الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




السرائر - ابن إدريس الحلي ج 3

السرائر

ابن إدريس الحلي ج 3


[ 1 ]

كتاب السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي تأليف الشيخ الفقيه أبي جعفر محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلي قدس سره المتوفى 598 ه‍ الجزء الثالث مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 2 ]

كتاب السرائر (ج 3) المؤلف: محمد بن إدريس الحلي المحقق: لجنة التحقيق الموضوع: فقه عدد: الأجزاء: 3 أجزاء الطبع: مطبعة مؤسسة النشر الاسلامي الطبعة: الثانية المطبوع 3000 نسخة التاريخ: 1411 ه‍. ق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين - بقم المشرفة.

[ 3 ]

[ كتاب العتق ]

[ 4 ]

كتاب العتق والتدبير والمكاتبة العتق فيه فضل كبير وثواب جزيل، بغير خلاف بين الأمة. ولا يصح العتق إلا بعد الملك كما لا يصح الطلاق قبل النكاح (1)، لقوله صلى الله عليه وآله لا عتق قبل ملك، ولا طلاق قبل نكاح (2). ولا يصح العتق أيضا إلا من كامل العقل، غير مولى عليه، مختار له، قاصد إليه، متلفظ بصريحه، وهو قوله أنت حر. مطلق له من الشروط إلا في النذر خاصة، موجه به إلى مسلم، أو من هو في حكمه، لأن عتق الكافر لا يقع على الصحيح من أقوال المحصلين من أصحابنا، وهو الذي يقتضيه أصول مذهبنا، لأن العتق قربة إلى الله تعالى، ولا يتقرب إليه بالمعاصي متقرب به إلى الله تعالى. ولا يقع العتق من طفل، ولا مجنون، ولا سكران، ولا محجور عليه، ولا مكره ولا مجبر، ولا ساه، ولا حالف به. ولا يقع بالكتابة والإشارة مع القدرة على النطق باللسان العربي، ولا يقع بكنايات العتق، كقوله أنت سائبة، ولا سبيل لي عليك، ولا بقوله إن فعلت كذا وكذا فعبدي حر، ولا بكافر على ما قدمناه، ولا للأغراض الدنياوية، من نفع، أو دفع ضرر، أو إضرار بالغير. والدليل على وجوب اعتبار هذه الشروط، إجماع الأمة، لأنه لا خلاف في صحة

(1) ج: كما لا يصح الطلاق إلا بعد النكاح.
(2) الوسائل: كتاب العتق، باب 5، ح 1 وفيه التقديم والتأخير.

[ 5 ]

العتق مع تكاملها، وليس على صحته مع اختلال بعضها دليل، وأيضا الأصل أن لا عتق، وأما الملك فمعلوم ثبوته، وخروجه عن يد مالكه يحتاج إلى دليل، لأن العتق حكم شرعي يحتاج في ثبوته إلى دليل شرعي. وإذا أعتق مالك العبد عضوا من أعضائه، لم يكن لذلك حكم، ولم يقع به عتق، فإن أعتق بعضا منه مشاعا، نصفه مثلا، أو ثلثه، أو ربعه، أو ما زاد على ذلك أو نقص، عتق الجميع، فإن كان العبد مشتركا، فأعتق أحد الشركاء نصيبه، لا للاضرار بالشركاء، انعتق ملكه خاصة، إلا أنه إن كان موسرا انعتق الباقي، واجبر على قيمته لشريكه، وإن كان معسرا، استسعى العبد في قيمة باقية، فإذا أداها عتق جميعه، فإن عجز عن ذلك، فكه سلطان الاسلام من سهم الرقاب من الزكاة، وإلا خدم مولاه بما فيه من العبودية. والعتق في مرض الموت من أصل التركة، سواء كان واجبا أو متبرعا به، على الصحيح من المذهب، لأن بعض أصحابنا يجعله من الثلث، وهو مذهب جميع من خالفنا، وبعض أصحابنا وهم المحصلون يجعله من أصل المال، لأنها عطية منجزة، وللانسان أن يتصرف في ماله جميعه في حال حيوته، وينفق في مرضه ما شاء من أمواله، بغير خلاف. فإما أن أوصى بعتق عبده أو عبيده بعد موته، فإنه من الثلث لأن هذه عطية مؤخرة، وهذه حقيقة الوصية. فإن أوصى بعتق عبده، فإن كانت قيمته وفق الثلث، عتق جميعه، ولا شئ له ولا عليه، وإن كانت القيمة تنقص عن الثلث، عتق أيضا، ولا شئ له ولا عليه، وإن كانت القمية تزيد على الثلث، فالصحيح من أقوال أصحابنا إنه ينعتق منه بقدر الثلث، ويستسعى فيما زاد على الثلث، سواء كانت الزيادة ضعفي الثلث، أو أقل، أو أكثر، وعلى كل حال، وهو مذهب ابن بابويه في رسالته. وشيخنا أبي جعفر في مبسوطه (1)، وهو الذي يقتضيه أصول مذهبنا.

(1) المبسوط ج 4 كتاب الوصايا ص 22.

[ 6 ]

وقال بعض أصحابنا إن كانت القيمة على الضعف من الثلث، بطلت الوصية، ولم ينفذ عتق شئ منه، وقد أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته (1)، إيراد لا اعتقادا، لأنا قد بينا أنه رجع عن ذلك في مبسوطه. فإن أوصى لعبده بثلث ماله، فإن كانت قيمته وفق الثلث، عتق ولا شئ له ولا عليه، وإن كانت أقل من الثلث عتق وأعطي تمام الثلث، وإن كانت أكثر من الثلث، عتق منه بمقدار الثلث، واستسعى في الزيادة على الثلث، فإذا أداها عتق جميعه. وإذا أوصى بعتق ثلث عبيده، استخرج ثلثهم بالقرعة وعتقوا. ولا يجوز أن يعتق في الكفارة، الأعمى، والمجذوم، والمقعد، لأن هؤلاء خرجوا من الملك بهذه الآفات، والعتق لا يكون إلا بعد ملك. وإذا أعتق مملوكا وله مال، فماله لمولاه، سواء علم مولاه بالمال في حال إعتاقه، أو لم يعلم، لأن العبد عندنا لا يملك شيئا، وذهب بعض أصحابنا إلى أنه إن علم أن له مالا في حال إعتاقه، فالمال للعبد المعتق، وإن لم يعلم به، أو علم فاشترطه لنفسه، فهو لمولاه دونه، وينبغي عند هذا القائل أن يقول " مالك لي " وأنت حر فإن قال " أنت حر ومالك لي " لم يكن له على المال سبيل. وقد بينا فساد هذا المذهب، بما دللنا عليه من أن العبد لا يملك شيئا لقوله تعالى: " عبدا مملوكا لا يقدر على شئ " (2) وإنما ذلك المذهب على رأي من يملكه من أصحابنا فواضل الضرائب، وأروش الجنايات عليه في نفسه، وذلك باطل للآية التي تلوناها. وكل من أقر على نفسه بالعبودية، وكان بالغا مجهول النسب بالحرية، عاقلا، أو قامت البينة على عبوديته، وإن لم يكن بالغا (3) أو عقل جاز تملكه والتصرف فيه بالبيع والشراء والهبة وغير ذلك.

(1) النهاية، كتاب الوصايا، باب الوصية وما يصح منها وما لا يصح.
(2) سورة النحل: الآية 75.
(3) ج. ل لم يكن بلغ.

[ 7 ]

وكل من خالف الاسلام من سائر أنواع الكفار، يصح استرقاقهم، ثم هم ينقسمون قسمين، قسم منهم يقبل منهم الجزية، ويقرون على دينهم وأحكامهم ويعفون من الاسترقاق، وهم أهل الكتاب، اليهود والنصارى، ومن حكمه حكمهم، وهم المجوس، فإن امتنعوا من قبول الجزية وإجراء أحكامنا عليهم، قتلوا، وسبي ذراريهم، واسترقوا، ومن عدا أهل الكتاب، لا يقبل منهم إلا الاسلام، فإن امتنعوا، كان الحكم فيهم القتل، واسترقاق الذراري. ولا بأس باسترقاق جميع أصناف الكفار، وإن سباهم أهل الفسق والضلال. وكذلك لا بأس أن يشتري الانسان مما يسبي بعض الكفار من بعض، ولا بأس أيضا أن يشتري من الكافر بعض أولاده، أو زوجته، أو أحد ذوي أرحامه، ويكون ذلك حلالا له، ويسوغ له التصرف فيه كيف شاء، إذا كانوا مستحقين للسبي على ما حررناه. وإذا كان العبد في أسواق المسلمين، ويد المالك عليه، فلا بأس بشرائه، فإن ادعى الحرية، لم يقبل قوله إلا ببينة عادلة. ومتى ملك الانسان أحد قراباته فلا يخلوا أما أن يكونوا من ذوي الأنساب، أو ذوي الأسباب، فإن كانوا من ذوي الأنساب، فهم ينقسمون إلى قسمين، العمودان الآباء وإن علوا، والأبناء وإن نزلوا، فهؤلاء ينعتقون بنفس الملك بغير اختيار المالك. وقد قيل في أنه متى يكون العتق أقوال، الأصح من ذلك أنه مع تمام البيع معا معا لأن الانسان لا يملك من ذكرناه، وسواء كانوا ذكورا أو إناثا. والقسم الآخر وهم من عدا العمودين، وهذا القسم يقسم إلى قسمين: ذكور وإناث، فالذكور يملكون، ولا ينعتقون إلا أن يتبرع المالك بالعتق، والإناث ينقسمون إلى قسمين، من لا يحل للمالك نكاحها أبدا، مثل العمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت، فهذا القسم ملحق بالعمودين بلا خلاف، وحكمه حكمهما حرفا فحرفا، ومن عداهن لا ينعتقن بالملك، إلا أن يتبرع مالكهن

[ 8 ]

بإعتاقهن. فأما ذووا الأسباب، فهو الرضاع والزوجية. فقد اختلفت قول أصحابنا في أحكام الرضاع في العتق، فذهب فريق منهم إلى أن حكم الرضاع في العتق حكم العمودين، ومن عدا العمودين من الإناث حكمهن حكم من عدا العمودين من الإناث، من الأنساب، وقال الباقي من أصحابنا المحصلين يسترق المرضعات، وليس حكمهن في الاسترقاق حكم الأنساب، وكذلك من عداهن من الإناث، والأول اختيار شيخنا أبي جعفر رحمه الله (1) والثاني اختيار شيخنا المفيد (2) وهو الذي يقوى في نفسي، وبه أفتي، لأنه لا دليل على عتقهن من كتاب ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع منعقد، والأصل بقاء الملك والعبودية، فمن أخرج ذلك من الملك يحتاج إلى دليل. وتمسك الذاهب إلى خلاف ما اخترناه بقوله عليه السلام: " يحرم من الرضاع من يحرم من النسب " (3). فإنه مفهوم من فحوى هذا القول النكاح، دون غيره، وإن ورد في ذلك أخبار، فهي آحاد لا يلتفت إليها، ولا يعرج عليها، لأن أخبار الآحاد، لا توجب علما ولا عملا على ما كررنا القول فيه وقد مناه. فأما الزوجية فمتى ملك أحد الزوجين الآخر، انفسخت الزوجية بينهما وملكه. والمملوك إذا عمي من قبل الله تعالى، أو جذم، أو اقعد بزمانة من قبل الله تعالى، انعتق بغير اختيار مالكه، ولا يكون له ولاء، بل يتوالى من شاء، فإن لم يتوال أحدا ومات، كان ميراثه لإمام المسلمين. وقد روي أنه: إذا نكل به صاحبه، أو مثل به، انعتق في الحال، ولا سبيل

(1) في المبسوط، كتاب العتق، فصل في من يعتق على من يملكه، ج 6 ص 68.
(2) في المقنعة، كتاب البيع باب ابتياع الحيوانات ص 599، ط مؤسسة النشر الاسلامي.
(3) الوسائل الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع إلا أن في أخبار الباب وكذا في غير هذا الباب هكذا يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وكذا في أخبار العامة كما عن سنن ابن ماجة الباب 34 من كتاب النكاح، ج 1، ص 623.

[ 9 ]

لصاحبه عليه (1)، أورد هذه الرواية شيخنا في نهايته (2) إيرادا. وروي في بعض الأخبار: إنه إذا كان المملوك مؤمنا وأتى عليه بعد ملكه سبع سنين، استحب عتقه، وإن لا يملك أكثر من ذلك (3). وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ويستحب عتق المؤمن المستبصر، ويكره عتق المخالف للحق (4). وقد قلنا في ما مضى: (5) إنه لا يجوز عتق الكافر، ومقصود شيخنا بقوله " ويكره عتق المخالف للحق " المظهر للشهادتين غير المحق. ثم قال ولا بأس بعتق المستضعف، ثم قال ولا عتق إلا ما أريد به وجه الله تعالى. وقد روي: أنه يستحب أن لا يعتق الانسان إلا من أغنى نفسه ويقدر على اكتساب ما يحتاج إليه (6). ومتى أعتق صبيا أو من يعجز عن النهوض بما يحتاج إليه، فالأفضل أن يجعل له شيئا يعينه به على معيشته، وليس ذلك بفرض. وقال شيخنا في نهايته، ولا بأس أن يعتق ولد الزنا (7). وتحرير هذا القول على رأي شيخنا أبي جعفر، من كونه يذهب إلى أن عتق الكافر جائز في الكفارات، وخصوصا من كان مظهرا للشهادتين، وإن كان مخالفا للحق، فإنه يرى إعتاقه في غير الكفارة، فعلى هذا القول إنه إذا كان مظهرا للشهادتين، فإنه يجوز إعتاقه على كراهية في ذلك، على ما قدمناه عنه في إعتاق من خالف الحق، وإن كان ما هو عليه يقتضي تكفيره، إلا أنه له تحرم بالاسلام (8)

(1) الوسائل، كتاب العتق، الباب 22.
(2) النهاية، كتاب العتق والتدبير. باب من يصح ملكه.
(3) الوسائل، الباب 33، من أبواب العتق. (4 و 7) النهاية، كتاب العتق والتدبير. باب العتق وأحكامه.
(5) في ص 4.
(6) الوسائل، كتاب العتق، الباب 14، ح 1.
(8) ج. ل. إلا أنه يحكم له بالاسلام.

[ 10 ]

وأحكامه تجري عليه، وإن كان غير مظهر للشهادتين، فلا يجوز إعتاقه على ما قدمناه. والأظهر بين الطائفة إن عتق الكافر لا يجوز، وولد الزنا كافر بلا خلاف بينهم. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وإذا كان العبد بين شريكين، أعتق أحدهما نصيبه مضارة لشريكه الآخر، ألزم أن يشتري ما بقي، ويعتقه، إذا كان موسرا، وإن لم يكن موسرا، ولا يملك غير ما أعتقه، كان العتق باطلا، وإذا لم يقصد بذلك مضارته بل قصد بذلك وجه الله تعالى، لم يلزم شراء الباقي، وعتقه بل يستحب له ذلك، فإن لم يفعل استسعى العبد في الباقي، ولم يكن لصاحبه الذي يملك ما بقي منه استخدامه، ولا له عليه ضريبة، بل له أن يستسعيه فيما بقي من ثمنه، فإن امتنع العبد من السعي في فك رقبته، كان له من نفسه قدر ما أعتق، ولمولاه قدر ما بقي هذا آخر كلام شيخنا في نهايته (1). قال محمد بن إدريس رحمه الله قوله رحمه الله هذا، عجيب، فإنه قال في الباب الذي ذكر هذا الكلام فيه: " ولا عتق أيضا إلا ما أريد به وجه الله تعالى " ثم قال: " وإذا كان العبد بين شريكين، وأعتق أحدهما نصيبه مضارة لشريكه الآخر، ألزم أن يشتري ما بقي، ويعتقه إذا كان موسرا " وهذا متناقض مخالف لأصول المذهب، ولما أصله من أنه لا عتق إلا ما أريد به وجه الله تعالى، وإنما أورد هذه الرواية، إن كانت وردت، ورويت، إيرادا لا اعتقادا، كما أورد نظائرها مما لا يعمل عليه ولا يعتقد صحته. والدليل على ما قلناه عنه، إنه رجع في مبسوطه عن هذا، فقال فإذا أعتق شركا له (2) من عبد، لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون موسرا أو معسرا، فإن كان معسرا أعتق نصفه، استقر الرق في نصف شريكه، وروى (3) أصحابنا أنه إن قصد بذلك الاضرار لشريكه، إنه يبطل عتقه، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (4).

(1) النهاية، كتاب العتق والتدبير، باب العتق وأحكامه.
(2) الشرك: النصيب.
(3) الوسائل، الباب 18، من أبواب العتق الحديث 12.
(4) المبسوط، كتاب العتق، ج 6، ص 51.

[ 11 ]

ثم قال في نهايته: وإن لم يقصد بذلك مضارته، بل قصد بذلك وجه الله تعالى، لم يلزم شراء الباقي وعتقه، بل يستحب له ذلك (1). وهذا غير واضح، ولا مستقيم، لأنا قد بينا أنه إن كان موسرا ألزم شراء الباقي وأجبره السلطان على ذلك، وإن كان معسرا استسعى العبد في الباقي. وقال شيخنا في نهايته وإذا أعتق مملوكه وشرط عليه شرطا، وجب عليه الوفاء به، ولم يكن له خلافه، فإن شرط عليه أنه متى خالفه في فعل من الأفعال، كان ردا في الرق، فخالفه كان له رده في الرق (2). هذا غير واضح، لأن الحر لا يجوز أن يعود رقا. والشرط إذا كان مخالفا للكتاب والسنة كان باطلا، وهذا شرط يخالف السنة، فأما إن كان الشرط لا يخالف كتابا ولا سنة فهو شرط صحيح، فإن شرط عليه خدمته سنة، أو سنتين، أو أكثر من ذلك لزمه، فإن مات المعتق كان خدمته لورثته، فإن أبق العبد ولم يوجد إلا بعد انقضاء المدة التي شرط عليه المعتق فيها الخدمة، لم يكن للورثة عليه سبيل في الخدمة. والأولى أن يكون لهم الرجوع بمثل أجرة تلك المدة، لأنها مستحقة عليه، وقد فاتت أوقاتها، فيرجع عليه بأجرة مثلها، فأما الخدمة فليس لهم سبيل عليه فيها، فلأجل هذا قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله في نهايته، لم يكن للورثة عليه سبيل يعني في الخدمة. وإذا باع العبد وعلم أن له مالا، كان ماله لبايعه دون مشتريه، وإن لم يعلم أن له مالا كان ماله لبايعه بغير خلاف. وذكر شيخنا في نهايته: إنه إذا باع وعلم أن له مالا كان ماله لمن ابتاعه، وإن لم يكن عالما بذلك كان المال له دون المبتاع (3). وهذا خبر واحد أورده إيرادا لا اعتقادا، لأنا قد بينا أن العبد لا يملك شيئا عند المحصلين من أصحابنا لقوله تعالى: عبدا مملوكا لا يقدر على شئ (4) فنفى قدرته

(1 و 2 و 3) النهاية، كتاب العتق والتدبير، باب العتق وأحكامه.
(4) سورة النحل، الآية 75.

[ 12 ]

على شئ، والمال من جملة الأشياء والدليل على صحة ما اعتذرنا لشيخنا قوله أيضا في نهايته بعد القول الذي حكيناه عنه بلا فصل: والعبد المملوك لا يملك شيئا من الأموال ما دام رقا، فإن ملكه مولاه شيئا، ملك التصرف فيه، وليس له رقبة المال على وجه من الوجوه (1). وقد روي (2) أنه إذا نذر الانسان أن يعتق أول مملوك يملكه، فملك جماعة من العبيد في حالة واحدة، أقرع بينهم، فمن خرج اسمه أعتقه، وقد روي (3) أنه مخير في عتق أيهم شاء، والأول أحوط هكذا أورده شيخنا في نهايته (4). قال محمد بن إدريس رحمه الله والأولى عندي إنه لا يعتق شئ من العبيد، لأن شرط المنذر ما وجد، لأنه نذر عتق أول مملوك يملكه، وليس لمن ملك في حالة واحدة من المماليك أول، فما وجد شرط النذر، وأيضا الأصل براءة الذمة، فمن شغلها بشئ يحتاج إلى دليل، ولا يرجع عن الأدلة بأخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، وما أورده شيخنا فإنها رواية شاذة. وأورد شيخنا في نهايته، إنه إذا أعتق ثلاثة من عبيده وكان له أكثر من ذلك، فقيل له أعتقت مماليكك؟ فقال نعم، لم يمض العتق إلا فيمن كان أجاز فيهم العتق أولا، وإن أجابهم حين سألوه بلفظ العموم بقوله نعم (5). وفقه ذلك إن العتق يحتاج إلى نية القربة، فلا يصح ولا ينعتق إلا من نوى عتقه، دون من لم ينو، لأنه أعرف بينته. وقد روي (6) أنه إذا كان للرجل جارية فنذر إنه متى وطأها كانت معتقة، فإن وطأها قبل أن يخرجها من ملكه انعتقت، وإن أخرجها ثم اشتراها بعد ذلك وطأها لم يقع بذلك عتق. وفقه هذه الرواية إن صحت: أنه إذا أخرجها من ملكه انحل نذره، لأنه نذر في

(1 و 4 و 5) النهاية، كتاب العتق والتدبير، باب العتق وأحكامه، في العبارة تقطيع. (2 و 3) الوسائل، كتاب العتق، الباب 57، ح 1 - 3.
(6) الوسائل، كتاب العتق، الباب 59، ح 1.

[ 13 ]

ملكه، فإذا زال ملكه عنها انحل نذره، ولا يصح في ملك الغير، فيحتاج إذا عادت إلى ملكه إلى دليل على عتقها. وإذا نذر الانسان أن يعتق مملوكا بعينه، لم يجز له أن يعتق غيره، وإن كان لولا النذر ما كان يجوز عتقه، أو كان يكون مكروها، مثل أن يكون كافرا أو مخالفا في الاعتقاد، هكذا أورده شيخنا في نهايته (1). هذا على رأيه رحمه الله ومذهبه في أن عتق الكافر يصح في الكفارات والنذور إذا عينه فيه، وقد قلنا ما عندنا في ذلك (2)، فلا وجه لا عادته. وأما قوله رحمه الله " لولا النذر لم يجز ذلك " يعني ما كان يجوز عتق الكافر الغير المظهر للشهادتين ابتداء من غير نذر بعينه. وأما قوله " أو كان يكون مكروها " يعني الكافر الذي يظهر الشهادتين كان لو لا النذر يكون عتقه مكروها إذا كان ابتداء، لا عن نذر، فهذا معنى قوله رحمه الله. وأورد في النهاية أيضا إنه إذا زوج الرجل جاريته، وشرط إن أول ما تلده يكون حرا فولدت توأما، كانا جميعا معتقين (3). قال محمد بن إدريس رحمه الله إن أراد بالشرط المذكور أول حمل، كان على ما ذكر، وإن أراد بذلك أول ولد تلده، كان الأول حرا، والذي يخرج ثانيا مملوكا إذا شرطه. وإذا قال الرجل كل عبد لي قديم فهو حر، فما كان من مماليكه أتى له ستة أشهر فهو قديم، وصار حرا، وكذلك إذا كان في ملكه وقد أتى عليه أكثر من ستة أشهر، وإنما أقله ستة، لقوله تعالى " حتى عاد كالعرجون القديم " (4) والعرجون في ستة أشهر يكون كذلك، من جهة عرف الشرع بالآية، لا من جهة عرف اللغة. ولا يجوز للانسان أن يأخذ من مملوك لغيره مالا ليشتريه من غير علم مولاه. قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا اشترى الانسان جارية ولم ينقد ثمنها،

(1 و 3) النهاية، كتاب العتق والتدبير، باب العتق وأحكامه.
(2) في ص 6.
(4) سورة يس: الآية 39.

[ 14 ]

فأعتقها وتزوجها، ثم مات بعد ذلك، ولم يخلف غيرها، فإن عتقه ونكاحه باطل، وترد في الرق لمولاها الأول، وإن كانت قد حملت، كان أولادها رقا كهيئتها، فإن خلف ما يحيط بثمن رقبتها، فعلى الورثة أن يؤدوا ثمنها لمولاها، وقد مضى العتق والتزويج، ولا سبيل لأحد عليها (1). قال محمد بن إدريس رحمه الله، الذي يقتضيه أصول مذهب أصحابنا، إن العتق المذكور صحيح، لأنه أعتق ملكه بغير خلاف، والحر لا يعود رقا، والنكاح صحيح، والولد حر، والحر لا يصير عبدا، لأنه انعقد حرا، سواء خلف غيرها من الأموال، أو لم يخلف، والثمن في ذمته، وما ذكره رحمه الله من بطلان العتق والتزويج وصيرورة أولادها إن حمل كهيئتها رقا، غير مستقيم ولا واضح، لأنه مخالف للأدلة القاهرة، ومضاد للكتاب والاجماع والسنة، المتواترة، لأنه لا إجماع عليه، ولا كتاب ولا سنة، وما أورد شيخنا خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا، أورده إيرادا لا اعتقادا على ما بيناه، كما أورد أمثاله في هذا الكتاب، أعني النهاية مما لا يعمل عليه ولا يفتي به. وقال أيضا في نهايته: وإذا أعتق الرجل مملوكه عند موته وعليه دين، فإن كان ثمن العبد ضعفي ما عليه من الدين، مضى العتق، واستسعى العبد في قضاء دين مولاه، وإن كان ثمنه أقل من ضعفي الدين كان العتق باطلا (2). قال محمد بن إدريس رحمه الله إن أراد بقوله عند موته إنه أنجز عتقه بل موته، فإن العتق صحيح ماض، ولا سبيل للديان عليه، لأنه تصرف في ملك الانسان قبل الحجر عليه، وللانسان أن يتصرف في ملكه كيف شاء، لأن الناس مسلطون على أملاكهم، يتصرفون فيها بالبيع والهبة، والصدقة، والعتق، وغير ذلك وإن أخر عتقه إلى بعد موته، فهذا تدبير ووصية، لأن التدبير عند أصحابنا بمنزلة الوصية، والوصية لا تصح إلا بعد قضاء جميع الديون، وإنما الذي أورده شيخنا في نهايته خبر واحد، على قول من قال من أصحابنا إن العطايا المنجزة في مرضه الموت، لا تخرج من أصل المال، وإنما تحرج من الثلث، لأن أصحابنا لهم في ذلك مذهبان، فبعض

(1 و 2) النهاية، كتاب العتق والتدبير، باب العتق وأحكامه.

[ 15 ]

يرى أنها من أصل المال، وبعض يرى أنها من الثلث، والأول هو الأظهر، لأنه الذي يقتضيه أصول المذهب، لأن للانسان أن ينفق جميع ماله على مرضه بغير خلاف، وإنما وردت بالثاني أخبار آحاد لا يعول عليها ولا يلتفت إليها، وهي موافقة لمذهب مخالفينا. قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه في كتاب العتق: العتق في المرض المخوف، يعتبر عند بعض أصحابنا من الأصل، وعند الباقين من الثلث، وهو مذهب المخالفين، ثم قال: فإذا ثبت ذلك، وأعتق شقصا من عبد، نظرت، فإن كان وفق الثلث نفذ فيه وحده، ولم يقوم عليه نصيب شريكه، وإن كان الشقص أقل من الثلث، قوم عليه تمام الثلث، وإن استغرق جميع ثلثه، فأما إذا اعتبرناه من أصل المال، فحكمه حكمه لو كان صحيحا، وقد مضى ثم قال إذا أوصى بعتق شقص له من عبد، ثم مات، أعتق عنه ذلك الشقص، ولم يقوم عليه نصيب شريكه، وإن كان غنيا، لأن ملكه زال عن ماله بالموت، إلا القدر الذي استثنيناه. هذا آخر كلام شيخنا في مبسوطه (1)، أوردناه ليعلم أن ما أورده في نهايته على أحد القولين اللذين لأصحابنا الذي هو غير معمول عليه، لما أشرنا إليه من الأدلة. إذا كان العبد بين ثلاثة، لواحد النصف، وللآخر (2) السدس، فأعتق صاحب النصف وصاحب السدس ملكهما معا في زمان واحد، أو وكلا وكيلا فأعتق ملكهما معا سرى إلى نصيب شريكهما، ويكون عليهما قيمة الثلث بينهما نصفين، وإن اختلف ملك المعتقين لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال من أعتق شركا له في عبد، وكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم العبد قيمة العدل، وأعطى شركائه حصصهم، وعتق العبد (3)، فعلق الضمان بأن أعتق شركا له من

(1) المبسوط، كتاب العتق، ص 57، ج 6، وفي المصدر، إلا العقد الذي أثبتناه.
(2) ل. ولآخر الثلث ولآخر السدس.
(3) مستدرك الوسائل، الباب 16، من أبواب العتق الحديث 7، مع اختلاف في العبارة وهي هذه وعنه عليه السلام قال من أعتق شركا له من مملوك أقيم عليه عدل فأعطى شركاؤه حصصهم وأعتق عليه العبد إن كان ذا يسار وإلا فقد عتق منه ما عتق.

[ 16 ]

عبد، وقد اشتركا في هذا المعنى، فكانا سواء في الضمان، ويكون القيمة حين العتق سواء قيل بنفس اللفظ، أو بشرطين، أو مراعى، لأن بين الفقهاء في ذلك اختلافا، فبعض يقول يعتق حصة شريكه بنفس اللفظ، وهو الأظهر، وبعض يقول بشرطين، باللفظ وقبض القيمة، وبعض يقول مراعى. وإذا أعتق الرجل ثلث عبيده، وله عبيد جماعة، استخرج منهم ثلثهم بالقرعة، فمن خرج اسمه كان معتقا. وقال المخالف يعتق من كل واحد ثلثه ويستسعي كل واحد في ثلثي قيمته، ليؤدي ويعتق. وجملة الاقراع بينهم، وكيفيته، فإذا كانوا على صفة يمكن تعديدهم أثلاثا بالقيمة والعدد معا، وهو إذا كانوا ستة قيمة كل واحد ألف، فيكون كل عبدين ثلث ماله، فإنا نجزيهم ثلاثة أجزاء، كل عبدين جزاء نقرع بينهم، بأن نكتب الرقاع، ونساهم على ما بيناه في غير موضع، ويمكن إخراج الأسماء على الرق والحرية، وإخراج الرق والحرية على الأسماء، فإذا أردت أن تخرج الأسماء على الرق والحرية، كتبت في كل رقعة اسم اثنين فيكون ثلاث رقاع، وتقول أخرج رقعة على الحرية، فإذا أخرجها فضت فيعتق من اسمه فيها ويرق الباقون، وقد اكتفيت بإخراج الرقعة دفعة واحدة، وإن قلت: أخرج رقعة على الرق، فإذا أخرجها فضت ويرق من اسمه فيها، ولا بد من إخراج أخرى، فتقول: أخرج أخرى على الرق، فإذا خرج، رق من فيها، وعتق الآخران، فمتى أخرج القرعة على الحرية، أجزئه دفعة واحدة، ومتى أخرجها على الرق، فلا بد من دفعتين. فإن لم يتفق ذلك، وهو إذا لم يمكن التعديل بالعدد دون القيمة، أو بالقيمة دون العدد، مثل أن كانوا ستة، قيمة عبد ألف، وقيمة عبدين ألف، وقيمة ثلاثة أعبد ألف، فإذا اعتبرت القيمة، كانت التركة أثلاثا، لكن العدد مختلف، ومتى اعتبرت العدد، وجعلت كل عبدين سهما، صح، لكن اختلفت القيمة فما الذي يصنع به؟ قال قوم تعتبر القيمة، ويترك العدد، كما أن قسمة الدار إذا لم تمكن بالمساحة والأجزاء، عدلت بالقيمة، وقال آخرون يعتبر بالعدد ويترك القيمة، والأول هو

[ 17 ]

الذي يقتضيه مذهبنا. وإذا خلف الرجل مملوكا وشهد بعض الورثة إنه أعتقه مورثهم، فإن كان الشاهد مرضيا جايز الشهادة، وكانا اثنين عتق المملوك، وإن لم يكن مرضيا أو كان غير أن الآخر غير مرضي، مضى العتق في حصته، واستسعى العبد في الباقي. وإذا أوصى الانسان بعتق رقبة، جاز أن يعتق عنه نسمة، ذكرا كان أو أنثى، إذا كانت النسمة ممن يجوز إعتاقها. وقد روي (1) أنه إذا أعتق الرجل مملوك ابنه كان العتق ماضيا. وهذه الرواية لا يصح العمل بها، إلا أن يكون الابن صغيرا، ويكون الأب قد قوم العبد على نفسه، وإلا فلا يصح ذلك فيه. وشيخنا أبو جعفر أورد ذلك في نهايته (2)، وأطلق ولم يقيد بالابن الصغير، وتحرير الفتيا ما قلناه. وقد روى (3) أنه إذا أعتق الرجل جارية حبلى بمملوك، صار ما في بطنها حرا كهيئتها، فإن استثناه من الحرية لم يثبت رقه مع نفوذ الحرية في أمه. وهذه الرواية أوردها شيخنا في نهايته (4) ولا دليل على صحتها في كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، والأصل أن لا عتق، وثبوت العبودية في حملها، فمن حرره يحتاج إلى دليل، ولا دليل له على ما بيناه، وأخبار الآحاد غير معمول عليها عند أصحابنا، وإنما هذا يصح على مذهب الشافعي، لأنه يجري الحمل مجرى بعض أعضائها، ولهذا يقول إنه إذا باعها واستثنى الحمل، لا يصح استثناؤه، ونحمل نحن الرواية على أنها وردت مورد التقية، لأنه مذهب مخالفينا. وإذا أسلم أحد الأبوين: كان حكم أولاده (5) حكمه في إجراء حكم الاسلام عليهم، فإن بلغوا واختاروا الشرك، لم يمكنوا من ذلك، وقهروا على الاسلام، فإن

(1) الوسائل، الباب 67، من أبواب العتق. (2 و 4) النهاية، كتاب العتق والتدبير، باب العتق وأحكامه.
(3) الوسائل، الباب 69، من أبواب العتق.
(5) ل. أولاده الصغار.

[ 18 ]

أبوا ذلك كان عليهم القتل. وإذا كان للرجل مملوك، وهو يحسن إليه، ويقوم بما يحتاج إليه، فاستباعه العبد، لم يلزمه بيعه، وكان مخيرا في ذلك. ويكره أن يفرق بين الولد الصغير وبين أمه، وينبغي أن يباعا معا، وليس ذلك بمحظور على الأظهر من قول المحصلين من أصحابنا، وإلى هذا يذهب شيخنا أبو جعفر في كتاب العتق في نهايته (1). وإذا أبق العبد، جاز لمولاه أن يعتقه في الكفارة الواجبة عليه، ما لم يعرف منه موتا، على ما بيناه في كتاب الظهار (2). وإذا عتق العبد، وعليه دين، فإن كان استدانه بإذن مولاه وأمره، لزم المولى قضاؤه، وإن كان عن غير إذنه، كان ثابتا في ذمته، يتبع به، ولا يلزم المولى منه شئ. وقد روي (3) أنه إذا أتى على الغلام عشر سنين، كان عتقه وصدقته جايزا إذا كان على جهة المعروف، أوردها في نهايته (4) شيخنا إيرادا لا اعتقادا لأنه لا دليل على صحة العمل بها، لأنها مخالفة لأصول المذهب، لكونها لا دليل عليها من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع منعقد، والأصل نفي الأحكام الشرعية، وثبوتها يحتاج إلى أدلة شرعية، وقول الرسول عليه السلام المجمع عليه، يؤيد ما قلناه، وهو " رفع القلم عن ثلاث " (5) وذكر الصبي من جملة الثلاث. وإذا أعتق الرجل عبده عن دبر، " بالدال غير المعجمة المضمومة، والباء المسكنة المنقطعة من تحتها نقطة واحدة، والراء والمراد بذلك التأخير، لأن الدبر

(1 و 4) النهاية، كتاب العتق والتدبير، باب العتق وأحكامه.
(2) الجزء الثاني، ص 718.
(3) الوسائل، الباب 56، من أبواب العتق الحديث 1.
(5) سنن ابن ماجة، كتاب الطلاق الباب 15، الحديث 1، ج 1، ص 658، والحديث هكذا عن عائشة إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال رفع العلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يكبر وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق. وكذلك مع اختلاف يسير في سنن البيهقي الباب 24، من كتاب الطلاق الحديث 1، ج 7، ص 359.

[ 19 ]

المؤخر، والتدبير تفعيل من الدبر، وهو العتق المؤخر إلى بعد الموت " وكان عليه عتق رقبة واجبة، لم يجز ذلك عنه، لأن المدبر يخرج من الثلث، والرقبة الواجبة من أصل المال، والمدبر غير ما يعتق في الكفارات، فلهذا لا يجزئه، ولأن أسبابهما مختلفة، فهذا معنى قول شيخنا أبي جعفر في نهايته: وإذا أعتق الرجل عبده عن دبر، وكان عليه رقبة واجبة، لم يجز ذلك عنه (1). وأيضا التدبير على ضربين، واجب وندب، فالواجب ما أوجبه الانسان على نفسه بالنذر أو العهد، فإن كان هذا الضرب، فلا يجزئه عن الكفارة، لأن الفرضين لا يتداخلان، وإن كان الضرب الآخر من التدبير، فلا يجزئه عن الكفارة الواجبة عليه، لأنه يحتاج إلى نية الاعتاق، وإلى كيفية النية، وجنس العتق، والقصد إليه، وهذا الضرب أيضا يخرج من الثلث، والكفارة من أصل المال، فليلحظ جميع هذه الأقسام. وحد اليسار الذي يقوم العبد إذا كان مشتركا بينه وبين غيره، وأعتق نصيبه منه، أن يكون للمعتق غير هذا النصيب قدر قيمته نصيب شريكه في الفاضل عن قوت يومه وليلته، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله، قال من أعتق شركا له من عبد، وكان له مال يبلغ ثمنه، قوم عليه (2). فإن لم يكن إلا قدر نصيبه منه وتمام قيمة نصيب شريكه، فليس له مال إلا ثمن العبد (3)، فإن كان معه وفق قيمة نصيب شريكه، قوم كل نصيب شريكه عليه، وإن كان معه أقل من ذلك، قوم عليه بقدر ما يملك من الفاضل عن قوت يومه وليلته. فأما إن كان معسرا، فأعتق نصيبه منه، عتق ورق الباقي عندنا، وقال بعض المخالفين يعتق كله، ويكون قيمة نصيب شريكه في ذمته، يتبع به إذا أيسر، وقال

(1) النهاية، كتاب العتق والتدبير، باب العتق وأحكامه.
(2) مستدرك الوسائل الباب 16، من أبواب العتق. الحديث 7.
(3) ج. فإن لم يكن إلا قدر نصيبه منه أو لم يكن تمام قيمة نصيب شريكه فليس له مال يبلغ ثمن العبد.

[ 20 ]

بعضهم شريكه بالخيار بين أن يعتق نصيبه، وبين أن يستسعيه في قيمته، ليؤدي فيعتق. وقد روي في أخبارنا ذلك. قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، مسألة: إذا ورث شقصا من أبيه أو أمه، قوم عليه ما بقي إذا كان موسرا، وقال الشافعي لا يقوم عليه لأنه بغير اختياره، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم هذا آخر المسألة (2). قال محمد ابن إدريس رحمه الله، الذي يقتضيه أصول مذهبنا، إنه لا يقوم عليه ما بقي، لأنه لا دلالة على ذلك من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، والأصل براءة الذمة، وما ذكره رحمه الله من قوله " دليلنا إجماع الفرقة " فعلى أي شئ أجمعت، إنما أجمعت على أنه من أعتق شركا له في عبد، وكان موسرا قوم عليه حصة شريكه، وكذلك الأخبار التي ادعاها، إنما وردت بما أجمعوا عليه، وما وردت، ولا أجمع أصحابه على أن من ورث شقصا له من عبد يعتق عليه، يقوم عليه ما بقي إذا كان موسرا. إلا أن شيخنا رجع عما ذكره، في مبسوطه، وقال لا يقوم عليه (3)، وهو الحق اليقين. وقال في مسائل الخلاف، إذا أعتق كافر مسلما، ثبت له عليه الولاء (4). وهذا لا يتقدر على ما قررناه أن العتق لا يقع إلا أن يقصد به وجه الله تعالى، والكافر لا يعرف الله تعالى ولا يقع منه نية القربة. عندنا أن العتق لا يقع بشرط ولا يمين، وخالف جمع الفقهاء في ذلك. إذا قال كل عبد أملكه فهو حر، أو قال إن ملكت هذا فهو حر، ولم يجعل ذلك نذرا، ثم ملك، لم يعتق. قال شيخنا في مسائل الخلاف، مسألة: إذا أعتق عن غيره عبدا بإذنه، وقع

(1) الوسائل، كتاب العتق، الباب ح 2 - 3 - 7 وغيرها في الباب.
(2) الخلاف، كتاب العتق، مسألة 7.
(3) المبسوط، ج 6، كتاب العتق، فصل فيمن يعتق على من ملكه، ص 68.
(4) الخلاف كتاب العتق مسألة 12.

[ 21 ]

العتق عن الآذن (1). والذي يقتضيه أصول مذهبنا، إن العتق لا يقع إلا عن المالك للعبد، دون الآذن الذي ليس بمالك، لأنه لا خلاف في قوله عليه السلام " لا عتق قبل ملك، ولا طلاق قبل نكاح " (2) والآذن لم يملك العبد وإنما هو على ملك المباشر للعتق إلى حين إعتاقه، وإنما هو الذي ذكره شيخنا رحمه الله قول المخالفين، دون أن يكون ورد في أخبارنا، أو أجمع أصحابنا عليه، لأنه لو أجمع عليه أصحابنا، أو وردت به أخبارنا لما قال في استدلاله على صحة ما اختاره " دليلنا إن الآذن في الحقيقة هو المعتق " لأنه لو لم يأمره بذلك لم يعتقه، كما لو أمره ببيع شئ منه، أو شرائه، ولكان يقول دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم. باب أمهات الأولاد إذا وطئ الرجل أمته، فأتت منه بولد يكون حرا، لأنها علقت به في ملكه بغير خلاف، تسري حرية الولد إلى الأم عند المخالف، وعندنا لا تسري، وهي أم ولد، فما دامت حاملا، فلا يجوز بيعها عندنا، وإن ولدت، فما دام ولدها باقيا لا يجوز بيعها إلا في ثمنها، إذا كان دينا على مولاها ولم يكن له غيرها. وقال السيد المرتضى لا يجوز بيعها ما دام الولد باقيا، لا في الثمن ولا في غيره (3). والأظهر الأول. فإذا مات الولد، جاز بيعها، وهبها، والتصرف فيها بسائر أنواع التصرف، وقال المخالف لا يجوز بيعها، ولا هبتها، ولا التصرف في رقبتها بشئ من أنواع التصرف، لكن يجوز التصرف في منافعها بالوطئ والاستخدام.

(1) الخلاف، كتاب العتق مسألة 16.
(2) الوسائل الباب 5 من أبواب العتق الحديث 1 مع التقديم والتأخير في لفظ العتق والطلاق.
(3) في كتاب الانتصار، كتاب التدبير، مسألة 9.

[ 22 ]

فإذا مات السيد عتقت من أصل المال عندهم، وعندنا تجعل من نصيب ولدها، وتعتق عليه (1)، فإن لم يكن هناك غيرها انعتق نصيب ولدها، واستسعيت في الباقي. وروي أنه إن كان لولدها مال، أدى بقية ثمنها منه، ولا دليل على هذه الرواية. فإن لم يكن ولدها باقيا، جاز للورثة بيعها. أم الولد إذا جنت جناية وجب لها أرش، فإن الأرش يتعلق برقبتها بلا خلاف، والمولى بالخيار بين أن يفديها، أو يسلمها للبيع عندنا، وعند المخالف على السيد أن يفديها ويخلصها من الجناية، قالوا: لأنه منع من بيعها بإحباله، ولم يبلغ بها حالة يتعلق الأرش بذمتها، فصار كالمتلف لمحل الأرش، فلزمه ضمان الجناية، كما لو كان له عبد فجنى، فقتله، ويفارق إذا كان له عبد، فأعتقه، ثم جنى جناية، لم يلزمه جناية ذلك، لأن هناك بلغ به حالة يتعلق الأرش بذمته. إذا كان لذمي أم ولد منه، فأسلمت، فإنها لا تعتق عليه، وتباع عليه عندنا، لأنها مملوكة. ولا خلاف بين أصحابنا، إن الذمي إذا كانت عنده جارية ذمية، فأسلمت، فإنها تباع عليه بغير اختياره، ويعطى ثمنها، لقوله تعالى " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " (2) وهذا مذاهب شيخنا في مبسوطه (3)، واختار في مسائل خلافه قول بعض المخالفين، وهو أنه لا تباع ولا تستعار، لكن يحال بينها وبين المولى الذمي، وتجعل في يد امرأة ثقة تنفق عليها من كسبها، فإن فضل شئ من كسبها، كان لسيدها، وإن عجز ذلك عن نفقتها، كان على السيد تمام النفقة (4). وما ذكره في مبسوطه هو الذي يقتضيه أصول مذهبنا.

(1) ج. ل. تنعتق عليه.
(2) سورة النساء: الآية 141.
(3) المبسوط، ج 6، كتاب أمهات الأولاد، ص 188، والعبارة هكذا، إذا كان لذمي أم ولد منه، فأسلمت فإنها لا يعتق عليه وتباع عندنا.
(4) الخلاف، كتاب أمهات الأولاد، مسألة 2، والمنقول مضمونها.

[ 23 ]

وقال شيخنا في نهايته في باب أمهات الأولاد، فإن لم يخلف غيرها، وكان ثمنها دينا على مولاها، قومت على ولدها، وتترك إلى أن يبلغ، فإذا بلغ أجبر على ثمنها، فإن مات قبل البلوغ، بيعت في ثمنها، وقضى به الدين (1). وهذا الذي ذكره، غير واضح، لأنا نبيعها في ثمن رقبتها في حياة مولاها، فكيف بعد موته، ولأي شئ يجبر الولد بعد بلوغه على ثمنها؟ فلأي شئ يؤخر الدين؟ إلا أن شيخنا قد رجع عن هذا في عدة مواضع، ولا شك إن هذا خبر واحد أورده هاهنا إيرادا لا اعتقادا. باب الولاء الولاء على ثلاثة أقسام، ولاء النعمة، وهو كل من أنعم عليه مولاه، وأعتقه متبرعا بإعتاقه، متقربا بذلك إلى الله تعالى، لا في واجب عليه، ولا مجبر عليه، بأن يرث من يعتق عليه أو يبتاع من يعتق عليه. وولاء تضمن الجريرة، وهو أن يتعاقد اثنان مجهولا النسب، أو أحدهما، أو لا وارث (2) من جهة النسب لهما أو لأحدهما، على أن يعقل عنه ويضمن جريرته وخطأه، ويكون له ميراثه. وولاء الإمامة، وهو كل من مات ولا وارث له من نسب، ولا مولى منعم، ولا ضامن جريرة. فالقسم الأول، إذا كان المباشر للعتق رجلا، فولاه مولاه له، وضمان جريرته عليه، إلا أن يتبرأ (3) من ضمان جريرته في حال عتقه، ويشهد على ذلك. فإذا مات المنعم، فولاء مولاه يجري مجرى النسب، ويرثه من يرث من ذوي الأنساب على حد واحد، إلا الإخوة، والأخوات من الأم، أو من يتقرب بها من الجد والجدة، والخال والخالة، وأولادهما.

(1) النهاية، كتاب العتق، باب أمهات الأولاد.
(2) ج. ل. ولا وارث.
(3) ج. ل. أن يبرأ.

[ 24 ]

وفي أصحابنا من قال إنه لا يرث النساء من الولاء شيئا، وإنما يرثه الذكور من الأولاد والعصبة، هذا مذهب شيخنا أبي جعفر في نهايته (1) وإيجازه (2). والأول مذهبه في استبصار (3)، فإنه قال: إن البنت ترث من ميراث المولى، كما يرث الابن، قال وهو الأظهر من مذهب أصحابنا، وهو مذهبه في مسائل خلافه (4)، واستدل على صحته بأن قال: دليلنا إجماع الفرقة، وأيضا قوله عليه السلام " الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب " (5). قال محمد بن إدريس رحمه الله وهذا الذي يقوى في نفسي، وبه أفتي، لأن هذا الخبر مجمع عليه، متلقى بالقبول عند الخاصة والعامة، فلا معدل عنه، ولا إجماع منعقد لأصحابنا على المسألة، فنخصص العموم به. فأما إذا كان المنعم بالعتق امرأة، فإنها ترث ولاء مواليها ما دامت حية، فإذا ماتت ورث ولاء مواليها عصبتها من الرجال، دون أولادها، سواء كان الأولاد ذكورا أو إناثا، لأن إجماع أصحابنا منعقد على ذلك، فهو المخصص لعموم الخبر المقدم ذكره. إلا ما ذهب إليه شيخنا المفيد في مقنعته (6)، فإنه قال يرث الولاء أولادها الذكور دون الإناث. وابن أبي عقيل ذهب إلى أن الولاء يرثه المرأة، سواء كانوا ذكورا أو إناثا، وهو يجري مجرى النسب على حد واحد، إلا الإخوة والأخوات من الأم ومن يتقرب بها، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في مسائل خلافه (7). وهذا أقوى، يجب أن يعتمد عليه للخبر المقدم ذكره وما قلناه من تخصيصه

(1) النهاية، كتاب العتق باب الولاء.
(2) الايجاز.
(3) الاستبصار، ج 4، ص 173، باب إنه لا يرث أحد من الموالي مع وجود واحد من ذوي الأرحام ذيل حديث 7. (4 و 7) الخلاف. كتاب الفرائض، مسألة 84.
(5) الوسائل، الباب 42، من أبواب القن، الحديث 2 و 6.
(6) المقنعة باب ميراث الموالي وذوي الأرحام ص 694.

[ 25 ]

بالاجماع، فراجعنا النظر في أقوال أصحابنا وتصانيفهم، فرأيناها مختلفة غير متفقة، فالأولى التمسك بالعموم، إلى أن يقوم دليل الخصوص. فأما القسم الثاني، فلا يتعدى الضامن، فإذا مات الضامن بطل التعاقد بينهما، ولا يرثه ورثته بغير خلاف. فأما القسم الثالث، فإن ميراثه لإمام المسلمين، مع فقدان جميع الأنساب والموالي، وهذا هو ميراث من لا وارث له، وهو الضامن لجريرته وحدثه، فإذا مات الإمام، انتقل إلى الإمام الذي يقوم مقامه، دون ورثته الذين يرثون تركته، ومن يتقرب إليه. ولا يصح بيع الولاء ولا هبته. وإذا أعتق الرجل مملوكا وتبرأ من ضمان جريرته كان سائبة، ولا ولاء له عليه على ما قدمناه، وكذلك الذين يعتقهم في النذور والكفارات والواجبات، فلا ولاء لمن أعتقه عليه، ولا لأحد بسببه، فإن توالى هذا المعتق إليه، وضمن جريرته، كان ولاؤه له، فإن توالى إلى غيره، كان ولاؤه له، وضمان جريرته عليه، فإن مات ولم يتوال أحدا، كان ميراثه لإمام المسلمين على ما قدمناه. قال شيخنا في مبسوطه، إذا ملك من يعتق عليه بعوض، أو بغير عوض، عتق عليه، وكان ولاؤه له، لعموم الخبر (1). وهذا غير واضح، ولا مستقيم، لأنا قد بينا أنه لا خلاف بين أصحابنا في أن الولاء يستحقه المتبرع بالعتق، دون غيره، وأيضا فقول الرسول عليه السلام. المجمع عليه " إن الولاء لمن أعتق " (2) وهذا ما أعتق بغير خلاف، لأنه انعتق عليه بغير اختياره، فإن أراد شيخنا بقوله لعموم الخبر، هذا الخبر الذي ذكرناه، فهو بالضد من مراده واستشهاده. ثم قال رحمه الله، فأما المكاتب، إذا أعتق بالأداء، أو اشترى العبد نفسه من

(1) المبسوط، ج 6، كتاب العتق فصل في الولاء، ص 71.
(2) الوسائل، الباب 25، من أبواب العتق.

[ 26 ]

مولاه، وعتق، لم يثبت له عليه الولاء عندنا، إلا أن يشترط عليه، وعندهم يثبت وأما الدبر فإنه يثبت عليه الولاء بلا خلاف، وكذلك أم الولد (1). قال محمد بن إدريس رحمه الله قوله رحمه الله في المكاتب والمدبر صحيح واضح، لا خلاف عندنا فيهما، وأما الولد فلا ولاء عليها لأحد من جهة مولاها، لما قدمناه من الأدلة وبيناه. باب المكاتبة المكاتبة مشتقة من الكتب، وهو الضم والجمع، يقال كتبت البغلة إذا ضممت أحد شفريها بحلقة أو سير، ومنه قيل للجيش والناس المجتمعين " كتيبة " فكذلك المكاتبة، اشتقاقها من هذا، لأنه ضم أجل إلى أجل، وعقد المعارضة على ذلك. فدليل جوازها قوله تعالى " والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " (2) فأمر بالكتابة، فإذا ثبت ذلك، فهي أن يشترط المالك على عبده أو أمته تأدية شئ معلوم، يعتق بالخروج منه إليه، وهي بيع العبد من نفسه، وصورتها أن يقول الانسان، لعبده أو أمته، " قد كاتبتك على أن تعطيني كذا وكذا دينارا، أو درهما، في نجوم معلومة، على أنك إذا أديت ذلك فأنت حر " فيرضى العبد بذلك، ويكاتبه عليه، ويشهد بذلك على نفسه، فمتى أدى مال الكتابة في النجوم التي سماها، صار حرا. وهي على ضربين، مشروطة ومطلقة غير مشروطة فإذا أدى المكاتب من غير شرط، شيئا من مال الكتابة، عتق منه بحسابه، والمشروط عبد بقي عليه درهم. ولا يجوز للانسان وطي أمته المكاتبة، سواء كانت الكتابة مطلقة، أو مشروطة بلا خلاف، فإن وطأها وكانت مشروطا عليها، لم يحد، لأن هناك شبهة يسقط بها الحد، وإن كانت غير مشروطة عليها، وقد أدت من مال الكتابة شيئا، كان عليه

(1) المبسوط، ج 6، كتاب العتق فصل في الولاء، ص 71.
(2) سورة النور، الآية 33.

[ 27 ]

الحد بمقدار ما تحرر منها إذا لم يشتبه الحكم عليه. والكتابة المشروطة، هو أن تقول للعبد في حال الكتابة " متى عجزت عن أداء ثمنك فأنت رد في الرق، ولي جميع ما أخذت منك " فمتى عجز عن ذلك وحد العجز هو أن يؤخر نجما إلى نجم والأولى أن نقول إن يؤخر النجم بعد محله فأما تأخير النجم إلى منجم الآخر فعلى جهة الاستحباب الصبر عليه إلى ذلك الوقت، أو يعلم من حاله إنه لا يقدر على فك رقبته وأداء ثمنه فإنه عند ذلك يرجع رقا إذا فسخ ذلك مولاه، فإن لم يفسخ الكتابة مولاه، بقي على ما هو عليه من الكتابة، وليس بمجرد عجزه يرجع رقا، بل يكون سيده بالخيار بين فسخ الكتابة، أو المقام عليها والصبر عليه. فإن مات هذا المكاتب، وخلف مالا وأولادا، كان ما ترك لمولاه، دون غيره، وكان أولاده مماليك له إذا كان أولاده من مملوكة اشتراها، فأما إن كانوا من حرة، فلا يكونون مماليك لسيده. ولا يجوز لهذا المكاتب أن يتصرف في نفسه بالتزويج، ولا بهبة المال، ولا بالعتق ما دام قد بقي عليه شئ من مال الكتابة، وإنما يجوز له التصرف في تنمية المال. ومتى حصل عليه دين، كان مولاه ضامنا له، إذا كان قد أذن له في الاستدانة، لأنه عبده. والضرب الآخر من المكاتبة، هو أن يكاتبه على شئ معلوم، ونجوم معلومة، ولا يشترط عليه أنه إن عجز فهو رد في الرق، على ما بيناه فمتى أدى شيئا من مكاتبته انعتق منه بحساب ذلك على ما تقدم بيانه، ولم يكن لمولاه عليه سبيل. فإن مات هذا المكاتب وترك مالا وترك أولادا، ورثه مولاه بقدر ما بقي له من العبودية، وكان الباقي لولده إذا كانوا أحرارا في الأصل، بعد إخراج ما بقي من مال الكتابة قبل ذلك أجمع، لأنه دين، وما يبقى بعد ذلك يكون ميراثا على ما بيناه. والذي ينبغي تحصيله في ذلك، أن نقول يرث السيد بمقدار ما فيه من العبودية، وابنه أو وارثه بقدر ما تحرر منه، ويؤخذ بقية مال الكتابة من نصيب وارث

[ 28 ]

المكاتب، إذا صار إليه نصيبه، لأن الدين الذي هو مال الكتابة يخرج من نصيب الوارث للأجزاء الحرية (1)، دون جميع ما خلفه وتركه الميت، لأن الأجزاء الباقية على العبودية لا تملك شيئا، لأنه مال سيده دونه، وإنما الدين يتعلق بما فيه من الحرية ونصيبها، دون جميع التركة. وهذا مذهب شيخنا أبي جعفر في استبصاره (2)، وهو الصحيح دون ما أوردناه أولا فإن كان هذا المكاتب قد رزق الولد بعد الكتابة من أمة له، كان حكم ولده حكمه في أنه يسترق منه مولى أبيه بقدر ما بقي على أبيه، فإن أدى الابن ما كان قد بقي على أبيه، صار حرا لا سبيل لمولاه عليه، فإن لم يكن له مال، استسعاه مولى الأب فيما بقي على أبيه، فمتى أداة صار حرا. وهذا المكاتب إذا أدى بعض مكاتبته، يرث ويورث بحساب ما عتق منه، ويمنع الميراث بقدر ما بقي من الرق، وكذلك إن وصى له، كانت الوصية ماضية له، بقدر ما عتق، ويحرم بقدر ما بقي من رقه. وكل شرط يشرطه المولى على مكاتبه، فإنه يكون ماضيا ما لم يكن شرطا يخالف الكتاب والسنة، كما أن له جميع ما يشرط عليه، إذا أعتقه، فإن أشرط عليه أن يكون ولاؤه له، كان له الولاء دون غيره، ولا يكون له الولاء بمجرد الكتابة إلا بالشرط. ومتى تزوجت المكاتبة بغير إذن مولاها، كان نكاحها باطلا، وإن كان ذلك بإذن مولاها وقد أدت بعض مكاتبتها، ورزقت أولادا، كان حكم ولدها حكمها، يسترق منهم بحساب ما بقي من ثمنها، ويعتق بحساب ما عتقت (3) إذا كان تزويجها بعبد مملوك، فإن كان تزويجها بحر، كان الولد أحرارا. وإذا قال المكاتب لمولاه، خذ مني جميع ما كاتبتني عليه دفعة واحدة، كان مخيرا بين أخذه منه في موضع، والامتناع منه، ولا يقبل منه إلا على ما وافقه من النجوم.

(1) ج. الوارث الآخر من جهة الحرية.
(2) الاستبصار، الباب 21، من كتاب العتق باب ميراث المكاتب، ج 4، ص 74.
(3) ق: وعتق بحساب ما أعتق.

[ 29 ]

وإذا كان المكاتب غير مشروط عليه، وعجز عن توفية ثمنه، فإن كان مولاه ممن عليه زكاة واجبة، فإنه يجب عليه أن يعطيه شيئا من ذلك، قل أم كثر، لقوله تعالى " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " (1) وإن لم يكن ممن يجب عليه زكاة، فلا يجب عليه الايتاء المذكور في الآية، لأنه لا مال لله تعالى واجب عليه، وكان على الإمام أن يفك رقبته من سهم الرقاب. والمكاتب إذا كان غير مشروط عليه، لم يكن على مولاه فطرته، فإن كان مشروطا عليه، وجب على مولاه فطرته. ولا يجوز مكاتبة الكافر، لقوله تعالى " فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " (2) وحمل ذلك على الايمان والدين، أولى من حمله على المال والتكسب، لأنه لا يقال للكافر وإن كان موسرا أو مكتسبا، إن فيه خيرا، ولا أنه خير، ويقال ذلك لمن كان فيه إيمان ودين، وإن لم يكن مكتسبا، ولا ذا مال، ولو تساوى ذلك في الاحتمال، لوجب العمل على الجميع. الكتابة المشروطة لازمة من جهة السيد، جايزة من جهة العبد، ولسنا نريد بقولنا جايزة من جهته، إن له الفسخ، كالعامل في القراض، بل نريد إن له الامتناع عن أداء ما عليه مع القدرة عليه، فإذا امتنع منه كان سيده بالخيار بين البقاء على العقد وبين الفسخ. فإن كانت الكتابة مطلقة، فهي لازمة من الطرفين، وليس لأحدهما فسخ. إذا وجبت على المكاتب كفارة في قتل، أو ظهار، أو جماع، ففرضه الصوم بلا خلاف، فإن كفر بالمال بغير إذن سيده لم يصح، لأنه مستغن عن التكفير بالمال، لأنه يمكنه التكفير بالصوم، فإن أذن له السيد في ذلك، فإن أراد أن يكفر بالعتق، لم يجز بلا خلاف عندنا، لأنه فعل ما لم يجب عليه، وعند المخالف لأن العتق يضمن ثبوت الولاء، وليس المكاتب من أهل الولاء، وأما إن أراد أن يكفر بالاطعام أو الكسوة، فعندنا لا يجزيه، لأنه فعل ما لم يجب عليه.

(1 و 2) سورة النور: الآية 33.

[ 30 ]

الكتابة تصح حالة، ومؤجلة، وليس الأجل شرطا في صحتها. يجوز عتق المكاتب المشروط عليه في الكفارة الواجبة، لأنه عند أصحابنا جميعا عبد ما بقي عليه درهم، أحكامه أحكام العبد القن بلا خلاف بينهم، فأما المكاتب المطلق إن لم يكن أدى من مكاتبته شيئا، فيجوز عتقه في الكفارة، فإن كان أدى منها شيئا، فلا يجوز عتقه في الكفارة. وقال شيخنا في مسائل خلافه، لا يجوز عتق المكاتب في الكفارة، سواء كانت المكاتبة مطلقة أو مشروطة (1). وما حررناه هو الذي يقتضيه أصول مذهبنا، وإليه ذهب في نهايته (2). باب التدبير التدبير، هو أن يعلق عتق عبده بوفاته، فيقول " متى مت أو إذا مت فأنت حر أو محرر أو عتيق، أو معتق " وسمي مدبرا لأن العتق عن دبر حياة سيده، يقال: دابر الرجل يدابر مدابرة، إذا مات، ودبر عبده يدبره تدبيرا، إذا علق عتقه بوفاته. والتدبير لا يقع إلا مع قصد إليه، واختيار له، ولا يقع على غضب، ولا إكراه، ولا سكر، ولا على جهة اليمين، ويكون القربة إلى الله تعالى هي المقصودة به، دون سائر الأغراض، فعلى هذا تدبير الكافر غير جايز. وهو على ضربين ضرب يجوز الرجوع فيه، وهو إذا كان ذلك التدبير تطوعا وتبرعا، فهو بمنزلة الوصية، يجوز بيعه في دين وغير دين، وإخراجه عن ملكه، والتصرف فيه بسائر جميع التصرفات، كما يجوز له الرجوع في وصيته. والضرب الآخر، لا يجوز بيعه، وهو أنه إذا كان تدبيره عن واجب، ومعنى ذلك أن يكون مثلا قد نذر إن برئ مريضه، أو قدم غائبه أن يدبر عبده، ففعل

(1) الخلاف، كتاب الظهار، مسألة 29، والعبارة هكذا، عتق المكاتب لا يجزي في الكفارة... فإن المكاتب عندنا على ضربين، مشروط عليه وغير مشروط الخ.
(2) النهاية كتاب النذر والعهود باب الكفارات.

[ 31 ]

ذلك واجبا لا تبرعا، فهذا الضرب لا يجوز بيعه. فإذا كان التدبير عن وجوب، فهو من رأس المال، وإن كان عن تطوع فهو من الثلث. وكيفية ذلك: أن يقول الانسان لمملوكه " أنت حر بعد وفاتي ". وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: التدبير هو أن يقول الرجل لمملوكه: أنت رق في حياتي، حر بعد وفاتي (1). قال محمد بن إدريس رحمة الله عليه، لا حاجة بنا أن نقول أنت رق في حياتي، لأنه لو لم يقل ذلك، وقال أنت حر بعد وفاتي، كان ذلك كافيا. ومتى مات المدبر، كان المدبر من الثلث، إذا كان متبرعا بالتدبير، على ما قدمناه، فإن نقص عن الثلث انعتق، ولا له شئ، ولا عليه شئ، فإن زاد عليه استسعى، سواء كانت الزيادة ضعفي الثلث، أو أقل، أو أكثر. وقال شيخنا في نهايته، ومتى أراد بيعه من غير أن ينقض تدبيره، لم يجز له، إلا أن يعلم المبتاع إنه يبيعه خدمته، وإنه متى مات هو كان حرا، لا سبيل له عليه (2). إلا أن شيخنا رجع في مسائل خلافه، بأن قال في آخر المسألة الرابعة من كتاب المدبر، قال: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، ثم قال: فأما بيعه، وهبته، ووقفه، فلا خلاف في ذلك إنه ينتقض بذلك التدبير (3)، ثم قال رحمه الله مسألة: إذا دبره، ثم وهبه، كان هبته رجوعا في التدبير (4)، ثم قال مسألته: إذا دبره، ثم اوصى به لرجل، كان ذلك رجوعا (5). وقد قلنا ما عندنا في ذلك، فأما قوله رضي الله عنه أنه يبيعه خدمته، فغير واضح، لأن حقيقة البيع في عرف الشرع يقتضي بيع الرقبة، فحمله على بيع المنافع عدول باللفظ عن حقيقته بلا دلالة، بل شروعه في بيعه، يقتضي الرجوع عن التدبير

(1 و 2) النهاية، كتاب الطلاق باب التدبير. (3 و 4 و 5) الخلاف. كتاب المدبر مسألة 4 و 6 و 7.

[ 32 ]

الذي هو عندنا بمنزلة الوصية، بغير خلاف بيننا، كمن أوصى بداره لرجل، ثم باعها قبل موته، اقتضى ذلك الرجوع عن الوصية، من غير أن يحتاج إلى نقض الوصية قبل بيع الدار، فليلحظ ذلك، فهذا الذي تقتضيه أصول مذهبنا، وهو مقالة السيد المرتضى، ذكره في الناصريات (1). فأما إن كان التدبير عن واجب، فيمكن بيعه على جهة الصلح، فيكون الصلح على منافعه مدة حياة من دبره، ولا يمتنع أن يسمى هذا الصلح على المنافع في هذا الموضع بيعا، فليلحظ ذلك. وإذا دبر الانسان جاريته وهي حبلى، وهو عالم بذلك، فقد روي (2) أنه يكون ما في بطنها كهيئتها، وبمنزلتها يكون مدبرا. والذي يتقضيه مذهبنا، إن ما في بطنها لا يكون مدبرا مثلها، لأنه ما دبره، والتدبير حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، ولا يرجع في مثل هذا إلى أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، وإن كان أورد ذلك شيخنا في نهايته (3) إيرادا لا اعتقادا، كما أورد أمثاله. فإن لم يعلم بحبلها، كان الولد رقا، ويكون التدبير ماضيا في الجارية. فإن حملت بعد التدبير وولدت أولادا، كان أولادها بمنزلتها مدبرين، على ما روي (4). فمتى مات الذي دبر أمهم، صاروا أحرارا من الثلث، فإن زاد ثمنهم على الثلث، استسعوا في الباقي، فإذا أدوا انعتقوا. وقد روي (5) أنه ليس للمولى أن ينقض تدبير الأولاد، وإنما له نقض تدبير الأم حسب.

(1) الناصريات، كتاب البيوع مسألة 174.
(2) الوسائل: الباب 5 من بواب التدبير الحديث 3.
(3) النهاية كتاب العتق باب التدبير.
(4) الوسائل الباب 5 من أبواب التدبير الحديث 2.
(5) الوسائل الباب 7 من أبواب التدبير الحديث 1.

[ 33 ]

والذي يقتضيه مذهبنا خلاف ذلك، لأن إجماع أصحابنا منعقد على أن التدبير بمنزلة الوصية، بل هو وصية، ولا خلاف بينهم في أن للانسان أن يرجع في وصيته مادام حيا ثابت العقل، ولا خلاف بينهم في أن الأولاد مدبرون، فكيف لا يرجع فيهم. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وإذا دبر عبده وعليه دين، فرارا به من الدين، ثم مات، كان التدبير باطلا، وبيع العبد في الدين، وإن دبر العبد في حال السلامة ثم حصل عليه دين، ومات، لم يكن للديان على المدبر سبيل (1). قال محمد بن إدريس رحمه الله وهذا غير واضح، لأنه لا خلاف بيننا أن التدبير بمنزلة الوصية يخرج من الثلث، ولا يصح إلا بعد قضاء الديون، فعلى هذا التحرير والتقرير يباع العبد في الدين، ويبطل التدبير على كل حال، سواء دبره في حال السلامة، أو فرارا من الدين، وإنما هذا خبر واحد أو رده إيرادا لا اعتقادا. والمدبر متى حصل معه مال، جاز لمولاه التصرف فيه، كما يتصرف في ماله، فإن باعه، جاز له أن يأخذ ماله. وإذا أبق المدبر، بطل تدبيره، فإن رزق في حال إباقه بكسر الألف مالا، وأولادا، ثم مات، ومات الذي دبره، كانوا رقا لورثته، وجميع ما خلفه من المال والولد لورثة الذي دبره. وقد روي (2) أنه إذا جعل الانسان خدمة عبده لغيره، وقال " متى مات من جعل له تلك الخدمة يكون حرا " كان ذلك صحيحا فمتى مات المجعول له ذلك، صارا حرا، وإن أبق العبد ولم يرجع إلا بعد موت من جعل له خدمته، لم يكن لأحد عليه سبيل، وصار حرا. ولا دليل على هذه الرواية، وصحتها، لأنها مخالفة لأصول مذهبنا، لأن التدبير في عرف الشريعة عتق العبد بعد موت مولاه، والمجعول له الخدمة غير مولاه، وأيضا لو كان التدبير صحيحا، لكان إذا أبق أبطل التدبير، لأن عندنا إباق المدبر يبطل

(1) النهاية، كتاب العتق باب التدبير.
(2) الوسائل الباب 11، من أبواب التدبير، الحديث 1.

[ 34 ]

التدبير، وفي هذه الرواية أنه إن أبق العبد ولم يرجع إلا بعد موت من جعل له خدمته، لم يكن لأحد عليه سبيل، وصار حرا، وهذا مخالف لحقيقة التدبير، وأيضا فهذا حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، ولا دليل على ذلك إلا هذه الرواية الشاذة. وقال شيخنا في نهايته، والمدبر لا يجوز أن يعتق في كفارة ظهار، ولا في شئ من الواجبات التي على الانسان فيها العتق، ما لم ينقض تدبيره، فإن نقض تدبيره ورده إلى محض الرق، جاز له بعد ذلك عتقه فيما وجب عليه (1). وقد قلنا ما عندنا في ذلك: من أن التصرف فيه وإخراجه عن ملكه، رجوع عن التدبير، ولا يحتاج إلى قول " بأنه قد نقض تدبيره ". وإلى هذا يذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، فإنه قال مسألة: إذا دبره، ثم وهبه، كان هبته رجوعا في التدبير سواء أقبضه أو لم يقبضه. وقال الشافعي إن أقبضه، مثل ما قلناه، وإن لم يقبضه فعلى ضربين، منهم من قال يكون رجوعا قولا واحدا، ومنهم من قال على قولين، دليلنا أن الهبة إزالة الملك، وإذا أزال ملكه عنه، فقد نقض التدبير، كما لو باعه، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر رحمه الله (2). إذا كان عبد بين شريكين، فدبر أحدهما نصيبه، لم يقوم عليه نصيب شريكه. وقال السيد المرتضى، حكم التدبير بين الشريكين، حكم العتق سواء، من التقويم والسعاية (3). والأول اختيار شيخنا أبي جعفر (4)، وهو الذي يقوى في نفسي، لأنه لا دليل على التقويم، والحاقة بحكم العتق يحتاج إلى دليل، وهو ضرب من القياس، ونحن لا نقول به، والأصل براءة الذمة. والتدبير بشرط لا يصح عندنا.

(1) النهاية، كتاب العتق، باب التدبير، آخر الباب.
(2) الخلاف كتاب المدبر مسألة 16.
(3) الانتصار، كتاب التدبير مسألة 4، بهذا المضمون لا بهذه العبارة.
(4) في كتاب الخلاف، كتاب المدبر، مسألة 16.

[ 35 ]

كتاب الأيمان

[ 36 ]

كتاب الأيمان والنذور والكفارات باب ماهية الأقسام والأيمان لا يمين شرعية منعقدة عند أهل البيت عليهم السلام، إلا بالله تعالى، أو بأسمائه أو صفاته، فإن حلف به كان يمينا بكل حال، والحلف به هو أن يقول " ومقلب القلوب، والذي نفسي بيده " ومتى حنث وجبت عليه الكفارة. فأما الحلف بأسمائه، فأسماؤه على ثلاثة أضرب، اسم لا يشاركه غيره فيه، واسم يشاركه فيه غيره، ولكن إطلاقه ينصرف إليه، واسم يشاركه فيه غيره، وإطلاقه لا ينصرف إليه. فأما ما لا يشاركه فيه غيره، فإنه يكون يمينا بكل حال، كقوله " والله " فإنه يبدأ به، ويعطف عليه غيره فيقول " والله الرحمن الرحيم، الطالب الغالب " وكذلك " الرحمن " له خاصة وهكذا " الأول الذي ليس كمثله شئ " كل هذا لا يصلح لغيره بوجه، والحكم فيه كما لو حلف به وقد مضى. الثاني ما يشاركه فيه غيره، وإطلاقه ينصرف إليه، كالرب، والرازق، والخالق، يقال رب العالمين، ورب الدار لغيره، ورازق الخلق، ورازق الجند لغيره، وخالق الأشياء له، وخالق الإفك لغيره، وما كان من هذا فإطلاقه ينصرف إليه، فإن أطلق، أو أراد يمينا، كان يمينا، وإن لم يرد يمينا، فيقيد بالنية، أو بالنطق، وأراد غير الله بذلك، لم يكن يمينا. الثالث ما يشاركه فيه غيره، وإطلاقه لا ينصرف إليه، كالموجود، والحي الناطق، ونحو هذا، كل هذا لا يكون يمينا بوجه، وإن أرادها وقصدها، لأنه مشترك لا ينصرف إطلاقه إليه، فإذا كان كذلك، لم يكن له في نفسه حرمة.

[ 37 ]

فأما الكلام في صفاته، فصفاته ضربان، صفات ذات، وصفات فعل، فصفات ذاته، مثل قوله " وعظمة الله، وجلال الله، وقدرة الله، وعلم الله، وكبرياء الله، وعزة الله " فإنه إن قصد به المعنى الذي يكون به عالما، وقادرا على ما يذهب إليه الأشعري، لم يكن يمينا بالله، وإن قصد به كونه عاملا وقادرا. كان يمينا، فإن ذلك قد يعبر به عن كونه عالما وقادرا. إذا قال لعمر الله، روى (1) أصحابنا أنه يكون يمينا. فعلى هذا لا يمين منعقدة بشئ من المخلوقات والمحدثات، وكل مقسوم به ما عداه تعالى، وأسماؤه الحسنى، وصفات ذاته على المعنى الذي حررناه وشرحناه، فمن حلف بغير ذلك لا تنعقد يمينه، وكان مخطئا، مثل قوله " وحق الله، والقرآن، والمصحف، والكعبة، وأنبياء الله، وأئمته عليهم السلام " كل ذلك لا ينعقد به اليمين لأن الحالف بغير الله تعالى، عاص بمخالفة المشروع من كيفية اليمين، وإذا كان انعقاد اليمين ولزوم الكفارة بالحنث حكما شرعيا، لم يثبت بالمعصية، وأيضا الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل. واليمين المنعقدة الموجبة للكفارة بالحنث، هي أن يحلف العاقل المالك لاختياره، أن لا يفعل في المستقبل قبيحا أو مباحا لا ضرر عليه في تركه، أو أن يفعل طاعة أو مباحا لا يترجح فعله على تركه، مع عقد اليمين بالنية، وإطلاقها من الاشتراط بالمشية، فيخالف ما عقد اليمين عليه، مع العمد والاختيار، لأنه لا خلاف في انعقاد اليمين في الموضع الذي ذكرناه، وليس على انعقادها فيما سواه، دليل. ويختص النية قوله تعالى " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان " (2) وعقد اليمين لا يكون إلا بالنية. ويحتج على المخالف في سقوط الكفارة بالسهو والاكراه، بقوله عليه السلام " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (3) واليمين التي لا تنعقد، ولا

(1) الوسائل، الباب 30 من أبواب الأيمان الحديث 4.
(2) سورة البقرة: الآية 22 (3) الوسائل، الباب 56 من أبواب جهاد النفس لكن ما في الباب من الأخبار رفع عن أمتي تسعة أشياء الخطاء والنسيان وما أكرهوا عليه الخ. أو قريب من هذه العبارة أما في كتب العامة ففي سنن =

[ 38 ]

كفارة فيها، ما عدا ما ذكرناه، مثل أن يحلف الانسان على ماض هو كاذب فيه، أو يقول: " لا والله، وبلى والله " من غير أن يعقد ذلك بنية، وهذه يمين اللغو، أو يحلف أن يفعل أو يترك ما يكون خلافه طاعة الله تعالى واجبة، أو مندوبا إليها، أو يكون أصلح له في دينه أو دنياه. ويحتج على المخالف، في هذا، بقوله عليه السلام " من حلف على شئ، فرأى ما هو خير منه، فليأت الذي هو خير " (1) وتركه كفارتها. ويخص اليمين على المعصية، إن معنى انعقاد اليمين، أن يجب على الحالف أن يفعل أو يترك ما علق اليمين به، وهذا لا يصح في المعصية، لأن الواجب تركها. وليس لأحد أن يقول معنى انعقاد اليمين لزوم الكفارة بالمخالفة، لأن ذلك تابع لانعقاد اليمين، وموجب عنه، وكيف يفسر الانعقاد به. وكفارة اليمين، عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات. والكسوة اختلف قول أصحابنا في ذلك على حسب اختلاف الأخبار، فبعض ذهب إلى ثوبين، وبعض ذهب إلى ثوب واحد، وهو الأظهر، للظاهر، وسواء كان غسيلا، أو جديدا، قميصا أو ميزرا، أو سراويلا، ولا يجزي قلنسوة ولا خف. والاطعام شبع المسكين مما يقتاته الحالف، لا يجزي غيره، إلا أن يكون أعلى منه، لقوله تعالى " من أوسط ما تطعمون أهليكم " (2) أو أن يسلم إليه، مدا، وقدره =

البيهقي الباب 32 من كتاب الخلع والطلاق الحديث 2 ج 7 ص 357 عن عقبة بن عامر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وضع الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، وكذلك في سنن ابن ماجة الباب 16 من كتاب الطلاق الحديث 3، ج 1، ص 659. (1) سنن ابن ماجة الباب 7، من كتاب الكفارات، الحديث 2، ج 1، ص 681، والحديث هكذا عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ورواه البيهقي عن عدي وعن أبي موسى الأشعري وعن أبي هريرة. كتاب الأيمان الباب 6 الحديث 2 و 4 و 5، ج 10 ص 31 و 32 وروي أيضا مثله في الكتابين.
(2) سورة المائدة: الآية 89.

[ 39 ]

رطلان وربع بالبغدادي على الأظهر من الأقوال، وذهب بعض أصحابنا إلى المدين، وإضافة الأدم إلى ذلك غير واجب، بل هو مستحب على ما رواه (1) أصحابنا، أعلاه اللحم، وأوسطه الزيت والخل، وأدوفه الملح. ومصرفها مصرف زكاة الأموال، ومستحقها مستحقها، لا يجزي غير ذلك. والعبد كفارة يمينه، الصيام، الأيام الثلاثة فحسب، لأنه غير مخاطب بما يوجب المال. ولا كفارة قبل الحنث. ولا يمين لولد مع والده، ولا لعبد مع سيده، لا للمرأة مع زوجها، فيما يكرهونه من المباح، فمتى حلف واحد منهم على شئ مما ليس بواجب ولا قبيح، جاز للأب حمل الولد على خلافه، وساغ للزوج حمل زوجته على خلاف ما حلفت عليه، وكذلك العبد، ولا يلزم واحدا منهم كفارة على ذلك. ولا يجوز اليمين بالبراءة من الله، أو من رسوله، أو واحد من الأئمة عليهم السلام، فإن فعل أثم، ولزمه إن خالف ما علق البراءة به، كفارة ظهار، على قول بعض أصحابنا، وهو اختيار شيخنا المفيد في مقنعته (2)، وشيخنا أبي جعفر في نهايته (3). إلا أن شيخنا أبا جعفر، رجع عن ذلك في مبسوطه، فقال إذا قال أنا يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو برئت من الله أو من القرآن، أو من الاسلام، لا فعلت كذا، ففعل، لم يكن يمينا، ولا يحنث بخلافه، ولا يلزمه كفارة، وفيه خلاف. هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله (4). وقال أيضا في مسائل خلافه مسألة إذا قال أنا يهودي، أو نصراني، أو مجوسي،

(1) الوسائل، الباب 14، من أبواب الكفارات، الحديث 3.
(2) المقنعة، باب الأيمان والأقسام آخر الباب، ص 731.
(3) النهاية، كتاب الأيمان والنذور والكفارة باب ماهية الأيمان والأقسام لكنه قال فيه ولا يجوز أن يحلف الانسان بالبراءة من الله ولا من كتابه ولا من نبيه ولا من شريعة نبيه ولا من أحد من الأئمة عليهم السلام وما أضاف بعد هذا فإن فعل أثم ولزمه إن خالف ما علق البراءة به كفارة ظهار.
(4) المبسوط، ج 6، كتاب الأيمان، ص 194.

[ 40 ]

أو برئت من الاسلام، أو من الله، أو من القرآن لا فعلت كذا، ففعل لم يكن يمينا، ولا المخالفة حنث، ولا يجب به كفارة، ثم قال: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا الأصل براءة الذمة وتعليق الكفارة عليها يحتاج إلى دليل (1). وما ذكره في مبسوطه ومسائل خلافه، هو الذي يقوى في نفسي، وإليه أذهب، وبه أفتي، لأنا قد بينا أنه لا يمين إلا بالله تعالى، وبأسمائه وبصفاته، وهذا ليس كذلك، وأيضا الأصل براءة الذمة، وشغلها بالكفارة والانعقاد يحتاج إلى دليل، وأيضا انعقاد اليمين حكم شرعي، يحتاج في ثبوته إلى دليل شرعي، ولا يرجع في ذلك إلى أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا، والاجماع فغير منعقد عليه، وكتاب الله تعالى خال من ذلك. وقول الرجل " يا هناه، ولا بل شانئك " من قول أهل الجاهلية، لا ينعقد بذلك يمين. قال محمد بن إدريس رحمه الله معنى " لا بل شانئك " أي لا أب لشانئك. فاختصروا ذلك على عادتهم في الاختصار والحذف، فقالوا " لا بل شانيك). قال ابن درستويه النحوي: قد يلهج بالكلمة الشاذة عن القياس، البعيدة من الصواب، حتى لا يتكلموا بغيرها، ويدعوا القياس المطرد المختار، ولا يجب أن يقال مع ذلك هذا أفصح من المتروك، من ذلك " أيش صنعت " يريدون " أي شئ صنعت " و " لا بل شانئك " أي لا أب لشانئك، و " لا تبك " أي لا تباك، هذا آخر كلام ابن درستويه. فدل ذلك على ما قلناه في " لا بل شانئك " وما حدانا على تحقيق هذا إلا إيراد شيخنا أبي جعفر ذلك في نهايته (2)، مطلقا من غير بيان له. وإذا قال الانسان أقسمت، أو حلفت، لم يكن ذلك يمينا، حتى يقول حلفت بالله، أقسمت بالله. وساير أصناف الكفار، لا يحلفون إلا بالله تعالى، وبأسمائه، فإن علم الإمام

(1) الخلاف، كتاب الأيمان، مسألة 4.
(2) النهاية، كتاب الأيمان والنذور..

[ 41 ]

أو الحاكم إن استحلافهم بالتوراة والإنجيل، أو بشئ من كتبهم أردع لهم في بعض الأحوال، جاز له أن يحلفهم به. ولا يقع اليمين بالطلاق، ولا بالعتاق، ولا بالظهار، ولا بتحريم الرجل امرأته على نفسه. ولا تنعقد اليمين إلا بالنية، والضمير، على ما قدمناه، والنية إنما تراعى فيها نية المظلوم، دون الظالم، فهذا معنى قول شيخنا في نهايته " والنية إنما تراعى فيها نية المستحلف " إذا كان محقا، وإذا كان مبطلا، كانت النية نية الحالف (1). ويمين المكره، والغضبان، والسكران غير منعقدة، إلا أن يكون في شئ من هذه الأحوال مالكا فيها نفسه، لأنا قد بينا أن اليمين لا تنعقد إلا بالنية والضمير. والاستثناء في اليمين جايز إذا كان متصلا باليمين، أو حكم المتصل، بأن ينقطع النفس، فإن لم يتصل فلا تأثير له، فإذا استثنى فإنما يعمل إذا كان موصولا، ولا يعمل مفصولا، وينبغي أن يأتي به نسقا، من غير قطع الكلام، أو يأتي به في معنى الموصول، وهو أن يكون الكلام انقطع لانقطاع نفس، أو صوت، أوعى فمتى أتى به على هذا صح، وإن فصل بينه وبين اليمين فصلا طويلا، ثم استثنى، أو حين فرغ من اليمين تشاغل بحديث آخر، سقط الاستثناء. فإذا ثبت إنه لا يصح إلا موصولا فإنما يصح قولا ونطقا، ولا يصح اعتقادا ونية، فإذا أتى به نطقا، فإنما يصح إذا قصد به الاستثناء، ونواه، وأعتقده، فأما إذا لم يكن كذلك فلا يصح. ويصح الاستثناء في اليمين نفيا كانت أو إثباتا، فالنفي أن يقول " والله لا كلمت زيدا إن شاء الله " والاثبات " والله لأكلمن زيدا اليوم إن شاء الله تعالى " فإذا استثنى سقط حكمها، ولم يحنث بالمخالفة، ولسنا نقول الاستثناء يرفع ما حلف به، لكنها قد وقعت ومنع من الاعتقاد (2). ولا يدخل الاستثناء إلا في اليمين فحسب.

(1) النهاية، كتاب الأيمان والنذور..
(2) ج. ل. من الانعقاد.

[ 42 ]

وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، ويدخل أيضا في الطلاق، كقوله أنت طالق إن شاء الله. ويدخل أيضا في العتق والنذور وفي الاقرار (1). إلا أنه رجع عنه في مسائل خلافه، في كتاب الأيمان، وقال لا يدخل في غير اليمين بالله تعالى (2) وهذا الصحيح الذي لا خلاف فيه بين أصحابنا، والذي اختاره رحمه الله في مبسوطه، وفي مسائل خلافه، في كتاب الطلاق (3)، مذهب بعض المخالفين. ولا يجوز لأحد أن يحلف إلا على ما يعلمه، فإذا علمه جاز أن يحلف عليه، قليلا كان أو كثيرا، لأنه مأذون له في ذلك، إلا أنه يستحب أن يتجنب اليمين على القليل، وإن كان مظلوما ما لم يضربه ذلك. وإذا حلف الانسان غيره على مال له، وجب عليه الرضا بيمينه، وليس له أن يحاكمه بعد ذلك على ما حلفه عليه. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وليس له أن يأخذ من ماله شيئا، وإن جاء الحالف تائبا مقلعا، وأعطاه المال الذي حلف عليه جاز له قبضه، وإن جاء بالمال ومعه ربحه، فليأخذ رأس المال ونصف الربح، ويعطيه النصف الآخر، وإن كان له المال عنده، فغصبه عليه، وجحده، غير أنه لم يحلفه، ثم ظفر بشئ من ماله، جاز له أن يأخذ منه القدر الذي له، من غير زيادة عليه، وإن كان المال الذي ظفر به وديعة عنده، لم يجز له جحده، ولا يدخل في مثل ما دخل معه، فيه (4). والذي نقول في هذا كله، إنه يجوز له أن يأخذ بمقدار ماله، فيما بينه وبين الله تعالى، سواء حلفه أو لم يحلفه، وسواء كان المال المجحود غصبه منه، أو لم يغصبه، وسواء كان ما ظفر له به وديعة، أو غير وديعة، لأنه لا دليل على المنع من ذلك، من

(1) المبسوط، ج 6، كتاب الأيمان، ص 200.
(2) الخلاف، كتاب الأيمان، مسألة 26، والعبارة هكذا، لا يدخل الاستثناء بمشية الله إلا في اليمين فحسب.
(3) المبسوط، ج 5، كتاب الطلاق، فصل في ذكر القرائن والصلات...، ص 32.
(4) النهاية، كتاب الأيمان والنذور...

[ 43 ]

كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع منعقد، فلا يجوز تضييع المال، لأن الرسول عليه السلام، نهى عن قيل وقال وإضاعة المال (1)، فأما الربح المذكور، وأخذ نصفه فلا وجه له، إلا أن يكون المال المجحود مضاربة، وكان الربح قبل الجحود والمطالبة والحكومة، فحينئذ يصح ما ذكره رحمه الله. ومن كان عنده وديعة لمؤمن، فطالبه بها ظالم، فلينكرها، فإذا استحلفه على ذلك، فليحلف، ويوري في نفسه ما يخرجه من كونه كاذبا، وليس عليه كفارة، بل له فيه أجر كبير. وهذه من جملة الأيمان التي يؤجر الحالف عليها، لأنها أربع، هذه إحداها. والثانية لا يؤجر عليها ولا يعاقب، ووجودها كعدمها، وهي أن يسبق لسانه إلى شئ، ويريد خلافه من غير نية له، وهذه لغو اليمين. والثالثة يأثم ويعاقب عليها، ولا كفارة فيها، وهي اليمين على الماضي في اقتطاع مال الانسان، وهي اليمين الغموس، لأنها تغمس الحالف في الإثم، فلأجل ذلك سميت يمين الغموس. والرابعة من الأيمان هي التي تجب فيها الكفارة، فهو أن يحلف الانسان أن لا يخل بواجب، أو لا يفعل قبيحا، فمتى أخل بما وجب عليه، أو ارتكب قبيحا، وجب عليه فيه الكفارة. ومتى حلف أيضا أن يفعل ما قد وجب عليه فعله أو ما الأولى به فعله في دينه أو دنياه ثم لم يفعل ما وجب، أو أخل بما الأولى به فعله، كان عليه الكفارة. ومن حلف أيضا أن يفعل فعلا من الأفعال كان فعله وتركه على حد واحد، ولم يكن لأحدهما مزية على الآخر، فمتى لم يفعله كان عليه الكفارة. وكذلك إن حلف أن لا يفعل فعلا كان فعله مثل تركه، فمتى فعله وجبت عليه

(1) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، الباب 22، والجزء 23، ص 3، بإسناده عن المغيرة في حديث، إنه صلى الله عليه وآله، كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال. وفي الوسائل، الباب 6، من كتاب الوديعة، الحديث 2، ص 231، عن أبي جعفر عليه السلام في حديث إن الله نهى عن القيل والقال وفساد المال وكثرة السؤال.

[ 44 ]

الكفارة. وجملة الأمر، وعقد الباب إن ما فيه الكفارة، فهو أن يحلف على أن يفعل أو يترك، وكان الوفاء به إما واجبا أو ندبا، أو كان فعله وتركه سواء، فمتى خالف، كان عليه الكفارة. ومتى حلف الانسان على شئ يدفع به أذى عن نفسه، أو عن مؤمن كان له فيه أجر (1) ولم يكن عليه في ذلك كفارة. والسلطان الجائر إذا استحلف أعوانه على ظلم المسلمين، فحلفوا له، لم يجز لهم الوفاء به، بل يجب عليهم ترك الظلم، ولا كفارة عليهم. ومن كان عليه دين لا يجد إلى قضائه سبيلا لإعساره، فقدمه صاحب الدين إلى حاكم، يعلم أنه متى أقر عنده حبسه، وأضر به وبأهله، جاز له جحده والحلف عليه، بعد أن ينوي قضاؤه عند التمكن منه، ويوري في يمينه، ولا إثم عليه، ومعنى التورية أنه يبطن بخلاف ما يظهر إذا حلف، بأن يقول: " والله مالك عندي شئ " ويبطن في ضميره " تستحق المطالبة به الآن " وهو صادق في ذلك لأنه ليس له المطالبة به الآن، لقوله تعالى " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " (2). ولا يجوز لصاحب الدين أن يعرضه لليمين، مع علمه بإعساره، ولا يحل له حبسه مع إحاطة علمه بعجزه، فإن حبسه حينئذ كان مأثوما. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ومن وهب له أحد والديه شيئا، ثم مات الواهب، وطالبه الورثة بذلك الشئ، جاز له أن يحلف إنه كان اشتراه، وأعطى ثمنه، ولم يكن عليه كفارة ولا إثم (3). قال محمد بن إدريس رحمه الله هذا غير واضح. أما إذا طالبه الورثة بذلك الشئ، فأقر لهم به، أو قامت لهم بينة بأنه للميت، فلهم انتزاعه وعوده تركة، فإن ادعي إنه اشتراه من والده، فقوله غير مقبول، والقول قول الورثة، إلا أن يردوا عليه

(1) ج. ل. كان له فيه أجر كبير.
(2) سورة البقرة، الآية 280.
(3) النهاية، كتاب الأيمان والنذور، باب أقسام الأيمان.

[ 45 ]

اليمين، لأن اليمين في جنبتهم، ولا يجوز له أن يدعي إنه اشتراه، ولا أن يحلف إنه اشتراه، فإن حلف على ذلك، كان كاذبا، معاقبا على كذبه، وإنما إن ادعى أنه له، ورضي الورثة بيمينه، فيجوز حينئذ أن يحلف أنه له، ولا يكون كاذبا في يمينه، بل يكون صادقا، وإنما هذا خبر واحد، أورده شيخنا إيرادا لا اعتقادا. ومن حلف على انسان ليأكل معه، أو يجلس معه، أو يمشي، فلم يفعل، لم يجب عليه الكفارة لأنه حلف على فعل الغير. ومن حلف أن لا يشتري لأهله شيئا بنفسه، وكان شراؤه صلاحا له في دينه أو دنياه، فليشتره، ولا كفارة عليه. ومن حلف لزوجته أن لا يتزوج عليها، ولا يتسرى، لا في حياتها، ولا بعد وفاتها، جاز له أن يتزوج ويتسرى، ولا كفارة عليه في ذلك، ولا إثم. ومن حلف بأن عبيده أحرار، خوفا من ظالم، لم ينعتقوا بذلك، ولم يكن عليه كفارة. وإذا حلفت المرأة ألا تخرج إلى بلد زوجها، ثم احتاجت إلى الخروج، فلتخرج، ولا كفارة عليها، وكذلك إذا أمرها بالخروج وإن لم تحتج إلى الخروج، فلتخرج معه، ويجب عليها امتثال أمره، ولا كفارة عليها في ذلك ولا آثم. ومن كان عليه دين، فحلفه صاحبه أن لا يخرج من البلد إلا بإذنه، لم يجز له الخروج إلا بعد إعلامه، إلا أن يخاف إن أعلمه منعه من ذلك، وكان عليه في المقام ضرر وعلى عياله، فإنه يجوز له الخروج ولا كفارة عليه ولا إثم. ومن حلف أن يؤدب غلامه بالضرب، جاز له تركه، ولا يلزمه الكفارة، لقوله تعالى " وإن تعفوا أقرب للتقوى " (1). ومن حلف أن لا يشرب لبن عنز له، ولا يأكل من لحمها، وليس به حاجة إلى ذلك، لم يجز له شرب لبنها ولا لبن أولادها، ولا أكل لحومهن، فإن أكل أو شرب، مع ارتفاع الحاجة، كانت عليه الكفارة، وإن كان شرب ذلك لحاجة به لم يكن

(1) سورة البقرة، الآية 237.

[ 46 ]

عليه شئ، هكذا أورده شيخنا في نهايته (1). قال محمد بن إدريس رحمه الله، أما شرب لبن العنز، وأكل لحمها، فإن كان الشرب أو الأكل تركه أولى من فعله في دينه أو دنياه، فهو على ما قال رحمه الله، وإن كان فعل الأكل أو الشرب أولى في دينه أو دنياه، فليفعل ذلك ولا كفارة عليه ولا آثم، لأنه لا خلاف بيننا في أن من حلف على شئ، ورأى خلافه خيرا له في دينه أو دنياه، فليأت الذي هو خير له ولا كفارة عليه، فأما شرب لبن أولادها، أو أكل لحومهن، فلا بأس بذلك على كل حال، لأن اليمين تعلقت بعين العنز، دون أولادها، وإنما ذلك خبر واحد، أورده إيرادا لا اعتقادا فهذا تحرير الفتيا. ومن أودع عند انسان مالا، وذكر إنه لانسان بعينه، ثم مات فجاء ورثته يطالبونه بالوديعة، جاز له أن يحلف بأن ليس له عنده شئ ويوصل الوديعة إلى صاحبها الذي أقر المودع بأنها له، سواء كان المودع ثقة أو غير ثقة، لأن إقرار العقلاء جائز على نفوسهم، سواء كانوا أتقياء أو غير أتقياء. وذكر شيخنا أبو جعفر في نهايته، بأنه إن كان الموصي (2) ثقة عنده، جاز له أن يحلف بأن ليس له عنده شئ، ويوصل الوديعة إلى صاحبها، وإن لم يكن ثقة عنده، وجب عليه أن يرد الوديعة على ورثته (3). وهذا خبر واحد، أورده رضي الله عنه إيرادا كما أورد أمثاله مما لا يعمل عليه ومن حلف أن لا يمس جارية غيره أبدا، ثم ملكها بعد ذلك، جاز له وطؤها، لأنه إنما حلف ألا يمسها حراما، فإذا ملكها فقد زال عنه ذلك. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته وإذا قال الرجل أنا يهودي أو مجوسي أو مشرك أو كافر، وأيمان البيعة والكنيسة تلزمني، فإن كل ذلك باطل، ويستحق قائله به الإثم، ولم يلزمه حكم اليمين (4). قال محمد بن إدريس رحمه الله، أيمان البيعة، بفتح

(1) النهاية، كتاب الأيمان والنذور، باب أقسام الأيمان.
(2) كذا في النسخ إلا أن في نسخة الأصل عن خط المصنف " الوصي " وهو غير ظاهر.
(3) النهاية، كتاب الأيمان والنذور، باب أقسام الأيمان.
(4) النهاية، كتاب الأيمان والنذور...

[ 47 ]

الباء وهي أما حقيقة البيعة، التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله من المصافحة، وبعده إلى أيام الحجاج، أو ما حدث في أيام الحجاج، من اليمين بالطلاق والعتق وغير ذلك، سواء صرح بذلك أو نواه، وعلى كل حال فلا يظن ظان أنها بكسر الباء، وأنها بيعة النصارى، وإنما يشتبه ذلك على كثير من الناس، لانضمام الكنيسة إليها، وذلك غلط ووهم عظيم. فأما الكنيسة لم يورد ها أحد من أصحابنا في كتاب له، ولا ورد بذلك خبر في كتب الأخبار، وشيخنا مصنف النهاية لم يوردها في غير النهاية من سائر كتبه، لا كتبه الأخبارية ولا غيرها، ولا أدري إلى أي شئ أنسب ذلك، لأنه لا أيمان للبيعة والكنيسة، ولا فيهما أيمان يحلف بها. وقال رحمه الله في مسائل خلافه في الجزء الثالث، في آخر كتاب النذور، مسألة إذا قال أيمان البيعة لازمة لي، أو حلف بأيمان البيعة لا دخلت الدار، لم يلزمه شيئا، ولم يكن يمينا، سواء عني بذلك حقيقة البيعة التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله من المصافحة، وبعده إلى أيام الحجاج، أو ما حدث في أيام الحجاج من اليمين بالطلاق والعتق وغير ذلك، سواء صرح بذلك أو نواه وعلى كل حال، وقال الشافعي إن لم ينو شيئا كان لاغيا، وإن نوى أيمان الحجاج، ونطق فقال أيمان البيعة لازمة لي بطلاقها وعتقها، انعقدت يمينه، لأنه حلف بالطلاق، فإن لم ينطق بذلك، ونوى الطلاق والعتق، انعقدت يمينه أيضا، لأنها كناية عن الطلاق والعتق، دليلنا أن الأصل براءة الذمة، وانعقاد ذلك يحتاج إلى دليل، وعليه إجماع الفرقة، فإنهم مجمعون على أن اليمين بالطلاق والعتاق باطلة، فهذا لو كان صريحا بها لبطل بما قلناه هذا آخر كلامه رحمه الله (1). فدل ذلك أنه ما أراد في نهايته بيعة النصارى، وفي نهايته أورد الكنيسة. إذا حلف والله لا أكلت طيبا، ولا لبست ناعما، كانت هذه يمين مكروهة (2)، والمقام عليها مكروه، وحلها طاعة، لقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا

(1) الخلاف، كتاب النذور، مسألة 19.
(2) ج. ل. يمينا مكروهة.

[ 48 ]

تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " (1) ثم قال تعالى " وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا " (2) ثم قال تعالى " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " (3) وقال تعالى " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك " (4). لا تنعقد يمين الكافر بالله، ولا يجب عليه الكفارة بالحنث، ولا يصح منه التكفير بوجه. إذا قال " وحق الله " لا يكون يمينا، قصد أو لم يقصد. إذا قال الله بكسر الهاء، بلا حرف قسم لا يكون يمينا إذا قال أشهد بالله، لا يكون يمينا. إذا قال اعزم بالله لا يكون يمينا. إذا قال أسألك بالله، أو أقسم عليك بالله، لا يكون يمينا. إذا حلف لا أتحلى أو لا ألبس الحلي، فلبس الخاتم، حنث. إذا حلفت المرأة لا لبست حليا، فلبست الجوهر وحده، حنثت، قال الله تعالى " وتستخرجوا منه حلية تلبسونها " (5) ومعلوم إن الذي يخرج منه هو اللؤلؤ والمرجان. إذا كان في دار فحلف لا سكنت هذه الدار، فأقام عقيب يمينه مدة يمكنه الخروج منها، فلم يفعل، حنث، لأن اليمين إذا علقت بالفعل، تعلقت بأقل ما يقع عليه الاسم من ذلك، كرجل حلف لا دخلت الدار، حنث بأقل ما يقع عليه الدخول، وهو إذا عبر العتبة. إذا كان في دار فحلف لأدخلها، لم يحنث باستدامة قعوده فيها. إذا حلف لا دخلت بيتا، فدخل بيتا من شعر أو وبر، أو بيتا مبنيا من حجر، أو مدر، فإنه يحنث. إذا قال والله لا دخلت على زيد بيتا، فدخل عليه وهو في الكعبة، فإنه يحنث، لأن الله تعالى سماه بيتا فبعرف الشرع يسمى بيتا، وإن كان بعرف الاستعمال

(1) سورة المائدة، الآية 87.
(2) سورة المائدة، الآية 88.
(3) سورة الأعراف، الآية 32.
(4) سورة التحريم، الآية 1.
(5) سورة النمل، الآية 14.

[ 49 ]

والعادة لا يسمى بيتا، فإذا طرأ عرف الشرع على عرف اللغة أو الاستعمال، كان الحكم له، والمرجع إليه، دون العرفين، بغير خلاف من محصل لأصول الفقه. وقال شيخنا في مبسوطه، لا يحنث لأن البيت ما يكون للايواء والسكنى (1). ثم قال في موضع آخر من تصنيفه، في مسائل خلافه، إذا حلف لا يأكل لحما، فأكل لحم السمك، حنث، ثم قال دليلنا إن اسم اللحم يطلق عليه، قال الله تعالى " ومن كل تأكلون لحما طريا " (2) وقال " وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا " (3) فإذا كان اسم اللحم ينطلق عليه، وجب أن يطلق الأيمان عليه، هذا آخر كلامه (4). قال محمد بن إدريس رحمه الله العرف الشرعي وهو القرآن، هو الذي سماه لحما، وإن كان في عرف الاستعمال والعادة لا يسمى لحما، فلزمه في البيت والكعبة ما ألزم خصمه من الاستشهاد بالقرآن، وتحنيث من دخل الكعبة في المسألة الأولى، إذ هما سواء. إذا حلف لا يأكل من طعام اشتراه زيد، فاشترى زيد وعمرو طعاما صفقة واحدة، فأكل منه، لم يحنث عندنا إذا اقتسما هذا الطعام، وأفرد كل واحد منهما نصيبه، فإن أكل من نصيب زيد أو نصيب عمرو لم يحنث. إذا حلف لا يلبس ثوبا من عمل يد فلان، فوهب له فلان ثوبا، فإن لبسه حنث بلا خلاف، وإن استبدل به، وباعه، وبادل به، ولبسه لم يحنث. إذا حلف لا يدخل دار زيد، فإن دخلها وهي ملك لزيد، حنث بلا خلاف، وإن كان ساكنها بأجرة، لم يحنث، لأن حقيقة هذه الإضافة تقيد الملك، وإنما يستعمل في السكنى مجازا، وظواهر الأسماء يجب حملها على الحقيقة، والدليل على أن حقيقة ذلك ما قلناه، إنه لو قال هذه الدار لزيد، كان ذلك اعترافا بالملك، ولو قال

(1) المبسوط، ج 6، كتاب الأيمان، ص 249، والعبارة هكذا، " لأن البيت إذا أطلق يتناول ما بنى للايواء والسكنى ".
(2) سورة فاطر، الآية 12.
(3) سورة النحل، الآية 14.
(4) الخلاف، كتاب الأيمان، مسألة 73.

[ 50 ]

أردت أن يسكنها بأجرة لم يقبل منه. إذا حلف لا دخلت دار زيد، أو حلف لا كلمت زيدا، فكلمه ناسيا، أو جاهلا بأنه هو زيد، أو مكرها، أو دخل الدار ناسيا، أو مكرها، أو جاهلا، لم يحنث لأن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل، وأيضا قوله عليه السلام " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (1)، وذلك عام في جميع الأشياء إلا ما خرج بالدليل. إذا حلف لا دخلت على زيد بيتا، فدخل على عمرو بيتا وزيد فيه، وهو لا يعلم بكون زيد فيه، فإنه لا يحنث. إذا دخل على عمرو بيتا، وزيد فيه، واستثناه بقلبه، كأنه قصد الدخول على عمرو دون زيد، لم يصح. وإن حلف لا كلم زيدا، فسلم على جماعة فيهم زيد، واستثناه بقلبه، لم يحنث. إذا دخل عليه عمرو بيتا، فاستدام زيد القعود معه لا يحنث. إذا قال الخليفة أو الملك والله لا ضربت عبدي، ثم أمر به فضربه، لم يحنث. إذا قال الخليفة والله لا تزوجت، ولا بعت، فوكل فيهما، لم يحنث. إذا حلف لا لبست هذين الثوبين، أو لا أكلت هذين الرغيفين، فأكل أحدهما لم يحنث. إذا حلف لا يأكل الرؤوس، فأكل رؤوس الغنم والإبل والبقر، حنث، ولا يحنث بأكل رؤوس العصافير، والطيور، والحيتان، والجراد. وقال بعض الفقهاء لا يحنث إلا بأكل رؤوس الغنم فحسب، وهو قوي لعرف العادة، هذا إذا لم يكن له نية، فأما إذا كان له نية، حنث وبر على نيته، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر رحمه الله في مبسوطه (2)، وهو فروع المخالفين وتخريجاتهم. والذي يقتضيه أصولنا، إنه يحنث بأكل جميع الرؤوس، لأن ذلك هو الحقيقة،

(1) الوسائل، الباب 56 من أبواب جهاد النفس وما يناسبه.
(2) المبسوط، ج 6، كتاب الأيمان، ص 238 - 239، في العبارة تغيير وتقطيع.

[ 51 ]

فلا يعدل عنها إلى المجاز، لأنا ننظر إلى مخرج اليمين، ويحنث صاحبها ويبر على مخرجها وحقايقها، دون أسبابها، ومعانيها، ومجازاتها، وفحوى خطابها، ولهذا إذا حلف الانسان لأضرب عبده، أو لا اشتري شيئا، فأمر بضربه أو شراء ذلك الشئ، فإنه لا يحنث، لأن الأيمان تتعلق بحقايق الأسماء والأفعال، لا بمجازاتها ومعانيها. وكذا إذا حلف انسان على انسان آخر وقد عدد إنعامه عليه، فقال له في جواب ذلك والله لا شربت لك ماء من عطش، فانتفع بغير الماء وأكل الخبر، ولبس الثياب، لا يحنث، لأن يمينه تعلقت بشرب الماء فحسب، وهو الحقيقة، وما عدا ذلك مجاز وفحوى خطاب، ولأن الأصل براءة الذمة من الواجبات والمندوبات، إلا ما أوجبه دليل قاطع للأعذار، فليلحظ ذلك ويتأمل حق التأمل. إذا حلف لا يأكل البيض، انطلق على كل بيض يزايل بايضه، وهو بيض الدجاج، والأوز، والنعام، والطيور، ونحوها، فأما ما عدا ذلك، مما لا يزايل بايضه حيا، وهو بيض الحيتان، والجراد، فلا يحنث بأكله، لأن إطلاق الأيمان يتعلق بما يقصد ويفرد للأكل وحده، دون بايضه، هكذا ذكر شيخنا في مبسوطه (1). والذي يقتضيه مذهبنا إنه يحنث بأكل جميع ما ينطلق عليه اسم البيض، لأن اسم البيض يقع حقيقة على جميع ذلك، والأيمان عندنا تتعلق بحقايق الأشياء، ومخارج الأفعال والأسماء، ولا ترجع إلى المعاني، فإنما هذه تخريجات المخالفين وقياساتهم، فإذا كان اسم البيض ينطلق على بيض السمك حقيقة، وجب أن يتعلق الأيمان وتطلق عليه، وطريقة الاحتياط أيضا يقتضيه. وقال شيخنا في مسائل خلافه: إذا حلف لا يأكل لحما، فأكل قلبا، لا يحنث (2). والأولى إنه يحنث، لأن اسم اللحم ينطلق عليه حقيقة، وقد قلنا إن الأيمان تتعلق بمخارج الأسماء وحقايقها، وإنما بعض المخالفين قال هذا، واستدل بأنه لا يباع

(1) المبسوط، ج 6، كتاب الأيمان، ص 239.
(2) الخلاف، كتاب الأيمان، مسألة 79.

[ 52 ]

مع اللحم، وهذا خروج منه عن الحقايق إلى المعاني، والمقاييس، فلا يعرج عليها، ولا يلتفت إليها. إذا حلف لا يشم الورد، فشم دهنه، لا يحنث، وكذلك البنفسج، لأن اليمين ما تعلقت إلا بشم الورد والبنفسج، فلا يتعدى إلى غيره، ولا يرجع عن الحقايق إلى المجازات، والمعاني، والتخريجات. إذا حلف أن لا يأكل لحما فأكل لحم النعم والصيود والطيور، حنث، بلا خلاف، وإن أكل لحم السمك، ذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، إلى أنه يحنث، واحتج بالآية، وهي قوله تعالى " وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا " (1) وإذا كان اسم اللحم ينطلق عليه شرعا، وجب أن تطلق الأيمان عليه (2). إلا أنه رجع عن ذلك في مبسوطه، وقال لا يحنث بأكل لحم السمك (3). وهو قوي لعرف العادة، والأول أقوى، للآية، لأن عرف الشرع إذا طرأ على عرف العادة، كان الحكم لعرف الشرع. وقال شيخنا في مسائل خلافه: إذا حلف لا شربت من نهر، لا شربت من دجلة، فمتى شرب من مائها، سواء غرف بيده، أو في كوز، أو غيره، أو كرع فيها كالبهيمة، حنث (4). إلا أنه رجع عن ذلك، في مبسوطه، فقال لا يحنث حتى يكرع فيها كالبهيمة، لأنه إذا شرب غرفا بيده، فما شرب منها، وإنما شرب من يده (5). وهذا الذي يقوى في نفسي، لأن الأصل براءة الذمة، والكلام في الحقايق دون المجاز، وهذا هو الحقيقة، وما عداه مجاز. ومعنى قوله كرع يقال كرع في الماء يكرع كروعا، فهو كارع، إذا تناوله بفيه من

(1) سورة النحل، الآية 14. (2 و 4) الخلاف، كتاب الأيمان، مسألة 73 - 67.
(3) المبسوط، ج 6، كتاب الأيمان ص 239، والعبارة هكذا: فإن أكل لحم الحيتان لا يحنث.
(5) المبسوط، ج 6، كتاب الأيمان، ص 232.

[ 53 ]

موضعه، من غير أن يشرب بكفيه، ولا بإناء، يقال أكرع في هذا الإناء نفسا أو نفسين، أي شرب بفيك، وفيه لغة أخرى كرع بكسر الراء، يكرع كرعا. وجملة الآمر وعقد الباب، إن الحكم إذا علق باسم، لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون باسم خاص، أو عام: فإن كان خاصا، نظرت، فإن كان حقيقة فيه، لا مجاز له في غيره، تعلق بالحقيقة، ولم يتعلق بغيرها، وإن قصد الغير، ونواه، وأراده، كقوله لا شربت لك ماءا من عطش، هذا حقيقة غير مجاز في الشراب، ومجاز في الطعام، وفي الناس من قال هو حقيقة فيهما، والأول أوضح، والثاني قوي، لا للحقيقة، بل لفحوى الخطاب. فأما إذا علقه بالعموم، حمل على العموم، إلا أن يدخله التخصيص، ويكون ذلك بأحد ثلاثة أشياء، نية، أو عرف قائم في الاسم، أو عرف الشرع: فالنية إذا علقها بعموم الأعيان، كقوله لا كلمت أحدا، تعلق بكل أحد، فإن قال نويت إلا زيدا، كان على ما نوى، وتعلقها بعموم الزمان، مثل أن يحلف لا كلمت زيدا أبدا، اقتضى أبدا الدهر، فإن قال نويت شهرا، أو نويت ما لم يدخل الدار، صح لأن دخول التخصيص في مثل هذا صحيح، وفي مثل هذا المعنى إذا علقها باسم خاص لشئ حقيقة فيه، وقد استعمل في غيره مجازا، كقوله لا دخلت دار زيد، حقيقته ملك زيد، ومجازه دار يسكنها زيد بأجرة، فإذا نوى المجاز، قبل منه، كما يعدل بالحقيقة إلى المجاز بدليل. فإذا ثبت إنها تختص بالنية، نظرت، فإن كانت يمينا بالله، قبلنا منه في الحكم، وفيما بينه وبين الله، لأنه أعرف بما نواه، وإن كانت بالعتق لو بالطلاق، لم تنعقد عندنا أصلا، وعندهم تقبل فيما بينه وبين الله، دون الحكم، لأنه يدعي خلاف الظاهر. وأما التخصيص بالعرف القائم في الاسم، كقوله " لا أكلت البيض " حقيقة هذا كل بيض، سواء زايل بايضه، وهو حي كالدجاج والنعام والأوز، أو لا يزايل بايضه، وهو حي، كبيض السمك، والجراد، لا إنا نحمله على ما يزايل بايضه

[ 54 ]

حيا، بالعرف القائم في الاسم، ألا تراه إذا قال أكلت البيض، لم يفهم منه بيض السمك والجراد، وكذلك إذا حلف لا أكلت الرؤوس، فهذا حقيقة في كل رأس، ونحمله على رؤوس النعم بالعرف القائم في الاسم، وقد قلنا ما عندنا في مثل ذلك، وحققناه وحررناه، وإنما أوردنا ما أورده شيخنا في مبسوطه، من كلام المخالفين، وتخريجاتهم، ألا ترى إلى قوله " فهذا حقيقة في كل رأس " فأين يعدل عن الحقيقة، وهي الأصل، وإنما يعدل في بعض المواضع بدليل قاطع، مثلا: قال انسان لغلامه اشتر لنا رؤوسا نتغدى بها باليوم، حملناه على رؤوس النعم لأجل القرينة، وشاهد الحال، وليس كذلك إذا حلف انسان، وأطلق كلامه عن القرائن والبيان، أنه لا يأكل الرؤوس فأكل رؤوس الغزلان، وحمر الوحش، والخنازير، نقول لا يحنث وقد فعل ما حلف عليه إنه لا يفعله، حقيقة بلا خلاف بين أهل اللسان، والعقلاء والعلماء، إن تلك تسمى رؤوسا بلا إشكال. وأما ما يخص بالعرف الشرعي فكل ما كان له اسم في اللغة واختص بالشرع إلى غير ما وضع له في اللغة، حمل إطلاقه على الشرعي، كالصيام، هو في اللغة عام في الامساك عن كل شئ، وهو في الشرع إمساك عن أشياء مخصوصة، فحملنا المطلق على الشرعي، وفي هذا المعنى الصلاة في اللغة الدعاء، وفي الشرع هذه الأفعال المخصوصة، فانطلقت على الشرعية، فحملنا المطلق من الكلام، على عرف الشرع، لأنه الطاري. فإذا حلف لا كلمت الناس فهذا عام في كل أحد، فإذا كلم واحدا حنث، لأنه تعلق بالجنس. إذا حلف لا ذقت شيئا، فأخذه بفيه، ومضغه، ورمى به، ولم يبتلع منه شيئا، حنث، لأن الذوق عبارة عن معرفة طعم الشئ، وهذا قد عرف طعمه قبل أن يبتلعه. قال شيخنا في مسائل خلافه: إذا حلف لا وهبت له، فإن الهبة عبارة عن كل عين يملكه إياها متبرعا بها بغير عوض، فإن وهب له، أو أهدى له، أو نحله، أو

[ 55 ]

أعمره، أو تصدق عليه بصدقة تطوع، حنث (1). قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب " تغمده الله برحمته " أما قوله رحمه الله وحده " فإن الهبة عبارة عن كل عين يملكه إياها متبرعا بغير عوض " فغير واضح، لأن الوقف كذلك، ولا يسمى هبة بغير خلاف، وصدقة التطوع عندنا لا تسمى هبة، بل بينها وبين الهبة فرق كثير، لأن صدقة التطوع بعد القبض، لا يجوز الرجوع فيها، والهبة يجوز الرجوع فيها، فلا يحنث صدقة التطوع، لأنه ما وهب. إذا حلف لا أكلت هذه الحنطة، أو من هذه الحنطة، وأشار إلى حنطة بعينها، ثم طحنها دقيقا وأكلها، لم يحنث وكذلك إذا حلف لا أكلت هذا الدقيق، فخبزه، ثم أكله، لم يحنث. ذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه إلى أنه إذا حلف لا وهبت عبدي، ثم وهبه من رجل، حنث، بوجود الايجاب قبل الموهوب له، أو لم يقبل (2). قال محمد بن إدريس رحمه الله مصنف هذا الكتاب ما ذهب إليه رحمه الله، مذهب أبي حنيفة، وأبي العباس بن شريح، والدي يقتضيه أصول أصحابنا، إنه لا يحنث إلا بوجود الايجاب والقبول، لأن الهبة عقد عندنا بلا خلاف، والعقود لا يكون إلا بين اثنين، وهو مثل البيع سواء، وقد فرق شيخنا بينهما بغير فرق، وهو أنه قال لا يقال باع بلفظ قوله بعت، حتى يحصل القبول، وكذلك نقول نحن في الهبة، لأنها باقية على ملكه بلا خلاف، فإذا وجد القبول، انتقلت من ملكه، وكذلك البيع سواء، فليلحظ ذلك. وقد رجع شيخنا في مبسوطه (3)، إلى ما اخترناه وحررناه. قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: إذا حلف لا آكل شحما، فأكل شحم الظهر، لم يحنث (4).

(1) الخلاف، كتاب الأيمان، مسألة 91. (2 و 4) الخلاف كتاب الأيمان، مسألة 103 - 78.
(3) المبسوط، ج 6، كتاب النذر، ص 250.

[ 56 ]

قال محمد بن إدريس رحمه الله، الصحيح الذي يقتضيه أصول المذهب، إنه يحنث، لأن الشحم عبارة عن غير اللحم، من أي موضع كان، سواء كان شحم الإلية أو الظهر، أو البطن، بغير خلاف بين أهل اللسان. قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: إذا حلف لا يأكل رطبا، فأكل المنصف، وهو الذي نصفه رطب، ونصفه بسر أو حلف ألا يأكل بسرا فأكل المنصف حنث (1). قال محمد بن إدريس رحمه الله والذي يقوى في نفسي، إنه لا يحنث، للعرف، لأن الانسان إذا قال لغلامه اشتر لنا رطبا، فاشترى له منصفا، لم يمتثل أمره، وكذلك إن أمره بشري البسر، فاشترى له المنصف، لم يكن ممتثلا أمره، لأن في عرف العادة، الرطب هو الذي جميعه قد نضج، وكذلك في البسر، الذي جميعه لم ينضج منه شئ، وهذا هو المتعارف. إذا حلف لا استخدم فلانا، فخدمه فلان من قبل نفسه، لا يحنث، لأن لفظ الاستفعال أن يطلب منه الخدمة، هذا موضوعها في اللغة، وإذا لم يطلب منه ذلك، لم يكن مستخدما. إذا حلف لا يشم الورد، فشم دهنه لم يحنث. إذا حلف لا أضرب فلانا فعضه، أو خنقه، أو نتف شعره، لم يحنث. إذا حلف لا أتسرى، فالكلام في التسري ما هو؟ قال قوم: التسري الوطي والتخدير، أنزل أو لم ينزل، لأن الجارية ضربان، سرية، وخادمة. فإذا خدرها ووطئ فقد تسرى، وترك الاستخدام، وقال قوم التسري مجرد الوطي، أنزل أو لم ينزل، خدرها، وحصنها، أو لم يفعل ذلك. والأقوى عندي الأول، قال الجوهري في كتاب الصحاح، كان الأخفش يقول السرية مشتقة من السرور، لأنه يسر بها، يقال تسريت جارية، وتسررت، كما قالوا تظننت وتظنيت، فعلى هذا من قال هو مشتق من التسري (2)، يكون مصدر

(1) الخلاف كتاب الأيمان، مسألة 82.
(2) ج. من السرور.

[ 57 ]

تسررت، ومنهم من قال من السر، وهو الجماع، ومنهم من قال من السري (1) وهو الظهر. إذا حلف، ألا يأكل أدما، فأكل الخبز، بالملح، حنث بلا خلاف. قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: إذا حلف لا يتكلم فقرأ القرآن، لم يحنث، واحتج رحمه الله بأن قال: لا يطلق على من قرأ القرآن إنه يتكلم (2). وهذا غير واضح، والذي يقتضيه أصل المذهب ولغة العرب، أنه إذا قرأ القرآن فقد تكلم، وإن القرآن كلام بغير خلاف، فعلى هذا التقرير يحنث، وإنما اختار شيخنا قول بعض المخالفين محتجا بأن القرآن، إن كان كلاما خارج الصلاة، كان كلاما داخل الصلاة، فيؤدي إلى بطلانها، وهذا ليس بشئ لأنا نقول إنه كلام خارج الصلاة وداخل الصلاة، وليس كل كلام يقطع الصلاة، لأن التكبير والتحميد والتسبيح كلام بلا خلاف، وهو داخل الصلاة ولا يقطعها بالاتفاق. باب النذور والعهود وأقسام ذلك وأحكامه النذر على ضربين: ضرب يجب الوفاء به، وضرب لا يجب ذلك فيه: فالذي يجب الوفاء به هو أن ينذر أنه متى فعل واجبا أو ندبا أو مباحا، أو متى لم يفعل واجبا أو ندبا أو مباحا، ولا يكون ترك المباح أعود عليه في دينه أو دنياه، ولا يكون النذر معصية ولا في معصية، بل لا ينعقد النذر إلا في طاعة خالصة لله، مماثلة لما تعبد الله به سبحانه في شريعتنا، فمتى علق بطاعة تخالف المشروع كان باطلا، وما روي (3) أن من نذر (4) أن يطوف على أربع كان عليه أن يطوف طوافين: طواف ليديه، وطواف لرجليه (5) فهي من أخبار الآحاد الشواذ، وقد قلنا ما عندنا

(1) ج. ل. من السرا.
(2) الخلاف، كتاب الأيمان، مسألة 102.
(3) الوسائل، كتاب الحج، الباب 70، من أبواب الطواف، ح 1 - 2.
(4) ج. من نذر.
(5) ج. طوافا ليديه وطوافا لرجليه.

[ 58 ]

في ذلك في كتاب الحج (1)، وأشبعنا القول فيه. فعلى هذا التقرير والتحرير لا يصح أن ينذر الانسان أن يعطي خمس ركعات بتسليمة واحدة، لأنه نذر مخالف للمشروع، غير مماثل له. ولا يصح النذر حتى يكون الناذر لافظا بقصده لله على نفسه، بأن يقول ويتلفظ، على لله، أو لله على، ويكون معتقدا له، مختارا من غير إكراه ولا إجبار. ولا يصح أيضا إلا فيما يملكه الانسان. فإذا تقرر ذلك، وتلفظ بما قدمناه، فهذا الذي تسميه الفقهاء نذر التبرر والطاعة، وهو على ضربين: أما أن يعلقه بجزاء، أو يطلق. فإن علقه بجزاء فالجزاء ضربان: أما ابتداء نعمة، كقوله: إن رزقني الله ولدا فلله علي أن أتصدق بمال، أو إن ملكت مالا، أو إن فتحت بلدا من بلاد أهل الحرب، وأما دفع نقمة، مثل أن يقول: إن نجاني الله من هذا الحرب، أو ردني من هذا السفر، أو أنجاني من البحر، أو شفاني من هذا المرض، فإذا وجد الشرط نذره لزمه الوفاء به، بلا خلاف. وأما المطلق بأن يقول: لله علي أن أتصدق بمال وإن أحج، أو أصوم، ونحو هذا نذر طاعة، ابتداء بغير جزاء، فعندنا أنه يلزمه، وعند الأكثر، وذهب بعض المخالفين إلى أنه لا يتعلق به حكم، وتمسك بأن غلام ثعلب قال عن ثعلب: " إن النذر عند العرب وعيد بشرطه " وهو اختيار المرتضى " رحمه الله " (2) وما ذهبنا إليه هو الظاهر المعمول عليه عند أصحابنا، وهو مذهب شيخنا أبي جعفر (3)، وغيره، من مشيختنا (4) " رحمهم الله ". ومتى نذر الانسان أنه إن عوفي ولد له من مرضه، وهو غايب عنه، ثم سمع بصلاحه، فإن كان برؤه بعد النذر وجب عليه الوفاء به، وإن كان برؤه قبل النذر لم يجب عليه ذلك.

(1) الجزء الأول، ص 576. (2) الانتصار، كتاب النذر.
(3) النهاية، كتاب الأيمان والنذور، باب أقسام النذور والعهود.
(4) ج. ل. مشايخنا.

[ 59 ]

وقد روي (1) أنه متى نذر الانسان أنه لا يتزوج حتى يحج، ثم تزوج قبل الحج، وجب عليه الوفاء بالنذر، سواء كانت حجته حجة الاسلام، أو حجة التطوع، لأنه عدل عن طاعة إلى مباح. ومتى وجب عليه ما نذر، فإن كان علقه بشرط، وأنه يفعله في وقت معين، وجب عليه الوفاء عند حصول الوقت، فإن خالفه أثم، وكان عليه الكفارة وسنبينها فيما بعد، إن شاء الله تعالى. وإن لم يكن علقه بشرط، ولا بوقت معين، كان ذلك ثابتا في ذمته إلى أن يفي به، ولا يجب عليه في تأخيره له كفارة، بغير خلاف، على ما بيناه في أبواب الصيام. ومن نذر أنه يصوم شهرا أو سنة أو أقل أو أكثر، ولم يعلقه بوقت معين، وجب عليه الوفاء به، أي وقت كان، ولا يجب عليه أيضا في تأخيره له كفارة، غير أن الأحوط، إتيانه به على الفور والبدار، فإن أخره لم يلزمه كفارة، على ما قدمناه. ومتى علقه بوقت معين فمتى لم يصمه في ذلك الوقت، من غير عذر، من مرض أو حيض أو سفر، وجب عليه القضاء والكفارة، كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان، بغير خلاف في هذا. بل الخلاف في كفارة خلاف النذر الذي هو غير الصيام، فذهب فريق من أصحابنا إلى أن كفارة ذلك كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان، وذهب فريق منهم إلى أن كفارة ذلك كفارة يمين، فالأول اختيار شيخنا أبي جعفر (2) والثاني اختيار السيد المرتضى (3) وابن بابويه، وهو الذي يقوى في نفسي، وبه أفتي، لأن الأصل براءة الذمة، والاجماع غير منعقد (4) من أصحابنا، والأخبار مختلفة في ذلك. ومن وجب عليه صيام نذر معين، فمرض أو سافر، وجب عليه أن يفطر ذلك اليوم، ويقضيه، وليس عليه كفارة.

(1) الوسائل، الباب 7، من أبواب النذور والعهد، ح 1.
(2) في النهاية، كتاب الأيمان والنذور، باب الكفارات.
(3) وهو مخالف لقوله في كتاب الانتصار، كتاب النذر، فراجع.
(4) ج. وأما الاجماع فغير منعقد.

[ 60 ]

قال شيخنا أبو جعفر: " أو اتفق أن يكون يوم العيدين " (1). والصحيح من المذهب أنه إن اتفق أن يكون يوم العيدين لا يجب عليه القضاء، لأن صيام يوم العيدين لا يتعلق النذر به، على كل حال، لأن النذر إنما يتعلق بما يصح صومه وإفطاره قبل النذر، فيجب به، وشهر رمضان واجب قبل النذر بأمره تعالى، وصوم العيدين محرم، فلا يدخل النذر على شئ منه، وشيخنا فقد رجع عن ذلك في مبسوطه (2). فإن كان الناذر للصيام المعين نذر أنه يصومه على كل حال، سواء كان حاضرا أو مسافرا، فإنه يجب عليه الوفاء به، وصيامه في السفر بغير خلاف، وقد أشبعنا القول في ذلك، في كتاب الصيام (3)، واستوفينا أقسامه، فلا وجه لإعادته. فأما صيام يوم العيدين فلا يجوز له على حال، وإن ذكر ذلك في حال النذر، لأن ذلك نذر في معصية، لأنه زمان لا يصح صيامه، ولا ينعقد النذر به على حال. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: " ومن نذر أن يعتق رقبة بعينها لم يجزه غيرها، سواء كانت كافرة أو مؤمنة، وعلى أي وجه كانت " (4). وقد بينا أن عتق الكافرة لا يصح، لأن العتق لا بد فيه من نية القربة، ولا يتقرب إلى الله سبحانه بالمعاصي، ولقوله تعالى: " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " (5) والكافر خبيث بغير خلاف، وقد بينا أيضا أحكام ذلك وحررناه في كتاب العتق (6) وما أورده شيخنا خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا، أورده إيرادا لا اعتقادا. ومن نذر أن يصوم حينا، وأطلق ذلك، من غير نية بمقداره، كان عليه صيام

(1) النهاية، كتاب الأيمان والنذور، باب أقسام النذور والعهود.
(2) المبسوط، ج 1، كتاب الصوم، فصل في ذكر أقسام الصوم ص 281 إلا أنه قال بمقالته في النهاية بوجوب القضاء عليه إن اتفق يوم العيدين. وعبارته كذلك وأما يوم العيدين فإن صادف نذره المعين أفطر وعليه القضاء.
(3) الجزء الأول، ص 394.
(4) النهاية، كتاب الأيمان والنذور، باب أقسام النذور والعهود.
(5) سورة البقرة، الآية 267.
(6) في ص 6.

[ 61 ]

ستة أشهر. ومن نذر أن يصوم زمانا، كذلك، فليصم خمسة أشهر. ومن نذر أن يعتق كل عبد له قديم في ملكه، ولم يعين شيئا، أعتق كل عبد قد مضى عليه في ملكه ستة أشهر فصاعدا. ومن نذر أن يتصدق من ماله بمال كثير وأطلق ذلك ولم يسمه، وأطلق ذلك، من غير نية بمقدار، وجب عليه أن يتصدق بثمانين درهما، إن كانت الدراهم يتعاملون بها، وعرفهم في بلدهم، وإن كانت الدنانير هي التي يتعاملون بها، وهي عرفهم في بلادهم (1) وجب عليه التصدق بثمانين دينارا، لقوله تعالى: " ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة " (2) وكانت ثمانين موطنا. ومن نذر أن يحج ماشيا، أو يزور أحد المشاهد كذلك، فعجز عن المشي، فليركب، ولا كفارة عليه، ولا سياق بدنة، هذا رأي شيخنا المفيد (3) وهو الصحيح. وقال شيخنا أبو جعفر، فليسق بدنة (4). ومتى ركب من غير عجز كان عليه إعادة الحج أو الزيارة، يمشي في الدفعة الثانية ما ركب من الطريق في الأولة، ويركب منها ما مشى، هكذا رواه أصحابنا من طريق الأخبار (5) قال محمد بن إدريس " رحمه الله ": الذي ينبغي تحصيله في هذه الفتيا أن النذر المذكور للحج إذا كان في سنة معينة، ونذر أن يحج فيها بشرط أن يقدر على الحج ماشيا، ولم يقدر أن يمشي مارا تلك السنة، فلا يجب عليه المضي، ولا القضاء في السنة الثانية، إذا قدر على المشي فيها، لأن إيجاب ذلك في السنة الثانية يحتاج إلى دليل، والقضاء فرض ثان يحتاج مثبته إلى شرع، والأصل براءة الذمة من التكاليف، وأيضا فشرط النذر ما حصل، فلا يجب مشروطه، بغير خلاف

(1) ج. ل. بلدهم.
(2) سورة التوبة، الآية 25.
(3) المقنعة، باب النذور، والعهود ص 565.
(4) المبسوط، ج 6، كتاب النذور، ص 250، والعبارة هكذا، ومتى خرج راكبا وقد نذر المشي مع القدرة لزمه دم.
(5) الوسائل، الباب 34، من وأبواب وجوب الحج والباب 8 من أبواب النذر والعهد.

[ 62 ]

في هذا، فإن كان النذر مطلقا، لا في سنة بعينها، فيجب عليه الحج إذا قدر على المشي، أي سنة قدر على المشي، فإن كان قد مشى بعضا وركب بعضا فلا يجزيه الحج تلك السنة، لأن شرط النذر ما وجد، فإن حج السنة الثانية، ومشى ما ركب من السنة الأولة، وركب ما مشى منها فلا يجزيه أيضا الحج، لأن شرط نذره ما حصل، وإذا لم يحصل الشرط فلا يجب المشروط، على ما بيناه، سواء كان ذلك عن عذر أو لم يكن، ساق بدنة أو لم يسق، على مقالتي شيخنا جميعا، فهذا الذي يقتضيه الأدلة وأصول مذهبنا، ولا نرجع عن الأدلة بأخبار الآحاد، على ما حررناه في غير موضع. وإذا أراد أن يعبر ناذر المشي في زورق نهرا فليقم فيه قائما، ولا يقعد حتى يخرج إلى الأرض. ومن نذر أن يخرج شيئا من ماله في سبيل من سبل الخير، ولم يسم شيئا معينا، كان بالخيار، أن شاء تصدق به على فقراء المؤمنين، وإن شاء جعله في حج، أو زيارة، أو في بناء مسجد، أو قنطرة، أو جسر، أو وجه من وجوه البر ومصالح الاسلام. وروي (1) أنه من جعل جاريته أو عبده أو دابته هديا لبيت الله الحرام، أو لمشهد من مشاهد الأئمة " عليهم السلام " فليبع العبد أو الجارية أو الدابة، ويصرف ثمنه في مصالح البيت أو المشهد أو في معونة الحاج، أو الزائرين، الذين خرجوا إلى السفر وتناولهم اسم الحاج والزائرين، ولا يجوز لأحد أن يعطي شيئا من ذلك لأحد منهم، قبل خروجهم إلى السفر. ومن نذر أن يصلي صلاة معروفة، تطوعا، في وقت مخصوص، وجب عليه أن يصليها في ذلك الوقت، في سفر كان أو حضر، ليلا كان أو نهارا. ومن نذر أن يتصدق بدراهم على الفقراء، أو في موضع مخصوص، لم يجز له الانصراف إلى غيره، فإن صرفها في غير ذلك الوجه كان عليه إعادتها.

(1) الوسائل، الباب 22، من أبواب مقدمات الطواف وما يتبعها.

[ 63 ]

ومن نذر إنه متى رزق ولدا حج به، أو حج عنه، ثم مات الناذر، وجب أن يحج بالولد، أو عنه، من صلب ماله الذي ترك، لأنه واجب عليه، والحقوق الواجبة نخرج من صلب التركة، قبل الوصايا والميراث. وقد روي (1) أنه من نذر في طاعة إنه يتصدق بجميع ما يملكه، وجب عليه الوفاء به، غير أنه إذا خاف الضرر على نفسه في خروجه من جميع ما يملكه، فليقوم جميع ذلك على نفسه، ثم ليتصدق مما معه، ويثبته، إلى أن يعلم أنه استوفى ما كان وجب عليه، واستوعب جميع ماله، وقد برئت ذمته. ومن نذر ولم يسم شيئا إن شاء صلى ركعتين أو ركعة، لأن صلاة ركعة واحدة عندنا صلاة شرعية وهي المفردة من الوتر، وإن شاء صام يوما، وإن شاء تصدق بدرهم فما فوقه أو دونه. قال شيخنا في نهايته: ومن نذر أن لا يبيع مملوكا له أبدا فلا يجوز له بيعه، وإن احتاج إلى ثمنه (2). وهذا غير واضح ولا مستقيم على أصول المذهب، لأنه لا خلاف بين أصحابنا أن الناذر إذا كان في خلاف ما نذره صلاح له ديني أو دنياوي فليفعل ما هو أصلح له، ولا كفارة عليه، وما ذكره شيخنا وأورده خبر واحد، لا يرجع بمثله عن الأدلة، لأن أخبار الآحاد لا توجب علما ولا عملا. ومن نذر في شئ فعجز عنه، ولم يتمكن من الوفاء به، لم يكن عليه شئ، لقوله تعالى: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " (3) وقد روي (4) أنه من نذر أن يحرم بحجة أو عمرة من موضع بعينه، وإن كان قبل الميقات، وجب عليه الوفاء به. فإن كان على هذه الرواية إجماع منعقد، وإلا فالنذر غير صحيح، لأنه خالف المشروع، لأنه لا خلاف بين أصحابنا في أن الاحرام لا يجوز ولا ينعقد

(1) الوسائل، الباب 14، من أبواب النذر والعهد، ح 1.
(2) النهاية، كتاب الأيمان والنذور، باب أقسام النذور والعهود.
(3) سورة البقرة، الآية 286.
(4) الوسائل، الباب 13، من أبواب المواقيت.
(5) ج. خلاف.

[ 64 ]

لا من الميقات، وبينهم خلاف في أنه إن نذر أن يحرم قبل الميقات فهل يلزمه وينعقد نذره أم لا؟ فبعض يجيزه على هذه الرواية، وبعض لا يجيزه، ويتمسك بالأصل والاجماع المنعقد. فأما ما لا يجب الوفاء به من النذر فهو إن ينذر أنه متى لم يترك واجبا أو ندبا كان عليه كيت وكيت، فليفعل الواجب أو الندب ولا شئ عليه، وكذلك إن نذر أنه متى لم يفعل قبيحا كان عليه كيت وكيت، فليترك القبيح ولا شئ عليه. ومن نذر شكر الله تعالى أنه متى فعل قبيحا كان عليه كيت وكيت، ثم فعل القبيح، لم يلزمه الوفاء بما نذر، لأن هذا نذر في معصية، اللهم إلا أن يكون جعل ذلك على نفسه، على سبيل الكفارة لما يرتكبه من القبيح، فيجب عليه حينئذ الوفاء به لأنه صار نذرا في واجب، وهو ترك القبيح. ومن نذر أنه متى فعل واجبا أو ندبا، أو قدم من سفر، أو ربح في تجارة، أو برئ ممن مرض، وما أشبه ذلك، شرب خمرا، أو ارتكب فجورا أو قتل مؤمنا، أو ترك فرضا، فعليه أن يترك الواجب أو الندب، ولا كفارة عليه. ومن عاهد الله: أن يفعل واجبا أو ندبا وجب عليه الوفاء به، فإن لم يفعل كان عليه الكفارة، وكذلك إن عاهد الله على أن يفعل مباحا لا يترجح فعله على تركه، فإن عاهد على أن لا يفعل قبيحا أو لا يترك واجبا أو ندبا، ثم فعل القبيح أو ترك الواجب والندب، وجبت عليه الكفارة، ومن عاهد الله أن يفعل فعلا كان الأولى أن لا يفعله في دينه أو دنياه، أو لا يفعل فعلا الأولى أن يفعله، فليفعل ما الأولى به فعله، وليترك ما الأولى به تركه، وليس عليه في ذلك كفارة. وقد قدمنا أن النذر لا ينعقد إلا أن يتلفظ الناذر به، ويكون على صيغة مخصوصة، ويقارنه النية المتقرب بها إليه سبحانه، ويكون في فعل واجب أو ندب أو ترك قبيح، أو مباح لا يترجح فعله على تركه دينا أو دنيا، وسواء كان معلقا بشرط أو مطلقا عنه، على الصحيح من أقوال أصحابنا وفتاويهم.

[ 65 ]

وقال شيخنا في نهايته: النذر هو أن يقول الانسان إن كان كذا وكذا فلله على كذا وكذا، من صيام أو صدقة أو حج أو صلاة أو غير ذلك من أفعال البر، فمتى كان ما نذر وحصل وجب عليه الوفاء بما نذر فيه (1). فذكر رحمه الله النذر المشروط في هذا الكتاب، أعني كتاب النهاية، ولم يذكر المطلق من النذر. إلا أنه في مسائل خلافه يذهب إلى أنه ينعقد، سواء كان مشروطا أو مطلقا، ويناظر على ذلك ويستدل على صحته (2) وهو الذي اخترناه نحن، لأن العمل عليه، وظاهر القرآن والسنة يتناوله، ولا يلتفت إلى قول غلام ثعلب الذي يرويه عن ثعلب " من أن النذر عند العرب وعيد بشرط " لأن في عرف الشرع صار متناولا للشرط وغير الشرط، وعرف الشرع هو الطارئ وكالناقل. ثم قال " رحمه الله " في نهايته: فإن قال: إن كان كذا، ولم يقل: لله، لم يكن ذلك نذرا واجبا، بل يكون مخيرا في الوفاء به وتركه، والأفضل له الوفاء به، على كل حال، ومتى اعتقد إنه متى كان شئ فلله عليه كذا وكذا، وجب عليه الوفاء به عند حصول ذلك الشئ، وجرى ذلك مجرى أن يقول لله على كذا وكذا، فإن جعل في اعتقاده متى كان شئ كان عليه كذا، ولم يعتقد لله، كان مخيرا في ذلك حسب ما قدمناه في القول " هذا آخر كلامه رحمه الله في نهايته " (3). وقد قلنا ما عندنا في ذلك: من أنه لا ينعقد إلا أن يتلفظ به وينطق، مع النية أيضا، ولا يجزي أحدهما عن الآخر، لأن هذا مجمع على انعقاد النذر به، وليس على انعقاده بغير ذلك دليل، لأن النذر حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، وأيضا فلا يتعلق الأحكام في معظم الشرعيات إلا بما ينطق المكلف به ويتلفظ بذلك لسانه، حتى يحكم عليه به، من بيع أو طلاق أو هبة أو صدقة أو إقرار وغير ذلك.

(1) النهاية، كتاب الأيمان والنذور، باب ماهية النذور والعهود.
(2) الخلاف، كتاب النذور، مسألة 1.
(3) النهاية، كتاب الأيمان والنذور، باب ماهية النذور والعهود.

[ 66 ]

إلا أن شيخنا أبا جعفر " رحمه الله " رجع عما ذكره في نهايته، في مبسوطه في الجزء الرابع، في كتاب الأيمان، في فصل كفارة يمين العبد، قال: " النذر ضربان: نذر تبرر وطاعة، ونذر لجاج وغضب، فالتبرر أن يعلقه بابتداء نعمة، أو دفع بلية ونقمة، فابتداء النعمة أن يقول: إن رزقني الله ولدا أو عبدا فمالي صدقة، وإن رزقني الحج فعلى صوم شهر. ودفع النقمة قوله: إن شفى الله مريضي، إن خلصني من هذا الكرب، إن دفع عني شر هذا الظالم، فعلي صدقة مال، أو صوم شهر، فإذا وجد شرط نذره لزمه الوفاء به، بلا خلاف، لقوله عليه السلام: " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه " (1) غير أنا نراعي أن يقول ذلك " لله علي كذا " لأن ما عدا ذلك لا ينعقد به نذر، ولا تخلفه كفارة، هذا آخر كلامه " رحمه الله " (2). إذا قال: لله علي حجة، عندنا يلزمه الوفاء به، فإن عينه في سنة بعينها، وخالف وجبت عليه كفارة النذر، وانحل النذر، وإن أطلقه لا ينحل، ووجب عليه الوفاء. ومن قال: متى كان كذا وكذا فلله علي المشي إلى بيت الله، أو إهداء (3) بدنة إليه، فمتى كان ذلك الشئ وجب عليه الوفاء به. فإن قال: متى كان كذا فلله علي أن أهدي هذا الطعام إلى بيته، لم يلزمه ذلك، لأن الاهداء لا يكون إلا في النعم خاصة، ولا يكون بالطعام. والمعاهدة هو أن يقول: قد عاهدت الله تعالى أو علي عهد الله متى كان كذا فعلي كذا، فمتى قال ذلك، وجب عليه الوفاء به عند حصول ما شرط حصوله: وجرى ذلك مجرى النذر في جميع الأحكام سواء. والنذر والعهد معا إنما يكون لهم تأثير إذا صدرا عن نية، فمتى تجردا من النية لم يكن لهما حكم على حال.

(1) مستدرك الوسائل، الباب 12 من أبواب النذور والعهد، ح 2.
(2) المبسوط، ج 6، كتاب النذر ص 246.
(3) ج. ل. أو على إهداء.

[ 67 ]

ومتى قال: هو محرم بحجة أو عمرة إن كان كذا وكذا، لم يكن ذلك شيئا، ولم يتعلق به حكم من الأحكام. إذا قال الله علي أن أهدي بدنة، أجزأه أقل ما يقع عليه الاسم، وأقلها ثنية. فإذا ثبت انعقاده لم يخل من أحد أمرين: إما أن يطلق، أو ينوي بدنة من الإبل، فإن أطلق نذر بدنة ولم ينو شيئا، فالصحيح أنه يلزمه من الإبل، لأن البدنة في اللغة عبارة عن الأنثى من الإبل، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فسبع من الغنم لأن الشرع أقام كل واحد منهما مقام صاحبه عند العدم والتعذر. إذا نذر صوم عشرة أيام، أو عشرين يوما، فهو بالخيار بين أن يتابع، أو يفرق، وبين أن يصوم على الفور أو على التراخي. إذا نذر أن يحج في هذا العام حجة الاسلام، فوجدت شرايط الوجوب، فلم يفعل حتى فات الوقت، استقرت في الذمة، ولا تسقط، وإن حصر حصرا عاما في هذا العام، سقط نذره كالمفروضة، وكذلك إن حصر حصرا خاصا، ولا فصل بين المفروضة والمنذورة إلا في فصل واحد، وهو إن المفروضة إذا سقطت في هذا العام، وجبت بوجود شرايطها بعده، والمنذورة إذا سقطت في هذا العام، لم تجد بعده، وإن وجدت الشرايط، لأن النذر تعلق بهذه السنة، فإذا فات فلا يجب بعدها إلا بتجديد نذر، فلهذا يسقط بكل حال. إذا قال لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، فإن قدم ليلا فلا يلزمه الصوم أصلا، لأنه ما وجد شرطه بلا خلاف، وإن قدم في بعض نهار، لا يلزمه أيضا صومه، ولا صوم يوم بدلة، لأن نذره لم ينعقد، لأن الأصل براءة الذمة، وإيجاب صوم يوم بدل هذا يحتاج إلى دليل، والذي يدل على أن نذره لم ينعقد، إنه نذر صوم لا يمكنه الوفاء به، لأن بعض يوم لا يكون صوما، وجرى ذلك مجرى أن يقول يوم يقدم أصوم أمسه، فإنه لا يكون نذرا صحيحا، لاستحالته. إذا نذر أن يصوم أياما معدودة متتابعة، فأفطرها في سفر، انقطع التتابع، وعليه الاستيناف. إذا نذر صوم يوم الخميس إن شفى الله مريضه، فشفاه الله، فصام يوم الخميس

[ 68 ]

عن كفارة أو قضاء شهر رمضان، فالظاهر من مذهبنا إنه يقتضي أنه لا يجزيه، لأنه قد تعين صومه بالنذر، فلا يقع فيه سواه، فإذا ثبت هذا، فإنه يكمله عن نذره، وكذلك من نذر أن يصوم أول يوم من رمضان، لم ينعقد نذره، لأنه يستحق صيامه لغيره، لأنه لا يمكن أن يقع فيه على حال صيام غير رمضان. إذا لزمه صيام يوم بعينه أبدا بالنذر، ثم وجب عليه صوم شهرين متتابعين عن كفارة القتل، أو الظهار، فإنه يصوم الشهرين عن كفارته، وما فيهما من اليوم المعين صيامه بالنذر عن كفارته أيضا، دون نذره، لأنه إذا صامه عن كفارته صحت الكفارة، وقضى ما فيهما من الأيام المعينة المنذورة، ولو صامها عن نذره بطل تتابعه، وكان عليه الاستيناف، ولم يمكنه الكفارة بالصيام أبدا، والذي يقتضيه مذهبنا، أن في الشهر الأول يفعل هذا الذي قلناه، وفي الشهر الثاني، إذا زاد عليه شيئا، فإنه يصح أن يصومها عن الكفارة، وعن النذر معا، لأن الافطار فيه لا يبطل التتابع، فإن صام الكل عن الكفارة، قضى كل يوم منذور كان في الشهرين، هذا إذا سبق النذر الكفارة، فأما إن سبقت الكفارة النذر، وهو إن وجب عليه صوم شهرين متتابعين عن كفارته، ثم نذر أن يصوم كل خميس، كان عندنا مثل الأول سواء، وعند بعضهم أيضا، وقال بعضهم لا يقضي ما فيهما من الأيام المنذورة، لأن كل يوم منذور في الشهرين مستحق للكفارة، وهو غير نذره، فلهذا لم ينعقد نذره بها، كأيام رمضان، والأقوى ما قلناه، من أن عليه قضاءه هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في مبسوطه (1) في كتاب النذر، جملته ما ذكرناه. والأقوى عندي، إن يوم النذر لا يجوز صيامه عن الكفارة، لا في الشهر الأول، ولا في الشهر الثاني، فأما قوله رحمه الله " ولو صامها عن نذره بطل تتابعه، وكان عليه الاستيناف، ولم يمكنه الكفارة بالصيام أبدا " فتمسك غير واضح، وأنا التزم أنه لا يصح له الكفارة بالصيام، ويكون فرضه الاطعام، لأنه غير قادر على الصيام، وأي مانع يمنع من الانتقال عن الصيام إلى الاطعام، لأنه ليس في مقدوره الكفارة

(1) لم نعثر عليه.

[ 69 ]

بالصيام، فليلحظ ذلك بعين الفكر، والله الموفق للصواب. إذا نذر صلاة، قال قوم أقل ما يلزمه ركعتان، وقال بعضهم أقل ذلك ركعة، وهذا هو الذي يقوى في نفسي، لأنها أقل صلاة مرغبة فيها شرعية، وهي الوتر بلا خلاف بيننا معشر أهل البيت عليهم السلام، والخطاب إذا أطلق، أجزأ أقل ما يقع عليه الاسم، وقد بينا أن الركعة صلاة شرعية، وأيضا فلا نص لأصحابنا في ذلك، والأصل براءة الذمة فيما زاد على الركعة، وإذا كانت الركعة صلاة في الشريعة وعرفها، حمل الاطلاق على أقل ما يقع الاسم الشرعي عليه. واختار شيخنا أبو جعفر رحمه الله، في مسائل خلافه (1) أحد قولي الشافعي، وهو إنه يلزمه صلاة ركعتين، واستدل بطريقة الاحتياط فحسب، ولم يذكر إجماعا ولا أخبارا. وقد قلنا ما عندنا، وليس هو لما استدل بطريقة الاحتياط، بأولى ممن استدل بدليل أن الأصل براءة الذمة. باب الكفارات الكفارات على ثلاثة أضرب، كفارة مرتبة من غير تخيير، ومخير فيها من غير ترتيب، وما فيها ترتيب، وتخيير. فالتي على الترتيب، كفارة الظهار بلا خلاف، وكفارة قتل الخطأ أيضا بلا خلاف، إلا من شاذ من أصحابنا، ومعنى الترتيب، هو إنه لا ينتقل من الأصل الأول إلى الثاني، إلا بعد فقدان الأول، ولا ينتقل من الثاني إلى الثالث إلا بعد عدم الثاني، ومعنى التخيير هو إنه له أن يفعل أي الثلاث كان. فكفارة الظهار عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع، فإطعام ستين مسكينا، وكذلك كفارة قتل الخطأ. والتي على التخيير بكل حال، فكفارة فدية الأذى، الانسان فيها بالخيار، بين

(1) الخلاف، كتاب مسألة 17.

[ 70 ]

ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة أمداد لستة مساكين، وكذلك كفارات الحج كلها على التخيير، على الصحيح من أقوال أصحابنا، وظاهر القرآن يعضد ذلك، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في كتاب الحج (1). والكفارة التي تجمع الأمرين، كفارة اليمين، فإن الانسان مخير في الثلاثة الأجناس، أما عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن عجز عن ذلك أجمع، وجب عليه صيام ثلاثة أيام مرتبة متوالية، بغير خلاف. ومتى أراد أن يكفر بالاطعام، فعليه أن يطعم عشرة مساكين، لكل مسكين مد على الصحيح من المذهب، وظاهر التنزيل يعضد ذلك، والأصل أيضا يقويه، وقد ذهب بعض أصحابنا إلى مدين. وقدر المد، رطلان وربع بالعراقي. وكذلك في ساير الكفارات الظهار، والقتل، والوطي، وفدية الأذى، وغير ذلك. ويجوز أن يخرج حبا، ودقيقا، وخبزا وكل ما يسمى طعاما إلا كفارة اليمين، فإنه يجب عليه أن يخرج من الطعام الذي يطعم أهله، لقوله تعالى " من أوسط ما تطعمون أهليكم " (2) فقيد تعالى ذلك، وأطلق في باقي الكفارات، ولأن الأصل براءة الذمة. فإن أراد التكفير بالكسوة، فلكل مسكين ثوب واحد، ولا يلزمه أن يكون جديدا، ويجوز أن يكون غسيلا، سواء كان ميزرا أو قميصا. وقال بعض أصحابنا الواجب ثوبان. وكل من تلزمه نفقته لا يجوز صرف الكفارة إليه، ومن لا تلزمه نفقته، يجوز صرفها إليه، وجملة الأمر وعقد الباب، إن مستحق الكفارة، مستحق الزكاة، وقد مضى ذكرهم في كتاب الزكاة (3). وعليه أن يعطي عشرة مساكين، يعتبر العدد فيهم، فإن لم يجد العدد كرر عليهم

(1) في الجزء الأول، ص 557.
(2) سورة المائدة، الآية 89.
(3) في الجزء الأول، ص 455.

[ 71 ]

حتى يستوفي العدد عندنا يوما بعد يوم، حتى يستوفي العدد. وإذا أطعم خمسا وكسا خمسا، لم يجزه، لأنه خلاف الظاهر. ولا يجوز إخراج القيم في الكفارات عندنا بغير خلاف، ويجوز ذلك في الزكوات عندنا بغير خلاف أيضا (1). وإذا اجتمع عليه كفارات، لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون جنسا واحدا، أو أجناسا فإن كان جنسا واحدا، مثل أن يكون يمينا، أو ظهارا، أو قتلا، فنفرضها في كفارة الأيمان، فإنه أوضح، فإذا كان عليه كفارات عن يمين، فإن أطعم عن الكل، أو كسى عن الكل، أو أعتق عن الكل، أجزأه، وإن أطعم عشرة، وكسى عشرة، وأعتق رقبة، أجزأه عن الثلاث، فإذا ثبت أنه جايز، نظرت، فإن أبهم النية، ولم يعين، بل نوى كفارة مطلقة، أجزأه لقوله " فكفارته إطعام عشرة مساكين " (2) فأما إن كانت أجناسا مختلفة، مثل أن حنث، وظاهر، وقتل، ووطي في رمضان، افتقر ذلك إلى تعيين النية، وهو شرط في ذلك. وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، لا فرق بين أن يكون الجنس واحدا، أو أجناسا مختلفة (2)، وما ذكرناه هو الذي يقتضيه أصول مذهبنا، لقوله عليه السلام " الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى " (4) وإن كان في مسائل خلافه (5) يذهب إلى ما اخترناه. والكلام في وقت النية، فعندنا لا يجزيه حتى يكون النية مع التكفير. إذا كانت عليه كفارة، لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون على الترتيب، أو على التخيير. فإن كانت على الترتيب، نظرت، فإن خلف تركة، تعلقت بتركته كالدين، يعتق عنه منها، وإن لم يكن له تركة، سقط العتق عنه، كما لو مات وعليه دين ولا

(1) ج. ل. بلا خلاف.
(2) سورة المائدة، الآية 89.
(3) المبسوط: كتاب الأيمان، فصل في الكفارات، ص 209.
(4) الوسائل الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 7.
(5) الخلاف، كتاب الظهار، مسألة 39.

[ 72 ]

تركة له، فإن اختار وليه أن يعتق عنه كمال الواجب عليه، أجزأه عنه، لأنه يقوم مقام مورثه في قضاء ديونه وغير ذلك. وإن لم يكن الكفارة على الترتيب، مثل كفارة اليمين، نظرت، فإن كفر عنه وليه بالكسوة، أو الاطعام، صح عمن أخرجه عنه، وكذلك إن كان أعتق عنه أجزأ عندنا، وقال بعض المخالفين لا يجزي. والأول أصح، لأن الثلاثة عندنا واجبة مخير فيها، وليس الواجب واحدا لا بعينه. لا يجوز النيابة في الصيام في حال الحياة بحال، وإن مات الانسان وعليه صيام، وجب على وليه أن يصوم عنه عندنا. إذا أعطى مسكينا من كفارته، أو زكاة ماله، أو فطرته، فالمستحب أن لا يشتري ذلك ممن أعطاه. والاعتبار عندنا في الكفارات المرتبة حال الأداء والاخراج، لا حال الوجوب، فإن كان في حال الاخراج والأداء موسرا، وجب عليه العتق، وإن كان معسرا، وجب عليه الصيام. ولا اعتبار بما تقدم. العبد إذا وجب عليه كفارة الحنث، فأعتق، لا يجزيه ذلك عن كفارته، لأنه كفر بغير ما وجب عليه، لأنه غير مخاطب بإخراج المال. ومن وجبت عليه كفارة مرتبة من الأحرار لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون له فضل عن كفايته ليومه وليلته، أو وفق الكفاية، فإن كان له فضل، لم يكون من أهل الصيام، لأنه واجد، وإن لم يكن له وفق كفاية ليومه وليلته، كان فرضه الصيام. قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، لا يعتبر الأيمان في العتق في جميع أنواع الكفارات، إلا في كفارة قتل الخطأ خاصة وجوبا، وما عداه جاز أن يعتق من ليس بمؤمن، وإن كان المؤمن أفضل (1). وقال المرتضى وباقي أصحابنا، باعتبار الأيمان في جميعها (2).

(1) في المبسوط، ج 6، كتاب الأيمان فصل في الكفارات، ص 212، وفي الخلاف كتاب الظهار، مسألة 27.
(2) في الانتصار، كتاب العتق والمكاتب.

[ 73 ]

وهو الذي اعتمده، وأفتى به، لقوله تعالى " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " (1) والكافر خبيث بغير خلاف، وأيضا دليل الاحتياط يقتضيه. والأعمى والمجذوم، والمقعد بالزمانة، لا يجزي عتق واحد منهم، لأنهم ينعتقون عند أصحابنا بهذه الآفات، والأعرج، والأقطع اليدين، أو إحديهما، أو اقطع الرجلين، أو إحديهما يجزي للآية، وإليه ذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه (2). والمدبر وأم الولد يجزي عتقهما عن الكفارة، ولا يجزي عتق المكاتب عندنا بحال، هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، فإنه قال مسألة، عتق المكاتب لا يجزي في الكفارة، سواء أدى من مكاتبته شيئا أو لم يؤد (3). وقال في نهايته في باب الكفارات: ولا يجوز له أن يعتق مدبرا إلا بعد أن ينقض تدبيره، ولا أن يعتق مكاتبا له، وقد أدى من مكاتبته شيئا (4). والذي يقتضيه أصولنا، إن عتق المكاتب المشروط عليه في الكفارة جائز، سواء أدى من مكاتبته شيئا أو لم يؤد، لإجماعنا على أنه عبد ما بقي عليه شئ، فأما المكاتب المطلق، فإنه إذا لم يتحرر منه شئ، ولم يؤد شيئا من مال الكتابة، فإنه يجزي إعتاقه أيضا في الكفارة، لأنه عبد لم يتحرر منه جزء، فإما أن أدى شيئا ولو قليلا، فلا يجزي إعتاقه في الكفارة، لأنه قد تحرر منه جزء بقدر ما أدى، بغير خلاف، فليلحظ ذلك ويحصل، والله الموفق للصواب. إذا مات وعليه حق لله، مثل الزكوات، والكفارات، وحق الآدميين، مثل الديون، قيل فيه ثلاثة أقوال، أحدها حق الله المقدم، والثاني حقوق الآدميين، والثالث هما سواء، وهو الأقوى عندي، لأن تقدم أحدهما على الآخر يحتاج إلى دليل.

(1) سورة البقرة، الآية 267.
(2) الخلاف، كتاب الظهار، مسألة 44، وفي المصدر الأعمى لا يجزي بلا خلاف بين الفقهاء، والأعور يجزي...
(3) الخلاف، كتاب الظهار، 29.
(4) النهاية، كتاب الأيمان والنذور، باب الكفارات.

[ 74 ]

وفرض العبد في الكفارات الصوم، سواء كانت الكفارة مرتبة، مثل كفارة الظهار، أو مخيرة فيها، لأن العبد لا يملك، وقد ذكرنا فيما مضى كفارة اليمين (1)، فإن عجز عن الثلاثة الأجناس، - وحد العجز أن لا يكون له ما يفضل عن قوته وقوت من يجب عليه نفقته، ليومه وليلته - كان عليه صيام ثلاثة أيام متتابعات، يستوي الحر والعبد في صيامهن، فإن لم يقدر على الصوم، فليستغفر الله تعالى، فهو كفارة له، فإن وجد بعد ذلك المال، أو قدر على الصوم، فلا يجب عليه فعل شئ من ذلك، لأنه قد كفر بالاستغفار، فوجوب ذلك ثانيا يحتاج إلى دليل، وقد قدمناه (2) أنه إذا لم يجد العدد، ووجد بعضهم كرر عليهم حتى يستوفي العدد. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ومتى لم يجد أحدا من المؤمنين أصلا، ولا من أولادهم، أطعم المستضعفين ممن خالفهم (3). وهذا غير مستقيم ولا واضح، لأنه خبر واحد أورده إيرادا لا اعتقادا، لأن مستحق الكفارات مستحق الزكوات على ما قدمناه (4)، فلا يجوز إعطاؤهما لغيرهم على حال. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وكفارة نقض النذور والعهود، عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، مخير فيها أيها فعل فقد أجزأه، ومتى عجز عن ذلك كله، كان عليه صيام ثمانية عشر يوما، فإن لم يقدر على ذلك، أطعم عشرة مساكين، أو قام بكسوتهم، فإن لم يقدر على ذلك، تصدق بما استطاع، فإن لم يستطع شيئا أصلا، استغفر الله تعالى، ولا يعود، هذا آخر كلامه رحمه الله (5). والصحيح الذي يقتضيه أصول أصحابنا وما حققه محصلوهم، إن النذر لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون صوما معينا، فخالفه وأفطر فيه متعمدا، فكفارة ذلك كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا، وهو ما ذهب إليه شيخنا أبو جعفر في نهايته، وحكيناه عنه في خلاف نقض النذور (6).

(1) في ص 72.
(2) في ص 70. (3 و 5) النهاية، كتاب الأيمان والنذور، باب الكفارات.
(4) في ص 70.
(6) في ص 59.

[ 75 ]

وإن كان النذر غير صيام، فإن كفارة خلافه كفارة يمين، لأن الأصل براءة الذمة، وقد وردت به أخبار، وذهب إليه من جملة أصحابنا السيد المرتضى في الموصليات (1)، وأبو جعفر بن بابويه رحمه الله، وغيرهما من الجلة المشيخة، وهو الذي يقوى في نفسي وأفتي به. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ومن كان عليه صيام يوم قد نذر صومه، فعجز عن صيامه، أطعم مسكينا مدين من طعام، كفارة لذلك اليوم، وقد أجزأه (2). قال محمد بن إدريس رحمه الله، هذا ليس هو على ظاهره، بل إن كان عجزه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه بمجرى العادة، مثل العطاش الذي لا يرجى برؤه فما ذكره رحمه الله صحيح، وإن كان لمرض يرجى برؤه، مثل الحمى وغير ذلك، فالواجب عليه الافطار والقضاء، لما أفطر فيه من غير إطعام مدين، ولا كفارة بحال، فليلحظ ذلك، فهذا تحرير السؤال. وقد قدمنا (3) شرح كفارة الظهار، فلا وجه لإعادته. وكفارة من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا، إما عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكينا، أو صيام شهرين متتابعين، مخير في ذلك على الصحيح من المذهب. وكفارة قتل العمد، عتق رقبة، وإطعام ستين مسكينا، وصيام شهرين متتابعين على الجمع، هذا في العمد المحض. وكفارة قتل الخطأ المحض. أو الخطأ شبيه العمد، واحد منها، وهي على الترتيب. وقال شيخنا في نهايته، ومن حلف بالبراءة من الله تعالى، أو من رسوله، أو من واحد من الأئمة عليهم السلام، كان عليه كفارة ظهار، فإن لم يقدر على ذلك، كان عليه كفارة اليمين (4). وقد قلنا ما عندنا في ذلك في كتاب الأيمان (5)، فلا وجه لإعادته وكفارة من

(1) المجموعة الأولى من رسائل الشريف المرتضى، ص 246، المسألة 63 (2) و (4) النهاية: كتاب الأيمان والنذور، باب الكفارات.
(3) في ص 69.
(5) في ص 37 و 39 و 40.

[ 76 ]

وطي زوجته في حيض، إن كان وطؤه لها في أول الحيض، كان عليه دينار، وقيمته عشرة دراهم جيادا، وإن كان في وسطه، نصف دينار، وإن كان في آخره، ربع دينار على حساب ما قدمناه، وقد شرحنا ذلك وحررناه، وذكرنا الخلاف فيه، في كتاب الحيض (1) فلا وجه لا عادته. فإن وطي أمته في الحيض، كان عليه أن يتصدق بثلاثة أمداد من طعام، يفرقها على ثلاثة مساكين، سواء كان وطؤه لها في أوله، أو آخره، أو وسطه، بغير خلاف. ومن وجب عليه صيام شهرين متتابعين في شئ مما ذكرناه من الكفارات، فصام شهرا، ومن الثاني شيئا، ثم أفطر من غير علة، كان مخطئا آثما، وجاز له البناء عليه عند أصحابنا، فإن صام شهرا ولم يكن قد صام من الثاني شيئا، وجب عليه الاستيناف، وإن كان إفطاره قبل الشهر لمرض، كان له البناء عليه على كل حال. ومن عجز عن صيام شهرين وجبا عليه، صام ثمانية عشر يوما، وقد أجزأه، وإن لم يقدر على ذلك، تصدق عن كل يوم بمد من طعام، فإن لم يستطع استغفر الله تعالى، وليس عليه بعد ذلك شئ. وكفارة الايلاء كفارة اليمين سواء، وكذلك كفارة من أفطر يوما قد نوى صومه قضاء لشهر رمضان بعد الزوال، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام متتابعة. وقد روي (2) أن من تزوج بامرأة في عدتها عالما بذلك، فارقها، وكفر عن فعله بخمس أصوع (3) من دقيق. وقد روي (4) أيضا أن من نام عن عشاء الآخرة حتى يمضي النصف الأول

(1) في الجزء الأول، ص 144.
(2) الوسائل الباب 36، من أبواب الكفارات والباب 27، من أبواب حد الزنا، ج 5، وفي الجواهر، ج 33، ص 189، وفيه مع عدم بلوغ ذلك حد الشهرة، إن العنوان في كلامهم ذات العدة وفي الخبرين ذات الزوج وهما متغائران فراجع.
(3) ج. بخمسة أصوع. وما في المتن هو الصحيح بقرينة ما يذكر ويفصل بعيد هذا.
(4) الوسائل، الباب 29، من أبواب المواقيت، ح 8.

[ 77 ]

من الليل، صلاها قضاء حين يستيقظ، ويصبح صائما كفارة لذنبه في النوم عنها إلى ذلك الوقت. والأولى حمل هاتين الروايتين على الاستحباب، دون الفرض والايجاب، لأن الأصل براءة الذمة، ولا إجماع على هاتين الروايتين. وذهب السيد المرتضى " رحمه الله " إلى أن من تزوج امرأة ولها زوج، وهو لا يعلم بذلك، إن عليه أن يفارقها، ويتصدق بخمسة دراهم (1). ولم أجد أحدا من أصحابنا موافقا له على هذا القول، والأصل براءة الذمة، وشغلها بهذه الكفارة يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليها من كتاب، ولا إجماع، ولا تواتر أخبار. قال محمد بن إدريس رحمه الله شيخنا أبو جعفر في نهايته جمع الصاع على أصع، فقال كفارة من تزوج بامرأة في عدتها خمسة أصع من دقيق (2). وإنما جمع الصاع أصوع، قال الأصمعي العامة تخطي، فتقول ثلاث أصع، وإنما يقال ثلاث أصوع، وقد يذكر الصاع ويؤنث، فمن أنثه جمعه على أصوع، ومن ذكره جمعه على أصواع. وروي (3) أيضا أن من ترك صلاة الكسوف متعمدا، وقد احترق القرص كله، فليغتسل كفارة لذنبه، وليقض الصلاة بعد الغسل. وقد قدمنا (4) القول في هذا الغسل، والخلاف فيه بين الأصحاب، فلا وجه لإعادته. وروي (5) أن من سعى إلى مصلوب بعد ثلاثة أيام ليراه، فليستغفر الله من ذنبه، ويغتسل كفارة لسعيه إليه.

(1) في الانتصار، كتاب النذور.
(2) النهاية، كتاب الأيمان والنذور، باب الكفارات، وفي المصدر بخمسة أصوع.
(3) الوسائل، الباب 10، من أبواب صلاة الكسوف والآيات، ح 5.
(4) في الجزء الأول، ص 321.
(5) الوسائل، الباب 19 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 3، وفي الجواهر، ج 5، ص 69، لكنه لا تقيد فيها بالثلاث، إلا أنه ذكره غير واحد من الأصحاب الخ.

[ 78 ]

وذلك على طريق الاستحباب دون الفرض والايجاب. ولا يجوز للرجل أن يشق ثوبه في موت أحد من الأهل والقرابات، فإن فعل ذلك فقد روي (1) أن عليه كفارة يمين. والأولى أن يحمل ذلك على الندب دون الفرض، لأن الأصل براءة الذمة، وهذه الرواية قليلة الورود، شاذة، تورد في أبواب الزيادات، عن رجل واحد، وقد بينا أن أخبار الآحاد لا توجب علما ولا عملا، إلا أن أصحابنا مجمعون عليها في تصانيفهم، وفتاويهم، فصار الاجماع هو الحجة على العمل بها، وبهذا أفتي. وروي (2) أنه لا بأس بأن يشق ثوبه على أبيه، وفي موت أخيه. والأولى ترك ذلك واجتنابه، بل الواجب، لأنه لا دليل عليه من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، والأصل حفاظ المال، وتضييعه سفه، لأنه إدخال ضرر، والعقل يقبح ذلك. فأما المرأة، فلا يجوز لها أن تشق ثوبها على موت أحد من الناس، فإن شقته، أخطأت ولا كفارة عليها بغير خلاف، وإنما وردت الرواية في الرجل، وأجمع عليها أصحابنا دون المرأة، والقياس باطل عندنا. ولا يجوز للمرأة أن تلطم وجهها في مصاب، ولا تخدشه، ولا تجز شعرها، فإن جزته فإن عليها كفارة قتل الخطأ، وقد قدمنا شرحها (3) على ما رواه أصحابنا، فإن خدشت وجهها حتى تدميه، كان عليها كفارة يمين، فإن لطمت وجهها استغفرت الله تعالى، ولا كفارة عليها أكثر من الاستغفار. ومن وجبت عليه كفارة مرتبة فعجز عن الرقبة، فانتقل إلى الصوم، فصام شيئا، ثم وجد الرقبة لم يلزمه الرجوع إليها، وجاز له البناء على الصوم، فإن رجع إلى الرقبة، كان ذلك الفضل له. ومن ضرب مملوكا له فوق الحد، كانت كفارته أن يعتقه، على ما روي (4) في

[ 79 ]

بعض الأخبار، أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (1). ولا دليل على ذلك من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع والأصل براءة الذمة من العتق، وبقاء الرق، فمن ادعى سوى ذلك يحتاج إلى دليل. وروي (2) أنه إن قتل، كان عليه عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، وعليه التوبة مما فعل أورد ذلك شيخنا في نهايته (3). قال محمد بن إدريس رحمه الله، أما ما ذكره شيخنا أبو جعفر، فغير واضح، ولا مستمر على أصل مذهبنا، لأنه إن كان القتل للعبد عمدا محضا، فالصحيح أنه يجب على السيد القاتل كفارة قتل العمد المحض، وهي الثلاثة الأجناس على الجمع، وإن كان قتله له خطأ، فالواجب كفارة قتل الخطأ المرتبة، دون الخيرة فيها، وما أورده شيخنا في كتابه على التخيير، دون الترتيب، فإن فرضنا أنه قتله عمدا محضا فما يصح ما أورده رحمه الله، وإن كان قتله خطأ فما يستقيم أيضا ما ذكره.

(1 و 3) النهاية، كتاب الأيمان والنذور، باب الكفارات.
(2) الوسائل: الباب 29، من أبواب الكفارات، ح 1 - 2 - 3.

[ 81 ]

كتاب الصيد والذبائح

[ 82 ]

كتاب الصيد والذبايح قال الله تعالى " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " (1) فأباح تعالى صيد البحر مطلقا لكل أحد، وأباح صيد البر إلا في حال الاحرام. وقال تعالى " أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم " (2). وقال " يسئلونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين " (3) إلى قوله " فكلوا مما أمسكن عليكم " (4) وهذه أبين آية في كتاب الله في الاصطياد وأكل الصيد، لأنها أفادت جواز تعليم الجوارح للاصطياد، وأكل ما تصيد وتقتل، إذا كان معلما، لأنه لو لم يقتله لما جاز أكله، حتى يذكى، معلما كان أو غير معلم. وأيضا على ذلك إجماع الأمة. فأما ما يجوز الاصطياد به، فعندنا لا يجوز الاصطياد بشئ من الجوارح إلا الكلب المعلم فقط، دون ما عداه، سواء كان من جوارح السباع، أو جوارح الطير، يدل على صحة ما قلناه بعد إجماعنا، قوله تعالى " وما علمتم من الجوارح مكلبين " وهذا نص صريح على أنه لا يقوم مقام الكلاب في هذا الحكم غيرها، لأنه تعالى لو قال وما علمتم من الجوارح ولم يقل مكلبين، لدخل في هذا الكلام كل جارح من

(1) سورة المائدة، الآية 96.
(2) سورة المائدة، الآية 1. (3 و 4) سورة المائدة، الآية 4.

[ 83 ]

طير وبهيمة، ذي ظفر، وناب ومخلب، وإنما أتى بلفظ مكلبين، وهي تخص الكلاب، لأن المكلب، هو صاحب الكلاب بلا خلاف بين أهل اللغة، فعلمنا إنه تعالى لم يرد بالجوارح جميع ما يستحق هذا الاسم، وإنما أراد بالجوارح الكلاب خاصة، ويجري ذلك مجرى قولهم ركب القوم مهاريهم، مبقرين، أو مجمزين، فإنه لا يحمل وإن كان اللفظ الأول عاما، إلا على ركوب البقر والجمازات، وليس لأحد أن يقول المكلب المضرى، والممرن، والمغرى قلنا (1) هذه لفظة عربية مشتقة من الكاف واللام والباء، فلا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز، ولا يتكلم فيهما طريقة اللغة، إلا أهلها. قال طفيل الغنوي: " تباري مراخيها الزجاج كأنها * ضراء أحست تباءة من مكلب " يصف خيلا والمراخي جمع مرخاء، وهي السريعة العدو، والزجاج جمع زج، والضراء جمع ضروة، وهي الكلبة. وقال النابغة: فارتاع من صوت كلاب. وإنما يكون معلما بثلاث شرايط، أحدها إذا أرسلته استرسل، وثانيها إذا زجرته انزجر، وثالثها لا يأكل مما يمسكه، ويتكرر هذا منه دفعات، حتى يقال في العادة إنه معلم. ثم يكون مرسله ممن يعتقد وجوب التسمية عند إرساله، ويسمي إذا أرسله. فإن أكل الكلب منه نادرا فلا بأس بأكل الباقي، وإن كان الأكل عادة له فلا يجوز أكل ما قتله. وأما إذا استرسل بنفسه، فإن وجده وفيه حياة مستقرة، لم يحل حتى يذكيه معلما كان أو غير معلم، وإن قتله فلا يحل أيضا، فكأنه إنما يحل في موضع واحد، وهو إذا أرسلته فقتله وهو معلم، لدليل الآية. إذا أرسل المسلم آلته على صيد وأرسل المجوسي، أو أي كافر كان، آلته أيضا

(1) ج. لأنا نقول.

[ 84 ]

على ذلك الصيد، مثل أن أرسلا كلبين، أو سهمين أو أحدهما كلبا والآخر سهما، فأصاباه وقتلاه، حرم أكله بلا خلاف، ولا فصل بين أن يقع السهمان دفعة واحدة أو واحدا بعد الآخر، إذا كان القتل منهما، فأما إن صيره الأول في حكم المذبوح، ثم رماه الآخر، مثل أن قطع الأول الحلقوم والمرئ والودجين، ثم رماه الآخر، فالأول ذابح، والآخر جارح، فيكون الحكم للأول، فإن كان الأول مجوسيا، لم يحل أكله، وإن كان مسلما والثاني مجوسيا، حل أكله، لأن الحكم للأول. فأما إن أرسلا معا فوجدا الصيد قتيلا، فلم يعلم أي الكلبين قتله، حرم أكله. فإن أرسلا معا كلبا واحدا، فقتل، حرم أكله. فإن كان مع مسلم كلبان، فأرسلهما وأحدهما معلم، والآخر غير معلم، لم يحل أكله وإن كان معه كلبان أرسل أحدهما، ولم يرسل الآخر، واسترسل الآخر بنفسه، حرم أكل ما قتلاه. فإن أرسل مسلم كلبه، ومجوسي كلبه، فأدركه كلب المجوسي، فرده إلى كلب المسلم، فقتله كلب المسلم، وحده، حل أكله. إذا غصب رجل آلة فاصطاد بها، كالسهم أو الكلب، كان الصيد للصياد دون صاحب الآلة وعلى الغاصب أجرة المثل في تلك الآلة. فإذا اصطاد بالكلب صيدا، فعضه الكلب. وجرح موضعا منه، كان موضع العضة نجسا، لأن سؤر الكلب ولعابه نجس، وما ماسه نجس بغير خلاف بيننا، فأما قوله تعالى " فكلوا مما أمسكن عليكم " (1) ولم يأمر بالغسل، مرجوع عن ظاهره بالاجماع المقدم ذكره. واختار شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه (2) قول بعض المخالفين إنه لا يجب غسلة ولا يكون نجسا. إلا أنه رجع عنه في مبسوطه (3).

(1) سورة المائدة الآية 4.
(2) الخلاف، كتاب الصيد والذبائح، مسألة 8.
(3) المبسوط، كتاب الصيد والذبائح، ص 259، ج 6.

[ 85 ]

إذا شرب الكلب المعلم من دم الصيد، ولم يأكل من لحمه، لم يحرم، لقوله تعالى " فكلوا مما أمسكن عليكم " وقد ثبت إن المراد بذلك أن لا يأكل منه، لأنه لو أكل لكان ممسكا على نفسه دون صاحبه. إذا عقر الكلب المعلم الصيد عقرا، لم يصيره في حكم المذبوح، وغاب الكلب والصيد عن عينه ثم وجده ميتا، لم يحل أكله، فإن كان قد صيره في حكم المذبوح، بأن قطع المري والحلقوم والودجين، أو قطعه نصفين، فإنه يحل أكله، لأنا نعلم أنه قتله. إذا أدركه، وفيه حياة مستقرة، لكنه في زمان لم يتسع لذبحه، أو كان ممتنعا، فجعل يعدو خلفه، فوقف له، وقد بقي من حياته زمان لا يتسع لذبحه، لا يحل أكله (1). إذا أرسل كلبه المعلم، وسمى عند إرساله على صيد بعينه، فقتل غيره، حل أكله. وكذلك إن أرسله في جهة، فعدل عن سمته إلى جهة غيرها، وقتل، حل أكله. إذا رمى سهما أو حربة، ولم يقصد شيئا، فوقع في صيد فقتله، أو رمى شحضا فوقع في صيد فقتله، لا يحل ذلك، ولا يجوز أكله بحال، لأنه لم يسم، وقد دللنا على وجوب التسمية. إذا رمى سهما، وسمى، فوقع على الأرض، ثم وثب بالاعتماد الأول فأصاب الصيد فقتله، حل أكله. إذا قطع الصيد بنصفين، وخرج منهما الدم، حل أكل الكل بلا خلاف، وإن كان الذي مع الرأس أكثر، حل الذي مع الرأس دون الباقي، وإن كان الذي مع الوركين أكثر، حل الجميع أيضا، هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر في سائل خلافه

(1) في ج و ل هنا زيادة بهذه العبارة: " وقال شيخنا في مسائل خلافه: فإن قلنا أنه يحل أكله كان قويا " إلا أنا لم نجده في كتاب الخلاف. (2) الخلاف، كتاب الصيد والذبائح: مسألة 17.

[ 86 ]

ومبسوطه (1) وهو قول بعض المخالفين. والذي ينبغي تحصيله في ذلك، إن الجميع يحل، سواء كان الذي مع الرأس أكثر، أو أقل، إذا لم يكن قد بقي مع الذي مع الرأس حياة مستقرة، لأنهما جميعا مذبوحان. ميتان، مقتولان، وأما إذا كان الذي مع الرأس فيه حياة مستقرة، فلا يجوز أكل الباقي، لأنه أبين من حي، فهو ميتة، لأن كل ما أبين من الحي، وقطع منه، والحي على حياته، فهو ميتة، فأما إذا لم يقطع من حي، بل كلاهما غير حي، بل صيد مقتول، فلا يحرمان. إذا اصطاد المسلم بكلب علمه مجوسي، حل أكل ما قتله، وبه قال جميع الفقهاء. إذا كان المرسل كتابيا، لم يحل أكل ما قتله. إذا كان المرسل مجوسيا أو وثنيا، لم يحل أكل ما اصطاده بلا خلاف، وإن كان أحد أبويه مجوسيا أو وثنيا والآخر كتابيا لم يجز أيضا عندنا. كل حيوان مقدور على ذكاته، إذا لم يقدر عليه، بأن يصير مثل الصيد، أو يتردى في بئر، فلا يقدر على موضع ذكاته، كان عقره ذكاته في أي موضع وقع منه. لا تحل التذكية بالسن، ولا بالظفر، سواء كان متصلا أو منفصلا، فإن خالف وذبح لم يحل أكله، هكذا ذكره شيخنا في مسائل خلافه (2). والذي ينبغي تحصيله في هذا الاطلاق، فإن كان ذلك في حال الاختيار، فهو على ما قال فهو صحيح، وإن كان في حال الاضطرار، فغير صحيح، بل عندنا بلا خلاف بيننا إنه تجوز الذباحة في حال الاضطرار وعند تعذر الحديد بكل شئ يفرى الأوداج، سواء كان ذلك عظما، أو حجرا، أو عودا، أو غير ذلك، وإنما بعض المخالفين يذهب إلى أن ذلك لا يجوز الذبح بالسن والظفر في حال الاضطرار،

(1) المبسوط، ج 6، كتاب الصيد والذبائح، ص 261، إلا أنه ليس فيه قوله وإن كان الذي مع الوركين أكثر حل الجميع أيضا.
(2) الخلاف، كتاب الصيد والذبائح، مسألة 22.

[ 87 ]

والاختيار، واستدل بخبر رواه المخالف من طرقهم (1) وما رواه أحد من أصحابنا، فليلحظ ذلك، ولا يظن أنه قولنا. لا تحل ذبايح أهل الكتاب اليهود والنصارى. ولا يجوز الذكاة في اللبة، إلا في الإبل خاصة، فأما البقر والغنم فلا يجوز ذبحهما إلا في الحلق، فإن ذبح الإبل ونحر البقر والغنم لم يحل أكله. إذا ملك صيدا فأفلت منه، لم يزل ملكه عنه، طايرا كان أو غير طائر، لحق بالبرادى أو لم يلحق، لأنه قد ثبت ملكه قبل الافلات بلا خلاف، ولا دليل على زواله فيما بعد، وعلى من ادعى ذلك الدلالة. إذا قتل المحل صيدا في الحل، لا جزاء عليه، سواء كان منشأة في الحل، ولم يدخل الحرم، أو دخل الحرم وخرج إلى الحل، أو كان منشأه في الحرم، فخرج إلى الحل. وصيد السمك أخذه وإخراجه من الماء حيا، وكذلك إن وجده الانسان على الجدد، فأخذه حيا، ولا تكفي مشاهدته له دون أخذه ولمسه، سواء كان من أخرجه وأخذه مسلما أو كافرا من أي أجناس الكفار كان، لأنه لا يراعى في صيده وجوب التسمية، إلا أن ما يصيده غير المسلم لا يجوز أكله، إلا إذا شوهد إخراجه له من الماء حيا، سواء مات في يده بعد إخراجه، أو أخذه المسلم منه وهو حي. وذهب شيخنا أبو جعفر في استبصاره، لما أورد الأخبار، وتأولها لما وردت عامة، بأنه لا بأس بصيد المجوس، إلى أن قال فالوجه في هذه الأخبار، أن نحملها على أنه لا بأس بصيد المجوس إذا أخذه الانسان منهم حيا قبل أن يموت، ولا يقبل قولهم في إخراج السمك من الماء حيا، لأنهم لا يؤمنون على ذلك معتمدا على خبر، رواه الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن أبان عن عيسى بن عبد الله، قال سألت

(1) صحيح البخاري، ج 20، كتاب الذبائح، الباب 15، الرقم 5150، ص 95، وفي سنن ابن ماجة كتاب الذبائح، باب 5، ما يذكى به. الحديث 4، الرقم 3178 ج 2 ص 1061. وروي عن رافع بن خديج نحوه أبو داود في سننه في الباب 14 من كتاب الضحايا الحديث 1 الرقم 2821 ج 3 ص 102.

[ 88 ]

أبا عبد الله عليه السلام عن صيد المجوس، فقال لا بأس إذا أعطوكاه أحياء (1) والسمك أيضا، وإلا فلا تجز شهادتهم، إلا أن تشهده (2). قال محمد بن إدريس رحمه الله، وهذا تخصيص منه رحمه الله، للعموم، بخبر واحد، وقد بينا إن أخبار الآحاد لا توجب علما ولا عملا، وأيضا فالخبر الذي خصص به واعتمد عليه، هو دليل الخطاب، لأنه قال لا بأس إذا أعطوكاه حيا، ولم يقل إذا شاهدت إخراجهم له حيا، وأخذته منهم بعد ذلك ميتا لا يجوز أكله، وقد يترك دليل الخطاب لدليل آخر، وإجماعنا منعقد، أن صيد السمك، أخذه وإخراجه من الماء حيا، ولا يراعى فيه وجوب التسمية. والأولى لشيخنا، إنه كان يتأول ما شذ من الأخبار، على أنه إذا صاده المجوس وجميع الكفار، لا يجوز أكله إلا إذا شاهد المسلم إخراج الكافر السمك حيا من الماء، سواء مات في يده بعد إخراجه، أو أخذه المسلم منه وهو حي، بخلاف صيد المسلم له، لأن صيد المسلم يحل سواء شاهد إخراجه حيا أو لم يشاهد، ويقبل قوله في ذلك، سواء كان محقا أو مبطلا، والكفار لا يقبل قولهم في ذلك، كما ذهب إلى هذا القول في نهايته (3). وهذا وجه صحيح في تأويل الأخبار، مستمر على قاعدة النظر وأصل المذهب. وهو الذي يذهب إليه المحصلون من أصحابنا، وهو أنه لا خلاف بينهم قديما وحديثا في أن صيد السمك لا يراعى فيه التسمية، بل الحال التي يحل معها أكله، أن يخرجه آدمي من الماء حيا، أو يأخذه من غير الماء وهو حي، سواء أخذه أو أخرجه مسلم أو كافر، من أي أجناس الكفار كان، إلا أن ما يخرجه غير المسلم يراعى فيه المشاهدة له، وقد أخذه حيا، ولا يقبل قوله في أنه أخرجه من الماء حيا، والمسلم يقبل قوله في ذلك، سواء كان المسلم محقا أو مبطلا، فهذا فرق ما بين المسلم والكافر.

(1) ج. ل. حيا.
(2) الاستبصار، ج 4، باب صيد المجوسي للسمك، ص 64، ح 11 - 229، وفيه، إذا أعطوكه حيا.
(3) النهاية، كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد وأحكامه.

[ 89 ]

وقد حقق ذلك السيد المرتضى في الناصريات (1). فأما من تمسك وذهب إلى تحريم أكل السمك والجراد إذا صادهما الذمي والمسلم غير المحق، يعول على أن صيدهما هي ذكاتهما، وإن العذر قد انقطع بأن غير المحق لا ذكاة له، ولا تؤكل ذبيحته. فأقول إن آخذ السمك وإخراجه من الماء حيا ليس بذكاة على الحقيقة، وإنما أجرى مجرى الذكاة في الحكم، لا في وقوع الاسم، وإذا وقع التحريم بتذكية غير المحق، وإنه لا ذكاة له، فإنما يدخل في ذلك ما يكون حقيقة من الذبح وفري الأوداج، وما لا يكون حقيقة ويسمى بهذه التسمية، جاز أن لا يدخل في الظاهر إلا بدليل، فعلى من ادعى دخول صيد غير المحق السمك والجراد تحت تحريم ذكاة المبطل، الدليل. وقد رجع شيخنا أبو جعفر عما ذكره في استبصاره، إلى ما ذهبنا إليه في مبسوطه، وحقق ذلك في نهايته، على ما قدمناه وبيناه أولا، وحكيناه (2). قال في مبسوطه، إذا اصطاد السمك من لا يحل ذبيحته، كالمجوسي والوثني، حل أكله بلا خلاف، غير إنا نعتبر أن نشاهده، وقد أخرجه حيا ولا نصدقه على ذلك، لأنه يجوز أن يكون مات في الماء، وعندنا لا يجوز أكل ذلك، وكذلك ما اصطاده اليهودي والنصراني من السمك، والفرق بين صيد السمك والذبيحة على مذهبنا، أن صيد السمك لا يراعى فيه التسمية، والذباحة يجب فيها التسمية، فلا جل ذلك لم يصح منهما، هذا آخر كلامه (3) رحمه الله، فتدبره واعتبره. وأيضا لو كان صيد السمك ذكاة حقيقة لما قال الرسول عليه السلام لما سئل عن ماء البحر، فقال " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته " (4) فأحل ميتته فلو كان

(1) الناصريات المسألة الثالثة والمأتان، والعبارة هكذا، لا يحل السمك الذي يصطاده ذمي...
(2) في ص 87 و 88.
(3) المبسوط، ج 6، كتاب الصيد والذبائح، ص 276 - 277.
(4) مستدرك الوسائل الباب 2، من أبواب الماء المطلق الحديث 1. سنن النسائي، كتاب الصيد والذبائح، باب ميتة البحر (ج 7، ص 307).

[ 90 ]

صيده ذكاة حقيقة لما أطلق عليه اسم الميتة، لأن الحيوان المذكى لا يسمى ميتة في عرف الشرع، ولما قال أمير المؤمنين عليه السلام، عند سؤال السائل له عن دم السمك، فقال " لا بأس بدم ما لم يذك " (1) فبان بذلك ما نبهنا عليه، وأدل دليل على جواز أكل صيد غير المحق مع المشاهدة له، السمك وقد أخرجه من الماء حيا، وإن مات في يده، وإن صيد السمك ليس بذكاة حقيقة، وإنما أجرى مجرى الذكاة الحقيقية في الحكم، لا في وقوع الاسم، إجماع أصحابنا المحصلين على أن الشاة المذكاة، يحرم منها أربعة عشر شيئا، وإجماعهم على أن السمك لا يحرم منه شئ فلو كان صيده ذكاة حقيقية لحرم منه ما يحرم من الشاة المذكاة ذكاة حقيقية، وأحد لا يقول بذلك. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وإذا نصب الانسان شبكة في الماء يوما وليلة، أو ما زاد على ذلك، ثم قلعها وقد اجمتع فيها سمك كثير، جاز له أكل جميعه، وإن كان يغلب على ظنه، أن بعضه مات في الماء، لأنه لا طريق له إلى تمييزه من غيره، فإن كان له طريق إلى تمييز ما مات في الماء مما لم يمت فيه لم يجز له أكل ما مات فيه، وكذلك ما يصاد في الحظائر ويجتمع فيها، جاز أكل ذلك جميعا مع فقد الطريق إلى تمييز الميت من الحي (2). قال محمد بن إدريس رحمه الله هذه رواية أوردها رحمه الله إيرادا، لا اعتقادا، وتحرير ذلك أن الانسان متى نصب الشبكة، ووقع فيها السمك، وأخذه منها وهو حي، فإنه حلال، وإن أخذه وهو ميت، فلا يجوز أكله بحال، لأنا أجمعنا على أن ما يموت من السمك في الماء فإنه حرام، وهذا إجماع منعقد من أصحابنا، فلا يجوز أن نرجع عنه بأخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا. وإذا صيد سمك، وجعل في شئ وأعيد في الماء، فمات فيه، لم يجز أكله،

(1) الوسائل، الباب 23، من أبواب النجاسات الحديث 2، مع اختلاف في العبارة وهي هكذا: إن عليا عليه السلام كان لا يرى بأسا بدم ما لم يذك يكون في الثوب فيصلي فيه الرجل يعني دم السمك.
(2) النهاية، كتاب الصيد والذبائح باب الصيد وأحكامه.

[ 91 ]

وإن أعيد إلى غير الماء حتى يموت فيه، فلا بأس بأكله، والفرق بين الأمرين، إن في الأول مات فيما فيه حياته، والثاني مات فيما ليس فيه حياته. وروي (1) أنه يكره صيد السمك يوم الجمعة قبل الصلاة. ويكره صيد الوحش والطير بالليل. ويكره أخذ الفراخ من أعشاشهن، وأوكارهن، وليس ذلك بمحظور. والطير إذا كان مالكا جناحيه، فلا بأس بصيده بسائر الآت الصيد، ما لم يعرف له صاحب، فإن عرف له صاحب فلا يجوز اصطياده، فإن اصطيد وجب رده على صاحبه. والمقصوص الجناح لا يجوز أخذه، لأن له صاحبا فإن أخذه كان حكمه حكم اللقطة في جميع أحكامها. ولا يؤكل من الطير ما يصاد بسائر أنواع الآت الصيد، إلا ما أدرك ذكاته، إلا ما يقتله السهم، ويكون مرسله قد سمى عند إرساله، أو ترك التسمية ساهيا، مع اعتقاده لوجوبها، فإن لم يكن صاحبه قد سمى، أو صيد بالبندق، - وهو الجلاهق وهو الطين المدور، يرمى به عن القوس، فارسي وأصله بالفارسية " جلاهة " الواحدة جلاهقة وجلاهقتان، وليس الجلاهق، القسي، كما يظنه بعض الناس. وقال شيخنا المفيد في مقنعته، ورمي الجلاهق، وهي قسي البندق، حرام -، والصحيح ما ذكرناه، فإنه قول اللغويين، ذكره ابن الجواليقي، في المغرب، وذكره أيضا الجوهري في كتاب الصحاح، والاعتماد على أهل اللغة في ذلك، فإنهم أقوم به أو المعراض، وهو سهم بلا ريش، ولا نصل، ويصيب بعرض عوده، دون حده، ومنه حديث عدي، أنه قال: إني أرمى بالمعراض فيخرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن خرق فكل، وأن أصاب بالعرض، فلا تأكل (2)، هذا قول الهروي،

(1) الوسائل، الباب 30، من أبواب الصيد.
(2) صحيح البخاري، كتاب الذبائح والصيد الباب 3، (ج 20 ص 79) فيه: " قلت وإنا نرمي بالمعراض قال كل ما خرق، وما أصاب بعرضه فلا تأكل ". رواه مسلم في صحيحه كتاب الصيد - >

[ 92 ]

في غريب الحديث، وقال ابن فارس، صاحب مجمل اللغة: المعراض سهم طويل، له أربع قذذ دقاق، فإذا رمى به اعترض، وكذلك ما يقتله الحجارة، وما أشبه ذلك، فمات منه لم يجز أكله. وإذا رمى انسان طيرا بسهم، فأصابه وأصاب فرخا لم ينهض بعد، فأصابهما وقتلهما، جاز أكل الطير، لأنه صيد، ولم يجز أكل الفرخ الذي لم ينهض، لأنه ليس بصيد، وهو مقدور عليه، فلا يكون حكمه حكم الصيد. وإذا قتل الصيد بسهم يصيبه، ولا يكون فيه حديدة، لم يجز أكله، فإن كان فيه حديدة، غير أنه أصابه معترضا فقتله، جاز أكله. ولا يجوز أن يرمي الصيد بشئ أكبر منه، فإن رمى بشئ أكبر منه فقتله، لم يجز له أكله، على ما روي (1) في الأخبار. وإذا لم يكن مع الصايد سهم فيه حديدة، ومعه سهم حاد ينفذ ويخرق - بكسر الراء - جاز أكل ما يصيده به إذا خرق، فإذا لم يخرق، لم يجز أكله. وصيد الوحش يجوز بسائر آلات الصيد، من الجوارح والسباع، والمصايد، والحبالات، إلا أنه لا يجوز أكل شئ من ذلك عند أصحابنا، إلا ما أدرك الانسان ذكاته، إلا الكلب خاصة، على ما تقدم بيانه وتحريره (2). وروى (3) أصحابنا إن أدنى ما يلحق معه الذكاة، أن يجده تطرف عينه، أو تتحرك يده، أو رجله، أو ذنبه. وإذا أخذ الكلب المعلم صيدا، فأدركه صاحبه حيا، وجب أن يذكيه، فإن لم يكن معه ما يذكيه به، فليتركه حتى يقتله، ثم ليأكل إن شاء، هكذا أورده شيخنا < -

والذبائح الباب 1، الحديث 3 (الرقم 1922) وفيه سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن المعراض فقال إذا أصاب بحده فكل، وإذا أصاب بعرضه فقتل، فإنه وقيذ فلا تأكل. ج 3 ص 1530 ورواه النسائي في سننه في كتاب الصيد والذبائح، باب ما أصاب بعرض من صيد المعراض (ج 7 ص 195). (1) الوسائل، الباب 21، من أبواب الصيد.
(2) في ص 82.
(3) الوسائل، الباب 11، من أبواب الذبائح.

[ 93 ]

في نهايته (1). والأولى عندي إنه يجب عليه أن يذكيه، فإن لم يكن معه ما يذكيه به فلا يحل أكله إذا قتله الكلب بعد ذلك، لأنه ليس بصيد الكلب بعد القدرة عليه، لأنه غير ممتنع، بل هو مقدور عليه، وهو بمنزلة الغنم. إذا لم يكن مع الانسان ما يذكيه ويذبحه به ومعه كلب، فلا يجوز له أن يدع الكلب يذبحه بلا خلاف، لأنه ليس بصيد، هذا الذي يقتضيه أصول المذهب، وإنما أورد هذا الخبر شيخنا (2) إيرادا، لا اعتقادا، كما أورد أمثاله مما لا يعمل عليه في هذا الكتاب. وإذا انفلت كلب، فصاد من غير أن يرسله صاحبه، وسمى، لم يجز أكل ما يقتله. ومن نسي التسمية عند إرسال الكلب، وكان معتقدا لوجوب ذلك، جاز أكل ما يقتله. ولا يجوز أن يسمي غير الذي يرسل الكلب، فإن أرسل واحد الكلب وسمى غيره، لم يجز أكل ما يقتله. ومن شرط أكل ما يقتله الكلب خاصة، أن لا يغيب عن العين، فإذا غاب عن العين، ثم وجد مقتولا، لم يجز أكل ما يقتله، هكذا أورده شيخنا في نهايته (3). والذي تقتضيه الأدلة أن يقال، هذا يكون إذا عقره عقرا، لم يصيره في حكم المذبوح، فأما إذا عقره عقرا يصيره في حكم المذبوح، بأن أخرج حشوته، أو فلق قلبه، أو قطع الحلقوم، والمرئ، والودجين، ثم غاب عن العين بعد ذلك، فإنه يحل أكله، وإلى هذا التحرير والتفصيل يذهب رحمه الله في مسائل خلافه (4).

(1) النهاية، كتاب الصيد والذبائح باب الصيد وأحكامه.
(2) ما تعرض الشيخ رحمه الله للمسألة في النهاية ولعله استفاد ابن إدريس رحمه الله هذه الفتوى منه من المسألة السابقة.
(3) النهاية، كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد وأحكامه.
(4) الخلاف كتاب الصيد والذبائح، مسألة 9.

[ 94 ]

فأما السهم، فإن غاب عن العين، وكان قد جعله السهم في حكم المذبوح، بأن قطع الحلقوم والمري والودجين، أو جميع الرقبة، ما خلا الجلد، أو أبان السهم حشوته - بكسر الحاء - يعني جميع ما في بطنه، وما أشبه ذلك، فلا بأس بأكله، فأما إن كان بخلاف ذلك، فلا يجوز أكله، لأن في الأول يقطع على أن سهمه القاتل له، والثاني لا قطع معه، وبهذا وردت الأخبار (1) عن الأئمة الأطهار عليهم السلام، وأصول المذهب أيضا تقتضيه. فإن أصاب الصيد سهم فتدهده من جبل، أو وقع في الماء، ثم مات فعلى ما فصلناه من الاعتبار. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وإذا أصاب الصيد سهم، فتدهده من جبل، أو وقع في الماء، ثم مات لم يجز أكله، لأنه لا يأمن من أن يكون قد مات في الماء، ومن وقوعه من الجبل (2). والأصل ما قدمناه من الاعتبار، لأن شيخنا علل القول، لأنه قال لا يأمن أن يكون قد مات في الماء، ومن وقوعه من الجبل، ونحن فقد أمنا إذا وجدناه على الصفة المقدم ذكرها، من كونه في حكم المذبوح، فأما إذا لم يكن كذلك، فالقول ما قاله رحمه الله. وقال في مبسوطه، إذا رمى طائرا فجرحه، فسقط على الأرض، فوجد ميتا، حل أكله، سواء مات قبل أن يسقط، أو بعد ما سقط، وقال بعضهم، إذا مات بعد ما سقط، لم يحل أكله، لأن سقوطه على الأرض، قبل موته، فقد أعانت السقطة على قتله، فقد مات من مبيح وحاظر، فغلبنا حكم الحظر، كما لو سقط في الماء، وهذا أليق بمذهبنا، فأما إن سقط عن الإصابة في ماء، أو تردى من جبل، أو وقع على شجرة، فتردى منها إلى الأرض، لم يحل أكله، لقوله تعالى: " والمنخنقة والموقوذة

(1) الوسائل، الباب 18، من أبواب الصيد لكن أخبار الباب تعرض بحلية ما علم أنه قتل بإصابة السهم.
(2) النهاية، كتاب الصيد والذبائح باب الصيد وأحكامه.

[ 95 ]

والمتردية " (1) فما وقع في الماء، فالماء يخنقه، وما وقع على الجبل ثم تردى، فهو المتردية، هذا إذا كان الجرح غير موحى، فأما إن كان الجرح قاتلا موحيا، مثل أن وقع السلاح في حلقه، فذبح، أو في قلبه، أو في كبده فقتله، حل أكله بكل حال، لأنه صار مذكى، فلا يقدح فيه ما وراء ذلك، كما لو ذبح شاة، ثم وقعت في الماء، فماتت فيه، فإنه يحل أكلها، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (2). وقال شيخنا في نهايته، وإذا طعن الصيد برمح، أو ضربه بسيف، فقتله ويكون قد سمى جاز له أكله، فإن قده بنصفين، ولم يتحرك واحد منهما، جاز له أكلهما، إذا خرج منهما الدم، وإن تحرك أحد النصفين، ولم يتحرك الآخر، أكل الذي تحرك، ورمى ما لم يتحرك (3). قال محمد بن إدريس رحمه الله إذا سال الدم منهما، أكلهما جميعا ما يتحرك، وما لم يتحرك. وذهب شيخنا في مسائل خلافه، إذا قطع الصيد بنصفين، حل أكل الكل، بلا خلاف، وإن كان الذي مع الرأس أكثر، حل الذي مع الرأس دون الباقي (4). قال محمد بن إدريس رحمه الله الاعتبار بما مع الرأس إذا لم يكن فيه حياة مستقرة، فإذا كان كذلك حل الجميع، وإن كان الذي مع الرأس فيه حياة مستقرة، فلا يؤكل ما عداه مما أبين منه. لأنه أبين من حي، وما أبين من حي فهو ميتة، فأما إذا لم يكن فيه حياة مستقرة، فما هو مما أبين من حي، فيؤكل الجميع، وشيخنا استدل على تحريمه بأنه أبين من حي، ولم يفصل ما فصلناه، ولا حرر ما حررناه، فلتلحظ ما بيناه بعين الانصاف، تجده واضحا جليا. وإن قطع منه قطعة بسيف، أو أخذت الحبالة منه ذلك، فليرم بالقطعة، وليذكي الباقي ويأكله.

(1) سورة المائدة، الآية 3.
(2) المبسوط، ج 6، كتاب الصيد والذبائح، ص 272 - 273.
(3) النهاية، كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد وأحكامه.
(4) الخلاف، كتاب الصيد والذبائح، مسألة 17.

[ 96 ]

وإذا آخذ الصيد جماعة فتناهبوه، وتوزعوه قطعة قطعة، جاز أكله بشرط إنهم جميعا صيروه في حكم المذبوح، أو أولهم، فإن كان الأول منهم لم يصيره في حكم المذبوح، بل أدرك وفيه حياة مستقرة، يعيش اليوم واليومين، ولم يذكوه في موضع ذكاته الشرعية، بل تناهبوه، وتوزعوه من قبل ذكاته، فلا يجوز لهم أكله، لأنه صار مقدورا على ذكاته، ولم يصر في حكم الصيد الذي لا يعتبر في قتله وتحليله موضع ذكاته، لأنه غير مقدور عليه، فيذكى في أي موضع كان من جسده، فليلحظ ذلك. ومتى رمى الانسان صيدا بعينه، وسمى، فأصاب غير ما رماه فقتله، جاز أكله. وإذا وجد لحما لا يعلم أذكي هو أم ميت، فليطرحه على النار، فإن انقبض فهو ذكي، وإن انبسط فليس بذكي. وقد قدمنا (1) إن صيد الجراد أخذه ولا يراعى فيه التسمية. ولا يجوز أن يؤكل من الجراد ما مات في الماء أو الصحراء، قبل أن يؤخذ، ولا ما يحرق في الشجر قبل التناول له، وعلى هذا التحرير إذا كان الجراد في أجمة، أو قراح، فأحرق الموضع، فاحترق الجراد، لم يجز أكله. ولا يؤكل منه الدباء بفتح الدال، وهو الذي لا يستقل بالطيران، لأنه ليس بصيد قبل نهوضه. باب ما يستباح أكله من ساير أجناس الحيوان وما لا يستباح الحيوان على ضروب، منها ما يكون في الحضر خاصة، ومنها ما يكون في البر، ومنها ما يكون في البحر وكل واحد من هذه الأجناس ينقسم أقساما ثلاثة قسم منها مباح طلق بكسر الطاء - وقسم مكروه، وقسم محظور. فأما حيوان الحضر، فالإبل، والبقر، والغنم، فإنها أجمع مباحة، ويجوز استعمالها

(1) في ص 89.

[ 97 ]

وأكلها على كل حال، إلا ما كان منها جلالا، وهو الذي يكون غذاؤه أجمع الجلة بفتح الجيم وتشديد اللام، وهي عذرة بني آدم فإنه محظور لا يجوز أكله. وحد الجلال الذي لا يجوز أكله إلا بعد الاستبراء، هو أن يكون غذاؤه أجمع عذرة الانسان، لا يخلطها بغيرها على ما قدمناه (1)، وإذا كان مخلطا، يأكل العذرة وغيرها، فإن لحمه مكروه، وليس بمحظور. ويستبرء الجلال، الإبل منه بأربعين يوما، يربط ويعلف علقا مباحا حتى يزول عنه حكم الجلل، والبقر منه بعشرين يوما كذلك، والشاة بعشرة أيام، والبطة بخمسة أيام، والدجاجة بثلاثة أيام، والسمك بيوم واحد. وقد روي (2) أنه إذا شرب شئ من هذه الأجناس خمرا، ثم ذبح جاز أكل لحمه بعد أن يغسل بالماء، ولا يجوز أكل شئ مما في بطنه، ولا استعماله، والأولى حمل هذه الرواية على الكراهية دون الحظر، لأنه لا دليل على تحريم ذلك من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، والأصل الإباحة. وإذا رضع شئ من هذه الأجناس من خنزيرة، حتى اشتد على ذلك، لم يجز أكل لحمه. وروي (3) أنه لا يجوز أيضا أكل ما كان من نسله. وإن كان شربه من الخنزيرة دفعة أو دفعتين، ولم يشتد على ذلك، كان أكل لحمه مكروها غير محظور، إلا أنه يستبرأ بسبعة أيام، على ما روي في الأخبار (4) إن كان مما يأكل العلف كسبا، وغيره أطعم ذلك، وإن لم يكن مما يأكل العلف، سقي من لبن ما يجوز شرب لبنه سبعة أيام. وروي (5) أنه إذا شرب شئ من هذه الحيوانات بولا، ثم ذبح، لم يؤكل ما في بطنه إلا بعد غسله بالماء.

(1) في الجزء الأول، ص 80.
(2) الوسائل، الباب 24 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 1.
(3) الوسائل، الباب 25، من أبواب الأطعمة المحرمة.
(4) الوسائل، الباب 25 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 1.
(5) الوسائل، الباب 24، من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 2.

[ 98 ]

ومتى شرب شئ من ذلك من لبن امرأة واشتد على ذلك كره أكل لحمه، ولم يكن محظورا. فأما الخيل والبغال والحمير، فإن لحمها مكروه عند أصحابنا، وليس بمحظور، وإن كان بعضه أشد كراهة من بعض، لأن لحم البغل أشد كراهة من لحم الحمار، ولحم الحمار أشد كراهة من لحم الخيل، ولحم الخيل أدونهن كراهية. وذهب بعض أصحابنا إلى أن أشد ذلك كراهية لحم الحمار. فإن جل واحد من هذه الأجناس الثلاثة، كان لحمه محظورا، إلا أن يستبرأ، ولم يرد حد في مدة استبراء شئ من ذلك. والذي ينبغي أن يعول عليه، أنه يستبرأ بمدة تخرجه من اسم الجلل، بأن يصير غذاؤه أجمع مما يجوز أكله من المباحات، بعد إن كان قد صار غذاؤه أجمع عذرة الانسان، بحيث يزول عنه اسم الجلل، بأن لا يسمى جلالا، لأنه لم يصر غذاؤه أجمع عذرة الانسان، فليلحظ ذلك فهذا تحرير فقهه. ولا يجوز أكل لحم الفيل. ومن وطي شيئا من الأجناس التي يحل أكل لحمها، حرم ذلك لحمها ولحم ما كان من نسلها، على ما رواه (1) أصحابنا، ووجب إحراقها بالنار، فإن اختلطت بغيرها واشتبهت، استخرجت بالقرعة، بأن يقسم القطيع قسمين، ويقرع على كل واحد منهما، ثم يقسم ذلك أبدا، إلى أن لا تبقى إلا واحدة. وأما حيوان البحر، فلا يستباح أكل شئ منه إلا السمك خاصة، والسمك يؤكل منه ما كان له فلس، وهو القشر، فأما ما لم يكن له قشر، وإن انطلق عليه اسم المسك فلا يحل أكله، فعلى هذا التحرير، الجري - بكسر الجيم - والراء وتشديدها و تشديد الياء أيضا، لا يجوز أكله وكذلك الجريث - بكسر الجيم - أيضا وتشديد الراء وكسرها فلا يجوز أكله. ولا يجوز أكل الطافي وهو الذي يموت في الماء فيطفو عليه.

(1) الوسائل، الباب 30، من أبواب الأطعمة المحرمة.

[ 99 ]

وكذلك لا يجوز أكل المارماهي، ولا الزمار والزهو بالزاء المعجمة، لأنه لا قشر له، ولا هو سمك. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وأما المارماهي والزمار، والزهو، فإنه مكروه شديد الكراهية، وإن لم يكن محظورا (1). وهذا غير مستقيم ولا صحيح، لأنه مخالف لأصول مذهبنا، ولأن إجماع أصحابنا بغير خلاف بينهم، أنه لا يؤكل من حيوان البحر إلا السمك، والسمك لا يؤكل منه إلا ما كان له فلس، وهذه الأجناس التي ذكرها، لا تسمى سمكا لا لغة ولا عرفا، وليس لها أيضا فلس، وإنما هذا خبر واحد أورده إيرادا، لا اعتقادا، كما أورد أمثاله مما لا يعمل عليه. إلا أنه رحمه الله عاد، وقال في نهايته أيضا، يعزر آكل الجرى، والمارماهي، ومسوخ السمك كلها، والطحال، ومسوخ البر، وسباع الطير، وغير ذلك من المحرمات، فإن عاد أدب ثانية، فإن استحل شيئا من ذلك وجب عليه القتل، هذا آخر كلامه رحمه الله (2). فمن يوجب عليه القتل باستحلاله لآكله، كيف يجعله مكروها غير محظور، وإنما ذلك خبر واحد أورده على ما رواه ووجده. ولا بأس بأكل الكنعت، ويقال أيضا الكنعد، بالدال غير المعجمة. ولا بأس أيضا بأكل الربيثا، - بفتح الراء وكسر الباء -، وكذلك لا بأس بأكل الإربيان، - بكسر الألف وتسكين الراء، وكسر الباء - وهو ضرب من السمك البحري، ابيض كالدود، والجراد، الواحدة إربيانة. ولا يؤكل من السمك ما كان جلالا، إلا بعد أن يستبرأ يوما إلى الليل، على ما قدمناه (3) في ماء طاهر، يطعم شيئا طاهرا. ولا يجوز أكل ما نضب عنه الماء من السمك.

(1) النهاية، كتاب الصيد والذبائح باب ما يستباح أكله من سائر أجناس الحيوانات وما لا يستباح.
(2) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في شرب الخمر.
(3) في ص 97.

[ 100 ]

وإذا شق جوف سمكة، فوجد فيها سمكة، جاز أكلها، إذا كانت من جنس ما يحل أكلها، على ما روي (1) في الأخبار، وأورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (2). والذي يقتضيه المذهب، إنه إن كانت الموجودة حية، فإنها تؤكل، ويصح العمل بالرواية، وإن كانت ميتة، فلا يجوز أكلها على حال، فهذا تحرير هذه الفتيا. فإن شق جوف حية فوجد فيها سمكة، فإن كانت على هيئتها ولم تنسلخ، لم يكن بأكلها بأس، وإن كانت قد انسلخت لم يجز أكلها على حال، على ما وردت الرواية (3) بذلك، أوردها شيخنا أبو جعفر في نهايته (4). والأولى أن يقال: إن كانت السمكة الموجودة في جوف الحية حية، فإنها تؤكل، سواء تسلخت أو لم تنسلخ، وإن كانت ميتة، فلا يجوز أكلها، سواء تسلخت أو لم تنسلخ، (5) على حال، فهذا تحرير هذه الرواية على ما يقتضيه أصول مذهبنا. وإذا وثبت سمكة من الماء، فماتت، فإن أدركها الانسان بمباشرة، سوى حاسة النظر، وفيها روح، جاز له أكلها، وإن لم يدركها كذلك، تركها ولم يجز له أكلها. وإذا وجد الانسان سمكة على ساحل بحر، أو شاطي نهر، ولم يدر أذكية هي أم ميتة؟ فليلقها في الماء، فإن طفت على ظهرها، فهي ميتة، وإن طفت على وجهها فهي ذكية. ولا بأس بأكل الطمر - بالطاء غير المعجمة المكسورة، والميم المسكنة، والراء غير المعجمة - وكذلك لا بأس بأكل الطبراني - بالطاء غير المعجمة المفتوحة، والباء بنقطة واحدة من تحتها، المفتوحة، والراء غير المعجمة - وهذان جنسان من أجناس السمك، لهما فلوس. وكذلك الإبلامي، - بكسر الهمزة، وبالباء المنقطة بنقطة واحدة من تحتها،

(1) مستدرك الوسائل، الباب 32، من أبواب الأطعمة المحرمة. (2 و 3) الوسائل كتاب الصيد والذبائح باب ما يستباح أكله من سائر أجناس الحيوان وما لا يستباح.
(4) الوسائل، الباب 15، من أبواب الأطعمة المحرمة.
(5) ج. انسلخت وتنسلخ، في المواضع الثلاثة.

[ 101 ]

المسكنة، - وهو جنس أيضا من أجناس السمك الذي له فلس وقشر. وأما حيوان البر، فإنه لا يجوز أكل شئ من السباع، سواء كان ذا ناب قوي يعدو على الناس، أو غير ذي ناب قوي، كالثعلب، وابن آوى، والأرنب، وغير ذلك مثل السبع والفهد، والنمر، والكلب، والخنزير والدب، وما أشبه ذلك من المسوخ، والسباع. ولا يحل أكل الوبر - بفتح الواو وتسكين الباء - وهي دويبة فوق السنور، ودون الأرنب. وقال شيخنا في مسائل خلافه، وهي سوداء أكبر من ابن عرس، تأكل وتجتر، وقال بعض اللغويين، الوبر هي دويبة دون السنور ودون الأرنب، حجازي لا أذناب لها، وهي أقذر ما يكون. قال جرير، يهجو بني نمير امرأة منهم. تطلى وهي سيئة المعرى * بصن الوبر تحسبه ملابا قال الصن، جعد الوبر. ولا بأس بأكل لحم الظبا. وقال شيخنا في نهايته، ولا بأس بأكل لحم الظبي، والغزال (1). ويمكن أن يقال الفرق بين الظبي والغزال، إن الظبي الكبيرة، والغزال الصغيرة. قال الشاعر: ولم أر مثلها نظرا وعينا * ولا أم الغزال ولا الغزالا وإن كان كل واحد منهما يعبر به عن هذا الجنس، إلا أنه لما اجتمعا، أمكن ما قلناه من الفرق، وإن قيل أن المعنى واحد، إلا أنه لما اختلف اللفظ، جاز ذلك، وإن كان المعنى واحدا، كما قيل: النأي والبعد، والكذب والمين، ونظائر ذلك. ولا بأس بأكل لحم البقر الوحشي، والحمار الوحشي، وإن كان لحم الحمار

(1) النهاية، كتاب الصيد والذبائح باب ما يستباح أكله من سائر أجناس الحيوان وما لا يستباح.

[ 102 ]

مكروها. والقرد والسنور سواء كان بريا أو أهليا لا يجوز أكلهما. ولا يجوز أكل السلحفاة - بفتح اللام - وهي كبار الرقاق الذي تسميه العامة الرفش ولا جميع الرقاق والضفادع. ولا يجوز أكل اليربوع، والفار، والقنافذ، والحيات، والعقارب، والسرطان، والخنافس، وبنات وردان، والزنانير، وحشرات الأرض، والضب حرام. ولا يجوز أكل السمور والسنجاب، والفنك، والخز، وما أشبه ذلك. قال محمد بن إدريس رحمه الله قال بعض مصنفي أصحابنا، إن الخز هي دابة صغيرة، تطلع من البحر تشبه الثعلب، ترعى في البر، وتنزل البحر، لها وبر تعمل منه ثياب تحل فيها الصلاة، وصيدها، ذكاتها مثل السمك. يعضد هذا القول ما رواه ابن أبي يعفور قال كنت عند أبي عبد الله عليه السلام، إذ دخل عليه رجل من الخزازين، فقال له جعلت فداك ما تقول في الصلاة في الخز؟ فقال لا بأس بالصلاة فيه، فقال له الرجل جعلت فداك إنه ميت، وهو علاجي، وأنا أعرفه، فقال له أبو عبد الله عليه السلام، أنا أعرف به منك، فقال له الرجل إنه علاجي، وليس أحد أعرف به مني، فتبسم أبو عبد الله عليه السلام، ثم قال له: تقول إنه دابة تخرج من الماء، أو تصاد من الماء، فتخرج، فإذا فقد الماء مات، فقال الرجل صدقت، جعلت فداك، هكذا هو، فقال أبو عبد الله عليه السلام فإنك تقول: إنه دابة تمشي على أربع، وليس هو في حد الحيتان، فيكون ذكاته خروجه من الماء. فقال الرجل أي والله، هكذا أقول، فقال له أبو عبد الله عليه السلام إن الله تعالى أحله، وجعل ذكاته موته، كما أحل الحيتان، وجعل ذكاتها موتها (1). أورد هذا أخبر شيخنا أبو جعفر الطوسي في تهذيب الأحكام، وكثير من أصحابنا المحققين المسافرين، يقولون إنه القندس، ولا يبعد هذا القول من الصواب، لقولهم عليهم السلام " لا بأس بالصلاة في الخز ما لم يكن مغشوشا بوبر الأرانب

(1) الوسائل، الباب 8، من أبواب لباس المصلي الحديث 4.

[ 103 ]

والثعالب " (1) والقندس أشد شبها بالوبرين المذكورين. وأما الطير فالحمام على اختلاف ضروبه، وقيل إن كل مطوق فهو عند العرب حمام، وقيل إنه كل ما عب فهو حمام، فإن جميع ذلك حلال يؤكل لحمه، مسرولا كان، أو غير مسرول، داجنا أو غير داجن، والدواجن هي التي تألف البيوت، وتستأنس فيها، وكذلك الرواجن أيضا - بالراء غير المعجمة -، والأول بالدال غير المعجمة والجيم فيهما جميعا، يقال ذلك للطير، والشاة والبقرة، - وكذلك جميع الدجاج حبشيا كان أو غير حبشي. وأما ما عدا ذلك من الطيور، فإن السباع منها لا يحل أكلها، وما عدا السباع، فإن العصافير، والقنابر، والزرازير، والصعو، والهدهد، يؤكل لحمها. ويكره لحم الشقراق، - بكسر الشين والقاف، وتشديد الراء وفتحها -، وكذلك يكره لحم الصرد والصوام، - بضم الصاد وتشديد الواو، وفتحها -، وهو طائر اغبر اللون، طويل الرقبة، أكثر ما يبيت في النخل. وكذلك يكره لحم الحبارى، على رواية (2) شاذة. والغربان على أربعة أضرب، ثلاثة منها لا يجوز أكل لحمها. وهي الغداف الذي يأكل الجيف، ويفرس، ويسكن الخرابات، وهو الكبير من الغربان السود. وكذلك الأغبر الكبير، لأنه يفرس ويصيد الدراج، فهو من جملة سباع الطير. وكذلك لا يجوز أكل لحم الأبقع، الذي يسمى العقعق، طويل الذنب. فأما الرابع فهو غراب الزرع، الصغير من الغربان السود الذي يسمى الزاغ، - بالزاء المعجمة، والغين المعجمة -، فإن الأظهر من المذهب أنه يؤكل لحمه على كراهية، دون أن يكون لحمه محظورا.

(1) الوسائل، الباب 9، من أبواب لباس المصلي.
(2) الوسائل، الباب 21، من كتاب الأطعمة والأشربة، ح 1 - 2 - 3، وفظ الجواهر 36، ص 315، وهي غير دالة على الكراهة... فراجع.

[ 104 ]

وإلى هذا القول يذهب شيخنا أبو جعفر في نهايته (1)، وإن كان قد ذهب إلى خلافه، في مبسوطه (2)، ومسائل خلافه (3)، فإنه قال بتحريم الجميع. وذهب في استبصاره (4) إلى تحليل الجميع. وقال في مبسوطه ما يأكل الخبائث كالميتة، ونحوها، من الطائر كله حرام، وهو النسر، والرخم، والبغاث، والغراب، ونحو ذلك عندنا وعند جماعة. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله أتى بغراب فسماه فاسقا، وقال ما هو والله من الطيبات. والغراب على أربعة أضرب، الكبير الأسود الذي يسكن الجبال ويأكل الجيف، والثاني الأبقع، فهذان حرامان، والثالث الزاغ وهو غراب الزرع، والرابع الغداف، وهو أصغر منه أغبر اللون كالرماد، قال قوم هو حرام لظاهر الأخبار (5)، وقال آخرون هو مباح، وهو الذي ورد في رواياتنا (6) إلى هاهنا كلامه رحمه الله (7). والذي يقوى ما اخترناه، إن التحريم يحتاج إلى دلالة شرعية، لأن الأصل في الأشياء الإباحة، على الصحيح من أقوال مصنفي أصول الفقه، ولا إجماع على حظره، ولا أخبار متواترة، ولا كتاب الله تعالى. ولا يجوز أكل الخطاف، ولا أكل الخشاف بغير خلاف بين أصحابنا في ذلك. ولا يجوز أكل لحم الطواويس، ولا الرخمة، ولا الحدأة - بكسر الحاء - وما كان له مخلب ومنسر يأكل اللحم، وأما باقي الطائر فيؤكل منه كل ما دف، ويترك منه ما يصف، فإن كان يصف ويدف يعتبر، فإن كان دفيفه أكثر من صفيفه، أكل، وإن كان صفيفه أكثر من دفيفه، اجتنب، فإن لم يكن هناك طريق إلى اعتبار ذلك، بأن يوجد مذبوحا، أكل منه ما كانت له قانصة، أو حوصلة - بتشديد اللام

(1) النهاية كتاب الصيد والذبائح باب ما يستباح أكله من سائر أجناس الحيوان، وما لا يستباح.
(2) المبسوط، ج 6، كتاب الأطعمة، ص 281.
(3) الخلاف كتاب الأطعمة مسألة 15.
(4) الاستبصار، ج 4، ص 65، الباب 42، باب كراهية لحم الغراب.
(5) الوسائل، الباب 7، من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 3 و 4 و 5 و 6.
(6) الوسائل، الباب 7 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 1 و 2.
(7) المبسوط، ج 6 كتاب الأطعمة، ص 281.

[ 105 ]

أو صيصية -، وهي الخارجة من كف الطائر، فإنها بمنزلة الابهام من بني آدم، وكل ما تحصن به صيصية، بغير همز، لأنها مشتقة من الصياصي، وهي الحصون، والصياصي، أيضا القرون -، ويجتنب ما لم يكن له شئ من ذلك، هذا إذا كان مجهول الجنس، اعتبر بالاعتبار الذي قدمناه، فإن كان من الجنس الذي يحل أكله، أو من الجنس الذي يحرم أكله، فلا يحتاج إلى هذا الاعتبار. ولا بأس بأكل لحم طير الماء، وإن كان مما يأكل السمك، إذا اعتبر بما ذكرناه. والطير إذا كان جلالا، لم يجز أكله إلا بعد استبرائه وحبسه من ذلك. وتستبرئ البطة وما أشبهها بخمسة أيام، والدجاجة وما أشبهها بثلاثة أيام، على ما قدمناه (1) فيما مضى وبيناه. وقال شيخنا في مبسوطه، قد بينا أن حشرات الأرض كلها حرام كالحية، والعقرب والفارة والخنافس، والديدان، والجعلان، - وعدد أشياء -، وقال وكذلك اللحكا، وقيل اللحكة، وهي دويبة، كالسمكة، تسكن الرمل فإذا رأت الانسان، غاصت وتغيب فيه، وهي صقيلة، ولهذا تشبه أنامل العذارى بها، فهو حرام، هذا آخر كلامه رحمه الله (2). قال محمد بن إدريس رحمه الله، قال الجوهري في الصحاح: الحلكة، مثل الهمزة، والحلكاء مثل العنقاء ضرب من العظاء، ويقال دويبة تغوص في الرمل، وقال واللحكة دويبة أظنها مقلوبة من الحلكة، قال ابن السكيت اللحكة دويبة شبيه بالعظا تبرق، زرقاء، ليس لها ذنب مثل ذنب العظا، وقوائمها خفية، هذا آخر كلام الجوهري. باب الذبح وكيفية وجوب التسمية الذباحة لا يجوز أن يتولاها غير معتقدي الحق، فمتى تولاها غير معتقدي الحق

(1) في ص 97.
(2) المبسوط، ج 6، كتاب الأطعمة، ص 281.

[ 106 ]

من أي أجناس الكفار كان، يهوديا كان، أو نصرانيا، أو مجوسيا، أو عابد وثن، ومن ضارعهم في الكفر على اختلاف ضروبه، كافر ملة، أو كافر أصل، أو مرتدا كان سمى على ذبيحته أو لم يسم، فلا يجوز أكل ذبيحته عند المحصلين من أصحابنا، والباحثين عن مآخذ الشريعة، والمحققين. ولا بأس بأكل ذبيحة المستضعف، وقد بيناه في كتاب الطهارة (1). وقال شيخنا رحمه الله في نهايته، ولا يتولى الذباحة إلا أهل الحق، فإن تولاها غيرهم ويكون ممن لا يعرف بعداوة آل محمد عليهم السلام، لم يكن بأس بأكل ذبيحته (2). قال محمد بن إدريس رحمه الله المراد بقوله " غيرهم " يعني المستضعفين الذين لا منا ولا من مخالفينا، وصحيح إنهم غيرنا، فلا يظن ظان أنه أراد بغيرهم من مخالفينا المستضعفين، لأن المستضعفين لا منا ولا منهم، كما قال تعالى " لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء " (3). ولا يحل أكل ذباحة المحق إلا بشروط. منها استقبال القبلة بالذبيحة مع قدرته على ذلك، فإذا لم يكن عارفا بالقبلة وكان ممن فرضه الصلاة إلى أربع جهات، فإنه يذبح إلى أي جهة شاء، لأنها حال ضرورة، ولأنه ما تعمد ترك استقبال القبلة، وكذلك إذا لم يقدر على استقبال القبلة بالذبيحة، فإنه تجزيه الذباحة مع ترك الاستقبال، لأنها حال ضرورة، ولم يترك الاستقبال تعمدا منه، بأن يقع الذبيحة في بئر وما أشبه ذلك. والتسمية، مع الذكر لها. وقطع أربعة أعضاء، المرئ، والحلقوم، والودجين، وهما محيطان بالحلقوم، فالمرئ مجرى الطعام، والحلقوم مجرى النفس، مع القدرة على قطعها. ويكون قطعها بحديد مع قدرته عليه.

(1) في الجزء الأول، ص 84.
(2) النهاية، كتاب الصيد والذبائح، باب الذبح وكيفيته.
(3) سورة النساء، الآية 143.

[ 107 ]

هذا إذا كان مذبوحا، وهي الغنم والبقر وما أشبههما من الحيوان المأكول اللحم، فإن جميعه مذبوح إلا الإبل، فإنها منحورة. والشرائط المقدم ذكرها ثابتة ما عدا الأعضاء، فإن نحرها في ثغرة النحر، - وهي الوهدة -، مجز في استباحة أكلها مع القدرة أيضا على ذلك، فإن نحرت الغنم والبقر وغيرهما ما عدا الإبل مع القدرة والتمكين من ذبحها، فلا يجوز أكل لحمها بحال، وكذلك إن ذبحت الإبل مع التمكين من نحرها، فلا يجوز أكل لحمها على حال، بغير خلاف بين أصحابنا. وكل ما يباع في أسواق المسلمين فجايز شراؤه وأكله، وليس على من يبتاعه التفتيش عنه. ولا بأس بأن يتولى الذباحة المرأة، والغلام الذي لم يبلغ، إذا كان من أولاد المحقين، فإن حكمه حينئذ حكمهم، وكذلك المجنون، فإن حكمه حكم الصبي حرفا فحرفا. ولا بأس بذباحة الأخرس إذا كان محقا، وكذلك لا بأس بذباحة الجنب والحايض، إذا فعلوا ما قدمناه من الشروط، وأحسنوه، فإن لم يحسنوا ذلك فلا يجوز أكل ما ذبحوه. وقد قدمنا (1) إنه لا يجوز الذباحة إلا بالحديد فإن لم يوجد حديد، وخيف فوت الذبيحة أو اضطر إلى ذباحتها، جاز أن يذبح بما يفري الأوداج، من ليطة أو قصبته، - والليط هو القشر اللاصق بها الحاد، مشتق من لاط الشئ بقلبه، إذا لصق به، والقصبة واحدة القصب -، أو زجاجة، أو حجارة حادة الأطراف، مثل الصخور، والمرو، وغير ذلك. وكل ما ذبح وكان ينبغي أن ينحر أو نحر وكان ينبغي أن يذبح في حال الضرورة، ثم أدرك في حال ذكاته، وجبت، تذكيته بما يجوز ذلك فيه، فإن لم يفعل لم يجز أكله. ويكره أن تنخع الذبيحة إلا بعد أن تبرد بالموت، وهو أن لا يبين الرأس من

(1) في ص 106.

[ 108 ]

الجسد، ويقطع النخاع، وهو الخيط الأبيض الذي الخرز منظومة فيه، وهو من الرقبة ممدود إلى عجب الذنب، وأكله عند أصحابنا حرام، من جملة المحرمات التي في الذبيحة، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى (1). فإن سبقته السكين، وأبان الرأس، جاز أكله، ولم يكن ذلك الفعال مكروها، وإنما المكروه تعمد ذلك، دون أن يكون محظورا على الأظهر من أقوال أصحابنا، بلا خلاف بين المحصلين في ذلك. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ومن السنة أن لا تنخع الذبيحة إلا بعد أن تبرد، وهو أن لا يبين الرأس من الجسد، ويقطع النخاع، فإن سبقته السكين وأبان الرأس، جاز أكله إذا خرج منه الدم، فإن لم يخرج الدم لم يجز أكله، ومتى تعمد ذلك لم يجز أكله (2). إلا أنه رجع عن ذلك في مسائل خلافه، في الجزء الثاني، فقال مسألة: يكره إبانة الرأس من الجسد وقطع النخاع، قبل أن تبرد الذبيحة، فإن خالف وأبان، لم يحرم أكله، وبه قال جميع الفقهاء، وقال سعيد بن المسيب، يحرم أكله، دليلنا إن الأصل الإباحة، وأيضا قوله " فكلوا مما ذكر اسم الله عليه " (3) وهذا ذكر اسم الله عليه، وعليه إجماع الصحابة، روي عن علي عليه السلام، إنه سئل عن بعير ضربت رقبته بالسيف، فقال يؤكل وعمران بن حصين قيل له في رجل ذبح بطة، فأبان رأسها، فقال تؤكل وعن ابن عمر نحوه، ولا مخالف لهم هذا آخر كلامه رحمه الله في المسألة (4). وما أورده في نهايته لا دليل عليه من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، وإنما أورده إيرادا لا اعتقادا، على ما تكرر قولنا في ذلك، واعتذارنا له. وإذا قطعت رقبة الذبيحة من قفاها، فلحقت قبل قطع الحلقوم، والمرئ، والودجين، وفيها حياة مستقرة، وعلامتها أن تتحرك حركة قوية، ومثلها يعيش اليوم

(1) في ص 111.
(2) النهاية كتاب الصيد والذبائح باب الذبح وكيفيته.
(3) سورة الأنعام الآية 118.
(4) الخلاف كتاب الضحايا مسألة 13.

[ 109 ]

واليومين، حل أكلها إذا ذبحت، وإن لم تكن فيها حركة قوية، لم يحل أكلها، لأنها ميتة. ويكره أن يقلب السكين فتذبح إلى فوق، بل ينبغي أن يبتدي من فوق إلى أن يقطع الأعضاء الأربعة المقدم ذكرها. وقال شيخنا في نهايته، ولا يجوز أن يقلب السكين، فتذبح إلى فوق. قوله رحمه الله " ولا يجوز " على تغليظ الكراهية، دون أنه لو فعله لكانت الذبيحة محرمة اللحم، لأن تحريمها يحتاج إلى دلالة شرعية، ولا دليل على ذلك، والأصل الإباحة، وشرايط الاجزاء فقد فعلها، من استقبال القبلة، والتسمية، وقطع الحلقوم، والمرئ، والودجين. ويستحب إذا أراد ذبح شئ من الغنم، فليعقل يديه، وفرد رجله، ويطلق فرد رجله، ويمسك على صوفه أو شعره إلى أن يبرد، ولا يمسك على شئ من أعضائه. وكذلك يستحب له إذا أراد ذبح شئ من البقر أن يعقل يديه ورجليه، ويطلق ذنبه. وإذا أراد نحر شئ من الإبل، يستحب له أن يشد أخفافه إلى إباطه، ويطلق رجليه. وإذا أراد ذبح شئ من الطير، فليذبحه، وليرسله، ولا يمسكه، ولا يعقله. فإن انفلت منه الطير، جاز أن يرميه بالسهم بمنزلة الصيد، فإذا لحقه ذكاه. وأورد شيخنا في نهايته، إنه لا يجوز ذبح شئ من الحيوان صبرا، وهو أن يذبح شيئا وينظر إليه حيوان آخر (1). وهذه رواية (2) أوردها إيرادا، فإن صحت، حملت على الكراهية، دون الحظر، لأنه لا دليل على حظر ذلك، وتحريمه من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، والأصل الإباحة.

(1) النهاية كتاب الصيد والذبائح باب الذبح وأحكامه.
(2) الوسائل الباب 7 من أبواب الذبائح.

[ 110 ]

وروي (1) أنه لا يجوز أن تسلخ الذبيحة إلا بعد بردها، فإن سلخت قبل أن تبرد، أو سلخ شئ منها لم يجز أكله، أوردها شيخنا أبو جعفر في نهايته (2) إيرادا لا اعتقادا، لأنه لا دليل على حظر ذلك من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع منعقد، وأخبار الآحاد لا يرجع بها عن الأصول المقررة الممهدة، لأنها لا توجب علما ولا عملا، وكتاب الله تعالى أحق أن يتمسك به، ولا يلتفت إلى هذه الرواية الشاذة المخالفة لأصول المذهب، وهو قوله تعالى " وكلوا مما ذكر اسم الله عليه " (3) وهذا قد ذكر اسم الله عليه، وذبح ذباحة شرعية، وحصلت جميع الشرائط المعتبرة في تحليل الذباحة، فمن ادعى بعد ذلك حظرها، يحتاج إلى دلالة شرعية لأنه قد ادعى حكما شرعيا يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي. ولن يجده. وإذا ذبحت الذبيحة، فلم يخرج الدم، أو لم يتحرك شئ منها، لم يجز أكلها، فإن خرج الدم، أو تحرك شئ من أعضائها، يدها، أو رجلها، أو غير ذلك، جاز أكله، فالمعتبر على الصحيح من المذهب، أحد الشيئين في تحليل أكلها، أما خروج الدم الذي له دفع، أو الحركة القوية، أيهما كان جاز أكلها. وقال شيخنا المفيد في مقنعته، الاعتبار في جواز الأكل بعد الذبح بمجموع الشيئين معا (4). والأول هو الأظهر، لأنه يعضده ظواهر القرآن، والأخبار المتواترة. وإذا ذبح شاة، أو غيرها، ثم وجد في بطنها جنين، فإن كان قد أشعر، أو أوبر، ولم تلجه الروح، فذكاته ذكاة أمه، فإن لم يكن أشعر أو أوبر لم يجز أكله على حال، إلا أن يكون فيه روح، فإن كانت فيه روح، فإن لم يشعر ولا أوبر وجبت تذكيته، وإلا فلا يجوز أكله، إذا لم تدرك ذكاته.

(1) الوسائل الباب 8 من أبواب الذبائح إلا أن عدم الحلية في روايات الباب منوط بأنه إذا سلخت قبل أن تموت.
(2) النهاية كتاب الصيد والذبائح باب الذبح وأحكامه.
(3) سورة الأنعام الآية 118.
(4) المقنعة باب الذبائح والأطعمة 580.

[ 111 ]

وروي (1) كراهية الذباحة بالليل، إلا عند الضرورة والخوف من فوتها. وكذلك روي (2) أنه يكره الذباحة بالنهار يوم الجمعة، قبل الصلاة. باب ما يحل من الميتة ويحرم من الذبيحة، وحكم البيض والجلود يحرم من الغنم والبقر والإبل، وغير ذلك مما يحل أكله بالذبح، ما عدا السمك، وإن كان الحيوان مذكا ذكاة شرعية بالذبح، أو النحر: الدم، والفرث، والطحال، والمرارة، والمشيمة، والفرج، ظاهره وباطنه، والقضيب، والأنثيان، والنخاع - بضم النون وكسرها معا - وقد قدمنا (3) شرح ذلك، والعلبا، - بكسر العين، وهي عصبتان عريضتان صفراوان ممدودتان من الرقبة على الظهر، إلى عجب الذنب - والغدد، وذات الأشاجع، والأشاجع أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف، الواحد إشجع، ومنه قول لبيد: وإنه يدخل فيها إصبعه * يدخلها حتى تواري إشجعه والحدق، الذي هو السواد، والخرزة، تكون في الدماغ، والدماغ المخ، يخالف لونها لون المخ، هي بقدر الحمصة إلى الغبرة ما يكون، والمثانة بالثاء المنقطة بثلاث نقط، وهي موضع البول ومحقنه. وتكره الكليتان، وليستا بمحظورتين. ويحل من الميتة غير المذبوحة المذكاة، الصوف والشعر والوبر، والريش، سواء قلع جميع ذلك، أو جز، إلا أنه إذا قلع وعليه شئ من الميتة، أو فيه شئ من ذلك، وجب إزالة ذلك، وغسله واستعماله بعد ذلك، من غير أن يحرم إذا قلع. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ولا يحل شئ منه إذا قلع منها (4). يعني لا يحل استعماله إذا قلع قبل إزالة الميتة منه، أو قبل غسله، دون تحريمه

(1) الوسائل الباب 21 من أبواب الذبائح الحديث 2 (2) الوسائل الباب 20 من أبواب الذبائح.
(3) في ص 108.
(4) النهاية، كتاب الصيد والذبائح، باب ما يحل من الميتة.

[ 112 ]

رأسا، لأنه لا دليل على ذلك من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع. ويحل أيضا العظم، والناب، والسن، والظلف، والحافر، والقرن، وكل من ذلك إذا قلع من الميتة، أو لامسها، لا يستعمل إلا بعد غسله وإزالة ما عليه من الدسم. وذكر شيخنا أبو جعفر، في نهايته، إلا نفحة، (بكسر الهمزة، وفتح الفاء كرش الحمل أو الجدي ما لم يأكل، فإذا أكل فهي كرش) (1) واللبن والبيض، إذا اكتسى الجلد الفوقاني، وإذا لم يكتس ذلك، فلا يجوز أكله (2). قال محمد بن إدريس رحمه الله أما اللبن فإنه نجس بغير خلاف عند المحصلين من أصحابنا، لأنه مايع في ميتة، ملامس لها، وما أورده شيخنا في نهايته، رواية شاذة مخالفة لأصول المذهب، لا يعضدها كتاب الله تعالى، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، ودليل الاحتياط يقتضي ما ذكرناه، لأنه لا خلاف بين المسلمين، أنه إذا لم يأكل هذا اللبن، فإنه غير معاقب، ولا مأثوم، وذمته برية من الآثام، وإذا أكله فيه الخلاف، والاحتياط يقتضي ما ذكرناه. وإلى ما اخترناه يذهب شيخنا أبو يعلى سلار الطبرستاني رحمه الله، في رسالته (3). ولأجل ذلك قالوا يحل البيض إذا كان قد اكتسى الجلد الصلب، فاعتبروا الجلد الفوقاني والصلب، فإذا لم يكن عليه الجلد الصلب، فلا يحل، لأنه يكون بمنزلة المايع، ينجس بمباشرة الميتة له. وإذا جعل الطحال في سفود مع اللحم، ثم جعل في التنور، فإن كان مثقوبا وكان فوق اللحم، لم يؤكل اللحم، ولا ما كان تحته من الجوذاب، وإن كان الطحال المثقوب تحت اللحم، أكل اللحم ولم يؤكل الجوذاب، وإن لم يكن الطحال مثقوبا، جاز أكل جميع ما يكون تحته من اللحم وغيره.

(1) ما وقع في القوسين ليس في المصدر.
(2) النهاية، كتاب الصيد والذبائح، باب ما يحل من الميتة.
(3) المراسم، ذكر الصيد والذبائح والعبارة هكذا، ولا يؤكل ما يوجد في بطون الميتة إلا ما لحقته الذكاة....

[ 113 ]

وإذا اختلط اللحم الذكي بلحم الميتة، ولم يكن هناك طريق إلى تمييزه منها، لم يحل أكل شئ منه، ولا يجوز بيعه، ولا الانتفاع به. وقد روي (1) أنه يباع على مستحل الميتة. والأولى اطراح هذه الرواية، وترك العمل بها، لأنها مخالفة لأصول مذهبنا، ولأن الرسول عليه السلام، قال إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه (2). ولا يجوز أن يأكل الميتة إلا إذا خاف تلف النفس، فإذا خاف ذلك أكل منها ما يمسك رمقه، وهو بقية الحياة، ولا يجوز له الامتلاء منها. والباغي الذي يبغي الصيد بطرا ولهوا وقال بعض أصحابنا، الباغي هو الذي يبغي على إمام المسلمين، والعادي الذي يقطع الطريق، لم يحل لهما أكل الميتة، وإن اضطرا إليها، لقوله تعالى " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " (3). ويؤكل من البيض ما كان بيض ما يؤكل لحمه على كل حال. وإذا وجد الانسان بيضا، ولم يعلم أهو بيض ما يؤكل لحمه، أو بيض ما لا يؤكل لحمه؟ اعتبر، فما اختلف طرفاه أكل، وما استوى طرفاه اجتنب. وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن بيض السمك ما كان منه خشنا، فإنه يؤكل، ويجتنب الأملس، والمنماع، ولا دليل على صحة هذا القول من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع. ولا خلاف إن جميع ما في بطن السمك طاهر، ولو كان ذلك صحيحا لما حلت الضجباة. فأما الجلود فعلى ضربين، ضرب منها جلد ما يوكل لحمه، فمتى ذكي، جاز استعماله ولبسه، والصلاة فيه، سواء دبغ أو لم يدبغ، إذا كان خاليا من نجاسة، وما لم يذك ومات، فلا يجوز استعمال جلده، ولا الانتفاع به في شئ من الأشياء،

(1) الوسائل، الباب 36 من كتاب الأطعمة والأشربة ح 1 - 2.
(2) لم نجده في المجاميع الروائية، نعم في المستدرك الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 8 عن عوالي اللئالي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال - في حديث -: " إن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شئ حرم عليهم ثمنه ".
(3) سورة البقرة الآية 173.

[ 114 ]

لا قبل الدباغ ولا بعده، لأنه ميتة. وما لا يوكل لحمه: فعلى ضربين، ضرب منهما لا يجوز استعماله لا قبل الذكاة ولا بعدها، دبغ أو لم يدبغ، وهو جلد الكلب والخنزير. والضرب الآخر يجوز استعماله بشرطين، الذكاة الشرعية، والدباغ، فأما بيعه فيجوز بعد الذكاة وقبل الدباغ، فأما استعماله لا يجوز إلا بعد الدباغ، فإذا دبغ، جاز استعماله في جميع الأشياء، مايعا كان، أو غير مايع، لأنه طاهر بغير خلاف، إلا في الصلاة، فإنه لا يجوز الصلاة فيه بغير خلاف بيننا مع الاختيار، وهي جلود جميع السباع كلها، مثل النمر، والذئب، والفهد، والسبع، والسمور، والسنجاب، والفنك، والأرنب والثعلب، وما أشبه ذلك من السباع والبهايم وقد رويت (1) رخصة في جواز الصلاة في السمور، والسنجاب، والفنك، والأصل ما قدمناه (2). وهذا رجوع من شيخنا عما ذكره في الجزء الأول من نهايته، في أنه لا بأس بالصلاة في السنجاب على ما قدمناه (3). ولا يجوز استعمال شئ من هذه الجلود ما لم يذك، فإن استعمله انسان قبل الذكاة، نجست يده، ووجب عليه غسلها عند الصلاة. وكذلك شعر الخنزير، لا يجوز للانسان استعماله مع الاختيار، على الصحيح من أقوال أصحابنا، وإن كان قد ذهب منهم قوم إلى جواز استعماله، وتمسك بأنه لا تحله الحياة، إلا أن أخبارنا (4) متواترة عن الأئمة الأطهار، بتحريم استعماله، والاحتياط يقتضي ذلك، فإن اضطر إلى استعماله فليستعمل منه، ما لم يكن فيه دسم، بأن يتركه في فخار، ويجعله في النار، فإذا ذهب دسمه، استعمله عند الضرورة والحاجة إليه، ويغسل يده عند حضور الصلاة، على ما وردت الأخبار (5)

(1) الوسائل، الباب 3 - 4 من أبواب لباس المصلي.
(2) النهاية: كتاب الصيد والذبائح، باب ما يحل من الميتة.
(3) في الجزء الأول ص 262.
(4) وفي الجواهر ج 36 ص 399 بعد نقل كلام السرائر، وإن كنا لم نظفر بخبر واحد كما اعترف به في كشف اللثام.
(5) الوسائل، الباب 58 من أبواب ما يكتسب به والباب 65 من كتاب الأطعمة الأشربة.

[ 115 ]

بذلك. وروي (1) أنه يجوز أن يعمل من جلود الميتة دلو يستقي به الماء، لغير وضوء الصلاة، والشرب. وإذا قطع شئ من أليات الغنم، وهي أحياء، لم يجز أكله، ولا الاستصباح به، لأنه ميتة، لا تحت السماء، ولا تحت الظلال، وحمله على الدهن النجس قياس لا نقول به. وروي (2) أنه يكره للانسان أن يربي شيئا من الغنم، ثم يذبحه بيده، بل إذا أراد ذبح شئ من ذلك، فليشتره في الحال وليس ذلك بمحظور.

(1) لم نجده في الحديث.
(2) الوسائل، الباب 40 من أبواب الصيد والذبائح ح 1 - 2.

[ 117 ]

كتاب الأطعمة والأشربة

[ 118 ]

كتاب الأطعمة والأشربة باب الأطعمة المحظورة والمباحة الترتيب في معرفة ما يحل أكله من الحيوان، وما لا يحل، أن يرجع إلى الشرع، فما أباحه الشرع، فهو مباح، وما حظره فهو محظور وما لم يكن له في الشرع ذكر أصلا، فلا يخلو أن يكون حيوانا في حال حياته أو بعد أن تفارقه الحياة فإن كان في حال الحياة، فهو محظور، لأن ذبح الحيوان محظور إلا بالشرع، وإن لم يكن حيوانا كان مباحا، لأن الأشياء على الأظهر عند محققي أصول الفقه، على الإباحة. فأما ما حرم شرعا فجملته، إن الحيوان ضربان، طاهر ونجس، فالنجس، الكلب، والخنزير، وما عداهما، كله طاهر في حال حياته، بدلالة إجماع أصحابنا المنعقد، على أنهم أجازوا شراب سؤرها، والوضوء منه، ولم يجيزوا ذلك في الكلب والخنزير، وأجازوا استعمال جلودها بعد التذكية والدباغ، ولم يجيزوا ذلك في الكلب والخنزير بحال. فأما الصلاة فيها فلا يجوز بحال على ما قدمناه (1). فإذا ثبت هذا، فكل ما كان نجسا في حال الحياة، لم يحل أكله بلا خلاف. وما كان طاهرا في حال الحياة، فعلى ضربين، مأكول اللحم وغير مأكول اللحم. فالسباع كلها محرمة الأكل، سواء كانت من البهائم، أو من الطير، بلا خلاف على ما أسلفنا القول فيه وبيناه.

(1) في الجزء الأول ص 262.

[ 119 ]

وكذلك حشرات الأرض، كلها حرام، مثل الحية، والعقرب، والفأرة، والديدان، والجعلان، والذباب، والخنافس، والبق والزنابير، والنحل. والسباع كلها سواء كانت ذوات أنياب قوية تعدو على الناس، كالسبع، والنمر، والذئب، والفهد، أو كانت ذوات أنياب ضعيفة لا تعدو على الناس، مثل الضبع، والثعلب، والأرنب، وما أشبه ذلك، واليربوع، والضب، وابن آوى، والسنور، بريا كان أو أهليا على ما قدمناه (1). والوبر، والقنفذ، والفيل، والدب والقرد، والمجثمة، - بالجيم، والثاء المنقطة ثلاث نقط -، كلها حرام، وهي من الوحش والطير، التي تجعل غرضا، ولا تزال ترمى بالنشاب حتى تموت. والمصبورة أيضا حرام، وهي التي تجرح وتحبس حتى تموت، لنهي النبي عليه السلام (2) عن تصبير البهايم، وعن أكلها، بلا خلاف. وقال قوم: " المجثمة " هي أن ترميها وهي جاثمة، وقيل هي الشاة، تشد ثم ترمى، كأنها تقتل صبرا. فأما الطاير فعلى ضربين، ذي مخلب، وغير ذي مخلب. فأما ذو المخلب، فهو الذي يقتل بمخاليبه، ويعدو على الطاير والحمام، كالبازي والصقر، والعقاب، والباشق، والشاهين، ونحو هذا، فجميعه حرام أكله على ما قدمناه فيما مضى وشرحناه (3). فأما ما لا مخلب له، فعلى ضربين، ما يأكل الخبايث، كالميتة ونحوها، فكله حرام، مثل النسر، والرخم، والبغاث التي لا تفرس، فلا يؤكل لحمها. قال الجاحظ في كتاب الحيوان وإن الطير كله سبع وبهيمة وهمج. والسباع من الطير على ضربين، فمنها العتاق، والأحرار، والجوارح، ومنها البغاث، وهو كل ما عظم من الطير، إذا لم يكن من ذوات السلاح والمخاليب

(1) في ص 101 وص 98.
(2) صحيح البخاري الباب 25 من كتاب الذبائح الحديث 1 (الرقم 5165) ج 20 ص 104 فيه عن أنس نهى النبي عن تصبر البهائم. وفي صحيح مسلم، الباب 12 من كتاب الصيد، الرقم 1965، ج 3، ص 1549، مثله.
(3) في ص 104.

[ 120 ]

المعققة، كالنسر، والزمج، وأشباههما، من لئام السباع، والسبع من الطير ما أكل اللحم خالصا، والبهيمة ما أكل الحب خالصا، والغراب الأبقع، والأغبر، والغداف، على ما قدمنا القول في جميع ذلك (1)، لأن جميع ذلك مستخبث، وداخل في تحريم الخبائث. فأما المستطاب من الطاير، كالحمام، أنسيه، ووحشيه، والفواخت، وكل مطوق كالقماري، والدباسي، والورشان، والدراج، والدجاج، والقباج، والطيهوج، والكراكي، والكروان، والحباري، ونحو ذلك كله حلال أكله. وكل طعام حصل فيه شئ من الخمر، أو النبيذ، أو المسكر، أو الفقاع، قليلا، كان ما حصل فيه، أو كثيرا، فإنه ينجس ذلك الطعام، ولا يجوز استعماله على حال. وإن كانت القدر تغلي على النار، فوقع فيها شئ من الخمر أهريق ما فيها من المرق، وغسل اللحم، والتوابل، وأكل بعد ذلك. فإن حصل فيها شئ من الدم فكذلك سواء كان الدم قليلا أو كثيرا، إذا كان دما نجسا، لأن في الدماء ما هو طاهر عندنا بغير خلاف، وهو دم السمك. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، فإن حصل فيها شئ من الدم، وكان قليلا، ثم غلى، جاز أكل ما فيها، لأن النار تحيل الدم، فإن كان كثيرا لم يجز أكل ما وقع فيه (2). وهو رواية (3) شاذة مخالفة لأصول المذهب، أوردها في كتابه إيرادا، ولا يرجع عن الأدلة القاهرة، إلا بمثلها. قوله " وإن كان قليلا ثم غلى جاز أكل ما فيها لأن النار تحيل الدم " قول عجيب، هب، أن النار أحالته، المايع الذي قد وقع فيه أليس قد نجسه وقت وقوعه فيه؟! والنار، لعمري ما أذهبت جميع المرق، وما عهدنا، ولا ذهب أحد من أصحابنا، إلى

(1) في ص 104.
(2) النهاية، كتاب الأطعمة والأشربة، باب الأطعمة المحظورة والمباحة.
(3) الوسائل، الباب 44 من كتاب الأطعمة والأشربة ح 2.

[ 121 ]

أن المايع النجس بالغليان يطهر، إلا ما خرج بالدليل من العصير، إذا ذهب بالنار والغليان ثلثاه، فقد طهر وحل ثلث الباقي، على ما يأتي بيانه (1). وكل طعام حصل فيه شئ من الميتات مما له نفس سائلة، فإنه ينجس بحصوله فيه، ولا يحل استعماله، فإن كان ما حصل فيه الميتة جامدا، مثل السمن، والعسل، ألقي منه وما حوله، واستعمل الباقي، وإن كان ما حصل فيه الميتة مايعا، لم يجز استعماله، ووجب إهراقه، وإن كان دهنا، مثل الشيرج والبزر، جاز الاستصباح به تحت السماء، ولا يجوز الاستصباح به تحت الظلال، لأن دخانه نجس، بل تعبد تعبدنا به، لأن دخان الأعيان النجسة ورمادها طاهر عندنا بغير خلاف بيننا، ولا يجوز الادهان به، ولا استعماله في شئ من الأشياء، سوى الاستصباح تحت السماء. وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، في كتاب الأطعمة، وروى (2) أصحابنا أنه، يستصبح به تحت السماء، دون السقف، وهذا يدل على أن دخانه نجس قال رحمه الله: غير أن عندي إن هذا مكروه، فأما دخانه ودخان كل نجس من العذرة وجلود الميتة، كالسرجين والبعر، وعظام الميتة، عندنا ليس بنجس وأما ما يقطع بنجاسته، قال قوم دخانه نجس، وهو الذي دل عليه الخبر (3) الذي قدمناه من رواية أصحابنا، وقال آخرون وهو الأقوى، إنه ليس بنجس، فأما رماد النجس فعندنا طاهر، وعندهم نجس، وإنما قلنا ذلك، لما رواه (4) أصحابنا من جواز السجود على جص، أوقد عليه بالنجاسات، هذا آخر كلام شيخنا في مبسوطه (5). قوله رحمه الله " وروى أصحابنا إنه يستصبح به تحت السماء دون السقف،

(1) في ص 129.
(2) الوسائل، الباب 43 من كتاب الأطعمة والأشربة ح 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - وفي الجواهر ج 36 ص 385، لكن إطلاق النصوص يقتضي خلافه بل في كشف اللثام، لم نظفر بخبر مفصل ولا ناه عن الاستصباح مطلقا أو تحت الأظلة، فراجع. (3) إشارة إلى الرواية المتقدمة التي نقلناها عن الوسائل.
(4) الوسائل، الباب 81 من أبواب النجاسات ح 1.
(5) المبسوط، ج 6، ص 283.

[ 122 ]

وهذا يدل على أن دخانه نجس، غير أن عندي إن هذا مكروه " يريد به الاستصباح تحت السقف. قال محمد بن إدريس رحمه الله ما ذهب أحد من أصحابنا إلى أن الاستصباح به تحت الظلال مكروه، بل محظور بغير خلاف بينهم، وشيخنا أبو جعفر محجوج بقوله في جميع كتبه، إلا ما ذكره هيهنا، فالأخذ بقوله، وقول أصحابه، أولى من الأخذ بقوله المنفرد عن أقوال أصحابنا. فأما بيعه فلا يجوز إلا بشرط الاستصباح به تحت السماء، دون الظلال. وكل ما ليس له نفس سائلة، مثل الجراد والنمل، والنحل، والزنابير، والخنافس، وبنات وردان، والذباب، والعقارب، وما أشبه ذلك، إذا مات في شئ من الطعام والشراب، جامدا كان أو مايعا فإنه لا ينجس بحصوله فيه وموته. ولا يجوز مواكلة الكفار على اختلاف آرائهم، بأي أنواع الكفر كانوا، ولا استعمال أوانيهم التي باشروها بالمايعات، إلا بعد غسلها بالماء. وكل طعام تولاه بعض الكفار بأيديهم، وباشروه بنفوسهم، لم يجز أكله، لأنهم أنجاس، ينجس الطعام بمباشرتهم إياه، ولأن أسئارهم نجسة على ما قدمناه في كتاب الطهارة (1). فأما ما لا تقبل النجاسة، مثل الحبوب وما أشبهه، فلا بأس باستعماله، وإن باشروه بأيديهم وأنفسهم، إذا كانت يابسة. ولا يجوز استعمال أواني المسكر، إلا بعد غسلها بالماء، على ما قدمناه وحررناه في كتاب الطهارة (2). وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ولا يجوز استعمال أواني المسكر، إلا بعد أن تغسل بالماء، ثلاث مرات، وتجفف (3). قال محمد بن إدريس رحمه الله، ليس على وجوب التجفيف دليل من كتاب،

(1) الجزء الأول، ص 84. ط. مؤسسة النشر الاسلامي.
(2) في الجزء الأول، ص 92.
(3) النهاية، كتاب الأطعمة والأشربة، باب الأطعمة المحظورة والمباحة، والعبارة هكذا، ولا يجوز استعمال أواني الشراب المسكر...

[ 123 ]

ولا سنة، ولا إجماع، وأما غسلها ثلاث مرات، فبعض أصحابنا يوجبه، وبعض منهم لا يرى، ولا يراعي عددا في المغسول، إلا في الولوغ خاصة. وروي (1) رواية إنها تغسل سبع مرات. وإذا حصلت ميتة لها نفس سائلة في قدر أهريق ما فيها من المرق، وغسل اللحم والتوابل، وأكل بعد ذلك. ولا بأس بأكل ما باشره الجنب والحايض، من الخبز والطبخ، وأشباه ذلك، من الإدام، إذا كانا مأمونين. ويكره أكله إذا عالجه من لا يتحفظ ولا يؤمن عليه إفساد الطعام بالنجاسات. ولا يجوز الأكل والشرب للرجال والنساء جميعا في أواني الذهب والفضة، ولا استعمالها في بخور ولا غيره، حتى أن بعض أصحابنا حرم المأكول الذي فيهما، وهو شيخنا المفيد في بعض كلامه (2)، فإن كان هناك قدح مفضض، يجتنب موضع الفضة منه عند الشرب. ولا بأس بما عدا الذهب والفضة من الأواني ثمينة كانت أو غير ثمينة، من صفر، أو نحاس، أو بلور، - بكسر الباء، وفتح اللام، وتشديدها -. ولا بأس بطعام أو شراب أكل أو شرب منه سنور، أو فار. وروي (3) كراهية ما أكل منه الفار، وليس ذلك بمحظور، لأن سؤر السنور والفار وسائر الحشار طاهر. ورويت (4) رواية شاذة إنه يكره أن يدعو الانسان أحدا من الكفار إلى طعامه فيأكل معه، فإن دعاه، فليأمره بغسل يده، ثم يأكل معه إن شاء، أوردها شيخنا في نهايته (5) إيرادا، لا اعتقادا.

(1) الوسائل: الباب 30 من أبواب الأشربة المحرمة ج 2، ولفظ الحديث هكذا سأله عن الإناء يشرب فيه النبيذ، فقال تغسله سبع مرات وكذلك الكلب.
(2) لم نعثر عليه.
(3) الوسائل، الباب 91 من أبواب الأطعمة المباحة ح 1.
(4) الوسائل، الباب 14، من أبواب النجاسات، ح 2، ولا يخفى إن هذه تدل على كراهة الدعوة فحسب.
(5) النهاية، كتاب الأطعمة والأشربة، باب الأطعمة المحظورة والمباحة.

[ 124 ]

وهذه الرواية لا يلتفت إليها، ولا يعرج عليها، لأنها مخالفة لأصول المذهب، لأنا قد بينا بغير خلاف بيننا، أن سؤر الكفار نجس، ينجس المايع بمباشرته، والأدلة لا تتناقض، وبإزاء هذه الرواية روايات كثيرة بالضد منها، وأيضا الاجماع على خلافها. قال السيد المرتضى في انتصاره، مسألة، ومما انفردت به الإمامية، إن كل طعام عالجه الكفار من اليهود والنصارى، وغيرهم، ممن ثبت كفرهم بدليل قاطع، فهو حرام لا يجوز أكله، ولا الانتفاع به، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، وقد دللنا على هذه المسألة في كتاب الطهارة حيث دللنا على أن سؤر الكفار نجس، لا يجوز الوضوء به، واستدللنا بقوله تعالى " إنما المشركون نجس " (1) واستقصيناه، فلا معنى لإعادته هذا آخر كلام المرتضى رضي الله عنه.
(2) ولا يجوز أكل شئ من الطين على اختلاف أجناسه، سواء كان أرمنيا، أو من طين البحيرة، أو غير ذلك، إلا طين قبر الحسين عليه السلام فإنه يجوز أن يؤكل منه اليسير، للاستشفاء فحسب، دون غيره، ولا يجوز الاكثار منه، ولا الافطار عليه يوم عيد الفطر، على ما ذهب إليه شيخنا أبو جعفر في مصباحه (3)، إلا أنه عاد عنه في نهايته، فإنه قال ولا يجوز أكل شئ من الطين على اختلاف أجناسه، إلا طين قبر الحسين عليه السلام، فإنه يجوز أن يؤكل منه اليسير للاستشفاء به (4). ولا بأس أن يأكل الانسان من بيت من ذكره الله تعالى في قوله، " ليس عليك جناح أن تأكلوا " (5) الآية، بغير إذنه، إذا دخل البيت بإذنه، سواء كان المأكول مما يخشى عليه الفساد، أو لا يخشى ذلك عليه، ما لم ينهه عن الأكل، وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يؤكل إلا ما يخشى عليه الفساد والأول هو الظاهر، ولا يجوز أن يحمل معه شيئا، ولا إفساده.

(1) سورة التوبة الآية 28.
(2) الانتصار، في الأطعمة والأشربة.
(3) مصباح المتهجد ص 676 والمستفاد مما أوردها فيه جواز الاستشفاء بطين قبر الحسين عليه السلام فحسب.
(4) النهاية، كتاب الأطعمة والأشربة، باب الأطعمة المحظورة والمباحة.
(5) سورة النور الآية 61.

[ 125 ]

ولا بأس بأكل الثوم، والبصل، والكراث، مطبوخا ونيئا، - بكسر النون، وهمز الياء ومدها -، غير أن من يأكل ذلك نيئا يكره له دخول المساجد، لئلا يتأذى الناس برائحته لنهيه (1) عليه السلام من أن يقرب المسجد حتى تزول رايحته. وإذا نجس الماء بحصول شئ من النجاسات فيه، ثم عجن به وخبز، لم يجز أكل ذلك الخبز، وروي في شواذ الأخبار جواز أكله وإن النار قد طهرته (2)، والأصل ما قدمناه. وإذا وجد الانسان طعاما، فليقومه على نفسه ويأكل منه، فإذا جاء صاحبه، رد عليه ثمنه، وقد قدمنا ذلك في كتاب اللقطة (3). ولا بأس بالبان الأتن حليبا ويابسا، فإنه طاهر عندنا. وكذلك لبن الآدميات طاهر عندنا بغير خلاف من در ولادة ابن، أو بنت، وروي (4) في شواذ الأخبار، أن لبن البنت نجس، والأصل ما قدمناه. ولا بأس بشرب أبوال الإبل، وكل ما أكل لحمه من البهائم، أما للتداوي أو غيره. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ولا بأس بأن يستشفى بأبوال الإبل (5). ولم يذكر غيرها، وليس ذكره لها دليلا على أن غيرها لا يجوز الاستشفاء به، ولا يجوز شربه، لأنا بلا خلاف قد بينا، أن أبوال ما يؤكل لحمه، طاهرة غير نجسة. إذا اضطر إلى أكل الميتة، يجب عليه أكلها، ولا يجوز له الامتناع منه، دليلنا ما علمناه ضرورة من وجوب دفع المضار عن النفس عقلا، وإذا كان الأكل من

(1) الوسائل الباب 128 من أبواب الأطعمة المباحة ح 1، وفي مستدرك الوسائل الباب 100 من أبواب الأطعمة المباحة ح 7.
(2) الوسائل، الباب 14 من أبواب الماء المطلق ح 18.
(3) الجزء الثاني ص 106.
(4) الوسائل: الباب 3 من أبواب النجاسات ح 4 ولفظ الحديث هكذا، لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم، وفي مستدرك الوسائل الباب 2 من أبواب النجاسات ح 1 - 3.
(5) النهاية كتاب الأطعمة والأشربة، باب الأطعمة المحظورة والمباحة.

[ 126 ]

الميتة في حال الاضطرار، يدفع به الضرر العظيم عن نفسه، وجب عليه ذلك. إذا اضطر إلى طعام الغير، لم يجب على الغير إعطاؤه، لأن الأصل براءة الذمة، وإيجاب ذلك يحتاج إلى دليل. إذا وجد المضطر ميتة وصيدا حيا وهو محرم، اختلف أقوال أصحابنا وأحاديثهم فبعض يذهب إلى أنه يأكل الصيد، وبعض يذهب إلى أنه يأكل الميتة، وهذا هو الصحيح من الأقوال، لأن الصيد إذا كان حيا فذبحه المحرم، كان حكمه حكم الميتة، ويلزمه الفداء، فإن أكل الميتة أولى، من غير أن يلزمه فداء ولا إثم، والأولى أن تحمل الروايات التي وردت بأكل الصيد، على من وجد الصيد مذبوحا قد ذبحه محل في غير الحرم، فإن الأولى أن يأكله ويفدي، ولا يأكل الميتة، وإلى هذا التحرير ذهب شيخنا أبو جعفر رحمه الله، في مسائل خلافه في الجزء الثالث من كتاب الأطعمة (1). إذا اضطر إلى شراب الخمر للعطش، فله شربه، فإن اضطر إليه للتداوي، أو الجوع، فلا يجوز له تناوله بحال، لا للتداوي للعين، ولا لغيرها، لما روي (2) من أنه ما جعل شفاء في محرم، وأيضا فتحريمها معلوم من دين الرسول عليه السلام وتحليلها يحتاج إلى دليل. إذا مر انسان بحايط غيره، يعني ببستانه، لأن الحايط عبارة عن البستان، وبثمرته، جاز له أن يأكل منها، سواء كان في حال ضرورة، أو في حال اختيار، ولا يأخذ منها شيئا يحمله معه، ما لم ينهه صاحبه عن الدخول والأكل، فإن نهاه عن الأكل والدخول، فلا يجوز له الأكل والدخول، وقال المخالف لا يجوز له الأكل منه إلا في حال الضرورة، دليلنا إجماع أصحابنا على ذلك، فإنهم لا يختلفون في ذلك، وما رواه المخالف عن ابن عمر، أن النبي عليه السلام قال: إذا مر أحدكم بحايط

(1) الخلاف، كتاب الأطعمة، مسألة 25.
(2) الوسائل: الباب 21، من أبواب الأشربة المحرمة، ح 1، ولفظه هكذا، قال أبو عبد الله عليه السلام، ما جعل الله في محرم شفاء.

[ 127 ]

غيره، فليدخل وليأكل، ولا يتخذ خبنة (1) بالخاء المعجمة وبضمها، والباء وتسكينها، وبالنون المفتوحة، وهو ما يحمله الانسان في حضنه هكذا قال الجوهري في كتاب الصحاح، وقال الهروي في غريب الحديث، الخبنة ثبان الرجل، وهو ذلذل ثوبه المرفوع، يقال رفع في خبنته شيئا، قال شمر الخبنة والحبكة في الحجزة والثبنة في الإزار، قال ابن الأعرابي، أخبن الرجل إذا خبأ في خبنة سراويله مما يلي البطن، هذا الذي قاله وحكاه أبو عبيد الهروي في غريب الحديث، فأما من قال ذلك بالياء المنقطة نقطتين من تحتها موضع النون، فهو خطأ محض وتصحيف صرف. جملة القول في الأعيان النجسة، أنها على أربعة أضرب. نجس العين، وهو الكلب والخنزير، وما توالد منهما، وما استحال نجسا، كالخمر، والبول، والعذرة وجلد الميتة، فكل هذا نجس العين، لا ينتفع به، ولا يجوز بيعه. الثاني ما ينجس بالمجاورة، ولا يمكن غسله، ولا يطهره الغسل بالماء، وهو اللبن، والخل، والدبس، ونحو ذلك، فلا ينتفع به ولا يجوز بيعه بحال. والثالث، ما ينجس بالمجاورة وينتفع بمقاصد، ويمكن غسله وتطهيره بالماء، وهو الثياب وما في معناها، فهذا يجوز بيعه قبل تطهيره. والرابع، ما اختلف في جواز غسله وهو الزيت والشيرج، فعند أصحابنا بغير خلاف بينهم، إنه لا يجوز غسله ولا يطهره الغسل بالماء، وكذلك البزر والأدهان أجمع، فعندنا وإن لم يجز غسله فيجوز الانتفاع به في الاستصباح تحت السماء، على ما قدمناه وشرحناه (2)، ويجوز بيعه بهذا الشرط عندنا أيضا، ولا يجوز الانتفاع به في غير الاستصباح. إذا وجد المضطر آدميا ميتا حل له الأكل منه بمقدار ما يمسك رمقه، كما لو كانت الميتة بهيمة، للآيات وعمومها، وفي الناس من قال لا يجوز أكل لحم الآدمي

(1) سنن الترمذي، الباب 54 من كتاب البيوع، باب ما جاء في الرخصة في أكل الثمرة للمار بها، ج 2، ص 377، الرقم 1305، فيه: عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من دخل حائطا فليأكل، ولا يتخذ خبنة ".
(2) في ص 121.

[ 128 ]

بحال للمضطر، لأنه يؤدي إلى أكل لحوم الأنبياء. وهذا ليس بصحيح، لأن المنع من ذلك يؤدي إلى أن الأنبياء يقتلون أنفسهم بترك لحم الآدمي عند الضرورة، فكان من حفظ النبي في حال حياته أولى من الذي لم يحفظه بعد وفاته، بدليل إن من قتل نبيا حيا ليس كمن أتلف آدميا ميتا. فإن لم يجد المضطر شيئا بحال، قال قوم له أن يقطع من بدنه المواضع اللحيمة، كالفخذ ونحوها، فيأكله، خوفا على نفسه، لأنه لا يمتنع إتلاف البعض لاستبقاء الكل، كما لو كان به آكلة أو خبيثة، يقطعها. والصحيح عندنا، إنه لا يفعل ذلك، لأنه إنما يأكل خوفا على نفسه، وفي القطع منه الخوف على نفسه، فلا يزال الخوف بالخوف، ويفارق الخبيثة، لأن في قطعها قطع السراية، وليس كذلك قطع موضع من بدنه، لأن في قطعه إحداث سراية. فأما إن وجد المضطر بولا وخمرا فإنه يشرب البول، ولا يجوز له أن يشرب الخمر، لأن البول لا يسكر، ولا حد في شربه، فإن لم يجد إلا الخمر، فقد قلنا ما عندنا في ذلك (1)، فلا وجه لإعادته. باب الأشربة المحظورة والمباحة كل ما أسكر كثيره فالقليل منه حرام، لا يجوز استعماله بالشرب، والتصرف فيه بالبيع والهبة، وينجس ما يحصل فيه، خمرا كان أو نبيذا، أو بتعا، - بكسر الباء المنقطة من تحتها بنقطة واحدة، وتسكين التاء المنقطة من فوقها بنقطتين، والعين غير المعجمة، وهو شراب يتخذ من العسل -، أو نقيعا، وهو شراب يتخذ من الزبيب، أو مزرا، - بكسر الميم وتسكين الزاء المعجمة، وبعدها الراء غير المعجمة وهو الشراب يتخذ من الذرة، - وغير ذلك من المسكرات. وحكم الفقاع عند أصحابنا حكم الخمر على السواء، في أنه حرام شرابه، وبيعه، والتصرف فيه.

(1) في ص 126.

[ 129 ]

فأما عصير العنب، فلا بأس بشربه ما لم يلحقه نشيش بنفسه، فإن لحقه طبخ قبل نشيشه، حتى يذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه، حل شرب الثلث الباقي، فإن لم يذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه (1) كان ذلك حراما، وكذلك القول فيما ينبذ من الثمار في الماء، أو اعتصر من الأجسام من الأعمال، في جوار شربه ما لم يتغير، فإن تغير بالنشيش لم يشرب. ولا يقبل في طبخ العصير وغيره، شهادة من يرى جواز شربه في الحال التي لا يجوز شربه عندنا فيها، وقد بيناها، ويقبل قول من لا يرى شربه إلا إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه. ولا يجوز شرب الفضيخ - بالفاء والضاد المعجمة، والياء المنقطة من تحتها بنقطتين، والخاء المعجمة - وهو ما عمل من تمر وبسر، ويقال هو أسرع إدراكا، وكذلك كل ما عمل من لونين، حتى نش وتغير، وأسكر كثيره، فالقليل منه حرام، والحد في قليله وكثيره واحد، كالخمر، وإن لم يسكر منها شاربها، لأن النبيذ اسم مشترك لما حل شربه من الماء المنبوذ، فيه تمر النخل وغيره، قبل حلول الشدة فيه، وهو أيضا واقع على ما دخلته الشدة من ذلك، أو نبذ على عكر والعكر بقية الخمر في الإناء، كالخميرة عندهم، ينبذون عليه، فمهما ورد من الأحاديث في تحليل النبيذ، فهو في الحال الأولى، ومهما ورد من التحريم له، فإنما هو في الحال الثانية التي يتغير فيها، ويحرم بما حله من الشدة والسكر والعكر، وضراوة الآنية بالخمرة غليانه وغير ذلك من أسباب تحريمه، ولا اختار أن ينبذ للشرب الحلال، إلا في أسقية الأدم التي تملأ، ثم توكأ رؤوسها، فإنه قد قيل إن الشدة حين يبتدء بالنبيذ لسوء الأسقية، وإنه إن لحقه منه شئ أخرجه إلى الحموضة في الرواية (2) عن النبي عليه السلام. فأما الحنتم، - بالحاء غير المعجمة، والنون، والتاء المنقطة من فوقها بنقطتين، - وهي الجرة الخضراء، هكذا ذكره الجوهري في كتاب الصحاح، وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه الحنتم الجرة الصغيرة (3) والدبا، بضم الدال وتشديد الباء، والنقير،

(1) ج: وبقي أكثر من ثلثه.
(2) الوسائل الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة.
(3) المبسوط، ج 8، كتاب الأشربة ص 60، والعبارة هكذا، وأما الحنتم فالجرة الصغيرة.

[ 130 ]

والمزفت. قال محمد بن إدريس رحمه الله الزفت من الارزن هكذا ذكره الجاحظ في كتاب الحيوان، والقطران من الصنوبر، هكذا ذكر، فقد روي (1) أن الرسول عليه السلام نهى أن ينبذ في هذه الأواني، وقال انبذوا في الأدم، فإنه يوكأ، ويعلق، كل هذا المنهي عنه لأجل الظروف، فإنها تكون في الأرض، فتسرع الشدة إليها. ثم أباح هذا كله، بما روي عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي عليه السلام قال نهيتكم عن ثلاث، وأنا آمركم بهن، نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإن زيارتها تذكرة، ونهيتكم عن الأشربة أن تشربوا إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء، غير أن لا تشربوا مسكرا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي، أن تأكلوها بعد ثلث، فكلوا واستمتعوا (2). فإن نبذ في شئ من تلك الظروف، لا يشرب إلا ما وقع اليقين بأنه لم تحله شدة ظاهرة، ولا خفية، ولا يكون ذلك إلا بسرعة شرب ما ينبذ فيه. فأما " الدبا " فإنه القرع " والنقير " خشبة تنقر، تخرط كالبرنية، و " المزفت " ما قير بالزفت بكسر الزاء، قال الجاحظ في كتاب الحيوان " القطران " من الصنوبر، والزفت من الارزن. وقد قلنا إن العصير لا بأس بشربه وبيعه ما لم يغل، وحد الغليان على ما روى (3) الذي يحرم ذلك، وهو أن يصير أسفله أعلاه، فإذا غلا حرم شربه، وبيعه والتصرف فيه، إلى أن يعود إلى كونه خلا، ولا بأس بأمساكه، ولا يجب إراقته، بل يجوز إمساكه إلى أن يعود خلا.

(1) الوسائل - الباب 25، من أبواب الأشربة المحرمة والباب 52 من أبواب النجاسات الحديث 1 و 2.
(2) سنن البيهقي، كتاب الضحايا، باب الرخصة في الأكل من لحوم الضحايا... ج 9، ص 292. وروى نحوه مسلم في صحيحه، الباب 5 من كتاب الأضاحي، الحديث 37 (الرقم 1975) ج 3، ص 1564. النسائي في سننه، في باب زيارة القبور من كتاب الجنائز (ج 4، ص 89) وفي كتاب الأشربة (باب الإذن في شئ منها)، ج 8، ص 11 - 310.
(3) الوسائل الباب 3 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 131 ]

وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ويكره الاستسلاف في العصير، فإنه لا يؤمن أن يطلبه صاحبه، ويكون قد تغير إلى حال الخمر، بل ينبغي أن يبيعه يدا بيد، وإن كان لو فعل ذلك لم يكن محظورا (1). قال محمد بن إدريس رحمه الله، ما ذكره شيخنا رحمه الله فيه نظر، لأن السلف لا يكون إلا في الذمة، ولا يكون في العين، فإذا كان في الذمة فسواء تغير ما عنده إلى حال الخمر، أو لم يتغير، فإنه يلزمه تسليم ما له في ذمته إليه، من أي موضع كان، فلا أرى للكراهية وجها، وإنما هذا لفظ خبر واحد، أورده إيرادا. ولا بأس أن يبيع العنب والتمر ممن يعلم أن يجعله خمرا أو نبيذا، لأن الإثم على من يجعله كذلك، وليس على البايع شئ، غير أن الأفضل أن يعدل عنه إلى غيره، وقد حررنا ذلك وشرحناه في كتاب البيوع (2)، فليلحظ من هناك، فلا وجه لإعادته. وقال شيخنا في نهايته، ولا يجوز أن يتداوى بشئ من الأدوية، وفيها شئ من المسكر، وله عنه مندوحة، فإن اضطر إلى ذلك، جاز أن يتداوى به للعين، ولا يجوز أن يشربه على حال، إلا عند خوفه على نفسه من العطش، على ما قدمناه (3). وقد قلنا (4) إنه لا يجوز له التداوي به لا للعين ولا غيرها، وإنما هذا خبر واحد من شواذ أخبار الآحاد، أورده إيرادا ورجع عنه في مسائل خلافه (5) حتى أنه حرم شربها عند الضرورة للعطش. وإليه أيضا ذهب في مبسوطه، فإنه قال إن وجد المضطر بولا وخمرا يشرب البول دون الخمر، لأن البول لا يسكر ولا حد في شربه، فإن لم يجد إلا الخمر فالمنصوص لأصحابنا إنه لا سبيل لأحد إلى شربها، سواء كان مضطرا إلى الأكل أو الشرب، أو التداوي، وبه قال جماعة، وقال بعضهم إن كانت الضرورة العطش، حل له شربها، ليدفع العطش عن نفسه، وقال بعضهم يحل للمضطر إلى الطعام والشراب،

(1) النهاية: كتاب الأطعمة والأشربة، باب الأشربة المحظورة والمباحة.
(2) الجزء الثاني ص 327.
(3) النهاية، كتاب الأطعمة والأشربة، باب الأشربة المحظورة، ولا يخفى كلام النهاية يتم على حال وما بعده ليس فيها.
(4) في ص 126.
(5) الخلاف، كتاب الأطعمة، مسألة 27.

[ 132 ]

ويحل للتداوي، ويجوز على ما روي في بعض أخبارنا عند الضرورة التداوي به للعين، دون الشرب، هذا آخر كلامه في مبسوطه (1). وذهب في نهايته إلى جواز شربه خوف الضرر للعطش (2). وهو الذي يقوى في نفسي، واخترناه في كتابنا (3) هذا. ولا ادفع جوازه للمضطر إلى أكل ما يكون فيه الخمر خوفا من تلف نفسه، لقوله تعالى " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " (4) وأيضا فأدلة العقول تجوزه وتوجبه، لأنه يدفع الضرر به عن نفسه، فلا مانع يمنع منه عقلا وسمعا، وقد قلنا إنه لا بأس بشرب النبيذ غير المسكر، وهو أن ينقع التمر والزبيب، ثم يشربه، وهو حلو قبل أن يتغير. ويكره أن يسقى شئ (5) من الدواب والبهائم الخمر أو المسكر. ويكره الاستشفاء بالمياه الحارة التي تكون في الجبال. ومن شرب الخمر ثم بصق على ثوب، فإن علم أن معه شيئا من الخمر، لم تجز الصلاة فيه، وإن لم يعلم ذلك بأن لا يكون ملونا جازت الصلاة فيه. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، أواني الخمر، ما كان من الخشب، أو القرع، وما أشبههما، لم يجز استعمالها في شئ من المايعات، حسب ما قدمناه، وما كان من صفر، أو زجاج، أو جرار خضر، أو خزف، جاز استعمالها إذا غسل ثلاث مرات، حسب ما قدمناه، وينبغي أن يدلك في حال الغسل (6). وقال في مبسوطه، في الجزء الأول، أواني الخمر ما كان قرعا أو خشبا منقورا، روى (7) أصحابنا إنه لا يجوز استعماله بحال، وإنه لا يطهر، وما كان مقيرا أو مدهونا، من الجرار الخضر أو خزفا، فإنه يطهر إذا غسل سبع مرات، حسب ما

(1) المبسوط، ج 6، كتاب الأطعمة ص 288.
(2) النهاية كتاب الأطعمة والأشربة باب الأشربة المحظورة والمباحة.
(3) في ص 126.
(4) سورة البقرة الآية 195.
(5) ج. ل أن يسقى شيئا.
(6) النهاية. كتاب الأطعمة والأشربة باب الأشربة المحظورة والمباحة.
(7) مستدرك الوسائل الباب 18 من أبواب الأشربة المحرمة.

[ 133 ]

قدمناه، وعندي أن الأول محمول على ضرب من التغليظ والكراهة، دون الحظر، هذا آخر كلامه في مبسوطه (1). قال محمد بن إدريس رحمه الله وهو الذي يقوى في نفسي، واخترناه في كتابنا هذا (2). والذمي إذا باع خمرا أو خنزيرا، ثم أسلم، جاز له أن يقبض ذلك الثمن، وكان حلالا له. والخمر إذا صار خلا، جاز استعماله، سواء صار ذلك من قبل نفسه، أو بعلاج، إذا طرح فيها ما ينقلب إلى الخل، غير أنه يستحب أن لا يغير بشئ يطرح فيه، على ما روي (3) بل يترك حتى يصير خلا من قبل نفسه. وقد روي (4) في بعض الأخبار، أنه إذا وقع شئ من الخمر في الخل، لم يجز استعماله إلا بعد أن يصير ذلك الخمر خلا، أورد الرواية شيخنا في نهايته (5). والذي يقضيه أصول مذهبنا، ترك العمل بهذه الرواية الشاذة ولا يلتفت إليها، ولا يعرج عليها، لأنها مخالف للأدلة مضادة للاجماع، لأن الخل بعد وقوع قليل الخمر في الخل، صار بالاجماع الخل نجسا، ولا دلالة على طهارته بعد ذلك، ولا إجماع، لأنه ليس له حال ينقلب إليها، ولا يتعدى طهارة ذلك الخمر المنفرد، واستحالته، وانقلابه، إلى الخل الواقع فيه قليل الخمر، المختلط به، الذي حصل الاجماع على نجاسته. وهذا الرواية الشاذة، موافقة لمذهب أبي حنيفة، فإن صح ورودها، فتحمل على التقية، لأنها موافقة لمذهب من سميناه بذلك، على ما نبهنا عليه قول السيد المرتضى في انتصاره. فإنه قال مسألة عند الإمامية إذا انقلبت الخمر خلا بنفسها، أو بفعل آدمي،

(1) المبسوط، ج 1 كتاب الطهارة، باب الأواني والأدعية... ص 15.
(2) في الجزء الأول ص 92.
(3) الوسائل الباب 31، من أبواب الأشربة المحرمة الحديث 7.
(4) مستدرك الوسائل الباب 22 من أبواب الأشربة المحرمة الحديث 1.
(5) النهاية: كتاب الأطعمة والأشربة باب الأشربة المحظورة والمباحة

[ 134 ]

إذا طرح فيها ما تنقلب به إلى الخل، حلت، وخالف الشافعي ومالك في ذلك، وأبو حنيفة موافق الإمامية فيما حكيناه، إلا أنه يزيد عليهم، فيقول فيمن ألقى خمرا في خل، فغلب عليها، حتى لا يوجد طعم الخمر، إنه بذلك يحل، وعند الإمامية أن ذلك لا يجوز، ومتى لم ينقلب الخمر إلى الخل، لم يحل، فكأنهم انفردوا من أبي حنيفة، بأنهم امتنعوا مما أجازه على بعض الوجوه، وإن وافقوه على انقلاب الخمر إلى الخل، فجاز لذلك ذكر هذه المسألة في الانفرادات، دليلنا بعد الاجماع المتردد، إن التحريم إنما يتناول ما هو خمر، وما انقلب خلا، فقد خرج من أن يكون خمرا، وإنه لا خلاف في إباحة الخل، واسم الخل يتناول ما هو على صفة مخصوصة، ولا فرق بين أسباب حصوله عليها، ويقال لأصحاب أبي حنيفة، أي فرق بين غلبة الخل على الخمر في تحليلها، وبين غلبة الماء عليها، أو غيره من المايعات، أو الجامدات، حتى لا يوجد لها طعم، ولا رايحة، فإن فرقوا بين الأمرين بأن الخمر تنقلب إلى الخل، ولا تنقلب إلى غيره من المايعات والجامدات، قلنا كلامنا فيها على الانقلاب، والخمر إذا ألقيت في الخل الكثير، فما انقلبت في الحال إلى الخل، بل عينها باقية، فكذلك هي في الماء، فما الفرق بين أن يلقى فيما يجوز أن تنقلب إليه، وبين ما لا تنقلب إليه، إذا كانت في الحال موجودة لم تنقلب هذا آخر كلام المرتضى رضي الله عنه في المسألة (1)، فالحظه وتأمله بعين قلبك، فإنه دال على ما قلناه، كاشف لما حررناه. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ويجوز أن يعمل الانسان لغيره الأشربة من التمر، والزبيب، والعسل، وغير ذلك، ويأخذ عليها الأجرة، ويسلمها إليه من قبل تغيرها (2). قال محمد بن إدريس رحمه الله، إذا استأجره على عمل ذلك، فحلال له الأجرة، سواء سلمها إليه قبل التغير، أو بعده، فإنها تهلك من مال صاحبها، لأنها ما زالت على ملكه.

(1) الانتصار، في الأطعمة.
(2) النهاية، كتاب الأطعمة والأشربة، باب الأشربة المحظورة والمباحة.

[ 135 ]

ولا بأس برب التوت " بتائين "، كل واحدة بنقطتين من فوق. ولا بأس برب الرمان والسكنجبين، والجلاب، وإن شم فيه رايحة المسكر، لأنه ما لا يسكر كثيره، والجلاب شراب الورد، على ما حكاه الهروي في غريب الحديث عن الأزهري، وكذلك ذكره ابن الجواليقي اللغوي، في كتاب المغرب، وفحوى الكلام هيهنا يدل على ذلك. باب آداب الأكل والشرب يستحب أن يغسل الانسان يده قبل أن يأكل الطعام، ويغسلها بعده. ويستحب أيضا أن يسمي الله تعالى عند تناول الطعام والشراب، ويحمد الله تعالى عند الفراغ، وإن كان على مائدة عليها ألوان مختلفة فليسم عند تناول كل لون منها، وإن قال بدلا من ذلك بسم الله على أوله وآخره، كان كافيا. وقد روي (1) أنه إن سمى واحد من الجماعة، أجزأ عن الباقين. ولا يجوز الأكل على مائدة يشرب عليها شئ من المسكرات، أو الفقاع، بل يجب عليه الانكار مع القدرة عليه، أو القيام، فإن أكل ما هو طاهر، فالأكل حرام محظور. ويكره أن يقعد الانسان متكيا في حال الأكل، بل ينبغي أن يجلس على رجله. وكثرة الأكل مكروه، وربما بلغ أحد الحظر. ويكره الأكل على الشبع - بفتح الباء -. ويكره الأكل والشرب باليسار. وينبغي أن يتولى ذلك باليمين إلا عند الضرورة. ويكره الأكل والشرب ماشيا. ويكره الشرب بنفس واحد بل ينبغي أن يكون ذلك بثلاثة أنفاس، فإنه

(1) الوسائل الباب 58 من أبواب آداب المائدة الحديث 2.

[ 136 ]

روي (1) أن العب يورث الكباد. ويكره أكل طعام لم يدع إليه، بأن يتبع غيره ممن دعي إليه. ولا يجوز الأكل من طعام يعصى الله به أو عليه، من اختلاطه بخمر، أو نجاسة غير الخمر، أو شربه عليه. ويكره قطع الخبز بالسكين على المائدة. ويكره الشرب من عروة الكوز، وكذلك من ثلمته. ويستحب أن يتبع ما يسقط من فتات الخبز عند الأكل، ويترك إذا كان في صحراء. ويشرب صاحب المنزل أول القوم، ويغسل آخرهم. ولا يتمندل قبل الطعام ويمسه بعده. ويستحب الخلال، ولا يتخلل بعود ريحان، ولا قصب. ويستحب أن يبدأ صاحب الطعام بالأكل ويكون هو آخرهم، رفعا يده منه، فإذا أرادوا غسل أيديهم، يبدأ بمن هو عن يمينه، حتى ينتهي إلى آخرهم. ويستحب أن يجمع غسالة الأيدي في إناء واحد. وإذا حضر الطعام والصلاة، فالبداءة بالصلاة أفضل، إذا كانوا في أول الوقت، فإن كانوا في آخر الوقت فذلك هو الواجب، لا أفضل، فإن كان هناك قوم ينتظرونه للافطار معه، وكان أول الوقت، وهم صيام، فالبدأة بالطعام أفضل، لموافقتهم، وإن كان قد تضيق الوقت، لا يجوز إلا البدأة بالصلاة، على ما قدمناه. ويستحب لمن أكل الطعام، أن يستلقي على قفاه، ويضع رجله اليمنى على اليسرى.

(1) الوسائل الباب 2 من أبواب الأشربة المباحة الحديث 3.

[ 137 ]

كتاب الطب

[ 138 ]

كتاب الطب والاستشفاء بالبر وفعل الخير قد ورد الأمر عن رسول الله صلى الله عليه وآله ووردت أخبار عن الأئمة من ذريته عليهم السلام، بالتداوي، فقالوا: تداووا، فما أنزل الله داء إلا أنزل معه دواء إلا السام، فإنه لا دواء معه، يعني الموت (1). ويجب على الطبيب أن يتقي الله سبحانه فيما يفعله بالمريض، وينصح فيه. ولا بأس بمداواة اليهودي والنصراني للمسلمين، عند الحاجة إلى ذلك. وإذا أصاب المرأة علة في جسدها، واضطرت إلى مداواة الرجال لها، كان جايزا ومن كان يستضر جسده بترك العشاء، فالأفضل له أن لا يتركه، ولا يبيت إلا وجوفه مملوءة من الطعام، فقد روي (2) أن ترك العشاء مهرمة. وإذا كان الانسان مريض، فلا ينبغي أن يكرهه على تناول الطعام والشراب، بل يتلطف به في ذلك. وروي (3) أن أكل اللحم واللبن، ينبت اللحم، ويشد العظم، وروي (4) أن اللحم يزيد في السمع والبصر، وروي (5) أن أكل اللحم بالبيض يزيد في الباه. وروي (6) أن ماء الكمأة، فيه شفاء للعين.

(1) مستدرك الوسائل الباب 106 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 1 و 6.
(2) الوسائل الباب 46، من أبواب آداب المائدة الحديث 2. (3 و 4) مستدرك الوسائل الباب 19 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 2.
(5) مستدرك الوسائل الباب 30 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 5.
(6) الوسائل الباب 118 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 2.

[ 139 ]

وروي (1) أنه يكره أن يحتجم الانسان في يوم الأربعاء، أو سبت، فإنه ذكر إنه يحدث منه الوضح، والحجامة في الرأس فيها شفاء من كل داء. وروي (2) أن أفضل الدواء في أربعة أشياء، الحجامة، والحقنة، والنورة، والقي. فإن تبيغ الدم، - بالتاء المنقطة من تحتها بنقطتين، من فوق، والباء المنقطة من تحتها بنقطة واحدة، والياء المنقطة من تحتها بنقطتين، وتشديدها، والغين المعجمة، ومعنى ذلك هاج به، يقال تبوغ الدم بصاحبه، وتبيغ، أي هاج به، - فينبغي أن يحتجم في أي الأيام كان، من غير كراهية وقت من الأوقات، ويقرأ آية الكرسي، وليستخر الله سبحانه، ويصلي على النبي وآله عليهم السلام. وروي (3) أنه إذا عرضت الحمى لانسان، فينبغي أن يداويها بصب الماء عليه، فإن لم يسهل عليه ذلك، فليحضر له إناء فيه ماء بارد، ويدخل يده فيه. والاكتحال بالأثمد عند النوم يذهب القذي، ويصفي البصر. وروي (4) أنه إذا لذعت العقرب انسانا فليأخذ شيئا من الملح، ويضعه على الموضع، ثم يعصره بإبهامه، حتى يذوب. وروي (5) أنه من اشتد وجعه، فينبغي أن يستدعي بقدح فيها ماء، ويقرأ عليه الحمد أربعين مرة، ثم يصبه على نفسه. وروي (6) أن أكل الزبيب المنزوع العجم، على الريق، فيه منافع عظيمة، فمن أكل منه كل يوم على الريق إحدى وعشرين زبيبة منزوعة العجم، قل مرضه، وقيل

(1) الوسائل، الباب 36 من أبواب صلاة الجمعة.
(2) مستدرك الوسائل الباب 106 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 4 إلا أن فيه والدواء في أربعة الخ.
(3) لم نجدها بهذه العبارة في مظانها من كتب الحديث إلا أن المذكور فيها صب الماء فقط فراجع بحار الأنوار ج 59 من طبع الحديث ص 93 الباب 53 الحديث 8.
(4) الوسائل الباب 41 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 3 إلا أنه نقل فعل رسول الله صلى الله عليه وآله كذلك حين لذعته العقرب.
(5) بحار الأنوار ج 59 من طبع الحديث ص 104 الباب 53 الحديث 35.
(6) لم نجده بهذه العبارة في مظانها من كتب الأحاديث.

[ 140 ]

إنه لا يمرض إلا المرض الذي يموت فيه. ومن أكل عند نومه تسع تمرات، عوفي من القولنج، وقتل دود البطن على ما روي (1). وروي (2) أن أكل الحبة السوداء، فيه شفاء من كل داء، على ما روي. وفي شراب العسل منافع كثيرة، فمن استعمله، انتفع به ما لم يكن به مرض حار. وروي (3) أن لبن البقر فيه منافع، فمن تمكن منه فليشربه. وروي (4) أن أكل السمن (5) نافع للأحشاء. وروي (6) أن أكل القرع، يزيد في العقل، وينفع الدماغ. ويستحب أكل الهندباء. وروي عن سيدنا أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام، أنه قال إذا دخلتم أرضا فكلوا من بصلها، فإنه يذهب عنكم وباؤها (7). وروي أن رجلا من أصحابه عليه السلام شكا إليه اختلاف البطن، فأمر أن يتخذ من الأرز سويقا، ويشربه، ففعل، فعوفي (8). وروي أن النبي عليه السلام قال، إياكم والشبرم، فإنه حار بار، وعليكم بالسناء، فتداووا به، فلو دفع شئ من الموت، لدفعه السناء وتداووا بالحلبة، فلو علم أمتي ما لها في الحلبة، لتداووا بها، ولو بوزنها ذهبا (9).

(1) مستدرك الوسائل الباب 57 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 5 إلا أن فيه سبع تمرات.
(2) بحار الأنوار ج 59 من طبع الحديث ص 227 الباب 81 الحديث 2.
(3) لم نجدها بهذه العبارة في مظانها والظاهر إنها نقل بالمعنى، راجع الوسائل، الباب 57 من الأطعمة المباحة.
(4) الوسائل: الباب 53 من أبواب الأطعمة المباحة.
(5) ج. أكل البيض.
(6) الوسائل: الباب 120 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 5.
(7) مستدرك الوسائل الباب 99 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 1.
(8) مستدرك الوسائل الباب 4 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 3.
(9) مستدرك الوسائل الباب 112 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 6.

[ 141 ]

وروي عنه عليه السلام أنه قال إدمان أكل السمك الطري يذيب الجسم (1). وروي أن أكل التمر بعد السمك الطري، يذهب أذاه (2). وروي عنه عليه السلام، إن رجلا شكا إليه وجع الخاصرة فقال عليه السلام له عليك بما يسقط من الخوان، فكله، ففعل فعوفي (3). وروي عنه عليه السلام أنه قال الريح الطيبة تشد العقل، وتزيد في الباه (4). وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى عن أكل الطفل الطين، والفحم، وقال من أكل الطين، فقد أعان على نفسه، ومن أكله ومات لم يصل عليه، وأكل الطين يورث النفاق (5). وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: فضلنا أهل البيت على الناس كفضل البنفسج على ساير الأدهان (6). وروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال من أكل الرمان بشحمه، دبغ معدته (7). والسفرجل يذكي القلب الضعيف، ويشجع الجبان (8). وروي عن سيدنا أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال الخل يسكن المرار، ويحيي القلب، ويقتل دود البطن، ويشد الفم (9). (1) الوسائل الباب 38 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 1.
(2) مستدرك الوسائل الباب 27 من أبواب الأطعمة المباحة.
(3) الوسائل الباب 76 من أبواب آداب المائدة الحديث 1.
(4) مستدرك الوسائل الباب 42 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 1.
(5) مستدرك الوسائل الباب 65 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 2.
(6) بحار الأنوار ج 59 من الطبع الجديد ص 221 الباب 80 الحديث 3.
(7) الوسائل ج 17 في الباب 87 باب أكل الرمان بشحمه الحديث 8 عن علي عليه السلام قال: كلوا الرمان بشحمه فإنه دباغ للمعدة.
(8) الوسائل الباب 93 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 4.
(9) مستدرك الوسائل الباب 34 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 5 و 7 والظاهر إن النقل من ضم الحديثين.

[ 142 ]

فهذه جملة مقنعة من جملة ما ورد عن الأئمة عليهم السلام في هذا الباب، وإيراد جميعه لا يحصى ولا يسعه كتاب. فأما ما ورد عنهم عليهم السلام في الاستشفاء بفعل الخير والبر والتعوذ، والرقى، فنحن نورد من جملة ما ورد عنهم عليهم السلام في ذاك، جملة مقنعة بمشية الله تعالى. وروي عن سيدنا أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال ثلاثة يذهبن النسيان، ويحددن الفكر، قراءة القرآن، والسواك، والصيام (1). وروي عنه عليه السلام أن بعض أهل بيته ذكر له أمر عليل عنده، فقال ادع بمكتل، فاجعل فيه برا، واجعله بين يديه، أمر غلمانك إذا جاء سائل أن يدخلوه إليه، فيناوله منه بيده، ويأمره أن يدعو له، قال أفلا أعطي الدنانير والدراهم، قال اصنع ما آمرك به، فكذلك رويناه، ففعل فرزق العافية (2). وروي عنه عليه السلام أنه قال ارغبوا في الصدقة، وبكروا فيها، فما من مؤمن تصدق بصدقة حين يصبح، يريد بها ما عند الله، إلا دفع الله بها عنه شر ما ينزل من السماء ذلك اليوم، ثم قال لا تستخفوا بدعاء المساكين للمرضى منكم، فإنه مستجاب لهم فيكم، ولا يستجاب لهم في أنفسهم (3). وروي عنه عليه السلام أن رجلا من أصحابه شكا إليه وضحا أصابه بين عينيه، وقال بلغ مني يا رسول الله مبلغا شديدا، فقال عليك بالدعاء وأنت ساجد، ففعل فبرئ منه (4). وروي عنه عليه السلام أنه قال إذا أصابك هم، فامسح يدك على موضع سجودك، ثم مر يدك على وجهك من جانب خدك الأيسر، وعلى جبينك إلى جانب خدك الأيمن، ثم قل بسم الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، اللهم أذهب عني الهم والحزن ثلاثا (5).

(1) مستدرك الوسائل الباب 1 من أبواب السواك ح 11، وفي المصدر، يحدثن الذكر.
(2) مستدرك الوسائل الباب 4 من أبواب الصدقة ح 5.
(3) مستدرك الوسائل الباب 3 من أبواب الصدقة ح 2.
(4) لم نعثر عليه.
(5) الوسائل الباب 5 من أبواب سجدتي الشكر الحديث 1 مع اختلاف يسير.

[ 143 ]

وروي عنه عليه السلام أنه قال من قال كل يوم ثلاثين مرة بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، تبارك الله أحسن الخالقين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم دفع الله عنه تسعة وتسعين نوعا من البلاء، أهونها الجذام (1). وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال مرضت فعادني رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا لا اتقار على فراشي، فقال يا علي إن أشد الناس بلاء النبيون ثم الأوصياء، ثم الذين يلونهم، إبشر فإنها حظك من عذاب الله، مع مالك من الثواب، ثم قال أتحب أن يكشف الله ما بك؟ قال قلت بلى يا رسول الله. قال قل، اللهم ارحم جلدي الرقيق، وعظمي الدقيق، وأعوذ بك من فورة الحريق، يا أم ملدم، إن كنت آمنت بالله، فلا تأكلي اللحم، ولا تشربي الدم، ولا تفوري من الفم، وانتقلي إلى من يزعم أن مع الله إلها آخر، فإني أشهد أن لا الله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، قال فقلتها، فعوفيت من ساعتي. قال جعفر بن محمد عليه السلام ما فزعت إليه قط، إلا وجدته وكنا نعلمه النساء والصبيان (2). وروي عن سيدنا أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجلس الحسن على فخذه اليمنى، والحسين على فخذه اليسرى، ثم يقول أعيذكما بكلمات الله التامات كلها، من شر كل شيطان، وهامة، ومن كل عين لامة، ثم يقول هكذا كان إبراهيم أبي عليه السلام يعوذ بنيه إسمعيل وإسحق عليهم السلام (3). وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال من ساء خلقه، فأذنوا في إذنه (4). وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن السحر، والكهانة، والقيافة، والتمائم (5)، فلا يجوز استعمال شئ من ذلك على الحال. هذه جملة مقنعة، واستقصاء ذلك يطول به الكتاب، ويحصل به الاسهاب.

(1) مستدرك الوسائل، الباب 40 من أبواب الذكر، ح 6 وفي المصدر، أهونها الجنون.
(2) البحار: ج 95 باب عودة الحمى وأنواعها، ص 31 ح 15 مع تفاوت يسير وحذف الذيل.
(3) البحار، ج 64، باب قنبرة ص 300.
(4) الوسائل الباب 46 من أبواب الأذان والإقامة، ح 2، إلا أنه مروي عن الصادق عليه السلام.
(5) لم نعثر عليه.

[ 145 ]

كتاب السبق والرماية

[ 146 ]

كتاب السبق والرماية قال الله تعالى، " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم " (1). وروى عقبة بن عامر (2) أن النبي صلى الله عليه وآله قال ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي (3). ووجه الدلالة إن الله تعالى أمرنا بإعداد الرمي، ورباط الخيل، للحرب ولقاء العدو، والاعداد لذلك، ولا يكون كذلك إلا بالتعليم، والنهاية في التعلم المسابقة بذلك، ليكد كل واحد نفسه في بلوغ النهاية، والحذق فيه، وكان في ضمن الآية دليل على ما قدمناه. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر (4). وروي أن النبي صلى الله عليه وآله سابق الخيل المضمرة، من الحقباء إلى ثنية الوداع، وكان للرسول ناقة يقال لها العضباء، إذا سابقت سبقت، فجاء أعرابي على بكر فسبقها، فاغتم المسلمون، فقيل يا رسول الله سبقت العضباء، فقال حق على

(1) سورة الأنفال الآية 60.
(2) ج. ل. عقبة بن عمار (3) مجمع البيان في تفسير الآية رواه عن عقبة ألا إن فيه " ألا إن القوة الرمي " مرة واحدة.
(4) الوسائل الباب 3 من كتاب السبق والرماية الحديث 4 مع اختلاف، قليل فإن فيه " لا سبق إلا في حافر أو نصل أو خف ".

[ 147 ]

الله أن لا يرفع شيئا في الأرض إلا وضعه (1). وروي عنه عليه السلام أنه قال: تناضلوا، واحتفوا، واخشوشنوا، وتمعددوا (2). قوله تناضلوا، يعني تراموا والنضال الرمي، واحتفوا، يعني امشوا حفاة، واخشوشنوا، البسوا الخشن من الثياب، وأراد أن يعتادوا الحفا وتمعددوا، تكلموا بلغة معد بن عدنان، فإنها أفصح اللغات. وعليه إجماع الأمة، وإنما الخلاف في أعيان المسائل. فإذا تقرر جواز ذلك، فالكلام فيما يجوز المسابقة عليه، وما لا يجوز. فما تضمنه الخبر من النصل، والحافر، والخف، يجوز المسابقة به، فالنصل ضربان، نشابة، وهي للعجم، والآخر السهم، وهو للعرب والمزاريق وهي الردينيات (3) والسيوف، وكل ذلك من النصل. ويجوز المسابقة عليه بعوض لقوله عليه السلام لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر، وكل ذلك يتناوله اسم النصل. فأما الخف فضربان، إبل وفيلة، وكلاهما يجوز عندنا المسابقة عليهما بعوض. فأما الحافر، والخيل والبغال والحمير، فيجوز المسابقة عليها، لقوله عليه السلام أو حافر، وهذه الأجناس ذوات حوافر. فأما ما لم يرد فيه الخبر، فمذهبنا إنه لا يجوز المسابقة به لأن النبي عليه السلام نهى أن يكون المسابقة إلا في هذه الثلاثة الأشياء، فعلى هذا التحرير لا يجوز المسابقة بالطيور، ولا على الأقدام، وشبل الأحجار، ودحوها، والمسارعة، والسفن، ونطاح الكباش، وغير ذلك. فإذا ثبت ذلك، فإذا قال انسان لاثنين، أيكما سبق بفرسه إلى كذا، فله عشرة

(1) مستدرك الوسائل الباب 3 من كتاب السبق والرماية الحديث 4 إلا أنه لم يذكر صدر الحديث أعني قوله إن النبي صلى الله عليه وآله سابق بين الخيل المضمرة من الحقباء إلى ثنية الوداع.
(2) الوسائل. لم تجد الحديث في مظانه من كتب الأخبار.
(3) الردينيات. واحدتها الردينى وهو الرمح نسبة إلى ردينة وهي امرأة اشتهرت بتقويم الرماح.

[ 148 ]

دراهم - صح لأن كل واحد منهما يجتهدان يسبق وحده، فأما إن كان المسبق أحدهما، فقال أينا سبق فله عشرة، إن سبقت أنت فلك العشرة، وإن سبقت أنا فلا شئ عليك، فإنه جايز عندنا، لأن الأصل جوازه. فإن أخرج كل واحد منهما عشرة، ويقول من سبق فله العشرون معا، فإن لم يدخلا بينهما محللا، فإن المخالف لا يجيزه، ويجعله قمارا، وعندنا إنه لا يمتنع جوازه، لأن الأصل الإباحة، فأما إن أدخلا بينهما ثالثا، لا يخرج شيئا وقالا: إن سبقت أنت، فلك السبقان معا فإنه يجوز ذلك عندنا، لأن الأصل الجواز. والاعتبار بالسبق بالكتد، أو الهادي، عند الأكثر، وقال قوم شذاذ، الاعتبار بالإذن. ولا يجوز المسابقة حتى يكون ابتداء الغاية التي يجريان منها، والإنتهاء التي يجريان إليه، معلوما. وأما في المناضلة بالسهام والنشاب، فإذا تناضلا على الإصابة، جاز، وإن تناضلا على أيهما أبعد رميا، جاز أيضا عندنا. والنضال، اسم يشتمل على المسابقة بالخيل والرمي معا، ولكل واحد منهما اسم ينفرد به، فالمناضلة في الرمي، والرهان في الخيل. وجميع أحكام الرهان معتبرة في النضال، إلا من وجه واحد، وهو أن المسابقة لا تصح حتى يعين الفرس، ومتى نفق لم يستبدل صاحبه غيره، وفي النضال لا يحتاج إلى تعين القوس، ومتى عينها، لم يتعين، ومتى انكسرت، كان له أن يستبدل بها، لأن المقصود من النضال الإصابة ومعرفة حذق الرامي، وهذا لا يختلف لأجل القوس، والقصد في المسابقة معرفة السابق، فلهذا اختلف باختلاف الفرس. لا تصح المناضلة إلا بسبع شرايط، وهو أن يكون الرشق معلوما، وعدد الإصابة معلوما، وصفة الإصابة معلومة، والمسافة معلومة، وقدر الغرض معلوما، والسبق معلوما، فالرشق بكسر الراء عبارة عن عدد الرمي. قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه الخازق ما خدش الغرض ولم يثبت فيه،

[ 149 ]

والخواسق ما فتح الغرض وثبت فيه (1)، وقال الجوهري، في كتاب الصحاح الخازق من السهام المقرطس، وقد خزق السهم يخزق، ويقال خزقتهم بالنبل، أي أصبتهم بها، وقال الخاسق لغة في الخازق من السهام، وهو بالخاء المعجمة، والزاء المعجمة، والقاف، والخاسق بالخاء المعجمة أيضا، والسين غير المعجمة. والهدف هو التراب المجموع الذي ينصب فيه الغرض. والغرض هو الذي ينصب في الهدف، ويقصد أصابته، ويكون من رق، أو جلد، أو ورق، أو قرطاس. فأما السبق، فعبارة عن المال المخرج في المناضلة. اختلف الناس في عقد المسابقة، هل هو من العقود اللازمة أو الجائزة؟ قال قوم هو من العقود الجائزة، وهو الذي اختاره شيخنا في مسائل خلافه (2)، وقال آخرون هو من العقود اللازمة، وهو الذي يقوى في نفسي، لقوله تعالى " أوفوا بالعقود " (3) وهذا عقد يجب الوفاء به. إذا تلبسا بالنضال، ففضل لأحدهما إصابة، فقال المفضول اطرح الفضل بدينار حتى نكون في عدد الإصابة، سواء، لم يجز، لأن موضوع النضال على أن ينضل أحدهما صاحبه بحذقه، فإذا طرح بما نضله، لما طرح من عدد الإصابة، لا لحذقه، وإذا لم يصح، فعليه رد ما بذله، ويعود إلى عدد أصابته فيكون على الرمي على إكمال الرشق، ليتبين الناضل منهما.

(1) المبسوط، ج 6، كتاب السبق والرماية ص 297، وفي المصدر، الخوارق، بالراء غير المعجمة.
(2) الخلاف، كتاب السبق، مسألة 9.
(3) سورة المائدة، الآية 1.

[ 151 ]

كتاب الوقوف والصدقات

[ 152 ]

كتاب الوقوف والصدقات وجوه العطايا ثلاثة: اثنان منها في حال الحياة وواحد بعد الوفاة. فالذي بعد الوفاة الوصية، ولها كتاب منفرد نذكره فيما بعد، إن شاء الله تعالى. وأما اللذان في حال الحياة فهما الهبة والوقف، فإن قيل: والصدقة، قلنا: الوقوف في الأصل صدقات، فلا جل هذا لم نذكرها. والهبة لها باب مفرد يجئ فيما بعد، إن شاء الله. وأما الوقوف فهذا موضعها، فإذا ثبت هذا، فالوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وجمعه وقوف وأوقاف، يقال: وقفت، ولا يقال: أوقفت، إلا شاذا نادرا، ويقال: حبست، وأحبست. فإذا وقف شيئا زال ملكه عنه، إذا قبض الموقوف عليه أو من يتولى عنه، وإن لم يقبض لم يمض الوقف، ولم يلزم، فإذا قبض الوقف فلا يجوز له الرجوع فيه بعد ذلك، ولا التصرف فيه ببيع ولا هبة ولا غيرهما، ولا يجوز لأحد من ورثته التصرف فيه، سواء أحدث الموقوف عليه ما يمنع الشرع من معونته، أو لم يحدث، لأنه بعد قبضه قد صار ملكا من أملاكه، ومالا من أمواله، فله حكم ساير أمواله. وقال شيخنا المفيد " في مقنعته " " الوقوف في الأصل صدقات لا يجوز الرجوع فيها، إلا أن يحدث الموقوف عليهم ما يمنع الشرع من معونتهم، والقربة إلى الله بصلتهم، أو يكون تغييرا لشرط في الوقوف إلى غيره أدر عليهم وأنفع لهم من تركه على حاله " (1).

(1) المقنعة، باب الوقوف والصدقات ص 652.

[ 153 ]

والذي يتقضيه مذهبنا أنه بعد وقفه وتقبيضه لا يجوز الرجوع فيه، ولا تغييره عن وجوهه وسبله، ولا بيعه، سواء كان بيعه أدر عليهم أم لا، وسواء أخربه الوقف (1) ولا يوجد من يراعيه بعمارة، من سلطان وغيره، أو يحصل بحيث لا يجدي نفعا لأنا قد اتفقنا جميعا على أنه وقف، وإنه لا يجوز حله ولا تغييره عن وجوهه وسبله، فمن ادعى غير ذلك فقد ادعى حكما شرعيا، يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، لأنه لا إجماع منا على ذلك، لأن بعض أصحابنا يذهب إليه، والباقون يمنعون منه، فقد حصل الاجماع المنعقد على كونه وقفا، ولم يجمعوا على خروجه من الوقف، بحال من الأحوال، ولا يرجع في مثل هذا الاجماع والأصل إلى أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا. فإن شيخنا أبا جعفر قال في مسائل خلافه، مسألة إذا خرب الوقف ولا يرجى عوده، في أصحابنا من قال: يجوز بيعه، وإذا لم يختل لم يجز، وبه قال أحمد بن حنبل. وقال الشافعي: لا يجوز بيعه على حال، دليلنا الأخبار المروية عن الأئمة عليهم السلام، هذا آخر كلامه في المسألة (2). فاعتبر أيها المسترشد قوله واستدلاله، فإنه قال: " في أصحابنا من قال يجوز بيعه " ولم يستدل بالاجماع، لأنهم ما أجمعوا على بيعه بعد خرابه واختلاله، وذكر ما لا دليل فيه من أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا. هذا الخلاف الذي حكيناه من أصحابنا إنما هو إذا كان الوقف على قوم مخصوصين، وليس فيه شرط يقتضي رجوعه إلى غيرهم، فأما إذا كان الوقف على قوم وعلى من بعدهم على غيرهم (3) وكان الواقف قد اشترط رجوعه إلى غير ذلك، إلى أن يرث الله الأرض، لم يجز بيعه على وجه الوجوه، بغير خلاف بين أصحابنا. قد قلنا: إنه إذا قبض الوقف زال ملك الواقف عنه، وصار ملكا للموقوف

(1) ج. ل. خرب الوقف.
(2) الخلاف، كتاب الوقف والصدقات، مسألة 22.
(3) ج. إلى غيرهم.

[ 154 ]

عليه، فإذا ثبت أنه يزول وهو الصحيح - فإنه ينتقل إلى الموقوف عليه، وقال قوم: ينتقل إلى الله، ولا ينتقل إلى الموقوف عليه. وإنما قلنا: إنه ينتقل إلى الموقوف عليه، لأنه يضمن بالغصب، ويثبت عليه اليد، وليس فيه أكثر من أنه لا يملك بيعه على حال، ومنع البيع لا يدل على أنه لم يملكه، لأن الشئ المرهون ملك للراهن، ولا يجوز له بيعه، وكذلك أم الولد ملك لسيدها، بلا خلاف، ولا يجوز له بيعها مادام ولدها حيا، عند أصحابنا. فعلى هذا التحرير فهل يقبل في الوقف شاهد واحد ويمين المدعي أم لا؟ من قال: ينتقل إلى الله قال: لا تقبل في ذلك إلا شهادة شاهدين، ومن قال: ينتقل إلى الموقوف عليه قال: تقبل في ذلك شهادة واحد ويمين المدعي الذي هو الموقوف عليه، لأن شهادة الواحد ويمين المدعي تقبل عندنا في كل ما كان مالا، أو المقصود منه المال، والوقف مال أو المقصود منه المال، بغير خلاف. يجوز وقف الأراضي، والعقار، والدور، والرقيق والماشية، والسلاح، وكل عين تبقى بقاء متصلا ويمكن الانتفاع بها، خلافا لأبي يوسف، فإنه لا يجوز الوقف إلا في الدور، والأراضي، والكراع، والسلاح، والغلمان، تبعا للضيعة الموقوفة. وكل عين جاز بيعها وأمكن الانتفاع بها مع بقائها المتصل فإنه يجوز وقفها، إذا كانت معينة، فأما إذا كانت في الذمة، أو كانت مطلقة، وهو أن يقول: وقفت فرسا أو عبدا فإن ذلك لا يجوز، لأنه لا يمكن الانتفاع به ما لم يتعين، ولا يمكن تسليمه، ولا يمكن فيه القبض، ومن شرط لزومه القبض. فأما الدنانير والدراهم فلا يصح وقفهما، بلا خلاف وإنما قلنا لا يجوز، لأنه لا منفعة لهما مقصودة غير التصرف فيهما، فأما إذا كانت حليا مباحا فلا يمنع من وقفها مانع، فأما ما عدا الدنانير والدراهم، من الأواني، والفرش، والدواب، والبهائم، فإنه يجوز وقفها، لما ذكرناه. ويجوز وقف المشاع، كما يجوز وقف المقسوم، ويصح قبضه كما يصح قبضه في البيع. وجملة القول أنه يفتقر صحة الوقف إلى شروط:

[ 155 ]

منها أن يكون الواقف مختارا، مالكا للتبرع، فلو وقف وهو محجور عليه لفلس لم يصح. ومنها أن يكون متلفظا بصريحه، قاصدا له وللتقرب به إلى الله تعالى. والصريح من ألفاظه وقفت، وحبست، وسبلت. فأما قوله: تصدقت، فإنه يحتمل الوقف وغيره، إلا أن يقرن إليه قرينة تدل على أنه وقف، مثل قوله: تصدقت صدقة لا تباع ولا توهب، وغير ذلك. وكذا قوله: " حرمت وأبدت " لا يدل على صريح الوقف، إلا أن يضم إلى ذلك ضميمة، مع أنهما لم يرد بهما عرف الشرع، فلا يحمل على الوقف إلا بدليل. ومن أصحابنا من اختار القول بأنه لا صريح في الوقف إلا قوله: " وقفت " دون " حبست وسبلت " وهو الذي يقوى في نفسي، لأن الاجماع منعقد على أن ذلك صريح في الوقف، وليس كذلك ما عداه. ولو قال تصدقت ونوى به الوقف صح فيما بينه وبين الله تعالى، لكن لا يصح في الحكم، لما ذكرناه من الاحتمال. ومنها أن يكون الموقوف معلوما، مقدورا على تسليمه، يصح الانتفاع به مع بقاء عينه في يد الموقوف عليه، على ما قدمناه فيما مضى. ومنها أن يكون الموقوف عليه غير الواقف، فلو وقف على نفسه لم يصح، فأما إذا وقف شيئا على المسلمين عامة فإنه يجوز له الانتفاع به، عند بعض أصحابنا، قال: لأنه يعود إلى أصل الإباحة، فيكون هو وغيره فيه سواء، هذا إذا كان الوقف عاما كان حكمه كحكم غيره من الناس: الفقراء، والمساكين، وإن لم يكن عاما وكان مخصوصا بقوم معينين لم يجز له ذلك، وإن كان ما وقفه دارا أو منزلا، وكان وقفه لذلك عاما في ساير الناس، مثل الدور التي ينزلها الحاج، والخانات، جاز له النزول فيها، وإن لم يكن كذلك لم يجز له ذلك على حال. والذي يقوى عندي أن الواقف لا يجوز له الانتفاع بما وقفه على حال، لما بيناه وأجمعنا عليه، من أنه لا يصح وقفه على نفسه، وأنه بالوقف قد خرج عن ملكه، ولا يجوز عوده إليه بحال.

[ 156 ]

ومنها أن يكون معروفا متميزا يصح التقرب إلى الله تعالى بالوقف عليه، وهو ممن يملك المنفعة حالة الوقف، فعلى هذا لا يصح أن يقف الانسان على شئ من معابد (1) أهل الضلال، ولا على مخالف للاسلام، أو معاند للحق غير معتقد له، إلا أن يكون أحد والديه، لقوله تعالى: " وصاحبهما في الدنيا معروفا " (2) وما عداهما من الأهل والقرابات الكفار المعاندين للحق فلا يجوز الوقف عليهم بحال، لأنا قد بينا أن من شرط صحة الوقف التقرب به إلى الله تعالى. ولا يصح الوقف على من لم يوجد أولاده، ولا ولد لهم، ولا على الحمل قبل انفصاله، ولا على عبده، بلا خلاف ولو وقف على أولاده وفيهم موجود، ولم ينو تعيين الوقف بالموجود ولا شرطه للموجود وحده صح، ودخل في الوقف من سيولد له على وجه التبع، لأن الاعتبار باتصال الوقف في ابتدائه بموجود هو من أهل الملك، فإن شرط أنه للموجود دون من سيولد فلا يدخل مع الموجود من سيولد فيما بعد، بغير خلاف. ويصح الوقف على المساجد والقناطر وغيرهما، لأن المقصود بذلك مصالح المسلمين، وهم يملكون الانتفاع. ومنها أن يكون الوقف مؤبدا غير منقطع، فلو قال: وقفت هذا سنة لم يصح. فأما قبض الموقوف عليه أو من يقوم مقامه في ذلك، فشرط في اللزوم والصحة. ومنها أن لا يدخله شرط خيار الواقف في الرجوع فيه، ولا أن يتولاه هو بنفسه، أو يغيره هو متى شاء وينقله من وجوهه وسبله، فمتى شرط ذلك كان الوقف باطلا، على الصحيح من أقوال أصحابنا، لأنه لا خلاف في صحة ما ذكرناه، وفيما عداه خلاف. وتعليق الوقف بشرايط في الترتيب جايز، ولا يجوز ذلك في الوقف نفسه على ما قدمناه. وذهب السيد المرتضى إلى أن من وقف وقفا جاز له أن يشترط أنه إن احتاج إليه

(1) ج. معاهد.
(2) سورة لقمان، الآية 15.

[ 157 ]

في حال حياته كان له بيعه والانتفاع بثمنه (1). وما اخترناه من القول الأول هو مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي (2) وجلة مشيختنا، ودليله ما قدمناه من أنه لا خلاف في صحة الوقف إذا خلا من الشرط المخالف فيه، والخلاف في صحته مع الشرط المذكور. ويدل على صحة ما اعتبرناه من الشروط بعد إجماع أصحابنا أنه لا خلاف في صحة الوقف ولزومه إذا تكاملت، وليس على صحته ولزومه إذا لم تتكامل دليل. ويتبع في الوقف ما يشرطه الواقف، من ترتيب الأعلى على الأدنى، أو اشتراكيهما، أو تفضيل في المنافع، أو المساواة فيها، إلى غير ذلك، بلا خلاف. وإذا وقف على أولاده، وأولاد أولاده، أو على أولاده فحسب، ولم يقل: لصلبه، دخل فيهم أولاد أولاده، ولد البنات والبنين، بدليل إجماع أصحابنا، ولأن اسم الولد يقع عليهم، لغة وشرعا، وقد أجمع المسلمون على أن عيسى عليه السلام ولد آدم، وهو ولد ابنته، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله في الحسن والحسين: " ابناي هذان إمامان، قاما أو قعدا " (3) ولا خلاف بين المسلمين في أن الانسان لا يحل له نكاح بنت بنته، مع قوله تعالى: " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم " (4) فبنت البنت بنت بغير خلاف، وأيضا دعا رسول الله عليه السلام الحسن ابنا، وهو ابن بنته فقال: (5) لا تزرموا على ابني (6) بالزاء المعجمة المسكنة، والراء غير المعجمة المكسورة، والميم - أي لا تقطعوا عليه بوله، وكان قد بال في حجره فهموا بأخذه، فقال لهم ذلك. فأما استشهاد المخالف على خلاف ما ذكرناه بقول الشاعر: بنونا بنو أبناءنا وبناتنا * بنوهن أبناء الرجال الأباعد. فإنه مخالف لقول الرسول عليه السلام، وقول الأمة، والمعقول، فوجب رده، وأن

(1) في الانتصار، كتاب في مسائل شتى في الهبات والإجارة والوقوف والشركة.
(2) في المبسوط، ج 2 كتاب البيوع ص 81، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
(3) إثبات الهداة ج 5، ص 129 - 134 (4) سورة النساء، الآية 23.
(5) الوسائل الباب 8، من أبواب النجاسات، ح 4.
(6) ج: لا تزرموا ابني

[ 158 ]

لا يقضى بهذا البيت من الشعر على القرآن والاجماع، على أنه أراد الشاعر بذلك الانتساب، لأن أولاد البنت لا ينتسبون إلى أمهم، وإنما ينتسبون إلى أبيهم، وكلامنا على غير الانتساب. وأما قولهم ولد الهاشمي من العامية هاشمي، وولد العامي من الهاشمية عامي. فالجواب عنه أن ذلك في الانتساب، وليس كلامنا فيه، بل كلامنا في الولادة، وهي متحققة من جهة الأم، بغير خلاف، ويكون الذكر والأنثى فيه سواء، إلا أن يشرط الواقف تفضيل بعضهم على بعض. وإذا وقف على نسله، أو عقبه، أو ذريته فهذا حكمه، بدليل قوله تعالى: " ومن ذريته داود وسليمان - إلى قوله -: وعيسى وإلياس " (1) فجعل عيسى من ذريته: وهو ينتسب إليه من الأم. وإن وقف على عترته فهم الأخص به من قومه وعشيرته، وقد نص على ذلك ثعلب، وابن الأعرابي، من أهل اللغة، ولا يلتفت إلى قول القتيبي في ذلك، وما تعلق به من حديث أبي بكر في قوله: " نحن عترة رسول الله " (2) لأن هذا الحديث لم يصححه نقاد الآثار، ونقلة الأخبار. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: " ومتى شرط الوقف أنه متى احتاج إلى شئ منه كان له بيعه والتصرف فيه كان الشرط صحيحا، وكان له أن يفعل ما شرط، إلا أنه إذا مات، والحال ما ذكرناه، رجع ميراثا، ولم يمض الوقف " (3). قال محمد بن إدريس " رحمه الله ": لو كان الوقف صحيحا لم يرجع ميراثا، ولكان يمضى الوقف فيه بعد موته، بل الشرط الذي أفسده، لأنا قد بينا (4) أنه متى شرط العود في نفس الوقف كان الوقف باطلا، فلأجل ذلك رجع ميراثه وشيخنا أبو جعفر ذهب إلى أن دخول الشرط في نفس الوقف يبطله، ذكر ذلك في

(1) سورة الأنعام، الآية 84 - 85.
(2) سنن البيهقي، كتاب الوقف، باب الصدقة في العترة (ج 6، ص 166).
(3) النهاية، كتاب الوقوف والصدقات، باب الوقوف وأحكامها.
(4) في ص 156.

[ 159 ]

مبسوطه (1) وفي مسائل خلافه في كتاب البيوع (2) لأن عقد الوقف لازم من الطرفين مثل عقد النكاح. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: " والوقف والصدقة شئ واحد، لا يصح شئ منهما إلا ما يتقرب به إلى الله تعالى، فإن لم يقصد بذلك وجه الله لم يصح الوقف " (3) إلا أن الوقف يمتاز من الصدقة بأنه لا بد أن يكون مؤبدا، ولا يصح بيعه على ما قدمناه، والصدقة يصح بيعها ساعة قبضها، وليس من شرطها أن تكون مؤبدة، والوقف لا يصح إلا أن يكون مؤبدا على ما قدمناه، ولا يصح أن يكون موقتا، فإن جعله كذلك لم يصح إلا أن يجعله سكنى أو عمري أو رقبى، على ما نبينه عند المصير إليه إن شاء الله (4). قد قلنا: إنه إذا وقف على ولده كان الذكر والأنثى فيه سواء، إلا أن يشرط تفضيل بعضهم على بعض، فإن قال، الوقف بينهم على كتاب الله بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. وإذا وقف على والديه كان أيضا مثل ذلك، يكون بينهما بالسوية، إلا أن يفضل أحدهما على الآخر، أما بتعيين أو بقرينة تدل على ذلك. وقال شيخنا في نهايته: " ولا بأس أن يقف المسلم على والديه، أو ولده، أو من بينه وبينه رحم، وإن كانوا كفارا، ولا يجوز وقفه على كافر لا رحم بينه وبينه، على حال، وكذلك إن أوصى لهم بشئ كان ذلك جايزا " هذا آخر كلامه رحمه الله " (5) قال محمد بن إدريس " رحمه الله ": أما وقف المسلم على والديه الكافرين فصحيح، لقوله تعالى: " وصاحبهما في الدنيا معروفا " (6) على ما قدمناه (7) وأما ما عدا الوالدين من الأهل والقرابات وغيرهم فلا يجوز ولا يصح

(1) المبسوط، ج 2، كتاب البيوع ص 81، والعبارة هكذا: " وأما الوقف فلا يدخله الخياران معا لأنه متى شرط فيه لم يصح الوقف وبطل ".
(2) لم نتحققه في خلافه.
(4) في ص 167.
(3) و (5) النهاية، كتاب الوقوف والصدقات، باب الوقوف وأحكامها.
(6) سورة لقمان، الآية 15.
(7) في ص 156.

[ 160 ]

الوقف عليهم، بحال، لأنا قد بينا (1) أن من شرط صحة الوقف القربة به إلى الله تعالى، ولا يصح التقرب إلى الله تعالى بالوقف على الكافر، لأن شيخنا قد حكينا (2) عنه في نهايته أنه قال: " الوقف والصدقة شئ واحد، لا يصح شئ منهما إلا ما يتقرب به إلى الله تعالى، فإن لم يقصد بذلك وجه الله لم يصح الوقف " ثم يقول بعده (3) ما حكيناه عنه من صحة الوقف على الكافر: وإنما هذه أخبار آحاد يجدها فيوردها بألفاظها، إيرادا لا اعتقادا، كما أورد أمثالها، وإن كان غير عامل بها ولا معتقد لصحتها. والأولى عندي إن جميع ذوي أرحامه الكفار يجرون مجرى أبويه الكافرين في جواز الوقف عليهم، لحثه عليه السلام بصلة الأرحام، وبهذا أفتي. فأما صحة الوصية لمن ذكر، فإنه على ما ذهب إليه، لأنا لا نراعي في الوصية القربة بها إلى الله سبحانه، فلهذا صحت الوصية لهم دون الوقف، لما بيناه، فليلحظ ذلك ويتأمل. وإذا وقف الكافر على كافر مثله، أو على البيع، والكنايس، والمواضع التي يتقربون فيها إلى الله تعالى، كان وقفه صحيحا، لأنه يرى ذلك تدينا عنده. وإذا وقف الكافر وقفا على الفقراء كان ذلك الوقف ماضيا في فقراء أهل نحلته، دون غيرهم، من ساير أصناف الفقراء، لأن شاهد حاله وفحوى خطابه يخصص إطلاق قوله وعمومه، لأنه من المعلوم بشاهد الحال أنه ما أراد إلا فقراء ملته، دون غيرهم، والحكم في قول جميع أهل الآراء ووقفهم ما حكيناه، فليلحظ ذلك، وإذا وقف المسلم المحق شيئا على المسلمين كان ذلك للمحقين من المسلمين، لما دللنا عليه من فحوى الخطاب وشاهد الحال. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: " وإذا وقف المسلم شيئا على المسلمين، كان ذلك لجميع من أقر بالشهادتين، وأركان الشريعة، من الصلاة، والزكاة، والصوم،

(1) في ص 155.
(2) في ص 159.
(3) ج. ثم نقول بعد ما.

[ 161 ]

والحج، والجهاد، وإن اختلفوا في الآراء والديانات " (1). وهذا خبر واحد أورده إيرادا لا اعتقادا، لأنا وإياه نراعي في صحة الوقف التقرب به إلى الله تعالى، وبعض هؤلاء لا يتقرب الانسان المحق بوقفه عليه. وقال أيضا في نهايته، فإن وقف على المؤمنين كان ذلك خاصا لمجتنبي الكباير من أهل المعرفة بالإمامة، دون غيرهم، ولا يكون للفساق منهم معهم شئ على حال (2). قال محمد بن إدريس رحمه الله، الصحيح أنه يكون لجميع المؤمنين من العدل والفاسق، لأن كل خطاب خوطب به المؤمنون، يدخل الفساق من المؤمنين في ذلك الخطاب، في جميع القرآن والسنة والأحكام بغير خلاف، مثل قوله تعالى " إنما المؤمنون إخوة " (3) وكقوله " فتحرير رقبة مؤمنة " وغير ذلك من الآيات، ولم يرد العدل، بغير خلاف. وقد ذكر السيد المرتضى في جواب المسائل الناصريات، في المسألة السابعة والسبعين والمأة، والفاسق عندنا في حال فسقه مؤمن يجتمع له الايمان والفسق، ويسمى باسمهما، وكل خطاب دخل فيه المؤمنون، دخل فيه من جمع بين الفسق والايمان، هذا آخر كلام المرتضى رحمه الله عنه (5). وإنما هذه أخبار آحاد يوردها شيخنا، في كتابه النهاية، إيرادا لأنه كتاب خبر لا كتاب بحث ونظر، فإنه رحمه الله قد رجع في كتبه كتب البحث، عن معظم ما ذكره في نهايته، مثل مسائل خلافه، ومبسوطه، وغير ذلك من كتبه، فلا يتوهم أحد وينسبه منه إلى تقصير، وقلة تحقيق، وإنما العذر له فيه ما ذكرناه، وقد أفصح عن ذلك وأبان واعتذر لنفسه في خطبة مبسوطه على ما حكيناه عنه، في خطبة كتابنا هذا، فليلحظ من هناك.

(1) و (2) النهاية، كتاب الوقوف والصدقات باب الوقوف وأحكامها.
(3) سورة الحجرات، الآية 10.
(4) سورة النساء، الآية 92.
(5) الناصريات كتاب الشفعة مسألة 177 آخر المسألة.

[ 162 ]

وقد رجع شيخنا أبو جعفر، عما قاله في نهايته، في كتاب التبيان، فقال في تفسير قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " فقال هذا الخطاب يتوجه إلى جميع المؤمنين، ويدخل فيه الفساق بأفعال الجوارح وغيرها، لأن الايمان لا ينفي (1) الفسق عندنا، وعند المعتزلة أنه خطاب لمجتنبي الكبائر، هذا آخر كلامه رحمه الله في التبيان (2). وإذا وقف على الشيعة، ولم يميز منهم قوما دون قوم، كان ذلك ماضيا في الإمامية، والجارودية من الزيدية، دون البترية، والبترية فرقة تنسب إلى كثير النواء، وكان أبتر اليد، - ويدخل معهم ساير فرق الإمامية، من الكيسانية -، وهم القائلون بإمامة محمد بن الحنفية، وإنه اليوم حي، وهو المهدي الذي يظهر، والناووسية، - القائلون بأن جعفر بن محمد عليه السلام لم يمت، وهو المهدي، والفطحية القائلون بإمامة عبد الله بن جعفر الصادق عليه السلام وقيل إنه كان أفطح الرجلين، والواقفية وهم القائلون بأن موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام لم يمت، وإنه المهدي، والاثني عشرية على ما روي (3). وأورده شيخنا في نهايته (4). وقد قلنا ما عندنا في أمثال ذلك، وهو إن نية القربة معتبرة في صحة الوقف، فإن كان الواقف من إحدى هذه الفرق، حمل كلامه العام على شاهد حاله، وفحوى قوله، وخصص به، وصرف في أهل نحلته، دون من عداهم من ساير المنطوق به، لما دللنا عليه فيما مضى، وإنما هذه أخبار آحاد، رواها المحق والمبطل من الشيعة، فأوردها شيخنا في نهايته، كما هي بألفاظها. فإن وقفه على الإمامية خاصة، كان فيمن قال بإمامة الاثني عشر منهم، فإن وقفه على الزيدية، وكان الواقف زيديا، كان على القائلين بإمامة زيد بن علي بن الحسين، وإمامة كل من خرج بالسيف من ولد فاطمة عليها السلام من أهل الرأي

(1) ج. لا ينافي.
(2) التبيان، ج 2، ص 81.
(3) لم نجد الرواية في مظانها من كتب الأحاديث والظاهر إنه رحمه الله نقل عبارة المفيد رحمه الله في المقنعة فراجع باب الوقوف والصدقات، ص 654 - 655.
(4) النهاية كتاب الوقوف والصدقات باب الوقوف وأحكامها.

[ 163 ]

والعلم والصلاح، فإن كان الواقف إماميا لم يصح الوقف على ما حررناه، لعدم نية القربة التي هي شرط في صحة الوقف، وشيخنا أطلق هذا الموضع إطلاقا. فإن وقفه على الهاشميين، كان مصروفا في ولد أبي طالب، وولد العباس بن عبد المطلب، وولد أبي لهب، وولد الحارث بن عبد المطلب، فإنه لا عقب لهاشم إلا من هؤلاء، الذكور منهم والإناث، على ما قدمناه بالسوية، إلا أن يشرط التفضيل. وإذا وقفه على الطالبيين، كان ذلك على أولاد أبي طالب رحمة الله عليه ورضوانه. وإذا وقفه على العلويين، كان ذلك على ولد علي أمير المؤمنين عليه السلام، وولد ولده، الذكور والإناث، الفاطمي وغير الفاطمي، بالسوية، الذكر والأنثى فيه سواء. فإن وقفه على ولد فاطمة عليها السلام، كان ذلك على ولد الحسن والحسين عليهما السلام الذكور منهم والإناث بالسوية. فإن وقفه على الحسنية، لم يكن للحسينية معهم شئ على حال. فإن وقفه على الحسينية، لم يكن للحسنية معهم شئ على حال. فإن وقفه على الموسوية، كان ذلك على أولاد موسى بن جعفر عليه السلام. وإذا وقف الانسان شيئا على جيرانه، أو أوصى لهم بشئ ولم يسمهم بأسمائهم، ولا ميزهم بصفاتهم، كان ذلك مصروفا إلى من يلي داره إلى أربعين ذراعا من أربعة جوانبها، إلا من منع دين الواقف، وشاهد حاله، وفحوى قوله، من الوقف عليه، على ما حررناه فيما مضى، وليس لمن بعد عن هذا الحد شئ. وروي (1) إلى أربعين دارا. والأول هو الأظهر، والمعول عليه. وروي (2) أنه إذا وقف على قومه ولم يسمهم، كان ذلك على جماعة أهل لغته

(1) الوسائل الباب 90 من أبواب أحكام العشرة.
(2) لم نجد الرواية في مظانها من كتب الأحاديث والظاهر إنه رحمه الله نقل عبارة المفيد رحمه الله في المقنعة فراجع باب الوقوف والصدقات ص 655.

[ 164 ]

من الذكور، دون الإناث. والذي يقتضيه أصول المذهب، وتشهد بصحته الأدلة القاهرة، أنه يكون مصروفا إلى الرجال من قبيلته، ممن ينطلق العرف بأنهم أهله وعشيرته، دون من سواهم، هذا الذي يشهد به اللغة، وعرف العادة، وفحوى الخطاب، قال الشاعر: قومي هم اقتلوا أميم أخي * فإذا رميت يصيبني سهمي فأما الدليل على أن القوم ينطلق على الرجال دون النساء، قوله تعالى " لا يسخر قوم من قوم، ولا نساء من نساء " (1) وقول زهير: فما أدري وسوف أخال أدري * أقوم آل حصن أم نساء فأما الرواية التي وردت بأن ذلك على جميع أهل لغته، فهي خبر واحد، لا يوجب علما ولا عملا، من غير دليل يعضدها من إجماع، أو كتاب، أو سنة، أو دليل أصل فإذا عدم جميع ذلك، وورد خطاب مطلق، حمل على العرف والعرف ما اخترناه. فإن وقفه على عشيرته، كان ذلك على الخاص من أهله، الذين هم أقرب الناس إليه في نسبه. فإن وقفه على مستحقي الخمس، كان ذلك على ولد هاشم، وقد بيناهم فيما مضى (2)، وذكرناهم، فلا وجه لا عادتهم. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، فإن وقفه على مستحقي الخمس، كان ذلك على ولد أمير المؤمنين عليه السلام، وولد العباس وجعفر، وعقيل (3) ثم لم يذكر غير ذلك. وليس اقتصاره على ذكر من ذكر دليلا على أنه لا يسحق غير المذكورين الذين هم بقية ولد هاشم المستحقين للخمس شيئا من هذا الوقف، لأن هذا دليل فإن وقفه على مستحقي الزكاة، كان ذلك على الثمانية الأصناف المذكورة في القرآن الخطاب.

(1) سورة الحجرات الآية 11.
(2) في ص 166.
(3) النهاية كتاب الوقوف والصدقات باب الوقوف وأحكامها.

[ 165 ]

ومتى وقف الانسان على أحد الأجناس ممن ذكرناهم، فإن كانوا كثيرين في البلاد، منتشرين، كان ذلك مقصورا على من يحضر البلد الذي فيه الوقف، دون غيره من البلدان. ومتى وقف الانسان شيئا في وجه من الوجوه، أو على قوم بأعيانهم، ولم يشرط بعد انقراضهم عوده على شئ بعينه، كان متى انقرضوا ولم يبق منهم أحد، راجعا ميراثا على أقرب الناس من آخر المنقرضين من أرباب الموقوف عليهم، لأنه مال من أموال الموقوف عليهم، يورث كما يورث ساير الأملاك والأموال، ولا يجوز عوده على ورثة الواقف، ولا على الواقف نفسه بحال من الأحوال، لأنه بالوقف خرج من ملكه، وانتقل إلى ملك الموقوف عليه بغير خلاف بيننا، فعوده إليه بعد ذلك يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع منعقد، وهذا مذهب شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان، في مقنعته (1). وقال شيخنا أبو جعفر، في نهايته، ومتى وقف الانسان شيئا في وجه من الوجوه، أو على قوم بأعيانهم، ولم يشرط بعد انقراضهم عوده على شئ بعينه، فمتى انقرض أرباب الوقف، رجع الوقف على ورثة الواقف (2). وهذا قول مرغوب عنه، لأنه لا دليل عليه بحال. وقال رحمه الله في مسائل خلافه، مسألة إذا وقف على من يصح انقراضه في العادة، مثل أن يقف على ولده، وولد ولده، وسكت على ذلك، فمن أصحابنا من قال لا يصح الوقف، ومنهم من قال يصح، فإذا انقرض الموقوف عليه، رجع إلى الواقف إن كان حيا، وإن كان ميتا رجع إلى ورثته، وبه قال أبو يوسف، وللشافعي فيه قولان، أحدهما لا يصح، والآخر يصح، فإذا انقرضوا رجع إلى أبواب البر، ولا يعود إليه، ولا إلى ورثته، دليلنا أن عوده إلى البر بعد انقراض الموقوف عليه، يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه، والأصل بقاء الملك عليه، أو

(1) المقنعة باب الوقوف والصدقات آخر الباب إلا أن الظاهر المصنف رحمه الله نقل عبارته بمعناها لا بألفاظها ص 655.
(2) النهاية كتاب الوقوف والصدقات باب الوقوف وأحكامها.

[ 166 ]

على ولده، هذا آخر المسألة (1). قال محمد بن إدريس، انظر أرشدك الله إلى ما قاله شيخنا في المسألة، فإنه ما تعرض للاجماع، ولا للأخبار، لأن الطريقتين مفقودتان هيهنا، إنما دل ما يقضي عليه وهو محجوج به، وهو قوله " دليلنا إن عوده إلى البر بعد انقراض الموقوف عليهم، يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه " وكذا نقول نحن له رحمه الله، إن عوده إلى الواقف، أو إلى ورثته بعد انقراض الموقوف عليهم، يحتاج إلى دليل وليس في الشرع ما يدل عليه، والأصل بقاؤه وقفا، فمن أخرجه من كونه وقفا، يحتاج إلى دليل، ولن يجده، ونكيل له بصاعه حرفا فحرفا، والله الموفق للصواب. وإذا وقف المسلم شيئا على مصلحة، فبطل رسمها، يجعل في وجه البر بلا خلاف، ولا يجوز عوده على الواقف، ولا على ورثته، وهذا أيضا دليل على صحة المسألة المتقدمة، وفساد قول المخالف فيها. وإذا وقف في وجوه البر، ولم يسم شيئا بعينه، كان للفقراء، والمساكين، ومصالح المسلمين، من بناء المساجد، والقناطر، وتكفين الموتى، والحاج، والزوار، وغير ذلك. وقال شيخنا في نهايته، وإذا وقف انسان مسكنا، جاز له أن يقعد فيه مع من وقفه عليه، وليس له أن يسكن فيه غيره (2). وهذا على إطلاقه لا يصح، وقد قلنا ما عندنا في ذلك (3)، وهو إنه إن كان الوقف عاما على جميع المسلمين، جاز ذلك على ما حكيناه عن بعض أصحابنا، وإن كان خاصا على قوم بأعيانهم، لا يجوز للواقف أن يسكن فيه مع من وقفه عليه، لأنه بالوقف خرج من ملك الواقف، وصار ملكا للموقوف عليه. قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، مسألة يجوز الوقف على أهل الذمة إذا كانوا أقاربه، وقال الشافعي يجوز ذلك مطلقا، ولم يخص، دليلنا إجماع الفرقة، وأيضا فإن ما قلنا مجمع على جوازه، وما ذكروه ليس عليه دليل، هذا آخر كلامه

(1) الخلاف الوقوف والصدقات مسألة 9.
(2) النهاية كتاب الوقوف والصدقات باب الوقوف وأحكامها آخر الباب. (3) في ص 155.

[ 167 ]

في المسألة (1). وقد قلنا ما عندنا (2) في مثل هذه المسألة، من أنه لا يجوز الوقف على الكفرة، إلا أن يكون الكافر أحد الوالدين، لأن من صحة الوقف وشرطه، نية القربة فيه. إذا وقف على مواليه، وله موليان، مولى من فوق، ومعناه المنعم عليه، وله مولى آخر من أسفل، ومعناه من أنعم هو عليه، فأعتقه، ولم يبين، انصرف الوقف إليهما، لأن اسم المولى يتناولهما. إذا بنى مسجدا وأذن الناس، فصلوا فيه، أو عمل مقبرة، فأذن في الدفن فيها، فدفنوا، ولم يقل إن ذلك وقف، ولم يوجبه على نفسه بالقول والنطق بالوقفية، لم يزل ملكه عن ذلك، لأن الأصل، الملكية، وزوالها يحتاج إلى دليل، والوقف حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي. فإن وقف مسجدا وقفا صحيحا، ثم إنه خرب، وخربت البلدة التي هو فيها، لم يعد إلى ملكه، لأن ملكه قد زال، بلا خلاف وعوده إليه يحتاج إلى دليل. وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: إذا انقلعت نخلة من بستان وقف، أو انكسرت، جاز بيعها، واستدل بأن قال دليلنا، إنه لا يمكن الانتفاع بهذه النخلة، إلا على هذا الوجه (3). قال محمد بن إدريس، يمكن الانتفاع بهذه النخلة من غير بيعها، وهو أن تعمل جسرا، أو زورقا إلى غير ذلك من المنافع مع بقاء عينها، وقد بينا (4) أن الوقف لا يجوز بيعه، فعلى هذا التحرير لا يجوز بيعها، وينتفع بها من هي وقف عليه بغير البيع، فليلحظ ذلك. باب العمرى والرقبى والسكنى والحبيس العمرى نوع من الهبات، يفتقر صحتها إلى إيجاب وقبول، ويفتقر لزومها إلى

(1) الخلاف كتاب الوقوف والصدقات مسألة 13.
(2) في ص 156.
(3) الخلاف كتاب الوقوف والصدقات مسألة 23.
(4) في ص 152.

[ 168 ]

قبض، كساير الهبات، وهي مشتقة من العمر، وصورتها أن يقول الرجل للرجل: أعمرتك هذه الدار، وجعلتها لك عمرك، أو هي لك ما حييت، أو ما بقيت، أو ما عشت، وما أشبه ذلك ما في معناه. وهي عقد جائز، فإذا ثبت جوازها، فلا تخلو من أربعة أحوال، إما أن يقول: هذه الدار لك عمرك، ولعقبك من بعدك عمرهم، أو يطلق ذلك، فيقول: هذه الدار لك عمرك، فإذا مت رجعت إلي، أو يقول: هذه الدار لك عمري، أو يقول: هذه الدار لك مدة عمري. فإذا قال " عمرك ولعقبك " فإنها جائزة عندنا، فإذا انقرض العقب، عادت إلى المعمر، إن كان حيا، أو إلى ورثته إن كان ميتا. فإن قال " لك عمرك " فإذا مات، رجعت إلى المعمر أيضا. فإن قال " هذه لك مدة عمري " فليس له أن يخرجه منها ما دام حيا، فإذا مات كان للوارث إخراجه منها، فإن مات المعمر، دون من أعمره، وخلف ورثة، كان لهم سكناها، إلى أن يموت من أعمر أباهم. فأما إن قال " هذه الدار عمري لك " ولم يقل مدة عمري، ولا مدة عمرك، فإن هذا مجهول، لا يلزم به شئ بحال. والرقبى أيضا جائزة عندنا، وصورتها صورة العمرى، إلا أن اللفظ يختلف، وإن كان المعنى يتفق، لأنه يقول في العمرى أعمرتك هذه الدار مدة حياتي أو مدة حياتك، أو مدة عمري أو مدة عمرك، والرقبى تحتاج أن يقول " أرقبتك هذه الدار مدة حياتك أو مدة حياتي " وفي أصحابنا من قال الرقبى أن يقول " جعلت خدمة هذا العبد لك مدة حياتك، أو مدة حياتي " وهو مأخوذ من رقبة العبد، والأول مأخوذ من رقبة الملك، وهو الأظهر، إلا أن الاشتقاق المحقق أنها مصدر من رقب كل واحد منهما موت صاحبه، يرقبه رقبى. وتحتاج أيضا إلى الايجاب والقبول، والقبض من صحة لزومها. وقد قلنا إنه لا فرق بين العمرى والرقبى في الحكم والمعنى، سواء علقه بموت المرقب أو المرقب، فإن علقه بموت المرقب، فإن مات المرقب رجع إلى ورثته، وإن

[ 169 ]

مات المرقب أولا كان لورثته إلى أن يموت المرقب، فإن علقه بموت المرقب، ومات المرقب، لم يكن لورثته عليه سبيل حتى يموت، فإذا مات رجع إليهم، وإن مات المرقب أولا، لم يكن لورثته شئ، ورجع إلى المرقب مثل ما ذكرناه في العمرى حرفا فحرفا. فأما السكنى، فلا بأس أن يجعل الانسان داره، أو منزله، أو ضيعته، أو عقاره، سكنى لانسان، حسبما أراد، فإن جعله له مدة من الزمان، كان ذلك ماضيا، ولم يجز له نقله عنه، إلا بعد مضي تلك المدة، وكذلك لا يجوز له بيعه، إلا بعد انقضاء المدة، أو يشترط على المشتري مقدار ذلك الزمان، ومتى مات والحال ما وصفناه، لم يكن لورثته نقل الساكن عنه، إلا بعد أن تمضي المدة المذكورة، ومتى أسكنه إياه مدة عمره فهي العمرى، وقد ذكرناها مستوفاة. ومتى أسكنه ولم يذكر مدة، كان له إخراجه أي وقت شاء. وإذا أسكن انسان غيره، لم يجز للساكن أن يسكن معه غيره، إلا ولده وأهله، يعني امرأته، ولا يجوز له سواهم، ولا يجوز للساكن أيضا أن يؤاجره، ولا أن ينتقل عنه، فيسكن غيره إلا بإذن صاحب المسكن، على ما ذكره شيخنا أبو جعفر في نهايته (1). والذي يقتضيه أصول المذهب، إن له جميع ذلك، وخلافه وإجارته وانتقاله عنه، وإسكان غيره معه، سوى ولده وامرأته، سواء أذن له في ذلك أو لم يأذن، إذا كان أول ما أسكنه قد أطلق السكنى، لأن منفعة هذه الدار استحقها، وصارت مالا من أمواله، وحقا من حقوقه، فله استيفاؤها كيف شاء، بنفسه وبغيره، وما أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته، فلا شك إنه خبر واحد، وقليلا ما يورده أصحابنا في كتبهم، فشيخنا المفيد رحمه الله لم يورده في مقنعته، ولا السيد المرتضى، ولا المحصلون من أصحابنا. وللانسان أن يحبس فرسه في سبيل الله، وغلامه أو جاريته في خدمة البيت

(1) النهاية كتاب الوقوف والصدقات باب السكنى والعمرى والرقبى والحبيس.

[ 170 ]

الحرام، وبعيره في معونة الحاج والزوار، فإذا فعل ذلك لوجه الله تعالى، لم يجز له تغييره، ولا تبديله، فإنه قد خرج عن ملكه، فإن عجزت الدابة، أو دبرت، يعني صار بها دبر، - بفتح الدال والباء -، أي عقر، لأن الدبر في لسان العرب، العقر، فروي أن بعض الأعراب قال لعمر بن الخطاب، وكان اتاه، فشكا إليه نقب إبله ودبرها، فكذبه عمر، وحلف بأنه كاذب، واستحمله، فلم يحمله، فأنشأ يقول. أقسم بالله أبو حفص عمر * ما مسها من نقب ولا دبر - النقب الجرب - فإن (1) مرض الغلام أو الجارية، وعجزا عن الخدمة، سقط عنهما بمرضهما، فإن عادا إلى الصحة كان الشرط فيهما قائما حتى يموت العبد، وتنفق الدابة. فأما إن حبس ملكه على بعض الآدميين إلى مدة موت الحابس، فإنه إذا مات عاد الملك إلى ورثة الحابس، وأنفذت فيه المواريث، فهذا معنى ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قضى برد الحبيس، وإنفاذ المواريث (2). فأما الحبيس على بيت الله، ونحو ذلك، فلا يعود إلى ملك الحابس، ولا إلى ورثته بعده بحال، فهذا فرق ما بين الحبيسين والمسألتين، فليلحظ ذلك ويتأمل، فربما اشتبه على كثير من المتفقهة. وروي أنه إذا جعل الانسان خدمة عنده أو أمته لغيره، مدة من الزمان، ثم هو حر بعد ذلك، كان ذلك جايزا، وكان على المملوك الخدمة في تلك المدة، فإذا مضت المدة، صار حرا فإن أبق العبد هذه المدة، ثم ظفر به من جعل له خدمته، لم يكن له بعد انقضاء تلك المدة عليه سبيل، وإن كان صاحب الغلام أو الجارية جعل خدمته لنفسه مدة من الزمان، ثم هو حر بعد ذلك، وأبق المملوك انتفض ذلك التدبير، فإن وجده بعد ذلك كان مملوكا يعمل به ما شاء (3).

(1) ج. ل. أو على هذا فهو عطف على " عجزت الدابة " وعلى أي حال فلم يذكر للشرط الأول جوابا إلا أنه معلوم من سياق الكلام.
(2) الوسائل الباب 5 من أحكام السكنى والحبيس.
(3) لم نجد الرواية في مظانها من كتب الأخبار إلا ما أورده الشيخ رحمه الله في نهايته كما أشار إليه المصنف رحمه الله.

[ 171 ]

أورد هذه الرواية شيخنا أبو جعفر في نهايته (1)، وهي من أضعف أخبار الآحاد، لأنها مخالفة لأصول المذهب، لأن التدبير عند أصحابنا بأجمعهم لا يكون إلا بعد موت المولى الذي هو المعتق المباشر للعتق، ويكون بمنزلة الوصية، يخرج من الثلث، هذا لا خلاف بينهم فيه، فمن ادعى حكما شرعيا آخر، غير هذا، يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، ولا يرجع إلى أخبار الآحاد في مثل ذلك، لا يوجب علما ولا عملا، على ما بيناه. ثم إنه لم يذهب إليه أحد من أصحابنا إلا الشاذ التابع لمسطور شيخنا في نهايته، فإنه رحمه الله لم يذكر ذلك في مسائل خلافه، ولا في مبسوطه، ولا في معظم كتبه المصنفة، سوى الكتب الاخبارية، لأنه من طريق أخبار الآحاد، فيذكرها في جملة الأخبار، وأوردها إيرادا لا اعتقادا، على ما اعتذر به لنفسه. باب الهبات والنحل الهبة والنحلة جايزتان، بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. فالكتاب قوله تعالى " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " (2) والهبة من البر، وكذلك النحلة. والسنة ما رواه محمد بن المنكدر، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله، قال: كل معروف مرغب فيه (3). وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: لو أهدي إلي ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت (4).

(1) النهاية كتاب الوقوف والصدقات باب السكنى والعمرى الرقبى والحبيس آخر الباب.
(2) سورة المائدة، الآية 2.
(3) لم نجد الحديث بعينه في المجاميع الروائية لكن الموجود " كل معروف صدقة " صحيح البخاري ج 8 كتاب الأدب باب 33 نعم نفس الحديث موجود في المبسوط ج 3 كتاب الديات ص 33.
(4) سنن البيهقي، الباب 1 من كتاب الهبات، الحديث 2، ج 6، ص 169. صحيح البخاري، كتاب الهبة، باب القليل من الهبة الرقم 2398، ج 11، ص 111. وفيه: " لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدى إلي ذراع أو كراع لقبلت ".

[ 172 ]

وروت عايشة، أن الرسول عليه السلام كان يقبل الهدية، ولا يقبل الصدقة (1). أما صدقة الواجب فكانت حراما عليه وعلى بني هاشم، وأما صدقة الندب فهي حلال عندنا عليه وعلى بني هاشم، وإنما كان يتنزه عنها على جهة الاستحباب دون الفرض والايجاب. وروي أن جعفر بن محمد عليه السلام كان يشرب من السقايات التي بين مكة والمدينة، فقيل له في ذلك، فقال إنما حرمت علينا صدقة الفرض (2). وأما الاجماع، فقد أجمعت الأمة على جواز الهبة واستحبابها. إذا تقرر هذا فالهبة والصدقة والهدية بمعنى واحد، غير أنه إذا قصد الثواب والتقرب بالهبة إلى الله تعالى، سميت صدقة، فإذا أقبضها لا يجوز له الرجوع فيها بعد الاقباض على كل من تصدق عليها بها، وإذا قصد بها التودد والمواصلة، لا التقرب إلى الله تعالى سميت هدية وهبة. وهي على ضربين، هبة يجوز للواهب الرجوع فيها بعد قبض الموهوب لها، وهبة لا يجوز للواهب الرجوع فيها بعد قبض الموهوب لها. فالموهوب على ضربين، ذي رحم، وأجنبي، وذو الرحم على ضربين، ولد وغير ولد، والولد على ضربين، كبير وصغير. فإذا كان كبيرا بالغا، فلا يجوز للواهب الرجوع فيها بعد قبضها على حال، سواء أضاف الولد إلى القبض شيئا آخر، أو لم يضف، وكذلك الولد الصغير، لأن قبض الوالد قبض عنه، فلا يحتاج إلى قبض، والولد الكبير يحتاج إلى قبض في هبته

(1) صحيح البخاري، كتاب الهبة، باب المكافاة في الهبة، ج 11، ص 122، الرقم 2414. وسنن الترمذي، الباب 34 من كتاب البر والصلة، ج 3 ص 277، الرقم 2019. سنن أبي داود، كتاب البيوع، باب في قبول الهدايا، ج 3، ص 260. وفيها جميعا: " عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقبل الهدية ويثيب عليها ".
(2) سنن البيهقي، كتاب الهبات، باب إباحة صدقة التطوع لمن لا تحل له صدقة الفرض (ج 6، ص 183).

[ 173 ]

ولزومها، فهذا الضرب من الهبة الذي لا يجوز بعد القبض الرجوع فيها بحال. فأما ذو الرحم غير الولد، فبعض أصحابنا يجريه مجرى الولد الأكبر، ويذهب إلى أنه لا يجوز للواهب الرجوع في الهبة بعد إقباضها إياه، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (1)، وبعض يذهب إلى أن له الرجوع بعد القبض، ويجريه مجرى الأجنبي، وهو الذي يذهب إليه شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه (2)، وهو الذي يقوى في نفسي. فأما الضرب الذي يجوز له الرجوع في الهبة بعد الاقباض، فهي الهبة للأجنبي، ولذي الرحم غير الولد، على الأظهر الأصح عند أصحابنا، فإذا وهب الأجنبي، وقبضه إياها، فللواهب الرجوع فيها ما لم يضف الموهوب له إلى القبض أحد ثلاثة أشياء، إما أن يعوض عنها الواهب، سواء كان العوض مثلها، أو أقل منها، أو أكثر، أو يتصرف فيها، أو تستهلك عينها، فمتى أضاف إلى القبض أحد الثلاثة الأشياء، فلا يجوز للواهب الرجوع فيها بحال، لقوله تعالى " أوفوا بالعقود " (3) وهذا عقد يجب الوفاء به، وما عدا هذا الموضع مما يجوز للواهب الرجوع في هبته، أخرجناه بدليل، وهو الاجماع من أصحابنا. فإذا تقرر هذا، فهي من العقود الجايزة، يحتاج إلى إيجاب وقبول. ومن شرط لزومها الاقباض، وذهب الأكثرون من أصحابنا، إلى أن من شرط انعقادها وصحته الاقباض بإذن الواهب (4)، فمتى قبضها الموهوب له بغير إذن الواهب، كان القبض فاسدا. ويكره أن يرجع الانسان فيما يهبه لزوجته، وكذلك يكره للمرأة الرجوع فيما تهبه لزوجها. وقد قلنا (5) إنه لا يجوز للانسان أن يرجع فيما يهبه لوجه الله تعالى بعد الاقباض على حال، وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وما تصدق الانسان به لوجه الله، فلا يجوز له أن يعود إليه بالبيع والهبة والشراء، فإن رجع إليه بالميراث كان جايزا (6).

(1) النهاية: كتاب الوقوف والصدقات، باب النحل والهبة.
(2) الخلاف، كتاب الهبة، مسألة 12. (3) سورة المائدة، الآية 1.
(4) ج. وصحة الاقباض إذن.
(5) في ص 172.
(6) النهاية، كتاب الوقوف والصدقات، باب بالنحل والهبة.

[ 174 ]

قال محمد بن إدريس رحمه الله، لا بأس أن يعود إليه بأمر شرعي، إما بالبيع أو الهبة أو الشراء، أو غير ذلك وإنما هذا خبر واحد أورده إيرادا لا دليل عليه من كتاب، ولا سنة ولا إجماع، لأن المتصدق عليه، قد ملك الصدقة، وله بيعها على من شاء من الناس، سواء باعها على المتصدق بها، أو على غيره بغير خلاف. وشيخنا قد رجع عما قاله في مسائل خلافه، في الجزء الأول من كتاب الزكاة، قال مسألة يكره للانسان أن يشتري ما أخرجه في الصدقة، وليس بمحظور، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك البيع مفسوخ، دليلنا قوله تعالى " وأحل الله البيع وحرم الربا " (1) وهذا بيع، فمن ادعى فسخه فعليه الدلالة، هذا آخر كلامه رحمه الله في مسألته (2). فانظر إلى قوله هيهنا، وإلى قوله في نهايته، يشعرك أن تلك أخبار آحاد يوردها إيرادا على ما يجدها بألفاظها، من غير اعتقاد لصحتها. وروي أنه إذا أخرج الانسان شيئا لوجه الله تعالى يتصدق به، ففاته من يريد اعطائه، فليتصدق به على غيره، ولا يرده في ماله (3). وذلك على طريق الاستحباب، دون الفرض والايجاب. ولا بأس أن يفضل الانسان بعض ولده على بعض بالهبة والنحلة، إلا أنه يكره ذلك في حال المرض، إذا كان الواهب معسرا، فإذا كان موسرا لم يكره ذلك. إذا وهب الوالد لولده وإن علا الوالد، أو الأم لولدها وإن علت، وقبضوا إن كانوا كبارا، أو كانوا صغارا، لم يكن لهما الرجوع فيه، هكذا ذكره شيخنا في مسائل خلافه. والذي يقتضيه مذهبنا، إن هبة الوالد تكون كما قال، وذكر رحمه الله، وإن علا

(1) سورة البقرة، الآية 275.
(2) الخلاف، كتاب الزكاة، مسألة 136.
(3) الوسائل، الباب 24، من أبواب الصدقة، الحديث 3.
(4) الخلاف، كتاب الهبة، مسألة 11 - 12 - 13.

[ 175 ]

الوالد، فأما هبة الأم للولد الكبير البالغ، فإذا قبض، فليس لها رجوع، وأما هبتها لولدها الصغير، فلا بد من تقبيض وليه، فإذا قبض الولي الهبة، إما أبوه، أو وصية، فليس لها رجوع، فإذا لم يقبض فلها الرجوع، بخلاف الأب، لأن قبض الأب قبضه، وليس كذلك الأم، فليلحظ ذلك. وقال شيخنا في مسائل الخلاف مسألة: إذا وهب لأجنبي وقبضه، أو لذي رحم، غير الولد، كان له الرجوع فيه، ويكره الرجوع في الهبة لذي الرحم (1). وهذا الذي اخترناه ونصرناه، ومذهبه في نهايته بخلاف هذا، فإنه يجعل ذا الرحم بمنزلة الولد البالغ، وهو خيرة شيخنا المفيد أيضا في مقنعته (2)، وهو قوي يمكن اعتماده، لقوله تعالى " أوفوا بالعقود " فأما الأجنبي فأخرجناه من عموم الآية بالاجماع. الهبة عندنا لا تقتضي الثواب الذي هو العوض عنها، إلا أن يشرطه الواهب على الموهوب له. وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، مسألة، الهبات على ثلاثة أضرب، هبة لمن فوقه، وهبة لمن دونه، وهبة لمن هو مثله، فكلها تقتضي الثواب (3). ولم يدل على ذلك بشئ يعتمد، وأما دليلنا نحن على أنها لا تقتضي الثواب الذي هو العوض عنها إلا بالشرط، فالأصل براءة الذمة، فمن شغلها بشئ يحتاج إلى دليل، وإجماع أصحابنا عليه، فإن أحدا منهم لم يذكر ذلك في مسطور. إذا شرط الثواب، فإن كان مجهولا صح، لأنه وافق ما يقتضيه الاطلاق، وإن كان معلوما كان أيضا صحيحا، لأنه لا مانع منه. قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، مسألة، إذا وهب ثوبا خاما لمن له الرجوع في هبته، فقصره الموهوب له، لم يكن للواهب الرجوع فيه، ثم استدل، فقال دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، على أنه إذا تصرف الموهوب له في الهبة، لم يكن للواهب الرجوع فيها، وهذا قد تصرف، ولأن إثبات الرجوع في هذا الموضع يحتاج

(1) و (3) الخلاف، كتاب الهبة، مسألة 11 - 12 - 13.
(2) المقنعة، باب النحلة والهبة ص 658.

[ 176 ]

إلى دليل (1). هذا آخر استدلاله ونعم ما استدل به رحمه الله. إذا وهب في مرضه المخوف شيئا وأقبضه، ثم مات، فمن أصحابنا من قال تلزم الهبة في جميع الشئ الموهوب، سواء كان الثلث أو أكثر من الثلث، وهو الصحيح من المذهب الذي تقتضيه الأصول، ومنهم من قال تلزم في الثلث، وتبطل فيما زاد عليه. إذا كان له في ذمة انسان مال، فوهبه له، كان ذلك إبراء بلفظ الهبة، وهل من شرط صحة الابراء قبول المبرء أم لا؟ قال قوم من شرط صحته قبوله، فلا يصح حتى يقبل، وما لم يقبل فالحق ثابت بحاله. وهو الذي نختاره، ونقول به، لأن في إبرائه من الحق الذي له عليه منة عليه، وغضاضة، ولا يجبر على قبول المنة، وتحمل الغضاضة فإذا لم نعتبر قبوله، أجبرناه على ذلك، كما نقول في هبة العين له " إنها لا تصح إلا إذا قبل ". وقال قوم إن ذلك يصح، شاء من عليه الحق، أو أبى لقوله تعالى " فنظرة إلى ميسرة " (2) و " أن تصدقوا خير لكم " (3) فاعتبر مجرد الصدقة، ولم يعتبر القبول، وقال تعالى " ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا " (4) فاسقط الدية بمجرد التصدق، ولم يعتبر القبول، والتصدق في هذا الموضع الابراء. قلنا أما التمسك بهذا فضعيف عندنا، لأنه دليل الخطاب، ودليل الخطاب عند المحصلين من أصحابنا المتكلمين في أصول الفقه لا يعملون به، هذا إذا وهبه لمن عليه الحق. فإن وهبه لغيره صح ذلك، إلا أنه لا يلزم إلا بالقبض. قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، صدقة التطوع عندنا بمنزلة الهبة في جميع الأحكام، من شرطها الايجاب والقبول، ولا تلزم إلا بالقبض، وكل من له الرجوع

(1) الخلاف، كتاب الهبة، مسألة 17، في نقل العبارة تقطيع.
(2) و (3) سورة البقرة، الآية 280.
(4) سورة النساء، الآية 92.

[ 177 ]

في الهبة، له الرجوع في الصدقة عليه (1)، هذا آخر كلامه. قال محمد بن إدريس رحمه الله، هذا غير واضح ولا مستقيم، لأن صدقة التطوع بعد إقباضها المصدق بها عليه، لا يجوز، ولا يحل العود والرجوع بها على من كانت من الناس بغير خلاف بيننا، وليس كذلك الهبة على ما حررناه. إذا أهدى لرجل شيئا على يد رسوله، فإنه على ملكه بعد، وإن مات المهدى إليه كان له استرجاعه، وإن مات المهدي، كان لوارثه الخيار، وإذا وصلت الهدية إلى المهدى إليه، لم يملكها بالوصول، ولم تلزم، ويكون ذلك إباحة من المهدي. فمن أراد الهدية ولزومها وانتقال الملك فيها إلى المهدى إليه الغايب، فليوكل رسوله في عقد الهدية معه، فإذا مضى وأوجب له، وقبل المهدى إليه وأقبضه إياها، لزمه العقد، وملك المهدى إليه الهدية. ومن وكيد السنة، وكريم الأخلاق الاهداء، وقبول الهدية إذا دعى إليها داعي المودة الدنيوية والتكرم، فيحسن قبولها إذا عريت من وجوه القبح، ويقبح القبول مع ثبوته، وتخرج بالقبول والاقباض عن ملك المهدي، وله الرجوع فيها ما لم يتصرف فيها من أهديت إليه أو يعوض عنها، أو تهلك عينها، وإمضاؤها أفضل، ولا يجب المكافاة عليها، وفعلها أفضل. وقد جاء في الترغيب لقبولها أخبار ورخص، وجاء في كراهية قبولها وذمها، أشياء. فمن جملة ما في الترغيب فيها، ما روي عنه عليه السلام أنه قال تهادوا تحابوا (2). وروي أن أم حكيم بنت وادع الخزاعية قالت يا رسول الله أتكره رد الهدية؟ فقال ما أقبح رد الهدية، ولو أهدي إلى كراع لقبلته، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت (3). وروي أن بعض نسائه عليه السلام سألته، فقالت يا رسول الله، إن لي جاريتين

(1) المبسوط، ج 3، كتاب الهبات ص 314.
(2) الوسائل، الباب 88 من أبواب ما يكتسب به، ح 5 - 10 - 18. سنن البيهقي، الباب 1 من كتاب الهبات، الحديث 6، رواه أبو هريرة.
(3) سنن البيهقي: ج 6، ص 169 الباب 1 من كتاب الهبات ح 6، ولكن بطريق آخر.

[ 178 ]

فإلى أيتهما أهدي، فقال صلى الله عليه وآله إلى أقربهما منك بابا (1). وروي أن سليمان بن داود عليه السلام أمر الريح، فعدلت عن عش قبرة فيه فراخ لها، فجاءت القبرة، فرفرفت على رأسه، ثم القت إليه جرادة، فقيل لسليمان عليه السلام في ذلك، فقال كل يهدي على قدره (2). وروي عنه عليه السلام أنه قال: نعم الشئ الهدية بين يدي الحاجة (3). فأما ما روي في ذمها وكراهيتها ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: هدايا العمال غلول (4). قال: ووصى بعض الولاة أحد كفاته، فقال إياك والهدية، وليست بحرام عليك، ولكني أخاف عليك القالة (5). وسأل رجل مسروقا حاجة، فقضاها فأهدى له هدية فردها، وحلف أن لا يقضي له حاجة، قال فقال القوم لمسروق، يا أبا عايشة ما كنا نرى أن بهذا بأسا، فقال مسروق هذا السحت. وأهدي إلى عمر بن عبد العزيز تفاح فرده، فقيل له إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقبل الهدية، فقال كانت هدية النبي صلى الله عليه وآله هدية، وهي اليوم لنا رشوة (6). وكان يقال الهدية تعور عين الحكم. وقيل أهدى رجل إلى صديق له هدية، فجزع لها، فعاتبه أصحابه، فقال كيف

(1) صحيح البخاري، كتاب الهبة، باب بمن يبدأ بالهدية، ج 11، ص 129، المرقم 2423. فيه. عن عائشة: " قلت يا رسول الله إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابا ".
(2) لم نعثر عليه بعينه فيما بأيدينا من المصادر غير أنه ورد نظيره في البحار 14 ص 82.
(3) الوسائل، الباب 88 من أبواب ما يكتسب به ح 12 - 18، وفي المصدر أمام الحاجة.
(4) مجمع الزوائد ج 4، ص 200، كتاب الأحكام، باب هدايا الأمراء، عن أبي حميد الساعدي.
(5) سير أعلام النبلاء، ج 5 ص 140 رقم 48.
(6) في صحيح البخاري، كتاب الهبة، باب من لم يقبل الهدية لعلة (ج 11، ص 129): قال عمر بن عبد العزيز: كانت الهدية في زمن رسول لله هدية، واليوم رشوة.

[ 179 ]

لا أجزع، والمراد بالهدية أحد حالتين، أما تطويق منة، أو مكافاة على معروف، وما فيهما إلا ما يجزع. قال محمد بن إدريس رحمه الله ما ورد في الاستحباب وما ورد في الكراهية المرجع فيه إلى قرائن الأحوال، والأغراض والازمان، وشاهد الحال، فيعمل عليه، ويعتبر به، وقد عمل بالأخبار جميعها، فهذا وجه الجمع بينها.

[ 181 ]

كتاب الوصايا

[ 182 ]

كتاب الوصايا الوصية مشتقة من وصى يصي، وهو الوصل، قال الشاعر ذو الرمة: نصى الليل بالأيام حتى صلاتنا * مقاسمة يشتق إنصافها السفر ومعناه إنه يصل تصرفه بما يكون بعد الموت ما قبل الموت، ويقال منه أوصى يوصي إيصاء، ووصي يوصي توصية، والاسم الوصية والوصاءة. إذا ثبت هذا، فالأصل فيها الكتاب والسنة والاجماع، قال الله تعالى " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين " (1). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله الوصية حق على كل مسلم (2). وقال عليه السلام ما ينبغي لامرئ مسلم أن يبيت ليله إلا ووصيته تحت رأسه (3). وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال ما من ميت تحضره الوفاة إلا رد الله عليه من سمعه وبصره وعقله للوصية، أخذ الوصية أو ترك، وهي الراحة التي يقال لها راحة الموت، وهي حق على كل مسلم (4). وروي عن الرسول عليه السلام أنه قال من مات بغير وصية، مات ميتة جاهلية

(1) سورة البقرة، الآية 180.
(2) الوسائل، الباب 1 من كتاب الوصايا ح 2 - 3 - 4 - 6.
(3) الوسائل، الباب 1 من كتاب الوصايا ح 5 - 7.
(4) الوسائل، الباب 4 من كتاب الوصايا ح 1، وفي المصدر آخذ للوصية، أو تارك.
(5) الوسائل الباب 1 من كتاب الوصايا ح 8.

[ 183 ]

معنى قوله عليه السلام " مات ميتة جاهلية " المراد به إن أهل الجاهلية ما كانوا يرون الوصية، فإذا لم يوص المسلم، فقد عمل كعملهم، وشابههم، أو من تركها معتقدا إنها غير مشروعة ولا مسنونة، فهذا جاحد للنص القرآني، حكمه حكم الكفار المرتدين. وروي عن أبي عبد الله عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام أنه قال: من أوصى ولم يحف، ولم يضار كان كمن صدق به في حياته (1). وقال ما أبالي أضررت بورثتي أو سرفتهم ذلك المال (2). سرفتهم بالسين غير المعجمة والراء غير المعجمة المكسورة، والفاء، ومعناه أخطأتهم، وأغفلتهم، لأن السرف الاغفال، والخطأ، وقد سرفت الشئ بالكسر، إذا أغفلته وجهلته، وحكى الأصمعي عن بعض الأعراب، وواعده أصحاب له من المسجد مكانا فأخلفهم فقيل له في ذلك، فقال مررت بكم، فسرفتكم، أي أخطأتكم وأغفلتكم، ومنه قول جرير. أعطوا هنيدة تحدوها ثمانية * ما في عطائهم من ولا سرف أي إغفال وخطأ، أي لا يخطئون موضع العطاء، بأن يعطوه من لا يستحق، ويحرموه المستحق، هكذا نص عليه جماعة أهل اللغة، ذكره الجوهري في كتاب الصحاح، وأبو عبيد الهروي في غريب الحديث، وغيرهما من اللغويين. فأما من قال: في الحديث، " سرقتهم ذلك المال " بالقاف، فقد صحف، لأن سرقت لا يتعدى إلى مفعولين، إلا بحرف الجر، يقال سرقت منه مالا، وسرفت بالفاء يتعدى إلى مفعولين بغير حرف الجر، فليلحظ ذلك. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من لم يحسن وصيته عند الموت، كان ذلك نقصا في مروته وعقله (3). فينبغي للمرء المسلم أن يتحرز من خلاف الله عز وجل وخلاف رسوله

(1) الوسائل، الباب 5 من كتاب الوصايا، ح 2، وفي المصدر، كمن تصدق به.
(2) الوسائل، الباب 5 من كتاب الوصايا، الحديث 1، وفيه: " سرقتهم " بالقاف.
(3) الوسائل، الباب 3، من كتاب الوصايا، ح 1.

[ 184 ]

عليه السلام في ترك الوصية وإهمالها، ويستظهر لدينه، ويحتاط لنفسه، بالوصية لأهله وإخوانه، بتقوى الله، والطاعة له، واجتناب معاصيه، وما يجب أن يصنعوه في غسله، وتحنيطه، وتكفينه عند وفاته، ومواراته، وقضاء ديونه، والصدقة عنه، والتدبير لتركته، والنظر في أمر أطفاله، ويسند ذلك إلى ثقة عدل في نفسه، ليقوم به، ولا يفرط فيه إن شاء الله. والواجب منها البداءة بالاقرار على جهة الجملة بما أوجب الله تعالى علمه (1)، والعمل به، ثم الوصية بالاستمساك بذلك، وبتقوى الله تعالى، ولزوم طاعته، ومجانبة معصيته، ويعين من ذلك ما يجب من غسله وتكفينه ومواراته، ثم الوصية بما عليه من حق واجب ديني أو دنيوي، ويخرج ذلك من أصل تركته إن أطلق، ولم يقيده بالثلث، فإن لم يكن عليه حق، استحب له أن يوصي بجزء من ثلثه، يصرف في النذور والكفارات، وجزء في الحج والزيارات، وجزء يصرف إلى مستحقي الخمس، وجزء إلى مستحقي الزكوات وجزء إلى من لا يرثه من الأهل والقرابات. وجملة الأمر وعقد الباب على جهة الجملة، دون التفصيل، إن من شرط صحتها حصول الايجاب من الموصي، والقبول من الموصي إليه، ومن شرطه أن يكون حرا مسلما، بالغا عاقلا، بصيرا بالقيام، بما أسند إليه، رجلا كان أو امرأة. ويجوز للمسند إليه القبول في الحال، ويجوز له تأخير ذلك، لأن الوصية بمنزلة الوكالة. قال بعض أصحابنا هي عقد منجز في الحال، فجاز القول فيها، بخلاف قبول الموصى له، فإنه لا يعتد به إلا بعد الوفاة، لأن الوصية تقتضي تمليكه في تلك الحال، فتأخر القبول إليها، هذا آخر كلام من حكينا قوله (2). ولا أرى بأسا بقبوله قبل الموت وبعده، وعلى كل حال لأنه لا مانع منه. وللموصي الرجوع في الوصية وتغييرها، بالزيادة والنقصان، والاستبدال بالأوصياء ما دام حيا.

(1) ج. ل. أوجب الله تعالى عليه.
(2) وهو أبو المكارم ابن زهرة في الغنية، في الوصية.

[ 185 ]

ولا يجوز للمسند إليه ترك القبول إذا بلغه ذلك بعد موت الموصي، ولا ترك القيام بما فوض إليه من ذلك، إذا لم يقبل ورد، فلم يبلغ الموصي ذلك حتى مات. ولا يجوز للوصي أن يوصي إلى غيره، إلا أن يفوض ذلك الموصي إليه، فأما إذا أطلق الوصية فلا يجوز له ذلك على الصحيح من المذهب، وهو اختيار شيخنا المفيد (1). وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي، يصح ذلك (2). والأول هو الأظهر، لأن ما ذهب إليه شيخنا أبو جعفر، يحتاج إلى دليل، لأنه حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي. وإذا ضعف الوصي عما أسند إليه، فعلى الناظر في مصالح المسلمين أن يعضده بقوي أمين، وليس له عزله، فإن مات أو فسق، أقام مقامه من يراه لذلك أهلا. والوصية المستحبة والمتبرع بها، محسوبة من الثلث، سواء كانت في حال الصحة، أو في حال المرض، وتبطل فيما زاد عليه، إلا أن يجيز ذلك الورثة بعد موته، لا قبل الموت على الأظهر من أقوال أصحابنا، وقد ذهب بعضهم إلى أن الإجازة من الورثة لهم سواء أجازوا قبل الموت أو بعده، وهذا اختيار شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله (3) والأول اختيار شيخنا المفيد (4) وهو الذي يقوى في نفسي، لأنها إجازة في غير ما لا يستحقونه بعد (5)، فلا يلزمهم ذلك بحال.

(1) في المقنعة، باب الوصي يوصي إلى غيره، والعبارة هكذا، وليس للوصي أن يوصي إلى غيره إلا أن يشترط ذلك الموصي...
(2) في النهاية، كتاب الوصايا، باب الأوصياء، والعبارة هكذا، وإذا حضر الوصي الوفاة وأراد أن يوصي إلى غيره، جاز له أن يوصي إليه بما كان يتصرف فيه من الوصية.
(3) في النهاية، باب الوصية وما يصح منها وما لا يصح، والعبارة هكذا، فإن وصى بأكثر من الثلث ورضي به الورثة لم يكن لهم بعد ذلك امتناع من إنفاذها لا في حال.
(4) في المقنعة، باب الوصية بالثلث وأقل منه وأكثر، والعبارة هكذا، فإن أنصوه في الحياة كان لهم الرجوع فيه بعد الموت خيابة ولا بعد وفاته....
(5) ج. ل. في غير ما يستحقونه بعد. والظاهر إن لفظ الغير زائدة وحق العبارة أن يقال فيما لا يستحقونه بعد.

[ 186 ]

وتصح الوصية عندنا للوارث في المرض المتصل بالموت، بدليل إجماع أصحابنا، وأيضا قوله تعالى " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين " (1) وهذا نص في موضع الخلاف، ولا يمكن أن يدعى نسخ هذه الآية بآية المواريث، لأنه لا تنافي بينهما، وإذا أمكن العمل بمقتضاهما، لم يصح دعوى النسخ، وقولهم " تخص الآية بالوالدين والأقربين إذا كانوا كفارا " يفتقر إلى دليل، ولا دليل لهم على ذلك. وما يروونه من قوله عليه السلام " لا وصية لوارث " قد نص أصحاب الحديث على تضعيف رواته ثم هو مخالف لظاهر القرآن المعلوم، ولا يجوز ترك المعلوم للمظنون، ولو سلم من ذلك كله، لكان خبر واحد، وقد بينا أنه لا يجوز العمل بذلك عند أصحابنا في الشرعيات. والوصية تصح للكافر سواء كان ذا رحم، أو غير ذلك، لأنها عطية بعد الموت، وليس من شرطها نية القربة، ولا من مصححاتها. وذهب بعض أصحابنا إلى أن الوصية للكافر لا تصح إلا أن يكون ذا رحم للموصي. ويجوز الوصية للحمل، فإن ولد ميتا فهي لورثة الموصي، دون ورثة الموصى له. وإذا أوصى بثلث ماله في أبواب من البر، ولم يذكر تفصيلا، كان لكل باب منها مثل الآخر، وكذلك إذ أوصى لجماعة ولم يرتبهم، ولا سمى لكل واحد منهم شيئا معينا، وإن رتبهم، وسمى ما لكل واحد منهم، بدئ بالأول، ثم الثاني إلى تكميل الثلث، ولا شئ لمن بقي منهم. ومن أوصى بوصايا من ثلثه، وعين منها الحج، وكانت عليه حجة الاسلام، وجب تقديم الحج على الوصايا الأخر، وإن لم يبق لها شئ من الثلث، لأن الحج واجب، وليس بمتبرع به. ويستأجر للنيابة عنه من بلده، فإن لم يف الثلث بذلك، تمم من أصل المال،

(1) سورة البقرة، الآية 180.

[ 187 ]

واستؤجر من بلده، فإن لم يف الجميع بذلك، استؤجر من ميقات أهله. وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يستأجر للنيابة عنه من ميقات أهله. والأول هو الأظهر، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (1)، وبه تواترت الأخبار عن الأئمة الأبرار، والثاني خيرة شيخنا أيضا في مبسوطه (2). ومن أوصى بسهم من ماله، كان ذلك الثمن. ومن أوصى بجزء من ماله، كان ذلك السبع، على الأظهر من أقوال أصحابنا، والأظهر من أخبارهم، وقد وردت رواية (3) شاذة، وقال بها بعض أصحابنا، إلى أن الجزء يكون العشر والأول هو الصحيح. ومن أوصى بشئ من ماله كان ذلك السدس بغير خلاف. وذهب بعض أصحابنا إلى أن من أوصى بسهم من ماله، يكون السدس. والأول هو الأظهر المعمول عليه. ومن أوصى لقرابته، دخل في ذلك من كان معروفا بنسبه وأهله في العادة والعرف، دون من سواهم. وقد روي رواية شاذة، إلى أنه يدخل في ذلك كل من تقرب إليه إلى آخر أب وأم في الاسلام (4). أوردها شيخنا أبو جعفر في نهايته (5)، وما اخترناه اختاره في مسائل خلافه، ودل على صحته وفساد ما قاله في نهايته. ومن أوصى في سبيل الله، صرف ذلك في جميع مصالح المسلمين، مثل بناء

(1) النهاية، كتاب الوصايا باب الوصية المبهمة.
(2) المبسوط: ج 4، كتاب الوصايا ص 24، والعبارة هكذا، وكل موضع قلنا يحج من ثلثه فمن أين يجزيه... وفيهم من قال يحرم من الميقات وهو الذي تقتضيه مذهبنا.
(3) الوسائل، الباب 54 من كتاب الوصايا، ح 1 - 2 - 3 - 4 - 8 - 9 - 10 - 11.
(4) لم نجدهما في المجاميع، وظاهر عبارة المتن إنها مروية في النهاية فقط، راجع الوسائل، الباب 68 من الوصايا.
(5) النهاية: باب الوصية المبهمة.

[ 188 ]

المساجد، والقناطر، وتكفين الموتى، ومعونة الحاج، والزوار، وما أشبه ذلك، بدليل إجماع أصحابنا، ولأن ما ذكرناه طرق إلى الله سبحانه، فإذا كان كذلك، فالأولى حمل لفظة " سبيل الله " على عمومها. ذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مسائل خلافه، في كتاب الاقرار، إلى أنه من قال له عندي مال كثير، فإنه يكون إقرارا بثمانين، على الرواية التي تضمنت بأن الوصية بالمال الكثير بثمانين، ثم قال وعليه إجماع الطايفة، في تفسير الكثير بثمانين (1). قال محمد بن إدريس رحمه الله مصنف هذا الكتاب قول شيخنا " على الرواية التي تضمنت بأن الوصية بالمال الكثير تكون ثمانين " فيه تسامح وتجاوز، إنما الرواية (2) وردت فيمن نذر أن يتصدق بمال كثير، وما وردت بالوصية جملة كافية، ولا أوردها أحد من أصحابنا في الوصايا، والذي يقتضيه أصول المذهب، ويحكم به الأدلة والاعتبار، أن لا نتجاوز بالرواية ما وردت فيه فحسب، ولا نعد بها إلى غير النذر، ونرجع في تفسير الكثير إلى المقر، وكذلك في الوصية نرجع إليهم في تفسير الكثير، وكذلك نرجع إلى العرف والعادة في كثير الجراد فيمن قتله وهو محرم، وكذلك كثير الشعر، ونلزم الأصول، فإن تعديناها نصير قايسين، والقياس باطل على مذهبنا. قد ذكرنا هذه الجملة والآن نذكر الأبواب وتفصيل كل شئ في بابه على المألوف في التصنيف. باب الأوصياء ينبغي للمسلم أن يختار لوصيته من يثق بديانته، ولا تصح الوصية إلا إلى من جمع صفات خمسة، البلوغ، والعقل، والاسلام، والعدالة، والحرية، فمتى اختل

(1) الوسائل، الباب 3 من كتاب النذر والعهد، ح 1 - 2 - 3 - 4.
(2) الخلاف، كتاب الاقرار، مسألة 1.

[ 189 ]

شي منها، بطلت الوصية. وإنما راعينا البلوغ، لأن الصبي لا يجوز أن يكون وصيا، لقوله عليه السلام رفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى يحتلم (1)، وفي بعضها حتى يبلغ (2)، وإذا كان كذلك، لم يكن لكلامه حكم، ومن كان كذلك لا يجوز أن يكون وصيا لأنه مولى عليه في نفسه، فلا يجوز أن يكون وصيا لغيره. وراعينا العقل، لأن من ليس بعاقل ليس بمكلف، ومن لا يكون مكلفا لا يجوز أن يكون وصيا. والاسلام، لا بد منه، لأن الكافر فاسق، والمسلم لا يجوز أن يوصي إلى كافر ولا فاسق، لأنهما ليسا من أهل الأمانة، والوصية أمانة. ويجب أن يكون عدلا لأن الوصية أمانة، ولا يؤمن إلا العدل. والحرية شرط، لأن المملوك لا يملك من نفسه التصرف، وحكم المدبر وأم الولد والمكاتب، حكم العبد القن. وذهب شيخنا المفيد في مقنعته، إلى أنه يجوز الوصية إلى المدبر والمكاتب، والأول هو الذي يقتضيه أصول مذهبنا، دون ما سواه. ويعتبر هذه الأوصاف في الحالين معا، حال الوصية، وحال الموت. والذي يقتضيه مذهبنا وتشهد به أصولنا، ورواياتنا، إن العدالة في الوصي ليست شرطا في صحة الوصية إليه، وإنما ذلك على جهة الأولى والمستحب، دون أن يكون شرطا في الصحة، ولا خلاف إن الانسان يجوز أن يودع الفاسق وديعة، وهي أمانة، ويجعله أمينه في حفظها، فكذلك الوصية.

(1) الوسائل، الباب 4، من مقدمات العبادات، ح 10 وفي سنن أبي داود ج 4 ص 141 كتاب الحدود، باب 16.
(2) سنن أبي داود، الباب 16 من كتاب الحدود (ج 4، ص 141، الرقم 4402) مسند ابن حنبل، في مواضع من مسند علي عليه السلام منها قوله عليه السلام: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ وعن المصاب حتى يكشف عنه " ج 1، ص 116.

[ 190 ]

والوصي إذا تغيرت حاله، نظرت، فإن كان تغير بالكبر والمرض، فإن الحاكم يضيف إليه أمينا آخر، ولا يخرج من يده، لأن الكبر والمرض لا ينافيان الأمانة، وإن كان تغير حاله بفسق، أخرجت الوصية من يده، لأن الفاسق لا يكون أمينا على ما أورده شيخنا أبو جعفر في مبسوطه (1)، وهذا الكتاب معظمه فروع المخالفين، وكلام الشافعي، وتخريجاته، ولم يورد أصحابنا في ذلك شيئا لا رواية ولا تصنيفا، والأصل صحة الوصية إليه، والاعتماد عليه، مع قوله تعالى " فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه " (2) وعزله عن الوصية وإخراجه منها، تبديل وتغيير بلا خلاف. والمرأة يصح أن تكون وصية على ما قدمناه (3)، وكذلك الأعمى. ولا بأس أن يوصي على اثنين، أحدهما صغير والآخر كبير بعد أن يكون الكبير ممن جمع الأوصاف الخمسة، ويجعل للكامل النظر في الحال، وللصبي إذا بلغ، فإن مات الصبي أو بلغ، وكان فاسد الرأي، كان للعاقل انفاذ الوصية، فإذا انفذ البالغ الكامل الوصية، كان ذلك جايزا، فإذا بلغ الصبي ولم يرض بذلك، لم يكن له الفسخ لما أنفذه البالغ الكامل، إلا أن يكون الكبير خالف شرط الوصية. فإن أوصى إلى كاملين فلا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن يطلق الوصية إليهما، أو يقيدها بأن لا يمضي أحدهما شيئا إلا باتفاق الآخر، أو يقيدها بأن كل واحد يمضي على الاجتماع والانفراد. فالقسمان الأولان، لا يجوز لأحدهما التصرف إلا باتفاق الآخر، لأنه ما رضي بأمانة أحدهما دون الآخر. فأما القسم الثالث، فإنه يجوز أن يتصرف كل واحد منهما على الاجتماع وعلى الانفراد. فإن أطلق الوصية أو قيدها بالاجتماع، لم يكن لكل واحد منهما الاستبداد

(1) المبسوط، ج 4، كتاب الوصايا، فصل في ذكر الأوصياء، ص 52.
(2) سورة البقرة، الآية 181.
(3) في ص 184.

[ 191 ]

بما يصيبه. فإن تشاحا في الوصية والاجتماع، لم ينفذ شئ مما يتصرفان فيه، إلا ما يعود لمصلحة الورثة والكسوة لهم، والمأكول، على ما روي (1) وللناظر في أمر المسلمين الاستبدال بهما، لأنهما حينئذ قد فسقا، لأنهما أخلا بما وجب عليهما القيام به، وقد قدمنا (2) إن بالفسق تخرج الوصية من يده. ولا بأس أن يوصي الانسان إلى أولاده، وإلى من يرثه، وإلى زوجته، فإن أوصى إليهم وكان فيهم صغار وكبار، كان للكبار انفاذ الوصية وإن لا ينتظروا بلوغ الصغار إلا أن يكون الموصي قد اشترط إيقاف الوصية إلى وقت بلوغ الصغار وكان الشئ الذي أوصى به يجوز تأخيره، فإن كان ذلك لم يجز لهم أن ينفذوا شيئا منها إلا بعد بلوغ الصغار منهم. وإذا أوصى الانسان إلى غيره، كان بالخيار في قبول الوصية وردها، إذا كان حاضرا شاهدا، فإن كان الموصى إليه غايبا، فإن له رد الوصية ما دام الموصي حيا، فإذا مات الموصي قبل أن يبلغ إليه الامتناع من قبول الوصية، لم يكن للموصى الغائب الامتناع من القيام بها. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وإذا حضر الوصي الوفاة، وأراد أن يوصي إلى غيره، جاز له أن يوصي إليه بما كان يتصرف فيه من الوصية، ويلزم الموصى إليه القيام بذلك (3). وقال شيخنا المفيد في مقنعته: وليس للموصي أن يوصي إلى غيره، إلا أن يشترط ذلك الموصي، فإن لم يشترط له ذلك، لم يكن له الايصاء في الوصية، فإن مات كان الناظر في أمور المسلمين يتولى انفاذ الوصية، على حسب ما كان يجب على الوصي أن ينفذها، وليس للورثة أن يتولوا ذلك بأنفسهم، وإذا عدم السلطان العادل فيما ذكرناه من ذلك، كان لفقهاء أهل الحق العدول من ذوي الرأي

(1) الوسائل، الباب 51 من كتاب الوصايا، والمستفاد من روايات الباب عدم تنفيذ عمل كل من الوصيين فحسب.
(2) في ص 190.
(3) النهاية، كتاب الوصايا، باب الأوصياء.

[ 192 ]

والفضل أن يتولوا ما يتولاه السلطان، فإن لم يتمكنوا من ذلك، فلا تبعة عليهم فيه (1). وهذا الذي اختاره، وأعمل عليه، وأفتي به، وقد قدمنا ذلك وأجملناه (2) فيما مضى (3). وللموصي أن يستبدل بالأوصياء ما دام حيا صحيح العقل، لا يولي على مثله، فإذا مضى لسبيله لم يكن لأحد أن يغير وصيته، ولا يستبدل بأوصيائه، فإن ظهر منه خيانة، كان على الناظر في أمور المسلمين أن يعزله، ويقيم أمينا مقامه على ما قدمناه (4)، وإن لم يظهر منه خيانة، إلا أنه ظهر منه عجز وضعف عن القيام بالوصية، كان للناظر في أمر المسلمين أن يقيم أمينا ضابطا يعينه على تنفيذ الوصية، ولم يكن له عزله لضعفه. والوصي إذا خالف ما أمر به كان ضامنا للمال. وقد روي أنه إذا أمر الموصي الوصي، أن يتصرف في تركته لورثته، ويتجر لهم بها، ويأخذ نصف الربح، كان ذلك جايزا وحلال له نصف الربح (5)، أورد ذلك شيخنا في نهايته (6). إلا أن الوصية لا تنفذ إلا في ثلث ما كان يملكه الميت قبل موته والربح تجدد بعد موته، فيكف ينفذ وصيته وقوله فيه، وفي الرواية نظر. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته وإذا كان للوصي على الميت مال، لم يجز له أن يأخذ من تحت يده، إلا ما تقوم له به البينة (7). وهذا خبر واحد، أورده إيرادا لا اعتقادا. والذي يقضيه أصول مذهبنا، أنه يأخذ مما له في يده، لأن من له على انسان مال، ولا بينة له عليه، ولا يقدر على استخلاصه ظاهرا، فله أخذ حقه باطنا، لأنه يكون بأخذ ماله من غير زيادة عليه محسنا لا مسيئا. وقد قال تعالى " ما على المحسنين

(1) المقنعة، باب الوصي يوصي إلى غيره ص 676.
(2) ج. أحكمناه.
(3) و (4) في ص 185.
(5) الوسائل: الباب 92 من كتاب الوصايا ح 1 - 2.
(6) و (7) النهاية، كتاب الوصايا، باب الأوصياء.

[ 193 ]

من سبيل " (1). وقال شيخنا في نهايته، ومتى باع الوصي شيئا من التركة لمصلحة الورثة، وأراد أن يشتريه لنفسه، جاز له ذلك، إذا أخذه بالقيمة العدل من غير نقصان (2). والذي يقتضيه مذهبنا، إنه لا يجوز له أن يشتريه لنفسه بحال، لأن الانسان لا يكون موجبا قابلا في عقد واحد، لأن العقد يكون بين اثنين، فلا يصح إلا ما خرج بإجماعنا من الوالد إذا اشترى من مال ولده الصغير، فلا نقيس غيره عليه بحال، لأنا لا نقول بالقياس في الشرعيات. إلا أن شيخنا أبا جعفر رجع عما ذكره في نهايته، وقال بخلافه في مسائل خلافه، في كتاب الوكالة في الجزء الثاني، فقال مسألة: جميع من يبيع مال غيره ستة أنفس، الأب، والجد، ووصيهما، والحاكم، وأمين الحاكم، والوكيل، لا يصح لأحد منهم أن يبيع المال الذي في يده من نفسه إلا الاثنين، الأب والجد، ولا يصح لغيرهما، ثم استدل، فقال دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، على أنه يجوز للأب أن يقوم جارية ابنه الصغير على نفسه، ويستبيح وطأها بعد ذلك، وروي (3) أن رجلا أوصى إلى رجل في بيع فرس له، فاشتراه الوصي لنفسه، واستفتي عبد الله بن مسعود فقال ليس له ذلك، ولا يعرف له مخالف، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر (4). وإذا مات الانسان من غير وصية، كان على الناظر في أمور المسلمين، أن يقيم له ناظرا ينظر في مصلحة الورثة، ويبيع لهم ويشتري، ويكون ذلك جائزا، فإن لم يكن السلطان الذي يتولى ذلك، أو يأمر به، جاز لبعض المؤمنين أن ينظر في ذلك من قبل نفسه، ويستعمل فيه الأمانة، فيؤديها من غير اضرار بالورثة، ويكون ما يفعله صحيحا ماضيا هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر في نهايته (5). والذي يقتضيه المذهب أنه إذا لم يكن سلطان يتولى ذلك فالأمر فيه إلى فقهاء

(1) سورة التوبة، الآية 91.
(2) النهاية، كتاب الوصايا، باب الأوصياء.
(3) سنن البيهقي، كتاب البيوع، باب لا يشتري من ماله لنفسه إذا كان وصيا، ج 6، ص 3. (4) الخلاف، كتاب الوكالة مسألة 9.
(5) النهاية، كتاب الوصايا، باب الأوصياء.

[ 194 ]

شيعته عليه السلام (1)، من ذوي الرأي والصلاح، فإنهم عليهم السلام قد ولوهم هذه الأمور، فلا يجوز لمن ليس بفقيه تولى ذلك بحال، فإن تولاه، فإنه لا يمضي شئ مما يفعله، لأنه ليس له ذلك بحال، فأما إن تولاه الفقيه، فما يفعله صحيح جايز ماض. باب الوصية وما يصح منها وما لا يصح الوصية بالخمس أفضل من الوصية بالربع، وهي بالربع أفضل منها بالثلث، ومن أوصى بالثلث، فقد بلغ الغاية. ولا تجوز الوصية بأكثر من الثلث على حال، فإن أوصى بأكثر من الثلث، ردت إلى الثلث، إلا أن يجيزها الورثة بعد الموت، فإن أجازت ما فوق الثلث قبل الموت، كان لها ردها بعد الموت. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته " على ما حكيناه عنه فيما مضى " (2) سواء أجازت الورثة ما زاد على الثلث في حال الحياة أو بعد الوفاة ليس لها رجوع (3). والمذهب، الأول، لأن ما ذهب إليه حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي وما اخترناه مذهب شيخنا المفيد في مقنعته، على ما حكيناه عنه فيما مضى (4). وقد قلنا (5) إن للانسان أن يرجع في وصيته ما دام فيه الروح، وعقله ثابت عليه، وبعض أصحابنا يطلق ذلك، ويقول " وللانسان أن يرجع في وصيته ما دام فيه روح " وإطلاق ذلك غير مستقيم، لأنه قد يكون فيه روح إلا أن عقله قد زال، والأولى تقييده بما قيدناه، فإذا كان كذلك فله تغييرها، وتبديلها ونقلها من شئ إلى شئ، ومن انسان إلى غيره، وليس لأحد فيه اعتراض. فإن دبر مملوكه، كان ذلك مثل الوصية، بل هو هي عند أصحابنا، يجوز له

(1) ج. شيعة آل محمد عليهم السلام.
(2) في ص 185.
(3) النهاية باب الوصية وما يصح وما لا يصح.
(4) في ص 185.
(5) في ص 184.

[ 195 ]

الرجوع فيه، فإن لم يرجع فيه، كان من الثلث، فإن أعتقه في الحال مضى العتق، وليس لأحد عليه سبيل، سواء كان عليه دين بأضعافه، أو أقل، أو أكثر، أو لم يكن، بخلاف التدبير. فإذا أوصى الانسان بثلث ماله لشخص، ثم بعد ذلك أوصى بثلث ماله لغير ذلك الشخص، كان الثلث لمن أوصى له أخيرا، وكانت الوصية الأخيرة ناسخة للأولى، ورافعة لحكمها، لأن الانسان لا يستحق من ماله بعد وفاته إلا ثلث ماله، فإذا أوصى به لانسان، ثم وصى بعد ذلك به لانسان آخر، فقد نقل الثلث الذي يستحقه من الأول إلى الثاني، لأنه يعلم أنه لا يستحق سوى الثلث، فإذا وصى به ثم وصى به، فقد رجع عن الوصية الأولى، وللانسان أن يرجع عن وصيته ويبدلها ويغير أحكامها ما دام حيا ثابت العقل، فليحظ ذلك، فهذا معنى قول أصحابنا، وما يوجد في الكتب " أنه إذا أوصى الانسان بوصية، ثم أوصى بأخرى، فإن أمكن العمل بهما جميعا وجب العمل بهما، وإن لم يمكن العمل بهما كان العمل على الأخيرة دون الأولى ". فأما إذا أوصى بشئ ولم يقل بثلثي، ثم أوصى بشئ آخر ولم يذكر الثلث، وأوصى بشئ آخر ولم يذكر الثلث، فإن مذهب أصحابنا أن يبدء بالأول فالأول، ويكون النقصان إن لم يف الثلث داخلا على من ذكر أخيرا، لأنه لما أوصى للأول، ما قال أوصيت له بثلثي، وكذلك الثاني والثالث، فظن أن ثلثه يبلغ مقداره جميع من ذكره، ويفي بما ذكر، ولم ينقل عن الأول ما أوصى له به، وكذلك الثاني، فلو علم أنه قد استوفى ثلث ماله لمن أوصى له به، ما أوصى بعده بشئ آخر، لأنه يعلم إنه ليس له بعد موته سوى الثلث، فإذا استوفاه فيكون النقصان داخلا على من ذكره أخيرا. فهذا الفرق بين المسألتين، فلا يظن ظان أن المسألتين واحدة، وإن بينهما تناقضا أو مذهب أصحابنا إن الوصية الثانية ناسخة للأولى في جميع المواضع، أو أن الواجب البدأة بالأول فالأول، بل إذا وجد في بعض الكتب إن الأخيرة ناسخة للأولى، ففقه ذلك ما ذكرناه، وإذا وجد في الكتب، إن الواجب أن يبدأ بالأول

[ 196 ]

فالأول، ويكون النقصان داخلا على ما ذكر أخيرا، ففقهه ما ذكرناه، فليحظ ويتأمل ويعمل فيه بما قررناه. والذي يدلك على ما حررناه، ما ذكره شيخنا أبو جعفر الطوسي في مبسوطه، ومسائل خلافه. فإنه قال في مبسوطه: إذا أوصى الرجل بثلث ماله، ثم أوصى لآخر بثلث ماله، فهاتان وصيتان بثلثي ماله، وهكذا إذا أوصى بعبد بعينه لرجل، ثم أوصى لرجل آخر بذلك العبد بعينه، فهما وصيتان، ويكون الثاني رجوعا عن الأولى، ومنهم من قال لا يكون رجوعا، وفيه خلاف، فمن قال ليس برجوع، قال ينظر فإن أجاز الورثة، يكون لكل واحد منهما ثلث ماله، وكذلك نقول، ومن قال هو رجوع، فإن أجازوه قالوا المال بينهما نصفان، وإن لم يجيزوه نظرت، فإن كان قيمة العبد قدر الثلث، فإنه يكون بينهما، ولا يحتاج إلى إجازة الورثة، وإن كان قيمة العبد أكثر من الثلث، فللوراث أن يمنعوا الزيادة على الثلث، فأما الثلث فلا، ويكون الثلث بينهما نصفين، هذا إذا قبلا جميعا الوصية وإن رد أحدهما وقبل الآخر، فإن جميع الثلث لمن قبل، لأنه قد أوصى لكل واحد منهما بجميع الثلث، وعلى ما قلناه " من أن في الثاني رجوعا عن الأول " ينظر، فإن رجع الأول فلا تأثير لرجوعه، لأن الوصية له قد بطلت بالوصية للثاني، وإن رجع الثاني ولم يقبلها، رجع المال إلى الورثة، لأن الوصية للأول كانت قد بطلت بالوصية للثاني، هذا آخر كلامه في مبسوطه (1). وقال رحمه الله في موضع آخر، في هذا الفصل في مبسوطه، أيضا، فأما العطية المؤخرة، إذا أوصى بعتق، أو أوصى بمحاباة دفعة واحدة، نظرت، فإن لم يكن فيه عتق، فإنه يسوى بينهم، لأن حال استحقاق وجوبه واحدة، وهو بعد الموت، فإن خرج كله من الثلث، صح الكل، وإن لم يخرج من الثلث عندنا، يقدم الأول فالأول ويدخل النقص على الأخير، وإن اشتبهوا أقرع بينهم، وعند المخالف يقسط عليهم، فهذا آخر كلامه (2).

(1) المبسوط، ج 4، كتاب الوصايا، ص 42.
(2) المبسوط، ج 4، كتاب الوصايا، ص 48.

[ 197 ]

فانظر أيدك الله بتوفيقه، إلى كلامه في المسألة الأولى، وإلى كلامه في هذه المسألة، لا وجه له إلا ما حررناه. وإذا أوصى الانسان بوصية، فليس لأحد مخالفته فيما أوصى به، ولا تغيير شئ من شرائطها على ما قدمناه (1)، إلا أن يكون قد وصى بما لا يجوز له أن يوصي به، مثل أن يكون قد أوصى بماله في غير مرضات الله، أو أمر بإنفاقه في وجوه المعاصي، من قتل النفوس، وسلب الأموال، أو اعطائه الكفار، أو إنفاقه على مواضع قربهم من البيع، والكنايس، وبيوت النيران، فإن فعل شيئا من ذلك وجب على الوصي مخالفته من جميع ذلك، وصرف الوصية إلى الحق، وكان على إمام المسلمين معاونته على ذلك. فإن أوصى الانسان لأحد أبويه أو بعض قرابته بشئ من ثلثه، وجب إيصاله إليهم وإن كانوا كفارا ضلالا، وكذلك من لا بينه وبينه قرابة من الكفار على ما قدمناه (2). وقد ذهب بعض أصحابنا إنه لا تصح للكفار إلا لمن بينه وبينه رحم. والأول هو الأظهر لأنا لا نراعي في الوصية القربة، ويعضد ذلك قوله تعالى " فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه " (3) وهذا عام. ولا بأس بالوصية للوارث عندنا إذا لم تكن بأكثر من الثلث، فإن كانت بأكثر من الثلث، ردت إليه، إلا أن يجيزه الوارث على ما قدمناه (4). وإذا أوصى بوصية ثم قتل نفسه، كانت وصيته ماضية، لم يكن لأحد ردها، فإن جرح نفسه بما فيه هلاكها على غالب العادات، ثم وصى، كانت وصيته مردودة، لا يجوز العمل عليها، على ما رواه بعض أصحابنا في بعض الأخبار (5). والذي يقتضيه أصولنا، وتشهد بصحته أدلتنا، أن وصيته ماضية صحيحة، إذا كان عقله ثابتا عليه، لأنه لا مانع من ذلك، ويعضده قوله تعالى " فمن بدله

(1) في ص 192.
(2) في ص 186.
(3) سورة البقرة، الآية 181.
(4) في ص 194.
(5) الوسائل، الباب 52 من كتاب الوصايا، ح 1.

[ 198 ]

بعد ما سمعه " ولا دليل على إبطال هذه الوصية من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع. وإذا أوصى بوصية ثم قتله غيره خطأ، كانت وصيته ماضية في ثلث ماله وثلث ديته، على ما رواه أصحابنا (1). وإذا جرحه غيره، ثم وصى كان الحكم فيه أيضا مثل ذلك، في أنه تمضي الوصية في ثلث ماله، وثلث ما يستحقه من أرض الجراح. وإذا أوصى الانسان لعبده بثلث ماله، فإن كان الثلث وفق قيمة العبد، عتق ولا شئ له ولا عليه، وإن كان أكثر عتق أيضا، وأعطي بقية الثلث، وإن كان الثلث أقل من القيمة بأي شئ كان أقل (2)، عتق منه بمقدار الثلث، واستسعى في الفاضل عن الثلث، لأن الانسان يملك بعد موته ثلث ماله، فقد انعتق على كل حال ما يملكه، وهو ثلث العبد (3). وقد رويت رواية (4) شاذة، أوردها شيخنا أبو جعفر في نهايته إيرادا لا اعتقادا لصحتها، لأنه رجع عنها في مسائل خلافه، فقال في نهايته، وإذا أوصى الانسان لعبده بثلث ماله، نظر في قيمة العبد قيمة عادلة، فإن كانت قيمته أقل من الثلث، أعتق، وأعطي الباقي، وإن كانت مثله أعتق وليس له شئ، ولا عليه شئ، وإن كانت القيمة أكثر من الثلث بمقدار السدس، أو الربع، أو الثلث، أعتق بمقدار ذلك، واستسعى في الباقي لورثته، وإن كانت قيمته على الضعف من ثلثه، كانت الوصية باطلة (5). وهذا لا دليل عليه من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، لأنه عاد عن ذلك في مسائل خلافه، فقال مسألة: إذا أوصى لعبد نفسه صحت الوصية، وقوم

(1) الوسائل، الباب 14 من كتاب الوصايا، ح 1 - 2 - 3.
(2) في نسخة الأصل: " وإن كانت قيمته أقل من الثلث بأي شئ كانت أقل " وخطأه ظاهر.
(3) ج. بما يملكه وهو ثلث ماله.
(4) الوسائل، الباب 78 من كتاب الوصايا، ح 2، وأورده بسنده آخر في الباب 11 من هذا الكتاب ح 10 (5) النهاية، كتاب الوصايا، باب الوصية وما يصح منها وما لا يصح.

[ 199 ]

العبد، وأعتق، إذا كان ثمنه أقل من الثلث، فإن كان ثمنه أكثر من الثلث، استسعى فيما يفضل للورثة، هذا آخر كلام شيخنا في مسائل خلافه (1). واستدل عليه بإجماع الفرقة، وإلى هذا يذهب ابن بابويه في رسالته. وقال شيخنا في نهايته: وإذا أوصى الانسان بعتق المملوك له، وكان عليه دين، فإن كان قيمة العبد ضعفي الدين، استسعى العبد في خمسة أسداس قيمته، ثلاثة أسهم للديان، وسهمان للورثة، وسهم له، وإن كانت قيمته أقل من ذلك، بطلت الوصية (2) على ما روي (3) في أخبارنا، وأورده شيخنا أبو جعفر في نهايته. والذي يقتضيه المذهب، أنه لا وصية قبل قضاء الدين، بل الدين مقدم على الوصية، والتدبير عندنا وصية، فلا تمضي الوصية إلا بعد قضاء الدين، فإن عمل عامل بهذه الرواية، يلزمه أن يستسعى العبد، سواء كانت قيمته ضعفي الدين، أو أقل من ذلك، لأنه متى كانت قيمته أكثر من الدين، بأي شئ كانت، فإن الميت الموصي قد استحق في الذي فضل على الدين ثلثه، فتمضي وصيته في ذلك الثلث، ويعتق العبد، ويستسعى في دين الغرماء، وما فضل عن ثلث الباقي للورثة، ولي في ذلك نظر. فإن أعتقه في الحال، وبت عتقه قبل موته، مضى العتق، وليس لأحد من الديان ولا للورثة عليه سبيل، لأن ذلك ليس بتدبير، وإنما ذلك عطية منجزة في الحال، وعطاياه المنجزة صحيحة على الصحيح من المذهب، لا تحسب من الثلث، بل من أصل المال. ومن وصى لعبد غيره لم يصح وصيته، فإن وصى لمكاتب مشروط عليه، كان أيضا مثل ذلك، فإن لم يكن مشروطا عليه، جازت الوصية له بمقدار ما أدى من كتابته، لا أكثر من ذلك. وإذا أوصى لأم ولده، أعتقت من نصيب ولدها، وأعطيت ما أوصى لها به،

(1) الخلاف، كتاب الوصايا، مسألة 48.
(2) النهاية، كتاب الوصايا، باب الوصية وما يصح منها وما لا يصح.
(3) الوسائل، الباب 39، من كتاب الوصايا، الحديث 1 و 2 و 5 و 6.

[ 200 ]

على ما روي (1) في الأخبار، وأورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (2)، والذي يقتضيه أصول مذهبنا، إنها تنعتق بالوصية إن كانت وفق قيمتها، وما بقي بعد رقبتها يكون بين ولدها وباقي الورثة، على كتاب الله تعالى، وإن كانت الوصية بأكثر من قيمتها، وتخرج من الثلث، فتعتق أيضا بالوصية ويسلم إليها ذلك الأكثر، وإن كانت الوصية أقل من قيمتها، عتقت بمقدارها بالوصية، وباقيها من سهم ولدها، وجعل باقيها من نصيبه، لأن الله تعالى قال " من بعد وصية توصون بها أو دين " (3) فجعل تعالى استحقاق الإرث بعد الوصية والدين، بغير خلاف بين أصحابنا، فإذا أعتقناها من سهم ابنها، دون الوصية، فقد قدمنا الإرث على الوصية، وهذا بخلاف القرآن، وهذا الرواية خبر واحد، وقد قدمنا إن أخبار الآحاد لا يعمل بها في الشرعيات، لأنها لا توجب علما ولا عملا. وإذا أوصى الموصي بإخراج الورثة من الميراث، لم يلتفت إلى وصيته، وقوله، إذا كان مقرا به قبل ذلك، أو كان مولودا على فراشه، لم يكن قد انتفى منه في حال حياته بلعان امرأته. تصرف المريض فيما زاد على الثلث إذا لم يكن منجزا لا يصح بلا خلاف، وإن كان منجزا مثل العتاق والهبة المقبوضة، فلأصحابنا فيه روايتان، إحديهما (4) أنه يصح، وهو الأظهر في المذهب، الذي يعضده الأدلة، والأخرى (5) لا يصح، وهو مذهب جميع من خالفنا. إذا أوصى انسان بغلة بستانه، أو ثمرة نخلته، أو خدمة عبده أبدا لانسان على

(1) لم، نتحققها في المجامع الحديثة، وفي الجواهر، ج 28، ص 382، قال وفي كتاب العباس، تعتق من نصيب ابنها وتعطى من ثلثه ما أوصى لها به، وكان المراد إنه قد روي الخبر المزبور في كتاب العباس على هذا النحو... فراجع.
(2) النهاية، كتاب الوصايا، باب الوصية، وما يصح منها وما لا يصح.
(3) سورة النساء، الآية 12.
(4) الوسائل، الباب 17 من كتاب الوصايا، ح 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11.
(5) الوسائل، الباب 17، من كتاب الوصايا، ح 13 - 14 - 15 - 16.

[ 201 ]

وجه التأبيد، فإن غلة البستان وثمرة النخلة، إن كانت الثمرة والغلة موجودة في وقت موته، ولم يخلف غير البستان أو غير النخلة، فإن البستان أو النخلة يقومان، ويعطى الموصى له بالغلة والثمرة بقدر ثلث جميع ما قوم، فإن كانت الثمرة بقدر الثلث، فقد استوفى ما وصي له به، وإن نقصت عن الثلث، استوفى في المستقبل من الثمرة تمام الثلث، ويعود ملك الأصول إلى الورثة بعد استيفاء جميع ثلث ما كان في ملك الميت الذي ذكرنا إنه يقوم بعد الموت. وأما خدمة العبد، فإن العبد أيضا يقوم وقت الموت، ويستخدمه الموصى له بخدمته مدة يكون إجارتها بمقدار الثلث، فإذا استوفى الثلث، عادت رقبة العبد إلى الورثة. هذا إذا لم يخلف الميت ثلثين، كل ثلث بمقدار قيمة الغلة أو الثمرة، أو قيمة العبد سوى الثلث الذي هو قيمة الغلة أو الثمرة، أو قيمة العبد. فإن كانت الثمرة أو الغلة معدومة، فإن الجميع يقوم، ويأخذ في المستقبل الموصى له بقدر الثلث، مما يخرج البستان أو النخلة، إلى أن يستوفي قدر الثلث، ويرجعان إلى الورثة. إذا كان عليه حجة الاسلام، فأوصى أن يحج عنه من ثلث ماله، وأوصى بوصايا أخر، قدم الحج على غيره من الوصايا، فإن كانت الحجة تطوعا فلا دلالة على تقديمها. وروي (1) في أخبارنا إن الانسان إذا وصى بأن يشترى بثلث ماله عبيد، واعتقوهم، فينبغي أن يشترى بالثلث ثلاثة فصاعدا، لأنهم أقل الجمع، إن بلغ الثلث قيمة ثلاثة بلا خلاف، وإن لم يبلغ وبلغ اثنين وجزء من الثالث، فإنه يشترى الاثنان، ويعتقان، ويعطيان البقية. والذي يقتضيه الأصول، وتشهد بصحته الأدلة، إنه يشترى بالباقي جزء من عبد ثالث، لأنه يكون قد امتثل المأمور، لأن العبد يعتق، ويستسعى في الباقي قيمته،

(1) لم نجده في مجاميع أخبارنا. راجع المسألة 16 من كتاب الوصايا من الخلاف.

[ 202 ]

فيكون قد أعتقوا ثلاثة، والرواية من أخبار الآحاد، وقد بينا أنه لا يعمل بأخبار الآحاد عندنا في الشرعيات، لأنها لا توجب علما ولا عملا. وإذا أوصى لرجل بشئ ثم مات الموصي، فإنه ينتقل ما أوصى به إلى ملك الموصى له بوفاة الموصي، لأنه لا يخلو الشئ الموصي به من ثلاثة أحوال، إما أن يبقى على ملك الميت، أو ينتقل إلى الورثة، أو ينتقل إلى الموصى له، ولا يجوز أن يبقى على ملك الميت، لأنه قد مات، والميت لا يملك، بل يزول ملكه بموته، ولا يكون ملكا للورثة لقوله تعالى " من بعد وصية يوصي بها أو دين " (1) فجعل للورثة الميراث بعد الوصية، فلم يبق إلا أن يكون ملكا للموصى له بالموت، هذا استدلال شيخنا أبي جعفر في مسائل خلافه (2)، لأنه يذهب إلى أن بالموت ينتقل ما أوصى به إلى ملك الموصى له. والذي يقوى في نفسي، إنه لا ينتقل بالموت، بل بانضمام القبول من الموصى له، لا بمجرد الموت، والذي يدل على صحة ذلك، إنه لا خلاف بين أصحابنا أنه إذا رد الموصى له الوصية بعد موت الموصي، فإن الشئ الموصى به يعود إلى الورثة، ويقسم قسمة الميراث، للذكر مثل حظ الأنثيين، فلو انتقل إلى ملك الموصى له بالموت، ما كان كذلك، بل كان يكون هبة منه، وصلة وعطية للورثة، فيكون ذكرهم وأنثاهم فيها سواء، وأيضا فإنه يبعد أن يدخل الشئ في ملك مالك بغير قبوله واختياره، لأنه ليس في أصول مذهبنا ذلك، ولا لأصحابنا فتوى بذلك، ولا وردت به أخبار عن الأئمة الأطهار، ولا وضعه مصنف منهم في كتابه، ولا أودعه تصنيفه، ولا أجمعوا عليه، والأصل أن لا ملك، فمن ادعى دخول الأشياء في الأملاك بغير رضا المالكين ولا قبولهم، فإنه يحتاج إلى دليل قاهر. والذي يمكن أن يقال على استدلال شيخنا أبي جعفر، وتفصيله " من أنه ليس بملك للميت ولا للورثة " فما بقي إلا أن يكون داخلا في ملك الموصى له. يقال ما تقول في التركة إذا كان على الميت دين يحيط بها، فإنها بلا خلاف بيننا

(1) سورة النساء، الآية 11 - 12.
(2) الخلاف، كتاب الوصايا، مسألة 18.

[ 203 ]

لا يدخل في ملك الغرماء، ولا ملك الورثة، والميت فقد انقطع ملكه وزال فتبقى موقوفة على قضاء الدين، فالشئ الموصى به بعد موت الموصي وقبل قبول الموصى له، يبقى موقوفا على القبول، لا يدخل في ملك أحد مثل التركة سواء. وقد رجع شيخنا في الجزء الأول في كتاب الفطرة: إذا قال انسان قد أوصيت لفلان بثلث هذا العبد، أو ثلث هذه الدار، أو الثوب، ثم مات الموصي، وخرج ثلثا ذلك العبد، أو تلك الدار مستحقا، فإن الوصية تصح في الثلث الباقي في جميعه، إذا خرج من الثلث، وذهب بعض المخالفين إلى أن الوصية إنما تصح في ثلث ذلك الثلث الباقي الذي لم يخرج مستحقا، والدليل على ما اخترناه، أنه إذا قال أوصيت لفلان بثلث هذه الدار، فإنما أوصى له بما يملكه، ألا ترى أنه إذا قال بعت ثلث هذه الدار، فإن ذلك ينصرف إلى الثلث الذي يملكه منها، فإذا كان أوصى له بما يملك، وخرج من الثلث، وجب أن يصح، كما لو أوصى له بعبد يملكه. إذا أوصى بأن يصرف ثلثه في سبيل الله، فسبيل الله يدخل فيه الجهاد وغيره، من بناء المساجد، والقناطر، وجميع ما يتقرب به إلى الله سبحانه. إذا أوصى الانسان أن يساوى بين ورثته الرجال والسناء، وأن يكونوا في الميراث سواء هل ذلك جايز له، وهل هو في فعله على صواب أو خطأ، فالجواب عن ذلك إنه يجوز ما لم يرد تفضيل البنات على ثلث ماله، فإن زاد على ذلك بطل الزايد، ورد إلى الثلث. نكاح المريض جايز إذا دخل بها، وإن لم يدخل ولم يصح من مرضه ذلك، ومات فيه قبل الصحة وقبل الدخول، لم يصح النكاح، وكان باطلا عند أصحابنا بغير خلاف بينهم، ولا يجب عليها عدة ولا لها ميراث، وهذا إجماع من أصحابنا. الوصية للقاتل جايزة، لأنها ليست بميراث. إذا أوصى لمواليه، ولأبيه موال، وله موال، كان ذلك مصروفا إلى مواليه، دون موالي أبيه. وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: لا يجوز أن يوصي إلى أجنبي، بأن يتولى

[ 204 ]

أمر أولاده الصغار مع وجود أبيه، ومتى فعل لم تصح الوصية، لأن الجد أولى (1)، ولي في ذلك نظر. الأم عندنا لا تلي على أولادها بنفسها، إلا بوصية من أبيهم. إذا أوصى الانسان إلى رجل بجهة من الجهات، فليس له أن يتصرف في غيرها من الجهات. إذا أوصى بثلث ماله، اعتبر حال الموت، لا حال الوصية. من ليس له وارث قريب أو بعيد، ولا مولى نعمة، لا يصح أن يوصي بجميع ماله، ولا يوصي بأكثر من الثلث. إذا قال أعطوا فلانا رأسا من رقيقي، فإن هذه وصية صحيحة، والورثة بالخيار، يعطون أي رأس من عبيده شاؤوا، أقل ما يقع عليه اسم الرقيق، سواء كان معيبا أو صحيحا، صغيرا أو كبيرا فإن هلك الرقيق إلا رأسا واحدا، فإنه يعطى ذلك العبد، لأنه أوصى له لا بعينه، وعلقه بصفة، والصفة موجودة هيهنا، فأما إن قال أعطوه رأسا من رقيقي، ولم يكن له رقيق أصلا، فإن الوصية باطلة، لأنه علقه بصفة ليست موجودة، كما لو أوصى له بدار، ولم يكن له دار. وإذا أوصى له بشاة من غنمه، فالوصية صحيحة، وللورثة أن يعطوا أي شاة وقع عليها اسم الشاة، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، ضانية أو ماعزة، معيبة أو سليمة، فإن كانت غنمه كلها إناثا أعطي أنثى، وإن كانت ذكرانا أعطي ذكرا، وإن كانت ذكرانا وإناثا، فالورثة بالخيار بين اعطائه الذكر أو الأنثى، لأن الاسم يتناول ذلك. إذا قال أعطوه عشر أنيق، أو عشر بقرات، أعطي الإناث لا الذكور، لأنه اسم الإناث، إن قال أعطوه عشرة من الإبل، الأقوى والأظهر أن يقال يجب أن يعطى ذكورا، لأن الهاء لا تدخل إلا على عدد المذكر، دون المؤنث. قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه: فإن أوصى، فقال أعطوه دفا من دفوفي،

(1) الخلاف، كتاب الوصايا، مسألة 40.

[ 205 ]

فإنه تصح الوصية، لأن الدف له منفعة مباحة، لما روي (1) عنه عليه السلام أنه قال " أعلنوا هذا النكاح، وأضربوا عليه بالدف " وعلى مذهبنا لا تصح لأن ذلك محظور استعماله، هذا آخر كلامه رحمه الله (2). ونعم ما قال لأنه من اللهو واللعب، وإن كان قد روي رواية شاذة بأنه مكروه وليس بمحظور. وإذا قال أعطوه قوسا من قسي، وله قسي، قوس نشاب، وهو قوس العجم، وقوس نبل، وهو القوس العربي، أو يكون له قوس حسبان، بضم الحاء غير المعجمة، وسكون السين غير المعجمة، وفتح الباء المنقطة من تحتها نقطة واحدة، وهي سهام قصار، الواحدة حسبانة، هذا قول الجوهري في كتاب الصحاح، وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه (3)، " قوس حسبان " وهو الذي يدفع به النشاب في مجرى، وهو الوتر مع المجرى، ويرمي به، وقال في كتابه كتاب التبيان، في تفسير قوله تعالى " حسبانا من السماء " (4) قال ابن عباس، وقتادة، معناه عذابا، وقيل نارا من السماء تحرقها، وقيل أصل الحسبان السهام التي ترمى بمجرى في طلق واحد، وكان ذلك من رمي الأساورة هذا آخر كلامه رحمه الله في التبيان (5)، - أو يكون للميت قوس جلاهق، أو يكون له قوس النداف، قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، فإن هذا بالاطلاق يحمل على قوس النشاب، والنبل، والحسبان، فالورثة بالخيار، يعطون أي قوس من هذه الثلاثة شاؤوا، ثم قال رحمه الله، فأما إذا لم يكن له شئ إلا الجلاهق، وقوس النداف، فالورثة بالخيار، يعطون أي القوسين شاؤوا (6).

(1) ابن ماجة، باب إعلان النكاح من كتاب، الرقم 1895 ولفظه: " أعلنوا هذا النكاح، وأضربوا عليه بالغربال ".
(2) المبسوط، ج 4، كتاب الوصايا، ص 20.
(3) المبسوط، ج 4، كتاب الوصايا، ص 21، وفي المصدر، وهو الوتد مع المجري.
(4) سورة الكهف، الآية، 40.
(5) التبيان، ج 7، سورة الكهف، ص 42. (6) المبسوط، ج 4، كتاب الوصايا، ص 21، في العبارة تقطيع.

[ 206 ]

قال محمد بن إدريس رحمه الله، أرى أن الورثة بالخيار في إعطاء أيهم ما شاؤوا من الخمسة الأقواس، وتخصيص كلامه الموصي العام، يحتاج إلى دليل، والجلاهق البندق واحده جلاهقة. باب شرايط الوصية قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: من شرط الوصية أن يكون الموصي عاقلا حرا ثابت العقل، سواء كان صغيرا أو كبيرا، فإن بلغ عشر سنين، ولم يكن قد كمل عقله، غير أنه لا يضع الشئ إلا في موضعه كانت وصيته ماضية في المعروف من وجوه البر، مردودة فيما لم يكن كذلك، ومتى كان سنه أقل من ذلك، لم يجز وصيته، وقد روي (1) أنه إذا كان ابن ثمان سنين، جازت وصيته في الشئ اليسير، في أبواب البر، والأول أحوط، وأظهر في الروايات، وكذلك يجوز صدقة الغلام إذا بلغ عشر سنين، وهبته وعتقه، إذا كان بالمعروف في وجوه البر، فأما ما يكون خارجا عن ذلك، فليس بممضاة على حال، هذا آخر كلامه رحمه الله (2). قال محمد بن إدريس رحمه الله الذي تقتضيه أصول مذهبنا أن وصية غير المكلف البالغ غير صحيحة، ولا ممضاة، سواء كانت في وجوه البر، أو غير وجوه البر، وكذلك صدقته وعتقه وهبته، لأن وجود كلام الصبي غير البالغ كعدمه، ولأنه بلا خلاف محجور عليه، غير ماض فعله في التصرف في أمواله، بغير خلاف بين الأمة. وأيضا قوله تعالى " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم " (3) فأمرنا بالدفع للأموال إليهم بعد البلوغ، وهو في الرجال الاحتلام، أو الانبات، أو خمسة عشرة سنة، وفي النساء الاحتلام أيضا أو الانبات، أو بلوغ تسع سنين، أو الحمل، أو الحيض مع إيناس الرشد وحده أن يكون مصلحا لماله، مصلحا لدينه، ومن أجاز شيخنا وصيته وعتقه وهبته، ليس كذلك.

(1) الوسائل، الباب 15 من كتاب الوقوف والصدقات، ح 4.
(2) النهاية، كتاب الوصايا، باب شرائط الوصية.
(3) سورة النساء، الآية 6.

[ 207 ]

وأيضا قوله عليه السلام رفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى يحتلم (1)، ورفع القلم عنه يدل على أنه لا حكم لكلامه، وإنما هذه أخبار آحاد، يوردها في كتابه النهاية، إيرادا، وقد بينا أن أخبار الآحاد، لا توجب علما ولا عملا، وقد بينا في كتاب الحجر من كتابنا هذا، حد البلوغ، ومتى يفك الحجر عن الأطفال، ويسلم إليهم أموالهم، فلا معنى لإعادته. وليس من شرط صحة الوصية إلى الموصى إليه أن يشهد الموصي عليها شاهدين عدلين، بل الأولى أن يشهدهما، كيلا يعترض فيها الورثة، فإن لم يشهد أصلا وأمكن الوصي انفاذ الوصية، وجب عليه إنفاذها على ما أوصى به إليه. ولا يجوز غير شهادة المسلمين (2) العدول في الوصية إلا عند الضرورة وفقد العدول، فإنه يجوز والحال هذه أن يشهد نفسين من أهل الذمة، ممن ظاهرة الأمانة عند أهل ملته، ولا يجوز شهادة غير أهل الذمة على حال. فإن لم يحضره إلا امرأة مسلمة عدلة، جازت شهادتها في ربع الوصية، فإن حضرت اثنتان، جازت شهادتهما في النصف، ثم على هذا الحساب. وإذا أشهد انسان عبدين له على حمل جارية له أنه منه، وأعتقهما، فشهدا عند الورثة بذلك، فلم يقبلوا شهادتهما، واسترقوهما، وبيعا، أو اعتقا، فشهدا للمولود بالنسب قبلت شهادتهما على الورثة، وقد حققنا ذلك وحررناه في كتاب الشهادات (3). باب الوصية المبهمة والوصية بالعتق والحج إذا أوصى الانسان بجزء من ماله، ولم يبينه، كان ذلك السبع من ماله، وروي (4) أنه يكون العشر، والأول هو المذهب، وعليه العمل على ما قدمناه (5).

(1) الوسائل، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات ح 10.
(2) ج: شهادة غير.
(3) الجزء الثاني، ص 135.
(4) الوسائل، الباب 54 من كتاب الوصايا، ح 1 - 2 - 3 - 4 - 8 - 9 - 10 - 11.
(5) في ص 187.

[ 208 ]

وإن أوصى بسهم من ماله، كان ذلك الثمن، وذهب بعض أصحابنا رحمهم الله، إلى أنه يكون السدس، والأول هو الأظهر، وعليه العمل. وإذا أوصى بشئ من ماله ولم يبين مقداره، كان ذلك السدس من ماله على ما قدمناه (1)، وأجملناه فيما مضى. وقال شيخنا أبو جعفر رحمه الله في نهايته: فإن أوصى بثلث ماله في سبيل الله ولم يسم، أخرج في معونة المجاهدين لأهل الضلال والكافرين (2). والصحيح من المذهب، إنه يصرف في كل ما يتقرب به إلى الله سبحانه، لأن سبيل الله هو الطريق التي يتقرب بها إلى الله سبحانه، ويدخل في ذلك الجهاد وغيره من وجوه البر، مثل بناء المساجد، والقناطر ومعونة الحاج والزوار، وتكفين الموتى، وغير ذلك على ما قدمناه فيما مضى (3). إلا أن شيخنا رجع في مسائل خلافه في الجزء الثاني في كتاب قسمة الصدقات، فإنه قال: مسألة سبيل الله يدخل فيه الغزاة في الجهاد، والحاج وقضاء الديون عن الأموات، وبناء القناطر، وجميع المصالح وقال أبو حنيفة والشافعي ومالك، أنه يختص المجاهدين، وقال أحمد سبيل الله هو الحج، فيصرف ثمن الصدقة في الحج، دليلنا إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى وفي " سبيل الله " فإنه يدخل فيه جميع ذلك، لأن المصالح من سبيل الله، هذا آخر كلامه في المسألة (4). فإن أوصى الانسان بوصية وجعلها أبوابا مسماة، فنسي الوصي بابا منها، فليجعل ذلك السهم في وجوه البر على ما روي (5) في بعض الأخبار، أورده شيخنا في نهايته (6). وقال شيخنا في جواب الحائريات: إذا نسي الوصي جميع أبواب الوصية، فإنها تعود ميراثا للورثة (7).

(1) في ص 187.
(2) النهاية، كتاب الوصايا، باب الوصية المبهمة.
(3) في ص 187.
(4) الخلاف: كتاب قسمة، مسألة 21.
(5) الوسائل، الباب 61 من كتاب الوصايا.
(6) النهاية، كتاب الوصايا، باب الوصية المبهمة.
(7) المسائل الحائريات وفي ص 297 المسألة معنونة وعبارتها هكذا، إذا نسي جميع أبواب الوصية ولم - >

[ 209 ]

فنعم ما قال وأجاب رحمه الله، فإن كان على تلك الرواية إجماع، وإلا فالأولى أن تعود الباب كالمنسية ميراثا للورثة. وإذا أوصى الانسان لغيره بسيف، وكان في جفن وعليه حلية، كان السيف له بما فيه وعليه إذا خرج من الثلث، على ما رواه (1) أصحابنا. وإذا أوصى بصندوق لغيره، وكان فيه مال، كان الصندوق بما فيه للذي أوصى له به، إذا خرج من الثلث على ما رواه (2) أصحابنا. وكذلك إن أوصى له بسفينة وكان فيها متاع، كانت السفينة بما فيها للموصى له، إذا خرج أيضا من الثلث، إلا أن يستثني ما فيها. وكذلك إذا أوصى بجراب - بكسر الجيم - وكان فيه متاع، كان الجراب بما فيه للموصى له، سواء كان الموصي عدلا أو فاسقا متهما على الورثة أو غير متهم، لأنا لا نراعي في الموصي العدالة، بل ثبوت العقل، فإذا كان عاقلا تمضي وصيته في ثلث ماله، ولا تمضي في أكثر من ثلث ماله، سواء كان عدلا أو فاسقا. وقال شيخنا أبو جعفر رحمه الله في نهايته بعد إيراده الوصية بالصندوق والسفينة والسيف والجراب، ولم يقيد إن ذلك يجوز إذا خرج من الثلث، بل قال كان الجراب بما فيه للموصى له -: هذا إذا كان الموصي عدلا مأمونا، فإن لم يكن عدلا وكان متهما، لم تنفذ الوصية في أكثر من ثلثه من الصندوق والسفينة والسيف والجراب، وما فيها (3). وقد قلنا ما عندنا في ذلك، فليلحظ. وإلى ما اخترناه ذهب شيخنا المفيد في مقنعته، فإنه قال: وإذا أوصى انسان لانسان بصندوق مقفل، وكان في الصندوق متاع بقدر الثلث، أو دونه من تركته، فالصندوق بما فيه للموصى له، إلا أن يستثنيه الموصي به وكذلك إن وصى له < -

يكن هناك ما يرجع فيتذكره بطلت وصيته. (1) الوسائل: الباب 57 من كتاب الوصايا.
(2) الوسائل، الباب 58 من كتاب الوصايا.
(3) النهاية، كتاب الوصايا، باب الوصية المبهمة.

[ 210 ]

بسفينة فيها طعام، فالسفينة بما فيها للموصى له، إلا أن يستثني ما فيها، وكذلك إن وصى له بجراب مشدود، ووعاء مختوم، فالجراب والوعاء وما فيهما للموصى له، حسبما قدمناه، هذا آخر كلام شيخنا المفيد في مقنعته (1). فإنه قيد بأن ما في الصندوق، ويكون بقدر الثلث أو دونه من تركته، وكذلك في السفينة والجراب، ولم يجز الوصية فيما زاد على الثلث بحال، سواء كان عدلا مرضيا أو فاسقا متهما، وهذا الذي يقتضيه مذهبنا، وإجماعنا منعقد عليه، لا خلاف بين أصحابنا فيه، من أنه لا يجوز الوصية من كل أحد بأكثر من الثلث، سواء كان عدلا أو فاسقا. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وإذا وصى الانسان بشئ معين لأعمامه وأخواله، كان لأعمامه الثلثان، وللأخوال الثلث (2). والذي يقتضيه مذهبنا، إن لكل واحد من أخواله مثل كل واحد من أعمامه، يكون جماعة الموصى لهم من الأعمام والأخوال في الوصية سواء، لأن ذلك ليس بميراث، وما ذكره رحمه الله خبر واحد أورده في نهايته، إيرادا لا اعتقادا، وقد بينا أن أخبار الآحاد لا توجب علما ولا عملا. ثم قال رحمه الله بعد ذلك، فإن أوصى الانسان لأولاده وكانوا ذكورا وإناثا، ولم يذكر كيفية القسمة فيه، كان ذلك بينهم بالسوية، فإن قال هو بينهم على كتاب الله تعالى، كان للذكر مثل حظ الأنثيين (3). إذا أوصى فقال أعطوا ثلث مالي لقرابتي، فإن الوصية تكون للمعروفين من أقاربه في العرف، فيدخل فيه كل من يعرف في العادة إنه من قرابته، سواء كان وارثا أو غير وارث، لأن العرف يشهد بذلك، وشاهد الحال وفحوى الخطاب. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، اتباعا لشيخه المفيد في مقنعته: (4) وإذا أوصى بثلث ماله لقرابته، ولم يسم أحدا، كان ذلك في جميع ذوي نسبه الراجعين إلى آخر

(1) المقنعة، باب الوصية المبهمة، وفي المصدر، وإذا وصى الانسان ص 674.
(2) و (3) النهاية، كتاب الوصايا، باب الوصية المبهمة، وفي المصدر، وإذا أوصى.
(4) المقنعة، باب الوصية المبهمة ص 675.

[ 211 ]

أب وأم له في الاسلام، ويكون ذلك بين الجماعة بالسوية (1). إلا أنه رجع في مسائل خلافه (2)، وفي مبسوطه، فقال في مبسوطه: إذا أوصى فقال أعطوا ثلث مالي لقرابتي أو لأقربائي، أو لذي رحمي، فالحكم في الكل واحد، فقال قوم هذه الوصية للمعروفين من أقاربه في العرف، فيدخل فيه كل من يعرف في العادة إنه من قرابته، سواء كان وارثا أو غير وارث، وهو الذي يقوى في نفسي، وقال قوم إنه يدخل فيه كل ذي رحم محرم، فأما من ليس بمحرم له، فلا يدخل فيه، وإن كان له رحم مثل بني الأعمام وغيرهم، وقال قوم إنها للوارث من الأقارب، فأما من ليس بوارث فإنه لا يدخل فيه، والأول أقوى، لأن العرف يشهد به، وينبغي أن يصرف في جميعهم، ومن وافقنا على ذلك قال يصرف في جميعهم، إلا الوارث، فإن أجازته الورثة صرف إليهم أيضا، فيكون الذكر والأنثى فيه سواء، وفي أصحابنا من قال أنه يصرف ذلك إلى آخر أب وأم له في الاسلام، ولم أجد به نصا ولا عليه دليلا مستخرجا، ولا به شاهدا هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (3). وقال في نهايته: يصرف ذلك إلى آخر أب وأم له في الاسلام. ألا ترى أرشدك الله، قوله رحمه الله، ولم أجد به نصا ولا عليه دليلا مستخرجا، ولا به شاهدا، فالركون إلى ما يوجد في نهايته، ويورده فيها إذا لم تعضده الأدلة خطأ لا يجوز ولا يحل الركون إليه، وإنما يورد، أخبار آحاد، وما يجده في مصنفات أصحابنا، إيرادا لا اعتقادا لصحته، والعمل به. والوصية للجيران، والعشيرة، والقوم، والمسلمين، أو المؤمنين، أو الهاشميين، أو العلويين، وغيرهم، مما يتناولهم الاسم العام، على ما ذكرنا في الباب الوقوف (4) على السواء، لا يختلف الحال في ذلك. ومتى وصى لحمل غير منفصل، بل موجود في بطن أمه، غير منفصل موجود

(1) النهاية كتاب الوصايا، باب الوصية المبهمة.
(2) الخلاف، كتاب الوصايا، مسألة 24.
(3) المبسوط، ج 4، كتاب الوصايا، ص 40.
(4) في ص 161 و 162.

[ 212 ]

في الأرض، كانت الوصية ماضية، فإن سقط الحمل أو مات قبل وضعه وانفصاله من بطن أمه، رجعت الوصية ميراثا على ورثة الموصي، دون ورثة الموصى له، فإن وضعته أمه حيا، واستهل وصاح، ثم مات، كان ما أوصى له به ميراثا لورثته، دون ورثة الموصي، هذا إذا قبل وارث الحمل المستهل للوصية بعد استهلاكه، على ما قررناه (1) من أنه متى تنتقل الوصية بموت الوصي، أو بموته، وقبول الموصى له الوصية، فقد بيناه. ومن أوصى لا لحمل، بل لمعدوم غير موجود في بطن أمه، كانت الوصية باطلة. وإذا أوصى المسلم بثلثه للفقراء، كان ذلك لفقراء المسلمين، دون من عداهم من الناس، وإن اختلفوا في الآراء والمذاهب، اللهم إلا أن يعرف مراد الواقف، إن كان وقفا، أو الموصي، ومن عناه بالذكر بمذهب له، يدل على ذلك، أو عادة له في الخطاب، فيحكم عليه بذلك، دون ما وصفناه من العموم، فعلى هذا إذا أوصى الكافر للفقراء، كان ذلك لفقراء أهل ملته دون غيرهم. وروى أصحابنا، أنه إذا أوصى بوصايا وكان في جملتها الحج بدئ به، لأنه فريضة (2)، وقد قدمنا ذلك وحررناه (3). وإذا أوصى بعتق مملوك، وبشئ لقرابته، ولم يبلغ ثلثه، ذلك، بدئ بالمملوك، لأنه أول، وما فضل بعد ذلك كان لمن أوصى له به. وإذا أوصى بعتق ثلث عبيده، وكان له عبيد جماعة، استخرج ثلثهم عندنا بالقرعة، وأعتقوا. وإذا قال فلان وفلان وفلان من مماليكي أحرار بعد موتي، وكانت قيمتهم أكثر من الثلث، بدئ بالأول فالأول إلى أن يستوفي الثلث، وكان النقصان فيمن ذكرهم أخيرا. فإن ذكر جماعة من عبيده معدودين، ولم يميزهم بصفة، ولا رتبهم في القول،

(1) في ص 201.
(2) الوسائل، الباب 65 من كتاب الوصايا، ح 1 - 2 - 3 - 4.
(3) في ص 186.

[ 213 ]

واستخرجوا بالقرعة، وأعتقوا. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا أعتق مملوكا له عند موته، ولا يملك غيره، أعتق ثلثه، واستسعى فيما بقي لورثته (1). قال محمد بن إدريس رحمه الله، إن أراد رحمه الله إنه بت عتقه في حال حياته، ولم يجعله مدبرا بعد موته، فإنه ينعتق جميعه، ولا يستسعى في شئ لأن هذه عطية منجزة في الحال، وليس هو تدبيرا بعد الموت على الصحيح من المذهب، إلا على مذهب من قال من أصحابنا، إن العطية المنجزة يكون أيضا مثل المؤخرة، تخرج من الثلث إذا كانت في مرضه الموت، والأول هو الأظهر بين الطائفة، وعليه الفتوى، وبه العمل، لأن للانسان التصرف في ماله ونفقته جميعه، في مرضه الموت بغير خلاف، وإن أراد رحمه الله ب‍ " عند موته " بعد موته، وجعله تدبيرا، فنعم ما قال وذهب. وروي أنه إذا أوصى بعتق نسمة مؤمنة، ولم يوجد ذلك، جاز أن يعتق من أبناء الناس ممن لا يعرف بنصب ولا عداوة، فإن وجدت مؤمنة، لم يجز غيرها (2). والأظهر أنه لا يجزيه غير المؤمنة على كل حال، لقوله تعالى " فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه " (3). فإن اشترى نسمة على أنها مؤمنة، وكان ظاهرها ذلك، فأعتقت ثم ظهر بعد ذلك إنها لم تكن كذلك، فقد مضى العتق وأجزأ عن الوصي، لأنه المتعبد المكلف المخاطب بذلك، وأجزأ أيضا عن الموصي. وروي أنه إذا أوصى بأن يعتق عنه رقبة بثمن معلوم، فلم يوجد بذلك القدر، ووجد بأكثر منه، لم يجب شراؤه، وتركت الوصية إلى وقت ما يوجد بالثمن المذكور، فإن وجد بأقل من ذلك، اشتري وأعطي الباقي، ثم أعتق (4).

(1) النهاية، كتاب الوصايا، باب الوصية المبهمة، وفي المصدر، انعتق ثلثه.
(2) الوسائل، الباب 73 من كتاب الوصايا، ح 2، وفي الرواية، فأوحى بعتق نسمة مسلمة....
(3) سورة البقرة، الآية 181.
(4) الوسائل، الباب 77، من كتاب الوصايا، ح 1.

[ 214 ]

وروي أنه إذا أوصى الانسان بعتق جميع مماليكه، وله مماليك يخصونه، ومماليك بينه وبين غيره، أعتق من كان في ملكه، وقوم من كان في الشركة، وأعطي شريكه حقه، إن كان ثلثه يحتمل ذلك، وإن لم يحتمل، أعتق منهم بقدر ما يحتمله (1). والذي يقوى عندي، إنه لا يقوم من في الشركة، بل يعتق منهم بقدر ما يملكه، ولا يعطى شريكه ثمن حصته، وإن كان ثلثه يحتمل ذلك، لأنه بعد موته لا يملك الثلث إذا لم يوص به، لأن الموت يزول به ملكه إلا ما استثنى من ثلثه، وهذا ما استثنى شيئا. إذا أوصى الانسان فقال حجوا عني بثلثي حجة، ومات، فقد أوصى بأن يحج عنه بجميع ثلثه، فينظر فيه، فإن كان ثلث ماله بقدر أجرة من يحج عنه، فإن للوصي أن يستأجر من يحج عنه، سواء كان وارثا أو أجنبيا، بلا خلاف، وإن كان ثلث ماله أكثر ما يحج به من أجرة المثل، فكذلك عندنا، وعند المخالف يستأجر من يحج عنه بجميع ثلثه إذا كان أجنبيا، ولا يجوز أن يستأجر وارثا، لأن ما زاد على أجرة المثل وصية بالمحاباة، وذلك لا يصح للوارث، وعندنا إن ذلك يصح. وإن قال حجوا عني بثلثي، ولم يقل حجة واحدة، فقد أوصى أن يحج عنه بثلثه، فينظر في ذلك، فإن كان ثلثه بقدر ما يحج به حجة واحدة، استؤجر من يحج عنه، سواء كان وارثا أو غير وارث، وإن كان ثلث ماله أكثر من أجرة مثله، فإنه لا يجوز أن يستأجر عنه بأكثر منه، وينظر في الزيادة، فإن أمكن أن يستأجر بها من يحج عنه حجة أخرى، فعل، وإن لم يمكن ردت الزيادة إلى الورثة، لأن الوصية متى لم تصح في الوجه الذي صرفه (2) فيه، رجعت إلى الورثة، والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها، إن فيما قبلها أوصى بأن يحج عنه حجة واحدة بجميع ثلثه، فلأجل هذا لم تراع أجرة المثل. إذا أوصى الانسان أن يحج عنه ولم يقل بثلثي، ولم يبين كم يحج عنه؟ فإنه

(1) الوسائل، الباب 74 من كتاب الوصايا، ح 2.
(2) ج. صرفها فيه.

[ 215 ]

يجب أن يحج عنه حجة واحدة، لأنه قد امتثل المأمور به. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: إذا أوصى الانسان أن يحج عنه، ولم يبين كم يحج عنه؟ فإنه يجب أن يحج عنه ما بقي من ثلثه شئ (1). وهذا غير واضح، إلا أن يقيده بالثلث، بأن يقول حجوا عني بثلثي على ما قدمناه وحررناه. إلا أن شيخنا رجع عنه في مبسوطه، (2) وحرره كما حررناه. وإذا أوصى أن يحج عنه في كل سنة من ارتفاع ضيعة بعينها، فلم ترتفع كل سنة مقدار ما يحج عنه به، جاز أيضا أن يجعل ارتفاع سنتين وثلث، لسنة واحدة، وحج به عنه. وفقه هذا على ما قدمناه (3)، " من أن من أوصى بغلة الضيعة له، أو بستان، أو ثمرة نخلة، للانسان على التأبيد "، فإن ارتفاع الضيعة إن كان موجودا في وقت موته، ولم يخلف غير الضيعة المعينة، فإن الضيعة تقوم، وتؤخذ للحج بقدر ثلث جميع ما قوم، فإن كان الارتفاع بقدر الثلث، فقد استوفي، وحج به كل سنة، إلى أن ينفذ، وإن نقص الارتفاع عن الثلث، استوفي في المستقبل من الارتفاع تمام الثلث، ويعود ملك الضيعة إلى الورثة بعد استيفاء ثلث جميع ما كان في ملك الميت الذي ذكرناه، إنه يقوم بعد الموت، هذا إذا لم يخلف الميت ثلثين، كل ثلث بقدر قيمة الارتفاع المذكور الموجود غير الثلث الذي هو الارتفاع المذكور الموجود، فإن كان الارتفاع معدوما وقت موت الموصي، فإن الجميع يقوم ويؤخذ في المستقبل بقدر الثلث مما تخرج الضيعة، إلى أن يستوفي قدر الثلث، فيحج به، وترجع الضيعة إلى الورثة بعد ذلك، فليلحظ هذا الموضع، ويحصل ما قلناه، فإنه غامض ملتبس فليفهم عنا ما حررناه.

(1) النهاية، كتاب الوصايا، باب الوصية المبهمة.
(2) المبسوط: ح 4، كتاب الوصايا ص 23، والعبارة هكذا، وإن أطلق، فيهم من قال يحج من ثلثه، وذهب الأكثر إلى أنه من رأس المال وهو مذهبنا...
(3) في ص 201.

[ 216 ]

وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا قال حجوا عني حجة واحدة، فإن كانت حجة الاسلام، حج عنه من أصل المال، وإن كانت تطوعا حج عنه من الثلث، فإن لم يبلغ الثلث مقدار ما يحج عنه من الموضع، حج عنه من الموضع الذي يمكن ذلك فيه (1). وذهب في مبسوطه إلى أنه لا يجب أن يحج عنه، سواء كانت الحجة واجبة أو مندوبة، ولا يلزم الورثة الأجرة والاستيجار، إلا من ميقات أهله الذي هو ميقات الاحرام (2). وما ذكره في نهايته، هو الصحيح الذي تشهد به الروايات عن الأئمة عليهم السلام، ولأن الحج يجب على المال والبدن، ويجب عليه الخروج من بلده، والنفقة لمسافته من مصره وبلدته، فإذا عدم البدن، سقط عنه، وبقي في المال من الموضع الذي كان تجب عليه النفقة منه، لو كان حيا. وإذا قال الموصي لوصيه، أعط انسانا كل سنة شيئا معينا، فمات الموصى له، كان ما أوصى له لورثته، إلا أن يرجع فيه الموصي، فإن رجع فيه، كان ذلك له، سواء رجع فيه قبل موت الموصى له، أو بعد موته، فإن لم يرجع في وصيته حتى يموت، ولم يخلف الموصى له أحدا، رجعت الوصية على ورثة الموصي، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (3). والذي يقتضيه أصول مذهبنا أنه لأمام المسلمين مع قبوله للوصية، لأن الانسان لا بد له من وارث، أما من ذوي الأنساب، أو من ذوي الأسباب، فليتأمل ذلك. وإذا قال الموصي أعطوا فلانا كذا، ولم يقل إنه له، ولا أمره فيه بأمر وجب تسليمه إليه، وكان الأمر في ذلك إليه، إن شاء أخذه لنفسه، وإن شاء تصدق به عنه، كل ذلك جايز له فعله.

(1) و (3) النهاية: كتاب الوصايا، باب الوصية المبهمة.
(2) المبسوط ج 4 ص 23 والظاهر إن العبارة منقولة بالمعنى.

[ 217 ]

باب الاقرار في المرض والهبة فيه وغير ذلك إقرار المريض على نفسه جائز للأجنبي وللوارث وعلى كل حال، إذا كان عقله ثابتا في حال الاقرار، ويكون ما أقر به من أصل المال، سواء كان عدلا أو فاسقا متهما على الورثة، أو غير متهم، وعلى كل حال، سواء كانت مع المقر له بينة، أو لم تكن، لا جماع أصحابنا المنعقدان إقرار العقلاء جائز فيما يوجب حكما في شريعة الاسلام. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: إقرار المريض على نفسه جائز للأجنبي وللوارث على كل حال، إذا كان مرضيا موثوقا بعدالته، ويكون عقله ثابتا في حال الاقرار، ويكون ما أقربه من أصل المال، فإن كان غير موثوق به، وكان متهما، طولب المقر له بالبينة، فإن كانت معه بينة، أعطي من أصل المال، وإن لم تكن معه بينة، أعطي من الثلث إن بلغ ذلك، فإن لم يبلغ فليس له أكثر منه، هذا آخر كلامه رحمه الله (1). وقد قلنا ما عندنا في ذلك، إلا أن شيخنا رجع عن ذلك في مبسوطه (2)، ومسائل خلافه، في كتاب الاقرار: قال مسألة: إذا أقر بدين في حال صحته ثم مرض، فأقر بدين آخر في حال مرضه، نظر فإن اتسع المال لهما، استوفيا معا، وإن عجز المال، قسم الموجود منه على قدر الدينين، ثم قال أيضا مسألة. يصح الاقرار للوارث في حال المرض، ثم استدل، فقال، دليلنا إنه لا مانع يمنع منه، والأصل جوازه، وأيضا قوله تعالى (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) (3) والشهادة على النفس هو الاقرار، وذلك عام في جميع الأحوال لكل أحد، والتخصيص يحتاج إلى دلالة، وأيضا قوله تعالى " قالوا أقررنا، قال فاشهدوا " (4) وهذه أيضا عامة وعلى المسألة إجماع الفرقة، هذا آخر كلامه

(1) النهاية، كتاب الوصايا، باب الاقرار في المرض..
(2) المبسوط، كتاب الاقرار، ج 3، ص 13.
(3) سورة النساء، الآية 135.
(4) سورة آل عمران، الآية 81.

[ 218 ]

واستدلاله (1). وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ومتى أقر الانسان بشئ، وقال لوصيه سلمه إليه، فإنه له، وطالب الورثة الوصي بذلك، فإن كان المقر مرضيا عند الوصي، جاز له أن ينكر، ويحلف عليه، ويسلم الشئ إلى من أقر له به، وإن لم يكن مرضيا لم يجز ذلك له، وعليه أن يظهره، وعلى المقر له البينة بأنه له، فإن لم يكن معه بينة، كان ميراثا للورثة، هذا آخر كلامه (2). قال محمد بن إدريس رحمه الله، هذا غير مستقيم، وأصول مذهبنا بخلافه، وقد دللنا على صحة ذلك فيما مضى (3)، والواجب على الوصي أن يسلمه إلى من أقر له به، سواء كان المقر مرضيا أو غير مرضي، لأن إقرار العاقل الحر جايز على نفسه. وشيخنا أبو جعفر قد رجع عن مثل هذا في مسائل خلافه على ما حكيناه عنه واستدل على صحة ما أوردناه عنه، فلا معنى لإعادته، وهذه أخبار آحاد أوردها في كتابه النهاية، على ما وجدها. وقال شيخنا في نهايته: وإذا كان عليه دين، فأقر إن جميع ما في ملكه لبعض ورثته، لم يقبل إقراره إلا ببينة، فإن لم يكن مع المقر له بينة، أعطي صاحب الدين حقه، أولا، ثم ما يبقى يكون ميراثا (4). ما ذكره رحمه الله صحيح، إذا اضافه إلى نفسه، ولم يقل بأمر حق واجب، فأما إن أطلق إقراره ولم يقل " جميع ما في ملكي " أو " هذه داري " لفلان، بل قال هذه الدار لفلان، أو جميع هذا الشئ لفلان، كان ذلك صحيحا سواء كان المقر له وارثا أو غير وارث، في صحة كان إقراره أو مرض، وعلى جميع الأحوال، إذا كان عاقلا ثابت الرأي، وقد دللنا على صحة ذلك، وإنما لم تصح المسألة الأولى التي ذكرها شيخنا وحكيناها عنه، لأنه اضافه إلى نفسه، بأن قال " جميع ما في ملكي "

(1) الخلاف، كتاب الاقرار، مسألة 12 - 13.
(2) النهاية، كتاب الوصايا، باب الاقرار في المرض.
(3) في ص 217.
(4) النهاية، كتاب الوصايا، باب الاقرار في المرض..

[ 219 ]

فاضافه إليه فكيف يصح أن يكون ملكه لغيره، إلا بانتقال شرعي، لأنه يكون في قوله " هذه داري لفلان " مناقضا، وقد دللنا على ذلك وشرحناه وحررناه في كتاب الاقرار (1)، فليلحظ من هناك. وإذا قال لفلان وفلان لأحدهما عندي ألف درهم، فمن أقام البينة منهما، كان الحق له، فإن لم يكن مع أحدهما بينة، كان الألف بينهما نصفين، على ما روي في بعض الأخبار (2). والذي يقتضيه مذهبنا استعمال القرعة في ذلك، دون قسمته نصفين، لإجماع أصحابنا المنعقد إن كل أمر مشكل يستعمل فيه القرعة، وإن قلنا نرجع في التفسير إلى الورثة، كان قويا معتمدا. وإذا أقر بعض الورثة بدين على الميت، جاز إقراره على نفسه، ولزمه بمقدار ما يخصه، إذا كان غير مرضي، وقد حررنا هذا القول، وأشبعناه في باب قضاء الدين عن الميت (3)، وقلنا ما عندنا فيه، فليرجع إليه، ويعتمد ما أو مأنا إليه من الأدلة، فهي العمدة. وكذلك إذا كان المقرون جماعة، وليس فيهم مقبول الشهادة، فأما إن كان أقر واحد وهو مرضى، فإن المقر له يحلف مع شهادته، وقد استحق جميع ما شهد له به، لأنا عندنا يقبل الشاهد ويمين المدعي في المال، وكل ما المقصود منه المال، وهذا مال. وأول ما يبدأ به من التركة الكفن، ثم الدين، ثم الوصية، ثم الميراث. وإذا كان على الميت دين، وخلف مالا دون ذلك، قضي بما ترك دينه، وليس هناك وصية، ولا ميراث، ويكون ذلك بين أصحاب الديون بالحصص، فإن وجد متاع بعض الديان بعينه، وكان فيما بقي من تركته وفاء لديون الباقين، رد عليه متاعه بعينه بنمائه المتصل دون نمائه المنفصل، هذا إذا اختار ذلك، وقضي دين الباقين من التركة، فإن لم يخلف غير ذلك المتاع، كان صاحبه وغيره من الديان فيه سواء، يقتسمون بينهم على قدر أموالهم.

(1) الجزء الثاني ص 506.
(2) الوسائل، الباب 25 من كتاب الوصايا، ح 1.
(3) الجزء الثاني ص 47.

[ 220 ]

وإذا قتل انسان وعليه دين، وجب على أوليائه أن يقضوا دينه من ديته إذا كان القتل يوجب المال، وقد روي (1) أنه سواء كان قد قتل خطأ أو عمدا، فإن كان قد قتل عمدا على هذه الرواية، وأرادوا أولياؤه القود، أو العفو، لم يكن لهم ذلك، إلا بعد أن يرضوا أصحاب الديون أولا، ثم إن شاؤوا بعد ذلك قتلوا وإن شاؤوا عفوا عنه، وإن شاؤوا قبلوا الدية، هذه الأحكام عند من عمل بهذه الرواية من أصحابنا. ومن لم يعمل بها قال أنا أحملها على قتل الخطأ الذي يوجب المال، دون القتل الذي يوجب القود، لأنه على مذهبنا موجبه شئ واحد وهو القود، دون المال، ولأن الرواية إذا لم تخص بالقتل الذي يوجب المال، ضادت القرآن، وهو قوله، تعالى، " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل " (2) فالعامل بها لم يجعل له سلطانا جملة، وأيضا تقف الأحكام، لأن للولي أن يقول ما أؤدي إليك يا صاحب الدين مالك، ويقول له صاحب الدين لا أمكنك من القود، والقاتل إذا طولب بالدية ليقضي الدين عن الميت، إن يمتنع من الأداء، لأنه لا يجب عليه إلا القود عندنا، دون المال بلا خلاف بيننا، فتعطل حينئذ الأحكام، وقد شرحنا ذلك فيما مضى في كتاب الديون، وبسطناه وحررناه (3). وإذا قال الموصي لوصيه اقض عني ديني، وجب عليه أن يبدأ به قبل الميراث، فإن تمكن من قضائه ولم يقضه وهلك المال، كان ضامنا له، وليس على الورثة لصاحب الدين سبيل، إن كان قد صار إليهم من التركة حقهم، وإن كان قد عزله الوصي من أصل المال، وقسم الباقي بينهم، ولم يتمكن من اعطائه أصحاب الديون، وهلك من غير تفريط من جهته، كان لصاحب الدين مطالبة الورثة بالدين، من الذي صار إليهم وأخذوه واقتسموه. ومن أقر أن عليه زكاة سنين كثيرة، وأمر بإخراجها عنه، وجب أن تخرج من

(1) الوسائل الباب 59 من كتاب القصاص، ح 1 - 2.
(2) سورة الاسراء الآية 33.
(3) الجزء الثاني، ص 48.

[ 221 ]

جميع المال، لأنه بمنزلة الدين، وما يبقى بعد ذلك يكون ميراثا. فإن كان عليه شئ من الزكاة، وكان قد وجب عليه حجة الاسلام، ففرط فيها، وخلف دون ما يقضى عنه به الحجة والزكاة، حج عنه من أقرب المواضع، ويجعل ما يبقى في أرباب الزكاة. وإذا أقر المريض إن بعض مماليكه ولده، ولم يصفه بصفة، ولا عينه بذكر، ثم مات، أخرج بالقرعة واحد منهم، ويلحق به، ويورث منه. وإذا لم يخلف الميت إلا مقدار ما يكفن به، كفن بذلك ولم يقض به دينه، فإن تبرع انسان بتكفينه، كان ما خلف يقضى به الدين. والهبة في حال المرض صحيحة إذا أقبضها، ولم يكن للورثة الرجوع فيها، فإن لم يقبضها ومات، كانت راجعة إلى الميراث، وكذلك حكم ما يتصدق به في حال حياته. والبيع في حال المرض صحيح، كصحته في حال الصحة إذا كان المريض مالكا لاختياره ورأيه ثابت العقل، فإن كان المرض غالبا على عقله، كان ذلك باطلا. والمريض إذا تزوج، كان عقده صحيحا، ويلزمه المهر قليلا كان أو كثيرا، إذا دخل بالمرأة، أو برئ من ذلك المرض، فإن لم يدخل بها ولا برئ من ذلك المرض، ومات فيه قبل الدخول بها، كان العقد باطلا، ولا يلزمها عدة، ولا لها ميراث، لإجماع أصحابنا على ذلك، فليس عليها من الأدلة سوى الاجماع من أصحابنا. وطلاق المريض مكروه شديد الكراهة، حتى أن بعض أصحابنا يقول طلاق المريض غير جايز، لأجل شدة الكراهة، فإن طلق، ورثته المرأة ما بينها وبين سنة، إذا لم يبرأ من مرضه الذي طلقها فيه، ولا تزوجت المرأة، فإن برئ المريض، ثم مرض بعد ذلك ومات، لم ترثه المرأة، وكذلك إن تزوجت بعد انقضاء عدتها، لم يكن لها ميراث، فإن لم تتزوج ومضى لها سنة، فبعدها لم يكن لها ميراث، ويرث هو المرأة ما دامت في العدة الرجعية، دون العدة الباينة، على الصحيح من المذهب والأقوال والروايات، لأنه الذي يقتضيه أصول مذهبنا.

[ 222 ]

وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ولا فرق بين أن يكون التطليقة أولة، أو ثانية، أو ثالثة، وعلى كل حال (1). إلا أنه رجع عن ذلك في مسائل خلافه، وقال: لا يرثها الزوج إلا ما دامت في العدة الرجعية دون العدة التي لا له عليها رجعة (2)، على ما حكيناه عنه أولا، وقدمناه (3). والوصية ماضية إذا تكلم بها الموصي وكان ثابت العقل، فإن اعتقل لسانه وكان ممن يحسن أن يكتب، كتبها ثم أمضيت أيضا بحسب ذلك، فإن لم يقدر أن يكتب، وأومئ بها، وفهم بذلك غرضه منه، أمضيت أيضا بحسب ذلك، فإن قال له انسان تقول كذا وكذا، وتأمر بكذا وكذا، فأشار برأسه أن نعم، كان أيضا ذلك جائزا، إذا علم ذلك من شاهد حاله، وكان عقله ثابتا عليه، فإن كان عقله زائلا في شئ من هذه الأحوال، لم يلتفت إلى شئ من ذلك. وقد روي أنه إذا وجدت وصية بخط الميت، ولم يكن أشهد عليها، ولا أمر بها، فإن الورثة بالخيار بين العمل بها، وبين ردها وإبطالها، فإن عملوا بشئ منها، لزمهم العمل بها جميعا على ما روي في بعض الأخبار (4)، وأوردها شيخنا أبو جعفر في نهايته (5). والذي يقتضيه أصول مذهبنا، أنهم إذا أقروا بشئ منها وعملوا به، وقالوا إن هذا حسب صحيح أوصى به، دون ما عداه مما في هذا المكتوب، فإنه لا يلزمهم العمل بجميع ما في المكتوب، إلا بما أقروا به، دون ما عداه، وإنما هذه رواية وخبر واحد أوردها شيخنا إيرادا وقد بينا أن أخبار الآحاد لا يجوز العمل

(1) النهاية، كتاب الوصايا، باب الاقرار في المرض..
(2) الخلاف، كتاب الطلاق مسألة 54، وهي منقولة بالمعنى.
(3) الجزء الثاني، ص 674.
(4) الوسائل، الباب 48 من كتاب الوصايا، ح 2.
(5) النهاية، كتاب الوصايا، باب الاقرار في المرض.. وفي المصدر، لم يكن أشهد عليها ولا أقر بها، كان الورثة بالخيار..

[ 223 ]

عليها، في الشرعيات، لأنها لا توجب علما ولا عملا. وإذا كان على انسان دين لغيره، ومات صاحبه، لم يجز له أن يعطيه لبعض ورثته باتفاق الباقين، فإن أعطاه جميعه وأعلمه أنه لجماعة الورثة، كان القاضي الذي هو المعطي، ضامنا لحصة الباقين، وقد سقط عنه نصيبه، ولا يرجع عليه إن تلف بغير تفريط منه وكان قد وكله في القضاء عنه والتسليم إليهم، فإن كان قد فرط في حفاظه وتلف، فإنه يرجع عليه، وإن كان قد أقر وقت تسليمه إليه، وقال خذ هذا فهو لك، أو نصيبك من الدين الذي كان لمورثك علي، فإنه لا يجوز له أن يعود عليه بشئ بحال. وإذا غاب رجل عن أهله، وترك لهم نفقة سنة أو أكثر من ذلك، ثم مات بعد شهر، كان على امرأته ومن يجب عليه نفقته أن يردوا ما فضل عن نفقة الشهر الذي مضى إلى الميراث.

[ 225 ]

كتاب المواريث والفرائض

[ 226 ]

كتاب المواريث والفرايض روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: تعلموا الفرايض وعلموها الناس، فإنها نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شئ ينتزع من أمتي (1). وروى عبد الله بن مسعود إن النبي صلى الله عليه وآله قال تعلموا القرآن وعلموه الناس، وتعلموا الفرايض وعلموها الناس، فإني امرء مقبوض، وسيقبض العلم، وتظهر الفتن، حتى يختلف الرجلان في فريضة لا يجدان من يفصل بينهما (2). وكانت الجاهلية تتوارث بالحلف والنصرة، وأقروا على ذلك في صدر الاسلام، في قوله " والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم " (3) ثم نسخ ذلك بسورة الأنفال بقوله تعالى " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض " (4) وكانوا يتوارثون بالاسلام والهجرة، فروي (5) أن النبي صلى الله عليه وآله آخى بين المهاجرين والأنصار، لما قدم المدينة، فكان يرث المهاجري من الأنصاري، والأنصاري من المهاجري، ولا يرث وارثه الذي كان له بمكة، وإن كان مسلما لقوله " إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا وإن

(1) ابن ماجة، الباب 1 من كتاب الفرائض، الحديث 1. رواه عن أبي هريرة. (ج 2، ص 908 الحديث 2719).
(2) سنن البيهقي، الباب 1 من كتاب الفرائض، الحديث 2 (ج 6، ص 208) وفي لفظه اختلاف مع ما في المتن.
(3) سورة النساء، الآية 33.
(4) سورة الأنفال، الآية 75.
(5) الوسائل، الباب 1 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 4.

[ 227 ]

استنصروكم في الدين فعليكم النصر " (1) ثم نسخت هذه الآية بالقرابة والرحم والنسب والأسباب، بقوله تعالى " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " (2) وفي آية أخرى " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا " (3) فبين أن أولي الأرحام أولى من المهاجرين إلا أن تكون وصية وقوله تعالى " للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا " (4) ثم قدر ذلك في سورة النساء في ثلاث آيات (5) في قوله تعالى " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " (6) ذكر فرض ثلاثة أحدها جعل للبنت النصف، وللبنتين الثلثين، فإن كانوا ذكورا وإناثا فللذكر مثل حظ الأنثيين، ثم بين ذكر الوالدين، وإن لكل واحد منهما السدس مع الولد، فإن لم يكن ولد، فللأم الثلث، والباقي للأب، وإن كان له إخوة معهما، فلأمه السدس، والباقي للأب، في قوله تعالى " ولأبويه لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس " (7) هذه الآية الأولى. ثم قال " ولكم نصف ما ترك ازواجكم " (8) فذكر في صدر هذه الاية حكمين، وذكر في اخرها حكم الكلالة، ذكر في اولها حكم الزوج والزوجة، وان للزوج إذا لم يكن ولد النصف، فان كان له ولد الربع وللزوجة الربع إذا لم يكن ولد، فان كان ولد فلها الثمن، ثم عقب بالكلالة، فقال ان كان له أخ من أم أو أخت، فله السدس، وان كانوا اثنين فصاعدا فلهم الثلث، وفي قراءة ابن مسعود، وان كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما السدس، وأيضا فإن الله تعالى ذكر أنثى وذكرا، وجعل لهما الثلث، ولم يفضل أحدهما على الآخر،

(1) سورة الأنفال، الآية 72.
(2) سورة الأنفال، الآية 75.
(3) سورة الأحزاب، الآية 6.
(4) سورة النساء، الآية 7.
(5) إلى هنا موافق لما أورده في المستدرك الباب 1 من أبواب موجبات الإرث، ح 3.
(6) سورة النساء، الآية 11.
(7) سورة النساء، الآية 11.
(8) سورة النساء، الآية 12.

[ 228 ]

ثبت أنه يأخذ بالرحم. الآية الثالثة في آخر سورة النساء قوله " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) (1) فذكر فيها أربعة أحكام، ذكر إن للأخت من الأب والأم إذا كانت واحدة لها النصف، وإن ماتت هي ولم يكن لها ولد ولها أخ، فالأخ يأخذ الكل، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان، وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين. وروي عن ابن عباس أنه قال من علم سورة النساء، وعلم من يحجب ومن لا يحجب، فقد علم الفرائض (2). وإذا ثبت هذا فالإرث على ضربين، خاص وعام، فالعام (3) إذا مات ميت ولم يكن له وارث، ولا مولى نعمة، ولا مولى تضمن جريرة، كانت تركته عند أصحابنا لإمام المسلمين خاصة، وهو الذي يعقل عنه، وإن مات ذمي ولا وارث له، كان كذلك للإمام، وعند المخالف يكون ميراثه لبيت مال المسلمين فيئا. والإرث الخاص (4) يكون بشيئين، بسبب ونسب، فالسبب سببان، زوجية وولاء، والولاء على ثلاثة أقسام، ولاء النعمة، وولاء تضمن الجريرة، وولاء الإمامة، فالميراث بالنسب يثبت على وجهين بالفرض والقرابة، فإذا مات ميت فلا يخلو حاله من ثلاثة أقسام، أولها أن يخلف من يحوز جميع المال، والثاني أن يخلف من يأخذ بعض ماله، الثالث لم يخلف أحدا. فإن خلف من يحوز جميع المال، فلا يخلو ذلك من ثلاثة أقسام، أحدهما يأخذ الكل بالقرابة، الثاني يأخذ الكل بالفرض، الثالث يأخذ بالفرض والقرابة. فمن يأخذ بالقرابة فقط مثل الابن والأب، فإنهما يأخذان المال بالقرابة عندنا دون التعصيب، لأن التعصيب عندنا باطل، وكذلك الجد والأخ، وابن الأخ والعم وكذلك من يتقرب من قبل الأم، فإن كل واحد من هؤلاء يأخذ جميع المال بالقرابة.

(1) سورة النساء، الآية 176.
(2) الدر المنثور، في تفسير سورة النساء، (ج 2، ص 116) فيه: " من قرأ سورة النساء فعلم ما يحجب مما لا يحجب علم الفرائض ".
(3) ج. فالخاص.
(4) ج. والإرث العام.

[ 229 ]

وأما المولى فإنه يأخذ بحق الولاء دون التعصيب، فإن كانوا جماعة أخذوا المال كله بالقرابة أو الولاء، لأنه ليس لهم تسمية فيأخذون بها، والعصبة عندنا باطلة. ومن يأخذ بالفرض دون القرابة، مثل الزوج والأخت، إذا اجتمعا، يأخذ الزوج النصف والأخت النصف بلا خلاف، وكذلك حكم البنتين والأبوين والأختين من الأب والأم، أو الأب مع الأختين أو الأخوين من الأم. ومن يأخذ بالفرض والقرابة مثل الزوج والعم أو ابن العم ومن يجري مجراه، فإن الزوج يأخذ بالفرض، والباقين يأخذون بالقرابة دون التعصيب، وكذلك كل من له سهم مسمى، ويفضل عن سهمه من ذوي الأنساب إذا لم يكن هناك غيره، فإنه يأخذ ما سمي له بالفرض، والباقي بالقرابة يرد عليه، مثل أن يخلف البنت وحدها أو البنتين، فإنها تأخذ النصف إذا كانت وحدها، والثلثين إذا كانتا اثنتين، والباقي رد عليها أو عليهما. فأما إذا لم يخلف أحدا ممن يرثه فإن ميراثه عندنا لإمام المسلمين، وعند المخالفين لبيت المال، فإذا ثبت هذا فإن كان الإمام سلم إليه، وإن لم يكن ظاهرا حفظ له كما تحفظ ساير حقوقه، ولا يسلم إلى سلاطين الجور، فمن سلمه مع الاختيار إلى سلاطين الجور، ضامنا. وجملة الأمر وعقد الباب، ما يحتاج إلى العلم به في ذلك ستة أشياء، ما به يستحق الميراث، وما به يمتنع، ومقادير سهام الوراث، وترتيبهم في الاستحقاق، وتفصيل أحكامهم مع الانفراد والاجتماع، وكيفية القسمة عليهم. فأما ما به يستحق فشيئان، نسب وسبب، والسبب ضربان، زوجية وولاء، والولاء على ضروب ثلاثة، ولاء العتق المتبرع به، وولاء تضمن الجريرة، وولاء الإمامة على ما قدمناه (1). وأما ما به يمتنع فثلاثة أشياء: الكفر والرق وقتل الوارث عمدا على وجه الظلم، فكل ما يمنع من الميراث من الكفر والرق والقتل، يمنع من حجب الأم من

(1) في ص 228.

[ 230 ]

الثلث إلى السدس، فإذا ثبت هذا فإنهم لا يرثون ولا يحجبون، وهو إجماع الأمة إلا ابن مسعود، فإنه انفرد في جملة الخمس المسائل، بأن هؤلاء يحجبون فلا يعتد بخلافه، لأنه قد انقرض، وخصوصا على مذهبنا في الاجماع وعلة كونه حجة. فصل وأما مقادير السهام فستة: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس. فالنصف سهم أربعة: سهم الزوج مع عدم الولد، وولد الولد، وإن نزلوا، ذكور ا كانوا أو إناثا، وسهم البنت إذا لم يكن غيرها من الأولاد، والأخت من الأب والأم، والأخت من الأب إذا لم يكن أخت من أب وأم. والربع سهم اثنين: سهم الزوج مع وجود الولد، وولد الولد، وإن نزلوا، وسهم الزوجة مع عدمهم. والثمن سهم الزوجة أو الزوجات الأربع، أو ما زاد عليهن في بعض الأحكام، لأن المريض إذا طلق أربعا في مرضه طلاقا ثالثا فله أن يتزوج بأربع غيرهن قبل خروجهن من عدتهن، فإذا دخل بمن تزوجهن أخيرا، ثم مات قبل برئه من مرضه الذي طلق الأربع فيه، وقبل سنة من طلاقه لهن، وقبل تزويجهن، فإن الثمان النسوة يرثنه الثمن، إن ترك معهن ولدا، أو ولد ولد، وإن نزلوا، لأنهم ينطلق عليهم اسم الولد حقيقة عندنا، والربع إن لم يترك ولدا ويكون بين جميعهن بالسوية، ويتقدر إن يكن أكثر من ثمان نسوة أضعافهن على التقرير والتقدير الذي قدرناه وحررناه بغير خلاف بين أصحابنا رحمهم الله، فلا يتعجب مما يقوم الدليل على صحته، بل الدليل كما يقال يعمل العجب. والثلثان سهم ثلاثة: سهم البنتين فصاعدا، والأختين فما زاد من الأب: والأم، والأختين فصاعدا من الأب، إذا لم يكن أخوات من أب وأم. والثلث سهم اثنين: سهم الأم مع عدم الولد، وولد الولد، وعدم من يحجبها من الإخوة المخصوصين بنسب مخصوص، وعدد مخصوص وانتفاء صفات مخصوصة، معنى قولنا بنسب مخصوص، أن يكونوا من الأب والأم، أو من الأب، فأما إن كانوا

[ 231 ]

من الأم وحدها، فلا يحجبونها عن الثلث، بحال، ولو كانوا ألفا، وقولنا عدد مخصوص أن يكونوا ذكرين موجودين منفصلين عن البطن، لأن الحمل عندنا لا يحجب، أو يكونوا أربع أخوات، أو يكونوا ذكرا وأنثيين، ولا يجب أقل من هذه العدة، وقولنا انتفاء صفات مخصوصة أن لا يكونوا قتلة عمدا على جهة الظلم للمقتول، ولا عبيدا، ولا كفرة، لأن كل من حصلت فيه إحدى هذه الصفات لثلاث فإنه لا يحجب ولا يرث، ولو كانوا ألفا. وسهم الاثنين سواء كانا ذكرين أو أنثيين فصاعدا من كلالة الأم، والكلالة عند أصحابنا الإخوة ومن انضم إليهم، فأما إذا لم يكن من الإخوة للأم أحد، فإن المتقرب بالأم يأخذ نصيبها وهو الثلث، سواء كان واحدا المتقرب بها أو أكثر من واحد، ويأخذه بالقربى لا بالفرض والتسمية، بخلاف الإخوة، لأن الإخوة يأخذون بالتسمية والفرض، الواحد (1) السدس، ومن زاد عليه الثلث. وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن للجد من قبل الأم السدس، والاثنين الثلث، وأجراهم مجرى الإخوة، والأظهر الأول، لأن الإخوة يأخذون بالفرض والتسمية بغير خلاف، فلا يزادون على ما سمي لهم، والأجداد من قبلها يأخذون سهم الأم وهو الثلث، الواحد منهم الثلث، والجماعة الثلث، هذا إذا انفردوا عن الإخوة من قبلها فأما إذا اجتمعوا مع الإخوة، أخذ الجميع من الإخوة والأجداد معا الثلث، يكون بينهم بالسوية، لا يفضل أحدهما (2) على الآخر، ولا يفضل أخ على جد، ولا جد على أخ، ولا ذكر على أنثى، فليلحظ ذلك ويتأمل، فإن فيه غموضا ولبسا. فصل وأما ترتيب الوراث (3) فاعلم: أن الواجب تقديم الأبوين والولد، فلا يجوز أن يرث مع جميعهم ولا مع واحد منهم أحد ممن عداهم من النسب والسبب، إلا الزوج والزوجة، فإنهما يرثان إذا انتفت عنهما الصفات الثلاث المقدم ذكرها مع جميع الوراث

(1) ج. للواحد.
(2) ج. أحد.
(3) ج. ل. الوارث.

[ 232 ]

الأبوين، وحجبهما عن أعلى السهمين إلى أدناهما. وبعض أصحابنا يذهب إلى أن ابن البنت يعطى نصيب البنت، وبنت الابن تعطى نصيب الابن. وذهب آخرون من أصحابنا إلى خلاف ذلك، وقالوا ابن البنت ولد ذكر حقيقة فنعطيه نصيب الولد الذكر، دون نصيب أمه، وبنت الابن بنت حقيقة، تعطيها نصيب البنت دون نصيب الابن الذي هو أبوها، واختاره السيد المرتضى (1) واستدل على صحة ذلك بما لا يمكن المنصف دفعه من الأدلة القاهرة اللايحة، والبراهين الواضحة، قال رضي الله عنه اعلم: أنه يلزم من ذهب من أصحابنا إلى أن أولاد البنين والبنات يرثون سهام آبائهم مسائل سبع، لا مخلص لهم منها. فمن ذلك إنه يلزمهم أن يكون حال البنت أحسن من حال الابن بل أحسن من حال جماعة كثيرة من البنين، كرجل خلف بنت ابن وعشرين ابنا من بنت، فعندهم إن لبنت الابن نصيب أبيها وهو الثلثان، ولبني البنت نصيب أمهم وهو الثلث، فالبنت الواحدة أوفر نصيبا، من عشرين ابنا. ومنها أن يكون نصيب البنت يساوي نصيب الابن، حتى لو كان مكانها ابن لورث ما ترثه هي بعينه على وجه واحد وسبب واحد، وذلك أن مذهبهم إن بنت الابن تأخذ المال كله بسبب واحد، لأن لها عندهم نصيب أبيها، فلو كان مكان هذه البنت ابن لساواها في هذا الحكم، وأخذ ما كانت تأخذه البنت على الوجه الذي كانت تأخذه عليه، وليس في الشريعة أن الابن يساوي البنت في الميراث، فإذا عارضونا بمن خلف بنتا ولم يخلف غيرها، فإنها تأخذ جميع المال، ولو كان مكانها ابن لجرى في ذلك مجراها، فالجواب إن الابن لا يجري عندنا مجرى البنت هاهنا، لأن البنت تأخذ النصف بالتسمية، والنصف الآخر بالرد، والابن يأخذ المال بسبب واحد، من غير تسمية ولا رد، وأنتم توجبون مساواة الابن للبنت في الميراث والسبب.

(1) رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة، ص 257 - 265.

[ 233 ]

ومنها إن البنت في الشرع وبظاهر القرآن لها النصف إذا انفردت، وللبنتين الثلثان، وهم يعطون بنت الابن من عندهم البنت المتوفى (1)، ومستحقة لهذه التسمية الجميع، وكذلك يقولون في ابنتي ابن لهما جميع المال من غير رد عليهما، وهذا بخلاف الكتاب والاجماع. فإن قالوا ما جعل الله تعالى للبنت الواحدة النصف، وللبنتين الثلثين في كل موضع، وإنما جعل لهن ذلك مع الأبوين خاصة، وإذا انفردت عن الأبوين، لم يكن لهن ذلك قلنا قد ذهب الفضل بن شاذان إلى هذا المذهب ومن تابعه عليه، فرارا من مسألة العول ونحن نبين فساد هذه الطريقة بعد أن نبين لزوم ما ألزمناهم إياه على تسليم ما اقترحوه، فنقول قد جعل الله تعالى للبنت الواحدة النصف، ومذهبكم هذا يقتضي أن للأبوين السدسين (2)، وما بقي لبنت الابن، وهي عندكم بنت المتوفى على سبيل الحقيقة، فقد صارت البنت تأخذ مع الأبوين أكثر من النصف بسبب واحد، وجرت في ذلك مجرى الابن، فأما القول بأن للبنت الواحدة النصف، وللبنتين الثلثين، إنما يختص باجتماع الأبوين معهن، فمن بعيد القول عن الصواب، لأن الله تعالى قال " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " (3) وهذه جملة مستقلة بنفسها، وظاهر القرآن يقتضي أن للذكر مثل حظ الأنثيين على كل حال، ومع وجود كل أحد، وفقد كل أحد، ثم عطف عليها جملة أخرى مستقلة أيضا فقال تعالى " فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك " (4) ظاهر هذه الجملة إن ذلك لهن على كل حال ومع فقد كل واحد ووجوده، ثم عطف تعالى جملة أخرى مستقلة غير متعلقة بما يليها ولا ما تقدمها فقال تعالى " وإن كانت واحدة فلها النصف " (5) وما جرى إلى هيهنا للوالدين ذكر، وظاهر الكلام يقتضي أن للواحدة النصف مع كل أحد إلا أن يمنع دليل، ثم قال تعالى " ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك، إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه

[ 234 ]

الثلث " (1) فبين جل اسمه هيهنا حكم الوالدين في الميراث مع وجود الولد وفقده فكيف يجوز أن يعلق إيجاب النصف للبنت الواحدة والثلثين للبنتين، بوجود الأبوين، وقد تقدم ذكر حكم البنات مطلقا وبعد الخروج عنه أتى ذكر الأبوين مشروطا، وكيف يتوهم ذلك فتأمل، والله تعالى يقول إن كان له ولد فشرط في ميراث الأبوين الولد، ولو كان المراد إن النصف للبنت، والثلثين، مع وجود الأبوين، لكان اشتراط الولد لغوا واشتراط لما هو موجود مذكور، ولو صرح تعالى بما ذكروه، لكان الكلام قبيحا خارجا عن البلاغة والبيان، ألا ترى أنه لو قال تعالى ولأبويه مع البنت أو البنتين لكل واحد منهما السدس، إن كان له ولد لقبح ذلك وفحش، فكيف يقدر في الكلام ما لو أظهرناه لكان غير مستقيم، وأجمع أهل العربية على أن الوقف التام عند قوله تعالى وإن كانت واحدة فلها النصف ولو كان المراد ما توهموه من أن لها النصف مع الأبوين، لما كان ذلك وقفا تاما، ولا خلاف بين أحد من أهل العلم البتة، والمفسرين، وأصحاب الأحكام، في أن قوله تعالى ولأبويه كلام مبتدأ مستأنف، لا تعلق له بما قبله. فأما اعتذارهم عند سماع هذا الكلام بأن اشتراط الولد إنما حسن، ليدخل فيه الذكور وما زاد على البنتين، لأنه لم يمضي إلا ذكر البنت الواحدة والبنتين، فعجيب، لأنه لو أراد ما ذكروه لقال تعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين مع الأبوين، فإن كن نساء فوق اثنتين معهما فلهما ثلثا ما ترك، وإن كانت واحدة معهما فلها النصف، فلو أراد هذا المعنى على الترتيب الذي رتبوه، وعنى بقوله إن ذلك لهما مع البنت أو البنتين وما زاد عليهما، وأراد أن يبين إن السدسين للأبوين مع الأولاد، لكان لا يحسن أن يقول إن كان له ولد، بل يقول وإن كان له أيضا ذكور، لأنه قد تقدم ذكر البنت الواحدة وما زاد عليها، فلا معنى لاشتراط الولد وانفراد قوله تعالى ولأبويه عن الجملة المتقدمة لا يذهب على متأمل، وإنما فروا بهذا التقدير الذي لا يتحصل عن نقصان البنت في مسألة العول عن النصف،

(1) سورة النساء، الآية 11.

[ 235 ]

وادعوا إن النصف جعل لها مع الأبوين لا في كل موضع، وأحسن من ركوبهم هذه المعضلة، أن يقولوا إن الله تعالى جعل (1) لها النصف بظاهر الكلام في كل موضع، وفي مسألة العول قام دليل على أن لها دون ذلك، فعلمنا أن الله تعالى لم يجعل لها النصف في هذا الموضع خاصة، وإن كان لها في ساير المواضع، وإنما أحسن أن نخص بدليل، بعض المواضع أو يحصل ما هو مطلق من القول مشروطا بغير دليل، ولا حجة على وجه يسمح به الكلام، ويذهب رونقه، وتزول فصاحته، ثم يقال لهم خبرونا عمن خلف أولاد ابن، أو أولاد بنت، ذكورا وإناثا، كيف تقسمون الميراث بين هؤلاء الأولاد، فإذا قالوا للذكر مثل حظ الأنثيين، قلنا فبأي حجة فعلتم ذلك. فلا وجه لهذه القسمة، إلا قوله يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين، وإلى الآية المفزع (2) في ذلك، فيقال لهم فقد سمى الله تعالى أولاد الأولاد أولادا، فأي فرق بين أن يكون الذكور والإناث أولاد بن واحد، أو بنت واحدة وبين أن يكون هؤلاء الذكور والإناث أولاد بنت وابن في تناول الاسم لهم، وإذا كان الاسم متناولا لهم في الحالين، فيجب أن تكون القسمة في الحالين تتفق ولا تختلف، ويعطى أولاد البنات الذكور والإناث، وأولاد البنين الذكور والإناث، للذكر مثل حظ الأنثيين، فلا يخالف حكم الآية في أحد الموضعين، ويتناول الآية لهما تناولا واحدا. فإن قالوا يلزمكم أن ترثوا (3) أولاد الأولاد مع الأولاد، لتناول الاسم للجماعة عندكم. قلنا لو تركنا وظاهر الآية، فعلنا (4) ذلك، لكن إجماع الشيعة الإمامية بل إجماع كل المسلمين منع من ذلك، فخصصنا الظاهر وحملنا الآية على أن المراد يوصيكم الله في أولادكم بطنا بعد بطن. فإن قالوا فنحن أيضا نخصص الظاهر، ونحمل قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم على أن المراد به أولاد الصلب بغير واسطة. قلنا تحتاجون إلى دليل قاطع على هذا التخصيص، كما فعلنا نحن في ذلك،

(1) ج. لم يجعل.
(2) ج. ل. المفترع.
(3) ج. ل. تورثوا.
(4) ج. لفعلنا.

[ 236 ]

ورجعنا فيه إلى الاجماع. فإن قالوا أجمعت الإمامية على ذلك. قلنا ما الدليل على ذلك، فإنا ما نعرف هذا الاجماع، وفي المسألة خلاف بينهم، وإن كان أكثرهم يقول بخلاف الصواب في هذه المسألة تقليدا وتعويلا على روايات رووها، إن كل من تقرب بغيره، أخذ سهام من تقرب به (1)، وهذا الخبر إنما هو في أولاد الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، الأخوال والخالات، وبني الأعمام والأخوال، لأن هؤلاء لا تسمية لهم في الميراث، وإنما يتقربون بغيرهم، فاعطوا سهام من يتقربون به، وليس كذلك أولاد الأولاد، لأن هؤلاء وإن سفلوا داخلون في اسم الولد، واسم البنات والبنين على الحقيقة، ممن هو مسمى في الكتاب، منصوص على توريثه، لا يحتاج في توريثه إلى ذكر قرابته، وإن نعطيه نصيب من يتقرب به، كما لا يحتاج في توريث أولاد الصلب بلا واسطة إلى شئ من ذلك. فإن قيل فما دليلكم على صحة ما ذهبتم إليه من توريث أولاد الأولاد، والقسمة عليهم للذكر مثل حظ الأنثيين. قلنا دليلنا على ذلك قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا خلاف بين أصحابنا في أن ولد البنين، وولد البنات، وإن سفلوا يقع عليهم هذه التسمية، ويتناولهم على سبيل الحقيقة، ولهذا حجبوا الأبوين عن ميراثهما إلى السدسين بولد الولد، وإن هبطوا وحجبوا الزوج عن النصف إلى الربع، والزوجة عن الربع إلى الثمن بولد الولد، فمن سماه الله تعالى ولدا في حجب الأبوين، وحجب الزوجين، يجب أن يكون هو الذي سماه ولدا في قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم، وكيف يخالف بين حكم الأولاد، ويعطى بعضهم للذكر مثل حظ الأنثيين، والبعض الآخر نصيب آبائهم الذي يختلف ويزيد وينقص، ويقتضي تارة تفضيل الأنثى على الذكر، والقليل على الكثير، وتارة المواساة بين

(1) الوسائل، الباب 1 و 2 من أبواب موجبات الإرث.

[ 237 ]

الذكر والأنثى، وعلى أي شئ نعول في الرجوع عن ظاهر كتاب الله تعالى. فأما مخالفونا من العامة فإنهم لا يوافقونا في تسمية ولد البنت بأنه ولد على الحقيقة، ومنهم من وافق على ذلك، ووافق جميعهم على أن ولد الولد وإن هبط يسمى ولدا على الحقيقة. وقد حكي عن بعضهم إنه كان يقول إن ولد الولد إنما يسمون بهذه التسمية إذا لم يحضر أولاد الصلب، فإن حضروا لم يتناولهم الاسم، وهذا طريف، فإن الاسم إذا تناولهم، لم يختلف ذلك بأن يحضر غيرهم أو لا يحضر، وما راعى أحد فيما يجري على المسميات من الأسماء مثل ذلك، وإنما أحوجهم إلى ذلك إنهم وجدوا أولاد الابن لا يأخذون مع حضور الابن شيئا، ويأخذون مع فقده بالآية المتضمنة للقسمة على الأولاد. وظنوا أن الاسم يتناولهم في الحال التي لا يرثون فيها، وهذا غلط منهم، وقد أغناهم الله تعالى عن هذه البدعة في إجراء الاسم والخروج عن المعهود فيها، بأن يقولوا إن الظاهر يقتضي اشتراك الولد وولد الولد في الميراث، لولا أن الاجماع على خلاف ذلك، فيخصصوا بالاجماع الظاهر. ومما يدل على أن ولد البنين والبنات يقع عليهم اسم الولد قوله تعالى " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم " (1) ولا خلاف بين الأمة في أن بظاهر هذه الآية تحرم علينا بنات أولادنا، فلو لم تكن بنت البنت بنتا على الحقيقة، لما دخلت تحت هذه الآية، ويحقق ذلك أنه تعالى لما قال " وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت " (2) ذكر في المحرمات بنات الأخ وبنات الأخت، لأنهن لم يدخلن تحت اسم الأخوات، ولما دخل بنات البنات تحت اسم البنات، لم يحتج، وقد حرمهن أن يقول وبنات بناتكم، وهذه حجة قوية فيما قصدناه. وقوله تعالى " وحلائل أبنائكم " (3) وقوله جل اسمه " ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن " (4) لا خلاف في عموم الحكم هيهنا بجميع أولاد الأولاد من ذكور وإناث.

(1) سورة النساء، الآية 23. (2) و (3) سورة النساء، الآية 23.
(4) سورة النور، الآية 31.

[ 238 ]

ومما يدل أيضا على أن ولد البنت ينطلق عليه اسم الولد على الحقيقة، إنه لا خلاف في تسمية الحسن والحسين عليهما السلام إنهما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وإنهما يفضلان بذلك ويمدحان، ولا فضيلة ولا مدح في وصف مجاز مستعار، فثبت أنه حقيقة، وقد روى أصحاب السير كلهم أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه لما أمر ابنه محمد بن الحنفية وكان صاحب رايته يوم الجمل في ذلك اليوم فقال له: اطعن بها طعن أبيك تحمد * لا خير في الحرب إذا لم توقد بالمشرفي والقنا المسدد. قال محمد بن إدريس رحمه الله يعني المقوم وقد استد الشئ إذا استقام، ومنه قول الشاعر: أعلمه الرماية كل يوم * فلما استد ساعده رماني والعامة تنشده بالشين المعجمة، وهو بالسين غير المعجمة، فحمل محمد رضي الله عنه، فأبلى جهده، فقال أمير المؤمنين عليه السلام أنت ابني حقا وهذان ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله يعني الحسن والحسين، فأجرى عليهما هذه التسمية مادحا لهما، ومفضلا لهما، والمدح لا يكون بالمجاز والاستعارة، وما زالت العرب في الجاهلية تنسب الولد إلى جده، أما في موضع مدح أو ذم، ولا يتناكرون ذلك، ولا يحتشمون منه، وقد كان الصادق أبو عبد الله عليه السلام يقال له ابدا أنت ابن الصديق، لأن أمه بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، ولا خلاف بين الأمة في أن عيسى عليه السلام من بني آدم وولده، وإنما ينسب إليه بالأمومة دون الأبوية (1). فإن قيل اسم الولد يجري على ولد البنات مجازا، وليس كل شئ استعمل في غيره يكون حقيقة له. قلنا الظاهر من الاستعمال الحقيقة، وعلى من ادعى المجاز الدلالة، وقد بينا في غير موضع إن الأصل الحقيقة، والمجاز طار داخل، والاستعمال محمول على الأصول، إلا أن تنقل دلالة قاهرة.

(1) ج. الأبوة.

[ 239 ]

فإن قالوا: لو حلف رجل بالطلاق، أو بالله تعالى إنه لا ولد له، وله ولد بنت، لما كان حانثا. قلنا يكون عندنا حانثا إذا أطلق القول، وإنما لا يكون حانثا إذا نوى ما يخرجه عن الحنث. وقد ناقض الفضل بن شاذان في مذهبه، وقال كتابه في الفرايض، في رجل خلف بنت ابن وابن بنت، إن لبنت الابن الثلثين، نصيب أبيها، ولابن البنت الثلث نصيب أمه، في ولد (1) الولد نصيب من يتقرب به وأعطاه ذلك، ثم قال في هذا الكتاب في بنت ابن وابن ابن، أن المال بينهما، للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذه مناقضة لما قرره، لأن بنت الابن تتقرب بأبيها، وابن الابن يتقرب أيضا بأبيه، فيجب أن يتساويا في النصيب، فكيف جعل هيهنا للذكر مثل حظ الأنثيين مع أن كل واحد يتقرب لغيره، فله على مذهبه نصيب من يتقرب به، وإلا فعل مثل ذلك في بنت ابن وابن بنت، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين. ومن العجب أنه قال في كتابه ما هذه حكاية لفظه، فإن ترك ابن بنت وابنة ابن، وأبوين، فللأبوين السدسان، وما بقي فلابنة الابن، حق أبيها الثلثان، ولابن البنت حق أمه الثلث، لأن ولد الابنة ولد، كما أن ولد الابن ولد، وهذا التعليل ينقض الفتوى، لأنه إذا كان ولد البنت ولدا كما أن ولد الابن كذلك، فيجب أن يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، بظاهر قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم فكيف أعطى الأنثى ضعف ما أعطى الذكر. وقد يوافق الحق مذهب ابن شاذان في بعض المسائل من هذا الباب، وإن خالف في التعليل، مثل من خلف بنت بنت وابن ابن، فإنه يعطي البنت نصيب أمها وهو الثلث، ويعطي الابن نصيب أبيه وهو الثلثان، وهكذا نعطيهما نحن، لأنا ننزلهما منزلة ابن وبنت بلا واسطة، للذكر مثل حظ الأنثيين. هذا آخر كلام السيد المرتضى رضي الله عنه. وهو الذي يقوى في نفسي،

(1) ج. فجعل لولد الولد.

[ 240 ]

وأفتي به، وأعمل عليه، لأن العدول إلى ما سواه عدول إلى غير دليل من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع منعقد، بل ما ذهبنا إليه هو ظاهر الكتاب الحكيم، والاجماع حاصل على أن ولد الولد ولد حقيقة، على ما دللنا عليه في غير موضع، ولا يعدل عن هذه الأدلة القاطعة للأعذار، إلا بأدلة مثلها موجبة للعم، ولا يلتفت إلى أخبار آحاد في هذا الباب، لأنها لا توجب علما ولا عملا، ولا إلى كثرة القائلين به، والمودعيه كتبهم وتصنيفاتهم، لأن الكثرة لا دليل معها، لأنه ربما كان الدليل مع القليلين، لأن الحجة هو قول إمام الزمان عليه السلام ولأجله عندنا صار الاجماع حجة ودليلا، فإذا لم يقطع على أن قوله مع أقوال الكثيرين من أصحابنا، لم نأمن أن يكون قوله داخلا في أقوال القليلين، فيحتاج في المسألة إلى دليل غير الاجماع، لأن دليل صحة الاجماع غير مقطوع به مع أحد الفريقين، فيحتاج في المسألة إلى دليل غيره. وإلى ما اختاره السيد واخترناه ذهب الحسن بن أبي عقيل العماني رحمه الله في كتابه كتاب المتمسك بحبل آل الرسول عليهم السلام، وهذا الرجل من جلة فقهاء أصحابنا ومتكلميهم، وكتابه كتاب معتمد قد ذكره شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في فهرست المصنفين، وأثنى عليه، وكان شيخنا المفيد محمد بن محمد النعمان رحمه الله يكثر الثناء على هذا الرجل. والأقرب من الأولاد أولى من الأبعد، وإن كان الأقرب بنتا، والأبعد ابن ابن. فإن عدم الأبوان والولد، فالواجب تقديم الإخوة والأخوات والأجداد والجدات، ولا يرث مع جميعهم ولا واحد منهم أحد ممن عداهم ذوي الأنساب، ويرث معهم من ذوي الأسباب الزوج والزوجة على ما قدمناه (1)، وإنهما يرثان مع كل أحد، ولا يمنعان من الإرث جملة، إلا أن يكون المانع إحدى الصفات الثلاث المقدم ذكرها.

(1) في ص 231.

[ 241 ]

وحكم أولاد الإخوة والأخوات وإن نزلوا، حكم آبائهم وأمهاتهم في الاستحقاق، ومشاركة الأجداد، وحجب من سواهم، واعتبار الأقرب منهم فالأقرب، فالأخ من الأب أو الأب والأم، مع الجد للأب أو للأب والأم، بمنزلة الأخ مع الأخ، والأخت من هذا النسب مع الجد المذكور بمنزلة الأخت مع الأخ، والجدة من هذا النسب المذكور مع الأخ أيضا من هذا النسب، بمنزلة الأخت مع الأخ، والجدة من الأخت بمنزلة الأخت مع الأخت، فأما إن كان الأخ من الأم فحسب، فقد قدمنا (1) حكمه، وكذلك إن كان الجد من الأم مع هؤلاء المقدم ذكرهم، فقد قدمنا (2) أيضا حكمهم وحررناه وشرحناه فيما مضى فليلحظ من هناك، فلا وجه لا عادته فإن لم يكن أحد من هؤلاء وجب تقديم الأعمام والعمات والأخوال والخالات، أو واحد منهم على غيرهم من القرابات، إلا من استثنيناه، وحكم الأولاد منهم وإن نزلوا، حكم آبائهم وأمهاتهم على ما قدمناه (3)، إلا في مشاركة الأخوال أو الأعمام وفيما رواه (4) أصحابنا وأجمعوا عليه من أن ابن العم للأب والأم، أحق بالميراث من العم للأب، فإنهم أجمعوا على عين هذه المسألة وصورتها فحسب، فإن كان عوض العم المذكور فيها عمة للأب، كان الميراث لها دون ابن العم الذي للأب والأم، لأنهم ما أجمعوا إلا على صورة المسألة المقدم ذكرها، وكذلك لو كان خال وعم للأب، وابن العم للأب والأم، كان المال للعم والخال للعم الثلثان، وللخال الثلث، وسقط ابن العم للأب والأم، وكذلك لو كان خال وابن العم المقدم ذكره، كان الميراث للخال دون ابن العم المذكور في المسألة. وقال شيخنا أبو جعفر في استبصاره في تأويل خبر أورده، وهو رجل مات ولم يخلف إلا بني عم، وبنات عم، وعم أب وعمتين لمن الميراث؟ فكتب أهل العصبة وبنو العم هم وارثون، قال شيخنا فالوجه في هذا الخبر أحد شيئين، أحدهما أن نحمله على التقية، لأنه موافق لمذهب العامة لأن المتقرر من مذهب الطائفة أن الأقرب

(1) و (2) و (3) في ص 232.
(4) الوسائل، الباب 4 - 5 من بواب ميراث الأعمام والأخوال.

[ 242 ]

أولى بالميراث من الأبعد، فإذا ثبت ذلك فالعمتان أولى، لأنهما أقرب من ابن العم ومن عم الأب، والوجه الآخر أن يكون هذا الحكم يختص إذا كان بنو العم لأب وأم والعم أو العمة للأب خاصة (1). قال محمد بن إدريس قوله أو العمة غير صحيح، لأن الاجماع منعقد على العم دون العمة. وقد رجع شيخنا عن هذا في المسائل الحلبية، فقال المسألة السادسة، إن ابن العم للأب والأم، مع العم للأب، المال لابن العم، فإن كان معه إخوة، كان بينهم، فإن كان مكان ابن العم (2) للأب عمة للأب، أو عم للأم، كان المال لمن كان من قبل الأم أو الأب، دون ابن العم للأب والأم، ولا نحمل على تلك المسألة غيرها لبطلان القياس، ولو لا إجماع الفرقة عليها لما قلنا بها لأنها تخالف الأصول، فينبغي أن يكون الفتيا مقصورا عليها، هذا آخر كلام شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله (3). فلا يجوز لنا أن نتعدى عن المسألة وصورتها وصيغتها، ولا نقيس غيرها عليها، لأن القياس عندنا باطل، كما قال. فإن عدم هؤلاء الوراث فالمستحق من له الولاء بالعتق المتبرع به، أو الولاء بتضمن الجريرة دون ولاء الإمامة، لأن ولاء الإمامة لا يستحق به الإرث إلا بعد الولائين المقدم ذكرهما. ولا يستحق أيضا الإرث في جميع أقسام الولاء الثلاثة، إلا بعد عدم جميع ذوي الأنساب، دون الأسباب إلا في ولاء لإمامة، فإن الإمام لا يستحقه إلا مع عدم جميع ذوي الأنساب أيضا، دون الأسباب إلا سبب واحد، وهو الزوج، فإن الإمام لا يستحق من الإرث بولاء الإمامة شيئا مع الزوج، لإجماع أصحابنا على ذلك، فأما مع الزوجة فإنه يستحق ما بقي بعد سهمها وفرضها بغير خلاف من محصل متأمل،

(1) الاستبصار، ج 4، الباب 101 من ميراث الأولى من ذوي الأرحام، ح 3.
(2) ج، ل: مكان العم.
(3) لم تتوفر لدينا المسائل.

[ 243 ]

إلا رواية (1) شاذة لا يلتفت إليها، ولا يعرج عليها. فإن شيخنا أبا جعفر ذكر في نهايته قال: فإذا خلفت زوجا ولم تخلف غيره من ذوي رحم قريب أم بعيد، كان للزوج النصف بنص القرآن (2)، والباقي رد عليه بالصحيح من الأخبار (3) عن أئمة آل محمد عليهم السلام. وإذا خلف الرجل زوجة ولم يخلف غيرها من ذي رحم قريب أو بعيد كان لها الربع بنص القرآن (4) والباقي للإمام (5)، وقد روي (6) أن الباقي يرد عليها، كما يرد على الزوج (7). وقال بعض (8) أصحابنا في الجميع بين الخبرين هذا الحكم مخصوص بحال غيبة الإمام، وقصور يده، فأما إذا كان ظاهرا، فليس للمرأة أكثر من الربع، والباقي له على ما بيناه، وهذا وجه قريب من الصواب. قال محمد بن إدريس رحمه الله مصنف هذا الكتاب: ما قربه شيخنا أبعد مما بين المغرب، والمشرق، لأن تخصيص الجامع بين الخبرين بما قد ذهب إليه، يحتاج فيه إلى دلالة قاهرة، وبراهين متظاهرة، لأن أموال بني آدم ومستحقاتهم لا يحل بغيبتهم، لأن التصرف في مال الغير بغير إذنه قبيح عقلا وسمعا. وشيخنا أبو جعفر فقد رجع عما قربه في إيجازه، فقال ذووا السهام على ضربين، ذوو الأنساب، وذوو الأسباب، فذوو الأسباب هم الزوج والزوجة، ولهما حالتان، حالة انفراد بالميراث، وحالة اجتماع، فإذا انفردوا كان لهم سهمهم المسمى، إن كان زوجا النصف، والربع إن كانت زوجة، والباقي لبيت المال، وقال أصحابنا إن الزوج وحده يرد عليه الباقي بإجماع الفرقة على ذلك، هذا آخر كلامه في

(1) و (6) الوسائل، الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج، ح 6 - 9.
(2) و (4) سورة النساء، الآية 12.
(3) الوسائل، الباب 3، من أبواب ميراث الأزواج.
(5) الوسائل، الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج، ح 2 - 3 - 4 - 5 - 7 - 8.
(7) النهاية، باب ميراث الأزواج.
(8) وهو ابن بابويه على ما نقله في الوسائل ذيل الحديث 9 من الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج.

[ 244 ]

الايجاز (1). وقال شيخنا المفيد في مقنعته، في آخر باب ميراث الإخوة والأخوات، وإذا لم يوجد مع الأزواج قريب ولا نسيب للميت، رد باقي التركة على الأزواج (2). إلا أنه رحمه الله رجع عن ظاهر كلامه وإجماله، في كتابه كتاب الأعلام، فقال في باب ميراث الأزواج: واتفقت الإمامية على أن المرأة إذا توفيت وخلفت زوجا ولم تخلف وارثا غيره من عصبة ولا ذي رحم أن المال كله للزوج، النصف منه بالتسمية، والنصف الآخر مردود عليه بالسنة هذا آخر كلامه رحمه الله (3). وإلى ما اخترناه ذهب السيد المرتضى في انتصاره، فقال مسألة ومما انفردت به الإمامية، إن الزوج يرث المال كله إذا لم يكن وارث سواه، فالنصف بالتسمية، والنصف الآخر بالرد، وهو أحق بذلك من بيت المال، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، وذهبوا كلهم إلى أن النصف له، والنصف الآخر لبيت المال، والحجة في ذلك إجماع الطائفة عليه، فإذا قيل كيف يرد على من لا قرابة له ولا نسب، وإنما يرث بسبب، وإنما يرد على ذوي الأرحام، ولو جاز أن يرد على الزوج، لجاز أن يرد على الزوجة حتى تورث جميع المال، إذا لم يكن وارث سواها، قلنا الشرع ليس يؤخذ قياسا، وإنما يتبع فيه الأدلة الشرعية، وليس يمتنع أن يرد على من لم يكن ذا رحم وقرابة إذا قام الدليل على ذلك، وأما الزوجة فقد وردت رواية (4) شاذة بأنها ترث المال كله إذا انفردت كالزوج، ولكن لا يعول على هذه الرواية، ولا تعمل الطائفة بها، وليس يمتنع أن يكون للزوج مزية في هذا الحكم على الزوجة، كما كان له مزية عليها في تضاعف حقه على حقها، هذا آخر كلامه رحمه الله (5). ويقوم ولد المعتق الذكور منهم والإناث وجميع من يرثه من ذوي الأنساب على حد واحد مقامه، إلا الإخوة والأخوات من الأم أو من يتقرب بها من الجد والجدة

(1) الايجاز، فصل في ذكر سهام المواريث، ص 270، ط. حديث.
(2) المقنعة، باب ميراث الإخوة والأخوات ص 691.
(3) لم نعثر عليه.
(4) الوسائل، الباب 4، من ميراث الأزواج، حديث 6 - 9. (5) الانتصار، كتاب الفرائض والمواريث والوصايا...

[ 245 ]

والخال والخالة وأولادهما على الصحيح من المذهب، سواء كان المعتق المباشر للعتق رجلا أو امرأة، لأنه الذي يقتضيه أصل مذهبنا (1). وفي أصحابنا من قال إنه لا ترث النساء من الولاء شيئا، وإنما يرثه الذكور من الأولاد والعصبة إذا لم يكن أولاد ذكور، هذا إذا كان المعتق رجلا. فأما إذا كان المعتق امرأة فلا يرث أولادهما من ولاء مواليها شيئا، بل يرث الولاء العصبة دون أولادها، سواء كان الأولاد ذكورا أو إناثا. وذهب بعض أصحابنا إلى أنه إذا كان المعتق رجلا يرث ولاء مواليه أولاده الذكور دون الإناث منهم، فإن لم يكن له أولاد ذكور، كان الولاء للعصبة، فإن كان المعتق امرأة، ورث ولاء مواليها أولادها الذكور دون الإناث، فإن لم يكن ذكور فإن الولاء للعصبة، مثل ما قال إذا كان المعتق رجلا، وهذا اختيار شيخنا المفيد في مقنعته (2). وقال الحسن بن أبي عقيل يرث الولاء جميع ورثة المعتق، وذكر اختلاف الشيعة في ذلك، فقال الأكثرون منهم بما أوردناه عنه، ثم قال: وهذا مشهور متعالم (3). قال محمد بن إدريس والثاني (4) اختيار شيخنا في نهايته (5) والأول اختياره في مسائل خلافه، فإنه قال مسألة الولاء يجري مجرى النسب، ويرثه من يرث من ذوي الأنساب على حد واحد، إلا الإخوة والأخوات من الأم، أو من يتقرب بها من الجد والجدة والخال والخالة، وأولادهما، وفي أصحابنا من قال إنه لا ترث النساء من الولاء شيئا وإنما يرثه الذكور من الأولاد والعصبة، ثم استدل، فقال دليلنا إجماع الفرقة وأيضا قوله عليه السلام الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب - (6) (7)، اللحمة بضم اللام، القرابة ولحمة الثوب تفتح وتضم.

(1) ج. أصول مذهبنا.
(2) المقنعة، باب ميراث الموالي وذوي الأرحام 694 (3) ج. متعارف.
(4) بل الأول كما أن مختاره في الخلاف الثاني.
(5) النهاية، كتاب الميراث، باب ميراث الموالي...
(6) الخلاف، كتاب الفرائض، مسألة 84.
(7) الوسائل، الباب 42، من كتاب العتق، ح 2، وفي المصدر، لاتباع ولا توهب.

[ 246 ]

قال محمد بن إدريس رحمه الله وهذا الخبر مجمع عليه، متلقى بالقبول عند المخالف والمؤالف، ومن المعلوم أن في النسب يرث جميع ذوي الأنساب على ما حد واحد، إلا ما خرج بالاجماع من كلالة الأم ومن يتقرب بها على ما قدمناه. فصل في تفصيل أحكام الوراث مع الانفراد والاجتماع قد بينا إن أول المستحقين الأبوان، والولد، فالأبوان إذا انفردا من الولد كان المال كله لهما، للأم الثلث، والباقي للأب، والمال كله لأحدهما إذا انفرد، فإن كان معهما زوج أو زوجة، فللأم الثلث من أصل التركة بالتسمية، والباقي بعد سهم الزوج أو الزوجة للأب بآية أولي الأرحام يدل على ذلك بعد إجماعنا قوله تعالى " فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث " (1) وهذا نص في موضع الخلاف، لأنه لا يفهم من إيجاب الثلث لها إلا الثلث من الأصل، كما لا يفهم من إيجاب النصف للبنت أو الزوج مع عدم الولد إلا ذلك. وأيضا فإنه تعالى لم يسم للأب مع الأم شيئا، وإنما يأخذ الثلثين، لأن ذلك هو الباقي بعد المسمى للأم، لا لأنه الذي لا بد أن يستحقه، بل الذي اتفق له، فإذا دخل عليهما زوج أو زوجة، وجب أن يكون النقص داخلا على من له ما يبقى وهو الأب، كما أن له الزيادة دون صاحب السهم المسمى وهو الأم، ولو جاز نقصها عما سمي لها في هذا الموضع، لجاز ذلك في الزوج أو الزوجة، وقد علمنا خلاف ذلك. وحمل المخالف الآية على أن المراد للأم الثلث مع الأب إذا لم يكن وارث غيرهما، ترك للظاهر من غير دليل. وقولهم لما ورث الأبوان بمعنى واحد وهو الولادة، وكانا في درجة واحدة، أشبها

(1) سورة النساء، الآية 11.

[ 247 ]

الابن والبنت، فلم يجز أن يفضل الأنثى على الذكر، قياس لا يجوز أن يثبت به الأحكام الشرعية. ثم لو منع ذلك من التفضيل، منع (1) من التساوي كما منع في الابن والبنت منه، وقد علمنا تساوي الأبوين. وقولهم إذا دخل على الأبوين من يستحق بعض المال، كان الباقي بعد أخذ المستحق بينهما على ما كان في الأصل كالشريكين في مال لأحدهما ثلثه، وللآخر ثلثاه، استحق عليهما بعضه، ليس بشئ لأن الشريكين قد استحق كل واحد منهما سهما معينا، فإذا استحق من المال شئ كان ما يبقى بينهما على قدر سهامهما المسماة المعينة، وليس كذلك ما نحن فيه، لأنا قد بينا إن الأب لا يأخذ الثلثين بالتسمية، ولاهما سهمه الذي لا بد أن يستحقه، وإنما له الفاضل بعد ما سمي للأم، فاتفق إنه الثلثان. وبهذا نجيب عن قولهم، إذا أدخل النقص على الابن والبنت معا لمزاحمة الزوج أو الزوجة، فكذلك يجب في الأبوين، لأن الله سبحانه وتعالى قد صرح في الابن والبنت بأن للذكر مثل حظ الأنثيين، فوجب أن يكون القسمة بينهما على ذلك في كل حال، ولم يصرح بأن للأب في حال الانفراد من الولد الثلثين، وإنما أخذهما اتفاقا، فافترق الأمران. فإن كان مع الأبوين إخوان، أو أربع أخوات، أو أخ واختان لأب، أو لأب وأم، قد انتفت (2) عنهم الصفات الثلاث المقدم ذكرها، فالأم محجوبة عن الثلث إلى السدس بدليل إجماع أهل البيت عليهم السلام وأيضا فلا خلاف في صحة الحجب بمن ذكرناه، وليس كذلك الحجب بمن عداهم. وقوله تعالى " فإن كان له إخوة فلأمه السدس " (3) وإن تناول ظاهره الإخوة من الأم، فإنا نعدل عن الظاهر للدليل، وهذا جوابنا على من قال إنه لا يحجب بأقل من ثلاثة من الإخوة، وتمسك بظاهر الآية، وإن أقل الجمع ثلاثة.

(1) ج. ل. لمنع.
(2) ج: فقد انتفت.
(3) سورة النساء، الآية 11.

[ 248 ]

وللأبوين مع الولد الثلث بينهما بالسوية، ولأحدهما السدس واحدا كان الولد أو أكثر، ذكرا كان أو أنثى، ولد صلب كان أو غيره، إلا أنه إن كان ذكرا فله جميع الباقي بعد سهم الأبوين، وإن كان ذكرا وأنثى، فللذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا كله بلا خلاف. وإن كان أنثى فلها النصف، والباقي يرد عليها وعلى الأبوين بدليل إجماع الطائفة وأيضا قوله تعال " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " (1) وإذا كانت البنت والأبوان أقرب إلى الميت، وأولى برحمه من عصبته، ومن إمام المسلمين وبيت المال، كانوا أحق بميراثه. ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام " المرأة تحوز ميراث ثلاثة، عتيقها، ولقيطها، وولدها (2)، وهي لا تحوز جميعه إلا بالرد ". وبما رووه من أنه عليه السلام جعل ميراث ولد الملاعنة لأمه ولذريتها من بعدها (3)، وظاهر ذلك أن جميعه لها، ولا يكون لها ذلك إلا بالرد. وبما رووه عن سعد أنه قال للنبي صلى الله عليه وآله إن لي مالا كثيرا وليس يرثني إلا بنتي، أفأوصي بمالي كله؟ قال لا، قال فبالنصف؟ قال لا، قال فبالثلث؟ قال الثلث، والثلث كثير (4)، فأقره عليه السلام على قوله ليس يرثني إلا بنتي، ولم ينكر عليه. وروي هذا الخبر بلفظ آخر، وأنه قال أفأوصي بثلثي مالي والثلث لبنتي؟ قال لا، قال أفأوصي بنصف مالي والنصف لبنتي؟ قال، لا قال أفأوصي بثلث مالي

(1) سورة الأنفال، الآية 75.
(2) سنن ابن ماجة، الباب 12 من كتاب الفرائض، الرقم 2742 (ج 2، ص 916). الترمذي، الباب 23 من كتاب الفرائض، (الرقم 2115، ج 4، ص 429) سنن أبي داود، كتاب الفرائض، باب ميراث ولد الملاعنة، الحديث 1 (الرقم 2906، ج 3، ص 125).
(3) سنن أبي داود، كتاب الفرائض، باب ميراث ولد الملاعنة، الحديث 2 و 3 (الرقم 8 - 2907، ج 3، ص 125).
(4) النسائي، باب الوصية بالثلث من كتاب الوصايا، الجزء 6، ص 244.

[ 249 ]

والثلثان لبنتي؟ قال الثلث والثلث كثير (1). وهذا يدل على ان البنت ترث الثلثين، وقول المخالف ان الله جعل للبنت الواحدة النصف فكيف يزاد على ذلك، لا حجة فيه، لأنها تأخذ النصف بالتسمية، وما زاد عليه بسبب آخر وهو الرد بالرحم، ولا يمتنع أن ينضاف سبب إلى آخر كالزوج، إذا كان ابن عم، ولا وارث معه فإنه يرث النصف بالزوجية، والنصف الآخر عندنا بالقرابة، وعند المخالف بالعصبة. فإن كان مع الأبوين ابنتان فما زاد، كان لهما الثلثان، وللأبوين السدسان، ولأحد الأبوين معهما السدس، والباقي رد عليهم بحساب سهامهم، فإن كان هناك إخوة يحجبون الأم، لم يرد عليها من فاضل الفريضة شئ، ورد ذلك على الأب والبنت فحسب. إذا خلف بنتا وأبوين، وإخوة يحجبون الأم، فهاهنا لا يرد من الفاضل على السهام شئ على الأم، ورد على الأب والبنت. فإن كان مع الأبوين والولد زوج أو زوجة، كان للولد ما يبقى بعد سهم الأبوين، والزوج أو الزوجة، واحدا كان الولد أو جماعة، ذكرا كان أو أنثى، للصلب كان أو لغيره، فإن لم يف الباقي بالمسمى للبنت أو للابنتين، ويكون النقص داخلا على البنت أو ما زاد عليها، دون الأبوين، ودون الزوج أو الزوجة، لأن الأمة بأجمعها تذهب إلى أن للبنت (2) أو البنتين منقوصات وما أجمعت على أن الأبوين والزوج منقصون (3)، بل أجمعت على أنهم هيهنا مسمون بظاهر التنزيل، فعملنا بالقرآن هيهنا وخصصنا البنات بالنقص، وإن كن مسميات بالاجماع من الأمة، وليس معنا في حق الأبوين والزوج إجماع منعقد، بحيث يخصصهم به، فوفينا الظاهر حقه، وعملنا بكتاب الله، وبإجماع الأمة، وهذه من مسائل العول التي يذهب المخالفون فيها إلى إدخال النقص على جميع ذوي السهام، ويشبهون ذلك بمن مات وعليه

(1) مستدرك الوسائل، الباب 9 من كتاب الوصايا، ح 2، باختلاف يسير.
(2) ج. ق. البنت.
(3) ج. منقوصون.

[ 250 ]

ديون لا تتسع تركته لوفائها. والعول في اللغة عبارة عن الزيادة والنقصان معا، فإن أضيف هيهنا إلى المال كان نقصانا، وإن أضيف إلى السهام كان زيادة، دليلنا على ما ذهبنا إليه، إجماع أهل البيت عليه. وأيضا فلا خلاف إن النقص هيهنا داخل على البنات على ما قدمناه، ولا دليل على دخوله هيهنا على من عداهن من إجماع ولا غيره، فوجب البقاء فيهم على الأصل الذي اقتضاه ظاهر القرآن، ومحكم التبيان. وأيضا فدخول النقص على جميع ذوي السهام تخصيص لظواهر كثيرة من القرآن، وعدول عن الحقيقة فيها إلى المجاز، ودخوله على البعض رجوع عن ظاهر واحد، فكان أولى. فإذا ثبت إن نقص البعض أولى، ثبت إنه الذي عيناه، لأن كل من قال بأحد الأمرين، قال بالآخر، والقول بأن المنقوص غيره، مع القول بأن نقص البعض أولى، خروج عن الاجماع. وفي أصحابنا من يقول في هذا الموضع إن الله تعالى إنما فرض للبنتين الثلثين مع الأبوين فقط إذا لم يكن غيرهم، فإذا دخل في هذه الفريضة الزوج، تغيرت الفريضة التي سمي فيها الثلثين للبنتين، كما أنه لو كان مكان الزوج ابن لتغيرت القسمة، ولم يكن للابنتين الثلثان. وقال أيضا أعني بعض أصحابنا إن الزوج والزوجة جعل لهما في الكتاب فرضان، أعلى وأسفل، وحطا من الأعلى إلى الأدون، وكذلك جعل للأبوين فرضان، أحدهما أعلى وهو الثلثان للأب، والثلث للأم، ثم بين إنهما إذا حجبا عن ذلك حطا إلى السدسين، وفرض للابنة النصف، وللابنتين الثلثين، ولم يحط البنات من فريضة إلى أخرى، ويجب إدخال النقص على سهام من لم يلحقه نقص، ولا حط من رتبة إلى رتبة أخرى، ويوفر نصيب من نقص، وحط من رتبة عليا إلى رتبة سفلى، حتى لا يلحقه نقص بعد نقص آخر، فيكون ذلك إجحافا به. وهذا الذي حكيناه عن بعض أصحابنا فيه نظر، والمعتمد في الاستدلال على

[ 251 ]

ما قدمناه أولا وحررناه فإنه أحسم للشغب. وهذا اختيار السيد المرتضى في الناصريات، فإنه قال في المسألة التسعين والمأة، الفرايض لا تعول، ولو مات رجل وخلف أبوين وبنتين وزوجة، فللزوجة الثمن، وللأبوين لكل واحد منهما السدس، وما بقي فللبنتين، وهذا صحيح، وذهب أصحابنا بلا خلاف إلى أن الفرايض لا تعول، ووافقنا على ذلك ابن عباس، وداود بن علي الأصفهاني، وخالفنا باقي الفقهاء، وتحقيق هذه المسألة: أن تكون السهام المسماة في الفريضة يضيق عنها المال، ولا يتسع لها، كامرأة خلفت ابنتين وأبوين وزوجا، فللزوج الربع، وللبنتين الثلثان، وللأبوين السدسان، وهذا مما يضيق عنه المال، لأنه لا يجوز أن يكون المال ثلثان، وسدسان، وربع، وعندنا في هذه المسألة إن للأبوين السدسين، وللزوج الربع، وما بقي فللبنتين، ومخالفونا الذين يذهبون إلى العول، يجعلون للزوج الخمس ثلاثة أسهم من خمسة عشر، وللأبوين السدسان، أربعة من خمسة عشر، وللبنتين الثلثان، ثمانية من خمسة عشر، فقد نسب مخالفونا في العول إلى الله تعالى ما لا يليق بحكمته، وعدله، وجميل صفاته، لأنه لا يجوز أن يفرض في المال ما لا يتسع المال له، فذلك سفه وعبث، ولأن الله (1) تعالى فرض للأبوين السدسين في هذه المسألة وأعطوها أربعة من خمسة عشر، وهذا خمسا وثلثا عشر، لا سدسان، وفرض للزوج الربع، وأعطوه ثلاثة من خمسة عشر، وهذا خمس، لأربع، وفرض للبنتين الثلثين، وأعطوهما ثمانية من خمسة عشر، وهذا ثلث وخمس لا ثلثان، فإن قالوا فلم أدخلتم النقصان في هذا المسألة على البنتين دون الجماعة، والله تعالى قد سمى للبنتين الثلثين، كما جعل للواحدة النصف، قلنا المعتمد في إدخال النقص على نصيب البنتين في هذه المسألة وما شاكلها من المسائل التي يدعى فيها العول، إنا نقصنا من أجمعت الأمة على نقصانه من سهامه، وهم (2) البنتان، لأنه لا خلاف بين من اثبت العول وبين من نفاه في أن البنتين منقوصتان هيهنا عن سهامهما التي هي الثلثان، وليس كذلك من عدا البنتين من الأبوين والزوج، لأن

(1) ج. ل. لأن الله.
(2) ل. وهما.

[ 252 ]

الأمة ما أجمعت على نقصانهم، ولا قام على ذلك دليل، فلما اضطررنا إلى النقصان وضاقت السهام عن الوفاء، نقصنا من وقع الاجماع على نقصانه، وقررنا نصيب من لا دليل على وجوب نقصانه، فصار هذا الاجماع دليلا على أنه ليس للبنتين الثلثان على كل حال، وفي كل موضع، فخصصنا الظاهر بالاجماع، ووفينا الباقين في هذه الفريضة بظواهر الكتاب التي لم يقم دليل على تخصيصها، إلى هيهنا آخر كلام السيد المرتضى (1). فنعم ما قال واستدل وحرر. وأيضا فقد روي الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أحد فقهاء أهل المدينة السبعة، والثاني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام المخزومي، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، وعروة بن الزبير الأسدي القرشي، وسعيد بن المسيب بن الحرن (2) المخزومي، وسليمان بن بشار مولى ميمونة بنت الحارث زوج النبي عليه السلام، وخارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، فهؤلاء السبعة، قال جلست إلى ابن عباس، فجرى ذكر الفرايض والمواريث، فقال ابن عباس سبحان الله، أترون الذي أحصى رمل عالج عددا، جعل في مال نصفا وثلثا وربعا، فقال له زفر بن أوس البصري (3)، يا بن عباس فمن أول من أعال الفرايض؟ قال عمر بن الخطاب لما التفت عنده الفرايض، ودافع بعضها بعضا، قال والله ما أدري أيكم قدم الله وأيكم أخر؟ فما أجد شيئا هو أوسع من أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص، وادخل على كل ذي حق حق ما دخل عليه من عول الفريضة، وأيم الله لو قدم من قدم الله، وأخر من أخر الله، ما عالت فريضة (4). تمام الحديث. فإنا أخذنا منه موضع قصدنا.

(1) الناصريات، كتاب الفرايض، مسألة 190.
(2) ج. الحرب. ل. حرث.
(3) ج. النضري " والمعهود في كتب الرجال: النصري ".
(4) سنن البيهقي، كتاب الفرائض، باب العول في الفرائض (ج 6، ص 253). وفي لفظ الحديث اختلاف مع ما في المتن.

[ 253 ]

والفرق بين ما نحن فيه، وبين الديون على التركة، إن الغرماء مستوون في وجوب استيفاء حقوقهم منها، ولا مزية لبعضهم على بعض في ذلك، وليس كذلك مسائل العول، لأنا قد بينا أن في الورثة من لا يجوز أن ينقص عن سهمه، وفيهم من هو أولى بالنقص من غيره، فخالفت حالهم حال الغرماء، ودعواهم على أمير المؤمنين عليه السلام إنه كان يقول بالعول، وروايتهم عنه، إنه قال بغير روية، وقد سئل وهو على المنبر، عن ابنتين وأبوين وزوجة، صار ثمنها تسعا، - غير صحيحة -، لأن أبناءه عليهم السلام وشيعته أعلم بمذهبه من غيرهم، وقد نقلوا عنه خلاف ذلك، وابن عباس ما أخذ مذهبه في إبطال العول إلا عنه، وقد روى المخالف عنه، أنه قال من شاء باهلته، إن الذي أحصى رمل عالج، ما جعل في مال نصفا وثلثا وربعا، ثم اعتمادهم في الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام لما ادعوه من قوله بالعول في الفرايض، على أخبار آحاد لا يعول على مثلها في الشرع، ثم هي موقوفة على الشعبي والنخعي، والحسن بن عمارة، والشعبي ولد في سنة ست وثلاثين، والنخعي ولد في سنة سبع وثلاثين، وأمير المؤمنين عليه السلام قتل في سنة أربعين، فلا تصح روايتهما عنه، والحسن بن عمارة مضعف عند أصحاب الحديث، ولما ولي المظالم، قال سليمان بن مهران الأعمش، ظالم ولي المظالم. فأما ما ادعوه من قوله عليه السلام صار ثمنها تسعا فرواه سفيان (1)، عن رجل لم يسمه، والمجهول لا يعتد بروايته، على أنه تتضمن ما لا يليق به عليه السلام، لأنه سئل عن ميراث المذكورين، فأجاب عن ميراث الزوجة فقط، وإغفال من عداها، وقد سئل عنه، غير جايز عليه. وقد قيل إن الخبر لو صح لاحتمل أن يكون المراد به صار ثمنها تسعا عند من يرى العول على سبيل التهجين له والذم، كما قال الله تعالى " ذق إنك أنت العزيز الكريم " (2)، أي عند قومك وأهلك ولاحتمل أيضا أن يكون أراد الاستفهام، وأسقط حرفه، كما روي عن ابن عباس في قوله تعالى " فلا اقتحم العقبة " (3). وقال

(1) ج. سفيان الثوري.
(2) سورة الدخان، الآية 49.
(3) سورة البلد، الآية 11.

[ 254 ]

عمر بن أبي ربيعة. ثم قالوا تحبها؟ قلت بهرا * عدد القطر والحصى والتراب فصل وإذا انفرد الولد من الأبوين وأحد الزوجين، فله المال كله، سواء كان واحدا أو جماعة، ذكرا كان أو أنثى، ولا يرث مع البنت أحد سوى من قدمناه، عصبة كان أو غيره، بل النصف لها بالتسمية الصريحة، والنصف الآخر بالرد بالرحم، على ما بيناه، ومخالفونا يذهبون إلى أنه لو كان مع البنت عم، أو ابن عم، لكان له النصف بالتعصيب، وكذا لو كان معها أخت ويجعلون الأخوات عصبة مع البنات، ويسقطون من هو في درجة العم أو ابن العم من نساء كالعمات وبنات العم، إذا اجتمعوا، ويخصون بالميراث الرجال دونهن، لأجل التعصيب، ونحن نورثهن. ويدل على صحة ما نذهب إليه بعد إجماع أصحابنا عليه ما قدمناه من آية ذوي الأرحام، لأن الله سبحانه نص فيها على أن سبب استحقاق الميراث القربى وتداني الأرحام، وإذا ثبت ذلك وكانت البنت أقرب من العصبة، وجب أن يكون أولى بالميراث. ويدل أيضا على أنه لا يجوز إعطاء الأخت النصف مع البنت، قوله تعالى " إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك " (1)، فشرط في استحقاقها النصف عدم الولد وفقده، فوجب أن لا يستحقه مع البنت، لأنها ولد، ويدل على بطلان تخصيص الرجال بالإرث دون النساء، قوله تعالى " للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، مما قل منه أو أكثر، نصيبا مفروضا " (2)، فأوجب سبحانه للنساء نصيبا كما أوجب للرجال، من غير تخصيص، فمن خص الرجال بالميراث في بعض المواضع، فقد ترك الظاهر، فعليه

(1) سورة النساء الآية 176.
(2) سورة النساء، الآية 7.

[ 255 ]

الدلالة، ولا دلالة يقطع بها على ذلك، ولا يلزمنا مثل ذلك إذا خصصنا البنت بالميراث دون العصبة، لأن الاستواء في الدرجة مراع مع القرابة، بدليل أن ولد الولد لا يرث مع الولد للصلب، وإن شمله اسم الرجال إذا كان من الذكور، واسم النساء إذا كان من الإناث، وإذا ثبت ذلك وكان هو المراد بالآية، وورث المخالف العم دون العمة، مع استوائهما في الدرجة، كان ظاهر الآية حجة عليه، دوننا على أن التخصيص بالأدلة غير منكر، وإنما المنكر أن يكون ذلك بغير دليل. فإن قالوا نحن نخص الآية التي استدللتم بها بما رواه ابن طاووس، عن أبيه عن ابن عباس، عن النبي عليه السلام من قوله يقسم المال على أهل الفرايض على كتاب الله فما أبقت فلأول ذكر قرب (1)، وتورث الأخت مع البنت بما رواه الهذيل بن شرحبيل، من أن أبا موسى الأشعري سئل عمن ترك بنتا وبنت ابن وأختا لأب وأم، فقال للبنت النصف، وما بقي فللأخت (2). وبما رواه الأسود بن يزيد، قال قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فأعطى البنت النصف، والأخت النصف، ولم يورث العصبة شيئا (3). فالجواب أن ترك ظاهر القرآن لا يجوز بمثل هذه الأخبار، لأن أول ما فيها أن الخبر المروي عن ابن عباس لم يروه أحد من أصحاب الحديث إلا من طريق ابن طاووس، ومع هذا فهو مختلف اللفظ، فروي على ما تقدم، وروي فلأولي عصبة ذكر، وروي فلأولي رجل ذكر وكل عصبة (4) واختلاف لفظه مع اتحاد طريقه، دليل، ضعفه، على أن مذهب ابن عباس في نفي التوريث بالعصبة مشهور، وراوي الحديث إذا خالفه كان قدحا في الحديث، والهذيل بن شرحبيل مجهول ضعيف، ثم

(1) سنن أبي داود، باب في ميراث العصبة، الرقم 2898، ج 3، ص 122. الترمذي، باب في ميراث العصبة، الرقم 2098، ج 4، ص 418 ابن ماجة، باب ميراث العصبة، الرقم 2740، ج 2، ص 915.
(2) سنن أبي داود، باب ما جاء في الصلب، الرقم 2890، ج 3، ص 120.
(3) سنن أبي داود، باب ما جاء في ميراث الصلب، الرقم 2893، ج 3، ص 121. البخاري، الباب 11 من كتاب الفرائض، الرقم 6340.
(4) ج. ل. ذكر عصبة.

[ 256 ]

إن أبا موسى لم يسند ذلك إلى النبي عليه السلام وفتواه هولا حجة فيها، ولا حجة أيضا في قضاء معاذ بذلك، ولا في كونه على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ما لم يثبت علمه عليه السلام به، وإقراره عليه، وفي الخبر ما يبطل أن يكون الأخت أخذت بالتعصيب، وهو قوله ولم يورث العصبة شيئا، لأنها لو كانت هاهنا عصبة لقال ولم يورث باقي العصبة شيئا، على أن هذه الأخبار لو سلمت من كل قدح، لكانت معارضة بأخبار مثلها، وارادة من طريق المخالف مثل قوله عليه السلام، من ترك مالا فلأهله (1)، وقول ابن عباس وجابر بن عبد الله، إن المال كله للبنت دون الأخت، وروى الأعمش مثل ذلك عن إبراهيم النخعي، وبه قضى عبد الله بن الزبير على ما حكاه الساجي والطبري، وما نختص نحن بروايته في إبطال التوريث بالعصبة كثير، فإذا تعارضت الأخبار سقطت، ووجب الرجوع إلى ظاهر القرآن. على أن أخبارهم لو سلمت من المعارضة لكانت أخبار آحاد، وقد دللنا على فساد العمل بها في الشرعيات. على أنهم قد خالفوا في لفظ الحديث عن ابن عباس، فورثوا الأخت مع البنت، وليست برجل ولا ذكر، وورثوها أيضا مع الأخ، إذا كانا مع البنت، ولم يخصوا الأخ (2) وكذا لو كان مكان الأخ عم، وإذا جاز لهم تخصيصه بموضع دون موضع، جاز لنا حمله على من ترك أختين لأم، وأخا لأب، مع أولاد إخوة لأب وأم، أو ترك زوجة وأخا مع عمومة وعمات، فإن ما يبقى بعد الفرض المسمى للأختين، أو الزوجة لأولي ذكر قرب، وهو الأخ بلا خلاف. على أنهم إذا جعلوا الأخت عند فقد الإخوة عصبة، لزمهم أن يجعلوا البنت مع عدم البنين عصبة، بل هي أولى، لأن الابن أحق بالتعصيب من الأب، والأب أحق بالتعصيب من الأخ، فأخت الابن تكون أحق بالتعصيب من أخت الأخ

(1) سنن الترمذي، الباب 1 من كتاب الفرائض، الرقم 2090 (ج 4، ص 413) سنن أبي داود، باب ميراث ذوي الأرحام (الرقم 2899 و 28900 ج 3، ص 123). البخاري 3 من كتاب الفرائض، الرقم 6330. إلا أن اللفظ في الأخيرين: " من ترك مالا فلورثته ". (2) ج. الأخت.

[ 257 ]

بلا شبهة، وليس لهم أن يفرقوا بأن البنت لا تعقل عن أبيها، لأن الأخت أيضا لا تعقل وقد بينا فيما تقدم أن ولد الولد وإن نزلوا يقومون مقام آبائهم وأمهاتهم، بل هو أولاد حقيقة، وبينا مذهبنا واختيارنا في ذلك، فلا وجه لإعادته في مشاركة من يشاركونه، وحجب من يحجبونه، ويأخذ كل منهم تسمية نفسه، وما ينطلق عليه من الاسم، دون ميراث من يتقرب به. وذهب بعض أصحابنا على ما حكيناه أولا عنهم أنه يأخذ كل منهم ميراث من يتقرب به، كابن بنت وبنت ابن، فإن لابن البنت الثلث، ولبنت الابن الثلثين، والصحيح من المذهب ما قدمناه، لأن اسم الولد يقع على ولد الولد، وإن نزلوا حقيقة وسواء كان الولد ذكرا أو أنثى، عند جميع أصحابنا المخالف في المسألة والمؤالف، لما قدمناه من إطلاق المسلمين في عيسى عليه السلام أنه ابن آدم، ولقول الرسول عليه السلام في الحسن والحسين عليهما السلام ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا (1). ولأن جميع ما علقه سبحانه من الأحكام بالولد، قد عم به ولد البنين والبنات في قوله تعالى " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم " إلى قوله " وبنات الأخ وبنات الأخت " (2) وقوله " وحلائل أبنائكم " (3) وقوله " ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن " (4)، فإذا وقع اسم الولد على ولد الولد حقيقة، تعلق بهم أحكام الميراث إذا لم يوجد ولد الصلب، مثل ما تعلق به بظواهر القرآن. وليس لأحد أن يقول: إن اسم الولد يقع على ولد الولد مجازا، فلا يدخل في الظواهر إلا بدليل، لأن الأصل في الاستعمال حقيقة (5) على ما بينه محصلوا أصحاب أصول الفقه، ومن ادعى المجاز فعليه الدلالة، ولا يلزم على ذلك مشاركة ولد الولد لولد الصلب في الميراث، ولا مشاركة الأجداد للآباء الأدنين لظاهر قوله تعالى " فلأبويه لكل واحد منهما السدس ".

(1) الارشاد للمفيد، في ذكر إمامة الحسين بن علي عليهما السلام.
(2) و (3) سورة النساء، الآية 23.
(4) سورة النور، الآية 31.
(5) ج. ل. الحقيقة.
(6) سورة النساء، الآية 11.

[ 258 ]

لأنا عدلنا من الظاهر في ذلك للدليل القاطع، ولا دليل يوجب الرجوع عنه فيما اختلفنا فيه، فبقينا على ما يقتضيه الظاهر. ويخص ولد الأكبر من الذكور إذا لم يكن سفيها فاسد الرأي بسيف أبيه، ومصحفه، وخاتمه، وثياب جلده، إذا كان هناك تركة سوى ذلك، فإذا لم يخلف الميت غيره، سقط هذا الحكم، وقسم بين الجميع، فإن كان له جماعة من هذه الأجناس، خص بالذي كان يعتاد لبسه ويديمه، دون ما سواه من غير احتساب به عليه. وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يحتسب عليه بقيمته من سهمه، ليجمع بين ظواهر القرآن وما أجمعت الطائفة عليه، وهو تخريج السيد المرتضى، ذكره في الانتصار (1). وذهب بعض أصحابنا إلى أن ذلك مستحب تخصيصه به، دون أن يكون ذلك مستحقا له على جهة الوجوب، وهو اختيار أبي الصلاح الحلبي في كتابه الكافي (2). والأول من الأقوال هو الظاهر المجمع عليه عند أصحابنا، المعمول به، وفتاويهم في عصرنا هذا وهو سنة ثمان وثمانين وخمسمأة عليه، بلا اختلاف بينهم (3). وكذا ذهب السيد المرتضى فيما رواه أصحابنا، وأجمعوا عليه من أن الزوجة التي لا يكون لها من الميت ولد، لا ترث من الرباع والمنازل شيئا، وألحق بعض أصحابنا جميع الأرضين من البساتين والضياع وغيرها. وهذا اختيار شيخنا أبي جعفر، والأول اختيار شيخنا المفيد، وهو الذي يقتضيه أصول مذهبنا، لأنا لو خلينا وظواهر القرآن ورثناها من جميع ذلك، وإنما عدلنا في الرباع والمنازل بالأدلة، وهو إجماعنا وتواتر أخبارنا، ولا إجماع معنا منعقد على ما عدا الرباع والمنازل، فحمله المرتضى على أنها لا ترث من نفس ذلك، بل من قيمته، كما يذهب أصحابنا في الانقاض، والطوب - بالطاء غير المعجمة المضمومة، والواو،

(1) الانتصار، كتاب الفرائض والمواريث، مسألة 9.
(2) الكافي، فصل في الإرث ص 371.
(3) ج. بغير خلاف بينهم فيه.

[ 259 ]

والباء المنقطة من تحتها نقطة واحدة، وهو الآجر -. والصحيح أنها لا ترث من نفس التربة، ولا من قيمتها، بل يقوم الطوب والآلات، وتعطى قيمته، وما ذكره السيد تخريج منه، وانفراد هذا إذا لم يكن لها من الميت ولد، فأما إذا كان لها منه ولد، أعطيت سهمها من نفس جميع ذلك، على قول بعض أصحابنا، وهو اختيار محمد بن علي بن الحسين بن بابويه تمسكا منه برواية شاذة، وخبر واحد، لا يوجب علما ولا عملا. وإلى هذا القول ذهب شيخنا أبو جعفر رحمه الله في نهايته (1)، إلا أنه رجع عنه في استبصاره (2)، وهو الذي يقوى عندي، أعني ما اختاره في استبصاره، لأن التخصيص يحتاج إلى أدلة قوية، وأحكام شرعية، والاجماع على أنها لا ترث من نفس تربة الرباع والمنازل شيئا، سواء كان لها من الزوج ولد أو لم يكن، وهو ظاهر قول شيخنا المفيد في مقنعته (3)، والسيد المرتضى في انتصاره (4). ولو أحد الإخوة أو الأخوات أو الأجداد أو الجدات، إذا انفرد جميع المال من أي الجهات كان، وإذا اجتمع كلالة الأم مع كلالة الأب والأم، أو الأب مع عدم كلالة الأب والأم، كان للواحد من كلالة الأم أخا كان أو أختا السدس، ولاثنين فصاعدا الثلث، وهذا مخصوص بالإخوة، لأنها الكلالة عندنا. وذهب بعض أصحابنا إلى أن قال: وإذا اجتمع كلالة الأم مع كلالة الأب والأم، كان للواحد من قبل الأم أخا كان أم أختا، جدا كان أم جدة، السدس، وللاثنين فصاعدا الثلث، الذكر والأنثى فيه سواء. والصحيح من أقوال أصحابنا المحصلين، إن لواحد الأجداد من قبل الأم إذا انفرد الثلث، فإن كان معه من الإخوة من قبلها أحد، كان له ولهم الثلث بينهم بالسوية، والباقي لكلالة الأب، أخا كان أم أختا، جدا كان أم جدة، فإن كان

(1) النهاية، كتاب المواريث باب ميراث الأزواج.
(2) الاستبصار، الباب 94، كتاب الفرائض، ج 4، ص 154.
(3) المقنعة أبواب فرائض المواريث باب ميراث الأزواج ص 687.
(4) الانتصار، كتاب الفرائض والمواريث، مسألة 12.

[ 260 ]

كلالة الأب جماعة، ذكورا وإناثا فللذكر مثل حظ الأنثيين، ولا يرث أحد من الإخوة والأخوات من قبل الأب خاصة مع وجود واحد منهم من الأب والأم أخا كان أو أختا. ومتى اجتمع واحد من كلالة الأم مع أخت أو أختين فصاعدا من الأب والأم، كان الفاضل من سهامهم مردودا على كلالة الأب والأم خاصة، لاجتماع السببين فيهم، وتشترك كلالة الأم مع كلالة الأب فحسب في الفاضل على قدر سهامهم. ومن أصحابنا من قال: يختص بالرد كلالة الأب أيضا، لأن النقص يدخل عليها خاصة إذا نقصت التركة عن سهامهم لمزاحمة الزوج أو الزوجة، ولا يدخل على كلالة الأم، ولا على الزوج والزوجة على حال. والأول هو الظاهر من المذهب، لأن هؤلاء يتقربون إلى الميت بسبب واحد، وأولئك أيضا بسبب واحد فلا دليل على رد الفاضل عليهم، وإنما رددنا الفاضل على كلالة الأب والأم، لإجماعنا على ذلك، ولأنهم جمعوا السببين معا. وولد الإخوة والأخوات وإن نزلوا يقومون عند فقد آبائهم مقامهم في مقاسمة الأجداد، وفي الحجب لغيرهم، وكذلك حكم الأجداد والجدات وإن علوا. والأدنى من جميعهم وإن كان أنثى أحق من الأبعد وإن كان ذكرا، كل ذلك بدليل إجماعنا عليه. ويستحب إطعام الجد أو الجدة من قبل الأب السدس من نصيب الأب، فإن اجتمعا كانت الطعمة بينهما نصفين، وليس ذلك بواجب. والطعمة في لسان العرب الهبة، ذكر ذلك أبو سعيد الأصمعي، عبد الملك بن قريب، في كتاب الأبواب، قال باب يقال هذه طعمة لفلان، أي هبة، وفي حديث بعض الصحابة، أن معوية أعطى مصر عمرو بن العاص طعمة، أي هبة. فإذا ثبت ذلك، فللواهب أن يهب، وله أن لا يهب، فلا يتوهم أحد أن ذلك على جهة الوجوب، فهو عين الخطأ. هذا إذا كان الأب حيا وسهمه الأوفر، ومن أصحابنا من قال: إن هذا الحكم

[ 261 ]

الجد أو الجدة أيضا من قبل الأم معها، وهو الأظهر. والمراد بالسدس الذي هو الطعمة، سدس جميع أصل الفريضة، لا سدس ما يصيبه الأب من الفريضة فحسب، ولا سدس ما يصيب الأم من الفريضة فحسب، بل سدس جميع أصل الفريضة، بدلالة الخبر الذي أورده شيخنا في الاستبصار مفصلا عن أبي عبد الله عليه السلام في أبوين وجدة لأم، قال للأم السدس، وللجدة السدس، وما بقي وهو الثلثان للأب (1). وعموم الأخبار الباقية. وهذا معنى قوله في نهايته (2) ويؤخذ من ثلث الأم سدس أصل المال، فيعطى الجد أو الجدة من قبلها، وكذلك قال في الجد أو الجدة من قبل الأب، يؤخذ سدس أصل المال. والمراد بأصل المال في الموضعين، أصل الفريضة، لا أصل ما حصل للأم سهمها وفرضها من الفريضة، وكذلك القول في الأب فليلحظ ذلك ويحتفظ به، فإنه ملتبس. وترث الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، مع فقد من قدمنا ذكره من الوراث، ويجري الأعمام والعمات من الأب والأم، مجرى الإخوة والأخوات من قبلهما في كيفية الإرث، وفي إسقاط الأعمام والعمات من قبل الأب فقط، ويجري الأخوال والخالات مجرى الإخوة والأخوات من قبل الأم، لواحدهم إذا اجتمع مع الأعمام والعمات السدس، ولمن زاد عليه الثلث، الذكر والأنثى فيه سواء، والباقي للأعمام والعمات من الأب والأم، أو من الأب (3)، إذا لم يكن عم ولا عمة من قبل الأب والأم، وللذكر من هؤلاء الأعمام والعمات مثل حظ الأنثيين، هذا على القول بعض أصحابنا. والأظهر من الأقوال، والذي يقتضيه أصل مذهبنا، والذي عليه المحصلون من أصحابنا، أن واحد الأخوال والخالات يأخذ مع الأعمام والعمات الثلث،

(1) الاستبصار، الباب 97، كتاب الفرائض، ج 4، ص 163، ح 10، الرقم 617.
(2) النهاية، كتاب المواريث باب ميراث الوالدين ومن يدخل عليها.
(3) ج. ل. والعمات من قبل الأب والأم أو من قبل الأب.

[ 262 ]

وللاثنين فصاعدا الثلث، نصيب الأم، وإنما ذلك مخصوص بالإخوة والأخوات فحسب، لأنهم الكلالة، عندنا على ما قدمناه. والإخوة والأخوات المتفرقون، والأعمام والعمات المتفرقون، والأخوال والخالات المتفرقون، مثال ذلك، أخ من قبل الأب والأم وأخ من قبل الأم فحسب، وأخ من قبل الأب، وكذلك الأعمام والأخوال، فإنه يسقط واحد الثلاثة الذي من جهة الأب خاصة، فإذا فقد الذي من جهة الأب والأم، قام مقامه الذي من قبل الأب، الذي أسقطناه في أخذ ما يأخذه، ومقاسمة من يقاسمه على حد واحد، فليحصل ذلك ويتأمل. والدليل على ذلك إجماعنا عليه بغير خلاف أعلمه. ولا يقوم ولد الأعمام والعمات، مقام آبائهم وأمهاتهم في مقاسمة الأخوال والخالات، ولا يقوم أيضا ولد الخؤلة والخالات، مقام آبائهم وأمهاتهم في مقاسمة الأعمام والعمات، فلو ترك عمة أو خالة مثلا مع ابن عم وابن خال، لكانت كل واحدة من العمة والخالة أحق بالميراث منهما، ولا يرث الأبعد من هؤلاء مع من هو أدنى منه، إلا من استثنيناه فيما مضى، من أن ابن العم للأب والأم، يكون أحق عندنا من العم للأب، لإجماعنا على صورة هذه المسألة وعينها، دون ما عداها، وليس كذلك إذا ترك أخا لأبيه، وابن أخ لأبيه وأمه، فإن المال هيهنا للأقرب الذي هو الأخ من الأب، دون ابن الأخ الذي من الأب والأم، فليلحظ ذلك. وكل واحد من العم والعمة والخال والخالة يأخذ نصيب من يتقرب به، فإن جرى نقص لمزاحمة زوج أو زوجة، كان داخلا على من هو من قبل الأب، مثاله امرأة ماتت، وخلفت زوجها وعمها وخالها، فإن الزوج يستحق النصف من التركة، والخال يستحق الثلث، والباقي وهو السدس للعم، لأنه لو كان من يتقربان به موجودا وهو الأب والأم، كانت القسمة هكذا، وإجماعنا منعقد على جميع ذلك. فصل فإن لم يكن أحد ممن قدمنا ذكره من الوارث،

[ 263 ]

لا فيما يجب عليه من الكفارات أو الواجبات غير الكفارات، أو أعتق عليه بغير اختياره، سواء كان المعتق رجلا أو امرأة، فإن لم يكن المباشر للعتق حيا، ورث ولاء مواليه ورثته، ذكرانهم وإناثهم على ترتيب ميراث النسب، لأنه يجري مجراه، ويرثه من يرث من ذوي الأنساب على حد واحد، على ما قدمناه (1)، إلا الإخوة والأخوات من الأم، أو من يتقرب بها من الجد والجدة، والخال والخالة وأولادهما، لقوله عليه السلام المجمع عليه الولاء لحمة كلحمة النسب (2). وبعض أصحابنا يقول إن لم يكن المعتق حيا باقيا فالميراث لولده الذكور منهم دون الإناث، سواء كان المباشر للعتق رجلا أو امرأة، وهو اختيار شيخنا المفيد في مقنعته (3). ومن أصحابنا من قال إن ولد المعتقة لا يقومون مقامها في الميراث، ذكورا كانوا أو إناثا، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (4)، وإن كان قد رجع عن ذلك جميعه في مسائل خلافه (5)، وقال بما اخترناه، وهو الحق اليقين. فإن لم يكن للمعتق أولاد، فالميراث للعصبة وأولادهم الإخوة، ثم الأعمام، ثم بنوا العم، هذا على مقالة شيخنا في نهايته (6)، لا على ما ذهب إليه في مسائل خلافه. وجر الولاء صحيح، وصورته أن يزوج عبده بمعتقة غيره، فولاء أولادها لمن أعتقها، فإن أعتق مولى أبيهم أباهم، انجر ولاء الأولاد إلى مولى أبيهم من مولى أمهم فإن أعتق مولى جدهم لأبيهم جدهم مع كون أبيهم عبدا انجر ولاء الأولاد إلى من أعتق جدهم من مولى أمهم، فإن أعتق بعد ذلك مولى أبيهم أباهم، انجر ولاء الأولاد إلى مولى أبيهم من مولى جدهم، ولا ينجر ولاء من بوشر عتقه إلى غير من باشره في حال من الأحوال، ولا ينجر ولاء أولاد حرة أصلية لم يمسها رق أصلا، وإن

(1) في ص 246. (2) الوسائل، الباب 42، من كتاب العتق، ح 2 - 6.
(3) المقنعة أبواب فرائض المواريث باب ميراث الموالي وذوي الأرحام ص 694.
(4) و (6) النهاية كتاب الميراث باب الموالي مع وجود ذوي الأرحام.
(5) الخلاف، كتاب الفرائض مسألة 86.

[ 264 ]

أعتق معتق أباهم، لأن أمهم ما أعتقها معتق، حتى ينجر الولاء منه إلى من أعتق أباهم. والحر إذا تزوج بأمة ولم يشرط مولاها كون الأولاد رقا فالأولاد أحرار عندنا بغير خلاف، فإن أعتقها مولاها لا يثبت ولاء على الأولاد بحال. عبد تزوج بمعتقة رجل، فاستولدها بنتين، فهما حرتان، إذا لم يشترط مولاه رق الأولاد، وولاؤهما لمولى الأم، فاشترتا أباهما، فإنه ينعتق عليهما، كل ذلك بلا خلاف، مات الأب، للبنتين الثلثان بحق النسب، والباقي رد عليهما بآية أولي الأرحام، لا بحق الولاء، لأن الولاء عندنا إنما يثبت إذا لم يكن هناك ذو نسب قريب أو بعيد، فإذا كان هناك نسب فلا ميراث بالولاء على حال، وهذا أصل فيما يتعلق بهذا الباب. وإذا اشترى المعتق عبدا فأعتقه، فولاؤه له، فإن مات ولم يخلف أحدا، فولاؤه لمولى المولى، أو لمن يتقرب به ممن يستحق الولاء، سواء كان المعتق رجلا أو امرأة، لا يختلف الحكم فيه. قد قلنا إنه إذا زوج الرجل معتقته بعبد، ثم جاءت بولد، فولاء الولد لمولى المعتقة، ثم إن سيد العبد أعتق عبده، انجر الولاء من مولى الأمة إلى مولى أبي الولد، فإن زوج رجل أمته بعبد فجاءت بولد، فأعتقها سيدها مع ابنها، فإن الولاء لمولى الأمة، ثم أعتق مولى العبد عبده فهيهنا لا ينجر الولاء إليه. والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها حيث قلنا إنه إذا أعتق الأب ينجر الولاء إلى سيده، لأن هناك ما صادف عتقا هذا الابن، وما باشر عتقا فلأجل هذا قلنا ينجر الولاء إلى مولى الأب، وليس كذلك هيهنا، لأنه صادف عتقا وباشر العتق، فلم ينجر الولاء إلى غيره، فليلحظ ذلك. وحكم المدبر حكم المعتق على حد واحد. وأما المكاتب فلا يثبت الولاء عليه إلا بشرط، فإذا لم يشرط كان سائبة. ولا يصح بيع الولاء ولا هبته بحال

[ 265 ]

[ ولاء ضمان الجريرة ] وأما ولاء تضمن الجريرة فهو أن يكون المعتق سائبة، وهو كل من أعتق في كفارة، أو في واجب غير الكفارة، أو أعتق تبرعا وتبرأ من ضمان جريرته فإنه يتوالى إلى من شاء، ممن يضمن جريرته وحدثه، أو يكون انسان لا نسب له معروف، فيتوالى إلى انسان معروف النسب، أو يتوالى مجهول النسب إلى مجهول النسب، كالحميلين، فأما معروف النسب والوراث (1)، فلا يجوز أن يتوالى إلى أحد بحال، إلا أن لا يكون له وارث، فيتوالى إذ ذاك فمتى مات هذا الانسان، ولا أحد يرثه من قريب ولا بعيد، فميراثه لمن ضمن جريرته وحدثه، فإذا مات بطل هذا الولاء، ورجع إلى ما كان، ولا ينتقل منه إلى ورثته، كانتقال ولاء المعتق (2). وذهب شيخنا المفيد في مقنعته (3)، إلى أنهما سواء في جميع الأحكام، وما اخترناه رأي شيخنا أبي جعفر في إيجازه (4)، وهو الأظهر، لأن انتقال الضمان بعد الموت والإرث يحتاجان إلى دليل شرعي، لأن هذا الحكم التزمه ضامن الجريرة على نفسه، ولا دليل على التزام ورثته له بعد موته، فليلحظ ذلك. فإذا تعاقدا بينهما ولاء تضمن الجريرة، فليس لأحدهما فسخ ذلك العقد، سواء عقل عنه بعد العقد، أو لم يعقل، وبعض المخالفين لنا قال له الفسخ ما لم يعقل عنه، واختاره شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه (5). ومذهبنا الأول، لأنه الذي يقتضيه أصولنا، ولقوله تعالى " أوفوا بالعقود " (6)، وهذا عقد يجب الوفاء به. [ ولاء الإمامة ] وأما ولاء الإمامة، فهو كل من لا وارث له قريب ولا بعيد، ولا مولى عتاقة

(1) ج. ل. الوارث.
(2) ج. ل. ولاء العتق.
(3) المقنعة أبواب فرائض المواريث ص 694.
(4) الايجاز فصل في ذكر الولاء ص 278 من كتاب الرسائل العشر.
(5) الخلاف، كتاب العتق، مسألة 9.
(6) سورة المائدة الآية 1.

[ 266 ]

ولا مولى تضمن جريرة، فإن ولاءه للإمام وميراثه له، لأنه الذي يضمن جريرته وحدثه من ماله وخاصة، دون مال بيت المسلمين، فإذا مات الإمام انتقل إلى الإمام الذي يقوم بأمر الأمة مقامه، دون ورثته الذين يرثون تركته، ومن يتقرب إليه. قد قلنا إنه إذا مات العبد المعتق وليس له مولى، فميراثه لمن يتقرب إلى مولاه من جهة أبيه، دون أمة، الأقرب أولى من الأبعد على تدريج ميراث المال، وبينا خلاف أصحابنا في ذلك، وما ذهبنا إليه هو اختيار شيخنا أبي جعفر في مسائل خلافه فإنه قال مسألة: إذا مات العبد المعتق وليس له مولى، فميراثه لمن يتقرب إلى مولاه من جهة أبيه دون أمه، الأقرب أولى من الأبعد على تدريج ميراث المال، ثم قال دليلنا إجماع الفرقة وأيضا قوله عليه السلام الولاء لحمة - بضم اللام - كلحمة النسب (1)، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله (2) وهو الصحيح. وسهم الزوج والزوجة ثابت مع جميع من ذكرناه على ما مضى بيانه وتحريره. فصل قد بينا فيما مضى أن الكافر لا يرث المسلم، فأما المسلم فإنه يرث الكافر عندنا، وإن بعد نسبه، ويحجب من قرب عن الميراث بلا خلاف بيننا، وقد دللنا على ذلك بظواهر آيات الميراث، لأنه إنما يخرج من ظاهرها ما أخرجه دليل قاطع، وأيضا فالاسلام يزيده قوة وعلوا، لقوله عليه السلام الاسلام يعلو ولا يعلى عليه (3). وبهذا يحتج على المخالف، وبقوله عليه السلام الاسلام يزيد ولا ينقص (4). فأما ما رووه من قوله عليه السلام لا توارث بين أهل ملتين (5)، ومن قول بعض الصحابة في ذلك، فأكثره مضعف مقدوح في رواته (6)، ثم هو مخالف لظاهر

(1) الوسائل، الباب 42، من كتاب العتق، ح 2 - 6.
(2) الخلاف، كتاب الفرائض، مسألة 141.
(3) و (4) الوسائل، الباب 1 من بواب موانع الإرث، ح 11 - 9.
(5) الوسائل الباب 1 من أبواب موانع الإرث ح 14 - 15 - 17، وفي المصدر، لا يتوارث أهل ملتين.
(6) ج. ل. روايته.

[ 267 ]

القرآن، ومعارض لما قدمناه، ولو سلم من ذلك كله، لكان من أخبار الآحاد التي لا يجوز العمل بها في الشرعيات عندنا، لأنها لا تثمر علما ولا توجب عملا. على إنا نقول بموجب قوله عليه السلام - لا توارث بين أهل ملتين - لو سلمناه تسليم جدل، لأن التوارث تفاعل وذلك لا يكون إلا بأن يرث كل واحد منهما الآخر، ونحن لا نقول بأن الكافر يرث المسلم، فلا توارث بينهما، والحال هذه وقول بعض المخالفين إن التوارث إنما هو للنصرة والموالاة، ولذلك يرث الذكور من العصبة دون الإناث، ولا يرث القاتل ولا العبد لنفي النصرة، مما لا يعول عليه، لأنه غير مسلم أن التوارث لما ذكروه، وقد ورث النساء والأطفال مع فقد ذلك فيهم، ثم إن النصرة مبذولة من المسلم للكافر في الحق والواجب، كما أنها مبذولة للمسلم بهذا الشرط. وإذا خلف المسلم ولدا كافرا، ولم يخلف غيره من ولد، ولا والد، ولا ذي رحم، ولا زوج، ولا زوجة، ولا قريب، ولا بعيد من المسلمين، كان ميراثه للإمام عليه السلام وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته (1)، كان ميراثه لبيت المال، وأطلق ذلك ومقصوده لبيت مال الإمام، دون بيت مال المسلمين. فإن خلف مع الولد الكافر ولدا آخر مسلما، كان المال له، ذكرا كان أو أنثى، دون الكافر، وكذلك إذا كان بدل الولد المسلم أحد ذوي أرحامه، قريبا كان أو بعيدا، كان المال للمسلم كائنا ما كان على ما قدمناه، وسقط الولد الكافر، ولا يستحق منه شيئا على حال. فإن خلف من الوراث المسلمين أكثر من واحد ممن يتقدر (2) القسمة بينهم، وولدا كافرا، كان المال للوراث المسلمين، دون الولد الكافر أو الأقرب الكافر. فإن أسلم الولد الكافر أو الأقرب الكافر قبل قسمة الميراث بين الوراث المسلمين، كان له نصيبه، وإن أسلم بعد قسمة المال، لم يكن له شئ على حال، فهذا معنى قوله عليه السلام من أسلم على ميراث قبل قسمته فله حقه (3).

(1) النهاية، كتاب الميراث باب توارث أهل الملتين.
(2) ج. لا يتقدر.
(3) الوسائل، الباب 3 من أبواب موانع الإرث، ح 2 - 3 - 4 - 5 إلا أن في المصدر هكذا فله ميراثه - فهو له.

[ 268 ]

وكذلك من أعتق على ميراث، الحكم في ذلك سواء، لا يختلف. فإن خلف وارثا مسلما وآخر كافرا، كان للمسلم المال دون الكافر، فإن أسلم الكافر لم يكن له من المال شئ لأن المسلم قد استحق الميراث عند موت الميت، وإنما يتصور القسمة إذا كانت التركة بين نفسين فصاعدا، فإذا أسلم قبل القسمة قاسمهم على ما بيناه، وذلك لا يتأتي في الواحد على حال. وقال شيخنا أبو جعفر، في نهايته، وإذا خلفت المرأة زوجها وكان مسلما، وولدا، أو والدا، أو ذوي أرحام كفارا، كان الميراث للزوج كله، وسقط هؤلاء كلهم، فإن أسلموا، رد عليهم ما يفضل من سهم الزوجية (1) و (2). قال محمد بن إدريس رحمه الله وهذا غير مستقيم على الأصل الذي أصله وقرره في صدر الباب، أعني باب توارث أهل ملتين، وإجماعنا أيضا مستقر عليه، وهو أنه إذا كان الوارث المسلم واحدا استحق بنفس الموت الميراث، ولا يرد على من أسلم بعد الموت من الميراث شئ على حال، لأن هيهنا لا تتقدر القسمة، والزوج عندنا في هذه الحال وارث جميع المال، النصف بالتسمية، والنصف الآخر رد عليه بإجماع أصحابنا على ما قدمناه، بل كان هذا يستقيم لشيخنا أبي جعفر لو كان المخلف زوجة، لأن هيهنا تتقدر القسمة بينها وبين الإمام عليه السلام لأنها غير وارثة بنفس الموت جميع المال، بل (3) لها الربع فحسب، والباقي لإمام المسلمين. فإن أسلم الوارث الكافر قبل قسمة المال بينها وبين الإمام، أخذ ما كان يأخذه الإمام، وإن أسلم بعد القسمة، فلا شئ له بحال، فليلحظ ذلك، فإنه واضح جلي. وروي أنه إذا خلف الكافر أولادا صغارا، وإخوة وأخوات من قبل الأب، وإخوة وأخوات من قبل الأم مسلمين، كان للإخوة والأخوات من قبل الأم الثلث، للإخوة والأخوات من قبل الأب الثلثان، وينفق الإخوة (4) من قبل الأم

(1) ج. ل. الزوج.
(2) النهاية، كتاب الميراث باب توارث أهل الملتين.
(3) ج. بل كان لها.
(4) ل. الإخوة والأخوات.

[ 269 ]

على الأولاد بحساب حقهم ثلث النفقة، وينفق الإخوة والأخوات من الأب بحساب حقهم ثلثي النفقة، فإذا بلغ الأولاد، وأسلموا، سلم الإخوة إليهم ما بقي من الميراث، وإن اختاروا الكفر، تصرفوا في باقي التركة، ولم يعطوا الأولاد منها شيئا. وإن كان أحد أبوي الأولاد الصغار مسلما، وخلف إخوة وأخوات من قبل أب أو من قبل أم، كان الميراث للأولاد الصغار، فإذا بلغوا أجبروا على الاسلام، وقهروا عليهم، فإن أبوا كانوا بحكم المرتدين الأصليين، وجرى عليهم ما يجرى عليهم سواء، أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته (1). والذي يقتضيه أصل مذهبنا إن في المسألة الأولى، يكون الميراث بين الإخوة من الأب والإخوة من الأم، للذين من قبل الأب الثلثان، وللذين من قبل الأم الثلث، يتصرفون فيه تصرف المالكين في أملاكهم، لأنه لا وارث مسلم لهذا الميت الكافر، سواهم، لأنهم استحقوا الميراث، دون من عداهم من ساير الناس، لأنه لا وارث له مسلم سواهم، ولو لم يكن كذلك، ما جاز لهم قسمة الميراث بينهم ثلثين وثلثا، ولا سوغ لهم الشارع ذلك. فعلى هذا التحرير والتقرير، إذا بلغ الأولاد واختاروا الاسلام، لا يجب على الإخوة رد شئ من الميراث إليهم بحال، ولا يجب لهم النفقة أيضا قبل البلوغ، ولا يلزم الإخوة ذلك بحال على الأصل الذي أصلناه وقررناه، لأن الأولاد حكمهم حكم آبائهم فيما يجري عليهم من الأحكام الشرعيات، لأنهم لا يدفنون في مقابر المسلمين لو ماتوا قبل البلوغ، ولا إذا قتلهم قاتل من المسلمين يقاد بهم، ولا ديتهم ديات المسلمين، بل حكمهم في جميع ذلك أحكام الكفار. كما أن في المسألة الثانية لا يرثه الإخوة المذكورة بل ورثه أولاده الأطفال دون إخوته، لأنهم بحكم أبيهم المسلم، فلأجل ذلك إذا بلغوا ولم يختاروا الاسلام، كان حكمهم حكم المرتدين عن فطرة الاسلام، والأولاد في المسألة الأولى لا يقهرون على الاسلام، ولا إذا اختاروا الكفر كان حكمهم حكم المرتدين عن فطرة الاسلام،

(1) النهاية، كتاب الميراث باب توارث أهل الملتين.

[ 270 ]

ولا حكم المرتد الذي كان كافرا ثم أسلم، لأنهم بحكم الكفار الأصليين، فليلحظ ذلك، فإن فيه لبسا على من لم ينعم النظر، وإنما الرواية من أخبار الآحاد أوردها شيخنا في نهايته إيرادا، كما أورد أمثالها مما لا يعمل به. والمسلم إذا كان له أولاد ذميون، وقرابة كفار، ومولى نعمة مسلم، أو مولى تضمن جريرة، أو مولى امامة، فإن ميراثه للمولى المسلم، دون أولاده وقراباته الكفار. والمسلمون يرث بعضهم بعضا وإن اختلفوا في الآراء والمذاهب، والاعتقادات والديانات، والمقالات، لأن الذي به يثبت الموارثة، إظهار الشهادتين، والاقرار بأركان الشريعة، من الصلاة والزكاة، والصوم، والحج، دون فعل الايمان الذي يستحق به الثواب، وبتركه العقاب. وقد يوجد في بعض نسخ المقنعة في باب أهل الملل المختلفة، والاعتقادات المتباينة ويرث المؤمنون أهل البدع، من المعتزلة والمرجئة والحشوية ولا ترث هذه الفرق أحدا من أهل الايمان، كما يرث المسلمون الكفار، ولا يرث الكفار أهل الاسلام (1). والأول هو المذهب المحصل، والقول المعول عليه، والمرجوع إليه. والكفار على اختلافهم يتوارث بعضهم من بعض، لأن الكفر كالملة الواحدة، لقول أبي عبد الله عليه السلام لا يتوارث أهل ملتين، نحن نرثهم ولا يرثونا (2)، فجعل من خالف الاسلام ملة واحدة. والمسلم الذي يولد (3) على فطرة الاسلام، ثم ارتد، فقد بانت منه امرأته، ووجب عليها عدة المتوفى عنها زوجها، وقسم ميراثه بين ورثته، وتستحق الزوجة سهمها معهم، لأنه بحكم الميت، فكأنه قد مات، وهي زوجته، ما فارقها إلا بالموت، فكأنه قد مات عن زوجة، ولا يستتاب، بل يقتل على كل حال، فإن القتل

(1) المقنعة، باب مواريث أهل الملل المختلفة ص 701.
(2) الوسائل: الباب 1، من أبواب موانع الإرث ح 6.
(3) ج. ل. ولد.

[ 271 ]

قد تحتم عليه، فإن لحق بدار الحرب، ثم مات وله أولاد كفار وليس له وارث مسلم، كان ميراثه لإمام المسلمين. ومن كان كافرا، فأسلم ثم ارتد، عرض عليه الاسلام، فإن رجع إليه، وإلا ضربت عنقه، وتعتد امرأته منه عدة المطلقة، دون عدة المتوفى عنها زوجها، لأنها بانت منه قبل موته، وتلك ما بانت منه إلا بعد موته الذي هو ارتداده الذي هو بمنزلة موته، فإن قتل أو مات وزوجته في العدة، ورثته مع وراثه المسلمين، قد حكم (1) عليها استيناف عدة المتوفى عنها زوجها، مذيوم (2) مات لأنه لو تاب ورجع إلى الاسلام قبل خروجها من عدتها، كان أملك بها بالعقد الأول، فإن ماتت في العدة، لم يرثها وهو على حال الكفر، لأنا قد بينا أن الكافر لا يرث المسلم، والمسلم يرث الكافر، ولا يجب عليها جميع الأحوال إلا عدة المطلقة، دون المتوفى عنها زوجها، ما عدا الموضع الذي ذكرناه واستثنيناه من وجوب استيناف عده الوفاة، لأنه لو تاب وهي في العدة، كان أملك بها، وإنما يجب على من مات زوجها وهي في عدة يكون بها أملك، أن يستأنف عدة المتوفى عنها زوجها، لقوله تعالى " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " (3) وهذا قد وذر زوجة، لأن المعتدة عدة رجعية عندنا بغير خلاف بيننا زوجة. وهذا المرتد الذي ارتد لا عن فطرة الاسلام، لا يقسم ماله بين ورثته، إلى أن يموت أو يقتل، ولو لحق بدار الحرب، بل يوقف وهو على ملكه، ما زال عنه بارتداده. وقال شيخنا في نهايته، ومن كان كافرا فأسلم ثم ارتد، عرض عليه الاسلام، فإن رجع إليه، وإلا ضربت عنقه، فإن لحق بدار الحرب، ولم يقدر عليه، اعتدت منه امرأته عدة المطلقة، ثم يقسم ميراثه بين أهله، فإن رجع إلى الاسلام قبل انقضاء عدتها، كان أملك بها، وإن رجع بعد انقضاء عدتها، لم يكن له عليها سبيل، فإن مات على كفره وله أولاد كفار، أو لم يخلف وارثا مسلما، كان ميراثه لبيت المال، هذا

(1) ج. ل. ووجب عليها.
(2) ج. ل. منذ.
(3) سورة البقرة، الآية 234.

[ 272 ]

آخر كلامه رحمه الله (1). إلا أنه رجع عنه في مسائل خلافه (2)، ومبسوطه (3)، وذهب إلى ما اخترناه، لأن قسمة أموال بني آدم وانتقالها منهم حكم شرعي، يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، وإنما الشافعي في أحد قوليه يقول المرتد الذي يستتاب يزول ملكه عن ماله، وينتقل ماله إلى ورثته، وهو حي، ومذهبنا بخلاف ذلك، بل ماله باق على ملكه ما دام حيا، وبالموت أو القتل ينتقل عنه إلى ورثته المسلمين، فليلحظ ذلك. وقوله رحمه الله كان ميراثه لبيت المال، فمراده بيت مال الإمام، دون بيت مال المسلمين، فليلحظ ذلك في جميع ما يقوله في باب المواريث. وقد قدمنا أنه إذا أسلم الكافر، أو عتق المملوك على ميراث بعد قسمته، لم يرث شيئا. ومتى لم يكن للميت إلا وارث مملوك، ابتيع من التركة، وعتق، وورث الباقي ويجبر المالك على بيعه بالقيمة العدل، هذا إذا كانت التركة تبلغ قيمته، أو زايدا عليها، فأما إذا نقصت عن ذلك، فلا يجب شراؤه، ولا يجبر المولى على بيعه، وتكون التركة لإمام المسلمين بغير خلاف. وروي أنه إذا كانت التركة أقل من ثمن المملوك، استسعي في الباقي (4)، ذهب إليه بعض أصحابنا. والأول الأظهر، وعليه العمل والفتاوي. فإن كان الوارث اثنين، أو جماعة، ونقصت التركة عن شرائهما، أو شراء جميعهم، ووفت بثمن واحد منهم، فلا يشترى من وقت بثمنه، بغير خلاف. وذهب أكثر أصحابنا إلى أنه لا يشترى إلا ولد الصلب، والوالد والوالدة فحسب، دون عداهم من ساير الوراث من ذوي الأنساب والأسباب. وهو الذي يقوى في نفسي، وأعمل عليه، وأفتي به، وهو اختيار شيخنا

(1) النهاية كتاب الميراث باب توارث أهل الملتين آخر الباب.
(2) الخلاف كتاب المرتد مسألة 7.
(3) المبسوط ج 7 كتاب المرتد ص 283.
(4) أورده الشيخ قدس سره في النهاية باب الحر المسلم وقال لست أعرف بذلك أثرا.

[ 273 ]

المفيد (1)، والسيد المرتضى (2)، والأول اختيار شيخنا أبي جعفر الطوسي (3). والذي يدل على صحة ما اخترناه، أنه لا خلاف بيننا في أن الرق يحجب الوراث عن الإرث، مثل الكفر والقتل عمدا على جهة الظلم، وبإجماعنا اشتري الثلاثة المذكورون، وليس معنا إجماع منعقد ممن عداهم، فبقينا فيمن عداهم على الأصل. وشيخنا أبو جعفر في نهايته (4) يوجب شراء الزوج والزوجة، إلا أنه رجع عن ذلك في استبصاره (5)، وذهب إلى أنه لا يشترى واحد منهما، ولا يورث، بل يكون التركة لإمام المسلمين. وأما ما عدا الولد للصلب والوالدين من ساير القرابات، فلم يرد بذلك إلا خبر واحد مرسل، وراوية عبد الله بن بكير، وهو فطحي المذهب، وقد قلنا ما عندنا في ذلك فلا وجه لإعادته. وأم الولد إذا مات سيدها وولدها حي، ولم يكن عليه دين، جعلت في نصيب ولدها، وعتقت عليه، فإن لم يخلف غيرها عتق منها نصيب الولد، واستسعيت في الباقي لغيره من الورثة، فإن كان ثمنها دينا على سيدها، بيعت في الدين إذا لم يخلف ما يحيط بثمن رقبتها. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته في باب أمهات الأولاد، وإذا مات مولاها وولدها حي، جعلت في نصيب ولدها، وقد انعتقت، فإن لم يخلف غيرها، كان نصيب ولدها منها حرا، واستسعيت في الباقي لمن عدا ولدها من الورثة، فإن لم يخلف غيرها وكان ثمنها دينا على مولاها، قومت على ولدها، ويترك إلى أن يبلغ،

(1) في المقنعة، باب الحر إذا مات وترك وارثا مملوكا 695.
(2) في الانتصار، والعبارة هكذا - من مات وخلف مالا وأبا مملوكا وأما مملوكة، فإن الواجب أن يشترى من تركته ويعتق.
(3) في النهاية، باب الحر المسلم يموت.
(4) النهاية كتاب الميراث باب الحر المسلم يموت.
(5) الاستبصار، الباب 103 من كتاب الفرائض.

[ 274 ]

فإذا بلغ أجبر على ثمنها، فإن مات قبل البلوغ، بيعت في ثمنها، وقضي به الدين (1). إلا أنه رجع عن هذا أيضا في نهايته، في باب السراري وملك الأيمان، في كتاب النكاح، فإنه قال في آخر الباب، وإذا كان للرجل جارية رزق منها ولدا لم يجز له بيعها ما دام الولد باقيا، فإن مات الولد جاز له بيعها، ويجوز بيعها مع وجود الولد في ثمن رقبتها إذا لم يكن مع الرجل غيرها، فإن مات الرجل ولم يخلف غيرها، بيعت وقضى بثمنها دينه، وإن كان له مال غيرها، جعلت من نصيب ولدها، وتنعتق، هذا آخر كلام شيخنا (2). ولا يرث القاتل عمدا مقتوله على وجه الظلم، على ما بيناه (3) بلا خلاف، ويرثه إذا كان قتله خطأ ما عدا الدية المستحقة عليه، أو على عاقلته، بدليل الاجماع من الطائفة على ذلك، وظاهر آيات المواريث، وقاتل العمد إنما أخرجناه من الظاهر بدليل قاطع، وليس ذلك في قاتل الخطأ. وقول المخالف لو كان قاتل الخطأ وارثا لما وجب تسليم الدية عليه. ليس بشئ، لأنه لا تنافي بين وجوب تسليم الدية، وبين الميراث مما عداها. ولا يرث من الدية أحد من كلالة الأم، ولا من يتقرب بها، ويرثها من عداهم من ذوي الأنساب والأسباب. ولا يستحق أحد من الزوجين القود على حال، فإن رضي الورثة المناسبون بأخذ الدية، وبذلها القاتل، كان لهما نصيبهما فيها. وميراث ولد الملاعنة لأمه ولمن يتقرب بها، ويرثها هو ومن يتقرب بها، ولا يرثه أبوه ولا من يتقرب به على حال، ولا يرثه الولد إلا أن يقربه بعد اللعان، فيرثه الولد دون أقاربه، لأن إقراره في حق نفسه فحسب، هذا على قول بعض أصحابنا، وهو الذي أورده شيخنا في نهايته (4).

(1) النهاية كتاب العتق باب أمهات الأولاد.
(2) النهاية، كتاب النكاح، باب السراري والأيمان.
(3) في ص 273.
(4) النهاية، كتاب الميراث، باب ميراث الملاعنة.

[ 275 ]

وقال آخرون منهم ولا يرث ولد الملاعنة ملاعن أمه المصر على نفيه، ولا من يتعلق بنسبه، ولا يرثونه، ومن يتعلق بنسبه، ويرثه بعد الاعتراف به والرجوع عن نفيه، ومن يتعلق بنسبه، ولا يرثه الأب ولا من يتعلق بنسبه. وهذا هو الأقوى عندي، لأنه إذا أقر به، حكم عليه بأنه ابنه، إلا ما أخرجه الدليل، ولأن الاقرار بمنزلة البينة، بل أقوى. إلا أن لقائل أن يقول: قد حكم الشارع في هذا الموضع إنه ليس بولد له. كما لو أقر اللقيط بأنه عبد، لا يقبل إقراره بالعبودية، لأن الشارع حكم بأنه حر، فلا يقبل إقراره بالرق. والذي أعتمده في هذه الفتوى، أن الولد يرثه بعد إقراره به، دون غيره من قراباته، فإنه لا يرثهم ولا يرثونه لإجماع أصحابنا على ذلك، ومن شذ منهم لا يلتفت إلى خلافه، لأنه معروف النسب والاسم، وهو أبو الصلاح صاحب كتاب الكافي الحلبي. والوالد لا يرث الولد على حال بدليل إجماعنا على ذلك، وأيضا فالاحتياط فيما ذكرناه، لأن الاقرار بالولد بعد نفيه قد يكون للطمع في ميراثه، فإذا لم يورث، كان ذلك صارفا له عن الاقرار به لهذا الغرض، واقتضى أن لا يكون بعد الجحود إلا لتحري الصدق فقط. فإن مات ولد الملاعنة، وخلف أخا من أبيه الذي نفاه، ومن أمه، وخلف أختا من أمه، كان الميراث بين الأخ والأخت نصفين، لأنهما من كلالة الأم، يتساوى الذكر والأنثى في الميراث، لأن النسب الأخ إليه من أبيه غير معتد به، لأنه بعد نفيه ما صار أباه، فكأنه خلف أخا وأختا لأم، فليلحظ ذلك. وذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في استبصاره، إلى أن ولد الملاعنة إن اعترف به أبوه بعد الملاعنة، فإنه يرث أباه، ولا يرثه أبوه، ويرث أخواله وترثه أخواله، إذا كانت أمه ميتة، فأما إذا لم يعترف به أبوه بعد اللعان، فإنه لا يرث أباه، وترثه أمه، فإذا ماتت، ترثه أخواله، وهو لا يرث أخواله (1).

(1) الاستبصار، الباب 104 من كتاب الفرائض.

[ 276 ]

هذا بخلاف مذهبه في نهايته (1)، فإن فيها أطلق القول. والصحيح أنه يرث أخواله، وترثه أخواله، سواء اعترف به أبوه بعد اللعان، أو لم يعترف، لأن نسبه من الأم بسبب (2) شرعي بغير خلاف. وأورد في استبصاره حديثين قال فيهما ابن الملاعنة ترثه أمه الثلث، والباقي لإمام المسلمين، لأن جنايته على الإمام، فتأولهما، وقال الوجه في هاتين الروايتين أن نقول: إنما يكون لها الثلث من المال إذا لم يكن لها عصبة يعقلون عنه (3). قال محمد بن إدريس رحمه الله وهذا تأويل يرغب الانسان عنه، ويربأ بنفسه منه، لأنه مصير إلى مذهب المخالفين، وعدول عن آية ذوي الأرحام، وأصول المذهب، ورجوع إلى القول بالعصبة، ثم هدم ونقض لإجماعنا، وهو أن قرابات الأم وكلالتها لا يعقلون ولا يرثون من الدية شيئا بغير خلاف بيننا، فليلحظ ذلك ويتأمل. وولد الزنا لا يرث من خلق من نطفته، ولا من ولدته، لأنهما غير أبويه شرعا، ولا من يتقرب بهما إليه، ولا يرثونه على حال، لأنه ليس بولد لهما شرعا على ما قدمناه، لأن الولد للفراش على ما جاء عنه (4) عليه السلام والفراش المذكور في الخبر عبارة عن العقد، وإمكان الوطي عندنا وعند الشافعي. ومن أصحابنا من قال حكمه حكم ولد الملاعنة سواء، وهو مذهب من خالفنا من الفقهاء والأول هو المذهب الذي يقتضيه أصولنا. ويعزل من التركة مقدار نصيب الحمل، والاستظهار يقتضي عزل نصيب ذكرين، فإن ولد ميتا فلا شئ له، وإن ولد حيا، ورث ويعلم حياته بالاستهلال، وهو رفع الصوت أو الحركة الكثيرة التي لا تكون إلا من حي، فربما كان أخرس، وقد ذكرنا أحكام الشهادة بالاستهلال وكيفيتها في كتاب الشهادات (5)، فلا وجه لإعادته.

(1) النهاية، كتاب الميراث باب ميراث ولد الملاعنة.
(2) ج. ل. نسب.
(3) الاستبصار، الباب 105 من كتاب الفرائض، ح 9 - 10.
(4) الوسائل: الباب 56، ح 1، والباب 58، ح 5 - 4 - 3 - 2 والباب 74 من أبواب نكاح العبيد والإماء والباب 8 من أبواب ميراث الملاعنة، ح 1 - 4.
(5) في الجزء الثاني، ص 138.

[ 277 ]

وإن ولد مولود ليس له فرج أصلا، لا فرج الرجال ولا فرج النساء، فهذا هو المشكل أمره، استخرج بالقرعة بغير خلاف بين أصحابنا في ذلك، ولقولهم عليهم السلام كل أمر مشكل فيه القرعة (1) فما خرجت القرعة ورث عليه، فيكتب على سهم عبد الله، وعلى سهم آخر أمة الله، ويجعلان في سهام مبهمة، ويخلط ويدعو المقرع، فيقول: اللهم أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، بين لنا أمر هذا الشخص، ليحكم فيه بحكمك، ثم يؤخذ سهم سهم، فإن خرج عليه عبد الله، حكم له بحكم الذكور وورث ميراثهم، وإن خرج أمة الله، حكم له بحكم الإناث وورث ميراثهن. وإذا خلف الميت شخصا له رأسان على بدن واحد، أو بدنان ورأسان على حقو واحد، ترك حتى ينام، ثم ينبه أحدهما فإن انتبه والآخر نايم، فهما اثنان، وإن انتبها جميعا، فهما واحد. فأما ميراث الخنثى، وهو الذي له فرج الرجال وفرج النساء معا، فله أحوال عند أصحابنا، فأول أحواله اعتبار المبال، فإن خرج من فرج الرجال، ورث ميراثهم (2)، وحكم عليه بأنه رجل، وإن خرج البول من فرج النساء، ورث ميراثهن، ويحكم عليه بحكمهن، فإن بال منهما جميعا، فالاعتبار بالسابق منهما، فيورث عليه، فإن لم يسبق أحدهما الآخر، فالاعتبار بالفرج الذي ينقطع البول منه أخيرا فيورث عليه ويحكم به له، فإن جاء سواء في دفعة واحدة، وانقطعا سواء في وقت واحد، فهيهنا وفي هذه الحال يتصور مسألة الخلاف بين أصحابنا فحينئذ فحيز النزاع (3). وأما في الأحوال الأول (4) فلا خلاف بينهم فيها أجمع، بل الخلاف فيما صورناه،

(1) الوسائل، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 11، وفيه: " كل مجهول ففيه القرعة ". ولعل ما في المتن قاعدة مستنبطة من كلامهم عليهم السلام، كما في الباب 11 من المستدرك عن دعائم الاسلام عن أمير المؤمنين وأبي جعفر وأبي عبد الله عليهم السلام " أنهم أوجبوا الحكم بالقرعة في ما أشكل ".
(2) ج. ميراث الرجال.
(3) ج. ل. فحينئذ يظهر محل النزاع.
(4) ج. ل. الأولة.

[ 278 ]

فذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته (1)، وإيجازه (2)، ومبسوطه (2)، إلى أنه يورث نصف الميراث الرجال ونصف ميراث النساء، فيجعله تارة ذكرا وتارة أنثى، ويعطيه ويورثه نصف سهم الذكر ونصف سهم الأنثى، قال الذاهب إلى هذا القول، الذي يعول عليه في ميراث الخنثى، وكيفية قسمته، ويجعل أصلا فيه، أن يفرض الخنثى بنتا ونصف بنت مع الباقين من الورثة، قال وقيل فيه وجه آخر، وهو أن يقسم الفريضة دفعتين، بفرض الخنثى في أحدهما ذكرا، وفي الأخرى أنثى، فما يصيبه في الدفعتين، أعطي نصفه من الفريضة. مثال ذلك: إذا خلف ابنا بيقين، وخلف خنثى، فينبغي أن يطلب ما لا يمكن قسمته مع فرض الذكر ومع فرض الأنثى من غير كسر، وأقل ما يمكن فيه في هذه المسألة ستة، فإن فرضت الخنثى ذكرا، كان المال بينهما نصفين، لكل واحد ثلاثة، فإن فرضته بنتا كان لها سهمان من ستة فإذا أضفت السهمين إلى الثلاثة، صارت خمسة، فتعطى الخنثى نصفها، وهو سهمان ونصف من ستة وثلاثة، ونصف للابن المتيقن، فإذا أردت أن لا ينكسر، فاجعلها من اثني عشر، فتعطي الابن سبعة، والخنثى خمسة. فإن فرضت بنتا بيقين وخنثى، خرجت الفريضة أيضا من اثني عشر، فإن كان ذكرا كان له ثمانية، وللبنت أربعة، وإن كانت بنتا، كان لها ستة، لأن المال بينهما نصفان بالفرض والرد عندنا، فنضيف الستة إلى الثمانية، يصير أربعة عشر، فتعطى الخنثى نصفها سبعة، وللبنت المتيقنة خمسة. فإن كان ابن وبنت وخنثى، فأقل ما يخرج منه سهامهم عشرون، فإن فرضته ذكرا كان له ثمانية، وإن فرضته أنثى، كان له خمسة، يصير ثلاثة عشر نعطيه نصفه ستة ونصفا من عشرين، فإن أردته بلا كسر، جعلته من أربعين، فتعطي الخنثى ثلاثة عشر، وتبقى سبعة وعشرون، للابن ثمانية عشر، وللبنت تسعة، ثم على هذا

(1) النهاية: باب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم في وقت واحد.
(2) الايجاز: فصل في ذكر ميراث الخنثى ص 275 من الرسائل العشر.
(3) المبسوط: ج 4، كتاب الفرائض والمواريث، ميراث الخنثى، ص 114.

[ 279 ]

المنهاج بالغا ما بلغوا. وإن كان معهم زوج أو زوجة، أخرجت سهمه، والباقي قسمته على ما قلناه. وذهب جماهير أصحابنا والأكثرون منهم والمحصلون، إلى أنه في هذه الحال المتنازع فيها، يعتبر ويورث بعدد الأضلاع، فإن نقص عدد أحد الجانبين عن الآخر، ورث ميراث الرجال وحكم عليه بحكمهم، وإن تساوى الجانبان في عدد الأضلاع، ورث ميراث النساء وحكم له بحكمهن، وهو مذهب شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان الحارثي رحمه الله فإنه قال في كتابه كتاب الأعلام، - وشرحه على جميع متفقهة العامة فيه، ومستدلا عليهم -، قال: واتفقت الإمامية في توريث الخنثى على اعتباره بالمبال، فإن خرج البول (1) مما يكون للرجال خاصة، ورث ميراث الرجال، وإن كان خروجه مما يكون للنساء حسب، ورث ميراث النساء، وإن بال منهما جميعا نظر إلى الأغلب منهما بالكثرة، فورث عليه، وإن تساوى ما يخرج من الموضعين، اعتبر باتفاق الأضلاع واختلافها، فإن اتفقت ورث ميراث الإناث، وإن اختلفت ورث ميراث الرجال، قال رحمه الله ولم أجد من العامة أحدا يعتبر في الخنثى ما ذكرناه على الترتيب الذي وصفناه، قال ولنا بعد الحجة بإجماع الفرقة المحقة على ما ذكرناه في هذه المسألة، ورود الخبر بذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بعزوه إلى السنة الثابتة عنده، عن نبي الهدى صلى الله عليه وآله، وبطلان مقال من خالفه فيه، وقطع على فساده من العامة، إذ لم يعتمد في ذلك على حجة في فساده، وقد ثبت أن الحق لا يخرج عن أمة محمد صلى الله عليه وآله، ولو كانت الإمامية مبطلة فيما اعتقدته منه، وكان من خالفها أيضا مبطلا في إنكاره لما ذكرناه لخرج الحق عن أمة محمد صلى الله عليه وآله وذلك باطل لما بيناه، وهذا آخر كلامه رحمه الله (2). فقد رجع كما ترى عما ذكره وأورده في مقنعته (3) بغير شك ولا ارتياب.

(1) ج. ل. فإن كان خروج البول.
(2) لم نعثر عليه.
(3) المقنعة، أبواب فرائض المواريث، باب ميراث الخنثى ص 698.

[ 280 ]

وهذا أيضا مذهب السيد المرتضى رضي الله عنه على ما حكاه عنه، ذكره في انتصاره مثل ما ذكره شيخه المفيد، وشرحه كشرحه، وفصل أحواله كتفصيله، وصوره كتصويره، حرفا فحرفا، ثم قال في استدلاله على صحة المسألة. والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد، وأيضا فإن باقي الفقهاء عولوا عند إشكال الأمر وتقابل الأمارات على رأي وظن وحسبان، وعولت الإمامية فيما يحكم به في الخنثى على نصوص وشرع محدود، فقولها على كل حال أولى. هذا آخر كلام السيد المرتضى (1). ألا ترى أرشدك الله إلى الخيرات استدلال هذين العالمين القدوتين بإجماع الإمامية على صحة القول في هذه المسألة، وفساد قول من خالفهما فيه. وإلى ما ذهبا إليه أذهب، وعليه اعمل، وبه أفتي، إذا الدليل يعضده، والحجة تسنده، وهو الاجماع المشار إليه، والخبر المتفق عليه، وقد كان في بعض أصحابنا الماضين رحمهم الله يتعاطى معرفة مسائل الخناثي، والضرب لها واستخراج سهامهم بغير انكسار، وكنا نجيل في ذلك سهامنا مع سهامهم متبعين كلامهم قبل اعمال نظرنا في المسألة، إذ الاذن البكر تقبل ما يرد عليها بلا روية ولا نظر، وهذا غير محمود عقلا وشرعا، فحيث تأملنا المسألة وأعطينا النظر حقه وسبرنا أقاويل أصحابنا وكتبهم، وجدناها بخلاف ما كنا عليه، فكشفنا قناع صحتها، وأوضحنا غياهيب ظلمتها. وأيضا فالدليل على أصل المسألة قول الله سبحانه ممتنا به على خلقه وعباده " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء " (2) وقال تعالى " يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور " (3) وقال تعالى " أم له البنات ولكم البنون " (4) وقال " وما خلق الذكر والأنثى " (5) وما قال في امتنانه - والخنثى - وقال " اصطفى البنات على البنين " (6) وقال تعالى " الكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى " (7) فلو كان بعد الأنثى منزلة

(1) الانتصار، في الميراث.
(2) سورة النساء، الآية 1.
(3) سورة الشورى، الآية 49.
(4) سورة الطور، الآية 39. (5) سورة الليل، الآية 3.
(6) سورة الصافات، الآية 153.
(7) سورة النجم، الآية 21.

[ 281 ]

لذكرها، وقال سبحانه " فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى " (1) فلو كان المجعول قسما آخر لذكره في امتنانه علينا، ألا ترى إلى قوله تعالى في هذه الآيات، ووجه الامتنان بها، وذكر التثنية في جميعها، من غير إدخال قسم ثالث فيها. ثم إن شيخنا أبا جعفر الطوسي رحمه الله رجع عما ذكره أجمع في مسائل خلافه وترك القول الذي حكيناه، عنه في نهايته، ومبسوطه، وإيجازه، فقال في مسائل الخلاف مسألة: إذا مات انسان، وخلف خنثى مشكلا، له ما للرجال وما للنساء، اعتبر بالمبال، فإن خرج من أحدهما أولا، ورث عليه، وإن خرج منهما اعتبر بالانقطاع، فورث على ما ينقطع أخيرا فإن اتفقا روى أصحابنا أنه تعد أضلاعه، فإن تساويا ورث ميراث النساء، وإن نقص أحدهما ورث ميراث الرجال، والمعمول عليه أن يرجع إلى القرعة فيعمل عليها، وقال الشافعي ننزله نحن بأسوأ حالتيه، فنعطيه نصف المال، لأنه اليقين، والباقي يكون موقوفا حتى يتبين حاله، فإن بان أنه ذكر، أعطيناه ميراث الذكور، وإن بان أنه أنثى، فقد أخذ حقه، فيعطى الباقي للعصبة، وبه قال زيد بن ثابت، وقال أبو حنيفة يعطيه النصف يقينا، والباقي يدفع إلى عصبته، وذهب قوم من الحجازيين، وقوم من البصريين، أنه يدفع إليه نصف ميراث الذكر، ونصف ميراث الأنثى، فيعطى ثلاثة أرباع المال، وبه قال أبو يوسف وجماعة من أهل الكوفة، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، هذا آخر كلامه رحمه الله في المسألة (2). ألا ترى إلى قول شيخنا رحمه الله، فإن فيه إذا تأملته عجايب ودلايل على صحة القول بما اخترناه، وفساد المذهب الذي ذهب إليه في كتبه المقدم ذكرها، وهو قوله فإن اتفقا روى أصحابنا أنه تعد أضلاعه، فإن تساويا ورث ميراث النساء، وإن نقص أحدهما ورث ميراث الرجال، فقد أقر على نفسه أن أصحابه يعني الشيعة الإمامية رووا ذلك من غير خلاف بينهم في الرواية، بل تلقاها جميعهم بالقبول، لأنه لم يقل وقد روي خلافه، فدل على أن الرواية متواترة، وما هذا حكمه يجب

(1) سورة القيامة، الآية 39.
(2) الخلاف، كتاب الفرائض، مسألة 116.

[ 282 ]

العمل به، ولا يجوز العدول عنه، وقال رحمه الله مستدلا على خصومه، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، فجعل الأخبار دليله، وهو قد حكى عن أصحابه أنهم رووه، فالأخبار التي استدل بها وعناها هي التي رووا، ثم استدل بإجماعهم، وإجماعهم منعقد على هذه الأخبار التي رووها في هذا المعنى، ثم إنه رحمه الله خالف أصحابه على ما حكي عنهم، وخالف قوله الذي ذكره في كتبه الثلاثة المقدم ذكرها، وقال هيهنا المعمول عليه أن يرجع إلى القرعة، فيعمل عليها، وفي هذا ما فيه. ثم إن القرعة لا تستعمل إلا في كل أمر مشكل إذا لم يرد فيه بيان شرعي، ولا نص مبين لحكمه، فحينئذ يفزع إلى القرعة، فيجعل بيان حكمه وحل مشكله، فأما إذا ورد البيان من الشارع بحكمه، فلا يجوز الرجوع فيه إلى القرعة بحال، من غير خلاف بيننا في هذا الأصل المقرر المحرر، وقد أقر رحمه الله أن أصحابه رووا بيان هذا الحكم، واستدل بإجماعهم وأخبارهم التي رووها عليه، فكيف يفزع هو إلى القرعة في هذا الموضع، إن هذا لعجيب طريف، إلا أن يريد بأخبارهم التي عناها إن كل أمر مشكل فيه القرعة، وقد دللنا على فساد هذه الطريقة، وقلنا إنه لا يجوز استعمال القرعة إلا في أمر لم يبين الشارع حكمه ومشكله، والشارع بين حكم هذا بعد (1) الأضلاع، فإن شيخنا أقر بأن أصحابه رووا ذلك من غير تناكر بينهم في الرواية. وقد قال رحمه الله في الحايريات، لما سئل عن الخبر الذي ورد أن الله تعالى لما خلق آدم عليه السلام أخذ من جنبه الأيسر ضلعه الأعوج، فخلق منه حوا، وإن (2) أضلاع الرجال تنقص وأضلاع النساء تمام، فما عنده فيه؟ فقال الشيخ الجواب ذلك مشهور بين أهل النقل في أصحابنا، والمخالفين، وهو جايز لا مانع منه، وهو في قضايا أمير المؤمنين عليه السلام. ألا ترى إلى قوله ذلك مشهور بين أهل النقل في أصحابنا والمخالفين فدل على أنه إجماع المسلمين، فضلا عن طائفتنا على رواية هذا الحكم.

(1) ج. بعدد.
(2) ل. ومن أجل ذلك ان.

[ 283 ]

ثم إنه رحمه الله لم يذكر في كلامه الذي حكيناه عنه في مسائل خلافه، أنه ذهب إلى ما ذكره في نهايته وإيجازه ومبسوطه، إلا قوم مجهولون غير معينين، ما خلا أبا يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة، فإذا لم يذهب إليه أحد من المسلمين المعروفين، ولا أحد من الصحابة والتابعين، ولا الفقهاء المعروفين سوى أبي يوسف، وكفى بهذا القول وهنا وضعفا. وإذا عقد على الصغيرين عقد النكاح أبواهما، توارثا، فإن كان العاقد غيرهما، فلا توارث بينهما حتى يبلغا ويمضيا العقد، فإن بلغ أحدهما فأمضاه، ثم مات، انتظر بلوغ الآخر، فإن بلغ وأمضاه حلف بأنه لم يرض طمعا في الميراث، فإذا حلف ورث سهمه، فإن لم يحلف فلا ميراث له. ويتوارث الزوجان بعد الطلاق الرجعي، سواء كان في الصحة أو المرض ما دامت المرأة في العدة بغير خلاف، وإن كان الطلاق في حال مرض الزوج، ورثته المرأة أيضا بعد خروجها من العدة، ما بينها وبين سنة، ما لم تتزوج أو يبرأ الزوج من مرضه الذي طلقها فيه، وهو لا يرثها بعد خروجها من عدتها، هذا في الطلاق الرجعي، فإن كان طلاقه لها طلاقا لا رجعة له فيه، فلا ميراث بينهما ساعة طلقها، إلا أن يكون أوقع هذا الطلاق البائن في مرضه، فإنها ترثه ما دامت في عدتها، وبعد خروجها من العدة ما بينها وبين سنة، ما لم تتزوج المرأة أو يبرأ من مرضه الذي طلقها فيه. وشيخنا أبو جعفر ذهب في نهايته، إلى أنهما يتوارثان ما دامت في العدة، وإن كان الطلاق لا رجعة له عليها فيه، إذا كان طلاقه لها في المرض، ثم بعد خروجها من العدة ترثه ما لم تتزوج، أو يبرأ الزوج من مرضه الذي طلق فيه إلى سنة (1). إلا أنه رجع عن ذلك في مسائل خلافه على ما ذكرناه فيما تقدم (2). وإذا تزوج المريض ومات قبل برئه، وقبل الدخول بالمرأة، بطل العقد بينهما عند

(1) النهاية، كتاب الطلاق، باب أقسام الطلاق وشرائطه والعبارة منقولة بالمعنى.
(2) في ص 222.

[ 284 ]

أصحابنا، ولم ترثه المرأة، ولا عدة عليها منه. وإذا انفرد الزوج بالميراث، فله النصف بالتسمية، والنصف الآخر رد عليه بإجماع أصحابنا، ولا يلزم على ذلك أن يرد الباقي من سهم الزوجة عليها إذا انفردت بالميراث، لأن الشرع لا يؤخذ قياسا، وقد قدمنا (1) القول في ذلك مشروحا، فلا وجه لإعادته. وإذا تعارف المجلبون - واحدهم مجلب (2) جلب وهو الحميل - واختلف في تفسيره فقال الجوهري في كتاب الصحاح الحميل الذي يحمل من بلده صغيرا، والحميل الدعي. قال الكميت يعاتب قضاعة في تحويلهم إلى اليمن: علام نزلتم من غير فقر * ولا ضراء منزلة الحميل وقال صاحب المجمل وهو ابن فارس، الحميل الدعي. وقال الهروي في غريب الحديث، أما قوله الحميل لا يورث إلا ببينة، ففيه قولان، يقال فيه هو الذي يحمل من بلاده صغيرا إلى بلاد الاسلام، ويقال هو المحمول (3) النسب، وذلك أن يقول هذا أخي أو أبي أو ابني، ليزوي ميراثه عن مواليه، فلا يصدق إلا ببينة. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وأما الحميل فهو الذي يجلب من بلاد الشرك ويسترق، فإذا تعارف منهم اثنان أو جماعة بنسب يوجب بينهم الموارثة في شرع الاسلام، فإنه يقبل قولهم في ذلك، ويورثون على نسبهم، ولا يطالبون بالبينة على ذلك على حال (4). وهذا القول قريب من قول من حكيناه من أهل اللغة، إذ كل منهما مدع نسبا من الآخر، لأن حقيقة الدعوى كل خبر ليس على صحته وفساده دليل.

(1) في ص 243.
(2) ل. مجلوبون واحدهم مجلوب. وفي نسخة الأصل: " مجلبون واحدهم مجلوب " والظاهر إنه خطأ.
(3) ل. المجهول.
(4) النهاية: كتاب الميراث: باب ميراث ولد الملاعنة.

[ 285 ]

إلا أن شيخنا أبا جعفر رجع في التبيان، فقال الحميل الغريب، لأنه يحمل على القوم وليس منهم (1). فأما ميراث اللقيط، فإن كان توالى إلى انسان، ضمن جريرته وحدثه، فإنه يكون ميراثه له، وضمان جريرته عليه، فإن لم يكن توالى إلى أحد، فميراثه لإمام المسلمين، وليس لمن التقطه ورباه شئ من ميراثه. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وأما المشكوك فيه، فهو أن يطأ الرجل امرأته أو جاريته، ثم يطأها غيره في تلك الحال، وتجئ بالولد، فإنه لا ينبغي له أن يلحقه به لحوقا صحيحا، بل ينبغي أن يربيه وينفق عليه، فإذا حضرته الوفاة، عزل له شيئا من ماله قدر ما يتقوى به على شأنه، وإن مات هذا الولد، لم يكن له شئ من تركته، وكانت لبيت المال إن لم يخلف ولدا ولا زوجا ولا زوجة، هذا آخر كلامه في نهايته (2). قال محمد بن إدريس رحمه الله ما ذكره رحمه الله ما يقتضيه أصول مذهبنا، والصحيح إن هذا الولد الذي من زوجته ولده شرعا، يرثه إذا مات وكذلك الولد يرث الوالد إذا لم ينتف منه باللعان مع أمه بغير خلاف بيننا، ولقوله عليه السلام الولد للفراش وللعاهر الحجر (3) والفراش عبارة عن العقد، وإمكان الوطي على ما جرت به العادة، دون التمكين على ما في مقدور الله تعالى، على ما يذهب إليه أبو حنيفة. وإذا وطي نفسان فصاعدا جارية مشتركة بينهما، فجاءت بولد، أقرع بينهما، فمن خرج اسمه ألحق به، وضمن للباقين من شركائه حصتهم، وتوارثا، فإن وطأها نفسان في طهر واحد بعد انتقال الملك من واحد منهما إلى الآخر، كان الولد لاحقا بمن عنده الجارية، ويرثه (4) الأب والولد أيضا مثل ذلك يرثه على ما رواه أصحابنا.

(1) التبيان: لم نتحققه.
(2) النهاية: كتاب الميراث، باب ميراث ولد الملاعنة.
(3) الوسائل، باب 56 من أبواب نكاح العبيد والإماء.
(4) ج. ل. وبرث.

[ 286 ]

وتحقيق ذلك أن يعتبر بستة أشهر وأقل منها، فإن كان أقل من ستة أشهر من وقت وطي المشتري، فإن الولد يلحق بالسيد الأول الذي هو البايع، وإن كان لستة أشهر فصاعدا فإنه يلحق بالمشتري الذي عنده الجارية، فأما الرواية، فيمكن أن يعمل بها على بعض الوجوه، وهو أن يكونا وطياها في وقتين متقاربين في يوم واحد. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ومن تبرأ عند السلطان من جريرة ولده ومن ميراثه، ثم مات الولد وله مال، كان ميراثه لعصبة أبيه دون أبيه (1). وهذا خلاف إجماع أصحابنا وإجماع المسلمين، لأن الوالد يضمن جريرة ابنه ويعقل عنه، ولا يصح التبري من المواريث على حال، وإنما هذه رواية شاذة من أضعف أخبار الآحاد، وأوردها شيخنا إيرادا لا اعتقادا. وقد رجع عنها في الحايريات، في المسألة الخامسة والثمانين والمائة، وعن العاقلة إذا تبرأت من ميراث من تعقل عنه وجريرته، أيكون ذلك بمنزلة الأب، أو ما الحكم في ذلك فيه؟ فقال رحمه الله الجواب لا يصح له التبري، لأن الشرع إذا حكم به لم ينفع التبري، وثبت حكمه، والرواية في تبري الأب من جريرة الابن رواية شاذة فيها نظر، فإن صحت لا يقاس عليها غيرها، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله في الجواب (2). والمملوك لا يملك شيئا حتى يستحقه ورثته من الأحرار، بل ماله إن كان في يده شئ لمولاه، وكذلك حكم المدبر بغير خلاف بين أصحابنا. فأما المكاتب فهو على ضربين، مشروط عليه ومطلق، على ما قدمناه (3) في موضعه، فإذا كان مشروطا عليه، فحكمه حكم المماليك، فإن كان غير مشروط عليه، فإنه يرث ويورث بقدر ما أدى من مكاتبته، من غير زيادة ولا نقصان، ويحرم ما زاد على ذلك. وإذا اشترط المكاتب على الذي كاتبه أن يكون ولاؤه له كان شرطه صحيحا،

(1) النهاية، كتاب الميراث باب ميراث ولد الملاعنة آخر الباب.
(2) لا توجد المسألة في المطبوع من مسائل الحائريات في المجموعة التي سميت بالرسائل العشر.
(3) ص 26.

[ 287 ]

فإن لم يشرط ذلك، لم يكن له ولاؤه، إلا أن يتوالاه (1)، فإن شرط عليه أن يكون ميراثه له دون ورثته، كان ذلك باطلا، لأنه خلاف الكتاب والسنة. وإذا أدى المكاتب المطلق نصف الكتابة، ثم مات، وخلف ولدا من جارية له، أو من حرة، أو وارثا غير الولد، وخلف مالا، فنصفه للسيد ونصفه لوارثه (2)، ويعطى الوارث من نصيبه الذي أخذه وهو النصف، ما بقي على مورثه من مال الكتابة، لأنه دين على مورثه، لا يستحق الوارث التركة إلا بعد قضاء الدين. وإذا كان عبد بين شريكين أعتق أحدهما نصيبه ثم مات، وخلف مالا، كان نصف ما ترك للذي لم يعتق، والباقي لورثته، فإن لم يكن له ورثة، كان ذلك لمولاه الذي أعتقه تبرعا. فصل في ميراث المجوس اختلف قول أصحابنا في ميراث المجوس إذا تحاكموا إلى حكام الاسلام على ثلاثة أقوال. فقال قوم إنهم يورثون بالأنساب والأسباب الصحيحة التي تجوز في شرع الاسلام، ولا يورثون بما لا يجوز فيه على كل حال. وقال قوم إنهم يورثون بالأنساب على كل حال، ولا يورثون بالأسباب إلا بما هو جايز في شريعة الاسلام. وقال قوم إنهم يورثون من الجهتين معا، سواء كان مما يجوز في شريعة الاسلام أو لا يجوز، وهذا القول الأخير الذي هو ثالث الأقوال، خيرة شيخنا أي أبو جعفر الطوسي في نهايته (3)، وسائر كتبه، وأول الأقوال اختيار شيخنا المفيد، محمد بن محمد بن النعمان، فإنه قال في كتاب الأعلام وشرحه، فأما ميراث المجوس فإنه عند جمهور الإمامية، يكون من جهة النسب الصحيح، دون النكاح الفاسد، وهو مذهب مالك، والشافعي، ومن اتبعهما فيه من المتأخرين، وسبقهما إليه من

(1) ج. ل. يتولاه.
(2) ج. لوارثه.
(3) النهاية، كتاب الميراث باب ميراث المجوس.

[ 288 ]

المتقدمين، هذا آخر كلامه رحمه الله (1). وإلى هذا القول أذهب، وعليه أعتمد، وبه أفتي، لأن الله تعالى قال " وإن أحكم بينهم بما أنزل الله " (2) وقال في موضع آخر " وقال الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " (3) وقال تعالى " فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط " (4) فإذا حكم الحاكم بما لا يجوز في شرع الاسلام فقد حكم بغير الحق وبغير ما أنزل الله، وبغير القسط وأيضا فلا خلاف بيننا أن الحاكم لا يجوز له أن يحكم بمذاهب أهل الخلاف مع الاختيار، وشيخنا أبو جعفر يوافق على هذا، وقد ذكره في عدة مواضع من كتبه، وإنما اعتمد رحمه الله على رواية شاذة روتها العامة عن أمير المؤمنين عليه السلام ذكر ذلك ابن اللبان القرضي في الموجز، وهو من فقهاء المخالفين لمذهب أهل البيت عليهم السلام وأحال (5) شيخنا أبو جعفر في مبسوطه على ابن اللبان، لأنه قال وقد قلنا إن الصحيح أن الميراث يثبت بينهم بالزوجية على كل حال، وروي ذلك عن على عليه السلام وذكر ابن اللبان ذلك في الموجز عنه، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (6) ورأيت أنا الموجز بخط شيخنا أبي جعفر جميعه، وهو كتاب صغير في الفرايض، فحسب. ثم إن شيخنا أبا جعفر رحمه الله يقول في نهايته، وهذا القول عندي هو المعتمد، وبه تشهد الروايات (7). واستدل بما يرغب الانسان عن ذكره، سترة عليه. ثم قال بعد ذلك أيضا في نهايته مع أنه قد رويت الرواية الصريحة، وقد أوردناها في كتاب تهذيب الأحكام، بأنهم يورثون من الجهتين جميعا وإن كان ذلك باطلا في شريعة الاسلام (8).

(1) لم نعثر عليه.
(2) سورة المائدة الآية 49.
(3) سورة الكهف، الآية 29.
(4) سورة المائدة، الآية 42.
(5) ج. اجال.
(6) المبسوط، ج 4، كتاب الفرائض والمواريث فصل في ميراث المجوس.
(7) و (8) النهاية، كتاب الميراث، باب ميراث المجوس.

[ 289 ]

قال محمد بن إدريس رحمه الله أعجب منه رحمه الله، كيف قال في أول كلامه - وهذا القول عندي هو المعتمد، وبه تشهد الروايات - ثم قال في آخر كلامه، وبابه - مع أنه قد رويت الرواية الصريحة في الأول - كانت جماعة روايات، وبالأخير رواية واحدة فحسب، ثم هذه الروايات التي قال عنها في أول كلامه وادعاها، أين أودعت؟ وفي أي تصنيف ذكرت؟ ثم إنه رحمه الله قد صنف كتبا اخبارية أكبرها تهذيب الأحكام، أورد فيه من كل غث وسمين، وهو الذي يومي إليه ويعتمد عليه، وما أورده فيه ولا ذكر سوى الرواية الواحدة التي رواها مخالفونا في المذهب، وهو إسماعيل بن أبي زياد السكوني بفتح السين، منسوب إلى قبيلة من العرب عرب اليمن وهو عامي المذهب بغير خلاف، وشيخنا أبو جعفر موافق على ذلك، قايل به، ذكره في فهرست المصنفين (1)، وله كتاب يعد في الأصول، وهو عندي بخطي كتبته من خط ابن اشناس البزاز وقد قرئ على شيخنا أبي جعفر، وعليه خطه اجازة وسماعا لولده أبي علي، ولجماعة رجال غيره، فإن كان شيخنا أبو جعفر عاملا بأخبار الآحاد، فلا يجوز له أن يعمل بهذه الرواية إذا سلمنا له العمل بأخبار الآحاد تسليم جدل، على ما يقترحه وذكره في عدته، وإن كان مخالفا لإجماع أصحابنا سلفهم وخلفهم، حتى أن المخالفين من أصحاب المقالات يذكرون في كتبهم ومقالات أهل الآراء والمذاهب، إن الشيعة الإمامية لا ترى العمل في الشرعيات بأخبار الآحاد، وشيخنا المفيد ذكر ذلك أيضا في كتاب المقالات (2) الذي صنفه، ومذهب السيد المرتضى ومقالته في ذلك، فأشهر من أن يذكر، وما أظن خفي على هذين السيدين الأوحدين العالمين مقالة أهل مذهبهما، بل ربما لم يكن لأصحابنا في المتقدمين والمتأخرين أقوم منهما بمعرفة المقالات، وتحقيق أصول المذهب، ومعرفة الرجال، وخصوصا شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله فإنه خريت هذه الصناعة.

(1) ج. ل. أسماء المصنفين. الفهرست، ص 13، رقم 38. ط النجف، سنة 1356 / 1937.
(2) المقالات ط. مكتبة الداوري ص 139.

[ 290 ]

قال شيخنا أبو جعفر الطوسي في عدته، والذي أذهب إليه، إن خبر الواحد لا يوجب العلم، وكان يجوز أن ترد العبادة بالعمل به عقلا، وقد ورد جواز العمل به في الشرع، إلا أن ذلك موقوف على طريق مخصوص، وهو ما يرويه من كان من الطائفة المحقة، ويختص بروايته، ويكون على صفة يجوز معها قبول خبره من العدالة وغيرها (1). قال محمد بن إدريس رحمه الله: راوي الرواية التي اعتمدها رحمه الله وهو إسماعيل بن أبي زياد السكوني، ما حصلت فيه الطريق التي راعاها (2) شيخنا، ولا الصفة التي اعتبرها، بل هو عامي المذهب، ليس هو من جملة الطايفة، وهو غير عدل عنده، بل كافر، فكيف اعتمد على روايته، وهو لا يقول بذلك، فإن كان يعمل في بعض مقالاته على أخبار الآحاد، بل يراعي أن يكون الراوي من عدول طائفتنا على ما قرره في عدته على ما حكيناه عنه. ولقد أحسن شيخنا محمود الحمصي رحمه الله، فيما أورده في كتابه المصادر، في أصول الفقه، لما حكي كلام شيخنا أبي جعفر الطوسي رضي الله عنه في عدته، فإنه ذكر جملة باب الأخبار، وطول في الايراد لها معظمها، فإنه قال وذهب شيخنا السعيد الموفق، أبو جعفر محمد بن الطوسي، قدس الله روحه ونور ضريحه إلى وجوب العمل بما ترويه ثقات الطائفة المحقة، وإن كانوا في حيز الآحاد، ثم ذكر بعد ذلك فصولا كثيرة، حكى فيها كلامه، ثم قال بعد ذلك، قال قدس الله روحه، فإن قيل كيف تعملون بهذه الأخبار، ونحن نعلم أن رواتها أكثرهم كما رووها رووا أيضا أخبار الجبر والتشبيه وغير ذلك من الغلو والتناسخ وغير ذلك من المناكير، فكيف يجوز الاعتماد على ما يرويه أمثال هؤلاء، قيل لهم ليس كل الثقات نقل حديث الجبر والتشبيه وغير ذلك مما ذكر في سؤال، ولو صح إنه نقله، لم يدل على أنه كان معتقدا لما تضمنه الخبر، ولا يمتنع أن يكون إنما رواه ليعلم إنه لم

(1) العدة، فصل (5) في ذكر الخبر الواحد وجملة من القول في أحكامه (ج 1، ط مؤسسة آل البيت، ص 290 - 291).
(2) ج. ادعاها.

[ 291 ]

يشذ عنه شئ من الروايات، لا لأنه يعتقد ذلك، فإن قيل كيف تعولون على هذه الأخبار، أكثر رواتها المجبرة والمشبهة والمقلدة، والغلاة، والواقفة، والفطحية، وغير هؤلاء من فرق الشيعة المخالفة للاعتقاد الصحيح، ومن شرط خبر الواحد أن يكون راويه عدلا عند من أوجب العمل به، وهذا مفقود في هؤلاء قيل لسنا نقول إن جميع أخبار الآحاد يجوز العمل بها، بل لها شرائط نحن نذكرها فيما بعد ونشير هيهنا إلى جملة من القول فيه، فأما ما يرويه العلماء المعتقدون للحق، فلا طعن على ذلك بهذا السؤال. وأما الفرق الذين أشاروا إليهم من الواقفة والفطحية وغير ذلك، فعن ذلك جوابان، أحدهما أن ما يرويه هؤلاء يجوز العمل به إذا كانوا ثقاة في النقل، وإن كانوا مخطئين في الاعتقاد، فما يكون طريقة هؤلاء، جاز العمل به، قال عليه شيخنا الحمصي إلا أن هذا الجواب لا يوافق المذهب الذي اختاره وقرره وقننه (1)، من أن الخبر إذا كان واردا من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة، جاز العمل به، دون ما يكون واردا من غير طريقهم، فإن اعتذر بما ذكره قدس الله روحه من أن هؤلاء وإن كانوا مخطئين في الاعتقاد، كانوا ثقاة في النقل، قيل له هذه العلة وهي الثقة في النقل، قد توجد في غير هؤلاء من المبطلين في العقائد، كالمجبرة والمشبهة، وغيرهم، فأجز العمل بخبرهم إذا كانوا ثقاة في النقل، كما أجزت في هؤلاء المبطلين، وإلا فما الفرق؟ وهذا يوجب عليه أن يرفع الفرق والتمييز بين أصحابنا وبين غيرهم من الفرق في الرواية والنقل، وأن يصير إلى مذهب المخالفين في أخبار الآحاد هذا آخر كلام الحمصي الذي قاله على شيخنا أبي جعفر رحمه الله (2). ونعم ما قال واستدرك واعترض، فإنه لازم كطوق الحمامة. قال شيخنا أبو جعفر: والجواب الثاني أن ما يروونه إذا اختصوا بروايته لا يعمل به، وإنما يعمل به إذا انضاف إلى روايتهم رواية من هو على الطريقة المستقيمة، والاعتقاد الصحيح، فحينئذ يجوز العمل به. قال شيخنا الحمصي رحمه الله، وهذا الجواب هو الذي يوافق مذهبه الذي حكيناه

(1) ج. ل. فننه.
(2) المصادر: لم نعثر عليه.

[ 292 ]

قال محمد بن إدريس رحمه الله. فالسكوني ما انضاف إلى روايته رواية من هو على الطريقة المستقيمة، والاعتقاد الصحيح، فكيف جاز لشيخنا رحمه الله العمل في ميراث المجوس بروايته. وأيضا ما هو من فرقتنا، ولا من عدول طائفتنا، على ما قرره شيخنا في مذهبه في العمل بأخبار الآحاد. ثم إنا نورد ما أورده في كتاب تهذيب الأحكام جميعه، ونتكلم عليه. قال رحمه الله باب ميراث المجوس، محمد بن أحمد بن يحيى، عن بنان بن محمد، عن أبيه، عن ابن المغيرة، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي، إنه كان يورث المجوس إذا تزوج بأمه وبابنته من وجهين، من وجه إنها أمه، ووجه إنها زوجته، قال محمد بن الحسن قد اختلفت أصحابنا رحمهم الله في ميراث المجوس إذا تزوج بإحدى المحرمات من جهة النسب في شريعة الاسلام، فقال يونس بن عبد الرحمن وكثير ممن تبعه من المتأخرين: أنه لا يورث إلا من جهة النسب والسبب الذين يجوزان في شريعة الاسلام، وأما ما لا يجوز في شريعة الاسلام، فإنه لا يورث منه على حال، وقال الفضل بن شاذان وقوم من المتأخرين من تبعوه على قوله إنه يورث من جهة النسب على كل حال، وإن كان حاصلا عن سبب لا يجوز في شريعة الاسلام، فإنما (1) السبب فلا يورث منه إلا مما يجوز في شرع الاسلام. والصحيح عندي أنه يورث المجوسي من جهة النسب والسبب معا، سواء كان مما يجوز في شريعة الاسلام أو لا يجوز، والذي يدل على ذلك الخبر الذي قدمناه عن السكوني، وما ذكره أصحابنا من خلاف ذلك ليس به أثر عند الصادقين عليهم السلام، ولا عليه دليل من ظاهر القرآن، بل إنما قالوه لضرب من الاعتبار، وذلك عندنا مطرح بالاجماع، وأيضا فإن هذه الأنساب والأسباب وإن كانا غير جايزين في شريعة الاسلام، فهما جايزان عندهم، ويعتقدون أنه مما يستحل به الفروج، ولا يستباح بغيره، فجرى مجرى العقد في الشريعة الاسلام، ألا ترى إلى ما روي أن رجلا سب مجوسيا بحضرة

(1) ج. ل. فاما.

[ 293 ]

أبي عبد الله فزبره، ونهاه عن ذلك، فقال إنه تزوج بأمه، فقال أما علمت إن ذلك عندهم النكاح، وقد روي أيضا أنه قال عليه السلام إن كل قوم دانوا بشئ، يلزمهم حكمه، وإذا كان المجوس يعتقدون صحة ذلك، فينبغي أن يكون نكاحهم جايزا، وأيضا لو كان ذلك غير جايز، لوجب أن لا يجوز أيضا إذا عقد على غير المحرمات، وجعل المهر خمرا أو خنزيرا أو غير ذلك من المحرمات، لأن ذلك غير جايز في الشرع، وقد أجمع أصحابنا على جواز ذلك، فعلم بجميع ذلك أن الذي ذكرناه هو الصحيح، وينبغي أن يكون عليه العمل وما عداه يطرح ولا يعمل عليه على حال، هذا آخر الباب جميعها حرفا فحرفا التي أوردها شيخنا أبو جعفر في تهذيب الأحكام (1). فانظر أرشدك الله بعين قلبك، واترك تقليد الرجال جانبا، هل فيها دليل يعتمد ويوجب العمل والعلم ويثمر اليقين؟ بل معظمها عنده رضي الله عنه الرواية عن السكوني التي جعلها اعتماده، فصدر بها بابه، وقد بينا ما فيها. ثم إنه رحمه الله حكى في نهايته (2) لما قال - وهذا القول هو المعتمد عندي وبه تشهد الروايات - وما أورد في تهذيب أحكامه الذي هو معدن رواياته ومظان أخباره إلا رواية واحدة، وقد قلنا ما عندنا فيها. ثم إنه حكى في تهذيب الأحكام، أن أصحابنا على مذهبين اثنين فحسب، يونس (3) ومن تابعه، ومذهب ابن شاذان ومن تبعه، فكيف يحدث هو رحمه الله قولا ثالثا، وأصحابنا على ما حكاه عنهم على قولين فإذا أجمعوا على قولين، فلا يجوز إحداث قول ثالث بغير خلاف، لأن الحق لا يعدوهم، وفي هذا القول ما فيه عند من تدبره وتأمله. ثم قوله وما ذكره أصحابنا من خلاف ذلك ليس به أثر عند الصادقين عليهم السلام ولا عليه دليل من ظاهر القرآن، بل إنما قالوه لضرب من الاعتبار،

(1) التهذيب، الباب 37 من المجلد التاسع باب ميراث المجوس، ص 364.
(2) النهاية، كتاب الميراث، باب ميراث المجوس.
(3) ج. ل. مذهب يونس.

[ 294 ]

وذلك عندنا مطرح بالاجماع - فقد أقر بأن قال - وما ذكره أصحابنا يعني الإمامية وما يقوله الإمامية الذين هم أصحابه، ففيه الحق، فكيف لا يكون عليه دليل، بل قولهم له هو الدليل القاطع، والبرهان الساطع. ثم قال ليس به أثر عن الصادقين فإذا أجمعوا على القول، فلا حاجة لهم إلى رواية تروى عن بعض الصادقين، إذ لا دليل فيها، بل إجماعهم عليها هو الدليل على صحتها، بل في قولهم وإجماعهم على الحكم، قول بعض الصادقين، وهو رئيس الكل في عصره، وإمام زمانه، مقطوع على صدقه. وأما قوله رحمه الله ولا دليل عليه من ظاهر القرآن بل ظاهر القرآن عليه، ومعهم فيه، وهو قوله تعالى " فاحكم بينهم بما أنزل الله " (1)، " وقل الحق من ربكم " (2)، إلى غير ذلك من الآيات المحكمات، وأي ظاهر قرآن معه رحمه الله فيما ذهب إليه، أو أي رواية عن الصادقين معه، وفي هذا الموضع يحسن أن يقال اقلب تصب. ثم قوله رحمه الله وشناعته بل إنما قالوه بضرب من الاعتبار إن أراد بالاعتبار هيهنا القياس، فهو كما قال إنه باطل عندنا، وأي قياس هيهنا حتى يشنعه؟ وإن أراد بالاعتبار استخراج الأدلة والنظر فيها وما يقتضيه أصول المذهب، فهذا لا نأباه نحن ولا هو رحمه الله، وأكثر استدلالاته في مسائله على خصومه وغيرهم، قوله والذي يقتضيه أصول مذهبنا وما يزال قائلا بأن الأصل الإباحة، والحظر يحتاج إلى دليل، هذا لا يزال يستدل به في مسائل خلافه، وفي أول خطبة مسائل خلافه لما قرر الأدلة وبنى كتابه عليها، قال أو إجماع أو دليل أصل، ثم ما رأيت أعجب منه رحمه الله يذهب إلى هذا في خطبة مسائل خلافه، وفي جميع استدلالاته في مسائلها، إذا احتاج إلى ذلك، ويذهب في عدته التي هي أصول فقهه في أن الأشياء في دليل العقل على الحظر أو الإباحة أو إلى الوقف في ذلك، ويستدل في مسائل خلافه بأن الأصل الإباحة في الأشياء، وأصول الفقه ما تراد إلا حتى (3) يركب عليها مسائل الفقه.

(1) سورة المائدة، الآية 48.
(2) سورة الكهف، الآية 29.
(3) ج. حتى يركب.

[ 295 ]

ثم قوله رحمه الله بأن هذه الأنساب والأسباب وإن كانا غير جايزين في شريعة الاسلام، فهما جائزان عندهم، وما روي أن رجلا سب مجوسيا بحضرة أبي عبد الله عليه السلام فزبره، ونهاه وأي (1) فرج له في ذلك، وأي نسبة بين هذا وبين جواز أن يحكم بالباطل، وبغير الحق وغير شرعنا (2) إذا تحاكموا إلينا، وهل هذا إلا دفع بالراج، ومعارضة في غير موضعها، وبناء على شفا جرف انهار (3) فأما قوله رحمه الله لو كان ذلك غير جايز، لوجب أن لا يجوز أيضا إذا عقد على غير المحرمات، وجعل المهر خمرا أو خنزيرا، أو غير ذلك من المحرمات، لأن ذلك غير جايز في الشرع، وقد أجمع أصحابنا على جواز ذلك فمما يضحك الثكلى، لكن ما أحسن قول الرسول عليه السلام - حبك الشئ يعمى ويصم (4) - يا سبحان الله، كان ذكر المهر الحلال، ملكه شرط في صحة عقد النكاح، فنحن بإجماع المسلمين نصحح عقد النكاح الدايم من غير ذكر مهر فيه، فما ذكر المهر الفاسد بأعظم من ترك ذكره جملة، ومع هذا فالعقد صحيح. ثم ما اعجل ما نسي استدلاله في الجزء الثاني من مسائل خلافه، في أول كتاب الصداق، قال مسألة، إذا عقد على مهر فاسد مثل الخمر والخنزير والميتة وما أشبهه، فسد المهر ولم يفسد النكاح، ووجب لها مهر المثل، وبه قال جميع الفقهاء إلا مالكا، فإن عنه روايتين، إحديهما مثل ما قلناه، والأخرى يفسد النكاح، وبه قال قوم من أصحابنا، دليلنا أن ذكر المهر ليس من شرط صحة العقد، فإذا ذكر ما هو فاسد، لم يكن أكثر من أن لم يذكره أصلا، فلا يؤثر ذلك في فساد العقد، وأيضا قوله عليه السلام لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل (5) فنفاه لعدم الولي والشاهدين، وأثبته بهم، وهنا نكاح له (6) قد عقد بهم، فوجب أن يكون ثابتا وأيضا فإنهما عقدان

(1) ج. فأي.
(2) ج يغير الحق ويغير شرعنا. ل. بغير الحق وبغير شرعنا.
(3) ج. ل. جرف هار.
(4) سنن أبي داود، باب في الهوى من كتاب الأدب، الرقم 5130، ج 4، ص 334.
(5) الوسائل، الباب 11 من أبواب المتعة ح 11، إلا في المصدر هكذا إلا بولي وشاهدين.
(6) ج. ل. وهذا نكاح قد.

[ 296 ]

يصح أن ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه، إلا ترى أنه لو عقد بغير مهر صح النكاح بلا خلاف، فإذا ثبت بعد ذلك، المهر صح أيضا فإذا كانا عقدين ففساد أحدهما لا يوجب فساد الآخر إلا بدليل، هذا آخر استدلاله ومسألته (1). وأيضا فلا خلاف بين أصحابنا المخالف في هذه المسألة، والموالف، أن اليهود والنصارى والمجوس متى انقادوا إلى الجزية، وقبلوها، وقاموا بشرايطها، والتزموا أحكامنا عليهم، وما يقترحه إمامنا، عقد لهم عقد الذمة، وشرائط الذمة، الامتناع من مجاهرة المسلمين بأكل لحم الخنزير، وشرب الخمر، وأكل الربا، ونكاح المحرمات في شريعة الاسلام، فمتى فعلوا شيئا من ذلك، فقد خرجوا من الذمة، فكيف يجوز لنا أن نقرهم على نكاح المحرمات في شرعنا، ونحكم لهم بذلك، وبصحته إذا تحاكموا إلينا، وأخذ علينا أن لا نقرهم على ذلك، هذا في اليهود والنصارى، الذين هم الأصل في هذه الأحكام، والمجوس فرع عليهم، لأنا أمرنا الشارع أن نسن فيهم سنة أهل الكتاب اليهود والنصارى، فإذا كان الأصل لا نقرهم على نكاح المحرمات فكيف بك بالفرع (2)، وهذا الاستدلال مجمع عليه، لا خلاف فيه، أن من جملة شرايطه الذمة، أن لا تنكحوا المحرمات في شرعنا. وقد قال شيخنا أبو جعفر الطوسي في مبسوطه، في الجزء الرابع في كتاب المكاتب، في فصل في كتابة الذمي، يجوز كتابة النصراني، بما يجوز به كتابة المسلم، لعموم الآية والخبر، وإنما يصح كتابته على الوجه الذي يصح عليه كتابة المسلم، ويرد (3)، على الوجه الذي يرد عليه المسلم، فإذا كاتب عبدا ثم ترافعا إلى حاكم المسلمين، حكم بينهم بحكم الاسلام، فإن كانت الكتابة تجوز بين المسلمين، أمضاها، وإن كانت لا تجوز، ردها، لأن الحاكم إنما يجوز له أن يحكم بما يسوغ في دينه، هذا آخر كلامه من أول فصل إلى هاهنا حرفا فحرفا. ألا ترى إلى قوله رحمه الله في هذا الموضع لأن الحاكم إنما يجوز له أن يحكم

(1) الخلاف، كتاب الصداق مسألة 1.
(2) ج. المحرمات يكن بالفرع اولى.
(3) وفي المصدر - ترد - في الموضعين.
(4) المبسوط ج 6 فصل في كتابه الذمي، ص 128.

[ 297 ]

بما يسوغ في دينه، وهذا هو الحق اليقين، فشيخنا أبو جعفر المخالف في مسألة المجوس، إذا تحاكموا إلينا، فهو محجوج بقوله هذا الذي حكينا عنه، في مبسوطه. وما ذهبنا إليه اختيار السيد المرتضى، ذهب إليه في المسائل الموصليات الثانية فإنه قال المسألة التاسعة، والمائة، وإن ميراث المجوس من جهة النسب الصحيح، دون النكاح الفاسد، والحجة في ذلك الاجماع المتكرر، وليس هذه المسألة مما ينفرد بها الإمامية، بل يوافق عليها مالك والشافعي، ومن المتقدمين الحسن والزهري والأوزاعي، هذا آخر كلامه في المسألة (1). وكلامنا أيضا فقد أطلنا فيها. فأما من عدا المجوس من الكفار، إذا تحاكموا إلينا ورثناهم على كتاب الله تعالى، وشريعة نبيه عليه السلام بلا خلاف بين أصحابنا في ذلك. وهو مذهب شيخنا أبي جعفر أيضا في نهايته، فإنه قال بعد أن أطنب في ميراث المجوس، فأما من عدا المجوس من الكفار، فإذا تحاكموا إلينا، ورثناهم أيضا على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله سواء، هذا آخر كلامه رحمة الله في الباب (2). قوله رحمه الله فأما من عدا المجوس من الكفار فإذا تحاكموا إلينا ورثناهم أيضا على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله سواء، كأنه رحمه الله قد ورث المجوس على كتاب الله وسنة نبيه حتى يعطف عليهم غيرهم، ويقول ورثناهم أيضا على كتاب الله وسنة نبيه، فإن هذا قول عجيب ظريف. وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، لما ذكر اختلاف أصحابنا في ميراث المجوس، قال الآخرون يورثون بكلا الأمرين، الأنساب والأسباب، سواء كانا جايزين في الشرع، أو لم يكونا جايزين، وهو الذي اخترته في ساير كتبي في النهاية والخلاف والايجاز في الفرايض، وتهذيب الأحكام، وغير ذلك، لأنه الأظهر في الروايات (3).

(1) المجموعة الأولى من رسائل الشريف المرتضى، ص 266، المسألة 109 إلا أنه ذكرها في " المسائل الموصليات الثالثة ".
(2) النهاية كتاب الميراث باب ميراث المجوس وسائر أصناف الكفار.
(3) المبسوط ج 4، كتاب الفرائض والمواريث، فصل في ميراث المجوس، ص 120.

[ 298 ]

قال محمد بن إدريس رحمه الله ما رأيت أعجب من شيخنا في هذه المقالة، وأي روايات في ذلك حتى يكون ما اختاره هو الأظهر فيها، إن هذا لعجيب، وليس إذا علمنا أن مصنفا أراد لفظة يقيم بها تصنيفه، فجعل مكانها لفظة تحيله (1) وتفسده، وجب أن نحسب (2) له ما يتوهم إنه أراده ويترك ما قد صرح به، ولو كانت الأمور كلها تجري هذا المجري، لم يكن خطأ. ويوقف نصيب الأسير في بلاد الكفر إلى أن يجئ، أو يصح موته، فإن لم يعلم مكانه ولا موته وحياته، فهو مفقود، واختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أقوال. فقال قوم إن المفقود يحبس ماله عن ورثته قدر ما يطلب في الأرض كلها أربع سنين، فإن لم يوجد انقضاء هذه المدة، قسم المال بين ورثته. وقال قوم لا بأس أن يبتاع عقار المفقود بعد عشر سنين من غيبته وفقده وانقطاع خبره، ويكون البايع ضامنا للثمن والدرك، فإن حضر المفقود، خرج إليه من حقه. وقال قوم لا يقسم مال المفقود حتى يعلم موته، أو يمضي مدة لا يعيش مثله إليها بمجرى العادة، وإن مات له من يرثه المفقود، دفع إلى كل وارث أقل ما يصيبه، ووقف الباقي حتى يعلم حاله. وهذا الأخير هو الذي يقوى عندي، وأعمل عليه، وأفتي به. والأول من الأقوال اختيار السيد المرتضى في انتصاره (3). والثاني من الأقوال اختيار شيخنا المفيد، ذكره في مقنعته (4). والثالث من الأقوال اختيار شيخنا أبي جعفر الطوسي ذكره في مسائل خلافه (5)، وهو الأصح والأظهر لأن فيه الاحتياط والاجماع، لأن التصرف في مال الغير بغير إذنه قبيح محظور عقلا وسمعا، فمن أباحه يحتاج إلى دليل، ونعم ما اختار

(1) ل. تختله.
(2) ج. ل. يحسب.
(3) الانتصار كتاب الفرائض والمواريث مسألة 19.
(4) المقنعة أبواب فرائض المواريث باب ميراث من لا وارث له ص 706.
(5) الخلاف كتاب الفرائض مسألة 136.

[ 299 ]

شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله فإن قوله في هذه المسألة، هو الصواب، وما عداه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، ولا إجماع، والأصل المنع من التصرف في مال الغير إلا بإذنه، فمن ادعى قسمته والتصرف فيه، فقد ادعى حكما شرعيا يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، فالعاقل اللبيب يتوخى الانصاف، فلا يسلم إلى المتقدم إذا جاء بالردى لتقدمه، فلا يبخس المتأخر حق الفضيلة إذا أتى بالحسن لتأخره، فمن العدل أن يذكر الحسن ولو جاء ممن جاء، ويثبته الآتي به كائنا ما كان، فإن الحكمة ضالة المؤمن، ويطرح الردي ولو جاء ممن جاء، فقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال (1). وقال شيخنا المفيد في مقنعته، ومن مات وخلف تركة في يد انسان لا يعرف له وارثا، جعلها في الفقراء والمساكين، ولم يدفعها إلى سلطان الجور والظلمة من الولاة (2). وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، ميراث من لا وارث له ينتقل إلى بيت المال، وهو للإمام خاصة، وعند جميع الفقهاء ينتقل إلى بيت المال، ويكون للمسلمين (3). وقال رحمه الله في مسألة أخرى، كل موضع وجب المال لبيت المال عند الفقهاء وعندنا، للإمام، إن وجد الإمام العادل، سلم إليه بلا خلاف، وإن لم يوجد، وجب عليه حفظه له عندنا، كما يحفظ سائر أمواله التي يستحقها، ثم استدل فقال دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا فإذا دفعه إلى الإمام العادل برئت ذمته بلا خلاف وليس على براءتها إذا دفعه إلى الجائر، أو صرفه في مصالح المسلمين، دليل هذا آخر كلامه رحمه الله (4). ومعه في هذا الحق اليقين، والدليل على صحة ما استدل به، فنعم ما قال

(1) شرح مائة كلمة، للبحراني ص 68.
(2) المقنعة أبواب الفرائض المواريث باب ميراث من لا وارث له من العصبة ص 706.
(3) الخلاف كتاب الفرائض مسألة 14.
(4) الخلاف كتاب الفرائض مسألة 15.

[ 300 ]

واستدل، ولا يلتفت إلى ما قاله (1) شيخنا في مقنعته، فإنه خلاف أصول مذهبنا، وإجماع طائفتنا، ومصير إلى مذهب المخالفين لنا. والمهدوم عليهم والغرقى إذا لم يعرف، تقدم موت بعضهم على بعض، وكان يرث بعضهم بعضا، ورث بعضهم من بعض، من نفس التركة، لا مما يرثه من الآخر، لأنا إن ورثناه مما يرثه، لما انفصلت القسمة أبدا. وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يورثه مما ورثه أيضا، وهو اختيار شيخنا المفيد (2). والأول هو الأظهر بين الطائفة الذي يقتضيه أصول مذهبنا، لأن الإرث لا يكون إلا فيما يملكه الميت قبل موته. وقد روى أصحابنا أنه يقدم أضعفهم نصيبا في الاستحقاق، ويؤخر الأقوى (3)، مثال ذلك زوج وزوجة، فإنه يفرض المسألة أولا كان الزوج مات، وتورث منه الزوجة، لأن سهمها أقل من سهم الزوج، ويورث بعد ذلك الزوج. قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، وهذا مما لا يتغير به حكم، سواء قدمنا موت الزوج أو الزوجة، إذا ورثنا أحدهما من صاحبه، غير إنا نتبع الأثر في ذلك (4). ونعم ما قال ومتى ورثنا أحدهما من صاحبه قدر ما يستحقه، فما يبقى يكون لورثته الأحياء، فإن فرضنا في غرق الأب والابن، إن للأب وارثا غير أن هذا الولد أولى منه، وفرضنا إن للولد وارثا غير أن أباه أولى منه، فإنه يصير ميراث الابن لورثة الأب، وميراث الأب لورثة الابن، لأنا إذا فرضنا موت الابن أولا، صارت تركته للأب، وإذا فرضنا موت الأب بعد ذلك، صارت تركته خاصة للولد، وصار مما (5) كان ورثه من أبيه لورثته الأخر، وكذلك إذا فرضنا موت الأب، يصير تركته خاصة لورثة الابن، وعلى هذا يجرى أصل هذا الباب، فإن خلف أحدهما

(1) ج. ل. مقالة.
(2) في المقنعة باب ميراث الغرقاء والعبارة هكذا، وورث منها ما ورثته منه وما كان ملكا لها سواه، ص 699.
(3) الوسائل، الباب 6 من أبواب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم.
(4) المبسوط، ج 4، كتاب الفرائض والمواريث، فصل في ميراث الغرقى والمهدوم عليهم ص 118.
(5) ج. وصارما كان ورثه من أبيه لورثة الآخر. ل. وصار ما كان ورثه لورثته الآخر.

[ 301 ]

شيئا ولم يخلف الآخر شيئا، فإنه ينتقل ميراث من له مال، إلى الذي ليس له شئ، ومنه ينتقل إلى ورثته، ولا ينتقل إلى ورثة الذي خلف المال شئ على حال. وعلى هذا متى كان أخوان معتقان، فماتا غرقا أو هدما، ولم يعلم تقدم موت أحدهما على الآخر، ورث كل منهما صاحبه، ولأحدهما مال، والآخر لا مال له، فإنه ينتقل تركة الذي له مال، إلى مولى الذي لا مال له، لما قلناه، ولا ترجيح في هذه المسألة لتقديم أحدهما على الآخر، لأن ميراث كل واحد منهما من صاحبه على حد الآخر عند من رأى تقديم الأقوى. والأولى عندي أنه لا اعتبار بذلك. وإذا كان ليس لأحدهما وارث غير صاحبه، فميراثهما للإمام. وإذا كان أحدهما يرث صاحبه، والآخر لا يرثه، فإنه لا يورث بعضهم من بعض، ويكون ميراث كل واحد منهما لورثته، مثال ذلك أن يغرق أخوان، ولأحدهما أولاد، والآخر لا ولد له، فإنه لا توارث بينهما، لأن مع وجود الولد لا يرث الأخ. ومتى ماتا حتف أنفهما في وقت واحد، لم يورث بعضهم من بعض، لأن ذلك إنما يجوز في الموضع الذي يشتبه الحال فيه، فيجوز تقديم موت أحدهما على صاحبه. قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه: فصل في المعاياة، وهذا الفصل وضعه على رأي المخالف في مسائل العول، والعول باطل على مذهبنا، ومعنى المعاياة أن يأتي بشئ لا يهتدى له، وجمل عياياة إذا لم يهتد للضراب، فأردت بجعلي هذا الكلمة هاهنا أن يفهم معنى المعاياة التي ذكرها شيخنا في مبسوطه - وإذا كان للرجل أربع نسوة، فطلق واحدة منهن، ثم تزوج بأخرى، ثم مات، ولم تتميز المطلقة من غيرها، فإنه يجعل ربع الثمن للتي تزوجها أخيرا، لأنها متيقنة باستحقاقه، وثلاثة أرباع الثمن بين الأربع نسوة (1)، الأول اللاتي طلق واحدة منهن، ولم يتميز منهن. وإذا اجتمع جد أبي الميت وجدته من قبل أبيه، وجد أبيه وجدته من قبل أمه،

(1) ج. النسوة.

[ 302 ]

وجد أم الميت وجدتها من قبل أبيها، وجدها وجدتها من قبل أمها، ولا يجتمع هذه الثمانية الأجداد إلا بعد عدم الأجداد الذين يتقربون هؤلاء الثمانية بهم، حتى يتقدر اجتماع هؤلاء، فإذا قدر ذلك، كان لأجداد الأب الثلثان، منهما ثلثا الثلثين للجد والجدة من قبل أبيه، بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، والثلث الباقي وهو ثلث الثلثين للجد والجدة من قبل أمه، بينهما أيضا للذكر مثل حظ الأنثيين، والثلث الباقي من أصل المال للجدين والجدتين من قبل الأم، النصف من ذلك وهو السدس من أصل المال، للجد والجدة من قبل أبي أم الميت، بينهما بالسوية، والنصف الآخر بين الجد والجدة من قبل أمها أيضا، بينهما بالسوية، فهذه الفريضة مخرجها من ثلاثة، لأن أقل ما له ثلثان وثلث صحيحان من ثلاثة، فتنكسر على كل واحد من المستحقين، فتضرب عدد رؤوس الأجداد الذين من قبل الأم وهم أربعة، في أصل الفريضة، فينكسر أيضا عليهم، فتضرب أيضا تسعة في اثني عشر، فيرتقي إلى مائة وثمانية أسهم، منها الثلث للجدين والجدتين من قبل أم الميت، وهو ستة وثلثون سهما، للجد وللجدة من أبيها النصف من ذلك، ثمانية عشر سهما لكل واحد منهما تسعة، وللجد وللجدة من قبل أمها النصف الباقي، وهو ثمانية عشر سهما، لكل واحد منهما تسعة، لأن هؤلاء الأربعة يأخذ كل واحد منهم مثل ما يأخذه الآخر، ذكرهم وأنثاهم سواء، لأنهم من قبل الأم، ويبقى الثلثان من أصل المال وهو اثنان وسبعون سهما للجدين والجدتين من قبل أب الميت، منهما الثلثان، وهو ثمانية وأربعون سهما للجد والجدة من قبل أبيه، للجد اثنان وثلثون سهما، وللجدة ستة عشر سهما، والثلث (1) الباقي وهو أربعة وعشرون سهما، للجد والجدة من قبل أمه، منها للجد ستة عشر سهما، وللجدة ثمانية أسهم، فذلك مأة وثمانية أسهم، وقد استوفيت الفريضة، فإن خلف الميت عمة الأب، هي خالة لأم، وعمة أخرى لأب، وخالة لأب وأم، كان للعمتين من قبل الأب الثلثان، اثني عشر من ثمانية عشر سهما لكل واحد منهما ستة، وللخالة من الأم التي هي إحدى العمتين من

(1) ج. ل. وثلث.

[ 303 ]

الأب، سدس الثلث، وهو واحد من ثمانية عشر، فيصير معها سبعة، وللخالة الأخرى من الأب والأم، خمسة أسهم من ثمانية عشر سهما، فكأنما خلف عمتين لأب، وخالتين، إحدى الخالتين لأم، والخالة الأخرى لأب، أو لأب وأم، فأصل الفريضة من ثلاثة، لأن أقل مال له ثلثان صحيحان وثلث صحيح ثلاثة، فتعطى العمتان الثلثين وهما سهمان، وتعطى الخالتان سهما ينكسر عليهما، وإحديهما تستحق مع الأخرى السدس، لأنها من الأم، فتضرب ستة في أصل الفريضة، فتصير ثمانية عشر سهما فينقسم على ما قدمناه أولا. فصل في ذكر جمل تعرف بها سهام الفرايض وكيفية القسمة على الوارث مخرج النصف من اثنين، والثلثين من ثلثة، ومخرج الربع من أربعة، ومخرج السدس من ستة، ومخرج الثمن من ثمانية. فإن كان في الفريضة مع النصف سدس، كانت من ستة، فإن اجتمع معه ثمن أو ربع فهي من ثمانية، فإن اجتمع ثلثان وثلث، كانت من ثلاثة، فإن كان فيها ربع وما يبقى، أو ثمن ونصف وما يبقى، فهي من ثمانية، وإن كان مع الربع ثلث أو سدس، فهي من اثني عشر، فإن كان مع الثمن ثلثان، أو سدس، كانت من أربعة وعشرين. فإذا أردت إخراج السهام وقسمتها صحاحا فانظر الفريضة، فإن كان فيها فرض مسمى، إذا أخرجته لمستحقه، كان الباقي وفقا لباقي الوراث، فاقسمه عليهم، ولست هاهنا تحتاج إلى ضرب السهام بعضها في بعض. مثال ذلك انسان مات، وخلف أباه وخمسة بنين، فهذه من ستة، لأن أقل عدد يخرج منه سدس صحيح فهو ستة، للأب السدس من ذلك واحد، ويبقى خمسة، يقسم على البنين الخمسة، لكل واحد منهم سهم، وقد استوفيت الفريضة. فإن لم تجد السهام وفقا على ما ذكرناه، ووجدتها تنكسر إذا قسمتها، فهي على ضربين، أحدهما أن يكون في الفريضة فرض مسمى، والباقي لمن يبقى والآخران

[ 304 ]

يكون فيها صاحب فرض مسمى، والباقي يرد على أصحاب تلك القسمة. فإن كان ما تجده ينكسر وفيها صاحب مسمى، والباقي لمن يبقى، وهو الضرب الأول، فاخرج الفرض المسمى لصاحبه، فإذا وجدت الباقي بعده ينكسر على من يبقى من الوراث، فاضرب رؤوسهم - أعني عددهم لا عدد سهامهم، ولا عدد مخارجها سوى عدد صاحب الفرض المسمى - في أصل الفريضة، هذا إذا كان يستحق كل واحد مثل ما يستحقه صاحبه سواء، ثم اقسم ذلك تجد السهام صحيحة. مثال ذلك انسان مات، وترك أباه وثلاثة بنين، فهذه من ستة، يكون للأب من ذلك سدس، يبقى خمسة أسهم لا تنقسم على البنين الثلاثة على الصحة، فالوجه في ذلك أن تضرب عدد رؤوسهم وهي ثلاثة، في أصل الفريضة وهي ستة، فتكون ثمانية عشر سهما للأب منها السدس، ثلاثة أسهم، وتبقى خمسة عشر سهما لكل واحد من البنين خمسة أسهم وقد استوفيت الفريضة على الصحة من غير انكسار. ومثال آخر، وهو رجل مات، وخلف أبوين وخمس بنات، للأبوين السدسان، سهمان من ستة، تبقى أربعة أسهم لا تنقسم على صحة، تضرب عدد البنات وهو خمسة في أصل الفريضة وهو ستة، فيكون ثلاثين لكل واحد من الأبوين خمسة أسهم، ولكل واحدة من البنات أربعة أسهم. وإن كان من بقي بعد الفرايض أكثر من واحد، ولم تصح القسمة، فاضرب عدد من له ما بقي، في أصل الفريضة، مثل أبوين وزوج وبنتين، للزوج الربع، وللأبوين السدسان، تخرج من اثني عشر، تبقى بعد فرائضهم خمسة، فتكسر على البنتين، فتضرب عدد البنتين وهو اثنان، في اثني عشر، فيكون أربعة وعشرين، لكل واحد من الأبوين أربعة أسهم، وللزوج ستة أسهم، ولكل واحدة من البنتين خمسة أسهم. فإن بقي بعد الفرايض ما يجب رده على أرباب الفرايض، أو على بعضهم بعد فرايضهم، ولم تصح القسمة فاجمع مخرج فرايض من يجب الرد عليه، واضرب في أصل الفريضة، مثل أبوين وبنت، للأبوين السدسان، وللبنت النصف، ويبقى سهم واحد من ستة أسهم، فتأخذ مخرج السدسين وهو الثلث من ثلاثة، ومخرج

[ 305 ]

النصف من اثنين، فيكون خمسة، فتضرب في ستة وهو أصل الفريضة، فيكون ثلاثين، لكل واحد من الأبوين خمسة أسهم بالفرض، وللبنت خمسة عشر سهما بالفرض، وتبقى خمسة أسهم، لكل واحد من الأبوين سهم واحد بالرد، وللبنت ثلاثة أسهم بالرد. فإن كانت المسألة بحالها، ووجب الرد على بعضهم، بأن يكون هناك إخوة وأخوات، فإن عند ذلك لا تستحق الأم أكثر من السدس، وما وجب من الرد عليها، يتوفر على الأب، فإنها تكون مثل الأول سواء، غير أن السهم المردود على الأم يوفر على الأب، فيحصل للأب سبعة أسهم، وللأم خمسة أسهم، وللبنت ثمانية عشر سهما. فإن فرضنا أن المسألة فيها زوجة، فإنها تستحق الثمن، فتصح المسألة من أربعة وعشرين، للأبوين السدسان ثمانية، وللبنت النصف اثني عشر، وللزوجة الثمن ثلاثة، بقي سهم يحتاج إلى أن يرد على الأبوين والبنت، دون الزوجة، لأن الزوج والزوجة لا يستحقان في الرد شيئا، فتضرب سهامهم وهي خمسة في أصل الفريضة وهي أربعة وعشرون، تصير مائة وعشرين، للزوجة الثمن خمسة عشر، وللبنت النصف ستون، وللأبوين السدسان أربعون، بقي خمسة أعطي كل واحد من الأبوين سهما، والثلاثة أسهم للبنت. فإن كان هناك من يحجب الأم وفر سهمها من الرد على الأب، فيحصل معه سهمان من الرد، ولا شئ للأم. قال محمد بن إدريس، وللفرضيين طريقة أخرى في حساب هذا الباب وانكساره، قالوا فإن كان الباقي صحيحا فقد استغنيت عن ضربها، فإن انكسر عليك، فانظر إلى ما بقي بعد إخراج فرايضهم من السهام، هل يوافق سهام رؤوسهم بشئ من الأجزاء، فإن وافقها بشئ من الأجزاء، فاضرب مخرج ذلك الجزء الذي يوافقه في أصل المسألة، ثم اقسم بينهم، فإنه يصح ذلك مقسوما محررا، فإن كان الذي يوافقها أيضا، فاضرب في اثنين، ثم اقسم، فإن كان الذي يوافقها أثلاثا، فاضربه في ثلاثة في أصل المسألة، ثم على هذا الاعتبار ابدا.

[ 306 ]

وذلك أن يقال امرأة تركت زوجها وستة بنين، فأصل هذه المسألة من أربعة أسهم، لأن فيها ربعا وباقيا للزوج الربع واحد، ويبقى ثلاثة أسهم للأولاد الستة، لا تصح بينهم إلا مكسورا، ويوافق الثلاثة الباقية لهم من الأسهم الستة التي هي سهام رؤوسهم نصفا، فتضرب اثنين وهو مخرج النصف في أصل الفريضة، وهي أربعة التي كانت أصل مسألتهم، فتكون ثمانية، فيخرج ربعها اثنين، ويبقى ستة للبنين. وكذلك أبوان وثلاثة بنين، وبنتان، فأصل المسألة من ستة، لأن فيها سدسين للأبوين سهمان، ويبقى أربعة على ثمانية وبعدد (1) سهام البنين والبنتين، ويوافق الاثنين الأربعة أيضا (2) فاضرب اثنين في أصل المسألة فتكون اثني عشر سهما، للأبوين السدسان، ويبقى ثمانية. فإن قيل لك، امرأة تركت زوجها وثلاثة بنين وثلاث بنات، فأصلها من أربعة، لأن فيها ربعا، للزوج الربع واحد، ويبقى ثلاثة على تسعة بعدد سهام البنين والبنات، ويوافق الثلاثة التسعة ثلاثا، فتضرب ثلاثة في أربعة. وكذلك امرأة وسبعة بنين وسبع بنات، فهذه أصلها من ثمانية، لأن فيها ثمنا، للمرأة الثمن سهم، يبقى سبعة على أحد وعشرين، والسبعة توافق الأحد والعشرين أثلاثا، وتضرب ثلاثة في ثمانية، فتكون أربعة وعشرين، فيخرج لهم حسابا صحيحا، فهذا أصل هذا الفن قد نبهتك على مبسوطه، فاعتبره واسبره (3) فإنه أكثر من أن يحاط به. فإذا كانت مسألة لا توافق ما يبقى شيئا من الأجزاء، فاضرب عدد سهامهم في أصل المسألة، تصح إن شاء الله تعالى، وذلك أن يقال لك امرأة تركت زوجا وخمسة بنين، فهذه أصلها من أربعة، فللزوج الربع سهم، ويبقى ثلاثة لا تنقسم ولا توافق شيئا من الأجزاء، فتضرب خمسة في أربعة، للزوج الربع خمسة، والباقي يخرج بينهم

(1) ج. في سهام.
(2) ج. ويوافق الأربعة الباقية من السهام الثمانية أيضا. ل. وتوافق الاثنين الأربعة أيضا بالنصف.
(3) ج. واستبره.

[ 307 ]

مستويا ثلاثة ثلاثة، فهذا مختصر من حسابهم، ومجمل من مبسوط أسبابهم. فصل في ذكر جمل من استخراج المناسخات العمل في تصحيح ذلك أن يصحح مسألة الميت الأول، ثم تصحح مسألة الميت الثاني، ويقسم ما يخص الميت الثاني من المسألة الأولى، على سهام مسألته، فإن انقسمت فقد صحت المسألتان معا مما صحت منه مسألة الميت الأول. مثال ذلك رجل مات، وخلف أبوين وابنين، فالمسألة تخرج من ستة، للأبوين السدسان، ولكل واحد من الابنين اثنان، فإذا مات أحد الابنين وخلف ابنين، كان لكل واحد منهما سهم من هذين السهمين، فقد صحت المسألتان من المسألة الأولى. فإن لم تنقسم الثانية من المسألة الأولى، نظرت في سهام من يستحق المسألة الثانية، وجمعتها وضربت في سهام المسألة الأولى، صحت لك المسألتان معا. مثال ذلك، المسألة التي قدمناها، فتفرض أن أحد الابنين مات، وخلف ابنا وبنتا وكان له سهمان من ستة، لم يكن قسمتهما عليهما، ضربت سهم الابن وهو اثنان، وسهم البنت وهو واحد، في أصل الفريضة المسألة الأولى، وهي ستة، فتصير ثمانية عشر، للأبوين السدسان ستة، ولكل واحد من الابنين ستة. فإذا مات الابن وخلف ابنا وبنتا كان للابن من ذلك أربعة، وللبنت اثنان، وكذلك إن مات ثالث ورابع، فصحح مسألة كل ميت، ثم اقسم ماله من مسائل المتوفين قبله من السهام، على سهام مسألته، فإن انقسمت فقد صحت لك المسائل كلها، وإن لم تصح، فاضرب جميع مسألته فيما صحت منه مسائل المتوفين قبله، فما اجتمع، صحت منه المسائل كلها، والله الموفق للصواب. ومعنى تناسخ الورثة عند الفقهاء، أن يموت ورثة بعد ورثة، وأصل الميراث الأول قائم، لم يقسم بعد.

[ 308 ]

باب الاقرار بوارث إذا مات رجل وخلف ابنين، فأقر أحدهما بأخ، وجحد الآخر، فلا خلاف أن نسبه لا يثبت، فأما المال الذي حصل في يد المقر، فمذهبنا أنه يلزمه بمقدار حصته، فيكون له ثلث ما في يده، ثم على هذا الحساب، لأنه أقر على نفسه، وعلى غيره فقبلنا إقراره على نفسه، ولا نقبل في حق غيره. والنسب بشاهد واحد لا يثبت. إذا كان الوراث جماعة، فأقر اثنان رجلان، ثبت نسبه إذا كانا مرضي الشهادة، فإن لم يكونا عدلين، لم يثبت نسبه، ولزمهما بمقدار حصتهما على ما قدمناه من الاعتبار. الاقرار بالنسب لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون المقر بالنسب مقرا على نفسه بنسب أو غيره، فإن كان على نفسه، مثل أن يقر بأنه ابنه، نظر فإن كان المقر به صغيرا، اعتبر فيه ثلاثة شروط، أحدها أن يمكن أن يكون ولدا له، فإن لم يمكن أن يكون ولدا له، فلا يثبت نسبه، مثل أن يقر به، وللمقر ستة عشر سنة، وللمقر به عشر سنين. والثاني أن يكون مجهول النسب، لأنه إذا كان معروف النسب فلا يثبت نسبه منه. والثالث أن لا ينازعه فيه غيره، لأنه إذا نازعه فيه غيره، لم يثبت ما يقول إلا ببينة. فإذا حصلت هذه الشروط الثلاثة، ثبت النسب. وإن كان المقر به كبيرا، فإنه يعتبر فيه أربعة شروط، الثلاثة التي ذكرناها، والرابع تصديق المقر به، لأنه إذا كذبه في إقراره لم يثبت نسبه منه. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، جميع ما يقر به يعتبر تصديقه له، إلا ولد الصلب فحسب، فإنه يثبت نسبه منه، سواء صدقه أو كذبه (1).

(1) النهاية، باب الاقرار بوارث.

[ 309 ]

وفي ذلك نظر. إلا أن شيخنا رجع في مبسوطه (1)، إلى ما قلناه أولا فاعتبر تصديق المقر به في الجميع. فإذا ثبت هذا فإن أقر بصغير، ووجدت الشرايط الثلاثة فيه، ثبت نسبه، فإذا بلغ وأنكر أن يكون ولدا له، لم يقبل منه، ولم يسمع دعواه لذلك، لأنه حكم عليه قبل أن يكون لكلامه حكم بأنه ابنه، فلا يسمع بعد الحكم دعواه، كما لو كان في يده صبي صغير محكوم له برقه، فلما بلغ أنكر أن يكون عبدا له، لم يسمع منه، لما تقدم له من الحكم بالرق قبل أن يكون لكلامه حكم، وهكذا إذا التقط الانسان لقيطا ورباه، ثم أقر الملتقط بأنه عبد لفلان، لم يقبل إقراره عليه بذلك، لأن الظاهر من اللقيط، الحرية. فأما إذا أقر بنسب على غيره مثل أن يقر بأخ، فإن كان صغيرا فبثلاثة شروط، وإن كان كبيرا فبأربعة شروط، على ما قدمناه، ويراعى في ذلك إقرار رجلين عدلين. وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، أو رجل وامرأتين من الورثة (2). والأول الذي اخترناه، هو الذي يقتضيه أصول مذهبنا، وهو أن النسب لا يثبت إلا بشهادة رجلين عدلين، فإن لم يكن كذلك، فلا يثبت النسب على ما بيناه. فإذا ثبت هذا، فكل موضع ثبت النسب بالاقرار، ثبت المال بغير استثناء عندنا، وعند المخالف يستثنى موضعا واحدا، وهو إذا كان إثبات الميراث يؤدي إلى إسقاطه، مثل أن يقر الأخوان بابن للوارث، فإن نسبه يثبت، ولا يثبت عنده له الميراث، قال لأنه لو ورث، حجب الأخوين، وخرجا من كونهما وارثين، ويبطل الاقرار بالنسب، لأنه أقر بمن (3) ليس بوارث، فإذا بطل النسب بطل الميراث، فلما أدى إثبات الميراث إلى إسقاطه، أسقط، فثبت النسب دونه.

(1) المبسوط، ج 3، كتاب الاقرار، ص 38.
(2) المبسوط، ج 3 كتاب الاقرار ص 39.
(3) ج. ل. إقرار ممن.

[ 310 ]

قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، لما أورد ما قاله المخالف، ولو قلنا إنه يثبت الميراث أيضا كان قويا، لأنه يكون قد ثبت نسب بشهادتهما، فتبعه الميراث لا بالاقرار (1). هذا في المقر يثبت النسب بإقراره، وهو إذا كانا اثنين عدلين، فأما إذا كان المقر واحدا أو كانا غير عدلين، فإنه يثبت لهما الميراث بمقدار ما يخصهما. ولو مات المقر له، لم يرثه المقر، لأنه لم يثبت نسبه، اللهم إلا أن يكون قد صدقه المقر له في ذلك، وكان بالغا عاقلا، ولا يتعدى منهما إلى غيرهما إلا إلى أولادهما فقط، فأما غيرهما من ذوي النسب، فلا يثبت ميراثهما منه إلا بالاقرار منهم أيضا كذلك، أو تصديق لهما، فيقوم مقام الاقرار. إذا مات رجل وخلف ابنا، فأقر بأخ، ثم إنهما أقرا بثالث، ثبت نسب الثالث، ثم إن الثالث أنكر الثاني، وقال ليس بأخ لنا، سقط نسبه، لأنه لم يقر بنسبه اثنان من الورثة، وإنما أقر الأول، فيكون المال بين الأول والثالث، ويأخذ الثاني من الأول ثلث ما في يده، لأنه مقر به وبغيره. إذا خلف زوجة وأخا فأقرت الزوجة بابن للزوج، وأنكره الأخ، لم يثبت نسبه إلا أنه يقاسمها، فالمرأة تزعم أن لها الثمن، لأن لمورثها ابنا فينظر، فإن كان المال في يد الأخ، لم تأخذ إلا الثمن، لأنه القدر الذي تدعيه، وإن كان المال في يدها، لم يأخذ الأخ إلا ثلاثة أرباع المال، لأنه هو القدر الذي يدعيه، لأنه يقول لها الربع، إذ ليس لمورثها ابن، فيبقى في يدها الربع، وهي تدعي نصفه، فيكون لها، والباقي يرده على الابن. إذا خلف ابنين، فأقر أحدهما بأخ، وجحد الآخر، فإن نسب المقر به لا يثبت، فإن مات الجاحد، فورثه جميع ماله، وجب عليه أن يقاسم الأخ المقر به، لأنه كان أقر به، وإن خلف أخوه الجاحد ابنا، فوافق على إقراره، ثبت النسب والميراث على ما ذكرناه، لأنهما اثنان.

(1) المبسوط، ج 3، كتاب الاقرار، ص 39.

[ 311 ]

إذا خلف ابنين أحدهما عاقل والآخر مجنون، فأقر العاقل بنسب أخ له، لم يثبت النسب بإقراره، لأنه واحد، فإن أفاق المجنون، ووافقه على إقراره، ثبت النسب والميراث، وإن خالفه لم يثبت نسبه، وشارك المقر في مقدار ما يخصه، وإن مات وهو مجنون، فإنه ورثه المقر جميع المال، قاسم المقر به، لأنه كان مقرا به. فإن خلف ابنين أحدهما كافر والآخر مسلم، فأقر أحدهما بأخ، نظر فإن كان الميت كافرا، كان الميراث للمسلم، فإن أقر بنسب قاسم المقر به إن كان مسلما، وإلا حاز الميراث جميعه، ولا يراعى جحود الكافر، لأنه لا يرث شيئا، فالمال كله للمسلم، وإن كان الميت المسلم (1) فكذلك المال للمسلم، فإذا أقر بنسب، ثبت وقاسمه المال، ولا يراعى جحود الكافر، وإن أقر الكافر في المسألتين، لم يكن لإقراره تأثير، لأنه لا يرث شيئا. وإذا خلف ابنين، أحدهما قاتل، فالمال كله لغير القاتل، فإن أقر بنسب أخ، شاركه في الميراث، وإن أقر القاتل لم يثبت النسب، لأنه ليس له من الميراث شئ. إذا أقر ببنوة صبي، لم يكن ذلك إقرارا بزوجية أمه، سواء كانت مشهورة الحرية، أو لم تكن، وإلى هذا ذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي في مسائل خلافه، ووافقه الشافعي على ذلك، وخالفهما أبو حنيفة، واحتج أبو حنيفة بأن أنساب المسلمين وأحوالهم ينبغي أن تحمل على الصحة، فقال شيخنا يحتمل أن يكون الولد من نكاح صحيح، كما يحتمل أن يكون من نكاح فاسد، أو من وطي شبهة، ثم قال ويبطل قول أبي حنيفة ببنوة أخيه (2). قال محمد بن إدريس رحمه الله، معنى ذلك أن رجلا آخر لو أقر ببنوة أخ لهذا الصبي، لكان يلزم على قول أبي حنيفة أنها تكون زوجة للمقرين في حالة واحدة، صحيحة النكاح. وإذا مات صبي مجهول النسب وله مال، فأقر رجل بنسبه، ثبت النسب، وكان

(1) ج. مسلما.
(2) الخلاف، كتاب الاقرار، مسألة 31.

[ 312 ]

له ميراثه، إذا كانت الشرايط حاصلة من الامكان وغيره على ما قدمناه. وليس لأحد أن يقول إن هاهنا تهمة من حيث يجوز أن يكون قصد بذلك أخذ المال. وذلك إن هذا يفسد به إذا كان حيا وله مال فأقر به، فإن لحوق التهمة تجوز في هذه الحال، لأنه لا ينتفع (1) بماله ويساره كما ينتفع به بعد موته. وإن كان المقر به كبيرا فإنه يثبت نسبه بإقراره، في وجود (2) الشرايط، وتصديقه لا يراعى، لأنه إذا مات صار في معنى الصغير والمجنون الذي لا حكم لكلامه، ولا اعتبار بتصديقه، ولا خلاف في ذلك. وإذا مات انسان، وخلف ورثة، فأقر بعض الورثة بوارث آخر بالنسب، فإن كان المقر له أولى به من المقر، أعطاه جميع ما في يده، وإن كان مثله سواء أعطاه مقدار ما كان نصيبه (3) من سهمه، ولا أكثر من ذلك ولا أقل منه. ومتى أقر بورثة جماعة كان الحكم أيضا فيه مثل ذلك سواء. فإن أقر بوارثين، أحدهما أولى من صاحبه، غير أنهما جميعا أولى منه بالمال، أعطى جميع ما في يده للذي هو أولى بالميت وأحق بميراثه، وسقط الآخر. فإن أقر بوارثين، فصاعدا متساويين في الميراث، وتناكروا هم ذلك النسب بينهم، لم يلتفت إلى إنكارهم، وقبل إقراره لهم، وإذا أنكروا أيضا إقراره في الأول لهم، لم يستحقوا شيئا من المال، فإن أقروا له بمثل ما أقر لهم به، توارثوا بينهم إذا كان المقر له ولدا أو والدا، فإن كان غيرهما من ذوي الأرحام، لم يتوارثوهم، وإن صدق بعضهم بعضا، ولا متعدى الحكم فيه مال الميت على حال، كما قدمناه، لأنه لا يقبل إقراره على غيره. فإن أقر بوارث هو أولى منه بالمال، وجب أن يعطيه المال على ما بيناه، فإن أقر بعد ذلك بوارث آخر هو أولى منهما، لزمه أن يغرم له مثل جميع المال، فإن أقر بعد هذا بوارث آخر هو أولى منهم كلهم، لزمه أن يغرم أيضا مثل جميع المال، ثم على هذا

(1) ج. ل. ينتفع.
(2) ج. ل. ووجود.
(3) ج. ل. يصيبه.

[ 313 ]

المثال بالغا ما بلغ إقراره. فإن أقر بوارث (1) أولى منه بالمال، فأعطاه ما في يده، ثم أقر بوارث مساو للمقر له في الميراث، لزمه أن يغرم له مثل ما كان يصيبه من أصل التركة. فإن أقر بوارث مساو له في الميراث، فقاسمه المال، ثم أقر بوارث أولى منهما، لزمه أن يغرم له مثل جميع المال، ثم على هذا المثال بالغا ما بلغ إقراره. فإن أقر بزوج للميتة، أعطى الزوج مقدار ما كان يصيبه من سهمه، فإن أقر بعد ذلك بزوج آخر، كان إقراره باطلا، اللهم إلا أن ينكر إقراره الأول، ويكذب نفسه في الاقرار بالزوج الأول، فيلزمه حينئذ أن يغرم للزوج الثاني مقدار ما يصيبه من سهمه، وليس له على الأول سبيل، ولا رجوع بشئ أخذه. فإن أقر ولد الميت بزوجة له، أعطاها ثمن ما كان في يده من التركة، فإن أقر بزوجة ثانية، أعطاها أيضا نصف ثمن ما في يده من التركة، فإن أقر بزوجة ثالثة، أعطاها ثلث ثمن ما في يده، وإن أقر بزوجة رابعة، أعطاها ربع ثمن ما أخذه من التركة، فإن أقر بخامسة، وقال إن إحدى من أقررت لها ليست زوجة، لم يلتفت إلى إنكاره لها، ولزمه أن يغرم للتي أقر لها بعد ذلك، ربع ثمن ما أخذه من التركة، فإن لم ينكر واحدة من الأربع، لم يلتفت إلى إقراره بالخامسة، وكان با طلا إلا أن يكون قد أقر بزوجات طلقهن في حال مرضه، على ما قدمناه أولا وشرحناه وحررناه فليلحظ ذلك (2)، ويراعي في إقراره بالخامسة وما زاد عليها. فإن أقر للأربع النسوة في دفعة واحدة، لم يكن لهن أكثر من الثمن بينهن بالسوية، وقد قدمنا فيما مضى (3) أنه متى أقر اثنان بوارث آخر، فإن كانا مرضيين مشهوري العدالة، والشرايط المقدم ذكرها أولا حاصلة، قبلت شهادتهما للمقر له، وألحق نسبة بالميت، وقاسم الوراث، إلا أن يكون مشهورا بغير ذلك النسب على ما بيناه، فإن كانا كذلك لم يلتفت إلى إقرارهما وشهادتهما، وإن كانا غير مرضيي العدالة، لم يثبت نسب المقر له، ولزمهما في نصيبهما بمقدار ما كان يصيبه من حظهما،

(1) ل. بوارث آخر. ج. بوارث هو.
(2) في ص 283.
(3) في ص 308.

[ 314 ]

لا أكثر من ذلك ولا أقل، كما ذكرناه (1) في المقر الواحد، وكذلك الحكم فيما يزيد ويتفرع على المسائل من هذا الباب سواء، فينبغي أن تحصل معرفته، ويعتمد عليه، فإنه يطلع به على ساير ما تشعب في التصنيفات، فإن أصولها ما لخصناه (2) وأثبتناه. فصل آخر في كيفية القسمة بين الوراث فإن للفرضيين طريقة أخرى، وهي أن قالوا قسمة الرباع والأرضين بين وارثها يفتقر إلى تصحيح السهام، لاستغناء ما عداها من التركات عن ذلك، فطريق إخراج السهام صحاحا، أن ينظر مريد ذلك في فريضة أهل الإرث، فإنها لا تخلو أن يكون فيها ذو نصف، أو ثلث، أو ربع، أو سدس، أو ثمن، معه غيره، فيفرضها من عدد يخرج منه ذلك السهم صحيحا، ثم ينظر في الفاضل عنه وسهام ما عدا مستحقه، فإن انقسم عليهم من غير انكسار، وإلا ضرب سهامهم في أصل الفريضة، فما انتهت إليه فسهام الكل يخرج منها صحاحا بغير انكسار، وفهم هذه الجملة كاف، ونفصلها ليقع العلم بأعيان مسائلها. فمن ذلك فريضة النصف، أصلها من اثنين لذي النصف سهم، ويبقى سهم، فإن كان الوارث معه واحدا فهو له من غير انكسار، وإن كانا اثنين متساويين، كأخ وأخت من قبل الأم، أو أخوين أو أختين من قبل الأب، انكسر الباقي عليهم، فالوجه في ذلك، أن تضرب سهامهم وهي اثنان في أصل الفريضة، فيصير أربعة، لذي النصف سهمان، ولكل واحد من هذين سهم. وإن كانوا ثلاثة يتساوون في السهام كإخوة الأم، أو اثنان مختلفان، كأخ وأخت لأب، فليضرب سهامهم وهي ثلاثة في أصل الفريضة، فتصير ستة، للزوج ثلاثة، ولكل واحد من الثلاثة المتساوين سهم، ولواحد الاثنين سهمان، وللأنثى سهم. وإن كانوا ذووا سهام خمسة متساوون (3)، كإخوة أم، أو أخوات أب، أو

(1) في ص 310.
(2) ج. لحظناء.
(3) ج. وإن كان ذوي سهام خمسة متساوين.

[ 315 ]

إخوان لأب، وأخت له، فإن الفاضل ينكسر عليهم، فلتضرب سهامهم وهي خمسة في أصل الفريضة، فتصير عشرة، لذي النصف خمسة أسهم، ولكل واحد من الخمسة المتساوين سهم ولكل واحد من الأخوين مع الأخت سهمان، للأخت سهم، ثم على هذا يجري الحساب في جميع أهل هذه الفريضة وإن كثروا. ومن ذلك فريضة الثلث، أصلها من ثلاثة، لذي الثلث سهمه، وهو واحد، وهو سهم الأم مع الأب، والباقي له. فإن كان معهما زوج أو زوجة، فأصل الفريضة من عدد له ثلث صحيح، وربع صحيح، فيعطى الأم منه الثلث، والزوج النصف، أو الزوجة الربع، والباقي للأب. فإن كان الزوجات جماعة، ينكسر عليهن الربع، ضربت سهامهن في أصل الفريضة، فما أنهت إليه أخرجت منه السهام صحاحا. وإن كانت فريضة إخوة أم، وإخوة أب، وكان الفاضل عن فريضة إخوة الأم، وهو اثنان، ينكسر على من معهم من إخوة الأب، فليضرب سهامهم المنكسر عليهم في أصل الفريضة، فما بلغت، أخرجت منه السهام صحاحا كأنهم كانوا أربعة متساوين، أو أخا واختين، فسهامهم أربعة، تضرب في ثلاثة، فتصير اثني عشر سهما لإخوة الأم الثلث أربعة، وتبقى ثمانية أسهم، للأخ أربعة منها، ولكل أخت سهمان، ثم على هذا الحساب. ومن ذلك فريضة الربع، أصلها من أربعة، لذي الربع حقه واحد، والباقي لمشاركيه إن كانوا ثلاثة يتساوون أخذ كل واحد منهم سهما، فإن اختلفوا فزادوا أو نقصوا، ضربت سهامهم في أصل الفريضة، فما انتهت إليه أخرجت منه السهام صحاحا، مثال ذلك ثلاثة بنين، وبنتان مع زوج، أو ثلاثة إخوة لأب، واختان مع زوجة فسهام كل مع ذي الربع ثمانية، تضرب في أصل الفريضة، وهي أربعة، فتصير اثنين وثلاثين سهما، لذي الربع ثمانية أسهم، ولكل ذكر من الولد أو الإخوة ستة أسهم، ولكل أنثى ثلاثة أسهم، ثم على هذا يجري الحكم في حساب سهام جميع من يرث معه، ذو الربع ومن ذلك فريضة السدس، وأصلها من ستة،

[ 316 ]

لذي السدس سهم، ولمشاركيه إن كانوا خمسة، يتساوون لكل واحد سهم، وإن كانوا أخوين لأب، وأختا، أو ابنين وبنتا، فلكل ذكر سهما، وللأنثى سهم، وإن زادت السهام عليهم أو نقصت، ضربت سهامهم في أصل الفريضة، فما بلغت أخرجت منه السهام صحاحا. مثال ذلك ثلاثة إخوة لأب، وأربع أخوات له، مع أخ لأم، أو ثلاثة بنين وأربع بنات، مع أحد الأبوين، فسهامهم عشرة، تضرب في الأصل فيصير ستين سهما، لذي السدس عشرة أسهم، ولكل واحد من الذكور عشرة أسهم، ولكل أنثى خمسة أسهم، ثم على هذا يجري حساب هذه الفريضة بالغا ما بلغ أهلها. ومن ذلك فريضة الثمن، وأصلها من ثمانية، لذي الثمن واحد، ويبقى سبعة، فإن كان مشاركوه من تصح قسمتها عليهم صحاحا، قسمت، وإن انكسرت عليهم، ضربت سهامهم في أصل الفريضة، فما بلغت أخرجت السهام منه صحاحا. مثال ذلك خمس بنين، أو ابنان وبنت، أو ابن وثلاث بنات، سهامهم خمسة، تضرب في الفريضة، وهي ثمانية، فيصير أربعين سهما، لذي الثمن خمسة، ويبقى خمسة وثلاثون سهما لكل واحد من البنين الخمسة سبعة أسهم، ولكل واحد من الابنين مع البنت أربعة عشر سهما، وللبنت سبعة أسهم، وللابن أربعة عشر سهما ولكل بنت من الثلاث سبعة أسهم، ثم على هذا الحساب، تجري القسمة في هذه الفريضة بالغا ما بلغت سهام أهلها. فإن اجتمع في الفريضة ربع وسدس، وهي فريضة الزوجة مع واحد الإخوة من الأم، وإخوة الأب، فأصلها من اثني عشر، للزوجة ثلاثة، ولأخ الأم سهمان تبقى سبعة أسهم لكلالة الأب، فإن أمكنت قسمتها عليهم صحاحا، وإلا ضربت سهام في أصل الفريضة، فما بلغت، أخرجت منه السهام صحاحا، وكذلك القول في الفريضة إخوة الأم والزوجة أو الزوج، عملها كالأول، فإن كان ما يستحقه كل واحد من الكلالتين ينكسر عليهم، ضربت سهام كل واحد من أهل الكلالتين في سهام الأخرى، فما بلغ ضرب في أصل الفريضة، فما بلغ أخرجت من السهام صحاحا، فإن كانت في الفريضة ذو سهام مسماة، ورد، ينكسر كزوج وأحد الأبوين وبنت، فأصل الفريضة من

[ 317 ]

اثني عشر للزوج الربع، ثلاثة، ولأحد الأبوين السدس سهمان، وللبنت النصف ستة أسهم، يبقى سهم ينكسر في الرد على البنت والأب، فالوجه في ذلك أن تضرب سهمامهما وهي أربعة في أصل الفريضة وهي اثني عشر فيصير ثمانية وأربعين سهما، للزوج الربع اثني عشر سهما، ولأحد الأبوين السدس، ثمانية أسهم، وللبنت النصف أربعة وعشرون سهما، ويبقي أربعة أسهم، للبنت ثلاثة أسهم، ولأحد الأبوين سهم، ثم على هذا الوجه يجري حكم حساب جميع الفرايض فليعمل بحسبه واستقصاء مسائل جميع الفرايض في القسمة، وما يتفرع منها، ويتناتج، يطول، وفيما ذكرناه كفاية وبلغة، ومقنع لمن فهمه وتدبره وتأمله تم الجزء الخامس من كتاب السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي ويتلوه في الجزء السادس كتاب الحدود والديات والجنايات إن شاء الله تعالى (1).

(1) في نسخة الأصل هنا عبارة لكاتبها تحكي عن قدمة النسخة وإليك نصها: " وفرغ من نسخه كاتبه أبو الحسين جعفر بن علي بن جعفر بن عبد الله بن حبشي في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وستمأة بالمشهد المقدس الكاظمين مقابر قريش سلام الله على ساكنيه، حامدا لله تعالى ومصليا على رسوله محمد النبي المصطفى وآله الطيبين الطاهرين والحمد لله رب العالمين ".

[ 319 ]

كتاب الديات والجنايات

[ 320 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الديات والجنايات قال الله تعالى " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة " (1)، فذكر الله تعالى في هذه الآية ديتين وثلاث كفارات. ذكر الدية والكفارة بقتل المؤمن في دار الاسلام، فقال " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ". وذكر الكفارة دون الدية، بقتل المؤمن في دار الحرب في صف المشركين، إذا حضر معهم الصف، فقتله مسلم، ففيه الكفارة دون الدية، فقال وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة " لأن قوله وإن كان كناية عن المؤمن الذي تقدم ذكره، وقوله من قوم معناه في قوم، لأن حروف الصفات تقوم بعضها مقام بعض على قول بعض أصحابنا، وهو مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي في مسائل خلافه (2) معتمدا على قوله تعالى، " وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة " ولم يذكر الدية وتمسك أيضا بأن الأصل براءة الذمة. والذي يقوى في نفسي، ويقتضيه أصول مذهبنا، أن عليه، الدية والكفارة معا، لقوله عليه السلام المجمع عليه لا يطل دم امرئ مسلم (3)، وقوله عليه السلام في

(1) سورة النساء، الآية 92.
(2) الخلاف، كتاب كفارة القتل، مسألة 3.
(3) الوسائل، الباب 29، من أبواب القصاص في النفس، ح 1، إلا أن لفظ الحديث لا يبطل.

[ 321 ]

النفس مائة، من الإبل (1)، وهذه نفس، والدية وإن لم تذكر في الآية، فقد علمناها بدليل آخر، وهو قوله عليه السلام لا يطل دم امرئ مسلم وفي النفس مائة من الإبل. والأصل فقد انتقلنا عنه بدليل الشرع، وأيضا فإجماع أصحابنا منعقد على ذلك، لم يخالف منهم أحد في ذلك، ولا أودعه كتابا له ما خلا شيخنا أبو جعفر، وإذا تعين المخالف في المسألة، لا يعتد بخلافه. وما اختاره شيخنا في مسائل خلافه، مذهب بعض المخالفين لأهل البيت عليهم السلام ولم يرد خبر عنهم عليهم السلام يعضد ما اختاره، ولا انعقد لهم إجماع، ولهذا ما استدل رحمه الله على ما ذهب إليه بإجماع الفرقة ولا بأخبارهم، لأنهما معدومان (2)، فثبت ما اخترناه، وذهبنا إليه، وقويناه. ثم ذكر الدية والكفارة بقتل المؤمن في دار المعاهدين، فقال " وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ". وعند المخالف إن ذلك كناية عن الذمي في دار الاسلام، وما قلناه أليق بسياق الآية، لأن الكنايات في كان كلها عن المؤمن، فلا ينبغي أن تصرفها إلى غيره بلا دليل. فصل في أقسام القتل وما يجب به من الديات القتل على ثلاثة أضرب، عمد محض، وهو أن يكون عامدا إلى قتله بآلة تقتل غالبا، كالسيف، والسكين، واللت، والحجر الثقيل، عامدا في قصده، وهو أن يقصد قتله بذلك، فمتى كان عامدا في قصده، عامدا في فعله، فهو العمد المحض. والثاني خطأ محض، وهو ما لم يشبه شيئا من العمد، بأن يكون مخطيا في فعله، مخطيا في قصده، مثل أن يرمي طايرا فيصيب انسانا، فقد خطأ في الأمرين معا.

(1) مستدرك الوسائل، الباب 1 من أبواب ديات النفس، ح 1، بزيادة المؤمنة بعد النفس.
(2) ج. ل. مفقودان.

[ 322 ]

الثالث عمد الخطأ، أو شبيه العمد، والمعنى واحد، وهو أن يكون عامدا في فعله، مخطيا في قصده. فأما عامد في فعله، فهو أن يعمد إلى ضربه بآلة لا تقتل غالبا، كالسوط، والعصي الخفيفة. والخطأ في القصد، أن يكون قصده تأديبه وزجره وتعليمه، لكنه مات منه، فهو عامد في فعله، مخطئ في قصده. فأما الديات فتقسم ثلاثة أقسام أيضا بانقسام القتل، مغلظة في السن والاستيفاء. فالعمد المحض مائة من مسان الإبل على أرباب الإبل تستأدى في سنة واحدة من مال القاتل، دون عاقلته بعد التراضي من القاتل وأولياء المقتول، لأن عندنا موجب القتل العمد المحض، القود، دون الدية. الثانية مخففة من وجهين السن والاستيفاء، فالسن عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن لبون، ذكر، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة. والاستيفاء أن تكون مؤجلة ثلاث سنين، كل رأس حول ثلثها، على العاقلة خاصة. وهي كل دية وجبت بالخطأ المحض، ولا ترجع العاقلة بها على القاتل، سواء كان في حال الأداء موسرا أو معسرا. وذهب شيخنا المفيد، إلى أن العاقلة ترجع بها على القاتل (1). وهذا خلاف إجماع الأمة. الثالث مغلظة من وجه مخففة من وجه (2) فالتغليظ بالسن على ما قلناه في العمد، والتخفيف في الأصل عندنا، تستأدى في سنتين من مال القاتل خاصة. قد ذكرنا أن القتل ثلاثة أقسام، عمد محض، وخطأ محض، وخطأ شبيه العمد، وهكذا الجناية على الأطراف تنقسم هذه الأقسام.

(1) في المقنعة، باب البينات على القتل ص 737.
(2) ج. ليس فيه عبارة " مخففة من وجه ".

[ 323 ]

قد ذكرنا أن الدية تغلظ في العمد المحض وعمد الخطأ، وتخفف في الخطأ المحض، فهذه مخففة أبدا إلا في موضعين، المكان والزمان، فالمكان الحرم والزمان الأشهر الحرم، فعندنا إنها تغلظ، بأن توجب دية وثلثا، ولم يذكر أصحابنا التغليظ إلا في النفس، دون قطع الأطراف. عندنا إن كانت العاقلة من غير أهل البلد، أخذ منهم ما هم من أهله، لأن الدية عندنا إما مائة من الإبل أخماسا (1) وأرباعا (2) روي ذلك أجمع، (3)، أو مأتان من البقر، أو ألف من الغنم، أو ألف دينار، أو عشرة ألف (4) (5) درهم أو مأتا حلة، والحلة إزار، ورداء ولا تسمى حلة حتى تكون ثوبين اثنين، من برود اليمن، أو نجران. فعلى هذا التحرير تكون الدية على أصحاب الحلل، أربعمائة ثوب، فليلحظ ذلك ويتأمل. فكل واحد من هذه الأجناس الستة، أصل في نفسه، وليس بعضه بدلا عن بعض، هذا إذا كانت على العاقلة. فأما إن كانت على القاتل، وهو إذا قتل عمدا أو اعترف بالخطأ، أو كان شبيه العمد عندنا، فالحكم فيه كالحكم في العاقلة سواء عندنا. إذا أوضحه موضحتين، ففي كل واحدة منهما خمس من الإبل، لقوله عليه السلام في الموضحة خمس من الإبل (6)، ولقوله وفي المواضح خمس خمس (7)، فإن عاد الجاني فخرق ما بينهما، حتى صارا واحدة ففيها أرش واحدة، لأنه صيرهما واحدة بفعله، كما لو أوضحه ابتداء به، لأن فعل الواحد يبنى بعضه على بعض، بدليل أنه

(1) لم نتحقق نصا يدل عليه وفي الجواهر 43، ص 23، وأما ما عن المبسوط والسرائر - عشرون بنت مخاض وعشرون ابن لبون وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة وعشرون جذعه - فلم نجد له شاهدا فيما وصل إلينا من النصوص.
(2) ج. رباعا.
(3) الوسائل الباب 2 من أبواب ديات النفس، ح 1 - 10.
(4) ج: عشرة آلاف.
(5) الوسائل، الباب 1 من أبواب ديات النفس، ح 1 - 4 - 9.
(6) الوسائل، الباب 2 من أبواب ديات الشجاج والجراح، ح 4 - 5 - 6 - 10 - 12 - 16 - 18.
(7) سنن ابن ماجة، باب الموضحة الرقم 2655، ج 2، ص 886.

[ 324 ]

لو قطع يده ورجله، ثم عاد فقتله، فالدية واحدة، لأن الجاني واحد. قد قلنا إن قتل العمد المحض موجبة عندنا القود دون الدية بشروط. منها أن يكون عند مستحق بلا خلاف. ومنها أن يكون القاتل بالغا كامل العقل، فإن حكم عمد من ليست هذه حاله، حكم الخطأ لقوله عليه السلام المجمع عليه رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه (1). ومنها أن لا يكون المقتول مجنونا بلا خلاف بين أصحابنا. ومنها أن لا يكون صغيرا على خلاف بيننا فيه، إلا أن الأظهر بين أصحابنا والمعمول عليه عند المحصلين منهم، الاستقادة به، لأن ظاهر القرآن يقتضي ذلك. ومنها أن لا يكون القاتل والد المقتول، لقوله عليه السلام، لا يقتل والد بولده (2). إلا في موضع واحد، وهو الموضع الذي يتحتم القتل عليه لأجل المحاربة، فيقتل بقتل ولده لأجل المحاربة الحتم، لا لأجل الاستقادة، بدليل أن ولي من قتله المحارب لو عفا لوجب على السلطان قتله حدا للمحاربة. ومنها أن لا يكون القاتل حرا والمقتول عبدا، سواء كان عبد نفسه أو عبد غيره. ومنها أن لا يكون القاتل مسلما والمقتول كافرا، سواء كان معاهدا أو مستأمنا أو حربيا، لقوله تعالى " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " (3) ولقوله عليه السلام لا يقتل مسلم بكافر (4). ويقتل الحر بالحرة، بشرط أن يؤدي أولياؤها إلى ورثته الفاضل عن ديتها من ديته، وهو النصف، بدليل إجماع أصحابنا. وقوله تعالى والأنثى بالأنثى (5) - لا يدل على أن الذكر لا يقتل بالأنثى، إلا من

(1) الخصال، ج 1 ص 93، ح 40.
(2) الوسائل الباب 32 من أبواب القصاص في النفس، ح 4 - 8 - 11.
(3) سورة النساء، الآية 141.
(4) لا يوجد بعينه في مصادرنا وبمضمونه روايات الباب 47 من أبواب القصاص في النفس من كتاب الوسائل وفي المستدرك في الباب 41 من هذا الباب لا يقتل مؤمن بكافر، ح 2.
(5) سورة البقرة، الآية 178.

[ 325 ]

حيث دليل الخطاب، وذلك متروك لدليل غيره، ودليل الخطاب عند المحققين من أصحابنا، غير معمول به، ومن عمل به، يقول إنما أخرجنا من ذلك قتله بها مع الشرط الذي ذكرناه، بدليل. قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: العمد المحض، هو كل من قتل غيره وكان بالغا كامل العقل، بأي شئ كان بحديد، أو خشب، أو حجر، أو سم، أو خنق، وما أشبه ذلك، إذا كان قاصدا بذلك القتل، ويكون فعله مما قد جرت العادة بحصول الموت عنده، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، ذكرا كان أو أنثى ويجب فيه القود أو الدية على ما نبينه فيما بعد (1). قوله رحمه الله أو الدية ليس الولي بالخيار بين القود وأخذ الدية، وإنما مراده مع تراضى القاتل وولي المقتول، لا أنه إذا أبى واحد منهما أجبر عليه. ثم قال رحمه الله ومتى كان القاتل غير بالغ وحده عشر سنين فصاعدا، أو يكون مع بلوغه زائل العقل، إما أن يكون مجنونا، أو مؤوفا، فإن قتلهما وإن كان عمدا، فحكمه حكم الخطأ المحض. قوله رحمه الله ومتى كان القاتل غير بالغ، وحده عشر سنين. رواية (2) شاذة، لا يلتفت إليها، ولا يعرج عليها، لأنها مخالفة لأصول مذهبنا، ولظاهر القرآن، والسنة، لقوله عليه السلام رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يحتلم، من بلغ عشر سنين من الصبيان الذكران، ما احتلم، فمن استقاد منه، وقتله بمن قتله، فما رفع القلم عنه. وشيخنا أبو جعفر فقد رجع عن ذلك في مبسوطه (3)، ومسائل خلافه (4). وقاتل العمد المحض، لا يجوز أن يستقاد منه إلا بالحديد، وإن كان هو قد قتل

(1) النهاية كتاب الديات، باب أقسام القتل وما يجب فيه من القود والدية.
(2) لا يوجد في المصادر الحديثية إلا الشيخ (قده) أورده في النهاية كتاب الديات، باب أقسام القتل.
(3) المبسوط، ج 7، فصل في صفة قتل العمد وجراح العمد، ص 50.
(4) الخلاف، كتاب الجنايات، مسألة 39.

[ 326 ]

صاحبه بغير الحديد من الضرب، أو الرمي، وما أشبه ذلك. ولا يمكن أيضا من التمثيل به، لا تعذيبه، ولا تقطيع أعضائه، وإن كان فعل ذلك هو بصاحبه، لنهيه عليه السلام عن المثلة (1)، بل يؤمر بضرب رقبته، وليس له أكثر من ذلك، إلا أن يكون فرق الضرب عليه، فقطع عضوا منه، ثم بعد ذلك قتله، على ما نبينه فيما بعد. وليس في قتل العمد الدية (2)، إلا أن يبذل القاتل من نفسه الدية، ويختار ذلك أولياء المقتول، فإن لم يبذل القاتل من نفسه ذلك لم يكن لأولياء المقتول المطالبة بها، وليس لهم إلا نفسه على ما قدمناه، ومتى بذل الدية، ولم يأخذها أولياء المقتول وطلبوا القود، كان لهم أيضا ذلك. فإن فادى القاتل نفسه بمال جزيل، أضعاف أضعاف الدية الواجبة، ورضي به أولياء المقتول، كان ذلك أيضا جايزا. فإن اختلف أولياء المقتول، فبعض يطلب القود وبعض يطلب الدية كان للذي يطلب القود، القود إذا رد على الذي طلب الدية ماله منها خاصة، ثم يقتل القاتل. وكذلك إن اختلفوا فبعض عفا عن القاتل، وبعض طلب القود، وبعض يطلب الدية، كان للذي يطلب القود أن يقتل القاتل إذا رد على الذي يطلب الدية ماله منها من ماله خاصة، وسهم من عفا. ما يرده على القاتل، ثم يقتل القاتل. وكذلك إذا اختلفوا فبعض عفا عن القاتل، وبعض طلب القود، أو الدية فإن الذي طلب القود، يجب عليه أن يرد على القاتل، سهم من عفا عنه، ثم يقتله، وإن طلب الدية، كان القاتل مخيرا بين أن يعطيه ذلك بمقدار ما يصيبه من الدية، وبين أن لا يعطيه ذلك، لأنا قد بينا أن موجب قتل العمد المحض القود دون الدية، ولا يجب الدية عندنا، إلا برضى الجميع، فكيف يجب على القاتل اعطاؤها

(1) الوسائل، الباب 62 من أبواب القصاص في النفس، ح 2 - 4 - 5.
(2) ل. إلا القود.

[ 327 ]

وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وكذلك إن اختلفوا، فبعض عفا عن القاتل، وبعض طلب القود أو الدية، فإن الذي طلب القود، يجب عليه أن يرد على أولياء القاتل سهم من عفا عنه، ثم يقتله، وإن طلب الدية وجب على القاتل أن يعطيه مقدار ما يصيبه من الدية، هذا آخر كلامه رحمه الله (1). قال محمد بن إدريس، لا حاجة بنا أن نرد على أولياء القاتل، بل على القاتل نفسه، كما قدمناه، لأنه لا يمكن من قتله قبل تسليم المال، لأنه رحمه الله قال يرد على أولياء القاتل سهم من عفا عنه، ثم يقتله، فإذا كان لا يقتله إلا بعد الرد، فيكون الرد عليه، دون أوليائه بغير خلاف. وأما قوله رحمه الله، فإن طلب الدية وجب على القاتل أن يعطيه مقدار ما يصيبه من الدية، فقد قلنا ما عندنا فيه، وأيضا فهذا ينقض علينا أصلنا المقرر، لأنا بلا خلاف، بيننا، لا نخير ولي المقتول بين القود وأخذ الدية بل ما يستحق إلا شيئا واحدا، وهو القود على ما قدمناه فيما مضى والمخالف لنا يخيره بين القود وأخذ الدية. وهذا لا يذهب أحد من أصحابنا إليه. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وأولياء المقتول، هم الذين يرثون ديته، سوى الزوج والزوجة. وقد ذكرناهم في كتاب المواريث، ويكون للجميع المطالبة بالقود، ولهم المطالبة بالدية، ولهم العفو على الاجتماع والانفراد، ذكرا كان أو أنثى، على الترتيب الذي رتبناه وإذا مات ولي الدم قام ولده مقامه في المطالبة بالدم، والزوج والزوجة ليس لهما غير سهمهما من الدية، إن قبلها أولياء المقتول، أو العفو عنه بمقدار ما يصيبهما من الميراث، وليس لهما المطالبة بالقود، ومن ليس له من الدية شئ، من الإخوة والأخوات من الأم، ومن يتقرب من جهتها، فليس لهم المطالبة بالدم ولا الدية (2).

(1) و (2) النهاية كتاب الديات باب أقسام القتل وما يجب فيه من القود والدية.

[ 328 ]

وقال في مبسوطه، وأما الكلام في القصاص، وهو إذا قتل عمدا محضا فإنه كالدية في الميراث يرثه من يرثها، فالدية يرثها من يرث المال، والقود يرثه من يرث الدية، والمال معا، هذا مذهب الأكثر، وقال قوم يرثه العصبات من الرجال دون النساء وفيه خلاف، والأقوى عندي الأول، وإن كان الثاني قد ذهب إليه جماعة من أصحابنا، وذكرناه نحن في النهاية (1)، ومختصر الفرايض (2)، فأما الزوج والزوجة، فلا خلاف بين أصحابنا أنه لا حظ لهما في القصاص، ولهما نصيبهما من الميراث من الدية، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر في مبسوطه، حرفا فحرفا (3). قال محمد بن إدريس الذي أعول عليه، وأفتي به، القول الذي قواه شيخنا في مبسوطه، دون ما ذكره في نهايته، لأنه موافق لأصول مذهبنا، يعضده ظاهر القرآن، من قوله تعالى " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " (4) فلا نرجع عن كتاب الله تعالى بأخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا، وهي أيضا معارضة بأخبار مثلها، والاجماع فغير منعقد على ما ذكره في نهايته، فإذا لم يكن على المسألة إجماع، فالتمسك فيها بكتاب الله تعالى هو الواجب. وذهب شيخنا في الجزء الثالث من الاستبصار، إلى أن النساء لا عفو لهن ولا قصاص (5). وما ذكره في نهايته ومبسوطه هو الصحيح. وإذا كان للمقتول أولياء صغار وأولياء كبار، واختار الكبار الدية، كان لهم حظهم منها، فإذا بلغ الصغار كان لهم مطالبة القاتل بالقود، بعد أن يردوا عليه ما أعطى الأولياء الكبار من الدية، ولهم أيضا العفو عنه على كل حال. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، فإذا بلغ الصغار، كان لهم مطالبة القاتل

(1) النهاية كتاب الديات باب أقسام القتل وما يجب فيه من القود والدية.
(2) مختصر الفرائض المطبوع ضمن الرسائل العشر ص 277.
(3) المبسوط، ج 7 فصل في صفة قتل العمد وجراح العمد، ص 54.
(4) سورة الأحزاب، الآية 6.
(5) الاستبصار، ج 4، الباب 153، ص 262.

[ 329 ]

بقسطهم من الدية، أو المطالبة له بالقود (1). وقد قلنا ما عندنا في مثل قوله رحمه الله كان لهم مطالبة القاتل بقسطهم من الدية. قال محمد بن إدريس رحمه الله، وأي قسط لهم من الدية، مع إنا أجمعنا على أن قتل العمد المحض موجبه القود، دون الدية، بغير خلاف بيننا، إلا أن يتراضى الجميع بالدية. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ودية العمد ألف دينار جيادا، إن كان القاتل من أصحاب الذهب، أو عشرة آلاف درهم أن كان من أصحاب الورق جيادا، أو مائة من مسان الإبل، إن كان من أصحاب الإبل، أو مائتا بقرة مسنة، إن كان من أصحاب البقر، أو ألف شاة وقد روي (2) ألف كبش، إن كان من أصحاب الغنم، أو مائتا حلة إن كان من أصحاب الحلل، ويلزم دية العمد في مال القاتل خاصة، ولا يؤخذ من غيره إلا أن يتبرع انسان بها عنه، فإن لم يكن له مال، فليس لأولياء المقتول إلا نفسه (3). قال محمد بن إدريس رحمه الله، ليس لأولياء المقتول إلا نفس القاتل عمدا، سواء كان له مال، أو لم يكن. فما قاله رحمه الله، يوهم أن الأولياء يخيرون بين الدية والمطالبة بها، وبين القود، وهذا خلاف مذهبنا. ثم قال رحمه الله تمام الكلام في نهايته، فإما أن يقيدوه بصاحبهم، أو يعفوا عنه، أو يمهلوه إلى أن يوسع الله عليه (4) ثم قال ومتى هرب القاتل عمدا ولم يقدروا عليه إلى أن مات، أخذت الدية من ماله، فإن لم يكن له مال، أخذت من الأقرب فالأقرب من أوليائه الذين يرثون

(1) و (3) و (4) النهاية كتاب الديات باب أقسام القتل وما يجب فيه من القود والدية.
(2) لا يوجد بعينه ويدل بمضمونه رواية من الباب 1 من أبواب ديات النفس في الوسائل.

[ 330 ]

ديته، ولا يجوز مؤاخذتهم بها مع وجود القاتل (1). قال محمد بن إدريس هذا غير واضح، لأنه خلاف الاجماع وظاهر الكتاب، والمتواتر من الأخبار، وأصول مذهبنا، وهو أن موجب القتل العمد، القود، دون الدية، على ما كررنا القول فيه بلا خلاف بيننا، فإذا فات محله وهو الرقبة، فقد سقط لا إلى بدل، وانتقاله إلى المال الذي للميت، أو إلى مال أوليائه، حكم شرعي يحتاج مثبته إلى دليل شرعي، ولن يجده أبدا، وهذه أخبار آحاد شواذ أوردها شيخنا في نهايته إيرادا لا اعتقادا لأنه رجع عن هذا القول في مسائل خلافه وأفتى بخلافه وهو الحق اليقين. فقال مسألة إذا قتل رجل رجلا، ووجب القود عليه، فهلك القاتل قبل أن يستقاد منه، سقط القصاص إلى الدية، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يسقط القصاص لا إلى بدل، دليلنا قوله عليه السلام - لا يطل دم امرئ، مسلم - (2) فلو أسقطناه لا إلى بدل، لأطلنا دمه، ولو قلنا بقول أبي حنيفة لكان قويا، لأن الدية لا تثبت عندنا إلا بالتراضي بينهما، وقد فات ذلك، هذا آخر كلامه رحمه الله (3). ويجب على القاتل العمد، أن يتوب إلى الله تعالى مما فعله، وحد التوبة أن يسلم نفسه إلى أولياء المقتول، فإما أن يستقيدوا منه، أو يعفوا عنه، أو يقبلوا الدية، أو يصالحهم على شئ يرضون به عنه، ثم يعزم بعد ذلك على أن لا يعود إلى مثل ما فعل في المستقبل، ويعتق بعد ذلك رقبة، ويصوم شهرين متتابعين، ويطعم ستين مسكينا، فإذا فعل ذلك كان تائبا، على ما رواه (4) أصحابنا، هذا مع قدرته على كفارة الجمع المقدم ذكرها. فإذا لم يقدر على شئ منها، أو على (5) بعضها، فعله ولا شئ عليه، وصحت

(1) النهاية كتاب الديات باب أقسام القتل وما يجب فيه من القود والدية.
(2) الوسائل، الباب 29 من أبواب القصاص في النفس، ح 1.
(3) الخلاف، كتاب الجنايات، مسألة 50.
(4) الوسائل، الباب 28 من أبواب الكفارات.
(5) ج. أو قدر على.

[ 331 ]

توبته أيضا، وكان تائبا. وإنما يلزم هذه الكفارة من عفا عنه، أو صالحه الأولياء على الدية، وأما إذا قتل فلا كفارة عليه، لأن من جملتها الصوم، فإذا قتل من يصوم عنه. وتصح توبته سواء قتل مؤمنا متعمدا على إيمانه، أو الأمور الدنياوية على الصحيح من أقوال أصحابنا، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (1)، وهو الذي يقتضيه أصول مذهبنا، لأن التوبة موقوفة على الجسد ما دامت الحياة والعقل فيه، وقوله تعالى " إلا من تاب وآمن وعمل صالحا " (2) الآية وقوله - يغفر الذنوب جميعا - (3) وقوله " غافر الذنب وقابل التوب " (4). فأما قوله تعالى - ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها - (5) فليس في ظاهرها أنه تاب، ويمكن العمل بها إذا لم يتب. وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا تقبل توبته، ولا يختار التوبة، ولا يوفق للتوبة، معتمدا على أخبار آحاد (6)، والاجماع فغير منعقد، حتى يرجع في هذه المسألة إليه، ويعول عليه. ولا كفارة إلا في قتل نفس المسلم، أو من في حكمه. ولا كفارة على قاتل اليهودي والنصراني، ومن لا يقر بالشهادتين. ولا كفارة على المجنون والصبي إذا كانا قاتلين، لأنهما غير مكلفين، والخطاب من الحكيم يتناول المكلفين البالغين العاقلين. فأما دية قتل الخطأ فإنها تلزم العاقلة، وهي تلزم العصبات من الرجال، سواء كان وارثا أو غير وارث، الأقرب فالأقرب، ويدخل فيها الولد والوالد. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، فأما دية قتل الخطأ، فإنها تلزم العاقلة الذين يرثون دية القاتل، إن لو قتل، ولا يلزم من لا يرث من ديته شيئا على حال (7).

(1) المبسوط، ج 7، كتاب الجراح، ص 4.
(2) سورة هود، الآية 112.
(3) سورة الزمر، الآية 53.
(4) سورة الغافر، الآية 3.
(5) سورة النساء، الآية 93.
(6) الوسائل، الباب 9 من أبواب القصاص في النفس، ح 1 - 5.
(7) النهاية كتاب الديات باب أقسام القتل وما يجب فيه من القود والدية.

[ 332 ]

وقال في مسائل خلافه، العاقلة كل عصبة خرجت عن الوالدين والمولودين، وهم الإخوة وأبناؤهم إذا كانوا من جهة أب وأم، أو من جهة أب، والأعمام وأبناؤهم، وأعمام الأب وأبناؤهم، والموالي، هذا آخر كلامه في مسائل الخلاف (1). وهذا قول الشافعي اختاره شيخنا في مسائل خلافه، ولم يذكر في استدلاله إجماع طائفتنا، ولا أخبارهم، بل ذكر أخبار آحاد من طريق المخالف التي استدل بها الشافعي، وباقي أصحابنا على خلاف شيخنا في ذلك، فهو المنفرد بالقول. وما ذكره في نهايته، هو أخبارنا (2)، وروايتنا، ومن طريقنا. وما يذهب إليه في المبسوط. ومسائل خلافه، معظمه من فروع المخالفين، بل إجماعنا منعقد على أن العاقلة، جماعة الوراث من الرجال، دون من يتقرب بالأم، فليلحظ ذلك ويتحقق. وقد رجع شيخنا في جواب مسائل الحايريات، فإنه سئل عما أودعه نهايته، أن الأب إذا تبرأ من ميراث ولده، ومن ضمان جريرته، صحيح أم لا؟ فقال الجواب لا يصح (3) إنه ليس له التبري، والشرع إذا حكم به لم ينفع التبري، وثبت حكمه (4). والرواية (5) بتبري الأب من جريرة الابن، رواية شاذة، فقد رجع كما تراه. وذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه إلى أن الموسر من العاقلة، عليه نصف دينار، والمتوسط ربع دينار، يوزع على الأقرب فالأقرب، حتى تنفد العاقلة (6). وهو مذهب الشافعي اختاره شيخنا، والذي يقتضيه مذهبنا، أنه لا تقدير ولا توظيف على أحد منهم، بل تؤخذ منهم على قدر أحوالهم، حتى يستوفي النجم الذي هو ثلثها، لأن تقدير ذلك يحتاج إلى دليل، ولا أحد من أصحابنا ذهب إلى تقدير ذلك، فمن قدره يحتاج إلى دليل.

(1) الخلاف، كتاب الديات، مسألة 98.
(2) ل. اختيارنا.
(3) ج. الجواب الصحيح.
(4) الرسائل العشر، ص 288.
(5) الوسائل، الباب 7 من أبواب ميراث ولد الملاعنة، ح 2 - 3.
(6) الخلاف، كتاب الديات، مسألة 105.

[ 333 ]

وشيخنا فقد رجع في مبسوطه عما ذكره في مسائل خلافه، فقال في مبسوطه، والذي يقتضيه مذهبنا أنه لا يقدر ذلك، بل يقسم الإمام على ما يراه من حاله من الغنى والفقر، وإن يفرقه على القريب والبعيد، وإن قلنا يقدم الأولي فالأولى كان قويا، لقوله تعالى " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض " (1) وذلك عام هذا آخر كلامه رحمه الله (2). والذي يتحمل العقل عن القاتل من العاقلة، من كان منهم غنيا أو متجملا، وأما الفقير فلا يتحمل شيئا منها، ويعتبر الغنى والفقر حين المطالبة والاستيفاء، وهو عند حؤول الحول، ولا يعتبر ذلك قبل المطالبة، لأنه يحل عند انقضاء كل حول منها ثلثها. وقال شيخنا المفيد في مقنعته، إن العاقلة ترجع بالدية على القاتل (3) وهذا خلاف إجماع المسلمين قاطبة، ولأنه حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي. وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، وقال بعض أصحابنا إن العاقلة ترجع على القاتل بالدية، ولست أعرف به نصا ولا قولا لأحد (4). اختلفوا في معنى تسمية أهل العقل بأنهم عاقلة. منهم من قال العقل اسم للدية وعبارة عنها، وسمى أهل العقل عاقلة، لتحملهم ذلك، يقال عقلت عنه إذا تحملتها عنه، وعقلت له إذا دفعت الدية إليه. ومنهم من قال إنما سميت بالعاقلة، لأنها مانعة، والعقل المنع، وذلك أن العشيرة كانت تمنع عن القاتل بالسيف في الجاهلية، فلما جاء الاسلام منعت عنه بالمال، فلهذا سميت عاقلة. وقال أهل اللغة العقل الشد، ولهذا يقال عقلت البعير إذا ثنيت ركبته وشددتها، وسمي ذلك الحبل عقالا، فسمي أهل العقل عاقلة، لأنها تعقل الإبل بفناء ولي المقتول

(1) سورة الأنفال، الآية 75.
(2) المبسوط، ج 7، كتاب الديات، ص 178.
(3) المقنعة، باب البينات على القتل ص 737.
(4) المبسوط، ج 7، كتاب الديات، ص 174.

[ 334 ]

والمستحق للدية، يقال عقل يعقل عقلا، فهو عاقل، وجمع العاقل عاقلة، وجمع العاقلة عواقل، والمعاقل جمع الديات، وأي هذه المعنى كان فلا يخرج إن معناه هو الذي يضمن الدية، ويبذلها لولي المقتول. وأجمع المسلمون على أن العاقلة تحمل دية الخطأ المحض، إلا الأصم فإنه قال على القاتل، وبه قالت الخوارج. والعاقلة لا تعقل البهايم. ولا تعقل إلا بني آدم في قتل الخطأ المحض، على ما قدمناه، إذا قامت به البينة العدول، ولا يعقل إقرارا ولا صلحا. وإذا حال الحول على موسر من أهل العقل، توجهت المطالبة عليه، فإن مات بعد هذا لم يسقط بوفاته، بل يتعلق بتركته كالدين. الدية الناقصة، مثل دية المرأة، ودية اليهودي والنصراني، والمجوسي، ودية الجنين، تلزم أيضا في ثلاث سنين، كل سنة ثلثها. والقدر الذي تحمله العاقلة عن الجاني، هو قدر جنايته، قليلا كان أو كثيرا. وذهب شيخنا أبو جعفر في نهايته، إلى أنها لا تحمل ما دون الموضحة (1). إلا أنه رجع في مسائل خلافه، فقال مسألة: القدر الذي تحمله العاقلة عن الجاني، هو قدر جنايته، قليلا كان أو كثيرا، ثم قال وروي (2) في بعض أخبارنا أنها لا تحمل إلا نصف العشر (3) أرش الموضحة فما فوقها، وما نقص عنه ففي مال الجاني، ثم قال دليلنا عموم الأخبار التي وردت في أن الدية على العاقلة، ولم يفصلوا (4). قال محمد بن إدريس، ما قاله وذهب إليه في مسائل خلافه، هو الحق اليقين، والاجماع منعقد عليه، ولا يرجع عن ذلك إلى رواية شاذة لا توجب علما ولا عملا.

(1) النهاية كتاب الديات باب أقسام القتل وما يجب فيه من القود والدية.
(2) الوسائل، الباب 5 من أبواب العاقلة، الحديث 1.
(3) وفي المصدر، إلا نصف العشر الموضحة.
(4) الخلاف، كتاب الديات، مسألة 106.

[ 335 ]

وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وقال بعض أصحابنا إن العاقلة ترجع بها على القاتل، إن كان له مال، فإن لم يكن له مال، فلا شئ للعاقلة عليه، ومتى كان للقاتل مال ولم يكن للعاقلة شئ، ألزم في ماله خاصة الدية (1). قال محمد بن إدريس هذا غير مستقيم، لأنه خلاف إجماع المسلمين على ما قدمناه، لأن القاتل لا يدخل في العقل، ولا يعقل عن نفسه أبدا. ثم قال شيخنا أبو جعفر أيضا في نهايته، ومتى لم يكن للقاتل خطأ عاقلة، ولا من يضمن جريرته من مولى نعمة، أو مولى تضمن جريرة، ولا له مال، وجبت الدية على بيت مال المسلمين (2). وهذا أيضا غير مستقيم، لأنه خلاف إجماع أصحابنا، بل تجب الدية على مولاه الذي يرثه، وهو إمام المسلمين، في ماله وبيت ماله، دون بيت مال المسلمين، لأنه ضامن جريرته وحدثه، ووارث تركته، وهذا إجماع منا لا خلاف فيه، وقد أحكمنا ذلك وحررناه في باب الولاء (3) فلا حاجة بنا إلى إعادته. وقال شيخنا في نهايته، وأما دية الخطأ شبيه العمد، فإنها تلزم القاتل نفسه في ماله خاصة، فإن لم يكن له مال، استسعي فيها، أو يكون في ذمته إلى أن يوسع الله عليه، فإن مات أو هرب، أخذ أولى الناس إليه بها ممن يرث ديته، فإن لم يكن له أحد أخذت من بيت المال (4). قال محمد بن إدريس هذا غير واضح، لأنه خلاف الاجماع، وضد ما يقتضيه أصول مذهبنا، لأن الأصل براءة الذمة، فمن شغلها يحتاج إلى دليل، والاجماع حاصل على أن الأولياء وبيت المال لا تعقل إلا قتل الخطأ المحض، فأما الخطأ شبيه العمد فعندنا بغير خلاف بيننا لا تعقله العاقلة، ولا تحمله، بل يجب الدية على القاتل نفسه، فمن قال بموته، أو هربه، تصير على غيره يحتاج إلى دليل قاهر، ولا يرجع في ذلك إلى أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا.

(1) و (2) و (4) النهاية كتاب الديات باب أقسام القتل وما يجب فيه من القود والدية.
(3) في ص 266.

[ 336 ]

وعلى قاتل الخطأ المحض والخطأ شبيه العمد، بعد إعطاء الدية الكفارة، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد كان عليه صيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا، لأنها مرتبة، وقد ذكرناها فيما تقدم (1)، فإن لم يقدر على ذلك أيضا، تصدق بما استطاع، أو صام ما قدر عليه. وقال شيخنا في نهايته، ومن قتل عمدا، وليس له ولي، كان الإمام ولي دمه، إن شاء قتل قاتله، وإن شاء أخذ الدية وتركها في بيت المال، وليس له أن يعفو، لأن ديته لبيت المال، كما أن جنايته على بيت المال (2). قال محمد بن إدريس، هذا غير صحيح ولا مستقيم، بل الإمام ولي المقتول المذكور، إن شاء قتل، وإن شاء عفا، فإن رضى هو والقاتل واصطلحا على الدية، فإنها تكون له، دون بيت مال المسلمين، لأن الدية عندنا يرثها من يرث المال والتركة، سوى كلالة الأم، فإن كلالة الأم لا ترث الدية ولا القصاص ولا القود، بغير خلاف، وتركته لو مات كانت لإمام المسلمين، بغير خلاف بيننا، ولأن جنايته على الإمام، لأنه عاقلته. وشيخنا رجع في غير نهايته من كتبه عن هذه الرواية الشاذة، إن كانت رويت، فقد أوردها في نهايته إيرادا لا اعتقادا، فإن روي ذلك، فقد ورد للتقية، لأنه مذهب بعض المخالفين. ومن قتل خطأ أو شبيه عمد، ولم يكن له أحد، كان للإمام أن يأخذ ديته، ليس له أكثر من ذلك. ومن عفا عن القتل فليس له بعد ذلك المطالبة به، فإن قتل بعد ذلك القاتل، كان ظالما متعديا، وقيد بالقاتل. ومن قبل الدية، ثم قتل القاتل، كان كذلك، وكان عليه القود. وإذا قتل الأب ولده خطأ كانت ديته على عاقلته، يأخذها منهم الورثة الذين

(1) في ص 69.
(2) النهاية كتاب الديات باب أقسام القتل وما يجب فيه من القود والدية.

[ 337 ]

لا يعقلون، دون الأب القاتل، لأنا قد بينا أن القاتل إن كان عمدا لا يرث من التركة، ولا من الدية شيئا، وإن كان خطأ فإنه أيضا لا يرث من الدية شيئا على ما بيناه (1)، ومتى لم يكن له وارث غير الأب ممن لا يحمل العقل، فلا دية له على العاقلة على حال، لأنهم يؤدون إلى أنفسهم لأنهم حينئذ ورثته، فلا فائدة، ولا معنى في ذلك. فإن قتله عمدا أو شبيه عمد، كانت الدية عليه في ماله خاصة، ولا يقتل به على وجه قودا، لأجل قتله إياه فحسب، إلا أن يكون محاربا قتل ولده، فيقتل الوالد حدا لا قودا، لأجل المحاربة، لأن القتل هاهنا يتحتم على القاتل كائنا من كان، لقوله تعالى " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا " (2) وقد حررنا ذلك فيما تقدم (3). وتكون الدية لورثته خاصة، فإن لم يكن له وارث غير الأب القاتل، كانت الدية عليه لإمام المسلمين. وقال شيخنا أبو جعفر لبيت المال، وأطلق (4). وقد اعتذرنا له فيما مضى (5)، وقلنا إنه قال في المبسوط إذا قلت بيت المال، فمقصودي بيت مال الإمام. وإذا قتل الابن أباه عمدا، قتل به إن كانا ممن يجري بينهما القود على ما نبينه إن شاء الله تعالى (6). فإن قتله خطأ، كانت الدية على عاقلته، ولم يكن له منها شئ على ما بيناه. فإن لم يكن للأب من يرثه إلا العاقلة، فلا شئ لها على أنفسها. وإذا قتل الولد أمه، أو قتلت الأم ولدها عمدا محضا، قتل كل واحد منهما بصاحبه، وإن قتله خطأ، كانت الدية على عاقلته على ما بيناه، ولا يرث هو شيئا منها على ما بينا القول فيه وشرحناه.

(1) في ص 274.
(2) سورة المائدة، الآية 33.
(3) في ص 324.
(4) النهاية كتاب الديات أقسام القتل وما يجب فيه من القود.
(5) و (6) لم نتحققه.

[ 338 ]

باب البينات على القتل وعلى قطع الأعضاء الحكم في القتل يثبت بشيئين، أحدهما قيام البينة، وهما شاهدان عدلان في قتل العمد المحض الموجب للقود على القاتل، بأنه قتل. فأما قتل الخطأ المحض، أو الخطأ شبيه العمد، فشهادة شاهد واحد، ويمين المدعي، لأنه يوجب المال دون القود، وفي المال أو المقصود منه المال، يقبل شهادة واحد ويمين المدعي. والثاني إقراره على نفسه، سواء كان القتل عمدا أو خطأ، أو شبيه العمد. فإن لم يكن لأولياء المقتول نفسان يشهدان بذلك، وكان معهم لوث بفتح اللام وتسكين الواو، وهو التهمة الظاهرة، لأن اللوث القوة، يقال ناقة ذات لوث، أي قوة، وكأنه قوة الظن كان عليهم القسامة، خمسون رجلا منهم، يقسمون بالله تعالى، أن المدعى عليه قتل صاحبهم، إن كان القتل عمدا، وإن كان خطأ خمسة وعشرون رجلا، يقسمون مثل ذلك، ولا يراعى فيهم العدالة. والأظهر عندنا أن القسامة خمسون رجلا، يقسمون خمسين يمينا، سواء كان القتل عمدا محضا أو خطأ محضا أو خطأ شبيه العمد. وهذا مذهب شيخنا المفيد محمد بن النعمان، قد ذكره في مقنعته (1). والأول مذهب شيخنا أبي جعفر (2) فإنه فصل ذلك. وما اخترناه عليه إجماع المسلمين. واللوث أيضا عندنا يراعى في الأعضاء والأطراف، لأن القسامة لا تكون إلا إذا كان لوث. وشيخنا ذهب في مبسوطه إلى أن الدعوى إذا كانت دون النفس فلا يراعى فيها أن يكون معه لوث (3).

(1) المقنعة، باب البينات على القتل ص 736.
(2) الخلاف كتاب القسامة مسألة 4.
(3) المبسوط، ج 7، كتاب القسامة، ص 223.

[ 339 ]

وهذا قول بعض المخالفين، ذكره في هذا الكتاب، لأن معظمه فروعهم. والقسامة عند الفقهاء كثرة اليمين، وسميت قسامة، لتكثير اليمين فيها. وقال أهل اللغة القسامة عبارة عن أسماء الحالفين من أولياء المقتول، فعبر بالمصدر عنهم، وأقيم المصدر مقامهم، يقال أقسمت أقسم اقساما، وقسامة، وذلك من القسم الذي هو اليمين. فأما إذا قامت البينة بشهادة غيرهم، فليس فيه أكثر من شهادة نفسين عدلين، إذا كان القتل عمدا، أو شهادة عدل ويمين المدعي إذا كان القتل خطأ، لأن المقصود من هذا القتل المال دون القود. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، فأما إذا قامت البينة بشهادة غيرهم، فليس فيه أكثر من شهادة نفسين عدلين، أي ضرب كان من أنواع القتل، لا يختلف الحكم فيه (1). وليس إطلاقه رحمه الله ذلك، يدل على أن في قتل الخطأ لا يقبل إلا شهادة عدلين، ولا تقبل شهادة عدل ويمين المدعي، إلا من حيث دليل الخطاب، وذلك عندنا غير معمول عليه، وإن كان قد أفصح وفصل وذهب في مبسوطه (2)، ومسائل خلافه (3)، إلى ما اخترناه، وذهبنا إليه. وقد قلنا إن القسامة إنما تكون مع اللوث الذي هو قوة الظن، وهو التهمة الظاهرة، ولا تكون القسامة مع ارتفاعها، فإن لم يكن لوث ولا تهمة ظاهرة، فإن المدعى عليه، لا يلزمه سوى يمين واحدة، بأنه ما قتل المقتول، ولا تجب اليمين هاهنا على المدعي، مثل ساير الدعاوى فليلحظ ذلك. ومتى أقاموا نفسين تشهدان لهم بالقتل أو أقاموا القسامة على ما قدمناه، وجب على المدعى عليه إن كان القتل عمدا القود، إلا أن يتراضيا على أخذ الدية حسب ما قدمناه، وإن كان القتل خطأ محضا أو شبيه العمد، وجب عليه أو على عصبته الدية على ما بيناه.

(1) النهاية، كتاب الديات باب البينات على القتل.
(2) المبسوط ج 6 كتاب القسامة ص 211.
(3) الخلاف كتاب الشهادات مسألة 23.

[ 340 ]

ومتى لم يكن لأولياء المقتول من يشهد لهم من غيرهم، ولا لهم قسامة من أنفسهم، وكان هناك لوث، كان على المدعى عليه أن يجيئ بخمسين، يحلفون أنه برئ مما ادعي عليه، فإن لم يكن له من يحلف عنه، كررت عليه الأيمان خمسين يمينا، وقد برئت عهدته، فإن امتنع من اليمين، ألزم القتل، وأخذ به على ما يوجبه الحكم فيه. والبينة في الأعضاء، مثل البينة في النفس، من شهادة نفسين عدلين، إن كان عمدا أو عدل ويمين المدعي، على ما قدمناه وحررناه. والقسامة فيها واجبة مثلها في النفس. وكل شئ من أعضاء الانسان يجب فيه الدية كاملة، مثل الأنف، والذكر، والسمع والشم، واليدين، والعينين، وغير ذلك، كان فيه القسامة مثل ما في النفس سواء. وفيما نقص من الأعضاء، القسامة فيها على قدر ذلك، وبحسبه من الأيمان، من حساب الخمسين يمينا إن كانت الجناية عمدا، أو خمسة وعشرين إن كانت الجناية خطأ. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، والبينة في الأعضاء مثل البينة في النفس، من شهادة نفسين مسلمين عدلين، والقسامة فيها واجبة مثلها في النفس، وكل شئ من أعضاء الانسان يجب فيه الدية كاملة، مثل العينين والسمع وما أشبههما، كان فيه القسامة ستة رجال، يحلفون بالله تعالى، أن المدعى عليه قد فعل بصاحبهم ما ادعوه، فإن لم يكن للمدعي قسامة، كررت عليه ستة أيمان، فإن لم يكن له من يحلف، ولا يحلف هو، طولب المدعى عليه بقسامة ستة نفر يحلفون عنه أنه برئ من ذلك، فإن لم يكن له من يحلف، حلف ستة أيمان، إنه برئ مما ادعي عليه، وفيما نقص من الأعضاء، القسامة فيها على قدر ذلك، إن كان سدس العضو فرجل واحد، يحلف كذلك، وإن كان ثلثه فاثنان، وإن كان النصف فثلاثة، ثم على هذا الحساب، وإن لم يكن له من يحلف، كان عليه بعدد ذلك، إن كان سدسا فيمين واحدة، وإن كان ثلثا، فمرتين، وإن كان النصف، فثلاث مرات، ثم على

[ 341 ]

هذا الحساب، فإن لم يكن للمدعي من يحلف عنه، وامتنع هو (1) أن يحلف، طولب المدعى عليه، إما أن يقسم عليه، أو تكرر الأيمان عليه، حسب ما يلزم المدعي على ما بيناه (2). وما اخترناه مذهب شيخنا المفيد (3)، وسلار (4)، وغيرهما من المشيخة، وهو الذي يقتضيه أصول مذهبنا، ولأنه مجمع عليه، والاحتياط يقتضيه. وما ذهب إليه شيخنا أبو جعفر اختيار ظريف بن ناصح، في كتابه الحدود والديات، وتابعه على ذلك، واختار ما اختاره. ولا شك إنه خبر واحد، وقد بينا أن أخبار الآحاد لا يجوز العمل بها في الشرعيات، لأنها لا توجب علما ولا عملا. وأما الاقرار فيكفي أن يقر القاتل على نفسه دفعتين، من غير إكراه ولا إجبار، ويكون كامل العقل، فإن لم يكن كامل العقل، أو كان عبدا مملوكا، فإن لا يقبل إقراره، لأن إقراره إقرار على الغير الذي هو سيده، فأما إن لحقه العتاق بعد إقراره، قبلناه، وحكم فيه بما يقتضيه الشرع. وروي في بعض أخبار، أنه متى شهد نفسان على رجل بالقتل، وشهد آخران على غير ذلك الشخص، بأنه قتل ذلك المقتول، بطل هاهنا القود، إن كان عمدا وكانت الدية على المشهود عليهما نصفين، وإن كان القتل شبيه العمد فكمثل، وإن كان خطأ محضا كانت الدية على عاقلتهما نصفين. أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته إيرادا لا اعتقادا. والذي يقتضيه أصول المذهب، ويحكم بصحته الاستدلال، إن أولياء المقتول بالخيار، في تصديق إحدى البينتين، وتكذيب الأخرى، فإذا صدقوا إحداهما قتلوا

(1) ج. ل. هو من ان.
(2) النهاية، باب البينات على القتل وعلى قطع الأعضاء.
(3) المقنعة: باب البينات من أبواب القضاء والأحكام ص 113.
(4) الجوامع الفقهية: كتاب المراسم ذكر أحكام البينات ص 594.
(5) النهاية، كتاب الديات باب البينات على القتل.

[ 342 ]

ذلك المشهود عليه، ولم يكن لهم على الآخر سبيل، ولا يبطل هاهنا القود، لأنه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة متواترة، بل الكتاب قاض بالقود مع البينة، في قوله تعالى " فقد جعلنا لوليه سلطانا " (1) فمن عمل بهذه الرواية، أبطل حكم الآية رأسا، ولا وجه لأخذ الدية منهما جميعا لأنهما غير مشتركين في القتل، لأن البينة عليهما، بخلاف ذلك، لأنها تشهد بقتل كل واحد منهما على الانفراد، دون الاجتماع والاشتراك. ويحقق ذلك ويزيده بيانا المسألة التي تأتي بعد ذلك، وهو من شهد عليه بالقتل، ثم أقر آخر بالقتل، فللأولياء أن يقتلوا من شاؤوا منهما بغير خلاف، فإذا لا فرق بين الموضعين، لأن الاقرار كالبينة، والبينة، كالاقرار في ثبوت الحقوق الشرعية التي تتعلق بحقوق بني آدم، فليلحظ ذلك. فإذا قامت البينة على رجل، بأنه قتل رجلا عمدا، وأقر آخر بأنه قتل ذلك المقتول بعينه عمدا، كان أولياء المقتول مخيرين في أن يقتلوا أيهما شاؤا، فإن قتلوا المشهود عليه، فليس لهم على الذي أقر سبيل، ويرجع أولياء الذي شهد عليه، على الذي أقر بنصف الدية، فإن اختاروا قتل الذي أقر، قتلوه، وليس لهم على الآخر سبيل، وليس لأولياء المقتول المقر على نفسه، على الذي قامت عليه البينة سبيل. وإن أراد أولياء المقتول قتلهما جميعا قتلوهما معا ويردون على أولياء المشهود عليه نصف الدية، وليس عليهم أكثر من ذلك. فإن طلبوا الدية، كانت عليهما نصفين، على الذي أقر، وعلى الذي شهد عليه الشهود. هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (2). ولي في قتلهما جميعا نظر، لأن الشهود ما شهدوا بأنهما اشتركا في قتل المقتول، ولا المقر أيضا أقر باشتراكهما في قتله، وإنما كل واحد منهما ببينة من الشهود، أو الاقرار، تؤذن بأنه قتله على الانفراد، دون الآخر، فكيف يقتلان معا، وما تشاركا في القتل، وإنما لو تشاركا في قتله، لأقدناهما (3)، ولو كانوا ألفا، بعد أن يرد ما فضل عن ديته،

(1) سورة الاسراء الآية 33.
(2) النهاية كتاب الديات باب البينات على القتل.
(3) ل. لقتلناهما.

[ 343 ]

وهاهنا رد نصف دية، فلو اشتركا لكان يرد دية كاملة ألف دينا، يتقاسم بها أولياؤهما معا. والأولى عندي، أن يرد الأولياء إذا قتلوهما معا دية كاملة، فيكون بين ورثتهما نصفين، إذ قد ثبت إنهما قاتلان جميعا بإقرار أحدهما على نفسه، والبينة على الآخر، ولا يرجع في مثل هذا إلى أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا. هذا إذا أقر بالقتل مجتمعين مشتركين، وتشهد البينة بذلك، فأما إذا كانا متفرقين، فالعمل على ما حررناه في شهادة الشهود على الاثنين حرفا بحرفا. وروى أصحابنا في بعض الأخبار، أنه متى اتهم رجل بأنه قتل نفسا، فأقر بأنه قتل فجاء آخر، فأقر إن الذي قتل هو دون صاحبه، ورجع الأول عن إقراره، درئ عنهما القود والدية معا، ودفع إلى أولياء المقتول الدية من بيت مال المسلمين، روي ذلك عن الحسن بن علي عليهما السلام (1)، وإنه قضى بهذه القضية، وحكم بها في حياة أبيه عليه السلام. ومتى أقر نفسان فقال أحدهما أنا قتلت رجلا عمدا، وقال الآخر أنا قتلته خطأ، كان أولياء المقتول مخيرين، إن أخذوا بقول صاحب العمد، فليس لهم على صاحب الخطأ سبيل، وإن أخذوا بقول صاحب الخطأ، فليس لهم على صاحب العمد سبيل. وروي أن المتهم بالقتل، ينبغي أن يحبس ستة أيام، فإن جاء المدعي ببينة، أو فصل الحكم معه، وإلا خلي سبيله (2). وليس على هذه الرواية دليل يعضدها، بل هي مخالفة للأدلة. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ومن قتل رجلا ثم ادعى أنه وجده مع امرأته في داره، قتل به، أو يقيم البينة على ما قال (3). قال محمد بن إدريس، الأولى أن يقيد ذلك بأن الموجود كان يزني بالمرأة، وكان

(1) مستدرك الوسائل، الباب 4 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، أوردها عن النهاية.
(2) الوسائل، الباب 12 من كتاب القصاص.
(3) النهاية، كتاب الديات باب البينات على القتل.

[ 344 ]

محصنا فحينئذ لا يجب على ما قاتله القود، ولا الدية، لأنه مباح الدم. فأما إن أقام البينة أنه وجده مع المرأة، لا زانيا بها أو زانيا بها ولا يكون محصنا، فإنه يجب على من قتله القود، ولا ينفعه بينته هذه، فليلحظ ذلك. وقال شيخنا في مسائل خلافه، مسألة: إذا قطع طرف غيره، ثم اختلفا، فقال الجاني كان الطرف أشل، فلا قود ولا دية كاملة فيه، وقال المجني عليه كان صحيحا، ففيه القود والدية كاملة، فإن كان الطرف ظاهرا مثل اليدين والرجلين، والعينين، والأنف، وما أشبهها، فالقول قول الجاني مع يمينه، ويقيم (1) المجني عليه البينة، فإن كان الطرف باطنا، فالقول قول المجني عليه (2). قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب، ما اختاره شيخنا قول الشافعي، والذي يقتضيه أصول مذهبنا، أن القول قول المجني عليه في الطرفين معا، سواء كانا ظاهرين أو باطنين، لإجماع أصحابنا على ذلك، وقول الرسول عليه السلام المتفق عليه على الجاحد اليمين، وعلى المدعي البينة - (3) والأصل سلامة الأعضاء، والجاني يدعي الشلل والعيب، فعليه البينة، ومن فصل ذلك وخصص يحتاج إلى دلالة. باب الواحد يقتل اثنين أو أكثر منهما أو الاثنين والجماعة يقتلون واحدا إذا قتل اثنان واحدا أو أكثر منهما عمدا، كان أولياء المقتول مخيرين بين أن يقتلوا واحدا منهم، يختارونه، يؤدي الباقون إلى ورثته مقدار ما كان يصيبهم لو طولبوا بالدية، فإن اختاروا أولياء المقتول قتلهم جميعا، كان لهم ذلك، إذا أدوا إلى ورثة المقتولين ما يفضل عن دية صاحبهم، يتقاسمونه بينهم بالسوية. يدل على ذلك إجماع أهل البيت عليهم السلام وأيضا فما اشترطناه أشبه بالعدل وأليق به.

(1) ج. أو يقيم.
(2) الخلاف كتاب الجنايات مسألة 76.
(3) الوسائل، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3، وعبارة المتن نقل بالمعنى.

[ 345 ]

ويدل على جواز قتل الجماعة بالواحد بعد الاجماع المشار إليه، قوله تعالى " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا " (1) لأنه لم يفرق بين الواحد والجماعة. وأيضا قوله تعالى " ولكم في القصاص حياة " (2) لأن المعنى إن القاتل إذا علم أنه يقتل إذا قتل، كف عن القتل، وكان في ذلك حياته وحياة من هم بقتله. وسقوط القود بالاشتراك في القتل يبطل المقصود بالآية. ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام فمن قتل بعده قتيلا، فأهله بين خيرتين (3)، الخبر، لأنه لم يفرق وقوله تعالى " النفس بالنفس " (4) " والحر بالحر " (5) المراد به الجنس لا العدد، فكأنه قال إن جنس النفوس يؤخذ بجنس النفوس، وجنس الأحرار يؤخذ بجنس الأحرار. وإذا قتل نفسان واحدا بضربتين مختلفتين، أو متفقتين، بعد أن يكون القتل يحدث عن ضربهما، كان الحكم فيه سواء، لا يختلف، فإن كان قتلهما له خطأ محضا، كانت الدية على عاقلتهما بالسوية. وإذا اشترك نفسان في قتل رجل فقتله أحدهما، وأمسكه الآخر، قتل القاتل، وخلد الممسك السجن حتى يموت، فإن كان معهما ردء (6) ينظر لهما، سلمت عيناه معا - أي فقئتا، يقال سلمت عينه تسمل، إذا فقئت بحديدة محماة -. وإذا قتلت امرأتان رجلا عمدا، قتلتا به جميعا، فإن كن أكثر من اثنتين، كان لأوليائه قتلهن، ويؤدون ما يفضل عن دية صاحبهم على أوليائهن، يقسمونه بينهم بالحصص، وإن كان قتلهن له خطأ، كانت الدية على عاقلتهن بالسوية. فإن قتل رجل وامرأة رجلا، كان لأولياء المقتول قتلهما جميعا، ويؤدون إلى أولياء الرجل نصف ديته، خمسة ألف (7) درهم. وقال شيخنا المفيد في مقنعته، تكون خمسة آلاف درهم بين أولياء الرجل

(1) سورة الاسراء، الآية 33.
(2) سورة البقرة، الآية 179.
(3) سنن أبي داود، باب ولي العمد يرضى بالدية، من كتاب الديات (ج 4، الرقم 4504).
(4) سورة المائدة، الآية 45.
(5) سورة البقرة، الآية 178.
(6) ل. ثالث.
(7) ج. آلاف.

[ 346 ]

والمرأة، لأولياء الرجل ثلثاها، ولأولياء المرأة ثلثها (1). والأول اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (2) وهو الذي يقتضيه الأدلة، وتشهد بصحته الأخبار والاعتبار. فإن اختاروا قتل المرأة، كان لهم قتلها، ويأخذون من الرجل خمسة ألف درهم، فإن اختاروا قتل الرجل، كان لهم قتله، وتؤدي المرأة إلى أولياء الرجل نصف ديتها، الفين وخمسمائة درهم، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (3). والذي يقتضيه مذهبنا أنها ترد خمسمائة دينار إلى أولياء الرجل، لأنها جنت نصف الجناية، فهما مشتركان في الجناية التي هي القتل، ولأجل ذلك إذا صالحا الأولياء على أخذ الدية، كان عليها نصفها، وعلى الرجل نصفها بغير خلاف. وكذلك لو كان مكانها رجل واختار الأولياء قتل أحدهما، أدى الآخر الباقي إلى أولياء المقاد منه المقتول، خمس مأة دينار بغير خلاف، لأنه شريكه في الجناية، وهما قاتلان، وكذلك المرأة المذكورة، ولا يرجع في مثل هذا إلى أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا. فإن أراد أولياء المقتول الدية، كانت نصفها على الرجل، ونصفها على المرأة سواء بعد تراضي الجميع بأخذ الدية والصلح على ذلك. وإن كان قتلهما خطأ محضا كانت الدية نصفها على عاقلة الرجل، ونصفها على عاقلة المرأة سواء. وقد روي أنه إذا قتل رجل حر ومملوك رجلا على العمد، كان أولياء المقتول مخيرين بين أن يقتلوهما، ويؤدوا إلى سيد العبد ثمنه، أو يقتلوا الحر، ويؤدي سيد العبد إلى ورثته خمسة ألف درهم، أو يسلم العبد إليهم، فيكون رقا لهم، أو يقتلوا العبد بصاحبهم خاصة، فذلك لهم وليس ليسد العبد على الحر سبيل فإن اختاروا الدية، كان على الحر النصف منهما، وعلى سيد العبد النصف الآخر، أو يسلم العبد

(1) المقنعة باب الاشتراك في الجنايات ص 752.
(2) و (3) النهاية كتاب الديات، باب الواحد يقتل اثنين.

[ 347 ]

إليهم، فيكون رقا لهم (1). وهذا الذي ذكره شيخنا في نهايته (2). وقال بعض (3) أصحابنا في كتاب له، وإذا قتل الحر والعبد حرا، فاختار وليه الدية، فعلى الحر النصف، وعلى سيد العبد النصف، وإن اختار قتلهما، رد قيمة العبد على سيده وورثة الحر، وإن اختار قتل الحر، فعلى سيد العبد نصف ديته لورثته، وإن اختار قتل العبد، قتله ويؤدي الحر إلى سيده نصف قيمته. قال محمد بن إدريس، وهذا الذي يقتضيه أصول مذهبنا. وذهب شيخنا أبو جعفر في استبصاره، إلى أنه إذا قتل الولي الحر، يجب على سيد العبد أن يرد على ورثة المقتول الثاني نصف الدية، أو يسلم العبد إليهم، لأنه لو كان حرا لكان عليه ذلك على ما بيناه، فحكم العبد حكمه على السواء، هذا آخر كلامه في استبصاره (4). وهو رجوع عما ذكره في نهايته (5)، ونعم الرجوع إلى الحق. فإن كان قتله لهما (6) خطأ محضا، كان نصف ديته على عاقلة الرجل، ونصفها على مولى العبد، أو يسلمه إلى أولياء المقتول، يسترقونه، وليس لهم قتله على حال. وروي أيضا أنه إن قتلت امرأة وعبد رجلا حرا، واختار أولياء المقتول قتلهما، قتلوهما، فإن كان قيمة العبد أكثر من خمسة ألف (7) درهم، فليردوا على سيده ما يفضل بعد الخمسة ألف (8) درهم. وإن أحبوا أن يقتلوا المرأة، ويأخذ العبد، إلا أن يكون قيمته أكثر من خمسة ألف درهم، فليردوا على مولى العبد ما يفضل عن خمسة ألف درهم، ويأخذوا العبد، أو يفتديه مولاه، وإن كان قيمة العبد أقل من

التهذيب، ج 10، باب 21 من كتاب الديات، ج 2 قريبا منه.
(2) النهاية، كتاب الديات، باب الواحد يقتل اثنين.
(3) الكافي في الفقيه، ص 386.
(4) الاستبصار الباب 167 من المجلد الرابع، ص 283.
(5) النهاية، كتاب الديات، الباب الواحد يقتل اثنين...
(6) ج. قتلهما له.
(7) ج. آلاف.
(8) ج. خمسة آلاف.

[ 348 ]

خمسة ألف درهم، فليس لهم إلا نفسه، وإن طلبوا الدية، كان على المرأة نصفها، وعلى المولى العبد النصف الآخر، أو يسلمه برمته (1)، - يعني بكماله - إليهم - والرمة قطعة حبل بالية، ومنه قوله دفع إليه الشئ برمته، وأصله إن رجلا دفع إلى رجل بعيرا بحبل في عنقه، ثم قيل ذلك لكل من دفع شيئا بجملته، لم يحتبس منه شيئا. وينبغي أن يكون العمل والفتوى على هذه الرواية، لأنها تعضدها الأدلة، وأصول المذهب، والاجماع، وبها يفتي شيخنا أبو جعفر في نهايته (2) واستبصاره (3)، ونحن لما قدمناه من اقتران الأدلة لها (4). وإذا اشترك جماعة من المماليك في قتل رجل حر، كان لأولياء المقتول قتلهم جميعا، وعليهم أن يؤدوا ما يفضل عن دية صاحبهم، فإن نقص ثمنهم عن ديته، لم يكن لهم على مواليهم سبيل، فإن طلبوا الدية، كانت على المولى العبيد بالحصص، أو تسليم العبيد إليهم. فإن كان قتلهم له خطأ محضا، كان على مواليهم دية المقتول، أو تسليم العبيد إلى أولياء المقتول، يستعبدونهم، وليس لهم قتلهم على حال، لأن المولى لا يعقل عن عبده. وإذا قتل رجل رجلين أو أكثر منهما، وأراد أولياء المقتولين القود، فليس لهم إلا نفسه، ولا سبيل لهم (5) على ماله، لأن الله تعالى " قال النفس بالنفس " وما قال المال بالنفس، ولا لهم أيضا سبيل على ورثته ولا على عاقلته، فإن أرادوا الدية، وأراد هو أيضا ذلك على ما قدمناه وحررناه فيما مضى، كان لهم عليه عن كل مقتول، دية كاملة على الوفاء، فإن كان قتله لهم خطأ محضا، كان على عاقلته دياتهم على الكمال. فإن قتل رجلا وامرأة، أو رجالا ونساء، أو امرأتين أو نساء، كان الحكم

(1) الوسائل، الباب 34، من أبواب القصاص في النفس، ح 2، باختلاف يسير وعدم الذيل فراجع (2) النهاية، كتاب الديات، باب الواحد يقتل اثنين...
(3) الاستبصار، الباب 170 من المجلد الرابع، ص 286.
(4) ج. بها.
(5) ج. وليس لهم سبيل.

[ 349 ]

أيضا مثل ذلك سواء. والمشتركون في القتل، إذا رضي عنهم أولياء المقتول بالدية، لزم كل واحد منهم الكفارة التي قدمنا ذكرها على الانفراد، رجلا كان أو امرأة، إلا المملوك، فإنه لا يلزمه أكثر من صيام شهرين متتابعين، وليس عليه عتق، ولا إطعام، لأنه غير مخاطب بالمال. وإذا أمر انسان آخر بقتل رجل فقتله المأمور، وجب القود على القاتل المباشر للقتل، دون الآمر، وكان على الإمام حبس الآمر ما دام حيا. فإن أكره رجل رجلا على قتل رجل، فقتله المكره، كان على المكره الذي باشر القتل القود، دون المكره، لقوله تعالى " النفس بالنفس " يعني النفس القاتلة بالنفس المقتولة. فإن أمر عبده بقتل غيره، فقتله، فقد اختلفت روايات أصحابنا في ذلك، فروي (1) أنه يقتل العبد، ويستودع السيد السجن، وروي أنه يقتل السيد، ويستودع العبد السجن (2). والذي يقوى عندي في ذلك، أنه إن كان العبد عالما بأنه لا يستحق القتل (3)، أو متمكنا من العلم، فعليه القود، دون السيد، وإن كان صغيرا أو مجنونا، فإنه يسقط القود، ويجب فيه الدية على السيد، دون القود، لأنه غير قاتل حقيقة، وألزمناه الدية لقوله عليه السلام - لا يطل دم امرئ مسلم - فلو لم يلزمه الدية، لأطللنا دمه، ومعنى يطل، يهدر. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وإن أمر عبده بقتل غيره، فقتله، وجب على العبد القود، دون سيده، ويحبس المولى ما دام حيا، ثم قال وقد روي (4) أنه يقتل السيد، ويستودع العبد السجن، والمعتمد على ما قلناه.

(1) أورده في المستدرك الباب 14، من أبواب قصاص النفس عن الشيخ الطوسي في النهاية.
(2) الوسائل، الباب 14، من أبواب قصاص النفس، ح 2.
(3) ج. للقتل.
(4) الوسائل، الباب 14، من أبواب قصاص النفس، ح 2.

[ 350 ]

هذا قوله في نهايته (1) وفي استبصاره (2). وذهب في مسائل خلافه (3) إلى ما اخترناه نحن، وقويناه، وهو الذي يقتضيه أصول مذهبنا على ما دللنا عليه فيما مضى. وذهب شيخنا في مبسوطه إلى أن العبد المأمور، إذا كان عاقلا مميزا، وجب عليه القود، دون السيد، وإن كان غير عاقل ولا مميز، وجب على السيد الآمر القود، دون العبد (4). وهو قوي، إلا أن ما اخترناه أقوى وأوضح وأظهر في الاستدلال. باب القود بين الرجال والنساء والعبيد والأحرار (5) والمسلمين والكفار إذا قتل رجل امرأة عمدا، وأراد أولياؤها قتله، كان لهم ذلك، إذا ردوا على الرجل، ما يفضل عن ديتها وهو نصف دية الرجل، خمسة ألف درهم، أو خمسمائة دينار، أو خمسون من الإبل، أو خمسمائة من الغنم، أو مائة من البقر، أو مائة من الحلل، على ما قدمناه، فإن لم يردوا ذلك لم يكن لهم القود على حال. فإن طلبوا الدية ورضي بها القاتل كان لهم عليه دية المرأة على الكمال، وهو أحد هذه الأشياء المقدم ذكرها. وإذا قتلت امرأة رجلا واختار أولياؤه القود، فليس لهم إلا نفسها يقتلونها بصاحبهم، وليس لهم على مالها ولا أوليائها سبيل، فإن طلب أولياء المقتول الدية ورضيت هي بذلك كان عليها الدية كاملة دية الرجل، إن كانت قتلته عمدا محضا، أو خطأ شبيه العمد، في مالها خاصة على ما قدمناه، وإن كان قتله (6) خطأ محضا

(1) النهاية، كتاب الديات، باب الواحد يقتل اثنين... (2) الاستبصار، الباب 168 من المجلد الرابع، ص 283.
(3) الخلاف، كتاب الجنايات، مسألة 30.
(4) المبسوط، ج 7 كتاب الجراح، ص 43، الظاهر أن العبارة منقولة بالمعنى.
(5) ج. المسلمين.
(6) ج. قتلها.

[ 351 ]

فعلى عاقلتها على ما بيناه، من قبل، وحررناه. وأما الجراح فإنه يشترك فيها النساء والرجال، السن، بالسن، والإصبع، بالإصبع، والموضحة، بالموضحة، إلى أن يتجاوز المرأة، ثلث دية الرجل، فإذا جازت الثلث، سفلت المرأة، تضاعف الرجل على ما نبينه فيما بعد إن شاء الله. وإذا قتل الذمي مسلما عمدا دفع برمته هو وجميع ما يملكه، إلى أولياء المقتول، فإن أرادوا قتله، كان لهم ذلك، ويتولى ذلك عنهم السلطان، وإن أرادوا استرقاقه، كان رقا لهم، فإن أسلم بعد القتل، فليس عليه إلا القود ويكون إسلامه قبل خيرة الأولياء لرقه، ودفعه إليهم، فأما إن اختاروا استرقاقه، وأخذ جميع ماله، ثم بعد ذلك أسلم، فهو عبد لهم مسلم، وما أخذوه منه لهم. وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يدفع بجميع ماله وولده الصغار إلى أولياء المقتول المسلم. والذي يقتضيه الدلالة، إن الأولاد الصغار، لا يدفع إليهم (1)، لأن ماله إذا اختاروا استرقاقه فهو مال عبدهم، ومال العبد لسيده، وأولاده أحرار قبل القتل، فكيف يسترق الحر، بغير دليل. فأما استرقاقه هو فإجماعنا دليل عليه، وليس كذلك أولاده. فإن لم يختاروا استرقاقه بل اختاروا قتله، فليس لهم على ماله أيضا سبيل، لأنه لا يدخل في ملكهم إلا باختيارهم استرقاقه. ومعنى قولهم برمته أي بجملته وكماله، لأن أصل ذلك، إن رجلا أعطى، رجلا جملا بجبله، فصار كل من أعطى شيئا بكماله وجملته، قيل أعطاه برمته، لأن الرمة الحبل على ما قدمناه. فإن كان قتله له خطأ فقد ذكر بعض أصحابنا، إن الدية تكون عليه في ماله خاصة، إن كان له مال، فإن لم يكن له مال كانت الدية على إمام المسلمين، لأنهم مماليكه ويؤدون الجزية إليه، كما يؤدي العبد، الضريبة، إلى سيده، وليس لهم

(1) ج. لهم.

[ 352 ]

عاقلة، غير الإمام. والصحيح إن الإمام عاقلته على كل حال، سواء كان له مال، أو لم يكن. وإذا قتل المسلم ذميا عمدا وجب عليه ديته، ولا يجب عليه القود بحال. وقد روي أنه إن كان معتادا لقتل أهل الذمة. فإن كان كذلك، وطلب أولياء المقتول القود، كان على الإمام أن يقيده به، بعد أن يأخذ أولياء الذمي ما يفضل من دية المسلم، فيرده عليه، أو على ورثته، فإن لم يردوه أو لم يكن معتادا، فلا يجوز قتله به على حال (1). ولا ينبغي أن يلتفت إلى هذه الرواية، ولا يعرج عليها، لأنها مخالفة للقرآن والاجماع، وإنما أوردها شيخنا في استبصاره (2)، وتأويلها (3) على هذا. ودية الرجل الذمي ثمانمأة درهم جيادا، أو قيمتها، من الذهب. ودية نسائهم، على النصف من دية ذكرانهم. ودية المجوسي ودية الذمي سواء، لأن حكمهم، حكم اليهودي والنصارى. ودية ولد الزنا، مثل دية اليهودي، على ما ذهب إليه السيد المرتضى رضي الله عنه ولم أجد لباقي أصحابنا فيه قولا فأحكيه. والذي يقتضيه الأدلة التوقف في ذلك، وإن لا دية له، لأن أصل براءة الذمة. وإذا خرج أهل الذمة عن ذمتهم، بتركهم شرايطها، من ارتكابهم الفجور، والتظاهر بشرب الخمور، وما يجري مجرى ذلك، مما ذكرناه، فيما تقدم حل دمهم، وبطلت ذمتهم، غير أنهم لا يجوز لأحد أن يتولى قتلهم إلا الإمام، أو من يأمره الإمام به، ويأذن له فيه. وديات أعضاء أهل الذمة وأروش جراحاتهم على قدر دياتهم سواء، لا يختلف الحكم فيه

(1) الوسائل، الباب 47، من أبواب القصاص في النفس.
(2) الاستبصار، ج 4، الباب 157 من كتاب الديات، ص 271.
(3) ج. تأولها..

[ 353 ]

ودية جنين أهل الذمة عشر دية آبائهم، كما أن دية جنين المسلم كذلك على ما يأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى. وإذا قتل أهل الذمة بعضهم بعضا أو تجارحوا قيد بينهم واقتص لبعضهم من بعض، كما يقتص للمماليك بعضهم من بعض. وديات رقيقهم، قيمتهم، ما لم يتجاوز قيمة (1) دية الحر الذمي، والأمة دية الحرة الذمية، فيرد إليهما. وإذا قتل حر عبدا مسلما لم يكن عليه قود، وكان عليه ديته، وديته قيمة العبد يوم قتله، إلا أن تزيد على دية الحر المسلم، فإن زاد على ذلك رد إلى دية الحر، وإن نقص عنها لم يكن عليه أكثر من قيمته، فإن اختلفوا في قيمة العبد يوم قتله، كان على مولاه البينة، بأن قيمته كان كذا يوم قتل، فإن لم يكن له بينة، كان القول، قول القاتل، مع يمينه، لأنه غارم، ومدعى عليه، وجاحد، بأن قيمته على ما ادعاه، فإن رد اليمين على مولى العبد، كان أيضا جايزا، وهو بالخيار في الرد. ودية الأمة المسلمة قيمتها، ولا يتجاوز بقيمتها دية الحرائر من النساء، فإن زاد ثمنها على دية الحرة، ردت إلى ذلك، وإن كان أقل من دية الحرة، لم يكن على قاتلها أكثر من ذلك، وإن قتله (2) خطأ محضا كانت الدية على عاقلته على ما بيناه. فإن قتل عبد حرا عمدا كان عليه القتل، إن أراد أولياء المقتول ذلك، فإن لم يطلبوا القود، وطلبوا الدية فليس لهم الأنفس المملوك، وعلى السيد تسليمه إليهم، فإن شاؤوا استرقوه، وإن شاؤوا قتلوه، فإن أرادوا قتله، تولى ذلك عنهم السلطان أو يأذن لهم فيه، وإن اصطلح أولياء المقتول وسيد العبد، على أخذ الدية من مال السيد، كان ذلك جايزا، وإن لم يفعل السيد ذلك، فلا شئ عليه، وعليه تسليمه إليهم فقط، فإن استرقوه ورضوا باسترقاقه دون قتله، فليس لهم بعد ذلك قتله، وصار عبدا لهم، وليس لهم بعد العفو عن قتله واسترقاقه قتله بحال. فإن كان قتله الحر خطأ محضا فليس السيد عاقلة له، بل إن شاء أن يؤدي عنه

(1) ل. قيمته.
(2) ل. وإن كان قتله، والظاهر أنه الصحيح.

[ 354 ]

الدية، فعل ذلك، وإن شاء أن يسلمه إليهم يكون رقا لهم، وليس لهم قتله على حال. وللسلطان أن يعاقب من يقتل العبيد بما ينزجر عن مثله في المستقبل. فإذا قتل العبيد بعضهم بعضا أو تجارحوا أقيد بينهم واقتص لبعضهم من بعض، إلا أن يتراضى مواليهم بدون ذلك، من الدية أو الأرش. وإذا قتل مدبر حرا، كانت الدية على مولاه الذي دبره إن شاء واختار ورضي أولياء المقتول، واختاروا أيضا ذلك، فإن لم يصطلحوا على ذلك، وجب على مولاه تسليمه برمته، إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوه، إن كان قتل صاحبهم عمدا، وإن شاؤا استرقوه، فإن كان قتله خطأ استرقوه، وليس لهم قتله. وروي أنه إذا مات الذي دبره، استسعى في دية المقتول، وصار حرا (1). ولا دليل على صحة هذه الرواية، لأنها مناقضة للأصول، وهو أنه خرج من ملك من دبره، وصار عبدا لأولياء المقتول، فمن أخرجهم من ملكهم بعد دخوله فيه، يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، ولا يرجع في ذلك إلى أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا. ويمكن أن تحمل الرواية على أنه كان التدبير عن نذر واجب لا يجوز الرجوع فيه، فإذا كان كذلك، وكان القتل خطأ فإنه بعد موت من دبره، يصير حرا ويستسعى في الدية، فأما إذا كان التدبير لاعن نذر، فهو على ما قررناه وحررناه، فليلحظ ذلك ويتأمل. والأقوى عندي في الجميع أنه يسترق، سواء كان عن نذر، أو لم يكن، لأن السيد ما رجع عن النذر، وإنما صار عبدا بحق. ومتى قتل مكاتب حرا، فإن كان لم يؤد من مكاتبته شيئا، أو كان مشروطا عليه وإن أدى من مكاتبته شيئا فحكمه، حكم المماليك سواء، فإن كان غير مشروط عليه وقد أدى من مكاتبته شيئا كان على مولاه من الدية بقدر ما بقي من

(1) مستدرك الوسائل، الباب 38 من أبواب القصاص في النفس.

[ 355 ]

كونه رقا، وعلى إمام المسلمين بمقدار ما تحرر منه، وإن شاء سيده الذي بقي له منه شئ تسليم ما يخصه إليهم، كان له ذلك، ولا يجبر على ديته بمقدار ما بقي من كونه رقا. ومتى قتل حر مكاتبا وكان قد أدى من مكاتبته شيئا كان عليه، بمقدار ما قد تحرر منه، من دية الحر وبمقدار ما قد بقي منه من قيمة المماليك، وليس عليه أكثر من ذلك، ولا يقاد قاتله به على حال. وذهب شيخنا في استبصاره في الجزء الثالث، إلى أن المكاتب المطلق، إذا أدى نصف مكاتبته، فهو بمنزلة الحر، في الحدود، وغير ذلك من قتل أو غيره، من أن حكمه حكم الأحرار، يجب على قاتله القود (1)، معتمدا على خبر شاذ فتأوله. والصحيح ما ذهب إليه في نهايته (2)، لأنه يعضده أصول مذهبنا. وديات الجوارح والأعضاء وأروش جراحاتهم على قدر أثمانهم، كما أنها كذلك في الأحرار. ويلزم قاتل العبد إذا كان العبد مسلما من الكفارة ما يلزم في قتل حر مسلم سواء، من كفارة الجميع، وهي عتق رقبة وصيام الشهرين المتتابعين وإطعام ستين مسكينا، إذا كان قتله له عمدا. فإن كان خطأ كان عليه الكفارة الواحدة المرتبة، على ما قدمناه في الحر سواء. ومن قتل عبده معتمدا، كان على الإمام أن يعاقبه عقوبة تردعه عن مواقعة مثله في المستقبل، ويغرمه قيمة العبد، فيصدق بها على الفقراء، وكان عليه بعد ذلك كفارة قتل العمد، وهي كفارة الجمع المقدم ذكرها. فإن كان قتله له خطأ لم يكن عليه إلا كفارة، حسب ما قدمناه من أحد الأجناس الثلاثة، على الترتيب. ومتى جرح انسان عبدا، أو قطع شيئا من أعضائه مما يجب فيه قيمته على الكمال، وجب عليه قيمته، ولا يتجاوز بها دية الأحرار، ويأخذ العبد، يكون رقا له.

(1) الاستبصار، ج 4، الباب 162، من كتاب الديات، ص 277.
(2) النهاية، كتاب الديات باب القود بين الرجال والنساء، والعبيد والأحرار...

[ 356 ]

ولا يجوز للمولى أن يمسكه ويطالب بقيمته، بل هو بالخيار بين أن يأخذ قيمته ويسلمه إلى الجاني يكون رقا له وبين أن يمسكه ولا شئ له، لئلا يجمع بين البدل والمبدل. وليس كذلك إذا جنى الحر على العبد، بما هو دون ثمنه، وديته التي هي قيمته، فإنه عند هذه الحال لا يكون صاحبه في دفعه إلى الجاني بالخيار، بل له دية ما جرحه وقطعه، ويمسك عبده. فأما إذا قطع رجل يد عبد، وقطع رجل آخر يده الأخرى، فالذي يقتضيه مذهبنا وأصوله، أن سيده لا يكون هاهنا بالخيار في إمساكه، ولا شئ له على القاطعين، وبين تسليمه إليهما، وأخذ قيمته منهما، بل يكون له على كل واحد منهما نصف قيمته، ولا يجب عليه تسليمه إليهما، بل هو له. وحمل ذلك على القاطع الواحد قياس، ونحن لا نقول به، بل نقف ونأخذ بعين ما ورد لنا في ذلك. وقال شيخنا في مبسوطه وإن قطع يدي عبد، كان عليه كمال قيمته، وتسليم العبد عندنا، وإذا قطع رجل رجل عبد، والآخر يده كان عليهما كمال قيمته، على كل واحد منهما نصفه، ويمسك المولى العبد هاهنا بلا خلاف، وفي الأول خلاف وفيهم من سوى بين المسألتين فجعل العبد بين الجانبين وهو الأقوى هذا آخر كلامه (1). قال محمد إدريس رحمه الله ما قواه أضعف من التمام، بل الأول، الصحيح. وقد روي أنه متى قتل عبد حرين، أو أكثر منهما، أو جرحهما جراحة تحيط بثمنه، واحد بعد الآخر، كان العبد لأولياء الأخير لأنه إذا قتل واحدا يصير لأوليائه، وإذا قتل الثاني انتقل إلى أولياء الثاني، ثم هكذا بالغا ما بلغ (2).

(1) المبسوط، ج 7، كتاب الجراحات، ص 108، العبارة هكذا وإن قطع يدي عبدا أو رجليه كان عليه كمال قيمته ويسلم العبد عندنا وعندنا جماعة يمسكه مولاه، إذا قطع رجل يد عبد والآخر يده والأخرى كان عليهما كمال قيمته، على كل واحد منهما نصفه وتمسك المولى العبد هاهنا بلا خلاف، وفي الأول خلاف، وفيهم من سوى بين المسألتين، فجعل العبد بين الجانبين وهو الأقوى.
(2) الوسائل، الباب 45 من أبواب القصاص في النفس، ح 3.

[ 357 ]

والوجه في هذه الرواية، أن يكون أولياء الأول اختاروا استرقاقه ورضوا بذلك، وعفوا عن قتله، فحينئذ يصير مملوكا لهم، فإذا قتل الثاني، صار مملوكا، لأوليائه إن اختاروا ذلك، وإلا لهم قتله، ولا يدخل في ملك واحد من القبيلين بغير اختياره، فأما إذا لم يختر أولياء الأول استرقاقه، ولا عفوا عن قتله، ثم قتل الثاني، فمن سبق إلى قتله، كان له ذلك، لقوله تعالى " فقد جعلنا لوليه سلطانا " (1) فليلحظ ذلك. وإلى ما حررناه واخترناه ذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في الجزء الثالث من الاستبصار (2)، وعاد عما أطلقه، في نهايته (3)، وذهب إليه إلا أنه لما أورد الرواية التي فيها أنه لأولياء الأخير من المقتولين، قال هذا الخبر ينبغي أن نحمله على أنه إنما يصير لأولياء الأخير، إذا حكم بذلك الحاكم، فأما قبل ذلك، فإنه يكون بين أولياء الجميع. قال محمد بن إدريس رحمه الله وأي فائدة وأثر في الحاكم وحكمه، إن أراد رحمه الله بقوله حكم الحاكم - ثبت (4) عنده، فما يكون الأحكام إلا بعد ثبوتها، وإن أراد حكم الحاكم باسترقاق العبد القاتل، فلا حكم للحاكم في ذلك، ولا مدخل ولا قول، بل الاختيار في ذلك إلى الأولياء، بين القتل والاسترقاق، ولا مدخل للحاكم في ذلك (5). ومتى قتلهما بضربة واحدة، أو جناية واحدة، كان بين أوليائهما على ما حررناه، وليس على مولاه أكثر من تسليمه إليهما. ومتى جرح عبد حرا فإن شاء الحر أن يقتص منه، كان له ذلك، فإن شاء أخذه إن كانت الجراحة تحيط برقبته، وإن كانت لا تحيط برقبته، افتداه مولاه، فإن أبى مولاه ذلك، كان للحر المجروح من العبد بقدر أرش جراحته، والباقي لمولاه، يباع العبد، فيأخذ المجروح حقه، ويرد الباقي على المولى.

(1) سورة الاسراء، الآية 33.
(2) الاستبصار، ج 4، الباب 159، من كتاب الديات، ص 274.
(3) النهاية، كتاب الديات، باب القود بين الرجال والنساء والعبيد والأحرار...
(4) ج. انه ثبت.
(5) ج. في ذلك بالخلاف.

[ 358 ]

وإذا قتل عبد مولاه، قيد به، على كل حال. وإذا كان لانسان مملوكان قتل أحدهما صاحبه، كان بالخيار، بين أن يقيده به، أو يعفو عنه. ولا قصاص بين المكاتب الذي أدى من مكاتبته شيئا، وبين العبد، كما لا قصاص بين الحر والعبد، ويحكم فيهما بالدية والأرش حسب ما يقتضيه حساب المكاتب على ما بيناه. وإذا قتل عبد حرا خطأ فأعتقه مولاه، جاز عتقه ولزمه دية المقتول، لأنه عاقلته على ما بيناه، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (1). وقد قلنا نحن إن المولى لا يعقل عن عبده، وإنما مقصود شيخنا إذا أعتقه تبرعا، فإنه مولاه، وله ولاؤه، وهو يعقل عنه بعد ذلك، إلا أنه في حال ما قتل الحر لم يكن السيد عاقلته، ولا يجب على السيد سوى تسليمه إلى أولياء المقتول، حسب ما قدمناه فإنه عبدهم، وهم مستحقون له، إلا أن يتبرع المولى ويفديه بالدية، فإذا فداه وضمن عنه ما جناه، جاز له حينئذ عتقه، والتصرف فيه، وقبل ذلك لا يجوز له شئ من ذلك، لأنه قد تعلق به حق للغير، فلا يجوز إبطاله، إلا أن يضمن عنه، وكذلك لا يجوز بيعه، قبل الضمان عنه، ولا رهنه. وشيخنا أبو جعفر قائل بذلك، موافق عليه، لأنه قال في الجزء الثاني من مسائل خلافه في كتاب الرهن مسألة إذا جنى العبد جناية ثم رهنه بطل الراهن سواء كانت الجناية عمدا، أو خطأ أو توجب القصاص، أو لا توجبه، ثم قال دليلنا على بطلانه إذا كان عمدا أنه إذا كان كذلك فقد استحق المجني عليه العبد وإن كان خطأ تعلق الأرش برقبته فلا يصح رهنه (2) هذا آخر كلامه رحمه الله. فكيف يصح ما قاله في نهايته وإطلاق كلامه بأنه عاقلته وأنه يجوز عتقه قبل ضمان الدية عنه فليلحظ ذلك، فما يورده في نهايته في كتاب الديات،

(1) النهاية، كتاب الديات، باب القود بين الرجال والنساء والعبيد والأحرار...
(2) الخلاف، كتاب الرهن، مسألة 28.

[ 359 ]

معظمه أخبار آحاد وقد بينا أنها لا توجب علما ولا عملا، وقد رجع عن أكثره في مبسوطه ومسائل خلافه. باب من لا يعرف قاتله، ومن لا دية له إذا قتل، والقاتل في الحرم والشهر الحرام من مات في زحام عبور على جسور، أو زيارات قبور الأئمة عليهم السلام أو في أبواب الجوامع يوم الجمعات، أو أبواب المشاهد، أيام الزيارات، ومقامات عرفات وما أشبه ذلك، من المواضع التي يتزاحم الناس فيها، ولا يعرف قاتله، ولا واكزه، كانت ديته، على بيت مال المسلمين، إن كان له ولي يطلب ديته، فإن لم يكن له ولي، فلا دية له. ودية القتيل الموجود في القرية أو المحلة المتميزة، أو الدرب، أو الدار، أو القبيلة، ولا يعرف له قاتل بإقرار، أو بينة، على أهل المحل الذي وجد فيه، فإن وجد بين القريتين، أو الدارين، أو المحلتين، أو القبيلتين، فديته على أقربهما إليه، فإن كان وسطا، فالدية نصفان. وروى أصحابنا أنه إذا كانت القريتان، متساويتين إليه، في المسافة كانت ديته، على أهل الموضع الذي وجد فيه قلبه وصدره، وليس على الباقين شئ، إلا أن يتهم آخرون، فيكون حينئذ الحكم فيهم، إما إقامة البينة (1)، أو القسامة، على الشرح الذي قدمناه. قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في الجزء الثالث من الاستبصار في باب المقتول في قبيلة أو قرية، أورد ثلاثة أخبار بأن على أهل القرية، أو القبيلة، الدية، ثم قال قال محمد بن الحسن الوجه في هذه الأخبار إنه إنما يلزم أهل القرية أو القبيلة إذا وجد القتيل بينهم، متى كانوا متهمين بالقتل، وامتنعوا من القسامة حسب ما بيناه في كتابنا الكبير، فإذا لم يكونوا متهمين، أو أجابوا إلى القسامة، فلا دية

(1) الوسائل، الباب 8 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به.

[ 360 ]

عليهم، وتؤدي ديته من بيت المال، (1) هذا آخر كلامه. وإلى هذا القول أذهب، وبه أفتي، لأن لوجود القتيل بينهم لوث، فيقسم أولياؤه، مع اللوث وقد استحقوا ما يقسمون عليه، وهذا الذي يقتضيه أصول مذهبنا. فإذا دخل صبي دار قوم، فوقع في بئرهم فإن كانوا متهمين بعداوة بينهم وبين أهله، كانت عليهم ديته، إن كان دخل عليهم بإذنهم، ويجري ذلك مجرى اللوث المقدم ذكره، وتكون الدية المقدم ذكرها بعد القسامة منهم، فإن كانوا مأمونين، أو دخل عليهم بغير اختيارهم، لم يكن عليهم شئ سوى اليمين، إنهم لم يقتلوه، لأن هذه دعوى عليهم محضة. وقد روي أنه إذا وقعت فزعة بالليل فوجد فيهم قتيل، أو جريح، لم يكن فيه قصاص، ولا أرش جراح، وكانت ديته على بيت مال المسلمين (2). هذا إذا لم يتهم قوم فيه ويكون ثم لوث على ما بيناه. وإذا وجد قتيل في أرض فلاة كانت أيضا ديته على بيت المال. وقد روي أنه إذا وجد قتيل، في معسكر، - بفتح الكاف - أو في سوق من الأسواق، ولم يعرف له قاتل، كانت أيضا ديته على بيت مال المسلمين (3)، إلا أن يكون هناك لوث على رجل بعينه، أو قوم بأعيانهم، فيجب على الأولياء القسامة، حسب ما قدمناه. والفرق بين القبيلة، والقرية، وبين المعسكر والسوق، على هذه الرواية، إن القرية متميزة، وكذلك القبيلة لا يختلط بهم سواهم، وليس كذلك السوق والمعسكر، يمكن أن يكون الوجه في هذه الرواية، ما قدمناه. ومن طلب انسانا على نفسه، أو ماله، فدفعه عن نفسه، فأدى ذلك إلى قتله، فلا دية له، وكان دمه هدرا.

(1) الاستبصار، ج 4، الباب 163، من كتاب الديات، ص 278.
(2) الوسائل، الباب 6 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، ح 3 - 4.
(3) لا توجد إلا أنها أوردها الشيخ قدس سره في النهاية، كتاب الديات، باب من لا يعرف قاتله.

[ 361 ]

وعلى هذا إذا أراد امرأة أو غلاما على فجور فدفعاه عن أنفسهما، فقتلاه، كان دمه هدرا. ومن اطلع على قوم في دارهم، أو دخل عليهم من غير إذنهم، فزجروه، فلم ينزجر، فرموه بعد الزجر، فأدى الرمي إلى قتله، أو فقأوا (1) عينه، لم يكن عليهم شئ. ومن قتله القصاص، أو الحد، فلا قود له، ولا دية، سواء كان الحد من حدود الآدميين، أو من حقوق الله تعالى، وحدوده، لأن الضارب للحد محسن بفعله، وقد قال تعالى " ما على المحسنين من سبيل " (2). وإلى هذا يذهب شيخنا أبو جعفر في نهايته (3). وذهب في استبصاره إلى أنه إن كان الحد، من حدود الله فلا دية له من بيت المال، وإذا مات في شئ من حدود الآدميين كانت ديته على بيت المال، بعد أن أورد خبرين عن الحلبي، والآخر عن زيد الشحام، بأن من قتله الحد، فلا دية له، ثم أورد خبرا، عن الحسن بن صالح الزيدي، فخص به الخبرين (4). ولا خلاف بين المتكلمين في أصول الفقه، إن أخبار الآحاد لا يخص بها العموم المعلوم، وإن كانت رواتها عدولا، فكيف وراويه من رجال الزيدية، ثم إنه مخالف للقرآن والاجماع. ثم إنه قال في خطبة استبصاره، إنه يقضى بالكثرة، على القلة، والمسانيد، على المراسيل، وبالرواة العدول، على غير العدول، فقد أخرم هذه القاعدة، في هذا المكان، في مواضع كثيرة من كتابه الذي فنن (5) قاعدته. ومن أخطأ عليه الحاكم بشئ، من الأشياء، أو بزيادة ضرب على الحد، أو غير ذلك، فقتله، أو جرحه، فقد روى أصحابنا، أنه يكون على بيت مال

(1) ج. ففئ.
(2) سورة التوبة، الآية 91.
(3) النهاية، كتاب الديات، باب من لا يعرف قاتله ومن لا دية له.
(4) الاستبصار، ج 4، الباب 164 من كتاب الديات، ص 278.
(5) ل. قنن.

[ 362 ]

المسلمين (1). ومن حذر فرمى فقتل، فلا قصاص عليه، ولا دية، لما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال قد أعذر من حذر (2). ومن اعتدى على غيره فاعتدي عليه فقتل، لم يكن له قود، ولا دية. وقد روي في شواذ الأخبار أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (3) عن عبد الله بن طلحة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن رجل سارق دخل على امرأة ليسرق متاعها فلها جمع الثياب تابعته نفسه، فكابرها فواقعها، فتحرك ابنها فقام إليه، فقتله بفأس كان معه فلما فرغ، حمل الثياب وذهب ليخرج، فحملت عليه بالفأس فقتلته، فجاء أهله يطالبون بدمه من الغد فقال أبو عبد الله (عليه السلام) اقض على هذا كما وصفت لك، فقال يضمن مواليه الذين طلبوا بدمه، دم الغلام، ويضمن السارق، فيما ترك أربعة ألف (4) درهم، لمكابرتها على نفسها، وفرجها (5) إنه زان وهو في ماله غرامة وليس عليها في قتلها إياه شئ، لأنه سارق (6). قال محمد بن إدريس هذه الرواية مخالفة للأدلة وأصول المذهب، لأنا قد بينا إن قتل العمد، لا تضمنه العاقلة، والسارق المذكور قتل الابن عمدا فكيف يضمن مواليه دية الابن، فأما قتلها له، فلا قود عليها، ولا دية في ذلك، كما قال لأنه قد استحق القتل من وجهين، لمكان غصبه فرجها، لأن من غصب امرأة فرجها، وجب عليه القتل، والوجه الثاني لمكان قتله ولدها، فإنها (7) يجب لها القود عليه، وأما إلزامه في ماله أربعة ألف (8) درهم. فلا دليل على ذلك. والذي يقتضيه أصول مذهبنا، أنه يجب عليه مهر مثلها يستوفى من تركته، إن كان

(1) الوسائل، الباب 7، من أبواب دعوى القتل وما يثبت به.
(2) الوسائل، الباب 26، من أبواب القصاص في النفس.
(3) النهاية، كتاب الديات، باب من لا يعرف قاتله ومن لا دية له.
(4) ج. آلاف.
(5) ج. وانه.
(6) الوسائل، الباب 23، من ابواب قصاص النفس، ح 2.
(7) ل. فانه.
(8) ج. آلاف.

[ 363 ]

قد خلف تركة، لا يجب أكثر من ذلك لأنه لا دليل على أكثر من مهر المثل، لأنه دية الفرج المغصوب، وهو العقر - بضم العين غير المعجمة وتسكين القاف - وهو دية الفرج المغصوب، عند أهل اللغة والفقهاء. وروي أيضا أنه قال قلت رجل تزوج امرأة، فلما كان ليلة البناء، عمدت المرأة إلى رجل صديق لها، فأدخلته الحجلة، - والحجلة بالتحريك واحدة حجال العروس وهو بيت يزين بالثياب والأسرة والنمارق، والستور، هكذا ذكره الجوهري في كتاب الصحاح (1)، فلا يظن ظان أن الحجلة السرير ويعضد قول الجوهري الحديث المروي المشهور وهو أعروهن يلزمن الحجال (2)، ولا خلاف أن المراد بذلك البيوت، دون الأسرة - فلما دخل الرجل يباضع أهله، ثار الصديق، واقتتلا في البيت، فقتل الزوج الصديق، فقامت المرأة فضربت الزوج ضربة فقتلته، بالصديق، قال تضمن المرأة، دية الصديق، وتقتل بالزوج (3)، قال محمد بن إدريس رحمه الله أما قتلها بالزوج فصحيح، وأما إلزامها دية الصديق في مالها فلا دليل عليه، من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، بل لا دية له، ودمه هدر، لأن قتله مستحق، لأنه متعد بخصومة صاحب المنزل في منزله، وعلى امرأته، وإنما هذه روايات وأخبار آحاد توجد في المصنفات، لا دليل على صحتها فلا يحل ولا يجوز الفتيا بها، لأنها لا تعضدها الأدلة، بل الأدلة بالضد منها. ومن قتل غيره في الحرم، أو أحد أشهر الحرم، وهي رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وأخذت منه الدية، صلحا على ما قدمناه، كان عليه دية وثلث، من أي أجناس الديات كانت، لانتهاكه حرمة الحرم، وأشهر الحرم، فإن طلب منه القود، قتل بالمقتول. فإن كان إنما قتل في غير الحرم، ثم التجأ إلى الحرم، ضيق عليه في المطعم والمشرب، بأن لا يبايع، ولا يخالط، إلى أن يخرج، فيقام عليه الحد. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وكذلك الحكم في مشاهد الأئمة

(1) الصحاح: ج 4 ص 1667.
(2) لم نعثر عليه.
(3) الوسائل، الباب 23، من أبواب قصاص النفس، ح 3.

[ 364 ]

(عليهم السلام) (1). يريد بعطفه على الحرم في حكم واحد، لا في جميع أحكام الحرم، من أنه إذا جنى في غير حرم الإمام الذي هو المشهد، ثم التجأ إلى المشهد، ضيق عليه في المطعم والمشرب، بأن لا يبايع، ليخرج فيقام عليه الحد، إلا (2) أنه إذا قتل فيه وأخذت منه الدية وجبت عليه الدية وثلث لأنه لا دليل على ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع. باب ضمان النفوس وغيرها روى أصحابنا أن من دعى غيره ليلا فأخرجه من منزله، فهو له ضامن إلى أن يرده إلى منزله، أو يرجع هو بنفسه إليه، فإن لم يرجع إلى المنزل، أو لا يعرف له خبر، كان ضامنا لديته، فإن وجد قتيلا كان على الذي أخرجه القود، بعد القسامة من أوليائه على ما مضى شرحه، أو يقيم البينة، إنه برئ من قتله، فإن لم يقم بينة، وادعى أن غيره قتله، ولم يقم بذلك بينة بقتل غيره له على ما ادعاه، كان عليه الدية، دون القود على الأظهر في (3)، الأقوال، والروايات. وقد روي أن عليه القود (4). والأول هو الصحيح، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (5). ومتى أخرجه من البيت ثم وجد ميتا فادعى أنه مات حتف أنفه، روي أن عليه الدية، أو البينة، على ما ادعاه (6). والذي يقتضيه الأدلة إنه إذا كان غير متهم عليه، ولا يعلم بينهما إلا خير وصلح

(1) النهاية، كتاب الديات باب من لا يعرف قاتله ومن لا دية له.
(2) ج. لأنه. ل، لا أنه.
(3) ج. ل. من الأقوال.
(4) الوسائل، الباب 18 من أبواب قصاص النفس، ح 1.
(5) النهاية، كتاب الديات باب ضمان النفوس.
(6) أوردها الشيخ قدس سره في النهاية كتاب الديات باب ضمان النفوس وفي الجواهر ج 43، ص 82، عن ابن إدريس ان به رواية.

[ 365 ]

فلا دية عليه بحال فأما إذا كان يعلم بينهما مخاصمة، وعداوة، فلأوليائه القسامة، بما يدعونه من أنواع القتل، فإن ادعوا قتله، عمدا كان لهم القود، وإن ادعوا أنه خطأ كان لهم الدية، لأن إخراجه والعداوة التي بينهما تقوم مقام اللوث، مقدم ذكره، فليلحظ ذلك. وإذا استأجر انسان ظئرا فأعطاها ولده، فغابت بالولد سنين، ثم جاءت بالولد، فزعمت أمه إنها لا تعرفه، وزعم أهلها إنهم لا يعرفونه، فليس لهم ذلك، وليقبلوه، فإنما الظئر مأمونة، اللهم، إلا أن يحققوا العلم بذلك، بالأدلة القاطعة للأعذار، وإنه ليس بولد لهم، فلا يلزمهم حينئذ الاقرار به، وكان على الظئر الدية، أو إحضار الولد بعينه، أو من يشتبه الأمر فيه، ولا يقبل قولهم بمجرده دون البينة على الظئر، لأنها مأمونة، ومدعى عليها، وغارمة، والقول، قول الأمين، والمدعى عليه بلا خلاف. وإذا استاجرت الظئر، ظئرا أخرى، من غير إذن صاحب الولد، فغابت به، ولا يعرف له خبر، كانت عليها الدية، لأنها فرطت بتسليمه إلى غيرها، من غير إذن وليه. وقد روي أنه متى تقلبت (1) الظئر، على الصبي في منامها، فقتله، فإن كانت إنما فعلت ذلك للفقر والحاجة، كانت الدية على عاقلتها، وإن كانت إنما طلبت المظاءرة، للفخر والعز كان عليها الدية في مالها خاصة (2). وروي أن من نام، فانقلب على غيره فقتله، كان ذلك، شبيه العمد، يلزمه الدية، في ماله خاصة، وليس عليه قود (3). والذي يقتضيه أصول مذهبنا، إن الدية في جميع هذا على العاقلة، لأن النائم غير عامد في فعله، ولا عامد في قصده، وهذا حد قتل الخطأ المحض، ولا خلاف أن دية قتل الخطأ المحض على العاقلة، وإنما هذه أخبار آحاد، لا يرجع بها عن الأدلة. والذي ينبغي تحصيله في هذا، إن الدية على النائم نفسه، لأن أصحابنا

(1) ج. ل. انقلبت.
(2) الوسائل، الباب 29، من أبواب موجبات الضمان، ح 1.
(3) أوردها الشيخ قدس سره في النهاية، كتاب الديات، باب ضمان النفوس.

[ 366 ]

جميعهم، يوردون ذلك في باب ضمان النفوس، وذلك لا تحمله العاقلة بلا خلاف. ومن قتل غيره متعمدا، فدفعه الوالي إلى أولياء المقتول ليقيدوه بصاحبهم، فخلصه انسان قهرا، كان عليه رده، فإن لم يرده كانت عليه الدية. وروي أنه إذا أعنف الرجل بامرأته، أو المرأة بزوجها، فقتل أحدهما، فإن كانا متهمين، الزما الدية، وإن كانا مأمونين، لم يكن عليهما شئ (1). والأولى وجوب الدية على المعنف منهما كيف ما دارت القضية، إلا أن الحكم إذا كانا متهمين، فقد حصل لولي المقتول تهمة، وهو اللوث، فله أن يقسم، ويستحق القود، إن ادعى أن القتل عمد، فأما إذا كانا مأمونين فالمستحق الدية على المعنف فحسب، ولا يستحق الولي القود هاهنا بحال، فهذا تحرير الفتيا في ذلك. ومن طفر من علو فوق غيره قاصدا، فقتله، فهو قاتل عمد (2)، وإن كان لغرض غير ذلك، فوقع عليه من غير قصد إليه، فالدية على عاقلته، وإن كان يدفع غيره، فالدية على الدافع، وإن كان بهبوب الرياح، فالدية من بيت المال المسلمين. ولا تعقل العاقلة صلحا، ولا إقرارا، ولا تعقل البهايم، ولا ما وقع عن تعد كحدث (3) الطريق، والدابة، وكل مضمون من الأموال، بالجملة لا تعقل العاقلة الأسباب، كمن حفر بئرا أو وضع حجرا، أو نصب سكينا، أو أضرم نارا، وما أشبه ذلك. فعلى التحرير (4)، يتنوع القتل ستة أنواع. عمد يوجب القود. - وخطأ محض -. - وخطأ شبيه العمد - وهما جميعا يوجبان الدية دون القود. ومضمون بالتعدي وهو ما عدا الأنواع الثلاثة المعلوم إضافتها، وديته لازمة

(1) الوسائل، الباب 31، من أبواب موجبات الضمان، ح 4 وفي الرواية فإن اتهما ألزما اليمين بالله إنهما لم يردا القتل.
(2) ج. ل. قاتل عمدا.
(3) ج. لحدث.
(4) ج. ل هذا التحرير.

[ 367 ]

للمتعدي في ماله. وقتل لا يعرف فاعله، ويصح إضافة هذا القتل إلى محل وجوده، كالقرية والمحلة وشبههما. وقتل لا يعرف فاعله، ولا يصح إضافته كقتل الزحام ونظائره، فديته على بيت مال المسلمين. ومن غشيته دابة وخاف أن تطأه فزجرها عن نفسه، فجنت على الراكب، أو على غيره، لم يكن عليه شئ، لأنه بفعله محسن، لأنه دفع الضرر عن نفسه، وقد قال تعالى " وما على المحسنين من سبيل " (1). ومن ركب دابة فساقها، فوطأت انسانا أو كسرت شيئا، كان ما تصيبه بيديها ورأسها ضامنا له، دون ما تصيبه برجليها. فإن ضربها فرمحت، فأصابت انسانا أو شيئا، كان عليه ضمان ما أصابته بيديها، ورجليها معا. وكذلك إذا وقف عليها، كان عليه ضمان ما تصيبه بيديها ورجليها. فإن كان يسوقها سوقا غير معتاد، فوطأت شيئا بيديها أو رجليها أو فمها، كان ضامنا له. وإن كان يقودها فوطأت شيئا بيديها، كان ضامنا له، وكذلك يضمن ما تصيبه بفمها، وليس عليه ضمان ما تصيبه برجلها (2) إلا أن يضربها، فإن ضربها فرمحت برجلها فأصابت شيئا، كان ضامنا له. ومن آجر دابته انسانا، فركبها وساقها وكان صاحبها معها يراعيها، فوطأت شيئا بإحدى الأربع، كان ضمان ما تطأه على صاحب الدابة، دون الراكب، فإن لم يكن صاحبها معها، وكان الراكب هو الذي يراعيها، كان على راكبها ضمان ما تصيبه، دون صاحبها بيديها، ورأسها، دون ما تصيبه برجليها، إذا كان سوقه لها بمجرى العادة، فإن كان خارجا عن المعتاد، ضمن جميع ما تصيبه بإحدى الأربع،

(1) سورة التوبة، الآية 91.
(2) ج. ل. برجليها.

[ 368 ]

والرأس أيضا. فإن رمت الدابة بالراكب، لم يكن على الذي آجرها شئ سواء كان معها أو لم يكن، إلا أن يكون نفر بها، فإن نفر بها، كان ضامنا لما يكون منها، من جناية. وحكم الدابة في جميع ما قلنا، حكم ساير ما يركب من البغال، والحمير، والجمال، على حد واحد، لا يختلف الحكم فيه. ومن حمل على رأسه متاعا، بأجرة فكسره، وأصاب انسانا به، كان عليه ضمانه أجمع، اللهم إلا أن يكون انسان آخر دفعه، فيكون حينئذ ضمان ذلك عليه. ومن قتل مجنونا عمدا فإن كان أراده فدفعه عن نفسه، فأدى ذلك إلى قتله، لم يكن عليه شئ، لأنه محسن بفعله على ما قلناه فيما مضى، وحررناه، وكان دمه هدرا، فإن لم يكن المجنون أراده، فقتله عمدا كان عليه ديته، ولم يكن عليه قود، لأنه لا يقاد الكامل بالناقص، وإن كان قتله له خطأ كانت الدية على عاقلته. وإذا قتل المجنون غيره، كان عمده وخطأه واحدا، تجب فيه الدية على عاقلته، فإن لم يكن له عاقلة، كانت عاقلته الإمام عليه السلام دون بيت المال، لأن ميراثه له، اللهم إلا أن يكون المجنون، قتل من أراده، فيكون حينئذ دم المقتول هدرا. ومن قتل غيره وهو صحيح العقل، ثم اختلط وصار مجنونا قتل بمن قتله، ولا تكون فيه الدية. وقد روي أن من قتل غيره، وهو أعمى، فإن عمده وخطأه سواء، وإن فيه الدية على عاقلته (1). والذي يقتضيه أصول المذهب إن عمد الأعمى عمد، يجب فيه عليه القود، لقوله تعالى " النفس بالنفس " (2) وقوله تعالى " ولكم في القصاص حياة " (3) فإذا لم يقتل الأعمى بمن قتله عمدا، خرجت فائدة الآية، فلا يرجع عن الأدلة القاهرة برواية شاذة وخبر واحد، لا يوجب علما ولا عملا.

(1) أوردها الشيخ قدس سره في النهاية، كتاب الديات باب ضمان النفوس.
(2) سورة المائدة، الآية 45.
(3) سورة البقرة، الآية 179.

[ 369 ]

ومن قتل صبيا متعمدا والصبي غير بالغ، قتل به، ووجب عليه القود، على الأظهر من أقوال أصحابنا ولقوله تعالى " النفس بالنفس " وليس هذا كمن قتل مجنونا عمدا، لأن الاجماع منعقد، على أنه لا قود على قاتل المجنون، وليس معنا إجماع منعقد، على أنه ليس على قاتل الصبي غير البالغ قود، وأيضا القياس عندنا باطل. فإن قتله خطأ كانت الدية على عاقلته. وإذا قتل الصبي رجلا متعمدا كان عمده وخطأه واحدا سواء كان له دون عشر سنين، أو أكثر من عشر سنين على الصحيح من الأقوال، وما يقتضيه الأدلة القاهرة، فإنه يجب فيه الدية على عاقلته. وقال شيخنا في نهايته، إلى أن يبلغ عشر سنين أو خمسة أشبار، فإذا بلغ ذلك، اقتص منه، وأقيمت عليه الحدود التامة (1). وهذا القول غير مستقيم ولا واضح، لأنه مخالف للأدلة العقلية، والسمعية، ولا يلتفت إلى رواية شاذة، وخبر واحد، لا يوجب علما ولا عملا، وإن كان شيخنا أورد الرواية في نهايته، فإنه أوردها إيرادا لا اعتقادا، كما أورد نظايرها مما لا يعمل عليه، ولا يفتي به ولا يعرج عليه. ورجع أيضا عن ذلك، في مسائل خلافه ومبسوطه (2) على ما قدمناه فيما مضى وحكيناه (3) فإنه قال، في الجزء الثالث من مسائل خلافه: مسألة روى أصحابنا إن عمد الصبي والمجنون، وخطأهما سواء. فعلى هذا يسقط القود عنهما، والدية على العاقلة مخففة. ثم استدل، فقال، دليلنا إجماع الفرقة، وأخبارهم ولأن الأصل براءة الذمة، وما ذكرناه مجمع على وجوبه، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال رفع القلم عن ثلاث أحدهم عن الصبي حتى يبلغ، هذا آخر استدلاله رحمه الله وآخر مسألته (4).

(1) النهاية، كتاب الديات، باب ضمان النفوس.
(2) المبسوط، ج 7، كتاب الجراح، ص 15.
(3) ص 325.
(4) الخلاف كتاب الجنايات، مسألة 39.

[ 370 ]

ومن وطأ امرأته قبل أن تبلغ تسع سنين، فأفضاها والافضاء هو أن يصير مدخل الذكر ومخرج البول واحدا يخرق ما بينهما من الحاجز فيرفعه، فيفضي ما بينهما كان عليه ديتها، وألزم النفقة عليها، إلى أن تموت أو يموت هو، لأنها لا تصلح للرجال، على ما وردت به الأخبار (1)، وتواترت (2) عن الأئمة الأطهار، ويجب عليه أيضا مهرها، لأنه لا يدخل في ديتها، وكل واحد منها، لا يدخل في الآخر، لأنه لا دليل عليه. ومن أحدث في طريق المسلمين، حدثا ليس له، أو في ملك لغيره بغير إذنه، من حفر بئر، أو بناء حائط، أو نصب خشبة أو كنيف، وما أشبه ذلك، مما ليس له إحداثه، ولا فعله، فوقع فيه شئ، أو زلق به أو أصابه منه شئ، من هلاك، أو تلف أو كسر شئ من الأعضاء أو تلفها، أو كسر شئ من الأمتعة، كان ضامنا لما يصيبه في ماله، دون عاقلته، على ما قدمناه، قليلا كان أو كثيرا. فإن أحدث في الطريق ماله إحداثه، وفعله، ونصبه، مثل الميازيب، والرواشن، الغير (3) المضرة بالمارة، لم يكن عليه شئ، لأنه محسن بفعله وإحداثه، غير مسيئ، وقد قال تعالى " ما على المحسنين من سبيل " فمن أوجب عليه شيئا خالف الآية، وأوجب عليه ما لم يوجبه الله عليه، وأيضا الأصل براءة الذمة، فمن شغلها بشئ، يحتاج إلى دليل. وشيخنا أبو جعفر في نهايته (4)، ضمن صاحب الميزاب. ولا دليل على ذلك، من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع وما اخترناه مذهب شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان قال في مقنعته، ومن أحدث في طريق المسلمين شيئا، لحق أحدا منهم به ضرر، كان ضامنا لجناية ذلك عليه، فإن أحدث فيه ما أباحه الله تعالى إياه، وجعله وغيره من الناس فيه

(1) الوسائل، الباب 44، من أبواب موجبات الضمان، الباب 45 من أبواب المقدمات وآداب النكاح، ح 5 - 6 - 7 - 8 - 9.
(2) ج. به الآثار.
(3) ج. ل. غير المضرة.
(4) النهاية، كتاب الديات، باب ضمان النفوس.

[ 371 ]

سواء، فلا ضمان عليه، لأنه لم يتعد واجبا بذلك، هذا آخر كلامه بعينه (1). ولا خلاف بين المسلمين في إباحة نصب الميازيب وجعلها، لم ينكر أحد منهم ذلك بحال. ومن أحرق دار قوم، فهلك فيها أنفس، وأموال، كان عليه القود، لمن قتل، وغرم ما أهلكه بالاحراق من الأموال، هذا إذا تعمد قتل الأنفس. فأما إذا لم يتعمد قتل الأنفس، لكن تعمد إحراق الأموال والدار فحسب، فإنه يجب عليه ضمان الأموال، فأما الأنفس فدياتها على عاقلته، لأنه غير عامد إلى القتل، لا بالفعل، ولا بالقصد، فهو خطأ محض، لأنه غير عامد في فعله إلى القتل، ولا عامد في قصده إلى تناول النفس المقتولة وتلفها. وذكر شيخنا في نهايته، أن عليه ضمان ما أتلف من الأنفس، وبعد ذلك عليه القتل (2). وهذا غير واضح، لأنه إن كان قتل العمد، فليس عليه إلا القود، فحسب، وإن كان قتل شبيه العمد، أو الخطأ المحض، فلا يجب عليه القود بحال، فليلحظ ذلك، فإن لم يتعمد الاحراق، لكنه أضرم نارا لحاجته فتعدت النار، باتصال مال غيره من الأحطاب إلى إحراق الدار، ومن فيها، كانت دية الأنفس على العاقلة، وغرم ما هلك بالنار، من الأموال عليه، في ماله، ولا يجب عليه القود لأن هذا غير قاصد إلى القتل، بل هذا الخطأ محض، لأنه غير عامد في فعله بالجناية على الأنفس، وغير عامد في قصده بإتلاف الأنفس، وتناولها، فليلحظ ذلك، فإن ما عداه أخبار آحاد، أوردوها ووضعوها في كتبهم إيرادا، لا اعتقادا للعمل بها. فإن كان إضرامه النار، في مكان له التصرف فيه بحق ملك أو إجارة على وجه لا يتعدى، بأن لا يتصل بالأملاك ولا بأحطاب الغير، وكان ذلك على وجه معتاد، فحملتها الريح إلى ملك قوم، فأصابتهم معرتها فلا ضمان عليه. والبعير إذا اغتلم، وجب على صاحبه حفظه وحبسه، وإن لم يفعل ذلك، أو فرط

(1) المقنعة، باب ضمان النفوس ص 749.
(2) النهاية، كتاب الديات، باب ضمان النفوس.

[ 372 ]

فيه فتعدى، ضرره إلى أحد، ضمن صاحبه جنايته، فإن لم يعلم بهيجانه، أو لم يفرط في حفاظه، وأفلت بعد الحفاظ له، فلا ضمان على صاحبه. قال شيخنا في نهايته، فإن كان الذي جنى عليه البعير بعد هيجانه وعلم صاحبه به، وتفريطه في حفظه، ضرب البعير فقتله، أو جرحه، كان عليه بمقدار ما جنى عليه، مما ينقص من ثمنه، يطرح من دية ما كان جنى عليه البعير (1). قال محمد بن إدريس هذا غير واضح، والذي يقتضيه أصل مذهبنا، إنه لا ضمان عليه، بضرب البعير، لأنه بفعله محسن، وقال الله تعالى " ما على المحسنين من سبيل ". ومن هجمت دابته، على دابة غيره، في مأمنها فقتلتها، أو جرحتها، كان صاحبها ضامنا لذلك، هذا مع تفريطه، في حفاظها، وعلمه باغتلامها. فإن دخلت عليها الدابة إلى مأمنها، فأصابتها بسوء لم يضمن صاحبها ذلك. ومن أصاب خنزير ذمي فقتله، كان عليه قيمته، عند مستحله (2) فإن جرحه، كان عليه قيمة ما نقص من ثمنه عند أهله. ومن اركب مملوكا له غير بالغ دابة، فجنت الدابة جناية، كان ضمانها على مولاه، لأنه فرط بركوبه له الدابة، هذا إذا كان المملوك غير بالغ، فأما إذا كان بالغا عاقلا فإن كانت الجناية على بني آدم، فيؤخذ المملوك، إذا كانت دية الجناية بقدر قيمته، أو يفديه السيد على ما شرحناه، في قتل العبيد للأحرار، وجناياتهم عليهم. وإن كانت الجناية على الأموال، فلا يباع العبد في قيمة ذلك، ولا يستسعى، ولا يلزم مولاه ذلك، لأنه لا دليل عليه، وحمله على الجناية على بني آدم، قياس، فليلحظ ذلك. ومن دخل دار قوم بغير إذنهم، فعقره كلبهم، لم يكن عليهم ضمانه، فإن كان دخلها بإذنهم، كان عليهم ضمانه.

(1) النهاية: كتاب الديات، باب ضمان النفوس.
(2) ج. ل مستحلية.

[ 373 ]

وإذا أفلتت دابة فرمحت انسانا فقتلته، أو كسرت شيئا من أعضائه، أو شيئا من الأموال، لم يكن على صاحبها ضمان ذلك. ومن وطئ امرأة في دبرها، فالج (1) عليها قاهرا لها فماتت من ذلك، كان عليه ديتها وكذلك إذا أعنف بها من الضم، والعناق، على وجه غير معتاد، يجب عليه ديتها، إذا ماتت من ذلك. وكذلك الحكم فيها إذا أعنفت به. ومن تطبب، أو تبيطر فليأخذ البراءة من ولي من يطببه، أو صاحب الدابة، وإلا فهو ضامن إذا هلك بفعله شئ من ذلك. هذا إذا كان الذي جنى عليه الطبيب غير بالغ، أو مجنونا، فأما إذا كان عاقلا مكلفا، فأمر الطبيب بفعل شئ، ففعله على ما أمره به، فلا يضمن الطبيب، سواء أخذ البراءة من الولي، أو لم يأخذ، والدليل على ما قلناه، إن الأصل براءة الذمة، والولي لا يكون إلا لغير المكلف. فأما إذا جنى على شئ لم يؤمر بقطعه، ولا بفعله، فهو ضامن، سواء أخذ البراءة من الولي أو لم يأخذها. وإذا ركب اثنان دابة، فجنت جناية على ما ذكرناه، كان أرشها عليهما بالسوية. وروي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) ضمن ختانا قطع حشفة غلام (2). يريد بذلك إنه فرط بأن قطع غير ما أريد منه، لأن الحشفة هاهنا، ما فوق الختان، وليست القلفة التي يجب قطعها فلأجل هذا ضمنه وسواء أخذ البراءة من وليه، أو لم يأخذ، والراوية هذه صحيحة، لا خلاف فيها. باب الاشتراك في الجنايات روى الأصبغ بن نباتة، قال قضى أمير المؤمنين عليه السلام، في جارية، ركبت

(1) ج. ل. فألح.
(2) الوسائل، الباب 24، من أبواب الضمان، ح 2

[ 374 ]

جارية، فنخستها جارية أخرى، فقمصت المركوبة يقال قمص الفرس وغيره يقمص ويقمص قمصا وقماصا، وهو أن يرفع يديه ويطرحهما معا ويعجن برجله (1) يقال هذه دابة، فيها قماص بكسر القاف ولا تقل قماص بضم القاف فصرعت الراكبة فماتت، قضى أن ديتها نصفان، بين الناخسة والمنخوسة (2). هذا اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (3). وقال شيخنا المفيد في مقنعته، تستحق ثلثي الدية فحسب من القامصة ثلث، ومن الناخسة ثلث، وسقط ثلث، لركوبها عبثا (4). والأول أظهر، في الرواية وأليق بمذهبنا. والذي يقتضيه الأدلة إن الدية جميعها على الناخسة، دون المنخوسة، لأنها الجانية، والتي اضطرتها (5) للمركوبة، حتى قمصت، فأما إذا أمكنها أن لا تقمص، وقمصت، لا ملجأة فالدية عليها وحدها، فليلحظ ذلك. وروي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال فمضى أمير المؤمنين (عليه السلام)، في أربعة شربوا خمرا فسكروا، فأخذ بعضهم على بعض السلاح، واقتتلوا فقتل اثنان، وجرح اثنان، فأمر بالمجروحين فضرب كل واحد منهما ثمانين جلدة، وقضى بدية المقتول، على المجروحين، وأمر أن تقاس جراحة المجروحين فترفع من الدية، وإن مات أحد من المجروحين، فليس على أحد من أولياء المقتولين شئ (6). والذي يقتضيه أصول مذهبنا، إن القاتلين، يقتلان بالمقتولين، فإن اصطلح الجميع على أخذ الدية، أخذت كملا من غير نقصان، لأن في إبطال القود إبطال القرآن، وأما نقصان الدية، فذلك على مذهب من تخير بين القصاص، وأخذ الدية،

(1) ج. ل. رجليه.
(2) الوسائل، الباب 7 من أبواب موجبات الضمان، ح 1.
(3) النهاية، كتاب الديات، باب ضمان النفوس وغيرها.
(4) المقنعة، باب الاشتراك في الجنايات ص 750.
(5) ج. ل. اضطرت المركوبة.
(6) الوسائل، الباب 1 من أبواب موجبات الضمان، ح 1.

[ 375 ]

وذلك مخالف لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، لأن عندهم، ليس يستحق غير القصاص فحسب. وروي أن ستة غلمان، كانوا في الفرات، فغرق واحد منهم، فشهد ثلاثة منهم، على اثنين، أنهما غرقاه، وشهد اثنان على الثلاثة، أنهم غرقوه، فقضى بالدية ثلاثة أخماس، على الاثنين، وخمسان على الثلاثة (1). قال محمد بن إدريس إن كان الغلمان غير بالغين، وهذا هو الظاهر فشهادة الصبيان لا تقبل عندنا، إلا في الجراح، والشجاج، فحسب، دون ما عداه، وفيما تقبل فيه، أن يكونوا قد بلغوا عشر سنين، وجميع هذه الروايات، أخبار آحاد، فإن عضدها كتاب، أو سنة، أو إجماع، عمل بها، وإلا حكم بما يقتضيه أصول مذهبنا. وروي عن أبي جعفر عليه السلام، قال قضى أمير المؤمنين عليه السلام، في أربعة نفر اطلعوا في زبية الأسد، فخر أحدهم فاستمسك بالثاني واستمسك الثاني بالثالث، واستمسك الثالث بالرابع فقضى بالأول فريسة الأسد وغرم أهله ثلث الدية لأهل الثاني، وغرم الثاني لأهل الثالث ثلثي الدية، وغرم الثالث لأهل الرابع الدية كاملة، لأنه قتل، وما قتل، وجذب وما جذب (2). وعلى من تجب؟ قال قوم، على الثالث وحده، لأنه هو الذي باشر جذبه، وقال آخرون على الثالث، والثاني، والأول، لأنهم كلهم جذبوه، فعلى كل واحد منهم ثلث الدية، وعلى هذا ابدا، وإن كثروا، وهذا الذي يطابق ما رواه أصحابنا. وقد روى المخالف عن سماك بن حرب عن حنبش الصنعاني، أن قوما من اليمن، حفروا، زبية الأسد، واجتمع الناس على رأسها، فهوى فيها واحد، فجذب ثانيا فجذب الثاني ثالثا، ثم جذب الثالث رابعا، فقتلهم الأسد، فرفع ذلك إلى علي (عليه السلام) فقال للأول، ربع الدية، لأنه هلك فوقه ثلاثة، والثاني (3) ثلثا الدية،

(1) الوسائل، الباب 2 من أبواب موجبات الضمان، ح 1.
(2) الوسائل، الباب 4 من أبواب موجبات الضمان، ح 2، والرواية تنتهي إلى كاملة وما بعدها ليس مذكورا في المصدر.
(3) ج. وللثاني.

[ 376 ]

لأنه هلك فوقه اثنان، والثالث (1) نصف الدية لأنه هلك فوقه واحد والرابع (2) كمال الدية فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: هو كما قال على (عليه السلام) (3). قالوا: " وهذا حديث ضعيف ". والفقه ما بيناه في الأربعة، وروايتنا خاصة، مطابقة لما بيناه أولا بعينه وفقهها على ما قلناه. فأما إذا حصل رجل في بئر، مثل أن وقع فيها أو نزل لحاجة فوقع فوقه آخر، نظرت فإن مات الأول، فالثاني، قاتل كما لو رماه بحجر فقتله، إذ لا فرق بين أن يرميه بحجر فيقتله، وبين أن يرمي نفسه عليه فيقتله، فإذا ثبت أن الثاني قاتل، نظرت في القتل، فإن كان عمدا محضا، مثل أن وقع عمدا فقتله، وكان مما يقتل غالبا لثقل الثاني، وعمق البئر، فعلى الثاني القود، وإن كان لا يقتل غالبا فالقتل عمد الخطأ، فالدية عليه في ماله خاصة، عندنا، ولا يجب عليه القود، وإن كان وقع الثاني خطأ فالقتل خطأ محض تجب الدية مخففة، على العاقلة، فإن مات الثاني دون الأول، كان دمه هدرا، لأنه رجل وقع في بئر، فمات فيها، والأول لا صنع له، في وقوعه وغير مفرط في حقه فإن ماتا معا فعلى الثاني الضمان، على ما قدمناه، إذا مات الأول وحده، ودم الثاني هدر، كما لو مات الثاني وحده. فإن كانت بحالها، وكانوا ثلاثة فحصل الأول في البئر، ثم وقع الثاني، ثم وقع الثالث، بعضهم على بعض، فإن مات الأول فقد قتله الثاني والثالث معا لأنه مات بقتلهما، فالضمان عليهما نصفان، فإن مات الثاني وحده، فلا شئ على الأول، والثالث هو الذي قتل الثاني، فالضمان عليه وحده، على ما مضى، وإن مات الثالث كان دمه هدرا لأنه لا صنع لغيره في قتله، فإن ماتوا جميعا، ففي الأول كمال الدية، على الثاني، والثالث، وفي الثاني كمال الدية، على الثالث وحده، ودم الثالث هدرا فليلحظ ذلك.

(1) و (2) ج. وللثالث والرابع.
(3) راجع المسند لأحمد ج 1 ص 77 و 128 و 152.

[ 377 ]

وروي في حايط اشترك في هدمه ثلاثة نفر، فوقع على واحد منهم، فمات، فإن الباقيين يضمنان كمال ديته، لأن كل واحد منهم، ضامن صاحبه (1). والذي يقتضيه الأدلة، ويحكم بصحته أصول المذهب أنه مات بفعله وفعل الآخرين، فيسقط ثلث الدية الذي، قابل فعله، ويستحق على الاثنين، ثلثا الدية، فحسب، وهذه الرواية من أخبار الآحاد، أوردها شيخنا في نهايته (2)، على ما وجدها إيرادا. وقد أورد شيخنا في مبسوطه ما يقتضي رجوعه عن هذه الرواية، من قوله، في رجال عشرة رموا بحجر المنجنيق فعاد الحجر على أحدهم فقتله، فقال تضمن التسعة ديته، إلا قدر جنايته على نفسه (3). باب ديات الأعضاء والجوارح والقصاص فيها في ذهاب شعر الرأس الدية كاملة، إذا لم ينبت، فإن نبت ورجع إلى ما كان عليه، كان عليه أرشه، وهو أن يقوم لو كان عبدا كم كانت قيمته، قبل أن يذهب شعره، وكم تكون قيمته بعد ذهاب شعره، ويؤخذ ذلك بحساب دية الحر، لأن العبد أصل للحر، فيما لا مقدر فيه، والحر أصل للعبد، فيما فيه مقدر منصوص عليه موظف فليلحظ ذلك، ويعتمد عليه، في كل جناية على الحر، لا مقدر فيها، ولا دية موظفة منصوص عليها. وإن كانت امرأة، كان عليه ديتها إذا لم ينبت شعرها، فإن نبت، كان عليه مهر نسائها. وذهب شيخنا المفيد في مقنعته إلى أن في شعر الرأس، إذا أصيب فلم ينبت، مائة دينار، وكذلك في شعر اللحية إذا لم ينبت (4).

(1) الوسائل، الباب 3 من أبواب الضمان، ح 1.
(2) النهاية، كتاب الديات باب ضمان النفوس.
(3) المبسوط، ج 7، كتاب الديات، ص 166.
(4) المقنعة، باب دية الأعضاء والجوارح والقصاص ص 756.

[ 378 ]

وما اخترناه هو الأظهر الذي يقتضيه أصل مذهبنا، لأنه شئ واحد في الانسان، وقد أجمعنا على أن كل ما يكون في بدن الانسان منه واحد، ففيه الدية كاملة. وهو مذهب شيخنا أبي جعفر وخيرته في نهايته (1). وفي الحاجبين إذا ذهب شعرهما خمسمائة دينار، وفي كل واحد منهما، مأتان وخمسون دينارا، وهذا إجماع من أصحابنا، وفي شفر العين الأعلى، ثلثا دية، العين، وفي شفر العين الأسفل، ثلث دية العين. وقال شيخنا في نهايته، وفي شفر العين الأعلى ثلث دية العين مائة وستة وستون دينارا وثلثا دينار، وفي شفر العين الأسفل نصف دية العين مأتان وخمسون دينارا (2). وهو اختيار شيخنا المفيد في مقنعته (3). إلا أن شيخنا أبا جعفر رجع في مبسوطه إلى ما اخترناه، فقال في الأربعة أجفان (4)، الدية كاملة، وفي كل واحد منهما، مائتان وخمسون دينارا، وروى أصحابنا أن في السفلى، ثلث ديتها، وفي العليا ثلثيها (5)، ومتى قلعت الأجفان والعينان معا ففي الكل ديتان، فإن جني على أهدابهما فأعدم انباتها (6) ففيهما الدية، وهو الذي يقتضيه (7) مذهبنا، فإن أعدم وأتلف الشعر والأجفان، فيقتضي مذهبنا إن فيهما ديتين، هذا آخر كلامه في مبسوطه (8) وخيرته في مسائل خلافه (9). وهو الأظهر الأصح، لأنه يقتضيه الأدلة، ويحكم بصحته أصول المذهب إلا في قوله أهداب العينين في ذلك الدية كاملة. والذي يقتضيه الأدلة والاجماع، إن الأهداب وهو الشعر النابت على الأجفان، لا دية فيه مقدرة، لأن أصحابنا جميعهم لم يذكروا في الشعور، مقدرا سوى شعر

(1) و (2) النهاية، كتاب الديات، باب ديات الأعضاء والجوارح.
(3) المقنعة، باب دية الأعضاء والجوارح والقصاص. ص 755.
(4) ج. الأجفان.
(5) لم نتحققه وفي الجواهر، ج 43، كتاب الديات، ص 182، لم نقف له على دليل.
(6) ج. انباتهما.
(7) ج. أصول مذهبنا.
(8) المبسوط، ج 7، كتاب الديات، دية الأجفان، ص 130.
(9) الخلاف، كتاب الديات، مسألة 24.

[ 379 ]

الرأس واللحية، وشعر الحاجبين، فإلحاق غير ذلك به قياس، ولم ترد بذلك أخبار جملة ولم يذكره أحد، من أصحابنا في مصنف له، بل قالوا في الأجفان، الدية على تفصيلهم، ولم يذكروا الشعر عليها، والأصل براءة الذمة فإذا أعدم ذلك جان مفردا عن الأجفان، كان فيه حكومة، فإذا أعدمه مع الأجفان، كان في الجميع، دية الأجفان فحسب، لأن الأهداب، تتبع الأجفان، كما لو قطع اليد، وعليها شعر، فليلحظ ذلك. وشيخنا لم يذكر ذلك إلا في فروع المخالفين، المبسوط ومسائل الخلاف، وباقي كتبه وتصنيفاته الأخبارية المسندة، والمصنفة لم يتعرض بذلك، لأنه لم يرد شئ من الاخبار به، ولا ذكر ظريف بن ناصح، في كتابه كتاب الديات، فإنه عندي، ولا غيره من المشيخة المتقدمة، ولا أورد شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في كتاب تهذيب الأحكام، وكتاب الاستبصار، فيما اختلف من الأخبار شيئا، من ذلك جملة. فقوله رحمه الله في مبسوطه والذي يقتضيه مذهبنا، إن في أهداب العينين الدية كاملة أي أصل لنا يقتضي ذلك، لا إجماع ولا أخبار، بل الذي يقتضيه مذهبنا، إنه لا مقدر في ذلك، لأن الأصل براءة الذمة، والتقدير يحتاج إلى دليل. وفي العينين الدية كاملة، وفي كل واحد منهما نصف دية النفس، وفي نقصان ضوئها بحساب ذلك. فإن ادعى النقصان، في إحدى العينين، اعتبر، مدى ما يبصر بها، من أربع جوانب، بعد أن تشد الأخرى، فإن تساوى، صدق، وإن اختلف، كذب ثم يقاس ذلك، إلى العين الصحيحة، فما كان بينهما، من النقصان أعطي بحساب ذلك، بعد أن يستظهر عليه بالأيمان حسب ما قدمناه في باب القسامة. وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه وروي في أخبارنا، أن عينيه، تقاسان إلى عين من هو في سنه، ويستظهر عليه بالأيمان، فأما إذا نقص ضوء إحديهما، أمكن اعتباره، بالمسافة، وهو أن تعصب العليلة وتطلق الصحيحة وينصب له شخص على نشز أو تل أو ربوة في مستوى من الأرض، فكلما ذكر أنه يبصره، فلا يزال يباعد عليه

[ 380 ]

حتى ينتهي إلى مدى بصره، فإذا قال، قد انتهى غير ما عليه لون الشخص، حتى يعلم صدقه، من كذبه، لأن قصده أن يبعد المدى فإنه كلما بعد، وقصر مدى بصر العليلة، كان أكثر لحقه، فلهذا غيرنا الشخص فإذا عرفنا قدر المسافة ذرعا عصبنا الصحيحة، وأطلقنا العليلة ونصبنا له شخصا ولا يزال يباعد عليه، حتى يقول لا أبصره بعد هذا، وقصده هاهنا تقليل المسافة، لتكثير حقه، فإذا فعل هذا أدرنا الشخص من ناحية، وكلفناه أن ينظر إليه، فإن اتفقت المسافتان، علم صدقه، وإن اختلفا، علم كذبه فلا يزال معه حتى تسكن النفس إلى صدقه، فتمسح المسافة هاهنا، وينظر ما بين المسافتين فيؤخذ بالحصة من الدية مثل السمع سواء هذا آخر كلامه في مبسوطه (1). وعندي إن هذا يمكن الاعتماد عليه، والاعتبار به، فإنه قوي. فإن ادعى النقصان في العينين جميعا، قيس عيناه إلى عيني من هو من أبناء سنه، وألزم ضاربه ما بينهما، من التفاوت، ويستظهر عليه بالأيمان، ولا يقاس عين في يوم غيم، ولا في أرض مختلفة الجهات في الضوء والظلمة بل يقاس في أرض مستقيمة. ومن ادعى ذهاب بصره وعيناه مفتوحتان، صحيحتان، ولم يعلم صدق قوله، استظهر عليه بالأيمان. وروي أنه يستقبل بعينيه عين الشمس، فإن كان كما قال، بقيتا مفتوحتين في عين الشمس، فإن لم يكن كما قال، غمضهما (2). وفي العين العوراء، الدية كاملة، إذا كانت خلقة، أو قد ذهبت بآفة من جهة الله تعالى فإن كانت قد ذهبت وأخذ ديتها، أو استحق الدية، وإن لم يأخذها، كان فيها ثلث (3) الدية، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (4) ومسائل خلافه (5).

(1) المبسوط، كتاب الديات، ج 7، ص 128 - 129.
(2) الوسائل، الباب 4 من أبواب ديات المنافع، ح 1.
(3) وفي المصدر، نصف الدية.
(4) المبسوط، كتاب الديات، ج 7 ص 146، ولا يخفى أن ما في المصدر خلاف ما نقله عنه، فراجع.
(5) الخلاف كتاب الديات مسألة 22، والعبارة هكذا، في العين العوراء إذا كانت خلقة أو ذهبت بآفة من جهة الله، الدية كاملة.

[ 381 ]

وذهب في نهايته إلى أن فيها نصف الدية (1). والأول الذي اخترناه هو الأظهر الذي يقتضيه أصول مذهبنا، ولأن الأصل براءة الذمة، فيما زاد على الثلث، فمن ادعى زيادة عليه، يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا يرجع في مثل ذلك إلى أخبار الآحاد. والأعور، إذا فقأ عين صحيح، قلعت عينه، وإن عمي فإن الحق أعماه، فإن قلعت عينه، كان بالخيار، بين أن يقتص من إحدى عينيه، أو يأخذ تمام دية كاملة ألف دينار هذا إذا كانت، قد ذهبت بآفة من الله تعالى، فإن كانت قد قلعت عينه، فأخذ ديتها أو استحقها ولم يأخذها ففي العين الأخرى نصف الدية فحسب. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، والأعور إذا فقأ عين صحيح، قلعت عينه وإن عمى فإن الحق أعماه فإن قلعت عيناه كان مخيرا بين أن يأخذ الدية كاملة، أو يقلع إحدى عيني صاحبه، ويأخذ نصف الدية (2). وما اخترناه نحن أولا هو اختياره في مسائل خلافه (3)، فإنه رجع عما ذكره في نهايته، وهو الذي يقتضيه الأدلة، ويحكم بصحته ظاهر التنزيل، لأن الله تعالى قال " العين بالعين " (4) ولم يقل العين بالعين ونصف الدية، ولا ن الأصل براءة الذمة، فمن شغلها بنصف الدية، يحتاج إلى دليل. وفي العين القائمة إذا خسف بها ثلث ديتها صحيحة، وكذلك في العين العوراء التي أخذت ديتها، أو استحقها صاحبها، ولم يأخذها ثلث ديتها صحيحة على ما بيناه أولا، وحررناه. وشيخنا أبو جعفر في نهايته، فرق بينهما، بأن قال إذا قلع العين العوراء التي أخذت ديتها، أو استحقت الدية ولم تؤخذ نصف الدية يعني ديتها، فإن خسف بها، ولم يقلعها، ثلث ديتها (5).

(1) و (2) النهاية، كتاب الديات، باب ديات الأعضاء والجوارح.
(3) الخلاف، كتاب الديات 58.
(4) سورة المائدة، الآية 45.
(5) النهاية، لم نتحققها فيها.

[ 382 ]

والأولى عندي إن في القلع والخسف ثلث ديتها. فأما إذا كانت عوراء والعور من الله تعالى بلا خلاف بين أصحابنا أن فيها ديتها، كاملة خمسمائة دينار. وقال المخالفون لأصحابنا ديتها مأتان وخمسون دينارا. وفي الأذنين، الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما نصف الدية، وفيما قطع منهما، بحساب ذلك. وفي شحمة الأذن ثلث دية الأذن، وفي خرمها، ثلث ديتها، يعني في خرم الشحمة، ثلث دية الشحمة، وهو ثلث الثلث الذي هو دية الشحمة. وفي ذهاب السمع، دية كاملة، وفيما نقص منه، بحساب ذلك. ويعتبر نقصانه بأن يضرب الجرس، في أربع جهات وينظر إلى مدى ما يسمع منه، فإن تساوى، صدق، واستظهر عليه بالأيمان، وإن اختلف كذب. ومن ادعى ذهاب سمعه كله، ومعه لوث، كانت عليه القسامة، حسب ما قدمناه ولا يقاس الأذن، في يوم الريح، بل يقاس في يوم ساكن الهواء. وفي الأنف، إذا استوصلت، واستوعبت جدعا بالدال غير المعجمة وهو القطع الدية كاملة، وكذلك إذا قطع مارنها فحسب، كان فيه الدية أيضا والمارن ما لان منها، ونزل عن الخياشيم وفيما نقص منه بحساب ذلك. وكذلك في ذهاب الاحساس بها كلها الدية كاملة. وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال يعتبر ذلك، بأن يحرق الحراق، ويقرب منه فإن دمعت عينه ونحى أنفه كان كاذبا وإن بقي على ما كان صدق (1). وينبغي أن يستظهر عليه بالأيمان حسب ما قدمناه. وفي الشفتين جميعا الدية كاملة، وفي العليا منهما، ثلث الدية، وفي السفلى ثلثاها.

(1) أوردها الشيخ قدس سره في النهاية وقريب منها ما رواه في المستدرك الوسائل الباب 4 من أبواب ديات المنافع، ح 1.

[ 383 ]

وقال شيخنا في نهايته في العليا منهما أربعمائة دينار، وفي السفلى منهما ستة مائة دينار (1). إلا أنه رجع في مبسوطه إلى ما اخترناه فإنه قال، وفي الشفتين الدية كاملة وفي السفلى عندنا ثلثاها، وفي العليا ثلث الدية (2). وهذا هو الأظهر ولا يرجع في مثل ذلك إلى أخبار آحاد لا توجب علما، ولا عملا. وما اخترناه مذهب شيخنا المفيد رحمه الله في مقنعته (3). وذهب بعض أصحابنا إلى أنهما متساويتان في الدية فيهما جميعا، الدية كاملة، وفي إحديهما نصف الدية، وهو ابن أبي عقيل في كتابه، وهو قول قوي، إلا أن يكون على خلافه، إجماع، ولا شك أن الاجماع منعقد، على تفضيل السفلى، والاتفاق حاصل على الستمائة دينار، والأصل براءة الذمة مما زاد عليه، وبهذا القول الأخير أعمل، وأفتي، وهو خيرة شيخنا في الاستبصار (4). وفيما نقص منهما بحساب ذلك، يقاس بالخيط، ونحوه. وفي الشفتين، القود، إذا قطعهما متعمدا بلا خلاف لأن لهما حدا تنتهي إليه. وحد الشفة السفلى عرضا ما تجافى عن الأسنان، واللثة بكسر اللام وتخفيف الثاء ما ارتفع عن جلد الذقن، وحد عرض العليا، ما تجافى عن الأسنان، إلى اتصاله بالمنخرين، والحاجز بينهما والطول حد طول الفم، إلى جانبيه، وليست حاشية الشدقين منهما. فإن قطع بعض ذلك، ففيه الدية بحسابه على ما قلناه تعتبر بالمساحة. وفي لسان صحيح الحاسة والنطق، الدية كاملة، بلا خلاف، فإن جنى على اللسان المقدم ذكره، فذهب نطقه فيه أيضا كمال الدية، فإن ذهب ذوقه، ففيه

(1) النهاية، كتاب الديات باب الأعضاء والجوارح...
(2) المبسوط، ج 7، كتاب الديات، ص 132.
(3) المقنعة، باب دية الأعضاء والجوارح ص 755.
(4) الاستبصار، ج 4، الباب 171 من أبواب ديات الأعضاء، ص 288.

[ 384 ]

أيضا الدية. فإن جنى على ذلك فذهب بعض كلامه، فالصحيح عندنا، وعندهم، أنه يعتبر بحروف المعجم كلها، وهي ثمانية وعشرون حرفا، ولا تعد لا - فيها لأنه قد ذكر فيها الألف واللام. فإن كان النصف منها، ففيه نصف الدية، وما زاد أو نقص فبحسابه. إذا جنى عليه، فذهب من الحروف، حرف، تزول معه الكلمة بزواله، مثل أن أعدم الحاء، فصار مكان محمد، ممد، ومكان أحمد، أمد، فعليه دية الحاء وحدها، ولا دية عليه في حروف باقي الكلمة، وإن كان قد ذهب معناها، لأنه ما أتلفها. وإن ذهب من كل كلمة، حرف، وقام مقامه غيره فصار يقول مكان محمد، مخمد، فجعل مكان الحاء خاء، فعليه دية الحاء وحدها، لأنه ما أذهب غيرها. فإن قطع بعض اللسان نظرت، فإن قطع ربعه، فذهب ربع الكلام، أو نصفه، فذهب نصف الكلام، ففيه من الدية بحساب ذلك، لأنه وافق القطع والكلام معا. وإذا قطع ربع اللسان، فذهب نصف الكلام، أو نصف اللسان، فذهب ربع الكلام، كان فيه نصف الدية، بلا خلاف، هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر الطوسي في مبسوطه (1). والذي يقتضيه الأدلة، إن اللسان الصحيح، الاعتبار فيه بحروف المعجم، لا بقطع أبعاضه، فإذا قطع نصف اللسان، فذهب ربع الكلام، فعليه ربع الدية، اعتبارا بالكلام، دون نصف اللسان، وكذلك إذا قطع ربع اللسان، فذهب نصف الكلام، كان عليه نصف الدية، اعتبارا بالكلام، فلو كان الاعتبار بالأبعاض من اللسان، لكان عليه، ربع الدية، لأنه ما قطع هاهنا، سوى ربع اللسان، فليلحظ ذلك. وقد رجع شيخنا، في موضع آخر من مبسوطه، فقال، فأما اللسان، فالاعتبار

(1) المبسوط، ج 7، كتاب الديات، ص 134.

[ 385 ]

عندنا بالحروف، لا غير (1). فأما في نهايته (2)، فوافق لما اخترناه، فأما ما ذكره أولا بمذهب (3) المخالفين، وتعليلاتهم، وقياساتهم. إذا قطع لسان صبي، فإن كان قد بلغ حدا ينطق بكلمة، بعد كلمة، مثل قوله بابا وماما ونحوه، فقد علم أنه لسان ناطق، فإن قطعه قاطع فعليه الدية كاملة كلها، كلسان الكبير الناطق، وإن كان طفلا لا نطق له بحال، كمن له شهر، وشهران، وكان يحرك لسانه، لبكاء أو لغيره، مما يعير (4) فيه اللسان، ففيه الدية لأن الظاهر أنه لسان ناطق، فإن أماراته، لا تخفى، فإن بلغ حدا ينطق، فلم (5) ينطق، فقطع لسانه، فهو كلسان الأخرس. وعندنا في لسان الأخرس، ثلث دية اللسان الصحيح، واللسان يذكر ويؤنث. فإن قطع بعض لسان الأخرس، اعتبر بالمساحة، وأخذ على حسابه، لأنه لا كلام له، فيعتبر به، بل الاعتبار فيه، بمقاديره، فهذا فرق ما بين لسان الصحيح، ولسان الأخرس. وفي الأسنان كلها، الدية كاملة. والتي تقسم عليها الدية، ثمانية وعشرون سنا، ستة عشر منها، في مآخير الفم، واثنتي عشرة في مقاديمه. فالتي هي في مآخير الفم لكل سن منها خمسة وعشرون دينارا فذلك أربعمائة دينار، والتي (6) في مقاديم الفم، لكل سن منها خمسون دينارا، فذلك ستمائة دينار والجميع ألف دينار، وما زاد على ما ذكرناه في العدد فليس له دية مخصوصة، بل فيه حكومة، بأن تقوم إن لو كان عبدا ويعطى بحساب ذلك من دية الحر، على ما بيناه، وهو مذهب شيخنا المفيد رحمه الله (7). وذهب شيخنا أبو جعفر في نهايته إلى أن ما زاد على ما ذكرناه في العدد فليس له.

(1) المبسوط، ج 7، كتاب الديات، ص 135.
(2) النهاية، كتاب الديات، باب ديات الأعضاء والجوارح...
(3) ج. ل. فمذهب.
(4) ل يعبر.
(5) ج. فلا.
(6) ج. ل. التي هي.
(7) في المقنعة، باب دية الأعضاء والجوارح ص 756.

[ 386 ]

دية مخصوصة، إلا إذا قلعت مفرده، فإن قلع السن الزائد مفردا كان فيه ثلث دية السن الأصلي (1). وهذا المذهب قوي، وبه أخبار (2) كثيرة معتمدة وفي السن الأسود ثلث دية السن الصحيحة، وروي (3) ربع دية السن الصحيح. وإذا ضربت السن فلم تسقط، لكنها اسودت أو انصدعت (4) ففيها ثلثا دية سقوطها. ومن ضرب سن صبي فسقط انتظر به، فإن نبتت لم يكن فيها قصاص، وكان فيها الأرش، ينظر فيما ينقص من قيمته بذلك وقت سقوطها أن لو كان مملوكا، ويعطى بحساب ذلك على الاعتبار الذي قدمناه. فإذا قلع السن بسنخها، فالسن ما شاهدته زائدا على اللثة، بكسر اللام، وتشديدها، وفتح الثاء المنقطة ثلاث نقط، وتخفيفها والسنخ أصلها المدفون في اللثة، فإذا قلعها من أصلها ففيها خمس من الإبل، لأن أصلها كأصل الإصبع. فإن قطع منها ظاهرها كله دون سنخها ففيها دية سن، كما لو قطع إصبعا من أصلها الذي هو الكف. فإن جنى آخر فقلع سنخها، كان فيه حكومة، كما لو قطع رجل إصبع رجل ثم جنى (5) آخر فقلع أصلها إلى الكوع كان على قاطعها دية إصبع، وعلى قاطع ما تحتها حكومة.

(1) النهاية، كتاب الديات، باب ديات الأعضاء والجوارح..
(2) لم نتحققها وفي الجواهر ج 43، ص 234 نقلا عن نكت النهاية في الرد على ابن إدريس نحن لا ندري قوته من أين عرفها، ولا الأخبار التي أشار إليها أين وجدها لا الكثرة من أين حصلها ونحن مطالبوه بدعواه " راجع نكت النهاية، في نكتها على باب ديات الأعضاء والجوارح. من النهاية " ص 367 من الجوامع الفقهية.
(3) الوسائل، الباب 40 من أبواب ديات الأعضاء الحديث 3. (4) ج. ل. تصدعت.
(5) ج. جاء.

[ 387 ]

فأما سن المثغر يقال في اللغة، ثغر الغلام فهو مثغور إذا سقطت اللبن منه، واثغر، واثغر، إذا نبتت بعد سقوطها، ويقال: ثغرت الرجل، إذا كسرت سنه فإذا ثبت هذا فإذا قلع سن انسان لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون سن صغير لم يسقط بعد، أو سن كبير، فإن كان سن صغير لم يسقط بعد، وهي سن اللبن، فقد قلنا ما عندنا فيه، وهو مذهب شيخنا المفيد (1) وشيخنا أبي جعفر في نهايته (2). وذهب في مبسوطه إلى أن قال: فالذي رواه أصحابنا أن في كل سن بعيرا ولم يفصلوا (3). والذي قاله في نهايته هو مذهب أصحابنا أجمع، وما قاله في مبسوطه لم يذهب أحد من أصحابنا إليه، ولا أفتى به، ولا وضعه في كتابه على ما أعلمه. وقال شيخنا في مسائل خلافه: مسألة: إذا قلع سن مثغر كان له قلع سنه، فإذا قلعه ثم عاد سن الجاني كان عليه أن يقلعه ثانيا أبدا (4). قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: وهذا قول الشافعي، اختاره شيخنا. ثم استدل شيخنا بما يضحك الثكلى، فقال: " دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم " يا سبحان الله من أجمع معه على ذلك؟! وأي أخبار لهم فيه؟! وإنما أجمعنا في الأذن لأمور: أحدها أنها ميتة، فلا يجوز الصلاة له، لأنه حامل نجاسة فيجب زوالها، والثاني إجماعنا على ذلك وتواتر أخبارنا، فمن عداه إلى غيرها فقد قاس، والقياس عندنا باطل، وأيضا فالسن هبة مجددة من الله تعالى، خلقه، لا هي تلك المقلوعة نفسها، فكيف تقلع أبدا، وهذا منه " رحمه الله " إغفال في التصنيف، فإنه قد رجع عن ذلك في مبسوطه (5).

(1) في المقنعة، باب دية الأعضاء والجوارح ص 757.
(2) النهاية، كتاب الديات، باب ديات الأعضاء والجوارح..
(3) المبسوط، ج 7، كتاب الديات، ص 138.
(4) الخلاف، كتاب الجنايات، مسألة 77.
(5) المبسوط، ج 7، كتاب الجراح، ص 99 إلا أن كلامه فيه موافق لخلافه والعبارة هكذا، فله قلعها أبدا حتى يعدم انباتها وهو الذي يقتضيه مذهبنا.

[ 388 ]

وفي اللحية إذا حلقت فلم تنبت، الدية كاملة، وإن نبتت كان فيها ثلث الدية. وذهب شيخنا المفيد في مقنعته (1) إلى أن في شعر الرأس إذا أصيب فلم ينبت مائة دينار، وفي شعر اللحية كذلك، إذا ذهب فلم ينبت. والأول مذهب شيخنا أبي جعفر (2) وهو الأظهر الأصح. وفي العتق إذا كسر فصار الانسان منه أصور الدية كاملة. وفي اليدين جميعا الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما نصف الدية، وفي أصابع اليدين الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما عشر الدية. وهذا مذهب شيخنا في نهايته (3) وهو الصحيح الذي يقتضيه أصول المذهب، وتعضده الأدلة والاعتبار. وقد روي (4) أن في الابهام ثلث دية اليد، وفي الأربع أصابع ثلثي ديتها، بينها بالسوية. وإلى هذه الرواية يذهب شيخنا أبو جعفر في استبصاره (5) متأولا للرواية الشاذة. والصحيح ما ذهب إليه واختاره في نهايته، لما قدمناه من الأدلة. وفي كل أنملة ثلث دية الإصبع، إلا في الابهام، فإن في كل أنملة منها نصف ديتها، لأن لها مفصلين. وفي الإصبع الزائدة ثلث دية الإصبع الصحيحة. وفي الظفر إذا قلع ولم يخرج عشرة دنانير، فإن خرج أسود فثلثا ديته، وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: " جميع ديته " (6). وما ذكرناه أولى، لأن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل، وأيضا

(1) المقنعة، باب دية الأعضاء والجوارح ص 756.
(2) و (3) و (6) في النهاية، كتاب الديات، باب ديات الأعضاء والجوارح.
(4) الوسائل، الباب 12 من أبواب ديات الأعضاء، ح 1.
(5) الاستبصار، ج 4 الباب 175 من أبواب ديات الأعضاء، ص 292.

[ 389 ]

فليس خروجه أسود كلا خروجه بالكلية. فإن خرج أبيض فخمسة دنانير، على ما روي (1). والمرأة تساوي الرجل في جميع ما قدمناه من ديات الأعضاء والجوارح، حتى تبلغ ثلث دية الرجل، فإذا بلغتها رجعت إلى النصف من ديات الرجال. مثال ذلك: أن في إصبع الرجل إذا قطعت عشرا من الإبل، وكذلك في إصبع المرأة، وفي إصبعين من أصابع الرجل عشرون من الإبل، وفي إصبعين من أصابع المرأة كذلك، وفي ثلاث أصابع الرجل ثلاثون من الإبل، وكذلك ثلاث أصابع المرأة سواء، وفي أربع أصابع من يد الرجل أو رجله أربعون من الإبل، وفي أربع أصابع المرأة عشرون من الإبل، لأنها زادت على الثلث، فرجعت بعد الزيادة إلى أصل دية المرأة، وهي النصف من ديات الرجال، ثم على هذا الحساب، كلما زادت أصابعها وجوارحها وأعضاؤها على الثلث رجعت إلى النصف، فيكون في قطع خمس أصابع لها خمس وعشرون من الإبل، وفي خمس أصابع الرجل خمسون من الإبل. بذلك ثبتت السنة عن نبي الهدى عليه السلام، وبه تواترت الأخبار (2) عن الأئمة من آله الأطهار عليهم السلام وقد روي محمد بن أبي عمير، عن عبد الله بن الحجاج، عن أبان بن تغلب، قال: قلت للصادق عليه السلام: ما تقول في رجل قطع إصبع امرأة كم فيها؟ قال: عشر الدية، أو عشر من الإبل، قال: قلت: اثنين؟ قال: خمس الدية، أو عشرون من الإبل، قلت: ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون من الإبل، قال: قلت: أربع أصابع (3) قال: عشرون، قلت: سبحان الله: يقطع ثلاثا فيكون ثلاثين من الإبل، ويقطع أربعا فيكون فيها عشرون! هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق، فنتبرأ ممن قاله، ونقول: الذي جاء به شيطان، فقال: فمهلا يا أبان! هذا حكم رسول الله صلى الله عليه وآله، إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان! إنك أخذت بالقياس، والسنة إذا قيست أبطلت

(1) الوسائل، الباب 41، من أبواب ديات الأعضاء، ح 1.
(2) الوسائل، الباب 44، من أبواب ديات الأعضاء.
(3) ج. ل. قطع أربع أصابع.

[ 390 ]

الدين (1). ومثل هذا رواه المخالفون عن سعيد بن المسيب، فقال له السائل كلما عظمت مصيبتها، قل عقلها، فقال له سعيد، هكذا السنة (2). ولا فرق بين أن يكون الجاني على المرأة امرأة، أو رجلا في أن الجناية ديتها، دية جارحة الرجل ما لم يبلغ ثلث الدية، لأن الأخبار عامة بأن ديات أعضاء النساء، وجوارحهن تتساوى، في ديات أعضاء الرجال، وجوارحهم، وإن دية جارحة المرأة مثل دية جارحة الرجل، ما لم تبلغ ثلث دية الرجل، فمن خص ذلك، فعليه الدليل. وروى المخالف، أن ربيعة، قال لسعيد بن المسيب كم في إصبع المرأة، قال عشر، قلت ففي إصبعين، قال عشرون، قلت ففي ثلاث، قال ثلاثون، قلت ففي أربع، قال عشرون، فقلت له إنه لما عظمت مصيبتها، قل عقلها، قال هكذا السنة (3). قوله هكذا السنة دال على أنه أراد سنة النبي صلى الله عليه وآله وإجماع الصحابة والتابعين على هذا (4) الحكم مخصوص إذا كان الجاني عليها واحد ولم تبلغ جنايته، ثلث ديات الرجال، أو بلغتها، كان الاعتبار ما قدمناه. فأما إذا اختلف الجناة، ولم تبلغ جناية كل واحد منهم، ثلث الدية، وإن كانت جناياتهم بمجموعها، تبلغ ثلث ديات الرجال، فإنها لا تنقص المرأة، بل يجب لها على كل واحد وجان القصاص، أو دية عضو الرجل، فليلحظ ذلك، ويتأمل، فإنه غامض. وسواء كانت الجناة رجالا أو نساء، على ما قدمناه وحررناه من قبل، وبيناه. والمرأة تقاصص (5) الرجل فيما تساويه في ديته من الأعضاء، والجوارح،

(1) الوسائل، الباب 44 من أبواب ديات الأعضاء، ح 1 وفي المصدر، إذا قيست محق الدين.
(2) و (3) سنن البيهقي، كتاب الديات باب ما جاء في جراح المرأة، الحديث 4 (ج 8، ص 96) فيه. " إنها السنة ".
(4) ج. وهذا الحكم. ل. وإجماع الصحابة والتابعين، هذا الحكم.
(5) ج. تقاص.

[ 391 ]

والأسنان، ولا قصاص بينهما وبينه فيما زاد على ذلك، لكنها تستحق به (1) الأرش والديات، هكذا أورده شيخنا المفيد في مقنعته (2). والذي يقتضيه الأدلة، ويحكم بصحته أصول مذهبنا أن لها القصاص، فيما تساويه، وفيما لا تساويه، غيران فيما تساويه، لا تراد (3)، إذا اقتصت، وفيما لا تساويه، ترد فاضل الدية، وتقتص حينئذ لأن إسقاط القصاص، بين الأحرار المسلمين، يحتاج إلى دليل شرعي، ولا دليل على ذلك، بل القرآن، والاجماع منعقد، على ثبوته. وإلى ما حررناه يذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في الجزء الثالث، من استبصاره في باب حكم الرجل، إذا قتل امرأة (4). وهو الصحيح الذي يقتضيه الأدلة ولم يخالف فيه سوى من ذكرته، وهو معلوم العين. وفي الظهر إذا كسر، ثم صلح، ثلث الدية، فإن أصيب، حتى صار بحيث لا ينزل في حال الجماع، كان فيه الدية كاملة. وكذلك إذا صار محدودبا منه الانسان، كان فيه الدية كاملة. وكذلك ا ن صار بحيث لا يقدر على القعود، كانت فيه الدية كاملة. وفي النخاع إذا انقطع، الدية كاملة، وقد بينا حقيقة النخاع في باب الذبايح، فلا وجه لإعادته. وإذا كسر بعصوص الانسان، أو عجانه والعجان ما بين الخصية والفقحة فلم يملك بوله، أو غايطه، ففيه الدية كاملة، وإن أصابه سلس البول، ودام إلى الليل، فما زاد عليه كان فيه الدية كاملة وإن كان إلى الظهر، ثلثا الدية، وإن كان إلى ضحوة ثلث الدية، ثم على هذا الحساب. وفي ذكر الرجل إذا قطعت حشفته، فما زاد عليها الدية كاملة، فإن كان ذكر

(1) ج. ل. بها الأرش.
(2) المقنعة، باب الحوامل والحمول وجوارح النساء ص 764.
(3) ج. ل. لا ترد.
(4) الاستبصار، ج 4، الباب 154 من كتاب الديات، ص 266.

[ 392 ]

عنين، ففيه ثلث الدية في جميعه، وما قطع منه فبحساب ذلك، يمسح ويعرف ذلك بالاعتبار والمقدار. ويقطع ذكر الفحل بذكر من قد سلت بيضتاه. وفي فرج المرأة، دية كاملة. والاسكتان مكسور الأول مسكن السين غير المعجمة مفتوح الكاف بالتاء المنقطة نقطتين من فوقها تثنية اسكت، وهما غير الشفرين عند أهل اللغة، وهما اللحم المحيط بمشق الفرج، والشفران بضم الشين حاشية الاسكتين، كما أن للعينين جفنين ينطبقان عليهما، وشفرهما في الحاشية التي ينبت فيها أهداب العين، والاسكتان، كالأجفان، والشفران، كشفري العين. قال الزجاج، في خلق الانسان في باب الحر يقال له الحر والقبل، والفرج والحياء وفيه الاسكتان، وهما جانباه. وقال أبو هلال العسكري في كتاب خلق الانسان الاسكت على وجهين أحدهما مما يلي الشفرين من فرج المرأة، وهما اسكتان. قال جرير: ترى برصا بأسفل اسكتيها * كعنفقة الفرزدق حين شابا وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، الاسكتان والشفرتان عبارة عن شئ واحد وهما اللحم المحيط بالفرج إحاطة الشفتين بالفم وهما عند أهل اللغة عبارة (1) عن شيئين - هذا آخر كلام شيخنا (2). والصحيح ما قاله أهل اللغة فالمرجع في ذلك إليهم. فإذا ثبت هذا فمتى جنى عليهما فقطع ذلك منها، فعليه ديتها كاملة. الرتق انسداد في الفرج. والقرن بفتح القاف وسكون الراء وهو عظم داخل الفرج يمنع الجماع فإذا قطع قاطع شفريهما، ففيهما ديتها، لأن العيب، داخل الفرج، فهما بمنزلة شفتي

(1) ج. عبارتان.
(2) المبسوط، ج 7، كتاب الديات، ص 149.

[ 393 ]

الأخرس، ولو كان أخرس، كان في شفتيه، الدية كاملة. فإن قطع الركب بفتح الراء والكاف معهما ففي الركب حكومة والركب هو الجلد الثاني فوق الفرج وهو منها بمنزلة موضع شعرة الرجل ففي الركب حكومة. والافضاء أن يجعل مدخل الذكر، وهو مخرج المني والحيض والولد ومخرج البول، واحدا، فإن مدخل الذكر، مخرج الولد واحد، وهو أسفل الفرج، ومخرج البول من ثقبة كالاحليل، في أعلى الفرج، وبين المسلكين حاجز رقيق، فالافضاء إزالة ذلك الحاجز. وقد يتوهم كثير من الناس، إن الافضاء، أن يجعل مخرج الغايط، ومدخل الذكر، واحدا. وهذا غلط عظيم. ففي الافضاء الدية كاملة، على ما قدمناه، فإن كانت بكرا، وجب المهر، والدية معا، وقال قوم لا يجب أرش البكارة، فإنه يدخل في دية الافضاء، ومنهم من قال يجب أرش البكارة، وهو مذهبنا، لأنه لا دليل على دخوله في أرش الافضاء. وفي الأنثيين معا الدية كاملة، وفي كل واحد منهما نصف الدية. وقد روي أن في اليسرى منهما، ثلثي الدية، لأن الولد يكون من اليسرى (1). ولا دليل يعضد هذه الرواية. وفي أدرة الخصيتين بضم الألف وسكون الدال غير المعجمة وبفتح الراء غير المعجمة وهي انتفاخ الخصيتين لأن الادرة من الرجال الضخم الخصية من فتق أو غيره. قال الجوهري، في كتاب الصحاح الأدرة نفخة في الخصية، يقال رجل آدر بين الأدرة (2). فإذا ثبت ذلك وتحققت لغتها، ففيها أربع مائة دينار. فإن فحج فلم يقدر على المشي، أو مشى شيئا لا ينتفع به، كان فيه ثمانمائة دينار،

(1) الوسائل، الباب 18، من أبواب ديات الأعضاء، ح 2.
(2) ل، بين الأدرة وألادر.

[ 394 ]

ومن تزوج بصبية فوطئها قبل أن تبلغ تسع سنين، فأفضاها، كان عليه ديتها على ما قدمناه، ومهرها أيضا، ويلزم نفقتها إلى أن يفرق الله بينهما بالموت، فإن وطأها بعد تسع سنين فأفضاها لم يكن عليه شئ سوى مهرها. ومن افتض جارية بإصبعه، فذهب بعذرتها كان عليه مهر نسائها، سواء كان الفاعل رجلا أو امرأة إذا كانت المفعول بها صغيرة لا تعقل، أو كبيرة ومكرهة على ذلك وكذلك إن زنى بها فأذهب (1) بعذرتها. وفي ثديي المرأة، ديتها، لأنهما من أصل الخلقة، وفي أحدهما نصف الدية، فإن قطعهما مع شئ من جلدة الصدر، ففيهما ديتها، وحكومة، في الجلدة. إذا قطع من الثديين، الحلمتين، وهما اللتان، كهيئة الزر (2) في رأس الثدي يلتقمهما الطفل، ففيهما الدية. فأما حلمتا الرجل، قال قوم فيهما الحكومة، وقال آخرون، فيهما الدية، وهو مذهبنا. وفي الرجلين معا الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما نصف الدية. وفي أصابع الرجلين معا، الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما، عشر الدية. وحكم المرأة، حكم الرجل، على ما قدمناه في اليدين سواء. وقد روي أن في الابهام منها، ثلث الدية، والثلثين في الأربع الأصابع (3) كما ذكرناه في اليدين سواء. والأول هو المعول عليه، لأن هذه الرواية، ما يعضدها دليل يوجب العلم، وأخبار الآحاد، لا يعمل بها في الشرعيات عندنا. وكل شئ من الأعضاء في الانسان، منه واحد ففيه الدية كاملة إذا قطع من أصله إلا ما خرج بدليل من الحشفة، وهي الكمرة، وهي طرفه، بفتح الكاف والميم والدال (4) غير المعجمة وهي الفيشة، والفيشة، من ذكر الصحيح، دون ذكر العنين

(1) ج فذهب.
(2) الزر بالكسر، الحبة تجعل في العروة.
(3) الوسائل، الباب 12 من أبواب ديات الأعضاء، ح 1.
(4) ج. ل. الراء، ولا يخفى تناقض ضبط الكلمة مع هجائها في النسخة الأصلية إلا أن كمدة وكمرة بمعنى واحد كما في لغة دهخدا وفي مجمع البحرين كمر بالتحريك حشفة الذكر..

[ 395 ]

وفيما كان من الأعضاء في الانسان، منه اثنان ففيهما جميعا الدية، إلا ما خرج بدليل من الحاجبين إن كان ذكرا حرا مسلما، فبحساب ديته، على ما تقدم ذكره ألف دينار، وإن كانت امرأة مسلمة حرة فديتها خمسمائة دينار. وقد بينا القول في دية العبد، والذمي، بما أغني عن تكراره في هذا المكان، فدية أعضاء هؤلاء المذكورين، بحساب دياتهم، في اليد، إذا استوصلت من الزند نصف الدية، وفي اليدين جميعا الدية كاملة، كذلك وفي الذراع، والذراعين، والعضد، والعضدين، فإن قطع قاطع، اليد من نصف الذراع، كان عليه في اليد، القود، لأن لها مفصلا ينتهي إليه، وعليه دية نصف الذراع، نصف الدية، يعتبر ذلك بالمساحة، ولا قود فيه بحال، لأن فيه تغريرا بالنفس، وأيضا لا مفصل له ينتهي إليه، فليلحظ ذلك. واليد إذا ضربت فشلت ولم تنفصل من الانسان، كان فيها ثلثا دية انفصالها. ومن كسر يد انسان، ثم برأت، وصلحت، لم يكن فيها قصاص، ويجب فيها الأرش على ما بيناه من الاعتبار. وفي اليد الشلاء، إذا قطعت ثلث ديتها صحيحة. وفي كل عضو، ومفصل، إذا ضربه ضارب فشل، ولم ينفصل عن محله، ففيه ثلثا ديته، فإن قطعه قاطع، بعد شلله، ففيه ثلث ديته. ومن رعد قلبه، فطار، كان فيه الدية كاملة. وفي إعدام الشم، الدية كاملة على ما بيناه. وفي إعدام السمع الدية أيضا كاملة. وقد روي أن من داس بطن انسان حتى أحدث كان عليه، أن يداس بطنه حتى يحدث، أو يفتديه بثلث الدية (1). والذي يقتضيه أصول مذهبنا، خلاف هذه الرواية، لأن هذا فيه التغرير بالنفس، فلا قصاص في ذلك بحال.

(1) الوسائل، الباب 20، من أبواب قصاص الطرف، ح 1.

[ 396 ]

وقد روي أن من ضرب امرأة مستقيمة الحيض على بطنها، فارتفع حيضها، فإنه ينتظر بها سنة، فإن رجع طمثها إلى ما كان، وإلا استحلفت، وغرم ضاربها، ثلث ديتها. ومن قطع أنف انسان وأذنيه، وقلع عينيه، ثم قتله، اقتص منه أولا، ثم يقاد به، سواء فرق ذلك به في ضربات أو كان قد ضربه ضربة واحدة، فحنت الضربة هذه الجنايات. قال بعض أصحابنا اقتص منه أولا، ثم يقاد به إذا كان قد فرق ذلك به وإن كان قد ضربه ضربة واحدة فجنت الضربة هذه الجنايات وأدت إلى القتل، لم يكن عليه أكثر من القود، أو الدية، وهذا قول شيخنا أبي جعفر في نهايته (1). وما اخترناه اختياره في مسائل خلافه (2)، ومبسوطه (3)، وهو الأظهر، والأصح عند محصلي أصحابنا، ويعضده ظاهر التنزيل، وهو قوله تعالى " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (4) - وقوله تعالى " والجروح قصاص " (5) لأنه لا يدخل قصاص الطرف، في قصاص النفس، ويدخل دية الطرف، في دية النفس، فهذا الفرق بين الموضعين. ومن ضرب انسانا على رأسه، فذهب عقله، انتظر به سنة، فإن مات فيما بينه وبين سنة من ألم الضربة قيد به، وإن لم يمت ولم يرجع إليه عقله، كان عليه جميع الدية، فإن رجع عليه عقله، كان عليه أرش الضربة. فإن أصابه مع ذهاب العقل، إما موضحة، أو مأمومة، أو غيرهما من الجراحات، لم يكن فيه أكثر من الدية، إذا مات من الضرب. ومن قطع يمين رجل قطعت يمينه بها، فإن لم يكن له يمين وكان له يسار، قطعت

(1) النهاية، كتاب الديات، باب ديات الأعضاء والجوارح... وفي المصدر فجنت عليه الضربة.
(2) الخلاف، كتاب الجنايات، مسألة 89، إلا أنه مخالف مع المسألة 23، والعبارة هكذا، يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس... فراجع.
(3) المبسوط، ج 7، كتاب الجراح، ص 113.
(4) سورة البقرة، الآية 194.
(5) سورة المائدة، الآية 45.

[ 397 ]

بها، فإن لم يكن له يدان، فلا يقطع رجله، باليد لأنه لا دليل عليه، وكان عليه الدية، لما قطع. وقد روي، أنه إذا لم يكن له يدان قطعت رجله، فإن لم يكن له يدان، ولا رجلان، كان عليه الدية، لا غير (1). وروي أنه إذا قطع أيدي جماعة قطعت يداه بالأول فالأول والرجل بالآخر فالآخر، ومن يبقى بعد ذلك، كان له الدية، لا غير (2). وقد قلنا ما عندنا في ذلك، وهو إنه لا تقطع الرجل باليد بحال، ووجب للباقين الدية. إذا قطع مسلم يد نصراني له ذمة، ثم أسلم وسرت الجناية إلى نفسه، وهو مسلم، فمات، أو قطع حر عبدا ثم أعتق العبد، وسرت الجناية إلى نفسه، سواء في أنه لا قود، في ذلك، لأن التكافؤ إذا لم يكن حاصلا في وقت القطع، وكان موجودا في وقت السراية، لم يثبت القود في القطع، ولا السراية، فإذا كان كذلك ولم يلزم فيما ذكرناه قود، كان فيه الدية، لأن الجناية إذا وقعت مضمونة كان الاعتبار بأرشها في حال الاستقرار، يدل على ذلك أنه إذا قطع يدي مسلم، ورجليه، كان فيه ديتان، فإن سرى ذلك، إلى نفسه كان فيه دية واحدة، ويعتبر القصاص بحال الجناية، والمال بحال الاستقرار. وإذا قطع يد مرتد، ثم أسلم، ومات أو يد حربي، فأسلم، ثم مات، وكان القطع في حال كفره، والسراية في حال إسلامه، لم يجب هاهنا قود، لما تقدم ذكره، والدية أيضا لا تجب هاهنا، لأن الجناية إذا لم تكن مضمونة، لم تكن سرايتها مضمونة. قد قلنا إن في الحشفة وحدها، الدية كاملة، لأن الجمال والمنفعة بها، كالأصابع في اليد، فإن قطع قاطع ما بقي، ففيه حكومة، كما لو قطع الكف بلا أصابع

(1) الوسائل، الباب 12، من أبواب قصاص الطرف، ح 1 - 2 والظاهر أنها مضمون الروايتين.
(2) الوسائل، الباب 12، من أبواب قصاص الطرف، ح 2.

[ 398 ]

عليها، فإن قطع بعض الحشفة، فعليه ما يخصه من الدية، وفي اعتبارها قال قوم من كل ذكر، لأنها منه، وقال آخرون من الحشفة، لأن الدية تجب بها فكان الاعتبار، بها دون غيرها، وهذا هو الأظهر الأقوى، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر رحمه الله (1). إذا كان المجني عليه عبدا، ففيه ما نقص من قيمته، فيقال كم قيمته، وليس هذه الجناية به؟ قالوا مائة، قلنا وكم قيمته وبه هذا الشين، قالوا تسعون، قلنا قد نقص عشر القيمة، فيوجب فيه ما نقص، وعلى هذا كل الحكومات في المملوكات أرش الجنايات عليها ما نقصت على ما فصلناه. فإن كان حرا لم يمكن تقويمه، لكنه يقدر بالعبد، فيقال لو كان عبدا وليس به هذه الجناية، كم قيمته؟ قالوا مائة، قلنا وبه هذه الجناية، قالوا تسعون، قلنا فقد نقص عشر قيمته، فيجب في الحر عشر ديته، فالعبد أصل للحر فيما ليس فيه مقدر، والحر أصل للعبد، فيما فيه أرش مقدر، فليلحظ ذلك، فإنه أصل يعتمد عليه. وقلنا إن في الأنف، الدية، فإذا ثبت ذلك، فإنما الدية في المارن منه وهو ما لان وهو دون قصبة الأنف، وذلك هو المنخران، والحاجز بينهما إلى القصية فإن قطع كل المارن، ففيه الدية كاملة، فإن قطع بعضه، ففيه بالحصة مساحة، كما قلناه في غير ذلك. فإن شق الحاجز بين المنخرين، ففيه حكومة، سواء اندمل أو بقي منفرجا، على الاعتبار الذي قدمناه من قيمة العبد في حساب دية الحر. فإن قطع إحدى المنخرين، ففيه نصف الدية، لأنه ذهب نصف المنفعة، ونصف الجمال، وهذا اختيار شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (2). إذا قطع يدي الرجل ورجليه ومضت مدة يدمل فيها، ثم مات، فقال الجاني مات بالسراية، فعلي دية واحدة، وقال الولي بغير سراية، وجب أن يكون القول، قول الولي، لأن الظاهر وجوب ديتين، حتى يعلم غيره.

(1) في المبسوط، ج 7، كتاب الديات، ص 152.
(2) المبسوط، ج 7، كتاب الديات، ص 131.

[ 399 ]

إذا اصطدم الفارسان: فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما، نصف دية صاحبه، والباقي هدر، هذا إذا كان خطأ محضا فأما إن كان عمدا محضا فعلى كل واحد منهما، في تركته، نصف دية صاحبه حالة مغلظة. فأما إن مات الفرسان، فعلى كل واحد منهما نصف قيمة دابة صاحبه، فإن كان القيمتان سواء تقاصا، وإن اختلفا فإنهما يتقاصان، ويترادان الفضل، ولا يكون ضمان القيمة على العاقلة، لأن العاقلة لا تعقل البهائم، سواء كان القتل عمدا، أو خطأ محضا. إذا سلم ولده إلى السابح، ليعلمه السباحة، فغرق، ضمنه، لأنه تلف بالتعليم، فهو كما لو ضرب المعلم الصبي، على التعليم، فمات، ولأنه فرط، في حفاظه، وإحكام شكوته وملازمة رجله، فقد فرط فعليه الضمان، وهو عندنا عمد الخطأ، تكون الدية في ماله عندنا مؤجلة سنتين. فإن كان المتعلم للسباحة كبيرا، رشيدا، فإنه لا ضمان على المعلم، بحال، لأن البالغ العاقل متى غرق في تعلم السباحة، فهو الذي ترك الاحتياط في حق نفسه، فلا ضمان على غيره. العين القائمة، واليد الشلاء والرجل الشلاء، واللسان الأخرس، والذكر الأشل العنين، كل هذا وما في معناه، يجب فيه ثلث ديته صحيحة. وكل عضو فيه، مقدر، إذا جني عليه، فصار أشل، وجب فيه ثلثا ديته. وكل جرح له مقدر إذا كان في الرأس، والوجه، على ما تبينه فيما بعد إن شاء الله فإذا كانت في الجسد، ففيها بحساب ذلك من الرأس، منسوبا إلى العضو الذي هي فيه، إلا الجائفة، فإن فيها مقدرا في الجوف، وهو ثلث الدية. مثال ذلك الموضحة، إذا كانت في الرأس، أو الوجه، فيها نصف عشر الدية، فإن كانت في اليد، ففيها نصف عشر دية اليد فإن كانت في الإصبع ففيها نصف عشر دية الإصبع وهكذا باقي الجراح. إذا اصطدمت السفينتان من غير تفريط من القائم بهما، في شئ من أسباب التفريط، بل بالريح، فهلكتا وما فيهما من الأموال، والأنفس، كان ذلك هدرا،

[ 400 ]

لا يلزم واحدا منهما شئ لصاحبه، لأن الأصل براءة الذمة. إذا جنى الرجل على نفسه جناية خطأ محضا، كان هدرا لا يلزم العاقلة ديته. المولى من أسفل، لا يعقل عن المولى من فوق شيئا بحال، ومعنى المولى من فوق، هو المنعم بالعتق على العبد، ومعنى المولى من أسفل، هو المنعم عليه بالعتق. إذا بنى حائطا مستويا في ملكه، فمال إلى الطريق، أو إلى دار جاره، ثم وقع فأتلف نفسا وأموالا فلا ضمان عليه، ولا قود، ولا دية، لأن الأصل براءة الذمة، وليس هاهنا دليل قاطع، على وجوب الضمان بحال. إذا سقط حائط إلى طريق المسلمين فعثر انسان بترابه، فمات، لم يلزم ضمانه صاحبه الحائط لمثل ما قلناه. إذا شرع جناحا إلى شارع المسلمين، أو إلى درب نافذا أو أراد إصلاح ساباط على وجه، لا يضر بأحد من المارة، فليس لأحد معارضته، ولا منعه منه، لأن الأصل الجواز، والمنع يحتاج إلى دليل، ولأن أحدا لم ينكر هذا، والنبي صلى الله عليه وآله فعله، وأقره، ولأن هذه الأجنحة، والساباط والسقايف سقيفة بني النجار، وسقيفة بني ساعدة، وغير ذلك كانت موجودة، لم ينكرها أحد من المسلمين، لا في زمان الرسول صلى الله عليه وآله ولا بعده وإلى يومنا هذا لم ينقل أن أحدا اعترض فيها، ولا أزيلت باعتراض معترض عليها، ثبت إن إقرارها جايز، بإجماع المسلمين وكك الميازيب. فإذا ثبت هذا، فإن وقع على أحد، لا شئ على صاحبه على ما قدمناه، لأن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل، وقوله تعالى " ما على المحسنين من سبيل " (1) وهذا محسن بوضعه غير آثم على ما قدمناه. دية الجنين التام، مائة دينار، سواء كان ذكرا أو أنثى. إذا ضرب بطنها، فألقت جنينا فإن ألقته قبل وفاتها، ثم ماتت ففيها ديتها، وفي الجنين قبل أن تلجه الروح، مائة دينار، وإن كان بعد أن ولجته الروح، فالدية

(1) سورة التوبة، الآية 91.

[ 401 ]

كاملة سواء ألقته حيا، ثم مات أو ألقته ميتا، إذا علم قبل إلقائه، إنه كان حيا. فإن مات الولد في بطنها، وكان تاما حيا قد علم وتحقق حياته، روي في بعض الأخبار أن ديته، نصف دية الذكر، ونصف دية الأنثى (1). والذي يقتضيه أصول مذهبنا استعمال القرعة، ولا يلتفت إلى أخبار الآحاد، لأنها لا توجب علما، ولا عملا، والقرعة مجمع عليها، إنها تستعمل في كل أمر مشكل، وهذا من ذاك، بغير خلاف. وكل موضع أوجبنا دية الجنين، فإنه لا يجب فيه كفارة القتل بحال. ودية الجنين موروثة عندنا، ولا تكون لأمه خاصة. دية جنين اليهودي، والنصراني، والمجوسي، عشر ديته، ثمانون درهما. وفي جنين الأمة المملوك، عشر قيمتها، وعندنا يعتبر قيمتها في حال الجناية، دون حال الاسقاط. قد قلنا عند ذكرنا أحكام القسامة، أنه إذا كان مع المدعي للقتل، لوث، وهو التهمة، للمدعى عليه، بأمارات ظاهرة، بدئ به في اليمين بحلف خمسين يمينا في قتل العمد، خمسا وعشرين يمينا في قتل الخطأ على ما قلناه. ويثبت اللوث، بأشياء بالشاهد الواحد، في قتل العمد، وبوجود القتيل في دار قوم، وفي قريتهم التي لا يدخلها غيرهم، وكذلك محلتهم. ولا يثبت اللوث، بقول المقتول عند موته دمي عند فلان. وإذا كان المقتول مشركا والمدعى عليه مسلما، لم تثبت القسامة. إذا قتل عبد، وهناك لوث فلسيده القسامة، وإذا لم يكن لوث، وتكون دعوى محضة مجردة من الأمارات، فاليمين في جنبة المدعى عليه، بلا خلاف، ولا يلزمه أكثر من يمين واحدة. إذا ادعى رجل على رجل أنه قتل وليا له، وهناك لوث، وحلف المدعي، القسامة، واستوفى الدية، فجاء آخر، فقال أنا قتلته، وما قتله ذلك كان الولي

(1) الوسائل، الباب 21، من أبواب ديات النفس، ح 1 والباب 19، من أبواب ديات الأعضاء ح 1

[ 402 ]

بالخيار، بين أن يصدقه ويكذب نفسه، ويرد الدية، ويستوفي منه حقه، وبين أن يكذب المقر، ويثبت على ما هو عليه. قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه مسألة إذا كان الرجل متلففا في كساء، أو في ثوب، فشهد شاهدان، على رجل أنه ضربه فقده باثنين، ولم تشهد (1) الجناية غير الضرب، واختلف الولي والجاني، فقال الولي، كان حيا حين الضرب، وقد قتله الجاني، وقال الجاني، ما كان حيا حين الضرب، كان القول، قول الجاني، مع يمينه (2)، واستدل بما يربأ (3) الانسان بذكره عنه. والذي يعول عليه، ويعمل به، ويسكن إليه، قبول قول الشاهدين وقول الولي مع يمينه، ولا يلتفت إلى إنكار الجاني الحياة، لأنه مدع للموت بغير جناية، والأصل الحياة، وشهادة العدلين بالجناية، وإنما كان الانسان يفزع إلى دليل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل، قبل قيام الدليل بشغلها، وإنما هذا مذهب أبي حنيفة، لا مذهب جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام، اختاره شيخنا هاهنا ألا تراه، ما استدل بإجماع الفرقة، ولا بأخبارنا، فلا حاجة بنا إلى القول بمذهب أبي حنيفة، وتصحيحه. باب القصاص وديات الشجاج والجراح من قطع شيئا من جوارح الانسان، وجب أن يقتص منه، إن أراد ذلك، وكان مكافئا له في الاسلام، والحرية وسلامة العضو المجني عليه، وإن جرحه جراحة، فمثل ذلك، إلا أن يكون جراحة يخاف في القصاص منها على هلاك النفس، فإنه لا يحكم فيها بالقصاص، وإنما يحكم فيها بالأرش، وذلك مثل المأمومة، والجايفة، وما أشبه ذلك، وكسر الأعضاء التي يرجى انصلاحها، بالعلاج، فلا قصاص أيضا فيها بل يراعى حتى ينجبر الموضع، إما مستقيما، أو على عثم - بالعين غير المعجمة والثاء المنقطة من فوقها ثلاث نقط وهو الفساد والعيب - فيحكم حينئذ بالأرش،

(1) ج. ل. ولم يشهد الجناية.
(2) لم نتحقق هذه المسألة في كتاب الخلاف.
(3) ج. ببراءة ذمة الانسان.

[ 403 ]

فإن كان ذلك شيئا لا يرجى صلاحه، فإنه يقتص من جانبه، على كل حال. والقصاص النفس بالنفس والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص. ولا قصاص بين الحر والعبد، ولا بين المسلم والذمي، ولا بين الكامل والناقص، بل يقتص للكامل، من الناقص، ولا يقتص لناقص العضو، من السليم الكامل العضو. فإن جرح عبدا حر، كان عليه أرشه بمقدار ذلك من ثمنه، وكذلك الحكم في سائر أعضائه، فإن كانت الجناية قيمته (1)، كان عليه القيمة، ويأخذ العبد، والسيد بالخيار بين أن يمسكه ولا شئ له، وبين أن يسلمه ويأخذ كمال قيمته، هذا إذا كانت الجناية تحيط بثمنه. فإن كانت لا تحيط بقيمته، فليس لمولاه سوى الأرش. وإن جرح عبد حرا كان على مولاه، أن يسلمه إلى المجروح، يسترقه بمقدار ما لزمه، أو يفديه بمقدار ذلك، فإن استغرق أرش الجراحة ثمنه، لم يكن لمولاه فيه شئ، فإن لم يستغرق، كان له منه بمقدار ما يفضل من أرش الجراح. فإن جرح ذمي، مسلما، أو قطع شيئا من جوارحه، كان عليه أن يقطع جارحته، إن كان قطع، أو يقتص منه، إن كان جرح، ويرد مع ذلك فضل ما بين الديتين. فإن جرحه المسلم، كان عليه أرشه بمقدار ديته التي ذكرناها. وروي أنه إن كان معتادا لذلك، جاز للإمام أن يقتص منه لأولياء الذمي، بعد أن يردوا عليه فضل ما بين الديتين (2). ويقتص للرجل من المرأة وللمرأة من الرجل، ويتساوى جراحتهما ما لم تتجاوز ثلث الدية، فإن بلغ ثلث الدية، نقصت المرأة، وزيد الرجل. وإذا جرح الرجل المرأة بما يزيد على الثلث، وأرادت المرأة، أن تقتص منه، كان لها ذلك، إذا ردت عليه فضل ما بين جراحتيهما.

(1) ج. تحيط بقيمته.
(2) الوسائل، الباب 47، من أبواب القصاص في النفس، ح 1 - 6 - 7.

[ 404 ]

وإن جرحت المرأة الرجل، وأراد أن يقتص منها لم يكن له عليها، أكثر من جراحة مثلها، أو المطالبة بالأرش على التمام من ديته، مع تراضيهما لذلك، وإلا فلا يستحق عليها سوى القصاص. ومن لطم انسانا على وجهه ونزل الماء في عينيه، وعيناه صحيحتان، وأراد القصاص، فإنه تؤخذ مرآة - بكسر الميم وسكون الراء ومد الألف - محماة بالنار، ولا يجوز أن يقال محمية على ما وضعه شيخنا أبو جعفر في نهايته (1)، لأنه يقال أحميت الحديدة في النار، فهي محماة، فلا يقال حميتها، فهي محمية، ويؤخذ كرسف، مبلول، وهو القطن، فيجعل على أشفار عينيه على جوانبها، لئلا تحترق أشفاره، ثم يستقبل عين الشمس بعينيه، وتقرب منهما المرآة، فإنه يذوب الناظر ويصير أعمى وتبقى العين، ويقال الناظرة على ما وضعه شيخنا في نهايته (2) فإنه قال، وتذوب الناظرة وذلك صحيح ليس بخطأ. ومن قطعت أصابعه فجاءه رجل فأطار كفه، فأراد القصاص، من قاطع الكف، فروي أنه يقطع يده من أصله ويرد عليه دية الأصابع (3). أورد هذه الرواية شيخنا أبو جعفر في نهايته (4)، وهي مخالفة لأصول المذهب، لأنه لا خلاف بيننا إنه لا يقتص من العضو الكامل، للناقص، والأولى، الحكومة في ذلك، وترك القصاص، وأخذ الأرش، على الاعتبار الذي قدمناه فمن قيمته أن لو كان عبدا ثم يؤخذ من دية الحر، بحساب ذلك. ومن قتل انسانا مقطوع اليد، وأراد أولياؤه القود، فإن كانت يده قطعت في جناية جناها على نفسه، أو قطعت فأخذ ديتها، أو استحقها (5) قتلوا قاتله، بعد أن يردوا إلى أوليائه دية اليد، فإن كانت يده قطعت في غير جناية ولم يأخذ ديتها، وكان ذلك من قبل الله تعالى، قتلوا قاتله، وليس عليهم شئ. ومن شج غيره موضحة أو غيرها من الجراح، فعفى صاحبها عن قصاصها أو

(1) و (2) و (4) النهاية، كتاب الديات، أحكام الشجاج، والعبارة هكذا يؤخذ مرآة محمية.
(3) الوسائل، الباب 10، من أبواب قصاص الطرف، ح 1.
(5) ل. أو استحقها ولم يأخذ ديتها.

[ 405 ]

أرشها، ثم رجعت عليه وسرت إليه، فمات منها، كان على جارحه ديته، إلا دية الجرح الذي عفى عنه، فإن أرادوا القود، ردوا على قاتله دية الجرح الذي عفى عنه صاحبه. ومن قطع شحمة أذن انسان، فطلب منه القصاص، فاقتص له منه، فعالج الجاني أذنه حتى التصق المقطوع بما انفصل عنه، كان للمقتص منه أن يقطع ما اتصل من شحمة أذنه، حتى تعود إلى الحال التي استحق بها القصاص، وهكذا حكم المجني عليه، سواء كان ظالما أو مظلوما، جانيا أو مجنيا عليه، لأنه حامل نجاسة، وليس إنكاره ومطالبته بالقطع مخصوصا بأحدهما، بل جميع الناس. وكذلك القول فيما سوى ذلك من الجوارح والأعضاء، إذا لم يخف على الانسان منها تلف النفس، أو المشقة العظيمة، ووجب على السلطان ذلك، لكونه حاملا للنجاسة فلا تصح منه الصلاة حينئذ، وكذلك إذا جبر عظمه بعظم نجس العين، ولم يكن في قلعه خوف على النفس، ولا مشقة عظيمة، يجب إجباره على قطعه، ولا تصح معه صلاته، فأما إن خاف من قلعه على نفسه، فلا يجب قلعه، ولا يجوز إجباره على ذلك، وتكون صلاته صحيحة، لموضع الضرورة، لقوله عليه السلام - لا ضرر ولا إضرار - (1). ومن قتل غيره، فسلمه الوالي إلى أولياء المقتول ليقتلوه، فضربه الولي ضربات، وجرحه جراحات عدة، وتركه ظنا منه أنه مات، وكان به رمق، والرمق بقية الحياة، فحمل ودوي فصلح، ثم جاء الولي فطلب منه القود، كان له ذلك، وعليه أن يرد عليه دية الجراحات التي جرحه، أو يقتص منه بمثل الجراحات، هذا إذا لم يكن جرح المجني عليه المقتول الأول جراحات عدة، بل قتله بضربة واحدة، فأما إن كان جرحه جراحات عدة، فللولي أن يقتص منه بعد ذلك، ويقتله. وكذلك إن قطع بعض أطرافه، ثم قتله بعد ذلك، كان للولي أن يقطع، ثم يقتل بعد ذلك.

(1) الوسائل، الباب 12، من أبواب إحياء الموات، ح 3 - 4 - 5.

[ 406 ]

ولا يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس بحال على ما قدمناه، وتدخل دية الطرف في دية النفس، فهذا الفرق بين الموضعين، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في مسائل خلافه (1)، وإن كان مذهبه في نهايته (2) بخلاف ذلك. وما ذهب إليه في خلافه هو الصحيح، لأن ظاهر القرآن يعضده. قال شيخنا في مسائل خلافه، مسألة، إذا قطع يد رجل ثم قتله، كان لولي الدم أن يقطع يده ثم يقتله، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أبو يوسف ومحمد ليس له القصاص في الطرف، كما لو سري إلى النفس، هذا آخر كلامه رحمه الله (3). ومن جرح غيره جراحة في غير مقتل، أو ضربه كذلك، فمرض المجروح، أو المضروب، ثم مات، فإنه يعتبر حاله، فإن علم أنه مات من الجراح أو الضرب أو من شئ جنياه، أو من سرايتهما، كان عليه القود أو الدية على الكمال مع التراضي على ما بيناه، فإن كان مات بغير ذلك من الأمراض الحادثة من قبل الله تعالى، أو لجناية جان آخر، أو اشتبه الأمر فيه، فلا يعلم أنه مات منه، أو من غيره، لم يكن عليه أكثر من القصاص، فأما إذا لم يزل من يوم جرحه أو ضربه، ضمنا - بفتح الضاد وكسر الميم - متألما من الجرح والضرب، فإنه يجب عليه القود. الجراحات أولها الحارصة - بالحاء غير المعجمة، والصاد غير المعجمة - وهي التي تحرص الجلد، يعني تشقه قليلا، ومنه قيل حرص القصار الثوب، إذا شقه. ثم الدامية، وهي التي تشق اللحم بعد الجلد. ثم المتلاحمة، وهي التي أخذت في اللحم، ولم تبلغ السمحاق. ثم السمحاق - بالسين غير المعجمة، وكسرها، وسكون الميم، والحاء غير المعجمة، وفتحها، والقاف - وهي التي بينها وبين العظم قشيرة رقيقة، وكل قشرة رقيقة فهي

(1) الخلاف، كتاب الجنايات، مسألة 23، إلا أن كلامه فيها موافق لما في نهايته، فراجع.
(2) النهاية، كتاب الديات، أحكام الشجاج.
(3) الخلاف، كتاب الجنايات، مسألة 89.

[ 407 ]

سمحاق، ومنه قيل في السماء سماحيق من غيم، وعلى ثرب الشاة سماحيق من شحم. ثم الموضحة، وهي التي تبدي وضح العظم، وتقطع القشيرة الرقيقة التي سميت سمحاقا. ثم الهاشمة، وهي التي تهشم العظم. ثم المنقلة - بكسر القاف - وهي التي تخرج منها فراش العظام، وفراش الرأس - بفتح الفاء والراء غير المعجمة، المفتوحة، والشين المعجمة - وهي عظام رقاق تلي القحف، وتحوج إلى نقله من موضع إلى موضع. ثم الآمة وهي المأمونة بعبارة الفقهاء، وهي التي تبلغ أم الرأس، وأم الرأس، الخريطة التي فيها الدماغ، وهو المخ، لأن الدماغ في خريطة من جلد رقيق والدامغة تزيد على المأمومة، بأن تخرق الخريطة، وتصل إلى جوف الدماغ، فالواجب فيهما سواء، وهو ثلث الدية بلا خلاف. ففي الأول بعير، وفي الثانية بعيران، وفي الثالثة ثلاثة أبعرة، وفي الرابعة أربعة أبعرة، وفي الخامسة خمسة أبعرة، وفي السادسة عشرة (1) أبعرة، وفي السابعة خمسة عشر بعيرا، وفي الثامنة ثلث الدية دية النفس، وهي ثلاث وثلاثون بعيرا فحسب، بلا زيادة ولا نقصان، إن كان من أصحاب الإبل، ولم يلزمه أصحابنا ثلث البعير الذي يتكمل به ثلث المائة بعير التي هي دية النفس، لأن رواياتهم هكذا مطلقة، وكذلك تصنيفاتهم، وقول مشايخهم وفتاويهم، وإجماعهم منعقد على هذا الاطلاق، أو ثلث الدية من العين، أو الورق على السواء، لأن ذلك يتحدد فيه الثلث، ولا يتحدد في الإبل والبقر والغنم، وما حررناه واخترناه اختيار السيد المرتضى وتحريره في جوابات المسائل الناصريات (2) التي هي الطبريات. وقال شيخنا المفيد في مقنعته، دية المأمونة ثلث دية النفس، ثلاثة وثلاثون

(1) ج. ل. ستة أبعرة. إلا أن الصحيح عشرة أبعرة.
(2) الناصريات، كتاب الديات، المسألة الخامسة والثمان والمائة.

[ 408 ]

بعيرا (1)، ولم يقل وثلث بعير. وهكذا قول شيخنا أبي جعفر في نهايته (2). والمعنى والتحرير ما ذكرناه. وكذلك في الدامغة على ما بيناه. وخمس منهن يثبت فيهن القصاص، وما عدا ذلك لا يثبت فيه القصاص، وفيه الدية، لأن في ذلك تغريرا بالنفس. وجميعها تحملها العاقلة، إن كان الفعل خطأ محضا، على الصحيح من المذهب، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في مسائل خلافه (3). وقال في نهايته، لا تحمل عليها العاقلة إلا الموضحة فصاعدا (4). والذي اخترناه نحن هو الظاهر، وتعضده الأدلة، وجميع الظواهر تشهد بصحته. ثم قال في نهايته، والقصاص ثابت في جميع هذه الجراح، إلا في المأمومة خاصة، لأن فيها تغريرا بالنفس، فليس فيها أكثر من ديتها (5). إلا أنه رجع في مسائل خلافه (6) ومبسوطه (7) إلى ما اخترناه. وهو الأصح، لأن تعليله في نهايته لازم له في الهاشمة والمنقلة. وما كان في الرأس والوجه يسمى شجاجا، وما كان منه في البدن يسمى جراحا، وهذه الشجاج والجراح في الوجه والرأس سواء في الدية والقصاص، فأما إذا كانت في البدن ففيها بحساب ذلك من الرأس منسوبا إلى العضو التي هي فيه،

(1) المقنعة، باب ديات الشجاج وكسر العظام ص 766.
(2) النهاية، كتاب الديات، أحكام الشجاج.
(3) الخلاف، كتاب الديات، مسألة 84.
(4) النهاية، كتاب الديات، أقسام القتل وما يجب فيه من القود والدية.
(5) النهاية، كتاب الديات، أحكام الشجاج.
(6) الخلاف، كتاب الجنايات، مسألة 57 - 58.
(7) المبسوط، ج 7، كتاب الديات، ص 121، وعبارته هكذا، وإن كانت عمدا محضا ففي الايضاح القصاص، ولا قصاص فيما زاد عليه من الهشم وغيره بلا خلاف وأيضا عبارته في ص 123 بعد ذكر دية المنقلة والمأمومة والدامغة ودية الخارصة والباضعة هكذا وأيها كان فلا قصاص في شئ منها عندهم...

[ 409 ]

إلا الجايفة، فإن فيها مقدرا في الجوف، وهو ثلث الدية. مثال ذلك في الموضحة إذا كانت في الرأس أو الوجه، فيها نصف عشر الدية، فإن كانت الموضحة في اليد، ففيها نصف عشر دية اليد، فإن كانت في الإصبع، ففيها نصف عشر دية الإصبع، وهكذا باقي الجراح على ما قدمناه فيما مضى، وبيناه. فعلى ما حررناه، الجراحات عشرة، وقال شيخنا في نهايته (1) الجراحات ثمانية. أولها الخارصة وهي الدامية، ثم الباضعة، ثم المتلاحمة، ثم السمحاق. والذي اخترناه مذهب الجلة من المشيخة من أصحابنا، مثل السيد المرتضى فإنه قال في انتصاره مسألة، ومما انفردت به الإمامية، القول بأن في الشجاج التي هي دون الموضحة، مثل الحارصة والدامية والباضعة والسمحاق، دية مقدرة، ففي الحارصة وهي الخدش الذي يشق الجلد، بعير واحد، وفي الدامية، وهي التي تصل إلى اللحم ويسيل بها الدم، بعيران، وفي الباضعة وهي التي تقطع اللحم وتزيد في الجناية على الدامية، ثلاثة أبعرة، وفي السمحاق، وهي التي تقطع اللحم حتى يبلغ إلى الجلدة الرقيقة المتغشية للعظم، أربعة أبعرة، هذا آخر كلام السيد المرتضى رضي الله عنه (2). وإلى هذا يذهب شيخنا المفيد (3) رحمه الله، والفقيه سلار (4) في رسالته، وهو قول جماعة اللغويين مثل الأصمعي، وأبي عبيد القسم بن سلام، قد ذكره في غريب المصنف، وابن قتيبة ذكره في أدب الكتاب. وشيخنا أبو جعفر جعل الحارصة هي الدامية، وجعل مكان الدامية الباضعة، وجعل مكان الباضعة (5) المتلاحمة، وبعدها السمحاق، وجميع أصحابنا جعلوا الرابعة من الشجاج السمحاق (6) بلا خلاف.

(1) النهاية، كتاب الديات، أحكام الشجاج.
(2) الانتصار، في القصاص والديات.
(3) في المقنعة، باب ديات الشجاج وكسر العظام ص 765 - 766.
(4) في المراسم، في الجنايات.
(5) ج. ل. وجعل مكان الدامية الباضعة والمتلاحمة.
(6) ج. ما جعلوا الرابعة من الشجاج إلا السمحاق.

[ 410 ]

وفي لطمة الوجه إذا احمر موضعها دينار واحد ونصف، فإن اخضر أو اسود، ففيها ثلاثة دنانير، وكذلك الحكم في الرأس، وأرشها في الجسد على النصف من أرشها في الوجه، بحساب ما ذكرناه. وقال شيخنا في نهايته، وفي اللطمة في الوجه إذا اسود أثرها ستة دنانير، فإن اخضر فثلاثة دنانير، فإن احمر فدينار ونصف (1). وهذا اختياره في مسائل خلافه (2). وما اخترناه مذهب السيد المرتضى (3)، وشيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان في مقنعته (4) وهو الأظهر الأصح، لأن الأصل براءة الذمة، وشغلها بما زاد على ما ذكرناه يحتاج إلى دليل، لأن ما قلناه مجمع على لزومه. وفي كسر عظم من عضو خمس دية ذلك العضو، وفي موضحته ربع دية كسره. وإذا كسر عظم فجبر على غير عثم ولا عيب، كانت ديته أربعة أخماس دية كسره. وفي كسر الصلب الدية كاملة، فإن جبر فبرئ على غير عثم، ففيه مائة دينار، عشر دية كسره. وفي الأنف إذا كسرت ففسدت، الدية كاملة، وكذلك إذا استوعب واستوصل قطعها، أو قطع المارن على ما قدمناه، فإن جبرت فبرأت على غير عثم، كان فيها مائة دينار. وفي روثة الأنف - بالراء غير المعجمة، المفتوحة، والواو المسكنة، والثاء المنقطة ثلاث - نقط، قال صاحب كتاب الصحاح الروثة طرف الأرنبة، وقال شيخنا أبو جعفر (5) روثة الأنف الحاجز بين المنخرين - إذا قطع فاستوصل، خمسمائة دينار، وهو قول شيخنا المفيد في مقنعته (6).

(1) النهاية، كتاب الديات، أحكام الشجاج.
(2) الخلاف، كتاب الديات، مسألة 74.
(3) في الانتصار في القصاص والديات.
(4) و (6) المقنعة، باب ديات الشجاج وكسر العظام والجنايات في الوجوه... ص 766 و 767.
(5) في النهاية، في أحكام الشجاج.

[ 411 ]

فإن نفذت في الأنف نافذة لا تنسد، فديتها ثلث دية النفس، فإن عولجت فصلحت وانسدت، فديتها خمس دية الأنف، مائتا دينار. فإن كانت النافذة في إحدى المنخرين (1) إلى الخيشوم، فعولجت فبرأت والتأمت، فديتها عشر دية الأنف، المائة دينار. وفي إحدى المنخرين نصف دية الأنف، وقال قوم فيه ثلث دية الأنف، وما اخترناه مذهب شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (2)، واستدل، بأن قال لأنه ذهب بنصف المنفعة، ونصف الجمال. وإذا انشقت الشفتان حتى بدت الأسنان منهما، ولم تبرأ، فدية شفتها ثلث دية النفس، فإن عولجت فبرأت والتأمت، فديتها خمس دية النفس، مائتا دينار، وفي شق إحديهما بحساب ذلك، فإن التأمت وصلحت، ففيها خمس ديتها. والعظم إذا رض، كان فيه ثلث دية العضو الذي هو فيه، فإن صلح على غير عيب، فديته أربعة أخماس دية رضه. فإن فك عظم من عضو، فتعطل به العضو، فديته ثلثا دية العضو، فإن جبر وصلح والتأم، فديته أربعة أخماس دية فكه. وفي نقل عظام الأعضاء لفسادها، مثل ما في نقل عظام الرأس بحساب دية العضو، وكذلك في غيرها من الجراحات. وفي الشلل في اليدين والرجلين، ثلثا دية اليد والرجل، وكذلك كل عضو ضرب فتعطل ولم ينفصل، فيجب ثلثا ديته على الجاني. وفي اليد الشلاء والرجل الشلاء والعضو المعطل الأشل إذا قطع، ثلث ديته صحيحا وكذلك الحكم في الأصابع، وفي الجميع الجوارح والأعضاء، وفي العين العوراء لا المخلوقة (3) خلقة على ما قدمناه. وفي كل ضلع خمسة وعشرون دينارا. وقد وردت روايات في أحكام الديات، وأحاديث كثيرة مختلفة ومتفقة، آحاد

(1) ج. في الخيشوم.
(2) المبسوط، ج 7 كتاب الديات، ص 131 (3) ل. العوراء المخلوقة.

[ 412 ]

وشواذ، أثبتها بعض مشيختنا في مصنفات، تتضمن تفصيل أحكام الديات، وقد جنح فيها القول، وبسط على استقصاء فيها لا يراد الروايات منها كتاب ظريف بن ناصح - بالظاء المعجمة -، وهذا الكتاب عندي طالعته، فما رأيته طائلا يورد فيه ما لا يجوز العمل به، ويضاد ما الاجماع عليه، وكتاب علي بن رئاب - بهمز الياء المنقطة من تحتها بنقطتين - وغيرهما من المشيخة الفقهاء، لا يحتمل كتابنا هذا إيراد ذلك كله، لأنه لا يوجب علما ولا عملا. والذي يقتضيه أصول مذهبنا أنه إذا لم يكن إجماع على الرواية، ولا هي متواترة، أن نحكم في الجناية والدية بالاعتبار الذي قدمناه من التقويم، وأن يجعل العبد أصلا للحر فيما لا مقدر فيه، ولا موظف مجمع عليه، ثم يحكم بذلك على المثال الذي كررناه وذكرناه فيما مضى، وحررناه في جميع ما يرد على الانسان من الأحكام والفتاوي، وفيما أثبتناه منه مقنع في معرفة ما أردنا بيانه إن شاء الله. ولا ينبغي للحاكم أن يحكم في شئ من الجراحات وكسر الأعضاء حتى يبرأ، ثم ينظر في ذلك، ويرجع فيه إلى أصحاب الخبرة، فيحكم حسب ما تقتضيه الجناية. ومن أراد القصاص، فلا يقتص بنفسه، وإنما يقتص له الناظر في أمر المسلمين، أو يأذن له في ذلك، فإن أذن له، جاز له حينئذ الاقتصاص (1)، فإن بادر واقتص، أخطأ ولم يجب عليه قود ولا قصاص. والأطراف كالأنفس، فكل نفسين جرى القصاص بينهما في الأنفس، جرى بينهما في الأطراف، سواء اتفقا في الدية أو اختلفا فيها، كالحرين والحرتين، والحر والحرة والعبدين والأمتين والعبد والأمة، والكافرين والكافرتين، والكافر والكافرة ويقطع أيضا الناقص بالكامل، دون الكامل بالناقص، وكل شخصين لا يجرى القصاص بينهما في الأنفس كذلك في الأطراف، كالحر والعبد، والكافر والمسلم، طردا وعكسا إلا أنه إذا اقتص للحرة من الرجل الحر في الأطراف، ردت فاضل الدية على ما قدمناه فيما مضى، وشرحناه.

(1) ج. الاقصاص.

[ 413 ]

إذا قتل واحد مثلا عشرة أنفس، ثبت لكل واحد من أولياء المقتولين القود، لا يتعلق حقه بحق غيره، فإن قتل بالأول سقط حق الباقين لا إلى بدل، وإن بدر واحد منهم فقتله سقط حق كل واحد من الباقين، ولا تتداخل حقوقهم، لقوله تعالى " فقد جعلنا لوليه سلطانا " (1)، فمن قال يتداخل، فعليه الدلالة، فأما إثبات البدل، فالأصل براءة الذمة، وإثبات الدية يحتاج إلى دليل، على إنا قد بينا أن الدية لا تثبت إلا بالتراضي، وذلك مفقود هاهنا وأيضا قوله تعالى " النفس بالنفس " (2) ولم يقل نفس بأنفس ولا نفس بمال. إذا قطع رجل يد رجل، فقطع المجنا (3) عليه يد الجاني، ثم إنه اندمل المجنا عليه، وسرى القطع إلى نفس الجاني، كان هدرا، فإن عاش الجاني الظالم، ومات المجني عليه، وجب على الجاني القود. إذا قتل اثنان رجلا وكان أحدهما لو انفرد بقتله قتل به دون الآخر، لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون القود لم يجب على أحدهما لمعنى فيه، أو في فعله، فإن كان لمعنى فيه، مثل أن يشارك أجنبيا في قتل ولده، أو نصرانيا في قتل نصراني، أو عبدا في قتل عبد، فعلى شريكه القود دونه، وإن كان القود لم يجب عليه لمعنى في فعله، مثل أن يكون عمدا محضا يشارك من قتله خطأ، أو عمد الخطأ، فالقود على العامد منهما. وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه لا قود على العامد المحض إذا شاركه من قتله (4) خطأ (5). وهذا مذهب الشافعي، دون الإمامي، لأن الله تعالى قال " فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل " (6) وهذا قد قتل ظلما فوجب أن يكون لوليه سلطان. وإجماع أصحابنا منعقد على أن القتل إذا كان عمدا محضا يوجب القود، فمن أسقطه هاهنا يحتاج إلى دليل.

(1) سورة الاسراء، الآية 33.
(2) سورة المائدة، الآية 45.
(3) ج. ل. المجني عليه.
(4) ج. في قتله.
(5) الخلاف، كتاب الجنايات، مسألة 51.
(6) سورة الاسراء، الآية 33.

[ 414 ]

إذا قطع يدي غيره ورجليه، وأذنيه، لم يكن له أن يأخذ دياتها كلها في الحال، بل يأخذ دية النفس في الحال، وينتظر حتى تندمل، فإن اندملت، كان له دياتها كلها كاملة مع التراضي، على ما قلناه، وإن سرت إلى النفس، كان له دية واحدة مع التراضي أيضا، والأولى أيضا عندي أنه لا يستحق دياتها، ولا دية واحدة في الحال، لأن الدية عندنا لا تثبت ولا تستحق إلا مع التراضي، فأما القصاص فله أن يقتص في الحال. إذا جرح غيره ثم إن المجروح قلع من موضع الجرح لحما، فإن كان ميتا، فلا بأس، والقود على الجاني بلا خلاف، وإن كان لحما حيا، ثم سرى إلى نفسه، كان على الجاني القود أيضا، وعلى أولياء المقتول أن يردوا نصف الدية على الجاني أو أوليائه. وكذلك لو شارك السبع في قتل غيره، أو جرحه غيره وجرح هو نفسه، فمات. يقطع ذكر الفحل بذكر الفحل الخصي إذا سلت بيضتاه، وبقي ذكره لقوله تعالى " والجروح قصاص " (1). أجرة من يقيم الحدود ويقتص للناس، من بيت المال. في العقل دية كاملة، فإن جنى جناية ذهب عقله فيها لم يدخل أرش الجناية في دية العقل، سواء كان مقدرا أو حكومة، وسواء كان أرش الجناية أقل من دية العقل أو أكثر منها أو مثله، سواء ضربه ضربة واحدة أو ضربتين، وقد كنا قلنا من قبل، فإن كان أصابه مع ذهاب العقل إما موضحة أو مأمومة أو غيرهما من الجراحات، لم يكن فيه أكثر من الدية كاملة، اللهم إلا أن يكون ضربه ضربتين أو ثلاثا بحيث (2) كل ضربة منها جناية، كان عليه حينئذ ديتها، فأوردناه على ما أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (3). إلا أن هذا أظهر من ذاك، وشيخنا فقد رجع عما أورده في نهايته، وقال بما

(1) سورة المائدة، الآية 45.
(2) ج. ل. فجنت.
(3) النهاية، كتاب الديات، باب ديات الأعضاء والجوارح.

[ 415 ]

اخترناه الآن في مسائل خلافه (1)، وهو الصحيح، لأن تداخل الديات إذا لم يمت المجني عليه يحتاج إلى دليل. القصاص فيما دون النفس شيئان، جرح يشق، وعضو يقطع، فأما العضو الذي يقطع، فكل عضو ينتهي إلى مفصل، كاليد والرجل، ففي كلها القصاص، لأن لها حدا ينتهي إليه، وإنما يجب القصاص فيها بثلاثة شروط التساوي في الحرية، أو يكون المجني عليه أكمل، والثاني الاشتراك في الاسم الخاص، يمين بيمين، ويسار بيسار، فإنه لا تقطع يمين بيسار، ولا يسار بيمين، والثالث السلامة، فإنا لا نقطع اليد الصحيحة باليد الشلاء. فأما غير الأطراف من الجراح (2) التي فيها القصاص، وهو ما كان في الرأس والوجه، لا غير، فإن القصاص يجب فيها بشرط واحد، وهو التكافؤ في الحرية، أو يكون المجني عليه أكمل. وأما التساوي في الاسم الخاص، فهذا لا يوجد في الرأس، لأنه ليس له رأسان، ولا السلامة من الشلل، فإن الشلل لا يكون في الرأس. والقصاص في الأطراف والجراح في باب الوجوب سواء، وإنما يختلفان من وجه آخر، وهو إنا لا نعتبر المماثلة في الأطراف بالقدر من حيث الكبر والصغر، ونعتبره في الجراح بالمساحة، والفصل بينهما إنا لو اعتبرنا المماثلة في الأطراف في القدر والمساحة، أفضى إلى سقوط القصاص فيها، لأنه لا يكاد يدان يتفقان في القدر، وليس كذلك الجراح، فإنه يعرف عرضه وطوله وعمقه، فيستوفيه بالمساحة، فلهذا اعتبرناها بالمساحة، فبان الفصل بينهما. وجملته إنا نعتبر في القصاص المماثلة، وننظر إلى طول الشجة وعرضها فأما الأطراف فلا نعتبر فيها الكبر والصغر، بل تؤخذ اليد الغليظة بالدقيقة، والسمينة بالهزيلة، ولا يعتبر المساحة لما تقدم، وإنما يعتبر الاسم مع السلامة، ومع التكافؤ في الحرية، قال الله تعالى " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف

(1) الخلاف، كتاب الديات، مسألة 20.
(2) ج. الجوارح.

[ 416 ]

بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن " (1) فاعتبر الاسم فقط، فلهذا راعيناه. فإذا ثبت ذلك فالقصاص يجوز من الموضحة قبل الاندمال عند قوم، وقال قوم لا يجوز إلا بعد الاندمال وهو الأحوط، والذي وردت الأخبار به عندنا، لأنها ربما صارت نفسا. إذا قطع يد رجل فيها ثلاث أصابع سليمة وإصبعان شلاوان ويد القاطع لا شلل بها، فلا قود على القاطع، لأنا نعتبر التكافؤ في الأطراف، والشلاء لا تكافئ الصحيحة، فإذا ثبت أنه لا قود عليه، فإن رضي الجاني أن يقطع يده بتلك اليد، لم يجز قطعها بها، لأن القود إذا لم يجب في الأصل، لم يجز استيفاؤه بالبدل، كالحر إذا قتل عبدا، ثم قال القاتل قد رضيت أن يقتلني السيد به، لم يجز قتله. باب دية الجنين والميت إذا قطع رأسه أو شئ من أعضائه الجنين الولد ما دام في البطن، وأول (2) ما يكون نطفة، وفيها بعد وضعها في الرحم إلى عشرين يوما، عشرون دينارا، ثم بعد العشرين يوما، لكل يوم دينار إلى أربعين يوما، أربعون دينارا، وهي دية العلقة، فهذا معنى قولهم وفيما بينهما بحساب ذلك، ثم يصير مضغة، وفيها ستون دينارا، وفيما بين ذلك بحسابه. [ ثم يصير عظما، وفيه ثمانون دينارا وفيما بين ذلك بحسابه ] (3) ثم يصير مكسوا عليه اللحم، خلقا سويا شق له العينان، والأذنان والأنف قبل أن تلجه الروح، وفيه عندنا مائة دينار، سواء كان ذكرا أو أنثى، على ما قدمناه، وفيما بين ذلك بحسابه. وذهب شيخنا في مبسوطه، إلى أن دية الجنين الذكر مائة دينار، ودية الجنين الأنثى خمسون دينارا (4).

(1) سورة المائدة، الآية 45.
(2) ج. وأقل.
(3) هذا على نسخة ل أما على نسخة الأصل أعني (ق) ونسخة ج فلا يوجد فيهما والظاهر أنه سقط منهما.
(4) المبسوط، ج 7، كتاب الديات ص 194.

[ 417 ]

وهذا مذهب بعض المخالفين، فأما أصحابنا الإمامية ما خالف أحد منهم في أن دية الجنين الحر المسلم مائة دينار، ولم يفصلوا، بل أطلقوا وعمموا، وشيخنا أبو جعفر في جميع كتبه الأخبارية موافق على ذلك، ومسلم مع أصحابه، وإنما يورد في هذا الكتاب يعني مبسوط مقالة المخالفين، لأنه كتاب فروع المخالفين، فقال في هذا الكتاب، إن كان الجنين عبدا ففيه عشر قيمته، إن كان ذكرا وكذلك عشر قيمته إن كان أنثى (1). والذي عليه إجماع أصحابنا، أن في جنين الأمة والمملوك، عشر دية أمه، بلا خلاف بين أصحابنا، وإنما أورد شيخنا مقالة المخالفين. وقال في هذا الكتاب أيضا إذا ضرب بطن أمة، فألقت جنينا ميتا مملوكا، ففيه عشر قيمة أمه ذكرا كان أم أنثى، وعند قوم غرة تامة، مثل جنين الحرة، وهذا الذي رواه أصحابنا، هذا آخر كلامه (2). قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب رحمه الله هاهنا يحسن قول اقلب تصب، بل رواية أصحابنا ما قدمه رحمه الله وقد قدمنا بيان ذلك، وهو أن لكل يوم دينارا إلى أن يصل إلى الدية المقدرة، ثم تلجه الروح، وفيه الدية كاملة. وقد روي أنه إذا قتلت المرأة وهي حامل متم، ومات الولد في بطنها، ولا يعلم أذكر هو أم أنثى، حكم فيه بديتها كاملة مع التراضي، وفي ولدها بنصف دية الرجل ونصف دية المرأة (3). والأولى استعمال القرعة في ذلك، هل هو ذكر أم أنثى، لأن القرعة مجمع عليها في كل أمر مشكل، وهذا من ذلك، هذا إذا تحقق حياته في بطنها وعلم. وروى محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة عن سليم (4) بن صالح، عن أبي عبد الله عليه السلام في النطفة

(1) المبسوط، ج 7 كتاب الديات، ص 197.
(2) المبسوط، ج 7 كتاب الديات، ص 205.
(3) الوسائل، الباب 21 من أبواب ديات النفس، ح 1.
(4) ج. ل. سليمان وكذلك في المصدر.

[ 418 ]

عشرون دينارا، وفي العلقة أربعون دينارا، وفي المضغة ستون دينارا، وفي العظم ثمانون دينارا، فإذا كسى اللحم مائة دينار، ثم هي مائة حتى يستهل، فإذا استهل فالدية كاملة (1). والرواية الأولى رواها على (2) بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن عبد الله بن مسكان، عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام. وكلتا الروايتين أوردهما شيخنا أبو جعفر في تهذيب (3) الأحكام، إلا أن الأولى مرسلة، والأخيرة مسندة، ويقتضيها أصول مذهبنا، والأصل براءة الذمة. وفي قطع جوارح الجنين وأعضائه، الدية من حساب ديته، مائة دينار. والمرأة إذا شربت دواء لتلقي ما في بطنها، ثم القت، كان عليها الدية بحساب ما ذكرناه لورثة المولود دونها، لأن دية الجنين عندنا موروثة لورثته، وإنما حرمت الأم هاهنا، لأنها بمنزلة القاتلة، والقاتل عندنا لا يرث من الدية شيئا بحال، سواء كان قاتل عمد أو قاتل خطأ. ومن أفزع امرأة وضربها (4) فألقت شيئا مما ذكرنا فكان عليه ديته حسب ما قدمناه. ولا كفارة على قاتل الجنين بحال. ودية جنين الذمي عشر ديته، وما يكون من أعضائه بحساب ذلك. ومن افزع رجلا، وهو على حال الجماع، فعزل عن امرأته، كان عليه دية ضياع النطفة، عشرة دنانير، فأما إن وضع النطفة في الرحم، ثم افزع افزع (5) المرأة، فألقتها، فديتها عشرون دينارا على ما قدمناه (6). وقد روي أنه إذا عزل الرجل عن زوجته الحرة بغير اختيارها، كان عليه عشر دية الجنين، يسلم إليها (7)، وهذه رواية شاذة لا يعول عليها، ولا يلتفت إليها، لأن

(1) الوسائل، الباب 19، من أبواب ديات الأعضاء، ح 3 (2) ج. محمد بن إبراهيم.
(3) التهذيب، ج 7، الباب 25، من أبواب القصاص، ص 281، ح 1 - 2.
(4) ج. ل. أو ضربها.
(5) ج. ل. ثم افزع فازع.
(6) في ص 416.
(7) الوسائل، الباب 19، من أبواب ديات الأعضاء، ح 1.

[ 419 ]

الأصل براءة الذمة، ولأنا قد بينا أن العزل عن الحرة مكروه، ليس بمحظور. قال شيخنا أبو جعفر في الجزء الثاني من مسائل خلافه، مسألة دية الجنين إذا تم خلقه، مائة دينار، وإذا لم يتم، فغرة عبد أو أمة، وعند الفقهاء غرة عبد أو أمة على كل حال، إلا أن هذه الدية ساير المناسبين، وغير المناسبين (1). قال محمد بن إدريس، لا خلاف بيننا، إن الدية الجنين التام مائة دينار، وغير التام بحسابه، من النطفة والعلقة وغير ذلك. فأما الغرة، فما أحد من أصحابنا ذهب إلى ذلك، وإنما هذا مذهب المخالفين لأهل البيت عليهم السلام فليلحظ دليله رحمه الله في المسألة، فهو قاض عليه، وإنما أردت تنبيه من يقف على المسألة التي في خلافه، وهو الجزء الثاني، بحيث لا يعتقد إن ذلك مذهب أصحابنا. وحكم الميت حكم الجنين، وديته ديته، سواء، فمن فعل بميت فعلا لو فعله بالحي لكان فيه تلف نفسه، كان عليه ديته مائة دينار، وفيما بفعل به من كسر يدا أو قطعها، أو قلع عين، أو جراحة، فعلى حساب ديته، كما تكون دية هذه الأعضاء في الحي كذلك لا يخلف الحكم فيه. والفرق بين الجنين والميت، أن دية الجنين تستحقها ورثته على ما قدمناه، ودية الميت لا يستحقها أحد من ورثته، بل تكون له، يتصدق بها عنه، على ما ذهب شيخنا أبو جعفر إليه في نهايته (2). وقال السيد المرتضى يكون لبيت المال (3). وهو الذي يقوى في نفسي، لأن ما ذهب إليه شيخنا أبو جعفر لا دليل عليه، وهذه جناية يأخذها الإمام على طريق العقوبة والردع، فيجعلها في بيت المال. ودية جنين الأمة المملوك عشر قيمة أمه وقت الضرب. ودية جنين البهيمة، والدواب، والحيوان، عشر دية أمه، لإجماعنا على ذلك،

(1) الخلاف، كتاب الفرائض، مسألة 126.
(2) النهاية، كتاب الديات، باب دية الجنين والميت.
(3) في الانتصار في القصاص والديات.

[ 420 ]

وتواتر أخبارنا (1) وفي ذلك الحجة. باب الجنايات على الحيوان وغير ذلك من أتلف حيوانا لغيره مما لا يقع عليه الذكاة، كان عليه قيمته يوم أتلفه، وذلك مثل الكلب. وقال شيخنا في نهايته، وذلك مثل الفهد، والبازي (2). وعندنا أن الفهد يقع عليه الذكاة، ويحل بيع جلده بعد ذكاته بلا خلاف بيننا، ويحل أيضا استعماله بعد دباغه في جميع الأشياء، ما عدا الصلاة، على ما بيناه في كتاب الصلاة (3)، وإنما مقصود شيخنا بقوله ما لا يؤكل لحمه، إلا أنه لا بد أن يراعى أن يكون مما يجوز للمسلمين تملكه. فإن أتلف عليه ما لا يحل للمسلمين تملكه، وكان من بيده ذلك مسلما، لم يكن عليه شئ، سواء كان الجاني مسلما أو ذميا. فإن أتلف شيئا من ذلك على ذمي وجب عليه قيمته عند مستحليه. ومتى أتلف شيئا على مسلم مما يقع عليه الذكاة على وجه يمكنه الانتفاع به، فلا يجب عليه كمال قيمته، بل الواجب عليه ما بين قيمته صحيحا ومعيبا، مثال ذلك أن يذبح شاة انسان ذباحة شرعية، فالواجب عليه ما بين قيمتها حية ومذبوحة. وقال شيخنا في نهايته، يجب عليه قيمته يوم أتلفه، ويسلم إليه ذلك الشئ، أو يطالبه بقيمته ما بين كونه متلفا وكونه حيا (4). وما ذكرناه هو الأصح وشيخنا فقد رجع عن ذلك في مبسوطه (5).

(1) التهذيب، ج 10، الباب 25، من كتاب الديات، ص 288، ح 1120 / 22 وفي الجواهر ج 43، ص 392 بعد نقله كلام السرائر، وإن كنت لم أتحقق شيئا منهما.
(2) و (4) النهاية، كتاب الديات، باب الجنايات على الحيوان.
(3) في الجزء الأول، ص 262.
(5) المبسوط، ج 8، كتاب السرقة، ص 30، والعبارة هكذا، إذا نقب ودخل الحرز فذبح شاة فعليه ما بين قيمتها حية ومذبوحة.

[ 421 ]

فإن أتلفه على وجه لا يمكنه لصاحبه الانتفاع به على وجه، كان عليه قيمته بغير خلاف. كقتله للشاة بالحجارة والخشب، وخنقه، أو ذبحه بيد كافر، أو تغريقه وغير ذلك. ودية كلب الصيد، سواء كان سلوقيا أو غير ذلك إذا كان معلما للصيد، أربعون درهما. وشيخنا قال في نهايته، ودية كلب السلوقي أربعون درهما (1)، وأطلق ذلك. والأولى تقييده بكلب الصيد، لأنه إذا كان غير معلم على الصيد، ولا هو كلب ماشية ولا زرع ولا حايط فلا دية له، وإن كان سلوقيا، إنما أطلق ذلك لأن العادة والعرف إن الكلب السلوقي الغالب عليه أنه يصطاد، والسلوقي منسوب إلى سلوق، وهي قرية باليمن. ودية كلب الحايط والماشية عشرون درهما، والمراد بالحايط البستان، لأن في الحديث أن فاطمة عليها السلام وقفت حوايطها بالمدينة (2)، المراد بذلك بساتينها. وفي كلب الزرع قفيز من طعام، وإطلاق الطعام في العرف يرجع إلى الحنطة. وليس في شئ من الكلاب غير هذه الأربعة دية على حال. ويجوز إجارة هذه وبيعها، والديات لهذه الكلاب مقدرة موظفة، وإن كانت قيمتها أكثر من ذلك. فإن غصب انسان أحد هذه الكلاب، وكانت قيمته مثلا مائة دينار، ثم مات عنده قبل رده على المغصوب منه، أو قتله قبل رده، فالواجب عليه قيمته، وهي المائة دينار، لا ديته الموظفة المقدرة، لأنه بالغصب قد ضمن قيمته، وصارت في ذمته، كمن غصب عبد غيره، وقيمة العبد ألفا دينار، ثم مات عند الغاصب قبل رده إلى المغصوب، أو قتله الغاصب قبل رده، فالواجب عليه ضمان قيمته، وهي ألفا دينار، وإن كان قتله قبل غصبه إياه، لم يلزمه أكثر من ديته، ولا يتجاوز بها دية الحر، وهي ألف دينار، فليلحظ ذلك، وقد ذكرنا في كتاب الغصب (3) شيئا من هذا، وفيه

(1) النهاية، كتاب الديات، باب الجنايات على الحيوان.
(2) الكافي: ج 7، ص 48 ح 5 نقلا بالمعنى.
(3) الجزء الثاني، ص 492.

[ 422 ]

كفاية ومقنع وتنبيه لذوي الفهم والتأمل. والقول في الجراح البهايم وكسر أعضائها وقطع أطرافها، أنه يستحق صاحبها على الجاني من الأرش ما بين قيمتها صحيحة ومعيبة، وليس له خيار في أخذ قيمته وتسليمه إلى الجاني، وإن كانت الجناية تحيط بقيمته كما ذكرنا ذلك في إتلاف أطراف العبيد وأعضائهم. وقول شيخنا في نهايته، إن كان الحيوان مما يتملك، ففيه أرش ما بين قيمته صحيحا ومعيبا، وإن كان مما لا يتملك، فحكم جراحه وكسره حكم إتلاف نفسه (1). المراد بذلك أنه إن كان الحيوان بيد مسلم، وهو مما لا يجوز للمسلمين تملكه، فحكم جراحه وكسره حكم إتلاف نفسه، أي لا شئ على جارحه وكاسره، كما لا شئ عليه في إتلاف نفسه، لأنا قد بينا فيما مضى (2) أن من أتلف على مسلم ما لا يحل للمسلمين تملكه من الخنازير وغيرها، فلا شئ عليه، فهذا مقصوده ومراده رضي الله عنه لأنه لو أتلف ذلك على ذمي، وجب عليه قيمته عند مستحليه، فإن جرحه أو كسر، وجب عليه من الأرش ما بين قيمته صحيحا ومعيبا، فليلحظ ذلك، فإن فيه غموضا على وضع شيخنا في نهايته، وإطلاق القول، فإنه ما أشبع الكلام، في هذا الباب ولا استوفاه، وإنما لوح تلويحا ببعض ما ذكره شيخنا المفيد في مقنعته (3)، فإن شيخنا المفيد أشبع القول في ذلك واستوفاه، وشيخنا في نهايته أخذه ليلخصه فعماه. قال شيخنا المفيد والاتلاف لأنفس الحيوان على ضربين، أحدهما يمنع من الانتفاع به بعده، والثاني لا يمنع من ذلك، فالضرب الذي يمنع من الانتفاع قتل ما يقع عليه الذكاة على غير وجه الذكاة، كقتله بالحجارة والخشب، وتقطيعه بالسيوف، قبل تذكيته بالذبح، أو النحر، أو قتله بالماء، أو إمساك النفس منه، أو

(1) النهاية، كتاب الديات، باب الجنايات على الحيوان.
(2) في ص 420.
(3) المقنعة، باب الجنايات على الحيوان من البهائم وغيرها، ص 769 و 770.

[ 423 ]

منعه من العلف أو الماء، أو ذبحه بيد كافر لا يقع بذبحه الذكاة، وقال رحمه الله ومن ذلك قتل ما لا يقع عليه الذكاة، ولا يحل أكله مع الاختيار، كالبغال والحمير الأهلية، والهجن من الدواب، والسباع، من الطير وغيره، هذا آخر كلامه رحمه الله في مقنعته (1). قال محمد بن إدريس أما قوله - ومن ذلك قتل ما لا يقع عليه الذكاة، ولا يحل أكله (2)، كالبغال والحمير الأهلية أو الهجن من الدواب والسباع من الطير وغيره، فغير واضح، ولا صحيح، أما البغال والحمير والخيل سواء كانت عرابا (3) هجنا، فإنها على الأظهر والأصح من أقوال أصحابنا وفتاويهم ومناظراتهم، مأكولة اللحم يقع عليه الذكاة، وقد قدمنا ذلك في كتاب (4) الذبايح والأطعمة، وهو مذهب شيخنا أبي جعفر في سائر كتبه، واختيار السيد المرتضى في انتصاره (5)، يناظر المخالف عليه، ورأي الجلة المشيخة من أصحابنا، حتى أنك لو ادعيت الاجماع منهم على المسألة، لما دفعك دافع، ومن يخالف منهم فمعروف الاسم، والنسب. فأما السباع من الطير وغيره، فعندنا إن أسئارها طاهرة، وهي طاهرة، ويقع عليه الذكاة عندنا بغير خلاف، وإنما لا يقع الذكاة على الكلب والخنزير، فأما السباع فيقع عندنا عليها الذكاة، ويحل بيع جلودها بعد ذكاتها، واستعمالها بعد دباغها، في جميع الأشياء ما عدا الصلاة على ما قدمناه (6). فإذا أتلف انسان حيوان غيره على وجه لا يحصل معه الانتفاع به، كان عليه قيمته حيا يوم أتلفه، فإن أتلف ما يحصل مع تلف نفسه لصاحبه الانتفاع به على وجه من الوجوه، فعليه لصاحبه ما بين قيمته حيا وبين قيمته وتلك الجناية فيه. وقال شيخنا المفيد، كان صاحبه مخيرا بين أن يأخذ قيمته حيا يوم أتلفه، ويدفعه إليه، أو يأخذ منه أرش إتلافه، وهو ما بين قيمته حيا ومتلفا، وينتفع هو

(1) المقنعة، باب الجنايات على الحيوان من البهائم وغيرها.
(2) ج. ل. أكله مع الاختيار.
(3) ج. ل. أو هجنا.
(4) الجزء الثالث، ص 98.
(5) الانتصار، في كتاب الصيد والذبائح.
(6) في ص 420.

[ 424 ]

به (1). وما قدمناه هو الأظهر الأصح. والمسلم لا يملك شيئا محرما عليه، كالخمر والخنزير، وقال شيخنا المفيد (2)، والقرد والدب. قال محمد بن إدريس لا أرى بتملك الدب بأسا، لأنه سبع، ويجوز بيع جلده بعد ذكاته، والانتفاع به بعد دباغه، لأنه سبع بغير خلاف. ومن أتلف على مسلم شيئا من سباع الطير وغيرها، مما قد جعل للمسلمين الانتفاع به، كالبازي والصقر، والفهد، وما أشبه ذلك، كان عليه قيمته حيا. والحكم فيما يتملكه الانسان من آلات اللهو المحظورة في الاسلام، كالحكم في الخمور والخنازير. فإذا جنت بهيمة الانسان على بهيمة غيره، أو ملك له من الأشياء فهو على ضربين، إن كانت الجناية منها بتفريط وقع منه في حفظها، ومنعها من الجناية، أو بتعد في استعمالها، فهو ضامن لما أفسدته بجنايتها، وإن كان بغير ذلك، لم يكن عليه ضمان. فإذا ثبت ذلك فإن الماشية إذا أفسدت زرعا لقوم، فليس يخلو إما أن تكون يد صاحبها عليها، أو لا تكون، فإن كانت يده عليها، فعليه ضمان ما اتلفت، لأن جنايتها كجنايته، وفعلها كفعله، وإن لم تكن يد صاحبها عليها، لم يخل إما أن يكون ذلك ليلا أو نهارا بغير سبب منه، فلا ضمان على مالكها إجماعا، لقوله عليه السلام - جرح العجماء جبار (3)، والجبار الهدر، وإن فسدت ليلا، فإن لم يكن من صاحب البهيمة تفريط في حفظها، بأن آواها إلى مبيتها، وأغلق عليها الباب فوقع الحايط، أو نقب لص نقبا، فخرجت وأفسدت فلا ضمان على مالكها

(1) و (2) المقنعة، باب الجنايات على الحيوان من البهائم ص 769.
(3) البخاري، الباب 27 من كتاب الديات (الرقم 6498) أبو داود، في أواخر كتاب الديات، (الرقم 4593، ج 4، ص 196). ابن ماجه، الباب 27 من كتاب الديات (الرقم 7 - 2673). واللفظ " العجماء جرحها جبار ".

[ 425 ]

لأنه غير مفرط، وإن كان التفريط منه، بأن أرسلها نهارا، وأوصله بالليل، أو أطلقها ابتداء ليلا، فأفسدت الزرع فعلى مالكها الضمان. وكذلك إذا كان لانسان كلب عقور، فلم يحفظه، فأتلف شيئا كان عليه ضمانه لأنه مفرط في حفظه. وكذلك لو كانت له سنور معروفة بأكل الطيور وغير ذلك من أموال الناس، فعليه حفظها، فإن لم يفعل، وأتلفت شيئا فعليه ضمانه. فأما إن كان في دار رجل كلب عقور، فدخل رجل داره بغير أمره، فعقره، فلا ضمان عليه، لأن الرجل مفرط في دخول داره بغير إذنه، فأما إن دخلها بإذنه فعقره الكلب، فعليه ضمانه. والبعير إذا صال، وعلم به صاحبه، فقتل أو كسر أو جرح، كان صاحبه ضامنا لجنايته، لأنه يجب عليه حبسه ومنعه من الفساد. وقد روي أن أمير المؤمنين عليه السلام قضى في بعير كان بين أربعة شركاء، فعقل أحدهم يده، فتخطى إلى بئر، فوقع فاندق، إن على الشركاء الثلاثة غرم الربع من قيمته لشريكهم (1)، لأنه حفظ حقه، وضيعه عليه الباقون بترك إعقال حقوقهم، وحفظه بذلك من الهلاك. وقد قدمنا إن من أتلف على مسلم شيئا من الملاهي، مثل العود، والطنابير، والدفوف والمزامير، والطبول، والمعازف، الرباب، وما أشبه ذلك، لم يكن عليه شئ. فإن أتلف ذلك على ذمي في حرزه، كان عليه ضمانه، فإن أتلفه عليه وكان قد أظهره، لم يكن عليه شئ على حال، وهذا باب من عرف الحكم فيما ذكرناه منه على التفصيل أغناه عن تعداد ما في معناه، وإطالة الخطيب فيه. قال شيخنا في مبسوطه في الجزء السادس، في كتاب الدفع عن النفس، فإنه ذكر الوهق، فقال من عصا أو وهق، أو قوس، أو سيف، وغير ذلك (2).

(1) الوسائل، الباب 39، من أبواب موجبات الضمان، ح 1، الظاهر أنها منقولة بالمعنى.
(2) المبسوط، لم نتحققه في مظانه.

[ 426 ]

قال محمد بن إدريس، الوهق بالواو المفتوحة، والهاء المفتوحة، والقاف، حبل كالطول، فيه انشوطة، قال الشاعر: لها حر تستعير وقدته * من قلب صب وصدر ذي حنق كأنما حره لخابره * ما ألهبته في حشاه من حرق يزداد ضيقا على المراس كما * يزداد ضيقا انشوطة الوهق

[ 427 ]

كتاب الحدود

[ 428 ]

كتاب الحدود باب مائية الزنا وما به يثبت ذلك الزنا الموجب للحد، هو وطي من حرم الله تعالى وطيه من غير عقد ولا شبهة عقد، ويكون الوطي في الفرج، سواء كان قبلا أو دبرا، بلا خلاف، ويكون الواطي بالغا كاملا (1)، سواء كان حرا أو عبدا. فأما العقد، فهو ما ذكرناه في كتاب النكاح من أقسامه، مما قد أباحه الله تعالى في شريعة الاسلام. وأما شبهة العقد، فهو أن يعقد الرجل على ذي محرم له من أم، أو بنت، أو أخت، أو عمة، أو خالة، أو بنت أخ، أو بنت أخت، وهو لا يعرفها، ولا يتحققها، أو يعقد على المرأة لها زوج، وهو لا يعلم ذلك، أو يعقد على امرأة وهي في عدة لزوج لها، إما عدة طلاق رجعي، أو باين، أو عدة فسخ، وإن لم يكن طلاقا، أو عدة المتوفى عنها زوجها وهو جاهل بحالها، أو يعقد عليها وهو محرم، أو هي محرمة، وهو حلال ناسيا أو جاهلا بأن ذلك لا يجوز، ثم علم شيئا من ذلك، فإنه يدرأ عنه الحد، ولم يحكم فيه بالزنا لقوله عليه السلام إدرؤا الحدود بالشبهات (2). فإن عقد على واحدة ممن ذكرنا عالما أو متعمدا ثم وطأها، كان حكمه حكم الزنا سواء، بل هو أغلظ منه، وليس علمه بالمحرم شبهة، واستحلاله ما حرمه الله عليه ما يدرأ به الحدود، على ما ظنه بعض المخالفين لمذهب أهل البيت عليهم السلام ويجب عليه ما يجب على الزاني على حد واحد.

(1) ج. كامل العقل.
(2) الوسائل، الباب 24 من أبواب مقدمات الحدود...، ح 4.

[ 429 ]

ويثبت حكم الزنا بشيئين أحدهما إقرار الفاعل العاقل الحر بذلك على نفسه، من غير إكراه ولا إجبار أربع مرات في أربعة أوقات، دفعة بعد أخرى، فإذا أقر أربع مرات على ما قدمناه، وكان حرا بالوطي في الفرج، حكم له بالزنا، ووجب عليه ما يجب على فاعله. فإن أقر أقل من ذلك، أو أقر أربع مرات بوطئ ما دون الفرج المقدم ذكره، لم يحكم له بالزنا، وكان عليه التعزير حسب ما يراه الإمام، ولا يتجاوز بذلك أكثر من تسعة وتسعين سوطا، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. والثاني قيام البينة بالزنا، وهو أن يشهد رجال عدول، على رجل إنه وطي امرأة ليس بينه وبينها عقد ولا شبهة عقد، وشاهدوه وطأها في الفرج، بأن أدخل العضو في العضو، مثل الميل في المكحلة، فإذا شهدوا كذلك، قبلت شهادتهم، وحكم عليه بالزنا، سواء كان حرا أو عبدا، إذا كان كامل العقل، ووجب عليه ما يجب على فاعله على ما نبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى. فإن شهد الأربعة بالزنا، ولم يشهدوا عليه بالمعاينة، كان على كل واحد منهم حد الفرية. فإن شهد عليه أقل من الأربعة، وادعوا المشاهدة، كان عليهم أجمع حد الفرية. فإن شهد الأربعة، واختلفوا في شهادتهم، فبعضهم شهد بالمعاينة، وبعضهم شهد بغير ذلك، كان أيضا عليهم حد الفرية. فإن شهد الأربعة باجتماع الرجل مع امرأة في إزار واحد مجردين من ثيابهما، أو شهدوا بوطئ ما دون الفرج، قبلت شهادتهم، ووجب على فاعل ذلك التعزير. وإذا شهد الشهود على امرأة بالزنا، وادعت أنها بكر، أمر أربع من ثقات النساء أن ينظرن إليها، فإن كانت كما ذكرت، لم يكن عليها حد، وإن لم تكن كذلك أقيم عليها الحد. وهذا الحكم لا يصح إلا بأن يكون شهادة الشهود بالوطي في القبل دون الدبر، فأما إذا شهدوا بالوطي في الدبر، لم ينفعها دعواها البكارة، ولا شهادة النساء

[ 430 ]

لها بذلك، فليلحظ، فإن شيخنا أبا جعفر أطلقه في نهايته (1) إطلاقا، وإن كان مراده ما ذكرناه. فأما الشهود الأربعة فلا يحدون حد القاذف، لأنه لا دليل عليه، ولأن شهادتهم ظاهرها الصحة. وإلى هذا القول ذهب شيخنا في المبسوط (2) ولم يذكر في النهاية شيئا. وإذا شهد أربعة رجال على امرأة بالزنا أحدهم زوجها، فإن شهد الزوج ابتداء من غير أن يتقدم منه القذف لها مع الثلاثة المذكورة، قبلت شهادتهم، ووجب على المرأة الحد، فإن كان قد رمى الزوج بالزنا أولا، ثم شهد مع الثلاثة المذكورة عليها به، فلا تقبل شهادته، لأنه يدفع بها ضررا، وكل من يدفع بشهادته ضررا عن نفسه فلا تقبل شهادته، وأيضا فهو خصم في هذه الحال، فلا تقبل شهادته، ويجب عليه إما لعانها ليدرأ عن نفسه الحد، أو حد الفرية، وإن لم يلاعن، والثلاثة يحدون حد الفرية. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته وإذا شهد أربعة نفر على امرأة بالزنا أحدهم زوجها وجب عليها الحد. وقد روي أن الثلاثة يحدون حد المفتري ويلاعنها زوجها (3). وهذه الرواية محمولة على أنه إذا لم تعدل الشهود أو اختلفوا في إقامة الشهادة، أو اختل بعض شرائطها، فأما مع اجتماع شرايط الشهادة، فإن الحكم ما قدمناه، هذا آخر كلامه في نهايته (4). إلا أنه قيده في مسائل خلافه، فقال مسألة، إذا شهد الزوج ابتداء من غير أن يتقدم منه القذف مع ثلاثة على المرأة بالزنا، قبلت شهادتهم، ووجب على المرأة الحد، وهو الظاهر من أحاديث أصحابنا، وبه قال أبو حنيفة، وقد روي أيضا أن

(1) النهاية، كتاب الحدود، باب مائية الزنا وما به يثبت ذلك.
(2) المبسوط، ج 8، كتاب الحدود ص 10.
(3) الوسائل، الباب 12 من أبواب اللعان، ح 2 - 3، والظاهر أنها منقولة بالمعنى.
(4) النهاية، كتاب الحدود، مائية الزنا...

[ 431 ]

الثلاثة يحدون، ويلاعن الزوج، هذا آخر كلامه في مسائل خلافه (1). وما حققه في مسائل خلافه، هو الأصح الأظهر الذي يقتضيه الأدلة وظاهر القرآن، والمتواتر من الأخبار، ونحمل الرواية الشاذة على أن الزوج تقدم منه قبل شهادته، الرمي بالقذف للمرأة، لقوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم " (2) وهذا قد رمى زوجته ولم يكن له شهداء إلا نفسه، لأن شهادة الثلاثة غير معتد بها إلا بانضمام شهادة الرابع، فكأنها لم تكن في الحكم فأما إذا لم يتقدم منه رمى الزوجة بالزنا، فلم تتناوله هذه الآية، وتناولها الظواهر، مثل قوله تعالى " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم " (3). ولم يفرق بين أن يكون الزوج واحدا منهم أو لا يكون، وهذا خطاب للحكام. ولا تقبل شهادة الشهود على الزنا إلا إذا حضروا في وقت واحد، فإن شهد بعضهم وقال الآن يجئ الباقون، جلد حد المفتري، لأنه ليس في ذلك تأخير. ولا تقبل في الزنا شهادة النساء على الانفراد. فإن شهد ثلاثة رجال وامرأتان، قبلت شهادتهم في الزنا، ويجب بشهادتهم الرجم إن كان المشهود عليه محصنا، وسنبين المحصن إن شاء الله. فإن شهد رجلان وأربع نسوة لم يجب بشهادتهم الرجم، ويجب بها الحد الذي هو مائة سوط. فإن شهد رجل وستة نساء أو أكثر أو أقل، لم تقبل شهادتهم، وكان على كل واحد منهم حد الفرية. وإذا شهد أربعة رجال على رجلين (4) وامرأتين أو ألف، قبلت شهادتهم، وأقيم على الذين شهدوا عليهم الحد. وإذا رأى الإمام أو الحاكم من قبله تفريق الشهود أصلح في بعض الأوقات، بعد أن يكونوا حضروا لإقامة الشهادة في وقت واحد، كان ذلك جايزا.

(1) الخلاف، كتاب اللعان، مسألة 59.
(2) سورة النور، الآية 4.
(3) سورة النساء، الآية 15.
(4) ج. رجل.

[ 432 ]

وحكم المرأة حكم الرجل في جميع ما ذكرناه على حد واحد في أنه يحكم عليها بالزنا، إما بالاقرار أو البينة، ويدرأ عنها الحد في الموضع الذي يدرأ فيه الحد عن الرجل، لا يختلف الحكم في ذلك إلا ما نبينه فيما بعد إن شاء الله. وإذا أخذ رجل وامرأة فادعيا الزوجية، درئ عنهما الحد. وإذا شاهد الإمام من يزني، أو يشرب الخمر، كان عليه أن يقيم الحد عليه، ولا ينتظر مع مشاهدته قيام البينة، ولا الاقرار، وكذلك النائب من قبله، لأنا قد بينا في كتاب القضاء (1) إن للحاكم أن يحكم بعلمه في جميع الأشياء بغير خلاف بين أصحابنا، ولأن علمه أقوى من الاقرار والبينة. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ليس ذلك لغير الإمام، بل هو مخصوص به، وغيره إن شاهد يحتاج أن تقوم له بينة أو إقرار من الفاعل على ما بيناه (2). وهذا ذكره في كتاب الحدود، وإن كان موافقا في غير هذا الموضع، على أن للحاكم أن يحكم بعلمه في جميع الأشياء، وإذا كان إجماعنا منعقدا على ذلك فلا يرجع عنه بأخبار الآحاد. وأما القتل والسرقة والقذف وما يجب من حقوق الآدميين من الحد والتعزير، فليس له أن يقيم الحد إلا بعد مطالبة الحق بحقه، وليس يكفي فيه (3) مشاهدته إياه، فإن طلب صاحب الحق إقامة الحد، كان عليه إقامته، ولا ينتظر مع علمه البينة أو الاقرار. إذا شهد عليه أربعة شهود، فكذبهم، أقيم عليه الحد بلا خلاف، وكذلك إن صدقهم. إذا شهد أربعة شهود على رجل بالزنا، فشهد اثنان أنه أكرهها، والآخران أنها طاوعته، فإنه يجب عليه الحد، ولا يجب على المرأة الحد، لأنها غير زانية، والرجل زان بغير خلاف، لأنه إذا كان مكرها لها كان زانيا، وكذلك إذا طاوعته، وفي الحالين معا يكون زانيا.

(1) ج 2 ص 179.
(2) النهاية، كتاب الحدود، باب مائية الزنا...
(3) ج. منه.

[ 433 ]

وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه لا حد عليه، وهو قول الشافعي (1) اختاره ووافقه عليه بغير دليل، لأن هذه المسألة غير منصوصة لنا، والأصول تقتضيه (2) إن عليه الحد، لأنه زان بغير خلاف. واحتج شيخنا بأن الأصل براءة الذمة (3). وإنما يستقيم له هذا الاستدلال قبل ورود الشرع، بأن على الزاني الذي شهد عليه أربعة شهود بالزنا الحد، فأما بعد ذلك فكيف يصح الاستدلال بأن الأصل براءة الذمة. ثم قال رضي الله عنه وأيضا فإن الشهادة لم تكمل بفعل واحد، وإنما هي شهادة على فعلين، لأن الزنا طوعا غير الزنا كرها (4). وهذا استدلال يرغب الانسان أن يذكره مناظرا لخصمه، لأن الشهادة كملت بالزنا، لأن من شهد بالاكراه، فقد شهد بالزنا، ومن شهد بالمطاوعة، فقد شهد أيضا بالزنا، فالفعل واحد، وإن كانت أسبابه مختلفة، فما شهد الأربعة إلا بالايلاج في وقت واحد، والايلاج منه حينئذ حرام زنا بغير خلاف، وأيضا الظواهر من القرآن تتناول ذلك، فمن أخرج هذا منها فعليه الدليل. إذا ملك رجل ذات محرم من نسب أو رضاع، فوطأها مع العلم بتحريم الوطي عليه، لزمه القتل على كل حال عندنا بعد حد الزنا. وقال بعض أصحابنا عليه القتل، وأطلق الكلام ولم يذكر الحد، ولا دليل على سقوطه، لقوله تعالى " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " (5) وهذا زان بغير خلاف. إذا استأجر امرأة للوطئ لزمه الحد بلا خلاف بيننا. إذا وجد الرجل امرأة على فراشه، فظنها زوجته، فوطأها، لم يكن عليه الحد،

(1) و (3) الخلاف، كتاب الحدود، مسألة 24. (2) ج. ل. تقتضي، والظاهر أنه هو الصحيح.
(4) الخلاف، كتاب الحدود، في دليل مسألة 24.
(5) سورة النور، الآية 2.

[ 434 ]

لقوله عليه السلام إدرأوا الحدود بالشبهات (1) ولأن الأصل براءة الذمة. وقد روي في بعض الروايات أن عليه الحد سرا، وعليها الحد جهرا (2). أورد ذلك شيخنا في نهايته (3)، ورجع عنه في مسائل خلافه (4). وهو الصحيح الذي يقتضيه أصول مذهبنا، ولا يرجع إلى أخبار الآحاد في ذلك، فإن شيخنا رجع عن الخبر الذي أورده في نهايته، وعمل بالأدلة القاهرة في مسائل خلافه. إذا تكامل شهود الزنا أربعة وشهدوا به، ثم ماتوا أو غابوا، جاز للحاكم أن يحكم بشهادتهم، ويقيم الحد على المشهود عليه، لقوله تعالى " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " (5) وهذا زان بغير خلاف. إذا تكامل شهود الزنا، فقد ثبت الحكم بشهادتهم، سواء شهدوا في مجلس واحد، أو في مجالس (6) ولا يعتبر حضور الشهود لأداء الشهادة في وقت واحد، إلا هاهنا، فأما التحمل لها فلا نعتبره هاهنا أن يكون في وقت واحد، بل شهادة الطلاق تحملها يكون في وقت واحد على ما بيناه في كتاب الشهادات (7). إذا حضر أربعة ليشهدوا بالزنا، فشهد واحد أو ثلاثة، ولم يشهد الرابع، لم يثبت على المشهود عليه الزنا، لأن الشهادة ما تكاملت بلا خلاف، ومن لم يشهد لا شئ عليه أيضا بلا خلاف، ومن شهد فعليه حد القذف، وقصة المغيرة مشهورة، فإنه استخلفه عمر بن خطاب على البصرة، وكان نازلا في أسفل الدار، ونافع وأبو بكرة وكانا أخا زياد لأمه سمية، جارية للحارث بن كلدة، وشبل بن معبد، وزياد في علوها، فهبت ريح ففتحت باب البيت، ورفعت الستر، فرأوا المغيرة بين رجلي امرأة من بني هلال، فلما أصبحوا تقدم المغيرة ليصلي، فقال له أبو بكرة تنح عن مصلانا،

(1) الوسائل، الباب 24، من أبواب مقدمات الحدود، ح 4.
(2) الوسائل، الباب 38 من أبواب حد الزنا، ح 1.
(3) النهاية، كتاب الحدود، باب أقسام الزنا.
(4) الخلاف، كتاب الحدود، مسألة 20.
(5) سورة النور، الآية 2.
(6) ج. مجالس متعددة.
(7) ج 2، ص 665.

[ 435 ]

فبلغ ذلك عمر، فكتب أن يرفعوا إليه، وكتب إلى المغيرة قد تحدث عنك بما إن كان صدقا فلو كنت مت قبله لكان خيرا لك، فاشخصوا إلى المدينة، فشهد نافع وأبو بكرة وشبل بن معبد، فقال عمر أودى المغيرة الأربعة، فجاء زياد ليشهد، فقال عمر هذا رجل لا يشهد إلا بالحق إن شاء الله فقال أما بالزنا فلا أشهد، ولكني رأيت أمرا قبيحا، فقال عمر: الله أكبر، وجلد الثلاثة، فحلف أبو بكرة أن لا يكلم أخاه زيادا أبدا، فمات وما كلمه " رحم الله أبا بكرة " فقال أبو بكرة بعد جلده: (1) أشهد أن المغيرة زنا، فهم عمران يجلده، فقال له أمير المؤمنين علي عليه السلام: " إن جلدته فارجم صاحبك " (2) يعني المغيرة، ومعنى قول علي عليه السلام إن جلدته فارجم صاحبك فإن معناه إن كانت هذه شهادة غير الأولى، فقد كملت الشهادة أربعة، فارجم صاحبك، يعني إنما أعاد ما شهد به، فلا تجلده بإعادته. وكان أبو بكرة رجلا صالحا من خيار الصحابة، ويعد في موالي رسول الله عليه السلام واسمه نفيع، وأخوه نافع بن الحرث بن كلدة الثقفي، طبيب العرب، وأخوهما زياد، كلهم من سمية، وكل منهم ينسب إلى رجل. وقال يزيد بن مفرغ الحميري، جد السيد الحميري يهجو زيادا (3). إن زيادا ونافعا وأبا * بكرة عندي من أعجب العجب إن رجالا ثلاثة خلقوا * في رحم أنثى وكلهم لأب ذا قرشي كما يقول وذا * مولى وهذا بزعمه (4) عربي إذا شهد أربعة رجال على رجل بالزنا، فردت شهادة واحد منهم، فإن ردت بأمر ظاهر لا يخفى على أحد، فإنه يجب على الأربعة حد القذف، وإن ردت بأمر خفي لا يقف عليه إلا الآحاد، فإنه يقام على المردود الشهادة الحد، والثلاثة لا يقام عليهم الحد، لأن الأصل براءة الذمة، وأيضا فإنهم غير مفرطين في إقامتها، فإن أحدا لا يقف على بواطن الناس، فكان عذرا في إقامتها فلهذا لا حد، ويفارق إذا كان الرد بأمر الظاهر، لأن التفريط كان منهم، فلهذا حدوا.

(1) ج. بعد ما جلد.
(2) سنن البيهقي، كتاب الحدود، ج 8، ص 2345.
(3) ج. لعنه الله.
(4) ج. ل. يزعمه.

[ 436 ]

إذا شهد أربعة رجال، ثم رجع واحد منهم، فلا حد على المشهود عليه بلا خلاف، وعلى الراجع الحد بلا خلاف، وأما (1) الثلاثة فلا حد عليهم، لأن الأصل براءة الذمة، ورجوعه لا يؤثر في التعدي إليهم. فإن رجم المشهود عليه، ثم رجع واحد منهم أو الأربعة، وقال الراجع عمدت قتله، كان عليه الحد والقود عندنا، ولا يسقط أحدهما الآخر. إذا استكره امرأة على الزنا، فلا حد عليها بلا خلاف، وعليه الحد، ولها مهر المثل عندنا، وهو العقر الذي رواه (2) أصحابنا إنه دية الفرج المغصوب. وقال أبو حنيفة لا مهر لها، واختاره شيخنا أبو جعفر في كتاب الحدود من مسائل خلافه (3). إلا أنه رجع عنه في مبسوطه (4)، وفي موضع آخر من مسائل خلافه (5). واستدل شيخنا (6) أبو جعفر على سقوطه بقول النبي عليه السلام إنه نهى عن مهر البغي (7)، وقال البغي الزانية. وهذا الاستدلال يرغب عن ذكره هل هذه المكرهة بغي حتى يستشهد بهذا الحديث على نفي مهرها. روى أصحابنا أن للسيد أن يقيم الحد على ما ملكت يمينه بغير إذن الإمام، سواء كان ذلك باعترافه، أو البينة، أو بعلمه، وسواء كان السيد فاسقا أو عدلا، رجلا أو امرأة (8).

(1) ج. ل. فاما.
(2) الوسائل، الباب 45 من أبواب المهور، ح 2 والباب 3 من أبواب النكاح المحرم، ح 3.
(3) و (6) الخلاف كتاب الحدود، مسألة 36 وكتاب الغصب مسألة 16.
(4) المبسوط، ج 3، كتاب الغصب، ص 73، إلا أنه مناف لكلامه في ج 8 كتاب الحدود، ص 10.
(5) الخلاف، كتاب الديات، مسألة 67.
(7) الوسائل، الباب 5، من أبواب ما يكتسب به، ح 13 - 14.
(8) الوسائل الباب 30 من أبواب مقدمات الحدود.

[ 437 ]

إذا شهد أربعة رجال على رجل أنه زنا بها في هذا البيت، وأضاف كل واحد منهم شهادته إلى زاوية منه مخالفة للأخرى، فإنه لا حد على المشهود عليه، ويحدون. وكذلك إن شهد اثنان على زاوية، وآخران على زاوية أخرى لا يختلف الحكم فيه. ليس من شرط إحصان الرجم الاسلام، بل من شرطه الحرية والبلوغ وكمال العقل، والوطي في نكاح صحيح دائم، أو ملك يمين، فإذا وجدت هذه الشروط فقد أحصن إحصان رجم. باب أقسام الزناة الزناة على ثلاثة أقسام، منهم من يجب عليه القتل على كل حال، ومنهم من يجب عليه الجلد والرجم معا، ومنهم من يجب عليه الحد والنفي إلى بلد غير بلده الذي زنى فيه سنة. فأما من يجب عليه القتل على كل حال، سواء كان محصنا أو غير محصن، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، شيخا كان أو شابا، فهو كل من وطئ ذات محرم له، أما أو بنتا، أو أختا، أو بنتيهما، أو بنت أخيه، أو عمته، أو خالته، فإنه يجب عليه القتل على كل حال بعد جلده حد الزاني، لأنه لا دليل على سقوطه عنه، لقوله تعالى " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " (1) ولا منافاة بين جلده وبين قتله بعد الجلد، وليس إطلاق قول أصحابنا يجب عليه القتل على كل حال، دليلا على رفع حد الزنا عنه. وكذلك الذمي إذا زنى بامرأة مسلمة، فإنه يجب عليه القتل على كل حال، وكان على المسلمة الحد، أما الجلد أو الرجم على ما يستحقه من الحد. فإن أسلم الذمي لم يسقط بذلك عنه الحد بالقتل، ووجب قتله على كل حال. وكذلك من غصب امرأة فرجها، فإنه يجب عليه ذلك.

(1) سورة النور الآية 2.

[ 438 ]

وكذلك من زنى بامرأة أبيه أو ابنه، وجب عليه أيضا القتل والحد معا على كل حال، محصنا كان أو غير محصن. والذي يجب تحصيله في هذا القسم، وهو الذي يجب عليه القتل على كل حال، أن يقال إن كان محصنا فيجب عليه الجلد أولا ثم الرجم، فيحصل امتثال الأمر في الحدين معا، ولا يسقط واحد منهما، ويحصل أيضا المبتغى الذي هو القتل، لأجل عموم أقوال أصحابنا وأخبارهم (1)، لأن الرجم يأتي على القتل، ويحصل الأمر بحد الرجم، وإن كان غير محصن فيجب الجلد، لأنه زان ثم القتل بغير الرجم، فليلحظ ذلك. وأما القسم الثاني: فهو من زنى وهو محصن، والمحصن عندنا من كان بالغا كامل العقل، له فرج، أما ملك يمين، أو زوجة بعقد دوام، متمكن من وطئه، يغدو إليه ويروح من يومه، ويكون قد دخل بامرأته، فإذا وجدت هذه الشروط فقد أحصن إحصان رجم على ما قدمناه. فإذا ثبت ذلك وزنى هذا العاقل ببالغة، وجب عليه الجلد أولا ضرب مائة سوط أشد ما يكون من الضرب، بسوط وسيط (2) لا جديد ولا عتيق، لما روي عن الرسول عليه السلام أنه أتى بسوط جديد، فلم يضرب به، وأتى بسوط خلق، فلم يضرب به، وأتى بسوط وسيط (3)، قد ركب به، فضرب به (4). وروي عن زيد بن أسلم أن رجلا اعترف عند النبي عليه السلام، بالزنا فدعى له رسول الله عليه السلام، فأتى (5) بسوط مكسور، فقال غير هذا، فأتى بسوط جديد لم يقطع ثمرته بالثاء المنقطة من فوقها ثلاث نقط، وفتحها، والميم وفتحها، والراء غير المعجمة وفتحها، وهي طرفه، لأن ثمرة السياط أطرافها، فقال

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب حد الزنا، ح 8 - 9 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15.
(2) و (3) ج. ل. وسط.
(4) لم نعثر عليه فيما بأيدينا من المصادر.
(5) ج. بسوط فأتى.

[ 439 ]

بين هذين، فأتى بسوط قد ركب به، ولان، قال: فأمر به فجلد، هذا لفظ الحديث (1) فإذا جلد المائة، رجم بعد ذلك، سواء كان شيخا أو شابا. وروى أصحابنا أنه يترك بعد ضربه الجلد حتى يبرأ جلده، ويرجم بعد ذلك (2). والقسم الثالث: من عدا من ذكرناه من العقلاء الأحرار، فإنه يجب عليه الجلد مائة سوط، وتغريب عام من مصره، إذا كان رجلا وجز شعره على ما رواه أصحابنا (3). ولا نفي ولا جز على المرأة، لما رواه عبادة بن الصامت، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة، ثم الرجم. فالبكر عندنا عبارة عن غير المحصن، والثيب عبارة عن المحصن. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، الزناة على خمسة أقسام، قسم منهم يجب عليه الحد بالقتل على كل حال، والثاني يجب عليه الجلد ثم الرجم، والثالث يجب عليه الرجم وليس عليه جلد، والرابع يجب عليه الجلد ثم النفي، والخامس يجب عليه الجلد ولا يجب عليه النفي، فأما من يجب عليه القتل على كل حال، سواء كان محصنا أو غير محصن، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، شيخا كان أو شابا على كل حال، فهو كل من وطئ ذات محرم له، إما، أو بنتا أو أختا، أو بنتهما، أو بنت أخيه، أو عمته، أو خالته، فإنه يجب عليه القتل على كل حال، وكذلك الذمي إذا زنى بامرأة مسلمة، فإنه يجب عليه القتل على كل حال، وكان على المسلمة الحد، إما بالرجم أو الجلد، على ما تستحقه من الحد، فإن أسلم الذمي، لم

(1) موطأ مالك الباب 2 من كتاب الحدود الرقم 12 ج 2 ص 825.
(2) الوسائل الباب 13، من أبواب مقدمات الحدود، ح 6.
(3) الوسائل، الباب 13، والباب 24، والباب 7، من أبواب حد الزنا، ح 7 - 8.

[ 440 ]

يسقط بذلك عنه الحد بالقتل، ووجب قتله على كل حال، ومن غصب امرأة فرجها فإنه يجب عليه القتل على كل حال، محصنا كان أو غير محصن، ومن زنا بامرأة أبيه، وجب أيضا عليه القتل على كل حال محصنا كان أو غير محصن، وأما القسم الثاني وهو من يجب عليه الجلد ثم الرجم، فهو الشيخ والشيخة، إذا زنيا وكانا محصنين، كان على كل واحد منهما جلد مائة، ثم الرجم، يقدم الجلد، ثم بعده الرجم، والقسم الثالث، وهو من يجب عليه الرجم، ولا يجب عليه الجلد فهو كل محصن أو محصنة ليسا بشيخين، فإنهما إذا زنيا كان على كل واحد منهما الرجم، وليس عليهما الجلد (1). وقد قلنا نحن ما عندنا في ذلك، وهو الصحيح الأظهر الذي يعضده ظاهر التنزيل، أنه يجب عليه الجلد والرجم معا لقوله تعالى " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " (2) فمن نسخ هذه الآية، وترك العمل بها يحتاج إلى دليل، وإلا فقد عطل حدا من حدود الله تعالى بغير دليل، ولا يرجع في ذلك إلى أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، وما اخترناه مذهب السيد المرتضى (3) واختيار شيخنا المفيد (4) والجلة من المشيخة الفقهاء من أصحابنا. وروي أن عليا عليه السلام جلد سراحة يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، فقيل له تحدها حدين، فقال حددتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله (5). وشيخنا أبو جعفر رحمه الله فقد رجع في التبيان فقال: يجلد الزاني والزانية إذا لم يكونا محصنين، كل واحد منهما مائة جلدة، وإذا كانا محصنين أو أحدهما (6).

(1) النهاية: كتاب الحدود، باب أقسام الزنا.
(2) سورة النور، الآية 2. (3) في الانتصار، كتاب الحدود.
(4) في المقنعة، باب الحدود والآداب ص 775. 776.
(5) مسند أحمد بن حنبل، ج 1، ص 116. فيه: " أتى علي عليه السلام بمولاة لسعيد بن قيس محصنة قد فجرت، قال: فضربها مائة ثم رجمها ثم قال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله ". راجعه.
(6) ج. ل. أحدهما محصن.

[ 441 ]

كان على المحصن الرجم بلا خلاف، وعندنا أنه يجلد أولا مائة جلدة، ثم يرجم، وفي أصحابنا من خص ذلك بالشيخ والشيخة إذا زنيا وكانا محصنين، فأما إذا كانا شابين محصنين، لم يكن عليهما غير الرجم، وهو قول مسروق، وفي ذلك خلاف (1) ذكرناه في الخلاف (2). ثم قال (3) وحد الاحصان في الرجل هو أن يكون له فرج متمكن من وطئه، ويكون مالكا له، سواء كان بالعقد أو ملك اليمين، ويراعى في العقد أن يكون مالكا له على جهة الدوام، دون نكاح المتعة، فإن المتعة لا تحصن، فأما العقد الدائم فلا فرق بين أن يكون على حرة، أو أمة، أو يهودية، أو نصرانية، فإن جميع ذلك يحصن الرجل، وملك اليمين أيضا يحصن على ما قلناه، وإذا لم يكن متمكنا من الوطي، بأن يكون غائبا عن زوجته، لا يمكنه الوصول إليها، أو يكون مع كونه حاضرا غير متمكن من وطئها، بأن يكون محبوسا وما أشبه ذلك، أو لا يكون قد دخل بها بعد، فإن جميع ما ذكرناه يخرجه من كونه محصنا، والاحصان في المرأة مثل الاحصان في الرجل سواء، وهو أن يكون لها زوج يغدو إليها ويروح، مخلا بينه وبينها، غير غائب عنها، وكان قد دخل بها، حرا كان أو عبدا، وعلى كل حال، والقسم الرابع، وهو من يجب عليه الجلد ثم النفي، وهو البكر والبكرة، والبكر هو الذي قد أملك على امرأة ولا يكون قد دخل بها بعد، ثم زنى، فإنه يجب عليه الجلد مائة، ونفي سنة عن مصره إلى مصر آخر، بعد أن يجز رأسه، والبكرة تجلد مائة، وليس عليها جز الشعر، ولا النفي على حال (4). وقد قلنا ما عندنا في ذلك، إلا أن شيخنا رجع عن هذا التفسير في مسائل خلافه، وقال مسألة: البكر عبارة عن غير المحصن، فإذا زنى البكر جلد مائة، وغرب عاما، واستدل على ذلك بإجماع الفرقة وأخبارهم (5).

(1) التبيان، ج 7، ص 359، ذيل الآية الشريفة، " الزانية والزاني ".
(2) الخلاف، كتاب الحدود، مسألة 2.
(3) تتمة لكلامه قدس سره في النهاية.
(4) النهاية، كتاب الحدود، باب أقسام الزنا.
(5) الخلاف، كتاب الحدود، مسألة 3.

[ 442 ]

وهو الصحيح الذي اخترناه، ومن فسر البكر بما فسره شيخنا في نهايته، يحتاج إلى دليل، وليس عليه دليل من إجماع، ولا كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا يرجع في ذلك إلى أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا، بل حقيقة البكر في لسان العرب من ذكرناه، وفي عرف الشرع ما أثبتناه وحكيناه، لقوله عليه السلام البكر بالبكرة جلد مائة (1)، وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة (2) ثم الرجم، (3) فقسم الزناة قسمين كما ترى لا ثالث لهما. ثم قال والخامس وهو من يجب عليه الجلد وليس عليه أكثر من ذلك، فهو كل من زنى وليس بمحصن، ولا بكر، فإنه يجب عليه جلد مائة (4) وليس عليه أكثر من ذلك، رجلا كان أو امرأة، ثم قال ومن هذه صورته إذا زنى، فجلد ثم زنى ثانية، فجلد، ثم زنى ثالثة، فجلد، ثم زنى رابعة كان عليه القتل (5). قال محمد بن إدريس، والأظهر من أقوال أصحابنا، والذي يقتضيه أصول مذهبنا، أنه يقتل في الثالثة، لإجماعنا أن أصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة، وهذا منهم بغير خلاف. ومن عدا المحصن من الزناة إذا زنا ثلاث مرات أو أكثر من ذلك، ولم يقم عليه فيها الحد، فليس عليه أكثر من مائة جلدة. وجميع هذه الأقسام والأحكام التي ذكرناها خاصة في الحر والحرة، إلا القسم الأول، فإنه يشترك فيه العبيد والأحرار، فأما ما عدا ذلك، فحكم المملوك غير حكم الحر، فحكم المملوك والمملوكة إذا زنيا أن يجب على كل واحد منهما خمسون جلدة، زنيا بحر أو بحرة، أو مملوك أو مملوكة، لا يختلف الحكم فيه، شيخين كانا أو شابين، محصنين أو غير محصنين، بكرين أو غير بكرين، وعلى كل حال، وليس عليهما أكثر من ذلك، غير أنهما إذا زنيا سبع مرات، فأقيم عليهما الحد في ذلك، ثم زنيا الثامنة، كان عليهما القتل، على ما رواه (6) أصحابنا.

(1) و (2) ج. مائة جلدة.
(3) سنن ابن ماجه، ج 2، كتاب الحدود ص 852 باب 7، ح 2550.
(4) ج. مائة جلدة.
(5) النهاية، كتاب الحدود، باب أقسام الزنا.
(6) الوسائل: الباب 32 من أبواب حد الزنا، ج 2 وفي الفقيه باب حد المماليك في الزنا ح 1 / 5051، ج 4، ص 44.

[ 443 ]

وذهب بعضهم إلى أنهما لا يقتلان إلا أن يزنيا ثماني مرات، ويقام عليهما الحد في ذلك، ثم زنيا التاسعة، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (1). وما اخترناه مذهب ابن بابويه، وغيره من أصحابنا، وبذلك وردت أكثر الأخبار (2). فإن لم يقيم عليهما الحد في شئ من ذلك، وكان أكثر من ثماني مرات، لم يجب عليهما أكثر من خمسين جلدة، حسب ما قدمناه. وزنا الرجل الحر بالحرة المسلمة، الأمة المسلمة، إذا كانت لغيره، سواء كانت لزوجته أو لوالديه، أو غيرهما من الأجانب على حد واحد، لا يختلف الحكم فيه. وكذلك حكم المرأة، لا فرق بين أن تزني بحر أو بعبد، ملك لها أو لغيرها، فإن لحكم في ذلك لا يختلف. وقد روي أنه إذا زنى الرجل بصبية لم تبلغ ولا مثلها قد بلغ، لم يكن عليه أكثر من الجلد، وليس عليه رجم (3). فإن أفضاها أو عابها كان ضامنا لعيبها، وعليه مهر نسائها، وكذلك المرأة، إذا زنت الصبي لم يبلغ، لم يكن عليها رجم، وكان عليها جلد مائة، وعلى الصبي والصبية التأديب. وهذا مذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته (4). وذهب شيخنا المفيد في مقنعته إن على الرجل وعلى المرأة الحد. وأطلق كلامه وهو الصحيح عندي، لأن الاحصان والزنا وجدا معا، وهما الموجبان للحد والرجم. ولا يبلغ بالتأديب أكثر من عشرة أسواط.

(1) النهاية، كتاب الحدود، باب أقسام الزنا.
(2) الظاهر أم مراده منها الأخبار التي تدل على أن حد المملوك نصف حد الحر فراجع الوسائل الباب 31 و 32 من أبواب حد الزنا.
(3) الوسائل، الباب 9 من أبواب حد الزنا، ح 4.
(4) النهاية، كتاب الحدود، باب أقسام الزنا.
(5) المقنعة، باب الحدود والآداب ص 779.

[ 444 ]

وروي أن الرجل إذ زنى بمجنونة، لم يكن عليه (1) رجم إذا كان محصنا، وكان عليه جلد مائة، وليس على المجنونة شئ بحال، لا جلد ولا رجم، ولا تعزير (2). فإن زنى مجنون بامرأة عاقلة، لم يكن عليه أيضا شئ بحال، ووجب على المرأة الحد تاما. وقد روي في بعض الأخبار أن على المجنون إذا كان فاعلا الحد تاما جلد مائة، أو الرجم (3). أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته (4)، وشيخنا المفيد في مقنعته (5). والذي يقتضيه أصول مذهبنا ما قدمناه، إنه لا حد على المجنون والمجنونة، لأنهما غير مخاطبين بالتكاليف والأحكام، ولا قام دليل على ذلك فيهما، والأصل براءة الذمة، وثبوت ذلك عليهما يحتاج إلى شرع، ولا يرجع في مثل ذلك إلى أخبار آحاد، أو إيراد مصنف في كتابه، أو فتياه لأن جميع ذلك لا يوجب علما ولا عملا. ومن زنى وتاب قبل قيام البينة عليه بذلك، درأت التوبة عنه الحد، فإن تاب بعد قيام الشهادة عليه، وجب عليه الحد، ولم يجز للإمام العفو عنه، سواء كان حده جلدا أو رجما. فإن كان (6) أقر على نفسه وهو عاقل حر، عند الإمام، ثم أظهر التوبة، كان للإمام الخيار في العفو أو إقامة الحد عليه، حسب ما يراه من المصلحة في ذلك، هذا إذا كان الحد رجما يوجب تلف نفسه، فأما إذا كان الحد جلدا فلا يجوز العفو عنه. ولا يكون الحاكم بالخيار فيه، لأنا أجمعنا على أنه بالخيار في الموضع الذي ذكرناه، ولا إجماع على غيره، فمن ادعاه وجعله بالخيار، وعطل حدا من حدود الله فعليه الدليل.

(1) ج. ل. رجم.
(2) لم نتحققها إلا في النهاية، كتاب الحدود، باب أقسام الزنا.
(3) الوسائل، الباب 21، من أبواب حد الزنا، ح 2.
(4) النهاية، كتاب الحدود، باب أقسام الزنا.
(5) المقنعة، باب الحدود والآداب ص 779.
(6) ج. يراه الإمام.

[ 445 ]

إذا وجد الرجل مع امرأته رجلا يفجر بها، وهما محصنان، كان له قتلهما وكذلك إذا وجده مع جاريته أو غلامه، فإن وجده ينال منها دون الفرج، كان له منعه منها، ودفعه عنها، فإن أبى الدفع عليه، فهو هدر فيما بينه وبين الله تعالى، فأما في الحكم، فإن أقام البينة على ذلك، فلا شئ عليه، فإن لم يكن له بينة، فالقول قول ولي الدم، إنهم لا يعلمون ذلك منه، ولهم القود. وإذا زنى اليهودي أو النصراني بأهل ملته، كان الإمام مخيرا بين إقامة الحد عليه بما تقتضيه شريعة الاسلام، وبين تسليمه إلى أهل دينه، أو دين المرأة، ليقيموا عليهما الحدود على ما يعتقدونه، لقوله تعالى " فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " (1) وأوفي لسان العرب بغير خلاف للتخيير. ومن عقد على امرأة في عدتها، ودخل بها عالما بذلك، وجب عليه الحد تاما، فإن كان عدتها عدة الطلاق الرجعي، كان عليها الرجم، لأنها محصنة عندنا ذات بعل، فإن كانت التطليقة باينة لا رجعة للبعل عليها فيها، أو كانت عدة فسخ، أو عدة المتوفى عنها زوجها، كان عليها الجلد دون الرجم، لأنها غير محصنة، فإن ادعيا إنهما لم يعلما أن ذلك لا يجوز في شرع الاسلام، وكانا قريبي العهد بالاسلام، فإنه يدرأ الحد عنهما لقوله عليه السلام - ادرؤا الحدود بالشبهات - (2) وهذه شبهة بغير خلاف، فأما إذا كانا بخلاف ذلك، لم يصدقا فيه، وأقيم عليهما الحد، لأن هذا شايع ذايع بين المسلمين، لا يختص بعالم دون عامي جاهل، فلا شبهة لهما في ذلك، فليلحظ الفرق بين الموضعين. وشيخنا أبو جعفر أطلق ذلك في نهايته (3) إطلاقا. والأولى ما فصلناه، لأنه الذي يقتضيه الأدلة القاهرة، من الاجماع وغيره. والمكاتب إذا زنا، وكان مشروطا عليه، فحكمه حكم المماليك سواء، وإن كان غير مشروط عليه، وقد أدى من مكاتبته شيئا، جلد بحساب ما أدى حد الحر من

(1) سورة المائدة الآية 42.
(2) الوسائل، الباب 24 من أبواب مقدمات الحدود، ح 4.
(3) النهاية، كتاب الحدود، باب أقسام الزنا.

[ 446 ]

مائة جلدة، وبحساب ما بقي من جلد المملوك من خمسين جلدة، وليس عليه الرجم إلا في الموضع الذي يجب الرجم على المملوك في الدفعة الثامنة، أو بعد أن تنقضي مكاتبته، فيصير حكمه حكم الأحرار، ويطأ بعد ذلك زوجته وهو حر، فإذا زنا بعد ذلك وجب عليه حينئذ الرجم. وكذلك المملوك المحصن، إذا أعتق ثم زنا، فإن كان قد وطئ امرأته بعد العتق وقبل الزنا، كان عليه الرجم، وإن لم يكن وطأها بعد العتق، وإن كان قد دخل بها قبل ذلك، كان عليه الجلد فحسب، لأنه بحكم من لم يدخل بزوجته من الأحرار. ومن كان له جارية يشركه فيها غيره، فوطأها مع علمه أنه لا يجوز له وطؤها، وله فيها شريك، كان عليه الحد بحساب ما لا يملك منها، ويدرأ عنه الحد بحساب ما يملكه منها، فأما إن اشتبه الأمر عليه، ادعى الشبهة عليه في ذلك، فإنه يدرأ عنه الحد، لقوله عليه السلام ادرؤا الحدود بالشبهات (1). ومن وطئ جارية من المغنم قبل أن تقسم، وادعى الشبهة في ذلك، فإنه يدرأ عنه الحد، للخبر المذكور المجمع عليه، وهو ما قدمناه (2). وقد روي أنها تقوم عليه، ويسقط عنه من قيمتها بمقدار ما يصيبه منها، والباقي بين المسلمين، ويقام عليه الحد، ويدرأ عنه بمقدار ما كان له منها (3). والأولى ما ذكرناه، لأن الاشتباه في ذلك حاصل بلا خلاف. وأيضا فإنه يظن أن سهمه أكثر منها ومن قيمتها. وأيضا الأصل براءة الذمة، والحد يحتاج إلى دليل، وقوله عليه السلام المجمع عليه ادرؤا الحدود بالشبهات (4) يعضد ذلك. والمرأة إذا زنت، فحملت من الزنا، فشربت دواء، فأسقطت، أقيم عليها الحد

(1) و (2) الوسائل، الباب 24 من أبواب مقدمات الحدود، ح 4.
(3) الوسائل، الباب 22 من أبواب حد الزنا، ح 3 - 6.
(4) الوسائل، الباب 24، من أبواب مقدمات الحدود ح 4.

[ 447 ]

للزنا، وعزرها الإمام على جنايتها بسقوط الحمل، حسب ما يراه. ومن زنى في شهر رمضان نهارا، أقيم عليه الحد، وعوقب زيادة عليه، لانتهاكه حرمة شهر رمضان، وألزم الكفارة للافطار. فإن زنا ليلا، كان عليه الحد والتعزير، دون القضاء والكفارة. ومن زنا في حرم الله أو حرم رسوله أو حرم أحد من الأئمة عليهم السلام كان عليه الحد للزنا، والتعزير لانتهاكه حرمة حرم الله وأوليائه. وكذلك إذا فعل شيئا يوجب الحد أو التعزير (1). وفيما يوجب (2) التعزير تغليظ العقوبة. ومن زنا في الأوقات الشريفة، مثل ليالي الجمع، أو ليلة النصف من شعبان، أو ليالي الأعياد، أو أيام هذا الليالي، أو يوم سبعة وعشرين من رجب، أو ليلته، أو خمسة وعشرين من ذي القعدة، أو ليلة سبعة عشر من شهر ربيع الأول، أو يوم الغدير، أو ليلته، أو ليلة عاشوراء، أو يومه، أو يوم عرفة وغير ذلك من الأوقات المباركات، فإنه تغلظ عليه العقوبة. وإذا أقر الانسان على نفسه بالزنا، كان عليه الحد على ما بيناه، فإن أقر أنه زنا بامرأة بعينها، كان عليه حد الزنا وحد القذف مع مطالبة المقذوفة له بالحد، لأنه من حقوق الآدميين. وكذلك حكم المرأة إذا قالت زنا بي فلان. والسكران إذا زنا أقيم عليه الحد للزنا والسكر معا، ولا يسقط عنه واحد منهما لسكره. وكذلك متى ارتد (3)، أو أسلم حكم بإسلامه وارتداده عندنا، فأما عقوده فلا تصح، ولا طلاقه ولا عتاقه، وسيجئ الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى. والأعمى إذا زنا وجب عليه الحد، كما يجب على البصير، ولا (4) يسقط عنه

(1) ل. أو التعزير في مسجد أو موضع عبادة فإنه يجب عليه مع الحد التعزير.
(2) ج. الحد والتعزير.
(3) ج. ل. وأسلم.
(4) ج. ل. لم يسقط.

[ 448 ]

الحد لعماه، فإن ادعى إنه اشتبه عليه الأمر فظن أن التي وطأها كانت زوجته أو أمته، وكانت الحال شاهدة بما ادعاه، بأن تكون على فراشه نائمة، قد تشبهت بزوجته أو أمته، فإنه يدرأ عنه الحد للشبهة، وإن كان شاهد الحال بخلاف ذلك، فإنه لا يصدق، وأقيم عليه الحد. وقد روي أن امرأة تشبهت لرجل بجاريته، واضطجعت على فراشه ليلا، فظنها جاريته فوطأها من غير تحرز، فرفع خبره إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأمر بإقامة الحد على الرجل سرا وإقامة الحد على المرأة جهرا (1). أورده هذه الرواية شيخنا أبو جعفر في نهايته (2)، إلا أنه رجع عنها في مسائل خلافه فقال. مسألة: إذا وجد الرجل امرأة على فراشه فظنها زوجته، فوطأها، لم يكن عليه الحد، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة عليه الحد، وقد روي ذلك أيضا أصحابنا، دليلنا أن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل، هذا آخر المسألة من كلامه رحمه الله (3). وما ذهب إليه في مسائل خلافه هو الصحيح الذي يقتضيه أصول مذهبنا. ويعضد استدلال شيخنا قوله عليه السلام المتفق عليه إدرأوا الحدود بالشبهات (4) وهذه شبهة بلا خلاف. وأيضا فالرجل غير زان، ولو جاءت بولد أحق به بلا خلاف، لأنه وطئ شبهة، فكيف يكون عليه الحد، فلا نرجع عن الأدلة بأخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا. ولو كان شيخنا أبو جعفر الطوسي يعمل بأخبار الآحاد على ما يدعى عليه، لأجل ما يلوح بذلك في بعض كلامه، لزمه أن يوجب عليه الحد سرا، لأنه قال على ما رواه أصحابنا، وأورد الرواية في نهايته، إلا أنه دفعها في مسائل خلافه، وعمل

(1) الوسائل، الباب 38، من أبواب حد الزنا، ح 1.
(2) النهاية، كتاب الحدود، باب أقسام الزنا.
(3) الخلاف، كتاب الحدود، مسألة 20.
(4) الوسائل، الباب 24، من أبواب مقدمات الحدود... ح 4.

[ 449 ]

بما يوجب اليقين، وثلج الصدر ويقطع العذر. ولا يحد من ادعى الزوجية، إلا أن تقوم البينة بخلاف دعواه، ولا حد أيضا مع الالجاء والاكراه، وإنما يجب الحد بما يفعله الانسان مختارا. ومن افتض جارية بكرا بإصبعه فإن كانت أمة، روي أنه يغرم عشر ثمنها، ويجلد من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين سوطا عقوبة، لما جناه (1). والأولى أنه يغرم ما بين قيمتها بكرا وثيبا. وإن كانت الجارية حرة غرم عقرها، وهو مهر مثل نسائها بلا نقصان. فإن كان قد زنا بالحرة وهي عاقلة فذهب بعذرتها، لم يكن لها عليه شئ من المهر، لأن العقر قد ذكرنا إنه دية الفرج المغصوب، وهذا ما غصبها عليه. وجملة الأمر في ذلك وعقد الباب أنه إذا زنا الرجل بامرأة فلا يخلو إما أن يكون المرأة جارية لغيره، أو حرة، فإن كانت جارية، فلا يخلو أن تكون ثيبا أو بكرا، فإن كانت ثيبا، فلا يخلو إما أن تكون مكرهة أو مطاوعة، فإن كانت مطاوعة فلا شئ لمولاها على الزاني بها، فإنه لا يستحق عليه مهرا، لأن الرسول عليه السلام نهى عن مهر البغي (2) فإن كانت مكرهة، فيجب على الزاني لمولاها مهر أمثالها. وذهب بعض أصحابنا، إلى أنه عليه نصف عشر ثمنها. والأول هو الصحيح، لأن هذا ورد فيمن اشترى جارية ووطأها، فكانت حاملا، وأراد ردها، فإنه يردها ويرد معها نصف عشر ثمنها، والقياس عندنا باطل. فأما إن كانت بكرا فلا يخلو أن تطاوع أو تكره على الفعال، فإن كانت مكرهة، فعليه مهر أمثالها وعليه ما نقص من قيمتها قبل افتضاضها، وهو أرش البكارة، تجمع بين الشيئين معا بين المهر وما نقص من القيمة، لأن أحدهما لا يدخل في الآخر، ألزمناه المهر لأنها هاهنا مكرهة غير بغي، ولم ينه عليه السلام إلا عن مهر

(1) الوسائل، الباب 39 من أبواب حد الزنا، ح 5، ولكن عبارة يجلد من ثلاثين... من كلام ابن إدريس قده كما قال في الجواهر، ج 41، ص 371، في المقام هكذا وعن الشيخ من ثلاثين إلى سبعة وتسعين وعن ابن إدريس إلى تسعة وتسعين.
(2) الوسائل، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، ح 13 - 14.

[ 450 ]

البغي، وهذه حينئذ ليست بغيا وألزمناه ما نقص من القيمة بأخذ (1) بكارتها، لأنها جناية على مال الغير، فيجب أن يلزم بأرش ما جناه وأتلفه. فإن كانت مطاوعة فلا يلزمه المهر، لأنها بغي، بل يجب عليه ما نقص من قيمتها فحسب، والمهر لا يلزمه، لأنها بغي، والرسول عليه السلام نهى عن مهر البغي. فأما إن كانت المزني بها حرة، فإن كانت ثيبا، وكانت مطاوعة عاقلة، فلا شئ لها على الزاني بها، وإن كانت مكرهة فيجب عليه عقرها، وهو مهر أمثالها، لأنها غير بغي. فإن كانت بكرا وكانت مطاوعة، فلا شئ لها، لأنها زانية، وبكارتها ذهبت باختيارها، فإن كانت مكرهة، فلها مهر نسائها فحسب، دون أرش البكارة، ولا يجمع بينهما معا فليلحظ ذلك ويتأمل. ومن زوج جاريته من رجل، ثم وقع عليها، ولم يدع شبهة في ذلك، وجب عليه الحد كاملا، فإن كان شاهد حاله إنه لا يعلم ذلك، وادعى جهالته، درئ عنه الحد، لقوله (2) عليه السلام ادرؤا الحدود بالشبهات (3). قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه مسألة إذا أمكنت (4) العاقلة المجنون من نفسها، فوطأها ألزمها الحد. وإن وطئ المجنونة العاقل، لزمه الحد ولم يلزمها (5). وقد حكينا عنه (6) ما ذهب أيضا إليه في نهايته، وهو أن قال: وإن زنا مجنون بامرأة كان عليه الحد تاما جلد مائة، أو الرجم. ثم قال في مسائل خلافه بعد تلك المسألة التي حكيناها في مسائل خلافه مسألة: ليس من شرط إحصان الرجم الاسلام، بل من شرطه الحرية والبلوغ، وكمال العقل، والوطي في نكاح صحيح، فإذا وجدت هذه الشروط فقد أحصن

(1) ج. بأرش بكارتها. والظاهر صحة المتن.
(2) ج. لقول النبي.
(3) الوسائل، الباب 24، من أبواب مقدمات الحدود، ح 4.
(4) ج. ل. مكنت. (5) الخلاف، كتاب الحدود، مسألة 6.
(6) في ص 444. أورده عن النهاية في كتاب الحدود، باب أقسام الزنا.

[ 451 ]

إحصان رجم، وهكذا إذا وطئ المسلم امرأته الكافرة، فقد أحصنها (1). وقال في مبسوطه قد بينا شرايط الاحصان عندنا، وأنها أربعة أشياء، أن يكون بالغا عاقلا حرا له فرج يغدو إليه ويروح، ويكون قد دخل بها، وعندهم أن يطأ وهو حر بالغ في نكاح صحيح، ولا يعتبر الاسلام عندنا، ثم قال والوطئ في النكاح الفاسد لا يحصن (2). وهذا الذي قاله، وذهب إليه في مبسوطه، ومسائل خلافه، في المسألة الأخيرة، هو الصحيح الذي يقتضيه الأدلة القاهرة، من أن النواهي والأوامر لا تتوجه إلا إلى العقلاء، وقوله عليه السلام رفع القلم عن ثلاثة، عن المجنون حتى يفيق (3). إذا أقر الأخرس بالزنا بإشارة معقولة، لزمه الحد، وكذلك إذا أقر بقتل العمد، لزمه القود، لا نفي على العبد، ولا على الأمة في الموضع الذي يجب النفي فيه على الحر، وكذلك لا يجز شعرهما في ذلك الموضع بحال. باب كيفية إقامة الحد في الزنا وما يتعلق بذلك من الأحكام إذا كان الانسان قد زنى وكان ممن يجب عليه الجلد والرجم معا، وهو المحصن على ما ذكرناه، وحررناه، حد أولا الجلد، ثم بعده الرجم. وقد روى أصحابنا أنه لا يرجم حتى يبرأ جلده، فإذا برئ رجم (4). والأولى حمل الرواية على جهة الاستحباب، دون الفرض والايجاب، لأن الغرض في الرجم إتلافه وهلاكه. وإذا أراد الإمام رجمه، وكانت البينة قد قامت عليه بالزنا، فليأمر بأن يحفر له حفيرة، ويدفن فيها إلى حقويه، ثم يرجم بعد ذلك، وكذلك يفعل بالمرأة، إلا أنها

(1) الخلاف، كتاب الحدود، مسألة 46.
(2) المبسوط، ج 8، كتاب الحدود، ص 13 - 14.
(3) الوسائل: الباب 8 من أبواب مقدمات الحدود، 1 - 2 والباب 4 من أبواب مقدمات الطهارة، ح 10.
(4) الوسائل، الباب 13 من أبواب مقدمات الحدود، ح 6.

[ 452 ]

تدفن في الحفيرة إلى صدرها، ثم ترجم. فإن فر واحد منهما من الحفيرة، رد إليها حتى يستوفى منه الحد بالرجم. فإن كان الرجم وجب عليهما بإقرارهما على أنفسهما، فعل بهما مثل ما تقدم ذكره، إلا أنه إذا أصاب واحدا منهما الرجم، وفر من الحفيرة لم يرد إليها، بل يترك يمضي حيث شاء، فإن كان فراره قبل أن يصيبه شئ من الأحجار رد إلى الحفيرة على كل حال، وإنما لم يرد إذا أصابه شئ منها، وكان الحد قد وجب عليه بإقراره دون البينة، هذا مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي (1). وذهب شيخنا المفيد، في مقنعته، إلى أنهما إذا فرا لم يردا، سواء أصابهما الحجر أو لم يصيبهما (2). ولي في ذلك نظر. والذي يجب الرجم عليه إذا كانت البينة قد قامت عليه، كان أول من يرجمه الشهود، ثم الإمام، ثم الناس، فإن ماتوا أو غابوا، كان أول من يرجمه الإمام، ثم الناس، وإن كان الرجم وجب عليه بإقراره على نفسه، كان أول من يرجمه الإمام، ثم الناس. وينبغي أن تكون أحجار الرجم صغارا، ولا تكون كبارا، ويكون الرجم من خلف المرجوم وورائه، لئلا يصيب وجهه شيئا منه. فأما الذي يجب عليه الجلد دون الرجم، يجب أن يجلد قائما مائة جلدة، أشد ما يكون من الضرب، ويجلد على الحال (3) التي يوجد عليها، إن وجد عريانا، ضرب عريانا، وإن كان عليه ثياب، جلد وهي عليه ما لم يمنع من إيصال شئ من ألم الضرب إليه. ويضرب جميع جسده إلا رأسه ووجهه وفرجه. فإن مات لم يكن له قود، ولا دية، لا من بيت المال، ولا من الحاكم، ولا من

(1) في النهاية، كتاب الحدود، باب كيفية إقامة الحد في الزنا.
(2) المقنعة، باب الحدود والآداب، ص ولا يخفى إنه قدس سره فصل بين إقامة الشهود فيرد إلى الحفيرة والاقرار بالزنا فيترك ولا يرد، فراجع كلامه قدس سره ص 775 و 776.
(3) ج. الحالة.

[ 453 ]

عاقلته بحال. وإذا أريد جلد المرأة جلدت كما يجلد الرجل، وضربت كما يضرب، إلا أنها تضرب جالسة، ولا تكون قائمة في هذه الحال، وتربط عليها ثيابها، لئلا تنهتك عورتها، فإن جميعها عورة. وإذا فر من يقام عليه الحد بالجلد، رد وأعيد حتى يستوفى الحد منه، سواء كان قد وجب عليه الحد بإقراره، أو البينة. وإذا أريد إقامة الحد على الزاني بالجلد أو الرجم، فينبغي للإمام أن يعلم الناس بالحضور، فإن في ذلك انزجارا عن مواقعة مثله، ولطفا للعباد، ثم يحد بمحضر منهم، لينزجروا، ولا يحضر عند إقامة الحد على الزاني إلا خيار الناس. وروي أن أقل من يحضر واحد (1)، وهو قول الفراء من أهل اللغة، فإنه قال الطائفة يقع على الواحد. وإليه ذهب شيخنا أبو جعفر في نهايته (2)، فإنه أورد الرواية. إلا أنه رجع عنها في مسائل خلافه، فقال مسألة يستحب أن يحضر عند إقامة الحد على الزاني طائفة من المؤمنين بلا خلاف، لقوله تعالى " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " (3) وأقل ذلك عشرة، وبه قال الحسن البصري، وقال ابن عباس أقله واحد، وروي ذلك أيضا أصحابنا، وقال عكرمة اثنان، وقال الزهري ثلاثة، وقال الشافعي أربعة، دليلنا طريقة الاحتياط، لأنه إذا حضر عشرة دخل الأقل فيه، ولو قلنا بأحد ما قالوه، لكان قويا، لأن لفظ " طائفة " يقع على جميع ذلك، هذا آخر المسألة (4). قال محمد بن إدريس، الذي أذهب إليه أن الحضور واجب، لقوله تعالى " وليشهد عذابهما " (5) ولا خلاف إنه أمر، والأمر عندنا يقتضي الوجوب.

(1) الوسائل، الباب 11 من أبواب حد الزنا، ج 5، وفي مجمع البيان، ج 7، ص 124، وقيل أقله رجل واحد عن ابن عباس والحسن ومجاهد وإبراهيم وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام...
(2) النهاية، كتاب الحدود، باب كيفية إقامة الحد في الزنا.
(3) و (5) سورة النور، الآية 2.
(4) الخلاف، كتاب الحدود، مسألة 11.

[ 454 ]

ثم الذي أقول في الأقل، إنه ثلاثة نفر، لأنه من حيث العرف دون الوضع، والعرف إذا طرأ، وصار الحكم له، دون الوضع الأصلي، وشاهد الحال يقتضي ذلك أيضا، وألفاظ الأخبار، لأن الحد إن كان قد وجب بالبينة، فالبينة ترجمه وتحضره، وهم أكثر من ثلاثة، وإن كان الحد باعترافه، فأول من يرجمه الإمام، ثم الناس مع الإمام، وإن كان المراد والمعنى حضور غير الشهود والإمام، فالعرف والعادة اليوم إن أقل ما يقال جئنا في طائفة من الناس، أو جاءتنا طائفة من الناس، المراد به الجماعة عرفا وعادة، وأقل الجمع ثلاثة، وشاهد الحال يقتضي أنه أراد تعالى الجميع، وفيه الاحتياط. فأما خيرة شيخنا في مسائل خلافه، إن أقل ذلك عشرة، فلا وجه له، فأما الرواية، فمن أخبار الآحاد، وقد بينا ما في ذلك وكررناه. وروي أنه لا يرجمه إلا من ليس لله سبحانه في جنبه حد، وهذا غير متعذر، لأنه يتوب فيما بينه وبين الله تعالى، ثم يرميه. وإذا وجب إقامة الحد على الزنا بالرجم، أقيم ذلك عليه، صحيحا كان أو مريضا. والذي يجب عليه الجلد إذا كان مريضا، لم يقم الجلد عليه حتى يبرأ، فإذا برئ أقيم الحد عليه فإن رأى الإمام إقامة الحد عليه، بأن تقتضيه المصلحة بأن ينزجر الغير، قدمه وأخذ عرجون فيه مائة شمراخ، أو ضغثا فيه مائة عود، أو ما جرى مجرى ذلك، ويضرب به ضربة واحدة، وقد أجزى ذلك في استيفاء الحد منه، سواء وصلت جميعها على جسده، ووقعت عليه، أو لم تقع، يعضد ذلك قوله تعالى " وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث " (1). إذا زنت امرأة وهي حامل، لم يقم عليها حد بجلد ولا رجم، وهي كذلك فإذا وضعت ولدها، وخرجت من نفاسها، ووجد من يرضعه، أقيم عليها الحد، فأما إذا لم يوجد من يرضعه، فلا يقام عليها الحد حتى يستغنى عنها، وهذه قضية أمير المؤمنين

(1) سورة ص، الآية 44.

[ 455 ]

عليه السلام في المرأة التي جاءت إليه بالكوفة، فقالت له يا أمير المؤمنين طهرني فإني زنيت، وأنا محصنة، ثم أقرت أربعة مرات في أربع دفعات، فقال لها امضي فارضعي ولدك، فإذا استغنى عنك فأنا أقيم الحد عليك (1). وإذا اجتمع على انسان حدود فيها قتل وغيره، بدأ أولا بما لا يكون قتلا من الحدود، ثم يقتل بعد ذلك مثال ما ذكرناه أن يقتل ويسرق ويزني، وهو غير محصن، فإنه يجلد أولا للزنا، ثم يقطع للسرقة بكسر الراء ثم يقتل للقود بعد ذلك. إذا وجب على رجل الحد وهو صحيح العقل، ثم اختلط عقله بعد ذلك، وكانت البينة قد قامت عليه به أقيم عليه الحد على كل حال. ومن يجب نفيه عن البلد الذي زنا فيه، فإنه ينفى إلى بلد آخر سنة. فأما نفي القواد، وهو الجامع بين الرجال والنساء للفجور، فإنه ينفى من بلده إلى بلد آخر، إلا أنه لا يكون نفيه سنة. وأما نفي المحارب فأبدا إلى أن يتوب ويراجع الحق، وينيب إلى الله تعالى على ما نبينه عند المصير إليه إن شاء الله تعالى. ومن أقر على نفسه بحد، ثم أنكر ذلك، لم يلتفت إلى إنكاره، إلا الرجم، فإنه إذا أقر بما يوجب عليه الحد بالرجم، ثم جحد ذلك قبل أن يرجم، خلي سبيله، ولا يكون الإمام هاهنا مخيرا في تخلية سبيله بل يجب عليه ذلك، فأما إذا ألم يجحد، كان الإمام بالخيار في إقامة الحد عليه، أو تخليته على ما يراه من المصلحة في الحال له وللأمة بشرط، إظهاره التوبة بعد الاقرار عند الإمام، فأما إذا لم يتب فلا يجوز للإمام تخليته، ولا يكون مخيرا. ومن أقر على نفسه بحد ولم يبينه، ضرب أعلى الحدود، وهي المائة، إلا أن ينهي (2) هو عن نفسه من دونها، وبعد تجاوز الحد الذي هو الثمانون فإن نهى (3) عن نفسه قبل بلوغ الثمانين سوطا، الذي هو حد شارب الخمر، فلا يقبل منه، وضرب إلى

(1) الوسائل، الباب 16 من أبواب حد الزنا، ح 1 - 5. ربما يكون ما ذكره مضمون الرواية.
(2) ج. ينفي.
(3) ج. نفى.

[ 456 ]

أن يبلغه، فهذا تحرير هذه الفتيا. وقد روي أنه يضرب حتى ينهي (1) هو عن نفسه الحد (2). وإذا كانت المرأة مستحاضة لم يقم عليها الجلد إن كان حدها جلدا وإن كان رجما أقيم عليها، لأن الغرض قتلها، ولا يقام عليها الجلد حتى ينقطع دمها، لأنها عليلة، لأن دم الاستحاضة دم علة. ويقام على الحايض الجلد، لأنه دم جبلة، وليس بدم علة. إذا وجب على انسان جلد، لم يقم عليه في الساعات الشديدة الحر، ولا الشديدة البرد، بل إن كان في الشتاء، يترك حتى تطلع الشمس ويحمي النهار، ويذهب برد أوله، وإن كان في الصيف، يترك حتى يبرد النهار، ولا يضرب في السبرات الباردة، ولا الهواجر، بل يقام عليه في الأوقات المعتدلة. فإذا فرغ من رجم المرجوم، دفن في الحال، ولم يترك على وجه الأرض، وأحكامه بعد موته أحكام غيره من الأموات، إلا في الغسل، فإنه يؤمر بالاغتسال أولا، والتكفين، ثم يقام الحد عليه، فإذا مات، كان بعد ذلك أحكامه أحكام غيره، فإنه يصلى عليه، ويدفن، ويجب على من مسه الغسل، على ما ذكرناه في باب تغسيل الأموات، وكتاب الطهارات (3). وقد ذكر شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، في كتاب الحدود، قال إذا رجم رجل وصلى عليه، فحكمه بعد الرجم حكم المسلم إذا مات، وحكم من يقتل قصاصا، يغسل، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين بلا خلاف، وروى أصحابنا أنه يؤمر بالاغتسال قبل الرجم، والتحنيط (4) و (5)، وكذلك من وجب عليه القصاص، فإذا قتل، صلي عليه، ودفن، هذا آخر كلامه رحمه الله في مبسوطه (6). ألا ترى إلى قوله - فحكمه بعد الرجم حكم المسلم إذا مات - ولا خلاف إن من

(1) ج. ينفى.
(2) الوسائل، الباب 11، من أبواب مقدمات الحدود... ح 1.
(3) في الجزء الأول، ص 167.
(4) الوسائل، الباب 17، من أبواب غسل الميت، ح 1.
(5) ج. ل. التحنط.
(6) المبسوط، ج 8، كتاب الحدود، ص 4.

[ 457 ]

جملة أحكام المسلم إذا مات، ومما يتعلق به، أنه إذا مسه انسان بعد موته وقبل غسله الذي هو بعد موته، يجب عليه الاغتسال، فليلحظ ذلك، وقد أشبعنا القول في الموضع الذي ذكرناه (1). ولا يقام الحد أيضا في أرض العدو لئلا تحمل المحدود الحمية والغضب على اللحوق بأعداء الدين. وإذا التجأ إلى حرم الله سبحانه، أو حرم رسوله، أو أحد الأئمة عليهم السلام، لم يقم عليه الحد فيه، بل يضيق عليه في المطعم والمشرب وبأن لا يبايع، ولا يشارى، ولا يعامل حتى يخرج منه، فإذا خرج أقيم عليه الحد. وإذا أحدث وهو في الحرم ما يوجب إقامة الحد عليه، أقيم عليه ذلك فيه، وقد قدمنا (2) ذكر ذلك وكذلك إن قتل فيه، أو جنى، قتل فيه، وأقيم عليه الحد فيه، لأنه انتهك حرمة الحرم، فعوقب بجنايته فيه. إذا أقر رجل بالزنا أربع مرات، بأنه زنا بهذه المرأة، وأكذبته المرأة، أو قالت أكرهني، كان عليه الحد، دونها، فإن أقرت المرأة أربع مرات بأن هذا الرجل زنا بها، فأكذبها الرجل، كان عليها حد الزنا دونه، وحد القذف أيضا إذا طالبها به الرجل، فإن صدقها مرة واحدة، أو أكثر منها، ما لم يبلغ أربع مرات، كان عليها حد الزنا دون حد القذف، فإن أقر أربع مرات مصدقا لها، وجب عليه حد الزنا أيضا. ومن وجب عليه الرجم، أقيم عليه على كل حال، عليلا كان أو صحيحا، لأن الغرض إتلافه وقتله على ما قدمناه (3). باب الحد في اللواط وما يتعلق بذلك اللواط هو الفجور بالذكران، وهو على ضربين، أحدهما إيقاع الفعل في الدبر بالايقاب، كالميل في المكحلة، والآخر بإيقاع الفعل فيما عدا ذلك من بين الفخذين، أو ما لا يكون بالايقاب في الدبر.

(1) في الجزء الأول ص 167.
(2) في الجزء الأول ص 644.
(3) في ص 455.

[ 458 ]

ويثبت ذلك على فاعله بأمرين، أحدهما إقراره على نفسه بذلك أربع مرات، وهو كل العقل حر مختار، كما قدمناه في باب حد الزنا (1)، سواء كان فاعلا أو مفعولا، فإن أقر دون ذلك، لم يجب عليه الحد، وكان على الحاكم تعزيره، لإقراره على نفسه بالفسق. والضرب الثاني البينة، وهي أربعة شهود يشهدون بذلك، كما ذكرناه في شهادتهم بالزنا (2)، ويذكرون المشاهدة للفعل، كالميل في المكحلة، فإن لم يشهدوا كذلك كان عليهم حد الفرية، إلا أن يشهدوا بإيقاع الفعل فيما دون الدبر، فتقبل شهادتهم، ويجب بها الحد على ما نبينه فيما بعد إن شاء الله. وإذا شاهد الحاكم بعض الناس على هذا الفعل، كان له إقامة الحد عليه به، ولا يحتاج مع علمه ومشاهدته إلى غير ذلك، مثل الزنا سواء. فإذا ثبت على اللايط حكم اللواط بالايقاب، كان حده القتل، إلا أن الإمام بالخيار في كيفية قتل اللايط، إما أن يرمى من حايط عال، أو يرمي عليه جدار (3)، أو يدهدهه من جبل، ومعنى يدهدهه أي يدحرجه، أو يضرب عنقه بالسيف، أو يرجمه الإمام والناس، أو يحرق بالنار، والإمام مخير في ذلك، أي شئ أراد فعله منه كان له ذلك، بحسب ما يراه صلاحا، فإن أقام عليه حدا بغير النار، كان له إحراقه بعد ذلك. والفاعل لما يخالف الايقاب فاعلا أو مفعولا يجب عليه الجلد مائة جلدة، دون القتل والرجم، سواء كان محصنا أو غير محصن، على الأظهر من أقوال أصحابنا. وقد ذهب بعضهم إلى أنه على ضربين، أحدهما أن يكون محصنا، والآخر غير محصن، فإن كان محصنا، كان عليه الرجم، وإن كان غير محصن، كان عليه الحد مائة جلدة، سواء كان فاعلا أو مفعولا به، حرا كان أو عبدا مسلما كان أو كافرا. وهذا اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (4)، والأول مذهب شيخنا

(1) في ص 429 - 428.
(2) في ص 429.
(3) ج. الحائط.
(4) النهاية: كتاب الحدود، باب الحد في اللواط.

[ 459 ]

المفيد، محمد بن محمد بن النعمان (1)، والسيد المرتضى (2)، وغيرهما من الجلة المشيخة رحمهم الله. وهو الصحيح الذي يقتضيه الأدلة القاهرة، لأن الأصل براءة الذمة، وإدخال الضرر على الحيوان قبيح، عقلا وسمعا إلا ما خرج بالدليل، ولا يرجع في ذلك إلى أخبار شاذة لا يعضدها كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، لأنا قد بينا إن الاجماع غير حاصل، ولا منعقد على ذلك. فأما التلوط بالايقاب، فلا خلاف بين أصحابنا إن حده ما ذكرناه، سواء كان الفاعل والمفعول، حرا أو عبدا، مسلما أو كافرا، محصنا أو غير محصن، وعلى كل حال بعد أن يكون عاقلا. وإذا تلوط رجل عاقل بصبي لم يبلغ، كان عليه الحد كاملا وعلى الصبي التأديب، فإن كان الصبي هو الفاعل بالرجل، كان على الصبي التأديب أيضا، وعلى الرجل المفعول به الحد كاملا. وإذا تلوط صبي بصبي مثله، أدبا جميعا، ولم يجب على واحد منهما الحد. وإذا كان لرجل عبد، فتلوط به، كان عليه وعلى العبد جميعا الحد كاملا، فإن ادعى العبد على سيده إنه أكرهه على ذلك، درأ الحد عنه، وأقيم على سيده، لأن هاهنا شبهة الرق، وقد قال عليه السلام إدرأوا الحدود بالشبهات (3). فإن زنى مملوك بمولاته، أقيم عليهما جميعا الحد، فإن ادعى الاكراه منها له على الفعال، فلا يقبل منه ولا يصدق، ولا يدرأ الحد عنه، لأن ما هاهنا شبهة، وليس هذا كالأول. إذا تلوط عاقل بمجنون، أقيم الحد عليه، ولم يكن على المجنون شئ، فإن لاط مجنون بعاقل، كان على العاقل الحد كاملا، وليس على المجنون شئ بحال، سواء كان فاعلا أو مفعولا به.

(1) في المقنعة، باب الحد في اللواط ص 785.
(2) في الانتصار، كتاب الحدود.
(3) الوسائل، الباب 24 من أبواب مقدمات الحدود، ح 4.

[ 460 ]

وذهب بعض أصحابنا إلى أنه إن كان المجنون فاعلا، فيجب عليه الحد كاملا، وإن كان مفعولا به، فلا يجب عليه شئ. وهو الذي ذكره شيخنا في نهايته (1). وليس عليه دليل من كتاب، ولا سنة متواترة، ولا إجماع، والأصل براءة الذمة، فمن علق عليها شيئا، يحتاج إلى دليل، والأحكام الشرعية من الحدود وغيرها متوجهة إلى العقلاء، دون غيرهم من المجانين والأطفال، فلا ينبغي أن يترك الأدلة القاطعة للأعذار، ويرجع إلى خبر واحد أو قول مصنف قاله في كتابه، وأودعه في تصنيفه، ولا يحل تقليده في ذلك بحال. وإذا لاط كافر بمسلم، قتل على كل حال. وإذا لاط بكافر مثله، كان الإمام مخيرا بين أن يقيم الحد عليهما بما توجبه شريعة الاسلام، وبين أن يدفعه إلى أهل ملته، ليقيموا الحد عليه على ما يرونه عندهم. ومتى وجد رجلان في إزار واحد مجردين، أو رجل وغلام، وقامت عليهما بذلك بينة، وهي رجلان عدلان، أو أقرا بفعله، ضرب كل واحد منهما تعزيرا من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين سوطا، بحسب ما يراه الإمام، فإن عادا إلى مثل ذلك، ضربا مثل ذلك (2)، فإن عادا أقيم الحد، بأن يضرب كل واحد منهما مائة جلدة، على ما روي (3). وإذا لاط رجل، ثم تاب قبل قيام البينة، لم يكن للإمام ولا غيره إقامة الحد عليه، فإن تاب بعد أن شهد عليه بالفعل، لم يسقط عنه التوبة هاهنا الحد ووجب على الإمام إقامته عليه، فإن كان تائبا عند الله تعالى، عوضه الله تعالى بما يناله من ألم الحد، ولم يجز العفو على كل حال. وإن كان اللايط أقر عند الإمام على نفسه باللواط أربع مرات، ثم تاب، وعلم

(1) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في اللواط.
(2) ج. ل. فإن عادا إلى ذلك ضربا مثل ذلك.
(3) الوسائل، الباب 10 من أبواب حد الزنا، ح 25.

[ 461 ]

الإمام منه ذلك، جاز له أن يعفو عنه، ويجوز له أيضا إقامة الحد عليه حسب ما يراه من المصلحة وشاهد الحال، ومتى لم يظهر التوبة منه، لم يجز له العفو عنه بحال. ومن قبل غلاما، ليس بمحرم له، على جهة الالتذاذ والشهوة وميل النفس، وجب عليه التعزير. فإن فعل ذلك وهو محرم بحج أو عمرة، غلظ عليه تأديبه، كي ينزجر عن مثله في مستقبل الأحوال. وقد روي أنه إذا قبل الرجل غلاما بشهوة، لعنته ملائكة السماء وملائكة الأرض، وملائكة الرحمة، وملائكة الغضب، وأعد له جهنم، وسائت مصيرا (1). وفي حديث آخر، من قبل غلاما بشهوة، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار (2) فإن كان التقبيل للغلام أو الرجل على غير ذلك الوجه، أما لأمر ديني، أو صداقة دنياوية، ومودة إصلاحية، وعادة عرفية، فلا حرج في ذلك، ولا إثم، فإنه قد روي (3) استحباب تقبيل القادم من مكة بغير خلاف. وإنما يحرم من ذلك من ما يقصد به الريبة والشهوة والفسوق، وهذا شئ راجع إلى النيات والعقايد، فقد قال عليه السلام الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى (4). وفي ألفاظ الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام تقييد التحريم من ذلك ما يكون بالشهوة، أورد ذلك ابن بابويه في رسالته (5)، وقيده في كلامه. والمتلوط بما دون الايقاب الذي يجلد مائة جلدة، فإذا أقيم عليه الحد ثلاث مرات، يقتل في الرابعة، مثل الزاني. والأولى عندي أنه يقتل هو والزاني في الثالثة، لقولهم عليهم السلام، المجمع

(1) مستدرك الوسائل، الباب 18، من أبواب نكاح المحرم، ح 3.
(2) الوسائل، الباب 21، من أبواب نكاح المحرم، ح 1.
(3) الوسائل، الباب 55 من أبواب آداب السفر، ح 7.
(4) الوسائل، الباب 5، من أبواب مقدمة العبادات، ح 6 - 7.
(5) لم نتحققه في رسالة ابن بابويه.

[ 462 ]

عليه، إن أصحاب الكبائر يقتلون في الدفعة الثالثة (1) وهؤلاء بلا خلاف أصحاب كبائر. وشيخنا أبو جعفر ذهب في نهايته إلى أنه يقتل في الرابعة (2)، وذهب في مسائل خلافه أنه يقتل في الخامسة (3) وجعل ما ذهب إليه في نهايته رواية فقال مسألة إذا جلد الزاني الحر البكر البالغ أربع مرات قتل في الخامسة وكذلك في القذف يقتل في الخامسة، والعبد يقتل في الثامنة (4). وقال في نهايته، يقتل في التاسعة (5). ثم قال متمما للمسألة، وقد روي أن الحر يقتل في الرابعة، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا عليه الحد بالغا ما بلغ، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، هذا آخر مسألته (6). وما اخترناه أولا هو الأظهر بين الطائفة. قال محمد بن إدريس أورد شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، في الجزء الثالث من كتابه الاستبصار، في باب الحد في اللواط، خبرا عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن الحسن بن محبوب عن ابن رئاب، عن مالك بن عطية، عن أبي عبد الله عليه السلام فيمن أوقب على غلام، قال قال أمير المؤمنين عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله حكم فيه ثلاثة أحكام، إما ضربة بالسيف في عنقه بالغة ما بلغت، أو إهداء من جبل مشدود اليدين والرجلين، أو إحراق بالنار (7). وجدناه لما عارضت كتابي بخط المصنف رحمه الله. إهداء بألف في أوله، وألف في آخره، وصوابه دهداء، بدال في أوله، وأظن الدال الأولة كانت قصيرة المدة التحتانية، وطويلة المدة الفوقانية، فاعتقدها

(1) الوسائل، الباب 5 من أبواب مقدمات الحدود، ح 1.
(2) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في اللواط.
(3) و (4) و (6) الخلاف، كتاب الحدود، مسألة 55.
(5) النهاية: كتاب الحدود، باب أقسام الزنا. (7) الاستبصار، ج 4، الباب 126 من كتاب الحدود ص 220 ح 5 / 822، وفي المصدر، إهدارا.

[ 463 ]

النساخ الناقلون ألفا مستقيمة، فوقع الرهق (1) والغلط لذلك، لأنه مصدر تدهدأ الحجر وغيره، تدهدئا ودهديته أنا أدهديه دهدأة ودهدأء. قال ذو الرمة أدنى يقاذفه التقريب أو خبب (2) * كما تدهدى من العرض الجلاميد. وهذا مما يبدل من الهاء ياء، قال الجوهري، في الصحاح دهدهدت الحجر فتدهده، أي دحرجته فتدحرج، وقد يبدل من الهاء ياء فيقال تدهدى الحجر وغيره تدهديا، ودهديته أنا، أدهديه دهدأة ودهداء إذا دحرجته، وأنشد بيت ذي الرمة المقدم ذكره، وإنما أومأت إلى هذا المكان لئلا يجري تصحيف في الخبر الذي في الاستبصار. باب الحد في السحق السحق بضم السين الاسم، وبفتحها المصدر، وهو عبارة في عرف الشرع عن فعل الأنثى بالأنثى، كما أن اللواط عبارة عن فعل الرجال بالرجال، الذكران بالذكران، والزنا عبارة عن فعل الرجال بالنساء. فإذا ثبت ذلك، فالبينة على الجميع واحدة، وهي شهادة أربع عدول بتحقيق ذلك ومعاينته على ما قدمناه، أو إقرار الفاعل أو المفعول على نفسه أربع مرات في أربع دفعات وأوقات. فإذا ثبت ذلك وساحقت المرأة أخرى، وجب على كل واحدة منهما الحد، جلد مائة، سواء كانتا محصنتين أو غير محصنتين. وقال بعض أصحابنا إن كانتا محصنتين وجب على كل واحدة منهما الرجم، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (3). والأول اختيار شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان في مقنعته (4) والسيد

(1) ج. الزهق.
(2) ج. جنب.
(3) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في السحق.
(4) المقنعة، باب الحدود والآداب ص 787 و 788.

[ 464 ]

المرتضى (1) وغيرهما من أصحابنا. وهو الأظهر الذي يقتضيه أصول مذهبنا، ولأن الأصل براءة الذمة، وحقن الدماء، وترك إدخال الضرر على الحيوان إلا بدليل، ولا دليل على ذلك من كتاب، ولا سنة متواترة، ولا إجماع. وإذا ساحقت المرأة جاريتها، وجب على كل واحدة منهما الحد كاملا، وهو جلد مائة، ولا ينتصف في حق الإماء مثل حد الزنا، بل حد الحرة والأمة في السحق سواء، لأنه ليس بزنا، والقياس عندنا باطل. فإن ذكرت الجارية إنها أكرهتها، درئ عنها الحد، للشبهة في ذلك، وأقيم (2) على مولاتها. وإذا ساحقت المجنونة، لا يجب عليها الحد، سواء كانت فاعلة أو مفعولة بها. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا ساحقت المجنونة، أقيم عليها الحد، فإن فعل بها ذلك، لم يكن عليها الحد (3). وما ذهبنا إليه هو الذي يقتضيه أصول المذهب، ولا يرجع في ذلك إلى خبر واحد، أو مسطور يوجد لبعض المصنفين، إذا لم يعضده كتاب الله، أو إجماع، أو أخبار متواترة. وإذا ساحقت المسلمة الكافرة، وجب على كل واحدة منهما الحد، وكان الإمام مخيرا في الكافر بين إقامة الحد عليها، وبين انفاذها ودفعها إلى أهل ملتها، ليعملوا بها ما يقتضيه مذهبهم. وإذا ساحقت المرأة العاقلة صبية غير بالغة، أقيم على العاقلة الحد، وأدبت الصبية. فإن تساحقت صبيتان غير بالغتين أدبتا، ولم يقم على واحدة منهما الحد كاملا.

(1) في الانتصار، كتاب الحدود.
(2) ج. ل. أقيم الحد.
(3) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في السحق.

[ 465 ]

وروي أنه إذا وطئ الرجل امرأته، فقامت فساحقت جارية بكرا، فألقت ماء الرجل في رحمها، وحملت الجارية، وجب على المرأة الرجم، وعلى الجارية إذا وضعت مائة جلدة، وألحق الولد بالرجل، والزمت المرأة المهر للجارية، لأن الولد لا يخرج منها إلا بعد ذهاب عذرتها (1). فإن عضد هذه الرواية دليل من كتاب، أو سنة متواترة، أو إجماع، وإلا السلامة التوقف فيها، وترك العمل بها، والنظر في دليل غيرها، لأنا قد قلنا إن جل أصحابنا لا يرجمون المساحقة، سواء كانت محصنة أو غير محصنة، واستدللنا على صحة ذلك، فكيف نوجب على هذه الرجم. وإلحاق الولد بالرجل، فيه نظر يحتاج إلى دليل قاطع، لأنه غير مولود على فراشه، والرسول عليه السلام قال - الولد للفراش - (2) وهذه ليست بفراش للرجل، لأن الفراش عبارة في الخبر عن العقد، وإمكان الوطئ، ولا هو من وطئ شبهة بعقد (3) الشبهة. وإلزام المرأة المهر أيضا فيه نظر، ولا دليل عليه، لأنها مختارة غير مكرهة، وقد بينا أن الزاني إذا زنا بالبكر الحرة البالغة، لا مهر (4) عليه إذا كانت مطاوعة، والبكر المساحقة هاهنا مطاوعة، قد أوجبنا عليها الحد، لأنها بغي، والنبي عليه السلام - نهى عن مهر البغي - (5) فهذا الذي يقال على هذه الرواية، فإن كان عليها دليل غيرها من إجماع وغيره، فالتسليم للدليل دونها، فليلحظ ما نبهنا عليه ويتأمل، ولا ينبغي في الديانة أن يقلد أخبار الآحاد، وما يوجد في سواد الكتب. وإذا افتضت امرأة بكرا بإصبعها، فذهبت بعذرتها، لزمها مهرها، إذا كان ذلك بغير اختيارها، وكانت البكر عاقلة بالغة فإن أمرتها بذلك، فلا شئ على المرأة الفاعلة من المهر بحال، وكذلك الرجل إذا ذهب بعذرة البكر، حرفا فحرفا،

(1) الوسائل، الباب 3 من أبواب حد السحق والقيادة، ح 1 - 2 - 3 - 4 - 5.
(2) الوسائل، الباب 56، من أبواب إنكاح العبيد والإماء، ح 1.
(3) ج. يعتقد الشبهة.
(4) ج. لا مهر لها عليه.
(5) الوسائل، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، ح 13 - 14.

[ 466 ]

فإن كانت البكر غير بالغ، فيجب على من ذهب بعذرتها بإصبعه أو غير إصبعه المهر على ما قدمناه وحررناه. فإن كانت الجارية البالغة أمة للغير، فالمهر لا يجب، بل يجب ما بين قيمتها بكرا أو غير بكر، لأنه مال الغير أتلفه، سواء كانت الأمة مختارة أو مكرهة. وإذا وجدت امرأتان في إزار واحد مجردتين من ثيابهما، وليس بينهما رحم، ولا أحوجهما إلى ذلك ضرورة من برد وغيره، كان على كل واحدة منهما التعزير، من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين سوطا، حسب ما يراه الإمام، أو الوالي (1) والحاكم من قبله، ولا يبلغ بذلك الحد. وقد يوجد في بعض المواضع التعزير من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين. والوجه في ذلك: أنه إن كان الفعال مما يناسب الزنا واللواط والسحق، فإن الحد في هذه الفواحش مائة جلدة، فيكون التعزير دونها ولا يبلغها، فللحاكم أن يعزر من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين، فينقص عن المائة سوطا، فأما إذا كان التعزير على ما يناسب ويماثل الحد الذي هو الثمانون، وهو حد شارب الخمر عندنا، وحد القاذف، فيكون التعزير لا يبلغه، بل من ثلاثين إلى تسعة وسبعين، فهذا معنى ما يوجد في بعض المواضع من الكتب، تارة تسعة وتسعون، وتارة تسعة وسبعون. قال شيخنا أبو جعفر، في الجزء الثالث من مسائل الخلاف، في كتاب الأشربة ما ينبهك على ما قلناه، قال مسألة لا يبلغ بالتعزير حد كامل، بل يكون دونه، وأدنى الحدود في جنية الأحرار، ثمانون، والتعزير فيهم تسعة وسبعون جلدة، هذا آخر كلامه (2). والذي يقتضيه أصول مذهبنا وأخبارنا، إن التعزير لا يبلغ الحد الكامل الذي هو المائة، أي تعزير كان، سواء كان ما يناسب الزنا أو القدف، وإنما هذا الذي لوح به شيخنا من أقوال المخالفين، وفرع من فروع بعضهم، ومن اجتهاداتهم وقياساتهم الباطلة، وظنونهم العاطلة.

(1) ل. أو الوالي أو الحاكم.
(2) الخلاف، كتاب الأشربة، مسألة 14.

[ 467 ]

فإن عادتا إلى مثل ذلك، نهيتا، وأدبتا، فإن عادتا ثالثة، أقيم عليهما الحد كاملا مائة جلدة، على ما روي (1). أورده شيخنا في نهايته (2) وقال فإن عادتا رابعة، كان عليهما القتل. قال محمد بن إدريس إن قتلهما في الرابعة، لقولهم عليهم السلام أصحاب الكباير يقتلون في الرابعة، فالصحيح (3) أنهم يقتلون في الثالثة. وإذا ساحقت المرأة وأقيم عليها الحد ثلاث مرات، قتلت في الرابعة، مثل الزانية سواء. وقد قلنا ما عندنا في الزانية، وإن الأظهر عند أصحابنا، والذي يقتضيه أصول مذهبهم، القتل في الثالثة. وإذا تابت المساحقة قبل أن ترفع إلى الإمام، سقط عنها الحد، فإن قامت بعد ذلك عليها البينة، لم يقم عليها الحد، فإن قامت البينة عليها، ثم تابت بعد ذلك، أقيم عليها الحد على كل حال، ولم يجز للحاكم العفو عنها، فإن كانت أقرت بالفعل عند الحاكم، ثم أظهرت التوبة، كان للإمام العفو عنها، وله إقامة الحد عليها، حسب ما يراه أصلح في الحال، هكذا أورده شيخنا في نهايته (4). والأظهر أنه لا يجوز له العفو، لأن هذا الحد لا يوجب القتل وإنما ذلك في الاقرار الذي يوجب القتل. باب وطي الأموات والبهائم والاستمناء بالأيدي وما يتعلق بذلك من الأحكام من وطأ امرأة ميتة، فإن حكمه حكم من وطأها وهي حية، لقولهم عليهم السلام - حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا - (5).

(1) لم نتحققها بعينها إلا ما أوردها في الوسائل الباب 2 من أبواب حد السحق والقيادة، ح 1 - 2.
(2) و (4) النهاية كتاب الحدود، باب الحد في السحق.
(3) ج. الصحيح.
(5) الوسائل، الباب 2 من أبواب نكاح البهائم ووطي الأموات... ح والباب 19 من أبواب حد السرقة، ح 6، ولفظه هكذا، حرمة الميت، وحرمة الميتة كحرمة الحية.

[ 468 ]

فإذا ثبت ذلك، فإنه يجب عليه الرجم إن كانا محصنا، والجلد إن لم يكن كذلك ويضرب (1) زيادة على الحد تعزيرا، لانتهاكه حرمة الأموات، والجرأة على ذلك، فإن كانت الموطوءة زوجته أو أمته، وجب عليه التعزير دون الحد، للشبهة الداخلة عليه في ذلك. ويثبت الحكم في ذلك بإقرار الفاعل على نفسه مرتين، أو شهادة عدلين، هذا ما روي (2) في أخبار الآحاد. والذي تقتضيه الأدلة وأصول مذهبنا، إن الاقرار أربع مرات، والشهادة أربع رجال، لأنا أجمعنا إنه زان وزنا، والزنا بإجماع المسلمين لا يثبت إلا بشهادة أربعة رجال، أو إقرار الفاعل أربع مرات، والاجماع فغير منعقد على تخصيص ذلك، ولا يرجع في ذلك إلى أخبار الآحاد، ولا كتاب مصنف، وإن كان قد أورد ذلك شيخنا في نهايته (3) إيرادا لا اعتقادا كما أورد أمثاله من أخبار الآحاد. وحكم المتلوط بالأموات، حكم المتلوط بالأحياء على السواء، لا يختلف الحكم في ذلك، بل تغلظ عقوبته، لانتهاكه حرمة الأموات. ومن وطأ بهيمة، كان عليه التعزير حسب ما يراه الحاكم من الصلاح في الحال، ويغرم ثمن البهيمة لصاحبها إن لم تكن له، إذا كانت مما يركب ظهرها في الأغلب، كالخيل والبغال والحمير، وإن كان يقع على هذه الأجناس الذكاة، وتؤكل عندنا لحومهن، إلا أنه غير غالب عليهن، بل ركوب ظهورها هو الأغلب، واتخاذها لذلك هو المقصود الأشهر، وأخرجت من البلد الذي فعل بها ما فعل إلى بلد آخر، وبيعت هناك لئلا يعير صاحبها بها، على ما روي (4) في الأخبار هذا التعليل، فإذا بيعت، كان الثمن لمن غرمناه ثمنها، لأن صاحبها قد أخذ ثمنها، وصارت.

(1) ج. ويعزر.
(2) الوسائل، الباب 3 من أبواب حد السرقة، ح 1 - 4 - 6، والباب 49 من أبواب الشهادات، ج 1 - 2، والباب 5 من أبواب كيفية الحكم...
(3) النهاية، كتاب الحدود، باب من نكح بهيمة أو وطئ ميتة.
(4) الوسائل، الباب 1، من أبواب نكاح البهائم، ح 1 - 4.

[ 469 ]

للواطئ فلا يعطى صاحبها غير ثمن واحد، وهو الذي غرمه (1) له، ولا يجمع له الثمنين معا، لأنه لا دلالة على ذلك من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، بل قد وردت أخبار (2) عن الأئمة الأطهار عليهم السلام بما قلناه. فإن كانت ملك الواطئ، لم يكن عليه شئ سوى التعزير، ولا يجب عليه غرم ثمنها، لأن ثمنها له، فلم يغرم. وقال شيخنا المفيد في مقنعته، يتصدق بثمنها على المساكين والفقراء، سواء كانت لصاحبها أو لغيره، إذا غرم ثمنها وبيعت، وتصدق بالثمن الثاني (3). فإن كانت البهيمة الموطوءة مما لا يركب ظهرها، بل في الأغلب يكون للأكل والنحر والذبح، ذبحت وأحرقت بالنار، لأن لحمها قد حرم، ولحم ما يكون من نسلها. فإن اختلطت بغيرها من البهائم، ولم تميز، قسم القطيع، وأقرع بينهما، فما وقعت عليه القرعة، قسم من رأس، وأقرع بينهما، إلى أن لا تبقى إلا واحدة، ثم تؤخذ وتحرق بالنار، بعد أن تذبح، وليس ذلك على جهة العقوبة لها، لكن لما يعلمه الله تعالى من المصلحة في ذلك للعباد، ودفع العار بها عن صاحبها. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ومن نكح بهيمة، كان عليه التعزير بما دون الحد، حسب ما يراه الإمام في الحال، ويغرم ثمن البهيمة لصاحبها إن لم تكن له، فإن كانت له لم يكن عليه شئ، وإن كانت البهيمة مما يقع عليها الذكاة، ذبحت وأحرقت بالنار، لأن لحمها قد حرم ولحم جميع ما يكون من نسلها، فإن اختلطت البهيمة الموطوءة بغيرها من البهائم ولم تتميز قسم القطيع الذي فيه تلك البهيمة، وأقرع بينهما، فما وقعت عليه القرعة، قسم من الرأس، أقرع بينهما، إلى أن لا تبقى إلا واحدة، ثم تؤخذ وتحرق بالنار بعد أن تذبح، وليس ذلك على جهة العقوبة لها، لكن لما يعلمه الله تعالى من المصلحة في ذلك، ولدفع العار بها عن صاحبها، فإن كانت

(1) ج. غرمناه له.
(2) الوسائل، الباب 1، من أبواب نكاح البهائم، ح 1 - 4.
(3) المقنعة: باب الحد في نكاح البهائم والاستمناء بالأيدي ص 790.

[ 470 ]

البهيمة مما لا تقع عليها الذكاة، أخرجت من البلد الذي فعل بها ما فعل إلى بلد آخر، وبيعت هناك لئلا يعير صاحبها بها. هذا آخر كلامه رحمه الله (1). قال محمد بن إدريس أما قوله رحمه الله في أول الكلام وهو - فإن كانت البهيمة مما يقع عليها الذكاة، ذبحت وأحرقت -، فالمراد به ما قلناه ونبهنا عليه، من أنها تصلح للذبح في الغالب، دون ركوب الظهر، وأما قوله في آخر الكلام فإن كانت البهيمة مما لا تقع عليها الذكاة، أخرجت من البلد مراده بذلك ما قلناه، وهو أنها تصلح للركوب، لا للذبح في الغالب، وإن كانت عندنا أيضا يقع عليها الذكاة، لأن الخيل والبغال والحمير تقع عليها الذكاة، ويؤكل لحمها عندنا، إلا أنها ما تراد لذلك، ولا الغالب فيها الذبح، ولا قنيتها واتخاذها للأكل والذبح، فليلحظ ذلك. وقد نبه شيخنا المفيد ولوح في مقنعته على شئ من ذلك، قال فإن كانت البهيمة مما يقع عليها الذكاة، كالشاة، والبقرة، والبعير، وحمر الوحش، والغزلان، ذبحت وحرقت (2) بالنار، ثم قال بعد ذلك، وإن كانت مما لا يقع عليها الذكاة، كالدواب والبغال والحمر الأهلية وأشباه ذلك، أخرجت من البلد (3). فهذا تنبيه على ما أشرنا إليه واعتمدنا عليه. قوله رحمه الله من الرأس، لا ينبغي أن يكون بألف ولام، بل عند أهل اللغة يقال من رأس، ويعدون ما خالف ذلك مما تغلط فيه العامة، فينبغي أن يتجنبه الانسان ويثبت الحكم بذلك إما بالاقرار من الفاعل مرتين، أو بشهادة عدلين، لا أكثر من ذلك. ومتى تكرر الفعل من واطئ البهيمة والميتة، وكان قد أدب وحد، وجب عليه القتل في الثالثة. وقال شيخنا في نهايته (4): في الرابعة.

(1) النهاية، كتاب الحدود، باب من نكح بهيمة أو وطئ ميتة.
(2) ج. أحرقت.
(3) المقنعة، باب الحد في نكاح البهائم والاستمناء بالأيدي ص 789.
(4) النهاية، كتاب الحدود، باب من نكح بهيمة أو وطئ ميتة...

[ 471 ]

ومن استمنى بيده حتى أنزل، كان عليه التعزير والتأديب بما دون الحد الكامل. وقد روي أن أمير المؤمنين عليه السلام ضرب يد من فعل ذلك، حتى احمرت، وزوجه من بيت المال، واستتابه من ذلك الفعال. ويثبت الفعل بذلك بإقرار الفاعل مرتين، أو شهادة عدلين مرضيين. باب الحد في القيادة الجامع بين النساء والرجال، أو الرجال والغلمان للفجور إذا شهد عليه عدلان، أو أقر على نفسه وهو عاقل مرتين، فإنه يجب عليه ثلاثة أرباع حد الزاني الحر، وهو خمس وسبعون جلدة، ويحلق رأسه، ويشهر في البلد، وينفى عنه إلى غيره من الأمصار من غير تحديد لمدة نفيه، سواء كان حرا أو عبدا لأن الأخبار عامة مطلقة، خالية من تخصيص، فهي عامة في هذا الحكم، ويجب العمل بالعموم حتى يقوم دليل الخصوص، فليلحظ ذلك. وشيخنا المفيد يفعل به ما قلناه في الدفعة الأولى إلا النفي، فإنه لا ينفيه إلا إذا عاد دفعة ثانية، بل في الدفعة الأولى لا ينفيه، بل يحلق رأسه ويشهره في البلد، ويضربه العدد الذي ذكرناه، ولا ينفيه إلا في الثانية (1). والأول اختيار شيخنا أبي جعفر (2) في نهايته. والمرأة إذا فعلت ذلك، فعل بها ما يفعل بالرجل من الجلد فحسب، ولا تحلق ولا تشهر ولا تنفى بحال. ومن رمى غيره بالقيادة، فقال له يا قواد، كان عليه التعزير بما دون الحد، لئلا يعود إلى أذى المسلمين، فإن قال له يا قايد، لم يكن عليه تعزير لأن لفظ القائد، ما أفاد لفظ قواد، لأن بالعرف صار قبيحا، دون لفظ قائد.

(1) المقنعة، باب الحد في القيادة ص 791.
(2) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في القيادة...

[ 472 ]

باب الحد في شرب الخمر والمسكر من الشراب والفقاع وغير ذلك من الأشربة والمآكل المحظورة وما يتعلق بذلك من الأحكام الخمر محرمة بالكتاب والسنة والاجماع، قال الله تعالى " يسئلونك عن الخمر و الميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما " (1) فأخبر تعالى إن في الخمر إثما كبيرا، وأخبر أن فيهما منافع للناس، ثم قال وإثمهما أكبر من نفعهما، فثبت إنهما محرمان. وقال تعالى " قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم " (2) والإثم في الآية، المراد به الخمر بلا خلاف. قال الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي * كذاك الإثم يذهب بالعقول وقال تعالى " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان " (3) إلى آخر الآيتين. وفيهما أدلة. أولها إن الله تعالى افتتح الأشياء المحرمات، فذكر الخمر والميسر، وهو القمار، والأنصاب، وهي الأصنام، والأزلام، وهي القداح، فلما ذكرها مع المحرمات، وافتتح المحرمات بها، ثبت إنها آكد المحرمات. ثم قال رجس من عمل الشيطان، فسماها رجسا، والرجس الخبيث، والرجس النجس، والرجس الحرام، ثبت إن الكل حرام. ثم قال من عمل الشيطان، وعمل الشيطان حرام. ثم قال فاجتنبوه، فأمر باجتنابه، والأمر عندنا يقتضي الوجوب. ثم قال لعلكم تفلحون، يعني باجتنابها، وضد الفلاح الفساد.

(1) سورة البقرة، الآية 219.
(2) سورة الأعراف، الآية، 33.
(3) سورة المائدة، الآية 90.

[ 473 ]

ثم قال " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر " (1) وما يوقع العداوة حرام. ثم قال " ويصدكم عن ذكر الله، وعن الصلاة " (2) وما يصد عنهما أو أحدهما حرام ثم قال " فهل أنتم منتهون "، وهذا نهي ومنع منها، لأنه يقال أبلغ كلمة في النهي أن تقول أنت (3) منته، لأنه تضمن معنى التهديد إن لم تنته عنه، ففي الآية عشرة أدلة، على ما ترى (4). وروي عن النبي عليه السلام أنه قال كل شراب، أسكر، فهو حرام (5). وروي عنه عليه السلام أنه قال الخمر شر الخبائث، من شربها لم يقبل الله له صلاة أربعين يوما، فإن مات وهي في بطنه، مات ميتة جاهلية (6). وروي عنه عليه السلام أنه قال لعن الله الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وبايعها، ومشتريها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها (7). فإذا ثبت تحريمها، فمن شربها، عليه (8) الحد، قليلا (9) شرب أو كثيرا بلا خلاف، فإذا ثبت هذا فإن شرب، ثم شرب فتكرر ذلك منه، وكثر قبل أن يقام عليه الحد، حد للكل حدا واحدا، لأن حدود الله إذا توالت تداخلت. فإن شرب فحد، ثم شرب فحد، ثم شرب فحد (10)، قتل في الثالثة على الأظهر من أقوال أصحابنا. وهو الذي يقتضيه أصول المذهب، وهذا اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (11).

(1) و (2) سورة المائدة، الآية 91.
(3) ج. ءأنت.
(4) هذه على ما تراها ثمانية أدلة إلا أن نحسب ذكر الخمر في سياق المحرمات دليلا على حدة فلا تتم أيضا، أو أن نحسب الرجس على حسبما فسرت بالنجس والحرام والخبيث ثلاثة أدلة.
(5) سنن أبي داود باب النهي عن المنكر، ج 3، ص 328، ح 3682.
(6) المبسوط: 8، ص 58. ولم نعثر عليه في مصدر آخر.
(7) الوسائل، الباب 34، من أبواب الأشربة المحرمة، ح 1 - 2 - 4 بتقديم بعض الألفاظ وتأخيرها.
(8) ج. فعليه.
(9) ج. قليلا كان.
(10) ل. ثم شرب قتل في الثالثة.
(11) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في شرب الخمر.

[ 474 ]

واختياره في مسائل خلافه (1) ومبسوطه (2) أنه يقتل في الرابعة. فأما عند مخالفي أهل البيت عليهم السلام فإنه لا يقتل بل يضرب أبدا. فأما بيان الأشربة المسكرة وأنواعها، فالخمر مجمع على تحريمها، وهو عصير العنب النبي (3) الذي اشتد وأسكر، وفي المخالفين من قال إذا أسكر واشتد وأزبد، فاعتبر أن يزبد. والأول مذهبنا، فهذا حرام نجس، يحد شاربها (4) سكر أو لم يسكر، بلا خلاف بين المسلمين. وأما ما عداها من الأشربة، وهو ما عمل من العنب، فمسه طبخ، أو من غير العنب، مسه طبخ أو لم يمسه. وكل شراب أسكر كثيره فقليله حرام، وكل هذا عند أهل البيت عليهم السلام خمر حرام نجس يحد شاربه، سكر أو لم يسكر، كالخمر سواء، وسواء عمل من تمر، أو زبيب، أو عسل، أو حنطة، أو شعير، أو ذرة، فالكل واحد نقيعه ومطبوخة، هذا عندنا وعند جماعة من المخالفين وفيه خلاف. فإذا ثبت أن كل مسكر حرام، فإنها غير معللة عندنا، بل محرمة بالنص، لأن التعليل للقياس عليه، وذلك عندنا باطل، ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الخليطين (5) والخليطان نبيذ يعمل من لونين، تمر وزبيب، أو تمر وبسر، ونحو هذا، فكل ما يعمل من شيئين يسمى خليطين، والنهي عن ذلك نهي كراهة إذا كان حلوا قبل أن يشتد. وأما النبيذ في الأوعية في أي وعاء كان، إذا كان زمانا لا تظهر الشدة فيه،

(1) الخلاف، كتاب الأشربة، مسألة 1.
(2) المبسوط، ج 7، كتاب الأشربة، ص 59.
(3) النيئ، الشئ الذي لم تمسه النار ولم ينضج.
(4) ج. فهذا حرام يجب أن يحد شاربها.
(5) سنن أبي داود الباب 8 من كتاب الأشربة (ج 3، ص 333، ح 3704)، فيه: " من أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن خليط الزبيب والتمر، وعن خليط البسر والتمر، وعن خليط الزهو والرطب ".

[ 475 ]

وقد ذكرنا ما يحتاج إليه في كتاب الأشربة (1)، فلا وجه لإعادته. وحد شارب الخمر عندنا ثمانون جلدة. وحد المفتري سواء كان مسلما أو كافرا حرا كان أو عبدا رجلا كان أو امرأة لا يختلف الحكم فيه، إلا أن المسلم يقام عليه ذلك على كل شربه عليها، والكافر لا يحد إلا بأن يظهر شرب ذلك بين المسلمين، أو يخرج بينهم سكران، فإن استسر بذلك فشربه في بيته، أو كنيسته، أو بيعته، لم يجز أن يحد. والحد يقام على شارب الخمر، وكل مسكر من الشراب، قليلا كان ما شرب منه، أو كثيرا، لأن القليل منه يوجب الحد، كما يوجبه الكثير، لا يختلف الحكم في ذلك على ما قدمناه. ويثبت الحكم فيما ذكرناه بشهادة شاهدين عدلين، أو بالاقرار بذلك مرتين. فإن شهد أحد الشاهدين بالشرب، وشهد الآخر بالقئ، قبلت شهادتهما، ووجب بها الحد، على ما رواه (2) أصحابنا، وأجمعوا عليه. وكذلك إن شهدا جميعا بأنه قاء خمرا اللهم إلا أن يدعي من قائها إنه شربها مكرها عليها غير مختار لذلك، فيدرأ الحد عنه، لمكان الشبهة. فإن قيل كيف يعمل برواية أصحابنا وإجماعهم الذي ذكرتموه. قلنا يمكن أن يعمل بذلك، وهو أنه لا يدعي الذي قائها إنه شربها مكرها، وإنما خصصنا ما بيناه، لئلا يتناقض الأدلة، فإنه قال عليه السلام وروته الأمة، وأجمعت عليه، بغير خلاف إدرأوا الحدود بالشبهات (3). فإن ادعى إنه أكره على شرب ما قائه، يمكن صدقه، فصار شبهة، فأما إذا لم يدع ذلك، فقد شهد عليه بالشرب، لأنه إذا قائها، فما قائها إلا بعد أن شربها، ولم يدع شبهة في شربها، وهو الاكراه، فيجب عليه إقامة الحد فصح العمل برواية أصحابنا، وبالرواية الأخرى المجمع عليها، إذ لا تناقض بينهما على ما حررناه،

(1) في ص 128.
(2) الوسائل، الباب 14، من أبواب حد المسكر، ح 1.
(3) الوسائل، الباب 24، من أبواب مقدمات الحدود... ح 4.

[ 476 ]

فليلحظ. ولا تقبل شهادة على شهادة في شئ من الحدود. ولا يجوز أيضا أن يكفل من وجب عليه الحد، ينبغي أن يقام عليه الحد على البدار. ولا تجوز الشفاعة في إسقاط حد من الحدود، لا عند الإمام، ولا عند غيره من الحكام النواب عنه. ويثبت أيضا بإقرار الشارب على نفسه مرتين، ويجب به الحد، كما يجب بالبينة سواء، على ما قدمناه. ومن شرب الخمر مستحلا لها، حل دمه، ووجب على الإمام أن يستتيبه، فإن تاب، قام عليه الحد للشرب (1) إن كان شربه، ولن لم يتب قتله، هكذا أورده شيخنا في نهايته (2). والأولى والأظهر: أنه يكون مرتدا، ويحكم فيه بحكم المرتدين، لأنه قد استحل ما حرمه الله تعالى، ونص عليه في محكم كتابه. وليس المستحل لما عدا الخمر من المسكرات يحل دمه، وللإمام أن يعزره، والحد في شربه لا يختلف على ما بيناه، لأن الخمر مجمع على تحريمه، منصوص في كتاب الله تعالى، وليس كذلك باقي المسكرات، لأن لها شبها وتأويلات. وشارب الخمر وساير الأشربة المسكرة يضرب عريانا على ظهره وكتفيه، ولا يضرب على وجهه وفرجه على حال. ولا يجوز أكل طعام فيه شئ من الخمر، ولا شئ من المسكر، ولا الاصطباغ بشئ فيه من ذلك، قليل ولا كثير (3)، ولا استعمال دواء فيه شئ منه. فمن أكل شيئا مما ذكرناه، أو شرب، كان عليه ثمانون جلدة، فإن أكل ذلك أو شرب، وهو لا يعلم أن فيه خمرا لم يكن عليه شئ. ولا ينبغي للمسلم أن يجالس شراب (4) شئ من المسكرات، ولا أن يجلس على

(1) ج. ل. حد الشرب.
(2) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في شرب الخمر.
(3) ج. قليل أو كثير. ل. قليلا أو كثيرا.
(4) ج. شارب. والشراب جمع شارب.

[ 477 ]

مائدة يشرب عليها شئ من ذلك، خمرا كان أو غيره، وكذلك الحكم في الفقاع فمتى فعل ذلك، كان عليه التأديب، حسب ما يراه الإمام. ولا يقام الحد على السكران في حال سكره، بل يمهل حتى يفيق، ثم يقام عليه الحد. وشارب الخمر إذا أقيم عليه الحد مرتين، ثم عاد ثالثة، وجب عليه القتل فيها. وهذا اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (1). وذهب في مسائل خلافه: إلى أنه لا يقتل إلا في الرابعة، أو الخامسة (2). والأول هو الذي يقتضيه أصول المذهب، لقولهم عليهم السلام أصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة. ومن باع الخمر أو الشراب المسكر، أو اشتراه، كان عليه التأديب، فإن فعل ذلك مستحلا له، استتيب، فإن تاب وإلا وجب عليه ما يجب على المرتدين. وحكم الفقاع في شربه، ووجوب الحد على من شربه، وتأديب من اتجر فيه، وتعزير من استعمله، حكم الخمر على السواء، بما ثبت (3) عن أهل البيت (4) عليهم السلام وإجماعهم عليه. ومن استحل الميتة، أو الدم، أو لحم الخنزير، ممن هو مولود على فطرة الاسلام، فقد ارتد بذلك عن الدين، ووجب عليه القتل بالاجماع. وكذا ينبغي أن يكون حكم من استحل شرب الخمر من غير استتابة للمولود (5) على فطرة الاسلام. وما قلناه من استتابته، فمحمول على غير المولود على فطرة الاسلام، بل على من كان كافرا ثم أسلم ثم استحل ذلك، فهذا يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه،

(1) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في شرب الخمر.
(2) الخلاف، كتاب الأشربة، مسألة 1 وهي تدل على القتل في الرابعة.
(3) ج بما ثبت عليهم.
(4) الوسائل، الباب 13 من أبواب حد المسكر والباب 27 - 28 من أبواب الأشربة المحرمة، ح 1 - 2.
(5) ج. ل. المولود.

[ 478 ]

لأن المرتد عندنا على ضربين على ما يأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى. ومن تناول شيئا من ذلك محرما له، كان عليه في الخمر والمسكر الحد ثمانون جلدة، فإن كان ذلك ميتة، أو لحم خنزير، أو دما، كان عليه التعزير، فإن عاد بعد ذلك (1) عزر وغلظ عقابه، فإن تكرر منه ذلك دفعات وأقلها ثلاث، قتل ليكون (2) عبرة لغيره. ومن أكل الربا بعد الحجة عليه في تحريمه عوقب على ذلك حتى يتوب، فإن استحل ذلك وكان مولودا على فطرة الاسلام، وجب قتله من غير استتابة، فإن كان قد تقدمه كفر استتيب، فإن تاب، وإلا وجب قتله. والتجارة في السموم القاتلة محظورة، ووجب على من اتجر في شئ منها العقاب والتعزير، فإن استمر على ذلك ولم ينته، وجب عليه القتل. ويعزر آكل الجرى، والزمار، والمارماهي، ومسوخ السمك كلها، والطحال، ومسوخ البر، وسباع الطير، وغير ذلك مما يؤكل لحمه من المحرمات، فإن عاد أدب ثانية، فإن استحل شيئا من ذلك، وجب عليه القتل. ومن تاب من شرب الخمر أو غيره من المسكرات التي توجب الحد، وكذلك الفقاع، لأن حكمه عند أهل البيت عليهم السلام، حكم الخمر سواء، على ما ذكرناه، أو تاب مما يوجب التأديب قبل قيام البينة عليه، سقط عنه الحد، فإن تاب بعد قيام البينة عليه، لم تسقط التوبة الحد، وأقيم عليه على كل حال. فإن كان أقر على نفسه وتاب بعد الاقرار، قبل أن يرفع إلى الإمام أو الحاكم، درأت التوبة أيضا عنه الحد، فإن كان قد أقر عند الحاكم أو الإمام، ثم تاب بعد إقراره عندهما، فإنه يقام الحد عليه، ولا يجوز إسقاطه، لأن هذا الحد لا يوجب القتل بل الجلد، وقد ثبت، فمن أسقطه يحتاج إلى دليل، وحمله على الاقرار بما يوجب القتل في الرجم قياس لا نقول به، لأنه عندنا باطل. وقال شيخنا في نهايته: فإن كان أقر على نفسه وتاب بعد الاقرار، جاز للإمام

(1) ج. عاد بذلك. ل. عاد إلى ذلك.
(2) ج. ليكون ذلك.

[ 479 ]

العفو عنه، ويجوز له إقامة الحد عليه (1). إلا أنه رجع عن ذلك في مسائل خلافه (2) ومبسوطه (3)، وقال كل حد لا يوجب القتل وأقر به من جناه، فلا يجوز للإمام العفو عنه، ووجب عليه إقامته. وهذا هو الظاهر من أقوال أصحابنا، بل ما أظن أحدا خالف فيه، لأن شيخنا رجع عما ذكره في نهايته. ومن شرب الخمر والمسكر في شهر رمضان، أو في موضع شريف، مثل حرم الله، أو حرم رسوله أو المشاهد والمساجد، أقيم عليه الحد في الشرب، وأدب بعد ذلك لانتهاكه حرمة الله تعالى، وحرمة أوليائه، وكذلك من فعل شيئا من ذلك في الأوقات الشريفة. إذا عزر الإمام أو الحاكم من قبله انسانا فمات من التعزير، فلا دية له لا في (4) بيت المال، ولا على الحاكم، ولا على عاقلته بحال، لقوله تعالى " وما على المحسنين من سبيل " (5) وهذا محسن بتعزيره، ولا كفارة أيضا عليه ولقول أمير المؤمنين عليه السلام من أقمنا عليه حدا من حدود الله، فمات، فلا ضمان (6)، وهذا حد، وإن كان غير معين. وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، الذي يقتضيه مذهبنا، إنه يجب الدية في بيت المال (7). ولا دليل على ما قاله من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، والأصل براءة الذمة، وإنما ورد إن الدية في بيت المال فيما أخطأت فيه الحكام، وهذا ما أخطأ فيه بحال. إذا أقام الحاكم على شارب الخمر الحد بشاهدين، فمات فبان إنهما فاسقان، فالضمان على الحاكم، لأن عليه البحث عن حال الشهود، فإذا لم يفعل فقد فرط، فعليه الضمان، وأين يضمن عندنا من بيت المال، لأن هذا من خطأ الحكام.

(1) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في شرب الخمر.
(2) الخلاف، لم نجده فيه بل المسألة 13 من كتاب قطاع الطريق ربما تدل على خلافه فراجع.
(3) المبسوط: ج 8 كتاب الحدود، ص 4.
(4) ج. فلا دية له في بيت المال.
(5) سورة التوبة، الآية 91.
(6) الوسائل، الباب 3 من أبواب مقدمات الحدود، ح 4، باختلاف في الألفاظ.
(7) المبسوط، ج 8 كتاب الأشربة، ص 63.

[ 480 ]

وقال قوم من المخالفين على عاقلته. إذا ذكرت عند الحاكم امرأة بسوء، فأرسل إليها فاجهضت، أي أسقطت ما في بطنها فزعا منه، فخرج الجنين ميتا، فعلى الحاكم الضمان، لما روي (1) من قصة المجهضة، وأين يكون على ما مضى، وقلنا إن ما أخطأت فيه الحكام فعلى بيت المال هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في مبسوطه (2). والذي يقتضيه أصول مذهبنا أن دية الجنين على عاقلة الإمام والحاكم، لأن هذا بعينه قتل الخطأ المحض، وهو أن يكون، غير عامد في قصده (3)، فكذلك هذا، لأنه لم يقصد الجنين بفعل، ولا قصد قتله، وإنما قصد شيئا آخر، وهي أمه، فإذا تقرر ذلك فالدية على عاقلته، والكفارة في ماله. والمسألة منصوصة لنا، قد وردت في أخبارنا، وفتوى أمير المؤمنين عليه السلام لعمر بن الخطاب، في قصة المجهضة، معلومة شايعة عندنا وعند المخالفين، قد أوردها شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان الحارثي رضي الله عنه في كتابه الارشاد، في قضايا أمير المؤمنين عليه السلام في إمرة عمر الخطاب، بحضور جماعة من الصحابة، فسألهم عمر عن ذلك، فأخطأوا وأمير المؤمنين جالس فقال له عمر، ما عندك في هذا يا أبا الحسن، فتنصل من الجواب، فعزم عليه، فقال له إن كان القوم قد قاربوك، فقد غشوك، وإن كانوا ارتاؤا، فقد قصروا، الدية، على عاقلتك، لأن قتل الصبي خطأ، تعلق بك فقال أنت والله نصحتني من بينهم، والله لا تبرح حتى تجري الدية على بني عدي، ففعل ذلك أمير المؤمنين عليه السلام (4) وإنما نظر (5) شيخنا ما ذكره المخالفون، فقد اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا. قال شيخنا أبو جعفر في كتاب الأشربة من الجزء السادس من مبسوطه، الختان

(1) الوسائل، الباب 30 من أبواب موجبات الضمان، ح 1، باختلاف في الألفاظ.
(2) المبسوط، ج 8، كتاب الأشربة، ص 64، وكلامه قدس سره فيه يتم على ما مضى.
(3) ج. غير عامد في فعله، غير عامد في قصده.
(4) الارشاد، قضايا أمير المؤمنين عليه السلام، ص 98، ط سنة 1377.
(5) ج. سطر، ل. ينظر.

[ 481 ]

فرض عند جماعة في حق الرجال والنساء، وقال قوم هو سنة يأثم بتركها، وقال بعضهم واجب وليس بفرض، وعندنا إنه واجب في الرجال، ومكرمة في النساء، فإذا ثبت إنه واجب، فالكلام في قدر الواجب منه، فالواجب في الرجال أن تقطع الجلدة التي تستر الحشفة، حتى تنكشف الحشفة، فلا يبقى منها ما كان مستورا، ويقال لمن لم يختن الأقلف والأغلف والأغرل والأرغل والأعرم، ويقال عذر الرجل فهو معذور وأعذر فهو معذر، وأما المرأة فيقال خفضت فهي مخفوضة والخافضة الخاتنة، والخفض الختان، فإذا ثبت هذا فيجب على الانسان أن يفعله بنفسه قبل (1) بلوغه إن لم يكن قد ختن، فإن لم يفعل أمره السلطان به فإن فعل، وإلا أجبره على فعله، وفعله السلطان، فإن فعل ذلك به فمات، فلا دية له، سواء كان الزمان معتدلا أو غير معتدل. وكذلك إن قطع في السرقة في شدة حر أو برد، وكذلك في حد الزنا، لأنه مات من قطع واجب، هذا آخر كلام شيخنا في مبسوطه (2). وكان مقصوده في إيراده في باب الأشربة، أنه إذا مات من الحد وفعل الواجب به، لا دية له بحال، والأغرل والأرغل بالغين المعجمة فيها جميعا، والراء غير المعجمة فيهما أيضا جميعا، وهو الأقلف الذي لم يختن، وهي القلفة والغرلة، وعذر الانسان وأعذر بالعين غير المعجمة، والذال المعجمة المكسورة، والراء غير المعجمة، بالثلاثي والرباعي، كل ذلك إذا ختن، ومنه العذار، وهي دعوة الختان، الدعوة بالفتح إلى الطعام، وبكسر الدال في النسب. وقال ابن بابويه في رسالته، ولا بأس أن يصلي في ثوب فيه خمر (3). قال محمد بن إدريس، هذا غير صحيح (4)، والصلاة غير جايزة فيه حتى يغسل الخمر منه. وقال أيضا ابن بابويه، فإن خاط خياط ثوبك وبل الخيط بريقه وهو شارب الخمر،

(1) ج. بعد بلوغه.
(2) المبسوط: ج 8، كتاب الأشربة، ص 67، والعبارة فيه هكذا، الأغلف والأعذر، والأرغل، والأغرم.
(3) رسالة ابن بابويه.
(4) ج. غير واضح.

[ 482 ]

فإن كان يشربها غبا، فلا بأس به، وإن كان مدمنا بشربها (1) كل يوم، فإن للفم وضرا، بالواو المفتوحة، الضاد المعجمة المفتوحة، والراء غير المعجمة وهو الدرن والدسم قال الشاعر: سيغني أبا الهندي عن وطب سالم * أباريق لم يعلق بها وضر الزبد فأما الأعرم فإنه بالعين والراء غير المعجمتين. جميع حدود الجلد بالسوط، حد الزنا، وحد القذف، وحد شارب الخمر. ولا يقام الحدود في المساجد. باب الحد في السرقة وما يتعلق بذلك ويلحق به من الأحكام قال الله تعالى " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " (2) وروي عن ابن مسعود، إنه كان يقرأ - فاقطعوا أيمانهما -. والقدر الذي يقطع به السارق عندنا ربع دينار، أو ما قيمته ربع دينار، من أي جنس كان، وجملته متى ما سرق ما قيمته ربع دينار، فعليه القطع سواء سرق ما هو محرز بنفسه، كالثياب والأثمان والحبوب اليابسة ونحوها، أو غير محرز بنفسه، وهو ما إذا ترك فسد، كالفواكه الرطبة بعد أخذها من الشجر، وإحرازها كلها من الثمار، والخضراوات كالقثاء والبطيخ، أو كان من الطبيخ كالهريسة وساير الطبايخ، أو كان لحما طريا أو مشويا الباب واحد، هذا عندنا وعند جماعة. وقال قوم من المخالفين، إنما يجب القطع فيما كان محرزا بنفسه فأما ما لم يكن محرزا بنفسه وهي الأشياء الرطبة والطبيخ، فلا قطع عليه بحال. وكل جنس يتمول في العادة، فيه القطع، سواء كان أصله الإباحة أو غير الإباحة، فما لم يكن على الإباحة، كالثياب والأثاث، وما أصله الإباحة من ذلك، الصيود على اختلافها، وكذلك الخشب كله الحطب وغيره، وكذلك الطين وجميع ما يعمل منه (3)، وكذلك كل ما يستخرج من المعادن، ووافقنا على هذا القول

(1) ج. ل. يشربها.
(2) سورة المائدة، الآية 38.
(3) ج. يعمل به.

[ 483 ]

الشافعي، وقال أبو حنيفة، ما لم يكن أصله الإباحة مثل قولنا، وما كان أصله الإباحة في دار الاسلام فلا قطع فيه، وقال لا قطع في الصيود كلها، والجوارح والخشب جميعه لا قطع فيه، إلا ما يعمل منه آنية، كالجفان والقصاع، والأبواب، فيكون في معموله القطع إلا الساج، فإن فيه القطع معموله أو غير معموله، لأنه ليس من دار الاسلام. فإذا ثبت ما قلناه، فلا قطع إلا على من سرق ربع دينار، أو ما قيمته ربع دينار، ويكون عاقلا، كاملا، ولا يكون والدا من ولده، ولا عبدا من سيده، ولا ضيفا من مضيفه، وأن يسرقه من حرز (1) على جهة الاستخفاء، لأن حقيقة السرقة أخذ الشئ على جهة الاستخفاء، والحرز هو ما يكون مقفلا عليه أو مغلقا، أو مدفونا، أو مراعى بعين صاحبه، أو من يجري مجرى صاحبه، على ما يذهب إليه شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه (2)، ومبسوطه (3). والذي يقتضيه أصول مذهبنا، إن الحرز ما كان مقفلا، أو مغلقا أو مدفونا، دون ما عدا ذلك، لأن الاجماع حاصل على ما قلناه، ومن اثبت ما عداه حرزا يحتاج إلى دليل، من كتاب، أو إجماع، أو سنة مقطوع بها. وكل موضع، كان حرزا لشئ من الأشياء، فهو حرز لجميع الأشياء. فإن سرق الانسان من غير حرز لم يجب عليه القطع، وإن زاد على المقدار المقدم ذكره، بل يجب عليه (4) التعزير. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: الحرز هو كل موضع لم يكن لغير المتصرف فيه الدخول إليه إلا بإذنه، أو يكون مقفلا عليه، أو مدفونا، فأما المواضع التي يطرقها الناس كلهم وليس يختص بواحد دون غيره، فليست حرزا، وذلك مثل الخانات والحمامات والمساجد والأرحية، وما أشبه ذلك من المواضع، فإن كان الشئ في

(1) ج. حرزه.
(2) الخلاف كتاب السرقة، مسألة 6.
(3) المبسوط، ج 8، كتاب السرقة، ص 22 - 24، والعبارة متخذة من كلامه في المبسوط وليست بعينه.
(4) ج. بل عليه التعزير.

[ 484 ]

أحد هذه المواضع مدفونا، أو مقفلا عليه، فسرقه انسان، كان عليه القطع، لأنه بالقفل وبالدفن، قد أحرزه إلى هاهنا كلامه رضي الله عنه (1). أما حده للحرز بما حده، فغير واضح لأنه قال - والحرز هو كل موضع لم يكن لغير المتصرف فيه الدخول إليه إلا بإذنه -، وهذا على إطلاقه غير مستقيم لأن دار الانسان إذا لم يكن عليها باب، أو يكون عليها باب ولم تكن مغلقة ولا مقفلة، ودخلها انسان وسرق منها شيئا، لا قطع عليه بلا خلاف، ولا خلاف أنه ليس لأحد الدخول إليها إلا بإذن مالكها، فلو كان الحد الذي قاله مستقيما لقطعنا من سرق (2) في هذه الدار، لأنه ليس لأحد دخولها إلا بإذن صاحبها فهي حرز على حده رضي الله عنه. فأما باقي ما أورده فصحيح، لا استدراك عليه فيه. وقوله والأرحية جمع رحى، لأن بعض الناس يصحفها الأرحبة جمع رحبة (3) وهو خطأ محض. وإذا نقب الانسان نقبا، ولم يخرج متاعا ولا مالا، وإن جمعه وكوره وحمله، لم يجب عليه قطع، إلا أن يخرجه، بل وجب تعزيره، وإنما يجب القطع إذا أخرجه من الحرز. فإذا أخرج المال من الحرز وجب عليه القطع، إلا أن يكون شريكا في المال الذي سرقه، أو له حظ في المال الذي سرقه، بمقدار ما أن طرح من المال المسروق، كان الباقي أقل من النصاب الذي يجب فيه القطع، فإن كان الباقي قد بلغ المقدار الذي يجب فيه القطع، كان عليه القطع على كل حال، إلا أن يدعي الشبهة في ذلك، وأنه حسب بمقدار حصته، فيسقط حينئذ أيضا القطع، لحصول الشبهة هاهنا لأنه قال عليه السلام ادرؤا الحدود بالشبهات (4) وهذه شبهة. وكذلك لو تنازع انسان وغيره، وقد خرج بالمتاع من داره، فقال له سرقت هذا

(1) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في السرقة.
(2) ج. ل. من هذه الدار.
(3) ج الأرحية جمع رحية.
(4) الوسائل، الباب 24، من أبواب مقدمات الحدود... ح 4.

[ 485 ]

مني، فقال له بل أنت أعطيتني إياه، لما وجب عليه القطع، للشبهة في ذلك فإن شهد عليه شاهدان بأنه فتح بابه، وأخرج المتاع من منزله، لأنه صار حدا متنازعا فيه، وكل حد متنازع فيه يسقط، للشبهة في ذلك. ومن سرق من مال الغنيمة قبل أن يقسم (1) مقدار ما يصيبه منها، لم يكن عليه قطع وكان عليه التأديب، لإقدامه على ما أخذه قبل قسمته. فإن سرق ما يزيد على نصيبه بمقدار ما يجب فيه القطع، وزايدا عليه، فقد ذهب بعض أصحابنا إلى وجوب القطع عليه، أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته (2). والذي يقتضيه أصول مذهبنا، إنه لا قطع عليه بحال إذا ادعى الاشتباه في ذلك، وإنه ظن أن نصيبه يبلغ ما أخذه، لأن الشبهة بلا خلاف حاصلة فيما قال وادعى، ولأن الأصل أن لا قطع، فمن ادعاه فقد ادعى حكما شرعيا يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، ولا دلالة ولا إجماع على هذا الموضع. وأيضا قول الرسول عليه السلام المجمع عليه ادرؤا الحدود بالشبهات وهذه شبهة بلا خلاف، وقد قلنا إنه إذا أخرج المال من الحرز، فأخذ، وادعى أن صاحب المال أعطاه إياه، درئ عنه القطع، وكان على من ادعى عليه السرقة البينة بأنه سارق. ومتى سرق من ليس بكامل العقل، بأن يكون مجنونا أو صبيا لم يبلغ، وإن ثقب وفتح وكسر القفل، لم يكن عليه القطع. وقد روي أنه إن كان صبيا عفي عنه أول مرة، فإن عاد أدب، فإن عاد ثالثة حكت أصابعه، حتى تدمى، فإن عاد رابعة قطعت أنامله، فإن عاد بعد ذلك، قطع أسفل من ذلك، كما يقطع الرجل سواء (3). ويثبت وجوب القطع بقيام البينة على السارق، وهي شهادة نفسين عدلين، يشهدان عليه بالسرقة، فإن لم يقم بينة، وأقر السارق على نفسه مرتين بالسرقة، كان عليه أيضا القطع، اللهم إلا أن يكون عبدا، فإنه لا يقبل إقراره على نفسه بالسرقة،

(1) ج. ل. بمقدار.
(2) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في السرقة، باختلاف يسير مع المتن.
(3) الوسائل، الباب 28، من أبواب حد السرقة، ح 1 - 2 - 4 - 7 - 15 - 16.

[ 486 ]

ولا بالقتل، لأن إقراره على نفسه إقرار على مال لغير ليتلفه، والانسان لا يقبل إقراره في مال غيره، فإن قامت على البينة بالسرقة، قطع كما يقطع الحر سواء. فأما حكم الذمي فحكم المسلم سواء إذا كان حرا في وجوب القطع عليه، إذا ثبت أنه سارق، أما بالبينة أو إقراره. وحكم المرأة في جميع ذلك حكم الرجل سواء، في وجوب القطع عليها، إذا سرقت. فأما إذا شهد شاهد واحد بالسرقة، فلا يجب القطع، بل يجب رد المال إذا حلف الخصم مع شاهده، لأن بالشاهد الواحد ويمين المدعي يثبت المال عندنا، أو المقصود منه المال. وهكذا الحكم إذا أقر مرة واحدة. ويقطع الرجل إذا سرق من مال والديه، ولا يقطع إذا سرق من مال ولده. فأما إذا سرقت الأم من مال ولدها، قطعت على كل حال، لأن الوالد له شبهة في ذلك، وهي لا شبهة لها بحال، فهذا الفرق بينهما ممكن مع ورود الشرع به، والاجماع منعقد عليه. ويقطع الرجل إذا سرق من مال امرأته، إذا كانت قد أحرزته دونه، وكذلك تقطع المرأة إذا سرقت من مال زوجها، إذا كان قد أحرزه دونها. ولا يقطع العبد إذا سرق من مال مولاه على ما قدمناه. وإذا سرق عبد الغنيمة من المغنم، فلا قطع عليه أيضا. وروي أن الأجير إذا سرق من مال المستأجر، لم يكن عليه قطع، وكذلك الضيف إذا سرق من مال مضيفه، لا يجب عليه قطع، على ما رواه (1) أصحابنا. يقال ضفت فلانا إذا ملت إليه ونزلت به، وأضفته فأنا أضيفه، إذا أملته إليك، وأنزلته عليك. ويمكن حمل الرواية في الضيف والأجير على أنهما لا قطع عليهما إذا لم يحرزه

(1) الوسائل، الباب 14، من أبواب حد السرقة.

[ 487 ]

صاحبه من دونهما، وأدخلهما حرزه، وفتح لهما بابه، ثم سرقا، فلا قطع عليهما، لأنهما دخلا بإذنه وسرقا من غير حرز، فأما ما قد أحرزه دونهما، فنقباه وسرقاه، أو فتحاه وسرقاه، أو كسراه وسرقاه، فعليهما القطع، لدخولهما تحت عموم قوله تعالى " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " (1) وهما إذ ذاك سارقان لغة وشرعا فأعطينا ظاهر الرواية حقها، فمن أسقط الحد عنهما فيما صورناه، فقد أسقط حدا من حدود الله تعالى بغير دليل من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، فأما الاجماع على ظاهر الرواية، فقد وفينا الظاهر حقه. فإن قيل فأي فرق على تحريركم وقولكم بين الضيف وغيره. قلنا غير الضيف لو سرق من الموضع الذي إذا سرقه الضيف الذي لم توجب على الضيف بسرقته القطع، قطعناه، لأنه غير مأذون له في دخول الحرز الذي دخله، والضيف مأذون له في دخوله إليه فلا قطع عليه، فافترق الأمران. وشيخنا أبو جعفر في نهايته (2)، قال لا قطع على الضيف، وأطلق الكلام، ولم يقيده وقال في مسائل خلافه مسألة: إذا سرق الضيف من بيت مقفل أو مغلق، وجب قطعه، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة، لا قطع عليه، دليلنا الآية والخبر، ولم يفصلا، هذا آخر المسألة (3). وقال في مبسوطه: فإن نزل برجل ضيف، فسرق الضيف شيئا من مال صاحب المنزل، فإن كان من البيت الذي نزل فيه، فلا قطع، فإن كان من بيت غيره من دون غلق وقفل ونحو ذلك، فعليه القطع، وقال قوم لا قطع على هذا الضيف، وروى (4) أصحابنا أنه لا قطع على الضيف، ولم يفصلوا، وينبغي أن يفصل مثل الأول، فإن أضاف هذا الضيف ضيفا آخر بغير إذن صاحب الدار، فسرق الثاني، كان عليه القطع على كل حال، ولم يذكر هذه أحد من الفقهاء، هذا

(1) سورة المائدة، الآية 38.
(2) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في السرقة.
(3) لم نتحقق هذه المسألة في كتاب الخلاف.
(4) الوسائل: الباب 14، ح 4 - 5 والباب 17 من أبواب حد السرقة، ح 1.

[ 488 ]

آخر كلامه (1) رحمه الله ونعم ما قال وحقق. قال محمد بن إدريس والذي ينبغي تحصيله في هذه المسألة ويجب الاعتماد عليه، هو أن الضيف لا قطع عليه، سواء سرق من حرز أو غير حرز، من غير تفصيل، لإجماع أصحابنا المنعقد من غير خلاف بينهم، ولا تفصيل من أحد منهم، وأخبارهم (2) المتواترة العامة، في أن الضيف لا قطع عليه إذا سرق من مال مضيفه، فمن خصصها بأنه إذا سرق من غير حرز يحتاج إلى دليل. وأيضا فلا معنى إذا أراد ذلك، لإجماعهم ولا لعموم أخبارهم، لأن غير الضيف في ذلك الحكم مثل الضيف سواء، فلا معنى لقولهم عليهم السلام واستثنائهم وتخصيصهم أنه لا قطع على الضيف، لأن غيره ممن ليس بضيف إذا سرق من غير حرز لا قطع عليه. ولم يذهب إلى تفصيل ذلك سوى شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (3)، ومسائل (4) خلافه، وهو موافق لباقي أصحابنا في نهايته (5). فأما الضيفن الذي هو ضيف الضيف، إذا سرق من حرز في الدار، فإنه يقطع بخلاف الضيف، على ما رواه (6) أصحابنا، وأجمعوا عليه، فبان الفرق بين الأمرين وظهر، وإلا فلا فرق بينهما على ما حكيناه عن شيخنا أبي جعفر فليلحظ ذلك، ففيه لبس وغموض، والله الموفق للصواب. فأما الأجير فإنه يقطع. ومن أوجب (7) عليه القطع، فإنه تقطع يده اليمنى من أصول الأصابع الأربع، ويترك له الراحة والابهام. فإن سرق بعد قطع يده من حرز، المقدار الذي قدمنا ذكره، قطعت رجله

(1) المبسوط، ج 7، كتاب السرقة، ص 33.
(2) الوسائل، الباب 17، ح 1 والباب 14، من أبواب حد السرقة، ح 5 - 4.
(3) المبسوط، ج 8، كتاب السرقة، ص 33.
(4) لم نتحققه في كتاب الخلاف.
(5) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في السرقة.
(6) الوسائل، الباب 17 من أبواب حد السرقة، ح 1 - 2.
(7) ج. وجب.

[ 489 ]

اليسرى من مفصل المشط، ما بين قبة القدم وأصل الساق، ويترك بعض القدم الذي هو العقب (1) يعتمد عليها في الصلاة، وهذا إجماع أهل البيت عليهم السلام منعقد عليه. فإن اعترض بقوله تعالى " فاقطعوا أيديهما ". قلنا الأصابع تسمى يدا، لقوله تعالى " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم " (2) ولا خلاف أن الكاتب ما يكتب إلا بأصابعه، فقد وفينا الظاهر حقه، وما زاد عليه يحتاج إلى دليل، لأنه مبقى (3) على ما في العقل من حظر ذلك، لأنه إدخال ضرر وتألم بالحيوان لا يجوز عقلا ولا سمعا إلا بدليل قاطع للعذر. فإن سرق بعد ذلك، خلد السجن. فإن سرق في الحبس من حرز القدر الذي ذكرناه، قتل عندنا بلا خلاف. ومن وجب عليه قطع اليمين وكانت شلاء، قطعت ولا يقطع يساره. وكذلك من وجب عليه قطع رجله اليسرى، وكانت كذلك شلاء، قطعت ولا تقطع رجله اليمنى بحال، لأن على من نقل القطع من عضو إلى عضو الدليل، والأصل براءة الذمة. وروي أن من سرق وليس له اليمنى، كانت قطعت في قصاص أو غير ذلك وكانت له اليسرى، قطعت اليسرى، فإن لم تكن له أيضا اليسرى، قطعت رجله اليمنى، فإن لم تكن له رجل لم يكن عليه أكثر من الحبس على ما بيناه، أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته (4). وقال رحمه الله في المسائل الحلبية، في المسألة الخامسة، المقطوع اليدين والرجلين، إذا سرق ما يوجب القطع، وجب أن نقول الإمام مخير في تأديبه وتعزيره، أي نوع أراد، فعل، لأنه لا دليل على شئ بعينه، وإن قلنا يجب أن يحبس أبدا، لأن القطع لا يمكن هاهنا ولا يمكن غير ما ذكرناه، وتركه مخالفة (5) إسقاط الحدود،

(1) ل. الكعب.
(2) سورة البقرة، الآية 79.
(3) ج. مبتقى، ل. منفى.
(4) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في السرقة.
(5) ج. وإسقاط.

[ 490 ]

كان قويا، هذا آخر المسألة (1). قال محمد بن إدريس، الأقوى عندي إن من ذكر حاله، لا يجوز حبسه أبدا إذا سرق أول دفعة، بل يجب تعزيره، لأن الحبس هو حد من سرق في الثالثة بعد تقدم دفعتين قد أقيم عليه الحد فيهما، فكيف يفعل به ما يفعل في حد الدفعة الثالثة في حد الدفعة الأولى. وإذا قطع السارق وجب عليه مع ذلك رد السرقة بعينها، إن كانت العين باقية، وإن كان أهلكها أو استهلكت، وجب عليه أن يغرمها، أما بالمثل إن كان لها مثل، أو بالقيمة إن لم يكن لها مثل، فإن كان قد تصرف فيها بما نقص من ثمنها، وجب عليه أرشها، فإن لم يكن معه شئ، كانت في ذمته يتبع بذلك، إذا أيسر. ولا يجب القطع، ولا رد السرقة على من أقر على نفسه تحت ضرب أو خوف، وإنما يجب ذلك إذا قامت البينة، أو أقر مختارا، فإن أقر تحت الضرب بالسرقة، وردها بعينها، وجب أيضا القطع على ما روي (2) وذكره شيخنا أبو جعفر في نهايته (3). والذي يقوى عندي، أنه لا يجب عليه القطع، لأنا قد بينا أن من أقر تحت ضرب، لا يعتد بإقراره في وجوب القطع، وإنما بينة القطع شهادة عدلين، أو إقرار السارق مرتين مختارا، وهذا ليس كذلك، والأصل أن لا قطع، وإدخال الألم على الحيوان قبيح، إلا ما قام عليه دليل. ومن أقر بالسرقة مختارا، ثم رجع عن ذلك، قطع وألزم السرقة، ولم ينفعه رجوعه إذا كان إقراره بذلك مرتين، فإن كان إقراره مرة واحدة، ألزم السرقة، ولا يجب عليه القطع، لأن المال يثبت بإقراره دفعة واحدة، والقطع بإقرار مرتين، فليلحظ ذلك. وقال شيخنا في نهايته: ومن أقر بالسرقة مختارا، ثم رجع عن ذلك، ألزم السرقة،

(1) لم تتوفر لدينا هذه المسائل.
(2) الوسائل، الباب 7 من أبواب حد السرقة، ح 1.
(3) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في السرقة.

[ 491 ]

وسقط عنه القطع (1). وهذا غير واضح، لأنه لا دليل عليه من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، بل مخالف لكتاب الله تعالى وتعطيل (2) لحدوده، ولا يرجع في مثل ذلك إلى خبر شاذ، إن كان قد ورد. ومن تاب من السرقة قبل قيام البينة عليه، ثم قامت عليه البينة، سقط عنه القطع، ووجب عليه رد السرقة، فإن تاب بعد قيام البينة عليه، لم يجز للحاكم العفو عنه بحال فإن كان قد أقر على نفسه مرتين عند الحاكم، ثم تاب بعد الاقرار، وجب عليه القطع، ولم يجز للإمام والحاكم العفو عنه بحال، لأنه تعطيل لحدود الله تعالى، وخلاف لكتابه وأوامره سبحانه. وحمل ذلك على الاقرار بالزنا الموجب للرجم قياس، والقياس عندنا باطل، لا نقول به. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: فإن كان قد أقر على نفسه، ثم تاب بعد الاقرار، جاز للإمام العفو عنه، وإقامة الحد عليه، حسب ما يراه، أردع في الحال، فأما رد السرقة فإنه يجب عليه على كل حال (3). وكذا قال في مسائل خلافه (4). إلا أنه رجع عن ذلك جميعه في مبسوطه، فقال إذا ادعى على رجل أنه سرق منه نصابا من حرز مثله (5)، وذكر النصاب، لم يخل من أحد أمرين، إما أن يعترف أو ينكر، فإن اعترف المدعى عليه بذلك مرتين عندنا، ثبت إقراره، وقطع، وعند قوم لو أقر مرة ثبت وقطع، ومتى رجع عن اعترافه سقط برجوع عندهم، إلا ابن أبي ليلى، فإنه قال لا يسقط برجوعه، وهو الذي يقتضيه، مذهبنا، وحمله على الزنا قياس لا نقول به، هذا آخر كلامه رحمه الله في مبسوطه (6).

(1) و (3) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في السرقة.
(2) ج. معطل.
(4) الخلاف، كتاب السرقة، المسألة 41.
(5) ل. مقفلة.
(6) المبسوط، ج 8، كتاب السرقة، ص 40.

[ 492 ]

وهو الصحيح الذي لا يجوز العدول عنه، لأن فيه الحجة، وإنما شيخنا يورد في نهايته أخبار آحاد إيرادا لا اعتقادا على ما كررنا القول في ذلك، واعتذرنا له فيما يورده في نهايته، فإذا حقق النظر تركها وراء ظهره، وأفتى بما تقتضيه الأدلة وأصول المذهب على ما قاله هاهنا، أعني مبسوطه. فإن سرق انسان شيئا من كم غيره، أو جيبه، وكانا باطنين، وجب عليه القطع، على ما رواه (1) أصحابنا، فإن كان ظاهرين، لم يجب عليه القطع، وكان عليه التأديب والعقوبة، بما يردعه عن مواقعة مثله في مستقبل الأوقات. ومن سرق حيوانا يجوز تملكه، ويكون قيمته ربع دينار فصاعدا، وجب عليه القطع، كما يجب في ساير الأموال على ما قدمناه. إذا سرق نفسان فصاعدا ربع دينار، أو ما قيمته ربع دينار، سواء كان من الأشياء الخفيفة أو الثقيلة، لا يجب عليهم القطع على الأظهر من أقوال أصحابنا، لأنه قد نقص عن مقدار ما يجب فيه القطع في حق كل واحد منهم، فأما إن انفرد كل واحد منهم ببعضه، لم يجب عليهم القطع بلا خلاف عندنا هاهنا، لأنه قد نقص عن مقدار ما يجب فيه القطع، وكان عليهم التعزير. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا سرق نفسان فصاعدا ما قيمته ربع دينار، وجب عليهما القطع (2). إلا أنه رجع عن ذلك في مسائل خلافه، فقال مسألة إذا نقب ثلاثة، ودخلوا وأخرجوا بأجمعهم، فبلغ نصيب كل واحد منهم نصابا، قطعناهم بلا خلاف، وإن كان أقل من نصاب، فلا قطع، سواء كانت السرقة ثقيلة أو خفيفة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي، وقال مالك: إن كانت السرقة ثقيلة فبلغت قيمة نصاب، قطعناهم كلهم، وإن كانت خفيفة، ففيه روايتان، إحديهما كقولنا، والثانية كقوله في الثقيلة، وروى أصحابنا، أنه إذا بلغت السرقة نصابا، وأخرجوها

(1) الوسائل، الباب 13، من أبواب حد السرقة، ح 2.
(2) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في السرقة.

[ 493 ]

بأجمعهم، وجب عليهم القطع، ولم يفصلوا، والأول أحوط، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا فما اعتبرناه مجمع على وجوب القطع به، وما ذكروه ليس عليه دليل، والأصل براءة الذمة (1). وهكذا أيضا قوله في مبسوطه، إلا أنه قال بعد أن قال بما قاله في مسائل خلافه، وقال قوم من أصحابنا، إذا اشترك جماعة في سرقة نصاب، قطعوا كلهم (2). يريد بذلك السيد المرتضى، فإنه يذهب في انتصاره (3) إلى ما ذهب شيخنا في نهايته. والأظهر ما اخترناه، لأن هذا حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، والاجماع حاصل منعقد على أنه إذا بلغ نصيب كل واحد منهم مقدار ما يجب فيه القطع قطعوا، وليس كذلك إذا نقص، فإن فيه خلافا، والأصل براءة الذمة، وترك إدخال الألم على الحيوان. ومن سرق شيئا من الثمار والفواكه، وهي بعد في الشجر، لم تؤخذ من أغصانها وأعذاقها، لم يكن عليه قطع، بل يؤدب تأديبا، ويحل له ما يأكل منها، ولا يحمله معه على حال على ما قدمناه (4) في كتابنا هذا. فأما إذا سرق شيئا منها بمقدار ما يجب فيه القطع بعد أخذها من الشجر، ويكون في حرز، وجب عليه القطع كما يجب في ساير الأموال. وإذا تاب السارق، فليرد السرقة على صاحبها، فإن كان قد مات فليردها على ورثته، فإن لم يكن له وارث، ولا مولى نعمة، ولا ضامن جريرة، فليردها على إمام المسلمين، لأنها مال من أمواله، وداخلة في ميراث من لا وارث له، فهو له عليه السلام فإذا فعل ذلك فقد برئت ذمته. وإذا سرق السارق ولم يقدر عليه، ثم سرق مرة ثانية، فأخذ، وجب عليه القطع

(1) الخلاف، كتاب السرقة، مسألة 8.
(2) المبسوط، ج 8 كتاب السرقة، ص 28 - 29.
(3) الانتصار، كتاب الحدود.
(4) في ص 483.

[ 494 ]

بالسرقة الأخيرة، ويطالب بالسرقتين معا، لأن حدود الله تعالى إذا توالت تداخلت على ما قدمناه (1)، لأنها مبنية على التخفيف. وكذلك إذا شهد الشهود على سارق بالسرقة دفعتين، لم يكن عليه أكثر من قطع اليد، فإن شهدوا عليه بالسرقة الأولى، وأمسكوا حتى يقطع، ثم شهدوا عليه بالسرقة الأخيرة، وجب عليه قطع رجله بالسرقة الأخيرة، على ما بيناه، هذا عند بعض أصحابنا برواية رويت (2) أوردها شيخنا أبو جعفر في نهايته (3)، وقواها في مسائل خلافة (4)، وضعفها. إلا أنه رجع عن ذلك كله في مبسوطه، فقال إذا تكررت منه السرقة فسرق مرارا من واحد أو من جماعة، ولم يقطع، فالقطع مرة واحدة، لأنه حد من حدود الله، فإذا ترادفت تداخلت، كحد الزنا وشرب الخمر، فإذا ثبت أن القطع واحد، فإن اجتمع المسروق منهم وطالبوه بأجمعهم، قطعناه وغرم لهم، وإن سبق واحد منهم فطالب بما سرق منه وكان نصابا غرم وقطع، ثم كل من كان بعده من القوم فطالب بما سرق منه غرمناه، ولم نقطعه، لأنا قد قطعناه بالسرقة، فلا يقطع قبل أن يسرق مرة أخرى، هذا آخر كلامه في المبسوطة (5). وهو الذي يقوى في نفسي، وأعمل عليه، لأن الأصل براءة الذمة، ولقوله تعالى " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " (6) وقد قطعنا وامتثلنا المأمور به، وتكراره يحتاج إلى دليل، ولم يسرق بعد قطعنا له دفعة ثانية حتى نقطعه بسرقة الثانية، فيتكرر المأمور بتكرر سببه، ولا يلتفت في مثل هذا إلى رواية وأخبار آحاد، لا توجب علما ولا عملا. وشيخنا قال في مسائل خلافه عندها قال المخالف (7) لا يقطع قال: وهذا قوي، غير أن الرواية ما قلناه (8)، فجعلها رواية لا دراية.

(1) في ص 473.
(2) الوسائل، الباب 9، من أبواب حد السرقة، ح 1.
(3) النهاية، كتاب الحدود، باب حد السرقة.
(4) الخلاف، كتاب السرقة، مسألة 36.
(5) المبسوط، ج 8، كتاب السرقة، ص 38.
(6) سورة المائدة، الآية 38.
(7) ج. عندما قال.
(8) الخلاف، كتاب السرقة، مسألة 36.

[ 495 ]

وروى أصحابنا عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام، أنه قال: لا قطع على من سرق شيئا من المأكول في عام مجاعة (1). الحقوق على ثلاثة أضرب، حق الله محض، وحق للآدمي محض، وحق الله ويتعلق بحق للآدميين (2). فأما حقوق الله المحضة، فكحد الزنا والشرب، فإنه يقيمه الإمام من غير مطالبة آدمي. وأما حقوق الآدميين المحضة المختصة بهم، فلا يطالب بها الإمام إلا بعد مطالبتهم إياه باستيفائها. فأما الحق الذي لله ويتعلق به حق الآدمي، فلا يطالب به أيضا ولا يستوفيه إلا بعد المطالبة من الآدمي، وهو حد السارق، فمتى لم يرفعه إليه ويطالب بماله، لا يجوز للحاكم إقامة الحد عليه بالقطع. فعلى هذا التحرير، إذا قامت عليه البينة بأنه سرق نصابا من حرز لغائب، وليس للغائب وكيل يطالب بذلك، لم يقطع حتى يحضر الغائب ويطالب، فأما إن قامت عليه البينة، أو أقر بأنه قد زنى بأمة غائب، فإن الحاكم يقيم الحد عليه، ولا ينتظر مطالبة آدمي لأن الحق لله تعالى محضا. ولهذا قال شيخنا في مسائل الخلاف مسألة: إذا سرق عينا يجب فيها القطع فلم يقطع حتى ملك السرقة بهبة، أو شراء، لم يسقط القطع عنه، سواء ملكها بعد أن ترافعا إلى الحاكم أو قبله، بل إن ملكها قبل الترافع، لم يقطع، لا أن القطع سقط، لكن لأنه لا مطالب له بها، ولا قطع بغير مطالبة بالسرقة، فهذا آخر كلامه رحمه الله (3) ونعم ما قال: قد قلنا إنه لا قطع إلا على من سرق من حرز، فيحتاج إلى شرطين، السرقة والحرز، فإن سرق من غير حرز فلا قطع وإن انتهب من حرز فلا قطع أيضا، وكذلك

(1) الوسائل، الباب 25 من أبواب حد السرقة.
(2) ج. ويتعلق به حق الآدميين.
(3) الخلاف، كتاب السرقة، مسألة 17.

[ 496 ]

إن خان في وديعة عنده، لأن الخاين غير السارق لغة وشرعا، لأن الخاين من خان انسانا في وديعته عنده، والسارق آخذ الشئ على جهة الاستخفاء من حرزه. ولا قطع أيضا على الغاصب، لأن الغاصب غير الخائن وغير السارق، وهو الذي يأخذ الشئ قهرا وجهرا، ولا على المختلس، لما رواه جابر، أن النبي صلى الله عليه وآله قال ليس على المنتهب ولا على المختلس ولا على الخائن قطع (1) الإبل إذا كانت مقطرة، وكان سائقا لها، فهي في حرز بشرط المراعاة لها، بلا خلاف، وإن كان قائدا لها فلا تكون في حرز، إلا التي زمامها في يده، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في مبسوطه (2). وقد قلنا ما عندنا في ذلك، من أن هذا مختلس ولا قطع على المختلس، ولقوله عليه السلام لما سئل عن حريسة الجبل، قال ليس في الماشية قطع إلا أن يؤديها المراح (3). قال محمد بن إدريس رحمه الله، حريسة الجبل بالجيم لا بالخاء المعجمة، وقال أبو عبيد (4)، ليس فيما يسرق من الماشية بالجبل قطع، حتى يؤديها المراح، والتفسير الآخر أن يكون الحريسة هي المحروسة، فيقول ليس فيما يحرس بالجبل قطع، لأنه ليس بموضع حرز وإن حرس، والإبل لا قطع فيها، سواء كانت مقطرة أو غير مقطرة، راعاه بعينه وساقها، أو غير ذلك، إلا أن تكون في حرز.

(1) سنن أبي داود، الباب 13، من كتاب الحدود، الحديث 1 و 2 و 3 (الرقم 3 - 4391، ج 4، ص 138) الترمذي، الباب 18، من كتاب الحدود (ج 4، ص 52، الرقم 1448). النسائي: باب ما لا قطع فيه من كتاب السارق، ج 8، ص 88، 89.
(2) المبسوط، ج 8 كتاب السرقة، ص 45 هذا خلاف ما ذكره عنه، والعبارة هكذا، وإن كان يسوق قطارا من الإبل أو يقودها ويكثر الالتفات إليها فكلها في حرز... بل هو مذكور في خلافه كتاب السرقة المسألة 7.
(3) النسائي، كتاب قطع السارق، الثمر يسرق بعد أن يؤديه الجرين، الحديث 2، ج 8 ص 86. وروى نحوه في الموطأ، الباب 7 من كتاب الحدود، ج 2، ص 831.
(4) ج. أبو عبيدة.

[ 497 ]

وما قاله يقطع إذا ساقها وراعا بلا خلاف، فهو قول المخالفين. إذا نقب ثلاثة، ودخلوا وأخرجوا بأجمعهم متاعا، فبلغ نصيب كل واحد منهم نصابا قطعناهم بلا خلاف، وإن كان أقل من نصاب فلا قطع على ما قدمناه (1). فإذا ثبت ذلك ونقب الثلاثة وكوروا المتاع، وأخرج واحد منهم دون الباقين، فالقطع على من أخرج المتاع دون من لم يخرج. فإن نقب اثنان معا، فدخل أحدهما فأخذ نصابا وأخرجه بيده إلى رفيقه، ولم يخرج هو من الحرز، أو رمى به من داخل، فأخذه رفيقه من خارج، أو أخرج يده إلى خارج الحرز والسرقة فيها، ثم رده (2) إلى حرز فالقطع في هذه المسائل الثلاث على الداخل دون الخارج. فإن نقبا معا ودخل أحدهما فقرب المتاع إلى باب النقب من داخل، فأدخل الخارج يده فأخذه من جوف الحرز، فعليه القطع دون الداخل. قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، وقلده ابن البراج في جواهر فقهه، إذا نقبا معا ودخل أحدهما فوضع السرقة في بعض النقب، فأخذها الخارج، قال قوم لا قطع على واحد منهما، وقال آخرون عليهما القطع، لأنهما اشتركا في النقب، والاخراج معا، فكانا كالواحد المنفرد بذلك، بدليل إنهما لو نقبا معا ودخلا وأخرجا معا، كان عليهما الحد كالواحد، ولأنا لو قلنا إن لا قطع، كان ذريعة إلى سقوط القطع بالسرقة، لأنه لا يشاء شيئا (3) إلا شارك غيره فسرقا هكذا، ولا قطع، والأول أصح لأن كل واحد منهما لم يخرجه من كمال الحرز، فهو كما لو وضعه الداخل في بعض النقب، فاجتاز مجتاز فأخذه من النقب، فإنه لا قطع على واحد منهما، هذا آخر كلام شيخنا في مبسوطه (4). قال محمد بن إدريس رحمه الله مصنف هذا الكتاب، الذي يقتضيه أصول مذهبنا أن القطع على الآخذ الخارج، لأنه نقب وهتك الحرز وأخرج المال منه، ولقوله

(1) ص 492 و 493.
(2) ج. ردها.
(3) ل. لا انسان إلا شارك.
(4) المبسوط، ج 8، كتاب السرقة، ص 26 - 27.

[ 498 ]

تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، وهذا سارق، فمن أسقط القطع عنه، فقد أسقط حدا من حدود الله تعالى بغير دليل بل بالقياس والاستحسان، وهذا من تخريجات المخالفين وقياساتهم على المجتاز. وأيضا فلو كنا عاملين بالقياس ما ألزمنا هذا، لأن المجتاز ما هتك حرزا ولا نقب، فكيف يقاس الناقب عليه. وأيضا فلا يخلو الداخل من أنه أخرج المال من الحرز، أو لم يخرجه، فإن كان أخرجه فيجب عليه القطع، ولا أحد يقول بذلك، فما بقي إلا أنه لم يخرجه من الحرز، وأخرجه الخارج من الحرز الهاتك له، فيجب عليه القطع، لأنه نقب وأخرج المال من الحرز، ولا ينبغي أن تعطل الحدود بحسن العبارات وتزويقاتها وثقلها وتوريقاتها، وهو قولهم ما أخرجه من كمال الحرز أي شئ هذه المغلطة (1)، بل الحق أن يقال أخرجه من الحرز أو من غير الحرز، لا عبارة عند التحقيق سوى ذلك، وما لنا حاجة إلى المغالطات بعبارات كمال الحرز. فإن نقب انسان وحده، ودخل فأخرج ثمن دينار، ثم عاد من ليلته أو من الليلة الثانية، فأخرج ثمن دينار، فكمل النصاب، فإنه يجب عليه القطع. ولو قلنا إنه لا قطع عليه لكان قويا، لأنه ما أخرج من الحرز في دفعة واحدة ربع دينار، ولا قطع على من سرق أقل منه. ودليل الأول أن النبي عليه السلام قال من سرق ربع دينار فعليه القطع، ولم يفصل، وقوله تعالى " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " وهذا سارق لغة وشرعا، وبهذا أفتي وعليه أعمل. فإن نقب ودخل الحرز فذبح شاة، فعليه ما بين قيمتها حية ومذبوحة، فإن أخرجها بعد الذبح، فإن كانت قيمتها نصابا، يجب فيه القطع، فعليه القطع، وإن كانت أقل من نصاب فلا قطع عليه. فإن نقب ودخل الحرز، وأخذ ثوبا فشقه، فعليه ما نقص بالخرق، فإن أخرجه،

(1) ج. ل. المغالطة.

[ 499 ]

فإن بلغت قيمته نصابا، فعليه القطع، وإلا فلا قطع عليه. إذا سرق ما قيمته نصاب، فلم يقطع حتى نقصت قيمته لنقصان السوق، فصارت القيمة أقل من نصاب، فعليه القطع. إذا سرق عبدا صغيرا لا يعقل، إنه لا ينبغي أن يقبل إلا من سيده، وجب عليه القطع، فإن سرق حرا صغيرا، فلا قطع عليه من حيث السرقة، لأن السارق هو من يسرق مالا مملوكا قيمته ربع دينار، والحر لا قيمة له، وإنما يجب عليه القطع لأنه من المفسدين في الأرض، على ما روي (1) في أخبارنا لا على أنه سارق. إذا سرق ما فيه القطع من المملوكات مع ما لا يجب فيه القطع، وجب قطعه إذا كان المال قدر ربع دينار عندنا. ومن سرق من ستارة الكعبة ما قيمته ربع دينار، وجب قطعه، دليلنا الآية والخبر الذي رواه أصحابنا، إن القائم عليه السلام إذا قام قطع أيدي بني شيبة، وعلق أيديهم على البيت، ونادى مناديه هؤلاء سراق الله (2)، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر الطوسي (3). والذي ينبغي تحصيله في ذلك، أن الأصل براءة الذمة، وليس الستارة في حرز والآية فمخصوصة بلا خلاف، والخبر ليس فيه ما يقتضي إن القائم عليه السلام يقطعهم على أنهم سرقوا ستارة الكعبة، بل لا يمتنع إنهم سرقوا من مال الكعبة الذي هو محرز تحت قفل وغلق، أو يقطعهم لأمر آخر وسرقة أخرى من مال الله تعالى. وعلى هذا التحرير لا قطع على من سرق بواري المسجد إذا لم تكن محرزة بغلق أو قفل وقد ذهب شيخنا أبو جعفر، إلى أن من سرقها يجب عليه القطع (4).

(1) الوسائل، الباب 20، من أبواب حد السرقة، والباب 28 من أبواب حد الزنا، ح 1 - 2، وفي الوسائل، ذكر الشيخ إن قطع اليد هنا ليس للسرقة لأنها مخصوصة بما يملك والحر لا يصح تملكه، بل إنما وجب القطع من حيث كان مفسدا في الأرض والإمام مخير فيه.
(2) الوسائل، الباب 22، من أبواب مقدمات الطواف، ح 3 - 9 - 13.
(3) في المبسوط، ج 8، كتاب السرقة، ص 33، وفي الخلاف كتاب السرقة، المسألة 22.
(4) الخلاف، كتاب السرقة المسألة 28.

[ 500 ]

وهذه جميعها تخريجات المخالفين وفروعهم، وليس لأصحابنا في ذلك نص ولا إجماع، والأصل براءة الذمة، وحقن الدماء. إذا استعار انسان بيتا من آخر وجعل متاعه فيه، ثم إن المعير نقب البيت وسرق المتاع، وجب قطعه. إذا اكترى دارا وجعل متاعه فيها، فنقب المكري وسرق المتاع، فعليه القطع. إذا نقب المراح بفتح الميم فحلب من الغنم ما قيمته ربع دينار، فأخرجه، وجب قطعه. إذا سرق شيئا موقوفا مثل دفتر أو ثوب أو ما أشبههما وكان نصابا من حرز، وجب عليه القطع، لقوله تعالى " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " ولأن الوقف ينتقل إلى ملك الموقوف عليه، لأنه يضمن بالغصب. وكل عين قطع السارق بها مرة فإنه إذا سرقها مرة ثانية، قطعناه، حتى لو تكرر ذلك منه أربع مرات، قتلناه في الرابعة. قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه مسألة إذا قامت عليه البينة بأنه سرق نصابا من حرز لغائب، وليس للغائب وكيل يطالب بذلك، لم يقطع حتى يحضر الغائب، وكذلك إن قامت عليه البينة بأنه زنى بأمة غائب، لم يقم عليه الحد حتى يحضر الغائب، وإن أقر بالسرقة أو بالزنا أقيم عليه الحد فيهما (1). قال محمد بن إدريس أما قوله رحمه الله في القطع، فصحيح، لأنه لا مطالب له، وقد قلنا إن القطع لا يجب إلا بعد المطالبة من المسروق منه، وهاهنا لا مطالب له، فلأجل ذلك لم يقطع لأنه حق من حقوق الآدميين، فلا يقام إلا بعد مطالبتهم به على ما قدمناه، فأما إقامة حد الزنا فلا وجه لتركه بحال، لأنه حق لله محض، إلا أن يدعي الزاني بالأمة المذكورة إن مولاها أباحه نكاحها، فيصير شبهة، فلا يقام لأجل ذلك، لا لأجل غيبة سيدها، بل لقوله عليه السلام، ادرؤا الحدود بالشبهات (2).

(1) الخلاف، كتاب السرقة، المسألة 42.
(2) الوسائل، الباب 24، من أبواب مقدمات الحدود، ح 4.

[ 501 ]

فأما قوله رحمه الله فإن أقر بالسرقة أو الزنا أقيم عليه الحد، فغير مستقيم ولا واضح، بل نقول في القطع في السرقة لا يقطع، كما قلناه في إقامة البينة، لأنه لا مطالب له أيضا هاهنا، فلا فرق في هذا بين البينة والاقرار في أنه لا يقام عليه الحد الذي هو القطع، فأما حد الزنا فإنه يقام على كل حال، لأنه أقر بالزنا، وما ادعى الإباحة من مولاها، بخلاف إقامة البينة ثم يدعي الزاني الإباحة، فتصير شبهة كما قلناه، فليلحظ ما قاله رحمه الله، وما نبهنا عليه وحررناه، فإنه واضح للمتأمل المحصل غير المقلد للرجال. إذا ترك الأحمال والأجمال في مكان واحد، وانصرف في حاجة، وكانت في غير حرز هي وكل ما معها من متاع وغيره، فلا قطع فيها ولا في شئ منها، لأنها في غير حرز بمجرى العادة، وما ذكرناه لا يعده أحد حرزا، لأن من ترك أجماله كذلك وماله قيل إنه قد ضيعه. إذا سرق سارق باب دار رجل، قلعه وأخذه، أو هدم من حايطه آجرا فبلغ قيمته نصابا، يجب فيه القطع، قطع، فإن الباب والآجر في الحايط في حرز، وكذلك من أخذ حلقة الباب، يقطع، لأن كلما كان حرزا لغيره فهو في نفسه حرز، فأما حلقة الباب، فهي في حرز، لأن الحلقة بتسكين اللام هكذا تحرز، بأن تسمر في الباب على ما جرت به العادة، فإن قلعها قالع وبلغت نصابا قطع، على ما قدمناه، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر واختاره في مبسوطه (1)، ومسائل خلافه (2)، وهو من تخريجات المخالفين وفروعهم. والذي يقتضيه أصول مذهبنا: إنه لا قطع على ما أخذ ذلك بحال، لأن الحرز عندنا القفل والغلق والدفن، وليست هذه الأشياء في حرز، والأصل براءة الذمة، وقبح إدخال الضرر على بني آدم، والاجماع من أصحابنا فغير منعقد عليه، بل ما ذهب منهم سوى شيخنا أبي جعفر ومن تابعه إليه فحسب، وما وردت به عن الأئمة عليهم السلام أخبار لا آحاد ولا متواترة، والعمل يكون تابعا للعلم، فلا يجوز أن يقطع

(1) المبسوط: ج 8 كتاب السرقة، ص 25.
(2) الخلاف، كتاب السرقة، مسألة 53.

[ 502 ]

إلا بدليل قاهر مزيل للعذر. إذا كان باب الدار مغلقا فكل ما فيها وفي جوانبها في حرز، فإن كان باب الدار مفتوحا وأبواب الخزاين مفتوحة، فليس شئ منها في حرز، فإن كان باب الدار مفتوحا وأبواب الخزائن مغلقة، فما في الخزاين في حرز، وما في جوف الدار في غير حرز، هذا كله إذا لم يكن صاحبها فيها، فإن كان صاحبها فيها والأبواب مفتحة، فليس شئ في حرز إلا ما يراعيه ببصره، مثل من كان بين يديه متاع، كالميزان بين يدي الخبازين والثياب بين يدي البزازين فحرز ذلك نظره إليه، فإن سرق من بين يديه وهو ينظر إليه ففيه القطع، وإن سهى أو نام عنه زال الحرز وسقط القطع. وهكذا الحكم إذا استحفظ انسان حماميا ثيابه، فإن راعاها الحمامي فهي في حرز، وإن سهى عنها أو نام، فليست في حرز، فأما إذا لم يستحفظه إياها ولا أودعه، فليست في حرز، ولا يجب على الحمامي الضمان لها ولا الغرم بحال، هذا على ما أورده شيخنا في مبسوطه (1). وقد قلنا ما عندنا في أمثال ذلك من أن الحرز القفل والغلق والدفن، وما عداه لا دليل عليه من كتاب ولا إجماع (2) وليس على من سرق من ذلك شيئا القطع، سواء راعاه ببصره أو لم يراعه، نظر إليه أو لم ينظر بين يديه، كان أولا بين يديه، إلا أن يكون في حرز، وهذه كلها تخريجات المخالفين واستحساناتهم. إذا نقب واحد وحده ودخل الحرز، وأخذ المتاع، فرمى به من جوف الحرز إلى خارج الحرز، أو رمى به من فوق الحرز، أو سده (3) في حبل، ثم خرج عن الحرز، فجره وأخرجه، أو أدخل خشبة معوجة من خارج الحرز أو سده في حبل، ثم خرج عن الحرز فجره وأخرجه، فعليه القطع في كل هذا، لأنه أخرجه من الحرز، بآلة (4). فإن كان في الحرز ماء يجري، فجعله في الماء، فخرج مع الماء، فعليه أيضا

(1) المبسوط، ج 8 كتاب السرقة، ص 36 - 37.
(2) ج. ولا سنة ولا إجماع.
(3) ج. ل. شده، كذا فيما بعده.
(4) ج. ل. وإن كان بآلة.
(5) ج. فإن كان الحرز ماء يجري.

[ 503 ]

القطع، لأنه قد أخرجه بآلة، كما لو رمى به. فإن كان معه دابة، فوضع المتاع عليها، وخرجت به، فإنه يجب عليه القطع، سواء ساقها أو قادها أو لم يسقها، سارت بنفسها أو لم تسر بنفسها. فأما إن دخل الحرز، فأخذ جوهرة، فابتلعها، ثم خرج وهي في جوفه، فإن لم تخرج منه فعليه ضمانها، ولا قطع عليه، لأنه أتلفها في جوف الحرز، بدليل أن عليه ضمانها، كما لو كان ذلك طعاما فأكله، وخرج، فإنه لا قطع عليه بلا خلاف، كذلك هاهنا وإن خرجت الجوهرة بعد خروجه من جوفه، قال قوم عليه القطع، لأنه أخرجها في وعاء، فهو كما لو جعلها في جراب، أو جبب، وقال آخرون لا قطع عليه، لأنه أخرجها معه مكرها على إخراجها، غير مختار لذلك، لأنه (1) لو أراد بعد ابتلاعها أن لا يخرجها معه من الحرز، ما قدر على ذلك، فهو كالمحمول على إخراجها ذلك الوقت، بدليل إنه ما كان يمكنه تركها، والخروج دونها، فهو كما لو نقب وأكره على إخراج المتاع، فإنه لا قطع عليه، كذلك هاهنا. وأما الذي يقوى في نفسي، وجوب القطع عليه، لعموم الآية، ولأنه (2) نقب وأخرج النصاب ولم يستهلكه في الحرز ولا خارج الحرز، وليس كذلك المسألة الأولى، لأنه إذا لم يخرج منه، ولا يقدر على إخراجها لا في الحرز ولا خارجه، فقد صار ضامنا لها، فهي كالمستهلكة في الحرز، والمسألة الثانية إذا كان قادرا على إخراجها خارج الحرز بمجرى العادة، فهي بمنزلة جعله لها في جراب معه أو وعاء وإخراجها فيه، وقياس ذلك على المأكول (3)، فإنه بأكله قد استهلكه في الحرز، وأيضا القياس عندنا باطل، وهذا تخرج المخالفين. فإن نقب ومعه صبي صغير لا تمييز له، فأمره أن يدخل الحرز ويخرج المتاع، فقبل، فالقطع على الآمر، لأنه كالآلة، كما لو أدخل خشبة أو شيئا فأخذ به المتاع، فإن عليه القطع. إذا كان انسان نائما على متاعه فسرق هو والمتاع معا، فلا قطع، لأن يد مالكه

(1) ج. من أنه. (2) ج. وانه.
(3) ل. على المأكول غير جار.

[ 504 ]

عليه، وكذلك إذا كان نائما على حمل (1)، فسرق الجمل وهو عليه، فإن كان النائم على المتاع عبدا فسرقه والمتاع معا، فعليه القطع، لأن العبد مال وهو لو سرق العبد وحده قطعناه، فبأن نقطعه هاهنا أولى. وإذا كان لرجل مال وديعة أو عارية عند انسان، فجعلها ذلك الانسان في حرز، فجاء (2) أجنبي فهتك الحرز وسرقها، فعليه القطع، لأن صاحبه قد رضي بهذا المكان حرزا لماله. إذا كان لانسان قبل رجل دين، فنقب صاحب الدين، وسرق من مال من عليه الدين قدر دينه، فإن كان من عليه الدين مانعا له من ذلك، فلا قطع عليه، وإن كان باذلا له غير مانع، فعليه القطع. فإن قامت البينة على رجل إنه سرق من حرز رجل نصابا، فقال السارق المال لي وملكي، وقال صاحب الحرز المال ملكي، فالقول قول صاحب المنزل والحرز، لأنه قد ثبت إنه أخذه منه، فإذا حلف فلا قطع على السارق، لأنه صار خصما، وصار شبهة لوقوع التنازع في المال، والحد لا يجب مع الشبهة. وهكذا لو وجد مع امرأة فادعى أنه زوجها، فأنكرت وحلفت، لا حد عليه، لأنه صار متنازعا فيه، فكان شبهة في سقوط الحد، فلهذا لم يقطع. إذا قطعت يد سارق حسمت، والحسم أن يغلى الزيت حتى إذا قطعت اليد، جعل موضع القطع في الزيت المغلي، حتى تنسد أفواه العروق وينحسم خروج الدم، فالزيت وأجرة القاطع من بيت المال، فإن لم يفعل الإمام ذلك، لم يكن عليه شئ لأن الذي عليه، إقامة الحد، لا مداواة المحدود. إذا وجب الحد على شخص، فأقامه الإمام أو الحاكم في شدة حر أو برد، فمات المحدود، فلا دية له بحال، لأن تجنب الإقامة في ذلك الوقت مستحب، دون أن يكون ممنوعا منه بكل حال على ما قدمناه (3).

(1) ج. ل. حمل فسرق الحمل، والظاهر صحة الجمل.
(2) ج. فجاز.
(3) في ص 456.

[ 505 ]

إذا أمره الإمام بجلد القاذف ثمانين، فزاد الجلاد سوطا، فمات المحدود، فعلى الجلاد الضمان. وكم يضمن؟ قال قوم نصف الدية، وهو الذي يقوى عندي، وقال قوم عليه جزء واحد من واحد وثمانين جزء من الدية لأنها تتقسط على عدد الضرب. وما اخترناه هو خيرة شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (1) وهو الأظهر الذي يقتضيه أصول المذهب، لأن الدية أو القود على عدد الجناة لا الجنايات. باب حد المحاربين وهم قطاع الطريق والنباش والمختلس والخناق والمبنج والمحتال قال الله تعالى " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا ويصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض " (2) ولا خلاف بين الفقهاء أن المراد بهذه الآية قطاع الطريق، وعندنا كل من شهر السلاح لا خافة الناس في بر كان، أو في بحر، في العمران والأمصار، أو في البراري والصحاري، وعلى كل حال. فإذا ثبت ذلك فالإمام مخير فيه بين أربعة أشياء، كما قال تعالى، بين أن يقطع يده ورجله من خلاف، أو يقتل، أو يصلب، أو ينفى، هذا بنفس شهرة السلاح وإخافة الناس. والنفي عندنا أن ينفيه من الأرض، وكلما قصد بلدا نفاه منه، فإن قصد بلد الشرك كاتبهم بأن يخرجوه، فإن لم يفعلوا قاتلهم، فلا يزال يفعل معه كذلك إلى أن يتوب ويرجع عما هو عليه. فأما إذا قتل، فإنه يتحتم (3) عليه القتل، سواء قتل مكافئا له، أو غير مكاف، أو من يجوز أن يقاد به، أو لا يجوز، وسواء عفى عنه ولي المقتول أو لم يعف، لأن قتله

(1) المبسوط: ج 8، كتاب الأشربة، ص 65.
(2) سورة المائدة، الآية 33.
(3) ج. ينحتم.

[ 506 ]

يتحتم (1)، ومثاله أن يقتل الوالد ولده في المحاربة، أو المسلم الكافر، أو الحر العبد، فإنه يقتل بمن قتله على كل حال للآية وكذلك إن عفى ولي المقتول فإنه يقتل للمحاربة، ويتحتم (2) على ما قلناه، وليس للإمام نفيه هاهنا دون قتله. فإن أخذ المال قطع، سواء أخذ ما يجب فيه قطع السارق أو أقل منه، من حرز أخذه أو من غير حرز، فإنه يقطع في القليل والكثير. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: المحارب هو الذي يجرد السلاح، ويكون من أهل الريبة، في مصر كان أو في غير مصر، في بلاد الشرك كان أو في بلاد الاسلام، ليلا كان أو نهارا، فمتى فعل ذلك كان محاربا، ويجب عليه إن قتل ولم يأخذ المال أن يقتل على كل حال، وليس لأولياء المقتول العفو عنه، فإن عفوا عنه وجب على الإمام قتله، لأنه محارب، وإن قتل وأخذ المال، وجب عليه أولا أن يرد المال، ثم يقطع بالسرقة، ثم يقتل بعد ذلك ويصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل ولم يجرح، قطع ثم نفي عن البلد (3)، وإن جرح ولم يأخذ المال ولم يقتل، وجب أن يقتص منه، ثم ينفى بعد ذلك من البلد الذي فعل فيه ذلك إلى غيره وكذلك إن لم يجرح ولم يأخذ المال، وجب عليه أن ينفى من البلد الذي فعل فيه ذلك الفعل إلى غيره، ثم يكتب إلى أهل ذلك المصر بأنه منفي محارب، فلا تؤاكلوه، ولا تشاربوه، ولا تبايعوه، ولا تجالسوه، فإن انتقل إلى غير ذلك من البلدان كوتب أيضا أهلها بمثل ذلك، فلا يزال يفعل به ذلك حتى يتوب، فإن قصد بلاد الشرك، لم يمكن من الدخول إليها، وقوتلوا هم على تمكينهم من دخولها (4) هذا آخر كلامه رحمه الله (5). وهو اختياره في مسائل خلافه (6)، ومبسوطه (7)، فجعل أحكامه على طريق الترتيب على ما حكيناه عنه، ولم يخير الإمام والحاكم في أي الأحكام المذكورة في الآية، فعل به بما يختاره.

(1) و (2) ج. ينحتم.
(3) ج. البلدان.
(4) ج. على تمكينه من دخولها.
(5) النهاية، كتاب الحدود، باب حد المحارب.
(6) الخلاف، كتاب قطاع الطريق، مسألة 3.
(7) المبسوط، ج 8، كتاب قطاع الطريق، ص 48.

[ 507 ]

وقال شيخنا المفيد في مقنعته، وأهل الدعارة بالدال غير المعجمة، قال الجوهري صاحب كتاب الصحاح، الدعر بالتحريك الفساد، والدعر أيضا مصدر قولك دعر العود بالكسر، يدعر دعرا، فهو عود دعر أي ردي كثير الدخان، ومنه أخذت الدعارة وهي الفسق والخبث، يقال هو خبيث داعر، بين الدعر والدعارة، هذا آخر كلام الجوهري، عدنا إلى قول شيخنا المفيد، قال وأهل الدعارة إذا جردوا السلاح في دار الاسلام، وأخذوا الأموال، كان الإمام مخيرا فيهم إن شاء قتلهم بالسيف، وإن شاء صلبهم حتى يموتوا، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن شاء نفاهم عن المصر إلى غيره، ووكل بهم من ينفيهم عنه إلى ما سواء، حتى لا يستقر بهم مكان إلا وهم منفون (1) عنه، مبعدون، إلى أن تظهر منهم التوبة والصلاح، فإن قتلوا النفوس مع إشهارهم السلاح، وجب قتلهم على كل حال بالسيف أو الصلب، ولم يتركوا على وجه الأرض أحياء، هذا آخر كلامه رحمه الله (2) وهو الأظهر الأصح، لأنه يعضده ظاهر التنزيل، فلا يرجع عن هذا الظاهر بأخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا، لأن أو حقيقتها في لسان العرب التخيير، ولأجل ذلك اخترنا في كفارة الصيد التخيير دون الترتيب. واللص حكمه عندنا حكم المحارب، فإذا دخل على انسان، جاز له أن يقاتله ويدفعه عن نفسه ما دام مقبلا عليه، فإن أدى الدفع إلى قتل اللص، لم يكن على قاتله شئ من قود، ولا دية، ولا كفارة، لأنه محسن، وقد قال تعالى وما على المحسنين سبيل " (3) فأما إذا أدبر عنه اللص، فلا يجوز له رميه ولا قتله، لأنه ساغ له ذلك لأجل دفعه عنه، فإذا أدبر فلا يجوز له رميه ولا قتله في حال إدباره، فإن ضربه في حال إقباله عليه ضربة قطع بها يده، فأدبر عنه، ثم ضربه في حال إدباره ضربة أخرى قطع اليد الأخرى منه، فإنه يجب عليه في اليد الأخيرة (4) المقطوعة القصاص، أو الاصطلاح على ديتها، ولا شئ عليه في قطع اليد الأولى بحال.

(1) ج. منفيون.
(2) المقنعة، باب الخلسة ونبش القبور... والفساد في الأرضين، ص 805.
(3) سورة التوبة الآية 91.
(4) ج. الأخرى.

[ 508 ]

وحكم النساء في أحكام المحاربة حكم الرجال في إنهن يقتلن، ويعمل بهن ما يعمل بالرجال، لعموم قوله تعالى " إنما جزاء الذين يحاربون الله " الآية بخلاف المرتدة، فإنها لا تقتل بالردة، بل تحبس أبدا، هذا اختيار شيخنا أبي جعفر الطوسي، في مسائل خلافه (1) ومبسوطه (2) وهذان الكتابان معظمهما فروع المخالفين، وهو قول بعضهم، اختاره رحمه الله، ولم أجد لأصحابنا المصنفين قولا في قتل النساء في المحاربة. والذي يقتضيه أصول مذهبنا أن لا يقتلن إلا بدليل قاطع، فأما تمسكه بالآية فضعيف، لأنها خطاب للذكران دون الإناث، ومن قال تدخل النساء في خطاب الرجال على طريق التبع، فذلك مجاز، والكلام في الحقايق، والمواضع التي دخلن في خطاب الرجال فبالاجماع دون غيره، فليلحظ ذلك. فأما كيفية صلب المحارب فشيخنا أبو جعفر يذهب في مسائل خلافه، إلى أنه لا يجوز صلبه حيا بل يقتل ثم يصلب بعد قتله، ولا ينزل إلى ثلاثة أيام (3). وقال شيخنا المفيد في مقنعته، يصلب حيا وينزل من خشبته بعد ثلاثة أيام، ويغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه، لأن قتل حدا لا قودا (4). وشيخنا أبو جعفر الطوسي، قال في مبسوطه على ما قدمناه (5)، قتله قودا (6)، فكان يلزمه أنه يؤمر أولا بالاغتسال والتكفين، ثم يصلب، وهو لا يرى غسله إلا بعد نزوله من خشبته (7).

(1) الخلاف، كتاب قطاع الطريق، مسألة 15.
(2) المبسوط، كتاب قطاع الطريق، ص 56.
(3) الخلاف، كتاب قطاع الطريق، مسألة 5، وفي المصدر وينزل بعد ثلاثة أيام.
(4) المقنعة، باب الخلسة ونبش القبور، والعبارة هكذا، وجب قتلهم على كل حال بالسيف أو الصلب حتى يموتوا وفي باب تلقين المحتضرين... العبارة هكذا ولا يجوز ترك المصلوب في ظاهر الأرض أكثر من ثلاثة أيام وينزل بعد ذلك من جثته فتوارى جثته بالتراب ص 805.
(5) في ص 506.
(6) المبسوط، ج 8، كتاب قطاع الطريق، ص 49.
(7) كما في المبسوط، ج 8، كتاب قطاع الطريق، ص 48، والعبارة هكذا، وإذا قتل غسل وكفن وصلى عليه كسائر الأموات.

[ 509 ]

والصحيح ما ذهب إليه شيخنا المفيد، وهو الذي يقوى في نفسي، لأنه الذي يقتضيه ظاهر التنزيل، وهو قوله تعالى " أن يقتلوا أو يصلبوا " فجعل تعالى الصلب غير القتل، وخير في ذلك بقوله أو، وهي تقتضي التخيير في لسان العرب على ما قدمناه (1)، فعلى هذا كان يلزم المخالف لنا أن يصلبه حيا ولا يقتله، بل ينزله حيا أيضا بعد صلبه، لأنه تعالى قد جعل الصلب غير القتل، وعندنا أن الجميع يقتضي القتل، إلا أنه ليس كل قتل صلبا. وإذا قطع جماعة الطريق، أقروا بذلك، كان حكمهم ما ذكرناه، فإن لم يقروا قامت عليهم بذلك بينة، وهي شهادة عدلين، كان الحكم في ذلك مثل ما ذكرناه من الاقرار سواء. فإن شهد قطاع الطريق أو اللصوص بعضهم على بعض لم تقبل شهادتهم، لأنهم فساق. وكذلك إن شهد الذين أخذت أموالهم بعضهم لبعض، لم تقبل شهادتهم، لأنهم خصوم، وإنما تقبل شهادة غيرهم لهم، أو يحكم بإقرار اللصوص على أنفسهم. لا يجب أحكام المحارب على الطليع والرد بالنظر لهم، وإنما يجب على من باشر القتل، أو أخذ المال، أو جمع بينهما، أو شهر سلاحه لا خافة الناس. إذا جرح المحارب جرحا يجب فيه القصاص في حد غير المحاربة، مثل قطع اليد أو الرجل، أو قلع العين وغير ذلك، وجب عليه القصاص بلا خلاف، ولا يتحتم، بل للمجروح العفو (2). وإذا قطع المحارب يد رجل، وقتله في المحاربة، قطع ثم قتل، وهكذا لو وجب عليه القصاص فيما دون النفس، ثم أخذ المال، اقتص منه، وقطع من خلاف، ويأخذ المال صاحبه. والمحارب إذا وجب عليه حد من حدود الله تعالى لأجل المحاربة، مثل انحتام القتل، أو قطع الرجل واليد من خلاف، والصلب (3) عند من رتب الأحكام،

(1) في ص 505 - 506.
(2) ج. العفو عنه.
(3) ل. أو الصلب. والظاهر أنه الصحيح.

[ 510 ]

وعند من لم يرتبها، ثم تاب قبل القدرة عليه وقبل قيام الحد، سقط الحد بلا خلاف، وإن تاب بعد القدرة عليه لا يسقط بلا خلاف، وما يجب عليه من حقوق الآدميين وحدودهم فلا يسقط، كالقصاص والقذف وضمان الأموال، وما يجب عليه من حدود الله التي لا يختص بالمحاربة، كحد الزنا والشرب واللواط فإنها تسقط عندنا بالتوبة قبل رفعه إلى الحاكم والقدرة عليه. وكذلك كل من وجب عليه حد من حدود الله تعالى، من شرب الخمر، أو الزنا من غير المحاربين، ثم تاب قبل قيام البينة عليه بذلك، فإنها بالتوبة تسقط. إذا اجتمع حد القذف وحد الزنا وحد السرقة، ووجوب القطع، قطع اليد والرجل بالمحاربة، وأخذ المال فيها، ووجب عليه القود بقتل في غير المحاربة، فاجتمع حدان عليه وقطعان وقتل، فإنه يستوفى منه الحدود كلها، ثم يقتل، ولا يتداخل بعضها في بعض، لأن الظواهر تقتضي إقامتها كلها، فمن ادعى تداخلها فعليه الدلالة. قد قلنا إن أحكام المحاربين يتعلق بالرجال والنساء سواء، على ما فصلناه (1) من العقوبات، لقوله تعالى " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله " الآية ولم يفرق بين النساء والرجال، فوجب حملها على عمومها. إذا مات قطاع الطريق قبل إقامة الحد عليهم، لا يصلبون، لأنه قد فات بالموت، ولله فيهم المشية. إذا شهد شاهدان إن هؤلاء قطعوا الطريق علينا وعلى القافلة، وقاتلونا وأخذوا متاعنا، لم تقبل هذه الشهادة في حق أنفسهما، لأنهما شهدا لأنفسهما، ولا تقبل شهادة الانسان لنفسه، ولا تقبل شهادتهما أيضا للقافلة على ما قدمناه، لأنهما قد أبانا العداوة والخصومة، وشهادة العدو والخصم لا تقبل على عدوه وخصمه. وهكذا لو شهدا على رجل فقالا هذا قذفنا وقذف زيدا، لم تقبل شهادتهما

(1) في ص 508. وص 509 إلا أنه قال هذا اختيار الشيخ (رحمه الله) في كتابي الخلاف والمبسوط واعترض عليه شديدا ورد كلامه فراجع.

[ 511 ]

لأنفسهما ولا لزيد، لما مضى. فإن شهدا بأن هؤلاء قطعوا الطريق على هؤلاء وهذا قذف زيدا، قبلت الشهادة، لأنهما شهدا بالحق مطلقا على وجه لا ترد به شهادتهما. وليس للحاكم أن يسأل الشهود هل قطعوا الطريق عليكم مع هؤلاء أم لا؟ وهل قذفكما هذا مع قذفه زيدا أم لا؟ لأن الحاكم لا يبحث عن شئ مما تشهد به الشهود إلا ما يكون مجملا من قولهم مما لا يمكنه الحكم به إلا بعد مسائلتهم عنه، كشهادتهم إن زيدا قتل عمروا فإنه يجب عليه أن يبحث عن صفة هذا القتل، هل هو عمد محض أو خطأ محض؟ أو خطأ شبيه العمد؟ لأن القتل مجمل، وهو على ثلاثة أضرب، فلا يؤمن في حكومته أن يكون القتل بخلاف الجنس الذي يحكم به، فيخطي على المشهود عليه أو المشهود لهم. وجملته إن كل شهادة كانت بأمرين فردت في أحدهما هل ترد في الآخر أم لا؟ نظرت، فإن كان الرد لأجل العداوة، ردت في الآخر، وإن كان لأجل التهمة فهل ترد في الآخر أم لا؟ قال قوم ترد، وقال آخرون لا ترد، وهو الأقوى عندي، لأن التهمة موجودة في حق نفسه دون حق غيره، والعداوة في الشهادتين حاصلة، فبان الفصل بينهما. فإن شهدوا فقالوا هؤلاء عرضوا لنا، وقطعوا الطريق على غيرنا، قبلت هذه الشهادة، لأن العداوة ما ظهرت لهم، فلهذا سمعت وعمل بها. والخناق يجب عليه القتل، ويسترجع منه ما أخذ، فيرد على صاحبه، فإن لم يوجد بعينه أغرم قيمته أو مثله إن كان له مثل، أو أرش ما لعله نقص (1) من ثمنه، إلا أن يعفو صاحبه عنه. ومن بنج غيره أو أسكره بشئ احتال عليه في شربه أو أكله، ثم أخذ ماله، عوقب على فعله ذلك بما يراه الإمام أو الحاكم من قبله، واسترجع منه ما أخذه، فإن جنى البنج أو الاسكار عليه جناية كان المبنج ضامنا لما جنياه.

(1) ج. أرش ما نقص. ل. أرش ما لعمله نقص.

[ 512 ]

والمحتال على أموال الناس بالمكر والخديعة وتزوير الكتب، والرسالات الكاذبة، والشهادات بالزور، وغير ذلك من الأكاذيب، يجب عليه العقوبة والتعزير والتأديب ويغرم ما أخذ بذلك على الكمال، وينبغي للحاكم أن يشهره بالعقوبة لكي يرتدع غيره عن فعل مثله في مستقبل الأوقات، وينهكه ضربا. والمختلس هو الذي يسلب الشئ ظاهرا لا قاهرا من الطرقات والشوارع، من غير شهر لسلاح ولا قهرا، بل استلابا واختلاسا، فإنه يجب عليه العقاب المردع، والضرب الموجع، ولا قطع عليه، لأنه ليس بسارق ولا قاطع طريق. ومن نبش قبرا وسلب الميت كفنه، وأخرجه من القبر، وكان قيمته ربع دينار، فإنه يجب عليه القطع، ويكون المطالب بذلك الورثة، لأنه على حكم ملكهم، بدلالة إنه لو أكل الميت سبع، أو أخذه سيل، وبقي الكفن فإنه يكون للورثة دون غيرهم، ويجب عليه مع القطع التأديب المردع. فإن كان قد نبش القبر ولم يأخذ شيئا، أو أخذ وكان الكفن دون ربع دينار، فإنه لا قطع عليه، بل يجب عليه العقوبة المردعة. فإن نبش ثانية، فإنه يجب عليه القطع إذا أخذ الكفن، سواء كان قيمته ربع دينار أو أقل من ذلك، ولا يراعى في مقدار الكفن النصاب إلا في الدفعة الأولى فحسب، لقولهم عليهم السلام، سارق موتاكم كسارق أحيائكم (1). ولا خلاف إن من سرق من حي دون ربع دينار عندنا لا يجب عليه القطع، فإن قيل فهذا يلزم في الدفعة الثانية؟ قلنا لما تكرر منه الفعل صار مفسدا ساعيا في الأرض فسادا فقطعناه لأجل ذلك، لا لأجل كونه سارقا ربع دينار، ولهذا روى (2) أصحابنا أنه من سرق حرا صغيرا، فباعه، وجب عليه القطع، قالوا لأنه من المفسدين في الأرض، وأيضا

(1) الوسائل، الباب 19 من أبواب حد السرقة، ح 4، إلا أن لفظ الحديث هكذا، يقطع سارق الموتى كما يقطع سارق الأحياء.
(2) الوسائل، الباب 20 من أبواب حد السرقة والباب 28 من أبواب حد الزنا، ح 1 - 2 فراجع كلام الشيخ (قدس سره) في المقام ص 499. من هذا الكتاب.

[ 513 ]

فالأخبار مختلفة في ذلك، فبعضها يوجب عليه القطع مطلقا، وبعضها يوجب عليه التعزير، ولا يوجب عليه القطع، فحملنا ما يوجب القطع منها. إذا سرق الكفن وأخرجه من القبر، وكان قيمته ربع دينار قطع لقولهم عليهم السلام، سارق موتاكم كسارق أحيائكم على ما قدمناه، أو على من يتكرر منه ذلك وكان معتادا لفعل ذلك، وإن لم تبلغ قيمة الكفن ربع دينار، وإن لم يأخذ كفنا أيضا، على مذهب إليه شيخنا أبو جعفر في كتابه الاستبصار (1). وحملنا منها ما يوجب التعزير والعقوبة، إذا نبش أول مرة ولم يكن له عادة بذلك، ولم يكن قيمة الكفن تبلغ ربع دينار، أو كونه (2) يأخذ الكفن، وقد عمل بجميعها، وكان لكل منها وجه يقتضيه الأدلة. وقال شيخنا أبو جعفر في استبصاره، لما اختلفت عليه الأخبار، فإنه أورد جملة منها بوجوب القطع، ثم أورد جملة أخرى بالتعزير فحسب، فقال فهذه الأخبار الأخيرة كلها تدل على أنه إنما يقطع النباش إذا كان له عادة، فأما إذا لم يكن ذلك عادته نظر، فإن كان نبش وأخذ الكفن، وجب قطعه، وإن لم يأخذ، لم يكن عليه أكثر من التعزير، قال وعلى هذا تحمل الأخبار التي قدمناها، هذا جملة ما أورده رحمه الله في استبصاره متوسطا بين الأخبار (3). قال محمد بن إدريس بقي عليه رحمه الله إنه أسقط جميع الأخبار التي رويت في أن سارق موتاكم كسارق أحيائكم، لأنه رحمه الله لم يراع النصاب في شئ منها في وساطته بينها، فقد سقطت جملة، وهذا بخلاف عادته، وخرم لقاعدته في وساطته بينها. وقال في نهايته من نبش قبرا وسلب الميت كفنه، وجب عليه القطع كما يجب على السارق سواء، فإن نبش ولم يأخذ شيئا أدب تغليظ العقوبة، ولم يكن عليه قطع

(1) الاستبصار، الباب 145 من كتاب الحدود، ص 245، ج 4.
(2) ج. ل. أو أنه لم.
(3) الاستبصار، ج 4، الباب 145 من كتاب الحدود، ص 247.

[ 514 ]

على حال، فإن تكرر منه الفعل وفات الإمام تأديبه، كان له قتله كي يرتدع غيره عن إيقاع مثله في مستقبل الأوقات، هذا آخر كلامه في نهايته (1). وما اخترناه من مراعاة المقدار الذي يجب فيه القطع في أول مرة مذهب شيخنا المفيد في مقنعته، فإنه قال ويقطع النباش إذا سرق من الأكفان ما قيمته ربع دينار، كما يقطع غيره من السارق إذا سرقوا من الاحراز، وإذا عرف الانسان بنبش القبور، وكان قد فات السلطان ثلاث مرات، كان الحاكم فيه بالخيار إن شاء قتله، وإن شاء قطعه وعاقبه والأمر في ذلك إليه، يعمل فيه بحسب ما يراه أزجر للعصاة وأردع للجناة، هذا آخر كلامه رحمه الله (2). ونعم ما قال فإنه الذي يقتضيه أصول المذهب، وتحكم بصحته أعيان الآثار عن الأئمة الأطهار عليه السلام، وأيضا الأصل براءة الذمة، فمن قطعه في غير المتفق عليه يحتاج إلى دليل. وشيخنا أبو جعفر يفوح من فيه استدلاله في مسائل خلافه، إلى اعتبار النصاب، لأنه قال مسألة، النباش يقطع إذا أخرج الكفن من القبر إلى وجه الأرض، ثم استدل فقال دليلنا قوله والسارق والسارقة، وهذا سارق، فإن قالوا لا نسلم إنه سارق، قلنا سارق هو من أخذ الشئ مستخفيا متفزعا (3)، قال الله تعالى " إلا من استرق السمع " (4) وقالت عايشة - سارق موتانا كسارق أحيائنا - (5) وقال عليه السلام - القطع في ربع دينار - ولم يفصل إلى هاهنا كلامه رحمه الله (6). ألا ترى إلى استدلاله بالآية والخبر عنه عليه السلام من قوله القطع في ربع دينار فاستدل بهذا الخبر، وفيه مقدار النصاب، واستدل بالآية، ولا خلاف إنه لا يقطع السارق إلا إذا سرق من حرز ربع دينار، على ما بيناه وحررناه. والذي أعتمد عليه بعد (7) هذا كله وأفتي به، ويقوى في نفسي، قطع النباش

(1) النهاية، كتاب الحدود، باب حد المحارب.
(2) المقنعة، باب الخلسة ونبش القبور ص 804.
(3) ل. متفرغا.
(4) سورة الحجر: الآية 18.
(5) لم نعثر عليه.
(6) الخلاف، كتاب السرقة، مسألة 28.
(7) ج. ل. فغير.

[ 515 ]

إذا أخرج الكفن من القبر إلى وجه الأرض، وسلب الميت، سواء كان قيمة الكفن ربع دينار أو أقل من ذلك، أو أكثر، في الدفعة الأولى أو الثانية، لإجماع أصحابنا وتواتر أخبارهم بوجوب قطع النباش من غير تفصيل، وفتاويهم وعملهم على ذلك، وما ورد في بعض الأخبار وأقوال بعض المصنفين بتقييد، وتفصيل ذلك بالمقدار في الدفعة الأولى، فمثل ذلك لا يخصص العموم، لأن تخصيص العموم يكون دليلا قاهرا مثل العموم في الدلالة. باب الحد في الفرية وما يوجب التعزير والتأديب وما يلحق بذلك من الأحكام قال الله تعالى " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم " (1) وروى حذيفة أن النبي عليه السلام قال قذف محصنة يحبط عمل ماءة سنة (2) ولا خلاف بين الأمة أن القذف محرم. فإن قذف انسان مكافئا، أو أعلى منه، وجب عليه الجلد ثمانون جلدة، حرا كان القاذف أو عبدا، رجلا أو امرأة، مسلما أو كافرا، لقوله تعالى " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " (3). وروي أن النبي عليه السلام لما نزل براءة ساحة عايشة، صعد المنبر وتلا الآيات، ثم نزل فأمر بجلد الرجلين والمرأة (4). فالرجلان حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة مسطح بكسر الميم، والسين غير المعجمة المسكنة، والطاء غير المعجمة المفتوحة، والحاء غير المعجمة، - والأثاثة - بضم الألف، والثائين المنقطة كل واحدة بثلاث نقط، والمرأة حمية بنت جحش، بسكون

(1) سورة النور، الآية 23.
(2) مستدرك الوسائل، الباب 1 من أبواب حد القذف، ح 8، باختلاف يسير.
(3) سورة النور، الآية 4. (4) سنن أبي داود، الباب 35 من كتاب الحدود، الحديث 1 و 2 (ج 4، ص 162، الرقم 4474 و 4475).

[ 516 ]

الميم، وفتح الحاء غير المعجمة. فإذا ثبت أن موجب القذف الجلد، فإنما يجب ذلك بقذف محصنة أو محصن، لقوله تعالى " والذين يرمون المحصنات ". وشرايط الاحصان خمسة أشياء، أن يكون المقذوف حرا، بالغا، عاقلا، مسلما، عفيفا عن الزنا، فإذا وجدت هذه الخصال، فهو المحصن الذي يجلد قاذفه، وهذه الشروط معتبرة بالمقذوف لا بالقاذف، لقوله تعالى - والذين يرمون المحصنات - فوصف المقذوف بالاحصان. فمتى وجدت الشرايط، وجب الحد على قاذفه مع مطالبته له. ومتى اختلت أو واحدة منها فلا حد على قاذفه، واختلالها بالزنا أو بالوطي الحرام على ما يأتي بيانه إن شاء الله. وأما القاذف فلا يعتبر فيه الحصانة، وإنما الاعتبار بأن يكون عاقلا، سواء كان حرا أو عبدا عندنا، فإن أصحابنا رووا وأجمعوا أن عليه الحد كاملا هاهنا، وفي شرب الخمر والمسكر سواء كان حرا أو عبدا. فأما الكلام الذي يكون قذفا يوجب الحد الذي هو الثمانون على قائله، فهو أن يقول يا زاني، يا لائط أو يا منكوحا في دبره، أوقد زنيت، أو لطت، أو نكحت، أو ما معناه معنى هذا الكلام بأي لغة كانت، بعد أن يكون القائل عارفا بها وبموضوعها، وفائدة اللفظة (1) في عرفه وعادته ولغته، وإن لم يكن المقول له عارفا بذلك، بل الاعتبار بمعرفة القائل فائدة اللفظ، لا المقول له، وجب عليه حد القاذف، وهو ثمانون. فإن قال له شيئا من ذلك، وكان غير بالغ، أو المقول له كان غير بالغ، لم يكن عليه حد القذف، وروي (2) أن عليه التعزير. فإن قال له شيئا من ذلك، وهو لا يعلم فائدة تلك اللفظة ولا تلك اللغة، ولا موضوع

(1) ج. ل. اللفظ.
(2) لم نتحققها إلا أنه أوردها الشيخ قدس سره في النهاية، كتاب الحدود باب الحد في الفرية وما يوجب التعزير.

[ 517 ]

الألفاظ في عادته وعرفه، لم يكن عليه شئ، وكذلك إذا قال لامرأة أنت زانية، أو قد زنيت، أو يا زانية، كان أيضا عليه حد القاذف ثمانون جلدة، لا يختلف الحكم فيه. فإن قال لكافر أو كافرة، أو عبد أو أمة شيئا من ذلك، لم يجب عليه الحد، ويجب عليه التعزير، لئلا يؤذي أهل الذمة والعبيد. وإذا قال لغيره يا بن الزانية، أو يا بن الزاني، أو قد زنت بك أمك، أو ولدتك أمك من الزنا، وجب أيضا عليه الحد، وكان مطالبة في ذلك إلى أمه، إلا في قوله يا بن الزاني فإن المطالبة في ذلك إلى أبيه. فإن عفت عنه، جاز عفوها، لأن ذلك من حقوق الآدميين، ولا يجوز عفو غيرها مع كونها حية وإن كانت ميتة، ولم يكن لها ولي غير المقذوف كان إليه المطالبة والعفو، فإن كان لها وليان أو أكثر من ذلك، وعفى بعضهم أو أكثرهم كان لمن بقي ممن لم يعف المطالبة وإقامة الحد عليه على الكمال، ولا يسقط منه بقدر حقوقهم وعفوهم شئ على حال على ما بيناه في باب الشركة وأوضحناه (1). ومن كان له العفو، فعفى في شئ من الحدود التي تختص بالآدميين، لم يكن له بعد ذلك المطالبة ولا الرجوع فيه. فإن قال له يا بن الزاني، أو زنى بك أبوك، أو لاط أو ولدك من حرام، كان عليه الحد لأبيه دون أمه ودونه، لأن أباه المقذوف هاهنا فإن كان حيا، كان له المطالبة والعفو، وإن كان ميتا، كان لأوليائه الذين هم وراثه سوى الزوج والزوجة حسب ما ذكرناه في الأم سواء. وشيخنا أبو جعفر قال في نهايته فإن قال له ولدت من الزنا، وجب عليه الحد، وكان المطالبة في ذلك إلى أمه (2). وهذا غير واضح، لأنه محتمل (3) إما أن تكون الأم هي الزانية، أو يكون الأب هو الزاني دون الأم، فمع الاحتمال كيف يختص بالأم دون الأب، ووجه

(1) الجزء الثاني ص 398.
(2) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في الفرية وما يوجب التعزير.
(3) ج. ل. يحتمل.

[ 518 ]

احتماله أنه قد تكون الأم غير زانية من هذه الولادة والأب زانيا منها، بأن تكون مكرهة على الزنا غير مطاوعة، والأب يكون زانيا بأن يكرهها على الزنا فيكون هو الزاني دونها، وقد تكون هي الزانية دون الواطي، بأن لا تعلم أن لها زوجا فتقول لمن يريد نكاحها لا زوج لي، وأنا خلو من الأزواج، فيتزوجها فتكون هي زانية، والواطي غير زان في هذه الولادة. فإذا ثبت ذلك وتقرر الاحتمال لما قلناه، كيف يختص الحد بها مع هذا الاحتمال، بل على ما حررناه يختص بواحد منهما المطالبة بالحد، بأن يقول ولدك أبوك من الحرام، أو من زنا، فيكون المطالب بإقامة الحد الأب دون الأم، فإن قال ولدتك أمك من حرام أو من زنا، فيكون المطالبة بإقامة الحد عليه الأم (1) دون الأب، فليلحظ ذلك. فإن قال له يا بن الزانيين أو أبواك زانيان، أو زنى بك أبواك، كان عليه حدان، حد للأب وحد للأم، فإن كانا حيين، كان لهما المطالبة أو العفو، وإن كانا ميتين، كان لورثتهما ذلك حسب ما قدمناه. فإن قال له أختك زانية، أو أخوك زان، كان عليه الحد لأخته أو لأخيه، إذا كانا حيين، فإن كانا ميتين كان لورثتهما وأوليائهما ذلك على ما رتبناه. وحكم العم والعمة والخال والخالة، وساير ذوي الأرحام حكم الأخ والأخت، في أن الأولى بهم يقوم بمطالبة الحد، ويكون له العفو على ما بيناه. فإن قال له ابنك زان، أو لايط، أو ابنتك زانية، أو قد زنت، كان عليه الحد، وللمقذوف المطالبة بإقامته عليه، سواء كان ابنه أو بنته، حيين أو ميتين، وكان إليه أيضا العفو، إلا أن يسبقه الابن أو البنت إلى العفو، فإن سبقا إلى ذلك، كان عفوهما جايزا على (2) ما روى أصحابنا، وأورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (3).

(1) ج. للأم.
(2) لم نجد الرواية في خصوص المورد، ولعله مستفاد من موثقة سماعة، الباب 20 من أبواب حد قذف الوسائل، الحديث 3.
(3) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في الفرية وما يوجب التعزير.

[ 519 ]

والذي يقتضيه المذهب، إنهما إن كانا حيين غير مولى عليهما، فالحق لهما وهما المطالبان به، ولا يجوز لأحد العفو عنه دونهما، ولهما العفو عنه، لأن حد القذف حد من حقوق الآدميين يستحقه صاحبه المقذوف به دون غيره، فليلحظ ذلك. فإن قال لغيره يا زان فأقيم عليه الحد، ثم قال له ثانيا يا زان، كان عليه حدثان، فإن قال إن الذي قلته لك كان صحيحا، لم يكن عليه حد، وكان عليه التعزير، لأنه ما صرح بالقذف في قوله إن الذي قلته لك كان صحيحا. فإن قال له يا زان دفعة بعد أخرى مرات كثيرة، ولم يقم عليه فيما بينها (1) الحد بشئ من ذلك، لم يكن عليه أكثر من حد واحد. ومن أقيم عليه الحد في القذف ثلاث مرات قتل عند أصحابنا في الرابعة، أو في الثالثة على ما روي عنهم عليه السلام، أن أصحاب الكباير يقتلون في الثوالث (2)، وهو الصحيح وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في استبصاره (3). فإن قذف جماعة رجال أو نساء أو رجالا ونساء نظرت، فإن قذف واحدا بعد واحد كل واحد منهم بكلمة مفردة، فعليه لكل واحد منهم حد القذف، سواء جاؤا به متفرقين أو مجتمعين فإن قذفهم بكلمة واحدة فقال زنيتم أو أنتم زناة، فالذي رواه أصحابنا وأجمعوا عليه، أنه إن جاؤا به متفرقين، كان لكل واحد منهم حد كامل وإن جاؤا به مجتمعين، كان عليه حد واحد لجماعتهم فحسب، ومخالفونا اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا. ومن قال لغيره من الكفار أو المماليك يا بن الزاني، أو يا بن الزانية، وكان أبواه مسلمين أو حرين، كان عليه الحد كاملا لأن الحد لمن لو واجهه بالقذف لكان له (4) الحد تاما، ولأن الحر أو المسلم المقذوف، والحد يستحقه المقذوف دون غيره. وروي (5) أن من قال لمسلم أمك زانية، أو يا بن الزانية، وكانت أمه كافرة أو

(1) ج. ل. بينهما.
(2) الوسائل، الباب 5 من أبواب مقدمات الحدود، والباب 11 من أبواب حد المسكر.
(3) الاستبصار، ج 4، الباب 123 من كتاب الحدود، ص 212.
(4) ج. لكان الحد له.
(5) الوسائل، الباب 17 من أبواب حد القذف، ح 6.

[ 520 ]

أمة، كان عليه الحد تاما لحرمة ولدها المسلم الحر. والأصل مراعاة التكافؤ للقاذف، أو علو المقذوف كما قدمناه أولا في صدر الباب. وإذا تقاذف أهل الذمة أو العبيد أو الصبيان بعضهم لبعض، لم يكن عليهم حد، وكان عليهم التعزير. وإذا قال لغيره قد زنيت بفلانة، وكانت المرأة ممن يجب لها الحد كاملا، وجب عليه حدان، حد للرجل، وحد للمرأة، مع مطالبتهما جميعا بإقامة الحد عليه. وكذلك إذا قال لطت بفلان كان عليه حدان، حد للمواجه، وحد لمن نسبه إليه. فإن كانت المرأة أو الذكر غير بالغين، أو مع كونهما بالغين لم يكونا حرين، أو لم يكونا مسلمين، كان عليه الحد تاما للمواجه، لأجل قذفه إياه، ويجب مع ذلك عليه التعزير لنسبته له إلى هؤلاء. والذي يقتضيه الأدلة، إنه لا يجب على قائل ذلك سوى حد واحد، وإن كان المقول لهما بالغين حرين، لأنه إذا قال له زنيت بفلانة، أو لطت بفلان، فقد قذفه بلا خلاف، وأما المرأة والرجل فليس بقاذف لهما، لأنه قد لا تكون المرأة زانية، بأن تكون مكرهة على الزنا، وكذلك الرجل قد لا يكون مختارا، بل يكون مكرها على اللواط، فالزنا واللواط متحققان في جهة المقول لهما، وغير متحقق في جنبة من فعل به ذلك، فالشبهة حينئذ حاصلة بغير خلاف وبالشبهة لا يحد لقوله عليه السلام المجمع عليه، ادرؤا الحدود بالشبهات (1) وهذا القول الواقع به الفعل من أعظم الشبهات، فليلحظ ذلك. وإنما أورد شيخنا ذلك في نهايته (2) إيرادا، لا اعتقادا كما أورد أمثاله. وإذا قال له زنت زوجتك، أو يا زوج الزانية، وجب عليه الحد لزوجته، وكان

(1) الوسائل، الباب 24، من أبواب مقدمات الحدود والتعزير، ح 4.
(2) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في الفرية وما يوجب التعزير.

[ 521 ]

إليها المطالبة والعفو دون زوجها، فإن كانت ميتة، كان ذلك لأوليائها دون الزوج، لأن الأزواج عندنا لا يرثون من الحد شيئا. وجملة القول وعقد الباب إن حد القذف يورث، ويرثه من يرث المال، الرجال والنساء من ذوي الأنساب، فأما ذووا الأسباب فلا يرثون منه شيئا، والمراد بذوي الأسباب هاهنا، الزوج والزوجة دون من عداهما من ذوي الأسباب، لإجماع أصحابنا على ذلك، فإذا ثبت ذلك فإنهم يستوجبونه ويستحقونه وكل واحد منهم حتى لو عفا الكل أو ماتوا إلا واحدا، كان لذلك الواحد أن يستوفيه، فهو بمنزلة الولاية في النكاح عند المخالف، هو (1) لكل الأولياء ولكل واحد منهم. ومن قال لولد الملاعنة يا بن الزانية، أو زنت بك أمك، كان عليه الحد لأمه كاملا تاما. فإن قال لولد الزنا الذي أقيم على أمه الحد بالزنا، يا ولد الزنا، أو زنت بك أمك، لم بكن عليه الحد تاما، وكان عليه التعزير. فإن قال له يا بن الزانية، وكانت أمه قد تابت وأظهرت التوبة، كان عليه الحد تاما، لأنها بعد توبتها صارت محصنة عفيفة. ويثبت الحد بالقذف بشهادة عدلين، أو إقرار القاذف على نفسه مرتين بأنه قذف معلوم العين محصنا، فإذا ثبت ذلك أقيم عليه الحد بعد مطالبة المقذوف أو وارثه بإقامته عليه، وليس للحاكم إقامة الحد قبل المطالبة، لأنه من حقوق الآدميين على ما أسلفنا القول فيه وحررناه (2). ولا يكون الحد فيه كما هو في شرب الخمر والزنا في الشدة، بل يكون دون ذلك. ويجلد القاذف من فوق الثياب، ولا يجرد على حال. وليس للإمام أن يعفو عن القاذف، بل ذلك إلى المقذوف على ما بيناه (3)، سواء كان أقر بالقذف على نفسه، أو قامت به عليه البينة، أو تاب القاذف أو

(1) ج. هذا. ل. فهو.
(2) و (3) في ص 517 - 519.

[ 522 ]

لم يتب، فإن العفو في جميع هذه الأحوال إلى المقذوف. وذهب شيخنا أبو جعفر في الجزء الثالث من الاستبصار، إلى أن المقدوف بعد رفعه القاذف إلى الإمام وثبوت القذف عليه، ليس له أن يعفو عنه (1). والصحيح أن للمقذوف العفو على كل حال، لأن ذلك من حقوق الآدميين، وإلى هذا ذهب في نهايته (2) فليلحظ ذلك. ومن قذف محصنا أو محصنة، لم تقبل شهادته بعد ذلك إلا أن يتوب ويرجع ويصلح عمله، ولا تقبل شهادته بمجرد توبته، إلا بعد إصلاح العمل على ما قلناه في كتاب الشهادات (3) فإنا بلغنا فيه إلى أبعد الغايات. فأما كيفية التوبة من القذف، فإن الناس اختلفوا في ذلك، فالذي يقوى في نفسي ويقتضيه أصول مذهبنا، أن يقول القذف باطل حرام، ولا أعود إلى ما قلت، لأنه إذا قال كذبت فيما قلت، ربما كان كاذبا في هذا، لجواز أن يكون صادقا في الباطن، وقد تعذر عليه تحقيقه، فإذا قال القذف باطل حرام، فقد اكذب نفسه، وقوله لا أعود إلى ما قلت، فهو ضد ما كان منه. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ومن قذف محصنا أو محصنة، لم تقبل شهادته بعد ذلك، إلا أن يتوب ويرجع، وحد التوبة والرجوع عما قذف، هو أن يكذب نفسه في ملاء من الناس، في المكان الذي قذف فيه فيما قاله، فإن لم يفعل ذلك لم يجز قبول شهادته بعد ذلك (4). إلا أنه رجع عن ذلك في مبسوطه، في الجزء السادس في كتاب الشهادات فقال فصل في شهادة القاذف، إذا قذف الرجل رجلا أو امرأة، فقال زنيت أو أنت زان، لم يخل من أحد أمرين، إما أن يحقق قذفته (5)، أو لا يحققه، فإن حققه نظرت.

(1) الاستبصار، ج 4، الباب 133، من كتاب الحدود، ص 232.
(2) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في الفرية...
(3) في الجزء الثاني: ص 116.
(4) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في الفرية...
(5) ج. ل. قذفه.

[ 523 ]

فإن كان المقذوف أجنبيا حققه بأحد أمرين، إما أن يقيم البينة أنه زنى، أو يعترف المقذوف بالزنا، فإن كان المقذوف زوجته، فإنه يحقق قذفه بأحد ثلاثة أشياء، البينة، أو اعترافها، أو اللعان، فمتى حقق قذفه، وجب على المقذوف الحد، وبان إنه لم يكن قاذفا ولا حد عليه، ولا ترد شهادته، ولا يفسق. وأما إن لم يحقق قذفه، فقد تعلق بقذفه ثلاثة أحكام، وجوب الجلد ورد الشهادة والتفسيق لقوله " والذين يرمون المحصنات إلى قوله " وأولئك هم الفاسقون "، فإن تاب القاذف، لم يسقط الجلد بالتوبة، وزال فسقه بمجرد التوبة بلا خلاف، وهل تسقط شهادته أبدا فلا تقبل أم لا؟ فعندنا وعند جماعة لا تسقط، بل تقبل بعد ذلك وعند قوم لا تقبل. فأما كيفية التوبة، فجملتها أنه إذا قذفه، تعلق بقذفه ثلاثة أحكام، الجلد ورد الشهادة والفسق الذي تزول به ولايته على الأطفال والأموال، وترد به شهادته. ثم لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يحقق قذفه أو لا يحققه، فإن حقق القذف، إما بالبينة أو باعتراف المقذوف إن كان غير زوجة، أو بهما، أو باللعان إن كانت زوجة، فمتى حقق القذف فلا جلد عليه، وهو على العدالة والشهادة، لأنه صح صدقه، وثبت صحة قوله، وأما المقذوف فقد ثبت زناه بالبينة، أو اللعان، أو الاعتراف، فيقام عليه الحد. فأما إن لم يحققه، فالحد واجب عليه، ورد الشهادة قائم، والفسق بحاله. والكلام بعد هذا فيما يزيل ذلك عنه، أما الحد فلا يزول عنه إلا بأحد أمرين استيفاء أو إبراء، وأما الفسق والشهادة فهما متعلقان بالتوبة. والتوبة ضربان باطنة وحكمية، فالباطنة توبته فيما بينه وبين الله، وهي تختلف باختلاف المعصية. وجملته أن المعصية لا تخلو من أحد أمرين، إما أن يجب بها حق أو لا يجب، فإن لم يجب بها حق مثل أن قبل أجنبية، أو لمسها بشهوة، أو وطأها فيما دون الفرج، فتوبته هاهنا الندم على ما كان، والعزم على أن لا يعود، فإذا فعل هذا فقد تاب لقوله تعالى " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن

[ 524 ]

يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم " (1) فإذا أتى بالاستغفار وترك الاصرار، صحت توبته وغفر الله ذنبه. فأما إن كانت المعصية مما يجب بها حق، لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون حقا على البدن أو في مال، فإن كانت في مال كالغصب والسرقة والاتلاف، فتوبته الندم على ما كان، والعزم على أن لا يعود، والخروج من المظلمة بحسب الامكان، فإن كان موسرا بها متمكنا من دفعها إلى مستحقها، خرج إليه منها، فإن كانت قائمة ردها، وإن كانت تالفة رد مثلها إن كان لها مثل، وقيمتها إن لم يكن لها مثل، وإن كان قادرا غير أنه لا يتمكن من المستحق لجهله، أو كان عارفا غير أنه لا يقدر على الخروج إليه منها، فالتوبة بحسب القدرة وهي العزم على أنه متى تمكن من ذلك فعل، وكذلك إذا منع الزكاة مع القدرة عليها، فهي كالدين والمظالم، وقد بيناه. هذا إذا كانت المعصية حقا في مال، فأما إن كانت المعصية حقا على البدن، لم يخل من أحد أمرين، إما أن تكون لله أو للآدميين، فإن كان للآدميين فهو القصاص وحد القذف، فالتوبة الندم على ما كان، والعزم على أن لا يعود، والتمكين من الاستيفاء من حد أو قصاص، كالأموال سواء. وأما إن كان حقا لله كحد الزنا والسرقة وشرب الخمر، لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون مشتهرا أو مكتوما، فإن كان مكتوما لا يعلم به الناس، ولم يشتهر ذلك عليه، فالتوبة الندم على ما كان، والعزم على أن لا يعود، والمستحب له أن يستر على نفسه، ويكون على الكتمان، لقوله عليه السلام من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر (2) يستر الله فإن من أبدى لنا صفحته، أقمنا عليه حد الله (3)، وقال صلى الله عليه وآله لهزال بن شرجيل، حين أشار على ماعز بن مالك أن يعترف بالزنا، هلا

(1) سورة آل عمران، الآية 135 - 136.
(2) ج. فليستر يستر الله عليه.
(3) موطأ مالك، الباب 2 من كتاب الحدود، الحديث 1 (ج 2، ص 825) وفيه: " من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله ".

[ 525 ]

سترته بثوبك يا هزال (1)، فإن خالف وجاء واعترف بذلك، لم يحرم ذلك عليه، لما روي أن الغامدية (2) وماعز بن مالك اعترفا عند النبي عليه السلام بالزنا، فلم ينكر ذلك، بل رجم كل واحد منهما (3). وأما إن كان مشتهرا شايعا بين الناس، فالتوبة الندم على ما كان، والعزم على أن لا يعود، وأن يأتي الإمام فيعترف به عنده ليقيم عليه الحدود. والفصل بينهما أنه إذا لم يكن مشتهرا كان في ستره فائدة، وهو أن لا يشتهر به، ولا يضاف إليه، وليس كذلك هاهنا، لأنه إذا كان مشتهرا ظاهرا، فلا فائدة في ترك إقامته عليه. وعندي أنه لا يجوز له أن يشتهر به، ولا يعترف، وأن يتوب فيما بينه وبين الله، ويقلع عما كان ويتوفر على الأعمال الصالحات، لعموم الخبر الذي تقدم. هذا كله في حدود الله قبل أن يتقادم عهدها أو يقادم عهدها وقيل لا يسقط بتقادم العهد، فأما من قال يسقط بتقادم العهد، فلا يعترف بذلك بحال، لأنه لا حد عليه، فمتى اعترف كان اعترافا بغير حق هذا الكلام في التوبة الباطنة. فأما الكلام في التوبة الحكمية، وهي التي تقضى له بها بالعدالة، وقبول الشهادة، فلا تخلو المعصية من أحد أمرين، إما أن تكون فعلا أو قولا، فإن كانت فعلا كالزنا والسرقة واللواط والغصب وشرب الخمر، فالتوبة هاهنا أن يأتي بالضد مما كان عليه، وهو صلاح عمله لقوله تعالى " إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات " (4) فإذا ثبت أنها صلاح عمله، فمدته التي تقبل بها شهادته سنة، ومن الناس من قال يصلح عمله ستة أشهر. فأما إن كانت المعصية قولا لم يخل من أحد أمرين، إما أن تكون ردة أو قذفا، فإن كان ردة فالتوبة الاسلام، وهو أن يأتي بالشهادتين أشهد أن لا إله إلا الله، وإن

(1) سنن أبي داود، الباب 6 من كتاب الحدود، الحديث (الرقم 4377. ج 4، ص 134) وفيه: وقال لهزال: " لو سترته بثوبك كان خيرا لك ".
(2) ل. العامرية.
(3) راجع الباب 24 و 25 من كتاب حدود سنن أبي داود. (ج 4، ص 145... 152).
(4) سورة الفرقان، الآية. 7.

[ 526 ]

محمد رسول الله، وأنه برئ من كل دين خالف الاسلام، فإذا فعل هذا فقد صحت توبته، وثبتت عدالته، وقبلت شهادته، ولا يعتبر بعد التوبة مدة يصلح فيها عمله، لأنه إذا فعل هذا فقد أتى بضد المعصية. وأما إن كانت المعصية قذفا لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون قذف سب، أو قذف شهادة، فإن كانت قذف سب، فالتوبة هي إكذابه نفسه، لما روي عن النبي عليه السلام في قوله " وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا " (1) قال النبي عليه السلام توبته إكذابه نفسه (2) فإذا تاب قبلت شهادته. فإذا ثبت أن التوبة إكذابه نفسه، فاختلفوا في كيفيته، قال قوم أن يقول القذف باطل حرام، ولا أعود إلى ما قلت، وقال بعضهم التوبة إكذابه نفسه وحقيقة ذلك أن يقول كذبت فيما قلت، وروي ذلك في أخبارنا (3) والأول أقوى، لأنه إذا قال كذبت فيما قلت، ربما كان كاذبا في هذا، لجواز أن يكون صادقا في الباطن، وقد تعذر عليه تحقيقه، فإذا قال القذف باطل حرام، فقد اكذب نفسه، وقوله لا أعود إلى ما قلت، فهو ضد ما كان منه. فإذا ثبت صفة التوبة فهل تفتقر عدالته التي تقبل بها شهادته إلى صلاح العمل أم لا؟ قال قوم مجرد التوبة يجزيه، وقال قوم لا بد من صلاح العمل، وهو الأقوى، لقوله " إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا " (4) فمن قال لا يفتقر إلى صلاح العمل، فلا كلام، ومن قال يفتقر إليه، فصلاح العمل مدة سنة على ما مضى هذا الكلام في قذف السب. وأما قذف الشهادة فهو أن يشهد بالزنا دون الأربعة، فإنهم فسقة، وقال قوم يحدون، وقال آخرون لا يحدون، فالتوبة هاهنا أن يقول قد ندمت على ما كان مني،

(1) سورة النور، الآية 5.
(2) تفسير الدر المنثور، في تفسير سورة النور، ج 5، ص 20، وفيه: " توبتهم إكذابهم أنفسهم، فإن كذبوا أنفسهم قبلت شهادتهم ".
(3) الوسائل: الباب 36 من أبواب الشهادات، ح 1 - 4 - 5.
(4) سورة النور، الآية 5.

[ 527 ]

ولا أعود إلى ما اتهم فيه، لا يقول ولا أعود إلى ما قلت، لأن الذي قاله شهادة، فيجزيه أن يقول لا أعود إلى ما اتهم فيه، فإذا قال هذا، زال فسقه، وثبتت عدالته، وقبلت شهادته، ولا يراعى صلاح العمل. والفرق بين هذا وبين قذف السب، هو أن قذف السب، ثبت فسقه بالنص، وهذا بالاجتهاد عندهم، ويجوز للإمام عندنا أن يقول تب أقبل شهادتك، فقال بعضهم لا أعرف هذا، وإنما قلنا ذلك، لأن النبي عليه السلام أمر بالتوبة (1). هذا آخر الفصل الذي من كلام شيخنا أبي جعفر رحمه الله أوردته على جهته، من غير مداخلة مني له بشئ من الكلام، فإنه سديد في موضعه إلا في قوله وحده صلاح العمل لسنة أو ستة أشهر، فإن هذا مذهب الشافعي، فأما نحن معشر شيعة أهل البيت عليهم السلام فلا نعتبره بزمان ولا مدة، بل صلاح عمله، ولو عرف ذلك منه في ساعة واحدة، لأن ما خالف ذلك لا دليل عليه. وقد رجع شيخنا عن ذلك في مسائل خلافه فقال مسألة إذا اكذب نفسه وتاب، لا تقبل (2) شهادته حتى يظهر منه العمل الصالح، وهو أحد قولي الشافعي إلا أنه اعتبر ذلك سنة، ولم نعتبره نحن، لأنه لا دليل عليه، هذا آخر كلامه في مسائل خلافه (3). فانظر أرشدك الله إلى قوله في مبسوطه، وجعل ما ذكره وأورده في نهايته (4) رواية واعتمد على ما اخترناه، لوضوحه عنده وموافقته الأدلة، فلا يرجع عن ذلك بأخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا. ومن قذف مكاتبا ضرب بحساب ما عتق منه حد الحر ويعزر بالباقي الذي كان رقا.

(1) المبسوط، ج 8 كتاب الشهادات، ص 176 - 179.
(2) ج. فلا تقبل.
(3) الخلاف، كتاب الشهادات، مسألة 13.
(4) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في الفرية... والعبارة هكذا، وحد التوبة والرجوع عما قذف هو أن يكذب نفسه في ملاء من الناس في المكان الذي قذف فيه وقال في كتاب الشهادات وحد توبته من القذف أن يكذب نفسه فيما ادعى وكان قذف به... وكيف كان ليس في كلامه قدس سره في الموردين اعتبار العمل الصالح. فراجع.

[ 528 ]

وإذا قال الرجل لامرأته يا زانية، أنا زنيت بك، كان عليه حد القاذف، لقذفه إياها، ولم يكن عليه لإضافة الزنا إلى نفسه شئ إلا أن يقر أربع مرات، فإن أقر أربع مرات، كان عليه حد الزنا مع ذلك على ما بيناه، فإن كان إقراره أقل من ذلك، لم يجب عليه حد الزنا، ووجب عليه التعزير، لإضافة الفاحشة إلى نفسه. وإذا قال الرجل لولده يا زاني أو قد زنيت، لم يكن عليه حد، فإن قال يا بن الزانية ولم ينتف منه، كان عليه الحد لزوجته أم المقذوف، إن كانت حرة مسلمة حية، فإن كانت ميتة وكان وليها ووارثها أولاده، لم يكن لهم المطالبة له بالحد، فإن كان لها أولاد من غيره أو وارث سوى أولادها ممن يشارك الأولاد في الميراث، كان لهم المطالبة بالحد على الكمال ولا يسقط من حيث أن الأولاد ليس لهم أن يطالبوا الأب بحقهم من الحد، وكذلك لو عفا جميع الوراث إلا واحدا كان له المطالبة بإقامة الحد على الكمال، على ما حررناه فيما مضى وبيناه (1). فإن انتفى من ولده، كان عليه أن يلاعن أمه على ما بيناه في باب اللعان (2)، فإن انتفى منه بعد إن كان أقر به، وجب عليه الحد، وكذلك إن قذفها بعد انقضاء اللعان، كان على الحد. وإذا تقاذف نفسان بما يجب فيه الحد، سقط عنهما الحد، وكان عليهما جميعا التعزير، لئلا يعود إلى مثل ذلك، على ما رواه (3) أصحابنا وأجمعوا عليه. وإذ قال الانسان لغيره يا قرنان، أو يا كشحان، أو يا ديوث، وكان متكلما باللغة التي تفيد فيها هذه اللفظة رمي الانسان بزوجة أو أخت، وكان عالما بمعنى اللفظة، عارفا بها، كان عليه الحد، كما لو صرح بالقذف بالزنا على ما بيناه، فإن لم يكن عارفا بمعنى اللفظة، لم يكن عليه حد القاذف، ثم ينظر في عادته وعرفه في استعماله هذه اللفظة، فإن كان قبيحا غير أنه لا يفيد القذف، أدب وعزر، وإن كان يفيد غير القذف وغير القبح في عرفه وعادته، لم يكن عليه تعزير.

(1) في ص 517.
(2) في الجزء الثاني، ص 702.
(3) الوسائل، الباب 18 من أبواب حد القذف، ح 1 - 2.

[ 529 ]

ومن قال لغيره يا فاسق، أو يا خائن، أو يا سارق، أو يا شارب خمرا، أو شيئا من أسباب الفسق، وهو على ظاهر العدالة، لم يكن عليه حد القاذف، وكان عليه التعزير. وإذا قال له أنت ولد حرام، فهو كقوله أنت ولد زنا، وقد قدمنا (1) أحكام ذلك فلا وجه لإعادته، إذ لا فرق بينهما في العرف وعادة الناس وما يريدونه بذلك. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا قال له أنت ولد حرام، أو حملت بك أمك في حيضها، لم يكن عليه حد الفرية، وكان عليه التعزير (2). وما ذهبنا إليه هو الظاهر في الاستعمال، والمتعارف في هذه اللفظة، فأما ما ذكره من قوله حملت بك أمك في حيضها، فلا يجب به حد القذف، بل فيه التعزير. وشاهد الزور يجب عليه التعزير بما دون الحد، وينبغي للسلطان أن يشهره في المصر، ليعرفه الناس، فلا يسمع منه قول، ولا يلتفت إليه في شهادة، ويحذره المسلمون. وقول القائل للمسلم أنت خسيس، أو وضيع، أو رقيع، أو نذل، أو ساقط، أو بخيل، أو نجس، أو كلب، أو خنزير، أو حمار، أو ثور، أو مسخ، وما أشبه ذلك، يوجب التعزير والتأديب، وليس فيه حد محدود، فإن كان المقول له بذلك مستحقا للاستخفاف، لضلاله عن الحق، لم يجب على القائل له تأديب، وكان باستخفافه به مأجورا. وقد قلنا إن من قال لغيره يا فاسق وهو على ظاهر الاسلام والعدالة، وجب عليه التعزير، فإن قال له ذلك وهو على ظاهر الفسق، فقد صدق عليه، وأجر في الاستخفاف به والاهانة. فإن قال له يا كافر وهو على ظاهر الايمان، ضرب ضربا وجيعا تعزيرا له بخطابه على ما قال، فإن كان المقول له جاحدا لفريضة عامة من فرائض الاسلام،

(1) في ص 517 - 518.
(2) النهاية، كتاب الحدود، باب الحد في الفرية وما يوجب التعزير.

[ 530 ]

فقد أحسن المكفر له، وأجر بالشهادة بترك الايمان. وإذا واجه انسان غيره بكلام يحتمل السب له، ويحتمل غيره من المعاني والاغراض، كان عليه الأدب بذلك، إلا أن يعفو عنه الانسان المخاطب، كما قدمناه. ومن عير انسانا بشئ من بلاء الله، وأظهر عنه ما هو مستور من البلايا والأمراض، وجب عليه بذلك التأديب، وإن كان محقا فيما قال، لأذاه وإيلامه المسلمين بما يشق عليهم ويؤلمهم من الكلام، فإن كان المعير بذلك ضالا كافرا مخالفا لأهل الايمان، لم يستحق المعير له بذلك أدبا ولا عقوبة على كل حال. وكل شئ يؤذي المسلمين من الكلام، دون القذف بالزنا واللواط، ففيه التعزير على ما يراه سلطان الاسلام، أو المنصوب من قبل السلطان. وقد روي أن رجلا قال لآخر إني احتلمت البارحة في منامي بأمك، فاستعدى عليه إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وطلب إقامة الحد عليه، فقال له أمير المؤمنين إن شئت ضربت لك ظله، ولكني أحسن أدبه، لئلا يعود بعدها إلى أذى المسلمين، ثم أوجعه ضربا على سبيل التعزير (1). ولم يرد أمير المؤمنين عليه السلام بقوله إن شئت ضربت لك ظله، إن ضرب الظل واجب، أو شئ ينتفع به، وإنما أراد إن الحلم لا يجب به حد وحلم النائم في البطلان، كضرب الظل الذي لا يصل ألمه إلى الانسان، فنبهه عليه السلام على تجاهله بالتماس الحدود على الحلم في المنام، وضرب له في فهم ما أراد تفهيمه إياه هذا المثال. وإذا قذف ذمي ذميا بالزنا واللواط، وترافعا إلى سلطان الاسلام، أدب القاذف، ولم يجلده كحد قاذف أهل الاسلام. فإن تساب أهل الذمة بما سوى القذف بالزنا واللواط بما يوجب فعله الحدود، أدبوا على ذلك كما يؤدب أهل الاسلام، فإن تسابوا بالكفر والضلال، أو تنابزوا

(1) الوسائل، الباب 24، من أبواب حد القذف، ح 1 - 2.

[ 531 ]

بالألقاب، أو عير بعضهم بعضا بالبلايا، لم يؤدب أحد منهم على ذلك، إلا أن يثمر فسادا في البلاد فيدبر أمرهم حينئذ بما يمنع من الفساد. وإذا أقامت البينة على انسان بأنه اغتاب مسلما، أو نبزه بلقب مكروه، أدب على ذلك بما دون الحد. وإذا تساب الصبيان، أدبوا على ذلك بما يردعهم من بعد عن السباب، وقد قدمنا أن القذف بالزنا واللواط يوجب الحد على القاذف بهما بأي اللسان كان به قاذفا، وبأي لغة قذف وافترى. وفي التعرض بالقذف دون التصريح به التعزير دون الحد. وإذا تواضع أهل بلد أو لغة على لفظ يفيد ما أفاده القذف بالزنا واللواط على التصريح، فاستعمله انسان منهم، كان قاذف وجب عليه الحد تاما به كما يجب على القاذف بالتصريح في اللغة العربية واللسان. وقلنا (1) إذا قال الانسان لغيره يا قرنان، وكان هذا اللفظ موضوعا بين أهل الوقت أو الناحية على قذف الزوجة بالزنا، حكم عليه بما يحكم على من قال لصاحبه زوجتك زانية، وكذلك إذا قال له يا ديوث، وإذا قال له يا كشحان، وقصد بذلك على عرفه رمي أخته بالزنا، كان قاذفا ووجب عليه له، كما يجب عليه إذا قال له أختك زانية، فإن تلفظ بهذه الألفاظ من لا يعرف التواضع عليها لما ذكرناه، وكانت عنده موضوعة لغير ذلك من الأغراض، لم يكن بها قاذفا ولم يجب عليه بها حد المفتري، ولكن ينظر في معناها على عادته، فإن كان جميلا حسنا من القول عنده، لم يكن بذلك عليه تبعة، وإن كان قبيحا لاحقا بالسباب الذي لا يفيد القذف بالزنا واللواط، عزر عليها وأدب تأديبا يردعه عن العود إلى أذى المسلمين. وقد قلنا إن شهود الزور يعزرون ويشهرون في مصرهم، وكيفية ذلك أن ينادى عليهم في محلتهم أو قبيلتهم، هؤلاء شهود زور، فاجتنبوهم واحذروهم، ويغرمون ما شهدوا به إن كان (2) قد أتلفوا بشهادتهم شيئا، على ما بيناه في كتاب الشهادات.

(1) في ص 528.
(2) ج. كانوا.

[ 532 ]

وإذا قال الرجل لامرأته بعد ما دخل بها لم أجدك عذراء، قاصدا وهنها، كان عليه بذلك التعزير. ومن هجا غيره من أهل الاسلام، كان عليه بذلك التأديب، فإن هجا أهل الحرب دون من بيننا وبينهم ذمة، لم يكن عليه شئ على حال، فإن حسان بن ثابت أمره الرسول عليه السلام بهجاء مشركي قريش وقال عليه السلام إنه شر عليهم من النبل (1). ومن سب رسول الله صلى الله عليه وآله أو واحدا من الأئمة عليهم السلام صار دمه هدرا، وحل لمن سمع ذلك منه قتله ما لم يخف على نفسه الضرر، أو على غيره من أهل الايمان، أو ماله، فإن خاف على نفسه أو على أحد من المؤمنين ضررا في الحال، أو في مستقبل الأوقات، فلا يجوز له التعرض به على حال. ومن ادعى أنه نبي، حل دمه ووجب قتله، ومن قال لا أدري النبي صلى الله عليه وآله صادق أم كاذب، وأنا شاك في ذلك، وجب قتله، إلا أن يقر به هذا في حق من كان على ظاهر الاسلام. ومن أفطر في شهر رمضان يوما متعمدا، وجب عليه التعزير والعقوبة المردعة، فإن أفطر ثلاثة أيام سئل هل عليك في ذلك شئ أم لا؟ فإن قال لا، وجب قتله، فإن قال نعم زيد في عقوبته بما يرتدع معه عن مثله، فإن لم يرتدع وجب قتله، وكذلك تارك الصلاة عن غير عذر، يعزر في أول دفعة وثاني دفعة، ويقتل في الثالثة، لقولهم عليهم السلام - أصحاب الكبائر يقتلون في الثوالث - (2). والمرتد عن الاسلام على ضربين، مرتد كان ولد على فطرة الاسلام، فهذا يجب قتله على كل حال من غير أن يستتاب، ومرتد كان قد أسلم عن كفر ثم ارتد، يجب أن يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه. والمرتدة عن الاسلام لا يجب عليها القتل، بل ينبغي أن تحبس أبدا، ويضيق عليها

(1) سنن البيهقي، ج 10 ص 238، نقلا بالمعنى.
(2) الوسائل، الباب 5 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 1، والباب 11 من أبواب حد المسكر.

[ 533 ]

في المأكول والملبوس، وتضرب في أوقات الصلوات من أي الضربين كانت، سواء كانت ارتدت عن فطرة الاسلام، أو عن إسلام تعقبه كفر (1). وروي أن من تزوج بأمة على حرة من غير إذنها، فرق بينهما، وكان عليه اثنى عشر سوطا ونصف، ثمن جلد الزاني (2). وكيفية ضرب نصف السوط أن يأخذ الجلاد بنصف السوط، ويضربه بالنصف الباقي في يده. وروي أن من أتى امرأته وهي حايض في قبلها، كان عليه خمسة وعشرون سوطا (3). ومن وطي امرأته في شهر رمضان نهارا متعمدا، كان عليه خمسة وعشرون سوطا، وعلى المرأة أيضا مثل ذلك إن طاوعته على ذلك، فإن كان أكرهها (4)، كان عليه خمسون جلدة، وعليه كفارة واحدة، وعليها أيضا مثل ذلك إن كانت مختارة، فإن كانت مكرهة كان على الرجل كفارتان. ومن قامت عليه البينة بالسحر، وكان مسلما وجب عليه القتل، فإن كان كافرا لم يكن عليه إلا التأديب والعقوبة المردعة، لأن ما هو عليه من الكفر أعظم من السحر. ولا حقيقة للسحر، وإنما هو تخيل وشعبذة، وعند بعض المخالفين إن له حقيقة، ولا خلاف بينهم إن تعليمه وتعلمه وفعله محرم، لقوله تعالى: " ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر " (5) فذم على تعليم السحر. وروى ابن عباس أنه قال: ليس منا من سحر أو سحر له، وليس منا من تكهن أو تكهن له، وليس منا من تطير أو تطير له.

(1) ج. عقيب كفر. ل. يعقبه كفر.
(2) الوسائل، كتاب النكاح، الباب 47 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، ح 2.
(3) الوسائل، الباب 28 من أبواب الحيض، ح 6 من زيادة وإن أتاها في آخر أيام حيضها فعليه أن يتصدق بنصف دينار ويضرب اثنتي عشرة جلدة ونصفا.
(4) ج. ل. فإن أكرهها.
(5) سورة البقرة، الآية 102.
(6) الدر المنثور، ذيل قوله تعالى في سورة البقرة: " فلا تكفر " ج 1 ص 103.

[ 534 ]

والرسول عليه السلام ما سحر (1) عندنا بلا خلاف، لقوله تعالى " والله يعصمك من الناس " (2) وعند بعض المخالفين إنه سحر، وذلك بخلاف التنزيل المجيد. التعريض بالقذف ليس بقذف، مثل أن تقول لست بزان، ولا أمي زانية، وكقوله يا حلال بن الحلال، ونحو هذا كله ليس بقذف، سواء كان هذا منه في حال الرضا، أو في حال الغضب. والذي يضرب الحدود إذا زاد على المقدار المستحق، وجب أن يستقاد منه. والصبي والمملوك إذا أخطأ أدبا وضرب (3) ضرب أدب، ولا يزاد على عشرة أسواط، وروي (4) أنه لا يزاد على خمس ضربات إلى ست، وروي أنه إن ضرب انسان عبده بما هو حد، كان عليه أن يعتقه كفارة لفعله (5)، وذلك على الاستحباب (6) دون الفرض والايجاب. وإذا قذف ذمي مسلما، قتل لخروجه عن الذمة بسب أهل الايمان. وقد قلنا إن المعتبر في كنايات القذف عرف القاذف دون المقذوف، وقد قلنا إنه إذا كانت الولاية في القذف لاثنين فما زاد عليهما، فلكل واحد منهما المطالبة بالحد، فإن أقيم له سقط حق الباقين، وإن عفى بعضهم سقط حقه، وكان لمن لم يعف المطالبة بالحد واستيفاؤه والعفو عنه، فإن مات المقذوف وليس له ولي، فعلى سلطان الاسلام الأخذ بحقه، لأنه وليه ووارثه. وتوبة القاذف قبل رفعه إلى الحاكم أو بعده، لا تسقط عنه القذف، سواء قامت به عليه بينة، أو كان قد أقر به دفعتين عندنا. ولا يسقط ذلك إلا بعفو المقذوف أو وليه أو وارثه من ذوي الأنساب على ما قدمناه وحررناه (7). والتعزير تأديب تعبدا لله سبحانه به لردع المعزر وغيره من المكلفين، وهو

(1) ج. ما سحر له. (2) سورة المائدة، الآية 67.
(3) ج. ل. أخطأ أدبا وضربا.
(4) الوسائل، الباب 8، من أبواب مقدمات الحدود ح 1.
(5) الوسائل، الباب 27، من أبواب مقدمات الحدود، ح 1.
(6) ج. على طريق الاستحباب.
(7) في ص 517.

[ 535 ]

مستحق بكل إخلال بواجب، وإتيان كل قبيح لم يرد الشرع بتوظيف الحد عليه، وحكمه يلزم بالاقرار مرتين، أو شهادة عدلين، فمن ذلك أن يخل ببعض الواجبات العقلية، كرد الوديعة وقضاء الدين، أو الفرايض الشرعية، كالصلاة والزكاة و الصوم والحج إلى غير ذلك من الواجبات، والفرائض المبتدأة أو المسببة والمشترطة فيلزم سلطان الاسلام أو نائبه تأديبه بما يردعه وغيره عن الاخلال بالواجب، ويحمله وسواه على فعله، ومن ذلك أن يفعل بعض القبايح. وحكم تعريض الواحد بالجماعة بما يوجب التعزير بلفظ واحد، أو لكل منهم بتعريض يخصه، ما قدمناه (1) في حكم القذف الصريح على ما اختاره شيخنا المفيد في مقنعته (2). والأولى عندي أن يعزر لكل واحد منهم فإنه قد آلمه وحمل ذلك على القذف الصريح في الجماعة بكلمة واحدة، قياس لا نقول به، وشيخنا أبو جعفر غير قائل بما قاله شيخنا المفيد في هذه الفتيا. وإذا قذف الانسان ولده أو عبده أو أمته عزر. ويعزر من سرق ما لا يوجب القطع، لاختلال بعض الشرائط كسرقة العبد من سيده، والوالد من ولده، ومن يجب نفقته ممن تجب عليه، والشريك من شريكه، وما نقص عن ربع دينار، إذا سرقه السارق من حرز، وما بلغ ربع دينار فما فوقه من غير حرز، أو من حرز مأذون فيه أو منه أو اختلس، أو أسكر، أو بنج، أو مكر، أو زور، أو طفف في كيل. ويعزر من أكل، أو شرب، أو باع، أو ابتاع، أو تعلم، أو علم، أو نظر، أو سعى، أو بطش، أو أصغى، أو أجر، أو استأجر، أو أمر، أو نهى، على وجه يقبح، ومعظم هذا ما قدمناه (3) فيما مضى مجملا ومفصلا، وأعدناه، وزدنا عليه للبيان والايضاح. والتعزير لما يناسب القذف من التعريض، والنبز والتلقيب من ثلاثة أسواط إلى

(1) في ص 519.
(2) المقنعة، باب الحد في الفرية والسب والتعريض بذلك ص 796 و 797.
(3) في ص 478.

[ 536 ]

تسعة وسبعين سوطا، وكذلك ما يناسب حد الشرب، من أكل الأشياء المحرمة وشربها، ولما يناسب الزنا، واللواط من وطي البهائم، والاستمناء بالأيدي، ووجود الرجل والمرأة لا عصمة بينهما في إزار واحد، إلى غير ذلك من ضم، أو تقبيل، أو نظر مكرر غير مباح، وكذلك حكم الرجلين في شعار واحد مجردين، وكذلك حكم المرأتين والرجل والصبي مع الريبة، على كل حال إلى غير ذلك، من ضم وتقبيل. ومن افتض بكرا بإصبعه، ومالك الأمة إذا أكرهها على البغاء، وما شاكل هذه الأفاعيل، مما يناسب الزنا واللواط من ثلاثة أسواط إلى تسعة وتسعين (1) على ما قدمناه وحررناه من قبل (2). والذي يجب تحصيله في ذلك، ويعتقد صحته، إن الحاكم يعمل في ذلك ما يرى فيه المصلحة للمكلفين، ويعزر على كل قبيح من فعل قبيح، أو ترك واجب ما لم يبلغ أعلى الحدود، وهو حد الزنا الذي هو مائة جلدة، سواء كان ذلك مما يناسب القذف وأشباهه أو ناسب الزنا وأشباهه، لأن ذلك موكول إلى ما يراه الحاكم صلاحا. وإنما ذكرنا ما فصلناه أولا على ما لوح به شيخنا في مسائل خلافه (3) ومبسوطه (4)، وذلك فروع المخالفين وتخريجاتهم، واحد من أصحابنا ما تعرض لذلك بتفصيل. والذي أعمل عليه وأفتي به، أن التعزير إذا كان للأحرار، فلا يبلغ به أدنى حدودهم، وهو (5) تسعة وسبعون، وإن كان في حق العبيد، خمسون إلا واحدا لأن حده في الزنا على النصف من حد الحر فليلحظ ذلك.

(1) ج. تسعين سوطا.
(2) في ص 466.
(3) الخلاف، لا يوجد فيه ما نسبه إليه بل في كتاب الأشربة مسألة 13 يقول هكذا، التعزير إلى الإمام بلا خلاف الخ فراجع.
(4) المبسوط ولا يوجد أيضا فيه ما نسبه إليه بل قوله في ج 8، كتاب الأشربة المسكرة ص 69 هكذا، والتعزير موكول إلى الإمام لا يجب عليه ذلك فراجع.
(5) ج. وهي.

[ 537 ]

فصل في تنفيذ الأحكام وما يتعلق بذلك ممن له إقامة الحدود والآداب المقصود في الأحكام المتعبد بها، تنفيذها، وصحة التنفيذ يفتقر إلى معرفة من يصح حكمه، ويمضي تنفيذه، فإذا ثبت ذلك فتنفيذ الأحكام الشرعية، والحكم بمقتضى التعبد فيها (1) من فروض الأئمة عليهم السلام المختصة بهم دون من عداهم ممن لم يؤهلوا لذلك، فإن تعذر تنفيذها بهم عليهم السلام وبالمأهول لها من قبلهم لأحد الأسباب، لم يجز لغير شيعتهم المنصوبين لذلك من قبلهم عليهم السلام تولى ذلك، ولا التحاكم إليه، ولا التوصل بحكمه إلى الحق، ولا تقليد الحكم مع الاختيار، ولا لمن لم يتكامل له شروط النائب عن الإمام عليه السلام في الحكم من شيعته، وهي العلم بالحق في الحكم المردود إليه، والتمكن من إمضائه على وجهه، واجتماع العقل والرأي، والحزم (2)، والتحصيل، وسعة الحلم، والبصيرة بالوضع، والتواتر بالفتيا، والقيام بها، وظهور العدالة والتدين بالحكم، والقوة على القيام به، ووضعه مواضعه. ومنعنا عن صحة الحكم لغير أهل الحق، لضلالهم عنه، وتعذر العلم عليهم بشئ منه لأجله، وتدينهم بالباطل، وتنفيذه، وفقد الإذن من ولي الحكم بالحق فيما يحكمون به منه، وذلك مقتض لاختلال معظم الشروط فيهم، ولبعض ذلك حرم على من لم يتكامل شروط الحكم فيه من أوليائهم، النيابة في تنفيذ بعض الأحكام، وتقليده ذلك، والتحاكم إليه. واعتبرنا العلم بالحكم، لما بيناه من وقوف صحة الحكم على العلم، لكون الحاكم مخبرا بالحكم عن الله تعالى، ونائبا في إلزامه عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وقبح الأمرين من دون العلم. واعتبرنا التمكن من إمضائه على وجهه، من حيث كان تقليد الحكم بين الناس

(1) ج. التعبد بها.
(2) ج. ل. الجزم.

[ 538 ]

مع تعذر تنفيذ الحق، يقتضي الحكم بالجور (1)، مع كونه كذلك ينافي الحكم بغير علم واعتبرنا اجتماع العقل والرأي، لشديد (2) حاجة الحكم إليهما، وتعذره صحيحا من دونهما. واعتبرنا سعة الحلم، لتعرضه بالحكم بين الناس للبلوى بسفهائهم، فيسعهم بحلمه. واعتبرنا البصيرة بالوضع، من حيث كان الجهل بلغة المتحاكمين إليه يسد طريق العلم بالحكم عنه (3) ويمنع من وضعه موضعه. واعتبرنا الورع، من حيث كان انتفاؤه لا يؤمن معه الحيف في الحكم لعاجل رجاء أو خوف من غيره سبحانه. واعتبرنا الزهد لئلا تطمح نفسه (4) ما لم يؤته الله تعالى، فيبعثه ذلك على تناول أموال الناس، لقدرته عليها، وانبساط يده بالحكم فيها. واعتبرنا التدين، من حيث كان تقليد الحكم رياسة دنيوية، أو الاستعلاء على النظراء، أو للمعيشة لا يؤمن معه جوره، ولا يتقى (5) ضرره. واعتبرنا القوة وصدق العزيمة في تنفيذ الأحكام، من حيث كان الضعف مانعا من تنفيذ الحكم على موجبه، ومقصرا بصاحبه عن القيام بالحق، لصعوبته وعظيم المشقة في تحمله. فمتى تكاملت هذه الشروط، فقد أذن له في تقلد الحكم، وإن كان مقلده ظالما متغلبا. وعليه متى عرض لذلك أن يتولاه لكون هذه الولاية أمرا بمعروف، ونهيا عن منكر، تعين غرضهما بالتعريض للولاية عليه، وهو إن كان في الظاهر من قبل المتغلب، فهو في الحقيقة نائب عن ولي الأمر عليه السلام في الحكم، ومأهول له لثبوت الإذن منه ومن آبائه عليهم السلام لمن كان بصفته في ذلك، فلا يحل له

(1) ج. بالجور وفيه مع. ل. بالجور فيه وهو مع.
(2) ج. ل. لشدة.
(3) ج. عنده.
(4) ج. ل. نفسه إلى ما لم.
(5) ج. ل. لا ينفي.

[ 539 ]

العقود عنه، وإن لم يقلد من هذه حاله النظر بين الناس، فهو في الحقيقة مأهول لذلك بإذن ولاة الأمر عليهم السلام وإخوانه في الدين مأمورون بالتحاكم، وحمل حقوق الأموال (1) إليه، والتمكن من أنفسهم لحد، وتأديب، تعين عليهم، ولا يحل لهم الرغبة عنه، ولا الخروج عن حكمه، وأهل الباطل محجوجون بوجود من هذه صفته، ومكلفون الرجوع إليه، وإن جهلوا حقه، لتمكنهم من العلم به، لكون ذلك حكم الله سبحانه الذي تعبد بقبوله، وحظر خلافه، ولا يحل له مع الاختيار وحصول الأمن من مضرة أهل الباطل، الامتناع من ذلك، فمن رغب عنه ولم يقبل حكمه من الفريقين، فعن دين الله رغب، ولحكمه سبحانه رد، ولرسول الله صلى الله عليه وآله خالف، ولحكم الجاهلية ابتغى، وإلى الطاغوت تحاكم. وقد تناصرت الروايات عن الصادقين عليهم السلام بمعاني ما ذكرناه، فروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال، أيما رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حق، فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه، فأبى إلا أن يرافعه إلى هؤلاء، كان بمنزلة الذين قال الله عز وجل " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به " (2) و (3) وعنه صلوات الله عليه أنه قال إياكم أن يخاصم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا، فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضيا، فتحاكموا إليه (4). وروي عن عمر بن حنظلة، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث، فيتحاكمان إلى السلطان، وإلى القضاة، أيحل ذلك؟ فقال من تحاكم إلى الطاغوت، فحكم له، فإنما يأخذ سحتا، وإن كان حقه ثابتا، لأنه أخذ بحكم الطاغوت، وقد أمر الله عز وجل أن

(1) من هنا سقط من نسخة الأصل. (2) سورة النساء، الآية 60.
(3) و (4) الوسائل، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، ح 2 - 5.

[ 540 ]

يكفر بها، قلت كيف يصنعان، قال انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فلترضوا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا، فلم يقبله منه، فإنما بحكم الله استخف، وعلينا رد والراد علينا كالراد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله (1). واعلم أن فرض هذا التحاكم، مشترط بوجود عارف من أهل الحق، وكون المتنازعين من أهله، فأما إن فقد العارف المحصل، وكان الخصم الدافع للحق مخالفا، جاز التوصل بحكم المنصوب من قبل الظالمين إلى المستحق، فلا يحل ذلك بين أهل الباطل مع وجود العارف المفتي، فإن فقد العارف بالحكم من إخوانهم في مصرهما، فليرحلا إليه، أو يصطلحا. وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال لشريح القاضي قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي أو شقي (2). يعني عليه السلام بالشقي من جلس بغير إذن من الله ورسوله وولي الأمر من بعده، لأن المأذون له في الحكم، بحكم الله يحكم، فمجلسه للحكم مجلسهما. وروي عن أبي جعفر عليه السلام، أنه قال الحكم حكمان، حكم الله وحكم الجاهلية، وقد قال الله تعالى " ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " (3) وأشهد على زيد بن ثابت، لقد حكم في الفرايض بحكم الجاهلية، فمن أخطأ حكم الله، حكم بحكم الجاهلية (4). وروي عن أبي جعفر عليهم السلام أنه قال من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله، لعنته ملائكة الرضاء وملائكة العذاب، ولحقه وزر من يعمل بفتياه (5). وروي عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال من أفتى في درهمين بغير ما أنزل الله

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، ح 4 وتمامه في التهذيب، ج 6 كتاب القضاء والأحكام، ح 6.
(2) الوسائل، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، ح 2، وفيه أو وصي نبي.
(3) سورة المائدة، الآية 50.
(4) و (5) الوسائل، الباب 4، من أبواب صفات القاضي، ح 1 - 8.

[ 541 ]

فهو كافر بالله العظيم، وقد قال الله عز وجل " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (3) والفاسقون (3) والظالمون " (5). وروي عن الرضا عليه السلام أنه قال من أفتى في درهمين فأخطأ في أحدهما كفر (6). وروي عن الصادق جعفر بن محمد عليهم السلام أنه قال إذا كان الحاكم يقول لمن عن يمينه وعن يساره ما ترى ما تقول، فعلى ذلك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، إلا يقوم من مجلسه ويجلسهما مكانه (7). فمقتضى هذا الحديث ظاهر، لأن الحاكم إذا كان مفتقرا إلى مسألة غيره، كان جاهلا بالحكم، وقد بينا قبح الحكم بغير علم، وجواب من يسأله لا يقتضي حصول العلم له بالحكم بغير شبهة، فلهذا حقت عليه اللعنة، ولأنه عند مخالفينا إن كان من أهل الاجتهاد، فهو مستغن عن غيره، ولا يحل له تقليده، وإن كان عاميا لم يحل له تقلد الحكم بين الناس، فقد حقت لعنته بإجماع إلا أن في المخالفين من يجوز للقاضي أن يستفتي العلماء ويقضي بين الناس. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال القضاة أربعة ثلاثة في النار، وواحد في الجنة، رجل قضى بجور وهو يعلم أنه جور فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم أنه جور فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم أنه حق فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم أنه حق فهو في الجنة (8). وهذا صريح بوقوف الحكم على العلم ووجوبه، واستحقاق العالم به الثواب، وفساده من دونه، واستحقاق الحاكم من دونه النار، وقد تجاوز التحريم بالحكم بالجور والتحاكم إلى حكامه، إلى تحريم مجالسة أهله.

(1) الوسائل، الباب 5، من أبواب صفات القاضي، ح 2.
(2) إلى هنا ينتهي سقط نسخة الأصل.
(3) سورة المائدة، الآية 44.
(4) سورة المائدة، الآية 47.
(5) سورة المائدة، الآية 45.
(6) الوسائل، الباب 5 من أبواب صفات القاضي، ح 5، إلا أنه مروي عن أبي جعفر عليه السلام مع تفاوت يسير.
(7) الوسائل، الباب 4 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1.
(8) الوسائل، الباب 4، من أبواب صفات القاضي، ح 6.

[ 542 ]

فروي عن محمد بن مسلم الثقفي، أنه قال مر بي الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام وأنا جالس عند قاضي المدينة، فدخلت عليه من الغد، فقال لي ما مجلس رأيتك فيه بالأمس، قلت جعلت فداك، إن هذا القاضي لي مكرم، فربما جلست إليه، فقال لي عليه السلام وما يؤمنك أن تنزل اللعنة فتعم جميع من في المجلس (1). فلفظ هذا الحديث ومعناه مطابق لما تقرر الشرع به، من وجوب إنكار المنكر وقبح الرضا به والحكم بالجور من أعظم المنكرات، فمجالس الحكام به لغير الانكار والتقية، راض بما يجب إنكاره من الجور، فاستحقا اللعنة معا، وإذا كانت هذه حال الجليس، فحال الحاكم بالجور ومقلده النظر والتحاكم إليه، والآخذ بحكمه، أغلظ، لارتفاع الريب في رضاء هؤلاء بالقبيح. فإذا ثبت وتقرر ذلك فإنه لا يصح الحكم إيجابا، ولا حظرا، ولا تمليكا، ولا منعا، ولا إلزاما، ولا إسقاطا، ولا إمضاء، ولا فسخا، إلا عن علم بما يقتضي ذلك، أو إقرار المدعى عليه، أو ثبوت البينة بالدعوى، أو يمين المدعى عليه، أو المدعي مع نكول المدعى عليه، دون ما عدا ذلك. فإذا ثبت ذلك، فعلم الحاكم بما يقتضي تنفيذ الحكم كاف في صحته، ومغن عن إقرار وبينة ويمين، سواء علم ذلك في حال تقلد الحكم أو قبلها، لسكون نفس العالم إلى ما علمه في حال حكمه بمقتضاه، سواء كان علمه حادثا في الحال، أو باقيا إليها، أو متولدا عن أمثاله المعلومة المسطورة، أو حادثا، حالا بعد حال في كيفية التعلق بالمعلوم على حد واحد، وانتفاء الشبهة عنه في صحته، وعدم السكون بصحة الدعوى مع الاقرار أو البينة أو اليمين، وانتفاء الثقة بشئ من ذلك، وإنما يعلم الحاكم مع الاقرار أو الشهادة أو اليمين، صحة التنفيذ متى علم التعبد، دون صدق المدعي مع ذلك، أو المدعى عليه مع يمينه، وهو مع العلم عالم بالأمرين، صدق المدعي في الدعوى، وصحة الحكم بها.

(1) الوسائل، الباب 6، من أبواب آداب القاضي، ح 1، باختلاف يسير.

[ 543 ]

ولا شبهة على متأمل في الظن لا حكم له مع إمكان العلم، فكيف بثبوته، وكيف يتوهم عاقل صحة الحكم مع ظن الصدق، وفساده مع العلم به، وهو تفرق يفرق بين حالتي العالم والظان. وأيضا فصحة الحكم بالاقرار والبينة أو اليمين، فرع للعلم بالاقرار وقيام البينة، وحصول اليمين، وثبوت التعبد بالتنفيذ، فلو كان العلم بصحة الدعوى أو الانكار غير متعبد به، لم يصح حكم بإقرار ولا بينة ولا يمين، لوقوف صحته على العلم الذي لا يعتد به، لأن العلم بالشئ إن اعتد به في موضع، فهذا حكمه في كل موضع، وإن ألقى حكمه في موضع، فهذه حاله في كل موضع، وذلك خروج عن الحق جملة، إذ لا برهان عليه له يميز من الباطل غير العلم. وأيضا فلو لم يلزم الحاكم الحكم بما علمه من غير توقيف (1) على إقرار أو بينه أو يمين، لاقتضى ذلك الحكم بما يعلم خلافه، إذا حصل به إقرار أو بينة أو يمين، من تسليم ما يجب المنع منه، والمنع مما يجب تسليمه، وقتل وقطع من علم عدم استحقاقه لهما، وإلحاق نسب من يعلم براءة منه، إلى غير ذلك مما لا شبهة في فساده. وأيضا فلو لم يكن الحكم بالعلم معتبرا لم يصح للحاكم تنفيذ ما تقدم الاقرار به أو الشهادة، لضمان التنفيذ، لأنه إن حكم في هذه الحالة، فإنما يحكم لعلمه بماضي الاقرار والبينة، فإذا كان الحكم بالعلم لا يصح، لم يصح هاهنا، والمعلوم خلاف ذلك، إذ لا فرق بين أن يحكم (2) للعلم بالاقرار والبينة وبين العلم بصحة الدعوى أو الانكار، بل الثاني أظهر. وأيضا فلو كان المعتبر في الحكم الاقرار والبينة واليمين دون العلم، لم يجز إبطال ذلك متى علم الحاكم كذب المقر أو الشهود أو الحالف، والاجماع بخلاف ذلك. فثبت كون العلم أصلا في الأحكام، وسقط قول من منع من تنفيذها به. وليس لأحد أن يمنع من الحكم بالعلم لنهي عنه، أو فقد تعبد بمقتضاه، من حيث كان ما قدمناه من الأدلة على صحة الحكم به، وكونه غير مستند إلى علم

(1) ج. ل. توقف.
(2) ج. أن يحكم العالم.

[ 544 ]

أصلا فيها، وتعذر الحكم فيها من دونه مسقطا لهاتين الدعوتين، وكيف يشتبه فسادهما على عارف بالتكليف الموقوف صحته في الأصول والفروع على العلم وحصول اليقين، بفساد (1) حكم الظن فيهما (2)، مع إمكان العلم، وبالظن مع تعذر العلم بالمظنون (3) غير مستند إلى علم، وكيف يجتمع له اعتقاد ذلك مع علمه بصحة الحكم مع ظن صدق المدعي أو المنكر، ونفي الحكم مع العلم بصدق أحدهما، لولا جهل الذاهب إلى ذلك بمقتضى التكليف، وطريق صحة العمل فيه، وتعويله على استحسان فاسد، ورأي فايل (4)، أو ليس العلم حاصلا لكل سامع للأخبار، بإمضاء رسول الله صلى الله عليه وآله الحكم بالعلم لخزيمة بن ثابت الأنصاري، وسماه لذلك لذلك ذا الشهادتين (5). وأيضا ما حكم به أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام في قضاء الأعرابي والناقة، لعلمهما بصدقة صلوات الله عليه وعلى آله بالمعجز (6). مع ما ينضاف إلى ذلك من مشهور إنكار أمير المؤمنين عليه السلام على شريح القاضي لما طالبه بالبينة على ما ادعاه عليه السلام في درع طلحة، ويلك أو ويحك خالفت السنة بمطالبة إمام المسلمين ببينة، وهو مؤتمن على أكثر من هذا (7)، فأضاف الحكم بالعلم إلى السنة على رؤوس الجمع من الصحابة والتابعين، فلم ينكر عليه منكر. وهذا مع ما تقدم عن رسول الله صلى الله عليه وآله، برهان واضح على جهل طالب البينة مع العلم، وكونه مقدما عليهما. وليس للمخالف فيما نصرناه أن يمنع منه لظنه أن الحكم بالعلم، يقتضي تهمة الحاكم، لأن ذلك رجوع عن مقتضى الأدلة استحسانا، ولا شبهة في فساده. على أن ذلك لو منع من الحكم بالعلم، لمنع من الحكم بالشهادة والاقرار

(1) ج. وفساد.
(2) ج. فيها.
(3) ج. والمظنون.
(4) ل. قابل. (5) و (6) الوسائل، الباب 18، من أبواب كيفية الحكم، ح 1 - 3.
(7) الوسائل، الباب 14، من أبواب كيفية الحكم، ح 6، باختلاف في الألفاظ.

[ 545 ]

الماضيين، إذ كان الحكم في المجلس الثاني بالاقرار الحاصل في المجلس الأول، أو البينة مستندا إلى العلم، وإذا لم تمنع التهمة هاهنا من الحكم بالعلم، فكذلك هناك. وبعد فحسن الظن بالحاكم المتكامل للشروط، يقتضي البخوع لحكمه بالعلم، ويمنع من تهمته كالاقرار والبينة، لولا ذلك لم يستقر له حكم، ولم يسمع قوله أقر عندي بكذا، وقامت البينة بكذا، وثبت عندي بكذا، وصح عندي إلا أن يكون حصول الاقرار أو البينة بمحضر من لا يجوز عليه الكذب، وهذا يقتضي نقض نظام الأحكام بغير إشكال، وإذا كان علمه بكون المدعى عليه مقرا أو مشهودا عليه، أو له أو حالفا أو محلوفا له موجبا عليه الحكم، وإن لم يعلم ذلك أحد سواه، ولا يحل له الامتناع لخوف التهمة، فكذلك يجب أن يحكم متى علم صدق المدعي أو المنكر بأحد أسباب العلم، من مشاهدة، أو تواتر، أو نص صادق، أو ثبوت إمامة، أو نبوة، إلى غير ذلك من طرق العلم، لعدم الفرق، بل ما نوزعنا فيه أولى. فإن قيل لو شاهد الإمام أو الحاكم رجلا يزني أو يلوط، أو سمعه يقذف غيره، أو يقر بطلاق زوجته، أو يظاهر منها، أو يعتق عبده، أو يبيع غيره شيئا، كان يحكم بعلمه أم يبطل ذلك؟ قيل إن كان ما علمه الإمام أو الحاكم عقدا، أو إيقاعا شرعيا، حكم بعلمه، وإن كان بخلاف ذلك، لاختلال بعض الشروط كعلمه بغيره ناطقا بكنايات الطلاق، أو صريحة في الحيض، أو بغير شهادة، أو إظهار بغير لفظه، أو بغير إشهاد عليه، أو قصد إليه، إلى غير ذلك، لم يحكم لفقد ما معه يصح الحكم، من صحة العقد أو الايقاع. فأما ما يوجب الحدود، فالصحيح من أقوال طائفتنا، وذوي التحصيل من فقهاء عصابتنا، لا يفرقون بين الحدود وبين غيرها من الأحكام الشرعيات، في أن للحاكم النائب من قبل الإمام أن يحكم فيها بعلمه كما أن للإمام ذلك، مثل ما سلف في الأحكام التي هي غير الحدود، لأن جميع ما دل هناك، هو الدليل هاهنا، وللفرق بين الأمرين مخالف مناقض في الأدلة.

[ 546 ]

وذهب بعض أصحابنا إلى أن ما يوجب الحدود فإن كان العالم بما يوجبه الإمام، فعليه الحكم بعلمه، لكونه معصوما مأمونا، وإن كان غيره من الحكام الذين يجوز عليهم الكذب، لم يجز له الحكم بمقتضاه، وتمسك بأن قال: لأن إقامة الحد أولا ليست من فروضه، ولأنه بذلك شاهد على غيره بالزنا واللواط أو غيرهما، وهو واحد، وشهادة الواحد بذلك قذف يوجب الحد، وإن كان عالما يوضح ذلك أنه لو علم ثلاثة نفر غيرهم زانيا، لم يجز لهم الشهادة عليه، فالواحد أحرى أن لا يشهد عليه. قال محمد بن إدريس رحمه الله مصنف هذا الكتاب، وما اخترناه أولا هو الذي يقتضيه الأدلة، وهو اختيار السيد المرتضى في انتصاره (1) واختيار شيخنا أبي جعفر في مسائل خلافه (2)، وغيرهما من الجلة المشيخة وما تمسك به المخالف لما اخترناه، فليس فيه ما يعتمد عليه، ولا ما يستند إليه، لأن جميع ما قاله وأورده يلزم في الإمام مثله حرفا فحرفا. فأما قوله إقامة الحدود ليست من فروضه، فعين الخطأ المحض عند جميع الأمة، لأن الحكام جميعهم هم المعينون (3) بقوله تعالى " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " (4) وكذلك قوله تعالى " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " (5) إلى غير ذلك من الآيات. أيضا كان يؤدي إلى أن جميع الحكام في جميع البلدان النواب عن رئيس الكل (6)، لا يقيم أحد منهم حدا في عمله، بل ينفذ المحدود إلى البلد الذي فيه الرئيس المعصوم، ليقيم الحد عليه، وهذا خروج عن أقوال جميع الأمة (7)، بل المعلوم السائغ (8) المتواتر أن للحكام إقامة الحدود في البلد الذي كل واحد منهم نائب فيه من غير توقف في ذلك (9).

(1) الانتصار، كتاب القضاء، مسائل القضاء والشهادات...
(2) الخلاف، كتاب آداب القضاء، مسألة 41.
(3) ج. ل. المعينون.
(4) سورة المائدة، الآية 38.
(5) سورة النور، الآية 2.
(6) ج. رئيس لكل منهم.
(7) ج. جميع الأئمة.
(8) ج. ل. الشايع.
(9) ج. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

[ 547 ]

المستطرفات

[ 549 ]

باب الزيادات وهو آخر أبواب هذا الكتاب مما استنزعته واستطرفته من كتب المشيخة المصنفين والرواة المحصلين وستقف على أسمائهم إن شاء الله تعالى. فمن ذلك ما أورده موسى بن بكر الواسطي في كتابه عنه عن حمران، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن ليلة القدر، قال هي ليلة ثلاث وأربع، قلت أفرد لي إحديهما، قال وما عليك أن تعمل في الليلتين، هي إحديهما (1). عنه عن زرارة، عن عبد الواحد الأنصاري، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ليلة القدر، وقال إني أخبرك بها بما لا أعمى عليك هي ليلة أول السبع، وقد كانت تلتبس عليه ليلة أربع وعشرين (2) وعنه، عن الفضيل، عن أبي جعفر عليه السلام، قال إن فلانا وفلانا ظلمانا حقنا، وقسماه بينهم، فرضوا بذلك منهما، وإن عثمان لما منعهم واستأثر عليهم، غضبوا لأنفسهم (3). وعنه عن الفضيل، قال عرضت على أبي عبد الله عليه السلام أصحاب الردة، فكلما سميت انسانا، قال اعزب حتى قلت حذيفة، قال اعزب، قلت ابن مسعود، قال اعزب، ثم قال إن كنت إنما تريد الذين لم يدخلهم شئ، فعليك بهؤلاء الثلاثة، أبو الذر والمقداد وسلمان (4). وعنه عن أبي عبد الله عليه السلام قال إذا رميت سهمك، فوجدته وليس به أثر غير أثر سهمك، وترى إنه لم يقتله غير سهمك، فكل تغيب عنك أو لم يتغيب عنك (5).

(1) و (2) الوسائل: الباب 32، من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 17 - 18.
(3) البحار، ج 8، ص 351، الطبع القديم.
(4) البحار، ج 22، ص 113، ط الحديث.
(5) الوسائل، الباب 18 من كتاب الصيد والذبائح، ح 5، باختلاف يسير.

[ 550 ]

وسئل عن السواك، فقال إني لاستاك بالماء وأنا صائم (1). وعنه عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال ما حرم الله شيئا إلا وقد عصي فيه، لأنهم تزوجوا أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله من بعده، فخيرهن أبو بكر بين الحجاب ولا يتزوجن، أو يتزوجن، فاخترن التزويج، فتزوجن، قال زرارة: ولو سألت بعضهم أرأيت لو أن أباك تزوج امرأة ولم يدخل بها حتى مات، أتحل لك؟ إذن لقال: لا، وهم قد استحلوا أن يتزوجوا أمهاتهم إن كانوا مؤمنين، فإن أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله مثل أمهاتهم (2). موسى عن زرارة، قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام أرأيت قول النبي صلى الله عليه وآله لا يزني الزاني وهو مؤمن قال تنزع منه روح الايمان، قال قلت فحدثني بروح الايمان، قال هو شئ، ثم قال هذا أجدر أن تفهمه، أما رأيت الانسان يهم بالشئ، فيعرض بنفسه الشئ يزجره عن ذلك وينهاه قلت نعم، قال هو ذلك (3). موسى عن العبد الصالح عليه السلام قال النبي صلى الله عليه وآله لا تصلح الصنيعة إلا عند ذي حسب أو دين (4). موسى عن العبد الصالح عليه السلام قال النبي صلى الله عليه وآله، التودد إلى الناس نصف العقل، والرفق نصف المعيشة، وما عال امرء في اقتصاده (5). موسى عن العبد الصالح عليه السلام، قال قال النبي صلى الله عليه وآله ينزل الله المعونة على قدر المؤنة، وينزل الله الصبر على قدر المصيبة (6). موسى عن العبد الصالح، قال قال النبي صلى الله عليه وآله، قلة العيال أحد

(1) الوسائل، الباب 28، من أبواب ما يمسك عنه الصائم، ح 16، وفيه لأستاك.
(2) الوسائل، الباب 2، من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، ذيل ح 4، إلا أنه ليس بعينه.
(3) الوسائل، الباب 45، من أبواب جهاد النفس، ح 9، من دون ذيله.
(4) الوسائل، الباب 4، من أبواب فعل المعروف.
(5) الوسائل، الباب 29، من أبواب أحكام العشرة، ح 3.
(6) الوسائل، الباب 14 من أبواب فعل المعروف، ح 11.

[ 551 ]

اليسارين (1). موسى عن العبد الصالح، قال سألته عن رجل استأجر ملاحا وحمله طعاما له في سفينة، واشترط عليه إن نقص فعليه قال إن نقص فعليه. قلت فربما زاد، قال يدعي إنه زاد فيه، قلت لا قال هولك (2). تمت الأحاديث المنتزعة من كتاب موسى بن بكر الواسطي والحمد لله رب العالمين (3). ومن ذلك ما استطرفناه من كتاب معاوية بن عمار (4) قال: قلت له رجلان دخلا المسجد جميعا افتتحا الصلاة في ساعة واحدة، فتلا هذا من القرآن، وكانت تلاوته أكثر من دعائه، ودعا هذا فكان دعاؤه أكثر من تلاوته، ثم انصرفا في ساعة واحدة، أيهما أفضل؟ فقال كل فيه فضل وحسن، قال: قلت إني قد علمت أن كلا حسن، وإن كلا فيه فضل، قال: فقال: الدعاء أفضل، أما سمعت قول الله: " ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين " (5) هي والله أفضل، هي والله أفضل، هي والله أفضل، أليس هي العبادة؟ أليست أشد؟ هي والله أشد هي والله أشد هي والله أشد، ثلث مرات (6). قال: وقلت له: الرجل يجعل الحلي لأهله من المائة دينار والمأتي دينار، قال: وأراني قد قلت له: ثلثمائة دينار عليه زكاة؟ قال: فقال: إن كان إنما جعله ليفر به (7) فعليه الزكاة، وإن كان إنما جعله ليتجمل به، فليس عليه زكاة (8). وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته، أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج،

(1) البحار، ج 104، ص 72.
(2) الوسائل، الباب 27 من أبواب أحكام الإجارة، ح 1.
(3) إلى هنا انتهت نسخة جامعة طهران التي رمز لها ب‍ (ج).
(4) ومن هنا نقابل مع نسخة السيد الجليل الطبسي أيضا. ونرمز لها ب‍ " ط ".
(5) سورة غافر، الآية 60.
(6) الوسائل، الباب 6، من أبواب التعقيب، ح 1، باختلاف يسير. (7) ل. به من الزكاة.
(8) الوسائل، الباب 9، من أبواب زكاة الذهب والفضة، ح 6، باختلاف يسير.

[ 552 ]

ثم أنزل الله عليه أن: " أذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق " (1) فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم بأن رسول الله صلى الله عليه وأهل بيته يحج من عامه هذا، فعلم به حاضروا المدينة وأهل العوالي والأعراب، فاجتمعوا لحج رسول الله صلى الله عليه وأهل بيته وإنما كانوا تابعين ينتظرون ما يؤمرون به، فيتبعونه أو يصنع شيئا فيصنعونه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وأهل بيته في أربع بقين من ذي القعدة، فلما انتهى إلى ذي الحليفة وزالت الشمس، اغتسل وخرج حتى أتى مسجد الشجرة، فصلى عنده الظهر، وعزم على الحج مفردا، وخرج حتى انتهى إلى البيداء عند الميل الأول، فصف له الناس سماطين، فلبى بالحج مفردا، ومضى وساق له ستا وستين بدنة، أو أربعا وستين بدنة، حتى انتهى إلى مكة في السلاح، لأربع من ذي الحجة، فطاف بالبيت سبعة أشواط، ثم صلى ركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام، ثم عاد إلى الحجر الأسود، فاستلمه وقد كان استلمه في أول طوافه، ثم قال: " إن الصفا والمروة من شعائر الله " (2) فابدء بما بدء الله به، وإن المسلمين كانوا يظنون أن السعي بين الصفا والمروة شئ وضعه المشركون، فأنزل الله تعالى " إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما " ثم أتى الصفا فصنع عليه مثل ما ذكرت لك، حتى فرغ من سبعة أشواط، ثم اتاه جبرئيل وهو على المروة، فأمره أن يأمر الناس أن يحلوا إلا سائق الهدي فقال رجل أنحل ولم نفرغ من مناسكنا؟ وهو عمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وأهل بيته نعم لو استقبلت من أمري ما استدبرت، فعلت كما فعلتم، ولكن سقت الهدي، فلا يحل سايق الهدي حتى يبلغ الهدي، محله، فقال له سراقة بن مالك بن جعشم يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال لا بل لأبد الأبد (3) وشبك بين أصابعه دخلت العمرة في الحج، ثلاث مرات (4).

(1) سورة الحج، الآية 27.
(2) سورة البقرة الآية 158.
(3) ط. ل. بل الأبد.
(4) الوسائل، الباب 2، من أبواب أقسام الحج، ح 5، باختلاف يسير.

[ 553 ]

قال معاوية بن عمار في كتابه: فإذا أردت أن تنفر، انتهيت إلى الحصبة وهي البطحاء (1)، فشئت أن تنزل بها قليلا، فإن أبا عبد الله قال: إن أبي كان ينزلها ثم يرتحل، فيدخل مكة من غير أن ينام، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته نزلها حين بعث عايشة مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم، فاعتمرت لمكان العلة التي أصابتها، لأنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وأهل بيته ترجع نسائك بحجة وعمرة معا وارجع بحجة، فأرسل بها عند ذلك، فلما دخلت مكة وطافت بالبيت، وصلت عند مقام إبراهيم ركعتين، ثم سعت بين الصفا والمروة، ثم أتت النبي صلى الله عليه وأهل بيته فارتحل من يومه (2). تمت الأحاديث التي من كتاب معاوية بن عمار. ومن ذلك ما استطرفته (3) من نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي صاحب الرضا عليه السلام بالباء المنقطة من تحتها نقطة واحدة والزاء المعجمة والنون، والطاء غير المعجمة، وهو موضع نسب إليه ومنه الثياب البزنطية. قال أحمد بن محمد بن أبي نصر، حدثني عبد الكريم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال سألته عن الوضوء فقال لي: ما كان وضوء علي عليه السلام إلا مرة مرة (4). أحمد عن المثنى عن زرارة وأبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام مثل حديث جميل في الوضوء، إلا أنه في حديث المثنى وضع يده في الإناء، فمسح (5) رأسه ورجليه واعلم أن الفصل في واحدة واحدة، ومن زاد على ثنتين لم يوجر (6). قال أحمد: وحدثني به عبد الكريم عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله

(1) ط. فإن شئت.
(2) الوسائل، الباب 2، من أبواب أقسام الحج، ح 5 باختلاف يسير.
(3) ط. ل. ما استطرفناه.
(4) الوسائل، الباب 31، من أبواب الوضوء، ح 7.
(5) ل. فمسح بها.
(6) الوسائل، الباب 31، من أبواب الوضوء، باختلاف يسير.

[ 554 ]

عليه السلام، وإذا بدأت بيسارك قبل يمينك، ومسحت رأسك ورجليك، ثم استيقنت بعد أنك بدأت بها، غسلت يسارك، ثم مسحت رأسك ورجليك، وإذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره، فليس شكك بشئ، إنما الشك إذا كنت في الشئ ولم تجزه (1). قال أحمد: وذكر عبد الله بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال أتى عمار بن ياسر رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال يا رسول الله أجنبت الليلة ولم يكن معي ماء، قال كيف صنعت، قال: طرحت ثيابي وقمت على الصعيد فتمعكت فيه، فقال: هكذا يصنع الحمار، إنما قال الله عز وجل " فتيمموا صعيدا طيبا " (2) فضرب بيده على الأرض، ثم ضرب إحديهما على الأخرى، ثم مسح بجبينه، ثم مسح كفيه، كل واحدة على الأخرى، مسح (3) باليسرى على اليمنى واليمنى على اليسرى (4). أحمد قال حدثني عبد الله بن بكير عن حمزة بن حمران، عن الحسن بن زياد، قال دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام، وعنده قوم فصلى بهم العصر، وكنا قد صلينا العصر، فعددنا له في كل ركعة سبحان ربي العظيم ثلاثا وثلاثين مرة، وقال أحدهما. وبحمده في الركوع والسجود سواء (5). ومعنى ذلك والله أعلم إنه كان يعلم أن القوم كانوا يحبون أن يطول بهم في الصلاة، ففعل لأنه ينبغي للإمام إذا صلى بقوم أن يخفف بهم. أحمد قال: حدثني المفضل، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، في قوله " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " (6) قال: دلوك الشمس زوالها، وغسق الليل انتصافه، وقرآن الفجر ركعتا الفجر (7).

(1) الوسائل، الباب 35، والباب 42، من أبواب الوضوء.
(2) سورة النساء، الآية 43.
(3) ط. ثم مسح. ل. فمسح.
(4) الوسائل، الباب 11 من أبواب التيمم، ح 9.
(5) الوسائل، الباب 6 من أبواب الركوع، ح 2، باختلاف يسير.
(6) سورة الاسراء، الآية 78.
(7) الوسائل، الباب 10 من أبواب المواقيت، ح 10.

[ 555 ]

قال وسألته عن الرجل يصلي في زاوية الحجرة، امرأته أو ابنته تصلي بحذائه في الزاوية الأخرى (1)، قال: لا ينبغي ذلك إلا أن يكون بينهما شبر (2)، فإن كان بينهما شبر (3) أجزأه (4). قال وقلت له: إن طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه، فربما مررت فيه وليس على حذاء فيلصق برجلي من نداوته (5)، فقال أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت بلى، قال: فلا بأس، إن الأرض تطهر بعضها بعضا، قلت فأطأ على الروث الرطب؟ قال: لا بأس أنا والله ربما وطئت عليه، ثم أصلي ولا أغسله (6). وعنه عن عبد الكريم عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنب يحمل الركوة والتور، فيدخل إصبعه فيه، فقال إن كانت يده قذرة فليهريقه، وإن كانت لم يصبها قذر، فليغتسل به، هذا مما قال الله جل وعلا: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (7) و (8). عنه عن عبد الكريم، عن محمد بن ميسر، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، فيريد أن يغتسل منه وليس معه إناء يغرف به، ويداه قذرتان، قال يضع يده فيه فيتوضأ ثم يغتسل (9) هذا مما قال الله عز وجل " ما جعل عليكم في الدين من حرج " وسأل عن الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، فيريد أن يغتسل منه وليس معه إناء، والماء في وهدة، فإن هو اغتسل رجع غسله في الماء، كيف يصنع؟ قال: ينضح بكف بين يديه، وكف خلفه، وكف عن يمينه، وكف عن شماله، ثم يغتسل (10). وعنه عن على (11) عن الحلبي، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام يقرأ الرجل

(1) في هامش نسخة الأصل: " خطه زاوية في الموضعين ".
(2) و (3) ط. ل. ستر.
(4) الوسائل، الباب 8 من أبواب مكان المصلي ح 3.
(5) ط. نداوته.
(6) الوسائل الباب 32، من أبواب النجاسات، ح 9.
(7) سورة الحج، الآية 78.
(8) الوسائل، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، ح 11.
(9) لا يكون قوله " ثم يغتسل " في نسخة ل.
(10) الوسائل، الباب 10، من أبواب الماء المضاف، ح 2.
(11) ل. وعنه، عن الحلبي.

[ 556 ]

السجدة، وهو على غير وضوء، قال يسجد إذا كانت من العزائم (1). وعن الرجل يخطو أمامه في الصلاة خطوتين، أو ثلاثة، قال نعم لا بأس، وعن الرجل يقرب نعله بيده أو رجله في الصلاة، قال: نعم (2). عبد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن سنان، عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كنت عنده جالسا وعنده حفنة من رطب، فجاءه سائل فأعطاه، ثم جاءه آخر فأعطاه، ثم جاءه آخر فأعطاه، ثم جاءه آخر، فقال يوسع الله عليك، ثم قال إن رجلا لو كان له مال يبلغ ثلاثين ألفا أو أربعين ألفا، شاء أن لا يبقى منه شئ إلا قسمة في حق، فعل، فيبقى لا مال له، فيكون من الثلاثة الذين يرد دعاؤهم، قال: قلت له جعلت فداك، ومن هم؟ قال: رجل رزقه الله مالا فأنفقه في غير وجوهه، ثم قال يا رب ارزقني، فيقال له أو لم أرزقك؟ ورجل دعا على امرأته وهو ظالم لها، فيقال له أو لم أجعل أمرها بيدك؟ ورجل جلس في بيته وترك الطلب، ثم يقول: يا رب ارزقني، فيقول أو لم أجعل لك السبيل إلى الطلب (3) للرزق (4). قال: وسألته عن إطالة الشعر، فقال: كان أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وآله مشعرين يعني الطم (5). وقال: أخر رسول الله صلى الله عليه وآله العشاء الآخرة ليلة من الليالي، حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فجاء عمر يدق الباب، فقال يا رسول الله نامت النساء، نامت الصبيان، ذهب الليل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال إنه ليس لكم أن تؤذوني ولا تأمروني، إنما عليكم أن تسمعوا وتطيعوا (6).

(1) الوسائل، الباب 2 من أبواب قرائة القرآن، ح 6. (2) الوسائل، الباب 30، من أبواب قواطع الصلاة، ح 1.
(3) ل. إلى طلب الرزق.
(4) الوسائل، الباب 23 من أبواب الصدقة، ح 1 باختلاف يسير.
(5) الوسائل، الباب 60، من أبواب آداب الحمام، ح 4.
(6) الوسائل، الباب 21، من أبواب المواقيت ذيل، ح 1، عن التهذيب 9.

[ 557 ]

وقال من قرأ السجدة وعنده رجل على غير وضوء، قال يسجد (1). وقال حدثني عبد الكريم، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال قلت: له أيما أفضل، أقدم الركعتين يوم الجمعة أو أصليهما بعد الفريضة؟ فقال: تصليهما (2) بعد الفريضة (3). وذكر أيضا عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن الركعتين اللتين قبل الزوال يوم الجمعة، قال: أما أنا فإذا زالت الشمس بدأت بالفريضة (4). قال صاحب الكتاب، وهو أحمد بن أبي نصر صاحب الرضا عليه السلام: والقنوت في الصلاة ليس بموقت، وقد وصفت القنوت في أول الكتاب. ومن أراد أن يصلي الجمعة فليأتها بما وصفناه بما ينبغي للإمام أن يفعل، فإذا زالت الشمس قام المؤذن، فأذن وخطب الإمام، وليكن من قوله في الخطبة، وأورد دعاء تركت ذكره، لأن المقصود في غيره. قال وسألته عن البول يصيب الجسد، قال صب عليه الماء مرتين، فإنما هو ماء، وسألته عن الثوب يصيبه البول قال اغسله مرتين (5). وعنه عن عبد الله بن عجلان، قال: قال أبو جعفر عليه السلام إذا كنت شاكا في الزوال فصل ركعتين، فإذا استيقنت أنها قد زالت، بدأت بالفريضة (6). وعن الرجل يخرج به القرح لا يزال يدمي، كيف يصنع؟ قال يصلي وإن كانت الدماء يسيل (7). وسألته ما يوجب الغسل على الرجل والمرأة؟ قال إذا أولجه أوجب الغسل

(1) و (4) الوسائل، الباب 42، من أبواب قراءة القرآن، ح 5 - 15.
(2) ل. قال صلها.
(3) الوسائل، الباب 11 من أبواب صلاة الجمعة، ح 14.
(5) الوسائل، الباب 1 من أبواب النجاسات، ح 7.
(6) الوسائل، الباب 58 من أبواب المواقيت، ح 1.
(7) الوسائل، الباب 22 من أبواب النجاسات، ح 4.

[ 558 ]

والمهر والرجم (1). عنه عن علا عن محمد بن مسلم، قال سألته عن رجل لم ير في منامه شيئا، فاستيقظ فإذا هو ببلل، قال ليس عليه غسل (2). وقال إن صاحب القرحة التي لا يستطيع صاحبها ربطها، ولا حبس دمها، يصلي ولا يغسل ثوبه في اليوم أكثر من مرة (3). وقال يكبر أيام التشريق عند كل صلاة، قلت له كم؟ قال كم شئت، إنه ليس بمفروض (4). وقال في الرجل يقرأ بالسورة فيها السجدة فينسى فيركع ويسجد سجدتين، ثم يذكر بعد، قال يسجد إذا كانت من العزائم والعزائم أربع، آلم تنزيل وحم السجدة والنجم، واقرأ باسم ربك، قال وكان علي بن الحسين عليه السلام يعجبه أن يسجد في كل سورة فيها سجدة (5). عبد الكريم عن محمد بن مسلم، قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله " الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج (6) الآية فقال يا محمد إن الله اشترط على الناس وشرط لهم، فمن وفى لله وفى الله له، قلت فما الذي شرط لهم واشترط عليهم؟ قال أما الذي اشترط عليهم فإنه قال " الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج " (7). وأما الذي شرط لهم، فإنه قال " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى " (8) ويرجع لا ذنب له (9).

(1) الوسائل، الباب 6 من أبواب الجنابة، ح 8.
(2) الوسائل، الباب 10، من أبواب الجنابة، ح 4.
(3) الوسائل، الباب 22 من أبواب النجاسات، ح 2، الفروع والتهذيب مع اختلاف (4) الوسائل، الباب 24، من أبواب صلاة العيد، ح 1.
(5) الوسائل، الباب 44، من أبواب قرائة القرآن، ح 2.
(6) و (7) سورة البقرة، الآية 197.
(8) سورة البقرة، الآية 203.
(9) الوسائل، الباب 32، من أبواب تروك الاحرام، ح 2، باختلاف يسير.

[ 559 ]

فقلت أرأيت من ابتلي بالرفث، والرفث هو الجماع ما عليه؟ قال يسوق الهدي، ويفرق بينه وبين أهله حتى يقضيا المناسك وحتى يعودا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا، فقلت أرأيت إن أرادا أن يرجعا في غير ذلك الطريق الذي أقبلا فيه؟ قال فليجتمعا إذا قضيا المناسك (1). قال قلت فمن ابتلى بالفسوق، والفسوق الكذب ما عليه؟ فلم يجعل له حدا وقال يستغفر الله ويلبي (2)، قال قلت فمن ابتلي بالجدال والجدال قول الرجل لا والله وبلى والله ما عليه؟ قال إذا جادل فوق مرتين فعلى المصيب دم شاة، وعلى المخطئ بقرة (3). عنه عن أبي بصير قال سألته عليه السلام عن الرجل المحرم يريد أن يعمل العمل، فيقول له صاحبه والله لا تعمله، فيقول والله لأعملنه فيحالفه مرارا، هل على صاحب الجدال شئ؟ قال لا، إنما أراد بهذا إكرام أخيه، إنما ذلك ما كان لله معصية (4). جميل قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المتمتع ما يحل له إذا حلق رأسه؟ قال كل شئ إلا النساء والطيب، قلت فالمفرد؟ قال كل شئ إلا النساء، قال ثم قال: وآل عمر تقول: الطيب، ولا نرى ذلك شيئا (5). عنه عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن دجاج السندي أتخرج من الحرم؟ قال نعم إنها لا تستقل بالطيران، إنها تدف دفيفا (6). وسألته عن المحرم يقتل البقة والبراغيث إذا أذاه؟ قال نعم (7).

(1) الوسائل، الباب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع، ح 15.
(2) الوسائل، الباب 2 من أبواب بقية كفارات الاحرام، ح 2 باختلاف يسير.
(3) الوسائل، الباب 1 من أبواب بقية كفارات الحرام، 1 باختلاف يسير.
(4) الوسائل، الباب 32، من أبواب تروك الاحرام، ح 7.
(5) الوسائل، الباب 14 من أبواب الحلق والتقصير، ح 4.
(6) الوسائل، الباب 40 من أبواب كفارات الصيد وتوابعها، ح 3.
(7) الوسائل، الباب 78 من أبواب تروك الاحرام، ح 7.

[ 560 ]

عنه عن أبي عبد الله عليه السلام قال من اضطر إلى ثوب وهو محرم وليس معه إلا قباء؟ فلينكسه وليجعل أعلاه أسفله ويلبسه (10). وعن الصرورة أيحجه الرجل من الزكاة؟ قال نعم (2). وعن المتمتع كم يجزيه؟ قال شاة. وعن المرأة تلبس الحرير؟ قال لا (3) قلت فرجل طاف فلم يدر سبعا (4) طاف أم ثمانيا؟ قال يصلي الركعتين، قلت فإن طاف ثمانية أشواط وهو يرى أنها سبعة؟ قال فقال إن في كتاب علي عليه السلام أنه إذا طاف ثمانية أشواط، ضم إليها ستة أشواط، ثم يصلي الركعات بعد. وسئل عن الركعات كيف يصليهن، أيجمعهن أو ماذا؟ قال يصلي ركعتين للفريضة (5) ثم يخرج إلى الصفا والمروة، فإذا فرغ من طوافه بينهما رجع، فصلى الركعتين للأسبوع الآخر (6). وعنه عن عنبسة بن مصعب، قال قلت له اشتكى ابن لي، فجعلت لله على أن هو برئ إن أخرج إلى مكة ماشيا، وخرجت أمشي حتى انتهيت إلى العقبة، فلم أستطع أن أخطو، فركبت تلك الليلة حتى إذا أصبحت، مشيت حتى بلغت، فهل على شئ؟ قال لي: اذبح، فهو أحب إلي، قال فقلت له أي (7) شئ هو لي لازم أم ليس بلازم لي قال من جعل لله على نفسه شيئا فبلغ فيه مجهوده، فلا شئ عليه (8). قال أبو بصير أيضا سئل عن ذلك؟ فقال من جعل لله على نفسه شيئا فبلغ فيه مجهوده، فلا شئ عليه، وكان الله أعذر لعبده (9). وسئل عمن طاف بالبيت من طواف الفريضة ثلاثة أشواط ثم وجد خلوة من

(1) الوسائل، الباب 44، من أبواب تروك الاحرام، ح 8.
(2) الوسائل، الباب 42، من أبواب المستحقين للزكاة، ح 4.
(3) الوسائل، الباب 33 من أبواب الاحرام، ح 8.
(4) ل. أسبعا.
(5) ل. ركعتي الفريضة.
(6) الوسائل، الباب 35 و 34 من أبواب الطواف ح 16 - 3.
(7) ل. اشئ.
(8) الوسائل، الباب 34، من أبواب وجوب الحج وشرائطه، ح 6، بزيادة وكان الله أعذر لعبده.
(9) الوسائل، الباب 34، من أبواب وجوب الحج وشرائطه، ح 7.

[ 561 ]

البيت فدخله، قال قد نقض طوافه وخالف السنة، فليعده (1). وقال الحلبي سألته عن رجل طاف بالبيت فاختصر شوطا واحدا في الحجر، كيف يصنع؟ قال يعيد ذلك الطواف الواحد (2). عن الحلبي قال قلت له، لم جعل استلام الحجر؟ قال إن الله حيث أخذ ميثاق بني آدم دعى الحجر من الجنة، فأمره فالتقم الميثاق، فهو يشهد لمن وافاه بالوفاء. قال قلت لم جعل السعي بين الصفا والمروة؟ قال لأن إبليس لعنه الله ترايا لإبراهيم عليه السلام، فسعى منه كراهية أن يكلمه، وكان منازل الشيطان (3). قال قلت فلم جعلت التلبية؟ قال لأن الله تعالى قال لإبراهيم " وأذن في الناس بالحج " (4) فصعد إبراهيم على تل فنادى، فاسمع، فأجيب من كل وجه (5). قلت فلم سميت التروية؟ قال لأنه لم يكن بعرفات ماء، وإنما كانوا يحملون الماء من مكة، فكان ينادي بعضهم بعضا ترويتم؟ فسميت التروية (6). وقال وسألته المشي أفضل أو الركوب؟ فقال إذا كان الرجل موسرا فمشى ليكون أقل للنفقة، فالركوب أفضل (7). وسألته عن الماشي متى ينقضي مشيه؟ قال إذا رمى الجمرة وأراد الرجوع، فليرجع راكبا، فقد انقضى مشيه، وإن مشى فلا بأس (8). وسألته عن رجل أخر الزيارة إلى يوم النفر؟ قال لا بأس، ولا تحل له النساء

(1) الوسائل، الباب 31 من أبواب الطواف، ح 1.
(2) الوسائل، الباب 13 من أبواب الطواف، ح 4.
(3) الوسائل، الباب 1 من أبواب السعي، ح 12.
(4) سورة الحج، الآية 27.
(5) الوسائل، الباب 36 من أبواب الاحرام، ح 1 باختلاف يسير. (6) علل الشرائع، الباب 171، ج 1، ص 435.
(7) الوسائل، الباب 33، من أبواب وجوب الحج وشرائطه، ح 10 باختلاف يسير.
(8) الوسائل، الباب 35 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، ح 5.

[ 562 ]

حتى يزور البيت ويطوف طواف النساء (1). قال وسألته عن رجل نسي طواف النساء حتى رجع إلى أهله؟ قال يرسل فيطاف عنه، فإن توفي قبل أن يطاف عنه، طاف عنه وليه، قال وسمعته يقول من اعتمر من التنعيم، قطع التلبية حين ينظر إلى المسجد (2). قال وسألته عن قول الله عز وجل " اذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا " (3) قال: كان المشركون يفتخرون بمنى إذا كان أيام التشريق، فيقولون كان أبونا كذا وكان أبونا كذا، فيذكرون فضلهم، فقال: " اذكروا الله كذكركم آباءكم " قال وسمعته يقول من لبد شعره أو عطفه (4) فليس له التقصير وعليه الحلق، ومن لم يلبد فمخير إن شاء قصر وإن شاء حلق، والحلق أفضل. قال وسألته عن الحجر؟ قال إنكم تسمونه الحطيم، وإنما كان لغنم إسمعيل، وإنما دفن فيه أمه، وكره أن يوطي قبرها، فحجر عليه، وفيه قبور أنبياء، قال وسألته عن البرصاء؟ قال قضى أمير المؤمنين عليه السلام في امرأة زوجها وليها وهي برصاء، أن لها المهر بما استحل من فرجها، وإن المهر على الذي زوجها، وإنما صار المهر عليه، لأنه دلسها، ولو أن رجلا تزوج امرأة وزوجها رجل لا يعرف (5) دخيلة (6) أمرها، لم يكن عليه شئ وكان المهر يأخذه منها (7). وقال حدثني محمد بن سماعة، عن عبد الحميد، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال سألته عن رجل خطب إلى رجل ابنتا له من مهيرة، فلما كانت ليلة دخولها على زوجها أدخل عليه ابنة له أخرى من أمة؟ قال ترد على أبيها وترد إليه امرأته، ويكون مهرها على أبيها (8). قال وحدثني حماد، عن حذيفة بن منصور، إنه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب زيارة البيت، ح 11.
(2) الوسائل، الباب 58، من أبواب الطواف، ح 11.
(3) سورة البقرة، الآية 200.
(4) ل. عقصه.
(5) ل. وهو لا يعرف.
(6) ط دخلة.
(7) الوسائل، الباب 2 من أبواب العيوب والتدليس، ح 2.
(8) الوسائل، الباب 7 من أبواب العيوب والتدليس، ح 7.

[ 563 ]

إن صداق رسول الله (1) صلى الله عليه وآله كان اثنى عشرة أوقية ونشأ، والأوقية أربعون درهما، والنش نصف الأوقية (2). تمت الأحاديث المنتزعة من نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي. ومن ذلك ما أورده أبان بن تغلب صاحب الباقر والصادق عليهما السلام في كتابه * قال أبان قال حدثني القاسم بن عروة البغدادي، عن عبيد بن زرارة، قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام ما تقول في قتل الذر، قال فقال اقتلهن آذينك أو لم يؤذينك (3). قال وحدثنا محمد بن عبد الله بن غالب، قال حدثنا محمد الحلبي، عن عبد الله بن سنان، قال قال أبو عبد الله، لا بأس بقتل النمل آذينك أو لم يؤذينك (4). قال وحدثني القاسم بن إسمعيل، قال حدثني عبيس بن هشام، عن أبان بن عثمان، عن مسمع كردين، قال سألت أبا عبد الله عن التحريش بين البهايم؟ قال أكره ذلك كله إلا الكلب (5).

(1) ل. صداق بنت رسول الله.
(2) الوسائل، الباب 4 من أبواب المهور، ح 7. هنا تعليقة على الكتاب علقها السيد الأستاذ العلامة الحاج السيد موسى الشبيري الزنجاني دامت إفاضاته لا بأس بذكرها قال " الكتاب بقرينة إسناده ليس لأبان بن تغلب المتوفى سنة 140 أو 141، بل الكتاب لمن هو من محدثي أواسط القرن الثالث، ولعل مؤلفه هو أبان بن محمد البجلي المعروف بسندي البزاز ابن أخت صفوان بن يحيى، وهو يروي عن صفوان بن يحيى وعلي بن الحكم، وكذا عن محمد بن الوليد على بعض نسخ التهذيب، وقد روي عن هؤلاء الثلاثة هنا، ولعل الكتاب المأخوذ منه هو نوادر أبان البجلي الذي رواه عنه جماعة منهم أحمد بن أبي عبد الله ومحمد بن علي بن محبوب، وإنما خلط المؤلف " قدس سره " بين أبانين، وعلى كل حال فمؤلف الكتاب ليس هو أبان بن تغلب ".
(3) الوسائل، الباب 47 من أحكام الدواب، ح 3.
(4) الوسائل، الباب 47 من أحكام الدواب، ح 4.
(5) الوسائل، الباب 36 من أحكام الدواب، ح 5.

[ 564 ]

قال أخبرني علي بن أسباط، عن الحجال، عن حماد، أو داود، شك (1) أبو الحسن، قال جاءت امرأة أبي عبيدة إلى أبي عبد الله عليه السلام بعد موته، فقالت إنما أبكي أنه مات وهو غريب، فقال لها ليس هو بغريب إن أبا عبيدة منا أهل البيت (2). قال حدثنا إسمعيل بن مهران، قال حدثني عبيد الله بن أبي الحرث الهمداني، قال جاء جماعة من قريش إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقالوا له يا أمير المؤمنين لو فضلت الأشراف كان أجدر أن يناصحوك، قال فغضب أمير المؤمنين، ثم قال أيها الناس تأمروني أن أطلب العدل بالجور فيمن وليت عليه، والله لا يكون ذلك، ما سمر السمير، وما رأيت في السماء نجما، والله لو كان مالي دونهم لسويت بينهم، كيف وإنما هو مالهم، ثم قال أيها الناس ليس لواضع المعروف في غير أهله إلا محمدة اللئام، وثناء الجهال، فإن زلت بصاحبه النعل، فشر خدين وشر خليل (3). قال أخبرنا محمد بن عبد الله بن زرارة، عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن عبد الله بن أبي يعفور، قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول إنا لنحب الدنيا ولا نعطاها خير لنا، وما أعطي أحد منها شيئا إلا كان نقص لحظه في الآخرة، قال فقلت له جعلت فداك إنا لنحب الدنيا، فقال لي تصنع بها ماذا؟ قال قلت أتزوج منها، وأحج، وأنفق على عيالي، وأنيل إخواني وأتصدق، قال لي ليس هذا من الدنيا، هذا من الآخرة (4). قال حدثني على بن أسباط، وعبد الرحمن بن أبي نجران، وابن بنت الياس، حسن بن علي، قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: ابن بنت الياس هو الحسن بن علي الوشاء، بعض رواة أصحابنا، عن محمد بن حمران، عن أبي عبد الله، أو عن زرارة، وعن أبي عبد الله شك من أبي الحسن (5) قال: آخر من يدخل الجنة

(1) ل. سئل.
(2) البحار الطبع الحديث، ج 47، ص 345، ح 38.
(3) الوسائل، الباب 39، من أبواب جهاد العدو ح 6 أورد قطعة منه مع اختلاف.
(4) مستدرك الوسائل، الباب 5 من مقدمات التجارة، ح 3، مع اختلاف.
(5) الظاهر أن المراد به علي بن أسباط، فإنه المكنى بأبي الحسن.

[ 565 ]

من النبيين سليمان بن داود عليه السلام، وذلك لما أعطي في الدنيا (1). علي بن الحكم بن الزبير، قال حدثني أبان بن عثمان، عن هارون بن خارجة قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام، إنا نأتي هؤلاء المخالفين فتسمع منهم الحديث يكون حجة لنا عليهم، قال فقال لا تأتهم، ولا تسمع عنهم لعنهم الله ولعن ملتهم (2) المشركة (3). محمد بن الوليد، عن يونس بن يعقوب، عن عطية، أخي أبي العرام، قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إنا لنحب الدنيا ولا نؤتاها خير لنا، وما أوتي عبد منها شيئا إلا كان أنقص لحظة في الآخرة، وليس من شيعتنا من له مأة ألف ولا خمسون ألفا ولا أربعون ألفا، ولو شئت أن أقول ثلاثون ألفا قلت، وما جمع رجل قط عشرة آلاف من حلها، قال أبو الحسن، دراهم (4). قال أخبرني ثعلبة بن ميمون، عن محمد بن قيس الأسدي، قال قال أبو جعفر عليه السلام إن رسول الله زوج منافقين أبا العاص بن الربيع، وسكت عن الآخر (5). وقال حدثنا إسماعيل بن مهران، عن درست، عن المبارك، عن محمد بن قيس العطار، قال قال أبو جعفر، إنما يحبنا من العرب والعجم أهل البيوتات و ذوو الشرف، وكل مولود صحيح، وإنما يبغضنا من هؤلاء، وهؤلاء، كل مدنس مطرد (6). قال وحدثني صفوان بن يحيى، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله، أن أباه حدثه أن علي بن الحسين، أتى محمد بن علي الأكبر، فقال إن هذا الكذاب أراه يكذب على الله وعلى رسوله وعلينا أهل البيت وذكر أنه يأتيه جبريل وميكال، فقال له محمد بن علي يا بن أخي أتاك بهذا من تصدق؟ قال نعم، قال اذهب

(1) البحار الطبع الحديث، ج 14، ص 74، ح 16.
(2) ط. ل. مللهم.
(3) الوسائل، الباب 84 من أبواب أحكام الأولاد، ح 4 مع الاختلاف.
(4) البحار، ج 72، ص 66، ح 21.
(5) الوسائل، الباب 13، من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه من كتاب النكاح.
(6) البحار، ج 27، الباب 5 من كتاب الإمامة، ح 14، ص 149.

[ 566 ]

فارو عني لا أقول هذا، وإني أبرأ ممن قاله، فلما انصرف من عنده، دخل عليه عبد الله بن محمد وامرأته أو سريته فقالا له إنما أتاك علي بن الحسين بهذا إنه حسدك لما يبعث به إليك، فأرسل إليه محمد بن علي لا ترو على شيئا فإنك إن رويت علي شيئا قلت لم أقله (1). قال حدثني محمد بن علي، قال حدثنا حنان بن سدير، قال كنت عند أبي عبد الله أنا وجماعة من أصحابنا، فذكر كثير النواء قال وبلغه عنه إنه ذكره بشئ، فقال لنا أبو عبد الله أما إنكم إن سألتم عنه وجدتموه لغية، فلما قدمنا الكوفة سألت عن منزله، فدللت عليه فأتينا منزله، فإذا دار كبيرة، فسألنا عنه فقالوا في ذلك البيت عجوز كبيرة، فدلنا عليها سنين كثيرة، فسلمتا عليها، وقلنا لها نسألك عن كثير أبي إسماعيل، قالت وما حاجتكم إلى أن تسألوا عنه؟ قلت لحاجة لعلة، قالت لنا ولد في ذلك البيت، ولدته أمه سادس ستة من الزنا (2)، قال محمد بن إدريس رحمه الله هذا كثير النواء تنتسب البترية من الزيدية إليه، لأنه كان أبتر اليد. قال محمد بن إدريس يحسن هيهنا أن يقال كان مقطوع اليد. هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله، عن أبيه قال أكثر أهل الجنة البله، قال قلت هؤلاء المصابون الذين لا يعقلون؟ فقال لي لا الذين يتغافلون عما يكرهون يتبالهون عنه (3). قال حدثنا معمر بن خلاد، عن الرضا قال كان فلان إذا أتى بمال أخذ منه، وقال هذا لطوق عمرو، فلما كبر عمرو قال أهل المدينة كبر عمرو عن الطوق (4). قال حدثني جعفر بن إبراهيم بن ناحية الحضرمي، قال حدثني زرعة بن محمد الحضرمي، عن سماعة بن مهران، قال سمعت أبا عبد الله يقول إذا كان يوم القيامة مر رسول الله بشفير النار، وأمير المؤمنين وحسن وحسين فيصيح صائح من النار

(1) البحار، ج 42، الباب 120، من تاريخ أمير المؤمنين، ح 17، ص 89.
(2) البحار، ج 47، الباب 33 من تاريخ الإمام جعفر الصادق عليه السلام، ح 39، ص 345.
(3) أورد صدره في البحار، ج 5، الباب 3، من كتاب العدل والمعاد، ص 128.
(4) البحار، طبع كمپاني، ج 8، ص 217 نحوه.

[ 567 ]

يا رسول الله يا رسول الله يا رسول الله أغثني، قال فلا يجيبه. قال فينادي يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين ثلاثا أغثني، فلا يجيبه. قال فينادي يا حسن يا حسن يا حسن أغثني، قال فلا يجيبه. قال فينادي يا حسين يا حسين يا حسين أغثني أنا قاتل أعدائك، قال فيقول له رسول الله قد احتج عليك، قال فينفض عليه كأنه عقاب كاسر، قال فيخرجه من النار، قال فقلت لأبي عبد الله ومن هذا جعلت فداك؟ قال المختار، قلت له ولم عذاب بالنار وقد فعل ما فعل؟ قال إنه كان في قلبه منهما شئ والذي بعث محمدا بالحق لو أن جبرئيل وميكائيل كان في قبلهما شئ لأكبهما الله في النار على وجوههما (1). تمت الأحاديث المنتزعة من كتاب أبان بن تغلب، وكان جليل القدر عند الأئمة. ومن ذلك ما استطرفناه من كتاب جميل بن دراج قال جميل عن بعض أصحابنا عن أحدهما، في الرجل يطلق الصبية التي لم تبلغ ولا يحمل مثلها، وقد كان دخل بها، أو المرأة التي قد يئست من المحيض وارتفع طمثها ولا يلد مثلها، قال ليس عليها عدة وإن دخل بها (2). جميل عن بعض أصحابه عن أحدهما في الرجل يخرج من الحرم إلى بعض حاجته، ثم يرجع من يومه، قال لا بأس بأن يدخل بغير إحرام (3). جميل عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل صاد حماما أهليا، قال إذا ملك جناحه (4) فهو لمن أخذه (5). جميل، عن حسين الخراساني، عن أحدهما، إنه سمعه يقول: غسل يومك

(1) البحار، 45 الباب 49 من تاريخ الإمام الحسين بن علي عليهما السلام، ج 5، ص 339.
(2) الوسائل، الباب 2 من أبواب العدد، ج 3.
(3) الوسائل، الباب 50 من أبواب الاحرام، ح 11.
(4) ط. جناحيه.
(5) الوسائل، الباب 37 من كتاب الصيد والذبائح، ح 11.

[ 568 ]

يجزيك لليلتك، وغسل ليلتك يجزيك ليومك (1). جميل عن زرارة عن أحدهما، أنه قال في رجل مسافر نسي الظهر والعصر في السفر حتى دخل أهله؟ قال قال يصلي أربع ركعات. وقال لمن نسي صلاة الظهر والعصر وهو مقيم حتى يخرج؟ قال يصلي أربع ركعات في سفره، وقال إذا دخل على الرجل وقت صلاة وهو مقيم ثم سافر، صلى تلك الصلاة التي دخل وقتها عليه وهو مقيم أربع ركعات في سفره (2). تمت الأحاديث المأخوذة من كتاب جميل بن دراج. ومن ذلك ما استطرفناه من كتاب السياري واسمه أبو عبد الله صاحب موسى والرضا عليهما السلام قال السياري وسمعته يقول ليس العبادة كثرة الصيام والصلاة، إنما العبادة التفكر في الله تبارك وتعالى (3). وعنه عليه السلام قال وكان عثمان إذا أتى بشئ من الفئ فيه ذهب عزله، وقال هذا لطوق عمرو فلما كثر ذلك قيل له كبر عمرو عن الطوق، فجرى به المثل (4). قال وسمعته يقول وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في منزل عايشة، فاعلم بمكانه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله بئس ابن العشيرة، ثم خرج إليه فصافحه وضحك في وجهه، فلما دخل قالت له عايشة قلت فيه ما قلت، ثم خرجت إليه فصافحته وضحكت في وجهه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن في (5) أشرار الناس من اتقى لسانه. وقال وسمعته يقول قد كنى الله عز وجل في

(1) الوسائل، الباب 9 من أبواب الاحرام، ح 6.
(2) الوسائل، الباب 21، من أبواب صلاة المسافر، ح 13 - 14.
(3) الوسائل، الباب 5، من أبواب جهاد النفس وما يناسبه، ح 8.
(4) البحار، طبع كمپاني، ج 8 ص 217.
(5) لفظا " أن في " ليسا في نسخة ل و ط.

[ 569 ]

الكتاب عن الرجل، فسماه فلانا وهو ذو القوة، وذو العزة، فكيف نحن (1). أبو عبد الله السياري عن رجل من أصحابنا، قال ذكر بين يدي أبي عبد الله عليه السلام من خرج من آل محمد فقال عليه السلام لا أزال أنا وشيعتي بخير ما خرج الخارجي من آل محمد، ولوددت أن الخارجي من آل محمد خرج وعلي نفقة عياله (2). وعن أبي عبد الله عليه السلام قال إن الكروبيين قوم من شيعتنا من الخلق الأول، جعلهم الله خلف العرش، لو قسم نور واحد منهم على أهل الأرض لكفاهم، ثم قال إن موسى عليه السلام لما سأل به ما سأل، أمر رجلا من الكروبيين، فتجلى للجبل، فجعله دكا (3). أبو عبد الله السياري، عن محمد بن إسماعيل، عن بعض رجاله، قال من شرب من سؤر أخيه تبركا به خلق الله بينهما ملكا ليستغفر لهما حتى تقوم الساعة (4). وقال وسمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول، إذا رأيتم العبد متفقدا لذنوب الناس، ناسيا لذنوبه، فاعلموا إنه قد مكر به (5). وقال وقلت لأبي الحسن موسى عليه السلام إني احتجت إلى متطبب نصراني، أسلم عليه وادعوا له؟ قال نعم، إنه لا ينفعه دعاؤك (6). وعن أبي الحسن الأول، قال ملك ينادي في السماء، اللهم تبارك في الخلالين والمتخللين، والخل بمنزلة الرجل الصالح يدعو لأهل البيت بالبركة (7). فقلت جعلت فداك وما الخلالون والمتخللون؟ قال الذين في بيوتهم الخل،

(1) مستدرك الوسائل، ج 2، الباب 70 من أبواب جهاد النفس، ح 5.
(2) الوسائل، الباب 13، من أبواب جهاد العدو، ح 12.
(3) الوسائل، الباب 18 من أبواب الأشربة المباحة، ح 2.
(4) الوسائل، الباب 18 من أبواب الأشربة المباحة، ح 2 باختلاف يسير.
(5) الوسائل، الباب 36 من أبواب جهاد النفس، ح 9.
(6) الوسائل، الباب 46 من أبواب الدعاء، ح 1.
(7) الوسائل، الباب 104 من كتاب الأطعمة والأشربة، ح 11 مع الاختلاف.

[ 570 ]

والذين يتخللون، فإن الخلال نزل به جبرئيل مع اليمين والشهادة من السماء. قال وقال جاء رجل إلى عمر أن امرأته نازعته، فقالت له يا سفلة، فقال لها إن كان سفلة فهي طالق، فقال له إن كنت ممن تتبع القصاص، وتمشي في غير حاجة، وتأتي أبواب السلطان، فقد بانت منك، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام ليس كما قلت، إلي فقال له عمر إيته، فاسمع ما يفتيك، فأتاه، فقال له أمير المؤمنين إن كنت ممن لا يبالي بما قال وما قيل فيك، فأنت سفلة، وإلا فلا شئ عليك (1). وقال قلت لأبي جعفر الثاني قوم من مواليك يجتمعون فتحضر الصلاة، فيتقدم بعضهم فيصلي جماعة، فقال إن كان الذي يؤم بهم أنه ليس بينه وبين الله طلبة، فليفعل (2). قال وقلت له مرة أخبرت (3) إن القوم من مواليك يجتمعون، فتحضر الصلاة، فيؤذن بعضهم، ويتقدمهم (4) أحدهم فيصلي بهم، فقال إن كانت قلوبهم كلها واحدة فلا بأس، ومن (5) لهم بمعرفة ذلك قال فدعوا الإمامة لأهلها (6). وعنه عن بعض أصحابنا، يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال إذا أصبت معنى حديثنا، فاعرب عنه بما شئت، وقال بعضهم لا بأس إن نقصت أو زدت، أو قدمت أو أخرت، إذا أصبت المعنى، وقال هؤلاء يأتون بالحديث مستويا كما يسمعونه، وإنا ربما قدمنا وأخرنا وزدنا ونقصنا، فقال ذلك زخرف القول غرورا إذا أصبت المعنى فلا بأس (7). وقال نزل بأبي الحسن موسى عليه السلام أضياف، فلما أرادوا الرحيل قعد عنهم غلمانه، فقالوا له يا بن رسول الله لو أمرت الغلمان فأعانوا على رحلتنا، فقال

(1) الوسائل، الباب 14، من أبواب كيفية الحكم، ح 20 مع الاختلاف.
(2) الوسائل، الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة، ح 12.
(3) ط. أخرى.
(4) ط. ل. يتقدم.
(5) ط. قال. ل. قلت ومن.
(6) الوسائل: الباب 27، من أبواب صلاة الجماعة، ح 4 باختلاف يسير.
(7) الوسائل، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، ح 88.

[ 571 ]

عليه السلام لهم أما وأنتم ترحلون عنا فلا (1). قال: قال رسول الله عليه السلام إذا دخل الرجل بلدة فهو ضيف على من بها من أهل دينه حتى يرحل عنهم، ولا ينبغي للضيف أن يصوم إلا بإذن مضيفيه، لكي لا يعملوا له الشئ فيفسد عليهم، ولا ينبغي لهم أن يصوموا إلا بإذن ضيفهم لئلا يحشموه (2) فيشتهي الطعام، فيتركه لمكانهم، ثم قال أين نزلت فأخبرته، فلما كان من الغد إذا هو قد بكر على ومعه خادمة له على رأسها خوان، عليه ضروب من الطعام، فقلت ما هذا رحمك الله، فقال سبحان الله ألم أرو لك الحديث بالأمس عن أبي جعفر، ثم انصرف (3). وقال حدثني جماعة من أصحابنا رفعوه، قال أن أفضل فضائل شيعتنا، إن العواهر لم تلدنهم في جاهلية ولا إسلام، وإنهم أهل البيوتات والشرف، والمعادن والحسب الصحيح (4). عنه عن محمد بن جمهور، عن بشير (5) الدهان، عن السكوني، قال قال أبو عبد الله لا يحبنا من العرب والعجم وغيرهم من الناس، إلا أهل البيوتات والشرف والمعدن والحسب الصحيح، ولا يبغضنا من هؤلاء وهؤلاء، إلا كل دنس مصلق (6). وعنه عن محمد بن سنان، عن رجل سماه، عن أبي عبد الله في قول الله عز وجل " وأتموا الصيام إلى الليل " (7) قال سقوط الشفق (8). وعنه عن هشام بن محمود، قال دخل رجل على أبي عبد الله عليه السلام فقال له ما بال أخيك يشكوك؟ قال فقال يا بن رسول الله يشكوني، أني استقصيت (9) عليه

(1) الوسائل، الباب 62 من أبواب آداب السفر إلى الحج، ح 1.
(2) ل. يحتشموه.
(3) أخرج صدره في الوسائل، الباب 9، من أبواب الصوم المحرم والمكروه، ح 1 وفي العلل أيضا ص 384. الباب 115، ح 2.
(4) و (6) البحار، ج 27، الباب 5، من كتاب الإمامة، ح 15 - 16، ص 149.
(5) ل. ياسر.
(7) سورة البقرة، الآية 187. (8) الوسائل، الباب 52، من أبواب ما يمسك عنه الصائم، ح 8.
(9) ل. بالضاد المعجمة في المواضيع الأربعة.

[ 572 ]

حقي، قال وكان متكئا فاستوى جالسا، ثم قال ترى إنك إذا استقصيت حقك لم تسئ إن الله عز وجل يقول في كتابه " ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب " (1) أتراهم خافوا من الله أن يظلمهم، لا والله ولكنهم خافوا منه أن يستقصي عليهم، فيهلكهم نعم من استقصى فقد أساء ثلاثا (2). تمت الأحاديث المنتزعة من كتاب السياري. ومن ذلك ما استطرفناه من جامع البزنطي صاحب الرضا عليه السلام قال في هذا الكتاب، وسألته عن الرجل يمسح جبهته من التراب وهو في صلاته قبل أن يسلم؟ قال لا بأس (3). قال وسألته عن رجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته قال إذا كانت الفريضة والتفت إلى خلفه، فقد قطع صلاته، فيعيد ما صلى ولا يعتد به، وإن كانت نافلة فلا يقطع ذلك صلاته ولكن لا يعود (4). قال وسألته عن الرجل اشترى ثوبا من السوق لبيسا لا يدري لمن كان؟ يصلح (5) له الصلاة فيه؟ قال إن كان اشتراه من مسلم فليصل فيه، وإن اشتراه من نصراني فلا يلبسه ولا يصلي فيه حتى يغسله (6). وسألته عن الرجل يسجد ثم لا يرفع يديه من الأرض هل (7) يسجد الثانية هل يصلح (8) له ذلك؟ قال ذلك نقص في الصلاة (9). وسألته عن رجل أراد أن يقرأ مائة آية أو أكثر في نافلة، فيتخوف أن يضعف وكسل، هل يصلح أن يقرأها وهو جالس؟ قال ليصلي ركعتين بما أحب، ثم

(1) سورة الرعد، الآية 21.
(2) البحار ج 103 ص 152 ح 19.
(3) الوسائل، الباب 18، من أبواب السجود، ح 5.
(4) الوسائل، الباب 3 من أبواب قواطع الصلاة، ح 8.
(5) ل: يصح.
(6) الوسائل، الباب 50 من أبواب النجاسات، ح 1.
(7) ل. بل.
(8) ط هل يصح. ل. أيصح.
(9) الوسائل، الباب 25، من أبواب السجود، ح 1.

[ 573 ]

لينصرف فليقرأ ما بقي عليه مما أراد قرائته، فإن ذلك يجزيه مكان قرائته وهو قائم، فإن بدا له أن يتكلم بعد التسليم من الركعتين، فليقرأ فلا بأس (1). قال: وسألته عن الزوال يوم الجمعة ما حده؟ قال إذا قامت الشمس فصل ركعتين، فإذا زالت فصل الفريضة ساعة تزول، فإذا زالت قبل أن تصلي الركعتين فلا تصلهما وابدأ بالفريضة واقض الركعتين بعد الفريضة. وسألته عن ركعتي الزوال يوم الجمعة قبل الأذان أو بعده؟ قال قبل الأذان (2). قال وسألته عن صلاة الكسوف ما حده؟ قال متى أحب ويقرأ ما أحب، غير أنه يقرأ ويركع ويقرأ ويركع أربع ركعات، ثم يسجد في الخامسة، ثم يقول فيفعل مثل ذلك (3). قال وسألته عن القراءة في صلاة الكسوف، فهل يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب؟ قال إذا ختمت سورة وبدأت بأخرى فاقرأ بفاتحة الكتاب، وإن قرأت سورة في ركعتين أو ثلاثة، فلا تقرأ بفاتحة الكتاب حتى تختم السورة، ولا تقول سمع الله لمن حمده في شئ من ركوعك إلا الركعة التي تسجد فيها (4). قال وسألته عن صلاة الكسوف هل على من تركها قضاء؟ قال إذا فاتتك فليس عليك قضاء (5). قال وسألته عن رجل يكون له الغنم يقطع من إلياتها وهي أحياء، أيصلح أن ينتفع بما قطع؟ قال نعم يذيبها ويسرج بها، ولا يأكلها ولا يبيعها (6). قال وسألته عن الرجل يكتب المصحف بالأجر؟ قال لا بأس (7). قال وسألته عن رجل كانت عنده وديعة لرجل فاحتاج إليها، هل يصلح له أن

(1) الوسائل، الباب 60 من أبواب القراءة في الصلاة ح 1 باختلاف يسير.
(2) الوسائل، الباب 11 من أبواب صلاة الجمعة، ح 16 - 17.
(3) قرب الاسناد، ص 99.
(4) الوسائل، الباب 7 من أبواب صلاة الكسوف، ح 12 - 13.
(5) الوسائل، الباب 10، من أبواب صلاة الكسوف، ح 11.
(6) الوسائل، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، ح 6.
(7) قرب الاسناد، ص 115.

[ 574 ]

يأخذ منها، وهو مجمع على أن يردها بغير إذن صاحبها؟ قال إذا كان عنده وفاء، فلا بأس بأن يأخذ ويرد (1). قال محمد بن إدريس لا يلتفت إلى هذا الحديث، ولا إلى الحديث الذي قبله بحديث لأنهما وردا في نوادر الأخبار، والأدلة بخلافهما، وهو الاجماع منعقد على تحريم الميتة والتصرف فيها بكل حال، إلا أكلها للمضطر غير الباغي والعادي، وكذلك الاجماع منعقد على تحريم التصرف في الوديعة بغير إذن ملاكها، فلا يرجع عما يقتضيه العلم إلى ما يقتضيه الظن، وبعد هذا فأخبار الآحاد لا يجوز العمل بها على كل حال في الشرعيات على ما بيناه. وسألته عن رجل، كان له مسجد في بعض بيوته أو داره، هل يصلح أن يجعله كنيفا؟ قال لا بأس (2). قال وسألته عن الرجل يلبس الخاتم في اليمنى؟ (3) قال إن شئت في اليمنى (4) وإن شئت في الشمال (5). قال وسألته عن السرج واللجام فيه الفضة، أيركب به؟ قال إن كان مموها لا يقدر على نزعه منه، فلا بأس، وإلا فلا يركب به (6). قال وسألته عن الرجل هل له أن يأخذ من لحيته؟ قال أما من عارضيه فلا بأس، وأما من مقدمها فلا (7). قال قال علي وسمعت أخي يقول من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها (8)، ثبت الله قدميه على الصراط (9). إسحاق بن عمار قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام الطير يقع في الدار فنصيده، وحولنا لبعضهم حمام؟ فقال إذا ملك جناحه فهو لمن أخذه، قال قلت فيقع علينا

(1) الوسائل، الباب 8 من أبواب الوديعة، ح 2.
(2) الوسائل، الباب 10 من أبواب أحكام المساجد، ح 4.
(3) و (4) ل. اليمين.
(5) الوسائل، الباب 48 من أبواب أحكام الملابس، ح 6.
(6) الوسائل، الباب 67 من أبواب النجاسات، ح 6.
(7) الوسائل، الباب 63 من أبواب آداب الحمام، ح 5.
(8) ل. إبلاغها إليه.
(9) قرب الاسناد ص 122.

[ 575 ]

فنأخذه، وقد نعرف لمن هو؟ قال إذا عرفته فرده على صاحبه (1). قال وحدثنا الحسن بن علي بن يقطين، عن أبيه علي بن يقطين، عن أبي الحسن الأول عليه السلام، قال سمعته يقول إن الشعر على الرأس إذا طال ضعف البصر، وذهب بضوء نوره، وطم الشعر يجلي البصر، ويزيد في نوره (2). وشعر الجسد إذا طال قطع ماء الصلب، وأرخى المفاصل، وورث الضعف والسل، وإن النورة تزيد في ماء الصلب، وتقوي البدن، وتزيد في شحم الكليتين، وسمن البدن (3). زرارة، قال سمعت أبا جعفر وأبا عبد الله من بعده عليهما السلام، يقولان حج رسول الله صلى الله عليه وآله عشرين حجة مستسرة، منها عشرة حجج، أو قال (4) سبعة، الوهم من الراوي، قبل النبوة (5). وقد كان صلى قبل ذلك، وهو ابن أربع سنين، وهو مع أبي طالب في أرض بصرى، وهو موضع كانت قريش تتجر إليه من مكة. هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال إنما علينا أن نلقي إليكم الأصول، وعليكم أن تفرعوا (6). أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال علينا القاء الأصول إليكم، وعليكم التفرع (7). سليمان بن خالد، قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول ما من شئ ولا من آدمي، ولا إنسي ولا جني، ولا ملك في السماوات إلا ونحن الحجج عليهم، وما خلق الله خلقا إلا وقد عرض ولايتنا عليه، واحتج بنا عليه، فمؤمن بنا وكافر

(1) الوسائل، الباب 37 من أبواب الصيد والذبائح ح 6.
(2) الوسائل الباب 60 من أبواب آداب الحمام، ح 9.
(3) الوسائل الباب 28 من أبواب آداب الحمام، ح 4.
(4) ل. تسعة.
(5) الوسائل، الباب 45 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، ح 33.
(6) و (7) الوسائل، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، ح 52 - 51.

[ 576 ]

جاحد حتى السموات والأرض والجبال الآية (1). صدقة الاحدب، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام إذا لقيت أخاك، وقدم من الحج، فقل الحمد لله الذي يسر سبيلك، وهدى دليلك، وأقدمك بحال عافية قد قضى الحج، وأعان على السفر، تقبل الله منك، واخلف عليك نفقتك، وجعلها لك حجة مبرورة، ولذنوبك طهورا (2). قال سئل أبو الحسن عليه السلام عن السفلة؟ فقال: السفلة الذي يأكل في الأسواق (3). عن أبي جعفر، عن أبي الحسن عليه السلام، قال لا لوم على من أحب قومه وإن كانوا كفارا، فقلت له يقول الله " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله " (4) الآية: فقال: ليس حيث تذهب، إنه يبغضه في الله، ولا يوده، ويأكله ولا يطعمه غيره من الناس (5). ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال السنة أن تستقبل الجنازة من جانبها الأيمن، وهو مما يلي يسارك، ثم تصير إلى مؤخره، وتدور عليه حتى ترجع إلى مقدمه (6). صفوان بن يحيى، وداود بن الحصين، الشهادة فتصححها بكل ما تجد السبيل إليه من زيادة الألفاظ والمعاني والتفسير في الشهادة ما به يثبت الحق ويصح، ولا يوجد هواده (7) الحق، مثل أجر الصائم القائم المجاهد بسيفه في سبيل الله (8). وبهذا الاسناد عن داود بن الحصين، قال سمعت من يسأل أبا عبد الله

(1) البحار ج 27 الباب 15 من كتاب الإمامة ص 46 ح 7.
(2) الوسائل الباب 55 من أبواب آداب السفر، ح 9. (3) الوسائل الباب 87 من أبواب الأطعمة والأشربة، ح 1.
(4) سورة المجادلة، الآية 22.
(5) الوسائل، الباب 17 من أبواب الأمر والنهي، ح 18.
(6) الوسائل، الباب 8 من أبواب الدفن، ح 2.
(7) ط. لا تؤخذ هوادة. ل. ولا يؤخذ هواده.
(8) الوسائل الباب 4 من أبواب الشهادات، ح 1 مع اختلاف في الألفاظ.

[ 577 ]

عليه السلام، وأنا حاضر عن الرجل يكون عنده الشهادة، وهؤلاء القضاة لا يقبلون الشهادات إلا على تصحيح ما يرون فيه من مذهبهم، وإني إذا أقمت الشهادة احتجت أن أغيرها بخلاف ما أشهدت عليه، وأزيد في الألفاظ ما لم أشهد عليه، وإلا لم يصح في قضائهم لصاحب الحق ما أشهدت عليه، أفيحل لي ذلك؟ فقال اي والله ولك أفضل الأجر والثواب، فصححها بكل ما قدرت عليه، مما يرون التصحيح به في قضائهم (1). عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام، قال بيع الشطرنج حرام، وأكل ثمنه سحت، واتخاذها كفر، واللعب بها شرك، والسلام على اللاهي بها معصية، وكبيرة موبقة، والخائض يده فيها كالخائض يده في لحم الخنزير، ولا صلاة له حتى يغسل يده كما يغسلها من مس لحم الخنزير، والناظر إليها كالناظر في فرج أمه، واللاهي بها والناظر إليها في حال ما يلهي بها، والسلام على اللاهي بها في حالته تلك في الإثم سواء، ومن جلس على اللعب بها فقد تبوأ مقعده من النار، وكان عيشه ذلك حسرة عليه في القيامة، وإياك ومجالسة اللاهي المغرور بلعبها، فإنه من المجالس التي قد باء أهلها بسخط من الله، يتوقعونه كل ساعة، فيعمك معهم (2). قال وسمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الصلاة على محمد وآل محمد فيما بين الظهر والعصر تعدل سبعين ركعة، ومن قال بعد العصر يوم الجمعة اللهم صل على محمد وآل محمد الأوصياء المرضيين بأفضل صلواتك، وبارك عليهم بأفضل بركاتك، والسلام عليهم وعلى أرواحهم وأجسادهم ورحمة الله وبركاته، كان له مثل ثواب عمل الثقلين في ذلك اليوم (3). وعنه عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن الخمر تعالج بالملح، وغيره لتحول خلا؟ فقال لا بأس بمعالجتها، قلت فإني عالجتها، وطينت رأسها، ثم كشفت

(1) الوسائل، الباب 4 من أبواب الشهادات، ح 2.
(2) الوسائل، الباب 103 من أبواب ما يكتسب به، ح 3 باختلاف يسير.
(3) الوسائل، الباب 48 من أبواب صلوة الجمعة، ح 7.

[ 578 ]

عنها، فنظرت إليها قبل الوقت أو بعده، فوجدتها خمرا، أيحل لي إمساكها؟ فقال لا بأس بذلك، إنما أرادتك أن تتحول الخمر خلا، وليس إرادتك الفساد (1). وعنه عن أبي عبد الله عن أبيه عليهم السلام، قال: قال علي عليه السلام، قال: رسول الله صلى الله عليه وآله، نعم الرجل الفقيه في الدين، إن احتيج إليه نفع، وإن لم يحتج إليه نفع نفسه (2). عنه عن أبي الربيع الشامي، قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام والبيت غاص، فقال إنه ليس منا من لم (3) يحسن صحبة من صحبه، ومرافقة من رافقة، وممالحة من مالحه، ومخالفة من خالفه (4). وعنه عن حسين بن أبي العلاء قال خرجنا إلى مكة نيف وعشرون رجلا، فكنت اذبح لهم في كل منزل شاة، فلما دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال لي يا حسين وتذل (5) المؤمنين فقلت أعوذ بالله من ذلك، فقال بلغني إنك كنت تذبح لهم في كل منزل شاة، فقلت ما أردت (6) إلا الله، فقال أما كنت ترى أن منهم (7) من يحب أن يفعل فعلتك فلا يبلغ مقدرتهم ذلك، فتقاصر إليه نفسه؟ فقلت استغفر الله ولا أعود (8). عنه عن هشام بن سالم، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن يونس بن ظبيان فقال رحمه الله، وبنى له بيتا في الجنة، كان والله مأمونا على الحديث (9). يونس بن ظبيان قال دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام وهو رمد شديد الرمد، فاغتممنا لذلك، ثم أصبحنا من الغد، فدخلنا عليه فإذا لا رمد بعينه، ولا به قلبة، فقلنا جعلنا فداك هل عالجت عينيك بشئ؟ فقال نعم، بما هو من العلاج فقلنا

(1) الوسائل، الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة، ح 11.
(2) البحار، ج 1 الباب 6 ح 29 ص 216.
(3) ط. ليس يحسن.
(4) مستدرك الوسائل، الباب 2 من أبواب أحكام العشرة، ح 2.
(5) ل. أو تذل.
(6) ط ما أردت بذلك.
(7) ط. ل. ان فيهم.
(8) الوسائل، الباب 33 من أبواب آداب السفر إلى الحج، ح 6.
(9) البحار، ج 47 الباب 33 من تاريخ الإمام جعفر الصادق عليه السلام ص 346 ح 40.

[ 579 ]

وما هو؟ قال عوذة، قال فكتبناها، وهي: أعوذ بعزة الله، وأعوذ بقوة الله، وأعوذ بقدرة الله (1) وأعوذ بعظمة الله (2)، وأعوذ بجلال الله، وأعوذ بجمال الله، وأعوذ ببهاء الله، وأعوذ بجمع الله، قلنا ما جمع الله؟ قال: بكل الله، وأعوذ بعفو الله، وأعوذ بغفران الله، وأعوذ برسول الله، وأعوذ بالأئمة وسمى (3) واحدا فواحدا، ثم قال: - على ما يشاء من شرما أجد، اللهم أنت رب الطبقين - (4) و (5). وعنه، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال إن من الحشمة عند الأخ، إذا أكل على خوان أخيه، أن يرفع يده قبل يديه، وقال: لا تقل لأخيك إذا دخل عليك أكلت اليوم شيئا، ولكن قرب إليه ما عندك، فإن الجواد كل الجواد من بذل ما عنده (6). قال وقال أبو الحسن عليه السلام قال أبو عبد الله عليه السلام اتقوا مواقف الريب، ولا يفض أحدكم مع أمه في الطريق، فإنه ليس كل أحد يعرفها (7). عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل تكفل بنفس الرجل إلى أجل، فإن لم يأت به فعليه كذا وكذا درهما، قال إن جاء به إلى أجل فليس عليه مال، وهو كفل بنفسه أبدا، إلا أن يبدأ بالدراهم، فهو لها ضامن إن لم يأت (8) به إلى الأجل الذي أجله (9). وعنه عن الحرث بن المغيرة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ستة لا تكون في المؤمن، العسر، والنكد، واللجاجة، والكذب، والحسد، والبغي (10). وعنه عن الفضل بن أبي قرة الكوفي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من مؤمن إلا وفيه دعابة، قلت وما الدعابة؟ قال المزاح (11).

(1) وبعده: أعوذ بنور الله في نسخة ل.
(2) ط. بعصمة الله.
(3) ل. يسمى.
(4) ط الطبعين. ل. الطيبين.
(5) و (6) البحار ج 95 ص 87 ح 6 و ج 75 ص 455 ح 28.
(7) الوسائل، الباب 19 من أبواب أحكام العشرة، ح 5.
(8) ط. بها.
(9) الوسائل، الباب 10 من أبواب الضمان، ح 2.
(10) الوسائل، الباب 49 من أبواب جهاد النفس، ح 23.
(11) الوسائل، الباب 80 من أحكام العشرة، ح 3.

[ 580 ]

وعنه عن عنان، مولى سدير، عن أبي عبد الله عليه السلام، وعن رجل من أصحابنا عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام، قال وذكره غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبد الله، قال إن فطرس ملك كان يطيف بالعرش، فتلكأ في شئ من أمر الله، فقص جناحه ورمي به على جزيرة (1)، فلما ولد الحسين هبط جبرئيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تهنية (2) بولادة الحسين فمر به، فعاذ بجبريل فقال، قد بعثت إلى محمد أهنيه بمولود ولد له، فإن شئت حملتك إليه، فقال قد شئت، فحمله، فوضعه بين يدي رسول الله، وبصبص بإصبعه إليه، فقال له رسول الله امسح جناحك بحسين فمسح جناحه بحسين فعرج (3). وعن أمير المؤمنين عليه السلام كان يضمن الصباغ، والقصار، والصائغ، احتياط على أمتعة الناس، وكان لا يضمن من الغرق والحرق، والشئ الغالب (4). فإذا غرقت السفينة وما فيها فأصابه الناس، فما قذف به البحر على ساحله فهو لأهله، فهم أحق به وما قاص عليه الناس، فأخرجوه وقد تركه صاحبه فهو لهم (5) وعنه عن علي بن سليمان، عن محمد بن عبد الله بن زرارة، عن محمد بن الفضيل البصري، قال نزل بنا أبو الحسن عليه السلام بالبصرة ذات ليلة، فصلى المغرب فوق سطح من سطوحنا، فسمعته يقول في سجوده بعد المغرب، اللهم العن الفاسق بن الفاسق فلما فرغ من صلاته قلت له أصلحك الله من هذا الذي لعنته في سجودك؟ فقال هذا يونس مولى بن يقطين، فقلت له إنه قد أضل خلقا من مواليك، إنه كان يفتيهم عن آبائك عليهم السلام، إنه لا بأس بالصلاة بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد العصر إلى أن تغيب الشمس، فقال كذب - لعنه الله - على أبي أو قال على آبائي، وما عسى أن يكون قيمة عبد من أهل السواد (6).

(1) ط. ل. جزيرة من جزاير البحر.
(2) ج. ل. يهنيه.
(3) البحار، ج 43، الباب 11 من تاريخ الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام، ص 250، ح 27.
(4) الوسائل، الباب 29، من أبواب الإجارة، ح 6.
(5) الوسائل، الباب 11 من أبواب اللفظة، ح 1.
(6) الوسائل، الباب 38، من أبواب الوقت، ح 14، باختلاف يسير.

[ 581 ]

وعنه عنهم عليه السلام: من لبس سراويله من قيام، لم تقض له حاجة ثلاثة أيام (1). تمت الأحاديث المنتزعة من جامع البزنطي. ومن ذلك ما استطرفناه من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم مولانا (2) أبا الحسن على بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، والأجوبة عن (3) ذلك. رواية أبي عبد الله، أحمد بن محمد بن عبيد الله بن الحسن بن عباس (4) الجوهري، ورواية عبد الله بن جعفر الحميري رضي الله عنه، من مسائل أيوب بن نوح، وكتب إلى بعض أصحابنا عاتب فلانا، وقل له إن الله إذا أراد بعبد خيرا إذا عوتب قبل (5). أيوب بن نوح قال كتب معي بشر بن بشار، جعلت فداك رجل تزوج امرأة فولدت منه، ثم فارقها متى يجب له أن يأخذ ولده، فكتب له: إذا صار له سبع سنين، فإن أخذه فله، وإن تركه فله (6). أحمد بن محمد، قال حدثني عدة من أصحابنا، قال قلنا (7) لأبي الحسن عليه السلام في السنة الثانية من موت أبي جعفر عليه السلام، إن رجلا مات في الطريق وأوصى بحجة، وما بقي فهو لك، فاختلف أصحابنا، وقال (8) بعضهم يحج عنه من الوقت فهو أوفر للشئ أن يبقى عليه، وقال بعضهم يحج عنه من حيث مات، فقال عليه السلام يحج عنه من حيث مات (9).

(1) الوسائل، الباب 68، من أبواب أحكام الملابس، ح 5.
(2) ط. إلى مولانا.
(3) ل. من ذلك.
(4) ل. عياش.
(5) الوسائل، الباب 7 من أبواب أحكام العشرة، ح 9.
(6) الوسائل، الباب 81، من أبواب أحكام الأولاد، ح 7.
(7) ل. قلت.
(8) ل. فقال.
(9) الوسائل، الباب 2، من أبواب النيابة في الحج، ح 9.

[ 582 ]

من مسائل علي بن الريان (1) وكتب إليه رجل يكون في الدار تمنعه حيطانها من النظر إلى حمرة المغرب، معرفة (2) مغيب الشفق ووقت صلاة العشاء الآخرة، متى يصليها وكيف يصنع؟ فوقع يصليها إن كانت على هذه الصفة عند اشتباك النجوم، والمغرب عند قصر النجوم، وبياض مغيب الشمس (3). ومن مسائل داود الصرمي، قال وسألته عن الصلاة بمكة في أي موضع أفضل؟ فقال عند مقام إبراهيم الأول، فإنه مقام إبراهيم وإسماعيل ومحمد صلى الله عليهم (4). قال وحدثني بشر بن بشار النيسابوري، قال سألته عن الصلاة في الفنك، والفراء، والسمور، والسنجاب، والحواصل التي تصطاد (5) ببلاد الشرك أو بلاد الاسلام، أيصلى فيها بغير تقية؟ قال صل في السنجاب والحواصل الخوارزمية، ولا تصل في الثعالب والسمور (6). قال وسألته عليه السلام عن زيارة الحسين عليه السلام وزيارة آبائه عليهم السلام في شهر رمضان لنسافر ونزورهم؟ فقال لرمضان من الفضل وعظيم الأجر ما ليس لغيره من الشهور، فإذا دخل فهو المأثور، الصيام فيه أفضل من قضائه، وإذا حضر رمضان فهو مأثور، ينبغي أن يكون (7) موثورا (8). قال وسألته عن رجل دخل بستانا، أيأكل من الثمرة من غير علم صاحب البستان؟ فقال نعم (9). قال وسألته عن عبد كانت تحته زوجة حرة، ثم إن العبد آبق، تطلق امرأته من أجل إباقه؟ قال نعم، إن أرادت ذلك هي، قال وقال لي يا داود لو قلت لك إن

(1) ل. السري.
(2) ل. ووقت.
(3) الوسائل، الباب 24، من أبواب المواقيت، ح 1.
(4) الوسائل، الباب 53، من أبواب أحكام المساجد، ح 8.
(5) ل. تصاد.
(6) الوسائل، الباب 3 من أبواب لباس المصلي، ح 4.
(7) ط. مأثورا.
(8) الوسائل، الباب 91 من أبواب المرار، ح 2.
(9) الوسائل، الباب 8، من أبواب بيع التمار، ح 11.

[ 583 ]

تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقا (1). علي بن مهزيار قال كتبت إليه أسأله عن امرأة ترضع ولدها وغير ولدها في شهر رمضان، فيشتد عليها الصوم، وهي ترضع حتى يغشى عليها، ولا تقدر على الصيام، أترضع وتفطر وتقضي صيامها إذا أمكنها، أو تدع الرضاع وتصوم؟ فإن كانت ممن لا يمكنها اتخاذ من ترضع ولدها فكيف تصنع؟ فكتب إن كانت مما (2) يمكنها اتخاذ ظئر، استرضعت لولدها، وأتمت صيامها، وإن كان ذلك لا يمكنها، أفطرت وأرضعت ولدها، وقضت صيامها متى ما أمكنها (3). مسائل محمد بن علي بن عيسى، حدثنا محمد بن أحمد بن زياد (4) وموسى بن محمد بن علي بن عيسى، قال كتبت إلى الشيخ أعزه الله وأيده، أسأله عن الصلاة في الوبر، أي أصوافه (5) أصلح؟ فأجاب لا أحب الصلاة في شئ منه، قال فرددت الجواب، أنا مع قوم في تقية، وبلادنا بلاد لا يمكن أحدا أن يسافر منه (6) بلا وبر، ولا يأمن على نفسه إن هو نزع وبره، فليس يمكن الناس كلهم ما يمكن الأئمة، فما الذي ترى أن يعمل به في هذا الباب؟ قال فرجع الجواب تلبس (7) الفنك والسمور (8). قال وكتبت إليه أسأله عن الناصب، هل احتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت، واعتقاد إمامتهما، فرجع الجواب، من كان على هذا فهو ناصب (9). قال وكتبت إليه أسأله عن العمل لبني العباس، وأخذ ما أتمكن (10) من أموالهم، هل فيه رخصة، وكيف المذهب في ذلك؟ فقال ما كان المدخل فيه بالجبر والقهر، فالله قابل العذر، وما خلا ذلك فمكروه، ولا محالة قليله خير من كثيره

(1) الوسائل، الباب 24، من أبواب الأمر والنهي، ح 26.
(2) ط. ل. ممن.
(3) الوسائل، الباب 17، من أبواب من يصح منه الصوم، ح 3.
(4) ط. ل. أحمد بن محمد بن زياد.
(5) ل. في أي أصنافه.
(6) ط. منها. ل فيه.
(7) ط. إلى بلبس.
(8) الوسائل، الباب 4 من أبواب لباس المصلي، ح 3.
(9) الوسائل، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 14.
(10) ط. ما يمكن.

[ 584 ]

وما يكفر به، ما يلزمه فيه من يرزقه، ويسبب على يديه، ما يشرك (1) فينا وفي موالينا، قال فكتبت إليه في جواب ذلك أعلمه أن مذهبي في الدخول في أمرهم، وجود السبيل إلى إدخال المكروه على عدوه، وانبساط اليد في التشفي منهم بشئ أن يقرب (2) به إليهم، فأجاب من فعل ذلك فليس مدخله في العمل حراما بل أجرا وثوابا (3). قال وكتبت إليه أسأله عن المساكين الذين يقعدون في الطرقات من الجزايرة والسايسين وغيرهم، هل يجوز التصدق عليهم قبل أن أعرف مذهبهم؟ فأجاب من تصدق على ناصب، فصدقته عليه لا له، لكن على من تعرف (4) مذهبه وحاله فذلك أفضل وأكبر (5)، ومن بعد فمن ترفقت عليه ورحمته ولم يمكن (6) استعلام ما هو عليه، لم يكن بالتصدق عليه بأس إن شاء الله (7). وكتبت إليه جعلت فداك، عندنا طبيخ يجعل فيه الحصرم، وربما جعل فيه العصير من العنب، وإنما هو لحم يطبخ به، وقد روي عنهم في العصير أنه إذا جعل على النار لم يشرب حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه وإن الذي يجعل في القدر من العصير بتلك المنزلة، وقد اجتنبوا أكله إلى أن يستأذن مولانا في ذلك، فكتب بخطه لا بأس بذلك (8). قال وسألته عن العلم المنقول إلينا عن آبائك وأجدادك صلوات الله عليهم قد اختلف علينا فيه، كيف العمل به على اختلافه، أو الرد إليك فيما اختلف فيه؟ فكتب ما علمتم أنه قولنا فألزموه (9)، وما لم تعلموا فردوه إلينا (10). وعنه عن طاهر، قال كتبت إليه أسأله عن الرجل يعطي الرجل ما لا يبيعه به شيئا بعشرين درهما، ثم يحول عليه الحول، فلا (11) يكون عنده شئ فيبيعه شيئا

(1) ط. ما يسرك.
(2) ل. ان اتقرب.
(3) الوسائل، الباب 45 من أبواب ما يكتسب به، ح 9.
(4) ل. لا يعرف.
(5) ل. أكثر.
(6) ط. لم تمكن.
(7) الوسائل، الباب 21 من أبواب الصدقة، ح 8.
(8) الوسائل، الباب 4 من أبواب الأشربة المحرمة، ح 1.
(9) ط. فالتزموه.
(10) الوسائل، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 36.
(11) ل. ولا يكون.

[ 585 ]

آخر، فأجابني ما تبايعه الناس حلال، وما لم يتبايعوه فربا (1). تمت الأخبار المنتزعة من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم. ومن ذلك ما استطرفناه من كتاب حريز بن عبد الله السجستاني بالحاء غير المعجمة، والراء غير المعجمة، والراء المعجمة، وهو من أجلة المشيخة. قال وقال أبو بصير، قال أبو جعفر عليهما السلام، إن قدرت أن تصلي في يوم الجمعة عشرين ركعة، فافعل ستا بعد طلوع الشمس، وستا قبل الزوال، إذا تعالت الشمس، وافصل بين كل ركعتين من نوافلك بالتسليم، وركعتين قبل الزوال، وست ركعات بعد الجمعة (2). وقال زرارة، قال أبو جعفر عليه السلام، لا تقرأ في الركعتين الأخيرتين من الأربع ركعات المفروضات شيئا، إماما كنت، أو غير إمام، قلت فما أقول فيهما، قال إن كنت إماما، فقل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ثلاث مرات، ثم تكبر، وتركع (3). وإن كنت خلف إمام، فلا تقرأ شيئا في الأوليين، وانصت لقراءته، ولا تقولن شيئا في الأخريين، فإن الله عز وجل يقول للمؤمنين " وإذا قرئ القرآن (يعني في الفريضة خلف الإمام) فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون " (4) والأخريان تبع الأوليين (5) و (6). قال زرارة، قال أبو جعفر عليه السلام، كان الذي فرض الله على العباد من الصلاة عشرا، فزاد رسول الله صلى الله عليه وآله سبعا وفيهن السهو، وليس فيهن

(1) الوسائل، الباب 20، من أبواب الربا ح 3، باختلاف يسير.
(2) الوسائل، الباب 11 من أبواب صلاة الجمعة، ح 18.
(3) الوسائل، الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة ح 1 باختلاف يسير.
(4) سورة الأعراف، الآية 204.
(5) ل. والأخيرتان تبعا الأولتين.
(6) الوسائل، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، ح 3.

[ 586 ]

قراءة فمن شك في الأولتين، أعاد حتى يحفظ، ويكون على يقين، ومن شك في الأخيرتين عمل بالوهم (1). قال: وقال أبو جعفر عليه السلام، القنوت كله جهار، قال: قلت أرأيت من قدم بلدة متى ينبغي له أن يكون مقصرا، أو متى ينبغي له أن يتم؟ قال: إذا دخلت أرضا فأيقنت أن لك فيها مقام عشرة أيام، فأتم الصلاة، وإن لم تدر ما مقامك بها تقول غدا أخرج (2)، وبعد غد، فقصر ما بينك وبين أن يمضي شهر، فإذا تم شهر فأتمم الصلاة، وإن أردت أن تخرج من ساعتك فأتمم (3). قال، وقال أبو جعفر عليه السلام، اعلم أن أول الوقت أبدا أفضل، فتعجل الخير ما استطعت، وأحب الأعمال إلى الله تعالى ما ذكره ما دام عليه العبد وإن قل (4). قال: وقال أبو جعفر عليه السلام، لا تصل من النافلة شيئا في وقت الفريضة، فإنه لا تقضى نافلة في وقت فريضة، فإذا دخل وقت فريضة فابدأ بالفريضة (5). وقال قال أبو جعفر عليه السلام، إنما جعلت القدمان والأربع (6) والذراع والذراعان وقتا لمكان النافلة (7). قال: وقال أبو جعفر عليه السلام لا تقرنن بين السورتين في الفريضة في ركعة، فإنه أفضل (8). وقال لا بأس بالاقعاء فيما بين السجدتين، ولا ينبغي الاقعاء في موضع التشهدين، إنما التشهد في الجلوس وليس المقعي بجالس (9). قال: وقال قلت له المرأة والرجل يصلي كل واحد منهما قبالة صاحبه، قال

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 2.
(2) ل. أو بعد.
(3) الوسائل، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 9.
(4) الوسائل، الباب 27 من أبواب مقدمة العبادات، ح 11.
(5) الوسائل، الباب 35 من أبواب المواقيت، ح 8.
(6) ل. القدمان والذراع.
(7) الوسائل، الباب 8 من أبواب المواقيت، ح 35.
(8) الوسائل، الباب 18 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 11.
(9) الوسائل، الباب 1 من أبواب التشهد، ح 1.

[ 587 ]

نعم إذا كان بينهما قدر موضع رجل (1). قال وقال زرارة، قلت لأبي جعفر عليه السلام، إن لم يكن المواقف على وضوء كيف يصنع، ولا يقدر على النزول، قال يتيم من لبد دابته، أو سرجه، أو معرفة دابته، فإن فيها غبارا (2). قال: وقال زرارة: عن أبي جعفر عليه السلام، أنه قال لا قران بين سورتين في ركعة، ولا قران بين أسبوعين (3) في فريضة ونافلة، ولا قران بين صومين، ولا قران بين صلاتين، ولا قران بين فريضة ونافلة (4). وعن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال يغفر الله عز وجل ليلة النصف من شعبان من خلقه بقدر شعر معز بني كلب (5). قال وقلت له رجل بال ولم يكن معه ماء، قال يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات، وينتر طرفه، فإن خرج بعد ذلك شئ، فليس (6) من البول، ولكنه من الحبائل (7). قال: وقال زرارة، قلت له المرأة تصلي حيال زوجها، قال تصلي بإزاء الرجل إذا كان بينها وبينه قدر ما لا يتخطى، أو قدر عظم الذراع فصاعدا (8). قال: وقال أبو جعفر عليه السلام، وإن صلى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطى، فليس ذلك الإمام لهم إماما (9). قال وحدثني الفضيل عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال لي يا فضيل بلغ من لقيت من موالينا عنا (10) السلام، وقل لهم إني أقول إني لا أغني عنهم من الله شيئا

(1) الوسائل، الباب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 12.
(2) الوسائل، الباب 9 من أبواب التيمم، ح 1.
(3) في هامش النسخة " سبوعين بخطه ".
(4) الوسائل، الباب 8 من أبواب القراءة و 36 من الطواف و 4 من الصوم المحرم و 3 من أبواب تكبيرة الاحرام، ح 2. (5) الفقيه: ج 2 ص 94 باب ثواب صوم شهر شعبان ح 1830 وفيه عن زرارة عن أبي جعفر.
(6) ط. فليس عليه، ل. فليس الذي عليه.
(7) الوسائل، الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة، ح 2.
(8) الوسائل، الباب 5 من أبواب مكان المصلي، ح 13.
(9) الوسائل، الباب 62 من أبواب الجماعة، ح 4.
(10) ل. عني.

[ 588 ]

إلا بورع، فاحفظوا ألسنتكم، وكفوا أيديكم، وعليكم بالصبر والصلاة، فإن الله يقول (1) " واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين " (2) و (3). قال: وقال إنما فرض الله عز وجل كل صلاة ركعتين، وزاد رسول الله صلى الله عليه وآله سبعا وفيهن الوهم، وليس فيهن قراءة (4). قال: وقال الفضيل وزرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قلنا له أيجزي إذا اغتسلت بعد الفجر للجمعة؟ فقال نعم (5). وقال زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر، أجزأك غسلك ذلك للجنابة، والجمعة، وعرفة، والنحر، والحلق، والذبح، والزيارة، فإذا اجتمعت لله عليك حقوق، أجزأها عنك غسل واحد، قال زرارة: قال وكذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها، وإحرامها، وجمعتها، وغسلها من حيضها، وعيدها (6). قال، وقال زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، فإذا جاء يقين بعد حائل قضاه، ومضى على اليقين، ويقضي الحائل والشك جميعا، فإن شك في الظهر فيما بينه وبين أن يصلي العصر، قضاها، وإن دخله الشك بعد أن يصلي العصر فقد مضت إلا أن يستيقن، لأن العصر حائل فيما بينه وبين الظهر، فلا يدع الحائل لما كان من الشك إلا بيقين (7). قال: وقال ابن مسلم وزرارة، قال أبو جعفر عليه السلام، كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: من قرأ خلف إمام يأتم به فمات بعث على غير فطرة (8) و (9).

(1) ل. تعالى قال.
(2) سورة البقرة الآية 45.
(3) الوسائل، الباب 119 من أبواب أحكام العشرة، ح 22، باختلاف يسير.
(4) الوسائل، الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 6 باختلاف يسير.
(5) الوسائل، الباب 11 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.
(6) الوسائل، الباب 43 من أبواب الجنابة ح 1.
(7) الوسائل، الباب 60 من أبواب المواقيت، ح 2.
(8) ل. على فطرة.
(9) الوسائل، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، ح 4.

[ 589 ]

تمت الأخبار المنتزعة من كتاب حريز بن عبد الله السجستاني رحمه الله وكتاب حريز أصل معتمد معول عليه. ومن ذلك ما استطرفناه من كتاب المشيخة تصنيف الحسن بن محبوب السراد صاحب الرضا عليه السلام وهو ثقة عند أصحابنا، جليل القدر كثير الرواية أحد الأركان الأربعة في عصره أبو أيوب عن سماعة، قال سأل أبا عبد الله عليه السلام، رجل من أهل الجبال، عن رجل أصاب مالا من أعمال السلطان، فهو يتصدق منه، ويصل قرابته، ويحج (1)، ليغفر له ما اكتسب، وهو يقول إن الحسنات يذهبن السيئات، قال فقال أبو عبد الله عليه السلام، إن الخطيئة لا تكفر الخطيئة ولكن الحسنة تحط الخطيئة، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام، إن كان خلط الحرام حلالا فاختلط جميعا فلم يعرف الحرام من الحلال، فلا بأس (2). أبو أيوب، عن أبي بصير، قال سألت أحدهما عليهما السلام، عن شراء الجناية (3) والسرقة؟ قال فقال لا، إلا أن يكون تشتريه من متاع السلطان فلا بأس بذلك (4). أبو أيوب، عن سماعة بن مهران، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن الرجل يزارع ببذره مائة جريب من الطعام، أو غيره مما يزرع، ثم يأتيه، رجل آخر فيقول له خذ مني نصف بذرك ونصف نفقتك في هذه الأرض، وأشاركك، قال

(1) ل. ويحج ويعطي الفقراء.
(2) الوسائل، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 2، باختلاف يسير.
(3) ل. ط. الخيانة.
(4) الوسائل، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 4.

[ 590 ]

لا بأس بذلك (1). أبو أيوب، عن ضريس الكناسي، قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن السمن والجبن، نجده في أرض المشركين في الروم، أنأكله؟ قال فقال أما ما علمت منه إنه قد خالطه الحرام، فلا تأكله، وأما ما لم تعلم فكله حتى تعلم أنه حرام (2). أبو أيوب عن سماعة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون عنده العدة للحرب، وهو محتاج (3) أيبيعها وينفقها على عياله أو يأخذ الصدقة؟ فقال يبيعها وينفقها على عياله (4). أبو أيوب عن سماعة قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل منا يكون عنده الشئ يتبلغ (5) به، وعليه دين، أيطعمه عياله (6) حتى يأتيه بميسرة ينقضي (7) دينه، أو يستقرض على ظهره في جذب (8) الزمان وشدة المكاسب، أو يقضي بما عنده دينه ويقبل الصدقة، قال يقضي بما عنده ويقبل الصدقة، قال لا يأكل أموال الناس إلا وعنده ما يؤدي إليهم حقوقهم، إن الله تبارك وتعالى يقول " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " (9) وقال ما أحب له أن يستقرض إلا وعنده وفاء بذلك، إما في عقدة، أو في تجارة، ولو طاف على أبواب الناس فيزودونه (10) باللقمة واللقمتين، إلا أن يكون له ولي يقضي دينه عنه من بعده، ثم قال إنه ليس منا ميت يموت إلا جعل الله له وليا يقوم في دينه، فيقضي عنه دينه (11). قال: قال ابن سنان سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الاهلال بالحج وعقدته، قال هو التلبية إذا لبى وهو متوجه، فقد وجب عليه ما يجب على المحرم (12).

(1) الوسائل، الباب 13 من أبواب المزارعة والمساقاة، ح 1، باختلاف يسير.
(2) الوسائل، الباب 64، من أبواب الأطعمة والأشربة، ح 1.
(3) ل. يحتاج.
(4) الوسائل، الباب 10 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 1.
(5) ل. يتبايع.
(6) ل. على عياله.
(7) ل. تنقضي دينه.
(8) ل. جدب.
(9) سورة النساء الآية 29.
(10) ط. فيردونه.
(11) الوسائل، الباب 47، من أبواب المستحقين للزكاة ح 1. (12) الوسائل، الباب 14 من أبواب الاحرام، ح 15.

[ 591 ]

جميل بن صالح، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر عليه السلام، قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: أما والله إن أحب أصحابي إلي، أورعهم، وأفقههم، وأكتمهم لحديثنا، وإن أسوأهم عندي حالا، وأمقتهم إلي الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروي عنا، فلم يعقله ولم يقبله بقلبه، اشمأز منه، وجحده، وكفر به و بمن دان به (1)، وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج، وإلينا أسند، فيكون بذلك خارجا من ولايتنا (2). قال قال سعد بن أبي خلف، عن أبي الحسن موسى عليه السلام، أنه قال لبعض ولده، يا بني إياك أن يراك الله تعالى في معصية نهاك عنها، وإياك أن يفقدك الله تعالى عند طاعة (3) أمرك بها، وعليك بالجد، ولا تخرجن نفسك من التقصير في عبادة الله تعالى وطاعته، فإن الله تعالى لا يعبد حق عبادته، وإياك والمزاح، فإنه يذهب بنور إيمانك، ويستخف (4) مروتك وإياك والضجر والكسل فإنهما يمنعانك حظك من الدنيا والآخرة (5). إبراهيم الكرخي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثة ملعون ملعون. من فعلهن: المتغوط في ظل النزال، والمانع الماء المنتاب، وساد الطريق المسلوك (6). أبو أيوب الخراز (7)، بالراء غير المعجمة، عن محمد بن مسلم، قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول لا دين لمن دان بطاعة من يعصي الله، ولا دين لمن دان بفرية باطل على الله تعالى، ولا دين لمن دان بجحود شئ من آيات الله تعالى (8). قال: ابن محبوب في كتابه خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة لأربع بقين من ذي القعدة، ودخل لأربع مضين من ذي الحجة، دخل من أعلى مكة، من

(1) ط. ل. كفر بمن دان به.
(2) الوسائل، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، ح 39.
(3) ط. عن طاعة.
(4) في الهامش: " خطة ويسخف ".
(5) الوسائل، الباب 66 من أبواب جهاد النفس، ح 4.
(6) الوسائل، الباب 15، من أبواب أحكام الخلوة، ح 4.
(7) ل. خرار.
(8) البحار: ج 72 ص 123 ح 20.

[ 592 ]

عقبة المدنيين، وخرج من أسفلها (1). ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام، قال إن رأيت في ثوبك دما وأنت تصلي، ولم تكن رأيته قبل ذلك، فأتم صلاتك، فإذا انصرفت فاغلسه، قال وإن كنت رأيته قبل أن تصلي، فلم تغسله ثم رأيته بعد وأنت في صلاتك، فانصرف فاغسله وأعد صلاتك (2). ابن سنان، عن جابر الجعفي، قال من سبح تسبيح فاطمة عليها السلام منكم قبل أن يثني رجله من المكتوبة، غفر له (3). قال وسألته إن لي جيرانا بعضهم يعرف هذا الأمر، وبعضهم لا يعرف، وقد سألوني أؤذن لهم وأصلي بهم، فخفت أن لا يكون ذلك موسعا لي، فقال أذن لهم، وصل بهم، وتحر الأوقات (4). علا، وأبو أيوب، وابن بكير، كلهم عن محمد بن مسلم، قال سألت أبا جعفر عليه السلام، عن الرجل يقيم في البلاد الأشهر، وليس فيها ماء، إنما يقيم لمكان المرعى وصلاح الإبل؟ قال لا (5). علا، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام في رجل شك بعد ما سجد، إنه لم يركع، فقال يمضي على شكه حتى يستيقن، ولا شئ عليه، قال فإن استيقن، لم يعتد بالسجدتين اللتين لا ركعة معهما، ويتم ما بقي عليه من صلاته، ولا سهود عليه (6) (7). أبو أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، في رجلين شهدا على رجل غائب عن امرأته أنه طلقها، فاعتدت المرأة، وتزوجت، ثم إن الزوج الغائب قدم، فزعم إنه لم يطلقها، وأكذب نفسه، أحد الشاهدين، فقال لا سبيل للأخير

(1) الوسائل، الباب 4 من أبواب مقدمات الطواف، ح 3.
(2) الوسائل، الباب 43، من أبواب النجاسات، ح 3.
(3) الوسائل، الباب 7 من أبواب التعقيب، ح 5.
(4) الوسائل، الباب 7 من أبواب صلاة الجماعة، ح 2.
(5) الوسائل، الباب 28 من أبواب التيمم، ح 1.
(6) ل. ولا شئ عليه.
(7) الوسائل، الباب 11 من أبواب الركوع، ح 2 باختلاف يسير.

[ 593 ]

عليها، ويؤخذ الصداق من الذي شهد ورجع، فيرد على الأخير والأول أملك بها، وتعتد من الأخير، ولا يقربها الأول حتى تنقضي عدتها (1). أبو ولاد الحناط، قال سئل أبو عبد الله عليه السلام عن نصرانية تحت مسلم زنت، وجاءت بولد، فأنكره المسلم، قال فقال يلاعنها، قيل له فالولد ما يصنع به؟ قال هو مع أمه ويفرق بينهما، ولا تحل له أبدا (3). الهيثم بن واقد الجزري (3)، قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول من أخرجه الله من ذل المعاصي إلى عز التقوى، أغناه الله بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا بشر، ومن خاف الله، أخاف الله منه كل شئ، ومن لم يخف الله، أخافه الله من كل شئ، ومن رضى من الله باليسير من المعاش، رضى الله منه باليسير من العمل، ومن لم يستحي من طلب الحلال وقنع به، خفت مؤنته، ونعم أهله، ومن زهد في الدنيا، اثبت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا داءها، ودواءها، وأخرجه الله من الدنيا سالما إلى دار السلام (4). أبو حمزة الثمالي، قال كان علي بن الحسين عليهما السلام، يقول ابن آدم إنك لا تزال (5) بخير ما كان لك واعظ من نفسك، وما كانت المحاسبة من همتك، وما كان الخوف لك شعارا، والحزن لك دثارا ابن آدم إنك ميت، ومبعوث، وموقوف بين يدي الله، فأعد جوابا (6). الهيثم قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام إن عندنا بالجزيرة رجلا ربما أخبر من يأتيه يسأله عن الشئ يسرق، أو شبه ذلك، أفنسأله؟ قال: فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من مشى إلى ساحر، أو كاهن، أو كذاب يصدقه (7) بما يقول فقد كفر بما أنزل الله من كتاب (8).

(1) الوسائل، الباب 13 من أبواب الشهادات، ح 3.
(2) الوسائل، الباب 5 من أبواب اللعان، ح 11.
(3) ل. الحرزي.
(4) أورد ذيله في البحار، ج 2 الباب 9 من كتاب العلم، ص 33، ح 27.
(5) ل. لن تزال.
(6) الوسائل، الباب 96، من أبواب جهاد النفس، ح 3.
(7) ط. ل. فصدقه.
(8) الوسائل، الباب 26 من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

[ 594 ]

أبو أيوب، عن سماعة، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى " فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " (1) أرأيت، إن استأذن الحكمان، فقالا للرجل والمرأة أليس قد جعلتما أمركما إلينا في الاصلاح (2) والتفريق؟ فقال الرجل والمرأة لهما نعم واشهدوا (3) بذلك شهودا عليهما، أيجوز تفريقهما عليهما؟ قال نعم، ولكن لا يكون ذلك منهما إلا على طهر من المرأة بغير جماع من الرجل، قيل له أفرأيت إن قال أحد الحكمين قد فرقت بينهما، وقال الآخر لم أفرق بينهما، قال: فقال لا يكون لهما تفريق حتى يجتمعا جميعا على التفريق، فإذا اجتمعا على التفريق جاز تفريقهما على الرجل والمرأة (4). عن عبد الله بن سنان، عن أبي حمزة، قال قلت لأبي جعفر عليه السلام ما أدنى النصب؟ قال إن تبتدع شيئا فتحب عليه وتبغض عليه (5). عبد الله بن سنان، عن أبي حمزة، قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إنما شيعتنا الخرس (6) (7). عبد الله بن سنان قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: يقولون تنقاد (8) ولا تنقاد (9)، يعني أصحاب الكلام، أما لو عملوا كيف كان بدؤ الخلق وأصله (10) ما اختلف اثنان (11). عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام، قال كل شئ يكون فيه حلال وحرام (12) فهو لك حلال أبدا، حتى تعرف منه الحرام بعينه فدعه (13).

(1) سورة النساء، الآية 35.
(2) ط. الصلاح.
(3) ط. واشهدا.
(4) الوسائل، الباب 13 من أبواب القسم والنشوز، ح 1.
(5) الوسائل، الباب 40، من أبواب الأمر والنهي، ح 4، إلا أنه أورده عن الفقيه.
(6) ط. وفي نسخة ل. الأخرس.
(7) الوسائل، الباب، 117 من أبواب أحكام العشرة. ح 3، إلا أنه أورده عن الأصول.
(8) و (9) ط. ينقاد.
(10) ط. لما اختلف.
(11) البحار، ج 2، الباب 17، من أبواب كتاب العلم، ص 135، ح 34.
(12) ط. ل. حرام وحلال.
(13) الوسائل، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

[ 595 ]

صفوان بن يحيى، عن أبي جرير القمي، قال سألت أبا الحسن موسى عليه السلام، قلت أزوج أخي من أمي أختي من أبي؟ قال فقال له أبو الحسن عليه السلام زوج إياه إياها، وزوج إياها إياه (1). الفضيل عن أبي الحسن، قال: قال لي أبلغ خيرا، أو قل خيرا، ولا تكونن إمعة - مكسورة الألف، مشددة الميم المفتوحة، والعين غير المعجمة -، قلت وما الإمعة؟ قال لا تقولن أنا مع الناس ولا أنا (2) كواحد من الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال أيها الناس إنما هما نجدان، نجد خير، ونجد شر، فما بال نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير (3). على بن الحسين، عن يونس بن رباط (4)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله، رحم الله من أعان ولده على بره، قال قلت وكيف يعينه على بره؟ قال: فقال يقبل ميسوره، ويتجاوز عن معسوره، ولا يرهقه، ولا يخرق به، وليس بينه وبين أن يصير في حد من حدود الكفر إلا أن يدخل في حد عقوق، أو قطيعة رحم (5) ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله، الجنة طيبة، طيبها الله وطيب ريحها، ويوجد ريحها من مسيرة ألفي عام، ولا يجد ريح الجنة عاق ولا قاطع رحم، ولا مرخي الإزار خيلاء. جميل بن دراج، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال إن الذي يعلم العلم منكم، له مثل أجر الذي يتعلمه، وله الفضل عليه، فتعلموا العلم من حملة العلم، وعلموه إخوانكم كما علموكموه العلماء (6). عبد الرحمن بن الحجاج، قال قلت لأبي الحسن موسى عليه السلام، أرأيت أن احتجت إلى طبيب وهو نصراني، أسلم عليه، وادعوا له؟ قال نعم، لأنه لا ينفعه

(1) الوسائل، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالنسب ح 1.
(2) ط. ل وأنا.
(3) البحار ج 2 الباب 8 من كتب العلم ص 21 ح 62.
(4) ل. يونس بن زياد.
(5) الوسائل، الباب 86 من أبواب أحكام الأولاد، ح 8 إلا أنه أورده عن الفروع،، وأورد ذيله عن السرائر في الباب 23 من أبواب الملابس.
(6) البحار، ج 1 الباب 1 من كتاب العلم، ص 174، ح 36.

[ 596 ]

دعاؤك (1). علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال سألت أبا جعفر عليه السلام، عن رجل مات وترك أباه وعمه وجده؟ فقال حجب الأب الجد، الميراث للأب دون الجد، وليس للعم ولا للجد شئ (2). عبد العزيز القندي (3)، عن حمزة بن حمران، قال سألت أبا جعفر عليه السلام، ما (4) يجب على الغلام أن يؤخذ بالحدود التامة، ويقام عليه، ويؤخذ بها؟ فقال إذا خرج عنه اليتم، وأدرك، قلت فلذلك حدبه يعرف (5)، قال إذا احتلم، أو بلغ خمس عشرة سنة وأشعر، أو انبت قبل ذلك، أقيمت عليه الحدود التامة، وأخذ بها، وأخذت منه، قلت والجارية متى يجب عليها الحدود التامة، وتؤخذ بها، وتؤخذ لها؟ قال فإن (6) الجارية ليست مثل الغلام، إن الجارية إذا زوجت، ودخل بها، ولها تسع سنين، ذهب عنها اليتم، ودفع إليها ما لها، وجاز أمرها في الشراء والبيع، وأقيمت عليها الحدود التامة، وأخذت بها، وأخذ لها، قال والغلام لا يجوز أمره في الشراء والبيع، ولا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة، أو يحتلم، أو يشعر، أو ينبت قبل ذلك (7). أبو ولاد الحناط وعبد الله بن سنان، قالا سمعنا أبا عبد الله عليه السلام يقول ينبغي للمريض منكم أن يؤذن إخوانه بمرضه، فيعودوه (8) فيؤجر فيهم ويؤجرون فيه، قال فقيل له نعم وهم يؤجرون بمشيهم (9) إليه، فهو كيف يؤجر فيهم؟ قال: فقال باكتسابه لهم الحسنات، فيؤجر فيهم، فيكتب له بذلك حسنة، ويرفع له بذلك عشر درجات، ويمحي عنه عشر سيئات (10) قال ثم قال أبو عبد الله عليه السلام وينبغي لأولياء الميت منكم أن يؤذنوا إخوان

(1) الوسائل، الباب 46 من أبواب الدعاء، ح 1.
(2) الوسائل، الباب، 19 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 3.
(3) ط. ل. العبدى.
(4) ط. ل. متى.
(5) ط. يعرف به.
(6) ل. ط. ان.
(7) الوسائل، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، ح 2.
(8) ط. يعودونه.
(9) ط. لمشيهم.
(10) الوسائل، الباب 8 من أبواب الاحتضار، ح 1.

[ 597 ]

الميت بموته، فيشهدوا جنازته ويصلوا عليه، ويستغفروا له، فيكتسب لهم الأجر، ويكتسب لميته الاستغفار، ويكسب (1) هو الأجر فيهم وفيما اكتسب لميته من الاستغفار (2). عبد الله بن غالب، عن رقبة العبدي، عن ربيعة السعدي، عن سلمان الفارسي رحمة الله عليه، قال سبعة من المؤمنين يوم القيامة تحت ظل عرش ربي، صاحب سلطان عادل مقتصد، وذو مال يعمل فيه بطاعة الله عز وجل، وإذا تصدق كانت صدقته بيمينه يخفيها عن يساره، ورجل دعته امرأة ذات جمال إلى نفسها، فقال إني أخاف الله رب العالمين، ورجل قلبه معلق بالمساجد، والجلوس فيها، وانتظار الصلوات لوقتها، ورجل أدرك حين أدرك، فكانت قوته وشبابه ونشاطه فيما يحب الله تعالى، ويرضى من الأعمال، ورجل ذكر الله تعالى والمعاد إليه، ففاضت عيناه دموعا من خشية الله، ورجل لقى أخاه المؤمن فقال أنا والله أحبك في الله، فقال له أخوه المؤمن: وأنا والله أحبك في الله، تصادرا (3) على ذلك (4). قال وحدثني هذيل بن حنان الصيرفي، عن أخيه جعفر بن حنان الصيرفي، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام قلت له يجيئني الرجل، فيشتري مني الدارهم بالدنانير، فأخرج إليه بدرة فيها عشرة ألف درهم، فينظر إلى الدراهم، وأقاطعه على السعر، ثم أقول له قد بعتك من هذه الدراهم خمسة ألف درهم بهذا السعر بخمسمائة دينار، فيقول قد ابتعتها منك، ورضيت، فيدفع إلي كيسا فيه ستمائة دينار، فاقبضه منه، ويقول لي لك من هذه الستمائة دينار خمسمائة دينار ثمن هذه الخمسة ألف درهم، فاقبض الكيس، ولم يوازني، ويناقدني الدارهم، ولم أوازنه، ولم أناقده الدنانير في ذلك المجلس، ثم يجيئني بعد، فأوازنه وأناقده. قال: فقال أليس في البدرة التي أخرجتها إليه الوفاء بالخمسة ألف درهم، وفي الكيس الذي دفع إليك الوفاء بخمسمائة دينار؟ قال فقلت نعم، إن فيها الوفاء

(1) ط. ل. يكتسب.
(2) الوسائل، الباب 1 من أبواب صلاة الجنازة، ح 1 باختلاف يسير.
(3) ل. فتصادقا. وفي نسخة فتصادرا.
(4) لم نعثر عليه بعينه إلا أنه ذكر في الخصال، ج 2 ص 343، ح 7 و 8 عوالي اللئالي ج 1 ص 89 و 367. و ج 2 ص 71 مع اختلاف يسير.

[ 598 ]

وفضلا، قال فقال فلا بأس بهذا إذن (1). الحارث بن الأحول، عن بريد العجلي، قال قلت لأبي جعفر عليه السلام أيهما أفضل في الصلاة، كثرة القراءة، أو طول اللبث في الركوع والسجود؟ قال فقال كثرة اللبث في الركوع والسجود في الصلاة أفضل، أما تسمع لقول الله عز وجل " فاقرؤا ما تيسر منه، وأقيموا الصلاة " (2)، إنما عني بإقامة الصلاة طول اللبث في الركوع والسجود، قال قلت فأيهما أفضل كثرة القراءة أو كثرة الدعاء؟ فقال كثرة الدعاء أفضل، أما تسمع لقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله " قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم (3) و (4). أبو محمد عن الحارث بن المغيرة، قال لقيني أبو عبد الله عليه السلام في بعض طرق المدينة ليلا، فقال لي يا حارث، فقلت نعم، فقال أما لتحملن ذنوب سفهائكم على علمائكم، ثم مضى، قال ثم أتيته فاستأذنت عليه، فقلت جعلت فداك لم قلت لتحملن ذنوب سفهائكم على علمائكم؟ فقد دخلني من ذلك أمر عظيم، فقال لي نعم، ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهونه مما يدخل علينا به الأذى والعيب عند الناس، أن تأتوه فتؤنبوه، وتعظوه، وتقولوا له قولا بليغا، فقلت له إذن لا يقبل منا ولا يطيعنا، قال فقال فإذن فاهجروه عند ذلك، واجتنبوا مجالسته (5). صالح بن رزين، عن شهاب، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا عسر على المرأة ولدها، فاكتب لها في رق: " بسم الله الرحمن الرحيم " كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها " (6) و " قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا " (7) ثم اربطه بخيط، وشده على فخذها الأيمن، فإذا وضعت فانزعه (8).

(1) الوسائل، الباب 5 من أبواب الصرف، ح 5.
(2) سورة المزمل، الآية 20.
(3) سورة الفرقان، الآية 77. (4) الوسائل، الباب 26 من أبواب الركوع، ح 3.
(5) الوسائل، الباب 7 من أبواب الأمر والنهي، ح 3.
(6) سورة الأحقاف، الآية 35، والنازعات، الآية 46.
(7) سورة آل عمران، الآية 35.
(8) مستدرك الوسائل، ج 2، الباب 79 من أحكام الأولاد، ح 7.

[ 599 ]

قال وسألته عن قول الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا انفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " (1) فقال في الكسب، هم قوم كسبوا مكاسب خبيثة، قبل أن يسلموا، فلما أن حسن إسلامهم أبغضوا ذلك الكسب الخبيث، وجعلوا يريدون أن يخرجوه من أموالهم، فأبى الله تعالى أن يتقربوا إليه إلا بأطيب ما كسبوا، قوله " ومما أخرجنا لكم من الأرض " فقال هي تمرة يقال لها الجعرور، عظيمة النوى، قليلة اللحاء وتمرة أخرى يقال لها معافارة وهما أردى التمر، فكانوا إذا أخذوا يزكون النخل، جاؤا من ذلك اللونين من التمر، فأبى الله تعالى عليهم ذلك، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله لا تخرصوا هاتين النخلتين، ولا تؤدوا عنهما شيئا، أراد أن ينزع علة من اعتل، وكان من الناس من يؤديهما عن التمر الجيد، وفي ذلك قال الله تعالى " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه " فالاغماض أن يكسر الشئ، فيأخذه برخص (2). عبد الله بن سنان، قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول أوصيكم بتقوى الله، ولا تحملوا الناس على أكتافكم، فتذلوا، إن الله عز وجل يقول في كتابه " وقولوا للناس حسنا "، ثم قال عودوا مرضاهم، واحضروا جنايزهم، واشهدوا لهم، وعليهم، وصلوا معهم في مساجدهم، حتى يكون التمييز وتكون المباينة منكم ومنهم (3). خالد بن جرير، عن أبي الربيع، قال سئل أبو عبد الله عليه السلام، عن رجل أكل الربا بجهالة، ثم أراد أن يتركه، قال: فقال أما ما مضى فله، وليتركه فيما يستقبل، ثم قال إن رجلا أتى أبا جعفر عليه السلام، فقال إني قد ورثت مالا، وقد علمت أن صاحبه كان يربى فيه، وقد سألت فقهاء أهل العراق وفقهاء أهل الحجاز، فذكروا إنه لا يصلح أكله، قال: فقال أبو جعفر إن أنت عرفت منه شيئا

(1) سورة البقرة، الآية 267.
(2) الوسائل، الباب 19 من أبواب زكاة الغلات، ح 1 باختلاف يسير.
(3) الوسائل، الباب 1 من أبواب أحكام العشرة، ح 6.

[ 600 ]

معزولا تعرف أهله وعرفت إنه ربا، فخذ رأس ماله ودع ما سواه، فإن كان المال مختلطا فكل هنيئا مريئا، فإن المال مالك، واجتنب ما كان يصنع صاحبه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد وضع ما مضى من الربا، فمن جهله وسعه أكله حتى يعرف، فإذا عرفه حرم عليه أكله، فإن أكله بعد المعرفة وجب عليه ما يجب على آكل الربا (1). جميل، عن أبي عبيدة، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن رجل كانت له أم ولد وله منها غلام، فلما حضرته الوفاة، أوصى لها بألفي درهم أو بأكثر، هل للورثة أن يسترقوها؟ قال لا، بل تعتق من ثلث الميت، وتعطى ما أوصي لها به (2). جميل عن أبي عبيده، عن أبي عبد الله، قال سألته عن امرأة تزوجت رجلا، ولها زوج، فقال: إن كان زوجها الأول مقيما معها في المصر الذي هي فيه، تصل إليه ويصل إليها، فإن عليها ما على الزانية المحصنة، وإن كان زوجها الأول غائبا عنها ولا يصل إليها، ولا تصل إليه، فإن عليها ما على الزانية غير المحصنة، ولا لعان بينهما، ولا تفريق، قلت فمن يرجمها أو يضربها الحدود، وزوجها لا يقدمها إلى الإمام، ولا يريد ذلك منها، فقال إن الحد لا يزال لله في بدنها حتى يقوم به من قام، أو تلقى الله وهو عليها، قلت فإن كانت جاهلة بما صنعت؟ فقال أليس هي في دار الهجرة؟ قلت بلى، قال فما من امرأة اليوم من نساء المسلمين ألا وهي تعلم إن المرأة المسلمة لا يحل لها أن تتزوج زوجين، ولو أن المرأة إذا فجرت، قالت لم أدر أو جهلت إن الذي فعلت حرام، لم يقم عليها حد الله إذن لعطلت الحدود (3). تمت الأحاديث المنتزعة من كتاب الحسن بن محبوب السراد، الذي هو كتاب المشيخة، وهو كتاب معتمد.

(1) الوسائل، الباب 5 من أبواب الربا، ح 4.
(2) الوسائل، الباب 82 من أبواب الوصايا، ح 4.
(3) الوسائل، الباب 27 من أبواب حد الزنا، ح 2.

[ 601 ]

ومن ذلك ما استطرفناه من كتاب نوادر المصنف تصنيف محمد بن علي بن محبوب الأشعري الجوهري القمي، وهذا الكتاب كان بخط شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله، مصنف كتاب النهاية رحمه الله، فنقلت هذه الأحاديث من خطه من الكتاب المشار إليه. أحمد، عن الحسين عن النضر، عن يحيى الحلبي، يحيى بن عمران بن علي الحلبي قال سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن الأذان قبل الفجر؟ قال إذا كان في جماعة فلا، وإذا كان وحده فلا بأس (1). العباس بن معروف، عن عبد الله بن المغيرة، عن معاوية بن وهب، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التثويب الذي يكون بين الأذان والإقامة، فقال ما نعرفه (2). وعنه عن الحسين بن فضالة، عن العلاء، عن محمد، عن أبي جعفر عليه السلام، قال كان أبي ينادي في بيته بالصلاة خير من النوم، ولو رددت ذلك لم يكن به بأس (3). وعنه عن جعفر بن بشير، عن عبيد بن زرارة، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام، قلت يتكلم الرجل بعد ما تقام الصلاة، قال لا بأس (4). وعنه، عن جعفر عن الحسن بن شهاب، قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا بأس بأن يتكلم الرجل وهو يقيم، أو بعد ما يقيم إن شاء (5). الحسن بن علي عن جعفر بن محمد، عن عبد الله بن ميمون، عن جعفر عن أبيه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله، أحشر يوم القيامة على البراق، وتحشر فاطمة ابنتي على ناقتي العضباء القصواء، ويحشر هذا البلال على ناقة من نوق الجنة، يؤذن

(1) الوسائل، الباب 8 من أبواب الأذان والإقامة، ح 6.
(2) و (3) الوسائل، الباب 22 من أبواب الأذان والإقامة، ح 4 - 1.
(4) و (5) الوسائل، الباب 1 من أبواب الأذان والإقامة، ح 10 - 13.

[ 602 ]

أشهد أن لا إله إلا الله، وإن محمد رسول الله، فإذا نادى كسي حلة من حلل الجنة (1). وعنه، عن الحسين، عن أحمد القروي، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام، قال دلوك الشمس زوالها، وغسق الليل بمنزلة الزوال من النهار (2). أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن يعقوب الهاشمي، عن مروان بن مسلم، عن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال إنما أمرت أبا الخطاب أن يصلي المغرب حين تغيب الحمرة من مطلع الشمس عند مغربها، فجعله هو الحمرة التي من قبل المغرب، فكان يصلي حين يغيب الشفق (3). أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن يعقوب الهاشمي، عن مروان بن مسلم عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال لا تفوت الصلاة، من أراد الصلاة، لا تفوت صلاة النهار حتى تغيب الشمس، ولا صلوة الليل حتى يطلع الفجر، ولا صلاة الفجر حتى تطلع الشمس (4). محمد بن أبي الصهبان، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عمن ذكره، عن مسمع أبي سيار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال يجزيك من القول في الركوع والسجود، ثلاث تسبيحات، أو قدرهن مترسلا، وليس له ولا كرامة، أن تقول سبح سبح سبح (5). أحمد عن الحسين، عن محمد بن الفضيل، عن سعد الجلاب، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال كان أمير المؤمنين عليه السلام يبرأ من القدرية في كل ركعة، ويقول بحول الله أقوم (6) وأقعد (7). أحمد عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن

(1) الوسائل، الباب 2، من أبواب الأذان والإقامة، ح 24.
(2) الوسائل، الباب 55 من أبواب المواقيت، ح 2.
(3) الوسائل، الباب 16 من أبواب المواقيت، ح 10.
(4) الوسائل، الباب 10، من أبواب المواقيت، ح 9.
(5) الوسائل، الباب 5، من أبواب الركوع، ح 1.
(6) ل. بحول الله وقوته أقوم.
(7) الوسائل، الباب 13 من أبواب السجود، ح 7.

[ 603 ]

الحكم، قال قال أبو عبد الله عليه السلام، ما من كلمة أخف على اللسان ولا أبلغ من سبحان الله، قلت فيجزي إن أقول في الركوع والسجود مكان التسبيح لا إله إلا الله، والحمد لله، والله أكبر، قال: نعم، كل ذا ذكر الله (1). وعنه بهذا الاسناد، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن الرجل يصلي على الثلج، قال لا، فإن لم يقدر على الأرض بسط ثوبه وصلى عليه، وعن الرجل يصيبه مطر، وهو في موضع لا يقدر أن يسجد فيه من الطين، ولا يجد موضعا جافا قال: قال يفتتح الصلاة، فإذا ركع فليركع كما يركع إذا صلى، فإذا رفع رأسه من الركوع، فليؤم بالسجود إيماء، وهو قائم، يفعل ذلك حتى يفرغ من الصلاة، ويتشهد وهو قائم ويسلم (2). العباس، عن عبد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال إذا قمت من السجود، قلت: اللهم بحولك وقوتك أقوم وأقعد وأركع وأسجد (3). محمد بن أحمد بن إسماعيل الهاشمي، عن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن على بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، والعمركي البوفكي، قال محمد بن إدريس رحمه الله، البوفكي بالباء المنقطة تحتها نقطة واحدة، المضمومة، والواو، والفاء المفتوحة، الكاف، وهو منسوب إلى بوفك قرية من قرى نيسابور، شيخ ثقة من أصحابنا. فأما ما يروى عن البرقي، وهو أحمد بن محمد بن خالد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي البرقي، أبو عبد الله ينسب إلى برقرود، قرية من سواد قم، على واد هناك، اتصال حديث البوفكي، عن علي بن جعفر عليه السلام، عن أخيه، قال سألته عن الرجل صلى وفرجه خارج لا يعلم به، هل عليه إعادة أو ما حاله؟ فقال لا إعادة عليه، وقد تمت صلاته (4).

(1) الوسائل، الباب 7 من أبواب الركوع، ح 1.
(2) الوسائل، الباب 15، من أبواب مكان المصلي، ح 5.
(3) الوسائل، الباب 13، من أبواب السجود، ح 6.
(4) الوسائل، الباب 27، من أبواب لباس المصلي، ح 1.

[ 604 ]

أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن يعقوب الهاشمي، عن مروان بن مسلم، عن أبي كهمس (1)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الركعتين الأولتين إذا جلست فيهما، أتشهد فقلت وأنا جالس السلام عليك أيها النبي ورحمة الله (2) انصراف هو؟ قال لا، ولكن إذا قلت السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فهو الانصراف (3). العباس، عن حماد بن عيسى، عن معاوية بن عمار، قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام، الرجل لا يرى إنه صنع شيئا في الدعاء وفي القراءة، حتى يرفع صوته، فقال لا بأس، إن علي بن الحسين عليهما السلام، كان أحسن الناس صوتا بالقرآن، وكان يرفع صوته حتى يسمعه أهل الدار، وإن أبا جعفر عليه السلام كان أحسن الناس صوتا بالقرآن وكان إذا قام من الليل، وقراء، رفع صوته، فيمر به مار الطريق من السقائين (4) وغيرهم، فيقومون فيستمعون إلى قرائته (5). أحمد بن محمد، عن الحسين (6) بن سعيد، عن فضالة، عن حسين بن عثمان، عن ابن مسكان، قال محمد بن إدريس، واسم ابن مسكان الحسن، وهو ابن أخي جابر الجعفي، عريق الولاية (7) لأهل البيت عليهم السلام. عن محمد بن مسلم، قال سألته عن الرجل يسلم على القوم في الصلاة، فقال إذا سلم عليك مسلم وأنت في الصلاة فسلم عليه، تقول السلام عليك، وأشر إليه بإصبعك (8). محمد بن الحسين، عن محمد بن يحيى، عن غياث، عن جعفر عليه السلام، في رجل عطس في الصلاة فسمته، قال محمد بن إدريس رحمه الله، التسميت الدعاء للعاطس، بالسين والشين معا، قال فسدت صلاة ذلك الرجل (9).

(1) ط. كهمش.
(2) ط. ورحمة الله وبركاته.
(3) الوسائل، الباب 4 من أبواب التسليم، ح 2.
(4) ط. فيحس به مار الطريق من الساقين.
(5) الوسائل، الباب 23 من أبواب قراءة القرآن، ح 2.
(6) ط. الحسن بن سعيد.
(7) ط. ل. غريق في الولاية: أو الولاء.
(8) الوسائل، الباب 16 من أبواب قواطع الصلاة، ح 5.
(9) الوسائل، الباب 18، من أبواب قواطع الصلاة، ح 5.

[ 605 ]

قال محمد بن إدريس رحمه الله مصنف هذا الكتاب: ليس على فسادها دليل، لأن الدعاء لا يقطع الصلاة (1). محمد بن الحسين، عن الحسن بن علي بن فضال، عن أبي إسحاق ثعلبة، عن عبد الله بن هلال، قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام، إن حالنا قد تغيرت، قال فادع في صلاتك الفريضة، قلت أيجوز في الفريضة فأسمي حاجتي للدين والدنيا؟ قال نعم، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله، قد قنت ودعا على قوم بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشائرهم، وفعله علي عليه السلام من بعده (2). معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال قلت الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الأولتين، فيذكر في الركعتين الأخيرتين إنه لم يقرأ، قال أتم الركوع والسجود، قلت نعم، قال إني أكره أن أجعل آخر صلاتي أولها (3). علي بن خالد عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار الساباطي، قال سئل أبو عبد الله عن الرجل إذا قرأ العزائم كيف يصنع؟ قال ليس فيها تكبير إذا سجدت، ولا إذا قمت، ولكن إذا سجدت قلت ما تقول في السجود (4). محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، ويعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير جميعا، عن عبد الله بن بكير، عن عبيد بن زرارة، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي الغداة ركعة، ويتشهد، ثم ينصرف (5)، ويذهب ويجئ، ثم يذكر فيما بعد أنه إنما صلى ركعة، قال تضيف إليها ركعة (6). وعنه عن الحسين، عن النضر، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال في الرجل يخرج من زكاته، فيقسم بعضها ويبقى بعض (7)، يلتمس بها

(1) يمكن أن يقال: إن دليل البطلان هو ما يقع عن المصلي في جواب من سمته كلام آدمي.
(2) الوسائل، الباب 17، من أبواب السجود، ح 3، باختلاف يسير.
(3) الوسائل، الباب 30 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 1.
(4) الوسائل، الباب 46 من أبواب قراءة القرآن، ح 3.
(5) ط. لم ينصرف.
(6) الوسائل، الباب 6 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 4، باختلاف يسير.
(7) ل. بعضا.

[ 606 ]

المواضع (1)، فيكون بين أوله وآخره ثلاثة أشهر، قال لا بأس (2). وعنه، عن الحسين، عن القاسم بن محمد، عن علي عن أبي بصير، قال قال أبو عبد الله عليه السلام، إذا أردت أن تعطي زكاتك قبل حلها بشهر أو بشهرين فلا بأس، وليس لك أن تؤخرها بعد حلها (3). علي بن السندي، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال ليس في الأكيلة ولا في الربا، والربا التي تربي اثنين ولا شاة لبن، ولا فحل الغنم، صدقة (4). أحمد بن هلال، عن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال سألته عن صفو المال، قال للإمام أن يأخذ الجارية الرؤوفة، والمركب الفاره، والسيف القاطع، قبل أن تقسم الغنيمة، فهذا صفو المال (5). وعنه، قال كتبت إليه في الرجل يهدي له مولاه والمنقطع إليه هدية تبلغ ألفي درهم، أقل أو أكثر، هل عليه فيها الخمس؟ فكتب عليه السلام الخمس في ذلك. وعن الرجل يكون في داره البستان، فيه الفاكهة، يأكلها العيال، وإنما يبيع منه الشئ بمأة درهم أو خمسين درهما، هل عليه الخمس؟ فكتب أما ما أكل فلا، وأما البيع فنعم، هو كساير الضياع (6). أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، عن المعلى بن خنيس، قال محمد بن إدريس رحمه الله خنيس، بالخاء المعجمة، والنون والسين غير المعجمة قال خذ مال الناصب حيثما وجدته، وابعث إلينا

(1) ل. الموضع.
(2) الوسائل، الباب 53 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 1.
(3) الوسائل، الباب 52، من أبواب المستحقين للزكاة، ح 4.
(4) الوسائل، الباب 10 من أبواب زكاة الأنعام، ح 1.
(5) الوسائل، الباب 1 من أبواب الأنفال، ح 15.
(6) الوسائل، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 10.

[ 607 ]

بالخمس (1). أحمد بن الحسين، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال خذ مال الناصب حيث وجدته، وادفع إلينا الخمس (2). قال محمد بن إدريس رحمه الله: الناصب المعنى في هذين الخبرين، أهل الحرب، لأنهم ينصبون الحرب للمسلمين، وإلا فلا يجوز أخذ مال المسلم، ولا ذمي على وجه من الوجوه. وعنه، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال سألته عن الرجل يكون عنده المال لليتامى، فلا يقبضهم حتى يهلك، فيأتيه، وارثهم، أو وكيله، فيصالحهم على أن يضع له بعضه، يأخذ بعضه ويبرئه مما كان عليه أيبرء منه؟ قال نعم (3). علي بن السندي، عن صفوان، عن العيص بن القاسم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال سألته عن رجل أخذ مال امرأته، فلم تقدر عليه، أعليها زكاة (4)، فقال إنما هو على الذي منعها (5). يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، أن محمد بن خالد، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصدقات، فقال اقسمها فيمن قال الله عز وجل، ولا تعط من سهم الغارمين الذين ينادون بنداء الجاهلية شيئا، قلت وما نداء الجاهلية؟ قال هو الرجل يقول يا لبني فلان، فيقع بينهما القتل والدماء، فلا يؤدوا ذلك (6) من سهم الغارمين، ولا الذين يغرمون في مهور النساء، ولا أعلمه إلا قال ولا الذين لا يبالون ما صنعوا في أموال الناس (7). على بن السندي، عن صفوان، عن إسحاق بن عمار، عن يونس بن عمار قال

(1) و (2) الوسائل، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 7، باختلاف يسير.
(3) الوسائل، الباب 6، من أبواب الصلح، ح 1.
(4) ط. زكاته.
(5) الوسائل، الباب، 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، ح 5، باختلاف يسير.
(6) ط. فلا يؤتوا. ل. فلا تودوا.
(7) الوسائل، الباب 48 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 1.

[ 608 ]

سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن رجل على أبيه دين، ولأبيه مؤنة، أيعطي أباه من زكاته يقضي دينه؟ قال نعم ومن أحق من أبيه (1). أحمد عن موسى بن القاسم، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام، قال سألته عن رجل ذكر وهو في صلاته إنه لم يستنج من الخلاء، قال ينصرف ويستنجي من الخلاء، ويعيد الصلاة، وإن ذكر وقد فرغ من صلاته، أجزأه ذلك، ولا إعادة عليه (2). قال محمد بن إدريس، الواجب عليه الإعادة على كل حال لأنه عالم بالنجاسة ونسيها. الهيثم بن أبي مسروق عن الحكم بن مسكين عن سماعة قال قلت لأبي الحسن موسى عليه السلام، إني أبول ثم أتمسح بالأحجار، فيجيئني من البول ما يفسد سراويلي، قال ليس به بأس (3). وعنه عن الحسين، عن الحسن، عن زرعة، عن سماعة، قال سألته عن القلس، وهي الجشاء فيرتفع الطعام من جوفه، وهو صائم من غير أن يكون قيئا أو هو قائم في الصلاة؟ قال لا ينقض وضوءه، ولا يقطع صلاته، ولا يفطر صيامه (4). علي بن السندي، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام، قال إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة، والجمعة، وعرفة، والنحر، والذبح، والزيارة، فإذا اجتمعت لك وعليك حقوق أجزأها، عنك غسل واحد، قال ثم قال وكذلك المرأة، يجزيها غسل واحد لجنابتها، وإحرامها، وجمعتها، وغسلها من حيضها، وعيدها، وقال زرارة: حرم (5) اجتمعت في حرمة، يجزيك لها غسل واحد (6)

(1) الوسائل، الباب 18 من أبواب المستحقين للزكاة، ح 2.
(2) الوسائل، الباب 10 من أبواب أحكام الخلوة، ح 4.
(3) الوسائل، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، ح 4 الا أورده عن التهذيب.
(4) الوسائل، الباب 2 من أبواب قواطع الصلاة، ح 7.
(5) ط. وحرم.
(6) الوسائل، الباب 43، من أبواب الجنابة، ح 1.

[ 609 ]

محمد بن أحمد بن إسماعيل الهاشمي، عن عبد الله بن الحسن (1) عن جده على بن جعفر عليه السلام عن أخيه موسى عليه السلام، قال سألته عن الرجل يصيب الماء في الساقية، أو مستنقعا، فيتخوف أن تكون السباع قد شربت منها، يغتسل منه للجنابة ويتوضأ منه للصلاة إذا كان لا يجد غيره والماء لا يبلغ صاعا للجنابة ولا مدا للوضوء وهو متفرق، كيف يصنع؟ قال إذا كانت كفه نظيفة، فليأخذ كفا من الماء بيد واحدة، ولينضحه خلفه، وعن أمامه، وعن يمينه، وعن يساره فإن خشي أن لا يكفيه، غسل رأسه ثلاث مرات، ثم مسح جلده بيده، فإن ذلك يجزيه إن شاء الله (2). أحمد بن محمد، عن بعض الكوفيين، يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال في الرجل يأتي المرأة في دبرها وهي صائمة، قال لا ينقض صومها وليس عليها غسل (3). أحمد، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن زرين، عن محمد بن مسلم، قال قلت لأبي جعفر عليه السلام كيف جعل على المرأة إذا رأت في النوم أن الرجل يجامعها الغسل، ولم يجعل عليها الغسل إذا جامعها دون (4) الفرج في اليقظة فأمنت؟ قال لأنها رأت في منامها أن الرجل يجامعها في فرجها، فوجب عليها الغسل، والآخر إنما جامعها دون الفرج، فلم يجب عليها الغسل، لأنه لم يدخله، ولو ادخله في اليقظة وجب عليها الغسل، أمنت أم لم تمن (5). محمد بن عبد الحميد، عن محمد بن عمر بن يزيد، عن محمد بن عذافر، عن عمر بن يزيد، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام متى يجب على الرجل والمرأة الغسل؟ فقال يجب عليهما الغسل حين يدخله، وإذا التقى الختانان فيغسلان فروجهما (6). العباس، عن عبد الله بن المغيرة، عن رفاعة بن موسى، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال سمعته يقول إن سؤر الحائض لا بأس به أن يتوضأ منه إذا كانت

(1) ول. الحسين.
(2) الوسائل، الباب 10 من أبواب الماء المضاف، ح 1.
(3) الوسائل، الباب 12 من أبواب الجنابة، ح 3.
(4) ل. فيما دون.
(5) الوسائل، الباب 7 من أبواب الجنابة، ح 19.
(6) الوسائل، الباب 6 من أبواب الجنابة، ح 9.

[ 610 ]

تغسل يديها (1). أحمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن يحيى الكاهل، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن المرأة يجامعها الرجل، فتحيض، وهي في المغتسل، أفتغتسل أم لا؟ (2) قال قد جاء ما يفسد الصلاة، فلا تغتسل (3). الحسن بن علي، عن الحسين بن يزيد، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام، إنه نهى عن القنازع، والقصص، ونقش الخضاب، وقال إنما هلكت نساء بني إسرائيل من قبل القصص ونقش الخضاب (4). وعنه، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله، لا يحل لامرأة إذا هي حاضت أن تتخذ قصة، ولا جمة (5). محمد بن الحسين، عن محمد بن يحيى الخزاز، عن غياث، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام، قال لا تقضي الحائض الصلاة، ولا تسجد إذا سمعت السجدة (6). وعنه، عن علي بن الحكم، عن إسحاق بن حريز قال سألتني امرأة منا أن استأذن لها على أبي عبد الله عليه السلام، فاستأذنت لها، فدخلت عليه ومعها مولاة لها، فقالت يا أبا عبد الله، قول الله تعالى " زيتونة لا شرقية ولا غربية " (7) ما عني بهذا؟ قال: عليه السلام أيتها المرأة، إن الله لم يضرب الأمثال للشجر، إنما ضرب الأمثال لبني آدم، سلي عما تريدين، قالت أخبرني عن اللواتي مع اللواتي، ما حدهن فيه؟ قال حد الزنا، إنه إذا كان يوم القيامة أتي بهن فألبسن مقطعات من نار، وقنعن بمقانع من نار، وسرولن من النار، وادخل في أجوافهن إلى رؤوسهن أعمدة من نار، ويقذف بهن في النار، أيتها المرأة إن أول من عمل هذا العمل، قوم لوط فاستغنى

(1) الوسائل، الباب 8 من أبواب الأسئار، ح 6.
(2) ل. أم لا تغتسل.
(3) الوسائل، الباب 14 من أبواب الجنابة، ح 1.
(4) الوسائل، الباب 100 من أبواب مقدمات النكاح، ح 1.
(5) الوسائل، الباب 100 من أبواب مقدمات النكاح، ح 2.
(6) الوسائل، الباب 36 من أبواب الحيض، ح 5.
(7) سورة النور الآية 35.

[ 611 ]

الرجال بالرجال، فبقي النساء بغير رجال، ففعلن كما فعل رجالهن، قالت أصلحك الله ما تقول في المرأة تحيض، فتجوز أيام حيضها؟ قال إن كان أيام حيضها دون عشرة أيام، استظهرت بيوم واحد، قال ثم هي مستحاضة قالت فإن استمر بها الدم الشهر والشهرين والثلاثة، كيف تصنع بالصلاة؟ قال تجلس أيام حيضها، ثم تغتسل لكل صلاتين، قالت فإن أيام حيضها يختلف عليها، فيتقدم الحيض اليوم واليومين والثلاثة، ويتأخر مثل ذلك، فما علمها به؟ قال: إن دم الحيض ليس به خفاء، هو دم حار له حرقة، ودم الاستحاضة دم فاسد بارد، قال فالتفتت إلى مولاتها، فقالت أترينه كان امرأة مرة (1). علي بن السندي، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال إذا حاضت المرأة وهي جنب، أجزأها غسل واحد (2). أحمد، عن الحسين (3)، عن الحسن، عن زرعة، عن سماعة، قال سألته عليه السلام، عن الرجل يجامع المرأة فتحيض قبل أن تغتسل من الجنابة؟ قال غسل الجنابة عليها واجب (4). إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، آبائه عليهم السلام، إن عليا عليه السلام كان لا يرى بأسا بدم ما لم يذك يكون في الثوب، فيصلي فيه الرجل، يعني دم السمك (5). موسى بن عمر، عن بعض أصحابه، عن داود الرقي، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن بول الخشاشيف، يصيب ثوبي، فأطلبه فلا أجده، قال اغسل ثوبك (6). علي بن السندي، عن صفوان، عن إسحاق بن عمار، قال سألت أبا إبراهيم عليه السلام، عن رجل يكون معه أهله في السفر، فلا يجد الماء يأتي أهله؟ فقال

(1) الوسائل، الباب 3 من أبواب الحيض، ح 3.
(2) و (4) الوسائل، الباب 43 من أبواب الجنابة ح 4 - 8.
(3) ط أحمد بن الحسين.
(5) الوسائل، الباب 23 من أبواب النجاسات، ح 2.
(6) الوسائل، الباب 10 من أبواب النجاسات، ح 4.

[ 612 ]

ما أحب أن يفعل ذلك إلا أن يكون شبقا، أو يخاف على نفسه، قلت يطلب بذلك اللذة قال هو حلال، قلت فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وآله، أن أبا ذر سأله عن هذا، فقال ايت أهلك توجر، فقال يا رسول الله وأوجر، فقال كما أنك إذا آتيت الحرام أزرت (1)، فكذلك إذا آتيت الحلال أجرت، فقال: ألا ترى أنه إذا خاف على نفسه فأتى الحلال أجر (2). العبيدي، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن محمد بن مسلم، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن الرجل يجنب في السفر، فلا يجد إلا الثلج، أو ماء جامدا، قال هو بمنزلة الضرورة، يتيم، ولا أرى أن يعود إلى هذه الأرض التي توبق دينه (3). محمد بن الحسين، عن صفوان، عن العلاء، عن محمد، عن أحدهما عليهما السلام، إنه سئل عن الرجل يقيم بالبلاد الأشهر، ليس فيها ماء من أجل المراعى وصلاح الإبل؟ قال لا (4). وعنه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن مسكين، وغيره عن أبي عبد الله عليه السلام، قال قيل يا رسول الله، إن فلانا أصابته جنابة، وهو مجدور، فغسلوه، فمات، قال: قتلوه، إلا يمموه، ألا سألوا، إن شفاء العي السؤال (5). وعنه، عن عثمان، عن معاوية بن شريح، قال سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده، فقال يصيبنا الدمق والثلج، ونريد أن نتوضأ، فلا نجد ماء إلا جامدا، فكيف أتوضأ أدلك به جلدي؟ قال: نعم (6). علي بن السندي، عن حماد، عن حريز عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال سألته عن رجل صلى ركعة على تيمم، ثم جاء رجل ومعه قربتان من ماء، قال يقطع

(1) ل. أو زرت.
(2) الوسائل، الباب 27 من أبواب التيمم، ح 1 - 2.
(3) الوسائل: الباب 9 من أبواب التيمم، ح 9.
(4) الوسائل، الباب 28 من أبواب التيمم، ح 1.
(5) الوسائل، الباب 5 من أبواب التيمم، ح 1.
(6) الوسائل، الباب 10 من أبواب التيمم، ح 2.

[ 613 ]

الصلاة، ويتوضأ، ثم يبني على واحدة (1). الحسين بن الحسن اللؤلؤي، عن جعفر بن بشير، عن عبد الله بن عاصم، قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام وسئل (2) عن رجل تيمم وقام في الصلاة، فأتي بماء، قال إن كان ركع، فليمض في صلاته، وإن لم يكن ركع، فلينصرف، وليتوضأ، وليصل (3). محمد بن أحمد العلوي، عن العمركي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليهما السلام قال سألته عن الرجل الجنب أو على غيره وضوء، لا يكون معه ماء، وهو يصيب ثلجا وصعيدا، أيهما أفضل، أيتيمم أو يتمسح بالثلج وجهه؟ قال الثلج إذا بل رأسه وجسده أفضل، فإن لم يقدر على أن يغتسل به فليتيمم (4). أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن عليه السلام، في طين المطر، أن لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام، إلا أن يعلم أنه قد نجسه شئ بعد المطر، وإن أصابه بعد ثلاثة أيام، غسله، فإن كان الطريق نظيفا، لم يغسله (5). علي بن السندي، عن حماد بن عيسى، عن حسين بن المختار، عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام، إن عيسى بن أعين شك (6) في الصلاة، فيعيدها، فقال: هل شك في الزكاة فيعطيها مرتين (7). أحمد عن ابن أبي عمير، عن أبي عبد الله الفراء، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال له رجل من أصحابنا، إنه ربما اشتبه علينا الوقت في يوم غيم، فقال تعرف هذه الطيور التي عندكم بالعراق يقال له الديوك، قال نعم، قال فإذا

(1) الوسائل، الباب 21 من أبواب التيمم، ح 5.
(2) ط. سئل رجل.
(3) الوسائل، الباب 21 من أبواب التيمم ح 2 باختلاف يسير.
(4) الوسائل، الباب 10 من أبواب التيمم، ح 3.
(5) الوسائل، الباب 6 من أبواب الماء المطلق، ح 6. (6) ط. يشك.
(7) الوسائل، الباب 29 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 2.

[ 614 ]

ارتفعت أصواتها وتجاوبت فعند ذلك فصل (1). محمد بن الحسين، عن صفوان، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، قال زرارة: (2) قال أبو جعفر عليه السلام، إنما يكره أن يجمع بين السورتين في الفريضة، فأما في النافلة فلا بأس (3). وعنه، عن الحسين، عن القروي (4)، عن أبان، عن عمر بن يزيد، قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام أقرأ سورتين في ركعة؟ قال نعم، قلت أليس يقال أعط كل سورة حقها من الركوع والسجود؟ فقال ذلك في الفريضة، فأما في النافلة فليس به بأس (5). العباس، عن عبد الله بن المغيرة، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال لا سهو على من أقر على نفسه بسهو (6). يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال إذا هو شك بعد ما صلى، فلم يدر ثلاثا صلى أو أربعا؟ وكان يقينه حين انصرف إنه قد أتم، لم يعد، وكان حين انصرف أقرب منه للحفظ بعد ذلك (7). العباس، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن الفضيل، قال ذكرت لأبي عبد الله عليه السلام السهو، فقال: وينفلت من ذلك أحد؟ ربما أقعدت الخادم خلفي علي يحفظ صلاتي (8). تمت الأحاديث المنتزعة من كتاب نوادر المصنف.

(1) الوسائل، الباب 14 من أبواب المواقيت ح 5 باختلاف يسير.
(2) ل. قال قال أبو جعفر.
(3) و (5) الوسائل، الباب 8 من أبواب القراء في الصلاة، ح 6 - 5.
(4) ل. عن الهروي.
(6) الوسائل، الباب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 8.
(7) الوسائل، الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 3 باختلاف يسير.
(8) الوسائل، الباب 33 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 1.

[ 615 ]

ومن ذلك ما استطرفناه من كتاب من لا يحضره فقيه تصنيف محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه قال روى حماد بن عمرو، وأنس بن محمد، عن أبيه جميعا، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن (1) علي بن أبي طالب عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال يا علي أوصيك بوصية فاحفظها، فلا تزال بخير ما حفظت وصيتي. يا علي من كظم غيظا وهو يقدر على إمضائه، أعقبه الله يوم القيامة أمنا وإيمانا يجد طعمه (2). يا علي أفضل الجهاد من أصبح لا يهم بظلم أحد (3). يا علي من خاف الناس لسانه، فهو من أهل النار. يا علي شر الناس من أكرمه الناس اتقاء شره. يا علي شر الناس من باع آخرته بدنياه، وشر من ذلك من باع آخرته بدنيا غيره (4). يا علي من لم يقبل العذر من متنصل صادقا كان أو كاذبا، لم ينل شفاعتي (5). يا علي من ترك الخمر لله، سقاه الله من الرحيق المختوم (6). يا علي شارب الخمر كعابد وثن (7). يا علي شارب الخمر لا يقبل الله عز وجل صلاته أربعين يوما (8). يا علي كل مسكر حرام، وما أسكر كثيره فالجرعة منه حرام (9).

(1) ل: جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن (2) الوسائل، الباب 114 من أبواب أحكام العشرة ح 11.
(3) الوسائل، الباب 1 من أبواب جهاد النفس، ح 27.
(4) الوسائل، الباب 71 من أبواب جهاد النفس، ح 11.
(5) الوسائل، الباب 125 من أبواب أحكام العشرة، ح 1.
(6) الوسائل، الباب 9 من أبواب الأشربة المحرمة، ح 18. (7 و 8) الوسائل، الباب 13 من أبواب الأشربة المحرمة، ح 12.
(9) الوسائل، الباب 17 من أبواب الأشربة والمحرمة ح 10.

[ 616 ]

يا علي جعلت الذنوب (1) في بيت، وجعل مفتاحها شرب الخمر (2). يا علي يأتي على شارب الخمر ساعة لا يعرف فيها ربه عز وجل (3). يا علي من لم ينتفع بدينه ولا دنياه، فلا خير لك في مجالسته ومن لم يوجب لك فلا توجب له ولا كرامة (4). يا علي ينبغي أن يكون في المؤمن ثمان خصال: وقار عند الهزاهز، وصبر عند البلاء، وشكر عند الرخاء وقنوع بما رزقه الله عز وجل، لا يظلم الأعداء، ولا يتحامل للأصدقاء، بدنه منه في تعب، والناس منه في راحة (5). يا علي أربعة لا ترد لهم دعوة، إمام عادل، ووالد لولده، والرجل يدعو لأخيه بظهر الغيب، والمظلوم، يقول الله عز وجل وعزتي وجلالي، لأنتصرن لك ولو بعد حين (6). يا علي ثمانية إن أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم، الذاهب إلى مائدة لم يدع إليها، والمتآمر على رب البيت، وطالب الخير من أعدائه، وطالب الفضل من اللئام، والداخل بين اثنين في سر لم يدخلاه فيه، والمستخف بالسلطان، والجالس في مجلس ليس له بأهل، والمقبل بالحديث على من لم يسمع منه (7). يا علي طوبى لمن طال عمره وحسن عمله (8). يا علي لا تمزح فيذهب بهاؤك، ولا تكذب فيذهب نورك، وإياك وخصلتين، الضجر والكسل، فإنك إن ضجرت لم تصبر على حق، وإن كسلت لم تؤد حقا (9). يا علي لا وليمة إلا في خمس، في عرس، أو خرس، أو عذار، أو وكار، أو ركاز.

(1) ط. ل. الذنوب كلها.
(2) و (3) الوسائل، الباب 17 من أبواب الأشربة المحرمة، ح 10.
(4) الوسائل، الباب 28 من أبواب أحكام العشرة، ح 1.
(5) الوسائل، الباب 4 من أبواب جهاد النفس، ح 9.
(6) الوسائل، الباب 52 من أبواب الدعاء، ح 5.
(7) الوسائل، الباب 63، من أبواب الأطعمة المحرمة، ح 4.
(8) الوسائل، الباب 72، من أبواب جهاد النفس، ح 4.
(9) الوسائل، الباب 66 من أبواب جهاد النفس، ح 2.

[ 617 ]

فالعرس التزويج، والخرس النفاس بالولد، والعذار الختان، والوكار في شراء الدار، والركاز الرجل يقدم من مكة (1). قال ابن بابويه: سمعت بعض أهل اللغة، يقول في معنى الوكار: يقال للطعام الذي يدعى إليه الناس عند بناء الدار وشرائها: الوكيرة، والوكار منه، الطعام (2) الذي يتخذ للقدوم من السفر، يقال لها النقيعة، ويقال لها الركاز أيضا، والركاز الغنيمة، كأنه يريد أن في اتخاذ الطعام للقدوم من مكة غنيمة لصاحبه من الثواب الجزيل. يا علي ثلاث من مكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة، أن تعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك، وتحلم عمن جهل عليك (3). يا علي بادر بأربع قبل أربع، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك (4). يا علي آفة الحسب الافتخار (5). يا علي ثمانية لا يقبل الله لهم الصلاة، العبد الآبق حتى يرجع إلى مولاه، والناشز (6) وزوجها عليها ساخط، ومانع الزكاة، وتارك الوضوء، والجارية المدركة تصلي بغير خمار، وإمام قوم يصلي بهم وهم له كارهون، والسكران، والزنين، وهو الذي يدافع البول والغايط (7). يا على أربع من كن فيه بنى الله له بيتا في الجنة، من آوى اليتيم، ورحم الضعيف، وأشفق على والديه، ورفق بمملوكه (8).

(1) الوسائل، الباب 33 من أبواب آداب المائدة، ح 5.
(2) ل. والطعام.
(3) الوسائل، الباب 4 من أبواب جهاد النفس، ح 3.
(4) الوسائل، الباب 91، من أبواب جهاد النفس ح 1.
(5) الوسائل، الباب 75، من أبواب جهاد النفس، ح 6.
(6) ل. والمرأة الناشز.
(7) الوسائل، الباب 8 من أبواب قواطع الصلاة، ح 6.
(8) الوسائل، الباب 19 من أبواب فعل المعروف، ح 1.

[ 618 ]

يا علي ثلاثة إن أنصفتهم ظلموك، السفلة، وأهلك، وخادمك (1) وثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة، حر من عبد، وعالم من جاهل، وقوي من ضعيف (2). يا علي لعن الله ثلاثة: آكل زاده وحده وراكب الفلاة وحده والنائم في بيت وحده (3). يا علي ثلاثة مجالستهم تميت القلب، مجالسة الأنذال، ومجالسة الأغنياء، والحديث مع النساء (4). يا علي ثلاث من لم يكن فيه لم يتم عمله: ورع يحجزه عن معاصي الله عز وجل، وخلق يداري به الناس، وحلم يرد به جهل الجاهل (5). يا علي أنهاك عن ثلاث: الحسد، والحرص والكبر (6). يا علي للمتكلف ثلاث علامات، يتملق إذا حضر، ويغتاب إذا غاب، ويشمت بالمصيبة (7). وللمرائي ثلاث علامات، ينشط إذا كان عند الناس، ويكسل إذا كان وحده، ويحب أن يحمد في جميع أموره (8). يا علي العيش في ثلاثة: دار قوراء، وجارية حسناء، وفرس قباء (9). يا علي المؤمن من أمنه المسلمون على أموالهم ودمائهم، والمسلم من سلم المسلمون (10). من يده ولسانه، والمهاجر من هجر السيئات (11). يا علي! أوثق عرى الايمان، الحب في الله، والبغض في الله (12).

(1) و (2) من لا يحضره الفقيه، ح 4 الباب 176 النوادر.
(3) الوسائل، الباب 101 من أبواب المائدة، ج 1 والفقيه، ج 4 ص 359.
(4) الوسائل، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، ح 2 أورده عن الخصال والفقيه، ج 4، ص 359.
(5) الوسائل، الباب 21 من أبواب جهاد النفس، ذيل ح 15 والفقيه، ج 4 ص 360.
(6) الوسائل، الباب 55 من أبواب جهاد النفس، ح 9 والفقيه، ج 4 ص 360.
(7) الفقيه، 4 ص 361 من وصايا النبي لعلي عليهما السلام.
(8) الوسائل، الباب 13، من أبواب مقدمة العبادات، ح 1 والفقيه، ج 4 ص 361.
(9) الوسائل، الباب 1 من أبواب أحكام المساكن، ح 7 والفقيه، ج 4 ص 361.
(10) ط. سلم الناس.
(11) الفقيه، ج 4، ص 362، من وصايا النبي لعلي عليهما السلام. (12) الوسائل، الباب 15، من أبواب الأمر والنهي، ح 9 والفقيه، ج 4، ص 362.

[ 619 ]

يا علي! من أطاع امرأته أكبه (1) الله على وجهه في النار، فقال علي عليه السلام وما تلك الطاعة؟ قال: يأذن لها في الذهاب إلى الحمامات، والعرسات، والنائحات، ولبس الثياب الرقاق (2). يا علي! إن الله تبارك وتعالى قد أذهب بالاسلام نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها، إلا أن الناس من آدم، وآدم من تراب، وأكرمهم عند الله أتقاهم (3). يا علي! من تعلم علما ليماري به السفهاء، ويجادل به العلماء، أو ليدعوا الناس إلى نفسه، فهو من أهل النار (4). يا علي! ما من أحد من الأولين والآخرين، إلا وهو يتمنى يوم القيمة إنه لم يعط من الدنيا إلا قوتا (5). يا علي! لو أهدي إلي كراع لقبلته، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت (6). يا علي! الاسلام عريان، فلباسه الحياء، وزينته الوقار (7)، ومروته العمل الصالح وعماده الورع، ولكل شئ أساس، وأساس الاسلام حبنا أهل البيت (8). يا علي! سوء الخلق شؤم، وطاعة المرأة ندامة (9). يا علي! إن كان الشؤم في شئ ففي لسان المرأة (10). يا علي! نجا المخفون (11). يا علي! السواك من السنة، ومطهرة للفم، ويجلو البصر، ويرضي الرحمن، ويبيض الأسنان ويذهب بالحفر، ويشد اللثة، ويشهي الطعام ويذهب بالبلغم، ويزيد في

(1) ط. كبه الله.
(2) الوسائل، الباب 16 من أبواب آداب الحمام، ح 6 الفقيه: ج 4 ص 362.
(3) الوسائل، الباب 75، من أبواب جهاد النفس، ح 6 الفقيه: ج 4 ص 362.
(4) الفقيه، ج 4 ص 363 من وصايا النبي لعلي عليهما السلام.
(5) الفقيه، ج 4 ص 363.
(6) الفقيه: ج 4 ص 364.
(7) الفقيه ج 4 ص 363.
(8) الوسائل، الباب 21، من أبواب جهاد النفس، ح 15، باختلاف يسير الفقيه ج 4 ص 364.
(9) و (10) الوسائل، الباب 25، من أبواب أحكام العشرة، ذيل ح 1 الفقيد ج 4 ص 364.
(11) الفقيه، ج 4، ص 364، من وصايا لنبي لعلي عليهما السلام.

[ 620 ]

الحفظ ويضاعف الحسنات، وتفرح به الملائكة (1). يا علي! ثلاثة يقسين القلب، استماع اللهو، وطلب الصيد، وإتيان باب السلطان (2). يا علي! ليس على زان عقر، ولا حد في التعريض، ولا شفاعة في حد، ولا يمين في قطيعة رحم (3). يا علي! نوم العالم أفضل من عبادة العابد (4) و (5). يا علي! ركعتان يصليهما العالم، أفضل من ألف ركعة يصليها العابد (6) و (7). يا علي! الربا سبعون جزء، فأيسره مثل أن ينكح الرجل أمه في بيت الله الحرام. يا علي! تارك الحج وهو مستطيع كافر، قال الله تبارك وتعالى: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين " (8) و (9). يا علي! من سوف الحج حتى يموت، بعثه الله يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا (10). يا علي! الصدقة ترد القضاء الذي قد أبرم إبراما (11). يا علي! صلة الرحم تزيد في العمر (12). يا علي! افتتح بالملح، واختم بالملح، فإن فيه شفاء من اثنين وسبعين داء (13). يا علي! أنا ابن الذبيحين (14)، أنا دعوة أبي إبراهيم (15). يا علي! العقل ما اكتسب به الجنة، وطلب به رضا الرحمن (16).

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب السواك ذيل ح 17 الفقيه، ج 4 ص 365.
(2) الوسائل، الباب 100 من أبواب ما يكتسب به، ح 8 الفقيه، ج 4 ص 366.
(3) الوسائل، الباب 19 من أبواب حد القذف، ح 8، وأورد ذيله في الباب 10 من كتاب الايمان، ح 3 الفقيه، ج 4، ص 366.
(4) ل. الجاهل.
(5) الفقيه، ج 4، ص 367، من وصايا النبي لعلي عليهما السلام.
(22) ل الجاهل.
(7) الفقيه: ج 4، ص 367.
(8) سورة آل عمران، الآية 97.
(9) و (10) الوسائل، الباب 7 من أبواب وجوب الحج، ذيل ح 3 الفقيه، ج 4، ص 8 - 367.
(11) و (12) الوسائل، الباب 8 من أبواب الصدقة، ح 4 الفقيه، ج 4 ص 368.
(13) الوسائل، الباب 95، من أبواب آداب المائدة، ح 7 الفقيه، ج 4 ص 367.
(14) الفقيه، ج 4، ص 368 ط الحديث.
(15) و (16) الفقيه، ج 4، ص 369.

[ 621 ]

يا علي! إن أول خلق خلقه الله عز وجل العقل، فقال له إقبل فأقبل، ثم قال له إدبر فأدبر، فقال وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقا هو أحب إلى منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أثيب، وبك أعاقب (1). يا علي! لا خير في قول إلا مع الفعل، ولا المنظر إلا مع المخير، ولا في المال إلا مع الجود، ولا في الصدق إلا مع الوفاء ولا في الفقه إلا مع الورع، ولا في الصدقة إلا مع النية، ولا في الحياة إلا مع الصحة، ولا في الوطن إلا مع الأمن والسرور (2). يا علي! لا تماكس في أربعة أشياء، في شري (3) الأضحية، والكفن، والنسمة، والكري إلى مكة (4). يا علي! أمان لأمتي من الغرق، إذا هم ركبوا السفن، فقرؤا بسم الله الرحمن الرحيم، (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون، بسم الله مجريها ومرسيها إن ربي لغفور رحيم) (5) (6). يا علي! أمان لأمتي من السرق (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن، أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) إلى آخر السورة (7) (8). يا على! لعن الله والدين حملا ولدهما على عقوقهما (9). يا علي! رحم الله والدين حملا ولدهما على برهما (0 1) يا علي! من اغتيب عنده أخوه المسلم، فاستطاع نصره فلم ينصره، خذله الله في الدنيا والآخرة (11). يا علي! من كفى يتيما (12) في نفقته بماله حتى يستغني، وجبت له الجنة

(1) الوسائل، الباب 3 من أبواب مقدمة العبادات، ح 2 - 6 عن المحاسن باختلاف يسير.
(2) الفقيه، ج 4، ص 370.
(3) ل. في شراء.
(4) الوسائل، الباب 36، من أبواب التكفين، ح 1.
(5) سورة هود، الآية 41.
(6) و (8) الفقيه، ج 4، ص 370.
(7) سورة الاسراء، الآية 110.
(9) و (10) الفقيه ج 4 ص 372.
(11) الوسائل، الباب 156 من أبواب أحكام العشرة، ح 1.
(12) ل. في يتمه.

[ 622 ]

البتة (1). يا علي! من مسح يده على رأس يتيم ترحما له، أعطاه الله عز وجل بكل شعرة نورا يوم القيامة (2). يا علي! لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أعود من العقل، ولا وحدة (3) أوحش من العجب، ولا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق، ولا عبادة مثل التفكر (4). يا علي! آفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان وآفة العبادة الفترة، وآفة الجمال الخيلاء، آفة العلم الحسد (5). يا علي! أربعة يذهبن ضياعا، الأكل على الشبع، والسراج في القمر، والزرع في السبخة والصنيعة عند غير أهلها (6). يا علي! لأن أدخل يدي في فم التنين إلى المرفق، أحب إلى من أن أسأل من لم يكن ثم كان (7). وعن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل الناس في صعيد واحد، ووضعت الموازين، فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء (8). وعنه عليه السلام عن أبيه عن جده عن على عليهم السلام، قال: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجوا، فإن موسى بن عمران عليه السلام خرج يقتبس لأهله نارا، فكلمه الله عز وجل فرجع نبيا، وخرجت ملكة سبأ (9) فأسلمت مع سليمان عليه السلام، وخرجت سحرة فرعون يطلبون العزة لفرعون، فرجعوا مؤمنين (10).

(1 و 2) الوسائل، الباب 19 من أبواب فعل المعروف ذيل ح 1 والفقيه ج 4 ص 372.
(3) ط. ولا وحشة.
(4) الفقيه، ج 4 ص 372.
(5) الفقيه، ج 4، ص 373.
(6) الوسائل، الباب 5 من أبواب فعل المعروف، ح 4 والفقيه، ص 373، ج 4.
(7) الوسائل، الباب 32، من أبواب الصدقة، ح 6 والفقيه ج 4 ص 373.
(8) الفقيه، ج 4، ص 398، موعظة 5853.
(9) ط. أي بلقيس.
(10) الوسائل، الباب 14 من أبواب مقدمات التجارة، ح 3 والفقيه ج 4 ص 399 موعظة 5854.

[ 623 ]

وكان الصادق عليه السلام يقول: العامل على غير بصيرة كالساير على غير الطريق، فلا يزيده سرعة السير من الطريق إلا بعدا (1). وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه ذكر شرار الناس، فقال ألا أنبئكم بشر من هذا؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال الذي لا يقبل عثرة، ولا يقبل معذرة، ولا يغفر ذنبا (2)، ثم قال عليه السلام، إن عيسى بن مريم عليه السلام قام في بني إسرائيل، فقال يا بني إسرائيل لا تحدثوا بالحكمة الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم ولا تعينوا الظالم على ظلمه، فيبطل فضلكم (3). وقال عليه السلام، لا تقربوا (4) إلى أحد من الخلق بتباعد من الله، فإن الله عز وجل ليس بينه وبين أحد من الخلق شئ يعطيه به خيرا، أو يصرف به عنه سوء إلا بطاعته، وابتغاء مرضاته، إن طاعة الله تبارك وتعالى نجاح كل خير يبتغى، ونجاة من كل شر يتقى، وإن الله عز وجل يعصم من أطاعه، ولا يعصم منه من عصاه، ولا يجد الهارب من الله مهربا، فإن أمر الله تبارك وتعالى نازل بإذلاله، ولو كره الخلائق، وكلما هو آت قريب، ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن، تعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب (5) و (6). وروي عن الصادق عليه السلام، أنه قال: الاشتهار بالعبادة ريبة، إن أبي حدثني عن أبيه، عن جده عليهم السلام، إن رسول الله صلى إليه عليه وآله، قال: أعبد الناس من أقام الفرائض، وأسخى الناس من أدى زكاة ماله، وأزهد الناس من اجتنب الحرام، وأتقى الناس من قال الحق فيما له وعليه (7).

(1) الوسائل، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، ح 11.
(2) و (3) الفقيه، ج 4، ص 400، ضمن موعظة 5858.
(4) ل. لا تنقربوا.
(5) سورة المائدة، الآية 2.
(6) الفقيه، ج 4، ص 400، ضمن موعظة 5868.
(7) الفقيه، ج 4، ص 394، موعظة 5840 وأورد صدره في الوسائل الباب 17 من أبواب مقدمة العبادات، ح 9.

[ 624 ]

وقال الرسول صلى الله عليه وآله، لا تحقروا شيئا من الشر، وإن صغر في أعينكم، ولا تستكثروا شيئا من الخير، وإن كثر في أعينكم، فإنه لا كبير مع الاستغفار، ولا صغير، مع الاصرار (1). وقال عليه السلام: ومن تطول على أخيه في غيبة، سمعها فيه في مجلس، فردها عنه، رد الله عنه ألف باب من الشر في الدنيا والآخرة، فإن هو لم يردها وهو قادر على ردها، كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة (2). تمت الأحاديث المنتزعة من كتاب من لا يحضره الفقيه. ومما استطرفناه من كتاب قرب الاسناد تصنيف محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري قال روى محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن إبراهيم بن مفضل بن قيس، قال سمعت أبا الحسن الأول عليه السلام، وهو يحلف أن لا يكلم محمد بن عبد العزيز الأرقط أبدا، فقلت في نفسي هذا يأمر بالبر والصلة، ويحلف أن لا يكلم ابن عمه أبدا، قال: فقال هذا من برى به هو لا يصبر أن يذكرني، ويعيبني، فإذا علم الناس أن لا أكلمه لم يقبلوا منه، أمسك عن ذكري فكان خيرا له (3). وقال سأل علي بن جعفر أخاه موسى بن جعفر عليه السلام، عن الخاتم يكون فيه نقش تماثيل سبع أو طير أيصلى فيه؟ قال لا بأس (4). وعنه عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد عليه السلام، قال قيل له إن الناس يروون أن عليا عليه السلام قال على منبر الكوفة، أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبى، فسبوني، ثم ستدعون إلى البراءة مني، فإني لعلى دين محمد صلى الله عليه وآله، ولم يقل: وتبرأ (5) مني، فقال له السائل: أرأيت إن اختار القتل، دون البراءة

(1) الوسائل، الباب 43، من أبواب جهاد النفس، ح 8.
(2) الفقيه، ج 4، ص 15، من حمل مناهي النبي صلى الله عليه وآله.
(3) قرب الاسناد، ص 124.
(4) الوسائل، الباب 45، من أبواب لباس المصلي، ح 22.
(5) ل. وتبرؤوا.

[ 625 ]

منه؟ فقال والله ما ذلك عليه، وما له إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر، حيث أكرهه أهل مكة، وقلبه مطمئن بالايمان، فأنزل الله تبارك وتعالى فيه (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان) (1) فقال له النبي صلى الله عليه وآله عندها، يا عمار إن عادوا فعد، فقد أنزل الله عز وجل عذرك في الكتاب، وأمرك أن تعود عادوا (2). قال وحدثني مسعدة بن صدقة، قال حدثني جعفر بن محمد، عن أبيه أن عليا قال: إن أعظم العواد أجرا عند الله، لمن إذا عاد أخاه المؤمن خفف الجلوس، إلا أن يكون المريض يحب ذلك، ويريده، ويسأله ذلك (3). وعنه عن عبد الله بن ميمون القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي عليهم السلام، قال لما حصر الناس عثمان، جاء مروان بن الحكم إلى عايشة، وقد تجهزت للحج، فقال يا أم المؤمنين إن عثمان قد حصره الناس، فلو تركت الحج وأصلحت أمره، كان الناس يسمعون منك، فقالت: قد أوجبت الحج، وشددت غرائري، فولي مروان وهو يقول: حرق قيس علي البلاد، حتى إذا اضطرمت أخذ ماء، فسمعته عايشة، فقالت تعال، لعلك تظن إني في شك من صاحبك، والله لوددت إنك وهو في غرارتين مخيط عليكما تغطان في البحر حتى تموتا (4). وعنه عن بكر بن محمد عن أبي عبد الله، قال قال لخيثمة، وأنا أسمع يا خيثمة، أقرء موالينا السلام، وأوصهم بتقوى الله العظيم وأن يعود غنيهم على فقيرهم، وقوتهم على ضعيفهم، وأن يشهد أحياؤهم جنائز موتاهم، وأن يتلاقوا في بيوتهم، فإن لقيهم حياة لأمرنا، ثم رفع يده فقال: رحم الله من أحيى أمرنا (5). وعنه عن بكر بن محمد الأزدي، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام، أبلغ موالينا عنا السلام، واخبرهم إنا لن نغني عنهم من الله شيئا إلا بعمل، وإنهم لن ينالوا

(1) سورة النحل، الآية 106.
(2) الوسائل، الباب 29، من أبواب الأمر والنهي، ح 2، إلا أورده عن الكافي وقرب الاسناد.
(3) الوسائل، الباب 15 من أبواب الاحتضار، ح 1، أورده عن الكافي وقرب الاسناد.
(4) قرب الاسناد، ص 14.
(5) الوسائل، الباب 98، من أبواب المزار، ح 2، أورده عن الكافي والأمالي وقرب الاسناد.

[ 626 ]

ولايتنا إلا بعمل أو ورع، وإن أشد الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا، ثم خالفه إلى غيره (1). وعنه عن بكر بن محمد، قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول، ما زار مسلم أخاه المسلم في الله، إلا ناداه الله تبارك وتعالى، أيها الزاير طبت وطابت لك الجنة (2). وعنه عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله، قال قال لفضيل، تجلسون وتحدثون؟ قال نعم: جعلت فداك، قال: إن تلك المجالس أحبها، فأحيوا أمرنا، يا فضيل فرحم الله من أحيى أمرنا يا فضيل من ذكرنا، أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب، غفر الله له ذنوبه، ولو كانت أكثر من زبد البحر (3). وعنه، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن أبيه عليه السلام إن عليا عليه السلام سمع رجلا يقول الشحيح أعذر من الظالم، فقال: كذبت، إن الظالم يتوب ويستغفر الله ويرد الظلامة على أهلها، والشحيح إذا شح منع الزكاة، والصدقة، وصلة الرحم، وأقراء الضيف، والنفقة في سبيل الله، وأبواب البر، وحرام على الجنة أن يدخلها شحيح (4). تمت الأحاديث المنتزعة من كتاب قرب الاسناد. ومما استطرفناه من كتاب جعفر بن محمد بن سنان الدهقان جعفر بن محمد، قال حدثني عبد الله، عن درست بن أبي منصور، عن عبد الحميد بن أبي العلا، عن أبي إبراهيم عليه السلام، قال دخل رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد، فإذا جماعة قد أطافوا برجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ما هذا؟ فقالوا علامة، يا رسول الله فقال صلى الله عليه وآله وما العلامة،

(1) قرب الاسناد، ص 16.
(2) الوسائل، الباب 97 من أبواب المزار، ح 2، أورده عن الكافي وثواب الأعمال وقرب الاسناد.
(3) الوسائل، الباب 66، من أبواب المزار، ح 2 أورده عن قرب الاسناد وثواب الأعمال.
(4) الوسائل، الباب 5 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، ح 1، أورده عن الكافي وقرب الاسناد.

[ 627 ]

قالوا عالم بأنساب العرب، ووقائعها، وأيام الجاهلية، والشعر، والعربية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك علم لا يضر من جهله، ولا ينفع من علمه (1). وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله، من انهمك في طلب النحو سلب الخشوع (2). تم الحديثان المنتزعان من كتاب جعفر بن محمد بن سنان الدهقان. ومما استطرفناه من كتاب معاني الأخبار من الجزء الثاني تصنيف ابن بابويه قال باب معنى الحوأب، والجمل الأذيب. حدثنا الحكم (3) أبو حامد أحمد بن الحسين بن علي ببلخ، قال حدثنا محمد بن العباس، قال حدثنا إبراهيم بن سعد، قال حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا عصام (4) بن قدامة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال لنسائه، ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأذيب التي تنبحها كلاب الحوأب، فيقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثيرة، ثم تنجو بعد ما كادت (5). قال ابن بابويه مصنف كتاب معاني الأخبار، الحوأب ماء لبني عامر، والجمل الأذيب، يقال الذيبة، داء يأخذ الدواب، يقال برذون مذؤب، قال وأظن الجمل الأذيب مأخوذ من ذلك، وقوله تنجو بعد ما كادت أي تنجو بعد ما كادت تهلك. قال محمد بن إدريس رحمه الله، وجدت في الغريبين للهروي هذا الحديث، وهو في باب الدال غير المعجمة، مع الباء المنقطة تحتها نقطة واحدة.

(1) الوسائل، الباب 105 من أبواب ما يكتسب به، صدر ح 6، أورده عن الكافي.
(2) الوسائل، الباب 105 من أبواب ما يكتسب به، ح 10.
(3) ل. الحاكم.
(4) ل. عاصم.
(5) معاني الأخبار، ص 305، باب معنى الحوأب والجمل الادبب.

[ 628 ]

قال أبو عبيد، وفي الحديث، ليت شعري أيتكن صاحبه الجمل الأديب، تنبحها كلاب الحوأب، قيل أراد الأدب، فأظهر التضعيف، والأدب الكثير الوبر يقال جمل أدب، إذا كان كثير الدبب، والدبب كثرة شعر الوجه ودببه. وأنشدني محمد بن موسى الأصفر الرازي، قال أنشدني أبو بكر بن الأنباري. يمشقن كل عصن مغلوس (1) * مشق النساء دبب العروس يمشقن، يقطعن كل غصن كثير الورق، كما ينتف النساء الشعر من وجه العروس. قال محمد بن إدريس رحمه الله، ووجدت أيضا في مجمل اللغة لابن فارس، مثل ما ذكره أبو عبيد صاحب الغريبين، وقد أورد الحديث على ما ذكره، وفسره على ما فسره، ووضعه في باب الدال غير المعجمة مع الباء، والاعتماد على أهل اللغة في ذلك، فإنهم أقوم به. وأظن شيخنا ابن بابويه تجاوز نظره هذا الحرف، وزل فيه، فأورده بالذال المعجمة، والياء على ما في كتابه. وأعتقد إن الجمل الأذيب، مشتق من الذيبة، ففسره على ما فسره، وهذا تصحيف منه. ومن ذلك استطرفناه من كتاب تهذيب الأحكام تصنيف شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله موسى بن القاسم، عن حنان بن سدير، قال كنت أنا وأبي وأبو حمزة الثمالي وعبد الرحيم القصير وزياد الأحلام، فدخلنا على أبي جعفر عليه السلام، فرأى زيادا قد تسلخ جلده، فقال له من أين أحرمت؟ قال من الكوفة، قال ولم أحرمت من

(1) ل. معكوس.

[ 629 ]

الكوفة؟ فقال بلغني عن بعضكم أنه قال ما بعد من الاحرام فهو أعظم للأجر، قال ما بلغك هذا إلا كذاب، ثم قال لأبي حمزة من أين أحرمت؟ قال من الربذة، قال ولم ذلك؟ لأنك سمعت إن قبر أبي ذر بها، فأحببت أن لا تجوزه، ثم قال لأبي ولعبد الرحيم من أين أحرمتما؟ فقالا من العقيق، فقال أصبتما الرخصة، واتبعتما السنة، ولا يعرض لي بابان، كلاهما حلال إلا أخذت باليسير، وذلك أن الله يسير يحب اليسير، ويعطي على اليسير، ما لا يعطي على العنيف (1). مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد الله عليه السلام، أن أمير المؤمنين عليه السلام، كان يحكم في زنديق إذا شهد عليه رجلان مرضيان عدلان، وشهد له ألف بالبراءة، جازت شهادة الرجلين، وأبطل شهادة الألف، لأنه دين مكتوم (2). عمر عن خالد (3)، عن زيد بن علي عن آبائه عليهم السلام قال سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الساحر؟ فقال إذا جاء رجلان عدلان فيشهدان عليه، فقد حل دمه (4). عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، في قول الله عز وجل (من أوسط ما تطعمون أهليكم) (5) قال هو كما يكون في البيت من يأكل أكثر من المد، ومنهم من يأكل أقل من المد، فبين ذلك، فإن شئت جعلت لهم أدما، والأدم أدناه الملح، وأوسطه الزيت والخل، وأرفعه اللحم (6). قال كتب محمد بن الحسن إلى أبي محمد عليه السلام، رجل حلف بالبراءة من الله ومن رسوله، فحنث، ما توبته وكفارته؟ فوقع عليه السلام يطعم عشرة مساكين، لكل مسكين مد، ويستغفر الله عز وجل (7). عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، إنه سئل عن رجل رمى صيدا، وهو

(1) الوسائل، الباب 11 من أبواب المواقيت، ح 7 التهذيب، ج 5 ص 52.
(2) و (4) الوسائل، الباب 51 من أبواب الشهادات، ح 2 - 1 التهذيب، ج 6 ص 283 - 278.
(3) ل. عمر بن خالد.
(5) سورة المائدة، الآية 89.
(6) الوسائل، الباب 14 من أبواب الكفارات، ح 3 التهذيب، ج 8 ص 297.
(7) الوسائل، الباب 20 من أبواب الكفارات، ح 1 التهذيب ج 8 ص 299.

[ 630 ]

على جبل أو حايط، فيخرق فيه السهم، فيموت، فقال كل منه، وإن واقع في الماء من رميتك فمات، فلا تأكل منه (1). مرازم، قال دخل أبو عبد الله عليه السلام يوما إلى منزل معتب، وهو يريد العمرة، فتناول لوحا فيه كتاب. فيه تسمية أرزاق العيال، وما يخرج لهم، فإذا فيه لفلان وفلان، وفلان وليس فيه استثناء، فقال من كتب هذا الكتاب ولم يستثن فيه؟ كيف ظن أنه يتم؟ ثم دعا بالدواة فقال الحق فيه إن شاء الله، فالحق في كل اسم إن شاء الله (2). عن أبي بصير (3) عن أبي عبد الله عليه السلام، إن أباه كانت عنده امرأة من الخوارج، أظنه قال من بني حنيفة، فقال له مولى له يا بن رسول الله، إن عندك امرأة تبرأ من جدك، فقضى لأبي أنه طلقها، فادعت عليه صداقها، فجاءت به إلى أمير المدينة تستعديه، فقال له أمير المدينة يا علي إما أن تحلف، وإما أن تعطيها، فقال لي يا بني قم فأعطها أربعمائة دينار، فقلت له يا أبه جعلت فداك، ألست محقا؟ قال بلى، ولكني أجللت الله عز وجل أن أحلف به يمين صبر (4) عن علي عليه السلام في مجوسية أسلمت قبل أن يدخل بها زوجها، وأبى زوجها أن يسلم، فقضى عليه السلام لها بنصف الصداق، وقال لم يزدها الاسلام إلا عزا (5). عن زرارة، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام، في رجل كتب إلى امرأته بطلاقها، وكتب بعتق مملوكة، ولم ينطق به لسانه، فقال ليس بشئ حتى ينطق به لسانه (6). عن سليم الفراء، عن الحسن بن مسلم، قال حدثتني عمتي، قالت إني لجالسة بفناء الكعبة، إذا أقبل أبو عبد الله عليه السلام، فلما رآني مال إلي، فسلم، ثم قال ما

(1) الوسائل، الباب 26 من أبواب الصيد والذبائح، ح 1.
(2) الوسائل، الباب 26 من أبواب الايمان، ح 1.
(3) ل. عن أبي محمد.
(4) الوسائل، الباب 2 من أبواب الايمان، ح 1.
(5) الوسائل، الباب 9 من أبواب ما يحرم بالكفر، ح 7.
(6) الوسائل، الباب 45 من أبواب العتق، ح 1.

[ 631 ]

يجلسك هاهنا؟ فقلت انتظر مولى لنا، قالت فقال لي أعتقتموه؟ قلت لا، ولكنا أعتقنا أباه، قال ليس ذلك بمولاكم هذا أخوكم وابن عمكم، إنما المولى الذي جرت عليه النعمة، فإذا جرت على أبيه وجده فهو ابن عمك وأخوك (1). عن الحسن بن علي بن يقطين عن أخيه الحسين، عن علي بن يقطين، قال سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل تصدق على بعض ولده بطرف من ماله ثم يبدو له بعد ذلك أن يدخل معه غيره من ولده؟ قال لا بأس بذلك، وعن الرجل يتصدق ببعض ماله على بعض ولده، ويبينه لهم، أله أن يدخل معهم من ولده غيرهم بعد أن أبانهم بصدقته؟ قال ليس له ذلك إلا أن يشترط إنه من ولد، فهو مثل من تصدق عليه، فذلك له (2). معاوية بن عمار، قال قال أبو عبد الله عليه السلام، إذا فرغت من طوافك وبلغت مؤخر الكعبة، وهو بحذاء المستجار دون الركن اليماني بقليل، فابسط يديك على البيت، والصق بطنك وخدك بالبيت، وقل: (اللهم البيت بيتك، والعبد عبدك، وهذا مقام العائذ بك من النار) ثم أقر لربك بما عملت، فإنه ليس من عبد مؤمن يقر لربه بذنوبه في هذا المكان، إلا غفر الله له إن شاء الله (3). معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال إذا أحرمت، فعقصت رأسك، أو لبدته، فقد وجب عليك الحلق وليس لك التقصير (4). وعنه، عن صفوان، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن رجل عقص رأسه وهو متمتع، ثم قدم مكة، فقضى نسكه، وحل عقاص رأسه، فقصر، وأدهن، وأحل، قال عليه دم شاة (5). وقال كتب أبو القاسم محمد بن موسى الرازي، يسأله عن العمرة المبتولة، هل على صاحبها طواف النساء؟ وعن العمرة التي يتمتع بها إلى الحج؟ فكتب: أما

(1) الوسائل، الباب 38، من أبواب العتق، ح 9.
(2) الوسائل، الباب 5 من أبواب الوقوف والصدقات، ح 1.
(3) الوسائل، الباب 26 من أبواب الطواف، ح 9.
(4) و (5) الوسائل، الباب 7 من أبواب الحلق والتقصير، ح 8 - 9.

[ 632 ]

العمرة المبتولة فعلى صاحبها طواف النساء، وأما التي يتمتع بها إلى الحج، فليس على صاحبها طواف النساء (1). أبان بن عثمان، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام، في الرجل يخرج في الحاجة من الحرم، قال إن رجع في الشهر الذي خرج فيه، دخل بغير إحرام، فإن دخل في غيره، دخل بإحرام (2). موسى بن القاسم، عن محمد بن عذافر، عن عثمان بن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال من اغتسل بعد طلوع الفجر كفاه غسله إلى الليل، في كل موضع يجب فيه الغسل، ومن اغتسل ليلا كفاه غسله إلى طلوع الفجر (3). تمت الأحاديث المنتزعة من كتاب تهذيب الأحكام. ومن ذلك ما استطرفناه من كتاب عبد الله بن بكير بن أعين عنه عن أبي عبد الله عليه السلام، في الرجل يستأذن عليه، فيقول لجاريته قولي ليس هو هاهنا، قال لا بأس، ليس بكذب عنيد (4). قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام الرجل يدخل في الصلاة، فيجود صلاته، ويحسنها رجاء أن يستجر بعض من رآه إلى هواه، قال عليه السلام ليس هذا من الرياء (5) وفي هذا الكتاب إن امرأة علي بن الحسين عليه السلام الشيبانية قال فمكثت عنده تعجبه، ولم يكن لها ثدي كما يكون للنساء (6). وعنه قال سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن رجل ضمن عن رجل ضمانا، ثم صالح على بعض ما ضمن عنه، فقال ليس له إلا الذي صالح عليه.

(1) الوسائل، الباب 82 من أبواب الطواف، ح 1.
(2) الوسائل، الباب 51 من أبواب الاحرام، ح 4.
(3) الوسائل، الباب 9 من أبواب الاحرام، ح 4.
(4) الوسائل، الباب 141 من أبواب أحكام العشرة، ح 8، باختلاف يسير.
(5) الوسائل، الباب 16 من أبواب مقدمة العبادات، ح 2.
(6) لم نعثر عليه.
(7) الوسائل، الباب 6 من أبواب الضمان، ح 1.

[ 633 ]

وحدثني عبد الله بن بكير، عن أبيه بكير بن أعين، قال صليت يوما بالمدينة الظهر، والسماء متغيمة، وانصرفت، فطلعت الشمس، فإذا هي حين زالت (1)، فأتيت أبا عبد الله عليه السلام، فسألته، فقال لا تعد ولا تعودن (2). وعنه، عن عبد الله بن بكير، عن حمزة بن حمران، قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام في احتجاج الناس علينا في الغار، فقال عليه السلام حسبك بذلك عارا، أو قال شرا، إن الله تعالى لم يذكر رسوله صلى الله عليه وآله مع المؤمنين إلا أنزل السكينة عليهم جميعا، وأنه أنزل سكينته على رسوله، وأخرجه منها، خص رسول الله صلى الله عليه وآله دونه (3). وعنه، عن بريد، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال إذا سلم عليك اليهودي والنصراني أو المشرك، فقال عليك (4). وعنه، عن محمد بن مسلم، قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول في الرجل يتزوج المرأة متعة، أنهما يتوارثان إذا لم يشترطا، وإنما الشرط بعد النكاح (5). حدثني محمد بن عبد الله بن هلال، عن عبد الله بن بكير، عن محمد بن مسلم، قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول، من سمعته يسمي، فكل من ذبيحته (6). وعنه عن محمد بن مروان، قال كنت عند أبي عبد الله عليه السلام، وعنده ابن خربوذ فأنشدني شيئا، فقال أبو عبد الله عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله، لأن يمتلي جوف الرجل قيحا خير من أن يمتلي شعرا، فقال ابن خربوذ إنما يعني بذلك من قال، فقال أبو عبد الله عليه السلام، ويلك أو ويحك، قد قال ذاك رسول الله صلى الله عليه وآله (7). وعنه، عن بعض أصحابنا، عن عمر بن يزيد، قال قلت لأبي عبد الله

(1) ل. زالت الشمس.
(2) الوسائل الباب 4 من أبواب المواقيت، ح 16، باختلاف يسير.
(3) البحار، ط كمپاني ج 8، ص 220.
(4) الوسائل، الباب 49 من أبواب أحكام العشرة، ح 3.
(5) الوسائل، الباب 19 من أبواب المتعة، ح 4.
(6) البحار: ج 66 ص 25 ح 23.
(7) الوسائل، الباب 51 من أبواب صلاة الجمعة، ح 3.

[ 634 ]

عليه السلام، رجل قال لأقعدن في بيتي، ولأصلين، ولأصومن، ولأعبدن ربي، فأما رزقي فيأتيني (1)، فقال هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم، قلت ومن الاثنان الآخران؟ قال رجل له امرأة يدعوا أن يريحه (2) منها، ويفرق بينه وبينها، فيقال له أمرها بيدك، فخل سبيلها، ورجل كان له حق على انسان لم يشهد (3)، فيدعوا الله أن يرد عليه، فيقال له قد أمرتك أن تشهد (4)، وتستوثق، فلم تفعل (5). تمت الأحاديث المنتزعة من كتاب عبد الله بن بكير. ومن ذلك ما استطرفناه من رواية أبي القاسم بن قولويه روي عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال من مشى إلى سلطان جابر، فأمره بتقوى الله، ووعظه، وخوفه، كان له مثل أجر الثقلين من الجن والإنس، ومثل أعمالهم (6). عبد الله بن سنان قال قال أبو عبد الله عليه السلام، حقد المؤمن مقامه، ثم يفارق أخاه، فلا يجد عليه شيئا، وحقد الكافر دهره (7). عن جميل، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال سمعته يقول المؤمنون خدم بعضهم لبعض فقلت وكيف يكون خدم بعضهم لبعض؟ فقال تفقيههم (8) بعضهم لبعض (9). قال: قال أبو عبد الله عليه السلام بلغ أمير المؤمنين عليه السلام موت رجل من أصحابه، ثم جاءه خبر آخر إنه لم يمت، فكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإنه قد كان أتانا خبر ارتاع له إخوانك، ثم جاء تكذيب الخبر الأول، فانعم (10) ذلك أن سررنا وإن السرور وشيك الانقطاع، مبلغه (11) عما قليل تصديق الخبر الأول، فهل أنت كائن

(1) ل. فيأتين.
(2) ل. يريحه الله.
(3) و (4) ط. ل. يشهد عليه.
(5) الوسائل، الباب 50 من أبواب الدعاء، ح 4.
(6) الوسائل الباب 3 من أبواب الأمر والنهي، ح 11.
(7) بحار الأنوار: ج 75، باب 64 من كتاب العشرة، ص 211، ح 7.
(8) ط. ل. تفقههم.
(9) البحار: ج 74، ص 226، ح 19.
(10) ط. فانعمه.
(11) ط. يبلغه.

[ 635 ]

كرجل قد ذاق الموت وعاين (1) ما بعده، فسأل الرجعة، فاسعف بطلبته، فهو متأهب دائب، ينقل ما سره (2) من ماله إلى دار قراره، لا يرى أن له (3) مالا غيره، واعلم أن الليل والنهار لم يزالا دائبين في نقص الأعمار، وانفاد الأموال، وطي الآجال، هيهات هيهات قد صبحا (4) عادا وثمودا (5)، وقرونا بين ذلك كثيرا، فأصبحوا قد وردوا على ربهم، وقدموا على أعمالهم، والليل والنهار غضان جديدان لا تبليهما ما مرا به مستعدان لمن بقي بمثل ما أصابا (6) به من مضى، واعلم إنما أنت نظير إخوانك، وأشباهك مثلك، كمثل الجسد قد نزعت قوته، فلم يبق إلا حشاشة نفسه، ينتظر الداعي، فنعوذ بالله مما نعظ به، ثم نقصر عنه (7). عن أبي عبد الله عن أبيه، عليهما السلام رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: قال رسول صلى الله عليه وآله من أم قوما وفيهم أعلم (8) منه أو أفقه منه، لم يزل أمرهم في سفال إلى يوم القيامة (9). ومن دعا إلى ضلال، لم يزل في سخط الله حتى يرجع (10) منه، ومن مات بغير إمام، مات ميتة جاهلية (11). عنه عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمد بن خالد البرقي، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال بعض الناس للنبي صلى الله عليه وآله، يا رسول الله ما لنا نجد بأولادنا ما لا يجدون منا، قال: فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله لأنهم منكم ولستم (12) منهم. عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله، إذا رأيتم روضة من رياض الجنة، فارتعوا فيها، قيل يا رسول الله وما الروضة؟ فقال مجالس المؤمنين (13).

(1) ط. عاش بعده.
(2) ل. باسره. ط. ميسره.
(3) ط. له فيها.
(4) ط. صحبا.
(5) ط. وثمودا وأصحاب الرس.
(6) ط. ما صحب فيه.
(7) البحار، ج 6 الباب 4 من كتاب العدل والمعاد، ح 34، ص 134.
(8) ل. من هو أعلم.
(9) الوسائل، الباب 26 من أبواب صلاة الجماعة، ح 1.
(10) ط. يراجع.
(11) البحار، ج 2 الباب 24، من كتاب العلم، ص 316، ح 84.
(12) أمالي الصدوق ص 403 ح 9 بطريق آخر وفي البحار ج 104 ص 93 والفقيه: ج 3 ص 494 مثله.
(13) الفقيه، ج 3، ص 494، ح 4749.

[ 636 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام قال كل من اشتد لنا حبا، اشتد للنساء حبا وللحلواء (1). عن أبي ذر، قال من تعلم علما من علم الآخرة ليريد به عرضا من عرض الدنيا، لم يجد ريح الجنة (2). وعن جابر عن أبي جعفر (3) عليه السلام، قال كيف (4) من انتحل قول الشيعة، وأحبنا أهل البيت، فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون يا جابر إلا بالتواضع، والتخشع، والإنابة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبر بالوالدين، وتعاهد الجيران من الفقراء، وذوي المسكنة، والغارمين، والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكف الألسن عن الناس، إلا من خير، وكانوا أمناء عشايرهم في الأشياء، قال جابر فضحكت عند آخر كلامه، فقلت يرحمك الله، يا بن رسول الله، ما نعرف اليوم أحدا بهذه الصفة، قال يا جابر لا تذهبن بكم المذاهب، أيحسب الرجل أن يقول أحب عليا وأتولاه، ثم لا يكون مع ذلك فعالا، فلو قال إني أحب رسول الله، ورسول خير من علي، ثم لا يتبع لسيرته، ولا يعمل بسنته، ما نفعه حبه إياه شيئا، اتقوا الله واعلموا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحب العباد إلى الله، وأكرمهم عليه، أتقاهم وأعملهم بطاعته، يا جابر ما يتقرب إلى الله إلا بالطاعة، وما معنا براءة من النار، ولا لنا على الله حجة، من كان لله مطيعا فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدو، والله لا تنال ولايتنا إلا بالعمل (5). عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال سألته عن الرجل يحلي أهله بالذهب، قال نعم النساء والجوار، فأما الغلمان فلا (6).

(1) الوسائل، الباب 3 من أبواب مقدمات النكاح، ح 12.
(2) المستدرك، ج 2 الباب 52، من أبواب جهاد النفس، ح 6.
(3) عن أبي عبد الله عليه السلام.
(4) ل. ليس منا.
(5) الوسائل، الباب 21، من أبواب جهاد النفس، ح 17، قطعة منه.
(6) الوسائل، الباب 63، من أبواب أحكام الملابس، ح 5.

[ 637 ]

عيسى بن عبد الله الهاشمي، قال خطب الناس عمر بن الخطاب، وذلك قبل أن يتزوج أم كلثوم بيومين، فقال أيها الناس لا تغالوا بصدقات النساء، فإن لو كان الفضل فيها، لكان رسول الله صلى الله عليه وآله يفعله كان نبيكم عليه السلام يصدق المرأة من نسائه المحشوة وفراش الليف، والخاتم، والقدح الكثيف، وما أشبهه، ثم نزل عن المنبر، فما أقام إلا يومين أو ثلاثة، حتى أرسل في صداق بنت علي أربعين ألفا (1). حمران بن أعين، قال دخلت على أبي جعفر عليه السلام، فقلت له أوصني، فقال أوصيك بتقوى الله، وإياك والمزاح، فإنه يذهب هيبة الرجل وماء وجهه، وعليك بالدعاء لإخوانك بظهر الغيب، فإنه يهيل الرزق، يقولها ثلاثا (2). محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر عليه السلام يا محمد لو يعلم السائل ما في المسألة، ما سأل أحد أحدا، ولو يعلم المعطي ما في العطية، ما رد أحد أحدا، ثم قال يا محمد إنه من سأل وهو يظهر غنى، لقي الله مخموشا وجهه يوم القيامة (3). بعض أصحابنا، قال كنت عند علي بن الحسين عليهما السلام، وكان إذا صلى الفجر لم يتكلم حتى تطلع الشمس، فجاءوه يوم ولد فيه زيد، فبشروه به بعد صلاة الفجر، قال فالتفت إلى أصحابه، فقال عليه السلام أي شئ تروني أن اسمي هذا المولود؟ قال: فقال كل رجل منهم سمه كذا وسمه كذا، قال: فقال يا غلام علي بالمصحف، قال فجاؤا بالمصحف، فوضعه في حجره، قال: ثم فتحه فنظر إلى أول حرف في الورقة، فإذا فيه (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) (4) قال ثم أطبقه، ثم فتحه ثلاث فنظر فيه فإذا في أول ورقة (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله، فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التورية والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي

(1) الوسائل، الباب 9 من أبواب المهور، ح 5.
(2) الوسائل، الباب 80 من أبواب أحكام العشرة، ح 6، وأورد ذيله في الباب 41 من أبواب الدعاء، ح 7.
(3) الوسائل، الباب 32 من أبواب الصدقة، ح 1 وأورد صدره في الباب 31، ح 4.
(4) سورة النساء، الآية 95.

[ 638 ]

بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم) (1) ثم قال هو والله زيد هو والله زيد، فسمي زيدا (2). وعن حذيفة بن اليمان، قال نظر رسول صلى الله عليه وآله إلى زيد بن حارثة، فقال المقتول في الله، والمصلوب في أمتي، والمظلوم من أهل بيتي سمي هذا، وأشار بيده إلى زيد بن حارثة، فقال أدن مني يا زيد، زادك اسمك عندي حبا، فأنت سمي الحبيب من أهل بيتي (3). عن الأصبغ، قال سمعت عليا عليه السلام يقول ستة لا ينبغي أن يسلم عليهم، وستة لا ينبغي أن يؤموا الناس، وستة في هذه الأمة من أخلاق قوم لوط، فأما الذين لا ينبغي السلام عليهم، اليهود، والنصارى، وأصحاب النرد والشطرنج، وأصحاب خمر وبربط، وطنبور، والمتفكهون بسب الأمهات والشعراء (4). وأما الذين لا ينبغي أن يؤموا الناس، فولد الزنا، والمرتد أعرابيا بعد الهجرة والعهد (5) وشارب الخمر، والمحدود (6). وأما الذين من أخلاق قوم لوط، فالجلاهق، وهو البندق، والخذف، ومضغ العلك، وإرخاء الإزار خيلاء والصفير وحل الأزرار (7). عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، أنه قال لما كان أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة، اتاه الناس، فقالوا اجعل لنا إماما يؤمنا في رمضان، فقال لهم لا، ونهاهم أن يجتمعوا فيه، فلما أمسوا جعلوا يقولون أبكوا رمضان، وارمضاناه، فأتى الحارث الأعور في ناس، فقالوا يا أمير المؤمنين، ضج الناس وكرهوا قولك، قال: فقال عليه السلام عند ذلك دعوهم وما يريدون، ليصلي بهم من شاؤا، ثم قال " ومن

(1) سورة التوبة، الآية 111.
(2) و (3) البحار، ج 46، الباب 11 من تاريخ علي بن الحسين عليهما السلام ح 57 و 58، ص 191 و 192. (4) أورد هذه القطعة في الوسائل الباب 28 من أبواب أحكام العشرة، ح 6.
(5) يحتمل النسخة أن اللفظة " العهر " بالراء المهملة بمعنى الزاني.
(6) أورد هذه القطعة في الوسائل، الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة، ح 6، بزيادة والأغلف.
(7) وأورد هذه القطعة في الوسائل الباب 23 من أبواب أحكام الملابس، ح 12.

[ 639 ]

يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " (1). عن عنبسة العابد، قال: قال رجل لأبي عبد الله عليه السلام، أوصني، قال أعد جهازك، وقدم زادك، وكن وصي نفسك، ولا تقل لغيرك يبعث إليك بما يصلحك (2). عن أبي زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال ليس من شيعتنا من يكون في مصر يكون فيه مائة ألف، ويكون في المصر أورع منه (3). عن محمد بن عمر بن حنظلة، قال: قال أبو عبد الله، ليس من شيعتنا من قال بلسانه وخالفنا في أعمالنا وآثارنا، ولم يعمل بأعمالنا (4) ولكن شيعتنا من وافقنا بلسانه وقلبه، واتبع آثارنا، وعمل بأعمالنا، أولئك شيعتنا (5). عن عبد الله أو عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجلس في مجلس يسب فيه إمام، أو يغتاب فيه مسلم، إن الله تعالى يقول " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وأما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين " (6) و (7). تمت الأحاديث المنتزعة من رواية ابن قولويه. ومما استطرفناه من كتاب أنس العالم تصنيف الصفواني قال روي أن رجلا قدم على أمير المؤمنين عليه السلام فقال له يا أمير المؤمنين أنا أحبك، وأحب فلانا، وسمى بعض أعدائه، فقال عليه السلام، أما الآن فأنت

(1) الوسائل، الباب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان، ح 5.
(2) البحار: ج 78 كتاب الروضة باب مواعظ الصادق عليه السلام ص 270، ح 111.
(3) الوسائل، الباب 21 من أبواب جهاد النفس، ح 18.
(4) ليس في نسخة ط ول هذه العبارة.
(5) الوسائل، الباب 21 من أبواب جهاد النفس، ح 19.
(6) سورة الأنعام، الآية 68.
(7) الوسائل، الباب 38 من أبواب الأمر والنهي، ح 21.

[ 640 ]

أعور (1)، فأما أن تعمى وأما أن تبصر (2). وقيل للصادق عليه السلام، إن فلانا يواليكم، إلا أنه يضعف (3) عن البراءة من عدوكم، قال هيهات، كذب من ادعى محبتنا (4) ولم يتبرأ من عدونا (5). وروي عن الرضا عليه السلام أنه قال، كمال الدين ولايتنا والبراءة من عدونا (6). ثم قال الصفواني واعلم يا بني، أنه لا تتم الولاية، ولا تخلص المحبة، وتثبت المودة، لآل محمد صلى الله عليه وآله إلا بالبراءة من عدوهم، قريبا كان منك أو بعيدا، فلا تأخذك به رأفة، فإن الله عز وجل يقول " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم " (7) الآية وعليك يا بني بالعلم وفقك الله له، ورزقك روايته، ومنحك درايته. فقد روي عن مولانا الصادق عليه السلام أنه قال خبر تدريه خير من ألف ترويه (8). وقال عليه السلام في حديث آخر عليكم بالدرايات لا بالروايات (9). وروى طلحة بن زيد، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام رواة الكتاب كثير، ورعاته قليل، فكم من مستنسخ للحديث، مستغش (10) للكتاب، والعلماء تحريهم (11) الدراية، والجهال تحريهم (12) الرواية (13). قال وروي أن حلق الرأس مثلة بالشباب (14) ووقار بالشيخ (15). تمت الأحاديث المنتزعة من كتاب الصفواني. ومن ذلك ما استطرفناه من كتاب المحاسن، تصنيف أحمد بن أبي عبد الله البرقي بسم الله الرحمن الرحيم، قال أحمد بن أبي عبد الله البرقي في خطبة كتابه،

(1) ط. الأعور.
(2) و (5) و (6) البحار، ج 27، الباب 1 من كتاب الإمامة، ص 58.
(3) ط. ضيف.
(4) ل. ولايتنا.
(7) سورة المجادلة، الآية 22.
(8) و (9) و (13) البحار، ج 2، الباب 26، من كتاب العلم، ص 206 ح 96 و 97 و 98.
(10) ل. مستفتش.
(11) و (12) ل. ط. تجزيهم.
(14) ط. بالشاب.
(15) الوسائل، الباب 60 من أبواب آداب الحمام، ح 10.

[ 641 ]

الذي قد وسمه (1) بكتاب المحاسن: أما بعد فإن خير الأمور أصلحها، وأحمدها أنجحها (2)، وأسلمها أقومها، وأشدها (3) أعمها خيرا، وأفضلها أدومها نفعا. وإن قطب المحاسن الدين، وعماد الدين اليقين، والقول الرضي، والعمل الزكي، ولم نجد في وثيقة المعقول، وحقيقة المحصول (4) عند المناقشة، والمباحثة لذي المقايسة والموازنة، خصلة أجمع لفضايل الدين والدنيا، ولا أشد تصفية لاقذاء العقل، ولا أقمع لخواطر الجهل، ولا ادعا إلى اقتناء كل محمود، ونفي كل مذموم من العلم بالدين، وكيف لا يكون ذلك كذلك ما من الله عز وجل سببه، ورسول الله صلى الله عليه وآله مستودعه ومعدنه، وأولوا النهى (5) تراجمته وحملته، وما ظنك بشئ الصدق خلته، والذكاء والفهم آلته، والتوفيق والحلم (6) قريحته (7) واللين والتواضع نتيجته، وهو الشئ الذي لا يستوحش معه صاحبه إلى شئ ولا يأنس العاقل مع نبذه بشئ، ولا يستخلف منه عوضا يوازيه (8)، ولا يعتاض منه بدلا يدانيه، ولا تحول فضيلته، ولا تزول منفعته، وأنى لك بكنز (9) باق على الانفاق، لا يقدح فيه يد الزمان، ولا تكلمه غوائل الحدثان، وأقل خصاله الثناء له في العاجل، مع الفوز برضوان الله في الآجل، واشرف بما صاحبه على كل حال مقبول، وقوله وفعله محتمل محمول، وسببه أقرب من الرحم الماسة، وقوله أصدق وأوثق من التجربة، وإدراك الحاسة، وهو نجوة من تسليط التهم، وتحاذير الندم، وكفاك من كريم مناقبه، ورفيع مراتبه، أن العالم بما أدى من صدق قوله شريك لكل عامل به في فعله، طوال المسند (10)، وهو به ناظر، ناطق، صامت، حاضر، غائب، حي، ميت، ووادع (11) نصب.

(1) ط. سماه.
(2) ط. أنجزها.
(3) ط. أنشدها.
(4) ط. وثيقة المحصول وحقيقة المعقول.
(5) ل. وأولوا النبأ.
(6) ل. والحكم.
(7) ل. مربحته.
(8) ل. يوازنه.
(9) بكثير.
(10) ل. السند المسند. (11) ط. وداع وصب. ل. ورادع نصب.

[ 642 ]

قال المصنف للكتاب: باب محبة المسلمين والاهتمام بهم الحسين بن يزيد النوفلي، عن إسماعيل بن أبي زياد السكوني، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله، من أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس من المسلمين (1). في كلام أمير المؤمنين عليه السلام، لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوء، وأنت تجد لها في الخير محملا (2). قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله، وهو يريد بعض غزواته صلى الله عليه وآله، فأخذ بغرز راحلته، فقال يا رسول الله علمني شيئا أدخل الجنة به، فقال ما أحببت أن يأتيه الناس إليك، فأته إليهم، خل سبيل الراحلة (3). وعنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، يا معشر من أسلم بلسانه ولم يسلم بقلبه (4)، لا تتبعوا عثرات المسلمين، فإنه من تتبع عثرات المسلمين، تتبع الله عثرته، ومن تتبع الله عثرته يفضحه (5). عن أبي عبد الله عليه السلام، قال أبعد ما يكون العبد من الله عز وجل، أن يكون الرجل يواخي الرجل، ويحفظ (6) زلاته ليعيره (7) بها يوما ما (8). المفضل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام، من روي على مؤمن رواية، يريد بها شينه، وهدم مروته، ليسقط من أعين الناس، أخرجه الله من ولايته إلى

(1) الوسائل، الباب 18 من أبواب فعل المعروف، ح 1 - 2 - 3 عن الكافي باختلاف يسير.
(2) الوسائل، الباب 161 من أبواب أحكام العشرة، ح 3، عن الكافي.
(3) الوسائل، الباب 35 من أبواب جهاد النفس، ح 1 عن الكافي مع زيادة.
(4) ل. لم يسلم قلبه.
(5) الوسائل، الباب 150 من أبواب أحكام العشرة، ح 3 عن الكافي بزيادة ولو في بيته.
(6) ل. وهو يحفظ.
(7) ل. ليضره بها يوما.
(8) الوسائل، الباب 150 من أبواب أحكام العشرة، ح 1 عن الكافي والمحاسن باختلاف يسير.

[ 643 ]

ولاية الشيطان، ولا يقبله أيضا الشيطان (1). أبو عبد الله عليه السلام قال من عير مؤمنا بذنب، لم يمت حتى يرتكبه (2). أبو عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله، من شفع شفاعة حسنة، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، أو دل على خير، أو أشار به، فهو شريك، ومن أمر بسوء أو دل عليه أو أشار به، فهو شريك (3). سالم بن مكرم، قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول هذه الحمام حمام الحرم، هي (4) نسل حمام إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام التي كانت له (5). أبو جعفر عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله، أحب الصحابة إلى الله تعالى الأربعة، وما فاد قوم على سبعة إلا كثر لغطهم (6) و (7). النوفلي، بإسناده، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وآله، من السنة إذا خرج القوم في سفر، أن يخرجوا نفقتهم، فإن ذلك أطيب لأنفسهم، (8) وأحسن لأخلاقهم (9). حسين بن أبي العلا، قال خرجنا إلى مكة نيفا وعشرين رجلا، فكنت اذبح لهم في كل منزل شاة، فلما أردت أن أدخل على أبي عبد الله عليه السلام، قال واها يا حسين، وتذل المؤمنين؟ قلت أعوذ بالله من ذلك، فقال بلغني إنك كنت تذبح لهم في كل منزل شاة، قلت يا مولاي والله ما أردت بذلك إلا الله تعالى، فقال عليه السلام أما كنت ترى أن فيهم من يحب أن يفعل فعالك فلا تبلغ ذلك مقدرتهم، فتقاصر إليه

(1) الوسائل، الباب 157 من أبواب أحكام العشرة، ح 2 عن الكافي والمجالس وعقاب الأعمال.
(2) الوسائل، الباب 151 من أبواب أحكام العشرة، ح 1، عن الكافي باختلاف يسير.
(3) مستدرك الوسائل، الباب 1 من أبواب الأمر بالمعروف، ح 3 عن الجعفريات والنوادر.
(4) ط. نسل.
(5) الوسائل، الباب 31 من أبواب أحكام الدواب، ح 9 عن الكافي.
(6) ط. وما زاد فهو على سبعة الأكثر لفظهم.
(7) الوسائل، الباب 30 من أبواب آداب السفر إلى الحج، ح 2 عن الكافي.
(8) ط. أصون.
(9) الوسائل، الباب 32 من أبواب آداب السفر إلى الحج، ح 1، عن الفقيه والمحاسن.

[ 644 ]

نفسه؟ قلت يا بن رسول الله صلى الله عليك استغفر الله عز وجل، ولا أعود (1). عن عمار الساباطي، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام، لا تصل في وادي الشقرة، فإن فيه منازل الجن (2). عن أبي عبد الله عليه السلام، في قول فرعون " ذروني اقتل موسى " (3) فقيل له من كان يمنعه من قتله؟ فقال كان لرشدة (4)، لأن الأنبياء والحجج عليهم السلام، لا يقتلهم إلا أولاد البغايا (5). قال أبو جعفر، من قتل دون ماله ومظلمته قتل شهيدا، ثم قال يا أبا مريم وتدري ما مظلمته؟ قلت نعم، الرجل يراد ماله فيقاتل عنه حتى يقتل، قال (6) نعم، إن الفقه عرفان اللحن (7) (8). محمد بن إسماعيل بن بزيع، رفعه، قال: من تمام العبادة الوقيعة في أهل الريب (9). وقال أبو عبد الله عليه السلام إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة (10). طلحة بن زيد، قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول، العامل على غير بصيرة، كالساير على غير طريق، فلا يزيده سرعة السير إلا بعدا (11). وعن النبي صلى الله عليه وآله قال من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح (12). عن أبي عبد الله عليه السلام، قال إياك وخصلتين مهلكتين، أن تفتي الناس

(1) الوسائل، الباب 33 من أبواب آداب السفر إلى الحج ح 6 وقد تقدم في ص 576 نحوه.
(2) الوسائل، الباب 24 من أبواب مكان المصلي ح 2.
(3) سورة غافر: الآية 26.
(4) ل. له شدة.
(5) العلل، ج 1 ص 57 مع اختلاف في السند والعبارة.
(6) ل. فقال.
(7) ل. الحق.
(8) الوسائل، الباب 46 من أبواب جهاد العدو ح 9 أورده عن الكافي.
(9) البحار ج 75 ص 161، أخرجه عن بعض الأخبار.
(10) الوسائل، الباب 154 من أبواب أحكام العشرة ح 4.
(11) الوسائل، الباب 4 من أبواب صفات القاضي ح 11. أورده عن الكافي والمحاسن.
(12) الوسائل، الباب 4 من أبواب صفات القاضي ح 13. أورده عن الكافي.

[ 645 ]

برأيك، أو تقول بما لا تعلم (1). موسى بن بكر، قال: قال أبو الحسن عليه السلام، من أفتى الناس بغير علم، لعنته ملائكة السماوات والأرض (2). عن أبي عبد الله عليه السلام، قال إذا سئلت عما لا تعلم، فقل لا أدري، فإن لا أدري خير من ألف (3). عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أف لكل مسلم لا يجعل له في كل جمعة يوما يتفقه فيه من أمر دينه، ويسأل عن دينه (4). عن أبي حمزة الثمالي، قال قال أبو عبد الله عليه السلام: أغد عالما أو متعلما (5) واحبب أهل العلم، ولا تكن رابعا فتهلك ببغضهم (6). جابر عن أبي جعفر عليه السلام، قال تنازعوا في طلب العلم، والذي نفسي بيده، لحديث واحد في حلال وحرام تأخذه عن صادق، خير من الدنيا وما حملت من ذهب وفضة، وذلك أن الله عز وجل يقول " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهيكم عنه فانتهوا " (7) وإن كان أمير المؤمنين (8) علي عليه السلام ليأمر ولده بقراءة المصحف (9). عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال لي يا جابر، والله لحديث تعيه (10) من حاذق في حلال وحرام، خير لك مما طلعت عليه الشمس، إلى أن تغرب (11). في وصية المفضل بن عمر، قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول تفقهوا في

(1) الوسائل، الباب 4 من أبواب صفات القاضي ح 3 أورده عن الكافي والمحاسن والخصال.
(2) الوسائل، الباب 7 من أبواب صفات القاضي ح 55 أورده عن عيون الأخبار.
(3) البحار، ج 2 الباب 16 ص 119 ح 28.
(4) البحار، ج 1 الباب 1 من أبواب العلم ص 176 ح 44.
(5) ل. أو.
(6) الكافي، ج 1 باب أصناف الناس، ص 43 ح 3.
(7) سورة الحشر، الآية 7.
(8) ط. ولأن أمير المؤمنين عليه السلام كان ليأمر الخ ل. وكان أمير المؤمنين عليه السلام.
(9) الوسائل، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، ح 68 أورد صدره عن المحاسن والسرائر.
(10) ط. أخذته من صادق.
(11) الوسائل، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، ح 69.

[ 646 ]

دين الله عز وجل، ولا تكونوا أعرابا، فإنه من لم يتفقه في دين الله، لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة، ولم يزك له عملا (1). كان علي عليه السلام يقول، من حق العالم أن لا تكثر عليه السؤال، ولا تأخذ بثوبه، وإذا دخلت عليه وعنده قوم، فسلم عليهم جميعا، وخصه بالتحية دونهم، واجلس بين يديه، ولا تجلس خلفه، ولا تغمز بعينيك، ولا تشر بيدك، ولا تكثر من القول: قال فلان وقال فلان خلافا، ولا تضجر (2) بطول صحبته، وإنما مثل العالم كمثل الغيم (3) تنتظرها متى يسقط منها شئ والعالم أعظم أجرا من الصائم القائم (4) الغازي في سبيل الله، وإذا مات العالم، ثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها شئ إلى يوم القيامة (5). وعنه عليه السلام قال إذا أنت جلست إلى عالم فكن إلى أن تسمع أحرص منك إلى أن تقول، وتعلم حسن الاستماع (6). كما تعلم حسن القول، ولا تقطع على أحد حديثه (7). عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال لا خير فيمن لا تقية له، ولا إيمان لمن لا تقية له (8). ابن مسكان قال قال أبو عبد الله عليه السلام، إني لأحسبك إذا شتم علي عليه السلام بين يديك لو تستطيع أن تأكل أنف شاتمه لفعلت فقلت: أي والله جعلت فداك، إني لهكذا وأهل بيتي، قال فلا تفعل، فوالله لربما سمعت من يشتم عليا عليه السلام وما بيني وبينه إلا الاسطوانة، فاستتر بها، فإذا فرغت من صلاتي،

(1) البحار، ج 1، الباب 6 من كتاب العلم، ص 214، ح 18.
(2) ط. من القول قال فلان خلافا تضجره.
(3) الغنيمة.
(4) ط. والقائم في الليل. ولا يكون فيه الغازي الخ. (5) الوسائل، الباب 123. من أبواب أحكام العشرة، ح 1 وتمامه في المستدرك، الباب 106 من تلك الأبواب، ح 1.
(6) ل. واحسن بالاسماع.
(7) البحار، ج 2، الباب 10 من كتاب العلم، ص 43، ح 11.
(8) الوسائل، الباب 24 من أبواب الأمر والنهي، ح 29، أورده عن المحاسن.

[ 647 ]

فأمر به، فأسلم عليه وأصافحه (1). أبو عبد الله عليه السلام قال الدنيا سجن المؤمن، وأي سجن جاء منه خير (2). ابن عجلان، قال كنت عند أبي عبد الله عليه السلام، فشكى إليه رجل الحاجة، فقال له اصبر، فإن الله سيجعل لك فرجا، قال ثم سكت ساعة، ثم أقبل على الرجل، فقال له أخبرني عن سجن الكوفة كيف هو؟ قال أصلحك الله ضيق منتن، وأهله بأسوء حال، فقال له، فإنما أنت في السجن، فتريد أن تكون فيه في سعة، أما علمت إن الدنيا سجن المؤمن (3). باب الأيام التي يكره فيها السفر أبو عبد الله عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمران الحلبي، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال لا تسافر (4) يوم الاثنين، ولا تطلب (5) فيه حاجة (6). وعنه عن القاسم بن محمد الجوهري، عن جميل بن صالح، عن محمد بن أبي الكرام، قال تهيأت للخروج إلى العراق، فأتيت أبا عبد الله عليه السلام لأسلم عليه وأودعه، فقال لي أين تريد؟ فقلت العراق، فقال في هذا اليوم، وكان يوم الاثنين، فقلت إن هذا يوم يقول الناس إنه يوم مبارك، فيه ولد النبي صلى الله عليه وآله، فقال والله ما تعلمون أي يوم ولد فيه النبي صلى الله عليه وآله، إن هذا اليوم ليوم مشوم، فيه قبض النبي صلى الله عليه وآله، وانقطع فيه الوحي، ولكن أحب لك أن تسافر يوم الخميس، وهو اليوم الذي كان يخرج فيه عليه السلام إذا غزا (7).

(1) الوسائل، الباب 25، من أبواب الأمر والنهي، ح 2، أورده عن جامع الأخبار والسرائر.
(2) الكافي، ج 2، باب ما أخذ الله على المؤمن من الصبر، ص 250، ح 7.
(3) الكافي، ج 2، باب ما أخذ الله على المؤمن من الصبر، ص 250، ح 6.
(4) ل. لا تسافروا.
(5) ل. لا تطلبوا.
(6) الوسائل، الباب 4 من أبواب آداب السفر، ح 6، أورده عن المحاسن والفقيه.
(7) الوسائل، الباب 7 من أبواب آداب السفر، ح 9، أورده عن المحاسن.

[ 648 ]

عثمان بن عيسى، عن أبي أيوب الخزاز، قال أردنا أن نخرج، فجئنا نسلم على أبي عبد الله عليه السلام يوم الاثنين، فقال كأنكم طلبتم بركة يوم الاثنين، قلنا نعم، قال وأي يوم أعظم شؤما من يوم الاثنين، يوم فقدنا فيه نبينا محمدا صلى الله عليه وآله، وارتفع فيه الوحي عنا، لا تخرجوا فيه، واخرجوا يوم الثلاثاء (1). محمد بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن إبراهيم بن يحيى المدني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال لا بأس بالخروج إلى السفر ليلة الجمعة (2). تمت الأخبار المنتزعة من كتاب المحاسن. ويتلوها الأحاديث المنتزعة من كتاب العيون والمحاسن وهي آخر الكتاب. ومن ذلك ما استطرفناه من كتاب العيون والمحاسن تصنيف المفيد، محمد بن محمد بن النعمان الحارثي رحمه الله، وكان هذا الرجل كثير المحاسن، حديد الخاطر، جم الفضائل غزير العلوم، وكان من أهل عكبري، من موضع يعرف بسويقة بن البصري، وانحدر مع أبيه إلى بغداد، وبدأ بقراءة العلم علي أبي عبد الله المعروف بالجعل، بدرب رياح، ثم قرأ من بعده على أبي ياسر، غلام أبي الحيش بباب خراسان، فقال له أبو ياسر، لم لا تقرأ على علي بن عيسى الرماني الكلام، وتستفيد منه؟ فقال ما أعرفه، ولا لي به أنس، فارسل معي من يدلني عليه، ففعل ذلك، وأرسل معي من أوصلني إليه، فدخلت عليه، والمجلس غاص باهله، وقعدت حتى انتهى بي المجلس، فكلما خف الناس قربت منه فدخل إليه (3) داخل، فقال بالباب انسان يؤثر الحضور مجلسك، وهو من أهل البصرة، فقال هو من أهل العلم؟ فقال غلامه لا أعلم، إلا أنه يؤثر الحضور مجلسك، فأذن له، فدخل عليه، فأكرمه، وطال الحديث بينهما، فقال الرجل لعلي بن عيسى، ما تقول في يوم الغدير والغار؟ فقال أما خبر الغار فدراية، وأما خبر الغدير فرواية، والرواية ما توجب

(1) الوسائل، الباب 4 من أبواب آداب السفر، ح 1، أورده عن الفقيه والروضة والمحاسن.
(2) الوسائل، الباب 7 من أبواب آداب السفر، ح 3، أورده عن الفقيه والمحاسن.
(3) ل. عليه.

[ 649 ]

ما توجبه الدراية، قال وانصرف البصري، ولم يجر خطاب يورد البتة (1) قال المفيد رضي الله عنه، قلت: أيها الشيخ مسألة، فقال: هات مسألتك، فقلت: ما تقول فيمن قاتل الإمام العادل؟ فقال يكون كافرا، ثم استدرك فقال: فاسق (2)، فقلت: ما تقول في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام؟ فقال: إمام، قال: قلت: فما تقول في يوم الجمل، وطلحة، والزبير؟ فقال تابا، فقلت: أما خبر الجمل فدراية، وأما خبر التوبة فرواية، فقال لي كنت حاضرا وقد سألني البصري؟ فقلت نعم، رواية برواية، ودراية بدراية، فقال بمن تعرف، وعلى من تقرأ؟ فقلت أعرف بابن المعلم، واقرأ على الشيخ أبي عبد الله الجعل، فقال موضعك، ودخل منزله، وخرج ومعه رقعة قد كتبها والصقها، وقال (3) لي أوصل هذه الرقعة إلى أبي عبد الله، فجئت بها إليه، فقرأها، ولم يزل يضحك هو ونفسه (4) ثم قال أيش جرى لك في مجلسه، فقد وصاني بك، ولقبك المفيد، فذكرت له المجلس بقصته، فتبسم، وكان يعرف ببغداد بابن المعلم. فما رواه في كتاب العيون والمحاسن، قال أخبرني أبو الحسن، أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن بعض أصحابه، عن خثيمة، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام، قال دخلت عليه أودعه، وأنا أريد الشخوص إلى المدينة، فقال أبلغ موالينا السلام، وأوصهم بتقوى الله، والعمل الصالح، وأن يعود صحيحهم مريضهم، وليعد غنيهم على فقيرهم، وأن يشهد حيهم جنازة ميتهم، وأن يتلاقوا في بيوتهم، وأن يتفاوضوا علم الدين، فإن في ذلك حياة لأمرنا، رحم الله عبدا أحيى أمرنا (5)، واعلمهم، يا خيثمة أنه لا يغني عنهم من الله شيئا إلا العمل الصالح، فإن ولايتنا لا تنال إلا بالورع، فإن أشد الناس عذابا يوم القيامة من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره (6).

(1) ل. ولم يحر خطابا يورد إليه.
(2) ل. فاسقا.
(3) ل. ط. فقال.
(4) ل. بينه وبين نفسه.
(5) ل. عبدا لا يأبي أمرنا.
(6) الوسائل، الباب 1 من أبواب أحكام العشرة، ح 7.

[ 650 ]

وعنه، قال أخبرني أبو الحسن (1) أحمد بن محمد، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن كثير بن علقمة، قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام أوصني، فقال أوصيك بتقوى الله، والورع والعبادة، وطول السجود، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وحسن الجوار، فبهذا جاءنا محمد صلى الله عليه وآله، صلوا في عشائركم (2)، وعودوا مرضاكم، واحضروا جنائزكم وكونوا لنا زينا، ولا تكونوا لنا شينا، حببونا إلى الناس، ولا تبغضونا إليهم، جروا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل شر، فما قيل فينا من خير فنحن أهله، وما قيل فينا من شر، فوالله ما نحن كذلك، لنا حق في كتاب الله، وقرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله، وولادة طيبة، فهكذا فقولوا (3). وبهذا الاسناد عن الحلبي، عن حميد عن المثنى (4)، عن يزيد بن خليفة قال: قال لنا أبو عبد الله عليه السلام، ونحن عنده، نظرتم والله حيث نظر الله، واخترتم من اختار الله، أخذ الناس يمينا وشمالا، وقصدتم قصد محمد صلى الله عليه وآله، أنتم والله على المحجة البيضاء، فأعينوا على ذلك، بورع فلما أردنا أن نخرج، قال ما على أحدكم إذا عرفه الله بهذا الأمر، أن لا يعرفه الناس به، إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس، ومن عمل لله كان ثوابه على الله. وقال قال الحسن بن علي عليهما السلام لرجل يا هذا لا تجاهد الطلب جهاد المغالب، ولا تتكل على القدر اتكال المستسلم، فإن ابتغاء الفضل من السنة، والاجمال في الطلب من العفة، وليست العفة بدافعة رزقا، ولا الحرص بجالب فضلا، فإن الرزق مقسوم، والأجل موقوت، واستعمال الحرص يورث المآثم. قال وأتى رجل إلى أبي عبد الله عليه السلام، فقال يا بن رسول الله أوصني، فقال له

(1) ل. أبو العباس.
(2) ل. صلوا عشائركم.
(3) الوسائل، الباب 1 من أبواب الحكام العشرة، ح 8 وتمامه مع في تحف العقول باختلاف يسير، ص 518.
(4) ط. حميد بن المثنى. ل. جميل بن المثنى.
(5) ل. نظر الناس.
(6) ل. بما في ذلك بورع واجتهاد.
(7) أورد صدره في البحار ج 68 ص 89 عن المحاسن وذيله في بشارة المصطفى، ص 274 بسند آخر نحوه.
(8) الوسائل، الباب 1 من أبواب مقدمات التجارة، ح 8 باختلاف يسير.

[ 651 ]

لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك، فقال له زدني، فقال لا أجد (1). قال وقال الباقر عليه السلام: ما أنعم الله على عبد نعمة فشكرها بقلبه، إلا استوجب المزيد بها قبل أن يظهر شكره على لسانه (2). قال وقال أبو عبد الله عليه السلام، في أدبه لأصحابه، من قصرت يده بالمكافات، فليطل لسانه بالشكر (3). وقال عليه السلام، من حق الشكر لله تعالى، أن يشكر من أجرى تلك النعمة على يده (4). قال وقال سلمان رحمة الله عليه أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله بسبع لا ادعهن على كل حال: أن انظر إلى من هو دوني، ولا انظر إلى من هو فوقي، وأن أحب الفقراء وأدنو منهم، وأن أقول الحق وإن كان مرا، وأن أصل رحمي وإن كانت مدبرة، وأن لا أسأل الناس شيئا، وأوصاني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإنها كنز من كنوز الجنة (5). قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام، قال رجل لأبي عليه السلام، من أعظم الناس في الدنيا قدرا؟ فقال من لم يجعل الدنيا لنفسه في نفسه خطرا (6). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثة من مكارم الأخلاق: عطاء من حرمك، وصلة من قطعك، والعفو عمن ظلمك (7). تمت الأحاديث المنتزعة من كتاب العيون والمحاسن. قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: إلى هيهنا يحسن الانقطاع، ويذعن بالتوبة والاقلاع من زلل إن كان فيه، أو خلل، ونقسم بالله تعالى على من تأمله أن لا يقلدنا في

(1) الوسائل، الباب 19 من أبواب جهاد النفس، ح 14..
(2) و (3) و (4) الوسائل، الباب 8 من أبواب فعل المعروف، ح 7 - 8 - 9.
(5) الوسائل، الباب 32، من أبواب الصدقة، ح 12.
(6) تحف العقول في مواعظ الإمام السجاد عليه السلام، ص 200.
(7) تحف العقول، مواعظ النبي (ص) رقم 66 باختلاف يسير.

[ 652 ]

شئ منه بل ينظر في كل شئ منه نظر المستفتح المبتدي، مطرحا للأهواء المزينة للباطل بزينة الحق، وحب المنشي والتقليد، فداؤهما لا يحسن علاجه جالينوس، وتعظيم الكبراء وتقليد الأسلاف والأنس بما لا يعرف الانسان غيره (1) يحتاج إلى علاج شديد، وقد قال الخليل بن أحمد العروضي رحمه الله، الانسان لا يعرف خطأ معلمه (2) حتى يجالس غيره، فالعاقل يكون غرضه الوصول إلى الحق من طريقه، والظفر به من وجهه وتحقيقه، ولا يكون غرضه نصرة الرجال، فإن الذي ينحون هذا النحو، قد خسروا ما ربحه المقلد من الراحة والدعة، ولم يسلموا من هجنة التقليد، وفقد الثقة بهم، فهم لذلك أسوء حالا من المصرح بالتقليد، وبئست الحال حال من أهمل دينه، وشغل معظم دهره في نصرة غيره، لا في طلب الحق ومعرفته، ولا ينبغي لمن استدرك على من سلف، وسبق إلى بعض الأشياء، أن يرى لنفسه الفضل عليهم، لأنهم إنما زلوا حيث زلوا، لأجل أنهم كدوا أفكارهم، وشغلوا زمانهم في غيره، ثم صاروا إلى الشئ الذي زلوا فيه، بقلوب قد كلت، ونفوس قد سئمت، وأوقات ضيقة، ومن يأت بعدهم فقد استفاد منهم ما استخرجوه، ووقف على ما أظهروه، من غير كدورة كلفة (3)، وحصلت (4) له، بذلك رياضة، واكتسب قوة، فليس يعجب إذا صار إلى حيث زل فيه من تقدم، وهو من موفور القوى (5)، متسع الزمان، لم يلحقه ملل ولا خامره ضجر أن يلحظ ما لم يلحظوه، ويتأمل ما لم يتأملوه، ولذلك زاد المتأخرون على المتقدمين، ولهذا كثرت العلوم بكثرة الرجال، واتصال الزمان، وامتداد الآجال، فربما لم يشبع القول المتقدم في المسألة (6) على ما أورد المتأخر (7)، وإن

(1) ل. والتقليد لمن لا يعرف الأنس بما لا يعرف الانسان غيره.
(2) ط. والظفر من جهة تحقيقه.
(3) ط. ل. من غير كد ولا كلفة.
(4) ل. جعلت.
(5) ل. وهو موفور القوى.
(6) ل. لم يشبع المتقدم في الملة.
(7) ل. المتأخرون.

[ 653 ]

كان بحمد الله بهم يقتدي وعلى أمثلتهم يحتذي، وغفر الله ولهم ولنا ولجميع المؤمنين، آمين رب العالمين. قال المصنف تم الكتاب، ولله المنة على بلوغ الأمل فيه (1)، والفراغ منه (2)، وذلك في صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلواته على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وكتب مصنفه محمد بن إدريس العجلي الحلي حامدا مصليا، معتذرا من زلله، مستغفرا من خطئه. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيد المرسلين وخيرة رب العالمين محمد وآله الطيبين وسلم تسليما.

(1) ل. الآمال فيه.
(2) هنا انتهت نسخة السيد اللاجوردي.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية