الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المعتبر - المحقق الحلي ج 1

المعتبر

المحقق الحلي ج 1


[ 1 ]

من منشورات مؤسسة سيد الشهداء (ع) قم ايران تحت اشراف آية الله ناصر مكارم الشيرازي المعتبر في شرح المختصر تأليف: نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن المحقق الحلي (قدس سره) المتوفى سنة 676 ه‍ المجلد الاول حققه وصححه عدة من الافاضل

[ 2 ]

اسم الكتاب: المعتبر في الشرح المختصر المؤلف: المحقق الحلي (قدس سره) المطبعة: مدرسة الامام أمير المؤمنين (ع) الناشر: مؤسسة سيد الشهداء (ع) تاريخ الطبع: 14 / 3 / 1364.

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (بشرى لرواد العلم والمعرفة) يعتبر التراث الفكري الذي ترثه الشعوب من علمائها ومفكريها والمتقدمين بهم في ميادين الوعي والثقافة من أغلى ما لديها رأس مال. والحديث الوارد في ما يرثه الانبياء لأممهم: (ان الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا ولكن ورثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر). يجد في الدرجة الثانية من دلالته مصداقا له في علماء الاسلام إذا ففي احياء آثارهم حياة الاسلام والمسلمين وامتداد لحياة القرآن والسنة النبوية الشريفة وآثار الائمة المعصومين (عليهم السلام). ومن المؤسف جدا أن نرى بعض هذه الاثار القيمة قد انعدمت بمرور الزمان ونتيجة غفلة بعض من ليس له إلمام بنتائجه وعواقبه الكئيبة، فلا يسعنا ان نفعل شيئا سوى ان نحمد الله على بقاء القسم الاعظم منها محفوظا وبعيدا عن الاضمحلال، ولكن لما لم تكن بعضها في متناول أيدي العلماء والمحققين أما لكونها بصورة

[ 4 ]

مخطوطات تحتفظ بها المكتبات في مخازنها، أوان طباعتها رديئة ومغلوطة، ولا يمكن أن يستفيد منها الا القليل، وقد قام (المركز العلمي لسيد الشهداء) الذي اهتم بتأسيسه جماعة من العلماء وأهل الخير بتركيز فعالياته على طبع المخطوطات أو تجديد طباعة المطبوع بصورة رديئة من التراث العلمي لابرز علماء الاسلام بصورة أنيقة بالاستفادة من النسخ المصححة وتحقيق عميق على منابع الاحاديث حتى يسهل لرواد العلم والفضيلة الاستفادة منها. ومن الكتب التي جائت في طليعة هذه الجهود العلمية كتاب (المعتبر) للمحقق (نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن المحقق الحلي المتوفى 676 ه‍) صاحب كتاب شرائع الاسلام الذي يعتبر من أهم الكتب الفقهية اعتبارا لدى الشيعة الامامية. ويتضمن هذا السفر القيم بالاضافة إلى المباحث الفقهية الاستدلالية الهامة الموافقة لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) آراء ونظريات علماء أهل السنة وجاء بصورة (فقه مقارن موجز)، غني بمحتواه فنشكر الباري تعالى على هذا التوفيق ونأمل منه دوامه لاخراج الذخائر العلمية الاخرى. وقد بذلنا ما في جهدنا في تصحيح الكتاب ومقابلتها بنسخ مصححة قوبلت مع نسخة المحقق نفسه أو غيره مما يعود تاريخه إلى القرن العاشر أو القرن الثالث عشر تفضل بها غير واحد من اعلام العصر شكر الله فضلهم وزادهم خيرا. وأرى من اللازم أن أشكر كلا من السادة الفضلاء الكرام الامجاد:

[ 5 ]

* الشيخ محمد علي الحيدري * والسيد مهدي شمس الدين * والسيد أبو محمد المرتضوي * والسيد علي الموسوي الذين ساهموا في تحمل مشاق التحقيق من منابع هذا السفر القيم فزاد الله تأييداتهم وأجزل أجرهم وجزاهم عن الاسلام خير الجزاء. كما وأشكر (الحاج محمد آقا كلاهي) دامت تأييداته لتقبله نفقات الطبع والنشر فزاده الباري توفيقا وكرامة. ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا والحمد لله رب العالمين قم - الحوزة العلمية ناصر مكارم الشيرازي

[ 7 ]

بسمه تعالى حياة المؤلف وآثاره هذا السفر القيم للمحقق الاول (ره) وهو أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلي الهذلي وهو خال العلامة الحلي وابن عم يحيى ابن أحمد بن سعيد الحلي صاحب كتاب الجامع واستادهما وقد بالغ في اطرائه والثناء عليه من تأخر عنه من العلماء والفضلاء وانت بعد الاحاطة بحالاته ومؤلفاته تجده جديرا بذاك حقا وربما يكشف عن هذا الامر ما ذكره مقدمة لهذا الكتاب الجليل فعليك بالدقة فيها وقد مدحه تلميذه شمس الدين في أشعاره بقوله: يا جعفر بن سعيد يا امام هدى * ويا واحد الدهر يا من لا له ثاني فأنت سيد أهل الفضل كلهم * لم يختلف أبدا في فضلك اثنان وقال تلميذه الاخر ابن داود، في وصفه، نجم الدين أبو القاسم المحقق المدقق الامام العلامة واحد عصره كان ألسن أهل زمانه وأقومهم بالجمة وأسرعهم استحضارا قرأت عليه ورباني صغيرا وكان له علي احسان عظيم والتفات وأجاز لي جميع ما صنفه وقرأه ورواه وكل ما تصح روايته عنه. وفي اجازة الكبيرة للشيخ يوسف البحراني (صاحب الحدائق الناظرة) الملقب

[ 8 ]

بالمحقق كان محقق الفضلاء ومدقق العلماء وحاله في الفضل والنبالة والعلم والفقه والجلالة والفصاحة والشعر والادب والانشاء أظهر من أن يذكر وأظهر من أن يسطر وكان أبوه الحسن من الفضلاء المذكورين وجده يحيى من العلماء الاجلاء المشهورين وثم قال، قال بعض الاجلاء الاعلام من متأخري المتأخرين رأيت بخط بعض الافاضل ما صورة عبارته، في صبح يوم الخميس الثالث عشر ربيع الاخر سنة ست وسبعين وستمائة (676) سقط الشيخ الفقيه أبو القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد الحلي (ره) من أعلى درجة في داره فخر ميتا لوقته من غير نطق ولا حركة فتفجع الناس لوفاته واجتمع لجنازته خلق كثير وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين عليه السلام وسئل عن مولده وقال اثنتين وستمائة. اقول وعلى ما ذكره هذا الفاضل يكون عمر المحقق المذكور اربعا وسبعين سنة تقريبا انتهى. وقال في منتهى المقال (رجال بو علي) وما نقله (ره) من حمله إلى مشهد أمير المؤمنين عجيب فان الشايع عند الخاص والعام ان قبره طاب ثراه بالحلة وهو مزار معروف وعليه قبة وله خدام يخدمون قبره يتوارثون ذلك أبا عن جد وقد خربت عمارته منذ سنين فأمر الاستاد العلامة (السيد علي صاحب الرياض شرح النافع) بعض اهل الحلة فعمروها وقد تشرفت بزيارته قبل ذلك وبعده والله العالم. وقال المامقاني في تنقيح المقال، وأقول ان قبره في الحلة كما ذكره الا ان المطلع على سيرة القدماء يعلم انهم من باب التقية من العامة كانوا يدفنون الميت ببلد موته ثم ينقلون جنازته خفية إلى مشهد من المشاهد. وقد دفنوا الشيخ المفيد (ره) في داره ببغداد ثم حمل بعد سنين إلى الكاظمية ودفن عند قولويه تحت تحت رجل الجواد عليه السلام. ودفنوا السيد الرضي والمرتضى واباهما بالكاظمين ثم نقلوهم خفية إلى كربلا

[ 9 ]

ودفنوهم بجنب قبر جدهم السيد ابراهيم الذي هو في رواق سيد الشهداء كما صرح بذلك العلامة الطباطبائي (ره) في رجاله وكذا صرح في حق المحقق على ما يبالي بنقل جنازته بعد حين إلى النجف الاشرف. وقبره هنا وان كان غير معروف الا ان المنقول عن بحر العلوم انه كان يقف بين باب الرواق وبابي الحرم المطهر في وسط الرواق فسئل فقال اني أقرء الفاتحة للمحقق فانه مدفون هنا أي في وسط الرواق بين الباب الاولى وبين الاسطوانة التي بين بابي الحضرة المقدسة والله العالم. أقول وفيما رثاه تلميذه الشيخ شمس الدين: أقلقني الدهر وفرط الاسى * وزاد في قلبي لهب الضرام لفقد بحر العلم والمرتضى في * القول والفعل وفصل الخصام أعني أبا القاسم شمس العلى * الماجد المقدام ليث الزحام ازمة الدين بتدبيره * منظومة أحسن بذاك النظام قد اوضح الدين بتصنيفه * من بعد ما كان شديد الظلام لو لا الذي بين في كتبه * لا شرف الدين على الاصطلام مؤلفاته الثمينة: 1 - شرايع الاسلام مجلدان وهو من أحسن المتون الفقهية ترتيبا وجمعا للفروع وقد ولع به الاصحاب من لذن عصر مؤلفه إلى الان ولا يزال من الكتب الدراسية في العواصم الشيعية وقد ذكر صاحب الذريعة شارحيه فراجع.
2 - النافع في مختصر الشرايع وهو من المتون المختصرة الحسنة الوضع والتبويب. 3 - المعتبر وهو هذا الكتاب ولم يتم، قال (ره) في خطبة الكتاب، حتى

[ 10 ]

اتفق لنا اختصار كتاب الشرايع بالمختصر النافع فدق كثير من معانيه لشدة اختصاره واشتبهت مقاصده لبعد اغواره، فحركني ذلك لشرح مشتمل على تحرير مسائله وتقرير دلائله الخ.
4 - كتاب المسائل الغرية مجلد. 5 كتاب المسائل المصرية مجلد. 6 كتاب المسلك في اصول الدين مجلد. 7 كتاب المعارج في اصول الفقه مجلد. 8 كتاب الكنة في المنطق مجلد. 9 رسالة ألفها في استحباب التياسر وأرسلها إلى المحقق الطوسي نصير الدين لما جرى بينهما وأوردها الشيخ أحمد بن فهد بتمامها في المهذب.
10 - كتاب نهج الوصول إلى علم الاصول.
11 - وقال تلميذه ابن داود وله كتب غير ذلك ليس هذا موضع احصائها. الاكابر من تلامذته: كان له (ره) مجلس بحث وتحقيق ويحضره الافاضل وطلاب العلم والفقه ونقل ان المحقق الطوسي الخواجة نصير الدين حضر مجلس درسه فقطع الدرس تعظيما له واجلالا لمنزلته فأشار إليه بإكمال الدرس فجرى البحث في مسألة استحباب التياسر فقال المحقق الطوسي لا وجه لهذا الاستحباب لان التياسر ان كان من القبلة إلى غيرها فهو حرام وان كان من غيرها إليها فواجب فقال المحقق بل منها إليها فسكت المحقق الطوسي ثم ألف المحقق في ذلك رسالة لطيفة وأرسلها إلى المحقق الطوسي فاستحسنها. واليك جملة من أعاظم تلامذته ومشاهيرهم:

[ 11 ]

1 - ابن اخته جمال الدين الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي الشهير بالعلامة على الاطلاق.
2 - واخوه الشيخ رضي الدين علي بن يوسف صاحب العدد القوية.
3 - والسيد عبد الكريم بن طاوس صاحب فرحة الغرى. 4 - الحسن بن ابي طالب اليوسفي المعروف ب‍ (فاضل الابي)، وابن الزينب صاحب كتاب كشف الرموز شرح النافع.
5 - الشيخ صفي الدين الحلي، عبد العزيز بن السرايا، فاضل منتهى أديب من شعراء الغدير.
6 - الوزير شرف الدين أبو القاسم علي بن الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي.
7 - والشيخ شمس الدين محفوظ بن وشاح بن محمد وله قصيدة في مرثية كتاب الدر النظيم في مناقب الائمة عليهم السلام. جملة من أساتيده ومن يروى عنهم: 1 - والده شيخ حسن كان فاضلا عظيم الشأن.
(2) السيد الامام العالم النحرير المعظم محيي الملة والدين أبو حامد نجم الاسلام محمد بن ابي القاسم عبد الله بن علي بن زهرة الحلبي صاحب كتاب الاربعين الذي ألفه في حقوق الاخوان وكانت امه بنت الفقيه محمد بن إدريس صاحب السرائر.
3 - شيخ الفقهاء في عصره محمد بن جعفر بن ابي البقاء هبة الله بن نماء بن علي بن حمدون الحلي الربعي المعروف بابن نما على الاطلاق.

[ 12 ]

4 - السيد السند النسابة العلامة شيخ الشرف الدين أبو علي فخار بن معد الموسوي مؤلف كتاب الحجة على الذاهب إلى تكفير ابي طالب.
5 - السيد مجد الدين علي بن الحسن بن ابراهيم بن علي بن جعفر بن محمد ابن علي بن الحسن بن علي بن محمد بن عيسى بن علي العريضي صاحب المسائل عن أخيه الكاظم عليه السلام وكان فاضلا جليلا.
6 - الشيخ المتكلم الفقيه البارع سديد الدين سالم بن محفوظ صاحب المنهاج في الكلام.
7 - الشيخ الصالح تاج الدين الحسن بن علي الدربي كان من أجلة العلماء وقدوة الفقهاء. محمد على الذاكر الشيرازي

[ 17 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ذي القوة الباهرة، والسطوة القاهرة والنعمة الغامرة، والرحمة الوافرة، المرتفع عن تمثيل الخواطر الخاطرة، وتحصيل النواظر الناظرة المنعم بارسال الرسل المتواترة لارشاد الفطن الحايرة وإخماد الفتن الثايرة، أحمده حمدا تقيل له المساعي البايرة وتقل معه الدواعي الفاترة وترغم به الانوف النافرة وتحسم به الدوائر الدايرة واشهد ان لا اله الا الله شهادة استدفع بها الاهوال الفاقرة واسترفع بها الاعمال القاصرة وصلى الله على صاحب الدعوة الطاهرة والملة السايرة سيدنا (محمد) ذي الاعراف الفاخرة والاخلاق الطاهرة وعلى ذرية الانجم الزاهرة والبحار الزاخرة صلوة تخرق الحجب الساترة وتسبق الاعداد الحاصرة وبعد فإن القواعد العقلية، والشواهد النقلية قاضية بأن أتم الاسباب معتصما، وأهمها متمسكا وملتزما، إستعمال قوتي النظر والعمل هذه لتحصيل سعادة المعاد، وتلك لتحصين العقايد من تطرق وجوه الفساد ولما لم يكن كل عمل موصلا ولا كل نظر محصلا افتقر الانسان إلى مرشد ليسلك بتوفيقه جادة الصواب، ويأمن بتثقيفه الوقوع في مادة الاضطراب، فأوجبت الحكمة نصب نبي، يتلقى الاداب الشرعية عن وحى إلهي، ثم يؤيد بالعجز الحق

[ 18 ]

الدال على الصدق، فيتلقى بالقبول أوامره ونواهيه، ويذعن بالتسليم لما يسنه ويقرره. ولما قضت الحكمة بالعدم، وأوجبت فناء الامم، لزم أن يوعز ما لقن من أحكامه، ولتقن أقسامه إلى أئمة ينوبون منابه ويقومون مقامه، يحفظون ما أودعه ويؤدون ما شرعه، لا تعلق بهم عوارض الالتباس ولا يسندون إلى استحسان ولا قياس ليوثق بما يؤخذ عنهم كما قال الله سبحانه (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (1) ولما كانت الحوادث قد تفرض والموانع قد تعرض، ندب الله سبحانه إلى التفقه، فق لتنبه الغافلون ويهتم المهملون: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (2) وقال رسول الله: صلى الله عليه وآله (طلب العلم فريضة) (3) وقال على عليه السلام: (العلم مخزون عند أهله وقد امرتم بطلبه منهم) (4) وقال جعفر بن محمد (لو علم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج) (5) لكن لم يبذل لكل طالب ولا تيسر لكل راغب بل خص به من رشدت خلايقه، وحمدت طرايقه تعظيما لقدره، وتفخيما لامره وصونا لسره، فقال سبحانه تنبيها وتذكيرا (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا) (6) فلهذا كان الفقهاء أعظم الناس أقدارا، وأكرمهم آثارا، وأظهرهم أسرارا، وأظهرهم ذكرا وانتشارا وأكثر هم أتباعا وأنصارا، لا يضرهم خذلان الخاذلين، ولا يغض منهم اغراض الجاهلين، بل صحبتهم طاعة وفرقتهم إضاعة.

1) النساء 83.
2) التوبة: 122.
3) الكافي ج 1 كتاب فضل العلم ص 36.
4) الكافي ج 1 كتاب فضل العلم ص 5 3.
5) بحار الانوار ج 1 ص 177 طبع حديث.
6) البقرة 269.

[ 19 ]

قال أمير المؤمنين عليه السلام لولده محمد رضي الله عنه: (تفقه في الدين فان الفقهاء ورث الانبياء) (1) وان طالب العلم ليستغفر له من في السموات ومن في الارض، حتى الطير في جو السماء، والحوت في البحر وان الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى به وقال الصادق عليه السلام: (الانبياء حصون والعلماء سادة) (2) وقد خص الله طائفتنا باقتفاء الصدق، واتباع الحق، لتلقي الاحكام عن رؤساء أهل البيت، فهم معتمدون على التحقيق، مستندون إلى الذكر الوثيق، لا يلوون على قائل بظنه، شارع برأيه، يقول على الله ما لا يعلم، ويفتي بالوهم، وساء ما يتوهم ولما تعددت التبع، وظهرت البدع، وأقام كل فريق رأسا، يقتدون ببدعته، ويتعبدون بشرعته، وجب أن ينشر أهل الحق ما علموه، ويظهروا ما كتموه، قال النبي صلى الله عليه وآله: (إذا ظهرت البدع في امتي، فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله) (3) ولما كانت الكتابة مناط الفهم، ورباط العلم، وصراط العصمة من الوهم، كما قال جعفر بن محمد: (اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا) (4) وقال للمفضل: (اكتب، وبث كتبك في اخوانك، فانه يأتي على الناس زمان، لا يأنسون الا بالكتب) (5) أحببت أن أكتب دستورا يجمع اصول المسائل وأوائل الدلائل أذكر فيه خلاف الاعيان من فقهائنا، ومعتمد الفضلاء من علمائنا، وألحق بكل مسألة من الفروع ما يمكن اثباته بالحجة، وسياقته إلى المحجة، فقطعت الحوادث عن ذلك القصد، ومنعت الكوارب ورود ذلك الورد، حتى اتفق لنا احضار كتاب الشرايع بالمختصر

1) بحار الانوار ج 1 ص 216 طبع حديث.
2) الكافي ج 1 كتاب فضل العلم ص 39 ح 5 (مع تفاوت يسير).
3) الكافي ج 1 كتاب فضل العلم ص 70.
4) الكافي ج 1 كتاب فضل العلم ص 66 ح 9.
5) الكافي ج 1 كتاب فضل العلم ص 67 ح 11 (مع تفاوت).

[ 20 ]

النافع، فدق كثير من معانيه لشدة اختصاره، واشتبهت مقاصده لبعد أغواره، فحركني. ذلك لشرح مشتمل على تحرير مسائله وتقرير دلائله. هذا والموانع حاجزة، والاسباب عاجزة، حتى ورد أمر الصاحب الاعظم، ولي النعم، غياث الامم، سلطان صدور العرب والعجم، العالم العادل، المخصوص بمزايل الفضائل والفواضل، مقرر قواعد الايمان بسيرته العادلة، ومدمر دعائم الطغيان بسطوته الهائلة، جابر العباد، وقاهر العناد بهاء الملة والدين، عماد الاسلام والمسلمين (محمد ابن الموالى) صاحب ديوان الممالك، باسط العدل في الاقطار والممالك، شمس الملة والدين، ناصر الاسلام والمسلمين، كاسر الملحدين والمشركين، والحسب السني (محمد بن محمد الجويني) أعز الله نصرهما، أنفذ في الافاق أمرهما، ولا زال أمر الدين بميامن دولتهما منتظما، وشمله بمحاسن ايالتهما ملتئما، ان أمضى على ذلك شارحا مسائله، موضحا مشكله، كاشفا وجوهه وعلله، فقويت العزيمة بعد فتورها، وثابت الهمة بعد نفورها، امتثالا لاوامره العالية، واتباعا لمراسمه السامية، وجعلته مشتملا على اصول المسائل وفروعها، محتويا على تقسيمها وتنويعها، وخدمت بها الخزانة المعظمة البهائية، عمر الله معاهد الاسلام بعمارة معاهدها، ومهد قواعده بتمهيد قواعدها، ولا زالت محروسة الجوانب، محفوظة من الغوايل والنوايب، ليكون لمالكها أجر الانتفاع به، يستمر شكر المتشاغلين بسببه على توالي الاحقاب وتعاقب الاعقاب، ويكون مذكرا لي عند وصوله إلى مقامه المنيف، وتشريفه بنظره الشريف، وأنا أسأل الله تعالى الامداد باعانته والاسعاد على طاعته والارشاد في بدو الامر وخاتمته، وقبل الشروع أقدم مقدمة يشتمل فصولا:

[ 21 ]

الفصل الاول (في وصايا نافعة) ليكن تعلمك للنجاة، لتسلم من الرياء والمراء وبحثك لاصابة الحق لتخلص عن قواطع الاهوية ومآلف النشاء وأكثر التطلع على الاقوال لتظفر بمزايا الاحتمال، واستنقض البحث عن مستند المسائل لتكون على بصيرة فيما تتخيره وعليك بالحفظ فانه أربط للعلم، وأضبط للفهم، وداوم البحث يعطك استعدادا لتلقي النتائج النظرية بالفعل، واختر المباحث الصالح لتستفيد من خلقه ما يصير لك سجية. ثم اوصيك اياك (والحشوية) من المتفقهة والمقلدة منهم، فربما خادعوك ليجذبوك إلى جهالتهم، وانما يريدون جبر مقالتهم وستر ضلالتهم، ولا يغررك لو قال الحق لائح، فلا ارتياب والطريق واضح فقيم الاسهاب فانه لا يصعب أن تجيبه بأن كل ممكن أن يعلم يصلح أن يوصف بالوضوح وان دق طريقه وشق تحقيقه، وليس اطلاق الوضوح عليه موجبا بالفعل، فأنت إذا اعتبرت خلاف الفضلاء في المسائل الفقهية، ذلك على صعوبة الظفر الا بعد بحث ونظر، فيتحقق انه دلس في عبارته، ولبس في اشارته زيادة تحقيق: ان في الناس المستعبد نفسه لشهوته، المستغرق وقته في أهويته مع ايثاره الاشتهار بآثار الابرار، واختياره الاتسام، بسير الاخيار. اما لان ذلك في جبلته، أو لانه وسيلة إلى حطام عاجلته، فيثمر هذان الخلقان نفاقا غريزيا وحرصا على الرياسة الدينية طبيعيا، فإذا ظهرت لغيره فضيلة عليه خشى غلبة المزاحم، ومنافسة المقاوم، ثم يمنعه نفاقه من المكافحة، فيرسل القدح في ذي المناصحة، ويقول لو قال كذا، لكان أقوم، لو لم يقل كذا، لكان أسلم، موهما انه اوضح كلاما وأرجح مقاما، فإذا ظفرت بمثله، فليشغلك الاستعاذة بالله من بليته عن الاشتغال باجابته، فانه شر الرجال، وأضر على الامة من الدجال، كأني بكثير ممن ينتحل

[ 22 ]

هذا الفن يقف على شئ من مقاصد هذا الكتاب فيستشكله، ويحمل فكره فيه فلا يحصله، فعزله بذهنه الجامد على التأويل المفاسد، ويدعو إلى متابعته لظنه الاصابة، فهو كما قيل أساء سمعا فأساء اجابة فعليك بامعان النظر فيما يقال، مستفرغا وسعك في درء الاحتمال، فإذا تعين لك الوجه فهناك فقل، والا فاعتصم بالتوقف، فانه ساحل الهلكة. تتمة: انك في حال فتواك مخبر عن ربك وناطق بلسان شرعه، فما أسعدك ان أخذت بالجزم، وما أخيك ان بنيت على الوهم، فاجعل فهمك تلقاء قوله تعالى: (وان تقولوا على الله ما لا تفعلون) وانظر إلى قوله تعالى: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون) وتفطن كيف قسم مستند الحكم إلى القسمين، فما لم يتحقق الاذن، فأنت مفتر. الفصل الثاني في أن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) متعين الاتباع يدل على ذلك: النقل، والعقل. اما النقل: فمنه قوله تعالى: (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) وقد روى أبو سعيد الخدري، وشهر بن حوشب عن أم سلمة، انها قالت: (نزلت في بيتي وفيه علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، عليهم السلام فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله عباءة فجللهم بها، ثم قال: هؤلاء، أهل بيتي، أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله

(1) الاعراف: 33.
(2) يونس: 59.
(3) الاحزاب: 33.

[ 23 ]

ألست من أهل البيت؟ فقال: انك على خير) (1). وعن ابن عباس: (انها نزلت في علي، وفاطمة، والحسن، والحسين عليهم السلام) لا يقال: المراد بها النساء، لان صدر الاية، وعجزها، دال عليهن. لانا نقول: لا يلزم من ذلك، ارادة النساء، لان الكناية صريحة في التذكير، وليس يبعد أن يخرج من معناه إلى غيره، ثم يعود إليه، كما قال ابن عباس: نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا جارة، ومع انتفاء الرجس، يكون ما أفتوا به حقا، لان الرجس يقع على كل ما يكره. ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله: (في كل خلف من امتي عدل من أهل بيتي ينفي عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وان أئمتكم وقودكم إلى الله عزوجل فانظروا من توقدون في دينكم) وقوله صلى الله عليه وآله: (مثل أهل بيتي، كمثل نجوم السماء، فهم أمان لاهل الارض، كما أن النجوم أمان لاهل السماء، فإذا ذهبت النجوم، طويت السماء، وإذا ذهب أهل بيتي خربت الارض، وهلك العباد) وقوله صلى الله عليه وآله: (اني تارك فيكم الثقلين، ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وانهما لن يفترقا، حتى يردا علي الحوض)

(1) احقاق الحق ج 2 ص 514، نقله من ذخائر العقبى لحافظ الفقيه محب الدين احمد بن عبد الله طبري. وص 521.
(2) احقاق الحق ج 14 ص 53، نقله من تنزيل الايات لحافظ الحسين بن الحكم الحبري.
(3) رواه اثبات الهداة للحر العاملي ج 1 من ذخائر العقبى (ص 17 ط قاهرة) مع تفاوت يسير.
4) احقاق الحق ج 9 ص 302، نقله من كنتى أهل السنة في عبارات مختلفة.
5) راجع إلى كتاب احقاق الحق ص 309 إلى 375.

[ 24 ]

وقوله: (يا علي الامامة فيكم، والهداية منكم) (1) وقوله صلى الله عليه وآله (من أهل بيتي اثنى عشر نقيبا نجباء، محدثون، مفهمون، آخرهم، القائم بالحق عليه السلام) (2) وقوله صلى الله عليه وآله: (ان الله تعالى اختار من الايام يوم الجمعة، ومن الشهور شهر رمضان، ومن الليالي ليلة القدر، واختار من الناس الانبياء، واختار من الانبياء الرسل، واختارني من الرسل، واختار مني عليا، واختار من علي الحسن، والحسين، واختار من الحسين الاوصياء، وهم تسعة من ولده، ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) (3) وروى سليم بن قيس قال: سمعت عبد الله بن جعفر بن أبيطالب، يقول: كنا عند معاوية، والحسن، والحسين، وابن عباس، وعمر بن أبي سلمة، واسامة ابن زيد، فذكر كل منهم ما جرى بينهم وبينه، وانه قال لمعاوية: اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: اني أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم أخي علي بن أبيطالب أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابنه الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فعلي بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وستدركه يا علي، ثم ابني محمد بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وستدركه يا حسين، ثم تكملة اثنى عشر اماما، تسعه من ولد الحسين) قال عبد الله ابن جعفر: (فاستشهدت الحسن، والحسين، وعبد الله بن العباس، وعمر بن أبي سلمة، واسامة بن زيد، فشهدوا بذلك) (4) ووراء هذه الاخبار أضعافها، دالة على اختصاص أهل البيت بالمزية الموجبة للاتباع.

1) و 2) و 3) لم توجد.
4) كتاب سليم بن قيس الهلالي ج 3 ص 36.

[ 25 ]

لا يقال: هذه الاخبار آحاد وهي لا توجب العلم، ولو سلمت لكان أهل البيت اشار إلى أهل العباء، دون الباقين ممن تعتمدون قوله، لانا نجيب عن الاول بأنها وان كانت آحادا، لكنها إذا انضمت إلى ما نقله الامامية في هذا المعنى بلغ اليقين، والا فأي عاقل يجوز أن يجتمع هذا الجم الغفير على اختلاف مثل هذه الاخبار وأضعافها مما يملاء الصحف، هذا، مما لا يظنه محصل ولو سلمنا انها آحاد، لكن الناس بين امامي، ومخالف له، وكل مخالف فانما يعتمد على فتوى قايس عامل باخبار الاحاد، مثبت بها الاحكام الشرعية، وقد أجمع الناس الامن لا عبرة به أن الخبر أرجح من القياس في العمل، فحينئذ يجب اعتماد فتوى هؤلاء السادة، لان الاخبار الدالة على وجوب متابعتهم أقوى من الاخبار التي يبني عليها علماء الجمهور مذاهبهم. واما قوله: ان أهل البيت هم أهل العباء خاصة دون من بعدهم، فيضعف بقوله عليه السلام (فانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض (1) ولو قيل: فلم لا يكون الائمة المشار إليهم من أهل البيت غير من استندتم إلى فتواه، قلنا: يشهد لمن استندنا إليه اتساع فتواه، ووجود ما يلتمسه المستفتون عنده دون كل من تعرض لذلك من الذرية، يعلم ذلك اضطرارا عند الوقوف على سيرهم. واما العقل: فوجوه: الوجه الاول: ما انتشر عنهم من العلوم الفقهية، والاصولية، والتفسيرية، منضما إلى غيرها من العلوم، كالنجوم، والطب فان عليا عليه السلام استند إليه كل فاضل، وافتقرت إليه الصحابة في الحوادث، ولم يفتقر إلى أحد، وكذا كل واحد من الائمة حتى ان محمد بن علي عليه السلام لاتساع علمه وانتشاره سمي باقر العلم ولم ينكر

1) راجع إلى كتاب احقاق الحق ص 309 إلى 375.

[ 26 ]

تسميته منكر، بل انهم شهدوا انه وقع موقعه وحل محله، وكذا الحال في جعفر بن محمد عليه السلام، فانه انتشر عنه من العلوم الجمة ما بهر به العقول، حتى غلا فيه جماعة وأخرجوه إلى حد الالهية وروى عنه من الرجال ما يقارب أربعة آلاف رجل، وبرز بتعليمه من الفقهاء الافاضل جم غفير كزرارة بن أعين، وأخويه: بكير، وحمران وجميل بن دراج، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية، والهشامين، وأبي بصير، وعبيد الله، ومحمد وعمران الحلبيين، وعبد الله بن سنان، وأبي الصباح الكناني، وغيرهم من أعيان الفضلاء كتب من أجوبة مسائله أربعمائة منهم صلوات الله عليهم لم يسئل أحد منهم فتردد ولا تلعثم، ولا استشكل سؤالا ولا عول في جواب على مساعد ولا مباحث، مع انهم لم يشاهدوا مختلفين إلى معلم ولا ادعا ذلك عليهم مدع من أوليائهم ولا أعدائهم، بل كل منهم يسند عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وهذا من أقوى الحجج على اختصاصهم بالمزية القاضية بأنها خاصة من الله ومعجزة امتازوا بها عن الخلق. الوجه الثاني: ما ظهر عنهم من المعجزات التي ملاء بها المحدثون الكتب من الا اخبار بالمغيبات، والطبع في الحصى وغيره، وذكر ذلك مفصلا يفتقر إلى كتاب مفرد، فمن أراده فليراجع الكتب المختصة به. الوجه الثالث: اتفاق الناس بأجمعهم على طهارة أئمتنا عليه السلام وشرف اصولهم، وظهور عدالتهم وبرائتهم ما يشين منهم نسبا أو حسبا أو خلقا، وقصور الألسنة عن القدح فيهم مع اعراض ولات أزمنتهم عنهم، وايثارهم الغض منهم والتعريض للوقيعة فيهم بالصلاة الوافرة، فلولا انهم من صفات الكمال إلى حد يقصر عنه الالسن عن القدح فيهم ويتحقق كذب الطاعن عليهم لما استمر لهم ذلك. ثم هم مع هذه الاخلاق الطاهرة، والعدالة الظاهرة، يصوبون الامامية في الاخذ عنهم والعمل

[ 27 ]

بفتويهم ويعيبون على غيرهم ممن أفتى باجتهاده وقال برأيه، ويمنعون من يأخذ عنه ويستخفون رأيه وينسبونه إلى الضلال، يعلم ذلك منهم علما ضروريا صادرا عن النقل المتواتر، فلو كان يسوغ لغيرهم ما ساغ لهم لما عابوا لمكان ما استسلف من اتفاق المسلمين على عدالتهم وصلاحهم، ولان الاتفاق على عدالتهم والشك في عدا من سواهم من فقهاء العامة يوجب العمل بقولهم صلوات الله عليهم، ويمنع من العمل بفتوى غيرهم من أرباب الاجتهادات. وهذه الطرق التي ذكرناها انما هي على تقديران نعرض عند الاستدلال بما خصهم الله به من وجوب الطاعة، واختارهم له من الامامة، وميزهم به من العصمة التي أوضحنا طرقها في الكتب الكلامية، وحققها علماؤنا وبتقدير أن نسلك تلك الطرق فان نستغني عن جميع ما أوردناه. وقد قال بعض من لا معرفة له: ان الجواد صلوات الله عليه تلمذ لابن أكثم، وهو جهل بمنزلة الجواد صلوات الله عليه وقلة اطلاع على ما ورد عنه من العلم الجم، وما اشتهر من أجوبته عن مسائل الامامية بما يدل على الاعجاز، وقد كان من تلامذته وأشياعه القائلين بامامته من لا يرتضي أن يكون ابن أكثم تلميذا له، كالحسين بن سعيد، وأخيه الحسن، ومحمد بن أبي نصر البزنطي، وأحمد بن محمد بن خالد البرقي، وشاذان بن الفضل القمي، وأيوب بن نوح بن دراج، وأحمد ابن محمد بن عيسى وغيرهم ممن يطول تعدادهم، وكتبهم الان منقولة بين الاصحاب دالة على العلم الغزير، فهل يستجيز ذو تحصيل أن يعتقد في هؤلاء الفضلاء اتخاذهم تلميذ الابن أكثم اماما يعتقدون عصمته، وفرض طاعته، هذا ما لا يعتقده ذو بصيرة.

[ 28 ]

الفصل الثالث (في مسند الاحكام) وهي عندنا خمسة: الكتاب، والسنة، والاجماع، ودليل العقل، والاستصحاب. أما الكتاب: فأدلته القسمان: النص، والظاهر، و (النص) ما دل على المراد منه من غير احتمال، وفي مقابلة (المجمل) وقد يتفق اللفظ الواحد أن يكون نصا مجملا باعتبارين، فان قوله تعالى (يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء) (1) نص باعتبار الاعتداد، مجمل باعتبار ما يعتد به. واما (الظاهر) فهو اللفظ الدال على أحد محتملاته دلالة راجحة، ولا ينتفي معها الاحتمال، وفي مقابلته (المأول) والظاهر أنواع أحدها: ما كان راجحا بحسب العرف كدلالة الغائط على الفضلة. الثاني: ما كان راجحا بحسب الشرع، كدلالة لفظ الصوم على الامساك عن المفطرات، وهذان وان كانا نصين باعتبار الشرع والعرف، الا ان احتمال ارادة الوضع لم تنتف انتفاءا يقينيا. الثالث: (المطلق) وهو اللفظ الدال على الماهية، فهو في دلالته على تعلق الحكم بها لا بقيد منضم دلالة ظاهرة. الرابع: (العام) الدال على اثنين فصاعدا من غير حصر، فانه في دلالته على استيعاب الاشخاص ظاهر لا قاطع، اما (المأول) فهو اللفظ الذي يراد به المعنى المرجوح من محتملاته، كقوله تعالى: (ويبقى وجه ربك) (2) وأما السنة فثلاثة: قول، وفعل، واقرار، أما القول: ففيه الاقسام المتقدمة وأما الافعال: فان وقع بيانا تبع المبين في وجوبه وندبه واباحته، وان فعله ابتداء فلا حجة فيه الا أن يعلم الوجه الذي وقع عليه فتجب المتابعة. واما ما أقره النبي

1) البقرة: 228. 2) الرحمن: 27.

[ 29 ]

صلى الله عليه وآله فانه يدل على الجواز، لانه صلى الله عليه وآله لا يقرر منكرا، سواء فعل بحضرته أو لا بحضرته مما يعلم انه صلى الله عليه وآله علمه ولم ينكره، واما ما يندر فلا حجة فيه، كما روي أن بعض الصحابة قال: كنا نجامع ونكسل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فلا نغتسل، لجواز أن يخفى فعل ذلك على النبي صلى الله عليه وآله فلا يكون سكوته عنه دليلا على جوازه لا يقال قول الصحابي (كنا نفعل) دليل على عمل الصحابة أو أكثرهم، فلا يخفى ذلك عن الرسول، لانا نمنع عن نفسه أو عن جماعة يمكن أن يخفى حالهم على النبي صلى الله عليه وآله ثم السنة اما متواترة، وهي ما حصل معها العلم القطعي باستحالة التواطؤ و خبر واحد: وهو ما لم يبلغ ذلك، مسندا كان وهو ما اتصل المخبرون به إلى المخبر، أو مرسلا، وهو ما لم يتصل سنده. فالمتواتر حجة لافادته اليقين، وكذا ما أجمع على العمل به، وما أجمع الاصحاب على اطراحه فلا حجة فيه. مسألة: أفرط (الحشوية) في العمل بخبر الواحد حتى انقاد والكل خبر، وما فطنوا ما تحته من التناقض، فان من جملة الاخبار قول النبي صلى الله عليه وآله: (ستكثر بعدي القالة علي) (1) وقول الصادق عليه السلام: (ان لكل رجل منا رجل يكذب عليه) (2) واقتصر بعض عن هذا الافراط فقال: كل سليم السند يعمل به، وما علم ان الكاذب قد يلصق، والفاسق قد يصدق، ولم يتنبه ان ذلك طعن في علماء الشيعة وقدح في المذهب، إذ لا مصنف الا وهو قد يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر الواحد المعدل. وأفرط آخرون في طرف رد الخبر حتى أحال استعماله عقلا ونقلا، واقتصر آخرون فلم يروا العقل مانعا، لكن الشرع لم يأذن في العمل به، وكل هذه الاقوال منحرفة عن السنن، والتوسط أصوب، فما قبله الاصحاب أو دلت القرائن على صحته عمل به، وما أعرض الاصحاب عنه أو شذ، يجب اطراحه لوجوه:

1) و 2) لم يوجدا.

[ 30 ]

أحدها - ان مع خلوه من المزية يكون جواز صدقه مساويا لجواز كذبه فلا يثبت الشرع بما يحتمل الكذب. الثاني - اما أن يفيد، الظن أو لا يفيد وعلى التقديرين لا يعمل به، اما بتقدير عدم الافادة فمتفق عليه، اما بتقدير افادة الظن فمن وجوه: أحدها قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) (1). الثاني - قوله تعالى: (وان الظن لا يغني من الحق شيئا) (2). الثالث قوله تعالى: (وان تقولوا على الله ما لا تعلمون) (3). الثالث - انه ا ن خص دليلا عاما كان عدولا عن متيقن إلى مظنون، وان نقل عن حكم الاصل كان عسرا وضررا وهو منفي بالدليل، ولو قيل: هو مفيد للظن فيعمل به تفصيا من الضرر المظنون، منعنا افادته الظن، لقوله صلى الله عليه وآله: (ستكثر بعدي القالة علي فإذا جاءكم عني حديث، فاعرضوه على كتاب الله العزيز فان وافقه فاعملوا به، والا فردوه) وخبره مصداق فلا خبر من هذا القبيل الا ويحتمل أن يكون من القبيل المكذوب. لا يقال: هذا خبر واحد. لانا نقول: إذا كان الخبر حجة فهذا أحد الاخبار، وان لم يكن حجة فقد بطل الجميع. ولا يقال: الامامية عاملة بالاخبار وعملها حجة. لانا نمنع ذلك، فان أكثرهم يرد الخبر بأنه واحد وبأنه شاذ، فلولا استنادهم مع الاخبار إلى وجه يقتضي العمل بها لكان عملهم اقتراحا، وهذا لا يظن بالفرقة الناجية، واما انه مع عدم الظفر بالطاعن والمخالف لمضمونه يعمل به، فلان مع عدم الوقوف على الطاعن والمخالف له يتيقن انه حق، لاستحالة تمالي الاصحاب على القول الباطل وخفاء الحق بينهم، واما مع القرائن فلانها حجة بانفرادها فتكون دالة على صدق مضمون الحديث ويراد بالاحتجاج به التأكيد

1) الاسراء. 336 2) يونس: 36.
3) البقرة: 169.

[ 31 ]

ولا يقال: لو لم يكن خبر الواحد حجة لما نقل. لانا ننقض ذلك بنقل خبر من عرف فسقه وكفره ومن قذف بوضع الاخبار ورمي بالغلو، وبالاخبار التي استدلوا بها في بحوث العلمية كالتوحيد والعدل، والجواب في الكل واحد. واما الاجماع: فعندنا هو حجة بانضمام (المعصوم) فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله لما كان حجة، ولو حصل في اثنين لكان قولهما حجة لا باعتبار اتفاقهما بل باعتبار قوله عليه السلام: فلا تغتر إذا بمن يتحكم فيدعى الاجماع باتفاق الخمسة والعشرة من الاصحاب مع جهالة قول الباقين الا مع العلم القطعي بدخول الامام في الجملة، ولنفرض صورا ثلاثة: احديها - أن يفتى جماعة ثم لا يعلم من الباقين مخالفا فالوجه أنه ليس حجة لانا كما لا نعلم مخالفا لا نعلم أن لا مخالف، ومع الجواز لا يتحقق دخول (المعصوم) في المفتين. الثانية - أن يختلف الاصحاب على قولين، ففي جواز احداث قول ثالث تردد، لصحة انه لا يجوز بشرط أن يعلم أن لا قائل منهم الا بأحدهما. الثالثة - أن يفترقوا فرقتين ويعلم ان الامام ليس في احداهما ويجهل الاخرى، فتعين الحق مع المجهولة، وهذه الفروض تعقل لكن قل ان تتفق. واما دليل العقل: فقسمان: أحدهما ما يتوقف فيه على الخطاب وهو ثلاثة: الاول لحن الخطاب كقوله: (اضرب بعصاك الحجر فانفجرت) (1) اراد فضرب. الثاني فحوى الخطاب: وهو ما دل عليه التنبيه كقوله تعالى: (ولا تقل لهما اف) (2). الثالث دليل الخطاب: وهو تعليق الحكم على أحد وصفي الحقيقة كقوله: (في سائمة الغنم الزكوة) (3) فالشيخ يقول: هو حجة وعلم الهدى ينكره وهو الحق.

1) البقرة: 60.
2) الاسراء: 23.
3) لم يوجد حديث بهذه العبارة ولعله اصطياد من الروايات التي نقلت بهذا المضمون.

[ 32 ]

اما تعليق الحكم على الشرط كقوله: (إذا بلغ الماء قدر كر ولم ينجسه شئ) (1) وكقوله: (وان كن اولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) (2) فهو حجة تحقيقا لمعنى الشرط، ولا كذا لو علقه على الاسم كقوله: اضرب زيدا خلافا للدقاق، والقسم الثاني ما ينفرد العقل بالدلالة عليه، وهو اما وجوب، كرد الوديعة، أو قبح، كالظلم والكذب، أو حسن، كالانصاف والصدق، ثم كل واحد من هذه كما يكون ضروريا فقد يكون كسبيا كرد الوديعة مع الضرورة، وقبح الكذب مع النفع. وأما الاستصحاب: فأقسامه ثلاثة: استصحاب حال العقل وهو التمسك بالبرائة الاصلية كما تقول: ليس الوتر واجبا لان الاصل برائة العهدة، ومنه أن يختلف الفقهاء في حكم بالاقل، والاكثر فتقتصر على الاقل، كما يقول: بعض الاصحاب في عين الدابة نصف قيمتها، ويقول الاخر ربع قيمتها، فيقول المستدل ثبت الربع اجماعا، فينتفي الزايد نظرا إلى البرائة الاصلية. الثاني أن يقال: عدم الدليل على كذا فيجب انتفاؤه، وهذا يصح فيما يعلم انه لو كان هناك دليل لظفر، به اما لا مع ذلك فانه يجب التوقف، ولا يكون ذلك الاستدلال حجة، ومنه القول بالاباحة لعدم دليل الوجوب والحظر. الثالث: استصحاب حال الشرع كالمتيمم يجد الماء في أثناء الصلوة، فيقول المستدل على الاستمرار صلوة مشروعة قبل وجود الماء فيكون كذلك بعده، وليس هذا حجة لان شرعيتها بشرط عدم الماء لا يستلزم الشرعية معه، ثم مثل هذا لا يسلم عن المعارضة بمثله، لانك تقول: الذمة مشغولة قبل الا تمام فيكون مشغولة بعده. واما القياس فلا يعتمد عليه عندنا، لعدم اليقين بثمرته فيكون العمل به عملا بالظن المنهي عنه، ودعوى الاجماع من الصحابة على العمل به لم يثبت، بل أنكره جماعة منهم،

1) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 9 ج 1 و 2 مع (تفاوت).
2) الطلاق: 6.

[ 33 ]

فما يمر بك من تمثيل شئ بشئ فليس، لان أحدهما مقيس على الاخر بل لاشتراكهما في الدلالة الشرعية لا للقياسية، وهذا الفصل وان كان علم الاصول أحق به، لكنا أجبنا ايراده هنا ليكون تأنيسا للمتفقه لعلم يكمله من هناك. الفصل الرابع (في السبب المقتضي للاقتصار على من ذكرناه من فضلائنا) لما كان فقهائنا رضوان الله عليهم في الكثرة إلى حد يتعسر ضبط عددهم ويتعذر حصر أقوالهم لاتساعها وانتشارها، وكثرة ما صنفوه، وكانت مع ذلك منحصرة في أقوال جماعة من فضلاء المتأخرين اجتزأت بايراد كلام من اشتهر فضله، وعرف تقدمه في نقل الاخبار وصحة الاختيار وجودة الاعتبار، واقتصرت من كتب هؤلاء الافاضل على ما بان فيه اجتهادهم، وعرف به اهتمامهم، وعليه اعتمادهم، فممن اخترت نقله الحسن بن محبوب، ومحمد بن أبي نصر البزنطي، والحسين بن سعيد، والفضل بن شاذان، ويونس بن عبد الرحمن، ومن المتأخرين أبو جعفر محمد بن بابويه القمي (رض)، ومحمد بن يعقوب الكليني، ومن أصحاب كتب الفتاوى علي بن بابويه، وابو علي بن الجنيد، والحسن بن أبي عقيل العماني، والمفيد محمد ابن محمد بن النعمان، وعلم الهدى، والشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ره) و (الشيخ) اشارة إلى أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ره) و (الشيخان) هو مع المفيد محمد بن محمد بن النعمان و (الثلاثة) هما مع علم الهدى و (الاربعة) هم مع أبي جعفر بن بابويه و (الخمسة) هم مع علي بن بابويه و (الستة) هم مع ابن أبي عقيل و (السبعة) هم مع ابن الجنيد. وأتباع الثلاثة أبو الصلاح تقي بن نجم الحلبي، وسلار بن عبد العزيز بن البراج، رضوان الله عليهم أجمعين. وربما احتجت إلى رمز الكتب فليكن هذه: النهاية (ة) المبسوط (ط) الجمل (ل) مسائل

[ 34 ]

الخلاف (ف) التهذيب (يب) المصباح (ح) الاقتصاد (د) المقنعة) (عة) الاركان (ن) الرسالة الغرية (غر) وحيث أتينا على المقدمة فلنبدء بما نحن قاصدون إليه، مستعينين بالله ومقصدين عليه.

[ 35 ]

كتاب الطهارة وهي في اللغة (النزاهة عن الادناس) يقال: رجل طاهر الثياب، أي منزه وفي الشرع اسم لما (يرفع حكم الحدث) وخطر لبعضهم النقض بوضوء الحايض لجلوسها في مصلاها وهو غلط، فانا نمنع تسمية ذلك الوضوء طهارة، ونطالبه بدليل تسميته، على انه قد روى ما يدل على انه يسمى طهارة. روى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قلت: (الحايض تطهر يوم الجمعة وتذكر الله تعالى، قال اما الطهر فلا، ولكن تتوضأ وقت كل صلاة، ثم تستقبل بالقبلة وتذكر الله) (1) نعم يرده النقض بالوضوء المجدد من غير حدث، وبمن اجتمع عليه غسل ووضوء (كالمستحاضة) إذا سال دمها، فان كل واحد منهما يسمى طهارة ولا يرفع حكم الحدث بانفراده. فالاقرب أن يقال: هي اسم للوضوء والغسل أو التيمم على وجه له تأثير في استباحة الصلاة، والطهور هو المطهر لغيره قاله (الشيخ) في مسائل الخلاف و (علم الهدى) في المصباح، خلافا لبعض الحنفية. لنا النقل والاستعمال اما (النقل) فما ذكره الترمذي قال: (الطهور) بالفتح من الاسماء المتعدية وهو المطهر غيره. وقال الجوهري: (الطهور) ما يتطهر به

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 22 ح 3.

[ 36 ]

كالسحور والبرود واما (الاستعمال) فلأن هذا المعنى مراد في صورة الاستعمال فيكون حقيقة فيه كقوله عليه السلام: (جعلت لي الارض مسجدا وطهورا) (1) ولو أراد الطاهر لم يثبت له مزية. وقوله عليه السلام (وقد سئل عن الوضوء بماء البحر؟ فقال: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) (2) ولو لم يرد كونه مطهرا لم يصلح جوابه، ولان فعولا للمبالغة ولا يتحقق هنا الا مع افادة التطهير، ولانهم يقولون ماء طهور، ولا يقولون ثوب طهور، فلابد من فائدة مختصة بالماء ولا تظهر الفائدة الا مع افادة التطهير واحتج الحنفي بأن فعولا تفيد المبالغة في فائدة فاعل، كما يقال: (ضروب) و (أكول) لزيادة الضرب والاكل ولا يفيد شيئا مغايرا له، وكون الماء مطهرا مغاير لمعنى الظاهر، فلا تتناوله المبالغة، ولانهم قد يستعملون فعولا فيما لا يفيد التطهير، كقوله سبحانه: (وسقيهم ربهم شرابا طهورا) (3) وكقول الشاعر: " عذاب الثنايا ريقهن طهور " والحق عندي ان وصف الطهور بالتعدي وصف معنوي لا لفظي، لان التعدي في الحقيقة المطهر وقد ألحقوا طهورا به الحاقا توقيفيا لا قياسيا، وليس طهورا من مطهر بمنزلة ضروب من ضارب، لانك تقول: هذا ضارب زيدا كما تقول ضروب زيدا، وتقول: الماء مطهر من الحدث ولا تقول: طهور من الحدث، فاذن الوجه الذي ذكره الحنفي صحيح بالنظر إلى القياس اللفظي، اما ان منع كون اللغة أو الشرع استعمله في التعدية وان لم يكن قياسا فغير صحيح، وللطهارة أركان: الاول في المياه مسألة: " الماء المطلق " في الاصل مطهر يرفع الحدث ويزيل الخبث، يزيد " بالمطلق " ما لا يجوز سلب الماء عنه، ولو أمكن اضافته إلى ما يلازمه

(1) صحيح البخاري ج 1 باب التيمم ص 91.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 3.
3) الانسان: 21.

[ 37 ]

كما تقول: ماء الفرات، ولو قلت: ماء الفرات ليس ماء لم يصح، نعم تقول: ماء الورد: ولو قلت: ماء الورد ليس ماء صح. وقوله: " في الاصل " احتراز من عروض ما يمنع من رفع الحدث به كالنجاسة والغصبية، ثم نقول: " المطلق " يقع على ما نزل من السماء، أو نبع من الارض، أو اذيب من ثلج، أو كان ماء بحر، وكل ذلك سواء في رفع الحدث والخبث وهو مذهب أهل العلم سوى سعيد بن المسيب، فانه قال: " لا يجوز الوضوء بماء البحر مع وجود الماء " ولما حكي عن عبد الله بن عمر أنه قال: " التيمم أحب الي منه " لنا الاجماع فان خلاف المذكورين منقوض، وقوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماءا طهورا) (1) واما ما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله: " الماء طهور ولا ينجسه شئ " (2) ومن طريق الاصحاب ما رواه جميل، عن أبي عبد الله، " الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " (3) وما رواه عبد الله بن سنان وابو بكر الحضرمي عن أبي عبد الله قال: " سألته عن ماء البحر أطهور هو؟ فقال: نعم " (4) وما رواه محمد بن مسلم، قال: " سألت أبا عبد الله عن الرجل يجنب في السفر ولا يجد الا الثلج، قال: يغتسل بالثلج " (5) واما تقديم التيمم على ماء البحر فيبطل، بأن التيمم مشروط بعدم الماء والحقيقة المائية موجودة في ماء البحر فروع الاول لو مازج المطلق طاهر، فغير أحد أوصافه لم يخرج بالتغير عن

1) الفرقان: 42.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 4.
3) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 23 ح 1.
4) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 2 ح 2.
5) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 10 ح 1.

[ 38 ]

التطهير ما لم يسلبه اطلاق اسم الماء، سواء كان مما لا ينفك الماء عنه كالتراب والطحلب والكبريت وورق الشجر، أو مما ينفك كالدقيق، أو السويق. أو من المايعات كاللبن، وماء الورد، والادهان، كالبزر والزيت، أو مما يجاوره ولا يشيع فيه كالعود، والمسك، لان جواز التطهير منوط بالمائية وهي موجودة فيه. ولان أسقية الصحابة الادم وهي لا تنفك عن الدباغ المغير للماء غالبا ولم يمنع منها. ولان الماء لرطوبته ولطافته ينفعل بالكيفيات الملاقية، فلو خرج بتغير أحد الاوصاف عن التطهير لعسرت الطهارة، ولانه لا يكاد تنفك عن التكيف برائحة الاناء الثاني إذا تغير من قبل نفسه لطول المكث، فان بقى على تسميته فهو مطهر، ولو صار بحيث لا يسمى ماءا لم يجز التطهير به، والحجة بقاء الاسم، فانه موجب لبقاء الحكم، لكن استعماله مكروه مع وجود غيره، لرواية الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام " في الماء الاجن يتوضأ منه الا أن يجد غيره " (1) ولانه يستخبث طبعا، فكان اجتنابه أنسب بحال المتطهر لطهارته الثالث: لو كان معه ماء لا يكفيه لطهارته فأكمله بمايع، فان لم يسلبه الاطلاق صح الوضوء به، لاستهلاك المايع فيه، وبقاء الصفة المقتضية للتطهير، وهل يجب ذلك قال الشيخ في المبسوط: لا، فأجاز التيمم قبل مزجه. وفيه تردد، ووجه ما ذكره الشيخ انه قبل المزج غير واجد ما يكفيه لطهارته، ووجه وجوب المزج إمكان تحصيل طهارة مائية. الرابع: إذا أمر الثلج على أعضاء الطهارة في الوضوء، أو على جسده في الغسل صح بشرط أن يكون جاريا بحيث يسمى غاسلا واقتصر " الشيخ " الخلاف على الدهن لنا قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) (2) فلابد من حصول

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 3 ح 2.
2) المائدة: 6.

[ 39 ]

ما يسمى غسلا، واما جواز ذلك فلما رواه معاوية بن شريح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يصيبنا الدمق، والثلج، ولا نجد الا ماءا جامدا كيف أتوضأ؟ أدلك به جلدي؟ فقال: نعم " (1) ولانه يحصل به الغسل فكان مجزيا، ولم أعرف فيه من الاصحاب مخالفا. الخامس: الماء المسخن يجوز الطهارة به سواء سخن بالنار، أو كان سخينا من منبعه، ولا يكره استعماله في الطهارة، لانه لم يخرج بالاسخان عن الاطلاق، وروى الجمهور، عن شريك من رجال النبي صلى الله عليه وآله قال: " أجنبت وأنا مع النبي صلى الله عليه وآله، فجمعت حطبا وأحميت الماء، فاغتسلت، وأخبرت النبي فلم ينكر علي " (2) وعن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله " انه اضطر إليه وهو مريض فأتوه به مسخنا فاغتسل " (3) ويكره المسخن بالنار في غسل الميت، لما رواه زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " لا يسخن الماء للميت " (3) ولان المسخن لا ينفك عن اجزاء نارية فلا يبادر بها. قال الشيخان في النهاية والمقنعة، ولو خشى الغاسل من البرد جاز، وهو حسن، لان فيه دفعا للضرر. وأما المسخن بالشمس في الانية فتكره الطهارة به، لما روى ابراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن قال: " دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على عايشة وقد وضعت قمقمتها في الشمس فقال ما هذا يا حميراء؟ قالت: أغسل رأسي وجسدي، قال: لا تعودي فانه يورث البرص " (5) ومثله روى الجمهور، عن عايشة، انه قال: " لا تفعلي يا حميراء فانه

1) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 10 ح 2.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 5 (مع تفاوت). 3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 7 ح 2.
4) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 7 ح 1.
5) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 6 ح 1.

[ 40 ]

يورث البرص " (1) وطعن الحنابلة في سند الحديث عن عايشة، ولا عبرة بطعنهم مع صحة السند من أهل لبيت عليهم السلام، ويكره التداوي بمياه الجبال الحارة التي يشم منها رائحة الكبريت، ذكره ابن بابويه لما روي عن النبي انه قال: " انها من فوح جهنم " (2). مسألة: وكله ينجس باستيلاء النجاسة على أحد أوصافه نريد ب‍ " كله " أصناف الماء المطلق، جارية ونابعة وراكدة. ونريد " باستيلاء النجاسة عليه " استيلاء ريحها على ريح الماء، أو طعمها على طعمه، أو لونها على لونه والقول بنجاسة ماء هذا شأنه، مذهب أهل العلم كافة، ويؤيده ما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله قال " خلق الماء طهورا لا ينجسه شئ الا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (3) وما رواه الاصحاب، عن أبي عبد الله عليه السلام " إذا تغير الماء أو تغير الطعم فلا تتوضأ منه ولا تشرب " (4) وعنه " إذا كان النتن الغالب على الماء فلا تتوضأ ولا تشرب " (5) لان غلبة أحد أوصاف النجاسة على الماء يدل على قوتها عليه، وقهرها لخاصيته المطهرة فروع الاول: إذا تغير بمرور رائحة النجاسة القريبة لم ينجس، لان الرايحة ليست نجاسة، فلا تؤثر تنجيسا الثاني: طريق تطهير المتغير ان كان جاريا بتقويته بالماء متدافعا حتى يزول

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 6.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 12 ح 3.
3) سنن ابن ماجة ج 1 كتاب الطهارة ص 174.
4) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 3 ح 1 (مع تفاوت يسير).
5) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 3 ح 6.

[ 41 ]

التغير، لان مع زوال التغير بغلبة الجاري لا يقبل الطارئ النجاسة، والمتغير مستهلك فيه، فيطهر، وان كان واقعا فبأن يطرء عليه من الماء الطاهر المطلق ما يرفع تغيره، ويشترط في الطارئ كونه كرا فصاعدا، وبه قال الشيخ في مسائل الخلاف، لان الطارئ لا ينجس الا بالتغير، والتقدير انه مزيل له. ولو تمم كرا فزال التغير معه لم يطهر، ويجئ على قول من يطهر النجس ببلوغه كر أن يقول: بالطهارة هنا. الثالث: إذا زال " التغيير " من نفسه، أو بممازجة ما يزيله كالتراب، أو تصفيق الرياح، لم يطهر، لاستقرار النجاسة والتغير، وعلى القول بجبر البلوغ، تلزم الطهارة إذا كان كثيرا، لكنا سنبين ضعفه. الرابع: إذا تغير الجاري فالمتغير نجس، وما عداه طاهر، ولو كان واقفا فالمتغير نجس والباقي ان كان كرا فصاعدا فهو طاهر، والا فهو نجس بملاقات التغير. الخامس: لو انصبغ ماء الغسل أو ماء الوضوء بصبغ طاهر على جسد المتطهر، لم يمنع الطهارة ما لم يسلبه الاطلاق. مسألة: وينجس " الجاري " بالملاقات، وهو مذهب فقهائنا أجمع، ومذهب أكثر الجمهور، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وآله: " خلق الماء طهورا لا ينجسه شئ الا ما غير لونه، أو طعمه، أو ريحه " (1) وما روي عن أبي عبد الله: " الماء كله طاهر، حتى يعلم انه قذر " (2) وما رواه الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا بأس أن يبول الرجل في الماء الجاري " (3) ولان النجاسة لا تستقر مع الجريان، فيضعف أثرها، ولان التنجيس مستفاد من الشرع، فينتفي عند انتفاء الدلالة

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 1 ح 9.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 1 ح 5.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 5 ح 1.

[ 42 ]

فروع الاول: لا يتحقق " للجاري " جريان منفصلة بحيث تعتبر بنفسها، قال بعض الشافعية والحنابلة: " تنجس الجرية التي فيها النجاسة إذا قصرت عن قلتين " وهو خيال ضعيف، لان تدافع الماء يمنع استقرار الجرية الثاني: الماء " الواقف " في جانب النهر الجاري متصلا بمائه لا ينجس بملاقات النجاسة، ولو كان دون الكر لانه مع الجاري ماء واحد فيدخل تحت عموم الخبر. الثالث: لو كان الجاري متغيرا بالنجاسة والواقف غير متغير فما كان دون الكر نجس بملاقاته المتغير، وان كان كرا فصاعدا لم يتنجس عملا بالخبر. الرابع: حوض " الحمام " إذا كان له مادة لا ينجس ماؤه بملاقات النجاسة ويكون كالجاري وبه قال الشيخان، وابو جعفر بن بابويه، وحكى أصحاب أبي حنيفة عنه انه قال: " هو بمنزلة الجاري لان النجاسة لا تستقر مع اتصال الاجزاء " وعن أحمد بن حنبل انه قال: " قد قيل انه بمنزلة الجاري " وروى داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " هو بمنزلة الجاري " (1) وروى بكر بن حبيب، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " ماء الحمام لا بأس به إذا كان له مادة " (2) ولان الضرورة تمس إليه والاختصاص عسر فيلزم الترخيص دفعا للحرج، ولا اعتبار بكثرة المادة وقلتها لكن لو تحقق نجاستها لم تطهر بالجريان. الخامس: ماء الغيث لا ينجس بملاقات النجاسة حال نزوله، فلو استقر على الارض وانقطع التقاطر عنه اعتبر فيه ما يعتبر في الواقف عند ملاقات النجاسة

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق 7 ح 1.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 7 ح 4.

[ 43 ]

" وقال الشيخ في التهذيب والمبسوط: ماء المطر إذا جرى من الميزاب فحكمه حكم الماء الجاري لا ينجسه الا ما غير لونه، أو طعمه، أو رائحته " وكأنه يشترط جريانه نظرا إلى ما روى هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام في ميزابين سالا أحدهما: بول، والاخر ماء المطر، فاختلطا فأصاب ثوب رجل لم يضر ذلك " (1) وروى علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام " عن البيت يبال على ظهره، ويغتسل من الجنابة، ثم يصيبه المطر أيؤخذ من مائه ويتوضأ للصلوة فقال: إذا جرى فلا بأس " (2) ولنا ما رواه هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام " عن السطح يبال عليه فيصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب؟ فقال: لا بأس به ما أصابه من الماء اكثر منه " (3) وقد أورده ابن بابويه فيمن لا يحضره الفقيه، ولان الاحتراز عن ماء الغيث يشق، ولولا التخفيف لزم الحرج، والرواية الاولى لا تدل على الاشتراط لانه لو لم يكن طاهرا لم يطهر بالجريان. مسألة: ولا الكثير من الراكد " الراكد " هو الساكن يقال: ركد الماء والهواء: إذا سكن. ولابد من القول بطهارة الكثير، والا لنجس ماء البحر بملاقات النجاسة جزء منه، وفي تقدير الكثرة قولان: أحدهما بلوغه كرا قاله الثلاثة وأتباعهم ولابي جعفر بن بابويه روايتان أحدهما كما قالوه، والاخرى قلتان، وهو اختيار الشافي، وأحمد، وقال أبو حنيفة: " ما علم وصول النجاسة إليه فهو نجس وان كثر، وعلامته التحرك. لنا ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (4) وفي رواية " لم يحمل القذر " ومن طريق الاصحاب ما

[ 44 ]

رواه محمد بن مسلم، ومعاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (1) ولان مقتضى الدليل طهارة الماء، لقوله عليه السلام: " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ " (2) ولقول الصادق عليه السلام: " الماء كله طاهر حتى يعلم انه قذر " (3) ترك العمل به فيما نقص عن الكر فيستعمل في الباقي، ولو قال: لابد من تخصيص هذا المقتضى، فيختص بمذهبنا قلنا: يثبت التخصيص في موضع الاجماع لا بحسب الاقتراح. ولان التقدير منحصر في الاقوال الثلاثة، لكن التقدير بالحركة باطل من وجهين: أحدهما: ما رواه محمد بن مسلم، عن جعفر، عن أبيه، ان النبي صلى الله عليه وآله " أتاه أهل الماء فقالوا: ان حياضنا تردها السباع، والكلاب، والبهائم، قال: لها ما أخذت بأفواهها ولكم سائر ذلك " (4) وروى هذا، الجمهور في صحيح أخبارهم بلفظ آخر، وهو دلنا ما غير والحوض في الاغلب يتحرك طرفاه أو يتحرك بعضه وقد حكم بطهارته والثاني: ان التقدير بالحركة احالة على ما لا يتحقق، لانه لا كثير في الاغلب الا ويمكن أن يتحرك طرفاه، وتعليق التطهير والتنجيس بما لا ينحصر مناف لحكمة الشارع. ولان مستند وصول النجاسة الظن، لان الحركة امارة، وظن النجاسة منفي بيقين الطهارة. والتقدير بالقلتين أيضا باطل، لانه متوقف على صحة النقل، وقد طعن في خبر القلتين تارة بالسند حتى قال بعض الحنفية، قال الشافعي: بلغني باسناد لم يحضرني أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا بلغ الماء قلتين الخ. فقال بعض أصحاب

1) الوسائل ج ابواب الماء المطلق باب 9 ح 1 ص 101.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 1 ح 9 ص 101.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 1 ح 5. 4 الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 9 ح 9.

[ 45 ]

الحديث ما حضره ولا يحضره. وتارة بالاعتبار، وهو أنه خبر مدني ولم يعمل به " مالك " ولو صح لصح عنده اما نحن فلم نعرفه مرويا الا بطريق عبد الله بن المغيرة، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شئ والقلتان جريان " (1) لكن هذا الخبر مرسل ومعارض بأخبار صحيحة متصلة، ثم لم يحتمل أن يراد بالقلتين ما نريد نحن بالكر، فان أبا علي بن الجنيد قال: في المختصر " الكر قلتان ومبلغ وزنه ألف ومائتا رطل " ويؤيد ذلك ما ذكره ابن دريد قال: " القلة في الحديث من قلال هجر، وهي عظيمة، زعموا: تسع الواحدة، خمس قرب " وهذا يقارب ما قلناه. وإذا بطل القولان تعين. الثالث: ولو احتج أبو حنيفة بقوله صلى الله عليه وآله " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه (2) " أجبناه بأنه يحمل على القليل، توفيقا بينه وبين قوله عليه السلام: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ (3) " ويحتمل ان يراد بالنهي هنا التنزيه، وقد روى الفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يكره أن يبول في الماء الدائم " (4) مسألة: وفي تقدير الكر روايات: أشهرها ألف ومائتا رطل، وفسره الشيخان بالعراقي وللاصحاب في كمية الكر طريقان: أحدهما المساحة وفيه روايات: الاول: ثلاثة أشبار طولا في عرض ثلاثة أشبار، في عمق ثلاثة أشبار، ذكرها ابن بابويه فيمن لا يحضره الفقيه، ولعله استناد إلى رواية اسماعيل بن جابر، عن

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 10 ح 8.
2) مسند أحمد ج 2 ص 265.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 9 ح 1 و 2.
4) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 5 ح 1 (مع تفاوت).

[ 46 ]

أبي عبد الله عليه السلام قلت: " وما الكر؟ قال ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار " (1) فان كان معوله على هذه فهي ناقصة عن اعتباره الثاني: رواية عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصفا، في طوله وعرضه وثلاثة أشبار ونصفا في عمقه، في الارض فذلك الكر من الماء " (2) وهو اختيار الشيخ، وعلم الهدى، لكن عثمان بن عيسى واقفي، فروايته ساقطة ولا تصغ إلى من يدعي الاجماع فمحل الخلاف. الثالث: رواية اسماعيل بن جابر أيضا قلت: " الماء الذي لا ينجسه شي، قال: ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته " (3) فهذه حسنه، ويحتمل ان يكون قدر ذلك كرا. الطريق الثاني: الوزن وفيه روايات: الاولى: رواية محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الكر ستمائة رطل " (4) قال الشيخ في التهذيب: " لم يعمل على هذه الرواية أحد من الاصحاب " ويحتمل أن يكون ذلك الرطل من بلد يوازي رطله رطلين بالبغدادي. الثانية: رواية عبد الله بن مغيرة، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الكر من الماء نحو حبي هذا " (5) قال: الشيخ في التهذيب والرواية مرسلة، ويحتمل أن يكون ذلك الحب يسع قدر الكر

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 10 ح 4.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 10 ح 6.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 10 ح 1.
4) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 11 ح 3.
5) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 10 ح 7.

[ 47 ]

الثالثة: رواية محمد بن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الكر ألف ومائتا رطل " (1) وعلى هذه عمل الاصحاب، ولا طعن في هذه بطريق الارسال لعمل أصحاب الحديث بمراسيل ابن أبي عمير، ولو كان ذلك ضعيفا لا نجبر بالعمل، فاني لا أعرف من الاصحاب رادا لها فلهذا قلنا في أصل الكتاب على الاشهر، لضعف ما عداها من الروايات، ويؤيدها أيضا تفسير الهروي لرواية الكر " فانه ذكر عن النضر ان الكر بالبصرة ستة أوقار " وقال الجوهري: " الوقر " يستعمل للبغل والحمار إذا تقرر هذا فهل الوزن عراقي أو مدني؟ قال الشيخان في النهاية والمبسوط والجمل والمقنعة: عراقي. وقال ابن بابويه في كتابه وعلم الهدى في المصباح: مدني. ورطل العراقي مائة وثلاثون درهما، والمدني مائة وخمسة وتسعون درهما. فيكون العراقي ثلثي المدني، وفي القولين احتمال، لكن تنزيله على العراقي أولى لمقاربته وما تضمنته رواية الاشبار، ولانه إذا نزلت ستمائة الرطل على المدني قاربت العراقي، ولان الاصل الطهارة حتى تعلم قذارة الماء والعلم لا يتحقق مع الاحتمال. فروع الاول: من اعتبر الاشبار، راعى الغالب لا ما يندر. الثاني: هل التقدير تحقيق أو تقريب؟ الاشبه التحقيق. لانه تقدير شرعي فيتعلق الحكم باعتباره. الثالث: أطلق بعض فقهائنا الحكم بنجاسة ماء الاواني عند ملاقات النجاسة، ولعله نظر إلى اطلاق الحديث بنجاسة ماء الاناء عند وقوع النجاسة، لكن ذلك مقيد بغير الكر، وتقديمه في العمل أولى ولان الاطلاق في الانية انما هو على الغالب، إذ وجود اناء يسع كرا نادر ويدل على هذا الاحتمال ما ذكره " الشيخ ره " في التهذيب فانه ذكر

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 11 ح 1.

[ 48 ]

كلام المفيد من أن الاناء إذا وقعت فيه نجاسة وجب اهراق ما فيه وغسله، فقال: الوجه فيه، ان الماء إذا كان في اناء وحلته النجاسة نجس بها، لانه أقل من كر، وقد بينا أن ما قل عن الكر ينجس بما يلاقيه من النجاسة. مسألة: وينجس القليل من " الراكد " بالملاقات على الاصح، بهذا قال الخمسة وأتباعهم، وقال ابن أبى عقيل: لا ينجس الماء الا بالتغيير. لنا قوله عليه السلام: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (1) ولم يتحقق فائدة الشرط الا باحتمال نجاسة ما دون الكر. وعن الصادق عليه السلام في سؤر الكلب قال: " رجس نجس لا يتوضأ بفضلته واصبب ذلك الماء " (2) وعن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام " الدجاجة تطأ العذرة ثم تدخل في الماء أيتوضأ منه؟ فقال لا، الا أن يكون الماء كثيرا قدر كر " (3) " عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام " عن الجنب يدخل اصبعه في الكوز أو الركوة، قال: ان كانت يده قذرة فليهرقه " (4) وعن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يدخل يده في الاناء وهي قذرة، قال: فيكفي الاناء " (2) وتمسك ابن أبي عقيل، بقوله عليه السلام " الماء طهور لا ينجسه شئ الا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (6) وبما روي عن الصادق عليه السلام " انه استقى له من بئر فخرج في الدلو فأرتان فقال: أرقه فاستقي آخر، فخرج منه فأرة، فقال أرقه ثم استقي آخر، فلم يخرج فيه شئ،

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 9 ح 1 و 2.
2) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 1 ح 4.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 9 ح 4.
4) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 8 ح 11 (مع تفاوت يسير).
5) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 8 ح 7.
6) سنن ابن ماجة ج 1 كتاب الطهارة ص 174 (مع تفاوت).

[ 49 ]

فقال: صبه في الاناء فتوضأ وشرب " (1) " وسئل الباقر عليه السلام عن القربة والجرة من الماء يسقط فيهما فأرة أو جرد أو غيره فيها؟ فإذا غلب رائحته على طعم الماء ولونه فأرقه، وان لم يغلب فاشرب منه وتوضأ " (2). والجواب عن الاول أنه يحتمل الجاري، والكثير من الواقف، فيحمل عليهما، لما عرفت من وجوب تقديم الخاص على العام، فان قال: جهالة التاريخ تمنع ذلك. قلنا قد بينا في الاصول وجوب تقديم الخاص على العام عرف التاريخ أو جهل. وأما خبر البئر فيحمل على الغدير، لان البئر هي الحفيرة نابعة كانت أو غديرا، ومع احتماله لا يدل على موضع النزاع، على أن في طريق هذه الرواية علي بن حديد، عن بعض أصحابنا. وعلي هذا ضعيف جدا مع ارساله الرواية وخبر القربة كذلك ومع ضعف السند وحصول المعارض السليم يجب الاطراح فروع الاول: ينجس القليل بملاقات النجاسة، وان لم يدركها الطرف كرؤس الابرد ما كانت أو غيره، وقال في المبسوط: " ما لا يدركه الطرف معفو عنه، دما كانت أو غيره " وقال في الاسئار: " إذا كان الدم مثل رؤس الابر لم ينجس به الماء، لانه لا يمكن التحرز منه ". والجواب ان الامكان معلوم، نعم قد يشق ذلك، لكن اعتبار المشقة بمجردها في موضع المنع ما لم يعتبرها الشرع، اما الاستناد إلى وجوب دفع المشقة كيف كان فلا. ولنا ان القليل للنجاسة والدم نجس، فثبت التنجيس لوجود المؤثر، وربما احتج " الشيخ " بما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: " سألته عن ر جل امتخط، فصار الدم قطعا فأصاب إنائه، هل يصح الوضوء

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 14 ح 14.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 3 ح 8 ص 104.

[ 50 ]

منه؟ فقال: ان لم يكن شئ يستبين في الماء فلا بأس، وان كان شيئا بينا فلا يتوضأ منه " (1) وهذا ليس بصريح في اصابة الماء، ولعل معناه إذا أصاب الاناء وشك في وصوله إلى الماء اعتبر بالادراك، ويشهد لذلك ما رواه الكليني باسناده عن علي بن جعفر، عن اخيه موسى عليه السلام قال: " وسألته عن رجل رعف وهو يتوضأ، فتقطر قطرة في انائه، هل يصلح الوضوء منه؟ فقال لا ولم يعتبرا لاستبانة " (2). الثاني: الغدير ان الطاهران إذا وصل بينهما بساقية صارا كالماء الواحد، فلو وقع في أحدهما نجاسة لم ينجس، ولو نقص كل واحد منهما عن الكر إذا كان مجموعهما مع الساقية كرا فصاعدا. الثالث: لو نقص الغدير عن كر فنجس فوصل بغدير فيه كر ففي طهارته تردد، الاشبه بقاؤه على النجاسة لانه يمتاز عن الطاهر والنجس لو غلب على الطاهر نجسه مع ممازجته، فكيف مع مباينته. الرابع: لو وقع فيه " مايع طاهر " فاستهلكه الماء مع قلته جاز استعمالها أجمع في الطهارة، لان المستهلك في المطلق يعود بحكم المطلق، فكأنه كله ماء، ولو كان " المايع نجسا " فان غلب على أحد أوصافه المطلق كان الكل نجسا، ولو لم يغلب أحد أوصافه وكان الماء كرا فان استهلكته الماء صار بحكم المطلق، وجاز استعمالها أجمع، ولو كانت النجاسة جامدة جاز استعمال الماء حتى ينقص عن الكر، ثم ينجس الباقي لما فيه من عين النجاسة. الخامس: الماء النجس لا يجوز استعماله في رفع حدث ولا ازالة خبث مطلقا، ولا في أكل، ولا شرب الا مع الضرورة، وأطلق " الشيخ " المنع من استعماله الا عند الضرورة لنا ان مقتضى الدليل جواز الاستعمال ترك بالعمل فيما

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 8 ح 1.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 13 ح 1.

[ 51 ]

ذكرناه بالاتفاق والنقل، فيكون الباقي على الاصل. السادس: طريق تطهير " القليل " إذا نجس بما لم يغيره ان يلقى عليه كر من ماء، وبه قال: في مسائل الخلاف لان الطارئ لا يقبل النجاسة، والنجس مستهلك به فيطهر، قال في المبسوط " ولا فرق بين أن يكون الطارئ نابعا من تحته أو يجري إليه أو يقلب فيه " وقال: في مسائل الخلاف: " لا يطهر الا أن يرد عليه كر من ماء " وهذا أشبه بالمذهب لان النابع ينجس بملاقات النجاسة، فان أراد بالنابع ما يوصل به من تحته لا أن يكون نابعا من الارض فهو صواب، ولم تمم بما يبلغه الكر لم يطهر، سواء تمم بالطاهر أو نجس. وتردد الشيخ في المبسوط. وقطع علم الهدى بالطهارة في المسائل الرسية. لنا انه ماء محكوم بنجاسته قبل البلوغ شرعا، فيجب استدامة ذلك الحكم، اما انه محكوم بنجاسته فلوجهين: اما أولا فلانا نتكلم على هذا التقدير، واما ثانيا فنظرا إلى الاحاديث القاضية بنجاسة القليل، كقوله عليه السلام في سؤر الكلب: " لا يتوضأ بفضله " (1) وكقوله " في الماء تطأه الدجاجة وفي رجلها قذرا يتوضأ به؟ فقال لا، الا أن يكون كثيرا " (2) وما ماثلها ومع تقرير النهي يجب استصحابه، ولانه محكوم بنجاسته مشكوك في طهارته عند البلوغ فيعمل فيه باليقين، احتج " المرتضى " بوجهين: " أحدهما ان البلوغ يستهلك النجاسة فيستوي وقوعها قبل البلوغ وبعده، وبأنه لولا الحكم بالطهارة عند البلوغ لما حكم بطهارة الماء الكثير إذا وجد فيه نجاسة، لانه كما يحتمل وقوعها بعد البلوغ يحتمل قبله، فلا يكون الحكم بالطهارة أولى، لكن الاجماع على الحكم بطهارته " والوجهان ضعيفان. اما الاول: فقياس محض، لانه سوى بين قوة الماء على دفع النجاسة الواقعة

1) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 1 ح 4.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 9 ح 4. (مع تفاوت)

[ 52 ]

بعد البلوغ، وبين قوته على رفع الواقعة قبله، والاولى منصوصة بقوله عليه السلام " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ (1) " والثانية غير منصوصة، والقياس باطل واما قوله: والمائية فيهما. فانا نقول: المائية الاولى طاهرة فإذا وقعت النجاسة قوى الماء الطاهر عليها بطهوريته، اما الماء النجس فعند اجتماعه يكون منقهرا بالنجاسة، فلا يكون فيه طهوريته تدفع النجاسة، فلا يكون للبلوغ أثر، والوجه الثاني: أضعف من الاول، لانا نمنع الملازمة، ونقول: نحن نفرق بين الصورتين، ومع ذلك نحكم بطهارة الماء المشار إليه، لا لان البلوغ يرفع ما كان فيه من النجاسة، بل لان الماء في الاصل طاهر، والنجاسة المشاهدة كما يحتمل كونها منجسة بأن تقع قبل البلوغ، يحتمل أن لا تكون منجسة بأن تكون حصلت بعد البلوغ، فحينئذ يكون أصل الطهارة متيقنا والنجاسة مشكوك فيها، فالترجيح لجانب اليقين. وبعض المتأخرين احتج لهذه المقالة فقال: يدل على الطهارة قوله عليه السلام ": إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا " (2) وزعم ان هذه الرواية مجمع عليها عند المخالف والمؤالف، وقوله تعالى (وينزل عليكم من السماء ماءا ليطهركم به) (3) وقوله: (وان كنتم جنبا فاطهروا) وقوله عليه السلام لابي ذر: " إذا وجدت الماء فأمسه جسدك " (4) وبقوله عليه السلام: " أما أنا فلا أريد أن أحثو على رأسي ثلاث حثيات إذا فاني قد طهرت " (5) والجواب دفع الخبر، فانا لم نروه مستند، أو الذي رواه مرسلا " المرتضى "

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 9 ح 1 و 2.
2) المستدرك ج 1 في أحكام المياه ص 27.
3) الانفال: 11.
4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 7. 5) رواه البيهقي في سننه ج 1 ص 181 مع تفاوت.

[ 53 ]

رضي الله عنه " والشيخ أبو جعفر ره " وآحاد ممن جاء بعده، والخبر المرسل لا يعمل به، وكتب الحديث عن الائمة عليهم السلام خالية عنه أصلا، وأما " المخالفون " فلم أعرف به عاملا سوى من يحكي عن " ابن حي " وهو زيدي منقطع المذهب، وما رأيت أعجب ممن يدعي اجماع المخالف والمؤالف فيما لا يوجد الا نادرا، فإذا الرواية ساقطة. وأما أصحابنا فرووا عن الائمة عليهم السلام، " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (1) وهذا صريح في أن بلوغه كرا هو المانع لتأثره بالنجاسة، ولا يلزم من كونه لا ينجسه شئ بعد البلوغ رفع ما كان ثابتا فيه ومنجسا قبله، و " الشيخ ره " قال لقولهم عليهم السلام، ونحن فقد طالعنا كتب الاخبار المنسوبة إليهم، فلم نر هذا اللفظ، وانما رأينا ما ذكرناه وهو قول الصادق عليه السلام: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (2) ولعل غلط من غلط في هذه المسألة، لتوهمه أن معنى اللفظين واحد. وأما الايات والخبر البواقي فالاستدلال بها ضعيف، لا يفتقر إلى جواب، لانا لا ننازع في جواز استعمال الطاهر المطلق، بل بحثنا في هذا النجس إذا بلغ كرا يطهر، فان ثبت طهارته تناولته الاحاديث الامرة بالاغتسال وغيره، وان لم يثبت طهارته فالاجماع على المنع منه، فلا تعلق له إذا فيما ذكره. وهل يستجيز محصل أن يقول النبي عليه السلام: " احثوا على رأسي ثلاث حثيات مما يجمع من غسالة البول والدم وميلغة الكلب ". واحتج أيضا لذلك بالاجماع، وهو أضعف من الاول، لانا لم نقف على هذا في شئ من كتب الاصحاب، ولو وجد كان نادرا، بل ذكره " المرتضى رض " في مسائل متفردة وبعده اثنان أو ثلاثة ممن تابعه. ودعوى مثل هذا اجماعا غلط، إذ لسنا بدعوى المائة نعلم دخول الامام فيهم، فكيف بدعوى الثلاثة والاربعة. السابع: إذا كان متيقنا لطهارة الماء ثم شك في نجاسته بنى على يقينه، وكذا

1) و 2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 9 ح 5.

[ 54 ]

لو تيقن بنجاسته ثم شك في تطهره بنى على اليقين، لقوله عليه السلام: " الماء كله طاهر حتى تعلم انه قذر " ولانه لو اقتصر على ما ينفي عنه الاحتمال في حال الاستعمال، لتعذرت الطهارة أو عسرت. الثامن: إذا أخبره واحد بنجاسة الماء لم يجب القبول، ولو كان عدلا، سواء أخبره بسبب النجاسة أو مطلقا، لان الاصل طهارة الماء فلا ينتفي اليقين بالاحتمال. وكذا لو وجد ماءا متغيرا وشك في تغيره، هل هو بسبب نجاسة أو من نفسه؟ بنى على الطهارة، لانها الاصل المتيقن، ولو أخبره عدلان ففي القبول خلاف، قال ابن البراج: لا يحكم بنجاسته بناءا على الطهارة الاصلية وعدم اليقين بصدق الشاهدين، والاظهر القبول، لثبوت الاحكام بهما عند الشارع، كما لو اشتراه وادعى المشتري نجاسته قبل العقد، فلو شهد شاهدان لساغ الرد، وهو مبني على ثبوت العيب، ولو تعارضت البينتان في انائين، قال في مسائل الخلاف: " سقطت شهادتهما وبقي الماء على أصل الطهارة " وقال في المبسوط: " وان قلنا ان أمكن الجمع بينهما قبلتا وحكم بنجاسة الانائين كان قويا. " وعندي هذا أوجه، وان لم يمكن الجمع فالوجه نجاسة أحدهما، ويمنع منهما كما لو كان معه اناءان فنجس أحدهما ولم يعلمه بعينه. التاسع: لو تطهر من ماء، ثم علم فيه نجاسة، وشك هل كانت قبل الوضوء أو بعده؟ فالاصل الصحة، ولو علم انها قبل ولم يعلم هل كان كرا أو أقل؟ أعاد، لان الاصل القلة. العاشر: لو وقع في القليل ما شك في نجاسته، أو مات فيه حيوان لا يعلم هو مما له نفس سائلة أو لا؟ فالاصل الطهارة. مسألة: وفي نجاسة " البئر " بالملاقات قولان: أظهرهما التنجيس في هذا الكلام حذف مضاف، تقديره " وفي نجاسة ماء البئر " وقد اختلف " قول الشيخ

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 4 ح 2 ص 106

[ 55 ]

ره فقال النهاية والمبسوط ومسائل الخلاف: ينجس بالملاقات. وكذا قال " علم الهدى في المصباح، والخلاف، وجمل العلم والعمل و " المفيد " في المقنعة وقال في التهذيب: لا يغسل الثوب، ولا تعاد الطهارة ما لم يتغير بالنجاسة، لكن لا يجوز استعماله الا بعد تطهيره. ثم قال في الاستبصار: والذي ينبغي أن يعمل عليه انه ان استعمل هذه المياه بعد العلم بحصول النجاسة فيها لزمه الاعادة. فقد تبين ان الاظهر بين الاصحاب الفتوى بالنجاسة عند الملاقات. ويدل عليه " النقل المستفيض " عن الصحابة بايجاب النزح. روى الجمهور، عن علي عليه السلام "، في الفأرة تقع في البئر تنزح منها دلاء " (1) وقال بعض الحنابلة في كتاب له: قال الخلال: وجدنا عن كتاب علي عليه السلام بسند صحيح " انه سئل عن بئر بال فيها صبي، فأمر أن ينزحوها " (2) ومثله عن الحسن البصري، وعن أبي سعيد الخدري " في الدجاجة أربعون دلوا " (3) وعن ابن عباس " في زنجي وقع في بئر زمزم فمات، فقال: ينزح جميع مائها " (4) ولم ينكر ذلك أحد من أهل ذلك العصر. ولو قيل أنتم لا تعلمون بهذه المقادير قلنا: هذا حق لكن القصد ان النزح كان معلوما وان البئر تطهر به وان اختلف اجتهادهم في القدر المطهر. ومن طريق الاصحاب رواية محمد بن بزيع، عن الرضا عليه السلام " في بئر يقطر فيها قطرات من بول، أو دم ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلوة؟ فقال: ينزح منها دلاء (5) " ولو كانت طاهرة لما حسن السؤال ولا الجواب. ورواية علي بن يقطين قال " سألت موسى عليه السلام عن الحمامة، والدجاجة والفأرة والكلب

1) سنن البيهقي ج 1 الطهارة ص 268 مع تفاوت.) 2) و 3) لم يوجدا.
4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 266.
5) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 14 ح 21.

[ 56 ]

والهرة؟ قال: يجزيك أن تنزح منها دلاء فان ذلك يطهرها " (1) ولو كانت طاهرة قبل النزح، لكان النزح للتطهير تحصيلا للحاصل، ولانه لو كان طاهرا لما جاز التيمم مع وجوده، لكنه يجوز، اما الملازمة فلان عدم الماء الطاهر شرط لجواز التيمم، فلو جاز لا معه لزم تكثير مخالفة الدليل. اما انه يجوز معه التيمم فلوجهين: أحدهما ما رواه ابن أبي يعفور، عن الصادق عليه السلام قال: " إذا أتيت البئر وأنت جنب ولم تجد شيئا تغرف به، فتيمم بالصعيد، فان رب الماء ورب الصعيد واحد ولا تقع في البئر ولا تفسد على القوم مائهم " (2) والثاني انه لو لم يجز التيمم لزم اما جواز استعمال ماء البئر من غير نزح، أو اطراح الصلاة، وكل واحد منهما باطل. اما الاول: فلو صح لما وجب النزح، وهو باطل بالاحاديث المتواترة الدالة على وجوبه. واما الثاني: فباطل بالاجماع، فان احتج الخصم بما رواه محمد بن بزيع قال: " كتبت إلى رجل يسأل الرضا عليه السلام عن ماء البئر؟ فقال: ماء البئر واسع لا يفسده شئ الا أن ينتن " (3) فالجواب من وجوه: أحدها: الطعن في الرواية، فان المكاتبة تضعف عن الدلالة. والثاني: يحتمل لا يفسده فسادا يوجب التعطيل، كما قال النبي صلى الله عليه وآله: المؤمن لا يخبث (4) " أي لا يصير في نفسه نجسا، وكقول الرضا عليه السلام: " ماء الحمام لا يخبث (5) " مع انه يجوز أن تعرض له النجاسة. الثالث: انا نعارضه بخبر محمد بن بزيع الذي قدمناه، وان احتج بما رواه حماد، عن معاوية، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء مطلق باب 17 ح 2.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 14 ح 22.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 14 ح 7 (مع تفاوت).
4) سنن ابن ماجة ج 1 ص 178 الا انه رواه (لا ينجس).
5) المستدرك ج 1 في أحكام المياه ص 26.

[ 57 ]

يغسل الثوب، ولا تعاد الصلاة مما يقع في البئر الا أن ينتن " (1) فالجواب ان الراوي عن معاوية المذكور لا نعرفه، فلعله غير الثقة، ففي الرواة عدة بهذا الاسم منهم الثقة ومنهم غيره. ولان لفظ البئر يقع على النابعة والغدير، فلعل السؤال عن بئر ماؤها محقون، فتكون الاحاديث الدالة على وجوب نزح البئر من أعيان المنزوحات مختصة بالنابعة، ويكون هذا متنا ولا لغيرها مما هو محقون. ولانه حديث واحد يعارضه كثير، والكثرة امارة الرجحان. ولانه يدل بصيغة ما العامة فيما لا يعقل، فيكون الترجيح بجانب الاحاديث الدالة على أعيان المنزوحات تقديما للخاص على العام. مقدمة: ملاقات النجاسة " ماء البئر " مؤثرة بحسب قوتها، وتطهيره باخراجه من حد الواقف إلى كونه جاريا جريانا يزيل ذلك التأثير، فيختلف تقدير النزح وضعفها وسعة المجاري وضيقها، فتارة يقتصر الائمة عليهم السلام على أقل ما يحصل به، وتارة يستظهر عن ذلك وتارة يأمر بالافضل، فلا ينكر الاختلاف في الاحاديث، وانظر ما اشتهر بين الاصحاب غير مختلف فافت به، وما اختلف فأقل مجز، والاوسط مستحب، والاكثر أفضل، واستسقط ما شذ، ومن المتعارض ما ضعف سنده قال: وينزح لموت البعير والثور وانصباب الخمر ماؤها أجمع. روى ذلك الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " وان مات فيها بعير أو صب فيها خمر فلينزح " (2) وعبد الله ابن سنان، عن أبي عبد الله " وان مات فيها ثور، أو صب فيها خمر فلينزح الماء كله " (3) وفي البعير رواية أخرى، عن عمرو بن سعيد بن هلال، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عما يقع في البئر حتى بلغت الحمار والجمل والبغل قال كر من ماء "

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 14 ح 10.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 15 ح 6.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 15 ح 1.
4) الوسائل ج 1 أو ابواب الماء المطلق باب 15 ح 5.

[ 58 ]

والاول أرجح لسلامة السند، وضعف سنده هذه، فان عمرو بن سعيد فطحي، ولا طعن في الحلبي، ولا في عبد الله بن سنان. وفي الخمر رواية أخرى عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قلت: " بئر قطر فيها قطرة دم، أو خمر قال الدم والخمر والميت ولحم الخنزير في ذلك كله واحد، ينزح منه عشرون دلوا (1) " وفي رواية كردويه، عن أبي الحسن عليه السلام " عن البئر تقع فيها قطرة دم أو نبيذ مسكر أو بول أو خمر، قال: ينزح منه ثلاثون دلوا (2) " وأفتى ابن بابويه في المقنع برواية زرارة، ويمكن أن ينزلا على القطرة من الخمر، ويفرق بين القطرة وصبه، ويعقل الفرق كما عقل في الدم، لانه ليس أثر القطرة في التنجيس كأثر ما يصب صبا، فانه يشبع في الماء. قال " الشيخ " في التهذيب: " هما خبر واحد لا يمكن لاجله دفع الاخبار كلها " قال وكذلك، قال الثلاثة وأتباعهم في المسكرات، انما أصناف القول بذلك إليهم لانفرادهم بذكره، دون من تقدمهم وعدم الاطلاع على حديث يتناول ذلك نطقا. ويمكن أن يحتج لذلك بأن كل مسكر خمر فثبت له حكمه، روى عطا بن يسار، عن أبي جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " كل مسكر خمر (3) " وروى علي ابن يقطين، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام " قال: " كلما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر (4) " قال: وألحق " الشيخ ره " الفقاع. انما نسب الالحاق إليه لسبقه إلى القول به، ولم أقف على حديث يدل بنطقه على الفقاع. ويمكن أن يحتج لذلك بأن الفقاع خمر فيكون له حكمه، اما أنه خمر فلما رواه هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 15 ح 3.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 16 ح 5.
3) سنن ابن ماجة 2 كتاب الاشربة ص 1124.
4) الوسائل ج 17 ابواب الاشربة المحرمة باب 19 ح 1 ص 273.

[ 59 ]

قال: " سألته عن الفقاع فقال: لا تشربه لانه خمر مجهول (1) " وعن الرضا عليه السلام " هو حرام وهو خمر (2) " وعن أبي الحسن الاخير عليه السلام قال: " هي خمر استصغرها الناس " (3) أما " المني " فلم أقف على ما يدل بمنطوقه على وجوب نزح الماء به، بل يمكن أن يقال: ماء محكوم بنجاسته، ولم تثبت طهارته باخراج بعضه، فيجب نزحه، لكن هذا يعود في قسم ما لم يتناوله نص على التعيين. قال: وقد ألحق " الشيخ " الدماء الثلاثة. ولم أعرف من الاصحاب قائلا به سواه ومن تبعه من المتأخرين بعده، اما " المفيد ره " فقال في المقنعة: لقليل الدم خمس، ولكثيره عشر، ولم يفرق. و " علم الهدى " قال في المصباح: ينزح له من دلو إلى عشرين، ولم يفرق. ولعل " الشيخ " نظر إلى اختصاص " دم الحيض " بوجوب ازالة قليله وكثيره عن الثوب فغلظ حكمه في البئر، وألحق به الدمين الاخيرين. لكن هذا التعلق ضعيف، فالاصل ان حكم بقية الدماء عملا بالاحاديث المطلقة، قال: فان غلب الماء تراوح عليها قوم اثنين اثنين يوما. لرواية عمار بن موسى قال أبو عبد الله عليه السلام: " وسئل عن بئر يقع فيها كلب، أو فأرة، أو خنزير، قال: تنزف كلها (4) " قال الشيخ: يعني إذا تغير أحد أوصافها. ثم قال عليه السلام: فان غلب عليه الماء فلينزف يوما إلى الليل يقام عليها قوم يتراوحون اثنين اثنين وقد طهرت " (5) ولقائل أن يطعن في هذه الرواية بضعف سندها، فان رواتها ابن فضال، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 38 ح 5.
2) مستدرك الوسائل ج 2 ابواب ما يكتسب به ص 452.
3) التهذيب ج 9 ح 275 ص 125.
4) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق با ب 17 ح 8 (مع تفاوت).
5) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 23 ح 1.

[ 60 ]

عمار، وكلهم فطحية، وبضعف المتن بما تضمن من ايجاب نزح الماء كله للكلب أو الفأرة، أو الخنزير، وهو متروك في فتوى الاصحاب. وربما قيل ان المذكورين وان كانوا فطحية فانه مشهود لهم بالثقة فلا طعن في روايتهم إذا لم يكن لها معارض من الحديث السليم، ولان ايجاب نزح الماء كله في هذه اما على الاستحباب، واما كما فسره " الشيخ ره " في التهذيب ان المراد بذلك إذا تغير الماء. وقال الشيخان والاتباع الثلاثة: إذا غلب الماء تراوح عليها أربعة رجال. واستدل الشيخ برواية عمرو بن سعيد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " سألته حتى بلغت الحمار، والجمل، والبغل، قال كر من ماء (1) " وان كان كثيرا قال الشيخ: وتراوح عليها أربعة رجال على نزح الماء يوما يزيد عن كر. وهذه الرواية تساوي الاولى في السند، ولا تدل على موضع النزاع، لانه اكتفى بنزح الكر وتراوح الاربعة وان زاد عن الكر لا يدل على أنه يقوم مقام ما يوجب نزح الماء كله، فلهذا عدلنا عن تأويل هذه الرواية إلى والاولى، وان ضعف سندها، فان الاعتبار يؤيدها من وجهين: أحدهما: عمل الاصحاب على رواية عمار الثقة، حتى ان " الشيخ ره " ادعى في العدة اجماع الامامية على العمل بروايته، ورواية أمثاله ممن عددهم. الثاني: انه إذا وجب نزح الماء كله وتعذر، فالتعطيل غير جايز، والاقتصار على نزح البعض تحكم، والنزح يوما يتحقق معه زوال ما كان في البئر فيكون العمل به لازما واختلف ألفاظ الاصحاب في التحديد، فقال " المفيد: " من أول النهار إلى آخره، وتبعه الحلبي، وسلار، وقال " ابن بابويه " و " علم الهدى ": من غدوة إلى العشاء، ومعنى هذه الالفاظ متقاربة، فيكون النزح من طلوع الفجر إلى غروب الشمس أحوط، لانه يأتي على الاقوال قال: ولموت البغل والحمار كرا. اما " الحمار "

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 15 ح 5.

[ 61 ]

فقاله الخمسة وأتباعهم، والمستند رواية عمرو بن سعيد، عن أبى جعفر عليه السلام، وان ضعف سندها فالشهرة تؤيدها، فاني لم أعرف من الاصحاب رادا لها في هذا الحكم، والطعن فيها بطريق التسوية بين الجمل، والحمار، والبغل غير لازم، لان حصول التعارض في أحد الثلاثة لا يسقط استعمالها في الباقي، وقد أجاب بعض الاصحاب بأنه من الجايز أن يكون الجواب وقع عن الحمار والبغل دون الجمل، الا ان هذا ضعيف، لانه يلزم منه التعمية في الجواب وهو ينافى حكمه المجيب. وقد روى ابن اذينة، وزرارة، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية، عن أبى عبد الله وأبى جعفر عليهما السلام " في البئر فيها الدابة، والفأرة، والكلب، والطير، فيموت، قال: يخرج من البئر ثم ينزح. دلاء، ثم اشرب وتوضأ (1) " ومثله روى البقباق، عن أبي عبد الله عليه السلام (2)، لكن هذه لم يتضمن قدر الدلاء التي تنزح، ومن المحتمل أن يكون ذلك مما يبلغ الكر، فيكون العمل بالبينة أولى، قال: وكذا قال الثلاثة: في الفرس، والبقرة، قال في المبسوط: ينزح كر للحمار، والبقرة، وما أشبههما. وقال في النهاية: للحمار والبقرة والدابة. وكذا قال " علم الهدى ره " في المصباح. وقال المفيد في المقنعة: وان مات فيها حمار، أو بقرة، أو فرس، وأشباهها من الدواب ولم يتغير الماء نزح منها كر من الماء ونحن نطالبهم بدليل ذلك. فان احتجوا برواية عمرو بن سعيد، قلنا: هي مقصورة على الجمل، والحمار، والبغل، فمن أين يلزم في البقرة؟ فان قالوا هي مثلها في العظم، طالبناهم بدليل التخطي إلى المماثل من أين عرفوه لابد له من دليل، ولو ساغ البناء على المماثلة في العظم لكانت البقرة كالثور، ولكانت الجاموس كالجمل، وربما كانت فرس في عظم الجمل فلا تعلق إذا بهذا وشبهه.

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 17 ح 5.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 17 ح 6.

[ 62 ]

ومن المقلدة من لو طالبته بدليل ذلك لادعى الاجماع، لوجوده في كتب الثلاثة وهو غلط وجهالة ان لم يكن تجاهلا، فالأوجه أن يجعل الفرس والبقرة في قسم ما لم يتناوله نص على الخصوص، قال: ولموت الانسان سبعون دلوا، هذا مذهب علمائنا ممن أوجب النزح، وهي رواية ابن فضال، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار الساباطي قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل ذبح طيرا فوقع من يده في البئر فقال ينزح منها دلاء إذا كان ذكيا وما سوى ذلك مما يقع في بئر الماء فيموت فيه فأكبره الانسان ينزح منها سبعون دلوا، وأقله العصفور ينزح منها دلو واحدة، وما سوى ذلك فيما بين هذين " أورد (1) " الشيخ " في التهذيب هذه " بالثاء المنقطة " ثلثا وفي مقابلته وأقله، وأوردها " أبو جعفر ابن بابويه ره " في كتابيه أكبره (بالباء المنقطة) من تحتها بواحدة وقال في مقابلته وأصغره. لا يقال رواة هذا السند فطحية، لانا نقول هذا حق لكن من الثقات مع سلامته عن المعارض، ثم هذه الرواية معمول عليها بين الاصحاب عملا ظاهرا، وقبول الخبر بين الاصحاب مع عدم الراد له يخرجه إلى كونه حجة، فلا يعتد إذا بمخالف فيه، ولو عدل إلى غيره لكان عدولا عن المجمع على الطهارة به، إلى الشاذ الذي ليس بمشهور، وهو باطل بخبر عمر بن حنظلة المتضمن " لقوله عليه السلام خذ ما اجتمع عليه أصحابك واترك الشاذ الذي ليس بمشهور " (2) وقال " المفيد " في المقنعة: وان مات انسان في بئر أو غدير ينقص عن مقدار الكر، ولم يتغير بذلك الماء، فلينزح منه سبعون دلوا، ولا معنى لذكر الغدير هنا الا أن يريد ماله مادة من نبع، لكن لو أراد ذلك لاغناه لفظ البئر.

الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 21 ح 2.
2) اصول الكافي ج 1 كتاب فضل العلم ص 86.

[ 63 ]

فرع هذا الحكم يتناول الصغير، والكبير، والانثى، والذكر، والمسلم، والكافر، لان (الانسان جنس معرف باللام) وليس هناك معهود، فيكون " اللام " معرفا للجنس، فيوجد الحكم بوجود الجنس أين كان، وجنس الانسان ثابت للكافر، فيكون الحكم متناولا له عملا باطلاق اللفظ، وشرط بعض المتأخرين الاسلام، واحتج: بأن الكافر نجس، فعند ملاقاته حيا يجب نزح البئر أجمع، والموت لا يطهره، فلا يزول وجوب نزح الماء، قال: ولو تمسك بالعموم هنا لكان معارضا بقولهم ينزح، لارتماس الجنب سبع، فانه يشترط الاسلام، إذ لا يقدم أحد من الاصحاب على القول في الجنب بنزح سبع، ولو كان كافرا، وكما اشترط هنا الاسلام فكذا ثم والجواب قوله: ملاقاة الكافر موجبة لنزح الماء قلنا: لا نسلم قوله: " أجمع الاصحاب " قلنا: هذه دعوى مجردة، بل نحن نقول: انا لم نقف على فتوى بذلك أصلا فكيف يدعي الاجماع، ولو قال: ذكر " الشيخ " ذلك في المبسوط قلنا: قوله في المبسوط: ليس دليلا بمجرده فضلا أن يدعي به الاجماع، ثم " الشيخ " لم يجزم بذلك، لانه يقول: ما لم يرد فيه مقدر منصوص، يجب منه نزح الماء احتياطا، وان قلنا: بجواز أربعين دلوا للخبر كان سايغا، غير أن الاحوط الاول، فالشيخ انما صار إلى الاحتياط استظهارا لا قطعا، ثم انه علل ايجاب نزح الماء في الكافر بأنه لا دليل على مقدر، ونحن نقول: الدليل موجود، لان لفظ الانسان إذا كان متناولا للمسلم، والكافر، يجري مجرى النطق بهما، فإذا وجب في موته سبعون لم يجب في مباشرته أكثر، لان الموت يتضمن المباشرة فيعلم نفي ما زاد من مفهوم النص. وهذا كما تقول: في الجواب عن الخنزير إذا وقع وخرج حيا، فانه لا يجب

[ 64 ]

له أكثر من أربعين، وان كان لم يرد على عينه نص، بل فحواه دل على ذلك، فالشيخ (ره) لم يصر إلى ايجاب الكل الا لتوهم ان النص لا يدل بمفهومه على نفي ما زاد على سبعين، ولو قال: سلمنا العموم لكنه مخصوص، قلنا تخصيص العموم بالاحتياط غير جائز، وانما يخص بالدليل القاطع. اما الاحتياط فليس من مختصات العموم في شئ، لانه انما يصار إليه عند عدم الدليل، والعموم دليل فيسقط الاحتياط معه، وكذا المطلق دليل فلا يعتبر معه الاحتياط، ومعارضته بالجنب غير واردة. لانا نجيب في وجوه: أحدها: ان الارتماس من الجنابة انما يراد للطهارة، فيكون ذلك قرينة داله على من له عناية بالطهارة وهو المسلم، ولهذا قال الشيخ في المبسوط: نزح منها سبع دلاء ولم يطهره. الثاني: أن تقول: أما أن يكون هنا دليل يمنع من تنزيل خبر الجنب على الكافر والمسلم، واما أن لا يكون، فان كان فالامتناع انما هو لذلك الدليل، وان لم يكن قلنا بموجبه سواء كان كافرا أو مسلما، فانا لم نره زاد على الاستبعاد شيئا، والاستبعاد ليس حجة في بطلان المستبعد. الوجه الثالث: ان مقتضى الدليل " بالعموم " في الموضعين، وامتناعنا من استعمال أحد العمومين في العموم لا يلزم منه اطراح العموم الاخر، لانا نتوهم أحد العمومين مخصصا فالتوقف عنه، انما هو لهذا الوهم فان صح، والا قلنا به مطلقا، فالالزام غير وارد، ثم هذا ليس بنقض على مسئلتنا، بل نقض على استعمال اللام في " الاستغراق " أين كان، فيلزم أن لا ننزل قوله: (الزانية والزاني) (1) على العموم ولا قوله: (والسارق والسارقة) (2) لانا لم ننزل الجنب هنا على العموم. قال وللعذرة عشرة، فان ذابت فأربعون، أو خمسون، وهذا مذهب أبي جعفر بن

1) النور: 2.
2) المائدة: 38.

[ 65 ]

بابويه في كتابه وقال المفيد في المقنعة: للرطبة أو الذابية خمسون، ولليابسة عشرة، وقال الشيخ في المبسوط: للرطبة خمسون، ولليابسة عشر. وقال " علم الهدى " في المصباح: لليابسة عشر، فان ذابت وتقطعت خمسون دلوا. لنا ما رواه أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن العذرة تقع في البئر؟ قال ينزح منها عشر دلاء، فان ذابت فأربعون أو خمسون دلوا (1) " وما فصله الثلاثة، لم أقف به على شاهد قال: وفي الدم أقوال، والمروي في ذبح دم الشاة من ثلاثين إلى أربعين، وفي القليل دلاء يسيرة. وكذا قال ابن بابويه (ره) في كتابيه. وقال المفيد في الكثير عشر، وفي القليل خمس، وقال في النهاية للقليل عشر، وللكثير خمسون، وقال " علم الهدى ره " في المصباح: في الدم ما بين الدلو الواحدة إلى العشرين. لنا ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: سألته عن رجل ذبح شاة، فاضطربت فوقعت في بئر ماء، وأوداجها تشخب دما، هل يتوضأ من تلك البئر؟ قال: ينزح منها ما بين الثلاثين إلى الاربعين دلوا ثم يتوضأ منها، وعن رجل ذبح دجاجة أو حمامة فوقع فبئر هل يصلح له أن يتوضأ منها؟ قال: ينزح منها دلاء يسيرة ثم يتوضأ منها " (2) وقال ابن بابويه (ره) في المقنع: في القليل عشر. وكذا الشيخ (ره) في كتبه، واستدل برواية محمد بن بزيع قال " كتبت إلى رجل يسأل الرضا عليه السلام عن البئر تكون في المنزل، فيقطر فيها قطرات من بول أو دم، أو يسقط فيها شئ من عذرة كالبعرة، أو نحوها، ما الذي يطهرها حتى يحل منها الوضوء للصلوة؟ فوقع في كتابي بخطه: ينزح منها دلاء (3) " قال " الشيخ " في

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 20 ح 1.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 21 ح 1.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 14 ح 21.

[ 66 ]

التهذيب: وأكثر عدد يضاف إلى هذا الجمع عشرة، فيجب أن يؤخذ به، إذ لا دليل على ما دونه. وفيما ذكره " الشيخ ره " ضعف، لانا نسلم ان أكثر عدد يضاف إلى الجمع عشر، لكنا لا نسلم انه إذا جرد عن الاضافة كانت حاله كذا فانه لا يعلم من قوله: عندي دراهم انه لم يخبر عن زيادة عن عشرة (دلاء)، إذا قال اعطه دراهم يعلم انه لم يرد أكثر من عشرة، فان دعوى ذلك باطلة فاما قول المفيد (ره) فلا أعلم وجهه، وكذا قول علم الهدى (ره)، فان استدل برواية زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام وعن أبي العباس الفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام " في الدم، والخمر، والميتة، ولحم الخنزيز، عشرون " (1) لم يكن دالة على ما ذكره. قال: ولموت الكلب وشبهه أربعون، وهو مذهب الثلاثة وأتباعهم وقال " ابن بابويه " في المقنع: وان وقع فيها كلب: أو سنور: فانزح ثلاثين دلوا إلى أربعين. وقد روي سبع دلاء، وفيمن لا يحضره الفقيه: في الكلب من ثلاثين إلى أربعين في السنور سبع. واعلم أن في الكلب روايات: فما قلنا: هو رواية الحسين بن سعيد في كتابه عن القاسم بن علي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن السنور "؟ فقال: أربعون دلوا، والكلب وشبهه (2) " وفي رواية زرارة، ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر، وأبي عبد الله عليهما السلام " قال: " يخرج من البئر، وينزح دلاء، ثم اشرب وتوضأ " (3) وفي رواية أبي اسامة، عن أبي عبد الله عليه السلام " في الفأرة، والسنور، والدجاجة، والطير والكلب، إذا لم يتفسخ أو يتغير طعم الماء، يكفيك خمس دلاء، وان تغير الماء

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 15 ح 3 ص 133.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 17 ح 3 ص 134. 3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 17 ح 5 ص 135.

[ 67 ]

فخذ منه حتى يذهب الريح " (1) وفي رواية أبي مريم قال: " حدثنا جعفر قال: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: " إذا مات الكلب في البئر، نزحت " (2) وفي رواية عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام " وسئل عن بئر وقع فيها كلب، أو فأرة أو خنزير؟ قال ينزح كلها " (3) وفي رواية عمرو بن سعيد عن أبي جعفر عليه السلام " سبع دلاء (4) " والرواية عن زرارة غير مقدرة فيحتمل أن يكون اشارة إلى المنزوح الاول، ورواية أبي اسامة قوية السند، لكنها متروكة بين المفتين، ورواية أبي مريم محتملة، إذ قوله " نزحت " يمكن أن يراد به الاربعون، ورواية عمار وان كان ثقة، لكنه " فطحي " فلا يعمل بها، مع وجود المعارض السليم، وكذا رواية عمر بن سعيد، ويريد " بشبه الكلب " الخنزير والغزال والثعلب، وروي في لحم الخنزير عشرون، ولا بأس بالرواية، قال وكذا في بول الرجل، وهو مذهب الخمسة وأتباعهم، وفي البول روايات: الاولى رواية علي بن الحكم، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قلت ": بول الرجل قال: ينزح منها أربعون دلوا (5) الثانية: رواية معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام " في البئر يبول فيها الصبي، أو يصب فيها بول، أو خمر، قال: ينزح الماء كله " (6) الثالثة: رواية كردويه، قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن البئر يقع فيها قطرة

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 17 ح 7 ص 135.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 17 ح 1 ص 134.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 17 ح 8 ص 136.
4) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 16 ح 2 ص 132.
6) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 16 ح 7 ص 134.

[ 68 ]

دم، أو نبيذ مسكر، أو بول، أو خمر، قال: ينزح منها ثلاثون دلوا " (1) وكذا روايته في خبر المنجرة، والترجيح بجانب الاولى، لاشتهارها في العمل وشذوذ غيرها بين المفتين. لا يقال: علي بن أبي حمزة واقفي، لانا نقول: تغيره انما هو في موت موسى عليه السلام فلا يقدح فيما قبله، على أن هذا الوهن لو كان حاصلا وقت الاخذ عنه، لانجبرت بعمل الاصحاب وقبولهم بها، ولا تفصيل في بول النساء، بل بول الصغيرة والكبيرة سواء يجب منه ثلاثون دلوا لرواية كردويه (2). ويستحب نزح الماء كله، لرواية معاوية بن عمار (2). وقال بعض المتأخرين: ينزح لبول المرأة أربعون، لانها انسان ونحن نسلم انها انسان ونطالبه أين وجد الاربعين معلقة على بول الانسان ولا ريب انه وهم منه. فرع آخر بول الكافر والمسلم سواء في النزح، لتناول العموم له، قال: وألحق الشيخان بالكلب الثعلب، والارنب، والشاة، قال " الشيخ " في التهذيب عند استدلاله على كلام المفيد (ره)، بقوله عليه السلام ": وللسنور أربعون دلوا، وللكلب وشبهه " (4) قوله " وشبهه " يريد في قد جسمه، وهذا يدخل فيه الشاة، والغزال، والثعلب، والخنزيز وكلما ذكر، ولا ريب ان الثعلب يشبه السنور، اما الكلب فهو بعيد عن شبهه، والرواية انما أحالت في الشبه، على الكلب، فالاستدلال إذا ضعيف.

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 16 ح 5 ص 133. 2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 16 ح 3 ص 133.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 16 ح 7 ص 134.
4) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 17 ح 3 ص 134.

[ 69 ]

قال: وروي في الشاة تسع، أو عشر، قال " ابن بابويه " فيمن لا يحضره الفقيه: " وان وقعت فيها شاة وما أشبهها، نزح منها تسعة إلى عشرة " ولعله استناد إلى رواية اسحق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام ان عليا عليه السلام كان يقول: " الدجاجة ومثلها يموت في البئر، ينزح منها دلوان، وثلاثة، فإذا كانت شاة وما أشبهها، فتسعة، أو عشرة " (1) وفي رواية عمرو بن سعيد (2) " سبع دلاء والعمل بما ذكره ابن بابويه في هذه أو للسلامة سند الرواية بذلك، وضعف رواية عمرو. وقال الثلاثة ينزح لها أربعون. واحتج الشيخ بأنها مشابهة للكلب، واحتجاجه بالمشابهة ليس بصريح، فالصريح أولى لانه استدلال بالمنطوق، قال: وللسنور أربعون، وفي رواية سبع، وبالاربعين قال الثلاثة وأتباعهم، وبالسبع قال ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه، وهو استناد إلى رواية عمرو بن سعيد. لنا ما رواه الحسين بن سعيد، عن القاسم عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن السنور؟ قال أربعون " (3) وفي رواية سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام " من ثلاثين إلى أربعين " (4) وفي رواية أبي اسامة التي قدمنا " خمس دلاء (5) " وفي عمرو بن سعيد ضعف، وكذا في رواية سماعة، ورواية أبي اسامة متروكة، فتعين العمل بالاربعين، لاقترانها بعمل الاكثر من الاصحاب، ولو عمل بالاقل جوازا وبهذه استظهارا جاز أيضا، فان علي بن أبي حمزة واقفي. قال ولموت الطير، واغتسال الجنب سبع، أما الطير فهو اختيار الثلاثة

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 18 ح 3 ص 137.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 15 ح 5 ص 132.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء الملق باب 17 ح 3 ص 134.
4) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 17 ح 4 ص 135.
5) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 17 ح 7 ص 135.

[ 70 ]

وأتباعهم، وهي رواية علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الطير والدجاجة؟ قال: سبع دلاء (1) " وفي رواية اسحاق بن عمار " الدجاجة ومثلها يموت في البئر، دلوان وثلاثة (2) " وفي رواية أبي اسامة " الدجاجة، والطير، خمس دلاء (3) " والاولى يعضدها العمل، فهي أولى، وان ضعف سندها، ولا أستبعد العمل برواية أبي اسامة لرجحانها بسلامة السند، لكني لم أر بها عاملا. وأما اغتسال الجنب، فان الشيخين أورداه بلفظ " الارتماس " والاحاديث وردت بعبارات أربع، ليس فيها ذكر " الارتماس " الاولى رواية الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " وان وقع فيها جنب فانزح منها سبع دلاء (4) ". الثانية رواية عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ان سقط في البئر دابة صغيرة، أو نزل فيها جنب، نزح منها سبع دلاء (5) " الثالثة: رواية أبي بصير قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنب يدخل البئر، فيغتسل منها، قال: ينزح منها سبع دلاء (6) ". الرابعة: رواية محمد بن مسلم قال: " إذا دخل الجنب البئر نزح منها سبع دلاء (7) " ونحن نطالب من ذكر لفظ " الارتماس " من أين ذكره، ولم علق الحكم على الارتماس دون الاغتسال، حتى أن بعضهم قال: لو اغتسل في البئر ولم يرتمس لما وجب النزح. والذي ينبغي تحصيله: ان الموجبين لنزح. الماء من اغتسال الجنب هم القائلون

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 17 ح 3 ص 134.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 18 ح 3 ص 137.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 7 1 ح 7 ص 135.
4) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 15 ح 6 ص 132.
5) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 15 ح 1 ص 132.
6) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 22 ح 4 ص 143.
7) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 22 ح 2 ص 142.

[ 71 ]

بأن ماء الغسل من الجنابة لا يرفع به الحدث، الا سلار فانه قال: بالنزح ولم يمنع من ماء الغسل، اما " المرتضى " و " أبو الصلاح " فأجازا الطهارة بماء غسل الجنب ولم يذكرا حكمه في البئر، وإذا كان الجنب طاهر الجسد وماء غسله غير ممنوع منه فما وجه ايجاب نزح؟ وكأني بضعيف مكابر يقول: هذا اجماع وذاك مختلف فيه، وقد بينا: ان الخلاف انما هو من " المرتضى ره " وهما لم يذكراه في المنزوح فدعواه الاجماع حينئذ حماقة، نعم لا يتعلق الحكم الا مع الاغتسال، اما السقوط، أو الوقوع، أو الدخول، بمجرده فلا، فإذا الدليل الدال على هذا الحكم خبر واحد، والموردون للفظ الارتماس ثلاثة، أو أربعة فكيف يكون اجماعا؟ قال: وكذا " الكلب " لو خرج حيا قال الشيخ ره في النهاية: " وقد روى إذا وقع فيها كلب وخرج حيا نزح منها سبع دلاء " (1) وقال في المبسوط: وان وقع فيها كلب وخرج حيا نزح منها سبع دلاء للحية. لنا رواية أبي مريم قال: حدثنا جعفر قال: قال أبو جعفر: " وإذا وقع فيها الكلب وخرج حيا نزح منها سبع دلاء " (2) قال: وللفأرة إذا تفسخت سبع دلاء، والا فثلاث وقيل دلو، وبما ذكرناه قال " الشيخ " في النهاية والمبسوط وقال " المفيد " في المقنع: إذا تفسخت أو انتفخت سبع دلاء. وكذا قال أبو الصلاح، وسلار، وقال علم الهدى في المصباح: " في الفأرة سبع دلاء " وقد روى ثلاث، وقال ابن بابويه فيمن لا يحضره الفقيه: وان وقع فيها فأرة فدلو واحدة، وان تفسخت فسبع دلاء، ومعنى (تفسخت) تقطعت وتفرقت، وقال بعض المتأخرين تفسخها، انتفاخها وهو غلط.

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 17 ح 1 ص 134.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 17 ح 1 ص 136.

[ 72 ]

لنا رواية معاوية بن عمار قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفأرة، والوزغة تقع في البئر، فقال: ينزح منها ثلاث دلاء " (1) وعن ابن سنان، وعن أبي عبد الله مثله، وقد روى ابن أبي حمزة، وعمرو بن سعيد، عن أبي عبد الله عليه السلام " في الفأرة سبع دلاء " (2) وكذا روى أبو أسامة، ويعقوب بن عيثم، عن أبي عبد الله عليه السلام، فيحمل الاول على عدم التفسخ، والثاني على التفسخ، يشهد لذلك رواية أبي اسامة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " في الفأرة، والسنور، والدجاجة، والطير، ما لم يتفسخ أو يتغير طعم الماء، فيكفيك خمس دلاء " (3) ورواية أبي سعيد المكاري عن أبي عبد الله عليه السلام " إذا وقعت الفأرة في البئر فتفسخت فانزح منها سبع دلاء " (4) وضعف أبي سعيد لا يمنع من العمل بروايته على هذا الوجه، لانها تجري على هذا مجرى الامارة الدالة على الفرق وان لم تكن حجة في نفسها، واما الانتفاخ فشئ ذكره المفيد (ره) وتبعه الاخرون، ولم أقف له دليل على شاهد. قال ولبول الصبي سبع دلاء، وفي رواية ثلاث، ولو كان رضيعا فدلو واحدة يريد " بالرضيع " الذي لم يأكل الطعام، كذا ذكره الشيخان في النهاية والمبسوط والمقنعة، وقيل يريد به من كان في زمان الرضاع وهو حولان ولو أكل، ولست أعرف التفسير من أين نشأ، والرواية تتناول العظيم، فنحن نطالبهم بلفظ الرضيع أين نقل وكيف قدر لبوله الدلو الواحدة، وبالسبع قال الشيخان (ره) في كتبهما، وقال " علم الهدى " في المصباح: وفي بول الصبي إذا أكل الطعام ثلاث دلاء، وان كان رضيعا نزح دلو واحدة، وكذا قال ابن بابويه (ره) في كتابيه، وقال أبو

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 9 ح 2 ص 137.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 15 ح 5 ص 132.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 17 ح 7 ص 135.
4) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 19 ح 1 ص 137.

[ 73 ]

الصلاح الحلبي (ره): لبول الصبي الرضيع ثلاث دلاء. لنا رواية منصور قال حدثنا عدة من أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ينزح منها سبع دلاء إذا بال فيها الصبي، أو وقعت فيها فأرة أو نحوها " (1) وروى علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن بول الصبي الفطيم يقع في البئر، فقال دلو واحدة " (2) وفي رواية معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام " في البئر يبول فيها الصبي أو يصب فيها الخمر، فقال ينزح الماء كله " (3) قال الشيخ في التهذيب ما تضمن من ذكر بول الصبي، محمول على ما إذا غير طعم الماء، أو رائحته وقلت لو نزل على الاستحباب كان حسنا توفيقا بينه وبين ما دلت عليه الاخبار مما ينقص عن ذلك، ولانه قد ثبت أن بول الرجل يوجب نزح أربعين فبول الصبي لا يزيد عن ذلك. قال وكذا في " العصفور " وشبهه، وبه قال " الشيخان " في النهاية والمبسوط والمقنعة وأتباعهما، وقال " ابن بابويه ره " في كتابيه: أصغر ما يقع في البئر الصعوة، ينزح منها دلو واحدة. لنا ما رواه عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " وأقله العصفور ينزح منها دلو واحدة " (4) وقد قلنا ان عمارا مشهود له بالثقة في النقل منضما إلى قبول الاصحاب لروايته هذه، ومع القبول لا يقدح اختلاف العقيدة. فرع قال الصهرشتي: كل طائر في حال صغره ينزح له دلو واحد، كالفرخ، لانه

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 16 ح 1 ص 133.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 16 ح 2 ص 133.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 16 ح 7 ص 134.
4) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 21 ح 2 ص 141.

[ 74 ]

يشابه العصفور. ونحن نطالبه بدليل التخطي إلى المشابهة، ولو وجده في كتب " الشيخ " أو كتب " المفيد رض " لم يكن حجة ما لم يوجد الدليل. فرع آخر قال الراوندي: فيجب أن يشترط هنا أن يكون مأكول اللحم، احترازا من الخفاش فانه نجس، ونحن نطالبه من أين علم نجاسته؟ فان التفت إلى كونه مسخا طالبناه بتحقيق كونه مسخا، ثم بالدلالة على نجاسة المسخ، وقد روي في شواذ الاخبار انه مسخ لكن لا حجة في مثلها مسألة: قال " الشيخ " في المبسوط والنهاية: إذا وقع فيها حية، أو وزغة، أو عقرب، فماتت نزح منها ثلاث دلاء، وقال " المفيد ره " في المقنعة ان وقع فيها حية فماتت نزح منها ثلاث دلاء، وكذا ان وقع فيها وزغة. وقال " أبو الصلاح " للحية والعقرب ثلاث دلاء، وللوزغة دلو واحدة. وفي رسالة علي بن بابويه: ان وقع فيها حية، أو عقرب، أو خنافس، أو بنات وردان، فاستق للحية دلوا، وليس عليك فيما سواها شئ. فنقول: اما الوزغة فقد روى معاوية بن عمار قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفأرة، والوزغة، تقع في البئر، قال ينزح منها ثلاث دلاء " (1) وربما صار أبو الصلاح إلى رواية يعقوب بن عيثم، عن عن أبي عبد الله عليه السلام " في بئر، في مائها ريح يخرج منها قطع جلود، قال ليس بشئ، ا ن الوزغ ربما طرح جلده انما يكفيك من ذلك دلو واحدة " (2) وليس في هذا دلالة صريحة. وأما العقرب فقد روى هارون بن حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 19 ح 2 ص 137. 2) الوسائل ج ابواب الماء المطلق باب 19 ح 9 ص 139.

[ 75 ]

عن الفأرة، والعقرب وأشباه ذلك، يقع في الماء ويخرج حيا هل يشرب من ذلك ويتوضأ منه؟ قال تسكب ثلاث مرات، قليله وكثيره بمنزلة، ثم تشرب منه وتتوضأ غير الوزغ، فانه لا ينتفع بما يقع فيه " (1) وفي العقرب رواية اخرى عن منهال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن العقرب تخرج من البئر حية، قال استق منها عشرة دلاء، قلت: فغيرها الخيف من الجيف، قال كلها إلا جيفة قد اجيفت، فان كانت جيفة قد اجيفت، فاستق منها مائة دلو، فان غلب عليها الريح بعد المائة فانزحها " (2). ويمكن أن يستدل على الحية بما رواه الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا سقط في البئر حيوان صغير فمات فيها، فانزح منها دلاء " (3) فينزل على الثلاث، لانه أقل محتملاته، والذي أراه وجوب النزح في الحية، لان لها نفس سائلة وميتتها نجسة، اما " العقرب " و " الوزغة " فعلى الاستحباب، لان ما لا نفس له سائلة ليس بنجس، ولا ينجس شئ بموت فيه، بل روي أن له سما فيكره لذلك، وفي " سام أبرص " روايتان: أحدهما عن يعقوب بن عيثم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام عن " سام أبرص " ينفسخ في البئر، قال انما عليك أن تنزح ستع أدل " (4) والاخرى عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عن " سام أبرص " في البئر، قال " ليس بشئ، حرك الماء بالدلو " (5) قال الشيخ (ره) في التهذيب: المعنى إذا لم ينفسخ فالوجه عندي الاستحباب، لما قلناه، ولضعف الروايتين.

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء الاسئار با 9 ح 4 ص 172.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 220 ح 7 ص 143.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 15 ح 6 ص 132.
4) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 19 ح 7.
5) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 19 ح 8 ص 139.

[ 76 ]

مسألة: ذكر " الشيخ ره " في النهاية والمبسوط ينزح لذرق الدجاج خمس دلاء، وأطلق. وخص سلار بن عبد العزيز ذلك " بالجلال " وفي القولين اشكال، اما الاطلاق فضعيف، لان ما ليس بجلال ذرقه طاهر، وكل رجيع طاهر، لا يؤثر في البئر تنجيسا، اما " " الجلال " فذرقه نجس، لكن تقدير نزحه (بالخمسة) في موضع المنع ونطالب قائله بالدليل. وقال أبو الصلاح: خرء ما لا يؤكل لحمه يوجب نزح الماء، ويقرب عندي أيكون داخلا في قسم العذرة ينزح له عشرة، وان ذاب فأربعون، أو خمسون، ويحتمل أن ينزح له ثلاثون بخبر المنجرة قال: ولو غيرت النجاسة مائها نزح، ولو غلب فالاول حتى يزول التغير، ويستوفي المقدر، فاعل " غلب " مضمر، وهو عائد على الماء، والاولى " مبتدأ " وخبره محذوف، وتقديره، فالاولى النزح. وانما قال فالاولى لان في المسألة أقوالا هذا أرجحها، فالمرتضى وابن بابويه أوجبا نزح الماء كله، فان تعذر لغزارته تراوح عليها أربعة رجال من غدوة إلى الليل. و " الشيخان " أوجبا نزح الماء، فان تعذر نزح حتى تطيب. وابو الصلاح الحلبي لم يوجب نزح الماء واقتصر على نزحها حتى يزول التغير. لنا رواية معاوية، عن أبي عبد الله عليه السلام " فان أنتن غسل الثوب وأعاد الصلوة ونزحت البئر " (1) وعن أبي خديجة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا انفسخت الفأرة ونتن، نزح الماء كله " (2) والاعتبار يؤيد روايته، لان تغير الماء يدل على غلبة النجاسة عليه، وقهرها لما فيه من قوة التطهير، فلا يطهر باخراج بعضه، واما انه مع التعذر ينزح حتى يطيب وما رواه ابن بزيع، عن الرضا عليه السلام " ماء البئر واسع لا يفسده شئ الا أن يتغير ريحه، أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه،

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 14 ح 10 ص 127.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 18 ح 4 ص 138.

[ 77 ]

لان له مادة " (1). وما رواه جميل قال: " فان تغير الماء فخذ منه حتى يذهب الريح (2) " وروى سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " وان أنتن حتى يوجد ريح النتن في الماء نزحت حتى يذهب النتن من الماء " (3) فحينئذ نقول: يجب النزح عملا بالاول، فإذا تعذر سقط التعبد به فيتعين الثاني لئلا يطرح أحد الدليلين، وانما قلنا: ويستوفي المقام لانه نجس، وان لم يتغير الماء فمع التغير لا يسقط، ولانه تمسك بظاهر الروايات الموجبة للتقدير، والتغيير لا ينافيه فلا يسقط حكمها. فروع الاول: الدلو التي ينزح بها، هي المعتادة، صغيرة كانت، أو كبيرة، لانه ليس للشرع فيها وضع، فيجب أن يتقيد بالعرف. ولو نزح باناء عظيم ما يخرجه الدلاء المقدرة ففي الطهارة عندي تردد، أشبهه لانه لا يجزي، لان الحكمة تعلقت بالعدد ولا نعلم حصولها مع عدمه. الثاني: ان عملنا في التراوح بالرجال فلا يجزي للنساء، ولا الصبيان، وان عملنا بالخبر المتضمن لتراوح القوم أجزى النساء والصبيان، ولابد أن يتولى النزح اثنان اثنان تبعا للرواية، لانا نتكلم على تقدير تسليمها نظرا إلى العمل بها، ولو نزح اثنان نزحا متواليا يوما ففي الاجزاء تردد، أشبهه انه لا يجزي. الثالث: لا يعتبر في النزح النية، لانه جار مجرى ازالة النجاسة، ووجوب النية منفي بالبرائة الاصلية فتطهر بنز ح الصبي، والمجنون، والكافر.

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 3 ح 12 ص 105.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 17 ح 7 ص 135.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 17 ح 4 ص 135

[ 78 ]

الرابع: البعير جنس يدخل تحته الذكر، والانثى، والصغير، والكبير، كالانسان. الخامس: مما لم يتناوله التقدير في النزح قال في المبسوط: الاحتياط تقتضي نزح الماء منه. وان قلنا: بأربعين دلوا بخبر المنجرة كان سايغا، والاحوط ما قلناه، ولا مأخذ عليه في هذا التردد، لان الرواية وان كانت عنده حقا فلا بأس أن يأخذ بالاحتياط استظهارا واستحبابا. ويمكن أن يقال: فيه وجه ثالث وهو ان كل ما لم يقدر له منزوح لا يجب فيه نزح، عملا برواية معاوية المتضمنة قول أبي عبد الله عليه السلام: " لا تغسل الثوب ولا تعاد الصلوة مما يقع في البئر الا أن ينتن " (1) ورواية ابن بزيع " ان ماء البئر واسع لا يفسده شئ الا أن يتغير ريحه أو طعمه " (2) وهذا يدل بالعموم، فيخرج عنه ما دلت عليه النصوص بمنطوقها أو فحواها، ويبقى الباقي داخلا تحت هذا العموم، وهذا يتم لو قلنا: ان النزح للتعبد لا للتطهير، اما إذا لم نقل ذلك، فالاولى نزح مائها أجمع. السادس: إذا وقع أكثر من واحد فمات، فان كانت الاجناس مختلفة لم يتداخل النزح، " كالطير " و " الانسان " ولو تساوى المنزوح " كالكلب " و " السنور " وان كان الجنس واحدا ففي التداخل تردد، ووجه التداخل ان النجاسة من الجنس الواحد لا تتزايد، إذ النجاسة الكلبية والبولية موجودة في كل جزء، فلا تتحقق زيادة توجب زيادة النزح، ووجه عدم التداخل ان كثر الواقع تؤثر كثرة في مقدار النجاسة، فيؤثر شياعا في الماء زايدا، ولهذا اختلف النزح بتعاظم الواقع وموته، وان كان طاهرا في الحياة. السابع: لو جفت البئر ثم عاد ماؤها ففي الطهارة تردد، أشبهه أنه تطهر، لان طهارتها بذهاب ماؤها، وهو حاصل بالجفاف كما هو حاصل بالنزح، فلو نبع بعد ذلك

1) الوسائل ج ابواب الماء المطلق باب 14 ح 10 ص 127.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 14 ح 7 ص 127.

[ 79 ]

فالنبع طاهر لانه نبع في محل طاهر. الثامن: إذا اجري إليها الماء المتصل بالجاري لم تطهر، لان الحكم متعلق بالنزح ولم يحصل. التاسع: لا تنجس جوانب البئر بما يصيبها من ماء النزح، لان المشقة تلحق به، وهل يغسل الدلو بعد انتهاء النزح؟ الاشبه لا، لانه لو كان نجسا لم يسكت عنه الشرع ولان الاستحباب في النزح يدل على عدم نجاستها، والا لوجب نجاسة ماء البئر عند الزيادة عليه قبل غسلها، والمعلوم من عادة الشرع خلافه، وتطهر عند مفارقة الدلو الاخيرة وجه الماء، وما يتقاطر عفو، لان الطهارة بالنزح وهو حاصل عند مفارقة الماء، فلا أثر لخروجها عن البئر العاشر: ما لا يؤكل لحمه من الحيوان لو وقع وخرج حيا لم ينجس به، لان المخرج ينضم انضماما شديدا لشدة حذره فلا يلقى الماء موضع النجاسة، نعم لو كان مجروحا وفي موضع الجرح دم، أو كان عليه نجاسة تعلق بها حكم تلك النجاسة. الحادي عشر: إذا وجد في البئر ما ينجسها بعد استعمالها، فان تحقق سبق النجاسة على الاستعمال أعاد الطهارة والصلاة، وان جهل لم يعد، لاحتمال وقوعها بعده، وعن أبي حنيفة في الجيفة: ان كانت منتفخة أو متفسخة عاد الصلاة ثلاثة أيام ولياليها، والا أعاد صلاة يوم وليلة. ومستنده خيال ضعيف. قال: لا تنجس البئر بالبالوعة وان تقاربتا ما لم تتصل نجاستها، لكن يستحب تباعدهما قدر خمسة أذرع ان كانت الارض صلبة وان كانت البئر فوقها، والا فسبع، أما انها لا تنجس، فلما رواه محمد بن القاسم، عن أبي الحسن " في البئر، يكون بينها وبين الكنيف خمسة أذرع وأقل وأكثر يتوضأ منها؟ قال: ليس يكره من قرب ولا بعد يتوضأ منها ويغتسل ما لم يتغير طعم الماء " (1) ولا ماؤها في الاصل طاهر فلا يحكم بنجاسته الا مع العلم.

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 24 ح 7 ص 146.

[ 80 ]

واما استحباب التباعد فلما رواه الحسن بن رباط، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن البالوعة تكون فوق البئر؟ قال: إذا كانت أسفل إذا من البئر فخمسة أذرع، وإذا كانت فوق البئر فسبع أذرع من كل ناحية، وذلك كثير " (1) وروى بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن أدنى ما يكون بين الماء والبالوعة؟ فقال: ان كان سهلا فسبع أذرع، وان كان جبلا فخمسة " (2) وروى زرارة، ومحمد بن مسلم، وأبو بصير قلنا له: " بئر يتوضأ منها؟ قال: ان كان البئر في أعلى الوادي وكان بينهما قدر ثلاثة أذرع لم يتنجس، وان كانت البئر في أسفل الوادي وكان بين البئر وبينها تسعة أذرع لم ينجسها، وما كان أقل من ذلك لم يتوضأ منه " (3) وهذه الروايات لا تنفك من ضعف، وأجودها الاخيرة مع انهم لم يبينوا القائل، لكن في ذلك احتياطا فلا بأس به. فرع إذا تغير ماء البئر تغيرا يصلح أن يكون من البالوعة، ففي نجاسته تردد، لاحتمال أن يكون منها وان بعد، والاحوط التنجيس، لان سبب النجاسة قد وجد فلا يحال على غيره، لكن هذا ظاهر لا قاطع، والطهارة في الاصل متيقنة فلا تزال بالظن. مسألة: وأما المضاف " فهو ما لا يتناوله الاسم باطلاقه ويصح سلبه عنه، كالمعتصر، والمصعد، والممزوج بما يسلبه الاطلاق، وانما قال باطلاقه لان المضاف يتناوله الاسم، لكن لا بالاطلاق بل بقيد الاضافة. وقوله " ويصح سلبه عنه " فانك تقول " ماء الورد " ويصح أن تقول: ليس هذا بماء. ثم بين اضافته فانه لا يخرج

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 24 ح 3 ص 145.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 24 ح 2 ص 145.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 24 ح 1 ص 144.

[ 81 ]

عن كونه متعصرا من جسم كماء الحصرم والرمان، أو مصعدا كماء الورد والخلاف، أو ممزوجا كالامراق، وغيرها، بما اضيف إليه ما يسلبه اطلاق الاسم. قال: وكله طاهر لكن لا يرفع حدثا، اما طهارته فباجماع الناس، ولان النجاسة حكم مستفاد من أدلة الشرع والتقدير عدمها، واما كونه لا يرفع حدثا فلقوله تعالى: (فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا) (1) فالواجب عند عدم الماء المطلق التيمم فسقطت الواسطة، ولقول الصادق عليه السلام " وقد سئل عن الوضوء باللبن؟ فقال: انما هو الماء والصعيد " (2) و " انما " للحصر، ولان المنع من الصلوة مع الحدث مستفاد من الشرع، فيقف بيان ما يزيل المنع على دلالته، وقد علم الاذن مع استعمال الماء المطلق، فينتفي مع غيره. وحكى " الشيخ " في مسائل الخلاف عن بعض أصحاب الحديث: منا جواز الوضوء بماء الورد. وقال " أبو جعفر بن بابويه " في كتابه: ولا بأس بالوضوء والغسل من الجنابة والاستياك بماء الورد. وربما كان مستنده ما رواه سهل بن زياد، عن محمد بن عيسى بن عبيدة، عن يونس، عن أبي الحسن عليه السلام " في الرجل يتوضأ بماء الورد ويغتسل به؟ قال: لا بأس " (3) والجواب: الطعن في السند، فان سهلا ومحمد بن عيسى ضعيفان، وذكر ابن بابويه، عن أبي الوليد انه لا يعتمد على حديث محمد بن عيسى، عن يونس، ثم نمنع دلالته على موضع النزاع، لانه يحتمل السؤال عن الوضوء والغسل به للتطيب والتحسن، لا لرفع الحدث، ولان تسميته بماء الورد قد تكون الاضافة قليلة لا يسلبه اطلاق اسم الماء، فيحتمل أن يكون الاشارة إلى مثله، وقال " الشيخ " في

1) النساء: 43.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف با 2 ح 1 ص 146.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 3 ح 1 ص 148.

[ 82 ]

التهذيب: هذا الخبر شاذ شديد الشذوذ وقد اجتمعت العصابة على ترك العمل بظاهره. فرع لا يجوز الوضوء " بالنبيذ " نيا كان أو مطبوخا مع وجود الماء وعدمه، وحكى عن أبي حنيفة جواز الوضوء به مطبوخا مع عدم الماء في السفر، وادعى ان عبد الله بن مسعود روى " انه كان مع النبي صلى الله عليه وآله ليلة الجن، فأراد أن يصلي الفجر، فقال: أمعك وضوء؟ قال معي إداوة فيها نبيذ، فقال عليه السلام ثمرة طيبة وماء طهور " (1) وقد طعن في الحديث المذكور وذكر ان راويه " أبو زيد " وهو مجهول، وقد سئل عبد الله بن مسعود هل كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة الجن؟ فقال ما كان معه منا أحد، وددت اني كنت معه. قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) (2) وقال النبي صلى الله عليه وآله: " الصعيد الطيب طهور للمسلم ان لم يجد الماء " (3) وعن الصادق عليه السلام " انما هو الماء والصعيد " (4) واتفق الناس جميعا انه لا يجوز الوضوء بغيره من المايعات. مسألة: وفي طهارة محل الخبث به قولان: أصحهما المنع، قال " الشيخ ره " في النهاية: المياه المضافة لا يجوز استعمالها في الطهارات، ولا في ازالة النجاسة، وهو مذهبه في ساير كتبه. قال في الخلاف: وهو مذهب أكثر أصحابنا. وقال " علم الهدى " رضي الله عنه في شرح الرسالة: يجوز عندنا ازالة النجاسة بالمايع الطاهر غير الماء. وبمثله قال المفيد (ره) في المسائل الخلافية. لنا ما رواه الجمهور عن

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 9.
2) النساء: 43.
3) سنن البيهقي ج 1 ابواب الطهارة ص 212 رواه مع تفاوت.
4) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 2 ح 1 ص 146.

[ 83 ]

النبي صلى الله عليه وآله انه قال لاسماء: " حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء " (1) وما رواه الحسين ابن أبي العلاء، وابو اسحق، عن أبي عبد الله عليه السلام " في البول يصيب الجسد، قال: يصب عليه الماء مرتين " (2) والحلبي عنه عليه السلام " في بول الصبي قال: يصب عليه الماء " (3) فلو جاز ازالته بغير الماء لكان التعيين تضييقا لما فيه من الحرج. الثاني: ان ملاقات النجاسة موجب لنجاسته، والنجس لا تزال به النجاسة، لا يقال: كما ارتفعت النجاسة بالماء مع تنجسه بالملاقاة فكذا المايع. لانا نمنع نجاسة الماء عند وروده على النجاسة كما هو مذهب " علم الهدى " رضى الله عنه في الناصريات، أو نقول: مقتضى الدليل المنع فيهما، ترك العمل بمقتضاه في الماء اجماعا، ولضرورة الحاجة، فلو سوى غيره به لزم تكثير مخالفة الدليل. الثالث: منع الشرع من استصحاب الثوب النجس في الصلوة، فيقف زوال المنع على اذنه. احتج بما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال لخولة بنت يسار: " حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه " (4) وبما روى عن الصادق عليه السلام في المني " إذا عرفت مكانه فاغسله والا فاغسل الثوب كله " (5) وقوله عليه السلام " إذا أصاب الثوب المني فليغسل " (6) ولم يذكر الماء. ثم الاصل جواز الازالة بكل مزيل للعين، فيجب عند الامر المطلق، جوازه تمسكا " بالاصل " ثم الغرض ازالة عين النجاسة، يشهد لذلك ما رواه حكم بن حكيم الصيرفي عن الصادق عليه السلام قلت: لا اصيب الماء وقد أصاب يدي البول فأمسحها

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 13.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 1 ح 3 ص 1001.
3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 3 ح 2 ص 1003.
4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 13.
5) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 7 ح 7 ص 1007.
6) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 7 ح 5 ص 1006.

[ 84 ]

بالحايط والتراب، ثم تعرق يدي فأمسح وجهي أو بعض جسدي، أو يصيب ثوبي، قال: لا بأس " (1) وعن غياث بن ابراهيم عن ابي عبد الله عليه السلام عن أبيه عن علي عليه السلام قال: " لا بأس أن يغسل الدم بالبصاق " (2) والجواب: قوله: اقتصر على الغسل، قلنا: يكفي في دلالته على الماء، لانه هو المعروف عند الاطلاق كما يعلم مراد الامر بقوله اسقني اسقني، قوله " الاصل جواز الازالة " قلنا: حق كما ان الاصل أن لا منع فلما منع الشرع من الدخول في الصلوة، وقف الدخول على اذنه. واما خبر حكم بن حكيم فانه مطروح، لان البول لا يزول عن الجسد بالتراب باتفاق منا ومن الخصم وأما خبر غياث فمتروك، لان غياثا بتري ضعيف الرواية، فلا يعمل على ما ينفرد به، ولو صحت نزلت على جواز الاستعانة في غسله بالبصاق، لا ليطهر المحل به منفردا، فان جواز غسله به لا يقتضي طهارة المحل، ولم يتضمن الخبر ذلك، والبحث ليس الا فيه مسألة: وينجس بالملاقات وان كثر، هذا مذهب الاصحاب لا أعلم فيه خلافا، قال " الشيخ ره " في النهاية فان وقع فيها شئ من النجاسة لم يجز استعمالها على حال الا عند الضرورة. وقال في المبسوط: إذا وقع فيه شئ من النجاسة لم يجز استعماله، قليلا كان، أو كثيرا، قلت النجاسة، أو كثرت، تغير أحد أوصافه، أو لم يتغير، ولا طريق إلى تطهيره الا أن يختلط بما زاد على الكر من الماء الطاهر المطلق، ولم يسلبه اطلاق اسم الماء، ولا غير أحد أوصافه، فان سلبه، أو غير أحد أوصافه لم يجز استعماله، وان ليغيره ولم يسلبه جاز استعماله، فيما تستعمل فيه المياه المطلقة، روى الجمهور، ان النبي صلى الله عليه وآله " سئل عن الفأرة تموت في السمن؟

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 6 ح 1 ص 1005.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 4 ح 2 ص 149.

[ 85 ]

فقال: ان كان جامدا فألقوها وما حولها، وان كان مايعا فلا تقربوه " (1) وروى الخاصة، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت، فان كانت جامدا فألقها وما يليها، وكل ما بقي، وان كان ذائبا فلا تأكله ولكن أسرج به " (2) وروى السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام " ان أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن قدر طبخت فإذا في القدر فأرة، فقال عليه السلام: يهرق مرقها، ويغسل اللحم ويؤكل " (3) ولان المايع قابل للنجاسة، والنجاسة موجبة لنجاسة ما لاقته، فيظهر حكمها عند الملاقات ثم تسري النجاسة بممازجة المايع بعضه بعضا. مسألة: قال: وما يرفع به الحدث الصغر طاهر مطهر، هذا مذهب فقهائنا لم أعلم فيه خلافا، قال في المبسوط: ما استعمل في الوضوء والاغسال المسنونة يجوز استعماله في رفع الاحداث، وبمعناه قال: في النهاية ومسائل الخلاف وكذا قال " المفيد " في المقنعة و " ابن بابويه " ويدل عليه أيضا ما رواه الجمهور، ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " الماء لا يجنب " (4) وعنه عليه السلام " الماء ليس عليه جنابة " (5) ورووا " انه عليه السلام كان إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوءه، وصب عليه السلام على جابر من وضوئه " (6) ومن طريق الخاصة ما رواه زرارة عن أحدهما عليه السلام قال: " كان النبي صلى الله عليه وآله إذا توضأ أخذوا ما سقط عن وضوئه فيتوضؤن به " (7) ولان الاستعمال لم يسلبه الاطلاق لغة ولا شرعا فيكون مطهرا، للاية، والخبر، ولانه ماء طاهر استعمل في محل طاهر

1) مسند أحمد حنبل ج 2 ص 265.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 5 ح 1 ص 149.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 5 ح 3 ص 150.
4) التاج ج 1 كتاب الطهارة ص 82.
5) سنن ابن ماجة ج 1 كتاب الطهارة ص 132.
6) رواه احمد في مسنده ج 4 ص 329 (مع تفاوت).
7) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 8 ح 1 ص 152.

[ 86 ]

فيبقى على قوته. وتعلل الجمهور بأنه مضاف إلى الاستعمال فلا يرفع الحدث، باطل من حيث لم يؤثر فيه الاستعمال تغير وصف ولا هيئة، يقتضي زوال الاسم عنه، وقولهم انتقل إليه المنع بالاستعمال مصادرة، لانه نفس النزاع. مسألة: وما يرفع به الاكبر طاهر، وفي رفع الحدث به ثانيا قولان: المروي المنع، هذا مذهب " الشيخين " ومذهب " ابن بابويه " وقال " علم الهدى " رضي الله عنه: هو باق على تطهيره، أما الطهارة فمذهب الاصحاب اجماعا، لان التنجيس مستفاد من أدلة الشرع، وحيث لا دلالة فلا تنجيس. واما المنع من رفع الحدث به فلما رواه عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز أن يتوضأ به وأشباهه " (1) وما رواه بكر بن كرب، قال: " سألت أبا عبد الله عن الرجل يغتسل من الجنابة ويغسل رجليه بعد الغسل، فقال ان كان يغتسل في مكان يسيل الماء على رجليه، فلا عليه أن يغسلهما، وان كان يغتسل في مكان يستنقع رجلاه في الماء فليغسلهما " (2) وما رواه محمد بن اسماعيل قال: " سمعت رجلا يقول لابي عبد الله عليه السلام اني أدخل الحمام في السحر وفيه الجنب، وغير ذلك، فأغتسل وينتضح علي بعد ما أفرغ من مائهم، قال: أليس هو جار؟ قلت بلى قال لا بأس " (3) وما رواه محمد بن مسلم، عن أحدهما قال: " سألته عن ماء الحمام؟ فقال: ادخله بازار ولا تغتسل من ماء آخر الا أن يكون فيه جنب، أو يكثر أهله فلا تدري فيه جنب أم لا " (4) وما روي عن أبي الحسن الاول عليه السلام " ولا تغتسل من ماء البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام،

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 9 ح 13 ص 155.
2) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 27 ح 3 ص 506.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 9 ح 8 ص 154.
4) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 7 ح 5 ص 111.

[ 87 ]

فانه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب، وولد الزنا، والناصب انا أهل البيت عليهم السلام " (1) ولانه ماء لا يقطع بجواز استعماله في الطهارة، فلا يتيقن معه رفع الحدث، فيكون الاصل بقاء الحدث. ويؤكده ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من جنابة " (2) ولا يقال: ان لم يجز استعمال الماء المغتسل به من الجنابة وشبهه في الطهارة، لم يجز استعمال ماء الوضوء، والا فما الفرق؟ لانا نقول مقتضى الاصل التسوية، لكن الفرق بالاحاديث المانعة من ماء غسل الجنابة دون ماء الوضوء، كما حصل الفرق بينهما في ايجاب النزح في البئر على قول كثير منا، ويمكن أن يقال: اما الحديث الاول ففي سنده ضعف، لان سعد رواه عن ابن فضال، أحمد بن هلال، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن سنان، وابن فضال فطحي، وابن هلال ضعيف جدا. وأما الاحاديث الباقية فغير صريحة بالمنع من استعماله، وقوله: " ماء لا يقطع بجواز استعماله " قلنا: لا نسلم، لان كل دليل دل على جواز استعمال ماء المطلق يتناول هذا الموضع. وأما النهي عن البول في الماء الدائم والاغتسال فيه، فغير دال على موضع النزاع، لجواز أن يتعلق النهي بالمنع تعبدا، لان الاغتسال يحدث منعا من الاستعمال على أنه يحتمل كراهة ذلك تنزيها عما تعافه النفس، وقد بينا في رواية الفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام " ان ذلك يكره " (3). احتج من أجاز الطهارة به، بما رواه الجمهور " ان النبي صلى الله عليه وآله اغتسل من الجنابة، فرأى لمعة لم يصبها الماء فعصر شعره عليه لانه ماء طاهر لم يسلبه الاستعمال

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 11 ح 1 ص 158. 2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 256.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 5 ح 1 ص 7 / 1.

[ 88 ]

سمة الماء المطلق فيكون مطهرا، أو لانه لو لم يكن مطهرا لزم جواز التيمم معه، لكنه باطل، لان التيمم مشروط بعدم الماء المطلق المقدور على استعماله، والاولى عندي تجنبه، والوجه التفصي من الاختلاف، والاخذ بالاحوط. قال " الشيخ " في النهاية: متى حصل الانسان عند غديرا وقليب فليدخل يده ويتوضأ منه، وان أراد الغسل وخشي ان نزل فساد الماء فليرش عن يمينه ويساره وأمامه، ثم ليأخذ كفا كفا يغتسل. به قيل: المراد به أن يرش الارض لتجتمع أجزائها فيمنع سرعة انحدار ما انفصل عن جسده إلى البئر. وقال الصهرشتي: يبل جسده ثم يغسل به ليتعجل الاغتسال قبل انحدار الماء المنفصل عن جسده إلى البئر. واعلم ان عبارة " الشيخ " لا تنطبق على الرش الا أن يجعل في نزل ضمير ماء الغسل، فيكون التقدير وخشي ان نزل ماء الغسل فساد الماء، والا بتقدير أن يكون في نزل ضمير المريد لا ينتظم المعنى، لانه ان أمكنه الرش لا مع النزول أمكنه الاغتسال من غير نزول. ويدل على أن مراده ما ذكرناه ما رواه أحمد بن محمد ابن أبي نصر البزنطي في جامعه عن عبد الكريم، عن محمد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سئل عن الجنب ينتهي إلى الماء القليل، والماء في وهدة، فان هو اغتسل رجع غسله في الماء كيف يصنع؟ قال: ينضح بكف بين يديه، وكف عن خلفه، وكف عن يمينه، وكف عن شماله ويغتسل " (1) فرع وكل ذلك بناء على ان المنقول عن الائمة عليهم السلام ما ذكره (ره) في النهاية و " القدر " الذي نقلناه هو ما رواه علي بن جعفر، عن أبي الحسن عليه السلام قال: " سألته عن الماء في ساقية أو منقطع، أيغتسل منه للجنابة أو يتوضأ منه للصلاة إذا كان لا يبلغ

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 10 ح 2 ص 157.

[ 89 ]

صاعا للجنابة، ولا مدا للوضوء، وهو متفرق، كيف يصنع؟ قال: إذا كانت يده نظيفة فليأخذ كفا فلينضحه خلفه، وكفا عن يمينه، وكفا عن شماله، فان خشي أملاء ماءا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرات، ثم يمسح جسده بيده، فان ذلك يجزيه " (1) فان كان " الشيخ " أراد في النهاية هذا الحديث فهو غير دال على ما ذكره ويكون المطالبة متوجهة إلى الشيخ (ره) على تحقيق ما ذكره (ره)، اما الرواية فمعناها أن يبل جسده للغسل لا غير وان كان منافيا للمذهب في مراعات الترتيب، في الاجتزاء يمسح البدن، والرواية شاذة فلا تتشاغل بتفسيرها. فروع الاول: انما يحكم بطهارة ما يغتسل به إذا لم يكن على جسد المتطهر عين النجاسة اما لو لاقى نجاسة كان نجسا، ولم يجز استعماله، سواء كان استعمل في الوضوء أو الغسل. الثاني: إذا بلغ الماء المستعمل في الكبرى كرا فصاعدا لم يزل عنه المنع، وقطع " الشيخ " في المبسوط على زوال المنع، وتردد في الخلاف. لنا ان ثبوت المنع معلوم شرعا فيقف ارتفاعه على وجود الدلالة، وما يدعى من قول الائمة عليهم السلام " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا " (2) لم نعرفه ولا نقلناه عنهم، ونحن نطالب المدعي نقل هذا اللفظ بالاسناد إليهم، اما قولهم عليهم السلام " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (3) فانه لا يتناول موضع النزاع، لان هذا الماء عندنا ليس بنجس، فلو بلغ كرا ثم وقعت فيه نجاسة، نعم " لم تنجسه " لا يرتفع ما كان فيه من المنع، ولا يلزم

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 10 ح 1 ص 156.
2) المستدرك ج 1 في أحكام المياه ص 27.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 9 ح 5 و 6 ص 118.

[ 90 ]

على ذلك لو اغتسل في كر فصاعدا، والا لمنع ولو اغتسل في البحر. الثالث: المستعمل في غسل الجنابة يجوز ازالة النجاسة به، لانه ماء مطلق طاهر فجاز ازالة النجاسة به، لقوله عليه السلام " ثم اغسليه بالماء " (1) وقول الصادق عليه السلام: " في البول يصيب الجسد، قال يصب عليه الماء مرتين " (2) الرابع: ما يستعمل في الاغسال المندوبة أو غسل الثوب الطاهر باق على تطهيره، لان الاستعمال لم يسلبه الاطلاق فيجب بقاؤه على التطهير للاية، ولقوله عليه السلام " الماء طهور " (3) مسألة: وفيما يزال به الخبث لم يتغير النجاسة قولان: أشبههما التنجيس عدا ماء الاستنجاء، اما نجاسته مع التغيير فباجماع الناس، ولما بيناه من أن غلبة النجاسة على الماء مقتضية لتنجيسه، وإذا لم يتغير فقد اختلف قول الشيخ (ره) فقال في المبسوط: هو نجس. وفي الناس من قال: لا ينجس إذا لم يغلب على أحد أوصافه وهو قوي، والاول أحوط، وجزم في مسائل الخلاف بنجاسة الاولى، وطهارة الغسلة الثانية، والقول بنجاستهما أولى، طهر محل النجاسة أو لم يطهر. لنا ماء قليل لاقى النجاسة فيجب أن ينجس، وما رواه العيص بن القاسم قال: " سألته عن رجل أصابه قطرة من طشت فيه وضوء، فقال ان كان من بول، أو قذر، فيغسل ما أصابه " (4) اما رفع الحدث به أو بغيره مما يزال النجاسة فلا، اجماعا، ولما رواه عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به من الجنابة لا يتوضأ به واشباهه) (5) وهاتان الروايتان فيهما ضعف،

1 سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 113 الا انه رواه اقرصيه..
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 1 ح 3 ص 1001.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 1 ح 10 ص 101.
4) الوسائل ج 1 باب الماء المضاف باب 9 ح 14 ص 156.
5) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 9 ح 13 ص 155.

[ 91 ]

غير ان النظر يؤيد ما تضمناه من المنع مما يزال به النجاسة. وأما طهارة ماء الاستنجاء فهو مذهب الشيخين، وقال علم الهدى (ره) في المصباح: لا بأس بما ينضح من ماء الاستنجاء على الثوب والبدن، وكلامه صريح في العفو وليس بصريح في الطهارة، ويدل على الطهارة ما رواه الاحول عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت: (أخرج من الخلاء فأستنجي بالماء فيقع ثوبي في ذلك الماء الذي استنجيت به، فقال: لا بأس به) (1) وما رواه عبد الكريم بن عتبة الهاشمي، قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقع ثوبه في الماء الذي يستنجي به أينجس ذلك ثوبه؟ قال: لا) (2) ولان التفصي منه عسر، فشرع العفو رفعا للعسر، ويستوي فيه ما يغسل به القبل والدبر، لانه يطلق في كل منهما لفظ الاستنجاء. [ فرع ] وإذا أصاب الثوب أو الجسد مما يغسل به اناء الولوغ، قال في مسائل الخلاف: لا يغسل، سواء كان من الاولى، أو الثانية، وتردد في المبسوط في نجاسة الاولى. ويقوى عندي وجوب الغسل منهما، لانه ماء قليل لاقي النجاسة فيجب أن ينجس، إذا له (إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ) (3) فيجب أن ينجس ما دونه، لتحقق معنى الشرط، احتج (الشيخ) بأنه لو كان المنفصل نجسا لما طهر الاناء، لانه كان يلزم نجاسة البلة الباقية بعد المنفصل، ثم ينجس الماء الثاني بنجاسة البلة، وكذا ما بعده، والجواب ان ثبوت الطهارة بعد الثانية ثابت بالاجماع فلا يقدح ما ذكره، ولانه معفو عنه رفعا للحرج، ووافق على أنه لا يرفع به حدث

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 13 ح 1 ص 160.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 13 ح 5 ص 161.
3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 9 ح 5 و 6 ص 118.

[ 92 ]

مسألة: ولا يغتسل بغسالة الحمام الا أن يعلم خلوها من النجاسة، قال أبو جعفر بن بابويه في كتابه: ولا يجوز التطهير بغسالة الحمام. وقال في النهاية: وغسالة الحمام لا يجوز استعمالها على حال، لنا ما روي عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: (ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، فأنه يسيل ما يغتسل به الجنب، وولد الزنا، والناصب لنا أهل البيت عليهم السلام) (1) ولانه ماء مجتمع من مياه مخبثة فيبقى على نجاسته، لما بيناه فيما سلف وقوله: " الا أن يعلم خلوها من النجاسة " لان الحديث المانع من استعماله علل المنع، (باجتماعه من النجاسة) فينتفي التنجيس عند انتفاء السبب، ولان الاصل في الماء الطهارة فلا يقضي بالنجاسة الا مع اليقين بوجود المقتضي. ويؤيد ذلك ما ذكره ابن بابويه في كتابه، عن أبي الحسن عليه السلام عن مجتمع الماء في الحمام من غسالة الناس يصيب الثوب، قال: لا بأس) (2) وهذه رواها أبو يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام وهي وان كانت مرسلة الا ان الاصل يؤيدها، وبعض المتأخرين قال: وغسالة الحمام، وهو المستنقع لا يجوز استعمالها على حال، وقال: هذا (اجماع) وقد وردت به أخبار معتمدة قد أجمع عليها، ودليل الاحتياط يقتضيها. ونقل لفظ النهاية وهو خلاف الرواية وخلاف ما ذكره ابن بابويه (ره)، ولم نقف على رواية بهذا الحكم سوى تلك الرواية، ورواية مرسلة ذكرها الكليني (ره) قال بعض أصحابنا عن ابن جمهور وهذه مرسلة، وابن جمهور ضعيف جدا، ذكر ذلك: (النجاشي) في كتاب الرجال فأين الاجماع وأين الاخبار المعتمدة ونحن نطالبه بما ادعاه وأفرط في دعواه.

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 11 ح 1 ص 158.
2) الوسائل ج 1 باب الماء المضاف باب 9 ح 9 ص 154.

[ 93 ]

مسألة: أما (الاسئار) كلها طاهرة عدا الكلب، والخنزير، والكافر، والسئور (مهموزا) بقية المشروب، وما ذكرناه اختيار (الشيخ ره) في النهاية و (علم الهدى) في المصباح وأما الشيخ في الاستبصار والتهذيب إلى المنع من سؤر ما لا يؤكل لحمه، وقال في المبسوط (الادمي) طاهر عدا الكافر، والطير، والبهايم الوحشية، كلها طاهرة، عدا الكلب والخنزير، والتي لا يؤكل من الانسية كلها نجسة، عدا ما لا يمكن التحرز منه كالفأرة، والحية، والهرة وغير ذلك. لنا ما رواه الجمهور، عن جابر، ان النبي صلى الله عليه وآله (سئل أيتوضأ بما أفضلته الخمر؟ فقال نعم، وبما أفضلته السباع كلها) (1) وما رووه عن زيد بن أسلم، ان النبي صلى عليه وآله (سئل عن الحياض تنق بها السباع، والدواب، فقال: لها ما حملت في بطونها، وما بقي فهو لنا شراب وطهور) (2) ووجه الدلالة عدم الفرق في الجواب بين قليله وكثيره، ومن طريق الخاصة ما رواه أبو العباس الفضل قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فضل الشاة، والبقرة، والحمار، والابل، والبغل، والوحش، والهرة، والسباع، فلم أترك شيئا الا سألته عنه، فقال: لا بأس، حتى انتهيت إلى الكلب، فقال: رجس نجس لا تتوضأ بفضله، واصبب ذلك الماء) (3) وعن معاوية بن شريح قال: (سأل عذافر، أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن سؤر السنور، والشاة، والبقرة، والبغل، والحمار، والفرس، والسبع، أيشرب منه ويتوضأ؟ فقال: نعم، قلت: الكلب؟ قال لا، قلت: أليس هو سبع؟ قال: لا والله انه رجس لا والله انه رجس) (4) وأما سؤر الطيور فطاهر، الا ما كان على منقاره نجاسة دما أو

1) التاج ج 1 كتاب الطهارة ص 83.
2) سنن ابن ماجة ج 1 كتاب الطهارة ص 173 (مع تفاوت).
3) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 1 ح 4 ص 163.
4) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 1 ح 6 ص 163.

[ 94 ]

غيره، لما رواه علي بن أبي جمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا بأس بفضل الحمام والدجاجة، والطير) (1) وما رواه عمار عنه عليه السلام قال: (كل الطيور يتوضأ بماء يشرب منه، الا أن يرى في منقاره دما) (2) لا يقال: علي بن حمزة واقفي، وعمار فطحي، فلا يعمل بروايتهما لانا نقول: الوجه الذي لاجله عمل برواية الثقة قبول الاصحاب، وانضمام القرينة، لانه لولا ذلك، لمنع العقل من العمل بخبر الثقة، إذ لا وثوق بقوله، وهذا المعنى، موجود هنا، فان الاصحاب عملوا برواية هؤلاء كما عملوا هناك، ولو قيل: فقد رد رواية كل واحد منهما في بعض المواضع، قلنا: كما ردوا رواية الثقة في بعض المواضع متعللين بأنه خبر واحد، والا فاعتبر كتب الاصحاب فانك تراها مملؤة من رواية علي المذكور، وعمار، على انا لم نر من فقهائنا من رد هاتين الروايتين، بل عمل المفتين منهم بمضمونها. ويؤيدهما ان مقتضى الدليل الطهارة، وانما يصار إلى النجاسة لدلالة الشرع وحيث لا دلالة فلا تنجيس. واستدل (الشيخ) في التهذيب على نجاسة سؤر ما لا يؤكل لحمه، برواية عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كل ما يؤكل لحمه فلا بأس بسؤره) (3) قال: هذا يدل على أن مالا يؤكل لحمه لا يجوز الوضوء بسؤره ولا يشرب منه، والجواب الطعن بضعف السند، ووجود المعارض السليم، فان الراوي له أحمد بن الحسن بن علي، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار، والجماعة فطحية فلا يترك لاجله رواية الفضل، وبأن دلالته على موضع النزاع بدليل الخطاب وهو متروك عند المحققين.

1) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 4 ح 1 ص 166.
2) و 3) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 4 ح 2 ص 166.

[ 95 ]

وما رواه الجمهور، من قول النبي صلى الله عليه وآله ((في الحمر يوم خيبر، انه رجس) (1) فهو ضعيف، قال البخاري: رواه ابن أبي حبيبة، وهو منكر الحديث، وابراهيم ابن يحيى، وهو كذاب، وأما نجاسة ما استثنيناه من الكلب، والخنزير، والكافر فلانها نجاسة الاعيان فينجس القليل بمباشرتها، أما الكلب، فلما رواه الجمهور، عن أبي هريرة، ان النبي صلى الله على وآله قال: (يغسل الاناء من ولوغ الكلب ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا)) (2) وفي رواية عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله (إذا وقع الكلب في اناء كم فاغسلوه سبعا) (3) وأما الخنزير فلقوله تعالى: (أو لحم الخنزير فانه رجس) (4) والرجاسة: النجاسة، ومن طريق الخاصة، ما رواه محمد بن مسلم قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل، قال: يغسل المكان الذي أصابه) (5). وما رواه محمد بن يعقوب الكليني (ره)، باسناده عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام (عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فيذكر وهو في صلاته، قال: إذا دخل في صلاته فليمض، وان لم يدخل فلينضح ما أصاب من ثوبه، الا أن يكون فيه أثر فيغسله، قال: وسألته عن خنزير شرب من اناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرات) (6). وأما الكفار فقسمان: يهود ونصارى، ومن عداهما، أما القسم الثاني: فالاصحاب

1) رواها مسلم في صحيحه من كتاب الصيد والذبائح ج 3 ص 154 (بغير هذه العبارة).
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 240.
3) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 241 رواه بلفظة ولغ.
4) الانعام: 145.
5) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 12 ح 8 ص 1017. 6) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 13 ح 1 ص 1017.

[ 96 ]

متفقون على نجاستهم، سواء كان كفرهم أصليا أو ارتدادا، لقوله تعالى: (انما المشركون نجس) (1) ولقوله تعالى: (كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) (2) لا يقال: (الرجس) العذاب رجوعا إلى أهل التفسير، لانا نقول: حقيقة اللفظ يعطي ما ذكرناه، فلا يستند الي مفسر برأيه، ولان (الرجس) اسم لما يكره فهو يقع على موارده بالتواطئ، فيحمل على الجميع عملا بالا طلاق، وأما اليهود والنصارى (فالشيخ) قطع في كتبه بنجاستهم، وكذا (علم الهدى) والاتباع و (ابنا بابويه) و (للمفيد)) قولان: أحدهما: النجاسة، ذكره في أكثر كتبه والاخر الكراهية ذكره في الرسالة الغرية. لنا ما رواه الجمهور، عن أبي ثعلبة الخشني قال: (قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله انا بأرض قوم أهل كتاب نأكل في آنيتهم، فقال: لا تأكلوا فيها الا أن لا تجدوا غيرها، فاغسلوه ثم كلوا فيها) (3) لا يقال: يحمل على ما إذا لاقوها بالنجاسة لان الغالب عليهم مباشرة النجاسات، لانا نقول: اللفظ مطلق فيحمل على المباشرة كيف كان. ومن طريق الخاصة ما رواه سعيد الاعرج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن سؤر اليهودي، والنصراني، أيتوضأ منه؟ قال: لا) (4) وما رواه أبو بصير، عن أبى جعفر عليه السلام (في مصافحة المسلم لليهودي، والنصراني، فقال: من وراء الثياب، فان صافحك بيده فاغسلها) (5) يعني (يدك) وعن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام

1) التوبة: 28.
2) الانعام: 125.
3) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 33.
4) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 3 ح 1 ص 165.
5) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 14 ح 5 ص 1019.

[ 97 ]

قال: (سألته عن رجل صافح مجوسيا، قال يغسل يده ولا يتوضأ) (1). وما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام في شراء الثوب، قال: (ان اشتراه من مسلم فليصل فيه، وان اشتراه من نصراني فلا يصل فيه حتى يغسله) (2) وعنه، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن اليهودي، والنصراني، يدخل يده في الماء أيتوضأ منه؟ فقال: لا، الا أن يضطر إليه) (3) لا يقال: هذا الاستثناء يدل على عدم النجاسة، لانه لو حكم بنجاسته لما أجاز الوضوء مع الاضطرار، لانا نقول: لعل المراد بالوضوء التحسين لا رفع الحدث، ويلزم من المنع منه للتحسين المنع من رفع الحدث، وهو أولى. [ فروع ] الاول: يكره سؤر (الجلال) وهو ما يأكل العذرة محضا، وبه قال (علم الهدى ره) في جمل العلم والعمل، واستثناه من المباح في المصباح. وكذ (الشيخ ره) في المبسوط. لنا خبر الفضل أبي العباس (رض)، عن أبي عبد الله عليه السلام ولان الطهارة هي مقتضى الاصل، لا يقال: رطوبة أفواهها عن غذاء نجس، فيحكم بنجاسته، لانا نمنع الملازمة، ولانه منقوض ببصاق من شرب الخمر إذا لم يتغير، وبما لو أكلت غير العذرة مما هو نجس، لا يقال: عرقها نجس فلعابها نجس، لانا نمنع الملزوم واللازم، وسيجئ تحريره. الفرع الثاني: أسئار المسلم طاهرة وان اختلفت آراؤهم، عدا الخوارج والغلات، وقال (الشيخ ره) في النهاية بنجاسة المجبرة والمجسمة. وخرج بعض

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 14 ح 3 ص 1018.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 14 ح 10 ص 120.
3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 14 ح 9 ص 1020.

[ 98 ]

المتأخرين بنجاسة من لم يعتقد الحق عدا المستضعف، لنا ان النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يجتنب سؤر أحدهم وكان يشرب من الموضع الذي تشرب منه عايشة بعده، ولم يجتنب علي عليه السلام سؤر أحد من الصحابة مع مباينتهم له، ولا يقال: كان ذلك تقية، لانه لا يصار إليها الا مع الدلالة. وعن علي عليه السلام (انه سئل أتتوضأ من فضل جماعة المسلمين أحب اليك أو تتوضأ من ركو أبيض محمر؟ فقال: لا، بل من فضل وضوء جماعة المسلمين فان أحب دينكم إلى الله الحنيفية السهلة السمحة) (1) ذكره أبو جعفر بن بابويه في كتابه، وعن عيص بن (القاسم)، عن أبي عبد الله عليه السلام (ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يغتسل هو وعايشة من اناء واحد) (2) ولان النجاسة حكم مستفاد من الشرع فيقف على الدلالة. أما الخوارج: فيقدحون في علي عليه السلام، وقد علم من الدين تحريم ذلك فهم بهذا الاعتبار داخلون في الكفر لخروجهم عن الاجماع، وهم المعينون بالنصاب. وأما الغلاة: فخارجون عن الاسلام وان انتحلوه، وقال: ابن بابويه (ره) في كتابه لا يجوز الوضوء بسؤر ولد الزنا، والوجه الكراهية. لنا التمسك بالاصل، وربما تعلل المانع بأنه كافر، ونحن نمنع ذلك، ونطالبه بدليل دعواه، ولو ادعى الاجماع كما ادعاه بعض الاصحاب كانت المطالبة باقية، فانا لا نعلم ما ادعاه. الفرع الثالث: يكره سؤر ما أكل الجيف من الطير إذا خلا موقع الملاقات من النجاسة، ولا يحرم، وبه قال علم الهدى في المصباح، واستثنى الشيخ ذلك من المباح في النهاية والمبسوط. لنا الاذن في استعمال سؤر الطيور والسباع، يدل على ذلك: انها لا تنفك عن ذلك عادة، وفي مسائل عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام (عما يشرب منه صقر أو عقاب، فقال: كل شئ من الطيور تتوضأ مما يشرب منه الا

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المضاف باب 8 ح 3 ص 152.
2) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 7 ح 1 ص 168.

[ 99 ]

أن ترى في منقاره دما) (1). الفرع الرابع: إذا أكلت (الهرة) ميتا ثم شربت لم ينجس الماء وان قل، سواء غابت أو لم تغب ذكره الشيخ في المبسوط، لعموم الاحاديث المبيحة لسؤر الهرة، منها رواية زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام في كتاب علي عليه السلام (ان الهرة سبع ولا بأس بسؤره، واني لاستحي من الله ان ادع طعاما لان الهرة أكل منه) (2). الفرع الخامس: قال في المبسوط يكره سؤر (الحائض) وأطلق. وكذا قال: علم الهدى رضي الله عنه في المصباح، وكره سؤر المتهمة لا المأمونة، ويريد (بالمأمونة) المستحفظة من الدم و (بالمتهمة) ضدها. وما في النهاية أولى مصيرا إلى الخبر المقيد بالتهمة، رواه العيس بن القاسم عن أبي عبد الله عليه السلام (في سؤر الحايض، قال: يتوضأ منه، ومن سؤر الجنب: إذا كانت مأمونة) (3) ورواه على بن يقطين عن أبي الحسن عليه السلام (عن الرجل يتوضأ بفضل وضوء الحايض، قال: إذا كانت مأمونة فلا بأس) ولان مع عدم التحفظ يتطرق ظن النجاسة، ومع ظن النجاسة يكره الاستعمال استظهارا للعبادة. الفرع السادس: قال بعض الاصحاب: لعاب (المسوخ) نجس كالدب، والقرد، والثعلب، والارنب، والفيل، وقال الشيخ: المسوخ نجسة. والوجه الكراهية دفعا لشبهة الاختلاف، ويدل على الطهارة خبر الفضل، ولان الطهارة هي مقتضي الاصل فيحكم بها مع عدم الدلالة على التنجس، والسؤر يبنى على اللعاب. الفرع السابع: قال في المبسوط: يكره سؤر (الدجاج) على كل حال،

1) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 4 ح 2 ص 166.
2) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 2 ح 2 ص 164.
3) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 7 ح 1 ص 168.
4) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 8 ح 5 ص 170.

[ 100 ]

وهو حسن ان قصد المهملة، لانها لا تنفك من الاغتذاء بالنجاسة. الفرع الثامن: سؤر (الحشار) طاهر، وهو قول الجماعة والمستند الاحاديث السابقة، والتمسك بمقتضى الاصل. الفرع التاسع: لا بأس بسؤر (الفأرة) و (الحية) وكذا لو وقعتا في الماء وخرجتا، وقال في النهاية: الافضل ترك استعماله. لنا رواية اسحق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام (ان أبا جعفر عليه السلام كان يقول: لا بأس بسؤر الفأرة إذا شربت في الاناء، أن يشرب منه ويتوضأ) (1). الفرع العاشر: قال في النهاية: لا يجوز استعمال ما وقع فيه الوزغ وان خرج حيا، وكذا قال ابن بابويه في كتابه: والوجه الكراهية تمسكا بالاصل. ولانه ليس بنجس العين، ولما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: (سألته عن العظاة، والحية، والوزغ، يقع في الماء فلا تموت أيتوضأ منه للصلاة؟ قال لا بأس به) (2) الفرع الحادي عشر: لا بأس أن يستعمل الرجل فضل وضوء المرأة إذا لم يلاق نجاسة عينية، وكذا الرجل، لما بيناه من بقائه على التطهر، ولما روته ميمونة قالت: (اغتسلت من جفنة ففضلت منها فضلة، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله اني اغتسلت منه، فقال: الماء ليس عليه جنابة) (3) وقال ابن حنبل: يكره إذا حلت به المرأة، لما روى الحكم بن عمرو (ان النبي صلى الله عليه وآله نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة) (4)

1) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 9 ح 2 ص 171.
2) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 9 ح 1 ص 171. 3) رواه البيهقي في السنن ج 1 ص 188 ومسلم والبخاري في ابواب الطهارة من صحيحها بغير هذه العبارة.
4) سنن ابن ماجة ج 1 كتاب الطهارة ص 132.

[ 101 ]

والحديث ضعيف طعن فيه محمد بن اسماعيل، وقال هو موقوف، ومن رفعه فقد اخطأ. مسألة: ما لا نفس له سائلة كالذباب والجراد، والخنافس، لا ينجس بالموت، ولا ينجس الماء بموته ولا المايعات، ونعني ((بالنفس السائلة) الدم الذي يخرج من عرق، وهذا مذهب علمائنا أجمع، وقال الشافعي: نجس بالموت وينجس ما يموت فيه عدا السمك. لنا ما رواه الجمهور، عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (أيما طعام أو شراب ماتت فيه دابة ليس لها نفس سائلة فهو الحلال أكله وشربه والوضوء منه) (1). لا يقال: طعن الترمذي في هذا الحديث بأن رواته بغية فهو مدلس، لانا نقول: صححه جماعة، ورووه عن المشاهير فزال بهم الطعن، ومن طريق الخاصة ما رواه عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه سئل عن الخنفساء، والذباب، والجراد، والنملة، وما أشبه ذلك يموت في اللبن والزيت والسمن وشبهه؟ قال كل ما ليس له دم فلا بأس) (2) وما رواه الحسين بن سعيد، عن ابن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كل شئ سقط في البئر ليس له دم، مثل العقارب، والخنافس، وأشباه ذلك، فلا بأس).
(3) وما رواه حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: (لا يفسد الماء الا ما كانت له نفس سائلة) (4) لا يقال: عمار فطحي، ومحمد بن سنان ضعيف، وحفص بن غياث القاضي عامي، لانا نقول: هذه الروايات وان ضعف سندها، فان فتوى الاصحاب يؤيدها، ويؤكدها قول الصادق عليه السلام (الماء كله طاهر حتى يعلم

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 253 رواه مع تفاوت.
2) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 10 ح 1 ص 173.
3) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 10 ح 3 ص 173.
4) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 10 ح 4 ص 173

[ 102 ]

انه قذر) (1) ولانه ماء ثبتت طهارته وشك في نجاسته فيبقى على الطهارة. [ فروع ] الاول: ما يعيش في الماء وان كان مما لانفس له سائلة لا ينجس الماء بموته، كالسمك، والضفدع، والسرطان، وان كان له نفس سائلة كالتمساح، فانه ينجس بموته، وقال (الشيخ) في الخلاف: إذا مات في الماء القليل ضفدع أو ما لا يؤكل لحمه مما يعيش في الماء لا ينجس الماء وأطلق. لنا انه حيوان له نفس سائلة وكان موته منجسا ولا حجة لهم في قوله عليه السلام في البحر: (هو الطهور مائه، الحل ميتته) (2) لان التحليل مختص بالسموك وسيأتي تحريره. الثاني: في ما لا نفس له إذا وقع في الماء القليل فغير أحد أوصافه لم تزل طهوريته ما لم يسلبه الاطلاق، فان سلبه بقي على طهارته وزالت الطهورية. الثالث: ما تولد من الطاهرات طاهر، وما تولد من النجاسات كدود الحش وصراصره، ففي نجاسته تردد، وجه النجاسة انها كاينة عن النجاسة فتبقى على النجاسة، ووجه الطهارة الاحاديث الدالة على الطهارة ما مات فيه حيوان لا نفس له من غير تفصيل، وترك التفصيل دليل ارادة الاطلاق، ولان تولده في النجاسة معلوم، أما منها فغير معلوم، فلا يحكم بنجاسة، وان لاقى النجاسة إذا خلا من عين النجاسة. ومثله السبع إذا أكل الجيف وكان فمه خاليا من عين النجاسة. الرابع: إذا انقطع حيوان الماء فيه لم ينجسه إذا لم يكن ذا نفس سائلة، وينجسه ان كان له نفس إذا كان الماء قليلا. الخامس: اتفق الاصحاب على نجاسة الادمي بالموت، لان له نفسا سائلة،

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 1 ح 5 ص 100.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 3.

[ 103 ]

ولان زنجيا مات في بئر فأمر ابن عباس ينزحها، ولما رويناه عن الصادق عليه السلام (من ايجاب نزح سبعين إذا مات في البئر) (1) وإذا غسل المسلم طهر، أما الكافر فلا يطهر، لان طهارة المسلم مستفاد بالشرع فيبقى الكافر نجسا بالاصل. السادس: ما يموت فيه الوزغ، والعقرب، يكره، وهو اختيار (الشيخ ره) في المبسوط وقال في النهاية: لا بأس بما لا نفس له سائلة الا العقرب والوزغ. وقال ابن بابويه في المقنع: إذا وقعت العضاية في اللبن حرم. لنا انه حيوان لا نفس له فلا ينجس ولا ينجس. اما رواية عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام (عن العضاية تقع في اللبن قال: يحرم اللبن) (2) فالوجه الكراهية، وقد قيل: ان فيها سما فالمنع للتوقي. السابع: لو ضرب صيد محلل فوقع في الماء فمات، فان كان الجرح قاتلا فالماء على الطهارة، والصيد على الحل، وان لم يكن قاتلا واحتمل أن يكون موته بالماء والجرح فالصيد على الحظر، لعدم تيقن السبب المبيح، وفي تنجيس الماء تردد، أحوطه التنجيس. مسألة: لو نجس أحد الانائين ولم تيعين اجتنب ماؤهما، وكذا قال في المبسوط. وقال في النهاية: وجب اهراق جميعه والتيمم، وبمثله قال أبو جعفر بن بابويه في كتابه، والمفيد في المقنعة. وقال علم الهدى (ره) في المصباح: أراقهما وعدل إلى غيرهما، فان لم يجد تيمم، وما ذكره في المبسوط أشبه، أما المنع من استعمالهما فمتفق عليه، ولان يقين الطهارة في كل واحد منهما معارض بيقين النجاسة ولا رجحان، فيتحقق المنع، ولعل الشيخ استند في النهاية إلى رواية سماعة وعمار ابن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل معه اناء ان وقع في أحدهما نجاسة لا يدري

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 21 ح 2 ص 141. 2) الوسائل ج 16 ابواب الاطعمة المحرمة باب 46 ح 2 ص 466.

[ 104 ]

أيهما هو، وليس يقدر على ماء غيره، قال: يهريقهما ويتيمم) (1) وعمار هذا وان كان فطحيا، وسماعة وان كان واقفيا، لا يوجب رد روايتهما هذه، اما أولا فلشهادة أهل الحديث لهما بالثقة، واما ثانيا فلعمل الاصحاب بالحديث ولسلامتهما من المعارض. واما الامر بالاراقة فيحتمل أن يكنى به عن الحكم بالنجاسة، لا تحتيم الاراقة، لان استبقائه قد يتعلق به غرض، أما للتطهير، أو الاستعمال في غير الطهارة والاكل والشرب، وقد يكنى عن النجاسة بالاراقة في كثير من الاخبار تفخيما للمنع، وقيل: وجوب الاراقة، ليصح التيمم، لانه مشروط بعدم الماء، وهو تأويل ضعيف لان وجود الممنوع من استعماله لا يمنع التيمم كالمغصوب، وما يمنع من استعماله مرض أو عدو، ومنع الشارع أقوى الموانع، وحكم ما زاد على الانائين في المنع حكم الانائين. [ فروع ] الاول: (التحري) غير جايز في الانائين وفيما زاد عليهما، سواء كان هناك امارة، أو لم يكن، وسواء كان المشتبه بالطاهر نجسا أو نجاسة كالبول، أو مضافا، أو مستعملا، ولو انقلب أحدهما لم يجز التحري أيضا، لان التحري ظن فلا يرتفع به يقين النجاسة، ولانه لو كان التحري صوابا لاطرد في الماء والبول، وقد أجمعوا على اطراح التحري هناك. الثاني: لو كان أحد الانائين نجسا فتطهر بهما، وصلى، لم يرتفع الحدث، ولم تصح الصلاة، سواء قدمها أمام الصلاة أو صلى مع كل وضوء، لانه ماء محكوم بالمنع منه، فيجري استعماله مجرى النجس، أما لو كان أحدهما ماءا والاخر مضافا أو مستعملا في الغسل الواجب فان وجد ماءا مطلقا طاهرا على اليقين تطهر به، وان

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 12 ح 1 ص 124.

[ 105 ]

لم يجد تطهر بهما ولم يتحر، وكذا قال في المبسوط والخلاف، لانه أمكن أداء الفرض بطهارة متيقنة. الثالث: مع الضرورة يستعمل أيهما شاء في غير الطهارة، ولا يلزمه التحري وان كان أحدهما نجسا، لان الضرورة مبيحة، والتحري لا يفيد اليقين فيسقط اعتباره. الرابع: لو خاف العطش أمسك أيهما شاء، لانهما سواء في المنع، ومع خوف العطش يمسك النجس فكيف بالمشتبه. الخامس: لو كان معه ماء طاهر ونجس غير مشتبهين، فعطش، شرب الطاهر وتيمم، وكذا لو علم حاجته إلى الماء استبقى الطاهر وتيمم للصلاة، لان وجود النجس كعدمه. مسألة: وكل ما حكم بنجاسته لم يجز استعماله، ولو اضطر معه إلى الطهارة تيمم، انما اعتبر (الحكم) لانه أعم، إذ قد يحكم بنجاسة ما ليس بنجس في نفسه، ويريد (بالمنع من استعماله) الاستعمال في الطهارة أو ازالة الخبث أو الاكل أو الشرب دون غيره مثل بل الطين وسقي الدابة، وانما قال فلو (اضطر) لان عدم الماء مع الالزام بالصلاة المفتقرة إلى الطهارة المائية نوع اضطرار إلى البدل وهو التطهير بالتراب، وأما وجوب التيمم فلان الماء المحكوم بنجاسته ممنوع من الطهارة به فجرى مجرى العدم. [ الركن الثاني ] [ في الطهارة المائية ] وهي وضوء وغسل، والوضوء يستدعي بيان امور: الاول: في موجباته: مسألة: موجبات الوضوء خمس: خروج البول والغايط والريح من الموضع المعتاد، والاحداث تشترك في نقض الطهارة، ثم منها: ما يوجب الوضوء، ومنها:

[ 106 ]

ما يوجب الغسل، ومنها: ما يوجب الوضوء تارة والغسل اخرى، وقد يقسم إلى رابع. أما موجبات الوضوء: فقد اتفق المسلمون ان خروج هذه الثلاثة ينقض الطهارة ويوجب الوضوء، ويدل عليه مضافا إلى الاجماع، قوله تعالى (أو جاء أحد منكم من الغايط) (1) وقول النبي صلى الله عليه وآله: (لكن من بول أو غايط) (2) وقوله عليه السلام: (فلا تنصرفن حتى تسمع صوتا أو تجد ريحا) (3) وما رواه زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا يجب الوضوء الا من غايط أو بول أو ضرطة أو فسوة تجد ريحها) (4) وما رواه زكريا ابن آدم قال: (سألت الرضا عليه السلام عن الناصور؟ فقال: انما ينقض الوضوء ثلاث: البول، والغايط، والريح) (5). [ فروع ] الاول: إذا خرج أحد الثلاثة من الموضع المعتاد نقض اجماعا، وان خرج من غيره لم ينقض، وقال في المبسوط والخلاف: ان خرج البول والغايط مما دون المعدة نقض، ومما فوقها لا ينقض، لان ما يخرج من فوق المعدة لا يكون غايطا، وهو ضعيف لان الغايط اسم (للمطمئن) ونقل إلى (الفضلة المخصوصة)) فعند هضم المعدة الطعام وانتزاع اجزاء الغذائية منه، يبقى الثفل فكيف خرج تناوله الاسم، ولا اعتبار بالمخرج في تسميته، وبما قال بعض الاصحاب بالنقض مطلقا.

1) النساء: 43.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 118 3) رواه البيهقي في سننه ج 1 كتاب الطهارة ص 117 (مع تفاوت).
4) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 4 ح 2 ص 175.
5) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 2 ح 6 ص 178.

[ 107 ]

لنا ما رواه زرارة قال: (قلت: لابي عبد الله عليه السلام وأبي جعفر عليه السلام ما ينقض الوضوء؟ فقال: ما يخرج من طرفيك الاسفلين: من الذكر والدبر من غايط، أو بول، أو مني، أو ريح، والنوم حتى يذهب العقل) (1) والسؤال بما المستوعبة لكل ما ينقض الوضوء. وما رواه أبو الفضل بن سالم، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: (ليس ينقض الوضوء الا ما خرج من طرفيك الاسفلين الذين أنعم الله بهما عليك) (2). وما رواه أديم بن الحر انه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: (ليس ينقض الوضوء الا ما خرج من طرفيك الاسفلين) (3) ولان مقتضى الدليل بقاء الطهارة فيقف انتقاضها على موضع الدلالة. لا يقال: الدلالة موجودة وهي قوله تعالى: (أو جاء أحد منكم من الغايط) (4) وما روي من الاخبار الدالة بالاطلاق، لانا نقول الاطلاق ينصرف إلى المعتاد فيتقيد به، ثم يؤيده الروايات المقيدة لذلك الاطلاق. الفرع الثاني: لو كان المخرج في غير موضعه خلقة انتقضت الطهارة بخروج الحدث منه، لانه مخرج أنعم الله به، وكذا لو انسد المعتاد وانفتح غيره، لانه صار مخرجا منعما به، أما لو لم ينسد المعتاد وانفتح مع آخر فان صار خروج الحدث منه معتادا أيضا فقد ساوى المخرج، وان كان نادرا فالاشبه انه لا ينقض. الفرع الثالث: لو خرج من أحد السبيلين دود أو غيره من الهوام، لم ينقض الوضوء الا أن يستصحب حدثا، لما ذكرنا من الروايات، ولما رواه عبد الله بن زيد عن أبي عبد الله عليه السلام (ليس في حب القرع والديدان الصغار وضوء) (5) ولا يقال:

1) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 2 ح 2 ص 177.
2) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 2 ح 4 ص 178.
3) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 2 ح 3 ص 177.
4) النساء 43.
5) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 5 ح 3 ص 183.

[ 108 ]

اشتراط (الصغار) يقتضي كون الكبار بخلافه والا لم يكن لذكر الوصف فائدة، لانا نقول: هذا تمسك بدليل الخطاب وهو ضعيف. وربما كان التقييد بالصغر لان الكبار بقوة حركتها وعظمها تستصحب مدتا في الاغلب، ولا يعارض ذلك ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل يخرج منه حب القرع، قال: عليه وضوء) (1) لانه يحتمل ما ذكره الشيخ (ره) في التهذيب: وهو اشتراط التلطخ بالعذرة، ودل عليه رواية عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام فانه قال: (ان خرج نظيفا لم ينقض وان خرج متلطخا بالعذرة فعليه اعادة الوضوء والصلاة) (2) وهذه وان كان سندها فطحية الا انها منبهة على الاحتمال المذكور، ولان الاصل بقاء الطهارة، ولا يقال: لا ينفك الخارج من رطوبة نجسة، لانا نمنع ذلك ثم لا نسلم ان كل نجس ناقض، سنبين ان الرطوبات الخارجة لا تنقض. الفرع الرابع: خروج الريح من الذكر لا ينقض لانه لا منفذ له إلى الجوف والظاهر ان الناقض ما كان مصدر الجوف، ولقوله (لا يجب الوضوء الا من بول أو غايط أو فسوة أو ضرطة) (3 والخارج من الذكر لا يسمى بذلك، أما ما يخرج من قبل المرأة ففيه تردد، والاقرب النقض، لان لها منفذا إلى الجوف فيمكن خروج الريح من المعدة إليه، اما الجشا فلا خلاف انه لا ينقض. الفرع الخامس: لو قطر في إحليله دهنا أو استدخل في أحد المخرجين دواءا كالحقنة فخرج خالصا لم ينقض، لا باعتباره بالنظر إلى خروج الحدث، وكذا كل ما يخرج من السبيلين طاهرا كان كالحصاة، أو نجسا كالدم، عدا الدماء الثلاثة. مسألة: (النوم) الغالب على الحاستين يريد (بالحاستين) السمع والبصر

1) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 5 ح 6 ص 184.
2) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 5 ح 5 ص 184.
3) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 4 ح 2 ص 175.

[ 109 ]

وبهذا قال علماؤنا أجمع، وهو مذهب أهل العلم عدا ما حكي عن أبي مجار وحميد الاعرج وعمرو بن دينار انه ليس بناقض، وقيل: ان سعيد بن اللبيب كان ينام مضطجعا ثم يصلي ولا يعيد الوضوء. لنا ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله: (العين وكاء للسنة فمن نام فليتوضأ) (1) و (السنة) هي حلقة الدبر و (الوكاء) الشداد، وما رواه زرارة قال: (قلت لابي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام ما ينقض الوضوء؟ قال: ما يخرج من طرفيك أو النوم حتى يذهب العقل) (2) وما رواه معمر بن خلاد، عن الرضا عليه السلام (إذا خفي الصوت وجب الوضوء) (3) وعبد الله بن المغيرة، عنه عليه السلام (إذا ذهب النوم بالعقل فليعد الوضوء) (4). [ فروع ] الاول: ابتداء النعاس وهو المسمى (سنة) لا ينقض الوضوء لانه لا يسمى نوما، كما قال الشاعر: وسنان أقصده النعاس فرتقت في عينه سنة وليس بنايم ولان نقضه مشروط بذهاب العقل. الثاني: من نام قاعدا أو قائما أو راكعا أو ساجدا وكيف كان لزمه الوضوء وهو مذهب الثلاثة وأتباعهم، وقال ابن بابويه (ره) في كتابه: في الرجل يرقد قاعدا، انه لا وضوء عليه ما لم ينفرج، وقال الشافعي: إذا نام قاعدا مفضيا بمخرجه إلى

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 118.
2) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 2 ح 2 ص 177.
3) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 4 ح 1 ص 183.
4) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 3 ح 2 ص 180.

[ 110 ]

الارض لم ينقض وضوءه، لما رواه أنس (أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا ينامون ثم يقومون يصلون ولا يتوضؤن) (1) وقال أبو حنفية: لا ينقض النوم الا مضطجعا أو متوركا أو مستندا إلى ما لو زوال لسقط، ولا ينقض في أحوال الصلاة. لما رواه ابن عباس (ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يسجد وينام وينفخ ثم يقوم فيصلي فقلت: صليت ولم تتوضأ وقد نمت؟ فقال: انما الوضوء على من نام مضطجعا) (2). لنا قول النبي صلى الله عليه وآله: (فمن نام فليتوضأ) (3) ورواية عبد الحميد بن عواض عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سمعته يقول: من نام وهو راكع أو ساجد أو ماش على أي الحالات فعليه الوضوء) (4) وعنه عليه السلام: (لا ينقض الوضوء الا حدث والنوم حدث) (5) أما حديث الشافعي فحكاية ترجع إلى بعض الصحابة، ومضمونها النفي، مع انه يمكن أن يظن أنس نوما ما ليس بنوم، فحديثنا حينئذ أرجح، لانه قول النبي صلى الله عليه وآله نصا، وأما حديث أبي حنيفة فمطعون فيه، قال ابن داود: ذكر ابن المنذر ان هذا الحديث لا يثبت وهو مرسل برواية قتادة، عن ابي العالية، وقال شعبة: انه لم يرو عنه الا أربعة أحاديث ليس هذا أحدها. وأما ما ذكره ابن بابويه فمحمول على النوم الذي لا يغلب العقل، وكذا ما رواه بكر بن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كان أبي يقول: إذا نام الرجل وهو جالس مجتمع فليس عليه وضوء، وإذا نام مضطجعا فعليه الوضوء) (6) وانما ساغ لنا هذا التأويل لوجود التفصيل في غير هذا الحديث من اعتبار الغلبة

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 120.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 121 - 122.
3) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 118.
4) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 3 ح 3 ص 180.
5) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 3 ح 4 ص 180.
6) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 3 ح 15 ص 182.

[ 111 ]

على العقل، وخفاء الصوت، وكونه لا يضبط الحدث، ولان الغالب في النايم المستغرق السقوط، فكان القعود علامة على السنة، ويدل على التفصيل رواية أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل يخفق وهو في الصلاة؟ فقال: إذا كان لا يحفظ حدثا منه ان كان فعليه الوضوء واعادة الصلاة) (1) وما رواه بكر عن أبي عبد الله عليه السلام (قلت: ينقض النوم الوضوء؟ فقال: نعم، إذا كان يغلب على السمع والصوت). الثالث: قال الشيخ في المبسوط: ينقض الوضوء كلما أزال العقل من اغماء أو سكر، أو جنون، أو غيره. وقال في النهاية: المرض المانع من الذكر. وقال المفيد في المقنعة: المرض المانع من الذكر، والاغماء، ومثله. قال علم الهدى (ره) في المصباح. وقال في جمل العلم: والنوم وما أشبهه من الجنون والمرض. وقال ابن الجنيد: كلما غلب على العقل كالغشوة والقرعة من القرع إذا تطاول. والمعنى في الكل متقارب، وضابطه كلما غلب على الحاستين، لما روى معمر بن خلاد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا خفي عليه الصوت فقد وجب الوضوء) (2) لا يقال: صدر الحديث يتضمن الاغماء، وهو من اسماء النوم، لانا نقول: هذه اللفظ مطلق فلا يتقيد بالمقدمة الخاصة، ولان النوم الذي يجوز معه الحدث وان قل يجب معه الوضوء، فمع الاغماء والسكر أولى، وهذا استدلال بالمفهوم لا بالقياس. [ مسألة: و (الاستحاضة القليلة) انما قال القليلة، وان كان الصنفان الاخران يوجبان الوضوء أيضا، لانه أراد ما يوجب الوضوء منفردا، ومذهب علمائنا أجمع وجوب ايجاب الوضوء بها عدا ابن عقيل فانه قال: ما لم يظهر على القطنة فلا غسل

1) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 3 ح 6 ص 180.
2) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 4 ح 1 ص 183.

[ 112 ]

عليها ولا وضوء، وقال مالك: ليس على المستحاضة وضوء، لنا ما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله (المستحاضة تتوضأ لكل صلاة) وما رواه معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (المستحاضة إذا جازت أيامها، فان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت وصلت لكل صلاة بوضوء) (1). [ فروع ] الاول: لا تجمع المستحاضة بين فريضتين بوضوء واحد، وقال أبو حنيفة: تجمع، لان طهارتها لوقت كل صلاة، لا لكل صلاة. لنا ما سلف من الروايتين، ولان دمها حدث فتستبيح الطهارة ما لابد منه وهو الصلاة الواحدة. الثاني: لو توضأت ودمها بحاله فانقطع بعد الطهارة قبل الدخول في الصلاة قال في المبسوط: استأنفت الوضوء، لان دمها حدث وقد زال العذر فظهر حكم الحدث، ولو صلت والحال هذه، أعادت لعدم الطهارة، سواء أعاد قبل الفراغ أو بعده. ولو انقطع في اثناء الصلاة قال في المبسوط والخلاف: لا يجب الاستيناف لانها دخلت في الصلاة دخولا مشروعا متيقنا ولا دليل على ايجاب الخروج. وهذا يشكل مع قوله: ان انقطاع دمها حدث، بمعنى ان معه يظهر حكم الحدث، كذا إذا قيل: دمها حدث وانما ابيحت الصلاة للضرورة، فعلى التقديرين الدليل الموجب لاستيناف موجودة، لانه لا صلاة مع تيقن الحدث وزوال العذر. لكن ان قيل: خروج دمها بعد الطهارة معفو عنه فلم يكن مؤثرا في نقض الطهارة، والانقطاع ليس بحدث أمكن، لكن يلزم التسوية في جواز الصلاة بين ما إذا انقطع قبل الدخول في الصلاة واما إذا انقطع في اثنائها فالفرق عسر، والاستدلال على بقاء الطهارة بالاستصحاب ضعيف أيضا، لانه ليس بحجة هنا، ولو عارض

1) الوسائل ج 2 ابواب الاستحاضة باب 1 ح 1 ص 604.

[ 113 ]

بصلاة المتيمم استندنا في الفرق إلى الاحاديث الدالة هناك على الاستصحاب. الثالث: لو توضأت قبل دخول وقت الصلاة لم يصح لانه لا ضرورة إليه، ولقوله: تتوضأ لكل صلاة. الرابع: قال في المبسوط: إذا توضأت الفرض، جاز أن تصلي معه ما شاءت من النوافل، وفيه اشكال ينشأ من كون دمها حدثا فتستبيح بالوضوء معه ما لابد منه وهو الصلاة الواحدة، ولقول النبي صلى الله عليه وآله: (المستحاضة تتوضأ لكل صلاة) (1) وقول أبي عبد الله عليه السلام: (توضأت وصلت كل صلاة بوضوء) (2). الخامس: قال الشيخ في المبسوط: لو توضأت بعد وقت الصلاة وأخرت الصلاة لا متشاغلة بها، ثم صلت لم تصح، قال: لان المأخوذ عليها أن تتوضأ عند كل صلاة وذلك يقتضي أن يعقب الصلاة. والتعليل ضعيف، لان لفظة (عند) جاءت في بعض الاخبار العامة، ولا يبلغ أن يكون حجة، وبتقدير التسليم يلزم ان يكون المراد به عند ارادة الصلاة، إذ لو نزل اللفظ على ظاهره للزم أن تكون الصلاة سابقة على الوضوء، ليتحقق كون الوضوء عندها. ويمكن أن يقال: ان وجود دمها حدث، فتستبيح بالوضوء ما لابد منه وهو قدر التهيؤ للصلاة، وقد اختلف الاحاديث في نقض الطهارة بأشياء نحن نذكرها. الاول: إذا مس الرجل أحد فرجيه لم ينتقض وضوءه، سواء مس الباطنين أو الظاهرين. وكذا لو مست المرأة فرجها بباطن الكف وظاهره بشهوة، وغيرها وهو اختيار الثلاثة واتباعهم. وقال أبو جعفر بن بابويه في كتابه: من مس باطن ذكره باصبعه أو باطن دبره باصبعه، انتقض وضوءه. وقال ابن الجنيد في المختصر: ان من مس ما انضم عليه الثقبان نقض وضوءه، وقال أيضا من مس ظاهر الفرج

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الحيض ص 329.
2) الوسائل ج 2 ابواب الاستحاضة باب 1 ح 1 ص 604.

[ 114 ]

من غيره بشهوة تطهر إذا كان محرما، ومن مس باطن الفرجين، فعليه الوضوء من المحر والمحلل. لنا ما رواه الجمهور عن قيس بن طلق عن أبيه قال: (قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وآله فجاء رجل كأنه بدوي، وقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله: ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ؟ وقال هل هو الا بضعة منه، أو مضغة منه) (1) فان قيل: قد طعن في هذا الحديث أبو حاتم، وقال قيس لا تقوم بروايته حجة، قلنا: الطعن لا يقبل الا مفسرا، فلا يلتفت إلى أبي حاتم مع شهرة قيس. وقد روى أصحابنا ما يشهد لهذا الحديث (عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام فقال انما هو من جسده) (2) والحجة من طريقنا ما رواه معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يعبث بذكره في الصلاة المكتوبة؟ فقال: لا بأس) (3) وما روي عنه عليه السلام (لا ينقض الوضوء الا ما خرج من طرفيك الاسفلين) (4). واحتج ابن بابويه (ره) برواية عمار بن موسى، عن الصادق عليه السلام قال: (سئل عن الرجل يتوضأ ثم يمس باطن دبره؟ قال: نقض وضوءه، وان مس باطن إحليله فعليه الوضوء، وان فتح إحليله أعاد الوضوء) (5) وقال الشافعي: مس الذكر ينقضه لقوله عليه السلام (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ) (6) ولا حجة في رواية عمار لضعفها، فان الرواة لها فطحية وهي منافية للاصل، ومخصصة لعموم الاحاديث الصحيحة. وأما خبر الشافعي فقد طعن فيه أصحاب الحديث، حتى قال يحيى بن معين: لا يصح

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 134.
2) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 9 ح 8 ص 192.
3) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 9 ح 7 ص 192.
4) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 2 ح 3 ص 177.
5) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 9 ح 10 ص 193. 6) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 128.

[ 115 ]

الوضوء من مس الذكر. الثاني: لا ينقض الوضوء مس فرج الغير، رجلا كان أو امرأة، محرما أو غيره، بباطن الكف أو ظاهره، ولا القبلة بشهوة، وغير شهوة، لمرأة أو غلام، وقال الشافعي: ينقض. لنا دلالة الاصل، وما رواه زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ليس في القبلة، ولا المباشرة، ولا مس الفرج، وضوء) (1). وما رواه الجمهور (ان النبي صلى الله عليه وآله كان يتوضأ ويخرج إلى المسجد فيتلقاه بعض نسائه، فيصيب من وجهها ولا يتوضأ) (2) ولما روى عروة عن عايشة (ان النبي صلى الله عليه وآله قبل امرأة من نسائه فخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ) (3). الثالث: (المذي) و (الوذي) طاهر ان لا ينقضان الوضوء خلافا للجمهور. لنا الاصل، وما روى اسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام (ان عليا عليه السلام كان مذاء فاستحيى أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله، لمكان فاطمة عليها السلام، فأمر المقداد أن يسأله، فقال: ليس بشئ) (4) وما رواه زيد الشحام، وزرارة، ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله قال: (ان سال من ذكرك شئ من مذي أو وذي، فلا تغسله، ولا تقطع له الصلاة ولا تنقض له الوضوء، انما ذلك بمنزلة النخامة) (5) ولا يعارضه ما رواه محمد بن اسماعيل بن بزيع، عن الرضا عليه السلام (ان عليا عليه السلام أمر المقداد أن يسأل النبي صلى الله عليه وآله فقال: فيه الوضوء) (6). وكذا روى الجمهور، والوجه حمله على الاستحباب توفيقا بين الحديثين.

1) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 9 ح 3 ص 192.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 125 - 126.
3) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 126.
4) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 12 ح 7 ص 197.
5) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 12 ح 2 ص 196.
6) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 12 ح 17 ص 199.

[ 116 ]

وقال الشيخ (ره) في التهذيب نحمله على ما إذا خرج كثيرا، أو كان عن شهوة. وقد روى ذلك علي بن يقطين، عن أبي الحسن عليه السلام، والوجه الاستحباب لما رواه ابن أبي عمير عن واحد من أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ليس في المذي من الشهوة، ولا من القبلة، ولا من مس الفرج ولا من المضاجعة وضوء) (1). فأما ما رواه الحسن بن محبوب، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (الوذي منه الوضوء لانه يخرج من دريرة البول، والذي ليس فيه وضوء، انما هو بمنزلة ما يخرج من الانف) (2) فمحمول على ما إذا لم يكن استبراء من البول، فان الوذي لا ينفك من ممازجة اجزاء من البول، هذا تأويل الشيخ (ره) في التهذيب. الرابع: (القئ) لا ينقض الوضوء. وقال أبو حنيفة ينقض إذا ملا الفم، لقوله عليه السلام (من قاء أو رعف في صلاته فليتوضأ وليبن على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم) (3) لنا ان التطهير مستفاد من الشرع، فيقف على التوقيف ولا توقيف، وما رواه أبو اسامة عن أبي عبد الله عليه السلام (عن القئ هل ينقض الوضوء؟ فقال لا) (4) وخبر أبي حنيفة مطعون فيه، قد اطرحه أكثرهم، ولم يذكره صاحب السنن وقال مالك والشافعي لا نص فيه، ولو كان صحيحا لما ذهب على مالك، ولانه لو كان ناقصا لما جاز البناء على الصلاة. الخامس: (القهقهة) في الصلاة تبطلها، ولا توجب الوضوء، وقال ابن الجنيد (ره): من قهقه في صلاة متعمدا، لنظر أو سماع ما أضحكه، قطع صلاته، وأعاد وضوئه. وقال أبو حنيفة: في كل صلاة ذات ركوع وسجود توجب الوضوء،

1) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 9 ح 2 ص 191.
2) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 12 ح 14 ص 198.
3) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 143.
4) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 6 ح 3 ص 185.

[ 117 ]

لما روى أبو العالية قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي، فجاء أعمى فتردى في بئر، فضحك قوم عن خلفه، فقال: من ضحك فليعد الوضوء والصلاة) (1) لنا دلالة الاصل، فان ايجاب الطهارة يقف على مورد الشرع، ورواية أبي العالية مرسلة، وقد قال ابن سيرين: لا نأخذ بمراسيل الحسن، ولا أبي العالية، لانهما لا يباليان ممن أخذا. السادس: لا ينقض الطهارة ما يخرج من البدن، من ((دم) أو (قيح) أو (صديد) أو (نخامة) أو (رطوبة) كيف خرج. وقال أبو حنيفة: ينقض القيح، والدم، والصديد، إذا خرج من البدن فتجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير، لما رواه تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (الوضوء من كل دم سائل) لنا ما رووه (ان النبي صلى الله عليه وآله احتجم وصلى، ولم يزد على غسل محاجمه) (2) وعمل الصحابة. فان ابن أبي أو في نزف دما ثم قام فصلى، وابن عمر عصر بثره فخرج دم فصلى، ولم يتوضأ، وجابر أدخل أصابعه في أنفه وأخرجها بالدم، وهو في الصلاة. وكذا روي عن ابن المسيب. وروى أصحابنا، عن ابراهيم بن أبي محمود، عن الرضا عليه السلام (عن القئ، والرعاف، والمدة أينقض؟ فقال: لا ينقض شيئا) (3) وروى الوشاء، عن الرضا عليه السلام كان يقول: (كان أبو عبد الله عليه السلام يقول في الرجل يدخل يده في أنفه، فتصيب أصابعه الخمسة الدم، فقال ينقيه، ولا يعيد الوضوء) (4) وروى عبد الاعلى، عن أبي عبد الله عليه السلام (عن الحجامة فيها وضوء؟ قال: لا، ولا يغسل مكانها، لان الحجام مؤتمن إذا كان ينظفه ولم يكن صبيا صغيرا) ويحمل خبر أبي حنيفة على غسل

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 146.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 141.
3) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 2 ح 6 ص 185. 4) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 7 ح 11 ص 189.
5) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 7 ح 6 ص 188.

[ 118 ]

موضع الدم، فان الغسل يسمى وضوءا كما قال عليه السلام: (الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم) (1) ومثله رواية عبيدة بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام (عن رجل أصابه دم سائم في الصلاة، قال: يتوضأ ويعيد) (2). السابع: (أكل ما مسته النار) لا يوجب الوضوء، وكذا لحم الابل. وقال أحمد بن حنبل: أكل لحم الابل ينقض الوضوء، لما روى البراء بن عازب (سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن لحوم الابل؟ فقال: توضأ منها، وعن لحوم الغنم؟ فقال لا تتوضأ منها) (3) لنا ما روي عن جابر قال (كان آخر الامر من رسول الله صلى الله عليه وآله، ترك الوضوء مما مسته النار)) (4) وما روي عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (الوضوء مما يخرج، لا مما يدخل) (5). وروى أصحابنا، عن بكير بن أعين قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن الوضوء مما غيرت النار؟ فقال: ليس عليك فيه وضوء، انما الوضوء مما يخرج ليس مما يدخل) (6) وخبر أحمد قد تركه فضلاؤهم، مثل مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأهل البيت عليهم السلام. وهو دليل ضعفه مع تخصيصه كلما دل على حصر الاحداث. الثامن: (الردة) لا ينقض الوضوء وقال أحمد: ينقض لقوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) (7) ولقول ابن عباس: الحدث حدثان: حدث اللسان،

1) هناك روايات كثيرة في هذا المعنى لكنه مروية عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الصادق (ع) الوسائل ج 16 ص 571.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 56 ح 1 ص 1078.
3) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 159 (مع تفاوت).
4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 156.
5) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 116 (مع تفاوت).
6) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 15 ح 3 ص 205.

[ 119 ]

وحدث القلب. لنا ان ايجاب الوضوء موقوف على الدلالة الشرعية، ولا دلالة، وما روي عن أبي عبد الله، وعلي بن موسى عليهما السلام: (لا ينقض الوضوء الا ما خرج من طرفيك الاسفلين) (1) أما الاية فمعارضة بقوله تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فاولئك حبطت أعمالهم) (2) فينزل المطلق على المقيد، وهو اشتراط الموت على الردة، والحديث موقوف على ابن عباس، فلا حجة في قوله على أن تسميته حدثا لا يوجب كونه ناقضا، فان كل متجدد من الانسان يحدث منه، وليس كل متجدد ناقضا، لان الشركة في الاسم لا توجب الشركة في الحكم على أحد المسميين. التاسع: ((الكلام الفحش) و (انتشار الشعر) لا ينقض الوضوء، لما رواه الجمهور، عن النبي صلى عليه وآله (الكلام ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء) (3) وروى معاوية ابن ميسرة قال: (سألت أبا عبد الله عن انشاد الشعر هل ينقض الوضوء؟ قال: لا) (4). العاشر: (حلق الشعر) و (قص الاظفار) لا ينقض الوضوء، ولا يوجب مسح موضعه، لما رواه زرارة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: (الرجل يقلم أظفاره ويجز شاربه، أو يأخذ من لحيته، أو رأسه، هل ينقض ذلك من وضوئه؟ فقال: يا زرارة ان ذلك يزيده تطهيرا) (5) ولان مقتضى الدليل بقاء الطهارة، وفي رواية ابن مسكان، عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل يأخذ من أظفاره أو شعره، أيعيد الوضوء؟ فقال: لا، ولكن يمسح رأسه وأظفاره بالماء) (6) قال الشيخ (ره) في

1) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 2 ح 3 ص 177.
2) البقرة: 217.
3) لم يوجد.
4) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 8 ح 1 ص 190.
5) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الضوء باب 14 ح 2 ص 203.
6) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 14 ح 1 ص 303

[ 120 ]

التهذيب: المسح محمول على الاستحباب، لرواية سعيد الاعرج، عن أبي عبد الله عليه السلام قلت: (آخذ من شاربي وأحلق رأسي، قال ليس عليك وضوء، قلت فأمسح أظفاري قال ليس عليك مسح) (1). الحادى عشر: لا تنقض الطهارة بظن (الحدث) لانه متيقن الطهارة فلا يرتفع الا بيقين، ولما رواه معاوية بن عمار قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام: ان الشيطان ينفخ في دبر الانسان حتى يخيل إليه انه قد خرجت منه ريح، فلا ينقض الا من ريح يسمعها، أو يجد ريحها) (2) وما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا تنصرف حتى تسمع صوتا أو تجد ريحها) (3) وعنه صلى الله عليه وآله (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه، أخرج منه شئ أو لم يخرج، فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) (4). الثاني عشر: روى الحسين بن سعيد، عن أخيه الحسن، عن زرعة، عن سماعة قال: (سألته عن ما ينقض الوضوء؟ فقال: الحدث تسمع صوته أو تجد ريحه، والقرقرة في البطن لا شئ تصبر عليه، والضحك في الصلاة والقئ) (5) قال الشيخ في التهذيب: محمول على الضحك والقئ الذي لا يضبط معه نفسه. والوجه الطعن في السند، فان زرعة، وسماعة، واقفيان، فلا يعمل بروايتهما في تخصيص الاخبار السليمة، ولان المسؤل مجهول فلعله ممن لا يوثق بفتواه. الثاني: في (آداب الخلوة) و (الاستطابة) وهي الاستنجاء بالماء أو بالاحجار،

1) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 14 ح 3 ص 203.
2) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 4 ح 3 ص 175.
3) ان هذا الرواية لم يوجد بهذه العبارة ولكن البيهقي روى بمضمونها في السنن ج 1 ص 114. 4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة س 117.
5) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 4 ح 4 ص 175.

[ 121 ]

يقال: استطاب وأطاب وسميت بذلك، لانها تطيب الجسد بازالة الخبث. و (الاستنجاء) استفعال من النجوة، وهو ما ارتفع من الارض، وأصله للسباع لانها تقصد النجوات عند الحاجة، وقيل: من نجوت الشجرة، أي قطعتها، كأنه يقطع الاذى عنه. وقال الازهري: يحتمل أن يكون من استنجيت الوتر، إذا جلس ليستخرجه، قال الشاعر: فتبازت وتبازجت لها - جلسة الجازر يستنجى الوتر (1) قال المفيد (ره): يستحب لمن أراد الخلوة أن يطلب موضعا يستتر فيه عن الناس، تأسيا بفعل النبي صلى الله عليه وآله. مسألة: يجب (ستر العورة) وان كان لا يخص بحال الخلوة، لما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله (احفظ عورتك الا من زوجتك أو ما ملكت يمينك) (2) ورووا عنه عليه السلام (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة) (3) ومن طريق الخاصة ما رواه حريز، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: (لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه) (4) وما رواه أبو بصير قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: هل يغتسل الرجل بارزا؟ فقال إذا لم ير أحدا فلا بأس)) (5). وأما رواية عبد الله بن سنان، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن عورة المؤمن حرام؟ قال: نعم، قلت أعني سفله قال ليس حيث تذهب انما هو إذاعة سره) (6) وما رواه حذيفة بن منصور، عنه عليه السلام قلت: يقول الناس: عورة المؤمن

1) وفي تاج العروس كذا: فتبازت وتبازيت لها - جلسة الجازر يستنجى الوتر.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 199.
3) سنن ابن ماجة ج 1 كتاب الطهارة ص 217.
4) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 1 ح 1 ص 211.
5) الوسائل ج 1 ابواب آداب الحمام باب 11 ح 2 ص 371.
6) الوسائل ج 1 ابواب آداب الحمام باب 8 ح 2 ص 367.

[ 122 ]

على المؤمن حرام، قال: ليس حيث تذهبون، انما أعني أن يزل زلة أو يتكلم بشئ يعاب عليه فيحفظ ليعير به يوما) (1) فليس بمعارض لما استدلنا به، لانهما تضمنتا تفسير هذا اللفظ، وخبره يتضمن النهي عن النظر إلى العورة وأحدهما غير الاخر. إذا عرفت هذه فالعورة المشار إليها، هي: القبل والدبر لقول ابي عبد الله عليه السلام (الفخذ ليس من العورة) (2) ولرواية ابي الحسن الواسطي، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن عليه السلام قال: (العورة عورتان: القبل والدبر مستور بالاليتين، فإذا سترت القضيب والبيضتين فقد سترت العورة) (3) ولان القبل والدبر متفق على كونهما عورة والخلاف فيما زاد عليهما، فيقتصر على موضع الاجماع، ولان الاصل عدم وجوب الستر، فيخرج منه موضع الدلالة. مسألة: ويحرم (استقبال القبلة) و (استدبارها) ولو كان في الابنية على الاشبه قال الثلاثة وأتباعهم: يحرم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غايط. وقال ابن الجنيد (ره) في المختصر: يستحب للانسان إذا أراد التغوط في الصحراء أن يجتنب استقبال القبلة، أو الشمس، أو القمر، أو الريح، بغايط أو بول. وقال داود من الجمهور: بالجواز فيهما. وفرق أبو يوسف بين الاستقبال والاستدبار. لنا ما رواه الجمهور، عن أبي أيوب، عن النبي صلى الله عليه وآله (إذا أتى أحدكم الغايط فلا يستقبل القبلة ولا يوليها ظهره شرقوا أو غربوا) (4) وروى مسلم، عن أبي هريرة عنه عليه السلام (إذا جلس أحدكم على حاجته، فلا يستقبل ولا يستدبرها) (5) ومن طريق الخاصة: رواية عيسى بن عبد الله الهاشمي، عن أبيه عن جده عن على عليه السلام

1) الوسائل ج 1 ابواب آداب الحمام باب 8 ح 1 ص 366.
2) الوسائل ج 1 ابواب آداب الحمام باب 4 ح 4 ص 365.
3) الوسائل ج 1 ابواب آداب الحمام باب 4 ح 2 ص 365.
4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 91 (مع تفاوت).
5) صحيح مسلم ج 1 كتاب الطهارة ح 365.

[ 123 ]

عن النبي صلى الله عليه وآله: قال (إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، ولكن شرقوا أو غربوا) (1). فان احتج داود، بما رووه عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يستقبل القبلة ببول أو غايط، ورأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها، وعن عراك، عن عايشة قالت: (ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله أن قوما يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال: وقد فعلوها استقبلوا بمقعدي القبلة)) (2). والجواب: ان حديث جابر حكاية فعل، وقد عارض القول فالترجيح للقول ويحتمل أن يظن جابر الاستقبال وان لم يكن استقبالا حقيقيا، لانه يخرج عنه بالانحراف القليل. وحديث عراك مرسل، قال ابن حنبل: عراك لم يلق عايشة، إذا عرفت تحريم الاستقبال والاستدبار في الجملة فاعلم انه يحرم في الصحاري والابنية. وقال سلار بن عبد العزيز، من أصحابنا يكره في البنيان، وبه قال المفيد (ره)، وهو اختيار الشافعي لما رووا أن (ابن عمر استقبل القبلة وبال: فقيل له في ذلك فقال: انما نهى النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شئ يشترك فلا بأس) (3). ورووا عنه (انه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله على حاجته مستدبر الكعبة) (4) ومن طريق الخاصة: ما رواه محمد بن اسماعيل بن بزيع قال: (دخلت على الرضا عليه السلام وفي منزله كنيف مستقبل القبلة) (5). لنا الاحاديث السابقة فانها دالة على التحريم مطلقا، وأما استقبال ابن عمر ببوله فلا حجة فيه، لاحتمال أن يكون صار إليه اجتهادا، واخباره انه رأى رسول الله صلى عليه وآله

1) الوسائل ج 1 ابواب احكام الخلوة باب 1 ح 5 ص 213. 2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 93.
3) و 4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 92.
5) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 2 ح 7 ص 213.

[ 124 ]

ليس بحجة، لان القول أرجح من الفعل، وقد أوردنا تحريم النبي صلى الله عليه ولذلك نطقا. وخبر ابن بزيع عن الرضا عليه السلام لا حجة فيه، لان المحرم ليس بناء المخرج مستقبلا ولا مستدبرا، بل الجلوس على الاستقبال أو الاستدبار ولم يذكره، وانما قال: في الاصل على الاشبه لان في الاستقبال والاستدبار بالبول والغايط في الابنية خلافا على ما ذكرناه، والتحريم مأخوذ من اطلاق الالفاظ المانعة، لا لنص على عين المسألة وكل حكم مستفاد من لفظ عام أو مطلق أو من استصحاب نسميه بالاشبه، لان مذهبنا التمسك بالظاهر، فالاخذ بما يطابق ظاهر المنقول أشبه باصولنا، فكل موضع نقول فيه (على الاشبه) فالمراد به هذا المعنى. [ فروع ] قال في المبسوط: إذا كان الموضع مبنيا على الاستقبال والاستدبار وأمكنه الانحراف وجب، وان لم يمكنه جلس عليه وكأنه يريد مع عدم التمكن من غيره. مسألة: ويجب غسل مخرج البول، ويتعين الماء لازالته اما وجوب غسله فهو مذهب علمائنا لما رواه ابن اذينة قال: (ذكر أبو مريم الانصاري ان الحكم بن عتبة بال ولم يغسل ذكره متعمدا، فذكرت ذلك لابي عبد الله عليه السلام، فقال: بئسما صنع، عليه أن يغسل ذكره ويعيد صلاته ولا يعيد وضوئه) (1) وما رواه زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال (لا صلاة الا بطهور) (2) ويجزيك عن الاستنجاء ثلاثة أحجار، وبذلك جرت السنة. واما تغيير الماء لازالته فعليه اتفاق علمائنا، خلافا للجمهور، فانهم أجازوا الاستجمار ما لم يتعد المخرج. لنا ما رواه زيد بن معاوية عن أبي جعفر عليه السلام قال: ((يجزي من الغايط المسح

1) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 18 ح 4 ص 208.
2) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 1 ص 256.

[ 125 ]

بالاحجار، ولا يجزى من البول الا الماء) (1) وفي سند هذه الرواية (أبان بن عثمان) وهو ضعيف غير انها مقبولة بين الاصحاب، والنظر يؤيدها، لان ذلك مقتضى الدليل، ويؤيدها أيضا رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، ولان الماء متعين لازالة النجاسة والحاق غيره به منفي بالاصل، واخبار الاحجار محمولة على استنجاء موضع الغايط، وعلى هذا يسقط ما فرق به الجمهور بين البكر والثيب، لان الفرق متفرع على جواز الاستجمار في مخرج البول. فروع الاول: يجوز أن يتوضأ قبل غسل مخرج البول، وهو مذهب الثلاثة وأتباعهم، ولو صلى والحال هذه أعاد الصلاة ولم يعد الوضوء. قال ابن بابويه (ره) في كتابه: ومن صلى وذكر انه لم يغسل ذكره فعليه أن يغسل ذكره ويعيد الوضوء والصلاة. لنا ما رواه علي بن يقطين، عن موسى بن جعفر عليه السلام (عن الرجل يبول ولا يغسل ذكره حتى يتوضأ، فقال: يغسل ذكره ولا يعيد وضوءه) (2) ولان وجود النجاسة على البدن لا ينافي رفع الحدث، ومع عدم المنافات يلزم جواز الوضوء مع وجودها. فان احتج ابن بابويه بما رواه سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (فان كنت اهرقت الماء فنسيت أن تغسل ذكرك حتى صليت فعليك اعادة الوضوء والصلاة وغسل ذكرك) (3) فالجواب: الطعن في السند فان الراوي محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن زرعة، عن سماعة، وأحاديث محمد بن عيسى عن يونس يمنع العمل بها ابن بابويه (ره) عن ابن الوليد، وزرعة وسماعة واقفيان فكان العمل بالسليم

1) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 30 ح 2 ص 246.
2) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 18 ح 2 ص 208.
3) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 10 ح 5 ص 224.

[ 126 ]

أولى، فاما رواية هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل يتوضأ وينسى أن يغسل ذكره وقد بال، فقال: يغسل ذكره ولا يعيد الصلاة) (1) ففي طريقها (أحمد ابن هلال) وهو ضعيف مع ان العمل على خلافها متقدم. الثاني: إذا لم يجد الماء لغسل المخرج أو تعذر استعماله لمانع كالجرح أجزاه مسحه بما يزيل عين النجاسة كالحجر والخرق والكرسف وشبهه، ولان ازالة عين النجاسة وأثرها واجب، فان تعذر ازالتهما تعين ازالة العين. الثالث: لا يجب غسل الاحليل من ما يخرج منه عدا البول والمني والدم، سواء كان الخارج جامدا كالحصى والدود، أو مايعا كالمذي ورطوبة الفرج والحقنة إذا خرجت خالصة، لان الاصل الطهارة، والتنجيس موقوف على التوقف وهو منتف هنا، لا يقال: الخارج لا ينفك من ملابسة النجاسة ولان المجرى ينجس بملاقات النجاسة فينجس ما يمر به، لانا نمنع ذلك ونطالب بالدلالة عليه، فان المجاري عندنا لا ينجس، ويؤيد ذلك قولهم عليهم السلام في المذي (هو بمنزلة البصاق) (2). الرابع: لو دب إلى فرج المرأة (مني) من ذكر أو انثى ثم خرج لم يجب به وضوء ولا غسل، وجرى مجرى نجاسة لاقت المخرج فانه يجب غسله كما يجب غسل النجاسة. الخامس: الاغلف إذا كان مرتتقا كفاه غسل الظاهر من موضع الملاقات، وان أمكن كشفها كشفها إذا بال، وغسل المخرج. وان لم يكشفها عند الاراقة فهل يجب كشفها لغسله؟ فيه تردد، الاشبه نعم، لانه يجري مجرى الظاهر. [ مسألة: وأقل ما يجزي مثلا ما على الحشفة، وهو مذهب الشيخين، وقال أبو الصلاح: وأقل ما يجزي ما أزال عين البول عن رأس فرجه ولم يقدره، لنا رواية

1) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 10 ح 2 ص 223.
2) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 12 ح 1 و 4 و 9.

[ 127 ]

نشيط بن صالح، عن أبي عبد الله عليه السلام سألته كم يجزي من الماء في الاستنجاء من البول؟ فقال: مثلا ما على الحشفة من البلل) (1) ويؤيد هذه ما روي عن الصادق عليه السلام (ان البول إذا أصاب الجسد يصب عليه الماء مرتين) (2) ولان غسل النجاسة بمثلها لا يحصل معه اليقين بغلبة المطهر على النجاسة، ولا كذا لو غسل بمثلها. أما رواية نشيط أيضا عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (يجزي من البول أن يغسل بمثله) (3) فمقطوعة السند، فالعمل بالاولى أولى، وقال الشيخ في التهذيب: ويمكن أن تحمل الرواية على أن المراد يغسل بمثل البول لا بمثل ما على الحشفة، وهو أكثر من مثل ما على الحشفة، والتأويل ضعيف، لان البول ليس بمغسول وانما يغسل منه ما على الحشفة. مسألة: وغسل مخرج الغايط بالماء، وحده الانقاء، وان لم يتعد المخرج تخير بين الحجارة والماء ولا يجزي أقل من ثلاثة ولو نقى بما دونها، وهذه الجملة تشتمل بحوثا: الاول: (الاستنجاء) واجب عند علمائنا. وقال أبو حنيفة: لا يجب إذا لم يتعد، لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا يفعل فلا حرج عليه) (4) وأقل الوتر واحد وقد أزال الحرج بتركه. لنا ما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله (إذا ذهب أحدكم إلى الغايط فليذهب معه بثلاثة أحجار فانها تجزي) (5) وقال عليه السلام: (لا يستنج أحدكم بدون ثلاثة أحجار) (6)

1) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 26 ح 5.
2) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 26 ح 7.
3) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 26 ح 1.
4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 104.
5) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 103.
6) سنن البيهقي ج كتاب الطهارة ص 102.

[ 128 ]

وفي رواية ابن المنذر (ولا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار) (1) واطلاق الامر يقتضي الوجوب. وخبر أبي حنيفة يقتضي رفع الحرج عن من لم يوتر، ولا يلزم منه دفع الحرج عن من لم يستنج ولا يقال: ما رويتموه خبر واحد فيما يعم به البلوى، فلا يعمل به، لانا نقول: يعضده عمل أكثر الصحابة وما دل على وجوب ازالة النجاسة عن البدن، ولان مستند الخصم في جواز تركه خبر واحد أيضا وفيه احتمال، فيكون العمل بخبرنا أولى. وروى الاصحاب، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (لا صلاة الا بطهور) (2) ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار، جرت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله. وروى يونس بن يعقوب قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: (الوضوء الذي افترضه الله على العباد ان جاء من الغايط أو بال قال: يغسل ذكره ويذهب الغايط ثم يتوضأ مرتين مرتين) (3). البحث الثاني: إذا تعدى المخرج لا يجزي الا الماء، وهو مذهب أهل العلم. روى الجمهور عن علي عليه السلام (كنتم تبعرون بعرا وأنتم اليوم تثلطون ثلطا فاتبعوا الماء الاحجار) (4) وقوله عليه السلام: (يكفي أحدكم ثلاثة أحجار إذا لم يتجاوز محل العادة) (5) ولان الماء مطهر للنجاسات بالاجماع لازالة العين والاثر فيقتصر عليه لزوال النجاسة به على اليقين. البحث الثالث: إذا لم يتعد المخرج تخير بين الحجارة والماء والجمع أفضل،

1) لم نعثر في هذا المورد على رواية من ابن منذر ولكن روى البيهقي في سننه بهذا المضمون رواية من ابراهيم ج 1 ص 102.
2) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الوضوء باب 1 ح 1 ص 256.
3) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 9 ح 5 ص 223.
4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 106.
5) روى البيهقي في سننه أحاديث متعددة بهذا المضمون.

[ 129 ]

وهو اجماع الا ما حكي عن سعد بن أبي وقاص وابن الزبير فانهما أنكرا الاستنجاء بالماء. لنا ما رواه الجمهور عن أنس قال: (كان النبي صلى الله عليه وآله يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء فيستنجي بالماء) (1) ولان الماء أبلغ في التطهير من الحجر لازالة العين والاثر، وروى الاصحاب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله (يا معشر الانصار، قد أحسن الله عليكم الثناء فماذا تصنعون؟ قالوا: نستنجي بالماء) (2) وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (الاستنجاء بالماء البارد يقطع البواسير) (3). البحث الرابع: لاحد لما يستنجي به من الغايط الا الانقاء، وقال سلار: حده أن يصر الموضع. لنا ما رواه ابن المغيرة عن أبي الحسن عليه السلام قلت له: (للاستنجاء حد؟ قال: لا، حتى ينقي ماثمة، قلت: فانه ينقي ماثمة وتبقى الريح، قال: الريح لا ينظر إليها) (4) ولان المراد ازالة النجاسة عينا وأثرا فيقف الاستعمال على تحصيل الغرض، ولان ما ذكره سلار يختلف بحسب اختلاف حرارة الماء وبرودته فيسقط اعتباره. البحث الخامس: لا يجزي أقل من ثلاثة أحجار، وان نقي بدونها خلافا لداود ومالك فانهما اعتبرا الانقاء لا العدد. لنا ما رووه من قوله عليه السلام (لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار) (6) وفي رواية ابن المنذر (لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار) وما رواه الاصحاب، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (جرت السنة في أثر الغايط

1) صحيح مسلم ج 1 باب الاستنجاء ح 227.
2) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 34 ح 1 ص 250.
3) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 34 ح 2 ص 250.
4) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 13 ح 1 ص 227. 5) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 102.
6) روى البيهقي في سننه بهذا المضمون من ابراهيم ج 1 ص 102

[ 130 ]

بثلاثة أحجار، ان يمسح العجان ولا يغسله) (1) ولان الحجر لا يزيل النجاسة بل لا بد من ارتياك شئ منها في المحل، ومقتضى الدليل المنع من استصحابها في الصلاة، لان قليل النجاسة عندنا ككثيرها في المنع فيقف الجواز على موضع الشرعي. [ فروع ] الاول: ان لم ينق الموضع بالثلاث استعمل ما زاد حتى ينقى، وهو اجماع، لكن يستحب أن لا يقطع الا على وتر، لما روي عن علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله (إذا استنجى أحدكم فليوتر وترا إذا لم يجد الماء) (2) والرواية من المشاهير. الثاني: أثر النجاسة بعد استعمال الثلاث وزوال العين معفو عنه، وهو اجماع، وهل يحكم بطهارة المحل؟ قال الشافعي وابو حنيفة لا، لانه مسح للنجاسة فلا يطهر محلها لبقاء الاثر. لنا قوله صلى الله عليه وآله (لا تستنجوا بعظم ولا روث فانهما لا يطهران) (3) وهو يدل بمفهومه على حصول الطهارة بغيرها، ولان أكثر الصحابة اقتصروا على الاستجمار مع توقيهم من النجاسات، ولو لم يطهر المحل لما اقتصروا عليه. الثالث: كيف حصل الانقاء بالثلاثة جاز ولو استعمل كل حجر في جزء، والافضل مسح المحل كله بكل جزء، وبه قال الشيخ في المبسوط، لان امتثال الامر بالاستنجاء بالثلاثة متحقق على التقديرين. لا يقال: إذا قسمت على المحل جرت مجرى المسحة الواحدة لان المسحة الواحدة لا يتحقق معها العدد المعتبر. الرابع: لا يجب استنجاء مخرج الغايط الا مع خروج نجاسة منه كالغايط والدم، وما يخرج متلطخ بالنجاسة، ولو خرج دود أو حصاة أو حقنة طاهرة لم

[ 131 ]

يجب الاستنجاء، لانه لا يجب ازالة ما ليس بنجس، وسنبين طهارة رطوبات البدن عدا ما ذكرناه، نعم لو احتقن بنجاسة فخرجت وجب الاستنجاء منها. الخامس: لا يجزي الحجر ذو الشعب وان استعمل شعبه، وقال في المبسوط يجزي عند بعض أصحابنا، والاحوط اعتبار العدد، لنا قوله عليه السلام (لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار) (1) وقول أبي جعفر عليه السلام (جرت السنة في أثر الغايط بثلاثة أحجار) (2) ويمكن أن يقال: المراد (بالاحجار) المسحات كما يقال: ضربته ثلاثة أسواط، والمراد (ثلاثة ضربات) ولو بسوط واحد ولعل الفرق يدرك بادخال الماء، وإذا غسل الحجر المستعمل بالماء أو أصابته نجاسة مائعة فجففته الشمس، قال في المبسوط: يجوز الاستجمار به، وهو حسن، وكذا لو كسر الحجر ثلاثا ثم استعمل الطاهرين منه. مسألة: ويجوز ان يستعمل (الخرق) بدل الاحجار، قال الشيخ (ره) في المبسوط: الاستنجاء بالجلود الطاهرة وكل جسم طاهر للنجاسة فانه جايز. وقال في الخلاف: يجوز الاستنجاء بالاحجار وغير الاحجار إذا كان منقيا غير مطعوم مثل الخشب والخزف والمدر وغير ذلك. واستدل باجماع الفرقة ورواية حريز عن زرارة قال: (يستنجى من البول ثلاث مرات ومن الغايط بالمدر والخرق) (3) وقال علم الهدى في المصباح: يجوز الاستنجاء بالاحجار وما قام مقامها بالمدر والخرق. وقال داود لا يجوز بغير الاحجار لانها رخصة فوجب الاقتصار على موضع الترخيص. لنا ما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله (واستطب بثلاثة أحجار أو ثلاثة أعواد أو ثلاث حثيات من تراب) (4) وما رواه الاصحاب عن عبد الله بن المغيرة عن أبي الحسن

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 103. 2) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 30 ح 3 ص 246.
3) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 26 ح 6 ص 242.
4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 111.

[ 132 ]

عليه السلام قلت: (للاستنجاء حد؟ قال لا، حتى ينقي ماثمة) (1) وهو على اطلاقه. وروى زرارة قال: (سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كان الحسن عليه السلام يتمسح من الغايط بالكرسف ولا يغتسل) (2). [ فروع ] الاول: لا يجزي (الزلج) كالحديد الصقيل والزجاج، لانه لا يزيل العين. الثاني: لا يجوز بالطعوم كالخبز والفاكهة لان له حرمة تمنع من الاستهانة به ولان طعام الجن منهي عنه وطعام أهل الصلاح أولى بدلالة الفحوى. الثالث: لا يجوز الاستنجاء بما له حرمة، كورق المصحف وكتب الفقه وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله لان فيه هتكا لحرمة الشرع. الرابع: إذا استنجى بالخرقة الصفيقة التي لا تخرقها النجاسة فان قلنا: الحجر الواحد ذو الشعب يجزي جاز استعمالها من الجانب الاخر، وان لم نقل، أو كانت النجاسة تخرقها، لم يجز استعمالها، نعم لو كانت طويلة فاستعمل طرفها أمكن استعمال الاخر بعد قطعه على قولنا، ولا معه على القول الاخر. مسألة: ولا يستعمل (الروث) ولا (العظم) ولا (الحجر المستعمل) أما العظم والروث فعليه اتفاق الاصحاب خلافا لابي حنيفة مطلقا، وقال مالك: يجوز بالطاهر دون النجس. لنا ما رووه من قوله عليه السلام (لا تستنجوا بالعظم ولا بالروث فانه زاد إخوانكم من الجن) (3) وروى دارقطني قال (نهى النبي صلى الله عليه وآله أن يستنجى بروث أو عظم) (4)

1) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 35 ح 6 ص 252.
2) الوسائل ج 1 ابواب أحكام باب 35 ح 3 ص 252.
3) التاج ج 1 كتاب الطهارة ص 95.
4) روى بمضمونه في مسند أحمد بن حنبل ح 5 ص 438.

[ 133 ]

وروى الاصحاب عن ليث المرادي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن استنجاء الرجل بالعظم والبعر والعود؟ قال: أما العظام والروث فطعام الجن، وذلك مما اشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وقال لا يصلح شئ من ذلك) (1) وأما الحجر المستعمل، فمرادنا بالمنع الاستنجاء بموضع النجاسة منه، والا لنجس المحل بغير نجاسة المحققة، اما لو كسر واستعمل المحل الطاهر منه جاز، وكذا لو ازيلت النجاسة بغسل أو غيره، وفي بعض أخبارنا عن أبي عبد الله (جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار ويتبع بالماء) (2) لكن الخبر مقطوع السند، ويحمل الاتباع بالماء على الفضيلة. [ فرع ] كل ما قلنا لا يجوز استعماله أما لحرمة أو لنجاسة، لو استعمله هل يطهر المحل؟ الاشبه لا، لان المنع من استصحابه شرعي فيقف زوال ذلك على الشرع، واستدل الشيخ (ره) في المبسوط: بأنه استنجاء منهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهى عنه. مسألة: يستحب (تغطية الرأس) عند دخول الخلاء و (التسمية) وعليه اتفاق الاصحاب، روى علي بن أسباط مرسلا، عن أبي عبد الله عليه السلام (كان إذا دخل الكنيف يقنع رأسه ويقول سرا في نفسه: بسم الله وبالله) (3) لكن علي بن أسباط واقفي، والحجة انه يأمن مع تغطية رأسه من وصول الرائحة إلى دماغه، وذكر المفيد (ره) في المقنعة: انها من سنن النبي صلى الله عليه وآله، وروى معاوية بن عمار، قال: ((سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا دخلت المخرج فقل: بسم الله اللهم اني اعوذ بك من الخبيث

1) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 35 ح 1 ص 252.
2) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 30 ح 4 ص 246.
3) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 3 ح 2 ص 214.

[ 134 ]

المخبث الرجس الشيطان الرجيم، وإذا خرجت فقل: بسم الله الحمد الله الذي عافاني من الخبيث المخبث وأماط عني الاذى) (1). وروي عن جعفر عليه السلام، عن النبي صل الله عليه وآله انه قال: (إذا انكشف أحدكم ليبول أو غير ذلك فليقل: بسم الله فان الشيطان يغض بصره) (2) ولان التسمية تعصيم من الشيطان والكنيف من مواطنه، وتقديم الرجل اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج ليكون فرقا بين دخول المسجد والخروج منه، ولم أجد بهذا حجة غير أن ما ذكره الشيخ وجماعة من الاصحاب حسن. و (الاستبراء) وفي كيفيته أقوال، قال المفيد في المقنعة إذا اراد الاستبراء مسح باصبعه الوسطى تحت انثييه إلى أصل القضيب مرتين أو ثلاثا، ثم يضع مسبحته تحت القضيب وابهامه فوقها يمرها عليه باعتماد قوي من أصله إلى رأس الحشفة مرتين أو ثلاثا ليخرج ما فيه من بقية البول. وقال الشيخ (ره) في المبسوط: وإذا أراد ذلك مسح من عند المقعدة إلى تحت الانثيين ثلاثا، ومسح القضيب ونتره ثلاثا. وقال علم الهدى (ره): يستحب عند البول نتر الذكر من أصله إلى طرفه ثلاث مرات، وكلام الشيخ أبلغ في الاستظهار، وروى حريز، عن ابن مسلم قال: (قلت لابي جعفر عليه السلام رجل بال ولم يكن معه ماء، قال: يعصر ذكره من أصله إلى ذكره ثلاث عصرات ونتر ذكره. فان خرج بعد ذلك فليس من البول ولكنه من الحبائل) (3).

1) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 5 ح 1 ص 216.
2) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 5 ح 4 ص 217.
3) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 11 ح 2 ص 225.

[ 135 ]

فرع إذا استبرأ ثم تحدر منه (بلل) لم يجب منه الوضوء وكان طاهرا، لقول أبي عبد الله عليه السلام (فليس من البول ولكنه من الحبائل) (1) وهي عروق الطهر، ولان مع الاستظهار لا يبقى في المجرى بول، فيكون الاصل الطهارة، ولو لم يستبرأ وتطهر ثم رأى بللا أعاد الوضوء، ولو كان صلى بتلك الطهارة لم يعد الصلاة لاستكمال شروطها المعتبرة، ويعيد الوضوء لتجدد الحدث وعليه غسل الموضع. مسألة: و (الدعاء) عند الدخول وعند النظر إلى الماء وعند الاستنجاء وعند الفراغ. أما الدعاء عند الدخول، فلرواية أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام قال: (إذا دخلت الغائط فقل أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم) (2) وأما عند النظر، فلما روي عن أبي عبد الله عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام قال لابن الحنيفة: (يا محمد ائتيني بماء أتوضأ للصلاة، فأكفى بيده اليسرى على اليمنى، فقال: بسم الله والحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا، ثم استنجى وقال: اللهم حصن فرجي وأعفه واستر عورتي وحرمني على النار، ثم تمضمض) (3). وأما دعاء الفراغ، فروى معاوية بن عمار، قال: (إذا توضأت فقل: أشهد أن لا اله الا الله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين والحمد لله رب العالمين) (4) وروى عبد الله بن ميمون القداح عن أبي عبد الله عليه السلام، عن علي عليه السلام (انه كان إذا خرج من الخلاء قال الحمد لله الذي رزقني لذته وأبقى في جسدي قوته

1) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 11 ح 2 ص 225.
2) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 5 ح 2 ص 216.
3) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الوضوء باب 16 ح 1 ص 282.
4) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الوضوء باب 26 ح 1 ص 298.

[ 136 ]

واخرج عني أذاه يالها نعمة ثلاثا) (1). مسألة: الجمع بين الاحجار والماء مستحب وان تعدى الغايط والاقتصار على الماء أفضل من الاحجار وان لم يتعد، اما الاول فلانه جمع بين مطهرين بتقدير ألا يتعدى، واكمال في الاستظهار بتقدير التعدي، ويؤيده من الحديث ما روي مرسلا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار، ويتبع بالماء) (2) وأما الاقتصار على الماء مع عدم التعدي فلانه أقوى المطهرين، لانه يزيل العين والاثر بخلاف الحجر، وقوله عليه السلام (إذا استنجى أحدكم فليوتر بها وترا إذا لم يكن الماء) (3) ويفهم من فحوى الحديث اختصاص الماء بالاولوية، روى الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا أراد أن يستنجي يبدأ بالمقعدة ثم بالاحليل) (4). مسألة: ويكره الجلوس للحدث في الشوارع والمشارع ومواضع اللعن وتحت الاشجار المثمرة، إلى آخر الباب. روى عاصم بن حميد، عن (أبى) عبد الله عليه السلام (قال رجل لعلي بن الحسين عليهما السلام: أين يتوضأ الغرباء؟ قال يتقي شطوط الانهار، والطرق النافذة، وتحت الاشجار المثمرة، ومواضع اللعن) (5) وروي أن أبا حنيفة، سأل أبا الحسن موسى عليه السلام (أين يضع الغريب ببلدكم؟ قال: اجتنب أفنية المساجد، وشطوط الانهار، ومساقط الثمار، وفئ النزال، ولا تستقبل القبلة ببول ولا غايط، وارفع ثوبك، وضع حيث شئت) (6).

1) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 5 ح 3 ص 216.
2) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 30 ح 4 ص 246. 3) روى بمضمونها روايات متعددة في السنن للبيهقي ج 1 ص 103 و 104.
4) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 14 ح 1 ص 227.
5) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 15 ح 1 ص 228.
6) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 15 ح 2 ص 228.

[ 137 ]

وروى السكوني، عن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يستقبل الرجل الشمس والقمر بفرجه وهو يبول) (1) وعن الكاهلي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يبولن أحدكم وفرجه باد للقمر يستقبل به) (2) وروى ابن مسكان، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أراد البول يعمد إلى مكان مرتفع من الارض أو إلى مكان يكون فيه التراب الكثير كراهية أن ينضح عليه البول) (3) وسئل الحسين بن علي عليهما السلام (ما حد الغايط؟ قال: لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها) (4). وروي في بعض الاخبار المرسلة عن أبي عبد الله عليه السلام، عن علي عليه السلام (أنه نهى أن يبول الرجل في الماء الجاري الا من ضرورة وقال ان للماء أهلا) (5) وقد روى الفضيل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا بأس أن يبول الرجل في الماء الجاري وكره أن يبول في الماء الراكد) (6) ولا تنافي بين الروايتين لان الجواز لا ينافي الكراهية، و (السواك) يكره على الخلاء، قبل: لانه يورث البخر. وروى علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن أبي القاسم، عن أبي عبد الله عليه السلام قلت له: (الرجل يريد الخلا وعليه خاتم فيه اسم الله تعالى، فقال: ما أحب ذلك، قلت فاسم محمد صلى الله عليه وآله، قال لا بأس) (7) وروى صفوان، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يجيب الرجل آخر وهو على الغايط، أو

1) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 25 ح 1 ص 241.
2) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 25 ح ص 241.
3) الوسائل ج 1 ابواب أحكام التخلي باب 22 ح 1 ص 238.
4) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 2 ح 6 ص 213.
5) الوسائل ج 1 ابواب أحكام التخلي باب 24 ح 3 ص 240.
6) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 5 ح 1 ص 107. 7) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 17 ح 6 ص 233.

[ 138 ]

يكلمه حتى يفرغ) (1) وفي رواية عمر بن يزيد قال: (سألت أبا عبد الله عن التسبيح في المخرج وقرائة القرآن؟ قال: لم يرخص في الكنيف في أكثر من آية الكرسي أو يحمد الله أو آية) (2). وأما جواز ذكر الله فلما رواه سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ان موسى عليه السلام قال يا رب تمر بي حالات استحي أن أذكرك فيها، فقال الله عزوجل: يا موسى ذكري حسن على كل حال) (3) وأما حال الضرورة فلما في الامتناع من الكلام من الضرر المنفي بقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (4) وانما كره في مواطن الهوام لما لا يامن معه من خروج ما يؤذيه أو ترد عليه النجاسة وكراهية الاستنجاء باليمين لما فيه من المزية على اليسار، وانما كره الاكل والشرب لما يتضمن من الاستقذار الدال على مهانة نفس متعمدة. الثالث: في كيفية الوضوء مسألة: (النية) شرط في صحة الطهارة وضوءا كانت أو غسلا أو تيمما، وهو مذهب الثلاثة وأتباعهم وابن الجنيد، ولم أعرف لقدمائنا فيه نصا على التعيين وأنكره أبو حنيفة في الطهارة المائية محتجا بقوله: (إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم) (5) ولم يذكر النية، ولان الماء مطهر مطلقا فإذا استعمل في موضعه وقع موقعه، بخلاف التيمم فان التراب انما يصير مطهرا إذا قصد به أداء الصلاة. لنا ما رواه عن النبي صلى الله عليه وآله (انما الاعمال بالبينات) (6) وقد روى بذلك جماعة

1) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 6 ح 1 ص 218.
2) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 7 ح 7 ص 220.
3) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 7 ح 5 ص 220.
4) الحج: 78.
5) المائدة: 6.
6) الوسائل ج 4 ابواب النية باب 1 ح 2 ص 711.

[ 139 ]

من أصحابنا مرسلا، وما رواه الاصحاب، عن الرضا عليه السلام قال: (لا قول الا بعمل ولا عمل الا بنية، ولا نية الا بإصابة السنة) (1) ولا حجة لابي حنيفة في الاية، لانها تقتضي القصد إلى الصلاة، إذ هذا هو المفهوم من قولك: إذا لقيت الامر فالبس اهبتك معناه للقائه، وكذا قوله (إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا) (2) أي للصلوة، وقوله عليه السلام: (الماء مطهر مطلقا) (3). قلنا هو: موضع المنع، أما في (ازالة الخبث) فمسلم واما في (رفع الحدث) فممنوع، ومحلها القلب لانها ارادة، ومحل الارادة القلب، ويشترط استحضار نية التقرب، لقوله تعالى: (وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين) (4) ولا يتحقق الاخلاص الا مع نية التقرب، ونية استباحة الصلاة أو رفع الحدث، ومعناهما واحد وهو ازالة المانع أو استباحة فعل لا يصح الا بالطهارة كالطواف لقوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا) (5) أي اغسلوا للصلوة، ولا فرق بين أن ينوي استباحة الصلاة بعينها أو الصلاة مطلقا، وفي اشتراط نية الوجوب أو الندب تردد، أشبهه عدم الاشتراط، إذا القصد الاستباحة والتقرب وان تقع مقارنة لغسل الوجه، لانه بذاته الطهارة فلو تراخت وقع غير منوي، واستدامة حكمها وهو أن ينتقل إلى نية تنافي الاولى، وانما اقتصر على الحكم لان استدامة النية مما يعسر بل يتعذر في الاكثر فاقتصر على استدامة الحكم مراعاة لليسر.

1) البحار ج 1 ص 207 (طبع حديث).
2) و 5) المائدة: 6.
3) مسند أحمد بن حنبل ج 4 ص 17 و 19.
4) البينة: 5.

[ 140 ]

(فروع) الاول: لو جدد الطهارة فتبين انه كان محدثا، قيل: لا تصح، لانه لم ينو الاستباحة فهو كما لو نوى التبرد والوجه الاجتزاء، لانه قصد الصلاة بطهارة شرعية. الثاني: لو نوى استباحة ما ليس من شرطه الطهارة بل من فضله، كقرائة القرآن أو النوم، قال الشيخ في المبسوط: لم يرتفع به حدثه لانه فعل ليس من شرطه الطهارة، ولو قيل: يرتفع حدثه كان حسنا، لانه قصد الفضيلة وهي لا تحصل بدون الطهارة، وكذا البحث لو قصد الكون على طهارة ولا كذا لو قصد وضوءا مطلقا. الثالث: لو نوى الجنب استباحة الاستيطان في المسجد أو مس الكتابة ارتفع حدثه، ولو نوى الاجتياز ففي ارتفاع حدثه التردد الاول. الرابع: لو نوى قطع النية فيما فعله أولا صحيح، وما فعله مع قطعها فاسد ولو جددها وأعاد ذلك القدر منضما إلى الاول صحت طهارته ما لم يطل الفصل فيخل بالموالاة، فان اتفق ذلك بطل ما طهره وأعاد، أما في غسل الجنابة فيصح البناء مع تجديد النية واكماله طال الفصل أو قصر لان الموالاة لا تشترط فيه. الخامس: لو شك في النية وهو في أثناء الطهارة استأنف لانها عبادة مشروطة بالنية ولم يتحقق. السادس: ابتداء النية عند غسل اليدين للوضوء أمام غسل الوجه، ويتضيق إذا ابتدأ بغسل الوجه للوضوء، لان غسل اليدين للوضوء من أفعال الصلاة فجاز ايقاع النية عنده. السابع: إذا نوى بطهارته رفع الحدث والتبرد صح، لانه فعل الواجب زيادة غير منافية.

[ 141 ]

الثامن: لا يصح طهارة الكافر لتعذر نية القربة في حقه. التاسع: إذا وضأ غيره لضرورة فالمعتبر نيته لا نية الموضي لانه المخاطب بالطهارة. مسألة: يجب غسل (الوجه) وطوله من قصاص شعر الرأس في الاغلب إلى الذقن، وعرضه ما اشتملت عليه الابهام والوسطى، وهو مذهب أهل البيت عليهم السلام وبه قال مالك، وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد: ما بين العذار والاذن من الوجه. لنا رواية حريز عن أحدهما عليهما السلام قلت: (اخبرني عن الوجه الذي أمر الله بغسله ان زاد لم يؤجر وان نقص أثم؟ قال ما دارت عليه السبابة والوسطى والابهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن، وما سوى ذلك ليس من الوجه، قلت الصدغ ليس من الوجه؟ قال لا) (1) ولان ما ذكرناه متفق على أنه من الوجه وما رواه العذار ليس كذلك فيقتصر على المتفق لانا نتيقن تناول الامر له بالغسل. لا يقال: الوجه من المواجهة لانه يبطل بما أقبل من الاذنين. [ فروع ] الاول: (الاجلح) و (الانزع) لا يعتبران بأنفسهما، بل يغسلان ما يغسله مستوي الخلقة لانه من الوجه وان قصر عنه الشعر، وكذا الاعم وان تدانى شعره. الثاني: لا يجب غسل ما يخرج عما دارت عليه الابهام والوسطى من العذار، ولا يستحب غسل ما بينه وبين الاذن، ولا يجب، لان الوظائف الشرعية موقوفة على التشريع ومع فقده فلا توظيف. الثالث: ما استرسل من اللحية طولا وعرضا لا يجب إفاضة الماء عليه لانها ليست من الوجه، وقال الشافعي في أحد قوليه: يجب غسلها، لما روي ان رسول

1) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 17 ح 1 ص 283.

[ 142 ]

الله صلى الله عليه وآله (رأى رجلا غطى لحيته، فقال: اكشف وجهك فان اللحية من الوجه) (1) وجوابه ان اللحية اسم لجملة العذارين وما على اللحيين والذقن، فلعل الاشارة إلى الجملة لما كان بعضها من الوجه وهو الاكثر. الرابع: الاذنان لا يغسل ما أقبل منهما، ولا يمسح ما أدبر. وقال الجمهور: يمسح الاذنان، لقول النبي صلى الله عليه وآله (الاذنان من الرأس) (2) وقال الزهري يغسل ما أقبل منهما ويمسح ما أدبر. لنا ما رواه زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قلت (ان أناسا يقولون: الاذنين من الوجه وظهرها من الرأس، قال: ليس عليها مسح ولا غسل) (3) والخبر الذي أورده لا حجة فيه، لانه لا يلزم من كونهما من الرأس وجوب مسحهما، ولا استحبابه لانا سنبين ان مسح الرأس يختص المقدم. الخامس: لا يلزم تخليل شعر (اللحية) ولا (الشارب) ولا (العنفقة) ولا (الاهداب) كثيفا كان الشعر أو خفيفا، بل لا يستحب، وأطلق الجمهور على الاستحباب، وقال ابن عقيل: ومتى خرجت اللحية ولم تكثر فعلى المتوضأ غسل الوجه حتى يستيقن وصول الماء إلى بشرته، لانه لم تستر مواضعها. لنا ما رووه عن أبي المقدم ابن معدي كرب (انه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه) ولم يذكر التخليل فيكون التكليف به منفيا بالاصل، ولان الوجه اسم لما ظهر فلا تتبع المغاير، وروى زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (كلما أحاط به الشعر فليس على العباد أن يطلبوه، ولا أن يبحثوا عنه لكن يجري عليه الماء) (4) وكذا لو نبت للمرأة لحية لم يجب ايصال الماء إلى ما تحتها كثيفة كانت أو خفيفة

1) لم يوجد.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 66.
3) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 18 ح 2 ص 285. 4) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 46 ح 3 ص 335

[ 143 ]

لما ذكرناه. السادس: لو نكس غسل وجهه خالف النية، وفي اجزائه قولان: قال علم الهدى (ره): يجزي لكن يكره. وقال الشيخ (ره): لا يجزيه. وهو الاشبه، لان النبي صلى الله عليه وآله لم ينكس وضوءه، وفعله بيان للمجمل فيكون واجبا، ولقوله عليه السلام وقد أكمل وضوءه: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلوة الا به) (1) أي بمثله. مسألة: ويجب غسل اليدين مع المرفقين مبتدءا بهما، ولو نكس فقولان: اما غسل اليدين فباجماع المسلمين ولصفة وضوء رسول الله صلى عليه وآله ولقوله تعالى: (وأيديكم إلى المرافق) (2) وأما دخول المرفقين فعليه اجماع، خلا زمر، ومن لا عبرة بخلافه. لنا ما رووه عن جابر قال: (كان النبي صلى الله عليه وآله إذا توضأ أدار الماء إلى مرفقيه) (3) ومن طريق الاصحاب ما رواه الهيثم بن عروة التميمي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله تعالى (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) فقال: ليس هكذا تنزيلها انما هو (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم من المرافق) ثم أمر يده من مرفقه إلى أصابعه) (4) ورواية بكير وزرارة عن ابي جعفر عليه السلام (في حكاية وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله) (5) ولا حجة له في قوله إلى المرافق، لانها قد تأتي بمعنى مع، فيجب تنزيلها على ذلك توفيقا بين الاية والخبر المتضمن لوصف وضوء رسول الله صلى عليه وآله.

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 80.
2) المائدة: 6.
3) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 56.
4) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 19 ح 1 ص 285.
5) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 15 ح 11 ص 275.

[ 144 ]

فروع الاول: لو نكس غسلهما فالبحث فيه كما في الوجه، ولا شبهة انه لا يجزي، لان النبي صلى الله عليه وآله لم يستقبل فوجب متابعته، وقال علم الهدى رضي الله عنه في الانتصار والمصباح: يكره، وله قول آخر بالمنع. الثاني أقل الغسل ما يحصل به مسماه ولو (دهنا)، ولا يجزي ما يسمى مسحا، لانه لا يتحقق معه الامتثال. الثالث: من قطعت يداه من المرفقين سقط عنه غسلهما ويستحب له مسح موضع القطع بالماء، ولو قطعت احداهما غسل الاخرى، ولو بقى المرفق وجب غسله، ولو قطع من دونه غسل ما بقى، لان غسل الجميع بتقدير وجوده واجب فإذا زال البعض لم يسقط الاخر. الرابع: من خلق له " يد " زايدة أو " اصبع " زايدة أو " لحمة " منبسطة دون المرفق وجب غسل تلك الزيادة، لانها من جملة الذراع، ولو كانت فوق المرفق لم تجب، وكذا لو تدلت لحمة من غير موضع الفرض إلى موضع الفرض متصلة به، غسلت كما تغسل الاصبع الزايدة. الخامس " الوسخ " تحت الظفر المانع من وصول الماء تجب ازالته إذا لم يكن فيه ضرر، لانه حايل ويمكن ازالته من غير مشقة. مسألة ويجب " مسح " مقدم الرأس ببقية البلل بما يسمى مسحا، وقيل: أقله ثلاث أصابع، اما وجوب مسح الرأس فعليه اجماع المسلمين، ولقوله تعالى: (وامسحوا برؤسكم) (1) واما اختصاص مقدم الرأس بالمسح فعليه اجماع الاصحاب خلافا للجمهور. لنا ما رووه عن المغيرة بن شعبة " ان رسول الله صلى الله عليه وآله

1) المائدة: 6.

[ 145 ]

مسح بناصيته " (1) وان عثمان مسح مقدم رأسه مرة واحدة ولم يستأنف له ماءا جديدا، حين حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله. ومن طريق الاصحاب، ما رواه محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " مسح الرأس على مقدمه " (2) واما انه يجزي ما يسمى مسحا فهو الذي ذكره الشيخ (ره) في المبسوط قال: ولا يتحدد بحد، وقال في مسائل الخلاف: ان الافضل ما يكون مقدار ثلاث أصابع مضمومة، وفي احدى الروايتين عن أبي حنيفة " يجب مقدار ثلاث " وبه قال علم الهدى (ره) في مسائل الخلاف، وابن بابويه رحمه الله تعالى، وقال علم الهدى رضي الله عنه في المصباح: بالاستحباب، كما قلناه. لنا قوله تعالى (وامسحوا برؤسكم) (3) والمراد البعض، ولا حد له شرعا، يقتصر على ما يتناوله الاسم، ومن طريق الاصحاب ما رواه بكير وزرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إذا مسحت بشئ من رأسك أو بشئ من قدميك ما بين كعبك إلى أطراف الاصابع فقد أجزاك " (4). مسألة: لو استقبل الشعر في مسح الرأس قال في المبسوط: يجزيه لانه ماسح، وقال في النهاية والخلاف: لا يجزي. لنا قوله تعالى: (وامسحوا برؤسكم) (5) والامتثال يحصل بكل واحد من الفعلين، ومن طريق الاصحاب ما رواه حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا بأس بمسح الوضوء مقبلا ومدبرا " (6) وأما وجه الكراهية فللتقصي من الخلاف.

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 60.
2) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 22 ح 1 و 2 ص 289.
3) و 5) المائدة: 6.
4) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 23 ح 4 ص 291.
6) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 20 ح 1 ص 286.

[ 146 ]

مسألة: ويجوز على البشرة وعلى شعر البشرة، ولا يجزي على حائل كالعمامة والمقنعة، وهو اتفاق منا، بل يدخل الرجل يده تحت العمامة، والمرأة تحت االمقنعة، ويستحب لها وضعه، ويتأكد في المغرب والصبح. وقال أحمد: يجوز. لنا انه أخل بالمسح على موضع الفرض فلم يصح، ولانه يساعد على المنع من المسح على خرقة موضوعة على موضع الفرض، فمنع المسح على العمامة أولى، ومن طريق الاصحاب ما رواه حماد، عن الحسين قال: " قلت لابي عبد الله رجل توضأ وهو متعمم وثقل عليه نزع العمامة، فقال ليدخل اصبعه " (1). مسألة: يجب أن يمسح رأسه ببقية البلل، ويجوز أن يستأنف لمسح رأسه ولا لمسح رجليه ماءا جديدا، وخير مالك بين المسح ببقية البلل والاستيناف، وأوجب الباقون الاستيناف، أما ان الاستيناف غير واجب، فلما رووه عن عثمان ابن عفان حين حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله " انه مسح مقدم رأسه بيده مرة واحدة ولم يستأنف له ماءا جديدا " (2) وفعله هنا بيان للمجمل فيكون واجبا. ومثل ذلك روي من طريق الاصحاب رواه بكير وزرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام حين وصفا وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، واما أن المسح ببقية البلل شرط في صحة الطهارة، فهو اختيار الثلاثة وأتباعهم وفتوى الاصحاب اليوم، وذكر البزنطي في جامعه عن جميل، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " حكي لنا وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: ثم مسح بما بقي في يده رأسه ورجليه " (3) ثم قال أحمد البزنطي وحدثني المثنى، عن زرارة، وأبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام مثل حديث جميل في الوضوء، الا انه في حديث المثنى ثم وضع يده في الاناء فمسح رأسه ورجليه،

1) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 24 ح 2 ص 293.
2) سنن ابن ماجة ج 1 كتاب الطهارة وسننها ص 51.
3) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 15 ح 4 ص 273.

[ 147 ]

وروى معمر بن خلاد، عن أبي الحسن عليه السلام قلت: " أيجزي الرجل يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال برأسه لا، فقلت: بماء جديد؟ قال برأسه: نعم " (1) وعن أبي بصير قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام قلت: أمسح بما في يدي من الندى رأسي؟ قال: لا، بل تضع يدك في الماء ثم تمسح " (2) قال في التهذيب: ذلك على التقية، وقال ابن الجنيد (ره): وإذا كانت بيد المتطهر نداوة يستبقها من غسل يده مسح بيمينه رأسه ورجله اليمنى، وبيده اليسرى رجله اليسرى، وان لم يستبق ذلك أخذ ماءا جديدا لرأسه ورجليه وكذا يستحب ان وضأ وجهه ويده مرتين مرتين. وهذ ا تصريح منه بجواز الاستيناف، دليلنا على وجوب المسح ببقية البلل انه عليه السلام مسح ببقية البلل، وفعله صلى الله عليه وآله بنان للمجمل فيجب، وهو معارض بالاحاديث المبيحة للاستيناف، لكن القول بوجوب المسح ببقية البلل هو أولى في الاستظهار للعبادة، ويمكن أن يقال: الامر بالمسح مطلق والامر المطلق للفور والاتيان به ممكن من غير استيناف ماء، فيجب الاقتصار عليه تحصيلا للامتثال، ولا يلزم مثله في غسل اليدين، لان الغسل يستلزم استيناف الماء. فروع الاول: من ذكر انه لم يمسح مسح، فان لم يبق في يده نداوة أخذ من لحيته وأشفار عينيه وحاجبيه، ولو لم تبق نداوة أعاد الوضوء. الثاني: يمسح ببقية النداوة سواء كانت من الغسلة الاولى أو الثانية. الثالث: لا يمسح على الجبهة ولا على ما يجتمع على مقدم رأسه من غير شعر المقدم، لانه حائل غير ضروري.

1) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 21 ح 5 ص 228. 2) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 21 ح 4 ص 288.

[ 148 ]

الرابع: من غسل موضع المسح لم يجزه، لانهما فرضان متغايران في نظر الشرع فلا يجزي أحدهما عن الاخر. الخامس ليس من السنة مسح الاذنين ولا غسلهما، وخالف الجمهور في ذلك. لنا قوله (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤسكم " (1) وقد بينا حد " الوجه " وما يجب من مسح الرأس وهما خارجتان عنه، وما رواه الجمهور في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله " فانه لم يذكر الاذنين " (2). ومن طريق الخاصة فما رواه زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام " ان أناسا يقولون: ان الاذنين من الوجه فطهرهما من الرأس؟ قال: ليس عليهما غسل ولا مسح " (3). السادس: لا يستحب " مسح " جميع الرأس لانها كلفة لم يوظفها الشرع، فيسقط اعتبارها. مسألة: يجب " مسح " الرجلين إلى الكعبين، وهما: قبتا القدم. اما وجوب المسح فعليه علماء أهل البيت أجمع، وقال به من الصحابة: عبد الله بن عباس، وأنس. ومن الفقهاء: أبو العالية، وعكرمة، والشعبي. وحكي عن الحسن وابن حريز وأبي علي الجبائي: التخيير بين المسح والغسل، وأوجب الباقون من الجمهور غسلهما. لنا قوله تعالى: (وامسحوا برؤسكم وأرجلكم) (4) لا يقال: " الجر " على المجاورة، لان الاعمال بالمجاورة لا يقاس عليه، ولانها لا تكون واو العطف، ولا في موضع الاشتباه. ولا يقال: كما قرئ " بالجر " قرئ بالنصب وهو عطف على الايدي، لانا نمنع ذلك لان قراءة الجر توجب المسح، ولو كان بالعطف على الايدي لزم

1) و 4) المائدة: 6.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة باب مسح الاذنين بماء جديد ص 65.
3) الوسائل تج 1 ابواب الوضوء باب 18 ح 2 ص 285.

[ 149 ]

التناقض في الحكم، ولا يرد علينا مثله، لانا نجعل قرائة " النصب " عطفا على موضع برؤسكم فترجع القرائتان إلى معنى واحد، والعطف على الموضع معروف في العربية كالعطف على اللفظ وليس كذلك المجاورة لانها من الاعمالات الشاذة، ويدل عليه أيضا ما رواه الجمهور، عن معلى بن عطا، وعن أبيه، وعن اوس بن أبي أويس الثقفي " انه رأى النبي صلى الله عليه وآله أتى " كظامة " وهم: قوم بالطايف، فتوضأ ومسح على قدميه ". (1) لا يقال: كان هذا في بدو الاسلام، لانا نقول: هذا تسليم للتشريع وادعاء للنسخ ونحن نمنعه، وما رووه عن علي عليه اسلام " انه مسح على نعليه وقدميه ثم دخل المسجد فخلع نعليه وصلى " (2) وما رووه عن ابن عباس انه قال " ما أجد في كتاب الله الا غسلتين ومسحتين " (3) وعن أنس بن مالك انه ذكر قول الحجاج: اغسلوا القدمين ظاهرهما وباطنهما وخللوا ما بين الاصابع، فقال أنس: صدق الله وكذب الحجاج وتلا هذه الاية (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (4) وحكوا عن الشعبي انه قال: الوضوء مغسولان وممسوحان ليسقطان في التيمم ورووا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله " انه توضأ فمسح رأسه واذنيه مرة، ثم أخذ كفا من ماء فرش على قدميه وهو منتعل " (5). ومن طريق الاصحاب ما رواه غالب بن هذيل قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن المسح على الرجلين؟ فقال: هو الذي نزل به جبرئيل عليه السلام " وروى زرارة

ؤ 1) مسند احمد بن حنبل ج 4 ص 8 الا رواه (مسح على نعليه).
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 287 (مع تفاوت).
3) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 71.
4) المائدة: 6.
5) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 72.
6) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 25 ح 4 ص 295.

[ 150 ]

قلت لابي جعفر عليه السلام: " ألا تخبرني من أين قلت ان المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ونزل به الكتاب من الله سبحانه قال: فاغسلوا وجوهكم فعرفنا ان الوجه كله يجب أن يغسل ثم قال: وأيديكم إلى المرافق ثم فصل بين الكلامين، فقال: " وامسحوا برؤسكم " فعرفنا ان المسح ببعض الرأس لمكان " الباء " ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال: وأرجلكم إلى الكعبين، فعرفنا حين وصلهما بالرأس ان المسح ببعضهما، ثم فسر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله للناس فضيعوه " (1) وما روي من صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله عن أبي جعفر، وأبي عبد الله عليهما السلام " انه غسل وجهه وذراعيه ثم مسح رأسه وقدميه " (2). واحتج الجمهور برواية عبد الله بن زيد وعثمان، فانهما حكيا وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، وقالا: فغسل رجليه (3) " وعن عبد الله بن عمران " ان رسول الله صلى الله عليه وآله رأى قوما يتوضؤن وأعقابهم تلوح، فقال: ويل للاعقاب من البول " (4). والجواب ان قول النبي صلى الله عليه وآله ويل للاعقاب من البول، لا يدل على وجوب غسلهما في الوضوء، ويدل على وجوب غسلهما من البول، ورواية عبد الله بن زيد وعثمان معارضتان بما رويناه نحن وما رووه عن أنس وعن عبد الله بن عباس، فيكون ما ذكرناه أرجح، لمطابقته ظاهر القرآن، ولان الغسل قد يكون للتنظيف لا للوضوء فيشتبه على الراوي بخلاف المسح، ولا يجب استيعاب الرجلين بالمسح بل يكفي المسح من رؤس الاصابع إلى الكعبين ولو باصبع واحدة، وهو اجماع فقهاء أهل البيت عليهم السلام.

1) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 23 ح 1 ص 291.
2) الوسائل ج ابواب الوضوء باب 15 ح 9 ص 275.
3) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 57. 4) سنن ابن ماجة ج 1 كتاب الطهارة ص 154 (مع تفاوت).

[ 151 ]

لنا ان مسح الرأس على بعضه، والارجل معطوفة عليها فوجب أن يكون لها حكمه، ومن طريق الاصحاب ما رواه زرارة وبكير ابنا أعين، عن أبي جعفر عليه السلام " وإذا مسحت بشئ من رأسك أو بشئ من قدميك مابين كعبيك إلى أطراف الاصابع فقد أجزاك " (1) وعندنا " الكعبان " هما العظمان النابتان في وسط القدم، وهما معقد الشراك، وهذا مذهب فقهاء أهل البيت عليهم السلام. وبه قال محمد بن الحسن الشيباني من الجمهور، وخالف الباقون في ذلك. لنا ان " الكعب " مأخوذ من كعب ثدي المرأة، أي ارتفع، فهو بالاشتقاق أنسب من عظمي الساق، ولان القول بتحتم المسح مع أن الكعب غير ما ذكرناه منفي بالاجماع، أما عندنا فلثبوت الامرين، وأما عند الخصم فلانتفائها، ومن طريق الخاصة ما رواه زرارة وبكير " انهما سألا أبا جعفر عليه السلام عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله فوصف لهما، ثم قالا له: أصلحك الله فأين " الكعبان "؟ قال: هيهنا معنى " المفصل " دون عظم الساق، فقالا: هذا ما هو؟ فقال: هذا عظم الساق ".
(2) واحتج الجمهور بقول أبي عبيدة: الكعب هو الذي في أصل القدم ينتهي الساق إليه، بمنزلة كعاب القناء، وعن النعمان بن بشير: كان أحدنا يلصق كعبه بكعب صاحبه في الصلاة. وروي أن قريشا كانت ترمي كعبي رسول الله صلى الله عليه وآله من ورائه، والجواب ان غاية ذلك ان ما ذكروه يسمى كعبا، ولا يلزم من ذلك ان لا يسمى الناتي في مشط القدم كعبا، فإذا ما روي عن الباقر عليه السلام أولى، ويجوز المسح مقبلا ومدبرا لقوله تعالى: (وامسحوا برؤسكم وأرجلكم) (3) والامتثال يحصل بكل واحد منهما،

1) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 23 ح 4 ص 292.
2) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 15 ح 3 ص 272.
3) المائدة: 6.

[ 152 ]

ولقول أبي عبد الله عليه السلام " لا بأس بمسح الوضوء مقبلا ومدبرا ". (1) فروع الاول: البحث في استيناف الماء لمسح الرجلين كالبحث فيه لمسح الرأس. الثاني: قد بينا انه لا يجب استيعاب القدم كله، ويكفي ولو مسح قدر أنملة من رؤس الاصابع إلى الكعبين، وهل يجزي لو لم يبلغ الكعب؟ فيه تردد، أشبهه لا، لقوله تعالى (الكعبين) (2) فلا بد من الاتيان بالغاية. وهل يجب ادخال الكعب في المسح؟ الاشبه لا، لرواية زرارة وبكير عن أبي جعفر عليه السلا م (3). الثالث: من كانت قد ماه مقطوعة سقط عنه فرض المسح، ولو بقى شئ بين يدي الكعب مسح عليه، فان ذهب موضع المسح أصلا سقط فرضه. الرابع: لو غسل موضع المسح اختيارا لم يجز، كما قلناه في الرأس، وان فعله لتقية أو خوف صح وضوءه، ولو أراد التنظيف غسلهما قبل الوضوء أو بعده، ويجوز المسح على النعل وان لم يدخل يده تحت الشراك لانها لا تمنع مسح موضع الفرض. مسألة: لا يجوز المسح على " الخفين " ولا على ما يستر موضع الفرض مع الاختيار، وهو مذهب فقهاء أهل البيت عليهم السلام خاصة، لنا قوله تعالى (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (4) والحائل غير الرجل، ولانه لو كان الحائل على الوجه أو اليدين لم يصح الطهارة اجماعا لعدم الامتثال، فكذا في القدم عملا بمقتضى الدليل.

1) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 20 ح 1 ص 286.
2) و 4) المائدة: 6.
3) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 15 ح 3 ص 272.

[ 153 ]

ومن طريق الاصحاب ما رواه عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن المسح على الخفين، فقال: (سبق) الكتاب الخفين " (1) وعن الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المسح على الخفين فقال لا تمسحه " (2). احتجوا بما روي من طرق عدة " ان النبي صلى الله عليه وآله مسح على الخفين " (3). والجواب: انها معارضة بما روي عن أمير المؤمنين " انه قال نسخ الكتاب المسح على الخفين " (4) ومثله روي عن ابن عباس، وروي عن على عليه السلام أيضا انه قال: " ما أبالي أمسحت على الخفين أو على ظهر عير بالفلاة " (5) ومثله روي عن أبي هريرة وعايشة انها قالت: " لان تقع رجلاي بالمواسي أحب الي من أن أمسح على الخفين " ولو كان رسول الله صلى الله عليه وآله فعله لما حصل من هؤلاء النكير، ومع التعارض يكون الترجيع لاخبارنا، لانهم مطابقة لما دل عليه ظاهر الاية ومراعاة ما يسلم معه العموم القرآني أولى. وروى زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام انه قال: " سمعته يقول جمع عمر بن الخطاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما تقولون في المسح على الخفين؟ فقام المغيرة فقال: رأيت رسول الله صلى الله يمسح على الخفين، فقال علي عليه السلام: قبل المائد أو بعدها؟ فقال لا أدري، فقال علي عليه السلام سبق الكتاب الخفين انما نزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين أو ثلاثة ".
(6)

1) نقل هذا الحديث من طرف آخر انظر الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 38 ص 321.
2) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 38 ح 7 ص 323.
3) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 282.
4) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 38 ح 20 ص 325.
5) لم يوجد.
6) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 38 ح 6 ص 323.

[ 154 ]

فروع الاول: يجوز المسح على " الخفين " عند التقية والضرورة كالبرد وشبهه، لان في ايجاب نزعه على هذا الحال ضررا بالمكلف وحرجا، وهما منفيان، ولما رواه أبو الورد قلت لابي جعفر عليه السلام " ان أبا ظبيان حدثني انه رأى عليا عليه السلام أراق الماء ثم مسح على الخفين، فقال: كذب أبو ظبيان، أما بلغك قول علي عليه السلام فيكم سبق الكتاب الخفين؟ فقلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال لا، الا من عدو تتقيه أو ثلج تخاف على رجليك ". (1) الثاني: يسقط على هذا التقدير ما يشترطونه في جواز المسح، لان الجواز عندنا يتبع الضرورة فلا اعتبار بما سواها، ولا فرق بين أن يكون لبسهما على طهارة أو حدث، ولا يقدر ذلك بما قدره المخالف بل ما دامت الضرورة، وسواء كان الملبوس جوربين منعلين أو غير منعلين، وسواء كان الخف بشرج أو غير شرج أو كان جرموقا فوق الخف، فانا نراعي في ذلك كله امكان المسح على البشرة فان أمكن وجب، والا جاز المسح على ذلك كله، فلو مسح وزالت الضرورة أو نزع الخف استأنف، لانها طهارة مشروطة بالضرورة فتزول مع زوالها، ولا تتم طهارته بالمسح مع نزعه، لان الموالات لا تحصل. الثالث: كما جاز المسح على الخفين للضرورة فكذا يجوز على العمامة للضرورة ان فرضت. مسألة: (الترتيب) واجب في الوضوء وشرط في صحته، يبدأ بغسل الوجه ثم باليد اليمنى ثم باليسرى ثم يمسح الرأس ثم يمسح الرجلين. وهو مذهب علمائنا أجمع. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجب لان العطف بالواو لا يوجب الترتيب،

1) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 38 ح 5 ص 322.

[ 155 ]

والامتثال يتحقق مع عدمه، ورووا عن ابن مسعود انه قال: ما أبالي بأي أعضائي بدأت. لنا ما نقل من كيفية وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به " (1) ولانه عليه السلام قال: " ابدؤا بما بدأ الله به " (2) ومن طريق الاصحاب ما روى زرارة قال: " قال أبو جعفر عليه السلام: تابع كما قال الله تعالى ابدأ بالوجه ثم باليدين ثم امسح الرأس والرجلين ولا تقدمن شيئا بين يدي شئ تخالف ما امرت به فان غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه ثم أعد على الذراع وان مسحت الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس ثم أعد على الرجل ".
(3) وأما وجوب تقديم اليد اليمنى على اليسرى فيدل عليه فعل النبي صلى الله عليه وآله، وقوله: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به " (4) ومن طريق الاصحاب ما رواه منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يتوضأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين فقال: يغسل اليمين ويعيد الشمال " (5) والجواب عما استدل به أبو حنيفة أن نسلم ان الواو لا تقتضي الترتيب لكن كما لا يقتضي الترتيب لا يقتضي عدمه، بل لا دلالة فيها على أحدهما وقد وجدت دلالة الترتيب، فلا تكون الاية منافية، وما ذكروه عن علي عليه السلام وابن مسعود، فانه معارض بما رووه عن علي عليه السلام " انه سئل فقيل: أحدنا يستعجل فيغسل شيئا قبل شئ؟ فقال: لا، حتى يكون كما أمر الله تعالى " (6) ولا " ترتيب " بين الرجلين بل يجوز أن يمسحهما دفعة

1) و 4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 80.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 85. 3) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 34 ح 1 ص 315.
5) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 35 ح 2 ص 317.
6) لم يوجد.

[ 156 ]

وان يمسح اليسار قبل اليمين وبالعكس، والافضل البدأة باليمين لقوله عليه السلام " ان الله يحب التيامن " وانما قلنا بالجواز، لقوله تعالى: و (أرجلكم) (1) فجمع بينهما ولا يلزم مثل ذلك في الذراعين لوجود الدلالة على الترتيب عليهما. فرع لو بدأ بآخر الاعضاء إلى الوجه صح غسل الوجه، ولو نكس ثانيا والنداوة باق على وجهه حصل له مع الوجه اليد اليمنى، ولو نكس ثالثا حصل له مع ذلك اليسرى، وهكذا إلى آخره ما دامت النية باقية و " الموالاة " حاصلة، ولو غسل أعضاءه دفعة حصل له الوجه حسب، ولو كان في ماء جار وتعاقبت عليه جريات ثلاث حصل له غسل الوجه واليدين، أما لو نوى الطهارة ونزل إلى ماء واقف دفعة حصل له غسل الوجه، ولو أخرج أعضاءه مرتبا صح الوجه واليدان، وافتقر إلى مسح الرأس ثم مسح الرجلين ولو لم يرتب في الاخراج حصل له غسل الوجه نزولا واليمنى من اليدين خروجا. مسألة: " الموالات " شرط في صحة الوضوء وهو مذهب علمائنا. وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه: ليست شرطا. لنا ما رواه " ان النبي صلى الله عليه وآله رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبه الماء، فأمر النبي صلى الله عليه وآله أن يعيد الوضوء والصلاة " (2) ولو لا اشتراط الموالات لاجزاءه غسل اللمعة، ولان النبي صلى الله عليه وآله تابع وضوءه في ضمن الامر المجمل فيكون تفسيرا، فيجب كوجوب المفسر. ومن طريق الاصحاب ما رواه معاوية بن عمار قلت لابي عبد الله عليه السلام: " ربما توضأت ونفد الماء فدعوت الجارية فأبطأت علي بالماء

1) البقرة: 222.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 83.

[ 157 ]

فيجف وضوئي، فقال: أعد ". (1) واحتج من لم يشترط التتابع: بأن الامر بغسل الاعضاء مطلق، والمطلق لا اشعار له بالموالات، وجوابه: كما لا اشعار له بالموالات فلا اشعار له باسقاطها، لكن علم وجوب الموالات بما ذكرناه من الدلالة السليمة عن المعارض، والموالات هي أن لا يؤخر بعض الاعضاء عن بعض بمقدار ما يجف ما تقدمه، وهو اختيار الشيخ وعلم الهدى في شرح الرسالة. وقال الشيخ في مسائل الخلاف: هي أن تتابع بين غسل الاعضاء ولا يفرق الا لعذر. كذا قال علم الهدى في المصباح. وقال الشيخ في المبسوط: الموالات واجبة وهي أن تتابع بين الاعضاء فان خالف لم يجزه، والوجه وجوب المتابعة مع الاختيار لان الاوامر المطلقة يقتضي الفور. ولما رواه الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام " اتبع وضوئك بعضه بعضا " (2) لكن لو أخل بالمتابعة اختيارا لم يبطل الوضوء الا مع جفاف الاعضاء، لانه يتحقق الامتثال مع الاخلال بالمتابعة في غسل المغسول ومسح الممسوح، فلا يكون قادحا في الصحة، وان فرق لعذر فالصواب انه لا يجب اعادة الوضوء الا أن يجف جميع ما تقدم من ماء الاعضاء في الهواء المعتدل، لا العضو السابق على العضو المفرق، خلافا لما فسره علم الهدى في المصباح. ويدل على ذلك الاتفاق على ان الناسي للمسح يأخذ من شعر لحيته وأجفانه وان لم يبق في يده نداوة، ويؤيده رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " وإذا عرضت لك حاجة حتى يبس وضوءك فأعد، فان الوضوء لا يتبعض " وروى (3)

1) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 33 ح 3 ص 314.
2) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 33 ح 1 ص 314.
3) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 33 ح 2 ص 314.

[ 158 ]

زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل ينسى مسح رأسه حتى يدخل في الصلاة قال: ان كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه ورجليه فليفعل " (1). فرع لو جف ماء الوضوء من الحر المفرط أو الهواء المحرق جاز البناء، واستيناف الماء الجديد والمسح دفعا للحرج. مسألة: و " الفرض " في الغسل مرة، والثانية سنة، والثالثة بدعة. وهو اختيار الشيخ في المبسوط والنهاية. وقال ابن بابويه فكتابه: من توضأ اثنتين لم يؤجر، ومن توضأ ثلاثة فقد أبدع. وقال المفيد في المقنعة: الثالثة كلفة، ولم يصرح بالبدعة. وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد: الثالثة سنة، ولم يستحب مالك ما زاد على الفرض. لنا ما رواه البخاري، عن ابن عباس قال: " توضأ رسول الله صلى الله عليه وآله مرة مرة " (2) ومن طريق الاصحاب ما رواه عبد الكريم قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوضوء فقال: ما كان وضوء علي عليه السلام الا مرة مرة " (3) وروى يونس بن عمار، عن أبى عبد الله عليه السلام وسألته عن الوضوء للصلاة؟ فقال: مرة مرة " (4) ولان معها يحصل امتثال الامر بالغسل فيكون مجزية وأما استحباب الثانية، فلما رواه الترمذي، عن أبي هريرة: " من أن النبي صلى الله عليه وآله توضأ مرتين مرتين ".
(5)

1) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 35 ح 4 ص 317.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 80.
3) الوسائل ج ابواب الوضوء باب 31 ح 7 ص 307.
4) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 31 ح 6 ص 307.
5) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 79.

[ 159 ]

ومن طريق الاصحاب، ما رواه معاوية بن وهب فال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوضوء؟ فقال: مثنى مثنى " (1) ومثله روى صفوان، عن أبي عبد الله عليه السلام ولا يجوز أن يراد بذلك الوجوب لما سبق من جواز الاقتصار على المرة، فتعين الاستحباب. ويؤيده رواية زرارة وبكير " انهما سألا أبا عبد الله عليه السلام عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، قلت: الغرفة الواحدة تجزي الوجه؟ قال: نعم إذا بالغت فيها والاثنتان تأتيان على ذلك كله " (2) ولان الغسلة الواحدة ربما تطرق إليها الخلل، فتكون الثانية استظهارا. وأما كون الثالثة بدعة، فلانها ليست مشروعة، فإذا اعتقد التشريع أثم، ولانه يكون إدخالا في الدين ما ليس منه، فيكون مردودا، لقوله عليه السلام: " من أدخل في ديننا ما ليس فيه فهو رد " (3) ولا نعي " بالبدعة " الا ذلك. واستدل الجمهور بما روي عن ابن عمر انه قال: " توضأ رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به، ثم توضأ مرتين وقال: هذا وضوء من ضاعف الله له الاجر، ثم توضأ ثالثة وقال: هذا وضوئي ووضوء الانبياء قبلي " (4). وجوابه: ان الخبر مدني وقد اطرحه مالك ولم يصححه، وهو امارة الضعف، ثم هو معارض بما روي ابن عباس، عنه على السلام " انه توضأ مرة " (5) وبما روى أبو هريرة " انه توضأ مرتين مرتين " (6) ولو كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وهو وضوء الانبياء قبله، لما أخل به، وأيضا مع تسليمه لا يدل على استحباب الثلاث في حق غيره، لاحتمال اختصاصه بالثلاث دون غيره، كغيره من الخصائص، ولا كذا في

1) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 31 ح 28 ص 310.
2) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 15 ح 3 ص 272.
3) لم يوجد.
4) و 5) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 80.
6) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 79.

[ 160 ]

الثانية، فان أخبر انه وضوء من ضاعف الله له الاجر وهو على عمومه. فروع الاول: من زاد على الواحدة معتقدا وجوبها لم يؤجر ولا يبطل وضوءه، لان استحقاق الثواب بالعبادة مشروط بايقاعها على الوجه المشروع ولم يحصل، نعم لا يخرج ماؤها عن كونه ماء الوضوء، ويجوز المسح به. الثاني: هل تبطل الطهارة لو غسل يديه ثلاثا؟ قيل: نعم، لانه مسح لا بماء الوضوء والوجه الجواز، لانه لا ينفك عن ماء الوضوء الاصلي. الثالث: لو كان في ماء وغسل وجهه ويديه ومسح برأسه وبرجله، جاز، لان يديه لا تنفك من ماء الوضوء ولم يضره ما كان على القدمين من الماء. مسألة: ولا تكرار في المسح، وهو مذهب الاصحاب. وقال الشافعي: يستحب ثلاثا. لنا قوله تعالى: (وامسحوا برؤسكم) (1) والامتثال يحصل بالمرة الواحدة، فالزيادة تكلف لم يثبت لها مستند، ولما رووه من حكاية وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله برواية عبد الله بن زيد، وعلي عليه السلام وابن عمر " انه مسح رأسه مرة " (2) ومن طريق الاصحاب ما رواه زرارة وبكير عن أبي عبد الله وأبي جعفر عليهما السلام من حكاية وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله. واحتج الشافعي بما روي عن عثمان " انه مسح برأسه ثلاثا، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يفعل مثل هذا " (3) وجوابه ان كثيرا من أصحاب الحديث روى عن عثمان " انه غسل وجهه ثلاثا ومسح رأسه " (4) ولم يذكروا التكرار، روى ذلك البخاري ومسلم.

1) البقرة: 222.
2) و 4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 62.
3) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 63.

[ 161 ]

مسألة: ويحرك ما يمنع وصول الماء إلى البشرة وجوبا، ولو لم يمنعه حركة استحبابا، وهو مذهب فقهائنا، لان الغسل تعلق بموضع الفرض فوجب ايصاله إليه فإذا لم يمكن الا بالتحريك والازالة وجب، واما استحباب التحريك مع وصول الماء إلى محل الفرض فطلبا للاستظهار في الطهارة، وروى علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام " عن المرأة عليها السوار والدملج، قال: تحركه حتى يدخل الماء تحته أو تنزعه، وعن الخاتم الضيق، قال: ان علم ان الماء لا يدخله فليحركه إذا توضأ ". (1) مسألة: و " الجبائر " تنزع ان أمكن والا مسح عليها ولو في موضع الغسل، وهو مذهب الاصحاب، ولو لم توضع على ظهر، يدل على ذلك رواية الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " سأل عن الرجل تكون له القرحة فيعصبها بالخرقة، أيمسح عليها إذا توضأ؟ فقال: ان كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة، وان كان لا يؤذيه فلينزع الخرقة ثم ليغسلها، وسألته عن الجرح كيف يصنع به في غسله؟ قال اغسل ما حوله " (2). ومثله روى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام في الجروح، وروى كليب الاسدي، عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن الرجل إذا كان كسيرا كيف يصنع بالصلاة؟ قال: ان كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره وليصل " (3) ولان ايجاب نزع الجبائر واصابة الموضع بالماء حرج على تقدير الضرر فيكون منفيا.

1) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 41 ح 1 ص 329.
2) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 39 ح 2 ص 326.
3) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 39 ح 8 ص 327.

[ 162 ]

فروع الاول: ان أمكنه وضع موضع الجبائر في الماء حتى يصل إلى البشرة من غير ضرر وجب، ولا يمسح على الجبائر، لان غسل موضع الفرض ممكن فلا يقتصر على مسح الحائل. الثاني: إذا كانت الجبائر على بعض الاعضاء غسل ما يمكن غسله ما يمكن غسله ومسح ما لا يمكن، ولو كان على الجميع جبائر، أو دواء يتضرر بازالته جاز المسح على الجميع، ولو تضرر تيمم، ولو حلق رأسه وطلاه بالحناء، ففي رواية محمد بن مسلم يجوز المسح على الحناء مطلقا، والوجه مراعات الضرر في المسح على البشرة. الثالث: لو تطهر ومسح ثم زال الحائل ففي اعادة الوضوء تردد، أشبهه الاعادة. الرابع: المضطر إلى مسح الجبائر لا يعيد ما صلاه بطهارته، لانها صلاة مأمور بها فتكون مجزية. مسألة: ولا يجوز أن يولي وضوئه غيره اعتبارا، هذا مذهب الاصحاب، ولا يجزي لو فعل، ومع الضرورة يجزي. لنا قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) (1) وهو خطاب لمريدي الصلاة، والامر للوجوب، فلا يسقط بفعل الغير، ومع الضرورة يجوز، لانه توصل إلى الطهارة بالقدر الممكن، وعليه اتفاق الفقهاء. فروع يجوز أن يجمع بين صلوات كثيرة بوضوء واحد، خلافا لاهل الظاهر، ولو

1) المائدة: 6.

[ 163 ]

جدد الوضوء لكل صلاة كا ن أفضل، لما روي عن أنس " قيل له: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزي أحدنا الوضوء ما لم يحدث " (1) وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله " من توضأ على طهر فله عشر حسنات " (2). مسألة: ومن رام به " السلس " يصلي كذلك، وقيل: يتوضأ لكل صلاة، وهو حسن. قال الشيخ (ره) في المبسوط: ومن به سلس البول يجوز أن يصلي بوضوء واحد صلوات كثيرة، لانه لا دليل على وجوب تجديد الوضوء. وحمله على المستحاضة قياس لا نقول به، ويجب أن يجعله في كيس ويحتاط في ذلك، وقال في مسائل الخلاف: المستحاضة ومن به سلس البول يجب عليه تجديد الوضوء عند كل صلاة فريضة، ولا يجوز أن يجمعا بوضوء واحد بين صلوات فرض، والوجه ما ذكره في مسائل الخلاف، لان البول حدث فيعفى منه عن ما وقع الاتفاق عليه، وهو الصلاة الواحدة. أما وجوب الاستظهار بالشداد فلما رواه حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذ ا كان الرجل يقطر منه البول والدم إذا كان في الصلاة اتخذ كيسا وجعل فيه قطنا وعلقه عليه، وأدخل ذكره فيه، ثم يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، يؤخر الظهر ويعجل العصر بأذان واقامتين، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء بأذان واقامتين، ويفعل مثل ذلك في الصبح " (3) وعن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام " سئل عن تقطير البول، قال يجعل خريطة إذا صلى " (4). مسألة: وكذا " المبطون " ولو فجئه الحدث في الصلاة توضأ وبنى. " المبطون " هو الذي به البطن وهو " الذرب " وهو يفعل كمن به السلس من تجديد الوضوء

1) و 2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 162.
3) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 19 ح 5 ص 210.
4) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 19 ح 5 ص 211.

[ 164 ]

لكل صلاة، لان الغائط حدث فلا يستبيح معه الا الصلاة الواحدة، لمكان الضرورة، أما لو تلبس بالصلاة متطهرا ثم فجئه الحدث مستمرا تطهر وبنى، لان التخلص متعذر، ولو استأنف الصلاة مع وجوده لم تظهر فائدة فالاستمرار أولى، ويؤيد ذلك ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال " صاحب البطن الغالب يتوضأ ثم يرجع في صلاته فيتمم ما بقى " (1). مسألة: وسنن الطهارة عشر، وضع " الاناء " على اليمين و " الاغتراف " باليمين، وهو مذهب الاصحاب، أما وضع الاناء على اليمين، فالمراد به الاناء الذي يغترف منه باليد لا الذي يصب منه، لانه أمكن في الاستعمال، وهو نوع من تدبير، وروى عن النبي صلى الله عليه وآله " ان الله يحب التيامن في كل شئ " (2) والاغتراف باليمين كذلك. ويدل عليه من طريق الاصحاب ما رواه زرارة وبكير عن أبي جعفر عليه السلام انهما سألاه عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله " فاستدعا بتور فيه ماء فغسل كفيه ثم غمس كفه اليمنى فغسل وجهه بها " (3). والتسمية أمام الوضوء مستحبة، وهو مذهب العلماء، وأوجبه أهل الظاهر، لقوله عليه السلام " لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه " (4) لنا قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم) ارادة الصلاة وغسل الوجه وقوله عليه السلام " إذا سميت في الوضوء طهر جسدك كله وإذا

1) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 19 ح 4 ص 210.
2) لم يوجد.
3) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 15 ح 3 ص 272.
4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 43.
5) المائدة: 6.

[ 165 ]

لم تسم لم يطهر الا ما أصابه الماء " (1) ولو كان شرطا لكان الاخلال به مبطلا، فلم يتحقق طهارة شئ من الاعضاء بها، ولان الاصل عدم الوجب، وما ذكروه من الحديث مطعون فيه، قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذه حديثا له اسناد جيد، ثم نقول: لو صح، لحمل على الاستحباب. ولو احتج محتج بما رواه ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ان رجلا توضأ وصلى فقال له رسول الله صلى الله عليه وآ له: أعد صلاتك ووضوئك، ثم توضأ وصلى فقال له: أعد وضوئك وصلاتك ثم هكذا ثلاثا، فشكى ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: هل سميت حين توضأت؟ فقال لا، قال: فسم على وضوئك فسمى وصلى. ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله فلم يأمره أن يعيد " (2). كان الجواب الطعن في السند لمكان الارسال، ولو قال: مراسيل ابن أبي عمير يعمل بها الاصحاب، منعنا ذلك، لان في رجاله من طعن الاصحاب فيه، وإذا أرسل احتمل أن يكون الراوي أحدهم، ولانه مخصص للاخبار المتضمنة لكيفية وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، ولان النبي صلى الله عليه وآله قد يهتم بالمندوب لما فيه من الفضيلة، فيكون الاعادة على الاستحباب، ولانه يحتمل أن يراد بالتسمية نية الاستباحة، فان المسمى غير مذكور في الخبر، وكيفية التسمية ما رواه زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا وضعت يدك في الماء فقل: بسم الله وبالله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فإذا فرغت فقل الحمد لله رب العالمين " (3) فنقول: هذا قدر، ان اعتمده كان حسنا، وان اقتصر على ذكر اسم " الله " تعالى أتى بالمستحب. مسألة: وغسل اليدين من " النوم " و " البول " مرة ومن " الغايط " مرتين قبل الاغتراف وهو مذ هب فقهائنا واكثر أهل العلم. وقال أحمد: يجب غسلهما من

1) و 2) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 26 ح 6 ص 298.
3) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 26 ح 2 ص 298.

[ 166 ]

نوم الليل ثلاثا دون نوم النهار. لنا الاصل عدم الوجوب، وقوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق) (1) وهو يدل على الاكتفاء بما تضمنته الاية، وروى محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال: " سألته عن الرجل يبول ولم تمس يده شيئا، أيغمسها في الماء؟ قال: نعم وان كان جنبا " (2). وأما الاستحباب فلما رواه عبد الله الحلبي قال: " سألته عن الوضوء كم يفرغ الرجل على يده اليمنى قبل أن يدخلها الاناء؟ قال واحدة من حدث البول، واثنتين من الغايط، وثلاث مرات من الجنابة " (3) وفي رواية حريز، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " يغسل الرجل يده من النوم مرة، ومن الغايط والبول مرتين، ومن الجنابة ثلاثة مرات " واختلاف الاحاديث في المستحبات لا يقدح في استحبابها، ويدل على استحباب ذلك لا على الوجوب ما رواه محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال: " سألته عن الرجل يبول ولم تمس [ ولا تمس ] يده اليمنى شيئا أيغمسها في الماء؟ قال نعم " (5). وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام " عن الجنب يجعل الركوة والتور فيدخل اصبعه فيه؟ قال: ان كان يده قذرة فليهرقه، وان لم يكن أصابها قذر فليغتسل منه " (6) واحتج أحمد بقوله عليه السلام: " إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل

1) المائدة: 6.
2) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 45 ح 3 ص 529.
3) الوسائل ج 1 ابواب الضوء باب 27 ح 2 ص 301.
4) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 27 ح 2 ص 301.
5) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 45 ح 3 ص 529.
6) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 8 ح 11 ص 115.

[ 167 ]

أن يدخلها الاناء ثلاثا فان أحدكم لا يدري أين باتت يده " (1) وجوابه: ان التعليل المذكور في الرواية يؤذن بالاستحباب. و " المضمضة " و " الاستنشاق " وهما مستحبان في الوضوء، وقال اسحق وأحمد: هما واجبان، لما روت عايشة " ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لابد منه " (2). لنا قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم) (3) ولم يجعل بين الارادة والغسل فاصلا، وظاهره الاجتزاء بالقدر المذكور، وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله عشرة من الفطرة وذكر من جملتها المضمضة والاستنشاق والفطرة السنة، ومن طريق الاصحاب، ما رواه عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المضمضة والاستنشاق مما سن رسول الله صلى الله عليه وآله " (4). ويدل على أنها مندوبة ما رواه أبو بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ليس عليك استنشاق ولا مضمضة انهما من الجوف " (5) وان يبدأ بظاهر ذراعيه والمرأة بباطنهما، فاعل " يبدأ " محذوف تقديره " الرجل " ودل على الرجل ذكر المرأة، ويدل على استحباب ذلك ما رواه اسماعيل بن بزيع، عن الرضا عليه السلام قال: " فرض الله على النساء في الوضوء أن يبدأن بباطن أذرعهن، وفي الرجال بظاهر الذراع " (6) ومعنى " فرض " قدر وبين لا بمعنى أوجب، وعلى الاستحباب اتفق علماؤنا.

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 45.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 52.
3) المائدة: 6.
4) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 29 ح 1 ص 302.
5) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 29 ح 10 ص 304.
6) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 40 ح 1 ص 328.

[ 168 ]

و " الدعاء " عند غسل الاعضاء. روى عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن علي عليه السلام قال: " انه تمضمض فقال: اللهم لقني حجتي يوم ألقاك واطلق لساني بذكرك، ثم استنشق فقال: اللهم لا تحرمني طيبات الجنان واجعلني ممن يشم ريحها وروحها وطيبها، ثم غسل وجهه فقال اللهم بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه ولا تسود وجهي يوم تبيض فيه الوجوه. ثم غسل يده اليمنى فقال: اللهم اعطني كتابي بيميني والخلد في الجنان بيساري وحاسبني حسابا يسيرا، ثم غسل اليسرى فقال: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي [ ولا من وراء ظهري ] ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي، وأعوذ بك من مقطعات النيران، ثم مسح رأسه فقال: اللهم غشني رحمتك وبركاتك وعفوك، ثم مسح رجليه فقال: اللهم ثبتني على الصراط المستقيم يوم تزل فيه الاقدام واجعل سعيي فيما يرضيك عني يا ذا الجلال والاكرام، ثم قال: لولده محمد توضأ مثل وضوئي هذا فمن فعل هذا خلق الله له من كل قطرة ملكا يقدسه ويسبحه ويكبره ويكتب الله له ثواب ذلك إلى يوم القيامة " (1) والوضوء بمد مستحب عند أهل البيت عليهم السلام، والواجب ما يحصل به مسمى الغسل، وقال أبو حنيفة: لا يجزي في الوضوء أقل من مد. لنا قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيدكم) (2) ومع تحقق الغسل يحصل الامتثال وان كان دون المد، ومن طريق الاصحاب ما رواه اسحق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه " ان عليا عليه السلام كان يقول: الغسل من الجنابة والوضوء يجزي فيه ما جزى من الدهن الذي يبل الجسد " (3) ويدل على الاستحباب رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتوضأ بمد ويغتسل بصاع و " المد " رطل ونصف،

1) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 16 ح 1 ص 282. 2) المائدة: 6.
3) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 52 ح 5 ص 341.

[ 169 ]

و " الصاع ستة أرطال " (1) يعني: بالمدني. و " السواك " عند الوضوء مستحب بالاجماع، خلا داود فانه أوجبه. لنا قوله عليه السلام " لولا أن أشق على امتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة " (2) وهو دلالة على عدم وجوبه، ويدل على الاستحباب قوله عليه السلام " ما زال جبرئيل يوصيني بالسواك حتى خفت أن أدرد " (3) وروي عن عبد الله بن ميمون القداح قال: " ركعتان بالسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك (4) ". وفي رواية المعلى بن خنيس قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن السواك بعد الوضوء، قال: الاستياك قبل أن تتوضأ، قلت ان نسي قبل أن يتوضأ؟ قال: يستاك ثم يتمضمض ثلاث مرات " (5) و " المعلى " ضعيف، وفي رواية: أدنى السواك أن تدلكهما باصبعك. وروى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يكثر السواك وليس بواجب " (6) ويتأكد استحبابه أمام صلاة الليل، وهو اجماع وتكره الاستعانة في الوضوء لما روى شهاب بن عبد ربه، عن علي عليه السلام " انه كان لا يدعهم يصبون الماء عليه، وقال: لا أحب أن أشرك في صلاتي أحدا " ومثل ذلك روى الوشا، عن الرضا عليه السلام. وقال أحمد بن حنبل: أكره أن أستعين على وضوئي أحدا، لان عمر قال

1) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 50 ح 1 ص 338.
2) الوسائل ج 1 ابواب السواك باب 5 ح 3 ص 355.
3) الوسائل ج 1 ابواب السواك باب 1 ح 1 و 7 ص 346.
4) الوسائل ج 1 ابواب السواك باب 5 ح 2 ص 355.
5) الوسائل ج 1 ابواب السواك باب 4 ح 1 ص 354.
6) الوسائل ج 1 ابواب السواك باب 1 ح 22 ص 349.
7) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 47 ح 2 ص 335.

[ 170 ]

ذلك ويكره التمندل منه، يريد " مسح أعضاء الطهارة بالمنديل، ذهب الشيخ إلى ذلك في الجمل. وقال في الخلاف: لا بأس بالتمندل من نداوة الوضوء وتركه أفضل. وقال الترمذي من الجمهور: لم يصح في هذا الباب شئ. وروي من طريق الاصحاب محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن التمسح بالمنديل قبل أن يجف قال: لا بأس " (1). الرابع: في الاحكام. مسألة: من تيقن " الحدث " وشك في الطهارة أو تيقنهما وجهل السابق تطهر، أما إذا تيقن " الحدث " وشك في الطهارة فالاجماع على وجوب الاعادة، ويؤكد ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله " وقد سئل عن الرجل يخل له في الصلاة انه يجد الشئ؟ فقال لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا " (2). ومن طريق الاصحاب ما رواه عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشئ، انما الشك إذ كنت في شي لم تجزه " (3) ولانه لو وجب الوضوء مع الشك المتجدد لزم الحرج، إذ الاغلب في الناس تطرق الشك إليهم وعدم الضبط للامور السالفة، والحرج منفي بالاية. ولا يقال: ان لم يعمل بالشك فلم لا يعمل بالظن، لانا نقول: " الظن " ليس بمعتبر ما لم يعتبره الشرع كما لا يحكم الحاكم لغلبة ظنه يصدق أحد المتنازعين، وليس ذلك الا لكونه رجوعا عن معلوم إلى مظنون، وأما إذا تيقنهما وشك في المتأخر، فقد قال الثلاثة ومن تبعهم: يعيد الطهارة. وعندي في ذلك تردد.

1) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 45 ح 1 ص 333.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 114.
3) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 42 ح 2 ص 330

[ 171 ]

ووجه ما قالوه: ان يقين الطهارة معارض بيقين الحدث ولا رجحان فيجب الطهارة لعدم اليقين بحصولها، لكن يمكن أن يقال: ينظر إلى حاله قبل تصادم الاحتمالين فان كان حدثا بنى على الطهارة، لانه تيقن انتقاله عن تلك الحال إلى الطهارة ولم يعلم تجدد الانتقاض وصار متيقنا للطهارة وشاكا في الحدث، فيبني على الطهارة، وان كان قبل تصادم الاحتمالين متطهرا بنى على الحدث لعين ما ذكرنا من التنزيل. فرع لو تيقن انه تطهر بعد الصبح عن حدث، وتيقن انه أحدث ولم يعلم السابق، بنى على الحال التي كان عليها، لانه ان كان قبل ذلك محدثا فقد تيقن الطهارة المزيلة للحدث والحدث بعدها، وتأخر الطهارة مشكوك فيه، وان كان قبل ذلك متطهرا فقد تيقن انه نقض تلك الطهارة بالحدث، ثم توضأ، لان التقدير ان طهارته الثانية عن حدث. ولو شك في يوم، فلا يدري تطهر وأحدث أم لا؟ بنى على ما قبل ذلك الزمان، فان كان حدثا فهو باق عليه، أو طهارة فكذلك، لانه متيقن لما كان عليه وشاك في انتقاضه، وقال في النهاية: يعيد الطهارة. وليس بوجه فانه لم يبد حجته. مسألة: ولو تيقن الطهارة وشك في الحدث أو شك في شئ من أفعال الوضوء بعد انصرافه عن حاله، بنى على الطهارة، وهذا اجماع، ويؤكده ما رواه زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدرأ غسلت ذراعيك أم لا؟ فأعد عليها وعلى جميع ما شككت فيه، وإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وصرت في حالة اخرى في الصلاة أو غيرها، أو شككت في شئ مما سماه الله عليك وضوئه فلا شئ عليك فيه " (1) ولان الشك بعد الانصراف لو كان معتبرا لتعذر الانفكاك

1) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 42 ح 1 ص 330

[ 172 ]

منه، الا في الاقل فيسقط اعتباره دفعا للحرج. مسألة: ولو شك في شئ من أفعال الوضوء قبل انصرافه عن حال الوضوء أتى به وبما بعده، لان الاصل عدم الاتيان والحدث متيقن فيلزم الاتيان بالمشكوك فيه بناء على اليقين وبما بعده تحصيلا للترتيب، ويؤيده رواية زرارة المتقدمة. مسألة: ولو تيقن " ترك عضو " أتى به وبما بعده سواء تيقن قبل انصرافه أو بعده، أما وجوب الاتيان به فباجماع فقهاء الاسلام، وأما اعادة ما بعده فتحصيلا للترتيب، ويؤكده ما رواه الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا نسى الرجل أن يغسل يمينه فغسل شماله ومسح رأسه ورجليه فذكر بعد ذلك غسل يمينه وشماله ومسح رأسه ورجليه وان كان انما نسى شماله فليعد الشمال ولا يعيد على ما كان توضأ " (1). مسألة: ولو كان " مسحا " ولم يبق على أعضائه نداوة أخذ من لحيته وأجفانه فلان المسح ممكن بنداوة الوضوء فيجب، وأما وجوب الاعادة مع الجفاف فلما سبق من وجوب الموالات. ويؤكد الاخذ من شعر الوجه ما روي من طريق الاصحاب، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ان ذكرت وأنت في صلاتك انك تركت شيئا من وضوئك المفروض عليك فانصرف وأتمم الذي نسيته وأعد صلاتك، ويكفيك من مسح رأسك أن تأخذ من لحيتك ومن بللها فتمسح به مقدم رأسك " (2). فروع الاول: من صلى صلاتين كل صلاة بوضوء، وتيقن الحدث عقيب احدى

1) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 35 ح 9 ص 318.
2) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 21 ح 2 ص 287.

[ 173 ]

الطهارتين، قال في المبسوط: يعيد الصلاتين لانه لم يؤد واحدة بيقين. والاقرب انه ان كانتا متساويتين عددا أعاد صلاة واحدة بنية ما في ذمته، وان اختلفتا عددا أتى بهما، وكذا البحث لو صلاهما بطهارتين بعد حدث عقيب الاولى وتيقن انه ترك عضوا من احدى الطهارتين. الثاني: لو توضأ وصلى ثم جدد من غير حدث ثم صلى وتيقن انه أخل بعضو من احدى الطهارتين، قال في المبسوط: أعاد الاولى دون الثانية. لانه ان كان الاخلال من الاولى فقد صحت الثانية، وان كان من الثانية فقد صحت الصلاتان بالطهارة الاولى، وما ذكره الشيخ (ره) حق ان قصد بالثانية الصلاة لا وضوء مطلقا، وقيل: هو حق ان لم يعتبر في الطهارة نية رفع الحدث أو الاستباحة. الثالث: لو جدد طهارة على طهارة ولم يحدث، ثم صلى صلاة أو صلوات بهما، ثم تيقن انه ترك عضوا من احدى الطهارتين، فان اشترطنا نية الاستباحة أعاد الصلاة، لاحتمال أن يكون الترك من الاولى فلا تفيد الثانية الاستباحة، وان لم يشترط ذلك لم يعد، لان الترك في أيهما فرض صحت الصلاة في الاخرى، والوجه صحة الصلاة إذا نوى بالثانية الصلاة، لانها طهارة شرعية قصد بها تحصيل فضيلة لا يحصل الا بها. الرابع: لو صلى الخمس كل صلاة بوضوء، وتيقن انه أحدث عقيب احدى الطهارات، قال في المبسوط: يعيد الخمس. ولو قيل يعيد اثنتين وثلاثا أو أربعا كان حسنا، لان المتيقن فساد واحدة لا غير، فيكون كمن فاتته صلاة من الخمس لا يدري أيهما هي، فعنده يقضي صبحا أو مغربا وأربعا، لانه ليس في ذمته الا صلاة واحدة، ونية التعيين تسقط هنا لعدم العلم، وكذا لو تطهر لكل صلاة من الخمس عن حدث، وتيقن انه أخل بعضو من احدى الطهارات، قال (ره) يعيد الجميع. والبحث فيه كما في الاول.

[ 174 ]

مسألة: ويعيد " الصلاة " لو ترك غسل أحد المخرجين، ولا يعيد الوضوء، وهذا مذهب الثلاثة. وقال ابن بابويه (ره): يعيد الوضوء أيضا. لنا على اعادة الصلاة: ان طهارة البدن من النجاسة شرط لصحة الصلاة ولم يحصل، وأما انه لا يعيد الوضوء فلعدم المنافات بين الوضوء ووجود عين النجاسة. ويؤيده من طريق الاصحاب ما رواه ابن أذينة قال: " ذكر أبو مريم الانصاري ان الحكم بن عتبة بال ولم يغسل ذكره متعمدا، فذكرت ذلك لابي عبد الله عليه السلام، فقال: بئس ما صنع عليه أن يغسل ذكره ويعيد صلاته ولا يعيد وضوءه " (1) وعن علي بن يقطين، عن أبي الحسن عليه السلام قال: " سألته عن الرجل يبول فلا يغسل ذكره حتى يتوضأ وضوء الصلاة، فقال: يغسل ذكره ولا يعيد وضوءه " (2). وفي رواية هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام " لا يعيد الصلاة " (3) قال الشيخ في التهذيب: يحمل هذا على من لم يجد الماء. وفي رواية سليمان بن خالد عن أبي جعفر عليه السلام " يغسل ذكره ثم يعيد الوضوء " (4) قال الشيخ رحمه الله تعالى في التهذيب يحمل على الاستحباب، بدلالة الاخبار المتقدمة، وهو حسن. مسألة: ولو كان الخارج أحد " الحدثين " غسل مخرجه دون الاخر، وهو اجماع، ولان وجوب غسل المخرج بسبب الخارج فمع عدم الموجب يسقط الحكم. ويؤيده من طريق الاصحاب ما رواه عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا بال الرجل ولم يخرج منه غيره فانما عليه أن يغسل إحليله ولا يغسل مقعدته وان خرج عن مقعدته شئ ولم يبل فانما عليه أن يغسل المقعدة ولا يغسل الاحليل

1) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 18 ح 4 ص 208.
2) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 18 ح 1 ص 208.
3) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 10 ح 2 ص 224.
4) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 18 ح 9 ص 209.

[ 175 ]

وقال: انما عليه أن يغسل ما ظهر منها وليس عليه أن يغسل باطنها " (1) وهذه الرواية وان كانت رجالها فطحية فعليها العمل. مسألة: وفي جواز " لمس " كتابة المصحف للمحدث قولان: قال الشيخ (ره) في المبسوط: ويكره للمحدث مس كتابة القرآن. وقال في الخلاف: لا يجوز للمحدث والجنب والحايض أن يمس المكتوب من القرآن، وعليه اجماع الفرقة. وكذا اختار في التهذيب. وقال ابن بابويه: لا يمس الجنب ومن ليس على وضوء القرآن، ويمس الورق. وقال أبو حنيفة: يجوز للمحدث. لنا قوله تعالى: (لا يمسه الا المطهرون) (2) والمراد النهى، لا الخبر، و " المطهر " مفعل من التطهير، لا يقال: المسلم طاهر، لقوله عليه السلام " المؤمن لا ينجس " (3) لان التطهير هو التنزه عن الادناس والمسلم كذلك. ويؤيده قوله تعالى في قصة لوط: (انهم أناس يتطهرون) (4) أي يتنزهون عن وطئ الرجال، وقوله تعالى: (وأزواج مطهرة) (5) أي لا يحضن، وقوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) (6) أي ينقطع عنهن الحيض، فأطلق عليهن الطهارة وان كن محدثات، لانا نقول: أما المسلم المحدث فيطلق عليه الطاهر لا المتطهر، ولهذا نقول: المحدث إذا توضأ طهر ولو كان متطهرا قبل الوضوء، لما صح هذا الاطلاق لانه يكون تحصيلا للحاصل، وقوله: أطلق على التي طهرت انها " طاهر " وان لم تغتسل بقوله: حتى يطهرن، يدل على كونها طاهرة ولا يدل على كونها متطهرة.

1) الوسائل ج 1 ابواب أحكام الخلوة باب 28 ح 1 وباب 28 ح 1 وباب 29 ح 2 ص 244 - 245.
2) الواقعة: 79.
3) سنن ابن ماجة ج 1 كتاب الطهارة ص 178.
4) الاعراف: 82.
5) آل عمران: 15.
6) البقرة: 222.

[ 176 ]

وأما قصة لوط عليه السلام فتدل على أن التطهير أمر زائد على كون الطاهر طاهرا، ويؤكد ما قلناه من منع المحدث مس القرآن من طريق الاصحاب ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عمن قرأ في المصحف وهو على غير وضوء، فقال: لا بأس ولا يمس الكتابة " (1) ورواية حريز، عن من أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يا بني اقرأ المصحف، فقال: لست على وضوء فقال لا تمس الكتابة ومس الورق " (2). وهذه الاخبار لا تخلو من ضعف، والاستدلال بالاية فيه احتمالات لكن مضمونها مشهور بين الاصحاب فالعمل بها أحوط، ويجوز للمحدث مس ما عدا الكتابة، مثل مس الهامش والورق الخالي من الكتابة، وحمل المصحف وتعليقه على كراهية، وهو مذهب فقهائنا خلافا للشافعي وأحمد. لنا دلالة الاصل وما تضمنته رواية حريز المذكور. فروع الاول: " الصبي " يمنع من مس الكتابة، أما هو فلا يتوجه إليه التكليف ولا يتحقق النهي في حقه. الثاني: وفي المسافرة بالمصحف إلى أرض العدو تردد: أشبهه الكراهية، لئلا تناله أيدي المشركين، ولا بأس بالجنب والمحدث والحائض أن يمسحوا أحاديث النبي صلى الله عليه وآله تمسكا بالاباحة الاصلية. الثالث: " المس " هل يختص بباطن الكف أم هو اسم للملاقات؟ الاشبه الثاني مصيرا إلى اللغة.

1) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 12 ح 1 ص 269.
2) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 12 ح 2 ص 269.

[ 177 ]

وأما " الغسل ": ففيه الواجب والندب، فالواجب منه ستة: الاول: " غسل الجنابة " والنظر في موجبه وكيفيته وحكمه، الغسل بالفتح المصدر، وبالضم الاسم، وقيل: ما يغتسل به، وبالكسر ما غسل به الرأس، ذكره ابن السكيت، و " الجنابة " البعد، قال الشاعر [ أتانا حريث زائرا عن جنابة ]. ويقال: أجنب الرجل وجنب وتجنب واجتنب من الجنابة ذكره الفراء، وانما سمي جنبا لبعده عن أحكام الطاهرين، وسبب الجنابة أمران: الانزال والجماع. مسألة: انزال " المني " موجب للغسل يقظة ونوما، وعليه اجماع المسلمين وقوله عليه السلام، الماء من الماء، وغالب أحواله أن يخرج دافقا تقاربه الشهوة ويفتر بعده البدن. وقال أبو حنيفة: لا يجب الغسل الا أن يلتذ بخروجه، لما روي " أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وآله عن المرأة ترى في المنام مثل ما يرى الرجل، فقال صلى الله عليه وآله: أتجد لذة؟ فقالت: نعم، فقال: عليها مثل ما على الرجل " (1). فروع الاول: إذا تيقن ان الخارج " مني " وجب الغسل، سواء خرج دافقا أو متثاقلا بشهوة وغيرها في نوم ويقظة، لان خروجه سبب لايجاب الغسل فمع تحققه منيا يجب الغسل للخبر، ويؤكده ما رواه الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال كان علي عليه السلام يقول: " انما الغسل من الماء الاكبر " (2) وحديث المرأة لا ينفي موضع النزاع، لان اعتباره باللذة استعلام لما يشتبه حاله، لا لما يتيقن انه مني. الثاني: لو خرج ما يشتبه اعتبر باللذة والدفق وفتور البدن، لانها صفات

1) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 7 ح 23 ص 476.
2) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 9 ح 1 ص 479.

[ 178 ]

لازمة في الاغلب فمع الاشتباه يستند إليها، ويؤكدها من طريق الاصحاب ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: " سألته عن الرجل يلعب مع امرأته ويقبلها فيخرج منه المني فقال: إذا أصاب الشهوة ودفع وفتر بخروجه يجب عليه الغسل، وان لم يجد له شهوة ولا فترة فلا بأس " (1). الثالث: " المريض " إذا وجد اللذة وفتر بدنه كفى ذلك في الحكم بكون الخارج منيا وان لم يأت دافقا، لان قوة المريض ربما عجزت عن دفقه، ويؤكد ذلك ما رواه ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قلت: " الرجل يرى في المنام ويجد الشهوة فيستيقظ فلا يجد شيئا، ثم يمكث فيخرج، قال: ان كان مريضا فليغتسل وان لم يكن مريضا فلا شئ عليه، قلت فما الفرق؟ قال: لان الرجل إذا كان صحيحا جاء الماء بدفعة قوية، وان كان مريضا لم يجئ الا بعد " (2). الرابع: لو أحس بانتقال المني عن موضعه فأمسك ذكره فلم يخرج فلا غسل، ولو خرج بعد وجب، لان الحكم يتعلق بخروج المني، ولو أحس بانتقاله فأمسك ذكره، ثم خرج بعد ذلك لا مع لذة ولا فتور، فان تيقنه منيا، وجب الغسل، وان لم يتيقن لم يجب. الخامس: لو احتمل انه جامع وأمنى ثم استيقظ فلم ير شيئا لم يجب الغسل لانه لم يتيقن انزال المني، وان رأى المني وجب، لانه منه، ويؤيد الاول ما رواه جماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام منهم الحسين بن أبي العلاء قال: " سألته عن الرجل يرى في المنام انه احتلم ويجد الشهوة فإذا استيقظ لم ير في ثوبه الماء ولا في جسده، قال: ليس عليه الغسل " (3).

1) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 8 ح 1 ص 477.
2) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 8 ح 3 ص 478.
3) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 9 ح 1 ص 479.

[ 179 ]

ويؤيد الثاني رواية سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام " عن الرجل يرى في ثوبه المني بعد ما يصبح ولم يكن رأى في منامه انه احتلم، قال: فليغتسل وليغسل ثوبه ويعيد صلاته " (1) وسماعة وان كان واقفيا لكن عمل الاصحاب على مضمون روايته هذه، والنظر يؤيدها. وروى الجمهور عن عايشة قالت: " سئل النبي صلى الله عليه وآله عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما، قال: يغتسل، وعن الرجل يرى انه احتلم ولا يجد بللا قال لا غسل عليه " (2). السادس: لو استيقظ فرأى بللا لم يحققه فلا غسل، لان الطهارة متيقنة والحدث مشكوك. السابع: لو رأى في ثوبه " منيا " فان كان يشركه فيه غيره لم يجب الغسل، لاحتمال كونه من المشارك، لكن يستحب الغسل احتياطا، ويقضي بأن أحدهما جنب ولو ائتم أحدهما بصاحبه لم يصح صلاة المؤتم، ولو كان منفردا به اغتسل واجبا، لانه تيقن انه منه، وما الذي يعيد من صلاته الاشبه ما صلاه من حدث نومه، وقال الشيخ في المبسوط: يقضي كل صلاة من عند آخر غسل رفع به الحدث. الثامن: خروج مني الرجل من المرأة بعد الاغتسال. لا يوجب الغسل، وكذا لو جامعها في غير القبل فدب ماؤه إليه ثم خرج، لانه ليس منها. ويؤيده من طريق الاصحاب ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه " عن المرأة تغتسل من الجنابة ثم ترى نطفة الرجل بعد ذلك هل عليها غسل؟ قال لا " (3).

1) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 10 ح 1 ص 480.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 167. 3) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 13 ح 3 ص 482.

[ 180 ]

وأما الجماع: فإذا كان في " القبل " فالتقى الختانان و (حده غيبوبة الحشفة) وجب الغسل عليهما، وان أكسل وهو أن يجامع من غير انزال، على ذلك فتوى العلماء الا داود وقوما من الصحابة، لنا ما روي عن عايشة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله " إذا جلس بين شعبها الاربع فقد وجب الغسل " (1) ويعني " بالشعب " شعبتي رجليها وشعبتي فرجها. ومن طريق الاصحاب ما رواه زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قال علي عليه السلام: إذا التقى الختانان وجب الغسل، قلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: نعم " (2) ومعنى " الالتقاء " المحاذاة لا مماسة أحدهما للاخر، لان ختان المرأة فوق مخرج البول منها، ومدخل الذكر أسفل من مخرج البول، وفي ايجاب الغسل بالوطئ في دبر المرأة قولان: أحدهما: لا يجب ذكره في النهاية عملا بالاصل، ورواية أحمد بن محمد البرقي رفعه عن أبي عبد الله قال: عليه السلام قال: " إذا أتى الرجل المرأة في دبرها ولم ينزل فلا غسل عليهما، وان أنزل فعليه الغسل ولا غسل عليها " (3) وقال في المبسوط: لاصحابنا فيه روايتان. وجزم علم الهدى رضي الله عنه بايجاب الغسل وان لم ينزل وهو أشبه. لنا قوله تعالى: (وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا) (4) والتيمم بدل من الغسل أو الوضوء، فلو لم يجب الطهارة باللمس مع وجود الماء لم اوجب التيمم مع فقده

1) مسند أحمد بن حنبل ج 2 ص 234.
2) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 6 ح 5 ص 470.
3) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 12 ح 2 ص 481.
4) النساء: 43.

[ 181 ]

ولان الدبر فرج، إذ الفرج موضع الحدث قبلا كان أو دبرا، والجماع في الفرج يوجب الغسل بالاحاديث المشهورة، وما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام " متى يجب الغسل؟ قال: إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم (1) ". ويؤكد ذلك ما روي من احتجاج علي عليه السلام على الانصار: أتوجبون الجلد والرجم ولا توجبون صاعا من ماء؟ " (2) وفي الوطي في دبر الغلام موقبا تردد: أشبهه انه لا يجب ما لم ينزل. وقال علم الهدى بالوجوب وان لم ينزل على الواطئ والموطوء. محتجا بأن كل من قال بايجاب الغسل في وطي المرأة دبرا قال به في الغلام، ولم أتحقق إلى الان ما ادعاه، فالاولى التمسك فيه بالاصل، أما وطوء البهيمة فقد قال في المبسوط والخلاف: لا نص فيه، فينبغي أن لا يعلق به الغسل لعدم الدليل وقوله حسن، وقال في المبسوط والخلاف بوجوب الغسل لو وطئ ميتة من الناس خلافا لابي حنيفة. لنا التمسك باطلاق الاحاديث السابقة. فروع الاول: لو أولج في فرج خنثى مشكل أو أولج الخنثى ذكره فلا غسل، لاحتمال كونه زيادة لا فرجا. الثاني: لو أولج بعض الحشفة فلا غسل، لان غيبوبتها شرط الوجوب عملا بالرواية. الثالث: الصبي إذا وطأ والصبية إذا وطئت هل يتعلق بأحدهما حكم الجنابة؟ فيه تردد: والاشبه نعم، بمعنى انه يمنع من المساجد ومس الكتابة تطوعا الا مع الغسل.

1) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 6 ح 1 ص 469.
2) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 6 ح 5 ص 470.

[ 182 ]

وأما كيفية الغسل: فواجبها خمسة: " النية " وهي شرط في غسل الجنابة، لما سبق من الدليل في الوضوء، ويجوز ايقاعها عند غسل اليدين، لا نه بدؤ أفعال الطهارة، ويتضيق عند غسل الرأس لئلا يتعرى جزء الغسل من النية، واستدامتها عسر فاقتصر على استدامة الحكم دفعا للحرج، وغسل البشرة بما يسمى غسلا ولو كالدهن. أما وجوب الغسل فلقوله تعالى: (ولا جنبا الا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (1) و " الغسل " اسم لاجراء الماء على المحل، ذكر ذلك علم الهدى رضي الله عنه في المصباح، فقال: انه يجزي في الوضوء ما جرى مجرى الدهن، الا انه لابد أن يكون مما يتناوله اسم الغسل والمسح، ولا ينتهي في القلة إلى ما يسلبه الاسم. وما قاله السيد (ره) حسن، لانه لو قصر عن مسمى الغسل لما تحقق الامتثال. ويؤيد ما ذكرناه ما رواه يعقوب بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه، ان عليا عليه السلام كان يقول: " الغسل من الجنابة والوضوء يجزي منه ما اجزى مثل الدهن الذي يبل الجسد " (2). وتخليل ما لا يصل إليه الماء الا بالتخليل، لان الواجب غسل البشرة وايصال الماء إلى أصل كل شعرة، فإذا لم يتحصل الا بالتخليل وجب، ويؤيده من الحديث ما روى حجر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " من ترك شعرة من الجنابة متعمدا فهو في النار " (3). و " الترتيب " واجب يبدؤ بغسل رأسه ثم ميامنه ثم مياسره، وهو انفراد الاصحاب، ويدل عليه ما روت عايشة قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخلل شعره،

1) النساء: 43. 2 الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 52 ح 5 ص 341.
3) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 38 ح 7 ص 522.

[ 183 ]

فإذا ظن انه أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده " (1) وعن ميمونة قالت: " وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وضوء للجنابة و (ساقت الحديث) حتى أفاض على رأسه، ثم غسل جسده " (2) وفعله عليه السلام هذا في ضمن الامر المطلق فيقع تفسيرا. لا يقال: هذا يدل على تقديم الرأس على الجسد ولا يدل على تقديم اليمين على الشمال، لانا نستدل على تقديم اليمين على الشمال بوجهين: أحدهما: ما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله " انه كان إذا اغتسل بدأ بميامنه " (3) والثاني: ان نقول: بدأ النبي صلى الله عليه وآله بميامنه فلوجهين: أحدهما، ان الميامن أفضل وهو عليه السلام لا يخل بالافضل، والثاني: لو لم يبدأ بالميامن لكان البدأة بالمياسر أما واجبا أو ندبا، والقسمان منتفيان، فتعين انه بدأ بالميامن ويلزم البدأة بها، لانه بيان لفعل واجب فيكون كالمبين في الوجوب. ومن طريق الاصحاب ما رواه زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قلت: كيف يغتسل الجنب؟ قال: ان لم يكن أصاب كفه شيئا غمسها في الماء، ثم بدأ بفرجه فأنقاه، ثم صب على رأسه ثلاث أكف، ثم صب على منكبه الايمن مرتين، وعلى منكبه الايسر مرتين، فما جرى عليه الماء فقد أجزأه " (4). واعلم: ان الروايات دلت على وجوب تقديم الرأس على الجسد، أما اليمين على الشمال فغير صريحة بذلك، ورواية زرارة دلت على تقديم الرأس على اليمين ولم تدل على تقديم اليمين على الشمال، لان الواو لا يقتضي ترتيبا، فانك

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 175.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 177 (مع تفاوت يسير).
3) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 172.
4) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 26 ح 2 ص 502.

[ 184 ]

لو قلت: قام زيد ثم عمرو وخالد، دل ذلك على تقديم قيام زيد على عمرو، وأما تقديم عمرو على خالد فلا، لكن فقهائنا اليوم بأجمعهم يفتون بتقديم اليمين على الشمال ويجعلونه شرطا في صحة الغسل، وقد أفتى بذلك الثلاثة وأتباعهم. مسألة: ويسقط " الترتيب " بالارتماس في الماء، وقال بعض الاصحاب: يرتب حكما، لنا ان اطلاق الامر بالتطهير لا يستلزم الترتيب، والاصل عدم وجوبه فيثبت في موضع الدلالة، ويؤيد ذلك: ما رواه حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سمعته يقول: إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأ ذلك عن غسله " (1). فروع الاول: قال المفيد في المقنعة: لا ينبغي أن يرتمس في الماء الراكد، فانه ان كان قليلا أفسده. قال الشيخ (ره) في التهذيب: الجنب حكمه حكم النجس إلى أن يغتسل، فمتى لاقى الماء الذي يصح فيه قبول النجاسة فسد. وقد مر تحرير هذا في كتابنا فيما سلف. الثاني: لو أخل " بالترتيب " أتى بما أخل به وبما بعده تحصيلا للترتيب المشترط، ويؤيد ذلك ما رواه حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " من اغتسل من جنابة ولم يغسل رأسه ثم بدا له أن يغسل رأسه لم يجد بدا من اعادة الغسل " (2). الثالث: لو وقف تحت الغيث حتى بل جسده طهر، لما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قلت: " يجزي للجنب أن يقوم في القطر حتى يغسل رأسه وجسده وهو يقدر على ما سوى ذلك؟ قال: ان كان يغسل اغتسالة بالماء أجزاه

1) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 26 ح 12 ص 504.
2) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 28 ح 3 ص 506.

[ 185 ]

ذلك " (1) وهذا الخبر مطلق وينبغي أن يقيد بالترتيب في الغسل. مسألة: و " المسنون " سبعة: " الاستبراء " وكيفيته ان لم يتيسر البول، أن يمسح أصل القضيب تحت الانثيين ويعصره إلى رأس الحشفة ليخرج ما لعله باق فيه، كذا ذكره المفيد (ره) في المقنعة. وهل هو واجب؟ قال الشيخ (ره) في المبسوط والجمل: نعم على الرجال. وقال علم الهدى رضي الله عنه: هو من سنن غسل الجنابة وآدابها. وهو الاشبه. لنا قوله تعالى: (ولا جنبا الا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (2) ولان الاصل عدم الوجوب، ولا ينافي ذلك وجوب اعادة الغسل مع الاخلال به لو رأى بللا، لانه لا لزوم بينهما. وغسل " اليدين " ثلاثا وهو اجماع الاصحاب، وقد سلف مستنده في باب الوضوء. و " المضمضة " و " الاستنشاق " عندنا سنتان غير واجبتين خلافا لابي حنيفة وأحمد. لنا قوله تعالى: (ولا جنبا الا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (3) وقول النبي صلى الله عليه وآله " المضمضة والاستنشاق من الفطرة " (4) وهو دلالة الاستحباب. ومن طريق الاصحاب، ما رواه عبد الله بن سنان قال: " لا يجنب الانف والفم لانهما سائلان " (5) وروى أبو بكر الحضرمي قال أبو عبد الله عليه السلام: " ليس عليك مضمضة ولا استنشاق، انهما من الجوف " (6) وامرار " اليد " على الجسد مستحب، وهو اختيار فقهاء أهل البيت عليهم السلام. وقال مالك: وهو واجب، لقوله تعالى: (حتى تغتسلوا) ولا يقال: غسل الا مع الدلك.

1) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 26 ح 10 ص 504.
2) و 3) و 7) النساء: 43.
4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 53.
5) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 24 ح 5 ص 500.
6) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 29 ح 10 ص 304.

[ 186 ]

لنا قوله صلى الله عليه وآله لام سلمة: " انما يكفيك أن تحثي على رأسك فتطهرين ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين " (1) ولان الاصل عدم الوجوب، أما لو لم يصل الماء إلى البشرة الا بالامرار وجب، وكذا لو كان على المغتسل بسر أو دملج وجب ايصال الماء إلى ما تحته، وان لم يمكن الا بنزعه وجب، وان كفاه التحريك اقتصر وكذا يجب تخليل الاذنين ان لم يصبها الاماء، ولو وصل من دون التخليل خللها استحبابا. والغسل " بصاع " فما زاد، لا خلاف بين فقهائنا في استحبابه. وقال أبو حنيفة: يجب الغسل بالصاع. لنا في الاجزاء قوله تعالى: (حتى تغتسلوا) (2) والامتثال يتحقق بما يسم غسلا، لانها حقيقة لغوية لم ينقل عن موضوعها، وأما اغتسال النبي صلى الله عليه واله بالصاع فعلى الاتفاق، لا انه تشريع وتحتيم، ويدل على الاجزاء وان نقص عن الصاع ما روي عن أهل البيت عليهم السلام بطرق: منها: رواية زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله وكثيره فقد أجزأه " (3) ويدل على أن الصاع على الاستحباب ما رواه معاوية بن عمار قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يغتسل بصاع، وإذا كان معه بعض نسائه اغتسل بصاع ومد " (4). أحكام الجنب مسألة: يجوز للجنب والحائض أن تقرأ ما شاء من القرآن الا سور العزائم

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 181 (مع تفاوت).
2) النساء: 43.
3) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 31 ح 3 ص 511.
4) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 32 ص 512.

[ 187 ]

الاربع، وهي: اقرء باسم ربك الذي خلق، والنجم، وتنزيل السجدة، وحم السجدة. روى ذلك البزنطي في جامعه، عن المثنى، عن الحسن الصقيل، عن أبي عبد الله عليه السلام، وهو مذهب فقهائنا أجمع. وقال داود: يقرء الجنب ما شاء وأجاز أبو حنيفة دون الاية، وقال الشافعي لا يقرء الجنب ولا الحائض منه شيئا، لقوله عليه السلام " لا يقرء الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن " (1). لنا قوله تعالى: (فاقرؤا ما تيسر منه) (2) ولان الاصل الاباحة، ومن طريق الاصحاب ما رواه عبيد الله بن علي الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته أتقرأ النفساء والجنب والحائض شيئا من القرآن؟ فقال: يقرؤن ما شاؤا " (3). وخبر الشافعي، رواه اسماعيل بن عباس، وقد ضعف البخاري روايته عن أهل الحجاز، فأما تحريم " العزائم " فمستنده ما نقل عن أهل البيت عليهم السلام وقبله الاصحاب، من ذلك ما رواه محمد بن مسلم قال: " قال أبو جعفر عليه السلام الجنب والحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب ويقرؤن من القرآن ما شاؤا الا السجدة، ويدخلان المسجد مجتازين، ولا يقعدان فيه، ولا يقربان المسجدين الحرمين " (4). مسألة: ويحرم عليه مس كتابة القرآن، وهو اجماع فقهاء الاسلام، ويدل عليه قوله تعالى: (لا يمسه الا المطهرون) (5) وفي كتاب النبي صلى الله عليه وآله لعمرو بن جرم " لا يمس القرآن الا طاهر " (6) ويحرم عليه مس اسم الله سبحانه ولو كان على

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 309.
2) المزمل: 20.
3) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 19 ح 6 ص 494.
4) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 19 ح 7 ص 494. 5) الواقعة: 79.
6) سنن البيهقي ج 1 كتاب الحيض ص 309.

[ 188 ]

درهم أو دينار أو غيرهما، روى عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يمس الجنب درهما ولا دينارا عليه اسم الله (1) " والرواية ضعيفة السند لكن مضمونها مطابق لما يجب من تعظيم الله سبحانه. وفي جامع البزنطي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام " سألته هل يمس الرجل الدرهم الابيض وهو جنب؟ فقال: والله اني لأوتى بالدرهم فاخذه وإني لجنب " (2) وما سمعت أحدا يكره من ذلك شيئا الا ان عبد الله بن محمد كان يعيبهم عيبا شديدا يقول: جعلوا سورة من القرآن في الدرهم فيعطى الزانية، وفي الخمر ويوضع على لحم الخنزير. وفي كتاب الحسن بن محبوب، عن خالد عن أبي الربيع عن أبي عبد الله عليه السلام " في الجنب يمس الدراهم وفيها اسم الله واسم رسوله؟ فقال: لا بأس به ربما فعلت ذلك " (3) وقال الشيخان: ولا أسماء أنبياء الله، ولا الائمة. ولا أعرف المستند، ولعل الوجه رفع أسمائهم عن ملاقات ما ليس بطاهر، وليس حجة. موجبة للتحريم، والقول بالكراهية أنسب. مسألة: ودخول المساجد الا اجتيازا أو لتناول ماله فيها، عدا المسجدين، وقال أبو حنيفة: لا يجوز العبور فيها ولو كان لغرض الا مع الضرورة. وقال أحمد: إذا توضأ جاز أن يقيم فيها كيف شاء. وقال سلار من أصحابنا: يكره. لنا قوله تعالى (ولا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا الا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (4) والمراد مواضع الصلاة ليتحقق العبور

1) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 18 ح 1 ص 491.
2) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 18 ح 3 ص 492.
3) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 18 ح 4 ص 492.
4) النساء: 43.

[ 189 ]

والقربان، وقوله " لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " (1). ومن طريق الاصحاب، روايات، منها: ما رواه جميل، عن أبي عبد الله عليه السلام " عن الجنب أيجلس في المسجد؟ قال لا، ولكن يمر فيها كلها الا المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله " (2) وفي رواية محمد بن القاسم عن الرضا عليه السلام " الجنب ينام في المسجد؟ فقال: يتوضأ ولا بأس أن ينام في المسجد ويمر فيه " (3) وهذا مثل مذهب أحمد، لكن الرواية متروكة بين الاصحاب، لانها منافية لظاهر التنزيل. مسألة: ولو احتلم في أحد المسجدين يتيمم لخروجه، هذا مذهب فقهائنا، ومستنده الاجماع منا على تحريم المرور في المسجدين للجنب، روى ذلك جميل عن أبي عبد الله عليه السلام، ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام " فإذا تعذرت الطهارة المائية وجب التيمم لانه بدل عن الماء ". ويؤيد ذلك ما رواه محمد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد، عن النضر بن سويد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي حمزة قال: " قال أبو جعفر عليه السلام: إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله فاحتلم وأصابه جنابة فليتيمم ولا يمر في المسجد الا متيمما، ولا بأس أن يمر في سائر المساجد، ولا يجلس في شئ من المساجد " (4). مسألة: ووضع شئ فيها، هذا مذهب الخمسة وأتباعهم عدا سلار، فانه عده في المكروه. لنا قوله تعالى " ولا جنبا الا عابري سبيل حتى تغتسلوا " (5) ورواية

(1) سنن ابن داود كتاب الطهارة ص 92.
2) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 15 ح 2 ص 485.
3) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 15 ح 18 ص 488.
4) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 15 ح 6 ص 485.
5) النساء: 43.

[ 190 ]

عبد الله بن سنان قال " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنب والحائض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه؟ قال نعم، ولكن لا يضعان في المسجد شيئا " (1) ما يكره للجنب: مسألة: يكره له قرائة ما زاد على سبع آيات، قاله الشيخ (ره) في النهاية. وقال في المبسوط: الاحوط أن لا يزيد على سبع أو سبعين لنا ما روى سماعة قال: " سألته عن الجنب يقرء القرآن، قال ما بينه وبين سبع آيات " (2) وفي رواية زرعة، عن سماعة " سبعين آية " (3) وزرعة، وسماعة واقفيان مع ارسال الرواية، وروايتهما هذه منافية لعموم الروايات المشهورة الدالة على اطلاق الاذن عدا السجدة، وانما اخترنا ما ذهب إليه الشيخ (ره) تفصيا من ارتكاب المختلف فيه. مسألة: قال علم الهدى (ره) في المصباح: ولا يجوز للجنب مس المصحف. وقال الشيخان في النهاية والمبسوط والمقنعة، بالكراهة. وكذا قال ابنا بابويه، وقال الشافعي وأبي حنيفة: لا يجوز. لنا الاصل الاباحة، وما رووه " ان النبي صلى الله عليه وآله كتب في كتابه آية إلى قيصر " (4) وهو كافر مجنب في الظاهر، لان الاغتسال لا يصح منه وهو بالعادة يلاقي الكتاب بيده ولانه يجوز للجنب مس كتب التفسير وان كان فيها آيات من القرآن، ويدل على الكراهية من طريق الاصحاب ما رواه ابن عبد الحميد، عن أبي الحسن عليه السلام

(1) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 17 ح 1 ص 490.
(2) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 19 ح 9 ص 494.
3) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 19 ح 10 ص 494.
4) صحيح البخاري ج 6 سورة آل عمران ص 45.

[ 191 ]

قال: " المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنبا ولا تعلقه ان الله تعالى يقول لا يمسه الا المطهرون " (1). مسألة: و " النوم " ما لم يتوضأ، وعليه علماؤنا، خلافا لابن المسيب وأصحاب الرأي محتجين بما رواه أبو إسحق، عن الاسود، عن عايشة قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجنب ثم ينام ولا يمس الماء " (2) وهذا الحديث ضعيف طعن فيه ابن حنبل، وقال: روى أبو إسحق عن الاسود حديثا خالف فيه الناس، والعمدة عندنا ما رواه عبيد الله بن علي، عن الحلبي " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل ينبغي له أن ينام وهو جنب؟ قال يكره ذلك حتى يتوضأ " (3). وذكر ذلك ابن بابويه (ره) فيمن لا يحضره الفقيه ثم قال: وفي حديث آخر أنا أنام على ذلك حتى أصبح، وذلك اني أريد أن أعود، وروى الجمهور، عن عمر انه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال نعم إذا توضأ " (4) ورووا ذلك عن علي عليه السلام وابن عمر، ودليل استحبابه ما روي عن عايشة انه كان يجنب ثم ينام ولا يمس ماءا. فيحمل الاول على الاستحباب توفيقا بينهما. مسألة: و " الاكل " و " الشرب " ما لم يتمضمض ويستنشق، وهو مذهب الخمسة وأتباعهم. وبه قال أبو حنيفة. والذي أقوله انه يكفيه غسل يده والمضمضة، لما رواه زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " الجنب إذا أراد أن يأكل ويشرب غسل يده وتمضمض وغسل وجهه وأكل " (5) وفي رواية اخرى إذا كان الرجل جنبا لم

(1) الواقعة: 79.
(2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 201.
3) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 25 ح 1 ص 501.
4) سنن ابن ماجة ج 1 كتاب الطهارة ص 193.
(5) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 20 ح 1 ص 495.

[ 192 ]

يأكل ولم يشرب حتى يتوضأ، ذكرها ابن بابويه في كتابه، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام. وروى الجمهور عن ابن المسيب " انه كان إذا أراد أن يأكل يغسل يديه ويتمضمض ". مسألة: و " الخضاب " وهو اختيار الثلاثة، وقال ابن بابويه (ره) في كتابه: ولا بأس أن يختضب الجنب ويجنب مختضبا، ويحتجم ويتنور ويذبح وينام جنبا إلى آخر الليل. لنا الاحاديث المشهورة عن أهل البيت عليهم السلام منها: رواية كرد بن المسمعي قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا يختضب الرجل وهو جنب " (1) قال المفيد (ره): ولان ذلك يمنع وصول الماء إلى ظاهر الجوارح التي عليها الخضاب. ولعله (ره) نظر إلى أن اللون عرض وهو لا ينتقل، فيلزم حصول أجزاء من الحناء في محل اللون ليكون وجود اللون بوجودها، لكنها حقيقة لا تمنع الماء منعا تاما، فكرهت لذلك، ولو قيل: الرواية دالة على النهي واطلاقه يقتضي التحريم، قلنا: هي معارضة برواية دالة على الاباحة، سيأتي، فيكون الحاصل بينهما الكراهية. فرع قال المفيد (ره) في المقنعة: فان أجنب بعد الخضاب لم يخرج. وهو محمول على اتفاق الجنابة لا على فعلها اختيارا، لان تعليله الاول يقتضي المنع هنا، ويدل على كراهية القصد إلى الجنابة بعد الخضاب ما رواه الحسن بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن أبي ابراهيم " سأل أيختضب الرجل وهو جنب؟ قال: لا، قلت: فيجنب وهو مختضب؟ قال لا " (2) ومثله روى محمد بن يونس " ان أباه كتب إلى أبي الحسن عليه السلام يسأله عن

(1) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 22 ح 5 ص 497.
(2) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 4 ح 4 ص 497.

[ 193 ]

الجنب يخضب أو يختضب وهو جنب، فكتب لا " (1) ومثله روى علي بن أسباط، عن عامر بن جذاعة. وربما يكون المفيد (ره) أطرح هذه الروايات لضعف سندها، وفلا نراها تقتصر عن افادة الكراهية لاشتهارها في النقل. وفي رواية عن سماعة وعن أبي المعرا جميعا عن العبد الصالح عليه السلام " سأل عن الجنب والحائض يختضبان؟ قال لا بأس " (1) فتحمل هذه على رفع الحظر، والروايات المانعة على الكراهة صيانة لها عن التناقض، ويكره لمن احتلم أن يجامع حتى يغتسل، ولا يكره تكرار الجماع من غير اغتسال، ذكره جماعة من الاصحاب، ويدل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله " انه كان يطوف على نسائه بغسل واحد " (3). مسألة: إذا اغتسل الجنب وصلى ثم رأى بللا فان تيقن انه مني أعاد الغسل ولو كان بال واجتهد، لقوله عليه السلام " انما الماء من الماء " (4) وقال أبو حنيفة: لو خرج مني بعد البول لم يغتسل ولو كان قبله اغتسل وقال مالك لا يغتسل على التقديرين. لنا قوله صلى الله عليه واله " انما الماء من الماء " (5) وإذا كان التقدير انه منى فقد حصل سبب الغسل فيجب، أما الصلاة فلا تعاد، لانها وقعت مستكملة الشرائط فتكون مجزية، وتجدد الناقض لا يبطل ما تقدمه من الصلاة، ولو لم يتيقن ان ذلك البلل مني ففيه ثلاث مسائل: الاولى: ان لم يكن بال ولا استبرأ أعاد الغسل، لان المني من شأنه اعتياق أجزاء منه في المجرى، فلا يدفعها الا البول غالبا أو الاجتهاد بالاختراط، فيغلب ان الخارج بقيته قضاء لغالب العادة، ويؤيد هذا الاعتبار ما رواه الاصحاب بطرق:

(1) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 22 ح 8 ص 497.
2) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 22 ح 7 ص 497.
3) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 204.
(4) سنن ابن ماجة ج 1 كتاب الطهارة ص 199.
5) سنن أبي داود كتاب الطهارة ص 92

[ 194 ]

منها رواية سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن رجل أجنب فاغتسل قبل أن يبول فخرج منه شئ، قال: يعيد الغسل، قلت: المرأة يخرج منها بعد الغسل، قال: لا تعيد، قلت: فما الفرق؟ قال: لان ما يخرج من المرأة انما هو من ماء الرجل ". (1) الثانية: لو بال ثم اغتسل لم يجتهد ثم رأى البلل لم يعد الغسل، ويعيد الوضوء لان البول أزال ما تخلف في المجرى من المني ولم يحصل ما يزيل المتخلف من البول، ويؤيده رواية الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن الرجل يغتسل ثم يجد بللا وقد كان بال قبل أن يغتسل، قال: لا يعيد الغسل " (2) وعن معاوية بن ميسرة قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: في رجل رأى بعد الغسل شيئا، قال: ان كان بال بعد جماعة قبل الغسل فليتوضأ، وان لم يبل حتى يغتسل ثم وجد البلل فليعد الغسل " (3). الثالثة: لو بال واجتهد ثم اغتسل ثم رأى البلل لم يعد غسلا ولا وضوء، لان البول أزال ما يتوهم بقاؤه في المجرى من المني، والاستبراء أزال ما يخشى بقاؤه من البول، فلا يكون الا من أبردة الجسد ورطوباته، ويدل على ذلك من الاحاديث ما سبق هنا وفي أبواب الوضوء، مما دل على أن مع البول لا يعيد الغسل، ومع الاستبراء لا يعيد الوضوء. مسألة: ولا تنفض المرأة شعرها إذا بل الماء اصوله، وهو مذهب الاصحاب، وقال المفيد (ره) في المقنعة: فان كان الشعر مشدودا أحلته. قال الشيخ (ره) في التهذيب: يريد إذا لم يصل الماء إليه الا بعد حله.

(1) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 36 ح 10 ص 519.
(2) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 36 ح 5 ص 518.
3) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 36 ح 9 ص 519.

[ 195 ]

لنا الواجب غسل البشرة والشعر ليس منها ومع غسل البشرة فالاعتبار بالشعر، ويؤكد ذلك ما رواه الحلبي، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال " لا تنفض المرأة شعرها إذا اغتسلت من الجنابة " (1) مسألة: يجزي غسل الجنابة عن الوضوء، وفي غيره تردد: أظهره انه لا يجزي، أما اجزاء غسل الجنابة فعليه اتفاق الاصحاب، وللشافعي أقوال: أحدها كما قلناه. والثاني ليجزي عن الوضوء. والثالث يجزي عن الاجزاء المغسولة دون الممسوحة. لنا قوله تعالى: (وان كنتم جنبا فاطهروا) (2) يعني اغتسلوا باتفاق أهل التفسير، وقوله تعالى: (ولا جنبا الا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (3) فجعله غاية للمنع فيجب زوال المنع به. وروت عايشة قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة " (4) ومن طريق الاصحاب ما رواه محمد بن مسلم قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام ان أهل الكوفة يروون عن علي عليه السلام انه كان يأتي بالوضوء قبل الغسل من الجنابة، قال كذبوا على علي عليه السلام، ما وجدوا ذلك في كتاب علي عليه السلام قال الله تعالى: وان كنتم جنبا فاطهروا " (5). وروى الحسين بن سعيد، عن يعقوب بن يقطين، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: " سألته عن غسل الجنابة فيه وضوء؟ فقال: الجنب يغتسل ويصب على رأسه وعلى وجهه وعلى جسده كله ثم قد قضى الغسل ولا وضوء عليه " (6).

(1) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 38 ح 4 ص 521.
(2) المائدة: 6. 3) النساء: 43.
(4) سنن ابن ماجة ج 1 كتاب الطهارة ص 191.
(5) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 34 ح 5 ص 516.
(6) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 34 ح 1 ص 515.

[ 196 ]

وأما غسل غير الجنابة فالذي عليه الاكثر انه لابد معه من الوضوء قبله أو بعده، وهو اختيار الشيخين رحمهما الله. وقال آخرون: يكفي الغسل ولو كان مندوبا، وهو اختيار المرتضى رضي الله عنه. لنا ان كل واحد من الحدثين لو انفرد لأوجب حكمه ولا منافاة، فيجب ظهور حكمهما، لكن ترك العمل بذلك في غسل الجنابة، فيبقى معمولا به هنا. ويؤكد ذلك رواية محمد بن أبي عمير، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كل غسل قبله وضوء الا غسل الجنابة " (1) ورواه ابن أبي عمير أيضا، عن حماد ابن عثمان أو غيره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كل غسل فيه وضوء الا غسل الجنابة " (2) فان احتج المرتضى رضي الله عنه بما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: " الغسل يجزي عن الوضوء وأي وضوء أطهر من الغسل " (3) وما روي من طرق عن الصادق عليه السلام انه قال: " الوضوء بعد الغسل بدعة " (4) فجوابه ان خبرنا يتضمن التفصيل، والعمل بالمفصل أولى. مسألة: إذا غسل المجنب رأسه للطهارة ثم أحدث ما يوجب الوضوء، قال ابنا بابويه والشيخ (ره) في النهاية: يعيد الغسل. وتردد في المبسوط، وقال ابن البراج: يتم غسله ولا وضوء عليه. وقال علم الهدى: يتم غسله ويتوضأ لحدثه، وهو الاشبه. لنا ان الحدث الاصغر يوجب الوضوء وليس موجبا للغسل ولا لبعضه، فيسقط وجوب الاعادة ولا يسقط حكم الحدث بما بقي من الغسل، وقول من قال: لا حكم

1) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 35 ح 1 ص 516.
2) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 35 ح 2 ص 516.
3) الوسائل ج 1 أو باب الجنابة باب 33 ح 1 ص 513.
4) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 33 ح 10 ص 515.

[ 197 ]

للحدث مع الجنابة وقبل اتمام الغسل هو جنب ليس بشئ، لانا نقول: هذا اللفظ نطالب به، فان أردت أن غسل الجنابة يجزي عن الوضوء فهو مسلم بتقدير أن يأتي بغسل الجنابة كاملا، وان قلت: لا حكم للحدث وان اغتسل بعض الغسل فهو موضع النزاع، ويلزمه لو بقي من الغسل قدر الدرهم من جانبه الايسر ثم تغوط، أن يكتفي من وضوئه بغسل موضع الدرهم، وهو باطل. الثاني: في غسل الحيض، والنظر في الحيض وأحكامه: سمي " حيضا " من قولهم (حاض السيل) إذا اندفع، فكأنه لمكان قوته وشدة خروجه، وفي غالب أحواله اختص بهذا الاسم، قال الشاعر: أجالت حصاهن الذواري وحيضت - عليهن حيضات السيول الطواحم ويجوز أن يكون من رؤية الدم، كما يقال: حاضت الارنب، إذا رأت الدم. وحاضت الشجرة، إذا خرج منها الصمغ الاحمر. مسألة: " الحيض " في الاغلب أسود أو أحمر غليظ حار، له دفع، وانما اقتصر على هذا التعريف، لانه تميز به من غيره من الدماء عند الاشتباه. وقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " دم الحيض حار عبيط أسود " (1) وعن أبي جعفر عليه السلام " إذا رأت الدم البحراني فلتدع الصلوة " (2) والعبيط هو الطري، قال الشاعر: تقحم الاني العبيط كما - تقحم دلوا لمحالة الجمل و " البحراني " الاحمر الشديد الحمرة والسواد، يقال: ماء جرى، وبحراني. وعرفه الشيخ في المبسوط بأن قال: وهو الدم الذي له تعلق بانقضاء العدة، إما بظهوره أو بانقطاعه والترديد: لاستصحاب المذهبين، فهو يريد " بظهوره " على مذهب من يرى الاعتداد بالاطهار، لان انقضاء الطهر الثالث برؤية الحيضة الثالثة و " بانقطاعه "

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 3 ح 2 ص 537.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 11 ح 4 ص 554.

[ 198 ]

على مذهب من يرى الاعتداد بالحيض، فان المطلقة لا تبين عنده الا بانقضاء الحيضة الثالثة، ولو جاء بصفة دم الحيض واشتبه بدم العذرة، حكم انه للعذرة ان خرجت القطنة مطوقة بالدم. روى ذلك زياد بن سوقة، عن أبي جعفر عليه السلام، وخلف بن حماد، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: " قلت: رجل تزوج جارية واشترى، فلما افترعها مكثت أياما ترى الدم، فبعض قال من الحيضة، وبعض قال من العذرة، كيف لها أن تعلم من الحيض أو من العذرة؟ قال تستدخل قطنة ثم تخرجها، فان خرجت مطوقة فهو من العذرة وان خرجت منتقعة بالدم فهو من الطمث " (1) ولا ريب انها إذا خرجت مطوقة كانت من العذرة، أما إذا خرجت منتقعة فهو محتمل فإذا يقضى بأنه من العذرة مع التطوق قطعا، فلهذا اقتصر في الكتاب على الطرف المتيقن. وذكر ابن بابويه (ره) في كتابه: إذا اشتبه دم الحيض بدم القرح تستلقي على قفائها وتدخل اصبعها، فان خرج الدم من الجانب الايمن فهو من القرحة، وان خرج من الجانب الايسر فهو من الحيض. وكذا ذكره الشيخ في النهاية، ورواه في التهذيب عن محمد بن يحيى رفعه عن أبان، عن أبي عبد الله عليه السلام قلت " فتاة منا بها قرحة في جوفها والدم سائل، لا تدري من دم الحيض أو من القرحة، فقال مرها فلتستلق على ظهرها وتستدخل اصبعها، فان خرج من الجانب الايسر فهو من الحيض، وان خرج من الجانب الايمن فهو من القرحة " (2). وقال محمد بن يعقوب الكليني (ره) في كتابه: محمد بن يحيى رفعه عن أبان عن أبي عبد الله عليه السلام، وساق الحديث حتى قال: فان خرج من الجانب الايمن

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 2 ح 3 ص 536.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 16 ح 1 ص 560

[ 199 ]

فهو من الحيض، وان خرج من الجانب الايسر فهو من القرحة. فعكس ما ذكره ابن بابويه والشيخان، ولعله وهم من الناسخ. وقد قال أبو علي بن الجنيد من فقهائنا: دم الحيض أسود غليظ تعلوه حمرة حار يخرج من الجانب الايمن، ودم الاستحاضة بارد رقيق تعلوه صفرة يخرج من الجانب الايسر، فإذا الاقوال في هذا مضطربة ولا محصل لها، وقول ابن الجنيد (ره) يشاكل ما تضمنته رواية الكليني (ره) والرواية مقطوعة مضطربة فلا عمل بها. مسألة: ولا حيض مع سن " اليأس " ولا مع " الصغر " وهي التي تقصر عن تسع سنين، وهذا متفق عليه، وهو مذهب أهل العلم، ولو رأت دما لما كان حيضا بمعنى انها لا تمنع ما يمنع منه الحائض. أما سن اليأس ففيه روايتان: أحدهما خمسون سنة روى ذلك عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " حد التي تيأس من الحيض خمسون سنة " (1) ورواه أيضا أحمد بن محمد بن أبي نصر في كتابه عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المرأة التي تيأس من الحيض حدها خمسون سنة " (2) والى هذا ذهب الشيخ (ره) في النهاية. والاخرى رواية ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال " إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر حمرة الا أن تكون امرأة من قريش " (3) والى ذلك ذهب ابن بابويه (ره) في كتابه. وقال الشيخ (ره) في المبسوط: " وتيأس " المرأة من الحيض إذا بلغت خمسون، الا أن تكون امرأة من قريش فانه روى انها ترى دم الحيض إلى ستين سنة " (4).

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 31 ح 1 ص 580.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 31 ح 3 ص 580.
3) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 31 ح 2 ص 580.
4) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 31 ح 5 ص 581.

[ 200 ]

وروى الكليني (ره) في حد اليأس خمسين سنة، قال: وروي ستين سنة أيضا. وروى الشيخ (ره) في التهذيب عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله عليه السلام قلت: " متى تكون التي تيأس من المحيض ومثلها لا تحيض؟ قال: إذا بلغت ستين سنة فقد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض " (1) وفي سند هذه الرواية إلى عبد الرحمن ضعف، وما ذكره ابن بابويه (ره) جيد. مسألة: وهل يجتمع الحيض مع الحبل؟ فيه روايات: أحدها: نعم، روى ذلك عدة من أصحابنا منهم محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال: " سألته عن الحبلى ترى الدم كما كانت ترى في أيام حيضها مستقيما في كل شهر، قال: تمسك عن الصلاة كما كانت تصنع في أيام حيضها، فإذا طهرت صلت " (2). وعن ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام " انه سأل عن الحبلى ترى الدم أتترك الصلاة؟ قال نعم، ان الحبلى ربما قذفت بالدم " (3) وفي معناه رواية عبد الرحمن ابن الحجاج، عن أبي ابراهيم عليه السلام: " سألته عن الحبلى ترى الدم كما كانت ترى قبل ذلك، قال: تترك الصلاة إذا دام " (4) وهو اختيار ابني بابويه وعلم الهدى (ره) والشافعي. والثانية: لا تحيض، روى ذلك السكوني، عن جعفر عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: " قال النبي صلى الله عليه وآله: ما جمع الله بين حيض وحبل " وهو اختيار المفيد (ره) في المقنعة وأبي علي بن الجنيد (ره) وأبي حنيفة وأحمد.

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 31 ح 8 ص 581.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 30 ح 7 ص 578.
3) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 30 ح 1 ص 576.
4) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 30 ح 2 ص 577.
5) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 30 ح 12 ص 579.

[ 201 ]

الثالثة: ان رأته في زمان عادتها فهو حيض، وان تأخر عن العادة بعشرين يوم فليس بحيض، وهو اختيار الشيخ (ره) في النهاية. وروى ذلك الحسين بن نعيم الصحاف قلت لابي عبد الله عليه السلام " ان أم ولدي ترى الدم وهي حامل كيف تصنع بالصلاة؟ قال: إذا رأت الحامل الدم بعدما يمضي عشرون يوما من الوقت الذي كانت ترى الدم فيه من الشهر الذي كانت تقعد فيه فان ذلك ليس من الرحم ولا من الطمث، فلتتوضأ وتحتشي بكر سف وتصلي، وان رأته قبل الوقت الذي كانت ترى فيه بقليل أو فيه، فهو من الحيضة فلتمسك عن الصلاة عدد أيامها التي كانت تقعد في حيضها، وان لم ينقطع الا بعد مضي الايام التي كانت ترى فيها الدم بيوم أو يومين، فلتغتسل وتحتشي وتستثفر وتصلي " (1) وهذه الرواية حسنة، وفيها تفصيل يشهد له النظر. وقال الشيخ (ره) في الخلاف: اجماع الفرقة على أن الحامل المستبين حملها لا تحيض، وانما اختلفوا في حيضها قبل أن يستبين حملها، وكذا قال في المبسوط، فلهذا قال: في الاصل أشهرهما انهما لا تحيض أي مع استبانة الحمل. مسألة: وأقل الحيض " ثلاثة " أيام وأكثره " عشرة " أيام، هذا مذهب فقهاء أهل البيت عليهم السلام، وهو قول أبي حنيفة. وقال الشافعي في أحد قوليه: أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما. وبه قال أحمد، قال: لانه لم يثبت له حد شرعا ولا لغة، فيرجع فيه إلى الوجود وقد وجد من تحيض هذا القدر. لنا ما رووه عن وائلة بن الاسفع وأبي امامة الباهلي " ان النبي صلى الله عليه وآله قال: أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام " ومن طريق الاصحاب روايات منها: رواية محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " أقل ما يكون الحيض ثلاثة أيام " (2) وما

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 30 ح 3 ص 577.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 10 ح 11 ص 552.

[ 202 ]

رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر وصفوان بن يحيى، عن أبي الحسن الرضا قال: " الحيض أدناه ثلاثة أيام وأبعده عشرة " (1). أما رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام " أكثر ما يكون الحيض ثمانية " (2) فقد رده الشيخ (ره) في التهذيب، وقال: هو شاذ أجمعت العصابة على ترك العمل به، ولو صح حمل على من يكون ذلك عادتها وتستمر رؤيتها له. مسألة: لو رأت الدم يوما أو يومين وانقطع، فليس حيضا، ولو كمل ثلاثة في جملة العشرة فقولان: المروي انه حيض، وقد سلف ان أقل الحيض ثلاثة أيام ويلزمه من ذلك ان ما نقص ليس حيضا، لكن اختلف الاصحاب في اشتراط التوالي فقال: أبو علي بن الجنيد (ره) في المختصر: أقله ثلاثة أيام بلياليها. قال الشيخ في الجمل والمبسوط: أقله ثلاثة أيام متواليات. وهو اختيار علم الهدى (ره) وابني بابويه (ره). وقال في النهاية: ان رأت يوما أو يومين ثم رأت قبل انقضاء العشرة ما يتم به ثلاثة فهو حيض، وان لم تر حتى تمضي عشرة فليس بحيض. وروى ذلك اسماعيل بن مرار، عن يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا رأت المرأة الدم في أيام حيضها تركت الصلاة، فان استمر بها الدم ثلاثة أيام فهي حائض، وان انقطع بعد ما رأته يوما أو يومين اغتسلت وصلت واستنظرت من يوم رأت الدم إلى عشرة أيام، فان رأت في تلك العشرة من يوم رأت الدم حتى يتم لها ثلاثة أيام، فلذلك الذي رأته في أول الامر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة هو من الحيض، وان مر بها من يوم رأت عشرة أيام ولم تر الدم، فذلك اليوم واليومان الذي رأته لم يكن حيضا " (3) انما كان من علة فعليها

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 10 ح 2 ص 551.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 10 ح 14 ص 553.
3) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 12 ح 2 ص 555.

[ 203 ]

أن تعيد الصلاة اليومين اللذين تركتهما، لانها لم تكن حائضا. وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إذا رأت المرأة الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الاولى، وان كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة " (1) ورواية يونس مرسلة منافية لما دل على لزوم العبادة، ورواية محمد بن مسلم غير دالة على موضع النزاع، إذ مضمونها ان ما تراه في العشرة فهو من الحيضة الاولى، ونحن لا نسمي حيضا الا ما كان ثلاثا فصاعدا، فمن رأت ثلاثا ثم انقطع ثم جاء في العشرة ولم يتجاوز فهو من الحيضة الاولى، لا انه حيض مستأنف، لانه لا يكون بين الحيضتين أقل من عشرة على ما سيأتي. مسألة: وما تراه " المرأة " بين الثلاثة إلى العشرة حيض إذا انقطع، ولا عبرة بلونه ما لم يعلم انه لقرح أو لعذرة، وهو اجماع، ولانه زمان يمكن أن يكون حيضا، فيجب أن يكون الدم فيه حيضا. ولما روي عن عايشة " كان تبعث إليها النساء بالدرجة فيها الكرسف، فتقول: لا تعجلن حتى ترين الفضة البيضاء " (2) ويؤيد خبر محمد بن مسلم الذي قدمناه، وما رواه سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قلت: " المرأة ترى الصفرة أو الشئ فلا تدري أطهرت أم لا؟ قال تستدخل الكرسف فان خرج الدم لم تطهر، وان لم يخرج فقد طهرت " (3). مسألة: وإذا تجاوز الدم أكثر أيامه رجعت ذات العادة إليها، وهو اجماع العلماء عدا مالكا، فانه قال: لا اعتبار بالعادة. لنا ما روته أم سلمة قالت: " كانت امرأة تهراق الدماء على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لتنظر عدة الايام والليالي التي

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 12 ح 1 ص 554.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الحيض ص 335.
3) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 17 ح 4 ص 562.

[ 204 ]

كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا أخلفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر ثم لتصل " (1) رواه ابن ماجة والنسائي وابو داود. وما رواه الاصحاب عن أهل البيت عليهم السلام بطرق منها: رواية معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المستحاضة تنظر أيامها أولا فلا تصلى فيها " (2) وعن اسماعيل الجعفي عن أبى جعفر عليه السلام قال: المستحاضة تقعد أيام قرئها ثم تحتاط بيوم أو يومين " (3). مسألة: فان لم تكن لها عادة وكانت مبتدأة أو مضطربة، رجعت إلى التمييز و " المبتدأة " هي التي تبتدئ رؤية الدم، و " المضطربة " هي التي تستقر لها عادة، وهما ترجعان إلى التمييز، فما شابه دم الحيض فهو حيض إذا جمع الشرائط، وما شابه دم الاستحاضة فليس حيضا، وهو مذهب فقهاء أهل البيت عليهم السلام، وقال أبو حنيفة لا اعتبار بالتمييز. لنا ما روته عايشة قالت: " جاءت فاطمة بنت أبي خبيش فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله اني أستحاض فلا أطهر فأترك الصلاة؟ فقال انما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا كان دم الحيض فانه أسود يعرف فامسكي عن الصلاة، فإذا كان الاخر فتوضأي فانما هو عرق " (4) ومن طريق الاصحاب روايات منها: رواية اسحق بن جرير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ان دم الحيض ليس به خفاء، وهو دم حار تجد له حرقة، ودم الاستحاضة فاسد بارد " (5).

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الحيض ص 333 و 334.
2) الوسائل ج 2 ابواب الاستحاضة باب 1 ح 1 ص 604 3) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 13 ح 7 ص 557.
4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الحيض ص 323 و 325.
5) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 3 ح 3 ص 537.

[ 205 ]

فروع الاول: لا يشترط في التمييز التكرار، لانه علامة الحيض، فيكفي امتيازه، بخلاف العادة مثل أن تراه في شهر ثلاثة أسود، وفي آخر خمسة، وفي آخر سبعة والباقي منهما كان ما تراه بصفة الحيض في كل شهر حيضا، والباقي طهر. الثاني: يشترط في العمل بالتمييز أن لا يقصر ما شابه دم الحيض عن أقل الحيض ولا يتجاوز أكثره، وأن يكون في أوله ثلاثة أيام متوالية على مذهب من يشترط التوالي، لما دللنا عليه من أن ما نقص عن ثلاثة فليس بحيض وما تجاوز العشرة فليس حيضا. الثالث: إذا رأت الاسود والاحمر فتجاوز، فالاسود حيض والاحمر طهر، ولو رأت الاحمر والاصفر فالاحمر حيض والاصفر طهر، سواء كان ما شابه الحيض أو لا أو وسطا أو أخيرا، ولو رأت ثلاثا ثم انقطع ثم رأت يوم العاشر أو ما دونه كان الدمان وما بينهما من النقاء حيضا، كالدم الجاري، لما رواه محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا رأته قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الاولى، وإذا رأته بعد عشرة أيام فهو من الحيضة المستقبلة، كذا لو انقطع مرارا ولم يتجاوز العشرة " (1) ولو لم تر الا بعد العاشر فليس من الاولى لكنه استحاضة حتى تمضي عشرة أيام بعد الحيضة الاولى، فما يحصل بعد ذلك فهي حيضة مستأنفة، لانه لا يكون الطهر أقل من عشرة أيام. الرابع: لو رأت ثلاثة أسود وثلاثة أحمر ثم أصفر وتجاوز فالحيض هو الاسود لان الاحمر مع الاسود طهر، فكذا لو انضم إلى الاصفر، ولو رأت ثلاثة أصفر تركت الصلاة والصوم إلى العاشر، فان رأت بعد ذلك أسود تركت الصلاة أيضا

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 10 ح 11 ص 552.

[ 206 ]

حتى تأخذ في الاسود عشرا، فان انقطع فالاسود حيض وما تقدمه طهر، وان تجاوز فلا تمييز لها. ولو قيل هنا: تحتاط إذا تجاوزته من أول الدم عشرا للصلاة والصوم، فان انقطع الاسود على عشرة فما دون فهو حيض وقضت الصوم كان حسنا. الخامس: لو مر بها شهران رأت فيهما سواء، ثم اختلف الدم في باقي الاشهر رجعت إلى عادتها في الشهرين ولا تنظر إلى اختلاف الدم، لان الاول صار عادة. السادس: قال في المبسوط: لو رأت المبتدئة أولا دم الاستحاضة خمسا ثم أطبق الاسود بقية الشهر حكم بحيضها من بدأة الاسود إلى تمام عشرة، والباقي استحاضة. وما ذكره الشيخ يشكل: بأن شرط التمييز أن لا يتجاوز عن أكثر الحيض فالاشبه انه لا تمييز لها. وقال (ره) في المبسوط: لو رأت ثلاثة عشر بصفة الاستحاضة والباقي بصفة الحيض واستمر، فثلاثة من أوله حيض، وعشرة طهر، وما رأته بعد ذلك من الحيضة الثانية. وفي هذا أيضا اشكال، لانه لم يتحقق لها تمييز، لكن ان قصد انه لا تمييز لها وانه يقتصر على ثلاثة لانه اليقين كان وجها. قال في المبسوط: ولو رأت ثلاثة دم الحيض وثلاثة دم الاستحاضة ثم رأت بصفة الحيض تمام العشرة فالكل حيض، وان تجاوز الاسود إلى تمام الستة عشر يوما كانت العشرة حيضا، والستة السابقة استحاضة تقضي فيها الصلاة والصوم. وكأنه (ره) نظر إلى دم الاستحاضة لما خرج عن كونه حيضا خرج ما قبله، ولو قيل لا تمييز لها كان حسنا. مسألة: روى يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله عليه السلام قلت: " المرأة ترى أيام الدم ثلاثة أو أربعة، قال: تدع الصلاة قلت: فانها ترى الطهر ثلاثة أيام أو أربعة،

[ 207 ]

قال تصلي مع ذلك ما بينها وبين شهر فان انقطع عنها والا فهي بمنزلة المستحاضة " (1). وروى يونس بن يعقوب أيضا، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن المرأة ترى الدم خمسة أيام، والطهر خمسة أيام، وترى أربعة أيام وترى الطهر ستة أيام، فقال: ان رأت الدم لم تصل، وان رأت الطهر صلت ما بينها وبين ثلاثين يوما، فإذا تمت ثلاثين يوما فرأت دما صبيبا اغتسلت واستثفرت واحتشت بالكرسف في وقت كل صلاة " (2). قال الشيخ (ره) في الاستبصار: الوجه أن نحملها على امرأة اختلطت عادتها وأيام اقرائها، أو مستحاضة استمر بها الدم واشتبهت عليه العادة ثم رأت ما يشبه دم الحيض ثلاثة أو أربعة وما يشبه الاستحاضة ثلاثة أو أربعة هكذا، ففرضها أن تجعل ما يشبه دم الحيض حيضا والاخر طهرا صفرة كان أو نقاء لتستبين حالها وهذا تأويل لا بأس به. ولا يقال: الطهر لا يكون أقل من عشرة، لانا نقول: هذا حق لكن ليس طهرا على اليقين ولا حيضا بل هو دم مشتبه تعمل فيه بالاحتياط. مسألة: " المبتدأة " وهي التي رأت الدم أول مرة، إذا تجاوز دمها العشرة ولم يتميز رجعت إلى عادة نسائها كالام، والاخت، والعمة، والخالة، وتحيضت عدة حيضهن، فان لم تكن أو كن مختلفات رجعت إلى الروايات، وبه قال الشيخ في الخلاف وقال علم الهدى: ترجع في معرفة أيامها إلى نسائها، فان كن مختلفات تركت الصلاة في كل شهر ثلاثة أيام إلى عشرة. وقال ابن بابويه (ره) في كتابه: فإذا حاضت أول حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر فاقراؤها مثل اقراء نسائها، فان كن مختلفات فأكثر جلوسها عشرة أيام. وقال الشيخ (ره) في المبسوط: ترجع إلى عادة نسائها، فان لم يكن لها

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 6 ح 2 ص 544.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 6 ح 3 ص 545.

[ 208 ]

نساء أو كن مختلفات رجعت إلى أقرانها من أهل بلدها. وهي الحالة الثالثة، وبمعناه قال في الجمل. أما رجوعها إلى نسائها فهو فتوى الخمسة وأتباعهم، وبمثله قال العطا والثوري والاوزاعي، ومنع الشافعي وابو حنيفة. لنا أن الحيض يعمل فيه بالعادة وبالامارة كما يرجع إلى صفة الدم ومع اتفاقهن يتغلب انها كاحديهن، إذ من النادر أن تشذ واحدة عن جميع الاهل. ويؤيد ذلك ما رواه محمد بن يعقوب، عن أحمد بن محمد رفعه عن زرعة، عن سماعة قال: " سألته عن جارية حاضت أول حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر قال: اقرائها مثل اقراء نسائها، فان كن نساؤها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة أيام وأقله ثلاثة أيام " (1). واستدل الشيخ (ره) في الخلاف على صحة الرواية باجماع الفرقة. وفي رواية محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " المستحاضة تنظر بعض نسائها فتقتدي باقرائها ثم تستظهر على ذلك بيوم " (2). واعلم: ان الروايتين ضعيفتان، أما الاولى: فمقطوعة السند، والمسؤول فيها مجهول. وأما الثانية: ففي طريقها " علي بن فضال " وهو فطحي، ومع ذلك تتضمن الرجوع إلى بعض نسائها وهو خلاف الفتوى، ولان الاقتراح في الرجوع إلى واحدة من النساء مع امكان مخالفة الباقيات معارضة للرواية الاولى، لكن الوجه في ذلك اتفاق الاعيان من فضلائنا على الفتوى بذلك، وقوة الظن بانها كاحديهن مع اتفاقهن كلهن، فهي على تردد عندي. وأما الرجوع إلى الاقران في المرتبة الثالثة فشئ اختص به الشيخ (ره) ذكر ذلك في المبسوط والجمل، ونحن نطالب بدليله فانه لم يثبت، ولو قال: إذا تغلب

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 8 ح 2 ص 547.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 8 ح 1 ص 547.

[ 209 ]

في الظن انها كنسائها مع اتفاقهن تغلب في الاقران، منعنا ذلك، فان ذوات القرابة بينها وبينهن مشاكلة في الطباع والجنسية، والاصل تقوى الظن مع اتفاقهن بمساواتها لهن، ولا كذا الاقران إذ لا مناسبة يقتضيه، لانا نرى النسب يعطي شبها ولا نرى المقارنة لها أثرا فيه. مسألة " المبتدأة " إذا لم يكن لها نساء أو كن مختلفات، و " المضطربة " وهي التي لم تستقر لها العادة عددا ولا وقتا، إذا استمر بها الدم ولم يتميز تترك الصلاة والصوم في كل شهر سبعة أيام وتغتسل. وقال الشيخ (ره) في المبتدأة: تترك ثلاثة من شهر وعشرة من آخر، وفي الناسية لايامها تترك الصلاة والصوم في كل شهر سبعة أيام وتصوم فيما بعد ولا قضاء عليها في صوم ولا في صلاة. واستدل باجماع الفرقة، وقال في المبسوط: إذا كانت ناسية للعدد والوقت فعلت ما فعلته المستحاضة، ثلاثة أيام من أول الشهر وتغتسل فيما بعد لكل صلاة، وصلت وصامت شهر رمضان، ولا تطلق هذه على مذهبنا الا على ما روي " انها تترك الصلاة والصوم في كل شهر سبعة أيام وتصوم فيما بعد وتكون مخيرة في وضع هذه السبعة الايام في أول الشهر وأوسطه وآخره " (1). وقال بعض فقهائنا تجلس عشرا وهو أكثر الحيض، لانه زمان يمكن أن يكون حيضا، وللشافعي فيه قولان، أحدهما: لا حيض لها بيقين وزمانها مشكوك فيه وتغتسل لكل صلاة وتصلي وتصوم. والاخر: تقعد اليقين؟ وقال أبو حنيفة: تجلس أكثر الحيض. وقال أحمد في المبتدأة: تقعد أقل الحيض ولو استمر قعدت في كل شهر ستة أو سبعة، ولان الغالب في عوايد النساء ذلك. لنا ما رواه أبو داود، والترمذي عن حمنة بنت جحش قالت: " كنت استحاض

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 8 ح 3 ص 547 الا انه رواه بتغير بعض الالفاظ وبما يفهم من الجملة قال عليه السلام: تحيض في كل شهر في علم الله ستة ايام أو سبعة ايام.

[ 210 ]

فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وآله اني استحاض حيضة شديدة فماذا تأمرني؟ فقال: ابعث لك الكرسف فانه يذهب الكرسف الدم، قلت اني أجثه فقال انما هي ركضة من الشيطان تحيضي ستة أو سبعة أيام ثم اغتسلي، فإذا رأيت انك قد استنقأت فصلي أربعا وعشرين ليلة أو ثلاثا وعشرين ليلة، وأيامها وصومي فان ذلك يجزيك " (1). ومن طريق الاصحاب ما رواه علي بن ابراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن غير واحد من أصحابنا " سألوا أبا عبد الله عليه السلام عن الحيض والسنة فيه (فساق الحديث) حتى قال: وسنة التي رأت أول ما أدركت واستمر بها، ان امرأة يقال لها حمنة بنت جحش سألت النبي صلى الله عليه وآله فقالت: اني استحاض حيضة شديدة، فقال: تلجمي وتحيضي في كل شهر في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي وصومي ثلاثا وعشرين أو أربعا وعشرين " (2). وفي رواية عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المرأة إذا رأت الدم في أول حيضها واستمر الدم تركت الصلاة عشرة أيام ثم تصلي عشرين يوما، وان استمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة ثلاثة أيام وصلت سبعة وعشرين يوما " (3). واعلم: ان الروايتين ضعيفتان، أما الاولى: فلما ذكره ابن بابويه رحمه الله تعالى عن ابن الوليد انه لا يعمل بما تفرد به محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس، وأما الثانية: فرواية عبد الله بن بكير وهو فطحي لا أعمل بما ينفرد به، لكن لما كان الغالب في عادة النساء الستة والسبعة قضينا بالغالب، والوجه عندي أن تتحيض كل واحدة منهما ثلاثة أيام، لانه اليقين في الحيض وتصلي وتصوم بقية الشهر استظهارا وعملا بالاصل في لزوم العبادة.

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الحيض ص 338.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 8 ح 3 ص 547.
3) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 8 ح 6 ص 549.

[ 211 ]

فرع هل المراد بقوله عليه السلام: ستة أو سبعة أيام التخيير، أو العمل بما يؤدي اجتهادها إليه ويتغلب انه حيضها؟ قيل بالثاني، لانه لو لا ذلك لزم التخيير بين فعل الواجب وتركه. والاول عندي أشبه لانه تمسك بظاهر اللفظ وقد يقع التخيير في الواجب كما يتخير المسافر بين الاتمام والتقصير في بعض المواضع. مسألة: وتثبت " العادة " باستواء شهرين في أيام رؤية الدم ولا تثبت بالشهر الواحد، وهو مذهب الثلاثة وأتباعهم. وقال الشافعي: يثبت بالمرة الواحدة " لان رسول الله صلى الله عليه وآله رد المرأة التي سألت لها ام سلمة إلى الحيضة التي تلي شهر الاستحاضة " (1). لنا النقل والاشتقاق، أما النقل: فرواية محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس عن غير واحد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " فان انقطع الدم لوقته من الشهر الاول حتى توالت عليها حيضتان أو ثلاث، فقد علم ان ذلك صار لها وقتا وخلقا معروفا، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله للتي تعرف أيامها: دعي الصلاة أيام اقرائك وأدناه حيضتان فصاعدا " (2). وروى سماعة بن مهران قال: " سألته عن الجارية البكر أول ما تحيض يختلف عليها ألا يكون طمثها في الشهر عشرة أيام سواء، قال: تجلس وتدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم تجز العشرة، فإذا اتفق شهران عدة أيام سواء، فتلك عادتها " (3) والخبران ضعيفان فلا حجة فيهما.

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الحيض ص 332 - 333.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 7 ح 2 ص 546.
3) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 14 ح 1 ص 545.

[ 212 ]

وأما الاشتقاق: فلان " العادة " مأخوذة من المعاودة ولا تحصل بالمرة الواحدة، ولا تطلق العادة الا مع التكرار، والوجه قوله عليه السلام: تحيضي أيام اقرائك، وأقل ما يراد بهذه اللفظة اثنان، أو ثلاثة. وأما خبر الشافعي: فلانة ليس بصريح في الاقتصار على المرة، فلا يكون مقدما على موضع التصريح، ولا يشترط في استقرار العادة استقرار عادة الطهر، بل لو رأت في شهر خمسة ثم رأت طهرا بقية الشهر، وفي شهر آخر مرتين بينهما عشرون يوما، وفي آخر حيضتين بينهما خمسة عشر يوما، فقد استقرت عادتها في الحيض لقوله عليه السلام " تنظر أيامها اولا فلا تصلي فيها " (1) ولا يشترط التساوي في الوقت بل لو رأت خمسا في شهر من أوله وفي شهر آخر من أوسطه استقرت عادتها عددا، فان اتفق الوقت مع العدد استقر عادة عملا بظاهر الرواية. مسألة: ولو اجتمع لامرأة عادة وتمييز فان كان الزمان واحدا فلا بحث، وان اختلفت مثل ان رأت عادتها في الاصفر وفيما بعدها أو قبلها الاسود، فان لم يتجاوز فالجميع حيض، وان تجاوز ففيه قولان: قال في الجمل والمبسوط: يرجع إلى العادة. وهو الاصح وهو مذهب علم الهدى والمفيد وأتباعهم، وقال في النهاية: ترجع إلى التمييز. وهو مذهب الشافعي، وتردد (ره) في مسائل الخلاف. لنا ما روي أن أم سلمة " سألت رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة بنت أبي جيش انها استحاضت، فقال: تدع الصلاة قدر اقرائها " (2) قال أبو عبد الله عليه السلام: وهذه السنة التي تعرف أيام اقرائها، ولان العادة كالمتيقن فيجب المصير إليها، ولا يقال: الصفة علامة فيصار إليها كالصفة في المني عند الاشتباه، لانا نقول: صفة الدم يسقط اعتبارها في العادة لان العادة أقوى في الدلالة، ولرواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الحيض ص 334 - 335 (مع تفاوت).
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الحيض ص 334.

[ 213 ]

" عن المرأة ترى الصفرة في أيامها، قال: لا تصلي حتى تنقضي أيامها، فأن: رأت الصفرة في غير أيامها توضأت وصلت " (1). مسألة: " العادة " قسمان: متفقة، وهي التي ترى أياما متساوية في شهرين. و " المختلفة " ما يترتب ادوارا وان اختلفت بعض الاختلاف، مثال الاول: ان ترى في هذا الشهر خمسة وينقطع باقيه، وفي الثاني خمسة أيضا وينقطع. ومثال الثاني: ان ترى في شهر ثلاثة، وفي الثاني أربعة، وفي الثالث خمسة مثلا، ثم تعود إلى ثلاثة ثم أربعة ثم إلى خمسة، لازمة ترتيبها الاول فتستقر عادتها كذلك، فإذا استمر بها في شهر تحيضت نوبته، ولو نسيت نوبته حيضناها أقل الحيض لانه اليقين، أو عملت فيه على الروايات على القول بها. مسألة: وتترك ذات العادة الصلاة والصوم برؤية الدم في أيامها، وهو مذهب أهل العلم، لان المعتاد كالمتيقن، ولما رواه محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام " عن المرأة ترى الصفرة في أيامها، قال: لا تصلي حتى تنقضي أيامها " (2) ولما رواه يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا رأت المرأة الدم في أيام حيضها تركت الصلاة " (3). أما " المضطربة " و " المبتدأة " ففيها قولان: قال في المبسوط: أول ما ترى المرأة ينبغي أن تترك الصلاة والصوم، فان استمر ثلاثة قطعت على أنه حيض، وان انقطع قبل الثلاثة فليس بحيض وقضت الصلاة والصوم. وقال علم الهدى في المصباح: والجارية التي يبتدئ بها الحيض ولا عادة لها لا تترك الصلاة حتى تستمر لها ثلاثة أيام. وعندي هذا أشبه، لان مقتضى الدليل لزوم العبادة حتى يتيقن المسقط ولا يقين قبل استمراره ثلاثة، ولو قيل: لو لزم ما ذكرته

1) و 2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 4 ح 1 ص 540.
3) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 10 ح 4 ص 551.

[ 214 ]

قبل الثلاثة لزم بعدها، لجواز أن ترى ما هو أسود ويتجاوز فيكون هو حيضها لا الثلاثة. قلنا: الفرق ان اليوم واليومين ليس حيضا حتى تستكمل ثلاثة، والاصل عدم التتمة وأما إذا استمر ثلاثا فقد كمل ما يصلح أن يكون حيضا ولا يبطل هذا الا مع التجاوز، والاصل عدمه حتى يتحقق. ولو احتج الشيخ بما رواه محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام " في المرأة ترى الدم أول النهار في شهر رمضان أتفطر أم تصوم؟ قال: تفطر انما فطرها من الدم " (1). قال الشيخ في التهذيب: معناه انها لو لم تفطر بالطعام والشراب فانها بحكم المفطر، وكذا ما روي من طرق ان المرأة إذا طمثت في رمضان قبل أن تغيب الشمس تفطر. وعن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " أي ساعة رأت الصائمة الدم تفطر " (2) قلنا: الحكم بالافطار عند الدم مطلقا غير مراد فيصرف إلى المعهود وهو دم الحيض، ولا يحكم بأنه حيض الا إذا كان في العادة فيحمل على ذلك، وأما الاخبار التي تضمنت ذكر الطمث فلا تتناول موضع النزاع، لانا لا نحكم بأنه طمثت الا إذا كان في زمان العادة أو باستمرار ثلاثة بلياليها. مسألة: إذا رأت الدم في عادتها ففي قدر الاستظهار بترك العبادة مع مجئ الدم قولان: قال في النهاية: تستظهر بعد العادة بيوم أو يومين، وهو قول ابن بابويه والمفيد. وقال علم الهدى في المصباح: تستظهر عند استمرار الدم إلى عشرة أيام، فان استمر عملت ما تعمله المستحاضة. وقال في الجمل: ان خرجت ملوثة بالدم فهي بعد حائض تصبر حتى تنقى. والاحوط ما ذكره في النهاية، وان كان ما ذكره

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 50 ح 7 ص 602.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 50 ح 3 ص 601.

[ 215 ]

علم الهدى جائزا. لنا مقتضى الدليل لزوم العبادة، فيسقط موضع الاتفاق وهو قدر العادة، وما حصل الاجماع عليه من جواز الاستظهار في الحيض، ويؤيد ما ذكرناه ما رواه الحسن بن محبوب، في كتاب المشيخة عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام " في الحائض إذا رأت دما بعد أيامها التي كانت ترى الدم فيها، فلتقعد عن الصلاة يوما أو يومين، ثم تمسك قطنة فان صبغ القطنة دم لا ينقطع فلتجمع بين كل صلاتين بغسل، ويصيب منها زوجها ان أحب، وحلت لها الصلاة " (1). ومثله روى ابن أبي نصر البزنطي، عن الرضا عليه السلام قال: " الحائض تستظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة " (2) ومثله عن عمرو بن سعيد، عن الرضا عليه السلام، وعن سعيد ابن يسار عن أبي عبد الله عليه السلام. فان احتج علم الهدى برواية عبد الله بن المغيرة، عن رجل، عن أبي عبد الله قال: " ان كان قرؤها دون العشرة انتظرت العشرة " (3) فجوابنا: الطعن في السند، فان في طريق هذه الرواية " أحمد بن هلال " وهو ضعيف وهي مرسلة. ولو احتج بما رواه عمرو بن سعيد، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " تنتظر عدتها ثم تستظهر بعشرة أيام " (4) قلنا: الترجيح لروايتنا كثرة وقوة وشبها بالاصل وتمسكا بالعبادة، ولو قال: " العشرة " أيام الحيض فيكون دمها حيضا. قلنا: لا نسلم ان العشرة حيض على تقدير العلم بالعادة المستقرة، نعم لو انقطع على العشرة كان حيضا، أما مع الاستمرار فلا تتيقنه لجواز أن يستمر، والاستظهار المذكور

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 13 ح 15 ص 558.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 13 ح 9 ص 557.
3) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 13 ح 11 ص 558. 4) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 13 ح 12 ص 558.

[ 216 ]

هل هو على الوجوب أو الاستحباب؟ ظاهر كلام الشيخ في الجمل وعلم الهدى الوجوب. والاقرب عندي انه على الجواز أو على ما تغلب عند المرأة في حيضها. لنا قوله عليه السلام " تحيضي أيام اقرائك " (1) وما رواه معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المستحاضة تنظر أيامها فلا تصلي فيها ولا يقربها بعلها، فإذا جازت أيامها ورأت دمها يثقب الكرسف اغتسلت للظهر والعصر " (2) وعن منصور ابن حازم، عن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المستحاضة إذا مضى أيام اقرائها اغتسلت واحتشت وتوضأت وصلت " (3). مسألة: أقل الطهر بين الحيضتين عشرة أيام، ولا حد لاكثره، وبه قال الشيخ في الخلاف والمبسوط، وعلم الهدى في المصباح والخلاف، ولا أعلم فيه خلافا لاصحابنا، وقال بعض فقهائنا: أكثر الطهر ثلاثة أشهر، وقال الشافعي وابو حنيفة: أقل الطهر خمسة عشر يوما. لنا ما روي عن علي عليه السلام " ان امرأة طلقت فزعمت انها حاضت في شهر ثلاث حيض، طهرت عند كل قرء وصلت، فقال لشريح: قل فيها فقال: ان جاءت ببينة من بطانة أهلها، والا فهي كاذبة " (4) فقال عليه السلام: " قالون " وهو بالرومية " جيد " ولا يتقدر ذلك على أن يكون الطهر خمسة عشر يوما، ويتقدر على ما قلناه. ومن طريق الاصحاب ما رواه محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا يكون القرء في أقل من عشرة أيام، فما زاد أقل ما يكون عشرة من حين تطهر إلى

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 8 ح 3 ص 547.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 5 ح 2 ص 542.
3) الوسائل ج 2 ابواب الاستحاضة باب 1 ح 13 ص 608.
4) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 47 ح 3 ص 6 59 (مع تفاوت).

[ 217 ]

أن ترى الدم " (1) ومثله روى يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يكون الطهر أقل من عشرة أيام " (2). احتج الجمهور بما روي عن ابراهيم، وعطاء بن يسار، انهما قالا: أقل الطهر خمسة عشر يوما، وليس لاكثره حد. ولا يقولون الا توفيقا أو اتفاقا. والجواب انا لا نسلم الحصر، بل لم يكن قولهما اجتهادا، فانهما توهما أكثر الحيض خمسة عشر يوما، وعندهما الشهر يقسم الحيض والطهر، فيلزم أن يكون الطهر مثل أكثر الحيض، ثم قولهما معارض بفتوى شريح وموافقة علي عليه السلام، وقوله الحق. فرع لا يشترط في استقرار العادة أن ترى الدم في شهرين، بل يكفي مرور حيضتين عددا سواء ولا كانتا في شهر واحد لانها مشتقة من العود. قال في المبسوط: لو رأت المبتدأة دم الحيض خمسة أيام وعشرة طهرا، ثم بعد ذلك خمسة أيام وعشرة طهرا، فقد حصل لها عادة في الحيض والطهر ولو رأت خمسة أيام دم الحيض وخمسة وخمسين طهرا، ثم رأت خمسة أيام بصفة دم الحيض وخمسة وخمسين طهرا، ثم استحاضت جعلت في كل شهرين خمسة أيام حيضا، لان ذلك صار عادة. وقال في الخلاف: لا تثبت عادة المرأة الا أن يمضي لها شهران أو حيضتان على حد واحد. فرع الذاكرة لوقت عادتها إذا رأت الدم قبلها بخمسة ولم ترفيها كان حيضا متقدما

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 11 ح 1 ص 553.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 11 ح 2 ص 554.

[ 218 ]

وكذا لو تأخر عنها ولم تر فيها، ولو رأت فيها وقبلها وبعدها فان لم يتجاوز فالكل حيض، وان تجاوز فحيضها عادتها ولو رأت قبلها وفيها وبعدها وتجاوز العشرة فالحيض عادتها، وما عداه استحاضة، لان العداة اختلطت وقد تجاوز فترجع إلى العادة تمسكا باطلاق الخبر. فروع " المتحيرة " ان ذكرت العدد ونسيت الوقت فلا يقين لها فالزمان كله حيض مشكوك فيه، مثل أن تقول: حيضي في كل شهر عشرة ولا أعلم أيها هي، ولو قالت: حيضي احدى العشرات ولا أعلمها، قال في المبسوط: تعمل ما تعمله المستحاضة في الجميع وتغتسل للحيض عند آخر كل عشرة، قال: ولو قالت: حيضي ثلاثة من العشرة الاولى، فالعشرة مشكوك فيها تفعل فيها ما تفعله المستحاضة، وتغتسل للحيض في آخر الثالث، ثم تغتسل لكل صلاة إلى تمام العشرة إذا لم تعلم وقت الانقطاع، لجواز انقطاع الدم عند كل صلاة. أما لو قالت: كان حيضي ستة أيام في العشرة الاولى فأربعة من أول الشهر مشكوك فيها تعمل ما تعمله المستحاضة، والخامس والسادس حيض بيقين، وما بقى من العشرة مشكوك فيه تعمل ما تعمله المستحاضة، وتغتسل للحيض عند كل صلاة الا أن تعرف وقت انقطاعه وتغتسل عند ذلك الوقت إلى تمام العشرة. ولو قالت: كان حيضي عشرة من الشهر وكنت في العاشر حائضا، فهذا يحتمل أن يكون ابتداء وانتهاء، فلا يتحقق لها حيض سواه، وتغتسل آخر العاشر للحيض وبعد ذلك تغتسل للحيض لكل صلاة إلى آخر التاسع عشر، وتفعله ما تفعله المستحاضة في الشهر كله عدا العاشر، وفي كل هذه المواطن يقتضي صوم العدة التي تعلمها بعد الزمان الذي تفرض عادتها في جملته.

[ 219 ]

فروع في التشريك مع ذكر العدد: لو قالت: حيضي عشرة وكنت أشرك من كل عشرين من الشهر بيوم، فانه يحتمل أن يكون أول حيضها ثاني الشهر وآخره الحادي عشر، وأن يكون أوله العاشر وآخره التاسع عشر، ثم يحتمل أن يكون أوله الثاني عشر وآخره الحادي والعشرين، وأن يكون أوله العشرين وآخره التاسع والعشرين. فالطهر أذا يوم في أول الشهر ويوم في آخره، والثاني مشكوك فيه، تعمل في الجميع ما تعمله المستحاضة، لكنها تغتسل يوم الحادي عشر للحيض ويوم التاسع عشر والحادي والعشرين والتاسع والعشرين كل يوم وعند آخره، وتقضي صوم عشرة أيام، ولا تقضي الصلاة لانها أتت بالصلاة بنية الفرض. والصوم يجزي فيه نية القربة إذا كانت متعينا كرمضان، ولو كان حيضها عشرة من كل شهر وتشرك بين نصفي الشهر بيوم، احتمل ابتداء حيضها من السابع ونهايته السادس عشر، ومن الخامس عشر ونهايته الرابع والعشرون، فيحصل بها اثنى عشر يوما طهرا بيقين من أوله ومن آخره، ويومان حيض بيقين وهما الخامس عشر والسادس عشر، وما عدا ذلك طهر مشكوك فيه. وقال في المبسوط: تعمل من يوم الخامس عشر إلى آخر اليوم الرابع والعشرين ما تعمله المستحاضة، ثم تغتسل في آخره وتفعل بعد ذلك ما تفعله المستحاضة إلى آخر الشهر، وتقضي الصوم. ولعله وهم من الناسخ، ولو كان تسعة ونصفا وتشرك بين العشرين بيوم والكسر في الاول فيوم ونصف من أول الشهر طهر بيقين تعمل فيه ما تعمله المستحاضة إلى آخر الحادي عشر، ثم تغتسل، ونصف يوم بعده طهر تعمل فيه ما تعمله المستحاضة إلى آخر الحادي والعشرين، ثم تغتسل للحيض وتصلي وتصوم، وتقضي بعد ذلك

[ 220 ]

صوم أكثر الحيض احتياطا. ولو قالت: كان حيضي تسعة ونصفا والشركة بين العشرين بيوم والنصف فيهما كان غلطا، لان الكسر في العشرين لا يختلط بيوم، وان ذكرت الوقت ونسيت العدد، فان ذكرت أول حيضها أتمته ثلاثة ولانه اليقين، ثم تغتسل بعد ذلك للحيض وتصلي فيما بعد، إذا عملت ما تعمله المستحاضة احتياطا، فان ذكرت آخره جعلته وما قبله حيضا ثلاثة، واغتسلت للحيض في آخره وعملت ما تعمله المستحاضة فيما عداه، وان لم تكن ذاكرة أول حيضها ولا آخره، فذلك الوقت الذي عرفت حيضها فيه ان لم يزد عن أقل الحيض، فحيضها معلوم، وان تزاد من غير تداخل، فالزمان مشكوك فيه وتعمل ما تعمله المستحاضة، وان تداخل فالمتداخل حيض بيقين وما عداه فمشكوك فيه. وان نسيت الوقت والعدد، فان قالت: كنت أحيض في الشهر مرة، فلها في الجملة طهر بيقين وحيض مشكوك فيه، لان أبلغه أن يكون حيضها عشرة وطهرها عشرة، وحيضها عشرة، فيحصل لها عشرة طهرا بيقين لكنه غير معين الزمان، فتعمل في الشهر كله ما تعمله المستحاضة، وتغتسل للحيض آخر الثالث، وبعده لكل صلاة إلى آخر الشهر ما لم تعلم وقت الانقطاع، وتقضي صوم عشرة أيام لانه أقصى الحيض ولا تقضي الصلاة لانها وقعت مشروعة، والشك لا يقدح فيها لحصول الامر بها في ظاهر الحكم. قال الشيخ في المبسوط: وقد روى في هذه انها تترك الصلاة والصوم في كل شهر سبعة أيام وتفعل في الباقي ما تفعل المستحاضة وتصوم وتصلي، قال: والاول أحوط للعبادة.

[ 221 ]

وأما الاحكام فمسائل: الاولى: لا تنعقد للحائض " صلاة " ولا " صوم " وعليه الاجماع، روى البخاري، عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال، " أليست أحد يكن إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي " (1) وقوله لفاطمة بنت أبي حبيش: " إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة (2) ". ومن طريق الاصحاب ما رواه حفص البختري قال: " إذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلاة " (3) وما رواه عيص بن القاسم البجلي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن امرأة طمثت في شهر رمضان قبل أن تغيب الشمس، قال تفطر " (4) ولان الصلاة مشروطة بالطهارة ولا تصح الطهارة مع الحيض. مسألة: ولا يصح منها " الطواف " لان الطواف الواجب من شرطه الطهارة وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه، ولا يرتفع لها حدث، وعليه الاجماع، ولان الطهارة ضد الحيض، فلا يتحقق مع وجوده، لكن يجوز لها أن تتوضأ لتذكر الله سبحانه وتعالى وأن تغتسل لا لرفع الحدث كغسل الاحرام ودخول مكة. مسألة: ويحرم عليها دخول المساجد الا اجتيازا، والتناول حاجة، أما اللبث والقعود فلا، وهو اجماع، ولما روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " (5).

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الحيض ص 308 (مع تفاوت).
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 3 ح 4 ص 538.
3) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 3 ح 2 ص 537.
4) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 50 ح 1 ص 601.
5) سنن ابي داود ج 1 كتاب الطهارة ص 60.

[ 222 ]

ولما رواه الكليني، عن محمد بن يحيى، رفعه عن أبي حمزة، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: " إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله فأصابه جنابة فليتيمم، ولا يمر في المسجد الا متيمما حتى خرج منه ويغتسل، وكذلك الحائض إذا أصابها الحيض تفعل ذلك، ولا بأس أن تمر في سائر المساجد ولا تجلسان فيها " (1). وهذه الرواية وان كانت مقطوعة لكن مضمونها حسن، ولان الحائض مشاركة للجنب في الحديث وتختص بزيادة حمل الخبث، فحكم حدثها أغلظ فيكون أولى بالمنع، وأما تحريم المسجدين اجتيازا فقد جرى في كلام الثلاثة وأتباعهم، ولعله لزيادة حرمتهما على غيرهما من المساجد وتشبيها للحائض بالجنب فليس حالها بأخف من حاله. وأما " الاجتياز " في غيرهما من المساجد فقد ذكر الشيخ في مسائل الخلاف: انه مكروه، ومع اتفاقهم انه ليس بمحرم بمجرد ذكر اباحة الشيخ في المبسوط والجمل، والمفيد وعلم الهدى في المصباح، وروى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " سألته كيف صارت الحائض تأخذ ما في المسجد ولا تضع فيه؟ فقال: ان الحائض تستطيع أن تضع ما في يدها في غيره ولا تستطيع أن تأخذ ما فيه الا منه " (2) وخبر محمد بن يحيى الذي ذكرناه يدل عليه. فرع لو حاضت في أحد المسجدين هل تفتقر إلى التيمم في خروجها كالجنب؟ قيل نعم، عملا برواية الكليني، عن محمد بن يحيى التي سلفت، لكنها مقطوعة

1) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 15 ح 3 ص 485.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 35 ح 1 ص 538.

[ 223 ]

ولا يمنع الاستحباب، أما الوجوب فالاقرب لا، وقوفا على موضع الدلالة في الجنب، ولان التيمم طهارة شرعية ممكنة في حق الجنب عند تعذر الماء، ولا كذلك الحائض، فانها لا سبيل لها إلى الطهارة، وقال ابن الجنيد منا: ان اضطر الجنب أو الحائض إلى دخول المساجد تيمما. مسألة: ولا تضع الحائض في المسجد شيئا، ولها أن تأخذ ما فيه، قاله الاصحاب، ويدل على ذلك رواية عبد الله بن سنان قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنب والحائض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه؟ قال: نعم، ولكن لا يضعان في المسجد شيئا " (1) ولان الاجماع على تحريم دخولها الا عابرة سبيل فيكون دخولها لغيره محرما. مسألة: وتحرم عليها قراءة " العزائم " هذا مذهب علمائنا كافة، وزاد الجمهور تحريم قراءة القرآن كله، لما روى ابن عمر " ان النبي صلى الله عليه وآله قال: لا يقرء القرآن جنب ولا حائض " (2) ويعني بالعزائم: السور الاربع التي تتضمن السجود الواجب. وانما سميت ذلك؟ لوجوب السجود والعزيمة الواجبة، والعزم الواجب. لنا اجماع العلماء، وما روي من النقل المستفيض عن أهل البيت عليهم السلام، منه: رواية زرارة ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قلت: " الحائض والجنب يقرآن شيئا؟ قال: نعم ما شاء الا السجدة، ويذكر ان الله على كل حال " (3) ولانه إذا ثبت التحريم في طرف الجنب فثبوته في طرف الحائض أولى، لان حدثها أغلظ، وأما جواز ما عدا الاربع فمستنده التمسك بالاصل، وقوله تعال: * (فاقرؤا ما تيسر منه) * (4) ورواية ابن عمر محمولة على الكراهية توفيقا بين الاخبار.

1) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 17 ح 1 ص 490.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الحيض ص 309.
3) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 19 ح 4 ص 493.
4) المزمل: 20.

[ 224 ]

مسألة: ويحرم على زوجها منها موضع الدم، وهو اجماع فقهاء الاسلام، واتفقوا على جواز الاستمتاع بما فوق السرة ودون الركبة، واختلفوا في جواز الاستمتاع بما بينهما، والذي عليه جمهور الاصحاب، الاباحة، وتركه أفضل، ذهب إليه الشيخان، وقال علم الهدى في شرح الرسالة: عندنا لا يحل الاستمتاع منها الا بما فوق الميزر، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. لنا قوله تعال * (فاعتزلوا النساء في المحيض) * (1) و " المحيض " موضع الحيض كالمقيل والمبيت، فيحل ما عداه بالاصل، ولا يقال: " المحيض " هو الحيض لقوله تعالى: * (يسئلونك عن المحيض قل هو أذى) * (2) وقوله: * (واللائي يئسن من الحيض من نسائكم) * (3). لانا نقول: لا تنازع في تسمية الحيض محيضا، بل كما يسمى الحيض بذلك يسمى به موضع الحيض، لكن يجب تنزيل آية التحريم على ما قلناه، أما أولا: فلانه قياس اللفظ، وأما ثانيا: فلانه لو نزل على الحيض لزم اعتزال النساء في زمان الحيض وهو منفي بالاجماع. ولانه يلزم من تنزيله على الحيض الاضمار، إذ لا يتعذر اعتزال النساء في نفس الامر فيفتقر إلى الاضمار وهو الزمان، ولو نزلنا على الموضع لم يفتقر إلى الاضمار، ولما ذكر في سبب نزول هذه الاية من كون اليهود يعتزلون النساء في زمان الحيض فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك، فنزلت هذه الاية فقال النبي صلى الله عليه وآله " اصنعوا كل شئ الا النكاح " (4) رواه مسلم. ويؤيد ذلك من طريق الاصحاب ما رواه عبد الملك بن عمرو قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عما لصاحب المرأة الحائض منها، قال: كلى شئ عدا القبل بعينه " (5)

1) و 2) البقرة: 222.
3) الطلاق: 4.
4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الحيض ص 313.
5) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 25 ح 1 ص 570.

[ 225 ]

وعن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يأتي المرأة دون الفرج ويجتنب ذلك الموضع " (1)، واحتج الخصم بما رواه عن المؤمنين عليه السلام قال: " سئل النبي صلى الله عليه وآله عما يحرم على الرجل من امرأته الحائض، فقال: ما تحت الازار " وروى ابن عمر قال: " سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عما يحل للرجل من امرأته، قال: ما فوق الازار ". واحتج علم الهدى مضافا إلى ذلك بما رواه عبيد الله الحلبي " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحائض ما يحل لزوجها منها، قال: تأتزر بازار إلى الركبتين، وتخرج سرتها، ثم له ما فوق الازار " (2)، والجواب: أما المروي عن علي عليه السلام فجائز أن يكون كنى عن موضع الوطئ بما تحت الازار، وانما ساغ هذا التأويل لما روي عنه عليه السلام انه قال: " اجتنب منها شعار الدم " (3) وما روي عن بعض نساء النبي صلى الله عليه وآله قال: " كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها ثوبا " (4). وخبر ابن عمر فيه دلالة على التحليل، ولا يلزم منه تحريم ما عداه الا من دلالة الخطاب وهي متروكة، وكذا خبر عبيد الله الحلبي ثم هو معارض بالاخبار التي تلوناها منضمة إلى غيرها بما روي من الجواز، فانها أكثر والكثرة امارة الرجحان. ويؤيد ذلك أيضا ما رواه عمر بن حنظلة قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما للرجل من الحائض؟ قال: ما بين الفخذين " (5) وعن عمر بن يزيد قال: " قلت لابي

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 25 ح 6 ص 571.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 26 ح 1 ص 571.
3) سنن الدارمي ج 1 ص 263 (مع تفاوت).
4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الحيض ص 314.
5) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 25 ح 7 ص 571.

[ 226 ]

عبد الله عليه السلام: ما للرجل من الحائض؟ قال: ما بين أليتيها ولا يوقب " (1). وما رواه ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا حاضت المرأة فليأتها زوجها حيث شاء ما اتقى موضع الدم " (2) وإذا تعارضت الاحاديث جمعنا بينها بالاباحة والكراهية، فان المكروه إذا تأكدت كراهيته أطلق عليها لفظ التحريم مجازا، والمجاز يصار إليه مع الدلالة، ولان مقتضى الدليل الحل، فيخرج منه موضع الاجماع. مسألة: ولا يصح " طلاق " الحائض مع دخول المطلق بها وحضوره وكونها حائلا لا حائل بينه وبينها، وقد أجمع فقهاء الاسلام على تحريمه، لكن اختلفوا في وقوعه: عندنا لا يقع، وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد: يقع، وسيأتي تحريره في باب الطلاق انشاء الله. مسألة: ويجب عليها " الغسل " عند النقاء الطهارة، يجب عند وجوب ما لا يتم الا بها، كالصلاة والطواف، لكن لما كان الحدث سبب الوجوب أطلق الوجوب عند حصوله وان كان وجود المسبب موقوفا على الشرط، كما يقول: يجب على الحائض القضاء وان كان لا يتحقق الا مع الطهر، فإذا تحقق هذا فنحن نريد بالوجوب هذا الوجوب الموقوف على وجوب ما لا يصح الا بالغسل، وعلى وجوب غسل الحائض عند النقاء وارادة الصلاة أو غيرها مما الطهارة شرط، فيه اجماع المسلمين، ولا ريب انه شرط في صحة الصلاة، وفي الطواف عندنا، خلافا لابي حنيفة، وهل هو شرط في صحة الصوم بحيث لو أخلت به ليلا حتى أصبحت بطل الصوم؟ فيه تردد. روى علي بن الحسن، عن علي بن أسباط، عن عمه يعقوب الاحمر، عن

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 25 ح 8 ص 571.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 25 ص 570.

[ 227 ]

أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ان طهرت بليل من حيضها ثم توانت أن تغتسل في رمضان حتى أصبحت عليها، قضى ذلك اليوم " (1) لكن " علي بن الحسن " فطحي و " ابن أسباط " واقفي. ويؤيد وجوب الغسل عند النقاء ما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي " (2) وعن ابن عباس ما رأت الدم البحراني فانها لا تصلي، وإذا رأت الطهر ساعة فلتغتسل. ومن طريق الاصحاب ما رواه اسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر قال: " المستحاضة تقعد أيام قرؤها ثم تحتاط بيوم أو يومين، فان هي رأت طهرا اغتسلت " (3). مسألة: ويجب عليها قضاء الصوم دون الصلاة، وهو مذهب فقهاء الاسلام، ويؤيده ما رووه " ان معاذة سألت عايشة ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ فقالت: لا، ولكني أسأل فقالت: كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
(4) ومن طريق الاصحاب ما رواه زرارة قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الحائض، فقال: ليس عليها أن تقضي الصلاة، وعليها أن تقضي صوم شهر رمضان، ثم أقبل علي فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر بذلك فاطمة عليها السلام والمؤمنات " (5). مسألة: وإذا سمعت سجدة القرآن جاز أن تسجد السجدات الواجبة، ويجب على القارئ والمستمع السجود عندها للطاهر والحائض والجنب، لانه واجب

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 1 ح 1 ص 543. 2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الحيض ص 330.
3) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 13 ح 7 ص 557.
4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الحيض ص 308.
5) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 41 ح 2 ص 589.

[ 228 ]

وليس من شرطه الطهارة فيجب، أما السامع: فان السجود في حقه مستحب، وكذا ما عدا الاربع، وهل يجوز للحائض سجودها؟ قال في النهاية: لا، وهو اختيار الشافعي وأبي حنيفة وأحمد. وحكي عن عثمان وسعيد بن المسيب في الحائض تسمع السجدة، قال: تؤمي برأسها وتقول: اللهم لك سجدت. وعن الشعبي فيمن سمع السجدة على غير وضوء يسجد حيث كان وجهه. لنا: الامر بالسجود مطلق واشتراط الطهارة ينافي الاطلاق فيسقط اعتبارها. احتج المخالف بقوله عليه السلام: " لا يقبل الله صلوة بغير طهور " (1) فيدخل السجود ضمنا، ولانه سجود فيشترط فيه الطهارة كسجود السهو. والجواب: لا نسلم انه صلاة، فان العرف بين أهل الشرع يأباه، ولا نسلم اشتراط الطهارة في سجود السهو، ولو سلمناه لم يلزم وجود الحكم هنا، لانه كما يحتمل أن يكون اشتراط الطهارة هناك لكونه سجودا، يحتمل أن يكون جبرا للصلاة المفتقرة إلى الطهارة، فصار حينئذ كجزء من الصلاة، وليس كذلك سجود التلاوة. ويؤيد ما ذكرناه: ما رواه أبو بصير قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا قرء شئ من العزائم الاربع وسمعتها فاسجد، وان كنت على غير وضوء، وان كنت جنبا، وان كانت المرأة لا تصلي، وسائر القرآن أنت فيه بالخيار ان شئت سجدت وان شئت لم تسجد " (2) أما السامع وليس بمستمع، فان السجود مستحب في (ظرفه) سواء كان من العزائم الاربع أو من غيرها، وهل يمنع منه الحائض والجنب؟ فيه روايتان: أحدهما: المنع، روى ذلك الحسن بن سعيد، عن فضالة، عن أبان بن عثمان

1) سنن أبى داود ج 1 ص 16.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 36 ح 2 ص 584.

[ 229 ]

عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن الحائض تقرء القرآن وتسجد السجدة إذا سمعت السجدة؟ فقال: تقرأ ولا تسجد " (1) وذكر ذلك في النهاية. والاخرى: الجواز ذكره في المبسوط، ورواه الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا قرء شئ من العزائم الاربع فسمعتها فاسجد، وان كنت على غير وضوء وان كنت جنبا وان كانت المرأة لا تصلي، وسائر القرآن أنت بالخيار فيه، ان شئت سجدت وان شئت لم تسجد " (2) والحق التفصيل: فان كانت من العزائم وجبت على القارئ والمستمع ولا اعتبار بالطهارة، وان كان سامعا لم يجب عليه لكنه يجوز ذلك. يؤيد ذلك ما رواه عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام " عن رجل سمع السجدة، قال: لا يسجد الا أن يكون منصتا لقراءة مستمعا لها أو يصلي بصلاته، فاما أن يكون في ناحية وأنت في أخرى فلا تسجد لما سمعت " (3) ومراده عليه السلام الدلالة على اسقاط الوجوب، والا فالسجود للسجدات حسن على كل حال. مسألة: وفي وجوب " الكفارة " على الزوج بوطئ الحائض روايتان، أحوطهما: الوجوب، وهو مذهب الشيخ (ره) في الجمل والمبسوط وبه قال المفيد (ره) في المقنعة، وعلم الهدى في المصباح وابنا بابويه، وكذا قال أحمد في احدى الروايتين. وقال الشيخ في الخلاف: ان كان جاهلا بالحيض أو بالتحريم لم يجب عليه ويجب على العالم بهما، واستدل باجماع الفرقة، وكذا استدل علم الهدى. وقال الشيخ (ره) في النهاية: يتصدق بدينار في أوله، وبنصف دينار في وسطه، وبربع دينار في آخره، كل ذلك ندبا واستحبابا. ويدل على الاول ما رووه عن ابن

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 36 ح 4 ص 584.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 36 ح 2 ص 584.
3) الوسائل ج 4 ابواب قراءة القرآن باب 43 ح 1 ص 882.

[ 230 ]

عباس " ان النبي صلى الله عليه وآله قال: الذي يأتي امرأة وهي حائض يتصدق بدينار أو نصف دينار " (1) والتخيير في الواجب لا يتحقق، فيلزم التفصيل. ومن طريق الاصحاب ما رواه داود بن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام " في كفارة الطمث: انه يتصدق إذا كان في أوله بدينار، وفي أوسطه بنصف دينار، وفي آخره بربع دينار، قلت: فان لم يكن عنده ما يكفر؟ قال: فليتصدق على مسكين واحد والا استغفر الله ولا يعود، فان الاستغفار توبة وكفارة لكل من لم يجد السبيل إلى شئ من الكفارة " (2). أما احتجاج الشيخ وعلم الهدى بالاجماع فلا نعلمه فكيف يتحقق الاجماع فيما يتحقق فيه الخلاف، ولو قال: المخالف معلوم، قلنا: لا نعلم انه لا مخالف غيره ومع الاحتمال لا يبقى وثوق بأن الحق في خلافه. وقد قال ابن بابويه في المقنع: يتصدق على مسكين، وجعل ما رواه المفيد وعلم الهدى رواية، وأما خبر ابن عباس فقد رده الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، ولو ثبت أصله لم يطرحوه. وأما خبر داود بن فرقد فمطعون في سنده، لان الراوي محمد بن أحمد بن يحيى، عن بعض أصحابنا، عن الطيالسي، عن أحمد بن محمد، عن داود. وقد ذكر النجاشي: أن " محمد بن أحمد " هذا كان ثقة في الحديث الا ان أصحابنا قالوا كان يروي عن بعض الضعفاء، ويعتمد المراسيل، ولا يبالي عمن أخذ وليس عليه في نفسه طعن، وروايته مقطوعة، و " الطيالسي " ضعيف، ثم هو معارض بأحاديث عدة نحن نذكرها. ويدل على ما ذكره الشيخ في النهاية ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى، عن

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الحيض ص 315.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 28 ح 1 ص 574.

[ 231 ]

صفوان، عن عيص بن القاسم قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل واقع امرأته وهي طامث، قال لا يلتمس بعد ذلك قد نهى الله عنه، قلت: ان فعل فعليه كفارة؟ قال: لا أعلم فيه شيئا، يستغفر الله " (1). وروي أيضا عن أحمد بن الحسن، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام قال: " سألته عن الحائض يأتيها زوجها، فقال: ليس عليه شئ، يستغفر الله ولا يعود " (2). ويؤيد ما ذكره الشيخ في النهاية أيضا انه مقتضى البراءة الاصلية، ولانه إبقاء المال المعصوم على صاحبه مع عدم اليقين بما يوجب انتزاعه، ولو قال: ما رويته عن أحمد بن الحسن لا يعمل به لانه فطحي، قلنا: نحن نقابل به ما رويته من الخبر المرسل، وما ذكرناه أرجح، لان أحمد بن الحسن وان كان فطحيا فهو ثقة، والخبر المرسل مجهول الراوي فلا يعلم عدالته، ويبقى خبرنا الاخر سليما عن المعارض. ثم يؤيد ما ذكرناه ما رواه الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يقع على امرأته وهي حائض، قال: يتصدق على مسكين بقدر شبعه " (3) قلت: والاقدام على تأويل هذه الاخبار تكلف غير سائغ فالاولى الجمع بينها بالاستحباب وعدم الوجوب وهذا أولى مما تأوله الشيخ، فانه تأولها بتأويلات بعيدة لا يشهد لها ظاهر النقل، والى هذا المعنى أشرنا بقولنا: أحوطهما الوجوب لانه يتيقن معه براءة الذمة. مسألة: و " الكفارة " دينار في أوله، ونصف دينار في أوسطه، وربع دينار في آخره، وهو اختيار الثلاثة وأتباعهم. وكذا قال ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه، وقال في المقنع: يتصدق على مسكين بقدر شبعه، وجعل ما ذكره الثلاثة رواية.

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 29 ح 1 ص 576.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 29 ح 2 ص 576.
3) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 28 ح 5 ص 575.

[ 232 ]

وقال أحمد: كفارته دينار أو نصف دينار. وعنه روايتان: احديهما: ان ذلك على التخيير. والاخرى: ان كان الدم أحمر فدينار، وان كان أصفر فنصف دينار. وروى ذلك عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال النخعي: الدينار لاوله، والنصف لاخره. لنا رواية ابن فرقد عن أبي عبد الله عليه السلام، ولا يمنعنا ضعف طريقها عن تنزيلها على الاستحباب، لاتفاق الاصحاب على اختصاصها بالمصلحة الراجحة إما وجوبا وإما استحبابا، فنحن بالتحقيق عاملون بالاجماع لا بالرواية، لانه لو لا أحد الامرين يلزمه خروجها عن الارادة وهو منفي بالاتفاق، قال ابن بابويه: من جامع أمته وهي حائض تصدق بثلاثة أمداد من طعام. وكذا قال الشيخ (ره)، والوجه الاستحباب: تمسكا بالبراءة الاصلية. فرع إذا تكرر منه " الجماع " تردد الشيخ في المبسوط، ورجح عدم تكرار الكفارة تمسكا بالاصل، والوجه انه ان كانت الحال واحدة فلا تكرار، وان كانت الحال مما يختلف فيه الكفارة تكررت، ولا يتكرر بتكراره في الحالة التي لا يختلف فيها الكفارة، كالوطئ مثلا في أوله مرارا. فرع الاول والاوسط والاخر يختلف بحسب حيض المرأة، فمن كان حيضها ستا فاليومان الاولان أوله، والثالث والرابع أوسطه، والخامس والسادس آخره، وهكذا كل عدد يفرض فانه ينقسم أثلاثا. مسألة: ويستحب لها " الوضوء " عند وقت كل صلاة وذكر الله في مصلاها

[ 233 ]

بقدر صلاتها، هذا اللفظ للشيخ في النهاية والمبسوط. وقال المفيد في المقنعة: وتجلس ناحية عن مصلاها. وأطلق اللفظ بقية الاصحاب وهو المعتمد. لنا ما رواه زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سمعته يقول: ينبغي للحائض أن تتوضأ عند وقت كل صلاة، ثم تستقبل القبلة وتذكر الله سبحانه بقدر ما كانت تصلي " (1) ولان اهمال التشبيه بالمصلين سبب لاعتياد البدن بالترك، فيشق تكلفه عند الوجوب، فليشرع التمرين بقدر الامكان، لقوله عليه السلام الخير عادة. مسألة: ويكره " الخضاب " هذا مذهب علمائنا، للنقل المستفيض عن أهل البيت عليهم السلام، من ذلك رواية علي بن الحسن، عن ابن أسباط، عن عامر بن جذاعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سمعته يقول: لا تخضب الحائض ولا الجنب " (2) ومثله روي عن أبي بصير، والروايات في ذلك وان ضعف سندها، فان عمل الاصحاب مطابق لها، ويدل على أنها على الاستحباب وجود أحاديث دالة على الاباحة، منها: ما روى الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد ومحمد بن أبي حمزة " قلت لابي ابراهيم عليه السلام: تختضب المرأة وهي طامث؟ فقال نعم " (3) فالتوفيق: تنزيل هذه على الجواز، وتلك على الكراهية. مسألة: ويكره لها " قراءة " ما عدا العزائم، وحمل المصحف ولمس هامشه، أما كراهية ما عدا العزائم فهو مذهب علمائنا لا يختلون فيه، وقال الجمهور بالتحريم. لنا قوله تعالى: * (فاقرؤا ما تيسر من القرآن) * (4) والامر مطلق فلا تقيد بالطهارة، وما روى زرارة ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قلت: الحائض

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 40 ح 3 ص 587.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 42 ح 7 ص 593.
3) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 42 ح 2 ص 592.
4) المزمل: 20.

[ 234 ]

والجنب يقرآن شيئا؟ قال: نعم ما شاءا الا السجدة، ويذكر ان الله تعالى على كل حال " (1) وأما حمل المصحف: فان كان بعلاقته فاجماع الاصحاب على الكراهية، وأما مس المصحف ومس الهامش: فقد أجرى علم الهدى حكمها في ذلك كالجنب، وقال في الجنب بتحريم مس الكتاب، وقال الباقون بالكراهية، وحرم الشافعي ذلك كله. لنا ان مقتضى الاصل الحل، فيخرج عنه موضع الاجماع، ولان النبي صلى الله عليه وآله كتب إلى قيصر آية في كتابه إليه، ونجاسة الكافر أغلظ من نجاسة الحائض، ويدل على الكراهية ما روي عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: " المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنبا، ولا تمس خيطه [ خطه ] ولا تعلقه ان الله يقول: لا يمسه الا المطهرون " (2) وانما نزلنا هذا على الكراهية، نظرا إلى عمل الصحاب. مسألة: ولا بأس بالاستمتاع منها بما فوق السرة وما تحت الركبة، ويكره الاستمتاع منها بما بين السرة والركبة، خلا موضع الدم فانه محرم، وهو مذهب الشيخين وأتباعهما. وقال الشافعي وأبو حنيفة: حرم الاستمتاع منها بما بين السرة والركبة. وقال علم الهدى في الخلاف: يحرم الاستمتاع منها بما تحت الميزر. لنا قوله: * (والذين هم لفروجهم حافظون الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين) * (3) وهو صريح في رفع اللوم عن الاستمتاع كيف كان، ترك العمل به في موضع الحيض بالاجماع، فيبقى ما عداه على الجواز، وما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " اجتنب منها شعار الدم " (4) وقد روي عن بعض نساء النبي

1) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 19 ح 4 ص 493.
2) الواقعة: 79.
3) المؤمنون: 5 - 6.
4) سنن الدارمي ج 1 ص 243 (مع تفاوت)..

[ 235 ]

صلى الله عليه وآله انه كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها ثوبا، وأما حجتهم فقد سلف بيانها والجواب عنها، وإذا سقط التحريم ثبتت الكراهية باتفاق الباقين. مسألة: وإذا انقطع دمها حل وطؤها، لكن يكره قبل الغسل، وهو مذهب الثلاثة وأتباعهم، وقال أبو جعفر بن بابويه في كتابه: ولا يجوز مجامعة المرأة في حيضها لقوله تعالى: * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * (1) يعنى بذلك: الغسل من الحيض، وقال أبو حنيفة: ان انقطع العشر حل الوطئ، وان انقطع قبل العشر لم يحل الا بعد أن تفعل ما ينافي الحيض من غسل أو تيمم، وأطلق الشافعي التحريم ما لم تغتسل. لنا مقتضى الدليل الحل فيجب التمسك به، أما ان مقتضى الدليل الحل فلوجهين، أحدهما: قوله تعالى: * (والذين هم لفروجهم حافظون الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين) * (2) وأما ثانيا: فلقوله تعالى: * (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) * (3) والمنع متعلق به فمع زواله يثبت الحل. وقوله تعالى: * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * (4) على قراءة التخفيف وهو يدل على أن الغاية انقطاع الدم، يقال: طهرت المرأة إذا انقطع حيضها، ولو قيل: وقد قرء بالتضعيف في يطهرن، قلنا: فيجب أن يحمل على الاستحباب توفيقا بين القرائتين ودفعا للثاني، ولا يقال: ويلزم من قوله تعالى: فإذا تطهرن اشتراط التطهير وهو الغسل فيكون اباحة الوطئ حينئذ مشروطة بالشرطين: انقطاع الدم، والغسل، لانا نمنع أن يكون المراد بالتطهر الغسل، بل ما المانع أن يراد بيطهرن طهرن، كما يقال قطعت الحبل فتقطع، وكسرت الكوز فتكسر.

1) و 3) و و 4) البقرة: 222.
2) المؤمنون: 5 - 6.

[ 236 ]

ولو قيل: المرأة يصح أن تغتسل فيحمل على ارادة فعلها بخلاف الحبل والكوز قلنا: قد يستعمل فيمن يصح ذلك منه ويكون المراد ما قلناه، كما يقال في أسماء الله سبحانه: المتكبر، ولو قيل: المراد فعل الطهارة لدلالة آخر الاية وهو قوله تعالى: * (ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) * (1) قلنا: هو كلام مستأنف فلا تعلق له بالاول. ويحتمل أن يكون المراد بالمتطهرين المتنزهين عن الذنوب، فان الطهارة هي النزاهة فتنزيله على النزه من الذنوب أشبه من الغسل، لان ذلك أنسب بالتوبة، ومن طريق الاصحاب ما رواه علي بن يقطين، عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قال: " سألته عن الحائض ترى الطهر أيقع عليها زوجها قبل أن تغتسل؟ فقال: لا بأس وبعد الغسل أحب الي " (2) وهذا الحديث دال على الكراهية. وما رواه سعيد بن يسار عن أبي عبد الله عليه السلام قلت له: " المرأة تحرم عليها الصلاة فتتوضأ من غير أن تغتسل لزوجها أن يأتيها قبل أن تغتسل؟ قال: لا، حتى تغتسل " (3) فيحمل هذا النهي على الكراهية توفيقا بين الروايتين. مسألة: ولو غلبته الشهوة أمرها بغسل فرجها استحبابا ثم وطئها، ومن الاصحاب من أورد ذلك بلفظ الوجوب، والوجه الاستحباب وبه روايات، منها: رواية علي بن يقطين التي تقدمت، ورواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في المرأة ينقطع عنها دم الحيض في آخر أيامها، قال: إن أصابه شبق فليأمرها بغسل فرجها ثم يمسها ان شاء " (4) والتوفيق بينهما بالكراهية.

1) البقرة: 233.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 27 ح 5 ص 573.
3) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 27 ح 7 ص 574.
4) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 27 ح 1 ص 572..

[ 237 ]

مسألة: وإذا حاضت بعد دخول الوقت فلم تصل، مع الامكان قضت، وكذا لو أدركت من آخر الوقت قدر الطهارة والصلاة وجبت اداء، وبالاهمال قضاء، وضابط هذا انها إذا أدركت من أول وقت الظهر أربع ركعات وجبت الظهر، ولو أهملت وجب قضاؤها، ولو أدركت دون أربع ركعات لم يلزمها الظهر، فإذا أدركت من آخر النهار ما تصلي فيه ثماني ركعات وجبت الصلاتان، ولو أدركت قدر أربع ركعات وجبت العصر ولم يجب الظهر، ويستحب الصلاتان لو طهرت قبل الغروب، وكذا يستحب المغرب والعشاء لو طهرت قبل الفجر. وقال في الخلاف: إذا أدركت من آخر الوقت خمس ركعات وجبت الصلاتان، وكذا البحث في المغرب والعشاء. ولو أدركت قبل طلوع الشمس ركعة لزمها الصبح، وقال في المبسوط: يستحب لها قضاء الظهر والعصر إذا طهرت قبل الغروب بمقدار ما تصلي خمس ركعات، ولو لحقت ركعة لزمها العصر. وقال علم الهدى في المصباح: إذا رأت الطهر في وقت العصر فليس عليها صلاة الظهر الماضية، ومتى رأت طهرا في وقت صلاة ففرطت حتى يدخل وقت أخرى كان عليها قضاء تلك الصلاة الماضية، اللهم الا أن يكون دخول الثاني ومضى وقت الاولى لم يكن عن تفريط منها، بل متشاغلة بالتأهب للغسل على وجه لابد منه فلا قضاء عليها للصلاة الماضية، بل تصلي الصلاة الحاضر وقتها. وضابط ما نقول انه لا يجب القضاء الا إذا تمكنت من الغسل وأهملت. وقال الشافعي وأحمد ومالك: إذا طهرت قبل الغروب لزمها الفريضتان، ولو طهرت قبل الفجر لزمها المغرب والعشاء، لما رواه الاثرم وابن المنذر باسنادهما عن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عباس " انهما قالا في الحائض: تطهر قبل طلوع الفجر بركعة تصلي المغرب والعشاء، وإذا طهرت قبل غروب الشمس صلت

[ 238 ]

الظهر والعصر جميعا " (1). وعن أحمد ان القدر الذي يتعلق به الوجوب ادراك تكبيرة الاحرام، وعن الشافعي قدر ركعة، لانه القدر الذي روي عن عبد الرحمن وابن عباس. لنا ان التكليف بالفعل يستدعي وقتا يتسع له فمع قصوره يجب السقوط، والا لزم التكليف بما لا يطاق، ومع سقوط الوجوب أداءا يسقط قضاءا. ويؤيده من طريق الاصحاب ما رواه علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي عبيدة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا رأت المرأة الطهر وهي في وقت الصلاة ثم أخرت الغسل حتى يدخل وقت صلاة أخرى كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها، وإذا طهرت في وقت الصلاة فأخرت الصلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى ثم رأت دما كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها " (2). وعن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله قال: " أيما امرأة رأت الطهر وهي قادرة على أن تغتسل وقت الصلاة ففرطت فيها حتى يدخل وقت صلاة أخرى كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها، فان رأت الطهر في وقت صلاة فقامت في تهيئة ذلك فجاز وقت الصلاة ودخل وقت صلاة أخرى فليس عليها قضاء، وتصلي الصلاة التي دخل وقتها " (3). وروى معمر بن يحيى قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الحائض تطهر عند العصر تصلي الاولى؟ قال لا انما تصلي الصلاة التي تطهر عندها " (4) وروى منصور

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الصلاة ص 387 (مع تفاوت).
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 49 ح 4 ص 599. 3) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 49 ح 1 ص 598.
4) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 49 ح 3 ص 599.

[ 239 ]

ابن حازم عن أبى عبد الله قال: " إذا طهرت قبل العصر صلت الظهر والعصر، واطهرت في آخر وقت العصر صلت العصر " (1). وروى الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: " في المرأة تقوم في وقت ولا تقضي ظهرها حتى تفوتها الصلاة ويخرج الوقت أتقضي الصلاة التي فاتتها؟ قال: ان كانت توانت قضتها وان كانت دائبة في غسلها فلا تقضي " (2) وعن أبيه قال: " كانت المرأة من أهله تطهر من حيضها فتغتسل حتى يقول القائل: قد كادت الشمس تصفر بقدر ما انك لو رأيت انسانا يصلي العصر تلك الساعة، قلت: قد فرط، فكان يأمرها أن تصلي العصر " (3). وما ذكره الجمهور، من قصة عبد الرحمن وابن عباس لا حجة فيه، لجواز أن يكونا قالاه اجتهادا على انا نحمل ذلك على الاستحباب. وقد روي في أخبار أهل البيت عليهم السلام ما يماثله، روى علي بن الحسن بن فضال، باسناده عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء، وان طهرت قبل أن تغيب الشمس صلت الظهر والعصر " (4). وفي رواية أخرى عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام مثل ذلك، ومثله عن عمر بن حنظلة. قال الشيخ في التهذيب: الذي أعول عليه ان المرأة إذا طهرت بعد زوال الشمس قبل أن تمضي منه أربعة أقدام فانه يجب عليها قضاء الظهر والعصر وان طهرت بعد أن يمضي أربعة أقدام يجب عليها قضاء العصر لا غير، ويستحب لها قضاء الظهر إذا كان طهرها إلى مغيب الشمس.

(1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 49 ح 6 ص 599.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 49 ح 8 ص 599.
(3) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 49 ح 9 ص 600.
(4) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 49 ح 7 ص 599.

[ 240 ]

وتعويل الشيخ (ره) في الاقدام على رواية " الفضل بن يونس " وهو واقفي، لكن هذا القول يدلك على ان وقت المختار عنده إلى أربعة أقدام، ثم يخرج وقت الظهر لمن لا عذر له، وقد يتضح من هذا الا مما طهرت في وقتها وفرطت في الاتيان بها، ثم الذي تبين من هذه الاحاديث ان المرأة إذا أدركت من وقت الصلاة قدر الغسل والشروع في الصلاة فأخرته حتى دخل وقت أخرى لزمها القضاء ولو قيل بذلك، كان مطابقا لمدلولها، نعم لا تقضي من الصلوات إذا رأت الدم، الا ما تمكنت من ادائها في حال طهرها وأهملته. مسألة: وتغتسل " الحائض " كاغتسال الجنب، أما وجوب غسلها فعليه اجماع المسلمين، وقد سلف بيانه، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * (1) على من قرء بالتضعيف، وأما كونه مثل غسل الجناية فقد روى ذلك الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الحائض عليها غسل مثل غسل الجنابة؟ قال نعم " (2). ومثله روى أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام وعن الحسن الصيقل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " تغتسل بتسعة ارطال من ماء " (3) وقد بينا انه يجب عليها الاستبراء إذا انقطع دمها دون العاشر، ولا يجب لو انقطع على العاشر لما ثبت ان الحيض لا يكون أكثر من عشرة أيام، روى ذلك محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام. ومثله روى سماعة عنه عليه السلام قال: " فان خرج الدم لم تطهر، وان لم يخرج فقد طهرت " (4) لا يقال: هذا يدل على وجوب الاستظهار إلى عشرة أيام وان كانت

1) البقرة: 222.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 23 ح 5 ص 567.
3) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 20 ح 1 ص 564.
4) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 17 ح 4 ص 562.

[ 241 ]

عادتها أقل بدلالة اطلاق الرواية، لانا نقول: هذا ليس بمناف لما قلناه من الاستظهار بيوم أو يومين، لانه يمكن أن يكون ذلك اشارة إلى المبتدأة أو المتحيرة بدلالة الاحاديث الدالة على جواز الاغتسال عند انقضاء قرؤها، وقد سلف. وتجب فيه " النية " لانه عبادة وتفتقر إلى النية واستدامة حكمها، وقد سلف تقرير ذلك في غسل الجنابة. ويجب أن تستوعب جسدها بما يسمى غسلا، لما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: " الحائض ما بلغ بلل الماء من شعرها اجزأها " (1) وان ترتبه على ما ذكرناه في غسل الجنابة. و " المضمضة " و " الاستنشاق " فيه مستحبان، وفي وجوب " الوضوء " فيه قولان، أحدهما: انه يجب، لما سلف من قوله عليه السلام: " الوضوء في كل غسل الا غسل الجنابة " (2) وعليه الاكثر، وعرق الحائض طاهر إذا لم يلاق النجاسة، وكذا لا ينجس ما تباشره من المايع، لما روى معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام " عن الحائض تناول الرجل الماء، فقال: كان نساء النبي صلى الله عيه و آله تسكب عليه الماء وهي حائض " (3) ولان الاصل عدم النجاسة بالملاقات. ويؤيدها أيضا ما رواه معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن الحائض تعرق في ثيابها أتصلي فيها قبل أن تغسلها؟ قال: نعم لا بأس به " (4). الثالث: " غسل الاستحاضة " ودمها في الاغلب أصفر بارد رقيق، يدل على ذلك رواية حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ان دم الحيض حار عبيط أسود، له دفع، ودم الاستحاضة أصفر بارد " و " الرقة " ذكره الشيخان، وانما

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 20 ح 2 ص 564.
2) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 35 ح 2 ص 516.
3) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 45 ح 1 ص 595. 4) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 28 ح 4 ص 1041.
5) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 3 ح 2 ص 537.

[ 242 ]

قلنا في الاغلب، لانه قد يتفق الاصفر حيضا كما إذا رأته في العادة. وانما قلنا: لكن ما تراه بعد عادتها مستمرا، أو بعد غاية النفاس، وبعد اليأس وقبل البلوغ، ومع الحمل، فهو استحاضة ولو كان عبيطا، لانا لما قررنا وصف الاستحاضة وكانت في هذه المواطن مستحاضة، وان كان دمها فيها أسود عبيطا افتقرنا إلى استدراك الاطلاق، وانما اشترطنا في ذات العادة الاستمرار؟ لان دمها لو انقطع على العاشر كان العادة وما بعدها إلى العاشر حيضا، وقد سلف تقرير ذلك كله، وانما يكون ما زاد على العادة حيضا إذا تجاوز أكثر الحيض. وأما ان الدم في هذه المواطن استحاضة، فقد سلف تقريره. وانما قلنا عقيب قولنا ومع الحمل على الاشهر، لما بينا أولا من أن الحامل المستبين حملها لا تحيض وان فيه قولا آخر لجماعة من فقهائنا، لكن ما ذكرناه أشهر الروايتين لان الحيض يعول فيه على العادة، ورؤية الحامل الدم مع سلامة الولد نادرة فلا اعتبار به، نعم قد ترى الاستحاضة لانه مرض لا اختصاص له بموضع الولد. مسألة " يعتبر دم المستحاضة: فان لطخ باطن القطنة ولم يظهر عليها لزمها إبدالها، والوضوء لكل صلاة، أما إبدالها: فلانها نجاسة يمكن الاحتراز منها فيجب وأما الوضوء لكل صلاة: فهو مذهب الخمسة. وقال ابن أبي عقيل " لا يجب في هذه الحالة وضوء ولا غسل، ومثله مذهب مالك. وقال أبو حنيفة: تتوضأ لوقت كل صلاة. لنا ما رواه أبو داود الترمذي عن النبي صلي الله عليه وآله في المستحاضة " تدع الصلاة أيام اقرائها ثم تغتسل وتصوم وتصلي وتتوضأ عند كل صلاة " (1) ومن طريق الاصحاب روايات، منها: ما رواه حماد بن عيسى ومحمد بن أبي عمير، عن معاوية بن عمار عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " المستحاضة إذا جاوزت أيامها ورأت الدم يثقب الكرسف

1) سنن الترمذي ج 1 ص 220.

[ 243 ]

اغتسلت للظهر والعصر، تؤخر هذه وتعجل هذه، وللمغرب والعشاء غسلا، تؤخر هذه وتعجل هذه، وتغتسل للفجر وتحتشي وتستثفر، وان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلت كل صلاة بوضوء " (1). وعن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام " فان لم يجز الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة والوضوء لكل صلاة، هذا إذا كان دمها عبيطا، وان كان صفرة فعليها الوضوء " (2) ولان دمها حدث فيستبيح بالوضوء ما لا بد منه من الصلاة الواحدة. واحتج أبو حنيفة بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله " انه قال: المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة " (3) وجوابه: المعارضة بما رويناه والترجيح لروايتنا، لانها مفسرة لا اجمال فيها. ولو قيل: روي في بعض أخبار اهل البيت مثل اختيار أبو حنيفة، روى ذلك الحسين بن نعيم الصحاف، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا لم ينقطع الدم عنها فقد مضى الايام التي كانت ترى فيها بيوم أو يومين فلتغتسل ولتحتشي ولتستثفر ولتصلي الظهر والعصر ولتنظر، وان كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل عند وقت كل صلاة " (4) قلنا: هذا ليس بمناف لما اخترناه لان الوقت الذي ذكره ظرف للصلاة لا ظرف للوضوء. مسألة: وان غمس القطنة ولم يسل لزمها مع الوضوء، وتغيير الحشوة تغيير الخرقة والغسل للغداء والوضوء للصلاة الاربع، وهو مذهب شيخنا المفيد (ره) في المقنعة.

1) الوسائل ج 2 ابواب الاستحاضة باب 1 ص 604.
2) الوسائل ج 2 ابواب الاستحاضة باب 1 ح 6 ص 606.
3) رواه الترمذي في سننه (عند كل صلوة) ج 1 ص 220.
4) الوسائل ج 2 ابواب الاستحاضة باب 1 ح 7 ص 606.

[ 244 ]

وقال الشيخ (ره) في النهاية: وان رأت الدم وقد رشح على القطنة الا انه لم يسل وجب عليها الغسل لصلاة الغداة والوضوء لكل صلاة مما عداها وتغيير القطن والخرقة. وبمعناه قال في المبسوط والخلاف. وكذا قال علم الهدى (ره) في المصباح وابنا بابويه، وقال ابن الجنيد في المختصر: ان ثقب دمها تغتسل ثلاثة أغسال، والتي لا يثقب دمها الكرسف تغتسل في اليوم والليلة مرة واحدة. وقال ابن أبي عقيل: ان لم يظهر على الكرسف فلا وضوء عليها ولا غسل، وان ظهر فعليها لكل صلاتين غسل يجمع بين الظهر والعصر يغسل وبين المغرب والعشاء بغسل، وتفرد الفجر بغسل. والكلام معه إذا في فعلين أحدهما، إذا لم يظهر على القطنة لانها عندنا يجب الوضوء وعنده لا يجب، والثاني: إذا ظهر، عنده يجب ثلاثة اغسال، وعندنا غسل واحد للصبح، والثلاثة تجب لو ظهر وسال، أما الاول فقد سلف. وأما الثاني فلما رواه الحسين بن سعيد، عن حماد، عن حريز، عن زرارة قلت له: " النفساء متى تصلي. قال: تقعد قدر حيضها وتستظهر بيومين. فان انقطع الدم والا اغتسلت واحتشت واستثفرت وصلت، فان جاز الدم تعصبت واغتسلت ثم صلت الغداة بغسل، والظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وان لم يجز الكرسف صلت الغداة بغسل واحد " (1). وما رواه سماعة قال: " المستحاضة إذا ثقبت دمها الكرسف اغتسلت لكل صلاتين وللفجر غسلا، فان لم يجز الدم فعليها الغسل كل يوم مرة والوضوء لكل صلاة " (2). فان احتج بما رواه الحسين بن سعيد، عن القاسم، عن أبان، عن اسماعيل الجعفي قال: " المستحاضة تقعد أيام قرئها ثم تحتاط بيوم أو يومين، فان لم تر الطهر

1) الوسائل ج 2 ابواب الاستحاضة باب 1 ح 5 ص 605.
2) الوسائل ج 2 ابواب الاستحاضة باب 1 ح 6 ص 606.

[ 245 ]

اغتسلت واحتشت ولا تزال تصلي بذلك الغسل حتى يظهر الدم على الكرسف، فإذا ظهر أعادت الغسل أعادت الكرسف " (1) والجواب: الطعن في السند، فان القاسم ابن محمد واقفي، وأبان بن عثمان ضعيف، ذكر ذلك الكشي. واعلم: ان الطعن كما يتطرق إلى هذه فالروايتان الاوليان أيضا كذلك، فان رواية زرارة المفتي فيها مجهول فلعله ممن لا يجب اتباع قوله، ولو قيل: هذا تقدير لا يساعد عليه النظر، وزرارة على صفة العدالة فلا يقول الا توفيقا. قلنا: هو لم يفت وانما أخبر ولا عهدة على المخبر إذا حكى القول وان لم يعلم صدقه، والاخرى عن عثمان بن عيسى وهو واقفي، وسماعة كذلك، ومع ذلك فالرواية مرسلة لا نعلم القائل فيها، فاذن يتعين التوقف، والذي ظهر لي أنه ان ظهر الدم على الكرسف وجب ثلاثة أغسال، وان لم يظهر لم يكن عليها غسل وكان عليها الوضوء لكل صلاة، وستأتي الاخبار الدالة على ذلك، منها: ما رواه محمد بن يعقوب، عن محمد بن اسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى وابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المستحاضة إذا جازت أيامها ورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر والعصر تؤخر هذه وتعجل هذه، وللمغرب والعشاء غسلا، وتغتسل للفجر وتحتشي وتستثفر ولا تحتشي وتضم فخذيها في المسجد، وان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلت كل صلاة بوضوء " (2). مسألة: وان سال لزمها ثلاثة أغسال، هذا متفق عليه عند علمائنا، واختلف الجمهور: فالشاذ قال: بالغسل ومنهم من اقتصر على الوضوء، ومنهم من لم يعده ناقضا.

1) الوسائل ج 2 ابواب الاستحاضة باب 1 ح 10 ص 607.
2) الوسائل ج 2 ابواب الاستحاضة باب 1 ح 1 ص 604.

[ 246 ]

لنا ما رواه علي بن ابراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن غير واحد عن أبي عبد الله عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله " انه قال لحمنة بنت جحش: تحيضي في كل شهر في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي غسلا وصومي ثلاثا وعشرين أو أربعا وعشرين ليلة، واغتسلي للفجر غسلا، واخرى الظهر وعجلي العصر، واغتسلي غسلا، واخرى المغرب وعجلي العشاء واغتسلي غسلا " (1) وروى الجمهور أيضا: انه عليه السلام أمر بذلك حمنة، وسهلة بنت سهيل. وروى الحسين بن نعيم الصحاف، عن أبي عبد الله عليه السلام " في الحامل قال: إذا لم ينقطع الدم الا بعد الايام التي كانت ترى فيها الدم بيوم أو يومين فلتغتسل وتحتشي وتستثفر وتصلي الظهر والعصر، ثم لتنظر فان كان الدم ما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصلي عند وقت كل صلاة، وان كان الدم إذا أمسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيبا لا يرقى فان علهيا أن تغتسل في كل يوم وليلة ثلاث مرات وتحتشي وتصلي، تغتسل للفجر وتغتسل للظهر والعصر، وتغتسل للمغرب والعشاء " (2). وروى فضيل وزرارة عن أحدهما قال: " المستحاضة تكف عن الصلاة أيام اقرائها وتحتاط بيوم أو يومين ثم تغتسل كل يوم وليلة ثلاث مرات، وتحتشي لصلاة الغداة، وتغتسل وتجمع بين الظهر والعصر بغسل، وتجمع بين المغرب والعشاء بغسل، فإذا حلت لها الصلاة حل لزوجها أن يغشاها " (3). ثم اختلف الاصحاب: فقال المفيد (ره) في المقنعة: يصلي بوضؤها وغسلها الظهر والعصر معا على الاجتماع، وتفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء، وتفعل مثل

1) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 8 ح 3 ص 547.
2) الوسائل ج 2 ابواب الاستحاضة باب 1 ح 7 ص 606.
3) الوسائل ج 2 ابواب الاستحاضة باب 1 ح 12 ص 608.

[ 247 ]

ذلك لصلاة الليل والغداة. واقتصر الشيخ (ره) في النهاية والمبسوط على الاغسال. وكذا علم الهدى، وابنا بابويه، وظن غالط من المتأخرين: انه يجب على هذه مع الاغسال وضوء، مع كل صلاة، ولم يذهب إلى ذلك أحد من طائفتنا، وربما يكون غلطه لما ذكره الشيخ (ره) في المبسوط والخلاف: " ان المستحاضة، لا تجمع بين فرضين بوضوء فظن انسحابه على مواضعها، وليس على ما ظن، بل ذلك مختص بالموضع الذي يقتصر فيه على الوضوء. والذي اختاره المفيد (ره) هو الوجه، وهو لازم للشيخ أبي جعفر، لان عنده: كل غسل لابد فيه من الوضوء الا غسل الجنابة، وإذا كان المراد بغسل الاستحاضة الطهارة، لم يحصل المراد به الا مع الوضوء. أما علم الهدى فلا يلزمه ذلك، لان الغسل عنده يكفي عن الوضوء فلا يلزمه اضافة الوضوء إلى الغسل هنا، ويحتج بما رواه معاوية، وقد قدمنا خبره، وبما رواه زرارة، عن أبى جعفر عليه السلام قال: " الطامث تقعد بعدد أيامها، كيف تصنع؟ قال: تستظهر بيوم أو يومين، ثم هي مستحاضة فلتغتسل ولتستوثق من نفسها وتصلي كل صلاة بوضوء ما لم ينفد الدم، فإذا نفد اغتسلت، وصلت " (1) وهذا التفصيل دليل قطع الشركة. وجوابنا: ان ايجاب الاغسال ليس بمانع من ايجاب الوضوء مع كل غسل وبتقدير أن لا يكون مانعا يسلم قوله عليه السلام " كل غسل لابد فيه من الوضوء الا غسل الجنابة " (2) ومع سلامته، تناول موضع النزاع.

1) الوسائل ج 2 ابواب الاستحاضة باب 1 ح 9 ص 607.
2) وهذه العبارة عبارة الشيخ المتقدم فانظر فذكره لما فيه من معنى الرواية.

[ 248 ]

فرع قال بعض المتأخرين: إذا اجتمع عليها الوضوء والغسل توضأت للاستباحة واغتسلت لرفع الحدث، تقدم الوضوء، أو تأخر، لان على تقدير التقديم يكون حدثها باقيا فلا يصح وضوءها لرفع الحدث، لان حدثها باق ببقاء الغسل، وعلى تقدير تأخر الوضوء يكون الحدث مرتفعا بالغسل، وهو فرق ضعيف، لان الوضوء والغسل ان كانا شريكين في رفع حدث الاستحاضة فهما سواء في النية، وان كان كل واحد منهما يجب بسبب غير الاخر، فلكل واحد أثر في رفع الحدث المختص به. مسألة: وإذا فعلت ذلك صارت طاهرا، مذهب علمائنا أجمع: ان الاستحاضة حدث، تبطل الطهارة بوجوده، فمع الاتيان بما ذكره من الوضوء ان كان قليلا، أو الاغتسال ان كان كثيرا، يخرج عن حكم الحدث لا محالة، ويجوز لها استباحة كل ما تستبيحه الطاهر من الصلاة، والطواف، ودخول المساجد، وحل وطؤها، ولو لم تفعل ذلك كان حدثها باقيا، ولم يجز أن تستبيح شيئا مما يشترط فيه الطهارة. ولو صامت، والحال هذه قال في المبسوط: روى أصحابنا ان عليها القضاء، وهل يحرم على زوجها وطؤها؟ أومأ الاصحاب إلى ذلك ولم يصرحوا، ومعنى ما قالوه: ويجوز لزوجها وطؤها إذا فعلت ما تفعله المستحاضة. قاله ابن الجنيد، وبمعناه قال المفيد في المقنعة، وعلم الهدى في المصباح، والشيخ في النهاية والمبسوط والجمل، ولا ريب أنها إذا فعلت ما يجب عليها، حل للزوج وطؤها، أما لو أخلت فهل تحرم؟ فيه تردد: والمفيد (ره) يقول: ولا يجوز لزوجها وطؤها، الا بعد فعل ما ذكرناه من نزع الخرق، وغسل الفرج بالماء. والظاهر انه لا يشترط في زوال التحريم غير ذلك، والاقرب ان المنع على الكراهية المغلظة، لانه دم مرض وأذى، فالامتناع فيه عن الزوجة أولى، ويدل على

[ 249 ]

رفع الخطر، قوله: * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * (يعني من المحيض) * (فإذا تطهرن فآتوهن) * (1) يريد اغتسلن من الحيض، وقوله تعالى: * (والدين هم لفروجهم حافظون الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين) * (2). ويؤيد ما ذكرناه من الحديث، ما رواه الجمهور: " ان حمنة بنت جحش كانت مستحاضة، وكان زوجها يجامعها، وكانت أم حبيبة، تستحاض وكان زوجها يجامعها ".
(3) ومن طريق الاصحاب ما رواه عبد الله بن سنان: عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " سمعته يقول: المستحاضة لا بأس أن يأتيها بعلها الا أيام قرئها " (4) ولان الوطئ لا يشترط فيه خلو الموطوءة من الحدث، كالحائض إذا انقطع دمها، والمرأة الجنب، ولان الاصل الحل، وهو سليم عن المعارض الشرعي فيعمل به. ولو قيل: ما ذكرتموه من الاحاديث دال على جواز وطئ المستحاضة، ونحن نقول به، لكن مع فعل ما يجب عليها فما المانع أن يكون ما تضمنته من جواز الوطئ مشروطا بذلك؟ قلنا: الالفاظ مطلقة، والاصل عدم الاشتراط. فان احتج بما رواه زرارة قال: " المستحاضة تكف عن الصلاة أيام اقرائها وتستظهر بيوم أو يومين، وإذا حلت لها الصلاة حل لزوجها وطؤها " (5) وفي " إذا " معنى الشرط، فينتفي حل الوطئ عند انتفاء حل الصلاة، وبما رواه عبد الملك ابن أعين، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته من المستحاضة كيف يغشاها زوجها؟

1) البقرة: 222.
2) المؤمنون: 5 - 6.
3) سنن البيهقي ج 1 كتاب الحيض ص 329 (مع تفاوت).
4) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 24 ح 2 ص 567.
5) الوسائل ج 2 ابواب الاستحاضة باب 1 ح 12 ص 608.

[ 250 ]

فقال: ينظر للايام التي كانت تحيض فيها فلا يقربها، ويغشاها فيما سوى ذلك، ولا يغشاها حتى يأمرها فتغتسل ثم يغشاها ان أراد " (1) ولان الاستحاضة أذى ومرض، فيحرم الوطئ فيها، لان المنع في زوال الحيض لكونه أذى كما قال تعالى: * (قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) * (2). فالجواب: قوله: وإذا حلت لها الصلاة حل لزوجها وطئها، الظاهر ان الحيض لما كان مانعا من الصلاة، كان حل الصلاة بالخروج من الحيض، كما يقال: لا يحل الصلاة في الدار المغصوبة، فإذا خرجت حل، معناه زال المنع الغصبي، وان كان بعد الخروج يفتقر إلى الطهارة، وهذا وان لم يكن معلوما فانه محتمل، ومع الاحتمال لا يكون دليلا، ولا رواية الثانية يحتمل أن يكون الامر بالاغتسال اشارة إلى غسل الحيض، وهو الظاهر، لانه اقتصر على مجرد الغسل. مسألة: ولا تجمع المستحاضة بين صلاتين بوضوء، (و) هكذا ذكره الشيخ (ره) في المبسوط، وهو اختيار الشافعي، وأجازه أبو حنيفة، لان وضؤها لوقت الصلاة، فإذا توضأت في وقت الظهر جاز أن تصلي في ذلك الوقت ما شاءت، وعلى ما قاله المفيد يجوز أن تصلي بكل وضوء صلاتين، كما تغتسل لهما غسلا واحدا وما ذكره الشيخ يريد إذا كان الاستحاضة قليلة، توجب الوضوء أو متوسطة، أما إذا كان كثيرة فانه لا يوجب مع الاغتسال وضوءا، فلا يكون مثل ذلك مرادا من لفظه. مسألة: وعليها " الاستظهار " في منع الدم من التعدي بقدر الامكان، وكذا يلزم من به السلس، والبطن، أما وجوب منع الدم: فيما سلف من الاحاديث الدالة على وجوب الاحتشاء، من ذلك: رواية معاوية بن عمار قال: " تحتشى وتستثفر " (3).

1) الوسائل ج 2 ابواب الاستحاضة باب 3 ح 1 ص 609.
2) البقرة: 222.
3) الوسائل ج 2 ابواب الاستحاضة باب 1 ح 1 ص 604.

[ 251 ]

وفي رواية زرارة قال: " تستظهر بعد عادتها، ثم هي مستحاضة فلتغسل وتستوثق من نفسها " (1) وروى الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام سئل عن تقطير البول قال: يجعل خريطة إذا صلى " (2) ولان كل واحد مما ذكر نجاسة، فيجب الاحتراز منها بقدر الامكان. وفي رواية حريز عن أبي عبد الله عليه السلام " إذا كان الرجل يقطر منه البول والدم، إذا كان في الصلاة اتخذ كيسا وجعل فيه قطنا ثم علقه عليه وأدخل ذكره فيه ثم صلى، يجمع بين صلاتي الظهر والعصر بأذان واقامتين، ويؤخر المغرب ويجعل العشاء بأذان واقامتين، ويفعل ذلك في الصبح " (3). فرع ولا يجب على من به السلس أو جرح لا يرقى، أن يغير الشداد عند كل صلاة، وان وجب ذلك في المستحاضة لاختصاص المستحاضة بالنقل، والتعدي قياس. الرابع: " غسل النفاس ": " النفاس " هو الدم الخارج من الرحم عقيب الولادة، وهو مأخوذ من تنفس الرحم بالدم، يقال: نفست المرأة، ونفست بضم النون وفتحها، وفي الحيض بفتح النون لا غير، والولد منفوس، ومن الحديث " لا يرث المنفوس حتى يستهل صالحا " (4) ولا يكون نفاس الا مع الدم ولو ولدت تاما، وهو مذهب الثلاثة وأتباعهم، وللشافعي قولان.

1) الوسائل ج 2 ابواب الاستحاضة باب 1 ح 9 ص 607.
2) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 19 ح 9 ص 607.
3) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 19 ح 1 ص 210.
4) الوسائل ج 17 ابواب ميراث الخنثى وما أشبهه باب 7 ح 1 و 2 و 5 (مع تفاوت).

[ 252 ]

لنا ان النفاس هو الدم المخصوص ولم يوجد، ولان الاحكام المتعلقة بالنفاس كتحريم الوطئ، وايجاب الغسل، منفية بالبراءة الاصيلة فيثبت في موضع الدليل. مسألة: ثم لا يكون الدم نفاسا حتى تراه بعد الولادة أو معها، هذا مذهب الشيخين، قال في الخلاف: وما يخرج مع الولادة عندنا نفاس، وكذا قال في المبسوط، وقال علم الهدى في المصباح: النفاس هو الدم الذي تراه المرأة عقيب الولادة وهو اختيار أبي حنيفة، والتحقيق ان ما تراه مع الطلق ليس بنفاس، وكذا ما تراه عند الولادة قبل خروج الولد، أما ما يخرج بعد ظهور شئ من الولد فهو نفاس، لان ما قبل ذلك هي حامل، ودم الحامل استحاضة على ما بيناه. ويؤيد ذلك ما رواه عمار بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام " في المرأة يصبها الطلق أياما أو يوما أو يومين فترى الصفرة أو دما، قال: تصلي ما لم تلد، فان غلبها الوجع ففاتها صلاة لم تقدر أن تصلي [ تصليها ]، فعليها قضاء تلك الصلاة بعدما تطهر " (1) وهذه وان كان سندها فطحية، لكنهم ثقات في النقل، ولا معارض لها. ويؤيدها الاصل، وروى السكوني عن جعفر عن أبيه عليه السلام قال: " ما جعل الله حيضا مع حبل " (2) يعنى إذا رأت الدم وهي حامل، لا تدع الصلاة، الا أن ترى على رأس الولد إذا ضربها الطلق، ورأت الدم تركت الصلاة و " السكوني " عامي، لكنه ثقة، ولا معارض لروايته هذه، ولو وضعت مضغة كان كما لو وضعت جنينا، لانه دم جاء عقيب وضع حمل، أما العلقة والنطفة فلا يتعين معهما الحمل، فيكون حكمه حكم دم الحائض. مسألة: ولا حد لاقله، وفي أكثره روايات: أشهرها انه لا يزيد عن أكثر الحيض، أما ان الاقل لاحد له، فهو مذهب أهل العلم، خلا محمد بن الحسن،

1) الوسائل ج 2 ابواب النفاس باب 4 ح 1 ص 618.
2) الوسائل ج 2 ابواب النفاس باب 4 ح 2 ص 618.

[ 253 ]

فقد حكي انه حده بساعة، وعن أحمد: أقله يوم، وليس شيئا، لان الشرع لم يقدره فيرجع إلى الوجود وقد حكي، ان امرأة ولدت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فلم تر دما فسميت الجفوف. وأما ان أكثره لا يزيد عن أكثر الحيض، هو مذهب الشيخ في المبسوط والنهاية والجمل، وعلي بن بابويه، وللمفيد قولان: أحدهما كما قلناه، والاخر: ثمانية عشر يوما، وهو اختيار علم الهدى، وابن الجنيد، وأبي جعفر بن بابويه في كتابه، وقال ابن أبي عقيل في كتاب المستمسك: أيامها عند آل الرسول صلى الله عليه وآله أيام حيضها، وأكثره احد وعشرون يوما، فان انقطع دمها في أيام حيضها صلت وصامت، وان لم ينقطع صبرت ثمانية عشر يوما، ثم استظهرت بيوم أو يومين، فان كانت كثيرة الدم صبرت ثلاثة أيام ثم اغتسلت واحتشت واستثفرت وصلت. وقد روى ذلك البزنطي في كتابه، عن جميل، عن زرارة، ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، وقال الشافعي ومالك: " ستون يوما " وقال أبو حنيفة وأحمد: " أربعون يوما ". لنا مقتضى الدليل لزوم العبادة ترك العمل به في العشرة اجماعا، فيعمل به فيما زاد، ولان النفاس حيضة حبسها الاحتياج إلى غذاء الولد فانطلاقها باستغنائه عنها، وأقصى الحيضة عشرة، ويؤيد ذلك النقل المستفيض عن أهل البيت عليهم السلام منه ما رواه الفضيل وزرارة، عن أحدهما قال: " النفساء تكف عن الصلاة أيام اقرائها، التي كانت تمكث فيها، ثم تغتسل وتعمل ما تعمله المستحاضة " (1). ومثله روى يونس بن يعقوب، وروى مالك بن أعين قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن النفساء يغشاها زوجها وهي في نفاسها؟ قال: نعم إذا مضي لها منذ وضعت بقدر عدة أيام حيضها، لم تستظهر بيوم، ولا بأس يغشاها زوجها بعد أن يأمرها

1) الوسائل ج 2 ابواب النفاس باب 3 ح 1 ص 611.

[ 254 ]

فتغتسل ثم يغشاها ان أراد " (1). احتج المرتضى برواية محمد بن مسلم قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النفساء كم تقعد؟ فقال: ان أسماء بنت عميس أمرها رسول الله صلى الله عليه وآله أن تغتسل لثماني عشرة ليلة " (2) وعن محمد أيضا قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام كم تقعد النفساء حتى تصلي؟ قال: ثمانية عشر يوما، وسبعة عشر ثم تغتسل وتحتشي وتصلي " (3). والجواب: ان ما ذكرناه أرجح، لان النقل به أكثر، والكثرة امارة الرجحان، ولانه أحوط للعبادة وأشبه بمقتضى الدليل، ولان الخبر الاول لا يدل على تقدير المدة، وغاية اتفاق السؤال والجواب عند انقضاء ثمانية عشر، والاتفاق لا يدل على التحديد. وقد روى ما يدل على أن ذلك اتفاق لا تقدير، زرارة عن أبى جعفر عليه السلام قال: " ان أسماء نفست بمحمد بن أبي بكر، فأهلت بالحج، فلما قدموا ونسكوا المناسك، كان لها ثمانية عشر، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله أن تطوف بالبيت وتصلي ولم ينقطع عنها الدم ففعلت ذلك " (4). وأما ما ذكره ابن أبى عقيل فانه متروك، والرواية به نادرة، وكذا ما تضمنه بعض الاحاديث، من ثلاثين يوما، وأربعين، وخمسين، فانه متروك لا عمل عليه، وقال أبو جعفر بن بابويه: الاخبار التي وردت في قعودها أربعين، وما زاد إلى أن تطهر معلولة كلها، ولا يفتى بها الا أهل الخلاف، واحتج أبو حنيفة بما روته أم سلمة قالت: " كانت النساء تجلسن على عهد النبي صلى الله عليه وآله أربعين يوما أو أربعين ليلة " (5) وفي حديث أنس " وقت النفساء أربعون

1) الوسائل ج 2 ابواب النفاس باب 7 ح 4 ص 612. 2) الوسائل ج 2 ابواب النفاس باب 3 ح 15 ص 615.
3) الوسائل ج 2 ابواب النفاس باب 3 ح 12 ص 614.
4) الوسائل ج 2 ابواب النفاس باب 3 ح 19 ص 616.
5) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 341.

[ 255 ]

ليلة " (1). والجواب عن الاول: ما ذكره أصحاب الحديث، من أنه لا يعرف الا من طريق " سهل " فإذا كان كذا فانفراده به مطرق للتهمة، لانه من الامور العامة فاختصاصه به موهم، خصوصا وقد خفي عن مالك مع قرب عهده وعنايته بالنقل، وانكاره له حجة قوية على ضعفه، والحديث الثاني موقوف على " أنس " ونقل الفتوى منه، ولا يقال: ليس إليه التقدير فيكون قوله توفيقا. لانا نقول: بل يمكن أن يقوله اجتهادا فقد قال بعض الفقهاء: ان النفاس دم الحيض، ومدة احتباسه لاقل الحمل ستة أشهر، وغالب أحوال النساء في الحيض ستة أو سبعة، فإذا جعلنا شهرين ستة، كان اثني عشر، وأربعة أشهر سبعة، كان ثمانية وعشرون، وجملة ذلك أربعون. فقد تبين ان ذلك مما يصح الاجتهاد فيه فلا يوثق بأنه قاله توفيقا، وما ذكر من هذا التخريج ضعيف أيضا، لان الدم لا يحتبس بل يغتذي به الولد ما دام حملا، وعند انفصاله يخرج ما كان يندفع إليه للتغذية، فيكون حيضة واحدة، وأما الشافعي: فانه تعلق بأقيسة ضعيفة، والقياس عندنا باطل، فلا نتشاغل بجوابه. مسألة: ويعتبر حالها عند انقطاعه قبل العشرة، فان خرجت القطنة نقية اغتسلت، والا توقعت النقاء أو انقضاء العشرة، يدل على ذلك ان هذه المدة هي أكثر الحيض فيكون أكثر النفاس، لان النفاس حيضة. ويؤيد ذلك ما رواه يونس بن يعقوب قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة ولدت فرأت الدم أكثر ما كانت ترى، قال: فلتقعد أيام قرئها، ثم يستظهر بعشرة أيام، فان رأت دما صبيبا فلتغتسل عند كل صلاة، وان رأت صفرة فلتتوضأ ثم لتصل " (2)

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 343.
2) الوسائل ج 2 ابواب النفاس باب 3 ح 3 ص 612.

[ 256 ]

ولو قيل: قد رويتم انها تستظهر بيوم أو يومين، قلنا: هذا تختلف بحسب عوائد النساء فمن عادتها تسع تستظهر في النفاس بيوم، ومن عادتها ثمان تستظهر بيومين، وضابطه: البقاء على حكم النفاس مادام الدم مستمرا حتى يمضي لها العشرة ثم تصبر مستحاضة. فروع أ: ما تراه بعد أكثر النفاس بحكم الطهر ولو أطبق صبيبا، لان الحيض لا يتعقب النفاس ما لم يفصل بينهما طهر، وأقله عشرة. ب: إذا رأته عقيب الولادة ولو لحظة فهو نفاس، فان انقطع اغتسلت وصلت وصامت، ولو عاد قبل العاشر أو فيه كان العائد نفاسا وما بينهما من النقاء نفاسا أيضا، وتقضي صومها ان كان واجبا، لانه لا يكون الطهر أقل من عشرة، ولو لم تر الا العاشرة مثلا كان ذلك هو النفاس دون ما قبله من النقاء، لان النفاس مشتق من تنفس الرحم بالدم ولم يحصل. ج: لو لم ترد ما حتى انقضى العاشر لم يكن لها نفاس، لانه لا دم، ثم ان استمر ما رأته بعد العاشر ثلاثا فهو حيض، وان رأته أقل فهو استحاضة، ولو عاد قبل العشرة الثانية ما يتم به ثلاثة فان قلنا برواية يونس، كان الدم حيضا وما بينهما ايضا، وان اشترطنا توالي الثلاثة فهو استحاضة لفوات الشرط، وكذا لو رأت بعد العاشر ساعة دم وساعة طهرا واجتمع ثلاثة أيام في عشرة كان الدم حيضا على الرواية وما يتخلله، وعلى القول الاخر هو استحاضة. د: لو كانت عادتها في الحيض خمسة من كل شهر، ونفست عشرا ثم طهرت شهرا مرتين أو مرارا، ثم استحيضت رجعت إلى عادتها في الحيض ولم تغتسل بغير الطهر.

[ 257 ]

ه‍: لو ولدت توأمين، فما بعد الثاني ابتدأ نفاس يستوفي العدة منه، لانه دم تعقب ولادة، وفيما رأته بعد ولادة الاول تردد: منشأه انها حامل ولا حيض ولا نفاس مع حمل، والاشبه انه نفاس أيضا، لحصول مسمى النفاس فيه وهو ينفس الرحم به بعد الولادة فيكون لها نفاسان، فان استمر الثاني قعدت عشرة ولو كان ما بين الولادتين عشرة أو أكثر. ق: لا يرجع النفساء مع تجاوز الدم إلى عادتها في النفاس، ولا إلى عادتها في الحيض، ولا إلى عادة نسائها، بل تجعل عشرة نفاسا وما زاد استحاضة حتى يستوفي عشرة، وهو أقل الطهر، وفي رواية: تجلس مثل أيام أمها واختها وخالتها وتستظهر بثلثي ذلك، والرواية ضعيفة، والسند شاذة. مسألة: و " النفساء " " كالحائض " فيما يحرم عليها ويكره، كذا ذكره في المبسوط. وبمعناه قال في النهاية والجمل، وهو مذهب أهل العلم لا أعلم فيه خلافا. مسألة: وغسلها واجب كغسل الحائض، وهو مذهب العلماء كافة، ويؤيده الاحاديث التي سلفت في أكثر النفاس، ولا تستبيح النفساء الصلاة بمجرد الغسل بل لابد معه من الوضوء، والخلاف فيه كما مر في الحائض، وهي مخيرة في تقديم الوضوء على الغسل وتأخيره والتقديم أفضل، وبه قال الشيخ في المبسوط، وقال في الجمل بوجوب تقديم الوضوء في غسل الحائض والنفساء على الغسل. وكذا قال الراوندي في الرابع. لنا رواية محمد بن أبي عمير، عن حماد أو غيره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " في كل غسل وضوء الا غسل الجنابة " (1) ولا يمكن حمل لفظة " في " على ظاهرها، فتحمل على أقرب حروف الصفات احتمالا هنا، وهو " مع " والمعية يحتمل القبل

1) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 35 ح 2 ص 516.

[ 258 ]

والبعد، ولان القدر المتفق عليه حصول الطهارة بهما، ومع تساويهما في التعبد وعدم النص على وجوب تقديم أحدهما يتحقق التخيير، وأما استحباب التقديم فبرواية ابن أبي عمير أيضا، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كل غسل قبله وضوء الا غسل الجنابة " (1) ولا تقوى الرواية أن تكون حجة في الوجوب، فاقتصر على الاستحباب. الخامس: " في غسل الاموات " والنظر في امور أربعة: الاول: " الاحتضار ": مسألة: استقبال القبلة بالميت واجب على أحوط القولين، هذا مذهب المفيد (ره) في المقنعة وسلار، لما روي عن علي عليه السلام قال: " دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على رجل من ولد عبد المطلب وهو في السوق وقد وجه إلى غير القبلة، فقال: وجهوه إلى القبلة، فانكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة " (2) وروى معاوية بن عمار قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الميت، قال: استقبل بباطن قدميه القبلة " (3). وعن سليم بن خالد، عنه عليه السلام قال: " إذا مات لاحدكم ميت فسجوه تجاه القبلة، وكذلك إذا غسل " (4) ولانه مسنونة للمسلمين مستمرة بين الصحابة والتابعين وظاهرها الوجوب. وقال الشيخ في الخلاف يستحب أن يستقبل بها القبلة. وهو مذهب الجمهور، خلا سعيد بن المسيب فانه أنكره. واعلم: ان ما استدللنا به على الوجوب ضعيف، لان التعليل في الرواية كالقرينة الدالة على الفضيلة، مع انه أمر في واقعة معينة فلا يدل على العموم، والاخبار

1) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 35 ح 1 ص 516.
2) الوسائل ج ابواب الاحتضار باب 35 ح 6 ص 662.
3) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 35 ح 4 ص 662.
4) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 35 ح 2 ص 661.

[ 259 ]

الاخر المنقولة عن أهل البيت ضعيفة السند لا يبلغ أن تكون حجة في الوجوب، فاذن ما ذكره الشيخ أولى، لان استقبال القبلة في مواطن الادعية والاسترحام حسن على كل حال، وانما قلنا: أحوطهما الوجوب، لان معه يحصل احتياط في التعبد واستظهار في البراءة. مسألة: وكيفية الاستقبال: أن يجعل باطن قدميه إلى القبلة ويلقى على ظهره، وهو مذهب علمائنا أجمع وقال الشافعي: ان كان الموضع ضيقا كما قلناه، وان كان واسعا أضجع على جنبه الايمن ووجهه إلى القبلة كما يفعل به في الدفن. لنا ما رواه ابراهيم الشعري، عن غير واحد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يستقبل بوجهه القبلة ويجعل باطن قدميه مما يلي القبلة " (1). مسألة: والمسنون: نقله إلى مصلاه، وتلقينه الشهادتين، والاقرار بالنبي صلى الله عليه وآله وبالائمة عليهم السلام وكلمات الفرج تلقينا لسهولة، روى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا عسر على الميت موته ونزعه قرب إلى المصلى الذي كان يصلي فيه " (2) ولان مواطن الصلاة مظنة الرحمة، وهو مقام استرحام. روى الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا حضرت الميت قبل أن يموت، فلقنه شهادة أن لا اله الا الله وأن محمد عبده ورسوله " (3) وروى أبو بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " لو أدركت عكرمة عند الموت لعلمته كلمات ينتفع بها، قلت: جعلت فداك وما تلك الكلمات؟ قال: هو ما أنتم عليه، فلقنوا موتاكم عند الموت شهادة ألا اله الا الله، والولاية " (4) وروى زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام كلام أبي جعفر مثل ذلك.

1) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 35 ح 3 ص 662.
2) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 40 ح 1 ص 669.
3) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 36 ح 1 ص 662.
4) الوسائل ج 3 ابواب الاحتضار باب 37 ح 2 ص 665.

[ 260 ]

وروي زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إذا أدركت الرجل عند النزع فلقنه كلمات الفرج، وهي: لا اله الا الله الحكيم الكريم لا اله الا الله العلي العظيم سبحان الله رب السموات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما تحتهن ورب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين " (1). وكان أمير المؤمنين عليه السلام إذا حضر أحدا من أهل بيته الموت قال: " قل: لا اله الا الله الحليم الكريم لا اله الا الله العلي العظيم سبحان الله رب السموات السبع ورب الارضين السبع وما بينهما ورب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين فإذا قالها قال: اذهب فليس عليك بأس " (2) ولا تحرك ولا تقبض على شئ من أعضائه ان حركها، ولا تظهر له الجزع عليه لئلا تضعف نفسه، فتكون إعانة على موته. وتقرأ عنده القرآن، روي سليمان الجعفري قال: " رأيت أبا الحسن عليه السلام يقول لابنه القاسم: قم يا بني فاقرأ عند رأس أخيك والصافات صفا حتى تستتمها، فقرأ فلما بلغ * (أهم أشد خلقا أم من خلقنا) * قضى الفتى فلما سجى وخرجوا أقبل عليه يعقوب بن جعفر فقال له: كنا نعهد الميت إذا نزل به الموت تقرء عنده (يس) فصيرت تأمر بالصافات، فقال: يا بني لم تقرأ عند مكروب من موت قط الا عجل الله راحته " (3). وقال أحمد بن حنبل: يستحب أن يقرأ عنده القرآن ليخفف عنه بقرائته، تقرأ (يس وفاتحة الكتاب) وكل ذلك حسن عندنا، واعلم أن تلاوة القرآن مستحبة قبل خروج روحه ليسهل الله عليه الموت، وبعد خروجها استدفاعا عنه. مسألة: وأن يغمض " عيناه " ويطبق " فوه " إذا مات، ويغطى بثوب، روي

1) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 38 ح 1 ص 666. 2) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 38 ح 3 ص 666.
3) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 41 ح 1 ص 670.

[ 261 ]

أحمد مسندا عن سداد بن أوس قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا حضرتم موتاكم فاغمضوا البصر فان البصر يتبع الروح، وقولوا خيرا، فانه يؤمن على ما قاله أهل البيت عليهم السلام " (1). وروي ان عمر قال لولده: إذا رأيت روحي قد بلغت لهاتي، فضع كفك اليمنى على جبهتي واليسرى تحت ذقني واغمضني. ولانه لو لم يغمض ولم يطبق فوه ويرد على حاله قبح منظره، ومن طريق الاصحاب ما رواه أبو كهمس قال: " حضرت موت اسماعيل بن جعفر عليه السلام وأبوه جالس عنده، فلما حضره الموت شد لحيته، وغمضه وغطى عليه الملحفة " (2) ومثله روى زرارة. مسألة: وتمد يداه إلى جنبيه وساقاه ان كانتا منقبضين ولم يمتنعا، ذكر ذلك الشيخان وابن الجنيد. ولم أعلم في ذلك نقلا عن أهل البيت عليهم السلام، ولعل ذلك ليكون أطوع للغاسل وأسهل للدرج. مسئلة: ويسرج عنده ان مات ليلا، ذكر ذلك الشيخان في المبسوط والمقنعة وقد روي سهل بن زياد، عن عثمان بن عيسى،، عن عدة من أصحابنا قال: " لما قبض أبو جعفر عليه السلام أمر أبو عبد الله عليه السلام بالسراج في البيت الذي يسكنه حتى قبض أبو عبد الله عليه السلام ثم أمر أبو الحسن عليه السلام بمثل ذلك في بيت أبي عبد الله عليه السلام " (3) و " سهل " ضعيف و " عثمان بن عيسى " واقفي، والرواية حكاية حال فهي ساقطة لكنه فعل حسن، قال الشيخان: يسرج عنده إلى الصباح وهو حسن أيضا، لان علة الاسراج غايتها الصباح. مسألة: ويكون عنده من يذكر الله سبحانه، ولا يترك وحده، روي ذلك

1) سنن ابن ماجة ج 1 كتاب الجنائز ص 468.
2) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 44 ح 3 ص 672.
3) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 45 ح 1 ص 673.

[ 262 ]

أبو خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ليس من ميت يموت ويترك وحده الا لعب الشيطان في جوفه " (1). مسألة: ويعلم المؤمنون بموته وهو اختيار الشيخ في المبسوط. وبه قال أحمد. وقال الشيخ في الخلاف: فأما النداء فلا أعرف فيه نصا، وقال الشافعي يكره النداء، وقال أبو حنيفة لا بأس. لنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " لا يموت منكم أحد الا أذيتموني " (2) وعن ابن عمر، انه قال: لما نعي إليه رافع بن خديج قال: ما تريدون أن تصنعوا؟ قالوا: نحبسه حتى يرسل إلى قبا والى قريات بالمدينة ليشهدوا جنازته، قال: نعم. ومن طريق الاصحاب، ما رواه الحسن بن محبوب، عن أبي ولاد، وعبد الله ابن سنان، جميعا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ينبغي لاولياء الميت أن يؤذنوا اخوان الميت بموته فيشهدون جنازته ويصلون عليه ويستغفرون له، فيكتب لهم الاجر وللميت الاستغفار ويكتسب هو الاجر بما اكتسب لهم " (3) وأقول: انه لا بأس بالنداء لما يتضمن من الفوائد المشارة إليها وخلوه من منع شرعي. مسألة: ويعجل تجهيزه الا مع الاشتباه، المستحب: مع تحقق موته، تعجيله لانه أحفظ له أن يتغير، وهو اجماع أهل العلم، لقوله عليه السلام " لا ينبغي لجيفة المسلم أن تحبس بين ظهراني أهله " (4) ومن طريق الاصحاب: ما روى السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا مات الميت أول النهار فلا يقيل الا في قبره " (5).

1) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 42 ح 1 ص 671.
2) رواه البيهقي في سننه مع تفاوت يسير ج 4 ص 48.
3) الوسائل ج 2 ابواب صلاة الجنازة باب 1 ح 1 ص 762.
4) سنن البيهقي ج 3 كتاب الجنائز ص 386.
5) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 47 ح 5 ص 676.

[ 263 ]

ومن طريق آخر عنه عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " لا تنتظروا بموتاكم طلوع الشمس ولا غروبها عجلوا بهم إلى مضاجعهم رحمكم الله " (1) ويجب التربص بهم مع الاشتباه حتى تظهر علامات الموت، وحده العلم، وهو اجماع لئلا يعاون على قتل المسلم، روي اسماعيل بن عبد الخالق قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: خمسة ينتظر بهم الا أن يتغيروا الغريق والمصعوق والمبطون والمهدوم والمدخن " (2). وفي رواية اسحق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام " كيف يستبرأ الغريق؟ قال: يترك ثلاثة أيام قبل أن يدفن الا أن يتغير، فيغسل ويدفن، وكذلك صاحب الصاعقة فربما ظن انه مات ولم يمت " (3) وكذا رواية هشام بن الحكم. وفي رواية محمد ابن علي بن ابي حمزة " يتربص بالغريق والمصعوق ثلاثا الا أن يجئ منه ريح تدل على موته، قلت: كأنك تخبرني بأنه دفن ناس كثير احياءا؟ فقال نعم دفن ناس كثير أحياءا ما ماتوا الا في قبورهم " (4). مسألة: والمصلوب لا يترك على خشبته أكثر من ثلاثة أيام، هذا مذهب الاصحاب ورواه السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تقروا المصلوب بعد ثلاثة أيام حتى ينزل ويدفن " (5). مسألة: ويكره أن يحضر الميت جنب أو حائض، انما أخرنا هذا الحكم وهو متقدم في الترتيب؟ لما وضعنا عليه قاعدة الكتاب من البدأة في كل قسم بالواجب واتباعه بالندب وتأخير المكروه، فاقتضى ذلك تأخير هذا الحكم، وبكراهة ذلك

1) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار با 47 ح 1 ص 674.
2) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 48 ح 2 ص 676.
3) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 48 ح 3 ص 677. 4) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 48 ح 5 ص 677.
5) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 49 ح 1 ص 678.

[ 264 ]

قال أهل العلم. روي يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يحضر الحائض الميت ولا الجنب عند التلقين، ولا بأس ان يليا غسله " (1). وروي الحسن بن محبوب، عن علي بن أبي حمزة قلت لابي الحسن: " المرأة تقعد عند رأس المريض وهي حائض في حد الموت. فقال لا بأس أن يمرضه، وإذا خافوا عليه وقرب ذلك فلتنح عنه وعن قربه، فان الملائكة تتأذى بذلك " (2) والحديثان وان ضعف سندهما فان فتوى الفضلاء بكراهية ذلك، وقيل: لا يترك على بطنه حديد، انما قلنا: قيل لانه لم يثبت عن أهل البيت به نقل، بل ذكر ذلك الشيخان وجماعة من الاصحاب، وقال الشيخ في التهذيب: سمعنا ذلك مذاكرة. وقال ابن الجنيد: يضع على بطنه شيئا يمنع من ربوها. مسألة: غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فرض على الكفاية، وهو مذهب العلماء كافة، وأولى الناس به أولاهم بذلك، لرواية غياث، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام قال: " يغسل الميت أولى الناس به " (3) و " غياث " بتري لكنه ثقة، والزوج أحق من غيره لرواية اسحق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الزوج أحق بامرأته حتى يضعها في قبرها " (4) ومضمون الرواية متفق عليه، وسيأتي له تفصيل في باب الصلاة انشاء الله تعالى. مسألة: والواجب أمامه ازالة النجاسة عن بدنه، لان المراد تطهيره وإذا وجب ازالة الحكمية عنه فوجوب ازالة العينية عنه أولى، ولئلا ينجس ماء الغسل بملاقاتها، ولما روي يونس، عنهم عليهم السلام " امسح بطنه مسحا رفيقا فان خرج منه شئ

1) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 43 ح 2 ص 671.
2) الوسائل ج 2 ابواب الحيض باب 46 ح 1 ص 595.
3) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت با ب 26 ح 1 ص 718.
4) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 26 ح 2 ص 853.

[ 265 ]

فانقه " (1) وفي وجوب النية على الغاسل عندي تردد: وقد قال الشيخ في الخلاف: بوجوبها واستدل باجماع الفرقة، ومنشأ التردد انه تطهير للميت من نجاسة الموت فهو ازالة نجاسة كغسل الثوب النجس، والاحوط ما ذكره الشيخ. مسألة: ويجب تغسيله ثلاث مرات، أولا بماء السدر، ثم بماء الكافور، ثم بالماء القراح، ولا يجوز الاقتصار على الواحدة الا عند عوز الماء، وهو مذهب الاصحاب خلا سلار فانه اقتصر على الوجوب على المرة بالماء القراح وما زاد على الاستحباب، وهو مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة، غير ان أبا حنيفة لا يستحب الكافور للماء، والشافعي وأحمد يجعلانه أخيرا. لنا حديث أم عطية " ان رسول الله صلى الله عليه وآله حين توفت ابنته قال: اغسلها ثلاثا أو خمسا أو أكثر " (2) والتخيير فيما زاد على الثالث فيثبت الثلاث وجوبا وفي حديث ابن عباس " ان النبي صلى الله عليه وآله غسلوه بماء وسدر " (3) ومن طريق أهل البيت عليهم السلام ما رواه الحلبي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " يغسل الميت ثلاث غسلات، مرة بالسدر، ومرة بالماء يطرح فيه الكافور، ومرة أخرى بالماء القراح " (4). وعن ابن مسكان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " اغسله بماء وسدر ثم اغسله على أثر ذلك أخرى بماء كافور، وذريرة ان كانت، واغسله الثالثة بماء قراح ثلاث غسلات لجسده، قلت: يكون عليه ثوب إذا غسل؟ قال: ان استطعت يكون عليه قميص تغسله من تحته، وقال: أحب لمن غسل ميتا أو يلف على يديه الخرقة حتى يغسله " (5).

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 2 ح 3 ص 680.
2) سنن البيهقي ج 3 كتاب الجنائز ص 389.
3) سنن البيهقي ج 3 كتاب الجنائز ص 391.
4) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 2 ح 4 ص 681.
5) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 2 ح 1 ص 680.

[ 266 ]

مسألة: " الترتيب " في الغسل واجب عندنا، يبدأ بالرأس ثم بالجسد، وهو اتفاق فقهاء أهل البيت عليهم السلام. وقال الباقون بالاستحباب. لنا ما رووه عنه عليه السلام " لما توفت ابنته قال: للنساء أبدان بميامنها " (1). ومن طريق أهل البيت عليهم السلام ما رواه حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا أردت غسل الميت فاجعل بينك وبينه ثوبا يستر عورته أما قميصا وإما غيره، ثم يبدأ بكفيه ويغسل رأسه ثلاث مرات بالسدر، ثم سائر جسده، وابدأ بشقه الايمن ثم اجعل يدك من تحت الثوب الذي على فرجه واغسله من غير أن ترى عورته، فإذا فرغت من غسله فاغسله مرة أخرى بماء وكافور وشئ من حنوطه، ثم اغسله بماء غسلة اخرى، فإذا فرغت من ثلاث غسلات جعلته في ثوب نظيف ثم جففته " (2) ولان ذلك سنة لسلف وكيفيته أمر مطلق فيكون واجبا، ولانا بينا وجوب الترتيب في غسل الجنابة فثبت هنا، لما روي محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " غسل الميت مثل غسل الجنب " (3) ولان من أوجب الترتيب في غسل الجنابة أوجب هنا، والفرق منفي بالاجماع. فرع ولا يزاد على الغسلات الثلاث، وقال الشافعي ان لم ينق بثلاث فخمسا، ولم يقدره مالك. لنا هو عبادة شرعية فيقف تقديرها على النقل. مسألة: لو تعذر السدر كفت المرة بالقراح تمسكا بالاصل، ولان المراد بالسدر الاستعانة على ازالة الدرن، وبالكافور تطيب الميت وحفظه بخاصية الكافور

1) سنن البيهقي ج 3 كتاب الجنائز ص 388.
2) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 2 ح 2 ص 680. 3) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 3 ح 1 ص 685.

[ 267 ]

من اسراع التغيير وتعرض الهوام، ومع عدمها فلا فائدة في تكرار الماء مع حصول النقاء. مسألة: وفي وجوب الوضوء قولان، والاستحباب أشبه، قال الشيخ في المبسوط: وقد قيل: انه يوضأ الميت، فمن عمل به كان جائزا غير أن عمل الطائفة على ترك العمل بذلك، لان غسل الميت كغسل الجنابة، ولا وضوء في غسل الجنابة. وقال في الخلاف: غسل الميت كغسل الجنابة ليس فيه وضوء. وقال بعض أصحابنا: يستحب فيه الوضوء، وقال المفيد (ره) في المقنعة: ثم يوضأ الميت فيغسل وجهه وذراعيه ويمسح برأسه وظاهر قدميه. وقال الشيخ في الاستبصار باستحبابه. لنا ما رواه حريز قال: " أخبرني أبو عبد الله عليه السلام قال: الميت يبدأ بفرجه ثم يوضأ وضوء الصلاة " (1) وما رواه الوشا، عن أبي خثيمة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ان أبي أمرني أن أغسله (وساق الحديث) إلى أن قال: ثم يوضه وضوء الصلاة " (2). وانما حملنا ذلك على الاستحباب، لما روي من النقل المستفيض عن أهل البيت عليهم السلام في كيفية غسل الميت وانتقالهم من تليين أصابعه وغسل يديه إلى غسل رأسه وجسده من غير ذكر الوضوء، روي ذلك عدة من الاصحاب منهم الحلبي عليه الرحمة، عن أبي عبد الله عليه السلام، وعبد الله الكاهلي عنه أيضا، ويعقوب بن عبد الصالح. ولا يقال: رواية ابن أبي عمير، عن حماد أو غيره، عن أبي عبد الله عليه السلام " في كل غسل وضوء الا غسل الجنابة " (3) يدل على الوجوب، لانا نقول: لا يلزم

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 6 ح 1 ص 689.
2) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 6 ح 4 ص 689.
3) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 35 ح 2 ص 516.

[ 268 ]

من كون الوضوء في الغسل أن يكون واجبا، بل من الجائز أيكون غسل الجنابة لا يجوز فعل الوضوء فيه، وغيره يجوز، ولا يلزم من الجواز الوجوب فإذا الاستحباب أشبه. مسألة: ان قلنا باستحباب الوضوء فلا يمضمض الميت ولا يستنشق، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: يمضمض [ الميت ] ويستنشق. لنا ان ذلك لا يتيسر الا بقلب الميت على وجهه ليخرج الماء فيه وأنفه وذلك اهانة لم يعتبرها الشرع، وربما وصل إلى جوفه فخرج في أكفانه وهو أذى فاجتنابه أولى. مسألة: ولو خيف من تغسيله تناثر جلده يتيمم، ويستحب امراره يد الغاسل على جسد الميت، فان خيف من ذلك لكونه مجدورا أو محترقا اقتصر الغاسل على صب الماء من غير امرار، ولو خيف من الصب لم يغسل ويتيمم، ذكر ذلك الشيخان في المبسوط والمقنعة والنهاية، وابن الجنيد. وأما الاولى: فلان الامرار مستحب وتقطيع جلد الميت محظور فيتعين العدول إلى ما يؤمن معه تناثر الجسد. ويؤيد هذا الاعتبار ما رواه محمد بن سنان، عن أبي خالد القماط، عن ضريس عن علي بن الحسين عليه السلام أو عن أبي جعفر قال: " المجدور والكسير والذي به القروح يصب عليه الماء صبا " (1). وأما الثانية: فلان التيمم طهارة لمن تعذر عليه استعمال الماء، ويؤيد ذلك ما رواه عمرو بن خالد، عن زيد بن علي عن آبائه، عن علي عليه السلام " قال: ان قوما أتوا النبي صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وآله مات صاحب لنا وهو مجدور، فان غسلناه انسلخ، قال: تيمموه " (2) وهذه الرواية وان كان اسنادها ضعيفا الا ان الاصول

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت با ب 16 ح 1 ص 702.
2) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 16 ح 3 ص 702.

[ 269 ]

تؤيدها، قال الشيخ: وبه قال جميع الفقهاء الا الاوزاعي، وعلى قول الشيخ يكون المسألة اجماعية، لان خلاف الاوزاعي منقرض. فرع قال المفيد رحمه الله في المقنعة: وإذا لم يوجد للميت ماءا إما لعدمه، أو لعدم ما يتوصل به إليه، أو لنجاسة الماء، أو لكونه مضافا يتيمم بالتراب، وكذا ان منع من استعماله ضرورة الحي إلى شربه تيمم الميت، فهذا حسن، لانه حالة ضرورة والتيمم بدل من الماء فيجتزء به. مسألة: وسنن الغسل يشتمل مسائل: الاولى: أن يوضع الميت على مرتفع موجها إلى القبلة. (في هذا الكلام حذف) تقديره: على شئ مرتفع، وحذف الموصوف كثير في كلام العرب، وانما استحب المرتفع لئلا يرجع إليه ماء الغسل. قال في المبسوط: يجعل على ساحة أو سرير، وما ذكره حسن، لانه أحفظ لجسد الميت من التلطخ، وأما الاستقبال في التغسيل فهو اتفاق أهل العلم، لكن عندنا يستقبل بباطن قدميه ليكون وجهه إلى القبلة، ويدل عليه من طريق أهل البيت عليهم السلام روايات، منها: رواية الكاهلي، عن أبي عبد الله عليه السلام " سئل عن غسل الميت، قال: استقبل بباطن قدميه القبلة حتى يكون وجهه مستقبل القبلة " (1). مسئلة: ويفتق جيبه وينزع ثوبه من تحته، ذكر ذلك الشيخان في المبسوط والنهاية والمقنعة. ولعل ذلك لئلا يخرج ما يفسد به، وكذا استحباب جذبه من أسفله لئلا يكون فيه ما يلطخ أعالي بدنه، ولا يقال: يلزم لو خلا من النجاسة الا أن لا يكون هذه الكيفية.

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 2 ح 5 ص 681.

[ 270 ]

لانا نقول: العلم بخلوه من النجاسة متعذر وغلبة الظن بالنجاسة موجودة، إذ المريض من شأنه ذلك خصوصا عند خروج الروح، ولما كان ذلك غالبا استحبه الشيخان استظهارا، ثم بالغ الشيخ المفيد رحمه الله في المقنعة بأن قال: يفتق جيبه أو يخرق ليتسع عليه. ولعل ذلك إذا لم يكن ما يتسر به عورته، والاقرب ان نزعه كذلك إذا أريد ستر عورته في حال الغسل ثم ينزع بعد الغسل من أسفله، وتبين ذلك رواية عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ثم يخرق القميص إذا فرغ من غسله وينزع من رجليه " (1). مسألة: ويستر عورته، هذا مذهب الجميع، لان النظر إلى العورة حرام، نعم لو كان الغاسل ممن لا يبصر أو مبصرا يتيقن من نفسه كف بصره عن العورة بحيث يثق السلامة من الورطة والغطلة لم يجب، لان الستر انما هو لمنع الابصار، فإذا أمكن من دون السترة لم يجب، لكن الاحوط الستر ليحصل الامن من ذلل الطبع والغفلة. قال الشيخ في المبسوط. ينزع قميصه ويترك على عورته ما يسترها. وكذا في النهاية. وقال في الخلاف: يستحب غسله عريانا مستور العورة، إما بقميصه، أو ينزع القميص ويترك على عورته خرقة، ومعنى قوله رحمه الله: " بقميصه " أن يخرج يديه من القميص ويجذبه منحدرا إلى سرته ويجمعه على عورته ويجرد ساقيه فيصير كالعاري عدا العورة. روى يونس عنهم قال: " وان كان عليه قميص فاخرج يديه منه واجمعه على عورته وارفعه من رجليه إلى فوق الركبة " (2) وقال الشافعي: يغسل في قميص كما غسل رسول الله صلى الله عليه وآله. وقال أبو حنيفة: يغسل عريانا مستور العورة، والوجه جواز

1) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 2 ح 8 ص 737.
2) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 2 ح 3 ص 680.

[ 271 ]

الامرين، لكن تغسيله عريانا مستور العورة بخرقة أفضل. أما الجواز: فلما رواه النضر بن سويد، عن هشام بن سالم، عن سليمان ابن خالد قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غسل الميت، قال: يغسل بماء وسدر واغسل جسده كله واغسله أخرى بماء وكافور ثم اغسله اخرى بماء، قلت: فما يكون عليه حين تغسيله؟ قال: ان استطعت أن يكون عليه قميص تغسل من تحت القميص " (1). وما رواه يعقوب بن يقطين، عن العبد الصالح عليه السلام قال: " ولا يغسل الا في قميص يدخل رجل يده ويصب عليه من فوقه ويجعل في الماء شئ من سدر وشئ من كافور ولا يعصر بطنه الا أن يخاف شيئا فيمسح مسحا رفيقا من غير أن يعصر، ثم يغسل الذي غسله يده قبل أن يكفنه إلى المنكبين ثلاث مرات " (2) وعن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا أردت غسل الميت فاجعل بينك وبينه ما يستر عورته إما قميصا أو غيره " (3). وأما ان تجريده أفضل، فلانه أمكن للتطهير ولان الثوب قد ينجس بما يخرج من الميت ولا يطهر بصب الماء فينجس الميت والغاسل، واحتج الشافعي: بأن النبي صلى الله عليه وآله غسل في قميص، والجواب: يمكن أن يكون ذلك للامن في طرفه من تلطخ الثوب وتعذر ذلك في غيره. فرع وفي وجوب ستر عورة الصبي تردد، أقربه أنه لا يجب، وحده ما يجوز للنساء تغسيله مجردا، لان جواز نظر المرأة يدل على جواز نظر الرجل.

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 2 ح 6 ص 682. 2) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 2 ح 7 ص 683.
3) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 2 ح 2 ص 680.

[ 272 ]

مسألة: ثم تلين أصابعه برفق، فان تعسر ذلك تركها، وهو مذهب أهل البيت عليهم السلام، وفي بعض أحاديثهم تلين مفاصله، وبه قال أحمد. وقال أصحاب الشافعي: انما تلين عند الموت. لنا ان انقباض كفه يمنع التمكين من تطهرها فيلينها مع التمكن لينبسط لتحصيل التطهير. فرع ولا تلين أصابعه ولا مفاصله بعد الغسل، لان وظائف الميت مستفادة عن صاحب الشرع، ومع عدم الدلالة فلا توظيف، قال في المبسوط: وهو مذهب الاصحاب، ذكر ذلك في الخلاف. مسألة: ثم يجعل الغاسل على يده خرقة ويدخل يده تحت السرة وينقي عورتيه، وهو اجماع، ويؤيده ما رواه يونس، عنهم قال: " يغسل يده ثلاث مرات كما يغتسل الانسان من الجنابة إلى نصف الذراع، واغسل فرجه وأنقه " (1) وفي رواية الكاهلي عن أبي عبد الله عليه السلام " ثم ابدأ بفرجه بماء السدر والحرض فاغسله ثلاث غسلات " (2). مسألة: ويغسل رأسه وجسده برغوة السدر، وهو مذهب فقهاء أهل البيت عليهم السلام، وممن روى ذلك معاوية بن عمار قال: " أمرني أبو عبد الله عليه السلام أن أوضيه ثم أغسله بالاشنان وأغسل رأسه بالسدر ولحيته، ثم أفيض على جسده منه، ثم أدلك به جسده " (3). مسألة: ويبدأ بغسل يديه قبل رأسه، ثم يغسل رأسه، يبدأ بشقه الايمن، ثم

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت با ب 2 ح 3 ص 680.
2) الوسائل ح 2 ابواب غسل الميت با ب 2 ح 5 ص 681 3) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 2 ح 8 ص 683.

[ 273 ]

الايسر، ويغسل كل عضو ثلاثا في كل غسل، وهو مذهب فقهائنا أجمع. ويؤيده رواية الكاهلي [ الكابلي ]، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: " ثم تحول إلى رأسه ولحيته، ثم تثني بشقه الايسر " (1) وأما تكرار الغسلات على كل في كل غسلة فعليه اجماع الاصحاب، ويؤيده رواية الكاهلي ورواية يونس، وفي الطريق إلى الكاهلي " محمد بن سنان " وهو ضعيف، ورواية يونس مرسلة فضعفها إذا مستحق لكن عمل الاصحاب على مضمونها ظاهر، ويمسح بطنه أمام الغسلتين الاوليين الا الحامل، المقصود بالمسح خروج ما لعله بقي من الميت، فان مسح بطنه يخرج ذلك لاسترخاء أعضائه وخلوها عن القوة الماسكة، وانما قصد ذلك لئلا يخرج بعد الغسل ما يؤذي الكفن، ولا يمسح في الثالثة وهو اجماع فقهائنا، وقال الشافعي: يمسح في الثالثة أيضا. لنا ان المسحتين يأتيان على المطلوب، فالثالثة كلفة، ولان المسحتين متفق عليهما فيقتصر على المتفق. ويؤيده رواية يونس عنهم، فانها تضمنت المسح في الثانية ولم يذكر الثالثة وقولنا: الا أن يكون حبلى، لانه لا يؤمن معه الاجهاض وهو غير جائز، كما لا يجوز التعرض لاجهاض الحية. ويؤيد ذلك ما روته أم أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " إذا توفت المرأة فأرادوا أن يغسلوها فليبدأ ببطنها فليمسح مسحا رفيقا ان لم تكن حبلى، فان كانت حبلى فلا تحركها " (2). فرع ان خرج من الميت شئ بعد اكمال الثلاث، فان لم يكن ناقضا غسل، وان

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 2 ح 5 ص 681.
2) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 4.

[ 274 ]

كان أحد النواقض ففي اعادة الغسل قولان، أحدهما: يعاد، ذهب إليه ابن أبي عقيل ليخرج من الدنيا طاهرا، والاخر: لا يعاد، وتغسل النجاسة، وهو الذي يظهر من كلام الباقين، وقال الشافعي: يعاد الوضوء كما في الحي. لنا ان حدث الحي لم يبطل به الطهارة السابقة عليه، فكذا هنا، ولان الحي أدى ما وجب عليه من الغسل بالموت، فوجوب الاعادة منفي بالاصل. ويؤيده رواية الكاهلي والحسين بن مختار وعبد الرحيم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ان بدأ منه شئ بعد غسله فاغسل الذي بدأ منه ولا تعد الغسل " (1) وذكر ذلك المرتضى رحمه الله في شرح الرسالة، ولا يعرف أصحابنا استحباب الدخنة بالعود ولا بغيره عند الغسل، واستحبه الفقهاء. لنا ان الاستحباب عبادة يتوقف ثبوتها على دلالة الشرع، والتقدير عدمها. لا يقال: ذلك لدفع الرائحة الكريهة، لانا نقول: ليس الرائحة دائمة مع كل ميت، ولان ذلك قد يندفع بغيره وكما سقط اعتبار غير العود من الاطياب فكذا التجمير. ويؤيده رواية محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام " لا تجمروا الاكفان ولا تمسوا موتاكم بالطيب الا بالكافور، فان الميت بمنزلة المحرم " (2) وعن أبي حمزة، عن الباقر عليه السلام " لا تقربوا موتاكم النار، يعني الدخنة " (3). مسألة: إذا مات الجنب والحائض أو النفساء كفى غسل الميت، ولا يجب غسلات، بل ولا تستحب، وهو مذهب أكثر أهل العلم، لان الغسل الواحد يجزي الحي وان تعددت الموجبات، ويؤيد ذلك ما روي من طريق أهل البيت عليهم السلام، منه: ما روي عمار عن أبي عبد الله عليه السلام " في النفساء إذا ماتت كيف تغتسل؟ قال: مثل

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 32 ح 1 ص 723.
2) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 6 ح 5 ص 734.
3) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 6 ح 12 ص 735.

[ 275 ]

الطاهر " (1) وكذا الحائض والجنب انما يغسل غسلا واحدا. وما رواه زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام وأبو بصير عن أحدهما عليهما السلام " في الجنب إذا مات، قال: ليس عليه الا غسل واحد " (2) وفي رواية العيص، عن أبي عبد الله عليه السلام " يغسل غسل الجنابة ثم يغسل الميت " (3) قال الشيخ في الاستبصار: يمكن أن يكون الامر بالغسل بعد غسل الجنابة للغاسل بمماسة الميت، وقد روي ذلك العيص في رواية أخرى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا مات الجنب غسل غسلا واحدا، ثم اغتسل بعد ذلك " (4) وقد قيل: لا يموت ميت الا وهو جنب، ومعنى ذلك انه يلقى النطفة التي خلق منها، على ما روي. مسألة: ويستحب أن يغسل تحت سقف، وبه قال أحمد، وروي أبو داود باسناده قال: " أوصى الضحاك أخاه سالما إذا غسلتني فاجعل بيني وبين السماء سترا " وعن عايشة قالت: " أتانا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن نغسل ابنته فجعلنا بينها وبين السقف سترا " ولعل الحكمة كراهية أن يقابل السماء بعورة الميت. ومن طريق أهل البيت عليهم السلام ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى قال: " سألته عن الميت يغسل في الفضاء؟ قال: لا بأس، وان يستر فهو أحب الي " (5) وروي طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام " ان أباه كان يستحب أن يجعل بين الميت وبين السماء سترا يعني إذا غسل " (6) و " طلحة بن زيد " هذا بتري، لكن تنجبر روايته برواية علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، واتفاق الاصحاب.

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 31 ح 2 ص 721.
2) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 31 ح 4 ص 721.
3) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 31 ح 7 ص 722.
4) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 31 ح 8 ص 722.
5) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 30 ح 1 ص 720.
6) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 30 ح 2 ص 720.

[ 276 ]

مسألة: قيل يغسل الميت بتسعة ارطال في كل غسلة كالجنب، لما روي عنهم عليهم السلام، " ان غسل الميت كغسل الجنابة " (1) والوجه انقاؤه بكل غسلة من غير تقدير، لنا رواية محمد بن الحسن الصفار قال: " كتبت إلى أبي محمد عليه السلام كم حد الماء الذي يغسل به الميت كما رووا أن الحائض تغتسل بتسعة أرطال فهل للميت حد؟ فوقع حده يغسل حتى يطهر انشاء الله " (2) ولان التقدير ربما قصر عن القصد، إذا القصد الانقاء. مسألة: يستحب للغاسل أن يذكر الله سبحانه عند غسله، ويتأكد بالدعاء المأثور رواه سعد الاسكاف، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " أيما مؤمن غسل مؤمنا فقال إذا قلبه: اللهم هذا بدن عبدك المؤمن وقد أخرجت روحه منه وفرقت بينهما فعفوك عفوك الا غفر الله له ذنوب سنة الا الكبائر " (3). مسألة: قال الشيخ في الجمل: يستحب أن يقف الغاسل على جانب يمينه. وقال في النهاية: ولا يركب الميت في حال غسله بل يكون على جانبه الايمن. وقال في المبسوط: ولا يركب الميت في حال غسله بل يكون على جانبه. وما ذكره في المبسوط أولى، وكراهية ركوب الميت اختيار الشيخ رحمه الله في كتبه. وفي رواية العلاء بن سيابة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا بأس أن تجعل الميت بين رجليك وان يقوم فوقه فتغسله، إذا قلبته يمينا وشمالا أن يضبطه بين رجليك لئلا يسقط لوجهه " (4) قال في التهذيب: هذا الخبر محمول على الجواز وان كان الافضل غيره، وقال في الاستبصار: هذا يدل على رفع الحظر، لان المسنون

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 3 ح 1 ص 685.
2) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 27 ح 2 ص 718.
3) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 7 ح 1 ص 690.
4) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 33 ح 1 ص 724.

[ 277 ]

والافضل أن يقف من جانب الميت ولا يركبه. قلت: وهذا هو الذي يعتمد لرواية عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يجعله بين رجليه في غسله بل يقف من جانبه " وينبغي أن لا يخبر الغاسل بما رأى من مكروه، روي سعد بن طريف، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " من غسل مؤمنا فأدى فيه الامانة غفر له، قلت: كيف يؤدي فيه الامانة؟ قال: لا يخبر بما رأى " (1). ويستحب أن يستأنف لماء الغسل حفيرة، لانه ماء مستقذر فيحفر له ليؤمن من تعدي قذره، وهذا اختيار الشيخين لما رواه سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا غسل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة " (2) وينشف بثوب بعد تغسيله وقبل تكفينه، وهو اجماع، ولما رواه الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " فإذا فرغت من ثلاث غسلات جعلته في نظيف ثم جففته " (3) ولان ذلك يحفظ الكفن من البلل لئلا يسرع العفن إليه مع الدفن. مسألة: يكره إقعاد الميت وعصره قاعدا، قال الشيخ في الخلاف: لا يجلس الميت في حال غسله وهو مكروه. وخالف جميع الفقهاء في ذلك، واستدل باجماع الفرقة وعملهم، وكذا العصر. ويؤيده ما رواه حمران بن أعين، وعثمان النوا قال: " إذا غسلت الميت فارفق به ولا تعصره " (4) وفي رواية حمران " ولا تغمز له مفصلا " (5) وفي رواية أبي العباس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " اقعده واغمز بطنه غمزا رفيقا " (6) قال الشيخ في

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 8 ح 1 ص 691.
2) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 35 ح 2 ص 661.
2) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 35 ح 2 ص 661.
3) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 2 ح 2 ص 680.
4) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 9 ح 2 ص 692.
5) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 9 ح 1 ص 692. 6) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 2 ح 9 ص 683.

[ 278 ]

الاستبصار: هذا موافق للعامة ولسنا نعمل به، وأنا أقول: ليس العمل بهذه الاخبار بعيدا، ولا معنى لتنزيلها على التقية، لكن لا بأس أن يعمل بما ذكره الشيخ، من تجنب ذلك والاقتصار على ما اتفق على جوازه. مسألة: ويكره قص أظفاره وترجيل شعره، وهو اجماع فقهائنا، وفي أحد قولي الشافعي هو مباح، لنا ان ما يسقط منه يطرح في كفنه، فلا معنى لقص شاربه وأظفاره مع القول بدفنها معه. ويؤيد ذلك ما رواه ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يمس من الميت شعر ولا ظفر وان سقط منه شئ فاجعله في كفنه " (1) وكذا حلق رأسه، وقال في الخلاف: هو مكروه وبدعة، وهو قول أهل العلم الا الشافعي في أحد قوليه، وكذا قال في حلق شعر العانة، والابط وحف الشارب. واستدل على الجميع باجماع الفرقة، وقال في الخلاف، ولا يجوز تسريح اللحية، والذي أراه في ذلك كله الكراهية، لان التكاليف المختصة بالميت موقوفة على الدلالة الشرعية وحيث لا دلالة فلا تكليف، وحيث لا منع فلا تحريم، ولو احتجوا بقوله عليه السلام " افعلوا بموتاكم ما تفعلون بعرائسكم " دفعنا الرواية فانا لم نستثبتها من طريق محقق، ثم هي متروكة الظاهر عند الجميع، إذ العروس تطيب بالممكن من أنواع الطيب، والميت يقتصر في طيبه، وكذا المرأة يصبغ وجهها بالزينة وتحلى بالحلى، وكل ذلك متروك في الميت، فإذا بعيد أن يشبه النبي صلى الله عليه وآله شيئا بشئ وهو لا يساويه بل لا يدانيه. مسألة: ويكره ارسال ماء الغسل في الكنيف، ولا بأس بالبالوعة، هذا مذهب الخمسة وأتباعهم، ويؤيده ما رواه محمد بن الحسن الصفار قال: " كتبت إلى أبي محمد عليه السلام هل يغسل الميت وماؤه الذي يصب عليه يدخل إلى بئر كنيف؟ فوقع يدخل

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 11 ح 1 ص 694.

[ 279 ]

ذلك في البلاليع ". الثالث: " الكفن " (1). والواجب " مئزر " و " قميص " و " ازار " هذا مذهب فقهائنا أجمع خلا سلار، فانه اقتصر على ثوب واحد وما زاد مستحب، وقال الشافعي: الواجب ما يواري به عورته، واستحب الشافعي ثلاثة أزر يدرج فيها ادراجا ليس فيها قميص ولا عمامة، واستحب أبو حنيفة ثلاثة أثواب ازارا وقميصا ولفافة، وأجاز الاقتصار على ثوبين، وقال ابن الجنيد: لا بأس أن يكون الكفن ثلاثة أثواب يدرج فيها ادراجا، أو ثوبين وقميصا، وان اعوز الثلاثة فالثوب الواحد إذا كان يجمع الميت، وان كان صغيرا استر به العورة. لنا ما روي " ان النبي صلى الله عليه وآله كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية " (2) وما رواه ابن المغفل " ان رسول الله صلى الله عليه وآله كفن في قميص " ومن طريق الاصحاب ما رواه ابن أبي بكير، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام " كفن رسول الله صلى الله عليه وآله في ثلاثة أثواب: ثوبين سحولين، وثوب حبرة يمنية عبرية " (3). واختلف الاصحاب في القميص، فأوجبه الشيخان في المبسوط والنهاية والمقنعة، وعلم الهدى في المصباح، والوجه ما ذكره ابن الجنيد: من التخيير بين الاثواب الثلاثة يدرج فيها الميت والقميص مع ثوبين. لنا اختلاف الروايات من غير ترجيح، فثبت التخيير، روي زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " الكفن المفروض ثلاثة أثواب، أو ثوب تام لا أقل منه يواري به

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 29 ح 1 ص 720.
2) سنن البيهقي ج 3 كتاب الجنائز ص 399.
3) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 2 ح 4 ص 726.

[ 280 ]

جسده كله فما زاد فهو سنة حتى تبلغ خمسة فما زاد فمبتدع و " العمامة " سنة " (1) وعن محمد بن سهل، عن أبيه قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الثياب التي يصلي الرجل فيها يكفن بها، قال: أحب ذلك الكفن، يعني قميصا، قلت: يدرج في ثلاثة أثواب؟ قال: لا بأس به، والقميص أحب الي " (2). لا يقال: روت عايشة " ان رسول الله صلى الله عليه وآله كفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص " (3) لانا نقول: يعارضه ما رويناه انه عليه السلام كفن في قميص، والترجيح لخبرنا لانه مثبت فيكون أرجح من النافي، ولان الرجل أقرب إلى معرفة أكفان الرجال من المرأة، لاشتغال النساء بالمصيبة ومباشرة الرجال جهاز الميت، ومع الضرورة تجزي اللفافة الواحدة، كذا قال ابن الجنيد وعلم الهدى في شرح الرسالة، لانه حال ضرورة فيقتصر على الممكن، ولان مع عدم الكفن تدفن عاريا، فالاقتصار على بعضه أولى. وقولنا: مما يجوز الصلاة فيه، فقد عرفت أن الثوب لا يطلق بالعرف، الا على المنسوخ، أما الجلود: فلا يفي الوبر والصوف، قال ابن الجنيد: ولا يمكن في الوبر. ولست أرى من ذلك مانعا، ويحرم من الثياب المغصوب باجماع العلماء، ولانه اتلاف لمال الغير فيكون حراما، والحرير، وهو اجماع الاصحاب، سواء كان الميت رجلا أو امرأة، وكره من عداهم ذلك ولم يحرموه. لنا اعراض الصحابة والتابعين عن التكفن به، ولانه اتلاف لمال لم يؤذن فيه. ويؤيده ما رواه حسين بن راشد قال: " سألته عن ثياب تعمل بالبصرة على عمل العصب اليماني من قز وقطن، هل يصلح أن يكفن فيها الموتى؟ قول: إذا كان القطن أكثر

1) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 2 ح 1 ص 726.
2) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 2 ح 5 ص 727.
3) سنن البيهقي ج 3 كتاب الجنائز ص 399.

[ 281 ]

من القز فلا بأس " (1). ووجه الدلالة: انه شرط في رفع البأس أن يكون القطن أكثر، فيعلم منه انه لو كان القز صوفا لم يجز، والرواية وان كان المسؤل فيها مجهولا فان عمل الاصحاب على مضمونها، والعصب ضرب من برود اليمن، سمي بذلك لانه يصبغ بالقصب وهو نبت باليمن. مسئلة امساس " الكافور " مساجد الميت واجب، وهو اختيار الشيخ في الجمل، قال في الخلاف: الحنوط فرض وهو أحد قولي الشافعي، واستدل على ذلك باجماع الفرقة، وأقل ما يحنط به الميت درهم، ذكره المفيد في الاعلام، وأفضل منه وزن أربعة مثاقيل، وأكمل منه وزن ثلاثة عشر درهما وثلاث، روي سهل بن زياد، عن أبي نجران، عن أبي عبد الله عليه السلام " قال أقل ما يجزي من الكافور للميت مثقال " (2). وروي الحسين بن مختار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الفضل من الكافور في أربعة مثاقيل " (3) وفي رواية علي بن ابراهيم رفعه في الحنوط ثلاثة عشر درهما وثلاثة أكثر، وفي الروايات كلها ضعف، لان سهلا ضعيف، والحسين بن مختار واقفي، ورواية علي بن ابراهيم مقطوعة، فإذا الواجب الاقتصار على ما يحصل الامتثال، ويحمل ما ذكر على الفضيلة. مسألة: ويشترط طهارة " الاكفان " وهو اجماع، ولانه لو لحقها نجاسة بعد التكفين وجب ازالتها، فقيل: التكفين أولى، وغسل المرأة والصبي وتكفينها كغسل الرجل وتكفينه فهما مستويان في القدر الواجب، وان وقع الاختلاف في

1) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 23 ح 1 ص 752.
2) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 3 ح 2 ص 730.
3) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 3 ح 3 ص 730.

[ 282 ]

شئ من المندوبات على ما سيأتي لان الاوامر الدالة على ما سلف مطلقة، فكما تتناول الرجل باطلاقها تتناول المرأة الطفل. " المسنونات " يستحب أن يزاد الرجل " حبرة " يمنية عبرية غير مطرزة بالذهب " الحبرة " من التحبير، وهو التحسين والتزيين، و " يمنية " منسوبة إلى اليمن، و " عبرية " منسوبة إلى العبر وهو جانب الوادي، وهذا مذهب علمائنا، وأنكرها من عداهم. لنا ما رواه أبو مريم انصاري قال: " سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كفن رسول الله صلى الله عليه وآله في ثلاثة أثواب، برد حبرة أحمر، وثوبين أبيضين صحاريين وقال: ان الحسن بن علي عليه السلام كفن اسامة بن زيد في برد أحمر حبرة، وثوبين، وان عليا عليه السلام كفن ابن حنيف في برد أحمر حبرة " (1). لا يقال: ذكر لعايشة ان رسول الله صلى الله عليه وآله كفن في برد فقالت " قد أتى بالبرد ولكنهم لم يكفنوه فيه، لان رواية الاثبات أولى من النفي، ولعل البرد الذي رد غير البرد الذي كفن فيه، وانما شرطنا أن لا يكون مطرزة بالذهب ولا بالحرير، لانه تصنيع غير مأذون فيه، وقد ذكر الفتوى بذلك الشيخ في المبسوط والنهاية. مسألة: و " خرقة " لشد فخذيه، قال الشيخ في المبسوط والنهاية: يكون طولها ثلاثة أذرع ونصف في عرض شبر إلى شبر ونصف، وهذه تسمى الخامسة تلف فخذيه بها لفا شديدا بعد أن تحشو الدبر قطنا وعلى المذاكير، ثم يخرج طرفها من تحت رجليه إلى الجانب الايمن ويغمرها في الموضع الذي شدها فيه، واستحب أحمد ذلك في المرأة دون الرجل. لنا ان الوجه في استعمال ذلك في المرأة موجودة في الرجل، ويؤيده ما روي

1) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 2 ح 3 ص 726.

[ 283 ]

عن أهل البيت عليهم السلام من ذلك رواية معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يكفن الميت في خمسة اثواب قميص لا تزر عليه، ازار وخرقة يعصب بها وسطه " (1) وفي رواية يونس عنهم " يلف فخذيه من حقويه إلى ركبتيه لفا شديدا " (2) وفي رواية عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام " ويجعل طول الخرقة ثلاثة أذرع ونصف وعرضها شبر ونصف " (3) وهذه الرواية ضعيفة السند، وفي متنها اضطراب، وكذا رواية يونس عنهم. مسألة: و " عمامة " تثنى عليه محنكا، ويخرج طرفا العمامة من الحنك ويلقيان على صدره، وهو اختيار الثلاثة وأتباعهم. ولم يستحب الشافعي العمامة قال: وهي مباحة. أما الاصحاب فمتفقون على استحبابها. لنا ان المراد " بالكفن " ستر الميت، والعمامة ساترة، ولانها مما يستر بها الحي ويستشنع طرحها في الملاء، والميت يحب ما يحبه الحي، ويؤيد ما اخترناه ما رواه عثمان النوا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا غسلت ميتا فارفق به ولا تغمزه ولا تمس مسامعه كافورا وإذا عممته فلا تعممه عمة الاعرابي وقال: خذ العمامة من وسطها واثنها على رأسه ثم ردها على خلفه واطرح طرفها على صدره " (4). وما رواه زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " أمر النبي صلى الله عليه وآله بالعمامة، وعمم النبي صلى الله عليه وآله ومات أبو عبيدة الحذاء فبعث أبو عبد الله عليه السلام معنا بدينار وأمرنا أن نشتري به حنوطا وعمامة ففعلنا، وقال: العمامة سنة " (5) وأما التحنك فعليه الاصحاب، ورواه

1) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 2 ح 13 ص 728.
2) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 2 ح 3 ص 681.
3) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 14 ح 4 ص 745.
4) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 16 ح 2 ص 747.
5) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 2 ح 1 ص 726.

[ 284 ]

ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام " في العمامة للميت، قال: حنكه " (1). مسئلة: ويستحب أن يكون الكفن قطنا أبيض، وهو مذهب العلماء، ويكره أن يكون كتانا، لان النبي صلى الله عليه وآله كفن في القطن الابيض، وكذا استحب الصحابة، ولقوله عليه السلام " اكتسوا من ثيابكم البياض وكفنوا فيه موتاكم " (2). ويؤيده من طريق أهل البيت عليهم السلام ما رواه أبو خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الكتان كان لبني اسرائيل يكفنون به، والقطن لامة محمد صلى الله عليه وآله " (3) وفي رواية يعقوب بن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يكفن الميت في كتان " (4). مسألة: ويستحب أن يغتسل الغاسل أمام التكفين أو يتوضأ وضوء الصلاة، ذكره الشيخ في المبسوط والنهاية. وان اقتصر على غسل يديه إلى ذراعيه جاز، لان الاغتسال والوضوء على من غسل ميتا واجب أو مستحب؟ وكيف ما كان فان الامر به على الفور، فيكون التعجيل به أفضل. وأما غسل اليدين ان لم يتهيأ الوضوء فلانه استظهار في التطهير، ويؤيده الحسين بن يعقوب بن يقطين عن العبد الصالح عليه السلام قال: " ثم يغسل الذي غسل يديه قبل أن يكفنه إلى المنكبين ثلاث مرات، ثم إذا كفنه اغتسل " (5). مسألة: ويستحب أن يطيب الكفن بالذريرة، وهي الطيب المسحوق، وقال بعض الاصحاب: هي نبات يعرف بالقمحان، وهو خلاف المعروف بين العماء،

1) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 14 ح 2 ص 744.
2) سنن البيهقي ج 3 كتاب الجنائز ص 402 (مع تفاوت).
3) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 20 ح 1 ص 751.
4) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 20 ح 2 ص 751.
5) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 35 ح 2 ص 761.

[ 285 ]

وقد اتفق العلماء على استحباب تطيب الكفن بها، ويؤيد ذلك ما رواه عمار بن موسى الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ويبسط اللفافة طولا ويذر عليه من الذريرة " (1) وعن سماعة قال: " ذر على ثوب الميت شيئا من ذريرة " (2). مسألة: ويكتب على الحبرة والقميص واللفافة والجريدتين فلان يشهد أن لا اله الا الله، كذا ذكره الشيخان في المبسوط والمقنعة، وابن بابويه في كتابه، وزاد الشيخ في النهاية أسماء النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام. والذي رواه أبو كهمس قال: " دعا أبو عبد الله عليه السلام بكفن ولده اسماعيل فكتب في حاشية الكفن اسماعيل يشهد أن لا اله الا الله " (3) وهذا القدر الذي ظهر نقله غير أن ما ذكره الشيخ حسن، ويكتب ذلك بالطين والماء، وقال الشيخان، بتربة الحسين عليه السلام فان تعذر فبالاصبع. مسألة: ويجعل بين أليتيه قطن، وقال في الخلاف: يستحب أن يجعل في سفل الميت شئ من القطن لئلا يخرج منه شئ، وقال بعض الشافعية: هذا غلط وانما يجعل بين أليتيه، وما ذكره الشيخ هو الاصح، لنا ما رواه يونس عنهم قال: " واحش القطن في دبره لئلا يخرج منه شئ " (4) وما رواه عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ويدخل في مقعدته من القطن ما دخل " (5). مسألة: وتزاد المرأة عن الرجل لفافة أخرى لثدييها، ونمطا أو لفافتين، ذكره الشيخان في المبسوط والمقنعة. وروي سهل بن زياد، عن بعض أصحابنا رفعه قال: " سألته كيف تكفن المرأة؟ فقال: كما يكفن الرجل غير انه يشد على

1) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 14 ح 4 ص 745.
2) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 15 ح 1 ص 746.
3) السائل ج 2 ابواب التكفين باب 29 ح 1 ص 757. 4) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 2 ح 3 ص 680.
5) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 2 ح 10 ص 684.

[ 286 ]

ثدييها خرقة تضم الثدي إلى الصدر ويشد إلى ظهرها " (1) وعن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " يكفن الرجل في ثلاثة أثواب والمرأة إذا كانت عظيمة في خمسة: درع ومنطق وخمار ولفافتان " (2) وأما النمط: فثوب فيه خطط مأخوذ من الانماط وهي الطريق. مسألة: وتبدل المرأة بالعمامة قناعا لما رواه أبان بن عثمان، عن عبد الرحمن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " تكفن المرأة في خمسة أثواب: أحدهما الخمار " و " الخمار " (3) هو القناع لانه تخمر به الرأس. مسألة: ويسحق " الكافور " بيده فان فضل منه جعله على صدره، وفي رواية يونس عنهم عليهم السلام " ثم اعمد إلى كافور مسحوق فضعه على جبهته موضع سجوده وامسح بالكافور جميع منابته [ مساجده ] من اليدين والرجلين ووسط راحته " (4) أما اختصاص السحق باليد فقد ذكره الشيخان، ولم أتحقق مستنده، وأما وضع ما يفضله من المساجد على صدره فقد ذكره جماعة من الاصحاب، من ذلك: رواية الحلبي قال: " اعمد إلى كافور فامسح به آثار السجود ومفاصله ورأسه ولحيته وعلى صدره من الحنوط، وقال: حنوط الرجل والمرأة سواء " (5). واعلم: ان رواية " يونس " هذه ضعيفة، وفي متنها اضطراب ومنافات لبعض ما ينقله الاصحاب، غير ان القدر الذي علمناه الامر بمسح المساجد بالكافور، وكان القصد به، والله أعلم تطيب مواضع العبادة وتخصيصها بمزيد التفصيل. مسألة: أقل المستحب من " الكافور " للحنوط درهم، وأفضل منه أربعة

1) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 2 ح 16 ص 729.
2) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 2 ح 9 ص 727.
3) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 2 ح 18 ص 729.
4) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 14 ح 3 ص 744.
5) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 14 ح 1 ص 744.

[ 287 ]

دراهم، وأكمل منه ثلاثة عشر درهما وثلاث، كذا ذكره الخمسة وأتباعهم. ثم لا أعلم للاصحاب فيه خلافا، وقد سلف من الاحاديث ما يتضمن ذلك والكلام علهيا. مسئلة: ويجعل معه " جريدتين " وهو مذهب علمائنا أجمع، ولم يستحبه من عداهم، لنا قوله عليه السلام " خضروا أصحابكم " (1) أي اجعلوا معه جريدة خضراء وما رواه أحمد في مسنده عن أبي بكر قال: " بينا انا أماشي النبي صلى الله عليه وآله فإذا نحن بقبرين، فقال: انهما يعذبان بكثير فأيكم يأتيني بجريد فأتيته فكسرها نصفين فألقى على ذا القبر قطعة وعلى ذا القبر قطعة، وقال انه مهون عنهما ما كانتا رطبتين وما يعذبان الا في البول والغيبة " (2). وما روي عن طريق أهل البيت عليهم السلام كثير، من ذلك: ما رواه الحسين بن زياد الصيقل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يوضع للميت جريدة في اليمين، والاخرى في اليسار، فان الجريدة تنفع المؤمن والكافر " (3) وعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قلت له: " لاي شئ يكون مع الميت جريدة؟ قال: تجافي عنه ما دامت رطبة " (4) وروي عنه عليه السلام " ان الجريدة تنفع المسئ والمحسن " (5). وروي ابن بابويه في كتابه عن يحيى بن عبادة المكي قال: " سمعت سفيان الثوري يسأل أبا جعفر عليه السلام عن التخضير، فقال: ان رجلا من الانصار مات فاوذن رسول الله صلى الله عليه وآله بموته فقال صلى الله عليه وآله لمن يليه من قرابته: خضروا صاحبكم فما أقل المخضرين يوم القيامة، قال: وما التخضير؟ قال: جريدة خضراء توضع من أصل

1) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 10 ح 1 ص 739.
2) مسند أحمد بن حنبل ج 5 ص 35.
3) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 7 ح 4 ص 736.
4) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 7 ح 4 ص 736.
5) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 7 ح 11 ص 738.

[ 288 ]

اليدين إلى أصل الترقوة " (1) وقال علي بن بابويه: فان لم يكن من النخل فلا بأس أن تكون من غيره. مسألة: ويجعل احديهما مع ترقوته من جانبه الايمن يلصقها بجلده، والاخرى من الجانب اليسار بين القميص والازار، ذكر ذلك الشيخان في المبسوط والنهاية والمقنعة. وقال ابن عقيل: واحدة تحت ابطه الايمن، وقال علي بن بابويه، يجعل اليمنى مع ترقوته واليسرى عند وركه بين القميص والازار. وفي رواية جميل بن دراج قال: " ان الجريدة قدر شبر توضع من عند الترقوة إلى ما بلغت من ما يلي الجانب الايمن، والاخرى في الايسر، من عند الترقوة إلى ما بلغت من فوق القميص " (2) وفي رواية عبد الله بن المغيرة، عن رجل، عن يحيى ابن عبادة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يوضع وأشار بيده من عند ترقوته إلى يده تلف مع ثيابه " (3) والروايتان ضعيفتان، لان القائل في الاول مجهول، والثانية مقطوعة السند، ومع اختلاف الروايات والاقوال يجب الجزم بالقدر المشترك بينها وهو استحباب وضعها مع الميت في كفنه أو في قبره بأي هذه الصور شئت. مسألة: وقيل فان تعذر النخل فمن السدر، وان تعذر فمن الخلاف، والمفيد (ره) قدم الخلاف على السدر، روي سهل بن زياد عن غير واحد من أصحابنا قلنا له: " جعلنا فداك ان لم نقدر على الجريدة؟ قال: عود السدر، قلنا: فان لم نقدر؟ قال: عود الخلاف " (4) وهذا كما ذكره الشيخ، لكن " سهل " ضعيف والمقول مجهول، فالرواية ساقطة.

1) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 7 ح 3 ص 736.
2) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 10 ح 2 ص 740. 3) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 10 ح 4 ص 740.
4) الوسائل ج 1 ابواب التكفين باب 8 ح 3 ص 739.

[ 289 ]

وروي علي بن بلال " انه كتب إليه سأله عن الجريدة إذا لم يوجد يجعل بدلها غيرها في موضع لا يمكن النخل؟ قال: يجوز، والجريدة أفضل " (1) وهذه أيضا لا يعلم من القائل فيها، وفي رواية: عود رمان، وفي اخرى: عود رطب، وكل ذلك لم يثبت، فلهذا استند الفتوى إلى قول الذاهب إليها لعدم العلم بالمستند. " المكروهات " مسألة: يكره بل الخيوط التي يخاط به الكفن بالريق، ذكره الشيخ في النهاية والمبسوط، ورأيت الاصحاب يجتنبونه ولا بأس بمتابعتهم، لازالة الاحتمال ووقوفا على الاولى، وهذا موضع الوفاق، ويكره أن يعمل لما يبتدأ من الاكفان اكمام، على هذا فتوى الاصحاب. وروي محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام قلت: " الرجل يكون له القميص يكفن فيه؟ فقال: اقطع أزراره، قلت: وكمه؟ قال لا، انما ذلك إذا قطع له وهو جديد لم يجعل له كما، فأما إذا كان ثوبا لبيسا فلا يقطع منه الا أزراره " (2) و " محمد بن عيسى " ضعيف، وكذا " محمد بن سنان " مع ان الرواية مرسلة، فهي إذا قاصرة عن افادة الحكم لكن العمل بمضمونها لما قلناه أمام هذا الفصل. مسألة: يكره أن يكفن في السواد، وعليه اجماع العلماء، ولانها ثياب مثلة، ويؤيد الكراهية ما رواه الحسين بن المختار، عن أبي عبد الله قال: " لا تكفن الميت في السواد " (3) و " حسين بن مختار " هذا واقفي، وعملنا ليس الا لقبول

1) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 8 ح 2 ص 738.
2) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 28 ح 2 ص 756.
3) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 21 ح 1 ص 751.

[ 290 ]

الاصحاب لها. مسألة: لا تجمر أكفان الميت، ولا تطيب بغير الكافور والذريرة، ومعنى " تجمر " تدخن بالمجمرة، و " المجمر ما تدخن به الثياب، قال الشاعر: لا تصطلي النار الا مجمرا أرجا - قد كسرت من يلنجوج له وقصا وعلى كراهية ذلك اجماع علمائنا، وقال الشافعي وأبو حنيفة: يستحب. لنا انه فعل لم يأمر به الشرع، فيكون فعله تضييعا، ويؤيده ما روي عن أهل البيت عليهم السلام عن طرق، منها: رواية ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا تجمروا الكفن " (1) وما رواه محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: " لا تجمروا الاكفان ولا تمسوا موتاكم بالطيب الا بالكافور، فان الميت بمنزلة المحرم " (2) ولا يضاده ما رواه عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا بأس بدخنة كفن الميت " (3) لان الجمع بين الروايتين بالجواز والكراهية. مسألة: يكره أن يكتب الكفن بالسواد، ذكر ذلك الشيخ في النهاية والمبسوط. وهو حسن، لان في ذلك نوع استبشاع، ولان وظائف الميت متلقاه توقيفا، فيقف على الدلالة. مسألة: يكره أن يجعل في سمعه وبصره شئ من الكافور، وهو اختيار الاكثر منا. لنا ان ذلك يفسدهما فيجتنب لقوله: جنبوا موتاكم ما تجنبون أحياكم. ولما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا تجعل في مسامع الميت حنوطا " (4) أما رواية عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " تضع

1) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 6 ح 2 ص 733.
2) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 6 ح 5 ص 734.
3) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 6 ح 13 ص 735.
4) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 16 ح 4 ص 747.

[ 291 ]

الكافور في فمه ومسامعه " (1) يريد بذلك على فمه فمحمولة على الجواز، وتلك على الكراهية. مسألة: قال في الخلاف: يكره أن يكون في الكافور شئ من المسك والعنبر. وكذا قال في النهاية والمبسوط، والمفيد في المقنعة، روي محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا تمسوا موتاكم بالطيب الا بالكافور " (2). مسألة: قيل: يكره أن يقطع الكفن بالحديد، ذكر ذلك الشيخان في النهاية والمبسوط والمقنعة، وقال في التهذيب: سمعنا ذلك مذاكرة من الشيوخ، وعليه كان عملهم، قلت: ويستحب متابعتهم تخلصا من الوقوع فيما يكره. الرابع: " الدفن ". مسألة: والغرض مواراته في الارض على جانبه الايمن مواجها للقبلة، أما وجوب دفنه فعليه اجماع المسلمين، ولان النبي صلى الله عليه وآله أمر بذلك ووقف على القبور وفعله، والكيفية المذكورة ذكرها الشيخ في النهاية والمبسوط، والمفيد في الرسالة العرفية، وابنا بابويه، ولان النبي صلى الله عليه وآله دفن كذلك، وهو عمل الصحابة والتابعين. مسألة: إذا مات في السفينة في البحر غسل وكفن وصلى عليه، وثقل ليرسب في الماء، أو جعل في خابية وشد رأسها وألقي في البحر، وقال أحمد: يتربص به توقعا للمكنة من دفنه. وقال الشافعي: يجعل بين لوحين. لنا ان المقصود من دفنه ستره، وهو يحصل على هذا التقدير، والقائه بين لوحين تعرض لهتكه وهو ضد المقصود بالدفن. ويؤيد ذلك ما روي من طريق أهل البيت عليهم السلام، رواه أيوب بن الحر قال: " سئل أبو عبد الله عن رجل مات وهو في السفينة في البحر كيف يصنع به؟ قال:

1) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 16 ح 3 ص 747. 2) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 6 ح 5 ص 734.

[ 292 ]

يوضع في خابية ويوكأ رأسها ويطرح في الماء " (1) وأما التثقيل ففيه أحاديث، فيها ضعف لكن العمل بها يتضمن ستر الميت وصيانته عن بقائه بين ظهراني صحبه، وروي أبان، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يغسل ويكفن ويصلى عليه ويثقل ويرسى في البحر " (2). مسألة: لو ماتت ذمية حاملا من مسلم دفنت في مقبرة المسلمين، يستدبر بها القبلة اكراما لولدها، العامل في الاكرام دفنت بمعنى انها تدفن في مقابر المسلمين اكراما لودها، والوجه فيه: ان الحمل المشار إليه له حرمة أجنة المسلمين، لانه لو سقط لم يدفن الا في مقابر المسلمين، وموته جوف أمه لم يسقط حرمته، ولما كان الدفن في مقبرة المسلمين له بالقصد الاصلي، روعي كيفية الدفن فيه لا في أمه. واستدل الشيخ في التهذيب على ذلك برواية أحمد بن أشيم، عن يونس قال: " سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يكون له الجارية اليهودية أو النصرانية حملت منه ثم ماتت، والولد في بطنها ومات الولد، أيدفن معها على النصرانية أو يخرج منها ويدفن على فطرة الاسلام؟ فكتب يدفن معها " (3) ولست أرى في هذا حجة، أما أولا: فلان " ابن أشيم " ضعيف جدا على ما ذكره النجاشي في كتاب المصنفين والشيخ. وأما ثانيا: فلان دفنه معها لا يتضمن دفنها في مقبرة المسلمين، بل ظاهر اللفظ يدل على دفن الولد معها حيث تدفن هي، ولا اشعار في الرواية بموضع دفنها، والوجه ان الولد لما كان محكوما له بأحكام المسلمين لم يجز دفنه في مقابر أهل

1) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 40 ح 1 ص 866.
2) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 40 ح 3 ص 867.
3) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 39 ح 2 ص 866.

[ 293 ]

الذمة واخراجه مع موتهما غير جائز، فتعين دفنها معه، وكما قلناه نقل عن عمر ابن الخطاب، وقال أحمد بن حنبل: يدفن بين مقبرة المسلمين والنصارى ويستدبر بها كما قلناه في الاستدبار. مسألة: مشي المشيع وراء الجنازة أو مع جانبيها أفضل من تقدمها، وهو مذهب فقهائنا، غير اني لا أكره المشي أمامها بل هو مباح، وبه قال الاوزاعي، وأبو حنيفة، وقال الشافعي ومالك وأحمد: المشي أمامها أفضل، لما روى ابن عمر قال: " رأيت النبي صلى الله عليه وآله وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة " (1) ولانهم شفعاء والشافع متقدم. لنا ما رووه عن علي عليه السلام قال: " فضل الماشي خلف الجنازة على الماشي أمامها كفضل المكتوبة على التطوع، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله " (2) ولانها متبوعة وليست تابعة، ومن طريق الاصحاب ما رواه السكوني، عن جعفر عليه السلام، عن أبيه عليه السلام، عن علي عليه السلام قال: " سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول اتبعوا الجنازة ولا تتبعكم خالفوا أهل الكتاب " (3). وما رواه الشافعي عن ابن عمر حكاية حال يعارضها القول فيكون الترجيح للقول، ولان فعله عليه السلام يدل على الجواز، وليس البحث فيه بل في الفضيلة ونحن نساعد على الجواز، ولكن التبع لها أفضل، وكذا المشي إلى جانبها يدل على ذلك ما رواه اسحق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المشي خلف الجنازة أفضل من المشي بين يديها " (4) ولا بأس أن يمشي بين يديها، وعن سدير عن أبي

1) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 23.
2) نقل في ذيل السنن البيهقي ج 4 ص 25.
3) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 4 ح 4 ص 825.
4) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 4 ح 1 ص 824.

[ 294 ]

جعفر عليه السلام قال: " من أحب أن يمشي مشي الكرام الكاتبين فليمش جنبي السرير " (1). مسألة: يكره أن يركب المشيع دابة في تشييعه، ولا بأس به في عوده، لما رووه عن ثوبان قال: " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في جنازة فرأى راكبا فقال: ألا تستحيون فان ملائكة الله على أقدامهم، وأنتم على ظهور الدواب " (2). ومن طريق الاصحاب ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " خرج رسول الله صلى الله عليه وآله في جنازة يمشي فقال له بعض أصحابه: ألا تركب؟ فقال: اني أكره أن أركب والملائكة يمشون " (3) وروي غياث بن ابراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه عليه السلام، عن علي عليه السلام " انه كره أن يركب الرجل مع الجنازة في بدأة الا من عذر وقال: يركب إذا رجع " (4) والراكب يتحتم عليه المضي خلف الجنازة عند أحمد، وعندنا يتأكد النبي صلى الله عليه وآله: " الراكب يسير خلف الجنازة والماش يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبا منها " (5). مسألة: قال علي بن بابويه في الرسالة: واياك أن تقول: ارفقوا به أو ترحموا عليه أو تضرب يدك على فخذك فيحبط أجرك. وبذلك رواية عن أهل البيت عليهم السلام نادرة، لكن لا بأس بمتابعته تقصيا من الوقوع في المكروه. مسألة: " تربيع " الجنازة مستحب، وهو تفعيل، ومعناه: حمل الجنازة من جوانبها الاربع، وأفضله ان يبدأ بمقدم السرير الايمن، ثم يمر عليه إلى مؤخره، ثم يؤخر السرير الايسر ويمر عليه إلى مقدمه دور الرحا، ذكره الشيخ في النهاية والمبسوط. وقال في الخلاف: يحمل بميامنه مقدم السرير الايسر، ثم يدور حوله

1) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 4 ح 3 ص 825.
2) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 23.
3) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 6 ح 1 ص 827.
4) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 6 ح 2 ص 827. 5) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 24.

[ 295 ]

حتى يرجع إلى المقدم، وهو المروي عن أحمد، وقال أبو حنيفة: لا يدور حوله بل يحمل مياسر السرير ثم يعود إلى ميامنه. وقال الشافعي: الحمل بين العمودين أفضل من التربيع، والجمع بينهما أكمل. لنا ان ما ذكرناه مروي عن أكابر الصحابة، كابن مسعود، وابن عمر، وسعيد بن جبير، ولانه أسهل على الحامل، ومن طريق الاصحاب ما رواه العلاء ابن سيابة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يبدأ في الحمل من الجانب الايمن ثم يمر عليه من خلفه إلى الجانب الاخر حتى يرجع إلى المقدم كذلك دور الرحا " (1). مسألة: يستحب حفر القبر قامة أو إلى الترقوة، وهو اختيار الشيخين وابن بابويه في كتابه، وقال أحمد: إلى الصدر، وعن الشافعي: قامة وبسطه لقوله: احفروا وأوسعوا وأعمقوا. لنا ان القصد بالدفن ستره وحفظه من الهوام، وهو يحصل بالقدر الذي ذكرناه، فلا حاجة إلى الزيادة، وقال ابن بابويه في كتابه، قال الصادق عليه السلام: حد القبر إلى الترقوة، وقد روي هذا الشيخ في التهذيب عن محمد بن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " حد القبر إلى الترقوة وقال بعضهم: إلى الثديين، وقال بعضهم: قامة الرجل حتى تمد الثوب على رأس من في القبر " (2). وروي السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام: ان النبي صلى الله عليه وآله نهي أن يعمق القبر فوق ثلاثة أذرع " (3) وأما خبر الشافعي وهو قال النبي صلى الله عليه وآله: احفروا واوسعوا واعمقوا. فلانه لا يدل على قدر التعميق فيقتصر على حصول مسماه، خصوصا وقد روي بطريق أهل البيت عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله النهي عن الزيادة على ثلاثة أذرع،

1) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 8 ح 5 ص 830.
2) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 14 ح 2 ص 836.
3) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 14 ح 1 ص 836.

[ 296 ]

فان ذلك يكون بيانا وبه تسقط دعوى الشافعي. مسألة: وأن يجعل له " لحد " ومعناه ان الحافر إذا انتهى إلى أرض القبر حفره مما يلي القبلة حفرا واسعا قدر ما يجلس فيه الجالس، كذا ذكره الشيخان في النهاية والمبسوط والمقنعة، وابن بابويه في كتابه، لقوله عليه السلام " اللحد لنا والشق لغيرنا " (1). ومن طريق الاصحاب ما رواه الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام " ان رسول الله صلى الله عليه وآله لحد له أبو طلحة الانصاري " (2) وفي رواية اسماعيل بن همام، عن الرضا عليه السلام قال: " قال أبو جعفر حين احتضر: إذا أنا مت فاحفروا لي شقا، فان قيل لكم: ان رسول الله صلى الله عليه وآله لحد فصدقوا " (3). وقال في التهذيب في رواية عن ابن أبي عمير، عن أبي عبد الله عليه السلام: وأما اللحد فقدر ما يتمكن فيه من الجلوس، ولو كانت الارض رخوة لا يحتمل يعمل له شبه اللحد من بناء تحصيلا للفضيلة. وقد روي سالم بن مكرم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يجعل للميت وسادة من تراب، ويجعل خلف ظهره مدرة لئلا يستلقى " (4). مسألة: يستحب لمن دخل قبر الميت أن يحل أزراره وأن يتخفى ويكشف رأسه، هذا مذهب الاصحاب، ويؤيده ما رواه بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله قال: " لا تنزل القبر وعليك عمامة ولا قلنسوة ولا رداء ولا حذاء، وحل ازرارك قلت: فالخف؟ قال: لا بأس " (5).

1) سنن البيهقي ج 3 كتاب الجنائز ص 408.
2) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 15 ح 1 ص 836.
3) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 15 ح 2 ص 836.
4) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 19 ح 5 ص 841.
5) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 18 ح 4 ص 840.

[ 297 ]

مسألة: ويدعو عند نزوله، وهو اتفاق العلماء، روي " ان ابن عمر ماتت له بنت فقال حين وضعها في لحدها: بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله فلما أخذ في تسوية اللبن قال: اللهم أجرها من الشيطان ومن عذاب القبر، اللهم جاف الارض عن جنبيها وصعد روحها ولقها منك رضوانا، وسأل عن هذا، فقال: سمعته من رسول الله " (1). ومن طريق الاصحاب ما رواه محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال: " إذا وضعته في لحده فقل: بسم الله وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله، اللهم عبدك نزل بك، وأنت خير منزول به، اللهم افسح له في قبره والحقه بنبيه، اللهم انا لا نعلم منه الا خيرا وأنت أعلم به منا، فإذا وضعت اللبن فقل: اللهم صل وحدته، وآنس وحشته، وأسكن إليه من رحمتك رحمة تعينه بها عن رحمة من سواك، فإذا خرجت من قبره فقل: انا لله وانا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين اللهم ارفع درجته في أعلى عليين واخلف على عقبه في الغابرين وعندك نحتسبه يا رب العالمين " (2). مسألة: يكره أن ينزل الرحم إلى قبر رحمه الا أن تكون امرأة، أما في الرجل فلان ذلك يقسي القلب، والرحمة صفة مرادة لله تعالى، وأما في المرأة فيستحب الرحم لانها عورة، روي السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام " مضت السنة من رسول الله ان المرأة لا يدخل قبرها الا من كان يراها في حيوتها " (3) ويدخل القبر من شاء الولي شفعا أو وترا، روي ذلك زرارة عن أبي عبد الله، ولان القصد المساعدة على ادخال الميت قبره فيقدر بقدر الحاجة. مسألة: ويجعل الميت عند رجل ان كان رجلا، وقدامه مما يلي القبلة

1) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 55.
2) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 21 ح 2 ص 845.
3) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 26 ح 1 ص 853.

[ 298 ]

ان كان امرأة، وينقل مرتين ويصبر عليه بينهما مرتين، ثم ينزل في الثالثة سابقا برأسه، وتؤخذ المرأة عرضا، هذا مذهب الشيخ في النهاية والمبسوط وابن بابويه في كتابه. وروي عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله قال " ينبغي أن يوضع الميت دون القبر هنيئة ثم واره " (1). وروى محمد بن عطية مرسلا قال: " إذا أتيت بأخيك إلى القبر فلا تقدمه ضعه أسفل من القبر بذراعين أو ثلاثة حتى يأخذ اهبته، ثم ضعه في لحده والصق خده بالارض، وليكن أولى الناس به مما يلي رأسه، وليقرء فاتحة الكتاب، والمعوذتين، وقل هو الله أحد، وآية الكرسي، ثم ليقل: ما يعلم حتى ينتهي إلى صاحبه " (2) وهذه الكيفية مستندها هذا الحديث ومثلها من الاحاديث التي يمنع ضعفها من التمسك بها، لكن المعول على عمل الاصحاب بها وقبولهم اياها، وعلى هذا التقدير ينبغي الاقتصار على ما تضمنته الرواية. مسألة: ثم يسل سلا من عند رجل القبر ويلحده، ثم يحل عقد كفنه من قبل رأسه ورجليه، روى الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا أتيت بالميت القبر فسله من قبل رجليه، وإذا وضعته في القبر فاقرء آية الكرسي وقل، ثم ذكر الدعاء " (3) وعن النبي صلى الله عليه وآله ان لكل بيت بابا، وان باب القبر من قبل الرجلين " (4). وروى السكوني عن جعفر، عن أبيه قال: " من دخل القبر فلا يخرج منه الا من قبل الرجلين " وعن عبد الصمد بن هرون رفع الحديث قال: " قال أبو

1) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 16 ح 1 ص 837.
2) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 20 ح 7 ص 844.
3) الوسائل ج 2 ابواب الدفن با 21 ح 1 ص 845.
4) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 22 ح 7 ص 849.
5) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 23 ح 1 ص 850.

[ 299 ]

عبد الله عليه السلام: إذا ادخل الميت القبر ان كان رجلا يسل سلا، والمرأة تؤخذ عرضا " (1) وقال أبو حنيفة: توضع الجنازة على جانب القبر مما يلي القبلة، ثم يدخل القبر معترضا، كما نقوله نحن في المرأة. لنا ما رواه أحمد، عن عبد الله بن زياد الانصاري " ان الحرث أوصى أن يليه عند موته، فصلى عليه، ثم دخل القبر فأدخله من رجل القبر " (2) وعن ابن عباس " ان النبي صلى الله عليه وآله سل من قبل رأسه سلا " (3). مسألة: وإذا طرحه في لحده لقنه الولي أو من نزل إليه التلقين الثاني، روى أبو بصير قال: " إذا وضعته في اللحد فضع فمك على اذنه وقل: الله ربك، والاسلام دينك، ومحمد نبيك، والقرآن كتابك، وعلي امامك " (4) وفي رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام " اضرب بيدك على منكبه وقل " (5). وكره أبو حنيفة أن يؤمر بها، ولا وجه له، وفي رواية محمد بن سنان عن اسحق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام " تضع يدك اليسرى على عضده الايسر وتحركه تحركا شديدا ثم تقول: يا فلان بن فلان إذا سئلت فقل: الله ربي، ومحمد نبيي، والاسلام ديني، والقرآن كتابي، وعلي امامي، حتى تستوفي الائمة، ثم تعيد القول " (6). مسألة: ثم يشرج اللحد باللبن، وان سواه بالطين كان ندبا، وهو مذهب فقهائنا، روى محمد بن سنان، عن اسحق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " وتقول عفوك عفوك، وتضع الطين واللبن تقول: اللهم صل وحدته، وأنس وحشته، وأمن روعته، واسكن إليه من رحمتك رحمة تغنيه بها عن رحمة من سواك، ثم تخرج من

1) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 38 ح 1 ص 865.
2) و 3) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 54.
4) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 20 ح 3 ص 844.
5) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 20 ح 6 ص 844.
6) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 21 ح 6 ص 847.

[ 300 ]

القبر وأنت تقول: انا لله وانا إليه راجعون، اللهم ارفع درجته في عليين واخلف على أهله في الغابرين، وعندك نحتسبه يا رب العالمين " (1). مسألة: ويهيل الحاضرون بظهور أكفهم مسترجعين، ولا يهيل ذو الرحم على رحمه، ذكره الشيخان في النهاية والمبسوط والمقنعة، وابنا بابويه، وعليه فتوى الاصحاب، ويؤيده ما رواه عبيد بن زرارة قال: " مات لبعض أصحاب أبي عبد الله عليه السلام ولد، فحضر أبو عبد الله عليه السلام فلما ألحد تقدم أبوه ليطرح عليه، فأخذ أبو عبد الله بكفه وقال: لا تطرح عليه التراب، فقلنا يابن رسول الله صلى الله عليه وآله أتنهانا عن هذا وحده، فقال: أنهاكم أن تطرحوا التراب على ذوي الارحام، فان ذلك يورث القسوة في القلب، ومن قسى قلبه بعد من ربه " (2). وعن السكوني قال: " إذا حثوت التراب على الميت فقل: اللهم ايمانا بك وتصديقا بنبيك، هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وقال أمير المؤمنين عليه السلام: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من حثى على ميت وقال هذا القول، أعطاه الله بكل ذرة حسنة " (3) والاسترجاع قول (انا لله وانا إليه راجعون) ودلالة استحباب الاية. مسألة: ويحل عقد كفنه ويجعل معه تربة، وعليه اتفاق الاصحاب، روى الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة " قلت لاحدهما: يحل كفن الميت؟ قال: نعم، ويبرز وجهه " (4) وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن عقد كفن الميت، قال: نعم إذا أدخله القبر فحلها " (5)

1) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 21 ح 6 ص 847.
2) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 30 ح 1 ص 855.
3) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 39 ح 4 ص 855.
4) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 19 ح 1 ص 841. 5) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 19 ح 3 ص 841.

[ 301 ]

وقد روى حفص البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يشق الكفن إذا أدخلت الميت في قبره من عند رأسه " (1) وهذه الرواية مخالفة لما عليه الاصحاب، ولان ذلك افساد للمال على وجه غير مشروع، ومثله رواية ابن عمير، عن غير واحد، عن أبي عبد الله عليه السلام فلا عبرة بهما، والصواب الاقتصار على حل عقده، وأما وضع التربة: ففتوى الشيخين، واختلف قولهما في موضع جعلها، والاحسن تحت خده، وقيل: في كفنه، وقيل تلقاء وجهه. مسألة: ثم يطم القبر، ولا يطرح فيه من غير ترابه، وعليه فتوى الاصحاب، روى الجلال باسناده عن جابر قال:: نهي رسول الله صلى الله عليه وآله أن يزاد في القبر على حفرته " (2) وعن عقبة بن عامر قال: " لا تجعل في القبر من التراب أكثر مما خزج منه " ومن طريق الاصحاب ما رواه السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام " ان النبي صلى الله عليه وآله نهى أن يزاد على القبر تراب لم يخرج منه " (3) وعنه، عن الصادق عليه السلام قال: " لا تطينوا القبر من غير طينه " (4). مسألة: ويرفع مقدار أربع أصابع مربعا، هذا فتوى الاصحاب بأجمعهم. ويؤيده رواية محمد بن مسلم قال: " سألت أحدهما عن الميت، فقال يسل سلا من قبل رجليه، ويلزق الارض بالقبر الا قدر أربع أصابع مفرجات، ويربع قبره " (5). ومن طريق الجمهور ما رواه الساجي باسناده عن جابر " ان النبي صلى الله عليه وآله رفع قبره عن الارض بقدر شبر " (6) والتربيع مذهبنا ومذهب الشافعي، خلافا لابي حنيفة

1) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 19 ح 2 ص 841.
2) سنن البيهقي ج 3 كتاب الجنائز ص 410.
3) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 36 ح 2 ص 864.
4) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 36 ح 2 ص 864.
5) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 22 ح 2 ص 848.
6) سنن البيهقي ج 3 كتاب الجنائز ص 410

[ 302 ]

ومالك وأحمد. لنا " ان النبي صلى الله عليه وآله سطح قبر ابنه ابراهيم، والقاسم قال: رأيت قبر النبي صلى الله عليه وآله وأبي بكر وعمر مسطحة " (1). مسألة: ويصب الماء عليه من رأسه دورا، فان فضل صبه على وسطه، وهو مذهب الاصحاب، ذكره الخمسة وأتباعهم، ويؤيد ذلك ما رواه موسى بن أكيل التميري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " السنة في رش الماء على القبر أن يستقبل القبلة ويبدأ من عند الرأس إلى عند الرجل، يدور على ا لقبر من الجانب الاخر، ثم يرش على وسط القبر " (2). ويستحب أن يتوضأ إذا دخل القبر، روى الحلبي ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " أمرني أبي أن أجعل ارتفاع قبره أربع أصابع مفرجات، وذكر ان الرش بالماء حسن، وقال: توضأ إذا أدخلت الميت القبر " (3). مسألة: ويضع الحاضرون الايدي عليه مترحمين، وهو مذهب فقهائنا، ويؤيده رواية زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إذا حثي عليه التراب وسوي قبره، فضع كفك على قبره عند رأسه، وفرج أصابعك، واغمز كفك عليه بعد ما ينضح بالماء " (4). وروى اسحق بن عمار قال: " قلت لابي الحسن عليه السلام: ان أصحابنا يضعون شيئا إذا حضروا الجنازة ودفن الميت، لم يرجعوا حتى يمسحوا بأيديهم على القبر، أفسنة ذلك أم بدعة؟ فقال: ذلك واجب على كل من يحضر الصلاة عليه " (5) وروى عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام كيف أضع يدي على

1) رواه البيهقي في سننه بغير هذا العبارة ج 4 ص 2 و 3.
2) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 33 ح 1 ص 859.
3) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 31 ح 7 ص 857.
4) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 33 ح 1 ص 860.
5) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 33 ح 2 ص 860.

[ 303 ]

قبور المسلمين؟ فأشار بيده إلى الارض فوضعها عليه وهو مقابل القبلة " (1). مسألة: ويلقنه الولي بعد انصراف الناس عنه، هذا هو التلقين الثالث، وهو مذهب علمائنا أجمع، وأنكر ذلك من سواهم من الفقهاء الاربعة. لنا ما رووه عن أبي امامة الباهلي " ان النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا مات أحدكم وسويتم عليه التراب فليقم أحدكم عند رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان بن فلان، فانه يسمع ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان بن فلانه فيستوي قاعدا، فانه يقول: أرشدنا يرحمك الله، فيقول: اذكر ما خرجت من دار الدنيا شهادة أن لا اله الا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وانك رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وآله نبيا، وبالقرآن كتابا، وبعلي عليه السلام اماما، فان منكرا ونكيرا يتأخر كل واحد منهما فيقول: انطلق فما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته، قال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله فان لم يعرف اسم أمه؟ قال: انسبه إلى حواء ". ومن طريق الاصحاب عن يحيى بن عبد الله عليه السلام قال: " سمعت أبا عبد الله يقول: ما على أهل الميت منكم أن يدرؤا عن ميتهم لقاء منكر ونكير، قلت: كيف يصنع؟ قال: إذ أفرد الميت فليتخلف عنده أولى الناس به، فليضع فمه عند رأسه ثم ينادي بأعلى صوته: يا فلان بن فلان أو فلانة بنت فلان هل أنت على العهد الذي فارقتنا عليه من شهادة أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، وان محمد صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، وان عليا عليه السلام أمير المؤمنين، وان ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله حق، وان الموت حق، والبعث حق، وان الله يبعث من في القبور، قال: فيقول منكر ونكير: انصرف بنا عن هذا فقد لقن حجته " (2).

1) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 33 ح 5 ص 861. 2) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 35 ح 1 ص 862.

[ 304 ]

(المكروهات) يكره فرش القبر بالساج الا مع الحاجة إليه، لانه اتلاف المال فيقف الجواز على الضرورة، ويؤيده من طريق الاصحاب ما رواه محمد بن علي القاساني، عن محمد بن محمد قال: كتب إليه علي بن بلال انه ربما مات عندنا الميت فتكون الارض ندية، فيفرش القبر بالساج أو تطبق عليه، فهل يجوز؟ فكتب ذلك جائز " (1). مسألة: ويكره تجصيص القبور وتجديدها، لما روي علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام " سألته عن البناء على القبر والجلوس عليه هل يصلح؟ فقال: لا يصلح البناء عليه، ولا الجلوس، ولا تجصيصه، ولا تطينه " (2) وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " من جدد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج من الاسلام " (3) وقد اختلف الاصحاب في رواية هذه اللفظة، فقال سعد بن عبد الله: هي " بالحاء المهملة " وعني زينتها، وقال المفيد (ره): " بالخاء " وعني شقها، من خددت الارض أي شققتها، فيكون النهي على هذا للتحريم. وقال محمد بن الحسن الصفار: " بالجيم " وعني تجديدها أي تجديد بنائها أو تطيينها، وحكي انه لم يكره رمها وقال البرقي: " بالجيم " و " الثاء " ولم يفسره وقال الشيخ (ره): المعنى ان يجعل القبر حدثا دفعة اخرى، قلت: وهذا الخبر رواه محمد بن سنان، عن أبي الجارود، عن الاصبغ، عن علي عليه السلام. و " محمد ابن سنان " ضعيف، وكذا " أبو الجارود " فاذن الرواية ساقطة، فلا ضرورة إلى التشاغل بتحقيق نقلها، وروى محمد ابن مسلم في صحيحه قال

1) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 27 ح 1 ص 853.
2) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 44 ح 1 ص 869.
3) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 43 ح 1 ص 868.

[ 305 ]

" نهي رسول الله صلى الله عليه وآله أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، أن يقعد عليه " ومذهب الشيخ: انه لا بأس بذلك ابتداء، وان الكراهية انما هي اعادتها بعد اندراسها. وروى يونس بن يعقوب " لما رجع أبو الحسن موسى عليه السلام من بغداد قاصدا إلى المدينة ماتت ابنته بفيد، فدفنها وأمر بعض مواليه أن يجصص قبرها ويكتب اسمها على لوح ويجعله في القبر " (1) والوجه حمل هذه على الجواز، والاولى على الكراهية مطلقا، وقال الشيخ في الخلاف، ويكره أن يجلس على قبر، أو يبكي عليه، أو يمشي عليه. وبه قال العلماء، وقال مالك: ان فعل ذلك للغائط كره، ولغيره لا يكره. لنا قوله عليه السلام " لان يجلس أحدكم على جمر فيخرق ثيابه فتصل النار إلى بدنه أحب الي من أن يجلس على قبر " (2) وهذه الرواية عامية، والمروي لنا ما سبق من رواية علي بن جعفر، فينبغي الاقتصار في الكراهية على مضمونها، على انه لو قبل بكراهية ذلك كله كان حسنا، لان القبر موضع العظة فلا يكون موضع الاستهانة. مسألة: يكره حمل ميتين على جنازة واحدة، ذكره الشيخ في النهاية والمبسوط، لانه شنيع، ولما رواه محمد بن الحسن الصفار قال: " كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أيجوز أن يجعل الميتين على جنازة واحدة في موضع الحاجة وقلة الناس وان كان الميتان رجلا وامرأة يحملان على سرير واحد ويصلى عليهما؟ فوقع عليه السلام لا يحمل الرجل والمرأة على سرير واحد " (3). مسألة: ولو كان مع الجنازة منكر لم يمنع لاجله عن الصلاة عليها إذا لم يتمكن من ازالته، لان الانكار سقط عنه بالعجز، فلا يسقط الواجب، ويؤيده ما رواه

1) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 37 ح 2 ص 864.
2) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 79 (مع تفاوت).
3) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 42. ح 1 ص 868.

[ 306 ]

زرارة قال: " حضرت في جنازة فصرخت صارخة فقال عطا: لتسكتن أو لنرجع، فلم تسكت فرجع، فقلت ذلك لابي جعفر، فقال: امض بنا، فلو انا إذا رأينا شيئا من الباطل مع الحق تركنا له الحق لم نقض حق مسلم " (1). مسألة: يكره دفن ميتين في قبر واحد، هذا إذا دفنا ابتداء أما إذا دفن أحدهما ثم أريد نبشه ودفن آخر فيه قال في المبسوط: يكره، ثم قال في المبسوط: وإذا بادر انسان وحفر قبرا فان لم يجد فيه شيئا فالحافر أحق به، وان وجد فيه عظاما أو غيرها رد التراب فيه ولم يدفن فيه شيئا، وهذا يدلك على أنه أراد بالكراهية أو لا التحريم، لان القبر صار حقا للاول يدفنه فيه فلم تجز مزاحمته بالثاني. مسألة: لا يستحب القيام إذا مرت به الجنازة، لذمي كانت أو لمسلم، روى مسلم " ان النبي صلى الله عليه وآله قام للجنازة ثم ترك " (2). ومن طريق الاصحاب ما رواه زرارة قال: " مرت جنازة فقام الانصاري ولم يقم أبو جعفر عليه السلام فقال له: ما أقامك؟ فقال: رأيت الحسين بن علي عليهما السلام يفعل ذلك فقال أبو جعفر عليه السلام: والله ما فعل ذلك الحسين ولا قام لها أحد منا أهل البيت قط، فقال الانصاري: شككتني أصلحك الله وقد كنت أظن اني رأيت " (3). وروى مثنى الخياط، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كان الحسين بن علي عليهما السلام جالسا فمرت به جنازة فقام الناس حين طلعت الجنازة، فقال الحسين عليه السلام: مرت جنازة يهودي وكان رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا على طريقها فكره أن يعلو رأسه جنازة يهودي " (4).

1) الوسائل ج 2 ابواب صلاة الجنازة باب 40 ح 1 ص 818.
2) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 27، صحيح مسلم ج 2 ص 661.
3) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 17 ح 1 ص 839.
4) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 17 ح 2 ص 839.

[ 307 ]

مسألة: يكره نقل الميت إلى غير بلد موته، وعليه العلماء أجمع، وقال علمائنا خاصة يجوز نقله إلى مشاهد الائمة عليهم السلام، بل يستحب. أما الاول: فلقول النبي صلى الله عليه وآله " عجلوهم إلى مضاجعهم " وهو دليل على الاقتصار على المواضع القريبة المعهودة بالدفن. وأما الثاني: فعليه عمل الاصحاب من زمن الائمة إلى الان، وهو مشهور بينهم لا يتناكرونه، ولانه يقصد بذلك التمسك بمن له أهلية الشفاعة، وهو حسن بين الاحياء توصلا إلى فوائد الدنيا، فالتوصل إلى فوائد الاخرة أولى. (اللواحق) وهي تشتمل مسائل: الاول: كفن المرأة على زوجها، سواء كانت موسرة أو معسرة، وعليه فتوى الاصحاب، واختلف أصحاب الشافعي فقال بعضهم: من مالها، وبه قال أحمد، لانقطاع العصمة وزوال ما يوجب الانفاق. لنا ما روى اسماعيل السامري، عن أبي جعفر عليه السلام، عن أبيه عليه السلام، عن علي عليه السلام قال: " على الزوج كفن امرأته إذا ماتت " (1) ولان الزوجية ثابتة إلى حين الوفاة فيجب الكفن، ومثله العبد، فانه يجب كفنه على مولاه بالاجماع، لاستمرار حكم رقيته إلى الوفاة، وقولهم: انقطعت العصمة فلا يجب كفنها، قلنا: ان أردتم انقطاع العصمة، بمعنى انه حلت له اختها مثلا فمسلم، وان أردتم لم يبق للزوجية أثر، فلا نسلم، وهذا لانه يجوز له تغسيلها وهو أولى بها من عصبتها، وهو مذهب الشافعي وأحمد وان منع أبو حنيفة، فالنقل يبطل منعه، لان عليا غسل فاطمة عليها السلام، واشتهر في الصحابة فلم ينكره أحد، فصار اجماعا.

1) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 33 ح 2 ص 759.

[ 308 ]

ورووا عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال لعايشة: " لو مت قبلي لغسلتك " (1) ولو لا علقته النكاح لما صح ذلك، ولانه لا يطلع على ما لا يستباح لغيره من الرجال الا بعلقة الرحم، أو النكاح، أو الملك، ولان الميراث تابع للزوجية واستحقاقه بعد الوفاة لقوله تعالى: * (ولكم نصف ما ترك أزواجكم) * (2) فسماهن أزواجا بعد الترك، والترك لا يتحقق الا عند الوفاة، وإذا ثبت تسميتها زوجة لزمه كفنها، لان سقوط أحكام الزوجية انما يتحقق متأخرة عن الوفاة، والكفن يجب عند الوفاة مقارنا لا متأخرا. مسئلة: وكفن الميت من أصل تركته، وهو مذهب أهل العلم الا شذاذا من الجمهور، فانهم جعلوه من الثلث. لنا ان جماعة من الصحابة لم يكن لهم تركة الا قدر الكفن فكفنوا به، كحمزة ومصعب بن عمير، ولانه لا ينتقل إلى الوارث الا ما فضل عن دينه، ومؤنة الرجل مقدمة على قضاء دينه. ويؤيد ذلك ما رواه الحسن بن محبوب، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ثمن الكفن من جميع المال " (3) وروى الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل مات وعليه دين، وخلف قدر ثمن كفنه، قال: يكفن بما ترك الا أن ينجر انسان بكفنه ويقضي بما ترك دينه " (4). مسألة: لا يجوز نبش القبور ولا نقل الموتى بعد دفنهم، أما النبش: فلانه مثلة بالميت وهتك له، وعلى تحريم نبشه اجماع المسلمين الا في صور نذكرها:

1) سنن البيهقي ج 3 كتاب الجنائز ص 396. 2) النساء: 12.
3) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 31 ح 1 ص 758.
4) الوسائل ج 13 ابواب الدين والقراض باب 13 ح 1 ص 98.

[ 309 ]

الاولى: إذا وقع في القبر ماله قيمة جاز نبشه لاخذه صيانة للمال عن الاضاعة. الثانية: إذا غصبت أرض دفن فيها، فلمالكها قلعه، لانه عدوان فيجب ازالته، وكذا لو كفن في الثوب المغصوب. الثالثة: لو دفن ولم يغسل. قال الشافعي: نبش وغسل وصلى عليه إذا لم يخش فساده في نفسه. وقال الشيخ في الخلاف: لا ينبش، وهو الوجه، لان النبش مثلة فلا يستدرك الغسل بالمثلة. الرابعة: إذا دفن ولم يكفن ولم يصل عليه فالوجه انه لا ينبش، لان الصلاة تستدرك بالصلاة على قبره، والدفن أغنى عن الكفن لحصول الستر به. مسألة: الشهيد إذا مات في المعركة لا يغسل ولا يكفن، وهو اجماع أهل العلم خلا سعيد بن المسبب والحسن البصري، فانهما أوجبا غسله قالا: لان الميت لا يموت حتى يجنب، ولا عبرة بخلافهما. لنا قوله عليه السلام " رملوهم بدمائهم فانهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما " (1). ويؤيده من طريق الاصحاب ما رواه أبان بن تغلب قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الذي يقتل في سبيل الله يدفن في ثيابه ولا يغسل، الا أن يدرك المسلمون وبه رمق ثم يموت بعد، فانه يغسل ويكفن ويحنط، ان رسول الله صلى الله عليه وآله كفن حمزة في ثيابه ولم يغسله، ولكنه صلى عليه " (2) وتجب الصلاة على الشهيد، قال الشافعي وأحمد لا يصلى عليه. لنا ما روي عن ابن عباس " ان النبي صلى الله عليه وآله صلى على قتلى أحد " (3) وقوله عليه السلام: " صلوا على من قال لا اله الا الله " وروى أبو داود باسناده " ان رجلا من

1) سنن النسائي ج 4 ص 78، سنن أحمد بن حنبل ج 5 ص 431. (مع تفاوت).
2) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 14 ح 9 ص 700.
3) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 13.

[ 310 ]

أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله طلب رجلا من حي جهينة فأخطأه فأصاب نفسه بسيفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أخوكم يا معشر المسلمين فابتدره الناس فوجدوه قد مات فكفنه رسول الله صلى الله عليه وآله بثيابه ودمائه وصلى عليه، فقالوا يا رسول الله أو شهيد هو؟ فقال: نعم وأنا له شهيد " (1). واحتج الشافعي بما رواه جابر " ان رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بدفن قتلى أحد بدمائهم ولم يغسلهم ولم يصل عليهم " (2) وبأن الصلاة شفاعة في الميت والشهيد غني بشهادته عن الشفاعة، ولانه حي والحي لا يصلى عليه. والجواب: المعارضة بما رويناه عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وبما رواه أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم نقول، خبرنا أرجح، لانه مثبت، والمثبت أولى بالقبول من النافي، وقوله: " الصلاة شفاعة " ليس بشئ، بل هي عبادة ثمرتها حصول الاجر وتحصيل المصلحة المنوطة بفعلها، ثم ينتقض ما ذكره بمن عرف انه مشهود له بالجنة من أعيان الصحابة، وقوله: " لا يصلى على الحي " قلنا: حق، لكن الشهيد ميت الجسد وان كان حي النفس، ولان الصلاة تجب بانقضاء النحب سواء حي بعد ذلك في الاخرة أو لم يحيى، وهذا الحكم يثبت ولو أكل وشرب وتكلم، خلافا لابي حنيفة لانه قتيل في سبيل الله فيلحقه حكم الشهيد. فروع الاول: لو كان الشهيد مجنبا لم يغسل، ذكره الشيخ في النهاية والمبسوط، وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة وأحمد: يغسل، واختاره ابن الجنيد منا والمرتضى في شرح الرسالة، لحديث حنظلة بن الراهب فان النبي صلى الله عليه وآله ما شأن حنظلة

1) سنن ابي داود ج 3 كتاب الجهاد ص 21.
2) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 10.

[ 311 ]

فاني رأيت الملائكة تغسله، قالوا: انه جامع ثم سمع الهيعة فخرج إلى القتال. لنا قوله عليه السلام " زملوهم بدمائهم، فانه ليس كليم يكلم في سبيل الله الا يأتي يوم القيامة بدمائه، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك " (1) وكذا لو طهرت الحائض والنفساء ثم استشهدتا لم تغتسلا وقال أحمد: تغسلان، وقال: لو قتلتا في الحيض والنفاس لم تغسلا، لان الطهر من الحيض شرط في الغسل. الثاني: هل يشترط في سقوط غسل الشهيد أن يغتسل بين يدي امام عادل في نصرته، أو من نصبه؟ قال الشيخان في النهاية والمبسوط والمقنعة: نعم، والاقرب اشتراط الجهاد السائغ حسب، فقد يجب الجهاد وان لم يكن الامام موجودا، لقوله عليه السلام " ادفنوهم بثيابهم " (2) وما روي عن الائمة عليهم السلام من طرق منها: أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الذي يقتل في سبيل الله يدفن كما هو في ثيابه، الا أن يدركه المسلمون وبه رمق ثم يموت بعد، فانه يغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه " (3) وعن أبي خالد قال: " اغسل كل الموتى الا من قتل بين الصفين " (4) فاشتراط ما ذكره الشيخان زيادة لم يعلمن النص. الثالث: كل مقتول في غير المعترك يغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه، وان قتل ظلما أو قتل دون ماله، وتسمية النبي صلى الله عليه وآله هذا شهيدا مبالغة في صلاح عاقبته، لان العمومات الدالة على وجوب الغسل تتناوله، لقول أبي عبد الله عليه السلام " اغسل كل الموتى الا من قتل بين الصفين " (5) ولان النبي صلى الله عليه وآله لم يترك غسل أحد من أموات المسلمين الا الشهداء فيتبع، ولان عليا عليه السلام وعمر قتلا وصلى عليهما المسلمون

(1) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 11.
(2) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 14.
3) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 14 ح 7 ص 700. 4) و 5) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 14 ح 3 ص 698.

[ 312 ]

بعد الغسل والتكفين، وكذا من مات بالبطن والطاعون أو الغرق أو الهدم أو النفاس وعلى هذا مذهب أهل العلم عدا الحسن البصري فانه قال: النفساء شهيدة. لنا التمسك بالاصل في وجوب الغسل، ولان سقوط الغسل بالشهادة، فلا يثبت الحكم مع عدمها. الرابع: حكم الصغير في ذلك حكم الكبير، والمرأة كالرجل، والعبد كالحر وقال أبو حنيفة: ليس الصغير كالكبير، بل يغسل ويكفن. لنا ان اسم الشهيد يقع عليه لانه مسلم قتل في المعترك، ولانه كان في قتل بدر وأحد أطفال كحارثة بن النعمان وعمير بن أبي وقاص ولم ينقل ان النبي صلى الله عليه وآله غسلهم. الخامس: من قتل بالحديد والخشب والصدم واللطم باليد أو الرجل سواء في سقوط الغسل، والاقصار على دفنهم بثيابهم، عملا باطلاق اللفظ. السادس: لو وجد غريقا في حال القتال أو محترقا أو ميتا لا أثر فيه، قال الشيخ في المبسوط والخلاف: حكمه حكم الشهيد، لان القتل لا يستلزم ظهور الاثر، وقال ابن الجنيد منا، يغسل، وما ذكره الشيخ في النهاية أجود. السابع: لو عاد سلاحه عليه في حال الحرب فقتله فالاقرب انه شهيد، لانه قتل بين الصفين في سبيل الله ويؤيد ذلك من طريقهم: رواية أبي داود، وقد سلفت وكذا من أصابه سلاح المسلمين، أو وطئه خيل المسلمين فانه شهيد. مسألة: ويدفن مع الشهيد جميع ثيابه، أصابها الدم أو لم يصبها، وهو اجماع المسلمين، ولقوله عليه السلام " ادفنوهم بثيابهم " (1) وفي دفن السراويل معه قولان عندنا، الاوجه: وجوب دفنه، لانه من الثياب، ولا يدفن معه الفرو والقلنسوة، قاله المفيد. وقال الشيخ في المبسوط: يدفن معه جميع ما عليه الا الخفين، وقال في الخلاف: ينزع عنه الجلود.

1) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 14.

[ 313 ]

لنا دفن ما عدا الثياب تضييع لم يعتبره الشرع، وما رووه " ان النبي صلى الله عليه وآله أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الجلود والحديد " (1) لا يقال: الجلد يسمى ثوبا، لانا نقول: المعهود في العرف هي المنسوجة فيصرف الاطلاق إليها. فرع " الخف " لا يدفن معه، ولا الفرو، وان أصابها الدم، وفي رواية " إذا أصاب الفرو والخفين والقلنسوة دفنت معه " (2) والرواية ضعيفة، رواها رجال الزيدية، عن زيد بن علي عليه السلام عن علي عليه السلام. مسألة: لو نقل من المعترك مرتمثا وهو الجريح الذي به رمق أو انقضى الحرب وبه رمق فعل به ما يفعل بالميت حتف أنفه، " الرمق " بقية الحيوة، ومعنى " حتف أنفه " أي من غير ضرب ولا قتل، يغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه، وان لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم، وهو اختيار الشيخ في المبسوط والخلاف، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: ان لم يتكلم ولم يأكل ولم يشرب فهو شهيد. لنا الاصل وجوب الغسل والتكفين، فيترك العمل به في موضع الاجماع، ولانه لا معنى لاعتبار الكلام، فقد يتكلم وان لم تكن حيوته مستقرة، وكذا الاكل والشرب. ومن طريق الاصحاب ما رواه أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام في الحديث الذي سلف، ومثله روى أبو مزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الشهيد إذا كان به رمق غسل وكفن وحنط وصلى عليه وان لم يكن به رمق دفن في أثوابه " (3).

1) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 14.
2) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 14 ح 10 ص 701 الا انه صرح باسم الجملة الشرطية المستفادة من العبارة السابقة.
3) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 14 ح 1 ص 698.

[ 314 ]

مسألة: يجب دفن الشهيد في ثيابه، ولا يجوز نزعها عنه، وقال احمد: ليس ذلك حتما، ويجوز نزعها وتكفينه في غيرها، لما روي " ان صفية أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ثوبين ليكفن بهما حمزة، فكفنه في أحدهما وكفن آخر في الاخر " (1) وجوابه: ان البحث ليس في أن يزاد على ثيابه، بل في جواز نزعها وليس في الخبر تصريح بذلك. وقد روى زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " دفن رسول الله صلى الله عليه وآله حمزة في ثيابه التي أصيب فيها، وزاده بردا فقصر عن رجليه فدعا له بأذخر وطرحه عليه، وصلى عليه سبعين تكبيرة " (2) وقد روي أن حمزة جرده المشركون فكفن لذلك، يدل عليه ما رواه أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام " ان رسول الله صلى الله عليه وآله كفن حمزة لانه كان جرد " (3) ولان ما ذكره حكاية فعل، وهو معارض بقوله عليه السلام " ادفنوهم بثيابهم " (4) والقول أرجح في الدلالة من الفعل. مسألة: من قتله البغاة من أهل العدل لا يغسل ولا يكفن، ويصلى عليه، وللشافعي قولان، لنا ان عليا عليه السلام لم يغسل أصحابه، وقال عمار: ادفنوني بثيابي فاني مخاصم وروي عن أحمد بن حنبل انه قال: " أوصى أصحاب الجمل انا مستشهدون غدا فلا تنزعوا عنا ثوبا ولا تغسلوا عنا دما، ومن قتله أهل العدل من البغاة ". قال الشيخ في المبسوط والخلاف: لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه سوى مات في المعركة أو نقل وبه رمق، قال: لانه عندنا كافر، وقال أبو حنيفة كذلك، لانه باين المسلمين دارا وحربا فأشبه الكافر، وقال الشيخ في السير من الخلاف: يغسل

(1) سنن البيهقي ج 3 كتاب الجنائز ص 401.
(2) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 14 ح 8 ص 700.
3) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 14 ح 7 ص 700.
4) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 14.

[ 315 ]

ويصلى عليه. مسألة: قطاع الطريق يغسلون ويكفنون ويصلى عليهم، لان الفسق لا يمنع هذه الاحكام. مسألة: إذا اختلط قتلى المشركين بقتلى المسلمين صلى عليهم جميعا بنية الصلاة على المسلمين خاصة، وفي المواراة وجهان، أحدهما: يوارى من كان كميشا أي صغير الذكر، روى ذلك الشيخ في المبسوط والخلاف عن علي عليه السلام، وروى حماد بن يحيى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال النبي صلى الله عليه وآله يوم بدر: لا يواروا الا كميشا يعني صغير الذكر، وقال: لا يكون الا في كرام الناس " (1) وتوقف بعض الاصحاب استضعافا للرواية. وقال بعض المتأخرين منا: يقرع لان القرعة في كل مشكل، وهو غلط لان الاصحاب لم يستعملوا القرعة في العبادات، ولو اطرد العموم لبطلت البحوث الفقهية. واحتج إلى القرعة في كل خلاف، ولو قيل بمواراة الجميع ترجيحا لجانب حرمة المسلم كان صوابا. فرع إذا وجد ميت فلم يعلم أمسلم هو أم كافر، فان كان في دار الاسلام، غسل وكفن وصلى عليه، وان كان في دار الكفر فهو بحكم الكافر، لان الظاهر انه من أهلها ولو كان فيه علامات المسلم، لانه لا علامة الا ويشارك فيها بعض أهل الكفر. مسألة: وإذا مات ولد الحامل قطع واخرج، وبه قال الشيخان في النهاية والمبسوط والمقنعة، وقال في الخلاف: ولم أعرف به للفقهاء نصا، واستدل باجماع الفرقة، روى وهب بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام " قال أمير المؤمنين عليه السلام في

(1) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 39 ح 3 ص 866.

[ 316 ]

المرأة تموت في بطنها الولد فيخوف [ فيخاف ] عليها قال: لا بأس أن يدخل الرجل يده فيقطعه ويخرجه إذا لم يتفق له النساء " (1). و " وهب " هذا عامي ضعيف لا يعمل بما ينفرد به، والوجه انه ان أمكن التوصل إلى اسقاطه صحيحا بشئ من العلاجات، والا توصل إلى اخراجه بالارفق فالارفق، ويتولى ذلك النساء، فان تعذر السناء فالرجال المحارم، فان تعذر جاز أن يتولاه غيرهم دفعا عن نفس الحي، ولو ماتت الام وبقي هو حيا على اليقين، شق جوفها من الجانب الايسر وأخرج الولد، ذكر ذلك الشيخان في المبسوط والنهاية والمقنعة وأتباعهما وابن بابويه. وقال في الخلاف: يشق جوفها، ولم يقيده بالايسر، وهو الذي دلت عليه الروايات، وقال أحمد بن حنبل: لا يشق جوفها مسلمة كانت أو ذمية، بل تسطو عليها القوابل فيخرجنه، ولو لم يوجد نساء لم يسط الرجال عليها وتركت حتى يتيقن موته يدفن، لانه مثلة، ولان حرمة الميت كحرمة الحي، وهذا الولد لا يعيش عادتا فلا يهتك حرمة متيقنة لامر موهوم. لنا انه توصل إلى بقاء الحي بجرح في ميت فيكون أولى، ولانه لو جرح بعضه ونشب بحيث يحتاج إلى السعة وجب الاتساع عليه والحال واحدة، ويؤيده ذلك من طريق الاصحاب ما رواه علي بن يقطين، عن موسى عليه السلام " في المرأة تموت وولدها في بطنها يتحرك، قال: يشق عن الولد " (2) ومثله روى علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام، وانما قلنا: و " في رواية " وتحاط الموضع، لانها رواية ابن أبي عمير عن ابن أذينة موقوفة عليه، فلا يكون حجة ولا ضرورة إليه، لان مصيرها إلى البلاء. مسألة: إذا وجد بعض الميت وفيه صدر فهو كما لو وجد كله، وهو مذهب

(1) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 46 ح 3 ص 673.
(2) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 46 ح 2 ص 673.

[ 317 ]

المفيد في المقنعة، وقال الشيخ في المبسوط والنهاية: ان كان موضع الصدر صلى عليه، وقال في الخلاف من كان صدره وما فيه قلبه صلى عليه، وقال مالك وأبو حنيفة: أن وجد الاكثر صلى عليه والا فلا، ولو قطع نصفين عرضا صلى على ما فيه الرأس ولو قطع طولا لم يصل عليه. وقال الشافعي: ان وجد منه عضو صلى عليه ولو كان العضو من حي أو ممن لا يعلم موته لم يصل عليه، لانه بعض من جملة لا يصلى علها فلا يصلى عليه، وإذا كان من ميت صلى عليه لان يد عبد الرحمن بن غياث بن أسيد ألقاها طائر بمكة عقيب وقعة الجمل فعرفت بخاتمه فصلى علها أهل مكة بمحضر من الصحابة ولم ينكر أحد فصار اجماعا، والذي يظهر لي انه لا تجب الصلاة الا أن يوجد ما فيه القلب، أو الصدر واليدان، أو عظام الميت. لنا ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام " في رجل يأكله السبع فتبقى عظامه بغير لحم فلا يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن " (1) وإذا كان الميت نصفين صلى على النصف الذي فيه القلب قال أبو جعفر بن بابويه وان لم يوجد منه الا الرأس لم يصل عليه. وروى البزنطي في جامعه عن أحمد بن محمد بن عيسى عن بعض أصحابنا يرفعه قال: " المقتول إذا قطع أعضائه يصلى على العضو الذي فيه القلب " (2) ولان الصلاة تثبت لحرمة النفس والقلب محل العلم وموضع الاعتقاد الموصل إلى النجاة فله مزية على غيره من الاعضاء وروى الفضيل بن عثمان الاعور عن الصادق عليه السلام عن أبيه في الرجل يقتل فيؤخذ رأسه في قبيلة ووسطه وصدره ويداه في قبيلة والباقي منه في قبيلة قال: " ديته

1) الوسائل ج 2 ابواب صلاة الجنازة باب 38 ح 1.
2) الوسائل ج 2 ابواب صلاة الجنازة باب 38 ح 12.

[ 318 ]

على من وجد في قبيلته صدره ويداه والصلاة عليه " (1). وبعض المتأخرين عاب على الشيخ (ره) حكاية القائد عبد الرحمن بن غياث بمكة وقال: قد ذكر البلاذري انها وقعت باليمامة وهو الصحيح فان البلاذري أبصر بهذا الشأن، وهو اقدام على شيخنا أبو جعفر (ره) وجرأة من غير تحقيق، فانا لا نسلم ان البلاذري أبصر منه، بل لا يصل غايته، والشافعي ذكر انها القيت بمكة. واحتج لمذهبه بالصلاة عليها بمحضر من الصحابة، ولا يقول أحد ان البلاذري أبصر من الشافعي في النقل، وشيخنا أورد منقول الشافعي فلا مأخذ عليه. نعم يمكن أن يقال للشافعي كما روي انها القيت بمكة، فقد روى انها القيت باليمامة ولا حجة في فعل أهل اليمامة ومع اختلاف النقل يخرج عن كونه حجة ولو سلمنا بمكة لم يكن الصلاة عليها حجة لانه لم يبق بها بعد خروج الجيش مع علي عليه السلام من يعتد بفعله، على انه يحتمل أن يكون الذي صلى عليها ممن يرى الصلاة على الغائب وسنبين ضعفه. وروى في اخبارنا مثل قول الشافعي رواه البزنطي عن أبي عبد الله عن ابن المغيرة قال: " بلغني عن أبي جعفر عليه السلام انه يصلي على كل عضو رجلا كان أو يدا أو الرأس جزءا فما زاد فإذا نقص عن رأس أو يد أو رجل لم يصل عليه " (2). وروى أحمد بن محمد عن محمد بن خالد عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا وجد الرجل قتيلا فان وجد له عضو من أعضائه تام صلى على ذلك العضو ودفن فان لم يوجد له عضو تام لم يصل عليه ودفن " (3) وذكر ذلك ابن بابويه في كتابه والروايتان مقطوعتا السند وأكثر الاصحاب يطرحهما فيسقط اعتبارهما، ولان الصلاة على الميت تجب بحسب الدلالة فينتفي مع عدمها.

1) الوسائل ج 2 ابواب صلاة الجنازة باب 38 ح 4.
2) الوسائل ج 2 ابواب صلاة الجنازة باب 38 ح 13.
3) الوسائل ج 2 ابواب صلاة الجنازة باب 38 ح 9.

[ 319 ]

فروع الاول: قال الشيخ في المبسوط: لو وجد منه قطعة فيها عظم فان كانت في المعركة قبل انقضاء الحرب لم يغسل وكفنت ودفنت من غير صلاة. وقال الشيخان: لو كانت في غير المعترك غسلت وحنطت وكفنت ودفنت من غير صلاة. الثاني: لو كانت القطعة لحما لا عظم فيها دفنت بحالها من غير غسل ولا صلاة. وقال سلار لفت في خرقة ودفنت. لنا التمسك بالاصل. الثالث: لو ابينت القطعة من حي دفنت من غير غسل، ولو كان فيها عظم ولا يصلى عليها لانها من جملة لا يغسل ولا يصلى عليها. مسألة: ولا يغسل السقط الا إذا استكمل شهورا أربعة، وهو مذهب علمائنا. وقال أبو حنيفة ومالك: يدرج في خرقة ويدفن الا أن يستهل. وللشافعي كالقولين. لنا انه مات بعد أن كان حيا فيجب غسله لما رووه ان الملائكة غسلت آدم عليه السلام، وقالوا لولده هذه سنة موتاكم. ومن طريق الاصحاب ما رواه أحمد بن محمد عمن ذكره قال: " إذا تم للسقط أربعة أشهر غسل " (1) وروى زراعة، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن السقط إذا استوت خلقته يجب عليه الغسل واللحد والكفن قال: " نعم كل ذلك يجب إذا استوى " (2) ولا مطعن على الروايتين بانقطاع سند الاولى وضعف سماعة من سند الثانية لانه لا معارض لهما مع قبول الاصحاب لهما. أما الصلاة عليه فلا، وهو اتفاق علمائنا. وبه قال أبو حنيفة. وقال أحمد يصلى عليه. وللشافعي مثل المذهبين. لنا ما رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل " (3).

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 12 ح 2. 2) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 12 ح 1.
3) سنن الترمذي كتاب الجنائز باب 43.

[ 320 ]

احتج أحمد بما رواه المغيرة ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " السقط يصلى عليه " والجواب: الطعن في السند فان المغيرة ضعيف عندنا لما اشتهر انحرافه عن علي عليه السلام، وقول عمر له حين ولاه الكوفة: أنت القوي الفاجر، مع انه قد روي عنه هذه بلفظ آخر قال: والطفل يصلى عليه، وبتقدير أن يكون اللفظ كذلك يكون مطلقا، يحتمل من ولد مستهلا ومن سقط ميتا، فيكون الترجيح لخبرنا، لانه مقيد بالاستهلال، ولان الصلاة تكليف مستفاد من الشرع فتقف على موضع الدلالة. ولو كان السقط أقل من أربعة أشهر لم يغسل، ولم يكفن، ولم يصل عليه، بل يلف في خرفة ويدفن، ذكر ذلك الشيخان في النهاية والمبسوط والمقنعة، وهو مذهب العلماء خلا ابن سيرين، ولا عبرة بخلافة، ولان المعنى الموجب للغسل هو الموت وهو مفقود هنا. ويدل عليه من طريق الاصحاب ما رواه محمد بن الفضل قال: كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام أسأله عن السقط كيف يصنع به قال: " السقط يدفن بدمه في موضعه ". مسألة: ولا يغسل الرجل الارجل وكذا المرأة، هذا اختيار الشيخ رحمه الله في الاستبصار الا مع الضرورة فان المرأة تغسل زوجها والرجل زوجته من وراء الثياب وكذا المحارم، والحق ان هيهنا مسائل: الاولى: يجوز للمرأة أن تغسل زوجها مجردا مع وجود المحارم وعدمهم وهو اختيار علم الهدى في شرح الرسالة، مذهب الشيخ في الخلاف، وقال في النهاية: تغسله أو غيرها من محارمه مع عدم الرجال من وراء الثياب، ولا يجردنه. وأطبق الجمهور على الجواز كما قلناه. لنا ما رووه عن عايشة انها قالت لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله صلى الله عليه وآله الا نساؤه (1) ورووا ان أبا بكر أوصى أن يغسله أسماء بنت عميس وكانت

1) سنن البيهقي ج 3 كتاب الجنائز ص 398.

[ 321 ]

صائمة فعزم عليها أن تفطر فلما فرغت من غسله ذكرت يمينه فقالت لا أتبعه اليوم خشا ودعت بماء فشربت وأوصى جابر بن زيد أن تغسله امرأته. ومن طريق الاصحاب ما رواه عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلح أن ينظر إلى امرأته حين تموت أو يغسلها ان لم يكن عندها من يغسلها وعن المرأة هل لها مثل ذلك من زوجها حين يموت؟ فقال: " لا بأس انما يفعل ذلك أهل المرأة كراهية أن ينظر زوجها إلى شئ يكرهونه " (1). أما أخبار المانعة فمحمولة على الكراهية، وكذا ما روي من اشتراط تغسيلها اياه من وراء الثياب. فروع الاول: حكم أم الولد حكم الزوجة، وقال أبو حنيفة لا يجوز لانها عتقت بموته. لنا ان بعض علق الملك باقية وهو وجوب الكفن والمؤنة والعدة. ويؤيد ذلك ما رواه اسحق بن عمار عن جعفر عن أبيه ان علي بن الحسين عليه السلام " أوصى أن تغسله أم ولد له إذا مات فغسلته " (2) ولا يمنع العتق من ذلك لان جواز الاطلاع في زمان الحيوة قد يستصحب بعد الوفاة، كما قال في الزوجة تغسل الزوج وان انقطعت العصمة. الثاني: إذا لم تكن المملوكة أم ولد فالاقرب انها لا تغسله، لان ملكه انتقل عنه إلى غيره فحرم عليها النظر إليه. الثالث: لو كانت الزوجة كافرة ففي التولي وجهان: أحدهما الجواز لرواية عمار المتضمنة لجواز أن تتولاها الكافرة عند عدم النساء. والثاني المنع لان الغسل عبادة يفتقر إلى نية القربة وهي متعددة في حقها.

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 24 ح 1.
2) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 25 ح 1.

[ 322 ]

الثانية: في تغسيل الرجل زوجته قولان أحدهما الجواز، وهو اختيار علم الهدى في شرح الرسالة، والشيخ رحمه الله في الخلاف. وقال في النهاية والاستبصار لا يجوز الا مع عدم النساء من وراء الثياب. وقال أبو حنيفة: لا يجوز لان الموت فرقة ينقطع معهما عصمة النكاح، ويحل معها نكاح اختها وأربع غيرها فيحرم اللمس والنظر. لنا ما روي أن عليا عليه السلام غسل فاطمة عليها الصلوة والسلام. (1) وما روي ان النبي صلى الله عليه وآله قال لعايشة: " لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك " (2) لا يقال لعل معناه أمرت بغسلك وتكفينك، لانا نقول الظاهر في اضافة الفعل إلى الانسان ارادة المباشرة لا الاستبانة. ومن طريق الاصحاب ما رواه صفوان عن منصور عن أبي عبد الله عليه السلام عن الرجل يخرج إلى السفر ومعه امرأته تغسلها قال: " نعم واخته ونحو هذا ويلقي على عورتها خرقة " (3) واستدلال أبي حنيفة ضعيف، لانا لا نسلم ان جواز نكاح الاربع والاخت تستلزم تحريم النظر واللمس فان المرأة الحامل يموت زوجها فتضع ومع الوضع يجوز أن تنكح غيره ولا يمنعها ذلك نظر الزوج ولا غسله ولا حجة في العدة، لانه لو طلقها باينا ثم مات فهي في عدة ولا يجوز لها تغسيله. فرع لو طلقها ثم مات، فان كانت رجعية فلها تغسيله، وان كانت باينا لم يجز لان لمسها ونظرها محرم في حال الحيوة فيستصحب التحريم. الثالثة: يجوز للمحارم أن يغسلن محارمهن، إذا لم يوجد رجال. وكذا

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 24 ح 17.
2) سنن البيهقي ج 3 كتاب الجنائز ص 396.
3) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 20 ح 1.

[ 323 ]

الرجال. ونعني بالمحارم من لا يجوز للرجل نكاح واحدة منهن، وتستوي ذات النسب والرضاع ويكون ذلك من وراء الثياب، وهو اختيار الشيخ في كتبه. وقال مالك ومحمد يجوز عند الضرورة، ومنعه الجمهور. لنا ان المرأة عورة فيحرم النظر إليها وانما جاز مع الضرورة من وراء الثياب جمعا بين التطهير والستر. ويؤيده ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يموت وليس عنده من يغسله الا النساء هل تغسله النساء قال: " تغسله امرأته أو ذات محرمة وتصب عليه النساء صبا من فوق الثياب " (1) وعن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا مات الرجل مع النساء غسلته امرأته فان لم تكن امرأته غسلته أولاهن به وتلف على يدها خرقة " (2). الرابعة: لا يغسل الرجل أجنبية ولا المرأة أجنبيا وهو اجماع أهل العلم. ويجوز أن يغسل المرأة ابن ثلاث سنين مجردا اختيارا واضطرارا. وقولنا في الاصل مع التعذر يريد الاولى لا التحريم، ووجهه ان للمرأة معاناة الصغير والاطلاع على عورته في حال تربيته فيعلم من ذلك الاباحة. وقال المفيد في المقنعة وسلار منا: يجوز أن يغسلن ابن خمس مجردا وان كان ابن أكثر من خمس صببن عليه الماء صبا. وقال أحمد يغسلن ابن سبع. وقال أبو حنيفة يغسلن من لم يجامع مثله ولم يشتبه وكذا الصبية. لنا ما رواه أبو التمر مولى أبي الحارث النظري عن أبي عبد الله عليه السلام قلت حدثني عن الصبي إلى كم تغسله النساء فقال: " إلى ثلاث سنين " (3) ولان ما ذكرناه اقتصارا على موضع الوفاق فيكون أولى.

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 20 ح 4.
2) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 20 ح 6.
3) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 23 ح 1.

[ 324 ]

الخامسة: قال الشيخ: ويغسل الرجل بنت ثلاث سنين مجردة، وبه قال المفيد في المقنعة. وان كانت الاكثر غسلوها في ثيابها وصبوا عليها الماء صبا. وقال أبو جعفر بن بابويه: ان كانت بنت خمس لا تغسل وتدفن بثيابها وان كان سنها أقل من خمس غسلت ودفنت. وعندي في ذلك توقف. واستدل في التهذيب بما رواه أحمد بن محمد بن يحيى مرسلا قال روي في الجارية تموت مع الرجل فقال: " إذا كانت بنت أقل من خمس أو ست دفنت ولم تغسل " (1) قال يعني انها لا تغسل مجرده من ثيابها، والرواية مرسلة ومتنها مضطرب فلا عبرة بها، ثم لا نعلم القائل. فالاولى المنع. والفرق بين الصبي والصبية ان الشرع أذن في اطلاع النساء على الصبي لافتقاره إليهن في التربية وليس كذلك الصبية، والاصل حرمة النظر. السادسة: إذا مات امرأة بين رجال أجانب ولا نساء، قال أبو حنيفة يؤممها الرجال لان الغسل تعذر فصار كعدم الماء. ولاصحابنا فيه روايات احديها " يصبون عليه الماء صبا من وراء الثياب " (2) روى ذلك أبو سعيد عن أبي عبد الله عليه السلام وعمرو ابن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام، واستحبه الشيخ رحمه الله في التهذيب والاستبصار جمعا بين الاخبار. والثانية " يغسلون ما يجب عليه التيمم الوجه والكفان " (3) وفي رواية " يغسلون مواضع الوضوء " (4) والروايات ضعيفة. أما الاولى فلان أبا سعيد وعمروا ضعيفان. وأما الثانية فرواية علي بن أبي حمزة عن أبي بصير، وعلي بن أبي حمزة واقفي، فلا على روايته مع وجود

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 23 ح 3. 2) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 22 ح 5.
3) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 22 ح 1.
4) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 22 ح 6.

[ 325 ]

معارض سليم. وفي رواية " يدفنونها من غير غسل " (1) وهي المشهورة وعليها العمل. لنا ان نظر الاجنبي محرم والغاسل لا ينفك عن الاطلاع على ما يحرم. وروى أبو الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال في الرجل يموت في السفر في أرض ليس معه الا النساء قال: " يدفن ولا يغسل " (2) والمرأة تكون مع الرجال في تلك المنزلة تدفن ولا تغسل. ومثله روى داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام، وقد دلت هذه الرواية على أن الحكم في الرجل يموت بين النساء الاجانب ولا رجل كالمرأة فلا يحتاج إلى افراد البحث فيه بمسألة منفردة. واحتجاج أبي حنيفة ضعيف، لان نظر الاجنبي محرم والمانع من الغسل مانع من التيمم، وان كان الاطلاع مع التيمم أقل لكن النظر محرم قليله وكثيره. السابعة: إذا مات الرجل بين نساء أجانب ورجال كفار لا مسلم فيهم أو المرأة بين رجال أجانب ونساء كافرات لا مسلمة فيهن، قال الشيخان في المبسوط والنهاية والمقنعة: يأمر المسلمة أو المسلم الرجال الكفار أو النساء الكافرات بالاغتسال، ثم يغسل المسلم أو المسلمة. واحتج الشيخ في التهذيب لذلك بما رواه عمار بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام قلت: ان مات مسلم وليس معه رجل مسلم ولا امرأة مسلمة من ذوي قرابته ومعه رجال نصارى ونساء مسلمات قال: " يغتسل النصارى ثم يغسلونه فقد اضطر " وعن المرأة المسلمة تموت وليس معها امرأة مسلمة ولا رجل مسلم من ذوي قرابتها ومعها نصرانية ورجال مسلمون قال: " تغتسل النصرانية ثم تغسلها " (3). وفي رواية سعد بن عبد الله عن أبي الجوزاء عن الحسين بن علوان عن عمرو

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 21 ح 3.
2) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 21 ح 4.
3) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 19 ح 1.

[ 326 ]

ابن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليه السلام قال: " أتى رسول الله صلى الله عليه وآله نفر فقالوا ان امرأة توفت معنا وليس معها ذو محرم فقال كيف صنعتم فقالوا صببنا عليها الماء صبا فقال: أو ما وجدتم امرأة من أهل الكتاب تغسلها فقالوا: لا، قال: أفلا يتمموها " (1) ووجه دلالة هذا الحديث انه نية على جواز تغسيل امرأة من أهل الكتاب لها، فكان جائزا. وعندي في هذ توقف، والاقرب دفنها من غير غسل لان غسل الميت يفتقر إلى النية والكافر لا تصح منه نية القربة وأما الحديثان فالاول رواه الحسن بن علي بن فضال عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار بن صدقة عن عمار بن موسى، والسند كله فطحية وهو مناف للاصل. والحديث الثاني رجاله زيدية وحديثهم مطرح بين الاصحاب. فرع هل يجوز أن يتولى الطفل المميز بغسل الميت. فيه تردد، والجواز أشبه، لانه تصح منه نية القربة كما في الطهارة للصلاة المندوبة. مسألة: إذا مات المحرم كان كالمحل لكن لا يقرب الكافور، هذا مذهب الشيخين في المبسوط والنهاية والمقنعة وأتباعهما. وقال علم الهدى في شرح الرسالة: الاشبه انه لا يغطى رأسه ولا يقرب الكافور، وكذا قال ابن أبي عقيل. قال الشافعي وأحمد: انه محرم فيجنب جميع ما يجنب المحرم من المخيط وغيره. وقال أبو حنيفة ومالك: يفعل به ما تفعل بالحلال لان احرامه يبطل بالموت كالصلاة والصوم، ولقوله عليه السلام " خمروا موتاكم ولا تشبهوا باليهود " (2).

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 19 ح 2.
2) سنن البيهقي ج 3 كتاب الجنائز ص 394.

[ 327 ]

واحتج المرتضى بما روي عن ابن عباس ان محرما وقصت به ناقته فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله فقال: " اغسلوه بماء وسدر وكفنوه ولا تمسوه طيبا ولا تخمروا رأسه فانه يحشر يوم القيامة ملبيا " (1). والوجه ما ذكره الشيخان لان مقتضى الدليل التسوية بين الموتى في التغسيل والتكفين عملا بالالفاظ المطلقة من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله، ولان الميت يخرج بالموت عن التكليف فيخرج به عن الاحرام، ولا ينافي ذلك قوله عليه السلام " يأتي يوم القيامة ملبيا " لان ذلك يدل على حال الاخرة ولا يدل على حال الدنيا، ولو قيل المعنى عليه لا ينقطع احرامه وكذا المجنون وان خرج عن التكليف منعنا التسوية، لان المجنون والمغمى عليه يطاف بهما، وهو دليل بقاء حكم الاحرام، وليس كذلك الميت. ويستدل على الشافعي بما روي عن عطا انه قال في المحرم انه إذا مات فليخمر رأسه فانه بلغنا ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " خمروا وجوهكم ولا تشبهوا باليهود " (2) ورواية ابن عباس يحتمل أن يكون قبل ايجاب تخمير الرأس فقد كان في صدر الاسلام ذلك مشروعا في الموتى تبعا لشرع ما تقدم، ثم نسخ بقوله خمروهم وانما تركنا الطيب لوجهين: احدهما: رواية ابن عباس المذكورة فانها تضمنت المنع من الطيب وتخمير الراس فإذا بطل العمل بالتخمير بما ذكرناه من الاحتمال بقى الحكم الاخر سليما عن المعارض. والثاني: رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قال: سألتهما عن المحرم كيف يصنع به إذا مات قال: " يغطى وجهه ويصنع به كما صنع بالحلال

1) سنن أبى داود ج 3 كتاب الجنائز ص 219.
2) سنن البيهقي ج 3 كتاب الجنائز ص 394.

[ 328 ]

غير انه لا يقرب طيبا " (1)، وعن أبي مريم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " خرج عبد الرحمن بن الحسن مع الحسين عليه السلام وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن العباس فمات عبد الرحمن بالابواء وهو محرم فغسلوه وكفنوه ولم يحنطوه وخمروا وجهه ورأسه ودفنوه " (2). مسألة: لا يغسل الكافر ولا يكفن ولا يدفن بين المسلمين، وبه قال الثلاثة هذا إذا كان أجنبيا، وأجازه الشافعي ولو كان ذا قرابة، فعندنا لا يجوز لذي قرابة تغسيله ولا تكفينه ولا دفنه. وقال علم الهدى في شرح الرسالة: فان لم يكن من يواريه جاز مواراته لئلا يضيع، وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة والشافعي يغسله ويتبعه ويدفنه ولم يفصلا. لنا ان الكافر نجس فلا يطهره الغسل. وأما المنع من الصلاة والدفن فلقوله تعالى * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) * (3) وقوله تعالى * (ومن يتولهم منكم فانه منهم) * لا يقال المراد الموالاة في الدين، لانا نقول يحمل على الجميع عملا بالاطلاق ولان التكفين نوع من اكرام وليس الكافر موضعا له، ولان الغسل والتكفين مستفاد ان من الشرع فتقفان على الدلالة. ويؤيد ما ذكرناه ما رواه عمار بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام انه سأل عن النصراني يكون في السفر وهو مع المسلمين فيموت قال: " لا يغسله مسلم ولا كرامة ولا يدفنه ولا يقوم على قبره ولو كان أباه " (4). وأورد علم الهدى في شرح الرسالة عن يحيى بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام النهي عن تغسيل المسلم قرابته الذمي

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 13 ح 4.
2) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 13 ح 5.
3) سورة مائدة: 51.
4) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 18 ح 1.

[ 329 ]

والمشرك وأن يكفنه ويصلي عليه ويلوذ به (1). واحتج المخالف بقوله تعالى * (وصاحبهما في الدنيا معروفا) * (2) وبما روي ان عليا عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وآله ان عمك الضال قد مات قال " اذهب فواره " (3) وبأنه يجوز أن يغسل جسده في حياته فكذا بعد وفاته. والجواب ان الصحبة في الدنيا بالمعروف تتناول ما بعد الموت لان الميت خارج عن الدنيا ثم لا نسلم ان الغسل والكفن من المعروف فانه أمر مستفاد من الشرع وتكليف يتناول الحي فيقف على الدلالة. أما الجواب عن الخبر فبالطعن فيه لان مذهب الاصحاب ان أبا طالب مؤمن وليس بضال، ولان في جملة الخبر ان عليا عليه السلام قال أواريه وهو كافر فقال عليه السلام فمن يواريه إذا، وهو دليل على أنه لم يكن له موار ومتى كان كذلك جاز مواراته لئلا يبقى ضائعا. وأما استدلالهم بجواز غسل جسده وتنظيفه في الحيوة وعلى تغسيله وتكفينه فضعيف، لان التغسيل عبادة يراد بها التطهير فلا يجري مجرى غسل الحي من الوسخ واماطة الدرن، لانه ممكن في الحي وان كان كافرا وليس التطهير ممكنا في طرف الميت الكافر. فرع قال المفيد رحمه الله في المقنعة: لا يجوز لاحد من أهل الايمان أن يغسل مخالفا في الولاية ولا يصلي عليه الا أن تدعوه ضرورة فتغسله غسل أهل الخلاف.

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 18 ح 2.
2) سورة لقمان: 15.
3) سنن البيهقي ج 3 كتاب الجنائز ص 398.

[ 330 ]

واحتج الشيخ أبو جعفر رحمه الله في التهذيب لذلك، بأنه كافر وإذا كان غسل الكافر غير جائز فغسل المخالف في الولاية غير جائز. وقال في المبسوط والنهاية: ولا ينبغي للمؤمن أن يغسل أهل الخلاف فان اضطر غسله غسلهم، ولا يترك معه الجريدة. فرع قال في الخلاف: ولد الزنا يغسل ويصلى عليه. وقال قتادة لا يصلى عليه. لنا قوله عليه السلام " صلوا على من قال لا اله الا الله " ويلزم من قال من أصحابنا بكفره المنع من تغسيله والصلاة عليه. مسألة: إذا لقي الكفن نجاسة غسلت ما لم يطرح في القبر وقرضت بعد جعله فيه، هذا ذكر علي بن بابويه في الرسالة، وأطلق الشيخ قرضه. لنا ان قرضه اتلاف للمال وهو منهي عنه فيقتصر على قرضه في موضع الوفاق. ويمكن أن يحتج لما ذكره في النهاية برواية عبد الله بن يحيى الكاهلي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا خرج من منخر الميت الدم أو الشئ بعد الغسل فأصاب العمامة والكفن قرض بالمقراض " (1)، ومثله روى ابن أبي عمير وأحمد بن محمد عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا خرج من الميت شئ بعد ما يكفن فأصاب الكفن قرض من الكفن زيادات " (2). مسألة: عيادة المريض مستحبة روى البخاري عن البراء قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وآله باتباع الجنائز وعيادة المريض (3). وروى الترمذي عن علي عليه السلام ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " ما من رجل يعود مريضا ممسيا الا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى

1) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 24 ح 3.
2) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 24 ح 1.
3) سنن النسائي ج 4 كتاب الجنائز ص 54.

[ 331 ]

يصبح ومن أتاه مصبحا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يمسي " (1). وعن جابر بن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام قال: " من حق المسلم على المسلم أن يبر قسمه ويجيب دعوته ويعود مريضه ويشهد جنازته " (2) وعن علي بن عقبة عن أبي عبد الله قال: " حق المسلم على أخيه أن يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض وينصح له إذا غاب ويتبعه إذا مات ". مسألة: النظر في أمر الميت إلى أولى الناس بميراثه من الرجال ثم النساء ويستحب أن يلي تمريض المريض أرفق أهله به، وأعلمهم بتدبيره. أما الاول فلقوله تعالى * (واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض) * (3) ولما روى غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام، قال: " يغسل الميت أولى الناس به " (4) وأما الثاني فلانه أقرب إلى رجاء الصلاح. مسألة: يستحب إذا فرغ الغاسل أن ينشف الميت بثوب لئلا يبل أكفانه. وروي عن ابن عباس في غسل النبي صلى الله عليه وآله قال: فجففوه بثوب، وعن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام: " إذا جففت الميت عمدت إلى الكافور فمسحت به آثار السجود ومفاصله " (5). مسألة: إذا قصر الكفن عن الميت غطى رأسه وجعل على رجليه حشيش أو ورق يستر به كما فعل النبي صلى الله عليه وآله بحمزة ولو كثر الموتى، وقلت الاكفان. قيل يجعل الرجلان والثلاثة في الثوب الواحد لحديث أنس، ولا بأس به.

1) سنن البيهقي ج 3 كتاب الجنائز ص 381 (مع اختلاف يسير).
2) الوسائل ج 8 ابواب أحكام العشرة باب 122 ح 7 (الا انه روى عن أبى عبد الله " ع ").
3) سورة انفال: 75.
4) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 26 ح 2.
5) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 16 ح 6..

[ 332 ]

مسئلة: إذا أحب أهل الميت أن يروه بعد تكفينه جاز، لما روي ان رسول الله صلى الله عليه وآله قبل عثمان بن مظعون وهو ميت (1). ولما روي عن جابر قال لما قتل أبي جعلت أكشف عن وجهه وأبكي ورسول الله لا ينهاني (2). وروى الاصحاب عن الصادق عليه السلام انه كشف عن وجه اسماعيل بعد أن كفن فقبل جبهته (3). مسألة: روى العلا بن سيابة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " القتيل في معصية يغسل منه الدم ثم يصب عليه الماء ولا يدلك ويبدأ بيديه ودبره وتربط جراحاته بالقطن والحنوط وإذا وضع عليه القطن عصب، وكذا موضع الرأس والرقبة ويجعل له من القطن شئ كثير ويذر عليه الحنوط وان استطعت أن تعصبه فافعل، وإذا بان الرأس يغسل الرأس إذا غسل اليدين ثم الجسد ويوضع القطن فوق الرقبة ويضم إليه الرأس ويجعل في الكفن كذلك وإذا سرت إلى القبر فادخله اللحد ووجهه القبلة " (4). مسألة: ليس من السنة ظفر شعر الميتة، وبه قال أبو حنيفة. وقال يرسل بين يديها من الجانبين. وقال الشافعي: لو كان معقوصا نقض وظفر ثلاثة قرون لما روت أم عطية قالت: ظفرنا شعرها ثلاثة قرون. وفي البخاري جعلن رأس بنت النبي صلى الله عليه وآله ثلاثة قرون بعد نقضه وغسله. لنا ان ظفره يؤدي إلى تقطيعه وهو مكروه، ولان وظائف الميت متلقاة عن الشرع ولم يثبت عنه دلالة على ذلك، وليس فعل أم عطية حجة. ولو احتجوا

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل المس باب 5 ح 1. 2) سنن البيهقي ج 3 كتاب الجنائز ص 407.
3) الوسائل ج 2 ابواب غسل المس باب 5 ح 2.
4) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 15 ح 1.

[ 333 ]

بحديث أم سليم عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " واظفرن شعرها ثلاثة قرون ولا تشبهها بالرجال " منعناه فانه حديث لم يثبت. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: يكره الاسراع بالجنازة، ومراده رحمه الله كراهية ما زاد عن المعتاد. وقال الشافعي: يستحب أن يكون فوق العادة ودون الجنب. لنا ما رووه عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وآله انه مر بجنازة وهي تمحض محضا فقال عليه السلام: " عليكم بالقصد في جنائزكم " (1) وقال ابن عباس في جنازة ميمونة " لا تزلزلوا وارفقوا فانها أمكم ". مسألة: اتباع الجنائز سنة مؤكدة لما رواه البراء قال أمرنا النبي صلى الله عليه وآله باتباع الجنائز (2). ومن طريق الاصحاب ما رواه الاصبغ قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام " من اتبع جنازة كتب الله له أربعة قراريط قيراط باتباعه اياها وقيراط بالصلاة عليها وقيراط بالانتظار حتى يفرغ من دفنها وقيراط للتعزية " (3). وفي رواية عاصم بن حميد عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام " من مشى مع جنازة حتى يصلى عليها ويرفع كان له قيراط من الاجر إذا مشى معها حتى تدفن كان له قيراطان والقيراط مثل جبل أحد " (4). مسألة: يكره اتباع الميت بمجمرة لما رووه عن أبي موسى قال حين حضره الموت: لا تتبعوني بمجمرة قالوا سمعت فيه شيئا قال: نعم من رسول الله صلى الله عليه وآله ومن طريق الاصحاب ما رواه السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام " ان النبي صلى الله عليه وآله نهى أن تتبع الجنازة بمجمرة " (5) وعن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " وأكره أن

1) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 22.
(2) التاج الجامع للاصول ج 1 كتاب الصلاة ص 367.
(3) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 3 ح 1 4) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 3 ح 3.
(5) الوسائل ج 2 ابواب التكفين باب 6 ح 3.

[ 334 ]

تتبع بمجمرة " (1). مسألة: يكره أن تتبع النساء الجنائز، لما روي ان النبي صلى الله عليه وآله خرج فإذا نسوة جلوس فقال: ما يجلسكن؟ قلن ننتظر الجنازة، قال هل تغسلن؟ قلن لا، قال هل تحملن؟ قلن لا، قال هل تدلين؟ قلن لا، قال فارجعن مأزورات غير مأجورات " (2) ولان بروزهن مناف للخفاء المراد في الشرع. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: يجوز أن يجلس الانسان قبل أن يفرغ من دفن الميت، وكذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يجلس حتى يوضع في اللحد لما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله " إذا اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع " (3). وقال شيخنا رحمه الله: دليلنا انه لا مانع من ذلك والاصل الاباحة. وروى عبادة بن الصامت ان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان في جنازة لم يجلس حتى توضع في اللحد، فاعترض بعض اليهود وقال انا نفعل ذلك فجلس، وقال خالفوهم (4) والوجه عندي الكراهية، وبه قال ابن أبي عقيل لما رواه ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ينبغي لمن شيع جنازة الا يجلس حتى توضع في لحده فإذا وضع في لحده فلا بأس بالجلوس " (5). واستدلال الشيخ ضعيف، لوجود الدلالة. وأما الحديث الذي ذكره، فهو حكاية فعل، فلا يعارض القول، ولعل ذلك وقع من النبي صلى الله عليه وآله مرة إذ لا عموم للفعل. مسألة: إذا نزل الميت القبر هل يستحب أن يجلل القبر بثوب حال الدفن؟

1) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 10 ح 3.
2) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 77.
3) سنن أبى داود ج 3 كتاب الجنائز ص 203.
4) سنن أبى داود ج 3 كتاب الجنائز ص 204.
5) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 45 ح 1.

[ 335 ]

قال الشيخ في الخلاف: نعم. وقال أبو حنيفة: ان كانت امرأة غطى ولا يغطى قبر الرجل. وكذا قال المفيد في أحكام النساء. وقال بعض المتأخرين: ما وقفت لاحد من أصحابنا في هذه على مسطور فأحكيه، والاصل براءة الذمة من واجب وندب، وهذا مذهب الشافعي فلا حاجة إلى موافقته، وهذا القول من هذا المتأخر دال على قلة تأمل، واقدام على الشيخ، ونسبة له إلى متابعة الشافعي من غير دلالة، وليس الامر كما ذكره بل هذه منقول عن أهل البيت عليهم السلام ذكره ابن بابويه فيمن لا يحضره الفقيه، والشيخ رحمه الله في تهذيب الاحكام. وقال سعيد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " حد القبر إلى الترقوة. وقال بعضهم: إلى الثدي. وقال بعضهم: قامة الرجل حتى يمد الثوب على رأس من في القبر " (1). فهذا اللفظ يدل مطلقا. وفي رواية جعفر بن كلاب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " وقد مد على قبر سعد ابن معاذ ثوب والنبي صلى الله عليه وآله شاهد فلم ينكر ذلك " (2). وأما التفصيل الذي ذكره المفيد رحمه الله فقد ذكره ابن الجنيد. وروى به رواية ذكرها الشيخ رحمه الله في التهذيب عن جعفر بن كلاب قال سمعت جعفر بن محمد يقول: " يغشى قبر المرأة بالثوب ولا يغشى قبر الرجل " (3). وروى علي عليه السلام انه مر بقوم دفنوا ميتا وبسطوا على قبره الثوب فجذبه وقال: " انما يصنع هذا بالنساء " والذي أراه التفصيل كما ذكره ابن الجنيد في المختصر والمفيد في أحكام النساء. مسألة: لا بأس بتعليم القبر بلوح يكتب عليه أو غيره لما روي ان النبي عليه الصلوة والسلام، حمل حجرا فجعله عند رأس قبر عثمان بن مظعون وقال: " أعلم

1) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 14 ح 2.
2) و 3) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 50 ح 1.

[ 336 ]

به قبر أخي " (1). ومن طريق الاصحاب ما رواه يونس بن يعقوب قال لما رجع أبو الحسن موسى عليه السلام من بغداد ومضى إلى المدينة ماتت بنت له بفيد فدفنها وأمر بعض مواليه أن يجصص قبرها ويكتب على لوح اسمها ويجعله في القبر " (2). مسألة: الدفن في مقبرة المسلمين أفضل من الدفن في البيت، ذكره الشيخ في المبسوط، لان النبي صلى الله عليه وآله اختار ذلك للصحابة، ولانه أقل ضررا على الورثة وأشبه بمساكن الاخرة، ولانه فعل الصحابة والتابعين. ولا يعترض ذلك بالنبي صلى الله عليه وآله فان الصحابة اختاروا دفنه في موضعه، أما لما قيل انه قبض في أشرف البقاع فيدفن فيها، أو لما كان يقال ان الانبياء يدفنون حيث يموتون، أو تميزا له عن غيره. ويستحب أن يدفن الميت في أشرف البقاع بمكة في مقبرتها، وكذا بالمدينة ذكره الشيخ رحمه الله في المبسوط. وقال يستحب أن يكون للانسان مقبرة ملك يدفن فيها أهله وأقاربه ومن سبق إلى مقبرة مسبلة فهو أحق بها لانه يملكها بالحيازة ولو جاءا دفعة وتشاحا أقرع بينهما، إذ لا رجحان. ولو كان فيها كفاية لهما فالوجه الشركة. ولو اختلف الاولياء بين دفنه في المسبلة وفي ملكه دفن في المسبلة، لانه أقل ضررا على الوارث ولو تشاحا في الكفن اقتصر على عاده مثله، لانه لا تقدير للشرع فيرجع إلى العادة مع الاقتصار على الواجب. وقال الخرقي من أصحاب أحمد جعل بثلاثين درهما، وللموسر بخمسين. ولا وجه له ولو تشاحا في التكفين فقال أحدهما: أكفنه من مالي وقال الاخر: من ماله فالاقرب تكفينه من ماله دفعا للمنة الولي عن الاخر. مسألة: من استعار من انسان أرضا فدفن فيها المستعير لم يكن للمعير الرجوع

1) السنن البيهقي ص 215 بهذا المعنى.
2) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 37 ح 2.

[ 337 ]

لان نبش الميت محرم ولان الدفن مؤبد إلى أن يبلى الميت ثم يعود إلى مالكها. وقال في المبسوط: إذا دفن الميت ثم بيعت الارض جاز للمشتري نقل الميت عنها. والافضل أن يتركه. والاقرب عندي انه ليس له ذلك، لان ازالة الميت ونبشه محرم. مسألة: إذا دفن قتيل ثم وجد جزء منه لم ينبش ودفن إلى جانبه، أو نبش من القبر ودفن فيه لان نبشه مثلة وهتك لحرمته وليس في تفرقة أجزائه ذلك. مسألة: إذا مات الرجل في بئر فان أمكن اخراجه وجب ليتمكن المكلف من تغسيله وتكفينه، فان تعذر ذلك الا بالتمثيل به لم يجز، فان اضطر أهل البئر بأن خافوا التلف، جاز اخراجه ولو بالكلاليب، وان تقطع إذا لم يمكن الا بذلك، فان لم يكن كذلك لم يجز اخراجه إذا لم يمكن الا بالتمثيل به أو للخوف على من يدفنه من ريح البئر. روى علي بن سيابة عن أبي عبد الله عليه السلام في بئر مخرج وقع فيه رجل فمات فيه ولم يمكن اخراجه أتتوضأ في تلك البئر قال: " لا تتوضأ منه تعطل ويجعل قبرا " (1) فان أمكن اخراجه أخرج وغسل ودفن، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " حرمة المرء المسلم ميتا كحرمته وهو حي سواء " (2). مسألة: إذا مات أغلف لم يختن غسل وكفن ودفن بحاله، لان الختان ابانة جزء من أعضاء الميت وهو غير جائز. وعليه فتوى العلماء، ولان الختان تكليف في حال الحيوة فلا يلزم عند الوفاة، ولو جبر عظمه بطاهر لم ينزع ولو كان نجسا كعظم الكلب والخنزير نزع ان لم يكن مضرا وكان حيا، ويترك لو كان مضرا ومع الموت. مسألة: قال في الخلاف: إذا بلع الحي جوهرا أو مالا ومات ليس لنا فيه نص والاولى انه لا يشق جوفه سواء كان له أو لغيره. وفصل الشافعي. احتج الشيخ بقوله عليه السلام " حرمة المسلم ميتا كحرمته حيا " (3) ولو كان حيا لم يشق جوفه فكذا الميت.

1) و 2) و 3) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 51 ح 1.

[ 338 ]

فرع ويؤخذ ذلك المال من تركته، لانه حال بين صاحبه وبينه ولو لم يأخذ صاحب المال عوضه أو لم يكن للميت مال وتطاولت المدة حتى بلى جسده، جاز نبشه واخراج ذلك المال، لان مع فناء الميت لم يبق مثلة ولا هتك، فلا يجوز تضييع المال. ولو كان في اذن الميت حلقة أو في يده خاتم أخذ، فان تصعب توصل إلى اخراجه ببردة أو كسره، لان في تركه تضييعا للمال وهو منهي عنه. مسألة: إذا أخذ السيل الميت، أو أكله سبع كان الكفن ملكا للورثة، لانه مال متروك فيرثه الوارث، ولو كان مما تطوع به متطوع عاد إليه ان شاء، وان تركه على الورثة كان عطية مستأنفة، لان تطوعه مشروط ببقائه كفنا وقد زال الشرط. مسألة: يجوز الدفن ليلا وهو مذهب العلماء عدا الحسن، لما روي ان النبي صلى الله عليه واله زجران يقبر الرجل ليلا (1). لنا الاجماع فان خلاف الحسن منقرض، ولان عليا عليه السلام دفن ليلا وكذا فاطمة، وكذا رووا ان أبا بكر دفن ليلا، وعثمان، وعايشة. وأما حديث الحسن فمحمول على الكراهية، لان النهار أجمع للمصلين، وأمكن في اتباع الجنازة، وأسهل لدفنه والحاده. مسألة: إذا دفن جماعة في قبر فالافضل تقديم الافضل إلى القبلة، فلو كانا رجلا وصبيا، فالرجل إلى القبلة والصبي بعده، لان جهة القبلة أفضل فيختص بها الفاضل. ويستحب أن يجعل بين كل اثنين حاجز ليكون كالمنفرد. ولو خد لهم اخدود وجعل رأس كل واحد عند رجلي الاخر جاز، لان مع ذلك يحصل القدر الواجب، وهو الدفن، وان كان اللحد أفضل على ما مر

1) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 32.

[ 339 ]

مسألة: لا يستحب خلع النعال لمن دخل المقبرة. وقال جماعة من الجمهور باستحبابه، لما روي ان رسول الله صلى الله عليه وآله رأى رجلا يمشي في القبور وعليه نعلان فقال: " يا صاحب السبتين الق سبتيك " فلما عرف رسول الله صلى الله عليه وآله خلعهما ورمى بهما (1). لنا ان كراهية ذلك منفية بالاصل، لعدم الدلالة وما ذكروه لا حجة فيه، لاحتمال أن يكون النهي لا لاجل اللبس، لانه حكاية حال لا عموم لها، ويمكن أن يكون لما في السبتين من الخيلاء، ولانها من لباس أهل التنعم، كما قال عنتره [ يحذى نعال السبت ليس بتوأم ] فيكون الكراهية مختصة بهذا النوع لهذا المعنى دون غيره. مسألة: زيارة قبور الائمة والمؤمنين مستحبة مؤكدة للرجال، ويكره للنساء ولا يحرم، وهو مذهب أهل العلم. لنا قوله عليه السلام " كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فانها تذكركم الموت " (2) وروى محمد بن أحمد بن يحيى عن علي بن بلال قال: قال صاحب هذا القبر يعني محمد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا عليه السلام " من أتى قبر أخيه المؤمن من أي ناحية يضع يده، وقرء انا أنزلناه في ليلة القدر سبع مرات أمن الفزع الاكبر " (3) وعن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه قال: مررت مع أبي جعفر عليه السلام بالبقيع فقلت جعلت فداك هذا قبر رجل من الشيعة فوقف عليه ثم قال: " اللهم ارحم غربته وصل وحدته وآنس وحشته واسكن إليه من رحمتك رحمة يستغني بها عن رحمة من سواك والحقه بمن كان يتولاه ثم قرء انا أنزلناه في ليلة القدر سبع مرات " (4).

1) سنن ابي داود ج 3 كتاب الجنائز ص 217.
2) سنن ابي داود ج 3 كتاب الجنائز ص 218 (مع اختلاف يسير).
3) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 34 ح 2 (من دون نقل ذيله).

[ 340 ]

وعن جراح المدائني سألت أبا عبد الله عليه السلام كيف التسليم على أهل القبور قال: " تقول السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين رحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وانا انشاء الله بكم لاحقون " (1). وأما جواز الزيارة للنساء فلما رواه يونس عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ان فاطمة كانت تأتي قبور الشهداء في كل غداة سبت فتأتي قبر حمزة وتترحم عليه وتستغفر له " (2). وروى الجمهور عن ابن أبي فليكة انه قال لعايشة من أين أقبلت قالت من قبر أخي عبد الرحمن قلت قد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن زيارة القبور قالت نعم نهى ثم أمرنا بزيارتها، (3) وان النساء داخلات في الرخصة. وأما الكراهية لهن فلان الستر والصيانة أولى بهن. مسألة: كل ما يفعله الحي من القرب يجوز أن يجعل ثوابها للميت، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال لعمر بن العاص: " لو كان أبوك مسلما فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك " (4). ومن طريق الاصحاب ما رواه عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام يصلى عن الميت فقال: " نعم حتى انه يكون في ضيق فتوسع عليه ويقال له خفف بصلوة أخيك عنك " (5). وقال عليه السلام " من عمل من المسلمين عن ميت عملا صالحا أضعف له أجره ونفع الله به الميت ". ذكره ابن بابويه. احتج المانع بقوله تعالى * (وان ليس للانسان

1) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 56 ح 3.
2) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 55 ح 2. 3) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 78.
4) السنن للبيهقي ج 6 ص 279.
5) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 28 ح 1.
6) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 28 ح 4.

[ 341 ]

الا ما سعى) * (1). وبقوله عليه السلام " إذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به من بعده أو ولد صالح يدعو له ". والجواب عن الاية ان سعيه في تحصيل الاسلام يصيره بحال ينفعه ما يهدى له من أفعال البر وكأنه فعله. وأما الخبر فدال على انقطاع عمله ولا يدل على انقطاع ما يتجدد من عمل غيره ويهدى إليه. مسألة: والتعزية مستحبة، وأقلها أن يراه صاحب التعزية، وباستحبابها قال أهل العلم مطلقا، خلا الثوري، فانه كرهها بعد الدفن، قال: لان الدفن خاتمة أمره روى عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " ما من مؤمن يعزى أخاه بمصيبته الا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة " (2) وهو على عمومه، ومن طريق الاصحاب قال ابن بابويه قال رسول الله صلى الله عليه وآله " (3) من عزى حزينا كسي في الموقف حلة يحبر بها ". وقال عليه السلام: " التعزية تورث الجنة " (4). وقال الصادق عليه السلام: " كفاك من التعزية أن يراك صاحب المصيبة " (5). وروى هشام بن الحكم قال رأيت موسى بن جعفر عليه السلام يعزى قبل الدفن وبعده (6). فأما رواية اسحق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ليس التعزية الا عند القبر ثم ينصرفون لا يحدث في الميت حدث فيسمعون الصوت " (7) فليس بمناف لما ذكرناه لاحتمال انه يريد عند القبر بعد

1) سورة النجم: 39.
2) سنن البيهقي ج 4 كتاب الجنائز ص 59.
3) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 46 ح 1.
4) الوسائل ج ابواب الدفن باب 46 ح 8.
5) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 48 ح 4.
6) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 47 ح 1.
7) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 48 ح 2.

[ 342 ]

الدفن أو قبله. وقال الشيخ بعد الدفن أفضل، وهو حق لما رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " التعزية لاهل المصيبة بعد ما يدفن " (1). قال ابن بابويه أتى أبو عبد الله عليه السلام قوما قد أصيبوا فقال: " جبر الله وهنكم وأحسن عزاكم ورحم متوفاكم " (2)، ثم انصرف. مسألة: قال الشيخ رحمه الله في المبسوط: يجوز أن يتميز صاحب المصيبة من غيره بارسال طرف العمامة أو أخذ مئزر فوقها على الاب والاخ، فأما غيرهما فلا يجوز على حال. قال بعض المتأخرين الذي يقتضيه اصول مذهبنا، انه لا يجوز اعتقاد ذلك وفعله، لان ذلك حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي. وما ذكره المتأخر غلط، لان الشيخ لم يدع استحبابه بل ادعى جوازه، وكلما لم يوجبه العقل والشرع ولم يحرمه، فانه جائز فلا يجوز أن يعتقد الا ذلك. نعم لو اوخذ على تحريمه على غير الاب والاخ، أو على الفرق بين الاب والاخ وغيرهما كان مأخذا. والذي أراه استحباب الامتياز يطرح الرد لصاحب المصيبة، من غير فرق بين الاب وغيره. يدل على ذلك ما ذكره ابن بابويه فيمن لا يحضره الفقيه قال وضع رسول الله صلى الله عليه وآله رداه في جنازة سعد بن معاذ وقال: " رأيت الملائكة قد وضعت أرديتها فوضعت رداي " (3). وما روي ان جعفرا عليه السلام لما مات اسماعيل تقدم السرير بغير حذاء ولا رداء (4). وعن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

1) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 48 ح 1.
2) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 49 ح 3.
3) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 27 ح 4.
4) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 27 ح 7.

[ 343 ]

" ينبغي لصاحب المصيبة أن يضع رداه حتى يعلم الناس انه صاحب المصيبة " (1). روى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ينبغي لصاحب المصيبة أن لا يلبس رداه وأن يكون في قميص حتى يعرف " (2). نعم لا يطرح رداه في مصيبة غيره لقوله عليه السلام " ملعون ملعون من وضع رداه في مصيبة غيره " (3). ذكره ابن بابويه فيمن لا يحضره الفقيه. مسألة: قال في المبسوط: ويستحب تعزية الرجال، والنساء، والصبيان، ويكره للرجل تعزية الشابات من النساء الاجانب. وهذا حق لقوله عليه السلام " من عزى ثكلى كسي بردا في الجنة " (4). رواه الترمذي، ولانه يتضمن تسلية وجبرا لقلوبهم وألفة. وأما الكراهية في طرف الشابات الاجانب فتفصيا من الفتنة. فرع تعزية أهل الذمة ليس بمسنون، لانه يتضمن ودا وحنوا وهو منهي عنه. لا يقال قد روي ان النبي صلى الله عليه وآله أتى غلاما من اليهود وهو مريض وعيادته في معنى تعزية أهله لانا نقول يحتمل أن يكون انما جائه لعلمه انه يسلم، فقد روي انه قعد عند رأسه وقال له، اسلم فنظر إلى أبيه فقال: أطع أبا القاسم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " الحمد لله الذي أنقذه به من النار ". مسألة: والبكاء جائز قبل الموت وبعده إذا لم ينضم إليه محرم، كاللطم والخدش ولا قول سيئ. وقال الشافعي: وهو مباح حتى يخرج الروح ويكره

1) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 27 ح 8. (2) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 27 ح 1.
(3) الوسائل ج 2 ابواب الاحتضار باب 27 ح 2.
(4) بحار الانوار ج 79 ص 94.

[ 344 ]

بعد ذلك. لنا ما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " أتسمعون ان الله تعالى لا يعذب بدمع العين ولا بحز القلب ولكن يعذب بهذا " (1) وأشار إلى لسانه أو يرحم. ومن طريق الاصحاب ما رواه الحارث بن يعلى عن أبيه عن جده قال: " قبض رسول الله صلى الله عليه وآله فستر بثوب وعلي عند طرف الثوب قد وضع خديه على أخيه والناس في المسجد ينتحبون ويبكون " (2). وما رواه محمد بن الحسن الواسطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ان ابراهيم خليل الرحمن سأل ربه أن يرزقه ابنة تبكيه بعد موته " (3). ولان في البكاء تخفيفا من الحزن وتسكينا من اللوعة والاصل جوازه. مسألة: قال في المبسوط: الجلوس للتعزية يومين أو ثلاثة مكروه اجماعا، وأنكر هذا القول بعض المتأخرين واستدل بأنه اجتماع وتزاور فيكون مستحبا، والجواب ان الاجتماع والتزاور من حيث هو مستحب اما إذا جعل لهذا الوجه واعتقد شرعيته، فانه يفتقر إلى الدلالة. والشيخ استدل بالاجماع على كراهية إذ لم ينقل من أحد من الصحابة والائمة الجلوس لذلك، فاتخاذه مخالفة لسنة السلف، لكن لا يبلغ أن يكون حراما. ويجوز النياحة على الميت بتعداد فضائله من غير تخط إلى كذب، ولا تظلم ولا تسخط. وذهب كثير من أصحاب الحديث من الجمهور إلى تحريمه، واحتجوا بما روت أم عطية قالت أخذ علينا النبي صلى الله عليه وآله عند البيعة ألا ننوح ولانه يشبه التظلم والاستعابة والتسخط بقضاء الله. لنا ما روي أن فاطمة عليها السلام كانت تنوح على النبي صلى الله عليه وآله. روي انها أخذت قبضة من تراب قبر النبي صلى الله عليه وآله فوضعتها على عينيها وقالت:

1) التاج الجامع للاصول ج 1 كتاب الصلاة ص 346.
2) بحار الانوار ج 22 ص 541 ح 53.
3) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 70 ح 1.

[ 345 ]

ماذا على المشتم تربة أحمد * ألا يشم مدى الزمان غواليا صبت علي مصائب لو أنها * صبت على الايام صرن لياليا (1) ورووا أن وائلة بن الاسفع وأبا وائل كانا يستمعان النوح، ويبكيان ولم ينقل انكار أحد من الصحابة عليهم. ومن طريق الاصحاب ما روى أبو حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال مات ابن المغير فسألت أم سلمة النبي صلى الله عليه وآله أن يأذن لها في المضي إلى مناحته فأذن لها فندبت ابن عمها بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وقالت: أنعى الوليد بن الوليد أخا الوليد * فتى العشيرة حامي الحقيقة ماجدا يسموا إلى طلب الوتيرة قد كان * غيثا للسنين وجعفرا غدقا وميرة فما عاب النبي صلى الله عليه وآله ذلك ولا قال لها شيئا، وقال النبي صلى الله عليه وآله لفاطمة حين قتل جعفر بن أبي طالب " لا تدعين بذل ولا نكل ولا حرب وما قلت فيه فقد صدقت " (2) وأمر النبي صلى الله عليه وآله بالندب على حمزة (3). وعن يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: " اوقف لي من مالي كذا وكذا للنوادب يندبني عشر سنين بمنى أيام منى " (4). والجواب: عما ذكروه من الحديث انه يمكن أن يكون اشارة إلى النوح الذي يتضمن جزعا وسخطا، أو قولا باطلا وأما قولهم يشبه التسخط والاستعابة فنحن نحرم ذلك، لكن ليس كل النوح كذلك وانما نبيح منه ما يتضمن ذكر خصائصه وفضائله وفواضله وحكاية التألم بفقده، وهذا لا يتضمن ما ذكروه وقد روينا عن

1) بحار الانوار ج 79 ص 106.
2) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 83 ح 4.
3) بحار الانوار ج 79 ص كتاب الطهارة ح 26 (الا ان فيه: أمر النبي بالنوح على حمزة).
4) الوسائل ج 12 ابواب ما يكتسب به باب 17 ح 1.

[ 346 ]

الصادق عليه السلام انه قال: " لا بأس بأجر النائحة إذا قالت صدقا " (1). ذكره ابن بابويه فيمن لا يحضره الفقيه. مسألة: قال في المبسوط يستحب لقرابة الميت وجيرانه ان يعملوا طعاما لاصحاب المصيبة ثلاثة أيام، وهذا حق لما رواه عبد الله بن جعفر قال لما جاء نعي جعفر قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " اصنعوا لال جعفر طعاما فانه قد أتاهم أمر شغلهم " (2). وأما التقدير بثلاثة أيام فقد ذكره ابن بابويه فيمن لا يحضره الفقيه فقال: وينبغي لجيرانه أن يطعموا عنه ثلاثة أيام وقال أحمد يكره أن يصنع أهل الميت طعاما للناس. واحتج بما روي ان جريرا وفد على عمر فقال له هل يناح على ميتكم قال لا قال فهل تجتمعون عند أهل الميت وتجعلون الطعام؟ قال: نعم قال ذلك النوح. والجواب: انا لا نسلم ان عمر أنكر اتخاذ الطعام بل ما انضم إليه من الاجتماع عند أهل الميت، لان النوح التقابل وبه سمت النوائح والنساء المتقابلات نوائح وان لم يقلن شيئا، فشبه عمر ذلك الاجتماع باجتماع النساء أما لو دعت الحاجة إلى اتخاذهم الطعام جاز اجماعا كما لو جاءهم من أهل القرى من يحضر الميت. مسألة: قال في المبسوط ويكره التابوت اجماعا ويعني بذلك دفن الميت به، لان النبي صلى الله عليه وآله لم يفعله ولا الصحابة، ولو نقل عن بعضهم لم يكن حجة. مسألة: إذا اجتمع اموات بدئ بمن يخشى فساده، وان لم يكن كذلك. قال في المبسوط: فالاولى بالتقديم الاب ثم الابن وابن الابن ثم الجد، ولو كان اخوان في درجة قدم أسنهما وان تساويا أقرع بينها ويقدم أسن الزوجتين ولو تساويا أقرع بينهما. ولست أعرف وجه ما ذكره الشيخ مع التساوي، إذ ليس هناك اشكال فيخرج بالقرعة والاقرب تخير الولي في البدأة.

1) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب 71 ح 2 (مع اختلاف يسير).
2) الوسائل ج 2 ابواب الدفن باب

[ 347 ]

مسألة: قال الشيخان في المبسوط والمقنعة والنهاية: من وجب عليه القود أو الرجم، أمر أو لا بالاغتسال والتحنط، ثم يقام عليه الحد ويدفن. ووافقهما ابنا بابويه في ذلك، وزاد تقديم الكفن على القتل أيضا. واستدل الشيخ في التهذيب بما رواه سهل بن زياد عن الحسن بن محمد بن شمون عن عبد الله بن عبد الرحمن عن مسمع كردين عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المرجوم والمرجومة يغتسلان ويحنطان ويلبسان الكفن قبل ذلك ويصلى عليهما والمقتص منه بمنزلة ذلك يغتسل ويحنط ويلبس الكفن ويصلى عليه " (1) قال الشيخ وروى هذا الحديث محمد بن أحمد بن يحيى عن علي بن الريان عن الحسن بن الوليد عن بعض أصحابنا عن مسمع كردين عن أبي عبد الله عليه السلام. وهذا كما ذكره ابنا بابويه. والروايتان ضعيفتان، أما الا ولى فرواية سهل وهو ضعيف عن الحسن بن شمون، وهو غال ضعيف، وكذا عبد الرحمن المسمعي غال ضعيف. قال النجاشي ليس بشي، وأما الثانية فرويها عن مسمع بعض أصحابنا، وهو مجهول غير ان الخمسة أفتوا بذلك واتباعهم ولم أعلم لاصحابنا فيه خلافا ولا طعنا بالارسال مع العمل، كما لا حجة في الاسناد المنفرد وان اتصل، فانه كما لا يفيد العلم لا يفيد العمل. قال الشيخ في المبسوط: ولا يجب غسله بعد موته ولكن يصلى عليه إذا كان مسلما، ولا ريب انه إذا وجب تقديم الغسل فانه لا يجب ثانيا. وأما الصلاة عليه فهو فتوى علمائنا ولقوله عليه السلام " صلوا على من قال لا اله الا الله ". فرع إذا قلنا بوجوب الغسل من مس الميت، فهل يجب الغسل بالمس هنا؟ فيه

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 17 ح 1.

[ 348 ]

تردد، أقربه انه لا غسل لانه مغتسل، ووجوب الغسل بالمس مشروط بعدم الغسل. يدل على ذلك ما رواه محمد بن الحسن الصفار قال كتب إليه رجل أصاب بدنه أو يده ثوب الميت الذي يلي جسده؟ فوقع: " إذا أصاب يدك جسد الميت قبل أن يغسل فقد يجب عليك الغسل " (1) وما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: " مس الميت عند موته وبعد غسله والقبلة ليس به بأس " (2). ولا يقال الغسل يكون بعد الموت، فيكون هذا المراد. لانا نقول لما كان الغسل في مسئلتنا مقدما صدق عليها ان المس بعد الموت والغسل ولانه لو لم يكن الغسل مطهرا له لم يكن لايجابه فائدة معقولة، فإذا لا معنى له الا التطهير. ولا يقال لا يكون التطهير سابقا على النجاسة. لانا نقول ولا يكون الغسل مطهرا للنجاسة العينية كما لا يطهر الميتات ولا الاعيان النجسة، لكن كما استند في طهارته بالغسل إلى الشرع كذا في موضع النزاع، ثم نقول موت الادمي سبب لوجوب الغسل إذا لم يوجب الشرع تقديمه، فإذا قدم منع ذلك الغسل من تجدد النجاسة بالموت ليتحقق الطهارة به، وكذا القول في الشهيد لا يجب بمسه الغسل لطهارته. مسألة: قال في الخلاف: الميت نجس، وبه قال أبو حنيفة، وللشافعي قولان واستدل الشيخ باجماع الفرقة. وقال علم الهدى في شرح الرسالة: الميت من الناس نجس العين ويطهره الغسل. لنا انه حيوان له نفس سائلة فينجس بالموت، ويؤيد ذلك ما روي أن زنجيا مات في زمزم فأمر عبد الله بن عباس أن ينزح جميع مائها، ولان هذا في خلافة ابن الزبير ولم ينكر ذلك أحد.

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل المس باب 1 ح 5.
2) الوسائل ج 2 ابواب غسل المس باب 3 ح 1.

[ 349 ]

ومن طريق الاصحاب ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل يصيب ثوبه جسد الميت؟ فقال: " يغسل ما أصاب الثوب " (1). وما رواه الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب عن ابراهيم بن ميمون قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يضع ثوبه على جسد الميت قال: " ان كان الميت غسل فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه وان كان لم يغسل الميت فاغسل ما أصاب ثوبك منه " (2). لا يقال لو نجس لما طهر بالغسل؟ لانا نمنع الملازمة فان قال بالقياس على الميتات والعذرة النجسة طالبناه بوجه التسوية فان أحكام النجاسات مختلفة والتطهير والتنجيس لا يستمران على القياس ثم يفرق بين المسلم وغيره من الميتات باختصاصه بالانتقال إلى جوار ربه فيشرع في حقه لتطهير بالغسل اكراما ورفعا عن بقائه على النجاسة، ونجاسة الميت نجاسة عينية لكنها تزول بالغسل. اما انها عينيه فلكونها تتعدى إلى ما يلاقيها، وقد دل على ذلك رواية ابراهيم بن ميمون التي سلفت. وأما زوالها بالغسل فعليه اجماع أهل العلم. فرع إذا وقعت يد الميت بعد برده وقبل تطهيره في مائع فان ذلك المائع ينجس، ولو وقع ذلك المائع في مائع آخر وجب الحكم بنجاسة الثاني وخبطه بعض المتأخرين فقال: إذا لاقى جسد الميت إناءا وجب غسله فلو لاقى ذلك الاناء مائعا لم ينجس المائع لانه لم يلاق جسد الميت وحمله على ذلك قياس والاصل في الاشياء الطهارة إلى أن يقوم دليل، لان هذه نجاسات حكميات ليست عينيات. قال: ولا خلاف بين الامة كافة ان المساجد يجب أن تجنب النجاسات العينية.

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 34 ح 2.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 34 ح 1.

[ 350 ]

وقد أجمعنا بغير خلاف بيننا ان من غسل ميتا له أن يدخل المسجد ويجلس فيه، فلو كان نجس العين لما جاز ذلك، ولان الماء المستعمل في الطهارة الكبرى طاهر بلا خلاف. ومن جملة الاغسال غسل من مس ميتا ولو كان ما لاقى الميت نجسا لما كان الماء الذي يغسل به طاهرا. والجواب: عمن ذكره ان نقول لا نسلم ان الاناء النجس بملاقات الميت أو اليد الملامسة للميت بعد برده لو لاقت مائعا لم ينجس. قوله لان الحكم بنجاسة المائع قياس على نجاسة ما لاقى الميت. قلنا هذا الكلام ركيك لا يصلح دليلا على دعواه، بل يصلح جوابا لمن يستدل على نجاسة المائع الملاقي لليد بالقياس على نجاسة اليد الملاقية للمائع، لكن أحدا لم يستدل بذلك، بل نقول لما اجتمعت الاصحاب على نجاسة اليد الملاقية للميت، وأجمعوا على نجاسة المائع إذا وقعت فيه نجاسة، لزم من مجموع القولين، نجاسة ذلك المائع لا بالقياس على نجاسة اليد، فإذا ما ذكره لا يصلح دليلا ولا جوابا. قوله لا خلاف ان المساجد يجب أن تجنب النجاسات ولا خلاف ان لمن مس ميتا أن يجلس في المسجد ويستوطنه. قلنا هذا دعوى عرية عن برهان ونحن نطالبك بتحقيق الاجماع على هذه الدعوى ونطالبك أين وجدتها، فانا لا نوافقك على ذلك، بل نمنع الاستيطان، كما نمنع من على جسده نجاسة ويقبح اثبات الدعوى بالمجازفات. قوله الماء المستعمل في الطهارة الكبرى طاهر. قلنا هذا حق. قوله فيكون ماء المغتسل من ملامسة الميت طاهرا. قلنا هذا الاطلاق ممنوع، وتحقيق هذا ان ملامس الميت ينجس يده نجاسة عينية ويجب عليه الغسل وهو طهارة حكمية، فان اغتسل قبل غسل يده نجس ذلك الماء بملاقاة يده التي لامس بها الميت، أما لو غسل يده

[ 351 ]

ثم اغتسل لم يحكم بنجاسة ذلك الماء، وكذا نقول في جميع أغسال الحكمية، فان ماء الغسل من الجنابة طاهر وان كان الغسل يجب لخروج المني وينجس موضع خروجه، ولو اغتسل قبل غسل موضع الجنابة كان ماء الغسل نجسا لملاقاته مخرج النجاسة اجماعا، وكذلك غسل الحيض يجب عند انقطاع دم الحيض ويكون المخرج نجسا فلو اغتسلت ولما تغسل المخرج كان ماء الغسل نجسا ولو أزالته ثم اغتسلت كان ماء الغسل طاهرا. وكذا جميع الاغسال. فقد بان ضعف ما ذكره المتأخر، اللهم الا أن يقول ان الميت ليس بنجس وانما يجب الغسل تعبدا، كما هو مذهب الشافعي. لكن هذا مخالف لما ذكره الشيخ أبو جعفر رحمه الله، فانه ذكر انه نجس باجماع الفرقة وقد سلم هذا المتأخر نجاسته ونجاسة ما يلاقي بدنه. ولو قال أنا أوجب غسل ما يلاقي بدنه ولا أحكم بنجاسة ذلك الملاقي. قلنا فحينئذ يجوز استصحابه في الصلاة والطهارة به ولو كان ماءا ثم يلزم أن يكون الماء الذي يغسل به الميت طاهرا مطهرا وحينئذ يلزمك أن يكون ملاقاته مؤثرة في الثوب منعا وغسلا وغيره مؤثرة في الماء القليل وهو باطل. السادس: " غسل من مس ميتا ". مسألة: يجب الغسل على من غسل ميتا من الناس، وكذا يجب بمسه بعد برده وقبل تطهيره بالغسل على الاظهر. وبالوجوب قال الشيخان في المقنعة والنهاية والمبسوط وابنا بابويه وابن أبي عقيل. وبالاستحباب قال علم الهدى في شرح الرسالة والمصباح. وقال مالك وابو حنيفة باستحباب الغسل لمن مس ميتا. وللشافعي مثل القولين، أما الغسل بمسه فقد ذكره الشيخ في الخلاف انه لم يذهب إليه أحد من الفقهاء يعني الجمهور. لنا ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من غسل ميتا اغتسل ومن حمله

[ 352 ]

توضأ " (1). ومن طريق الاصحاب ما رواه حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " من غسل ميتا فليغتسل قلت فان مسه قال فليغتسل قلت فمن أدخله القبر قال لا غسل عليه انما مس الثياب " (2). وعن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا مسه وهو سخن فلا غسل عليه فإذا برد فعليه الغسل قلت البهائم والطير إذا مسها عليه غسل قال لا ليس هذا كالانسان " (3) وعن محمد بن مسلم عن أحدهما في رجل مس ميتا عليه غسل قال: " لا انما ذلك من الانسان " (4). ومثله روى الحلبي (5) عن أبي عبد الله عليه السلام وظاهر هذه الالفاظ الوجوب. مسألة: وكذا يجب الغسل بمس قطعة فيها عظم، سواء أبينت من حي أو ميت. هذا مذهب الشيخ في الخلاف والنهاية والمبسوط. واستدل في الخلاف باجماع الفرقة قال في الخلاف: وخالف في ذلك جميع الفقهاء يعني من الجمهور. وذكر في التهذيب رواية عن سعد بن عبد الله عن أيوب بن نوح عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة فإذا مسه انسان فكل ما فيه عظم فقد وجب على من يمسه الغسل فان لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه " (6). والذي أراه التوقف في ذلك فان الرواية مقطوعة والعمل بها قليل. ودعوى الشيخ في الخلاف الاجماع لم يثبت، على انا قد بينا ان علم الهدى رحمه الله أنكر وجوب الغسل على من مس الميت في كتاب المصباح والشرح، وذكر انه سنة

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 300.
2) الوسائل ج 2 ابواب غسل المس باب 1 ح 14.
3) الوسائل ج 2 ابواب غسل المس باب 1 ح 4.
4) الوسائل ج 2 ابواب غسل الميت باب 6 ح 1.
5) الوسائل ج 2 ابواب غسل المس باب 6 ح 2.
6) الوسائل ج 2 ابواب غسل المس باب 2 ح 1.

[ 353 ]

فكيف يدعي الاجماع في هذه. فإذا الاصل عدم الوجوب، ان قلنا بالاستحباب كان تفصيا من اطراح قول الشيخ رحمه الله والرواية. مسألة: كيفية هذا الغسل مثل كيفية غسل الاستحاضة، بمعنى انه يجب عليه الغسل والوضوء، وبه قال أبو جعفر بن بابويه في كتابه. ويؤيده ما ذكرناه من الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام " كل غسل لابد فيه من الوضوء الا غسل الجنابة " (1). (الاغسال المندوبة) مسألة: غسل الجمعة مندوب مؤكد للرجال والنساء سفرا وحضرا، وهو مذهب الثلاثة وأتباعهم. وقال أبو جعفر بن بابويه في كتابه غسل يوم الجمعة واجب على الرجال والنساء في السفر والحضر، الا انه رخص للنساء في السفر لقلة الماء، وبالوجوب قال الحسن البصري وداود الظاهري. لنا ما رووه عن ابن عباس وابن مسعود انهما قالا غسل الجمعة مسنون. ومن طريق الاصحاب ما رواه زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن غسل يوم الجمعة قال: " سنة في السفر والحضر الا أن يخاف المسافر على نفسه الضر " (2). ولا يعارض ذلك ما رواه ابن المغيرة ومحمد بن عبد الله عن الرضا عليه السلام قال سألته عن غسل الجمعة فقال: " واجب على كل ذكر وانثى من حر وعبد " (3) لانا نقول المراد بذلك تأكيد الاستحباب ويدل على ذلك ما رواه علي بن يقطين عن أبي الحسن عليه السلام قال: " الغسل في الجمعة والاضحى والفطر سنة وليس بفريضة " (4).

1) الوسائل ج 1 ابواب الجنابة باب 35 ح 2 (مع اختلاف يسير جدا).
2) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 6 ح 10.
2) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 6 ح 10.
3) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 6 ح 3.
4) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 6 ح 9.

[ 354 ]

مسألة: ووقته ما بين الفجر إلى الزوال وكلما قرب من الزوال كان أفضل. وقال في الخلاف إلى أن تصلي الجمعة. والمستحب عند الشافعي وقت الرواح. وشرط مالك أن يروح عقيبه والا لم يجزيه. لنا قول النبي صلى الله عليه وآله " غسل يوم الجمعة واجب " (1)، فأضافه إلى اليوم وهو يتحقق بطلوع الفجر ولم يشترط الرواح عقيبه. ومن طريق الاصحاب ما رواه زرارة عن أحدهما قال: " إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزاك للجنابة والجمعة " (2). وأما اختصاص الاستحباب بما قبل الزوال فعليه اجماع الناس. ويؤيده ما رواه سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل لا يغتسل يوم الجمعة أول النهار قال: " يقضيه من آخر النهار " (3). وقال الشيخ في النهاية: ويستحب قضائه بعد الزوال فان لم يمكنه قضاه يوم السبت. وقال ابن بابويه في كتابه ومن نسي الغسل أو فاته لعلة، فليغتسل بعد العصر فشرط العذر، والشيخ أطلق الاستحباب، وبما ذكره الشيخ روايتان أحديهما عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام عن الرجل لا يغتسل يوم الجمعة في أول النهار قال: " يقضيه من آخر النهار فان لم يجد فليقضه يوم السبت " (4). وفي معناه رواية عن عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله عليه السلام. وسماعة واقفي وعبد الله بن بكير فطحي، لكنها تنجبر بأن الغسل طهور فيكون حسنا. وقال ابن بابويه من وجد الماء يوم الخميس وخشي عدمه يوم الجمعة، اغتسل يوم الخميس. وزاد الشيخ أو لا يتمكن من استعماله.

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 294.
2) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 31 ح 1. 3) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 10 ح 3.
4) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 10 ح 3.

[ 355 ]

وما ذكره ابن بابويه يقارب رواية أحمد بن محمد عن الحسين بن موسى بن جعفر عن أمه وأم أحمد بن موسى بن جعفر قالتا: كنا مع أبي الحسن عليه السلام بالبادية ونحن نريد بغداد فقال لنا يوم الخميس: " اغتسلا اليوم لغد فان الماء غدا قليل " (1). ولا يجوز تقديمه على طلوع فجر الجمعة اختيارا، قال في الخلاف: ولو قدمه لم يجزه الا إذا يئس من الماء، واستدل بالاجماع، وبأن النبي صلى الله عليه وآله أضاف الغسل إلى اليوم. مسألة: وغسل أول ليلة من شهر رمضان، وهو مذهب الاصحاب ورواه عثمان ابن عيسى عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " غسل أول ليلة من شهر رمضان مستحب " (2). وعثمان وسماعة واقفيان لكن عمل الاصحاب يؤيدها. وغسل ليلة النصف من شهر رمضان، وهو مذهب الثلاثة في الجمل والمصباح والمقنعة، ولعله لشرف تلك الليلة فاقترانها بالطهر حسن. وقال الشيخ في المصباح الكبير: وان اغتسل ليالي الافراد كلها خاصة ليلة النصف، كان فيه فضل كثير. وغسل ليلة سبع عشرة وتسع عشرة واحدى وعشرين وثلاث وعشرين، وهو مذهب الاصحاب، وروى محمد بن مسلم عن أحدهما قال: " الغسل في سبعة عشر موطنا ليلة سبع عشرة وهي ليلة التقى الجمعان وتسع عشرة فيها يكتب وفد السنة، وليلة احدى وعشرين وهي الليلة التي أصيب فيها أوصياء الانبياء وفيها رفع عيسى بن مريم وقبض موسى عليه السلام، وثلاث وعشرين يرجى فيها ليلة القدر " (3). وغسل ليلة الفطر، وهو مذهب الشيخين في المقنعة والجمل. روى ذلك الحسن بن راشد قال: " إذا غربت الشمس ليلة العيد فاغتسل فإذا صليت المغرب

1) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 9 ح 2.
2) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 14 ح 1.
3) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 1 ح 11.

[ 356 ]

فارفع يديك وقل " (1) ثم ذكر الدعاء. والحسن بن راشد يعرف بالطفاوي ضعيف ذكر ذلك النجاشي. وغسل يوم العيدين، وهو مذهب الاصحاب ومذهب الجمهور أجمع وحكي الوجوب عن أهل الظاهر. والوجوب منفي بالاصل. ويدل على الاستحباب الاتفاق على اختصاصه بالمصلحة الراجحة. وروى الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " اغتسل يوم الاضحى ويوم الفطر " (2). وانما نزلناه على الاستحباب لرواية علي ابن يقطين عن أبي الحسن عليه السلام قال: " الغسل في الجمعة والاضحى والفطر سنة وليس بفريضة " (3). وغسل ليلة النصف من رجب ويوم المبعث وهو السابع والعشرون منه، ذكر هما الشيخ في الجمل والمصباح. وربما كان ذلك لشرف الوقتين، والغسل مستحب مطلقا فلا بأس بالمتابعة فيه. وغسل ليلة النصف من شعبان، قاله الثلاثة في الجمل والمقنعة والنهاية، ورواه الشيخ عن هرون بن موسى لسنده إلى أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " صوموا شعبان واغتسلوا ليلة النصف منه " (4). وفي سند هذه الرواية أحمد بن هلال العبرتاني وهو ضعيف. وذكر الشيخ في الصباح رواية عن سالم مولى حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " من تطهر ليلة النصف من شعبان فأحسن الطهر - وساق الحديث إلى قوله - قضى الله له ثلاث حوائج ثم ان سأل أن يراني في ليلة رآني ". وهذه الرواية أيضا ضعيفة فالمعمول على الاستحباب المطلق.

1) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 15 ح 1.
2) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 1 ح 9.
3) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 6 ح 9.
4) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 23 ح 1.

[ 357 ]

وغسل يوم الغدير، وهو مذهب الثلاثة، قال الشيخ في التهذيب: والغسل في هذا اليوم مستحب مندوب إليه، وعليه اجماع الفرقة. وفي رواية علي بن الحسين العبدي قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " من صلى فيه ركعتين يغتسل عند زوال الشمس من قبل أن تزول بمقدار نصف ساعة - وساق الحديث إلى قوله - ما يسأل الله حاجة من حوائج الدنيا والاخرة الا قضيت له كائنا ما كانت " (1). وغسل يوم المباهلة، وهو الخامس والعشرون من ذي الحجة. ذكر ذلك الاربعة والعمل به مشهور. ويؤيده رواية سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " غسل يوم المباهلة واجب " (2). والمراد تأكيد الاستحباب. وغسل الاحرام، والزيارة، ودخول الحرم، والمسجد الحرام، والكعبة. ذكر ذلك الثلاثة ورواه جماعة منهم محمد بن مسلم عن أحدهما قال: " الغسل إذا دخلت الحرم ويوم تحرم ويوم الزيارة ويوم تدخل البيت ويوم التروية ويوم عرفه " (3). وذكر البزنطي في جامعه عن المثنى عن الحسن الصيقل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " غسل الميت، وغسل الجنب، والجمعة، والعيدين، ويوم عرفه، والاحرام، ودخول الكعبة، ودخول الحرم، وفي الزيارة " (4). وأما غسل دخول المدينة ومسجد النبي صلى الله عليه وآله، فقد روي الحسين بن سعيد في كتابه عن النصر عن أبي سنان عن أبي عبد الله عليه السلام " الغسل عند دخول مكة والمدينة ودخول الكعبة " (5). وفي رواية اخرى عن أبي جعفر عليه السلام قال: " الغسل إذا أردت دخول البيت وإذا

1) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 28 ح 1.
2) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 1 ح 3.
3) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 1 ح 4. 4) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 1 ح 7.
5) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 1 ح 10.

[ 358 ]

أردت دخول مسجد النبي صلى الله عليه وآله " (1). ولان هذه الاماكن شريفة، فتلقيها بالطهارة حسن. وقال شاذ منا: غسل الاحرام واجب ولعله استناد إلى ما رواه محمد بن عيسى عن يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الغسل في سبعة عشر موطنا " (2) الفرض ثلاثة: غسل الجنابة ومن غسل ميتا والغسل للاحرام. ومحمد بن عيسى ضعيف. وما يرويه يونس عن بعض رجاله لا يعمل به ابن الوليد، كما ذكره ابن بابويه، مع انه مرسل فسقط الاحتجاج به. قال الشيخ في التهذيب: غسل الاحرام عندنا ليس بفرض، وقال يحمل هذا الحديث على أن ثوابه ثواب غسل الفريضة. واختلف الاصحاب في غسل قاضي الكسوف. فقال الشيخ في الجمل باستحبابه إذا احترق القرص كله، وترك الصلاة متعمدا. واقتصر المفيد في المقنعة، وعلم الهدى في المصباح على تركها متعمدا. وقال سلار بوجوبه. وما ذكره الشيخ في الجمل أولى، لان الاستحباب متحقق مع الشرطين فيكون منفيا مع عدم أحدهما عملا بمقتضى البراءة الاصلية. ويؤيد ذلك ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما قال: " وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله " (3). وما رواه الحسين بن سعيد عن حماد عن حريز عمن أخبره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل ولم يغتسل فليغتسل من الغد وليقض وان لم يعلم فليس عليه الا القضاء بغير غسل " (4). أما الوجوب الذي ادعاه سلار منفي بالاصل، وكذا استحباب الغسل الا مع الشرطين. وغسل المولود. وقال شاذ منا بوجوبه، لما رواه عثمان بن عيسى عن

1) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 1 ح 12.
2) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 1 ح 7.
3) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 1 ح 4.
4) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 25 ح 1.

[ 359 ]

سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " غسل النفساء واجب وغسل المولود " (1). والوجه الاستحباب تمسكا بالبراءة الاصلية واستضعافا لهذه الرواية، فان عثمان بن عيسى وسماعة واقفيان فتعين الاستحباب، لاتفاق الاصحاب على اختصاصه بالمصلحة الراجحة. وغسل التوبة مستحب، وهو مذهب الخمسة. واستدل الشيخ في التهذيب بأن قال: روي عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال لمن ذكر انه يستمع الغناء من جوار يغنين: " قم فاغتسل وصل ما بدالك واستغفر الله وأسأله التوبة " (2). وهذه مرسلة، وهي متناولة لصورة معينة، فلا يتناول غيرها. والعمدة فتوى الاصحاب، منضما إلى ان الغسل خير فيكون مرادا، ولانه يقال بغسل الذنب، والخروج من دنسه. وغسل صلاة الحاجة، والاستخارة، وهو مذهب الاصحاب. واستدل الشيخ في التهذيب بما رواه زياد القندي عن عبد الرحمن القصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا نزل بك أمر فافزع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قلت كيف أصنع قال تغتسل وتصلي ركعتين وذكر الحديث " (3). وبما رواه علي بن دئل عن مقاتل بن مقاتل عن الرضا عليه السلام قال: " إذا كان لك حاجة مهمة فاغتسل وذكر الحديث " (4). والروايتان ضعيفتان فلا حجة فيهما. واستدل على الاستخارة بما رواه زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام في الامر يطلبه الطالب: قال: " يتصدق في يومه على ستين مسكينا كل مسكين صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وآله ثم يغسل في ثلث الليل الثاني ويلبس أدنى ما يلبس ثم قال فإذا رفع رأسه من

1) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 1 ح 5.
2) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 18 ح 1.
3) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 20 ح 1، (وفي الوسائل عن عبد الرحيم القصير..) 4) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 20 ح 2.

[ 360 ]

السجدة الثانية استخار الله مأة مرة " (1)، وذكر الدعاء. واستدل برواية سماعة أيضا. وغسل الاستسقاء ذكره جماعة من الاصحاب منهم علم الهدى وابنا بابويه في كتابهما ورواه عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " وغسل الاستسقاء واجب " (2). والمراد تأكيد الاستحباب باتفاق الاصحاب، مع ان الرواية ضعيفة. وقال ابن بابويه في كتابه روي ان " من قتل وزغة فعليه الغسل " (3). وقال بعض مشائخنا العلة انه يخرج من ذنوبه فيغتسل. وعندي ان ما ذكره ابن بابويه ليس حجة، وما ذكره المعلل ليس طائلا، لانه لو صحت علته لما اختص الوزغة. قال أيضا وروي ان " من قصد إلى مصلوب لينظر إليه وجب عليه الغسل ولم يثبت عندي ما ذكره رحمه الله. وقال أيضا " وإذا غسلت ميتا أو كفنته " (4). وربما احتج برواية محمد بن مسلم عن أحدهما قال " الغسل في سبعة عشر موطنا " (5)، وساق الحديث حتى قال " وإذا غسلت ميتا أو كفنته " (6). والرواية صحيحة السند وقد ذكرها الحسين بن سعيد وغيره، غير ان ايجاب الغسل بتكفينه نادر، والعامل به قليل. مسألة: الكافر إذا أسلم لم يجب عليه الغسل بل يستحب، كما يستحب الغسل للتائب. وهو مذهب الاصحاب وأكثر علماء الجمهور. وقال مالك يجب. لنا ان جماعة أسلموا على عهد النبي صلى الله عليه وآله ولم ينقل انه أمرهم بالغسل، ولو أمرهم لنقل، لانه مما قضت العادة بظهوره لو وقع. وروى الجمهور عن علي عليه السلام انه قال: " أمره بذلك لانه مستحب "، ولان وجوب الغسل مستفاد من الشرع وحيث

1) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 21 ح 1.
2) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 1 ح 3. 3) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 19 ح 2.
4) و 5) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 1 ح 4.
6) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 1 ح 4.

[ 361 ]

لا شرع فلا وجوب. نعم لو أجنب كافر وحاضت الكافرة ثم أسلما وجب عليهما الغسل، لحصول السبب الموجب ولو اغتسلا للجنابة أو الحيض كافرين ثم أسلما لم يجزهما لان نية القربة شرط، وهي من الكافر متعذرة. ومن لواحق هذا الباب مسائل: الاولى: لابد في الاغسال المندوبة من ذكر السبب، فلو اغتسل ولم ينوه لم يجزه. ولا يفتقر في الواجبة إلى ذكر السبب بل يكفي نية رفع الحدث واستباحة الصلاة، لان المراد بها رفع المنع عما الطهارة شرط فيه. الثانية: إذا اجتمعت أسباب متساوية في ايجاب الطهارة كفت نيه رفع الحدث أو الاستباحة، ولا يشترط نية الاسباب، كما لو بال وتغوط ونام أو أجنبت المرأة ونفست أو حاضت. الثالثة: لو اجتمع غسل الجنابة وغيره من الواجبات، فان لم نشترط الوضوء مع غير الجنابة كفى الغسل الواحد بنية أيها اتفق، وان قلنا باشتراط الوضوء في غير الجنابة، فلو نوى الجنابة أجزء عنهما لارتفاع الحدث به، ولو نوت الحيض خاصة فعلى تردد، أشبهه الاجزاء لانه غسل صحيح نوت به الاستباحة فيجزي وفي ايجاب الوضوء معه تردد أشبهه انه لا يجب. الرابعة: لو اجتمع مع غسل الجنابة أو غيره من الواجبات أغسال مندوبة، فان نوى الجميع أجزء غسل واحد، وكذا لو نوى الجنابة دون الجمعة، قاله الشيخ في الخلاف والمبسوط. وفيه اشكال ينشأ من اشتراط نية السبب. أما لو نوى الجمعة دون الواجب، قال في الخلاف والمبسوط لم يجزه لانه لم ينو الجنابة، فيكون حدثه باقيا، ولا يجزيه عن الجمعة لان المراد به التنظيف. وفيه أيضا اشكال لانه ان نوى الطهارة أجزء عنهما، وان نوى التنظيف دون الطهارة فقد أجزء عن الجمعة إذ ليس المراد من المندوبة رفع الحدث، بل يصح أن

[ 362 ]

يجامع الحدث كما يصح غسل الاحرام من الحائض، ولو اغتسل ولم ينو شيئا أصلا لم يجزه عن شئ. الخامسة: إذا اجتمعت أغسال مندوبة، كالجمعة والعيدين مثلا، فان نوى الجميع أجزءه غسل واحد، لما رواه زرارة عن أحدهما عليهما السلام " إذا اجتمعت لله عليك حقوق أجزاك عنها غسل واحد " (1) قال " وكذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها واحرامها وجمعتها وغسلها من حيضها وعيدها ". أما لو نوى البعض فالوجه اختصاصه بما نواه لانا بينا ان نية السبب في المندوب مطلوبة، إذ لا يراد به رفع الحدث بخلاف الاغسال الواجبة لان المراد بها الطهارة فيكفي نيتها وان لم ينو السبب. مسألة: ولو حاضت المجنبة لم تغتسل، لانه لا طهارة مع الحيض ولو اغتسلت للجنابة لم ترتفع جنابتها. وقال أحمد بن حنبل ترتفع، وقال ولا أعلم أحدا قال لا تغسل الا عطا. لنا ان غسل الجنابة للطهارة ولا طهارة مع الحيض. ويؤيد ما رواه عبد الله ابن يحيى الكاهلي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة يجامعها الرجل فتحيض تغتسل أم لا؟ فقال: " قد جاءها ما يفسد صلاتها فلا تغتسل " (2). الركن الثالث [ في الطهارة الترابية ] وهو التيمم. وهو في اللغة القصد، قال رؤبة " تيمم البيت كريم الشيخ "، وقال امرء القيس:

1) و 2) الوسائل ج 2 ابواب الاغسال المسنونة باب 31 ح 1.

[ 363 ]

تيممت العين التي دون ضارج * يفئ عليها الظل عرمضها طامي ومنه تيممته برمحي إذا قصدته دون غيره، قال تيممته الرمح شزرا، ثم قلت له هذي المروة لا لعب الزحاليق. واختص في الشرع بمسح الوجه واليدين بالصعيد بدلا عن احدى الطهارتين والنظر فيه يستدعي امورا أربعة: الفصل الاول: في الشرائط. مسألة: شرط التيمم عدم الماء، أو عدم الوصلة إليه، أو حصول مانع، كالبرد، والمرض. أما عدم الماء فعليه اجماع أهل العلم ولقوله تعالى * (فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا) * (1)، ولقوله عليه السلام " التراب كافيك ما لم تجد الماء " (2). وكذا لو عدم الوصلة، ولو وجد بئرا توصل إلى مائها ولو بارسال ثوب واعتصاره، ولو خشى فوت الوقت باشتغاله باخراجه لم يجز التيمم، لانه كالواجد. ولو لم يمكنه الوصول الا بالنزول نزل ما لم يخش فساد الماء، أو مشقة أو تعزيرا. ويجوز التيمم لو منعه من استعماله مرض، وهو قول أهل العلم الا طاوس ومالكا. لنا ان في ايجاب الغسل هنا حرجا وعسرا وضررا، والكل منفي، وقوله تعالى * (ولا تقتلوا أنفسكم) * (3). وروى محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجنب يكون به القروح قال: " لا بأس أن لا يغتسل ويتيمم " " (4). وعدم الوصلة كعدم الماء وهو اجماع، ولو خشى البرد الشديد ولم يتمكن من اسخان الماء، تيمم وصلى ولا اعادة، ومثله قال أبو حنيفة. وقال الشافعي ان أمكنه استعمال جزء من الماء وجب عليه، وان لم يمكنه

1) سورة النساء: 43.
2) سنن البيهقي ج 1 ص 114.
3) سورة النساء: 29.
4) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 5 ح 11.

[ 364 ]

تيمم وصلى ثم أعاد ان كان حاضرا، وان كان مسافرا فعلى قولين. لنا قوله تعالى * (ولا تقتلوا أنفسكم) * (1) وقوله تعالى * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (2). وقصة عمرو بن العاص (3). وروى داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل تصيبه الجنابة وبه جروح أو قروح أو يخاف على نفسه البرد قال: " لا يغتسل ويتيمم " (4). فروع الاول " يجوز التيمم في السفر القصير مع عدم الماء، كما يجوز في الطويل وهو اجماع فضلاء الاسلام. وحكي عن سداد اختصاصه بالطويل، وهو ما يقصر فيه الصلاة. لنا قوله تعالى * (فلم تجدوا ماءا فتيمموا) * (5) وهو على اطلاقه، ويستوي سفر الطاعة والمعصية في جواز التيمم عملا بمطلق الاية، ولانه سفر لا يسقط معه الفرض ولا يسقط به التيمم. الثاني: الصحيح الحاضر إذا عدم الماء كالمحبوس ومن انقطع عنه الماء يتيمم ويصلي، وكذا قال الشافعي، ومالك، وأحمد. وعن أبي حنيفة روايتان احديهما يترك التيمم والصلاة، لان التيمم مشروط بالسفر. لنا قوله عليه السلام الصعيد الطيب طهور المسلم ان لم يجد الماء إلى عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته " (6) وقوله عليه السلام " التراب

1) سورة النساء: 29.
2) سورة البقرة: 195.
3) التاج الجامع الاصول ج 1 كتاب الطهارة ص 128.
4) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 5 ح 8.
5) سورة السناء: 43.
6) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 212 (مع اختلاف يسير).

[ 365 ]

كافيك ما لم تجد الماء " (1). واستدلال الحنفي ضعيف، لانا لا نسلم اشتراط السفر بل كما يجوز التيمم مع السفر لا بشرط المرض فكذا يجوز مع الحدث لا بشرط المرض ولا السفر، لان العطف مناف للشرط على أن ذكر السفر في الاية انما خرج مخرج الغالب لان عدم الماء في الحضر نادر وفي السفر غالب، فذكر معه لا شرطا على أنها تدل بدليل الخطاب وهو متروك. وهل يعيد إذا وجد الماء قال الشيخان لا، وبه قال مالك. وقال علم الهدى في شرح الرسالة يعيد، وبه قال الشافعي، وعن أحمد روايتان. لنا انه صلى بتيمم مشروع صلاة مأمورا بها فتكون مجزية. ويؤيده ما رواه عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا لم يجد الرجل طهورا وكان جنبا فليمسح من الارض وليصل فإذا وجد الماء فليغتسل وقد أجزأته صلاته التي صلاها " (2) واللفظ على عمومه. الثالث: من يتكرر خروجه عن مصره كالحطاب والحراث لو حضرته الصلاة ولا ماء، فان أمكنه العود ولما يفت مطلوبه عاد ولو تيمم لم يجزه، وان لم يمكنه الا بفوات مطلوبه ففي التيمم تردد أشبهه الجواز دفعا للضرر ولا اعادة لان طهارته مشروعة وصلاته مأمور بها. الرابع: يستبيح المريض التيمم مع خوف التلف اجماعا، ولا يستبيحه مع خوف المرض اليسير كوجع الرأس والضرس. وقيل تستبيحه لخوف الزيادة في العلة أو بطؤها أو الشين، مذهبنا نعم، وكذا قال مالك، وأبو حنيفة، وللشافعي قولان. لنا قوله تعالى * (ما جعل عليكم في الدين من حرج) * (3) وقوله تعالى * (وان

1) السنن للبيهقي ص 215 بهذا المعنى.
2) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 14 ح 7.
3) سورة الحج: 78.

[ 366 ]

كنتم مرضى أو على سفر) * (1) ولان التيمم جائز مع توجه الضرر على المال. وعند الشافعي لو زاد ثمنه عن ثمن المثل فهنا أولى فلو كان المريض لا يتضرر باستعمال الماء الحار، وجب عليه اسخانه ولم يتيمم مع القدرة على الاسخان. وقال داود يتيمم لظاهر الاية. لنا شرط التيمم عدم الماء، ولم يحصل، ولو زال المرض في أثناء الصلاة استصحب كما لو وجد الماء، وسيأتي تحقيقه. الخامس: إذا لم يجد المريض من يناوله الماء فهو كالعادم، ولو أمل مناولا وخشي فوت الصلاة ففي التيمم تردد، أقربه الجواز. السادس: من كان الماء قريبا منه وتحصيله ممكن لكن مع فوات الوقت أو كان عنده وباستعماله يفوت، لم يجز له التيمم وسعى إليه لانه واجد. السابع: لو خشى على نفسه لصا أو سبعا تيمم ولا اعادة لانه كالعادم، وكذا لو خشى على أهله أو ماله، وهو اجماع. ولو كان خوفه جبنا فكذلك لوجود سبب الخوف في حقه، ولو ظن مخوفا فتيمم وصلى، ثم بان فساد ظنه، فلا اعادة. وعن أحمد روايتان احديهما يعيد، لانه تيمم من غير سبب يبيح التيمم فأشبه من نسى الماء في رحله. لنا انه تيمم تيمما مشروعا، وصلى صلاة مأمورا بها، فتكون مجزية. وحجة أحمد ضعيفة، لان السبب الخوف وهو موجود، وقياسه على الناسي باطل، لانا نمنع الاصل والفرع. الثامن: إذا كان معه ماءا فأراقه قبل الوقت أو مر بماء فلم يتطهر ودخل الوقت ولا ماء، تيمم وصلى ولا اعادة، ولو كان ذلك بعد دخول الوقت، فكذلك. وللشافعي وأحمد هنا روايتان، احديهما يعيد، لانه فرط في الصلاة مع القدرة على طهارة كاملة. لنا انه صلى صلاة مستكملة الشرائط، فتكون مجزية والاراقة للماء سائغة،

1) سورة النساء: 43.

[ 367 ]

فلا يترتب عليها لواحق التفريط. التاسع: ولو نسى الماء في رحله وصلى بالتيمم أجزأه، وهو اختيار علم الهدى، وكذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي يعيد. وعن أحمد ومالك روايتان. وقال الشيخ: ان اجتهد وطلب لم يعد والا أعاد. لنا انه صلى بتيمم مشروع فلم يلزمه الاعادة ولان النسيان لا طريق إلى ازالته فصار كعدم الوصلة. واحتج الشافعي بأنها طهارة تجب مع الذكر فلم يسقط بالنسيان ولانه مفرط فيلزم الاعادة. وجوابه منع الملازمة فان الذاكر متمكن من الاستعمال، والناسي ممنوع منه، فلم تجب الطهارة مع المنع، ولا نسلم التفريط، لانا نتكلم على تقدير الاجتهاد في الطلب، وينتقض قياسه بمن ضل عن رحله وفيه ماء، أو كان يعرف بئرا فضلت عنه، فان الاصح التيمم والاجتزاء بالصلاة ولو ذكر، وقوله هو مفرط في موضع المنع لان النسيان لا طريق إلى ازالته. وفي رواية أبي بصير عن أبى عبد الله عليه السلام: " يتوضأ ويعيد " (1) وفي سندها عثمان بن عيسى وهو ضعيف، فهي اذن ساقطة. ولو كان بقربه بئر لم يرها فمع الاجتهاد تيمم ولا اعادة ومع التفريط يعيد. مسألة: ولو خشى العطش تيمم ان لم يكن في الماء سعة عن قدر الضرورة وهو مذهب أهل العلم كافة، لان التقدير الخوف على النفس، ومعه يتعين التيمم. وروى الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في الجنب يكون معه الماء القليل فان هو اغتسل به خاف العطش أيغتسل به أو يتيمم قال: " بل يتيمم " (2) وكذلك إذا أراد الوضوء.

1) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 14 ح 5.
2) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 25 ح 2.

[ 368 ]

فروع الاول: ويستوي في ذلك خوفه للعجل والمتطاول، لوجود العلة. ولو خشى العطش على رفقته أو دوابه، استقى الماء وتيمم، لان حرمة أخيه المسلم كحرمته، ولان حرمة المسلم آكد من حرمة الصلاة، والخوف على الدواب خوف على المال ومعه يجوز التيمم. الثاني: لو وجد عطشان يخاف تلفه بذل الماء له وتيمم، لان حفظ الانسان أرجح في نظر الشرع من الصلاة بدليل أنها تقطع لحفظ الانسان من الغرق والحرق وان ضاق وقتها خصوصا، والطهارة لها بدل والنفس لا استدراك لغايتها. الثالث: لو كان معه ماء ان طاهر ونجس، وخشي العطش استبقى لشربه الطاهر وتيمم، لانه قادر على شرب الطاهر فلا لما ذكرناه. لا يقال بعد دخول وقت الصلاة يصير استعمال الماء مستحقا للطهارة، لانا نمنع الاستحقاق، وانما نسلمه لو استغنى عن شربه وليس مستغنيا بالنجس لتحقق التحريم في شربه مع وجود الطاهر. مسألة: وإذا وجد الجنب ماءا لا يكفي لطهارته ترك الماء وتيمم، وكذا قال أبو حنيفة، ومالك. وللشافعي قولان، أحدهما يستعمل الماء ويتيمم، وكقوله قال أحمد. لنا انه ماء لا يطهره فجرى مجرى عدمه، ولانه ماء لا يسقط معه التيمم فلا يكون عدمه شرطا. احتج الشافعي: بأنه واجد للماء فلم يجزه التيمم. والجواب منع الوجود، لان المراد وجود ما يطهره، لقوله تعالى في كفارة اليمين * (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) * (1) يريد فمن لم يجد اطعام عشرة مساكين ولو وجد للبعض لما

1) سورة المائدة: 89.

[ 369 ]

وجب، ولانه لو وجب استعمال الماء لزم اجتماع البدل والمبدل، وكذا لو كان مع الجنب ماء يكفيه لوضوئه يتيمم ولا يلزمه استعمال الماء والتيمم لما ذكرناه. ويؤيده ما رواه الحسين بن أبي العلا عن أبي عبد الله عليه السلام في المجنب معه من الماء ما يكفيه لوضوئه أيتوضأ بالماء أو يتيمم فقال: " يتيمم " (1). وكذا البحث في المحدث حدثا أصغرا لو وجد ماءا لبعض طهارته، بل أولى مراعاة للموالات. وكذا لو تضرر بعض أعضائه بالماء لمرض تيمم ولم يغسل الصحيح. وقال الشيخ في المبسوط والخلاف: لو غسلها وتيمم كان أحوط. وكذا لو كان بعض أعضائه نجسا ولا يقدر على طهارته بالماء تيمم وصلى ولا اعادة في شئ من ذلك لعين ما ذكرناه. مسألة: إذا لم يوجد الا ابتياعا وجب مع القدرة وان كثر الثمن، كذا قال علم الهدى. وقيل ما لم يضربه في الحال وهو أشبه. أما الاول فيدل عليه أنه واجد للماء ضرورة قدرته عليه بالثمن الموجود كما في خصال الكفارة المرتبة. وروى صفوان عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن رجل احتاج إلى وضوء الصلاة، وهو لا يقدر على الماء فوجد قدر ما يتوضأ به بماءة درهم أو بألف درهم وهو واجد لها يشتري ويتوضأ أو يتيمم؟ قال: " بل يشتري قد أصابني مثل هذا فاشتريت وما يشتري بذلك مال كثير " (2). وأما الثاني وهو اشتراط عدم الضرر الحالي، فهو اختيار الشيخ رحمه الله في الخلاف والمبسوط. وقال ابن الجنيد منا: إذا كان الثمن غاليا تيمم وصلى وأعاد إذا وجد الماء. وقال الشافعي لا يلزمه لو زاد عن ثمن مثله لانه اضرار والطهارة لا تلزم مع الضرر كما لا يقص الثوب من النجاسة عند عدم الماء.

1 * الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 24 ح 3.
2) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 26 ح 1.

[ 370 ]

وقال أبو حنيفة ان كانت الزيادة قليلة، لزمه ابتياعه، لانها زيادة لا يعتد بها ولا يتيقن دخولها بين تقويم المقومين، فجرى وجودها مجرى عدمها. وجواب الشافعي منع دعواه فانه أوجب التيمم مع المرض إذا لم يخف على نفسه، وان خاف الزيادة وهو أعظم الضرر، ولان الضرر ليس معتبرا مع معارضة النص. وقال الشيخ في كتبه كلها لا يجب شرائه إذا كان مضرا في الحال. وهو فتوى فضلائنا، وفتوى فقهاء الجمهور. وانما قلنا انه أشبه لان من خشى من لص أخذ ما يجحف به، لم يجب عليه السعي وتعريض المال للتلف، وإذا ساغ التيمم هناك دفعا لهذا الضرر ساغ هنا. وينبه على ذلك ما رواه يعقوب بن سالم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل لا يكون معه ماء والماء عن يمين الطريق ويساره غلوتين أو نحو ذلك؟ قال: " لا آمره أن يغرر بنفسه فيعرض له اللص أو سبع " (1). فروع الاول: لو بذل له بثمن غير مجحف إلى أجل وكان قادرا عليه، وجب قبوله وان اشتغلت ذمته، لان له سبيلا إلى تحصيل الماء من غير اجحاف به، فلم يجز التيمم فان لم يكن قادرا عليه لم يجب وتيمم. وقال الشافعي يجب قبوله مطلقا. وبعض الحنابلة منع مطلقا. لنا انه غير واجد للماء ولا لثمنه فيلزمه التيمم. الثاني: لو امتنع صاحبه من بذله، لم يجز مقاهرته ولو كان فاضلا عن حاجته لانه لا ضرورة إليه لا مكان الصلاة بالتيمم. الثالث: لو بذل بغير عوض وجب قبوله، لانه كالواجد ولا منة ولا غضاضة في طلب الماء عادة ولو بذل له بثمن ليس معه فبذل له الثمن. قال الشيخ في المبسوط

1) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 2 ح 2.

[ 371 ]

يجب قبوله، لانه متمكن منه. وفيه اشكال، لان فيه منة بالعادة ولا يجب تحمل المنة. ومثله خصال الكفارة المرتبة. الرابع: عادم الالة الموصلة كعادم الماء ويستوي راكب البر وراكب البحر في جواز التيمم مع عدم الوصلة. مسألة: ولو كان على جسده نجاسة ومعه ماء يكفيه لازالتها أو للوضوء أزالها به وتيمم بدلا من الوضوء. ولا أعلم في هذه خلافا بين أهل العلم، لان للطهارة بدلا هو التيمم ولا كذلك ازالة النجاسة، وكذا لو كان عليه غسل وعلى جسده نجاسة والماء يكفي أحدهما، أزال النجاسة وتيمم للغسل، وكذا لو كانت النجاسة في ثوبه وعليه حدث غسل ثوبه بالماء وتيمم. وحكي عن أحمد بن حنبل بأنه يتطهر بالماء ولا يغسل الثوب لان رفع الحدث آكد في الصلاة من ازالة الخبث عن الثوب، وهو ضعيف لان ازالة النجاسة مع القدرة واجب ولا بدل للماء في ازالتها فتعين لها ولو كن متطهرا وعلى جسده نجاسة ولا ماء أو خاف من استعماله صلى على حاله. وعن أحمد هو كالجنب يتيمم. وما ذهب إليه أحمد خلاف الاجماع لان التيمم مختص برفع الحدث، أما رفع الخبث فلا، لان المراد من طهارة الخبث ازالة عينه عن محله، وهو لا يحصل بالتيمم. واحتج بعض أصحابه بقوله عليه السلام " الصعيد الطيب طهور المسلم " (1) وقوله " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " (2) ولانها طهارة في البدن للصلاة فجاز التيمم لها عند عدم الماء، وخوف الضرر كالحدث، والجواب لا نسلم ان الظواهر

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 212، ولفظه كذا (الصعيد الطيب وضوء السلم).
2) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 7 ح 2.

[ 372 ]

المذكورة متناولة لموضع النزاع، لان طهورا ليس من ألفاظ العموم بل هو مطلق يصدق بالجزء والكل، ومع الاحتمال لا يتعين لارادة الكل فلعل المراد به طهور المسلم من الحدث. وكذا قوله مسجدا وطهورا والمطلق لا يدل على موارده ولان المعول في جواز التيمم على الاية، وهي دالة على استعماله في رفع الحدث فيقتصر عليه. وأما قياسه على طهارة الحدث فباطل لان طهارة الحدث متعلقة بالبدن والعينية متعلقة بمحلها فلا يلزم من زوال الحكمية بالتيمم زوال حكم العينية به لما بينهما من الفرق. الفصل الثاني: ما يتيمم به. مسألة: لا يجزي في التيمم الا التراب الخالص أي الصافي من مخالطة ما لا يقع عليه اسم الارض كالزرنيخ والكحل وانواع المعادن، وهذا قول علم الهدى في شرح الرسالة، وأبي الصلاح، وظاهر كلام المفيد، وهو اختيار الشافعي. وقال الشيخ في المبسوط: لا يجوز الا بما يقع عليه اسم الارض اطلاقا سواء كان عليه تراب أو كان حجرا أو جصا أو غير ذلك، وبمعناه قال في جمله والخلاف وكذا قال ابن الجنيد منا، وعلم الهدى في المصباح، وهو الوجه. وقال أبو حنيفة يجوز بالارض وبكل ما كان من جنسها كالكحل والزرنيخ، وبه قال ابن أبي عقيل منا، لقوله عليه السلام " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " (1) وكل ما جاز أن يسجد عليه مما يكون منها يجوز الطهور به ولانه جزء من الارض فصار كالتراب ولان الصعيد ما تصاعد على الارض منها. وقال مالك كقوله وزاد التيمم بما يخرج من الارض كالشجر وغيره. واحتج علم الهدى بقوله تعالى * (فتيمموا صعيدا طيبا) * (2). والصعيد هو

1) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 7 ح 2.
2) سورة المائدة: 6.

[ 373 ]

التراب بالنقل عن أهل اللغة حكاه ابن دريد عن أبي عبيدة وبقوله عليه السلام " جعلت لي الارض مسجدا طهورا " (1) ولو كانت الارض طهورا وان لم يكن ترابا ذكره لغوا وبقوله عليه السلام " التراب طهور المسلم ". لنا قوله تعال * (فتيمموا صعيدا طيبا) * (2) والصعيد هو وجه الارض بالنقل عن فضلاء اللغة، ذكر ذلك الخليل، وثعلب عن ابن الاعرابي، ويدل عليه قوله تعالى * (فتصبح صعيدا زلقا) * (3) أي أرضا ملسا مزلقة ومثله قوله عليه السلام " يحشر الناس يوم القيامة عرات حفاة على صعيد واحد " أي أرض واحدة. ويدل على جواز التيمم بالارض قوله عليه السلام " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " (4) وقوله عليه السلام " للسائلين عليكم بالارض ". ومن طريق الاصحاب ما رواه زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في التيمم قال: " تضرب بكفيك الارض " (5) والحسين بن أبي العلا عن أبي عبد الله عليه السلام " لا ينزل إلى الركية ان رب الماء هو رب الارض فتيمم " (6). وجواب علم الهدى انه لا يلزم من تسمية التراب صعيدا ان لا يسمى به الارض بل جعله اسما للارض أولى، لانه يستعمل فيهما فيجعل حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو الارضية دفعا للاشتراك والمجاز فيكون التراب صعيدا باعتبار كونه أرضا لا باعتبار كونه ترابا. وأما الخبران فالتمسك بهما تمسك بدلالة خطابهما، وهو متروكة في معرض

1) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 7 ح 2.
2) سورة المائدة: 6.
3) سورة الكهف: 40.
4) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 7 ح 4. 5) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 11 ح 7.
6) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 3 ح 4.

[ 374 ]

النص اجماعا. وجواب أبي حنيفة لا نسلم انه يلزم من جعل الارض مسجدا وطهورا يجتمع الامران فيما يخرج من الارض مما لا يسمى أرضا، وحينئذ لا يتناول الكحل والزرنيخ لعدم تسميتها أرضا وصعيدا. وقوله هو جزء من الارض فصار كالتراب. قلنا ان عنيت بكونه جزءا انه يسمى أرضا فهو ممنوع وان عنيت انه يخرج منها، فهو ينتقض بالشجر وبالذهب والفضة فانه نمنع من التيمم بذلك، وان كان خارجا من الارض. وبالجملة فلا نسلم أن جواز التيمم متعلق بما يخرج من الارض بل بما يسمى أرضا. فروع الاول: يجوز التيمم بالرمل والسبخة على كراهية فيهما، وهو مذهب فقهائنا أجمع، عدا ابن الجنيد فانه منع من السبخ. لنا ان السبخ أرض وخشونتها ولونها لا يخرجها عن الارضية، كالارض الحمراء والصفراء. أما المعادن فلا يجوز التيمم بها كالزاج والزرنيخ والكحل، وكذا ما ماثلها من الاشياء المنسحقة كالدقيق والسويق، وكذا المستحيلة كالرماد لان جميع ذلك لا يمسى أرضا، ولو مزج التراب بأحدها، قال الشيخ في الخلاف: لم يجز التيمم به وان غلب عليه الصعيد لقوله * (فتيمموا صعيدا) * (1) وهذا خرج عن الصعيد بالممازجة. الثاني: يجوز التيمم بالارض الندية كما يجوز بالتراب، لما ذكرناه من الحجة، ولما رواه رفاعة بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا كانت الارض مبتلة ليس فيها تراب ولا ماء فانظر أجف موضع تجده فتيمم منه فان ذلك توسيع من الله عزوجل " (2).

1) سورة المائدة: 6.
2) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 9 ح 4.

[ 375 ]

الثالث: في التيمم بالخزف تردد أشبهه المنع، وهو اختيار ابن الجنيد منا، لانه خرج بالطبخ عن اسم الارض ولا يعارض بجواز السجود لانه قد يجوز السجود على ما ليس بأرض كالكاغذ، وكذا لو دق حتى صار كالتراب أما لو دق الحجر جاز كما يجوز التيمم به غير مدقوق. الرابع: ليس من شرط التيمم نقل التراب إلى أعضاء المتيمم، قاله علم الهدى في شرح الرسالة وقال: لا أعرف لاصحابنا في هذا نصا، فالاولى أن لا يكون به اعتبار واعتبره الشافعي. لنا قوله تعالى * (فتيمموا صعيدا طيبا) * (1) وقد بينا ان الصعيد وجه الارض ولم يشترط النقل، ولان النبي صلى الله عليه وآله نفض يديه من التراب ولو كان بقاؤه معتبرا لما نفض يده، ولانه تعريض لازالته. احتج الشافعي بقوله تعالى * (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) * (2) ومن هنا للتبعيض، ولانه ممسوح في الطهارة، فافتقر إلى ممسوح به كمسح الرأس في الوضوء. والجواب كما يحتمل أن يكون من هنا للتبعيض، يحتمل للابتداء كأنه أمر أن يكون مسح الوجه موصولا بتيمم الصعيد من غير تحلل، وجواب قياسه الفرق بين طهارة الماء والتيمم، لان المراد بالمائية ازالة الحدث وليس كذلك التيمم. مسألة: يستحب التيمم من ربا الارض وعواليها ويكره من مهابطها، وعليه اتفاق فقهائنا، ولم يفرق بين الموضعين أحد ممن خالفنا. والوجه ان العوالي يغسلها السيول فهي أبعد عن ملاقات النجاسات. ويؤيده النقل عن أهل البيت وان ضعف سنده. مسألة: قال علم الهدى في المصباح: يجوز التيمم بالجص والنورة. وقال الشيخان في المقنعة والمبسوط والنهاية: يجوز بأرض الجص والنورة، وهو حسن.

1) و 2) سورة المائدة: 6.

[ 376 ]

ومنع الشافعي ذلك. لنا قوله * (فتيمموا صعيدا طيبا) * (1) والصعيد وجه الارض. وما ذكره علم الهدى في المصباح هو رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام انه سأل عن التيمم بالجص فقال " نعم " فقيل بالنورة فقال " نعم " فقيل بالرماد فقال " لا انه لا يخرج من الارض انما يخرج من الشجر " (2). وهذا السكوني ضعيف لكن روايته حسنة، لانه أرض فلا يخرج باللون والخاصية عن اسم الارض كما لا يخرج الارض الصفراء والحمراء. مسألة: الحجر الصلد كالرخام والصفا والبرام، يجوز التيمم به وان لم يكن عليه غبار، قاله الشيخ في المبسوط والنهاية، وعلم الهدى في المصباح وقال المفيد في المقنعة يجوز مع الاضطرار، ومنعه الشافعي أصلا. لنا قوله تعالى * (فتيمموا صعيدا طيبا) * (3) والصعيد وجه الارض والحجر أرض اجماعا. لا يقال الصعيد تراب الحرث، كذا حكي عن ابن عباس وقوله حجة. لانا نقول هذا يبطل بالرمل والسبخة فان التيمم بهما جائز وان لم يكونا من تراب الحرث. ولو قيل المراد حمل التراب إلى الوجه واليدين، انتقض ذلك بمقابلة العواصف وانما قال في الاصل فيه تردد، لان علم الهدى قال في المصباح: لم أقف لاصحابنا فيه على نص. والمفيد أجازه عند الاضطرار فنشأ التردد من ذلك. مسألة: إذا فقد الصعيد تيمم بغبار الثوب أو عرف الدابة أو لبد السرج أو غير ذلك مما فيه غبار، وهو مذهب علمائنا، ومذهب أبي حنيفة، والشافعي، ومنعه أبو يوسف. لنا ان هذا هو القدر الذي يستعمل من الصعيد فيجتزأ به. ويؤيده رواية زرارة

1) و 3) سورة المائدة: 6.
2) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 8 ح 1.

[ 377 ]

قال قلت لابي جعفر عليه السلام كيف أصنع وعلي وضوء ولا أقدر على النزول فقال: " تيمم من لبد سرجه أو عرف دابته فان فيهما غبارا " (1). وفي رواية رفاعة بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام " لينظر لبد سرجه فيتيمم من غباره أو شئ مغبر " (2). مسألة: إذا فقد الصعيد والغبار ووجد وحلا أطبق فقهائنا على جواز التيمم به. لنا انه لا يخرج بممازجة الماء عن كونه أرضا وصعيدا، لما روي عن ابن عباس انه قال: خلق آدم من أديم الارض خشنها، ولينها، وأحمرها، وأصفرها، وطينها، وسبخها، ولذلك اختلف ألوان الناس وألسنتهم. ولما رواه زرارة عن أحدهما قلت: رجل في الاجمة ليس فيها ماء وفيها طين ما يصنع قال: " يتيمم فانه الصعيد " (3). وأما الفتوى به فرواها رفاعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ان كنت في حال لا تجد الا الطين فلا بأس أن تتيمم منه ". ومثله روى زرارة. وفي كيفية التيمم بالوحل قولان، قال الشيخ: يضع يديه على الوحل ثم يفركهما ويتيمم به، وقال آخر: يضع يديه على الوحل ويتربص فإذا يبس تيمم به، وحكي عن ابن عباس انه قال يطلى بالطين فإذا جفف تيمم به. والوجه ما ذكره الشيخ رحمه الله عملا بظاهر الروايات، ولا يجوز التيمم بالوحل مع القدرة على الغبار، ولا بالغبار مع القدرة على الارض. مسألة: قال علم الهدى في المصباح: من كان في أرض وحل أو ثلج لا يتمكن من غيره جاز أن يضرب يديه ويتيمم وظاهر هذا يعطى التيمم بالثلج،

1) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 9 ح 1.
2) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 9 ح 4.
3) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 9 ح 5.
4) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 9 ح 3.

[ 378 ]

واليه أومأ ابن الجنيد في المختصر، وقال المفيد رحمه الله في المقنعة: ومن كان في أرض قد غطاها الثلج ولا سبيل له إلى التراب فليكسره وليتوضأ به مثل الدهن، وهذا مصير إلى الوضوء لا إلى التيمم. وفيه مع منافات الاصل، الاقتصار على الدهن، وفيه أيضا تقديم التراب على استعمال الماء. وقال الشيخ في المبسوط والتهذيب ما يقاربه. والتحقيق عندي انه ان أمكن الطهارة بالثلج بحيث يكون به غاسلا فانه يكون مقدما على التراب بل مساويا للماء في التخيير عند الاستعمال وان قصر عن ذلك لم يكف في حصول الطهارة وكان التراب معتبرا دونه بحيث لو تيمم به مع فقد التراب أو مع وجوده لم يحصل به طهارة، لان الثلج ليس أرضا فلا يجوز التيمم به. وان كان يمكن غسل الاعضاء به فقد أمكنت الطهارة المائية، فلم يجز استعمال التراب معها ولا عبرة بالدهن، لانه لا يسمى غسلا فلا يحصل به الطهارة الشرعية الا أن يراد بالدهن ما يجري على العضو وان كان قليلا من قولهم دهن الغيث الارض إذا بلها بللا يسيرا، ولا يلزم من تسميته دهنا أن يكون مسحا، لانه محتمل ولا يصار إلى المحتمل مع عدم الدلالة عليه. ويؤيد ما ذكرناه ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: سألته عن الرجل الجنب أو على غير وضوء ولا يكون معه ماء ويصيب ثلجا وصعيدا أيهما أفضل تيمم أفضل أو تمسح بالثلج قال: " الثلج إذا بل رأسه وجسده أفضل فان لم يقدر أن يغتسل به تيمم " (1). وبالجملة فانا نطالب علم الهدى والشيخ المفيد رحمهم الله بدليل ما ادعياه.

1) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 10 ح 3.

[ 379 ]

فروع الاول: الصعيد النجس لا تيمم به لقوله * (فتيمموا صعيدا طيبا) * (1) أو الطيب الطاهر. الثاني: التراب المستعمل يتيمم به لانه لم يخرج بالاستعمال عن اسم الصعيد. الثالث: تراب القبر يتيمم به ما لم يعلم فيه نجاسة ولو تكرر نبشه لانه عندنا طاهر. الرابع: ظن قوما منا ان دهن الاعضاء في الطهارة يقصر عن الغسل ومنعوا الاجتزاء به الا في حال الضرورة، وهو خطأ فانه لو لم يسم غسلا لما جاز الاجتزاء به، لانه لا يكون ممتثلا وان كان غسلا لم يشترط فيه الضرورة. ويدل على أنه مجز روايات، منها رواية زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: " انما الوضوء من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه ان المؤمن لا ينجسه شئ انما يكفيه مثل الدهن " (2). مسألة فاقد الطهارتين يؤخر الصلاة، وهو مذهب الشيخين في المقنعة والخلاف، وأبي حنيفة، ومالك. وقال في المبسوط أما أن يؤخر أو يصلي ويعيد، لانه صلى بغير طهارة ولا تيمم. وقال الشافعي وأحمد يصلي على حاله. لنا قوله عليه السلام " لا صلوة الا بطهور " (3) وحقيقته نفي الصلاة فلا يتحقق من دونه. واحتج الشافعي بما روي ان النبي صلى الله عليه وآله بعث قوما لطلب قلادة عايشة فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء وأتوا النبي صلى الله عليه وآله فذكروا ذلك له فلم ينكره عليهم ونزلت

1) سورة المائدة: 6.
2) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 31 ح 12.
3) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 42 (مع اختلاف يسير جدا).

[ 380 ]

آية التيمم (1). ولان الطهارة شرط من شروط الصلاة فلم يسقط بفواتها كستر العورة، واستقبال القبلة. والجواب لا نسلم انه لم ينكر، وعد النقل لا يدل على عدمه في نفس الامر لان الواقعة كانت مع نفر قليل يمكن أن يستر النقل أو لم يتوفر دواعيهم إليه، سلمنا انه لم ينكر، ولكن عدم النكير لا يدل على عدم الحظر، ولا يدل على وجوب الفعل، ولا استحبابه. ثم ما المانع أن يكون عدم النكير لعدم علمهم بالمنع من الصلاة من دون الطهارة. ثم ما ذكروه تمسك بترك النكير ولا عبرة به في معرض النص. وأما قياسه فهو قياس من غير جامع. ثم ان الفرق ان الصلاة مناجاة للرب وقرب منه، لقوله عليه السلام " أقرب ما يكون العبد من ربه إذا صلى " والقرب منه سبحانه يستدعي الطهارة ليكون المناجي على حال يصح منه القرب من قدس الله، وليس كذا السترة لانها اكمال في الادب والله سبحانه لا يستر عن ادراكه شئ، وكذا القبلة فان الله مستقبلك كيف كنت. ومع ثبوت هذا الفارق أمكن اسناد الحكم إليه، ثم لو سلمنا المساواة لكان استدلالا بالقياس في معرض النص وهو متروك على ما بين في الاصول، وإذا ثبت ذلك فهل تقضى هذه الصلاة. قال المفيد في المقنعة: نعم، وبمعناه قال الشيخ في المبسوط، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وللمفيد قول آخر انها لا تقضى، وهو اختيار مالك. احتج أبو حنيفة بأنها أخرت لعدم الطهارة فيجب أن تقضى عند امكانها كصوم الحائض. لنا انها سقطت لحدث لا يمكنه ازالته فلا يجب عند زواله وخروج وقتها

1) سورة النساء: 43.

[ 381 ]

كصلاة الحائض، ولان القضاء فرض مستأنف يتوقف على الدلالة ولا دلالة. والجواب عما ذكره أبو حنيفة، انه قياس من غير جامع. ثم الفرق ان الصوم يدخله التأخر كصوم المسافر ولا كذلك الصلاة، ولو سلمنا المساوات لكان استعمالا للقياس في معارضة النص وهو متروك. فروع الاول: الممنوع عن الركوع والسجود برباط في الموضع النجس فانه يصلي على حاله يومئ لركوعه وسجوده ولا يعيد لعين ما ذكرناه. الثاني: المسافر إذا جامع زوجته ومعه ماء يغسل به فرجه غسل بما معه وتيمم لصلاته ولا اعاده، وهو اجماع أهل العلم. ولو لم يكن معه ماء أو كان ماء لا يكفي لغسل فرجه تيمم وصلى على حاله وكذا المرأة، وهل يعيدان، تردد في المبسوط. وقال في الخلاف الذي يقتضيه مذهبنا انه لا اعادة، وهو أشبه القولين، لانه صلى صلاة مأمورا بها فتكون مجزية. الثالث: قال في المبسوط: وكذا من على بعض بدنه نجاسة لا يقدر على ازالتها تيمم وصلى ثم يعيد إذا غسل الموضع. والوجه عندي ان هذه كالاولى في الاجزاء. الفصل الثالث: في كيفية التيمم. مسألة: لا يصح التيمم قبل وقت الصلاة، وهو مذهب علمائنا، وكذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة يصح. لنا ان الامر بالتيمم مشروط بارادة القيام إلى الصلاة، وذلك لا يتحقق الا بعد الوقت فالتيمم كذلك. ولو قيل هي جملة منفردة فلا يلحقها الشرط، قلنا ظاهر العطف بالواو يقتضي ذلك. ولو قيل لو كان شرطا في التيمم لكان شرطا في المائية، قلنا نحن نلتزم الاشتراط

[ 382 ]

فيهما، ولهذا لا تجب الطهارة قبل الوقت والجواز في المائية معلوم بدلالة لم يوجد في الترابية. ويدل على ما قلناه أيضا قوله عليه السلام " أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت " (1) وهو تعليق التيمم على ادراك الصلاة فينتفي مع عدمه، ولان التيمم قائم مقام الطهارة المائية عند العجز، والعجز لا يتحقق الا عند الحاجة إليه، ولا حاجة قبل الوقت، وهل يجوز بعد دخول الوقت قبل تضييقه؟ أطبق الجمهور على نعم، لقوله عليه السلام " أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت " (2) ولانه وقت الحاجة إلى الطهارة، فمع تعذرها يعدل إلى البدل، وهو اختيار أبي جعفر بن بابويه في كتابه المقنع قال: لقوله تعالى * (فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا) * (3) ولم يذكر التأخير. وقال الثلاثة وأتباعهم: لا يصح الا في آخر الوقت ولا يستباح به الصلاة. والوجه في وجوب التأخير ما رواه الجمهور عن علي عليه السلام " في الجنب يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت فان وجد الماء والا تيمم " (4) والمراد به الامر وظاهر الامر الوجوب والتلوم الانتظار والمكث. ولان الصعيد بدل عن الماء عند العجز ولا يتحقق العجز الا عند خوف الفوت لان توقع الظفر مع سعة الوقت يرفع العجز. ويؤيد ما رواه زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: " إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه " (5).

1) و 2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 222 (مع اختلاف يسير).
3) سورة النساء: 43.
4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 233 (مع اختلاف يسير).
5) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 1 ح 1.

[ 383 ]

فروع الاول: يتيمم للفايتة وان لم يكن وقت فريضة حاضرة وللنافلة بعد دخول وقتها الاوقات المنهي عنها، ويدخل به في الفرائض، لتحقق الاستباحة، ولقوله عليه السلام " الصعيد الطيب طهور المسلم إذا لم يجد الماء عشر سنين " (1) وهل يتيمم لنافلة مبتدأة؟ فيه تردد، والجواز أشبه، لعدم التوقيت والمراد بها تعجيل الاجر في كل وقت وفواته بالتأخر متحقق. الثاني: لو تيمم في آخر وقت الحاضرة وصلى ثم دخلت الثانية صلاها في أول الوقت. وفيه تردد لقوله عليه السلام " يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت " (2). الثالث: قال ابن الجنيد: ان وقع اليقين بفوات الماء آخر الوقت أو بأغلب الظن فالتيمم في أول الوقت أحب الي، وقال ابن أبي عقيل ولا يجوز لاحد أن يتيمم الا في آخر الوقت رجاء أن يصيب الماء قبل خروج الوقت، وقوله هذا يؤذن ان التأخير لتوقع الاصابة. وقال الشيخ في الخلاف لا يجوز قبل آخر الوقت طمع في الماء أو يئس. وقال أبو حنيفة يستحب تأخيره ان طمع في الاصابة. وشيخنا رحمه الله تمسك بمطلق الامر بالتأخير، قال في التهذيب: وقد دلت رواية البزنطي ومحمد بن مسلم وزرارة على المنع من التيمم الا في آخر الوقت. وفيما استدل به اشكال. أما رواية البزنطي عن رجاله عن أبي عبد الله عليه السلام فليست صريحة في المنع لانه قال: وليس ينبغي لاحد أن يتيمم الا في آخر الوقت " وهذا اللفظ كما يحتمل التحريم يحتمل الكراهية، بل استعماله في الكراهية أكثر.

1) التاج الجامع للاصول ج 1 كتاب الطهارة ص 127 (مع اختلاف يسير).
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 233.

[ 384 ]

وأما رواية محمد بن مسلم فمرسلة، لانه قال سمعته والمسموع منه مجهول. وأما رواية زرارة فمضمونها انه يطلب الماء مادام في الوقت فإذا خاف أن يفوته الوقت تيمم والطلب يؤذن بامكان الظفر لانه لو لا امكان الظفر لكان عبثا، فاذن ما قاله ابن الجنيد جيد. الرابع: لو كان العذر غير عدم الماء كالمرض الذي يعلم من حاله الاستمرار، فان قلنا التأخير لرجاء الاصابة سقط التأخير هنا، وان قلنا هو شرط غير معلل برجاء الاصابة لم يقسط. الخامس: لو ظن ضيق الوقت لامارة فتيمم وصلى ثم بان غلطه، ففي الاعادة تردد ظاهر كلام الشيخ في كتبه الاخبارية، وجوب الاعادة. ويقوى عندي انه لا اعادة، لانه تطهر طهارة شرعية وصلى صلاة مأمورا بها فتكون مجرية. لا يقال شرط التيمم التضييق، لانا لا نسلم بل لا يكون شرطه ظن التضييق، وظاهر انه كذلك لان الشرع لما لم يجعل على التضييق دلالة دل على احالته على الظن. ويمكن أن يستدل على ذلك برواية زرارة ومعوية بن ميسرة ويعقوب بن سالم عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام في رجل تيمم وصلى ثم بلغ الماء قبل خروج الوقت فقال: " ليس عليه اعادة ان رب الماء ورب التراب واحد " (1) ولا وجه لها على القول بالتضييق الا ما ذكرناه. وما تأولها الشيخ به رحمه الله في التهذيب، بعيد عن الظاهر. مسألة: وهل يجب استيعاب الوجه واليدين فيه روايتان: احديهما: يجب، اختاره ابن بابويه، ومثله قال الشافعي. وقال أحمد بن حنبل: يستوعب الوجه والكفين حسب. وقال أبو حنيفة: يجوز الاخلال برفع الوجه. والاخرى لا يجب، بل يمسح الجبهة وظاهر الكفين، وهو اختيار الثلاثة وأتباعهم، وابن الجنيد. وقال أبو جعفر بن بابويه: يمسح جبينه وحاجبيه. وفي

1) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 14 ح 13.

[ 385 ]

رواية عمرو بن أبي المقدام وزرارة " يمسح جبينه وكفيه " (1). لنا قوله تعالى * (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) * (2) والباء إذا دخلت على المتعدي ببعضه لوجهين: أحدهما: انه لو لا ذلك لبطلت فائدتها، إذ لا وجه الا الزيادة أو التبعيض ولو كانت زائدة لكانت لغوا والغائها خلاف الاصل فتعينت للتبعيض. ولو قيل أنكر جماعة وجوب التبعيض في اللغة قلنا عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، ثم نقول ما ذكرناه منقول عن جماعة من الفضلاء مع انه مروي عن الامام أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام وفي قوله كفاية. الثاني: انها استعملت مع الفعل المتعدي للتبعيض فيكون حقيقة فيه دفعا للمجاز. أما الاستعمال فلما رواه أنس ان النبي صلى الله عليه توضأ ورفع مقدم عمامته وأدخل يده تحتها فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة (3). وعن سلمة بن الاكوع انه كان يمسح ببعض رأسه. وكان ابن عمر يمسح اليافوخ. وعن أحمد بن حنبل كانت عايشة تمسح مقدم رأسها. وروي أن عثمان مسح مقدم رأسه بيده مرة واحدة، ولم يستأنف ماء ا جديدا. حين حكي وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وأفعالهم وقعت امتثالا لمدلول الاية، فيكون ذلك هو المراد، إذ لو كان المراد بالاية مسح الرأس كله لبطل فعل هؤلاء وإذا اريد بالباء هناك التبعيض وجب أن يكون هنا كذلك دفعا للاشتراك، ثم نقول قال سيبويه باء الجر انما هي للالصاق تقول ضربته بالسوط، معناه ألزقت ضربك اياه بالسوط فما اتسع في هذا الكلام فهذا أصله، وبتقدير أن يكون معناها منحصر في الالصاق

1) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 11 ح 3.
2) سورة المائدة: 6.
3) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 61.

[ 386 ]

لا يجب الاستيعاب، لانك تقول جذبت بالزمام وضربت بالسوط وكتبت بالقلم. وليس المراد بكله وحينئذ لا يكون قوله * (فامسحوا برؤسكم) * (1) كقوله * (امسحوا رؤسكم) * بل يكون دخول الباء مفيدا الصاق المسح بالرأس ولو ببعضه كما مثلناه فيقتصر على المتقين. ويؤيد ذلك ما رواه زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن التيمم فضرب بيديه الارض ثم رفعهما فنفضهما ومسح بهما جبهته وكفيه مرة واحدة (2). فان احتج علي بن بابويه برواية ليث المرادي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " تضرب بكفيك على الارض مرتين وتمسح بهما وجهك وذراعيك " (3). فالجواب الطعن في السند فان الراوي حسين بن سعيد عن محمد بن سنان، ومحمد ضعيف جدا، وليس كذلك روايتنا، فانها سليمة السند، فيكون أرجح. وأجاب علم الهدى بأن قال: المراد الحكم كأنه إذا مسح كفيه كان كمن غسل ذراعيه في الطهارة. وبمثل ذلك أجاب الشيخ رحمه الله في التهذيب، وهو تأويل بعيد. ثم الجواب الحق العمل بالخبرين فيكون مخيرا بين مسح الوجه أو بعضه لكن لا يقتصر على أقل من الجبهة، وقد أومأ إلى هذا ابن أبي عقيل فقال: ولو أن رجلا تيمم فمسح ببعض وجهه أجزأه لان الله تعالى يقول * (فامسحوا بوجوهكم) * (4). وأما مسح اليد فقد قال الاكثرون منا المراد بها ظاهر الكفين. وقال علي بن بابويه امسح يديك من المرفقين إلى الاصابع. وقال أبو حنيفة والشافعي: يمسح الكفين والذراعين باطنا وظاهرا. وقال أحمد: يقتصر على ظاهر الكفين.

1) سورة النساء: 43.
2) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 11 ح 3. 3) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 12 ح 2.
4) سورة المائدة: 6.

[ 387 ]

لنا قوله تعالى * (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) * (1). واليد هي الكف إلى الرسغ يدل عليه قوله تعالى * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (2) والاجماع منهم على قطعهما من الرسغ. وما رواه عمار عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " انما يكفيك أن تقول بيدك هكذا ثم ضرب بيديه الارض ضربة واحدة ثم مسح وجهه وظاهر كفيه " (3) فان احتج الشافعي بما رووه عن جابر وابن عمرو ابن الصمة عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين " (4). أجبنا من وجهين: أحدهما: الطعن في الرواية، قال الحلال من أصحاب أحمد: الاحاديث في ذلك ضعاف جدا، لم يروها صاحب السنن خلا رواية عن ابن عمر. وقال أحمد ابن حنبل الحديث عن ابن عمر لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله، بل هو عن ابن عمر نفسه وقال ابن عبد البر لم يروه غير محمد بن ثابت، وبه ضعف، وهو عندهم حديث منكر. وأما حديث ابن الصمة فليس فيه إلى المرفقين بل المحفوظ، انه مسح وجهه ويديه. الوجه الثاني: المعارضة بأحاديث، منها حديث عمار المقدم، وهو أثبت حديث في هذا المعنى. ولو قيل فقد روي عن عمار أيضا إلى المرفقين، قلنا هو ضعيف عند أصحاب الحديث منهم قالوا رواه عنه سلمة ثم شك حين قيل له لم يرو الذراعين غيرك فقال لا أدري أذكر الذراعين أم لا. ثم الحق عندي أن مسح ظاهر الكفين لازم ولو مسح الذراعين جاز أيضا

1) سورة المائدة: 6.
2) سورة المائدة: 38.
3) التاج الجامع للاصول ج 1 كتاب الطهارة ص 129 (مع تفاوت اختلاف يسير).
4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 207.

[ 388 ]

عملا بالاخبار كلها لكن الكفين على الوجوب، وما زاد على الجواز لانه أخذ بالمتيقن. مسألة: وفي عدد الضربات أقوال قال الشيخان في المبسوط والنهاية والمقنعة: ضربة للوضوء وضربتان للغسل، وهو أجودها. وقال علي بن بابويه: ضربتان فيهما، وهو اختيار الشافعي وأبي حنيفة. وقال علم الهدى: ضربة واحدة فيهما، وهو اختيار أحمد بن حنبل. وقال قوم منا: ثلاث ضربات لرواية ابن أذينة عن ابن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن التيمم فضرب بكفيه الارض ثم مسح بهما وجهه ثم ضرب بشماله الارض فمسح مرفقيه إلى أطراف الاصابع واحدة على ظاهرها [ ظهرها ]، وواحدة على بطنها ثم ضرب بيمينه الارض ثم صنع بشماله كما صنع بيمينه، وهذه نادرة على انا لا نمنعها جوازا. لنا ان الاحاديث مختلفة بالضربة والاثنتين، واطراحها غير جائز والعمل بالجميع متناقض فيقضى عليها بالتفصيل الذي اخترناه، لوجهين: أحدهما: ان اختلاف الاحاديث يقتضي اختلاف الحكم صونا لها عن التناقض والوضوء مخفف الحكم، والغسل مثقله، فيكون الضربة للوضوء، لانه أخف. الوجه الثاني: روى في بعض أخبار الائمة التفصيل فيصار إليه، لانه وجه من الترجيح من ذلك رواية حريز عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قلت: كيف التيمم قال: " ضربة واحدة للوضوء وللغسل من الجنابة تضرب بيديك مرتين ثم تنفضهما مرة للوجه ومرة لليدين " (1). وقال علم الهدى في شرح الرسالة: القول بالمرة أولى، لانه يمكن معه العمل بخبرهم بأن يفعل ما زاد على المرة على الاستحباب، ومن قال بوجوب المرتين لا

1) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 12 ح 4

[ 389 ]

يمكنه استعمال خبرنا فيكون القول بوجوب المرة أولى. قال رحمه الله: وليس لهم أن يقولوا أن التيمم دعت إليه الضرورة فلا استحباب فيه، لانا نخالفهم في هذا الاصل ونجيز دخول الاستحباب فيما دعت إليه الضرورة وكلام علم الهدى هذا حسن أيضا. فروع الاول: وضع اليدين على الارض شرط، فلو استقبل العواصف حتى لصق صعيدها بوجهه أو يديه، أو كان على وجهه غبار وأمره عليه لم يجز له لقوله تعالى * (فتيمموا صعيدا طيبا) * (1) أي اقصدوه ولانها كيفية منقولة عن صاحب الشرع في مقابل الامر المطلق فيكون بيانا. الثاني: نفض اليدين ونفخهما من التراب ليس بواجب بل هو مستحب لقوله تعالى * (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) * (2). والنفض والنفخ مسكوت عنه فيسقط اشتراطه. وأما الاستحباب فلان النبي صلى الله عليه وآله فعله. الثالث: يستحب تفريج الاصابع عند الضرب ولا يجب لغير ما ذكرناه. الرابع: لا يشترط أن يعلق على يده شئ من الغبار لان النبي صلى الله عليه وآله نفض يديه، وفي رواية عمار عن النبي صلى الله عليه وآله " انه نفخ فيهما " (3) ولو كان شرطا لما عرضه للزوال، ولانا بينا ان الصعيد هو وجه الارض لا التراب، فسقط اعتباره جملة. الخامس: لو أغفل لمعة من محل المسح لم يجزه ولو قلت، عمدا كان أو سهوا. وفرق الشافعي. وأجاز أبو حنيفة ما دون الدرهم. لنا ان الاخلال بالبعض اخلال بالكيفية المنقولة، فلا يكون الاتي بذلك أتيا بالتيمم المشروع.

1) و 2) سورة المائدة: 6.
3) التاج الجامع للاصول ج 1 كتاب الطهارة ص 129.

[ 390 ]

السادس: لو مسح بغير يده مثل الالة لم يصح تبعا للكيفية المنقولة. السابع: لو تيممه غيره مع القدرة لم يجزه ويجزي مع العجز وينوي العاجز لا المتيمم. الثامن: إذا قطع كفه فان بقي منها شئ وجب مسحه وان استوصل سقط مسحه واقتصر على مسح الوجه، ولا يجب مسح الرسغ لانه ليس من اعضاء التيمم مسألة: النية شرط في صحة التيمم. وقال الاوزاعي، والحسن بن حي ليست شرطا. لنا اجماع علماء الاسلام فان خلاف المذكورين منقرض. وما روي عن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله " انما الاعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى " (1) وعن الرضا عليه السلام " لا قول الا بعمل ولا عمل الا بنية ولا نية الا باصابة السنة " (2) والنية هي القصد بالقلب إلى التيمم لاستباحة الصلاة لقوله تعالى * (فتيمموا صعيدا) * (3) أي اقصدوا، والقصد النية بالقلب، وكما ان الطهارة بالماء يقصد بها الصلاة فكذا التيمم، لانه معطوف عليه بالواو المقتضية للتشريك. ويجب أن ينويه لله أي طاعة وامتثالا لقوله تعالى * (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين) * (4) ولا يتحقق الاخلاص من دون نية التقرب والامتثال. ويجب استدامة حكمها حتى يفرغ من التيمم، لان الدليل دل على وجوبها، فلو وجب استصحابها لشق أو تعذر فاقتصر على استدامة الحكم دفعا للحرج، ليست التسمية شرطا فيه خلافا لاهل الظاهر والبحث فيه كما قلنا في الطهارة المائية.

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 215.
2) الوسائل ج 1 ابواب مقدمة العبادات باب 5 ح 2 (نقل صاحب الوسائل عن تهذيب الشيخ).
3) سورة المائدة: 6.
4) سورة البينة: 5.

[ 391 ]

فروع الاول: إذا نوى استباحة فريضة مطلقة أو معينة صلى به ما شاء فرضا ونفلا، وكذا لو نوى صلاة مطلقة، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي لا يصلي به الا نافلة لقوله عليه السلام " انما الاعمال بالنيات [ ولكل امرء ] وانما لامرء ما نوى " (1) وهذا لم ينو الفرض فلا يكون عمل له. لنا انه يكفي فيه نية استباحة الصلاة فلا يشترط ما زاد لقوله تعالى * (إذا قمتم إلى الصلاة) * (2) ثم عطف آية التيمم فيجزي الدخول في كل صلاة كالطهارة بالماء، ولانه نوى الجنس الذي يشتمل الفرض والنفل، وكذا لو نوى النافلة لانها صلاة يشترط في استباحتها التيمم والواجبة مشاركة في هذا المعني فالمقتضي لاستباحة النافلة مقتض لاستباحة الفريضة، وبهذا يتخرج جواب ما احتجوا به. الثاني: إذا صح تيممه استباح كل ما يستبيحه المتطهر مما الطهارة شرط فيه. وقال الشافعي ان نوى النافلة استباح قراءة القرآن، ومس المصحف، والطواف، لان النافلة آكد من ذلك كله فيدخل الادنى في الاعلى. ولو نوى شيئا من ذلك لم يستبيح النافلة، وبما قلناه قال الشيخ في المبسوط والخلاف. الثالث: الصبي إذا تيمم للنافلة ثم بلغ جاز أن يستبيح الفريضة، لان النافلة مشروط بالطهارة الرافعة للمنع وهو متحقق مع نية النفل فجرى ذلك مجرى التيمم للبول والغائط. الرابع: لو نسى الجنابة فتيمم للحدث، فان قلنا بالضربة الواحدة فيهما أجزاه لان الطهارتين واحدة، وان قلنا بالتفصيل لم يجزه. وقال الشيخ في الخلاف: الذي

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 215.
2) سورة المائدة: 6.

[ 392 ]

يقتضيه المذهب انه لا يجوز لانه يشترط أن ينويه بدلا من الوضوء أو بدلا من الجنابة ولم ينو ذلك. مسألة: من كان عذره عدم الماء لم يتيمم الا بعد الطلب مع سعة الوقت ورجاء الاصابة والامن، وهو مذهب فقهائنا، واختار الشافعي. وقال أبو حنيفة لا يجب الا مع العلم بالاصابة، أو ظن الاصابة لامارة. وفي رواية علي بن أسباط عن علي بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام " لا يطلب الماء يمينا ولا شمالا ولا في بئر " (1) وحملها الشيخ على الخوف، وهو تأويل بعيد، لكن الراوي علي بن أسباط وهو ضعيف فتكون الرواية ساقطة. لنا قوله تعالى * (فلم تجدوا ماءا فتيمموا) * (2) وعدم الوجود لا يتحقق مع امكانه إذ من الممكن أن يكون الماء قريبا فيكون الطلب وسيلة إليه. ويؤيد ما روى السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام قال: " يطلب الماء في السفر ان كانت الحزونة غلوة وان كانت سهولة فغلوتين لا يطلب أكثر من ذلك " (3). ورواية زرارة عن أحدهما قال: " فليطلب مادام في الوقت فإذا خشي أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت " (4). فروع الاول: قال المفيد في المقنعة: يطلب أمامه ويمينه وشماله في كل جهة غلوة سهم في الحزنة أو غلوتين في السهلة لا يطلب أكثر من ذلك. وقال الشيخ في المبسوط:

1) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 2 ح 3.
2) سورة النساء: 43.
3) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 1 ح 2.
4) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 1 ح 1.

[ 393 ]

يطلب في رحله ويمينه وسائر جوانبه برمية سهم أو سهمين إذا لم يكن خوف والتقدير بالغلوة والغلوتين، رواية السكوني، وهو ضعيف، غير ان الجماعة عملوا بها. والوجه انه يطلب من كل جهة يرجى فيها الاصابة ولا يكلف التباعد بما يشق. ورواية زرارة تدل على انه يطلب دائما مادام في الوقت حتى يخشى الفوات وهو حسن، والرواية به واضحة السند والمعنى. الثاني: لو طلب قبل الوقت لم يعتد بطلبه وأعاده ولو طلب بعد دخول الوقت اجتزأ به، وهذا الفرع يصح لو قلنا الطلب مقدر المسافة كما هي رواية السكوني، وعلى ظاهر الرواية الثانية يطلب دائما ما أمل الاصابة في الوقت. الثالث: لو تيقن عدم الاصابة سقط الطلب لعدم ثمرته. الرابع: قال الشيخ في المبسوط والخلاف: لو أخل بالطلب لم يصح تيممه ويلزم على قوله لو تيمم وصلى أن يعيد، وفيه اشكال لان مع ضيق الوقت يسقط الطلب ويتحتم التيمم فيكون مجزيا وان أخل بالطلب وقت السعة، لانه يكون مؤديا فرضه بطهارة صحيحة وصلاة مأمور بها وأبلغ منه من كان معه ماء فوهبه أو أراقه. الخامس: إذا تيمم ثم طلع عليه ركب لم يجب عليه السؤال ولا استدلالهم على الماء، وقال الشافعي يجب. لنا انه وقت تضيق فيه الصلاة فيسقط الطلب. مسئلة: الترتيب شرط في التيمم قاله الشيخان في المبسوط والنهاية والخلاف والمقنعة، وعلم الهدى، وصورته أن يبدأ بوجهه ثم بيمناه ثم بيسراه وقال الشافعي وأحمد يجب ترتيب الوجه على اليدين، وأسقط اشتراطه أبو حنيفة. لنا ان النبي صلى الله عليه وآله مسح مرتبا في مقابلة الامر المطلق فيكون واجبا. وقال علم الهدى: كل من أوجب الترتيب في المائية أوجبه هنا، فالتفرقة منفية بالاجماع، وقد ثبت وجوبه هناك فيثبت هنا.

[ 394 ]

فرع لو اخل بلمعة وكانت من وجهه مسح عليها، ثم على اليدين تحصيلا للترتيب وكذا لو كانت على يده اليمنى مسح عليها ثم على اليسرى. مسألة: الموالات واجبة في التيمم، قاله الشيخ. وخالف منه الشافعي، وابو حنيفة، ومالك. وعن أصحاب أحمد روايتان، لان الواو لا يقتضي ترتيبا. لنا انا بينا اختصاصه بآخر الوقت فتكون الموالات من ضروريات صحته لتقع الصلاة في الوقت وعلى القول بالسعة يحتج بفعل النبي صلى الله عليه وآله، فانه تابع بين أعضائه مبنيا عند السؤال فيكون تلك الكيفية لازمة، ويرجع في قدر الموالات إلى العادة. فرع لو كان على يده نجاسة فتيمم قبل ازالتها. قال في الخلاف: يصح. والوجه المنع كما قال في النهاية، لان التيمم لا يصح قبل التضييق فلو تيمم قبل الازالة فات شرطه. مسألة: التيمم لا يرفع الحدث، وهو مذهب العلماء كافة. وقيل يرفع. واختلف في نسبة هذا القول، فقوم يسندونه إلى أبي حنيفة، وآخرون إلى مالك. لنا الاجماع، فان الحكاية المذكورة لا يقدح فيه. وقال ابن عبد البر من أصحاب الحديث منهم: أجمع العماء على أن طهارة التيمم لا ترفع الحدث، ولان المتيمم يجب عليه الطهارة عند وجود الماء بحسب الحدث السابق، فلو لم يكن الحدث السابق باقيا لكان وجوب الطهارة بوجود الماء إذ لا وجه غيره، ووجود الماء ليس حدثا بالاجماع، ولانه لو كان حدثا لوجب استواء المتيممين في موجبه ضرورة استوائهم فيه، لكن هذا باطل لان المحدث لا يغتسل والمجنب لا يتوضأ، ولان النبي

[ 395 ]

صلى الله عليه وآله قال لعمرو بن العاص: " صليت بأصحابك وأنت جنب " فقال " خشيت أن أهلك " (1) فلو ارتفع بالتيمم لما سماه جنبا كما لا يسمى بذلك بعد الغسل. فرع لو تيمم ونوى رفع الحدث لم يستبيح به الصلاة، لان النية تابعة للمشروع وحيث لا مشروعية فلا نية. قال الشيخ في الخلاف: لو تيمم المجنب ثم أحدث ووجد ماءا لوضوءه تيمم بدلا من الغسل، وبه قال مالك، والثوري. وقال علم الهدى في شرح الرسالة: يتوضأ بالماء لانه متمكن من الماء فلا يصح التيمم، ومثله قال أبو حنيفة. لنا ان التيمم لا يرفع الحدث فتكون الجنابة باقية والاستباحة زالت بالحدث الاصغر فيجب التيمم للجنابة السابقة، وكذا لو تيمم الجنب ثم أحدث أعاد التيمم بدلا من الغسل لامن الوضوء، لان حدثه باق والاستباحة زالت بالحدث. الفصل الرابع: في أحكامه. مسألة: كل موضع حكمنا فيه بصحة التيمم والصلاة لا يوجب قضائها مع وجود الماء. قال الشيخ في الخلاف: وهو مذهب جميع الفقهاء الا طاوس. لنا الاجماع، فان خلاف طاوس منقرض، ولانه صلى صلاة مأمورا بها، والامر يقتضي الاجزاء. وقول النبي صلى الله عليه وآله " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصلوة تيممت وصليت " (2). وقوله عليه السلام " التراب طهور المسلم " (3).

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 225 (مع تفاوت يسير).
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 222 ومسند أحمد ج 2 ص 222.
3) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 212 بهذا المعنى.

[ 396 ]

وروى عبد الله بن سنان قال سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول " إذا لم يجد الرجل طهورا أو كان جنبا فليمسح من الارض، وليصل فإذا وجد الماء فليغتسل فقد أجزأته صلوته التي صلى " (1). ولو قلنا بالتوسعة فتيمم وصلى ثم وجد الماء والوقت باق ففي الاعادة روايتان: احديهما: الاجزاء، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك وأحمد. وهو الاقوى. والثانية: يعيد، وهو مذهب عطاء، وزهري، وربيعة. لنا ما روي عن أبي سعيد ان رجلين تيمما فوجدا الماء وصليا في الوقت فأعاد أحدهما وسألا النبي صلى الله عليه وآله قال لمن لم يعد: " أصبت السنة وأجزاك صلاتك وللاخر لك الاجر مرتين " (2). وروى يعقوب بن يقطين قال سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل تيمم فصلى فأصاب بعد صلاته ماءا قال: " ان وجده قبل أن يمضي الوقت توضأ وأعاد وان مضى الوقت فلا اعادة " (3). والاخرى رواية معوية بن ميسرة وغيره في الرجل يصلي ثم يأتي الماء وعليه شئ من الوقت أيمضي على صلاته أو يعيد قال: " يمضي على صلاته فان رب الماء رب التراب " (4). وهنا مسئلتان: الاولى: من أجنب نفسه مختارا، قال الشيخان في الخلاف والمقنعة: لم يجزله التيمم وان خاف التلف أو الزيادة في المرض. وقال في المبسوط: إذا خاف تيمم وصلى، وكذا قال في التهذيب، وهو أولى لقوله تعالى * (ولا تلقوا بأيديكم إلى

1) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 14 ح 7.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 231.
3) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 14 ح 8.
4) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 14 ح 13.

[ 397 ]

التهلكة) * (1) وقوله تعالى * (ولا تقتلوا أنفسكم) * (2) وقوله تعالى * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * (3). ولما روي ان أبا ذر قال هلكت يا رسول الله جامعت على غير ماء فأمر النبي صلى الله عليه وآله بماء فاغتسل ثم قال " يا أبا ذر يكفيك الصعيد عشر سنين " (4). وهذا نص بالجواز، وذلك يشعر بالكراهية لان النبي صلى الله عليه وآله لم ينكر، ولان الجماع على هذا التقدير غير محرم اجماعا، فلا يترتب على فاعله عقوبة. واستدل الشيخ في الخلاف برواية عبد الله بن سليمان عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل تخوف ان اغتسل فيصيبه عنت. قال: " يغتسل وان أصابه ما أصابه " (5) وبرواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل تصيبه الجنابة في ليلة باردة قال: " اغتسل على ما كان فانه لابد من الغسل " (6). فالجواب انهما ليستا صريحتان في الدلالة لان العنت المشقة وليس كل مشقة تلفا. وقوله (على ما كان) ليس حجة في موضع النزاع، وان دل باطلاقه، فدفع الضرر المظنون واجب عقلا لا يرتفع باطلاق الرواية، ولا يخص بها عموم نفي الحرج ثم هاتان الروايتان معارضتان بروايات منها رواية داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل تصيبه الجنابة وبه قروح أو جروح أو يخاف على نفسه من البرد فقال: " لا يغتسل ويتيمم " (7). وعن البزنطي عن أبي الحسن عليه السلام مثله وهاتان أرجح لوجوه:

1) سورة البقرة: 195.
2) سورة النساء: 29.
3) سورة الحج: 78.
4) الوسائل ج 2 ابواب التيممم باب 14 ح 12.
5) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 17 ح 3.
6) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 17 ح 4.
7) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 5 ح 8.

[ 398 ]

أحدهما: انهما أيسر واليسر مراد الله. الثانية: انهما ناصتان على موضع النزاع، والاولتان مطلقتان، لان قوله (لابد من الغسل) أو (اغتسل على مكان) يحتمل أن يكون لا مع الخوف على النفس، وهاتان متناولتان لموضع النزاع وكانتا أولى. الثالثة: ان مع العمل بهاتين يمكن العمل بالاوليين على الاستحباب كما ذهب إليه الشيخ في التهذيب، فان احتج برواية محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم رفعه قال: " ان أجنب نفسه مختارا فعليه أن يغتسل على ما كان وأن احتلم تيمم " (1) وبرواية أحمد بن محمد عن علي بن أحمد رفعه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ان أجنب هو فليغتسل وان كان احتلم فليتيمم " (2) فالجواب من وجهين: الاول: انهما مقطوعتان فلا يترك بهما المسند. الثاني: انهما لم يتضمنا موضع النزاع، لجواز أن يكون لا مع الخوف على النفس وروايتنا تتناول الجواز عند الخوف على النفس فيكون أخص دلالة، والعمل بها أولى، وإذا ثبت ذلك فهل يقضي هذه الصلاة قال الشيخ في المبسوط والنهاية: نعم. ولعله استناد إلى رواية جعفر بن بشير عمن رواه عن أبي عبد الله وقد رواها جعفر بن بشير بطريق آخر عن عبد الله بن سنان أو غيره عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل أصابته جنابة في ليلة باردة يخاف على نفسه التلف ان اغتسل قال: " تيمم فإذا أمن البرد اغتسل وأعاد الصلوة " (3). وطعن الشيخ في هاتين الروايتين بأن الاصل فيهما جعفر بن بشير تارة يقول

1) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 17 ح 2.
2) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 17 ح 1.
3) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 16 ح 1..

[ 399 ]

عمن رواه وتارة يقول عن عبد الله بن سنان وغيره، وهو شاك وما يجري هذا المجرى لا يعمل به. والوجه عندي انه لا اعادة لان التيمم عند الخوف على النفس أما أن يكون مبيحا للصلاة، واما أن لا يكون. فان كان مبيحا سقط القضاء، لانه أتى بصلاة مستكملة الشرائط، وان لم يكن مبيحا لم يجب الاداء. فالقول بوجوب الاداء مع وجوب القضاء مما لا يجتمعان لكن الاداء واجب فالقضاء غير واجب. الثانية: من أحدث في الجامع يوم الجمعة ومنعه الزحام عن الخروج، تيمم وصلى، لان وقت الجمعة ضيق والتقدير عدم التمكن من الخروج ومن الماء فيجزيه التيمم، لقوله عليه السلام " التراب كافيك ما لم تجد الماء " (1). وهل يعيد، الوجه لا لقوله عليه السلام " أينما أدركتني الصلوة صليت " (2)، ولانه صلى صلاة مأمورا بها مستجمعة الشرائط حال أدائها فتكون مجزية. وقال الشيخ في الخلاف والمبسوط: يعيد، وكذا قال ابن الجنيد. وربما يكون تعويله على رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام سئل عن رجل يكون في الزحام يوم الجمعة، أو يوم عرفة لا يستطيع الخروج من المسجد لكثرة الناس قال: " يتيمم ويصلي معهم ويعيد إذا انصرف " (3). والرواية ضعيفة، قال أبو جعفر بن بابويه: لا أعمل بما يتفرد به السكوني. مسألة: المتيمم إذا وجد الماء قبل شروعه في الصلاة تطهر، وهو اجماع أهل العلم لقوله عليه السلام: " إذا وجدت الماء فأمسه جسدك " (4). ولو كان بعد فراغه من الصلاة لم يعد وقد سلف تحريره وهو وفاق أيضا. ولو كان في أثناء الصلاة فللشيخ قولان:

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 114 - في الهامش.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 222، ومسند أحمد ج 2 ص 222.
3) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 15 ح 1.
4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 220.

[ 400 ]

أحدهما: يرجع ما لم يركع، وكذا قال ابن الجنيد، وعلم الهدى. وقال سلار ما لم يدخل في صلاة وقراءة. والقول الاخر: يمضي في صلاته ولو تلبس بتكبيرة الاحرام وهو قول علم الهدى في شرح الرسالة، والمفيد في المقنعة، وقول الشافعي، وقال أبو حنيفة يبطل صلاته مطلقا الا في صلاة العيدين أو الجنازة أو وجد سؤر الحمار. لنا قوله عليه السلام " ان الشيطان ليأتي أحدكم فينفخ بين اليتيه فلا ينصرف أحدكم من الصلاة حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا " (1) ولان التيمم بدل من الماء عند الاعواز وقد تحقق متصلا بالمقصود فيسقط اعتبار المبدل كما لا عبرة بوجود الطول بعد نكاح الامة لا يقال لو صح ما ذكرتموه لما بطل قبل الشروع لانا نقول قبل الشروع لم يتصل بالمقصود وهي الصلاة وليس كذلك بعده. ويؤيد ذلك قوله تعالى * (ولا تبطلوا أعمالكم) * (2). لا يقال الصلاة تبطل بوجود الماء، لانا نمنع ذلك هيهنا لما يلزم من ابطال العبادة المقصودة بالقصد الاول، وتحتج أيضا بما رواه محمد بن حمران عن أبي عبد الله عليه السلام قلت: رجل تيمم ثم دخل في الصلاة وقد كان طلب الماء فلم يقدر عليه ثم يؤتى بالماء حين يدخل في الصلاة قال: " يمضي في الصلاة " (3). فان احتج الشيخ بالروايات الدالة على الرجوع ما لم يركع. فالجواب عنه ان أصلها عبد الله بن عاصم، فهي في التحقيق رواية واحدة، وتعارضها روايتنا، وهي أرجح من جوه: أحدها: ان محمد بن حمران أشهر في العدالة والعلم من عبد الله بن عاصم،

1) بمعناه يوجد في مسند أحمد ج 2 ص 330.
2) سوره محمد: 33.
3) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 21 ح 3.

[ 401 ]

والأعدل مقدم. الثاني: انها أخف وأيسر واليسر مراد الله تعالى. الثالث: ان مع العمل بروايتنا يمكن العمل بروايته أيضا بأن تنزلها على الاستحباب، ومع العمل بروايته لا يمكن العمل روايتنا. فتكون روايتنا أرجح. فروع الاول: لو رأى الماء وهو في الصلاة ثم فقده قبل فراغه. قال الشيخ: ينتقض تيممه في حق الصلاة المستأنفة. ولو قيل لا يبطل تيممه لكان قويا، لان وجدان الماء لا يبطل التيمم ما لم يتمكن من استعماله، والاستعمال هنا ممنوع منه شرعا ضرورة وجوب المضي في صلاته، لانا نتكلم على هذا التقدير فلا يكون الاستعمال ممكنا فلا ينتقض التيمم. الثاني: إذا تيمم فرأى سرابا فظنه ماء. قال الشافعي بطل تيممه لان الطلب واجب وقد أمكن. ويقوى انه لا يبطل، أما على القول بالتضييق فظاهر لانه وقت يتحتم فيه الاخذ في الصلاة فلا يتسع للطلب، وأما على القول بالسعة فلان التيمم لا يبطل الا بحدث أو التمكن من استعمال الماء والكل منتف. الثالث: إذا تيمم الميت ثم وجد الماء انتقض تيممه، ويغسل والمصلي على ذلك الميت هل يقطع صلاته؟ الوجه لا، لانه دخل في الصلاة دخولا مشروعا فلم يجز ابطالها وان بطل غسل الميت وفيه احتمال آخر لان الغسل مرتب على الصلاة وإذا بطل الغسل كان كمن لم يغسل فتعين استيناف الصلاة بعد الغسل. مسألة: لا ينقض التيمم الا ما ينقض الطهارة المائية، ووجود الماء مع التمكن من استعماله، وهو مذهب أهل العلم. وقال أحمد: ينقضه خروج وقت الصلاة لانها طهارة ضرورية فتقيد بالوقت كطهارة المستحاضة.

[ 402 ]

لنا قوله عليه السلام " يا أبا ذر الصعيد كافيك إلى عشر سنين " (1). ومن طريق الاصحاب ما رواه حريز قلت لابي جعفر عليه السلام: يصلي الرجل بتيمم واحد صلاة الليل والنهار كلها؟ قال: " نعم ما لم يحدث أو يصيب ماءا " (2). والجواب عما ذكرناه انا نسلم انها طهارة ضرورية، لكن لا نسلم انه يلزم من ذلك تقديرها بالوقت. وقياسه على المستحاضة ضعيف، لان دم الاستحاضة حدث يتجدد حالا ومن شأن الحدث النقض، ولا كذا الاستباحة بالتيمم لانه لم يتعقبها ناقض. فرع يجوز أن يستبيح بالتيمم ما زاد على الصلاة الواحدة من الفرائض والنوافل أداءا وقضاءا، وهو مذهب علمائنا أجمع، وقول أبي حنيفة. وقال الشافعي لا يستبيح أكثر من فريضة واحدة، ويستبيح معها من النوافل ما شاء، قال: لانها طهارة ضرورية ولا يستباح بها الا صلاة واحدة كالمستحاضة، وبما روي عن ابن عمرو عن علي قالا: " تيمم لكل صلاة " (3). لنا ان مع الاتيان بالفريضة الواحدة، أما أن تبقي الاستباحة، واما أن تزول. ويلزم من الاول جواز الاتيان بثانية. ومن الثاني المنع من صلاة النافلة لكن الثاني باطل اجماعا، فتعين الاول. ويؤيد ما ذكرناه رواية أبي ذر وهي نص في موضع الخلاف. ومن طريق الاصحاب ما رواه حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام ورواية

1) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 14 ح 12.
2) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 20 ح 1.
3) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 221..

[ 403 ]

السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه قال: " لا بأس أن يصلي صلاة الليل والنهار بتيمم واحد ما لم يحدث أو يصيب الماء " (1) وفي رواية أبي همام عن الرضا عليه السلام تارة وعن محمد بن سعيد بن غزوان عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام تارة قال: " لا يستبيح المتيمم الا صلاة واحدة " (2). وقد ضعف هذه الرواية الشيخ في التهذيب على أنها لو صحت أمكن حملها على الاستحباب. والجواب عما ذكره الشافعي عن علي عليه السلام وعن ابن عمر انه يحمل قولهما على الاستحباب توفيقا بين الروايات، هذا على تقدير صحة النقل. وأما قياسه، فضعيف، لان المستحاضة حدثها متجدد فجاز أن يمنع عما زاد على الصلاة الواجدة ولا كذلك المتيمم لانه لم يتعقبه حدث. مسألة: لا يشترط الطهارة في صلاة الجنازة، وهو مذهب فقهائنا، وبه قال ابن جرير الطبري والشعبي، واشترط ذلك الباقون لقوله عليه السلام لا صلاة الا بطهور. لنا ان دعاء وتحميد وتكبير فلا يشترط فيها الطهارة كسائر الادعية واطلاق الصلاة عليها انما هو بحسب الوضع اللغوي وسنبين انها لا يتضمن قراءة ولا تسليما ويؤيد ذلك ما رواه يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن الجنازة أصلي عليها على غير وضوء فقال: " نعم انما هو تسبيح وتحميد وتهليل كما تكبر في بيتك بغير وضوء " (3). وجواب ما استدلوا، انا لا نسلم تناوله لموضع النزاع، وهذا لان الصلاة لفظ مشترك، بين ذات الركوع، والسجود، والدعاء المحض، ضرورة قوله تعالى * (وصل عليهم ان صلوتك سكن لهم) * (4) وقوله: " ان الله وملائكته يصلون على

1) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 20 ح 5.
2) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 20 ح 6.
3) الوسائل ج 2 ابواب صلاة الجنازة باب 21 ح 3.
4) سورة التوبة: 103.

[ 404 ]

النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه " (1). ولم يرد في هذه المواطن الا الدعاء، واللفظ المشترك لا يحمل على معنييه فتعين اراد أحدهما، وذات الركوع مرادة من هذا اللفظ فلا يراد الدعاء، ولان الاجماع على أن الدعاء المحض لا يشترط فيه الطهارة، لكن يستحب، فاستحال ارادة الامرين، لا يقال: لم لا يكون اللفظ واقعا عليهما بالتواطي، لانا نقول: المتواطئ هو في الواقع على شئ مشترك في مسماه، والصلاة ليست واقعة على ذات الركوع، باعتبار الدعاء، بل هو اسم بجملتها، حتى لو خلت من دعاء أصلا لكانت صلاة، لكن الافضل عندنا الطهارة. قال الشيخ في الخلاف: " يجوز أن يتيمم لصلاة الجنازة مع وجود الماء " وأطلق وقال ابن الجنيد " ولا بأس بالتيمم في المصير للجنازة إذا خاف فوتها " وقال ابن بابويه: " وفي خبر تيمم لها ان أحب " (2) وقال أبو حنيفة " مع اشتراط الطهارة لها، يجوز التيمم، مع وجود الماء، إذا خشي فوات الصلاة، كما لو اشتغل بالطهارة المائية، وكذا صلاة العيد " ومنع ذلك الشافعي، ولم يجز التيمم مع وجود الماء لقوله تعالى: * (فان لم تجدوا ماءا فتيمموا) * (3) فلا يكون التيمم طهارة، مع وجوده. واحتج أبو حنيفة: " بأن صلاة الجنازة، والعيد، لا يقضيان، والطهارة لا يراد لنفسها، بل للصلاة، وبتقدير الفوات يسقط اعتبار الطهارة، لانه لا ثمرة لها، فيستدرك الصلاة بالتيمم، ولا كذلك صلاة الجمعة، لو خشي الفوات بالطهارة لها، وصلاة الفريضة، لان الجمعة تقضى ظهرا، والفريضة يؤدي ما يدرك منها في الوقت، ويقضي

1) سورة الاحزاب: 56.
2) الوسائل ج 2 ابواب صلاة الجنازة باب 21 ح 4. 3) سورة النساء: 43 (فلم توجدوا ماءا فتيمموا).

[ 405 ]

الباقي، فيحصل للطهارة ثمرة، على هذا التقدير ". احتج الشيخ: باجماع الفرقة، وبما رواه زرعة عن سماعة، قال: " سألته عن رجل مرت به الجنازة، وهو على غير طهر، قال " يضرب يديه على حائط لبن فيتيمم " (1) وفيما ذكره الشيخ اشكال. أما الاجماع: فلا نعلمه، كما علمه، وأما الرواية: فضعيفة، من وجهين: أحدهما: ان زرعة، وسماعة، واقفيان، والثاني ان المسؤل في الرواية مجهول، فإذا التمسك باشتراط عدم الماء في جواز التيمم أصل، ولان الرواية ليست صريحة في الجواز مع وجود الماء، لكن لو قيل: إذا فاجأته الجنازة، وخشي فوتها مع الطهارة، تيمم لها كان حسنا، لان الطهارة لما لم يكن شرطا، وكان التيمم أحد الطهورين، فمع خوف الفوت، لا بأس بالتيمم، لان حال المتيمم أقرب إلى شبه المتطهرين من المتخلي منه. مسألة: إذا اجتمع ميت، ومحدث، وجنب، ومعهم ما يكفي أحدهم، فالاشهر من الروايتين، اختصاص الجنب بالماء. وقال الشيخ في الخلاف: " وان كان الماء لاحدهم فهو أحق به، وان لم يكن لواحد بعينه تخيروا في التخصيص، وكذا قال في الجنب، وميت، وحائض، وفي جنب ومحدث ". واستدل الشيخ: بأنها فروض اجتمعت، وليس بعضها أولى من بعض فتعين التخيير، وأيضا الروايات اختلفت على وجه لا ترجيح، فيحمل على التخيير، روى الحسن التفليسي ويقال (الارمني) قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن القوم، يكونون في السفر، فيموت منهم ميت، وبعضهم جنب، ومعهم ما يكفي أحدهم، أيهم يبدأ به؟ قال: يغتسل الجنب، ويترك الميت " (2).

1) الوسائل ج 2 ابواب صلاة الجنازة باب 21 ح 5.
2) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 18 ح 4.

[ 406 ]

وفي رواية محمد بن علي عليه السلام عن بعض أصحابنا قلت: " الجنب والميت يتفقان، ولا يكون الماء الا بقدر كفاية أحدهما، أيهما أولى؟ قال: يتيمم الجنب ويغسل الميت " (1). وعندي: ان رواية التفليسي، أرجح بتقدير، الا يكون الماء لاحدهم، لانها متصلة، والعامل بها من الاصحاب كثير، والاخرى مقطوعة، والذي ذكر الشيخ رحمه الله، ليس موضع البحث، فانا لا نخالف ان لهم الخيرة، لكن البحث في الاولى أولوية لا يبلغ اللزوم، ولا ينافي التخيير، ولو قيل: المحدث لم يجز له ذكر، قلنا: تخصيص الجنب بالماء، يدل على أن المحدث يتيمم. فروع الاول: هل يجوز لمالك الماء، أن يبذله لغيره، مع وجوب الصلاة؟ الوجه لا، لان الطهارة تعينت عليه، وهو متمكن من الماء، والعدول إلى التيمم مشروط بالتعذر، والتقدير عدمه، ويؤيد ذلك، رواية وهيب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام " في قوم كانوا في سفر، وأصاب أحدهم جنابة، وليس معهم الا ما يكفي الجنب، أيتوضؤن أم يعطونه الجنب؟ فقال: يتوضؤن هم ويتيمم الجنب " (2) وذكر النجاشي: ان وهيب بن حفص كان واقفيا، لكنه ثقة. الثاني: لو كان مع غيرهم، والتمس الاولى، أو أوصى موص بتسليمه إلى الاولى، فقد قلنا: الجنب أولى، لانه يريد استباحة الصلاة، وطهارة بدنه، وللميت أحد القسمين، ولانه متعبد بالغسل، والميت سقط تعبده. ويؤيد ذلك: رواية الحسن التفليسي المذكورة، وعلى قول الشيخ لا أولوية

1) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 18 ح 5.
2) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 18 ح 2.

[ 407 ]

ولو قيل: الجنب تستدرك طهارته، والميت لا استدراك لطهارته، قلنا: المراد بطهارة الميت تنظيفه، لا غير، والتيمم مطهر مع العدم. الثالث: ان كان إذا استعمله أحدهما، أمكن للاخر جمعه واستعماله، فالمحدث أولى لجواز استعمال ما في رفع الحدث، ولا كذا غسل الجنب بل هو أما غير مطهر، ومكروه، فيبدأ بالمحدث، ثم يغتسل به الجنب. الرابعة: إذا كان الماء مباحا، فالسابق أحق به، وان توافوا دفعة، فهم شركاء وقد مر بحث الشركة، ولو تمانعوا فالمانع اثم، ويملكه القاهر لانه سابق عليه. مسألة: من صلى بتيمم، فأحدث في أثناء الصلاة، ووجد الماء، روى محمد ابن مسلم: عن أحدهما " انه يخرج ثم يتوضأ، ويبني على ما مضى من صلاته التي صلى بالتيمم " (1). وهذه الرواية متكررة في الكتب بأسانيد مختلفة، وأصلها محمد ابن مسلم، وفيها اشكال، من حيث ان الحدث يبطل الطهارة، ويبطل ببطلانها الصلاة واضطر الشيخان بعد تسليمها، إلى تنزيلها على المحدث سهوا. والذي قالاه حسن لان الاجماع على أن الحدث عمدا، يبطل الصلاة فيخرج من اطلاق الرواية، ويتعين حمله على غير صورة العمد، لان الاجماع لا يصادمه الرواية، ولا بأس بالعمل بها على الوجه الذي ذكره الشيخان، فانها رواية مشهورة ويؤيدها ان الواقع من الصلاة وقع مشروعا مع بقاء الحدث فلا يبطل بزوال الاستباحة، كصلاة المبطون إذا فجئه الحدث، ولا يلزم مثل ذلك في المصلي بطهارة مائية، لان الحدث مرتفع، فالحدث المتجدد رافع لطهارته فيبطل لزوال الطهارة. زيادات مسألة: يجوز التيمم لكل من وجب عليه الغسل، إذا عدم الماء، وكذا كل

1) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 21 ح 4 بهذا المعنى.

[ 408 ]

من وجب عليه الوضوء، وهو اجماع علماء الاسلام، الا ما حكى عن عمرو بن مسعود: انهما منعا الجنب من التيمم. لنا اجماع علماء الاسلام، فان خلاف المذكورين قد انقرض، وما روي عمران ابن حصين: " ان رسول الله صلى الله عليه وآله رأى رجلا لم يصل مع القوم، فقال: ما منعك؟ قال أصابتني جنابة، ولا ماء قال: عليك بالصعيد فانه يكفيك " (1). وما روي ان رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: " يا رسول الله انا نكون بالرمل الاشهر، فتصيبنا الجنابة، والحيض، والنفاس، ولا نجد الماء فقال: عليكم بالارض " (2). ومن طريق الاصحاب ما رواه أبو بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن تيمم الجنب، والحائض، قال: " سواء، إذا لم يجد ماءا " (3) ومن وجب عليه الغسل، والوضوء، لا يجزيه تيمم واحد ان شرطنا الضربتين في الغسل، فان اجتزينا بالضربة ففيه تردد وجه الاجتزاء، ان الغسل كالوضوء، في صورة التيمم فصار كما لو بال وتغوط، فانه يجزي بالمرة، ووجه الافتقار إلى تيممين اختلاف النية، فانه يفتقر إلى نية انه بدل عن الوضوء، والاخر انه بدل عن الغسل، ولا يجتمع النيتان. مسألة: المرتد لا يبطل تيممه بردته، ولو رجع إلى الاسلام صلى بتيممه الاول، ما لم يحدث ناقضا، أو يتمكن من استعمال الماء، كما قلناه في الطهارة المائية، لان نقض الطهارة موقوف على الدلالة، وحيث لا دلالة فلا نقض. مسألة: الجراح، والدماميل، وموضع الكسر، ينزع ما عليها من الجبائر، ويتطهر ان لم يخف تلفا، ولا زيادة في العلة، ولو خشى مسح عليها، ولا يعيد ما صلاه بتلك الطهارة، وبه قال أبو حنيفة، وللشافعي في الاعادة قولان: أحدهما يعيد، لانه

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 216.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 217.
3) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 12 ح 7.

[ 409 ]

لم يأت بالغسل وهو شرط. لنا ان الغسل سقط بتضمنه الجرح، ومع سقوطه لا يكون شرطا، وما روي عن علي عليه السلام قال: " انكسرت احدى زندي، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن أمسح على الجبائر " (1). وما رواه الاصحاب، عن أبي عبد الله عليه السلام " عن الرجل يكون به القرحة في ذراعيه، أو غير ذلك، من أعضاء الوضوء فيعصبها بالخرقة، فقال: ان كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة " (2) وعن سورة ابن كليب عنه عليه السلام في الكسير " ان كان يتخوف على نفسه، فليمسح جبائره " (3). وأما الاعادة فمنفية بالاصل، وبأنه أدى وظيفة وقته على الوجه المشروع فكان مجزيا. فروع الاول: لو وضعت الجبيرة، زائدة عن الكسر، لم يجز المسح على السليم نعم لو اتفق وخشي من ازالتها تلفا أو زيادة في المرض، جاز المساواة الزائد موضع الكسر، في ضرر الازالة. الثاني: يجب استيعاب الجبيرة بالمسح، ولا يقتصر على البعض، لان المسح بدل عن الغسل فكما ان الغسل يجب به الاستيعاب فكذا البدل. الثالث: لا يشترط وضع الجبيرة على طهر، خلافا للشافعي لان النبي صلى الله عليه واله أمر عليا عليه السلام بالمسح، ولم ينقل الشرط، ولان شرعية المسح لدفع الضرر بالنزع، فيستوي الحالان لتساوي السبب.

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 228.
2) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 39 ح 2. 3) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 39 ح 8.

[ 410 ]

الرابع: لا توقيت للمسح، لان شرعيته للضرورة فيستدام مع فرضها. الخامس: لا عبرة باختلاف أصناف الجبيرة، فلو جعل على جراحة، أو قرحة أو موضع الكسر، مرارة، أو دواءا، أو قيرا، أو مصطكيا، أو حناءا، وتضرر بالازالة مسح عليه، لانه مشروع تبعا للضرورة، فيوجد معها. وروي الحسن بن علي الوشا عن أبي الحسين عليه السلام قال: " سألته عن الدواء، إذا كان على يد الرجل، أيجزيه أن يمسح على طلاء الدواء؟ فقال: نعم " (1). السادس: لو كان به جرح ولا جبيرة، غسل جسده وترك الجرح، وقال الشافعي: " يغسل الصحيح ويتيمم للجرح " وفي رواية عن أحمد بن حنبل " يمسح الجرح ويغسل ما حوله ". لنا: ان غسل الجرح سقط لمكان الضرر، وسقط التيمم، لئلا يجمع بين البدل والمبدل، وما ذكره أحمد جيد، على تقدير الامن على الجرح مع المسح، أما لو خشي مع المسح فانه يسقط، دفعا للضرر، ويؤيد ما ذكرناه، ما رواه عبد الله ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن الجرح كيف يصنع صاحبه، قال: يغسل ما حوله " (2) وعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: " لا يغسله ان خشى على نفسه ". الركن الرابع [ في النجاسات ] مسألة: البول، والغائط، مما لا يؤكل لحمه نجس، وهو اجماع علماء أهل الاسلام، سواء كان ذلك من الانسان، أو غيره إذا كان ذا نفس سائلة. وفي قول

1) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 39 ح 10.
2) الوسائل ج 1 ابواب الوضوء باب 39 ح 3.

[ 411 ]

الشافعي الا البول من الرسول صلى الله عليه وآله فان أم أيمن شربته فلم ينكر وأما رجيع ما لا نفس له، كالذباب والخنافس، ففيه تردد، أشبهه انه طاهر لان ميتته ودمه ولعابه طاهر فصارت فضلاته كعصارة النبات. وفي رجيع الطير للشيخ في المبسوط قولان: أحدهما هو طاهر، وبه قال أبو حنيفة، ولعل الشيخ استند إلى رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كل شئ يطير فلا بأس بخرؤه وبوله " (1). والاخر في الخلاف: فما أكل فذرقه طاهر وما لا يؤكل فذرقه نجس، وبه قال أكثر الاصحاب ومحمد بن الحسن الشيباني. لنا ما دل على نجاسة العذرة مما لا يؤكل لحمه يتناول موضع النزاع، لان الخرء والعذرة مترادفان ورواية أبي بصير وان كانت حسنة لكن العامل بها من الاصحاب قليل، ولان الوجه المقتضي لنجاسة خرء ما لا يؤكل لحمه من الحيوان، مقتض لنجاسة خرء ما لا يؤكل لحمه من الطير. وفي نجاسة ذرق الخفاش وبوله روايتان، أشهرهما رواية داود الرقي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن بول الخفاش يصيب الثوب أطلبه فلا أجده قال: " اغسل ثوبك " (2). وهذا مطابقة لما قررناه من نجاسة ذرق ما لا يؤكل لحمه وبوله. ولو قيل داود بن كثير الرقي مطعون فيه بالغلو، قلنا هذا صحيح، لكن العمل على الاصل الذي قررناه على أن الرواية المعارضة لها رواية غياث، وهو بتري، فالروايتان ساقطتان، والعمل على ما قدمناه. أما رجيع ما يؤكل لحمه وبوله، فطاهر باتفاق علمائنا، وهو مذهب أحمد، ومالك. وقال أبو حنيفة، والشافعي: هو نجس لقوله عليه السلام " تنزهوا عن البول " (3)

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 10 ح 1.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 10 ح 4.
3) بمعناه يوجد في مسند أحمد ج 1 ص 225 و 226.

[ 412 ]

وقال عليه السلام " ويل للاعقاب من البول وأتى بحجرين وروثة للاستنجاء فرمى الروثة وقال رجس " (1). لنا ما رواه البراء عن رسول الله صلى الله عليه وآله " ما أكل لحمه فلا بأس ببوله " (2). ولان النبي صلى الله عليه وآله أمر العرينين " بشرب ألبان ابل الصدقة وأبوالها " والنجس لا يحل شربه، ولانه عليه السلام طاف على راحلته وهي لا تنفك من التلطخ بالبول، فلو كان نجسا لما عرض المسجد للنجاسة. ومن طريق الاصحاب ما رواه محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ألبان الغنم والبقر والابل وأبوالها قال: " ان أصابك شئ منه أو ثوبا لك فلا تغسله " (3). وعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " أما الشاة وكل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله " (4). وقد روى الناس ان النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي في مرابض الغنم وقال " صلوا في مرابض الغنم " (5) ولو كانت أبعارها نجسة لما باشرها في الصلاة، ولان المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه وآله يستعملون البقر في دياس الغلات، ولو كان رجيعها نجسا لكانت الحبوب كلها نجسة لاختلاط النجس بالطاهر. وجواب حججهم ان ما ذكروه عام وما ذكرناه خاص، والترجيح للخبر الخاص. وخبر الروثة حكاية عن واقعة لا يدل على العموم فلعلها روثة ما لا يؤكل لحمه، ولان الرجس ما يكره ويجتنب والروث يجتنب في الاستنجاء وقد نهى عنه فلا يكون امتناعه عنه دليلا على موضع الخلاف. وفي ذرق الدجاج روايتان:

1) السنن البيهقي ج 1 ص 108.
2) سنن البيهقي ج 2 كتاب الصلاة ص 413.
3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 9 ح 5.
4) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 9 ح 9.
5) سنن البيهقي ج 2 كتاب الصلاة ص 448.

[ 413 ]

احديهما: التنجيس، وهو مذهب الشيخين في المقنعة والخلاف والنهاية وبه قال أبو حنيفة. والثانية: الطهارة، ما لم يكن جلالا، وهو مذهب الشيخ في التهذيب، وهو الحق. أما الروايتان فضعيفتان، احديهما عن فارس قال: كتبت إليه، قال الشيخ في كتاب الرجال: فارس بن حاتم غال ملعون وبتقدير ذلك تكون الرواية ساقطة، ولو سلم من الطعن لم تكن المكاتبة مفيدة لليقين، وبتقدير الافادة فالمسؤل عنه غير معلوم. والاخرى عن وهب بن وهب، وهو ضعيف جدا مطعون فيه بالكذب، وبتقدير سقوط الروايتين يكون المرجع إلى الاصل وهو الطهارة ما لم يكن جلالا. ولو قيل الدجاج لا يتوقى النجاسة فرجيعه مستحيل عنها فيكون نجسا، قلنا بتقدير أن يكون ذلك محضا يكون التنجيس ثابتا، أما إذا كان يمزج علفه فانه يستحيل، أما عنهما أو عن أحدهما فلا يتحقق الاستحالة عن النجاسة إذ لو حكم بغلبة النجاسة لسرى التحريم إلى لحمه، ولما حصل الاجماع على حلها مع الارسال بطل الحكم فغلبة النجاسة على رجيعها. وفي أرواث الخيل والبغال والحمير، وأبوالها، قولان: أحدهما، النجاسة، وهو اختيار الشيخ في النهاية وابن الجنيد. والاخر: الكراهة، وهو اختياره في تهذيب الاحكام، وعليه عامة الاصحاب. لنا ما رواه على بن الحكم عن ابن أبي الاعز النحاس قلت لابي عبد الله عليه السلام اني أعالج الدواب فربما خرجت بالليل وقد بالت وراثت فيضرب احديهن برجلها أو يدها فينتضح على ثيابي فأصبح فأرى أثره فقال عليه السلام: " ليس عليك شئ " (1). ولان لحومها حلال على كراهية فيكون رجيعها وبولها كذلك لقول أبي جعفر وأبي

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 9 ح 2.

[ 414 ]

عبد الله " لا تغسل ثوبك من بول كل شئ يؤكل لحمه " (1). ولان الاضطرار إليها عام والتفصي من فضلاتها عسر فتكون طاهرة دفعا للحرج. وقد أيد هذا الوجه قول أبي عبد الله وقد سأل عن ازالة أرواثها فقال: " هي أكثر من ذلك " (2) يعني ان كثرتها يمنع التكليف بازالتها. وفي رواية الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " لا بأس بروث الحمير واغسل أبوالها " (3). وقد عارض ما ذكرناه رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن أبوال الدواب والبغال والحمير فقال: " اغسله فان لم تعلم مكانه فاغسله كله " فخلص من هذا تطابق أخبارنا على طهارة الروث وتصادمهما على البول فيقضى بالكراهية عملا بالروايتين، ولان تعارض النقل يثمر الطهارة لوجهين: أحدهما: ان الاصل الطهارة فيكون طرفها أرجح. الثاني ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام " كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر " (5). وبول الجلال وذرقه نجس لان لحمه حرام حتى يزول الجلل فيكون رجيعه نجسا. أما تحريم لحمه فسيأتي. وأما انه إذا كان حراما كان رجيعه نجسا، فقد سلف قال الشيخان في النهاية والمقنعة عرق الابل الجلالة نجس يغسل منه الثوب. وقال سلار غسله ندب، وهو مذهب من خالفنا. وربما يحتج الشيخ برواية هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا تأكل لحوم الابل الجلالة وان أصابك من عرقها فاغسله " (6) واستناد سلار إلى الاصل وانه

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 9 ح 4. 2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 9 ح 8.
3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 9 ح 1.
4) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 9 ح 6.
5) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 37 ح 4.
6) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 15 ح 1.

[ 415 ]

يجري مجرى عرق الحيوانات الطاهرة، وان لم يؤكل لحمها كعرق السنور، والنمر، والفهد. وتحمل الرواية على الاستحباب قال الشيخ: عرق الجنب من الحرام حرام نجس لا يجوز الصلاة فيه، واستدل باجماع الفرقة وأخبارهم، وبمعناه قال المفيد في المقنعة وقال في المبسوط: يجب غسل ما عرق فيه على ما رواه بعض أصحابنا، فالشيخ على ما تراه متردد في دلالته، فالقول بالطهارة أولى، وبه قال سلار. أما الحائض، والنفساء، والمستحاضة، والجنب من الحلال فإذا خلا الثوب من عين النجاسة فلا بأس بعرقهم اجماعا. مسألة: المني نجس من الادمي وغيره الذكر والانثى، وبه قال أبو حنيفة. وفي مني ما لا نفس له تردد أشبهه الطهارة. وقال الشافعي مني الادمي خاصة طاهر، وفيما عداه من الحيوانات الطاهرة قولان، وعن أحمد روايتان: لنا ما رواه عمار عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " انما يغسل الثوب من المني والدم والبول ". وعن عايشة انه صلى الله عليه وآله قال: " ان كان رطبا فاغسليه وان كان يابسا فافرك " والامر للوجوب. ومن طريق الاصحاب ما رواه ابن أبي يعفور والحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في المني يصيب الثوب فقال: " ان عرفت مكانه فاغسله وان خفى مكانه فاغسله كله " (1). ومثل هذا رواه الجمهور عن عمرو أنس وأبي هريرة وروى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام انه " ذكر المني فشدده وجعله أشد من البول " (2). ولانه مستحيل عن الدم، والاستحالة عند الشافعي لا تطهر. واحتج الشافعي برواية عن عايشة كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 16 ح 1.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 16 ح 2.

[ 416 ]

فيصلي فيه (1). وعن ابن عباس امسحه عنك بأذخرة أو خرقة ولا تغسله انما هو كالبزاق [ كالبصاق ] (2)، ولانه لو كان نجسا لما أجزاه الفرك، ولانه بدء خلق آدمي فيكون طاهرا. والجواب: لا نسلم ان الاجتزاء بالفرك ينافي التنجيس، لجواز اختصاصه في الازالة بهذه الكيفية، ثم يمكن أن يفركه ويغسله وليس في لفظها تصريح بعدم غسله، ثم يمكن أن يكون ذلك اخبارا عن فعلها وفعلها ليس حجة لجواز أن لا يعلمه النبي صلى الله عليه وآله وخبر ابن عباس يدل على النجاسة لا يجابه اماطته ويبقى الخلاف في هذه الكيفية، فلعلها رأي رآه فلا يجب متابعته وتشبيهه بالبزاق لا يدل على الطهارة، بل لعله أراد التنبيه على خفة حكمه ولا يلزم من التشبيه عموم التشبيه. وقوله لو كان نجسا لما أجزء الفرك. قلنا لو نسلم لابد لهذا من دليل، فان استراح إلى استقراء النجاسات لم يعتد الاستقراء اليقين، وان قال الماء مطهر والفرك غير مطهر، منعناه فان طالب بالدليل أحلناه على خبره الذي احتج به على انا نلتزم انه لا يجزي الفرك ونوجب مع الفرك الغسل أو الغسل المغني عن الفرك. أما قولهم بدو خلق آدمي فكلام حق، لكن لا يكفي حتى يقول وبدو خلق آدمي يجب أن يكون طاهرا، فان قاله وقاس على الطين، قلنا لم يكن الطين طاهرا لكونه بدء خلق بل ما المانع أن يكون طهارته لا لذلك، والاتفاقيات لا تقتضي العلية وأيضا فان النطفة تنتقل علقة وهي عنده نجسة، ويتكون منه الادمي، وطهارة ما يكون أقرب إلى تصوير الادمي أولى مما بعد، ولان الانسان بعد بلوغه درجة الكمال يتم نشوه باغتذاء الدم النجس، وبالجملة فان العلقة تزيل متعلقهم، مع اقراره بنجاستها فما تعلقوا به ضعيف جدا.

1) سنن البيهقي ج 2 كتاب الصلاة ص 416.
2) سنن البيهقي ج 2 كتاب الصلاة ص 418.

[ 417 ]

مسألة: المذي وهو الذي يخرج عقيب الملاعبة والملامسة، والودي بالدال المهملة الساكنة وهو الذي يخرج عقيب البول طاهران، سواء خرجا مع شهوة أو بغير شهوة، إذا كان رأس الاحليل طاهرا، وهو مذهب علمائنا عدا ابن الجنيد، فانه قال بنجاسة ما ينقض الوضوء، وفسره بما يخرج جاريا عقيب شهوة. وقال الشافعي وأبو حنيفة: بنجاستهما. وعن أحمد روايتان. وقال ابن بابويه المذي ما يخرج قبل المني، والوذي ما يخرج بعده، والودي ما يخرج بعد البول ولا يغسل الثوب من شئ من ذلك، ولا الجسد، الا المني. وفي رواية ابن رباط عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام " المني هو الذي تسترخي له العظام ويفتر منه الجسد وفيه الغسل، وأما المذي يخرج من الشهو، والودي من بعد البول، والوذي من الادواء ولا شئ فيه " (1). وبالجملة كيف كان ذلك فهو عندنا طاهر كالبصاق. لنا ما رواه أحمد عن ابن عباس قال هو عندي بمنزلة البصاق. وما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال " انما يغسل الثوب من البول والدم والمني "، وانما للحصر. ومن طريق الاصحاب ما رواه اسحق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ان عليا عليه السلام أمر المقداد أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن المذي فقال " ليس بشئ " (2). وما رواه زرارة وزيد الشحام ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ان سال من ذكرك شئ من مذي أو ودي فلا تغسله ولا تقطع له الصلاة ولا ينتقض به الوضوء انما ذلك بمنزلة النخامة " (3). وما رواه محمد بن أبي عمير عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام

1) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 12 ح 6.
2) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 12 ح 7.
3) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 12 ح 2.

[ 418 ]

قال: " ليس في المذي من الشهوة ولا من الانعاظ ولا من القبلة ولا من مس الفرج ولا من المضاجعة وضوء ولا يغسل منه الثوب ولا الجسد " (1) ولان الاصل في الاشياء الطهارة، والنجاسة موقوف على الدليل. واحتج الخصم بأن النبي صلى الله عليه وآله أمر بغسل الذكر منه (2)، ولانه عليه السلام قال لسهل ابن حنيف " يجزيك منه الوضوء ". قلت فكيف بما أصاب ثوبي منه فقال: " يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به حي ترى انه أصاب منه " (3). والجواب ان الغسل المأمور به على الاستحباب: أما أولا، فلانه لو كان نجسا لاشتهر لانه مما يعم به البلوى فلم يكن يخفى عن مثل ابن عباس وغيره من الصحابة ولا ينعكس علينا لان الطهارة تستفاد من الاصل فلا تتوقف على الدلالة فيصح نقل مخالفها لانها معارضة الاصل. وأما ثانيا، فلما رويتم عن سهل بن حنيف انه اجتزا برشه بالماء ورش الماء يؤدي إلى تكثير النجاسة، فلو كان نجسا يوجب غسل الذكر لما اجتزا بالرش، ونحن فلا نمنع استحباب غسل الثوب منه تنزها وتنظيفا. ويدل على استحباب رشه ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما قال سألته عن المذي يصيب الثوب قال: " ينضحه بالماء ان شاء " (4). فروع رطوبة فرج المرأة ورطوبة الدبر طاهرتان إذا خلتا من استصحاب نجاسة، وكذا كل ما يخرج منهما عدا الجنابة والبول، والغائط، والدم عملا بمقتضى الاصل

1) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 9 ح 2.
2) و 3) سنن البيهقي ج 2 كتاب الصلاة ص 410.
4) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 17 ح 1.

[ 419 ]

في الطهارة. وقال أبو حنيفة بنجاسة الجميع، وكذا الشافعي، وتردد في رطوبة الفرج. وقد أسفلنا حجتنا. وقولهم خرج من مجرى النجاسة، ليس بشئ، لان النجاسة لا يظهر حكمها الا بعد خروجها عن المجرى، أما المجرى فلا ينجس بها. وقولهم خارج له مقر يستحيل فيه فيكون نجسا، قياس ضعيف لانا لا نسلم أن له مقرا يستحيل فيه بل لم لا يكون كالدمع والعرق، سلمنا ان له مقرا يستحيل فيه، لكن لم قلتم ان ذلك علة النجاسة والمناسبة وغلبة الظن لا تفيد اليقين بثبوت العلية، فان قاسوه على الغائط، قلنا الغائط يختص بمزية استقذار، وكما يجوز أن يكون الحكم مستندا إلى المشترك يجوز أن يستند إلى الفارق أو إلى مجموعهما أو اليهما مع ثالث. الثاني: القئ، والقلس، والنخامة، وكل ما يخرج من المعدة إلى الفم، أو ينزل من الرأس، طاهر عدا الدم. وقال في المبسوط: القئ طاهر. وقال بعض أصحابنا: نجس. قال والصديد، والقيح حكمهما حكم القئ. وعندي في الصديد تردد، أشبهه النجاسة، لانه ماء الجرح يخالطه يسير دم، ولو خلا من ذلك لم يكن نجسا، وخلافنا مع الشيخ يؤل إلى العبارة، لانه يوافق على هذا التفصيل، أما القيح فان مازجه دم نجس بالممازج، وان خلا من الدم كان طاهرا. ولا يقال هو مستحيل من الدم، لانا نقول لا نسلم ان كل مستحيل من الدم لا يكون طاهرا كاللحم واللبن، وحجتنا في الطهارة وجوابنا كما تقدم اما ما عدا ذلك، كالعرق، والبصاق، والدموع فقد اتفق الجميع على طهارته من الانسان. الثالث: كلما قلنا هو طاهر من الانسان أو نجس فهو من الحيوان الطاهر المأكول اللحم كذلك، ومن الحيوان النجس كله نجس، ومن الحيوان الطاهر

[ 420 ]

الذي ليس بمأكول بوله، وروثه، ودمه، ومنيه نجس. أما ما عدا ذلك من فضلاته، فالذي يقتضيه المذهب طهارتها لانها مترشحة من بدن طاهر، ولانا قد بينا طهارة سؤرها فيكون لعابها طاهرا وقد سلف ذلك في أبواب المياه. مسألة: الميتات مما له نفس سائلة نجسة وهو اجماع الناس، والخلاف في الادمي وعلماؤنا مطبقون على نجاسته نجاسة عينية، كغيره من ذوات الانفس السائلة. وقال الشافعي في الاصح عندهم، هو طاهر تكرمة له، ولانه لو كان نجس العين لما طهر بالغسل. ونحن فلا نسلم ان كرامته توجب طهارته بعد الموت بل لم لا يكفي في كرامته طهارته بالغسل، أو مجازاته بالاحسان في الاخرة ولا استبعاد في طهارة عينه بالغسل كما لا استبعاد في طهارة عين الخمر النجسة بالانقلاب، لان التطهر من النجاسة يختلف بحسب دلالة الشرع كما طهرنا الجنابة بالفرك ولم يطهر العذرة ولا الدم. مسألة: الدم كله نجس، عدا دم مالا نفس له سائلة قليله وكثيره، وهو مذهب علمائنا، عدا ابن الجنيد، فانه قال: إذا كانت سعته دون سعة الدرهم الذي سعته كعقد الابهام الاعلى لم ينجس الثوب. لنا قوله عليه السلام: " انما يغسل الثوب من البول والغائط والمني والدم ". وانما للحصر ولم ترد حصر الجواز، ولا الاستحباب، فتعين انه أراد حصر الوجوب، وكأنه قال لا يجب غسل الثوب الا من هذه. ومن طريق الاصحاب ما روى حبيب الاسدي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول في الرجل يرعف وهو على وضوء قال: " يغسل آثار الدم ويصلي " (1). وعن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قلت: الرجل يكون في ثوبه نقط الدم فينسى

1) الوسائل ج 1 ابواب واقض الوضوء باب 7 ح 7.

[ 421 ]

أن يغسله ويصلي قال: " يغسله ولا يعيد الصلوة " (1). وما ذهب إليه ابن الجنيد ضعيف، لان كثير الدم نجس وما نجس كثيره فقليله نجس. ويؤيد ما روى عمار عن أبي عبد الله عليه السلام " كل الطيور يتوضأ مما تشرب منه فان رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه ولا تشرب " (2) والذي على منقاره يقصر عن الدرهم. فان احتج بما روي عن عايشة انها قالت: كان لاحدانا الدرع نرى فيه قطرة من دم فتقصعه بريقها، وفي رواية نبله بريقها ثم تقصعه بظفرها ولو كان نجسا لكان بله بالريق تكثيرا له لان الريق ليس بمطهر. ومن طريق الاصحاب ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام قلت: حككت جلدي فخرج منه دم فقال: " ان اجتمع قدر حمصة فاغسله والا فلا " (3). والجواب لا نسلم دلالة ما ذكرته على موضع النزاع لان قصعه بالظفر لا يقتضي الاقتصار عليه، فلعلها بعد ذلك تغسله، وخلو الرواية عن ذكر الغسل لا يدل على عدمه، وكذا قوله بلته بريقها، لان ذلك توصل إلى ازالة ما تلجج بالثوب من عين الدم، وكذا القول في الخبر الاخر فان الاذن في ترك غسله، لا يدل على طهارته، وان جاز استصحابه في الصلاة. وأما ذكر الحمصة، فتأكيد في الامر بالغسل والوجوب يتعلق بالدرهم سعة على أنه مخالف لما قدره، وسيأتي تحقيق ذلك. مسألة: دم السمك طاهر لا يجب ازالته عن الثوب والبدن تفاحش أو لم يتفاحش، وهو مذهب علمائنا أجمع، وكذا كل دم ليس لحيوانه نفس سائلة كالبق والبراغيث، وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي في الكل بالنجاسة.

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 20 ح 1.
2) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 4 ح 2.
3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 20 ح 5.

[ 422 ]

لنا لو كان نجسا لنجس بموته الماء القليل لانه يتفسخ فيه لكن لا ينجس الماء فيكون طاهرا، ولان دم السمك لو كان نجسا لوقفت اباحة أكله على سفح دمه بالذبح كحيوان البر، لكن الاجماع على خلاف ذلك فانه يجوز أكله بدمه. ويؤيده من طريق الاصحاب ما رواه عبد الله بن أبي يعفور قلت: لابي عبد الله عليه السلام ما تقول في دم البراغيث قال: " ليس به بأس " قلت: انه يكثر ويتفاحش قال " وان كثر " (1). وعن محمد بن الريان كتبت إلى الرجل هلى يجري دم البق مجرى دم البراغيث وهل يقاس على نحو هذا فوقع عليه السلام " يجوز الصلاة والطهر منه أفضل " (2). وعن السكوني عن جعفر عن أبيه ان عليا عليه السلام كان لا يرى بأسا بدم ما لم يذك يكون في الثوب يصلي فيه الرجل (3) يعني دم السمك، ولان التحرز من دم البق والبراغيث متعذر فيسقط اعتبار الطهارة منه رفعا للحرج، ولان عمل المسلمين كلهم على الصلاة فيه واستقراء أحوال الناس تحقق ذلك إذ التخلص منه غير ممكن. مسألة: العلقة التي يستحيل إليها نطفة الادمي نجسة، قاله الشيخ في الخلاف واستدل باجماع الفرقة. لنا انها دم حيوان له نفس فتكون نجسة، وكذا العلقة التي توجد في بيضة الدجاج وشبهه. مسألة: الخمر نجسة العين، وهو مذهب الثلاثة وأتباعهم، والشافعي وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم. وقال محمد بن بابويه وابن أبي عقيل منا: ليست نجسة، وتصح الصلاة مع حصولها في الثوب وان كانت محرمة. لنا قوله تعالى * (انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) * (4). والاية دالة من وجهين:

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 23 ح 1.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 23 ح 3.
3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 23 ح 2.
4) سورة المائدة: 90.

[ 423 ]

أحدهما: ان الوصف بالرجاسة وصف بالنجاسة لترادفهما في الدلالة. والثاني: انه أمر بالاجتناب، وهو موجب للتباعد المستلزم للمنع من الاقتراب لجميع الانواع لان معنى اجتنابها، كونه في جانب غير جانبها. ويؤيد ما قلناه ما رواه الاصحاب عن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ولا يصلى في ثوب أصابه خمر أو مسكر حتى يغسل " (1). وروى محمد بن عيسى عن يونس عن بعض ما رواه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله ان عرفت موضعه وان لم تعرف موضعه فاغسله كله وان صليت فيه فأعد صلاتك " (2). وروى عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في قدح يشرب فيه الخمر قال: " يغسل ثلاث مرات " (3) وقال " لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرات ". وقد استدل من قال بطهارتها، بما رواه الحسن بن أبي سارة قلت لابي عبد الله عليه السلام ان أصاب ثوبي شئ من الخمر أصلي فيه قبل أن أغسله قال: " لا بأس ان الثوب لا يسكر " (4). وما رواه الحسين بن موسى الخياط قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشرب الخمر ثم يمسحه من فيه فيصيب ثوبي قال: " لا بأس " (5). والجواب عما احتجوا به ان مع التعارض يكون الترجيح لما طابق القرآن أما لان شرط العمل بالحديث مطابقة القرآن، واما لان اطراح ما طابقه يلزم منه مخالفة دليلين. ثم الوجه ان الاخبار المشار إليها من الطرفين ضعيفة، أما الاول فعن عمار بن

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 38 ح 7.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 38 ح 3.
3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 53 ح 1.
4) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 38 ح 10.
5) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 39 ح 2.

[ 424 ]

موسى الساباطي وهو فطحي، والثاني عن محمد بن عيسى عن يونس عن بعض رجاله والسند طعن فيه ابن الوليد، وابن أبي سارة لا يقوى بانفراده حجة، والخبر الرابع ليس بصريح في موضع النزاع، وما عدا هذه الاخبار مثلها في الضعف. وما صح منها غير دال على موضع النزاع، لان الخبر الدال على المنع مما يقع فيه الخمر من طبيخ أو عجين يحتمل أن يكون المنع منه لا لنجاسته بل لتحريمه فإذا مازج المحلل حرمه، كما لو وقع في القدر دهن من حيوان محرم، فانا نمنع منه لتحريمه لا لنجاسته. والاستدلال بالاية عليه، فيه اشكالات لكن مع اختلاف الاصحاب والاحاديث يؤخذ بالاحوط في الدين. والانبذة المسكرة عندنا في التنجيس كالخمر، لان المسكر خمر فيتناوله حكم الخمر. أما انه خمر لان الخمر انما سمي بذلك لكونه يخمر العقل ويستره فما ساواه في المسمى يساويه في الاسم، ولما رواه علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: " ان الله سبحانه لم يحرم الخمر لاسمها ولكن حرمها لعاقبتها " (1)، وما كان عاقبته الخمر فهو خمر. وروى عطاء بن يسار عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " كل مسكر حرام وكل مسكر خمر " (2). ومثله روى نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وآله. وفي نجاسة العصير بغليانه قبل اشتداده تردد. أما التحريم فعليه اجماع فقهائنا ثم منهم من اتبع التحريم النجاسة. والوجه الحكم بالتحريم مع الغليان حتى يذهب الثلثان، ووقوف النجاسة على الاشتداد، أما الفقاع فقد قال الشيخ في المبسوط، وألحق أصحابنا الفقاع بالخمر يعني في التنجيس، وهذا انفراد للطائفة.

1) الوسائل ج 17 ابواب الاشربة المحرمة باب 19 ح 1.
2) بحار الانوار ج 63 كتاب السماء والعالم ص 487 ح 18 مع تفاوت في الراوي.

[ 425 ]

ويمكن أن يقال الفقاع خمر فيلحقه أحكامه، أما انه خمر فلما ذكره علم الهدى قال، قال أحمد: حدثنا عبد الجبار بن محمد الخطابي عن ضمرة قال: " الغبيراء التي نهى النبي صلى الله عليه وآله عنها هي الفقاع "، قال وعن أبي هاشم الواسطي " الفقاع نبيذ الشعير فإذا نش فهو خمر "، قال وعن يزيد بن أسلم " الغبيراء التي نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عنها هي الاسكركة ". وعن أبي موسى انه قال " الاسكركة خمر الحبشة ". ومن طريق الاصحاب ما رواه سليم بن جعفر قلت للرضا عليه السلام ما تقول في شرب الفقاع فقال: " هو خمر مجهول " (1) وعن الوشاء قال: كتبت إليه يعني الرضا عليه السلام أسأله عن الفقاع فقال: " حرام وهو خمر " (2). وعنه عن علي عليه السلام قال: " هي خمرة استصغرها الناس " (3). قال ابن الجنيد وتحريمه من جهة نشيشه ومن ضراوة آنائه إذا كرر فيه العمل. لا يقال الخمر من الستر، وهو ستر العقل ولا ستر في الفقاع، لانا نقول التسمية ثابتة شرعا والتجوز على خلاف الاصل فيكون حقيقة في المشترك، وهو مائع حرم لنشيشه وغليانه، وإذا أثبت ان الفقاع خمر وقد بينا حكم الخمر فاطلب حكم الفقاع هناك. مسألة: اضطرب قول الاصحاب في الثعلب والارنب والفأرة والوزغة. فقال علم الهدى: لا بأس بأسآر جميع حشرات الارض وسباع ذوات الاربع الا أن يكون كلبا أو خنزيرا. وهذا يدل على طهارة ما عدا هذين ويدخل فيه الثعلب والارنب والفأرة والوزغة. ومثله قال الشيخ في المبسوط في باب المياه. وطهارة السؤر دليل طهارة العين. وقال في موضع من النهاية بنجاسة هذه الحيوانات. وقال في المبسوط في

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 38 ح 5.
2) و 3) الوسائل ج 17 ابواب الاشربة المحرمة باب 28 ح 1.

[ 426 ]

لباس المصلي: ولا تجوز الصلاة في الثوب الذي يكون فوق وبر الارانب والثعالب ولا في الذي تحت قال: وهو عندي على الكراهية، الا أن يكون أحدهما رطبا، لان ما يكون يابسا لا تتعدى نجاسته إلى غيره، وهذا يدل على حكمه بالنجاسة. وقال علم الهدى في المصباح: ولا يجوز الصلاة في جلود ما خص بالنجاسة كالكلب والخنزير والارنب، فقد تحقق ما قلنا من الاضطراب والكراهية أظهر. لنا ان الطهارة هي مقتضى الاصل والنجاسة موقوفة على الدليل، ومع عدمه تكون الطهارة ثابتة، ولان طهارة السؤر دليل طهارة العين وقد بينا طهارة سؤر ما عدا الكلب والخنزير في باب المياه، ولان وقوع الزكوة عليها دليل على طهارتها لان نجاسة العين تمنع ظهور أثر الذكاة اجماعا. ويدل على وقوع الذكاة عليها ما رواه علي بن راشد قلت لابي جعفر عليه السلام الثعالب يصلى فيها فقال: " لا، ولكن يلبس بعد الصلاة " (1) وجواز لبسها دليل على وقوع الذكاة، إذ الميتة لا يجوز استعمال شئ منها. فان استدلوا على الفأرة بما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء تمشي على الثياب يصلي فيها قال: " اغسل ما رأيت من أثرها وما لم تره فانضحه بالماء " (2). وعلى الثعلب بما رواه محمد ابن عيسى عن يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام سألته: هل يجوز أن يمس الثعلب والارنب أو شئ من السباع حيا وميتا قال: " لا يضره ولكن يغسل يده " (3). والجواب: أما خبر الفأرة فيعارضه ما رواه الحسين بن سعيد عن علي بن

1) الوسائل ج 3 ابواب لباس المصلى باب 7 ح 4.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 33 ح 2.
3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 34 ح 3.

[ 427 ]

النعمان عن سعيد الاعرج قال، سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفأرة تقع في السمن أو الزيت ثم يخرج منه حيا فقال: " لا بأس بأكله " (1) ومن البين استحالة أن ينجس الجامد ولا ينجس المائع ولو ارتكب هذا مرتكب لم يكن له في الفهم نصيب. وأما خبر الثعلب فضعيف السند، كذا ذكر ابن بابويه عن ابن الوليد قال ما يرويه محمد بن عيسى عن يونس عن بعض رجاله لا يعمل به وما هذا حاله لا يكون حجة. وأما الوزغة فقد أجمع فقهاؤنا وأكثر علماء الجمهور ان مالا نفس له سائلة لا ينجس الماء بموته، وما لا ينجس بموته لا ينجس بملاقاته فإذا الامر بالغسل هنا أو النضح محمول على التنزه لا على الوجوب. (أحكام النجاسات) مسألة: كل النجاسات يجب ازالة قليلها وكثيرها عدا الدم، فان فيه تفصيلا سيأتي. وقال أبو حنيفة في المغلظة كالبول، والغائط، والخمر يجب ازالة ما زاد على الدرهم، ويعفى عما دونه وفي المخففة يعفى عما لم يتفاحش، ويجب ازالة ما تفاحش. وقال الشافعي يجب ازالة قليل النجاسة وكثيرها عدا دم البق والبراغيث، فانه يراعى فيه التفاحش. وقال ابن الجنيد يجب ازالة ما كان درهما فصاعدا في النجاسات كلها عدا المني ودم الحيض فانه يجب ازالة قليله وكثيره. لنا قوله تعالى * (وثيابك فطهر) * (2) والامر للوجوب وقوله عليه السلام " تنزهوا عن البول فان عامة عذاب القبر منه ". ولان طهارة البدن والثوب شرط في صحة

1) الوسائل ج 16 كتاب الاطعمة والاشربة باب 45 ح 1.
2) سورة المدثر: 4.

[ 428 ]

الصلاة والقليل منجس فيجب ازالته كالكثير ولان العفو عن النجاسة مستفاد من الدلالة، وحيث لا دلالة له فلا عفو. ويؤيد ذلك الاحاديث الدالة على وجوب ازالة النجاسات على الاطلاق. وأبو حنيفة قاس النجاسات تارة على الدم، وتارة على العفو عن موضع النجو والوجهان ضعيفان. أما الدم فقد يمكن أن يكون العفو عنه لعموم البلوى به فان الانسان لا يكاد يخلو منه أما بسبب حكمه أو بثرة أو غير ذلك، ولا كذا غيره من النجاسات فلا يلزم عن العفو فيه عما دون الدرهم العفو عن غيره، وكذا موضع النجاسة أمر يتكرر على الانسان، والتمكن من الماء قد لا يتفق فاقتصر فيه على الاستنجاء وعفي عن أثر النجو تخفيفا، ولا يلزم من التخفيف هنا التخفيف في غيره لجواز أن يكون التخفيف لما يختص به موضع النجو من التكرار وعموم الابتلاء. مسألة: الدماء النجسة أقسام ثلاثة: الاول: دم الحيض، قال الاصحاب يجب ازالته قليله وكثيره، وروي ذلك عن أبي بصير قال " لا تعاد الصلاة من دم لا يبصره الا دم الحيض فان قليله وكثيره في الثوب ان رآه وان لم يره سواء " (1). لا يقال الراوي له عن أبي بصير أبو سعيد، وهو ضعيف والفتوى موقوفة على أبي بصير، وليس قوله حجة، لانا نقول الحجة عمل الاصحاب بمضمونه وقبولهم له، فان أبا جعفر بن بابويه قاله والمرتضى والشيخان وأتباعهما. ويؤيد ذلك ان مقتضى الدليل وجوب ازالة قليل الدم وكثيره عملا بالاحاديث الدالة على ازالة الدم لقوله عليه السلام لاسماء " حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء " (2)

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 21 ح 1. 2) سنن البيهقي ج 2 كتاب الصلاة ص 406.

[ 429 ]

وما رواه سورة بن كليب عن أبي عبد الله عليه السلام عن الحائض قال: " يغسل ما أصاب ثيابها من الدم " (1). لكن ترك العمل بذلك في بعض الدماء لوجود المعارض فلا يجب العمل به في الباقي. وألحق الشيخ رحمه الله به دم الاستحاضة، والنفاس، ولعله نظر إلى تغليظ نجاسته، لانه يوجب الغسل واختصاصه بهذه المزية يدل على قوة نجاسته على باقي الدماء فغلظ حكمه في الازالة. وألحق بعض فقهاء قم منا دم الكلب والخنزير ولم يعطنا العلة ولعله نظر إلى ملاقاته جسدهما ونجاسة جسدهما غير معفو عنه. الثاني: دم القروح اللازمة والجروح الدامية فانهما لا يجب ازالته وان كثر ويصلى فيه حتى يرقى، فان انقطع اعتبر فيه سعة الدرهم لزوال الجرح في ازالته. والوجه في ذلك انه لو وجب ازالته جاريا لما انفك المكلف متشاغلا به، لان التقدير استمراره فيعفى عنه دفعا للحرج. ويؤيد ذلك روايات، منها رواية محمد بن مسلم عن أحدهما سألته عن الرجل يخرج به القروح، فلا تزال تدمى كيف يصلي فقال: " يصلي وان كانت الدماء تسيل " (2) وما روى أبو بصير عن أبي جعفر عليه السلام قلت: ان قائدي أخبرني انك تصلي وفي ثوبك دم فقال: " بي دماميل ولست أغسل ثوبي حتى يبرء " (3) وكذا لو تعاقب جريانها بحيث لا يتسع فتراتها لاداء الفريضة. الثالث: ما عدا هذين من الدماء المسفوحة مثل دم الفصاد والذبيحة فانه لا يجب ازالة ما نقص منه عن سعة الدرهم اتفاقا منا، ويجب ازالة ما زاد عن الدرهم. وفي وجوب ازالة ما كان درهما روايتان، والدرهم هو الوافي الذي وزنه درهم

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 28 ح 1.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 22 ح 4.
3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 22 ح 1.

[ 430 ]

وثلث، وسمي البغلي نسبته إلى قرية بالجامعين. وقال ابن أبي عقيل: ما كان بسعة الدينار. وقال ابن الجنيد: ما كان سعته سعة العقد الاعلى من الابهام. والكل متقارب، والتفسير الاول أشهر. أما الرواية الموجبة للازالة فرواية جميل عن بعض أصحابنا عن أبي جعفر عليه السلام قال: " لا بأس أن يصلي في الثوب وفيه الدم متفرقا وان كان رآه ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم " (1). والرواية الاخرى عن اسماعيل الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام في الدم يكون في الثوب قال: " ان كان أقل من الدرهم فلا يعيد الصلاة وان كان أكثر من قدر الدرهم ورآه فلم يغسله وصلى فليعد صلاته " (2). والوجه وجوب ازالة ما بلغ درهما. أما أولا: فلان مقتضى الدليل وجوب ازالة قليل النجاسة وكثيرها لقوله عليه السلام " انما يغسل الثوب من البول والغائط والمني والدم ". وهذا اللفظ باطلاقه يقتضي وجوب ازالة الدم كيف كان فيترك منه ما وقع الاتفاق على العفو عنه، وهو ما دون الدرهم. وأما ثانيا: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم " (3). ولا يعارض ذلك ما روي عن عمر وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " من صلى وعلى ثوبه أكثر من قدر الدرهم أعاد ". لانا نساعد على ذلك إذ ليس بمناف لخبرنا فنحن نقول بموجبهما. مسألة: وان كان هذا الدم مفترقا ولو جمع كان درهما فصاعدا هل يجب ازالته، قال الشيخ في النهاية لا يجب ازالته ما لم يتفاحش. وقال سلار يجب ازالته

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 20 ح 4.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 20 ح 2.
3) سنن البيهقي ج 2 كتاب الصلاة ص 404.

[ 431 ]

وتردد في المبسوط، ثم أوجب ازالته احتياطا. لنا ما رواه زياد بن أبي الجلال عن عبد الله بن أبي يعفور قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يصلي وفي ثوبه نقط الدم ينسى أن يغسله فيصلي ثم يذكر قال: " يغسله ولا يعيد صلاته الا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله ويعيد صلاته " (1). والرواية صحيحة سليمة عن المعارض، ولان الوجه المقتضي للعفو عن يسير الدم مقتض للعفو عنه هيهنا. فرع ليس للمتفاحش تقدير شرعي وقد اختلف قول الفقهاء فيه، فبعض قدره بالشبر وبعض بما تفحش في القلب، وقدره أبو حنيفة بربع الثوب، والوجه ان المرجع فيه إلى العادة لانها كالامارة الدالة على المراد باللفظ إذا لم يكن له تقدير شرعا ولا وضعا. مسألة: قال الشيخان في النهاية والخلاف والمقنعة والمبسوط: طهارة ثياب المصلي وجسده وموضع سجوده شرطا لصحة الصلاة، وزاد أبو الصلاح موضع المساجد السبعة، وزاد علم الهدى مصلاه أجمع وهو مذهب الشافعي. وحكي عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن أبي مخلد، وابن جبير ان ذلك ليس شرطا. وقال ابن عباس: ليس على ثوب جنابة ونحر ابن مسعود جزورا فأصابه فرثه ودمه فصلى ولم يزله وسأل ابن جبير عمن صلى وفي ثوبه أذى فقال: " اقرء علي الاية التي فيها غسل الثياب ". لنا على وجوب طهارة الثياب اجماع العلماء فان خلاف المذكورين منقرض وما روي عن أسماء قالت سمعت امرأة تسأل رسول الله صلى الله عليه وآله كيف تصنع احدانا

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 20 ح 1.

[ 432 ]

بثوبها إذا رأت الطهر أتصلي فيه؟ قال: " ان رأت فيه دما فلتقرضه بشئ من ماء ولتنضح ما لم تره ولتصل فيه " (1). وقال عليه السلام " تنزهوا من البول ". وقال عليه السلام " انما يغسل الثوب من البول والدم والمني ". ومن طريق الاصحاب ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ذكر المني فشدده " وقال " ان رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك اعادة الصلاة وان نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا اعادة عليك وكذلك البول " (2). وعن أبي بصير عنه عليه السلام قال: " ان أصاب ثوب الرجل الدم وعلم قبل أن يصلي فيه ونسى وصلى فيه فعليه الاعادة " (3). فرع لو كان طرف ثوبه متصلا بنجاسة لم يمنع ذلك من الصلاة الا أن يكون لو قام أقلها من الارض ولا عبرة بحركتها لحركته، وهي على الارض متصلة بثوبه، ولا تبطل صلاته باتصال ما هو حامل له بالنجاسة إذا لم يكن حاملا لها، سواء كانت النجاسة خفيفة أو ثقيلة، لانه لا عبرة بما خرج عن جسد المصلي وثوبه الذي عليه. ويدل على اعتبار طهارة الجسد اجماع العلماء أيضا. وقوله عليه السلام للمستحاضة " اغسلي عنك الدم وصلي " (4). ومن طريق الاصحاب ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الكلب يصيب جسد الرجل قال: " يغسل الموضع الذي أصابه " (5). وعنه

1) التاج الجامع للاصول ج 1 كتاب الطهارة ص 85 (مع اختلاف يسير).
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 16 ح 2.
3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 40 ح 7.
4) سنن البيهقي ج 2 كتاب صلاة ص 402.
5) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 12 ح 8.

[ 433 ]

عليه السلام قال: " إذا أصاب البول الجسد يصب عليه مرتين " (1). ويدل على اعتبار طهارة موضع السجود اتفاق العلماء، فان كان من اعتبر الطهارة في الصلاة، اعتبر طهارة موضع السجود وان اختلفوا فيما عداه. وأما مسقط الجسد فالاظهر انه ليس بشرط بتقدير ألا يتعدى نجاسته إلى ثوب المصلي، ولا بدنه وان كان مستحبا، لان الاصل عدم الاشتراط. ويدل عليه قوله تعالى * (إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم) * (2) الاية، فاشترط الوضوء ولم يشترط الزيادة فيكون منفيا لعدم ما يدل عليه. وقوله عليه السلام " جعلت لي الارض مسجدا أينما أدركتك الصلوة فصل " (3) ويؤيد ما قلناه ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام وقد سأل عن الشاذ كونه يصلى عليها وقد أصابتها الجنابة فقال: " لا بأس " (4). وقد استدلوا على اعتبار طهارة المكان بنهيه عليه السلام " عن الصلاة في المجزرة والمزبلة والحمامات وهي مواطن النجاسات " (5) فالنهي عن الصلاة فيها دلالة اعتبار طهارة موضع الصلاة وبأنه عليه السلام " خلع نعليه في الصلاة حين أخبره جبرئيل ان فيهما قذرا " (6). وجوابه لم لا يجوز اختصاص النهي بهذه الامكنة لا لعلة، سلمنا انه معلل لكن لم لا يكون العلة ما يختص به مما ليس موجودا في غيرها، وظاهر انه كذلك لان الصلاة تعظيم لله سبحانه واقتراب منه، وهذه المواطن مستخبثة مستقذرة دالة

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 1 ح 3.
2) سورة المائدة: 6. 3) سنن البيهقي ج 2 كتاب الصلاة ص 433.
4) الوسائل ج 3 ابواب مكان المصلى باب 38 ح 4.
5) سنن ابن ماجة ج 1 ص 246.
6) سنن البيهقي ج 2 كتاب الصلاة ص 404.

[ 434 ]

على مهانة نفس من يستقر بها، وإذا اختصت بمزية الاستقذار والاستهانة لم يلزم من المنع من الصلاة بها المنع من غيرها مما ينتهي في الاستقذار إلى حدها، ولان الحمام لا يحرم الصلاة فيه بل يكره فلا يلزم من كراهية لما يتضمن من بدو العورات كراهية غيرها مما يتخلى من ذلك. ثم لم لا يكون النهي لكون هذه المواضع لا تخلو من نجاسة تتعدى إلى المصلي أو لاحتمال ذلك فلا يتعدى النهي إلى ما يؤمن تعديه. وأما خلعه عليه السلام نعله فانه حكاية فعل ولا يجب المتابعة الا مع العلم بوجه الفعل ونحن لا نعلم فلعله فعل ذلك تنزها. فرع ان قلنا طهارة المكان شرط فلو وضع عليه شيئا طاهرا جاز وقد رواه عامر بن نعيم عن أبي عبد الله عليه السلام قلت: المنازل التي ينزلها الناس في أبوال الدواب والسرجين ويدخلها اليهود والنصارى كيف يصنع بالصلاة فيها قال: " صلي على ثوبك " (1). فرع آخر ولو كان طرف مصلاه نجسا خارجا عن مسقط جسده جاز وكان كما لو اتصلت الارض بموضع نجس. مسألة: كل ما لا يتم الصلاة فيه منفردا أيجوز الصلاة فيه، وان كان نجسا كالتكة والجورب والقلنسوة، ذكر ذلك الخمسة وأتباعهم وخالف الفقهاء في ذلك. لنا ان الطهارة شرط في الصلاة فيكون مختصة بما له أثر فيها فلا يشترط في غيره عملا بالاصل السليم عن المعارض.

1) الوسائل ج 3 ابواب مكان المصلى باب 22 ح 2.

[ 435 ]

ويؤيد ذلك ما رواه عبد الله بن سنان عمن أخبره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كل ما كان على الانسان أو معه مما لا يجوز الصلاة فيه فلا بأس أيصلي فيه وان كان فيه قذر مثل القلنسوة والتكة والكمرة والنعل والخفين وما أشبه ذلك " (1) وبمعناه روى زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام. وألحق ابن بابويه العمامة قال الراوندي منا يحمل على عمامة صغيرة كالعصابة لانه لا يمكن ستر العورة بها. مسألة: يغسل الثياب والبدن من البول مرتين الغسل يتضمن العصر ومع عدم العصر يكون نصبا والبدن يجتزء فيه بالصب مرتين وانما قيل في الاصل يغسل الثوب والبدن، لانه جمع بينهما فاجتزء في ازالتهما بصفة ازالة أحدهما لانه الابلغ ويجري ذلك مجرى قول الشاعر: [ علفتها تبنا وماء ا باردا ]. وهذا مذهب علمائنا رواه جماعة منهم الحسين بن أبي العلا عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن البول يصيب الجسد قال: " يصب عليه الماء مرتين فانما هو ماء وعن الثوب يصيبه البول قال اغسله مرتين الاول الازالة [ للازالة ] والثاني للانقاء " (2). وأما الفرق بين الثوب والبدن فلان البول يلاقي ظاهر البدن ولا يرسب فيه فيكفي صب الماء لانه يزيل ما على ظاهره، وليس كذلك الثوب لان النجاسة ترسخ فيه فلا تزول الا بالعصر. وقال الشيخ في الخلاف إذا أصاب الثوب نجاسة ففي طهارته بصب الماء روايتان: احديهما يكفي الصب. والاخرى لابد من غسله وأظنه وهما بل الروايتان في اصابة البول الجسد. أما الثوب فلابد من غسله وهل يراعى العدد في غير البول فيه تردد، أشبهه يكفي المرة بعد ازالة العين لقوله عليه السلام " في دم الحيض حتيه ثم اغسليه " (3) والامر المطلق يتناول المرة.

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 31 ح 5.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 1 ح 4.
3) سنن البيهقي ج 2 كتاب الصلاة ص 406.

[ 436 ]

مسألة: بول الصبي لا يجب غسله ويكفي صب الماء عليه مرة في الثوب وغيره ونعني به الذي لم يأكل الطعام، وبه قال الشافعي، وأحمد. وقال أبو حنيفة يغسل كغيره لعموم قوله عليه السلام " انما يغسل الثوب من البول والدم والمني ". لنا ما روي عن عايشة قال أتى رسول الله صلى الله عليه وآله بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله (1). وروى أبو داود باسناده عن لبابة بنت الحارث قالت كان الحسن بن علي عليه السلام في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله فبال عليه فقلت أعطني إزارك لاغسله فقال: " انما تغسل من بول الانثى " (2). وعن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله " بول الغلام ينضح وبول الجارية يغسل " (3). ومن طريق الاصحاب ما رواه الحلبي قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بول الصبي قال: " يصب عليه الماء فان كان قد أكل فاغسله غسلا " (4). فرع المعتبر أن يطعم ما يكون غذاءا له ولا عبرة بما يلعق دواء ا ومن الغذاء في الندرة ولا تصغ إلى من يعلق الحكم بالحولين فانه مجازف، بل لو استقل بالغذاء قبل الحولين يتعلق ببوله وجوب الغسل. مسألة: ويكفي في طهارة محل النجاسة زوال عينها وان بقى لونها أو ريحها لانهما عرضان لا يحملان النجاسة، وعليه اجماع العلماء، ولان ازالة الرائحة والاثر قد يتعذر أو يشق فيسقط اعتباره دفعا للحرج. ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وآله في " الدم لا يضرك أثره " (5).

1) سنن البيهقي ج 2 كتاب الصلاة ص 414.
2) و 3) التاج الجامع للاصول ج 1 كتاب الطهارة ص 87. 4) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 3 ح 2.
5) سنن البيهقي ج 2 كتاب الصلاة ص 408.

[ 437 ]

ومن طريق الاصحاب ما رواه علي بن أبي حمزة عن العبد الصالح عليه السلام قال سألته أم ولد لابيه فقالت أصاب ثوبي دم الحيض غسلته فلم يذهب أثره فقال: " اصبغيه بمشق " (1) ولو كان الاثر نجسا لما اجتزء بالصبغ. ومثله روى عيسى بن أبي منصور عن أبي عبد الله عليه السلام قال ابن بابويه: " إذا أصاب الثوب بول فاغسله في الماء الجاري مرة وفي الراكد مرتين " (2) وروى هذه الرواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام الثوب يصيبه البول قال: " ان غسلته في المركن فاغسله مرتين وان غسلته في ماء جار فمرة واحدة " (3) ويمكن أن يكون الوجه فيه ان الجاري يتغاير المياه به على الثوب فكأنه غسل أكثر من مرة. مسألة: لبن الادميات طاهر لبن ابن كان أو لبن بنت. وقال بعض فقهائنا لبن البنت نجس، لانه يخرج من مثانة أمها، ومستنده حديث السكوني عن جعفر، والسكوني ضعيف والطهارة هي الاصل. وفي بولها خلاف. قال علي بن بابويه: بول الصبي والصبية سواء. وفي رواية الحلبي " والغلام والجارية شرع سواء " (4). والاشبه اختصاص التخفيف ببول الصبي، والرواية محمولة على التسوية في التنجيس لا في حكم الازالة مصيرا إلى ما أفتى به أكثر الاصحاب. مسألة: إذا علم موضع النجاسة من الثوب غسل ذلك الموضع ولو جهل الموضع غسل كل موضع يحتمل أن يكون فيه، والا غسل الثوب كله، وهو مذهب علمائنا، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد. وقال ابن شبرمة: إذا خفيت يتحرى مكان النجاسة فيغسله. وقال عطا وحماد ينضح الثوب كله.

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 25 ح 1.
2) بحار الانوار ج 77 كتاب الطهارة ص 132 ح 3 (مع اختلاف يسير جدا).
3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 2 ح 1.
4) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 3 ح 2.

[ 438 ]

لنا ان المانع من الصلاة موجود على اليقين ولا يحصل اليقين بزواله الا بما قلناه. ويؤيد ذلك ما روا الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا أصاب ثوب الرجل مني فليغسل الذي أصابه فان ظن انه أصابه ولم يتيقن ولم ير مكانه فلينضحه بالماء، وان استيقن انه أصابه ولم يعلم مكانه فليغسل ثوبه كله " (1). ومثله عن عنبسة بن مصعب وعن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " في الثوب يصيبه المني اغسله ان عرفت مكانه وان لم تعرف مكانه فاغسله كله " (2). وكذا لو كانت النجاسة في أحد الكمين لم يتحر وغسلهما وكذا لو قطع أحد الكمين تعين غسل الباقي ليكون على يقين من زوال النجاسة كما هو على يقين من حصولها. مسألة: لو نجس أحد الثوبين ولم يعلمه بعينه، قال الشيخ في النهاية والخلاف: يصلي في كل واحد منهما فرضه، وقال في المبسوط وقد روى انه يتركهما ويصلي عريانا، والاول أحوط. قال في الخلاف، وقال المزني: يصلي عريانا واليه ذهب بعض أصحابنا ان ستر العورة شرط في صحة الصلاة، ولا يتحصل الصلاة مع الشرط على اليقين الا بالصلاة في كل واحد منهما فيجب تحصيلا للواجب وشرطه. ويؤيد ذلك رواية صفوان بن يحيى قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام في رجل معه ثوبان أصاب أحدهما بول ولم يدر أيهما هو وخاف فوتهما وليس عنده غيرهما كيف يصنع قال: " يصلي فيهما جميعا " (3) وقال أبو جعفر بن بابويه يعني على الانفراد. وقال بعض المتأخرين يصلي عريانا، ثم خبط في استدلاله بما لا ثمرة له لكنا

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 16 ح 4.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 16 ح 6.
3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 64 ح 1.

[ 439 ]

نشير إلى زبده ونبين وهمه قال شرع شاكا في صلاته فلا يصح أو شاكا في طهارة ثوبه واليقين بالطهارة مشترط، وقال الواجب يقارنه الوجه المقتضي وجوبه فلا يكون متاخرا عن الواجب. والواجب لا نسلم انه شرع شاكا، وبيان ذلك ان ستر العورة شرط بالاجماع ولا يسقط مع التمكن والتمكن هيهنا حاصل فيجب الصلاتان تحصيلا للستر المشترط في الصلاة، فحينئذ يكون كل واحدة من الصلاتين واجبة لان ما لا يتم الواجب الا به واجب. وقوله هو شاك في طهارة ثوبه واليقين بطهارته مشترط، قلنا لا نسلم ان اليقين بطهارة الثوب شرط بل يكفي عدم العلم بالنجاسة وفي كل واحد منه هو غير متيقن للنجاسة. قوله الواجب يقارنه الوجه المقتضي وجوبه، قلنا لو سلمنا هذا الاصل فان الوجه المقتضي وجوب الصلاتين مقارن لكل واحد منهما، وذلك لان الوجه المقتضي وجوبهما تحصيل ما يتحقق وجوبه وهو ستر العورة وذلك وجه مقارن لفعل الصلاة كما ان المأمور بصعود السطح لما لم يمكنه ذلك الا بنصب السلم وجب عليه نصبه وان كان الصعود متاخرا، لانه ليس وجه وجوب نصب السلم الصعود بل كون الصعود لا يتم الا به وكذلك الصلاة هيهنا لما وجب معها ستر العورة بالساتر الطاهر وكان تحصيله موقوفا على الاتيان بهما كان ذلك وجها متقاربا للاتيان بهما. فرع لو كان معه ثياب نجسة وطاهرة صلى الفريضة بعدد النجسة وزاد صلاة. مسألة: إذا لاقى الكلب والخنزير أو الكافر المحكوم بنجاسة عينه ثوبا أو جسدا وهو رطب، غسل موضع الملاقات وجوبا، وان كان يابسا رش الثوب بالماء

[ 440 ]

استحبابا، وهو مذهب علمائنا أجمع لان ملاقات النجاسة الرطبة أو الموضع الرطب موجب نجاسته فيكون الرطوبة منجسة لمحلها ومع تحقق النجاسة ازالتها، أما البدن فيصب عليه الماء كما سلف. ويؤيد ذلك ما رواه جماعة منهم علي بن أبي حمزة وحريز عمن أخبره عن أبي عبد الله عليه السلام في الكلب يصيب الثوب قال: " انضحه وان كان رطبا فاغسله " (1) وفي رواية محمد بن مسلم إذا أصاب الكلب جسد الرجل يغسل الموضع الذي أصابه، وعن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير قال: " ينضح ما أصاب من ثوبه الا أن يكون فيه أثر فيغسله " (2). وروى علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام في مصافحة اليهودي قال: " من وراء الثياب فان صافحك بيده فاغسلها " (3). وعن محمد بن مسلم عن أحدهما في رجل صافح مجوسيا قال " يغسل يده " (4). قال في المبسوط: سواء كان الكافر أصليا أو كافر ملة أو كافر ردة. وعلى هذا كل ثوب قصره كافر، أو صبغه، أو غسل غزله، أو سقاه، أو بله عند العمل، فانه لا يجوز الصلاة فيه الا بعد غسله وتطهيره. فرع قال الشيخ في المبسوط: كل نجاسة أصابت الثوب أو البدن فكانت يابسة لا يجب غسلها، وانما يستحب مسح اليد بالتراب أو نضح الثوب.

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 26 ح 3.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 13 ح 1.
3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 14 ح 5.
4) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 14 ح 3.

[ 441 ]

مسألة: من صلى ثم رأى النجاسة على ثوبه أو بدنه لم تجب الاعادة لاحتمال تجددها والاصل عدمها في الصلاة. وهو اجماع، أما لو تيقن انها كانت حاصلة في ثوبه أو على جسده ففيه ثلاث مسائل: الاولى: سبق علمه بالنجاسة وصلى ذاكرا لها، لم تصح صلاته وعليه في الوقت الاعادة ومع خروجه القضاء، وهو اجماع من جعل طهارة البدن والثوب طاهرا. الثاني: علم النجاسة ثم نسيها وصلى ثم ذكر فروايتان: احديهما: هي كالاولى يعيدها لو كان الوقت باقيا ويقضيها لو كان خارجا، وهو اختيار الشيخ في المبسوط والخلاف والنهاية، والمفيد في المقنعة، وعلم الهدى في المصباح، لانه أخل بالشرط مفرطا فلزمه القضاء. ويؤيدها رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ان أصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه وهو لا يعلم فلا اعادة عليه وان علم قبل أن يصلي فنسي وصلى فعليه الاعادة " (1). وفي رواية سماعة عنه عليه السلام " إذا نسي أن يغسله حتى صلى يعيد كي يهتم عقوبة لنسيانه " (2). والرواية الاخرى لا يعيد، روى ذلك الحسن بن محبوب عن العلا قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصيب ثوبه الشئ فينجسه فنسي أن يغسله ويصلي فيه ثم تذكر انه لم يكن غسله أيعيد الصلاة قال: " لا يعيد قد مضت صلاته وكتبت له " (3). قال الشيخ هذا خبر شاذ لا يعارض به الاخبار التي ذكرناه ويجوز أن يكون مخصوصا بنجاسة معفو عنها. وعندي ان هذه الرواية حسنة والاصول يطابقها لانه

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 40 ح 7.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 42 ح 5.
3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 42 ح 3.

[ 442 ]

صلى صلاة مشروعة مأمور بها فيسقط بها الفرض. ويؤيد ذلك قوله عليه السلام " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان " (1). لكن القول الاول أكثر والرواية به أشهر. وقال الشيخ في الاستبصار: يعيد في الوقت ولا يعيد خارجه، وهو تعويل على مكاتبة والمكاتب مجهول، فالرواية اذن ساقطة فلذلك لم يشر إليها في الاصل. الثالث: لو لم يعلم بالنجاسة حتى فرغ من صلاته وتيقن انها كانت في ثوبه وبدنه، فقولان، أحدهما لا اعادة، ذكره الشيخ في تطهير الثياب من كتاب النهاية، وهو اختيار المفيد وعلم الهدى والشافعي. والثاني يعيد في الوقت لا خارجه، ذكره الشيخ في باب المياه من كتاب النهاية، وهو اختيار ربيعة ومالك. لنا ما روى أبو داود باسناده ان النبي صلى الله عليه وآله خلع نعليه في صلاته فخلعوا نعالهم فقال: ما حملكم على القاء نعالكم قالوا رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا قال: " ان جبرئيل أخبرني ان فيهما قذرا " (2). ولو لم يكن عدم العلم عذرا، لوجب عليه الاستيناف، وهذا وان كان غير لازم على رأينا فهو لازم لهم. ومن طريق الاصحاب ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل يصلي وفي ثوبه جنابة أو دم حتى فرغ من صلاته ثم علم قال: " قد مضت صلاته ولا شي عليه " (3). ولانه مأمور بالصلاة على هذه الحال والا يقتضي الاجزاء. ويؤيد ذلك رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال ": ان رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك اعادة الصلاة وان أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا اعادة عليك وكذلك البول " (4).

1) بمعناه يوجد في سنن ابن ماجة ج 1 ص 659.
2) سنن البيهقي ج 2 كتاب الصلاة ص 404.
3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 40 ح 2.
4) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 16 ح 2.

[ 443 ]

فروع الاول: لو علم بالنجاسة في أثناء الصلاة طرحها ان أمكن وأتم صلاته وان لم يتمكن الا بما يبطل الصلاة مثل الفعل الكثير أو استدبار القبلة بطلت صلاته واستقبلها بعد طرح النجاسة أو ازالتها، وبه قال المبسوط، وعلى قول الشيخ الثاني يستأنف ان كان الوقت باقيا كيف كان. الثاني: لو وقعت عليه نجاسة وهو في الصلاة ثم زالت وهو لا يعلم ثم علم استمر على حاله على ما قلناه، وعلى القول الثاني يستقبل الصلاة. الثالث: لو حمل حيوانا طاهرا غير مأكول أو صبيا، لم يبطل صلاته لان النبي صلى الله عليه وآله حمل أمامة وهو يصلي وركب الحسين عليه السلام على ظهره وهو ساجد، وكذا لو حمل قارورة فيها نجاسة مشدودة الرأس. وتردد الشيخ في الخلاف فقال: لا تبطل صلاته، وبه قال ابن أبي هريرة، وقاسه على حمل حيوان طاهر في جوفه نجاسة. وقال جميع الفقهاء تبطل. قال الشيخ: وان قلنا تبطل كان قويا لان على المسألة الاجماع. فان خلاف بن أبي هريرة لا يعتد به. وجزم في المبسوط بالبطلان. والوجه عندي الجواز، وما استدل به الشيخ، ضعيف لانه سلم انه ليس على المسألة نص لاصحابه وعلى هذا التقدير يكون ما استدل به من الاجماع، هو قول جماعة من فقهاء الجمهور وليس في ذلك حجة عندنا ولا عندهم أيضا. والدليل على الجواز انه محمول لا يتم الصلاة فيه منفردا فيجوز استصحابه في الصلاة بما قدمناه من الخبر، ثم نقول الجمهور عولوا على أنه حامل نجاسة فيبطل صلاته كما لو كانت على ثوبه ونحن نقول النجاسة على الثوب منجسة له فتبطل لنجاسة الثوب لا لكونه حاملا نجاسة ونطالبهم بالدلالة على أن حمل النجاسة مبطل للصلاة إذا لم يتصل بالثوب والبدن.

[ 444 ]

مسألة: المربية للصبي إذا لم يكن لها الا ثوب واحد اجتزأت بغسله في اليوم مرة، ذكر ذلك الشيخ في المبسوط والنهاية. ورواه سيف بن عميرة عن أبي حفص عن أبي عبد الله عليه السلام سأل عن امرأة ليس لها الا قميص ولها مولود يبول كيف تصنع قال: " تغسل القميص في اليوم مرة " (1)، ولان تكرار بول الصبي يمنع التمكن من ازالته فجرى مجرى دم القروح أو السلس الذي لا يمنع من استصحاب الثوب في الصلاة، فكما يجب اتباع الرواية هناك دفعا للحرج، فكذا هنا لتحقق الحرج في الازالة، وانما قلناه في اليوم والليلة وان لم يتضمنه الخبر نطقا، لانه إذا اجتزأت في اليوم مرة فقد دخلت الليلة في الجملة. روى عبد الرحيم القصير قال: كتبت إلى أبي الحسن الاول أسأله عن خصي يبول فيلقى من ذلك شدة ويرى البلل بعد البلل فقال. " يتوضأ وينضح ثوبه في النهار مرة واحدة " (2) والراوي المذكور ضعيف، فلا عمل على روايته وربما صير إليها دفعا للحرج. مسألة: من ليس معه الا ثوب نجس وتعذر تطهيره ففي جواز الصلاة فيه روايتان: احديهما " المنع ويصلي عاريا موميا، روى ذلك سماعة ومحمد الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل أصابته جنابة وهو في الفلاة وليس عليه الا ثوب واحد وأصابه مني قال: " تيمم ويطرح ثوبه ويجلس مجتمعا يصلي ويومي ايماءا " (3). واختار ذلك الشيخ في النهاية والمبسوط والخلاف.

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 4 ح 1.
2) الوسائل ج 1 ابواب نواقض الوضوء باب 13 ح 8.
3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 46 ح 4.

[ 445 ]

والاخرى: يصلي فيه، روى ذلك عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام سألته عن الرجل يجنب في ثوبه وليس معه غيره ولا يقدر على غسله قال: " يصلي فيه " (1). وفي رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام في رجل أصاب ثوبه دم نصفه أو كله وحضرت الصلاة يصلي فيه أو يصلي عريانا قال: " ان وجد ماءا غسله وان لم يجد ماءا صلى فيه ولم يصل عريانا " (2). وجمع الشيخ بين الروايتين بان قال: يجب نزعه الا أن يخشى من نزعه بردا أو غيره، فيصلي فيه. وعندي في هذا التأويل اشكال لان نزعه يستلزم فوات ستر العورة، وهو شرط في الصلاة والصلاة فيه يستلزم فوات طهارة الثوب وهو شرط وكلاهما متساويان فلا ترجيح إذا والاولى القبول بالتخيير. ولو قيل الدليل على ما فصله الشيخ ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه غيره قال " يصلي فيه إذا اضطر إليه " (3)، قلنا الاضطرار يكفي فيه عدم التمكن من غيره وإذا تقرر هذا فلو صلى عاريا لم يعد ولو صلى فيه هل يعيد إذا أمكن غسله؟ فيه قولان: أحدهما: يعيد، ذكره الشيخ في المبسوط والنهاية والخلاف وهو رواية عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام سأل عن رجل ليس معه الا ثوب لا تحل الصلاة فيه ولا يجد ماءا يغسله كيف يصنع؟ قال: " يتيمم ويصلي فإذا أصاب ماءا غسله وأعاد الصلاة " (4) والرواية ضعيفة السند، لان رجالها فطحية، والاشبه أنه لا إعادة لانه صلى صلاة مأمورا بها والامر يقتضي الاجزاء. مسألة: الشمس إذا جففت البول من الارض والبواري والحصير جازت

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 45 ح 4.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 45 ح 5.
3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 45 ح 7.
4) الوسائل ج 2 ابواب التيمم باب 30 ح 1.

[ 446 ]

الصلاة عليه وطهر وهو اختيار الشيخين في المقنعة والمبسوط والخلاف. وقال ابن الجنيد الاحوط تجنبها الا أن يكون ما يلاقيها من الاعضاء يابسا وقيل لا يطهر ويجوز الصلاة عليها، وبه قال الراوندي منا، وصاحب الوسيلة، وهو جيد. واستدل الشيخ لما ذكره باجماع الفرقة، ورواية عمار بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا كان في الموضع قذرا من البول أو غيره فأصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة " (1). وبما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال سألته عن البواري يصيبها البول هل تصلح الصلاة عليها إذا جففت من غير أن يغسل قال: " نعم " (2). ويمكن أن يحتج بقوله عليه السلام " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصلاة صليت " (3). وفي استدلال الشيخ بالروايات اشكال لان غايتها الدلالة على جواز الصلاة عليها ونحن فلا نشترط طهارة موضع الصلاة بل نكتفي باشتراط طهارة موضع الجبهة. ويمكن أن يقال الاذن في الصلاة عليها مطلقا دليل جواز السجود عليها والسجود يشترط طهارة محله. ويمكن أن يستدل بما رواه أبو بكر الحضرمي عن أبي عبد الله عليه السلام " ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر " (4) ولان الشمس من شأنها الاسخان، والسخونة تلطف الاجزاء الرطبة وتصعدها، فإذا ذهب أثر النجاسة دل على مفارقتها المحل والباقي يسير تحيله الارض إلى الارضية فيطهر لقول أبي عبد الله عليه السلام " التراب طهور " (5).

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 29 ح 4.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 29 ح 3.
3) السنن للنسائي ج 1 ص 210 مع اختلاف في ذيله.
4) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 29 ح 5.
5) سنن أبي داود ج 1 كتاب الطهارة ص 105 (مع اختلاف يسير).

[ 447 ]

قال في المبسوط: ويتيمم منها. وفي قوله عندي تردد. ثم قال في المبسوط: ولو وقع مائع غير البول كالخمر لم تطهره الشمس لان حمله على البول قياس، وفيه اشكال لان معوله على رواية عمار وهي تتضمن البول أو غيره. فروع الاول: لا يطهر الثياب، والاواني، وما ينقل، ويحول بالشمس، عدا البواري، والحصير. وفيما عدا الارض مما لا ينقل تردد. الثاني: قال ابن الجنيد: لا يطهر المجزرة ولا الكنيف بالشمس، وهو حسن لمخالطة أعيان النجاسة أتربتها وقصور الشمس عن ازالتها. الثالث: قال الشيخ في موضع الخلاف: إذا طلعت على الارض الشمس وهبت عليها الرياح طهرت، وفيه اشكال، لانه ان اشترط الامرين طولب بالدلالة وان جعل الرياح مطهرا بانفراده كان أشد اشكالا. مسألة: وتطهر الارض باطن الخف، والنعل، والقدم مع زوال النجاسة بها. قال ابن الجنيد: لو وطئ برجله أو ما هو وقاء لها نجاسة ثم وطئ بعدها على الارض طاهرة يابسة طهر ما ماس النجاسة من رجله والوقاء ولو مسحها حتى يذهب عين النجاسة، وأثرها بغير ماء أجزاه إذا كان ما مسحها به طاهرا. وقال المفيد في المقنعة: وإذا داس الانسان بخفه أو نعله نجاسة ثم مسحهما بالتراب طهرا بذلك. وقال أبو حنيفة إذا أصاب الخف نجاسة لها جرم فجفت ودلكه بالارض جاز. وقال الشافعي في الجديد: لا يطهر الا النعل. لنا ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله " إذا جاء أحدكم إلى المسجد

[ 448 ]

فان رأى في نعليه قذرا أو أذي فليمسحهما وليصل فيهما " (1). وعن أبي هريرة عنه عليه السلام " إذا وطئ أحدكم الاذى بخفيه فان التراب له طهور " (2). ومثله عن عايشة عنه صلى الله عليه وآله. ومن طريق الاصحاب ما رواه فضالة بن أيوب وحفص بن أبي عيسى عن أبي عبد الله عليه السلام قلت له: وطئت عذرة بخفي ومسحته حتى لم أر فيه شيئا ما تقول في الصلاة فيه قال: " لا بأس " (3). وعن زرارة بن أعين قلت لابي جعفر عليه السلام رجل وطئ عذرة فساخت رجله فيها ينقض ذلك وضوءه وهل يجب عليه غسلها فقال: " لا يغسلها الا أن يقذرها ولكن يمسحها حتى يذهب أثرها ويصلي " (4). ولان كل واحد من الخف والقدم معرض لملاقات النجاسة، فلو اقتصر على تطهيره بالماء لشق ولم ينفك الانسان متشاغلا بتطهيره والتراب من شأنه احالة ما يلاقيه فإذا زالت العين بدعكه بالتراب فقد زالت النجاسة. فرع لا يشترط جفاف النجاسة ولا أن يكون لها جرم، خلافا لابي حنيفة. لنا ظاهر الروايات، ولان ما ليس له جرم كالبول إذا ذهب وان بقى منه شئ يسير من قوامه كان احالته أسرع فإذا طهر ماله جرم فما لا جرم له أولى. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا بال على الارض فتطهيرها بصب الماء

1) التاج الجامع للاصول ج 1 كتاب الطهارة ص 90.
2) سنن ابي داود ج 1 كتاب الطهارة ص 105.
3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 32 ح 6.
4) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 32 ح 7.

[ 449 ]

حتى يطهره ويزيل لونه وريحه، ويبقى الماء الوارد عليه على طهارته ولا يحتاج إلى قلع المكان الذي انتهى إليه ذلك الماء، خلافا لابي حنيفة. واستدل الشيخ برواية أبي هريرة في قصة الاعرابي قال: والنبي صلى الله عليه وآله لا يأمر بطهارة المسجد بما يزيده تنجيسا (1) فيلزم أن يكون الماء أيضا على طهارته. وما ذكره الشيخ يشكل، لان الرواية المذكورة عندنا ضعيفة الطريق، ومنافية الاصل، لانا بينا ان الماء المنفصل عن محل النجاسة نجس تغير أو لم يتغير لانه ماء قليل لاقى نجاسة، ويعارضها رواية ابن معقل عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " خذوا ما بال عليه من التراب واهريقوا على مكانه " (2). ولو قال هذا مرسل، قلنا مع ارساله لا يعلم بطلانه ومع الاحتمال لا نسلم روايته عن احتال المعارضة، فالاولى اطراح هذه الرواية فلهذا قلنا في الاصل. وقيل أحاله على قول الشيخ رحمه الله، وإذا تقرر هذا فيما إذا تطهر الوجه ان طهارتها بجريان الماء عليها أو المطر حتى يستهلك النجاسة أو يزال التراب النجس على اليقين أو تطلع عليه الشمس حتى يجف بها أو يغسل بماء يغمرها، ثم يجري إلى موضع آخر فيكون ما انتهى إليه نجسا. ولو كان مائعا غير البول طهر بجميع ذلك عدا الشمس على ما مر ولو كانت جامدة ازيلت عينها فان كانت رطوبتها باقية على الارض فهي كالمائع وان استهلكت النجاسة العينية في التراب لم يطهر الا بازالته. زيادات مسألة: إذا جبر عظمه بعظم نجس كعظم الكلب والخنزير، والكافر، أزاله

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 32 ح 7. 2) سنن أبى داود ج 1 كتاب الطهارة ص 104.

[ 450 ]

ان لم يخف الضرر، وأبقاه ان خاف وأجزأته صلاته. وقال الشافعي: يلزمه قلعه ما لم يظن التلف. لنا ان في ذلك حرج فيكون منفيا ولانها نجاسة متصلة كاتصال دمه فيكون معفوا عنها. ولو جبره بعظم ميت طاهر العين في حال الحيوة جاز لان الموت لا ينجس به عظم ولا شعر. وفي جبره بعظم الادمي تردد منشأه وجوب دفن عظمه لما رواه الحسن بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام عن الرجل يسقط سنه فيأخذ من سن ميت مكانه قال: " لا بأس " (1). مسألة: والصيقل لا يطهر بالمسح وان أزال العين. وقال المرتضى يطهر. قال الشيخ: ولست أعرف به أثرا. لنا ان حصول النجاسة به معلوم، وزوال حكمها يفتقر إلى مستند ومع عدمه فالحكم باق ولان المسح يزيل عين النجاسة الظاهرة وتبقى أجزاء لاصقة لا يزيلها الا الماء، ولان النجاسة الرطبة يتعدى حكمها إلى الملاقي فلا يزول بزوال عين النجاسة. مسألة: لا يكفي صب الماء على الثوب بل لابد من عصره مرتين، وفي البدن روايتان أشهرهما، الاكتفاء بالصب مرتين. ويستحب دلكه ولو لم يزل عين النجاسة الا بالدلك وجب. وفي بول الصبي روايتان، احديهما يغسل مرة. والاخرى يصب عليه مرة. وان صب على الثوب وجمع ذلك الماء نجس على التقديرات، أما الثوب فيطهر لو كانت النجاسة بول صبي لم يأكل، ولا يطهر لو كان لبالغ. وقال ابن سيرين: لو صب على الثوب، طهر هو والماء المنفصل. لنا انه أخل بالعصر فلم يطهر الثوب والماء المنفصل لاقته نجاسة مع قلته، فيكون نجسا ولو عصر نصف الثوب النجس لم تسر نجاسة النصف الاخر إليه، خلافا لابن القاضي من الشافعية قال: لان مجاور الاجزاء نجسة فتسري إليه لما فيه من الرطوبة.

1) الوسائل ج 3 ابواب لباس المصلى باب 31 ح 4.

[ 451 ]

لنا ان المغسول يطهر لان الماء من شأنه التطهير وهو قابل فيحقق الطهارة. وما ذكره ابن القاضي ليس بحجة، لان الملاقي له أجزاء جافة يؤثر فيها نجاسة المجاور لانه لو أثرت لزم نجاسة كل مجاور حتى يلزم نجاسة العالم بنجاسة واحدة لان بينهم أجزاء أرضية متصلة. مسألة: روى أحمد بن محمد عن محمد بن اسماعيل عن بعض أصحابنا عن أبي الحسن عليه السلام قال: " طين المطر لا بأس به أن يصيب الثوب إلى ثلاثة أيام حتى يعلم ان شيئا نجسه بعد المطر وان أصابه بعد ثلاثة أيام غسله وان كان الطريق نظيفا لم يغسله " (1) ووجه هذا ان الغيث لا ينجس بملاقات النجاسة ما لم يغلب على أحد اوصافه فإذا مضى ثلاثة أيام، استحب ازالته لما يمازجه من الاشياء المستقذرة طبعا وان لم يمازجه شئ فهو على الاباحة فان تيقن ملاقات نجاسة بعد المطر أي بعد انقطاع المطر، وجب ازالته. مسألة: الاعيان النجسة لا تطهر بالاستحالة. وقال أبو حنيفة: يطهر بالقياس على الخمر وجلود الميتة إذا دبغت وحكى عنه، انه لو وقع خنزير في ملاحة فاستحال ملحا طهر. لنا ان النجاسة قائمة بالاجزاء النجسة لا بأوصاف الاجزاء فلا تزول بتغير أوصاف محلها، وتلك الاجزاء باقية فتكون النجاسة باقية لانتفاء ما يقتضي ارتفاعها. وهنا بحث في مواطن: الاول: إذا أحالت النار الاعيان النجسة رمادا قال الشيخ في الخلاف: يطهر واستدل باجماع الفرقة، وبما رواه الحسن بن محبوب قال سألت أبا الحسن عليه السلام عن الجص توقد عليه العذرة وعظام الموتى ويجصص به المسجد ويسجد عليه فكتب

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 75 ح 1.

[ 452 ]

الي بخطه " ان الماء والنار قد طهراه " (1). وفي استدلال الشيخ اشكال. أما الاجماع فهو أعرف به ونحن فلا نعلمه هنا. وأما الرواية فمن المعلوم ان الماء الذي يمازج الجص هو ما يحيل به، وذلك لا يطهر اجماعا، والنار لم تصيره رمادا، وقد اشترط صيرورة النجاسة رمادا وصيرورة العظام والعذرة رمادا بعد الحكم بنجاسة الجص غير مؤثر طهارته. ويمكن أن يستدل باجماع الناس على عدم التوقي من دواخن السراجين النجسة ولو لم يكن طاهرا بالاستحالة لتورعوا منه. ومن هذا الباب ما ذكره الشيخ في الخلاف، قال: إذا طبخ الطين حتى صار خزفا أو آجرا طهر نظرا إلى كونه محترقا فجرى مجرى الرماد عنده. الثاني: إذا استحالت الاشياء النجسة ترابا كالعذرة اليابسة والميتات ففي طهارتها تردد، قال الشيخ في باب التيمم: يجوز التيمم بتراب القبر منبوشا كان أو غير منبوش، وهذا الاطلاق منه يقتضي الطهارة. وقال في موضع آخر: إذا نبش قبر وأخرج ترابه وقد صار الميت رميما وأخلط بالتراب، فلا يجوز السجود على ذلك التراب لانه نجس، ويمكن أن يكون قوله بالطهارة أرجح بتقدير أن يصير النجاسة ترابا لقوله عليه السلام " جعلت لي الارض مسجدا وترابها طهورا أينما أدركتني الصلاة صليت " (2) وقوله عليه السلام " التراب طهور " (3).

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 81 ح 1.
2) السنن للنسائي ج 1 ص 210 مع اختلاف في ذيله.
3) سنن أبي داود ج 1 كتاب الطهارة ص 105 (مع اختلاف يسير).

[ 453 ]

فرع لو كانت النجاسة رطبة ومازجت التراب فقد نجس، فلو استحالت النجاسة بعد ذلك وامتزجت بقيت الاجزاء الترابية على النجاسة المستحيلة أيضا لاشتباهها بها. الثالث: إذا عجن العجين بالماء النجس لم يطهر إذا خبز. وقال الشيخ في موضع من النهاية يطهر، لرواية عبد الله بن الزبير عن أبي عبد الله عليه السلام في البئر تموت فيها الفأرة أو غيرها من الدواب فيعجن من مائها أيؤكل ذلك الخبز قال: " إذا أصابته النار فلا بأس بأكله " (1). ورواية ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام في عجين عجن وخبز ثم علم ان الماء كانت فيه ميتة قال: " لا بأس أكلت النار ما فيه " (2). لنا ما رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يدفن ولا يباع " (3). وقال الشيخ في التهذيب: بهذا الخبر نأخذ دون الاول. وفي رواية أخرى يباع ممن يستحيل الميتة، وهي ضعيفة لان ابن أبي عمير في هذه الرواية قال عن بعض أصحابنا، وما أحسبه الا حفص بن غياث وحفص هذا ضعيف، ولان العجين ينجس بالماء النجس والنار لم تحله بل جففته وأزالت بعض رطوبته ومع بقاء الرطوبة وأبعاضها تمتنع الطهارة. وجواب ما ذكروه الطعن في الرواية فان من جملة رجالها أحمد بن الحسن الميثمي وهو واقفي مع ان ما ذكرناه أرجح لانه أنسب بالاصل. الرابع: قال الشيخ في التهذيب والاستبصار إذا مضى على عظم الميتة سنة

1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 14 ح 17.
2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق باب 14 ح 18.
3) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 11 ح 2.

[ 454 ]

لم يجب غسل الثوب منه. واحتج برواية اسماعيل الجعفي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن مس عظم الميت قال: " إذا جاز سنة فليس به بأس " (1)، وآكد ذلك برواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن ثوب الرجل يقع على حمار ميت هل يصح الصلاة فيه قبل أن يغسله. قال: " ليس عليه غسله [ غسل ] ويصلي فيه [ عليه ] ولا بأس " (2). وليس فيما ذكره الشيخ رحمه الله دلالة، لان الخبر الاول يحتمل أن يكون امساسه بغير رطوبة، فلا تتعدى نجاسته. لا يقال لو كان كذلك لما كان لاشتراط السنة فائدة، لانا نقول قبل السنة لا تنفك من بقايا أجزاء ميتة لا حجة فيه وملاقات أجزاء الميتة منجسة وان لم تكن رطبة، ولا كذلك إذا مر عليه سنة، لان أجزاء الميتة تكون قد زالت ولم يبق الا العظم ونجاسته ليست منه إذ العظم ليس ينجس إذا لم يكن الميت نجس العين. فأما الخبر الثاني فمن الجائز أن يكون ثوبه وقع على شعر الحمار وشعر الحمار ليس بنجس وان مات. لا يقال اطلاق اللفظ يقتضي الطهارة وان لاقى جسده، لانا نقول لما احتمل ما ذكرناه لم تبق دلالته متناولة لموضع النزاع على اليقين فيكون ما دل عليه الاصل من النجاسة باقيا. ويلحق بذلك النظر في أحكام الاواني جمع آنية وواحد الانية اناء. مسألة: لا يجوز استعمال أواني الذهب والفضة في الاكل والشرب وغيرهما، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة يحرم الاكل والشرب والتطيب. وقال الشيخ في الخلاف: يكره استعمال أواني الذهب والفضة ومراده التحريم

1) الوسائل ج 2 ابواب غسل المس باب 2 ح 2.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 26 ح 5.

[ 455 ]

ويدل على ما قلناه، ما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله قال " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فانها لهم في الدنيا ولكم في الاخرة " (1). وهذا يدل بالبينة على تحريم الاستعمال مطلقا. وقال عليه السلام " الذي يشرب في آنية الفضة انما يجرجر في بطنه نار جهنم " (2). ومن طريق الاصحاب ما رواه ابن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا تأكل في آنية الذهب والفضة " (3). وعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام انه " نهى عن آنية الذهب والفضة " (4). وأما المفضض ففيه قولان: قال في الخلاف: ما يدل على مساواته لانية الذهب والفضة. وقال في المبسوط: بالجواز، وبه قال أبو حنيفة والوجه الكراهية. لنا ان في استعماله فخرا وبطرا وتعطيلا للمال مع امكان تحصيل الغرض من دونه، ولما رواه بريد عن أبي عبد الله عليه السلام انه كره الشرب في الفضة وفي القداح المفضضة (5). وكذلك أن يدهن في مدهن مفضض، والمشط، كذلك. ويدل على أن المراد بالكراهية هنا التنزه ما رواه عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا بأس أن يشرب الرجل في القدح المفضض واعزل فمك عن موضع الفضة " (6). وهل عزل الفم عن موضع الفضة واجب أم مستحب؟ قال في المبسوط واجب والاشبه الاستحباب عملا بالاستصحاب. ويؤيده ما رواه معاوية بن وهب عن أبي عبد الله عليه السلام سأل عن القدح فيه ضبة

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 28.
2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 27.
3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 65 ح 2.
4) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 65 ح 3.
5) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 66 ح 2.
6) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 66 ح 5.

[ 456 ]

فضة فقال: " لا بأس الا أن يكره الفضة فينزعها عنه " (1). فروع الاول: لا يحرم المأكول والمشروب فيهما وان كان الاستعمال محرما، لان النهي عن الاستعمال لا يتناول المستعمل. ولو بطنه نار جهنم، قلنا الحقيقة غير مراده فيكون المجاز مرادا وهو كونه سببا في دخول النار بطنه وعلى التقدير لا يلزم أن يكون نفس المشروب حراما. الثاني: لو تطهر من آنية الذهب والفضة لم يبطل وضوءه ولا غسله خلافا لبعض الحنابلة قال: لانه استعمال في العبادة فيحرم كالصلاة في الدار المغصوبة. لنا ان انتزاع الماء ليس جزء من الطهارة بل لا يحصل الشروع فيها الا بعده فلا يكون له أثر في بطلان الطهارة. وقوله هو استعمال في العبادة، قلنا اما انتزاع الماء فهو استعمال لكنه ليس جزء من الطهارة بل لا تقع الطهارة الا بعد انقضاء ذلك الاستعمال فيكون كما لو قهر غيره على تسليم ثوب نفسه لتستر به في الصلاة وتمثله بالصلاة في الدار المغصوبة باطل لان البطلان في الدار المغصوبة نشاء من كون التصرف جزءا من الصلاة لانها قيام وقعود وركوع وسجود وهو منهي عنه في المكان المغصوب بخلاف الطهارة من الاناء. الثالث: تحريم الاستعمال تعبد غير معلوم العلة. وقال الجمهور: العلة ما يتضمنه من الفخر والخيلاء وكسر قلوب الفقراء وهو باطل باستعمال أواني الزبرجد والبلور وغيرهما من الجواهر الغالية. وقيل لما يتضمن من السرف وتعطيل المال والقول فيه كالاول. وبالجملة فان ما ذكروه يمكن أن يكون علة أما انه هو العلة قطعا فلا. الرابع: اتخاذ أواني الذهب والفضة حرام. قال الشيخ في المبسوط. وحكي

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 66 ح 4.

[ 457 ]

عن الشافعي جوازه لاختصاص النهي بالاستعمال، فلا يلحق الاتخاذ كما لا يحرم اتخاذ الحرير للرجل. لنا ان ذلك تعطيل للمال فتكون سرفا لعدم الانتفاع، ولما روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام انه " نهى عن آنية الذهب والفضة " (1) وهو على اطلاقه، وما روي عن موسى عليه السلام " آنية الذهب والفضة متاع الذين لا يوقنون " (2). وقول الشافعي اختص التحريم بالاستعمال، قلنا حق، لكن تحريم الاستعمال يستلزم تحريم الاتخاذ، لانه لا فائدة في الاناء الا الاستعمال فإذا حرم تعطيل المال، وكان تضييعا له وليس كاتخاذ الحرير لان يتخذ للتجارة وللنساء وغير ذلك من المنافع التي لا توجد في الاواني. الخامسة: اتخاذ اليسير من فضة كالحلقة للسيف، والقصعة، وكالضبة، والسلسلة التي تشعب بها الاناء جائز، فانه روي انه كان للنبي صلى الله عليه وآله " قصعة لها حلقة من فضة " (3). ولموسى بن جعفر عليه السلام مرآة كذلك وفيما عدا ذلك مما ليس باناء تردد، أشبهه الكراهية إذا كان فيه غرض صحيح، كالصفائح في قائم السيف، والميل لما يختص به من الانتفاع. وما روي أن العياشي غدر فعمل له قضيب ملبس بفضة نحو ما يعمل للصبيان تكون فضته عشرة دراهم، وأمر به أبو الحسن فكسر محمول على الكراهية لانه حكاية حال في واقعة. السادسة: لا يحرم غير الذهب والفضة من المعادن غلت أثمانها أو رخصت، لان الاصل الاباحة.

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 65 ح 7.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 65 ح 4.
3) لم نجده.

[ 458 ]

مسألة: يغسل الاناء من ولوغ الكلب ثلاثا أولاهن بالتراب، وهو مذهب أكثر الاصحاب والسبع أفضل. وقال المفيد في المقنعة ثلاثا وسطاهن بالتراب ثم يجفف ويستعمل. وقال ابن الجنيد يغسل سبعا، وبه قال الشافعي، وأحمد لما رواه مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله " إذا ولغ الكلب في اناء أحدكم فليغسله سبعا أولاهن بالتراب " (1). ومن طريق الاصحاب رواية عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يغسل من الخمر سبعا وكذا الكلب " (2). واقتصر أبو حنيفة على غلبة الظن بالنقاء ولو بالمرة قياسا على نجاسة الارض. لنا ما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال في الكلب يلغ في الاناء " يغسل ثلاثا أو خمسا أو سبعا " (3). والتخيير مسقط تحتيم الزيادة عن الاقل. ومن طريق الاصحاب ما رواه أبو العباس الفضل عن الصادق عليه السلام سألته عن الكلب فقال: " رجس نجس لا تتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء مرتين " (4). والجواب عن رواية مسلم انا مع تعارض الروايات ننزل الزائد على الاستحباب ليتحقق العمل بهما. ويؤيده ان أبا هريرة راوي حديثهم قال " إذا ولغ الكلب في انائك فاغسله بها ثلاثا ". وقياس أبى حنيفة ضعيف، لجواز أن يكون التجفيف في الارض لزيادة المشقة في تكرار غسلها، ولعموم البلوى بخلاف الاناء، وما اشترطه المفيد من التجفيف منفي بالاصل، وبالاخبار التي تلوناها فان ظاهرها الاكتفاء بمضمونها.

1) التاج الجامع للاصول ج 1 كتاب الطهارة ص 85.
2) الوسائل ج 17 ابواب الاشربة المحرمة باب 30 ح 2 (مع اختلاف يسير).
3) سنن البيهقي ج 1 باب غسل الاناء من ولوغ الكلب ص 240.
4) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 70 ح 1.

[ 459 ]

فروع الاول: قال الشيخ في المبسوط: إذا لم يوجد التراب اقتصر على الماء وان وجد غيره كالاشنان، وما يجري مجراه أجزء، وبه قال ابن الجنيد ووجه ما ذكراه ان الاشنان أبلغ في الانقاء فإذا طهر بالتراب، فبالاشنان أولى، وفيه تردد منشأه اختصاص التعبد بالتراب وعدم العلم بحصول المصلحة المرادة منه في غيره على أنه لو صح ذلك لجاز مع وجود التراب. الثاني: إذا تكرر الولوغ كفت الثلاث، وكذا لو ولغ ما زاد على الواحد، لان النجاسة واحدة فقليلها ككثيرها لانها لا تتضمن زيادة عن حكم الاواني. الثالث: هذا الحكم يختص الولوغ فلو أصاب بيده مثلا كان كغيره من النجاسات، وهو قول الشيخ في الخلاف وسوى ابن بابويه بين وقوعه وولوغه. وقال الشافعي: حكم ملاقات أجزاءه حكم ولوغه لان حكم أجزاء الحيوان واحد. لنا اختصاص النص بالولوغ يفيد اختصاص الحكم ولا نسلم ان حكم أجزاء الحيوان واحد، ولو سلمناه لعرفنا اختصاص الولوغ بمزيد استقذار ينشأ من ملاقات رطوبة لزجة تلجج بالاناء وتلك الرطوبة لا ينفك من لسانه عند الولوغ بخلاف بقية الاعضاء. الرابع: ليس الخنزير كالكلب في الولوغ. وقال الشيخ في الخلاف: الحكم واحد، وهو مذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد قالوا: لانه شر من الكلب للاجماع على نجاسته وتحريم اقتنائه. واستدل الشيخ في الخلاف بوجهين: أحدهما انه يسمى كلبا. والثاني ان النجاسات يجب غسل الاناء منها ثلاثا وبأنه لا فارق. واستدلال الجميع ضعيف أما انه شر من الكلب فمسلم ولكن لا نسلم ان تلك الاشربة موجبة لما اختص الولوغ به من الحكم، ثم ينتقض ما ذكره بغيره من

[ 460 ]

النجاسات المتفق عليها فانه يجتزى بالازالة كالخمر والحيض، واستدلال شيخنا ضعيف أيضا، لانا لا نسلم ان الخنزير يسمى كلبا، ولو سمي كان مجازا، ولا نسلم انه يجب غسل النجاسات ثلاثا ولو سلمناه، لم نشرط التراب. وأما عدم الفارق فلا نسلمه لان الفارق موجود وهو ابن القاضي وممكن، لان عدم الوجدان لا يدل على العدم، وفي رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام عن خنزير شرب من اناء قال: " يغسله سبع مرات " (1)، ونحن نحمله على الاستحباب. الخامس: لو غسل من الولوغ مرتين، ثم وقعت فيه نجاسة كفى الاتيان بموجبها، ويجئ على هذا لو انضم إلى الولوغ نجاسات مختلفة لم تزد على حكم الولوغ. السادس: لو وقع اناء الولوغ في ماء قليل نجس الماء ولم يتحصل من الغسلات شئ ولو وقع في كثير لم ينجس ويحصل له غسلة واحدة ان لم يشترط تقديم التراب، ولو وقع في جار ومر عليه جريات قال في المبسوط: لم يحكم له بالثلاث، وفي قوله اشكال، وربما كان ما ذكره حقا ان لم يتقدم غسله بالتراب، لكن لو غسل مرة بالتراب وتعاقب عليه جريات كانت الطهارة أشبه. السابع: لو أصاب الثوب أو الجسد أو الاناء ماء الولوغ لم يعتبر فيه العدد، اقتصارا بالحكم على موضع النص. مسألة يغسل الاناء من الخمر ثلاثا، والسبع أفضل، وهذا مذهب الشيخ في التهذيب والنهاية وقال في المبسوط والجمل: يغسل سبعا، وكذا المفيد في المقنعة. لنا ان مع الثلاث يحصل الانقاء فلا يشترط ما زاد، ويؤيده رواية عمار عن

1) الوسائل ج 1 ابواب الاسئار باب 1 ح 2.

[ 461 ]

أبي عبد الله عليه السلام في الاناء يشرب فيه الخمر هل يجزيه أن يصب فيه الماء قال: " لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرات " (1)، وان احتج برواية عمار أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام في الاناء يشرب فيه النبيذ قال: " يغسله سبع مرات " (2) فالجواب انا ننزله على الاستحباب صونا لهما عن التنافي. مسألة: ويغسل لموت الجرذ ثلاثا والسبع أفضل، وكذا الفأرة، وقال الشيخ في النهاية: يغسل لموت الفأرة سبعا، ورواه في المبسوط والجمل رواية، وحجته رواية عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " اغسل الاناء الذي يصيب فيه الجرذ سبعا " (3). والرواية ضعيفة لانفراد الفطحية بها، ووجود الخلاف في مضمونها، فان الشيخ في الخلاف يقتصر على الثلاث في جميع النجاسات عدا الولوغ، ولان ميتة الفأرة والجرذ لا يكون أعظم نجاسة من ميتة الكلب والخنزير، ولان الامتثال بالغسل يحصل بالثلاث فلا يجب ما زاد، ولانه يحتمل أن يكون هذا الحكم مختصا بالجرذ فلا يتناول الفأرة. مسألة: ويغسل الاناء من سائر النجاسات مرة والثلاث أحوط، وقال الشيخ في الخلاف والمبسوط وابن الجنيد: يجب غسله ثلاثا، وروى المرة رواية، واستدل الشيخ على الثلاث باجماع الفرقة، وبرواية أحمد بن الحسن بن علي عن عمر بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام في الاناء يكون قذرا كيف يغسل؟ قال: " ثلاث مرات يصب فيها ماءا ويحرك ويفرغ " (4). لنا الامر بالغسل مطلق، فيكفي المرة لما عرفت، وروى الجمهور عن ابن عمر كان الغسل من الجنابة والبول سبع مرات فلم يزل النبي صلى الله عيه وآله حتى جعل الغسل من

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 51 ح 1.
2) الوسائل ج 17 ابواب الاشربة المحرمة باب 30 ح 2.
3) و 4) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 53 ح 1.

[ 462 ]

الجنابة والبول مرة. واحتجاج الشيخ بالاجماع بعيد من روايته المرة، ثم انا نطالبه بتحقيق الاجماع ولا يكفي روايتهم ما رواه عمار، لانهم كلهم لم يرووه، ولا من يعلم ان الامام في جملتهم، ورواية عمار سندها فطحية فلا تنهض حجة، ثم هي معارضة برواية المرة على ما ذكره، وهو أولى لانها مطابقة للبراءة الاصلية. والذي يقوى عندي الاقتصار في اعتبار العدد على الولوغ وفيما عداه على ذلك النجاسة وغسل الاناء بعد ذلك المرة واحدة، لحصول الغرض من الازالة ويضعف ما ينفرد به عمار وأشباهه وانما اعتبرنا في الخمر والفأرة الثلاث ملاحظة لاختيار الشيخ، والتحقيق منه ما ذكرناه. مسألة: أواني المشركين طاهرة ما لم يعلم نجاستها بمباشرتهم أو ملاقات نجاسة، والضابط ان الانية في الاصل على الطهارة، فلا يحكم بالنجاسة الا مع اليقين بورود المنجس، وحينئذ أما أن يكون ذلك معلوم الحصول فتكون نجسة، أو معلوم الانتفاء فتكون طاهرة، أو مشكوكا فيه فيكون استعمالها مكروها. ويستوي في ذلك المجوسي، ومن ليس من أهل الكتاب، وفي الذمي روايتان أشهرهما النجاسة نجاسة عينية، ونجاسة ما يلاقيه بالمائع، وخالف الشافعي وأبو حنيفة ولم ينجساها الا مع اليقين بملاقاة نجاسة غير المباشرة، لما رووا ان النبي صلى الله عليه وآله توضأ من مزادة مشركة وتوضأ عمر من جرة نصرانية (1). لنا ما دللنا عليه من نجاستهم ومع تسليمها يزول الخلاف، ولما رووه عن أبي ثعلبة الحشني قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله انا بأرض أهل الكتاب أفنأكل في أبنيتهم فقال: " ان وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وان لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها " (2).

1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 32. 2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 33.

[ 463 ]

ومن طريق الاصحاب ما رواه محمد بن مسلم قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن آنية أهل الذمة والمجوس فقال: " لا تأكلوا في آنيتهم ولا من طعامهم الذي يطبخون ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر " (1). وأما الكراهية مع الجهالة فلاحتمال النجاسة وما يقتضيه الاحتياط للطهارة. والجواب عما ذكروه من وجوه: أحدها: الطعن في الرواية والمطالبة بتصحيحها. والثاني: معارضتها برواية ابن أبي ثعلبة وهي من مشاهير الروايات فيكون أرجح. والثالث: يحتمل أن يكون ذلك قبل تنجيسهم، ثم ما ذكروه فعل والقول أرجح منه، وأما خبر عمر فيجوز أن يكون رأيا رآه، فلا يعارض المنقول عن النبي صلى الله عليه وآله مسألة: ولا يستعمل من الجلود الا ما كان طاهرا في حال الحيوة ذكيا، ويكره مما لا يؤكل لحمه حتى يدبغ على الاشبه، وهنا بحوث: الاول: جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، ولو كان طاهرا في حال الحيوة، وهو مذهب الستة وأتباعهم، وبه قال أحمد بن حنبل ومالك في احدى الروايتين عنهما ومثله روي عن عايشة، وعمر وابنه، وأطبق الباقون على طهارة جلد ما يؤكل واختلفوا فيما عداه والشافعي يطهر كل جلد عدا الكلب والخنزير، وبه قال ابن الجنيد وأبو حنيفة يطهر جلد الكلب أيضا. واستدلوا بقوله عليه السلام " أيما اهاب دبغ فقد طهر " (2) وبخبر شاة ميمونة ولان نجاسة الجلد انما هو لاتصال الرطوبات به، فإذا زالت الرطوبة بالدبغ كان طاهرا. واحتج الشاذ منا بما رواه الحسين بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام في جلد

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 72 ح 2.
2) سنن أبى داود ج 4 كتاب اللباس ص 66.

[ 464 ]

شاة ميتة يدبغ فيصب فيه اللبن ويشرب منه أو يتوضأ قال: " نعم وقال يدبغ وينقع به ولا يصلى فيه " (1). لنا قوله تعالى * (حرمت عليكم الميتة) * (2) ولم يخص بالتحريم فينصرف إلى الانتفاع مطلقا، وما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله انه كتب إلى جهينة " كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب " (3)، وهو من الصحيح عندهم وهنا في الانتفاع يستلزم نفي الطهارة بالاجماع. وعن جابر عنه عليه السلام " لا تنتفعوا من الميتة بشئ ". ومن طريق الاصحاب ما رواه علي بن المغيرة قال قلت لابي عبد الله عليه السلام الميتة ينتفع بشئ منها فقال: " لا " (4) وما روي عن موسى عليه السلام انه كتب " لا ينتفع من الميتة باهاب ولا عصب " (5) ولان المقتضي للنجاسة موجود، ودليل الطهارة مفقود، فتكون النجاسة باقية. والجواب عن خبرهم من وجهين: أحدهما: المعارضة بخبرنا فان كل واحد منهما عام من وجه، ومع التعارض يكون المقتضي لبقاء النجاسة سليما عن المعارض. الثاني: ان خبرنا متأخر عن خبرهم، فيكون ناسخا لوجهين: أحدهما ما رووه ان كتابه عليه السلام إلى جهينة قبل موته بشهر أو شهرين. والثاني قوله صلى الله عليه وآله " كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاءكم كتابي فلا

1) الوسائل ج 16 ابواب الاطعمة والاشربة باب 34 ح 7. 2) سورة المائدة: 3.
3) مسند أحمد ج 4 ص 310 ولم نجد صدرها في كتبهم ولكن يوجد ذيلها في سنن البيهقي والمسند وغيرهما.
4) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 61 ح 2.
5) الوسائل ج 16 كتاب الاطعمة والاشربة باب 34 ح 2.

[ 465 ]

تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب " (1) وهو صريح في التأخير فيكون ناسخا على أن ما ذكروه لو كان مشروعا لما خفي عن عايشة وعمرو بن عمر، لان الموت في الدواب كثير والاحتياج إلى جلودها مطرد، فلو طهر بالدباغ لما أخل به مخل الا نادرا، وكانت مشروعيته ظاهرة بين الاصحاب، لانه من باب ما لو كان لظهر. وبهذا الجواب يخرج خبر شاة ميمونة على انه قد روى عبد الرحمن بن الحجاج عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قلت: أشتري الفراء من سوق المسلمين فيقول صاحبها هي ذكية هل يصلح أن أبيعها على أنها ذكية فقال: لا، قلت: وما أفسد ذلك قال " استحلال أهل العراق لميتة وزعموا أن دباغ جلد الميتة ذكوته ثم لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك الا على رسول الله صلى الله عليه وآله " (2). وفي رواية علي بن مغيرة قلت لابي عبد الله: الميتة ينتفع بشئ منها فقال: لا فقلت قوله ما كان على أهل هذه الشاة أن ينتفعوا باهابها قال: " كانت لسودة بنت زمعة وكانت مهزولة فتركوها حتى ماتت فقال: ما كان على أهلها إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا باهابها أي بالذكاة " (3)، ولم يذكر الضميمة التي أوردناها من قولهم عنه عليه السلام انما يحرم لحمها، وجعفر الصادق عليه السلام أعرف بالنقل على ان الانتفاع المطلق لا يستلزم الطهارة لانه يصدق بالجز. فرع وهل يجوز الانتفاع بها في اليابس فيه تردد، أشبهه انه لا يجوز لعموم النهي

1) مسند أحمد ج 4 ص 310 ولم نجد صدرها في كتبهم ولكن يوجد ذيلها في سنن البيهقي والمسند وغيرهما.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 61 ح 2.

[ 466 ]

عن الانتفاع، وفي رواية عن أحمد بن حنبل بالجواز للقياس على الانتفاع بالكلب مع نجاسته، ولقوله عليه السلام " لا تنتفعو باهابها " (1) والقياس عندنا باطل، وخبر الشاة قد بينا ضعفه. البحث الثاني: ما لا يؤكل لحمه من الحيوان الطاهر في الحيوة كالسباع يقع عليه الذكاة، وقال الشافعي لا تطهر بالذكاة ما لا يؤكل لحمه، وانما يطهر بالدباغ. لنا قوله تعالى * (الا ما ذكيتم) * (2) والتذكية هي الذباحة، فيكون مطهرة باعتبار وقوع صورتها إذا كان المذبوح طاهرا، ولانها تخلي الحيوان عن العفن المقتضي للتحريم، وعن الصادق عليه السلام " لا تصل فيما لا يؤكل لحمه ذكاه الذبح أو لم يذكه " (3)، وهذا دال على أن الذبح مطهر، وسيأتي له مزيد بيان في باب الذبائح انشاء الله. البحث الثالث: ما لا يؤكل لحمه من السباع إذا ذبح جاز استعماله، وان لم يدبغ لكن لا يصلى في شئ منه، ولو دبغ الا ما نستثنيه وقال الشيخ في الخلاف والمبسوط والنهاية وعلم الهدى في المصباح: لا يستعمل حتى يدبغ. لنا ان الذكاة يقع عليه فيستغنى بها عن الدباغ، لانها لو لم تقع عليه لكان ميتة والميتة لا يطهر بالدباغ لكن يكره استعماله قبل الدباغ تفصيا من الخلاف، فلهذا كان الاشبه كراهية استعماله قبل الدباغ لا تحريمه ولا بأس بما يدبغ بالقرظ والشب والاشياء الطاهرة ولا يجوز بالاشياء النجسة، فهل يطهره؟ قال ابن الجنيد: لا، والاشبه انها ان كانت مذبوحة يطهر بالغسل ولو دبغت بالنجاسة. وما رواه السياري عن أبي يزيد القسمي، عن أبي الحسن علي الرضا عليه السلام انه

1) مسند احمد ج 4 ص 310.
2) سورة المائدة: 3.
3) الوسائل ج 3 ابواب المصلى باب 2 ح 1 (مع اختلاف يسير).

[ 467 ]

سأله عن جلود الدارش فقال: " لا تصلي فيها فانها تدبغ بخرء الكلاب " (1) فانا نحملها على الصلاة فيها قبل غسلها، وبالجملة فالرواية ضعيفة السند فتنزيلها على التأويل أولى. مسألة: ما كان من آنية الخمر صلبا لا يشتف الخمر كالصفر، والرصاص، والحجر والمغضور، يطهر بالغسل اجماعا، وما ليس بصلب كالقرع والخشب والخزف غير المغضور فيه قولان: التأويل أولى. مسألة: ما كان من آنية الخمر صلبا لا يشتف الخمر كالصفر، والرصاص، والحجر والمغضور، يطهر بالغسل اجماعا، وما ليس بصلب كالقرع والخشب والخزف غير المغضور فيه قولان: أحدهما: لا يطهر، اختاره ابن الجنيد، لما روى محمد بن مسلم عن أحدهما قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الخشب والمرقب قال وسألته عن الجرار الخضر والرصاص قال لا بأس بها " (2)، ولان للخمر حدة ونفوذا فتستقر أجزاؤه في باطن الاناء، فلا ينالها الماء. والاخر: يكره، وهو الاشبه وبه قال الشيخ في المبسوط. لنا الواجب ازالة النجاسة المعلومة والاستظهار بالغسل، وقد حصل فلا يلزم تتبع ما لا يعلم، ولان ما يشتف الخمر يشتف الماء، فيتغلب وصول الماء كما يتغلب نفوذه الخمر والله أعلم. [ تم كتاب الطهارة بعون الله الوهاب ]

1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 71 ح 1.
2) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات باب 52 ح 1 (مع اختلاف يسير).

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية