الوقت، ومضى الوقت المساوي للفعل في الحضر مع القول بوجوب الافطار مع الخروج بعد الزوال إذا لم يبيت النية مما لا يجتمعان، والثاني ثابت فينتفي الأول. أما التنافي فلأن القصر إنما يثبت هنا لوجود المقتضي له وهو السفر، والمانع وهو مضي بعض الوقت لا يصلح للمانعية على هذا التقدير، وهذا المقتضي ثابت في فصل الصوم. فإما أن يستجمع العلية وشرائطها أو لا، وعلى التقديرين يتساوى القصر في الصلاة والصوم. وأما ثبوت الثاني فلما سلماه، وسيأتي إن شاء الله تعالى. الثامن: وجد ملزوم الاتمام في بعض صور النزاع فيجب الاتمام، وإذا وجب في البعض وجب في جميع صور النزاع، لعدم القائل بالفرق. بيان المقدمة الأولى: من صلى في السفينة أو على الراحلة قبل مفارقة المنازل فإنه يجب عليه الاتمام إجماعا، لانتفاء السفر، فإذا غاب عنه جدران المصر أو الأذان قبل انتهاء الصلاة لم يسقط عنه فرض الاتمام، لأن الصلاة

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 162 ح 350. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب قضاء الصلوات ح 1 ج 5 ص 359.
(2) السرائر: ج 1 ص 332. تهذيب الأحكام: ج 3 ص 163 ذيل الحديث 353.

[ 124 ]

على ما افتتحت عليه، وإنما افتتحت على التمام، وإذا وجب الاتمام هنا مع وجود السفر وجب في جميع صور النزاع. التاسع: بعض لوازم التقصير منتف فيكون منتفيا، أما المتصلة فظاهرة، وأما صدق المقدم فلأن الافطار لازم للتقصير، وهو منتف في صورة النزاع، لما يأتي فينتفي التقصير، وإنما قلنا بالتلازم، لما رواه معاوية بن وهب في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في حديث طويل عن الافطار والتقصير، قال: هما واحد إذا قصرت أفطرت، وإذا أفطرت قصرت (1). العاشر: لو وجب القصر لوجب، إما لثبوت المقتضي للقصر، أو لانتفاء المقتضي للاتمام، والقسمان باطلان، فالقصر باطل. أما بطلان الأول: فلأنه لو ثبت لزم تقدم الحكم على العلة، والتالي باطل فالمقدم مثله. بيان الشرطية: إن المقتضي للقصر ليس إلا السفر بالاجماع، وهو متأخر عن وجوب الصلاة، فلو اقتضى قصر الصلاة على المتقدم بفوتها لزم تقدم المعلول على العلة، وأما بطلان التالي فللعلم القطعي باستحالة تقدم المعلول على العلة. وأما بطلان الثاني: فلوجهين: الأول: إنه لا يلزم من عدم دليل الثبوت تحقق الضد. الثاني: إن المقتضي للاتمام موجود، وهو الحضر حالة الوجوب، فلا يمكن القول بنفيه، وإلا لزم اجتماع النقيضين. احتج القائلون بالقصر بوجوه: الأول: قوله تعالى: " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة " (2) أوجب القصر عند الضرب،

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 220 - 221 ح 551. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب من يصح منه الصوم ح 1 ج 7 ص 130.
(2) النساء: 101.

[ 125 ]

وهو متحقق في صورة النزاع. الثاني: ما رواه إسماعيل بن جابر في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قلت له: يدخل علي وقت الصلاة وأنا في السفر فلا أصلي حتى أدخل اهلي، فقال: صل وأتم الصلاة، فقلت: قد يدخل علي وقت الصلاة وأنا في أهلي أريد السفر فلا أصلي حتى أخرج، قال: صل وقصر، فإن لم تفعل فقد والله خالفت رسول الله - صلى الله عليه وآله - (1)، وتأكيد الحكم بالمخالفة لرسول الله - صلى الله عليه وآله - يدل على قوته، ثم الحلف عليه يزيده قوة. الثالث: إن الاتمام في صورة النزاع مع وجوب التمام على من دخل من سفره والوقت باق قبل أن يصلي مما لا يجتمعان، والثاني ثابت على ما يأتي فينتفي الأول. بيان التنافي: إن المعتبر في الاتمام والتقصير إما أن يكون بحال الوجوب أو بحال الأداء، وعلى التقديرين فلا اختلاف. والجواب: أن المراد بالآية الصلاة في المستقبل التي لم يثبت لها وجوب الاتمام، إذ السفر لا يبيح قصر ما وجب سابقا عليه. وعن الحديث بإمكان حمله على التقصير في العصر، لما رواه الحسن بن علي الوشا، عن الرضا - عليه السلام - قال: إذا زالت الشمس وأنت في المصر وأنت تريد السفر فأتم، فإذا خرجت بعد الزوال قصر العصر (2)، ولأن وقت العصر إنما يدخل بعد مضي وقت الظهر، والتقدير أنه خرج بعد الزوال بلا فصل.

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 163 ح 353. وسائل الشيعة: 21 من أبواب صلاة المسافر ح 2 ج 5 ص 535.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 161 ح 348. وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب صلاة المسافر ح 12 ج 5 ص 537.

[ 126 ]

قال الشيخ: يحمل على ضيق الوقت، لما رواه إسحاق بن عمار في الصحيح قال: سمعت أبا الحسن - عليه السلام - يقول: في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة، فقال: إن كان لا يخاف فوت الوقت فليتم، وإن كان يخاف خروج الوقت فليقصر (1). وعن الثاني بالفرق، لأن السفر مناط للرخصة لما اشتمل عليه من المشقة، وهذه العلة منتفية في البلد، فلا يبقى السفر علة للترخص، فيثبت التمام على أنا نمنع التمام، كما ذهب إليه بعض الأصحاب. وهذه المسألة من المطالب الجليلة، فلأجل ذلك طولنا الكلام فيها. مسألة: لو دخل الوقت وهو مسافر ولم يصل حتى دخل البلد والوقت باق وجب التمام، ذهب إليه المفيد (2) وبناه على أصله من الاعتبار بحال الأداء لا حال الوجوب، وهو قول الشيخ علي بن بابويه (3) بناء على هذا الأصل، وكذا ابن إدريس (4). وقال الشيخ: إن اتسع للتمام وجب وإلا قصر (5). وقال ابن الجنيد (6): من دخل عليه وقت الصلاة وهو في منزله فأخر الصلاة إلى أن يخرج إلى سفر يوجب التقصير فأراد أن يصليها في وقت غير مشترك مع التي بعدها قصرها، وإن كانت تأديته إياها في وقت مشترك أتمها لدخول وقت الثانية قبل تأديته إياها، وإن كان مسافرا فدخل عليه الوقت

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 223 ذيل الحديث 558 وح 559. وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب صلاة المسافر ح 6 ج 5 ص 536.
(2) المقنعة: ص 211.
(3) لم نعثر على رسالته.
(4) السرائر: ج 1 ص 332.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 359.
(6) لم نعثر على رسالته.

[ 127 ]

فأخر الصلاة إلى أن وصل إلى منزله عمل في التأدية في منزله بحسب ما ذكرنا. ولو صلى كل واحد منهما بحسب حاله وقت تأديته من سفر وإقامة لما كان قد دخل عليه وقته قبل كونه بتلك الحال جاز إذا كان في وقت لها، وإن كان آخرا فإن خرج الوقت لم يجزه إلا قضاها بحسب حاله في أول وقتها. لنا: إن السفر انقطع بدخول منزله فينقطع الترخص. وما رواه العيص بن القاسم في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يدخل عليه وقت الصلاة في السفر ثم يدخل بيته قبل أن يصلي، قال: يصليها أربعا (1). وحديث إسماعيل بن جابر في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - (2). لا يقال: أنه اشتمل على حكمين أحدهما هذا، والثاني وجوب القصر على الخارج من منزله قبل الصلاة، وأنتم لا تقولون به. فإن كانت الرواية حجة ثبت الحكمان المشتملة هي عليها، وإن لم تكن حجة سقط الاستدلال بها في هذا الحكم أيضا. لأنا نقول: لا امتناع في تأويل أحد الحكمين لقيام دليل يعارض المنطوق بالمحتمل، وقد بينا الأدلة المنافية لظاهر المنطوق، فوجب المصير فيها إلى التأويل، وقد بيناه في المسألة السابقة، ويبقى الحكم الثاني على ظاهره، لعدم المعارض. احتج الشيخ بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل يدخل من سفره وقد دخل وقت الصلاة وهو في

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 162 ح 352. وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب صلاة المسافر ح 4 ج 5 ص 535.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 163 ح 353. وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب صلاة المسافر ح 2 ج 5 ص 535.

[ 128 ]

الطريق، فقال: يصلي ركعتين (1). وفي الصحيح عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا الحسن - عليه السلام - يقول: في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة، فقال: إن كان لا يخاف فوت الوقت فليتم، وإن كان يخاف خروج الوقت فليقصر (2). وعن الحكم بن مسكين، عن رجل، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في الرجل يقدم من سفره وقت الصلاة، فقال: إن كان لا يخاف خروج الوقت فليتم، وإن كان يخاف خروج الوقت فليقصر (3). ولأن الاعتبار بحال الوجوب، كما قلنا في المسافر إذا ابتدأ بالسفر بعد الوقت فانه يتم. والجواب عن الأول: أنه محمول على ما إذا قارب دخول بلده فيصلي ركعتين في الطريق وإن علم دخول البلد قبل خروج الوقت، وهو الجواب عن الثاني. فإن المراد به إن كان يعلم دخول البلد والوقت باق أتم إذا دخل البلد، وإن كان يعلم خروج الوقت فليقصر أي فليصل قبل دخول البلد تقصيرا، وهو الجواب عن الثالث. وعن الرابع بالمنع من اعتبار حال الوجوب، وقد سبق الفرق. احتج ابن الجنيد بما رواه منصور بن حازم قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: إذا كان في سفر فدخل عليه وقت الصلاة قبل أن يدخل أهله

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 22 ح 557. وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب صلاة المسافر ح 5 ج 5 ص 535.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 223 ح 559. وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب صلاة المسافر ح 6 ج 5 ص 536.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 223 ح 560. وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب صلاة المسافر ح 7 ج 5 ص 536.

[ 129 ]

فسار حتى يدخل أهله فإن شاء قصر، وإن شاء أتم، وإن أتم أحب إلي (1). والجواب: المراد " إن شاء قصر " بأن يصلي خارج البلد تقصيرا، وإن شاء أتم. مسألة: لو فاتت هذه الصلاة وجب قضاؤها تماما، سواء وجبت في السفر ثم دخل البلد قبل فوات وقتها، أو في الحضر وسافر قبل فوات الوقت. وقال ابن إدريس: إن كان الوقت دخل وهو مسافر ثم دخل البلد والوقت باق ولم يصل حتى خرج الوقت وجب القصر، وبالعكس الاتمام (2). لنا: إن الواجب الاتمام في الأداء عندنا وعنده فيجب في القضاء الاتمام، لقوله - عليه السلام -: " من فاتته صلاة فريضة فليقضها كما فاتته " (3). احتج بأن ابتداء الوجوب كان مسافرا وقد فاتت، فيجب التقصير في القضاء. والجواب: الاعتبار بما يجب في الذمة، وقد سلم أن الواجب التمام فكذا القضاء. واعلم أن الشيخ في التهذيب مال إلى ما نقلناه عن ابن إدريس للجمع بين الأخبار. قال: لأنا قدمنا أحاديث في أن من خرج إلى السفر بعد دخول الوقت يجب عليه التمام، وكذلك من قدم من السفر يجب عليه التقصير. وحديث إسماعيل بن جابر يدل على أن من خرج إلى السفر بعد دخول الوقت يجب عليه التقصير، ومن قدم من السفر بعد دخول الوقت يجب عليه التمام. فاحتجنا إلى الجمع فحملنا كل خبر ورد بأنه من خرج إلى السفر بعد دخول الوقت يجب

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 223 ح 561. وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب صلاة المسافر ح 9 ج 5 ص 536.
(2) السرائر: ج 1 ص 332.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 164 ذيل الحديث 353.

[ 130 ]

عليه التمام، على أن المراد بعد تقضي الوقت، وكذلك فيمن قدم من السفر. وكل خبر ورد بأنه من خرج إلى السفر بعد دخول الوقت يجب عليه التقصير، على أنه إذا كان الوقت باقيا، وكذلك في القادم من السفر (1). والمعتمد ما قلناه نحن أولا. مسألة: لو خرج إلى السفر وغاب الجدران والأذان فصلى قصرا ثم رجع عن نية السفر بعد الاكمال لم يجب عليه قضاء الصلاة، اختاره الشيخ في المبسوط (2) والنهاية (3). وقال في الاستبصار: يعيد ما دام في الوقت (4). لنا: إنه أتى بالمأمور به شرعا فيخرج عن العهدة. أما المقدمة الأولى: فظاهرة، لأنه حال أداء الصلاة مكلف بالقصر وقد فعله. وأما الثانية: فلما ظهر من أن الأمر للاجزاء. وما رواه زرارة قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - في الرجل يخرج في سفر يريده فدخل عليه وقت الصلاة وقد خرج من القرية على فرسخين فصلوا وانصرفوا وانصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج ما يصنع في الصلاة التي صلاها ركعتين؟ قال: تمت صلاته ولا يعيد (5). احتج بما رواه سليمان بن حفص المروزي قال: قال الفقيه: التقصير في

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 163 ذيل الحديث 353.
(2) المبسوط: ج 1 ص 41.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 358.
(4) الاستبصار: ج 1 ص 228 ذيل الحديث 809. (1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 230 ح 593. وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 541.

[ 131 ]

الصلاة بريدين أو بريدا ذاهبا وجائيا، والبريد ستة أميال، وهو فرسخان، فالتقصير في أربعة فراسخ. فإذا خرج الرجل من منزله يريد اثني عشر ميلا وذلك أربعة فراسخ ثم بلغ فرسخين ونيته الرجوع أو فرسخين آخرين قصر، وإن رجع عما نوى عند بلوغ فرسخين فأراد المقام فعليه التمام، وإن كان قصر ثم رجع عن نيته أعاد الصلاة (1). والجواب: المنع من صحة السند، والدلالة صريحا على المطلوب. مسألة: المشهور استحباب الاتمام في مسجد مكة والمدينة والكوفة والحائر على ساكنه السلام، وفي هذه المسألة مباحث: الأول: منع الصدوق أبو جعفر بن بابويه من الاتمام في هذه المواطن، وقال عن الحديث المروي بالاتمام: أن المراد بذلك أن يعزم على مقام عشرة أيام في هذه المواطن حتى يتم، لما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي الحسن الرضا - عليه السلام - قال: سألته عن الصلاة بمكة والمدينة تقصير أو تمام؟ فقال: قصر ما لم تعزم على مقام عشرة أيام (2). وما رواه محمد بن خالد البرقي، عن حمزة بن عبد الله الجعفري قال: لما أن نفرت من منى نويت المقام بمكة وأتممت الصلاة، ثم جاءني خبر من المنزل فلم اجد بدا من المصير إلى المنزل، فلم أدر أتم أم اقصر، وأبو الحسن - عليه السلام - يومئذ بمكة فأتيته فقصصت عليه القصة، فقال لي: أرجع إلى التقصير (3)، وتبعه

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 226 ح 664. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 4 ج 5 ص 495.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 442 ذيل الحديث 1283 وح 1284.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 443 ح 1285. وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب صلاة المسافر ح 2 ج 5 ص 532.

[ 132 ]

ابن البراج (1). والمشهور استحباب الاتمام اختاره الشيخ (2)، والسيد المرتضى (3)، وابن الجنيد (4)، وابن إدريس (5)، وابن حمزة (6). لنا: إنها مواطن شريفة يستحب فيها الاكثار من الطاعات والنوافل، فناسب استحباب إتمام الفرائض. وما رواه حماد بن عيسى في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: من مخزون علم الله تعالى الاتمام في أربعة مواطن: حرم الله، وحرم رسوله، وحرم أمير المؤمنين، وحرم الحسين بن علي - عليهما السلام - (7). وعن زياد القندي قال: قال أبو الحسن - عليه السلام -: يا زياد أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، أتم الصلاة في الحرمين، وبالكوفة، وعند قبر الحسين - عليه السلام - (8). وعن عبد الحميد خادم إسماعيل بن جعفر، عن الصادق - عليه السلام - قال: يتم الصلاة في أربعة مواطن: في المسجد الحرام، ومسجد الرسول - صلى الله عليه وآله - ومسجد الكوفة، وحرم الحسين - عليه السلام - (9).

(1) المهذب: ج 1 ص 110.
(2) المبسوط: ج 1 ص 141.
(3) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا، ونقله عنه ابن إدريس في السرائر: ج 1 ص 342 - 343 هكذا: استحباب الاتمام في السفر عند كل قبر إمام من أئمة الهدى - عليهم السلام -.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) السرائر: ج 1 ص 342.
(6) الوسيلة: ص 110.
(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 430 ح 1494. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 543.
(8) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 430 ح 1495. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 13 ج 5 ص 564.
(9) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 431 ح 1497. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 14 ج 5 ص 546.

[ 133 ]

وعن حذيقة بن منصور قال: حدثني من سمع أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: يتم الصلاة في مسجد الحرام، ومسجد الرسول - صلى الله عليه وآله -، ومسجد الكوفة، وحرم الحسين - عليه السلام - (1). وفي الموثق عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: يتم الصلاة في أربعة مواطن: في المسجد الحرام، ومسجد الرسول - صلى الله عليه وآله -، ومسجد الكوفة، وحرم الحسين - عليه السلام - (2). وفي الصحيح عن مسمع، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قال لي: إذا دخلت مكة فأتم يوم تدخل (3). وفي الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن التمام بمكة والمدينة، قال: أتم وإن لم تصل فيهما إلا صلاة واحدة (4). احتج المانعون بالأصل، وبما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع في الصحيح قال: سألت الرضا - عليه السلام - عن الصلاة بمكة والمدينة تقصير أو تمام؟ فقال: قصر ما لم تعزم على مقام عشرة (5). وعن علي بن حديد قال: سألت الرضا - عليه السلام - فقلت: إن أصحابنا اختلفوا في الحرمين، فبعضهم يقصر، وبعضهم يتم، وأنا ممن يتم على رواية

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 431 ح 1498. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 23 ج 5 ص 548.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 432 ح 1500. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 25 ج 5 ص 549.
(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 426 ح 1480. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 7 ج 5 ص 545.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 426 ح 1481. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 5 ج 5 ص 544 (5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 426 ح 1482. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 32 ج 5 ص 550.

[ 134 ]

قد رواها أصحابنا في التمام، وذكرت عبد الله بن جندب أنه كان يتم، قال: رحم الله ابن جندب، ثم قال لي: لا يكون الاتمام إلا أن يجمع على إقامة عشرة أيام وصل النوافل ما شئت، قال ابن حديد: وكان محبتي أن يأمرني بالاتمام (1). والجواب عن الأصل: بمنعه، إذ الأصل التمام. سلمناه، لكن الأصل يعدل عنه، لقيام دليل على خلافه، وقد تقدمت الأحاديث وغيرها مما لم نذكره هنا. وعن الحديث الأول: إنا نقول بموجبه، إذ الأمر بالتقصير لا ينافي جواز الاتمام وقوله: " ما لم يعزم على إقامة عشرة " إشارة إلى منع الجائز وهو التقصير، ووجوب الاتمام حينئذ بالعزم. والحديث الثاني ضعيف السند، فإن علي بن حديد ضعيف. قال الشيخ: الأمر بالتقصير في هذين الخبرين إنما يوجه إلى من لم يعزم على مقام عشرة أيام إذا اعتقد وجوب الاتمام فيهما، ونحن لم نقل إن الاتمام فيهما واجب، بل إنما قلنا على جهة الأفضل، ثم قال: ويحتمل هذان الخبران وجها آخر (2). وهو المعتمد عندي، وهو أن من حصل بالحرمين ينبغي له أن يعزم على مقام عشرة أيام ويتم الصلاة فيهما، وإن كان يعلم أنه لا يقيم أو يكون في عزمه الخروج من الغد ويكون هذا مما يختص به هذان الموضعان، ويتميزان به من سائر البلاد، لأن غيرها متى عزم على المقام فيها عشرة وجب التمام، ومتى كان

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 426 ح 1283. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 33 ج 5 ص 551.
(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 427 ذيل الحديث 1483.

[ 135 ]

دون ذلك وجب التقصير. الثاني: قال السيد المرتضى في الجمل: لا يقصر في مكة، ومسجد النبي - صلى الله عليه وآله -، ومشاهد الأئمة القائمين مقامه - عليهم السلام - (1). وهذه العبارة تعطي منع التقصير (2)، وكذا عبارة ابن الجنيد (3) فإنه قال: والمسجد الحرام لا تقصير فيه على أحد، لأن الله - عزوجل - جعله سواء العاكف فيه والباد. والأقرب جوازه، لحديث محمد بن إسماعيل الصحيح (4) وقد سبق، وغيره من الأخبار. الثالث: المشهور استحباب الاتمام في المواطن الأربعة: مسجد مكة، ومسجد النبي - صلى الله عليه وآله -، وجامع الكوفة، والحائر على ساكنه السلام خاصة، ووجوب التقصير فيما عداها. وقال السيد المرتضى: لا تقصير في مشاهد الأئمة - عليهم السلام - (5)، وهو اختيار ابن الجنيد (6). لنا: الأصل الدال على وجوب القصر (7) على المسافر. احتجا بأنها من المواضع المشرفة، فاستحب فيها الاتمام كالأربعة. والجواب: المنع من القياس، واستناد الحكم إلى المشترك وانتفاء الفارق. الرابع: قال في الخلاف: يستحب الاتمام في أربعة مواضع: مكة،

(1) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 47.
(2) ق: تعطي وجوب منع القصر.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 426 ح 1482. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 32 ج 5 ص 550.
(5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 47.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) م (1) وم (2): التقصير.

[ 136 ]

والمدينة، ومسجد الكوفة، والحائر على ساكنه السلام (1). وفي النهاية (2)، والمبسوط (3) كذلك، إلا أنه زاد فيهما: وقد رويت رواية بلفظة أخرى: وهو أن يتم الصلاة في حرم الله، وفي حرم رسوله، وفي حرم أمير المؤمنين، وفي حرم الحسين - عليهم السلام - قال: فعلى هذه الرواية جاز التمام خارج المسجد بالكوفة وبالنجف. وعلى الرواية الأخرى لم يجز إلا في نفس المسجد. وقال السيد المرتضى: لا تقصير في مكة، ومسجد النبي - صلى الله عليه وآله - ومشاهد الأئمة القائمين مقامه - عليهم السلام - (4). وقال ابن الجنيد (5): والمسجد الحرام لا تقصير فيه على أحد، ومكة عندي يجري مجراه، وكذلك مسجد رسول الله - صلى الله عليه وآله - ومشاهد الأئمة القائمين مقام الرسول - عليه السلام - فأما ما عدا مكة والمشاهد من الحرم فحكمها حكم غيرها من البلدان في التقصير والاتمام. وقال الشيخ في التهذيب (لما روى حديث زياد القندي قال: قال أبو الحسن موسى - عليه السلام -: أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، أتم الصلاة في الحرمين، وعند قبر الحسين - عليه السلام - والكوفة وحديث أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: تتم الصلاة في أربعة مواطن: في المسجد الحرام، ومسجد الرسول، ومسجد الكوفة، وحرم الحسين - عليه السلام -): وليس لأحد أن يقول لأجل هذا الخبر والخبر

(1) الخلاف: ج 1 ص 576 المسألة 330.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 360.
(3) المبسوط: ج 1 ص 141.
(4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 47.
(5) لم نعثر على كتابه.

[ 137 ]

المتقدم الذي رواه حذيفة بن منصور: أن الاتمام مختص بالمسجد الحرام، ومسجد الكوفة. فإذا خرج الانسان منهما فلا تمام، لأنه لا يمنع أن يكون في هذين الخبرين قد خصا بالذكر تعظيما لهما، ثم ذكر في الأخبار الأخر ألفاظ يكون هذان المسجدان داخلين فيه وإن كان غيرهما داخلا فيه، وهذا غير مستبعد ولا متناف. وقد قدمنا من الأخبار ما يتضمن عموم الأماكن التي من جملتها هذان المسجدان منها: حديث حماد بن عيسى، عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: في حرم رسول الله - صلى الله عليه وآله - وحرم أمير المؤمنين - عليه السلام -، وبعده حديث زياد القندي فإنه قال: أتم الصلاة في الحرمين، وبالكوفة، ولم يقل مسجد الكوفة. وما تقدم من الأخبار في تضمن ذكر الحرمين على الإطلاق فهي أكثر من أن تحصى، وإذا ثبت أن الاتمام في حرم رسول الله صلى الله عليه وآله - هو المستحب دون المسجد على الاختصاص، وإن كان قد خص في هذين الخبرين، فكذلك في مسجد الكوفة، لأن أحدا لم يفرق بين الموضعين (1)، وكذا قال في الاستبصار (2). وقال ابن إدريس: يستحب الاتمام في أربعة مواطن في السفر: في نفس مسجد الحرام، وفي نفس مسجد المدينة، ومسجد الكوفة، والحائر. والمراد بالحائر ما دار سور المشهد، والمسجد عليه دون ما دار سور البلد عليه، لأن ذلك هو الحائر حقيقة، لأن الحائر في لسان العرب: الموضع المطمئن الذي يحار فيه الماء ولا يجوز الاتمام إلا في نفس المسجدين دون مكة والمدينة، وهو الأقرب.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 430 - 432 ح 1495 و 1500 وذيل الحديث 1500.
(2) الاستبصار: ج 2 ص 335 - 336 ح 1192 و 1196 وذيل الحديث 1196.
(3) السرائر: ج 1 ص 342.

[ 138 ]

لنا: الأصل وجوب القصر فيصار إلى خلافه في موضع الوفاق. احتجوا بما تقدم من الروايات الدالة على الاتمام في الحرمين. والجواب: يحمل على نفس المسجدين جمعا بين الأدلة. مسألة: قال في المبسوط: لو دخل في سفره بلدا ونوى فيه الإقامة عشرة أيام إن لقي فلانا فلقيه أتم، فإن بدا له من المقام عشرا أو قال: أخرج من وقته أو قبل عشرة أيام لم يكن له القصر، لأنه صار مقيما بالنية ولا يصير مسافرا بمجرد النية حتى يسافر (1)، وفي هذا الإطلاق نظر. والمعتمد أن يقال: إن صلى بعد لقائه على التمام ولو صلاة واحده صار مقيما، وإلا فلا. وقوله: " لأنه صار مقيما بالنية " ليس بجيد، بل بها وبالاتمام. مسألة: قال في النهاية: إذا خرج قوم إلى سفر وساروا أربعة فراسخ وقصروا من الصلاة، ثم أقاموا ينتظرون رفقة لهم في السفر فعليهم التقصير إلى أن يتيسر (2) لهم العزم على المقام فيرجعون إلى التمام ما لم يتجاوز ثلاثين يوما على ما قدمناه. وإن كان مسيرهم أقل من أربعة فراسخ وجب عليهم التمام، إلا أن يسيروا، فإذا ساروا رجعوا إلى التقصير (3). وفي المبسوط: لو خرج مقدار فرسخ أو فرسخين (4)، وبالأول قال ابن البراج (5)، وابن إدريس لم يفرق بين الصورتين، وأوجب التقصير في الموضع الذي يجب فيه التقصير مع بلوغ الأربعة (6).

(1) المبسوط: ج 1 ص 137.
(2) ق: يتبين.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 361 - 362.
(4) المبسوط: ج 1 ص 139.
(5) المهذب: ج 1 ص 109.
(6) السرائر: ج 1 ص 342.

[ 139 ]

والتحقيق أن نقول: إذا خرج وانتظر الرفقة فإن لم يخف عنه الأذان ولا المصر وجب عليه التمام إلى أن يسافر، وإن خفيا معا فإن عزم على السفر سواء حصلت الرفقة أو لا، لكنه انتظر الرفقة وجب القصر (1) ما لم ينو مقام عشرة أيام أو يمضي ثلاثون سواء سافر أربعة فراسخ أو أقل، وإن عزم على السفر مع الرفقة وعلى الترك بدونها وجب التمام ما لم يكن قد سافر ثمانية فراسخ، فإن بلغها وجب القصر ما لم يمضي ثلاثون يوما أو ينوي مقام عشرة أيام. لنا: إنه بانتظار الرفقة لم يخرج عن قصد السفر مع ظهور أثره وهو الضرب في الأرض، فثبت وجوب الرخصة. ولا اعتبار بالقيد من أربعة فراسخ أو غيرهما، كما في غيره من الاسفار. مسألة: قال في المبسوط: لو نوى المقام عشرا ودخل في الصلاة بنية القصر التمام ثم عن له الخروج لم يجز القصر إلى أن يخرج مسافرا (2)، وكذا قال ابن الجنيد (3) فإنه قال: لو كان مسافرا فدخل في الصلاة بنية القصر ثم نوى الإقامة أتم على ما كان صلاه، وإن كان مقيما فدخل في صلاة بنية الاتمام ثم نوى السفر قبل الفراغ منها لم يكن له القصر. وابن البراج صرح فقال: لو بدا له عن المقام وقد صلى منها ركعة أو ركعتين وجب التمام، لأنه دخلها بنية أنه مقيم (4). والأقرب عندي التفصيل، وهو أنه إن كان قد تجاوز في صلاته فرض القصر بأن صلى ثلاثة ركعات تعين الاتمام، وإلا جاز له القصر. لنا: إن المناط في وجوب الاتمام صلاة تامة، ولم توجد في الأثناء. أما

(1) م (1) وم (2): التقصير.
(2) المبسوط: ج 1 ص 139.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) المهذب: ج 1 ص 108.

[ 140 ]

المقدمة الأولى، فلما رواه أبو ولاد الحناط قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: إني كنت نويت حين دخلت المدينة أن أقيم بها عشرة أيام فاتم الصلاة ثم بدا لي بعد أن أقيم بها، فما ترى لي أتم أم اقصر؟ فقال: إن كنت دخلت المدينة صليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام فليس لك أن تقصر حتى تخرج منها، وإن كنت حين دخلتها على نيتك التمام فلم تصل بها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك أن لا تقيم فأنت في تلك الحال بالخيار إن شئت فانو المقام عشرا وأتم، وإن لم تنو المقام فقصر ما بينك وبين شهر، وإذا مضى لك شهر فأتم الصلاة (1). وأما المقدمة الثانية فظاهرة. مسألة: قال السيد المرتضى: يجوز صلاة النوافل راكبا اختيارا ويصلي حيث ما توجهت به راحلته، وإن افتتح الصلاة مستقبلا للقبلة كان أولى (2)، وبه قال سلار (3)، والشيخ (4). وقال ابن إدريس: الصحيح وجوب افتتاح الصلاة مستقبلا للقبلة، وهو قول جماعة أصحابنا إلا من شذ (5)، وهكذا قال علي بن بابويه في الرسالة (6). والأقرب عندي الأول. لنا: إن أصل العبادة ليس فرضا، فلا يجب صفتها، وإلا لزم أحد الأمرين، وهو إما تكليف ما لا يطاق، أو خروج الواجب عن كونه واجبا، والتالي

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 221 ح 553. وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 532.
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 47.
(3) المراسم: ص 75.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 286. (5) السرائر: ج 1 ص 336.
(6) لم نعثر على كتابه.

[ 141 ]

بقسميه باطل إجماعا فالمقدم مثله. بيان الشرطية: إنه على تقدير ترك الأصل إن لم تجب الكيفية لزم الأمر الثاني، وإن وجبت لزم الأول. وما رواه الحلبي في الصحيح أنه سأل أبا عبد الله - عليه السلام - عن صلاة النافلة على البعير والدابة، فقال: نعم حيث كان متوجها، وكذلك فعل رسول الله - صلى الله عليه وآله - (1). والاطلاق يمنع تخصيص الاستقبال بالوجوب. وعن إبراهيم الكرخي، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: إني أقدر على أن أتوجه إلى القبلة في المحمل، فقال: ما هذا الضيق، أما لك برسول الله - صلى الله عليه وآله - أسوة (2)؟!. وفي الصحيح عن حماد بن عثمان، عن أبي الحسن الأول - عليه السلام - في الرجل يصلي النافلة في الامصار وهو على دابته حيثما توجهت به؟ فقال: نعم لا بأس (4). والاطلاق في هذه الأحاديث ينافي وجوب التقييد، وهو جواز الاستقبال مطلقا في غير الاستفتاح. مسألة: قال ابن البراج: من سافر سفرا يلزم فيه التقصير (5) فلا يجوز له

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 228 ح 581. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب القبلة ح 6 و 7 ج 3 ص 340.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 229 ح 586. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب القبلة ح 2 ج 3 ص 239.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 229 ح 589. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب القبلة ح 10 ج 3 ص 240.
(4) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 230 ح 591. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب القبلة ح 1 ج 3 ص 239.
(5) ق: يلزمه التقصير.

[ 142 ]

ذلك حتى يخفى عنه أذان مصره أو يتوارى عنه جدران مدينته خرابا كانت أو عامرة، فإن كان باديا فحتى تجاوز الموضع الذي يستقر منزله فيه، وإن كان مقيما في واد حتى يتجاوز عرضه، وإن سار فيه طولا فحتى يغيب عن موضع منزله (1)، ولم يعتبر أصحابنا ذلك. والأقرب اعتبار الأذان حينئذ. لنا: إنه وضع شرعا لتسويغ الترخص فلا يناط بغيره. مسألة: قال ابن البراج: من مر في طريقه على مال له ضيعة يملكها أو كان له في طريقه أهل أو من يجري مجراهم ونزل عليهم ولم ينو المقام عندهم عشرة أيام كان عليه التقصير (2). وقال في الكامل (3): من كانت له قرية له فيها موضع يستوطنه، ونزل به وخرج إليها، وكانت عدة فراسخ سفره على ما قدمناه فعليه التمام. وإن لم يكن له فيها مسكن ينزل به ولا يستوطنه كان له التقصير. وقال الشيخ في المبسوط: إذا سافر فمر في طريقه بضيعة له أو على مال له أو كانت له أصهار أو زوجة فنزل عليهم ولم ينو المقام عشرة أيام قصر، وقد روي أن عليه التمام. وقد بينا الجمع بينهما، وهو أن ما روي أنه إن كان منزله أو ضيعته مما قد استوطنه ستة أشهر فصاعدا تمم، وإن لم يكن قد استوطن ذلك قصر (4). وقال أبو الصلاح: فإن دخل مصرا له فيه وطن فنزل فيه فعليه التمام ولو صلاة واحدة، وإن لم ينزله أو لم يكن له فيه وطن فيعزم على الإقامة عشرا تمم، وإن لم يعزم قصر ما بينه وبين شهر (5).

(1) المهذب: ج 1 ص 106.
(2) المهذب: ج 1 ص 106. (3) لم نعثر على هذا الكتاب.
(4) المبسوط: ج 1 ص 136.
(5) الكافي في الفقه: ص 117.

[ 143 ]

والأقرب عندي الاتمام - سواء نزل في منزله الذي في البلد أو لا - بشرطين: ثبوت الملك، والاستيطان في البلد، ولا اشترط الاستيطان في المنزل المملوك، بل استوطن في البلد في غير ملكه ستة أشهر وجب التمام، بل لو لم يكن له منزل، بل كان له في البلد ضيعة أو مزرعة أو بستان بل ولو نخلة وجب الاتمام مع استيطان ستة أشهر في البلد. لنا: إنه بلد إقامة فلحقه حكم بلده. وما رواه إسماعيل بن الفضل في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل سافر من أرض إلى أرض وإنما ينزل قراه وضيعته، قال: إذا نزلت قراك وضيعتك فأتم الصلاة، وإذا كنت في غير أرضك فقصر (1). لا يقال: لا دلالة في هذا الحديث، لأنه علق بالنزول في الضيعة، ولأن في طريقه أبان بن عثمان وهو ناووسي. لأنا نقول: المراد السكنى في بلد الضيعة لاستبعاد النزول في نفس الضيعة، وأبان وإن كان ناووسيا إلا أن الكشي قال: إنه قد اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن أبان بن عثمان (2). وما رواه عمار بن موسى في الموثق، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في الرجل يخرج في سفر بقرية له أو دار فينزل فيها، فقال: يتم الصلاة ولو لم يكن له إلا نخلة واحدة ولا يقصر، وليصم إذا حضره الصوم وهو فيها (3). وفي الصحيح عن سعد بن أبي خلف قال: سأل علي بن يقطين أبا الحسن

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 210 ح 508. وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 520.
(2) الكشي: ص 375 الرقم 705.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 211 ح 512. وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 5 ج 5 ص 521.

[ 144 ]

- عليه السلام - عن الدار يكون للرجل بمصر أو الضيعة فيمر بها، قال: إن كان مما قد سكنه أتم فيه الصلاة، وإن كان مما لم يسكنه فليقصر (1). ولا يجوز عود الضمير إلى غير المصر، لأنه المذكر والدار والضيعة مؤنثان، ولا يجوز عود ضمير التذكير إليهما. واعلم أن قول الشيخ في المبسوط، وقول ابن البراج يشعران بالقصر مطلقا ما لم ينو المسافر إقامة عشرة أيام، وقول أبي الصلاح يشعر بأن التقصير إنما هو في المنزل لا في البلد (2) غيره. مسألة: قال ابن الجنيد (3): من وجب عليه التقصير في سفر فنزل منزلا أو قرية يملكها أو بعضها أتم وإن لم يقم المدة التي توجب التمام على المسافر، وإن كان مجتازا بها غير نازل لم يتم، وكذلك حكم منزل زوجة الرجل وولده وأبيه وأخيه وإن كان حكمه نافذا فيه لا يزعجونه منه لو أراد المقام به. والكلام معه يقع في مقامين: الأول: الذي اشتهر بين الأصحاب أنه لا فرق بين الاجتياز والنزول، بل يجب التمام في ذلك البلد بشرط الاستيطان السابق فيه ستة أشهر، لأنه صار موطنا له ومسكنا فلحقه حكم بلده. احتج بما رواه علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن الأول - عليه السلام - عن رجل يمر ببعض الامصار وله بالمصر دار وليس المصر وطنه أيتم الصلاة أم يقصر؟ قال: يقصر الصلاة والضياع مثل ذلك إذا مر بها (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 212 ح 518. وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 9 ج 5 ص 522.
(2) في متن المطبوع وم (1): لا في بلد.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 212 ح 516. وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 7 ج 5 ص 521.

[ 145 ]

والجواب: إنا نقول بموجبه، فإنا نشترط الاستيطان الثاني: المشهور جعل ملك الوطن (1) مناطا للاتمام، فلا يتم لو كان غيره من أقاربه وزوجاته. احتج بما رواه في الموثق فضل البقباق، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن المسافر ينزل على بعض أهله يوما أو ليلة أو ثلاثا، قال: ما أحب أن يقصر الصلاة (2). والجواب: أن في طريقه داود بن الحصين، وهو إن كان ثقة إلا أنه واقفي على أن نقول بموجبها من أنه ينوي المقام عشرة أيام ويتم، لما رواه الفضل بن عبد الملك في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن المسافر ينزل على بعض أهله يوما أو ليلة، قال: يقصر الصلاة (3). وفي طريق هذه الرواية أبان بن عثمان، إلا أن الكشي قال: إنه ممن قد أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه (4). مسألة لو كان لبلد طريقان واحدهما مسافة دون الآخر فقصد الأبعد قصر وإن كان ميلا إلى الرخصة لا لغرض آخر. وقال ابن البراج: إن سافر فيه لغير علة لم يقصر، وإن كان الناقص مخوفا أو شاقا أو كان في الطريق الأبعد له حاجة تدعوه إلى المسير فيه كان عليه التقصير (5).

(1) في متن المطبوع وق: الموطن.
(2) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 233 ح 608. وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 533.
(3) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 217 ح 535. وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 533.
(4) الكشي: ص 375 الرقم 705.
(5) المهذب: ج 1 ص 107.

[ 146 ]

لنا: إنه قد وجد المقتضي للتقصير وانتفى المانع فيجب القصر، أما وجوب المقتضي فلأنه مسافر شغل يومه بالسير فيه فيجب عليه التقصير، وأما انتقاء المانع فلأن السير في ذلك الطريق لا لغرض سوى الترخص أمر مباح، وكل سفر مباح فإنه موجب للقصر وانتفى عنه وجه القبح. احتج بأنه عبث فيكون منهيا عنه. والجواب: المنع من المقدمتين. مسألة: قال ابن البراج: لو شك في المنسية هل هي صلاة حضر أو سفر كان عليه أن يصلي صلاة حضر (1). والوجه أنه يجب عليه الصلاتان. لنا: إن الزيادة والنقصان مبطلان، والقصر والتمام فرضان متغايران، فوجبا معا عليه، كما لو نسي هل الفائتة صبحا أو ظهرا. احتج بأن الأصل عدم السفر، والأحوط التمام، لدخول القصر تحته. والجواب: المنع من أصالة عدم السفر، والقصر ليس داخلا تحت التمام، لتغاير الفرضين. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا خرج حاجا إلى مكة وبينه وبينها مسافة يقصر فيها الصلاة ونوى أن يقيم بها عشرا قصر في الطريق، فإذا وصل إليها أتم، وإن خرج إلى عرفة يريد قضاء نسكه لا يريد مقام عشرة أيام إذا رجع إلى مكة كان له القصر، لأنه نقض مقامه بسفر بينه وبين بلده يقصر من مثله، وإن كان يريد إذا قضى نسكه مقام عشرة أيام بمكة أتم بمنى وعرفة ومكة حتى يخرج من مكة مسافرا فيقصر. هذا على قولنا بجواز التقصير بمكة، فأما على ما روي من الفضل في الاتمام بها فإنه يتم على كل حال، غير أنه يقصر فيما عداها من عرفات ومنى وغير ذلك، إلا أن ينوي المقام عشرا ويتم حينئذ على ما

(1) المهذب: ج 1 ص 108.

[ 147 ]

قدمناه (1). وقال ابن البراج: من سافر إلى مكة حاجا وبينه وبينها مسافة يقصر فيها الصلاة ونوى المقام بها عشرة أيام كان عليه التقصير في الطريق والاتمام إذا وصل إليها، فإن خرج منها إلى عرفات ليقضي مناسكه بها ولا ينوي المقام بمكة عشرة أيام إذا رجع إليها كان عليه التقصير، لأنه قد نقض مقامه بسفر بينه وبين بلده يقصر في مثله، وإن نوى إذا قضى مناسكه بعرفات المقام بمكة عشرا إذا عاد إليها كان عليه التمام إذا عاد إليها، فإن كان يريد إذا قضى مناسكه المقام عشرة أيام بمكة أو بمنى وعرفة ومكة حتى يخرج من مكة مسافرا فعليه الاتمام بمكة والتقصير في منى وعرفات، إلا أن ينوي بها المقام بها عشرا فعليه حينئذ التمام، وقد ذكر أن عليه التقصير، والأحوط ما ذكرناه أولا (2). والتحقيق أن نقول: إذا نوى المقام بمكة عشرة أيام أتم، فإن خرج إلى عرفة لقضاء النسك فإما أن يقصد المقام بعد ذلك بمكة عشرة أيام أو لا، فإن بقي قصده أتم بمكة ومنى وعرفة حتى يخرج من مكة مسافرا فيقصر، وإن قصد السفر عند خروجه من مكة إلى عرفة بعد عوده من عرفة إلى مكة وغير نيته عن المقام قصر عند خروجه من مكة إلى عرفة.

(1) المبسوط: ج 1 ص 138.
(2) المهذب: ج 1 ص 109.

[ 148 ]

......

[ 149 ]

كتاب الزكاة

[ 150 ]

......

[ 151 ]

وفيه مقاصد: الأول من تجب عليه مسألة: أوجب الشيخان (1)، وأبو الصلاح (2)، وابن البراج (3) الزكاة في غلات الأطفال والمجانين ومواشيهم، وأوجب ابن حمزة الزكاة في مال الصبي (4). وقال السيد المرتضى في الجمل: الزكاة تجب على الأحرار البالغين المسلمين الموسرين (5). وقال في المسائل الناصرية: الصحيح عندنا أنه لا زكاة في مال الصبي من العين والورق، فأما الزرع والضرع فقد ذهب أكثر أصحابنا إلى أن الإمام يأخذ منه الصدقة (6).

(1) المقنعة: ص 238. المبسوط: ج 1 ص 232. (2) الكافي في الفقه: ص 165.
(3) المهذب: ج 1 ص 168.
(4) الوسيلة: ص 121.
(5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 47.
(6) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 241 المسألة 122.

[ 152 ]

وقال علي بن بابويه: وليس في مال اليتيم زكاة، إلا أن يتجر به، فإن اتجر به ففيه زكاة، والربح لليتيم (1). وقال ابن الجنيد (2): لما ذكر قوله تعالى: " خذ من أموالهم صدقة " وظاهر الخطاب يدل على أن الفرض على من عقله من البالغين المالكين. ثم قال في موضع آخر: ولا زكاة في مال يتيم إذا كان صامتا، فإن حركة الوصي بما يخرجه به عن حكم الوديعة صار الوصي ضامنا، وإذا صار إلى اليتيم استقبل به وقت وجوبه (3). وقال سلار: وأما من تجب عليه الزكاة فهم الأحرار العقلاء البالغون المالكون للنصاب، فإن صحت الرواية بوجوب الزكاة في أموال الأطفال حملناها على الندب (4). وقال ابن حمزة: تجب الزكاة في مال الطفل (5)، ولم يذكر حكم المجنون. وقال ابن إدريس: لا زكاة على الأطفال والمجانين (6)، ونقله عن ابن أبي عقيل (7)، وهو الأقرب. لنا: إن كل واحد من الصبي والمجنون ليس من أهل التكليف، والزكاة تكليف، فكل واحد منهما ليس من أهل الزكاة، والمقدمتان ظاهرتان. ولأنها وجبت طهارة عن الذنب، ولا ذنب عليهما.

(1) لم نعثر على رسالته.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) م (2) ون: دخوله.
(4) المراسم: ص 128.
(5) الوسيلة: ص 121.
(6) السرائر: ج 1 ص 429.
(7) السرائر: ج 1 ص 429.

[ 153 ]

أما المقدمة الأولى: فلقوله تعالى: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها وتزكيهم بها " (1)، وأما الثانية: فظاهرة. لا يقال: أما الدليل الأول: فنمنع مقدميته معا، أما الصغرى فنمنع كونهما ليسا من أهل التكليف مطلقا، ولهذا يجب عليهما قيم المتلفات وأروش الجنايات. وأما الثانية: فلأن الزكاة حق مالي للفقراء فهي كالدين. سلمنا، لكن نمنع انتفاء تعلق الوجوب بالمال على الولي، لقوله - عليه السلام -: " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم " (2) وهما غنيان. سلمنا، لكن تجب الزكاة في المال، لقوله - عليه السلام - " في خمس من الإبل شاة " (3) " وفيما سقت السماء العشر " (4) وهو عام، ولم يجب في النقدين، لأن قوله - عليه السلام -: " هاتوا ربع عشر أموالكم " (5) خطاب للمكلفين وليسا منهم، فافترق البابان. وأما الثاني: فلم لا يجوز أن يكون الخطاب مختصا بالجماعة الذين ارتدوا في زمانه - عليه السلام -؟ لقوله: " خذ من أموالهم " (6) وإنما يكون خطابا تاما لو كان هناك جماعة لهم مال ينصرف الخطاب إليهم، فيكون إخبارا عن قوم مخصوصين ولا عموم لحكاية المال. سلمنا، لكن لا نسلم أن التطهير إنما يكون من الذنب، وإلا لسقطت الزكاة عمن

(1) التوبة: 103.
(2) مسند أحمد بن حنبل: ج 1 ص 233.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 20 ب 5. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الانعام ج 6 ص 72.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 13 ب 4. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب زكاة الغلات ج 6 ص 119.
(5) سنن ابن ماجة: ج 1 ص 570 ح 1790 وفيه: هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهما درهما.
(6) التوبة: 103.

[ 154 ]

لا ذنب له، وليس كذلك إجماعا. لأنا نقول: إما أن الزكاة تكليف فظاهر، لوجوب النية فيها، ولحصول الثواب بها، ولتعلق الخطاب بها للمكلفين، ولا نعني بالتكليف سوى ذلك، وتعلقها بالمال لا ينافي كونها عبادة. وأما أنهما ليسا من أهل التكليف فظاهر، إذ هو منوط بالبلوغ والرشد وأرش الجناية، وقيم المتلف ليس من باب التكليف، بل من باب خطاب الوضع. وقوله - عليه السلام -: " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم " خطاب للمكلفين، وكذا قول: " في خمس من الإبل شاة " وغيره من الأحاديث. وخطابه - عليه السلام - ليس مختصا بقوم دون غيرهم، إلا أن ينص على التخصيص، لقوله تعالى: " لأنذركم به ومن بلغ " (1)، ولقوله - عليه السلام -: " حكمي على الواحد حكمي على الجماعة " (2)، والتطهير ظاهر أنه إنما يكون من الذنب، ولا يلزم سقوط الزكاة الثابتة بدليل آخر عمن وجبت عليه ممن لا ذنب له. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن مال اليتيم، فقال: ليس فيه زكاة (3). وفي الصحيح عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: ليس في مال اليتيم زكاة (4). وعن أبي بصير في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - أنه سمعه يقول: ليس

(1) الانعام: 19.
(2) سنن الترمذي: ج 4 ص 151 - 152 ح 1597. وفيه: إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 26 ح 60. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 7 ج 6 ص 55.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 26 ح 62. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 8 ج 6 ص 56.

[ 155 ]

في مال اليتيم زكاة، وليس عليه صلاة، وليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلة زكاة، فإن بلغ فليس عليه لما مضى زكاة، ولا عليه لما يستقبل حتى يدرك، فإذا أدرك كان عليه زكاة واحدة، وكان عليه مثل ما على غيره من الناس (1). احتج الموجبون بعموم الأمر بالزكاة، وبما رواه زرارة في الصحيح ومحمد بن مسلم عنهما - عليهما السلام - أنهما قالا: مال اليتيم ليس عليه في العين والصامت شئ، وأما الغلات فإن عليها الصدقة واجبة (2). والجواب: بحمل الوجوب على الاستحباب عملا بالبراءة الأصلية، وبعدم تكليفهما، وبما تقدم من الأحاديث. مسألة: قال المفيد - رحمه الله -: لا زكاة عند آل الرسول - عليهم السلام - في صامت أموال الأطفال والمجانين من الدراهم والدنانير، إلا أن يتجر الولي لهم أو القيم عليهم بها، فإن اتجر بها وحركها وجب عليه إخراج الزكاة منها (3). والمشهور الاستحباب. لنا: الأصل براءة الذمة. ولأن مال التجارة لا تجب فيه الزكاة على ما سيأتي، ومال الطفل لا تجب فيه الزكاة على ما تقدم. قال الشيخ: مراد الشيخ المفيد - رحمه الله - بالوجوب هنا الاستحباب دون الفرض الذي يستحق بتركه العقاب (4).

(1) الاستبصار: ج 2 ص 31 ح 2. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 11 ج 6 ص 56.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 29 ح 72. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 2 ج 6 ص 54.
(3) المقنعة: ص 238.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 27 ذيل الحديث 64.

[ 156 ]

مسألة: المملوك لا يجب عليه الزكاة. أما على ما اخترناه نحن في كتبنا (1): من أنه لا يملك مطلقا فظاهر، لعدم الملك. وأما على القول الآخر: من أنه يملك فاضل الضريبة وارش الجناية فقد نقل الشيخ خلافا بين علمائنا، فمنهم من نفي الزكاة، لعدم تمامية الملك، إذ للمولى انتزاعه منه، وهو اختياره في المبسوط (2). ومنهم من أثبتها، لأنه مالك له التصرف فيه بجميع أنواع التصرف، وإذا نفينا الزكاة عن المملوك فإنها تجب على المالك، لأنه المالك في الحقيقة، والشرائط موجودة فيه لتمكنه تمكنا تاما من التصرف فيه. مسألة: الفار بالسبك من الزكاة إن سبك بعد حولان الحول وجبت الزكاة إجماعا، وإن سبك قبل الحول ففي الزكاة عليه قولان: قال في النهاية: يستحب (3). وقال في الجمل: وخامس ما يستحب فيه الزكاة الحلي المحرم لبسه مثل حلي النساء للرجل، وحلي الرجال للنساء ما لم يفر بها من الزكاة، فإن قصد الفرار به من الزكاة وجبت فيها الزكاة (4). وفي الخلاف: لا زكاة في سبائك الذهب والفضة، ومتى اجتمع معه دراهم أو دنانير ومعه سبائك أو نقار (5) أخرج الزكاة من الدراهم أو الدنانير إذا بلغا النصاب، ولم يضم السبائك والنقار إليها. وقال جميع الفقهاء: يضم بعضها إلى بعض، وعندنا أن ذلك يلزمه إذا قصد به الفرار من الزكاة (6).

(1) نهاية الحكمة: ج 2 ص 301. تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 201. منتهى المطلب: ج 1 ص 472.
(2) المبسوط: ج 1 ص 206.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 425.
(4) الجمل والعقود: ص 101.
(5) المراد بالنقار - بكسر أوله -: قطع الفضة الغير المضروبة.
(6) الخلاف: ج 2 ص 77 المسألة 90.

[ 157 ]

وفي المبسوط: سبائك الذهب والفضة لا تجب فيها الزكاة، إلا إذا قصد بذلك الفرار من الزكاة فيلزمه حينئذ الزكاة (1)، وكذا قال السيد المرتضى في الجمل (2). وقال علث بن بابويه (3): وليس في السبائك شئ، إلا أن يفر بها من الزكاة، فإن فررت بها من الزكاة فعليك زكاته، وكذا قال ابنه أبو جعفر في كتاب المقنع (4). وقال السيد المرتضى في المسائل المصرية الثالثة (5): السبائك من الذهب والفضة لا زكاة فيها، إلا على من فر بها من الزكاة للاجماع. وقال ابن أبي عقيل (6): ليس في الحلي زكاة، ولا في الذهب والفضة المسبوكة حتى يضرب دراهم ودنانير ويبقى في يد مالكها حولا كاملا، ولم يفصل. وقال المفيد: إذا صيغت الدنانير حليا أو سبكت سبيكة لم تجب فيها زكاة ولو بلغت في الوزن مائة ألف، وكذلك لا زكاة في التبر قبل أن تضرب دنانير. وقد روي أنه إذا فر بها من الزكاة لزمته زكاته عقوبة، ولا ينفعه فراره بسبكها وصياغتها (7). وهذا يدل على انتفاء الزكاة عنده، وهو اختيار ابن إدريس (8)، وهو الأقوى.

(1) المبسوط: ج 1 ص 210.
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 75.
(3) لم نعثر على رسالته.
(4) المقنع: ص 51.
(5) لم نعثر على المسائل المصرية الثالثة.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) المقنعة: ص 235.
(8) السرائر: ج 1 ص 442.

[ 158 ]

لنا: الأصل براءة الذمة، وعدم تعلق وجوب الزكاة بالمال. وما رواه الحسن بن علي بن يقطين في الصحيح قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن المال الذي لا يعمل به ولا يقلب، قال: تلزمه الزكاة في كل سنة إلا أن يسبك (1). وفي الصحيح عن علي بن يقطين، عن أبي إبراهيم - عليه السلام - قال: قلت له: يجتمع عندي الشئ الكثير نحوا من سنة أزكيه؟ فقال: لا كل ما لم يحل عندك عليه حول فليس عليك فيه زكاة، وكل ما لم يكن ركازا فليس عليك فيه شئ، قال: قلت: وما الركاز؟ قال: الصامت المنقوش، ثم قال: إذا أردت ذلك فأسبكه، فإنه ليس في سبائك الذهب ونقار الفضة زكاة (2). وهذا نص في الباب من أن الفار لا تجب عليه الزكاة، ولأن المقتضي للزكاة إن كان ثابتا في الفار بالسبك كان ثابتا في الفار بغيره، والتالي باطل فالمقدم مثله. احتج الموجبون بما رواه محمد بن مسلم في الموثق قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الحلي فيه الزكاة؟ قال: لا إلا ما فر به من الزكاة. والجواب: الحمل على الاستحباب عملا ببراءة الذمة، وبما رواه رفاعة في الحسن قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - وسأله بعضهم عن الحلي فيه زكاة؟ فقال: لا وإن بلغ مائة ألف (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 7. وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 1 ج 6 ص 113.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 8 ح 19، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 2 ج 6 ص 105.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 9 ح 24. وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 7 ج 6 ص 110.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 8 ح 20. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 4 ج 6 ص 106.

[ 159 ]

وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الحلي فيه زكاة؟ قال: لا (1). لا يقال: ليس في العموم دلالة على صورة النزاع. لأنا نقول: العام يعمل به مطلقا ما لم يدل على التخصيص، وليس حمل هذه العمومات على ما إذا لم يقصد الفرار بأولى من حمل الخبر الأول على الاستحباب، بل ما قلناه أولى لموافقته البراءة الأصلية. ولما رواه هارون بن خارجة في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: إن أخي يوسف ولي لهؤلاء أعمالا أصاب فيها أموالا كثيرة، وأنه جعل ذلك المال حليا أراد أن يفر به من الزكاة أعليه الزكاة؟ قال: ليس على الحلي زكاة، وما أدخل على نفسه من النقصان في وضعه ومنعه نفسه فضله أكثر مما يخاف من الزكاة (2)، وهو صريح في المطلوب. قال السيد المرتضى في الانتصار: من فر بدراهم أو دنانير فسبكها من الزكاة أو أبدل في الحول جنسا بغيره هربا من وجوب الزكاة فإن الزكاة تجب عليه إذا قصد الهرب، وإن كان له غرض سوى الفرار فلا زكاة عليه. قال: دليلنا إجماع الطائفة، فإن قيل: فقد ذكر أبو علي بن الجنيد أن الزكاة لا تلزم الفار منها ببعض ما ذكرناه، قلنا: الاجماع قد تقدم ابن الجنيد وتأخر عنه، وإنما عول ابن الجنيد على أخبار رويت عن أئمتنا - عليهم السلام - يتضمن أنه لا زكاة عليه وإن فر، وبأزاء تلك الأخبار ما هو أظهر منها وأقوى وأولى وأوضح طرقا

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 8 ح 21. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 5 ج 6 ص 107.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 9 ح 26. وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 4 ج 6 ص 109.

[ 160 ]

يتضمن أن الزكاة تلزمه، ويمكن حمل ما تضمن عدم اللزوم على التقية، ولا تأويل للاخبار التي وردت بأن الزكاة تلزمه إذا فر منها إلا إيجاب الزكاة، فالعمل بهذه الأخبار أولى (1). وهذا الكلام مدفوع لما بينا من قيام الخلاف، فكيف يجوز التمسك بالاجماع في مثل ذلك؟!. مسألة: قال في الخلاف: إذا كان معه نصاب من جنس واحد ففرقه في أجناس مختلفة فرارا من الزكاة لزمته الزكوة إذا حال عليه الحول على أشهر الروايات، وقد روي أن ما أدخله على نفسه أكثر (2). والمعتمد سقوط الزكاة. لنا: إن اتحاد الجنس شرط وقد تقدم. احتج بما رواه إسحاق بن عمار قال: سألت أبا إبراهيم - عليه السلام - عن رجل له مائة درهم وعشرة دنانير أعليه زكاة؟ فقال: إن كان فر بها من الزكاة فعليه الزكاة، قلت: لم يفر بها ورث مائة درهم وعشرة دنانير. قال - عليه السلام -: ليس عليه زكاة، قلت: لا يكسر الدراهم على الدنانير، ولا الدنانير على الدراهم؟ قال: لا (3). والجواب: إنه محمول على الاستحباب أو على الفار بعد الحول. مسألة: المديون تجب عليه الزكاة في الدين إن تركه حولا، ولا يجب على المدين، اختاره ابن أبي عقيل (4). وقال الشيخ في النهاية (5) والخلاف (6) والجمل (7): مال الدين إن كان

(1) الانتصار: ص 83.
(2) الخلاف: ج 2 ص 57 المسألة 66.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 94 ح 270. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 3 ج 6 ص 102.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 33 - 34.
(6) الخلاف: ج 2 ص 80 المسألة 96.
(7) الجمل والعقود: ص 101.

[ 161 ]

تأخره من جهة صاحبه فهذا يلزمه زكاته، وإن كان من جهة المديون فزكاته عليه. وفي المبسوط: لا زكاة في الدين، إلا أن يكون تأخره من جهته، فإن لم يكن متمكنا فلا زكاة عليه في الحال، فإذا حصل في يده استأنف به الحول، وفي أصحابنا من قال: يخرج لسنة واحدة هذا إذا كان حالا، فإن كان مؤجلا فلا زكاة فيه أصلا. وقد روي أن مال القرض الزكاة فيه على المستقرض، إلا أن يكون صاحب المال قد ضمن الزكاة عنه (1). وقال المفيد: لا زكاة في الدين، إلا أن يكون تأخيره من جهة مالكه، ويكون بحيث يسهل عليه قبضه متى رامه (2). ويحتمل كلامه نفي الزكاة عن المديون إذا كان التأخير من جهته، وبعبارة المفيد قال السيد المرتضى في الجمل (3). وقال ابن الجنيد (4): الزكاة لا تجب على المدين ما لم يكن نفس الملك واقعا على عين مفردة كالوديعة. وقال ابن البراج: الزكاة على المستدين، فإن ضمن المدين ذلك لزمه، ولم يكن على المستدين شئ (5). والأقرب أنه لا زكاة على المالك، وتجب على المديون إن كان عينه قائمة حولا، وهو اختيار ابن إدريس (6).

(1) المبسوط: ج 1 ص 211.
(2) المقنعة: ص 239.
(3) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 74.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) المهذب: ج 1 ص 160.
(6) السرائر: ج 1 ص 444.

[ 162 ]

لنا: إن الأصل براءة الذمة وعدم التكليف. ولأن الزكاة تجب في العين ولا عين قائمة للدين. وما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا صدقة على الدين، ولا على المال الغائب عنك حتى يقع في يديك (1). وفي الموثق عن محمد بن علي الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت: ليس في الدين زكاة؟ قال: لا (2). احتجوا بعموم قوله - عليه السلام -: " هاتوا ربع عشر أموالكم " (3). وبما رواه درست، عن الصادق - عليه السلام - قال: ليس في الدين زكاة، إلا أن يكون صاحب الدين هو الذي يؤخره، فإذا كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة حتى يقبضه (4). وعن عبد العزيز قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يكون له الدين أيزكيه؟ قال: كل دين يدعه هو إذا أراد أخذه فعليه زكاته، وما كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة (5). والجواب: بعد صحة السند الحمل على الاستحباب جمعا بين الأدلة.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 31 ح 78. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة.. ح 6 ج 6 ص 63.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 32 ح 80. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، ح 4 ج 6 ص 64.
(3) سنن ابن ماجة: ج 1 ص 570 ح 1790. وفيه: هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهما درهما.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 32 ح 81. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة. ح 7 ج 6 ص 64.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 32 ح 82. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 5 ج 6 ص 64.

[ 163 ]

لا يقال: لم لا يجوز أن يكون وجه الجمع ما فصل في هذين الخبرين؟ لأنا نقول: لما سأله الحلبي عن الدين، وأطلق - عليه السلام - بانتفاء الوجوب، فلو كان يجب في صورة ما لزم تأخر البيان عن وقت الحاجة وهو باطل. مسألة: ولا زكاة على المقرض مطلقا، أما المستقرض فإن ترك المال بعينه حولا وجبت الزكاة عليه وإلا فلا، وهو اختيار ابن أبي عقيل (1)، والشيخ في النهاية في باب الزكاة (2)، والخلاف (3)، والمفيد في المقنعة (4)، والشيخ علي بن بابويه في الرسالة (5)، وابن إدريس (6). وقال الشيخ في باب القرض من النهاية: إن اشترط المستقرض الزكاة على القارض وجبت عليه دون المستقرض (7). لنا: إنه ملك المقرض فالزكاة عليه والشرط غير لازم، لأنه اشتراط للعبادة على غير من وجبت عليه وإنه باطل، كما لو شرط غير الزكاة من العبادات. وما رواه يعقوب بن شعيب في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يقرض المال للرجل السنة والسنتين والثلاث أو ما شاء الله على من الزكاة على المقرض أو المستقرض؟ فقال: على المقرض، لأن له نفعه وعليه زكاته (8).

(1) نقله عنه في السرائر: ج 1 ص 444.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 424.
(3) الخلاف: ج 2 ص 110 المسألة 129.
(4) المقنعة: ص 239.
(5) لم نعثر على رسالته.
(6) السرائر: ج 1 ص 445.
(7) النهاية ونكتها: ج 2 ص 34.
(8) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 33 ح 84. وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة. ح 5 ج 6 ص 68.

[ 164 ]

وفي الحسن عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر - عليه السلام -: رجل دفع إلى رجل مالا قرضا على من زكاته على المقرض أو على المقترض؟ قال: لا، بل زكاته إن كانت موضوعة عنده حولا على المقترض، قال: قلت: فليس على المقرض زكاتها؟ قال: لا، لا يزكى المال من وجهين في عام واحد، قال: قلت: أفيزكي مال غيره من ماله؟ فقال: إنه ماله ما دام في يده، ليس ذلك المال لأحد غيره، ثم قال: يا زرارة أرأيت وضيعة ذلك المال وربحه لمن هو وعلى من؟ قلت: للمقترض، قال: فله الفضل وعليه النقصان، وله أن يلبس وينكح ويأكل منه، ولا ينبغي ألا يزكيه، بل يزكيه فإنه عليه (1). احتجوا بما رواه في الصحيح منصور بن حازم، عن الصادق - عليه السلام - في رجل استقرض مالا وحال عليه الحول وهو عنده، فقال: إن كان الذي أقرضه يؤدي زكاته فلا زكاة عليه، وإن كان لا يؤدي أدى المستقرض (2). والجواب: إنا نقول بموجبه، فإن المقرض لو تبرع بالاداء سقط عن المستقرض، أما الوجوب مع الشرط فممنوع، وليس في الحديث ما يدل عليه. مسألة: قال الشيخ علي بن بابويه: إن بعث شيئا وقبضت ثمنه واشترطت على المشتري زكاة سنة أو سنتين أو أكثر فإن ذلك يلزمه دونك، وفي لزوم هذا الشرط نظر (3). مسألة: المرتد عن غير فطرة إذا التحق بدار الحرب قال في المبسوط: يزول ملكه وينتقل المال إلى ورثته إن كان له ورثة وإلا إلى بيت المال، فإن كان

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 33 ح 85. وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة ومن لا تجب. ح 1 ج 6 ص 67.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 32 ح 82. وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة ومن لا تجب. ح 2 ج 6 ص 67.
(3) لم نعثر على رسالته.

[ 165 ]

حال عليه الحول أخذ منه الزكاة، وإن لم يحل عليه حول لم يجب عليه شئ (1). والأقرب أن الحاكم يحفظها، فإن عاد فهو أحق بها، وإلا انتقلت إلى ورثته بعد موته، وحينئذ يجب فيها الزكاة عليه. لا يقال: إنه ممنوع من التصرف في أمواله فكيف يجب عليه فيها الزكاة والتمكن شرط في الوجوب. لأنا نقول: المنع من جهته باختياره البقاء على الارتداد، فإنه لو عاد إلى الاسلام تصرف في أمواله بحسب اختياره.

(1) المبسوط: ج 1 ص 204.

[ 166 ]

المقصد الثاني ما يجب فيه ويستحب فيه وفيه فصول: الفصل الأول في الانعام مسألة: يشترط السوم فيها طول الحول للدر والنسل لا للظهر والعمل، فلو كانت سائمة للانتفاع بظهرها أو عملها لم تجب الزكاة، ولو كانت معلوفة للدر والنسل فلا زكاة، هذا إذا اعتلفت طول دهرها أو عملت طوله، فلو عملت في البعض أو اعتلفت فيه قال في الخلاف (1) والمبسوط (2): يعتبر الأغلب، وبه قال ابن الجنيد (3). والأقرب سقوط الزكاة، إلا أن تبلغ في القلة إلى حد لا يخرج الانعام معها عن اسم السوم، ولم تلحق باسم العوامل، وبه قال ابن إدريس (4). لنا: إن السوم شرط وقد خرجت عنه فتسقط الزكاة كالملك. وما رواه زرارة ومحمد بن مسلم وأبو بصير وبريد العجلي والفضيل بن يسار في الصحيح عنهما - عليهما السلام - قالا: ليس في العوامل من الإبل والبقر شئ،

(1) الخلاف: ج 2 ص 53 المسألة 62.
(2) المبسوط: ج 1 ص 198.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) السرائر: ج 1 ص 445 - 446.

[ 167 ]

إنما الصدقات على السائمة الراعية (1). احتجوا باعتبار الأغلب كالغلات في اعتبار السقي. والجواب: لا جامع، مع أنه قياس باطل. قال الشيخ في المبسوط: فإن كانت المواشى معلوفة أو للعمل في بعض الحول وسائمة في بعضه حكم بالأغلب، فإن تساويا فالأحوط إخراج الزكاة، وإن قلنا لا يجب كان قويا، لعدم الدليل وأصالة البراءة (2)، وهو جيد. مسألة: شرط سلار في الانعام الأنوثة، فلا زكاة في الذكران عنده بالغا ما بلغت (3)، وباقي الأصحاب على خلافه. لنا: عموم الأمر بالزكاة. وما رواه محمد بن قيس، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: ليس فيما دون الأربعين من الغنم شئ، فإذا كانت أربعين ففيها شاة (4). احتج بالبراءة الأصلية، وبأن الأحاديث دلت على أن في خمس من الإبل شاة، وإنما يتناول الإناث، إذ هو مدلول إسقاط التاء من العدد. والجواب: الاحتياط معارض للبراءة، والأحاديث لا يمنع وجوبها في الذكورة فيبقى ما قلناه سالما، وللشهرة بين الأصحاب. مسألة: لا تعد السخال مع الأمهات، بل لها حول بانفرادها، وهل يعتبر الحول من حين الانتاج أو من حين السوم؟ الأقرب الثاني، والمشهور الأول. لنا: إن الشرط السوم، فلا تعد قبله.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 48 ح 103. وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب زكاة الانعام ح 5 ج 6 ص 81.
(2) المبسوط: ج 1 ص 198.
(3) المراسم: ص 129.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 25 ح 59. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب زكاة الانعام ح 2 ج 6 ص 78.

[ 168 ]

ولما رواه زرارة ومحمد بن مسلم وأبو بصير وبريد العجلي والفضيل بن يسار في الصحيح عنهما - عليهما السلام - قالا: ليس على العوامل من الإبل والبقر شئ، إنما الصدقات على السائمة الراعية (1). احتج الشيخ، وابن الجنيد، وأتباعهما بما رواه زرارة، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: وما كان من هذه الاصناف فليس فيها شئ حتى يحول عليها الحول منذ يوم ينتج (2)، ولانتفاء مؤونة العلف عنها. والجواب: المنع من صحة السند، وبأن كون الحول غاية، فإنه لا ينافي ثبوت غاية أخرى، للحديث الصحيح الذي ذكرناه من طرقنا نحن، ونمنع انتفاء مؤونة العلف، فإن اللبن يجري مجرى العلف، أما إذا استغنت بالرعي عن الأمهات فإن الحول يتحقق حينئذ اعتباره لوجود الشرط. مسألة: المشهور أن في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه، فإذا زادت واحدة وجب بنت مخاض أو ابن لبون ذكر، ذهب إليه الشيخان (3)، والسيد المرتضى (4) وابنا بابويه (5)، وسلار (6)، وأبو الصلاح (7)، وابن البراج (8)، وباقي علمائنا إلا ابن أبي عقيل (9) وابن الجنيد (10) فإنهما أوجبا في خمس

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 41 ح 103. وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب زكاة الانعام ح 5 ج 6 ص 81.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 21 - 22 ح 54. وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب زكاة الانعام ح 4 ج 6 ص 81.
(3) المقنعة: ص 237. النهاية ونكتها: ج 1 ص 427.
(4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 76.
(5) المقنع: ص 49. ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(6) المراسم: ص 130.
(7) الكافي في الفقه: ص 166.
(8) المهذب: ج 1 ص 161.
(9) و (10) لم نعثر على كتابه.

[ 169 ]

وعشرين بنت مخاض. قال ابن أبي عقيل (1): فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون. وقال ابن الجنيد (2): ثم ليس في زيادتها شئ حتى تبلغ خمسا وعشرين، فإذا بلغتها ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم يكن في الإبل فابن لبون ذكر، فإن لم يكن فخمس شياه، فإن زاد على الخمس والعشرين واحدة ففيها ابنة مخاض، فإن لم يوجد فابن لبون ذكر إلى خمس وثلاثين، فإن زادت واحدة ففيها ابنة لبون أنثى. لنا: ما رواه أبو بصير في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: فإذا كانت خمسا وعشرين ففيها خمس من الغنم، فإن زادت واحدة ففيها ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فإن زادت واحدة على خمس وثلاثين ففيها ابنة لبون أنثى (3). وفي الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق - عليه السلام - قال: وفي خمس وعشرين خمس، وفي ستة وعشرين ابنة مخاض (4). وعن زرارة، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: ثم قال لي: في كل خمس شاة حتى تبلغ خمس وعشرين، فإذا زادت ففيها ابنة مخاض، فإن لم يكن فيها ابنة مخاض فابن لبون ذكر (5). احتجا بما رواه زرارة ومحمد بن مسلم وأبو بصير وبريد العجلي والفضيل

(1) و (2) لم نعثر على كتابه.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 20 ح 52. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 2 ج 6 ص 72.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 23 ح 56. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 4 ج 6 ص 73.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 21 ح 54. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 3 ج 6 ص 73.

[ 170 ]

عنهما - عليهما السلام - في الحسن قال: في صدقة الإبل في كل خمس شاة إلى أن تبلغ خمسا وعشرين، فإذا بلغت ذلك ففيها ابنة مخاض (1). قال الشيخ: المراد " فإذا زادت واحدة " ولم يذكر لفهم المخاطب أو للتقية (2). وقال السيد المرتضى: دليلنا إجماع الفرقة، فإن قيل: قد خالف أبو علي بن الجنيد في ذلك وقال: إن في خمس وعشرين ابنة مخاض، فإن لم تكن في الإبل فابن لبون، فإن لم تكن فخمس شياه، فإن زادت على خمس وعشرين واحدة ففيها ابنة مخاض. قلنا: إجماع الامامية قد تقدم ابن الجنيد وتأخر عنه، وإنما عول ابن الجنيد في هذا المذهب على بعض الأخبار المروية عن أئمتنا - عليهم السلام - ومثل هذه الأخبار لا يعول عليها، ويمكن أن يحمل ذكر بنت المخاض وابن اللبون في خمس وعشرين على أن ذلك على سبيل القيمة لما هو الواجب من خمس شياه، وعندنا أن القيمة يجوز أخذها في الصدقات (3)، هذا آخر كلام السيد المرتضى - رحمه الله -. مسألة: المشهور بين علمائنا أن الإبل إذا زادت على مائة وعشرين ولو بواحدة وجبت فيها عن كل خمسين حقة وعن كل أربعين بنت لبون. قال الشيخ: ثم ليس فيها شئ إلى أن تبلغ مائة وإحدى وعشرين فإذا بلغت ذلك تركت هذه العبرة وأخذ من كل خمسين حقة ومن كل أربعين بنت لبون (4)، وكذا قال ابن الجنيد (5)، والصدوق أبو جعفر بن بابويه (6)، وسلار (7)، وابن

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 22 ح 54. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 6 ج 6 ص 74.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 23 ذيل الحديث 55.
(3) الانتصار: ص 80.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 427.
(6) الهداية: ص 42.
(5) لم نعثر على كتابه.
(7) المراسم: ص 130.

[ 171 ]

البراج (1)، وهو الظاهر من كلام ابن أبي عقيل (2)، لأنه قال: إلى عشرين ومائة، فما زادت على هذه ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة. والمفيد قال: إلى مائة وعشرين، فإذا بلغت ذلك وزادت عليه ترك هذا الاعتبار وأخرج من كل خمسين حقة ومن كل أربعين بنت لبون (3)، وكذا قال أبو الصلاح (4)، والسيد المرتضى في الجمل (5). وفي الخلاف: إذا بلغت الإبل مائة وعشرين ففيها حقتان بلا خلاف، فإذا زادت واحدة فالذي يقتضيه المذهب أن يكون فيها ثلاث بنات لبون إلى مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون (6). وقال السيد المرتضى في الانتصار: مما ظن انفراد الامامية به وقد وافقها غيرها من الفقهاء فيه قولهم: إن الإبل إذا بلغت مائة وعشرين ثم زادت فلا شئ في زيادتها حتى تبلغ مائة وثلاثين، فإذا بلغتها ففيها حقة واحدة وبنتا لبون، وأنه لا شئ في الزيادة ما بين العشرين والثلاثين، وهذا مذهب مالك بعينه والشافعي يذهب إلى أنها إن زادت واحدة على مائة وعشرين كان فيها ثلاث بنات لبون، وعند أبي حنيفة وأصحابه فيما زاد على مائة وعشرين أنه يستقبل الفريضة ويخرج من كل خمس زائدة على العشرين شاة، فإذا بلغت الزيادة خمسا وعشرين أخرج ابنة مخاض. والذي يدل على صحة مذهبنا بعد الاجماع المتردد أن الأصل هو براءة الذمة، وقد اتفقنا على ما يخرج من الإبل إذا كانت مائة وعشرين، واختلف الأمة الامامية فيما زاد على العشرين فيما بينها وبين

(1) المهذب: ج 1 ص 161.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) المقنعة: الكافي في الفقه: ص 167.
(4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 77.
(6) الخلاف:: ج 2 ص 7 المسألة 3.

[ 172 ]

الثلاثين، ولم يقم دليل قاطع على وجوب شئ ما بين هذه العشرين إلى أن تبلغ الزيادة ثلاثين فيجب فيها حقة وابنتا لبون عندنا، وعند الشافعي ومالك وعند أبي حنيفة تجب حقتان وشاتان، فقد اجمعنا على وجوب الزكاة في مائة وثلاثين، ولو تجمع على وجوب شئ من الزيادة فيما بين العشرين والثلاثين، ولم يقم دليل شرعي قاطع فيجب أن يكون على الأصل. فإذا ذكرت الأخبار المتضمنة أن الفريضة إذا زادت على عشرين ومائة تعاد الفريضة إلى أولها في كل خمس شاة، والخبر المتضمن أنها إذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ففيها ثلاث بنات لبون. فجوابنا عن ذلك أن هذه كلها أخبار أحاد لا توجب علما، ولا تقتضي قطعا، ويعارضها ما رووه من طرقهم، ووجد في كتبهم أنه وجد في كتاب رسول الله - صلى الله عليه وآله - أن الإبل إذا زادت على عشرين ومائة فليس فيما زاد شئ دون ثلاثين ومائة، فإذا بلغتها ففيها ابنتا لبون وحقة. وأما ما يعارض ما ذكروه (1) من روايات أصحابنا عن أئمتنا - عليهم السلام - فأكثر من أن تحصى، وإنما عارضناهم بما يعرفونه ويألفونه (2)، هذا آخر كلامه. لنا: ما رواه أبو بصير في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - وقد سأله عن الزكاة - إلى أن قال: - إلى تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة (3)، وكذا في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق - عليه السلام - (4). وعن زرارة عنهما - عليهما السلام - إلى عشرين ومائة، فإذا زادت ففي كل

(1) ق وم (2): رووه.
(2) الانتصار: ص 81 - 82.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 20 - 21 ح 52. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 2 ج 6 ص 72 - 73.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 21 ح 53. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 4 ج 6 ص 73.

[ 173 ]

خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون (1). وفي الحسن عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير وبريد العجلي والفضيل ابن يسار عنهما - عليهما السلام - فإذا زادت واحدة على عشرين ومائة ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون (2). والجواب عما قاله السيد المرتضى: المنع من الاجماع، بل لو قيل بوقوعه على خلافه كان أقرب. والعجب أن السيد المرتضى قال في المسائل الناصرية: الذي نذهب إليه أن الإبل إذا كثرت وزادت على مائة وعشرين أخرج من كل خمسين حقة ومن كل أربعين بنت لبون، ووافقنا عليه الشافعي، وقال مالك: إذا زادت على إحدى وتسعين فلا شئ فيها حتى تبلغ مائة وثلاثين، ثم يجب في كل أربعين ابنة لبون وفي كل خمسين حقة، وقال أبو حنيفة: إذا زادت على مائة وعشرين ففيها بنت مخاض مثل ابتداء الفريضة، وقال ابن جرير الطبري: رب المال بالخيار بين ما قلناه وبين ما قاله أبو حنيفة، ثم قال: دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم ما رواه أنس وعبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، فإن عارضوا بما روي عنه - عليه السلام - من قوله: " إذا زادت الإبل على مائة وعشرين " استؤنفت الفريضة في كل خمس شاة. فالجواب عنه: إنا نحمل هذا الخبر على وجهين من التأويل: أحدهما: إن معنى استئناف الفريضة أنها صارت على جهة واحدة بعد أن كانت على جهات مختلفة، ويكون القول بأن في كل خمس شاة من جهة الراوي لا من جهة نقله، كان الراوي فسر لفظة الاستئناف وظن أنه على ما

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 22 ح 54. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 3 ج 6 ص 37.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 22 ح 55. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 6 ج 6 ص 75.

[ 174 ]

قاله دون ما بيناه. الثاني: أن يريد أنه إذا استفاد مالا زائدا على مائة وعشرين في أثناء الحول فإنه يستأنف به الفريضة، ولا يبني حوله على حول الأصل (1). مسألة: قال الشيخ علي بن بابويه في رسالته (2): فإذا بلغت خمسا وأربعين وزادت واحدة ففيها حقة، وسميت حقة لأنها استحقت أن يركب ظهرها إلى أن تبلغ ستين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى ثمانين، فإن زادت واحدة ففيها ثني، وهو قول ابنه محمد في كتاب الهداية (3)، ولم يوجب باقي علمائنا في إحدى وثمانين شيئا أصلا عدا نصاب ست وسبعين. لنا: الأصل براءة الذمة. وما رواه أبو بصير في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - إلى ستين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها بنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان (4)، وكذا في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق - عليه السلام - (5)، وعن زرارة عنها - عليهما السلام - (6). ورواه ابنه أبو جعفر في كتاب من لا يحضره الفقيه، عن زرارة في الصحيح عن الصادق - عليه السلام - (7).

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص: 241.
(2) لم نعثر على رسالته.
(3) الهداية: ص 42.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 20 ح 52. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 2 ج 6 ص 72 - 73.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 21 ح 53. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 4 ج 6 ص 73 - 74.
(6) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 22 - 54. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب زكاة الانعام ح 3 ج 6 ص 73.
(7) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 23 ح 1604.

[ 175 ]

مسألة: قال ابن أبي عقيل (1): وإذا بلغت خمسا وأربعين وزادت واحدة ففيها حقة طروقة الفحل، ثم قال: إلى إحدى وتسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل. وكذا قال ابن الجنيد (2): فإذا بلغتها ففيها حقة طروقة الفحل، وفي إحدى وتسعين حقتان طروقتا الفحل وفي الزائد على مائة وعشرين وواحده ففي كل خمسين حقة طروقة الفحل. فإن قصدا بذلك طرق الفحل لهما بالفعل فهو ممنوع، لأن الأصل براءة الذمة، والمشهور عدم التقييد. نعم قال أصحابنا: إنما سميت حقة لأنها استحقت أن يطرقها الفحل أو يركب عليها. احتجا بما رواه زرارة ومحمد بن مسلم وأبو بصير وبريد العجلي والفصيل في الحسن، عن الباقر والصادق - عليهما السلام - فإذا بلغت خمسا وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل - إلى أن قال -: فإذا بلغت تسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل (3). والجواب: المراد بذلك استحقاقها للطرق عملا بالبراءة الأصلية، ولأنها في معنى الشافع (4)، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وآله - عن أخذها (5). مسألة: إذا وجب عليه سن أدون وليست عنده وعنده الأعلى منه بدرجة دفع الأعلى واسترد شاتين أو عشرين درهما، وبالعكس يدفع الأدون وشاتين أو عشرين درهما، هذا هو المشهور، وجعل الشيخ علي بن بابويه (6) التفاوت بين بنت المخاض وبنت اللبون شاة يأخذها المتصدق أو يدفعها، وكذا جعل ابنه أبو

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 22 ح 55. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 6 ج 6 ص 74 - 75.
(4) الشافع: التي معها ولدها، سميت شافعا لأن ولدها شفعها.
(5) سنن البيهقي: ج 4 ص 96.
(6) لم نعثر على رسالته.

[ 176 ]

جعفر في المقنع (1)، وفي كتاب من لا يحضره الفقيه أفتى بالمشهور (2). لنا: الشهرة. وما رواه محمد بن مقرن، عن عبد الله بن زمعة، عن أبيه، عن جد أمه أن أمير المؤمنين - عليه السلام - كتب له في كتابه (3) الذي كتبه له بخطه حين بعثه على الصدقات: من بلغت عنده من ابل الصدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنه يقبل الحقة ويجعل معها شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده جذعة فإنه يقبل منه جذعة ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته حقة وليست عنده حقة وعنده ابنة لبون فإنه يقبل منه ويعطي معها شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته ابنة لبون وليست عنده ابنة لبون وعنده حقة فإنه يقبل الحقة منه ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته ابنة لبون وليست عنده ابنة مخاض فإنه يقبل منه ابنة مخاض ويعطي معها شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته ابنة مخاض وليس عنده ابنة مخاض وعنده ابنة لبون فإنه يقبل منه ابنة لبون ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهما، ومن لم يكن عنده ابنة مخاض على وجهها وعنده ابن لبون ذكر فإنه يقبل منه ابن لبون ذكر وليس معه شئ (4). مسألة: لو كانت التفاوت بأكثر من درجة قال أبو الصلاح: يتضاعف الجبران الشرعي، فلو وجبت عليه بنت مخاض وعنده حقة دفعها واسترد أربع

(1) المقنع: ص 49.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 23 - 24 ذيل الحديث 1604.
(3) م (1) ون: كتب له كتابه.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 95 ح 273. وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب زكاة الانعام ح 2 ج 6 ص 78.

[ 177 ]

شياة أو أربعين درهما وبالعكس، وكذا في البواقي. قال: وإن كان ثلاث درج فست شياه أو ما في مقابلة ذلك من الدراهم (1). وقال ابن إدريس: لا يجوز ذلك، بل يؤخذ بالقيمة السوقية، لأنه ضرب من الاعتبار والقياس والمنصوص عن الأئمة - عليهم السلام - والمتداول من الأقوال والفتيا بين أصحابنا أن هذا الحكم فيما بين السن الواجبة من الدرج دون ما بعد عنها (2). أما الشيخ فإنه قال في المبسوط: ويجوز النزول من الجذعة إلى بنت مخاض، والصعود من بنت مخاض إلى جذعة على ما قدر في الشرع بين الأسنان (3)، وهو يدل على ما اختاره أبو الصلاح، وهو الأقرب. لنا: إن المجموع من بنت مخاض والغنم أو الدراهم مساو لبنت اللبون في المصالح المتعلقة بإيجابها، والمجموع من بنت اللبون والغنم أو الدراهم مساو للحقة في المصالح المتعلقة بإيجابها، والضرورة قاضية بأن مساوى المساوي مساو، فتكون بنت المخاض مع الضعف من الغنم أو الضعف من الدراهم مساو للحقة في المصالح المتعلقة بإيجابها، وإذا كان كذلك جاز الانتقال في الدرجتين فما زاد، فهاهنا مقدمات ثلاث: احداها: مساواة بنت المخاض مع الغنم أو الدراهم لبنت اللبون في المصالح، لأنه لو لا ذلك لقبح جعله بدلا على تقدير انتفاء المساواة أو الرجحان، ولأنه لولاه لكان حراما كالترك. الثانية: مساواة بنت اللبون مع الغنم أو الدراهم للحقة، وهي مقدمة

(1) الكافي في الفقه: ص 167.
(2) السرائر: ج 1 ص 435.
(3) المبسوط: ج 1 ص 195.

[ 178 ]

ظاهرة مما سبق. الثالثة: جواز الانتقال مع تقدير المساواة، وهو أيضا ظاهر، إذ مع التساوي في المصالح المتعلقة بالتكليف يقبح التخصيص لأحد المتساويين بالاجزاء دون صاحبه، وقوله: " أنه قياس " خطأ، بل هو حكم مستفاد من قضايا عقيلة قطعية. مسألة: المشهور أن في ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة، اختاره الشيخان (1)، وابن الجنيد (2)، والسيد المرتضى (3)، وسلار (4)، وباقي المتأخرين. وقال ابن أبي عقيل (5)، وعلي بن بابويه (6): في ثلاثين تبيع حولي، ولم يذكر التبيعة. لنا: إنه أشهر بين الأصحاب. ولأن التبيعة أفضل من التبيع، فإيجابها يستلزم إيجاب التبيع دون العكس فهو أحوط، فيتعين التخيير بينهما. احتجا بما رواه زرارة ومحمد بن مسلم وأبو بصير وبريد والفضيل في الحسن، عن الباقر والصادق - عليهما السلام - قالا: في البقر في كل ثلاثين بقرة تبيع حولي (7). والجواب: أنه غير مانع عن إيجاب الازيد على وجه التخيير. مسألة: ذهب الشيخان (8) إلى أن النصاب الرابع للغنم ثلاثمائة وواحدة،

(1) المقنعة: ص 237. المبسوط: ج 1 ص 197.
(2) لم نعثر عليه.
(3) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 77.
(4) المراسم: ص 131.
(5) لم نعثر على كتابه. (6) لم نعثر على رسالته.
(7) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 24 ح 57. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب زكاة الانعام ح 1 ج 6 ص 77.
(8) المقنعة: ص 238. وفيه: فإذا كملت مائتين وزادت ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإذا -

[ 179 ]

وأن فيه أربع شياه إلى أربعمائة، فيؤخذ من كل مائة شاة بالغا ما بلغ. قال الشيخ في الخلاف: إذا زادت واحدة على ثلاثمائة ففيها أربع شياه إلى أربعمائة، فإذا بلغت ذلك ففي كل مائة شاة. وقال جميع الفقهاء أبو حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم مثل ذلك، إلا أنهم لم يجعلوا بعد المائتين وواحدة أكثر من ثلاث إلى أربعمائة، ولم يجعلوا في الثلاثمائة وواحدة أربعا كما جعلناه، وفي أصحابنا من ذهب إلى هذا رواية شاذة وقد بينا الوجه فيها، وهو اختيار السيد المرتضى، واستدل بإجماع الفرقة (1). والذي اختاره الشيخ هو مذهب أبي علي بن الجنيد (2)، وأبي الصلاح (3)، وابن البراج (4). ومذهب السيد المرتضى (5) هو اختيار ابن أبي عقيل (6)، وابني بابويه (7)، وسلار (8)، وابن حمزة (9)، وابن إدريس (10). والمعتمد اختيار الشيخ. لنا: الاحتياط.

بلغت ذلك تركت العبرة، كما في السرائر: ج 1 ص 436. ولعل النسخة التي كانت بيد ابن إدريس غير النسخة التي كانت بيد العلامة كما في مفتاح الكرامة: ج 3 ص 95 من كتاب الزكاة. المبسوط: ج 1 ص 199. (1) الخلاف: ج 2 ص 21 المسألة 17.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) الكافي في الفقه: ص 167.
(4) المهذب: ج 1 ص 164.
(5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 77.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) الهداية: ص 43. ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(8) المراسم: ص 131.
(9) الوسيلة: ص 126.
(10) السرائر: ج 1 ص 436.

[ 180 ]

وما رواه في الحسن زرارة ومحمد بن مسلم وأبو بصير وبريد والفضيل، عن الباقر والصادق - عليهما السلام - ثم ليس فيها شئ أكثر من ذلك حتى تبلغ ثلاثمائة، فإذا بلغت ثلاثمائة ففيها مثل ذلك ثلاث شياه، فإذا زادت واحدة ففيها أربع شياه حتى تبلغ أربعمائة، فإن تمت أربعمائة كان على كل مائة شاة شاة، ويسقط الأمر الأول (1). احتج ابن إدريس بأصالة براءة الذمة، وقوله تعالى: " ولا يسألكم أموالكم " (2). وما رواه محمد بن قيس، عن الصادق - عليه السلام - قال: إلى المائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث من الغنم إلى ثلاثمائة، فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة (3). والجواب: إن الأصل خالفناه بما تقدم، والآية غير دالة على المطلوب وكذا الحديث، لأن الزيادة تحمل على بلوغ الأربعمائة جمعا بين الأدلة، فإن الكثرة غير منحصرة. والعجب أن ابن إدريس نقل عن المفيد اختياره (4)، والمفيد قد صرح في المقنعة بما قلناه (5) أولا، والحديث الذي رووه في طريقه محمد بن قيس، وهو مشترك بين أربعة، أحدهم ضعيف فلعله إياه. مسألة: المشهور عند علمائنا أجمع أن أول نصب الغنم أربعون، ذهب إليه الشيخان (6)، وابن الجنيد (7)، وابن أبي عقيل (8)، والسيد المرتضى (9)،

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 25 ح 58. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب زكاة الانعام ح 1 ج 6 ص 78.
(2) السرائر: ج 1 ص 436.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 25 ح 59. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب زكاة الانعام ح 2 ج 6 ص 78.
(4) السرائر: ج 1 ص 436.
(5) تقدم في ص 178.
(6) المقنعة: ص 238. النهاية: ص 181.
(7) لم نعثر على كتابه.
(8) لم نعثر على كتابه.
(9) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 77.

[ 181 ]

وسلار (1)، وابن البراج (2)، وابن حمزة (3). وقال ابنا بابويه - رحمه الله تعالى -: ليس على الغنم شئ حتى يبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين وزادت واحدة ففيها شاة (4). لنا: رواية زرارة ومحمد بن مسلم وأبو بصير وبريد والفضيل عنهما - عليهما السلام - في الشاة في كل أربعين شاة شاة (5). وفي حديث محمد بن قيس، عن الصادق - عليه السلام - قال: فإذا كانت أربعين ففيها شاة (6). مسألة: قال أبو الصلاح: لا يعد في شئ من الانعام فحل الضراب (7). وقال ابن إدريس: يعد (8)، وهو الأقوى. لنا: عموم الأمر في قوله: " في كل خمسين حقة " (9)، وقوله - عليه السلام -: " يعد صغيرها وكبيرها " (10). نعم لا يؤخذ، وعدم الأخذ لا يستلزم عدم العد. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا بلغت الإبل مائتين كان الساعي بالخيار بين أن يأخذ أربع حقاق أو خمس بنات لبون (11). والحق أن الخيار في

(1) المراسم: ص 131.
(2) المهذب: ج 1 ص 164.
(3) الوسيلة: ص 126.
(4) المقنع: ص 50 ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(5) و (6) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 25 ح 58 و 59، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب زكاة الانعام ح 1 و 2 ج 6 ص 78.
(7) الكافي في الفقه: ص 167.
(8) السرائر: ج 1 ص 437.
(9) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 21 ح 53، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 4 ج 6 ص 73.
(10) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 20 - 21 ح 52.
(11) الخلاف: ج 2 ص 14 المسألة 8.

[ 182 ]

ذلك إلى المالك أيهما شاء دفع. لنا: إنه - عليه السلام - أمر العامل بتخيير المالك (1). مسألة: لو اجتمع الجاموس والبقر أو الغنم والماعز أو العراب والبخاتي أخذ الواجب من الجنسين، فإن لم يتفق أخذ ما يساوي المبسوط عليهما، كما لو كان عنده عشرون شاة وعشرون عنزا فإنه يأخذ شاة قيمة نصفها نصف شاة وقيمة نصفها نصف ماعز، وكذا لو تفاوتا. وقال ابن الجنيد (2): يعتبر الأغلب. لنا: إن ما ذكرناه أعدل فيكون أولى. احتج بالحمل على الغلات. والجواب: المنع من التساوي. الفصل الثاني في باقي الاصناف مسألة: المشهور بين علمائنا أجمع أن أول نصاب الذهب عشرون مثقالا وفيه نصف مثقال. وقال الشيخ علي بن بابويه (3): ليس فيه شئ حتى يبلغ مثقالا وفيه مثقال. لنا: عموم الأمر بإيتاء الزكاة، وبقوله - عليه السلام -: " هاتوا ربع عشر أموالكم " (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 96 ح 274. وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب زكاة الانعام ح 1 ج 6 ص 88.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) لم نعثر على رسالته، ونقله عنه في السرائر: ج 1 ص 447.
(4) سنن ابن ماجة: ج 1 ص 570 ح 1790. وفيه: هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهما درهما.

[ 183 ]

وما رواه يحيى بن أبي العلا، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: في عشرين دينارا نصف دينار (1). وما رواه زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: في الذهب إذا بلغ عشرين دينارا ففيه نصف دينار، وليس فيما دون العشرين شئ (2). وروى الصدوق أبو جعفر بن بابويه في الصحيح، عن عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - قال: أمر رسول الله - صلى الله عليه وآله - مناديه - إلى أن قال: - فليس على الذهب شئ حتى يبلغ عشرين مثقالا، فإذا بلغ عشرين مثقالا ففيه نصف دينار إلى أن يبلغ أربعة وعشرين (3). احتج ابن بابويه بأصالة براءة الذمة، وبما رواه محمد بن مسلم وأبو بصير وبريد والفضيل عنهما - عليهما السلام - قال: في الذهب في كل أربعين مثقالا مثقال، وليس في أقل من أربعين مثقالا شئ (4). والجواب عن الأول: المعارضة بالاحتياط، وعن الثاني بالمنع من صحة الحديث وبالقول بالموجب، فإن في الأربعين عندنا دينارا، ويحمل قوله: " وليس في أقل من أربعين مثقالا شئ " على الدينار، فكأنه قال: " ليس فيما هو أقل من أربعين مثقالا دينار جمعا بين الأدلة. مسألة: والنصاب الثاني من الذهب أربعة دنانير، ذهب إليه علماؤنا أجمع

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 7 ح 14، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 9 ج 6 ص 94.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 13 - 14 ح 1598.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 11 ح 29. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 13 ج 6 ص 94 - 95.

[ 184 ]

إلا الشيخ علي بن بابويه، فإنه جعله أربعين مثقالا، فقال: وليس في النيف شئ حتى يبلغ أربعين (1). لنا: العمومات والروايات، روى علي بن عقبة وعدة من أصحابنا، عن الباقر والصادق - عليهما السلام - قالا: فإذا كملت أربعة وعشرين ففيها ثلاثة أخماس دينار إلى ثمانية وعشرين (2). وفي الصحيح رواه الصدوق أبو جعفر بن بابويه، عن عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - قال: أمر رسول الله - صلى الله عليه وآله - مناديه - إلى أن قال: - متى زاد على عشرين أربعة أربعة ففي كل أربعة عشر (3). احتج بما رواه محمد بن مسلم وأبو بصير وبريد والفضيل، عن الباقر والصادق - عليهما السلام - قالا: وليس في النيف شئ حتى يتم أربعون فيكون فيه واحد (4). والجواب: المشهور الأول وعليه الاحتياط، والرواية ممنوعة السند، فإن في طريقها علي بن فضال، وفيه قول، ونقول بموجبها، ونحمل ذلك على أنه ليس في النيف دينار حتى يتم أربعين جميعا بين الأدلة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا خلف الرجل دراهم أو دنانير نفقة لعياله لسنة أو سنتين أو أكثر من ذلك وكان مقدار ما يجب فيه الزكاة وكان الرجل غائبا لم يجب فيه زكاة، وإن كان حاضرا وجبت عليه الزكاة (5)، وهو اختيار

(1) لم نعثر على رسالته، ونقله عنه في السرائر: ج 1 ص 447.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 6 ح 13. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 5 ج 6 ص 93.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 13 ح 1598.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 11 ح 29. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 7 ج 6 ص 97.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 426.

[ 185 ]

المفيد (1). وقال ابن إدريس: حكمه حكم الغائب إن قدر على أخذه متى أراده، وبحيث متى رامه أخذه فإنه تجب عليه فيه الزكاة، سواء كان نفقة أو مودعا أو كنزه في كنز فإنه ليس بكونه نفقة خرج عن ملكه، ولا فرق بينه وبين المال الذي له في يد وكيله ومودعه وخزانته، وإنما أورده شيخنا في نهايته إيرادا لا اعتقادا فإنه خبر من أخبار الآحاد لا يلتفت إليه (2). والمعتمد الأول. لنا: إنها مع الغيبة في معرض الاتلاف فكانت بمنزلة التالف. وما رواه إسحاق بن عمار في الموثق، عن أبي الحسن الماضي - عليه السلام - قال: قلت له: رجل خلف عند أهله نفقة الفين لسنتين عليها زكاة؟ قال: إن كان شاهدا فعليه زكاة، وإن كان غائبا فليس عليه زكاة (3). وعن أبي بصير عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: الرجل يخلف لاهله نفقة ثلاثة الآف درهم نفقة سنين عليه زكاة؟ قال: إن كان شاهدا فعليه زكاة، وإن كان غائبا فليس فيها شئ (4). والجواب عما قاله ابن إدريس: بالمنع من المساواة للمودع، لأن المودع في معرض الحفظ بخلاف صورة النزاع. مسألة: المشهور أن الزكاة تجب في الغلات إذا كانت ثمرة عند اصفرارها واحمرارها، وإن كانت غلة فعند اشتداد حبها، ولا يجب الاخراج إلا عند

(1) المقنعة: ص 258.
(2) السرائر: ج 1 ص 447.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 99 ح 279، وسائل الشيعة: ب 17 من زكاة الذهب والفضة ح 1 ج 6 ص 117.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 99 ح 280، وسائل الشيعة: ب 17 من زكاة الذهب والفضة ح 3 ج 6 ص 118.

[ 186 ]

الحصاد والجذاذ إجماعا. وقال بعض علمائنا: إنما تجب الزكاة عند ما يسمى تمرا وزبيبا وحنطة وشعيرا، وهو بلوغها حد اليبس، واختاره ابن الجنيد (1) (2). لنا: إن البسر يسمى تمرا لغة فيتعلق به الوجوب. احتجوا بأنه يسمى بسرا لا تمرا في العرف. والجواب: الاعتبار بتسمية اللغة لا بالعرف. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو أراد صاحب التمرة جذاذها رطبا خرصت عليه ما تكون تمرا وأخذ من التمر زكاته، والحكم إن أراد أن يأخذ بلحا أو بسرا مثل ذلك (3). أما البسر فالأقوى عندي أنه كذلك، لأن اعتبار وقت التعلق بذلك، أما البلح فلا، إذ لا يسمى بسرا ولا تمر فلا تجب فيه الزكاة، فلا يمنع من أخذ شئ منه من غير خرص (4). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: النخل إذا حمل في سنة واحدة دفعتين كان لكل حمل حكم نفسه لا يضم بعضه إلى بعض، لأنها في حكم السنتين (5). والأقرب عندي الضم، لأنها ثمرة عام واحد، كما لو اختلف وقت الادراك والطلوع. مسألة: قال الشيخ: العلس نوع من الحنطة يقال: إنه إذا دبس بقي كل حبتين في كمام ثم لا يذهب ذلك حتى يدق أو يطرح في رحى خفيفة ولا يبقى

(1) " واختاره ابن الجنيد " ليس في م (1) ون.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) المبسوط: ج 1 ص 214.
(4) ن: من أخذ شئ من غير خرص.
(5) المبسوط: ج 1 ص 215.

[ 187 ]

بقاء الحنطة، وبقاؤها في كمامها (1)، ويزعم أهلها أنها إذا هرست أو طرحت في رحى خفيفة خرجت على النصف (2). وأوجب الزكاة في المجتمع من العلس والحنطة، وجعل السلت نوعا من الشعير، وأوجب الزكاة فيه أيضا (3). والأقرب أنهما نوعان مغايران للحنطة والشعير فلا زكاة فيهما. لنا: ما رواه زرارة ومحمد بن مسلم وأبو بصير وبريد والفضيل في الحسن، عن الباقر والصادق - عليهما السلام - فالا: فرض الله الزكاة مع الصلاة في الأموال وسنها رسول الله - صلى الله عليه وآله - في تسعة أشياء وعفى عما سواهن: في الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والحنطة والشعير والتمر والزبيب، وعفى رسول الله - صلى الله عليه وآله - عما سوى ذلك (4). احتج بأنهما نوعان من الشعير والحنطة. والجواب:: المنع من ذلك حقيقة. مسألة: إذا مات المديون وله نخل قد بدا صلاح ثمرته في حياته قدمت الزكاة على الدين. وقال الشيخ في المبسوط: بالتقسيط (5). لنا: إن الزكاة تجب في العين، والدين يجب في الذمة، وقد سبق تعلق الزكاة بالثمرة في حياته قبل الموت. احتج بأنهما حقان تعلقا بهذه العين فوجب التقسيط. والجواب: إن حق الزكاة أسبق تعلقا فيكون مقدما.

(1) م (2): بقاؤهما في كمامهما.
(2) المبسوط: ج 1 ص 217.
(3) المبسوط: ج 1 ص 217.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 3 ح 5. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة وما تستحب فيه ح 4 ج 6 ص 34.
(5) المبسوط: ج 1 ص 219.

[ 188 ]

مسألة: قال في المبسوط: لو اشترى قبل بدو الصلاح بشرط القطع فأهمل حتى بدا صلاحها، فإن طالب البائع بالقطع أو المشتري أو اتفقا عليه فلا زكاة على أحدهما، إذ لا دليل عليه، وإن اتفقا على التبقية برضا من البائع كان له ذلك وكانت الزكاة على المشتري (1). والحق في الأول أن الزكاة على المشتري أيضا. لنا: إنها ثمرة نمت على ملك المشتري فكانت الزكاة عليه، كما لو اتفقا على التبقية. وعدم الدليل على الوجوب لا يوجب العدم، كما أن عدم دليل العدم لا يوجب الثبوت. مسألة: لو بادل جنسا بمثله أو بمخالفه مما تجب فيه الزكاة في أثناء الحول سقطت، سواء قصد الفرار أو لا. وقال الشيخ: إن بادل بمخالف فلا زكاة، إلا أن يقصد الفرار، وإن كان بمماثل وجبت الزكاة (2). والحق سقوط الزكاة في البابين. لنا: إن الزكاة تجب في العين، ومع الاخراج ينتفي محل الوجوب فيسقط الوجوب. مسألة: لو جعل الدنانير والدراهم حليا قبل الحول فرارا سقطت الزكاة عند أكثر علمائنا، لانتقاء الشرط. وقال ابن أبي عقيل (3): تجب الزكاة مقابلة بنقيض مقصوده كالقاتل والمطلق، وهو ممنوع. مسألة: لو علم بالعيب بعد الحول فإن كان قد أخرج الزكاة من غيرها كان له الرد، وإن كان قد أخرج منها ثم علم لم يكن له الرد للتصرف، وإن لم

(1) المبسوط: ج 1 ص 219 - 220.
(2) المبسوط: ج 1 ص 206.
(3) لم نعثر على كتابه.

[ 189 ]

يكن قد أخرج شيئا، قال الشيخ: لم يكن له الرد، لأن المساكين قد استحقوا جزء من المال، لأن الزكاة تجب في العين، وليس له رد ما يتعلق حق الغير به (1). والمعتمد جواز الرد إذا دفع من غير العين، كما لو علم بعد الاخراج من غيرها وقد سبق. مسألة: لو بادل جنسا بمثله وكانت المبادلة فاسده، قال الشيخ في المبسوط: يبني كل منهما على حوله ولا يستأنف (2). والأقرب التفصيل، فإن علما بفساد المبادلة وكان كل منهما متمكنا من استرجاع ماله متى شاء فالحق ما قاله الشيخ، وإلا فلا. لنا: إنه بدون التمكن يكون بمنزلة المغصوب، فيسقط اعتبار الزكاة حينئذ. مسألة: قال الشيخ: لو رهن النصاب قبل الحول فحال الحول وهو رهن وجبت (3) الزكاة، فإن كان موسرا كلف إخراج الزكاة، وإن كان معسرا تعلق بالمال حق الفقراء يؤخذ منه، لأن حق المرتهن في الذمة (4). والأقرب سقوط الزكاة مع الاعسار منه (5). لنا: إنه ممنوع من التصرف، والتمكن من التصرف شرط. والشيخ - رحمه الله - قال في الخلاف: لو كان له ألف واستقرض ألفا غيرها ورهن هذه عند المقرض فإنه يلزمه زكاة الألف التي في يده إذا حال الحول (6) دون الألف التي هي رهن، والمقرض لا يلزمه شئ. ثم استدل بأن مال

(1) المبسوط: ج 1 ص 207.
(2) المبسوط: ج 1 ص 207.
(3) ق: وجب.
(4) المبسوط: ج 1 ص 208.
(5) ليس " منه " في ق.
(6) في متن المطبوع وم (2): حال عليه الحول.

[ 190 ]

الغائب إذا لم يتمكن منه لا تلزمه زكاته، والرهن لا يتمكن منه. ثم قال: ولو قلنا إنه يلزم المستقرض زكاة الالفين لكان قويا، لأن الألف القرض لا خلاف بين الطائفة إنه يلزمه زكاتها، والألف المرهونة هو قادر على التصرف فيها بأن يفك رهنها، والمال الغائب إذا كان متمكنا منه تلزمه زكاته بلا خلاف (1). الذي قواه الشيخ هنا هو الوجه عندي. وفي المبسوط في موضع آخر: لو استقرض ألفا ورهن ألفا لزمه زكاة ألف القرض دون الرهن، لعدم تمكنه من التصرف في الرهن (2). مسألة: قال في الخلاف لو التقط نصابا وحال عليه الحول بعد حول التعريف وجبت الزكاة (3). والوجه أنه لا يجب إلا بعد حول، لأن الحول من حين نية التملك. لنا: إن الملك شرط، وإنما يتحقق بعد نيته. احتج بقولهم - عليهم السلام -: " لقطة غير الحرم يعرفها سنة " (4). ثم هي كسبيل ماله، وسبيل ماله أن تجب فيه الزكاة، فهذا الظاهر تجب فيها الزكاة. والجواب: المنع من التساوي من كل وجه، ولهذا يجب رد العوض مع ظهور المالك بخلاف ماله. مسألة: قال السيد ابن زهره: لا زكاة على العامل في المزارعة والمساقاة، لأن الحصة التي يأخذها كالأجرة من عمله، وكذا لو كان البذر من العامل فلا زكاة على رب الأرض، لأن الحصة التي يأخذها كأجرة أرضه (5)، وأنكره ابن

(1) الخلاف: ج 2 ص 100 المسألة 129.
(2) المبسوط: ج 1 ص 225.
(3) الخلاف: ج 2 ص 111 المسألة 130.
(4) راجع تهذيب الأحكام: ج 6 باب 94 ص 389. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب اللقطة ج 17 ص 349.
(5) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 540.

[ 191 ]

إدريس (1) ذلك كل الانكار، ومنعه كل المنع وأوجب الزكاة عليه إذا بلغ نصيبه النصاب، وهو الأقرب. لنا: إنه ملك بالزراعة فيجب عليه الزكاة. احتج بأنه أجرة، ولا زكاة في الأجرة إجماعا. والجواب: المنع من الصغرى. مسألة: المشهور أن المؤونة التي تلحق الغلات والثمار إلى وقت الاخراج، كاجرة السقي والعمارة والحصاد والتصفية يخرج وسطا ثم يزكى الباقي، واختاره الشيخ في النهاية (2)، والمفيد (3)، وإلا لزم الضرر. وقال في الخلاف (4) والمبسوط (5): أنها على المالك، لقوله - عليه السلام -: " فيما سقت السماء العشر " (6)، ونحن نقول بموجبه، والشعر إنما يجب في النماء لا المؤونة. الفصل الثالث فيما تستحب فيه الزكاة مسألة: اختلف علماؤنا في مال التجارة على قولين، فالاكثر قال بالاستحباب، وآخرون قالوا بالوجوب. قال ابن أبي عقيل (7): اختلفت الشيعة في زكاة التجارة فقال طائفة منهم

(1) السرائر: ج 2 ص 452.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 426.
(3) المقنعة: ص 239.
(4) الخلاف: ج 2 ص 67 المسألة 78.
(5) المبسوط: ج 1 ص 217. (6) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 13 ب 4. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب زكاة الغلات ج 6 ص 119.
(7) لم نعثر على كتابه.

[ 192 ]

بالوجوب، وقال آخرون بعدمه. وهو الحق عندي. وقال الشيخ في الخلاف: لا زكاة في مال التجارة عند المحصلين من أصحابنا، وإذا باع استأنف به الحول. ومنهم من قال: فيه الزكاة إذا طلب برأس المال وبالربح. ومنهم من قال: إذا باعه زكاه لسنة واحدة (1)، والمفيد (2)، والسيد المرتضى (3) لم يوجبا الزكاة فيها، وكذا أبو الصلاح (4)، وابن البراج (5)، وسلار (6). وقال ابنا بابويه - رحمهما الله تعالى -: عليه الزكاة (7). لنا: الأصل براءة الذمة. ولأن رسول الله - صلى الله عليه وآله - أوجب الزكاة في تسعة أشياء وعفى عما سوى ذلك (8)، وهو يعم مال التجارة وغيرها. ولأن إيجاب الزكاة في العين مع القول بوجوبها في مال التجارة مما لا يجتمعان، والمقدم ثابت فالتالي منتف، وبيان التنافي وثبوت الأول ظاهران. وما رواه زرارة في الصحيح قال: كنت قاعدا عند أبي جعفر - عليه السلام - وليس عنده غير ابنه جعفر فقال: يا زرارة أن أبا ذر وعثمان تنازعا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله - فقال عثمان: كل مال من ذهب أو فضة يدار ويعمل به ويتجر ففيه الزكاة إذا حال عليه الحول، فقال أبو ذر: أما ما اتجر به

(1) الخلاف: ج 2 ص 91 المسألة 106.
(2) المقنعة: ص 247.
(3) الانتصار: ص 78. 34) الكافي في الفقه: ص 165.
(5) المهذب: ج 1 ص 167.
(6) لم نعثر على رسالته.
(7) المقنع: ص 52 ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(8) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 3 ح 5. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة. ح 4 ج 6 ص 34.

[ 193 ]

أو دير وعمل به فليس فيه زكاة، إنما الزكاة فيه إذا كان ركازا أو كنزا موضوعا، فإذا حال عليه الحول فعليه الزكاة، فاختصما في ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - فقال: القول ما قال أبو ذر (1). وفي الصحيح عن هشام بن سالم قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - عن رجل كان له مال كثير فاشترى به متاعا ثم وضعه، فقال: هذا متاع موضوع، فإذا أحببت بعته فرجع إلي رأس مالي، وأفضل منه هل عليه فيه صدقة وهو متاع؟ قال: لا حتى يبيعه، قال: فهل يؤديه عنه إن باعه لما مضى إذا كان متاعا؟ قال: لا (2). وعن عبد الله بن بكير وعبيد وجماعة من أصحابنا قالوا: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: ليس في المال المضطرب زكاة (3). ولأنه لو وجبت الزكاة في مال التجارة لوجبت في مال القينة، وثياب البذلة، وعبيد الخدمة، والتالي باطل بالاجماع فالمقدم مثله. وبيان الملازمة: إن وجوب الزكاة هناك إنما ثبت (4) لأجل معنى مشترك بينه وبين صور النقض، كالاشتراك في المالية أو دفع حاجة الفقر عملا بالمناسبة والاقتران والسبر والتقسيم وغير ذلك من الأدلة. ولأنه لولاه لما ثبت في صورة النزاع عملا بالنافي (5) السالم عن معارضة كون المشترك علة.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 70 ح 192. وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة. ح 1 ج 6 ص 48.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 70 ح 191. وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة. ح 2 ج 6 ص 49.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 70 ح 190. وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة. ح 5 ج 6 ص 49.
(4) م (1) وم (2): تثبت.
(5) ق وم (2): بالتنافي.

[ 194 ]

احتج المخالف بعموم الأمر، وبأن المناسبة تقتضي وجوب الزكاة فيها من حيث الاكتساب المناسب لمقابلة نعم الله تعالى بالصدقة، وقلة الضرر بالدفع منه. ولما رواه أبو الربيع الشامي، عن الصادق - عليه السلام - في رجل اشترى متاعا فكسد عليه متاعه وقد كان زكى ماله قبل أن يشتري به هل عليه زكاة أو حتى يبيعه؟ قال: إن كان أمسكه التماس الفضل على رأس المال فعليه الزكاة (1). وفي الحسن عن محمد بن مسلم، عن الصادق - عليه السلام - نحوه (2). والجواب: المنع من العموم مع البيان الوارد من الرسول - عليه السلام - في النص الدال على تخصيص الأشياء التسعة بالوجوب، والمناسبة ممنوعة، والرواية إن سلم سندها محمولة على الاستحباب لما تقدم، ولما رواه إسحاق بن عمار في الموثق قال: قلت لأبي إبراهيم - عليه السلام -: الرجل يشتري الوصيفة تثبتها عنده لتزيد وهو يريد بيعها أعلى ثمنها زكاة؟ قال: لا حتى يبيعها، قلت: فإن باعها أيزكي ثمنها؟ قال: لا حتى يحول عليه الحول وهو في يديه (3). مسألة: قال الشيخ: قد بينا أنه لا زكاة في مال التجارة، وإن كان على مذهب قوم من أصحابنا فيه الزكاة، فعلى هذا لو اشترى عرضا للتجارة بدراهم أو دنانير كان حول السلعة حول الأصل، وإن اشترى عرض التجارة بعرض كان

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 68 ح 185. وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة. ح 4 ج 6 ص 46.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 68 ح 186. وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة. ح 3 ج 6 ص 46.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 69 ح 188. وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة. ح 4 ج 6 ص 49.

[ 195 ]

عنده للقينة كأثاث البيت كان حول السلعة من حين ملكها للتجارة (1). والوجه أن يقال: إن كانت الدراهم والدنانير من مال التجارة وجبت الزكاة أو استحبت وإلا فلا، فحينئذ لا فرق بين العرض والدراهم والدنانير إن كانا للقينة تعلقت الزكاة وجوبا واستحبابا عند الشراء، وإن كان للتجارة بني حول الفرع على الأصل. مسألة: إذا ظهر الربح في مال المضاربة قال في المبسوط: ليس للعامل إخراج الزكاة إلا بعد القسمة، لأن ربحه وقاية للمال لعله أن يكون من الخسران. قال: ولو قلنا: إن ذلك له كان أحوط، لأن المساكين يملكون من ذلك المال جزء، فإذا ملكوه خرج من أن تكون وقاية لخسران يعرض (2). والذي قواه الشيخ هو الأقوى عندي. مسألة: قال ابن الجنيد (3): تؤخذ الزكاة في أرض العشر من كل ما دخل القفيز من حنطة وشعير وسمسم وأرز ودخن وذرة وعدس وسلت وسائر الحبوب ومن التمر والزبيب، والحق الاستحباب فيما عدا الاصناف الأربعة. لنا: أصالة براءة الذمة، وما روي عنهم - عليهم السلام - من أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - إنما أوجب الزكاة في تسعة أصناف وعفى عما سوى ذلك (4). احتج بما رواه محمد بن مسلم في الحسن قال: سألته - عليه السلام - عن الحب ما يزكى منه؟ فقال: البر والشعير والذرة والدخن والأرز والسلت

(1) الخلاف: ج 2 ص 94 المسألة 108.
(2) المبسوط: ج 1 ص 224.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 3 ح 3. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة. ح 10 ج 6 ص 36.

[ 196 ]

والعدس والسمسم كل ذا يزكى وأشباهه (1). وفي الصحيح عن زرارة، عن الصادق - عليه السلام - قال: كلما كيل بالصاع فبلغ الاوساق فعليه الزكاة (2). وفي الموثق عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام - في الذرة شئ؟ قال لي: الذرة والعدس والسلت والحبوب فيها مثل ما في الحنطة والشعير، وكلما كيل بالصاع فبلغ الاوساق التي تجب فيه الزكاة فعليه فيه الزكاة (3). وعن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: هل في الارز شئ؟ قال: نعم (4). والجواب: السؤال وقع عن الحب الذي يزكى منه، وهو كما يتناول الواجب يتناول الندب فيجب ذكرهما معا في الجواب، والأخبار الباقية محمولة على الاستحباب. قال المفيد - رحمه الله -: قد روي حصر الزكاة في تسعة وثبوتها في سائر الحبوب، والتناقض عليهم - صلوات الله عليهم - محال، فوجب حمل الحصر على الوجوب والباقي على الاستحباب (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 3 ح 7. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة. ح 4 ج 6 ص 40.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 65 ح 176. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة. ح 6 ج 6 ص 40.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 65 ح 177. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة. ح 10 ج 6 ص 41.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 65 ح 178. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة. ح 11 ج 6 ص 41.
(5) المقنعة: ص 244.

[ 197 ]

مسألة: أوجب ابن الجنيد (1) الزكاة في الزيتون والزيت إذا كانا في الأرض العشرية، والحق خلاف ذلك، وإنما هو مذهب أبي حنيفة (2) ومالك (3) والشافعي (4) في أحد قوليه. لنا: الأصل براءة الذمة، وما سبق من أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - أوجب الزكاة في تسعة وعفى عما سواهن. مسألة: أوجب ابن الجنيد (5) الزكاة في العسل المأخوذ من أرض العشر، وليس بجيد، وإنما ذلك مذهب أبي حنيفة (6). لنا: ما تقدم.

(1) و (5) لم نعثر على كتابه.
(2) المجموع: ج 5 ص 456. (3) المجموع: ج 5 ص 456.
(4) المجموع: ج 5 ص 456.
(6) المجموع: ج 5 ص 456.

[ 198 ]

المقصد الثالث فيما تصرف إليه الزكاة مسألة: الفقير إذا أطلق دخل فيه المسكين وبالعكس، ولو جمعا قال الشيخ في الجمل: الفقراء هم الذين لا شئ لهم، والمساكين هم الذين لهم بلغة من العيش لا تكفيهم (1)، وهو اختياره في المبسوط (2) والخلاف (3)، واختاره ابن البراج (4)، وابن حمزة (5)، وابن إدريس (6). وقال في النهاية: المسكين أسوأ حالا من الفقير (7)، وهو اختيار ابن الجنيد (8)، والمفيد (9)، وسلار (10).

(1) الجمل والعقود: ص 103.
(2) المبسوط: ج 1 ص 246.
(3) الخلاف: ج 2 ص 349 المسألة طبعة اسماعيليان.
(4) المهذب: ج 1 ص 169.
(5) الوسيلة: ص 128.
(6) السرائر: ج 1 ص 456.
(7) النهاية ونكتها: ج 1 ص 433.
(8) لم نعثر على كتابه.
(9) المقنعة: ص 241.
(10) المراسم: ص 132.

[ 199 ]

احتج الاولون بوجوه: الأول: إن العادة في عبارات أهل اللغة الابتداء في الذكر بالاهم، وقد قدم الله تعالى في القرآن ذكر الفقراء على المساكين (1)، فلولا أنهم أسوء حالا لكان الأحسن تقديم المساكين. الثاني: أنه - صلى الله عليه وآله - استعاذ من الفقر وسأل المسكنة. الثالث: قوله تعالى: " أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر " (2) وهي تساوي جملة من الحال. الرابع: إن الفقير مأخوذ من الفقار، فكأنه قد انكسر فقار ظهره لشدة حاجته. احتج الاخرون بوجوه: الأول: ما رواه أبو بصير في الصحيح قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: قوله الله - عزوجل: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين "، قال: الفقير الذي لا يسأل الناس، والمسكين اجهد منه (3). الثاني: إن العادة في عبارات أهل اللسان تأكيد الاضعف معنى بالأقوى منه، وأن المؤكد يفيد زيادة على ما يفيده المؤكد، ولا شك أنه يحسن تأكيد الفقير بالمسكين. فيقال: فقير مسكين دون العكس، فلو لا أن وجود الحاجة في المسكين أقوى لما حسن هذا التأكيد. الثالث: قوله تعالى: " أو مسكينا ذا متربة " (4) معناه: أنه لشدة فقره وحاجته قد الصق بطنه بالتراب لشدة جوعه.

(1) التوبة: 60.
(2) الكهف: 79.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 104 ح 297. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب المستحقين للزكاة ح 3 ج 6 ص 144.
(4) البلد: 16.

[ 200 ]

الرابع: قول الشاعر: أما الفقير الذي كانت حلوبته * وفق العيال فلم يترك له سبد جعل للفقير حلوبته وفق عياله، فيكون حاله أجود من المسكين. وكلا القولين محتمل، والأخير أقرب للرواية (1). مسألة: قال ابن الجنيد (2): المؤلفة قلوبهم: من أظهر الدين بلسانه وأعان المسلمين وإمامهم بيده وكان معهم الأقلية فخصهم بالمنافقين. وقال الشيخ في المبسوط: المؤلفة قلوبهم عندنا هم الكفار الذين يستمالون بشئ من مال الصدقات إلى الاسلام، ويتآلفون ليستعان بهم إلى قتال أهل الشرك، ولا يعرف أصحابنا مؤلفة أهل الاسلام (3). وقال ابن إدريس: المؤلفة ضربان: مؤلفة الكفر، ومؤلفة الاسلام. وقال شيخنا أبو جعفر: المؤلفة ضرب واحد، وهم مؤلفة الكفر، والأول مذهب شيخنا المفيد. قال: وهو الصحيح، لأنه يعضده ظاهر التنزيل وعموم الآية، فمن خصها يحتاج إلى دليل (4)، وهو الأقرب. لنا: عموم كونهم مؤلفة. وما رواه زرارة ومحمد بن مسلم أنهما قالا لأبي عبد الله - عليه السلام -: أرأيت قول الله - عزوجل - إلى أن قال: - سهم المؤلفة قلوبهم وسهم الرقاب عام والباقي خاص (5)، وإنما يكون عاما لو تناول القسمين.

(1) ليس " للرواية " في م (1) ون.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) المبسوط: ج 1 ص 249.
(4) السرائر: ج 1 ص 457.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 49 ح 128. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب المستحقين للزكاة ح 1 ج 6 ص 143.

[ 201 ]

مسألة: قال في النهاية: وفي الرقاب وهم المكاتبون والمماليك الذين يكونون تحت الشدة العظيمة، وقد روي أن من وجبت عليه كفارة عتق رقبة في ظهار أو قتل خطأ وغير ذلك ولا يكون عنده ما يشتري عنه ويعتق (1). وفي الجمل: وفي الرقاب: وهم المكاتبون والعبيد إذا كانوا في شدة (2). وفي الاقتصاد: الرقاب: هم المكاتبون، وعندنا يدخل فيه المملوك الذي يكون في شدة يشترى من مال الزكاة ويعتق، ويكون ولاؤه لأرباب الزكاة، لأنه اشتري بمالهم (3). وفي المبسوط: وأما سهم الرقاب فإنه يدخل فيه المكاتبون بلا خلاف، وعندنا أنه يدخل فيه العبيد إذا كانوا في شدة فيشترون ويعتقون عن أهل الصدقات، ويكون ولاؤهم لأرباب الصدقات، ولم يجز ذلك أحد من الفقهاء، وروى أصحابنا أن من وجب عليه عتق رقبة في كفارة ولا يقدر على ذلك جاز أن يعتق عنه، والأحوط عندي أن يعطي ثمن الرقبة، لكونه فقيرا فيشتري هو ويعتق عن نفسه (4). وقال ابن الجنيد (5): وأما الرقاب: فهم المكاتبون ومن يفدي من أسر العدو الذي لا يقدر على فدية نفسه، والمملوك المؤمن إذا كان في يد من يؤذيه. وقال المفيد: وفي الرقاب: وهم المكاتبون يعانون بالزكاة على فك رقابهم وفي العتق أيضا على الاستئناف (6).

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 433 - 434.
(2) الجمل والعقود: ص 103.
(3) الاقتصاد: ص 282. (4) المبسوط: ج 1 ص 250.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) المقنعة: ص 241.

[ 202 ]

وقال ابن إدريس: وفي الرقاب: وهم العبيد عندنا والمكاتبون بغير خلاف (1). والذي ذكره الشيخ في المبسوط هو الأقوى عندي، وتخريج الرواية التي نقلها عن أصحابنا حسن. ذكر علي بن إبراهيم بن هاشم في كتاب التفسير، عن العالم - عليه السلام - قال: وفي الرقاب قوم لزمتهم كفارات في قتل الخطأ، وفي الظهار، وفي الأيمان، وفي قتل الصيد في الحرم، وليس عندهم ما يكفرون وهم مؤمنون، فجعل الله لهم سهما في الصدقات ليكفر عنهم (2). مسألة: لو لم يعلم فيما ذا أنفق الغارم قال الشيخ: يمنع (3). والأقرب الاعطاء. لنا: إنه مسلم مؤمن، والأصل في تصرفات المؤمن الصحة وعدم العصيان. احتج الشيخ بأن الشرط الانفاق في الطاعة لما ذكره علي بن إبراهيم في كتاب التفسير عن العالم - عليه السلام - قال: والغارمين قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة الله من غير إسراف (4). ومع الجهل لا يحصل العلم بحصول الشرط. والجواب: إن الطاعة والمعصية من الأمور الخفية، وإنما يعتبر فيهما الظاهر وغلبة الظن، وهو حاصل في المجهول حالة. مسألة: قال المفيد - رحمه الله -: وفي سبيل الله وهو الجهاد (5)، وكذا قال سلار (6)، والشيخ في النهاية (7). وقال في الجمل: الجهاد وما جرى مجراه (8).

(1) السرائر: ج 1 ص 457.
(5) المقنعة: ص 241.
(2) تفسير علي بن إبراهيم: ج 1 ص 299.
(6) المراسم: ص 132 - 133.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 25. وفيه: لم يجب عليه القضاء عنه.
(7) النهاية ونكتها: ج 1 ص 434.
(4) تفسير علي بن إبراهيم: ج 1 ص 299.
(8) الجمل والعقود: ص 103.

[ 203 ]

وفي الاقتصاد: وفي سبيل الله وهو الجهاد، ويدخل فيه جميع مصالح المسلمين (1). وقال في المبسوط: فأما سبيل الله فإنه يدخل فيه الغزاة في سبيل الله المطوعة الذين ليسوا بمرابطين، لأن المرابطين وأصحاب الديوان لهم سهم من الغنائم والفئ دون الصدقات، ولو حمل على الكل لعموم الآية لكان قويا، ويدخل في سبيل الله معونة الحاج وقضاء الدين عن الميت والحي وجميع سبيل الخير والمصالح، سواء كان الميت الذي يقضي عنه إذا لم يخلف شيئا وكان ممن تجب عليه نفقته في حياته أو لم يكن، ويدخل فيه معونة الزوار والحجيج وعمارة المساجد والمشاهد واصلاح القناطر وغير ذلك من المصالح (2). وقال ابن الجنيد (3): وسهم سبيل الله للمرابطين في سبيل الله، ومن يجاهد العدو، ويعلم الناس أمر دينهم متشاغلا بذلك عن معاشه إذا كان ذا فاقة إليه، أو لكف عدوه عن المسلمين، أو صلة لمن يستعان به في حرب عدو للمسلمين من غيرهم. والأقرب ما ذكره في المبسوط، وهو قوله في الخلاف (4)، واختاره ابن إدريس (5)، وابن حمزة (6). لنا: إنه حقيقة فيه فيحمل عليه، لعدم دليل صرفه عن حقيقته، وما ذكره علي بن إبراهيم بن هاشم قال: فسر العالم - عليه السلام إلى أن قال: - وفي سبيل الله: قوم يخرجون في الجهاد، وليس عندهم ما ما ينفقون به، أو قوم من المؤمنين

(1) الاقتصاد: ص 282.
(2) المبسوط: ج 1 ص 252.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) الخلاف: ج 2 ص 352 المسألة 21 طبعة اسماعيليان.
(5) السرائر: ج 1 ص 457.
(6) الوسيلة: ص 128.

[ 204 ]

ليس عندهم ما يحجون به، أو في جميع سبيل الخير، فعلى الإمام أن يعطيهم من مال الصدقات حتى يقووا على الحج والجهاد (1). مسألة: قال المفيد: وابن السبيل: وهم المنقطع بهم في الاسفار، وقد جاءت رواية أنهم الاضياف يراد بهم من أضيف لحاجته إلى ذلك وإن كان له في موضع آخر غنا ويسار، وذلك راجع إلى ما قدمناه (2). وقال الشيخ في النهاية: وابن السبيل: هو المنقطع به، وقيل أيضا: إنه ضيف الذي ينزل بالانسان ويكون محتاجا في الحال وإن كان له يسار في بلده وموطنه (3). وفي المبسوط: ابن السبيل: هو المجتاز المنقطع به، وقد روي أن الضيف داخل فيه (4). وقال سلار: وابن السبيل: وهم المنقطع بهم، وقيل: الاضياف (5)، ولم يذكر ابن الجنيد الضيف في ابن السبيل. والذي ذكره علي بن إبراهيم في تفسيره عن العالم - عليه السلام - قال: ابن السبيل أبناء الطريق الذين يكونون في الاسفار في طاعة الله فيقطع عليهم ويذهب مالهم، فعلى الإمام أن يردهم إلى أوطانهم من مال الصدقات (6)، وهو الأقوى عندي. لنا: إن الضيف إن كان مسافرا محتاجا دخل تحت ابن السبيل وإلا فلا.

(1) تفسير علي بن إبراهيم: ج 1 ص 299.
(2) المقنعة: ج ص 241.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 434.
(4) المبسوط: ج 1 ص 252.
(5) المراسم: ص 133.
(6) تفسير علي بن إبراهيم: ج 1 ص 299.

[ 205 ]

ولأن مفهوم ابن السبيل هو المسافر حقيقة، لأن السبيل الطريق. وأقرب مجاز إليه ما ذكرناه، وتفسير العالم - عليه السلام - يدل عليه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: ابن السبيل ضربان: أحدهما المنشئ للسفر من بلده، والثاني: المجتاز بغير بلده، وكلاهما يستحق الصدقة عند الشافعي وأبي حنيفة، ولا يستحقها إلا المجتاز عند مالك، وهو الأصح، لأنهم - عليهم السلام - فسروه فقالوا: هو المنقطع به وإن كان في بلده ذا يسار، فدل ذلك على أنه المجتاز والمنشئ للسفر من بلده إن كان فقيرا جاز أن يعطى من سهم الفقراء دون سهم ابن السبيل (1). وقال ابن الجنيد (2): وسهم ابن السبيل فإلى المسافرين في طاعات الله والمريدين لذلك، وليس في أيديهم ما يكفيهم لسفرهم ورجوعهم إلى منازلهم إذا كان قصدهم في سفرهم قضاء فرض أو قياما بسنة. وقال ابن حمزة: وابن السبيل: المجتاز بغير بلده المنقطع به غير منشى ء للسفر (3). والأقرب الاختيار الشيخ. لنا: إنه حقيقة فيه ومجاز في غيره، إذ السبيل الطريق حقيقة، وإنما يصدق بالحقيقة على من فعل السفر، وهو المجتاز كان الطريق ولدته، وذلك غير ثابت في حق المنشئ للسفر، وحديث علي بن إبراهيم في تفسيره عن العالم عليه السلام. مسألة: كلام ابن الجنيد يشعر أن ابن السبيل إنما يعطى إذا كان سفره طاعة إما في واجب أو ندب.

(1) المبسوط: ج 1 ص 252.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) الوسيلة: ص 128.

[ 206 ]

وقسم في المبسوط السفر أربعة: واجب وندب، ويستحق الصدقة فيهما بلا خلاف، ومباح وهو يجري هذا المجرى على السواء، وفي الناس من منع من ذلك (1). والأقرب عندي اختياره في المبسوط. لنا: صدق عموم ابن السبيل عليه فيتناوله النص. لا يقال: حديث علي بن إبراهيم ينافي ذلك، لأنه - عليه السلام - فسره بمن كان سفره طاعة، والطاعة وصف زائد على المباح. لأنا نقول: نمنع التخصيص، فإن الطاعة قد تصدق على المباح، بمعنى أن فاعله معتقد لكونه مباحا مطيع في اعتقاده وايقاع الفعل على وجهه. لا يقال: الطاعة موافقة الأمر، وإنما يتحقق الأمر في الواجب أو الندب. لأنا نقول: الموافق في الاعتقاد مطيع. مسألة: قال الشيخ: لو نوى المجتاز إقامة يوم أو يومين إلى عشرة أعطي نفقته، وإن أقام أكثر من ذلك لم يعط، لأنه يخرج عن حكم المسافرين (2)، وليس بجيد، بل يعطى وإن أقام أكثر من ذلك، وهو اختيار ابن إدريس (3). لنا: إنه يصدق عليه ابن السبيل. احتج بأنه خرج عن كونه مسافرا بالنية، فلا يصدق عليه ابن السبيل. أما المقدمة الأولى: فلوجوب الاتمام عليه المنوط بالإقامة المنافية لاسم السفر، لامتناع صدق المتقابلين على ذات واحدة. وأما الثانية: فلأن المسافر جزء من مسمى ابن السبيل، فلا يصدق عليه المقيم.

(1) المبسوط: ج 1 ص 252.
(2) المبسوط: ج 1 ص 257.
(3) السرائر: ج 1 ص 458.

[ 207 ]

والجواب: المنع من صدق المقدمتين ووجوب الاتمام، وإن أخرجه عن كونه مسافرا سفرا يجب فيه القصر، فلا يخرجه عن كونه مسافرا مطلقا. مسألة: قال السيد المرتضى: لا تحل الزكاة إلا لأهل الايمان، والاعتقاد الصحيح، وذوي الصيانة، والنزاهة دون الفساق، وأصحاب الكبائر (1). وقال ابن الجنيد (2): لا يجوز اعطاء شارب خمر، أو مقيم على كبيرة منها شيئا. وقال المفيد: لا يجوز لأحد من الفقراء والمساكين ولا من الستة البواقي، إلا بعد أن يكون عارفا تقيا (3). وفي الرسالة الغرية (4): ولا يعطى منها فقير حتى يكون عارفا عفيفا. وقال الشيخ في المبسوط: ويعتبر في الفقر والمسكنة الايمان والعدالة، فإن لم يكن مؤمنا أو كان فاسقا فإنه لا يستحق الزكاة (5). وفي الجمل (6) والاقتصاد (7): ويراعى فيهم أجمع إلا المؤلفة قلوبهم الايمان والعدالة. وقال أبو الصلاح: مستحق الزكاة والفطرة الفقير المؤمن العدل (8). وقال ابن حمزه: يعتبر الايمان في جميع الاصناف إلا في المؤلفة قلوبهم،

(1) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 79.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) المقنعة: ص 242.
(4) لم نعثر على رسالته.
(5) المبسوط: ج 1 ص 247.
(6) الجمل والعقود: ص 103.
(7) الاقتصاد: ص 282.
(8) الكافي في الفقه: ص 173.

[ 208 ]

والعدالة إلا في المؤلفة والغزاة (1)، واشترط ابن البراج العدالة أيضا (2)، وهو اختيار ابن إدريس وقال: لا يجوز اعطاء شئ من فرائض الصدقات ولا نوافلها غير أهل الولاية (3)، ولم يذكر شرط العدالة. وسلار ذكر أربع شرائط: أحدها: الايمان (4)، ولم يذكر العدالة. والشيخ علي بن بابويه قال: واياك أن تعطي زكاتك لغير أهل الولاية (5)، ولم يذكر العدالة أيضا، وكذا قال ابنه في كتاب المقنع (6)، ومن لا يحضره الفقيه (7). وقال الشيخ في الخلاف: الظاهر من مذهب أصحابنا أن زكاة الأموال لا تعطى إلا العدول من أهل الولاية دون الفساق منهم، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا: إذا أعطي الفساق برئت ذمته، وبه قال قوم من أصحابنا (8). والأقرب عندي عدم اشتراط العدالة. لنا: عموم قوله تعالى: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " (9). وما رواه زرارة ومحمد بن مسلم في الموثق، عن الباقر والصادق - عليهما السلام - أنهما قالا: الزكاة لأهل الولاية قد بين الله لكم موضعها في كتابه (10).

(1) الوسيلة: ص 129.
(2) المهذب: ص 169.
(3) السرائر: ج 1 ص 459.
(4) المراسم: ص 133.
(5) لم نعثر على رسالته.
(6) المقنع: ص 52.
(7) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 22 ذيل الحديث 1602.
(8) الخلاف: ج 2 ص 347 المسألة 3 طبعة اسماعيليان.
(9) التوبة: 60.
(10) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 52 ح 135. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب المستحقين للزكاة ح 9 ج 6 ص 154.

[ 209 ]

وفي الحسن عن زرارة وبكير والفضيل ومحمد بن مسلم وبريد العجلي، عن الباقر والصادق - عليهما السلام إلى أن قالا: - وإنما موضعها أهل الولاية (1). لا يقال: نحن نقول بموجب الحديثين ولا دلالة فيهما، لأن اشتراط العدالة لا ينافي كون المستحق من أهل الولاية، بل هو مؤكده. سلمنا، لكن نمنع كون الفاسق من أهل الولاية. لأنا نقول: قوله - عليه السلام -:: الزكاة لأهل الولاية " حكم باستحقاق جميع أهل الولاية للزكاة، فالتخصيص مناف للعموم، ومنع كون الفاسق من أهل الولاية باطل، فإن الفاسق مؤمن عندنا، وقد بيناه في كتبنا الكلامية (2). وما رواه أحمد بن حمزة في الصحيح قال: قلت لأبي الحسن - عليه السلام -: رجل من مواليك له قرابة كلهم يقول بك وله زكاة أيجوز أن يعطيهم جميع زكاته؟ قال: نعم (3). وجه الاستدلال: أنه - عليه السلام - جوز له اعطاء كل قرابته حيث كانوا معترفين (4) به، ولم يستفصل حالهم إلى العدل وغيره، بل أطلق التسويغ فدل على عدم الاشتراط، ولهذا لو كان السؤال خاليا من قوله: " كلهم يقول بك " لم يجز في الجواب الإطلاق بجواز الاعطاء، بل كان الواجب التفصيل إلى المؤمن وغيره، والحكم يمنع غير المؤمن. وعن علي بن مهزيار، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 54 ح 153. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب المستحقين للزكاة ح 2 ج 6 ص 148 - 149.
(2) أنوار الملكوت في شرح الياقوت: ص 179 - 180.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 54 ح 144. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب المستحقين للزكاة ح 1 ج 6 ص 169.
(4) ق: معروفين.

[ 210 ]

يضع زكاته كلها في أهل بيته وهم يقولون بك؟ قال: نعم (1). وعن أبي بصير في الحسن قال: سأله رجل وأنا اسمع فقال: اعطي قرابتي من زكاة مالي وهم لا يعرفون؟ قال: فقال: لا تعط الزكاة إلا مسلما، وأعطهم غير ذلك (2). ولأن المقتضي لتسويغ الاعانة وهو الايمان والفقر موجود في الفاسق، فيثبت الحكم. وإنما جعلنا المقتضي ذلك للمناسبة والاقتران. ولأن القول بمنع اعطاء الفاسق مع القول بتجويز اعطاء أطفال المؤمنين مما لا يجتمعان، والثاني ثابت بالاجماع فينتفي الأول. وبيان التنافي: إن العدالة إما أن تكون شرطا أو لا، وعلى التقدير الأول: ينتفي الحكم الثاني، إذ العدالة لا تتحقق في الطفل فينتفي تسويغ الاعطاء للطفل عملا بانتفاء الشرط. وعلى التقدير الثاني: ينتفي الحكم الأول، وهو منع الفاسق عملا بالعموم السالم عن معارضة كون العدالة شرطا. لا يقال: الايمان شرط بالاجماع، وهو غير متحقق في الطفل مع جواز اعطائه، فكذا الولاية. لأنا نقول: الاجماع دل على إلحاق الطفل بأبيه في الايمان وإجرائه في حكمه عليه دون العدالة. احتج الشيخ بالاحتياط، وبما رواه داود الصيرفي قال: سألته عن شارب الخمر يعطى من الزكاة شيئا؟ قال: لا (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 54 - 55 ح 145. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب المستحقين للزكاة ح 3 ج 6 ص 169.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 55 ح 146. وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب المستحقين للزكاة ح 1 ج 6 ص 170.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 52 ح 138. وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب المستحقين للزكاة ح 1 ج 6 ص 171.

[ 211 ]

والجواب: المنع من صحة السند، خصوصا وداود لم يسنده إلى إمام، وأيضا الحكم المعلق على الوصف يشعر بالعلية، فكما أن الجواب معلق على الشرب بحيث هو علة فيه فكذا يحتمل السؤال، فيصير التقدير: شارب الخمر يعطى لكونه شاربا؟ فقال: لا، والاحتياط معارض بالأصل وهو الجواز. مسألة: منع ابن أبي عقيل من صرف الصدقة المندوبة إلى غير المؤمن (1). والأقرب الجواز. لنا: إنه إحسان فيكون حسنا قضية للعقل الحاكم بتسويغه. احتج بمنعه من الواجب فيمنع من المندوب، وبما رواه سدير الصيرفي قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: أطعم سائلا لا اعرفه مسلما؟ فقال: نعم اعط من لا تعرفه بولاية ولا عداوة للحق، إن الله - عزوجل - يقول: " وقولوا للناس حسنا "، ولا تطعم من نصب لشئ من الحق أو دعا لشئ من الباطل (2). والجواب: المراد بالمنع هنا في الزكاة، والحمل على الواجب خال عن الجامع. مسألة: قال ابن الجنيد (3): ولا يعطي من كاتبه، ويجوز أن يعطي من كاتبه غيره، فإذا أعتق أمة مملوكة جاز إعطاؤهما من زكاة المولى. والأقرب عندي الجواز. لنا: عموم قوله تعالى: " وآتوهم من مال الله الذي آتيكم " (4). لا يقال: إنه يرجع بالنفع عليه (5) فيكون ممنوعا كما منع من دفع الزكاة

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 107 ح 306. وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب الصدقة ح 3 ج 6 ص 288.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) النور: 33.
(5) ق: إليه.

[ 212 ]

إلى من تجب النفقة عليه. لأنا نقول: نمنع عود النفع عليه، بل على العبد، لأنه ينعتق بأدائه، أما السيد فلا، فإنه إن سلم إليه المال خرج من منة العبد وبالعكس. مسألة: قال ابن الجنيد (1): ولا بأس أن تعطي الزوجة زوجها من زكاتها وينفقه على نفسه وعياله دونها ودون ولدها منه. والأولى (2) عندي الجواز. لنا: إنه فقير ملك الزكاة، فجاز له إنفاقها على عائلته ومن جملتهم الزوجة وولدها منه. مسألة: قال ابن الجنيد (3): ولا بأس أيضا أن يحتسب المزكي بما كان أقرضه الميت من ماله من الزكاة إذا عجز الميت عن أداء ذلك. والأقرب عندي عدم الاشتراط. لنا: عموم الأمر بجواز احتساب الدين على الميت من الزكاة. ولأنه بموته انتقلت التركة إلى ورثته فصار في الحقيقة عاجزا. مسألة: قال الشيخ: لا تحرم الصدقة المفروضة على من لم يلده هاشم من المطلبيين وغيرهم (4)، وحرمها عليهم ابن الجنيد (5)، والشيخ المفيد (6) في الرسالة الغرية جعل لبني المطلب أخذ الخمس، وهو يشعر بتحريم الصدقة عليهم. لنا: الأصل الإباحة، وعموم قوله تعالى: " إنما الصدقات للفقراء " خرج عنه بنو هاشم، للنصوص الدالة على تحريم الصدقة الواجبة عليهم، فيبقى العام

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) ق: الأقوى.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) المبسوط: ج 1 ص 259.
(5) لم نعثر على رسالته.
(6) لم نعثر على كتابه.

[ 213 ]

حجة في الباقي. احتج بما روي عنه - عليه السلام - أنه قال: نحن وبنو المطلب لم نفترق في الجاهلية ولا إسلام (1). وبما رواه زرارة في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - أنه لو كان العدل ما احتاج هاشمي ولا مطلبي إلى صدقة، إن الله جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم (2). وأشار - عليه السلام - بذلك إلى الخمس، وإذا كانوا مستحقين للخمس حرمت عليهم الزكاة، لأن أحدهما عوض الآخر، ولا يجمع بين العوض والمعوض،، ولأنهم قرابة رسول الله - صلى الله عليه وآله - فناسب منعهم من الزكاة، لتحقق الشرف بالنسب. والجواب عن الحديث الأول: بعد صحة نقله أنه غير دال على المراد، فإن عدم الافتراق لا يدل على المساواة في تحريم الزكاة إلا بنوع من المجاز. وعن الثاني: بالمنع من سنده، فإن في طريقه علي بن فضال، وفيه قول، ومع ذلك فليس دالا على المطلوب بالصريح، ونمنع الملازمة بين استحقاق الخمس وعدم استحقاق الزكاة. والقرابة المطلقة غير مانعة، وإلا لزم اعطاء بني عبد شمس وبني نوفل من الخمس ومنعهم من الزكاة. ولأن قرابة بني المطلب وبني نوفل وبني عبد شمس واحدة، فلو اعطي بنو المطلب اعطي الباقون، وليس كذلك إجماعا، فعلم أن المناط ليس هو القرابة المطلقة، بل القرابة المتصلة بهاشم على ما دلت عليه الأحاديث. مسألة: منع ابن الجنيد (3) من قضاء المهور للنساء إذا استغنى عنهن من

(1) سنن أبي داود: ج 3 ص 146 وفيه: أنا وبنو عبد المطلب.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 59 ح 159. وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب المستحقين للزكاة ح 1 ج 6 ص 191.
(3) لم نعثر على كتابه.

[ 214 ]

الزكاة، فقال: ولا يقضي منها دين في مهور النساء الذي كان له عنهن غنى. والأقرب الجواز. لنا: إنه كان كالدين في غير معصية، فكان له الأخذ من الزكاة كالنفقة على عياله. احتج بأن فيه نوع إسراف، فلا يعطى لما ذكره علي بن هاشم في تفسيره عن العالم - عليه السلام - فقال: " والغارمين " قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة الله تعالى من غير إسراف، فيحب على الإمام أن يقضي عنهم (1). والتقييد يدل على نفي الحكم عما عداه. والجواب: بعد صحة النقل المنع من كونه إسرافا، ومن دلالة التقييد على العدم. مسألة: الغني الذي يحرم عليه أخذ الصدقة باعتبار الفقر هو أن يكون قادرا على كفايته وكفاية من تلزمه كفايته على الدوام، فإن كان مكتفيا بصنعة وكانت صنعته ترد عليه كفايته وكفاية من تلزمه نفقته حرمت عليه، وإن كانت لا ترد عليه حل له ذلك، هكذا قاله الشيخ في المبسوط (2)، والظاهر أن مراده بالدوام هنا مؤونة السنة. قال: وفي أصحابنا من قال: إن من ملك نصابا يجب عليه فيه الزكاة كان غنيا، وتحرم عليه الصدقة (3). وقال السيد المرتضى في المسائل الناصرية: الأولى على مذهبنا أن الصدقة محرمة على كل مستغن عنها، ومن ملك خمسين درهما أو دونها وهو قادر على أن يكفي نفسه ويسد خلته لا يحل له الصدقة، لأنه ليس بمضطر إليها. وراعى أبو

(1) تفسير علي بن إبراهيم: ج 1 ص 299.
(2) المبسوط: ج 1 ص 256.
(3) المبسوط: ج 1 ص 257.

[ 215 ]

حنيفة في تحريم الصدقة بملك النصاب، وهو مائتا درهم أو عشرون دينارا، واستدل بإجماع الفرقة. ثم قال: وليس إذا جعل الله للزكاة نصابا ثم يوجبها فيما نقص عنه وجب أن يكون ذلك النصاب معتبرا في تحريم الصدقة (1). وقال ابن إدريس: اختلف أصحابنا فيمن يكون معه مقدار من المال، ويحرم عليه تملك ذلك المال أخذ الزكاة. فقال بعضهم: إذا ملك نصابا من الذهب وهو عشرون دينارا حرم عليه أخذ الزكاة. وقال بعضهم: لا تحرم على من ملك سبعين دينارا، وقال بعضهم: لا أقدره بقدر، بل إذا ملك من الأموال ما يكون قدر كفايته لمؤونة طول سنته على الاقتصاد فإنه يحرم عليه أخذ الزكاة سواء كان نصابا أو أقل من نصاب أو أكثر من النصاب، فإن لم يكن يقدر كفاية سنته فلا يحرم عليه أخذ الزكاة. قال: وهذا هو الصحيح، وإليه ذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل الخلاف (2). والأقرب عندي الأول. لنا: ما رواه سماعة قال: وقد تحل الزكاة لصاحب سبعمائة درهم وتحرم على صاحب خمسين درهما، فقلت له: كيف يكون هذا؟ فقال: إذا كان صاحب سبعمائة له عيال كثير فلو قسمها بينهم لم تكفهم فليعف عنها نفسه وليأخذها لعياله، وأما صاحب الخمسين فإنه يحرم عليه إذا كان وحده، وهو محترف يعمل بها، وهو يصيب فيها ما يكفيه إن شاء الله تعالى. قال: وسألته عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار والخادم؟ فقال: نعم إلا أن يكون داره دار غلة فيخرج له من غلتها درهم تكفيه وعياله، وإن لم تكن الغلة تكفيه لنفسه وعياله في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم في غير إسراف فقد جاز له الزكاة، وإن كانت غلتها تكفيهم فلا (3).

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 242 المسألة 125.
(2) السرائر: ج 1 ص 462.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 48 ح 127. وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب المستحقين للزكاة ح 2 ج 6 ص 164.

[ 216 ]

وعن هارون بن حمزة في الموثق قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: روي عن النبي - صلى الله عليه وآله - أنه قال: لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي، فقال: لا تصلح لغني، قال: فقلت له: الرجل يكون له ثلاثمائة درهم في بضاعة وله عيال فإن أقبل عليها أكلها عياله ولم يكتفوا بربحها، قال: فلينظر ما يستفضل منها فيأكله هو ومن يسعه ذلك وليأخذ لمن يسعه من عياله (1). احتجوا بما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله - أنه قال لمعاذ: أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم (2). ولأنه يجب عليه دفع الزكاة، فلا يحل له أخذها للتنافي بينهما. والجواب: بعد صحة النقل أنه غير دال على المطلوب إلا بمفهوم الخطاب، وليس حجة عند الأكثر، وأيضا الغنى والفقر من الأمور الاضافية، فجاز أن يكون الشخص غنيا بالنسبة إلى شئ (3) وفقيرا بالنسبة إلى آخر، واضافة الاغنياء إليهم لا يدل على الغنى الشرعي، لإمكان أن يكونوا أغنياء (4) بالنسبة إليهم لا في نفس الأمر، والتنافي بين وجوب الزكاة ودفعها ممنوع. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: العامل لا يجوز أن يكون من ذوي القربى، لأنه لا يجوز له أن يأخذ الصدقة، وقال قوم: يجوز ذلك، لأنه يأخذ على وجه العوض والأجرة فهو كسائر الاجارات، والأول أولى، لأن الفضل بن العباس والمطلب بن ربيعة سألا النبي - صلى الله عليه وآله - أن يوليهما العمالة، فقال لهما:

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 51 ح 130. وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب المستحقين للزكاة ح 4 ج 6 ص 164.
(2) مسند أحمد بن حنبل: ج 1 ص 233 نقلا بالمضمون.
(3) ق: شخص. (4) ق وم (2): غنيا.

[ 217 ]

الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وأنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد (1). والظاهر أن القوم الذين نقل الشيخ عنهم من الجمهور، إذ لا أعرف قولا لعلمائنا في ذلك، وأكثرهم منع من اعطاء بني هاشم مطلقا. وقال ابن الجنيد (2): حيث عد الاصناف وذكر العاملين ما لم يكونوا من آل رسول الله - صلى الله عليه وآله - فصرح بالمنع، كما قاله الشيخ. وابن إدريس قال كما قال الشيخ في مبسوطه فإنه قال: والعامل لا يكون من بني هاشم، لأن عمالة الصدقات حرمها الرسول - صلى الله عليه وآله - على بني هاشم قاطبة، لأنهم لا يجوز لهم أن يأخذوا الصدقة المفروضة، وقال قوم: يجوز ذلك، لأنهم يأخذون على وجه العوض والأجرة فهو كسائر الاجارات. والأول هو الصحيح، لأن الفضل بن العباس والمطلب بن ربيعة سألا النبي - صلى الله عليه وآله - أن يوليهما العمالة، فقال لهما: الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وانها لا تحل لمحمد وآل محمد (3). وبالجملة فإن كان القول الذي نقل الشيخ وابن إدريس عنهم من علمائنا صارت المسألة خلافية وإلا فلا، والحق منعهم، لما رواه جماعة عن النبي صلى الله عليه وآله (4). وما رواه محمد بن مسلم وزرارة في الحسن، عن الباقر والصادق - عليهما السلام - قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: إن الصدقة أوساخ أيدي الناس وإن الله حرم علي منها ومن غيرها ما قد حرمه، وإن الصدقة لا تحل

(1) المبسوط: ج 1 ص 248.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) السرائر: ج 1 ص 457.
(4) سنن البيهقي: ج 7 ص 32.

[ 218 ]

لبني عبد المطلب (1). وكون العامل يأخذ الصدقة أجرة لا يخرج الصدقة عن كونها أوساخ أيدي الناس، وهو المقتضي للمنع. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ولا تحل الصدقة الواجبة في أموال لبني هاشم قاطبة، وهو الذين ينتسبون إلى أمير المؤمنين علي - عليه السلام - وجعفر بن أبي طالب وعقيل بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب (2)، وكذا قال المفيد (3). وفي المبسوط: الصدقة المفروضة محرمة على النبي - صلى الله عليه وآله - وآله وهم ولد هاشم، ولا يوجد هاشمي إلا من ولد أبي طالب العلويين والعقيليين والجعفريين، ومن ولد عباس بن عبد المطلب، ومن أولاد الحارث بن عبد المطلب، ويوجد من أولاد أبي لهب أيضا (4)، وهذا الأخير أصوب، لأن أولاد الحارث وأولاد أبي لهب من الهاشميين فتحرم عليهما الصدقة، وأظن أن الشيخ في النهاية لم يقصد الحصر وإنما ذكر المشهورين، فلا يرد عليه منع ابن إدريس. مسألة: قال الشيخ: ولا بأس أن يعطي صدقة الأموال موالي بني هاشم (5)، وأطلق. وقال ابن الجنيد (6): وقد روي أن موالي بني هاشم عتاقة تحل الصدقة، وإنما حرمت على مواليهم فقط وتنزيههم عنها، وتنزههم أحب إلي، وهذا يعطي

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 58 ح 155. وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب المستحقين للزكاة ح 2 ج 6 ص 186.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 436.
(3) المقنعة: ص 243. (4) المبسوط: ج 1 ص 259.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 436.
(6) لم نعثر على كتابه.

[ 219 ]

كراهة أخذ العتيق وتحريم المملوك، وهو الوجه عندي. أما إباحة الزكاة على المعتق فلأن الخمس حرام عليهم وليس من ذوي القربى، فالمقتضي للاباحة موجود والمانع مفقود. وما رواه جميل بن دراج، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته هل تحل لبني هاشم الصدقة؟ قال: لا، قلت: لمواليهم، قال: تحل لمواليهم، ولا تحل لهم إلا صدقات بعضهم على بعض (1). ونحوه روى ثعلبة بن ميمون في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - (2). وأما تحريم الزكاة على المماليك فلأن النفع في الحقيقة حينئذ عائد على ساداتهم فتكون محرمة. وما رواه حريز، عن زرارة، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: مواليهم منهم، ولا تحل الصدقة من الغريب لمواليهم، ولا بأس بصدقات مواليهم عليهم (3). قال الشيخ: الوجه في هذه الرواية ضرب من الكراهية دون الحظر، ويجوز أن يكون ذلك محمولا على مواليهم المماليك، لأنهم في عيالهم، وإذا كانوا كذلك فالاعطاء لهم اعطاء مواليهم (4). وهنا قد صرح الشيخ بما قلناه، والظاهر أن مراده أولا ذلك، وكذا مراد باقي علمائنا. مسألة: قد بينا أنه لا يحل اعطاء الهاشميين من الزكاة في حال تمكنهم من

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 60 ح 160. وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب المستحقين للزكاة ح 4 ج 6 ص 192.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 61 ح 163. وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب المستحقين للزكاة ح 3 ج 6 ص 192.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 59 ح 159. وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب المستحقين للزكاة ح 5 ج 6 ص 193.
(4) الاستبصار: ج 2 ص 37 ذيل الحديث 115.

[ 220 ]

الأخماس، فإن قصر الخمس عن كفايتهم جاز أن يأخذوا من الزكاة قدر الكفاية، وهل يجوز التجاوز عن قدر الضرورة؟ الأشهر ذلك، وقيل: لا يحل (1). لنا: إنه أبيح له الزكاة فلا يتقدر بقدر. أما المقدمة الأولى: فلأن التقدير ذلك. وأما الثانية: فلما رواه عمار بن موسى، عن الصادق - عليه السلام - أنه سئل كم يعطى الرجل من الزكاة؟ قال: قال أبو جعفر - عليه السلام -: إذا أعطيته فأغنه (2). وعن زياد بن مروان، عن أبي الحسن موسى بن جعفر - عليه السلام - قال: قال: اعطه ألف درهم (3). وعن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: اعطي الرجل الزكاة مائة درهم؟ قال: نعم، قلت: مائتين؟ قال: نعم، قلت: ثلاثمائة؟ قال: نعم، قلت: أربعمائة؟ قال: نعم، قلت: خمسمائة؟ قال: نعم حتى تغنيه (4). ولأن المقتضي للاباحة - وهو الحاجة - موجود، والمانع - وهو كونه هاشميا - لا يصلح للمانعية. وإلا لمنع من القليل فثبت الحكم. احتج المانعون بأنه يستلزم اعطاء المتمكن من الهاشميين الزكاة وهو حرام

(1) شرائع الاسلام: ج 1 ص 163.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 64 ح 174. وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب المستحقين للزكاة ح 4 ج 6 ص 179.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 63 ح 172. وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب المستحقين للزكاة ح 6 ج 6 ص 179.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 63 ح 172. وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب المستحقين للزكاة ح 7 ج 6 ص 180.

[ 221 ]

إجماعا، إذ مع حصول الكفاية تحرم الزيادة لو تعقبت، وكذا إذا قارنت إذ لا فارق. والجواب: المنع من نفي الفارق كما في الفقير غير الهاشمي. مسألة: الاستغناء بالكسب يجري مجرى الاستغناء بالمال في تحريم أخذ الزكاة، ذهب إليه الشيخان (1)، والسيد المرتضى (2)، وابن البراج (3)، وابن الجنيد (4)، وابن إدريس (5). ونقل الشيخ في الخلاف عن بعض أصحابنا أنه يجوز دفع الزكاة إلى المكتسب (6)، والوجه الأول. لنا: إنه أشهر بين علمائنا، حتى أن الشيخ - رحمه الله - ادعى في الخلاف عليه الاجماع من الفرقة (7). ولأنه أحوط. ولأن المقتضي للمنع في حق الغني موجود هنا، فيثبت المنع عملا بالمقتضي. وبيان ثبوته: إن المانع هناك إنما هو الاستغناء عن الحاجة، وهو ثابت في صورة النزاع فيثبت الحكم، وإلا لزم الترجيح من غير مرجح. وروى الجمهور عن النبي - صلى الله عليه وآله - أن رجلين أتيا النبي - صلى الله عليه وآله - وهو يقسم الصدقة فسألاه شيئا منها، فصعد بصره فيهما وصوبه به وقال لهما: إن شئتما ولا حظ فيها لغني ولا ذي قوة مكتسب (8). ومن طريق

(1) المقنعة: ص 241. النهاية ونكتها: ج 1 ص 436.
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 79.
(3) المهذب: ج 1 ص 170.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) السرائر: ج 1 ص 461.
(6) الخلاف: ج 2 ص 349 المسألة 11 طبعة اسماعيليان.
(7) الخلاف: ج 2 ص 350 المسألة 11 طبعة اسماعيليان.
(8) سنن النسائي: كتاب الزكاة ج 5 ص 100.

[ 222 ]

الخاصة ما رواه الشيخ قال: وفي أحاديث أصحابنا لا تحل لغني سوي ولا لذي مرة قوي (1). احتج المخالف بأنه لا يملك نصابا ولا ما قيمته قيمة النصاب، فجاز له الأخذ من الصدقة كالفقير. والجواب: المنع من المساواة، فإن الفقير محتاج إليها بخلاف صورة النزاع. مسألة: لو قصرت الصنعة عن الكفاية جاز أن يأخذ مطلقا، وقيل: يعطى ما يتم كفايته (2). لنا: إنه مستحق للزكاة فلا يتقدر العطاء بشئ. وما رواه زياد بن مروان، عن الكاظم - عليه السلام - قال: أعطه ألف درهم (3)، وغير ذلك من الأخبار، وقد تقدم بعضها. احتج المخالف بأنه مستغن فلا يستحق شيئا. أما المقدمة الأولى: فلأنا نبحث على تقدير اكتفائه بالمدفوع إليه. وأما الثانية: فظاهرة. والجواب: الاستغناء إنما يكون بعد الدفع، ونحن نمنع حينئذ من الاعطاء. مسألة: لو ادعى الفقر ولم يعلم كذبه اعطي من غير يمين، سواء علم صدقه أو جهل الأمران، وسواء كان قويا أو ضعيفا، وسواء كان له أصل مال أو لا، وقيل: يحلف على تلفه (4). لنا: الأصل عدالة المسلم وعدم إقدامه على الكذب والظاهر صدقه، وقد

(1) الخلاف: ج 2 ص 349 - 350 المسألة 11 طبعة اسماعيليان.
(2) شرائع الاسلام: ج 1 ص 159 - 160.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 63 ح 171. وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب المستحقين للزكاة ح 6 ج 6 ص 179.
(4) شرائع الاسلام: ج 1 ص 160.

[ 223 ]

أمرنا بالأخذ بالظاهر. ولأنه لو وجب اليمين هنا لوجب في صورة العاجز إذا لم يعرف له أصل مال، والتالي باطل بالاجماع فكذا المقدم. بيان الشرطية: إن المقتضي لايجاب اليمين هنا تجويز الكذب في إخباره بفقره، وهو ثابت في صورة النزاع. احتج المخالف بأن الأصل بقاء المال، فلا بد من اليمين. والجواب: المنع من الملازمة، فإن عدالة المسلم كافية. مسألة: لو ادعى القوي الحاجة إلى الصدقة لأجل عياله هل يقبل قوله؟ قال الشيخ في المبسوط: فيه قولان: أحدهما: يقبل قوله بلا بينة، والثاني: لا يقبل إلا ببينة، لأنه لا يتعذر، وهذا الأحوط (1). والظاهر أن مراد الشيخ بالقائل من الجمهور وصيرورته إلى القول الثاني ليس بجيد، لأن قوله: " مقبول " عملا بظاهر العدالة المستندة إلى أصل الاسلام وقد سبق. مسألة: لو ادعى العبد العتق أو الكتابة، فإن كذبه مولاه أو صدقه عومل بما يقوله المولى، وإن تجرد عن التصديق والتكذيب قال الشيخ: لا يقبل ذلك إلا بالبينة (2). وقيل: لا يفتقر إلى البينة ولا اليمين (3). احتج الشيخ بأن الأصل بقاء الرق فيستصحب إلى أن يظهر المنافي، وقول العبد ليس حجة، لأنه متهم. واحتج الاخرون بأن الأصل في إخباره الصدق فيصار إليه.

(1) المبسوط: ج 1 ص 247.
(2) المبسوط: ج 1 ص 247.
(3) شرائع الاسلام: ج 1 ص 161.

[ 224 ]

مسألة: قال ابن البراج في كتابي المهذب والكامل: المملوك والمكاتب يجوز ابتياعهما من الزكاة (1). وهذه العبارة ليست جيدة، فإن المكاتب لا يجوز بيعه، لأن الكتابة عقد لازم، فإن قصد بابتياعه دفع مال الكتابة إلى مولاه فهو حق، إلا أن ذلك لا يسمى بيعا، والظاهر أن مراده ذلك. مسألة: شرط الشيخ في المبسوط كون العامل حرا (2)، والأقوى عندي عدم الاشتراط. لنا: إنه نوع إجارة والعبد من أهلها، فجاز من العامل أن يكون عبدا. مسألة: لو ادعى الغارم الغرم قبل قوله إذا صدقه الغريم، وكذا إذا تجردت دعواه عن الصديق والانكار، وقيل: لا يقبل إلا بالبينة (3). لنا: ما تقدم من أن ظاهر الاسلام العدالة. مسألة: لو قال ابن السبيل المجتاز: كان لي مال هاهنا فتلف قال في المبسوط: لا يقبل منه إلا ببينة (4)، والأقوى عندي القبول ما لم يعلم كذبه. لنا: إنه مسلم، فكان ظاهره العدالة، وقد أخبر عن شئ يمكن صدقة فيه، فكان قوله مقبولا، كما لو أخبر عن إيمانه.

(1) المهذب: ج 1 ص 171. ولم نعثر على الكامل.
(2) المبسوط: ج 1 ص 248.
(3) المغني لابن قدامة: ج 2 ص 706. المجموع: ج 6 ص 209.
(4) المبسوط: ج 1 ص 254.

[ 225 ]

المقصد الرابع في كيفية الاخراج ومتوليه وباقي مباحث المستحق مسألة: قال المفيد - رحمه الله - في المقنعة: أقل ما يعطى الفقير من الصدقة المفروضة خمسة دراهم فصاعدا، لأنها أقل ما تجب في الحد الأول من الزكاة، وليس لأكثره حد مخصوص (1). وقال في الرسالة الغرية (2): ولا يخرج في زكاة المال إلى الفقير أقل من خمسة دراهم من الورق أو نصف مثقال من العين، اللهم إلا أن يكون على الانسان درهم أو درهمان من النصاب الذي يزيد على المائتين في الورق فيخرج ذلك إلى الفقراء، وكذلك إن كان عليه عشر مثقال فيما زاد عن العشرين من العين أخرجه إلى الفقراء، فأما إذا كان عليه جملة من الزكاة في حالة واحدة فلا يخرج منها إلى الفقير أقل من خمسة دراهم أو نصف مثقال. وقال السيد المرتضى في الجمل: ويجوز أن يعطى من الزكاة الواحد من الفقراء القليل والكثير، وقد روي أنه لا يعطى الفقير الواحد من الزكاة المفروضة أقل من خمسة دراهم، وقد روي أن الأقل درهم واحد (3).

(1) المقنعة: ص 243.
(2) لم نعثر على رسالته.
(3) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 79.

[ 226 ]

وقال في الانتصار: مما انفردت به الامامية القول بأنه لا يعطى الفقير الواحد من الزكاة المروضة أقل من خمسة دراهم، وقد روي أن الأقل درهم واحد، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك ويجيزون عطاء القليل والكثير من غير تحديد، وحجتنا على ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة وطريقة الاحتياط وبراءة الذمة (1). وقال في المسائل المصرية (2): إن أقل ما يجزئ من الزكاة درهم للاحتياط واجماع الفرقة المحقة، لأن من أخرج هذا المبلغ أجزأ عنه وسقط عن ذمته بالاجماع، وليس الأمر على ذلك فيمن أخرج أقل منه. وقال الشيخ في النهاية: أقل ما يعطى الفقير من الزكاة خمسة دراهم أو نصف دينار، وهو أول أقل ما يجب في النصاب الأول، فأما ما زاد على ذلك فلا بأس أن يعطى كل واحد ما يجب في نصاب نصاب، وهو درهم إن كان من الدراهم، أو عشر دينار إن كان من الدنانير، وليس لأكثره حد (3). وقال علي بن بابويه: ولا يجزئ في الزكاة أن يعطى أقل من نصف دينار (4). وقال ابنه في المقنع: يجوز أن يعطى الرجل الواحد الدرهمين والثلاثة، ولا يجوز في الذهب إلا نصف دينار (5). وقال ابن الجنيد: لا يعطى من الزكاة دون الدرهم (6).

(1) الانتصار: ص 82.
(2) لم نعثر على رسالته. (3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 439 - 440.
(4) لم نعثر على رسالته، ونقله عنه في من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 17 ذيل الحديث 1599.
(5) المقنع: ص 50. وفيه: ولا يجزئ في الزكاة أن يعطى أقل من نصف دينار.
(6) لم نعثر على كتابه ونقله عنه في المعتبر ج 2 ص 590.

[ 227 ]

وقال سلار: أقل ما يجزئ اخراجه من الزكاة ما يجب في نصاب، فمن أصحابنا من قال: أقله نصف دينار أو خمسة دراهم، ومنهم من قال: أقله قيراطان أو درهم، فالأولون قالوا: بوجوب النصاب الأول، والآخرون قالوا بالثاني، والأثبت الأول، وكذلك في سائر ما يجب فيه الزكاة (1). وقال ابن البراج: أقل ما ينبغي دفعه من الزكاة إلى مستحقها هو ما يجب في نصاب واحد (2). وقال ابن إدريس: اختلف أصحابنا في أقل ما يعطى الفقير من الزكاة في أول دفعة، فقال بعض منهم: أقله ما يجب في النصاب الأول من سائر أجناس الزكاة، وقال بعض منهم: أخصه بأول نصاب الذهب والفضة فحسب، وبعض قال: أقله ما يجب في النصاب الثاني من الذهب والفضة، وذهب بعض آخر إلى أنه يجوز أن يعطى من الزكاة الواحد من الفقراء القليل والكثير، ولا يحد القليل بحد لا يجزئ غيره (3)، وهو الأقوى عندي، وهو مذهب السيد المرتضى في الجمل (4). وقال ابن حمزه: لا يجوز أن يعطى المستحق من الذهب والقضة والمواشي أقل من نصاب، وقال قوم: بواجب النصاب الأول، والآخرون بالثاني (5). واعلم أن كلام السيد المرتضى في احتجاجه على أنه لا يعطى أقل من درهم في المسائل المصرية يدل على وجوب ذلك، وقول ابني بابويه يدل على وجوب اعطاء نصف دينار، وقول سلار يشعر بوجوب نصف دينار أو خمسة

(1) المراسم: ص 133.
(2) المهذب: ج 1 ص 172.
(3) السرائر: ج 1 ص 463.
(4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 79.
(5) الوسيلة: ص 130.

[ 228 ]

دراهم. والأقرب عندي أن أقل ما يعطى خمسة دراهم على سبيل الاستحباب، ويجوز أن يعطى أقل من درهم. أما الأول: فلما رواه أبو ولاد الحناط في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: لا يعطى أحد من الزكاة أقل من خمسة دراهم، وهو أقل ما فرض الله - عزوجل - من الزكاة في أموال المسلمين، فلا تعطوا أحد أقل من خمسة دراهم فصاعدا (1). وعن معاوية بن عمار وعبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قال: لا يجوز أن يدفع الزكاة بأقل من خمسة دراهم فإنها أقل الزكاة (2). ولأن فيما هو أقل احتقارا بالفقير، ولأنه أقرب إلى خير الصدقة، وهو ما أبقت غنى. وأما الثاني: فلأن الأصل براءة الذمة وعدم التكليف بواجب، وغيره صرنا (3) إلى الاستحباب لقيام الدليل، فيبقى الوجوب منفيا بالأصل. وما رواه محمد بن أبي الصهبان في الصحيح قال: كتبت إلى الصادق - عليه السلام - هل يجوز لي يا سيدي أعطي الرجل من اخواني من الزكاة الدرهمين والثلاثة الدراهم فقد اشتبه ذلك علي؟ فكتب ذلك جائز (4). وعن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي في الحسن، الصادق - عليه السلام -

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 62 ح 167. وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب المستحقين للزكاة ح 2 ج 6 ص 177.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 62 ح 167. وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب المستحقين للزكاة ح 4 ج 6 ص 178.
(3) ق وم (2): ضربا.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 63 ح 169. وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب المستحقين للزكاة ح 5 ج 6 ص 178.

[ 229 ]

قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وآله - يقسم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر، لا يقسمها بينهم بالسوية، إنما يقسمها على قدر ما يحضره منهم، وقال: ليس في ذلك شئ مؤقت (1). ولأن المصدق أحد أصناف من يدفع إليه الزكاة، ولا يقدر له شئ فكذا الباقي. بيان الملازمة: إنه تعالى سوى بينهم في الاستحقاق بمجرد العطف، وأما صدق المقدم فلما رواه الحلبي في الحسن، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قلت له: ما يعطى المصدق؟ قال: ما يرى الإمام ولا يقدر له شئ (2). احتج القائلون بوجوب الحكم الأول بالروايتين السابقتين. والجواب: إنهما محمولتان على الاستحباب جمعا بين الأدلة، إذ في العمل بذلك عمل بهما وبالروايات المتأخرة، وفي العمل بهما على سبيل الوجوب إبطال للروايات (3) المتأخرة، والجمع بين الأخبار أولى من اطراح بعضها، واحتجاج السيد بالاجماع ممنوع إن قصد به الوجوب، وإلا فهو المطلوب، والاحتياط لا يعطي الوجوب، وبراءة الذمة كما تدل على مطلوبه فهي على مطلوبنا نحن ادل. مسألة: قسم المفيد - رحمه الله - الأموال إلى الانعام وغيرها، ومنع من إخراج القيمة في الأول وسوغه في الثاني (4)، وهو الظاهر من كلام ابن الجنيد (5) فإنه

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 103 ح 103. وسائل الشيعة: ب 38 من أبواب المستحقين للزكاة ح 1 ج 6 ص 197.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 108 ح 311. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب المستحقين للزكاة ح 4 ج 6 ص 144.
(3) م (1) ون: الروايات.
(4) المقنعة: ص 253.
(5) لم نعثر على كتابه.

[ 230 ]

قال: ولا بأس بأن يخرج عن الواجب من الصدقة، والحق في أرض العنوة ذهبا وورقا بقيمة الواجب يوم أخذه، وكذلك أخراج الذهب عن زكاة الورق، والورق عن قيمة زكاة الذهب، ولا بأس بأن يشتري صاحب المال من المصدق والوالي والامام ما يؤخذ منه من الماشية بعد قبضهم إياه، والتنزه عن ذلك وعن نتاجها أحب إلي، وخاصة إذا كان الوالي متغلبا والآخذ لها غير مستحق. وجوز السيد المرتضى (1)، والشيخ (2)، وابن إدريس (3)، أخذ القيمة في القسمين، وهو الوجه عندي. لنا: إن المقصود دفع حاجة الفقير، وكما يحصل بدفع العين فكذا يحصل بدفع القيمة، فافتراقهما في الحكم ينافي الحكمة. ولأنه يجوز إخراج القيمة في غير الانعام فيجوز فيها. أما الأولى: فلأنه وافق على ذلك، ولما رواه البرقي في الصحيح قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني - عليه السلام - هل يجوز - جعلت فداك - أن يخرج ما يجب في الحرث من الحنطة والشعير وما يجب على الذهب دراهم بقيمة ما يسوى أم لا يجوز إلا أن يخرج من كل شئ ما فيه؟ فأجابه - عليه السلام - أيما تيسر يخرج (4). وفي الصحيح عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يعطي عن زكاته عن الدراهم دنانير وعن الدنانير دراهم

(1) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 75.
(2) الخلاف: ج 2 ص 50 المسألة 59.
(3) السرائر: ج 1 ص 446.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 95 ح 271. وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 1 ج 6 ص 114.

[ 231 ]

بالقيمة أيحل ذلك له؟ قال: لا بأس (1). وأما المقدمة الثانية: فلأن إخراج القيمة إما أن يكون محصلا للمصالح المطلوبة شرعا من الزكاة أو لا يكون، فإن كان الأول أجزأ مطلقا، وإن كان الثاني امتنع مطلقا. احتج بأن المنصوص العين فلا يجوز العدول عنه كالكفارات. والجواب: المنع من المقدمتين، فإن النص قد ورد بالقيمة في بعض الاصناف، ونمنع العدول عنه مع المساواة من كل وجه، والقياس على الكفارات ممنوع، لأن الواجب فيها أمور مختلفة غير معقولة المناسبة. مسألة: قال المفيد - رحمه الله -: فرض على الأمة حمل الزكاة إلى النبي - صلى الله عليه وآله - والامام خليفته قائم مقامه، فإذا غاب الخليفة كان الفرض حملها إلى من نصبه خليفته من خاصته، فإذا عدم السفراء بينه وبين رعيته وجب حملها إلى الفقهاء المأمونين من أهل ولايته (2). وقال أبو الصلاح: يجب على كل من تعين عليه فرض زكاة أو فطرة أو خمس أو أنفال أن يخرج ما وجب عليه من ذلك إلى سلطان الاسلام المنصوب من قبله تعالى، أو إلى من ينصبه لقبض ذلك من شيعته ليضعه مواضعه، فإن تعذر الأمران فإلى الفقيه المأمون، فإن تعذر وآثر المكلف تولى ذلك بنفسه، فمستحق الزكاة والفطرة الفقير المؤمن (3). وهذا الكلام منهما يشعر بوجوب حمل الزكاة إلى الإمام أو نائبه أو الفقيه على ما رتبناه (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 95 ح 272. وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 2 ج 6 ص 114.
(2) المقنعة: ص 252.
(3) الكافي في الفقه: ص 172.
(4) ق وم (1): ما رتبناه.

[ 232 ]

وقال ابن البراج: وإذا كان الإمام ظاهرا وجب حمل الزكاة إليه ليفرقها في مستحقها، فإن كان غائبا فإنه يجوز لمن وجب عليه أن يفرقها في خمسة أصناف (1)، وهو يدل على الوجوب أيضا. وقال الشيخ - رحمه الله -: الأموال ضربان: ظاهرة وباطنة، فالباطنة: الدنانير والدراهم وأموال التجارات، فالمالك بالخيار بين أن يدفعها إلى الإمام أو من ينوب عنه، وبين أن يفرقها بنفسه على مستحقه بلا خلاف في ذلك. وأما زكاة الأموال الظاهرة: مثل المواشي والغلات، فالأفضل حملها إلى الإمام إذا لم يطلبها، وإن تولى تفريقها بنفسه فقد أجزأ عنه (2). وقال السيد المرتضى: الأفضل والأولى إخراج الزكاة لا سيما في الأموال الظاهرة، كالمواشي والحرث والغرس إلى الإمام وإلى خلفائه النائبين عنه، فإن تعذر ذلك فقد روي إخراجها إلى الفقهاء المأمونين ليضعوها مواضعها، فإن تولى إخراجها عند فقد الإمام والنائبين عنه من وجبت عليه بنفسه من دون الإمام جاز (3). والحق الاستحباب إلا مع الطلب فيجب، كما اختاره الشيخ (4)، وهو قول ابن إدريس (5). لنا: الأصل عدم الوجوب. ولأنه دفع المال إلى مستحقه فيخرج عن العهدة. ولأنه امتثل الأمر بقوله تعالى: " وآتوا الزكاة " (6) فيسقط عنه التكليف،

(1) المهذب: ج 1 ص 171.
(2) المبسوط: ج 1 ص 244.
(3) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 80.
(4) المبسوط: ج 1 ص 244.
(5) السرائر: ج 1 ص 458.
(6) البقرة: 43.

[ 233 ]

ولقوله تعالى: " وإن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم " (1). لا يقال: الاستدلال بهذه الآية مستدرك، لأنها تدل على غير المطلوب، وما تدل الآية عليه لا يقولون به. بيانه: إنها دالة على أولوية الاخفاء، وأنتم تذهبون إلى استحباب الحمل إلى الإمام. لأنا نقول: أن لفظة " أفعل " كما تدل على الافضلية فكذا ترد للمشاركة. سلمنا، لكن استحباب الحمل إلى الإمام لا ينافي استحباب الاخفاء، فإن الجمع بينهما أكمل بأن يدفع إلى الإمام من غير إشعار الدافع. احتج الموجبون بقوله تعالى: " خذ من أموالهم صدقة " (2) والأمر للوجوب، ووجوب الأخذ يستلزم وجوب الدفع. والجواب: بعد تسليم أن الأمر للوجوب إنما يدل على وجوب الأخذ عليه - صلى الله عليه وآله - إذا دفعت إليه، ولا يستلزم ذلك وجوب الدفع إليه. مسألة: لو طلبها الإمام فلم يدفعها إليه وفرقها بنفسه قال الشيخ: لا يجزئه (3)، وهو الذي يقتضيه قول كل من أوجب الدفع إليه مع غير الطلب، وقيل: يجزئه (4). لنا: إنها عبادة لم يأت بها على وجهها المطلوب شرعا فيبقى في عهدة التكليف، أما إنها عبادة فظاهر، وأما إنه فعلها على غير الوجه المطلوب فللإجماع على وجوب الدفع إلى الإمام مع الطلب، فإذا فرقها بنفسه لم يأت به على وجهه.

(1) البقرة: 271.
(2) التوبة، 103.
(3) المبسوط: ج 1 ص 244.
(4) شرائع الاسلام: ج 1 ص 164.

[ 234 ]

احتج الاخرون بأنه دفع مالا إلى مستحقه فيخرج عن العهدة. والجواب: إنما يخرج عن العهدة لو دفعه إليه على الوجه المطلوب منه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من أعطى غيره زكاة الأموال ليفرقها على مستحقها وكان مستحقا للزكاة جاز له أن يأخذ منها بقدر ما يعطي غيره، اللهم إلا أن يعين له على أقوام بأعيانهم فإنه لا يجوز له حينئذ أن يأخذ منها شيئا، ولا أن يعدل عنهم إلى غيرهم (1)، وهو اختياره في المبسوط (2) في باب الزكاة، ورواه المفيد في المقنعة (3)، واختاره ابن البراج (4). وقال الشيخ في الجزء الثاني من المبسوط: إذا وكله في إبراء غرمائه لم يدخل هو في الجملة، وكذلك في حبس غرمائه ومخاصمتهم، وكذلك إذا وكله في تفرقة ثلثه في الفقراء والمساكين لم يجز له أن يصرف إلى نفسه منه شيئا وإن كان فقيرا مسكينا، لأن المذهب الصحيح أن المخاطب لا يدخل في أمر المخاطب إياه في أمر غيره، فإذا أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وآله - بأن يأمر أمته أن يفعلوا كذا لم يدخل هو في ذلك الأمر (5). وهذا الكلام يشعر بالمنع في باب الزكاة أيضا، إذ لا فارق بينهما، وابن إدريس (6) منع أيضا من المشاركة. والوجه الأول. فهنا حكمان: الأول: تجويز أن يأخذ مثل غيره، الثاني: المنع من الزيادة. أما الأول: فلأنه امتثل المأمور به فيخرج عن العهدة، أما المقدمة الأولى:

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 439.
(2) المبسوط: ج 1 ص 247.
(3) المقنعة: ص 261.
(4) المهذب: ج 1 ص 271.
(5) المبسوط: ج 2 ص 403.
(6) السرائر: ج 1 ص 463.

[ 235 ]

فلأنه دفع الزكاة إلى مستحقها وهو مأمور بذلك، وأما الثانية: فظاهرة. ولأنه أوصل مالا إلى مستحقه فتبرأ ذمته، والمقدمتان ظاهرتان. ولأن المالك جعل له ما كان له فعله وأخذ البعض قد كان للمالك فيثبت له قضية للمساواة. ولأن تعيين الغير ينافي التخيير المطلق، وقد ثبت له التخيير المطلق فينتفي تعيين الغير، لاستحالة الجمع بين المتنافيين. ولأنه لو نص له على الأخذ لجاز إجماعا، فكذا إذا ادخله في العموم واندرج ظاهرا كغيره من الفقراء. ولأن المقتضي للأخذ موجود، والمعارض الموجود لا يصلح للمانعية فيثبت جواز الأخذ. أما المقتضي فهو الأمر بالصرف في مستحقه (1)، وهو من جملتهم فرضا. وأما المعارض فليس إلا المنع من كون الأمر بالاعطاء قرينة صارفة عن إرادته، لامتناع كون الشخص معطيا لنفسه عرفا. وإنما قلنا أنه لا يصلح للمانعية، لأنه لو كان مانعا لمنع من التنصيص على تسويغ الأخذ، والتالي باطل إجماعا فكذا المقدم، والشرطية ظاهرة. وما رواه الحسين بن عثمان في الحسن، عن أبي إبراهيم - عليه السلام - في رجل اعطي مالا يفرقه فيمن يحل له أله أن يأخذ منه شيئا لنفسه ولم يسم له؟ قال: قال: يأخذ منه لنفسه مثل ما يعطي غيره (2). وفي الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن الرجل يعطي الرجل الدراهم يقسمها ويضعها في مواضعها وهو ممن تحل له الصدقة، قال: لا بأس أن يأخذ لنفسه كما يعطي لغيره، قال: ولا يجوز له أن يأخذ إذا أمره أن يضعها في مواضع مسماة إلا بأذنه (3).

(1) ق: في مستحقيه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 104 ح 295. وسائل الشيعة: ب 40 من أبواب المستحقين للزكاة ح 2 ج 6 ص 200.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 104 ح 296. وسائل الشيعة: ب 40 من أبواب المستحقين للزكاة ح 3 ج 6 ص 200.

[ 236 ]

الجواب عن احتجاج الشيخ: بالمنع من عدم الدخول أولا، وبعدم مساواة ما ذكره لصورة النزاع، فإنا لا نسلم أن النبي - عليه السلام - غير داخل في الخطاب الذي أمره الله تعالى أن يأمر أمته، ونمنع عدم دخوله لو قال الله تعالى: إني آمر بكذا، والمساوي لصورة النزاع هو الثاني. وأما الثاني: فللروايات، ولأن فيه نوع خيانة. مسألة: إذا أخذ الإمام الصدقة ففي وجوب الدعاء لصاحبها قولان للشيخ - رحمه الله - أحدهما: الوجوب قاله في كتاب الزكاة من الخلاف (1)، والثاني: الاستحباب قاله في كتاب قسمة الصدقات منه (2)، وفي المبسوط أيضا (3)، وهو الأقوى. لنا: الأصل براءة الذمة. احتج الشيخ بقوله تعالى: " وصل عليهم " (4). والجواب: الأمر للاستحباب. مسألة: قال المفيد - رحمه الله تعالى - الأصل في إخراج الزكاة عند حلول وقتها دون تقديمها عليه وتأخيرها عنه كالصلاة، وقد جاء عن الصادقين - عليهما السلام - رخص في تقديمها بشهرين قبل محلها وتأخيرها شهرين عنه، وجاء ثلاثة أشهر أيضا، وأربعة عند الحاجة إلى ذلك، وما يعرض من الأسباب. والذي اعمل عليه هو الأصل المستفيض عن آل محمد - عليهم السلام - من لزوم الوقت، فإن حضر قبله من المؤمنين محتاج يجب صلته، فأحب الانسان أن يقدم

(1) الخلاف: ج 2 ص 125 المسألة 155.
(2) الخلاف: ج 2 ص 347 المسألة 5 طبعة اسماعيليان.
(3) المبسوط: ج 1 ص 244.
(4) النور: 103.

[ 237 ]

له من الزكاة جعلها قرضا له، فإذا حل وقت الزكاة والمقترض على حاله من الفقراء أجزأت عنه في الزكاة، وإن تغيرت عنه حاله إلى الغنى لم يجز عنه ذلك في الزكاة (1). وهذا الكلام يشعر بمنع تعجيلها الزكاة وجوازه قرضا، وهو المشهور بين علمائنا، اختاره الشيخ (2)، والسيد المرتضى (3) رحمهما الله. وقال سلار: وقد ورد الرسم بجواز تقديم الزكاة عند حضور المستحق (4)، وهو يشعر بجواز تقديمها عنده. وقال أبو الصلاح: ويجوز إخراج الزكاة والفطرة قبل دخول وقتهما على جهة القرض، فإذا دخل الوقت عزم المخاطب على إسقاط حق المطالبة وجعل المسقط زكاة (5). وقال ابن أبي عقيل (6): يستحب إخراج الزكاة وإعطاؤها في استقبال السنة الجديدة في شهر المحرم، وإن أحب تعجيله قبل ذلك فلا بأس، وهو يشعر بجواز التعجيل. وقال ابن الجنيد (7): ولا يؤدي الرجل زكاة ماله إلا بعد وجوبها عليه. وقال في النهاية: وإذا حال الحول فعلى الانسان أن يخرج ما يجب عليه على الفور ولا يؤخره، فإن عدم المستحق له عزله من ماله وانتظر به المستحق، فإن حضرته الوفاة وصى به، وإذا عزل ما يجب عليه فلا بأس أن يفرقه ما بينه وبين

(1) المقنعة: ص 239.
(2) المبسوط: ج 1 ص 227.
(3) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 78.
(4) المراسم: ص 128.
(5) الكافي في الفقه: ص 173.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) لم نعثر على كتابه.

[ 238 ]

شهر وشهرين، ولا يجعل ذلك أكثر منه. وما روي عنهم - عليهم السلام - من جواز تقديم الزكاة وتأخيرها، فالوجه أن ما تقدم يجعل قرضا وما يؤخر فلانتظار المستحق، فأما مع وجوده فالأفضل إخراجها إليه على البدار (1). ومنع ابنا بابويه من التقديم كل المنع إلا على وجه القرض (2)، وهو الحق. لنا: إنه عبادة مؤقتة، فلا يجوز فعلها قبل وقتها. أما المقدمة الأولى: فظاهرة، لأنها إنما تجب بعد حولان الحول بالاجماع. وأما المقدمة الثانية: فلأن تقديمها على وقتها، وتأخيرها عنه يتضمن الاخلال بالواجب فيكون حراما. والأولى ظاهرة، لأن الاتيان بالفعل قبل الوقت وبعده لا يجامعان الاتيان فيه، لاستحالة تحصيل الحاصل واعادة المعدوم هنا، وكذا الثانية لاشتمال الفعل على وجه قبيح حينئذ، فيكون منهيا عنه دفعا للمفسدة الناشئة من فعل القبيح. ولأن أداءها قبل وقتها وبعده أن ساوى أداؤها فيه في جميع المصالح المطلوبة منه شرعا قبح تخصيص الأداء بوقته، لاستحالة تخصيص المتساويات لا لمرجح، والتالي باطل بالاجماع فيبطل المقدم. وإذا انتفت المساواة فنقول: إما أن يكون التقديم والتأخير راجحين على الأداء في الوقت أو مرجوحين، والأول باطل، لاستحالة الأمر بالمرجوح فيتعين الثاني، وإذا كانا مرجوحين منع المكلف منهما، لما فيه من إسقاط المصلحة الراجحة المعتبرة في نظر الشرع لا لمسقط. ولأن الحول أحد شرطي الزكاة فلا يقدم عليه كالنصاب. وما رواه عمرو بن يزيد في الحسن قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -:

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 432 - 433.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 18 ذيل الحديث 1600. ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.

[ 239 ]

الرجل يكون عنده المال أيزكيه إذا مضى نصف السنة؟ قال لا: ولكن حتى يحول عليه الحول، ويحل عليه أنه ليس لأحد أن يصلي صلاة إلا لوقتها فكذلك الزكاة، ولا يصوم أحد شهر رمضان إلا في شهره إلا قضاء، وكل فريضة إنما تؤدى إذا حلت (1). وفي الصحيح عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر - عليه السلام -: أيزكي الرجل ماله إذا امضى ثلث السنة؟ قال: لا أتصلي الأولى قبل الزوال (2)؟! احتج المجوزون بأن في التقديم إرفاقا بالفقراء فيكون سائغا، لأن العدول إلى الأنفع أولى، وإذا جاز التقديم جاز التأخير، لعدم القائل بالفرق، ولأن المقصود دفع حاجة الفقير وهو حاصل في التقديم والتأخير كحصوله في الوقت فيكون سائغا، لأنه محصل لجميع (3) المصالح المطلوبة شرعا. وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قلت له: الرجل تحل عليه الزكاة في شهر رمضان فيؤخرها إلى المحرم، قال: لا بأس، قلت: فإنه لا تحل عليه إلا في المحرم فيجعلها في شهر رمضان، قال: لا بأس (4). وعن الحسن بن عثمان، عن رجل، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يأتيه المحتاج فيعطيه من زكاته في أول السنة، فقال: إن كان

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 43 ح 110. وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب المستحقين للزكاة ح 2 ج 6 ص 212.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 43 ح 111. وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب المستحقين للزكاة ح 3 ج 6 ص 212.
(3) م (1) وم (2) ون: بجميع.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 44 ص 112. وسائل الشيعة: ب 49 من أبواب المستحقين للزكاة ح 9 ج 6 ص 210.

[ 240 ]

محتاجا فلا بأس (1). وعن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: لا بأس بتعجيل الزكاة شهرين وتأخيرها شهرين (2). وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يعجل زكاته قبل المحل، فقال: إذا مضت خمسة أشهر فلا بأس (3). والجواب عن الأول: بالمنع من الملازمة لما فيه من القبح الحاصل من إسقاط الواجب، وهو الجواب عن الثاني. وعن الأحاديث بالحمل على التقديم قرضا لا زكاة في التقديم وانتظار المستحق في التأخير. مسألة: قال ابن أبي عقيل (4): ومن أتاه مستحق فأعطاه شيئا قبل حلول الحول وأراد أن يحتسب به من زكاته أجزأه إذا كان قد مضى من السنة ثلثها إلى ما فوق ذلك، وإن كان قد مضى من السنة أقل من ثلثها فاحتسب به من زكاته لم يجزه بذلك، تواترت الأخبار عنهم - عليهم السلام -، وأكثر أصحابنا لم يعتبروا ما اعتبره هذا الشيخ، وهو الأقرب. لنا: إنه مشتمل على مصلحة وهو الاقراض، فيكون سائغا قبل الثلث كبعده، والأخبار التي ادعي تواترها لم تصل إلينا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (5) والخلاف (6): إذا كان عنده أربعون شاة

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 44 ح 113. وسائل الشيعة: ب 49 من أبواب المستحقين للزكاة ح 10 ج 6 ص 210.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 44 ح 114. وسائل الشيعة: ب 49 من أبواب المستحقين للزكاة ح 11 ج 6 ص 210.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 44 ح 115. وسائل الشيعة: ب 49 من أبواب المستحقين للزكاة ح 12 ج 6 ص 210.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) المبسوط: ج 1 ص 231.
(6) الخلاف: ج 2 ص 48 المسألة 55.

[ 241 ]

وعجل شاة وحال الحول جاز له أن يحتسب بها. ونحن نقول: هذا الكلام غير لائق من الشيخ. وبيانه بما نحققه نحن هنا: وهو أن تقديم الزكاة قد بينا أنه لا يجوز إلا على وجه القرض. وتحقيقه: إنه إذا دفع الفريضة إلى الفقير قبل الوقت بنية الزكاة لم يملكها الفقير وكانت باقية للمالك ولم ينثلم النصاب بذلك، فإذا حال الحول وجبت الزكاة، فإن اختار المالك بقاءها في يد المدفوع إليه واحتسبها (1) من الزكاة جاز إن بقي على الصفات، فإن اختار دفعها إلى غيره أو دفع غيرها إليه أو إلى غيره جاز أيضا. والأصل فيه: إن المدفوع إليه لم يملك بالدفع لفساده، وإن دفعها قرضا محضا ودينا عليه لا على أنها زكاة معجلة وكانت تمام النصاب سقطت الزكاة عن المالك، وكان له مطالبة المدفوع بها، ولا زكاة على التقديرين، لأن بالدفع قد ملك المدفوع إليه الفريضة وانثلم النصاب وقصر عن الوجوب فلا يجب فيه شئ، والقرض سائغ وللمالك المطالبة به. إذا ثبت هذا فنقول: إن قصد الشيخ التقدير الأول، وهو أن الدفع قبل الوقت كان على جهة الزكاة المعجلة، فإن الزكاة باقية بحالها ما دامت الشاة قائمة بعينها في يد المدفوع إليه وكان كلامه صحيحا، لكن دليله في المسألة ينافي ذلك، فإنه قال: دليلنا أنه قد ثبت أن ما يعجله على وجه الدين، وما يكون كذلك فكأنه حاصل عنده، فجاز له أن يحتسب به، لأن المال ما نقص عن النصاب (2). وهذا الدليل لا يتمشى إلا على التقدير الثاني، لكن هذا التقدير يسقط الزكاة بالكلية.

(1) في متن المطبوع وم (1) وم (2): واحتسابها. (2) الخلاف: ج 2 ص 48 ذيل المسألة 55.

[ 242 ]

مسألة: إذا تسلف الساعي لأهل السهمان فأقسامه أربعة: الأول: أن يكون بمسألة المالك والمستحق، الثاني: أن يكون بغير مسألتهما، مثل إن رأى في أهل الصدقة حاجة واستسلف لهم، الثالث: أن يكون بمسألة المالك، الرابع: أن يكون بمسألة المستحق، فإن كان بغير مسألتهما فتلف المقبوض في يده. قال الشيخ في كتابي المبسوط (1) والخلاف (2): على الساعي الضمان سواء تلف بتفريط أو بغيره. والأقرب عندي عدم الضمان مع عدم التفريط. لنا: إنه له ولاية على أهل السهمان، فإذا استقرض لهم وتلف في يده من غير تفريط لم يضمن كولي اليتيم. احتج بأنهم أهل رشد لا يولى عليهم، فالقابض لهم بغير إذنهم ضامن، كالأب إذا قبض مال ابنه الكبير بغير إذنه. والجواب: الفرق، فإن القبض الأول سائغ بخلاف قبض الأب عن ابنه الرشيد، وإن كان بمسألتهما فالضمان عليهما، قاله في الخلاف (3)، ورجحه في المبسوط (4)، لأن الإذن قد حصل منهما، ولا ترجيح لأحدهما على صاحبه فالضمان عليهما. والأقرب أن الضمان على أهل السهمان، لأن قبضه لنفعهم بمسألتهم وكان وكيلا لهم فالضمان عليهم. واعلم أن التحقيق في هذه التقادير أن نقول: المدفوع إما أن يكون مما يتم به النصاب أو لا، فإن كان الأول فإن لم يكن بمسألتهما فلا يخلو الدفع، إما أن يقع على وجه تعجيل الزكاة أو القرض، فإن كان الأول فالدفع فاسد،

(1) المبسوط: ج 1 ص 228.
(2) الخلاف: ج 2 ص 44 المسألة 47.
(3) الخلاف: ج 2 ص 45 المسألة 48.
(4) المبسوط: ج 1 ص 228.

[ 243 ]

ولا ضمان على الساعي، ولا زكاة على المالك إن كان التلف قبل الحول. أما الأول: فلأنه قبض بإذن المالك قبضا فاسدا فكان في يده أمانة محضة فلا ضمان عليه، وأما سقوط الزكاة فلقصور المال عن النصاب. أما لو تلف بعد الحول فإن نوى المالك بعد الحول وقبل التلف الزكاة بالمدفوع إلى الساعي سقطت الزكاة، لأنها يتعين بتعينه، وإن لم ينو ذلك سقط من الزكاة بنسبة التالف ووجب بنسبة الباقي. وإن كان الثاني: فلا ضمان على الساعي، لأن المالك دفع إليه ليقرض الفقراء ما يدفعه إليه فكان أمينا فلا ضمان عليه، وأما الزكاة فإن كان التلف بعد الحول وجبت على المالك، لأن القرض لم يحصل بالدفع إلى الساعي فلم ينتقل المال عن المالك، وإن كان قبل الحول فلا زكاة. أما لو دفع إليه قرضا للفقراء فإن قلنا: إن له ولاية الاقتراض عنهم من غير إذن سقطت الزكاة عن المالك ولا ضمان على الساعي، وهل للمالك الرجوع على الساعي في مال الفقراء؟ إشكال ينشأ من عدم تعيين المقترض، فلا يثبت حقه في ذمة واحد بعينه فيسقط، ومن كون الوالي له الولاية عنهم فكان له الرجوع عليه في مالهم كالولي للطفل، وهو أقرب. أما لو كان المدفوع مما لا يتم به النصاب فإن الزكاة لا تسقط إلا أن يكون الدفع على وجه القرض بمسألة أهل السهمان. مسألة: قال في المبسوط: إذا استلسف الولي بعيرا لرجلين وسلمه إليهما وماتا بعد ذلك قبل الحول استرجع البعير، فإن كان تالفا استردت القيمة يوم القبض، لأنهما قبضاه على جهة القرض فيلزمهما قيمته يوم القرض، وإن كان موجودا أخذ، وإن نقص لم يلزمهما أكثر من ذلك، لعدم الدليل على وجوب رد شئ، والأصل براءة الذمة، وإن كان زائدا غير متميز مثل السمن والكبر فإنه يرده بزيادته، لأنه عين مال صاحب المال، وإن كانت متميزة كالولد رده

[ 244 ]

أيضا، لأنه نماء ماله (1). وهذا الكلام مضطرب، لأن المقبوض إن كان على جهة القرض ملكه الفقير وكانت عليه القيمة يوم القبض، كما قاله الشيخ، لأن القرض إذا كان من ذوات القيم انتقل حق المقرض إلى القيمة من العين يوم القبض، وإن كان من ذوات الامثال لزمه المثل، لكن قوله: " إذا كان موجودا أخذ " فيه منع، لأن للمقرض أن يدفع المثل أو القيمة على المذهب المشهور، ولا يجب عليه دفع العين. ثم قوله: " وإن نقص لم يلزم أكثر من ذلك " ليس بجيد أيضا، لأن المالك يستحق القيمة عوضا عن عين صحيحة، فليس للفقراء دفع الناقص من غير أرش، بل إما أن يدفعه مع الأرش أو يدفع القيمة. ثم قوله: " وإن كان زائدا زيادة متصلة رد العين، لأنه عين مال صاحب المال " ليس بجيد لانتقال العين إلى الفقير بالقرض، فلا يجب عليه دفعها مع الزيادة. قوله: " وإن كانت منفصلة " فكذلك ليس بجيد أيضا، لأنه نماء عين مال الفقير، فلا يجب دفعه إلى المقرض. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا عجل الزكاة لمسكين قبل الحول ثم حال الحول وقد أيسر لم يخل من أحد أمرين: إما أن يوسر من هذا المال أو من غيره، فإن أيسر منه: مثل إن كانت ماشية فتوالدت أو مالا فاتجر به وربح وقعت الصدقة موقعها ولا يجب استرجاعها، لأنا لو استرجعناها (2) منه افتقر وصار مستحقا للاعطاء، ويجوز أن ترد عليه، وإذا جاز ذلك جاز أن يحتسب به. وإن

(1) المبسوط: ج 1 ص 229.
(2) م (2) ون: استرجعنا.

[ 245 ]

كان قد أيسر بغير هذا المال: مثل إن ورث أو غنم أو وجد كنزا أو ما يجري مجراه لم تقع الصدقة موقعها ووجب استرجاعها أو إخراج عوضها (1)، لأن ما كان أعطاه كان دينا عليه، وإنما يحتسب عليه بعد حؤول الحول، وفي هذه الحال لا يستحق الزكاة لغناه فيجب أن لا يحتسب له به (2)، وكذا قال في الخلاف (3)، لكنه لم يمثل القسمين. وهذا التقسيم والحكم حق، خلافا لابن إدريس (4)، لكن المثال الأول ليس بجيد، لأن المقبوض إذا كان قرضا ودينا عليه - كما نص عليه في آخر التعليل وكما هو مذهبه المشهور - ملكه الفقير فالنماء له. فإذا اتجر به وربح كان الربح له كالقرض، وكذا إذا كانت شياها فتولدت ملك الأولاد، فإذا صار غنيا بالربح وبالأولاد حرمت عليه الزكاة واسترجع المدفوع خاصة دون النماء. وإنما التمثيل الصحيح أن يكون المدفوع كافيا له وموجبا لغناه، فإذا بقي في يده من غير نماء له ثم حال الحول وهو غني به لم يجب أخذه منه وجاز أن يحتسب عليه من الزكاة وإن كان غنيا به لما ذكره، إذا عرفت هذا. فاعلم أن ابن إدريس (5): منع من الاحتساب وإن كان غنيا بالمدفوع، لأن الزكاة لا يستحقها غني، والمدفوع إليه غني بالدفع وإن كان قرضا، لأن المستقرض يملك ما اقترضه. والجواب: أن الغني هنا ليس مانعا، إذ لا حكمة ظاهرة في أخذه ودفعه.

(1) م (2): استرجاعها أو أخذ قيمتها أو إخراج عوضها. (2) المبسوط: ج 1 ص 230.
(3) الخلاف: ج 2 ص 46 المسألة 50.
(4) السرائر: ج 1 ص 455.
(5) السرائر: ج 1 ص 455.

[ 246 ]

مسألة: قال الشيخ في الخلاف: لا يجوز نقل مال الزكاة من بلد إلى بلد مع وجود مستحقه، فإن نقله كان ضامنا له إن هلك، وإن لم يجد له مستحقا جاز له نقله ولا ضمان عليه أصلا (1). وفي المبسوط: وإذا وجبت عليه زكاة فعليه أن يفرقها في فقراء أهل بلده، فإن نقلها إلى بلد آخر مع وجود المستحق في بلده ووصل إليهم أجزأه، وإن هلك ضمن، وإن لم يجد مستحقا في بلده جاز حملها إلى بلد آخر، ولا ضمان على حال، ولا فرق بين أن ينقلها إلى قريب أو بعيد، فإنه لا يجوز نقلها من البلد مع وجود المستحق إلا بشرط الضمان، ومع عدم المستحق يجوز بالإطلاق (2). وفي النهاية: متى لم يجد من تجب عليه الزكاة مستحقا عزلها من ماله وانتظر بها مستحقها، فإن لم يكن في بلده جاز أن يبعث بها إلى آخر، فإن أصيبت في الطريق أجزأه، وإن كان قد وجد في بلده مستحقا فلم يعطه وآثر من يكون في بلد آخر كان ضامنا لها إن هلكت ووجب (3) عليه إعادتها (4). وقال المفيد: إذا جاء الوقت فعدم المستحق عزلها من ماله إلى أن يجد من يستحقها من أهل الفقر والايمان، وإن قدر على إخراجها إلى بلد يوجد فيها مستحق أخرجها ولم ينتظر بها وجود مستحقها ببلده، إلا أن يغلب في ظنه فوت (5) وجوده ويكون أولى بها ممن يحمل إليه من أهل الزكاة، فإن هلكت في الطريق المحمول فيها إلى مستحقها اجزأت عن صاحب المال، ولا يجزئه ذلك إذا حملها وهلكت وقد كان واجدا لمستحقها في بلده، وإنما أخرجها منه إلى غيره

(1) الخلاف: ج 2 ص 28 المسألة 26.
(2) المبسوط: ج 1 ص 245 و 246.
(3) ق وم (1): ووجبت.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 435 - 436.
(5) ق: قرب.

[ 247 ]

لاختيار أهل الاستحقاق ووضعها في بعض من يؤثره منهم دون من حضره (1). وقال صاحب الوسيلة فيها: إذا وجد المستحق في بلده كره له نقلها إلى آخر، فإن نقل ضمن، وإن لم يوجد لم يضمن (2). وقال أبو الصلاح: وأهل المصر أولى من قطان غيره، فإن لم يكن في المصر من يتكامل فيه صفات مستحقها أخرجت إلى من يستحقها، وإذا أريد حملها إلى مصر آخر مع فقد من يستحقها في المصر فلا ضمان على مخرجها في هلاكها، وإن كان السبيل مخوفا لم يجز حملها إلا بإذن الفقير، فإن نقلت من غير إذنه فهي مضمونة حتى تصل إليه، وإن كان في مصره من يستحقها فحملها إلى غيره فهي مضمونة حتى تصل إلى من حملت إليه، إلا أن يكون حملها إليه بإذنه فيسقط الضمان (3). والأقرب عندي جواز النقل على كراهية مع وجود المستحق، ويكون صاحب المال ضامنا، كما اختاره صاحب الوسيلة. وإن كان قول الشيخ يشعر بالجواز بشرط الضمان فإنه قال في موضع: لرب المال، والامام أن يخص بها قوما، ويحمل إلى بلد آخر بشرط الضمان (4). وصرح في الاقتصاد بالجواز فقال: وإن كان المستحق حاضرا وأخره في ذمته إلى أن يخرج منه، وحمل الزكاة من بلد إلى بلد آخر مع وجود المستحق يجوز بشرط الضمان، ومع عدم المستحق يجوز على كل حال (5). لنا: الأصل براءة الذمة من إيجاب التفرقة في البلد وتحريم النقل عنه، فلا

(1) المقنعة: ص 240.
(2) الوسيلة: ص 130.
(3) الكافي في الفقه: ص 172.
(4) المبسوط: ج 1 ص 261.
(5) الاقتصاد: ص 279.

[ 248 ]

يعدل عنه إلا لدليل راجح. ولأن القول بتخيير المال في الدفع إلى من شاء مع المنع من النقل مما لا يجتمعان، والأول ثابت بالاجماع فينتفي الثاني. وبيان التنافي ظاهر، فإن المنع من النقل ينافي تخييره في الدفع إلى غير أهل بلده. ولأن تحريم النقل يستلزم تعيين أهل بلده للاستحقاق، والتالي باطل فالمقدم مثله والشرطية ظاهرة، إذ لا مستحق حينئذ سواهم. وأما بطلان التالي فلأنه لو كان كذلك لما أجزأ الدفع إلى غيرهم على تقدير النقل، إذ هو صرف المال إلى غير مستحقه، لكن التالي باطل بالاجماع فيبطل المقدم. وما رواه محمد بن أبي عمير، عمن أخبره، عن درست بن أبي منصور، عن رجل، عن أبي عبد الله - عليه السلام - أنه قال: في الزكاة يبعث بها الرجل إلى بلد غير بلده، فقال: لا بأس أن يبعث بالثلث أو الربع، والشك من أبي أحمد (1). وعن أحمد بن حمزه قال: سألت أبا الحسن الثالث - عليه السلام - عن الرجل يخرج زكاته من بلده إلى بلد آخر ويصرفها في اخوانه فهل يجوز ذلك؟ فقال: نعم (2). احتج المانعون بأن فيه نوع حظر وتغرير بالزكاة وتعريضا لإتلافها مع إمكان إيصالها إلى مستحقها فيكون حراما. ولأن الزكاة إن وجبت على الفور حرم السفر بها، والمقدم ثابت فالتالي مثله والشرطية ظاهرة، إذ في السفر تأخير لها عن الايصال إلى المستحق، والمقدم

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 46 ح 120. وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب المستحقين للزكاة ح 2 ج 6 ص 196.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 46 ح 122. وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب المستحقين للزكاة ح 4 ج 6 ص 196.

[ 249 ]

ظاهر الثبوت أيضا، لما تقدم من النهي عن تأخير الزكاة مع إمكان الدفع. والجواب عن الأول: بأن المحمول وإن تعرض للتلف لكن الزكاة لا تسقط عنه، لأنا نوجب عليه الضمان فاندفع المحذور. وعن الثاني: بالمنع من استلزام السفر التأخير، فإن السفر نفسه شروع في الاخراج، ولا يجب على المخرج المسارعة إلى الاخراج في أسرع وقت، وإلا حرم عليه القسمة بين الفقراء، لإمكان إيصالها إلى واحد في زمان اقصر، ولما كان ذلك باطلا فكذا الأول. مسألة: قال علي بن بابويه في رسالته إلى ولده وولده في مقنعه: ولا تعط من أهل الولاية الأبوين والولد ولا الزوج والزوجة (1). والمشهور الاقتصار على العمودين أعني: الآباء والأولاد والزوجة والمملوك، أما الزوج فإنه يجوز الدفع إليه. قال الشيخ: إذا كانت المرأة غنية وزوجها فقيرا جاز أن تدفع إليه زكاتها من سهم الفقراء (2)، وهو الحق. لنا: إنه فقير فيدخل تحت عموم قوله تعالى: " إنما الصدقات للفقراء " (3). ولأن المقتضي للوجوب موجود: وهو دفع حاجة الفقير، والمانع: وهو القرابة، أو إيجاب النفقة مفقود، فيثبت جواز الدفع. احتجا بأن النفع في الحقيقة عائد إليها لجواز الانفاق عليها منه. والجواب: لا مانع من ذلك، كما لو دفع الزكاة إلى مديونه فدفعها إليه من دينه.

(1) المقنع: ص 52 ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(2) المبسوط: ج 1 ص 259.
(3) التوبة: 60.

[ 250 ]

مسألة: قال في المبسوط: إذا تولى الرجل إخراج صدقته بنفسه فدفعها إلى من ظاهره الفقر ثم بان له غناه فلا ضمان عليه (1). وقال المفيد: ومن أعطى موسرا شيئا من الزكاة وهو يرى أنه معسر ثم تبين بعد ذلك يساره فعليه الإعادة، ولم يجزه ما سلف من الزكاة (2). وقال أبو الصلاح: إن أخرجها إلى من يظن به تكامل صفات مستحقها ثم انكشف له كونه مختل الشروط رجع عليه بها، فإن تعذر ذلك وكان المنكشف هو الغناء وجب عليه إعادتها ثانية، وإن كان غير ذلك فهي مجزئة (3)، والأقرب هو الأول. لنا: الأصل براءة الذمة، ولأنه فعل المأمور به على وجهه فيخرج عن العهدة. أما المقدمة الأولى: فلأنه مأمور بالدفع إلى من يظن فقره، إذ العلم متعذر، فالتكليف به حرج وضرر، وهو منفي بالاجماع. ولأن القول بعدم الإجزاء هنا مع القول بالاجزاء في باقي الشرائط مما لا يجتمعان، والثاني ثابت بالاجماع فينتفي الأول. وبيان التنافي: إن التكليف إن وقع بالدفع إلى من يعلم حصول الشرائط فيه والعلم يستدعي المطابقة وجب عدم الإجزاء في باقي الشرائط، لانتفاء العلم بانتفاء معلومه، وإن وقع بالدفع إلى من يظن حصول الشرائط فيه وجب الإجزاء هنا للامتثال. احتج بوجهين: الأول: إنه متمكن من إبراء ذمته قطعا بالدفع إلى الإمام

(1) المبسوط: ج 1 ص 261.
(2) المقنعة: ص 259.
(3) الكافي في الفقه: ص 173.

[ 251 ]

أو الساعي، فلا يجوز له العدول عنه إلا بشرط الضمان. الثاني: إن الغني لا يملك الزكاة، فيبقى المدفوع دينا عليه للمالك المطالبة به متى تمكن فلا يقع عن الزكاة. والجواب: المعارضة بباقي الشرائط، والمنع في المقدمة الأولى من الدليل الأول، والثانية من الثاني. مسألة: المشهور عندنا أن الزكاة تجب على الكفار كما تجب على المؤمنين، لكن لا يصح منهم أداؤها إلا بعد الاسلام، فإذا أسلموا أسقطت. وبالجملة الكفار عندنا مخاطبون بالفروع كما أنهم مخاطبون بالاصول. وقال إن أبي عقيل (1): تجب الصدقات عند آل الرسول - عليهم السلام - على الأحرار البالغين من المؤمنين والمؤمنات دون العبيد والإماء وأهل الذمة. وقال في موضع آخر: وليس على أهل الذمة زكاة إذا أخذت منهم الجزية، وهو يشعر بوجوب أخذ الزكاة منهم إذا لم يؤدوا الجزية. لنا: عموم الأمر. ولأنه لولا الوجوب لما عذبوا بتركها، والتالي باطل فكذا المقدم والشرطية ظاهرة، فإن ترك ما ليس بواجب لا يستعقب عقابا. وأما بطلان التالي فلقوله تعالى: " ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين " (2)، وقوله تعالى: " الذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما " (3).

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) المدثر: 42 - 46.
(3) الفرقان: 68.

[ 252 ]

ولأن حصول الشرائط في الفعل ليس شرطا في التكليف، وإلا لما وجبت الصلاة على المحدث، والتالي باطل بالاجماع فكذا المقدم، وإذا لم يكن شرطا أمكن التكليف بدونه. احتج بأنه لو كان مكلفا به لكان الفعل منه صحيحا قطعا، لامتناع تكليف ما لا يطاق، والتالي باطل، لأنه حال الكفر لا يصح منه الفعل بالاجماع وبعد الكفر يسقط عنه، لقوله - عليه السلام -: " الاسلام يجب ما قبله " (1). والجواب: المراد بالوجوب التعذيب عليه في الآخرة كما يعذب على كفره، لا بمعنى وجوب إتيانه به. مسألة: قال ابن أبي عقيل (2): ولصاحب الغنم أن يستبدل مما صار إلى المصدق الشاة والشاتين والثلاثة، وليس له البدل أكثر من ذلك، وليس بجيد، لأن البدل الذي يدفعه المالك إن كان الواجب جاز أن يستبدل بأزيد، وإن كان أقل لم يجز أن يستبدل ولا بواحده، فلا وجه لما قاله. مسألة: إذا مات المملوك المشتري من الزكاة وخلف مالا ولا وارث له قال ابنا بابويه: يكون ميراثه لأرباب الزكاة (3)، واختاره الشيخ (4)، وابن إدريس (5)، وهو الظاهر من كلام المفيد، لأنه قال: فإن استفاد المعتق بعد ذلك مالا ثم توفي ولا وارث له كان ما ترك من المال للفقراء والمساكين من المؤمنين، لأنه إنما اشتري بحقهم من الزكاة (6).

(1) مسند أحمد بن حنبل: ج 4 ص 199 و 204 و 205.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) المقنع: ص 14. ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 438.
(5) السرائر: ج 1 ص 463.
(6) المقنعة: ص 259.

[ 253 ]

والظاهر أن مراده ليس تخصيص الفقراء والمساكين، بل أرباب الزكاة أجمع، لأن التعليل يعطيه، وقال بعض علمائنا: يكون للامام. احتج الاولون بأنه اشتري بمال مستحقي الزكاة فكان ولاؤه لهم، لأنهم مواليه في الحقيقة، إذ مولاه من اشتري بماله وكان سببا في عتقه. وما رواه عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل أخرج زكاة ماله ألف درهم فلم يجد لها موضعا يدفع ذلك إليه فنظر إلى مملوك يباع فيمن يزيد فاشتراه بتلك الألف درهم التي أخرجها من زكاته فاعتقه هل يجوز ذلك؟ قال: نعم لا بأس بذلك، قلت: فإنه لما أعتق فصار حرا اتجر واحترف فأصاب مالا ثم مات وليس له وارث فمن يرثه إذا لم يكن له وارث؟ قال: يرثه الفقراء المؤمنون الذين يستحقون الزكوة، لأنه إنما اشتري بمالهم (1). والجواب: المنع من أنه اشتري بمالهم، إذ أرباب الزكاة إنما يستحقون ويملكون إذا دفع إليهم، وهذا العبد الذي اشتري من الزكاة له نصيب من حيث دخوله في الرقاب، والرواية في طريقها ابن فضال وابن بكير وهما ضعيفان. احتج الاخرون بأن الاجماع واقع على أن الإمام - عليه السلام - يرث ميراث من لا وارث له (2). والجواب: المنع من نفي الوارث هنا، فإن المشهور بين الأصحاب انتقال ماله إلى أرباب الزكاة، والرواية وإن كانت ضعيفة السند لكنها لاشتهارها بين الأصحاب قويت على أن الراويين قد وثقهما الأصحاب. وبالجملة فهذه المسألة نحن فيها من المتوقفين.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 100 ح 281. وسائل الشيعة: ب 43 من أبواب المستحقين للزكاة ح 2 ج 6 ص 203.
(2) الكافي: ج 2 ص 169 ح 3. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والامامة ح 5 ج 17 ص 548.

[ 254 ]

مسألة: إذا احتيج إلى كيال أو وزان في قبض الزكاة قال الشيخ في المبسوط: قيل: فيمن تجب عليه قولان: أحدهما: على أرباب الأموال، والثاني: على أرباب الصدقات (1)، والأول أشبه. وقال في موضع آخر منه: ويعطى الحاسب والوزان والكاتب من سهم العاملين (2). والأقرب ما قواه الشيخ. لنا: إن دفع المال واجب على المالك، ولا يتم إلا بأجرة الكيال والوزان، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ولأن أجرة الكيال والوزان على البائع، وأجرة الناقد ووزان الثمن على المشتري فكذا هنا، للاشتراك في العلة. احتج المخالف بأن الله تعالى أوجب على أرباب الزكاة قدرا معلوما من الزكاة، فلا تجب الأجرة عليهم، وإلا لزم أن يزاد على الذي وجب عليهم. والجواب: أن إيجاب الزكاة لا يستلزم نفي إيجاب غيرها، فلا يلزم الزيادة على الواجب عليهم، لأنه عندنا أيضا واجب. نعم إنه زائد على الزكاة، ولا منافاة في ذلك. مسألة: قال في المبسوط: من كان له مال غائب يجب عليه فيه الزكاة فأخرج زكاته، وقال: إن كان مالي باقيا فهذه زكاته أو نافلة أجزأه (3)، وليس بجيد. لنا: إن أحد الأمرين لا بعينه أعم من كل واحد منهما معينا، والعام مغاير للخاص وغير مستلزم له، فإذا نوى الفرض أو النفل لم يكن قد نوى الفرض

(1) المبسوط: ج 1 ص 259.
(2) المبسوط: ج 1 ص 257.
(3) المبسوط: ج 1 ص 232.

[ 255 ]

فلا ينصرف إليه. نعم لو قال: إن كان سالما فهذه زكاته، وإن كان تالفا فهي نافلة أجزأه قطعا. ونقل الشيخ (1) في الأخير الاجماع عليه، وفي الأول الخلاف. مسألة: قال في المبسوط: إن قال هذه زكاة مالي إن كان سالما وكان سالما أجزأه، وإن كان تالفا لم يجز أن ينقله إلى زكاة غيره، لأن وقت النية قد فات (2). والأقرب عندي جواز النقل. لنا: إن الفقير لم يملك ما قبضه زكاة بل قرضا، لأن المالك نواه مع عدم وجوبه عليه فيبقى مستحقا له في يد الفقير، فإذا نقل نيته إلى غيره أجزأه، ولهذا لو صرح للفقير بأنه زكاة ماله الغائب ثم صدقه الفقير على تلف المال وجب عليه صرف ما أخذه إلى المالك مع المطالبة به. وقول الشيخ: " وقت النية قد فات " إنما يتم لو نوى عن المدفوع عنه بعد الدفع، أما على ما قلناه فلا. مسألة: قال في المبسوط: من أعطى زكاته لوكيله ليعطيها الفقير ونوى أجزأه إذا نوى الوكيل حال الدفع، لأن النية ينبغي أن يقارن حال الدفع إلى الفقير، وإن لم ينو رب المال ونوى الوكيل لم يجز، لأنه ليس بمالك له، وإن نوى هو ولم ينو الوكيل لم يجز لما قلناه، ولأنه يدفعه إلى الوكيل ثم يدفعها إلى المستحق، وإن نويا معا أجزأه (3). والأقرب عندي أنه إذا دفع إلى وكيله الزكاة ليدفعها إلى الفقير وعرفه أنها زكاة ونوى الوكيل حال الدفع أجزأ، سواء نوى المالك أو لا. لنا: إنها عبادة تقبل النيابة فأجزأ نيابة الوكيل في النية كما أجزأ في الدفع

(1) المبسوط: ج 1 ص 232.
(2) المبسوط: ج 1 ص 232.
(3) المبسوط: ج 1 ص 233.

[ 256 ]

كما في الحج، وإن لم ينو الوكيل فإن نوى المالك حال الدفع أجزأ أيضا، لأنها عبادة وقعت مع النية فأجزأت لحصول الامتثال، وإن لم ينو المالك ضمن الوكيل، لأنه لم يدفع المال زكاة، مع أنه أمر بدفعه زكاة فكان ضامنا. مسألة: قال في المبسوط: وإن نوى الإمام ولم ينو رب المال فإن كان أخذها منه كرها أجزأه، لأنه لم يأخذ إلا الواجب، وإن أخذه طوعا ولم ينو رب المال لم يجزئه فيما بينه وبين الله تعالى، غير أنه ليس للامام مطالبته دفعة ثانية (1)، وليس بجيد، لأن المدفوع طوعا أيضا هو الواجب، فإن أجزأ مع الكره أجزأ مع الطوع، إلا أن يقال: إن مع الاكراه سقط اعتبار نيته بخلاف الطوع. ثم قوله: " ليس للامام مطالبته " فيه نظر، لأنه على تقدير عدم الإجزاء تبقى الزكاة في ذمته فيجب على الإمام مطالبته بها. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: تجب في المال حق سوى الزكاة المفروضة، وهو ما يخرج يوم الحصاد من الضغث بعد الضغث، والحفنة بعد الحفنة يوم الجذاذ (2)، والمشهور هو الاستحباب اختاره ابن أبي عقيل (3)، وأبو الصلاح (4)، وهو الأقرب. لنا: أصالة براءة الذمة، وما روي عنهم - عليهم السلام - من قولهم: وعفا رسول الله - صلى الله عليه وآله - عما سوى ذلك (5). احتج بإجماع الفرقة، وأخبارهم، وقوله تعالى: " وآتوا حقه يوم حصاده "

(1) المبسوط: ج 1 ص 233.
(2) الخلاف: ج 2 ص 5 المسألة 1.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) الكافي في الفقه: ص 166.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 2 ح 1 و 3 و 4.، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة وما تستحب فيه ج 6 ص 32.

[ 257 ]

فأوجب إخراج حقه يوم الحصاد، والأمر للوجوب، والزكاة لا تجب إلا بعد التصفية والتذرية وبلوغه المبلغ الذي يجب فيه الزكاة (1). وأيضا روت فاطمة بنت قيس أن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: في المال حق سوى الزكاة (2). وروى حريز، عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير، عن أبي جعفر - عليه السلام - في قول الله تعالى: " وآتوا حقه يوم حصاده " قالوا جميعا: قال أبو جعفر - عليه السلام -: هذا من الصدقة يعطى المسكين القبضة بعد القبضة، ومن الجذاذ الحفنة بعد الحفنة حتى يفرغ (3). والجواب: المنع من الاجماع على الوجوب. نعم الاجماع على الأرجحية الشاملة للندب والواجب، والمشهور الندب، ونمنع أن الأمر هنا للوجوب. سلمنا، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد من الحق هنا الزكاة؟ قوله: الايتاء واجب يوم الحصاد والزكاة لا تجب إلا بعد التصفية والتذرية وبلوغه المبلغ الذي تجب فيه الزكاة، فتغايرا. قلنا: نمنع أولا: إن الايتاء واجب يوم الحصاد لجواز تعلق يوم حصاده بالحق لا ب‍ " آتوا ". سلمنا، لكن تعلق وجوب الايتاء يوم الحصاد لا يدل على أنه واجب مضيق، فجاز أن يكون من الواجبات الموسعة، ونحن نقول بموجبه، فإن حق الزكاة واجب يوم الحصاد لكن وجوبا موسعا. والحديثان لا يدلان على الوجوب، فإن الاجماع واقع على استحباب الصدقة، وحينئذ يصدق أن في المال حقا سوى الزكاة، وليس في الحديث ما يدل على أنه حق واجب.

(1) الخلاف: ج 2 ص 5 المسألة 1.
(2) سنن الترمذي: ج 3 ص 48 ح 659 و 660.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 106 ح 303. وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب زكاة الغلات ح 1 ج 6 ص 134.

[ 258 ]

مسألة: قال في الخلاف: من وجب عليه شاة أو شاتان أو أكثر من ذلك وكانت الإبل مهازيل تساوي كل بعير شاة جاز أن يؤخذ مكان الشاة بعير بالقيمة إذا رضي به صاحب المال (1). والوجه عندي أنه يجوز أخذه، وإن قلت قيمته حتى لو وجب عليه خمس شياه في خمس وعشرين وكانت إبله مراضا أجزأت بنت مخاض منها وإن قلت قيمتها عن الشاة. لنا: إنه مجزئ عن الأكثر فعن الأقل أولى. ولأن في ذلك إضرار بالمالك، لجواز أن يكون الإبل المراض لا تساوي قيمة شاة، فلو أوجبنا عليه شاة لزم استيعاب الفرض المال، وذلك ضرر عظيم. احتج الشيخ بأن الواجب الشاة، ويجوز العدول إلى القيمة، فإخراج البعير لا على وجه القيمة يستلزم ترك الواجب وبدله فيكون حراما كالترك. والجواب: المنع من أنه ترك للواجب وبدله، بل هو دفع لما هو أكثر من الواجب. مسألة: قال في الخلاف: لو كان عنده أربعون شاة أنثى أخذ منه أنثى، وإن كانت ذكورا كان مخيرا بين اعطاء الذكر والانثى (2). وقال في المبسوط: فإن كانت كلها ذكورا أخذ منه ذكر، وإن كانت إناثا أخذ منه أنثى، فإن أعطى بدل الذكر أنثى أو بدل أنثى ذكرا أخذ منه، لأن الاسم يتناوله (3). والوجه أن الذكر إن كان بقدر قيمة أنثى أجزأ وإلا لزمه الأنثى.

(1) الخلاف: ج 2 ص 16 المسألة 11.
(2) الخلاف: ج 2 ص 25 المسألة 22.
(3) المبسوط: ج 1 ص 200.

[ 259 ]

لنا: إنه مع مساواة القيمة يكون قد أخرج الواجب عليه فيخرج عن العهدة، ومع القصور يكون قد أخرج معيبا عن صحاح، لأن الذكور بالنسبة إلى الأنوثة عيب فلا يقع مجزئا. وقوله: " إن الاسم يتناوله " مسلم، لكن الواجب الاخراج من العين أو القيمة ولم يقع أحدهما فلا يقع مجزئا، كما لو أخرج المعيب عن الصحيح وإن شاركه في الاسم. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: الدنانير والدراهم من أموال الأطفال والمجانين لا يتعلق بهما زكاة، فإن أتجر بما لهم نظرا لهم استحب له أن يخرج منه الزكاة كمال التجارة (1). وقال المفيد: يجب (2)، وحمله الشيخ على الاستحباب (3). وقال الشيخ في النهاية: فإن أتجر متجر بمالهم نظرا لهم يستحب له أن يخرج من أموالهم الزكاة، وجاز له أن يأخذ من الربح بقدر ما يحتاج إليه على قدر الكفاية، وإن أتجر لنفسه دونهم وكان في الحال متمكنا من ضمان ذلك المال كانت الزكاة عليه والربح له، وإن لم يكن متمكنا في الحال من مقدار ما يضمن به مال الطفل وتصرف فيه لنفسه من غير وصية ولا ولاية لزمه ضمانه، وكان الربح لليتيم ويخرج منه الزكاة (4). وقال ابن إدريس: هذا غير واضح، ولا يجوز لمن أتجر في أموالهم أن يأخذ الربح، سواء كان في الحال متمكنا من مقدار ما يضمن به مال الطفل أو لم يكن، والربح في الحالين معا لليتيم، ولا يجوز للولي والوصي أن يتصرف في المال المذكور إلا بما يكون فيه صلاح المال ويعود نفعه إلى الطفل دون المتصرف فيه (5).

(1) المبسوط: ج 1 ص 234.
(2) المقنعة: ص 238.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 423.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 27 ذيل الحديث 64.
(5) السرائر: ج 1 ص 441.

[ 260 ]

والأقرب أن نقول: المتجر بالمال إما أن يكون وليا أو لا، فإن لم يكون واتجر بالعين فالربح لليتيم، وإن كان وليا فإن كان قد أتجر لليتيم فله أن يأخذ من الربح قدر أجرة المثل أو الحصة المعهودة، لأن له ولاية على المصلحة وهذا نوع مصلحة، وإن أتجر لنفسه فإن كان مليا وكان التضمين مصلحة لليتيم جاز، وكان الربح له والزكاة المستحبة عليه، وإلا لم يجز ولا زكاة. مسألة: قال المفيد: يجب تفضيل الفقراء في الزكاة على قدر منازلهم في الفقه والبصيرة والطهارة والديانة (1). والأقرب الاستحباب، وهو المشهور. لنا: الأصل براءة الذمة. ولأن المفضول مستحق فجاز أن يأخذ الجميع عملا بعموم الآية. احتج بما رواه عبد الله بن عجلان السكوني قال: قلت لأبي جعفر - عليه السلام -: إني ربما قسمت الشئ بين أصحابي أصلهم به فكيف أعطيهم؟ فقال: أعطهم على الهجرة في الدين والفقه والعقل (2)، وهذا بيان الواجب، وبيان الواجب واجب. والجواب: المنع من كونه بيانا للواجب. سلمنا، لكن أمره بالقسمة على هذا الوجه على الاستحباب.

(1) المقنعة: ص 259.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 101 ح 285. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب المستحقين للزكاة ح 2 ج 6 ص 181.

[ 261 ]

المقصد الخامس في زكاة الفطرة مسألة: المشهور أن الفطرة لا تجب على الفقير، ذهب إليه أكثر علمائنا. ونقل الشيخ في المبسوط: أن في أصحابنا من قال: تجب الفطرة على الفقير، قال: والصحيح أنه مستحب (1). وقال في الخلاف - لما نقل عن الشافعي -: أنه إذا فضل صاع عن قوته وقوت عياله ومن يمونه يوما وليلة وجب عليه ذلك، وبه قال أبو هريرة وعطا والزهري ومالك، وذهب إليه كثير من أصحابنا (2). وقال ابن الجنيد (3): زكاة الفطرة على الغني فرض في ماله يخرجها عن نفسه وسائر من يعول ممن تجب عليه نفقته، أو من تطوع بها من صغير وكبير، حر وعبد، ذكر وأنثى، ملي أو كتابي. وعلى الفقير إذا تصدق عليه بما يتجاوز قوت يومه أن يخرج ذلك عنه إلى غيره. لنا: الأصل براءة الذمة.

(1) المبسوط: ج 1 ص 241.
(2) الخلاف: ج 2 ص 146 المسألة 183.
(3) لم نعثر على كتابه.

[ 262 ]

ولأن وضع الزكاة لدفع حاجة الفقير، فلا يليق ايجابها عليه لمنافاة الغرض. وما رواه الحلبي في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سأل رجل يأخذ من الزكاة عليه صدقة الفطرة؟ قال: لا (1). وعن يزيد بن فرقد، عن أبي عبد الله - عليه السلام - أنه سمعه يقول: من أخذ الزكاة فليس عليه فطرة. قال: وقال ابن عمار: وأن أبا عبد الله - عليه السلام - قال: لا فطرة على من أخذ الزكاة (2). وعن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قلت له: لمن تحل الفطرة؟ فقال: لمن لا يجد، ومن حلت له لم تحل عليه، ومن حلت عليه لم تحل له (3). وفي الصحيح عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي إبراهيم - عليه السلام -: على الرجل المحتاج صدقة الفطرة؟ قال: ليس عليه فطرة (4). احتج المخالف بقوله تعالى: " قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى " (5). وهو عام في الفقير والغني.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 73 ح 201. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الفطرة ح 1 ج 6 ص 223.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 73 ح 202. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الفطرة ح 7 و 8 ج 6 ص 224.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 73 ح 203. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الفطرة ح 9 ج 6 ص 224.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 73 ح 205. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الفطرة ح 6 ج 6 ص 223.
(5) الأعلى: 14 - 15.

[ 263 ]

وما رواه زرارة في الصحيح قال: قلت له: الفقير الذي يتصدق عليه هل عليه صدقة الفطرة؟ قال: نعم يعطي مما يتصدق به عليه (1). وفي الصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: صدقة الفطرة على كل رأس من اهلك الصغير والكبير والحر والعبد، والغني والفقير، عن كل إنسان نصف صاع من حنطة أو شعير أو صاع من تمر أو زبيب لفقراء المسلمين، وقال: التمر أحب إلي (2). والجواب: المنع من دلالة الآية على المطلوب وهو الوجوب، وإن دلت فإنما تدل بمفهوم الخطاب وهو ضعيف. وعن الأحاديث أنها محمولة على الاستحباب، لأن الأحاديث التي نقلناها قد دلت على نفي الوجوب، فلو كانت هذه الأحاديث الدالة على الثبوت تدل على الوجوب لزم التناقض وهو محال، فوجب حمل هذه الأحاديث على الاستحباب عملا بالدليلين وتنزيلا لها على ما يوافق البراءة الأصلية. مسألة: اختلف علماؤنا (3) في الغني الذي يجب عليه الفطرة، فقال الشيخ في النهاية: أنها واجبة على كل حر بالغ مالك لما تجب فيه زكاة المال، ومن لا يملك ما تجب فيه الزكاة يستحب له أن يخرج زكاة الفطرة أيضا عن نفسه وعن جميع من يعوله، فإن كان ممن يحل عليه أخذ الفطرة أخذها ثم أخرجها عن نفسه وعن عياله (4)، واختاره ابن البراج (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 74 ح 208. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب زكاة الفطرة ح 2 ج 6 ص 225.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 75 ح 210. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب زكاة الفطرة ح 11 ج 6 ص 233.
(3) م (1) ون: أصحابنا.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 440.
(5) المهذب: ج 1 ص 174.

[ 264 ]

وفي المبسوط: تجب على كل حر بالغ مالك لما يجب فيه زكاة المال. ثم قال: لا تجب زكاة الفطرة إلا على من ملك نصابا من الأموال الزكوية (1). وقال في الخلاف: تجب زكاة الفطرة على من ملك نصابا تجب فيه الزكاة أو قيمة نصاب (2). وقال المفيد: تجب على كل حر بالغ كامل بشرط وجود الطول لها. ثم قال: إنها تجب على من عنده قوت السنة، وقسم من يخرجها أقساما ثلاثة: أحدهما: من تجب عليه وهو من يملك قوت السنة، والثاني: من ليس له إخراجها سنة مؤكدة وهو من يقبل الزكاة لفقره، والثالث: من يكون إخراجها فضله ودون السنة المؤكدة ودون الفريضة وهو من يقبل الفطرة لمسكنته (3). واختار السيد المرتضى قول الشيخ في النهاية فإنه قال: زكاة الفطرة تجب بالشروط التي ذكرناها في وجوب الزكاة وهي سنة مؤكدة في الفقير الذي يقبل الزكاة (4). وأشار بالشروط إلى ما ذكره في صدر كتاب الزكاة حيث قال: الزكاة تجب على الأحرار البالغين المسلمين الموسرين، وحد اليسار ملك النصاب (5). وقال الصدوق ابن بابويه في المقنع: وليس على المحتاج صدقة الفطرة، ومن حلت له لم تحل عليه، وليس على من يأخذ الزكاة صدقة الفطرة (6). وقال ابن أبي عقيل (7): ليس على من يأخذ الصدقة صدقة الفطرة.

(1) المبسوط: ج 1 ص 239 - 240.
(2) الخلاف: ج 2 ص 146 المسألة 183.
(3) المقنعة: ص 247 و 248.
(4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 79.
(5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 74.
(6) المقنع: ص 67.
(7) لم نعثر على كتابه.

[ 265 ]

وقال سلار: الفطرة تجب على كل من تجب عليه إخراج زكاة المال (1). ثم قال: إنها تجب على من عنده قوت سنة وإن جمع الأوصاف (2). وقال أبو الصلاح: زكاة الفطرة واجبة على كل حر بالغ كامل العقل غني (3). وقال ابن إدريس: الفطرة واجبة على كل مكلف مالك قبل استهلال شوال أحد الأموال الزكوية، فأما من ملك غير الأموال الزكوية فلا تجب عليه إخراج الفطرة على الصحيح من الأقوال، وهذا مذهب جميع مصنفي أصحابنا، ومذهب شيخنا أبي جعفر في سائر كتبه إلا في مسائل خلافه، والصحيح ما وافق فيه أصحابه (4)، لأن الأصل براءة الذمة، فمن شغلها بشئ يحتاج إلى دليل شرعي (5). وقال ابن حمزة: إنما تجب على من فيه أربعة أوصاف: الحرية والبلوغ وكمال العقل واليسار بكونه مالك النصاب مما تجب فيه الزكاة (6). والوجه عندي أنها تجب على الغني وهو من يملك قوت السنة، سواء ملك أحد النصب الزكوية أو لا، ولا تجب على الفقير وهو من لا يملك قوت السنة، سواء ملك أحد النصب الزكوية أو لا، فهاهنا حكمان: الأول: إنها تجب على الغني وإن لم يملك أحد النصب الزكوية، والخلاف هنا مع ظاهر كلام الشيخ في النهاية والمبسوط، والسيد المرتضى، وابن

(1) المراسم: ص 134.
(2) المراسم: ص 135 وفيه قال: في من يخرج إليه تحرم على من عنده قوت سنة.
(3) الكافي في الفقه: ص 169.
(4) في متن المطبوع وق وم (2): أصحابنا.
(5) السرائر: ج 1 ص 465.
(6) الوسيلة: ص 130.

[ 266 ]

إدريس، وابن حمزة. لنا: عموم قوله تعالى: " قد أفلح من تزكى " (1)، والمراد به زكاة الفطرة على ما نقله المفسرون، وهذا يدل بمفهومه على نفي الفلاح عن غير المزكي فيكون حراما، وهو عام في الجميع ترك العمل به في الفقير، لوجود المانع، فيبقى الحكم ثابتا في الباقي. ولأن دفع حاجة الفقير أمر مطلوب، والوجوب على الغني طريق صالح، فيثبت الوجوب عملا بالمناسبة. ولأن وجود الغني يستلزم إيجاب الزكاة لكونه شكرا لهذه النعمة، فيثبت الحكم. وما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: كل من ضممت إلى عيالك من حر أو مملوك فعليك أن تؤدي الفطرة عنه (2)، وهو عام في صورة النزاع. ولأن ملك أحد النصب الزكوية، إنما اقتضى وجوب الزكاة لكونه مظنة الاستغناء، فإذا ثبت قطعا في غير هذه الصورة وجب ترتب أثره عليه. وما رواه عبد الله بن ميمون في الصحيح، عن أبي عبد لله - عليه السلام -، عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: زكاة الفطرة صاع من تمر، أو صاع من زبيب، أو صاع من شعير، أو صاع من أقط عن كل إنسان حر أو عبد، صغير أو كبير، وليس على من لا يجد ما يتصدق به حرج (3).

(1) الأعلى: 14.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 71 ح 193. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب زكاة الفطرة ح 8 ج 6 ص 229.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 75 ح 211. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب زكاة الفطرة ح 11 ج 6 ص 229.

[ 267 ]

احتج المخالف بأصالة براءة الذمة. والجواب: الأصل قد يخالف لقيام منافيه. الثاني: إنما تسقط عن الفقير وإن ملك أحد النصب الزكوية، والخلاف فيه مع من تقدم، وسلار فإنه أوجب الزكاة عليه وعلى من ملك قوت السنة، كما ذهبنا إليه. لنا: الأصل براءة الذمة. ولأنه محتاج فقير على ما تبين في باب الزكاة من أن الفقير هو الذي لا يملك قوت السنة، فلم تجب عليه الزكاة للمناسبة. ولأنه مناف للحكمة، إذ دفعها منه إلى مثله خال عن الحكمة لتساويهما في الاحتياج والملك فلا يناسب الوجوب. وما رواه إسحاق بن المبارك قال: قلت لأبي إبراهيم - عليه السلام -: على الرجل المحتاج صدقة الفطرة؟ قال: ليس عليه فطرة (1). وعن بريد بن فرقد قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: على المحتاج صدقة الفطرة؟ قال: لا (2). ولأنه يستحق الزكاة، إذ لا يملك قوت السنة وقد سلف، فلا يجب عليه الفطرة، لما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سئل عن رجل يأخذ من الزكاة عليه صدقة الفطرة؟ قال: لا (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 72 ح 199. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الفطرة ح 6 ج 6 ص 223.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 73 ح 200. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الفطرة ح 4 ج 6 ص 223.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 37 ح 201. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب زكاة الفطرة ح 1 ج 6 ص 223.

[ 268 ]

احتج المخالف بأن مالك أحد النصب تجب عليه الزكاة فيجب عليه الفطرة، لاستلزام دفع الزكاة الغني. والجواب: المنع من الملازمة. مسألة: قال في المبسوط: الولد الصغير يجب إخراج الفطرة عنه معسرا كان أو موسرا، والولد الكبير له حكم نفسه إن كان موسرا فزكاته على نفسه، وإن كان بحيث يلزم الوالد نفقته فعليه فطرته (1). وفي الخلاف: الولد الصغير إذا كان موسرا لزم أباه نفقته عليه وفطرته، وإن كان كبيرا معسرا كانت نفقته وفطرته على أبيه، وإن كان موسرا كانتا عليه (2). والحق عندي أنه لا فرق بين الصغير والكبير في ذلك، فإنهما إن كانا موسرين فالنفقة عليهما في مالهما، أما إن الفطرة فإنها على الكبير، ولا تجب على الصغير ولا على أبيه. نعم لو تبرع الأب بنفقتهما كانت فطرتهما عليه، وإن كانا معسرين فالنفقة والفطرة على الأب عنهما، فلا فرق بينهما إلا في شئ واحد: وهو أن الصغير الموسر لا فطرة عليه ولا على أبيه إذا لم يعله. لنا: إن الأصل براءة ذمة الأب من النفقة والفطرة، فإن النفقة إنما تجب على تقدير عجز الولد وفقره، والتقدير أنه موسر فلا نفقة عليه. وأما الفطرة فلأنها منوطة بالعيلولة وجوبا أو تبرعا، وهي منفية هنا فلا تجب عليه. وأما الطفل فلأنه ليس محلا للتكليف، فلا تجب عليه زكاة. احتج الشيخ بأن كل خبر روي في أنه تجب الفطرة على الرجل يخرجها عن نفسه وعن ولده يتناول هذا الموضع، فعلى المخصص الدليل (3).

(1) المبسوط: ج 1 ص 239.
(2) الخلاف: ج 2 ص 134 المسألة 164 وص 136 المسألة 167.
(3) الخلاف: ج 2 ص 134 المسألة 164.

[ 269 ]

والجواب: ما قدمناه من الأدلة مخصصة للأحاديث. مسألة: المكاتب المطلق إذا تحرر بعضه وجب على مولاه من الفطرة بنسبة ما يملكه فيه، وعليه إن ملك بجزئه الحر ما يجب معه من الزكاة بنسبة الحرية. وقال الشيخ في زكاة الغنم في المبسوط: إذا كان قد تحرر بعضه لزمه بمقدار ما تحرر ويلزم مولاه بمقدار ما يبقى، كما اخترناه نحن، ثم قال: وإن قلنا: لا يلزم واحدا منهما - لأنه لا دليل عليه، لأنه ليس بحر فيلزمه حكم نفسه، ولا هو مملوك، لأنه تحرر منه جزء، ولا هو من عيلولة مولاه فتلزمه فطرته لمكان العيلولة - كان قويا (1). وقال في كتاب الفطرة: وتلزمه عن المدبر والمكاتب المشروط عليه، فإن كان مطلقا وقد تحرر منه جزء يلزمه بحساب ذلك إن لم يكن في عيلته، وإن كان في عيلته فزكاة فطرته عليه (2)، ولم يتعرض هنا للجزء الحر. وقال في الخلاف: المكاتب لا تجب عليه الفطرة إذا تحرر منه شئ وتجب على سيده بمقدار ما بقي عليه (3)، مع أنه قال فيه: إذا كان بعض المملوك حرا وبعضه مملوكا لزمه فطرته بمقدار ما يملك منه، وفيما يبقى منه إن كان يملك نصابا وجب عليه فطرته، وإلا فلا شئ عليه (4). وقال ابن حمزة: المكاتب المطلق إذا أدى بعض مال الكتابة فزكاة الفطرة عليه بقدر ما تحرر إذا كان موسرا (5). لنا: إنه غني، فتجب عليه الفطرة عملا بالادلة.

(1) المبسوط: ج 1 ص 206.
(2) المبسوط: ج 1 ص 239.
(3) الخلاف: ج 2 ص 131 المسألة 160.
(4) الخلاف: ج 2 ص 142 المسألة 176.
(5) الوسيلة: ص 132.

[ 270 ]

وما رواه صفوان الجمال في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الفطرة، فقال: على الصغير والكبير والحر والعبد (1). وأما وجوب الفطرة على مولاه في القدر الذي يخصه فلأنه مملوك له، فيجب عليه فطرته عملا بالعمومات الدالة على وجوب الاخراج عن العبيد. وما رواه محمد بن أحمد بن يحيى رفعه، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: يؤدي الرجل زكاته عن مكاتبه، ورقيق امرأته، وعبده المجوسي والنصراني، وما أغلق عليه بابه (2). احتج الشيخ بعدم الدليل على الوجوب مع أصالة البراءة، وبأن مناط الفطرة الحرية والعبودية والعيلولة، والثلاثة منتفية في حق المولى والعبد. والجواب: قد بينا قيام الأدلة على عموم وجوب الفطرة، والحرية والعبودية قد اجتمعتا هنا، فوجب تقسيط الفطرة عليهما. مسألة: قال ابن البراج في الكامل (3): المكاتب إذا كان مشروطا عليه كان على سيده إخراجها عنه، ولم يك ذلك واجبا عليه، ويستحب له إخراجها عنه. والذي ليس بمشروط عليه لا يجب على مكاتبه أن يخرجها عنه، والمشهور وجوب الاخراج عن المشروط. لنا: إنه مملوك، والفطرة واجبة على (4) كل مملوك، والمقدمتان ظاهرتان. احتج بانقطاع تصرفات المولى عنه، والفطرة تابعة للعيلولة.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 80 ح 228. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب زكاة الفطرة ح 1 ج 6 ص 227.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 72 ح 195. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب زكاة الفطرة ح 9 ج 6 ص 229.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) ق ون: عن.

[ 271 ]

والجواب: إنها تابعة للملك. مسألة: قال الشيخ في كتابي المبسوط (1) والخلاف (2): المملوك الغائب إن علم مولاه حياته وجب عليه فطرته، وإن لم يعلم لم تجب. وقال ابن إدريس: تجب (3). والأقرب الأول. لنا: الأصل براءة الذمة. احتج ابن إدريس بأنه مالك للرقبة فتجب عليه الفطرة عنه، أما المقدمة الأولى: فللاستصحاب، ولأنه يجزئ عتقه في الكفارات بالاجماع، وأما الثانية: فظاهرة. والجواب: الاستصحاب معارض بمثله، فإنه قبل ملكه برئ الذمة فكذا بعد ملكه وعتقه (4)، ونمنع كونه مالكا، لأنه إذا لم يعلم بقاؤه لم يعلم أنه مالك، وإذا لم يتحقق الملك لم يلزمه، لأن النص ورد بالوجوب عن نفسه وعن مملوكه، وهذا لا يعلم أن له مملوكا فلا يلزمه، ونمنع إجزاء عتقه. سلمناه، لكن الفرق واقع، فإن إجزاء عتقه إسقاط عما في الذمة، وايجاب الزكاة إثبات عليه، والأول معتضد بالأصل بخلاف الثاني. مسألة: قال في المبسوط: الأبوان والأجداد والأولاد الكبار إذا كانوا معسرين كانت نفقتهم وفطرتهم عليه (5). والأقرب أن نفقتهم عليه، أما الفطرة فإن عالهم وجبت الفطرة، وإلا فلا وإن وجبت النفقة.

(1) المبسوط: ج 1 ص 239.
(2) الخلاف: ج 2 ص 136 المسألة 168.
(3) السرائر: ج 1 ص 467.
(4) ق وم (1) وم (2): غيبته.
(5) المبسوط: ج 1 ص 239.

[ 272 ]

لنا: إن الفطرة هنا منوطة بالعيلولة، وقد انتفت فينتفي الوجوب. احتج الشيخ بأنهم واجبوا النفقة فتجب الفطرة، لأنها تابعة لها. والجواب: الفطرة تابعة للنفقة لا لوجوبها. مسألة: قال في المبسوط: يجب إخراج الفطرة عن خادم المرأة إذا كانت من ذوات الاخدام، سواء كان الخادم ملك الزوج أو ملك الزوجة أو مستأجرا للخدمة (1). وقال ابن إدريس: لا تجب عليه الفطرة عنه (2). والأقرب أن الخادم إن كان ملك الزوج فعليه فطرته، وإن كان ملكها فكذلك، لأن مؤنته عليه، وإن كان مستأجرا فلا تجب عليه، سواء شرطت النفقة عليه أو لا. لنا: على الوجوب مع كونه ملك الزوجة أن نفقته على الزوج فتجب عليه فطرته، إذ وجوب الفطرة دائر مع ثبوت العيلولة. وما رواه محمد بن أحمد بن يحيى رفعه، عن الصادق - عليه السلام - قال: يؤدي الرجل زكاته عن مكاتبه ورقيق امرأته (3). وعلى الانتقاء مع الإجارة أن الفطرة دائرة مع العيلولة، وهي ساقطة في حق الأجير فلا تجب عليه الفطرة عنه، ومع الشرط كذلك، لأن هذه النفقة أجرة فلا تجب بها الفطرة. مسألة: العبد المغصوب لا تجب فطرته على الغاصب، وهل تجب فطرته على

(1) المبسوط: ج 1 ص 239.
(2) السرائر: ج 1 ص 466. (3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 72 ح 195. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب زكاة الفطرة ح 9 ج 6 ص 229.

[ 273 ]

المولى؟ منع في المبسوط (1) من ذلك، وأوجبها ابن إدريس (2)، وهو الأقرب. لنا: عموم الأمر بالاخراج عن مملوكه، ولم يخرج بالغصب عن الملكية فيثبت الوجوب عملا بالمقتضى. احتج الشيخ بأنه غير متمكن منه فصار كالأجنبي. والجواب: المنع من المساواة. مسألة: الزوجة الناشز قال في المبسوط: لا يجب على الزوج فطرتها (3). وقال ابن إدريس: يجب (4). والأقرب الأول. لنا: الأصل براءة الذمة، وقد سلم عن معارضة النفقة والعيلولة وجوبا وتبرعا فيسقط الوجوب. احتج بعموم قولهم - عليهم السلام -: يجب إخراج الفطرة عن الزوجة (5). والجواب: المنع من هذا النقل، بل الذي ثبت نقله عن كل من يعول من زوجة غيرها، والعيلولة هنا ساقطة. مسألة: الزوجة بالعقد المنقطع لا تجب على الزوج فطرتها. وقال ابن إدريس: تجب (6). لنا: إنه قد وجد المقتضي للسقوط، وهو الأصل سليما عن المعارض، وهو النفقة فيثبت الانتفاء. احتج بعموم وجوب الفطرة عن الزوجة. والجواب: المنع، بل الوارد عن كل من يعول زوجة ومملوك وغيرهما. سلمنا، لكن الزوجة إذا أطلقت فهم منها المنكوحة بالعقد الدائم.

(1) المبسوط: ج 1 ص 240.
(4) السرائر: ج 1 ص 468.
(2) السرائر: ج 1 ص 467.
(5) السرائر: ج 1 ص 468.
(3) المبسوط: ج 1 ص 243.
(6) السرائر: ج 1 ص 368.

[ 274 ]

مسألة: أوجب ابن إدريس (1) الفطرة عن كل زوجة وإن لم يدخل بها. وبالجملة أوجب على كل من يطلق عليها أنها زوجة، سواء كانت ناشزا أم لا، وسواء كانت مدخولا بها أو لا، وسواء كان العقد دائما أو منقطعا، وسواء وجبت نفقتها أو لا للعموم. والحق أن الفطرة تابعة للنفقة، فلا يجب عن غير المدخول بها إذا لم تجب لها نفقة. والجواب عن العموم ما تقدم. مسألة: قال الشيخ في كتابي المبسوط (2) والخلاف (3): إذا مات المولى قبل هلال شوال وله عبد وعليه دين ثم أهل شوال بيع العبد في الدين، ولم يلزم أحدا فطرته. والأقرب أن الفطرة تجب على الوارث. لنا: إن العبد ملك للوارث فيجب عليه فطرته، أما المقدمة الأولى: فلوجوه: الأول: أنه لا يخلو إما أن يكون ملكا للوارث أو للميت أو للديان أو لغيرهم أو لا مالك له، والكل باطل إلا الأول. أما إنه ليس ملكا للميت فلعدم صلاحيته للتملك، إذ بموته خرج عن الأحكام من التملك وغيره. وأما إنه ليس ملكا للديان فللإجماع على أنه لم ينتقل إليهم. ولأنه لو انتقل إليهم لوجبت فطرته عليهم وكان نماؤه لهم، ولم ينتقل عنهم باسقاط الدين. وأما إنه ليس ملكا لغيرهم فللإجماع عليه. وأما نفي الملك عنه فالاجماع دل على بطلانه. الثاني: أنه لو لم ينتقل إلى الورثة بالموت لزم خرق الاجماع، وهو مشاركة الأبعد الأقرب، والتالي باطل بالاجماع فينتفي المقدم. بيان الشرطية: إنه لو مات عن أولاد وعليه دين وله تركة، ثم مات أحد

(1) السرائر: ج 1 ص 468.
(2) المبسوط: ج 1 ص 240.
(3) الخلاف: ج 2 ص 144 المسألة 179.

[ 275 ]

الأولاد وخلف أولادا، ثم إن صاحب الدين أسقط دينه عن الميت فإن التركة بين الأولاد الموجودين وبين أولاد الولد الذي توفي، فلو كان انتقال التركة بعد الاسقاط لزم مشاركة البعيد للقريب. اللهم إلا أن يقال: إن أولاد الولد لا يرثون، شيئا وهو خلاف الاجماع أيضا. الثالث: أن التركة لو لم تنتقل إلى الورثة لما كان لهم الاختيار في القضاء منها أو من غيرها، والتالي باطل بالاجماع فكذا المقدم. بيان الشرطية: إن الدين قد تعلق بالتركة حينئذ، ولم ينتقل إلى الوارث شئ، فيبقى الخيار إلى صاحب الدين في القبض من الوارث من غير التركة أو منها، لا للوارث. الرابع: إنه لو لم تنتقل التركة إليه بعد موته مورثه لما كان له أن يطالب بها، ولا أن يخاصم عليها، ولا أن يخلف مع الشاهد بها، إذ لا يثبت مال أحد بيمين الغير، والتوالي باطلة فكذا المقدم، وبطلان المقدمة الثانية ظاهرة. احتج الشيخ بقوله تعالى: " من بعد وصية يوصي بها أو دين " فبين أن الميراث يستحق بعد قضاء الدين والوصية، فلا يجوز نقلها إليهم مع بقاء الدين (1). والجواب: إنا نقول بموجب الآية، فإن التركة إنما تصير مالا للورثة بحيث يتمكنون من التصرف فيها كيف شاء، وإذا أخلت من وصية أو دين أما مع أحدهما فلا يثبت هذا الحكم، لأنها تبقى في حكم المرهون، وإنما كان كذلك، لأن المالية تستلزم هذه الحيثية إذا لم يكن مانع، إذ هو المتعارف من لفظ المال. ويلزم الشيخ أن من مات وعليه درهم واحد وله قناطير من ذهب وفضة وانواع الخدم والملك أن لا ينتقل إلى الورثة شئ من ماله قبل قضاء الدرهم، وذلك

(1) الخلاف: ج 2 ص 144 المسألة 179.

[ 276 ]

معلوم البطلان. مسألة: إذا أوصى له بعبد ومات الموصي قبل أن يهل شوال ثم قبله الموصى له بعده، قال الشيخ في كتابي المبسوط (1) والخلاف (2): لا زكاة على أحد. والأقرب أن نقول: القبول إما كاشف أو ناقل، فإن كان الأول: لزمت الفطرة على الموصي، وإن كان الثاني: كانت الفطرة على الوارث، لأن الموت مخرج للملك عن الميت، وبقاء الملك بغير مالك باطل، وليس هنا مالك إلا الموصى له أو الوارث، فيتعين الفطرة على أحدهما. احتج الشيخ بأن الأصل براءة الذمة (3). ولأن الوصية مانعة من الدخول في ملك الوارث، والقبول شرط في ملك الموصى له، فيبقى على حكم مال الميت. والجواب: إن الوصية المانعة من الدخول إنما هي المقترنة بالقبول، إذ صحتها متوقف عليه، والقبول إنما يكون شرطا للملك لو لم يجعله كاشفا وهو ممنوع. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا وهب لغيره عبدا قبل أن يهل شوال فقبله ولم يقبض العبد حتى استهل شوال فالفطرة على الموهوب له، لأنه ملكه بالايجاب والقبول، وليس القبض شرطا في الانعقاد، ومن قال: القبض شرط في الانعقاد قال: على الواهب فطرته، لأنه ملكه، وهو الصحيح عندنا. فإن قبل ومات قبل القبض وقبل أن يهل شوال فقبضه ورثته بعد دخول شوال لزم الورثة فطرته (4).

(1) المبسوط: ج 1 ص 240.
(2) الخلاف: ج 2 ص 145 المسألة 180.
(3) الخلاف: ج 2 ص 145 المسألة 180.
(4) المبسوط: ج 1 ص 240.

[ 277 ]

وقال في الخلاف: من وهب لغيره عبدا قبل أن يهل شوال فقبله الموهوب له ولم يقبضه حتى يهل شوال ثم قبضه فالفطرة على الموهوب له. ثم قال: دليلنا أن الهبة منعقدة بالايجاب والقبول، وليس من شرط انعقادها القبض، وسنبين ذلك في باب الهبة. فإذا ثبت ذلك ثبت هذه، لأن أحدا لا يفرق بينهما. وفي أصحابنا من يقول: القبض شرط في صحة الهبة، فعلى هذا لا فطرة عليه وتلزم الفطرة الواهب (1). والحق ما قاله في المبسوط: من أن الهبة إنما تتم بالقبض، فإذا لم يقبض قبل الهلال لم ينتقل إليه فتكون الفطرة على الواهب. لكن قوله في المبسوط: لو مات الموهوب له بعد القبول وقبل القبض لزم الورثة الفطرة فيه دخل (2)، فإن الأقرب بطلان الهبة. لنا: إن القبض شرط وقد تجردت عنه فيبطل، وسيأتي في باب الهبة إن شاء الله تعالى تحقيق أن القبض شرط. مسألة: قال الشيخ في كتابي المبسوط (3) والخلاف (4): المرأة الموسرة إذا كانت تحت معسر أو تحت مملوك، أو الأمة تكون تحت مملوك أو معسر لم يلزم الزوجة ولا سيد الأمة فطرة. وقال ابن إدريس: تجب على السيد والزوجة (5). والأقرب أن نقول: إن بلغ الاعسار بالزوج إلى حد يسقط عنه نفقة الزوج بأن لا يفضل معه شئ البتة فالحق ما قاله ابن إدريس، وإن لم ينته الحال إلى

(1) الخلاف: ج 2 ص 146 المسألة 182.
(2) المبسوط: ج 1 ص 240.
(3) المبسوط: ج 1 ص 241.
(4) الخلاف: ج 2 ص 147 المسألة 185.
(5) السرائر: ج 1 ص 468.

[ 278 ]

ذلك بل كان الزوج ينفق عليها مع اعساره فلا فطرة هنا، والحق ما قاله الشيخ. لنا: على التقدير الأول: أن الخطاب بوجوب الفطرة عام في كل موسر خرج عنه زوجة الموسر لمكان العيلولة فيبقى الباقي على عمومه، فالمعسر إذا سقطت عنه النفقة انتفت العيلولة وكانت موسرة فدخلت تحت العموم. وعلى التقدير الثاني: إنها في عيلولة الزوج فسقطت فطرتها عن نفسها وعن زوجها لفقره. والتحقيق: أن الفطرة إن كانت بالأصالة على الزوج سقطت لاعساره عنه وعنها، وإن كانت بالأصالة على الزوجة وإنما يتحملها الزوج سقطت عنه لفقره ووجبت عليها عملا بالأصل. مسألة: قال في الخلاف: إذا باع عبدا قبل هلال شوال قبل أن يمضي ثلاثة أيام التي هي شرط في الحيوان كانت الفطرة على البائع، لأنه في ملكه بعد، وإن كان فيهما الشرط أكثر من ثلاثة أيام البائع أو لهما كان مثل ذلك على البائع فطرته، وإن كان الشرط فيما زاد للمشتري كانت الفطرة عليه، لأنه إذا اختار دل على أن العبد كان له في الأول. ثم استدل بما روي عنهم - عليهم السلام - أن الحيوان إذا مات في مدة الخيار كان من مال البائع دون مال المشتري، وهو يدل على أن الملك له وعليه فطرته (1). والأقرب أن الفطرة على المشتري، سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري أو لهما. لنا: إن الملك قد انتقل إليه بالعقد، ولهذا يملك النماء المنفصل فتجب عليه فطرته. والجواب عما ذكره: إن ضمانه لا يستلزم ملكيته، كما لو لم يقبض.

(1) الخلاف: ج 2 ص 142 المسألة 177.

[ 279 ]

مسألة: قال السيد المرتضى في الانتصار: مما انفردت به الامامية القول بأن من أضاف غيره طول شهر رمضان يجب عليه إخراج الفطرة عنه (1). وهذا الكلام فيه إشعار باشتراط الضيافة طول الشهر. وقال الشيخ في الخلاف: روى أصحابنا أن من أضاف انسانا طول شهر رمضان وتكفل بعيلولته لزمته فطرته (2)، وهذا أيضا يشعر بما قلناه. وقال المفيد: ومن أضاف مسلما لضرورته إلى الضيافة في طول شهر رمضان أو في النصف الأخير منه إلى آخره وجب عليه إخراج الفطرة عنه، لأنه قد صار بالضيافة في حكم العيال (3). وقال ابن حمزة: وكل ضيف أفطر عنده شهر رمضان (4)، وهو يشعر بذلك أيضا. وقال في النهاية: أو يكون عنده ضيف يفطر معه في شهر رمضان وجب عليه أيضا أن يخرج عنه (5)، وكذا قال ابن البراج (6). وهذا الكلام من الشيخ يشعر بأن من أفطر آخر ليلة من شهر رمضان وجب على مضيفه فطرته، لأنه يصدق عليه أنه قد أفطر عنده في شهر رمضان. وقال ابن إدريس: يجب إخراج الفطرة عن الضيف بشرط أن يكون آخر الشهر في ضيافته، فأما إذا أفطر عنده مثلا ثمانية وعشرين يوما ثم انقطع باقي الشهر فلا فطرة على مضيفه، فإن لم يفطر عند ه إلا في محاق الشهر وآخره بحيث

(1) الانتصار: ص 88.
(2) الخلاف: ج 2 ص 133 المسألة 162.
(3) المقنعة: ص 265.
(4) الوسيلة: ص 131.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 440.
(6) المهذب: ج 1 ص 174.

[ 280 ]

يتناوله اسم ضيف فإنه تجب عليه إخراج الفطرة عنه، ولو كان إفطاره في الليلتين الأخيرتين فحسب (1)، وهو الوجه عندي. لنا: إنه يصدق عليه أنه ضيف وأنه من عائلته فيجب الاخراج عنه. وما رواه عمر بن يزيد في الموثق: قال سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يكون عنده الضيف من اخوانه فيحضر يوم الفطر يؤدي عنه الفطرة؟ قال: نعم الفطرة واجبة على كل من يعول من ذكر أو أنثى صغير أو كبير حر أو مملوك (2). احتج المشترطون للضيافة طول الشهر بأصالة براءة الذمة. وبأن الفطرة تابعة للعيلولة، وهي لا تصدق باليوم واليومين. والجواب: الأصالة معارضة بالاحتياط، ونمنع عن اشتراط الزيادة على اليوم واليومين في اسم العيلولة. مسألة: قال ابن إدريس: يجب أن يخرج المضيف عن ضيفه، ويجب أن يخرج الضيف عن نفسه إذا كان موسرا (3). فإن قصد بذلك أنه مع إعسار المضيف يجب أن يخرج عن نفسه فهو جيد وإلا فلا. والتحقيق أن نقول: إن كان المضيف موسرا وجب عليه أن يخرج عن ضيفه، ولا يجب على الضيف أن يخرج عن نفسه حينئذ سواء أخرج المضيف عنه أو لا. وإن كان معسرا وجب على الضيف أن يخرج عن نفسه. لنا: على التقدير الأول: أن زكاته تجب على غيره فلا تجب عليه، لقوله - عليه السلام -: " لا شئ في الصدقة " (4).

(1) السرائر: ج 1 ص 466.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 332 صدر ح 1041. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب زكاة الفطرة ح 2 ج 6 ص 227.
(3) السرائر: ج 1 ص 468.
(4) المغني لابن قدامة: ج 2 ص 630.

[ 281 ]

وعلى الثاني: عمومات الأمر الدال على الاخراج على كل موسر، ولم يحصل المخصص وهو تحمل الغير لهذا الوجوب. احتج ابن إدريس بالعمومات الدالة على وجوب الاخراج على كل موسر، وهذا الضيف موسر، فلا يبرأ بإخراج مضيفه عنه. والجواب: ما بيناه من عدم التكرير في الصدقة. بقي هاهنا بحث وهو أن المضيف المعسر لو تبرع بالاخراج عن ضيفه الموسر ندبا هل يسقط الاخراج عن الضيف أم لا؟ فيه احتمال من حيث أن الفطرة على الضيف واجبة لغناه، وعلى المضيف مستحبة لفقره، والاستحباب قاصر عن الوجوب في المصالح المتعلقة به شرعا فلا يخرج عن العهدة به. ومن حيث أن المستحب إخراج ما تعلق على الضيف من الزكاة، سواء كانت فرضا أو نفلا. مسألة: قال علي بن بابويه في رسالته (1)، وولده في مقنعه (2) وهدايته (3)، وابن أبي عقيل (4): صدقة الفطرة صاع من حنطة، أو صاع من شعير، أو صاع من تمر، أو صاع من زبيب. فإن أرادوا بذلك الاقتصار عليه فهو ممنوع. وقال السيد المرتضى: وهي فضلة أقوات أهل الامصار على اختلاف أقواتهم من التمر والزبيب والحنطة والشعير والأقط واللبن (5)، وكذا قال المفيد وزاد فيه الارز (6).

(1) لم نعثر على رسالته.
(2) المقنع: ص 66.
(3) الهداية: ص 51.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 80.
(6) المقنعة: ص 249 - 250.

[ 282 ]

وقال الشيخ: أفضل ما يخرج الانسان في زكاة الفطرة التمر ثم الزبيب، ويجوز إخراج الحنطة والشعير والأرز والأقط واللبن (1). وفي المبسوط: الفطرة تجب صاع من التمر أو الزبيب أو الحنطة أو الشعير أو الارز أو الاقط أو اللبن (2). وفي الخلاف: يجوز إخراج صاع من الاجناس السبعة: التمر أو الزبيب أو الحنطة أو الشعير أو الارز أو الاقط أو اللبن للاجماع على أجزاء هذه، وما علاها ليس على جوازه دليل (3). وهذا يشعر بوجوب الاقتصار على هذه السبعة. وقال ابن الجنيد (4): ويخرجها من وجبت عليه من أعلب الأشياء على قوته حنطة أو شعير أو تمر أو زبيب أو سلت أو ذرة، وبه قال أبو الصلاح (5)، وهو الأقرب. لنا: إن الفطرة منوطة بالعيلولة، فوجب الاخراج من جنس قوت العيال للمناسبة الدال على أن الصدقة من فاضل القوت. وما رواه زرارة وابن مسكان في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: الفطرة على كل قوم ما يغذون به عيالاتهم: لبن أو زبيب أو غيره (6). وعن يونس، عمن ذكره، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قلت له: جعلت فداك هل على أهل البوادي الفطرة؟ قال: فقال: الفطرة على كل من

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 441.
(2) المبسوط: ج 1 ص 241.
(3) الخلاف: ج 2 ص 150 المسألة 188.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) الكافي في الفقه: ص 169.
(6) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 78 ح 221، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب زكاة الفطرة ح 1 ج 6 ص 238.

[ 283 ]

اقتات قوتا، فعليه أن يؤدي من ذلك القوت (1). وما رواه الحذاء، عن الصادق - عليه السلام - إلى أن قال: أو صاع من ذرة (2). ولأن تكليف المالك شراء غير قوته، وصرفه إلى الفقير نوع ضرر ومشقة وحرج فيكون منفيا، لقوله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (3)، وقوله - عليه السلام -: " لا ضرر ولا إضرار في الاسلام " (4). احتج ابنا بابويه بما رواه صفوان الجمال في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الفطرة، فقال: على الصغير والكبير والحر والعبد، عن كل إنسان صاع من حنطة، أو صاع من تمر، أو صاع من زبيب (5). وفي الصحيح عن زرارة وبكير ابني أعين والفضيل بن يسار ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية، عن الباقر والصادق - عليهما السلام - والشعير والحنطة سواء ما أجزأ عنه الحنطة فالشعير يجزئ (6). احتج الشيخ بما رواه إبراهيم بن محمد الهمداني أنه كتب إلى أبي الحسن

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 78 ح 220. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب زكاة الفطرة ح 4 ج 6 ص 239.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 82 ح 238. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب زكاة الفطرة ح 10 ج 6 ص 233.
(3) الحج: 78.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 164 ح 727. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الشفعة ح 1 ج 17 ص 319 وفيهما: لا ضرر ولا ضرار.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 80 ح 228. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب زكاة الفطرة ح 1 ج 6 ص 227.
(6) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 46 ح 215. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب زكاة الفطرة ح 14 ج 6 ص 234.

[ 284 ]

صاحب العسكر - عليه السلام - فسأله عن اختلاف الروايات في الفطرة، فكتب: إن الفطرة صاع من قوت بلدك على أهل مكة واليمن وأطراف الشام واليمامة والبحرين والعراقين وفارس والأهواز وكرمان تمر، وعلى أهل أوساط الشام زبيب، وعلى أهل الجزيرة والموصل والجبال كلها بر أو شعير، وعلى أهل طبرستان الازر، وعلى أهل خراسان البر، إلا على أهل مرو والري فعليهم الزبيب، وعلى أهل مصر البر، ومن سوى ذلك فعليهم ما غلب قوتهم، ومن سكن البوادي من الاعراب فعليهم الاقط (1). والجواب عن الاحتجاجين واحد، وهو أن التخصيص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، وبالخصوص إذا خرج خرج الأغلب على أن رواية الشيخ تدل على جواز إخراج القوت مطلقا، سواء كان دخنا أو سلتا أو ذرة، لقوله - عليه السلام -: " ومن سوى ذلك فعليهم ما غلب قوتهم "، وليس في ذلك إشعار وبقوت معين. مسألة: قال ابن البراج: الفطرة تجب في الحنطة والشعير على أهل الموصل والجزيرة والجبال وباقي خراسان، والتمر على أهل مكة والمدينة واليمن واليمامة والبحرين وأطراف الشام والعراقين وفارس والأهواز وكرمان، والزبيب على أهل أوساط الشام ومرو من خراسان والري والأرز على أهل طبرستان، والبر على أهل مصر، والأقط على الاعراب وسكان البوادي، ومن لم يجد منهم الاقط أخرج عوضا عنه اللبن (2). وهذا الكلام يشعر بتعيين كل قوم بجنس وجوبا، وليس بمعتمد.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 79 ح 226. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب زكاة الفطرة ح 2 ج 6 ص 238.
(2) المهذب: ج 1 ص 174 - 175.

[ 285 ]

لنا: الأصل عدم الوجوب وما تقدم من الأحاديث. احتج بالحديث الذي رواه إبراهيم بن محمد الهمداني، وقد تقدم في المسألة السابقة. والجواب: أنه خرج مخرج الأفضل والغالب. مسألة: قال ابنا بابويه (1)، والشيخان (2)، وابن أبي عقيل (3): إن أفضل ما يخرج التمر. وقال الشيخان (4): ثم الزبيب (5)، وهو قول ابن البراج في كامله (6). وقال في المهذب: التمر والزبيب هو أفضل ما يخرجه في الفطرة (7). وقال سلار: فأما ما يخرج في الفطرة ففضلة أقوات أهل البلاد من التمر والزبيب والحنطة والشعير والأرز والأقط واللبن، إلا أنه إن اتفق أن يكون في بلد بعض هذه الأشياء أعلى سعرا وهو موجود، فإخراجه أفضل ما لم يجحف. وروي أن التمر أفضل على كل حال (8). وقال في الخلاف: المستحب ما يكون غالبا على قوت البلد (9).

(1) المقنع: ص 66 ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(2) المقنعة: ص 251، النهاية: ص 190.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) كذا في جميع النسخ، ولعل كلمة " الشيخ " هو الصحيح كما في مدارك الأحكام: ج 5 ص 338 - 339، والحدائق الناضرة: ج 12 ص 286. ولأن الشيخ المفيد - رحمه الله - لم يذكر " الزبيب " في المقنعة.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 441.
(7) المهذب: ج 1 ص 175.
(8) المراسم: ص 135.
(9) الخلاف: ج 2 ص 150 المسألة 189.

[ 286 ]

وفي المبسوط: الأفضل أن يخرج من قوته أو ما هو أعلى منه، وأفضل ما يخرجه التمر (1). والوجه أن التمر أفضل. لنا: إنه أنفع للفقراء من غيره لما فيه من الاقتيات، واللذة بطعمه، وقلة المؤونة فيه، وامكان ادخاره. وما رواه هشام بن الحكم في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: التمر في الفطرة أفضل من غيره، لأنه أسرع منفعة، وذلك أنه إذا وقع في يد صاحبه أكل منه (2). وعن منصور بن خارجة، عن الصادق - عليه السلام - قال: والتمر أحب إلي (3). وعن زيد الشحام، عن الصادق - عليه السلام - قال: لأن اعطي صاعا من تمر أحب إلي من أن اعطي صاعا من ذهب في الفطرة (4). واحتج ابن البراج بمساواة الزبيب للتمر في المنافع المطلوبة منه. واحتج سلار بأن الأكثر قيمة أنفع للفقير فكان أولى. والجواب: الأحاديث أولى مما ذكراه. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: المستحب ما يكون غالبا على قوت البلد، وهو أحد قولي الشافعي، وفي الآخر الغالب على قوت نفسه (5).

(1) المبسوط: ج 1 ص 242.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 85 ح 248. وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب زكاة الفطرة ح 8 ج 6 ص 244.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 85 ح 246. وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب زكاة الفطرة ح 3 ج 6 ص 243.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 85 ح 249. وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب زكاة الفطرة ح 6 ج 6 ص 244.
(5) الخلاف: ج 2 ص 150 المسألة 189.

[ 287 ]

وقال ابن إدريس: والأصل في ذلك أن يخرج كل واحد مما يغلب على قوته في أكثر الأحوال (1). والأقرب الأول. قال الشيخ: دليلنا الاجماع على الرواية المروية عن العسكري - عليه السلام - في تصنيف أهل الامصار وما يخرجه كل أهل مصر وبلد، وهو يدل على مراعات غالب قوت أهل البلد، لامتناع اعتبار قوت الانسان نفسه (2). مسألة: قال المفيد الواجب صاع صاع عن كل رأس من جميع الاجناس (3)، ولم يفصل، وكذا قال ابن الجنيد (4)، والسيد المرتضى في الجمل (5) والانتصار (6) والمسائل المصرية (7)، وسلار (8)، وابن البراج (9)، وأبو الصلاح (10)، وابن زهره (11)، وهو قول الشيخ في الخلاف (12). وقال في النهاية: الواجب صاع من الاجناس، فأما اللبن فمن يريد اخراجه أجزأه أربعة أرطال (13)، وأطلق الرطل. وقال في المبسوط: الفطرة صاع، واللبن يجزئ منه أربعة أرطال بالمدني (14).

(1) السرائر: ج 1 ص 468.
(2) الخلاف: ج 2 ص 150 المسألة 189.
(3) المقنعة: ص 250.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 80.
(6) الانتصار: ص 88 وفيه: لا يجوز أن يعطى الفقير الواحد أقل من صاع.
(7) لم نعثر على الرسالة المصرية.
(8) المراسم: ص 135.
(9) المهذب: ج 1 ص 176. ولم يذكر فيه الصاع.
(10) الكافي في الفقه: ص 169. (11) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 506.
(12) الخلاف: ج 2 ص 148 المسألة 187.
(13) النهاية ونكتها: ج 1 ص 442.
(14) المبسوط: ج 1 ص 241.

[ 288 ]

وقال في كتابي الأخبار (1) حيث جمع بينهما أن المراد بقوله - عليه السلام -: " أربعة أرطال بالمدني " من الاقط واللبن. وقال ابن حمزة: الواجب صاع قدره تسعة أرطال بالعراقي، إلا اللبن فإنه يجب منه ستة أرطال (2). وقال ابن إدريس: الواجب صاع عن كل رأس قدره تسعة أرطال بالبغدادي وستة بالمدني، إلا اللبن فيجزئ منه ستة أرطال بالبغدادي وأربعة بالمدني (3). والأقرب عندي الأول. لنا: أنه أحوط. ولأن الذمة مشغولة بالاخراج المبرئ لها عن العهدة، وإنما يتحقق هذا الوصف بإخراج الصاع من اللبن والأقط. وما رواه عبد الله بن المغيرة في الصحيح، عن أبي الحسن الرضا - عليه السلام - في الفطرة قال: يعطي من الحنطة صاع، ومن الشعير ومن الاقط صاع (4). وعن معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال: يعطي أصحاب الإبل والغنم من الفطرة من الاقط صاعا (5). وفي الصحيح عن عبد الله بن ميمون، عن الصادق - عليه السلام - أو صاع

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 84 ذيل الحديث 244. الاستبصار: ج 2 ص 49 ذيل الحديث 164.
(2) الوسيلة: ص 131.
(3) السرائر: ج 1 ص 469.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 80 ح 229. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب زكاة الفطرة ح 3 ج 6 ص 231.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 80 ح 230. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب زكاة الفطرة ح 2 ج 6 ص 231.

[ 289 ]

من أقط (1). وعن جعفر بن معروف قال: كتبت إلى أبي بكر الرازي في زكاة الفطرة وسألناه أن يكتب إلى مولانا - يعني علي بن محمد عليهما السلام - فكتب: إن ذلك قد خرج لعلي بن مهزيار أنه يخرج من كل شئ التمر والبر وغيره صاع، وليس عندنا بعد جوابه علينا في ذلك اختلاف (2). احتج الآخرون بما رواه القاسم بن الحسن رفعه، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته عن رجل في البادية لا يمكنه الفطرة، قال: يتصدق بأربعة أرطال من اللبن (3). وعن محمد بن الريان قال: كتبت إلى الرجل أسأله عن الفطرة وزكاتها كم تؤدي؟ فكتب: أربعة أرطال بالمدني (4). ولأن اللبن خال عن الغش، بخلاف التمر والزبيب الذين لا يخلوان عن النوى، وهو مستغن عن المؤونة، بخلاف الحبوب فكان ثلثا الصاع منه يقاوم للصاع من غيره تقريبا فكان مجزئا. والجواب عن الحديث الأول: بمنع صحته، فإن سنده ضعيف، وهو مرسل وبالقول بموجبه، فإن السؤال وقع عمن لا يجد الفطرة، فأمره - عليه السلام - بالصدقة بأربعة أرطال من اللبن لفقره لا على سبيل الوجوب، إذ الاجماع دل

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 81 ح 231. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب زكاة الفطرة ح 11 ج 6 ص 229.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 81 ح 232. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب زكاة الفطرة ح 4 ج 6 ص 231.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 84 ح 245. وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب زكاة الفطرة ح 3 ج 6 ص 236.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 84 ح 244. وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب زكاة الفطرة ح 5 ج 6 ص 237.

[ 290 ]

على انتفائها عن الفقير (1) إلا من شذ. وعن الحديث الثاني: بأنه لا تخصيص فيها بلبن وغيره، فلا عبرة بالاحتجاج به على أن الشيخ قال: يحتمل أنه أراد - عليه السلام - أربعة أمداد فتصحف على الراوي بالارطال (2). وعن المغني: بأن الاقط أرفع من اللبن (3)، لأنه جوهره والخالص منه، وقد بينا أن الواجب منه صاع فيكون من اللبن أولى، على أن المنع قائم في رجحان اللبن على غيره. وأما التمر والزبيب فلما فيهما من الطعم الملائم، ولأنهما مما يمكن اقتناؤهما بخلاف اللبن، وكذا في الحبوب، وربما تدعو حاجة الفقير إلى الاقتناء، فهو وإن كان راجحا من تلك الجهة لكنه مرجوح من هذه الحيثية. مسألة: لا خلاف في جواز إخراج القيمة بسعر الوقت. قال الشيخ: وقد روي أنه يجوز أن يخرج عن كل رأس درهما، وروي أربعة دوانيق في الرخص والغلاء، والأحوط اخراجه بسعر الوقت (4). وقال السيد المرتضى (5): قد روي إخراج درهم عنها، وروي ثلثا درهم، وهذا إنما يكون بحسب الرخص والغلاء، والمعتبر إخراج قيمة الصاع في وقت الوجوب. وقال المفيد: سئل الصادق - عليه السلام - عن مقدار القيمة، فقال: درهم في الغلاء والرخص، وروي أن أقل القيمة في الرخص ثلثا درهم، وذلك تعلق

(1) ن: الفقراء.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 84 ذيل الحديث 244.
(3) المغني لابن قدامة: ج 2 ص 654 وفيه: لأن الاقط أكمل من اللبن.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 442.
(5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 80.

[ 291 ]

بقيمة الصاع في وقت المسألة عنه، والأصل إخراج القيمة عنها بسعر الوقت الذي يجب فيه (1). وقول الشيخ يوهم جواز إخراج درهم عن الفطرة، ويؤيده ما ذكره في الاستبصار حيث روي عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: لا بأس أن تعطيه قيمتها درهما (2). وهذه رواية شاذة، والأحوط أن يعطي بقيمة الوقت قل ذلك أم كثر، وهذه رخصة لو عمل الانسان بها لم يكن مأثوما. والحق أنه يجوز إخراج القيمة بسعر الوقت من غير تقدير، لما رواه إسحاق بن عمار الصيرفي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: جعلت فداك ما تقول في الفطرة يجوز أن أؤديها فضة بقيمة هذه الأشياء التي سميتها؟ قال: نعم إن ذلك أنفع له يشتري ما يريد (3). ورواية الشيخ ضعيفة السند، ويحتمل أن يكون المراد بالدرهم جنس الفضة، أو تكون القيمة وقت السؤال ذلك. ونقل عن بعض علمائنا أنه مقدر بدرهم، وعن آخرين أنه مقدر بأربعة دوانيق (4)، ولم اقف على فتوى على ذلك سوى ما نقلناه وليس صريحا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: يجوز إخراج القيمة عن أحد الاجناس التي قدمناها، سواء كان الثمن سلعة أو حبا أو خبزا أو ثيابا أو دراهم أو شيئا له ثمن بقيمة الوقت (5).

(1) المقنعة: ص 251.
(2) الاستبصار: ج 2 ص 50 ح 168. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب زكاة الفطرة ح 11 ج 6 ص 242.
(3) الاستبصار: ج 2 ص 50 ح 166. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب زكاة الفطرة ح 6 ج 6 ص 241.
(4) شرائع الاسلام: ج 1 ص 174.
(5) المبسوط: ج 1 ص 242.

[ 292 ]

وقال ابن إدريس: الحب والخبز هو الأصل المقوم، وليس هو القيمة، وإنما هو مذهب الشافعي ذكره هاهنا، فلا يظن بعض غفلة أصحابنا أنه مذهبنا، بل نحن نخرج الحب الذي هو الحنطة والشعير وغير ذلك، وكذلك نخرج الخبز لا بالقيمة، بل هو الأصل المقوم (1). والحق الأول. لنا: عموم الأمر بجواز إخراج القيمة من غير تعيين، ورواه إسحاق بن عمار في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس بالقيمة في الفطرة (2). ولأن المطلوب ليس هو الصاع من أحد الاجناس بعينه، وإلا لما جاز التخطي إلى القيمة، بل المالية المشتملة على هذا القدر وهو ثابت في كل قيمة. ولأنه يجوز إخراج جميع الأموال من الذهب والفضة والأمتعة والحيوان وغير ذلك عن صاع بر أو شعير أو أحد الاجناس مثلا، فجاز إخراج بعضها قيمة عن الآخر لوجود المالية في الجميع. سلمنا ما ذكره، لكن توهمه أن الشيخ أراد بالحب والخبز هنا ما يكون من الحنطة أو الشعير أو الارز التي عينها الشيخ جنسا، للفطرة باطل، لعدم لفظ يدل عليه. ثم إيجاب إخراج الخبز على أنه أصل لا قيمة خال من حجة، فإن المنصوص عليه أما الحنطة أو الشعير أو باقي الاجناس، ولم يدل شئ منها على الخبز لا بالمطابقة ولا بالتضمن ولا بالالتزام، وهما متغايران في الصفات المطلوبة منهما، فإن الفقير قد يحتاج إلى الحنطة للادخار، وقد يلحق المزكي مؤونة بسبب خبزه فلا يثبت حكم أحدهما للآخر. ولأن الخبز إن كان أدون قيمة من الحنطة لزم الضرر على الفقير، وإن كان

(1) السرائر: ج 1 ص 469.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 86 ح 252. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب زكاة الفطرة ح 9 ج 6 ص 241.

[ 293 ]

أعلى لزم الضرر على المالك، فوجب اعتبار القمية. ثم من العجب نسبة كلام الشيخ وفتواه إلى الشافعي دون قول أصحابنا، مع أنه المتعين الذي يجب المصير إليه، فقد نبه الشيخ على مثله في الخلاف فقال: لا يجزئ في الفطرة الدقيق والسويق أصلا، وبه قال الشافعي. فإن أخرجه على وجه القيمة أجزأه عندنا دونه، وقال أبو حنيفة: يجزئ كل منهما أصلا. واستدل الشيخ على مذهبه بالاجماع على تجويز ما قاله، وليس على خلافه دليل فلا يصار إليه، وبأن الأخبار تضمنت الحب ولم تتضمن الدقيق والسويق، فما خالفها وجب اطراحه (1). وأي فرق بين الدقيق والسويق وبين الخبز، فإن كل واحد منهما قد اشتمل على زيادة صفة، بل الدقيق والسويق إلى الحب أقرب. فإذا لم يجز على أنه أصل، فكيف يجزئ ما هو أبعد نسبة إليه؟!. بقي هنا بحث وهو أنه لو كان قيمة صاع الشعير بقدر قيمة نصف صاع من حنطة أو زبيب أو غيرهما من الاجناس فأراد إخراج نصف صاع الحنطة عن صاع الشعير أجزأه إذا قصد إخراج القيمة، ولو لم يقصد إخراج القيمة لم يجزئه أقل من صاع حنطة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لا يجوز أن يخرج صاعا واحدا من جنسين، لأنه يخالف الخبر (2). وقال قطب الدين الكيدري (3): لا يجوز إخراج صاع واحد من جنسين إلا على جهة القيمة. والأقرب عندي جواز ذلك.

(1) الخلاف: ج 2 ص 152 المسألة 191.
(2) المبسوط: ج 1 ص 241.
(3) لم نعثر على كتابه.

[ 294 ]

لنا: إن المطلوب شرعا إخراج صاع القوتي وليس تعيين الاجناس معتبرا في نظر الشرع، وإلا لما جاز التخيير فيه، وهو ثابت في الجنسين. ولأنه يجوز إخراج الاصواع المختلفة من الشخص الواحد عن جماعة، فكذا الصاع الواحد. ولأن التخيير واقع في الجميع، فكذا في أبعاضه، للمساواة في المالية المطلوب منها دفع حاجة الفقير. ولأنه إذا أخرج أحد النصفين فقد خرج عن عهدته وسقط عنه نصف الواجب، فيبقى مخيرا في النصف الآخر، لأنه قد كان مخيرا فيه قبل إخراج الأول، فيستصحب التخيير عملا بالاستصحاب. ولأن أحد النصفين إن ساوى الآخر جاز إخراجه على أنه أصل أو قيمة، وكذا إن قصر أحدهما عن الآخر، فإن الأرفع يكون زيادة عن قيمة الأدون الذي يجوز اخراجه، ومخالفة الخبر ممنوع، مع أن الشيخ قال في الخلاف: إذا كان العبد مشتركا بين اثنين جاز أن يختلفا في الجنس المخرج. واستدل بالأخبار الدالة على التخيير فيكون مجزئا عنهما (1). فجعل التخيير في الجميع تخييرا في أبعاضه، وهو ما قلناه. مسألة: للشيخ قولان في وقت الوجوب: فقال في الجمل (2) والاقتصاد (3): وقت وجوب هذه الزكاة إذا طلع هلال شوال وآخرها عند صلاة العيد، واختاره ابن حمزه (4)، وابن إدريس (5).

(1) الخلاف: ج 2 ص 153 المسألة 194.
(2) الجمل والعقود: ص 292.
(3) الاقتصاد: ص 284.
(4) الوسيلة: ص 131.
(5) السرائر: ج 1 ص 469.

[ 295 ]

وقال في النهاية (1) والمبسوط (2) والخلاف (3): الوقت الذي يجب فيه إخراج الفطرة يوم الفطر قبل صلاة العيد. ويظهر من كلامه في كتبه أن مناط الوجوب الهلال، فإنه قال: إذا وهب له عبدا وولد له ولدا وأسلم أو ملك مالا قبل الهلال وجبت الزكاة، وإن كان بعده استحبت إلى قبل الزوال، وهذا يشعر بقوله في كتابيه المتقدمين (4). وقال ابن الجنيد: أول وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم الفطر (5)، واختاره المفيد في المقنعة (6) والرسالة الغرية (7)، والسيد المرتضى (8)، وأبو الصلاح (9)، وابن البراج (10)، وسلار (11)، وابن زهرة (12). وقال ابنا بابويه: لا بأس بإخراج الفطرة في أول يوم من شهر رمضان إلى آخره، وأفضل وقتها آخر يوم من شهر رمضان، ذكره علي بن بابويه في رسالته (13)، وابنه محمد في مقنعه (14) وهدايته (15). قالا: وإن ولد لك مولود يوم

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 442.
(2) المبسوط: ج 1 ص 242.
(3) الخلاف: ج 2 ص 155 المسألة 198.
(4) المبسوط: ج 1 ص 240 - 241. النهاية ونكتها: ج 1 ص 440.
(5) لم نعثر على كتابه، ونقله عنه في المعتبر: ج 2 ص 611.
(6) المقنعة: ص 249.
(7) لم نعثر على رسالته.
(8) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 80.
(9) الكافي في الفقه: ص 169.
(10) المهذب: ج 1 ص 176.
(11) المراسم: ص 134.
(12) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 507.
(13) لم نعثر على رسالته، ونقله عنه في من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 182 ذيل الحديث 2081.
(14) المقنع: ص 67.
(15) الهداية: ص 51.

[ 296 ]

الفطر قبل الزوال فادفع عنه الفطرة، وإن ولد بعد الزوال فلا فطرة عليه، وكذا إذا أسلم الرجل قبل الزوال أو بعده. وقال ابن أبي عقيل (1): ويجب اعطاء الفطرة قبل الصلاة. والأقرب أنها تجب بغروب الشمس آخر شهر رمضان. لنا: إنها زكاة الفطرة فتجب عنده لا بعده ولا قبله. وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن مولود ولد ليلة الفطر عليه فطرة؟ قال: لا قد خرج الشهر، وسألته عن يهودي أسلم ليلة الفطر عليه فطرة؟ قال: لا (2). قال ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه: وإن ولد لك مولود يوم الفطر قبل الزوال فادفع عنه الفطرة استحبابا، وإن ولد بعد الزوال فلا فطرة عليه، وكذا الرجل إذا أسلم قبل الزوال أو بعده فعلى هذا وهذا على الاستحباب والأخذ بالأفضل. فأما الواجب فليست الفطرة إلا على من أدرك الشهر. روى ذلك علي بن أبي حمزة، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في المولود يولد ليلة الفطر واليهودي والنصراني يسلم ليلة الفطر، قال: ليس عليهم فطرة، ليس الفطرة إلا على من أدرك الشهر (3). ولأنها من تمام الصوم فيجب عقيبه. ولأنها مشبهة بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وآله - مع الصلاة، حيث كانت تماما فيكون مشابهة لها في التعقيب. روى ذلك الشيخ في الصحيح عن زرارة وأبي بصير، عن الصادق - عليه

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 72 ح 197. وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب زكاة الفطرة ح 2 ج 6 ص 245.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 178 ذيل الحديث 2069 وص 179 ح 2070.

[ 297 ]

السلام - قال: من تمام الصوم اعطاء الزكاة يعني الفطرة (1). قال المفيد: ثم قال - عليه السلام - كالصلاة على النبي - صلى الله عليه وآله -، ومن صام ولم يؤدها فلا صوم له إذا تركها متعمدا، ومن صلى ولم يصل على النبي - صلى الله عليه وآله - وترك ذلك متعمدا فلا صلاة له، إن الله تعالى بدأ بها قبل الصلاة، فقال: " قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى " (2). احتج الأصحاب بما رواه العيص بن القاسم في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - على الفطرة متى هي؟ فقال: قبل الصلاة يوم الفطر (3). ويقبح الأمر بتأخير الواجب عن وقته، فإن المسارعة إلى الواجب إما واجبة أو مندوبة، فلا تكون مرجوحة. والجواب: نمنع تأخير الواجب، بل قد يحسن إذا اشتمل على مصلحة مطلوبة للشارع، كما في تأخير الظهرين عن وقتهما إما للاشتغال بالنافلة، أو بحضور الإمام. وتأخير (4) المغرب لايقاعها في مزدلفة، وهنا مصلحة مطلوبة للشارع، وهي الجمع بين الصلاة والزكاة، فكان الأفضل تأخيرها وإن تقدم وجوبها. مسألة: قال السيد المرتضى في الجمل: وقت وجوب هذه الصدقة طلوع الفجر من يوم الفطر وقبل صلاة العيد، وقد روي أنه في سعة من أن يخرجها إلى زوال الشمس من يوم الفطر (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 108 ح 314 وليس فيه " يعني الفطرة ". وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب زكاة الفطرة ح 5 ج 6 ص 221.
(2) المقنعة: ص 264.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 75 ح 212. وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب زكاة الفطرة ح 5 ج 6 ص 246.
(4) في متن المطبوع ون: وتأخر.
(5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 80.

[ 298 ]

وهذا الكلام منه يشعر بوجوب إيقاعها مضيقا قبل الصلاة، وأنه لا يجوز تأخيرها إلى قبل الزوال. وقال الشيخ في النهاية: الوقت الذي يجب فيه إخراج الفطرة يوم الفطر قبل صلاة العيد (1)، ولم يقيد بالزوال، وكذا في الخلاف (2) والمبسوط (3) والاقتصاد (4). وقال ابنا بابويه: فهي زكاة إلى أن يصلي العيد، فإن أخرجها بعد الصلاة فهي صدقة (5)، وهو موافق قول الشيخ في التحديد. وكذا قال (6) ابن البراج وزاد فيه: ويتضيق الوجوب كلما قرب وقت صلاة العيد (7). وقال المفيد: وقت وجوبها يوم العيد بعد الفجر منه قبل صلاة العيد (8). وقال سلار: إلى صلاة العيد، فإن أخر كان قاضيا (9)، وبه قال أبو الصلاح (10). وقال ابن الجنيد (11): أول وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم الفطر، وآخره

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 442.
(2) الخلاف: ج 2 ص 155 المسألة 198.
(3) المبسوط: ج 1 ص 242.
(4) الاقتصاد: ص 284.
(5) المقنع: ص 67، ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه، ونقله عنه في من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 182 ذيل الحديث 2081.
(6) ن: قول.
(7) المهذب: ج 1 ص 176.
(8) المقنعة: ص 249.
(9) المراسم: ص 134 وليس فيه: " فإن أخر كان قاضيا ".
(10) الكافي في الفقه: ص 169 وفيه: فإن أخرها إلى بعد الصلاة سقط فرضها.
(11) لم نعثر على كتابه.

[ 299 ]

زوال الشمس منه، والأفضل في تأديتها من بين طلوع الفجر إلى أن يخرج الانسان إلى صلاة العيد، وهو في سعة أن يخرجها إلى زوال الشمس، وهو الأقرب. لنا: إنها تجب قبل صلاة العيد، ووقت صلاة العيد ممتد إلى الزوال فيمتد الاخراج إلى ذلك الوقت. احتج الشيخ بما رواه العيص بن القاسم في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الفطرة متى هي؟ فقال: قبل الصلاة يوم الفطر (1). والجواب: القول بالموجب، فإنه قبل الزوال تصدق عليه أنه قبل الصلاة. مسألة: قال ابن الجنيد (2): الأفضل في تأديتها من طلوع الفجر إلى أن يخرج الانسان إلى صلاة العيد، وهو اختيار الشيخين (3). وقال علي بن بابويه في الرسالة وولده في المقنع: أفضل وقتها آخر يوم من شهر رمضان (4)، والمعتمد الأول. لنا: ما تقدم في حديث العيص. وما رواه زرارة وبكير ابني أعين والفضيل بن يسار ومحمد بن مسلم وبريد ابن معاوية، عن الباقر والصادق - عليهما السلام - أنه يعطى يوم الفطر فهو أفضل (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 75 ح 212. وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب زكاة الفطرة ح 5 ج 6 ص 246.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) المقنعة: ص 249، المبسوط: ج 1 ص 242، وفيهما: قبل صلاة العيد.
(4) المقنع: ص 67، ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 76 ح 215. وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب زكاة الفطرة ح 4 ج 6 ص 246.

[ 300 ]

ولأن فيه جمعا بين الصلاة والزكاة. احتجا بأن فيه مبادرة إلى الصدقة والاتيان بالواجب. والجواب: إن التأخير هنا أولى لما تقدم. مسألة: قال الشيخ في النهاية (1) والمبسوط (2) والخلاف (3): يجوز إخراج الفطرة في شهر رمضان من أوله، وكذا قال ابنا بابويه (4). وقال المفيد: وقد جاء أنه لا بأس بإخراجها في شهر رمضان من أوله إلى آخره، وهو يدل على جواز تقديم الزكاة، والأصل لزوم الوقت على ما بيناه (5). وهذا الكلام يشعر بمنع التقديم. وقال سلار: وقد روي جواز تقديمها في طول شهر رمضان (6)، وكذا قال ابن البراج (7). وقال أبو الصلاح: يجوز إخراج الزكاة والفطرة قبل دخول وقتهما على جهة القرض، فإذا دخل الوقت عزم المخاطب على إسقاط حق المطالبة وجعل المسقط زكاة (8). وقال ابن إدريس: فإن قدمها إنسان على الوقت الذي قدمناه فيجعل ذلك قرضا على ما بيناه في زكاة المال، وتقديمها قبل وجوبها وحلولها، ويعتبر فيه ما

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 442.
(2) المبسوط: ج 1 ص 242.
(3) الخلاف: ج 2 ص 155 المسألة 198.
(4) المقنع: ص 67 ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه ونقله عنه في من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 182 ذيل الحديث 2081.
(5) المقنعة: ص 249. (6) المراسم: 135.
(7) المهذب: ج 1 ص 176.
(8) الكافي في الفقه: ص 173.

[ 301 ]

قدمناه عند وجوبها، والأفضل لزوم الوقت (1). فجعل تقديمها على جهة القرض، وهو الظاهر من كلام الشيخ في الاقتصاد فإنه قال فيه: فإن قدم من أول الشهر على ما قلناه في تقديم زكاة المال كان أيضا جائزا (2). مع أنه قال فيه - في تقديم زكاته المال -: وإذا رأى هلال الثاني عشر وجب في مال الزكاة، وإن قدم ذلك لمستحق جعله قرضا عليه، يحتسب به من الزكاة إذا تكامل الحول، والمعطي على حال يجب معها الزكاة (3). والأقرب الأول. لنا: إن التقديم مشتمل على نوع مصلحة فكان مشروعا. أما المقدمة الأولى: فلما فيه من إعانة الفقير والمسارعة إلى جبر حاله، والمبادرة إلى دفع الحاجة عنه، والخلاص من الإثم بترك الفعل عند وقته، ولأنه ربما افتقر الدافع أو مات قبل الوقت فيحرم الفقير نفعه. وأما الثانية: فظاهرة، إذ الأحكام منوطة بالمصالح. وما رواه زرارة وبكير ابني أعين والفضيل بن يسار ومحمد بن مسلم وبريد ابن معاوية في الصحيح، عن الباقر والصادق - عليهما السلام - قالا: يعطى يوم الفطر قبل الصلاة فهو أفضل، وهو في سعة أن يعطيها من أول يوم يدخل من شهر رمضان إلى آخره (4). احتج المانع بأنها عبادة مؤقتة، فلا يجوز فعلها قبل وقتها.

(1) السرائر: ج 1 ص 470. الاقتصاد: ص 285.
(3) الاقتصاد: ص 279.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 76 ح 215. وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب زكاة الفطرة ح 4 ج 6 ص 246.

[ 302 ]

ولأنها زكاة منوطة بوقت، فلا يجوز قبله إلا على وجه القرض كزكاة المال. ولأنه لو جاز تقديمها في شهر رمضان لجاز قبله، لاشتراكهما في المصالح المطلوبة من التقديم، بل هنا أولى. وما رواه العيص في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الفطرة متى هي؟ فقال: قبل الصلاة يوم الفطر (1). والجواب عن الأولين: بأنا نقول بموجبه، ونقول: أن وقتها شهر رمضان لما تلوناه (2) من حديث محمد بن مسلم وغيره. وعن الثالث: بالفرق، فإن سبب الفطرة الصوم والفطر منه، فجاز فعلها عند أحد السببين وهو دخول الصوم، كما جاز عند حصول النصاب وإن لم يحصل السبب الثاني وهو الحول، بخلاف تقديمها على رمضان، فإنه يكون تقديمها على السببين معا، وهو غير جائز، والرواية لا تدل على منعها في غيره. مسألة: لو أخرها عن الزوال لغير عذر أثم بالاجماع، وإن كان لعذر كعدم المستحق وغيره لم يأثم إجماعا، ثم إن كان قد عزلها أخرجها مع الامكان، وإن لم يكن قد عزلها قال المفيد - رحمه الله -: سقطت، لأنه قال: فمن أخرج فطرته قبل صلاة العيد فقد أدرك وقت فرضها، ومن أخرها إلى بعد الصلاة فقد فاته الوقت، وقد خرجت عن كونها زكاة الفرض إلى الصدقة والتطوع (3). وقال الشيخ في الاقتصاد: وإن أخره كان قضاء (4). وقال في الخلاف: وقت إخراج الفطرة يوم العيد قبل صلاة العيد، فإن

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 76 ح 212. وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب زكاة الفطرة ح 5 ج 6 ص 246.
(2) ن: نقلناه.
(3) المقنعة: ص 249.
(4) الاقتصاد: ص 285.

[ 303 ]

أخرجه بعد صلاة العيد كان صدقة، وإن أخرجها من أول الشهر كان جائزا، ومن أخرج بعد ذلك أثم وتكون قضاء (1). وهذا الكلام مشكل إن كان التقدير واحدا، إذ الجمع بين كونها صدقة وقضاء محال، لتضاد حكميهما. أما إن قلنا بتغاير التقدير صح كلام الشيخ، وذلك أنه إن كان قد عزلها وأخر أثم وكانت قضاء، وإن لم يعزلها وأخر أثم وكانت صدقة. وقال ابنا بابويه: فهي زكاة إلى أن يصلي العيد، فإن أخرجها بعد الصلاة فهي صدقة (2). وقال أبو الصلاح: فإن أخرها إلى بعد الصلاة سقط فرضها، إلا أن يعزلها من ماله انتظار الوجود من يخرج إليه فيجزئ، وهو مندوب إلى التصدق بها، فإن كان ذلك عن تفريط لزمته التوبة مما فرط فيه (3). وقال ابن الجنيد (4): والفطرة الواجبة إذا تحرى فتلفت لم يكن عليه غرم، فإن كان توانى في دفعها إلى أحد ممن يجزئه إخراجها إليه فتلفت لزمته إعادتها عزلها أو لم يعزلها. وقال سلار: ومن أخر ما حددناه كان قاضيا (5). وقال ابن البراج: وإذا أخرجها بعد صلاة العيد لم تكن فطرة مفروضة، وجرت مجرى الصدقة المتطوع بها (6).

(1) الخلاف: ج 2 ص 155 المسألة 198.
(2) المقنع: ص 67 ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه، ونقله عنه في من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 182 ذيل الحديث 2081.
(3) الكافي في الفقه: ص 169.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) المراسم: ص 135، وفيه: " كافيا " بدل " قاضيا ".
(6) المهذب: ج 1 ص 176.

[ 304 ]

وقال ابن حمزة: فإن لم يدفع قبل الصلاة فإن وجد المستحق لزمه قضاؤها، وروي أنه يستحب له، وإن لم يجد وعزل عن ماله فتلف لم يضمن، وإن لم يعزل ضمن (1). وقال ابن أبي عقيل (2): ويجب اعطاء الفطرة قبل الصلاة، فإن لم يجد من يستحقها عزلها عن ماله حتى يجد من يستحقها. وقال ابن إدريس: إن لم يخرجها قبل الصلاة وجب عليه إخراجها وهي في ذمته إلى أن يخرجها، وبعض أصحابنا يقول: يكون قضاء، وبعضهم يقول: سقطت ولا يجب إخراجها (3). والحق أنه يجب إخراجها وتكون أداء، والمعتمد وجوب الاخراج وأنها يكون قضاء، فهاهنا مقامان: المقام الأول: وجوب الاخراج، والخلاف فيه مع المفيد، وابني بابويه، وأبي الصلاح، وابن البراج. لنا: إنه لم يأت بالمأمور به، فيبقى في عهدة التكليف إلى أن يأتي به. ولأن المقتضي للوجوب قائم، والمانع لا يصلح للمانعية. أما الأولى: فالعموم الدال على وجوب إخراج الفطرة عن كل رأس صاع. وأما الثاني: فلأن المانع ليس إلا خروج وقت الأداء، لكنه لا يصلح للمعارضة، إذ خروج الوقت لا يسقط الحق كالدين وزكاة المال والخمس وغيرها. وما رواه زرارة في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في رجل أخرج فطرته فعزلها حتى يجد لها اهلا، فقال: إذا أخرجها من ضمانه فقد برئ، وإلا

(1) الوسيلة: ص 131.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) السرائر: ج 1 ص 469.

[ 305 ]

فهو ضامن لها حتى يؤديها إلى أربابها (1). احتج الاخرون بأنها عبادة مؤقتة وقد فات وقتها فيسقط، إذ القضاء إنما يجب بأمر جديد ولم يوجد. ولأن الأصل براءة الذمة. وما رواه إبراهيم بن ميمون قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام - الفطرة إن أعطيت قبل أن يخرج إلى العيد فهي فطرة، وإن كان بعد ما تخرج إلى العيد فهي صدقة (2)، والتفصيل قاطع للشركة. والجواب عن الأول: بمنع التوقيت، ولا يلزم من وجوب الفطرة يوم العيد كونه وقتا، لجواز أن يكون سببا أو دليلا. سلمنا، لكن الأمر المقيد بوقت قد اشتمل على حكمين: أحدهما: وجوب الفعل، والثاني: إيقاعه في وقته، وفوات أحد الواجبين لا يستلزم سقوط الثاني. سلمنا، لكن الأمر قد وجد، وهو ما ذكرناه من الحديث والعمومات، وأصالة البراءة معارضة بالاحتياط، وتكون الذمة قد اشتغلت بوجوب الاخراج، والاستصحاب، يدل على بقائه بعد الوقت. وعن الرواية بالمنع من الدلالة على المطلوب، لجواز أن يكون الأداء بعد الصلاة لا يبلغ ثواب الأداء قبلها، زكاة وبعدها صدقة، لأنها نافلة، فإن الصدقة كما توجد مع الندب فقد توجد مع الوجوب، والتفصيل يقطع التشريك في تسمية الزكاة، لا في الوجوب والنفل. المقام الثاني: إنها تكون قضاء، والخلاف فيه مع ابن إدريس.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 77 ح 219. وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب زكاة الفطرة ح 2 ج 6 ص 248.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 76 ح 214. وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب زكاة الفطرة ح 2 ج 6 ص 246.

[ 306 ]

لنا: إنها عبادة مؤقتة بوقت، وقد خرج وقتها فيكون قضاء، إذ المراد بالقضاء ذلك. احتج ابن إدريس بأن الزكاة المالية والرأسية تجب بدخول وقتها، فإذا دخل وجب الأداء، ولا يزال الانسان مؤديا لها، لأن بعد دخول وقتها - هو وقت الأداء - في جميعه (1). والجواب: المنع من ذلك، لأن لوقتها طرفين أولا وآخرا بخلاف زكاة المال، ولولا ضبط أولها وآخرها لما تضيقت عند الصلاة، لأن بعد الصلاة يكون الوقت باقيا على زعمه. ولأنه لو كان الوقت باقيا لوجبت على من بلغ بعد الزوال، كما تجب الصلاة لو بلغ والوقت باق. مسألة: قال الشيخ في النهاية: فإن لم يوجد لها مستحق من أهل المعرفة جاز له أن يعطي المستضعفين من غيرهم، ولا يجوز إعطاؤنا لمن لا معرفة له إلا عند التقية، أو عدم مستحقه من أهل المعرفة (2)، وكذا قال في المبسوط (3). وقال في أول الخلاف: مصرف زكاة الفطرة مصرف زكاة الأموال إذا كان مستحقه مستحقا فقيرا مؤمنا، والأصناف الموجودة في الزكاة خمسة: الفقير والمسكين والغارم وفي سبيل الله وابن السبيل (4). وقال في آخره: صدقة الفطرة تصرف إلى أهل صدقة الأموال من الاصناف الثمانية (5).

(1) السرائر: ج 1 ص 470.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 443.
(3) المبسوط: ج 1 ص 242.
(4) الخلاف: ج 2 ص 154 المسألة 196.
(5) الخلاف: ج 2 ص 347 المسألة 6 طبعة اسماعيليان.

[ 307 ]

فالأول: يقتضي منع اعطاء غير المؤمنين، والأخير: يقتضي تسويغ اعطاء أهل الذمة فضلا عن اعطاء المستضعفين. وقال في الاقتصاد: مستحق زكاة الفطرة هو مستحق زكاة المال من المؤمنين الفقراء العدول وأطفالهم، ومن كان بحكم المؤمنين من البله والمجانين (1). وقال ابن الجنيد (2): لا يجزئ إعطاؤها المخالف، وهو اختيار ابن أبي عقيل (3)، وسلار (4)، وابن إدريس (5). وشرط السيد المرتضى أيضا الايمان والعدالة (6)، وهو اختيار المفيد (7) وأبي الصلاح (8)، وابن حمزة (9) إلا في المؤلفة والغزاة، فإن الايمان ليس شرطا في الأول، والعدالة ليست شرطا في الثاني. والأقرب عندي اشتراط الايمان دون العدالة. لنا: على الثاني ما تقدم، وعلى الأول أن غير المؤمن يحاد الله ورسوله، واعطاء الزكاة نوع تواد فيكون محرما، لقوله تعالى: " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله " (10). وما رواه محمد بن عيسى في الصحيح قال: كتب إليه إبراهيم بن عقبة هل

(1) الاقتصاد: ص 285.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) المراسم: ص 133.
(5) السرائر: ج 1 ص 460.
(6) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 80.
(7) المقنعة: ص 252.
(8) الكافي في الفقه: ص 172.
(9) الوسيلة: ص 129.
(10) المجادلة: 22.

[ 308 ]

يجوز إعطاؤها غير مؤمن؟ فكتب: لا ينبغي أن تعطي زكاتك إلا مؤمنا (1). ولأن غير المؤمن قد أخل بأحد الأركان التي يستحق بها الثواب الدائم فلا يعطى شيئا، كما لو أخل بالاسلام. احتج الشيخ بما رواه مالك الجهني قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن زكاة الفطرة، قال: تعطيها المسلمين، فإن لم تجد مسلما فمستضعفا (2). وعن محمد بن عيسى قال: حدثني علي بن بلال وأراني قد سمعته من علي ابن هلال قال: كتبت إليه هل يجوز أن يكون الرجل في بلد ورجل من اخوانه في بلدة أخرى يحتاج أن يوجه له فطرة أم لا؟ فكتب: تقسم الفطرة على من حضره، ولا يوجه ذلك إلى بلدة أخرى وإن لم يجد موافقا (3). وفي الحسن عن إسحاق بن عمار، عن أبي إبراهيم - عليه السلام - قال: سألته عن صدقة الفطرة أعطيها غير أهل ولايتي من جيراني؟ قال: نعم الجبران أحق بها لمكان الشهرة (4). وفي الموثق عن الفضيل، عن الصادق - عليه السلام - قال: كان جدي رسول الله - صلى الله عليه وآله - يعطي فطرته الضعفاء، ومن لا يجد، ومن لا يتولى. قال: وقال أبو عبد الله - عليه السلام -: هي لاهلها إلا أن لا تجدهم

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 87 ح 257. وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب زكاة الفطرة ح 2 ج 6 ص 249.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 87 ح 355. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب زكاة الفطرة ح 1 ج 6 ص 250.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 88 ح 258. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب زكاة الفطرة ح 4 ج 6 ص 251.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 88 ح 259. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب زكاة الفطرة ح 2 ج 6 ص 250.

[ 309 ]

فلمن لا ينصب ولا ينقل من أرض إلى أرض (1). والجواب عن الأول: أنه محمول على الأبله الذي لا يعتد باعتقاده والمجنون، لأنه - عليه السلام - قال: " فإن لم يجد مسلما فمستضعفا "، ولا خلاف أن غير المسلم لا يعطى سواء كان مستضعفا أو لا، فلا محمل للحديث سواء حمله على المجانين والبله. وعن الثاني: أنه غير دال على المطلوب، فإن السؤال وقع عن رجل له إخوان في بلدة أخرى هل ينقل إليهم؟ فقال - عليه السلام -: " لا ينقل ويصرف في البلد وإن لم يكن الآخذ موافقا "، وعدم الموافقة لا يستلزم عدم الايمان، لجواز أن يكون المراد من عدم الموافقة هاهنا انتفاء العدالة، وهو الجواب عن الحديث الثالث، لأن غير العدل قد يطلق عليه أنه غير ولي. سلمنا، لكن يجوز للتقية، ويدل عليه قوله - عليه السلام -: " لمكان الشهرة ". وعن الحديث الرابع: إن الضعفة لا يدل على عدم الايمان، لجواز أن يكون ضعيف اليقين، لأنه استفاد عقيدته من التقليد للمحق (2)، مع أن الواجب النظر. وقوله - عليه السلام -: " ومن لا يتولى " محمول على ذلك أيضا، أو على غير العدل كما تقدم. وقوله - عليه السلام -: " فإن لم تجدهم فلمن لا ينصب " إشارة إلى المؤمن الذي يأخذ عقيدته عن التقليد كما سبق. مسألة: قال ابن بابويه: لا يجوز لمن يعطى ما يلزم الواحد لإثنين (3)،

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 88 ح 260. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب زكاة الفطرة ح 3 ج 6 ص 250.
(2) ن: للمستحق.
(3) المقنع: ص 66.

[ 310 ]

ونص أكثر علمائنا نحوه، حيث قالوا: أقل ما يعطى الفقير صاع واحد، ذكره السيد المرتضى (1)، والمفيد (2)، وابن الجنيد (3)، والشيخان (4) (5)، وسلار (6)، وابن إدريس (7)، وابن حمزة (8)، وابن زهرة (9) حتى أن السيد المرتضى قال في الانتصار: مما انفردت به الامامية القول بأنه لا يجوز أن يعطى الفقير الواحد أقل من صاع وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك. ثم استدل بالاجماع، وبحصول اليقين ببراءة الذمة، وحصول الإجزاء بذلك دون غيره، ولأن كل من قال: إن الصاع تسعة أرطال ذهب إلى ما ذكرناه، فالتفرقة بين المسألتين خلاف الاجماع (10). ولم اجد من علمائنا السابقين قولا يخالف ذلك سوى قول شاذ للشيخ في التهذيب: إن ذلك على الاستحباب حيث تأول حديث إسحاق بن المبارك فقال: المعنى أنه إذا كان هناك جماعة محتاجون كان التفريق عليهم أفضل من اعطائه واحدا، فأما إذا لم يكن هناك ضرورة فالأفضل اعطاء رأس لرأس (11). والمعتمد الأول.

(1) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 80.
(2) المقنعة: ص 252.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) كذا في جميع النسخ، والصحيح هو " والشيخ ".
(5) الاقتصاد: ص 285.
(6) المراسم: ص 135.
(7) السرائر: ج 1 ص 472.
(8) الوسيلة: ص 132.
(9) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 507.
(10) الانتصار: ص 88.
(11) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 89 ذيل الحديث 262.

[ 311 ]

لنا: إن قول فقهائنا، ولم نقف لهم على مخالف، فوجب المصير إليه. وما رواه أحمد بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: لا تعط أحدا أقل من رأس (1). لا يقال: هذا الحديث مرسل فلا يعمل عليه. لأنا نقول: الحجة في قول الفقهاء، فإنه يجري مجرى الاجماع، وإذا تلقت الأمة الخبر بالقبول لم يحتج إلى سند. احتج الشيخ بما رواه إسحاق بن المبارك قال: سألت أبا إبراهيم - عليه السلام - عن صدقة الفطرة - إلى أن قال: - قلت: فيجعل قيمتها فضة فيعطيها رجلا واحدا أو اثنين، فقال: تفرقها أحب إلي، فلا بأس بأن تجعلها فضة والتمر أحب إلي (2). فأطلق استحباب التفرقة من غير تفصيل. والجواب: أنه ليس دالا على المطلوب، إذ لا تقدير فيه لاعطاء الفقير، وترك التفصيل لا يدل على صورة النزاع وبالخصوص إذا قام هناك معارض. قال الشيخ في الاستبصار: يحتمل هذا الخبر أشياء منها: إن جواز التفريق في حال التقية، لأن مذهب جميع العامة موافق ذلك، ولا يوافقنا على وجوب عطاء رأس لرأس. ومنها: أنه ليس في الخبر تجويز تفريق رأس واحد، فيجوز أن يكون أشار إلى من وجبت عليه عدة أصواع. ومنها: إن عند اجتماع المحتاجين وأن لا يكون هناك ما يفرق عليهم يجوز تفريق الرأس الواحد (3). وكلامه هنا يدل على وجوب اعطاء رأس لرأس، ولم يتعرض في هذا

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 89 ح 261. وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب زكاة الفطرة ح 2 ج 6 ص 252.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 89 ح 262. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب زكاة الفطرة ح 9 ج 6 ص 222.
(3) الاستبصار: ج 2 ص 52 ذيل الحديث 175.

[ 312 ]

الكتاب للتأويل بالاستحباب، كما ذكره في التهذيب وإن لم يكن بعيدا من الصواب. مسألة: منع الشيخ (1)، وابن الجنيد (2) من نقلها إلى بلد آخر، وكرهه ابن إدريس (3). والبحث في ذلك قريب مما سبق في زكاة المال.

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 443.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) السرائر: ج 1 ص 470.

[ 313 ]

المقصد السادس في الخمس وفيه فصول: الأول في محله مسألة: المشهور بين علمائنا إيجاب الخمس في أرباح التجارات والصناعات والزراعات. وقال ابن الجنيد: فأما ما استفيد من ميراث، أو كد بدن، أو صلة أخ، أو ربح تجارة، أو نحو ذلك، فالأحوط اخراجه لاختلاف الرواية في ذلك، ولو لم يخرجه الانسان لم يكن كتارك الزكاة التي لا خلاف فيها، إلا أن يوجب ذلك من لا يسع خلافه مما لا يحتمل تأويلا، ولا يرد عليه رخصة في ترك اخراجه (1). لنا: قوله تعالى: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه " (2) وهذا من جملة الغنائم. وما رواه عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام - على كل امرئ غنم أو اكتسب الخمس فيما أصاب لفاطمة - عليها السلام - ولمن يلي أمرها من بعدها ومن ورثتها الحجج على الناس، فذلك لهم خاصة يضعونه حيث شاؤوا، وحرم عليهم الصدقة حتى الخياط ليخيط قميصا بخمسة دوانيق فلنا منه

(1) نقله عنه في المعتبر: ج 2 ص 623.
(2) الانفال: 41.

[ 314 ]

دانق، إلا من أحللناه من شيعتنا ليطيب لهم به الولادة، أنه ليس شئ عند الله تعالى يوم القيامة أعظم من الزنا، أنه يقوم صاحب الخمس فيقول: يا رب سل هؤلاء بما أبيحوا (1). وعن محمد بن الحسن الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني - عليه السلام - أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصناع وكيف ذلك؟ فكتب بخطه: الخمس بعد المؤونة (2). وعن علي بن مهزيار قال: قال لي أبو علي بن راشد قلت له: أمرتني بالقيام بأمرك وآخذ حقك فأعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم: وأي شئ حقه؟ فلم أدر ما أجيبه، فقال: يجب عليهم الخمس، فقلت: ففي أي شئ؟ فقال: في أمتعتهم وضياعهم، قلت: فالتاجر عليه والصانع بيده، قال: إذا أمكنهم بعد مؤونتهم (3). احتج ابن الجنيد بأصالة البراءة (4)، وبما رواه عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة (5). والجواب عن الأول: أنه معارض بالاحتياط، مع أن الأصالة (6)، لا يعمل به

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 122 ح 348. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 8 ج 6 ص 351.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 123 ح 352. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 1 ج 6 ص 348.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 123 ح 353. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 3 ج 6 ص 348.
(4) في متن المطبوع وق وم (2): براءة الذمة.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 124 ح 359. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 1 ج 6 ص 338.
(6) في متن المطبوع وق: الأصل.

[ 315 ]

مع قيام الموجب (1). وعن الثاني: القول بالموجب، فإن الخمس إنما يجب فيما يكون غنيمة، وهو يتناول غنائم دار الحرب وغيرها من جميع الاكتسابات، على أنه لا يقول بذلك، فإنه أوجب الخمس في المعادن والغوص وغير ذلك. مسألة: قال أبو الصلاح: يجب الخمس في الميراث والصدقة والهبة (2)، ومنعه ابن إدريس (3)، وهو الأقرب. لنا: إن الأصل براءة الذمة، ولم يقم دليل مناف، فيبقى سالما عن المعارض. احتج بأنه نوع اكتساب، فيدخل تحت عموم الاغتنام. والجواب: المنع من المقدمة الأولى. مسألة: قال السيد المرتضى في المسائل الناصرية حيث ذكر عن الناصر أنه قال: في قليل العسل وكثيرة الخمس، لأنه من جنس الفئ، لا عشر عندنا في العسل ولا خمس، ووافقنا على ذلك الشافعي، وقال أبو حنيفة: إذا وجد العسل في غير أرض الخراج ففيه العشر، وهو مذهب أحمد وإسحاق (4). وقال الشيخ في المبسوط: العسل الذي يؤخذ من الجبال، وكذلك المن يؤخذ منه الخمس (5)، واختاره ابن إدريس (6)، وابن حمزة (7)، وقطب الدين

(1) ن: الواجب.
(2) الكافي في الفقه: ص 170.
(3) السرائر: ج 1 ص 490.
(4) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 241 المسألة 121.
(5) المبسوط: ج 1 ص 237.
(6) السرائر: ج 1 ص 488.
(7) الوسيلة: ص 136.

[ 316 ]

الكيدري (1)، وهو حسن. لنا: إنه من الاكتسابات، وما رواه عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: على كل امرئ غنم أو اكتسب الخمس (2)، وهو عام وعن محمد بن الحسن الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني - عليه السلام - أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصناع وكيف ذلك؟ فكتب بخطه: الخمس بعد المؤونة (3). احتج السيد المرتضى بالاجماع، وبما روي أن النبي - صلى الله عليه وآله - لما بعث معاذا إلى اليمن وقال له: لا تأخذ العشر إلا من أربعة: من الحنطة والشعير والكرم والنخل، وأيضا فإن الأصل أن لا حق من في الأموال، فمن أثبت حقا في العسل إما خمسا أو غيره فعليه إقامة الدليل ولا دليل (4). والجواب عن الاجماع: إنه ممنوع إن قصد الخمس، وأما إن قصد الزكاة فحق، لكنا نحن نقول: أنه يجب فيه الخمس لا الزكاة. وعن الثاني: بالقول بالموجب، فإن الزكاة إنما تجب في الغلات المذكورة خاصة. وعن الثالث: بأن الأصل قد يخالف الدليل وقد بيناه. إذا عرفت هذا فلا وجه لتخصيص العسل والمن، بل كلما يجتنى كالترنجبين

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 122 ح 348. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 8 ج 6 ص 351.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 123 ح 352. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 1 ج 6 ص 348.
(4) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 241 المسألة 121.

[ 317 ]

والشير خشك والصمغ وغير ذلك، لأن ذلك كله اكتساب. مسألة: أوجب الشيخ الخمس في أرض الذمي إذا اشتراها من مسلم (1)، سواء كانت مما تجب فيه الخمس كالمأخوذة عنوة أو لا كالتي أسلم أربابها عليها، واختاره ابن إدريس (2)، ولم يذكر ذلك ابن الجنيد، ولا ابن أبي عقيل، ولا المفيد، ولا سلار، ولا أبو الصلاح. والأول أقرب. لنا: ما رواه أبو عبيدة الحذاء في الموثق قال: سمعت أبا جعفر - عليه السلام - يقول: أيما ذمي اشترى من مسلم أرضا فإن عليه الخمس (3). مسألة: أوجب الشيخ (4)، وأبو الصلاح (5)، وابن إدريس (6) الخمس في الحلال إذا اختلط بالحرام ولم يتميز أحدهما من الآخر، ولم يذكر ذلك ابن الجنيد، ولا ابن أبي عقيل، ولا المفيد. لنا: إنه قد وجب إخراج بعضه ولا طريق إلى الخروج عن العهدة إلا بالخمس، لأنه المطهر للأموال. وما رواه الحسن بن زياد، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إن رجلا أتى أمير المؤمنين - عليه السلام - فقال: يا أمير المؤمنين إني أصبت مالا لا أعرف حلاله من حرامه، فقال له: أخرج الخمس من ذلك، فإن الله تعالى قد رضي

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 448، المبسوط: ج 1 ص 237.
(2) السرائر: ج 1 ص 488.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 123 ح 355. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 1 ج 6 ص 352.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 448.
(5) الكافي في الفقه: ص 170.
(6) السرائر: ج 1 ص 487.

[ 318 ]

من المال بالخمس، واجتنب ما كان صاحبه يعمل (1). مسألة: أوجب ابن الجنيد (2) في النقل الخمس، سواء نفله الإمام أو صاحبه. وقال الشيخ (3): النفل هو أن يشترط في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث إن شرطه الإمام، والأولى أنه يستحقه ولا يخمس عليه (4). احتج ابن الجنيد بأنه من الغنائم فكان فيه الخمس. واحتج الشيخ بأنه مجعول له من قبل الإمام فلا خمس فيه، وإلا لم يسلم له ما شرطه. والجواب: المنع، فإنه كمال الإجارة. مسألة: للشيخ في اعتبار النصاب في المعادن قولان: قال في النهاية: ومعادن الذهب والفضة لا يجب فيها الخمس، إلا إذا بلغت إلى القدر الذي يجب فيه الزكاة (5)، وكذا قال في المبسوط (6). وقال في الخلاف: يجب في المعادن ولا يراعى فيها النصاب (7)، واختاره في الاقتصاد (8)، وأطلق ابن الجنيد (9)، وابن أبي عقيل (10)، والمفيد (11)، والسيد

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 124 ح 358. وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 1 ج 6 ص 352.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) ن: ليس فيه.
(4) المبسوط: ج 2 ص 66.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 448.
(6) المبسوط: ج 1 ص 237.
(7) الخلاف: ج 2 ص 119 المسألة 142.
(8) الاقتصاد: ص 283.
(10) لم نعثر على كتابه.
(9) لم نعثر على كتابه.
(11) المقنعة: ص 276.

[ 319 ]

المرتضى (1)، وابن زهرة (2)، وسلار (3)، واختار ابن حمزة (4) الأول، واختار ابن البراج (5) قوله في الخلاف، وهو قول ابن إدريس (6)، واعتبر أبو الصلاح (7) بلوغ قيمته دينارا واحدا، ورواه ابن بابويه في المقنع (8)، ومن لا يحضره الفقيه. والأقرب الأول. لنا: أصالة براءة الذمة، وما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام -: عما أخرج المعدن من قليل أو كثير هل فيه شئ؟ قال: ليس فيه شئ حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا (10). احتج ابن إدريس بالاجماع على استثناء الكنوز والغوص، ولم يستثنوا غيرهما، بل إجماعهم منعقد على وجوب إخراج الخمس من المعادن جميعها على اختلاف أجناسها قليلا كان المعدن أو كثيرا، ذهبا كان أو فضة من غير اعتبار مقدار، وهذا إجماع منهم بغير خلاف (11).

(1) الانتصار: ص 86.
(2) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 507.
(3) المراسم: ص 139.
(4) الوسيلة: ص 136.
(5) المهذب ج 2 ص 179.
(6) السرائر: ج 1 ص 488 - 489.
(7) الكافي في الفقه: ص 170.
(8) المقنع: ص 53.
(9) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 39 ح 1644.
(10) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 138 ح 391. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 1 ج 6 ص 344.
(11) السرائر: ج 1 ص 488.

[ 320 ]

واحتج أبو الصلاح بما رواه محمد بن علي بن أبي عبد الله، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعن معدن الذهب والفضة هل فيه زكاة؟ فقال: إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس (1). والجواب عن حجة ابن إدريس: بمنع الاجماع، وكيف يدعى ذلك في موضع الخلاف من مثل ابن بابويه، والشيخ، وأبي الصلاح وغيرهم! واطلاق الجماعة لا ينافي التعيين، لأن الشئ لا ينافي جزئياته. وعن حجة أبي الصلاح بعد تسليم السند أنه محمول على ما يخرج من البحر. قال الشيخ: الخبر الأول تناول حكم المعادن، والثاني حكم ما يخرج من البحر، وليس أحدهما هو الآخر، بل لكل واحد منهما حكمه على الانفراد (2). مسألة: قال المفيد في الرسالة الغرية (3): والخمس واجب فيما يستفاد من غنائم الكفار والكنوز والعنبر والغوص، فمن استفاد من هذه الأربعة الاصناف عشرين دينارا أو ما قيمته ذلك كان عليه أن يخرج منه الخمس. وهذا القول ليس بواضح، فإنه يشعر باعتبار العشرين في الغنائم والغوص. والمشهور في الأول إيجاب الخمس في قليله وكثيرة، وفي الغوص اعتبار دينار واحد. لنا: العمومات الدالة على وجوب الخمس خصوصا قوله تعالى: " واعلموا أنما غنمتم من شئ " (4). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: الكنوز التي توجد في دار الحرب من الذهب

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 139 ح 392. وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 2 ج 6 ص 347.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 139 ذيل الحديث 392.
(3) لم نعثر على رسالته.
(4) الانفال: 41.

[ 321 ]

والفضة والدراهم والدنانير، سواء كان عليها أثر الاسلام أو لم يكن يجب فيها الخمس. وأما التي توجد في بلد الاسلام فإن وجدت في ملك إنسان وجب أن يعرف أهله، فإن عرفه كان له، وإن لم يعرفه أو وجدت في أرض لا مالك لها، فإن كان عليها أثر الاسلام مثل أن يكون عليها سكة الاسلام فهي بمنزلة اللقطة سواء، وإن لم يكن عليها أثر الاسلام أو كان عليها أثر الجاهلية من الصور المجسمة وغيرها أخرج منها الخمس، وكان الباقي لواجدها (1). وقال في الخلاف: إذا وجد دراهم مضروبة في الجاهلية فهي ركاز، ويجب فيه الخمس سواء كان ذلك في دار الاسلام أو دار الحرب، وإن وجد كنزا عليه أثر الاسلام بأن يكون الدراهم أو الدنانير مضروبة في دار الاسلام وليس عليه أثر ملك يؤخذ منه الخمس (2)، واختاره ابن إدريس (3)، والمعتمد الأول. لنا: إنه مال ضائع عليه أثر ملك الاسلام (4) ووجد في دار الاسلام فتكون لقطة كغيره. احتج في الخلاف بعموم ظاهر القرآن والأخبار الواردة في إخراج الخمس من الكنوز، فالتخصيص يحتاج إلى دليل (5). والجواب: القول بالموجب ما لم يظهر المخصص، وهو ثابت هنا فإنه مال يغلب على الظن أنه مملوك لمسلم، فلا يحل من غير تعريف. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: ما يصطاد من البحر من سائر أنواع الحيوان لا خمس فيه، لأنه ليس بغوص، فأما ما يخرج منه بالغوص أو يؤخذ قفيا على

(1) المبسوط: ج 1 ص 236.
(2) الخلاف: ج 2 ص 122 المسألة 148 و 149.
(3) السرائر: ج 1 ص 487.
(4) ق وم (1): الانسان.
(5) الخلاف: ج 2 ص 123 المسألة 149.

[ 322 ]

رأس الماء ففيه الخمس (1). وقال ابن إدريس: يجب فيه الخمس وإن لم يكن غوصا (2)، وهو جيد. لنا: إنه نوع اكتساب واغتنام، فوجب فيه الخمس كسائر الاكتسابات. وقول الشيخ: " أنه ليس بغوص " مسلم، لكن لا يلزم من نفي الخاص نفي العام، والحكم معلق بالعام. مسألة: أورد ابن إدريس: في كتابه سؤالا فقال: لو أن غائصا غاص دفعة فاخرج أقل من قيمة دينار، ثم غاص ثانية فأخرج مثله وكمل بهما الدينار هل يجب فيهما الخمس؟ وأجاب بالوجوب فيهما، لأن الغوص مصدر، ومعناه المغوص، والمغوص: اسم جنس يتناوله الدفعة والدفعات. قال: وكذا القول: لو وجد كنزا ينقص عن عشرين دينارا، ثم وجد مرة ثانية كنزا ينقص عن عشرين. ثم قال بعد ذلك: والأقوى عندي والأولى أنه لا يجب في المسألتين معا الخمس، إلا أن يبلغ كل دفعة في الغوص والكنوز المقدار المراعى في كل واحد منهما بانفراده، لا مجتمعا مع الدفعة الأخرى، لأن كل دفعة ينطلق عليه اسم المغوص حقيقة لا مجازا، وكذا الكنوز، ويعضد ذلك قوله تعالى: " لا يسئلكم أموالكم "، وإن الأصل براءة الذمة. وأيضا إذا أوجد الانسان لقطة أقل من درهم ثم وجد أخرى أقل من قيمة الدرهم فلا خلاف في عدم وجوب التعريف وإن بلغتا الدرهم وأكثر، ثم قال: ولي في الأولى نظر (3). وهذا اضطراب منه وتخبط في الفتوى. والوجه أن نقول: أما الغوص فيجب فيه إذا بلغ قيمة دينار، سواء تعدد

(1) المبسوط: ج 1 ص 237 - 238.
(2) السرائر: ج 1 ص 490.
(3) السرائر: ج 1 ص 491.

[ 323 ]

الاخراج أو اتحد. وأما الكنز فلا يجب فيه شئ، إلا أن يبلغ الواحد عشرين دينارا. لنا على الأول: أنه مال استفيد بالغوص الواقع على القليل والكثير، فيجب فيه الخمس عملا بالمقتضي، وهو إيجاب الخمس في الغوص المطلق. وما رواه محمد بن علي بن أبي عبد الله، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعن معادن الذهب والفضة هل فيها زكاة؟ فقال: إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس (1). والسؤال وقع عن لفظ عام. وعن الثاني: بأن الكثير (2) إشارة إلى المال المذخور، ولا يتناول أكثر من الواحد. فإذا لم يبلغ النصاب لم يجب فيه، ولا يعتبر انضمامه إلى غيره، والآية نقول بموجبها. فإنا نمنع من كون هذا الخمس مالا لنا حتى ينتفي سؤاله تعالى لنا، وأصالة براءة الذمة معارضة بالاحتياط. مسألة: إذا اختلف مستأجر الدار ومالكها في الكنز المذخور فيها فادعى كل منهما ملكيته، للشيخ قولان: أحدهما: إن القول قول المالك اختاره في المبسوط (3)، والثاني: إن القول قول المستأجر اختاره في الخلاف (4)، وهو الأقرب. لنا: إن يد المستأجر عليه فكان القول قوله (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 139 ح 392. وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 2 ج 6 ص 347.
(2) في متن المطبوع وم (1) وم (2): الكنز.
(3) المبسوط: ج 1 ص 237.
(4) الخلاف: ج 2 ص 123 المسألة 151.
(5) ن: قول المستأجر.

[ 324 ]

ولأن المالك يدعي خلاف الظاهر، فإن الظاهر أن المالك لا يكري دارا فيها دفين، فإن فعل كان نادرا فكان القول قول مدعي الظاهر مع يمينه. احتج على الآخر بأن الظاهر أنه ملك المالك، فإن دار المالك كيده فكان القول قوله. والجواب: المنع، فإن اليد هنا للمستأجر. مسألة: قال الشيخ في الجمل: يجب الخمس في خمس وعشرين جنسا (1). قال ابن إدريس: هذا الحصر ليس بواضح وحصره ليس بحاصر، إذ لم يذكر في جملة ذلك الملح ولا الزمرد ولا المغرة ولا النورة (2). وقول ابن إدريس جيد، لأن العمومات دالة على وجوب الخمس في كل معدن، مع أنه قد ورد الحديث (3) في الملح بوجوب الخمس فيه، ونص عليه أيضا في المبسوط (4). وأظن أن الشيخ لم يقصد بذلك الحصر، بل عد أغلب المعادن. مسألة: قال الشيخ في الجمل: وقت وجوب الخمس فيه وقت حصوله (5). وقال ابن إدريس: يريد به المعادن، فإن المستفاد من الارباح والمكاسب والزراعات لا يجب فيها شئ بعد حصولها بل بعد السنة، لجواز تجدد الاحتياج. ثم طول في الاستدلال على مطلوبه باطلاق الجماعة أنه لا يجب الخمس، إلا بعد مؤونة الرجل طول سنته. قال: وقد قال ابن البراج في كتاب التعريف:

(1) الجمل والعقود: ص 104.
(2) السرائر: ج 1 ص 486.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 122 ح 349. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 4 ج 6 ص 343.
(4) المبسوط: ج 1 ص 236.
(5) الجمل والعقود: ص 105.

[ 325 ]

الوقت الذي يجب فيه إخراج الخمس من المعادن، وهو الوقت الذي أخذها، فلو كان يجب إخراج الخمس من جميع ما يجب فيه الخمس من الاجناس وقت حصوله لما أفرد المعادن بالذكر دون غيرها، ثم أمر بتأمل ذلك (1). وهذا الكلام منه غير معتمد، فإن الآية وغيرها من الأدلة يقتضي وجوب الخمس وقت وجوب ما يسمى غنيمة وفائدة، وكون الخمس يجب بعد إخراج المؤونة لا يقتضي عموم عدم وجوبه حالة الاكتساب، إذ لو لم يتعلق به الوجوب لجاز للمكتسب إتلافه قبل الحول، ولا يجب عليه شئ، وليس كذلك قطعا. فعلم أن الوجوب يتعلق به حالة حصوله، لكن وقت الاخراج يتضيق بعد الحول، ولو أخرجه قبله جاز وكان مؤديا للواجب ومجزئا عنه، وإنما جوز له التأخير إرفاقا به، فلا يسقط عنه الوجوب بذلك. الفصل الثاني في قسمته مسألة: المشهور أن الخمس يقسم ستة أقسام: سهم لله، وسهم لرسوله، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، ذهب إليه الشيخان (2)، والسيد المرتضى (3)، وابن الجنيد (4)، وابن البراج (5)، وباقي علمائنا. ونقل (6) عن بعضهم أنه يقسم خمسة أقسام.

(1) السرائر: ج 1 ص 489 - 490.
(2) المقنعة: ص 276 - 277. النهاية ونكتها: ج 1 ص 449.
(3) الانتصار: ص 86.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) المهذب: ج 1 ص 179.
(6) لم نعثر على القائل كما في المسالك: ج 1 ص 68 حيث قال: والقول الآخر مع شذوذه لم يعلم قائله.

[ 326 ]

لنا: الآية، وهو قوله تعالى: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول " (1)، وهي نص في الباب. وما رواه زكريا بن مالك الجعفي، عن أبي عبد الله - عليه السلام - أنه سئل عن قول الله تعالى: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل "، فقال: أما خمس الله - عزوجل - فللرسول (2) إلى آخره. وعن أحمد بن محمد قال: حدثنا بعض أصحابنا رفعه وأما الخمس فيقسم على ستة أقسام (3). احتج الاخرون بما رواه ربعي بن عبد الله بن الجارود في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وآله - إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له، ثم يقسم ما بقي خمسة أخماس ويأخذ خمسه، ثم يقسم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه، ثم يقسم الخمس الذي أخذه خمسة أخماس يأخذ خمس الله - عزوجل - لنفسه، ثم قسم الأربعة الأخماس بين ذوي القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل، يعطى كل واحد منهم جميعا، وكذلك الإمام يأخذ كما أخذ الرسول - عليه السلام - (4). والجواب: إنه حكاية فعله - عليه السلام - فلعله أخذ دون حقه توفيرا للباقي

(1) الانفال: 41.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 125 ح 360. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب قسمة الخمس ح 1 ج 6 ص 355.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 126 ح 364. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب قسمة الخمس ح 9 ج 6 ص 359. وفيه: يعطى كل واحد منهم حقا.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 128 ح 365. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب قسمة الخمس ح 3 ج 6 ص 356.

[ 327 ]

على باقي المستحقين، وليس في الحديث دلالة على أن الواجب ذلك. مسألة: المشهور أن ذا القربى الإمام خاصة فهو - عليه السلام - يأخذ سهم الله تعالى وسهم رسوله بالوراثة وسهم ذي القربى بالأصالة، ذهب إليه الشيخان (1)، والسيد المرتضى (2)، وأبو الصلاح (3)، وسلار (4)، وابن إدريس (5). ونقل السيد المرتضى (6) عن بعض علمائنا أن سهم ذي القربى لا يختص بالامام - عليه السلام -، بل هو لجميع قرابة رسول الله - صلى الله عليه وآله - من بني هاشم. ورواه ابن بابويه في كتاب المقنع (7)، وكتاب من لا يحضره الفقيه (8)، وهو اختيار ابن الجنيد (9) فإنه قال: وهو مقسوم على ستة أسهم: سهم الله يلي أمره إمام المسلمين، وسهم رسول الله - صلى الله عليه وآله - لاولى الناس به رحما وأقربهم إليه نسبا، وسهم ذوي القربى لا قارب رسول الله - صلى الله عليه وآله - من بني هاشم وبني المطلب بن عبد مناف إن كانوا من بلدان أهل العدل. لنا: قوله تعالى: " ولذي القربى " وهو يدل على الوحدة، فلا يتناول الأقارب أجمع فيكون هو الإمام، إذ الثالث خرق الاجماع.

(1) المقنعة: ص 277. النهاية ونكتها: ج 1 ص 449.
(2) الانتصار: ص 86.
(3) الكافي في الفقه: ص 173.
(4) المراسم: ص 140.
(5) السرائر: ج 1 ص 492.
(6) الانتصار: ص 87.
(7) المقنع: ص 53. (8) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 42 ح 1651. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب قسمة الخمس ح 1 ج 6 ص 355.
(9) لم نعثر على كتابه.

[ 328 ]

لا يقال: إنه أسلم جنس كابن السبيل. لأنا نقول: دلالة اللفظ الواحد على الجنس مجاز، فلا يصار إليه إلا بدليل، والفرق واقع بين صورة النزاع وبين ابن السبيل، لأن إرادة الواحد هناك متعذرة لعدم الإشارة إلى معين. وما رواه عبد الله بن بكير، عن بعض أصحابه في قول الله - عزوجل إلى قوله: - وخمس ذي القربى لقرابة الرسول - صلى الله عليه وآله - والامام (1). وعن سليم بن قيس الهلالي، عن أمير المؤمنين - عليه السلام - قال: سمعته يقول كلاما كثير، ثم قال: وأعطهم من ذلك سهم ذوي القربى الذي قال الله تعالى: " إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان " نحن والله عني بذوي القربى (2). وعن أحمد بن محمد، عن بعض أصحابنا رفع الحديث - إلى أن قال: - فأما الخمس فيقسم على ستة أقسام: سهم لله تعالى، وسهم للرسول - صلى الله عليه وآله -، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل. فالذي لله فلرسول الله - صلى الله عليه وآله - ورسول الله أحق به فهو له، والذي للرسول هو لذوي القربى والحجة في زمانه، فالنصف له خاصة (3). وعن حماد بن عيسى قال: رواه لي بعض أصحابنا ذكره عن العبد الصالح يعني أبا الحسن الأول - عليه السلام - إلى أن قال: ويقسم بينهم الخمس على

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 125 ح 361. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب قسمة الخمس ح 2 ج 6 ص 356.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 126 ح 362. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب قسمة الخمس ح 4 ج 6 ص 357.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 126 ح 364. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب قسمة الخمس ح 9 ج 6 ص 359.

[ 329 ]

ستة أسهم: سهم لله - عزوجل - وسهم لرسوله - صلى الله عليه وآله -، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لا بناء السبيل. فسهم الله تعالى وسهم رسوله لولي الأمر بعد رسول الله - صلى الله عليه وآله - وراثة له ثلاثة أسهم: سهمان وراثة، وسهم مقسوم له من الله تعالى، فله نصف الخمس كملا (1). احتج ابن الجنيد ورواه ابن بابويه بما رواه زكريا بن مالك الجعفي، عن أبي عبد الله - عليه السلام - إلى أن قال: أما خمس الله تعالى فللرسول يضعه في سبيل الله، وأما خمس الرسول فلأقاربه، وخمس ذوي القربى فهم أقرباؤه (2). والجواب: إنا نقول بموجبه، فإن الإمام - عليه السلام - من الاقرباء، بل هو أقرب إليه من غيره. مسألة: منع الشيخان (3)، والسيد المرتضى (4)، وابن أبي عقيل (5)، وأبو الصلاح (6)، وأكثر علمائنا من اعطاء بني المطلب من الخمس. وقال المفيد في الرسالة (7) الغرية: أنهم يعطون، واختاره ابن الجنيد (8). لنا: إنه أحوط، فإن الذمة مشغولة باخراجه إلى مستحقه، ولم يعلم استحقاق بني المطلب فيبقى في عهدة التكليف بعد الدفع إليهم عملا

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 128 ح 366. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب قسمة الخمس ح 8 ج 6 ص 358.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 42 ح 651. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب قسمة الخمس ح 1 ج 6 ص 355.
(3) المقنعة: ص 243، المبسوط: ج 1 ص 262.
(4) الانتصار: ص 87.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) الكافي في الفقه: ص 173.
(7) لم نعثر على رسالته.
(8) لم نعثر على كتابه، ونقله عنه في المعتبر: ج 2 ص 631.

[ 330 ]

بالاستصحاب. وما رواه حماد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن الأول العبد الصالح - عليه السلام - قال: ومن كانت أمه من بني هاشم وأبوه من سائر قريش فإن الصدقة تحل له، وليس له من الخمس شئ. وعنه - عليه السلام - قال: وهؤلاء الذين جعل الله لهم الخمس، هم قرابة النبي - صلى الله عليه وآله -، وهم بنو عبد المطلب أنفسهم الذكر والانثى منهم، ليس فيهم من أهل بيوتات قريش ولا من العرب أحد (1)، وقد تقدم البحث في هذه المسألة، فلا وجه لاعادته. مسألة: المشهور أن المراد باليتامى والمساكين وابن السبيل في آية الخمس من قرابة النبي - صلى الله عليه وآله - من بني هاشم خاصة، ذهب إليه الشيخان (2)، وابن أبي عقيل (3)، وأبو الصلاح (4)، وباقي فقهائنا، إلا ابن الجنيد (5) فإنه قال: وأما سهام اليتامى والمساكين وابن السبيل وهي نصف الخمس، فلاهل هذه الصفات من ذوي القربى وغيرهم من المسلمين إذا استغنى عنها ذوي القربى، ولا يخرج عن ذوي القربى ما وجد منهم محتاج إليها إلى غيرهم ومواليهم عتاقه أحرى بها من غيرهم. لنا: إن الخمس عوض عن الزكاة فيمنع منه صاحب الزكاة لئلا يقع الجمع بينهما. ولأنه جعل تكرمة لبني هاشم فلا يشركهم غيرهم فيه.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 128 ح 366. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب قسمة الخمس ح 8 ج 6 ص 358.
(2) المقنعة: ص 277. النهاية ونكتها: ج 1 ص 449.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) الكافي في الفقه: 173.
(5) لم نعثر على كتابه.

[ 331 ]

ولأنه أشرف من الزكاة، لأنه - عليه السلام - نهى بني هاشم عن أخذ الزكاة، لأنها أوساخ الناس فعوضهم بالخمس، وبنو هاشم أشرف من غيرهم فاختصوا به للتناسب. ولأن غيرهم لو استحق الخمس لساواهم أو أشرف عليهم، لأنهم امتازوا عنهم بالزكاة مع المشاركة بالخمس، والتالي باطل بالاجماع فكذا المقدم. وما رواه زكريا بن مالك الجعفي، عن الصادق - عليه السلام - قال: واليتامى يتامى أهل بيته، وأما المساكين وابن السبيل فقد عرفت، إنا لا نأكل الصدقة ولا تحل لنا فهي للمساكين وأبناء السبيل (1). وعن عبد الله بن بكير، عن بعض أصحابه - إلى أن قال: - واليتامى يتامى آل الرسول والمساكين منهم وأبناء السبيل منهم، فلا يخرج منهم إلى غيرهم (2). وعن سليم بن قيس الهلالي، عن أمير المؤمنين - عليه السلام - إلى أن قال: واليتامى والمساكين وابن السبيل منا خاصة، ولم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيبا أكرم نبيه - صلى الله عليه وآله -، وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ أيدي الناس (3). وعن أحمد بن محمد رفع الحديث - إلى أن قال: - فالنصف له خاصة والنصف لليتامى والمساكين وابن السبيل من آل محمد - عليهم السلام - الذين

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 125 ح 360. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب قسمة الخمس ح 1 ج 6 ص 355.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 125 ح 361. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب قسمة الخمس ح 2 ج 6 ص 356.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 126 ح 362. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب قسمة الخمس ح 7 ج 6 ص 357.

[ 332 ]

لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة عوضهم الله مكان ذلك الخمس (1). احتج ابن الجنيد بالعموم. والجواب: العام هنا مخصوص بالاجماع بالايمان، فيكون مخصوصا بالقرابة لما تقدم. مسألة: يستحق الخمس من أبوه هاشمي وإن كانت أمه غير هاشمية بالاجماع، وتحرم عليه الزكاة، واختلف في استحقاق من أمه هاشمية وأبوه غير هاشمي. فاختار الشيخ في المبسوط (2) والنهاية (3) المنع من الخمس، ويجوز له أن يأخذ الزكاة. واختاره ابن إدريس (4) وابن حمزة (5). وذهب السيد المرتضى إلى أن ابن البنت ابن حقيقة، ومن أوصى بمال لولد فاطمة - عليها السلام - دخل فيه أولاد بنيها وأولاد بناتها حقيقة، وكذا لو وقف على ولده دخل فيه ولد البنت لدخول ولد البنت تحت الولد (6). والأقرب الأول. لنا: إنه إنما يصدق الانتساب حقيقة إذا كان من جهة الأب عرفا، فلا يقال: تميمي إلا لمن انتسب إلى تميم بالأب، ولا حارثي إلا لمن انتسب إلى حارث بالأب، ويؤيده قول الشاعر:

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 126 ح 364. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب قسمة الخمس ح 9 ج 6 ص 359.
(2) المبسوط: ج 1 ص 262.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 449 - 450.
(4) السرائر: ج 1 ص 496.
(5) الوسيلة: ص 237.
(6) رسائل الشريف المرتضى المجموعة الرابعة: ص 328.

[ 333 ]

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا * بنوهن أبناء الرجال الأباعد وما رواه حماد بن عيسى قال: رواه لي بعض أصحابنا، عن العبد الصالح أبي الحسن الأول - عليه السلام - ومن كانت أمه من بني هاشم وأبوه من سائر قريش فإن الصدقة تحل له، وليس من الخمس شئ، لأن الله تعالى يقول: " ادعوهم لآبائهم " (1)، ولأنه أحوط. احتج السيد المرتضى بأن الأصل في الإطلاق الحقيقة، وقد ثبت إطلاق الاسلام في قوله - عليه السلام - في الحسن والحسين - عليهما السلام -: " هذان إبناي إمامان قاما أو قعدا " (2). والجواب: المنع من اقتضاء الإطلاق الحقيقة مطلقا، بل إذا لم يعارض معارض. مسألة: قال الشيخ: وعلى الإمام أن يقسم هذه السهام بينهم على قدر كفايتهم، ولا يخص فريقا منهم بذلك دون فريق، بل يعطي جميعهم (3). وهذا الكلام يشعر بوجوب التشريك وعدم جواز التخصيص، وفيه إشكال ينشأ من رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر في الموثق، عن أبي الحسن - عليه السلام - فقيل له: أفرأيت إن كان صنف أكثر من صنف وصنف أقل من صنف كيف يصنع به؟ فقال: ذاك إلى الإمام، أرأيت رسول الله - صلى الله عليه وآله - كيف صنع إنما كان يعطي على ما يرى كذلك الإمام (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 128 ح 366. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب قسمة الخمس ح 8 ج 6 ص 358.
(2) مجمع البيان: ج 1 - 2 ص 453.
(3) المبسوط: ج 1 ص 262.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 126 ح 363. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب قسمة الخمس ح 1 ج 6 ص 362.

[ 334 ]

وابن إدريس أشار إلى أنه مستحب (1). وأبو الصلاح أشار إلى الوجوب، فإنه قال: يلزم من وجب عليه الخمس إخراج شطره للامام، والشطر الآخر للمساكين واليتامى وأبناء السبيل، ولكل صنف ثلث الشطر (2). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لا يعتبر في اليتيم الفقر (3)، واختاره ابن إدريس (4). احتج الشيخ بالعموم، وبان اعتبار الفقر (5) يقتضي تداخل الأقسام، فإنه لو اشترط فيه الفقر لكان داخلا تحت المساكين. وفيه نظر: من حيث أن الخمس عوض الزكاة، فكما أن الزكاة مصرفها المحاويج، فكذا العوض. ولأنه جعل جبرا لهم ومساعدة عوض الزكاة، فلا يليق بالغني. ولأن الإمام يقسم بينهم على قدر حاجتهم، فإذا انتفت في البعض انتفى قسطه من النصيب واستغنى بماله عن المساعدة بالخمس. مسألة: قال الشيخان (6): النصف الذي لليتامى والمساكين وأبناء السبيل يفرقه الإمام بينهم على قدر كفايتهم في السنة ومؤونتهم، فما فضل عنها أخذه الإمام منهم، وما نقص تممه لهم من حقه. وإنما كان له ما فضل، لأن عليه إتمام ما نقص، وهو مذهب ابن البراج (7)، وسلار (8).

(1) السرائر: ج 2 ص 492.
(7) المهذب: ج 1 ص 180.
(2) الكافي في الفقه: ص 173.
(8) المراسم: ص 140.
(3) المبسوط: ج 1 ص 262.
(4) السرائر: ج 1 ص 496.
(5) ق: اليتيم.
(6) المقنعة: ص 278. النهاية ونكتها: ج 1 ص 449.

[ 335 ]

ومنع ابن إدريس ذلك وقال: لا يجوز له أن يأخذ فاضل نصيبهم، ولا يجب عليه إكمال ما نقص لهم (1). احتج الشيخان بما رواه أحمد بن محمد قال: حدثنا بعض أصحابنا رفع الحديث - إلى أن قال: - والحجة في زمانه فالنصف له خاصة، والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد - عليه وعليهم السلام - الذين لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة، عوضهم الله مكان ذلك الخمس فهو يعطيهم على قدر كفايتهم، فإن فضل شئ فهو له، وإن نقص عنهم ولم يكفهم أتمه من عنده، كما صار إليه الفضل كذلك النقصان يلزمه (2). وعن محمد بن عيسى قال: رواه لي بعض أصحابنا، عن العبد الصالح أبي الحسن الأول - عليه السلام - قال: ونصف السهم الباقي بين أهله ثلاثة أسهم لأيتامهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم يقسم بينهم على الكفاف والسعة ما يستغنون به في سنتهم، فإن فضل عنهم شئ يستغنون فهو للوالي، وإن عجز أو نقص استغناؤهم كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به. وإنما صار عليه أن يمونهم، لأن له ما فضل عنهم (3). احتج ابن إدريس بأن نصف الخمس للأصناف، فلا يجوز له - عليه السلام - التصرف فيها، لقوله - عليه السلام -: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه " (4).

(1) السرائر: ج 1 ص 492 و 493.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 126 ح 364. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب قسمة الخمس ح 2 ج 6 ص 364.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 128 ح 366. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب قسمة الخمس ح 1 ج 6 ص 363.
(4) سنن الدارقطني: ج 3 - 4 ص 26 ح 91 و 92.

[ 336 ]

ولأنه يستحق النصف والباقي النصف، فلو كان عليه الاكمال وله الفاضل لم يبق للتقدير والتنصيف فائدة. ولأن واجبي النفقة محصورون معلومون، وليست الاصناف الثلاثة منهم، فلا يجب عليه إكمال ما نقص من مؤونتهم. ومنع احتجاج الشيخ بأن مستنده خبران مرسلان، وخبر الواحد لو كان مسندا لكان في كونه حجة خلاف، فكيف إذا كان مرسلا فإنه ليس حجة قطعا (1). والجواب عن الأول: بمنع استحقاقهم له مطلقا، بل باعتبار سد الخلة وحصول الكفاية لدوران الاعطاء مع الحاجة وجودا وعدما فكان المدار علة للدائر. وعن الثاني: إن تعدد الاصناف إنما هو لبيان المستحق وإظهار المصرف، كما في آية الزكاة، لا لبيان مقادير الاستحقاق، وكما أنه لا يجب التسوية في باب الزكاة فكذا هنا، لما تقدم في رواية أحمد بن محمد في قوله: أرأيت إن كان صنف أكثر من صنف كيف نصنع؟ فقال: ذلك إلى الإمام، أرأيت رسول الله - صلى الله عليه وآله - كيف صنع إنما كان يعطي كما يرى كذا الإمام (2). وقسمة الخمس على ستة لا ينافي التفضيل، كما في الزكاة، فإن من فضل نصيبه عن كفايته صرف إلى غيره. وعن الثالث: إن النفقة ليست واجبة على الإمام، بل إذا فضل عنه شئ وأعوز غيره صرف فاضل نصيبه إلى ذلك الغير، ولهذا لو استغنى أحد الاصناف

(1) السرائر: ج 1 ص 494 - 495.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 126 ح 363. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب قسمة الخمس ح 1 ج 6 ص 362.

[ 337 ]

عن نصيبه صرف إلى الصنفين الآخرين، وإن كانت نفقة ذلك البعض لا تجب على المستغني فكذا الإمام عليه السلام. واعلم أنه لا يمكن أن يقال هنا: إن مستحقي الخمس أجمع ذكروا في الآية لبيان المصرف كما قلناه في الزكاة، إذ لا يجوز لأحد صرف الجميع إلى صنف واحد عدا الإمام، فإذن قول ابن إدريس لا يخلو من قوة، ومخالفة أكثر الأصحاب أيضا مشكل، فنحن في هذه المسألة من المتوقفين. مسألة: نصف الخمس يصرف إلى الإمام إن كان حاضرا في البلد، وإن كان غائبا نقل إليه، ويجوز نقل الجميع إليه، وهل يجوز نقل النصف مع غيبته غيبة الاختفاء عن بلده مع وجود المستحق فيه؟ والبحث فيه كما تقدم في الزكاة فلا نطوله بالاعادة. الفصل الثالث في الانفال ومستحقه - عليه السلام - مسألة: جعل الشيخ رؤوس الجبال، وبطون الاودية، والاجام مطلقا من الانفال يختص بها الإمام دون غيره (1). والمفيد جعل الاجام، والبحار، والمفاوز، والمعادن مطلقا من الانفال (2). وسلار جعل الاجام، والمفاوز والمعادن مطلقا من الانفال (3). وأبو الصلاح لما عد الانفال ذكر من جملتها جميع المعادن، ورؤوس الجبال، وبطون الاودية من كل أرض، والبحار، والاجام (4).

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 450.
(2) المقنعة: ص 278.
(3) المراسم: ص 140.
(4) الكافي في الفقه: ص 171.

[ 338 ]

وابن البراج لما عد الانفال جعل من جملتها جميع المعادن، ورؤوس الجبال، وبطون الاودية، والاجام، وكل أرض كانت اجاما، وغير ذلك مما لا يزرع فاستحدثت مزارع، أو كانت مواتا فأحييت (1). وابن إدريس خص الاجام، ورؤوس الجبال، وبطون الاودية، والمعادن بما كان في ملكه، فقال: المعادن التي في بطون الاودية التي في ملكه، وكذلك رؤوس الجبال. فأما ما كان من ذلك في أرض المسلمين ويد مسلم عليه فلا يستحقه - عليه السلام -، بل ذلك في الأرض المفتوحة عنوة، والاجام التي ليست في أملاك المسلمين، بل التي كانت مستأجمة قبل فتح الأرض (2). والأقرب الإطلاق. لنا: ما رواه محمد بن مسلم في الموثق، عن أبي عبد الله - عليه السلام - أنه سمعه يقول: الانفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم، أو قوم صولحوا وأعطوا بأيديهم، وما كان من أرض خربة أو بطون أودية فهذا كله من الفئ، والانفال لله وللرسول، فما كان لله فهو للرسول يضعه حيث يحب (3). وما رواه محمد بن مسلم أيضا بسند آخر، عن الباقر عليه السلام (4). وفي حديث سماعة بن مهران وقد سأله عن الانفال - إلى أن قال: - ومنها البحرين لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب (5).

(1) المهذب: ج 1 ص 183.
(2) السرائر: ج 1 ص 497.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 133 ح 370. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 10 ج 6 ص 367.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 134 ح 376. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 12 ج 6 ص 368.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 133 ح 373. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 8 ج 6 ص 367.

[ 339 ]

وما رواه الحسن بن راشد، عن أبي الحسن الأول - عليه السلام - قال: وله رؤوس الجبال، وبطون الاودية، والآجام (1). احتج ابن إدريس بأن الأصل إباحة ذلك للمسلمين، وعدم تخصيص الإمام - عليه السلام - فلا يعدل عنه بمثل هذه الأخبار الضعيفة. والجواب: المنع من أصالة الإباحة، بل الإمام أولى، لأنه قائم مقام الرسول - صلى الله عليه وآله -، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم. وبالجملة ففي المسألة نظر. مسألة: قال الشيخ في النهاية (2) والمبسوط (3): فأما حال الغيبة فقد رخصوا لشيعتهم التصرف في حقوقهم مما يتعلق بالأخماس وغيرها مما لا بد لهم منه من المناكح والمتاجر والمساكن، فأما ما عدا ذلك فلا يجوز التصرف فيه على حال. وقال المفيد - رحمه الله تعالى عقيب ما روي من أحاديث الرخصة -: واعلم أرشدك الله تعالى إن ما قدمته من الرخصة في تناول الخمس والتصرف فيه إنما ورد في المناكح خاصة للعلة التي سلف ذكرها في الآثار عن الأئمة - عليهم السلام - لتطيب ولادة شيعتهم، ولم يرد في الأموال، وما أخرته عن التقدم مما جاء في التشديد في الخمس والاستبداد فهو يختص الأموال (4). وقال سلار: والانفال له أيضا: وهي كل أرض فتحت من غير أن يوجف عليها بخيل ولا ركاب، والأرض الموات، وميراث الحربي، والاجام والمفاوز، والمعادن والقطائع، فليس لأحد أن يتصرف في شئ من ذلك إلا بإذنه، فمن تصرف في شئ من ذلك بإذنه فله أربعة أخماس المستفاد وللإمام الخمس،

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 128 ح 366. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 4 ج 6 ص 365.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 451.
(3) المبسوط: ج 1 ص 263.
(4) المقنعة: ص 285.

[ 340 ]

وفي هذا الزمان قد أحلونا ما نتصرف من ذلك كرما وفضلا لنا خاصة (1). وهذا القول منه يقتضي تعميم الإباحة فيما تقدم ذكره. وقال أبو الصلاح: ويلزم من تعين عليه شئ من أموال الانفال أن يصنع فيه ما بيناه من شطر الخمس لكون جميعها حقا للامام - عليه السلام -، فإن أخل المكلف بما يجب عليه من الخمس وحق الانفال كان عاصيا لله سبحانه، ومستحقا لعاجل اللعن المتوجه من كل مسلم إلى ظالمي آل محمد - عليهم السلام - وآجل العقاب لكونه مخلا بالواجب عليه لأفضل مستحق. ولا رخصة في ذلك بما ورد من الحديث فيها، لأن فرض الخمس والانفال بنص القرآن والاجماع من الأمة وإن اختلف فيمن يستحقه، ولاجماع آل محمد - صلوات الله عليهم - على ثبوته وكيفية استحقاقه وحمله إليهم وقبضهم إياه ومدح مؤديه وذم المخل به، ولا يجوز الرجوع عن هذا المعلوم بشاذ الأخبار (2)، وهذا يعطي منع الترخص مطلقا. وقال ابن الجنيد (3): وتحليل ما لا يملك جميعه عندي غير مبرئ لمن وجب عليه حق منه لغير المحلل، لأن التحليل إنما هو مما يملكه المحلل لا مما لا ملك له، وإنما إليه ولاية قبضه وتفريقه في أهله الذين سماه الله تعالى لهم. وقال ابن إدريس: وقد رخصوا لشيعتهم التصرف في حقوقهم مما يتعلق بالأخماس وغيرها، مما لا بد لهم من المناكح والمتاجر والمساكن، والمراد بالمتاجر أن يشتري الانسان مما فيه حقوقهم - عليهم السلام - ويتجر في ذلك، ولا يتوهم متوهم أنه إذا ربح في ذلك المتجر شيئا لا يخرج منه الخمس، فليحصل ما قلناه فربما اشتبه (4).

(1) المراسم: ص 140.
(3) لم نعثر على كتابه.
(2) الكافي في الفقه: ص 173 - 174.
(4) السرائر: ج 1 ص 498.

[ 341 ]

احتج الشيخ بما رواه سالم بن مكرم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال رجل وأنا حاضر: حلل لي الفروج، ففزع أبو عبد الله - عليه السلام - فقال له رجل: ليس يسألك أن يعترض الطريق، إنما يسألك خادما يشتريها، أو امرأة يتزوجها، أو ميراثا يصيبه، أو تجارة أو شيئا أعطيه، فقال: هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم والغائب، والميت منهم والحي، وما تولد منهم إلى يوم القيامة فهو لهم حلال، أما والله لا يحل إلا لمن أحللنا له، لا والله ما أعطينا أحدا ذمة، وما عندنا لأحد عهد، ولا لأحد عندنا ميثاق (1). وفي سالم قول. وفي الموثق عن يونس بن يعقوب قال: كنت عند أبي عبد الله - عليه السلام - فدخل عليه رجل من القماطين فقال: جعلت فداك تقع في أيدينا الارباح والأموال وتجارات نعلم أن حقك فيها ثابت، وإنا عن ذلك مقصرون، فقال أبو عبد الله - عليه السلام -: ما أنصفناكم إن كلفناكم ذلك اليوم (2). وفي الصحيح عن علي بن مهزيار قال: كتب إليه أبو جعفر - عليه السلام - وقرأت أنا كتابه إليه في طريق مكة، قال: إن الذي أوجبت في سنتي هذه، وهي سنة عشرين ومائتين فقط لمعنى من المعاني، أكره تفسير المعنى كله خوفا من الانتشار، وسأفسر لك بعضه إن شاء الله تعالى، إن موالي - أسأل الله صلاحهم - أو بعضهم قصروا فيما يجب عليهم، فعلمت ذلك وأحببت أن أطهرهم وأزكيهم بما فعلت في عامي هذا من الخمس، قال الله تعالى: " خذ من أموالهم

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 137 ح 384. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 4 ج 6 ص 379.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 138 ح 389. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 6 ج 6 ص 380.

[ 342 ]

صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم أن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم * ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وإن الله هو التواب الرحيم * وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعلمون " ولم أوجب عليهم ذلك كل عام، ولا أوجب عليهم إلا الزكاة التي فرضها الله عليهم، وإنما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب والفضة التي قد حال عليها الحول، ولم أوجب ذلك عليكم في متاع ولا آنية ولا دواب ولا خدم ولا ربح ربحه في تجارة ولا ضيعة إلا ضيعة، سأفسر لك أمرها تخفيفا مني عن موالي، ومنا مني عليهم لما يغتال السطان من أموالهم ولما ينوبهم في ذواتهم. فأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام، قال الله تعالى: " واعلموا إنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير ". والغنائم والفوائد يرحمك الله تعالى فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها، والجائزة من الانسان للانسان التي لها خطر، والميراث الذي لا يحتسب به من غير أب ولا ابن، ومثل عدو يصطلم (1) فيؤخذ ماله، ومثل مال يوجد لا يعرف له صاحب وما صار إلى موالى من أموال الخرمية (2) الفسقة، فقد علمت أن أموالا عظاما صارت إلى قوم من موالي، فمن كان عنده شئ من

(1) الصلم: هو القطع (لسان العرب: ج 1 ص 340 مادة صلم).
(2) الخرمية: أصحاب بابك المزدكي: وهم الخرمية القديمة قبل الاسلام، ومثلهم الخرمية الآخرون بعد الاسلام، والجميع إباحيون في اتباع الشهوات واستحلال المحرمات كلها، ويقولون: إن الناس كلهم شركاء في الأموال والحرم. (تهذيب الأحكام: ج 4 ص 142).

[ 343 ]

ذلك فليوصل إلى وكيلي، ومن كان نائيا بعيد الشقة فليعمل (1) لإيصاله ولو بعد حين، فإن نية المؤمن خير من عمله. فأما الذي أوجب من الضياع والغلات في كل عام فهو نصف السدس ممن كانت ضيعته تقوم بمؤونته، ومن كانت ضيعته لا تقوم بمؤونته فليس عليه نصف سدس ولا غير ذلك (2). وعن الحارث بن المغيرة النصري، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قلت له: إن لنا أموالا من غلات وتجارات ونحو ذلك وقد علمت أن لك فيها حقا، قال: فلم أحللنا إذن لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم، وكل من والى آبائي فهم في حل مما في أيديهم من حقنا فليبلغ الشاهد الغائب (3). احتج المفيد بأن التعليل في الروايات السابقة يشعر بطيب الولادة والتعليل بها، وإنما يكون ذلك في النكاح فلا يتجاوز إلى الأموال. والجواب: لا منافاة بين إباحة المتاجر والمساكن، والتعليل في ذلك بطيب الولادة. واحتج ابن الجنيد بأن التحليل إنما يكون بما يختص بالمحلل، إذ لا يسوغ تحليل ما ليس بمملوك له، إذ هو تصرف في ملك الغير بغير إذنه. والجواب: إن الإمام عندنا معصوم، وقد ثبت إباحة ما أباحوه مطلقا، وهو لا يفعل غير السائغ فوجب أن يكون سائغا، ولا نسلم أن باقي الاصناف يملكون النصف من الخمس ملكا مستقرا، وإنما الآية سيقت لبيان التصرف (4)، فله

(1) في المصدر: فليعتمد.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 141 ح 398. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 5 ج 6 ص 349.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 143 ح 399. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 9 ج 6 ص 381.
(4) ق: المصرف.

[ 344 ]

- عليه السلام - التصرف فيه بحسب ما يراه من المصالح. احتج سلار بما تقدم من الأحاديث الدالة على التسويغ مطلقا. وبما رواه محمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: إن أشد ما فيه الناس يوم القيامة أن يقوم صاحب الخمس فيقول: يا رب خمسي وقد طيبنا ذلك لشيعتنا لتطيب ولادتهم وليزكوا أولادهم (1). وعن داود بن كثير الرقي، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سمعته يقول: الناس كلهم يعيشون في فضل مظلمتنا إلا أنا أحللنا شيعتنا من ذلك (2). ولأن الحاجة الماسة في المناكح ثابتة في غيرها. والجواب: تخصيص الأحاديث الصحيحة بما ذكره الشيخ وغير الصحيحة لا اعتبار لها، أو تخصص (3) كالصحيحة، والفرق بين الحاجة في المناكح وغيرها ظاهر. واحتج أبو الصلاح بأن الخمس ثابت بنص القرآن مع التأكيد فيه بقوله: " واعلموا " (4) وتكرير لفظة " أن " وهي تزاد للتأكيد فكيف مع تكريرها، وتصدير الحق بالله تعالى وتشريكه فيه، مع أنه تعالى المالك لكل شئ، ثم علق ذلك بقوله تعالى: " إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا " (5) فجعل

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 136 ح 382. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 5 ج 6 ص 380.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 138 ح 388. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 7 ج 6 ص 380.
(3) ق وم (1): تخصيص.
(4) الانفال: 41. (5) الانفال: 41.

[ 345 ]

الاقرار بالخمس جزء من الايمان وركنا فيه، والاجماع ثابت على أن الآية غير منسوخة، وإن حكمها باق، فكيف يرجع عن مثل هذه الأدلة بأخبار شاذة بعضها ضعيف السند وبعضها متروك العمل! مع قبولها للتأويل، ومعارضتها بما رواه محمد بن يزيد الطبري قال: كتب رجل من تجار فارس من بعض موالي أبي الحسن الرضا - عليه السلام - فسأله الإذن في الخمس، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، إن الله واسع كريم. ضمن على العمل الثواب، وعلى الخلاف العقاب، لا يحل مال إلا من وجه أحله الله تعالى، إن الخمس عوننا على ديننا وعلى عيالاتنا وعلى موالينا، وما نبذل ونشتري من أعراضنا ممن يخاف سطوته، فلا تزووه عنا، ولا تحرموا أنفسكم دعاءنا ما قدرتم عليه، فإن اخراجه مفتاح رزقكم، وتمحيص ذنوبكم، وما تمهدون لانفسكم ليوم فاقتكم، والمسلم من يفي لله بما عاهد عليه، وليس المسلم من أجاب باللسان وخالف بالقلب، والسلام (1). وعن محمد بن يزيد قال: قدم قوم من خراسان على أبي الحسن الرضا - عليه السلام - فسألوه أن يجعلهم في حل من الخمس، فقال: ما أمحل هذا تمحضونا المودة بألسنتكم وتزوون عنا حقنا، جعله الله لنا وجعلنا له وهو الخمس، لا نجعل أحدا منكم في حل (2). وعن إبراهيم بن هاشم قال: كنت عند أبي جعفر الثاني - عليه السلام - إذ دخل عليه صالح بن محمد بن سهل - وكان يتولى له الوقف بقم - فقال:

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 139 ح 395. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 2 ج 6 ص 375.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 140 ح 396. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 3 ج 6 ص 376.

[ 346 ]

يا سيدي اجعلني من عشرة آلاف درهم في حل فإني أنفقتها، فقال له: أنت في حل، فلما خرج صالح قال أبو جعفر - عليه السلام -: أحدهم يثب على أموال آل محمد وأيتامهم ومساكينهم وفقرائهم وأبناء سبيلهم فيأخذها ثم يجئ فيقول: اجعلني في حل أتراه ظن أني أقول: لا أفعل، والله ليسألنهم الله تعالى يوم القيامة عن ذلك سؤالا حثيثا (1). والجواب: لا نزاع في دلالة الآية على وجوب الخمس والتأكيد عليه، وأن حكم الآية باق غير منسوخ، لكنا استفدنا إباحة بعضه - وهو المناكح - على قول، والمناكح والمساكن والمتاجر على قول للضرورة والحاجة الماسة إليه لقوم مخصوصين، وهم موالى آل محمد - عليهم السلام - وشيعتهم، للعلة التي ذكروها عليهم السلام -. ويزيد ذلك بيانا ما رواه أبو بصير وزرارة ومحمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام -: هلك الناس في بطونهم وفروجهم، لأنهم لم يؤدوا إلينا حقنا، ألا وإن شيعتنا من ذلك وآباؤهم في حل (2)، وغير ذلك من الأحاديث (3). فيبقى حكم الآية ثابتا في باقي الأموال والأشخاص. وعن الروايات الدالة على المنع بحملها على غير صورة النزاع جمعا بين الأدلة، وإنما طولنا الكلام في هذه المسألة لكونها من المطالب الجليلة.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 140 ح 397. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 1 ج 6 ص 375.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 137 ح 386. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 1 ج 6 ص 378.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 138 ح 388. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 1 ج 6 ص 379.

[ 347 ]

مسألة: اختلف علماؤنا في مستحق الإمام - عليه السلام - في حال الغيبة من الأخماس والانفال وغيرها. قال المفيد: وقد اختلف قوم من أصحابنا في ذلك عند الغيبة، وذهب كل فريق منهم إلى مقال، فقال قوم منهم: يسقط فرض اخراجه لغيبة الإمام وما ورد فيه من الرخص من الأخبار. وبعضهم يوجب كنزه، وتناول خبرا ورد أن الأرض تظهر كنوزها عند ظهور الإمام القائم، وأنه - عليه السلام - إذا قام دله الله سبحانه على الكنوز فيأخذها من كل مكان. وبعضهم يرى صلة الذرية وفقراء الشيعة على طريق الاستحباب. قال: ولست ادفع قرب هذا القول من الصواب. وبعضهم يرى عزله لصاحب الأمر - عليه السلام -، فإن خشي إدراك المنية قبل ظهوره وصى به إلى من يثق به في عقله وديانته ويسلمه إلى الإمام - عليه السلام - إذا أدرك قيامه، وإلا أوصى به إلى من يقوم مقامه في الثقة والديانة، ثم على هذا الشرط إلى أن يظهر إمام الزمان عليه السلام. قال: وهذا القول عندي أوضح من جميع ما تقدمه، لأن الخمس حق وجب لغائبه لم يرسم فيه قبل غيبته رسما يجب الانتهاء إليه، فوجب حفظه عليه إلى وقت إيابه، أو التمكن من إيصاله إليه، أو وجود من انتقل بالحق إليه، وجرى أيضا مجرى الزكاة الذي يتقدم (1) عند حلولها مستحقها، فلا يجب عند عدمه سقوطها، ولا يجعل التصرف فيها على حسب التصرف في الأملاك، ويجب حفظها بالنفس والوصية بها إلى من يقوم بإيصالها إلى مستحقها من أهل الزكاة من الاصناف، فإن ذهب ذاهب إلى صنع ما وصفناه في شطر الخمس الذي هو خالص للامام - عليه السلام - وجعل الشطر الآخر في يتامى آل محمد - عليهم السلام - وأبناء سبيلهم ومساكينهم على ما جاء في القرآن لم تبعد أصابته

(1) في المصدر: يعدم.

[ 348 ]

الحق من ذلك، بل كان على صواب، وإنما اختلف أصحابنا في هذا الباب لعدم ما يلجأ إليه فيه من صريح الالفاظ، وإنما عدم ذلك لموضع تغليظ المحنة مع إقامة الدليل بمقتضى العقل والأثر من لزوم الأصول في خطر التصرف في غير المملوك، إلا بإذن المالك وحفظ الودائع لاهلها ورد الحقوق (1). وقال الشيخ: فأما حال الغيبة فقد رخصوا لشيعتهم التصرف في حقوقهم مما يتعلق بالأخماس وغيرها مما لا بد لهم منه من المناكح والمتاجر والمساكن، فأما ما عدا ذلك فلا يجوز التصرف فيه على حال، وأما ما يستحقونه من الأخماس في الكنوز وغيرها في حال الغيبة فقد اختلف قول أصحابنا فيه، وليس فيه نص معين، إلا أن كل واحد منهم قال قولا يقتضيه الاحتياط. فقال بعضهم: إنه جاز في حال الاستتار مجرى ما أبيح لنا من المناكح والمتاجر، وقال قوم: إنه يجب حفظه ما دام الانسان حيا، فإذا حضرته الوفاة وصى به إلى من يثق به من اخوانه ليسلمه إلى صاحب الأمر - عليه السلام - إذا ظهر، ويوصي به حسب ما وصي به إليه إلى أن يصل إلى صاحب الأمر، وقال قوم: يجب دفنه، لأن الأرض تخرج كنوزها عند قيام الإمام - عليه السلام -، وقال قوم: يجب أن يقسم الخمس ستة أقسام: فثلاثة أقسام للامام تدفن أو تودع [ عند ] من يثق بأمانته، والثلاثة الأقسام الأخر تفرق على مستحقيه من أيتام آل محمد ومساكينهم وأبناء سبيلهم. وهذا مما ينبغي أن يعمل عليه، لأن هذه الثلاثة الأقسام مستحقها ظاهر وإن كان المتولي لتفريق ذلك فيهم ليس بظاهر، كما أن مستحق الزكاة ظاهر وإن كان المتولي لقبضها وتفريقها ليس بظاهر، ولا أحد يقول في الزكاة: أنه لا يجوز تسليمها إلى مستحقها، ولو أن انسانا استعمل الاحتياط وعمل على

(1) المقنعة: ص 285.

[ 349 ]

أحد الأقوال المقدم ذكرها من الدفن أو الوصاية لم يكن مأثوما، فأما التصرف فيه على ما تضمنه القول الأول فهو ضد الاحتياط، والأولى اجتنابه حسب ما قدمناه (1). ونحوه قال في المبسوط، إلا أنه منع من الوجه الأول وقال: لا يجوز العمل عليه، وقال عن الوجه الأخير: وعلى هذا يجب أن يكون العمل به، وإن عمل عامل على واحد من القسمين الأولين من الدفن أو الوصاية لم يكن به بأس (2). وقال ابن البراج: ينبغي لمن يجب عليه إخراج الخمس أن يقسمه ستة أقسام، ويدفع ثلاثة منها إلى من يستحقه من الاصناف المذكورين فيما سلف، والثلاثة الأخر للامام - عليه السلام -، ويجب عليه أن يحتفظ بها أيام حياته، فإن أدرك الإمام - عليه السلام - دفعها إليه، وإن لم يدرك دفعها إلى من يوثق بدينه وأمانته من فقهاء المذهب، ووصاه بدفع ذلك إلى الإمام - عليه السلام - إن أدرك ظهوره، وإن لم يدرك ذلك وصى إلى غيره بذلك، وقد ذكر بعض أصحابنا أنه ينبغي أن يدفن، وعول في ذلك على الخبر الذي يتضمن أن الأرض تظهر كنوزها عند ظهور القائم - عليه السلام -، والذي ذكرناه هو الأحوط والأقوى في براءة الذمة. قال: وذكر بعض أصحابنا أن ما يختص بغير المساكن والمناكح والمتاجر يجوز التصرف فيه، وأنه يجري مجرى ما يختص بالمساكن والمناكح والمتاجر، وهذا لا يجوز التعويل عليه ولا العمل به (3). قال أبو الصلاح: ويلزم من وجب عليه الخمس اخراجه من ماله، وعزل

(1) النهاية ونكتها: ج ص 451 - 453.
(2) المبسوط: ج 1 ص 264.
(3) المهذب: ج 1 ص 181.

[ 350 ]

شطره لولي الأمر انتظارا للتمكن من إيصاله إليه، فإن استمر لعذر أوصى به حين الوفاة إلى من يثق بدينه وبصيرته ليقوم في أداء الواجب مقامه، واخراج الشطر الآخر إلى مساكين آل علي وجعفر وعقيل والعباس وأيتامهم وأبناء سبيلهم، لكل صنف ثلث الشطر (1). وقال ابن حمزة: وإذا لم يكن الإمام حاضرا فقد ذكر فيه أشياء (2). والصحيح عندي أن يقسم نصيبه على مواليه العارفين بحقه من أهل الفقه والصلاح والسداد. وقال الشيخ أيضا في المسائل الحائرية: الخمس نصفه لصاحب الزمان - عليه السلام - يدفن أو يودع من يوثق به، ويأمره أن يوصي بذلك إلى أن يصل إلى مستحقه، والنصف الآخر يقسم في يتامى آل الرسول ومساكينهم وأبناء سبيلهم فإنهم موجودون، وإن خاف من ذلك أودع الخمس كله أو دفنه (3). وأوجب ابن إدريس حفظ ما يستحقه الإمام - عليه السلام - إلى أن يظهر الإمام - عليه السلام -، فإن أدركته الوفاة قبل ظهوره - عليه السلام - وجب أن يوصي به إلى ثقة، ومنع من دفنه، وحرم تفرقته على غيره من بني هاشم وغيرهم، ومنع من ذلك كل المنع. وادعى فيه تطابق الأدلة العقلية والنقلية وفتاوى المحصلين من أصحابنا (4). وقال المفيد في الرسالة الغرية: ومتى فقد إمام الحق وانتهت الحال إلى ما عليه الناس في هذا الوقت من تعذر الوصول إليه، وعدم المعرفة بمكانه لشدة تقيته وضرورته إلى استتاره، ووصل إلى الانسان ما يجب فيه الخمس

(1) الكافي في الفقه: ص 173.
(2) الوسيلة: ص 137.
(3) لم نعثر عليه في المسائل الحائريات (ضمن الرسائل العشر)، ونقله عنه في السرائر: ج 1 ص 500.
(4) السرائر: ج 1 ص 499.

[ 351 ]

فليخرجه إلى يتامى آل محمد ومساكينهم وأبناء سبيلهم، وليوفر قسط ولد أبي طالب منه لشدة ضرورتهم إليه، وعدول الجمهور إلى صلتهم، وتحاملهم عليهم، وظلمهم إياهم، ولا يكون قسمتها في هذه الحال كقسمتها عند ظهور الإمام، لتعذر ذلك، ولمجئ الرواية عن أئمة آل محمد - عليهم السلام - بتوفير ما يستحقونه من الخمس في هذا الوقت على فقراء أهلهم وأبناء سبيلهم ليخرج بذلك إليهم من مظلمتهم ويحل ما يبقى بعد الخمس من المغنوم (1). احتج القائلون بالاباحة كسلار (2) وغيره بالاحاديث الدالة على الإباحة، وقد سبقت. وبما رواه حكيم مولى بني عبس، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قلت له: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول " قال: هي والله الافادة يوما بيوم، إلا أن أبي جعل شيعتنا من ذلك في حل ليزكوا (3). وإذا أباحوا في حال ظهورهم ففي حال الغيبة أولى. وعن عبد الله بن سنان قال: قال لي أبو عبد الله - عليه السلام -: كل امرئ غنم أو اكتسب الخمس مما أصاب لفاطمة - عليها السلام -، ولمن يلي أمرها من بعدها من ورثتها الحجج على الناس فذلك لهم خاصة يضعونه حيث شاؤوا، وحرم عليهم الصدقة حتى الخياط ليخيط قميصا بخمسة دوانيق فلنا منه دانق، إلا من أحللناه من شيعتنا لتطيب لهم به الولادة أنه ليس شئ عند الله تعالى يوم القيامة أعظم من الزنا أنه يقوم صاحب الخمس فيقول: يا رب سل هؤلاء

(1) لم نعثر على رسالته، ونقله عنه في المعتبر: ج 2 ص 641.
(2) المراسم: ص 140.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 121 ح 344. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 8 ج 6 ص 381.

[ 352 ]

بما أبيحوا (1). وفي الصحيح عن ضريس الكناسي قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: أتدري من أين دخل على الناس الزنا؟ فقلت: لا أدري، فقال: من قبل خمسنا أهل البيت، إلا لشيعتنا الاطيبين، فإنه محلل لهم ولميلادهم (2). وفي الصحيح عن علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لأبي جعفر - عليه السلام - من رجل يسأله أن يجعله في حل من مأكله ومشربه من الخمس، فكتب بخطه: من أعوزه شئ من حقي فهو في حل (3). وعن معاذ بن كثير بياع الأكيسة، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: موسع على شيعتنا أن ينفقوا مما في أيديهم بالمعروف، فإذا قام قائمنا حرم على كل ذي كنز كنزه حتى يأتوه به يستعين به (4). وفي الصحيح عن عمر بن يزيد قال: رأيت أبا سيار مسمع بن عبد الملك بالمدينة وقد كان حمل إلى أبي عبد الله - عليه السلام - مالا في تلك السنة فرده عليه، فقلت له: لم رد عليك أبو عبد الله المال الذي حملته إليه، فقال: إني قلت له حين حملت إليه المال: إني كنت وليت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم، وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم، وكرهت أن أحبسها عنك أو

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 122 ح 348. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 8 ج 6 ص 351.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 136 ح 383. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 3 ج 6 ص 379.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 143 ح 400. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 2 ج 6 ص 379.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 143 ح 402. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 11 ج 6 ص 381.

[ 353 ]

أعرض لها، وهي حقك الذي جعله الله لك في أموالنا. وقال: ومالنا من الأرض، وما أخرجه الله منها إلا الخمس، يا أبا سيار الأرض كلها لنا، فما أخرج الله منها من شئ فهو لنا. قال: قلت له: أنا أحمل إليك المال كله، فقال لي: يا أبا سيار قد طيبنا لك وحللناك منه فضم مالك، وكلما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون، يحل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا فيجيئهم طسق ما كان في أيديهم سواهم، فإن كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم عنه (1) صغرة (2). وفي الصحيح عن عمر بن يزيد قال: سمعت رجلا من أهل الجبل يسأل أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل أخذ أرضا مواتا تركها أهلها فعمرها وأكرى أنهارها وبنى فيها بيوتا وغرس فيها نخلا وشجرا، قال: فقال أبو عبد الله - عليه السلام -: كان أمير المؤمنين - عليه السلام - يقول: من أحيا أرضا من المؤمنين فهي له وعليه طسقها يؤديه للامام في حال الهدنة، فإذا ظهر القائم فليوطن نفسه على أن يؤخذ منه (3). وعن الحارث بن المغيرة النصري، عن أبي جعفر - عليه السلام - وقد ذكر الخمس، ثم قال: اللهم إنا قد أحللنا ذلك لشيعتنا، ثم قال: ما على فطرة إبراهيم غيرنا وغير شيعتنا (4).

(1) في المصدر: عنها.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 144 ح 403. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 12 ج 6 ص 382.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 145 ح 404. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 13 ج 6 ص 383.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 145 ح 405. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ح 14 ج 6 ص 383.

[ 354 ]

ولأن إباحة المناكح والمساكن والمتاجر يقتضي إباحة غيرها، لاشتراكها في المعنى المطلوب شرعا، وهو تطييب الولادة، بل في باقي الأموال المعنى فيه آكد، فإن الاغتذاء بالمال الحرام يقتضي تكون الولد من النطفة المستفضلة من الأغذية المحرمة، وذلك يوجب دخول الفساد في جوهر الولد وماهيته، بخلاف المناكح فإن الأم كالوعاء والمسكن فإنه أبعد من ذلك. واعلم أن هذا القول بعيد من الصواب، لضعف الأدلة المقاومة لنص القرآن والاجماع على تحريم التصرف في مال الغير بغير إذنه، والقول بالدفن أيضا بعيد، والقول بإيصاء الجميع إلى من يوثق به عند إدراك المنية لا يخلو عن ضعف أيضا، لما فيه من منع الهاشميين من نصيبهم مع شدة حاجتهم وكثرة فاقتهم وعدم ما يتعوضون به من الخمس. والأقرب في ذلك قسمة الخمس نصفين: فالمختص باليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد - عليهم السلام - يفرق عليهم على حسب (1) حاجتهم، والمختص بالامام - عليه السلام - يحفظ له إلى أن يظهر - عليه السلام - فيسلم إليه إما بإدراكه، أو بالايصاء من ثقة إلى ثقة إلى أن يصل إليه - عليه السلام - وهل يجوز قسمته في المحاويج من الذرية كما ذهب إليه جماعة من علمائنا؟ الأقرب ذلك لما ثبت بما تقدم من الأحاديث إباحة البعض للشيعة حال ظهورهم، فإنه يقتضي أولوية إباحة أنسابهم - عليهم السلام - مع الحاجة حال غيبة الإمام - عليه السلام - لاستغنائه - عليه السلام - وحاجتهم، ولما سبق من أن حصتهم لو قصرت عن حاجتهم لكان على الإمام - عليه السلام - الاتمام من نصيبه حال ظهوره، فإن وجوب هذا حال ظهوره يقتضي وجوبه حال غيبته - عليه السلام -، فإن الواجب من الحقوق لا يسقط بغيبته من عليه الحق خصوصا إذا

(1) ن: قدر.

[ 355 ]

كان الحق لله تعالى. إذا ثبت هذا فإن المتولي لتفريق ما يخصه - عليه السلام - في محاويج الذرية من إليه الحكم عن الغائب، لأنه قضاء حق عليه، كما يقضي عن الغائب، وهو الفقيه المأمون الجامع لشرائط الفتوى والحكم، فإن تولى ذلك غيره كان ضامنا، وإنما يفرقه الحاكم لكل فريق بقدر ما يحتاجون إليه على سبيل التتمة في مؤونتهم، وهل يجوز التفريق في فقراء الشيعة غير الهاشميين؟ كلام المفيد (1) وابن حمزة (2) يقتضي ذلك، ونحن في هذه من المتوقفين، وإنما أطنبنا القول في هذه المسألة، لأنها من مهمات هذا العلم.

(1) المقنعة: ص 285.
(2) الوسيلة: ص 137.

[ 356 ]

.......

[ 357 ]

كتاب الصوم

[ 358 ]

........

[ 359 ]

وفيه فصول: الأول في حقيقته مسألة: قال الشيح: الصوم في اللغة هو الامساك، وفي الشرع إمساك مخصوص، على وجه مخصوص، في زمان مخصوص، ممن هو على صفة مخصوصة، ومن شرط انعقاده النية المقارنة فعلا أو حكما، وأردنا بالامساك المخصوص الامساك عن المفطرات التي سنذكرها. وقولنا: " على وجه مخصوص " أردنا به العمد دون النسيان، إذ لو تناول ناسيا لم يفطر. وقولنا: " في زمان مخصوص " أردنا به النهار دون الليل. وقولنا: " ممن هو على صفات مخصوصة " أردنا به من كان مسلما، إذ لو أمسك الكافر عن جميع ذلك لم يكن صائما، وأن لا تكون حائضا، ولا مسافرا سفرا مخصوصا، ولا جنبا، لعدم انعقاده مع التمكن من الغسل. وقولنا: " ومن شرطه مقارنة النية فعلا أو حكما " معناه: أن يفعل النية في الوقت الذي يجب فعلها فيه، وحكما أن يكون ممسكا عن جميع ذلك، وإن لم يفعل النية كالنائم طول شهر رمضان والمغمى عليه فإنه لا نية لهما ومع ذلك يصح صومهما، وكذا من أمسكه غيره عن جميع ما يجب إمساكه يكون في حكم

[ 360 ]

الصائم إذا نوى وإن لم يكن في الحقيقة ممتنعا، لأنه لا يتمكن منها (1). وقال المفيد: الصيام هو الكف عن تناول أشياء ورد الأمر من الله تعالى بالكف عنها في أزمان مخصوصة، وهي أزمان الصيام، وورد الحظر لتناولها تعبدا منه - جل اسمه - لخلقه بذلك، ولطفا لهم واستصلاحا (2). وقال السيد المرتضى: الصوم توطين النفس على الكف عن تعمد تناول ما يفسد الصوم من كل أكل وشرب وجماع وما أشبهه (3). وقال أبو الصلاح: الصوم في الملة العزم على كراهية، على أمور مخصوصة، في زمان مخصوص، لكون (4) ذلك مصلحة مخلصا به لمكلفه سبحانه (5). والأقرب من هذه الحدود قول المفيد - رحمه الله -، فإن تعريف الشيخ ردئ من حيث هو تعريف بأمور خفية، ومع ذلك فحكمه بصحة صوم النائم والمغمى عليه مشكل وسيأتي، وقول السيد جيد، إلا أنه لا يخلو عن دور، فلو حذف الصوم ثانيا واقتصر على قوله: توطين النفس على الكف عن تعمد تناول المفطر به، كان جيدا، وجعل أبو الصلاح الصوم عزما فيه رداءة، وهذه المسألة ليست من الشرع في شئ طائل. مسألة: قال في المبسوط: لو دخل عليه شهر رمضان وهو مغمى عليه أو مجنون أو نائم وبقي كذلك يوما أو أياما كثيرة أفاق في بعضها أو لم يفق لم يلزمه قضاء شئ مما أمر به، إلا من أفطر فيه أو طرح في حلقه على وجه المداواة له فإنه يلزمه حينئذ القضاء، لأن ذلك لمصلحته ومنفعته، وسواء أفاق في بعض

(1) المبسوط: ج 1 ص 265.
(2) المقنعة: ص 303.
(3) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 53.
(4) في متن المطبوع وق: ليكون.
(5) الكافي في الفقه: ص 179.

[ 361 ]

النهار أو لم يفق فإن الحال لا يختلف فيه (1). وقال ابن إدريس: لا قضاء عليه (2)، وهو المعتمد. لنا: إنه غير مكلف بالصوم، فلا يجب عليه القضاء. أما المقدمة الأولى: فلأن التكليف منوط بالعقل ومشروط به، وهو منتف هنا فينتفي مشروطه. وأما الثانية: فلأن وجوب القضاء تابع لوجوب الأداء، ومع انتفاء المتبوع ينتفي التابع. ولأن القضاء إنما يجب بأمر جديد والأصل عدمه، فلا يصار إليه إلا بدليل يخالف الأصل (3). احتج الشيخ بعموم قوله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " (4) والصوم الامساك ولم يتحقق هنا. والجواب: الخطاب يتناول العقلاء خاصة بالاجماع، ولأن لفظة " من " مختصة بهم. مسألة: قال في المبسوط: بلوغ المرأة بالسن بعشر سنين (5)، واختاره ابن حمزة (6). وقال ابن إدريس: بتسع، وادعى عليه الاجماع (7)، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى.

(1) المبسوط: ج 1 ص 266.
(2) السرائر: ج 1 ص 366.
(3) ن: مخالف للأصل.
(4) البقرة: 185. (5) المبسوط: ج 1 ص 266.
(6) الوسيلة: ص 137.
(7) السرائر: ج 1 ص 367.

[ 362 ]

مسألة: قال الشيخ في الجمل: الصوم إن كان معينا كشهر رمضان كفى فيه نية القربة دون نية التعيين، وإن لم يكن معينا أو كان يجوز ذلك فيه احتاج إلى نية التعيين (1). وكذا قال في المبسوط مع زيادة تقسيم المعين، ثم فسر فيه نية القربة: أن ينوي أنه صائم فقط متقربا إلى الله تعالى، ونية التعيين: أن ينوي أنه صائم شهر رمضان، فإن جمع بينهما كان أفضل، وإن اقتصر على نية القربة أجزأته (2). وقال في الخلاف: نية القربة يكفي أن ينوي أنه يصوم متقربا إلى الله تعالى، وإن أراد الفضل نوى أنه يصوم غدا صوم شهر رمضان، ونية التعيين أن ينوي الصوم الذي يريده ويعينه بالنية (3). وقال ابن إدريس: قال الشيخ في مبسوطه: ومعنى نية القربة أن ينوي أنه صائم شهر رمضان. وقال في مسائل خلافه: ونية القربة يكفي أن ينوي أنه يصوم متقربا إلى الله تعالى، وإن أراد الفضل نوى أنه يصوم غدا صوم شهر رمضان، ونية التعيين أن ينوي الصوم الذي يريده ويعينه بالنية. قال: والذي ذكره في مسائل خلافه هو الصحيح إذا زاد فيه واجبا، مثل أن ينوي أنه يصوم واجبا متقربا به إلى الله تعالى. وما ذكره في مبسوطه من كيفية نية القربة غير واضح، وهو مذهب الشافعي، فلا يظن ظان أنه قوله واعتقاده، لأنه قد ذكره عنه وحكاه عنه في مسائل الخلاف، لأن القول بذلك يؤدي إلى أنه لا فرق بين نية التعيين ونية القربة، لأن نية القربة لا يعين المنوي، فعلى ما ذكره في المبسوط جمع بين نية القربة ونية التعيين، لأنه قال: ينوي أنه

(1) الجمل والعقود: ص 109.
(2) المبسوط: ج 1 ص 276.
(3) الخلاف: ج 2 ص 164 المسألة 4.

[ 363 ]

صائم شهر رمضان (1). وهذا تطويل من ابن إدريس خال عن الفائدة، مع اشتماله على غلط في النقل، فإن الشيخ فسر نية القربة في المبسوط كما فسرها في الخلاف. وقال في الكتابين معا: " إنه لو جمع بينهما كان أفضل "، ولا تفاوت بين كلاميه في الكتابين. نعم استداركه للوجوب حسن جيد، إذ لا بد منه، ويجب أن ينوي الصوم متقربا إلى الله تعالى به لوجوبه أو لوجه وجوبه، هذا هو القدر الواجب في نية القربة، وأما المعين فيضيف إلى هذا نوع الصوم من صوم شهر رمضان أو النذر أو غيرهما. بقي هاهنا شئ، وهو أن قول الشيخ - رحمه الله -: " ونية التعيين أن ينوي أنه صائم شهر رمضان " ليس المراد أنه يقتصر على ذلك خاصة، بل لا بد من التقرب، كما في نية القربة. ولا يتوهم متوهم أن قوله: " وإن جمع بينهما كان أفضل " جواز الاقتصار على ما ذكره في نية التعيين. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: النية وإن كانت إرادة لا يتعلق إلا بالحدوث بأن يكون الشئ قائما يتعلق في الصوم بإحداث توطين النفس وقهرها على الامتناع بتجديد الخوف عن عقاب الله تعالى وغير ذلك، أو بفعل كراهية لحدوث هذه الأشياء، فتكون معلقة على هذا الوجه، ولا ينافي الأصول (2). وقال أبو الصلاح: النية هي العزم على كراهية الأمور المذكورة للوجوه المبينة (3).

(1) السرائر: ج 1 ص 369.
(2) المبسوط: ج 1 ص 278.
(3) الكافي في الفقه: ص 181.

[ 364 ]

وعنى بالامور المذكورة المفطرات التي عدها قبل ذلك. وعنى بالوجوه المبينة كون الصوم لطفا في واجبات العقول إن كان فرضا، وكونه لطفا في مندوبات العقول إن كان نقلا. ونحن نقول: إن قصد الشيخ وأبو الصلاح - رحمهما الله تعالى - وجوب تفصيل هذه الأشياء عند النية فهو ممنوع، إذ لا يجب عليه إحداث كراهية لمفطر مفطر على التفصيل، فإن ذلك متعسر وحرج. وإن قصدوا بذلك تصور المفطرات على الاجمال فهو حق، ويجب على الصائم نية ذلك. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والجمل (2) والخلاف (3): النذر المعين بيوم لا يكفي فيه نية القربة، بل لا بد فيه من نية التعيين. وقال ابن إدريس: لا يفتقر إلى نية التعيين، فيكفي نية القربة كرمضان، ونقله عن السيد المرتضى (4)، والأقرب الأول. لنا: إنه زمان لم يعينه الشارع في الأصل للصوم فافتقر إلى التعيين كالنذر المطلق. ولأن الأصل وجوب التعيين، إذ الأفعال إنما تقع على الوجوه المقصودة ترك ذلك في شهر رمضان، لأنه زمان لا يقع فيه غيره فيبقى الباقي على أصالته. احتج ابن إدريس بأنه زمان تعيين للصوم بالنذر فكان كرمضان (5). والجواب: المنع من الصغرى إن نظر إلى أصل الشرع، والمنع من الكبرى إن نظر إلى مطلق التعيين.

(1) المبسوط: ج 1 ص 277 - 278.
(2) الجمل والعقود: ص 109.
(3) الخلاف: ج 2 ص 164 المسألة 4.
(4) السرائر: ج 1 ص 370.
(5) السرائر: ج 1 ص 370.

[ 365 ]

مسألة: قال المفيد: يجب لمكلف الصيام أن يعتقده قبل دخول وقته تقربا إلى الله تعالى وإخلاصا له (1). وقال الشيخ: وقت النية من أول الليل إلى طلوع الفجر، أي وقت نوى أجزأه، ويتضيق عند طلوع الفجر هذا مع الذكر (2). وهذا القول يشعر بجواز مقارنة إيقاعها لطلوع الفجر. وقال ابن أبي عقيل (3): يجب على من كان صومه فرضا عند آل الرسول - عليهم السلام - أن يقدم النية في اعتقاد صومه ذلك من الليل. وقال السيد المرتضى: ووقت النية في الصيام الواجب من قبل طلوع الفجر إلى قبل زوال الشمس (4). وقال ابن الجنيد (5): ويستحب للصائم فرضا وغير فرض أن يبيت الصيام من الليل لما يريد به، وجائز أن يبتدئ بالنية وقد بقي بعض النهار، ويحتسب به من واجب إذا لم يكن قد أحدث ما ينقض الصيام، ولو جعله تطوعا كان أحوط. والأقرب أن نقول: محل النية من أول الليل إلى آخره للمتعمد الذاكر، فإن خرج الليل ولم ينو مع العمد لم يجزئه الصوم. لنا: إن النية محصلة للفعل ويقع الفعل بحسبها، وهي إنما تؤثر في المتجدد دون الماضي، لأن النية عبارة عن إرادة يقع الفعل عليها، ولا تتعلق الارادة بالماضي، لاستحالة تحصيل الحاصل.

(1) المقنعة: ص 302.
(2) الخلاف: ج 2 ص 166 المسألة 5.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 53.
(5) لم نعثر على كتابه.

[ 366 ]

احتج السيد المرتضى بما رواه عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن موسى - عليه السلام - عن الرجل يصبح ولم يطعم ولم يشرب ولم ينو صوما وكان عليه يوم من شهر رمضان أله أن يصوم ذلك اليوم وقد ذهب عامة النهار؟ فقال: نعم له أن يصوم ويعتد به من شهر رمضان (1). وفي الصحيح عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قلت له: الرجل يصبح لا ينوي الصوم فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم، فقال: إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه، وإن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى (2). ولأنه يجوز له تجديد النية في القضاء إلى الزوال، ويجوز في رمضان. أما أولا: فلأنه أولى من حيث أنه زمان معين له. وأما ثانيا: فلأنه أصل، فيكون الفرع ثابتا على حده. وأما صدق المقدم قلما رواه عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح قال: سألته عن الرجل يبدو له بعد ما أصبح ويرتفع النهار أيصوم ذلك اليوم ويقضيه من رمضان وإن لم يكن نوى ذلك من الليل؟ قال: نعم يصومه ويعتد به إذا لم يحدث شيئا (3)، وغير ذلك من الروايات. والجواب عن الحديثين السابقين: إن المقصود بهما القضاء، لأن سياقهما يدل عليه.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 187 ح 526. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 6 ج 7 ص 5.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 188 ح 528. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 8 ج 7 ص 6.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 186 ذيل الحديث 522. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 2 ج 7 ص 4.

[ 367 ]

وعن الثاني: بالفرق، فإن القضاء لا يتعين في ذلك اليوم، فجاز له ترك الصوم فيه، ولا يجب عليه صومه، فلا يجب نيته. فإذا لم ينو في صدر النهار لم يكن مأثوما، ويكون حكمه حكم الساهي في رمضان، فإنه يسوغ له ترك النية إلى الزوال. فإذا نوى قبله صح صومه، وكذا القاضي. أما نهار رمضان فإنه يتعين صومه، فيجب فيه النية مع العمد. فإذا ترك النية من العمد يكون قد ترك شرطا للواجب فكان تاركا للواجب. مسألة: لو نسي النية من الليل جددها إلى قبل الزوال، فإن زالت الشمس ولم يجددها وجب عليه الامساك وعليه القضاء، ولا يكون صوما مشروعا. ويظهر من كلام ابن أبي عقيل (1) أن الناسي كالعامد في رمضان، وأنه لو أخل بالنية من الليل لم يصح صومه، لأنه قال: ويجب على من كان صومه فرضا عند آل الرسول - عليهم السلام - أن يقدم النية في اعتقاد صومه ذلك من الليل، ومن كان صومه تطوعا أو قضاء رمضان فأخطأ أن ينوي من الليل فنواه بالنهار قبل الزوال أجزأه، وإن نوى بعد الزوال لم يجزه، والمشهور ما اخترناه نحن أولا. لنا: قوله - عليه السلام -: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " (2) وايجاب القضاء يستلزم عدم رفع حكم النسيان. احتج بأنه لم يأت بالشرط، فلا يخرج عن عهدة التكليف بالمشروط. والجواب: إنه شرط مع الذكر أو إلى الزوال. مسألة: ظاهر كلام ابن الجنيد (3) يقتضي تسويغ الاتيان بالنية بعد الزوال في الفرض مع الذكر أو النسيان، لأنه قال: ويستحب للصائم فرضا وغير فرض

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 59 ح 132. سنن ابن ماجة: ج 1 ص 659 ح 2045 وفيهما: وضع عن أمتي.
(3) لم نعثر على كتابه.

[ 368 ]

أن يبيت الصيام من الليل لما يريده به، وجائز أن يبتدئ بالنية وقد بقي بعض النهار، ويحتسب به من واجب إذا لم يكن قد أحدث ما ينقض الصيام، ولو جعله تطوعا كان أحوط. ومنع ابن أبي عقيل (1) من الإجزاء إذا لم ينو قبل الزوال مع النسيان، وهو اختيار الشيخين (2)، وهو الوجه. لنا: إنه قد مضى معظم النهار بغير نية فلا يعد صائما، كما لو استوعب النهار وترك النية. وما رواه هشام بن سالم في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قلت له: رجل يصبح لا ينوي الصوم فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم، فقال: إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه، وإن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى (3). وهو عام في الفرض والنفل لإمكان صدقة عليهما، وإذا كان يحسب له في الفرض إذا نوى بعد الزوال لم يكن قد فعل المأمور به ولا يخرج عن عهدة التكليف، إذ الواجب عليه يوم أجمع فلا يجزئ بعضه. احتج ابن الجنيد بأنه يجوز النية قبل الزوال وإن فات بعض النهار، فكذا يجوز بعده. وبما رواه عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن موسى - عليه السلام - عن الرجل يصبح ولم يطعم ولم يشرب ولم ينو صوما وكان عليه يوم من

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) المقنعة: ص 302 - 303. المبسوط: ج 1 ص 277.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 188 ح 528. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 8 ج 7 ص 6.

[ 369 ]

شهر رمضان أله أن يصوم ذلك اليوم وقد ذهب عامة النهار؟ فقال: نعم له أن يصوم ويعتد به من شهر رمضان (1). وعن أحمد بن محمد بن أبي نصر عمن ذكره، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قلت له: الرجل يكون عليه القضاء من شهر رمضان ويصبح فلا يأكل إلى العصر أيجوز له أن يجعله قضاء من شهر رمضان؟ قال: نعم (2). وفي الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن موسى - عليه السلام - عن الرجل يصبح ولم يطعم ولم يشرب ولم ينو صوما وكان عليه يوم من شهر رمضان أله أن يصوم ذلك اليوم وقد ذهب عامة النهار؟ فقال: نعم له أن يصوم ويعتد به من شهر رمضان (3). والجواب عن الأول: بالفرق بين تجديد النية قبل الزوال وبعده، فأنه في الأول نوى معظم النهار، فكان له حكم الجميع بخلاف الثاني. وعن الحديث الأول: بمنع صحة السند أولا، وباحتمال أن يكون قد نوى قبل الزوال ويصدق عليه بأنه قد ذهب عامة النهار على سبيل المجاز، وهو الجواب عن الحديث الثالث. وعن الثاني: بأنه مرسل، وباحتمال أن يكون قد نوى صوما مطلقا مع نسيان القضاء فجاز له صرفه إلى القضاء. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: يجوز أن ينوي لصيام النافلة نهارا. ومن

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 188 ح 530. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 6 ج 7 ص 5.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 188 ح 529. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الصوم ونيته ح 9 ج 7 ص 6.
(3) كذا في جميع النسخ، وهي عين الرواية في الصفحة السابقة، وأشرنا إليها في الهامش أعلاه تحت رقم (1).

[ 370 ]

لأصحابنا من أجازه إلى عند الزوال، وهو الظاهر في الروايات. ومنهم من أجازه إلى آخر النهار، ولست أعرف به نصا (1). وقال في المبسوط: ومتى تأخرت نية الفرض عن طلوع الفجر لسهو أو عدم علمه بأنه من رمضان وتجددت قبل الزوال كان صحيحا ويكون صائما من أول النهار إلى آخره، وهكذا إن جدد نية الصوم في أنواع الفرض أو النفل قبل الزوال كان صوما صحيحا. ثم قال - بعد كلام طويل -: وأما الصوم المعين بيوم: فهو أن يكون قد نذر أن يصوم يوما بعينه فيفتقر إلى نية التعيين من أول الليل إلى طلوع الفجر الثاني، فإن فاتت جاز تجديدها إلى الزوال، فإذا زالت فقد فات وقت النية. وأما المعين بصفة: فهو الواجب بالنذر بأن يقول: متى قدم فلان فلله علي أن أصوم يوما أو أياما، فهذا القسم مع باقي الأقسام من المفروض والمسنون، فلا بد فيها من نية التعيين، ويجوز تجديد هذه النية إلى بعد الزوال أيضا، ومحلها ليلة الصوم، ومتى فاتت إلى بعد الزوال فقد فات وقتها، إلا في النوافل خاصة فإنه روي في بعض الروايات جواز تجديدها بعد الزوال. وتحقيقه أنه يجوز تجديدها إلى أن يبقى من النهار بمقدار ما يبقى زمان بعدها يمكن أن يكون صوما، فأما إذا كان انتهاء النية مع انتهاء النهار فلا صوم بعده على حال (2). ومنع ابن أبي عقيل (3) من تجديد النية بعد الزوال، وجعل النفل كالفرض في ذلك.

(1) الخلاف: ج 2 ص 167 المسألة 6.
(2) المبسوط: ج 1 ص 277 - 278.
(3) لم نعثر على كتابه.

[ 371 ]

وقال السيد المرتضى: وقت النية في التطوع إلى بعد الزوال (1). وقال ابن حمزة: وإن نسي النية في صوم نافلة جدد بعد الزوال إلى أن يبقى من النهار مقدار ما يكون الصائم فيه ممسكا (2). واختار ابن إدريس (3) مذهب السيد المرتضى، وهو جواز تجديد النية في النفل بعد الزوال. والأقرب قول الشيخ - رحمه الله - وابن أبي عقيل. لنا: إنه - عليه السلام - نفى العمل بدون النية، ومضي جزء من النهار بغير نية يستلزم من نفي حكمه ترك العمل به في صورة ما إذا نوى قبل الزوال لمعنى يختص به، وهو صيرورة عامة النهار منويا، فيبقى الباقي على الأصل. ولأنه عبادة مندوبة، فيكون وقت نيتها وقت نية فرضها كالصلاة. ويؤيده ما رواه هشام بن سالم في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قلت: له: الرجل يصبح لا ينوي الصوم فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم، فقال: إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه، وإن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى (4). وترك الاستفصال عقيب إكمال السؤال يدل على تعميم المقال. احتج السيد المرتضى بالاجماع، وبقوله تعالى: " وإن تصوموا خير لكم "، وظواهر القرآن والسنة الدالة على الأمر بالصوم والترغيب فيه فإنها عامة غير مختصة بزمان دون غيره، فهي تتناول ما بعد الزوال وقبله. واعترض نفسه بالفرض. وأجاب: بخروجه بدليل ولا دليل هنا.

(1) الانتصار: ص 60.
(2) الوسيلة: ص 140.
(3) السرائر: ج 1 ص 373.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 188 ح 528. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 8 ج 7 ص 6.

[ 372 ]

ثم اعترض بأن الماضي من النهار لا يكون قبل النية صوما فكيف يتعين باستئناف النية؟ وأجاب: بأن ما مضى يلحق في الحكم بما يأتي كما لو نوى قبل الزوال. ثم اعترض بالفرق بين قبل الزوال وبعده، بأن في الأول قد مضى أقل العبادة، وفي الثاني أكثرها. والأصول (1) يفرق بين الكثير والقليل، كما في إدراك الإمام قبل الركوع وبعده. ثم أجاب: بأنه إذا مضى جزء من العبادة وهو خال من النية وأثرت النية المستأنفة حكما الماضي فلا فرق بين القلة والكثرة، إذ القليل شارك الكثير في أنه وقع خاليا وألحقناه من طريق الحكم بالباقي، لأن تبعيض الصوم غير ممكن، وإذا أثرت النية فيما صاحبته من الزمان وما يأتي بعده فلا بد من الحكم بتأثيرها في الماضي، لأنه يوم واحد لا يلحقه تبعيض، وقد جوزوا كلهم أن يفتتح الرجل الصلاة منفردا ثم يأتم به بعد ذلك مؤتم فيكون جماعة، ولم يفرقوا بين أن يمضي الأكثر أو الأقل، ولا يلزم على ما قلناه أن يكون النية في آخر جزء من اليوم، لأن محل النية يجب أن يكون بحيث يصح وقوع الصوم بعده بلا فصل، وذلك غير متأت في آخر جزء (2). والجواب عن الاجماع: بمنع تحققه خصوصا مع مخالفة الشيخ - رحمه الله - وابن أبي عقيل، مع أن الشيخ قال: " ولست أعرف به نصا "، وعمومات القرآن والسنة دلت على الترغيب والأمر بالصوم، ونحن نمنع من كون صورة النزاع صوما. لا يقال: قد روى أبو بصير، عن أبي عبد الله - عليه السلام - أنه سأله عن

(1) في متن المطبوع وق وم (1): الأصل.
(2) الانتصار: ص 60 - 61.

[ 373 ]

الصائم المتطوع تعرض له الحاجة، قال: هو بالخيار ما بينه وبين العصر، وإن مكث حتى العصر ثم بدا له أن يصوم ولم يكن نوى ذلك فله أن يصوم ذلك اليوم إن شاء (1). فإنا نقول: إن الطريق ضعيف، سلمنا صحة السند لكنه غير دال على صورة النزاع، لأن السؤال وقع عن الصائم، وإنما يتحقق الصوم مع النية. إذا تقرر هذا فنقول: الرواية دلت على أن الصائم من أول النهار يتخير في الافطار إلى العصر، وإن مكث حتى العصر ثم بدا له أن يصوم عقيب نية إفطاره ولم يكن نوى الصوم عقيب نية الافطار فله أن يجدد نية الصوم بقية اليوم إن شاء. وبالجملة كلام السيد لا يخلو عن قوة. مسألة: ذهب الشيخان (2)، والسيد المرتضى (3)، وسلار (4)، وأبو الصلاح (5) إلى أن شهر رمضان يكفي فيه نيه واحدة من أوله. والأقرب المنع. لنا: إن صوم كل يوم عبادة، وكل عبادة تفتقر إلى نية. احتج الشيخان بالاجماع (6). قال السيد المرتضى في المسائل الرسية: تغني النية الواحدة في ابتداء شهر رمضان عن تجديدها في كل ليلة، وهو المذهب الصحيح الذي عليه إجماع الامامية، ولا خلاف بينهم فيه، ولا رووا خلافه.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 186 ح 521. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 1 ج 7 ص 7.
(2) المقنعة: ص 302، الخلاف: ج 2 ص 164 ذيل المسألة 3.
(3) الانتصار: ص 61.
(4) المراسم: ص 96.
(5) الكافي في الفقه: ص 181.
(6) الخلاف: ج 2 ص 163 المسألة 3. ولم نعثر على قول الشيخ المفيد " بالاجماع " في المقنعة.

[ 374 ]

ثم اعترض نفسه بأنه كيف تجزئ النية في جميع الشهر وهي متقدمة في أول ليلة منه؟ وأجاب: بأنها تؤثر في الشهر كله كما توثر في اليوم كله وإن وقعت في ابتداء ليلته، ولو شرطت مقارنة النية للصوم لما جاز ذلك مع الاجماع على جوازه، ولو اشترط في تروك الأفعال في زمان الصوم مقارنة النية لها لوجب تجديد النية في كل حال من زمان كل يوم من شهر رمضان، لأنه في هذه الأحوال كلها تارك لا يوجب كونه مفطرا. وقد علمنا أن استمرار النية طول النهار غير واجب، وأن النية قبل طلوع الفجر كافية مؤثرة في كون تروكه المستمرة طول النهار صوما، فكذا القول في النية الواحدة إذا فرضنا لجميع شهر رمضان أنها مؤثرة شرعا في صيام جميع أيامه وإن تقدمت (1). والجواب: بمنع الاجماع. قال في الانتصار - بعد الاحتجاج بالاجماع من الطائفة -: أن النية تؤثر في الشهر كله، لأن حرمته حرمة واحدة، كما أثرت في اليوم الواحد لما وقعت في ابتدائه (2). وهذا قول ضعيف، لأنا نمنع وحدة حرمته. ولا شك في أن صوم كل يوم مستقل بنفسه قائم بذاته لا تعلق له باليوم الذي بعده، وتتعدد الكفارة بتعدد إفطار أيامه، ثم أنه قياس محض مع قيام الفارق بين الأصل والفرع، فإن اليوم الواحد عبادة واحدة وانقسامها بانقسام أجزاء زمانها لا يوجب تعددها، كالصلاة التي يكفي في إيقاعها النية الواحدة من أولها، ولا يوجب لكل فعل نية

(1) المسائل الرسية (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 355.
(2) الانتصار: ص 61 - 62.

[ 375 ]

على حدة، بخلاف الأيام المتعددة فإنها عبادات متغايرة، ولا تعلق لبعضها ببعض، ولا يبطل بعضها ببطلان بعض، فظهر الفرق. مسألة: قال في النهاية: إن نسي أن يعزم على الصوم في أول الشهر وذكر في بعض النهار جدد النية وقد أجزأه، فإن لم يذكرها وكان في عزمه قبل حضور (1) الشهر صيام الشهر إذا حضر فقد أجزأه أيضا، فإن لم يكن في عزمه ذلك وجب عليه القضاء (2). وفي المبسوط: نية القربة يجوز أن تكون متقدمة، فإنه إذا كان في نيته صوم الشهر إذا حضر ثم دخل عليه الشهر ولم يجددها لسهو لحقه أو نوم أو إغماء كان صومه ماضيا صحيحا، فإن كان ذاكرا فلا بد من تجديدها (3). وقال في الخلاف: وأجاز بعض أصحابنا في نية القربة في شهر رمضان خاصة أن تتقدم على الشهر بيوم أو أيام (4). ومنعه ابن إدريس (5)، وهو الأقوى. لنا: إنها عبادة فيفتقر إلى النية، ومن شرط النية المقارنة، وإلا لجاز إيقاعها متقدمة مع الذكر، لأنه يكون قد فعل المأمور به، وهو الصوم على وجهه وهو النية، والتالي باطل بالاجماع فكذا المقدم. احتج الشيخ بأنه يجوز تقديم النية في الصوم المتعين من أول ليلة، وتكفي تلك النية عن باقي الشهر، ولا يؤثر فيها الافطار المتعقب في الليل، فجاز أن تتقدم تلك النية بالزمان المتقارب كاليومين والثلاثة. والجواب: بمنع الحكم في الأصل أولا، وبذكر الفارق وهو قوله - عليه

(1) ن: حصول.
(2) النهاية ونكتها ج 1 ص 392.
(3) المبسوط: ج 1 ص 276.
(4) الخلاف: ج 2 كتاب الصوم ص 166 المسألة 5.
(5) السرائر: ج 1 ص 364.

[ 376 ]

السلام -: " لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل " (1). ولأن إيقاعها في الليل متعين، إذ التكليف بإيقاعها في آخر جزء من الليل، بحيث ينتهي الليل بانتهاء النية تكليف بما لا يطاق فيكون منفيا، فتعين جواز إيقاعها ليلا، وليس بعض أجزاء الليل أولى من البعض، فتعين تسويغ إيقاعها من أوله، بخلاف التقدم باليوم أو الأيام. مسألة: قال في الخلاف: لو نوى في رمضان صوما غيره فرضا أو نفلا وقع عن شهر رمضان (2)، وكذا قال في المبسوط (3). وقال السيد المرتضى: نية القربة كافية في شهر رمضان، حتى لو أن رجلا نوى صومه عن غير شهر رمضان لم يقع إلا عنه (4). وقال ابن إدريس: أنه يقع عن رمضان إن كان جاهلا بأنه نهار رمضان، ولا يجزئ عن رمضان ولا غيره إن كان عالما (5)، وهو جيد. وقد نبه شيخنا علي بن بابويه - رحمه الله (6) على ذلك فقال: لو أن رجلا صام يوما من شهر رمضان تطوعا وهو لا يدري ولا يعلم أنه من شهر رمضان ثم علم بعد ذلك أجزأ عنه. لنا: قوله - عليه السلام - " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى " (7) والأفعال تقع على الوجه المنوي دون غيره، فلا تقع عن رمضان، لأنه غير منوي،

(1) سنن البيهقي: ج 4 ص 213 بتفاوت يسير.
(2) الخلاف: ج 1 ص 164 المسألة 4.
(3) المبسوط: ج 1 ص 276.
(4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 53.
(5) السرائر: ج 1 ص 372.
(6) لم نعثر على رسالته.
(7) صحيح البخاري: ج 1 ص 2. سنن البيهقي: ج 7 ص 341.

[ 377 ]

ولا عن غيره لعدم صلاحية الزمان له. أما الناسي فيعذر، لأن نية القربة كافية وقد حصلت، وقيد التعيين لغو، إذ لا يصح غير رمضان فيه. احتج الشيخ والسيد المرتضى بأن النية المشترطة حاصلة، إذ نية القربة هي المشترطة والزائد لغو لا عبرة به، فكان الصوم المأمور به وقع على وجهه بشرطه فكان مجزئا. والجواب: لا نسلم الغاء الزيادة، فإن جزئيات الكلي متضادة، وإرادة أحد الضدين ينافي إرادة الضد الآخر. بقي هنا إشكال، وهو أن يقال: هذا المعنى وارد في الناسي، فلو كانت إرادة أحد الضدين ينافي إرادة الضد الآخر لم يحصل نية رمضان لا بالخصوصية ولا بالعمومية مع النسيان. والجواب: الفرق واقع بين النسيان والعمد، لأن حكم الخطأ مرتفع عن الأول دون الثاني. ويمكن أن يحتج للشيخ بأن نية التعيين غير معتبرة هنا، لأنها إنما يحتاج إليها للتميز بين الفرض وغيره، والتميز بين هذين الوصفين إنما يصح لو أمكن وجودهما على التعاقب في ذلك الزمان، بحيث يصح تعاقب هذين الفعلين على هذا الزمان فيحتاج المكلف حينئذ إلى التميز بينهما. فأما إذا كان الزمان لا يصح فيه الفعل وخلافه، بل إنما يقع على وجه واحد وهو الفرض لم يحتج إلى نية التعيين كقضاء الزكاة، فإنه لما صح أن يقع على وجه الفدية أو الهبة أو غيرهما من الوجوه المختلفة، كما يصح أن يقع على وجه القضاء احتيج فيها إلى نية التعيين، ولما لم تكن الوديعة والعارية كذلك لم يفتقر إلى نية التعيين. وإذا تقرر هذا فنقول: هذا الزمان لا يصح أن يقع فيه الصوم إلا على وجه الفرض، فلا يفتقر فيه إلى نية التعيين، ويكفي فيه الاتيان بالمطلق، وهو موجود

[ 378 ]

في نية النفل، وقضاء رمضان وغير ذلك من الوجوه التي يقع عليها الصوم، وتلك الوجوه لا تأثير لها في هذا الصوم، إذ لا يقع هذا الفعل عليها فتكون لاغية. لا يقال: هذا يقتضي عدم إيجاب النية، كما جاز رد الوديعة والعارية بغير نية. لأنا نقول: لما كان الامساك يقع تارة على وجه الصوم، وأخرى لا على وجه الصوم وجب نية الصوم مطلقا. ولما كان الصوم لا يقع إلا على وجه واحد لم يفتقر إلى تعيينه. لا يقال: لو كان تعيين العبادة في الزمان يقتضي الاستغناء عن نية التعيين لوجب إذا تضيق وقت الصلاة جواز إيقاعها من غير نية التعيين، لتعين ذلك الزمان لها وعدم صلاحية لغيرها. لأنا نجيب بوجهين: الأول: إن تضيق الوقت غير معلوم، إذ يتعذر علم عدم اتساعه لغير واجبات العبادة بحيث لا يفضل عنها النية، فلا يكون الوقت معينا قطعا حينئذ، فوجب نية التعيين. الثاني: إن هذا الوقت ليس بمتعين لهذه العبادة لإمكان أن يقدمها، وحينئذ تصير هذه العبادة في هذا الوقت غير متعينة، وليس كذلك صوم رمضان، إذ لا يمكن أن يقع فيه من جنس هذا الصوم سواه، فقد تعين له خاصة، بخلاف الصلاة في آخر الوقت. وبالجملة كلام السيد لا يخلو عن قوة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو كان مسافرا سفرا لقصر فصام بنية رمضان لم يجزه. وإن صام بنية التطوع كان جائزا. وإن كان عليه صوم نذر معين ووافق ذلك صوم شهر رمضان فصام عن النذر وهو حاضر وقع عن رمضان، ولا يلزمه القضاء لمكان النذر. وإن كان مسافرا وقع عن النذر وكان عليه القضاء لرمضان، وكذا إن صام وهو حاضر بنية صوم واجب عليه غير رمضان وقع عن رمضان ولم يجزه عما نواه، وإن كان مسافرا وقع عما نواه.

[ 379 ]

وعلى الرواية التي رويت أنه " لا يصام في السفر في شهر رمضان واجب " فإنه لا يصح هذا الصوم بحال (1). والأقرب أن صومه نفلا أو عن نذر معين مقيد بالسفر باطل. لنا: قوله تعالى: " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " (2)، وايجاب العدة يستلزم إيجاب الافطار. وقوله - عليه السلام -: " ليس من البر الصيام في السفر " (3). احتج بأنه زمان لا يجب صومه عن رمضان، فاجزأه عن غيره كغيره من الازمنة التي لا يتعين الصوم فيها. والجواب: الفرق أن هذا الزمان لا ينفك عن وجوب الصوم عن رمضان ووجوب الافطار، بخلاف غيره من الازمنة. ولأنه يجب إفطاره في السفر فأشبه العيد في عدم صحة صومه. مسألة: قال الشيخ: إذا أصبح يوم الشك بنية الافطار ثم بان أنه من رمضان لقيام بينة عليه قبل الزوال جدد النية وصام وقد أجزأه، وإن كان بعد الزوال أمسك بقية النهار وكان عليه القضاء (4). ونحوه قال ابن أبي عقيل (5). وأطلق ابن الجنيد (6) وقال: إن أصبح يوم الشك غير معتقد لصيام فعلم فيه أنه من رمضان فصامه معتقدا لذلك أجزأ عنه وبناه على أصله من جواز تجديد النية بعد الزوال، وقد سبق البحث في ذلك.

(1) المبسوط: ج 1 ص 277.
(2) البقرة: 184.
(3) سنن ابن ماجة: ج 1 ص 532 ح 1664 و 1665. سنن النسائي: ج 4 ص 175 و 176 و 177.
(4) الخلاف: ج 2 ص 178 المسألة 20.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) لم نعثر على كتابه.

[ 380 ]

مسألة: إذا نوى صوم يوم الشك من شهر رمضان من غير أمارة من رؤية، أو خبر من ظاهره العدالة. قال ابن أبي عقيل (1): أنه يجزئه، وهو اختيار ابن الجنيد (2)، وبه أفتى الشيخ في الخلاف قال فيه: وقد روي أنه لا يجزئه (3). وقال في المبسوط: وإن صام بنية الفرض روى أصحابنا أنه لا يجزئه (4). وقال في النهاية (5) والجمل (6) والاقتصاد (7) وكتابي الأخبار (8): لا يجزئه وهو حرام، واختاره السيد المرتضى (9)، وابنا بابويه (10)، وأبو الصلاح (11)، وسلار (12)، وابن البراج (13)، وابن إدريس (14)، وابن حمزة (15)، وهو الأقوى. لنا: إنه قد اشتمل على وجه قبح فيكون منهيا عنه، والنهي في العبادة يدل على الفساد.

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) الخلاف: ج 2 ص 180 المسألة 23.
(4) المبسوط: ج 1 ص 277.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 391.
(6) الجمل والعقود: ص 120 - 121.
(7) الاقتصاد: ص 293.
(8) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 183 ذيل الحديث 510. الاستبصار: ج 2 ص 79 ذيل الحديث 239.
(9) الانتصار: ص 62.
(10) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 126 ذيل الحديث 1922. ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(11) الكافي في الفقه: ص 181. (12) المراسم: ص 96.
(13) المهذب: ج 1 ص 189.
(14) السرائر: ج 1 ص 384.
(15) الوسيلة: ص 148.

[ 381 ]

أما المقدمة الأولى: فلأنه اعتقد وجوب ما ليس بواجب عليه حال النية، وهو وجه قبح. أما إنه ليس واجبا عليه حال النية فلأنه لولا ذلك لزم تكليف ما لا يطاق، إذ إيجاب صومه من رمضان من دون الحكم شرعا بالهلال تكليف ما لا يطاق أو تكليف بالقبيح، وهو جعل ما ليس من رمضان منه. وأما أنه وجه قبح فطاهر، وأما باقي مقدمات الدليل فظاهرة. ويؤيده ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - في الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان، قال عليه: قضاؤه وإن كان كذلك (1). وجه الاستدلال: أن هذا الصوم إن وقع بنية أنه من رمضان فهو المطلوب، وإن وقع بنية أنه من شعبان فهو متروك العمل به إجماعا. وحمل الحديث على ما يصح الاعتماد عليه أولى من إبطاله بالكلية، ولأنه قد نقل التفصيل فيحمل هذا المطلق عليه جمعا بين الأدلة. روى سماعة في الموثق، عن أبي عبد الله - عليه السلام - إنما يصام يوم الشك من شعبان ولا تصومه من شهر رمضان، لأنه قد نهي أن ينفرد (2) الانسان للصيام في يوم الشك، وإنما ينوي من الليل أنه من شعبان، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه بتفضل الله - عزوجل -، وبما قد وسع على عباده، ولو لا ذلك لهلك الناس (3). (1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 182 ح 507. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 1 ج 7 ص 15 - 16.
(2) ق وم (1): ينوي.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 182 - 508. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 4 ج 7 ص 13.

[ 382 ]

وعن محمد بن شهاب الزهري، قال: سمعت علي بن الحسين - عليهما السلام - يقول: يوم الشك أمرنا بصيامه ونهينا عنه، أمرنا أن يصوم الانسان على أنه من شعبان، ونهيا عن أن يصومه على أنه من شهر رمضان وهو لم ير الهلال (1). ولأنه إما أن يكون صوم يوم الشك واجبا عليه من رمضان إذا خرج منه أو لا، والأول باطل، وإلا لم يجز له إفطاره، ولكان صومه واجبا، وهو باطل إجماعا. وبما رواه قتيبة الأعشى، عن الصادق - عليه السلام - قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وآله - عن صوم ستة أيام: العيدين، وأيام التشريق، واليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان (2). وفي الموثق عن عبد الكريم بن عمرو قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: إني جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم - عليه السلام -، فقال: لا تصم في السفر، ولا العيدين، ولا أيام التشريق، ولا اليوم الذي يشك فيه (3). وإن كان الثاني لم يجز له أن ينوي الوجوب، لأن نية ما ليس واجبا على وجه الوجوب قبيحة لعدم المطابقة. احتج الشيخ بإجماع الفرقة، وأخبارهم على أن من صام يوم الشك أجزأه عن شهر رمضان، ولم يفرقوا. قال: ومن قال من أصحابنا: لا يجزئه، تعلق بقوله - عليه السلام -: " أمرنا أن نصوم يوم الشك بنية أنه من شعبان ونهينا عن أن نصومه من شهر رمضان " وهذا صامه بنية شهر رمضان، فوجب أن لا يجزئه،

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 183 ح 511. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 4 ج 7 ص 16.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 183 ح 509. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 2 ج 7 ص 16.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 183 ح 510. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 3 ج 7 ص 16.

[ 383 ]

لأنه مرتكب للنهي، وهو يدل على الفساد (1). والجواب: المنع من الاجماع، وعدم الفرق في الأخبار، وقد بيناه. لا يقال: إنه في نفس الأمر من شهر رمضان، وتقصيره أو عدم معرفته به لا يخرجه عن حقيقته، فيكون قد نوى الواقع فوجب أن يجزئه. ولأنه قد روى سماعة في الموثق قال: سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان لا يدري أهو من شعبان أو من رمضان فصامه من شهر رمضان، قال: هو يوم وفق له ولا قضاء عليه (2). لأنا نقول: التكليف منوط بالعلم، وهو منتف، وليس منوطا بما في نفس الأمر، وإلا لكان إذا نواه من شعبان لا يجزئه، وهو باطل بالاجماع، وتعارض الحديث برواية سماعة نفسه، وقد تقدمت. مسألة: لو نوى ليلة الشك أنه إن كان غدا من شهر رمضان فهو صائم فرضا، وإن كان من شعبان فهو صائم نفلا. للشيخ قولان: أحدهما: الإجزاء، ذكره في المبسوط (3) والخلاف (4). والثاني: العدم، ذكره في باقي كتبه (5)، واختاره ابن إدريس (6)، واختار ابن حمزة (7) الأول، وهو الأقوى، وهو مذهب ابن أبي عقيل (8).

(1) الخلاف: ج 2 ص 180 ذيل المسألة 23.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 181 ح 503. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 6 ج 7 ص 13.
(3) المبسوط: ج 1 ص 268.
(4) الخلاف: ج 2 ص 179 المسألة 21.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 391.
(6) السرائر: ج 1 ص 420.
(7) الوسيلة: ص 140.
(8) لم نعثر على كتابه.

[ 384 ]

لنا: إنه نوى الواقع، فوجب أن يجزئه. ولأنه نوى العبادة على وجهها، فوجب أن يخرج عن العهدة. أما المقدمة الأولى: فلأن العبادة - أعني الصوم - إن كان من شهر رمضان كان واجبا، وإن كان من شعبان كان نفلا. وأما المقدمة الثانية فظاهرة. ولأن نية التعيين في رمضان ليست شرطا إجماعا، وقد نوى المطلق، فوجب الإجزاء. احتج الشيخ بأنه لم ينو أحد السببين قطعا، والنية فاصلة بين الوجهين ولم يحصل (1). والجواب: المنع من اشتراط القطع، لأنه تكليف بما لا يطاق. وقال ابن أبي عقيل (2): اختلفت الرواية عنهم - عليهم السلام -، فروى بعضهم عن آل الرسول أن صوم ذلك اليوم لا يجزئه، لأن الفرض لا يؤدي على شك، وروى بعضهم عنهم - عليهم السلام - الإجزاء. وحدثني بعض علماء الشيعة يرفعه إلى علي بن الحسين - عليهما السلام - أنه سئل عن اليوم الذي يشك فيه الناس أنه من رمضان كيف يعمل في صومه؟ فقال لسائله: ينوي ليلة الشك أنه صائم غدا من شعبان، فإن كان من رمضان أجزأك عنه، وإن كان من شعبان لم يضرك، فقال له: كيف يجزئ صوم تطوع عن فريضة؟ فقال: لو أن رجلا صام من شهر رمضان تطوعا وهو لا يعلم أنه شهر رمضان ثم علم بعد ذلك أجزأ عنه، لأن الصوم إنما وقع على اليوم الذي بعينه. قال: وهذا أصح الخبرين، لأنه مفسر وعليه العمل عند آل الرسول - عليهم السلام -. مسألة: لو نوى ليلة الشك أنه يصوم غدا بنية أنه واجب أو نفل، قال

(1) الخلاف: ج 2 ص 179 المسألة 21.
(2) لم نعثر على كتابه.

[ 385 ]

الشيخ: أجزأه (1) لما تقدم، وفيه المنع السابق. مسألة: إذا نوى في أثناء النهار أنه قد ترك الصوم، أو عزم على فعل ما ينافي الصوم، قال الشيخ في المبسوط (2) والخلاف: لا يبطل صومه. قال في الخلاف: وكذلك الصلاة إن نوى أنه يخرج منها أو فكر هل يخرج أم لا تبطل صلاته، وإنما يبطل الصوم والصلاة بفعل ما ينافيهما (3). وقال أبو الصلاح: إن تعمد الأكل والشرب. إلى آخر المفطرات أو عزم على ذلك فسد صومه، ولزمه القضاء والكفارة (4). والأقرب فساد الصوم، أما وجوب الكفارة فلا، بل يجب القضاء. لنا: إنها عبادة مشروطة بالنية وقد فات شرطها فتبطل. أما المقدمة الأولى فظاهرة، وأما الثانية: فلأن نية الخروج عن الصوم ورفضه مضادة لنية الصوم، إذ لا يمكن إرادة الضدين دفعة، وقد حصلت نية الخروج فينتفي نية الصوم. ولأن الأصل اعتبار النية في جميع أجزاء العبادة، لكن لما كان ذلك منتفيا اعتبر حكمها وهو أن لا يأتي بنية يخالفها ولا ينوي قطعها، فإذا نوى القطع زالت النية حقيقة وحكما، فكان الصوم باطلا لفوات شرطه. ولأنه عمل قد خلا عن النية حقيقة وحكما، فلا يكون معتبرا في نظر الشرع، وإذا فسد صوم جزء من النهار فسد صوم ذلك النهار بأجمعه. احتج الشيخ بأن النواقض محصورة، وليست هذه النية من جملتها، فمن

(1) الخلاف: ج 2 ص 179 المسألة 22.
(2) المبسوط: ج 1 ص 278.
(3) الخلاف: ج 2 ص 222 المسألة 89.
(4) الكافي في الفقه: ص 182.

[ 386 ]

ادعى كونها ناقضة فعليه الدليل (1). ولأن النية شرط انعقاده وقد حصل، فلا يبطل بعد انعقاده، ونمنع كون دوام النية شرطا. والجواب: قد بينا الدليل على أن هذه النية مبطلة للصوم من حيث أنها مبطلة لشرطه - أعني نية الصوم -، ومبطل الشرط مبطل للمشروط. ولا تسلم حصول الشرط، لأن إدامة النية شرط لما تقدم، وقد فات، ونحن قد بينا كون الدوام شرطا. إذا عرفت هذا فلو نوى الصوم أول النهار، ثم نوى الافطار ثم جدد نية الصوم قبل الزوال أمكن أن يقال بالصحة على قول الشيخ، ولو نواه بعد الزوال فالوجه على قوله الصحة أيضا، وعلى ما اخترناه فالأقوى البطلان فيهما. مسألة: قال الشيخ: إذا نوى الصبي صح ذلك منه وكان صوما شرعيا (2). وعندي في ذلك إشكال. والأقرب أنه على سبيل التمرين، وأما إنه تكليف مندوب إليه، والأقرب المنع. لنا: إن التكليف مشروط بالبلوغ، ومع انتفاء الشرط ينتفي المشروط.

(1) الخلاف: ج 2 ص 222 ذيل المسألة 89.
(2) المبسوط: ج 1 ص 278.

[ 387 ]

الفصل الثاني فيما يجب الامساك عنه مسألة: قال الشيح في المبسوط: يجب القضاء والكفارة بأكل المعتاد كالخبز واللحم، وغيره كالتراب والحجر والفحم والحصى والخزف والبرد وغير ذلك، وشرب المعتاد كالمياه والأشربة المعتادة وغيره كماء الشجر والفواكه وماء الورد وغيرها (1)، وبه قال المفيد (2)، وابن حمزة (3)، وابن إدريس (4). وقال السيد المرتضى: الأشبه أنه ينقض الصوم ولا يبطله (5)، واختاره ابن الجنيد (6). ونقل السيد عن بعض أصحابنا أنه يوجب القضاء خاصة (7). لنا: قوله تعالى: " كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط

(1) المبسوط: ج 1 ص 270.
(2) المقنعة: ص 344.
(3) الوسيلة: ص 142.
(4) السرائر: ج 1 ص 377.
(5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 54.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 55.

[ 388 ]

الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل " (1). سوغ الأكل والشرب مطلقا إلى غاية التبيين فيكون محرما بعده، وهو متناول لكل مأكول ومشروب. ثم أمر باتمام الصوم، وهو الامساك عن المأكول والمشروب وغيرهما. وما رواه محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر - عليه السلام - يقول: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس في الماء (2). وعن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: الصيام من الطعام والشراب. الحديث (3). وهو عام في كل مطعوم ومشروب، ويتناول المعتاد وغيره، فلا وجه للتخصيص. ولأن الاغتذاء يحصل به كما يحصل بالمعتاد، فكان مشاركا له في المقتضي للمنع. احتج السيد المرتضى بأن تحريم الأكل والشرب إنما ينصرف إلى المعتاد، لأنه المتعارف، فيبقى الباقي على أصل الإباحة. والجواب: المنع من تناول المعتاد خاصة، بل يتناول غير المعتاد كما يتناول المعتاد. ولأن العادة لو كانت قاضية على الشرع لزم استناد التحليل والتحريم الشرعيين إلى اختيار المكلفين، والتالي باطل فالمقدم مثله.

(1) البقرة: 187.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 189 ح 535. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 18 - 19.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 189 ح 534. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 19.

[ 389 ]

بيان الشرطية: إن العادة قد تختلف باختلاف الأشخاص والازمان والأصقاع، فلو اعتاد قوم أكل شئ بعينه كان التحريم مختصا به بالنسبة إليهم، ولو اعتاد آخرون أكل غيره كان الأول حلالا بالنسبة إليهم، والثاني يكون حراما بالنسبة إليهم. وأما بطلان التالي فظاهر، إذ الأحكام منوطة بالمصالح الخفية عن العباد، والشرع كاشف لها. وأيضا فإن السيد المرتضى الذي قد خالف في هذه المسألة قال في المسائل الناصرية: لا خلاف فيما يصل إلى جوف الصائم من جهة فمه إذا اعتمده أنه يفطره مثل الحصاة والخرزة وما لا يؤكل ولا يشرب، وإنما خالف في ذلك الحسن ابن صالح فقال: إنه لا يفطره، وروي نحوه عن أبي طلحة. والاجماع متقدم ومتأخر على هذا الخلاف، فسقط حكمه (1). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: يجب القضاء والكفارة بالجماع في الفرج أنزل أو لم ينزل، سواء كان قبلا أو دبرا، فرج امرأة أو غلام، أو ميتة أو بهيمة، وعلى كل حال الظاهر هو من المذهب. وقد روي أن الوطئ في الدبر لا يوجب نقض الصوم إلا إذا أنزل معه، وأن المفعول به لا ينقض صومه بحال، والأحوط الأول (2). وفيه إشعار بتردد منه في ذلك. وقال في الخلاف: إذا أدخل ذكره في دبر امرأة أو غلام كان عليه القضاء والكفارة، وادعى الاجماع عليه (3). ثم قال: وإذا أتى بهيمة فأمنى كان عليه القضاء والكفارة، فإن أولج ولم ينزل

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 242 المسألة 129.
(2) المبسوط: ج 1 ص 270.
(3) الخلاف: ج 2 ص 190 المسألة 41.

[ 390 ]

فليس لأصحابنا فيه نص، لكن مقتضى المذهب أن عليه القضاء، لأنه لا خلاف فيه. أما الكفارة فلا يلزمه، لأن الأصل براءة الذمة ولم يوجب عليه الغسل. قال ابن إدريس: لما وقفت على كلامه كثر تعجبي، والذي دفع به الكفارة يدفع القضاء، مع قوله: لا نص لأصحابنا فيه، وإذا لم يكن فيه نص مع قولهم - عليهم السلام -: " اسكتوا عما سكت الله عنه " فقد كلف القضاء بغير دليل، وأي مذهب لنا يقتضي وجوب القضاء، بل أصول المذهب يقتضي نفيه، وهي براءة الذمة، والخبر المجمع عليه (2). والأقرب أن فساد الصوم وايجاب الكفارة والقضاء أحكام تابعة لايجاب الغسل، وكل موضع قلنا بوجوب الغسل فيه وجبت الأحكام الثلاثة فيه أيضا، وإلا فلا. لنا: إن الغسل معلول للجنابة، وهي علة للأحكام المذكورة، فإذا حصل المعلول دل على وجود العلة فيلزم وجود المعلول الآخر. ومن العجب قوله - رحمه الله تعالى -: لا نص فيه، ثم ادعى الاجماع على وجوب القضاء، ثم كيف يجب القضاء هنا مع عدم إيجاب الكفارة؟! مع أنهما معلولا الجنابة، وأيضا كيف يجب القضاء ولا يجب الغسل؟! وأصالة براءة الذمة قد يصار إلى خلافها لقيام الدليل، وقد ذكرناه. لا يقال: قد روى أحمد بن محمد، عن بعض الكوفيين يرفعه إلى أبي عبد الله - عليه السلام - قال: في الرجل يأتي المرأة في دبرها وهي صائمة، قال: لا ينقض صومها وليس عليها غسل (3).

(1) الخلاف: ج 2 ص 191 المسألة 42.
(2) السرائر: ج 1 ص 380.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 319 ح 975. وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الجنابة ح 3 ج 1 ص 481.

[ 391 ]

لأنا نقول: هذه الرواية مرسلة فلا يعول عليها. مسألة: قال السيد المرتضى - رحمه الله - كنت أمليت قديما مسألة أتصور فيها: أن من عزم في نهار شهر رمضان على أكل وشرب وجماع يفسد بهذا العزم صومه، ونصرت ذلك بغاية التمكن، وقويته ثم رجعت عنه في كتاب الصوم من المصباح، وأفتيت فيه بأن العازم علي شئ مما ذكرناه في نهار شهر رمضان بعد تقدم نيته وانعقاد صومه لا يفطر به. قال: وهو الصحيح الذي يقتضيه الأصول، وهو مذهب جميع الفقهاء (1). ونحن قد قدمنا الخلاف عن أبي الصلاح، وأنه أوجب به القضاء والكفارة. واخترنا نحن إيجاب القضاء خاصة، وبينا وجه ذلك، وضعف احتجاج الشيخ هناك على ما ذهب إليه السيد المرتضى. ونحن نذكر في هذه المسألة احتجاج السيد رحمه الله وننظر فيه. قال: والدليل عليه أن الصوم بعد انعقاده بحصول النية في ابتدائه، إنما يفسد بما ينافي الصوم من أكل أو شرب أو جماع، ولا منافاة بين الصوم وبين عزمه على الأكل والشرب. ثم اعترض بأن عزيمة الأكل والشرب وإن لم تناف الصوم فإنها تنافي نيته التي لا بد للصوم منها، لأنا نعلم ضرورة منافاة عزيمة الأكل لعزيمة الكف عن الأكل، أو توطين النفس على الكف إذا صادفت هذه العزيمة نية الصوم. وأجاب بتسليم أنها تنافي عزيمة الكف عنه، لكنها لا تنافي حكم عزيمة الصوم ونيته، وحكم النية غير النية نفسها، لأن النية إذا وقعت في ابتداء الصوم استمر حكمها في باقي اليوم وإن لم تكن مقارنة لجميع أجزائه وأثرت فيه بطوله. وعندنا أن هذه النية - زيادة على تلك - مؤثرة في كون جميع أيام الشهر

(1) رسائل الشريف المرتضى المجموعة الرابعة: ص 322.

[ 392 ]

صوما وإن لم تكن مقارنة للجميع. وقد قلنا كلنا: إن استمرار حكم النية في جميع زمان الصوم ثابت وإن لم تكن مقارنة لجميع أجزائه، ولهذا جوزنا وجوز جميع الفقهاء أن يعزب عن النية ولا يجددها ويكون صائما، وجعلناه صائما مع النوم والاغماء. ونحن نعلم أن منافاة عزوب النية لنية الصوم أشد من منافاة عزيمة الأكل لعزيمة الكف، وكذلك منافاة النوم والاغماء لها. ألا ترى أنه لا يجوز أن تكون النية عازبة عنه في ابتداء الصوم ويكون مع ذلك صائما، وكذا لا يجوز أن تكون في ابتداء الدخول في الصوم نائما أو مغمى عليه، ولم يجب أن ينقطع استمرار حكم النية بتجدد غروب النية، ولا بتجدد نوم أو إغماء مع منافات ذلك لنية الصوم لو تقدم وقاربها. كذلك لا يجب إذا تقدم منه الصوم بالنية الواقعة في ابتدائه عزم في خلال النهار على أكل أو غيره من المفطرات لا يجب أن يكون مفسدا لصومه، لأن حكم النية مستمر. وهذه العزيمة لا تضاد بينها وبين استمرار حكم الصوم، وإن كانت لو وقعت في الابتداء لخرجت من الانعقاد، وإنما كان في هذا المذهب شبهة لو وجب على الصائم تجديد النية في جميع زمان الصوم وأجزاء اليوم، وإذا كان لا خلاف أن تجديد هذه النية غير واجب لم يبق شبهة في أن العزيمة على الأكل في خلال النهار مع انعقاد الصوم لا يؤثر في فساد الصوم، إذ لا منافات بين هذه العزيمة وبين الصوم واستمرار حكمه. وعلى هذا الذي قررناه لا يكون من أحرم احراما صحيحا بنية وحصلت في ابتداء إحرامه ثم عزم في خلال إحرامه على ما ينافي الاحرام - من جماع أو غيره - مفسدا لاحرامه، بل حكم إحرامه مستمر لا يفسد إلا بفعل ما ينافي الاحرام دون العزم على ذلك. وكذا من أحرم بالصلاة ثم عزم على مشي أو التفات أو فعل ناقض آخر لم يفسد للعلة التي ذكرناها.

[ 393 ]

وكيف يكون العزم مفسدا للصوم كما يفسده الفعل المعزوم عليه وقد علمنا أنه ليس في الشريعة عزم له مثل حكم المعزوم عليه الشرعي؟! فليس من عزم على الصلاة له حظ فعلها، وإنما شرطنا الحكم الشرعي، لأن العزم في الثواب واستحقاق المدح حكم المعزوم عليه، وكذا العزم في القبيح يستحق عليه الذم، كما يستحق على فعل القبيح وإن وقع اختلاف في تساويه أو قصور عنه. وأيضا لو كان عزيمة الأكل وشبهه من المفطرات لوجب أن يذكرها أصحابنا في جملة ما عددوه من المفطرات، ولم يذكر أحد منهم - على اختلاف تصانيفهم ورواياتهم - أن العزم على بعض هذه المفطرات يفسد الصوم، ولا أوجبوا فيه قضاء ولا كفارة. ثم اعترض بأنه لو نوى عند ابتداء طهارته إزالة الحدث، ثم لما أراد أن يطهر رأسه غير هذه النية ونوى النظافة أو غيرها مما يخالف إزالة الحدث. وأجاب: بأن نية الطهارة إنما تجب في ابتدائها، ولا يجب تجديدها حتى يقارن جميع الأجزاء، بل كان وقوعها في الابتداء يقتضي كون الغسل والمسح طهارة، فحينئذ لا يؤثر هذا التغيير في استمرار حكم النية، كما لو عزم على أن يحدث حدثا ينقض الوضوء ولم يفعله لم يجب عليه أن يكون ناقضا لحكم الطهارة. وأيضا يمكن الفرق بأن الصوم لا يتبعض، وكذا الاحرام والدخول في الصلاة. أما الوضوء فإنه يمكن فيه التبعيض، فيكون بعضه صحيحا وبعضه فاسدا. فلو قلنا: إنه إذا نوى إزالة الحدث وغسل وجهه تم بدا له فتوى النظافة بما فعله من غسل يديه ينوي بهذه النية للنظافة لا لازالة الحدث، ولا يعمل فيه النية الأولى لجاز. ولكنا نقول له: أعد غسل يديك ناويا للطهارة وازالة الحدث، ولا نأمره

[ 394 ]

باعادة تطهير وجهه، بخلاف الصوم والصلاة والاحرام. ثم اعترض فقال: أكثر ما يقتضيه ما ذكرتم أن يكون الصوم جائزا بقاء حكمه مع نية الفطر في خلال النهار، فمن أين لكم القطع على أن هذه النية غير مفسدة على كل حال؟ أجاب: بأن ما بيناه يقتضي وجوب بقاء حكم الصوم طول النهار، وإذا وقعت النية في ابتدائه ونية الأكل غير منافية لحكم الصوم، وإنما هي منافية لابتداء نية الصوم، كما قلناه في عزوب النية والجنون والاغماء، وإذا كان حكم نية الصوم مستمرا والعزم على الأكل لا ينافي هذا الحكم على ما ذكرناه قطعنا على أنه غير مفطر، لأن القطع على المفطر إنما يكون بما هو مناف للصوم من أكل أو شرب أو جماع والعزيمة خارجة عن ذلك. وأنت إذا تأملت كلامنا هذا عرفت منه حل كل شبهة تضمنتها تلك المسألة التي كنا أمليناها ونصرنا فيها أن العزم مفطر فلا معنى لإفرادها بالنقض، وقد مضى في تلك المسألة الفرق بين الصلاة وبين الاحرام والصوم ولا فرق بين الجميع، فمن قال: إن العزم على ما يفسد الصوم يبطل الصوم يلزمه مثل ذلك في الصلاة، ومن قال: إنه لا يبطله يلزمه أن يقول مثل ذلك في الصلاة والاحرام. ومضى في تلك المسألة أن من قرن بنية دخوله في الصلاة العزم على المشي أو الكلام فيها ينعقد صلاته، وهذا غير صحيح، لأن معنى الصلاة في الشريعة يتضمن أفعالا وتروكا، فالافعال كالركوع والسجود، والتروك كالكف عن الكلام والالتفات، فكيف يجوز أن يكون عازما في ابتداء الصلاة على أن يتكلم ويمشي وتنعقد صلاته ومن جملة معاني الصلاة أن لا يتكلم؟! ولو جاز هذا جاز أن ينعقد صلاته مع عزمه في افتتاحها على أن لا يركع ولا يسجد، وقد يجوز انعقاد الصلاة مع مقارنة النية الواقعة في افتتاحها بعزمه على

[ 395 ]

حدث، لأن الحدث وإن أبطل الصلاة فالعزيمة عليه لا تبطلها، لأنه لا منافاة بينه وبينها وبين عزمه على المشي منافات لنية الصلاة من الوجه الذي ذكرناه (1). هذا آخر كلام السيد - رحمه الله - في هذه المسألة وليس بجيد. قوله: " لا منافاة بين الصوم وبين عزمه على الأكل والشرب " ممنوع، لأن الصوم عبارة عن توطين النفس على الكف عن المفطرات، أو إحداث كراهة لها على ما سبق تحقيقه، والعزم على المفطرات لا يجامع توطين النفس على تركها، ولا إحداث كراهة لها. وقوله في الجواب عن الاعتراض - بأن هذا العزم ينافي النية -: " أنه وإن نافى النية لكنه لا ينافي حكمها، لأنها إذا وقعت في ابتداء الصوم استمر حكمها في باقي اليوم وإن لم تكن مقارنة لجميع أجزائه وأثرت فيه بطوله " ليس بجيد، لأن النية إنما يبقى حكمها لو لم توجد نية أخرى تخالفها، وهاهنا قد وجد ما ينافي النية الحقيقية، فمنافاته لتوهم النية - أعني استمرارها - أولى، ولو لم تكن المنافاة ثابتة لكان إذا أصبح في اليوم الثاني بنية الافطار وعزم الأكل ورفض الصوم أن يكون صومة صحيحا منعقدا للنية السابقة من أول الشهر، فإنها عنده مؤثرة في جميع الشهر على ما اختاره، وليس كذلك قطعا. ثم قياسه صورة النزاع على عزوب النية مع أنها أشد منافاة للنية ليس بجيد، لأنا سوغنا له هناك اعتبار النية للاستصحاب، فإن الأصل بقاء ما كان على ما كان لي أن يظهر المنافي، ولعسر تجديد النية في كل آن، وعدم العلم بأجزاء الزمان التي لا تتجزأ بحيث توجد نية في كل واحد منها، وكان يستلزم تكليف ما لا يطاق، ولا منافاة بين عزوب النية في ثاني الحال وبين النية في

(1) رسائل الشريف المرتضى المجموعة الرابعة: ص 322.

[ 396 ]

ابتداء الزمان لتغاير الزمانين. ومن شرط المنافات اتحاد الازمنة بخلاف حكم النية، وهو الاستمرار عليها في ثاني الحال، وعزم الأكل في ثاني الحال لاتحاد الزمان هنا فكانت المنافاة هنا حاصلة بخلاف المقيس عليه، لانتفاء شرط المنافاة هناك وثبوته هنا، وكذا في النوم والاغماء. وفرق بين عزوب النية في ابتداء الصوم والاغماء والنوم فيه، وبين تجدد ذلك بعد انعقاده، لأنه في الأول لم يوجد شرط الصوم - أعني العزم عليه - بخلاف المتجدد. وفرق بين الاحرام والصوم، لأن الواجب في الصوم هو التوطين على الترك - أعني إرادة الترك - فلا يجامع إرادة الفعل، وفي الاحرام أفعال مغايرة للارادة، والاحرام لا تبطل بنية التروك ولا بفعلها، بل تجب عليه الكفارات بحسب ما يقتضيه. قوله: " كيف يكون العزم مفسدا وليس في الشرع مساواة العزم لحكم المعزوم عليه الشرعي، فليس من عزم على الصلاة يثاب ثواب فعلها " ضعيف، لأن العزم لم يفسد من حيث مساواته للمعزوم عليه، بل من حيث أنه مناف لشرط الصوم الذي هو استمرار النية حكما. قوله: " لو كان مفطرا لذكره أصحابنا في المفطرات ". قلنا: إنه داخل في المذكور، لأنهم أوجبوا فيه النية وجعلوها شرطا، وهذه النية مضادة لها، ومضادة الشرط قريبة من مضادة المشروط. ثم جوابه في نية الطهارة وأنه لا تجب تجديدها وقد انعقدت في الابتداء، ليس بجيد، لما سبق من أن استمرار النية حكما شرط ولم يوجد. ثم فرقه بأن الوضوء يمكن فيه التبعيض. قلنا: هذا لنا، فإن الصوم لما لم يقبل التبعيض بأن يكون بعضه صحيحا

[ 397 ]

وبعضه فاسدا بطل ببطلان جزء منه، كما لو تجدد الحيض أو الارتداد في أثناء النهار فإن صوم اليوم بأجمعه يبطل، وكذا إذا فات شرط الصوم في بعض اليوم، ولا يصح بصحة جزء منه. وإنما طولنا الكلام في هذه المسألة متابعة له - رحمه الله -، ولأنها مما يعم بها البلوى. مسألة: قال الشيخان: الكذب على الله تعالى وعلى رسوله وعلى الأئمة - عليهم السلام - متعمدا مع اعتقاد كونه كذبا يفسد الصوم، ويجب به القضاء والكفارة (1)، وهذا مذهب السيد المرتضى في الانتصار (2)، وعده علي بن بابويه (3) من المفطرات. قال الشيخ في المبسوط: ومن أصحابنا من قال: إن ذلك لا يفطر وإنما ينقض (4). ونقله في الخلاف عن السيد المرتضى قال: والأكثر من أصحابنا على ما قلناه (5)، وأفتى أبو الصلاح (6) وابن البراج (7)، بمثل ما قاله الشيخان. وقال السيد المرتضى في الجمل: الأشبه أنه ينقض الصوم وإن لم يبطله (8)، واختاره ابن إدريس (9)، ولم يعده سلار، ولا ابن أبي عقيل مفطرا، وهو الأقوى

(1) المقنعة: ص 344. النهاية ونكتها: ج 1 ص 396.
(2) الانتصار: ص 62.
(3) لم نعثر على رسالته.
(4) المبسوط: ج 1 ص 270.
(5) الخلاف: ج 2 ص 221 المسألة 85.
(6) الكافي في الفقه: 179.
(7) المهذب: ج 1 ص 192.
(8) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 54.
(9) السرائر: ج 1 ص 376. أفتى به بعد قول السيد المرتضى حيث قال: والذي يقوى في نفسي ما ذهب إليه السيد المرتضى.

[ 398 ]

عندي. لنا: الأصل صحة الصوم. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح قال: قال سمعت أبا جعفر - عليه السلام - يقول: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس (1). لا يقال: هذا الحديث لا يمكن الاستدلال به لوجهين: الأول: إن كثيرا من المفطرات تضر الصائم غير ما عده الإمام - عليه السلام -، الثاني: إن الكذب على الله تعالى وعلى رسوله وعلى الأئمة - عليهم السلام - يضر الصائم وغيره، وكيف يصح الحكم بأنه لا يضر الصائم؟ فيكون الحديث مخصوصا بالاجماع. لأنا نقول: إن غير ما ذكره من المفطرات إما أن يرجع إلى غيره هذه الاجناس كالاحتقان وشبهه، أو إن الباقي خرج لدليل، والعمومات قد تخص لدلائل، وتبقى حجة في باقي أفرادها، ولا يضر ذلك التمسك بها، ولم يقم دليل على التخصيص بصورة النزاع، والكذب وإن ضر الصائم وغيره لكن المقصود أنه لا يضر في كونه صائما. احتج الشيخ بما رواه أبو بصير في الموثق قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: الكذبة (2) تنقض الوضوء وتفطر الصيام، قال: قلت: هلكنا، قال: ليس من حيث تذهب، إنما ذلك الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمة - عليهم السلام - (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 189 ح 535. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 18 - 19.
(2) ق وم (1) وم (2): الكذب.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 203 ح 585. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 2 ج 7 ص 20.

[ 399 ]

ولأن الاحتياط يدل عليه. والجواب عن الرواية من وجهين: الأول: ضعف السند، فإن في طريقه منصور بن يونس. والنجاشي وإن وثقه (1) إلا أن الكشي روى حديثا عن منصور بن يونس بزرج أنه جحد النص على الرضا - عليه السلام - لأموال كانت في يده (2). الثاني: إنه متروك العمل، فإن الكذب لا ينقض الوضوء إجماعا، فحينئذ يجب تأويله على تقدير سلامته بأن المراد منه التشديد في المنع منه بأنه ينقض الوضوء ويفطر الصائم. وقد روى الشيخ حديثا آخر في طريقه عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته عن رجل كذب في رمضان فقال: قد أفطر وعليه قضاؤه وهو صائم يقضي صومه ووضوءه إذا تعمد (3). والجواب بالوجهين اللذين تقدما مع زيادة إشكال، وهو أن سماعة لم يذكر المسؤول عنه فكان أضعف من الأول. مسألة: وفي الارتماس في الماء أقوال ثلاثة: طرفان وواسطة. قال الشيخ في النهاية (4) والجمل والاقتصاد (6) والمبسوط (7) والخلاف (8).

(1) رجال النجاشي: ص 413 الرقم 1100.
(2) الكشي: ص 468 الرقم 893.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 203 ح 586. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 3 ج 7 ص 20.
(4) النهاية ونكتها: ص 396.
(5) الجمل والعقود: ص 111.
(6) الاقتصاد: ص 287.
(7) المبسوط: ج 1 ص 270.
(8) الخلاف: ج 2 ص 221 المسألة 85.

[ 400 ]

أنه يوجب القضاء والكفارة، وهو قول المفيد (1)، وابن البراج (2)، ورواه ابن بابويه في كتابه (3)، واختاره السيد المرتضى في الانتصار (4). وجعله في المبسوط أنه الأظهر في الروايات قال: وفي أصحابنا من قال: لا يفطر (5). ونقل ذلك عن السيد المرتضى في الخلاف (6). وقال في الاستبصار - حيث جمع بين الأخبار -: يجوز الحمل على التقية، أو أنه يختص باسقاط القضاء والكفارة وإن كان الفعل محظورا، لأنه لا يمتنع أن يكون الفعل محظورا لا يجور ارتكابه وإن لم يوجب القضاء والكفارة، ولست أعرف حديثا في إيجاب القضاء والكفارة، أو إيجاب أحدهما على من ارتمس في الماء (7). وقال السيد المرتضى: لا يجب به قضاء ولا كفارة (8)، واختاره ابن إدريس (9) وهو مذهب ابن أبي عقيل (10). وقال أبو الصلاح: إنه يوجب القضاء خاصة (11)، وعده علي بن بابويه (12) من

(1) المقنعة: ص 344.
(2) المهذب: ج 1 ص 192.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 107 ح 1853. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 18 - 19.
(4) الانتصار: ص 62.
(5) المبسوط: ج 1 ص 270.
(6) الخلاف: ج 2 ص 221 المسألة 85.
(7) الاستبصار: ج 2 ص 85 ذيل الحديث 263.
(8) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 54.
(9) السرائر: ج 1 ص 376 و 386 - 387.
(10) لم نعثر على كتابه.
(11) الكافي في الفقه: ص 183.
(12) لم نعثر على رسالته.

[ 401 ]

المفطرات. والأقرب عندي أنه حرام غير مفطر ولا يوجب شيئا. أما التحريم فلما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس في الماء (1)، وهو يدل بمفهومه على ثبوت الضرر بالارتماس. وفي الصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: الصائم يستنقع في الماء ولا يرمس رأسه (2). وفي الصحيح عن حريز، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: لا يرمس الصائم ولا المحرم رأسه في الماء (3). وهذا النهي في المحرم يدل على التحريم فيكون في الصائم كذلك. وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: الصائم يستنقع في الماء، ويصب على رأسه، ويتبرد بالثوب، وينضح المروحة، وينضح البوريا، ولا يغمس رأسه في الماء (4). وأما عدم القضاء والكفارة فبالأصل الدال على براءة الذمة وصحة العبادة. وما رواه إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 189 ح 535، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 18 - 19.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 203 ح 587. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 7 ج 7 ص 24.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 203 ح 588، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 8 ج 7 ص 24.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 204 ح 591. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 2 ج 7 ص 22.

[ 402 ]

صائم ارتمس في الماء متعمد أعليه قضاء ذلك اليوم؟ قال: ليس عليه قضاء ولا يعودن (1). احتج الشيخ بأنه قد فعل منهيا عنه فكان عليه القضاء والكفارة كالاكل والشرب، وللاجماع والاحتياط. واحتج أبو الصلاح بقول الباقر - عليه السلام -: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال (2)، وهو يدل بمفهومه على الضرر في صومه مع عدم الاجتناب، وإنما يتضرر في الصوم ببطلانه. والجواب: المنع من المساواة في الحكم مع المساواة في النهي، على إنا نمنع النهي بما رواه عبد الله بن سنان في الموثق، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: كره للصائم أن يرتمس في الماء (3). والاجماع ممنوع مع ظهور هذا الخلاف، وكلام الباقر - عليه السلام - لا يدل على أن الضرر إنما هو ببطلان الصوم، بل بفعل المحرم. مسألة: قال الشيخ في الجمل (4) والاقتصاد (5): إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق - مثل غبار الدقيق وغبار النفض - متعمدا مفطر يوجب القضاء والكفارة، وكذا قال في الخلاف (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 209 ح 607. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 27.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 189 ح 535، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 18 - 19.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 209 ح 606. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 9 ج 7 ص 24.
(4) الجمل والعقود: ص 111.
(5) الاقتصاد: ص 287.
(6) الخلاف: ج 2 ص 177 المسألة 17.

[ 403 ]

وعد في المبسوط فيما يوجب القضاء والكفارة، وإيصال الغبار الغليظ إلى الحلق متعمدا مثل غبار الدقيق أو غبار النفض وما جرى مجراه على ما تضمنته الروايات. قال: وفي أصحابنا من قال: إن ذلك لا يوجب الكفارة وإنما يوجب القضاء (1). وقال المفيد: ويجتنب الصائم الرائحة الغليظة والغبرة التي تصل إلى الجوف، فإن ذلك نقض في الصوم (2). وقال في موضع آخر: وإن تعمد الكون في مكان فيه غبرة كثيرة أو رائحة غليظة وله غنى عن الكون فيه فدخل حلقه شئ من ذلك لوجب عليه القضاء (3). قال أبو الصلاح: إذا وقف في غبرة مختارا فعليه القضاء (4). الظاهر أن الوقوف مطلقا لا يوجب القضاء، وإنما قصده مع إيصال الغبار إلى حلقه. وقال ابن إدريس: الذي يقوى في نفسي أنه يوجب القضاء دون الكفارة إذا تعمد الكون في تلك البقعة من غير ضرورة، فأما إذا كان مضطرا إلى الكون في تلك البقعة وتحفظ واحتاط في التحفظ فلا شئ عليه من قضاء وغيره، لأن الأصل براءة الذمة من الكفارة، وبين أصحابنا في ذلك خلاف، فالقضاء مجمع عليه (5). والأقرب الأول.

(1) المبسوط: ج 1 ص 271.
(2) المقنعة: ص 356.
(3) المقنعة: ص 359.
(4) الكافي في الفقه: ص 183. (5) السرائر: ج 1 ص 377.

[ 404 ]

لنا: إنا قد بينا أن ازدراد كل شئ يفسد الصوم ويجب به القضاء والكفارة، والغبار من هذا الباب. وما رواه سليمان بن حفص المروزي قال: سمعته يقول: إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان أو استنشق متعمدا أو شم رائحة غليظة أو كنس بيتا فدخل في أنفه وحلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين، فإن ذلك له فطر مثل الأكل والشرب والنكاح (1). احتج الاخرون بأصالة براءة الذمة، وبما رواه عمرو بن سعيد، عن الرضا - عليه السلام - عن الصائم يدخل الغبار في حلقه، قال: لا بأس (2). والجواب: الأصالة يبطل حكمها مع قيام الدليل المخرج عنها وقد بيناه، وعمرو بن سعيد وإن كان ثقة إلا أن فيه قولا، ومع ذلك فالرواية نقول بموجبها، لأن مطلق الغبار لا ينقض، وإنما الناقض هو الغبار الغليظ، وأيضا الغبار الغليظ إذا دخل اتفاقا لا عن قصد ولا عن تعمد للكون في مكانه لا ينقض، ولم يتضمن السؤال شيئا من ذلك. مسألة: قال في النهاية: شم الرائحة الغليظة التي تصل إلى الجوف توجب القضاء والكفارة (3)، وبه قال ابن البراج (4)، ولم يجعله في المبسوط مفطرا، وهو قول المفيد فإنه قال: يجتنب الصائم الرائحة الغليظة والغبرة التي تصل إلى الحلق، فإن ذلك نقض في الصيام (5)، وهو الأقوى عندي.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 214 ح 621. وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 48.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 324 - 325 ح 1003. وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 2 ج 7 ص 48.
(3) النهاية ونكتها: ص 396.
(4) المهذب: ج 1 ص 192.
(5) المقنعة: ص 356.

[ 405 ]

لنا: الأصل براءة الذمة، وصحة الصوم، وعدم كون هذا الفعل مؤثرا في إفساد الواقع ودفعه. ولأن إدراك الرائحة إما أن يكون باعتبار انفعال الهواء الواصل إلى الخيشوم بكيفية ذي الرائحة، أو بحصول الادراك في الخيشوم من غير انتقال ولا انفعال كما ذهب إليه من لا تحقيق له، وإما بانتقال أجزاء ذي الرائحة إلى الخيشوم وهو نادر. وعلى التقديرين الأولين: لا إفطار، وإلا لزم وصول الافطار في أول جزء من النهار، لعدم انفكاك الانسان من استنشاق الاهوية، فإنه أمر ضروري له في بقائه. والثالث: غير معلوم، ومع ندوره فيكون الأصل بقاء العبادة وانتفاء المبطل. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: الصائم يشم الريحان والطيب؟ فقال: لا بأس (1). وفي الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن الصائم يشم الريحان أم لا ترى له ذلك؟ فقال: لا بأس (2). احتج الشيخ بما رواه سليمان بن حفص المروزي قال: سمعته يقول: إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان أو استنشق متعمدا أو شم رائحة غليظة أو كنس بيتا فدخل في أنفه وحلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين، فإن ذلك له مفطر مثل الأكل والشرب والنكاح (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 266 ح 800. وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 64.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 266 ح 802. وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 8 ج 7 ص 65 - 66.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 214 ح 621. وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 48.

[ 406 ]

ولأن الرائحة عرض، والانتقال على الاعراض محال، وإنما ينتقل بانتقال محالها. فإذا وصلت إلى الجوف علم أن محلها قد انتقل إليها، وذلك يوجب الافطار. وللاحتياط (1). والجواب عن الرواية: بعد سلامة السند إنا نقول بموجبها، لأن الغلظ والرقة إنما يوصف بهما الاجسام، فجاز أن يكون المراد به ذا الرائحة، أو نقول: إن قوله - عليه السلام -: " فدخل في أنفه وحلقه غبار " وقع جوابا لشم الرائحة الغليظة وكنس البيت معا، على أن سليمان لم يذكر المسؤول عنه. وأما انتقال الاعراض فإنه محال، لكنا قد بينا أن الرائحة لا تنتقل وإنما الهواء ينفعل ويصل إلى الخيشوم، لأن محل الرائحة لو انتقل لزم عدم المسك اليسير الذي يشمه الحاضرون مع كثرتهم. والاحتياط معارض بالبراءة الأصلية. مسألة: المشهور إن تعمد البقاء على الجنابة من غير عذر في ليل شهر رمضان إلى الصباح موجب للقضاء والكفارة، ذهب إليه الشيخان (2)، وعلي بن بابويه (3)، وابن الجنيد (4)، وسلار (5)، وأبو الصلاح (6)، وابن إدريس (7). وقال السيد المرتضى في الانتصار: مما انفردت به الامامية إيجابهم على من أجنب في ليل شهر رمضان وتعمد البقاء إلى الصباح من غير اغتسال

(1) ق وم (1): والاحتياط.
(2) المقنعة ص 345. النهاية ونكتها: ج 1 ص 396.
(3) لم نعثر على رسالته.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) المراسم: ص 98.
(6) الكافي في الفقه: ص 182.
(7) السرائر: ج 1 ص 377.

[ 407 ]

القضاء والكفارة، ومنهم من يوجب القضاء دون الكفارة (1). وقال في الجمل: وقد روي أنه من أجنب في ليالي شهر رمضان وتعمد البقاء على جنابته إلى الصباح من غير اغتسال كان عليه القضاء والكفارة، وروي أن عليه القضاء دون الكفارة (2). وقال ابن أبي عقيل (3): يجب به القضاء خاصة دون الكفارة. وقال ابن بابويه في المقنع: سأل حماد بن عثمان أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل أجنب في شهر رمضان من أول الليل فأخر الغسل إلى أن يطلع الفجر، فقال له: قد كان رسول الله - صلى الله عليه وآله - يجامع نساءه من أول الليل ويؤخر الغسل إلى أن يطلع الفجر، ولا أقول (4) كما يقول هؤلاء الاقشاب: يقضي يوما مكانه (5). والأقرب الأول. لنا: إن الانزال نهارا موجب للقضاء والكفارة، فكذا استصحاب الانزال، بل هذا آكد، لأن الأول قد انعقد الصوم في الابتداء وهنا لم ينعقد. وما رواه أبو بصير في الموثق، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح، قال: يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا، قال: وقال: إنه لخليق أن لا أراه يدركه أبدا (6).

(1) الانتصار: ص 63.
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 55.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) في المصدر: ولا تقول.
(5) المقنع: ص 60.
(6) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 212 ح 616. وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 2 ج 7 ص 43.

[ 408 ]

وعن سليمان بن حفص المروزي، عن الفقيه - عليه السلام - قال: إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل ولا يغسل حتى يصبح فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم، ولا يدرك فضل يومه (1). وعن إبراهيم بن عبد الحميد، عن بعض مواليه قال: سألته عن احتلام الصائم، قال: فقال: إذا احتلم نهارا في شهر رمضان فليس له أن ينام حتى يغتسل، وإن احتلم ليلا في شهر رمضان فلا ينام حتى يغتسل إلا ساعة، فمن أجنب في شهر رمضان فنام حتى يصبح فعليه عتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا وقضاء ذلك اليوم، ويتم صيامه ولن يدركه أبدا (2). احتج ابن أبي عقيل بما رواه ابن أبي يعفور في الصحيح قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام - الرجل يجنب في رمضان ثم يستيقظ ثم ينام حتى يصبح، قال: يتم صومه ويقضي يوما آخر، فإن لم يستيقظ حتى يصبح أتم صومه وجاز له (3). وفي الصحيح عن أحمد بن محمد، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن رجل أصاب من أهله في شهر رمضان أو أصابته جنابة ثم ينام حتى يصبح متعمدا، قال: يتم ذلك اليوم وعليه قضاؤه (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 212 ح 617. وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 3 ج 7 ص 43.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 212 ح 618، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 4 ج 7 ص 43.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 211 ح 612. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 2 ج 7 ص 41.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 211 ح 614. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 4 ج 7 ص 42.

[ 409 ]

ولأن الأصل براءة الذمة من الكفارة. والجواب عن الحديثين: إنا نقول بموجبهما، فإن من نام عن استيقاظ مع علمه بالجنابة متعمدا حتى يطلع الفجر يجب عليه القضاء إذا كان ناويا للغسل، وأصالة البراءة معارضة بالاحتياط. واحتج ابن بابويه بأصالة براءة الذمة من القضاء والكفارة، وبقوله تعالى: " فالآن باشروهن - إلى قوله تعالى: - حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود " (1)، وإذا جازت المباشرة إلى طلوع الفجر لزم تسويغ أن يصبح الرجل جنبا. وما رواه حبيب الخثعمي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وآله - يصلي صلاة الليل في شهر رمضان، ثم يجنب، ثم يؤخر الغسل متعمدا حتى يطلع الفجر (2). والجواب: الأصالة إنما يصار إليها مع عدم المنافي، وقد بينا ما ينافي ذلك، فلا يجوز التعويل عليها. وعن الآية: بمنع تقييد المعطوف عليه بالغاية، ولا يلزم التشريك في المعطوف والمعطوف عليه في جميع الأحكام. وعن الحديث: أن المراد طلوع الفجر الأول، أو أنه يغتسل قبل طلوع الفجر، بحيث ينتهي آخر الليل، ويصدق عليه حينئذ أنه قد أخر إلى طلوع الفجر، والظاهر ذلك، لأنه - عليه السلام - كان يبادر إلى فعل العبادة في أول وقتها، فلا يليق به - عليه السلام - طلوع الفجر قبل طهارته، لأنه حينئذ يفوته فضيلة

(1) البقرة: 187.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 213 ح 620. وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 5 ج 7 ص 44.

[ 410 ]

الوقت، وهو أعظم من ذلك. مسألة: قال ابن أبي عقيل (1): المرأة إذا طهرت من حيضها أو دم نفاسها ليلا وتركت الغسل حتى تصبح عامدة يفسد صومها، ويجب القضاء خاصة، كالجنب عنده إذا أهمل الغسل حتى يصبح عامدا، ولم يذكر أصحابنا ذلك. والأقرب أنها كالجنب إذا أخل بالغسل، فإن أوجبنا القضاء والكفارة عليه أوجبناهما عليها، وإلا فالقضاء. لنا: إن الثلاثة اشتركت في كونها مفطرة للصوم، لأن كل واحد منها حدث يرتفع بالغسل فيشترك في الأحكام. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا كرر النظر فأنزل أثم ولا قضاء عليه ولا كفارة (2). وفي المبسوط: من نظر إلى ما لا يحل له النظر إليه بشهوة فأمنى فعليه القضاء، فإن كان نظره إلى ما يحل فأمنى لم يكن عليه شئ (3)، وهو اختيار المفيد (4). وقال سلار: من نظر إلى من يحرم عليه فأمنى فعليه القضاء (5). وقال السيد المرتضى: إذا تعمد استنزال الماء الدافق وجب عليه القضاء والكفارة وإن كان بغير جماع (6)، وهو قول ابن البراج (7). وقال في المسائل الناصرية: عندنا أنه إذا نظر إلى ما لا يحل له النظر إليه

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) الخلاف: ج 2 ص 198 المسألة 50.
(3) المبسوط: ج 1 ص 272.
(4) المقنعة: ص 345.
(5) المراسم: ص 98.
(6) الانتصار: ص 64.
(7) المهذب: ج 1 ص 191.

[ 411 ]

فأنزل غير مستدع للانزال لم يفطر (1). وقال ابن أبي عقيل (2): وإن نظر إلى امرأته فأنزل من غير أن يقبلها أو يفضي إليها بشئ منه إلى جسدها أو تفضي إليه لم يكن عليه شئ. قال ابن إدريس: فإن أمنى لنظر لم يكن عليه شئ ولا يعود إلى ذلك، وقال: وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أنه إن نظر إلى من يحرم النظر إليه فأمنى كان عليه القضاء دون الكفارة، قال: والصحيح أنه لا قضاء عليه لأنه لا دليل على ذلك (3). والأقرب أنه إن قصد الانزال فأنزل وجب عليه القضاء والكفارة مطلقا، سواء كان النظر إلى من يحرم عليه أو لا، وإن لم يقصد الانزال فأنزل لتكرر النظر من غير قصد بل كرر النظر فسبقه الماء وجب القضاء خاصة. لنا: على الأول: إنه وجد منه الهتك، وهو إنزال الماء تعمدا، فوجب عليه القضاء والكفارة، كالعابث بأهله والمجامع. وعلى الثاني: إنه وجد منه مقدمة الافساد ولم يقصده فكان عليه القضاء، كالمتمضمض للتبرد إذا وصل الماء حلقه. احتج الشيخ بالاجماع، وبعدم دليل على أن تكرر النظر مفطر، والأصل براءة الذمة (4). والجواب: منع الاجماع، وقد بينا الدليل على إيجاب القضاء، والبراءة معارضة بالاحتياط.

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 243 المسألة 129.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) السرائر: ج 1 ص 389.
(4) الخلاف: ج 2 ص 198 المسألة 50.

[ 412 ]

مسألة: اختلف أصحابنا في الحقنة، فقال المفيد: إنها تفسد الصوم (1) وأطلق. وقال علي بن بابويه (2): لا يجوز للصائم أن يحتقن وأطلق. وقال السيد المرتضى في الجمل: وقد ألحق قوم من أصحابنا بما ذكرناه في وجوب القضاء والكفارة إلى أن قال: والحقنة - ولم يفصل أيضا - ثم قال: وقال قوم: إن ذلك ينقض الصوم وإن لم يبطله وهو الأشبه، وقالوا في اعتماد الحقنة وما يتيقن وصوله إلى الجوف من السعوط وفي اعتماد القئ وبلع الحصى: إنه يوجب القضاء من غير كفارة (3). وقال في المسائل الناصرية: فأما الحقنة فلم يختلف في أنها تفطر (4). وللشيخ أقوال: قال في النهاية: تكره الحقنة بالجامدات وتحرم بالمائعات (5)، ولم يوجب بها قضاء ولا كفارة، وكذا في الاستبصار (6). وأوجب في الجمل والاقتصاد القضاء بالمائعات خاصة، وكره الجامدات (7)، وكذا في المبسوط (8)، وهو قول ابن البراج (9). وقال في الخلاف: والحقنة بالمائعات تفطر (10). ولم يذكر ابن أبي عقيل

(1) المقنعة: ص 344.
(2) لم نعثر على رسالته.
(3) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 54.
(4) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 242 - 243 المسألة 129.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 399.
(6) الاستبصار: ج 2 ص 84 ذيل الحديث 257.
(7) الجمل والعقود: ص 112 و 113. الاقتصاد: ص 288.
(8) المبسوط: ج 1 ص 272.
(9) المهذب: ج 1 ص 193.
(10) الخلاف: ج 2 ص 213 المسألة 73.

[ 413 ]

الحقنة بالمائعات، ولا بالجامدات من المفطرات. وقال أبو الصلاح: الحقنة تجب بها القضاء (1)، ولم يفصل. وقال ابن الجنيد (2): يستحب له الامتناع من الحقنة، لأنها تصل إلى الجوف. وقال ابن إدريس: تحرم الحقنة بالمائعات، ولا يجب بها قضاء ولا كفارة، ويكره بالجامدات (3). والأقرب أنها مفطرة مطلقا، ويجب بها القضاء خاصة. لنا: إنه قد أوصل إلى جوفه المفطر فأشبه ما لو ابتلعه، لاشتراكهما في الاغتذاء. وما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح، عن أبي الحسن - عليه السلام - إنه سأله عن الرجل يحتقن تكون به العلة في شهر رمضان، فقال: الصائم لا يجوز له أن يحتقن (4). وتعليق الحكم على الوصف يشعر بالعلية، فيكون بين الصوم والاحتقان - الذي هو نقيض المعلول - منافاة، وثبوت أحد المتنافيين يقتضي عدم الآخر، وذلك يوجب عدم الصوم عند ثبوت الاحتقان فوجب القضاء. وأما انتفاء الكفارة فللأصل السالم عن معارضة الأكل وغيره من المفطرات. ولأن السيد نقل الاجماع (5)، ونقل الاجماع عن الواحد حجة.

(1) الكافي في الفقه: ص 183.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) السرائر: ج 1 ص 378.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 204 ح 589. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 4 ج 7 ص 27.
(5) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 243 المسألة 129.

[ 414 ]

احتج الشيخ بأصالة براءة الذمة عن القضاء في المائعات، وبأصالة الجواز في الجامدات. وبما رواه علي بن الحسن في الموثق، عن أبيه قال: كتبت إلى أبي الحسن - عليه السلام - ما تقول في التلطف (1) يستدخله الانسان وهو صائم، فكتب: لا بأس بالجامد (2). والجواب: ما قدمناه من الدليل ينافي الأصلين، فيتعين المصير إليه دونهما. وعن الرواية بضعف السند، فإن في طريقها علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، وهما ضعيفان، فلا تقع المعارضة بها خصوصا وقد اشتملت على المكاتبة. مسألة: قال في المبسوط: لو صب الدواء في احليله فوصل إلى جوفه أفطر، وإن كان ناسيا لم يفطر (3). وقال في الخلاف: التقطير في الذكر لا يفطر (4). وقال ابن الجنيد (5): لا بأس به، وما ذكره في المبسوط أقرب. لنا: إنه قد أوصل إلى جوفه مفطرا بأحد المسلكين، فإن المثانة ينفذ إلى الجوف فكان موجبا للافطار، كما في الحقنة. احتج الشيخ بالأصل (6). والجواب: إنه قد يخالف لقيام الدليل.

(1) التلطف: هو إدخال الشئ في الفرج.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 204 ح 590. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 2 ج 7 ص 26.
(3) المبسوط: ج 1 ص 273.
(4) الخلاف: ج 2 ص 213 المسألة 73.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) الخلاف: ج 2 ص 214 ذيل المسألة 73.

[ 415 ]

مسألة: قال في المبسوط: لو طعنه غيره طعنة فوصلت إلى جوفه لم يفطر، وإن أمره هو بذلك ففعلت به أو فعل هو بنفسه ذلك أفطر (1). وقال في الخلاف: لا يفطر أن فعل بنفسه أو باختياره (2)، واختاره ابن إدريس (3). والأقرب الأول. لنا: إنه أوصل إلى جوفه الجامد فكان كالازدراد فوجب القضاء، والأصل براءة الذمة من الكفارة. احتج الشيخ بأن الأصل صحة الصوم وانعقاده (4). والجواب: المنع من بقاء الأصل مع هذا المتجدد. مسألة: لو داوى جرحه فوصل الدواء إلى جوفه قال الشيخ في الخلاف: لا يفطر (5). والأقرب الافطار، وهو الظاهر من كلامه في المبسوط (6). لنا: إنه أوصل المفطر إلى جوفه باختياره فكان كالحقنة. احتج الشيخ بالأصل (7). والجواب: المعارضة بالاحتياط. مسألة: قال الشيخ في المبسوط والنهاية: تقطير الدهن في الأذن مكروه (8)،

(1) المبسوط: ج 1 ص 273.
(2) الخلاف: ج 2 ص 214 المسألة 74.
(3) السرائر: ج 1 ص 378.
(4) الخلاف: ج 2 ص 215 ذيل المسألة 74.
(5) الخلاف: ج 2 ص 214 المسألة 74.
(6) المبسوط: ج 1 ص 273.
(7) الخلاف: ج 2 ص 215 ذيل المسألة 74.
(8) المبسوط: ج 1 ص 272. النهاية ونكتها: ج 1 ص 398.

[ 416 ]

وليس بحرام ولا يجب به قضاء ولا كفارة، واختاره ابن بابويه في المقنع (1)، وابن إدريس (2). وقال ابن الجنيد (3): لا بأس به. وقال أبو الصلاح: التقطير في الأذن مفطر (4). والأقرب الأول. لنا: أصالة براءة الذمة والاباحة. وما رواه حماد في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الصائم يصب في أذنه الدهن؟ قال: لا بأس (5). وفي الصحيح عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته عن الصائم يشتكي أذنه يصب فيها الدواء؟ قال: لا بأس به (6). ولأن الصوم عبادة شرعية انعقدت في الابتداء على وجه الصحة، فلا يزول هذا الحكم إلا بدليل شرعي. احتج بأنه يصل إلى الدماغ. والجواب: المنع من كون ذلك مفطرا. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (7) والنهاية (8) والجمل (9) والاقتصاد (10):

(1) المقنع: ص 60.
(2) السرائر: ج 1 ص 378.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) الكافي في الفقه: ص 183.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 258 ح 763، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 2 ج 7 ص 50.
(6) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 258 ح 764. وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 50.
(7) الخلاف: ج 2 ص 215 المسألة 75.
(9) الجمل والعقود: ص 113.
(8) النهاية ونكتها: ج 1 ص 399.
(10) الاقتصاد: ص 288.

[ 417 ]

السعوط مكروه وأطلق. وفصل في المبسوط فقال: إنه مكروه سواء بلغ الدماغ أو لم يبلغ، إلا ما ينزل الحلق فإنه يفطر ويوجب القضاء (1)، ولم يعده ابن أبي عقيل في المفطرات. وقال ابن الجنيد (2)، والصدوق ابن بابويه في المقنع (3): لا بأس به. وقال في كتاب من لا يحضره الفقيه: لا يجوز للصائم أن يتسعط (4). وأوجب المفيد (5)، وسلار (6) به القضاء والكفارة. وقال السيد المرتضى: وقد ألحق قوم من أصحابنا بما ذكرناه في وجوب القضاء والكفارة - إلى أن قال: - والسعوط وبلع ما لا يؤكل كالحصى وغيره، وقال قوم: إن ذلك ينقض الصوم وإن لم يبطله وهو الأشبه. قال: وقالوا في اعتماد الحقنة وما يتيقن وصوله إلى الجوف من السعوط في اعتماد القئ وبلع الحصى: أنه يوجب القضاء من غير كفارة (7)، واختاره ابن إدريس أنه لا يوجب قضاء ولا كفارة (8). وقال أبو الصلاح (9)، وابن البراج (10): أنه يوجب القضاء خاصة. والأقوى عندي أنه إن وصل إلى الحلق متعمدا وجب القضاء والكفارة،

(1) المبسوط: ج 1 ص 272.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) المقنع: ص 60.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 112 ذيل الحديث 1869.
(5) المقنعة: ص 344.
(6) المراسم: ص 98.
(7) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 54.
(8) السرائر: ج 1 ص 378.
(9) الكافي في الفقه: ص 183.
(10) المهذب: ج 1 ص 192.

[ 418 ]

وإلا فلا. لنا: إنه أوصل إلى حلقه المفطر متعمدا فكان عليه القضاء والكفارة، كما لو أوصل إلى حلقه لقمة، ولو لم يصل لم يكن عليه شئ، لأن الصوم عبادة شرعية انعقدت على الوجه المأمور به شرعا، فلا يبطل إلا بحكم شرعي ولم يثبت، فيبقى على الأصل. ولأن الأصل الإباحة. وما رواه غياث بن إبراهيم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي - عليهم السلام - إنه كره السعوط للصائم (1)، والكراهة لا تستلزم التحريم. احتج الاخرون بأنه أوصل إلى الدماغ المفطر فكان عليه القضاء والكفارة أو القضاء خاصة، لأن الدماغ جوف. والجواب: المنع من إيجاب القضاء والكفارة أو القضاء بالايصال إلى كل جوف، بل الممنوع الايصال إلى المعدة التي هي محل الاغتذاء. قال الشيخ: ليس في شئ من الأخبار أنه يلزم التسعط الكفارة، وإنما وردت مورد الكراهة (2). مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز للصائم مضغ العلك (3). وقال في المبسوط: يكره استجلاب الريق بماله طعم، ويجري مجرى العلك كالكندر وما أشبهه، وليس ذلك بمفطر في بعض الروايات، وفي بعضها أنه مفطر وهو الاحتياط (4). وقال ابن الجنيد (5): لو استجلب الريق بطعام فوصل إلى جوفه أفطر وكان

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 214 ح 623. وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 2 ج 7 ص 28.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 214 ذيل الحديث 621.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 399.
(4) المبسوط: ج 1 ص 273.
(5) لم نعثر على كتابه.

[ 419 ]

عليه القضاء، وفي بعض الحديث فصيام شهرين متتابعين كالاكل إذا اعتمد ذلك. وقال ابن إدريس: لا ينبغي للصائم مضغ العلك وكل ما له طعم، وقال بعض أصحابنا: عليه القضاء، والأظهر أنه لا قضاء عليه (1). والوجه عندي الكراهة. لنا: قول الباقر - عليه السلام - في حديث محمد بن مسلم الصحيح لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس في الماء (2). وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته عن الصائم يمضغ العلك؟ قال: نعم إن شاء (3). ولأن الأصل الإباحة. ولأن الصوم انعقد شرعا فلا يبطل إلا بدليل شرعي. احتج الشيخ بامتناع انتقال الاعراض، فإذا وجد الطعم تخلل شئ من أجزاء ذي الطعم فدخل الحلق فكان مفطرا. والجواب: المنع من التخلل، بل الريق ينفعل بكيفية ذي الطعم. قال الشيخ عن حديث أبي بصير: هذا الخبر غير معمول عليه (4)، فإن قصد بذلك أن العلك مكروه وقوله - عليه السلام -: " نعم " ينافيه أمكن، وإن قصد

(1) السرائر: ج 1 ص 389.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 202 ح 584، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 18 - 19.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 324 ح 1002، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 3 ج 7 ص 74.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 324 ذيل الحديث 1002.

[ 420 ]

التحريم منعناه. مسألة: قال الشيخ: يكره للمرأة الجلوس في الماء إلى وسطها (1). وقال المفيد: ولا تقعد المرأة إذا كانت صائمة في الماء، فإنها تحمله بقبلها (2). وقال أبو الصلاح: يجب به القضاء خاصة (3). وقال ابن البراج: يجب به القضاء والكفارة معا إذا تعمدت (4)، والمعتمد الأول. لنا: الأصل هو الإباحة. ولأن المنافذ تتعذر الاحتراز عنها فوجب رفع الحرج فيها، وإلا لزم الضرر المنفي بالأصل. احتج الشيخ بما رواه حنان بن سدير قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الصائم يستنقع في الماء؟ فقال: لا بأس، ولكن لا ينغمس، والمرأة لا تستنقع في الماء، لأنها تحمل الماء بفرجها (5). وهو حجة ابن البراج، لأن تعليله - عليه السلام - ب‍ " تحمل الماء " يدل عليه. والجواب: بعد سلامة السند أنه محمول على الكراهة. مسألة: المشهور بين علمائنا إن تعمد القئ يوجب القضاء خاصة، فإن

(1) المبسوط: ج 1 ص 274 وفيه: أطلق ولم يقيد.
(2) المقنعة: ص 356.
(3) الكافي في الفقه: ص 183.
(4) المهذب: ج 1 ص 192.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 263 ح 789. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 6 ج 7 ص 23.

[ 421 ]

ذرعه لم يجب به شئ، ذهب إليه الشيخان (1)، وابن البراج (2)، وأبو الصلاح (3)، وابن أبي عقيل (4). ونقل السيد المرتضى عن بعض علمائنا أنه يوجب القضاء والكفارة، وعن بعضهم: إنه يوجب القضاء، وعن بعضهم: أنه ينقض الصوم ولا يبطله وهو الأشبه (5). وقال ابن الجنيد (6): أنه يوجب القضاء خاصة إذا تعمد، فإن ذرعه لم يكن عليه شئ، إلا أن يكون القئ من محرم فيكون فيه إذا ذرعه القضاء، وإذا استكره القضاء والكفارة. وقال ابن إدريس: لا يجب به قضاء ولا كفارة، بل يكون مخطئا (7). والمعتمد (8) الأول. لنا: ما رواه الحلبي في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إذا تقيأ الصائم فعليه قضاء ذلك اليوم، فإن ذرعه من غير أن يتقيأ فليتم صومه (9). وفي الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا تقيأ الصائم

(1) المقنعة: ص 356. النهاية ونكتها: ج 1 ص 397.
(2) المهذب: ج 1 ص 192.
(3) الكافي في الفق: ص 183.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 54.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) السرائر: ج 1 ص 387.
(8) ق: والأشهر.
(9) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 264 ح 790. وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 3 ج 7 ص 61.

[ 422 ]

فقد أفطر وإن ذرعه من غير أن يتقيأ فليتم صومه (1). ولأنه في مظنة ابتلاء ما يخرج من جوفه فكان عليه القضاء. احتج السيد المرتضى بأن الصوم هو الامساك عما يدخل إلى (2) الجوف، ولا ينافي ذلك ما يخرج منها. وما رواه عبد الله بن ميمون في الصحيح، عن أبي عبد الله، عن أبيه - عليهما السلام - قال: ثلاثة لا يفطرن الصائم: القئ والاحتلام والحجامة (3). وحديث محمد بن مسلم الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - أنه قال: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الأكل والشرب، والنساء، والارتماس في الماء (4). والجواب عن الأول: المنع من تحقق الامساك، فإنه كما ينافي الادخال كذا ينافي الاخراج. ولأنه نوع من الاجتهاد فلا يعارض ما تلوناه من الأحاديث، ونحن نقول بموجب الرواية الأولى، لأن القئ كما يقرن بالعمد كذا يقرن بالنسيان، وليس في الحديث دلالة على التعميم، فيحمل على الثاني جمعا بين الأخبار. وعن الحديث الثاني: إنه عام وأحاديثنا خاصة، فتكون مقدمة جمعا بين الأدلة.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 264 ح 791. وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 60.
(2) ليس في ق " إلى ".
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 260 ح 775. وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 8 ج 7 ص 62.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 202 ح 584. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 18 - 19.

[ 423 ]

مسألة: إذا تخلل فخرج من اسنانه ما يمكنه التحرز منه ويمكنه أن يرميه فابتلعه عامدا، قال الشيخ في الخلاف والمبسوط: وجب عليه القضاء (1). والحق أنه يجب القضاء والكفارة. لنا: إنه تناول المفطر عامدا فوجب عليه القضاء والكفارة، كما لو ازدرده من خارج. احتج بأنه يتعذر الاحتراز عنه. والجواب: المنع من ذلك. مسألة: إذا حصل من القئ شئ في فمه فابتلعه عامدا، قال ابن البراج: يجب عليه القضاء خاصة (2). وقال ابن الجنيد (3): القلس لا يفطر، فإن حصل في الفم ثم عاد إلى جوف الصائم فالأحوط له القضاء، وإن تعمد أفطر. والظاهر أنه يريد بذلك وجوب الكفارة. وقال الشيخ في النهاية: يجب عليه القضاء (4)، ولم يتعرض للكفارة. وقال ابن إدريس: لا يدل ذلك على سقوط الكفارة (5). وفي المبسوط: إن تعمد أفطر (6). وقال ابن إدريس: يجب به القضاء والكفارة (7)، وهو المعتمد.

(1) الخلاف: ج 2 ص 176 المسألة 16. المبسوط: ج 1 ص 272.
(2) المهذب: ج 1 ص 192.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 397.
(5) السرائر: ج 1 ص 387.
(6) المبسوط: ج 1 ص 272.
(7) السرائر: ج 1 ص 387.

[ 424 ]

لنا: إنه ازدرد طعاما فوجب عليه القضاء والكفارة. احتج الشيخ بأن القلس هو خروج الطعام إلى الفم، فإن عاد فهو القئ، على ما ذكره صاحب الصحاح (1). وقد ورد أن تعمد القئ يوجب القضاء خاصة على ما تقدم. وما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشئ من الطعام أيفطره ذلك؟ قال: لا، قلت: فإن ازدرده بعد أن صار على لسانه، قال: لا يفطره ذلك (2). وعدم الافطار يستلزم عدم الكفارة. والجواب عن الأول: إن القئ إنما هو خروج الطعام إلى الفم من المعدة، وهو القلس أيضا، كما ذكره صاحب المجمل (3). وعن الحديث بما ذكره الشيخ في التهذيب: بأنه محمول على الناسي، قال: فأما إذا تعمد ذلك - يعني الازدراد - فقد أفطر، ولزمه ما يلزم المفطر متعمدا (4). مسألة: جلوس المرأة إلى وسطها في الماء من غير تعمد لذلك يوجب القضاء. والأقرب الكراهة، وأنه لا يجب به شئ، وقد سلف ما يقارب هذه المسألة. مسألة: المشهور أن الاحتقان بالمائعات محرم، وهل يجب به شئ أم لا؟ تقدم الكلام فيه (5). وإن الاحتقان بالجامد مكروه على الخلاف.

(1) الصحاح: ج 3 ص 965 (مادة قلس).
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 265 ح 796. وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 9 ج 7 ص 62.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 265 ذيل الحديث 796.
(5) راجع ص 412.

[ 425 ]

وقسمه ابن البراج إلى غير ذلك فقال: إيصال الأدوية إلى الجوف من غير مرض يضطره إلى ذلك يوجب القضاء والكفارة، والحقنة في المرض المحوج إليها يوجب القضاء خاصة (1). والأقرب ما قدمناه. لنا: الأصل براءة الذمة. وما رواه علي بن جعفر في الصحيح، عن أخيه موسى - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل والمرأة هل يصلح لهما أن يستدخلا الدواء وهما صائمان؟ قال: لا بأس (2). مسألة: قال الشيخ في النهاية: لو أمنى من غير ملامسة لسماع كلام أو نظر لم يكن عليه شئ، ولا يعود إلى ذلك (3). وفي المبسوط: إن أصغى أو يستمع إلى حديث فأمنى لم يكن عليه شئ (4). وقال أبو الصلاح: لو أصغى إلى حديث أو ضم أو قبل فأمنى فعليه القضاء (5). وقال المفيد: إن تشهى أو أصغى إلى حديث فأمنى وجب عليه القضاء (6). والأقرب عندي أنه إن قصد الانزال وجب عليه القضاء والكفارة، وإلا فالقضاء إن كرر ذلك حتى أنزل. لنا: إنه تعمد الانزال فكان كالمجامع، وقد تقدم البحث في ذلك.

(1) المهذب: ج 1 ص 192.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 325 ح 1005. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 26.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 397.
(4) المبسوط: ج 1 ص 273.
(5) الكافي في الفقه: ص 183.
(6) المقنعة: ص 359.

[ 426 ]

مسألة: قال الشيخ: لا بأس بالسواك في أول النهار وآخره بالرطب واليابس (1)، وهو قول الصدوق ابن بابويه (2)، والشيخ المفيد (3). وقال ابن أبي عقيل (4): لا بأس بالسواك للصائم في أول النهار وآخره، ولا يستاك بالعود الرطب. والأقرب الأول. لنا: الأصل الإباحة، وعدم المنع تحريما وكراهة. وما رواه الحلبي في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - أيستاك الصائم بالماء وبالعود الرطب يجد طعمه؟ فقال: لا بأس به (5). احتج ابن أبي عقيل بما رواه أبو بصير في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: لا يستاك الصائم بعود رطب (6). وبما رواه محمد بن مسلم في الموثق، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: يستاك الصائم أي النهار شاء، ولا يستاك بعود رطب (6). قال الشيخ: هذان الحديثان محمولان على الكراهة دون الحظر، لما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - أنه كره للصائم

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 399.
(2) المقنع: ص 60.
(3) المقنعة: ص 356.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 261 ح 782. وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 3 ج 7 ص 58.
(6) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 261 ح 786. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 7 ج 7 ص 58.
(7) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 261 ح 785. وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 8 ج 7 ص 59.

[ 427 ]

أن يستاك بسواك رطب (1). وهذا يدل على أن السواك بالرطب مكروه عند الشيخ. مسألة: لو أكل أو شرب ناسيا فاعتقد أنه يفطر بذلك فأكل أو شرب أفطر وعليه القضاء والكفارة، اختاره الشيخ في المبسوط (2) والخلاف (3). ونقل في المبسوط عن بعض أصحابنا وجوب القضاء دون الكفارة (4). والمعتمد الأول. لنا: إنه أفطر متعمدا في يوم يجب صومه، وهتك صوما صحيحا فوجب عليه الكفارة كغيره. احتج المخالف بأنه لم يقصد الهتك فلا تجب عليه الكفارة كالناسي. والجواب: المنع من المساواة، والجهل ليس عذرا، بل الأولى ازدياد العقوبة به. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: من أكره على الافطار لم يفطر ولم يلزمه شئ، سواء كان إكراه قهر، أو إكراها على أنه يفعل باختياره (5). وقال في المبسوط: في الثاني يفطر (6). والأقرب الأول. لنا: قوله - عليه السلام -: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (7).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 262 ذيل الحديد 787 وح 787. وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 11 ج 7 ص 59.
(2) المبسوط: ج 1 ص 273.
(3) الخلاف: ح 2 ص 190 المسألة 39.
(4) المبسوط: ج 1 ص 273.
(5) الخلاف: ج 2 ص 195 المسألة 46.
(6) المبسوط: ج 1 ص 273.
(7) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 59 ح 132. سنن ابن ماجة: ج 1 ص 659 ح 2045 وفيهما: وضع عن أمتي.

[ 428 ]

ولأنه مكره فسقط عنه القضاء بسقوط الكفارة، وكما لو وجر (1) في حلقه. احتج الشيخ بأنه مع التوعد مختار الفعل، فيصدق عليه أنه قد فعل المفطر اختيارا فوجب عليه القضاء. والجواب: المنع من كونه مختارا. مسألة: المشهور إن من أكره زوجته على الجماع في نهار رمضان وجب عليه كفارتان. وقال ابن أبي عقيل (2): ولو أن امرأة استكرهها زوجها فوطأها فعليها القضاء وحده وعلى الزوج القضاء والكفارة، فإن طاوعت زوجها لشهوة فعليها القضاء والكفارة جميعا. وقال الشيخ في الخلاف: يجب بالجماع كفارتان: إحداهما على الرجل، والثانية على المرأة إذا كانت مطاوعة له، فإن استكرهها كان عليه كفارتان، ثم قال: وإذا وطأها نائمة أو أكرهها على الجماع لم تفطر هي وعليه كفارتان، وإن كان إكراه تمكين - مثل أن يضربها فتمكنه - فقد أفطرت، غير أنه لا تلزمها الكفارة (3). وقال ابن إدريس: إذا أكرهها لم يكن عليه قضاء ولا كفارة (4)، ولم يفصل الاكراه إلى ما فصله الشيخ، وهو المعتمد. أما سقوط القضاء عنها مع الاكراه فالخلاف فيه مع ابن أبي عقيل. والدليل عليه: أن القضاء إنما يجب بأمر متجدد وهو منفي هنا، لأن صومها صحيح.

(1) الوجور: دواء يوجر في وسط الفم (مجمع البحرين: ج 3 ص 509 مادة وجر).
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) الخلاف: ج 2 ص 182 و 183 المسألة 26 و 27.
(4) السرائر: ج 1 ص 386.

[ 429 ]

وأما وجوب الكفارة عنها على الزوج لو أكرهها فهو المشهور، والظاهر أن ابن أبي عقيل (1) لم يوجبه، كما هو مذهب الشافعي (2). والدليل عليه: أن الجماع لو وقع باختيارهما أوجب الكفارتين بلا خلاف وهو فعل واحد اقتضى هذا الحكم، فإذا أكرهها كان مستندا في الحقيقة إليه فأوجب حكمه عليه. ويؤيده ما رواه المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في رجل أتى امرأته وهو صائم وهي صائمة، فقال: إن استكرهها فعليه كفارتان، وإن كانت طاوعته فعليه كفارة وعليها كفارة (3). وأما فرق الشيخ فليس بجيد وقد سبق البحث فيه. واعلم أن في قول الشيخ نظر، فإنه أوجب الكفارتين لو كانت نائمة، وفيه إشكال منشأه أن الأصل براءة الذمة، والنص ورد على المكرهة، والفرق ظاهر بين المكره وبين الواطئ حالة النوم، لإمكان رضاها به لو كانت مستيقظة. مسألة: لو أكره أجنبية على الفجور، قال الشيخ في المبسوط: ليس لأصحابنا فيه نص، والذي يقتضيه الأصل أن عليه كفارة واحدة، لأن حملها على الزوجة قياس لا نقول به. قال: ولو قلنا: إن عليه كفارتين لعظم المأثم فيه كان أحوط (4). وقال ابن إدريس: لو كانت أمته فكفارة واحدة عليه، وحملها على الزوجة قياس لا نقول به في الأحكام الشرعية، وكذلك إن كانت مزنيا بها (5).

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) الأم: ج 2 ص 100.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 215 ح 625. وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 37 - 38.
(4) المبسوط: ج 1 ص 275.
(5) السرائر: ج 1 ص 386.

[ 430 ]

والأقرب إلحاق الأمة بالزوجة عملا بالحديث الذي رويناه في المسألة السابقة عن المفضل بن عمر، عن الصادق - عليه السلام - بأن المرأة تصدق في حق الزوجة والأمة، فإن كلا منهما يصدق عليهما أنها امرأته. وأما المزني بها فإشكال ينشأ من كون الكفارة عقوبة على الذنب، وهو هنا أفحش، فكان إيجاب الكفارة أولى، ومن أن الكفارة لتكفير الذنب، وقد يكون الذنب قويا لا يؤثر في إسقاطه، بل ولا في تخفيفه الكفارة. مسألة: لو جامع أو أفطر جاهلا بالتحريم، قال ابن إدريس: لا يجب عليه شئ (1)، وهو الظاهر من كلام الشيخ في التهذيب، فأنه تأول حديث عمار بن موسى، عن الصادق - عليه السلام - " في الرجل يجامع أهله وهو صائم، قال: يغتسل ولا شئ عليه " (2) بأن يكون جاهلا، لما رواه زرارة وأبو بصير قالا: سألنا الباقر - عليه السلام - عن رجل أتى أهله في شهر رمضان وأتى أهله وهو محرم وهو لا يرى إلا أن ذلك حلال له، قال: ليس عليه شئ (3). والأقرب عندي تعلق الحكم به. لنا: إنه تعمد فعل المفطر، والجهل ليس عذرا، وإلا لزم سقوط التكاليف عن الجاهلين بها، وفي طريق حديث زرارة علي بن فضال، وفيه قول. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لو شك في دخول الليل لوجود عارض في السماء ولم يعلم بدخول الليل ولا غلب على ظنه ذلك فأفطر ثم تبين له بعد ذلك إنه كان نهارا كان عليه القضاء، فإن كان قد غلب على ظنه دخول الليل

(1) السرائر: ج 1 ص 386.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 208 ح 602. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 11 ج 7 ص 34.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 208 ح 603. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 12 ج 7 ص 35.

[ 431 ]

ثم تبين له أنه كان نهارا لم يكن عليه شئ (1)، وهو اختيار الصدوق محمد بن بابويه (2). وعد في المبسوط فيما يوجب القضاء الافطار لعارض يعرض في السماء من ظلمة ثم تبين له أن الليل لم يدخل. قال: وقد روي أنه إذا أفطر عند أمارة قوية لم يلزمه القضاء (3). وقال المفيد: ومن ظن أن الشمس قد غابت لعارض من الغيم أو غير ذلك فأفطر ثم تبين أنها لم تكن غابت في تلك الحال وجب عليه القضاء، لأنه انتقل عن يقين النهار إلى ظن الليل فخرج عن الفرض بشك، وذلك تفريط منه في الفرض (4)، وكذا أوجب السيد المرتضى (5)، وسلار (6)، وأبو الصلاح (7) القضاء مع الظن. وعد ابن أبي عقيل (8) فيما يوجب القضاء خاصة الافطار قبل غروب الشمس، وأطلق. وعد ابن البراج فيما يوجب القضاء خاصة تناول ما يفطر ممن شك في دخول الليل لوجود عارض، ولم يعلم ولا غلب على ظنه دخوله (9). وقال ابن إدريس: من ظن أن الشمس قد غابت لعارض يعرض في السماء

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 398.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 121 ذيل الحديث 1902.
(3) المبسوط: ج 1 ص 272.
(4) المقنعة: ص 358.
(5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 55.
(6) المراسم: ص 98.
(7) الكافي في الفقه: ص 183. (8) لم نعثر على كتابه.
(9) المهذب: ج 1 ص 192.

[ 432 ]

من ظلمة أو قيام ولم يغلب على ظنه ذلك ثم تبين الشمس بعد ذلك فالواجب عليه القضاء دون الكفارة، فإن كان مع ظنه غلبة قوية فلا شئ عليه من قضاء ولا كفارة، لأن ذلك فرضه، لأن الدليل قد فقده فصار تكليفه في عبادته غلبة ظنه، فإن أفطر لا عن إمارة ولا ظن فيجب عليه القضاء والكفارة (1). احتج الشيخ - رحمه الله - بأنه مكلف بالظن عند تعذر العلم، وقد فعل ما أمر به على وجهه فيخرج عن العهدة، لدلالة الأمر على الإجزاء. وما رواه زرارة في الصحيح قال: قال أبو جعفر - عليه السلام -: وقت المغرب إذا غاب القرص، فإن رأيته بعد ذلك وقد صليت أعدت الصلاة ومضى صومك، وتكف عن الطعام إن كنت أصبت منه شيئا (2). وعن أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل صام ثم ظن أن الشمس قد غابت وفي السماء علة فأفطر، ثم أن السحاب انجلى فإذا الشمس لم تغب، فقال: قد تم صومه ولا يقضيه (3). وعن زيد الشحام، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في رجل صائم ثم طن أن الليل قد كان دخل وإن الشمس قد غابت وكان في السماء سحاب فأفطر، ثم إن السحاب انجلى فإذا الشمس لم تغب، فقال: تم صومه ولا يقضيه (4). وبما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال لرجل ظن أن

(1) السرائر: ج 1 ص 377.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 271 ح 818. وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 87.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 270 - 271 ح 816. وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 3 ج 7 ص 88.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 271 ح 817. وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 4 ج 7 ص 88.

[ 433 ]

الشمس قد غابت فأفطر ثم أبصر الشمس بعد ذلك، قال ليس عليه قضاء (1). احتج المفيد بما رواه يونس بن عبد الرحمن، عن أبي بصير وسماعة وفي الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في قوم صاموا شهر رمضان فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشمس فرأوا أنه الليل، فقال: على الذي أفطر صيام ذلك اليوم، أن الله - عزوجل - يقول: " ثم أتموا الصيام إلى الليل "، فمن أكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه، لأنه أكل متعمدا (2). ولأنه أفطر متعمدا في نهار رمضان فأفسد صومه وسقطت الكفارة للشبهة، ولانتفاء العلة التي هي الهتك. والجواب عن الرواية: إن في الطريق محمد بن عيسى اليقطيني، عن يونس. وكان شيخنا الصدوق محمد بن بابويه يتوقف فيما يرويه محمد بن عيسى، عن يونس (3). ويحتمل أن يكون قوله - عليه السلام -: " على الذي أفطر صيام ذلك اليوم " المراد منه: أن يكون قد أفطر مع شكه لا مع ظنه. وعن الثاني: المنع من أنه تعمد الأكل في نهار رمضان. وأعلم أن قول شيخنا المفيد - رحمه الله تعالى - ليس بعيدا من الصواب، وروايته جيدة. والرواية الأولى للشيخ وإن كانت صحيحة لكنها غير دالة بالتنصيص على

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 318 ح 968. وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 2 ج 7 ص 88.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 270 ح 815. وسائل الشيعة: ب 50 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 5 ص 87.
(3) نقله عنه الشيخ الطوسي في الاستبصار: ج 3 ص 156 ذيل الحديث 518. والنجاشي في رجاله: ص 333 الرقم 896.

[ 434 ]

المطلوب، إذ ليس يلزم من مضي الصوم عدم القضاء. والرواية الثانية في طريقها محمد بن الفضيل وهو ضعيف. والثالثة في طريقها ابن فضال وأبو جميل، وفيهما قول. والرابعة في طريقها أبان، فإن كان هو أبان بن عثمان ففيه قول أيضا. وقول الشيخ: " أنه مكلف بالظن ". قلنا: نعم ما لم يظهر الكذب فيه، وكذا لو ظن الطهارة لوجبت عليه الصلاة، لو انكشف فساد ظنه وجبت عليه الإعادة، وهو كثير النظائر. فعلم إن مطلق الظن غير كاف في السقوط، بل ما لم يظهر فساده. قال الصدوق محمد بن بابويه عقيب رواية زرارة، عن الباقر - عليه السلام - ورواية زيد، عن الصادق - عليه السلام -: وبهذه الأخبار أفتي ولا أفتي بالخبر الذي أوجب القضاء عليه، لأن رواية سماعة بن مهران وكان واقفيا (1). ونحن في هذه المسألة من المتوقفين، وإن كان الميل إلى ما أفتى به المفيد - رحمه الله -، لأنه أكثر في الفتيا. ورواية سماعة رواها الشيخ عن أبي بصير أيضا في الصحيح (2). واعلم أن قول ابن إدريس في غاية الاضطراب، لأنه أوجب القضاء مع الظن وأسقطه مع غلبته، ومنشأ خياله هذا ما وجده في كلام شيخنا أبي جعفر - رحمه الله - أنه متى غلب على ظنه لم يكن عليه شئ، فقد توهم أن غلبة الظن مرتبة أخرى راجحة على الظن، ولم يقصد الشيخ ذلك، فإن الظن هو رجحان أحد الاعتقادين، وليس للرجحان مرتبة محدودة تكون ظنا وأخرى تكون غلبة الظن.

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 121 ح 1902 وذيله.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 270 ح 815. وسائل الشيعة: ب 50 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 87.

[ 435 ]

ثم قوله: " إن أفطر لا عن أمارة ولا ظن وجب عليه القضاء والكفارة " خطأ، لأنه لو أفطر مع الشك لوجب عليه القضاء خاصة، فهذا كلام من لا يحقق شيئا. مسألة: المشهور أنه إذا أمنى عند الملامسة وجب عليه القضاء والكفارة. وقال ابن الجنيد (1): لا بأس ما لم يتولد منه مني أو مذي، فإن تولد ذلك وجب القضاء، وإن اعتمد إنزال ذلك وجب القضاء والكفارة. والكلام معه في مقامين: الأول: في إيجاب القضاء بالمذي، وهو الظاهر من كلامه، فإن المذي لا يجب به شئ. الثاني: إنه لو أمنى عند الملامسة من غير قصد الانزال وجب عليه القضاء والكفارة على المشهور، وعنده يجب القضاء خاصة. أما الأول: فيدل عليه أصالة البراءة. ولأن المذي غير نجس، ولا يوجب طهارة، ولا ينقض وضوء على ما تقدم. وما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يضع يده على جسد امرأته وهو صائم، فقال: لا بأس، وإن أمذى فلا يفطر (2). وعن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل كلم امرأته في شهر رمضان وهو صائم، فقال: ليس عليه شئ، وإن أمذى فليس عليه شئ (3).

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 272 ح 823. وسائل الشيعة: ب 55 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 92.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 272 ح 824. وسائل الشيعة: ب 55 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 2 ج 7 ص 92.

[ 436 ]

احتج بما رواه رفاعة بن موسى قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل لا مس امرأته في شهر رمضان فأمذى، قال: إن كان حراما فليستغفر الله استغفار من لا يعود أبدا ويصوم يوما مكان يوم، وإن كان من حلال فليستغفر الله تعالى ولا يعود ويصوم يوما مكان يوم (1). قال الشيخ: هذا حديث شاذ مخالف لفتيا مشائخنا كلهم، ولعل الراوي وهم في قوله - في آخر الخبر -: " ويصوم يوما مكان يوم "، لأن متضمن الخبر يدل عليه. ألا ترى أنه شرع في الفرق بين أن يكون أمذى من مباشرة حرام أو حلال، ولا فرق في الرواية التي رواها فعلم أنه وهم (2). وأما الثاني: فيدل عليه أنه أنزل في نهار شهر رمضان عقيب فعل يحصل معه الانزال، فكان عليه القضاء والكفارة. وما رواه سماعة قال: سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل، قال: عليه إطعام ستين مسكينا، مد لكل مسكين (3). وعن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل وضع يده على شئ من جسد امرأته فأدفق، قال: كفارته أن يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا أو يعتق رقبة (4). احتج بأنه أنزل من غير قصد فلا يجب عليه الكفارة، كالمتمضمض للتبرد.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 272 ح 825. وسائل الشيعة: ب 55 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 3 ج 7 ص 92 وفيهما: لامس جارية.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 273 ذيل الحديث 825.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 320 ح 980. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 4 ج 7 ص 25.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 320 ح 981. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 5 ج 7 ص 26.

[ 437 ]

والجواب: إنه قصد فعلا يحصل معه الامناء، فكان كالمجامع. مسألة: قال ابن الجنيد (1): لو أمذى من عينيه دون تعبيثه (2) فرجه قضى ذلك اليوم ولم يعتد به في القضاء. والحق أنه لا قضاء عليه. لنا: إن الامذاء ليس حدثا ينقض طهارة، ولا يوجب إفطارا على ما سلف في المسألة السابقة.

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) في متن المطبوع: من عبثه دون تعيينه، ق: من عينيه دون تعينه.

[ 438 ]

الفصل الثالث في الكفارة مسألة: المشهور إن كفارة إفطار يوم من شهر رمضان عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا مخير في ذلك، ذهب إليه الشيخان (1)، وابن الجنيد (2)، وابنا بابويه (3)، والسيد المرتضى (4)، وأبو الصلاح (5)، وسلار (6)، وابن البراج (7)، وابن إدريس (8). وقال ابن أبي عقيل (9): الكفارة عتق رقبة، فإن لم يجدها فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا، وهذا يدل على الترتيب.

(1) المقنعة: ص 345. النهاية ونكتها: ج 1 ص 397.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) المقنع: ص 60 - 61. ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(4) الانتصار: ص 69.
(5) الكافي في الفقه: ص 182 - 183.
(6) المراسم: ص 187.
(7) المهذب: ج 2 ص 422.
(8) ج 1 ص 378 - 379.
(9) لم نعثر على كتابه.

[ 439 ]

ونقل الشيخ في الخلاف: إن فيه روايتين الترتيب والتخيير (1)، ولم يرجح أحدهما. وفي المبسوط اختار التخيير، ثم قال: وقد روي أنها مرتبة مثل كفارة الظهار (2). وقال في الاقتصاد: وفي أصحابنا من قال: إنها مرتبة كالظهار (3). ونقل السيد المرتضى - عقيب ذكر الكفارة - في الجمل: وقيل إنها مرتبة، وقيل: إنها مخير فيها (4). لنا: إن الأصل براءة الذمة من الترتيب. وما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر، قال: يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا، فإن لم يقدر تصدق بما يطيق (5). وعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا، قال: عليه خمسة عشر صاعا، لكل مسكين مد مثل الذي صنع رسول الله صلى الله عليه وآله (6).

(1) الخلاف: ج 2 ص 186 المسألة 32.
(2) المبسوط: ج 1 ص 271.
(3) الاقتصاد: ص 288.
(4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 55.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 205 ح 594. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 28.
(6) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 207 ح 599. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 10 ج 7 ص 30.

[ 440 ]

لا يقال: لا يصح التمسك بهذا الحديث لوجهين: الأول: من حيث السند، فإن في طريقه أبان بن عثمان الأحمر وكان ناووسيا. الثاني: إنه يقتضي إيجاب الاطعام وأنتم لا تقولون به، بل الواجب أحد الثلاثة لا بعينه، فما يدل الحديث عليه لا تقولون به وما تقولون به لا يدل الحديث عليه، فلا يصلح دليلا على المطلوب. لأنا نجيب عن الأول: بأن أبان وإن كان ناووسيا إلا أنه كان ثقة. وقال الكشي: إنه مما اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح نقله عنه (1). والاجماع حجة قاطعة، ونقله بخبر الواحد حجة. وعن الثاني: أنه لا ينافي مطلوبنا، بل هو دال عليه، لأن الواجب المخير يصدق على كل واحد من أفراده أنه واجب. احتج ابن أبي عقيل بالاحتياط. ولأن شغل الذمة بالكفارة معلوم، ومع انتفاء العتق لا يحصل يقين البراءة فيبقى في العهدة. وما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن المشرقي، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن رجل أفطر من شهر رمضان أياما متعمدا ما عليه من من الكفارة؟ فكتب: من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا فعليه عتق رقبة مؤمنة ويصوم يوما بدل يوم (2). وفي الصحيح عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله - عليه السلام - أنه سئل

(1) رجال الكشي: ص 375 الرقم 705.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 207 ح 600. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 11 ج 7 ص 31.

[ 441 ]

عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا، فقال: إن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وآله - فقال: هلكت يا رسول الله، فقال: مالك؟ فقال: النار يا رسول الله فقال: ومالك؟ فقال: وقعت على اهلي، فقال: تصدق واستغفر ربك، فقال الرجل: فوالذي عظم حقك ما تركت في البيت شيئا قليلا ولا كثيرا، قال: فدخل رجل من الناس بمكتل من تمر فيه عشرون صاعا يكون عشرة أصوع بصاعنا، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وآله -: خذ هذا التمر فتصدق به، فقال: يا رسول الله على من أتصدق وقد أخبرتك أنه ليس في بيتي قليل ولا كثير؟ قال: فخذه أطعمه عيالك واستغفر الله - عزوجل - قال: فلما رجعنا قال أصحابنا: إنه بدأ بالعتق، قال: أعتق أو صم أو تصدق (1). والجواب عن الأول: أن الاحتياط معارض بأصالة براءة الذمة. وعن الثاني: بمنع العلم بشغل الذمة بعد فعل الصوم أو الصدقة. وعن الرواية إنا نقول بموجبها، فإن إيجاب العتق أعم من إيجابه بحيث لا يكون له بدل ومن إيجابه بحيث يكون له بدل، والعام لا يدل على الخاص، فليس إيجابه على الوجه الأول أولى من إيجابه على الوجه الثاني. وعن الرواية الثانية: إنها غير دالة على مطلوبكم، لأن الواجب ابتداء (2) عندكم هو العتق. فإن قلتم: أن النبي - صلى الله عليه وآله - علم من حال الأعرابي الحاجة، فلهذا عدل - صلى الله عليه وآله - في الجواب بالعتق إلى الجواب بالصدقة. قلنا: ولعله - عليه السلام - علم من حاله العجز عن الصوم، فلهذا عدل عن

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 206 ح 595. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 2 ج 7 ص 29.
(2) م (2): الابتداء.

[ 442 ]

الجواب بالتخيير بينه وبين غيره إلى الجواب بالصدقة، ويدل عليه أن الواجب إطعام ستين مسكينا، ومن المستبعد أن يكون عيال ذلك الأعرابي يبلغ هذا العدد، فأمره - عليه السلام - بصرفه إلى عياله تبرعا منه - عليه السلام - بالصدقة عليهم لا من حيث الكفارة، ثم أمره - عليه السلام - بالاستغفار الذي هو كفارة من لا شئ معه. قال الشيخ في الخلاف: خبر الأعرابي يدل على الترتيب (1)، وقد بينا وجه الخلاص منه. ولعل الشيخ أشار إلى غير هذا الحديث، وهو ما رواه ابن بابويه. قال: إن رجلا من الأنصار أتى النبي - صلى الله عليه وآله - فقال: يا رسول الله هلكت وأهلكت، فقال: وما أهلكك؟ قال: أتيت أهلي في شهر رمضان وأنا صائم، فقال له النبي - صلى الله عليه وآله - أعتق رقبة، قال: لا اجد، قال: صم شهرين متتابعين، قال: لا أطيق، قال: تصدق على ستين مسكينا، قال: لا اجد، قال: فأتى النبي - صلى الله عليه وآله - بعذق في مكتل فيه خمسة عشر صاعا من تمر، فقال له النبي - صلى الله عليه وآله -: خذها فتصدق بها، فقال له الرجل: والذي بعثك بالحق ما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا إليها، فقال: خذه وكله واطعم عيالك فإنه كفارة لك (2). مسألة: ذهب السيد المرتضى إلى اشتراط الايمان في الرقبة هنا، نقله واختاره ابن إدريس (3)، ولم يشترط الشيخ الايمان إلا في قتل الخطأ (4).

(1) الخلاف: ج 2 ص 187 ذيل المسألة 32.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 115 ح 1885. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 5 ج 7 ص 30.
(3) السرائر: ج 1 ص 378.
(4) الخلاف: ج 2 ص 187 المسألة 33.

[ 443 ]

والأقرب الأول. لنا: قوله تعالى: " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " (1)، وغير المؤمنين خبيث، فلا يجوز انفاقه الذي عتقه نوع منه، والنهي يدل على الفساد في العبادات، ورواية المشرقي، عن الرضا - عليه السلام - في قوله: " من أفطر يوما من شهر رمضان فعليه عتق رقبة مؤمنة ". ولأنه أحوط. ولأن الذمة إنما تبرأ بيقين معه. احتج الشيخ بأن الأمر ورد مطلقا، وقد امتثل بايقاعه فيخرج عن العهدة، وبأصالة البراءة (2). والجواب: قد بينا ورود الأمر بالايمان، والبراءة معارضة بالاحتياط. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (3) والمبسوط (4): والاطعام لكل مسكين مدان، وروي مد. وقال الصدوق ابن بابويه في كتاب المقنع: لكل مسكين مد (5)، واختاره ابن إدريس (6)، وهو الأقرب. لنا: الأصل براءة الذمة. ولأن الاطعام دائما غير مراد قطعا ولا مسمى الاطعام، فلا بد من الضابط وهو شبع الفقير، والغالب الشبع بمد، فكان هو المراد في الإطلاق. وما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال:

(1) البقرة: 267.
(2) الخلاف: ج 2 ص 187 ذيل المسألة 33.
(3) الخلاف: ج 2 ص 188 المسألة 36.
(4) المبسوط: ج 1 ص 271.
(5) المقع: ص 61.
(6) السرائر: ج 1 ص 378.

[ 444 ]

سألته عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا، قال: عليه خمسة عشر صاعا، لكل مسكين مد بمد النبي صلى الله عليه وآله (1). وفي الموثق عن سماعة، قال: سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل، قال: عليه إطعام ستين مسكينا، مد لكل مسكين (2). ولأن المد بدل عن اليوم، فكذا هنا روى العيص بن القاسم في الصحيح قال: سألته عمن لا يصوم الثلاثة الأيام وهو يشتد عليه الصيام هل عليه فداء؟ قال: مد من طعام في كل يوم (3). احتج الشيخ بأنه أحوط: وبأن المدين بدل عن اليوم في كفارة صيد الاحرام. والجواب عن الأول: أنه معارض بالبراءة. وعن الثاني: إنه معارض بما تقدم من أن المد بدل عن اليوم. مسألة: لو عجز عن هذه الثلاثة وجب عليه صوم ثمانية عشر يوما، قاله المفيد (4)، والسيد المرتضى (5)، وابن إدريس (6). وقال ابن الجنيد (7)، والصدوق محمد ابن بابويه في المقنع (8): يتصدق بما

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 207 ح 599. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 10 ج 7 ص 31.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 320 ح 980. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 12 ج 7 ص 32.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 313 ح 947. وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الصوم المندوب ح 1 ج 7 ص 317.
(4) المقنعة: ص 345 - 346.
(5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 55.
(6) السرائر: ج 1 ص 379.
(7) لم نعثر على رسالته.
(8) المقنع: ص 61.

[ 445 ]

يطيق. والأقرب عندي التخيير. لنا: إنهما وردا معا، وليس الجمع مرادا، والأصل عدم الترتيب فوجب القول بالتخيير. أما المقدمة الأولى: فلما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا من غير عذر، قال: يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا، فإن لم يقدر على ذلك تصدق بما يطيق (1). وعن أبي بصير وسماعة أنهما سألا أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يكون عليه صيام شهرين متتابعين فلم يقدر على الصيام ولم يقدر على العتق ولم يقدر على الصدقة، قال: فليصم ثمانية عشر يوما عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام (2). وأما باقي المقدمات فظاهرة. واحتج كل من الفريقين بالحديث الذي نقلناه من طرقه. والجواب: العمل بمضمونهما معا أولى من اهمال أحدهما. ولأن الأصل مخير فيه بين الصوم والصدقة، فكذا ما يترتب عليه حالة العجز. مسألة: قال المفيد (3)، والسيد المرتضى (4): الثمانية عشر يوما متتابعات.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 205 ح 594. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 28 - 29.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 207 - 208 ح 601. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 1 ج 7 ص 279 وفيه: عن أبي بصير عن أبي عبد الله - عليه السلام -.
(3) المقنعة: ص 346.
(4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 55.

[ 446 ]

وأطلق الشيخ الأيام (1)، ولم يقيدها بالتتابع، وهو الأقرب. لنا: الأصل براءة الذمة. ولأنه امتثل المأمور به فوجب أن يخرج عن العهدة. أما المقدمة الأولى: فلأن الحديث الدال على الثمانية عشر ليس فيه إشعار بالتتابع، فلا دليل عليه من حيث النص، بل دلالة النص على المطلق وقد أتى به. وأما الثانية فظاهرة. احتج المفيد والسيد المرتضى بأنها بدل عن صوم متتابع فوجب فيها التتابع، ولأنه أحوط. والجواب: المنع من مساواة البدل للمبدل منه في كل أحكامه، بل كما ثبت التخفيف في الكمية كذا ثبت في الكيفية للمناسبة، والاحتياط معارض بالبراءة الأصلية. مسألة: قال الشيخ في النهاية: الكفارة عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا أي ذلك فعل أجزأه، فإن لم يتمكن فليتصدق بما تمكن منه، فإن لم يتمكن من الصدقة صام ثمانية عشر يوما، فإن لم يقدر صام ما تمكن منه، فإن لم يتمكن من ذلك قضى واستغفر الله تعالى، وليس عليه شئ (2). وهذا الكلام يدل على أنه جعل صوم الثمانية عشر يوما مرتبة متوسطة بين الصدقة بما استطاع وبين الصوم بما تمكن. والسيد المرتضى قال: لو عجز عن الثلاثة صام ثمانية عشر يوما

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 397.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 397.

[ 447 ]

متتابعات (1)، فإن تعذر تصدق بما وجد وصام بما استطاع. والأقرب ما قدمناه نحن أولا، وقد ذكرنا وجهه. مسألة: لو أفطر بجماع محرم عليه أو طعام محرم في نهار رمضان، قال الصدوق محمد بن بابويه: إني أفتي بإيجاب ثلاثة كفارات عليه، لوجود ذلك في روايات أبي الحسين الأسدي - رضي الله عنه - فيما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه (2). وبه قال ابن حمزة (3)، والشيخ - رحمه الله تعالى - حيث روى عن سماعة في الموثق قال: سألته عن رجل أتى أهله في شهر رمضان متعمدا، فقال: عليه عتق رقبة واطعام ستين مسكينا وصيام شهرين متتابعين وقضاء ذلك اليوم، وأنى له مثل ذلك اليوم. قال: أنه يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الواو بمعنى " أو "، كقوله تعالى: " مثنى وثلاث ورباع ". الثاني: إنه مختص بمن أتى أهله في وقت لا يحل له ذلك في غير حال الصوم ويفطر على شئ محرم مثل مسكر أو غيره، فإنه متى كان الأمر على ذلك لزمه ثلاث كفارات على الجمع (4). واستدل بما رواه أبو جعفر بن بابويه - رحمه الله تعالى -، عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيشابوري، عن علي بن محمد بن قتيبة عن حمدان بن سليمان، عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت للرضا - عليه السلام -: يابن رسول الله قد روي عن آبائك - عليهم السلام - فيمن جامع في شهر رمضان أو أفطر فيه ثلاث كفارات، وروي عنهم أيضا كفارة واحدة فبأي الخبرين

(1) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 55.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 118 ذيل الحديث 1892.
(3) الوسيلة: ص 146. (4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 208 ح 604 وذيله.

[ 448 ]

نأخذ؟ قال: بهما جميعا فمتى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات: عتق رقبة وصيام شهرين متتابعين واطعام ستين مسكينا وقضاء ذلك اليوم، وإن كان نكح حلالا أو أفطر على حلال فعليه كفارة واحدة (1). أقول: في طريق هذه الرواية عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيشابوري، ولا ولا يحضرني الان حاله، فإن كان ثقة فالرواية صحيحة يتعين العمل بها. واعلم أن تأويل الشيخ الرواية الأولى في كتابي الأخبار (2) بما ذكره يدل على اختياره، لذلك إذ لا يجوز حمل الرواية على المذهب الباطل عند المتأول. والمشهور إيجاب كفارة واحدة عملا بأصالة البراءة، وبما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر، قال: يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا، فإن لم يقدر تصدق بما يطيق (3)، وغيرها من الروايات (4) الدالة على إيجاب أحد الثلاثة عقيب السؤال عن مطلق الافطار الشامل للمحلل والمحرم، وترك الاستفصال في الجواب عقيب عموم السؤال يقتضي العموم.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 209 ح 605. وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 35.
(2) راجع تهذيب الأحكام: ج 4 ص 208 - 209 ذيل الحديث 604. الاستبصار: ج 2 ص 97 ذيل الحديث 315.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 205 ح 594. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 28 - 29.
(4) راجع تهذيب الأحكام: ج 4 ص 205 باب 55. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ج 7 ص 28.

[ 449 ]

مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا كرر الوطئ لا تتكرر الكفارة، وربما قال المرتضى من أصحابنا: إنه يجب عليه لكل مرة كفارة (1). وقال في المبسوط: متى تكرر منه ما يوجب الكفارة فلا يخلو إما أن يتكرر ذلك في يوم أو أيام في شهر رمضان واحد، أو يتكرر في رمضانين، أو يتكرر منه قبل التكفير عن الأول أو بعده. ولا خلاف أن التكرر في رمضانين يوجب تكرير الكفارة، سواء كفر عن الأول أو لم يكفر. وأما إذا تكرر في يومين في رمضان واحد ففيه الخلاف بين الفرقة، أن ذلك يوجب تكرار الكفارة، سواء كفر عن الأول أو لم يكفر. فأما إذا تكرر ذلك في يوم واحد فليس لأصحابنا فيه نص معين. والذي يقتضيه مذهبنا أنه لا يتكرر عليه الكفارة، لأنه لا دلالة على ذلك، والأصل براءة الذمة. وفي أصحابنا من قال: إن كفر عن الأول فعليه كفارة، وإن لم يكن كفر فالواحدة تجزئه، وإنما قاله قياسا، وذلك لا يجوز عندنا. قال: وفي أصحابنا من قال: يوجب تكرار الكفارة عليه على كل حال، ورجع إلى عموم الأخبار. والأول أحوط (2). وقال أبو علي ابن الجنيد (3) - رحمه الله -: وإذا وجبت الكفارة فعاود من وجبت عليه في اليوم الواحد ذلك الفعل مرارا لم يلزمه غير تلك الكفارة الواحدة، فإن أخرجها وعاود في غير ذلك اليوم لزمه لكل مرة كفارة ولكل يوم كفارة.

(1) الخلاف: ج 2 ص 189 المسألة 38.
(2) المبسوط: ج 1 ص 274.
(3) لم نعثر على كتابه.

[ 450 ]

وقال ابن أبي عقيل (1): ذكر أبو الحسن زكريا بن يحيى صاحب كتاب شمس الذهب عنهم - عليهم السلام - أن الرجل إذا جامع في شهر رمضان عامدا فعليه القضاء والكفارة، فإن عاود في المجامعة في يومه ذلك مرة أخرى فعليه في كل مرة كفارة. ولم يفت هو في ذلك بشئ، بل ذكر هذا النقل ومضى. وقال ابن حمزة: بعدم التكرير (2). والأقرب عندي أنه إن تغاير جنس المفطر تعددت الكفارة، سواء اتحد الزمان أو لا، كفر عن الأول أو لا، وإن اتحد جنس المفطر في يوم واحد فإن كفر عن الأول تعددت الكفارة، وإلا فلا. لنا: على الأول: أن الكفارة تترتب على كل واحد من المفطرات، فمع الاجتماع لا يسقط الحكم، وإلا لزم خروج الماهية عن مقتضاها حالة انضمامها إلى غيرها، فلا تكون الماهية، هذا خلف. ويؤيده ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن الصادق - عليه السلام - في رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا، قال: عليه خمسة عشر صاعا (3). وعن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني، قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع (4). إذا عرفت هذا فنقول: لو أفطر الانسان بأكل أو شرب أو جماع وجبت عليه

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) الوسيلة: ص 146.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 207 ح 599. وسائل الشيعة: ب 8 ما يمسك عنه الصائم ح 10 ج 7 ص 31.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 206 ح 597. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 25.

[ 451 ]

الكفارة بالحديث الأول، ولو عاد فعبث بأهله حتى أمنى وجبت عليه الكفارة للحديث الثاني، فإنه دل على إطلاق هذا الفعل. ولأنه بعد الافطار يجب عليه الامساك، ويحرم عليه فعل المفطر ثانيا، فكان عليه من العقوبة بالهتك ثانيا كما كان عليه أولا، لاشتراكهما في مخالفة الأمر بالامساك. ولأن إيجاب الكفارة معلق على الجماع مطلقا، وهو صادق في المتأخر عن الافطار صدقة في المتقدم وماهيته واحدة فيهما، فيثبت الحكم المعلق على مطلق الماهية. وأما مع اتحاد الجنس فإن كفر عن الأول تعددت الكفارة أيضا، لأن الثاني جماع وقع في زمان يجب الامساك عنه فيترتب عليه وجوب الكفارة، لأنها معلقة على مطلق الجماع، والثاني مساو للأول في الماهية، وإذا كان موجبا للكفارة فإما أن تكون الكفارة الواجبة هي التي وجبت أو لا، فيلزم تحصيل الحاصل وهو محال، وإن كانت غيرها ثبت المطلوب. ويؤيده ما روي عن الرضا - عليه السلام - أن الكفارة تتكرر بتكرر الوطئ (1). لا يقال: هذا أعم من أن يقع عقيب أداء الكفارة وعدمه. لأنا نقول: المطلق لا عموم له، وإلا لم يبق فرق بينه وبين العام. وأما إذا لم يكفر عن الأول فلأن الحكم معلق على الافطار وهو أعم من المتعدد والمتحد، والأصل براءة الذمة. وقول الشيخ - رحمه الله -: " أنه قياس لا نقول به " ليس بجيد، لأن الرواية قد دلت على تكررها بتكرر الوقاع.

(1) الخصال: ج 2 ص 450 ح 54. عيون أخبار الرضا: ج 1 ص 254 باب 26 ح 3.

[ 452 ]

مسألة: قال الشيخ: من فعل ما يوجب عليه الكفارة في أول النهار ثم سافر أو مرض مريضا يبيح له الافطار أو حاضت المرأة فإن الكفارة لا تسقط عنه بحال (1). وادعى في الخلاف عليه إجماع الفرقة (2) وكذا قال ابن الجنيد (3). وقيل: بالسقوط (4)، وهو الأقرب عندي إن كان المسقط من قبل الله تعالى كالحيض والمرض والاغماء والجنون، أو من قبله وإن كان باختياره لا لذلك كالسفر. أما لو كان غرضه من فعل المسقط إسقاط الكفارة فلا، كما لو أفطر ثم خرج إلى السفر لإسقاطها فإن الكفارة لا تسقط عنه. لنا: إن هذا اليوم غير واجب صومه عليه في علم الله تعالى وقد انكشف لنا ذلك بتجدد العذر فلا تجب فيه الكفارة، كما لو انكشف أنه من شوال بالبينة. احتج الشيخ بأنه أفسد صوما واجبا في رمضان بفعل المفطر فاستقرت الكفارة، كما لو لم يطرأ العذر. والجواب: المنع من وجوب الصوم في نفس الأمر عندنا (5)، وكونه مكلفا في الابتداء بالصوم ظاهرا لا يقتضي وجوبه في نفس الأمر، فإنا بينا (6) عدم الوجوب، وإلا لزم التكليف بالمحال، فإنه في أول هذا اليوم لو كان مكلفا بالصوم المشروط بالطهارة مع تعذر حصولها لزم التكليف بالمحال، والاجماع الذي ادعاه الشيخ لم يثبت عندنا. مسألة: لو تبرع بالتكفير عن الحي، قال الشيخ في المبسوط: أجزأ (7). وقال بعض أصحابنا: لا يجزئ (8). والوجه عندي الأول.

(1) المبسوط: ج 1 ص 274.
(5) في م (1) وم (2) ون: وعندنا.
(2) الخلاف: ج 2 ص 219 ذيل المسألة 79.
(6) ن: فإنا قد بينا.
(3) لم نعثر على كتابه.
(7) المبسوط: ج 1 ص 276.
(4) لم نعثر على القائل، ونقله المحقق في الشرائع: ج 1 ص 194.
(8) شرائع الاسلام: ج 1 ص 195.

[ 453 ]

لنا: إنه دين قضي عن المديون فوجب أن تبرأ ذمته، كما لو كان لآدمي، بل هنا أولى، لأن حق الله تعالى مبني على التخفيف، ولرواية الأعرابي. احتج المخالف بقوله تعالى: " وأن ليس للانسان إلا ما سعى " (1). والجواب: إنا نقول بموجبه، المراد بالأصالة إذ إهداء الطاعات والصدقات صحيح، ويصل ثواب ذلك إلى الميت فكذلك الحي. مسألة: قال أبو الصلاح: من فعل المفطر مستحلا فهو مرتد إن كان بالاكل والشرب والجماع، وكافر بما عدا ذلك يحكم فيه بأحكام المرتدين أو الكفار (2). وهذا ليس بجيد، أما الحكم الأول فجيد للاجماع على تحريم الثلاثة، فمن استحل شيئا منها يكون قد خالف حكما مجمعا عليه فكان مرتدا، وأما البواقي فلا، فإن أكثر ما عدده من المفطرات ذهب جل أصحابنا إلى أنه غير مفطر، فكيف يحكم بكفر من يستحل ذلك؟! مسألة: قال أبن أبي عقيل (3): من جامع أو أكل أو شرب في قضاء من شهر رمضان أو صوم أو كفارة أو نذر فقد أثم، وعليه القضاء ولا كفارة عليه، وأطلق. وليس بجيد، بل أن أفطر في قضاء رمضان بعد الزوال وجب عليه إطعام عشرة مساكين، فإن عجز صام ثلاثة أيام، وإن كان في نذر معين وجب عليه مثل كفارة رمضان أو كفارة اليمين على الخلاف، وسيأتي تحقيق ذلك في باب الكفارات إن شاء الله تعالى، والإثم تابع لوجوب الكفارة فيسقط مع سقوطه.

(1) النجم: 39.
(2) الكافي في الفقه: ص 183.
(3) لم نعثر على كتابه.

[ 454 ]

الفصل الرابع فيمن يصح منه الصوم مسألة: قال المفيد - رحمه الله تعالى -: إذا أغمى على المكلف في الصيام قبل استهلال الشهر ومضى عليه أيام ثم أفاق كان عليه قضاء ما فاته من الأيام، فإن استهل عليه الشهر وهو يعقل فنوى صيامه وعزم عليه ثم أغمي عليه وقد صام شيئا منه أو لم يصم ثم أفاق بعد ذلك فلا قضاء، لأنه في حكم الصائم بالنية والعزيمة على أداء الفرض (1). فأوجب عليه القضاء إذا كان الاغماء سابقا على الصوم ثم استمر به لعدم النية، وهو مذهب السيد المرتضى (2)، وسلار (3)، وابن البراج (4). وقال الشيخ - رحمه الله تعالى -: لا قضاء عليه (5)، وهو قول ابن حمزة (6)، وابن إدريس (7).

(1) المقنعة: ص 352.
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 57.
(3) المراسم: ص 98.
(4) المهذب: ج 1 ص 196.
(5) المبسوط: ج 1 ص 285.
(6) الوسيلة: ص 150.
(7) السرائر: ج 1 ص 409.

[ 455 ]

وقال ابن الجنيد (1): المغمى عليه والمغلوب على عقله من غير سبب أدخله على نفسه لا قضاء عليه إذا لم يفق في اليوم كله، فإن أفاق في بعض اليوم ولم يكن فعل ما بمثله يفطر الصائم صام ذلك اليوم وأجزأه، وإن كانت الغلمة من محرم قضى كل ما غم عليه فيه. والمعتمد اختيار الشيخ. لنا: إنه غير مكلف بالصوم، لعدم شرط التكليف وهو العقل، والقضاء تابع لوجوب الأداء. وما رواه أيوب بن نوح في الصحيح قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث - عليه السلام - أسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضي ما فاته أم لا؟ فكتب - عليه السلام -: لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة (2). وفي الصحيح عن علي بن مهزيار قال: سألته عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتب - عليه السلام -: لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة (3). احتج المفيد - رحمه الله تعالى - بأنه مريض فيجب عليه القضاء لقوله تعالى: " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " (4). وما رواه حفص بن البختري في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: المغمى عليه يقضي صلاته ثلاثة أيام (5).

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 243 ح 711. وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب من يصح منه الصوم ح 1 ج 7 ص 161.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 243 ح 724. وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب يصح منه الصوم ح 6 ج 7 ص 162. (4) البقرة: 184.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 243 ح 716. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب قضاء الصلوات ح 8 ج 5 ص 357.

[ 456 ]

وايجاب القضاء تابع لوجوب الأداء، وهو يستلزم التكليف بالصلاة فيكون مكلفا بالصوم، إذ لا قائل بالفرق. والجواب عن الأول: المنع من وجوب القضاء على كل مريض، إذ التكليف مشروط بالعقل، وهو زائل عن المغمى عليه، والرواية لا تدل على المطلوب، لأن الصلاة آكد وأحق في القضاء، ومع ذلك فهي معارضة بما تلوناه من الأحاديث. وبما رواه عبد الله بن سنان وعبد الله بن المغيرة (1) في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: كلما غلب الله عليه فليس على صاحبه شئ (2). مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا نوى ليلا وأصبح مغمى عليه حتى ذهب اليوم صح صومه، وإذا نوى الصوم من الليل فأصبح مغمى عليه يوما ويومين وما زاد عليه كان صومه صحيحا، وكذلك إن بقي نائما يوما أو أياما، وكذلك إن أصبح صائما ثم جن في بعضه أو مجنونا فأفاق في بعضه ونوى فلا قضاء عليه (2). وهذا القول لا يدل بنفسه على أن صوم المغمى عليه إذا سبقت منه النية صحيح، كما اختاره المفيد (4)، وليس بجيد، لأن العقل الذي هو شرط التكليف زائل فيسقط المشروط وجوبا وندبا فلا يصح الصوم حينئذ، لأنه أما واجب أو ندب، وكلاهما ساقط. وأما النائم فأن نوى ثم نام صح صومه، ولو نام أياما فأن اكتفينا بنية

(1) في المصدر: عبد الله بن المغيرة عن عبد الله بن سنان.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 245 ح 726. وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب من يصح منه الصوم ح 3 ج 7 ص 161.
(3) الخلاف: ج 2 ص 198 المسألة 51.
(4) المقنعة: 352.

[ 457 ]

واحدة في الأيام المتعددة صح صومه مع سبق النية، وإلا وجب عليه القضاء، كما ذهبنا نحن إليه. وأما قوله: " إذا أصبح مجنونا فأفاق في بعضه ونوى فلا قضاء عليه " فإن قصد به أنه ينعقد صومه صحيحا فليس بجيد، لأن جزء الزمان ما لا يصح (1) صومه، والصوم عبادة لا تقبل التجزئ، وقول ابن الجنيد في المغمى عليه يناسب ذلك، كما نقلناه عنه أولا، وليس بجيد أيضا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: المغمى عليه إذا كان مغمى عليه من أول الشهر ونوى الصوم ثم أغمي عليه واستمر به أياما لو يلزمه قضاء شئ، لأنه بحكم الصائم، وإن لم يكن مفيقا في أول الشهر بل كان مغمى عليه وجب عليه القضاء على قول بعض أصحابنا. وعندي أنه لا قضاء عليه أصلا، لأن نيته المتقدمة كافية في هذا الباب، وإنما يجب ذلك على مذهب من راعى تعيين النية أو مقارنة النية التي هي القربة، ولسنا نراعي ذلك (2). وهذا القول ليس بجيد، لأن عدم القضاء في الأول ليس باعتبار أنه بحكم الصائم، بل باعتبار سقوط التكليف عنه، وفي الثاني ليس باعتبار تجويز تقديم النية، لأنا لو فرضناه غير ناو ثم أغمي عليه قبل الهلال لم يجب عليه القضاء عند الشيخ، بل الوجه ما قلناه نحن من عدم التكليف. مسألة: قال في المبسوط: لو دخل عليه شهر رمضان وهو مغمى عليه أو مجنون أو نائم وبقي كذلك يوما أو أيام كثيرة أفاق في بعضها أو لم يفق لم يلزمه قضاء شئ مما مر به، إلا ما أفطر فيه أو طرح في حلقه على وجه المداواة له فإنه يلزمه حينئذ القضاء، لأن ذلك لمصلحته ومنفعته، وسواء أفاق في بعض

(1) في متن المطبوع وق: ما لا يصح.
(2) المبسوط: ج 1 ص 285.

[ 458 ]

النهار أو لم يفق فإن الحال لا يختلف فيه (1). ومنع ابن إدريس من إيجاب القضاء مطلقا (2)، وهو الوجه. لنا: أنه غير مكلف فلا يجب بتناوله المفطر شئ. احتج الشيخ بأنه مع النية السابقة بحكم الصائم وصومه صحيح، ومع تناول المفطر لا يتحقق الصوم، لأنه عبارة عن الامساك فيجب عليه القضاء، وسقطت الكفارة للغدر. والجواب: المنع من صحة صومه. مسألة: النائم إذا نوى ليلا ثم استمر به النوم إلى آخر النهار صح صومه ولا قضاء عليه، وإن لم يسبق منه النية فإن انتبه قبل الزوال ونوى صح صومه ولا قضاء، وإن انتبه بعد الزوال أمسك وقضى. وقال ابن إدريس: النائم غير مكلف بالصوم، وليس صومه شرعيا (3)، وهو غلط، لأنه بحكم الصائم، ولا يسقط عنه التكاليف بنومه، لزوال عذره سريعا. مسألة: المرتد لا يصح صومه ويجب عليه القضاء، فلو ارتد في أثناء النهار عاد إلى الاسلام قبل أن يفعل المفطر، قال الشيخ: لا يبطل صومه بالارتداد (4)، وتابعه ابن إدريس (5)، وليس بمعتمد. لنا: إن الاسلام شرط وقد فات فيفوت مشروطه. ولأنه مضى جزء من النهار غير صائم ولا بحكم الصائم، والصوم عبادة واحدة لا يقبل التجزئ، وقد بطل جزؤها فيسري البطلان إلى الجمع. واحتجاج الشيخ بأنه لا دليل عليه ليس بجيد، فإن عدم الدليل ليس دليلا

(1) المبسوط: ج 1 ص 266.
(4) المبسوط: ج 1 ص 266.
(2) السرائر: ج 1 ص 366.
(5) السرائر: ج 1 ص 366.
(3) السرائر: ج 1 ص 365.

[ 459 ]

على العدم، وقد بيناه في كتبنا العقلية. مسألة: المشهور أن المسافر لا يصح منه صوم واجب مطلقا، سواء كان رمضان أو غيره، إلا ما استثني من النذر المقيد به وصوم بدل الهدي. وللمفيد قول: بأنه يجوز صوم ما عدا رمضان من الواجبات في السفر (1)، وليس بجيد. لنا: إن رمضان آكد من غيره، وقد وجب إفطاره للسفر فغيره أولى. وما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله -: " ليس من البر الصيام في السفر " (2). وما رواه كرام قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام - إني جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم - عليه السلام -، قال: صم، ولا تصم في السفر (3)، الحديث. وما رواه عمار، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: في الرجل يجعل الله عليه أن يصوم شهرا أو أكثر من ذلك فيعرض له أمر لا بد أن يسافر أيصوم وهو مسافر؟ قال: إذا سافر فليفطر، لأنه لا يحل له الصوم في السفر فريضة كان أو غيره، والصوم في السفر معصية (4). احتج بالأصل.

(1) المقنعة: ص 350.
(2) مسند أحمد بن حنبل: ج 5 ص 434. سنن ابن ماجة: ج 1 ص 532 ح 1664 و 1665. سنن النسائي: ج 4 ص 175 و 176 و 177.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 233 ح 683. وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب من يصح منه الصوم ح 9 ج 7 ص 141 - 142.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 328 ح 1022. وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب من يصح منه الصوم ح 8 ج 7 ص 141.

[ 460 ]

والجواب: المنع من بقاء حكمه مع قيام المنافي. مسألة: قال أبو الصلاح: إذا دخل الشهر على حاضر لم يحل له السفر مختارا (1). والمشهور أنه مكروه إلى أن يمضي ثلاثة وعشرون يوما فتزول الكراهة. لنا: الأصل إباحة السفر، وقوله تعالى: " ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " (2)، وهو عام في من شهد أول الشهر أو لا، لأن قوله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر " (3) يدل على أن من حضر جميع الشهر في بلده. ولأن المنع من السفر يتضمن ضررا وحرجا، فيكون منفيا بقوله تعالى: " ولا يريد بكم العسر ". وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - أنه سئل عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان وهو مقيم وقد مضى منه أيام، فقال: لا بأس بأن يسافر ويفطر ولا يصوم (4). وعن أبان بن عثمان، عن الصادق - عليه السلام - عن الرجل يخرج يشيع أخاه مسيرة يومين أو ثلاثة، فقال: إن كان في شهر رمضان فليفطر، فسئل (5) أيهما أفضل يصوم أو يشيعه؟ قال: يشيعه، إن الله - عزوجل - وضع الصوم عنه إذا شيعه (6).

(1) الكافي في الفقه: ص 182. (2 و 3) البقرة: 185.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 139 ح 1970. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب من يصح منه الصوم ح 2 ج 7 ص 129.
(5) ق وم (2): قيل.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 140 ح 1971، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب من يصح منه الصوم ح 5 ج 7 ص 129.

[ 461 ]

وفي الصحيح عن حماد بن عثمان قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام - رجل من أصحابي قد جاءني خبره من الأعوص (1)، وذلك في شهر رمضان أتلقاه وأفطر؟ قال: نعم، قلت: أتلقاه وأفطر أو أقيم وأصوم؟ قال: تلقاه وأفطر (2). احتج أبو الصلاح بقوله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " (3). وبما رواه أبو بصير في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الخروج إذا دخل شهر رمضان، فقال: لا إلا فيما أخبرك به: خروج إلى مكة، أو غزوة في سبيل الله، أو ما تخاف هلاكه، أو أخ تخاف هلاكه، وأنه ليس أخ من الأب والأم (4). ولأن السفر مناف للصوم، فلا يجوز له فعله كالافطار. والجواب عن الآية: إنا نقول بموجبها، فإن من شهد الشهر وجب عليه صيامه، لكن المسافر لم يشهده فلا يتناوله الأمر. وعن الرواية أنها محمولة على الكراهة جمعا بين الروايات، ولا نسلم أنه يحرم عليه فعل المنافي إذا كان الصوم ساقطا عنه، بخلاف فعل المفطر. مسألة: قال السيد المرتضى - رحمه الله تعالى -: والصوم الواجب في السفر صوم ثلاثة أيام لدم المتعة من جملة العشرة، وصوم النذر إذا علق بوقت حضر

(1) الأعوص بفتح الواو والصاد المهملة -: موضع قرب المدينة على أميال منها يسيرة، وأعوص واد في ديار باهلة لبني حصن.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 140 ح 1972. وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب من يصح منه الصوم ح 2 ج 5 ص 513.
(3) البقرة: 185.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 139 ح 1968. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب من يصح منه الصوم ح 3 ج 7 ص 129.

[ 462 ]

وهو مسافر (1). وفي هذا الكلام بحثان: الأول: أنه حصر الصوم الواجب مع السفر في هذين، وقد خالف المفيد (2) في ذلك على ما تقدم. وأيضا فإن الثمانية عشر يوما في بدل البدنة لمن أفاض من عرفات قبل الغروب عامدا يصام في السفر. واستثنى علي بن بابويه في رسالته (3)، وابنه محمد في مقنعه الصوم في كفارة صيد المحرم، وصوم كفارة الاحلال من الاحرام - وهو إشارة إلى بدل الهدي -، قال: وإن (4) كان به أذى من رأسه، وصوم الاعتكاف (5). وقال ابن حمزة: إن كان نذرا مقيدا بحال السفر، أو صوم الكفارة التي يلزم التتابع فيها، وافطاره يوجب الاستئناف، أو صوم ثلاثة أيام لدم المتعة، وصيام كفارة قتل العمد في الأشهر الحرم وهو يصوم فيها فاتفق له سفر وجب عليه أن يصوم في السفر، ويجب الافطار في واجب سوى ذلك (6). والشيخ في المبسوط استثنى الثلاثة الأيام في بدل الهدي، وصوم النذر المقيد بالسفر (7). وسيأتي البحث في كل موضع من ذلك في موطنه إن شاء الله تعالى. البحث الثاني: أنه جعل النذر إذا علق بوقت معين فاتفق أن يكون مسافرا وجب عليه الصوم، وهو قول المفيد (8). والمشهور أنه إن قيد النذر بالصوم مطلقا

(1) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 56.
(2) المقنعة: ص 350.
(3) لم نعثر على رسالته.
(4) كذا في جميع النسخ ولعل الصحيح " إن " كما في المصدر.
(5) المقنع: ص 63.
(6) الوسيلة: ص 148.
(7) المبسوط: ج 1 ص 284.
(8) المقنعة: ص 362.

[ 463 ]

في سفر أو حضر لزمه، وإن لم يقيد النذر بالسفر لم يجز صومه وإن كان النذر معينا. لنا: ما رواه القاسم بن أبي القاسم الصيقل قال: كتبت إليه يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو جمعة أو أيام التشريق أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه؟ أو كيف يصنع يا سيدي؟ فكتب إليه: قد وضع الله عنك الصيام في هذه الأيام كلها، ويصوم يوما بدل يوم إن شاء الله تعالى (1). ولأنه ليس أبلغ من التعيين في رمضان، ويجب إفطاره في السفر، فهذا أولى. احتج السيد بأن النذر مطلق، ويصح الصوم في السفر لو قيده، وكذا مع الإطلاق، لأنه عام بالنسبة إليه، ولقوله تعالى: " ويوفون بالنذر " (2). وما رواه إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن رجل يجعل لله عليه صوم يوم مسمى، قال: يصومه أبدا في السفر والحضر (3). والجواب عن الأول: بمنع شمول المطلق بحال السفر، لأنه قد نهي عن الصوم فيه، والمراد في الآية النذر السائغ الذي هو طاعة. وعن الرواية بالحمل على تقييد النذر بالسفر جمعا بين الأدلة. مسألة: إذا كانت المسافة أربعة فراسخ وأراد الرجوع من يومه قصر في

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 234 ح 686. وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب من يصح منه الصوم ح 2 ج 7 ص 139.
(2) الانسان: 7.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 235 ح 688. وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب من يصح منه الصوم ح 7 ج 7 ص 141.

[ 464 ]

الصلاة والصوم إجماعا وإن لم يرد الرجوع من يومه. قال الشيخ: يتخير في قصر الصلاة، ولا يجوز له القصر في الصوم (1). وقال المفيد - رحمه الله تعالى -: يتخير فيهما (2) والمعتمد أنه لا يتخير فيهما، بل يجب عليه الاتمام فيهما. لنا: إن شرط القصر المسافة وهي ثمانية فراسخ ولم يتحقق، فلا يجوز القصر. روى عيص بن القاسم في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - في الحسن قال: التقصير: حده أربعة وعشرون ميلا (3). احتج المفيد بما رواه زرارة، عن الباقر - عليه السلام - في الحسن قال: التقصير في البريد، والبريد: أربعة فراسخ (4). وفي الصحيح عن زيد الشحام قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: يقصر الرجل في مسير اثني عشر ميلا (5). والجواب: المراد من ذلك قصد الرجوع جمعا بين الأدلة. ولما رواه محمد بن مسلم في الموثق، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن التقصير، قال: في بريد، قال قلت: بريد، قال: أنه إذا ذهب بريدا ورجع

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 404.
(2) المقنعة: ص 349.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 221 ح 647. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 494.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 223 ح 655. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 494.

[ 465 ]

بريدا شغل يومه. مسألة: اختلف علماؤنا في صيام التطوع في السفر، فقال المفيد: لا يجوز ذلك إلا ثلاثة أيام للحجاج: الاربعاء والخميس والجمعة عند قبر النبي - صلى الله عليه وآله - أو في مشهد من مشاهد الأئمة عليهم السلام. قال: وقد روي حديث في جواز التطوع في السفر بالصيام، وجاءت أخبار بكراهة ذلك، وأنه ليس من البر الصوم في السفر، وهي أكثر وعليها العمل عند فقهاء العصابة، فمن أخذ بالحديث لم يأثم إذا أخذ به من جهة الاتباع، ومن علم على أكثر الروايات واعتمد على المشهور منها في اجتناب الصوم في السفر على وجه سوى ما عددناه كان أولى بالحق (2). وقال الشيخ: يكره صيام النوافل في السفر على كل حال. وقد وردت رواية في جواز ذلك، فمن عمل بها لم يكن مأثوما، إلا أن الأحوط ما قدمناه (3). وقال السيد المرتضى في الجمل: قد اختلفت الرواية في كراهة صوم التطوع في السفر وجوازه (4)، ولم يتعرض فيه بفتوى. وقال ابنا بابويه: لا يصوم في السفر تطوعا ولا فرضا، واستثنى من التطوع صوم ثلاثة أيام للحاجة في مسجد النبي (5) - صلى الله عليه وآله -، وصوم الاعتكاف في المساجد الأربعة (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 224 ح 658. وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 9 ج 5 ص 496.
(2) المقنعة: ص 350.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 405.
(4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 56.
(5) في المصدر: عند قبر النبي.
(6) المقنع: ص 63. ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.

[ 466 ]

وقال سلار: ولا يصوم المسافر تطوعا ولا فرضا إلا ثلاثة أيام: بدل المتعة، وصوم يوم النذر إذا علقه بوقت حضر في السفر، وصوم الثلاثة الأيام للحاجة. وقد روي جواز صوم التطوع في السفر (1)، وهو اختيار ابن البراج (2)، وابن إدريس (3) أيضا. وقال ابن حمزه: صيام النفل في السفر ضربان: مستحب وهو ثلاثة أيام للحاجة عند قبر النبي - صلى الله عليه وآله -، وجائز وهو ما عدا ذلك. وروي كراهة صوم النافلة في السفر، والأول اثبت (4)، والأقرب الكراهة، وهو اختيار ابن البراج، وابن إدريس أيضا. لنا: قوله - عليه السلام -: " ليس من البر الصيام في السفر " (5)، وهو عام في الفرض والنفل. وما رواه أحمد بن محمد في الصحيح قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن الصيام بمكة والمدينة ونحن في سفر، فقال: فريضة، فقلت: لا، ولكنه تطوع كما يتطوع بالصلاة، فقال: تقول اليوم وغدا؟ قلت: نعم، فقال: لا تصم (6). وفي الصحيح عن زرارة، عن الصادق - عليه السلام - قال: لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وآله - يصوم في السفر في شهر رمضان ولا غيره (7).

(1) المراسم: ص 97 - 98.
(2) المهذب: ج 1 ص 194.
(3) السرائر: ج 1 ص 393.
(4) الوسيلة: ص 148.
(5) مسند أحمد بن حنبل: ج 5 ص 434. سنن ابن ماجة: ج 2 ص 532 ح 1664 و 1665. سنن النسائي: ج 4 ص 175 و 176 و 177.
(6) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 235 ح 690. وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب من يصح منه الصوم ح 2 ج 7 ص 144.
(7) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 235 ح 691، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب من يصح منه الصوم ح 4 ج 7 ص 143.

[ 467 ]

قال الشيح: لو خلينا وظاهر هذه الأحاديث لقلنا: إن صوم التطوع في السفر محظور، كما أن صوم الفريضة محظور، وغير أنه قد ورد فيه من الرخص ما نقلناه عن الحظر إلى الكراهة (1). احتج من قال: بالتحريم بأنه منهي عنه، والنهي يدل على التحريم. والجواب: قد ورد الأمر فيحمل النهي على الكراهة. واحتج المجوزون بما رواه إسماعيل بن سهل، عن رجل، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: خرج أبو عبد الله - عليه السلام - من المدينة في أيام بقين من شعبان فكان يصوم، ثم دخل عليه شهر رمضان وهو في السفر فأفطر، فقيل له: تصوم شعبان وتفطر شهر رمضان؟! فقال: نعم، شعبان إلي إن شئت صمته وإن شئت لا، وشهر رمضان عزم من الله - عزوجل - على الافطار (2). ولأن الأمر بالصوم عام. والجواب: إن الحديث مع إرساله في سنده ضعف. ولأنه حكاية حال فلا تعم، فجاز أن يكون - عليه السلام - نذر صوم تلك الأيام مسافرا كان أو حاضرا، وكان الصوم مستندا إليه وإن كان فرضا، لأن سبب وجوبه منه - عليه السلام -، ونمنع عموم الأمر بالصوم، لأنه يخرج منه ما يحرم صومه، يكره على ما وقع الاجماع عليه، فلا يبقى على عمومه. مسألة: إختلف علماؤنا في الوقت الموجب للقصر في حق المسافر، فقال المفيد - رحمه الله -: إن خرج من منزله قبل الزوال وجب عليه الافطار والقصر في الصلاة، وإن خرج بعد الزوال وجب عليه التمام في الصيام والقصر في

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 236 ذيل الحديث 691.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 236 ح 692. وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب من يصح منه الصوم ح 4 ج 7 ص 144.

[ 468 ]

الصلاة (1). فاعتبر الخروج قبل الزوال في وجوب قصر الصوم، ولم يعتبر تبييت النية للسفر، وهو اختيار ابن الجنيد (2). وقال الشيخ في النهاية: إذا خرج إلى السفر بعد طلوع الفجر أي وقت كان من النهار وكان قد بيت نيته من الليل للسفر وجب عليه الافطار، وإن لم يكن قد بيت نيته من الليل ثم خرج بعد طلوع الفجر كان عليه إتمام ذلك اليوم وليس عليه قضاؤه، وإن خرج قبل طلوع الفجر وجب عليه الافطار على كل حال وكان عليه القضاء، ومتى بيت نيته للسفر من الليل ولم يتفق له الخروج إلا بعد الزوال كان عليه أن يمسك بقية النهار وكان عليه القضاء (3). وفي المبسوط: من سافر عن بلده في شهر رمضان وكان خروجه قبل الزوال فإن كان يبيت نيته للسفر أفطر وعليه القضاء، وإن كان بعد الزوال لم يفطر (4). ولم يتعرض للقضاء. وفي الخلاف: إذا تلبس بالصوم أول النهار ثم سافر آخر النهار لم يكن له الافطار (5)، وابن البراج (6) اختار ما ذكره في النهاية. وقال علي بن بابويه: إذا خرجت في سفر وعليك بقية يوم فأفطر (7). وقال ابنه في المقنع: إذا سافر قبل الزوال فليقصر، وإذا خرج بعد الزوال

(1) (1) المقنعة: ص 354.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 404.
(4) المبسوط: ج 1 ص 284.
(5) الخلاف: ج 2 ص 219 المسألة 80.
(6) المهذب: ج 1 ص 194.
(7) لم نعثر على رسالته، ونقله في السرائر: ج 1 ص 392.

[ 469 ]

فليصم. وروي أن من خرج بعد الزوال فليقصر وليقض ذلك اليوم (1). وقال السيد المرتضى: شروط السفر الذي يوجب الافطار ولا يجوز معها صوم شهر رمضان في المسافة والصفة وغير ذلك هي الشروط التي ذكرناها في كتاب الصلاة الموجبة لقصرها (2). وهذا يشعر باختيار مذهب علي بن بابويه، وكذا ابن أبي عقيل (3) فإنه قال: من سافر في شهر رمضان سفرا يجب عليه فيه صلاة المسافر وجب عليه الافطار. وقال أبو الصلاح: إذا عزم على السفر قبل طلوع الفجر وأصبح حاضرا فإن خرج قبل الزوال أفطر، وإن تأخر إلى أن تزول الشمس أمسك بقية يومه وقضاه (4). وقال ابن حمزة: المسافر لا يخلو من أربعة أوجه: أما إن خرج قبل الصبح من منزله، أو بعد الصبح قبل الزوال ناويا للسفر من الليل، أو غير ناو، أو خرج بعد الزوال. فالأول: يفطر، وكذا الثاني، والثالث: لا يفطر ولا يقضي، والرابع: يصوم ويقضي (5). ونقل ابن إدريس عن المفيد ما نقلناه: وهو أنه إذا خرج قبل الزوال وجب عليه الافطار، قال: وإلى هذا القول أذهب وبه أفتي، لأنه موافق لظاهر التنزيل والمتواتر من الأخبار، ثم قال: وقال ابن بابويه في رسالته: يجب عليه الافطار وإن خرج بعد العصر والزوال.

(1) المقنع: ص 62 وفيه: ك فليفطر " بدل " فليقصر " و " فليتم " بدل " فليصم " و " فليفطر " بدل " فليقصر ".
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 55 - 56.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) الكافي في الفقه: ص 182.
(5) الوسيلة: ص 149.

[ 470 ]

قال: وهذا القول عندي أوضح من جميع ما تقدمه من الأقوال، لأن أصحابنا مختلفون في ذلك، وليس على المسألة إجماع ولا أخبار مفصلة متواترة، فالتمسك بالقرآن حينئذ أولى، لأنه مسافر بلا خلاف، ومخاطب بخطاب المسافرين من تقصير صلاة وغير ذلك (1). والمعتمد عندي قول المفيد - رحمه الله -. لنا: على وجوب الافطار مع الخروج قبل الزوال أنه مسافر فيدخل تحت قوله تعالى: " أو على سفر " (2). ولأن أكثر النهار مضى وهو مسافر، فكان له حكم جميعه على ما عهد في عرف الشرع من اعتبار الأكثر باعتبار الجميع في المبيت بمنى. وما رواه الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - أنه سئل عن الرجل يخرج من بيته وهو يريد السفر وهو صائم، قال: إن خرج قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم، وإن خرج بعد الزوال فليتم يومه. وهذا الحديث رواه الشيخ في الحسن (3)، وابن بابويه في الصحيح (4). ولأن هذا الزمان محل النية في الصوم للساهي والجاهل، فوجب أن يكون محل النية في الافطار لمن تجدد له عزم السفر المنافي للصوم، وعلى إتمام الصوم لو خرج بعد الزوال قوله تعالى: " ثم أتموا الصيام إلى الليل " (5). ولأنه شرع في الصوم وعقده عقدا مشروعا (6)، فوجب أن يكون صحيحا

(1) السرائر: ج 1 ص 392.
(2) البقرة: 184.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 228 ح 671. وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب من يصح منه الصوم ح 2 ج 7 ص 149.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 142 ح 1982. وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب من يصح منه الصوم ح 2 ج 7 ص 149.
(5) البقرة: 187.
(6) ق: وعقده مشروعا.

[ 471 ]

عملا بالاستصحاب. ولأنه مأمور قبل الفجر بالصوم، فوجب أن يكون مجزئا لما ثبت أن الأمر للاجزاء. ولأنه قد مضى أكثر النهار صائما، فوجب اعتباره في جميع النهار قضاء للأكثر بحكم الجميع على ما تقدم. ولأنه سفر لا يوجب قصر صلاة ذلك النهار، فوجب أن لا يوجب قصر صومه. أما المقدمة الأولى: فقد بيناها في كتاب الصلاة (1). وأما المقدمة الثانية: فللاخبار الدالة على أن السفر الموجب لقصر الصوم هو الموجب لقصر الصلاة، وينعكس بالنقيض إلى أن السفر الذي لا يوجب قصر الصلاة لا يوجب قصر الصوم. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار عليه صيام ذلك اليوم، ويعتد به من شهر رمضان (2). واعلم أن هذا الحديث كما يدل على المطلوب الثاني فإنه يدل على المطلوب الأول أيضا من حيث (3) المفهوم، ويدل أيضا على صحة الصوم وأجزائه عن رمضان، خلافا لما ذهب إليه الشيخ. واعلم أن هذا الحديث وحديث الحلبي هما أصح ما بلغنا من الأحاديث في هذا الباب مع حديث رفاعة وسيأتي.

(1) تقدم في: ص 120 - 126.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 229 ح 672. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب من يصح منه الصوم ح 1 ج 7 ص 131.
(3) ن: من جهة.

[ 472 ]

احتج الشيخ بما رواه سليمان بن جعفر الجعفري قال: سألت أبا الحسن الرضا - عليه السلام - عن الرجل ينوي السفر في شهر رمضان فيخرج من أهله بعد ما يصبح، قال: إذا أصبح في أهله فقد وجب عليه صيام ذلك اليوم، إلا أن يدلج دلجة (1). وعن رفاعة قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان حتى يصبح، قال: يتم صومه يومه ذلك (2). وعن علي بن يقطين، عن أبي الحسن موسى الكاظم - عليه السلام - في الرجل يسافر في شهر رمضان أيفطر في منزله؟ قال: إذا حدث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله، وإن لم يحدث نفسه من الليلة ثم بدا له في السفر من يومه أتم صومه (3). وعن أبي بصير قال: إذا خرجت قبل طلوع الفجر ولم تنو السفر من الليل فأتم الصوم واعتد به من شهر رمضان (4). وعن سماعة قال: سألته عن الرجل كيف يصنع إذا أراد السفر؟ قال: إذا طلع الفجر ولم يشخص فعليه صيام ذلك اليوم، فإن خرج من أهله قبل طلوع

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 227 ح 667، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب من يصح منه الصوم ح 6 ج 7 ص 132.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 228 ح 668، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب من يصح منه الصوم ح 5 ج 7 ص 132.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 228 ح 669، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب من يصح منه الصوم ح 10 ج 7 ص 133.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 228 ح 670، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب من يصح منه الصوم ح 12 ج 7 ص 133.

[ 473 ]

الفجر فليفطر ولا صيام عليه (1). وعن سماعة قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: من أراد السفر في رمضان فطلع الفجر وهو في أهله فعليه صيام ذلك اليوم إذا سافر لا ينبغي أن يفطر ذلك اليوم وحده، وليس يقران التقصير والافطار، فمن قصر فليفطر (2). وبإجماع الفرقة (3)، على أنه إذا سافر بعد الزوال وجب الصوم، وبالآية الدالة على وجوب الاتمام بعد الدخول فيه. ولأنه إذا لم ينو السفر من الليل أصبح صائما صوما مشروعا، فلا يبطل بالسفر، لأنه قد حصل بعد انعقاد العبادة، كما لو سافر بعد الصلاة التامة، ولقوله تعالى: " ولا تبطلوا أعمالكم " (4)، وإذا خرج مع النية بعد الزوال وجب عليه القضاء، لأن نية السفر تضاد نية الصوم فلم يقع منه صوم، فلهذا وجب القضاء. والجواب عن الحديث الأول: بعد صحة السند أنه غير دال على المطلوب. ولأنه قد اشتمل على من نوى السفر من الليل فأوجب عليه الصوم إذا أصبح في منزله، فإن كان المراد أنه خرج قبل الزوال فهو غير مطلوب الشيخ، وإن كان المراد أنه خرج بعد الزوال فهو مطلوبنا نحن، وهو الجواب عن الثاني، وفي طريقه ابن فضال، وفيه قول. وعن الثالث: ضعف السند، وأيضا فإنه غير دال على التفصيل الذي ذكره

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 327 ح 1020. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب من يصح منه الصوم ح 8 ج 7 ص 132 - 133.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 328 ح 1021. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب من يصح منه الصوم ح 2 ج 7 ص 133.
(3) الخلاف: ج 2 ص 219 ذيل المسألة 80.
(4) محمد: 33.

[ 474 ]

الشيخ، بل على التبييت وعدمه، فكما حمل على الافطار مع التبييت إذا خرج قبل الزوال، وعدمه إذا خرج بعده نحمله نحن على ذلك أيضا، بناء على أن الغالب أن من خرج قبل الزوال نوى من الليل، وإن خرج بعده لم ينو، فذكر هذا القيد بناء على الغالب لا على أنه علة، ورواية أبي بصير مرسلة، ولم يسندها أيضا إلى إمام، فليست حجة مع احتمالها للتأويل، فإن من خرج بعد الزوال يصدق عليه أنه قد خرج بعد طلوع الفجر فيحمل عليه، وهذان هما الجوابان عن روايتي سماعة. والاجماع إن صح فهو مسلم، لأنا نقول بموجبه، إذ مع خروجه بعد الزوال يتم صومه، ونمنع تناول الآية وهو قوله تعالى: " ثم أتموا الصيام إلى الليل " (1) لمن خرج قبل الزوال، إذ بخروجه إلى السفر ينتفي الصوم، فلا يجب الاتمام. وقوله: " إذا خرج بعد الزوال مع تبييت النية للسفر أمسك وعليه الإعادة " ليس بعيدا من الصواب، إذ لم يتحقق منه شرط الصوم وهو النية. احتج علي بن بابويه بأنه مسافر فوجب عليه التقصير مطلقا، لعموم الآية. ولأن السفر مناف للصوم، والصوم عبادة لم تقبل التجزئ، وقد حصل المنافي في جزء منه فأبطله، إذ يمتنع اجتماع المتنافيين، فيبطل اليوم أجمع ببطلان جزئه. وبما رواه عبد الأعلى مولى آل سام في الرجل يريد السفر في شهر رمضان، قال: يفطر وإن خرج قبل أن تغيب الشمس بقليل (2). والجواب عن الأول: المنع من الملازمة، لأن المسافر الذي يجب عليه

(1) البقرة: 187.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 229 ح 674. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب من يصح منه الصوم ح 14 ج 7 ص 134.

[ 475 ]

الافطار هو الذي يجب عليه القصر في الصلاة، وهذا الخارج حيث خرج بعد الزوال وجب عليه إتمام الصلاة، فلا يجوز له القصر في الصوم حينئذ، والرواية في طريقها ضعف، وهي مع ذلك مرسلة غير مسندة إلى إمام. وابن إدريس بعد اضطرابه في الأقوال وتحيره فيها اختار هذا المذهب، وجعله أوضح مما ذهب إليه أولا من قول المفيد: وأفتى به، وعلله بأنه موافق للتنزيل والمتواتر من الأخبار (1). فحينئذ كيف يجوز له العدول عنه وأن يجعل هذا القول أوضح من ذلك؟! ومن العجب تعليله في كونه أوضح باختلاف الأصحاب، وعدم انتفاء الاجماع الدال عليه والأخبار المفصلة فيه. ثم استنتج من ذلك أن التمسك بالقرآن أولى، لأنه مسافر بلا خلاف، ومخاطب بخطاب المسافرين (2). وقد كان الواجب عليه حيث لم يظهر له دليل، ووجد الأخبار المتواترة غير دالة على شئ. وانتفاء الاجماع في المسألة أن يرجع إلى الأصل، وهو استصحاب الحال في إتمام الصوم، والتمسك بعموم الآية وهو قوله تعالى: " ثم أتموا الصيام إلى الليل " (3). واعلم أنه ليس بعيدا من الصواب تخيير المسافر بين الفطر (4) والاتمام إذا خرج بعد الزوال، لرواية رفاعة بن موسى الصحيحة قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يريد السفر في شهر رمضان، قال: إذا أصبح في بلده ثم خرج فإن شاء صام وإن شاء أفطر (5).

(1) السرائر: ج 1 ص 392.
(2) السرائر: ج 1 ص 392.
(3) البقرة: 187.
(4) في متن المطبوع وم (2): القصر.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 327 ح 1019. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب من يصح منه الصوم ح 7 ج 7 ص 132.

[ 476 ]

وإنما قيدنا ذلك بالخروج بعد الزوال جمعا بين الأخبار، ولكون هذه المسألة أحد المطالب الجليلة طولنا الكلام فيها. مسألة: قال ابن أبي عقيل (1): إن خرج متنزها أو متلذذا أو في شئ من أبواب المعاصي يصوم، وليس له أن يفطر، وعليه القضاء إذا رجع إلى الحضر، لأن صومه في السفر ليس بصوم، وإنما أمر بالامساك عن الافطار لئلا يكون مفطرا في شهر رمضان في غير الوجه الذي أباح الله - عزوجل - له الافطار فيه، كما أن المفطر في يوم من شهر رمضان عامدا قد أفسد صومه، وعليه أن يتم صومه ذلك إلى الليل لئلا يكون مفطرا في غير الوجه الذي أمره الله تعالى فيه بالافطار، ونحوه قال ابن الجنيد (2). والمشهور أنه يجب عليه الصوم إذا كان سفره معصية، ولا يجب عليه القضاء. لنا: أنه مأمور بالصوم، وقد امتثل فيخرج عن العهدة. ولأن المقتضي لايجاب الصوم موجود، والمعارض لا يصلح للمانعية، فيجب الصوم. أما الأول: فالامر الدال على الوجوب الصوم مطلقا. وأما الثاني: فلأن المعارض (3) وهو السفر هنا لا يصلح للمانعية، لأن شرط مانعية السفر كونه طاعة، وقد انتفى الشرط فينتفي المشروط وهو مانعية هذا السفر، وإذا كان هذا الصوم واجبا وقد فعله فيسقط القضاء عنه، لما ثبت من أن الأمر يقتضي الإجزاء.

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) ن: فلأنه معارض.

[ 477 ]

ولأن القضاء إنما يجب بأمر جديد. احتج بأن السفر مناف للصوم وقد أتى به، فلم يكن هذا الصوم معتبرا في نظر الشرع، بل كان كإمساك المفطر اختيارا. ولعموم قوله تعالى: " ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " (1). والجواب: لا نسلم أن السفر مطلقا مناف للصوم، بل السفر الذي يجب فيه القصر. والآية لا تدل على مطلوبه، إذ مضمونها فليفطر وعليه عدة من أيام أخر، وهذا المسافر لا يجوز له الافطار. مسألة: لا يجوز للمسافر الافطار إلا أن يغيب عنه جدران بلده، أو يخفى عنه أذان مصره، قاله الشيخ (2)، والمفيد (3) اعتبر الأذان. وقال ابن إدريس: المعتبر بالأذان المعتدل (4) دون الجدران، وقد سلف البحث في ذلك. ويؤيده ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام - الرجل يريد السفر متي يقصر؟ قال: إذا توارى من البيوت (5). فإن أفطر قبل ذلك وجب عليه القضاء والكفارة، أما القضاء فحق، وأما الكفارة ففي محل المنع، لما سبق من أن الافطار في اليوم الذي يسقط فيه الصوم بعده لا يوجب كفارة. مسألة: قال الشيخ: لا يجوز للمسافر أن يجامع النساء نهارا إلا عند الحاجة،

(1) البقرة: 185.
(2) المبسوط: ج 1 ص 284.
(3) المقنعة: ص 350.
(4) السرائر: ج 1 ص 392.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 230 ح 676. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 505.

[ 478 ]

ولا ينبغي أن يمتلئ من الطعام والشراب (1). وقال ابن الجنيد (2): إن ذلك مكروه، وهو اختيار ابن إدريس (3). وقال أبو الصلاح: لا يجوز لمن سقط عنه فرض الصوم ببعض الاعذار أن يمتلئ من الطعام والشراب، بل يقتصر على ما يمسك الرمق. ولا يجوز له الجماع مختارا ما لم يخف فسادا في الدين (4). والأقرب عندي الكراهة في الجميع. لنا: قوله تعالى: " ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " (5) معناه: فليفطر وعليه عدة من أيام أخر. ولأن المقتضي للاباحة موجود، والمانع لا يصلح للمانعية فتثبت الإباحة. أما الأول: فلقوله تعالى: " فاتوا حرثكم أنى شئتم " (6). وأما الثاني: فلأن المانع لو كان لكان إنما هو رمضان، لكنه إنما يكون مانعا لو وجب صومه، والتالي: منتف فينتفي المقدم. وما رواه عمر بن يزيد في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يسافر في شهر رمضان أله أن يصيب من النساء؟ قال: نعم (7). وفي الصحيح عن علي بن الحكم قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن الرجل يجامع أهله في السفر في شهر رمضان، فقال: لا بأس به (8). وفي الموثق عن داود بن الحصين: قال سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 405.
(4) الكافي في الفقه: ص 182. (2) لم نعثر على كتابه.
(5) البقرة: 185.
(3) السرائر: ج 1 ص 392 - 393.
(6) البقرة: 223.
(7) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 241 ح 708. وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب من يصح منه الصوم ح 1 ج 7 ص 146.
(8) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 242 ج 709. وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب من يصح منه الصوم ح 3 ج 7 ص 147.

[ 479 ]

الرجل يسافر في شهر رمضان ومعه جارية أيقع عليها؟ قال: نعم وعن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يقدم من سفره بعد العصر في شهر رمضان فيصيب امرأته حين طهرت من الحيض يواقعها؟ قال: لا بأس به (2). احتج الشيخ بما رواه في الصحيح محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إذا سافر الرجل في شهر رمضان فلا يقرب النساء بالنهار في رمضان، فإن ذلك محرم عليه (3). وفي الصحيح عن ابن سنان قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يسافر في شهر رمضان ومعه جارية له أفله أن يصيب منها بالنهار؟ فقال: سبحان الله أما تعرف حرمة شهر رمضان؟! إن له في الليل سبحا طويلا، قلت: أليس له أن يأكل ويشرب ويقصر؟ فقال: إن الله - عزوجل - رخص للمسافر في الافطار والتقصير رحمة وتخفيفا لموضع التعب والنصب ووعث السفر، ولم يرخص له في مجامعة النساء في السفر بالنهار في شهر رمضان، وأوجب عليه قضاء الصيام ولم يوجب عليه تمام الصلاة إذا آب من سفره، ثم قال: والسنة لا تقاس، وأني إذا سافرت في شهر رمضان ما آكل إلا القوت، وما أشرب كل الري (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 328 ح 1024. وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب من يصح منه الصوم ح 7 ج 7 ص 148.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 242 ح 710. وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب من يصح منه الصوم ح 10 ج 7 ص 148.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 240 ح 704. وسائل الشيعة: ب 13 من بواب من يصح منه الصوم ح 8 ج 7 ص 148.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 240 ح 705. وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب من يصح منه الصوم ح 5 ج 7 ص 147.

[ 480 ]

والجواب: أنهما محمولتان على الكراهة الشديدة جمعا بين الأخبار. مسألة: المسافر إذا قدم أهله فإن كان قد تناول قبل سماع الأذان أو مشاهدة الجدران أمسك تأديبا وعليه القضاء، وإن لم يكن تناول شيئا فإن بلغ السماع أو مشاهدة الجدران قبل الزوال أمسك واجبا وجدد نية الصوم ولا قضاء عليه، وإن بلغ ذلك بعد الزوال استحب له الامساك وعليه القضاء، وهو اختيار الشيخ في المبسوط (1) وابن إدريس (2). وفي النهاية أطلق فقال: المسافر إذا قدم أهله وكان قد أفطر فعليه أن يمسك بقية النهار تأديبا وكان عليه القضاء، وإن لم يكن قد فعل شيئا ينقض الصوم وجب عليه الامساك ولم يكن عليه القضاء (3). لنا: إنه بعد الزوال قد فات محل النية فلم يكن صومه معتبرا لفوات شرطه. والظاهر أن مراد الشيخ في النهاية ما فصله في المبسوط، وقد ذكر ذلك في التهذيب (4) أيضا، وهو خيرة المفيد (5). مسألة: الظاهر من كلام ابن أبي عقيل (6) أن من سافر للتنزه والتلذذ يصوم في سفره ويقضي كالعاصي، وقد سبق كلامه. ونحوه قال ابن الجنيد (7) فإنه قال: ولا استحب لمن دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم أن يخرج إلى سفر، إلا أن يكون لفرض حج أو عمرة أو ما يتقرب به

(1) المبسوط: ج 1 ص 284.
(2) السرائر: ج 1 ص 403.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 402.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 255 ذيل الحديث 753.
(5) المقنعة: ص 354.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) لم نعثر على كتابه.

[ 481 ]

إلى الله - عزوجل - أو يصون (1) نفسه وماله لا في تكاثر وتفاخر، وإن خرج في ذلك أو في معصية الله - عزوجل - لم يفطر في سفره وكان عليه مع صيامه فيه القضاء. وقد بينا أن المشهور وجوب الصيام في المعصية وعدم وجوب القضاء، وأما الخروج للتنزه والتلذذ فإن كان مباحا وجب الافطار والقضاء وإلا وجب الصوم دون القضاء. لنا: الأصل إباحة السفر في المباح فيجب القصر في الصوم. واحتجا بما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الخروج إذا دخل رمضان، فقال: لا إلا فيما أخبرك به خروجا إلى مكة أو غزو في سبيل الله أو مال يخاف هلاكه أو أخ يخاف هلاكه، وقال: أنه ليس أخ من الأب والأم (2). والجواب: بعد صحة السند أنه محمول على الاستحباب. مسألة: لو نذر صوم يوم بعينه فوافق ذلك يوم عيد وجب عليه الافطار. وللشيخ قولان في وجوب القضاء، ففي موضع من المبسوط (3) يسقط، وهو اختيار ابن البراج (4)، وأبي الصلاح (5)، وابن إدريس (6). وفي النهاية (7) وفي موضع آخر من المبسوط (8): يجب القضاء. والمعتمد

(1) ق: منفعة.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 327 ح 1018. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب من يصح منه الصوم ح 3 ج 7 ص 129.
(3) المبسوط: ج 1 ص 282.
(4) المهذب: ج 2 ص 198.
(5) الكافي في الفقه: ص 185.
(6) السرائر: ج 1 ص 394.
(7) النهاية ونكتها: ج 1 ص 406.
(8) المبسوط: ج 1 ص 281.

[ 482 ]

الأول. لنا: أنه نذر صوم زمان لا ينعقد صومه، فلا ينعقد نذره، كما لو نذر صوم الليل ولم يعلم به. ولأن صوم العيد حرام، فلا يقع قربة، فلا يصح نذره، ووجوب القضاء تابع للأداء (1). احتج بما رواه القاسم بن أبي القاسم الصيقل قال: كتبت إليه يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيام التشريق أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه؟ أو كيف يصنع يا سيدي؟ فكتب إليه: قد وضع الله عنك الصيام في هذه الأيام كلها، وتصوم يوما بدل يوم إن شاء الله تعالى (2). ولأنه نذر صوما على وجه الطاعة ظاهرا ولم يسلم له الزمان فكان عليه القضاء لانعقاد نذره كالمسافر. والجواب: طريق الرواية لا يحضرني الآن حال رواتها، ومع ذلك فهي مرسلة ولا تدل على المطلوب، لاحتمال أن يكون الأمر بالقضاء متوجها إلى المريض والمسافر، أو (3) يكون للاستحباب ولا نزاع فيه. ونمنع كون النذر منعقدا، لأنه تناول زمانا لا يصح صومه، فكان كما لو نذر الليل جاهلا به، والفرق بينه وبين المسافر ظاهر، لأن العيد زمان لا يقع فيه صوم البتة، وزمان المسافر يصح فيه الصوم منه مع التقييد بالسفر من غيره من المقيمين، فلهذا

(1) م (2): لوجوب الأداء.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 234 ح 686. وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب من يصح منه الصوم ح 2 ج 7 ص 139.
(3) م (2) ون: ويكون.

[ 483 ]

وجب قضاؤه، لأن إفطاره ليس باعتبار عدم قبول الزمان إيقاع الصوم فيه بل للارفاق. مسألة: من أجنب في أول شهر رمضان ونسي الغسل حتى صام الشهر كله، قال الشيخ في المبسوط (1) والنهاية (2): يجب عليه قضاء الصلاة والصوم، ورواه الصدوق ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه (3)، وبه قال أبو علي ابن الجنيد (4). وقال ابن إدريس: يجب عليه قضاء الصلاة خاصة دون الصوم (5). والمعتمد الأول. لنا: إنه أخل بشرط الصوم، وهو الطهارة من الجنابة في ابتداء النهار مع علمه بالحدث، فكان عليه القضاء، والنسيان عذر في سقوط الإثم، وما يترتب عليه من الكفارة لا في وجوب القضاء. ولأنه لم يأت بالمأمور به على وجهه (6)، فيبقى في عهدة التكليف. أما المقدمة الأولى: فلأنه مأمور بالصوم متطهرا من حدث الجنابة في ابتداء النهار ولم يأت به، وأما الثانية فظاهرة. ولأن قضاء الصلاة واجب فكذا قضاء الصوم. أما المقدمة الأولى: فاتفاقية، وأما الثانية: فلأن المشترك بينهما وهو الاخلال بالطهارة في ابتداء (7) الفعل عليه لوجوب القضاء للمناسبة. ويؤيد (8) ذلك ما رواه الحلبي في الصحيح قال: سأل أبو عبد الله - عليه

(1) المبسوط: ج 1 ص 288.
(5) السرائر: ج 1 ص 407.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 306.
(6) ن: وجه.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 119 ح 1896.
(7) ن: أول.
(4) لم نعثر على كتابه.
(8) في متن المطبوع وق: يؤيده.

[ 484 ]

السلام - عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتى خرج شهر رمضان، قال: عليه أن يقضي الصلاة والصيام (1). وروى الصدوق أبو جعفر بن بابويه، عن إبراهيم بن ميمون، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان ثم ينسى أن يغتسل حتى يمضي لذلك جمعة أو يخرج شهر رمضان، قال: عليه قضاء الصلاة والصوم (2). قال: وروي في خبر آخر أن من جامع في أول شهر رمضان ثم نسي الغسل حتى خرج شهر رمضان إن عليه أن يغتسل ويقضي صلاته وصومه، إلا أن يكون قد اغتسل للجمعة فإنه يقضي صلاته وصيامه إلى ذلك اليوم، ولا يقضي ما بعد ذلك (3). احتج ابن إدريس بأن الأصل براءة الذمة، وأن الصوم من شرطه الطهارة في الرجال، إلا إذا تركها الانسان متعمدا من غير اضطرار من الليل إلى النهار، وهذا لم يتعمد تركها (4). والجواب: أصالة البراءة معارضة بالاحتياط، وترك الطهارة هنا من تفريطه، ولهذا وجب عليه قضاء الصلاة. مسألة: قال ابن أبي عقيل (5): الحبلى إذا رأت الدم في أيام حيضها

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 311 ح 938. سائل الشيعة: ب 30 من أبواب من يصح منه الصم ح 3 ج 7 ص 171.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 118 ح 1895. سائل الشيعة: ب 30 من أبواب من يصح منه الصوم ح 1 ج 7 ص 170.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 119 ح 1896. وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب من يصح منه الصوم ح 2 ج 7 ص 170.
(4) السرائر: ج 1 ص 407 - 408.
(5) لم نعثر على كتابه.

[ 485 ]

أفطرت. وقد روى أنها تصوم وتصلي، لأنه لا يكون حيض في حبل، وعند جماعة من أصحابنا أن الحبلى لا ترى دم الحيض. والحق عندي اختيار ابن أبي عقيل، وقد سبقت هذا المسألة في الحيض (1). مسألة: قال الشيخ في النهاية: المستحاضة إذا صامت ولم تفعل ما تفعله المستحاضة كان عليها قضاء الصوم (2)، وكذا قال ابن إدريس (3). وفي المبسوط: المستحاضة إذا فعلت من الأغسال وما يلزمها من تجديد القطن والخرقة وتجديد الوضوء صامت وصح صومها، إلا الأيام التي يحكم لها بالحيض فيها، ومتى لم تفعل ما تفعله المستحاضة وجب عليها قضاء الصلاة والصوم (4). وهذا الكلام ليس بجيد، لأن الشرط في صحة صوم المستحاضة هو الغسل أو الأغسال، أما الوضوء وتجديد القطنة والخرقة فلا، واطلاقه في النهاية ليس بجيد أيضا. وابن الجنيد (5) قيدها فقال: والمستحاضة إذا أتت بما عليها من الغسل صامت، إلا أيام حيضها إن عرفتها، فإن هي لم تفعل ما تفعله المستحاضة من الغسل بحسب حال دمها لم يحز لها (6) صومها من الفرض وكان عليها القضاء بجميع الأيام. مسألة: للشيخ قولان في الصبي متى يؤمر بالصيام، فقال في النهاية: إذا بلغ تسع سنين (7)، وفي المبسوط: سبع سنين (8).

(1) تقدم في: ج 1 ص 356.
(5) لم نعثر على كتابه.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 409.
(6) ن: لم يجزها.
(3) السرائر: ج 1 ص 407.
(7) النهاية ونكتها: ج 1 ص 389 - 390.
(4) المبسوط: ج 1 ص 288.
(8) المبسوط: ج 1 ص 266. وفيه: بتسع سنين.

[ 486 ]

وقال المفيد: يؤخذ بالصيام إذا بلغ الحلم، أو قدر على صيام ثلاثة أيام متتابعات قبل أن يبلغ الحلم، وبذلك جاءت الأخبار (1). وقال ابن الجنيد (2): يستحب أن يعود الصبيان وإن لم يطيقوا الصيام، ويؤخذوا إذا أطاقوا صيام ثلاثة أيام تباعا. وقال ابنا بابويه (3): يؤخذ بالصيام إذا بلغ تسع سنين على قدر ما يطيقه، فإن أطاق إلى الظهر أو بعده صام إلى ذلك الوقت، فإذا غلب عليه الجوع والعطش أفطر، وإذا صام ثلاثة أيام ولاء أخذ بصوم الشهر كله، ورواه الصدوق أبو جعفر في كتاب من لا يحضره الفقيه (4). والأقرب ما ذكره في المبسوط. لنا: أنه تمرين على العبادة فكان مستحبا للسبع مع الطاقة، لأنه ادعى إلى فعل الطاعة مع البلوغ، وتقبل (5) النفس ملكة القبول للطاعات، وأداء الواجبات، ومنعا لها عن الأخلاق الذميمة. ويؤيده ما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: إنا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا في سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم، فإن كان إلى نصف النهار أو أكثر من ذلك أو أقل، فإذا غلبهم العطش أفطروا حتى يتعودوا الصيام ويطيقونه، فمروا صبيانكم إذا كانوا أبناء سبع ما أطاقوا من الصيام، فإذا غلبهم العطش أفطروا (6).

(1) المقنعة: ص 360 - 361.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) لم نعثر على رسالته.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 122 ذيل الحديث 1907.
(5) في متن المطبوع وق: يفيد.
(6) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 282 ح 853. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب من يصح منه الصوم ح 3 ج 7 ص 167.

[ 487 ]

وقد روي إسماعيل بن أبي زياد في الصحيح، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن علي - عليهم السلام - قال: الصبي إذا أطاق أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة فقد وجب عليه صيام شهر رمضان (1). واعلم أن إطلاق الوجوب هنا يراد به شدة الاستحباب، لأن مناط الوجوب البلوغ.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 281 ح 852، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب من يصح منه الصوم ح 5 ص 168. وفيه: عن السكوني.

[ 488 ]

الفصل الخامس في أحكام أقسام الصوم مسألة: يثبت هلال شهر رمضان بشاهدين ذكرين عدلين لا أقل، صحوا وغيما، من خارج البلد أو داخله. وبه قال المفيد (1)، والسيد المرتضى (2)، وابن الجنيد (3)، وابن إدريس (4). وقال سلار: يثبت بالشاهد الواحد في أوله (5). وقال الشيخ في النهاية: إن كان في السماء علة لم يثبت إلا بشهادة خمسين من أهل البلد أو عدلين من خارجه، وإن لم يكن هناك علة وطلب فلم ير لم يجب الصوم إلا أن يشهد خمسون من خارج البلد أنهم رأوه (6)، وبه قال ابن البراج (7).

(1) المقنعة: ص 297.
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 54.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) السرائر: ج 1 ص 380 - 381.
(5) المراسم: ص 96.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 391.
(7) المهذب: ج 1 ص 189.

[ 489 ]

وفي المبسوط: إن رؤي في البلد رؤية شائعة وجب الصوم، فإن كان في السماء علة من غيم أو غبار أو قتام وشهد عدلان مسلمان برؤيته وجب الصوم، وإن لم يكن هناك علة لم تقبل إلا شهادة القسامة خمسين رجلا. ومتى كانت في السماء علة ولم ير في البلد أصلا وشهد من خارج البلد نفسان عدلان قبل قولهما ووجب الصوم، وإن لم يكن علة غير أنهم لم يروه لم يقبل من خارج البلد إلا شهادة القسامة خمسين رجلا (1). فقد خالف مفهوم كلامه هنا قوله في النهاية: بأنه يقبل مع العلة عدلان من البلد. وفي الخلاف: لا يقبل في هلال رمضان إلا شهادة شاهدين، فأما الواحد فلا يقبل فيه هذا مع الغيم، فأما مع الصحو فلا يقبل فيه إلا خمسين قسامه أو اثنان من خارج البلد (2). ونقل ابن إدريس عن الشيخ في الخلاف أنه يعتبر الشاهدين حيث قال: علامة رمضان أحد شيئين: رؤية الهلال أو شهادة شاهدين، ثم نقل ما نقلناه أولا. ونسب كلام الشيخ في النهاية والخلاف إلى الاضطراب (3). وقال أبو الصلاح: يقوم مقام الرؤية شهادة رجلين عدلين في الغيم وغيره من العوارض، وفي الصحو وانتقائها إخبار خمسين رجلا (4)، فاعتبر العلة وعدمها، ولم يعتبر الخارج من البلد والداخل. وقال الصدوق ابن بابويه في المقنع: واعلم أنه لا يجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا عدد القسامة، ويجوز شهادة رجلين عدلين إذا كانا من خارج البلد وكان في المصر علة (5).

(1) المبسوط: ج 1 ص 267.
(4) الكافي في الفقه: ص 181.
(2) الخلاف: ج 2 ص 172 المسألة 11.
(5) المقنع: ص 58.
(3) السرائر: ج 1 ص 383.

[ 490 ]

لنا: ما عرف من قضية الشرع من قبول الشاهدين في الأحكام كلها إلا ما شذ. ولأنه هلال شهر فلا رمضان فلا يقبل فيه إلا شاهدان عدلان، ولا يشترط الزيادة كهلال شوال. وما رواه منصور بن حازم في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - أنه قال: صم لرؤية الهلال وأفطر لرؤية، فإن شهد عندك شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه (2). وفي الصحيح عن أبي بصير، عن أبي عبد الله - عليه السلام - أنه سئل عن اليوم الذي يقضي من شهر رمضان، فقال: لا يقضيه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر (3). وفي الصحيح عن عبد الله بن علي الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - أن عليا - عليه السلام - كان يقول: لا أجيز في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين (4). وعن شعيب بن يعقوب، عن الصادق - عليه السلام -، عن الباقر - عليه السلام - أن عليا - عليه السلام - قال: لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين (5).

(1) في المصدر: عندكم.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 157 ح 436، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 4 ج 7 ص 208.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 157 ح 438. وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 5 ج 7 ص 208.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 180 ح 499. وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1 ج 7 ص 207.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 180 ح 498، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 7 ج 7 ص 208، وفيهما: عن عبد الله بن علي الحلبي، عن أبي عبد الله - عليه السلام -.

[ 491 ]

وفي الصحيح عن عبد الله الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - لا أجيز في الطلاق ولا في الهلال إلا رجلين (1). احتج سلار بما رواه محمد بن قيس، عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين: إذا رأيتم الهلال فأفطروا، أو شهد عليه عدل من المسلمين (2). ولأنه خبر عن وقت فريضة فيما طريقة المشاهدة، فقبل من الواحد كالخبر بدخول وقت الفريضة. ولأنه خبر عن أمر ديني يشترك فيه المخبر المخبر، فقبل فيه الواحد كالرواية. ولأن شهادة الواحد تفيد الرجحان لكونه من رمضان، ومرجوحية كونه من شعبان. ولا يجوز عقلا العمل بالمرجوح فيتعين العمل بالراجح، إذ لا خروج عن النقيض عملا وإبطالا. والجواب عن الرواية: أن في طريقها محمد بن قيس، وهو مشترك بين جماعة منهم أبو أحمد، روى عن أبي جعفر - عليه السلام - وهو ضعيف، فلعله هذا، فلا حجة فيه. سلمنا صحة السند، لكن العدل كما يصدق على الواحد يصدق على الكثير، على ما نص عليه أهل اللغة (3)، والقياسان ضعيفان، والأصل ممنوع في الأول. والفرق بينه وبين الثاني ظاهر، ونمنع إفادة خبر الواحد هنا الرجحان، لأن مشاركة الغير في الابصار مع عدم الرؤية واستصحاب حال الشهر يفيدان

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 316 ح 962. وسائل: ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 9 ج 7 ص 209، وفيهما: عن شعيب بن يعقوب، عن جعفر، عن أبيه - عليهما السلام - أن عليا - عليه السلام -.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 158 صدر ح 440. وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 6 ج 7 ص 208.
(3) العين: ج 1 ص 38.

[ 492 ]

ظن الاشتباه على الرأي. احتج الشيخ بما رواه حبيب الخزاعي قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا عدد القسامة، وإنما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر وكان بالمصر علة، وأخبرا أنهما رأياه، وأخبرا عن قوم صاموا للرؤية (1). وفي الصحيح عن أبي أيوب إبراهيم بن عثمان الخزاز، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: كم يجزئ في رؤية الهلال؟ فقال: إن شهر رمضان فريضة من فرائض الله تعالى فلا تؤدوا بالتظني، وليس رؤية الهلال أن تقوم عدة فيقول واحد قد رأيته ويقول الاخرون لم نره، إذا رآه واحد رآه مائة، وإذا رآه مائة رآه ألف، ولا يجزئ في رؤية الهلال إذا لم تكن في السماء علة أقل من شهادة خمسين، وإذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر (2). ولأنه لا يجوز أن تنظر الجماعة إلى مطلع الهلال مع صحة أبصارهم وارتفاع الموانع فيدركه واحد دونهم. ويؤيده ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، وليس بالرأي ولا بالتظني ولكن بالرؤية، والرؤية ليس أن يقوم عشرة فينظروا فيقول واحد هو ذا هو، وينظر تسعة فلا يرونه، إذا رآه واحد رآه عشرة الآف (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 159 ح 448. وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 13 ج 7 ص 210.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 160 ح 451، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 10 ج 7 ص 209.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 156 ح 433، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 11 ج 7 ص 209.

[ 493 ]

والجواب عن الأول: بمنع صحة السند. سلمناه، لكن يجوز ذلك في معرض الشك، ولهذا لم يذكر وصف الشهود بالعدالة، فجاز أن يكون الضابط خمسين مع عدم العلم بحال الشهود من عدالة وغيرها، وكذا الحديث الثاني. ويؤيده قوله: " ليس رؤية الهلال أن يقوم عدة فيقول واحد قد رأيته ويقول الآخرون لم نره، إذا رآه واحد رآه مائة " ولا ريب أنه مع تكذيب الباقين لشهادته لا يعتد بها. وعن الثالث: أنه استبعاد محض، فجاز أن تختلف الابصار بالقوة والضعف والعلم بمطلعه أو وقوع النظر عليه اتفاقا، ثم يعرض له غيبوبة لعلة أو لقلة زمانه على تقدير أن يقع نظره عليه (1) في آخر وقت. ولأن هذا الفرض يؤكد ما قلناه: من رد الشهادة مع التهمة لا مطلقا. ولأنا نفرض صورة: وهي أنه قد اتفق عدلان لا أزيد ورأيا الهلال وليس عندهما ثالث فلا يتأتى فيه هذا الحديث. واعلم أن اختلاف الأخبار والفتاوى من اعتبار العلة وعدمها تارة، ومن اعتبار الدخول والخروج أخرى، ومن اعتبارهما معا أيضا مما يدل على حصول الشبهة والتهمة عند الشاهدين. مسألة: قال السيد المرتضى في المسائل الناصرية لما ذكر قول الناصر أنه إذا رؤي الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية: هذا صحيح وهو مذهبنا (2). وقال الشيخ في الخلاف: إذا رؤي قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المستقبلة دون الماضية (3).

(1) م (2): ون: إليه.
(2) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 242 المسألة 126.
(3) الخلاف: ج 2 ص 171 المسألة 10.

[ 494 ]

وقال ابن الجنيد (1): ورؤية الهلال يوم ثلاثين من رمضان أي وقت كان إذا لم يصح أن الليلة الماضية قد رؤي فيها لا يوجب الافطار له، فإذا صحت الرؤية فيها أفطر أي وقت يصح ذلك عنده من نهار يوم ثلاثين. والأقرب اعتبار ذلك في الصوم دون الفطر. لنا: أنه أحوط للعبادة فكان أولى. وما رواه زيد الشحام في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - أنه سئل عن الاهلة، فقال: هي أهلة الشهور، فإذا رأيت الهلال فصم، وإذا رأيته فأفطر (2). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا (3). وعن الفضل بن عبد الملك، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: الصوم للرؤية، والفطر للرؤية (4). إذا عرفت هذا فنقول إذا رآه قبل الزوال كان محل الصوم باقيا، فيجب ابتداؤه حينئذ. وما رواه حماد بن عثمان في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وإذا رأوه بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة (5).

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 155 ح 430. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 3 ج 7 ص 182.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 156 ح 433. وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 11 ج 7 ص 209.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 156 ح 431. وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 12 ج 7 ص 210.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 176 ح 488. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 6 ج 7 ص 202.

[ 495 ]

وفي الموثق عن عبيد بن زرارة وعبد الله بن بكير قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: إذا رؤي الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوال، وإذا رؤي بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان (1). وادعى السيد المرتضى أن عليا - عليه السلام - وابن مسعود وابن عمر وأنس قالوا به، ولا مخالف لهم (2). احتج الشيخ (3) بالأخبار الدالة على اعتبار الشهود. وبما رواه محمد بن عيسى قال: كتبت إليه - عليه السلام -: جعلت فداك ربما غم علينا شهر رمضان فيرى من الغد الهلال قبل الزوال، وربما رأيناه بعد الزوال، فترى أن نفطر قبل الزوال إذا رأيناه أم لا؟ وكيف تأمر في ذلك؟ فكتب - عليه السلام -: تتم إلى الليل، فإنه إذا كان تاما رؤي قبل الزوال (4). وعن جراح المدائني قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: من رأى هلال شوال بنهار في رمضان فليتم صيامه (5). والجواب: أنا نقول: باعتبار الشهود أيضا، لكن البحث حالة فقد الشهادة، ورواية محمد بن عيسى بعد تسليم سندها أنها مشتملة على المكاتبة ولا ينفك عن ضعف، وأيضا فإنا نقول بموجبها، لأنها وردت في معنى الافطار،

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 176 ح 489. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 5 ج 7 ص 202.
(2) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 242 المسألة 126.
(3) الخلاف: ج 1 ص 172 ذيل المسألة 10.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 177 ح 490. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 4 ج 7 ص 201.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 178 ح 492. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2 ج 7 ص 201.

[ 496 ]

فأمره - عليه السلام - بالامساك، لأن اعتبار الزوال إنما هو في الصوم على ما فصلناه نحن. وعن رواية جراح بعد سلامة سندها أنها محمولة على ما إذا رؤي بعد الزوال. لا يقال: الأحاديث التي ذكرتموها تقتضي المساواة في الصوم والفطر. لأنا نقول: الفرق إنما هو الاحتياط للصوم، وهو إنما يتم بما فصلناه نحن. إذا عرفت هذا فنقول: لو رأي في أول الشهر قبل الزوال ولم ير ليلة إحدى وثلاثين هلال شوال وجب صومه، إن كان هذا الفرض ممكنا أو حصلت علة، لأن الاحتياط للصوم متعين، فلا يجوز الإقدام على الافطار بناء على مثل هذه الروايات المفيدة للظن المعارضة بمثلها. مسألة: قال الصدوق أبو جعفر بن بابويه في المقنع: واعلم أن الهلال إذا غاب قبل الشفق فهو لليلة، وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين، وإذا رئي فيه ظل الرأس فهو لثلاث ليال (1). ورواه في كتاب من لا يحضره الفقيه (2)، ورواه أبو علي في رسالته (3)، وقال الشيخ في المبسوط: لا اعتبار بذلك كله، لأن ذلك يختلف باختلاف المطالع والعروض (4). واحتج ابن بابويه بما رواه إسماعيل بن الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة، وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين (5).

(1) المقنع: ص 58.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 124 ح 1916 وص 125 ح 1917. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب أحكام شهر رمضان: ج 2 و 3 ج 7 ص 203 - 204.
(3) لم نعثر على رسالته.
(4) المبسوط: ج 1 ص 268.
(5) من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 125 ح 1917. وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 3 ج 7 ص 204.

[ 497 ]

وفي الصحيح عن محمد بن مرازم، عن أبيه، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا تطوق الهلال فهو لليلتين، وإذا رأيت ظل رأسك فهو لثلاث (1). قال الشيخ في كتابي الأخبار: هذان الخبران وما يجري مجراهما وما هو في معناهما إنما يكون أمارة على اعتبار دخول الشهر إذا كان في السماء علة من غيم وما يجري مجراه، فجاز حينئذ اعتباره في الليلة المستقبلة بتطوق الهلال وغيبوبته قبل الشفق أو بعده، فأما مع زوال العلة وكون السماء مصحية فلا تعتبر هذه الأشياء، ويجري ذلك مجرى شهادة الشاهدين من خارج البلد، إنما تعتبر شهادتهما إذا كان هناك علة، ومتى لم تكن هناك علة فلا يجوز اعتبار ذلك بل يحتاج إلى شهادة خمسين. ونحن متى استعملنا هذه الأخبار في بعض الأحوال برئت عهدتنا، ولم نكن دافعين لها (2). وهذا الكلام من الشيخ يدل على أنه يعتبر التطوق والغيبوبة قبل الشفق وبعده مع العلة. مسألة: قال في الخلاف: إذا غم عد شعبان ثلاثين يوما ويصام بعد ذلك بنية الفرض، فأما العدد والحساب فلا يلتفت إليهما ولا يعمل بهما. وقد ذهب قوم من أصحابنا إلى القول بالعدد، وذهب شاذ منهم إلى القول بالجدول، واستدل بالأخبار المتواترة عن النبي والأئمة - عليهم السلام -، وأيضا قوله تعالى: " يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج " فبين أن الاهلة يعرف بها مواقيت الشهور والحج. ومن ذهب إلى الحساب والجدول لا يراعي أصلا الهلال، وذلك خلاف القرآن (3).

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 124 ح 1916، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2 ج 7 ص 303.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 178 - 179 ذيل الحديث 495، الاستبصار: ج 2 ص 75 ذيل الحديث 229.
(3) الخلاف: ج 2 ص 169 المسألة 8.

[ 498 ]

وقال في المبسوط: لا يجوز العمل في الصوم على العدد ولا على الجدول ولا غيره، وقد رويت روايات بأنه إذا تحقق هلال العام الماضي عد خمسة أيام وصام يوم الخامس، أو تحقق هلال رجب عد تسعة وخمسين صام يوم الستين، وذلك محمول على أنه يصوم ذلك بنية شعبان استظهارا، فأما بنية أنه من رمضان فلا يجوز على حال (1). قال: ومتى غمت الشهور كلها عدها ثلاثين ثلاثين، فإن مضت السنة كلها ولم يتحقق فيها هلال شهر واحد ففي أصحابنا من قال: إنه يعد الشهور كلها ثلاثين. قال: ويجوز عندي أن يعمل على هذه الرواية التي وردت بأنه يعد من السنة الماضية خمسة أيام ويصوم يوم الخامس، لأن من المعلوم أنه لا تكون الشهور تامة (2). وقال ابن الجنيد (3): الحساب الذي يصام به يوم الخامس من اليوم الذي كان الصيام وقع في السنة الماضية يصح إذا لم تكن السنة كبيسة، فإنه يكون فيها في اليوم السادس، والكبيس في كل ثلاثين سنة أحد عشر يوما مرة في السنة الثالثة ومرة الثانية. وقول الشيخ في المبسوط لا بأس به، فإن العادة قاضية بعدم كمال شهور السنة ثلاثين ثلاثين، فلا يجوز بناء المشتبه على ما يعلم انتفاؤه، وإنما يبنى على مجاري العادات، والعادة قاضية بتفاوت هذا العدد في شهور السنة. ويؤيده ما رواه عمران الزعفراني قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: أن السماء تطبق علينا بالعراق اليومين والثلاثة فأي يوم نصوم؟ قال: انظر اليوم

(1) المبسوط: ج 1 ص 267.
(2) المبسوط: ج 1 ص 268.
(3) لم نعثر على كتابه.

[ 499 ]

الذي صمت من السنة الماضية، وصم يوم الخامس (1). وعن عمران الزعفراني قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: إنما نمكث في الشتاء اليوم واليومين لا نرى شمسا ولا نجما فأي يوم نصوم؟ قال: انظر اليوم الذي صمت من السنة الماضية وعد خمسة أيام، وصم اليوم الخامس (2). قال الشيخ: هذان الخبران لا ينافيان ما قدمناه في العمل على الرؤية، لأنهما خبر واحد لا يوجبان علما ولا عملا. ولأن راويهما عمران الزعفراني وهو مجهول، وإسناد الحديثين قوم ضعفاء لا يعمل بما يختصون بروايته. ولو سلم ذلك كله فلا ينافي القول بالرؤية، لأن الكلام في السنة الماضية، فأي شئ يعلم الشهور فيها؟ فلا بد من الانتهاء إلى الرؤية على أنه أمره بصوم يوم الخامس على أنه من شعبان (3). وهذا الكلام وإن كان واردا على الخبرين إلا أنا نحن إنما اعتمدنا على العادة. مسألة: قال ابن أبي عقيل (4): قد جاءت الآثار عنهم - عليهم السلام - أن صوموا رمضان للرؤية وافطروا للرؤية، فإن غم عليكم فأكملوا العدة من رجب تسعة وخمسين يوما ثم الصيام من الغد. والشيخ - رحمه الله - لم يعتبر ذلك، بل تأول الرواية التي رواها محمد بن الحسن بن أبي خالد يرفعه، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إذا صح هلال

(1) الاستبصار: ج 2 ص 76 ح 230. وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 3 ج 7 ص 205.
(2) الاستبصار: ج 2 ص 76 ح 231. وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب أحكام شهر رمضان ذيل ح 3 ج 7 ص 205.
(3) الاستبصار: ج 2 ص 76 ذيل الحديث 231.
(4) لم نعثر على كتابه.

[ 500 ]

رجب فعد تسعة وخمسين يوما وصم يوم الستين (1). والرواية التي رواها هارون بن خارجة في الصحيح قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: عد شعبان تسعة وعشرين يوما، وإن كانت متغيمة فأصبح صائما، وإن كان مصحية وتبصرته ولم تر شيئا فأصبح مفطرا (2)، على أنه يصوم يوم الستين أو الثلاثين من شعبان، ولو كان الأمر على ما ذهب إليه أصحاب العدد لكان يوم الثلاثين من شهر رمضان، لأن شعبان عندهم لا يتم أبدا، ولم يختلف الحال بين الصحو والغيم، فعلم أنه أراد الحث على صومه بنية أنه من شعبان. مسألة: نقل السيد المرتضى عن قوم شذاذ من أصحابنا أن شهر رمضان تام أبدا. قال: والصحيح أنه قد يكون تسعة وعشرين يوما (3)، وكذا قال الشيخ (4). وهو الحق. لنا: إن شهر رمضان كغيره من الشهور يعتوره الكمال والنقصان، والمشاهدة دالة عليه. ويؤيده ما رواه يعقوب الأحمر قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: شهر رمضان تام أبدا؟ فقال: لا، بل شهر رمضان من الشهور (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 180 ح 500. وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 7 ج 7 ص 206.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 180 ح 501. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 14 ج 7 ص 184.
(3) الناصريات (الجوامع الفقهية) ص 242 المسألة 127.
(4) راجع تهذيب الأحكام: ج 4 ص 172 - 174 ذيل الحديث 485.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 165 ح 470. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 22 ج 7 ص 194.

[ 501 ]

وعن محمد بن الفضيل، عن الرضا - عليه السلام - قال: شهر رمضان شهر من الشهور يصيبه ما يصيب الشهور من التمام والنقصان، فصوموا للرؤية وافطروا للرؤية (1). احتجوا بما رواه حذيفة بن منصور، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: شهر رمضان ثلاثون يوما لا ينقص أبدا (2). والجواب: أنه خبر واحد رواه حذيفة بن منصور. قال الشيخ: ولم يوجد من شئ من الأصول، وإنما روي في الشواذ من الأخبار. وكتاب حذيفة عرى منه، والكتاب معروف مشهور، ثم إن حذيفة تارة رواه من معاذ بن كثير، عن الصادق - عليه السلام -. وتارة رواه عن الصادق - عليه السلام - بلا واسطة. وتارة يفتي به من قبل نفسه ولا يسنده إلى غيره، ومع ذلك فهو خبر واحد لا يعارض القرآن والأخبار المتواترة (3). وأيضا فإن " أبدا " يحتمل أن يكون جهة للقضية، وأن يكون جزء من المحمول احتمالا على السوية، وعلى التقدير الثاني لا حجة فيه. ثم أطنب الشيخ - رحمه الله - في وجه الخلاص عنه بما لا نطول بذكره هاهنا. مسألة: قال ابن أبي عقيل (4): يجب أن يقال عند رؤية الهلال من رمضان: الحمد لله الذي خلقني وخلقك وقدر منازلك وجعلك مواقيت للناس، اللهم أهله علينا أهلا لا مباركا، اللهم ادخله علينا بالسلامة

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 166 ح 474. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 7 ج 7 ص 190.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 168 ح 479. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 26 ج 7 ص 195.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 169 - 170 ذيل الحديث 482.
(4) لم نعثر على كتابه.

[ 502 ]

والاسلام واليقين والايمان والبر والتقوى والتوفيق لما تحب وترضى، ولم يوجب أحد من أصحابنا ذلك، فإن كان مراده من الوجوب تأكد الاستحباب فمسلم، وإن أراد به المعنى الحقيقي فهو ممنوع (1). مسألة: لا يحل الافطار قبل غيبوبة الشمس بالاجماع، واختلف في الغيبوبة، فالمشهور أن علامة الغروب ذهاب الحمرة المشرقية. وقال الشيخ في المبسوط: متى كان بحيث يرى الآفاق، وغابت الشمس عن الابصار، ورؤي ضوءها على بعض الجبال من بعيد أو بناء عال - مثل منارة اسكندرية - في أصحابنا من قال: يجوز له الافطار. قال: والأحوط عندي أن لا يفطر حتى تغيب عن الابصار في كل ما يشاهده، فإنه يتيقن معه تمام الصوم (2). وقال علي بن بابويه (3): يحل لك الافطار إذا بدت لك ثلاث أنجم وهي تطلع مع غروب الشمس، وكذا قال ابنه في المقنع (4). وروي في كتاب من لا يحضره الفقيه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن الباقر - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: إذا غاب القرص أفطر الصائم ودخل وقت الصلاة. قال: وقال أبي - رضي الله عنه - في رسالته إلي: يحل لك الافطار إذا بدت ثلاثة أنجم وهي تطلع من غروب الشمس. قال: وهو رواية أبان، عن زرارة، عن أبي جعفر - عليه السلام - (5). والمعتمد الأول. لنا: قوله تعالى: " ثم أتموا الصيام إلى الليل " (6).

(1) ق: فممنوع.
(4) المقنع: ص 65.
(2) المبسوط: ج 1 ص 269.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 129 ح 1932 وذيله.
(3) لم نعثر على رسالته.
(6) البقرة: 187.

[ 503 ]

وما رواه محمد بن عمير، عمن ذكره عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: وقت سقوط القرص ووجوب الافطار من الصيام أن يقوم بحذاء القبلة ويتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق، فإذا جازت قبة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الافطار وسقط القرص (1). ولأنه أحوط. ولأن الأصل بقاء النهار وبقاء التحريم. احتج ابن بابويه بما رواه زرارة في الصحيح قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن وقت إفطار الصائم، قال: حين تبدو ثلاثة أنجم (2). والجواب: لعله أشار بذلك إلى حالة الاشتباه لوجود الغيم أو غيره. قال الشيخ: هذا الخبر لا يعتبر به، والمراعى ما قدمناه من سقوط القرص، وعلامته زوال الحمرة من ناحية المشرق، وظهور ثلاثة أنجم كان يعتبره أصحاب أبي الخطاب لعنه الله (3). مسألة: صوم يوم الشك بنية شعبان مستحب. وقال ابن الجنيد (4): لا استحب الابتداء بصيام يوم الشك إلا إذا كانت في السماء علة تمنع من الرؤية استظهارا. وقال المفيد في الرسالة الغرية (5): يكره صوم يوم الشك إذا لم يكن هناك عارض، وتيقن أول الشهر، وكان الجو سليما من العوارض، وتفقد الهلال ولم ير مع اجتهادهم في الطلب، ولا يكون هناك شك حينئذ، ويكره صومه حينئذ

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 185 ح 516. وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الامساك ح 1 ج 7 ص 89.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 318 ح 968. وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الامساك ح 3 ج 7 ص 89.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 318 ذيل الحديث 968، وفيه: لعنهم الله.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) لم نعثر على رسالته.

[ 504 ]

إلا لمن كان صائما قبله شعبان أو أياما تقدمته من شعبان، بذلك جاءت الآثار عن الأئمة - عليهم السلام -. وقال علي بن بابويه (1): صوم يوم الشك أمرنا به ونهينا عنه، أمرنا أن نصومه من شعبان، ونهينا أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس، فإن لم يكن صام من شعبان شيئا ينوي ليلة الشك أنه صائم من شعبان. لنا: إن الصوم مطلقا مستحب لعموم الأمر، فيدخل صورة النزاع فيه. وما رواه بشير النبال، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته عن صوم يوم الشك، فقال: صمه، فإن يكن من شعبان كان تطوعا، ويكن من شهر رمضان فيوم وفقت له (2). وفي الصحيح عن سعيد الاعرج قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: إني صمت اليوم الذي يشك فيه وكان من شهر رمضان أفأقضيه؟ قال: لا هو يوم وفقت له (3). احتج بما رواه قتيبة الأعشى قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: نهى رسول الله - صلى الله عليه وآله - عن صوم ستة أيام: العيدين، وأيام التشريق، واليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان (4). وغيره من الأحاديث (5).

(1) لم نعثر على رسالته.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 181 ح 504. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 3 ج 7 ص 12.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 182 ح 506. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 2 ج 7 ص 12.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 183 ح 509. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 2 ج 7 ص 16.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 182 - 183. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب وجوب الصوم ونيته ج 7 ص 15 - 18.

[ 505 ]

والجواب: إنها محمولة على النهي عن الصوم بنية رمضان أو بنية الشك، لا بنية أنه من شعبان. مسألة: قال ابن الجنيد (1): لا يستحب إفراد يوم الجمعة بصيام، فإن تلى به ما قبله أو استفتح به ما بعده جاز. والمشهور الاستحباب مطلقا. لنا: إن الصوم عبادة في نفسه، وقد روي زيادة ثواب الطاعة يوم الجمعة، وإن الحسنات تتضاعف فيه. وما رواه ابن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: رأيته صائما يوم الجمعة، فقلت له: جعلت فداك إن الناس يزعمون أنه يوم عيد، فقال: كلا أنه يوم خفض ودعة (2). احتج ابن الجنيد بما رواه عبد الملك بن عمير قال: سمعت رجلا من بني الحارث بن كعب قال: سمعت أبا هريرة يقول: ليس أنا أنهى عن صوم يوم الجمعة ولكن سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله - قال: لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا قبله أو بعده (3). والجواب: ما ذكره الشيخ أن طريقه رجال العامة لا نعمل به، بل الأول هو المعمول به (4). مسألة: قال ابن الجنيد (5): وصوم الإثنين والخميس منسوخ، وصوم السبت منهي عنه، عن النبي - صلى الله عليه وآله -.

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 316 ح 959. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الصوم المندوب ح 5 ج 7 ص 301.
(3) سنن ابن ماجه: ج 1 ص 549 ح 1723. صحيح مسلم: ج 2 ص 801 ح 147، صحيح البخاري: ج 3 ص 54، وفيهم: عن الأعمش حدثنا أبو صالح.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 316 ذيل الحديث 959.
(5) لم نعثر على كتابه.

[ 506 ]

ولم يثبت عندي شئ من ذلك، ولم يذكر المشهورون من علمائنا ذلك. نعم قد روى جعفر بن عيسى، عن الرضا - عليه السلام - قال: ويوم الإثنين يوم نحس قبض الله فيه نبيه - صلى الله عليه وآله -، وما أصيب آل محمد إلا في يوم الإثنين فتشاءمنا به وتبرك به أعداؤنا. ويوم عاشوراء قتل الحسين بن علي - عليه السلام -، وتبرك به ابن مرجانة، وتشاءم به آل محمد - عليهم السلام -، فمن صامهما وتبرك بهما لقي الله ممسوخ القلب، وكان محشره مع الذين سنوا صومهما والتبرك بهما (1). فإن صح هذا السند كان صوم يوم الإثنين مكروها، وإلا فلا. مسألة: المشهور أن صوم الوصال حرام. وقال ابن الجنيد (2): لا يستحب الوصال الدائم في الصيام، لنهي النبي - عليه السلام - عن ذلك، ولا بأس بما كان منه يوما وليلة، ويفطر في السحر، ويكره أن يصل الليلة التي هي من أول الشهر باليوم الذي هو آخر الشهر. فإن كان غرضه من ذلك انتفاء استحباب الوصال فالعبارة رديئة، لأنها تعطي الجواز، وإن قصد المداومة على الصوم احتمل، مع أنه ممنوع. لنا: على تحريم صوم الوصال اشتهاره عن أصحابنا حتى صار إجماعا، فلا عبرة بخلافه. وما رواه الزهري، عن علي بن الحسين - عليهما السلام - قال: وصوم الوصال حرام (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 301 ح 911. وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب الصوم المندوب ح 3 ج 7 ص 340.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 296 ح 895. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الصوم المحرم المكروه ح 6 ج 7 ص 388.

[ 507 ]

مسألة: واختلف في تفسير صوم الوصال، فقال الشيخان: هو أن يجعل عشاؤه سحوره (1). وقال ابن إدريس: هو أن يصوم يومين من غير أن يفطر بينهما ليلا. وقال: وفسره شيخنا أبو جعفر الطوسي في نهايته بغير هذا، فقال: وهو أن يجعل عشاؤه سحوره. قال: والأول هو الأظهر والأصح، وإليه ذهب في اقتصاده (2). والمعتمد الأول. لنا: إنه مخالفة لوضع الشرع، فإنه أوجب الصيام إلى الليل، فمن تعداه يكون مبدعا فكان حراما. وما رواه الحلبي، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: الوصال في الصيام أن يجعل عشاؤه سحوره (3). ونقل ابن إدريس عن الشيخ أنه ذهب في الاقتصاد إلى ما أفتى به، وليس بصحيح، لأن الشيخ قال في الاقتصاد: وصوم الوصال كذلك يجعل عشاؤه سحوره، أو يطوي يومين (4). وقوله: " إنه الأظهر والأصح " ليت شعري من قال بذلك، فإن أكثر كتب علمائنا خالية عنه، بل نصوا على تحريم صوم الوصال، ولم يذكروا ما هو، كأبي الصلاح (5)، وسلار (6)، والسيد المرتضى (7)، وعلي بن بابويه (8).

(1) المقنعة: ص 366. المبسوط: ج 1 ص 283.
(2) السرائر: ج 1 ص 420 - 421.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 298 ح 898. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الصوم المحرم والمكروه ح 7 ج 7 ص 388.
(4) الاقتصاد: ص 293.
(5) الكافي في الفقه: ص 181.
(6) المراسم: ص 96.
(7) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 59.
(8) لم نعثر على رسالته.

[ 508 ]

والصدوق ابن بابويه روى عن الصادق - عليه السلام - قال: الوصال الذي نهي عنه هو أن يجعل عشاؤه سحوره (1). مسألة: ذكر السيد المرتضى في بعض رسائله: أن الصوم ليس كالصلاة، فإنه لا يجوز لمن عليه فائتة أن يصلي الحاضرة في أول وقتها، ويجوز لمن عليه صوم واجب أن يصوم تطوعا (2). ومنع من ذلك الشيخان (3)، وابن بابويه (4)، وهو - رحمه الله - أيضا في الجمل (5)، وأبو الصلاح (6)، وهو الوجه. لنا: أنه مشغول الذمة بعبادة واجبة، فلا يتطوع بمثلها قبل أدائها كالصلاة. وما رواه الحلبي في الحسن قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل عليه من شهر رمضان طائفة أيتطوع؟ قال: لا حتى يقضي ما عليه من شهر رمضان (7). وعن أبي الصباح الكناني: قال سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل عليه من شهر رمضان أيام أيتطوع؟ فقال: لا حتى يقضي ما عليه من شهر رمضان (8).

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 172 ح 2047. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الصوم المحرم والمكروه ح 5 ح 7 ص 388.
(2) جوابات المسائل الرسية الأولى (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثانية): ص 366.
(3) المقنعة: ص 360. النهاية ونكتها: ج 1 ص 406.
(4) لم نعثر عليه رسالته.
(5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 57.
(6) الكافي في الفقه: ص 184.
(7) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 276 ح 835. وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 5 ج 7 ص 253.
(8) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 276 ح 836. وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 6 ج 7 ص 253.

[ 509 ]

قال ابن بابويه: وردت الآثار والأخبار عن الأئمة - عليهم السلام - أنه لا يجوز أن يتطوع الرجل بالصيام وعليه شئ من الفرض، وممن روى ذلك الحلبي وأبو الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام (1). احتج السيد المرتضى بالأصل الدال على الإباحة. والجواب: إنه معارض بالاحتياط، وبما تلوناه من الأخبار. مسألة: المشهور إن السبعة في بدل الهدي لا يجب فيها التتابع. وقال ابن أبي عقيل (2): وسبعة متتابعات إذا رجع إلى أهله. وذهب أبو الصلاح إلى وجوب التتابع في السبعة (3). لنا: الأصل براءة الذمة، وعدم شغلها بوجوب التتابع. احتج بأن الأمر للفور. وما رواه علي بن جعفر في الحسن، عن أخيه موسى - عليه السلام - قال: سألته عن صوم ثلاثة أيام في الحج والسبعة أيصومها متوالية أو يفرق بينها؟ قال: يصوم الثلاثة لا يفرق بينها، والسبعة لا يفرق بينها، ولا يجمع السبعة والثلاثة جميعا (4). والجواب: المنع من كون الأمر للفور، ومن كون الخبر للوجوب، ولو قيل به كان قويا لهذا الحديث. مسألة: بدل البدنة في النعامة صوم شهرين متتابعين على ما هو المشهور.

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 136 باب الرجل يتطوع بالصيام.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) الكافي في الفقه: ص 188.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 315 ح 957. وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 5 ج 7 ص 281.

[ 510 ]

وقال ابن أبي عقيل (1): فإن كان صيده نعامة فعليه صيام ثمانية عشر يوما إذا لم يجد بدنة، وإلا إطعام ستين مسكينا، لكل مسكين مد من طعام. والمشهور لكل مسكين نصف صاع، وأيضا بدل البقرة في حمار الوحش صيام شهر على المشهور. وقال هو (2): فإن كان صيده حمار وحش فعليه صيام تسعة أيام إذا لم يجد بقرة ولا إطعام ثلاثين مسكينا. وأيضا المشهور في بدل الشاة في الظبي صيام عشرة أيام. وقال ابن أبي عقيل (3): وإن كان صيده من الظباء فعليه صيام ثلاثة أيام إذا لم يجد شاة ولا إطعام عشرة مساكين. وقال أبو الصلاح كما قلناه في النعامة وحمار الوحش، ووافق ابن أبي عقيل في الظبي فقال: يجب صيام ثلاثة أيام، ثم قال أبو الصلاح: فإن كان قاتل الصيد محرما في الحرم فعليه مثلا ما ذكرناه من الصوم (4). وهذه المسألة تتعلق بكفارات الحج نذكرها هناك إن شاء الله تعالى. مسألة: المشهور أن الثلاثة الأيام التي يستحب صومها وهي: الاربعاء بين خميسين هي أول خميس في العشر الأول، وأول أربعاء في العشر الثاني، وآخر خميس في العشر الأخير، قاله الشيخان (5)، وابن البراح (6)، وابن إدريس (7). وقال ابن أبي عقيل (8): الخميس الأول من العشر الأول، والاربعاء الأخير

(1) و (2) و (3) لم نعثر على كتابه.
(4) الكافي في الفقه: ص 187، ولم يذكر " الظبي " حيث قال: وعن الذئب أو الثعلب أو الأرنب صوم ثلاثة أيام.
(5) المقنعة: ص 368 - 369. النهاية ونكتها: ج 1 ص 413.
(6) المهذب: ج 1 ص 188.
(7) السرائر: ج 1 ص 417.
(8) لم نعثر على كتابه.

[ 511 ]

من العشر الأوسط، وخميس من العشر الأخير. وقال ابن الجنيد (1): الذي يستحب عند أهل البيت - عليهم السلام - المواظبة عليه من صام التطوع، أما أربعاء بين خميسين في كل شهر أول خميس فيه، وأقرب أربعاء ثبت كذلك، ثم يعود إلى أربعاء بين خميسين شهر وشهر. وقال أبو الصلاح: أفضل الصوم ثلاثة أيام في كل شهر خميس في أوله، وأربعاء في وسطه، وخميس في آخره (2). لنا: ما رواه حماد بن عثمان، عن الصادق - عليه السلام - أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - صام حتى قيل: ما يفطر ثم أفطر حتى قيل: ما يصوم ثم صام صوم داود - عليه السلام - يوما ويوما لا، ثم قبض - عليه السلام - على صيام ثلاثة أيام في الشهر، وقال: يعدلن صوم الدهر، ويذهبن بوجر الصدر - قال حماد: الوجر الوسوسة - قال حماد: فقلت: أي الأيام هي؟ قال: أول خميس في الشهر، وأول أربعاء بعد العشر، وآخر خميس فيه، فقلت: لم صارت هذه الأيام التي تصام؟ فقال: إن من قبلنا من الأمم كانوا إذا نزل على أحدهم العذاب نزل في هذه الأيام المخوفة (3). وعن عبد الله بن سنان قال: قال لي أبو عبد الله - عليه السلام -: إذا كان في أول الشهر خميسان فصم أولهما فإنه أفضل، وأن كان في آخره خميسان فصم آخرهما (4).

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) الكافي في الفقه: ص 189.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 302 ح 913. وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الصوم المندوب ح 1 ج 7 ص 303.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 303 ح 916. وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الصوم المندوب ح 3 ج 7 ص 304.

[ 512 ]

احتجوا بما رواه أبو بصير قال: سألته عن صوم ثلاثة أيام في الشهر، فقال: في كل عشرة أيام يوم خميس وأربعاء وخميس، والشهر الذي يليه أربعاء وخميس وأربعاء (1). والجواب: أن في سنده ضعفا، ومع ذلك فأبو بصير لم يسندها إلى إمام. قال الشيخ: الانسان مخير بين أن يصوم أربعاء بين خميسين، أو خميسا بين أربعاءين، وعلى أيهما عمل لم يكن عليه شئ (2). مسألة: صوم أيام البيض مستحب إجماعا، والمشهور في تفسيرها: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر، سميت بيضا بأسماء لياليها، من حيث أن القمر يطلع مع غروب الشمس ويغيب مع طلوعها، قاله الشيخان (3)، والسيد المرتضى (4)، وأكثر علمائنا. وقال ابن أبي عقيل (5): فأما السنة من الصيام فصوم شعبان، وصيام البيض: وهي ثلاثة أيام في شهر متفرقة: أربعاء بين خميسين الخميس الأول من العشر الأول، والاربعاء الأخير من العشر الأوسط، وخميس من العشر الأخير. لنا: أن العلة ما ذكرناها، ولا يتم إلا في الأيام المذكورة. مسألة: صيام أيام التشريق حرام لمن كان بمنى، ذكره الشيخان (6)، وابن

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 303 ح 917. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الصوم المندوب ح 2 ج 7 ص 313.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 303 ذيل الحديث 917.
(3) المقنعة: ص 366، المبسوط: ج 1 ص 283.
(4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 58 - 59.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) المقنعة: ص 366. النهاية ونكتها: ج 1 ص 411.

[ 513 ]

الجنيد (1)، وجماعة من علمائنا. وإن كان أطلق بعضهم فمراده التقييد، إلا أن الشيخ - رحمه الله - قال: القاتل في أشهر الحرم يصوم شهرين متتابعين وإن دخل فيهما العيد وأيام التشريق (2). والأشهر المنع. لنا: الأخبار الدالة على تحريم صوم هذه الأيام، والاجماع الدال عليه. احتج برواية زرارة، عن أبي جعفر - عليه السلام - عن رجل قتل رجلا خطأ في الشهر الحرام، قال: تغلظ عليه الدية، وعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين من الأشهر الحرم أو إطعام، قلت: فيدخل فيهما العيدان وأيام التشريق؟ قال: يصوم، فإنه حق لزمه (3). والجواب: إن العمومات المعلومة بالاجماع، وبالأخبار المتواترة لا تجوز تخصيصها بمثل الشاذ النادر، مع قصوره عن إفادة المطلوب، إذ ليس فيه أمر بصوم العيد وإنما أمره بصوم أشهر الحرم، وليس في ذلك دلالة على صوم يوم العيد وأيام التشريق يجوز صومها في غير منى.

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 411.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 297 ح 896. وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 1 ج 7 ص 278.

[ 514 ]

الفصل السادس في اللواحق مسألة: قال الشيخ في الخلاف: الصبي إذا نوى الصوم ثم بلغ في الأثناء وجب عليه الامساك (1). وقال في كتاب الصلاة منه: إذا دخل في الصوم ثم بلغ أمسك بقية النهار تأديبا، وليس عليه قضاء (2). والوجه هو الثاني، وهو اختيار ابن الجنيد (3)، وابن إدريس (4). لنا: أن الصوم عبادة لا تقبل التجزئة، وهو في أول النهار لم يكن مكلفا به، فلا يقع التكليف به في باقيه. احتج بأنه بالغ مكلف يصح منه الصوم، وقد انعقد صومه شرعا في أول النهار، فيجب عليه إتمامه. والجواب: المنع من شرعية صومه وانعقاده. مسألة: قال المفيد: إذا أفطر المريض أياما أو يوما ثم صح في بقية يوم قد

(1) الخلاف: ج 2 ص 203 المسألة 57.
(2) الخلاف: ج 1 ص 306 المسألة 53.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) السرائر: ج 1 ص 403.

[ 515 ]

كان أكل فيه أو شرب فإنه يجب عليه الامساك، وعليه مع ذلك القضاء لليوم الذي أمسك فيه (1). والمشهور استحباب الامساك. لنا: إن الصوم سقط بإفطاره، والأصل براءة الذمة من وجوب الامساك. احتج بأنه وقت يجب فيه الامساك على غير المريض، والتقدير برؤه فيه. والجواب: إنما يجب الامساك على الصحيح لو وجب صوم ابتدائه، أما على تقدير عدمه فلا. مسألة: قال في النهاية: الكافر إذا أسلم في يوم قبل طلوع الفجر كان عليه صيام ذلك اليوم، وإن أسلم بعد طلوع الفجر لم يجب عليه صيام ذلك اليوم، وكان عليه أن يمسك تأديبا إلى آخر النهار (2). وقال في المبسوط: متى أسلم قبل طلوع الفجر صام ذلك اليوم وجوبا، وإن أسلم بعده ولم يتناول ما يفطره إلى عند الزوال جدد النية، وكان صومه صحيحا (3). وليس بجيد. لنا: أنه لم يكن من أهل الصوم في ابتداء النهار، وقد بينا أن الصوم عبادة لا تقبل التجزئة، فلا ينعقد مع تجديد النية قبل الزوال. وما رواه العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن قوم أسلموا في شهر رمضان وقد مضى منه أيام هل عليهم أن يصوموا ما مضى منه أو يومهم الذي أسلموا فيه؟ فقال: ليس عليهم قضاء ولا يومهم الذي أسلموا فيه، إلا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر (4).

(1) المقنعة: ص 354.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 402.
(3) المبسوط: ج 1 ص 286.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 245 ح 728، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1 ج 7 ص 238.

[ 516 ]

احتج بأنه زمان يصح فيه ابتداء نية الصوم، فيجب أن يصح صومه كالناسي. والجواب: إنما يصح ابتداء النية في موضع يصح فيه ابتداء النية في أوله كالناسي، بخلاف صورة النزاع. قال ابن الجنيد (1): الكافر إذا أسلم والصبي إذا بلغ وقد مضى بعض رمضان أو بعض يوم منه لم يلزمهما، إلا صيام ما يستقبلا به. ولو قضيا ما مضى ويومهما كان أحب إلي وأحوط. مسألة: قال الشيخ في النهاية: والمريض إذا برئ في وسط النهار وقدر على الصوم وكان قد تناول ما يفسد الصوم كان عليه الامساك بقية نهاره تأديبا، وعليه القضاء. وأن لم يكن قد فعل شيئا مما يفسد الصيام أمسك بقية يومه وقد تم صومه، وليس عليه القضاء (2). وقال ابن إدريس: هو غير واضح، لأن وسط النهار أما قبل الزوال أو بعده، فإن كان قبله ولم يكن تناول ما يفسد الصوم صح ما قاله، وإن كان بعد الزوال لم يصح ما قاله، ووسط النهار أيضا لم يتصور هنا، لأن وسط النهار لا بد أن يكون بعض نصفه الأول وبعض نصفه الثاني، إذ ليس هناك وسط يكون خارجا عن النصفين، فإن كان برؤه في النصف الأول فهو قبل الزوال وإن كان برؤه في النصف الثاني فهو بعد الزوال (3). وأقول: هذه موآخذة لفظية لا كثير فائدة تحتها، مع أن كلام الشيخ له محمل، لأن البرء وسط النهار إنما يكون إذا كان في النصف الأول قد برئ من

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 403.
(3) السرائر: ج 1 ص 405.

[ 517 ]

المرض. وأيضا فإن الوسط يطلق تارة على الحقيقي وهو الحد المشترك بين النصفين، وتارة على المجاز وهو ما بين الطرفين، ولهذا فرقوا بين قولنا: حفرت وسط الدار بئرا، وحفرت في وسط الدار بئرا، بتحريك السين وتسكينها. وبالجملة فهذه المسألة قليلة الفائدة والحكم فيها معلوم. مسألة: المريض إذا مرض في شهر رمضان واستمر به المرض إلى الرمضان الثاني ولم يبرأ فيما بينهما، قال الشيخ في النهاية (1) والمبسوط (2): يصوم الثاني إذا برئ فيه، ويتصدق عن الأول عن كل يوم بمد من طعام، ويسقط قضاؤه. وقال في الخلاف: فإن أخر قضاؤه إلى أن يدركه رمضان آخر صام الذي أدركه وقضى الذي فات، فإن كان تأخر لعذر من سفر أو مرض استدام به فلا كفارة عليه، وإن تركه مع القدرة كفر عن كل يوم بمد من طعام (3). وممن قال بسقوط القضاء ابن الجنيد (4)، وعلي بن بابويه في رسالته (5)، وابنه في المقنع (6)، وابن البراج (7)، وابن حمزة (8). وقال ابن أبي عقيل (9): من كان عليه قضاء من شهر رمضان فلم يقضه وهو يقدر عليه حتى دخل في شهر رمضان آخر كان عليه أن يصوم الشهر الداخل، ويقضي من بعده الذي فاته، ويتصدق عن كل يوم بمد من طعام. ولو

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 400.
(2) المبسوط: ج 1 ص 286.
(3) الخلاف: ج 2 ص 206 المسألة 63.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) لم نعثر على رسالته، ونقله عنه في السرائر: ج 1 ص 395 - 396.
(6) المقنع: ص 64.
(7) المهذب: ج 1 ص 195.
(8) الوسيلة: ص 150.
(9) لم نعثر على كتابه.

[ 518 ]

لم يمكنه القضاء لمرض حتى دخل شهر رمضان آخر صام الشهر الداخل، وقضى من بعده الفائت، ولا صدقة عليه. واختار أبو الصلاح (1)، وابن إدريس (2) ذلك، وأوجبا القضاء دون الصدقة. وسلار (3)، والسيد المرتضى (4) لم يتعرضا لذلك، بل أوجبا القضاء على المفطر للمرض، ولم يفصلا. والمعتمد الأول. لنا: إن العذر قد استوعب وقت الأداء والقضاء، فوجب أن يسقط عنه القضاء. أما استيعاب وقت الأداء فظاهر، وأما استيعاب وقت القضاء فلأن وقته فيما بين الرمضانين، إذ لا يجوز له التأخير عنه، وأما السقوط حينئذ فلعدم الوقت، وكما لو استوعب الاغماء والحيض وقت الصلاة. لا يقال: ينتقض ذلك بما لو صح فيما بينهما ولم يقضه. لأنا نقول: إنه لتفريطه استقر عليه القضاء، فوجب عليه الاتيان به بعد الرمضان الثاني، بخلاف صوره النزاع. ولأن الأصل براءة الذمة. ولأن القضاء إنما يجب بأمر جديد، ولم يثبت في صورة النزاع. وما رواه محمد بن مسلم في الحسن قال: سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر، فقالا: إن كان برئ ثم توانا قبل أن يدركه الصوم الآخر صام الذي أدركه، ويتصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين، وعليه قضاؤه. فإن كان لم يزل مريضا حتى أدركه شهر رمضان صام

(1) الكافي في الفقه: ص 184.
(2) السرائر: ج 1 ص 396.
(3) المراسم: ص 97.
(4) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 56.

[ 519 ]

الذي أدركه، وتصدق عن الأول لكل يوم مدا على مسكين، وليس عليه قضاء (1). وفي الصحيح عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - عن الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان ويخرج عنه وهو مريض حتى يدركه شهر رمضان آخر، قال: يتصدق عن الأول ويصوم الثاني، فإن كان صح فيما بينهما ولم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا، وتصدق عن الأول (2). وعن أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل عليه من شهر رمضان طائفة ثم أدركه شهر رمضان قابل، فقال: إن كان صح فيما بين ذلك ثم لم يقضه حتى أدركه رمضان قابل فإن عليه أن يصوم وأن يطعم كل يوم مسكينا، وإن كان مريضا فيما بين ذلك حتى أدركه رمضان قابل فليس عليه إلا الصيام إن صح، فإن تتابع المرض عليه فعليه أن يطعم عن كل يوم مسكينا (3). وعن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا مرض الرجل من رمضان إلى رمضان ثم صح فإنما عليه لكل يوم أفطر فدية طعام وهو مد لكل مسكين (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 250 ح 743. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1 ج 7 ص 244.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 250 ح 744. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2 ج 7 ص 245.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 251 ح 745. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 3 ج 7 ص 245.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 251 ح 746، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 6 ج 7 ص 246.

[ 520 ]

احتج المخالف بعموم قوله تعالى: " ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " (1)، وبأن العبادة لا تسقط بفوات وقتها كالدين (2). وبما رواه سماعة قال: سألته عن رجل أدركه رمضان وعليه رمضان قبل ذلك ولم يصم فقال: يتصدق بدل كل يوم من الرمضان الذي عليه بمد من طعام وليصم هذا الذي أدرك، فإذا أفطر فليصم رمضان الذي كان عليه، فإني كنت مريضا فمر علي ثلاث رمضانات لم أصح فيهن ثم أدركت رمضانا فتصدقت بدل كل يوم مما مضى بمدين من طعام، ثم عافاني الله وصمتهن (3). والجواب: العموم قد يخص بأخبار الاحاد، خصوصا إذا استفاضت واشتهرت واعتضدت بعمل أكثر الأصحاب. ولأن وقت القضاء قد فات على ما بيناه فيسقط، والقضاء في العبادة إنما يجب بأمر جديد على ما حقق في أصول الفقه، بخلاف الدين فإنه لا وقت له. ورواية سماعة ضعيفة السند، ولم يسندها إلى إمام، ويحتمل التأويل بوجهين: الأول: إنه لم يذكر في الرواية استمرار المرض فيما بين الرمضانات. الثاني: جاز أن يتبرع الإمام - عليه السلام - بالقضاء والصدقة، لأنه مستحب لا واجب، والامام - عليه السلام - كان يواظب على فعل المندوبات كالواجبات. مسألة: وفي تقدير الفدية قولان: قال الشيخ في النهاية: يتصدق عن كل يوم بمدين من طعام، فإن لم يمكنه

(1) البقرة: 185.
(2) في متن المطبوع وق: كالقرض.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 251 ح 747. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 5 ج 7 ص 245.

[ 521 ]

فبمد (1)، وبه قال ابن البراج (2)، وابن حمزه (3). وقال ابنا بابويه: يتصدق عن كل يوم بمد (4)، وهو اختيار ابن الجنيد (5)، وهو المعتمد. لنا: الأصل براءة الذمة. وما تقدم من الروايات كرواية محمد بن مسلم الحسنة، عنهما - عليهما السلام - يتصدق عن الأول لكل يوم مدا، وليس عليه قضاء (6). ورواية أبي الصباح الكناني، عن الصادق - عليه السلام - وأن يطعم كل يوم مسكينا (7). والغالب أن المسكين لا يأكل في اليوم أكثر من مد. ورواية أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - فإنما عليه لكل يوم أفطر فدية طعام، وهو مد لكل مسكين، قال: وكذلك في كفارة اليمين وكفارة الظهار مدا مدا (8). احتج الشيخ بأن نصف الصاع بدل عن اليوم في كفارة جزاء الصيد فيكون كذلك هنا، بل هذا آكد، فإن صوم يوم من شهر رمضان أفضل من

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 400.
(2) المهذب: ج 1 ص 195.
(3) الوسيلة: ص 150.
(4) المقنع: ص 64، ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 350 ح 743، وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1 ج 7 ص 244.
(7) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 251 ح 745. وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 3 ج 7 ص 245.
(8) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 251 ح 746. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 6 ج 7 ص 246.

[ 522 ]

غيره فإذا كان نصف الصاع بدلا عن الأقل امتنع في الحكمة أن يكون المد الذي هو ربع الصاع بدلا عن الأكثر. والجواب: إن هذا اجتهاد في مقابلة النص فلا يكون مسموعا، خصوصا فيما لا يعقل معناه من التقديرات والكفارات. مسألة: قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: وحكم ما زاد على رمضانين حكم الرمضانين سواء (1)، وهو قول ابن الجنيد (2) فإنه قال: وإن كان أفطر لمرض واتصل به المرض إلى رمضان آخر ورمضانين أو ثلاثة تصدق عن سائر الرمضانات، عن كل يوم مدا من طعام، وقضاء (3) آخر رمضان منها برئ عقيبه. ولو صام جميعها مع الصدقة كان أحوط. وقال ابن بابويه في رسالته: وإذا مرض الرجل وفاته صوم شهر رمضان ولم يصمه إلى أن يدخل عليه شهر رمضان قابل فعليه أن يصوم هذا الذي قد دخل عليه، ويتصدق عن الأول لكل يوم بمد من طعام، وليس عليه القضاء، إلا أن يكون صح فيما بين الرمضانين. فإن كان كذلك ولم يصم فعليه أن يتصدق عن الأول، لكل يوم بمد من طعام، ويصوم الثاني، فإذا صام الثاني قضى الأول بعده. فإن فاته شهر رمضان حتى يدخل الثالث من مرض فعليه أن يصوم الذي دخل، ويتصدق عن الأول لكل يوم بمد من طعام، ويقضي الثاني (4). وهذا الكلام كما يحتمل استمرار المرض فيه من الرمضان الأول إلى الثالث يحتمل برؤه فيما بين الثاني والثالث، فحينئذ إن حمل على الثاني فلا

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 400 - 401.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) كذا في جميع النسخ ولعل الصحيح " وقضى ".
(4) لم نعثر على رسالته، ونقله عنه في السرائر: ج 1 ص 395 - 396.

[ 523 ]

مخالفة فيه، كما ذهب إليه شيخنا أبو جعفر، وشيخنا أبو علي ابن الجنيد. وإن حمل على الأول صارت المسألة خلافية. وابن إدريس (1) حمله على الأول، ثم جعله دليلا له على أن الواجب القضاء دون الصدقة (2). وليس فيه دلالة على مطلوبه، ولو كان لتوجه المنع إلى هذا الكلام كما يتوجه إلى كلامه. مسألة: ولو صح فيما بين الرمضانين ولم يقض حتى استهل الرمضان الثاني فإن أخر القضاء توانيا وجب عليه قضاء الماضي والصدقة عن كل يوم، وإن كان عن غير توان بأن يقول: اليوم أقضي أو غدا فضاق الوقت ومرض أو حصل له عذر منعه عن القضاء حتى استهل الثاني وجب عليه قضاء الماضي ولا صدقة، ذهب إليه الشيخان (3)، وأبو الصلاح (4). وابنا بابويه لم يفصلا هذا التفصيل، بل قالا: متى صح فيما بينهما ولم يقض وجب القضاء والصدقة (5)، وهو اختيار ابن أبي عقيل (6). ومنع ابن أبي إدريس من وجوب الصدقة مع التواني (7). والأقرب الأول. لنا: إنه مع التواني مفرط في واجب، فناسب عقوبة إيجاب الصدقة الذي هو تطهير للذنب بخلاف عدمه.

(1) السرائر: ج 1 ص 396.
(2) في متن المطبوع وق: التصدق.
(3) لم يتعرض الشيخ المفيد إلى هذه المسألة في كتابه كما في السرائر: ج 1 ص 397. النهاية ونكتها: ج 1 ص 400.
(4) الكافي في الفقه: ص 184.
(5) المقنع: 64، ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) السرائر: ج 1 ص 397.

[ 524 ]

وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح قال: سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر، فقالا: إن كان برأ ثم توانا قبل أن يدركه الصوم الآخر صام الذي أدركه، وتصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين وعليه قضاؤه، وإن كان لم يزل مريضا حتى أدركه شهر رمضان صام الذي أدركه، وتصدق عن الأول لكل يوم مدا على مسكين، وليس عليه قضاء (1). وتعليق الصدقة على التواني يشعر بالعلية، لأنه وصف صالح وقد قارن حكما يحسن ترتبه عليه، فكان علة فيه قضية للمناسبة، فينتفي مع انتفائه. وكما يدل بمفهومه على هذا الحكم يدل بمنطوقه على إيجاب الصدقة. وما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - عن الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان ويخرج عنه وهو مريض حتى يدركه شهر رمضان آخر، قال: يتصدق عن الأول ويصوم الثاني، فإن كان صح فيما بينهما ولم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا، وتصدق عن الأول (2). وكذا في حديث أبي الصباح الكناني، عن الصادق - عليه السلام - (3)، وقد سلف. وفي حديث أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا مرض الرجل من رمضان إلى رمضان ثم صح فإنما عليه لكل يوم أفطر فدية طعام، وهو مد لكل مسكين، قال: وكذلك أيضا في كفارة اليمين وكفارة الظهار مدا مدا، وإن صح فيما بين الرمضانين فإنما عليه أن يقضي الصيام، فإن تهاون به وقد صح

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 250 ح 734. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1 ج 7 ص 244.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 250 ح 744. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2 ج 7 ص 245.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 251 ح 745. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 3 ج 7 ص 245.

[ 525 ]

فعليه الصدقة والصيام جميعا، لكل يوم مدا إذا فرغ من ذلك الرمضان (1). احتج ابن بابويه بحديث زرارة وأبي الصباح. والجواب: إن الأخبار المطلقة تحمل على المفصلة جمعا بين الأدلة. واحتج ابن إدريس بأصالة البراءة (2)، وبأن أحدا من علمائنا لم يذكر هذه المسألة سوى الشيخين ومن قد كتبهما (3)، أو تعلق بأخبار الآحاد التي ليست حجة عند أهل البيت عليهم السلام. وبما رواه سعد بن سعد، عن رجل، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن رجل يكون مريضا في شهر رمضان ثم يصح بعد ذلك فيؤخر القضاء سنة أو أقل من ذلك أو أكثر ما عليه في ذلك؟ قال: أحب له تعجيل الصيام، فإن كان أخره فليس عليه شئ (4). والجواب: إن البراءة إنما يصار إليها مع عدم دليل الثبوت وشغل الذمة وقد بينا الأدلة. وعدم ذكر أحد من أصحابنا غير الشيخين لهذه المسألة ليس حجة على العدم، مع أن الشيخين هما القيمان بالمذهب، وكيف يدعي ذلك وابنا بابويه سبقا الشيخين بذكر وجوب الصدقة مطلقا ولم يفصلا إلى التواني وغيره؟! وكذا ابن أبي عقيل وهو أسبق من الشيخين، وهؤلاء عمدة المذهب. والحديث الذي رواه سعد بن سعد مرسل ضعيف السند، مع احتماله التأويل، لأن تأخر القضاء أمر كلي شامل للعزم وعدمه، ونحن نقول بموجبه مع العزم،

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 251 ح 746. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 6 ج 7 ص 246.
(2) السرائر: ج 1 ص 397.
(3) ن: ومن ملك كتبهما.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 252 ح 749. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 7 ج 7 ص 246.

[ 526 ]

وليس فيه إشعار بالعدم، فلا يدل عليه. مسألة: قال ابن أبي عقيل (1): ومن كان عليه قضاء من شهر رمضان فلم يقضه وهو يقدر عليه حتى دخل في شهر رمضان آخر كان عليه أن يصوم الشهر الداخل، ويقضي من بعده الذي فاته، ويتصدق عن كل يوم بمد من طعام. ولو لم يمكنه القضاء لمرض حتى دخل شهر رمضان آخر صام الشهر الداخل، وقضى من بعده الفائت، ولا صدقة عليه. وهذا الكلام يشعر بتعميم الحكم في المريض وغيره، وقد نص على ذلك الشيخ في الخلاف (2)، وليس ذلك بعيدا من الصواب كما استشكله بعضهم: لأن الحكم ورد في المريض، فلا يجوز التخطي منه إلى غيره. والأقرب أن نقول: إذا كان الفوات بغير المرض انقسم الحال قسمين لا غير: أحدهما: أن يكون أخره بعد زوال العذر توانيا، فعليه مع القضاء الصدقة. والثاني: أن يكون قد أخره بغير توان، بل كان في عزمه القضاء ثم تجدد العذر عند التضيق فهذا يجب عليه القضاء خاصة دون الصدقة. وكذا لو استمر العذر إلى الرمضان الثاني فإنه يجب عليه القضاء. أما وجوب الكفارة مع التهاون فلأنها وجبت في أعظم الاعذار وهو المرض، ففي الأدون أولى، وليس ذلك من باب القياس في شئ كما توهمه بعضهم، بل هو من باب دلالة التنبيه. وأما وجوب القضاء مع الاستمرار فللعموم الدال على وجوب القضاء السالم عن معارضة النصوص المسقطة لاختصاصها بالمرض، ولا يلزم من إسقاط المرض - الذي هو أعظم الاعذار - للقضاء إسقاطه للأدون منه.

(1) لم نعثر على كتابه. (2) الخلاف: ج 2 ص 206 المسألة 63.

[ 527 ]

والشيخ استدل على وجوب الكفارة بالاجماع والاحتياط (1)، ولا ينهض حديث ابن سنان - الصحيح، عن الصادق عليه السلام قال: من أفطر شيئا من رمضان في عذر ثم أدركه رمضان آخر وهو مريض فليتصدق بمد لكل يوم (2) في معارضة عموم الآية (3) الدالة على وجوب القضاء لاحتمال الرواية التخصيص بالمرض خصوصا قوله: " ثم أدركه رمضان آخر وهو مريض " فإنه يشعر بأن هذا هو العذر. مسألة: لو مات المريض وقد فاته الشهر أو بعضه لمرض، فإن برأ بعد فواته وتمكن من القضاء ولم يقضه وجب على وليه القضاء عنه، ذهب إليه الشيخان (4)، وابنا بابويه (5)، والسيد المرتضى (6)، وابن الجنيد (7)، وابن البراج (8)، وابن حمزة (9)، وابن إدريس (10). وقال ابن أبي عقيل (11): وقد روي عنهم - عليهم السلام - في بعض الأحاديث إن من مات وعليه قضاء من شهر رمضان صام عنه أقرب الناس

(1) الخلاف: ج 2 ص 206 المسألة 63.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 252 ح 848. وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 4 ج 7 245.
(3) البقرة: 185.
(4) المقنعة: ص 353. النهاية ونكتها: ج 1 ص 401.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 153 ذيل الحديث 2008، ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(6) الانتصار: ص 70.
(8) المهذب: ج 1 ص 195.
(9) الوسيلة: ص 150.
(10) السرائر: ج 1 ص 399.
(11) لم نعثر على كتابه.

[ 528 ]

إليه من أوليائه، كما يقضي عنه دينه. وكذلك من مات وعليه صلاة قد فاتته وزكاة قد لزمته وحج قد وجب عليه قضى عنه وليه، بذلك كله جاء نص الأخبار بالتوقيف عن آل الرسول - عليهم السلام - على لسان عترته وشيعتهم. وقد اعتل من قال من الشيعة بهذا الخبر بأن قال: زعم من أنكر علينا هذا ممن خالفنا إن الميت جائز أن يحج عنه، ولا يجوز أن يصام ويصلى عنه، ردا على رسول الله - صلى الله عليه وآله - وخلافا لامره. وقد جاء الخبر في قضاء الصوم والصلاة عن الميت، كما جاء في قضاء الحج عنه، فلم كان أحدهما أولى بالقضاء عنه من الآخر لولا التحكم في دين الله والخروج عما سنه رسول الله صلى الله عليه وآله -. وقد روي أنه من مات وعليه صوم من رمضان تصدق عنه عن كل يوم بمد من طعام، وبهذا تواترت الأخبار عنهم - عليهم السلام -، والقول الأول مطرح، لأنه شاذ. والمعتمد الأول. لنا: إنها عبادة فاتت بعد وجوبها، فوجب قضاؤها عنه كالحج. ولأنه دين الله تعالى، فدخل تحت قوله للخثعمية وقد سألته عن قضاء الحج: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضيه؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى (1)، ولعموم قوله تعالى: " فعدة من أيام أخر " (2)، ولم ينص في الآية على المباشر للقضاء. وما رواه حماد بن عثمان، عمن ذكره، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يموت وعليه دين من شهر رمضان من يقضي عنه؟ قال: أولى

(1) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 971 ح 2906، 2909. والموطأ: ج 1 ص 359 ح 97. سنن الدارمي: ج 2 ص 40، سنن أبي داود: ج 2 ص 161 ح 1809. صحيح مسلم: ج 2 ص 973 ح 407. صحيح البخاري: ج 2 ص 163. مع اختلاف.

[ 529 ]

الناس به، قلت: أولى الناس به امرأة؟ قال: لا إلا الرجال (1). وفي الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار قال: كتبت إلى أبي محمد الحسن ابن علي - عليهما السلام -: في رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيام وله وليان هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعا خمسة أيام أحد الوليين وخمسة أيام الآخر؟ فوقع - عليه السلام -: يقضي عنه أكبر أوليائه عشرة أيام (2). قال أبو جعفر ابن بابويه - رحمه الله تعالى -: وهذا التوقيع عندي من توقيعاته إلى محمد بن الحسن الصفار بخطه عليه السلام (3). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن رجل أدركه شهر رمضان وهو مريض فتوفى قبل أن يبرأ، قال: ليس عليه شئ، ولكن يقضي عن الذي يبرأ ثم يموت قبل أن يقضى عنه (4). وعن عبد الله بن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله - عليه السلام - إلى أن قال: فإن مرض فلم يصم شهر رمضان، ثم صح بعد ذلك فلم يقضه، ثم مرض فمات فعلى وليه أن يقضي عنه، لأنه قد صح فلم يقضه ووجب عليه (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 246 ح 731. وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 6 ج 7 ص 241.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 247 ح 732، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 3 ج 7 ص 240.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 154 ذيل الحديث 2010.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 248 ح 738. وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2 ج 7 ص 240.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 249 ح 739، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 13 ج 7 ص 243.

[ 530 ]

ولأنه أشهر بين الأصحاب وأظهر في الفتاوى، فتعين العمل به. احتج ابن أبي عقيل بما رواه ظريف بن ناصح، عن أبي مريم الأنصاري، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إذا صام الرجل رمضان فلم يزل مريضا حتى يموت فليس عليه شئ، وإن صح ثم مرض حتى يموت وكان له مال صدق عنه، فإن لم يكن له قال تصدق عنه وليه (1). ولقوله تعالى: " وأن ليس للانسان إلا ما سعى " (2) فلا يصح أن يكون سعى غيره له. والجواب: بعد سلامة السند أنه محمول على ما إذا لم يكن له ولي من الأولاد الذكور. وعن الآية أن مقتضى الآية أن الثواب للانسان إنما هو بسعيه، ونحن لا نقول: إن الميت يثاب بصوم الحي، بل إن مات وعليه صوم كان ذلك سببا لوجوب الصوم على الولي ويسمي قضاء لأن سببه التفريط المتقدم، والثواب للحي لا للميت. مسألة: المشهور أن الواجب القضاء على الولي، فإن لم يكن له ولي تصدق عنه من صلب المال، ذهب إليه الشيخان (3). وقال السيد المرتضى: يتصدق عنه من صلب المال، فإن لم يكن هناك مال صام الولي عنه (4). لنا: ما تقدم من الأحاديث.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 248 ح 735 و 736، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 7 و 8 ج 7 ص 241.
(2) النجم: 39.
(3) لم نعثر عليه في المقنعة ولعله في الأركان. المبسوط: ج 1 ص 286.
(4) الانتصار: ص 70 - 71.

[ 531 ]

ولأن الواجب هو الصوم، فلا ينتقل عنه إلى الصدقة إلا مع التعذر. احتج بما رواه أبو مريم، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا صام الرجل رمضان فلم يزل مريضا حتى يموت فليس عليه شئ، وإن صح ثم مرض حتى يموت وكان له مال صدق عنه، فإن لم يكن له مال صدق عنه وليه (1). وفي رواية عن أبي مريم بسند آخر مثله، إلا أنه قال: يصوم عنه وليه (2). والجواب: ما تلوناه نحن من الأحاديث أوضح طريقا وأجود استدلالا، فإن هذه الرواية بعد صحة سندها منقولة على وجهين متفاوتين، والراوي واحد، وذلك يوجب تطرق الاحتمال إليها، فكان ما صرنا إليه أولى، خصوصا مع كثرة الروايات من طرقنا، وقد تقدمت. مسألة: ظاهر كلام الشيخ أن الولي هو أكبر أولاده الذكور خاصة، فإن فقد فالصدقة قال في المبسوط: والولي هو أكبر أولاده الذكور، فإن كانوا جماعة في سن واحد وجب القضاء بالحصص أو يقوم به بعض فيسقط عن الباقين، وإن كانوا إناثا لم يلزمهن القضاء، وكان الواجب الفدية (3). وقال المفيد: فإن لم يكن له ولد من الرجال قضى عنه أكبر أوليائه من أهله، وأولاهم به وإن لم يكن إلا من النساء (4). وفي هذا الكلام حكمان: الأول: إن الولاية لا تختص بالأولاد. الثاني: إن

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 248 ح 735، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 8 ج 7 ص 241.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 248 ح 736، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 7 ج 7 ص 241.
(3) المبسوط: ج 1 ص 286.
(4) المقنعة: ص 353.

[ 532 ]

مع فقد الرجال يكون الولي هو الأكبر من النساء. وقال ابن الجنيد (1): وأولى الناس بالقضاء عن الميت أكبر ولده الذكور، وأقرب أوليائه إليه إن لم يكن له ولد. وقال علي بن بابويه (2): من مات وعليه صوم شهر رمضان فعلى وليه أن يقضي عنه، فإن كان للميت وليان فعلى أكبرهما من الرجال فإن لم يكن له ولي من الرجال قضى عنه وليه من النساء، وكذا قال ابنه أبو جعفر في المقنع (3). وهذه الأقوال مناسبة لقول المفيد. وقال ابن البراج: على ولده الأكبر من الذكور أن يقضي عنه ما فاته من ذلك ومن الصلاة أيضا، فإن لم يكن له ذكر فالأولى به من النساء (4)، وهو يوافق الحكم الثاني من حكم المفيد. وابن حمزة (5) وافق الشيخ - رحمه الله -، وكذا ابن إدريس (6)، وهو الأقرب. لنا: الأصل براءة الذمة خالفناه في الولد الذكر، للنقل والاجماع عليه، ولاختصاصه بالحباء من التركة، فيبقى الباقي على أصل الدليل. وما رواه حماد بن عثمان، عمن ذكره، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يموت وعليه دين شهر رمضان من يقضي عنه؟ قال: أولى الناس به، قلت: فإن كان أولى الناس به امرأة؟ قال: لا إلا الرجال (7).

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) لم نعثر على رسالته.
(3) المقنع: ص 63.
(4) المذهب: ج 1 ص 195.
(5) الوسيلة: ص 150.
(6) السرائر: ج 1 ص 399.
(7) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 246 ح 731، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 6 ج 7 ص 241.

[ 533 ]

واحتجوا بأنه يصدق عليه اسم الولي فيتناوله الأمر. والجواب: المنع من المقدمتين. مسألة: لو تعدد الاولياء قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: وجب عليهم القضاء بالحصص، أو يقوم به بعضهم فيسقط عن الباقين (1). وقال ابن البراج: فإن لم يكن له من الأولاد إلا توأمان كانا مخيرين أيهما شاء قضى عنه، فإن اختلفا أقرع بينهما (2). وقال ابن إدريس: قول الشيخ غير واضح، لأن هذا تكليف كل واحد بعينه، وليس من فروض الكفايات بل من فروض الأعيان، فإذا صام واحد منهم ما يجب على جميعهم لم تبرأ إلا ذمة من صام مما وجب عليه فحسب، وذمة الباقين مرتهنة حتى يصوموا ما تعين عليهم، ووجب في ذمة كل واحد بانفراده، ثم قال: والذي تقتضيه الأدلة ويجب تحصيله في هذه الفتيا أنه لا يجب على واحد منهم قضاء ذلك، لأن الأصل براءة الذمة، والاجماع غير منعقد على ذلك، والقائل بهذا شيخنا أبو جعفر الطوسي - رحمه الله -، والموافق له من أصحابنا المصنفين قليل جدا، والسيد المرتضى لم يتعرض لذلك، وكذلك شيخنا المفيد وغيرهما من المشيخة. وإنما اجمعنا على تكليف الولد الأكبر، وليس هنا ولد أكبر، والتعليل غير قائم ها هنا من استحقاقهم السيف والمصحف وثياب بدنه، فجميع ما قيل وورد في غير مسألة الولد الأكبر لم يصح في الجماعة (3). والمعتمد قول الشيخ رحمه الله. أما الحكم الأول: وهو السقوط عن البعض إذا قام به الباقي، فلأنه

(1) الجمل والعقود: ص 122.
(2) المهذب: ج 1 ص 196.
(3) السرائر: ج 1 ص 399 - 400.

[ 534 ]

كالدين، ولهذا جعله النبي - صلى الله عليه وآله - دينا، رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه [ وآله ] - فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: لو كان على أمك دين أكنت تقضيه عنها؟ قال: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى (1). وهذا الحديث وإن أورده الجمهور في الصحيح إلا أنه مناسب للمعقول. وأما ما رواه حماد بن عثمان، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا مات الرجل وعليه دين شهر رمضان من يقضي عنه؟ قال: أولى الناس به (2)، وهو يتناول الواحد والكثير. وعن الصادق - عليه السلام - قال: إذا مات الرجل وعليه صوم شهر رمضان فليقض عنه من شاء من أهله (3). وأما الحكم الثاني: فلما دل هذا الحديث عليه، فإن " أفعل " كما يتناول الواحد يتناول الكثير. ولأن كل واحد منهم أو انفرد لوجب عليه القضاء، فلا يسقط هذا الحكم باجتماعه مع غيره لبقاء الحقيقة حالة الاجتماع. ولأنه ميت عليه صوم واجب فيجب القضاء، وليس أحدهم بالوجوب أولى من الباقين فيتعين عليهم بالحصص، وأصالة براءة الذمة إنما يكون معتبرا لو لم يقم دليل على خلافه، وعدم الاجماع لا يقتضي نفي جميع الأدلة، فإن الاجماع دليل خاص، وعدم الخاص لا يستلزم عدم العام.

(1) صحيح مسلم: ج 2 ص 804 ح 155.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 246 ح 731. وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 6 ج 7 ص 241.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 153 ح 2009. وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1 ج 7 ص 240.

[ 535 ]

وقوله: " ليس هنا ولد أكبر " ليس بجيد، بل كل واحد منهم أكبر، والتعليل ممنوع. ولو سلمناه، لكن العلة هو صلاحية الاستحقاق لا نفسه، كما لو لم يكن هناك سوى هذه الأشياء، أو كان هناك دين مستوعب، والصلاحية هنا ثابتة. وقول ابن البراج غلط أيضا لأن القرعة لا تثبت عبادة في الذمة، لم تكن ولا تستعمل في العبادات. بقي هنا بحثان: الأول: لو انكسر اليوم فإن تبرع أحدهما بقضائه فلا بحث، وإلا كان كالواجب على الكفاية. الثاني: لو مات هذا الولي بعد تمكنه من القضاء، ولم يقض ففي إيجابه على وليه إشكال، نعم تجب الصدقة من تركته. مسألة: للشيخ - رحمه الله - قول في التهذيب: إن ما يفوت بالسفر يجب قضاؤه على الولي على كل حال، سواء مات في السفر أو تمكن من قضائه ولم يقضه (1). وله قول آخر في النهاية: إذا تمكن من القضاء ولم يقض وجب على وليه القضاء عنه (2)، وهو الأقرب. لنا: على تقدير عدم التمكن أنه (3) معذور غير متمكن من القضاء، فسقط (4) عنه لاستحالة التكليف بالممتنع. ولأن وجوب القضاء على الولي تابع لوجوبه على الميت.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 249 ذيل الحديث 739.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 400.
(3) في متن المطبوع وق: بأنه.
(4) في متن المطبوع وق: فيسقط.

[ 536 ]

احتج الشيخ بما رواه منصور بن حازم، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في الرجل يسافر في شهر رمضان فيموت، قال: يقضي عنه، وإن امرأة حاضت في شهر رمضان فماتت لم يقض عنها، والمريض في رمضان لم يصح حتى مات لا يقضى عنه (1). وعن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله - عليه السلام - في امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل أن يخرج رمضان هل يقضى عنها؟ قال: أما الطمث والمرض فلا، وأما السفر فنعم (2). ولأنه عذر من قبله، والترخص للارفاق به لا يسقط القضاء، فوجب أن يقضي عنه مطلقا. والجواب: بعد منع السند بحمله على الاستحباب أو على الوجوب لكون السفر معصية، والعذر المسقط لا يستعقب العقوبة لكونه سائغا، فلا يجب على الولي. مسألة: قال الشيخ - رحمه الله - في النهاية: والمرأة أيضا حكمها ما ذكرناه في أن ما يفوتها من الصيام بمرض أو طمث لا يجب على أحد القضاء عنها، إلا أن تكون قد تمكنت من القضاء فلم تقضه فإنه يجب القضاء عنها، ويجب أيضا القضاء عنها ما يفوتها بالسفر حسب ما قدمناه في حكم الرجال (3). وقال ابن إدريس: والصحيح من المذهب والأقوال أن إلحاق المرأة في هذا الحكم بالرجال يحتاج إلى دليل، وإنما إجماعنا منعقد على الوالد يتحمل ولده

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 249 ح 470. وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 15 ج 7 ص 243.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 249 ح 741. وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 16 ج 7 ص 243.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 401.

[ 537 ]

الأكبر ما فرط فيه من الصيام، ويصير ذلك تكليفا للولد. وليس هذا مذهبا لأحد من أصحابنا وإنما أورده شيخنا إيرادا لا اعتقادا (1). والأقرب الأول. لنا: إن الغالب تساوي الذكور والإناث في الأحكام الشرعية التكليفية. وما رواه محمد بن مسلم في الموثق، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل أن يخرج رمضان هل يقضي عنها؟ قال: أما الطمث والمرض فلا، وأما السفر فنعم (2). وفي الصحيح عن أبي بصير، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته عن امرأة مرضت في رمضان وماتت في شوال فأوصتني أن اقضي عنها، قال: هل برئت من مرضها؟ قلت: لا ماتت فيه، قال لا تقضي عنها، فإن الله لم يجعله عليها، قلت: فإني اشتهي أن اقضي عنها وقد أوصتني بذلك، قال: وكيف تقضي شيئا لم يجعل الله عليها؟! فإن اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم (3). والاستدلال بهذا الحديث من وجوه: الأول: سؤاله - عليه السلام - هل برئت من مرضها؟ قال: لا، فأجابه بسقوط القضاء. ولولا أن البرء موجب للقضاء وإلا لما صح هذا السؤال. الثاني: تعليله - عليه السلام - عدم القضاء عنها بعدم إيجابه عليها، وعند انتفاء العلة ينتفي المعلول، فيجب القضاء عنها عند الايجاب. الثالث: تعليل تعجبه - عليه السلام - في قوله: كيف تقضي شيئا لم يجعله الله عليها؟! بانتفاء الايجاب، فيجب أن يكون مع الايجاب يجب القضاء.

(1) السرائر: ج 1 ص 399.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 249 ح 741. وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 16 ج 7 ص 243.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 248 ح 737. وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 12 ج 7 ص 242.

[ 538 ]

ولأن إبراء ذمم المكلفين أمر مطلوب للشارع قضية بحكمته تعالى ورحمة على العالمين، والقضاء على الولي طريق صالح، كما في حق الرجال فيجب عليه في حق المرأة قضاء للمناسبة. وقول ابن إدريس: " الاجماع على الولد " ليس حجة، إذ دلالة دليل على حكم ليس دليلا على انتفاء ذلك الحكم في صورة أخرى. وقوله: " ليس هذا مذهبا لأحد من أصحابنا " جهل منه، وأي أحد أعظم من الشيخ - رحمه الله -، خصوصا مع اعتضاد قوله بالروايات والأدلة العقلية، مع إن جماعة قالوا بذلك كابن البراج (1). ونسبة قول الشيخ إلى أنه " ايراد لا اعتقاد " غلط منه، وما يدريه بذلك، مع أنه لم يقتصر على قوله بذلك في النهاية، بل وفي المبسوط (2) أيضا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: المريض إذا كان قد وجب عليه صيام شهرين متتابعين ثم مات تصدق عنه عن شهر، ويقضي عنه وليه شهرا آخر (3)، وكذا قال ابن البراج (4). وقال في المبسوط (5) والجمل (6) والاقتصاد (7): كل صوم كان واجبا عليه بأحد الأسباب الموجبة له، فمتى مات وكان متمكنا منه فلم يصمه فإنه يتصدق عنه أو يصوم عنه وليه. وقال المفيد: يجب على وليه أن يقضي عنه كل صيام فرط فيه من نذر أو كفارة أو قضاء رمضان (8). وقال ابن إدريس: الشهران إن كانا نذرا وفرط فيهما وجب على وليه - وهو

(1) المهذب: ج 2 ص 197.
(5) المبسوط: ج 1 ص 286.
(2) المبسوط: ج 1 ص 286.
(6) الجمل والعقود: ص 123.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 401.
(7) الاقتصاد: ص 294.
(4) المهذب: ج 1 ص 196.
(8) المقنعة: ص 353 - 354.

[ 539 ]

أكبر أولاده الذكور - الصيام للشهرين، ولا يجزئه غير ذلك. وإن كان عليه كفارة مخير فيها تخير الولي في أن يصوم شهرين، أو يكفر من ماله قبل قسمة تركته، ولا يتعين عليه الصيام ولا يجزئه، إلا أن يفعل من الكفارة جنسا واحدا إما صياما أو إطعاما، هذا إذا كانت الكفارة مخيرا فيها، فليتأمل ما قلنا من فقه المسألة (1)، وهو الأقرب. لنا: أنه صوم واجب على الميت، فيجب على وليه القضاء عنه، أما المقدمة الأولى فظاهرة. وأما الثانية: فلرواية أبي بصير الصحيحة، عن الصادق - عليه السلام - في قوله: هل برئت من مرضها؟ قلت: لا ماتت فيه، قال: لا يقضى عنها، فإن الله تعالى لم يجعله عليها (2). علل عدم القضاء بعدم وجوب الأداء، فيثبت مع ثبوته. وكذا رواية محمد بن مسلم الصحيحة، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: ولكن يقضى عن الذي برئ ثم يموت قبل أن يقضي (3). ورواية عبد الله بن بكير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق - عليه السلام - فإن مرض فلم يصم شهر رمضان ثم صح بعد ذلك فلم يقضه ثم مرض فمات فعلى وليه أن يقضي عنه، لأنه قد صح فلم يقض ووجب عليه (4). والتعليل يشعر بوجوب القضاء، لأن الأداء واجب (5) عليه، وصوره النزاع

(1) السرائر: ج 1 ص 398.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 248 ح 737. وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 12 ج 7 ص 242.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 248 ح 738. وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1 ج 7 ص 240.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 249 ح 739. وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 13 ج 7 ص 243.
(5) م (2): وجب، ن: أوجب.

[ 540 ]

كذلك، فيثبت الحكم فيهما عملا بوجوب المعلول عند وجود العلة. لا يقال: هذه الأخبار وردت في قضاء شهر رمضان فلا يتعدى إلى غيره، لأنه قياس مع قيام الفارق، فإن شهر رمضان آكد من غيره وكذا قضاؤه. لأنا نقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعدم المتأكد لا يخرج عن وجوب الأداء، فيجب القضاء عملا بالعلة. ولأنه أحوط. احتج الشيخ بما رواه الوشا، عن أبي الحسن الرضا - عليه السلام - قال: سمعته يقول: إذا مات رجل وعليه صيام شهرين متتابعين من علة فعليه أن يتصدق عن الشهر الأول ويقضي الثاني (1). والجواب: منع السند، فإن في طريقه سهل بن زياد، واختلف قول الشيخ فيه، فتارة وثقه (2)، وتارة ضعفه (3). والنجاشي ضعفه (4)، وكذا ابن الغضائري (5) وقال: كان ضعيفا جدا، فاسد الرواية والمذهب، فكيف يجوز التعويل على روايته مع أن الرواية لا تدل على تخيير الولي؟! إذ لم يذكر فيها الولي. مسألة: قال ابن إدريس: إنما يجب على الولي قضاء ما فات المريض من الصلوات في مرضه التي توفي فيها دون ما فاته في زمانه كله، سواء كان صحيحا أو مريضا (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 249 ح 742. وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1 ج 7 ص 244.
(2) رجال الطوسي: ص 416.
(3) الفهرست: ص 80.
(4) رجال النجاشي: ص 185 الرقم 490.
(5) لم نعثر على كتابه، ونقله عنه في مجمع الرجال: ج 3 ص 179.
(6) السرائر: ج 1 ص 399.

[ 541 ]

والشيخ - رحمه الله - أطلق وقال: وعليه قضاء ما فاته من صلاة وصيام (1)، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. مسألة: قال الشيخ - رحمه الله -: الصدقة مع عدم الولي ووجوب الصوم عن كل يوم مدان، فإن عجز فمد من أصل المال (2). وقال أبو الصلاح: من مات وعليه شئ من ضروب الصوم ولم يؤده مع تعين فرضه عليه وتفريطه فيه فعلى وليه القضاء عنه، فإن لم يكن ولي أخرج من ماله إلى من يقضي عنه (3). والمشهور الأول. لنا: الأصل عدم وجوب القضاء. والرواية التي رواها أبو مريم، عن الصادق - عليه السلام - قال: وإن صح ثم مرض حتى يموت وكان له ما صدق عنه (4). ومفهوم الصدقة ينافي الأجرة. احتج أبو الصلاح بأنه صوم وجب عليه ولم يفعله، فوجب قضاؤه عنه بالاجرة كالحج. والجواب: المنع من الملازمة والمساواة للحج، فإن الحج لا يجب على الولي، والصوم هنا يجب عليه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: المستحاضة إذا فعلت من الأغسال ما يلزمها من تجديد القطن والخرقة وتجديد الوضوء صامت وصح صومها، إلا الأيام التي يحكم لها بالحيض فيها. ومتى لم تفعل ما تفعله المستحاضة وجب عليها

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 197.
(2) المبسوط: ج 1 ص 286.
(3) الكافي في الفقه: ص 189.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 248 ح 735. وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 7 ج 7 ص 241.

[ 542 ]

قضاء الصلاة والصوم (1). هذه العبارة إن قصد بها كون تجديد القطن والخرقة والوضوء شرطا في الصوم فهو ممنوع، إنما الشرط هو الغسل مع كثرة الدم أو توسطه، وليس كونه شرطا في الصلاة موجبا لكونه شرطا في الصوم. وعبارة ابن الجنيد (2) هنا أجود فإنه قال: والمستحاضة إذا أتت بما عليها من الغسل صامت، إلا أيام حيضها. فإن هي لم تفعل ما تفعله المستحاضة من الغسل بحسب حال دمها لم يجز صومها من الفرض، وكان عليها القضاء لجميع الأيام. مسألة: الشيخ الكبير والشيخة الكبيرة إذا عجزا عن الصيام أفطرا وسقط القضاء عنهما، وهل تجب الكفارة؟ قولان: قال الشيخ في النهاية (3) والمبسوط (4) والاقتصاد (5): بالوجوب، وهو اختيار ابن أبي عقيل (6)، وابن الجنيد (7)، وابن بابويه في رسالته (8)، وولده أبو جعفر في المقنع (9)، وابن البراج (10). وقال المفيد - رحمه الله -: والشيخ الكبير والمرأة الكبيرة إذا لم يطيقا الصيام وعجزا عنه فقد سقط عنهما فرضه ووسعهما الافطار، ولا كفارة عليهما. وإذا أطاقاه بمشقة عظيمة وكان يمرضهما إذا فعلاه ويضر بهما ضررا بينا وسعهما الافطار، وعليهما أن يكفرا بمد من طعام (11)، وهو قول السيد المرتضى (12)،

(1) المبسوط: ج 1 ص 288.
(7) لم نعثر على كتابه.
(2) لم نعثر على كتابه.
(8) لم نعثر على رسالته.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 401.
(9) المقنع: ص 61.
(4) المبسوط: ج 1 ص 285.
(10) المهذب: ج 1 ص 196.
(5) الاقتصاد: ص 294.
(11) المقنعة: ص 351.
(6) لم نعثر على كتابه.
(12) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 56.

[ 543 ]

وسلار (1)، وابن إدريس (2). وقال أبو الصلاح: وإن عجز عن الصوم لكبر سقط عنه فرض الصوم، وهو مندوب إلى إطعام مسكين عن كل يوم (3). وقال الشيخ في التهذيب - حيث ذكر قول المفيد رحمه الله -: هذا الذي فصل به بين من يطيق الصيام بمشقة وبين من لا يطيقه أصلا، فلم أجد به حديثا مفصلا، والأحاديث كلها دالة على أنه متى عجزا كفرا عنه، والذي حمله على هذا التفصيل هو أنه ذهب إلى أن الكفارة فرع على وجوب الصوم، ومتى ضعف عن الصيام ضعفا لا يقدر عليه جملة فإنه يسقط عنه وجوبه جملة، لأنه لا يحسن تكليفه الصيام وحاله هذه، وقد قال الله تعالى: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ". قال: وهذا ليس بصحيح، لأن وجوب الكفارة ليس بمبني على وجوب الصوم، إذ لا يمتنع أن يقول الله تعالى: متى لم تطيقوا الصيام صار مصلحتكم في الكفارة، وسقط وجوب الصوم عنكم، وليس لأحدهما تعلق بالآخر (4). والوجه قول المفيد رحمه الله. لنا: قوله تعالى: " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين " (5) دل بمفهومه على سقوط الفدية عن الذي لا يطيقه. ولأنه عاجز عن الصوم، فسقط عنه أداء وقضاء، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق. والكفارة أما بدل عن فعل واجب، أو مسقطة لذنب صدر عن المكلف، وهما منفيان هنا.

(1) المراسم: ص 97.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 237.
(2) السرائر: ج 1 ص 400.
(5) البقرة: 184.
(3) الكافي في الفقه: ص 182.

[ 544 ]

ولأن الأصل براءة الذمة. وقول الشيخ لا استبعاد في إيجاب الكفارة على العاجز. قلنا: مسلم، لكن نفي الاستبعاد ليس دليلا على الايجاب، والأحاديث التي رواها محتملة للتأويل. منها: رواية الحلبي الصحيحة، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته عن رجل كبير يضعف عن صوم شهر رمضان، فقال: يتصدق بما يجزئ عنه طعام مسكين لكل يوم (1). وهذه الرواية ليست دالة على مطلوبه، لأن الضعف لا يستلزم العجز، ونحن نقول: إذا ضعف وأطاق الصوم بمشقة عظيمة وجبت الكفارة. ومنها: رواية محمد بن مسلم الصحيحة، عن أبي جعفر الباقر - عليه السلام - في قول الله تعالى: " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين "، قال: الشيخ الكبير، والذي يأخذه العطاش (2). وهذه دالة عليه لا له، لأنه - عليه السلام - سأل عن الذين يطيقونه، فقال: الشيخ الكبير ولو كان عاجزا بالكلية لما صح ذلك منه. ومنها: رواية عبد الملك بن عتبة الهاشمي الصحيحة قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة التي تضعف عن الصيام في شهر رمضان، قال: تصدق عن كل يوم بمد من حنطة (3)، وهي مأولة بما تقدم.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 237 ح 694. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب من يصح منه الصوم ح 9 ج 7 ص 151.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 237 ح 695. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب من يصح منه الصوم ح 3 ج 7 ص 150.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 238 ح 696. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب من يصح منه الصوم ح 4 ج 7 ص 150.

[ 545 ]

ومنها: رواية محمد بن مسلم الصحيحة، عن الباقر - عليه السلام - قال: سمعته يقول: الشيح الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمد من طعام، ولا قضاء عليهما، فإن لم يقدرا فلا شئ عليهما (1). والتأويل هنا كما تقدم، بل هنا آكد، لأن نفي الحرج يفهم منه ثبوت التكليف، وإنما يتم مع القدرة. ومع قبول الروايات للتأويل يسقط الاستدلال بها، فإن الدليل متى تطرق إليه الاحتمال سقطت دلالته. مسألة: لو قدر الشيخ الكبير والشيخة على الصوم بمشقة عظيمة سقط وجوب الصوم أداء وقضاء، ووجبت الكفارة إجماعا، وفي قدرها قولان: قال الشيخ: مدان عن كل يوم، فإن عجزا فمد (2)، وبه قال ابن البراج (3). وقال المفيد (4)، وابن أبي عقيل (5)، وابن الجنيد (6)، وابنا بابويه (7)، والسيد المرتضى (8)، وسلار (9)، وابن إدريس: مد واحد (10)، وهو الأقرب. لنا: الأصل براءة الذمة، وقوله تعالى: " فدية طعام مسكين " (11)، وفي

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 238 ح 697. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب من يصح منه الصوم ح 1 ج 7 ص 149.
(2) المبسوط: ج 2 ص 285.
(3) المهذب: ج 1 ص 196.
(4) المقنعة: ص 351.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) المقنع: ص 61 ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(8) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 56. (9) المراسم: ص 97.
(10) السرائر: ج 1 ص 400.
(11) البقرة: 184.

[ 546 ]

الغالب أن قوت المسكين في اليوم مد، وكذا في روايتي الحلبي (1) ومحمد بن مسلم الصحيحتين (2). وما رواه عبد الملك بن عتبة في الصحيح، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: تصدق عن كل يوم بمد من حنطة (3). وعن محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - ويتصدق في كل يوم بمد من طعام (4). احتج الشيخ بالاحتياط. وبما رواه محمد بن مسلم في الصحيح قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - وذكر الحديث، إلا أنه قال: ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمدين من طعام (5). والجواب عن الأول: أنه معارض بالبراءة الأصلية. وعن الحديث: أنه محمول على الاستحباب، قاله في الاستبصار (6)، وهو يدل على موافقته.

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 237 ح 694. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب من يصح منه الصوم ح 9 ج 7 ص 151.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 238 ح 697. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب من يصح منه الصوم ح 1 ج 7 ص 149.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 238 ح 696. وسائل الشيعة ب: 15 من أبواب من يصح منه الصوم ح 4 ج 7 ص 150.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 238 ح 697. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب من يصح منه الصوم ح 1 ج 7 ص 149.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 238 ح 698. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب من يصح منه الصوم ح 2 ج 7 ص 150.
(6) الاستبصار: ج 2 ص 104 ذيل الحديث 339.

[ 547 ]

لنا: فيما اخترناه. وأما في التهذيب فإنه تأوله باختلاف أحوال المكلفين، فمن أطاق إطعام مدين لزمه ذلك، وإن لم يطق إلا إطعام مد فعل (1). مسألة: ذو العطاش الذي يرجى برؤه ويتوقع زواله يفطر، ويقضي مع البرء. وهل تجب الكفارة؟ قال الشيخ: نعم (2)، وبه قال سلار (3)، وابن البراج (4)، وابن حمزة (5). وقال المفيد (6)، والسيد المرتضى (7)، وابن إدريس (8): لا يجب، وهو الأقرب. لنا: الأصل براءة الذمة. ولأنه مريض فلا يجب عليه كفارة مع القضاء كغيره. احتج الشيخ بأنه أفطر لمصلحة فوجب عليه الفدية، كالشيخ العاجز مع تمكنه من القضاء. والجواب: المنع من المساواة. مسألة: لو كان العطاش مما لا يرجى برؤه، قال الشيخ: يفطر ولا قضاء عليه، وتجب الكفارة (9)، وبه قال ابن بابويه (10)، والسيد المرتضى (11)، وابن

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 298 - 239 ذيل الحديث 698. (2) المبسوط: ج 1 ص 285.
(3) المراسم: ص 97.
(4) المهذب: ج 1 ص 196.
(5) الوسيلة: ص 150 - 151.
(6) المقنعة: ص 351.
(7) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 56.
(8) السرائر: ج 1 ص 400.
(9) المبسوط: ج 1 ص 285.
(10) المقنع: ص 61.
(11) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 56.

[ 548 ]

الجنيد (1)، والمفيد (2)، وابن إدريس (3)، وابن البراج (4). وقال سلار: لا تجب الكفارة (5). وقال ابن حمزة: في الكفارة قولان (6). والأقرب الوجوب. لنا: إنه مريض عجز من الصوم أداء وقضاء، فكان عليه الصدقة، كما لو استمر مرضه. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح قال: سمعت أبا جعفر - عليه السلام - يقول: الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمد من طعام، ولا قضاء عليهما (7). وإنما يسقط القضاء عمن عجز عنه. احتج سلار بأصالة البراءة (8). والجواب: الأصالة إنما يصار إليها مع عدم المعارض، أما مع وجوده فلا، وبالخصوص ما ذكرناه أشهر بين العلماء واظهر عند الأصحاب. مسألة: قال علي بن بابويه في الرسالة (9): وإذا لم يتهيأ للشيخ أو الشاب أو المرأة الحامل. والمرضع أن يصوم من العطش أو الجوع أو تخاف المرأة أن يضر

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) المقنعة: ص 351.
(3) السرائر: ج 1 ص 400.
(4) المهذب: ج 1 ص 196.
(5) المراسم: ص 97.
(6) الوسيلة: ص 151.
(7) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 238 ح 697. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب من يصح منه الصوم ح 1 ج 7 ص 149.
(8) ن: براءة الذمة.
(9) لم نعثر على رسالته.

[ 549 ]

بولدها فعليهم جميعا الافطار، وتصدق عن كل يوم بمد من طعام، وليس عليه القضاء. وهذا الكلام يشعر بسقوط: القضاء في حق الحامل والمرضع، والمشهور بين علمائنا وجوب القضاء عليهما. لنا: إنهما أفطرتا لمصلحتهما، فوجب عليهما القضاء كالمريض. ولأن القضاء وجب مع الافطار بأبلغ الاعذار وهو المرض، فيجب مع أدناها قضاء للحكمة القاضية بعدم قصور الأعلى عن الأدنى. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح قال: سمعت أبا جعفر - عليه السلام - يقول: الحامل المقرب والمرضع القليلة اللبن لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، لأنهما تطيقان الصوم، وعليهما أن تتصدق كل واحد منهما في كل يوم تفطر فيه بمد من طعام، وعليهما قضاء كل يوم أفطرتا فيه تقضيانه بعد (1). احتج بأن الأصل براءة الذمة من القضاء. ولأن القضاء إنما يجب بأمر جديد. ولأنهما أفطرتا لعذر فأشبهتا الشيخ الفاني. والجواب: أصالة البراءة إنما تعتبر مع عدم دليل يخالفها، والقضاء وجب بالآية والحديث وعمل الأصحاب. والفرق بينهما وبين الشيخ ظاهر، فإن الشيخ عاجز عن الأداء والقضاء، فلو أوجبنا عليه القضاء لوجبنا عليه الأداء. مسألة: وفي الكفارة قولان: قال الشيخ: عن كل يوم مدان، ومع العجز مد (2)، وهو قول ابن البراج في

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 239 ح 701. وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب من يصح منه الصوم ح 1 ج 7 ص 153.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 401.

[ 550 ]

المهذب (1)، ولم يتعرض في الكامل للكفارة. وابن الجنيد (2) قال: ومن أبيح له الفطر لعلة عارضة يجوز مزايلتها إياه أفطر وقضى كالمسافر، وإن كان فطره من أجل غيره كالمرضعة من أجل صبيها كان الأحوط أن يقضى، وتصدق بمد عن كل يوم. وهو يشعر باستحباب الصدقة. والآخر مد، ذهب إليه المفيد (3)، وابن بابويه (4)، والسيد المرتضى (5)، وسلار (6)، وهو الأقرب. لنا: الأصل براءة الذمة، وحديث محمد بن مسلم الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - وقد سبق. احتج بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح عن الشيخ والشيخة. والجواب: المعارضة بما روي من إيجاب المد في طرفهما. ولأنه لا ينافي إيجاب المدين في طرف الحامل والمرضع، والقياس عندنا باطل خصوصا في الكفارات. مسألة: تتابع القضاء أفضل من تفريقه، ذهب إليه الشيخ (7) - رحمه الله -، وأبو الصلاح (8). وابن الجنيد (9) قال: وقد روي عن أبي عبد الله - عليه السلام - ليس له أن

(1) المهذب: ج 2 ص 196.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) المقنعة: ص 351 - 352.
(4) المقنع: ص 61.
(5) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 56.
(6) المراسم: ص 97.
(7) النهاية ونكتها: ج 1 ص 406 - 407.
(8) الكافي في الفقه: ص 184.
(9) لم نعثر على كتابه.

[ 551 ]

يصوم أكثر من ثمانية أيام ثم يقطعها. وقال السيد المرتضى: إنه مخير بين المتابعة وبين التفريق. وقد روي أنه كان عليه عشرة أيام أو أكثر منها كان مخيرا في الثمانية الأول (1) بين المتابعة والتفريق، ثم يفرق ما بقي ليقع الفصل بين الأداء والقضاء (2). وفي المسائل الناصرية: عند أصحابنا أنه مخير بين التتابع والتفريق (3). وقال المفيد: إن شاء قضاه متتابعا، وإن شاء قضاه متفرقا أيهما فعل أجزأه. وقد روي عن الصادق - عليه السلام - أنه إذا كان عليه يومان فصل بينهما بيوم، وكذا إذا كان عليه خمسة أيام وما زاد، فإن كان عليه عشرة أو أكثر تابع بين الثمانية الأيام إن شاء ثم فرق الباقي. قال: والوجه في ذلك إنه تابع بين الصيام في القضاء لم يكن فرقا بين الشهر في وصفه وبين القضاء، فأوجبت السنة الفصل بين الأيام ليقع الفرق بين الأمرين، والذي قدمنا من التخيير بين المتابعة والتفصيل على حسب ما ذكرناه في هذا الشرح الذي بيناه (4). وقال علي بن بابويه (5): أنت بالخيار إن شئت قضيت متتابعا، وإن شئت قضيت متفرقا. وقال ابن إدريس: اختلف قول أصحابنا في ذلك، فبعض يذهب إلى أن الأفضل الاتيان به متتابعا، وبعض يقول: الأفضل أن يأتي به متفرقا، ومنهم من قال: إن كان الذي فاته عشرة أيام أو ثمانية فليتابع بين ثمانية أو بين ستة

(1) في متن المطبوع وق: الأولى.
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 57.
(3) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 243 المسألة 132.
(4) المقنعة: ص 359 - 360.
(5) لم نعثر على رسالته.

[ 552 ]

ويفرق الباقي. والأول هو الأظهر بين الطائفة، وبه أفتي، لأن الأصل يقتضيه (1). لنا: إنه مسارعة إلى فعل الخير، ومبادرة إلى إبراء الذمة، فيكون أولى. ولأن القضاء تابع للأداء في صفته، والتتابع واجب في الأداء، فكذا يجب في القضاء، إلا أن الاجماع دل على عدم وجوبه، فيبقى الرجحان المطلق على الأصل، فإن الدليل إذا دل على انتفاء المركب لم يدل على نفي جزءيه معا، ولا على أحدهما معينا. وما رواه الحلبي في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إذا كان على الرجل شئ من صوم شهر رمضان فليقضه في أي الشهور شاء أياما متتابعة، فإن لم يستطع فليقضه كيف شاء وليحص الأيام، فإن فرق فحسن، وإن تابع فحسن (2). وفي الصحيح عن ابن سنان، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: من أفطر شيئا من رمضان في عذر فإن قضاه متتابعا أفضل، وإن قضاه متفرقا فحسن (3). احتج القائلون بأولوية التفريق بأن الفرق بين القضاء والأداء إنما يحصل به، فيكون أولى. وما رواه عمار بن موسى الساباطي، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان كيف يقضيها؟ فقال: إن كان عليه يومان فليفطر بينهما يوما، وإن كان عليه خمسة أيام فليفطر بينهما أياما،

(1) السرائر: ج 1 ص 405 - 406.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 274 ح 828. وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 5 ج 7 ص 249.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 274 ح 829. وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 4 ج 7 ص 249.

[ 553 ]

ليس له أن يصوم أكثر من ستة أيام متوالية، وإن كان عليه ثمانية أيام أو عشرة أفطر بينهما يوما (1). والجواب: أن الفرق بين الأداء والقضاء ليس مطلوبا للشارع، بل الأولى ضده، فإن الأولى الاتيان بالفائت كما هو. سلمنا أولوية الفرق، لكن لا نسلم انحصاره في التفريق، فإن مغايرة الزمانين كافية في ذلك، والرواية ضعيفة السند، لأن عمارا عامي، وابن فضال فطحي، وكذا مصدق بن صدقة، وعمر بن سعيد، فأذن سقط الاحتجاج بها. لا يقال: قد اشتهر هذا النقل بين الأصحاب، فإن أكثر علمائنا نقلوا هذا الحديث مرسلا عن الصادق - عليه السلام -، ولو لا ثبوته عندهم لما نقلوه كذلك. لأنا نقول: الذي ذكروه أنه قد روي كذا ولم يذكروه على سبيل القطع، مع أنها قابلة للتأويل بما قاله الشيخ - رحمه الله -: من أن الأمر بالفصل ليس سبيل على الايجاب، بل على جهة التخيير (2)، لئلا يوهم وجوب التتابع في القضاء كما وجب بالاداء. احتج القائلون بالتخيير بأصالة انتقاء الرجحان، وثبوت التسوية. وبما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن قضاء شهر رمضان في شهر ذي الحجة واقطعه، فقال: اقضه في ذي الحجة، واقطعه إن شئت (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 275 ح 831. وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 6 ج 7 ص 249.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 275 ذيل الحديث 831.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 275 ح 832. وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2 ج 7 ص 251.

[ 554 ]

وعن سليمان بن جعفر الجعفري قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان أيقضيهما متفرقة؟ قال: لا بأس بتفرقة قضاء شهر رمضان (1). والجواب: قد بينا رجحان المتابعة، والروايتين غير دالتين على انتفائه، مع المنع من صحة سندهما. مسألة: قال الشيخ في النهاية: فإن لم يتمكن من سرده قضاء ستة أيام متواليات ثم فرق (2). وروى المفيد (3)، وابن بابويه (4)، والشيخ في كتابي الأخبار (5)، وابن الجنيد (6)، والسيد المرتضى (7) متابعة ثمانية أيام. والشيخ - رحمه الله - عول على رواية عمار - وقد تقدمت - فإنه رواها في التهذيب: وليس له أن يصوم أكثر من ستة أيام متوالية (8). وفي الاستبصار: أكثر من ثمانية (9). مسألة: لو أفطر في قضاء رمضان فإن كان قبل الزوال فلا شئ عليه، وإن كان بعده قال الشيخ - رحمه الله -: يجب إطعام عشرة مساكين، فإن لم يتمكن

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 274 ح 830. وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 8 ج 7 ص 250.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 407.
(3) المقنعة: ص 359.
(4) لم نعثر على قوله: ثمانية أيام، ورواه في المقنع (الجوامع الفقيه): ص 63 ثلاثة أيام.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 328 - 329 ح 1025. الاستبصار: ج 2 ص 118 ح 383.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 57.
(8) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 275 ذيل الحديث 831.
(9) الاستبصار: ج 2 ص 118 ذيل الحديث 383.

[ 555 ]

صام ثلاثة أيام بدلا من الكفارة. وقد رويت رواية أن عليه مثل ما على من أفطر يوما من شهر رمضان، والعمل على ما قدمناه. ويمكن أن يكون الوجه في هذه الرواية: من أفطر مستحقا بالفرض يلزمه هذه الكفارة عقوبة وتغليظا، ومن أفطر على غير ذلك الوجه فليس عليه إلا الأول. وقد رويت أخرى: أنه ليس عليه شئ (1). ويمكن أن يكون الوجه فيها من لم يتمكن من الاطعام ولا من صيام ثلاثة أيام فليس عليه شئ. وقال علي بن بابويه في رسالته (2) وولده في المقنع (3): عليه مثل ما على من أفطر يوما من شهر رمضان. وقد روي أن عليه إذا أفطر بعد الزوال إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مد من طعام، فإن لم يقدر صام يوما بدل يوم، وصيام ثلاثة أيام كفارة لما فعل. والمفيد - رحمه الله تعالى - ذهب إلى ما قاله الشيخ في النهاية، وكذا ابن الجنيد (5)، والسيد المرتضى (6)، وابن إدريس (7). وفي موضع آخر قال: كفارة يمين (8). وقال ابن البراج: عليه كفارة يمين. قال: وقد ذكر أن عليه كفارة من أفطر في يوم من شهر رمضان والاحتياط يقتضيه (9).

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 407.
(2) لم نعثر على رسالته، ونقله عنه في السرائر: ج 1 ص 410.
(3) المقنع: ص 63.
(4) المقنعة: ص 360.
(5) لم نعثر على كتابه.
(6) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 57 - 58.
(7) السرائر: ج 1 ص 406.
(8) السرائر: ج 1 ص 410.
(9) المهذب: ج 1 ص 203.

[ 556 ]

وقال ابن حمزة: إن أفطر بعد الزوال استخفافا به فعليه كفارة مثل كفارة من فطر يوما من شهر رمضان، وإن أفطر لغير ذلك فكفارته صيام ثلاثة أيام أو إطعام عشرة مساكين (1). وقال أبو الصلاح: إن أفطر يوما عزم على صومه قضاء قبل الزوال فهو مأزور، وإن كان بعد الزوال تعاظم وزره، ولزمته الكفارة صيام ثلاثة أيام أو إطعام عشرة مساكين (2). وظاهر كلام أبن أبي عقيل (3) يقتضي سقوط الكفارة، فإنه قال: من جامع أو أكل في قضاء شهر رمضان أو صوم من شهر رمضان أو كفارة أو نذر أثم وعليه القضاء ولا كفارة عليه. والخلاف في هذه المسألة يقع في مواضع: الأول: في كونها كبرى أو صغرى. الثاني: هل الصغرى كفارة يمين أو أحد أقسامها؟ الثالث: هل الاطعام مخير فيه بينه وبين الصيام أو مرتب؟ الرابع: هل تجب الكفارة أم لا؟ الخامس: الافطار قبل الزوال هل هو حرام أم لا؟ فإن كلام أبي الصلاح يشعر بتحريمه، ولم يتعرض غيره لذلك، وإن كان كلام ابن أبي عقيل يشعر بذلك فإنه قال: ومن أصبح صائما لقضاء كان عليه من شهر رمضان وقد نوى الصوم من الليل فأراد أن يفطر في بعض النهار لم يكن له ذلك. أما الأول والثاني والثالث فالمعتمد فيها اختيار الشيخ. لنا: ما رواه هشام بن سالم في الصحيح قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل وقع على أهله وهو يقضي شهر رمضان، فقال: إن كان وقع

(1) الوسيلة: ص 147.
(2) الكافي في الفقه: ص 184. (3) لم نعثر على كتابه.

[ 557 ]

عليها قبل صلاة العصر فلا شئ عليه يصوم يوما بدله، وإن كان فعل بعد العصر صام ذلك اليوم وأطعم عشرة مساكين، فإن لم يمكنه صام ثلاثة أيام كفارة لذلك (1). قال الشيخ - رحمه الله -: إذا كان وقت الصلاتين عند زوال الشمس إلا أن الظهر قبل العصر جاز أن يعبر عما قبل الزوال بأنه قبل العصر، لقرب ما بين الوقتين، ويعبر عما بعد العصر بأنه بعد الزوال (1). وما رواه بريد العجلي، عن الباقر - عليه السلام - في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان، قال: إن كان أتى أهله قبل الزوال فلا شئ عليه إلا يوم مكان يوم، وإن كان أتى أهله بعد الزوال كان عليه أن يتصدق على عشرة مساكين (2). وهو يقتضي وجوب الاطعام عينا فيسقط التخيير. ولأن الأصل براءة الذمة عن الكبرى. ولأن الكبري يجب في إفطار رمضان، وهو أشرف من غيره، ولهذا تعجبوا - عليهم السلام - في قولهم عن القضاء: " وأنى له بمثله! " (3) فيبعد ايجابها في القضاء، لأنه غير معين. احتج الموجبون للكبرى بما رواه زرارة في الموثق قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن رجل قضى عن رمضان فأتى النساء، قال: عليه من الكفارة ما على الذي أصاب في رمضان، لأن ذلك اليوم عند الله من أيام رمضان (4).

(1) الاستبصار: ج 2 ص 121 ذيل الحديث 392.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 278 ح 844. وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1 ج 7 ص 253.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 208 ح 604، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 2 ج 7 ص 36.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 279 ح 846. وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 3 ج 7 ص 254.

[ 558 ]

ولأنه أحوط. ولأنه بدل فيساوي المبدل. والجواب: مع صحة السند وحملها على الاستحباب، ويحتمل المساواة في الايجاب لا في القدر، أو إنه أفطر متهاونا بالفرض ومستخفا به. والاحتياط معارض بالبراءة، والمساواة بين البدل والمبدل ممنوعة، ولهذا حرم الافطار قبل الزوال في المبدل دون البدل. ولأن ما عدا رمضان من الأيام متساوية، فإفطار بعضها له بدل مساو بخلاف رمضان، فيبعد تساويهما في العقوبة. واعلم أن الشيخ في الجمل ذهب إلى التخيير بين الصوم والاطعام (2). وفي المبسوط قولان: أحدهما: التخيير، ذكره في فصل أقسام الصوم (2). والثاني: الترتيب، ذكره في فصل القضاء (3). وأما الحكم الرابع: فالوجه ما قاله الأصحاب. لنا: الروايات السابقة. احتج ابن أبي عقيل بالأصل. ولأنه زمان لم يتعين للصوم، فلا تجب به الكفارة كقبل الزوال. ولما رواه عمار بن موسى فإن نوى الصوم ثم أفطر بعد ما زالت الشمس، قال: قد أساء، وليس عليه شئ إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه (4). والجواب: معارض بالاحتياط، وعدم التعيين بعد الزوال ممنوع، والرواية ضعيفة السند ومحمولة على العاجز.

(1) الجمل والعقود: 116. (2) المبسوط: ج 1 ص 279.
(3) المبسوط: ج 1 ص 287.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 280 ح 847. وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 4 ج 7 ص 254.

[ 559 ]

وأما الحكم الخامس: فالأقرب المشهور. لنا: الأصل عدم وجوب التعيين. ولأنه قد كان مخيرا قبل الشروع فكذا بعده. وما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: صوم النافلة لك أن يفطر ما بينك وبين الليل متى شئت، وصوم قضاء الفريضة لك أن تفطر إلى زوال الشمس، فإذا زالت الشمس فليس لك أن تفطر (1). احتج أبو الصلاح بقوله تعالى: " ولا تبطلوا أعمالكم " (2). ولأنه بالشروع في الصوم وقع بدلا من رمضان في نفس الأمر، فيجب إتمامه كالمبدل، إذ لولاه لكان إتمامه مستحبا، فلا يكون مجزئا عن الواجب. ولرواية زرارة في الموثق، عن الباقر - عليه السلام - في قوله: لأن ذلك اليوم عند الله من أيام رمضان (3). والجواب: إن كان النهي متوجها إلى الواجب مسلم، لكن نحن نمنع وجوبه قبل الزوال، وإن كان متوجها إلى الندب منعنا كونه للتحريم. ولأن المنهي متى يكون حراما إذا لم يقم غيره مقامه، وإذا قام غيره ممنوع، لكن هنا العمل يقوم مقامه غيره، هو القضاء بعد ذلك. ولأن النهي يتناول إبطال جميع الأعمال، إذ الجمع المضاف للعموم، وذلك إنما يكون بالكفر، ونمنع وجوب الاتمام في البدل بمعنى أنه يجب عينا،

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 278 ح 841. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الصوم ونيته ح 9 ج 7 ص 10.
(2) محمد: 33.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 279 ح 846. وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 3 ج 7 ص 254.

[ 560 ]

بل يجب هو أو غيره. وعن الرواية بعد صحة السند أنها محمولة على التأكيد دون المساواة أو الاتحاد. مسألة: قال ابن أبي عقيل (1): لا يجوز صوم عن نذر أو كفارة لمن عليه قضاء من شهر رمضان حتى يقضيه. وهذا الإطلاق ليس بجيد، بل الأولى التفصيل، وهو أن نقول: النذر إن كان معينا وجب تقديمه في أيامه على القضاء، وإن كان مطلقا أو كان الصوم عن كفارة فإن تضيق القضاء بأن تضيق الرمضان الثاني وجب تقديم القضاء، وإلا تخير الصائم في الاتيان بأيهما شاء. لنا: إنهما قد اشتركا في الوجوب وعدم، التضيق فيتخير المكلف بالاتيان بأيهما كان لعدم الترجيح، والأصل الدال على براءة الذمة من وجوب التقديم. احتج بأنه كالأصل. ولأنه وجب بأصل الشرع فيكون أولى. والجواب: المنع من مساواة الأصل، ومن الملازمة. مسألة: قال علي بن بابويه في رسالته: إذا قضيت شهر رمضان أو النذر كنت بالخيار في الافطار إلى زوال الشمس، فإذا أفطرت بعد الزوال فعليك الكفارة مثل ما على من أفطر يوما من شهر رمضان (2). وهذا يشعر بمساواة قضاء النذر لقضاء رمضان. وقال أبو الصلاح: إن كان القضاء لافطار تجب له الكفارة ففرضها متعين مع القضاء (3). وهذا الكلام يشعر بوجوب الكفارة في إفطار قضاء النذر المعين.

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) لم نعثر على رسالته، ونقله عنه في السرائر: ج 1 ص 410.
(3) الكافي في الفقه: ص 184.

[ 561 ]

وقال ابن إدريس: لا تجب، وهو المعتمد. لنا: الأصل براءة الذمة. ولأنه غير متعين للقضاء، فلا تجب به الكفارة. احتج بمساواته لقضاء رمضان، لاشتراكهما في كونهما قضاء للواجب. ولأن المقتضي لوجوب الكفارة هناك كونه قد أبطل عبادة فعل أكثرها وهو متحقق هنا. والجواب: المنع من المساواة والاقتضاء، مع أن ذلك قياس محض لا نقول به. مسألة: من وجب عليه شهران متتابعان في كفارة ظهار أو قتل الخطأ أو غيرهما فصام شهرا ومن الثاني شيئا ولو يوما ثم أفطر لغير عذر جاز له البناء إجماعا، وهل يكون مأثوما؟ قولان: قال ابن الجنيد (2): لا يكون مأثوما، وهو ظاهر كلام ابن أبي عقيل (3)، وظاهر كلام الشيخ (4). وقال المفيد: يكون مخطئا (5)، وكذا قال السيد المرتضى (6)، وهو يشعر بالاثم، وصرح أبو الصلاح (7) وابن إدريس (8) بالاثم. والأقرب الأول. لنا: الأصل براءة الذمة.

(1) السرائر: ج 1 ص 410.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 410.
(5) المقنعة: ص 361.
(6) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 58.
(7) الكافي في الفقه: ص 189.
(8) السرائر: ج 1 ص 411.

[ 562 ]

ولأن التتابع إما يحصل بذلك أو لا، فإن حصل فقد امتثل المأمور به فيخرج عن العدة فلا أثم، وإن لم يحصل بذلك وجب عليه الاستئناف، لأنه لم يأت بما أمر به على وجهه، فلا يقع فعله مجزئا. وما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: الصيام كفارة اليمين في الظهار شهرين متتابعين، والتتابع أن يصوم شهرا ويصوم من الآخر أياما أو شيئا منه (1). وعن سماعة بن مهران قال: سألته عن الرجل يكون عليه صيام شهرين متتابعين أيفرق بين الأيام؟ فقال: إذا صام أكثر من شهر فوصله ثم عرض له أمر فأفطر فلا بأس، فإن كان أقل من شهر أو شهرا فعليه أن يعيد الصيام (2). ولأن تتابع الشهرين يحصل بذلك، ولا يجب في اتباع الشهر بالشهر تكميل الثاني. ولأنه تابع بين الأكثر، وحكم الأكثر حكم الجميع. احتج الاخرون بأن تتابع الشهرين إنما يحصل بإكمالهما، ولم يحصل فتحقق الإثم، ولا استبعاد في الإجزاء مع الإثم. والجواب: المنع من أن التتابع إنما يحصل بإكمالهما. مسألة: كلام صاحب النهاية فيها يعطي وجوب التتابع في الشهرين، وأن متابعة الشهر الثاني بيوم منه للأول إنما يكون مع العجز، فإنه قال: فمن وجب عليه شئ من هذا الصيام وجب عليه أن يصومه متتابعا، فإن لم يتمكن من

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 283 ح 856. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 9 ج 7 ص 273.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 282 ح 855. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 5 ج 7 ص 272.

[ 563 ]

صيامه متتابعا صام الشهر الأول ومن الشهر الثاني شيئا ثم فرق ما بقي عليه (1). والمشهور ما قدمناه في المسألة الأولى لما تقدم من الأدلة. مسألة: من نذر صيام شهر متتابع غير معين أجزأه تتابع خمسة عشر يوما، وهل يتعدى هذا الحكم إلى المملوك في كفارة ظهاره وقتله وافطاره؟ قال الشيخ: نعم، ذكر ذلك في مبسوطه (2) وجمله (3) واقتصاده (4)، وابن إدريس (5) منع من ذلك وسلم الأول، ولم يذكر في النهاية (6) سوى النذر، وكذا المفيد (7)، والسيد المرتضى (8)، وابن الجنيد (9)، وأبو الصلاح (10)، ولم يتعرضوا للمملوك. والأقرب الأول. لنا: أن كفارة العبد نصف كفارة الحر، والتنصيف كما يكون في العدد كذا يكون في الوصف، وكما أجزأ تتابع الشهر بيوم كذا النصف يحصل تتابع الشهر به، لأن الشهر في معرض النقصان، فلو أوجبنا تتابع ستة عشر يوما لزدنا على حكم الشهرين، فاكتفى بتتابع خمسة عشر يوما التي تزيد على نصف الناقص بنصف يوم. ولأنه لا يزد على النذر المتتابع، وقد أجزأ تتابع خمسة عشر يوما على ما

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 410.
(2) المبسوط: ج 1 ص 280.
(3) الجمل والعقود: ص 118.
(4) الاقتصاد: ص 291.
(5) السرائر: ج 1 ص 412 - 413.
(6) النهاية ونكتها: ج 1 ص 411.
(7) المقنعة: ص 361 - 362.
(8) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 58.
(9) لم نعثر على كتابه.
(10) الكافي في الفقه: ص 186.

[ 564 ]

سلمه، فثبت الحكم في الاضعف بطريق الأولى. وما رواه موسى بن بكير، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوما ثم عرض له أمر، قال: إن كان صام خمسة عشر يوما فله أن يقضي ما بقي، وإن كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجزه حتى يصوم شهرا تاما (1). وعن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: قال: في رجل جعل على نفسه صوم شهر فصام خمسة عشر يوما ثم عرض له أمر، فقال: جائز له أن يقضي ما بقي عليه، وإن كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجز له حتى يصوم شهرا تاما (2). لا يقال: مفهوم الحديثين إنما يتم في النذر. لأنا نقول: نمنع ذلك، فإن الجعل قد يكون بالنذر وقد يكون بفعل ما يوجب ذلك من إفطار أو ظهار، فإن العبد إذا ظاهر فقد جعل عليه صوم شهر. احتج بأن حمله على النذر وعلى الحر قياس باطل لا يجوز العمل به، فيبقى على أصل التتابع. والجواب: المنع من كون ذلك قياسا بل هو من باب الأولى. إذا عرفت هذا فالخلاف في الإثم هنا مع الإجزاء في النذر، كما تقدم في الشهرين. مسألة: إذا نذر أن يصوم شهرا متتابعا في بلد بعينه كالمدينة ومكة أو أحد المواضع المعينة، قال ابن إدريس: يجب ذلك متتابعا (3)، خلافا لأبي

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 285 ح 864. وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 1 ج 7 ص 276.
(3) السرائر: ج 1 ص 413.

[ 565 ]

الصلاح (1). والأقرب أنه إن كان لذلك الموضع مزية كالمواضع التي تمثل بها أبو الصلاح لزم، وإلا فلا. لنا: أن متعلق النذر إنما يجب الوفاء به لو كان طاعة، ولا طاعة في تعيين الامكنة التي لا تختص بمزية التشريف. احتج بعموم قوله تعالى: " يوفون بالنذر " (2). والجواب: إنا نقول بموجبه، فإن النذر المنعقد هو الذي يجب الوفاء به، ونحن نمنع من انعقاد نذر التعيين. مسألة: قال ابن إدريس: إذا نذر الشهر متتابعا وخرج من البلد مختارا فإنه لا يجزئه ما صامه، ولا يجوز له البناء عليه، وإن لم يتمكن من المقام فإن كان صام نصف الشهر فله البناء على التمام في بلده، لأن من نذر صيام شهر متتابع وصام نصفه وأفطر فله البناء عليه، وإن كان خروجه قبل صيام النصف فلا يجوز له البناء، لأن السفر عندنا يقطع التتابع، سواء كان مضطرا إليه أو مختارا (3). وهذا الإطلاق ليس بجيد، فإن الاضطرار إن كان لإكراه وإجبار فلم ينقطع به التتابع، وإن كان لمصلحة تعود إليه كطلب غريم وتحصيل مال انقطع، لأنه يكون في الحقيقة مختارا، لأن الاجبار عذر فأشبه المرض والحيض. مسألة: من نذر صوم شهر وأطلق تخير في أي شهر شاء. قال أبو الصلاح: فإن ابتدأ بشهر لزمه اكماله (4).

(1) الكافي في الفقه: ص 185.
(2) الانسان: 7.
(3) السرائر: ج 1 ص 413 - 414.
(4) الكافي في الفقه: ص 186.

[ 566 ]

والأقرب أن الاكمال لا يجب، سواء قيده بالتتابع أو لا. أما مع عدم القيد فظاهر، وأما معه فلأنه غير معين، فإذا لم يتعين لم يجب عليه الاكمال، بل إن أكمل فلا يجب (1)، وإن لم يكن وجب الاستئناف إن صام أقل من نصفه، وإلا فلا. مسألة: قال أو الصلاح: وإن أفطر في يوم عزم على صومه لنذر أوجبه عليه وله مثله فهو مأزور وعليه مثله (2). والأقرب أنه إنما يكون مأثوما لو تعين بالنذر وحينئذ تجب الكفارة أيضا، أما لو لم يكن معينا فلا أثم ولا كفارة. مسألة: من عجز عن صيام ما نذر فيه قال الشيخ: يتصدق عن كل يوم بمد من طعام (3)، وأطلق. وقال ابن إدريس: ينبغي أن يقيد، وقال: متى عجز بمرض يرجى برؤه وشفاؤه فلا يكون هذا حكمه، بل يجب عليه قضاؤه بلا كفارة إذا برئ، لأن المريض لا يجب عليه بإفطاره في حال مرضه في الصوم المعين كفارة، بل يجب عليه القضاء إذا برئ فحسب بغير خلاف، فأما إذا كان العجز بكبر أو مرض لا يرجى برؤه ولا شفاؤه فإن الحكم فيه ما قاله شيخنا، ولا قضاء عليه، فليتأمل ذلك، ففقهه ما ذكرناه (4). أقول: الظاهر أن مقصود الشيخ - رحمه الله - هو الثاني، ولكن ابن إدريس نسي هنا ما كان قد قرره في الشيخ العاجز عن الصيام، فإنه قال: الشيخ الهم والشيخة اللذان لو تكلفا الصوم بمشقة لما أطاقاه لا قضاء عليهما ولا كفارة، وأما

(1) ق وم (2): فلا بحث.
(2) الكافي في الفقه: ص 186.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 413.
(4) السرائر: ج 1 ص 414.

[ 567 ]

الشيخ الذي إذا تكلفه أطاقه لكن بمشقة شديدة يخشى المريض منها والضرر العظيم، فإن له أن يفطر ويكفر عن كل يوم بمد، وكذا الشاب إذا كان به العطاش الذي لا يرجى برؤه (1). فإن قال: قصدت هذا القسم. قلنا: فإطلاقك ليس بجيد، ويكون الايراد الذي أوردته على الشيخ بعينه واردا عليك هنا بلا فصل. مسألة: صوم ثلاثة أيام في بدل الهدي إنما هي بدل عن الهدي أو الثمن، ذهب إليه الشيخ - رحمه الله - (2)، وأبو الصلاح (3). وقال ابن إدريس: إنها بدل عن الهدي لا الثمن (4). والأقرب الأول. لنا: قوله تعالى: " فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج " (5)، والواجد أن يتحقق بالعين والثمن كالعتق، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. إذا عرفت هذا فهذه الثلاثة متتابعة إجماعا فإن (6) أفطر قال الشيخ في المبسوط (7) والجمل (8): إن كان قد صام يومين ثم أفطر بنى، وإن صام يوما ثم أفطر أعاد. وقال ابن إدريس: وهذا الإطلاق ليس بصحيح إلا في موضع واحد، وهو أنه يكون قد صام يوم التروية أو يوم عرفة فإنه يبني بعد أيام التشريق، فأما إذا لم يكن صام اليومين المذكورين وصام بعد أيام التشريق، فإنه لا يبني إذا صام يومين ثم أفطر (9).

(1) السرائر: ج 1 ص 400.
(6) ن: فإذا.
(2) المبسوط: ج 1 ص 370.
(7) المبسوط: ج 1 ص 280.
(3) الكافي في الفقه: ص 188.
(8) الجمل والعقود: ص 119.
(4) السرائر: ج 1 ص 414.
(9) السرائر: ج 1 ص 415.
(5) البقرة: 196.

[ 568 ]

احتج الشيخ بأن تتابع الأكثر يجري مجرى تتابع الجميع. والجواب: المنع. واحتج ابن إدريس بأن الأمر ورد بالتتابع وترك العمل به في الصورة المجمع عليها للاجماع، فيبقى الباقي على الأصل. وهذا قول لا بأس به. مسألة: قال أبو الصلاح: يلزم من تمتع بالعمرة إلى الحج وتعذر عليه الذبح وثمنه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج يوم السابع من ذي الحجة والثامن والتاسع (1). وهذه العبارة تعطي وجوب هذه بعينها، وكذا قال ابن أبي عقيل (2). والمشهور الاستحباب. لنا: الأصل براءة الذمة من تعينها. ولأنه قد ورد جواز تقديمها من أول ذي الحجة، وهو ينفي ما ذكره. مسألة: المشهور أن من أفطر في يوم نذر صومه بعينه وجب عليه كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان. وقيل تجب فيه كفارة يمين (3). والخلاف ينشأ في كفارة النذر مطلقا، فقيل: كفارة رمضان (4)، وقيل: كفارة يمين (5)، وقيل: بالتفصيل (6)، ففي نذر الصوم كفارة رمضان وفي غيره كفارة يمين. وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى، إلا أن شيخنا المفيد - رحمه الله تعالى - قال: إذا أفطر لغير عذر وجب عليه الكفارة، كما يجب على من

(1) الكافي في الفقه: ص 188.
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 367 ذيل الحديث 4298.
(4) المهذب: ج 2 ص 421.
(5) الموصليات (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الأولى): ص 246.
(6) لم نعثر عليه.

[ 569 ]

أفطر يوما من شهر رمضان وعليه قضاؤه، فإن أفطر لضعف لحقه ما يمنعه من الصيام، غير أن ذلك يشق عليه وجب عليه الكفارة إطعام عشرة مساكين أو صيام ثلاثة أيام متتابعات وكان عليه القضاء، فإن مرض مرضا يمنع من الصيام فأفطر لم يكن عليه حرج، ووجب عليه القضاء (1)، ونحوه قال أبو الصلاح (2)، والجماعة أطلقوا وجوب كفارة من رمضان. وقال ابن إدريس: يجب عليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا، فإن لم يتمكن صام ثمانية عشر يوما، فإن لم يقدر تصدق بما استطاع، فإن لم يستطع استغفر الله تعالى (3). وكان المفيد - رحمه الله - الحقه برمضان، وينبغي تقييد كلامه في المقنعة بالعطاش الذي يرجى زواله، كما تقدم. مسألة: لو مات المكلف بصوم السبعة بدل الهدي قبل صومها مع القدرة عليه وجب على وليه القضاء عنه، ذهب إليه ابن إدريس (4) قال: وقال بعض أصحابنا: لا يجب على وليه القضاء عنه، وهو مذهب الصدوق في كتاب المقنع (5). والأقرب اختيار ابن إدريس. لنا: إنه دين فوجب قضاؤه، لقوله - صلى الله عليه وآله -: " فدين الله أحق أن يقضى " (6). احتج المخالف بأصالة البراءة، والأخبار إنما وردت في رمضان، أما غيره فلا.

(1) المقنعة: ص 362.
(2) الكافي في الفقه: ص 185.
(3) السرائر: ج 1 ص 413.
(4) السرائر: ج 1 ص 415.
(5) المقنع: ص 91.
(6) صحيح البخاري: ج 3 ص 46، صحيح مسلم: ج 2 ص 804 ح 154 و 155.

[ 570 ]

والجواب: المعارضة بالاحتياط، وبكونه دينا لله تعالى. مسألة: قال ابن أبي عقيل (1): لو أن متمتعا لم يجد هديا وفاته صيام ثلاثة أيام في الحج أقام بمكة حتى بصومها بعد مضي أيام التشريق، فإن صامها في أيام التشريق لم يجزه، وإن صامها بالمدينة أجزأه، فإن لم يصم في المدينة صامها إذا رجع إلى أهله ولا يصومها في السفر، فإن صامها في السفر لم يجزئه وعليه القضاء، وفيه نظر. فإن المشهور صومها في السفر، لقوله تعالى: " ثلاثة أيام في الحج " (2). احتج بالنهي عن الصوم في السفر مطلقا. والجواب: التخصيص بالآية. وقال: " إذا رجع إلى أهله " لم يجمع بين صيام الثلاثة والسبعة، وليفصل الثلاثة من السبعة. وقال الشيخ في المبسوط: الأفضل تتابع العشرة (3). مسألة: قال ابن بابويه في رسالته: يجوز صوم جزاء الصيد في السفر (4)، ومنع منه ابن إدريس (5)، وهو الأشهر بين الأصحاب. لنا: عموم النهي عن الصوم في السفر. احتج بالأصل، وبأنه بدل عن جبران وجب في الحرم فجار صومه في السفر كالثلاثة في بدل الهدي.

(1) لم نعثر على كتابه.
(2) البقرة: 196.
(3) المبسوط: ج 1 ص 371.
(4) لم نعثر على رسالته، ونقله عنه في السرائر: ج 1 ص 415.
(5) السرائر: ج 1 ص 415.

[ 571 ]

والجواب عن الأول: بأن الأصل يعدل عنه، لدليل أقوى، والقياس ممنوع ومنقوض بالسبعة. مسألة: قال أبو الصلاح: لو نذر أن يصوم يوما ويفطر يوما صوم داود - عليه السلام - فوالى الصوم أو الافطار مختارا لم يجزه ولزمه الاستئناف، وإن كان مضطرا بنى على ما مضى (1). وقال ابن إدريس: من نذر أن يصوم يوما ويفطر يوما صوم داود - عليه السلام - فوالى الصوم فإنه يجب عليه كفارة خلاف النذر، لأنه نذر أن يفطر فصام (2). وعندي في القولين نظر، فإن الصوم عبادة وطاعة فلا يتعلق النذر بعدمها، كما لو نذر عدم التنفل بالصلاة. لا يقال: قد ورد النهي عن صوم الدهر لما فيه من تضييع حق الاهل. لأنا نقول: لا يلزم من توالي الصوم صوم الدهر لجواز انقطاعه، ثم لو سلم النهي لكان لمعنى وهو قضاء حق الاهل، فينتفي مع انتفاء هذا المعنى. ثم قول أبي الصلاح بوجوب الاستئناف على تقدير توالي الصوم لا وجه له، فإنه فعل العبادة الواجبة وزيادة أقصى ما في الباب أنه يجب عليه كفارة خلف النذر إن قلنا بانعقاده. والتحقيق في هذه المسألة أن نقول: النذر إن كان لزمان معين كأن ينذر صوم شعبان صوم داود - عليه السلام - فصام الجميع أجزأه ولا كفارة عليه، بل كان مثابا عليه، وإن صام خمسة عشر يوما متوالية ثم أفطر الباقي وجب عليه كفارة خلف النذر وقضاء ما فرط فيه.

(1) الكافي في الفقه: ص 185. (2) السرائر: ج 1 ص 417.

[ 572 ]

ويبقى الاشكال في القضاء هل يجب التفريق أو يجوز التتابع؟ الأقرب الثاني، وإن كان لزمان معين العدد دون العين كأن ينذر أن يصوم شهرا صوم داود - فتوخى شهرا فصامه متتابعا فالأقرب الإجزاء، وإن صام خمسة عشر يوما متوالية لم يجزه عن صوم شهر المتفرق على إشكال، وإن نذر دوام الصوم كذلك فوالى الصوم أجزأه، ولا يكفي توالي شهر عن شهرين مثلا. مسألة: جعل الشيخ الطوسي - رحمه الله - التحاسد من باب ما الأولى الامساك عنه (1). وقال ابن إدريس: إنه واجب (2)، وهو الأقرب، لعموم النهي عن الحسد، والنهي يقتضي التحريم مسألة: عد أبو الصلاح (3) صوم من فوت العشاء الآخرة من الواجب. والأقرب الاستحباب، واختاره ابن حمزة (4)، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. مسألة: قال أبو الصلاح: يلزم من تعين عليه فرض القضاء لشئ من رمضان أن يبادر به في أول أحوال الامكان (5)، وهذا القول يشعر بوجوب القضاء على الفور. والأقرب الاستحباب. لنا: الأصل براءة الذمة. احتج بأن الأمر للفور. والجواب: المنع من ذلك.

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 389.
(2) السرائر: ج 1 ص 374.
(3) الكافي في الفقه: ص 188.
(4) الوسيلة: ص 147.
(5) الكافي في الفقه: ص 184.

[ 573 ]

مسألة: لو نذر صوم يوم أو أيام فوافق ذلك شهر رمضان، قال السيد المرتضى: لا ينعقد (1)، وبه قال أبو الصلاح (2)، وابن إدريس (3). ولو قيل بالانعقاد كان وجها. لنا: إنه طاعة فانعقد النذر كغيره من الطاعات. احتج بأن صومه متعين بأصل الشرع فلا يفيد شيئا. والجواب: المنع من الملازمة، بل الفائدة تأكد الوجوب ووجوب كفارة خلف النذر مع الترك. مسألة: قال أبو الصلاح: يجب أن يصوم عن الظبي والثعلب والأرنب ثلاثة أيام (4). والمشهور صيام عشرة، فإن عجز فثلاثة وسيأتي إن شاء الله تعالى. قال: وعن كل ذلك ما لا مثل له من النعم نصف صاع من بر من قيمته صيام يوم (5). والمشهور أن ذلك في النعامة ونظائرها، وبقرة الوحش ونظائرها، وللظبي ونظائره، وسيأتي إن شاء الله تعالى. قال: وإن كان قاتل الصيد محرما في الحرم فعليه مثلا ما ذكرناه من الصوم (6)، إشارة إلى ستين يوما في بدل النعامة وثلاثين في حمار الوحش وبقرته، ولم يذكر الشيخ ذلك، وسيأتي. مسألة: قال ابن الجنيد (7): ولو حلف أن لا يفطر ما دخل فيه فسأله من

(1) جوابات المسائل الطرابلسية الثالثة (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الأولى): ص 441، وفيه: " وإذا نذر صوم يوم عليه ببعض الشروط واتفق حصول ذلك الشرط في يوم قد تعين عليه صومه بنذر متقدم. " والمقصود منه أنه جعله كرمضان كما في السرائر: ج 1 ص 371.
(2) الكافي في الفقه: ص 185.
(3) السرائر: ج 1 ص 371. (4 و 5 و 6) الكافي في الفقه: ص 187.

[ 574 ]

يرى حقه الفطر أفطر وكفر. والوجه أنه لا يجوز له الافطار إلا أن يكون الأب أو السيد أو الزوج قد ألزموا الولد أو العبد أو الزوجة بحل اليمين فلهم ذلك، لكن لا كفارة هنا، لأن لأولئك حل أيمان هؤلاء ولا كفارة. لنا: إنه وجب (1) إتمام الصوم باليمين، فلا يحل الافطار. احتج بأن الضيف ليس له أن يصوم إلا بإذن مضيفه، ومن دعي إلى طعام أفطر مستحبا. والجواب: أن ذلك في النفل، أما الواجب فلا، والصوم هنا صار واجبا بالنذر. مسألة: قال في المبسوط: لو نذر أن يصوم يوم قدوم زيد فقدم ليلا أو في بعض النهار لم يلزمه، لأن بعض النهار لا يكون صوما، ثم قال: فإن وافق قدومه في بعض النهار قبل الزوال ولم يكن تناول شيئا مفطرا جدد النية، وصام ذلك اليوم (2). وليس بجيد، لأن أوله لم يلزمه صومه، ولهذا لو أفطر لم يجب عليه قضاء ولا كفارة، فلا يجب عليه باقيه، لأن الصوم لا يقبل التجزئ. لا يقال: ما ذكرتموه وارد في المسافر والمريض. لأنا نقول: الفرق واقع: فإن صوم رمضان واجب بالأصالة بخلاف صورة النزاع، ومع ذلك فلولا النص الدال عليه لم نقل به، ولم يثبت في صورة النزاع دليل. مسألة: قال ابن البراج: من نذر صوم شهر بالإطلاق فعليه صوم شهر من أي شهور السنة كان، فإن أفطر قبل أن يتم نصفه متعمدا من غير ضرورة وجب

(1) في متن المطبوع وق: أوجب.
(2) المبسوط: ج 1: ص 281.

[ 575 ]

عليه استئناف الصوم، وإن كان لضرورة جاز البناء، وإن أفطر بعد أن جاز نصفه تممه ولا استئناف، ومن شرط الموالات في صوم النذر وجب عليه الصوم كذلك (1). والكلام الأول ليس بجيد، بل إنما يصح على تقدير شرط الموالاة، لما ثبت من أن النذر المطلق لا يجب فيه التتابع. مسألة: قال المفيد: لو أصبح جنبا في يوم كان بيت له الصيام لقضاء شهر رمضان أو التطوع لم يجز له صيامه، وأخره إلى يوم غيره (2). وقيل: يجوز في التطوع (3). لنا: إنه غير معين، فلم يصح صومه لقضاء رمضان. ويدل على الأصل ما رواه ابن سنان في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يقضي رمضان فيجنب من أول الليل ولا يغتسل حتى آخر الليل وهو يرى أن الفجر قد طلع، قال: لا يصوم ذلك اليوم ويصوم غيره (4). احتج المخالف بأنه يجوز في رمضان فكذا النفي، بل هو أولى، لأن فيه من الرخص ما ليس في رمضان. والجواب: الفرق فإن رمضان زمان تعين للصوم بخلاف النافلة.

(1) المهذب: ج 1 ص 198. (2) المقنعة: ص 360.
(3) ذكرها الصدوق في من لا يحضره الفقيه رواية لا قولا: ج 2 ص 82 ح 1788.
(4) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 277 ح 837، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ج 7 ص 46.

[ 576 ]

الفصل السابع في الاعتكاف قال الشيخ (1)، والسيد المرتضى (2) - رحمهما الله تعالى -: لا يصح الاعتكاف إلا في أربعة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد النبي - صلى الله عليه وآله - بالمدينة، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة، وبه قال أبو جعفر ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه (3)، وأبو الصلاح (4)، وسلار (5)، وابن البراج (6)، وابن حمزة (7)، وابن إدريس (8). وقال علي بن بابويه (9): لا يجوز الاعتكاف إلا في المسجد الحرام، ومسجد

(1) المبسوط: ج 1 ص 289.
(2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 60.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 184 - 185 ح 2089.
(4) الكافي في الفقه: ص 186.
(5) المراسم: ص 99.
(6) المهذب: ج 1 ص 204.
(7) الوسيلة: ص 153.
(8) السرائر: ج 1 ص 421.
(9) لم نعثر على رسالته.

[ 577 ]

الرسول - صلى الله عليه وآله -، ومسجد الكوفة، ومسجد المدائن. والعلة في ذلك أنه لا يعتكف إلا في مسجد جمع فيه إمام عدل، وقد جمع النبي - صلى الله عليه وآله - بمكة، وجمع أمير المؤمنين - عليه السلام - في هذه الثلاثة المساجد (1). وقد روي في مسجد البصرة. وقال ابن إدريس: جعل مسجد البصرة رواية، ويحسن في هذه المواضع قول أقلب تصب، لأن الأظهر بين الطائفة ما قلناه أولا، فإن كانت قد رويت رواية في مسجد المدائن فهي من خبر الاحاد ومن شاذ الأحاديث (2). وهذا تهجم في القول على مثل هذا الشيخ، وتهكم بكلامه، ولا يليق بمن له أدنى فطانة مخاطبة مثل هذا الشيخ الأعظم - السابق في الفضل، الجامع بين العلم والعمل، الذي راسله الإمام عليه السلام، ودعا له بما طلب منه بمثل هذا الكلام. وقال ابنه أبو جعفر في المقنعة: لا يجوز الاعتكاف إلا في خمسة مساجد: في المسجد الحرام، ومسجد النبي - صلى الله عليه وآله - ومسجد الكوفة، ومسجد المدائن، ومسجد البصرة. وعلل بأن الاعتكاف إنما يكون في مسجد جمع فيه إمام عدل، والنبي - صلى الله عليه وآله - جمع بمكة والمدينة، وجمع أمير المؤمنين - عليه السلام - في الثلاثة الباقية (3). وقال المفيد: لا يكون الاعتكاف إلا في المسجد الأعظم. وقد روي أنه لا يكون إلا في مسجد جمع فيه نبي أو وصي نبي، وهي أربعة مساجد: المسجد الحرام جمع فيه النبي - صلى الله عليه وآله -، ومسجد المدينة جمع فيه رسول الله

(1) في متن المطبوع وق: المواضع.
(2) السرائر: ج 1 ص 421.
(3) المقنع: ص 66.

[ 578 ]

- صلى الله عليه وآله - وأمير المؤمنين - عليه السلام -، ومسجد الكوفة ومسجد البصرة جمع فيهما أمير المؤمنين - عليه السلام - (1). وقال ابن أبي عقيل (2): الاعتكاف عند آل الرسول - عليهم السلام - لا يكون إلا في المساجد، وأفضل الاعتكاف في المسجد الحرام ومسجد الرسول ومسجد الكوفة وسائر الامصار مساجد الجماعات، والمعتمد الأول. لنا: إنه أشهر بين الأصحاب. وما رواه عمر بن يزيد في الصحيح قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: ما تقول في الاعتكاف ببغداد في بعض مساجدها؟ قال: لا تعتكف إلا في مسجد جماعة صلى فيه إمام عدل جماعة، ولا بأس أن يعتكف في مسجد الكوفة والبصرة ومسجد المدينة ومسجد مكة (3). وهذا الحديث وإن كان الشيخ قد رواه وفي طريقه سهل بن زياد - وفيه قول - إلا أن شيخنا أبا جعفر بن بابويه رواه في الصحيح عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إن عليا - عليه السلام - كان يقول: لا أرى الاعتكاف إلا في المسجد الحرام، أو مسجد الرسول - صلى الله عليه وآله -، أو مسجد جامع (4). وهذا الحديث وإن دل على ما قاله المفيد إلا أن في طريقه سهل بن زياد، وفيه قول.

(1) المقنعة: ص 363.
(2) لم نعثر على كتابه، ونقله عنه في المعتبر: ج 2 ص 731.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 290 ح 882 - 883. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الاعتكاف ح 8 ج 7 ص 401.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 185 ح 2091. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الاعتكاف صدر ح 10 ج 7 ص 402.

[ 579 ]

احتج المفيد بهذه الرواية، وبما رواه أبو الصباح الكناني، عن الصادق - عليه السلام - مثل ذلك (1). وما رواه علي بن عمران، عن أبي عبد الله - عن أبيه - عليه السلام - قال: المعتكف يعتكف في المسجد الجامع (2). وعن يحيى بن أبي العلا الرازي، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: لا يكون اعتكاف إلا في مسجد الجماعة (3). والجواب: المنع من صحة السند، وحمل الجامع ومسجد الجماعة على أحد المساجد الأربعة جمعا بين الأدلة، لما عرف أن المطلق والمقيد إذا وردا حمل المطلق عليه. احتج ابن أبي عقيل بذلك، وبقوله تعالى: " وأنتم عاكفون في المساجد " (4). والجواب: ما تقدم. مسألة: قال المفيد - رحمه الله -: المساجد التي جمع فيها نبي أو وصي نبي أربعة، ثم قال: والمراد بالجمع فيما ذكرناه هاهنا صلاة الجمعة بالناس جماعة دون غيرها من الصلوات (5)، وكذا قال الشيخ في المبسوط (6)، والمرتضى في

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 291 ح 885، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الاعتكاف ح 5 ج 7 ص 401.
(2) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 290 ح 880. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الاعتكاف ذيل الحديث 4 ج 7 ص 401.
(3) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 290 ح 881، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الاعتكاف ح 6 ج 7 ص 401.
(4) البقرة: 187.
(5) المقنعة: ص 363.
(6) المبسوط: ج 1 ص 289.

[ 580 ]

الانتصار (1)، وابن حمزة (2)، وابن إدريس (3). وقال علي بن بابويه (4): العلة في أنه لا يجوز الاعتكاف إلا في المساجد الأربعة أنه لا يعتكف إلا في مسجد جمع فيه إمام عدل، ولم يذكر الجمعة، وكذا قال ابنه في المقنع (5). وقال ابن الجنيد (6): روى ابن سعيد، عن أبي عبد الله - عليه السلام - جوازه في كل مسجد جمع فيه إمام عدل صلاة جماعة، وفي المسجد الذي يصلى فيه الجمعة بإمام وخطبة. والذي رواه أبو جعفر بن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه، عن الحسن ابن محبوب في الصحيح، عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: ما تقول في الاعتكاف ببغداد في بعض مساجدها؟ قال: لا يعتكف إلا في مسجد جماعة صلى فيه إمام عدل جماعة (7). ولا أرى لهذا الخلاف فائدة، إلا أن يثبت زيادة مسجد صلى فيه بعض الأئمة - عليهم السلام - جماعة لا جمعة. مسألة: الاعتكاف إن كان ندبا قال في المبسوط: إن شرط على ربه أنه متى عرض له عارض رجع فيه كان له الرجوع أي وقت شاء ما لم يمض به يومان، فإن مضى به يومان وجب عليه تمام الثالث، وإن لم يشترط وجب عليه

(1) الانتصار: ص 73.
(2) الوسيلة: ص 153.
(3) السرائر: ج 1 ص 421 - 422.
(4) لم نعثر على رسالته.
(5) المقنع: ص 66.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 184 ح 2089. وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الاعتكاف ح 8 ج 7 ص 401.

[ 581 ]

بالدخول فيه تمام ثلاثة أيام، لأن الاعتكاف لا يكون أقل من ثلاثة أيام (1). وفي النهاية: من اعتكف ثلاثة أيام كان فيما زاد بالخيار إن أراد أن يزداد ازداد، وإن أراد أن يرجع رجع، فإن اعتكف (2) بعد الثلاثة يومين آخرين لم يجز له الرجوع وكان عليه إتمام ثلاثة أيام أخر، وإن كان قد زاد يوما واحدا جاز له أن يفسخ الاعتكاف (3). وقال ابن الجنيد (4): من اعتكف يوما ولم يكن اشترط فله أن يخرج ويفسخ اعتكافه، وإن أقام يومين ولم يكن اشترط فليس له أن يفسخ اعتكافه حتى يمضي ثلاثة أيام، ومن اعتكف ثلاثة فهو بالخيار إن شاء زاد ثلاثة أيام أخر، وإن شاء خرج من المسجد، فإن أقام يومين بعد ذلك فلا يخرج حتى يستكمل (5) ثلاثة أيام أخر. وقال أبو الصلاح: الاعتكاف ضربان: أحدهما: يجب الدخول فيه، والثاني: لا يجب، فالأول: ما وجب عن نذر، فإن كان متعلقا بزمان معدود وجب تكميله، وإن لم يكن معدودا اعتكف ثلاثة أيام، وإن كان تطوعا فهو بالخيار فيما بعد ما لم يعزم على صومه ويدخل المسجد عازما عليه، فيلزمه المضي فيه ثلاثة أيام، ثم هو فيما زاد عليها بالخيار، وإن استأنف اعتكافا بعد ما مضى ثلاثة في الواجب والمندوب فهو بالخيار في المضي والفسخ ما لم يمض له يومان، فإن مضى لزمه تكميله ثلاثا (6). وقال السيد المرتضى في المسائل الناصرية: الذي نقوله في هذه المسألة يعني: من أفسد الاعتكاف بعد الشروع فيه ليس يخلو الاعتكاف من أن يكون

(1) المبسوط: ج 1 ص 289.
(4) لم نعثر على كتابه.
(2) في المصدر: صام.
(5) في متن المطبوع وق: يكمل.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 416، وفيه: " فإن صام " بدل " فإن اعتكف ".
(6) الكافي في الفقه: ص 186.

[ 582 ]

واجبا بالنذر أو تطوعا، فإن كان واجبا لزمه مع إفساده القضاء، وإن كان تطوعا لم يلزمه القضاء، لأن التطوع لا يجب عندنا بالدخول فيه (1). وقال ابن إدريس (2): لا يجب مطلقا بالدخول، كما قاله السيد المرتضى به، بل له الرجوع فيه متى شاء. وقال ابن حمزة: إن شرط وعرض له ذلك جاز له الخروج على كل حال، وإن لم يشترط وقد صام يوما فكذلك، وإن صام يومين لم يجز له الخروج حتى يتم (3). والمتعمد ما ذهب إليه السيد المرتضى. لنا: الأصل عدم الوجوب، وبراءة الذمة. ولأنها عبادة مندوبة فلا يجب بالشروع فيها كغيرها من التطوعات وفارقت الحج، لورود الأمر فيه دون صورة النزاع. ولأن اليوم الأول والثاني متساويان، فلو اقتضى اعتكاف الثاني وجوب الاتمام لاقتضاه الأول. احتج الشيخ بما رواه محمد بن مسلم، عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: إذا اعتكف يوما ولم يكن اشترط فله أن يخرج ويفسخ اعتكافه، فإن أقام يومين ولم يكن اشترط فليس له أن يخرج ويفسخ اعتكافه حتى يمضي ثلاثة أيام (4). وعن أبي عبيدة، عن الباقر - عليه السلام - قال: ومن اعتكف ثلاثة أيام فهو في يوم الرابع بالخيار إن شاء زاد أياما أخر وإن شاء خرج من المسجد، فإن أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يستكمل ثلاثة أيام

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 243 المسألة 135.
(2) السرائر: ج 1 ص 422.
(3) الوسيلة: ص 153 - 154.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 289 ح 879. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الاعتكاف ح 1 ج 7 ص 404.

[ 583 ]

أخر (1). والجواب: منع صحة السند، والحمل على شدة الاستحباب. مسألة: قال في المبسوط: لا يصح الاعتكاف تطوعا ممن عليه ولاية إلا بإذن من له الولاية، فإن أذن لم يكن للإذن فسخه عليه، ويلزمه أن يصبر عليه حتى يمضي مدة الإذن، فإن لم يكن قيد وأطلق لزمه أن يصبر عليه ثلاثة أيام، وهو أقل ما يكون اعتكافا (2). وفي الخلاف: إذا أذن لزوجته أو أمته في اعتكاف عشرة أيام لم يكن له منعها بعد ذلك (3). والوجه أن هذا ليس على الإطلاق، بل فيما نذره بإذنه، أما في التطوع فله الرجوع متى شاء. لنا: إنه لا يجب بالدخول، والشيخ بناه على مذهبه من وجوبه بالشروع فيه. مسألة: قال الشيخ (4): إذا اعتكف المملوك بإذن مولاه فاعتقه مولاه لزمه إتمامه، وإن كان بغير إذنه واعتقه في الحال لزمه التمام (5). والحكمان ممنوعان، أما الأول: فلما مر من عدم إيجاب الاعتكاف بالشروع، وأما الثاني: فلأنه دخل دخولا منهيا عنه فلم يلزمه إتمامه. مسألة: قال في الخلاف: إذا قال: لله علي أن أعتكف ثلاثة أيام لزمه ذلك، فإن قال متتابعا لزمه بينهما ليلتان، وإن لم يشترط المتابعة جاز أن

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 288 ح 872. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الاعتكاف ح 3 ج 7 ص 404.
(2) المبسوط: ج 1 ص 289 - 290.
(3) الخلاف: ج 2 ص 231 المسألة 98.
(4) ليس " الشيخ " في جميع النسخ، ولعل الصحيح ما أثبتناه لاقتضاء السياق.
(5) المبسوط: ج 1 ص 290.

[ 584 ]

يعتكف نهار ثلاثة أيام بلياليهن (1). وقال في هذا الكتاب أيضا مثل ذلك: لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام وليلتين (2). وقال في المبسوط: إن نذر أياما بعينها لم يدخل فيها لياليها، إلا أن يقول العشر الاواخر وما يجري مجراه، فيلزمه حينئذ الليالى، لأن الاسم يقع عليه (3). ثم قال في موضع آخر منه: وإذا نذر اعتكاف ثلاثة أيام وجب عليه أن يدخل فيه قبل طلوع الفجر من أول يومه إلى بعد الغروب من ذلك اليوم، وكذلك اليوم الثاني والثالث، هذا إن أطلقه، وإن شرط التتابع لزمه الثلاثة الأيام بينها ليلتان (4). والمعتمد دخول الليالى. لنا: إن الاعتكاف لا يكون أقل من ثلاثة أيام، ومفهوم ذلك دخول الليالى. روى أبو بصير في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام (5). وعن عمر بن يزيد، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام (6).

(1) الخلاف: ج 2 ص 239 المسألة 115.
(2) الخلاف: ج 2 ص 232 المسألة 101.
(3) المبسوط: ج 1 ص 290.
(4) المبسوط: ج 1 ص 291 - 292.
(5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 289 ح 876. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الاعتكاف ح 2 ج 7 ص 404.
(6) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 289 ح 878. وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الاعتكاف ح 5 ج 7 ص 404.

[ 585 ]

مسألة: إذا ارتد المعتكف بطل اعتكافه. وللشيخ قولان: أحدهما: هذا ذكره في الخلاف (1): والثاني: لا يبطل، فإن رجع إلى الاسلام بنى عليه، ذكره في المبسوط (2). لنا: إن ارتداده إن كان عن فطرة وجب قتله، وإن لم يكن عن فطرة وجب خروجه عن المسجد، لأنه نجس، ووجوب الخروج ينافي الاعتكاف. احتج بأن الأصل الصحة. والجواب: المنع من ذلك، فإن الاعتكاف عبادة شرعية من شرطها التقرب إلى الله تعالى، وذلك لا يصح من الكافر. مسألة: استحب ابنا بابويه صوم الاعتكاف نفلا في السفر (3). واختاره الشيخ في المبسوط فانه قال: المسافر وكل من لا تجب عليه الجمعة يصح اعتكافه من عبد أو امرأة أو مريض أو مسافر (4)، وكذا استحبه ابن إدريس (5). والأقرب الكراهة. لنا: ما تقدم من كراهة الصوم في السفر. احتجوا بأنه عبادة مطلوبة للشارع لا يشترط فيها الحضر، فجاز صومها في السفر. ولأنه قد ورد (6) استحباب صوم الحاجة بالمدينة، وأن يكون في تلك الأيام معتكفا.

(1) الخلاف: ج 2 ص 236 المسألة 110.
(2) المبسوط: ج 1 ص 294.
(3) المقنع: ص 63، ولم نعثر على رسالة علي بن بابويه.
(4) المبسوط: ج ص 292.
(5) السرائر: ج 1 ص 394.
(6) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 16 ح 35. وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب المزار ج 10 ص 274 - 275.

[ 586 ]

والجواب: المنع من عدم اشتراط الحضر، فإنه مشروط بالصوم المشروط بالحضر، وشرط الشرط شرط، واستحباب الاعتكاف بالمدينة لزوال ما هو المانع هناك، إذ يستحب الصوم هناك بالاستثناء المنصوص بزوال مانعية السفر هناك خاصة. مسألة: قال في المبسوط: لو نذر اعتكاف أيام لم يعتد بإنصاف النهار فلا بد من أولها، لأنه لا بد من الصوم، والصوم لا يكون إلا من أول النهار (1). وهذا التعليل فيه نظر، فإنا لو فرضنا صائما في نهار رمضان أو في نذر معين أو غير معين أو في مندوب ثم اعتكف من وسط ذلك النهار كان الشرط موجودا، فإن صح اعتكافه بطل حكمه، وإن بطل بطل تعليله. والأقرب عندي الجواز، ويلفق ثلاثة أيام من نصف الأول ونصف الرابع، إذ يصدق أنه اعتكف ثلاثة أيام، وإلا فلا. مسألة: قال في المبسوط: لو نذر اعتكاف شهر أو أيام مطلقا ولم يشترط التتابع تخير بينه وبين التفريق، غير أنه لا يفرق أقل من ثلاثة أيام (2). وفيه نظر، فإنه يجوز أن يعتكف يوما من النذر ويومين نفلا ويفرق تلك الأيام. لا يقال: لا يصح الصوم تطوعا لمن عليه صوم واجب. لأنا نقول: نمنع أولا ذلك على ما اختاره السيد المرتضى (3). سلمنا ذلك، لكن نذر الاعتكاف لا يستلزم نذر الصوم، فجاز أن يعتكف في نهار رمضان، فينوي أول يوم عن اعتكافه المنذور وثانيه ندبا، أو بالعكس. مسألة: قال في المبسوط: لو قال: لله علي أن أعتكف شهر رمضان متتابعا

(1) المبسوط: ج 1 ص 290.
(2) المبسوط: ج 1 ص 291.
(3) المسائل الرسية الأولى (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثانية): ص 366.

[ 587 ]

لزمه المتابعة من حيث الشرط، فإن أخل بها استأنف، لأن المتابعة من حيث الشرط (1). ولقائل أن يقول: لا يجب الاستئناف وإن وجب عليه الاتمام متتابعا وكفارة خلف النذر، لأن الأيام التي اعتكفها متتابعة وقعت على الوجه المأمور به فيخرج فيها عن العهدة، ولا يجب عليه استئنافها، لأن غيرها لم يتناوله النذر، بخلاف ما إذا أطلق (2) النذر وشرط التتابع فإنه هنا يجب عليه الاستئناف، لأنه أخل بصفة النذر، فوجب عليه استئنافه من رأس، بخلاف صورة النزاع. والفرق بينهما تعين الزمان هناك واطلاقه هنا، فكل صوم متتابع في أي زمان كان مع الإطلاق يصح أن يجعله المنذور، وأما مع التعين فلا يمكنه البدل. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: الاعتكاف يمنع من الوطئ، ومن الخروج من المسجد الذي اعتكف فيه إلا لضرورة، كالبول والغائط وغسل الجنابة إن احتلم، أو قربة أو أداء فريضة كالجمعة والعيدين (3). وفي هذا الكلام تساهل، فإن يوم العيد لا يصح اعتكافه إلا على قوله الشاذ: من أن القاتل في الحرم يجب عليه شهران متتابعان وإن دخل فيهما العيدان (4). مسألة: قال في المبسوط: يجوز للمعتكف صعود المنارة والأذان فيها، سواء كان داخل المسجد أو خارجه، لأنه من القربات، وإذا خرج إلى دار الوالي وقال: حي على الصلاة أيها الأمير، أو قال: الصلاة أيها الأمير بطل اعتكافه (5). وقال في الخلاف: يجوز للمعتكف أن يخرج فيؤذن في منارة خارج الجامع

(1) المبسوط: ج 1 ص 291.
(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 297.
(2) ن: ما لو أطلق.
(5) المبسوط: ج 1 ص 294.
(3) المبسوط: ج 1 ص 292.

[ 588 ]

وإن كان بينه وبين الجامع فضاء ولا يكون في الرحبة، لما روي من الحث على الأذان، ولم يفصلوا (1). وفيه إشكال، لأن الأذان مستحب يمكن فعله في المسجد، كما يمكن فعله في خارجه، فيكون خروجه لا لضرورة فيكون ممنوعا منه، وأيضا معارض بالحث للامير على الصلاة فإنه مندوب إليه، فإذا كان هذا مبطلا فكذا الأول. مسألة: قال الشيخ في الجمل: يجب على المعتكف تجنب ما يجب على المحرم تجنبه (2)، وكذا قال ابن البراج (3)، وابن حمزة (4). وقال في المبسوط: لا يجوز له البيع والشراء، ويجوز له أن ينكح، وينظر في أمر معيشته وصنعته، ويتحدث بما شاء من الحديث بعد أن يكون مباحا، ويأكل الطيبات، ويشم الطيب. وروي أنه يجتنب ما يجتنبه المحرم، وذلك مخصوص بما قلناه، لأن لحم الصيد لا يحرم عليه، وعقد النكاح مثله (5). واختار ابن إدريس (6) عدم التعميم أيضا، وهو الوجه. لنا: الأصل هو الإباحة. احتج بأنها عبادة يمنع من كثير مما يحرم على المحرم، فيمنع من الباقي كالمحرم. والجواب: المنع من الملازمة. مسألة: وفي تحريم الطيب قولان: قال الشيخ في المبسوط: لا بأس بأكل الطيبات وشم الطيب (7). ومنع منه

(1) الخلاف: ج 2 ص 235 المسألة 106.
(5) المبسوط: ج 1 ص 293.
(2) الجمل والعقود: ص 125.
(6) السرائر: ج 1 ص 424 - 425.
(3) المهذب: ج 1 ص 204.
(7) المبسوط: ج 1 ص 293.
(4) الوسيلة: ص 154.

[ 589 ]

ومن الرياحين في النهاية (1)، وكذا حرمه في الخلاف (2)، وهو مذهب ابن الجنيد (3)، وابن إدريس (4)، وهو الأقرب. لنا: أنه أحوط. ولأن الشيخ نقل في الخلاف الاجماع عليه (5). والاجماع وإن كان دليلا قطعيا إلا أنه نقله بخبر الواحد حجة ظنية يجب العمل به. ما رواه أبو عبيدة في الموثق، عن الباقر - عليه السلام - قال: المعتكف لا يشم الطيب ولا يتلذذ بالريحان ولا يماري ولا يشتري ولا يبيع (6). احتج بأصالة الإباحة. والجواب: الأصل قد يخالف لدليل، وقد بيناه. مسألة: قال ابن الجنيد (7): الجماع مفسد للاعتكاف، وكذلك عندي حال القبلة المقارنة للشهوة، وكذلك عندي أيضا حال اتباع النظرة بشهوة من محرم. وفي إفساد الاعتكاف بالنظر بشهوة والقبلة كذلك عندي إشكال. قال الشيخ في التهذيب عقيب رواية حماد عن الحلبي الحسنة، عن الصادق - عليه السلام - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وآله - إذا كان العشر الاواخر اعتكف في المسجد وضربت له قبة من شعر وشمر الميزر وطوى فراشه،

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 416.
(2) الخلاف: ج 2 ص 240 المسألة 116.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) السرائر: ج 1 ص 425.
(5) الخلاف: ج 2 ص 40 ذيل المسألة 116.
(6) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 288 ح 872. وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الاعتكاف ح 1 ج 7 ص 411.
(7) لم نعثر على كتابه.

[ 590 ]

وقال بعضهم: واعتزال النساء، فقال أبو عبد الله - عليه السلام -: أما اعتزال النساء فلا، لأنه أراد بذلك مخالطتهن ومجالستهن ومحادثتهن دون الجماع، والذي يحرم على المعتكف من ذلك الجماع دون غيره (1). وهذا الكلام يشعر بأن المحرم إنما هو الجماع. والأقرب عندي تحريم النظر والقبلة بشهوة، أما الافساد بهما فلا. وقال في الخلاف: إذا باشر امرأة في حال اعتكافه فيما دون الفرج أو لمس ظاهرها بطل اعتكافه أنزل أو لم ينزل، لأنه تعالى قال: " ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد " (2)، وهو عام في كل مباشرة أنزل أو لا، والنهي يدل على فساد المنهي عنه. مسألة: لو باع المعتكف أو اشترى قال الشيخ: الظاهر أنه لا ينعقد، لأنه منهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه. قال: وقال قوم: أخطأ ويكون ماضيا (3)، وتابعه ابن إدريس (4) على البطلان. والمعتمد صحة البيع. لنا: إنه عقد صدر من أهله في محله فكان ماضيا، وحجته غير جيدة لما عرف (5) من أن النهي في المعاملات لا يقتضي الفساد. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: ومتى عرض للمعتكف مرض أو جنون أو إغماء أو حيض أو طلبه سلطان ظالم يخاف على نفسه أو ماله فإنه يخرج من موضعه، فإن كان خروجه بعد مضي أكثر مدة اعتكافه عاد بعد زوال عذره وبنى على ما تقدم، وإن لم يكن مضى أكثر من النصف استأنف الاعتكاف،

(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 287 و 292 ح 869 وذيل الحديث 889.
(2) البقرة: 187.
(3) المبسوط: ج 1 ص 295.
(4) السرائر: ج 1 ص 426.
(5) في متن المطبوع وق: اعترف.

[ 591 ]

سواء كان الاعتكاف واجبا أو مندوبا إليه، وسواء كان مع الشرط أو عدمه فإنه يجب (1) بالدخول فيه (2). والكلام معه يقع في مقامين: الأول: تجويز البناء على تقدير مضي الأكثر، وإيجاب الاستئناف على خلافه. والأجود أن نقول: إن كان قد مضى ثلاثة أيام صح اعتكافها، ثم إن كانت الأيام معينة فإن زال العارض وقد بقي بعضها وجب الرجوع إليه وإتمامها وقضاء ما فات منها، إما عقيب الاتمام إن كان الباقي أقل من ثلاثة، أو بعده إن كان الباقي ثلاثة فما زاد، وإن لم يكن معينة فله أن يأتي بالباقي متى شاء، وإن كان قد مضى أقل من ثلاثة استأنف. لنا: إن الاعتكاف لا يصح أقل من ثلاثة، والثلاثة يصح اعتكافها، فلو كان ثلاثة واعتكف يومين وخرج بطل، ولو كان عشرة فاعتكف ثلاثة صح المأتي به. احتج بأن حكم الأكثر حكم الجميع، كما في الشهرين. والجواب: المنع من ذلك، والقياس عندنا باطل على أنه قد أشار إلى ما اخترناه. فقال: متى خرج من الاعتكاف قبل أن يمضي ثلاثة استأنف، وإنما يقضي ما يفوته بعد أن يزيد على الثلاثة (3). المقام الثاني: إن المندوب يجب بالشروع فيه، وليس بجيد، وقد مضى بحثه. مسألة: قال في المبسوط: من مات قبل انقضاء (4) مدة اعتكافه في أصحابنا من يقول: يقضي عنه وليه أو يخرج من ماله إلى من ينوب عنه قدر كفايته،

(1) في المصدر: يجوز.
(2) المبسوط: ج 1 ص 293.
(3) المبسوط: ج 1 ص 293.
(4) في متن المطبوع وق: مضي.

[ 592 ]

لعموم ما روي أن من مات وعليه صوم واجب وجب على وليه أن يقضي عنه أو يتصدق عنه (1). وهذا يشعر بعدم وجوب قضائه عليه عملا بالأصل الدال على البراءة، وبأن إيجاب الصوم لا يستلزم إيجاب الاعتكاف، وحجة الآخرين أنه قد ورد ورودا مشهورا وجوب القضاء عن الميت، ولا يمكن الاتيان بمثل هذا الصوم إلا على هيئة وهو هيئة الاعتكاف، فكان الاعتكاف واجبا. مسألة: قال الشيخ: الاعتكاف يفسد بالجماع ويجب به القضاء والكفارة، وكذا كل مباشرة تؤدي إلى إنزال الماء عمدا يجري مجراه، وفي أصحابنا من قال: ما عدا الجماع يوجب القضاء دون الكفارة (2). احتج بأنه أفسد اعتكافه فوجب عليه الكفارة كالجماع. احتج الاخرون بأصالة البراءة، ونحن في ذلك من المتوقفين. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز للمعتكف المواقعة ليلا ونهارا، فإن واقع ليلا فعليه كفارة رمضان عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا، وإن كان مواقعته بالنهار في شهر رمضان كان عليه كفارتان (3). ولم يذكر حكم الجماع في نهار غير رمضان. وقال في المبسوط: من جامع نهارا لزمه كفارتان، وإن جامع ليلا لزمه كفارة واحدة (4). ولم يشرط الوطئ في رمضان. وقال في الخلاف: إذا وطأ في الفرج نهارا أو استمنى بأي شئ كان لزمه كفارتان، وإن فعل ذلك ليلا لزمه كفارة واحدة وبطل اعتكافه (5).

(1) المبسوط: ج 1 ص 293 - 294.
(4) المبسوط: ج 1 ص 294.
(2) المبسوط: ج 1 ص 294.
(5) الخلاف: ج 2 ص 238 المسألة 113.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 417.

[ 593 ]

وفي الاقتصاد: إن جامع نهارا فعليه كفارتان مثل كفارة رمضان، إحداهما: لأجل الصوم، والثانية: لأجل الاعتكاف، وإن وطأ ليلا كان عليه كفارة واحدة لحرمة الاعتكاف (1). وقال شيخنا المفيد في المقنعة: من أفطر وهو معتكف أو جامع وجب عليه ما يجب على فاعل ذلك في شهر رمضان متعمدا لغير علة (2). وقال السيد المرتضى: إن جامع نهارا لزمه كفارتان، وإن جامع ليلا لزمه كفارة واحدة (3)، وبه قال ابن البراج (4)، وابن حمزة (5). وقال السيد: فإن أفطر بغير الجماع في نهار الاعتكاف من غير عذر كان عليه ما على المفطر في شهر رمضان (6). وقال الصدوق في المقنع: إذا جامع المعتكف فعليه ما على المظاهر. وروي أنه إن جامع بالليل فعليه كفارة واحدة، وإن جامع بالنهار فعليه كفارتان (7). وقال ابن الجنيد (8): إن جامع متعمدا ليلا فعليه كفارة رمضان، وإن جامع نهارا فعليه كفارتان، بذلك جاءت الرواية. وقال أبو الصلاح: إن أفطر نهارا أو جامع ليلا فسخ اعتكافه ووجب عليه استئنافه وكفارة رمضان (9).

(1) الاقتصاد: ص 296.
(2) المقنعة: ص 363.
(3) الانتصار: ص 73.
(4) المهذب: ج 2 ص 204.
(5) الوسيلة: ص 153.
(6) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 61.
(7) لم نعثر عليه في المقنع ووجدناه في من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 188 ح 2102.
(8) لم نعثر على كتابه.
(9) الكافي في الفقه: ص 187، وفيه: " وكفارة من أفطر يوما من شهر رمضان " بدل " وكفارة رمضان ".

[ 594 ]

وقال سلار، من أفطر في أيام الاعتكاف أو جامع نهارا أو ليلا فعليه كفارة إفطار يوم من شهر رمضان (1). وقال ابن إدريس: إن جامعها ليلا فكفارة واحدة، وإن جامعها نهارا في رمضان أو غيره كفارتان (2). وقال ابن أبي عقيل (3) - ونعم ما قال -: ومن أفطر في اعتكافه أو جامع عامدا فقد فسد عليه اعتكافه وعليه القضاء إذا كان اعتكافه نذرا. والوجه أن الاعتكاف إن كان في شهر رمضان متعينا بنذر وشبهه وجب بالافطار فيه، والجماع نهارا كفارتان: إحداهما لرمضان، والأخرى للاعتكاف. وبالجماع ليلا كفارة واحدة، وإن كان في غير رمضان وكان متعينا فكذلك، وإن لم يكن متعينا فلا كفارة فيه بالافطار، ويجب فيه بالاجماع كفارة واحدة إن كان واجبا، وإلا فلا. لنا: الأصل براءة الذمة. ولأنه مع عدم التعيين لم يفطر صوما متعينا، فلا يجب به الكفارة. ولأنه (4) أبطل اعتكافا لم يتعين وقته فلا كفارة فيه، ومع الندبية أولى. أما الجماع فللأحاديث الدالة عليه. روى الصدوق في الصحيح عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن المعتكف يجامع؟ قال: إذا فعل ذلك فعليه ما على المظاهر (5).

(1) المراسم: ص 99.
(2) السرائر: ج 1 ص 425 - 426.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) م (2) ون: وكذا.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 188 ح 2102. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الاعتكاف ح 1 ج 7 ص 406.

[ 595 ]

وروى عبد الأعلى بن أعين قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل وطأ امرأته وهو معتكف ليلا في شهر رمضان، قال: عليه الكفارة، قال: قلت: فإن وطأها نهارا، قال: عليه كفارتان (1). احتج المخالف بما رواه سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن معتكف واقع أهله، فقال: هو بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان (2). والجواب: أنه لا دلالة فيه على الافطار، وأما الجماع فيحمل على ما قلناه جمعا بين الأدلة. مسألة: وهل هذه الكفارة مخيرة أو مرتبة؟ ظاهر كلام ابن بابويه (3) أنها مرتبة، لأنه جعلها كفارة الظهار. وقال الشيخان (4) والسيد المرتضى (5) واتباعهم: أنها كفارة إفطار نهار رمضان. ونقل الشيخ في المبسوط (6) خلافا بين علمائنا في التخيير والترتيب. احتج ابن بابويه بما تقدم في حديث زرارة. واحتج الشيخان برواية سماعة (7). والأولى أصح، والثانية أوضح

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 188 ح 2103. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الاعتكاف ح 4 ج 7 ص 407.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 189 ح 2104. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الاعتكاف ح 2 ج 7 ص 406.
(3) ذكر الصدوق رواية لا قولا في متن من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 188 ح 2102.
(4) المقنعة: ص 363، النهاية ونكتها: ج 1 ص 417.
(5) الانتصار: ص 73.
(6) المبسوط: ج 1 ص 294.
(7) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 292 ح 888. وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الاعتكاف ح 5 ج 7 ص 407.

[ 596 ]

عند الأصحاب. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو أكرهها على الجماع وهي معتكفة بأمره نهارا لزمه أربع كفارات، وإن كان ليلا كفارتان على قول بعض أصحابنا (1)، وهو اختيار السيد المرتضى في الانتصار (2)، وابن الجنيد (3)، وابن إدريس (4)، وابن البراج (5)، وابن حمزة (6). وقيل: يلزمه كفارتان (7). والأقرب الأول. لنا: إنه فعل موجب الكفارة على اثنين، فتضاعف على المكره لصدور الفعل عنه أجمع في الحقيقة، لأنه عبادة توجب الكفارة بفعل الوطئ على الزوجين، فيتضاعف على الزوج بالاكراه كرمضان. احتج المخالف بأصالة براءة الذمة، وبأن المكرهة لا تفطر فلا كفارة عليها، كما لو ضرب إنسان غيره حتى أكل أو شرب لم يجب على الضارب كفارة عن المضروب. والجواب: أصالة البراءة معارضة بالاحتياط، وبأنه قول مشهور لعلمائنا لم يظهر له مخالف فكان حجة، والقياس على الضرب باطل، لأنه لم يتحقق هنا إفطار بهذا الفعل فلا يوجب كفارة، بخلاف صورة النزاع فإن الكفارة ثابتة على المجامع. مسألة: قال في المبسوط: لو أخرجه السلطان ظلما لم يبطل يفسد اعتكافه وإنما يقضي ما يفوته، وإن أخرجه لاقامة حد أو استيفاء دين بقدر على قضائه بطل، لأنه أحوج إليه، فكان مختارا في خروجه (8).

(1) المبسوط: ج 1 ص 294.
(5) المهذب: ج 1 ص 204.
(2) الانتصار: ص 73.
(6) الوسيلة: ص 153.
(3) لم نعثر على كتابه.
(7) شرائع الاسلام: ج 1 ص 220.
(4) السرائر: ج 1 ص 426.
(8) المبسوط: ج 1 ص 295.

[ 597 ]

والثانية: لا يجلس، فيبقى المشي على أصل الإباحة. مسألة: قال في المبسوط: إذا أغمي على المعتكف أياما ثم أفاق لم يلزمه قضاؤه، لأنه لا دليل عليه (1). وقال في موضع آخر: متى عرض للمعتكف مرض أو جنون أو إغماء أو حيض أو طلبه سلطان ظلما خرج من موضعه، فإن كان بعده مضى أكثر مدة اعتكافه عاد بعد زوال عذره وبنى على ما تقدم وتمم ما بقي، وإن لم يكن مضى أكثر من النصف استأنف، سواء كان واجبا أو مندوبا، وسواء كان مع الشرط أو عدمه فإنه يجب بالدخول فيه (2)، وهذا التفصيل مناف لذلك الإطلاق. والأقرب الإطلاق، وقد تقدم. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا نذر اعتكاف يوم أو يومين لم ينعقد (3)، وهذا الإطلاق ليس بجيد، بل إن قيد بعدم الزيادة لم ينعقد، وإلا انعقد ووجب عليه إكمال ثلاثة. مسألة: قال في الخلاف (4) والمبسوط (5): إذا نذر اعتكاف أيام إذا فعل فعلا أو امتنع منه لا على وجه القربة بل على وجه منع النفس منه، مثل أن يقول: إن دخلت الدار أو إن لم أدخل كان بالخيار بين الوفاء وعدمه. والأقوى أن نقول: إنه كغيره من الطاعات المنذورة إذا وقعت في النذر للزجر أو الفعل، فإنه ينعقد النذر إذا حصلت شرائطه. مسألة: قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا مرض المعتكف أو حاضت المرأة

(1) المبسوط: ج 1 ص 295.
(2) المبسوط: ج 1 ص 293.
(3) الخلاف: ج 2 ص 230 المسألة 96 وص 238 المسألة 114.
(4) الخلاف: ج 2 ص 241 المسألة 120.
(5) المبسوط: ج 1 ص 292.

[ 598 ]

وقال في موضع آخر: كل من خرج من الاعتكاف لعذر أو غير عذر وجب عليه قضاؤه، ومتى خرج قبل أن يمضي ثلاثة استأنف (1). وهذا هو الأقرب إن طال الزمان، أما مع عدم طوله فلا. لنا: إن الاعتكاف هو اللبث، ولا يتحقق ماهيته مع الخروج. احتج بأنه عذر فلا ينافي الاعتكاف كالسير. والجواب: الفرق، فإن السير لا عبرة به إذا كان لعذر، بخلاف المتطاول زمانه. مسألة: قال الشيخ في أكثر كتبه: إذا خرج لحاجة لا يمشي تحت الظلال (2)، وكذا قال ابن إدريس (3)، ونحوه قال السيد المرتضى فإنه قال: لا يستظل تحت سقف (4). وقال في المبسوط: لا يجلس تحت الظلال (5)، وكذا قال ابن أبي عقيل (6)، وأبو الصلاح (7)، ونحوه قال المفيد فإنه قال: ولا يظله سقف يجلس تحته (8). وقال سلار: ولا يقعدن تحت سقف (9)، وهو الأقرب. لنا: الأصل الإباحة، والروايات (10) وردت بعبارتين: إحداهما: لا يقعد،

(1) المبسوط: ج 1 ص 293. (2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 417، الاقتصاد: ص 296، الجمل والعقود: ص 126.
(3) السرائر: ج 1 ص 425.
(4) الانتصار: ص 74.
(5) المبسوط: ج 1 ص 293.
(6) لم نعثر على كتابه.
(7) الكافي في الفقه: ص 187 وفيه: ولا يجلس تحت سقف مختارا حتى يعود إليه.
(8) المقنعة: ص 363.
(9) المراسم: ص 99.
(10) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 287 ح 870، وص 288 ح 871، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الاعتكاف ج 7 ص 408 - 409.

[ 599 ]

خرجا، فإذا برئ أو طهرت قضيا الاعتكاف والصوم (1). وقال أبو الصلاح: إذا مرض المعتكف واضطر إلى الخروج منه خرج، فإن زال العذر رجع فبنى على ما مضى من اعتكافه (2). وإطلاقهما معا ليس بجيد. والحق أن نقول: إن كان الاعتكاف ندبا لم يجب عليهما الرجوع، وإن كان واجبا فإن خرجا بعد مضي ثلاثة أكملا بعد العذر ما تخلف، وإن كان قبلها استأنفا. مسألة: ظاهر كلام ابن الجنيد (3) يعطي أن المعتكف إذا اشترط وخرج للضرورة وكان الاعتكاف واجبا وجب عليه القضاء، وليس بجيد. لنا: إن فائدة الشرط سقوط القضاء. وقال أيضا: إذا اضطر المعتكف إلى ترك اعتكافه من غير سبب كان منه أو كان يمكنه المقام عليه فلم يزل العارض عن نفسه، فإن كان أكثر أوقات الاعتكاف الواجب قد صح له جاز أن يبني عليه، وإن لم يمض الأكثر ابتدأ بقضاء ما وجب عليه. وقد سلف البحث في ذلك مع الشيخ رحمه الله. مسألة: منع ابن الجنيد (4) من الادهان، وهو آت على كلام الشيخ في بعض أقواله (5). والأقرب الجوار عملا بالأصل السالم عن المعارض. قال: ولا يقضي إذا خرج من مسجد لشئ من حاجته حتى يعود إلى مجلسه. والأقرب عندي الجواز عملا بالأصل. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لا يفسد الاعتكاف جدال ولا خصومة

(1) الاقتصاد: ص 296.
(2) الكافي في الفقه: ص 187.
(3) لم نعثر على كتابه.
(4) لم نعثر على كتابه.
(5) النهاية ونكتها: ج 1 ص 416 حيث قال: وعلى المعتكف أن يجتنب جميع ما يجتنبه المحرم.

[ 600 ]

ولا سباب ولا بيع ولا شراء، وإن كان لا يجوز له فعل ذلك أجمع (1). وقال ابن إدريس: الأولى عندي أن جميع ما يفعله المعتكف من القبائح ويتشاغل به من المعاصي والسيئات يفسد اعتكافه، فأما ما يضطر إليه من أمور الدنيا من الأفعال المباحات فلا يفسد به اعتكافه، لأن الاعتكاف هو اللبث للعبادة، فإذا فعل قبائح ومباحاث لا حاجة إليها فما لبث للعبادة، وخرج من حقيقة المعتكف اللابث للعبادة. قال: وإنما أورد شيخنا في مبسوطه كلام المخالفين وفروعهم وما يصح عندهم ويقتضيه مذهبهم، لأن هذا الكتاب معظمه فروع المخالفين (2). ونحن نطالبه بوجه ما قاله، واحتجاجه أضعف من أن يكون شبهة فضلا عن كونه حجة، فإن الاعتكاف لو اشترط (3) فيه إدامة العبادة بطل حالة النوم والسكوت وإهمال العبادة، وليس كذلك بالاجماع. إلى هنا ينتهي الجزء الثالث حسب تجزئتنا ويليه إن شاء الله الجزء الرابع وأوله (كتاب الحج)

(1) المبسوط: ج 1 ص 295 وليس فيه: " ولا بيع ولا شراء وإن كان لا يجوز له فعل ذلك أجمع "، ونقل عنه ابن إدريس العبارة كلها في السرائر: ج 1 ص 426.
(2) السرائر: ج 1 ص 426.
(3) في متن المطبوع وق: لو شرط.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية