الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




غنية النزوع - ابن زهرة الحلبي

غنية النزوع

ابن زهرة الحلبي


[ 1 ]

قسم الفروع غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع تأليف الفقيه البارع الأقدم السيد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي 511 - 585 ه‍. ق تحقيق الشيخ إبراهيم البهادري حقوق الطبع محفوظة

[ 2 ]

اللهم صل علي محمد وآل محمد هوية الكتاب اسم الكتاب: غنية النزوع المؤلف ابن زهرة المحقق: الشيخ إبراهيم البهادري بإشراف: سماحة العلامة جعفر السبحاني - دام ظله - تنضيد الحروف: مؤسسة الامام الصادق عليه السلام للتحقيق والتأليف المطبعة: اعتماد - قم الطبعة: الأولى التاريخ: محرم الحرام 1417 ه‍ كمية الطبع 1500 نسخة السعر: 1200 تومان الناشر: مؤسسة الامام الصادق عليه السلام توزيع مكتبة التوحيد قم - ساحة الشهداء - 743151

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم التشيع في حلب عبر القرون وترجمة المؤلف انتشر الاسلام في عصر النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم في الجزيرة العربية، كما انتشر بعد رحيله في شتى الاقطار وما ذلك إلا لأنه دين الفطرة، يدعو إلى عبادة رب واحد، لا شريك له، ونبذ عبادة الاصنام، والحجر والبشر، وإلى العدل والمساواة، وكل عمل وخلق حسن، وينهى عن كل خلق وعمل قبيح، إلى غير ذلك مما يرفع الانسان عن حضيض الحيوانية إلى ذروة الكمال. ووالاه التشيع في الانتشار بسرعة في الاقطار الاسلامية، وما ذلك إلا لأن أكثر المهاجرين والأنصار كانوا يشايعون عليا عليه السلام ويحاربون معه، ويقفون معه في صف واحد خصوصا في الحروب التي وقعت في أيام خلافته. فبعد ما نزل الامام بالكوفة، انتشر التشيع في العراق. ولما غادر الامام الصادق عليه السلام المدينة المنورة ونزل بالكوفة أيام أبي العباس السفاح حيث بقى فيها مدة سنتين، فعمد الامام إلى نشر علومه، وتخرج على يديه الكثير من العلماء. فقويت شوكة التشيع وهذا الحسن الوشاء يحكي لنا إزدهار مدرسة الامام في العراق في تلك الظروف ويقول: أدركت في هذا المسجد يعني مسجد الكوفة

[ 4 ]

تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمد (1). وقد كان لهذه المدرسة العظيمة للامام أكبر تأثير في انتشار التشيع في أقطار العالم وإن كانت جذوره موجودة قبل الامام الصادق عليه السلام في الشام ومصر وغيرهما و قد بلغ من انتشار التشيع بواسطة مدرسة الامام أنه أصبح قسم من البلدان الاسلامية، شيعية أو يوجد فيها التشيع خصوصا في ثالث القرون وما بعده. ومع أن الشام كانت معقل الامويين ودار خلافتهم نرى إن التشيع قد دب فيها دبيب الماء في الورد، فما من بلدة أو قرية إلا وفيها نجم لامع من علماء الشيعة يقتفي أثر أهل البيت وينادي بموالاتهم التي نص القرآن الكريم عليها وقد كان لسماع كلمة أهل البيت جاذبية خاصة في قلوب المسلمين حيث يحنون إليهم حنان العاشق للمعشوق، خصوصا إنهم كانوا يصلون على أهل بيت محمد وآله وعترته في كل يوم وليلة تسع مرات. وهذا يدل على احتلال أهل البيت مقاما كبيرا فلو كانوا أناسا عاديين لما أمر المسلمون قاطبة بالصلاة عليه وهذا الأمر يدفعهم إلى التعرف عليهم و الاعتناء بشأنهم. ولهذا وذاك، قوي انتشار التشيع والموالاة لائمة أهل البيت في أكثر الاقطار الاسلامية حتى في معاقل الاعداء ودار خلافتهم. حلب الشهباء وجمالها الطبيعي من المناطق التي اعتنقت التشيع من عصور قديمة هي سواحل سوريا أخص منها بالذكر حلب الشهباء التي نبغ فيها كثير من بيوتات الشيعة، وتربى في أحضانها جيل كبير من المحدثين والفقهاء والمتكلمين والأدباء من الشيعة التي ستمر عليك أسماء بعضهم. وقبل التعرف عليهم، نذكر شيئا من هذه المدينة الزاهرة. يقول ياقوت الحموي: " حلب " بالتحريك مدينة عظيمة واسعة كثيرة الخيرات

1 - النجاشي، الرجال: 1 / 137، رقم 79.

[ 5 ]

طيبة الهواء صحيحة الاديم والماء. (1) وقد وصف الشعراء والأدباء أزهارها وأثمارها، وأشاروا إلى ضواحيها ونواحيها و ما فيها من جمال الطبيعة وكمال الصنع، وكأنك ترى ماءها الفضي يجري على تراب كالذهب. وترى فيها أنواعا من الازهار والفواكه كلها تسقى بماء واحد وكأن الشاعر بشعره يقصد تلك البلدة إذ يقول: صبغت بلون ثمارها أوراقها * فتكاد تحسب أنهن ثمار وللشاعر أبي بكر الصنوبري قصيدة تبلغ مائة وأربعة أبيات يصف فيها منتزهات حلب وقراها مستهلها: إحبسا العيس إحبساها * وسلا الدار سلاها ومن جملتها: أنا أحمى حلبا دا * را وأحمى من حماها أي حسن ما حوته * حلب أو ما حواها إلى أن يقول: حلب أكرم مأوى * وكريم من أواها بسط الغيث عليها * بسط نور، ما طواها وكساها حللا، أب‍ * دع فيها إذ كساها حللا لحمتها السو * سن والورد سداها (2) قال السيد الخوانساري نقلا عن كتاب تلخيص الآثار: إن حلب مدينة عظيمة بأرض الشام كثيرة الخيرات، طيبة الهواء، صحيحة التربة، لها سور حصين، وكان الخليل عليه السلام يحلب غنمه، ويتصدق بلبنها يوم الجمعة،

1 و 2 - ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 2، ص 282 و 286.

[ 6 ]

ولقد خص الله هذه المدينة ببركة عظيمة من حيث يزرع بأرضها القطن، والسمسم، والدخن، والكرم، والمشمش، والتين، يسقى بماء المطر، وهي مسورة بحجر أسود، و القلعة بجانب السور لأن المدينة في وطأ من الأرض، والقلعة على جبل مدور، لها خندق عظيم، وصل حفره إلى الماء، وفيها مقامان للخليل عليه السلام يزاران إلى الآن، وفي بعض ضياعها بئر إذا شرب منها من عضه الكلب الكليب برأ. ومن عجائبها سوق الزجاج لكثرة ما فيها من الظرائف اللطيفة، والآلات العجيبة. (1) التشيع في حلب عبر القرون دخل التشيع في حلب قبل عهد الحمدانين (293 - 392) ولكنه انتشر وقوى فيها على عهدهم وذلك لأن الدولة الحمدانية كانت من الدول الشيعية، يجاهرون بالتشيع وينصرونه وكانوا يكرمون الادباء والشعراء والعلماء والمحدثين، وخصوصا الذين يجاهرون منهم بالتشيع وولاء أهل البيت. ومن أبرز شعراء الحمدانين أبو فراس الحمداني (320 - 357) وله القصيدة الميمية الطائرة الصيت التي مستهلها: الحق مهتضم والدين مخترم * وفئ آل رسول الله مقتسم إلى أن قال: قام النبي بها يوم الغدير لهم * والله يشهد والأملاك والأمم حتى إذا أصبحت في غير صاحبها * باتت تنازعها الذؤبان والرخم وصيروا أمرهم شورى كأنهم * لا يعلمون ولاة الحق أيهم تالله ما جهل الاقوام موضعها * لكنهم ستروا وجه الذي علموا ثم ادعاها بنو العباس ملكهم * ولا لهم قدم فيها ولا قدم

1 - السيد الخوانساري، روضات الجنات: 2 / 115.

[ 7 ]

ولأجل تلك المناصرة، ووجود المناخ المساعد، أصبح التشيع مذهبا بارزا في تلك البلدة الخصبة ممتدا إلى ضواحيها كالموصل وتشهد بذلك نصوص كثير من المؤرخين. يقول ياقوت الحموي وهو يذكر حلب: والفقهاء يفتون على مذهب الامامية. (1) 2 - وقال ابن كثير الشامي في تاريخه: كان مذهب الرفض فيها في أيام سلطنة الأمير سيف الدولة بن حمدان رائجا رواجا تاما.
3 - وقال مؤلف نهر الذهب: لم يزل الشيعة بعد عهد سيف الدولة في تصلبهم حتى حل عصبتهم وأبطل أعمالهم نور الدين الشهيد (543) ومن ذلك الوقت ضعف أمرهم غير أنهم ما برحوا يجاهرون بمعتقداتهم إلى حدود (600) فأخفوها. ثم ذكر أن مصطفى بن يحيى بن حاتم الحلبي الشهير ب‍ " طه زاده " فتك بهم في حدود الألف فأخفوا أمرهم، وذكر بعض ما يفعله الحلبيون مع الشيعة من الأعمال الوحشية والمخازي والقبائح التي سودت وجه الانسانية ويخجل القلم من نقلها. وقال القاضي المرعشي: " أهل حلب كانوا في الأصل شيعة وإلى أواخر زمان الخلفاء العباسية كانوا على مذهب الامامية، وقد أجبروا في زمان انتقال تلك الولاية إلى حكم السلاطين العثمانية على ترك مذهبهم " وما مر من فعل (طه زاده) يؤيد ذلك فإن استيلاء العثمانيين على حلب كان في أوائل المائة العاشرة. وقال مؤلف نهر الذهب: إنه لم يزل يوجد في حلب عدة بيوت معلومة يقذفهم بعض الناس بالرفض والتشيع ويتهابون الزواج معهم مع أن ظاهرهم على كمال الاستقامة وموافقة أهل السنة.
(2) 4 - وقال ابن كثير: لما سار صلاح الدين إلى حلب فنزل على جبل جوشن، نودي في أهل حلب بالحضور في ميدان باب العراق فاجتمعوا فأشرف عليهم ابن الملك نور الدين فتودد

1 - ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج 2، ص 273.
2 - السيد الامين، أعيان الشيعة: ج 1، ص 201.

[ 8 ]

إليهم وتباكى لديهم وحرضهم على قتال صلاح الدين وذلك عن إشارة الامراء المقدمين فأجابه أهل البلد بوجوب طاعته على كل أحد وشرط عليه الروافض منهم أن يعاد الأذان بحي على خير العمل، وأن يذكر في الاسواق وأن يكون لهم في الجامع، الجانب الشرقي، وأن يذكر أسماء الأئمة الاثني عشر بين يدي الجنائز، وأن يكبروا على الجنازة خمسا، وأن تكون عقود أنكحتهم إلى الشريف أبي طاهر أبي المكارم حمزة بن زاهر (1) الحسيني فأجيبوا إلى ذلك كله، فأذن بالجامع وسائر البلد بحي على خير العمل.
(2) ونقل السيد الامين عن أعلام النبلاء عن كتاب الروضتين، عن ابن أبي طي إنه قال: فأذن المؤذنون في منارة الجامع وغيره بحي على خير العمل، وصلى أبي في الشرقي مسبلا وصلى وجوه الحلبيين خلفه وذكروا في الاسواق وقدام الجنائز أسماء الأئمة و صلوا على الأموات خمس تكبيرات وأذن للشريف - ابن زهرة - أن يكون عقود الحلبيين من الامامية إليه وفعلوا جميع ما وقعت الايمان عليه.
(3) 5 - قال ابن كثير: إن بدر الدولة أبا الربيع سليمان بن عبد الجبار بن أرتق صاحب حلب لما أراد بناء أول مدرسة للشافعية بحلب لم يمكنه الحلبيون، إذ كان الغالب عليهم التشيع. إن ابتداء إمرة سليمان هذا في حلب نيابة عن عمه " ايلغاري " بن ارتق، كان سنة 515 ه‍ وانتهاؤها 517 وإن تلك المدرسة تسمى " الزجاجية " وانه كلما بنى فيها شئ نهارا خربه الحلبيون ليلا إلى أن أعياه ذلك، فاحضر الشريف زهرة بن علي بن إبراهيم الاسحاقي الحسيني والتمس منه أن يباشر بناءها فكف العامة عن هدم ما

1 - كذا في المصدر والصحيح " زهرة ".
(2) ابن كثير: البداية والنهاية: الجزء 12 / 309 حوادث سنة 570 وفي غير واحد من المعاجم، كالرياض 2 / 208. تبعا لمجالس المؤمنين 1 / 63 ط مكتبة الاسلامية، وقد صحف فيهما لفظ السبعين بسبع فلاحظ.
3 - السيد الامين: أعيان الشيعة: ج 6، ص 250، ترجمة ابن زهرة.

[ 9 ]

يبني، فباشر الشريف البناء ملازما له حتى فرغ منها. (1) وخرج من حلب عدة من علماء الشيعة وفقهائهم منهم الشيخ كردي بن عكبري بن كردي الفارسي الفقيه الثقة الصالح، كان يقول: بوجوب الاجتهاد عينا و عدم جواز التقليد قرأ على الشيخ الطوسي وبينهما مكاتبات وسؤالات وجوابات.
(2) ومنهم الفقيه المقدام أبو الصلاح تقي بن نجم الحلبي 374 - 447 مؤلف الكافي، والتهذيب والمرشد وتقريب المعارف، - وقد طبع الأول والأخير - وغيرها. وقد كانت الصلة بين شيعة حلب وشيعة الكوفة وثيقة جدا ولأجل ذلك نرى إن بعض البيوت العراقية ينتسب إلى حلب وما ذلك إلا لوجود الصلة التجارية أو العلمية بين البلدين فهذا هو عبيد الله بن علي بن أبي شعبة المعروف بالحلبي وما هو إلا أنه كان يتجر هو وأبوه واخوته إلى حلب فاشتهروا بالحلبيين. وعبيدالله هذا من فقهاء الشيعة في القرن الثاني وله كتاب يرويه أصحابنا عنه (3) ورواياته مبثوثة في المعاجم الحديثية. هذا بعض ما كان للشيعة من الشأن في تلك التربة الزاهرة وأما مصيرهم في القرون فقد حدث عند المؤرخون وقد مر تصريح بعضهم بما جرى على شيعة آل البيت من المجازر فيها. ولنشر إلى النزر اليسير منها ونترك الكثير إلى مجال آخر. إن تاريخ الشيعة تاريخ دموي حيث إنهم عاشوا بين الخوف والرجاء، وبين الحجر والمدر وقد تعامل معهم الأمويون والعباسيون بشكل يندى له جين البشرية فلم يكن السبب للفتك بهم إلا عدم تحالفهم مع الظالمين ومع ذلك فبقاء الشيعة اليوم يعد من أكبر المعاجز ومن خوارق العادات إذ لم يشهد التاريخ أمة أصابتهم النوائب و المظالم والقتل الذريع مثل ما أصابت شيعة أهل البيت ومواليهم، ولو انك وقفت على

1 - السيد محسن الامين: أعيان الشيعة: ج 7 / 69، وزهرة المذكور جد المؤلف فيعرب عن مكانة المؤلف في عصره حيث كان رئيسا مطاعا.
2 - الخوانساري: روضات الجنات ج 2، ص 115.
3 - النجاشي، الفهرست ترجمة عبيد الله، رقم 640.

[ 10 ]

ما في غضون التاريخ وأغواره لضقت ذرعا ولملئت مما جاء فيها رعبا.
6 - قال كرد علي في خطط الشام: كان أهل حلب سنة حنفية، حتى قدم الشريف أبو إبراهيم الممدوح - في عهد سيف الدولة - فصار فيها شيعة وشافعية، وأتى صلاح الدين، وخلفاؤه فيها على التشيع، كما أتى عليه في مصر، وكان المؤذن في جوامع حلب الشهباء يؤذن بحي على خير العمل، وحاول السلجوقيون مرات، القضاء على التشيع، فلم يوفقوا إلى ذلك، وكان حكم بني حمدان وهم شيعة، من جملة الأسباب الداعية إلى تأصل التشيع في الشمال، ولا يزال على حائط صحن المدفن الذي في سفح جبل " جوشن " بظاهر حلب ذكر الأئمة الاثني عشر، وقد خرب الآن. (1) 7 - وقال ابن جبير: للشيعة في هذه البلاد أمور عجيبة، وهم أكثر من السنيين بها، وقد عموا البلاد بمذاهبهم.
(2) دخل صلاح الدين الأيوبي إلى حلب عام 579 وحمل الناس على التسنن و عقيدة الأشعري ولا يقدم للخطابة ولا للتدريس إلا من كان مقلدا لأحد المذاهب الأربعة، ووضع السيف على الشيعة فقتلهم وأبادهم مثل عمله في مصر، إلى حد يقول الخفاجي في كتابه: " فقد غال الأيوبيون في القضاء على كل أثر للشيعة ".
(3) وبما أنه سبحانه شاء أن يبقى التشيع في حلب، نرى أن الدولة الأيوبية لم تتمكن من القضاء على التشيع فيها تماما بل بقى مع ما أصابه من الكوارث والمحن.
8 - هذا هو ياقوت الحموي يكتب عن حلب عام 636 ه‍ أي بعد دخول الأيوبي لها بسبع وخمسين سنة ما لفظه: وعند باب الجنان مشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رؤي فيه في النوم، وداخل باب العراق مسجد غوث، فيه حجر عليه

1 - كرد علي خطط الشام: 6 / 258.
2 - ابن جبير، الرحلة، ص 250 ط مصر. قام برحلته هذه عام 581 واستغرقت ثلاث سنوات.
3 - الخفاجي: الازهر في ألف عام: 1 / 58.

[ 11 ]

كتابة زعموا أنها خط علي بن أبي طالب عليه السلام وفي غربي البلد في سفح جبل جوشن قبر المحسن بن الحسين يزعمون أنه سقط لما جئ بالسبي من العراق ليحمل إلى دمشق، أو طفل كان معهم بحلب فدفن هنالك، وبالقرب منه مشهد مليح العمارة تعصب الحلبيون، وبنوه أحكم بناء، وأنفقوا عليه أموالا، يزعمون أنهم رأوا عليا عليه السلام في المنام في ذلك المكان. (1) هكذا استمر التشيع في حلب رفيع البناء، لم يقلعه تلك الهزات العنيفة، ولم تقوضه تلك العواصف الشديدة، إلى أن أفتى الشيخ نوح الحنفي (2) بكفر الشيعة و استباحة دمائهم وأموالهم، تابوا أو لم يتوبوا، فزحفوا على شيعة " حلب " وأبادوا منهم أربعين ألفا أو يزيدون، وانتهبت أموالهم، وأخرج الباقون منهم من ديارهم إلى " نبل " و " النغاولة " و " أم العمد " و " الدلبوز " و " الفوعة " وغيرها من القرى، واختبأ التشيع في أطراف حلب في هذه القرى والبلدان.
9 - هاجم الأمير ملحم بن الأمير حيدر، بسبب هذه الفتوى جبل عامل عام 1048 فانتهك الحرمات واستباح المحرمات يوم وقعة قرية " أنصار " فلا تسئل عما أراق من دماء، واستلب من أموال، وانتهك من حريم، فقد قتل ألفا وخمس مائة، وأسر ألفا وأربع مائة، فلم يرجعوا حتى هلك في الكنيف ببيروت. فيا لله من هذه الجرأة الكبرى على النفوس والأعراض، ومن تلك الفتيا، التي غررت بأولئك على تلك الفظائع والجرائم.
(3) 10 - ولم يكن ذلك الفتك الذريع أول تصفية جسدية للشيعة، بل صبت عليهم قوارع في دار الخلافة، قبل قرنين بالوحشية التامة يندى لها جبين الانسانية. فقد قتل السلطان سليم في الأناضول وحدها أربعين ألفا، وقيل سبعين لا لشئ إلا أنهم شيعة، ومن جراء ذلك غادرت شيعة أهل البيت المراكز، نازلين الكهوف، والمناطق الجبلية،

1 - ياقوت الحموي، معجم البلدان: 2 / 284.
2 - كان مفتي قونية في عصر الخلافة العثمانية توفي عام 1070 اقرء ترجمته في الاعلام للزركلي: 8 / 51.
3 - محمد حسين المظفر، تاريخ الشيعة، ص 147.

[ 12 ]

ولم تزل قسم من العلويين حاليا في تركيا يعيشون تلك المناطق. (1) ما أقبحها من عصبية وما أقساها. ترى أكان يسوغ في شريعة الانصاف أن يسام قوم يدينون بدين الحق، ويتبعون أوصياء النبي الشرعيين الذين أوصى النبي صلى الله عليه وآله بموالاتهم ومحبتهم، ويمنعوا من أبسط حقوقهم الانسانية وهي حرية الرأي والمعتقد، خاصة إذا كان ذلك المعتقد من النوع الذي يأخذ بصاحبه إلى الفضيلة والطهر، والانسانية والكمال. ترى أكان يسوغ أن تمنع جماعة يحترمون وصية النبي في ذريته وخلفائه الأبرار، من أداء شعائرهم النابعة من الكتاب والسنة إلا في غطاء التقية، وإذا كانت التقية أمرا قبيحا فعمل من حملهم عليها أقبح. وهذا هو العالم الشاعر إبراهيم يحيى (2) يصف مظالم " جزار " وفظايعه على الشيعة في جبل عامل تلك المنطقة الخصبة بالعلم والفضل، وجمال الطبيعة وكانت و لم تزل دارا للشيعة منذ عصور، تلمع كشقيقتها " حلب " في خريطة الشامات وقد صور الشاعر ما جرى عليهم في قصيدته على وجه يدمى الأفئدة والقلوب، وقد هاجر من موطنه إلى دمشق ونظم فيها القصيدة الميمية نقتطف منها ما يلي: يعز علينا أن نروح ومصرنا * لفرعون مغنى يصطفيه ومغنم منازل أهل العدل منهم خلية * وفيها لأهل الجور جيش عرمرم وعاثت يد الأيام فينا ومجدنا * وبالرغم مني أن أقول مهدم ولست ترى إلا قتيلا وهاربا * سليبا ومكبوبا يغل ويرغم وكم علم في عامل طوحت به * طوائح خطب جرحها ليس يلام وأصبح في قيد الهوان مكبلا * وأعظم شئ عالم، لا يعظم وكم من عزيز ناله الضيم فاغتدى * وفي جيده حبل من الذل محكم

3 - محمد جواد مغنية، الشيعة والحاكمون، ص 194 نقلا عن أعيان الشيعة. 1 - اقرء ترجمته في الجزء الثاني من دائرة المعارف اللبنانية لرئيس الجامعة اللبنانية فؤاد البستاني.

[ 13 ]

وكم هائم في الأرض تهفوا بلبه * قوادم أفكار تغور وتتهم ولما رأيت الظلم طال ظلامه * وإن صباح العدل لا يتبسم ترحلت عن دار الهوان وقلما * طيب الثوى في الدار والجار، أرقم تملكها - والملك لله - فاجر * سواء لديه ما يحل ويحرم عتل زنيم، يظهر الدين كاذبا * وهيهات أن يخفى على الله مجرم (1) نسب المؤلف اتفقت كلمة المترجمين على أن نسبه ينتهي إلى الامام الصادق عليه السلام ولكن اختلفوا في عدد الوسائط فذكر الافندي التبريزي نسبه بالنحو التالي: السيد عز الدين أبو المكارم حمزة بن علي، بن أبي المحاسن زهرة، بن أبي علي الحسن، بن أبي المحاسن زهرة، بن أبي المواهب علي، بن أبي سالم محمد، بن أبي إبراهيم محمد النقيب، بن علي، بن أبي علي أحمد، بن أبي جعفر محمد، بن أبي عبد الله الحسين، بن أبي إبراهيم إسحاق المؤتمن، بن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهم السلام الحسيني الحلبي، وقال: هذا الذي ذكرناه، من نسبه هو الموجود في المواضع المعتبرة، ورأيت في أواخر بحث أصول الفقه من بعض نسخ الغنية له، نسبه هكذا: السيد أبو المكارم حمزة، بن علي، بن زهرة، بن علي، بن محمد، بن أحمد، بن محمد، بن الحسين، بن إسحاق بن جعفر الصادق عليه السلام ولعل فيه اختصارا كما هو الشائع في الانساب (2) وعلى ما ذكره يصل نسب المؤلف إلى الامام الصادق عليه السلام باثنتي عشرة واسطة. وقد ذكر شيخ الباحثين آغا بزرگ الطهراني نسبه بالنحو المتقدم وكأنه تبع

1 - محمد جواد مغنية، الشيعة والحاكمون، ص 196. 2 - الافندي التبريزي، الرياض: ج 2، ص 202.

[ 14 ]

صاحب الرياض. (1) ويقول السيد الخوانساري: السيد بن زهرة الحلبي ينتهي نسبه إلى الامام جعفر بن محمد الصادق باثنتي عشرة واسطة سادات أجلاء.
(2) نعم حكى السيد الامين عن كتاب أعلام النبلاء " أنه قد أبقت أيدي الزمان قبر المترجم في تربته الكائنة في سفح جبل جوشن جنوبي المشهد، وبينها وبين التربة أذرع وقد كانت تلك التربة مردومة فاكتشفت في جمادي الأولى سنة 1297 وقد حاط جميل باشا ما بقي من هذه التربة بجدران حفظا لها، وقبر المترجم ظاهر فيها وعلى أطرافه كتابة حسنة الخط هذا نصه: بسم الله الرحمن الرحيم: هذه تربة الشريف الأوحد ركن الدين أبي المكارم حمزة، بن علي، بن زهرة، بن علي، بن محمد، بن محمد، بن أحمد، بن محمد، بن الحسين، بن إسحاق بن جعفر الصادق صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الأئمة الطاهرين و كانت وفاته في رجب سنة 585 ه‍ - رضي الله عنه - (3) وعلى ما ذكره ينتهي نسبه إلى الامام الصادق عليه السلام بوسائط تسع. وذكر العمري نسب أبي إبراهيم محمد الذي هو الجد السادس للمؤلف إلى الامام الصادق عليه السلام بالنحو التالي: أبو إبراهيم: محمد، بن جعفر، بن محمد، بن أحمد، بن الحسين، بن إسحاق، بن جعفر الصادق عليه السلام.
(4) وقال: وكان أبو إبراهيم لبيبا عاقلا ولم تكن حاله واسعة، فزوجه الحسين الحراني، بنته خديجة المعروفة بأم سلمة - إلى أن قال: - فأمد أبا إبراهيم، الحسين الحراني

1 - الطهراني، طبقات أعلام الشيعة القرن السادس، ص 87.
2 - الخوانساري، روضات الجنات: ج 2، ص 374.
3 - السيد الامين، أعيان الشيعة: 6 / 249.
4 - العمري المجدي، ص 99.

[ 15 ]

بماله وجاهه، ونبغ أبو إبراهيم وتقدم وخلف أولادا سادة فضلاء، ولهم عقب منتشر بحلب. (1) وقال الزبيدي في تاج العروس: بنو زهرة شيعة بحلب بل سادة نقباء، علماء، فقهاء، محدثون كثر الله أمثالهم وهو أكبر بيت من بيوت الحسين وهم: أبو الحسن زهرة، بن أبي المواهب علي، بن أبي سالم محمد، بن أبي إبراهيم محمد الحراني وهو المنتقل إلى حلب وهو ابن أحمد الحجازي، بن محمد، بن الحسين، (وهو الذي وقع إلى حران) بن إسحاق، بن محمد (2) المؤتمن، ابن الامام جعفر الصادق عليه السلام الحسيني الجعفري، وجمهور عقب إسحاق بن جعفر ينتهي إلى أبي إبراهيم المذكور ".
(3) ولأجل التعرف على بعض الشخصيات الذين شادوا هذا البيت الرفيع نذكر شيئا من ترجمة أبيه وجده ونترك ترجمة الباقين من أجداده إلى آونة أخرى فإن الاشارة إلى حياتهم تحوجنا إلى القيام بتأليف مفرد. 1 - أبوه: علي بن زهرة قال في الرياض: وكان علي، والد السيد ابن زهرة هذا من أجلة العلماء بحلب، ويروي هو عن والده زهرة الحلبي المذكور، ويروي عنه ولده السيد ابن زهرة المذكور على ما رأيته بخط بعض الافاضل نقله عن خط الشيخ سديد الدين يوسف والد العلامة - قدس الله سره -، وصرح بذلك محمد بن جعفر المشهدي في مزاره الكبير أيضا. وقال الكفعمي في أواخر فرج الكرب وفرج القلب: إن السيد العالم علي بن زهرة الحسيني طاب ثراه ألف في التغاير كتابا سماه آداب النفس، ومراده بالتغاير ما هو

1 - العمري المجدي، ص 99.
2 - كذا في المصدر والصحيح " أبو محمد "، إذ لا واسطة بين إسحاق، والامام الصادق عليه السلام.
3 - الزبيدي، تاج العروس: ج 3، ص 248 (مادة زهرة).

[ 16 ]

مصطلح علماء البديع أعني به ما سماه بعضهم التلطيف. ثم قال: واعلم إن هذا السيد وأباه زهرة وأولاده يحيى وحمزة وسائر سلسلته المعروفين، كلهم من أكابر العلماء ببلاد حلب. (1) جده أبو المحاسن (2) زهرة قال في الرياض: كان من أكابر العلماء بحلب، ويروي عنه ولده علي المذكور، و هو يروي عن ابن قولويه على ما رأيته بخط بعض الافاضل نقلا عن خط الشيخ سديد الدين يوسف والد العلامة - قدس سره - وبه صرح الشيخ محمد بن جعفر المشهدي في المزار الكبير أيضا، لكنه قال: إنه يروي عن الصدوق. والسيد زهرة الحلبي هذا هو الذي ينسب إليه سبطه حمزة المعروف بالسيد ابن زهرة وسائر أولاد زهرة وبنو زهرة معروفون.
(3) ولو كان يروي عن ابن قولويه المتوفى عام 369 ه‍ أو الصدوق المتوفى عام 381 ه‍، فقد عاش (جد المؤلف) في العقد الثاني من القرن الرابع وأدرك سنين كثيرة من القرن الخامس. ولعل في هذا الالمام العابر، غنى وكفاية للقارئ في التعرف على حياة والد المؤلف وجده بوجه موجز.

1 - الافندي التبريزي، رياض العلماء، ج 4، ص 97 ولاحظ روضات الجنات، ج 2، ص 374 و طبقات الاعلام القرن السادس، ص 181.
2 - اختلفت كلمة أصحاب المعاجم في كنيته، فصاحب الرياض على أنه " أبو المحاسن " بينما يصر السيد الامين على أن كنيته " أبو الحسن " وإن الأول كنية " زهرة " الثاني.
3 - الافندي التبريزي، الرياض، ج 2، ص 356 ولاحظ أعيان الشيعة، ج 7، ص 69. اقول: نقل الجد عن الصدوق فضلا عن ابن قولويه بعيد جدا، لأن حفيده المترجم له المتوفى عام 585 ه‍ ينقل عنه، فكيف يصح لشيخه أن ينقل عن الصدوق المتوفى عام 381 ه‍ أو عن ابن قولويه المتوفي عام 369 ه‍، إذ لازم ذلك أن يكون الجد من المعمرين ولم يذكر في عدادهم!.

[ 17 ]

لقد ظل البيت، عامرا بالعلم والفضل، والفقه والحديث، مشعا عبر القرون، حتى بعد مضي مؤلفنا الجليل الذي عاش بين 511 - 585 ومع ما أصابته من نكبات و نوائب تدمى القلوب، وتهز المشاعر في أواخر القرن السادس - على ما عرفت - فما برح البيت ساعيا في تربية نوابغ العلم وابطال الفقه وجهابذة الحديث حتى القرن السابع والثامن وبعدهما ويكفيك ما نذكره في المقام من استجازة عدة من أعلام البيت و فقهائهم، علامة عصره وفقيه دهره الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي 648 - 726، المشتهر بالعلامة على الاطلاق وهذا نص اجازته لبني زهرة نقتطف منه ما يلي قال: بعد البسملة والتحميد والمقدمة: وبلغنا في هذا العصر، ورود الأمر الصادر من المولى الكبير، والسيد الجليل، الحسب النسيب، نسل العترة الطاهرة، وسلالة الأنجم الزاهرة، المخصوص بالنفس القدسية، والرئاسة الانسية، الجامع بين مكارم الأخلاق، وطيب الاعراق، أفضل أهل عصره على الاطلاق، علاء الملة والحق والدين، أبي الحسن علي، (1) بن أبي إبراهيم محمد، ابن أبي على الحسن، بن أبي المحاسن زهرة، بن أبي المواهب علي، بن أبي سالم محمد، بن أبي إبراهيم محمد النقيب، بن أبي علي أحمد، بن أبي جعفر محمد، بن أبي عبد الله الحسين، بن أبي إبراهيم إسحاق المؤتمن، ابن أبي عبد الله جعفر الصادق - صلوات الله وسلامه عليه - ابن أبي جعفر محمد الباقر - صلوات الله وسلامه عليه - ابن أبي الحسن علي زين العابدين - صلوات الله وسلامه عليه - ابن أبي عبد الله الحسين السبط الشهيد - صلوات الله وسلامه عليه - ابن أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب -

1 - هكذا في البحار المطبوع، الجزء 104 / 61. فلو حذفنا الكنى يكون نسب المستجيز هكذا: على بن محمد بن الحسن، بن زهرة وعلى هذا، تكون الواسطة بينة وبين زهرة اثنين ولا يخفى بعده لأنه يصبح المستجيز ترب ولد المؤلف الذي كان يعيش في أوائل القرن السابع، ومن البعيد أن يروي عن العلامة عام 723. وفي البحار الجزء 26 / 21 المطبوع عام 1315 " علاء الدين أبو الحسن، علي بن إبراهيم، بن محمد، بن أبي الحسن، بن أبي المحاسن زهرة فيكون نسبه بعد حذف الكنى هكذا: علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن زهرة، فتكون الواسطة بينهما ثلاثة، ولا يخلو عن بعد أيضا. أضف إليه ما فيه من الغلط فإن محمدا والد إبراهيم هو الحسن لا ابن الحسن.

[ 18 ]

صلوات الله وسلامه عليه -. نسب تضاءلت المناسب دونه * فضياؤه لصباحة في فجره أيده الله تبارك وتعالى بالعنايات الالهية، وأمده بالسعادات الربانية، وأفاض على المستفيدين من جزيل كماله كما أسبغ عليهم من فواضل نواله. يتضمن سبب إجازة صادرة من العبد له ولأقاربه السادات الأماجد، المؤيدين من الله تعالى في المصادر والموارد، وأجوبة عن مسائل دقيقة لطيفة، ومباحث عميقة شريفة، فامتثلت أمره رفع الله قدره، وبادرت إلى طاعته، وإن استلزمت سوء الادب، المغتفر في جنب الاحتراز عن مخالفته، وإلا فهو معدن الفضل والتحصيل، وذلك غنى عن حجة ودليل. وقد أجزت له أدام الله أيامه. ولولده المعظم والسيد المكرم، شرف الملة والدين أبي عبد الله الحسين. ولأخيه الكبير الأمجد والسيد المعظم الممجد بدر الدين أبي عبد الله محمد. ولولديه الكبيرين المعظمين أبي طالب أحمد أمين الدين، وأبي محمد عز الدين حسن عضدهما الله تعالى بدوام أيام مولانا. أن يروي هو وهم، عني جميع ما صنفته في العلوم العقلية والنقلية أو أنشأته أو قرأته أو أجيز لي روايته أو سمعته من كتب أصحابنا السابقين، رضوان الله عليهم أجمعين، وجميع ما أجازه لي المشايخ الذين عاصرتهم واستفدت من أنفاسهم... إلى آخرها. (1) والاجازة مفصلة جديرة بالمطالعة، تعرب عن تضلع العلامة في غالب الفنون و العلوم، واتصاله المستمر بالمشايخ واستجازته عن أساتذته العلوم والحديث والفقه و قد أرخها ب‍ 25 شعبان 723.

1 - المجلسي: البحار: 104 / 61 - 62. (ط بيروت).

[ 19 ]

وهذا الثناء العاطر الذي سمعناه عن العلامة على أبناء زهرة في القرن الثامن يوقفنا على أن ذلك البيت العلوي لم يزل باقيا على ذروة العلم وكان كشجرة طيبة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها إلى حد نرى إن العلامة الحلي، يتواضع للمستجيز، ويعد سؤاله، أمرا صادرا منه، فإذا كان هذا حال البيت في الأثمار والاضاءة في القرن الثامن فكيف حاله في عصر المؤلف وبعده ولذلك نشير إلى شخصيات متعاصرة للمؤلف كلهم من نتاج بيته الرفيع. أقطاب الطائفة في عصر المؤلف 1 - الشريف زهرة بن علي بن زهرة بن الحسن الحسيني وهو أخو الشريف أبي المكارم مؤلفنا الجليل. قال المقريزي في خططه: أنشد الشريف زهرة بن علي بن زهرة بن الحسن الحسيني وقد اجتاز بالمعشوق يريد الحج: قد رأيت المعشوق وهو من المهجر * بحال تنبو النواظر عنه أثر الدهر فيه آثار سوء * قد أدالت يد الحوادث منه و " المعشوق " كما في معجم البلدان: قصر عظيم بالجانب الغربي من دجلة قبالة سامراء في وسط البرية عمره المعتمد. (1) 2 - عبد الله بن علي بن زهرة أخوه الآخر ولد عام 531 وتوفي عام 580. وقد قرأ النهاية على أخيه أبي المكارم، وله من التأليف، التجريد لفقه الغنية عن الحجج والأدلة، ولعله لخص كتاب أخيه " الغنية " الذي يزفه الطبع إلى القراء، وله ترجمة في غير واحد من الكتب.
(2)

1 - المقريزي، الخطط: ج 3، ص 259، لاحظ أعيان الشيعة: ج 7، ص 70.
2 - الطهراني، طبقات أعلام الشيعة القرن السادس، ص 165

[ 20 ]

3 - السيد محي الدين أبو حامد محمد بن عبد الله بن علي بن زهرة وهو ابن أخي المؤلف، ويروي عنه يحيى بن سعيد مؤلف الجامع للشرائع المتوفى عام 690 ه‍ وعلي بن موسى بن طاوس المتوفى سنة 664 والمحقق الحلي المتوفي سنة 676 وقد قرأ مقنعة المفيد على عمه أبي المكارم سنة 584 وله من العمر أقل من العشرين فيكون من مواليد حوالى عام 565 ه‍ وله ترجمة في طبقات أعلام الشيعة. (1) 4 - أحمد بن محمد بن جعفر الشريف النقيب أبو طالب أمين الدين الحسيني، يروى عنه السيد محي الدين أبو حامد، محمد بن عبد الله بن زهرة في " الأربعين " وابن أخي السيد أبي المكارم كما مر، وقد صرح بأن الشريف خال والده عبد الله بن علي بن زهرة، والظاهر أنه من السادة العلماء النقباء بحلب من بني زهرة.
(2) هؤلاء بعض الشخصيات البارزة الذين تخرجوا من هذا البيت فهم بين متقدم على المؤلف أو معاصر له أو متأخر عنه، وهناك أجلاء فقهاء نبغوا من هذا البيت عبر العصور فالقيام بترجمتهم ولو بصورة المامة عابرة يحوجنا إلى تأليف مفرد. حياة المؤلف وأشواطه العلمية أظن إنه قد حان حين القيام بترجمة مؤلفنا الكبير أبي المكارم حمزة بن علي بن زهرة ترجمة تناسب التقديم. وننقل قبل كل شئ كلمات الاعلام في حقه وأول من ترجمه هو ابن شهر آشوب (488 - 588) قال: 1 - حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي، له كتاب قبس الانوار في نصرة العترة الأخيار، وغنية النزوع حسن.
(3)

1 - لاحظ الجزء المختص بالقرن السابع باسم الانوار الساطعة في المائة السابعة، ص 160.
2 - السيد الامين: أعيان الشيعة: 3 / 91.
3 - ابن شهر آشوب، معالم العلماء: ص 46، برقم 303.

[ 21 ]

2 - وقال العلامة الحلي: حمزة بن علي بن زهرة الحسيني بضم الزاي الحلبي، قال السيد السعيد صفي الدين معد رحمه الله: إن له كتاب قبس الانوار في نصرة العترة الأطهار وكتاب غنية النزوع. (1) 3 - قال الزبيدي: فمن ولد علي، الشريف أبو المكارم حمزة بن علي المعروف بالشريف الطاهر، قال ابن العديم في تاريخ حلب: كان فقيها أصوليا نظارا على مذهب الامامية، وقال ابن أسعد الجواني: الشريف الطاهر عز الدين أبو المكارم حمزة ولد في رمضان سنة 511 وتوفي بحلب سنة 585.
(2) 4 - وقال في أعلام النبلاء: الشريف حمزة بن زهرة الاسحاقي الحسني (كذا) أبو المكارم السيد الجليل، الكبير القدر، العظيم الشأن، العالم، الكامل، الفاضل، المصنف، المجتهد، عين أعيان السادات والنقباء بحلب، صاحب التصانيف الحسنة و الأقوال المشهورة، له عدة كتب، وقبره بسفح جبل جوشن، عند مشهد الحسين، له تربة معروفة مكتوب عليها اسمه ونسبه إلى الامام الصادق عليه السلام وتاريخ موته أيضا.
(3) 5 - وقال نظام الدين القرشي في كتاب نظام الأقوال: حمزة بن علي بن زهرة الحسيني، أبو المكارم المعروف بابن زهرة، عالم فاضل، متكلم من أصحابنا، له كتب: منها غنية النزوع في الأصول والفروع، وكتاب قبس الانوار في نصرة العترة الأطهار، ولد في شهر رمضان في سنة إحدى عشرة وخمس مائة، وتوفي سنة خمس وثمانين وخمس مائة، وروى عنه ابن أخيه محمد بن عبد الله بن علي بن زهرة ومحمد بن إدريس.
(4) 6 - وقال الشيخ الحر العاملي: هو فاضل عالم ثقة جليل القدر له مصنفات كثيرة، ثم ذكر تأليفه التي ستوافيك.
(5)

1 - العلامة الحلي، إيضاح الاشتباه: 168 - 169.
2 - الزبيدي، تاج العروس: ج 3، ص 249 (مادة زهرة).
3 - السيد الامين، أعيان الشيعة: ج 6، ص 249 نقله عن أعلام النبلاء.
4 - الافندي التبريزي، الرياض: ج 2، ص 206 نقله عن نظام الدين القرشي.
5 - الحر العاملي، أمل الآمل: 2 / 105 رقم 293.

[ 22 ]

7 - وقال القاضي نور الله ما هذا خلاصته: إن السيد أبا المكارم حمزة بن زهرة كان من مجتهدي علماء الامامية، وصاحب التصانيف الكثيرة وكان رئيسا كبيرا بحلب - ثم قال: - وكان من أفاضل المتأخرين، المناظرين ومن هذه السلسلة السيد علاء الدين أبو الحسن علي بن أبي إبراهيم محمد بن أبي علي الحسن بن أبي المحاسن زهرة بن أبي علي الحسن - ثم ساق نسب علاء الدين إلى الامام أمير المؤمنين عليه السلام. (1) 8 - وقال العلامة المجلسي: وكتاب " غنية النزوع في علم الأصول والفروع " للسيد العالم الكامل أبي المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني.
(2) وقال في الفصل الثاني من فهرس البحار: وكتاب الغنية مؤلفه غنى عن الاطراء وهو من الفقهاء الأجلاء، وكتبه معتبرة مشهورة لاسيما هذا الكتاب.
(3) 9 - وقال السيد الخوانساري: السيد أبو المكارم من كبار فقهائنا الاصفياء النبلاء، وكلما أطلق السيد ابن زهرة ينصرف الاطلاق إليه وله كتاب " غنية النزوع إلى علم الأصول والفروع " تعرض بتبيين مسائل الاصولين ثم الفقه في نحو من أربعة آلاف بيت، وهو غير " غنية " أخيه، والنزوع بضم النون بمعنى الاشتياق.
(4) 10 - وقال المحدث النوري: السيد عز الدين أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي الفقيه الجليل المعروف صاحب الغنية وغيرها المتولد في الشهر المبارك سنة إحدى عشر وخمس مائة، المتوفى سنة خمس وثمانين وخمس مائة، هو وأبوه وجده وأخوه وابن أخيه من أكابر فقهائنا، وبيتهم بيت جليل بحلب.
(5) 11 - وقال المحدث القمي: أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي العالم الفاضل الجليل الفقيه الوجيه صاحب المصنفات الكثيرة في الامامة والفقه و

1 - القاضي نور الله المرعشي، مجالس المؤمنين: 1 / 508. 2 و 3 - المجلسي: بحار الانوار: ج 1 / 21 و 40.
4 - السيد الخوانساري، روضات الجنات: ج 2، ص 374 - 375 رقم الترجمة 225.
5 - النوري، المستدرك، الخاتمة، 3 / الفائدة الثالثة، ص 475.

[ 23 ]

النحو وغير ذلك. ثم ذكر تأليفه. (1) 12 - وقال شيخنا المدرس في موسوعته: ابن زهرة حمزة بن علي بن أبي المحاسن زهرة، عالم فاضل جليل القدر من أكابر علماء الامامية ومتكلميهم وفقهائهم، ويروى بواسطة واحدة عن أبي علي ولد الشيخ الطوسي المتوفى سنة 515.
(2) إلى غير ذلك من الكلمات المماثلة التي تعرب عن مكانة المؤلف العليا، ولعل في ما ذكرناه من الكلمات غنى وكفاية. آثاره وتأليفه: إن أحسن ما يستدل به على مكانة الانسان وسعة باله وكثرة اطلاعه ورصانة تفكيره، هو الآثار التي يتركها الانسان بعد رحيله فإنها مرآة لما كان ينطوي عليه من المواهب والطاقات وقد ترك مؤلفنا الجليل آثارا قيمة، خالدة على جبين الدهر مشرقة عبر القرون والأجيال لا تندرس بمر الحقب والأيام، وها هو أثره القيم الذي يزفه الطبع إلى القراء لم يزل مصدرا للعلم ومرجعا للفقهاء منذ تأليفه إلى يومنا هذا وقد كانت محور الدراسة في عصره وبعد رحيله حتى إن المحقق الطوسي قرأه على معين الدين المازني المصري، وكتب أستاذه إجازة له في خاتمة الكتاب وسيوافيك نصها. وها نذكر صورة موجزة من تصانيفه:
1 - الاعتراض على الكلام الوارد من حمص (3).
2 - الجواب عما ذكره مطران.
(4) نصيبين.

1 - القمي، الكنى والألقاب، ج 1، ص 294.
2 - المدرس التبريزي، ريحانة الادب، ج 7، ص 550.
3 - حمص بالكسر ثم السكون بلد مشهور قديم وهي بين دمشق وحلب، بناه رجل يقال له حمص بن المهر، معجم البلدان، ج 2، ص 302. وفي الذريعة 5 / 185 جواب الكتاب الوارد من حمص.
4 - مطران: بفتح الميم وسكون الطاء رئيس الكهنة، وهو فوق الاسقف ودون البطريرك والكلمة أصلها يونانية. المنجد مادة " مطر ". وفي الذريعة 5 / 193 جواب المسألة الواردة من نصيبين.

[ 24 ]

3 - الجواب عن الكلام الوارد من ناحية الجبل.
4 - جواب الكتاب الوارد من حمص، رواها عنه ابن أخيه السيد محيي الدين محمد وغيره ويحتمل اتحاده مع الأول.
5 - جواب المسائل الواردة من بغداد. (1) 6 - قبس الانوار في نصرة العترة الأخيار. وقد رد عليه بعض المخالفين من معاصري العلامة الحلي أسماه " المقتبس " ثم رد عليه الشيخ علي بن هلال بن فضل (ت‍ 874) وأسماه الانوار الجالبة لظلام الغلس من تلبيس صاحب المقتبس (الذريعة 17 / 31).
7 - مسائل في الرد على المنجمين تبلغ 21 مسألة، وللشريف المرتضى أيضا كتاب بهذا الاسم (الذريعة (2 / 387).
8 - مسألة في أن النظر الكامل على انفراده كاف في تحصيل المعارف العقلية.
9 - مسألة في نفي الرؤية واعتقاد الامامية ومخالفيهم ممن ينسب إلى السنة و الجماعة. وعبر عنها في الروضات (2 / 375) ب‍ " الشافية "، تلك المسألة التي تفترق فيها العدلية عن الأشاعرة فالطائفة الأولى ينزهون الرب عنها في الدنيا والآخرة والأشاعرة ينفونها في الدنيا ويثبتونها في الآخرة.
10 - مسألة في كونه تعالى جبارا حيا.
11 - المسألة الشافية في رد من زعم أن النظر على انفراده غير كاف في تحصيل المعرفة به تعالى.
(2) 12 - مسألة في أن نية الوضوء عند المضمضة والاستنشاق.
13 - مسألة في تحريم الفقاع.

1 - وفي الذريعة (5 / 216 جواب المسائل البغدادية).
2 - قد كتب غير واحد من علمائنا رسالة في هذا الموضوع لاحظ الذريعة ج 5 / 192 برقم 882.

[ 25 ]

14 - مسألة في الرد على من ذهب إلى أن الحسن والقبح لا يعلمان إلا سمعا. وهذه المسألة تعبر عنها، بأن الحسن والقبح عقليان - كما عليه العدلية - أو شرعيان كما عليه الأشاعرة.
15 - مسألة في الرد على من قال في الدين بالقياس.
16 - مسألة في إباحة نكاح المتعة.
17 - نقض شبه الفلاسفة.
18 - النكت في النحو.
19 - غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع. (1) وذكر في الذريعة ما يلي: 20 - جوابات مسائل البلدان للسيد أبي المكارم عز الدين حمزة بن زهرة (الذريعة 5 / 216). 21 مسائل البلدان أوعز إليه في ج 5 / 216 قائلا بأنه يأتي في الميم. ولم يذكرها في محلها ويحتمل اتحادهما. والظاهر أن الزمان قد لعب بتصانيفه، إذ لم نجد في المعاجم شيئا يدل على وجود نسخة من كتبه في المكتبات والمتاحف، غير كتاب " الغنية " الذي نحن بصدد التقديم له، فما ظنك بكتب عالم أو طائفة أغير عليها بخيل وركاب، وقتلوا في عقر دارهم، أو أجبروا على ترك ديارهم، والنزول في الجبال والقرى البعيدة. مشايخه وأساتذته إن وليد بيت العلم والفضل كابن زهرة - يتخذ - بطبع الحال - مشايخ بيته،

1 - الحر العاملي: أمل الآمل: 2 / 105 رقم 293، ذكر فهرس تصانيفه برمته، بالنحو الذي ذكرنا، و ذكرنا موارد اختلافه مع الذريعة في الهامش المتن. والعجب إن بعض ما ذكر في أمل الآمل، لم نعثر عليه في الذريعة ولعله ذكره بعنوان آخر.

[ 26 ]

سنادا وعمادا لرقيه. وأساتذة لعلومه ولذلك قرء سيدنا المترجم على لفيف منهم و إليك أسماء من وقفنا عليهم من أساتذته. 1 - والده: علي بن زهرة الحلبي. (1) 2 - جده: السيد أبو المحاسن زهرة الحلبي.
(2) 3 - أبو منصور محمد بن الحسن بن منصور النقاش الموصلي تلميذ أبي علي ولد شيخ الطائفة.
(3) 4 - أبو عبد الله الحسين بن طاهر بن الحسين، وهو يروي عن الشيخ أبي الفتوح.
(4) تلامذته ومن يروي عنه يروي عنه لفيف من الاكابر. 1 - الشيخ معين الدين المصري.
(5) 2 - الشيخ شاذان بن جبرئيل القمي الذي كان حيا سنه 584.
(6) 3 - الشيخ محمد بن جعفر المشهدي صاحب " المزار " المشهور.
(7) 4 - ابن أخيه السيد محيي الدين محمد.
(8) 5 - محمد بن إدريس الحلي مؤلف السرائر (ت 598) ولو صح فهو من مشايخ روايته لا أنه تتلمذ عليه كما يظهر من تعبيره عنه في السرائر (9).

1 و 2 - السيد الخوانساري: الروضات: 2 / 374.
3 - السيد الامين: أعيان الشيعة: 6 / 250 وهو يصر بأن كنيته " أبو الحسن ".
4 - الافندي التبريزي، الرياض: 2 / 205 وفي المصدر المعري مكان المصري والصحيح ما أثبتناه. 5 و 6 - السيد الخوانساري: الروضات: 2 / 375 وأمل الآمل: 2 / 106.
7 - الحر العاملي: أمل الآمل: 2 / 106 ولاحظ ريحانة الادب: 7 / 551. 8 - طبقات أعلام الشيعة، قسم القرن السابع: 160.
9 - ذكره في أمل الآمل والروضات وغيرهما لاحظ السرائر: 2، ص 443.

[ 27 ]

وقال السيد حسين البروجردي في نجبة المقال: وابن علي بن زهرة الأجل * ذو غنية عنه ابن إدريس نقل ولعله في غضون الكتب والمعاجم يوجد اسم أو أسماء من يروي عن المؤلف أو يروي عنه ولم نقف عليه ويقف عليه من سبرها. غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع هذا هو الكتاب الذي نقدم له، ويزفه الطبع إلى عشاق الاصولين والفروع والكتاب مشتمل على العلوم الثلاثة: أ. الفقه الأكبر: وهذا القسم مشتمل على مهمات المسائل الكلامية من التوحيد إلى المعاد. ب. أصول الفقه: وهو حاو لبيان القواعد الأصولية التي يستنبط منها الأحكام الشرعية، ألفه على غرار أصول القدماء، ومن فصوله النافعة، بحثه عن القياس، و آثاره السلبية في الفقه. وقد خلت كتب المتأخرين من أصحابنا من طرح هذه المسألة و دراسة أدلة المثبتين والنافين، وما هذا إلا لأن عدم حجيته هو الأصل المسلم في فقه أهل البيت. ج. الفروع والأحكام الشرعية: وهو دورة فقهية كاملة، استدلالية، يستدل بالكتاب والسنة النبوية وأحاديث العترة الطاهرة والاجماع، وهذا القسم من محاسن الكتب وجلائلها وإليك مواصفاته: 1 - يستمد من الكتاب العزيز في مسائل كثيرة على وجه ليس له مثيل فيما بأيدينا من كتب القدماء فقد استدل، بقرابة مائتين وخمسين آية، في موارد مختلفة فهو بحق جدير بالتقدير.
2 - يعتمد على أحاديث نبوية وافرة إما استدلالا على المطلوب، أو احتجاجا على المخالف وهو الغالب على أسلوب الكتاب فهي عنده أشبه بأصول موضوعية تلقاها

[ 28 ]

المخالف بالقبول ولأجل هذا الامتياز صار الكتاب فقها مقارنا، سد به الفراغ الموجود في المكتبة الفقهية في عصره. 3 - يعتمد على الاجماع في مسائل كثيرة تبلغ قرابة ستمائة وخمسين مسألة ومراده من الاجماع ليس الاجماع المصطلح، وهو اتفاق الأمة أو الامامية على الحكم بشرائطه الخاصة، بل المصطلح الخاص له في هذا الكتاب وقبله للشيخ الطوسي في كتاب الخلاف، وقد صرح بهذا الاصطلاح في القسم الثاني من الكتاب في مبحث الاجماع و حاصله " إن المراد منه في مقام الاحتجاج هو قول المعصوم. لأن ملاك حجية الاجماع عند الامامية هو اشتماله على قوله، وليس الاجماع إلا طريقا إلى كشفه، فإذا اكتشفناه عن غير ذاك الطريق، يطلق عليه الاجماع، توسعا ومجازا ". ولا شك أنه استعمال على خلاف الاصطلاح الدارج، لكنه التجأ إليه لأجل المجاراة مع المخالف في مقام الاحتجاج على المدعى، وسيوافيك تعبيره في مبحث الاجماع في القسم الثاني من الكتاب. وبذلك يعلم، أن ما يساق إليه من الاعتراض من عصر صاحب الجواهر و الشيخ الأنصاري إلى يومنا، من أنه كيف يدعي الاجماع في مسائل غير معنونة، أو مختلفة فهو، ناشئ عن عدم الرجوع إلى مصطلحه في الكتاب. وقد كان سيد مشايخنا المحقق البروجردي - قدس سره - يبرر بذلك الاجماعات الواردة في كتاب الخلاف لشيخ الطائفة، في درسه الشريف الذي كنا نحضره عام 1369 عند البحث عن حجية الاجماع المنقول بخبر الواحد.
4 - إن المؤلف يسير على ضوء كتاب الانتصار والناصريات للسيد المرتضى، و كتاب الخلاف والمبسوط للشيخ الطوسي، وقد استفاد المحقق بالرجوع إليها في تحقيق نص الكتاب وتصحيحه.
5 - إن المؤلف كان فقيها متضلعا عارفا بفقه أهل السنة كعرفانه بفقه الامامية، و لم يكن اطلاعه على الأول أقل من الثاني وبذلك أضفى على كتابه صبغة السعة والشمول.

[ 29 ]

عمل المحقق وتقييم جهوده قد بذل المحقق جهوده في سبيل الأمور التالية: 1 - تقويم النص وتصحيحه وذلك بالدقة والمقابلة مع النسخ الثلاث و المراجعة إلى الكتب التي رجع إليها المؤلف فصارت النسخة محققة مصححة خالية عن التحريف والسقط. 2 - إيضاح المفردات اللغوية المشكلة في المتن والأحاديث بالرجوع إلى معاجم اللغة.
3 - استخراج مصادر الأحاديث خصوصا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله في صحاح القوم ومسانيدهم. وربما نقل المؤلف حديثا لم يعثر عليه في الصحاح والمسانيد بعد الفحص الأكيد حتى بعد الاستعانة بالجهاز الجديد (الكومبيوتر) فبذل سعيه بالفحص في سائر الكتب حتى وقف عليه.
4 - تنظيم فهارس مختلفة تسهل للقارئ العثور على ضالته، فقد وضع فهارس للآيات والأحاديث والأعلام والكتب والأماكن والجماعات والقبائل والفرق والمذاهب.
5 - ترجمة الاعلام الواردة أسمائهم في الكتاب. وأما كيفية التصحيح فقد اعتمد على نسخ ثلاث: ألف. نسخة مكتبة مجلس الشورى الاسلامي وقد نسخت عام 614 ه‍ قريبا من عصر المؤلف حيث إنه توفي عام 585 ه‍ - والكتاب يقع في 16 سنتيمتر طولا و 11 سنتيمتر عرضا المسجل برقم 86321 ضمن مجموعة كبيرة، وقد اتخذه أصلا في العمل وفي آخر النسخة إجازة للشيخ العلامة سالم بن بدران بن علي المازني (1) المصري

1 - مازن قوم من بني بكر بن وائل، وهناك مازن آخر قوم من بني غيم وأظن أن المصري مصحف " البصري " وإن أطبقت المعاجم والكتب الفقهية عند نقل آراءه في الفرائض على الأول، بشهادة كونه مازنيا.

[ 30 ]

كتبه بخطه للمحقق نصير الدين طوسي حيث قرأ قسم الفقه وأصوله من الكتاب على المجيز، وإليك نص الاجازة: بسم الله الرحمن الرحيم قرأ علي - جميع الجزء الثالث من كتاب غنية النزوع إلى علم الأصول والفروع، من أوله إلى آخره قراءة تفهم وتبين وتأمل مستبحث عن غوامضه، عالم بفنون جوامعه، و أكثر الجزء الثاني من هذا الكتاب وهو الكلام في أصول الفقه - الامام الأجل، العالم، الافضل، الاكمل البارع، المتقن المحقق نصير الملة والدين وجيه الاسلام والمسلمين، سند الأئمة والأفاضل، مفخر العلماء والأكابر حسيب وأفضل خراسان محمد بن محمد الحسن الطوسي زاد الله في علائه وأحسن الدفاع عن حوبائه. (1) واذنت له في رواية جميعه عني عن السيد الأجل، العالم الأوحد، الطاهر الزاهد، البارع، عز الدين أبي المكارم، حمزة بن علي بن زهرة الحسيني - قدس الله روحه ونور ضريحه - وجميع تصانيفه وجميع تصانيفي ومسموعاتي وقرآتي وإجازاتي عن مشايخي ما أذكر أسانيده، وما لم أذكر إذا ثبت ذلك عنده، وما لعلي أن أصنفه، وهذا خط أضعف خلق الله وأفقرهم إلى عفوه، سالم بن بدران بن علي المازني المصري.
(2) كتبه ثامن عشرة جمادي الآخرة سنة تسع عشر (3) وستمائة حامدا لله ومصليا

1 - النفس والقلب، قال أمير المؤمنين علي عليه السلام يخاطب الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم. وأفديك حوبائي وما قدر مهجتي * لمن أنتمي عنه إلى الفرع والأصل. مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب: 2 / 187، ط دار الأضواء.
2 - وهو الشيخ الجليل المعروف ب‍ " معين الدين المصري " صاحب التحرير وغيره وينقل فتاواه في الكتب الفقهية خصوصا في مبحث الفرائض وله رسالة فيها، اقرء ترجمته في الرياض: 2 / 408 - 411 وأعيان الشيعة: 7 / 172 - 173.
3 - والخط قابل لأن يقرء " عشرين " أيضا ولعله الأنسب مع توصيف المستجيز بالامام الأجل لأن المحقق الطوسي وليد عام 597 فيكون عمره على الأول اثنين وعشرين وعلى الثاني ثلاثة و ثلاثين وقد ذكر تاريخ الاجازة في أعيان الشيعة عام: 629 فلاحظ.

[ 31 ]

على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.
2 - النسخة المطبوعة في ضمن الجوامع الفقهية عام 1276 ورمز إليه - ب‍ ج.
3 - النسخة المطبوعة ضمن " سلسلة الينابيع الفقهية " الموزعة على أجزائها الكثيرة ورمز إليه ب‍ س. والنسختان من حيث الاتقان والصحة، دون النسخة الأولى بكثير خصوصا ما طبع في ضمن الجوامع الفقهية إذ فيها سقطات كثيرة. وبما أن المؤلف سار في كتابه هذا على ضوء كتاب الانتصار والناصريات للسيد المرتضى، والخلاف والمبسوط للشيخ الطوسي، فقد راجع المحقق إليها، في حل معضلات الكتاب فيصح أن يعتبر الجميع نسخة رابعة. فهاك نسخة مصححة محققة خالية عن التحريف والغلط والسقط، مزدانة بالتعاليق والفهارس المذكورة وقد قدم تصحيح قسم الفقه ونشره على تصحيح الاصولين ونشرهما، لكثرة الحاجة إليه وهو بعد جاد في طريق العمل غير متوان و سوف ينشر قسم الاصولين بإذنه سبحانه تبارك وتعالى. وها نحن نتقدم بالشكر والثناء العاطر إلى المحقق العلامة الشيخ إبراهيم البهادري المراغي - دامت إفاضاته - حيث أسدى إلى المكتبة الفقهية خدمة كبيرة و نرجو منه سبحانه أن يوفقه لاخراج ما لعلمائنا من التراث الثمين. ويؤكد المحقق بأن جميع الحقوق مختصة به، لا يطبع الكتاب ولا يصور إلا بإذنه. قم - مؤسسة الامام الصادق عليه السلام حرر في 11 ذي القعدة الحرام، سنة 1416 يوم ميلاد الامام الطاهر علي بن موسى الرضا عليه السلام جعفر السبحاني

[ 33 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الطهارة الكلام في التكليف السمعي أعلم أن الأركان من عبادات الشرع خمسة: الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد. الصلاة الشرعية يحتاج فيها إلى العلم بخمسة أشياء: أقسامها وشروطها وكيفية فعلها وما يقطعها وما يتعلق بذلك من الأحكام. ونحن نقدم الكلام في الشروط، ونتبعه بالكلام في باقي الفصول إن شاء الله تعالى فنقول: شرائط الصلاة على ضربين: أحدهما يشترك فيه الوجوب وصحة الأداء، والثاني يختص صحة الأداء. فالأول على ضربين: ضرب يشترك فيه الرجال والنساء، وهو ثلاثة أشياء: البلوغ وكمال العقل ودخول الوقت، وضرب يختص النساء وهو: انقطاع دم الحيض والنفاس.

[ 34 ]

وما يختص صحة الأداء ثمانية أشياء: الاسلام والطهارة وستر العورة مع الامكان وأن يكون مكان الصلاة وموضع السجود - الجبهة (1) - على صفة مخصوصة، والنية واستقبال القبلة والقيام مع الامكان، وينضاف إلى ذلك شروط أخر تختص الجمعة والعيدين، نذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى. الفصل الأول (2) أما الطهارة فيحتاج فيها إلى العلم بخمسة أشياء: أقسامها وما يوجبها وما به يفعل، وكيفية فعلها وما يتعلق بذلك من الأحكام. والطهارة على ضربين: طهارة عن حدث وطهارة عن نجس. فالطهارة عن الحدث على ضربين: وضوء وغسل، وقد أقام الشارع مقامهما في استباحة ما يستباح بهما - بشرط عدم التمكن منهما - التيمم وإن لم يرفع الحدث. والأحداث التي توجب كل واحد منها (3) - إذا انفرد من حدث الغسل - الوضوء أو ما يقوم مقامه من التيمم على من ثبت كونه مكلفا بفعل الصلاة أو ما جرى مجراها مما لا يستباح إلا بالطهارة، خمسة أشياء: البول والغائط والريح ودم الاستحاضة المخصوصة وما يتفقد (4) معه التحصيل من نوم أو مرض. والأحداث التي توجب كل واحد منها، الغسل أو ما يقوم مقامه من التيمم، أيضا خمسة أشياء: الجنابة ودم الحيض ودم الاستحاضة المخصوصة ودم النفاس ومس بشرة الميت من الناس بعد برده بالموت وقبل تطهيره بالغسل.

1 - في " ج ": بالجبهة.
2 - تعريف الفصول وترقيمها فيما إذا تجاوزت فصلا واحدا منا.
3 - في " س " منهما.
4 - كذا في النسخ التي بأيدينا والأصح " يفقد ".

[ 35 ]

ولا يوجب هذه الطهارة شئ سوى ما ذكرناه، سواء كان خارجا من أحد السبيلين، كالمذي والوذي (1) والحصاة والدود الخاليين من نجاسة، أو مما عداهما من البدن، كالقئ ودم الفصد والرعاف، أو لم يكن خارجا من البدن، كلمس المرأة، أو الفرج، أو القهقهة في الصلاة، أو الأكل من لحم الجزور، أو ما مسته النار، بدليل إجماع الامامية، وفيه الحجة على ما بيناه في ما مضى من الأصول في هذا الكتاب، ولأن الأصل براءة الذمة، وشغلها بما يوجب الطهارة بغير ما ذكرناه يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل على ذلك، لأن اعتماد المخالف على أخبار آحاد أو قياس، ولم يرد التعبد بالعمل بهما في الشريعة على ما بيناه فيما مضى من أصول الفقه في هذا الكتاب. ويجب على المكلف أن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها في حال بول ولا غائط مع الامكان، ولا فرق في ذلك بين الصحاري والبنيان، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط، ونحتج على المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله: " إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ببول ولا غائط " (2)، ولم يفصل. ويستحب أن لا يستقبل الشمس ولا القمر، ولا يحدث في الماء الجاري ولا الكثير الراكد، فأما القليل ومياه الآبار فلا يجوز أن يحدث فيها. ويستحب أن يتقي بالبول الأرض الصلبة وجحرة الحيوان واستقبال الريح.

1 - قال الطريحي في مجمع البحرين: المذي: هو الماء الرقيق الخارج عند الملاعبة والتقبيل والنظر بلا دفق وفتور، وفيه لغات: سكون الذال وكسرها مع التثقيل، والكسر مع التخفيف، وأشهر لغاته: فتح فسكون ثم كسر ذال وشدة ياء. والوذي: بالذال المعجمة الساكنة والياء المخففة: ماء يخرج عقيب إنزال المني.
2 - سنن البيهقي: 1 / 91، باب النهي عن استقبال القبلة... والتاج الجامع للأصول: 1 / 92 باختلاف يسير.

[ 36 ]

ويستحب أن لا يحدث في كل موضع يتأذى بحصول النجاسة فيه، كشطوط الانهار، ومساقط الثمار، وأفنية الدور، وجواد (1) الطرق. ويستحب تقديم الرجل اليسرى عند دخول الموضع الذي يتخلى فيه، واليمنى عند الخروج، والدعاء عندهما وعند الاستنجاء وعند الفراغ منه. كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. ويجب الاستنجاء من الاحداث المقدم ذكرها إلا الريح ومس الميت وما يفقد معه التحصيل، أما البول فيجب الاستبراء منه أولا بنتر (2) القضيب والمسح من مخرج النجو إلى رأسه ثلاث مرات، ليخرج ما لعله باق في المجرى منه، ولا يجزئ في إزالته إلا الماء وحده مع وجوده، وكذلك باقي هذه الاحداث، أعني التي يجب منها الاستنجاء إلا الغائط، فإنه يجزئ فيه الاحجار مع وجود الماء، أو ما يقوم مقامها من الجامد الطاهر المزيل للعين، سوى المطعوم والعظم والروث. ومن السنة أن تكون ثلاثة إلا أن الماء أفضل، والجمع بينهما أفضل من الاقتصار على الماء وحده، هذا ما لم يتعد النجو مخرجه، فإن تعداه لم يجز في إزالته إلا الماء. ويدل على جميع ذلك الاجماع المشار إليه، وطريقة الاحتياط، فإن من استنجى على الوجه الذي ذكرناه، وصلى برئت ذمته بيقين، وليس كذلك إذا لم يستنج، أو استنجى بخلاف ما ذكرناه. وأما النوم فبمجرده (3) حدث، من غير اعتبار بأحوال النائم بدليل الاجماع المشار إليه، وقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة...) * الآية (4)، والمراد: إذا قمتم من النوم، على ما قاله المفسرون، لأنها خرجت على سبب

1 - الجادة: وسط الطريق، والجمع: جواد، كدابة ودواب.
2 - النتر: جذب الشئ بجفوة، ومنه نتر الذكر في الاستبراء.
3 - في " ج ": فإنه بمجرده.
4 - المائدة: 6.

[ 37 ]

يقتضي ذلك، وهذا يوجب الوضوء من النوم بالاطلاق، ونحتج على المخالف بما روى من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: العينان وكاء السه فمن نام فليتوضأ (1)، ولم يفصل. وأما الجنابة فتكون بشيئين: أحدهما خروج المني في النوم واليقظة بشهوة وغير شهوة وعلى كل حال، والثاني بالجماع في الفرج، وحده أن تغيب الحشفة فيه، وإن لم يكن هناك إنزال، بدليل الاجماع الماضي ذكره، وطريقة الاحتياط. ويحرم على الجنب دخول المساجد إلا عابر سبيل، ووضع شئ فيها، سوى المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله، فإنه لا يجوز له دخولهما على حال، وإن احتلم في أحدهما تيمم من موضعه وخرج، ويحرم عليه قراءة العزائم الأربع: سجدة لقمان، وحم، والنجم، واقرأ باسم ربك، وما عداها داخل تحت قوله تعالى: * (فاقرؤا ما تيسر من القرآن) * (2) ويحرم عليه مس كتابة المصحف، أو اسم من أسماء الله تعالى، أو أسماء الأنبياء والائمة عليهم السلام. ويكره له الأكل والشرب إلا بعد المضمضة والاستنشاق والنوم إلا بعد الوضوء والخضاب، كل ذلك بدليل الاجماع

1 - جامع الأصول: 8 / 119، سنن البيهقي: 1 / 118، كنز العمال: 9 / 342، التاج الجامع للأصول: 1 / 97، المحلى: 1 / 217. في لسان العرب: العين وكاء السه بحذف عين الفعل ويروى: وكاء الست بحذف لام الفعل. وقال الطريحي في مجمع البحرين: في حديث علي عليه السلام: العين وكاء السه، قال الشارح: وهذه من الاستعارات العجيبة كأنه يشبه السه بالوعاء والعين بالوكاء فإذا أطلق الوكاء لم ينضبط الوعاء. وروي: العين وكاء الست بالتاء على حذف لام الفعل، والسته: الاست، وقد يراد به حلقة الدبر وأصله " سته " على فعل بالتحريك. والوكاء - بالكسر والمد -: خيط يشد به السرة والكيس والقربة ونحوها. أقول: ومراده من الشارح السيد الرضي لاحظ نهج البلاغة - باب المختار من حكم أمير المؤمنين برقم 466 وقد تكلم السيد الرضي حول الحديث في كتابه " المجازات النبوية " ص 273 برقم 213.
2 - المزمل: 20.

[ 38 ]

المشار إليه. وأما دم الحيض فهو الحادث في الزمان المعهود له أو المشروع في زمان الالتباس على أي صفة كان، وكذا دم الاستحاضة ; إلا أن الغالب على دم الحيض الغلظ والحرارة والتدفق والحمرة المائلة إلى الاسوداد، وعلى دم الاستحاضة الرقة والبرودة والاصفرار. وأقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة، بدليل الاجماع المشار إليه، ولأنه لا خلاف في أن من الثلاثة إلى العشرة من الحيض، وليس في الشرع ما يدل على أن ما نقص من الثلاثة وزاد على العشرة منه. وأقل الطهر بين الحيضتين عشرة أيام لمثل ما قلناه في المسألة الأولى، ولا حد لأكثره بلا خلاف. وإذا ثبت أن أقل الطهر وأكثر الحيض ما ذكرناه، كان ذلك أصلا تعمل عليه المبتدئة من النساء ومن اختلفت عادتها منهن ; فإذا رأت المبتدئة الدم وانقطع لاقل من ثلاثة أيام فليس بحيض، وإن استمر ثلاثة كان حيضا، وكذا إلى تمام العشرة، فإن رأت بعد ذلك دما كان استحاضة إلى تمام العشرة الثاني (1) لأن ذلك هو أقل أيام الطهر. فإن رأت في اليوم الحادي والعشرين دما، واستمر بها ثلاثة أيام، فهو حيض لمضي أقل أيام الطهر، وكذا لو انقطع الدم أول ما رأته بعد ثلاثة أيام، ثم رأته اليوم الحادي عشر من وقت ما رأت الدم الأول، فإنه دم الاستحاضة، لأنها رأته في أيام الطهر، وكذا إلى تمام الثالث عشر. فإن رأت في اليوم الرابع عشر دما، كان من الحيضة المستقبلة، لأنها قد استوفت أقل أيام الطهر وهي عشرة، وعلى هذا تعتبر بين الحيضتين أقل أيام الطهر، وتحكم بأن الدم الذي تراه فيها دم استحاضة، إلى أن تستقر لها عادة تعمل

1 - في الأصل و " ج ": العشرة الباقي.

[ 39 ]

عليها وترجع إليها، وطريقة الاحتياط تقتضي ما ذكرناه، والعمل عليه عمل على أصل معلوم. ويحرم على الحائض كل ما يحرم على الجنب، ولا يجب عليها الصلاة ويجب عليها الصوم تقضيه إذا طهرت، ويجب أن تمنع زوجها وطأها ويحرم عليه ذلك، ويجب عليه متى وطأها في الثلث الأول من زمان الحيض أن يكفر بدينار - قيمته عشرة دراهم جياد - وفي الثلث الأوسط بنصف دينار، وفي الأخير بربع دينار، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. ونحتج على المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من أتى أهله وهي حائض فليتصدق (1)، فإن انقطع الدم عنها جاز لزوجها وطؤها إذا غسلت فرجها، سواء كان ذلك في أقل الحيض أو أكثره وإن لم تغتسل، بدليل الاجماع المشار إليه وقوله تعالى: * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * (2) فجعل سبحانه انقطاع الدم غاية لزمان حظر الوطئ، فيجب جوازه بعدها على كل حال إلا ما أخرجه الدليل من حظر ذلك قبل غسل الفرج. وقوله تعالى: * (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) * (3) محمول على غسل الفرج، ويحتمل أن يكون كلاما مستأنفا، وليس بشرط ولا غاية لزمان الحظر، ويحتمل أن يكون بمعنى " طهرن " لأن " تفعل " يجئ بمعنى " فعل " يقال: تطعمت الطعام وطعمته. والمستحاضة يلزمها إذا لوث الدم أحد جانبي الكرسف ولم يثقبه أن تغيره تتوضأ لكل صلاة، فإنه ثقبه ولم يسل فعليها مع تغييره أن تغتسل لصلاة الفجر

1 - جامع الأصول: 8 / 215. ولفظ الحديث: إذا وقع الرجل بأهله وهي حائض فليتصدق...
2 - البقرة: 222.
3 - البقرة: 222.

[ 40 ]

وتتوضأ لباقي الصلوات، وإن ثقبه وسال فعليها ثلاثة أغسال: غسل للفجر وغسل للظهر والعصر وغسل للمغرب والعشاء الآخرة. ولا يحرم على المستحاضة [ ولا منها ] (1) شئ مما يحرم على الحائض [ ومنها ] (2) بل حكمها حكم الطاهر إذا فعلت ما ذكرناه ; بدليل الاجماع المشار إليه. وأما دم النفاس فهو الحادث عقيب الولادة، وأكثره عشرة أيام، وكل دم تراه بعدها فهو استحاضة. وهي والحائض سواء في جميع الأحكام إلا في حكم واحد، وهو أن النفاس ليس لأقله حد، وذلك بدليل الاجماع السالف. وأما مس الميت فقد قلنا إنه إنما يكون حدثا يوجب الغسل إذا كان بعد برده بالموت وقبل تطهيره بالغسل، والدليل على ذلك أنه لا خلاف بين أصحابنا في ورود الأمر بالغسل من مسه، وظاهره في الشرع يقتضي الوجوب، ونحتج على المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من غسل ميتا فليغتسل ".
(3) الفصل الثاني وأما الطهارة عن النجس التي هي شرط في صحة أداء الصلاة، فعبارة عن إزالة النجاسة عن البدن والثياب بما نبين أنها تزول في الشرع به. والنجاسات هي: بول وخرء ما لا يؤكل لحمه بلا خلاف، وما يؤكل لحمه إذا كان جلالا، بدليل الاجماع، فأما إذا لم يكن جلالا فلا بأس ببوله وروثه، بدليل الاجماع، ونحتج على المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما أكل لحمه فلا بأس

1 و 2 - ما بين المعقوفات موجود في النسخ التي بأيدينا والظاهر أنه زائد.
3 - سنن ابن ماجة: 1 / 470 وسنن أبي داود: 3 / 201، ومسند أحمد: 2 / 280.

[ 41 ]

ببوله " (1) وفي رواية أخرى: فلا بأس ببوله وسلحه.
(2) والخمر نجسة بلا خلاف ممن يعتد به (3)، وقوله تعالى: * (إنما الخمر و الميسر والأنصاب والأزلام رجس) * (4) يدل على نجاستها، وكل شراب مسكر نجس. والفقاع نجس بالاجماع المشار إليه. ودم الحيض والاستحاضة والنفاس نجس بلا خلاف. وكذا الدم المسفوح من غير هذه الدماء إلا أنه يجوز الصلاة في ثوب أصابه من دم القروح أو الجروح ما نقص مقداره عن سعة الدرهم الوافي المضروب من درهم وثلث مع الاختيار ورفع الحرج، وإن كان التنزه عن ذلك أفضل، فأما إن كان عليه في إزالة الدم حرج، لكون الجروح أو القروح لازمة له، فإن إزالته لا تجب عليه، قليلا كان أو كثيرا، وهذا بخلاف دم الحيض والاستحاضة والنفاس، فإن الصلاة لا تجوز في ثوب أصابه شئ منه، قليلا كان أو كثيرا، كل ذلك بدليل الاجماع. فأما دم البراغيث والبق والسمك فطاهر، بدليل هذا الاجماع، ولأن النجاسة حكم شرعي، وليس في الشرع ما يدل على ثبوتها في هذه الدماء، و يخص دم السمك قوله تعالى: * (أحل لكم صيد البحر وطعامه) * (5)، لانه يقتضي إباحة أكل السمك بجميع أجزائه، وقوله تعالى: * (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا) * (6) ودم السمك

1 - سنن البيهقي: 2 / 413.
2 - سلح الطائر سلحا - من باب نفع - وهو منه كالتغوط من الانسان. المصباح المنير وفي " ج ": ببوله وروثه وسلحه.
3 - في " س ": بلا خلاف إلا من لا يعتد به. 4 - المائدة: 90.
5 - المائدة: 96.
6 - الانعام: 145.

[ 42 ]

ليس بمسفوح، فيجب أن لا يكون محرما، وذلك يقتضي طهارته. والمني نجس لا يجزي فيه إلا الغسل، رطبا كان أو يابسا، بدليل الاجماع المذكور، وقوله تعالى: * (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان) * (1). لأن المروي في التفسير أن المراد بذلك أثر الاحتلام، وإذا كان كذلك وكان معنى الرجز والرجس والنجس واحدا بدلالة قوله تعالى: * (والرجز فاهجر) * (2) وقوله: * (فاجتنبوا الرجس من الاوثان) * (3) دلت الآية على نجاسته، وأيضا فظاهر قوله تعالى: * (ليطهركم به) *، يدل على تقدم النجاسة في الشرع بإطلاقه، ونحتج على المخالف بما روي عنهم (4) من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إنما يغسل الثوب من البول والدم والمني ".
(5) وميتة ذوات الانفس السائلة نجسة بلا خلاف إلا في الآدمي، ويدل على نجاسته بعد الموت، إجماع الطائفة، فأما مالا نفس له سائلة، كالذباب والجراد، فلا ينجس الماء بموته فيه، بدليل هذا الاجماع، ونحتج على المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه " (6)، وذلك عام في الحي والميت، ولأن المقل يوجب الموت، لا سيما إذا كان ما في الاناء حارا، ولو كان ينجس بموته لما أمر بمقله على الاطلاق. وشعر الميتة وصوفها وعظمها طاهر، بدليل هذا الاجماع، ويخص الشعر والصوف قوله تعالى: * (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين) * (7) لأنه سبحانه امتن علينا بما جعله لنا من النفع في ذلك، ولم يفصل

1 - الانفال: 11.
2 - المدثر: 5.
3 - الحج: 30.
4 - في حاشية الأصل: بما روي عندهم.
5 - سنن البيهقي: 1 / 14 وكنز العمال: 9 / 349 برقم 26385 ومسند أبي يعلى: 3 / 185 برقم 1611.
6 - سنن البيهقي: 1 / 252.
7 - النحل: 80.

[ 43 ]

بين الذكية والميتة، ولا يجوز الامتنان بما لا يجوز الانتفاع به لنجاسته، وقوله تعالى: * (حرمت عليكم الميتة) * (1) لا يعارض ما ذكرناه، لأن اسم الميتة يتناول ما تحله الحياة، وهذه الاشياء لا تحلها الحياة، فلا يحلها الموت. فأما جلد الميتة فلا يطهر بالدباغ، بدليل هذا الاجماع، وظاهر قوله تعالى: * (حرمت عليكم الميتة) *، والمراد الانتفاع بها بأكل أو بيع أو غيرها من التصرف، واسم الميتة يتناول الجلد قبل الدباغ وبعده ونحتج على المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم قبل موته بشهر: " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب " (2) وقول من قال: إن الجلد لا يسمى إهابا بعد الدباغ خارج عن اللغة والشرع، فلا يعتد به. والخنزير نجس بلا خلاف. والكلب نجس بلا خلاف إلا من مالك (3)، ويدل على نجاسته إجماع الطائفة، ويغسل الاناء من ولوغه فيه ثلاث مرات، إحداهن - وهي الأولى - بالتراب، بدليل هذا الاجماع، ونحتج على المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاث مرات ".
(4) وفي خبر آخر: " فليغسله ثلاثا أو خمسا أو سبعا " (5) وهذا بظاهره أيضا يقتضي وجوب الثلاث، من حيث لم يجز عليه الاقتصار على ما دونها ولأن لفظة " أو " إما أن تفيد التخيير بين هذه الاعداد، وتكون كلها واجبة على جهة التخيير، وإما أن تفيد التخيير بين الاقتصار على الثلاث التي هي الواجبة، وبين الزيادة عليها على جهة الندب، فإذا كان الأول باطلا بالاجماع، لم يبق إلا الثاني.

1 - المائدة: 3.
2 - سنن البيهقي: 1 / 14 وجامع الأصول: 8 / 46 وسنن ابن ماجة: 2 / 1194 برقم 3613 ومسند أحمد: 4 / 310.
3 - تأتي ترجمته ص 362. 4 و 5 - سنن البيهقي: 1 / 240 و 241 وجامع الأصول: 8 / 36.

[ 44 ]

والثعلب والأرنب نجسان، بدليل الاجماع المذكور. والكافر نجس بدليله أيضا، وبقوله تعالى: * (إنما المشركون نجس) * (1)، وهذا نص. وكل من قال بذلك في المشرك، قال به فيمن عداه من الكفار، والتفرقة بين الأمرين خلاف الاجماع. وقول المخالف: المراد بذلك نجاسة الحكم، غير معتمد، لأن إطلاق لفظ النجاسة في الشريعة يقتضي بظاهره نجاسة العين حقيقة، وحمله على الحكم مجاز، واللفظ بالحقيقة أولى من المجاز، ولأنا نحمل اللفظ على الأمرين جميعا، لأنه لا تنافي بينهما. وقولهم: لو كان نجس العين لما طهر بتجدد معنى هو الاسلام وانتفاء معنى هو الكفر، باطل، لأن الخمر نجسة العين، وتطهر بتجدد معنى هو الحموضة، وانتفاء معنى هو الشدة، ولا يعارض ما ذكرناه قوله تعالى: * (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) * (2) لأن لفظ الطعام إذا أطلق، انصرف إلى الحنطة. ولا يمكن للمخالف إنكار ذلك، لأن أبا حنيفة والشافعي اختلفا فيمن وكل وكيلا على أن يبتاع له طعاما، فقال الشافعي: لا يجوز أن يبتاع إلا الحنطة، وقال أبو حنيفة: ودقيقها أيضا، ذكر ذلك المحاملي (3) في آخر كتاب البيوع من كتابه الأوسط في الخلاف. وذكره الاقطع (4) في آخر كتاب الوكالة من شرح

1 - التوبة: 28.
2 - المائدة 5.
3 - هو أبو عبد الله حسين بن إسماعيل بن سعيد صاحب الامالي المتوفى 330 ه‍ وقد أثنى عليه ابن كثير في تاريخه لاحظ الغدير: 1 / 102. 4 - أبو نصر، أحمد بن محمد بن محمد، الفقيه الحنفي المعروف بالأقطع، درس الفقه على مذهب أبي حنيفة على أبي الحسن القدوري، وخرج من بغداد في سنة 430 إلى الاهواز وأقام بها برامهرمز، و من تصانيفه: شرح مختصر القدوري في فروع الفقه الحنفي، مات سنة 474 ه‍ وذكر في الجواهر المضيئة: 1 / 119 برقم 234 في ذيل ترجمته وجه تسميته بالأقطع.

[ 45 ]

القدوري (1)، وقال في الشرح: والأصل في ذلك أن الطعام المطلق، اسم للحنطة ودقيقها. وإنما أحوجنا إلى ذكر مذهب المخالف في ذلك والاحالة على كتبهم إنكار من أنكره من جهالهم، على أنا نقول: لو وقع لفظ الطعام بإطلاقه على غير الحنطة، لحملناه عليها وعلى غيرها من الجامدات بدليل [ الاجماع ].
(2) فأما ما عدا ما ذكرناه من الحيوان من ذوات الأربع والطير والحشرات فطاهر السؤر إلا أن يكون على فمه نجاسة، بدليل إجماع الطائفة، وظاهر قوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا) * (3) وقوله: * (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) * (4) فبين سبحانه أن الماء المطلق يطهر، وسؤر ما ذكرناه ينطلق عليه (5) اسم الماء، وإنما يخرج من هذا الظاهر ما أخرجه دليل قاطع. وقد ألحق أصحابنا بالنجاسات عرق الابل الجلالة، وعرق الجنب إذا أجنب من الحرام. الفصل الثالث وأما ما به تفعل الطهارة فثلاثة أشياء: الماء والتراب والأحجار، أو ما يقوم مقامها، على ما قدمناه في الاستنجاء، فكل ماء استحق إطلاق هذا الاسم عليه

1 - أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان الفقيه المعروف بالقدوري - بضم القاف و الدال - من أهل بغداد ومن تصانيفه المختصر المعروف باسمه " القدوري " مات سنة 428 ه‍ لاحظ الانساب: 4 / 460 والأعلام للزركلي: 1 / 260.
2 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج ".
3 - النساء: 43.
4 - الفرقان: 48.
5 - في " ج ": يطلق عليه.

[ 46 ]

ولم تخالطه نجاسة، فإنه طاهر مطهر بلا خلاف، فإن خالطته وكان راكدا كثيرا ليس من مياه الآبار أو جاريا قليلا كان أو كثيرا، ولم يتغير بها أحد أوصافه، من لون أو طعم أو رائحة، فإنه طاهر مطهر أيضا بلا خلاف إلا في مقدار الكثير، ويدل على ذلك أيضا بعد إجماع الطائفة قوله تعالى: * (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) * (1)، لأن مخالطة النجاسة للماء الجاري أو الكثير الراكد إذا لم يتغير أحد أوصافه، لا يخرجه عن استحقاق إطلاق هذا الاسم و الوصف معا عليه، وإذا كان كذلك وجب العمل بالظاهر إلا بدليل قاطع. فإن تغير أحد أوصاف هذا الماء فهو نجس بلا خلاف، فإن كان الماء راكدا قليلا، أو من مياه الآبار، قليلا كان أو كثيرا، تغير بالنجاسة أحد أوصافه أو لم يتغير، فهو نجس بدليل إجماع الطائفة وظاهر قوله تعالى: * (ويحرم عليهم الخبائث) * (2) وقوله: * (والرجز فاهجر) * (3) وقوله: * (حرمت عليكم الميتة) * (4) لأنه يقتضي تحريم استعمال الماء المخالط للنجاسة مطلقا، من غير اعتبار بالكثرة وتغير أحد الأوصاف، وإنما يخرج من ذلك ما أخرجه دليل قاطع. وحد الكثير ما بلغ كرا أو زاد عليه، وحد الكر وزنا ألف ومائتا رطل، وحده مساحة لموضعه ثلاثة أشبار ونصف طولا في مثل ذلك عرضا في مثله عمقا بالاجماع، ونحتج على المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا " (5).

1 - الفرقان: 48.
2 - الاعراف: 157.
3 - المدثر: 5.
4 - المائدة: 3.
5 - نسبه المؤلف إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونسبه الشيخ في الخلاف - كتاب الطهارة المسألة 126 - إلى أئمتنا عليهم السلام، ونقله السيد المرتضى في الانتصار: 8 ولم نعثر عليه مع الفحص الأكيد في الصحاح والمسانيد و إنما المروى في كتبهم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا كان الماء قدر قلتين لم يحمل الخبث " لاحظ السنن الكبرى: 1 / 261 وجامع الأصول: 8 / 12 مع اختلاف في التعبير.

[ 47 ]

واختلف أصحابنا في الأرطال، فمنهم من قال عراقية، ومنهم من قال مدنية (1) والأول أظهر في الروايات، والثاني تقتضيه طريقة الاحتياط، لأن الرطل المدني أزيد من العراقي. فأما مياه الآبار فإنها تنجس بكل ما يقع فيها من النجاسات، قليلا كان ماؤها أو كثيرا على ما قدمناه بالاجماع، وأيضا فلا خلاف بين الصحابة والتابعين في أن ماء البئر يطهر بنزح بعضه. وهذا يدل على حكمهم بنجاسته على كل حال من غير اعتبار بمقداره، و أن حكمه في ذلك بخلاف حكم ماء الأواني والغدران (2). ولا يمتنع أن يكون الوجه في اختلاف حكمها، أن ماء البئر يشق نزح جميعه، لبعده عن الأيدي، ولتجدده مع النزح، وليس كذلك ماء الأواني والغدران، ولهذا وجب غسل الأواني بعد إخراج الماء منها لما تيسر وسقط ذلك في الآبار لما تعذر. وإذا خفف حكم البئر بالحكم بطهارة مائها عند نزح بعضه، وأسقط إيجاب غسلها بخلاف الأواني والغدران، فما المنكر من تغليظ حكمها من وجه آخر؟! وهو إسقاط اعتبار الكثرة في مائها (وما جرى مجراها وهو إيجاب نزحها) (3) بخلاف الأواني والغدران. فقد صار ما غلظ به حكم الآبار وهو ترك اعتبار الكثرة في مائها، ساقطا في الأواني والغدران وما غلظ به حكم الأواني وما جرى مجراها وهو إيجاب غسلها ساقطا في الآبار وتساويا في باب التغليظ والتخفيف.

1 - القائل هو السيد المرتضى: الناصريات، المسألة 2 ورسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة، ص 22 واختاره الصدوق في الفقيه: 1 / 6.
2 - الغدير: النهر، والجمع غدران. المصباح المنير.
3 - ما بين القوسين ليس بموجود في " ج ".

[ 48 ]

والواقع في البئر من النجاسات على ضربين " أحدهما تغير أحد أوصاف الماء والثاني لا يغيره. فما غير أحد أوصافه المعتبر فيه بأعم الأمرين من زوال التغير وبلوغ الغاية المشروعة (1) في مقدار النزح منه، فإن زال التغير قبل بلوغ المقدار المشروع في تلك النجاسة وجب تكميله، وإن نزح ذلك المقدار ولم يزل التغير وجب النزح إلى أن يزول، لأن طريقة الاحتياط تقتضي ذلك، والعمل عليه عمل على يقين. وما لا يغير أحد أوصاف الماء على ضربين: أحدهما يوجب نزح جميع الماء، أو تراوح أربعة رجال على نزحه، من أول النهار إلى آخره، إذا كان له مادة يتعذر معها نزح الجميع. والضرب الآخر يوجب نزح بعضه. فما يوجب نزح الجميع أو المراوحة عشرة أشياء: الخمر وكل شراب مسكر والفقاع والمني ودم الحيض ودم الاستحاضة ودم النفاس وموت البعير فيه، و كل نجاسة غيرت أحد أوصاف الماء ولم يزل التغير قبل نزح الجميع، وكل نجاسة لم يرد في مقدار النزح فيها (2) نص. وما يوجب نزح البعض على ضروب: منه: ما يوجب نزح كر واحد، وهو موت أحد الخيل فيها، أو ما ماثلها في مقدار الجسم. ومنه: ما يوجب نزح سبعين دلوا، بدلو البئر المألوف، وهو موت الانسان خاصة. ومنه: ما يوجب نزح خمسين، وهو كثير الدم المخالف للدماء الثلاثة

1 - في " ج ": وبلوغ المقدرة المشروعة. 2 - في بعض النسخ: " منها " بدل " فيها ".

[ 49 ]

المقدم ذكرها، والعذرة الرطبة أو اليابسة المتقطعة (1). ومنه: ما يوجب نزح أربعين، وهو موت الشاة، أو الكلب، أو الخنزير، أو السنور، أو ما كان مثل ذلك في مقدار الجسم، وبول الانسان البالغ. ومنه: ما يوجب نزح عشر، وهو قليل الدم المخالف للدماء الثلاثة، والعذرة اليابسة غير المتقطعة (2). ومنه: ما يوجب نزح سبع، وهو موت الدجاجة، أو الحمامة، أو ما ماثلهما في مقدار الجسم، والفأرة إذا انتفخت أو تفسخت، وبول الطفل الذي قد أكل الطعام. ومنه: ما يوجب نزح ثلاث، وهو موت الفأرة إذا لم تنتفخ أو لم تتفسخ، والحية والعقرب والوزغة وبول الطفل الذي لم يأكل الطعام. ومنه: ما يوجب نزح دلو واحدة، وهو موت العصفور، أو ما ماثله من الطير في مقدار الجسم، والدليل على جميع ذلك الاجماع السالف. والماء المتغير ببعض الطاهرات، كالورس والزعفران، يجوز الوضوء به ما لم يسلبه التغير إطلاق اسم الماء عليه، يدل على ذلك بعد الاجماع قوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا) * (3) وقوله: * (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) * (4) وهذا ينطلق عليه اسم الماء، ومن ادعى أن التغير اليسير يسلبه إطلاق اسم الماء فعليه الدليل، لأن إطلاق الاسم هو الأصل، والتقييد داخل عليه، كالحقيقة والمجاز. والماء المستعمل في الوضوء والاغسال المندوبة طاهر مطهر يجوز الوضوء به والاغتسال مرة أخرى بلا خلاف بين أصحابنا، ويدل عليه أيضا ما تلوناه من ظاهر القرآن.

1 و 2 - في " ج ": المنقطعة.
3 - النساء: 43.
4 - الفرقان: 48.

[ 50 ]

فأما المستعمل في الغسل الواجب ففيه خلاف بين أصحابنا (1)، وظاهر القرآن مع من أجراه مجرى المستعمل في الوضوء إلا أن يخرجه دليل قاطع. ومن يقول: إن الاستعمال على كل حال يخرجه عن تناول اسم الماء بالاطلاق، يحتاج إلى دليل، ولأن من شربه وقد حلف أن لا يشرب ماء يحنث بلا خلاف، وهذا يبطل قوله. ولا يجوز الوضوء بغير الماء من المائعات، نبيذ تمر كان أو ماء ورد أو غيرهما، بدليل الاجماع المذكور، وظاهر قوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا) * (2) لأنه يقتضي نقلنا عن الماء إلى التراب من غير واسطة، ومن أجاز الوضوء بغير الماء، فقد جعل بينهما واسطة، وزاد في الظاهر مالا يقتضيه. والوضوء بالماء المغصوب لا يرفع الحدث، ولا يبيح الصلاة بالاجماع، وأيضا فالوضوء عبادة يستحق بها الثواب، فإذا فعل بالماء المغصوب خرج عن ذلك إلى أن يكون معصية يستحق بها العقاب، فينبغي أن لا يكون مجزئا، ولأن نية القربة فيه مندوب إليها بلا خلاف، والتقرب إلى الله تعالى بمعصية محال. ولا يجوز إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات، وهو قول الأكثر من أصحابنا، ويدل عليه أن حظر الصلاة وعدم إجزائها في الثوب الذي أصابته نجاسة، معلوم، فمن ادعى إجزاءها فيه إذا غسل بغير الماء، فعليه الدليل، وليس في الشرع ما يدل على ذلك، وطريقة الاحتياط واليقين ببراءة الذمة من الصلاة يقتضي ما ذكرناه، لأنه لا خلاف في براءة ذمة المكلف من الصلاة إذا غسل الثوب بالماء، وليس كذلك إذا غسله بغيره.

1 - لاحظ المختلف: 1 / 233 من الطبع الحديث.
2 - النساء: 43.

[ 51 ]

ويحتج على المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لاسماء (1) في دم الحيض يصيب الثوب: " حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء " (2) وظاهر الأمر في الشرع يقتضي الوجوب. ولا يجوز التحري (3) في الأواني وإن كانت جهة الطاهر أغلب، بالاجماع ; ولأن المراد بالوجود في قوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء) *، التمكن من استعمال الماء الطاهر ; ولهذا لو وجده ولم يتمكن من استعماله إما لعذر، أو فقد آلة أو ثمن، جاز له التيمم. ومن لا يعرف الطاهر بعينه ولا يميزه من غيره، غير متمكن من استعماله. وأما التراب فالذي يفعل به التيمم، ولا يجوز إلا بتراب طاهر، ولا يجوز بالكحل ولا بالزرنيخ ولا بغيرهما من المعادن، ولا بتراب خالطه شئ من ذلك، بالاجماع وقوله تعالى: * (فتيمموا صعيدا طيبا) * (4) والصعيد هو التراب الذي لا يخالطه غيره، ذكر ذلك ابن دريد (5) وحكاه عن أبي عبيدة (6) وغيره من أهل اللغة ; والطيب هو الطاهر.

1 - اسماء بنت أبي بكر أم عبد الله بن زبير، وهي أسن من عائشة أختها لابيها، ماتت سنة 73 ه‍. لاحظ أسد الغابة: 5 / 392.
2 - سنن البيهقي: 1 / 13 والتاج الجامع للأصول: 1 / 85 وجامع الأصول: 8 / 32.
3 - قال الطريحي: التحري يجزي عند الضرورة أعني: طلب ما هو الاحرى في الاستعمال في غالب الظن، ومنه التحري في الانائين. مجمع البحرين.
4 - النساء: 43.
5 - هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الازدي البصري الامامي شاعر، نحوي، لغوي كان واسع الرواية توفي 321 لاحظ كشف الظنون: 1 / 162 والكنى والألقاب: 1 / 279 وأعيان الشيعة 9 / 153. 6 - أبو عبيدة معمر بن المثنى اللغوي البصري، مولى بني تيم، أخذ عنه أبو حاتم والمازني وغيرهم مات سنة (211 ه‍) لاحظ وفيات الأعيان: 5 / 235.

[ 52 ]

الفصل الرابع: في كيفية الطهارة وأما الوضوء فتقف صحته على فروض عشرة: أولها: النية بالاجماع وقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم...) * (1) الآية، لأن التقدير اغسلوا وجوهكم للصلاة، وإنما حذف ذكر الصلاة اختصارا، كقولهم: إذا لقيت الأمير فالبس ثيابك، وإذا لقيت العدو فخذ سلاحك، وتقدير الكلام أفعل ذلك للقاء. وإذا أمر الله تعالى بهذه الأفعال للصلاة، فلابد من النية، لأن بها يتوجه إلى الصلاة دون غيرها. ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: * (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) * (2) والاخلاص له لا يحصل إلا بالنية، والوضوء من الدين، لأنه عبادة، بدليل الاجماع. ويحتج على المخالف بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " الوضوء شطر الايمان " (3) ويحتج عليه في وجوب النية بما رووه أيضا من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى " (4)، لأن أجناس الأعمال إذا كانت توجد من غير نية، ثبت أن المراد أنها لا تكون قربة وشرعية ومجزئة إلا بالنية ; ولأن قوله: " وإنما لامرئ ما نوى " يدل على أنه ليس له ما لم ينو، لأن هذا حكم لفظة " إنما " في اللسان العربي على ما بيناه فيما مضى من الكتاب.

1 - المائدة: 6.
2 - البينة: 5.
3 - كنز العمال: 9 / 288 برقم 26044 وص 316 برقم 26200.
4 - سنن البيهقي: 1 / 215.

[ 53 ]

والنية هي أن يريد المكلف الوضوء لرفع الحدث واستباحة ما يريد استباحته به من صلاة أو غيرها ما يفتقر إلى طهارة طاعة لله وقربة إليه. اعتبرنا تعلق الارادة برفع الحدث، لأن حصوله مانع من الدخول فيما ذكرناه من العبادة. واعتبرنا تعلقها باستباحة العبادة، لأن ذلك هو الوجه الذي لاجله أمر برفع الحدث، فما لم ينوه لا يكون ممتثلا للفعل على الوجه الذي أمر به لاجله. واعتبرنا تعلقها بالطاعة لله تعالى، لأن بذلك يكون الفعل عبادة. واعتبرنا القربة إليه سبحانه - والمراد بذلك طلب المنزلة الرفيعة عنده بنيل ثوابه، لاقرب المسافة، على ما بيناه فيما مضى من الأصول - لأن ذلك هو الغرض المطلوب بطاعته، الذي عرضنا سبحانه بالتكليف له. واعتبار القربة في النية عبادة في نفسه، أمر الله تعالى به، ومدح على فعلها، ووعد سبحانه عليه الثواب. ودليل الأمر بها قوله تعالى: * (واسجد واقترب) * (1)، وقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) * (2) لأن المعنى إما أن يكون افعلوا ذلك على رجائكم الفلاح به، وإما أن يكون افعلوه لكي تفلحوا. ودليل مدحه سبحانه على ذلك ووعده الثواب عليه قوله: * (ومن الاعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته) * (3) فأخبر سبحانه عن باطنهم وما نووه من التقرب بالطاعة إليه، ومدحهم على ذلك، ووعدهم الثواب عليه.

1 - العلق: 19.
2 - الحج: 77.
3 - التوبة: 99.

[ 54 ]

فإن كان الوضوء واجبا، بأن يكون وصلة إلى استباحة واجب تعين نوى وجوبه على الجملة، أو الوجه الذي له وجب، وكذا إن كان ندبا، ليميز الواجب من الندب، ويوقعه على الوجه الذي كلف إيقاعه عليه. ويجوز أن يؤدى بالوضوء المندوب الفرض من الصلاة، بالاجماع المذكور، و من خالف في ذلك من أصحابنا (1) غير معتد بخلافه. والفرض الثاني: الذي يقف صحة الوضوء عليه، مقارنة آخر جزء من النية لأول جزء منه، حتى يصح تأثيرها بتقدم جملتها على جملة العبادة، لأن مقارنتها على غير هذا الوجه، بأن يكون زمان فعل الارادة هو زمان فعل العبادة أو بعضها، متعذر لا يصح تكليفه، أو فيه حرج يبطله ما علمناه من نفي الحرج في الدين، لأن ذلك يخرج ما وقع من أجزاء العبادة، ويقدم وجوده على وجود جملة النية عن كونه عبادة، من حيث وقع عاريا من جملة النية، لأن ذلك هو المؤثر في كون الفعل عبادة لا بعضه. والفرض الثالث: استمرار حكم هذه النية إلى حين الفراغ من العبادة، و ذلك بأن يكون ذاكرا لها، غير فاعل لنية تخالفها، بالاجماع، وإذا كانت المضمضة والاستنشاق أول ما يفعل من الوضوء، فينبغي مقارنة النية لابتدائهما، لأنهما وإن كانا مسنونين فهما من جملة العبادة ومما يستحق به الثواب ولا يكونان كذلك إلا بالنية على ما بيناه. والفرض الرابع: غسل الوجه، وحده من قصاص شعر الرأس إلى محادر (2) شعر الذقن طولا [ و ] (3) ما دارت عليه الابهام والوسطى عرضا، مرة واحدة بكف من الماء، بالاجماع. ولأن ما اعتبرناه من الوجه بلا خلاف، وما زاد على ذلك لا

1 - الشيخ: المبسوط: 1 / 19.
2 - محادر الذقن - بالدال المهملة -: أول انحدار الشعر عن الذقن، وهو طرفه. مجمع البحرين.
3 - ما بين المعقوفتين موجود في " س ".

[ 55 ]

دليل على أنه منه. والفرض الخامس: غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع مرة واحدة، كل واحدة منهما بكف من الماء، وإدخال المرفق في الغسل، بالاجماع المشار إليه. وأيضا فطريقة الاحتياط يقتضي ذلك، لأنه إذا غسلها على الوجه الذي ذكرناه، زال حدثه بلا خلاف، وليس كذلك إذا بدأ من الأصابع، أو لم يدخل المرافق في الغسل. ونحتج على المخالف بما روي من طرقهم من أنه صلى الله عليه وآله توضأ مرة مرة وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به (1) ولا يخلو إما أن يكون ابتدأ المرافق أو انتهى إليها، ولا يجوز أن يكون انتهى إليها، لأن ذلك يوجب أن لا تقبل صلاة من ابتدأ بها، وهو خلاف الاجماع، فثبت أنه عليه السلام ابتدأ بالمرافق، فيجب أن يكون صلاة من ابتدأ بالاصابع غير مقبولة. وقوله تعالى: * (وأيديكم إلى المرافق) * (2)، لا ينافي ما ذكرناه لأن " إلى " كما تكون للغاية تكون بمعنى " مع " بدليل قوله تعالى * (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) * (3) و * (من أنصاري إلى الله) * (4) وشواهد ذلك من كلام العرب أشهر من أن يحتاج إلى التطويل بذكرها، والدليل على أنها في آية الطهارة بمعنى " مع " أنها لو كانت فيها بمعنى الغاية، لوجب الابتداء بالاصابع، وهذا بخلاف الاجماع، وهذه الآية دليلنا على وجوب إدخال المرافق في الغسل. والفرض السادس: مسح مقدم الرأس مرة واحدة، والأفضل أن يكون مقدار الممسوح ثلاث أصابع مضمومة، ويجزي مقدار إصبع واحدة، بالاجماع المذكور،

1 - سنن البيهقي: 1 / 80، سنن ابن ماجة: 1 / 145، المبسوط للسرخسي: 1 / 9 وسنن الدارقطني: 1 / 80.
2 - المائدة: 6.
3 - النساء: 2.
4 - الصف: 14.

[ 56 ]

وقوله سبحانه: * (وامسحوا برءوسكم) * (1) لأنه لابد لهذه الباء من فائدة، وإذا لم تكن فائدتها هاهنا تعدية الفعل - لأنه متعد بنفسه والكلام مستقل بإسقاطها - لم يبق إلا أن يكون فائدتها التبعيض. ويحتج على المخالف بما روي من طرقهم من أنه صلى الله عليه وآله وسلم توضأ ورفع مقدم عمامته وأدخل يده تحتها فمسح مقدم رأسه.
(2) والفرض السابع: مسح ظاهر القدمين من رؤوس الأصابع إلى الكعبين ; و هما الناتئان في وسط القدم عند معقد الشراك، والأفضل أن يكون ذلك بباطن الكفين، ويجزي بإصبعين منهما، ويدل على ذلك مضافا إلى الاجماع المذكور قوله تعالى: * (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) * (3) ; لأنه سبحانه أمر بمسح الرأس، ثم عطف عليها الأرجل، فوجب أن يكون لها بمقتضى العطف مثل حكمها، كما وجب مثل ذلك في الأيدي والوجوه، وسواء في ذلك القراءة بالجر والنصب. أما الجر فلا وجه له إلا العطف على الرؤوس، ومن تعسف وجعله للمجاورة فقد أبعد، لأن محصلي علماء العربية قد نفوا الاعراب بالمجاورة أصلا، وتأولوا الجر في " جحر ضب خرب " على أن المراد " خرب جحره " مثل " مررت برجل حسن وجهه " ولأنه عند من جوزه شاذ نادر لا يقاس عليه، فلا يجوز و الحال هذه حمل كتاب الله عليه، ولوجود حرف العطف في الآية الذي لا يبقى معه للاعراب بالمجاورة حكم، ولأن الاعراب بذلك إنما يكون في الموضع الذي ترتفع الشبهة فيه، لأن من المعلوم أن خربا لا يجوز أن يكون من صفات الضب، و ليس كذلك الأرجل، لأنه كما يصح أن تكون مغسولة، يصح أن تكون ممسوحة، فلا يجوز أن يكون إعرابها للمجاورة لحصول اللبس بذلك. وأما النصب فهو أيضا بالعطف على موضع الرؤوس (كما قال:

1 و 3 - المائدة: 6.
2 - سنن البيهقي: 1 / 61.

[ 57 ]

معاوي اننا بشر فأسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديدا (1). والشواهد على ذلك كثيرة، وعطفها على موضع الرؤوس) (2) أولى من عطفها على الأيدي لاتفاق أهل العربية على أن إعمال أقرب العاملين أولى من إعمال الأبعد، ولهذا كان رد عمرو في الاكرام إلى زيد أولى من رده في الضرب إلى بكر من قولهم " ضربت زيدا وأكرمت بكرا وعمرا " ومثله " أكرمت وأكرمني عبد الله وأكرمني وأكرمت عبد الله " فإن إعمال أقرب الفعلين من الاسم فيه أولى من إعمال الأبعد. وبذلك جاء القرآن قال الله تعالى: * (آتوني أفرغ عليه قطرا) * (3)، و * (هاؤم اقرؤا كتابيه) * (4)، و * (أنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا) * (5)، فإن العوامل في المنصوب في ذلك كله أقرب الفعلين إليه. وأيضا فقد بينا أن القراءة بالجر لا يحتمل سوى المسح، فيجب حمل القراءة بالنصب على ما يطابقها، لأن قراءة الآية الواحدة بحرفين يجري مجرى الآيتين في وجوب المطابقة بينهما. ويحتج على المخالف بما روي من طرقهم من أنه صلى الله عليه وآله وسلم بال على سباطة قوم ثم توضأ ومسح على قدميه ونعليه.
(6) وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: ما نزل القرآن

1 - من أبيات لعقبة بن الحارث الأسدي يخاطب بها معاوية بن أبي سفيان يشكو إليه جور عماله. لاحظ الأبيات في الفتوح لابن أعثم الكوفي 4 / 225 والعقد الفريد: 1 / 52 في اللؤلؤة في السلطان وفيه عدم عقيبة الأسدي (مصغر عقبة) على معاوية ورفع إليه رقعة فيها هذه الأبيات وبعده: أكلتم أرضنا فجردتموها * فهل من قائم أو من حصيد وقد استدل بالبيت على جواز العطف على المحل، السيد المرتضى في الانتصار: 23 والطبرسي في مجمع البيان: 3 / 165 في ذيل الآية 6 من سورة المائدة، وابن رشد في بداية المجتهد: 1 / 15.
2 - مابين القوسين سقط عن نسخة ج وس.
3 - الكهف: 96.
4 - الحاقة: 19.
5 - الجن: 7.
6 - سنن البيهقي: 1 / 101 و 286 باختلاف يسير ; جامع الأصول: 8 / 55 و 139، التاج الجامع للأصول: 1 / 92 ونقله الطبرسي في مجمع البيان: 3 / 167 قال ابن منظور في لسان العرب: =

[ 58 ]

إلا بالمسح (1)، وعن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمسح على رجليه (2)، وعنه أنه قال: مسحتان وغسلتان (3)، وإذا ثبت أن فرض الرجلين هو المسح دون غيره ثبت أن الكعبين هما ما ذكرناه، لأن كل من قال بأحد الأمرين قال بالآخر، والقول بخلاف ذلك خروج عن الاجماع، وأيضا فقد دللنا على أن فرض المسح يتعلق ببعض الرأس، فكذلك يجب في الأرجل بحكم العطف. وقوله تعالى: (وأرجلكم إلى الكعبين) (4)، المراد به رجلا كل متطهر، و فيهما عندنا كعبان، وهذا أولى من قول مخالفنا أنه أراد رجل كل متطهر، لأن الفرض يتناول الرجلين معا، فصرف الخطاب إليهما أولى. والفرض الثامن: أنه لا يستأنف لمسح الرأس والرجلين ماء جديدا، بدليل الاجماع المشار إليه، ولأنه من غسل وجهه ويديه مأمور بمسح رأسه ورجليه، و الأمر بمقتضى الشرع يوجب الفور، ومن ترك المسح بالبلل الذي في يديه وعدل إلى أخذ ماء جديد، فقد ترك المسح في زمان كان يمكنه فعله فيه، وترك العمل بظاهر الآية وذلك لا يجوز، ولأن كل من أوجب مسح الرجلين على التضييق قال بما ذكرناه، والقول بأحد الأمرين دون الآخر خروج عن الاجماع. والفرض التاسع: الترتيب وهو أن يبدأ بغسل وجهه، ثم بيده اليمنى، ثم اليسرى، ثم يمسح رأسه، ثم يمسح رجليه، بدليل الاجماع المذكور، وطريقة

= السباطة: الكناسة، وفي الحديث إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى سباطة قوم فبال فيها... والسباطة: الموضع الذي يرمى فيه التراب والأوساخ. 1 - التهذيب: 1 / 63 ح 175، وفيه " ما أنزل " والتبيان: 3 / 453.
2 - سنن البيهقي: 1 / 44 عن رفاعة بن رافع ومسند أحمد بن حنبل: 1 / 158 عن علي عليه السلام ونحوه في كنزل العمال: 9 / 448 برقم 26908 والتهذيب: 1 / 63، ح 173.
3 - سنن الدارقطني: 1 / 96، كنز العمال: 9 / 433 برقم 26840 والتهذيب: 1 / 63، ح 176.
4 - المائدة: 6.

[ 59 ]

الاحتياط، وأيضا قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) * (1) يدل على ما قلناه، لأن " الفاء " للتعقيب، سواء كانت عاطفة أو جزاء. وإذا وجب غسل الوجه عقيب إرادة القيام إلى الصلاة والبداية به (2) ثبت ما قلناه إلا تقديم اليمنى على اليسرى، لأن أحدا من الأمة لم يفرق بين الأمرين، وإنما استثنينا ترتيب اليسرى على اليمنى لأن الشافعي لا يوافق في ذلك وإن وافق فيما عداه من ترتيب الأعضاء وكان يسلم لنا لو لم نستثنه [ من ] (3) الاستدلال بإجماع الأمة من الوجه الذي بيناه. ونحتج على المخالف بما روي من طرقهم من أنه صلى الله عليه وآله وسلم توضأ مرة مرة وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به (4)، ولابد أن يكون توضأ مرتبا على الوجه الذي ذكرناه، وإلا لزم ألا يقبل الله صلاة بوضوء مرتب على ذلك الوجه، وهذا باطل بالاجماع. والفرض العاشر: الموالاة، وهي أن لا يؤخر بعض الأعضاء عن بعض، بمقدار ما يجف ما تقدم في الهواء المعتدل، ويدل على ذلك ما قلناه في المسألة الأولى من الاجماع وطريقة الاحتياط، ويحتج على المخالف بالخبر المتقدم، وأيضا فلا يجوز المسح على الخفين بالاجماع المذكور، وقوله تعالى: * (وأرجلكم إلى الكعبين) * (5)، لأنه تعالى أوجب المسح على ما يسمى رجلا حقيقة، وليس

1 - المائدة: 6.
2 - كذا في " ج " و " س ": ولكن في الأصل: والبدار به.
3 - ما بين المعقوفتين موجود في " س ".
4 - سنن البيهقي: 1 / 80، سنن ابن ماجة، 1 / 145، المبسوط للسرخسي: 1 / 9، سنن الدارقطني: 1 / 80. والبحر الزخار: 1 / 70.
5 - المائدة: 6.

[ 60 ]

الخف كذلك، فمن مسح عليه فقد عدل عن ظاهر الآية. ويحتج على المخالف بما رووه من أنه صلى الله عليه وآله وسلم توضأ مرة مرة وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، لأنه لابد أن يكون أوقع الفعل على الرجل، وبما روي عندهم من قول أمير المؤمنين عليه السلام: نسخ الكتاب المسح على الخفين (1)، وقوله: ما أبالي أمسحت على الخفين أم على ظهر عير بالفلاة (2). ومثل ذلك رووا عن أبي هريرة (3). وعن ابن عباس أنه قال: سبق كتاب الله المسح على الخفين (4)، وعن عائشة أنها قالت: لأن تقطع رجلاي بالمواسي أحب إلي من أن أمسح على الخفين (5)، ولم ينكر عليهم ذلك أحد من الصحابة. ومسنونات الوضوء: السواك، وغسل اليدين قبل إدخالهما الاناء - من البول والنوم مرة ومن الغائط مرتين -، والتسمية، والمضمضة والاستنشاق - ثلاثا

1 - البحر الزخار: 1 / 70، ونقله السيد المرتضى في الناصرات، المسألة 34.
2 - لم نجد النص في صحاح القوم ومسانيدهم، نعم نقله السيد المرتضى في الناصريات المسألة 34.
3 - البحر الزخار: 1 / 70 وفي الفقيه: 1 / 30 برقم 97 عن عايشة أنها قالت: لأن أمسح على ظهر عير بالفلاة أحب إلي من أن أمسح على خفى. قال المجلسي في روضة المتقين: 1 / 160: والعير: حمار الوحشي، لأن الغالب من الخف إنه كان من جلده. وأما أبو هريرة فقال ابن حجر في تهذيب التهذيب: 12 / 262: أختلف في إسمه وإسم أبيه إختلافا كثيرا. وقال محمد بن عبد البر في الاستيعاب: 4 / 1768 نقلا عن البعض: اختلفوا في إسم أبي هريرة وإسم أبيه إختلافا كثيرا لا يحاط به ولا يضبط في الجاهلية والاسلام!! وهو ممن صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروى عنه مات سنة 58 ه‍. 4 - سنن البيهقي: 1 / 272 والتهذيب: 1 / 236 برقم 1091 روى عن علي عليه السلام، ونحوه في الوسائل: 1 / 323 ب 38 من أبواب الوضوء، ح 6 و 7 و 20. وبحار الانوار: 77 / 297، ح 52 نقلا عن ارشاد المفيد.
5 - التفسير الكبير: 11 / 163 (ذيل الآية 6 من سورة المائدة. وفيه: لأن تقطع قدماي أحب إلي من أن أمسح على الخفين. وفي البحر الزخار: 1 / 71 عن عائشة عنها قالت: لأن أقطع رجلي أحب إلي من المسح على الخفين. وفي بحار الانوار نقلا عن نوادر الراوندي عن عبد الواحد... قالت عائشة: لأن شلت يدي أحب إلي من أن أمسح على الخفين. لاحظ البحار: 77 / 298 (ط بيروت).

[ 61 ]

ثلاثا -، وغسل الوجه واليدين مرة ثانية، وأن يبدأ الرجل في الغسلة الأولى بظاهر ذراعيه، والمرأة بباطنهما (1)، وفي الغسلة الثانية بالعكس، والدعاء عند المضمضة، والاستنشاق، وعند غسل الوجه واليدين، وعند مسح الرأس والرجلين ; كل ذلك بالاجماع المذكور. ولا يجوز الصلاة إلا بطهارة متيقنة، فإن شك وهو جالس في شئ من واجبات الوضوء، استأنف ما شك فيه، فإن نهض متيقنا لتكامله، لم يلتفت إلى شك يحدث له، لأن اليقين لا يترك للشك.
(2) الفصل الخامس وأما الغسل من الجنابة فالمفروض على من أراده: الاستبراء بالبول أو الاجتهاد فيه، ليخرج ما في مجرى المني منه، ثم الاستبراء من البول، على ما قدمناه، وغسل ما على بدنه من نجاسة، ثم النية، ومقارنتها، واستدامة حكمها، على ما بيناه في الوضوء، ثم غسل جميع الرأس إلى أصل العنق، على وجه يصل الماء إلى أصول الشعر، ثم الجانب الأيمن من أصل العنق إلى تحت القدم كذلك، ثم الجانب الأيسر كذلك. فإن ظن بقاء شئ من صدره أو ظهره لم يصل الماء إليه، غسله، كل ذلك بالاجماع المذكور. ومسنونه: غسل اليدين قبل إدخالهما الاناء ثلاث مرات، والتسمية،

1 - في " ج " وحاشية الأصل: بباطنها.
2 - في " ج " بالشك. أقول: يظهر من الفحص في كتب الحديث إن سيرة المسلمين في الوضوء حتى في زمن الشيخين كانت على المسح وإنما حدث الاختلاف في مسح الرجلين أو غسلهما في زمن عثمان، نقل المتقي الهندي عن أبي مالك الدمشقي إنه قال: حدثت أن عثمان بن عفان اختلف في خلافته في الوضوء. كنز العمال: 9 / 443 برقم 26890.

[ 62 ]

والمضمضة، والاستنشاق، والموالاة، والدعاء، ويستباح بهذا الغسل الصلاة من غير وضوء بالاجماع السابق وقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) * (1) ; ولم يشرط الوضوء. وغسل المرأة من الجنابة كغسل الرجل سواء، ولا يسقط عنها إلا وجوب الاستبراء بالبول، وما عدا غسل الجنابة من باقي الأغسال الواجبة والمسنونة، تقديم الوضوء فيها واجب لاستباحة الصلاة، لأنه ليس في الشرع ما يدل على استباحتها بها من دونه، ثم يؤتى بها على كيفية غسل الجنابة سواء. والاغسال المسنونة: غسل يوم الجمعة، وليلة الفطر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، ويوم الغدير، ويوم المبعث، وليلة النصف من شعبان، وأول ليلة من شهر رمضان، وليلة النصف منه، وليلة سبع عشرة منه، وليلة تسع عشرة منه، وليلة إحدى وعشرين منه، وليلة ثلاثة وعشرين منه، وغسل إحرام الحج، وغسل إحرام العمرة، وغسل دخول الحرم، وغسل يوم عرفة، وغسل دخول المسجد الحرام، وغسل دخول الكعبة، وغسل دخول المدينة، وغسل دخول مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وغسل زيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم، وغسل زيارة قبور الأئمة عليهم السلام، وغسل زيارة البيت من منى، وغسل صلاة الاستسقاء، وغسل صلاة الحاجة، وغسل صلاة الاستخارة، وغسل صلاة الشكر (2)، وغسل التوبة من الكبائر، وغسل المباهلة، وغسل المولود وغسل قاضي صلاة الكسوف - إذا تعمد تركها مع احتراق القرص كله - وغسل القاصد لرؤية المصلوب من المسلمين بعد ثلاثة أيام. كل ذلك بالاجماع المذكور.

1 - النساء: 43.
2 - في " ج " و " س " الشك " وهو تصحيف.

[ 63 ]

الفصل السادس: في التيمم وأما التيمم فكيفيته: أن يضرب المحدث بما يوجب الوضوء أو الغسل، بيديه على ما يتيمم به ضربة واحدة، وينفضهما، ويمسح بهما وجهه من قصاص شعر رأسه إلى طرف أنفه، ثم يمسح بباطن كفه اليسرى ظاهر كفه اليمنى من الزند إلى أطراف الأصابع، ثم يمسح بباطن كفه اليمنى ظاهر كفه اليسرى كذلك. يدل على أنه ضربة واحدة قوله تعالى: * (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) * (1) ومن مسح بضربة واحدة فقد امتثل المأمور به، ويعارض المخالف بما رووه عن عمار - رضي الله عنه - (2) من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " التيمم ضربة للوجه والكفين " (3)، وقد روى أصحابنا أن الجنب يضرب ضربتين إحداهما للوجه والأخرى لليدين، و طريقة الاحتياط تقتضي ذلك. ويدل على أن مقدار الممسوح من الوجه واليدين ما ذكرناه، بعد إجماع الامامية عليه قوله تعالى: * (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) * ; وفائدة الباء هاهنا التبعيض على ما سبق. والنية تجب في التيمم لمثل ما قلناه في الوضوء، غير أنه لا ينوى به رفع

1 - المائدة: 6.
2 - أبو اليقظان، عمار بن ياسر بن عامر من السابقين الأولين، وأمه سمية وهي أول من أستشهد في سبيل الله وهو أول من بنى مسجدا في الاسلام (مسجد قبا)، قتل شهيدا في صفين سنة 37 ه‍. لاحظ أسد الغابة: 4 / 43 وأعيان الشيعة: 8 / 372.
3 - سنن الدارقطني: 1 / 183 برقم 28 و 30 وسنن الدارمي: 1 / 190 ولاحظ سنن البيهقي: 1 / 210.

[ 64 ]

الحدث، لأنه لا يرفعه على ما قدمناه، والترتيب واجب فيه لمثل ما قلناه في الوضوء أيضا، وكذلك الموالاة. ولا يجوز التيمم إلا عند عدم الماء، أو عدم ما يتوصل به إليه من آلة أو ثمن غير مجحف، أو عدم ملك للماء أو إذن في استعماله، أن حصول خوف في استعماله، لمرض أو شدة برد، أو عطش، أو عدو، أو حصول علم أو ظن بفوت الصلاة قبل الوصول إليه، أو كون الماء نجسا، بالاجماع المذكور، ولا يجوز إلا في آخر وقت الصلاة، بدليل الاجماع ; ولأنه أبيح للضرورة فلا يجوز فعله قبل تأكد الضرورة. ولا يجوز فعله إلا بعد الطلب للماء رمية سهم في الأرض الحزنة، وفي الأرض السهلة رمية سهمين يمينا وشمالا وأماما ووراء بإجماعنا، وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك، لأنه لا خلاف في صحة تيممه، وبراءة ذمته من الصلاة إذا تيمم على الوجه الذي شرحناه، وليس كذلك إذا تيمم على خلافه. ومن دخل بالتيمم في الصلاة ثم وجد الماء، وجب عليه المضي فيها، لأنه إنما يدخل فيها عندنا، إذا بقى من الوقت قدر ما يفعل فيه الصلاة، فقطعها والحال هذه، والاشتغال بالوضوء أو الغسل، يؤدي إلى فواتها، وذلك لا يجوز، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في الصلاة، فينفخ بين اليتيه يقول: أحدثت أحدثت، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا. (1) وأما ما يتعلق بفصول الطهارة من الأحكام، فقد دخل في خلالها، فلا وجه لاعادتها.

1 - كنز العمال: 1 / 251 برقم 1269 باختلاف قليل ومسند أحمد بن حنبل: 3 / 96 والجامع الصغير: 1 / 310 برقم 2027 باختلاف يسير وعوالي اللئالي: 1 / 380 ونقله الشيخ في الخلاف، كتاب الصلاة، المسألة 157.

[ 65 ]

الصلاة الفصل الأول: في ستر العورة يحتاج هذا الفصل إلى العلم بأمرين: أحدهما: العورة. والثاني: ما به تستر. والعورة الواجب سترها من الرجال القبل والدبر، ومن النساء جميع أبدانهن إلا رؤوس المماليك منهن، والعورة المستحب سترها من الرجال ما عدا القبل والدبر مما بين السرة إلى الركبة، ومن النساء رؤوس المماليك. وأما ما به تستر فيحتاج في صحة الصلاة فيه إلى شروط ثلاثة: أولها: أن يكون مملوكا، أو جاريا مجرى المملوك. وثانيها: أن يكون طاهرا. وثالثها: أن يكون مما تنبته الأرض، كالقطن والكتان وغيرهما من النبات إذا صح الاستتار به، أو يكون من شعر ما يؤكل لحمه من الحيوان، أو صوفه أو وبره، وكذا جلده إذا كان مذكى.

[ 66 ]

ويجوز الصلاة في الخز الخالص (1) ولا يجوز في الابريسم المحض وجلود الميتة - وإن دبغت - وجلود ما لا يؤكل لحمه - وإن كان فيها ما يقع عليه الذكاة - وما عمل من وبر الارانب والثعالب أو غش به، واللباس النجس والمغصوب ; يدل على جميع ذلك الاجماع المذكور وطريقة الاحتياط، وقد رويت رخصة في جواز الصلاة للنساء في الابريسم المحض. وقد عفى عن النجاسة تكون فيما لا تتم الصلاة فيه منفردا، كالقلنسوة والتكة، والجورب، والخف، والتنزه عن ذلك أفضل. وتكره الصلاة في الثوب المصبوغ، وأشد كراهة الأسود، ويكره في المذهب والملحم بالحرير أو الذهب، بالاجماع المذكور، وطريقة الاحتياط، ومتى وجد بعد الصلاة على ثوبه نجاسة، وكان علمه بها قد قد تقدم لحال الصلاة، أعادها على كل حال، وإن لم يكن تقدم، أعادها إن كان الوقت باقيا، ولم يعدها بعد خروجه، للاجماع المذكور. الفصل الثاني: في مكان الصلاة لا تصح الصلاة إلا في مكان مملوك، أو في حكم المملوك، ولا يصح السجود بالجبهة إلا على ما يطلق عليه اسم الأرض، أو على ما أنبتته مما لا يؤكل ولا يلبس إذا كان طاهرا، بالاجماع المذكور وطريقة الاحتياط، وما قدمناه من الدلالة على أن الوضوء بالماء المغصوب لا يصح، يدل أيضا على أن الصلاة في المكان المغصوب لا يصح.

1 - في " س ": " ولا يجوز الصلاة في الخز الخالص " والصحيح ما في المتن، وادعى في الجواهر الاجماع بقسميه على الجواز. لاحظ جواهر الكلام: 8 / 86.

[ 67 ]

وقول المخالف: إن الصلاة تنقسم إلى فعل وذكر، والذكر لا يتناول المكان [ المقصود ] (1) فلا يمتنع أن تكون مجزئة من حيث وقع ذكرها طاعة، غير صحيح، لأن الصلاة عبارة عن الفعل والذكر معا، وإذا كان كذلك وجب انصراف النية إلى الأمرين وكون الفعل معصية يمنع من نية القربة فيه. وقولهم (2): كون الصلاة في الدار المغصوبة معصية لحق صاحب الدار لا يمنع من إجزائها من حيث استيفاء شروطها الشرعية، ونية المصلي تنصرف إلى الوجه الذي معه تتكامل الشروط الشرعية، دون الوجه الذي يرجع إلى حق صاحب الدار، غير صحيح أيضا، لأنه مبني على استيفاء هذه الصلاة بشروطها الشرعية، وذلك غير مسلم لأن من شروطها كونها طاعة وقربة، وذلك لا يصح فعلها في الدار المغصوبة. وتكره الصلاة في معاطن الابل، ومرابط الخيل والبغال والحمير والبقر، ومرابض الغنم والمزابل ومذابح الانعام، والحمامات، وبيوت النيران، وغيرها من معابد أهل الضلال، وبين القبور، وتكره على البسط المصورة والأرض السبخة، وعلى جواد الطرق وقرى النمل، وفي البيداء وذات الصلاصل ووادي ضجنان والشقرة (3)، كل ذلك بالاجماع المذكور وطريقة الاحتياط.

1 - ما بين المعقوفتين موجود في " س ". 2 - هو مبتدأ وخبره قوله: " غير صحيح ".
3 - في الجواهر: قيل: إن ذات الصلاصل اسم الموضع الذي أهلك الله فيه نمرود، وضجنان واد أهلك الله فيه قوم لوط. و " البيداء " هي التي يأتي إليها جيش السفياني قاصدا مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيخسف الله به تلك الأرض. وفي خبر ابن المغيرة المروي عن كتاب الخرائج والجرائح: " نزل أبو جعفر عليه السلام في ضجنان فسمعناه يقول ثلاث مرات: لا غفر الله لك، فقال له أبي: لمن تقول جعلت فداك؟ قال: مر بي الشامي لعنه الله يجر سلسلته التي في عنقه وقد دلع لسانه يسألني أن أستغفر له، فقلت له: لا غفر الله لك ". =

[ 68 ]

الفصل الثالث: في النية أما نية الصلاة فواجبة بلا خلاف، وكيفيتها: أن يريد فعل الصلاة المعينة لوجوبها، أو لكونها ندبا على الجملة، أو للوجه الذي له كانت كذلك على التفصيل إن عرفه، طاعة لله وقربة إليه، ويجب مقارنة آخر جزء منها لأول جزء من تكبيرة الاحرام، واستمرار حكمها إلى آخر الصلاة، كما قلناه في نية الوضوء سواء. (1) الفصل الرابع: في القبلة القبلة هي الكعبة، فمن كان مشاهدا لها وجب عليه التوجه إليها، ومن شاهد المسجد الحرام ولم يشاهد الكعبة، وجب عليه التوجه إليه، ومن لم يشاهده توجه نحوه، بلا خلاف، قال الله تعالى: * (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم

= وعن عبد الملك القمي: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: بينا أنا وأبي متوجهان إلى مكة من المدينة فتقدم أبي في موضع يقال له " ضجنان " إذ جاءني رجل في عنقه سلسلة يجرها فأقبل علي فقال: اسقني، فسمعه أبي فصاح بي وقال: لا تسقه لا سقاه الله تعالى، فإذا رجل يتبعه حتى جذب سلسلته وطرحه على وجهه في أسفل درك الجحيم، فقال أبي: هذا الشامي لعنه الله تعالى. والمراد به على الظاهر معاوية صاحب السلسلة التي ذكرها الله تعالى في سورة الحاقة. انظر جواهر الكلام 8 / 349. والوسائل 3 / 450، الباب 33 و 34 من أبواب مكان المصلي. وقال في مجمع البحرين: في الحديث نهي عن الصلاة في وادي شقرة - وهو بضم الشين وسكون القاف. وقيل بفتح الشين وكسر القاف -: موضع معروف في طريق مكة. قيل: إنه والبيداء وضجنان وذات الصلاصل مواضع خسف وأنها من المواضع المغضوب عليها. 1 - في " ج " وحاشية الأصل: إلى آخر الصلاة وذلك لمثل ما قلناه في نية الوضوء فلا وجه لاعادتها كما قلناه.

[ 69 ]

شطره) * (1). وفرض التوجه (2) العلم بجهة القبلة، فإن تعذر العلم قام الظن مقامه، ولا يجوز الاقتصار على الظن مع إمكان العلم، ولا على الحدس مع إمكان الظن، فمن فعل ذلك فصلاته باطلة، وإن أصاب بتوجهه جهة القبلة، لأنه ما فعل التوجه على الوجه المأمور به، فيجب أن يكون غير مجزئ. ومن توجه مع الظن، ثم تبين له أن توجهه كان إلى غير القبلة، أعاد الصلاة إن كان وقتها باقيا، ولم يعد إن كان قد خرج، إلا أن يكون استدبر القبلة، فإنه يعيد على كل حال. ومن لم يعلم جهة القبلة، ولا ظنها، توجه بالصلاة إلى أربع جهات، بالاجماع المذكور وطريقة الاحتياط. الفصل الخامس: في أوقات الصلاة أما أوقات فرائض اليوم والليلة، فلكل واحد منها أول وآخر، فأول وقت الظهر إذا زالت الشمس، فإذا مضى من زوالها مقدار أداء الظهر، دخل وقت العصر، واشترك وقتاهما إلى أن يبقى من غروب الشمس مقدار أداء العصر، فيخرج وقت الظهر، ويختص (3) هذا المقدار للعصر. فإذا غربت الشمس، خرج وقت العصر ودخل وقت المغرب، فإذا مضى مقدار أداء ثلاث ركعات، دخل وقت عشاء الآخرة، واشتركت الصلاتان في

1 - البقرة: 144.
2 - في " س ": وفرض المتوجه.
3 - في الأصل و " ج ": يخلص.

[ 70 ]

الوقت إلى أن يبقى من انتصاف الليل مقدار أداء صلاة العشاء الآخرة، فيخرج وقت المغرب، ويختص (1) ذلك المقدار للعشاء الآخرة، ويخرج وقتها بمضيه. وأول وقت صلاة الفجر طلوع الفجر الثاني، وآخره ابتداء طلوع قرن الشمس ; يدل على ذلك ما ذكرناه من الاجماع المشار إليه، وأيضا قوله تعالى: * (أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) * (2) لأن الظاهر يقتضي أن وقت الظهر والعصر، يمتد من دلوك الشمس إلى غسق الليل، ولا يخرج من هذا الظاهر إلا ما أخرجه دليل قاطع. ودلوك الشمس هو ميلها بالزوال إلى أن تغيب، بلا خلاف بين أهل اللغة والتفسير في ذلك، يقال: دلكت الشمس إذا مالت، ويدل على ما اخترناه أيضا قوله: * (أقم الصلوة طرفي النهار) * (3)، والمراد بذلك الفجر والعصر، وهذا يدل على أن وقت العصر ممتد إلى أن يقرب الغروب، لأن طرف الشئ ما يقرب من نهايته، وجعل المخالف آخر وقت العصر مصير ظل كل شئ مثليه، يقرب (4) من وسط النهار ولا يقرب من نهايته، وأيضا فإن الصلاة قبل وقتها لا تكون مجزئة لأنها غير شرعية. وجواز صلاة العصر بعرفة عقيب الظهر بالاتفاق، دليل على أن ذلك هو أول وقتها، ويحتج على المخالف بما رواه ابن عباس أنه صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين الصلاتين في الحضر لا لعذر (5)، لأنه يدل على اشتراك الوقت.

1 - في الأصل و " ج ": يخلص.
2 - الاسراء: 78. 3 - هود: 114.
4 - في " س ": ويقرب.
5 - مسند أحمد بن حنبل: 1 / 283 وصحيح مسلم: 2 / 151 باب الجمع بين الصلاتين في الحضر وسنن البيهقي: 3 / 166 وموطأ مالك: 1 / 144.

[ 71 ]

وحملهم ذلك على أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى الظهر في آخر وقتها والعصر في أول وقتها غير صحيح، لأن ذلك ليس بجمع بين الصلاتين، وإنما هو فعل لكل صلاة في وقتها المختص بها، وفي الخبر ما يبطل هذا التأويل وهو قوله: " لا لعذر " لأن فعل الصلاة في وقتها المختص بها، لا يفتقر إلى عذر، وبما روي من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من فاتته صلاة العصر حتى غربت الشمس فكأنما وتر أهله وماله ". (1) فعلق الفوات بالغروب، وهذا يدل على أن ما قبله وقت الأداء، وبما روي من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى (2)، لأنه يدل على أن وقت العصر لا يخرج حتى يدخل وقت المغرب. فإن قيل: أليس قد ذهب بعض أصحابكم إلى أن آخر وقت الظهر أن يصير ظل كل شئ مثله؟ وآخر وقت العصر أن يصير ظل كل شئ مثليه؟ وآخر وقت المغرب غيبوبة الشفق، وهو الحمرة؟ ووردت الرواية بذلك عن أئمتكم، وهذا يقتضي خلاف ما ذكرتموه، فكيف تدعون إجماع الامامية عليه؟ قلنا: هذا التحديد لا ينافي ما ذكرناه، لأنه إنما جعل لتفعل فيه النوافل والتسبيح والدعاء، وذلك هو الافضل، فكان ذلك المقدار حدا للفضل لا للجواز. وأما أوقات النوافل في اليوم والليلة فبيانها: أن وقت نوافل الظهر من زوال الشمس إلى أن يبقى من تمام أن يصير ظل كل شئ مثله مقدار ما تصلى فيه أربع ركعات، ووقت نوافل الجمعة قبل الزوال، ووقت نوافل العصر من حين الفراغ من صلاة الظهر إلى أن يبقى من تمام أن يصير ظل كل شئ مثليه مقدار ما تصلى فيه أربع ركعات، إلا في يوم الجمعة، فإنها تقدم قبل الزوال، كما قلناه في نوافل الظهر.

1 - الشافعي: الأم: 1 / 73 كتاب الصلاة وقت العصر.
2 - المبسوط للسرخسي: 1 / 145.

[ 72 ]

ووقت نوافل المغرب من حين الفراغ منها إلى أن يزول الشفق من ناحية المغرب، ووقت الوتيرة حين الفراغ من فريضة العشاء الآخرة، ووقت صلاة الليل من حين انتصافه إلى قبيل طلوع الفجر، ووقت ركعتي الفجر من حين الفراغ من صلاة الليل، إلى ابتداء طلوع الحمرة من ناحية المشرق. وأما أوقات ما عدا فرائض اليوم والليلة ونوافلهما من الفرائض والنوافل، فيأتي ذكرها مندرجا في ضمن فصولها إن شاء الله تعالى. ويكره الابتداء بالنافلة من غير سبب، حين طلوع الشمس، وحين قيامها نصف النهار في وسط السماء (1) إلا في يوم الجمعة خاصة، وبعد فريضة العصر، وقبل غروب الشمس، وبعد فريضة الغداة، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. الفصل السادس أعلم أن مما تقدم من المفروض من الصلوات الخمس وإن لم يكن من شروط صحتها الأذان والإقامة وهما (2) واجبان على الرجال في صلاة الجماعة، ومسنونان فيما عدا ما ذكرناه، ويتأكد استحبابهما في ذلك فيما يجهر فيه بالقراءة، والإقامة أشد تأكيدا من الأذان، ويجوز للنساء أن يؤذن ويقمن من غير أن يسمعن أصواتهن الرجال. والأذان ثمانية عشر فصلا: يبتدأ بالتكبير في أوله أربع مرات، ثم بالشهادة لله بالوحدانية مرتين، ثم بالشهادة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة مرتين، ثم يقول: حي على الصلاة مرتين، ثم يقول: حي على الفلاح مرتين، ثم يقول: حي على خير العمل

1 - في " ج " ووسط السماء.
2 - في " س ": فهما.

[ 73 ]

مرتين، ثم بالتكبير مرتين، ثم بالتهليل مرتين. والإقامة سبعة عشر فصلا: وهي تخالف الأذان بأن التكبير في أولها مرتان، والتهليل في آخرها مرة واحدة، وبأن يزاد فيها بعد حي على خير العمل " قد قامت الصلاة " مرتين، والترتيب واجب فيهما، ويستحب في الأذان ترتيل كلمه و الوقوف على أواخر فصوله - ويجوز فعله على غير طهارة، ومن غير استقبال القبلة [ وفي حال الجلوس والمشي، والتكلم في خلاله، وفعله على خلاف ذلك، كله أفضل، والسنة في الإقامة حدر كلماتها (1) وفعلها على طهارة في حال القيام و استقبال القبلة ] (2) - وألا يتكلم فيها بما لا يجوز مثله في الصلاة، كل ذلك بدليل الاجماع المقدم ذكره. الفصل السابع: في أقسام الصلاة الصلاة على ضربين: مفروض ومسنون: فالمفروض في اليوم والليلة خمس صلوات: الظهر أربع ركعات، إلا في يوم الجمعة، فإن الفرض ينتقل إلى ركعتين، متى تكاملت الشروط التي نذكرها فيما بعد، والعصر أربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء الآخرة أربع، والغداة ركعتان. هذا في حق الحاضر أهله بلا خلاف، وفي حق من كان حكمه حكم الحاضرين من المسافرين وهو من كان سفره أكثر من حضره كالجمال والمكاري والبادي أو في معصية لله أو للعب والنزهة، أو كان سفره أقل من بريدين وهما

1 - حدر الرجل الإقامة: أسرع فيها. المصباح المنير.
2 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج ".

[ 74 ]

ثمانية فراسخ. والفرسخ ثلاثة أميال والميل ثلاثة آلاف ذراع (1) ومن عزم على الإقامة في البلد الذي يدخله عشرة أيام، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة. ويدل أيضا على صحة ما ذكرناه من حد السفر الذي يجب فيه القصر قوله تعالى: * (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) * (2) فعلق سقوط فرض الصيام بما يتناوله اسم السفر، ولا خلاف أن كل سفر أسقط فرض الصيام، فإنه موجب لقصر الصلاة، وإذا كان كذلك، وكان اسم السفر يتناول المسافة التي ذكرناها، وجب القصر على من قصدها، ولا يلزم على ذلك ما دونها لأنا إنما عدلنا عن ظاهر الآية فيه، للدليل وهو الاجماع، وليس ذلك فيما ذهبوا إليه. فأما من عدا من ذكرناه من المسافرين، فإن فرضه في كل رباعية من الصلوات الخمس ركعتان، فإن تمم عن علم بذلك وقصد إليه، لزمته الاعادة على كل حال، وإن كان إتمامه عن جهل أو سهو، أعاد إن كان الوقت باقيا بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا فإن فرض السفر إذا كان ركعتين، فمن صلى أربعا لم يمتثل المأمور به، على الوجه الذي تعبد به، فلزمته الاعادة. وليس لأحد أن يقول هذا مخالف لظاهر قوله تعالى: * (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) * (3) لأن رفع الجناح يقتضي الاباحة لا الوجوب، لأن هذه الآية لا تتناول قصر الصلاة في عدد الركعات، وإنما تفيد التقصير في الأفعال من الايماء وغيره، لأنه تعالى علق القصر فيها بالخوف،

1 - في حاشية الأصل: " أربعة آلاف ذراع " ونقل صاحب الجواهر عن الفيومي إن الميل عند القدماء من أهل الهيئة ثلاثة آلاف ذراع، وعند المحدثين أربعة آلاف ذراع.. لاحظ جواهر الكلام: 14 / 199.
2 - البقرة: 184.
3 - النساء: 101.

[ 75 ]

ولا خلاف أنه ليس بشرط في القصر من عدد الركعات، وإنما هو شرط فيما ذكرناه من التقصير في الأفعال. وينضاف إلى فرائض اليوم والليلة من مفروض الصلاة ست صلوات: صلاة العيدين إذا تكاملت شرائط وجوبها، وصلاة الكسوف والآيات العظيمة كالزلزلة والرياح السود، وركعتا الطواف الواجب وصلاة النذر، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة، وصلاة القضاء للفائت، وصلاة الجنائز بلا خلاف. ويعارض المخالف في صلاة الكسوف بما يرويه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الشمس والقمر لا تنكسفان لموت أحد، ولا لحياة أحد، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة " (1) وظاهر الأمر في الشرع يقتضي الوجوب، ويدل أيضا على وجوب صلاة الطواف قوله تعالى: * (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) * (2) وأمره تعالى على الوجوب، ولا أحد قال بوجوب صلاة في المقام سوى ما ذكرناه. ويدل أيضا على وجوب صلاة النذر قوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * (3) ونذر الصلاة عقد فيه طاعة لله، فوجب الوفاء به، ويعارض المخالف بما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " من نذر أن يطيع الله فليطعه ".
(4) وتعلق المخالف في نفي وجوب هذه الصلوات بما روي من قوله صلى الله عليه وآله وسلم

1 - صحيح مسلم: 3 / 35، كتاب الكسوف باب ذكر النداء بصلاة الكسوف وسنن الدار قطني: 2 / 65 برقم 11 والتاج الجامع: 1 / 206 وسنن البيهقي: 3 / 320 و 321 و 337 كتاب صلاة الخسوف باب الأمر بالفزع إلى ذكر الله وإلى الصلاة متى كسفت الشمس. وكنز العمال: 7 / 821، برقم 21551 و 21554 و 21563 و 21569 و 21574 و...
2 - البقرة: 125.
3 - المائدة: 1.
4 - سنن البيهقي: 9 / 231، كتاب الجزية باب لا يوفى من العهود... و: 9 / 68 باب من نذر نذرا... وص 75 كتاب النذور وكنز العمال: 16 / 710 برقم 46462.

[ 76 ]

للاعرابي: " لا إلا أن تتطوع " (1) ; حين سأله، وقد أخبره أن عليه في اليوم والليلة خمس صلوات، فقال: هل علي غيرهن؟ الجواب عنه أنه خبر واحد، وقد بينا أنه لم يرد التعبد بالعمل به في الشرعيات، ثم هو معارض بما قدمناه، ثم إنا نقول بموجبه، لأنا ننفي وجوب صلاة في اليوم والليلة زائدة على الخمس، لأن ذلك عبارة في الشريعة عن كل صلاة تفعل على جهة التكرار في كل يوم وليلة، على أن الظاهر لو تناول ذلك لأخرجنا هذه الصلوات بالدليل، كما أخرجنا كلنا صلاة الجنائز. وأما المسنون من الصلاة: فنوافل اليوم والليلة، ونوافل الجمعة، ونوافل شهر رمضان، وصلاة الغدير، وصلاة المبعث، وصلاة النصف من شعبان، وصلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم [ وصلاة الأعرابي ] (2) وصلاة أمير المؤمنين عليه السلام، وصلاة أخيه جعفر رضي الله عنه (3)، وصلاة الزهراء عليها السلام، وصلاة الاحرام، وصلوات الزيارات، وصلاة الاستخارة، وصلاة الحاجة، وصلاة الشكر، وصلاة الاستسقاء، وصلاة تحية المسجد. الفصل الثامن: في كيفية فعل الصلاة كيفيتها على ضربين: أحدهما: كيفية صلاة الخمس، والثاني كيفية ما عداها من باقي الصلوات، وكيفية صلوات الخمس على ضربين: أحدهما كيفية صلاة المختار، والثاني كيفية صلاة المضطر، وكل واحد منهما على ضربين: مفرد و

1 - صحيح مسلم: 1 / 31 باب الاسلام ما هو... وسنن البيهقي: 2 / 467.
2 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج " وحاشية الأصل.
3 - جعفر الطيار، أخو علي عليه السلام لابويه، كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلقا وخلقا، وكان أسن من علي عليه السلام بعشر سنين وأخوه عقيل أسن منه بعشر سنين وأخوهم طالب أسن من عقيل بعشر سنين، قتل شهيدا سنة 8 ه‍. لاحظ أسد الغابة: 1 / 286 وأعيان الشيعة: 4 / 118.

[ 77 ]

جامع. فأما كيفية صلاة المفرد المختار فعلى ضربين: واجب وندب، فالواجب منها عليه: القيام، واستقبال القبلة، والنية، بلا خلاف، وتكبيرة الاحرام، وهي أن يقول المصلي: " الله أكبر " دون ما عدا ذلك من الالفاظ، بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا فإن الصلاة في ذمته بيقين، ولا يقين في سقوطها عن الذمة إلا بما ذكرناه. ويعارض المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، ثم يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر (1) ويجب عليه إذا كبر قراءة الحمد وسورة معها كاملة على جهة التضييق (2) في الركعتين الاوليين من كل رباعية ومن المغرب وفي صلاة الغداة والسفر، فإن كان هناك عذر أجزأت الحمد وحدها. وهو مخير في الركعتين الاخريين وثالثة المغرب بين الحمد وحدها وبين عشر تسبيحات، وهي: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، يقول ذلك ثلاث مرات، ويقول في الثالثة: والله أكبر، يدل على وجوب القراءة في الجملة قوله تعالى: * (فاقرؤا ما تيسر من القرآن) * (3) لأن الظاهر يقتضي عموم الأحوال التي من جملتها أحوال الصلاة، ويدل على وجوبها على الوجه الذي ذكرناه الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط واليقين لبراءة الذمة. ويعارض المخالف في وجوب قراءة فاتحة الكتاب، بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم للذي علمه كيف يصلي: إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ فاتحة الكتاب، ثم اركع وارفع رأسك حتى تطمئن قائما، وهكذا فاصنع في كل

1 - المبسوط للسرخسي: 1 / 36 ونقله السيد المرتضى في الناصريات، المسألة 83، وفيه " حتى يضع الوضوء " لاحظ سلسلة الينابيع الفقهية: 3 / 233.
2 - كذا في الأصل ولكن في " ج " و " س ": على جهة التضيق.
3 - المزمل: 20.

[ 78 ]

ركعة (1)، وقوله: لا صلاة لمن لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب (2). ولا يجوز القراءة بغير العربية، بدليل الاجماع الماضي ذكره، وطريقة الاحتياط واليقين لبراءة الذمة، وأيضا قوله تعالى: * (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) * (3)، وقوله: * (بلسان عربي مبين) * (4) ومن عبر عن معنى القرآن بغير العربية فليس بقارئ على الحقيقة كما أن من عبر عن معنى شعر امرئ القيس (5) مثلا بغير العربية لم يكن منشدا لشعره على الحقيقة، وأيضا فلا خلاف في أن القرآن معجز، والقول بأن العبارة عن معنى القرآن بغير العربية قرآن يبطل كونه معجزا، وذلك خلاف الاجماع. ويجب الجهر بجميع القراءة في أوليي المغرب، والعشاء الآخرة، وصلاة الغداة، بدليل الاجماع المشار إليه، وببسم الله الرحمن الرحيم فقط في أوليي الظهر والعصر من الحمد والسورة التي تليها عند بعض أصحابنا (6) وعند بعضهم هو مسنون. والأول أحوط، لأن من جهر ببسم الله الرحمن الرحيم برئت ذمته بيقين، وليس كذلك من لم يجهر بها، ويجب الاخفات فيما عدا ما ذكرناه، بدليل الاجماع المشار إليه. ولا يجوز أن يقرأ في فريضة سورة فيها سجود واجب، وهن أربع: تنزيل السجدة، وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك، بدليل الاجماع الماضي ذكره، وطريقة الاحتياط، واليقين لبراءة الذمة، وأيضا فإن في هذه السور سجودا واجبا،

1 - صحيح مسلم: 2 / 9، وسنن البيهقي: 2 / 38 باب تعيين القراءة بفاتحة الكتاب.
2 - سنن ابن ماجه: 1 / 273 برقم 837 وعوالي اللئالي: 1 / 196.
3 - يوسف: 2.
4 - الشعراء: 195.
5 - إمرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي، من أشهر شعراء الجاهلية، يعرف بالملك الضليل، يمانى الأصل مولده نجد، تولد سنة 130 قبل الهجرة، ومات 80 قبل الهجرة، لاحظ الاعلام للزركلي: 2 / 11، والأغاني: 9 / 76، والكنى والألقاب: 2 / 56.
6 - الحلبي: الكافي: 117.

[ 79 ]

فإن فعله بطلت الصلاة للزيادة فيها، وإن لم يفعله أخل بالواجب، وإن اقتصر على قراءة ما عدا موضع السجود من السورة، كان قد بعض، وذلك عندنا لا يجوز على ما قدمناه. ويجب الركوع والسجود الأول والثاني في كل ركعة، ويجب الطمأنينة في ذلك كله، ورفع الرأس منه، والطمأنينة بعد رفع الرأس قائما وجالسا، بدليل الاجماع الماضي ذكره، وطريقة الاحتياط. واليقين لبراءة الذمة، وأيضا فلا خلاف أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يفعل ذلك وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي. (1) ويعارض المخالف بما رووه من أمره صلى الله عليه وآله وسلم للمسئ [ في ] صلاته بالطمأنينة في الركوع والسجود وفي رفع الرأس منهما (2) وظاهر الأمر في الشريعة يقتضي الوجوب. ويجب التسبيح في الركوع والسجود، وأقل ما يجزي في كل واحد منهما من ذلك، تسبيحة واحدة، ولفظه الافضل: " سبحان ربي العظيم وبحمده " في الركوع، وفي السجود: " سبحان ربي الأعلى وبحمده "، ويجوز فيهما " سبحان الله " ويدل على وجوبه في الجملة الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط، وأيضا فكل آية في القرآن تقتضي بظاهرها الأمر بالتسبيح تدل على ذلك، لأن عموم الظاهر يقتضي دخول أحوال (3) الركوع والسجود فيه، ومن أخرج ذلك منه احتاج إلى دليل، ويدل على استحباب اللفظ الذي ذكرناه، الاجماع المشار إليه. ويعارض المخالف بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لما نزل: * (فسبح باسم ربك

1 - صحيح البخاري: 1 / 162، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر وسنن الدارمي: 1 / 286 وسنن الدارقطني: 1 / 273.
2 - لاحظ صحيح مسلم: 2 / 11 كتاب الصلاة، ح 45 وصحيح البخاري: 1 / 193 و 201 وما بين المعقوفتين منا أثبتناه لتتميم العبارة.
3 - في " س ": يقتضي دخول إحدى...

[ 80 ]

العظيم) * (1) اجعلوها في ركوعكم، وقوله لما نزل: * (سبح اسم ربك الأعلى) * (2) ; اجعلوها في سجودكم، والامر يحمل على الاستحباب بدليل. ويجب أن يكون السجود على سبعة أعضاء: الجبهة والكفين والركبتين وأطراف أصابع الرجلين، للاجماع الماضي ذكره وطريقة الاحتياط، ويعارض المخالف بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء ; اليدين و الركبتين وأطراف القدمين والجبهة (3)، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي (4)، ويجب الجلوس للتشهدين - والشهادتان فيهما والصلاة على محمد وآله - بدليل الاجماع الماضي ذكره وطريقة الاحتياط. ويعارض المخالف بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي (5) ولا خلاف أنه كان يفعل ذلك في الصلاة، ويختص الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) * (6)، والامر الشرعي يقتضي الوجوب، إلا ما أخرجه دليل قاطع، وقد بين صلى الله عليه وآله وسلم كيفية الصلاة عليه حين سئل عن ذلك، فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد (7)، فثبت ما قلناه.

1 - الواقعة: 96.
2 - الأعلى: 1.
3 - سنن البيهقي: 2 / 103 باب ما جاء في السجود... والجامع الصغير: 1 / 250 برقم 1637 وكنز العمال: 7 / 458 برقم 19770 و 19799 ومسند أحمد بن حنبل: 1 / 292 و 305 ولفظ الحديث: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم... 4 و 5 - صحيح البخاري: 1 / 162، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر وسنن الدارقطني: 1 / 273، وسنن الدارمي: 1 / 286 وسنن البيهقي: 2 / 345.
6 - الاحزاب: 56.
7 - سنن البيهقي: 2 / 146، 147، 148، باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أهل بيت رسول الله والجامع الصغير: 2 / 261 برقم 6162 وكنز العمال: 1 / 490 برقم 2150 و 2183 و 2184 و 2185 و 2186 و 2187.

[ 81 ]

ويجب السلام، على خلاف بين أصحابنا في ذلك (1) ويدل على ما اخترناه أنه لا خلاف في وجوب الخروج من الصلاة، وإذا ثبت ذلك ولم يجز بلا خلاف بين أصحابنا الخروج منها بغير السلام من الأفعال المنافية لها، كالحدث وغيره على ما يقول أبو حنيفة، ثبت وجوب السلام. ويعارض المخالف من غير أصحابنا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي (2) وقوله: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (3)، لأنه يدل على أن غير التسليم لا يكون تحليلا لها. ويسلم المفرد تسليمة واحدة إلى جهة القبلة، ويومئ بها إلى جهة اليمين، و كذلك الامام، والمأموم كذلك إلا أن يكون على يساره غيره، فإنه حينئذ يسلم يمينا وشمالا، بدليل الاجماع الماضي ذكره. ويعارض المخالف بما روته عائشة من أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يسلم في صلاته تسليمة واحدة يميل بها إلى شقه الأيمن قليلا، وبما رواه سهل بن سعد الساعدي (4) من أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسلم تسليمة واحدة لا يزيد عليها، ذكر هذين الخبرين الدارقطني (5). ويجب أن لا يضع المصلي اليمين على الشمال ولا يقول: " آمين " آخر الحمد، بدليل الاجماع المشار إليه، وطريقة الاحتياط، واليقين ببراءة الذمة من الصلاة، ولأن ذلك عمل كثير خارج عن الأعمال المشروعة في الصلاة، من القراءة، والركوع، والسجود، والتسبيح، والدعاء، وما كان كذلك لم يجز فعله.

1 - لاحظ جواهر الكلام: 10 / 278.
2 - تقدم مصدر الحديث آنفا.
3 - سنن الدارقطني: 1 / 379 برقم 1، والجامع الصغير برقم 8193 وسنن البيهقي: 2 / 85 و 379.
4 - سهل بن سعد بن مالك الأنصاري الساعدي، مات سنة 88 أو 91 ه‍. أسد الغابة: 2 / 366.
5 - الدارقطني هو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي، كان يحفظ عدة من الدواوين منها ديوان السيد الحميري، فنسب إلى التشيع لذلك، مات 385 ه‍. سنن الدارقطني: 1 / 358 برقم 7 و 10.

[ 82 ]

وما يعول المخالف عليه في كون ذلك مشروعا، لا يصح أن يكون دليلا في الشرع، وقولهم: لفظة " آمين " وإن لم يكن دعاء ولا تسبيحا ولا من جملة القرآن، فهي تأمين على دعاء تقدم عليها، وهو قوله تعالى: * (اهدنا الصراط المستقيم) * (1) لا يصح الاعتماد عليه، لأن اللفظ إنما يكون دعاء بالقصد إلى ذلك، والقارئ إنما يقصد التلاوة دون الدعاء، ولو قصد الدعاء دون التلاوة، لم يكن قارئا للقرآن، ولم تصح صلاته، وهو إن جاز أن يقصد التلاوة والدعاء معا، جائز منه ألا يقصد الدعاء ; وإذا لم يقصده لم يجز أن يقول " آمين "، والمخالف يقول: إنها مسنونة لكل مصل من غير أن يعتبر قصده للدعاء، وإذا ثبت أن قولها لا يجوز لمن لم يقصده ثبت أنه لا يجوز لمن قصده، لأن أحدا لم يفرق بين الأمرين. ويجب عليه ألا يفعل على جهة العمل فعلا كثيرا، ليس من أفعال الصلاة المشروعة، وقد دخل في ذلك القهقهة، والبكاء من غير خشية الله، والكلام بما ليس من جنس أذكارها، سواء كان لمصلحة تتعلق بالصلاة، كإعلام الامام بسهوه، أو تتعلق بغيرها كتحذيره الضرر لغيره، وقد دخل في ذلك التأفف بحرفين، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط. ويجب الاستدامة على ما هو شرط في صحة الصلاة، كالطهارة، وستر العورة، وغيرهما، وقد دخل في ذلك ترك الالتفات إلى دبر القبلة، ويجب عليه أن يجتنب الصلاة وأمامه أو إلى جانبه امرأة تصلي، سواء اشتركا في الصلاة، أو اختلفا فيها، بدليل الاجماع المتقدم ذكره وطريقة الاحتياط. وأما الندب فالتوجه، وهو (2) أن يكبر بعد الإقامة ثلاث تكبيرات، يرفع مع كل واحدة منها يديه ويقول بعدهن:

1 - الفاتحة: 6.
2 - في " س ": " وأما الندب والتوجه فهو " والمراد من التوجه هو قوله " وجهت وجهي... ".

[ 83 ]

اللهم أنت الملك الحق [ المبين ] (1) لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سواء وظلمت نفسي ففزعت إليك تائبا مما جنيت فصل على محمد وآله واغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت يا أهل التقوى وأهل المغفرة. ثم يكبر تكبيرتين ويقول: لبيك وسعديك والخير كله لديك والشر ليس بمنسوب إليك أؤمن بك وأتوكل عليك وأؤمن برسولك وما جاء به من عندك فصل على محمد وآله وزك عملي بطولك وتقبل مني بفضلك. ثم يكبر تكبيرة واحدة ينوي بعدها الدخول في الصلاة، وأن يقول بعد تكبيرة الاحرام: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما على ملة إبراهيم ودين محمد وولاية أمير المؤمنين علي والائمة من ذريتهما وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. وتكبير الركوع والسجود، ورفع اليدين مع كل تكبيرة، وتكبيرة القنوت. والقنوت وموضعه (2) بعد القراءة من الثانية في كل صلاة، وأفضله كلمات الفرج، وهي: لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السموات السبع ورب الأرضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. وأنه يزيد على التسبيحة الواحدة في الركوع والسجود إلى الثلاث وإلى الخمس وإلى السبع، وأن يدعو في الركوع فيقول:

1 - ما بين المعقوفتين موجود في " س ".
2 - في " س ": والقنوت موضعه.

[ 84 ]

اللهم لك ركعت ولك خشعت ولك خضعت ولك أسلمت وبك آمنت خشع لك لحمي ودمي وعظمي وشعري وبشري وما أقلت الأرض مني. وأن يقول عند رفع رأسه من الركوع: سمع الله لمن حمده، وعند استوائه قائما: الحمد لله رب العالمين أهل الكبرياء والعظمة والجود والجبروت، وأن يدعو في السجود فيقول: اللهم لك سجدت ولك خشعت وبك آمنت ولك أسلمت وعليك توكلت، سجد وجهي البالي الفاني لوجهك الدائم الباقي سجد وجهي للذي خلقه وبرأه وصوره وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين. والارغام بالانف في السجود، وأن يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وعافني واعف عني إني لما أنزلت إلي من خير فقير، وأن يقول بعد السجدة الثانية حين ينهض: بحول الله وقوته أقوم وأقعد، وأن يقول في التشهد الأول: بسم الله وبالله والأسماء الحسنى كلها لله ما طاب وطهر وزكى ونمى وخلص فهو لله وما خبث فلغير الله. وأن يقول بعد الشهادتين: أرسله بالهدي ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وأن يقول في التشهد الثاني: التحيات لله والصلوات الطيبات الطاهرات الزاكيات الناميات المباركات الغاديات الرائحات، لله ما طاب وطهر وزكى ونمى وخلص، وما خبث فلغير الله. وأن يقول بعد الشهادتين: أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة داعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا، وبعد الصلاة على محمد وآله: اللهم صل على ملائكتك المقربين وعلى أنبيائك المرسلين وعلى أهل طاعتك أجمعين،

[ 85 ]

واخصص اللهم محمدا وآله بأفضل الصلاة والتسليم، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين اللهم صل على محمد وآله المصطفين. وأن يكون نظره في حال قيامه إلى موضع سجوده، وفي حال الركوع إلى بين قدميه، وفي حال سجوده إلى طرف أنفه، وفي حال جلوسه إلى حجره، وأن يجعل يديه في حال قيامه على فخذيه محاذية لعيني ركبتيه، وفي حال ركوعه على عيني ركبتيه، وفي حال السجود، بحذاء الاذنين، وفي جلوسه على الفخذين. وأن يلقى الأرض عند الانحطاط إلى السجود بيديه قبل ركبتيه، وأن يعتمد عليهما عند القيام، وأن يسوي ظهره، ويمد عنقه في حال الركوع، وأن يكون متعلقا في حال السجود، يجافي بعض أعضائه عن بعض، وأن يرد رجله اليمنى إلى خلفه إذا جلس، ولا يقعي بين السجدتين، وأن يجلس في حال التشهد متوركا على وركه الأيسر، مع ضم فخذيه، ووضع ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى. وأن لا يصلي ويداه داخل ثيابه، ولا يفرقع أصابعهما، ولا يتثاءب، ولا يتنخع، ولا ينفخ موضع سجوده، ولا يتأوه بحرف، ولا يدافع الاخبثين. وأن لا يكون في قبلته سلاح مشهور، أو قرطاس مكتوب، أو نجاسة ظاهرة، وأن لا يكون معه سيف، أو سكين، أو شئ فيه صورة، ولا يصلي في لباس أو مكان ذكرنا أن الصلاة تكره ففيه. وأن يعقب فيكبر بعد التسليم ثلاث مرات، يرفع بها يديه، ويقول: لا إله إلا الله وحده وحده وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وغلب الاحزاب وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت ويميت ويحيى وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شئ قدير يولج الليل في النهار... الآية. (1)

1 - فاطر: 13.

[ 86 ]

ويسبح تسبيح الزهراء عليها السلام ويدعو بما أراد، وأن يعفر بعد التعقيب بأن يطرح نفسه على الأرض، ويضع جبهته موضع سجوده ويقول: اللهم إليك توجهت وإليك قصدت وبفنائك حللت وبمحمد وآله تقربت وبهم استشفعت وبهم توسلت فصل عليهم أجمعين وعجل فرجهم واجعل فرجنا مقرونا بفرجهم. ثم يضع خده الأيمن موضع جبهته ويقول: اللهم ارحم ذلي بين يديك وتضرعي إليك ووحشتي من الناس وأنسي بك يا كريم يا كريم يا كريم. ثم يضع خده الأيسر موضع الأيمن ويقول: لا إله إلا الله حقا حقا لا إله إلا الله تعبدا ورقا لا إله إلا الله إيمانا وصدقا اللهم إن عملي ضعيف فضاعفه لي يا كريم يا كريم يا كريم. ثم يضع جبهته موضع سجوده ويقول: شكرا شكرا مائة مرة أو ما تيسر له، ثم يرفع رأسه ويمسح موضع سجوده بيده اليمنى، ويمسح بها وجهه وصدره. وصلاة المرأة كصلاة الرجل، ولا تخالفه إلا بما نذكره وهي: أنها يستحب لها أن تضع يديها في حال القيام على ثدييها، وفي حال الركوع على فخذيها. ولا تطأطئ، وتجلس من غير أن تنحني، وتسجد منضمة وتجلس بين السجدتين وللتشهدين منضمة ناصبة ركبتيها واضعة قدميها على الأرض. وإذا أردت القيام وضعت يديها على جنبيها، ونهضت حالة واحدة كل ذلك بدليل الاجماع الماضي ذكره، وأيضا فما ذكرناه من دعاء، وتسبيح وتعقيب، وتعفير ; يدل عليه ظواهر الآيات المتضمنة للامر بفعل الخير بالدعاء والتسبيح

[ 87 ]

والذكر لله تعالى والثناء عليه، ويخص القنوت قوله تعالى: * (وقوموا لله قانتين) * (1) والمفهوم من لفظة " قنوت " في الشرع هو الدعاء، فوجب حمل الآية عليه، دون ما يحتمله في اللغة، من طول القيام وغيره. الفصل التاسع: في صلاة الجماعة الاجتماع في فرائض اليوم والليلة عدا فريضة الجمعة سنة مؤكدة، بدليل الاجماع الماضي ذكره، وأيضا فالأصل براءة الذمة، وشغلها بإيجاب الاجتماع للصلاة، يحتاج إلى دليل، ويعارض المخالف في ذلك بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ (2) بسبع وعشرين درجة (3) والمفاضلة لا تكون إلا فيما اشترك فيه الشيئان، وزاد أحدهما على الآخر فيه، فلو كانت صلاة الفذ (4) غير مجزئة، لم يصح المفاضلة بينها وبين صلاة الجماعة. ومن شرط انعقاد الصلاة جماعة: الأذان والإقامة. وأن يكون الامام عاقلا مؤمنا بلا خلاف، عدلا بدليل الاجماع الماضي و طريقة الاحتياط، [ واليقين بالبراءة ] (5) وقوله تعالى: * (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) * (6) لأن الاقتداء بالفاسق ركون إليه، لا سيما وقد ورد من طرق المخالف قوله صلى الله عليه وآله وسلم: الامام ضامن (7) وأيضا فالفضل معتبر في باب الامامة، على ما

1 - البقرة: 238. 2 و 4 - في " ج " و " س ": " الفرد " وكلاهما بمعنى الواحد.
3 - صحيح البخاري: 1 / 166، كتاب الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة.
5 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج ".
6 - هود: 113.
7 - الجامع الصغير: 1 / 476 برقم 3076، 3077 ولاحظ الوسائل: 5 / 421، ب 30 من أبواب صلاة الجماعة، ح 1 و 3.

[ 88 ]

دل عليه سياق قوله صلى الله عليه وآله وسلم: يؤمكم أقرؤكم (1) إلى آخر الخبر، وإذا ثبت ذلك وكان الفسق نقصا عظيما في الدين، لم يجز تقديم الفاسق على العدل التقي. وأن يكون طاهر الولادة بمثل ما قدمناه، لأن ولد الزنا عندنا مقطوع على عدم عدالته في الباطن، وإن أظهر خلاف ذلك. ولا يصح الائتمام بالأبرص والمجذوم والمحدود والزمن والخصي والمرأة إلا بمن كان مثلهم، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط. ويكره الائتمام بالأعمى والعبد ومن يلزمه التقصير، ومن يلزمه الاتمام والمتيمم إلا بمن كان مثلهم، وإذا حضر جماعة لهم الصفات التي ذكرناها للامامة، فالأولى بالتقديم رب القبيلة، أو المسجد، أو البيت، فإن لم يكن فأقرؤهم، فإن استووا فأفقههم، فإن استووا فالهاشمي، فإن استووا فأكبرهم سنا، كل ذلك بدليل الاجماع الماضي ذكره. وأقل ما ينعقد به الجماعة فيما عدا يوم الجمعة اثنان، يقف المؤتم منهما عن يمين الامام، ويلزم المؤتم أن يقتدي بالامام عزما (2) وفعلا، ولا يقرأ في الاوليين من كل صلاة، ولا في الغداة، إلا أن يكون في صلاة جهر وهو لا يسمع قراءة الامام، فأما الأخريان وثالثة المغرب فحكمه فيها حكم المنفرد. ويستحب أن يقدم في الصف الأول الخواص من ذوي الاحلام والنهي، و بعدهم العوام والاعراب، وبعدهم العبيد، وبعدهم الصبيان، وبعدهم النساء، ولا يجوز أن يكون بين الامام والمأمومين ولا بين الصفين ما (3) لا يتخطى مثله،

1 - الوسائل: 5 / 419، ب 28 من أبواب صلاة الجماعة، ح 1 وسنن البيهقي: 3 / 90، 91 كتاب الصلاة باب اجعلوا أئمتكم خياركم و...
2 - في " س ": " عرفا ".
3 - في " س ": بما.

[ 89 ]

من مسافة، أو بناء أو نهر، بدليل الاجماع الماضي ذكره. ومن دخل المسجد ولم يجد مقاما له في الصفوف، أجزأه أن يقوم وحده، محاذيا لمقام الامام، وانعقدت صلاته، بدليل الاجماع الماضي ذكره، ويعارض المخالف بما روي من طرقهم عن أبي بكر (1): أنه دخل المسجد وهو يلهث، فوجد رسول الله صلى الله عليه وآله راكعا، فركع خلف الصف، ثم دخل في الصف، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من أحرم خلف الصف؟ فقال: أنا، فقال: زادك الله حرصا ولا تعد.
(2) ولو لم يكن صلاته انعقدت، لامره بإعادتها. ونهيه عمن العود يحتمل أن يكون عن العود إلى تأخر عن الصلاة، أو عن دخول المسجد وهو يلهث، لأن المصلي مأمور بأن يأتي الصلاة وعليه السكينة والوقار. ومن أدرك الامام راكعا فقد أدرك الركعة بلا خلاف، فإن سبقه بركعته جعل ثانية الامام له أولة، وإذا جلس الامام للتشهد، جلس هو مستوفزا (3) ولم يتشهد، فإذا نهض الامام إلى الثالثة، نهض معه إليها، وهي له ثانية، فقرأ لنفسه الحمد وسورة، فإذا ركع الامام ركع بركوعه وسجد بسجوده، فإذا نهض الامام إلى الرابعة جلس هو فتشهد تشهدا خفيفا، ولحق الامام قائما، فركع بركوعه وسجد بسجوده، فإذا جلس الامام للتشهد الأخير، فليجلس هو مستوفزا ولا يتشهد، فإذا سلم الامام، نهض هو فتمم الصلاة. وإن سبق بركعتين فآخرتا الامام له أولتان، يقرأ فيهما لنفسه كالمنفرد، ويتبع الامام فيما يفعله إلى أن يسلم، فإذا سلم، نهض هو، فتمم باقي الصلاة، وكذلك حكم من سبق بثلاث ركعات. ويدل على أن ما أدركه المسبوق أول صلاته الاجماع الماضي ذكره.

1 - في المصدر: عن أبي بكرة.
2 - سنن البيهقي: 2 / 90 و: 3 / 106.
3 - استوفز في قعدته: قعد منتصبا غير مطمئن: المصباح المنير.

[ 90 ]

ويعارض من قال: إن ذلك آخر صلاته، ويقضي ما فاته من أولها، بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ائتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا (1)، وحقيقة الاتمام في إكمال ما تلبس به، والقول بأن ذلك قضاء لما فات ترك لظاهر الخبر. الفصل العاشر وأما الاجتماع في صلاة الجمعة فواجب بلا خلاف، إلا أن وجوبه يقف على شروط، وهي: الذكورة، والحرية، والبلوغ، وكمال العقل، وزوال السفر والمرض والعمى والعرج، والكبر الذي يمنع من الحركة، وتخلية السرب، وحضور الامام العادل أو من نصبه وجرى مجراه، وحضور ستة نفر معه، والتمكن من الخطبتين، وأن يكون بين مكان الجمعة وبين المكلف بها فرسخان فما دونهما، ويسقط فرض حضورها عمن عدا من ذكرناه، فإن حضرها وكان مكلفا، لزمه الدخول فيها جمعة وأجزأته عن الظهر، كل ذلك بدليل الاجماع الماضي ذكره. ولا يجوز انعقاد الجمعة في موضعين بينهما من المسافة دون ثلاثة أميال، ويجوز انعقادها بحضور أربعة نفر مع الامام، وتنعقد بحضور من لم يلزمه من المكلفين إلا النساء (2) بدليل الاجماع المشار إليه. ويستحب الغسل في يوم الجمعة كما قدمناه، وقص الشارب والأظفار، والتجمل باللباس، ومس شئ من الطيب ; ويستحب للامام التحنك والارتداء وتقديم دخول المسجد، ليقتدي به الناس، فإذا زالت الشمس وأذن

1 - صحيح البخاري: 1 / 163 - 164، كتاب الصلاة، باب لا يسعى إلى الصلاة....
2 - في الأصل: كالنساء. وفي كشف اللثام: 1 / 248 " وفي نسخة الغنية التي عندنا - وقد قرأها المحقق الطوسي على الشيخ معين الدين المصري -: وتنعقد بحضور من لم يلزمه من المكلفين كالنساء. وكتب المصري على الحاشية: الصواب " إلا النساء " ولاحظ جواهر الكلام: 11 / 277.

[ 91 ]

المؤذنون، صعد المنبر، فخطب خطبتين مقصورتين على حمد الله سبحانه والثناء عليه، والصلاة على محمد وآله، والوعظ والزجر، يفصل بينهما بجلسة، ويقرأ سورة خفيفة من القرآن. وينبغي للمأمومين الانصات إلى الخطبة، وترك الكلام بما لا يجوز مثله في الصلاة، فإذا فرغ من الخطبة، أقيمت الصلاة، ونزل فصلى بالناس ركعتين، يقرأ في الأولى منهما الحمد وسورة الجمعة، وفي الثانية الحمد وسورة المنافقين، ويستحب أن يصلي بهم العصر عقيب الجمعة بإقامة من غير أذان. ولا يجوز السفر إذا زالت الشمس، وتكاملت شروط وجوب الجمعة حتى يصلي، ويكره السفر من بعد طلوع الفجر إلى الزوال، وإذا فاتت الجمعة بأن يمضي من الزوال مقدار الأذان والخطبة وصلاة الجمعة لم يجز قضاؤها، ووجب أن يؤدي ظهرا، كل ذلك بدليل الاجماع الماضي ذكره. (1) الفصل الحادي عشر: في كيفية صلاة المضطر المضطر إلى ترك الشئ مما بينا أنه يجب في كيفية صلاة المختار تختلف كيفية صلاته على حسب اختلاف حاله في الضرورات، وهو مكلف بأدائها في آخر الوقت، على أي صفة تمكن منها، فالمريض الذي لا يقدر على القيام إلا بأن يعتمد على حائط أو عصا يلزمه القيام كذلك، فإن لم يقدر عليه على هذه الصفة صلى جالسا، فإن لم يتمكن من ذلك، صلى مضطجعا على جنبه الأيمن، فإن لم يتمكن صلى مستلقيا على ظهره، وأقام تغميض عينيه مقام ركوعه وسجوده، و فتحهما مقام رفع الرأس منهما. والمضطر إلى الركوب يصلي راكبا ويومئ بالركوع، ويسجد على ما تمكن،

1 - في " ج ": بدليل الاجماع المذكور الماضي ذكره.

[ 92 ]

وكذلك المضطر إلى المشي، يصلي ماشيا ويومئ بالركوع والسجود، ويتوجهان إلى القبلة إن تمكنا، وإلا بتكبيرة الاحرام. والراكب في السفينة يصلي قائما إن تمكن، وإلا جالسا، ويتوجه إلى القبلة في جميع الصلاة، فإن كانت السفينة دائرة توجه إلى القبلة، ودار إليها مع دور السفينة، فإن لم يتمكن أجزأه أن يستقبلها بتكبيرة الاحرام فإن لم يعرف القبلة توجه إلى صدر السفينة وصلى حيث توجهت، وكذا السابح والغريق والموتحل (1) والمقيد والمربوط، يصلون على حسب استطاعتهم ويومون بالركوع والسجود. والعريان إن كان بحيث يراه أحد، صلى جالسا يومئ بالركوع والسجود، وإن كان بحيث لا يراه أحد، صلى قائما وركع وسجد، فإن كان العراة جماعة صلوا جلوسا، إمامهم في وسطهم، لا يتقدمهم إلا بركبتيه. والخائف من العدو يصلي أيضا على حسب استطاعته، والخوف بانفراده موجب لقصر الصلاة، سواء كان الخائف حاضرا أو مسافرا، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. وكيفية صلاة الخوف جماعة: أن يفرق الامام أصحابه فرقتين: فرقة يجعلها بإزاء العدو، ويصلي بالأخرى ركعة، فإذا نهض إلى الثانية صلوا لانفسهم الأخرى، وهو قائم مطول للقراءة، فإذا سلموا انصرفوا (2) فقاموا مقام أصحابهم، وجاءت الفرقة الأخرى فلحقوا الامام قائما في الثانية فاستفتحوا الصلاة، وركعوا بركوعه، وسجدوا بسجوده، فإذا جلس للتشهد قاموا فصلوا الركعة الأخرى، وثبت جالسا حتى يلحقوه، فإذا جلسوا معه، سلم بهم، وانصرفوا بتسليمة، والدليل على صحة هذا الترتيب الاجماع المشار إليه وأيضا قوله تعالى: * (وإذا كنت فيهم

1 - الوحل - بالفتح جمعه أو حال، مثل سبب وأسباب -: الطين الرقيق. المصباح المنير.
2 - في " ج ": فإذا سلموا تفرقوا.

[ 93 ]

فأقمت لهم الصلاة) * (1) الآية، لأن ظاهرها يقتضي أن الطائفة الثانية تصلي مع الامام جميع صلاتها، وعلى مذهب أبي حنيفة المخالف فيما ذكرناه يصلي معه النصف، فقد خالف الظاهر، ولأنه تعالى قال: * (فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم) * (2)، فظاهر هذا يقتضي أن يكون المراد سجود الطائفة الأولى في الركعة الثانية، لأنه أضاف السجود إليهم. والصلاة التي يشترك فيها الامام والمأموم تضاف إلى الامام أو إلى الامام و المأموم، ولا تضاف إلى المأموم وحده لأنه تابع ; ويشهد بصحة ما قلناه، أن فيه تسوية بين الفرقتين من وجهين: أحدهما أن الامام يحرم بالفرقة الأولى ويسلم بالثانية، فيحصل للأولى فضيلة الاحرام، وللثانية فضيلة التحليل، وعلى قول المخالف يحرم بالأولى ولا يسلم بالثانية. والوجه الثاني أن الفرقة الأولى حين صلت مع الامام، حرستها الثانية و ليست في الصلاة، وعلى قولنا: تحرس الأولى أيضا وليست في الصلاة للثانية و هي في الصلاة فتساوتا في حال الحراسة. وعلى قول المخالف تنصرف الأولى فتقف في وجه العدو، ولا تنقطع بذلك صلاتهم، فتقع حراستهم وهم في الصلاة، ويشهد بفساد قول المخالف أن الصلاة التي ذهب إليها تشتمل على أمور يبطل بمثلها الصلاة، من المشي الكثير، واستدبار القبلة، والانتظار الكثير، وقد روي من طرق المخالف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى صلاة الخوف على الترتيب الذي ذكرناه (3) وذلك مما يحتج عليهم. فإن كانت الصلاة المغرب صلى الامام بالطائفة الأولى ركعة إن شاء أو ركعتين، وبالثانية ما بقي، فإن خافوا العدو بالانقسام، صلوا على ظهور خيلهم

1 و 2 - النساء: 102.
3 - لاحظ سنن البيهقي: 3 / 261 وسنن الدارقطني: 2 / 59.

[ 94 ]

في مصافهم، متوجهين إلى القبلة في جميع الصلاة إن أمكن، وإلا بتكبيرة الاحرام، ويومون بالركوع ويسجدون على قرابيس سروجهم، وإن كانت الحال حال طراد و مسايفة عقد كل واحد منهم الصلاة بالنية وتكبيرة الاحرام، وقال مكان كل ركعة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ويتشهد ويسلم، كل ذلك بدليل الاجماع المقدم ذكره. الفصل الثاني عشر ونذكر الآن كيفية ما عدا فرائض اليوم والليلة من الصلاة المفروضة. الفصل الثالث عشر: في كيفية صلاة العيدين وما يتعلق بها صلاة العيدين واجبة عندنا بشروط وهي شروط الجمعة سواء، بدليل الاجماع الماضي ذكره وطريقة الاحتياط، لأن من صلاها برئت ذمته بيقين، وليس كذلك من لم يصلها، وهي ركعتان بلا خلاف باثنتي عشرة تكبيرة: سبع في الأولى وخمس في الثانية منها (1) تكبيرة الاحرام وتكبيرة القيام وتكبيرتا الركوع (2) في رواية، وفي رواية أخرى أنه يقوم إلى الثانية منها بغير تكبير، ويعارض المخالف في عدد التكبيرات بما روي من طرقهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كبر في الأولى سبعا وفي الثانية خمسا (3) ويقنت بين كل تكبيرتين بما نذكره، بدليل الاجماع الماضي ذكره. ومن السنة أن يصحر بها، ويخرج الامام والمأمومون مشاة، وأن يقف

1 - في " س ": ومنها.
2 - في " س ": وتكبيرة الركوع.
3 - سنن البيهقي: 3 / 285 باب التكبير في صلاة العيدين.

[ 95 ]

الامام كلما مشى قليلا ويكبر، حتى يبلغ المصلى فيجلس حتى تنبسط الشمس وذلك أول وقتها، ثم يقوم والناس معه بغير أذان ولا إقامة بلا خلاف ممن يعتد به، وبل يقول المؤذنون: الصلاة، ثلاث مرات، ثم يدخل في الصلاة بتكبيرة الاحرام، ويقرأ الحمد والشمس وضحيها، فإذا فرغ من القراءة كبر وقنت فقال: اللهم أهل الكبرياء والعظمة وأهل العزة والجبروت وأهل القدرة والملكوت وأهل الجود والرحمة وأهل العفو والعافية أسألك بهذا اليوم الذي عظمته وشرفته وكرمته وجعلته للمسلمين عيدا ولمحمد صلى الله عليه وآله وسلم كرامة وذخرا ومزيدا أن تصلي على محمد وآله وتغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات وتجعل لنا من كل خير قسمت فيه حظا ونصيبا برحمتك يا أرحم الراحمين. ثم يكبر ويقول مثل ذلك، حتى تكمل ست تكبيرات بعد القراءة يركع بالسادسة، فإذا نهض إلى الركعة الثانية واستوى قائما كبر وقرأ الحمد، و * (هل أتاك حديث الغاشية) * (1) ثم يكبر بعد القراءة أربعا، يقنت بين كل تكبيرتين منها بما ذكرناه، ويركع بالرابعة، وعلى الرواية الأخرى (2) يقوم بغير تكبير ويكبر بعد القراءة خمسا يركع بالخامسة، ويحتج على المخالف بأنه لا خلاف أن من صلى على الترتيب الذي ذكرناه أجزأه ذلك إذا أداه اجتهاده إليه، ولا دليل على إجزاء ما خالفه، فكان الاحتياط فيما قلناه. فإذا فرغ من الصلاة صعد المنبر فخطب بالناس، والخطبة بعد الصلاة، بلا خلاف ممن يعتد به، والمكلف مخير بين سماع الخطبة والانصراف، والسماع أفضل، بدليل الاجماع الماضي ذكره، ويستحب فعلها لمن لم يتكامل له شرائط وجوبها، ولا يجب قضاؤها إذا فاتت، ولا يفوت حتى تزول الشمس.

1 - الغاشية: 1.
2 - لاحظ الوسائل: 5 / 105، ب 10 من أبواب صلاة العيد.

[ 96 ]

ولا يجوز التطوع بالصلاة للامام ولا المأموم قبل صلاة العيد ولا بعدها، حتى تزول الشمس، إلا في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن المكلف مرغب في صلاة ركعتين فيه، ولا يجوز انعقاد صلاة العيد في موضعين بينهما دون ثلاثة أميال، كما قلناه في الجمعة، ولا يجوز السفر في يوم العيد قبل صلاته الواجبة، ويكره قبل المسنونة، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. وإذا اجتمع عيد وجمعة وجب حضورهما على من تكاملت له شرائط تكليفهما، وقد روي: أنه إذا حضر العيد كان مخيرا في (1) حضور الجمعة (2)، وظاهر القرآن وطريقة الاحتياط يقتضيان ما قدمناه. ويستحب أن يكبر ليلة الفطر عقيب أربع صلوات أولاهن المغرب، ويوم الأضحى عقيب خمس عشرة صلاة لمن كان بمنى، ولمن كان بغيرها من الامصار كبر عقيب عشر صلوات، وأول الصلوات الظهر من يوم العيد، بدليل الاجماع الماضي ذكره. الفصل الرابع عشر: في كيفية صلاة الكسوف والآيات العظيمة وما يتعلق بها هذه الصلاة عشر ركعات بأربع سجدات، يركع بعد القراءة، فإذا رفع رأسه من الركوع قرأ، فإذا فرغ ركع ; هكذا حتى يكمل خمس ركعات، ولا يقول: سمع الله لمن حمده إلا في رفع رأسه من الركعة الخامسة، ثم يسجد سجدتين، وينهض فيصنع كما صنع أولا، ولا يقول: سمع الله لمن حمده إلا في رفع رأسه من الركعة العاشرة، ثم يسجد سجدتين ويتشهد ويسلم. والدليل على ما ذكرناه الاجماع الماضي ذكره، وأيضا فالاحتياط يقتضي ما ذكرناه، لمثل ما قلناه في كيفية

1 - كذا في الأصل ولكن في " ج " و " س ": كان مخيرا بين.
2 - لاحظ الوائل: 5 ب 15 من أبواب صلاة العيد.

[ 97 ]

صلاة العيد. ويعارض المخالف بما رواه أبي بن كعب (1) قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى بنا، وقرأ سورة من الطوال، وركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام فقرأ سورة من الطوال، وركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، وجلس صلى الله عليه وآله وسلم كما هو مستقبل القبلة، يدعو حتى تجلى القرص.
(2) ويستحب أن يصلي جماعة، وأن يجهر بالقراءة فيها، وأن يقرأ بالسور الطوال، وأن يكبر كلما رفع رأسه من الركوع، وأن يقنت في كل ركعتين، وأن يجعل زمان ركوعه بمقدار زمان قيامه، بدليل الاجماع الماضي ذكره. ومن تركها حتى تجلى القرص وجب عليه قضاؤها، فإن كان متعمدا فهو مأزور (3) ويلزمه مع القضاء التوبة والاستغفار، وإن كان مع التعمد وقد احترق القرص كله، استحب له مع ذلك الغسل، كما قدمناه، بدليل الاجماع الماضي ذكره. الفصل الخامس عشر: في كيفية صلاة الطواف وما يتعلق بها من طاف بالبيت وجب عليه بعد فراغه ركعتان عند مقام إبراهيم عليه السلام، ويستحب له أن يقرأ في الأولى مع الحمد سورة الاخلاص، وفي الثانية (قل يا أيها الكافرون)، فإن نسي صلاتهما عند المقام كان عليه صلاتهما عنده، فإن لم يذكر حتى خرج، رجع فصلاهما عنده، فإن لم يتمكن صلاهما بحيث هو (4) وذلك كله بدليل الاجماع المشار إليه.

1 - أبي بن كعب بن قيس الأنصاري الخزرجي، هو أول من كتب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروى عنه ابن عباس وأبو أيوب وعبادة، مات سنة 19 وقيل 32 ه‍. لاحظ تهذيب التهذيب: 1 / 187 وأسد الغابة: 1 / 49.
2 - جامع الأصول: 7 / 125 برقم 4278.
3 - من الوزر وهو الإثم.
4 - في " س ": حيث هو.

[ 98 ]

الفصل السادس عشر: في كيفية صلاة النذر وما يتعلق بها يجب من ذلك ما يشرطه المكلف على نفسه من صفة الصلاة، ومن فعلها في الزمان، أو المكان المخصوص إن شرطه ; فإن فعلها على خلاف ما شرطه لزمته الاعادة. وإن كان ما علقها به من الزمان لا مثل له، كيوم معلوم من شهر مخصوص، فخرج ولم يؤدها مختارا لزمه عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوما، فإن لم يقدر فعليه إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن لم يتمكن تصدق بما قدر عليه، فإن فوتها مضطرا فلا كفارة عليه، والقضاء لازم له، كل ذلك بدليل الاجماع الماضي ذكره. الفصل السابع عشر: في صلاة القضاء القضاء عبارة عن فعل مثل الفائت بخروج وقته، ولا يتبع في وجوبه وجوب الأداء، ولهذا وجب أداء الجمعة ولم يجب قضاؤها، ووجب قضاء الصوم على الحائض ولم يجب عليها أداؤه، على ما قدمناه في أصول الفقه، ويجب فعله في حال الذكر له، إلا أن يكون ذلك آخر وقت فريضة حاضرة يخاف فوتها بفعله، بدليل الاجماع الماضي ذكره وطريقة الاحتياط. ويعارض المخالف بما روي من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها (1) ومن صلى الأداء قبل تضيق وقته وهو ذاكر

1 - سنن الدارمي: 1 / 280 وسنن البيهقي: 2 / 218 و 219 ومسند أحمد بن حنبل: 3 / 100 =

[ 99 ]

للفائت لم يجز، بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا ففرض القضاء مضيق لا بدل له، وفرض الأداء موسع، له بدل هو العزم، على ما بيناه في أصول الفقه، وإذا كان كذلك لم يجز الاشتغال بالواجب الموسع وترك الواجب المضيق، ويعارض المخالف بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا صلاة لمن عليه صلاة. (1) ومن صلى الأداء قبل تضيق وقته، وهو غير ذاكر للفائت، لم يخل إما أن ذكره وهو في الصلاة، أو بعد خروجه منها، فإن ذكره وهو في الصلاة، لزمه نقل النية إليه إن أمكن ذلك، فإن لم يفعل لم يجز الأداء، وإن لم يذكره حتى خرج من الصلاة أجزأه، وذلك بدليل الاجماع الماضي ذكره. ومن فاتته صلاة من الخمس غير معلومة له بعينها، لزمه أن يصلي الخمس بأسرها، وأن ينوي بكل صلاة منها قضاء الفائت، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط، ومن فاته من الصلاة ما لم يعلم كميته، لزمه أن يقضي صلاة يوم بعد يوم، حتى يغلب على ظنه الوفاء. ومن أغمي عليه قبل دخول وقت الصلاة لا لسبب أدخله على نفسه بمعصية (2) إذا لم يفق حتى خرج وقت الصلاة، لم يجب قضاؤها، بدليل الاجماع المشار إليه. والمرتد يجب عليه إذا عاد إلى الاسلام قضاء ما فاته في حال ردته، وقبل أن يرتد، من الصلاة وغيرها من العبادات، بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا فقد دللنا فيما مضى على أن الكفار مخاطبون بالشرائع، ومن جملتها قضاء ما يفوت من

= و 243 و 269 باختلاف يسير. 1 - لم نجد النص في صحاح القوم ومسانيدهم نعم نقله الشيخ - قدس سره - في المبسوط: 1 / 127 والخلاف كتاب الصلاة، المسألة 139. ونسبه المحقق الثاني إلى الأئمة عليهم السلام، لاحظ جامع المقاصد 2 / 25 من الطبعة الحديثة.
2 - في " ج " و " س ": بمعصيته.

[ 100 ]

العبادات، ولا يلزم على ذلك الكافر الاصلي، لأنا أخرجناه بدليل، وهو إجماع الأمة على أنه ليس عليه قضاؤه. ومن مات وعليه صلاة، وجب على وليه قضاؤها، وإن تصدق عن كل ركعتين بمد أجزأه، فإن لم يستطع فعن كل أربع بمد، فإن لم يجد فمد لصلاة النهار ومد لصلاة الليل، وذلك بدليل الاجماع الماضي ذكره وطريقة الاحتياط، وكذلك نقول في وجوب قضاء الصوم والحج على الولي. وقوله تعالى: * (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) * (1)، وما روي من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا مات المؤمن انقطع عمله إلا من ثلاث (2)، لا ينافي ما ذكرناه، لأنا لا نقول: إن الميت يثاب بفعل الولي، ولا أن عمله لم ينقطع، وإنما نقول: إن الله تعالى تعبد (3) الولي بذلك والثواب له دون الميت، ويسمى قضاء عنه من حيث حصل عند تفريطه. ويعارض المخالف في قضاء العبادة عن الميت بما رووه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه (4)، ورووا أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إنه كان على أمي صوم شهر، فأقضيه عنها؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت تقضينه؟ قالت: نعم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: فدين الله أحق أن يقضى (5)، ومثل ذلك رووا في الحج في خبر الخثعمية عنه صلى الله عليه وآله وسلم حين سألته عن قضائه عن أبيها (6)، وروى ابن عباس عنه صلى الله عليه وآله وسلم في صوم النذر: أنه أمر ولي الميت

1 - النجم: 39.
2 - بحار الانوار: 2 / 22 و 23، عوالي اللئالي: 1 / 97، الجامع الصغير: 1 / 130 برقم 850 ومسند أحمد بن حنبل: 2 / 372. وفي بعض المصادر (إذا مات الانسان...).
3 - في " س ": " يقيد " والصحيح ما في المتن. 4 و 5 - صحيح مسلم: 3 / 155 كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت.
6 - لاحظ صحيح البخاري: 2 / 163 كتاب الحج باب وجوب الحج، والتاج الجامع للأصول: 2 / 110، كتاب الحج.

[ 101 ]

أن يصوم عنه. (1) الفصل الثامن عشر: في كيفية الصلاة على الأموات وما يتعلق بذلك لما كانت الصلاة عليهم تترتب على أمور يتقدمها، من تغسيل وتكفين، اقتضى ذلك تقديم ذكرهما، ونحن نفعل ذلك، ثم نتبعه بذكر كيفية الصلاة عليه، ونتبع ذلك بكيفية دفنه، إن شاء الله تعالى، فنقول: غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فرض على الكفاية، إذا قام به بعض المكلفين سقط عن الباقين بلا خلاف، وإذا أريد غسله استحب أن يوضع على سرير أو غيره، مما يرفعه عن الأرض، وأن يكون ذلك تحت سقف، وأن يوجه إلى القبلة بأن يكون باطن قدميه إليها، وأن يحفر لماء الغسل حفيرة تخصه، وأن يقف الغاسل على جانبه الأيمن، وأن لا يتخطاه، وأن يغسل يديه - أعني الميت - إلا أن يكون عليهما نجاسة، فيجب الغسل، وكذا حكم فرجه، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. ويستحب أن يوضئه بعد ذلك على قول الأكثر من أصحابنا، ولا خلاف بينهم أنه لا يمضمض ولا يستنشق (2)، ووجب بعد ذلك أن يغسل على هيئة غسل الجنابة ثلاث غسلات: الأولى بماء السدر، والثانية بماء جلال الكافور (3) و الثالثة بماء القراح، ولا يجوز أن يقعد بل يستحب أن يمسح بطنه مسحا رقيقا في الغسلتين الاوليين بدليل الاجماع المشار إليه. ويكره إسخان الماء إلا أن يخاف

1 - صحيح مسلم: 3 / 156 كتاب الصيام.
2 - كذا في " ج ": ولكن في الأصل و " س ": ولا ينشق.
3 - قال الحلي: معنى الجلال: الجليل وهو الجيد فهو من أوزان المبالغة في أوصاف الجودة. لاحظ السرائر: 1 / 160.

[ 102 ]

الغاسل الضرر لشدة البرد، ولا يجوز قص أظفاره ولا إزالة شئ من شعره، بدليل الاجماع المشار إليه. ويغسل القتيل بحق (1) وغير حق، إلا قتيل المعركة في جهاد لازم فإنه لا يغسل وإن كان جنبا، ويدفن في ثيابه إلا القلنسوة والفروة والسراويل، فإن أصاب شيئا من ذلك دم لم ينزع، وينزع الخف على كل حال، فإن نقل عن المعركة وفيه حياة ثم مات غسل، ولا يغسل ما وجد من أبعاض الانسان إلا أن يكون موضع صدره، أو يكون فيه عظم، ولا يغسل السقط إذا كان له أقل من أربعة أشهر، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. وإذا لم يوجد للرجل من يغسله من الرجال المسلمين غسلته زوجته أو ذوات أرحامه من النساء، فإن لم يوجد من هذه صفته، غسلته الاجانب في قميصه وهن مغمضات، وكذلك الحكم في المرأة إذا ماتت بين الرجال، ومن أصحابنا من قال: إذا لم يوجد للرجل إلا الاجانب من النساء وللمرأة إلا الاجانب من الرجال، دفن كل واحد منهما بثيابه من غير غسل (2)، والأول أحوط. وأما الكفن فالواجب منه ثلاثة: مئزر وقميص وإزار، والمستحب أن يزاد على ذلك لفافتان أحدهما الحبرة وعمامة وخرقة يشد بها فخذاه، ولا يجوز أن يكون مما لا تجوز الصلاة فيه من اللباس، وأفضله الثياب البياض من القطن أو الكتان، كل ذلك بدليل الاجماع الماضي ذكره. والحنوط هو الكافور يوضع على مساجد الميت، ولا يجوز أن يطيب بغيره و لا به إذا كان محرما، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط، والسائغ منه ثلاثة عشر درهما وثلث، ويجزي مثقال واحد، بدليل الاجماع أيضا.

1 - في " ج ": ويغسل القتيل بجور.
2 - الشيخ الطوسي: المبسوط: 1 / 175.

[ 103 ]

ويستحب أن يوضع في الكفن جريدتان خضراوان من جرائد النخل، طول كل واحدة منهما كعظم الذراع ; ويستحب أن يكتب عليهما وعلى القميص والأزار ما يستحب أن يلقنه الميت من الاقرار بالشهادتين وبالائمة والبعث والثواب والعقاب، ثم يلف عليهما شئ من القطن، ويجعل إحداهما مع جانب الميت الأيمن قائمة من ترقوته ملصقة بجلده، والأخرى من الجانب الأيسر كذلك، إلا أنها بين الذراع والأزار، وذلك بدليل الاجماع المشار إليه. وقد روي من طرق المخالفين في الصحاح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اجتاز بقبرين فقال: إنهما ليعذبان بكثير (1) إن أحدهما كان نماما والآخر لا يستبرئ من البول، ثم استدعى بجريدة فشقها نصفين، وغرس في كل قبر واحدة وقال: إنهما لتدفعان عنهما العذاب ما دامتا رطبتين.
(2) وأما كيفية الصلاة عليه فالواجب منها أن يكبر المصلي خمس تكبيرات يشهد بعد الأولى الشهادتين ويصلي بعد الثانية على محمد وآله ويدعو بعد الثالثة للمؤمنين والمؤمنات فيقول: اللهم أرحم المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والأموات، اللهم أدخل على أمواتهم رأفتك ورحمتك وعلى أحيائهم بركات سمواتك وأرضيك إنك على كل شئ قدير. ويدعو بعد الرابعة للميت إذا كان ظاهره الايمان والصلاح فيقول: اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك نزل بك وأنت خير منزول به، اللهم

1 - في " س ": ليعذبان وما يعذبان بكثير.
2 - جامع الأصول: 11 / 448 والفتاوى الكبرى: 5 / 447 والتاج الجامع للأصول: 2 / 86 وسنن البيهقي: 1 / 104. ولفظ الحديث: " وما يعذبان بكبير " أي في شئ كبير عند الناس، لسهولة التحفظ من البول والنميمة (لاحظ التاج الجامع).

[ 104 ]

لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عنه واغفر له وارحمه، اللهم اجعله عندك في أعلى عليين واخلف على أهله في الغابرين وارحمه برحمتك يا أرحم الراحمين. وإن كان الميت امرأة قال: اللهم أمتك بنت عبدك وأمتك، وكنى عن المؤنث إلى آخر الدعاء. وإن كان طفلا قال: اللهم هذا الطفل كما خلقته قادرا قبضته طاهرا فاجعله لابويه فرطا ونورا وارزقنا أجره ولا تفتنا بعده. (1) وإن كان مستضعفا قال: ربنا اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم. وإن كان غريبا لا يعرفه قال: اللهم هذه النفس أنت أحييتها وأنت أمتها وأنت تعلم سرها وعلانيتها فولها ما تولت واحشرها مع من أحبت. وإن كان مخالفا للحق دعا عليه بما هو أهله، ويخرج بالتكبيرة الخامسة من الصلاة من غير تسليم، والدليل على ذلك الاجماع الماضي ذكره وطريقة الاحتياط، ويعارض المخالف بما روي من طرقهم من أنه صلى الله عليه وآله وسلم كبر خمسا (2) ولا يعارض ذلك ما رووه من أنه صلى الله عليه وآله وسلم كبر أربعا (3) لأنه يحتمل أن يكون كبر أربعا سمعن ولم تسمع الخامسة، ولأن من روى أنه كبر أربعا لم ينف الزيادة عليها، ومن كبر خمسا فقد كبر أربعا، ويعارض المخالف في إسقاط التسليم بإسقاط ما هو أوكد منه من الركوع والسجود، وإذا سقط ذلك بلا خلاف فما المنكر من إسقاط التسليم؟

1 - في " ج ": ولا تفتتنا بعده.
2 - صحيح مسلم: 3 / 56، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، وسنن البيهقي: 4 / 36، وجامع الأصول: 7 / 143 برقم 4300.
3 - صحيح مسلم: 3 / 54، كتاب الجنائز، باب في التكبير على الجنازة، وسنن البيهقي: 4 / 35.

[ 105 ]

والمستحب أن يقدم للصلاة أولى الناس بالميت أو من يقدمه، وأن يقف الامام حيال وسط الميت إن كان رجلا، وصدره إن كان امرأة، ولا ترفع اليدان إلا في التكبيرة الأولى، وأن يتحفى الامام، ولا يبرح بعد فراغه حتى ترفع الجنازة، وأن يقول من يصليها بعد الخامسة: " عفوك " ثلاث مرات، وأن يكون على طهارة ; كل ذلك بدليل الاجماع الماضي ذكره. وإذا اجتمع جنازة رجل وامرأة وصبي، استحب أن يجعل الرجل مما يلي الامام، وبعده المرأة، وبعدها الصبي، بدليل الاجماع أيضا، ولا يصلي على من لم يبلغ ست سنين فصاعدا، بدليل الاجماع المشار إليه، ولأن الصلاة على الميت حكم شرعي يفتقر إلى دليل، ولا دليل من جهة الشرع على وجوب الصلاة على من نقصت سنه عما ذكرناه. ولا يجوز أن يصلى على الميت بعد أن يمضي عليه يوم وليلة مدفونا لمثل ما قدمناه في المسألة الأولى، ويجب إعادة الصلاة على الميت إذا كانت الجنازة مقلوبة، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط، ويصلى على قتلى المسلمين إذا لم يتميزوا من قتلى الكفار بالقصد إليهم، ويصلى على المصلوب ولا يستقبل المصلي وجهه، والصلاة على الميت تكره أن تعاد، بدليل الاجماع المشار إليه. وأما كيفية دفن الميت وما يتعلق بها: فالواجب منها أن يوضع على جانبه الأيمن موجها إلى القبلة، والمستحب من ذلك تشييع الجنازة بالمشي خلفها أو عن يمينها أو عن شمالها، وأن يوضع إذا انتهى بها إلى القبر من قبل رجله، إن كان الميت رجلا، وأن ينقل (1) إليه في ثلاث مرات، ولا يفجأ بها، وأن ينزل من قبل رجلي القبر أيضا إليه يسل سلا، ويسبق إلى القبر رأسه قبل رجليه، وإن كانت امرأة وضعت أمام القبر من جهة القبلة، وأنزلت فيه بالعرض.

1 - في " س ": وإن انتقل.

[ 106 ]

وأن يكون عمق القبر قدر قامة، وأن يجعل فيه لحد أو شق، واللحد أفضل. وأن تحل حين وضعه فيه عقد أكفانه، ويوضع خده على التراب، ويلقن الشهادتين وأسماء الأئمة عليهم السلام، ويصنع ذلك به وليه أو من يأمره الولي، ولا يصنع ذلك بالمرأة إلا من كان يجوز له النظر إليها في حياتها. وأن يشرج عليه اللبن (1) أو ما يقوم مقامه، وأن يرفع القبر من الأرض بعد طمه، مقدار شبر أو أربع أصابع مفرجات، وأن يربع ولا يسنم، وأن يرش عليه الماء، يبدأ من عند رأسه، ويدار عليه حتى يرجع إلى الرأس، وأن يلقن أيضا بعد انصراف الناس عنه، كل ذلك بدليل الاجماع الماضي ذكره، وفيه الحجة. الفصل التاسع عشر: في كيفية الصلوات المسنونات أما نوافل اليوم والليلة فأربع وثلاثون ركعة، في حق الحاضر ومن هو في حكمه، ثمان منها بعد الزوال وقبل الظهر، وثمان بعد الظهر وقبل العصر، وأربع بعد المغرب، وركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة، وثمان ركعات صلاة الليل، وركعتا الشفع وركعة الوتر، وركعتا الفجر. وفي حق المسافر ومن هو في حكمه سبع عشرة ركعة، تسقط عنه نوافل الظهر والعصر والعشاء الآخرة، ويبقى ما عداها. ويسلم في كل ركعتين من جميع النوافل، ويفتتح بالتوجه منها نوافل الظهر والمغرب وعشاء الآخرة ونوافل الليل وركعة الوتر، ويقرأ فيهما بعد الحمد ما شاء

1 - اللبن - بكسر الباء -: ما يعمل من الطين، شرج اللبن: نضده، أي ضم بعضه إلى بعض. المصباح المنير.

[ 107 ]

من السور أو من أبعاضها، ويجوز الاقتصار في النوافل كلها مع الاختيار على الحمد وحدها. ويستحب أن يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الليل بعد الحمد، سورة الاخلاص ثلاثين مرة، وفي الثانية قل يا أيها الكافرون ثلاثين مرة، وأن يطول في القراءة في باقي الركعات، إذا لم يخف طلوع الفجر، وأن يطول قنوت الوتر، ودعاؤه موجود في كتب العمل، لا نطول بذكره هاهنا. والأفضل الاخفات في نوافل النهار والجهر في نوافل الليل، وكيفية النوافل فيما عدا ما ذكرناه كالفرائض، ويستحب قضاؤها إذا فاتت، كل ذلك بدليل الاجماع الماضي ذكره. ونوافل الجمعة عشرون ركعة: ست في صدر النهار، وست إذا ارتفع، وست قبل الزوال، وركعتان في أول الزوال، فإن لم يتمكن من ترتيبها كذلك، صليت جملة واحدة قبل الزوال، فإن أدرك الزوال وقد بقي منها شئ قضى بعد العصر، بدليل الاجماع المشار إليه. وأما نوافل شهر رمضان فألف ركعة زائدة على ما قدمناه من نوافل اليوم و الليلة، يصلى من ذلك في كل ليلة عشرون ركعة: ثمان منها بعد نوافل المغرب، و اثنتا عشرة ركعة بعد العشاء الآخرة وقبل نافلتها، من أول الشهر إلى تمام عشرين ليلة منه، وفي كل ليلة من العشر الأخيرة ثلاثون ركعة: اثنتا عشرة ركعة بعد نوافل المغرب، وثمان عشرة ركعة بعد عشاء الآخرة، ويصلى ليلة تسع عشرة مائة ركعة، وليلة إحدى وعشرين مائة ركعة، وليلة ثلاث وعشرين مائة ركعة، مضافة إلى ما تقدم. وإن اقتصر في الليالي الثلاث على المائة فقط، وصلى في كل يوم جمعة من الشهر عشر ركعات صلاة أمير المؤمنين والزهراء وجعفر عليهم السلام، وفي ليلة آخر جمعة من الشهر عشرين ركعة من صلاة أمير المؤمنين عليه السلام، وفي ليلة السبت بعدها

[ 108 ]

عشرين ركعة من صلاة الزهراء عليها السلام كان حسنا. وقد روي أنه يستحب أن يصلي ليلة النصف منه مائة ركعة، يقرأ في كل ركعة منها بعد الحمد سورة الاخلاص عشر مرات، وليلة الفطر ركعتين، يقرأ في الأولى منهما بعد الحمد سورة الاخلاص ألف مرة، وفي الثانية مرة واحدة. وأما صلاة الغدير وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة فركعتان يصلي قبل الزوال بنصف ساعة، يقرأ في الأولى والثانية بعد الحمد (1) سورة الاخلاص عشر مرات، وسورة القدر كذلك، وآية الكرسي كذلك، ويستحب أن يصلي جماعة، وأن يجهر فيها بالقراءة، وأن يخطب قبل الصلاة خطبة مقصورة على حمد الله والثناء عليه والصلاة على محمد وآله، وذكر فضل هذا اليوم وما أمر الله به فيه من النص بالامامة على أمير المؤمنين عليه السلام. وأما صلاة يوم المبعث وهو اليوم السابع والعشرون من رجب فاثنتا عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة منها بعد الحمد سورة يس. وأما صلاة ليلة النصف من شعبان فأربع ركعات يقرأ في كل ركعة بعد الحمد سورة الاخلاص مائة مرة. وأما صلاة أمير المؤمنين عليه السلام فأربع ركعات، يقرأ في كل ركعة بعد الحمد سورة الاخلاص خمسين مرة. وأما صلاة جعفر عليه السلام وتسمى صلاة الحبوة (2) وصلاة التسبيح، فأربع ركعات يقرأ في الأولى منها بعد الحمد (إذا زلزلت) وفي الثانية (والعاديات)

1 - كذا في " س " ولكن في الأصل و " ج ": " يقرأ في الأولى بعد الحمد " وفي حاشية الأصل: يقرأ في كل واحد منهما.
2 - وإنما سميت بذلك لأنها حباء من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومنحة منه، وعطية من الله تفضل بها على جعفر بن أبي طالب عليه السلام لاحظ مجمع البحرين، مادة " حبا ".

[ 109 ]

وفي الثالثة * (إذا جاء نصر الله والفتح) * وفي الرابعة سورة الاخلاص، ويقول في كل ركعة بعد القراءة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ; خمس عشرة مرة، وفي الركوع عشر مرات، وكذا بعد رفع الرأس منه، وكذا في كل سجدة وبعد رفع الرأس منها، ويسلم في كل ركعتين، وذلك هو المشروع في النوافل كما ذكرناه أولا. وأما صلاة الزهراء عليها السلام فركعتان يقرأ في الأولى بعد الحمد سورة القدر مائة مرة، وفي الثانية سورة الاخلاص مائة مرة. وأما صلاة الاحرام فست ركعات ويجزي ركعتان، يفتتحهما بالتوجه، ويقرأ في الأولى بعد الحمد سورة الاخلاص، وفي الثانية * (قل يا أيها الكافرون) *، ووقتها حين يريد الاحرام أي وقت كان من ليل أو نهار، وأفضل أوقاتها بعد صلاة الظهر. وأما صلاة الزيارة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو لأحد الأئمة عليهم السلام فركعتان عند الرأس، بعد الفراغ من الزيارة، فإن أراد الانسان الزيارة لاحدهم وهو مقيم في بلده، قدم الصلاة ثم زار عقيبها. ويصلي الزائر لأمير المؤمنين عليه السلام ست ركعات: ركعتان له، وأربع لآدم و نوح عليهما السلام، لأنه مدفون عندهما. وأما صلاة الاستخارة فركعتان يقول الانسان بعدهما وهو ساجد: أستخير الله ; مائة مرة ; اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستهديك بقدرتك إنك تعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب فصل على محمد وآله وخر لي في كذا وكذا، ويذكر حاجته التي قصد هذه الصلاة لأجلها. وأما صلاة الحاجة فيستحب أن يصام لها الاربعاء والخميس والجمعة، ويغتسل من يريد صلاتها، ويلبس أجمل ما له من الثياب، ويصعد إلى سطح داره أو غيره من الأماكن المنكشفة، فيصلي ركعتين يبتهل بعدهما إلى الله تعالى في نجاح

[ 110 ]

حاجته، فإذا قضيت صلى ركعتين صلاة الشكر، ويقول في ركوعه وسجوده فيهما: الحمد لله شكرا شكرا لله، ويقول بعد التسليم: الحمد لله الذي قضى حاجتي وأعطاني مسألتي، ويسجد ويقول وهو ساجد: شكرا شكرا، مائة مرة. وأما صلاة الاستسقاء فركعتان كصلاة العيد يقنت بين التكبيرين (1) بما يفتتح من الدعاء، فإذا فرغ الامام من الصلاة صعد المنبر، فخطب خطبة يحث الناس فيها، بعد حمد الله تعالى والثناء عليه والصلاة على محمد وآله، على التوبة وفعل الخير، ويحذر الإقامة على المعاصي، ويعلم أن ذلك سبب القحط. فإذا فرغ من الخطبة حول ما على منكبه الأيمن من الرداء إلى الأيسر، وما على الأيسر إلى الأيمن، ثم استقبل القبلة فكبر مائة مرة، رافعا بها صوته والناس معه، ثم حول وجهه إلى يمينه فسبح مائة مرة والناس معه، ثم حول وجهه إلى يساره فحمد الله مائة مرة والناس معه، ثم حول وجهه إلى الناس فاستغفر الله مائة مرة والناس معه، ثم يحول وجهه إلى القبلة ويسأل الله تعالى تعجيل الغيث ويؤمن الناس على دعائه. ويستحب لهذه الصلاة صيام ثلاثة أيام وخروج إمام الصلاة ومؤذنيه وكافة أهل البلد معه إلى ظاهره على هيئة الخروج إلى صلاة العيد، ولا تصلى في مسجد إلا أن يكون بمكة. وأما صلاة تحية المسجد فركعتان يقدمهما داخله تحية له قبل شروعه فيما يريده من عبادة أو غيرها، ودليل ذلك كله الاجماع الماضي ذكره، ويعارض المخالف في صلاة الاستسقاء بما روي من طرقهم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج يوما يستسقي فصلى ركعتين (2) وعن عبد الله بن زيد الأنصاري (3): أن

1 - في الأصل و " س ": بين التكبير.
2 - سنن البيهقي: 3 / 347.
3 - عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاري، شارك وحشي بن حرب في قتل مسيلمة الذي قتل أخاه حبيب بن زيد، روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مات يوم الحرة سنة 63 ه‍. أسد الغابة: 3 / 167 و تهذيب التهذيب: 5 / 223.

[ 111 ]

النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج يستسقي فصلى ركعتين وجهر بالقراءة وحول رداءه. (1) الفصل العشرون: فيما يقطع الصلاة ويوجب إعادتها تجب إعادة الصلاة على من تعمد ترك شئ مما يجب فعله فيها، أو فعل شئ مما يجب تركه، وقد قدمنا ذكره، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط، ويجب إعادتها على من سها فصلى بغير طهارة، أو قبل دخول الوقت، أو مستدبر القبلة، أو فيما لا يجوز الصلاة فيه ولا عليه، من النجس أو المغصوب، بدليل ما قدمناه، فإن لم يتقدم له علم بالنجاسة والغصب، فصلى ثم علم بذلك والوقت باق لزمته الاعادة، ولم تلزمه بعد خروجه، وهكذا حكم من سها فصلى إلى يمين القبلة أو شمالها، بدليل الاجماع الماضي ذكره. وتلزم الاعادة لمن سها عن النية، أو تكبيرة الاحرام، أو عن الركوع حتى يسجد، أو عن سجدتين من ركعة ولم يذكر حتى رفع رأسه من الركعة الأخرى (2)، أو سها فزاد ركعة أو سجدة (3)، أو سها، فنقص ركعة أو أكثر منها (4) ولم يذكر حتى استدبر القبلة، أو تكلم بما لا يجوز مثله في الصلاة، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط. وتجب الاعادة على من شك في الركعتين الاوليين من كل رباعية، وفي صلاة المغرب والغداة وصلاة السفر، فلم يدر أواحدة صلى أم اثنتين أم ثلاثا، ولا غلب في ظنه شئ من ذلك، بدليل ما تقدم.

1 - سنن البيهقي: 3 / 350 كتاب صلاة الاستسقاء باب كيفية تحويل الرداء.
2 - وعند المشهور: حتى دخل في الركوع.
3 - ترك السجدة الواحدة ليس موجبا للبطلان عند المشهور.
4 - في الأصل: وأكثر منها.

[ 112 ]

الفصل الحادي والعشرون: فيما يتعلق بالصلاة من الأحكام أعلم أن أكثر ذلك ومعظمه قد ذكرناه فيما تقدم من الفصول، ولم يبق إلا أحكام السهو فيها، ونحن نبين ذلك فنقول: هو فيها على ضروب خمسة: أولها يوجب الاعادة. وثانيها يوجب الاحتياط. وثالثها يوجب التلافي. ورابعها يوجب الجبران بسجدتي السهو. وخامسها لا حكم له. فأما ما يوجب الاعادة فقد بيناه في الفصل الذي قبل هذا الفصل. وأما ما يوجب الاحتياط فهو أن يشك في الركعتين الاخريين من كل رباعية فإنه يبني على الأكثر، ويجبر النقصان بعد التسليم، مثال ذلك: أن يشك بين اثنتين وثلاث، أو بين ثلاث وأربع، أو بين اثنتين وثلاث وأربع، فإنه يبني في الصورة الأولى على الثلاث، ويتمم الصلاة، فإذا سلم صلى ركعة من قيام، أو ركعتين من جلوس يقومان مقام ركعة، فإن كان ما صلاه ثلاثا، كان ما جبر به (1) نافلة، وإن كان اثنتين كان ذلك جبرانا لصلاته. وكذلك يصنع في الصورة الثانية، ويصلي في الصورة الثالثة بعد التسليم ركعتين من قيام وركعتين من جلوس، ويدل على ذلك الاجماع الماضي ذكره و طريقة الاحتياط، لأنه إذا بنى (2) على الأقل على قول المخالف لم يأمن أن يكون قد

1 - في " ج ": يجبر به. 2 - في " س ": يبني

[ 113 ]

صلى الأكثر فتفسد صلاته بالزيادة فيها. فإن قيل: وكذا إذا بنى على الأكثر لا يأمن أن يكون قد فعل الأقل وما يفعله من الجبران غير نافع، لأنه منفصل من الصلاة وبعد الخروج منها؟ قلنا: تقديم السلام في غير موضعه لا يجري في إفساد الصلاة مجرى زيادة ركعة أو ركعتين، لأن العلم بأن الزيادة تفسد الصلاة على كل حال، وليس كذلك العلم بتقديم السلام، فكان الاحتياط فيما ذهبنا إليه على ما قلناه. وأما ما يوجب التلافي فأن يسهو عن قراءة الحمد ويقرأ سورة غيرها، فيلزمه قبل الركوع أن يتلافى بترتيب القراءة، وكذا إن سها عن قراءة السورة، وكذا إن سها عن تسبيح الركوع والسجود قبل رفع رأسه منهما، وكذا إن شك في الركوع وهو قائم تلافاه، فإن ذكر وهو راكع أنه قد كان ركع أرسل نفسه إلى السجود ولم يرفع رأسه، وكذا الحكم إن شك في سجدة أو سجدتين فذكر ذلك قبل أن يركع أو ينصرف أو يتكلم بما لا يجوز مثله في الصلاة، وكذا إن شك في التشهد، كل ذلك بدليل الاجماع الماضي ذكره وطريقة الاحتياط. وأما ما يوجب الجبران فأن يسهو عن سجدة واحدة ويذكرها وقد ركع فإنه يلزمه مع قضائها بعد التسليم سجدتا السهو، وكذا الحكم في السهو عن التشهد، ويلزم الجبران بسجدتي السهو لمن قام في موضع جلوس، أو جلس في موضع قيام، ولمن شك بين الأربع والخمس، ولمن سلم في غير موضعه، ولمن تكلم بما لا يجوز مثله في الصلاة ناسيا، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط. ويعارض من قال من المخالفين بأن كلام الساهي يبطل الصلاة بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (1)، لأن المراد رفع الحكم لا رفع الفعل نفسه، وذلك عام في جميع الأحكام إلا ما خصه

الجامع الصغير: 2 / 16، برقم 4461، وسنن ابن ماجة: 1 / 659 برقم 2043 و 2045.

[ 114 ]

الدليل، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا (1)، ولم يذكر الكلام، ولو كان حدثا يقطع الصلاة لذكره. وسجدتا السهو بعد التسليم ليس فيهما قراءة ولا ركوع، بل يقوم في كل واحدة منهما: بسم الله وبالله اللهم صل على محمد وآل محمد، ويتشهد تشهدا خفيفا ويسلم. ويعارض من قال إنهما قبل التسليم بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا شك أحدكم في الصلاة فليتحر الصواب ثم ليسلم ثم يسجد سجدتين (2) وفي خبر آخر: من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم.
(3) وأما ما لا حكم له فهو أن يشك في فعل وقد انتقل إلى غيره، مثل أن يشك في تكبيرة الاحرام وهو في القراءة، أو في القراءة وهو في الركوع، أو في الركوع وهو في السجود، أو في السجود وهو في حال القراءة، أو في التشهد وهو كذلك، أو في تسبيح الركوع أو في السجود بعد رفع رأسه منهما، ولا حكم للسهو الكثير المتواتر، ولا حكم له في النافلة، ولا في جبران السهو، بدليل الاجماع الماضي ذكره. * * *

1 - مسند أحمد بن حنبل: 3 / 96 والجامع الصغير: 1 برقم 2027 وكنز العمال: 1 / 251 برقم 1296 و 1270 وعوالي اللئالي: 1 / 380 مع اختلاف يسير في بعض المصادر ونقله الشيخ في الخلاف كتاب الصلاة، المسألة 157 كما في المتن. 2 - مسند أحمد بن حنبل: 1 / 379 وسنن الدارقطني: 1 / 376 برقم 2.
3 - مسند أحمد بن حنبل: 1 / 205 و 206 وسنن الدارقطني: 1 / 375 برقم 1.

[ 115 ]

كتاب الزكاة يحتاج في الزكاة إلى العلم بسبعة أشياء: أقسامها وما تجب فيه، وشرائط وجوبها، وصحة أدائها، ومقدار الواجب منها، ومن المستحق لها، ومقدار ما يعطى منها، وما يتعلق بذلك من الأحكام. أما أقسامها فعلى ضربين: مفروض ومسنون: فالمفروض على ضربين: زكاة الأموال، وزكاة الرؤوس. فزكاة الأموال تجب في تسعة أشياء: الذهب والفضة والخارج من الأرض من الحنطة والشعير والتمر والزبيب وفي الابل والبقر والغنم بلا خلاف. ولا تجب فيما عدا ما ذكرناه، بدليل الاجماع الماضي ذكره في كل المسائل، ولأن الأصل براءة الذمة، وشغلها بإيجاب الزكاة من غير ما عددناه يفتقر إلى دليل شرعي، وليس في الشرع ما يدل على ذلك، وأيضا فظاهر قوله تعالى: * (ولا يسألكم أموالكم) * (1)، يدل على ما قلناه، لأن المراد أنه تعالى لا يوجب فيها حقوقا، ولا يخرج من هذا الظاهر إلا ما أخرجه دليل قاطع. ويعارض المخالف في وجوب الزكاة في عروض التجارة خاصة بما روي من

1 - محمد: 36.

[ 116 ]

طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة (1)، ولم يفصل بين ما كان معرضا للتجارة وبين ما ليس كذلك، وإذا ثبت ذلك في العبد والفرس ثبت في غيرهما، لأن أحدا لم يفصل بين الأمرين. وتعلق المخالف بقوله تعالى: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * (2)، لا يصح لأنا نقول له: لم قلت: إن المراد بذلك الحق المأخوذ على سبيل الزكاة، وما أنكرت أن يكون المراد به الشئ اليسير الذي يعطاه الفقير المجتاز، من الزرع وقت الحصاد على جهة التبرع؟ وليس له أن ينكر وقوع لفظة " حق " على المندوب، لأنه قد روى من طريقه أن رجلا قال: يا رسول الله هل علي حق في إبلي سوى الزكاة؟ فقال عليه السلام: نعم تحمل عليها وتسقى من لبنها.
(3) ويشهد بصحة ما قلناه في الآية أمور أربعة: أحدها: ورود الرواية (4) بذلك عندنا. وثانيها: قوله تعالى: * (ولا تسرفوا) * (5)، لأن الزكاة الواجبة مقدرة، والسرف لا ينهى عنه في المقدر. وثالثها: أن إعطاء الزكاة الواجبة في وقت الحصاد لا يصح، وإنما يصح بعد الدياس والتصفية، من حيث كانت مقدارا مخصوصا من الكيل، وذلك

1 - صحيح مسلم: 3 / 67 كتاب الزكاة، وجامع الأصول: 5 / 339 والتاج الجامع للأصول: 3 / 10 والجامع الصغير: 2 / 457 برقم 7614 وسنن البيهقي: 4 / 117 كتاب الزكاة، باب لا صدقة في الخيل، وسن ابن ماجة: 1 / 579 برقم 1812 وصحيح الترمذي 3 / 24 برقم 628، كتاب الزكاة.
2 - الانعام: 141.
3 - لم نعثر عليه في صحاح القوم ومسانيدهم نعم نقله السيد المرتضى - قدس سره - في الانتصار: 77 والراوندي في فقه القرآن: 1 / 217.
4 - في " ج " و " س ": " ورد الرواية " ولاحظ الوسائل: 6 / 134 ب 13 من أبواب زكاة الغلاة.
5 - الانعام: 141.

[ 117 ]

لا يؤخذ إلا من مكيل. ورابعها: ما روي من نهيه عليه السلام عن الحصاد والجذاذ (1) وهو صرم النخل بالليل، وليس ذلك إلا لما فيه من حرمان الفقراء والمساكين، كما قلناه. وقوله تعالى: * (أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض) * (2)، لا يصح أيضا التعلق به، لأنا لا نسلم أن اسم الانفاق يقع بإطلاقه على الزكاة الواجبة، بل لا يقع بالاطلاق إلا على غير الواجب، ولو سلمنا ذلك لخصصنا الآية بالدليل. وتعلق المخالف بقوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة) * (3)، وأن ذلك يدخل فيه عروض التجارة وغيرها، متروك الظاهر عندهم، لانهم يضمرون أن تبلغ قيمة العروض مقدار النصاب، وإذا عدلوا عن الظاهر، لم يكونوا بذلك أولى من مخالفهم إذا عدل عنه، وخص الآية بالأصناف التي أجمع على وجوب الزكاة فيها. وبهذا نجيب عن تعلقهم بقوله تعالى: * (وفي أموالهم حق للسائل و المحروم) * (4)، وأيضا فسياق هذه الآية يدل على أنها خارجة مخرج المدح للمذكورين فيها بما فعلوا، وعلى هذا يكون معناها: ويعطون من أموالهم حقا للسائل والمحروم، وإعطاءهم قد يكون ندبا، كما يكون واجبا، لأن المدح جائز على كل واحد منهما. وقوله تعالى: * (وآتوا الزكاة) * (5)، لا يصح لهم أيضا التعلق به، لأن اسم

1 - لاحظ مستدرك الوسائل: 7 / 93 من الطبع الحديث.
2 - البقرة: 267.
3 - التوبة: 103.
4 - الذاريات: 19.
5 - البقرة: 43.

[ 118 ]

الزكاة شرعي، فعليهم أن يدلوا على أن في عروض التجارة وغيرها مما ننفي (1) وجوب الزكاة فيه زكاة حتى يتناولها الاسم، فإن ذلك غير مسلم لهم، وقوله عليه السلام: حصنوا أموالكم بالصدقة (2) لا دليل لهم أيضا فيه، لأنه خبر واحد، ثم هو مخصوص بما قدمناه، على أن ظاهره لا يفيد تحصين كل مال بصدقة منه، ويجوز تحصين أموال التجارة وما لا زكاة تجب فيه، بالصدقة مما تجب فيه الزكاة. الفصل الأول وأما شرائط وجوبها في الذهب والفضة: فالبلوغ، وكمال العقل، وبلوغ النصاب، والملك له، والتصرف فيه بالقبض أو الإذن، وحؤول الحول عليه، وهو كامل في الملك ولم يتبدل أعيانه، ولا دخله نقصان، وأن يكونا مضروبين دنانير ودراهم منقوشين، أو سبائك فر بسبكها من الزكاة. والدليل على وجوب اعتبار هذه الشروط الاجماع الماضي ذكره، وأيضا فالأصل براءة الذمة من الحقوق، وقد ثبت وجوب الزكاة إذا تكاملت هذه الشروط، وليس على وجوبها مع اختلاف بعضها دليل. ويعارض المخالف في الصبي والمجنون بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى ينتبه، وعن المجنون حتى يفيق.
(3) ولا يلزمنا مثل ذلك في المواشي والغلات، لأنا قلنا ذلك بدليل. واشتراط النصاب والملك له لا خلاف فيه، وقد خرج العبد باشتراط

1 - كذا في الأصل، ولكن في " ج ": " مما ينبغي " وفي " س ": مما ينفى.
2 - الجامع الصغير: 1 / 576 برقم 3728 و 3729 وكنز العمال: 6 / 293 برقم 15759 و 15760.
3 - التاج الجامع للأصول: 3 / 35 وسنن الدارقطني: 3 / 139 برقم 173 والجامع الصغير: 2 / 16 برقم 4462 وسنن البيهقي: 6 / 84 و 206 و 8 / 41 و 4 / 269 و 3 / 83.

[ 119 ]

الملك، لأن العبد لا يملك شيئا وإن ملكه سيده، لما يؤدي ذلك إليه من الفساد. واشتراط الملك للمتصرف فيه بما ذكرناه، احتراز من مال الدين الذي لا يقدر على ذلك فيه، ويعارض المخالف في اعتبار كمال الحول في السخال والفصلان والعجاجيل بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول. وشرائط وجوبها في الاصناف الأربعة من الغلات شيئان: الملك لها وبلوغ النصاب، وفي الاصناف الثلاثة من المواشي أربعة: الملك والحول والسوم وبلوغ النصاب، بدليل ما قدمناه. وأما شرائط صحة أدائها: فالاسلام، والبلوغ، وكمال العقل، والنية، ودخول الوقت في أدائها على جهة الوجوب، ولا أعلم في ذلك خلافا. الفصل الثاني وأما مقدار الواجب من الزكاة فنقول: أما الذهب فلا شئ فيه حتى يبلغ عشرين مثقالا، وذلك المقدار النصاب الأول، فإذا بلغها وتكاملت الشروط، وجب فيه نصف مثقال، بلا خلاف، ثم لا شئ فيما زاد على العشرين، حتى تبلغ الزيادة أربعة مثاقيل، وذلك نصابه الثاني، فيجب فيها عشر مثقال، وعلى هذا الحساب بالغا ما بلغ، في كل عشرين مثقالا نصف مثقال، وفي كل أربعة بعد العشرين عشر مثقال. وأما الفضة فلا شئ فيها حتى تبلغ مائتي درهم، وذلك مقدار نصابها الأول، فإذا بلغتها وتكاملت الشروط، وجب فيها خمسة دراهم، بلا خلاف، ثم لا

1 - سنن أبي داود: 2 / 101 وسنن البيهقي: 4 / 95 و 103، وسنن ابن ماجة: 1 / 571 برقم 1792 و عوالي اللئالي: 1 / 210 و 2 / 231.

[ 120 ]

شئ فيما زاد على المائتين، حتى تبلغ الزيادة أربعين درهما، فيجب فيها درهم واحد، ثم على هذا الحساب بالغا ما بلغت. والدليل على مقدار النصاب الثاني فيهما، الاجماع الماضي ذكره، وأيضا فالأصل براءة الذمة، وشغلها بإيجاب الزكاة في قليل الزيادة وكثيرها، يفتقر إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. ويعارض المخالف في ذلك بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ (1) حين أنفذه إلى اليمن: لا شئ في الورق حتى تبلغ مائتي درهم، فإذا بلغتها فخذ خمسة دراهم، ولا تأخذ من زيادتها شيئا، حتى تبلغ أربعين درهما، فإذا بلغتها فخذ درهما (2)، وهذا نص. وقوله: هاتوا زكاة الرقة من كل أربعين درهما درهما.
(3) وأما الغلات فالواجب في كل صنف منها إن كان سقيه سيحا أو بعلا أو بماء السماء العشر، وإن كان بالغرب والدوالي والنواضح (4) فنصف العشر، وإن كان السقي بالامرين معا كان الاعتبار بالأغلب من المدتين، فإن تساويا زكى النصف بالعشر، والنصف بنصف العشر، هذا إذا بلغ بعد إخراج المؤن وحق

1 - أبو عبد الرحمان: معاذ بن جبل بن عمر الأنصاري، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها، وآخى رسول صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين عبد الله بن مسعود، روى عنه عمر وابنه عبد الله وأبو قتادة وغيرهم، مات في طاعون عمواس سنة 18 ه‍. لاحظ أسد الغابة: 4 / 376.
2 - التاج الجامع للأصول: 3 / 18، وفي هامشه: الرقة - بكسر الراء -: الدرهم المضروبة وأصلها " ورق " حذفت واوه وعوض عنها الهاء كعدة وزنة، والمراد الفضة ولو غير مضروبة.
3 - التاج الجامع للأصول: 3 / 19.
4 - المراد بالسيح: الجريان على وجه الأرض. وبالبعل: ما يشرب بعروقه في الأرض التي تقرب من الماء. والغرب بالغين المعجمة وسكون الراء: الدلو العظيم الذي يتخذ من جلد الثور. والدوالي جمع دالية وهي الناعورة التي تديرها البقر أو غيرها. والنواضح جمع ناضح وهو البعير يستقى عليه. لاحظ جواهر الكلام، ج 15، ص 237.

[ 121 ]

المزارع (1) النصاب، على ما قدمناه، وهو خمسة أوسق - والوسق ستون صاعا - بدليل الاجماع الماضي ذكره، ولأن ما اعتبرناه من النصاب لا خلاف في وجوب الزكاة فيه، وليس على وجوبها فيما نقص عنه دليل. ويعارض المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة (2)، وقوله عليه السلام: ما سقت السماء ففيه العشر، وما سقي بنضح أو غرب ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق (3)، وقوله عليه السلام في رواية أخرى: لا زكاة في شئ من الحرث حتى يبلغ خمسة أوسق فإذا بلغ خمسة أوسق ففيه الصدقة (4). والوسق ستون صاعا، والصاع عندنا أربعة أمداد بالعراقي، والمد رطلان و ربع بالعراقي، بدليل الاجماع المشار إليه، وطريقة الاحتياط باليقين لبراءة الذمة، لأن من أخرج ما ذكرناه برئت ذمته بيقين، وليس كذلك إذا أخرج دونه، فإذا وجب فيما ثبت في الذمة بيقين أن يسقط عنها بيقين، وجب في قدر الصاع ما ذكرناه. وأما الواجب في الابل فلا شئ فيها حتى تبلغ خمسا، وهو نصابها الأول، فإذا بلغتها وتكاملت شروطها الباقية ففيها شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين خمس شياه، وفي ست وعشرين بنت مخاض، وهي التي لها حول كامل، وفي ست وثلاثين بنت لبون، وهي التي لها حولان، ودخلت في الثالث، وفي ست وأربعين حقة، وهي

1 - في " ج ": وحق الزراع. 2 - صحيح البخاري: 2 / 147، كتاب الزكاة، والتاج الجامع للأصول: 3 / 16، وسنن ابن ماجة: 1 / 571 برقم 1793 و 1794.
3 - سنن البيهقي: 4 / 121 كتاب الزكاة، والمستدرك على الصحيحين: 1 / 395 وسنن أبي داود: 2 / 108، برقم 1597 باختلاف يسير.
4 - سنن الدارقطني: 2 / 98 برقم 16 وكنز العمال: 6 / 326 برقم 15874.

[ 122 ]

التي لها ثلاثة أحوال ودخلت في الرابع، وفي إحدى وستين جذعة، وهي التي لها أربعة أحوال ودخلت في الخامس، وفي ست وسبعين (1) بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان، فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين فصاعدا سقط هذا الاعتبار، ووجب في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. ولا شئ فيما بين النصابين، ولا خلاف فيما ذكرناه من ذلك كله، إلا في خمس وعشرين، وست وعشرين وفيما زاد على المائة والعشرين، والدليل على ما قلناه في ذلك الاجماع الماضي ذكره، وأيضا فالأصل براءة الذمة. وقد اتفقنا على وجوب الزكاة في مائة وثلاثين فعندنا وعند الأكثر من المخالفين أن في ذلك حقة وابنتي لبون، وعند أبي حنيفة حقتان وشاتان، ولم يقم دليل على أن فيما بين العشرين والثلاثين حقا، فوجب البقاء على حكم الأصل. ونعارض المخالف بما روي من طرقهم أنه وجد في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الابل إذا زادت على مائة وعشرين فليس فيما زاد شئ دون ثلاثين ومائة، فإذا بلغتها ففيها ابنتا لبون وحقة.
(2) وأما الواجب في البقر ففي كل ثلاثين منها تبيع (3) حولي أو تبيعة وهو

1 - في الأصل: وفي خمس وسبعين.
2 - جامع الأصول: 4 / 590 وكنز العمال: 6 / 318 برقم 15832 وسنن البيهقي: 4 / 93 وسنن الدارقطني: 2 / 113 برقم 2.
3 - قال ابن البراج: وقد ذكر أن التبيع هو الذي له سنتان، وذكر أن هذا الاسم لا يدل على شئ، ذكر ذلك عن أبي عبيدة، وذكر غيره أنه إنما سمي بهذا الاسم لأنه يتبع أمه في المرعى، وذكر غير من ذكرناه أنه الذي يتبع قرنه أذنه. وإذا لم يستقر من جهة اللغة في حقيقة التبيع ما يعتمد عليه في هذا الباب، فإن المعول على ما ورد في الشرع، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " تبيع أو تبيعة جذعة " وفسر ذلك الباقر والصادق عليهما السلام بالحول. المهذب ج 1، ص 163 ولاحظ الوسائل: ج 6، ب 4 من أبواب زكاة الانعام، ح 1 وسنن البيهقي: 4 / 98 - 99.

[ 123 ]

الجذع منها، وفي كل أربعين مسنة وهي الثنية فصاعدا، ولا شئ فيما دون الثلاثين، ولا فيما بين النصابين، بدليل الاجماع الماضي ذكره، وأيضا فالأصل براءة الذمة من الحقوق في الأموال، فمن ادعى أن فيما بين الأربعين والستين حقا واجبا، لزمه الدليل الشرعي، ويعارض المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا شئ في الاوقاص (1)، والوقص يقع على ما بين النصابين. وأما الواجب في الغنم ففي كل أربعين منها شاة، وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان، وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه، وفي ثلاث مائة وواحدة أربع شياه، فإذا زادت على ذلك، سقط هذا الاعتبار، وأخرج عن كل مائة شاة، ولا شئ فيما دون الأربعين، ولا فيما بين النصابين، والمأخوذ من الضأن الجذع، ومن المعز الثني، ولا يؤخذ دون الجذع، ولا يلزم فوق الثني، بدليل الاجماع المشار إليه. الفصل الثالث وأما المستحق لذلك فالاصناف الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين...) * (2) الآية. فالفقراء هم الذين لهم دون كفايتهم. والمساكين هم الذين لا شئ لهم، بدليل الاجماع المشار إليه، وقد نص على ذلك الأكثر من أهل اللغة. والعاملون عليها هم عمالها والسعاة في جبايتها. والمؤلفة قلوبهم هم الذين يستمالون إلى الجهاد، بلا خلاف.

1 - سنن البيهقي: 4 / 99، كتاب الزكاة.
2 - التوبة: 60.

[ 124 ]

وأما الرقاب فالمكاتبون، بلا خلاف أيضا، ويجوز عندنا أن يشترى من مال الزكاة كل عبد هو في ضر وشدة ويعتق، بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا فظاهر الآية يقتضيه. وأما الغارمون فهم الذين ركبتهم الديون في غير معصية، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط. وأما سبيل الله فالجهاد، بلا خلاف. وعندنا أنه يجوز صرفها فيما عدا ذلك مما فيه مصلحة للمسلمين، كعمارة الجسور والسبل وفي الحج والعمرة وتكفين أموات المؤمنين، وقضاء ديونهم، للاجماع المشار إليه، ولاقتضاء ظاهر الآية له، لأن سبيل الله هو الطريق إلى ثوابه وما أفاد التقرب إليه (1)، وإذا كان ما ذكرناه كذلك، جاز صرف الزكاة فيه. وأما ابن السبيل فهو المنقطع به، وإن كان في بلده غنيا، وروي أيضا أنه الضيف الذي ينزل بالانسان وإن كان في بلده غنيا أيضا.
(2) ويجب أن يعتبر فيمن تدفع الزكاة إليه من الاصناف الثمانية - إلا المؤلفة قلوبهم والعاملين عليها - الايمان والعدالة. وأن لا يكون ممن يمكنه الاكتساب لما يكفيه. وأن لا يكون ممن تجب على المرء نفقته، وهم الأبوان، والجدان، والولد، والزوجة، والمملوك. وأن لا يكون من بني هاشم المستحقين للخمس المتمكنين من أخذه، بدليل الاجماع المتكرر، وطريقة الاحتياط واليقين ببراءة الذمة. وقد روي من طرق المخالف: لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة قوي، وفي

1 - في " س ": المتقرب إليه.
2 - الوسائل: 6 / 146 ب 1 من أبواب المستحقين للزكاة ح 9.

[ 125 ]

رواية أخرى: ولا لذي قوة مكتسب. (1) فإن كان مستحق الخمس غير متمكن من أخذه، أو كان المزكي هاشميا مثله، جاز دفع الزكاة إليه، بدليل الاجماع المشار إليه. الفصل الرابع وأما مقدار المعطى منها فأقله للفقير الواحد ما يجب في النصاب الأول، فإن كان من الدنانير فنصف دينار، وإن كان من الدراهم فخمسة دراهم، وكذا في الاصناف الباقية، بدليل الاجماع وطريقة الاحتياط، وقد روي أن الأقل من ذلك ما يجب في أقل نصب الزكاة، وذلك من الدنانير عشر مثقال، ومن الدراهم درهم واحد، ويجوز أن يدفع إليه منها الكثير وإن كان فيه غناه، بدليل الاجماع المذكور. الفصل الخامس: في ما يتعلق بالزكاة من الأحكام يجب إخراجها على الفور، فإن أخرها من وجبت عليه لغير عذر ضمن هلاكها، ويجب حملها إلى الامام ليضعها مواضعها، وإلى من نصبه لذلك، فإن تعذر ذلك وكان من وجبت عليه عارفا لمستحقها، جاز له إخراجها إليه، وإن لم يكن عارفا به حملها إلى الفقيه المأمون من أهل الحق، ليتولى إخراجها. ولا يجوز لأحد سوى الامام أو من نصبه أن يصرف شيئا من مال الزكاة إلى المؤلفة، ولا إلى العاملين، ولا في الجهاد، لأن تولي ذلك مخصوص بهما، كل ذلك

1 - صحيح الترمذي: 3 / 42، كتاب الزكاة، باب ما جاء من لا تحل له الصدقة وسنن ابن ماجة: 1 / 589 كتاب الزكاة، وجامع الأصول: 4 / 661 وفيه: المرة: القوة والشدة.

[ 126 ]

بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط، ومن يجوز له أخذها من بني هاشم أولى بها من غيرهم، ومن لا تجب نفقته من الأقارب أولى من الاجانب، والجيران أولى من الأباعد، وأهل البلد أولى من قطان (1) غيره، بدليل الاجماع المشار إليه. ومن لم يدفعها إلى من يعلمه مستحقا لها في بلده، وحملها إلى غيره، ضمن هلاكها، ولم يضمن إذا لم يعلم لها في بلده مستحقا، وإن حملها مع خوف الطريق بغير إذن مستحقها ضمن، ولا ضمان عليه مع استئذانه، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط. ويجوز إخراج الزكاة إلى أيتام المستحق لها عند فقده، ويجوز إخراجها قبل وقت وجوبها على جهة القرض، بدليل الاجماع المشار إليه، فإن دخل الوقت والمعطى من أهل الاستحقاق، أجزأت عن مخرجها، وإن لم يكن من أهله لم تجز عنه، بدليل الاجماع المتردد وطريقة الاحتياط. ومن وجب عليه سن ولم يكن عنده، فإن كان عنده أعلى منها بدرجة، أخذت منه، ويرد عليه شاتان أو عشرون درهما فضة، وإن كان عنده أدنى منها بدرجة أخذت منه، ومعها شاتان أو عشرون درهما، مثال ذلك أن يجب عليه بنت مخاض، وعنده بنت لبون، أو يجب عليه بنت لبون، وعنده بنت مخاض، وعلى هذا الحساب يؤخذ مع ما علا أو دنا بدرجتين أو ثلاث، بالاجماع المشار إليه، فإن أصحابنا لا يختلفون في جواز أخذ القيمة في الزكاة، وعندنا أن بنت المخاض يساويها في القيمة ابن اللبون الذكر.

1 - قطن بالمكان: أقام به فهو قاطن والجمع قطان مثل كافر وكفار. المصباح المنير.

[ 127 ]

الفصل السادس: في زكاة الرؤوس زكاة الفطرة واجبة على كل حر بالغ كامل العقل مالك لمقدار أول نصاب تجب فيه الزكاة عنه وعن كل من يعول، من ذكر وأنثى وصغير وكبير وحر و عبد ومسلم وكافر وقريب وأجنبي، بدليل الاجماع الماضي ذكره، وطريقة الاحتياط، واليقين لبراءة الذمة. ويعارض المخالف في الزوجة والعبد والكافر والضيف بما روي من طرقهم عن ابن عمر (1) أنه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصدقة الفطرة عن الصغير والكبير والحر والعبد ومن تمونون (2) لأنه قال: والعبد. ولم يفصل بين المسلم والكافر، و قال: فمن تمونون والزوجة والضيف طول شهر رمضان كذلك. ومقدار الواجب صاع عن كل رأس من فضلة ما يقتات الانسان به، سواء كان حنطة أو شعيرا أو تمرا أو زبيبا أو ذرة أو أرزا أو أقطا أو غير ذلك، وقد بينا مقدار الصاع فيما مضى، ويجوز إخراج قيمة الصاع، بدليل الاجماع المشار إليه. ووقت وجوبها من طلوع الفجر من يوم العيد، إلى قبيل صلاته، فإن أخر إخراجها إلى بعد الصلاة لغير عذر، أخل بواجب، وسقط وجوبها، وجرت إن أخرجها مجرى ما يتطوع به من الصدقات، بدليل الاجماع المشار إليه. وقد روي من طرق المخالف عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرض صدقة الفطرة

1 - عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبيه وأبي بكر وعثمان وأبي ذر و معاذ بن جبل، وروى عنه ابن عباس وجابر، مات سنة 73 ه‍. لاحظ أسد الغابة: 3 / 227.
2 - سنن الدارقطني: 2 / 141 برقم 12 وسنن البيهقي: 4 / 161، كتاب الزكاة، باب إخراج زكاة الفطرة عن نفسه وغيره.

[ 128 ]

طهرة للصائم من اللغو الرفث وطعمة للمساكين (1)، فمن أداها قبل الصلاة كانت له زكاة ومن أداها بعد الصلاة كانت صدقة من الصدقات، وإن كان عزلها من ماله انتظارا لمستحقها، فهي مجزئة عنه، بدليل الاجماع المشار إليه والمستحق لها هو المستحق لزكاة الأموال، وأقل ما يعطى منها الواحد ما يجب عن رأس واحد لمثل ما قدمناه. الفصل السابع وأما المسنون من الزكاة ففي أموال التجارة إذا طلبت برأس المال أو الربح، وفي كل ما يخرج من الأرض مما يكال ويوزن، سوى ما قدمناه، فإن الزكاة واجبة فيه، وفي الحلي والسبائك من الذهب والفضة، إذا لم يفر بذلك من الزكاة، والمال الغائب الذي لا يتمكن مالكه من التصرف فيه، إذا قدر على ذلك، وقد مضى عليه حول أو أحوال، والمال الصامت لمن ليس بكامل العقل، إذا اتجر به الولي نظرا لهم. وفي الاناث من الخيل في كل رأس من العتاق ديناران، ومن البراذين دينار واحد، وشرائط الاستحباب مثل شرائط الوجوب، ويسقط في الخيل اعتبار النصاب، والمقدار المستحب إخراجه، مثل المقدار الواجب، إلا في الخيل على ما بيناه، ويستحب إخراج الفطرة لمن لا يملك النصاب، وذلك كله بدليل الاجماع الماضي ذكره. الفصل الثامن واعلم أن مما يجب في الأموال الخمس، والذي يجب فيه الغنائم الحربية، والكنوز، ومعادن الذهب والفضة، بلا خلاف، ومعدن الصفر، والنحاس،

2 - جامع الأصول: 4 / 644 برقم 2732 وسنن أبي داود: 2 / 111 برقم 1609.

[ 129 ]

والحديد، والرصاص، والزئبق، على خلاف في ذلك، والكحل والزرنيخ والقبر والنفط والكبريت والموميا والزبرجد والياقوت والفيروزج والبلخش (1) والعنبر و العقيق، والمستخرج بالغوص، بدليل الاجماع المشار إليه، وطريقة الاحتياط، واليقين ببراءة الذمة، وظاهر قوله تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه) * (2). وهذه الاشياء إذا أخذها الانسان كانت غنيمة، وقد روي من طرق المخالف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: في الركاز الخمس، فقيل: يا رسول الله وما الركاز؟ فقال: الذهب والفضة اللذان خلقهما الله تعالى في الأرض يوم خلقها.
(3) وهذه صفة المعادن. ويجب الخمس أيضا في الفاضل عن مؤونة الحول على الاقتصاد من كل مستفاد بتجارة أو زراعة أو صناعة أو غير ذلك من وجوه الاستفادة أي وجه كان، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط، وفي المال الذي لم يتميز حلاله من حرامه، وفي الأرض التي يبتاعها الذمي من مسلم، بدليل الاجماع المتردد، ووقت وجوب الخمس حين الاستفادة لما يجب فيه. ويعتبر في الكنوز بلوغ النصاب الذي تجب فيه الزكاة، وفي المأخوذ بالغوص بلوغ قيمة دينار فصاعدا، بدليل الاجماع المتكرر، والكنز يجب فيه الخمس، ويكون الباقي لمن وجده، إذا وجد في دار الحرب على كل حال، وكذا إن وجد في دار الاسلام في المباح من الأرض، وفيما لا يعرف له مالك من الديار الدارسة، فإن وجد في ملك مسلم أو ذمي وجب تعريفه منه، فإن عرفه أخذه، وإن لم يعرفه و كان عليه سكة الاسلام، فهو بمنزلة اللقطة، وإن لم يكن كذلك، كان بعد إخراج

1 - البلخش معرب بلخچ، وهو الزاج الأسود. 2 - الانفال: 41.
3 - سنن البيهقي: 4 / 152 كتاب الزكاة، باب من قال المعدن ركاز فيه الخمس.

[ 130 ]

الخمس لمن وجده، بدليل الاجماع المشار إليه. والخمس يقسم على ستة أسهم: ثلاثة منها للامام القائم بعد النبي عليه السلام مقامه، وهي (1) سهم الله وسهم رسوله وسهم ذي القربى وهو الامام، وثلاثة لليتامى والمساكين وابن السبيل، ممن ينتسب إلى أمير المؤمنين عليه السلام وجعفر وعقيل والعباس رضي الله عنهم، لكل صنف منهم سهم يقسمه الامام بينهم على قدر كفايتهم للسنة على الاقتصاد، ولابد فيهم من اعتبار الايمان أو حكمه، و ذلك بدليل الاجماع الماضي ذكره. وليس لأحد أن يقول إن ذلك مخالف لظاهر قوله تعالى: * (ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) * (2). لأنا نخص ذلك بالدليل، وهذه الآية مخصوصة بلا خلاف، لأن ذي القربى مخصوص بقربى النبي عليه السلام، واليتامى والمساكين وابن السبيل مخصوص بمن له صفة مخصوصة من الاسلام وغيره، على أن ظاهر قوله تعالى: * (ولذي القربى) * معنا (3) لأنه لفظ توحيد ولو أراد الجمع لقال: ولذوي القربى.

1 - كذا في الأصل ولكن في " ج " و " س ": وهو.
2 - الانفال: 41.
3 - في " س ": " معينا " وهو تصحيف والصحيح ما في المتن.

[ 131 ]

كتاب الصيام يحتاج في الصوم إلى العلم بأقسامه وشروطه وما يفسده وما يتعلق بذلك من الأحكام. أما أقسامه فعلى ضروب ثلاثة: واجب ومندوب ومحظور، والواجب على ضربين: أحدهما يجب مطلقا من غير سبب، والثاني يجب عند السبب، فالأول صوم شهر رمضان، وشروطه على ضربين: أحدهما يشترك فيه الوجوب وصحة الأداء، والثاني يختص صحة الأداء، فالأول: البلوغ وكمال العقل والسلامة من المرض والكبر والسفر ودخول الوقت، والثاني: الاسلام والنية والطهارة من الجنابة، على تفصيل نذكره، ومن الحيض والاستحاضة المخصوصة والنفاس. وعلامة دخوله - أعني الشهر - رؤية الهلال، وبها يعلم انقضاؤه، بدليل الاجماع من الأمة بأسرها من الشيعة وغيرها على ذلك، وعملهم به من زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما بعده إلى أن حدث خلاف قوم من أصحابنا فاعتبروا العدد دون الرؤية، وتركوا ظواهر القرآن والمتواتر من روايات أصحابنا، وعدلوا إلى ما لا يجوز (1) الاعتماد عليه من أخبار آحاد شاذة، ومن الجدول الذي وضعه عبد الله

1 - كذا في الأصل ولكن في " ج " و " س ": وعولوا على ما لا يجوز.

[ 132 ]

بن معاوية بن عبد الله بن جعفر (1)، ونسبه إلى الصادق عليه السلام، والخلاف الحادث لا يؤثر في دلالة الاجماع السابق. وكما لا يؤثر حدوث خلاف الخوارج في رجم الزاني المحصن في دلالة الاجماع على ذلك، فكذلك حدوث خلاف هؤلاء، وهذا عبد الله بن معاوية مقدوح في عدالته بما هو مشهور، من سوء طريقته، مطعون في جدوله بما تضمنه من قبيح مناقضته، ولو سلم من ذلك كله لكان واحدا لا يجوز في الشرع العمل بروايته. ويدل أيضا على أصل المسألة قوله تعالى: * (يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) * (2) وهذا نص صريح بأن الاهلة هي الدلالة على أوائل الشهور، وأيضا قوله سبحانه: * (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) * (3) وهذا أيضا نص ظاهر على أن العلم بعدد السنين والحساب مستفاد من زيادة القمر ونقصانه. ويعارض المخالف بما روي من قوله عليه السلام: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين (4) ; وقوله تعالى: * (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياما معدودات) * (5)، لا يدل على ما ظنه المخالف على صحة مذهبه في العمل بالعدد دون الرؤية، ولا على أن رمضان

1 - هو عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب، قدم الكوفة وتزوج بالكوفة بنت الشرقي بن عبد المؤمن بن شبث بن ربعي الرياحي، وقتله أبو مسلم، لاحظ الاغاني: 12 / 215 - 238.
2 - البقرة: 189. 3 - يونس: 5.
4 - سنن الدارقطني: 2 / 160 برقم 15 و 20.
5 - البقرة: 183 و 184.

[ 133 ]

لا يكون إلا ثلاثين يوما على ما يزعمه، لأنه يفيد أن أيام الصيام معدودة، وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف فيما به يعلم أول هذا المعدود وآخره. وليس في الآية ما يدل عليه، على أن المراد بقوله تعالى: * (معدودات) * أنها قليلات، كما قال تعالى: * (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة) * (1) وقال حكاية عن الكفار: * (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) * (2)، والفائدة في ذلك التسهيل لفرض الصيام، وأنه سبحانه (3) لم يكلف العباد ما لا يطيقون، وإذا كان ذلك هو المراد لم يكن لهم فيها دلالة على أنه لا يمتنع أن يكون للمعدود حدان، لا يتجاوز أكثرهما ولا ينقص عن أقلهما، كما نقول في أيام الحيض: إنها معدودة محصورة، وإن كان لأكثرها حد لا يزيد عليه وهو عشرة أيام، ولأقلها حد لا ينقص عنه وهو ثلاثة أيام، فكذلك أيام شهر رمضان لا يمتنع أن يسمى معدودة، ولها حدان أعلاهما ثلاثون وأدناهما تسعة وعشرون. على أن أهل التفسير قد قالوا: إن المراد بهذه الأيام عشر المحرم، وأنه تعالى كان كتب صيامها وجعل على من أفطر مع القدرة على الصوم فدية من طعام، ثم نسخ ذلك بما فرضه عقيبه بلا فصل من صوم شهر رمضان (4)، وإذا كانت الآية منسوخة بطل التعلق بها على كل حال. وقوله تعالى: * (ولتكملوا العدة) * (5) لا يدل على وجوب إكمال رمضان ثلاثين يوما على ما ظنوه، لأن الله سبحانه محال أن يتعبد المكلفين بفعل الأيام وإكمالها، وإنما تعبدهم بإكمال العمل فيها، وذلك بأن يصام إلى آخرها، سواء كانت ثلاثين، أو تسعة وعشرين، كما أن إكمال العدة للمعتدة بالشهور إذا طلقها أو مات عنها زوجها إنما هو باستيفاء أيام الشهور، سواء كان كل واحد منها ثلاثين أو تسعة وعشرين، وقد قال تعالى: * (والوالدات يرضعن أولادهن حولين

1 - يوسف: 20.
2 - البقرة: 80.
3 - في " ج ": إذ أنه سبحانه.
4 - لاحظ مجمع البيان: 2 / 273.
5 - البقرة: 185.

[ 134 ]

كاملين) * (1)، فأطلق عليهما اسم الكمال، مع جواز أن يزيد أحدهما على الآخر يوما واحدا عند المخالف، لأنه يقول: إن ذي الحجة يكون ثلاثين يوما إذا كانت السنة كبيسة. فدل ذلك على أن المراد بالكمال، الاستيفاء في العمل لا الزيادة في العدد، على أن سياق الكلام في الآية يدل على أن المراد كمال العدد في قضاء الفائت كائنا ما كان ; لأنه تعالى قال: * (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر * يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة) * (2)، ويكون المراد بقوله: * (ولتكبروا الله على ما هداكم) *، الأمر بتعظيمه وما يجب من شكره، وذلك يكون بألفاظ كثيرة يجوز أن يعبر عند الأمر به (3) بأحدها، وإن لم يكن المقصود ذلك الواحد بعينه. وإذا رأى الهلال قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المستقبلة، بدليل الاجماع المتردد، لأن من خالف من أصحابنا في ذلك (4) لم يؤثر خلافه في دلالة الاجماع، ويعارض المخالف من غيرهم بما روى من قوله عليه السلام: إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا (5)، وهذا يدل على أن الصوم بعد الرؤية لا قبلها، وكذا قوله عليه السلام: صوموا لرؤيته (6)، فظاهر الاستعمال يدل على أن الصوم بعد الرؤية. كما دل قوله تعالى: * (أقم الصلاة لدلوك الشمس) * (7) على أن الصلاة بعد الدلوك.

1 - البقرة: 233.
2 - البقرة: 184 و 185.
3 - في " س ": عند الأمر بها.
4 - السيد المرتضى: الناصريات، المسألة 126.
5 - سنن البيهقي: 4 / 206 و 207 ومسند أحمد بن حنبل: 2 / 259 و 3 / 329.
6 - سنن الدارقطني: 2 / 167 و 160 وسنن البيهقي: 4 / 247.
7 - الاسراء: 78.

[ 135 ]

ويقوم مقام رؤية الهلال شهادة عدلين مع وجود العوارض من غيم أو غيره، ومع انتفائها شهادة خمسين، فإن فقد الأمران وجب تكميل عدة شعبان ثلاثين يوما، ثم الصوم بنية الفرض، بدليل الاجماع المتكرر، ويعارض المخالف في شهادة الواحد بما روي من طرقهم من قوله عليه السلام: فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا، رواه الدارقطني (1) ولا تقبل في ذلك شهادة النساء، بدليل الاجماع المشار إليه. ويستحب صوم يوم الشك بنية أنه من شعبان، بدليل الاجماع المتردد و طريقة الاحتياط، لأنه إن كان من رمضان أجزأ عندنا عن الفرض، وإن كان من شعبان أحرز الاجر به، وأيضا قوله تعالى: * (وأن تصوموا خير لكم) * (2)، ولا يخرج من ذلك إلا ما أخرجه دليل قاطع، وأيضا قوله عليه السلام: الصوم جنة من النار (3)، ولم يفرق، وأيضا قول أمير المؤمنين عليه السلام، لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان (4). وأيضا فإنه يوم في الحكم من شعبان بدليل قوله عليه السلام: فإن غم عليكم فعدوا شعبان ثلاثين (5)، فجاز صومه بهذه النية. وما رواه المخالف من النهي عن صوم يوم الشك أخبار آحاد (6) ثم إنا نحمل ذلك على النهي عن صومه بنية أنه من رمضان، أو من غير نية أصلا، كما حمله مالك والشافعي (7) على النهي عن صومه منفردا مما قبله، أو لمن يوافق عادة

1 - سنن الدارقطني: 2 / 168 برقم 3 باب الشهادة على رؤية الهلال.
2 - البقرة: 184. 3 - جامع الأصول: 9 / 455 ومسند أحمد بن حنبل: 2 / 414.
4 - من لا يحضره الفقيه: 2 / 80 برقم 1 باب صوم يوم الشك، والأم للشافعي: 2 / 94 كتاب الصيام.
5 - سنن الدارقطني: 2 / 160 برقم 20 وسنن البيهقي: 4 / 205.
6 - سنن البيهقي: 4 / 207 باب النهي عن استقبال... والنهي عن صوم يوم الشك.
7 - لاحظ الأم للشافعي: 2 / 95 كتاب الصوم، والمغني لابن قدامة: 3 / 5 كتاب الصيام، والذخيرة تأليف القرافي: 2 / 502.

[ 136 ]

له أو نذرا، وحمله أبو حنيفة على ما إذا لم ينو به التطوع، وحمله أحمد على ما إذا كان صحوا. (1) ونية الصوم يجب أن تتعلق بكراهة المفطرات التي نذكرها من حيث كانت إرادة، والارادة لا تتعلق إلا بحدوث الفعل، ولا تتعلق بأن لا يفعل الشئ على ما دل عليه في غير موضع، وكان المرجع بالامساك عن المفطرات إلى أن لا يفعل، فلابد من فعل تتعلق النية به، وليس إلا الكراهة على ما قلناه. ووقت النية من أول الليل إلى طلوع الفجر، بدليل الاجماع الماضي ذكره، وإنما سقط وجوب المقارنة هاهنا رفعا للحرج، ويجوز لمن فاتته ليلا تجديدها إلى قبل الزوال، بدليل الاجماع المتردد وقوله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * (2)، ولم يذكر مقارنة النية. ويعارض المخالف بما روي من طرقهم من أنه صلى الله عليه وآله وسلم بعث إلى أهل السواد في يوم عاشوراء فقال: من لم يأكل فليصم ومن أكل فليمسك بقية يومه، وكان صوم عاشوراء واجبا (3) وما يرويه المخالف من قوله عليه السلام: لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل (4) خبر واحد، ويعارضه ما قدمناه، ويجوز حمله على نفي الفضيلة والكمال ; لقوله عليه السلام: ولا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد (5) ولا صدقة وذو رحم محتاج.
(6)

1 - لاحظ الأم للشافعي: 2 / 95 كتاب الصوم، والمغني لابن قدامة: 3 / 5 كتاب الصيام، والذخيرة تأليف القرافي: 2 / 502.
2 - البقرة: 185.
3 - جامع الأصول: 6 / 310 وسنن البيهقي: 4 / 288.
4 - جامع الأصول: 6 / 285، وفيه: التبييت: أن ينوي الصيام من الليل. وسنن الدارقطني: 2 / 172 برقم 1 ولفظ الحديث: " من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له ".
5 - سنن البيهقي: 3 / 57 و 111 و 174 وكنز العمال: 7 / 650 برقم 20737.
6 - وسائل الشيعة: 6 / 264 و 267 و 286 كتاب الزكاة ومستدرك الوسائل: 7 / 196.

[ 137 ]

فأما الصوم النفل فيجوز النية له إلى بعد الزوال (1) بدليل ما قدمناه من الاجماع المتكرر، وأيضا قوله تعالى: * (وأن تصوموا خير لكم) * (2)، لأنه يتناول ما قبل الزوال وبعده، وليس لأحد من المخالفين أن يقول: كيف تؤثر النية المتأخرة فيما مضى من النهار خاليا منها؟ لأن ما مضى يلحق في الحكم بما يأتي، كما يقوله الأكثر منهم فيمن نوى (3) التطوع قبل الزوال، وليس لهم أن يقولوا: قبل الزوال مضي أقل العبادة وليس كذلك بعد الزوال، لأن النية إذا أثرت فيما مضى خاليا منها حكما فلا فرق بين الأكثر والأقل. وقد أجاز أبو حنيفة والشافعي وغيرهما أن يصير لصلاة المفرد حكم الجماعة بالنية المستأنفة، ولم يفرقوا (4) بين مضي الأكثر منها والأقل، فما أنكروا من مثل ذلك هاهنا، ولا يلزم جواز النية في آخر جزء من اليوم، لأنها يجب أن تكون بحيث يصح وقوع الصوم بعدها، وهذا لا يتأتى في آخر جزء. ونية القربة تجزئ في صوم رمضان، ولا يفتقر إلى نية التعيين بدليل الاجماع الماضي ذكره، وأيضا قوله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * (5) فأمر بالامساك فيه، ومن أمسك مع نية القربة ممتثل للمأمور به فيجب أن تجزئه، وأيضا فنية التعيين يفتقر إليها في زمان الصوم الذي يصح أن يقع الصوم فيه على وجهين، كالصوم الواجب في الذمة مثل صوم القضاء والنذر وغير متعين بيوم مخصوص وغير ذلك من أنواع الصوم الواجب، وكصوم النفل. فأما شهر رمضان فلا يصح أن يقع الصوم فيه إلا عن الشهر، حتى أنه لو

1 - كذا في الأصل ولكن في " س ": إلى ما بعد الزوال.
2 - البقرة: 184.
3 - في " ج " و " س ": فيمن ينوي.
4 - في " ج ": ولم يفرقا.
5 - البقرة: 185.

[ 138 ]

نوى صوم آخر من قضاء أو نفل لم يقع إلا عن رمضان، وإذا كان كذلك لم يحتج إلى نية التعيين فيه. ونية واحدة في أول شهر رمضان تكفي لجميعه، وتجديدها لكل يوم أفضل، بدليل الاجماع المشار إليه، ولأن حرمة الشهر حرمة واحدة، فأثرت في جميعه النية الواقعة في ابتدائه، كما أثرت في جميع اليوم إذا وقعت في ابتدائه. وما يفسد الصوم فيه على ضربين: أحدهما: يوجب مع القضاء الكفارة. والثاني: لا يوجبها، فالأول ما يصل إلى جوف الصائم، مع ذكره للصوم عن عمد منه واختيار، سواء كان بأكل، أو شرب، أو شم، أو ازدراد لما لا يؤكل في العادة، أو حقنة في مرض لا يلجأ إليها (1)، وأن يحصل جنبا في نهار الصوم، مع الشرط الذي ذكرناه، سواء كان ذلك بجماع أو غيره، وسواء كان مبتدئا بذلك فيه، أو مستمرا عليه من الليل، ويجري مجرى ذلك إدراك الفجر له جنبا بعد الانتباه مرتين، وترك الغسل من غير ضرورة، وتعمده الكذب على الله تعالى، أو على رسوله، أو أحد الأئمة عليهم السلام، وتعمده الارتماس في الماء إن كان رجلا، وإن كان امرأة فجلوسها فيه إلى وسطها، كل ذلك بدليل الاجماع الماضي ذكره وطريقة الاحتياط واليقين ببراءة الذمة. ويعارض المخالف في الكفارة في غير الجماع بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر (2) ولم يفصل، وبما روي من أن رجلا قال: يا رسول الله إني أفطرت في رمضان، فقال عليه السلام: أعتق رقبة (3)

1 - في " ج " و " س ": ولا يلجأ إليها.
2 - سنن الدارقطني: 2 / 190 برقم 52 مع اختلاف في اللفظ.
3 - سنن الدارقطني: 2 / 208 برقم 22 وموطأ مالك: 1 / 201 باب كفارة من أفطر.

[ 139 ]

والسؤال يصير مضمرا في الجواب، فكأنه قال: أعتق رقبة لانك أفطرت، و لم يفصل. ويعارض المخالف في الفطر في البقاء على الجنابة بما روي عن أبي هريرة من قوله: من أصبح جنبا فلا صوم له، ما أنا قلته، قاله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورب الكعبة (1)، وحملهم ذلك على من أصبح مجامعا ترك لظاهره، وقولهم: حكم الجنابة لا ينافي الصوم، بدلالة ما إذا احتلم نهارا، غير لازم، لأنا لم نبطل الصوم للمنافاة، بل لاعتماد الجنابة في النهار. والكفارة عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، مخير في ذلك، بدليل الاجماع الماضي ذكره، ويعارض المخالف بما روي من طرقهم من أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر من أفطر في شهر رمضان أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا (2). ولفظة " أو " للتخيير، وحملها على معنى الواو في الخبر، يحتاج إلى دليل، ولا دليل للمخالف على ذلك. والضرب الثاني الذي يوجب القضاء وحده، إدراك الفجر لمن نام جنبا بعد الانتباه مرة واحدة، والحقنة والسعوط (3) في المرض المحوج إليهما (4). وتعمد القئ، وبلع ما يحصل في الفم والحلق منه إذا ذرعه (5)، ووصول الماء إلى الجوف بالمضمضة والاستنشاق للتبرد، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط، و تناول ما يفطر مع الشك في دخول الليل ولم يكن داخلا، أو طلوع الفجر وكان

1 - مسند أحمد بن حنبل: 2 / 284 و 286 وسنن ابن ماجة: 1 / 543 برقم 1702 مع تقديم وتأخير في اللفظ. 2 - موطأ مالك: 1 / 201 وسنن الدارقطني: 2 / 208 برقم 22 وجامع الأصول: 6 / 423.
3 - السعوط - على وزن رسول -: دواء يصب في الأنف. المصباح المنير.
4 - في " س ": في المرض من المحوج إليهما.
5 - ذرعه القئ: إذا غلبه وسبق إلى فيه. لسان العرب.

[ 140 ]

طالعا، أو لإخبار الغير بأنه لم يطلع، بدليل الاجماع الماضي ذكره وطريقة الاحتياط، وأيضا قوله تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * (1)، وقوله: * (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) * (2)، وهذا لم يصم إلى الليل وأفطر ولم يتبين له الفجر، فوجب عليه القضاء، وهذا حكم من أقدم على الافطار من غير رصد للفجر ومن لم يترك تناول ما يفطر مع إخبار الغير له بطلوعه. ويوجب القضاء السفر الذي بيناه أنه يوجب قصر الصلاة، والمرض الذي لا يستطاع معه الصوم، أو يستطاع بمشقة تظهر بها الزيادة في المرض، بدليل الاجماع المشار إليه وقوله تعالى: * (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) * (3)، لأنه سبحانه علق القضاء بنفس المرض والسفر، ومن أضمر في الآية فأفطر يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه. الفصل الأول واعلم أن الشاب الذي به عطاش لا يرجى زواله يفطر ويكفر عن كل يوم بإطعام مدين أو مد من طعام، وهذا حكم الشيخ الكبير إذا أطاق الصوم بمشقة تدخل عليه الضرر العظيم، فأما إذا لم يطقه أصلا، فلا خلاف في أنه لا صوم ولا كفارة عليه، والحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما، أفطرتا وكفرتا عن كل يوم بما ذكرناه، وعليهما القضاء. ويوجبه على النساء بلا خلاف خروج دم الحيض والنفاس، ولا حكم لشئ مما ذكرنا أنه يفطر مع النسيان للصوم، أو الاضطرار إلا ما يضطر إليه، من المرض والحيض والنفاس بلا خلاف.

1 و 2 - البقرة: 187.
3 - البقرة: 184.

[ 141 ]

ويكره للصائم الاكتحال بما فيه صبر (1) أو ما أشبهه، وتقطير الدهن في الأذن، وشم المسك والزعفران والرياحين، وآكدها النرجس، والسواك الرطب، والحقنة بالجامد مع الامكان، ولبس الثوب المبلول للتبرد، والمضمضة والاستنشاق كذلك، وإخراج الدم، ودخول الحمام على وجه يضعف، وملاعبة الحلال من النساء، بدليل الاجماع الماضي ذكره. الفصل الثاني وأما الضرب الثاني من واجب الصيام، فصوم القضاء للفائت، وصوم كفارة من أفطر يوما من رمضان، وصوم النذر والعهد بلا خلاف، وصوم كفارة الفطر فيهما، بدليل الاجماع المذكور وطريقة الاحتياط، وصوم جزاء الصيد، وصوم دم المتعة، وصوم كفارة حلق الرأس، وصوم كفارة الظهار، وصوم كفارة قتل الخطأ، وصوم كفارة اليمين، بلا خلاف، وصوم كفارة من أفطر يوما يقضيه من شهر رمضان، وصوم كفارة البراءة، وصوم كفارة جز المرأة شعرها في مصاب، وصوم المفوت لعشاء الآخرة، وصوم الاعتكاف، وصوم كفارة فسخ الاعتكاف، بدليل الاجماع الماضي ذكره، وطريقة الاحتياط، واليقين ببراءة الذمة. الفصل الثالث وأما القضاء فهو مثل المقضي، ويلزم على الفور، ويفتقر إلى نية التعيين، ويجوز تفريقه، وموالاته أفضل، ومن دخل عليه رمضان ثان، وعليه من الأول شئ لم يتمكن من قضائه، قدم صيام الحاضر، وقضى الفائت بعده، وإن كان

1 - الصبر: الدواء المر، بكسر الباء في الأشهر... المصباح المنير.

[ 142 ]

تمكن من القضاء ففرط، لزمه مع القضاء أن يكفر عن كل يوم بإطعام مسكين، ومن أفطر في يوم يقضيه عن شهر رمضان قبل الزوال أثم، وإن كان بعد الزوال تضاعف إثمه ووجب عليه صيام ثلاثة أيام، أو إطعام عشرة مساكين، كل ذلك بدليل الاجماع الماضي ذكره وطريقة الاحتياط، ومن أصحابنا من قال: إن كان الافطار في قضاء وجب لافطار يجب به الكفارة لزم فيه مثلها. (1) وقد قدمنا أن صوم كفارة المفطر في شهر رمضان شهران ويجب التتابع فيهما وتكميلهما، فلا يصام شعبان لأجل رمضان، ولا شوال لأجل يوم العيد، ولا ذو القعدة لأجل يوم النحر وأيام التشريق في ذي الحجة، ومن أفطر في شئ من الشهرين مضطرا، بنى على ما صامه ولو كان يوما واحدا، وإن كان مختارا في الشهر الأول استأنف الصوم، وإن كان في الشهر الثاني أثم، وجاز له البناء ولو كان بعد صيام يوم واحد منه، بدليل الاجماع الماضي ذكره، وقوله تعالى: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * (2)، يدل على سقوط الاستئناف في الموضع الذي أجزنا فيه البناء، والولي يقضي الصوم عن الميت، على ما بيناه في قضاء الصلاة. الفصل الرابع وأما صوم النذر والعهد فعلى حسبهما، وقد أوجبهما الله تعالى بقوله: * (أوفوا بالعقود) * (3) وقوله: * (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) * (4)، فإن كان ما نذره أو عاهد عليه معينا بزمان مخصوص لا مثل له، ككل [ يوم ] (5) جمعة، أو أول جمعة من الشهر الفلاني، لزمه ذلك بعينه، وكذا إن كان له مثل كيوم جمعة ما أو شهر محرم

1 - الحلبي: الكافي: 184.
2 - الحج: 78.
3 - المائدة: 1.
4 - النحل: 91.
5 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج ".

[ 143 ]

ما، وإن كان غير معين بزمان مخصوص، كيوم ما أو شهر ما، كان مخيرا في الأيام و الشهور. فإن أفطر فيما تعين ولا مثل له مختارا، فعليه ما على المفطر في يوم من رمضان من القضاء والكفارة، وإن كان له مثل أثم وعليه القضاء، فإن شرط في صوم الشهر الموالاة، ففرق مضطرا بنى على ما مضى، وإن كان مختارا لزمه الاستئناف على كل حال، وإن لم يشرط الموالاة فأفطر مضطرا بنى، وإن كان مختارا في النصف الأول استأنف، وإن كان في النصف الثاني أثم وجاز له البناء، وإن شرط أداء ذلك في مكان مخصوص، لزم فعله (1) فيه مع التمكن، كل ذلك بدليل الاجماع المتكرر ذكره وطريقة الاحتياط، ورفع الحرج في الدين يسقط الاستئناف في الموضع الذي أجزنا فيه البناء. وإن اتفق النذر المعين أو العهد في شهر رمضان سقط فرضه، وكذا إن اتفق في يوم يحرم صومه، ولم يلزم كفارة ولا قضاء لشئ من ذلك، لأن النذر أو العهد لا يدخلان على ما ذكرناه من حيث كان صوم رمضان واجبا قبلهما وصوم المحرم معصية، وقد ذكر أن من أفطر فيما تعين صومه من ذلك ولا مثل له لضرورة يطيق معها الصوم بمشقة فعليه مع القضاء أن يكفر بإطعام عشرة مساكين أو صيام ثلاثة أيام.
(2) الفصل الخامس في صوم كفارة جزاء الصيد. الأصل في وجوب ذلك قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد

1 - في " ج ": لزمه فعله.
2 - لاحظ الكافي للحلبي: 185.

[ 144 ]

وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما) * (1) فمن قتل صيدا وكان محرما في الحل، وعجز عن الفداء بالمثل والاطعام، وجب عليه الصوم، وهو يختلف على حسب اختلاف الصيد، ففي النعامة ستون يوما، فمن لم يستطع فثمانية عشر يوما، وفي حمار الوحش أو بقرة الوحش ثلاثون يوما، فمن لم يتمكن فتسعة أيام، وفي الغزال وما أشبهه ثلاثة أيام، وفيما لا مثل له من النعم صيام يوم لكل نصف صاع بر من قيمته. وإن كان محرما في الحرم، فعليه مثلا ما ذكرناه من الصوم، والمتابعة فيه أفضل من التفريق، والدليل على هذا التفصيل الاجماع المتكرر وطريقة الاحتياط، فإن قيل: ظاهر الآية التي تلوتموها يدل على أن هذه الكفارة مخير فيها وأنتم قد قلتم إنها على الترتيب! قلنا: نعدل عن ظاهر لفظة * (أو) * للدليل، كما عدلنا كلنا عن ظاهر الواو في قوله تعالى: * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاث ورباع) *.
(2) الفصل السادس: في صوم دم المتعة الأصل في وجوبه قوله تعالى: * (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) * (3) والثلاثة في الحج يوم السابع والثامن والتاسع من ذي الحجة، ومن فرق صومها عن اختيار استأنف، وإن كان عن اضطرار وكان قد صام يومين قبل

1 - المائدة: 95.
2 - النساء: 3.
3 - البقرة: 196.

[ 145 ]

النحر صام الثالث بعد أيام التشريق، وإن صام قبله يوما واحدا صام الثلاثة بعد أيام التشريق، ومن لم يتمكن من صومها بعد أيام التشريق جاز له صومها في طريقه، فإن لم يقدر صامها مع السبعة الباقية إذا رجع إلى أهله. والتتابع واجب أيضا في السبعة، ولا يجوز أن يصام في السفر من الصوم الواجب إلا هذه الثلاثة الأيام، والنذر المشروط صيامه في السفر والحضر، فإن جاور (1) بمكة أو صد عن بلده صام السبعة إذا مضى من المدة ما يصل في مثله إليه، وكل هذا التفصيل بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط. الفصل السابع وأما صوم كفارة حلق الرأس فثلاثة أيام، وكذا صوم كفارة اليمين، والأصل في وجوبهما قوله تعالى: * (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام) * (2)، وقوله سبحانه: * (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان - إلى قوله: - فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) * (3)، ويجب التتابع في كل ذلك، فمن فرق مختارا استأنف، ومن فرق مضطرا بنى، بدليل ما قدمناه. الفصل الثامن: في الاعتكاف وما يتعلق به من صوم وغيره من شروط انعقاده الصوم، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط، لأن

1 - في " ج " و " س ": " فإن جاوز " والصحيح ما في المتن.
2 - البقرة: 196.
3 - المائدة: 89.

[ 146 ]

من أوجب على نفسه الاعتكاف بنذر أو عهد، لابد أن يتيقن براءة ذمته منه، ولا خلاف في براءة ذمته إذا صام، وليس كذلك إذا لم يصم، وأيضا قوله تعالى: * (و لا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) * (1)، ولفظ الاعتكاف شرعي وله شروط شرعية على حسب الخلاف في ذلك، وعلى كل حال يفتقر فيه إلى بيان، وإذا لم يبينه سبحانه في الكتاب احتجنا في بيانه إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإذا وجدناه عليه السلام لم يعتكف إلا بصوم، كان فعله بيانا، وفعله إذا وقع على وجه البيان كان كالموجود في لفظ الآية، ويعارض المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا اعتكاف إلا بصوم (2) وقوله لعمر: اعتكف وصم.
(3) ومن شرط انعقاده أن يكون في مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو إمام عدل بعده الجمعة، وذلك أربعة: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة، بدليل الاجماع المتكرر وطريقة الاحتياط، لأنه لا خلاف في انعقاده فيما ذكرناه من الامكنة وليس على انعقاده في غيرها دليل. قوله تعالى: * (وأنتم عاكفون في المساجد) *، لا ينافي ما ذكرناه، لأن اللفظ مجمل، ولفظ المساجد هاهنا ينبئ عن الجنس لا عن الاستغراق. ومن شرط انعقاده أن يكون ثلاثة أيام فما زاد، لمثل ما قدمناه من الاجماع وطريقة الاحتياط، وتعلق المخالف في ذلك بظاهر قوله تعالى: * (وأنتم عاكفون في المساجد) *، وأنه يتناول ما نقص عن ثلاثة أيام، لا يصح لأنا قد بينا أن الاعتكاف إما أن يكون لفظه شرعيا أو لغويا له شروط شرعية، فلابد من الرجوع إلى الشرع، إما في الاسم أو في الشروط، فعليهم أن يدلوا على أن ما نقص عن الثلاثة يتناوله في الشرع هذا الاسم، ويكمل له الشروط الشرعية حتى

1 - البقرة: 187.
2 - سنن أبي داود: 2 / 333 برقم 2473 وسنن البيهقي: 4 / 317.
3 - سنن الدارقطني: 2 / 200 برقم 9 وسنن أبي داود: 2 / 334 برقم 2474.

[ 147 ]

يصح تناول الآية له. وملازمة المسجد شرط في صحة الاعتكاف بلا خلاف إلا لعذر ضروري، من إرادة بول، أو غائط، أو إزالة حدث الاحتلام، أو أداء فرض تعين من شهادة أو غيرها، وعندنا يجوز أن يخرج لعيادة المريض، وتشييع الجنازة، بدليل الاجماع المتكرر. ويعارض المخالف بما ورد من الحث على ذلك لأنه على عمومه، ولا يجوز لمن خرج لعذر أن يجلس تحت سقف مختارا حتى يعود إلى المسجد، ولا التجارة بالبيع والشراء على كل حال، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط. وإذا أفطر المعتكف نهارا، أو جامع ليلا، انفسخ اعتكافه، ووجب عليه استئنافه وكفارة من أفطر يوما من شهر رمضان، بدليل ما قدمناه في المسألة الأولى، وأيضا قوله تعالى: * (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) * (1) ; لأنه لم يفصل بين الليل والنهار، وإن جامع نهارا كان عليه كفارتان: إحداهما لافساد الصوم والأخرى لافساد الاعتكاف، وإن أكره زوجته على الجماع وهي معتكفة انتقلت كفارتها إليه. والاعتكاف المتطوع به يجب بالدخول فيه المضي فيه (2) ثلاثة أيام، وهو في الزيادة عليها بالاختيار إلا أن يمضي له يومان، فيلزم تكميل ثلاثة أخرى، للاجماع المتكرر وطريقة الاحتياط، ومن أصحابنا من قال: إذا اضطر المعتكف إلى الخروج من المسجد لمرض خرج وقضى إذا صح الاعتكاف (3)

1 - البقرة: 187.
2 - في " ج ": والمضي فيه. 3 - الشيخ: النهاية: 172.

[ 148 ]

ومنهم من قال: يبني على ما مضى (1)، والأول أحوط. الفصل التاسع وصوم مفوت العشاء الآخرة هو اليوم الذي يلي ليلة الفوات، وليس على من أفطر إلا التوبة والاستغفار، وما عدا ما ذكرناه من الكفارات شهران متتابعان، وحكم المفطر فيهما في الاستئناف والبناء، حكم المفطر في الكفارة عن شهر رمضان، وقد بيناه. الفصل العاشر وأما الصوم المندوب فعلى ضربين: معين وغير معين، فالأول صوم رجب كله، وصوم أول يوم منه، وصوم الثالث عشر منه مولد أمير المؤمنين عليه السلام، والسابع والعشرين منه مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وشعبان كله، ويوم النصف منه، ويوم السابع عشر من ربيع الأول مولد النبي عليه السلام وأول يوم من ذي الحجة مولد إبراهيم عليه السلام، ويوم عرفة لمن لا يضعفه عن الدعاء، ويوم الغدير، ويوم دحو الأرض (2) وهو الخامس والعشرون من ذي القعدة، وثلاثة أيام في كل شهر: أول خميس منه، وأول أربعاء في العشر الأوسط منه، وآخر خميس منه، وأيام البيض منه وهي: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وصوم عاشوراء على وجه الحزن، وثلاثة أيام لاستسقاء ولغيره من الحوائج والشكر. ويستحب للكافر إذا أسلم في يوم من شهر رمضان، وللمريض إذا برئ، وللمسافر إذا قدم، وللغلام إذا بلغ، وللمرأة إذا طهرت من الحيض

1 - الحلبي: الكافي: 187.
2 - في " ج " و " س ": دحوة الأرض.

[ 149 ]

والنفاس، أن يمسكوا بقية ذلك اليوم، وهذا هو صوم التأديب. وأما غير المعين فما عدا ما ذكرناه من الأيام إلا المحرمة. ويستحب للمرأة أن لا تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها، وكذا العبد مع مولاه والضيف مع مضيفه، وهذا هو صوم الإذن، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه، وطريقة الاحتياط وقوله تعالى: * (وأن تصوموا خير لكم) * (1) وقوله: * (وافعلوا الخير) *.
(2) وأما الصوم المحرم: فصوم العيدين، وأيام التشريق بمنى، ويوم الشك على أنه من رمضان، وصوم الوصال، وهو أن يجعل عشاءه سحوره، وصوم الصمت، وصوم الدهر، وصوم نذر المعصية، بدليل الاجماع الماضي ذكره. وأما ما يتعلق بالصوم من الأحكام فقد بيناه في ضمن فصوله. * * *

1 - البقرة: 184.
2 - الحج: 77.

[ 151 ]

كتاب الحج يحتاج في الحج إلى العلم بأقسامه، وشروطه، وكيفية فعله، وما يفسده، وما يتعلق بذلك من الأحكام. الفصل الأول أما أقسامه فثلاثة: تمتع بالعمرة إلى الحج وقران وإفراد. فالتمتع: أن يقدم على أفعال الحج عمرة يتحلل منها ويستأنف الاحرام للحج. والقران: أن يقرن بإحرام الحج سياق الهدي. والافراد: أن يفرد الحج من الأمرين معا، بدليل الاجماع الماضي ذكره. فالتمتع فرض الله على من لم يكن من أهل مكة وحاضريها، وهم من كان بينه وبينها إثنا عشر ميلا فما دونها، لا يجزئهم مع التمكن في حجة الاسلام سواه، بدليل الاجماع وطريقة الاحتياط واليقين لبراءة الذمة. ويعارض المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم - لما نزل فرض التمتع

[ 152 ]

وكان قد ساق الهدي -: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي (1)، وأمر من لم يسق هديا أن يحل ويجعلها عمرة، لأنه لو كان جائزا في حج الاسلام لمن ذكرناه، أو أفضل في حج التطوع على ما يقوله المخالف، لم يكن لامره (2) بذلك معنى. فأما أهل مكة وحاضروها ففرضهم القران والافراد ولا يجزئهم في حجة الاسلام غيرهما، بدليل الاجماع المذكور وطريقة الاحتياط، وأيضا قوله تعالى: * (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) * إلى قوله: * (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) * (3) وهذا نص، وليس لأحد أن يقول: إن قوله تعالى * (ذلك) * إشارة إلى الهدي لا إلى التمتع، لأن ذلك تخصيص بغير دليل. والحج على ضربين: مفروض ومسنون، فالمفروض: حج الاسلام، وحج النذر أو العهد، وحج الكفارة، وأما المسنون: فما عدا ما ذكرناه، ويفارق الواجب في أنه لا يجب الابتداء به، ويساويه بعد الدخول فيه في وجوب المضي فيه في سائر أحكامه إلا وجوب القضاء له إذا فات، بدليل الاجماع الماضي ذكره. الفصل الثاني وأما شروطه فعلى ضربين: شرائط الوجوب وشرائط صحة الأداء. فشرائط وجوب حج الاسلام: الحرية والبلوغ وكمال العقل والاستطاعة بلا خلاف، والاستطاعة يكون بالصحة، والتخلية، وأمن الطريق، ووجود الزاد

1 - جامع الأصول لابن الأثير: 3 / 489. 2 - في " ج ": لم يكن بأمره.
3 - البقرة: 196.

[ 153 ]

والراحلة، والكفاية له ولمن يعول، والعود إلى كفاية، من صناعة أو غيرها، بدليل الاجماع المتردد، وأيضا فقد ثبت أن من شرط حسن الأمر بالعبادة القدرة عليها، على ما دللنا عليه فيما تقدم من الأصول. فلما شرط سبحانه في الأمر بالحج الاستطاعة، اقتضى ذلك زيادة على القدرة من التمكن من النفقة وغيرها، ومن لا يجد لعياله نفقة إلى حين عوده لا يكون كذلك، لتعلق فرض نفقتهم به، وإذا ثبت ذلك ثبت اعتبار العود إلى كفاية، لأن أحدا من الأمة لم يفرق بين الأمرين. ويحتج على مالك بما روي من طرقهم أن رجلا سأله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزلت * (ولله على الناس حج البيت...) * الآية (1) فقال: يا رسول الله ما السبيل؟ فقال: زاد و راحلة (2). وتعلقه بقوله تعالى: * (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر) * (3) لأن معنى قوله: * (رجالا) * رجالة،، لا حجة له فيه لأنا نحمله على أهل مكة وحاضريها، بدليل ما قدمناه، ولأنه ليس في الآية أكثر من الاخبار عن حالة من يأتيه، ونحن لا نمنع أن يأتي الحاج المتطوع ماشيا. وأما شرائط صحة الأداء، فالاسلام، وكمال العقل، والوقت، والنية، بلا خلاف، والختنة بإجماع آل محمد عليهم السلام. الفصل الثالث: في كيفية فعله أعلم أن أفعال الحج: الاحرام، والطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، و الوقوف بالمشعر الحرام، ونزول منى، والرمي، والذبح، والحلق. ونحن نذكر كيفية

1 - آل عمران: 97.
2 - سنن البيهقي: 4 / 327 و 330.
3 - الحج: 27.

[ 154 ]

كل قسم من ذلك، وما يتعلق به في فصل مفرد إن شاء الله. الفصل الرابع: في الاحرام الاحرام ركن من أركان الحج من تركه متعمدا فلا حج له بلا خلاف، ولا يجوز إلا في زمان مخصوص، وهو شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة، فمن أحرم قبل ذلك لم ينعقد إحرامه، بدليل الاجماع المتردد وطريقة الاحتياط، وأيضا قوله تعالى: * (الحج أشهر معلومات) * (1)، والتقدير وقت الحج، لأن الحج لا يصح وصفه بأنه أشهر، وتوقيت العبادة في الشرع بزمان، يدل على أنها لا تجزي في غيره. ولا تعلق للمخالف بقوله تعالى: * (يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) * (2)، لأنا نخص الاحرام بما ذكرناه من الشهور، بدليل ما قدمناه، كما خصصنا كلنا ما عداه من أفعال الحج بأيام مخصوصة من ذي الحجة، ولأن أبا حنيفة عنده: أن الاحرام ليس من الحج فلا يمكنه التعلق بالآية، ولأن توقيت الفعل بوقت يقتضي جواز فعله فيه من غير كراهة، وعند أبي حنيفة: أن تقديم الاحرام مكروه.
(3) ولا يجوز عقد الاحرام إلا في موضع مخصوص، وهو لمن حج على طريق المدينة ذو الحليفة، وهو مسجد الشجرة، ولمن حج على طريق الشام الجحفة، ولمن حج على طريق العراق بطن العقيق، وأوله المسلخ وأوسطه غمرة وآخره ذات عرق،

1 - البقرة: 197.
2 - البقرة: 189.
3 - لاحظ المغني لابن قدامة: 3 / 224 كتاب الحج باب ذكر الاحرام.

[ 155 ]

ولمن حج على طريق اليمن يلملم، ولمن حج على طريق الطائف قرن المنازل. وقلنا ذلك للاجماع المكرر وطريقة الاحتياط واليقين لبراءة الذمة، وأيضا فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وقت هذه المواقيت، وإذا كان معنى الميقات في الشرع ما يتعين للفعل، ولا يجوز تقديمه عليه، كمواقيت الصلاة، كان من جوز تقديم الاحرام على الميقات مبطلا لهذا الاسم. ومن تجاوز الميقات من غير إحرام متعمدا، ولم يتمكن من الرجوع إليه، كان عليه إعادة الحج من قابل، وإن كان ناسيا أحرم من موضعه، ويجوز لمن منزله دون الميقات الاحرام منه، وإحرامه من الميقات أفضل. وميقات المجاور ميقات أهل بلده، فإن لم يتمكن فمن خارج الحرم، فإن لم يقدر فمن المسجد الحرام، وذلك بدليل الاجماع الماضي. ويستحب لمريد الاحرام قص أظفاره وإزالة الشعر عن إبطيه وعانته، وأن يغتسل، بلا خلاف، ويجب عليه لبس ثوبي إحرامه، يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر، ولا يجوز أن يكونا مما لا يجوز الصلاة فيه، ويكره أن يكونا مما تكره الصلاة فيه، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم، بدليل الاجماع المتردد، ويجزي مع الضرورة ثوب واحد بلا خلاف. ويستحب أن يصلي صلاة الاحرام، وأن يقول بعدها إن كان متمتعا: اللهم إني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك، فيسر لي أمري، وبلغني قصدي، وأعني على أداء مناسكي، فإن عرض لي عارض يحبسني فحلي حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي. اللهم إن لم يكن حجة فعمرة. اللهم إن لم يكن عمرة فحجة. أحرم لك لحمي ودمي وشعري وبشري من النساء والطيب والصيد، وكل محرم على المحرمين ابتغي بذلك وجهك والدار الآخرة.

[ 156 ]

وإن كان قارنا قال: اللهم إني أريد الحج قارنا فسلم لي هدي وأعني على أداء مناسكي، إلى آخر الدعاء. وإن كان مفردا قال: اللهم إني أريد الحج مفردا فسلم لي مناسكي وأعني على أدائها إلى آخر الدعاء، ثم يجب عليه أن ينوي نية الاحرام على الوجه الذي قدمناه، ويعقده بالتلبية الواجبة، وهي: لبيك اللهم لبيك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك. ولا ينعقد الاحرام إلا بها أو بما يقوم مقامها من الايماء لمن لا يقدر على الكلام، ومن التقليد أو الاشعار للقارن، بدليل الاجماع المتكرر وطريقة الاحتياط واليقين لبراءة الذمة، وأيضا ففرض الحج مجمل في القرآن، ولا خلاف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعل التلبية، وفعله عليه السلام إذا ورد مورد البيان كان على الوجوب. ويعارض المخالف بما روي من طرقهم أن جبرئيل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعار الحج (1) وهذا نص، و بقوله لعائشة: انقضي رأسك وامتشطي واغتسلي ودعي العمرة، و أهلي بالحج (2)، والاهلال هو التلبية، وأمره على الوجوب، وليس لهم أن يقولوا: المراد بالاهلال: الاحرام لأن الاهلال في لغة العرب رفع الصوت، ومنه قولهم: استهل الصبي: إذا صاح، ومنه سمي الهلال هلالا، لارتفاع الاصوات عند رؤيته، ويبطل ذلك ما رووه عن ابن عباس من قوله: إنه صلى الله عليه وآله وسلم أهل في مصلاه، وحين مرت به راحلته،

1 - التاج الجامع للأصول: 2 / 121.
2 - صحيح البخاري: 2 / 172 كتاب الحج، والتاج الجامع للأصول: 2 / 126.

[ 157 ]

وحين بلغ البيداء (1) لأن الاحرام متقدم على بلوغ البيداء. ومن الالفاظ المستحبة في التلبية: لبيك ذا المعارج لبيك، لبيك ذا الجلال والاكرام لبيك، لبيك مبدئ الخلق ومعيده لبيك، لبيك غافر الذنب لبيك، لبيك قابل التوب لبيك، لبيك كاشف الكرب العظام لبيك، لبيك فاطر السماوات لبيك، لبيك أهل التقوى وأهل المغفرة لبيك، لبيك متمتعا بالعمرة إلى الحج لبيك، إن كان متمتعا ولا يقول: لبيك بعمرة وحجة تمامها عليك، لأن ذلك يفيد بظاهره تعليق نية الاحرام بالحج والعمرة معا، وذلك لا يجوز. وإن كان قارنا أو مفردا قال: لبيك بحجة تمامها وبلاغها عليك، وإن كان نائبا عن غيره قال: لبيك عن فلان بن فلان لبيك. وأوقات التلبية أدبار الصلوات، وحين الانتباه من النوم، وبالأسحار، وكلما علا نجدا، أو هبط غورا، أو رأى راكبا، ويستحب رفع الصوت بها للرجال، وأن لا يفعل إلا على طهر، وآخر وقتها للمتمتع إذا شاهد بيوت مكة، وحدها من عقبة مدنيين إلى عقبة ذي طوى، وللقارن (2) والمفرد إذا زالت الشمس من يوم عرفة، وللمعتمر عمرة مبتولة إذا وضعت الابل أخفافها في الحرم، فإن كان المعتمر (3) خارجا من مكة فإذا شاهد الكعبة. والمتمتع إذا لبى بالحج متعمدا بعد طواف العمرة وسعيها وقبل التقصير بطلت متعته، وصار ما هو فيه حجة مفردة، وإن لبى ناسيا لم تبطل، كل ذلك بدليل الاجماع الماضي ذكره.

1 - جامع الأصول لابن الأثير: 3 / 435 برقم 1364. 2 - هذا ما أثبتناه وفي النسخ التي بأيدينا: والقارن.
3 - في " ج ": فإن كان المتمتع.

[ 158 ]

وإذا انعقد إحرامه حرم عليه أن يجامع، أو يستمني، أو يقبل، أو يلامس بشهوة بلا خلاف، وأن يعقد نكاحا لنفسه أو لغيره، أو يشهد عقدا، فإن عقد فالعقد فاسد، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط. ويعارض المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب (1)، وفي رواية: ولا يشهد، وهذا نص. وقولهم: لفظة نكاح حقيقة في الوطء خاصة، غير مسلم، بل وفي العقد، بدليل ظاهر الاستعمال، قال الله تعالى: * (وأنكحوا الأيامى منكم) * (2) * (فانكحوهن بإذن أهلهن) * (3) * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) * (4) ولا خلاف أن المراد بذلك العقد. وإذا كان لفظ النكاح مشتركا وجب حمله على الأمرين، وما رووه من أنه صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة (5) وهو محرم (6) معارض بما روي عن ميمونة من قولها: خطبني رسول الله وهو حلال وتزوجني وهو حلال (7) وفي خبر آخر: وتزوجني بعد رجوعه من مكة، وخبر المنكوحة أولى لأنها أعرف بحقيقة الحال، وأيضا فالعرب تسمي من كان في الشهر الحرام محرما قال الشاعر (8): قتلوا ابن عفان الخليفة محرما... ولم يكن عاقدا للاحرام بلا خلاف، فيحمل خبرهم على أن الراوي أراد به تزويجها وهو في الشهر الحرام.

1 - التاج الجامع للأصول: 2 / 117 كتاب الحج، وجامع الأصول لابن الأثير: 3 / 412.
2 - النور: 32. 3 و 4 - النساء: 3 و 25.
5 - ميمونة بنت الحارث، تزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سنة 7 ه‍ روت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنها ابن أختها عبد الله بن عباس وغيره، ماتت سنة 51 ه‍، لاحظ أعلام النساء: 5 / 138 وتهذيب التهذيب: 12 / 453.
6 - صحيح البخاري: 3 / 19، والتاج الجامع للأصول: 2 / 117، ونيل الأوطار: 5 / 14.
7 - سنن الترمذي: 3 / 201، وجامع الأصول: 3 / 411، والتاج الجامع للأصول: 2 / 117.
8 - الشاعر هو الراعي النميري، ومصرعه الأخير: " ودعا فلم أر مثله قتيلا "، لاحظ الاغاني: 23 / 348، وجمهرة العرب: 1 / 523.

[ 159 ]

ويحرم عليه أن يلبس مخيطا بلا خلاف، إلا السراويل عند الضرورة عند بعض أصحابنا (1) وبعض المخالفين (2)، وعند قوم من أصحابنا أنه لا يلبس حتى يفتق ويصير كالمئزر وهو أحوط، وأن يلبس ما يستر ظاهر القدم من خف أو غيره بلا خلاف، وأن تلبس المرأة القفازين (3) بدليل إجماع الطائفة وطريقة الاحتياط. ويعارض المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تنتقب المرأة في الاحرام ولا تلبس القفازين (4) وهو نص. ويحرم على الرجل تغطية رأسه، وعلى المرأة تغطية وجهها بلا خلاف، ويحرم عليه أن يستظل وهو سائر، بحيث يكون الظلال فوق رأسه كالقبة، فأما إذا نزل فلا بأس بجلوسه تحت الظلال، من خيمة أو غيرها، ويحرم عليه الارتماس في الماء، وذلك بدليل إجماع الطائفة وطريقة الاحتياط. ويحرم عليه أن يصطاد، أو يذبح صيدا، أو يدل على صيد، أو يكسر بيضة بلا خلاف، وأن يأكل لحمه وإن صاده المحل ولم تكن منه دلالة عليه، بلا خلاف من الأكثر، ودليلنا على ذلك إجماع الطائفة وطريقة الاحتياط، وقوله تعالى: * (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) * (5)، لأنه يتناول كل فعل لنا في الصيد (6) من غير تخصيص. ويحرم عليه أن يدهن بما فيه طيب، أو يأكل ما فيه ذلك، وأن يتطيب

1 - القاضي ابن البراج: المهذب: 1 / 212.
2 - لاحظ صحيح البخاري: 3 / 21 كتاب الحج.
3 - القفاز - مثل تفاح -: شئ تتخذه نساء الاعراب، ويحشى بقطن يغطي كفي المرأة وأصابعها. المصباح المنير.
4 - صحيح البخاري: 3 / 19 كتاب الحج.
5 - المائدة: 96.
6 - في " س ": " ينافي الصيد " وهو تصحيف.

[ 160 ]

بالمسك أو العنبر (1) أو العود أو الكافور أو الزعفران بلا خلاف، ويحرم عليه الفسوق وهو عندنا الكذب على الله تعالى، أو على رسوله، أو على أحد الأئمة من آل محمد عليهم السلام، والجدال وهو عندنا قول: " لا والله " و " بلى والله " بدليل إجماع الطائفة وطريقة الاحتياط. وقول المخالف: ليس في لغة العرب أن الجدال هو اليمين، ليس بشئ، لأنه غير ممتنع أن يقتضي العرف الشرعي ما ليس في الوضع اللغوي، كما يقوله في لفظة " غائط " ثم الجدال إذا كان في اللغة المنازعة والمخاصمة، وكان ذلك يستعمل للمنع والدفع، وكانت اليمين تفعل لذلك كان كافيا فيها معنى المنازعة. ويحرم عليه أن يقطع شيئا من شجر الحرم الذي لم يغرسه في ملكه، وليس من شجر الفواكه، والأذخر (2)، وأن يجز حشيشه بلا خلاف، فأما شجر الفواكه و الاذخر وما غرسه الانسان في ملكه فيجوز قطعه، وكذا رعي الحشيش بدليل إجماع الطائفة. وأيضا فتحريم ذلك يفتقر إلى دليل شرعي، وليس في الشرع ما يدل عليه، و يخص الرعي عمل المسلمين من لدن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك وإلى الآن من غير إنكار من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أحد الصحابة أو أحد العلماء. ويحرم عليه أن يزيل شيئا من شعره، أو يقص شيئا من أظفاره، وأن يتختم للزينة، أو يدمي جسده بحك أو غيره، وأن يزيل القمل عن نفسه، أو يسد أنفه من الرائحة الكريهة، بلا خلاف أعلمه. ويحرم عليه أن يلبس سلاحا، أو يشهره إلا لضرورة، وأن يقتل شيئا من

1 - في " ج " و " س ": والعنبر.
2 - الاذخر - بكسر الهمزة والخاء -: نبات معروف زكي الريح. المصباح المنير.

[ 161 ]

الجراد والزنابير مع الاختيار، فأما البق والبراغيث فلا بأس أن يقتل في غير الحرم، ولا بأس بقتل ما يخافه من الحيات والعقارب والسباع في الحرم وغيره بدليل الاجماع الماضي ذكره. ويحرم عليه أن يمسك ما كان معه من صيد قبل الاحرام، وأن يخرج شيئا من حمام الحرم منه، وأن لا يرده بعد إخراجه، وأن يمسك ما يدخل به إلى الحرم من الطير بدليل إجماع الطائفة وطريقة الاحتياط، وأيضا قوله تعالى: * (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) * (1)، والمراد تحريم أفعالنا فيه، واستدامة الامساك بعد الاحرام، ودخول الحرم، والإخراج واستدامة فعلنا فيه، فيجب أن يكون محرما. الفصل الخامس وما يفعله المحرم مما بينا أنه محرم عليه على ضروب ثلاثة: أحدها يوجب الكفارة، سواء فعله عامدا أو ساهيا. والثاني يوجبها مع العمد دون النسيان. والثالث فيه الإثم دون الكفارة. فالأول: هو الصيد بلا خلاف بين الجمهور، فمن قتل صيدا له مثل، أو ذبحه، وكان حرا كامل العقل، محلا في الحرم، أو محرما في الحل، فعليه فداؤه بمثله من النعم، بدليل الاجماع من الطائفة وطريقة الاحتياط وأيضا قوله تعالى: * (فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم...) * (2) الآية، فأوجب مثلا من النعم، وذلك يبطل قول من قال: الواجب قيمة الصيد.

1 - المائدة: 96.
2 - المائدة: 95.

[ 162 ]

وإن كان محرما في الحرم فعليه الفداء والقيمة، أو الفداء مضاعفا، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط واليقين لبراءة الذمة، وأيضا فالجزاء إذا لزم المحل في الحرم، والمحرم في الحل، وجب اجتماع الجزاءين باجتماع الأمرين: الاحرام والحرم. وإن كان مملوكا فكفارته على مالكه إن كان إحرامه بإذنه، وعليه إن كان بغير إذنه بالصوم، لأن العبد لا يملك شيئا فيلزمه مثل أو قيمة. وإن كان غير كامل العقل فكفارته على وليه، لأنه الذي أدخله في الاحرام، وليس بواجب عليه، والدليل على ذلك إجماع الطائفة. وتكرار القتل يوجب تكرار الكفارة بغير خلاف بين أصحابنا إذا كان القاتل ناسيا، ومنهم من قال، هذا حكمه إن كان متعمدا، ومنهم من قال: إن تعمد القتل مرة ثانية لم يلزمه كفارة، بل يكون ممن ينتقم الله منه كما ذكره تعالى (1) و الأول أحوط، وكونه ممن ينتقم الله منه إذا عاد، لا ينافي وجوب الكفارة عليه. والمثل في النعامة بدنة بلا خلاف، فإن لم يجد فقيمتها، فإن لم يجد فض قيمة البدنة على البر وصام عن كل نصف صاع يوما، بدليل الاجماع من الطائفة وطريقة الاحتياط. والمثل في حمار الوحش أو بقرة الوحش، بقرة، وفي الظبي شاة بلا خلاف، وفي الارنب والثعلب عندنا شاة، وحكم من لم يجد ذلك حكم ما قدمناه، ويجوز لمن لم يجد الفداء والقيمة، أن يصوم للنعامة ستين يوما، وللبقرة ثلاثين يوما، و للظبي وما أشبهه ثلاثة أيام. ومن صام بالقيمة أقل مما ذكرناه من المدة أجزأه، وإن اقتضى ذلك زيادة عليها لم يلزمه أن يصوم الزيادة، ومن عجز من صوم الستين أو الثلاثين، صام

1 - لاحظ المختلف: 4 / 122 من الطبع الحديث.

[ 163 ]

مكان كل عشرة أيام ثلاثة، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. وفي كل حمامة من حمام الحرم، أو إخراج شئ من حمامه منه، أو تنفيره فلا يرجع، شاة، وفي فرخها حمل (1)، وفي كل بيضة لها درهم، وفي حمامة الحل درهم، وفي فرخها نصف درهم، وفي كل بيضة لها ربع درهم، وفي كل بيضة من بيض النعام إذا كان قد تحرك فيها الفرخ فصيل، فإن لم يتحرك فإرسال فحولة الابل على إناثها بعدد ما كسر، فما نتج منها كان ذلك هديا، فإن لم يكن لمن فعل ذلك إبل، فعليه لكل بيضة شاة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وفي بيض الدراج والحجل (2) إرسال فحولة الغنم في إناثها بعدد البيض فما نتج فهو هدي، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. ومن رمى صيدا فغاب عنه ولم يعلم حاله، فعليه فداؤه، بدليل الاجماع المتكرر وطريقة الاحتياط، فإن رآه بعد ذلك كسيرا فعليه مابين قيمته صحيحا و كسيرا، وقد روي (3) أن في كسر أحد قرني الغزال ربع قيمته، وفيهما جميعا النصف، وفي إحدى عينيه إذا فقئت نصف قيمته، وفيهما معا الكل، وفي يديه من الحكم ما في عينيه، وكذا في رجليه. وفي الجرادة أو الزنبور كف من طعام، وفي الكثير من ذلك دم شاة، وفي القنفذ والضب واليربوع حمل قد فطم ورعى، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. وفي قتل الأسد ابتداء لا على وجه المدافعة (4) كبش بدليل ما قدمناه من الاجماع وطريقة الاحتياط، وأيضا قوله تعالى: * (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم...) * (5) الآية، واسم الصيد يقع على السبع المتوحش، قال الشاعر:

1 - الحمل - بفتحتين -: ولد الضائنة في السنة الأولى. المصباح المنير. 2 - الحجل: طائر في حجم الحمام أحمر المنقار والرجلين. المنجد. وفي " ج ": " القبج " وكلاهما بمعنى.
3 - لاحظ الوسائل: 9 ب 28 من أبواب كفارة الصيد، ح 3.
4 - في " ج ": لا عن وجه المدافعة.
5 - المائدة: 95.

[ 164 ]

ليث تردى زبية فاصطيدا... ولا شبهة في أن العرب كانت تصطاد السباع وتأكلها، وتسميها صيدا، و تقول: سيد الصيد الأسد، وورود الحظر لا يوجب سلب الاسم. ومن قتل ما لا مثل له من الصيد كالعصفور أو ما أشبهه، فعليه قيمته، أو عدلها صياما، وحكم المشارك في قتل الصيد حكم المنفرد، بدليل الاجماع الماضي ذكره وطريقة الاحتياط، وأيضا قوله تعالى: * (ومن قتله منكم متعمدا) * (1)، إذ المشارك قاتل، ويجري ذلك مجرى قوله سبحانه: * (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) * (2)، ولا خلاف أن الجماعة إذا اشتركت في القتل، كان على كل واحد منهم كفارة. وحكم من دل على صيد فقتل حكم القاتل، لمثل ما قدمناه من الاجماع و طريقة الاحتياط، لأنه لا خلاف أنه منهي عن الدلالة، ولا يقين ببراءة ذمته إذا دل على صيد فقتل إلا بالكفارة. ويحتج على المخالف بما روي من طرقهم عن علي عليه السلام وابن عباس أنهما جعلا على محرم - أشار إلى حلال ببيض نعام - الجزاء (3) وعن عمر وعبد الرحمان بن عوف (4) أنهما جعلا على محرم - أشار إلى ظبي فقتله صاحبه - دم شاة ولا مخالف لهم، وهذا دليل الاجماع على أصل المخالف. وأما الضرب الثاني الذي لا يلزم الكفارة فيه إلا مع العمد، فما عدا الصيد مما نذكره الآن، وقلنا بسقوطها مع النسيان، للاجماع الماضي ذكره، ويحتج على المخالف بما روي من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا

1 - المائدة: 95.
2 - النساء: 92.
3 - لاحظ المغني لابن قدامة والشرح الكبير: 3 / 286.
4 - أبو محمد عبد الرحمان بن عوف بن عبد عوف، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعنه أولاده وابن عباس، مات سنة 32، أو 31 ه‍، لاحظ أسد الغابة: 3 / 313 وتهذيب التهذيب: 6 / 220.

[ 165 ]

عليه (1)، والمراد رفع أحكام الأفعال، ومن أحكامها لزوم الكفارة، وقولهم يخص ذلك برفع الإثم يحتاج إلى دليل. ثم إن رفع الإثم عن الخاطئ مستفاد من قوله تعالى: * (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به) * (2)، وحمل كلامه عليه السلام على فائدة زائدة على ما هو معلوم لنا أولى. فمن قبل زوجته من غير شهوة فعليه شاة، فإن قبلها أو لاعبها بشهوة فأمنى فعليه بدنة، ومن نظر إلى غير أهله فأمنى، فعليه إن كان موسرا بدنة، فإن لم يقدر فبقرة، فإن لم يقدر فشاة، فإن لم يقدر فصيام ثلاثة أيام، وفي الوطء في الفرج في إحرام المتعة قبل طوافها أو سعيها مع فسادها، بدنة، بدليل الاجماع المشار إليه و طريقة الاحتياط، بلا خلاف. والوطء في الفرج في إحرام الحج قبل الوقوف بعرفة، فساده (3) بلا خلاف، ويلزم المضي فيه، بلا خلاف إلا من داود (4)، وقوله تعالى: * (وأتموا الحج والعمرة) * (5)، يبطل قوله، لأنه لم يفرق في الأمر بالاتمام بين ما فسد وبين ما لم يفسد، ويجب عليه مع ذلك بدنة، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط، و يحتج على أبي حنيفة في قوله: شاة، بما روي من طرقهم عن عمر وابن عباس من قولهما: من وطئ قبل التحليل أفسد حجه وعليه ناقة (6)، ولا مخالف لهما. وحكم الوطء في الفرج بعد عرفة وقبل الوقوف بالمشعر عندنا حكم الوطء قبل عرفة، بدليل ما قدمناه من الاجماع وطريقة الاحتياط، وأيضا فقد ثبت وجوب

1 - الجامع الصغير: 2 / 16، وسنن الدارقطني: 4 / 171 وسنن البيهقي: 7 / 356، وكنز العمال: 12 / 155.
2 - الاحزاب: 5.
3 - في " ج ": " قبل الموقف بعرفة فشاة " والصحيح ما في المتن.
4 - أبو سليمان داود بن علي بن داود بن خلف الاصفهاني، هو أول من استعمل قول الظاهر وأخذ بالكتاب والسنة والغى ما سوى ذلك من الرأي والقياس، مات سنة 270 ه‍، الفهرست لابن النديم: 271.
4 - البقرة: 196.
5 - لاحظ المغني لابن قدامة: 3 / 513 و 514.

[ 166 ]

الوقوف بالمشعر على ما سندل عليه، وأنه ينوب في تمام الحج عن الوقوف بعرفة لمن لم يدركه، وكل من قال بذلك، قال بفساد الحج بالجماع قبله، فالتفرقة بين الأمرين يبطلهما الاجماع، ويعارض المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بالمزدلفة: من وقف معنا هذا الموقف وصلى معنا هذه الصلاة وقد كان قبل ذلك وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه (1)، فعلق تمام الحج بالوقوف بالموقفين، وما رووه من قوله عليه السلام: من وقف بعرفة فقد تم حجه (2) وقوله: الحج عرفة (3)، خبر واحد لا يحتج علينا به، ويعارضه ما قدمناه، ويجوز حمل قوله: الحج عرفة، على أن المراد به معظم الحج عرفة، وقوله: " فقد تم حجه " على أن المراد أنه قارب التمام، كما حملنا كلنا على ذلك قوله عليه السلام: إذا رفع الامام رأسه من السجدة الأخيرة فقد تمت صلاته.
(4) وفي الوطء بعد الوقوف بالمشعر وقبل التحليل بدنة، ولا يفسد الحج بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا فإفساد الحج يفتقر إلى دليل وليس في الشرع ما يدل عليه، فأما وطء المرأة في دبرها، وإتيان الغلام والبهيمة، فلا خلاف بين أصحابنا أن فيه بدنة، واختلفوا في هل يفسد الحج إذا وقع قبل عرفة أو قبل المشعر أم لا؟ فمن قال: يفسده، دليله طريقة الاحتياط، ومن قال: لا يفسده، دليله أن الأصل الصحة وبراءة الذمة من القضاء. وتكرار الوطئ يوجب تكرار الكفارة وهي بدنة، سواء كان في مجلس واحد

1 - جامع الأصول لابن الأثير: 3 / 68. 2 و 3 - جامع الأصول: 3 / 69 و 70 وسنن البيهقي: 5 / 116. لم نجد النص في المجامع الحديثية نعم نقله السيد المرتضى في الانتصار ص 97 وصاحب الجواهر في كتاب الحج وهذا نصه: " إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة فقد تمت صلاته " جواهر الكلام: 20 / 353.

[ 167 ]

أم لا، وسواء كفر عن الأول أم لا، بدليل ما قدمناه من الاجماع وطريقة الاحتياط، وليس للمخالف أن يقول: إن الحج قد فسد بالوطئ الأول، والثاني لم يفسده، فلا يجب به كفارة، لأنه (1) وإن فسد بالأول فحرمته باقية بدليل وجوب المضي فيه، فتعلقت الكفارة بالمستأنف منه. ومن وطأ زوجة له أو أمة وطئا يفسد الحج فرق بينهما، ولم يجتمعا حتى يعودا إلى الموضع الذي وطأها فيه من الطريق، وإذا جاءا من قابل فبلغا ذلك المكان، فرق بينهما ولم يجتمعا حتى يبلغ الهدي محله، بدليل الاجماع المشار إليه. ويعارض المخالف بما روي عن عمر وابن عباس من قولهما: إذا وطأ الرجل زوجته فقضيا من قابل، وبلغا الموضع الذي وطأها فيه فرق بينهما (2)، ولم يعرف راد لقولهما. وفي أكل شئ من الصيد، أو بيضه، أو شم أحد ما ذكرناه من أجناس الطيب، أو أكل طعام فيه شئ من ذلك، دم شاة، وكذا في تظليل المحمل، وتغطية رأس الرجل، ووجه المرأة مع الاختيار، عن كل يوم دم شاة، ومع الاضطرار لجملة الأيام دم شاة، بدليل ما قدمناه من الاجماع، وطريقة الاحتياط. وفي قص كل ظفر من أظفار يديه مد من طعام ما لم يكملهما، فإن كملهما فدم شاة، بدليل الاجماع المتكرر، وأيضا فما قلناه لا خلاف في لزوم الدم به، وليس على لزومه فيما دونه دليل، فوجب نفيه، وهذا حكم أظفار رجليه إن قصهما في مجلس آخر، فإن قص الجميع في مجلس واحد لم يلزمه إلا دم واحد. وإن جادل ثلاث مرات فما زاد صادقا، أو مرة كاذبا، فعليه دم شاة، وفي مرتين كاذبا دم بقرة، وفي ثلاث مرات فما زاد بدنة، وفي لبس المخيط إن كان ثوبا

1 - في " ج ": فلأنه.
2 - المغني لابن قدامة والشرح الكبير: 3 / 315.

[ 168 ]

واحدا أو ثيابا جماعة في مجلس واحد، دم شاة، فإن لبس في كل مجلس ثوبا، فعليه من الشياه بعدد الثياب، وينزع الثوب من قبل رجليه، كل ذلك بدليل الاجماع المتردد وطريقة الاحتياط. وفي حلق الرأس دم شاة، أو إطعام ستة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام بلا خلاف، وفي قص الشارب، أو حلق العانة أو الابطين، دم شاة، وفي حلق أحد إبطيه إطعام ثلاثة مساكين، وفي إسقاط شئ من شعر رأسه أو لحيته، إذا مسهما في غير طهارة، كف من طعام، وكذلك في إزالة القمل عنه أو قتله، وفي حك الجسم حتى يدمى مد من طعام. وفي قلع الشجرة الكبيرة من أصلها من الشجر الذي عيناه في الحرم دم بقرة، وفي الصغيرة شاة، وفي قطع البعض من ذلك، أو قطع حشيشه، ما تيسر من الصدقة، ومن عقد وهو محرم على امرأة نكاحا لمحرم فدخل بها، كان على العاقد بدنة وذلك بدليل ما قدمناه من الاجماع وطريقة الاحتياط. وأما الضرب الثالث الذي فيه الإثم دون الكفارة، فما عدا ما ذكرنا لزوم الكفارة فيه، وقلنا ذلك للاجماع (1) المتكرر ذكره، ولأن لزوم الكفارة يفتقر إلى دليل شرعي، وليس في الشرع ما يدل على ذلك، ويكره للمحرم من الطيب ما خالف الاجناس التي قدمنا ذكرها، وليس ذلك بمحظور، لأن حظره يفتقر إلى دليل شرعي، وليس في الشرع ما يدل عليه. ويكره الاكتحال والخضاب للزينة والنظر في المرآة، بدليل الاجماع المشار إليه، ويحتج على المخالف بقوله عليه السلام: الحاج أشعث أغبر (2)، وذلك ينافي هذه

(1) - في " س ": بدليل الاجماع.
(2) - الجامع الصغير: 1 / 583 برقم 3773 وكنز العمال: 5 / 25 برقم 11892 ولفظ الحديث: (الحاج الشعث التفل) ونقله الشيخ في الخلاف، كتاب الحج، المسألة 106 كما في المتن.

[ 169 ]

الاشياء، فأما الاكتحال بما فيه طيب فمن أصحابنا من قال: إنه مكروه (1)، والظاهر أنه محظور، لاجماع الأمة على أن المحرم لا يجوز له الطيب، ولم يفصلوا بين أن يكون في كحل أو غيره، وما ورد من النهي عن الطيب عام في كل ذلك، و طريقة الاحتياط تقتضيه. الفصل السادس ويمضي المحرم على حاله حتى يشاهد بيوت مكة، فيقطع التلبية إن كان متمتعا، كما قدمناه، ويستحب له أن يكثر من حمد الله تعالى على بلوغها، فإذا انتهى إلى الحرم، استحب له الغسل، وأن يدخله ماشيا وعليه السكينة والوقار، وأن يدخل مكة من أعلاها، وأن يغتسل قبل دخولها، وأن يدعو إذا عاين البيت بما نذكره، وأن يغتسل قبل دخول المسجد، وأن يدخله من باب بني شيبة، وأن يقول قبل دخوله: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله وولاية أهل بيته صلى الله عليه وعليهم. الحمد لله على ما من به من بلوغ بيته الحرام، السلام على رسول الله وعلى أولي العزم من الرسل وعلى أوصيائهم المرضيين. وأن يقول إذا دخل المسجد وعاين البيت: اللهم إني أشهد أن هذا بيتك الحرام الذي جعلته مثابة للناس وأمنا مباركا وهدى للعالمين، اللهم فأمني سخطك وأجرني من عذابك يا جار من لا جار له! أجرني من عذابك وأعذني من نقمتك برحمتك يا أرحم الراحمين. ويستحب أن يدعو إذا أتى الحجر الأسود فيقول: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله سبحان الله و

1 - لاحظ المختلف: 4 / 76 من الطبع الحديث.

[ 170 ]

الحمد لله ولا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. وأن يقبله بيده عليه وأن يقبلها إن لم يتمكن من تقبيله أو يشير بيده إليه و يقبلها إن لم يتمكن من مسحه بها ويقول: أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة عند الله تعالى اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك وعلى سنة نبيك أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأن الأئمة من ذريته (و تسميهم (1)) حججه في أرضه وشهداؤه على عباده صلى الله عليه وعليهم آمنت بالله وبكتبه ورسله وكفرت بالجبت والطاغوت وبكل ند يدعى من دون الله سبحانه اللهم إليك بسطت يدي وفيما عندك عظمت رغبتي فاقبل اللهم إجابتي واغفر لي وارحمني برحمتك يا أرحم الراحمين. ثم يستلمه، ثم يجب عليه أن يفعل نية الطواف ويطوف، ودليل ذلك كله إجماع الطائفة. الفصل السابع: في الطواف الطواف على ضربين: مفروض ومسنون، فالمفروض ثلاثة: طواف المتعة، وطواف الزيارة، وهو طواف الحج، وطواف النساء. والمسنون: ما عدا ما ذكرناه مما يتطوع به المكلف، وقد روي أنه يستحب أن يطوف مدة مقامه بمكة ثلاثمائة وستين أسبوعا، أو ثلاثمائة وأربعة وستين شوطا (2)، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (3) كان يطوف في كل يوم وليلة عشرة أسابيع.

1 - كذا في النسخ التي بأيدينا ولعل الصحيح " ويسميهم ". 2 و 3 - الوسائل: 9، ب 6 و 7 من أبواب الطواف.

[ 171 ]

أما طواف المتعة فوقته للمختار من حين يدخل المتمتع مكة إلى أن تغيب الشمس من يوم التروية، وللمضطر إلى أن يبقى من غروب الشمس ما يدرك في مثله عرفة في آخر وقتها، فمن فاته مختارا بطل حجه متمتعا، وكان عليه قضاؤه من قابل إن كان فرضا، وصار ما هو فيه حجة مفردة، ولم يجز عنه طواف الحج، بدليل إجماع الطائفة، وطريقة الاحتياط تقتضي ما قلناه، لأنه لا خلاف في براءة ذمة من طاف طواف المتعة، وليس على قول من يقول: يجزي عن ذلك طواف الحج دليل، وأيضا قوله تعالى: * (وأتموا الحج والعمرة لله) * (1) فأمر تعالى بإتمامهما جميعا، ولكل واحد منهما أفعال مخصوصة، فوجب بالظاهر تكميلها. ويعارض المخالف بما روي من طرقهم من قوله عليه السلام: من جمع الحج إلى العمرة، فعليه طوافان (2)، وبما روي عن علي عليه السلام أنه طاف طوافين، وسعى سعيين، لحجته وعمرته، وقال: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فطاف طوافين وسعى سعيين لحجته وعمرته (3) ومن فاته طواف المتعة مضطرا قضاه بعد فراغه من مناسك الحج، ولا شئ عليه، بدليل نفي الحرج في الدين. وأما طواف الزيارة فركن من أركان الحج، من تركه متعمدا فلا حج له بلا خلاف، ومن تركه ناسيا قضاه وقت ذكره، فإن لم يذكره حتى عاد إلى بلده، لزمه قضاؤه من قابل بنفسه، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط، فإن لم يستطع استناب من يطوفه، بدليل الاجماع المشار إليه وقوله تعالى: * (ما جعل عليكم في الدين من حرج) * (4).

1 - البقرة: 196.
2 - لم نجد النص في المجامع الحديثية ومسانيد القوم نعم قريب منه ما نقله البيهقي في سننه: 5 / 108 ونقله الشيخ في الخلاف كتاب الحج، المسألة 148 كما في المتن.
3 - لاحظ سنن الدارقطني 2 / 263 برقم 130 - 132، والبحر الزخار: 2 / 378.
4 - الحج: 78.

[ 172 ]

ووقته للمتمتع من حيث يحلق رأسه من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، إلا أن يكون هناك ضرورة، من كبر أو مرض أو خوف حيض أو عذر، فيجوز تقديمه على ذلك، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة، وأول وقته للقارن والمفرد من حين دخولهما مكة، وإن كان ذلك قبل الموقفين، بدليل ما قدمناه. وأما طواف النساء فوقته من حين الفراغ من سعي الحج إلى آخر أيام التشريق، فمن تركه متعمدا أو ناسيا حتى عاد إلى أهله لم يفسد حجه، لكنه لا يحل له النساء حتى يطوف، أو يطاف عنه، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط، وأيضا فلا خلاف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعل هذا الطواف، والمخالف يسميه طواف الصدر، وقد قال عليه السلام: خذوا عني مناسككم (1)، وقد روي من طرقهم أيضا عليه السلام قال: من حج هذا البيت فليكن آخر عهده الطواف (2)، وظاهر الأمر الوجوب. والواجب في الطواف النية، ومقارنتها، واستمرار حكمها، والطهارة من الحدث والنجس، وستر العورة، والبداءة بالجحر الأسود، والختام به، وأن يكون سبعة أشواط، وأن يكون البيت عن يسار الطائف، وأن يكون خارج الحجر، وأن يكون بين البيت والمقام، فمن ترك شيئا من ذلك لم يجزه الطواف، بدليل الاجماع الماضي ذكره وطريقة الاحتياط، واليقين لبراءة الذمة، لأنه لا خلاف في براءة الذمة منه إذا فعل على الوجه الذي ذكرناه، وليس على براءتها منه إذا فعل على خلافه دليل. والمستحب استلام الحجر الأسود، والدعاء إذا أراد الطواف، كما قدمناه،

1 - سنن البيهقي: 5 / 125 كتاب الحج باب الايضاع في وادي محسر، والبحر الزخار: 2 / 338 و 346 ومسند أحمد بن حنبل: 3 / 318 وفيه: " خذوا مناسككم... " وعوالي اللئالي: 1 / 215 و 4 / 36. ونقله الشيخ في الخلاف، كتاب الحج، المسألة 134.
2 - جامع الأصول: 4 / 42 طواف الوداع، ومسند أحمد بن حنبل: 3 / 417.

[ 173 ]

وأن يقول إذا وصل في الطواف إلى باب الكعبة: سائلك فقيرك مسكينك ببابك فتصدق عليه بالجنة، اللهم صل على محمد وآله وأدخلني الجنة برحمتك وأوسع علي من الرزق الحلال وادرأ عني شر فسقة الجن والانس وشر فسقة العرب والعجم. وأن يقول إذا حاذى المقام مشيرا إليه: السلام عليك يا رسول الله وعلى أهل بيتك المطهرين من الانام، السلام على إبراهيم الخليل، الداعي إلى البيت الحرام، مسمع من في الاصلاب والأرحام، السلام على أنبياء الله وملائكته الكرام. وأن يستلم الركن الشامي إذا وصل إليه ويقول - وهو مستقبل له -: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك غير مقلو (1) ولا مهجور، اللهم صل على محمد وآله وافتح علي أبواب رحمتك. وأن يقول إذا استقبل الميزاب: اللهم أعتقني من النار وأوسع علي من رزقك الحلال الطيب وادرأ عني شر فسقة العرب والعجم والجن والانس وأدخلني الجنة برحمتك. وأن يستلم الركن الغربي مستقبلا له ويقول: اللهم رب إبراهيم وإسماعيل اللذين أمرتهما أن يرفعا أركان بيتك ويطهراه للطائفين والعاكفين والركع السجود وهما يسألانك أن تتقبل منهما فتقبل مني إنك أنت السميع العليم وتب علي إنك أنت التواب الرحيم. وأن يقول بين الركن الغربي واليماني: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني واعف عني وارزقني

1 - في الأصل: غير مقلي.

[ 174 ]

واحفظني ووفقني. وأن يقول إذا وصل إلى المستجار، وهو دون الركن اليماني بقليل: اللهم هذا مقام من أساء واقترف واستكان واعترف وأقر بالذنوب التي اجترم، مقام المستغيث المستجير بك من النار، مقام من لا يدفع عن نفسه ضرا ولا يجر إليها نفعا، مقام من لاذ ببيتك الحرام راغبا راهبا واستعاذ بك من عذاب يوم لا ينفع فيه شفاعة الشافعين إلا من أذنت له يا رب العالمين. وأن يستلم الركن اليماني ويعانقه ويقول: يا سيدي إلى من يطلب العبد إلا إلى مولاه، ولمن يرجو العبد إلا سيده أسألك أن تصلي على محمد وآله الطاهرين، وأن تقبل مناسكي وتنجح حوائجي، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده و رسوله، آمنت بما جاء به، واتبعت النور الذي أنزل معه، اللهم تب علي حتى أتوب، واعصمني حتى لا أعود، أتوب إلى الله - ثلاثا - اللهم إني تائب إليك مما قدمت وأخرت وأسررت وأعلنت وسهوت عنه وأحصيته علما، نادم على ما مضى عازم على أن لا أعود إلى مثله أبدا، فاقبل توبتي واعف عني واغفر لي ما بيني وبينك وتحمل عني جرائر خلقك بجودك وكرمك وسعة رحمتك يا أرحم الراحمين. وأن يستلم الحجر الأسود، ويقبله إذا عاد إليه ويقول: اللهم صل على محمد وآله الطاهرين وعجل فرجهم يا رب العالمين! وأهلك أعداءهم أجمعين، اللهم تب علي توبة نصوحا واعصمني فيما بقي من عمري، وارزقني من رزقك الحلال الطيب، وأدخلني برحمتك الجنة، وأعذني من النار بعفوك.

[ 175 ]

ويصنع مثل ذلك في كل شوط حتى يكمل سبعة، ويستحب أن يقف على المستجار في الشوط السابع، ويلصق بطنه وخده به، ويبسط يديه على البيت و يقول: اللهم رب البيت العتيق واللطف الرفيق صل على محمد وآله المنتجبين، والطف لي في الدين والدنيا يا رب العالمين! اللهم هذا مقام العائذ بكرمك، اللائذ ببيتك وحرمك، رب إن البيت بيتك، والعبد عبدك، فاجعل قراي مغفرتك، وهب لي ما بيني وبينك، وارض عني خلقك. ويتعلق بأستار الكعبة ويقول: اللهم بك استجرت فأجرني، وبك استغثت فأغثني! يا رسول الله يا أمير المؤمنين يا فاطمة بنت رسول الله يا حسن يا حسين - ويسمي الأئمة إلى آخرهم - بالله ربي أستغيث، وبكم إليه تشفعت، أنتم عمدتي، وإياكم أقدم بين يدى حوائجي، فكونوا شفعائي إلى الله في إجابة دعائي وتبليغي في الدين والدنيا مناي (1) اللهم ارحم بهم عبرتي، واغفر بشفاعتهم خطيئتي، واقبل مناسكي، واغفر لي ولوالدي، واحفظني في نفسي وأهلي وجميع إخواني، وأشركهم في صالح دعائي، إنك على كل شئ قدير. ويستحب أن يقول في الطواف: اللهم إني أسألك باسمك الذي يمشى به على طلل الماء، كما يمشى به على جدد الأرض، وأسألك بكل اسم عظمته، وكتاب أنزلته، ورسول ارتضيته، وإمام اجتبيته (2) ومؤمن ارتضيته، وعمل قبلته، أن تقبل توبتي،

1 - في " ج ": " مهماتي " بدل " مناي ". 2 - في " ج ": " احببته " بدل " اجتبيته ".

[ 176 ]

وتغفر خطيئتي، وتجاوز عن زلتي، وتشكر سعيي في مرضاتك، وتضاعف ثوابي على طاعتك، وتوسع علي من رزقك الحلال، إنك على كل شئ قدير. وأن يقرأ * (إنا أنزلناه) *، ولا يجوز قطع الطواف إلا لصلاة فريضة، أو لضرورة، وإن قطعه (1) للصلاة، بنى على ما طاف ولو كان شوطا واحدا، وإن قطعه لضرورة أو سهو بنى على ما طاف إن كان أكثر من النصف، وإن كان أقل منه استأنفه، ويستأنفه إن قطعه مختارا على كل حال، ويستأنفه إن شك وهو طائف فلم يدر كم طاف، ولا يحصل له شئ جملة، أو شك بين ستة وسبعة، بالاجماع المذكور وطريقة الاحتياط. فإن شك بين سبعة وثمانية، قطعه ولا شئ عليه، وهذا حكمه لو ذكر و هو في بعض الثامن أنه طاف سبعة، فإن ذكر بعد أن تممه أضاف إليه ستة أخرى، وصار له طوافان، ولزمه لكل طواف ركعتان، وقد دللنا على وجوب هاتين الركعتين في كتاب الصلاة، ولا يجوز له الطواف راكبا إلا لضرورة، بدليل الاجماع و طريقة الاحتياط. الفصل الثامن فإذا أراد السعي استحب له أن يأتي الحجر الأسود فيستلمه، وأن يأتي زمزم فيشرب من مائها، ويغتسل منه إن تمكن، أو يصب منه على بعض جسده، و ينبغي أن يكون ذلك من الدلو المقابل للحجر الأسود، وأن يكون الخروج إلى السعي من الباب المقابل للحجر أيضا، بدليل الاجماع المشار إليه.

1 - في " ج ": وإن كان قطعه.

[ 177 ]

الفصل التاسع: في السعي السعي ركن من أركان الحج، وهو على ضربين: سعي المتعة وسعي الحج، وأول وقت سعي المتعة من حيث يفرغ من طوافها، وأول وقت سعي الحج من حين الفراغ أيضا من طوافه، وحكمه في جواز التقديم للضرورة حكم الطواف، ويمتد كل واحد منهما بامتداد وقت الطواف، وحكم كل واحد منهما في الاخلال به عن اختيار أو اضطرار ما ذكرناه من حكم المخل بالطواف، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط، لأنه لا خلاف في براءة ذمة المكلف إذا سعى، وليس على براءة ذمة من لم يسع سعي المتعة إذا اقتصر على سعي الحج، ومن سعي الحج إذا جبر (1) بدم، دليل (2) والمفروض من السعي النية، ومقارنتها، واستدامة حكمها، والبداءة بالصفا، والختام بالمروة، وأن يكون سبعة أشواط، بدليل ما قدمناه. والمسنون فيه أن يكون على طهارة، وأن يصعد الصفا، ويستقبل الكعبة، ويكبر الله، ويحمده، ويهلله، سبعا سبعا ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت و هو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شئ قدير، ثلاث مرات. ويصلي على محمد وآله كذلك، ويقرأ * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) *، ويقول: اللهم إني أسألك العفو والعافية واليقين في الدنيا والآخرة، اللهم

1 - في " ج " و " س ": إذا أجبر. 2 - قوله: " دليل " اسم " ليس ".

[ 178 ]

اغفر لي كل ذنب أذنبته، وإن عدت فعد علي بالمغفرة إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم أظلني بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، اللهم استعملني بطاعتك وطاعة رسولك، وتوفني على ملته، واحشرني في زمرته، اللهم آتنا من فضلك، وأوسع علينا من رزقك، وبارك لنا في الاهل و المال، اللهم ارحم مسيرنا إليك من الفج العميق، وآتنا من لدنك رحمة، نستغني بها عن رحمة من سواك، اللهم صل على محمد وآله، واغفر لي ولوالدي ولجميع المؤمنين. وأن يقول إذا نزل من الصفا، ونوى السعي وابتدأ فيه: يا رب العفو يا من أمر بالعفو وهو أولى بالعفو العفو العفو. وأن يكرر ذلك وهو يمشي حتى يبلغ المنارة، فإذا بلغها استحب له إن كان رجلا أن يهرول، وإن كانت امرأة مشت على حالها، وأن يقول: اللهم اهدني للتي هي أقوم، واغفر لي وارحمني وتجاوز عما تعلم إنك أنت الاعز الاكرم. ويقول ذلك حتى يبلغ المنارة الأخرى، ويجاوز سوق العطارين، فيقطع الهرولة، ويمشي إلى المروة وهو يقول: يا ذا المن والطول والكرم والجود صل على محمد وآله واغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت يا كريم. ويكرر ذلك حتى يصل إلى المروة، وأن يصعد المروة ويقول من التكبير و التحميد والتهليل والصلاة على محمد وآله مثل ما قال على الصفا ثم يقول: اللهم إني أسألك حسن الظن بك، وصدق النية في التوكل عليك، اللهم أفعل بي ما أنت أهله، ولا تفعل بي ما أنا أهله، فإنك إن تفعل بي ما أنت

[ 179 ]

أهله، تغفر لي وترحمني، وإن تفعل بي ما أنا أهله تعذبني ولم تظلمني. (1) وإذا انحدر عائدا إلى الصفا فعل في كل موضع مثل ما فعل فيه أولا من دعاء وغيره، ولا يزال كذلك حتى يكمل سبعة أشواط، وحكم قطع السعي و السهو فيه والشك حكم ذلك في الطواف، ولا يجوز الجلوس بين الصفا والمروة، و يجوز الوقوف عند الاعياء والجلوس على الصفا والمروة، ويجوز السعي راكبا، والمشي أفضل، ودليل ذلك كله، إجماع الطائفة عليه. الفصل العاشر فإذا فرغ المتمتع من سعي المتعة وجب عليه التقصير، وهو أن يقص شيئا من أظفاره وأطراف شعر رأسه ولحيته، أو من أحد ذلك، فإذا فعل ذلك أحل من كل شئ أحرم منه إلا الصيد، لكونه في الحرم، والأفضل له أن يتشبه بالمحرمين إلى أن يحرم له بالحج، فإن نسي التقصير حتى أحرم بالحج فعليه دم شاة. والاحرام بالحج ينبغي أن يكون عند زوال الشمس من يوم التروية في المسجد الحرام، وأفضل ذلك تحت الميزاب أو عند المقام ويصنع فيه كما صنع في الاحرام الأول، من الغسل، ولبس ثوبيه، والصلاة، والدعاء، والنية، وعقده بالتلبية الواجبة، إلا أنه لا يذكر في الدعاء إلا الحج فقط، ولا يرفع صوته بالتلبية، ثم يخرج متوجها إلى منى (2)، وهو يقرأ * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) * فإذا بلغ إلى الرقطاء دون الردم (3) وأشرف على الأبطح، رفع صوته بالتلبية الواجبة والمندوبة، و

1 - في الأصل: وأن تظلمني. 2 - في " ج ": متوجها منه إلى منى.
3 - الرقطاء: موضع دون الردم، يسمى مدعى ومدعى الاقوام مجتمع قبائلهم، و " الردم " أي السد، ومنه الردم بمكة وهو حاجز يمنع السيل عن البيت الحرام، ويعبر عنه الآن بالمدعى. مجمع البحرين.

[ 180 ]

يقول: لبيك بحجة تمامها عليك، ويدعو فيقول: اللهم إياك أرجو وإياك أدعو فبلغني أملي، وأصلح لي عملي، وتقبل مني، وأعطني سؤلي من رضوانك، وأجرني من عذابك. فإذا أتى منى قال: الحمد لله الذي أقدمنيها صالحا، وبلغنيها في عافية، اللهم هذه منى وهي مما مننت به علينا، فأسألك أن تمن علي فيها بما مننت به على أوليائك، فإنما أنا عبدك وفي قبضتك، حيث أطلب رحمتك وأؤم رضوانك، فاجعل حظي منها أوفر حظ برحمتك. ويستحب أن يبيت بمنى، ويصلي بها المغرب وعشاء الآخرة والفجر، ليكون الافاضة منها إلى عرفات، ولا يفيض منها الامام حتى تطلع الشمس ويقول المتوجه إلى عرفات: اللهم إليك صمدت وإياك اعتمدت ووجهك أردت، أسألك أن تصلي على محمد وآله وتبارك لي في رحلتي هذه وتجعلها خير غدوة غدوتها قط أقربها من رضوانك وأبعدها من سخطك. ويلبي بالواجبة والمندوبة رافعا بهما صوته، ويقرأ * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) * حتى يأتي عرفات، ودليل هذا كله اتفاق الطائفة عليه. الفصل الحادي عشر: في الوقوف بعرفة الوقوف بها ركن من أركان الحج بلا خلاف، وأول وقته من حين تزول الشمس من اليوم التاسع بلا خلاف إلا من أحمد، وآخره للمختار إلى غروبها، و

[ 181 ]

للمضطر إلى طلوع الفجر يوم النحر، بلا خلاف، فمن فوته مختارا بطل حجه بلا خلاف، وإن كان مضطرا فأدرك المشعر الحرام في وقت المضطر، فحجه ماض بدليل إجماع الطائفة، وأيضا فقد ثبت وجوب الوقوف بالمشعر على ما سندل عليه، وكل من قال بذلك قال بما ذكرناه، وتفرقة (1) بين الأمرين يبطلها الاجماع. ويستحب لمن أتى عرفات أن يضرب خباءه بنمرة وهي بطن عرنة، وأن يغتسل إذا زالت الشمس، ويجمع بين الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، وأن يكون وقوفه في ميسرة الجبل، وأن يدعو في حال الوقوف، بدليل الاجماع المشار إليه. والواجب في الوقوف، النية، ومقارنتها، واستدامة حكمها، وأن لا يكون في الجبل إلا لضرورة، ولا في نمرة ولا ثوية ولا ذي المجاز ولا تحت الاراك، وأن يكون إلى غروب الشمس، فإن أفاض قبل الغروب متعمدا عالما بأن ذلك لا يجوز فعليه بدنة، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. وكيفية الوقوف أن يتوجه إلى القبلة، فيسبح الله تعالى مائة مرة، ويحمده مائة مرة، ويهلله مائة مرة، ويكبره مائة مرة، ويصلي على محمد وآله مائة مرة، ويقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله أستغفر الله. مائة مرة ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شئ قدير. مائة مرة. ويقرأ من أول سورة البقرة عشر آيات، وآية الكرسي، وآخر البقرة من قوله: * (لله ما في السموات وما في الأرض) * (2) إلى آخرها، وآيات السخرة وهي في الاعراف من قوله: * (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام) * إلى قوله: * (إن رحمة الله قريب من المحسنين) * (3)، وثلاث آيات من آخر الحشر

1 - في حاشية الأصل: التفرقة.
2 - البقرة: 284.
3 - الاعراف: 54 - 56.

[ 182 ]

وسورتي القدر والاخلاص والمعوذتين، ثم يقول: اللهم إني عبدك فلا تجعلني من أخيب وفدك وارحم مسيري إليك، اللهم رب المشاعر الحرام كلها، فك رقبتي من النار، وأدخلني الجنة برحمتك، وأوسع علي من رزقك، وادرأ عني شر فسقة الجن والانس، اللهم إني أسألك بحولك وطولك ومجدك وكرمك وفضلك يا أسمع السامعين، ويا أبصر الناظرين، ويا أسرع الحاسبين، ويا أرحم الراحمين، أن تصلي على محمد وآله، وأن تغفر لي وترحمني وتفعل بي كذا وكذا. ويذكر حوائجه للدنيا والآخرة، ويقر بما يعرفه من ذنوبه، ويعترف به ذنبا ذنبا، ويستغفر الله منه، وما لم يذكره يستغفر منه على الجملة، ويرفع رأسه إلى السماء ويقول: اللهم حاجتي التي إن أعطيتنيها لم يضرني ما منعتني، وإن منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني فكاك رقبتي من النار، اللهم إني عبدك، ناصيتي بيدك، و أجلي بعلمك، أسألك أن توفقني لما يرضيك عني، وأن تسلم لي مناسكي التي أريتها خليلك إبراهيم عليه السلام، ودللت عليها نبيك محمدا صلى الله عليه وآله وسلم. اللهم اجعلني ممن رضيت عمله وأطلت عمره وأحييته بعد الممات حياة طيبة، الحمد لله على نعمائه التي لا تحصى بعدد ولا تكافى بعمل، الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئا مذكورا، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا، الحمد (1) لله الذي رزقني ولم أك أملك شيئا، الحمد لله على حلمه بعد علمه، والحمد لله على عفوه بعد قدرته، الحمد لله على رحمته التي سبقت غضبه. ثم يدعو بدعاء الموقف، ويجتهد في المسألة والاستغفار.

1 - في " ج " و " س ": والحمد.

[ 183 ]

الفصل الثاني عشر فإذا غربت الشمس وأفاض إلى المشعر قال: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا الموقف، وارزقنيه أبدا ما أبقيتني، واقلبني اليوم مفلحا منجحا مستجابا لي مرحوما مغفورا لي بأفضل ما ينقلب به أحد من وفدك برحمتك يا أرحم الراحمين. فإذا وصل إلى الكثيب الأحمر وهو عن يمين الطريق قال: اللهم صل على محمد وآله، وزك عملي، وارحم ذلي في موقفي [ فوقني ] (1) وسلم لي ديني وتقبل مناسكي. فإذا وصل إلى المشعر - وحده مابين المأزمين (2) إلى الحياض وإلى وادي محسر (3) - نزل به. الفصل الثالث عشر: في الوقوف بالمشعر الوقوف بالمشعر ركن من أركان الحج، ووقته للمختار من طلوع الفجر إلى ابتداء طلوع الشمس، ويمتد للمضطر الليل كله، فمن فاته حتى طلعت الشمس فلا حج له، يدل على ذلك الاجماع المتكرر ذكره وطريقة الاحتياط، لأنه لا خلاف

1 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج " و " س ".
2 - المأزم - وزان مسجد -: الطريق الضيق بين الجبلين ويقال للموضع الذي بين عرفة و المشعر " مأزمان ". مجمع البحرين.
3 - وهو بين منى ومزدلفة، سمي بذلك لأن فيل أبرهة كل فيه وأعيى فحسر أصحابه بفعله وأوقعهم في الحسرات. المصباح المنير.

[ 184 ]

في صحة حج من وقف به، وليس كذلك من لم يقف، وأيضا قوله تعالى: * (فاذكروا الله عند المشعر الحرام) * (1). وظاهر الأمر يقتضي الوجوب، ولا يصح الذكر فيه إلا بعد الكون به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأيضا فعل (2) النبي عليه السلام يدل على ذلك، لأنه لا خلاف أنه وقف به، وقد قال عليه السلام: خذوا عني مناسككم (3)، وقد روي من طرق المخالف أنه عليه السلام قال: من ترك المبيت بالمزدلفة فلا حج له (4)، ويعارض المخالف بما قدمناه من روايتهم عنه عليه السلام من قوله، وهو بالمزدلفة: من وقف معنا هذا الموقف وصلى معنا هذه الصلاة وقد كان قبل ذلك وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه (5) لأنه يدل على أن تمام الحج يتعلق بالوقوف بالموقفين، وقد قدمنا الجواب عن روايتهم عنه عليه السلام: من وقف بعرفة فقد تم حجه (6)، وقوله: الحج عرفة.
(7) والواجب في الوقوف النية ومقارنتها واستدامة حكمها، وأن لا يرتفع الواقف إلى الجبل إلا لضرورة من ضيق أو غيره، بدليل الاجماع المشار إليه، و الدعاء بأقل ما يسمى به المرء داعيا عند بعض أصحابنا (8) والاحتياط يقتضي

1 - البقرة: 198.
2 - في " س ": ففعل.
3 - سنن البيهقي: 5 / 125 والبحر الزخار: 2 / 338 و 346، مسند أحمد بن حنبل 3 / 318 وعوالي اللئالي: 1 / 215 و: 4 / 36. 4 - سنن الدارقطني: 2 / 241 برقم 21 و 22 ولفظ الحديث " من فاته عرفات فقد فاته الحج " و عوالي اللئالي 1 / 215 ونقله في الخلاف كتاب الحج المسألة 161 كما في المتن.
5 - جامع الأصول لابن الأثير: 4 / 68.
6 - جامع الأصول: 3 / 69 وسنن البيهقي: 5 / 116.
7 - جامع الأصول: 4 / 68 وسنن البيهقي: 5 / 173، والمستدرك على الصحيحين 2 / 278.
8 - الحلبي: إشارة السبق: 135.

[ 185 ]

ذلك، وظاهر قوله تعالى: * (فاذكروا الله عند المشعر الحرام) * (1). والمستحب أن يطأ المشعر، وأن يكبر الله تعالى ويسبحه ويحمده ويهلله مائة مرة، ويصلي على محمد وآله ما تيسر ويقول: اللهم اهدني من الضلالة، وأنقذني من الجهالة، واجمع لي خير الدنيا والآخرة، وخذ بناصيتي إلى هداك، وانقلني إلى رضاك، فقد ترى مقامي بهذا المشعر الذي انخفض لك فرفعته، وذل لك فأكرمته، وجعلته علما للناس، فبلغني فيه مناي ونيل رجائي، اللهم إني أسألك بحق المشعر الحرام أن تحرم شعري وبشري على النار. وأن ترزقني حياة طيبة في طاعتك، و بصيرة في دينك، وعملا بفرائضك، واتباعا لأوامرك، وخير الدارين جامعا، وأن تحفظني في نفسي وأهلي ومالي وإخواني برحمتك. وأن يجتهد في الدعاء والمسألة إلى ابتداء طلوع الشمس، فإذا طلعت أفاض من المشعر، ولا يجوز لأحد مع الاختيار أن يخرج من المشعر قبل طلوع الفجر، ولا يجوز وادي محسر حتى تطلع الشمس، ولا يخرج الامام من المشعر حتى تطلع الشمس، ويجوز للنساء إذا خفن مجئ الدم الافاضة ليلا، وإتيان منى والرمي والذبح والتقصير ودخول مكة للطواف والسعي. ولا يجوز أن تصلى العشاءان إلا في المشعر إلا أن يخاف فوتها بخروج وقت المضطر، ويستحب الجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين، ويستحب إذا أفاض من المشعر إلى منى أن يسير بسكينة ووقار، ذاكرا لله سبحانه مستغفرا له، وأن يقطع وادي محسر بالهرولة ويجزئه أن يهرول فيه مائة خطوة، وإن كان راكبا حرك فيه راحلته، كل ذلك بدليل الاجماع المتكرر ذكره.

1 - البقرة: 198.

[ 186 ]

الفصل الرابع عشر: في نزول منى وحد منى من طرف وادي محسر إلى العقبة، وقد ذكرنا أن من السنة المبيت بها ليلة عرفة، وكذلك نزولها يوم النحر لقضاء المناسك بها، من رمي جمرة العقبة، والذبح، والحلق، والتقصير، وكذلك نزولها أيام التشريق للرمي، والمبيت بها ليالي هذه الأيام إلى حين الافاضة، بلا خلاف، فإن ترك المبيت بها مختارا من غير عذر ليلة فعليه دم، فإن ترك ليلتين فعليه دمان، بدليل إجماع الطائفة وطريقة الاحتياط. فإن ترك الثالثة فلا شئ عليه، لأن له أن ينفر في النفر الأول، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق، فإن لم ينفر فيه حتى غربت الشمس، فعليه المبيت الليلة الثالثة، فإن نفر ولم يبت فعليه دم ثالث، بدليل ما قدمناه، وأيضا قوله تعالى: * (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) * (1). فعلق الرخصة باليوم الثاني، وهذا قد فاته اليوم الثاني (2)، فلا يجوز له أن ينفر. ومن أصاب النساء، أو شيئا من الصيد، أو كان صرورة (3) فليس له أن ينفر في النفر الأول، بل يقيم إلى النفر الأخير، وهو اليوم الثالث من أيام التشريق، ويجوز لمن عدا من ذكرناه (4) أن ينفر في الأول، وتأخير النفر الأخير أفضل له. ومن أراد النفر في الأول، فلا ينفر حتى تزول الشمس إلا لضرورة، فإنه

1 - البقرة: 203.
2 - في " س ": في اليوم الثاني.
3 - الصرورة - بالفتح -: الذي لم يحج. المصباح المنير.
4 - في " ج " و " س ": ما ذكرناه.

[ 187 ]

يجوز معها قبل الزوال، ومن أراد النفر في الأخير جاز له ذلك بعد طلوع الشمس أي وقت شاء، ومن أراد المقام بها جاز له ذلك، إلا الامام وحده، فإن عليه أن يصلي الظهر بمكة، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط. الفصل الخامس عشر: في الرمي لا يجوز الرمي إلا بالحصى، بدليل إجماع الطائفة وطريقة الاحتياط، ويعارض المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم حين هبط وادي محسر: أيها الناس عليكم بحصى الخذف (1)، وهذا نص، ولا يجوز بالحصى المأخوذ من غير الحرم، ولا بالمأخوذ من المسجد الحرام، أو من مسجد الخيف، ولا بالحصى الذي قد رمي به مرة أخرى، سواء كان هو الرامي به أو غيره. بدليل الاجماع المشار إليه و طريقة الاحتياط، وفعل النبي عليه السلام يدل على ذلك، لأنه لا خلاف أنه لم يرم بما ذكرناه، وقد قال: خذوا عني مناسككم.
(2) ومقدار الحصاة كرأس الأنملة، وأفضله الملتقط من المشعر الحرام البرش (3) منه ثم البيض والحمر، وتكره السود، ويكره أن يكسره، بدليل الاجماع المشار إليه، وهو سبعون حصاة، يرمي يوم النحر جمرة العقبة، وهي القصوى، بسبع، ويرمي في كل يوم بعده الجمار الثلاث بإحدى وعشرين حصاة. ووقت الاستحباب لرمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس من يوم النحر بلا خلاف، ووقت الاجزاء من طلوع الفجر مع الاختيار، فمن رمى قبل ذلك لم يجز

1 - جامع الأصول: 4 / 100 باختلاف قليل، وسنن البيهقي: 5 / 126. 2 - سنن البيهقي: 5 / 125 وجامع الأصول: 4 / 99.
3 - وهي المشتملة على ألوان مختلفة.

[ 188 ]

إلا أن يكون هناك ضرورة على ما قدمناه. ووقت الرمي في أيام التشريق كلها بعد الزوال، ومن فاته رمي يوم حتى غربت الشمس، قضاه في اليوم الثاني في صدر النهار، ومن فاته الرمي بخروج أيام التشريق، قضاه من قابل، أو استناب من يرمي عنه، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط. ويجب أن يبدأ بالجمرة الأولى، وهي العظمى، وهي التي إلى منى أقرب (1)، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، وهي التي إلى مكة أقرب، فإن خالف الترتيب استدركه، بدليل إجماع الطائفة، وأيضا فلا خلاف في صحته مع الترتيب، وليس كذلك مع عدمه، وأيضا فقد أتفق على أنه عليه السلام رتب الرمي، و فعله يقع موقع البيان، فيجب الاقتداء به. ويستحب أن يقف عند الأولى والثانية ويكبر مع كل حصاة (2) ولا يقف عند الثالثة، كل ذلك بلا خلاف، ويستحب أن يكون الرامي على طهارة، وأن يقف من قبل وجه الجمرة، ولا يقف من أعلاها، وأن يكون بينه وبينها قدر عشرة أذرع إلى خمسة عشر ذراعا، وأن يقول والحصاة في يده: اللهم هذه حصياتي فأحصهن لي وارفعهن في عملي. وأن يرمي خذفا وهو أن يضع الحصاة على باطن إبهامه ويدفعها بظاهر مسبحته ويقول: بسم الله اللهم صل على محمد وآله، وادحر عني الشيطان وجنوده، اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك وعلى سنة نبيك، اللهم اجعله حجا مبرورا، وسعيا مشكورا، وذنبا مغفورا.

1 - في حاشية الأصل: التي تلي جانب منى.
2 - في " س ": مع عدد كل حصاة وفي " ج " ويكبر مع عند كل حصاة.

[ 189 ]

وإذا نسي فرمى الأولى بثلاث حصيات، ورمى الجمرتين الاخريين على التمام، ثم ذكر، استأنف ورمى الجمرات الثلاث من أوله، فإن كان رمى الأولى بأربع، تمم رميها بثلاث حصيات، ولم يعد الرمي على الجمرتين الاخريين، وهذا حكمه إذا نسي فرمى الوسطى بثلاث أو أربع، ورمى الثالثة على التمام، وإذا علم أنه قد نقص حصاة ولم يعلم لاي الجمرات هي. رمى كل جمرة بحصاة، وإذا رمى حصاة فوقعت في محمل، أو على ظهر بعير، ثم سقطت على الأرض، أجزأت، وإلا فعليه أن يرمي عوضا عنها، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. الفصل السادس عشر: في الذبح الذبح على ضربين: مفروض ومسنون: فالمفروض في هدي النذر، وهدي الكفارة، وهدي التمتع، وهدي القران بعد التقليد أو الاشعار، والمسنون في هدي القران قبل التقليد والاشعار والأضحية، وهدي النذر يلزم من صفته، وسياقه، وتعيين موضع ذبحه أو نحره، ما يشترط الناذر بلا خلاف، وإن نذر هديا بعينه لم يجزه غيره، بدليل الاجماع من الطائفة وطريقة الاحتياط، وإن نذر مطلقا ولم يعين شيئا مما ذكرناه، فعليه أن يهدي إما من الابل، أو البقر، أو الغنم، وأن ينحره، أو يذبحه بمكة قبالة الكعبة، بدليل ما قدمناه من الاجماع وطريقة الاحتياط. ولا يجوز أن يكون الهدي إلا ما ذكرناه، بدليل ما قدناه وأيضا قوله: * (فما استيسر من الهدي) * (1). لأنه لا خلاف أنه يتناول الابل والبقر والغنم دون غيرها، وهدي النذر مضمون على الناذر، يلزمه عوض ما انكسر منه، أو مات، أو

1 - البقرة: 196.

[ 190 ]

ضل (1)، ولا يحل له الأكل منه، بدليل ما قدمناه من الاجماع وطريقة الاحتياط. وأما هدي الكفارة فيختلف على حسب اختلاف الجنايات على ما قدمناه، ويلزم سياق ما وجب عن قتل الصيد من حيث حصل القتل إن أمكن ذلك، ولا يلزم سياق ما وجب عما عدا ذلك من الجنايات، ويذبح أو ينحر إن كان لتعد في إحرام المتعة، أو العمرة المبتولة المفردة، بمكة قبالة الكعبة، وفي إحرام الحج بمنى، وحكمه في الضمان وتحريم الأكل، حكم هدي النذر. وأما هدي التمتع فأعلاه بدنة، وأدناه شاة، ويذبح أو ينحر بمنى، وكذا هدي القران، ويلزم سياقه بعد التقليد أو الاشعار، على ما قدمناه وإن كان ابتداؤه تطوعا، بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط. والتقليد: هو أن يعلق عليه نعل أو قلادة (2)، والاشعار: أن يشق السنام من الجانب الأيمن بحديدة حتى يسيل الدم، ومن السنة ذلك لكل من ساق هديا، بدليل الاجماع المشار إليه، ويحتج على المخالف بما روي من طرقهم من أنه عليه السلام صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعى ببدنة فأشعرها من صفحة سنامها من الجانب الأيمن.
(3). ويجوز الأكل من هدي التمتع والقران، بدليل إجماع الطائفة وأيضا قوله تعالى: * (فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير * ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم) * (4)، والهدي الذي يترتب عليه قضاء التفث هو هدي التمتع والقران، ويجوز الأكل من الأضحية بلا خلاف، وأفضل الهدي والأضاحي من الابل والبقر والمعز الاناث ومن الغنم الفحولة.

1 - في " ج ": " أو فصل " والظاهر أنه تصحيف.
2 - في الأصل: " مزادة " بدل " قلادة ".
3 - سنن البيهقي: 5 / 232. 4 - الحج: 28 - 29.

[ 191 ]

ولا يجوز من الابل والبقر والمعز إلا الثني وهو من الابل الذي قد تمت له خمس سنين ودخل في السادسة، ومن البقر والمعز الذي قد تمت له سنة ودخل في الثانية، ويجزي من الضأن الجذع، وهو الذي لم يدخل في السنة الثانية. ولا يجوز مع الاختيار أن يكون ناقص الخلقة، ولا أعور بين العور، ولا أعرج بين العرج، ولا مهزولا ولا أخرم (1) ولا أجدع وهو المقطوع الأذن، ولا خصيا، ولا أعضب وهو المكسور القرن، إلا أن يكون الداخل صحيحا، والخارج مقطوعا فإنه جائز. ولا يجوز التضحية بمنى إلا بما قد أحضر عرفات سواء هو أو غيره، ولا يجزي الهدي الواحد في الواجب إلا عن واحد مع الاختيار، ومع الضرورة تجزي البدنة أو البقرة عن خمسة وعن سبعة، فأما المتطوع به فيجوز اشتراك الجماعة فيه مع الاختيار إذا كانوا أهل خوان واحد، وإن لم يكونوا كذلك فاشتراكهم جائز مع الاضطرار. ومن السنة أن يتولى المهدي الذبح أو النحر بنفسه أو يشارك الفاعل لذلك، وأن ينحر لما ينحر وهو قائم معقول اليد اليسرى من الجانب الأيمن من اللبة، ولا يجوز أن يعطي الجزار شيئا من الهدي ولا من جلاله (2) على جهة الأجرة، ويجوز على وجه الصدقة. وأيام الذبح بمنى أربعة: يوم النحر وثلاثة بعده، وفي سائر الامصار ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده، ويجوز ذبح هدي التمتع طول ذي الحجة، ومن لم يجده و وجد ثمنه، تركه عند من يثق به، ليشتريه في العام المقبل ويذبحه عنه، فإن لم يقدر على الثمن صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، على ما بيناه فيما مضى، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة.

1 - الخرم - بالضم -: موضع الثقب، وخرمته: قطعته. المصباح المنير.
2 - جل الدابة كثوب الانسان يلبسه يقيه البرد، والجمع جلال واجلال. المصباح المنير.

[ 192 ]

الفصل السابع عشر: في الحلق إذا ذبح الحاج هديه أو نحره فليحلق رأسه، يجلس مستقبل القبلة، ويأمر الحلاق أن يبدأ بالناصية من الجانب الأيمن، ويقول: اللهم أعطني بكل شعرة نورا يوم القيامة وحسنات مضاعفات، وكفر عني السيئات إنك على كل شئ قدير. والحلق نسك وليس إباحة محضة كاللبس والطيب، بدليل إجماع الطائفة و أيضا قوله تعالى: (ثم ليقضوا تفثهم). (1) وقد جاء في التفسير أنه الحلق وباقي المناسك، من الرمي وغيره، وإذا أمر تعالى به فهو نسك، ويعارض المخالف بما رووه من أنه عليه السلام قال لأصحابه: انحروا واحلقوا، وأنه دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة (2)، ولولا أنه نسك لما أمر به، ولا استحق لاجله الدعاء، ويجوز التقصير بدلا من الحلق، وقد روي أن الصرورة لا يجزئه إلا الحلق (3)، وينبغي أن يكون الحلق بمنى، فمن نسيه حتى خرج منها عاد إليها فحلق، فإن لم يتمكن، حلق بحيث هو، وبعث بشعره ليدفن بها، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. الفصل الثامن عشر ثم يدخل مكة من يومه أو من الغد لطواف الزيارة - وهو طواف الحج -،

1 - الحج: 29.
2 - جامع الأصول: 4 / 108 وفي " ج " وحاشية الأصل: " اذبحوا " بدل " " انحروا ".
3 - لاحظ الوسائل: 10 ب 7 من أبواب الحلق، ح 10.

[ 193 ]

وللسعي بين الصفا والمروة، ولطواف النساء، ويصنع قبل دخوله مكة و المسجد وفي الطواف والسعي، مثل ما فعله أولا، ثم يخرج من يومه إلى منى، للمبيت بها ورمي الجمار، على ما قدمناه، ويستحب له إذا نفر من منى أن يأتي مسجد الخيف، فيصلي فيه ست ركعات عند المنارة التي في وسطه، ويسبح تسبيح الزهراء عليها السلام، ويدعو بما أحب، وأن يحول وجهه إلى منى إذا جاوز جمرة العقبة، ويقول: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المقام وارزقنيه أبدا ما أبقيتني. وأن يدخل مسجد الحصباء إذا بلغ إليه، ويصلي فيه، ويستريح بالاستلقاء على ظهره، وإذا أراد المسير من مكة، استحب له أن يطوف بالبيت طواف الوداع، وأن يدخله ويصلي في زواياه، وعلى الرخامة الحمراء ويكثر من التضرع و الدعاء، وأن يأتي زمزم فيشرب من مائها، ويصلي عند المقام ركعتين، ويدعو بدعاء الوداع، كل ذلك بدليل الاجماع المتكرر. الفصل التاسع عشر وحكم النساء حكم الرجال إلا في النحر والاحرام والحلق، وعليهن كشف الوجوه والتقصير، ولا يستحب لهن رفع الصوت بالتلبية ولا الهرولة بين الميلين، وتؤدي الحائض والنفساء جميع المناسك إلا الطواف، فإنها تقضيه إذا طهرت، بدليل الاجماع المشار إليه، وليس وجود المحرم شرطا في وجوب الحج على المرأة في صحة الأداء، بدليل الاجماع الماضي ذكره وقوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * (1). وفسر النبي عليه السلام السبيل بالزاد والراحلة، ولم يشترط المحرم.

1 - آل عمران: 97.

[ 194 ]

الفصل العشرون وأما ما يفسد الحج فقد تقدم فيما مضى، فلا وجه لاعادته، وأما ما يتعلق به من الأحكام، قد مضى أيضا معظمه في المواضع التي يختص بذكره، وبقي ما نحن ذاكرون المهم منه. أعلم أن من مات وعليه حجة الاسلام وجب إخراجها من أصل التركة، سواء أوصى بها أو لم يوص، بدليل إجماع الطائفة وطريقة الاحتياط، وأيضا فقد اتفقنا على وجوب الحج عليه، فمن أسقطه بالموت فعليه الدليل، ويعارض المخالف بخبر الخثعمية (1) لأنه عليه السلام سمى الحج دينا، وأكده على دين الآدمي بقوله: فدين الله أحق أن يقضى (2)، والدين يخرج من أصل التركة ويقدم على الميراث. ومن نذر الحج وعليه حجة الاسلام لزمه أداء الحجتين، لأنهما فرضان اختلف سببهما، فلا يسقط أحدهما بفعل الآخر، وطريقة الاحتياط، واليقين لبراءة الذمة يقتضي ما اخترناه، ولا يجري ذلك مجرى ما يتداخل من الحدود والكفارات لأنها عقوبات، فجاز سقوط بعضها بفعل بعض، وما نحن فيه مصالح وعبادات يفتقر صحة أدائها إلى النية، وإنما لامرئ ما نوى، ومن كان فقيرا وبذلت له الاستطاعة لزمه الحج، لاجماع الطائفة، وظاهر قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت...) * (3).

1 - في " س ": ويعارض المخالف به بخبر الخثعمية.
2 - صحيح البخاري: 3 / 46 كتاب الصوم باب من مات وعليه صوم وص 23 كتاب الحج باب الحج والنذور عن الميت، وصحيح مسلم: 2 / 156 كتاب الصيام باب قضاء الصيام عن الميت، وسنن البيهقي: 4 / 255 و 256 وجامع الأصول: 4 / 197.
3 - آل عمران: 97.

[ 195 ]

ومن صد بعدو أو أحصر بمرض فلم يستطع النفوذ لأداء المناسك، فإن كان قارنا أنفذ هديه (1)، وإن كان متمتعا أو مفردا أنفذ ما يبتاع به الهدي، فإذا بلغ محله، وهو يوم النحر، فليحلق رأسه، ويحل إن كان مصدودا بعدو من كل شئ أحرم منه، وإن كان محصورا بمرض تحلل من كل شئ إلا النساء حتى يطوف طوافهن من قابل أو يطاف عنه، والدليل على ذلك الاجماع الماضي ذكره و أيضا قوله تعالى: * (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) * (2) وذلك عام في المرض والعدو معا. وليس لأحد أن يقول: الآية خاصة في الاحصار بالعدو، لأنها نزلت بسبب صد المشركين عام الحديبية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللمسلمين عن البيت، لأن الكلام إذا خرج على سبب لم يجز قصره عليه، بل يجب حمله على عمومه، وإدخال السبب فيه، على ما بيناه فيما مضى من أصول الفقه، ويؤيد ذلك في هذا الموضع، أنه تعالى لو أراد الاحصار بالعدو خاصة، لقال: " فإن حصرتم " لأنه اللفظ المختص بالعدو دون المرض، ولم يقل * (أحصرتم) * من الاحصار المشترك بينهما. قال الكسائي والفراء وأبو عبيدة وثلعب وأكثر أهل اللغة: يقال: أحصره المرض لا غير، وحصره العدو وأحصره أيضا، وليس لأحد أن يقول: قوله تعالى في سياق الآية: * (فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة) * (3) دليل على أنه أراد الاحصار بالعدو، ولأن الامن قد يكون من المرض، وهو أن يأمن زيادته، على أن لفظ الاحصار إذا كان حقيقة في المرض والعدو، كان قوله تعالى: * (فإذا أمنتم) * راجعا إلى بعض ما يتناوله العموم، وهذا لا يمتنع من دخول غير ما تعلق التخصيص في الخطاب. ولا يجوز ذبح هدي الاحصار إلا بمحله من البيت أو منى مع الاختيار، و مع الضرورة يجوز ذبحه بحيث هو، بعد أن ينتظر به بلوغ محله، وهو يوم النحر،

1 - في " ج " والأصل: نفذ. 2 و 3 - البقرة: 196.

[ 196 ]

بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا قوله تعالى: * (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله (1)، ولا شبهة في أنه تعالى كلف ذلك مع التمكن منه، فإذا فقد التمكن يسقط تكليفه، ويحتج على من قال: بأن ذبحه لا يجوز إلا بالحرم، بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذبح هديه بالحديبية حين صده المشركون عن مكة وهذا مما قد اتفقوا على روايته. وإذا لم يكن لمن ذكرنا حاله هدى ولا قدر على شرائه، لم يجز له التحلل، ويبقى الهدي في ذمته، ويبقى محرما إلى أن يذبحه من قابل، أو يذبح عنه، ولم ينتقل إلى الاطعام ولا إلى الصوم، بدليل الاجماع الماضي ذكره وأيضا قوله تعالى: * (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي...) * (2) الآية، والتقدير فإن أحصرتم و أردتم التحلل فما استيسر من الهدي، ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله، فإذا بلغ فاحلقوا، ولم يذكر لذلك بدلا، ولو كان له بدل، لذكره، كما ذكر بدل نسك حلق الرأس من الأذى، وبهذا نستدل على أن قوله: " فحلى حيث حبستني " لا يغني عن الهدي في التحلل، وإنما ندب المكلف إلى هذا القول تعبدا. ويجب على من ذكرنا حاله القضاء إن كان حجا واجبا، ولا قضاء عليه إن كان تطوعا، والاستئجار على الحج عن الميت والمعضوب (3) جائز بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا فالأصل جواز الاجارة في جميع الاشياء فمن منع من ذلك في بعضها فعليه الدليل، ويعارض المخالف بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم للذي سمعه يلبي عن شبرمة (4): حج عن نفسك ثم عن شبرمة (5) وبخبر الخثعمية (6) لأنه دل على

1 و 2 - البقرة: 196.
3 - رجل معضوب: زمن لا حراك به كأن الزمانة عضبته ومنعته عن الحركة. المصباح المنير.
4 - قال ابن الأثير في أسد الغابة: 2 / 384: شبرمة غير منسوب، له صحبة توفي في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
5 - جامع الأصول: 4 / 197 و 199 أسد الغابة: 2 / 384، وسنن ابن ماجة: 2 / 969 برقم 2903.
6 - لاحظ سنن البيهقي: 4 / 256 كتاب الصوم وص 328 كتاب الحج، والتاج الجامع للأصول: 2 / 110 و 111 وتقدمت مصادر الخبر آنفا.

[ 197 ]

جواز النيابة. ويستحق الاجير جميع الأجرة بأداء الحج، بلا خلاف ممن أجاز الاستئجار، وكذا حكمه عندنا إن مات بعد الاحرام ودخول الحرم بلا خلاف بين أصحابنا، و يسقط الحج عن المحجوج عنه بدليل الاجماع المشار إليه، ويحتج على المخالف بخبر الخثعمية لأن ظاهره يقتضي أنه يسقط بالنيابة، كما يسقط أيضا الدين. ومتى صد النائب عن النفوذ قبل دخول الحرم وجب عليه أن يرد ما بقي عنده من نفقة الطريق، ويجب عليه أيضا قضاء الحج إذا أفسده، وكفارة ما يجنيه فيه من ماله، بدليل الاجماع الماضي ذكره، ويجوز أن يكون النائب صرورة إذا كان غير مخاطب بالحج لعدم الاستطاعة، فإذا كان مخاطبا بذلك لم تجز له النيابة حتى يؤدي ما عليه، ويلزم النائب أن ينوي بكل منسك أداه نيابة عن فلان بن فلان طاعة لله وقربة إليه، كل ذلك بدليل الاجماع المتكرر. ومن فاته الحج بقي على إحرامه إلى انقضاء أيام التشريق، ثم دخل مكة فطاف وسعى وجعل حجته عمرة، ومن وكيد السنة قصد المدينة لزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. الفصل الحادي والعشرون والعمرة المبتولة واجبة على أهل مكة وحاضريها مرة في العمر، ومن سواهم يغنيه عن نيل العمرة (1) تمتعه بها إلى الحج، وقد ندب إلى التطوع بها في كل شهر مرة أو في كل سنة، وأفضل الشهور للاعتمار " رجب " ويصنع مريدها في الاحرام لها، و الطواف والسعي، مثل ما قدمناه أولا، ويطوف بعد السعي طوافا آخر، وهو طواف النساء، لأنه لازم في العمرة المفردة كالحج، ثم يحلق رأسه ويذبح إن كان

1 - في الأصل و " ج ": عن تيل العمرة.

[ 198 ]

قد ساق هديا قبالة الكعبة، أو يتبرع بذلك إن شاء، وقد أحل من كل شئ أحرم منه، وحكمه إن صد بعدو أو أحصر بمرض ما قدمناه، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. ويدل على وجوب العمرة أيضا قوله تعالى: * (وأتموا الحج والعمرة لله) * (1)، والاتمام لا يحصل إلا بالدخول فوجب، وقد روى المخالف عن ابن عباس وابن مسعود (2) أنهما قرءا: " وأقيموا الحج والعمرة لله " (3)، ويحتج على المخالف بما روي من قوله صلى الله عليه وآله وسلم للذي سأله عن الاسلام: هو أن يشهد أن لا إله إلا الله إلى قوله: ويحج ويعتمر (4)، وهذا نص لأنه عد العمرة من فرائض الاسلام. * * *

1 - البقرة: 196.
2 - أبو عبد الرحمان عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، حليف بني زهرة، شهد بدرا والمشاهد بعدها، وهو الذي اجهز على أبي جهل، وشهد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة، روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وروى عنه ابن عباس وجابر وأنس وغيرهم، مات سنة 32 وقيل سنة 33 ه‍، لاحظ أسد الغابة: 3 / 256، والاصابة: 2 / 368.
3 - سنن البيهقي: 4 / 341 والدر المنثور: 1 / 502 في ذيل الآية وفيه: * (وأقيموا الحج والعمرة للبيت) *. والتفسير الكبير: 5 / 140 في ذيل الآية.
4 - سنن البيهقي: 4 / 350.

[ 199 ]

كتاب الجهاد الجهاد فرض من فرائض الاسلام بلا خلاف، وجملة ما يحتاج إلى علمه فيه خمسة أشياء: شرائط وجوبه. وكيف يجب. ومن يجب جهاده. وكيفية فعله. وما يتعلق بذلك من أحكامه، وأحكام الغنائم. أما شرائط وجوبه: فالحرية، والذكورة، والبلوغ (1)، وكمال العقل، و الاستطاعة له بالصحة والقدرة عليه وعلى ما يفتقر إليه فيه، من ظهر ونفقة وأمر الامام العادل به أو من ينصبه الامام، أو ما يقوم مقام ذلك، من حصول خوف على الاسلام، أو على الانفس والأموال. ومتى اختل شرط من هذه الشروط، سقط فرض الجهاد بلا خلاف أعلمه، و مع تكاملها هو فرض على الكفاية، إذا قام به من فيه كفاية سقط عن غيره

1 - في الأصل و " س ": البلوغة.

[ 200 ]

بلا خلاف إلا من ابن المسيب (1) ويدل على ذلك بعد الاجماع قوله تعالى: * (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر) * (2) الآية، لأنه تعالى فاضل بين المجاهدين والقاعدين، ووعد كلا منهم الحسنى، وهذا يدل على أن القعود جائز وإن كان الجهاد أفضل منه. وأما من يجب جهاده: فكل من خالف الاسلام من سائر أصناف الكفار، و من أظهره وبغى على الامام العادل، وخرج عن طاعته، أو قصد إلى أخذ مال المسلم وما هو في حكمه، من مال الذمي، وأشهر السلاح في بر أو بحر أو سفر أو حضر، بلا خلاف. فأما كيفية الجهاد وما يتعلق به وبالغنائم من الأحكام: فاعلم أنه ينبغي تأخير لقاء العدو إلى أن تزول الشمس، وتصلى الصلاتان، وأن يقدم قبل الحرب الاعذار والانذار والاجتهاد في الدعاء إلى الحق، وأن يمسك عن الحرب بعد ذلك كله حتى يبدأ بها العدو، لتحق الحجة عليه، ويتقلد بذلك البغي. فإذا عزم أمير الجيش عليها، استخار الله تعالى في ذلك، ورغب إليه في النصر، وعبأ (3) أصحابه صفوفا، وجعل كل فريق منهم تحت راية أشجعهم وأبصرهم بالحرب، وجعل لهم شعارا يتعارفون به، وقدم الدارع أمام الحاسر (4)، ووقف هو في القلب.

1 - سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ القرشي المخزومي المتوفى سنة 100 قال قتادة: ما رأيت أحدا قط أعلم بالحلال والحرام منه، لاحظ تهذيب التهذيب: 4 / 48. وذهب سعيد بن المسيب إلى أن الجهاد فرض عين لقوله تعالى: * (انفروا خفافا وثقالا) * الآية، لاحظ المغني لابن قدامة والشرح الكبير: 10 / 265 كتاب الجهاد.
2 - النساء: 95.
3 - عبأ الجيش: رتبهم في مواضعهم وهيأهم للحرب. مجمع البحرين.
4 - رجل دارع: ذو درع على النسب - كما قالوا: لابن وتامر - والحاسر - خلاف الدارع -: الذي لا بيضة على رأسه. لسان العرب.

[ 201 ]

وليجتهد في الوصية لهم بتقوى الله، والاخلاص في طاعته، وبذل الانفس في مرضاته، ويذكرهم مالهم في ذلك من الثواب في الآجل، ومن الفضل وعلو الكلمة في العاجل، ويخوفهم الفرار ويذكرهم ما فيه من عاجل العار وآجل النار. فإذا أراد الحملة أمر فريقا من أصحابه بها، وبقي هو في فريق آخر ليكونوا فئة تتحيز إليها صفوفهم، فإذا تضعضع لهم العدو وزحف هو بمن معه زحفا، يبعث من أمامه على الأخذ بضم القوم (1)، فإذا زالت صفوفهم عن أماكنها حمل هو حملة واحدة. ولا يجوز أن يبارز أحد إلا بإذن الامام أو من نصبه، ولا يجوز أن يفر واحد من واحد ولا من اثنين، ويجوز من ثلاثة فصاعدا، ويجوز قتال العدو بكل ما يرجى به الفتح من نار ومنجنيق وغيرهما وإن كان فيما بينهم مسلمون، إلا إلقاء السم، فإنه لا يجوز أن يلقى في ديارهم، ولا يقاتل في الأشهر الحرم من يرى لها حرمة من الكفار إلا أن يبدأوا فيها بالقتال. وجميع من خالف الاسلام من الكفار يقتلون مدبرين ومقبلين، ويقتل أسيرهم، ويجاز على جريحهم، وكذا حكم البغاة على الامام إن كان لهم فئة يرجعون إليها، وإن لم يكن لهم فئة، لم يتبع مدبرهم، ولم يجهز على جريحهم، ولم يقتل أسيرهم. وأسرى (2) من عدا من ذكرناه من المحاربين على أخذ المال إن كانوا قتلوا و لم يأخذوا مالا قتلوا، وإن أخذوا مع القتل مالا صلبوا بعد القتل، وإن تفردوا بأخذ المال قطعوا من خلاف، فإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض

1 - كذا في الأصل و " ج " ولكن في " س ": بكظم القوم.
2 - جمع الاسير.

[ 202 ]

بالحبس أو النفي من مصر إلى مصر، كل ذلك بدليل الاجماع من الطائفة عليه. ومن لا كتاب له من الكفار لا يكف عن قتاله إلا بالرجوع إلى الحق، وكذا حكم من أظهر الاسلام من البغاة والمحاربين، ومن له كتاب - وهم اليهود و النصارى والمجوس - يكف عن قتالهم إذا بذلوا الجزية ودخلوا تحت شروطها، ولا يجوز أخذ الجزية من عباد الاوثان، سواء كانوا عجما أو عربا، ولا من الصابئين ولا من غيرهم، بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا قوله تعالى: * (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) * (1)، وقوله تعالى: * (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) * (2)، ولم يذكر الجزية، وقوله: * (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) * إلى قوله: * (من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية) * (3)، فشرط في أخذ الجزية أن يكونوا من أهل الكتاب، وهؤلاء ليسوا كذلك. والجزية ما يؤدونه في كل سنة مما يضعه الامام على رؤوسهم، أو على أرضهم، وليس لها قدر معين، بل ذلك راجع إلى ما يراه الامام، بدليل الاجماع المشار إليه، ولأن تقدير ذلك يفتقر إلى دليل شرعي، وليس في الشرع ما يدل عليه. وما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام من أنه وضع على كل واحد من أغنيائهم ثمانية وأربعين درهما، وعلى من هو من أوساطهم أربعة وعشرين، وعلى من هو من فقرائهم إثني عشر (4)، إنما هو على حسب ما رآه في وقته، وليس بتقدير لها على كل حال. ولا يجوز أخذها إلا من الذكور البالغين الكاملي العقول. وإذا أسلم الذمي وقد وجبت عليه الجزية بحؤول الحول سقطت عنه بالاسلام، بدليل الاجماع المشار إليه، ويعارض المخالف بقوله: الاسلام يجب ما

1 - التوبة: 5.
2 - محمد: 4.
3 - التوبة: 29.
4 - لاحظ وسائل الشيعة: 11 باب 68 من أبواب جهاد العدو، ح 5.

[ 203 ]

قبله (1)، وبقوله: لا جزية على مسلم (2)، والجزية تصرف إلى أنصار الاسلام خاصة على ما جرت به السنة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وشرائط الجزية: أن لا يجاهروا المسلمين بكفرهم، ولا بتناول المحرمات في شريعة الاسلام، ولا يسبوا مسلما، ولا يعينوا على أهل الاسلام، ولا يتخذوا بيعة و لا كنيسة، ولا يعيدوا ما استهدم من ذلك، وتلزم نصرتهم والمنع منهم ما وفوا بهذه الشروط، ومتى أخلوا بشئ منها، صارت دماؤهم هدرا، وأموالهم وأهاليهم فيئا للمسلمين، بدليل الاجماع المشار إليه. ويغنم من جميع من خالف الاسلام من الكفار ما حواه العسكر وما لم يحوه من الأموال والأمتعة والذراري والأرضين، ولا يغنم ممن أظهر الاسلام من البغاة والمحاربين إلا ما حواه العسكر من الأموال والأمتعة التي تخصهم فقط، من غير جهة غصب دون ما عداها. وللإمام أن يصطفي لنفسه قبل القسمة ما شاء، من فرس، أو جارية، أو درع، أو سيف، أو غير ذلك - وهذا من جملة الانفال - وأن يبدأ بسد ما ينوبه من خلل في الاسلام، وليس لأحد أن يعترض عليه وإن استغرق ذلك جميع الغنيمة، ثم يخرج منها الخمس لأربابه.

1 - كنز العمال: 1 / 66 برقم 243 و 13 / 374 برقم 37025 ومسند أحمد بن حنبل: 4 / 199 و 204 و 205. قال الطريحي: في الحديث " الاسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما قبلها من الكفر والمعاصي والذنوب " والجب: القطع. وأما مفاد القاعدة فملخصه أن من دخل في الاسلام من أصناف الكفار وكان قد ارتكب في حال كفره جرائم كثيرة ويخاف المجازاة بها بعد إسلامه، قد وسع الشارع المقدس عليه في مقام الامتنان وقال: " الاسلام يجب ما قبله " ومن أراد الوقوف عليها كما هو حقه فليرجع إلى الكتب الممهدة لبيان القواعد الفقهية.
2 - سنن البيهقي: 9 / 199 ولفظ الحديث: ليس على مؤمن جزية، وكنز العمال: 4 / 379. وفيه " ليس على مسلم جزية " وكذا في جامع الأصول: 3 / 268.

[ 204 ]

ويقسم ما بقي مما حواه العسكر بين المقاتلة خاصة، لكل راجل سهم، ولكل فارس سهمان ولو كان معه عدة أفراس، ويأخذ المولود في دار الجهاد، و من أدرك المجاهدين للمعونة لهم يأخذ مثل ما يأخذ المقاتل، وحكم غنيمة البحر في القسمة بين من له فرس ومن ليست له، حكم غنيمة البر سواء، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. وما لم يحوه العسكر من غنائم من خالف الاسلام من الكفار، من أرض و عقار وغيرها، فالجميع للمسلمين المقاتل منهم وغير المقاتل، والحاضر والغائب، وهذه الأرض المفتتحة عنوة بالسيف، لا يجوز التصرف فيها ببيع ولا وقف ولا غيرهما، وللإمام أن يقبلها بما يراه، وعلى المتقبل - بعد إخراج حق القبالة فيما بقي في يده - الزكاة إذا تكاملت شروطها. وأما أرض الصلح فهي أرض الجزية إذا شاء الامام أن يضعها على الأرض بدلا من الرؤوس، وتسمى الخراجية، وقد بينا أن ذلك يختص بأهل الكتاب، وهذه الأرض يصح التصرف فيها لأربابها بسائر أنواع التصرف، وحكم ما يؤخذ من هذه الأرض، حكم جزية الرؤوس، يسقط بالاسلام، وإذا بيعت الأرض لمسلم سقط خراجها (1)، وانتقلت الجزية إلى رأس بائعها به. وأما أرض الانفال، وهي كل أرض أسلمها أهلها من غير حرب، أو جلوا عنها، وكل أرض مات مالكها، ولم يخلف وارثا بالقرابة ولا بولاء العتق، وبطون الاودية، ورؤوس الجبال، والآجام، وقطائع الملوك من غير جهة غصب، و الارضون الموات، فللامام خاصة دون غيره، وله التصرف فيها بما يراه، من بيع أو هبة أو غيرهما، وأن يقبلها بما يراه، وعلى المتقبل - بعد حق القبالة وتكامل الشروط - ما بيناه من الزكاة.

1 - في " ج ": يسقط خراجها.

[ 205 ]

ومن أخذ أسيرا قبل أن تضع الحرب أوزارها، وجب قتله، ولم يجز للامام استبقاؤه، وإن أخذ بعد الفتح، فالامام مخير بين المن عليه بالاطلاق أو المفاداة أو الاستبعاد، وإذا غلب الكفار على شئ من أموال المسلمين وذراريهم، ثم ظهر عليهم المسلمون، فأخذوا ذلك، فالذراري خارجون عن الغنيمة، وما عداهم من الامتعة والرقيق إن وجده صاحبه قبل القسمة أخذه بغير عوض، وإن وجده بعدها أخذه، ودفع الامام إلى من وقع في سهمه قيمته من بيت المال، لئلا تنتقض القسمة، ودليل ذلك كله الاجماع المتكرر وفيه الحجة. * * *

[ 207 ]

كتاب البيع جملة ما يحتاج إليه معرفة أقسامه وشروطه وأسباب الخيار فيه ومسقطاته و ما يتعلق بذلك من الأحكام به. أما أقسامه فأربعة: بيع عين حاضرة مرئية، وبيع خيار الرؤية في الأعيان الغائبة، وبيع ما فيه الربا بعضه ببعض، وبيع موصوف في الذمة إلى أجل معلوم و هو السلم. وأما شروطه فعلى ضربين: أحدهما شرائط صحة انعقاده، والثاني شرائط لزومه. فالضرب الأول: ثبوت الولاية في المعقود عليه، وأن يكون معلوما مقدورا على تسليمه، منتفعا به منفعة مباحة، وأن يحصل الايجاب من البائع والقبول من المشتري من غير إكراه ولا إجبار إلا في موضع نذكره، ويختص بيع ما فيه الربا و بيع السلم بشروط زائدة على ذلك، نبينها في بابها إن شاء الله. اشترطنا ثبوت الولاية احترازا من بيع من ليس بمالك للمبيع، ولا في حكم المالك له، وهم ستة: الأب والجد ووصيهما والحاكم وأمينه والوكيل ; فإنه لا ينعقد وإن أجازه المالك، بدليل الاجماع الماضي ذكره، ولأن صحة انعقاده حكم شرعي يفتقر ثبوته إلى دليل شرعي، وليس في الشرع ما يدل على ثبوت ذلك

[ 208 ]

هاهنا، ويعارض المخالف بما رووه من نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الانسان ما ليس عنده (1)، ومن قوله: لا بيع إلا فيما يملك (2)، ولم يفصل بين ما أجازه المالك وما لم يجزه. وقد دخل فيما قلناه جواز بيع أم الولد إذا مات ولدها، أو كان حيا وثمنها دينا على سيدها، ولا يقدر على قضائه إلا ببيعها، لأنها مملوكة للسيد بلا خلاف، ولهذا جاز له وطؤها وعتقها ومكاتبتها وأخذ ما كاتبها عليه عوضا عن رقبتها، ولهذا وجب على قاتلها قيمتها دون الدية، فالأصل جواز بيعها لأنه في حكم الملك (3)، وإنما منعنا منه مع بقاء الولد وعدم الاستدانة لثمنها والعجز عن وفائه من غيرها، لدليل، وهو الاجماع على ذلك، وبقينا فيما عدا هذا الموضع على حكم الأصل. ويدل على ما قلناه بعد إجماع الطائفة ظاهر قوله تعالى: * (وأحل الله البيع و حرم الربا) * (4). لأنه عام في أمهات الأولاد وغيرهن، ولا يخرج من هذا الظاهر إلا ما أخرجه دليل قاطع، وما يتعلق به المخالف في المنع من بيعهن، أخبار آحاد لا يجوز العمل بها في الشريعة، على ما بيناه فيما مضى، ثم غاية ما يحصل بها غالب الظن، وما هذه حاله لا يجوز الرجوع به عما يوجب العلم، على أنها معارضة بأخبار مثلها واردة من طرقهم تقتضي جواز بيعهن، وإذا تعارضت الأخبار سقط التعلق بها. وقول من يقول منهم: إذا كان ولد هذه الأمة حرا، وكان كالجزء منها، فحريته متعدية إليها، ظاهر البطلان، لأن أول ما فيه أن يقال لهم: كيف ادعيتم

1 - سنن البيهقي: 5 / 267 و 317 و 339 كتاب البيع، ومسند أحمد: 3 / 402 و 434.
2 - سنن البيهقي: 5 / 340 ولاحظ جامع الأصول: 1 / 380 - 388، الباب الثاني في بيع... مالا يملك.
3 - في الأصل: من حكم الملك.
4 - البقرة: 275.

[ 209 ]

أن حرية الولد تتعدي إلى الأم؟ ومن مذهبكم أن الأم لا تتبع الولد في الأحكام بل الولد هو الذي يتبعها ; ولهذا إذا أعتقت الأم عتق ما في بطنها ولا تعتق هي إذا عتق، ثم يلزمهم (1) أن يعتق في الحال، وفي تأخر العتق إلى موت السيد ما يبطل ما قالوه، على أن من مذهب الشافعي أن من تزوج أمة ثم اشتراها بعد ما أولدها، لم تتعد الحرية من الولد إليها، بل هي أمة حتى تحمل منه وهي في ملكه (2) فلا يصح له التعلق بذلك. وقد دخل أيضا فيما قلناه جواز بيع المدبر بعد نقض تدبيره - إن كان تدبيره تطوعا - لأنه مملوك، وتدبيره يجري مجرى الوصية، وتغييرها جائز للموصي ما دام حيا، وإن كان تدبيره واجبا - بأن يكون قضاء لنذر - لم يجز بيعه لأن ما هذه حاله لا يجوز نقضه ولا الرجوع فيه، وجواز بيع المكاتب أيضا متى شرط عليه أنه إن عجز عن الأداء أو عن بعضه (3) عاد رقا فعجز، فأما إذا كوتب من غير شرط فإنه لا يجوز بيعه، ويدل على ذلك كله الاجماع المشار إليه. وقد دخل فيما أصلنا نفوذ بيع ما يصح بيعه إذا بيع معه في صفقة واحدة ما لا يجوز بيعه، لأنه مملوك يصح بيعه منفردا بلا خلاف، فمن أبطله في هذه الصورة فعليه الدليل، ويدل على ذلك بعد إجماع الطائفة ظاهر قوله تعالى: * (وأحل الله البيع) * (4). وقد دخل فيه أيضا جواز بيع المعقود عليه قبل قبضه من الثمن والمثمن معا، وسواء في ذلك المنقول وغيره إلا أن يكون المبيع طعاما، فإن بيعه قبل قبضه لا يجوز إجماعا، ويدل على ما قلناه الاجماع المتكرر ودلالة الأصل وظاهر القرآن.

1 - في الأصل: ثم يلزمكم.
2 - لاحظ المغني لابن قدامة والشرح الكبير: 12 / 496 كتاب عتق أمهات الأولاد.
3 - في " ج " و " س ": وعن بعضه.
4 - البقرة: 275.

[ 210 ]

ويحتج على المخالف بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من ابتاع طعاما فلا يبيعه قبل أن يستوفيه (1)، فخص الطعام بذلك، ولو كان حكم غيره حكمه لبينه. ويخرج على ما اشترطناه بيع العبد الجاني جناية توجب القصاص بغير إذن المجني عليه، فإنه لا يجوز بيعه، لأنه قد صار حقا له، فأما إن كانت توجب الأرش والتزمه السيد فإنه يجوز بيعه، لأنه لا وجه يفسده. ويخرج على ذلك (2) أيضا بيع من ليس بكامل العقل وشراؤه، فإنه لا ينعقد وإن أجازه الولي، بدليل ما قدمناه من الاجماع، ونفي الدليل الشرعي على انعقاده، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق.
(3) ويخرج على ذلك أيضا شراء الكافر عبدا مسلما، بدليل ما قدمناه من الاجماع ونفي الدليل الشرعي، وأيضا قوله تعالى: * (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) * (4)، لأنه عام في جميع الأحكام، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: الاسلام يعلو ولا يعلى عليه.
(5)

1 - سنن النسائي: 7 / 285 بيع الطعام قبل أن يستوفى، سنن البيهقي: 5 / 314 و 6 / 31. 2 - في " ج " و " س ": " ويخرج عن ذلك " وكذا فيما يأتي.
3 - سنن البيهقي: 6 / 57 كتاب الحجر، ومسند أحمد بن حنبل: 6 / 100 و 110 والمستدرك على الصحيحين: 2 / 59 والجامع الصغير 2 / 16.
4 - النساء: 141.
5 - سنن الدارقطني: 3 / 252، الجامع الصغير: 1 / 474 برقم 3063 وجامع الأصول: 10 / 368 و سنن البيهقي: 6 / 205 وكنز العمال: 1 / 66 برقم 246 ووسائل الشيعة ج 17 ب 1 من أبواب موانع الارث ح 11. أقول: إن للعلامة الفهامة سيدنا آية الله العظمى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي - قدس سره - كلاما حول معنى الحديث فأحببت أن أنقله بعين عبارته، قال ما هذا نصه: " هذا الخبر يحتمل معان خمسة، أحدها: بيان كون الاسلام أشرف المذاهب، وهو خلاف الظاهر =

[ 211 ]

واشترطنا أن يكون المعقود عليه معلوما، لأن العقد على المجهول باطل بلا خلاف، لأنه من بيع الغرر، فلو قال: بعتك عبدا أو ثوبا أو بما يبيع به فلان سلعته، لم يصح ; بل لابد من علمه بالمشاهدة، وعلم مقداره وأوصافه إن كان حاضرا ظاهرا، أو بتمييز الجنس وتخصيص العين بالصفة أو المبلغ أو بهما معا بالقول إن كان غائبا. ويدل على جواز بيع الأعيان الغائبة إذا علمت بما ذكرناه من الاجماع الماضي ذكره، وظاهر قوله تعالى: * (وأحل الله البيع) * (1)، وقوله: * (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) * (2)، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه.
(3) ويدخل فيما قلناه جواز بيع الأعمى وشرائه، سواء ولد أعمى، أو عمى بعد صحة، ويرجع في حصول صفة المبيع وانتفائها (4) إلى من يثق به. ويدخل فيه أيضا المبيع إذا استثنى منه شئ معين، كالشاة إلا رأسها، أو جلدها، أو ربعها، والشجر إلا الشجرة الفلانية، لأن ما عدا المستثنى - والحال هذه - معلوم. واعتبرنا أن يكون مقدورا على تسليمه، تحفظا مما لا يمكن ذلك فيه، كالسمك في الماء، والطير في الهواء، فإن ما هذه حاله لا يجوز بيعه بلا خلاف، لأنه من بيع الغرر، وقد دخل فيما قلناه بيع الآبق.

= جدا. الثاني: بيان إنه يعلو من حيث الحجة والبرهان. الثالث: إنه يعلو بمعنى يغلب على سائر الشرائع. الرابع: إنه لا ينسخ. الخامس: ما أراده الفقهاء من إرادة بيان الحكم الشرعي الجعلي بعدم علو غيره عليه " تعليقة المكاسب، ص 31. 1 - البقرة: 275.
2 - النساء: 29.
3 - سنن البيهقي: 5 / 268 كتاب البيع وكنز العمال: 4 / 95 برقم 9703.
4 - في " ج ": أو انتفائه.

[ 212 ]

وقد رووا أصحابنا جواز بيعه إذا بيع معه في الصفقة سلعة أخرى، وبيع سمك الآجام مع ما فيها من القصب، ويدل على هذا الموضع الاجماع المشار إليه وظاهر القرآن، وإنما أخرجنا منه ما عدا هذا الموضع لدليل قاطع، والبيع لما ذكرناه في هذه الصورة ليس بغرر، لأن ما ينضم في العقد إليه يخرجه عن ذلك ; ولهذا جاز بيع الثمرة الموجود بعضها المتوقع وجود باقيها - عندنا وعند مالك - و طلع النخل الذي لم يؤبر مع أصوله وإن كان في الحال معدوما ولا يمكن تسليمه بلا خلاف. ولما ذكرناه من هذين الشرطين نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وذلك لا يجوز فيها منفردة عن الأصول سنة واحدة بشرط التبقية إجماعا بلا خلاف، ويجوز بشرط القطع في الحال إجماعا، ولا يجوز بيعها مطلقا، وفي ذلك خلاف، ودليلنا عليه إجماع الطائفة. ويجوز عندنا خاصة بيعها مطلقا سنتين فصاعدا، لأنها إن خاست في سنة زكت في أخرى، وظاهر القرآن ودلالة الأصل تدلان على ذلك بعد إجماع الطائفة، فإذا بدا صلاحها وأمنت العاهة (2) جاز بيعها على كل حال، مطلقا وبشرط القطع أو التبقية، بدليل ما قدمناه في المسألة الأولى. ولما ذكرناه من الشرطين نهى أيضا عن بيع حبل الحبلة - وهو نتاج النتاج (3) - وعن بيع الملاقيح - وهو ما في بطون الأمهات - وعن بيع المضامين - وهو ما في أصلاب الفحول - لأن ذلك مجهول غير مقدور على تسليمه.

1 - سنن البيهقي: 5 / 301 و 310 كتاب البيع.
2 - العاهة: الآفات والأمراض التي تصيب الثمار والزرع قبل نضوجها فتفسدها، أو تهلكها، يقال: عاه القوم، وأعوهوا: إذا أصابت ثمارهم أو زرعهم أو ماشيتهم العاهة. لاحظ النهاية لابن الأثير. 3 - ومعناه: أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أن سيكون أنثى، وإنما نهى عنه لأنه غرر. والحبل الأول يراد به: ما في بطون النوق، والثاني: الحبل الذي في بطون النوق. لاحظ جامع الأصول لابن الأثير: 1 / 411.

[ 213 ]

ولذلك نهى أيضا عن بيع اللبن في الضرع، والصوف على الظهر، لأنهما مجهولان، فإن تركا وتأخر أحدهما صار غير مقدور على تسليمهما لاختلاطهما بما يحدث بعدهما. وللجهالة بالمبيع نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الحصاة على أحد التأويلين، وهو أن ينعقد البيع على ما تقع عليه الحصاة. وللجهالة بالثمن والأجل أيضا نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن بيعتين في بيعة، نحو أنه يقول: بعتك كذا بدينار إلى شهر وبدينارين إلى شهرين، فيقول المشتري: قد قبلت به. واشترطنا أن يكون منتفعا به، تحرزا مما لا منفعة فيه، كالحشرات وغيرها. وقيدنا بكونها مباحة، تحفظا من المنافع المحرمة، ويدخل في ذلك كل نجس لا يمكن تطهيره إلا ما أخرجه الدليل، من بيع الكلب المعلم للصيد، والزيت النجس للاستصباح به تحت السماء، وهو إجماع الطائفة. ويحتج على من قال من المخالفين بجواز بيع الكلاب مطلقا، وبيع سرقين (1) ما لا يؤكل لحمه، وبيع الخمر بوكالة الذمي على بيعها، بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه (2). ويحتج على من منع من جواز بيع كلب الصيد والزيت النجس للاستصباح به، بعموم الآيتين اللتين قدمناهما، وبما رووه عن جابر (3) من أنه صلى الله عليه وآله وسلم

1 - كذا في الأصل و " ج " ولكن في " س ": " وبيع سرجين " وكلاهما بمعنى واحد. قال الفيومي: السرجين: الزبل، كلمة أعجمية وأصلها سركين بالكاف فعربت إلى الجيم والقاف فيقال سرقين أيضا. المصباح المنير.
2 - سنن الدارقطني: 3 / 7 برقم 20 ومسند أحمد: 1 / 293، ولفظ الحديث: إن الله عزوجل إذا حرم أكل شئ حرم ثمنه وص 322 مثله. ولاحظ جامع الأصول: 1 / 379.
3 - جابر بن عبد الله الأنصاري الخزرجي، شهد بدرا وثماني عشرة غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وشهد صفين مع علي بن أبي طالب عليه السلام، وحاله أشهر من أن يذكر، مات سنة 74 وقيل سنة 77 ه‍، لاحظ أعيان الشيعة: 4 / 45، وأسد الغابة: 1 / 256.

[ 214 ]

نهى عن ثمن الكلب إلا أن يكون للصيد (1) وبما روي أبو علي (2) بن أبي هريرة في كتابه " الافصاح " من أنه صلى الله عليه وآله وسلم أذن في الاستصباح بالزيت النجس (3) وهذا يدل على جواز بيعه لذلك. واعتبرنا حصول الايجاب من البائع والقبول من المشتري، تحرزا عن القول بانعقاده بالاستدعاء من المشتري والايجاب من البائع، وهو أن يقول: بعنيه بألف، فيقول: بعتك، فإنه لا ينعقد بذلك بل لابد أن يقول المشتري بعد ذلك: اشتريت أو قبلت، حتى ينعقد. واحترازا أيضا عن القول بانعقاده بالمعاطاة، نحو أن يدفع إلى البقلي قطعة ويقول: أعطني بقلا، فيعطيه، فإن ذلك ليس ببيع وإنما هو إباحة للتصرف. يدل على ما قلناه الاجماع المشار إليه، وأيضا فما اعتبرناه مجمع على صحة العقد به، وليس على صحته بما عداه دليل. ولما ذكرناه نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الملامسة والمنابذة، وعن بيع الحصاة على التأويل الآخر، ومعنى ذلك أن يجعل اللمس للشئ أو النبذ له وإلقاء الحصاة بيعا موجبا. واشترطنا عدم الاكراه، لأن حصوله مفسد للعقد بلا خلاف، واستثنينا الموضع المخصوص، وهو الاكراه في حق، نحو إكراه الحاكم على البيع لايفاء ما يلزم من حق، لأنه يصح البيع معه بلا خلاف أيضا. واعلم أن ما يقترن بعقد البيع من الشروط على ضروب:

1 - سنن البيهقي: 6 / 6 و 7 من كتاب البيوع، وكنز العمال: 4 / 80 برقم 9627 و 9628.
2 - أبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريرة الفقيه الشافعي، أخذ العلم عن ابن سريج وأبي إسحاق المروزي كان معظما عند السلاطين مات سنة (345 ه‍) في بغداد لاحظ طبقات الشافعية: 1 / 128، وطبقات الفقهاء: 1 / 121.
3 - نقله عنه الشيخ في الخلاف كتاب البيوع، المسألة 312.

[ 215 ]

منها: ما هو فاسد مفسد للعقد بلا خلاف ; نحو أن يشترط في الرطب أن يصير تمرا، وفي الحصرم أن يصير عنبا، وفي الزرع أن يسنبل، ومثل أن يسلف في زيت (1) مثلا على أن يكون حادثا في المستقبل من شجر معين، لأن ذلك غير مقدور على تسليمه، وهذا قد دخل فيما قدمناه. ومنها: ما هو صحيح والعقد معه كذلك ; وهذا على ضربين: أحدهما لا خلاف فيه ; نحو أن يشترط في العقد ما يقتضيه، أو ما للمتعاقدين مصلحة فيه، مثل أن يشترط القبض، وجواز الانتفاع، والأجل والخيار والرهن والكفيل. والثاني فيه خلاف ; وهو أن يشترط ما يمكن تسليمه، نحو أن يشتري ثوبا على أن يخيطه البائع أو يصبغه، أو يبيعه شيئا آخر، أو يبتاع منه، وأن يبيع ويشترط على المشتري إن رد الثمن عليه في وقت كذا كان المبيع له، وأن يشترط على مشتري العبد عتقه. ويدل على صحة العقد مع ذلك، الاجماع الماضي ذكره وظواهر القرآن و دلالة الأصل، ويحتج على المخالف في صحة هذه الشروط بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: المؤمنون عند شروطهم (2)، ومن قوله: الشرط جائز بين المسلمين ما لم يمنع منه كتاب ولا سنة (3)، وبما رووه من خبر جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما ابتاع منه البعير بمكة، شرط عليه أن يحمله عليه إلى المدينة، وأنه عليه السلام أجاز البيع والشرط.
(4)

1 - في " س ": " في زمن " وهو تصحيف.
2 - بداية المجتهد: 2 / 296، والبحر الزخار: 5 / 76 باب الضمان، وسنن البيهقي: 6 / 79 و 7 / 249 وكنز العمال: 4 / 363 برقم 10918 و 10919، والتهذيب: 7 / 371 برقم 1503 ولفظ الحديث في بعض المصادر: " المسلمون... ".
3 - التهذيب: 7 / 22 ومن لا يحضره الفقيه: 3 / 127 وعوالي اللئالي: 3 / 225 (قطعة منه).
4 - جامع الأصول: 1 / 429 - 435 والتاج الجامع: 2 / 203.

[ 216 ]

ومن الشروط ما هو فاسد بلا خلاف غير مفسد للعقد، وفي ذلك خلاف ; نحو أن يشترط ما يخالف مقتضى العقد مثل أن لا يقبض المبيع أو لا ينتفع به، أو يشترط ما يخالف السنة نحو أن يشترط بائع العبد أن يكون ولاؤه له إذا أعتق، ويدل على صحة العقد ما قدمناه من الاجماع، وظاهر القرآن، ودلالة الأصل. ونحتج على المخالف بما رووه من خبر بريرة (1) وأن مولاتها شرطت على عائشة حين اشترتها أن يكون ولاؤها لها إذا أعتقها، فأجاز النبي صلى الله عليه وآله وسلم البيع وقال: الولاء لمن أعتق (2)، فأفسد الشرط. واعلم أنه قد نهي صلى الله عليه وآله وسلم عن سوم المرء على سوم أخيه، وهو أن يزيد على المشتري قبل العقد وبعد استقرار الثمن والأنعام له بالبيع، ونهى عن البيع على بيعه، وهو أن يعرض على المشتري مثل ما اشتراه بعد العقد وقبل لزومه، ونهى عن النجش في البيع، وهو أن يزيد في الثمن من لا رغبة له في الشراء، ليخدع المشتري، ونهى أن يبيع حاضر لباد، وهو أن يصير سمسارا له، ويتربص بما معه حتى يغالي في ثمنه، فلا يتركه يبيع بنفسه حتى يكون للناس منه رزق وربح، ونهى عن تلقي الركبان للشراء منهم وقال عليه السلام: فإن تلقى متلق فصاحب السلعة بالخيار إذا ورد السوق (3)، إلا أن ذلك عندنا محدود بأربعة فراسخ فما دونها ; فإن زاد على ذلك كان جلبا ولم يكن تلقيا، وكل هذه المناهي لا تدل على فساد عقد

1 - بريرة مولاة عائشة كانت مولاة لبعض بني هلال فكاتبوها ثم باعوها من عائشة فأعتقتها. وهي تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها بملء محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق. لاحظ أسد الغابة: 5 / 409 وأعلام النساء: 1 / 129 والاستيعاب: 4 / 1395.
2 - سنن البيهقي: 10 / 339 ومسند أحمد: 2 / 153 و 6 / 213. 3 - سنن البيهقي: 5 / 347 و 348 باب النهي عن تلقي السلع، وجامع الأصول: 1 / 445 وسنن الدارمي: 2 / 254 باب النهي عن تلقي البيوع، وكنز العمال: 4 / 164 برقم 9993 باختلاف يسير.

[ 217 ]

البيع إذا وقع مع شئ منها، فاعرف ذلك إن شاء الله. وأما شرائط لزومه فهي مسقطات الخيار في فسخه، وها نحن ذاكروها: الفصل الأول: في أسباب الخيار ومسقطاته إذا صح العقد ثبت لكل واحد من المتبايعين الخيار بأحد أمور خمسة: أحدها: اجتماعهما في مجلس العقد، وهذا هو خيار المجلس. ولا يسقط إلا بأحد أمرين: تفرق وتخاير. فالتفرق: أن يفارق كل واحد منهما صاحبه بخطوة فصاعدا عن إيثار. والتخاير على ضربين: تخاير في نفس العقد، وتخاير بعده ; فالأول أن يقول البائع: بعتك بشرط أن لا يثبت بيننا خيار المجلس، فيقول المشتري: قبلت، و الثاني أن يقول أحدهما لصاحبه في المجلس: اختر، فيختار إمضاء العقد. يدل على ذلك إجماع الطائفة، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار (1) فسماهما متبايعان، وذلك لا يجوز إلا بعد وجود التبايع منهما - لأنه اسم مشتق من فعل كالضارب والقاتل - ثم أثبت لهما الخيار قبل التفرق - وأقل ما يحصل به ما ذكرناه - ثم استثنى بيع الخيار وهو الذي لم يثبت فيه الخيار بما قدمناه من حصول التخاير. وفي خبر آخر: ما لم يفترقا عن مكانهما فإذا تفرقا فقد وجب البيع (2)، وفي آخر: ما لم يفترقا أو يكون بيعهما

1 - سنن البيهقي: 5 / 269، 270، 271 وجامع الأصول: 2 / 5 - 11 ومسند أحمد: 2 / 9 وكنز العمال: 4 / 91 - 96.
2 - سنن البيهقي: 5 / 268 باب المتبايعان بالخيار... وجامع الأصول: 2 / 6.

[ 218 ]

عن خيار، فإن كان بيعهما عن خيار، فقد وجب البيع (1)، وفي آخر: ما لم يفترقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر.
(2) وحمل لفظ المتبايعين في الخبر الأول على المتساومين غير صحيح لما ذكرناه في الروايات الأخر، ولأن من قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، ثم ساوم عليه لم يعتق بلا خلاف، ولو ساغ ذلك في الخبر مجازا لكان الأصل الحقيقة، ولا يجوز العدول عنها إلا بدليل (3)، وما يتعلق به من نفي خيار المجلس - في قوله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الأخبار: المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله (4)، وقولهم: إنه أثبت الاستقالة في المجلس، وذلك إنما يثبت في عقد لازم، لا دلالة له فيه، وهو بأن يكون دلالة عليهم أولى، لأن المراد ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يفاسخه ما ثبت له من خيار المجلس، فعبر عن الفسخ بالاستقالة، وقلنا ذلك لأمرين: أحدهما: أنه ذكر أمرا يفوت بالتفرق، والاستقالة ليست كذلك، وإنما الذي يفوت بالتفرق هو الفسخ بحق خيار المجلس. والثاني: أنه نهى عن المفارقة خوفا من الاستقالة، والاستقالة غير منهي عنها، لأن الاقالة غير واجبة، وإنما المنهي عنه مفارقة المجلس خوفا من الفسخ بحق الخيار، لأنه مأمور باستئذان صاحبه واعتبار رضاه. والسبب الثاني للخيار. اشتراط المدة، ويجوز أن تكون ثلاثة أيام فما دونها بلا خلاف، ويجوز الزيادة على الثلاث، ويلزم الوفاء بذلك، ولا يفسد به العقد، بدليل إجماع الطائفة، ويدل على صحة العقد أيضا ظاهر القرآن ودلالة الأصل.

1 و 2 - جامع الأصول: 2 / 5 و 6.
3 - في " ج " و " س ": لدليل.
4 - سنن البيهقي: 5 / 271 وجامع الأصول: 2 / 7 وكنز العمال: 4 / 92 برقم 9694.

[ 219 ]

ويحتج على المخالف في جواز اشتراط ما زاد على الثلاث بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: المؤمنون عند شروطهم (1)، وبقوله: الشرط جائز بين المسلمين ما لم يمنع منه كتاب ولا سنة (2) وما روي من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: الخيار ثلاثة (3) خبر واحد. ثم إذا لم يمنع من النقصان منها لم يمنع من الزيادة عليها، فإن شرط الخيار ولم يعين مدة كان الخيار ثلاثا. ويثبت خيار الثلاث في الحيوان باطلاق العقد للمشتري خاصة من غير شرط، وفي الأمة مدة استبرائها، بدليل الاجماع المتكرر، ولأن الثلاث هي المدة المعهودة في الشريعة لضرب الخيار، والكلام إذا أطلق حمل على المعهود، ولأن العيوب في الحيوان لما كانت أخفى، والتغابن فيه أقوى، فسح فيه ما لم يفسح في غيره، ولا يمتنع أن يثبت هذا الخيار من غير شرط، كما ثبت خيار المجلس. وينقطع هذا الضرب من الخيار بأحد ثلاثة أشياء: انقضاء المدة المضروبة له بلا خلاف، والتخاير في إثباتها، بدليل الاجماع من الطائفة على ذلك، والتصرف في المبيع ; وهو من البائع فسخ ومن المشتري إجازة، بلا خلاف وقد روى أصحابنا أن المشتري إذا لم يقبض المبيع وقال للبائع: أجيئك بالثمن، و مضى، فعلى البائع الصبر عليه ثلاثا، ثم هو بالخيار بين فسخ العقد ومطالبته بالثمن. هذا إذا كان المبيع مما يصح بقاؤه، فإن لم يكن كذلك كالخضروات، فعليه الصبر يوما واحدا، ثم هو بالخيار على ما بيناه، وهلاك المبيع في هذه المدة من مال

1 - بداية المجتهد: 2 / 296 والبحر الزخار: 5 / 76 باب الضمان، وسنن البيهقي: 6 / 79 و 7 / 249 وكنز العمال: 4 / 363 برقم 10918 و 10919 ولفظ الحديث في بعض المصادر: المسلمون...، و التهذيب: 7 / 371 برقم 1503 كما في المتن. 2 - التهذيب: 7 / 22 والفقيه: 3 / 127 وعوالي اللئالي: 3 / 225 (قطعة منه).
3 - سنن البيهقي: 5 / 274 وكنز العمال: 4 / 91 برقم 9685 ولفظ الحديث: الخيار ثلاثة أيام.

[ 220 ]

المبتاع وبعدها من مال البائع، ويدل على ذلك كله إجماع الطائفة. السبب الثالث للخيار: الرؤية في بيع الأعيان الغائبة التي لم يتقدم من المتبايعين أو من أحدهما رؤية لهاه وقد دللنا على صحة هذا البيع فيما تقدم، وينقطع هذا الخيار ويزول حكمه بأحد أمرين: أحدهما: أن يرى المبيع على ما عين ووصف، بدليل إجماع الطائفة، و أيضا فجواز الخيار مع ما ذكرناه يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه. والثاني: أن يرى بخلاف ما وصف، ويهمل الفسخ، لأنه على الفور. واعلم أن ابتداء المدة للخيار من حين التفرق بالأبدان، لا من حين حصول العقد، لأن الخيار إنما يثبت بعد ثبوت العقد، وهو لا يثبت إلا بعد التفرق، فوجب أن يكون الخيار ثابتا من ذلك الوقت، ويدخل خيار المجلس في جميع ضروب البيع - السلم وغيره - لاجماع الطائفة على ذلك، وكذا خيار الشرط لمثل ما قدمناه إلا عقد الصرف، فإن خيار الشرط لا يدخله بلا خلاف. ولا يدخل خيار المجلس فيما ليس ببيع من سائر العقود، بدليل إجماع الطائفة، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله: المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا (1)، يخص بذلك المتبايعين دون غيرهما، فمن ادعى دخول ذلك فيما ليس ببيع فعليه الدليل. ولا مانع من دخول خيار الشرط فيما ليس ببيع وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: المؤمنون عند شروطهم (2)، يدل على ذلك.

1 - سنن البيهقي: 5 / 268، جامع الأصول: 2 / 5 - 11 كنز العمال: 4 / 92.
2 - التهذيب: 7 / 371 برقم 1503 وتقدمت مصادر أخر آنفا.

[ 221 ]

ومن له الخيار لو انفرد بالفسخ جاز ولم يفتقر إلى حضور صاحبه، وكذا الفسخ بالعيب، وسواء في ذلك قبل القبض وبعده، لأن حق الفسخ بالخيار قد ثبت لكل واحد منهما، فمن ادعى إنه لا يصح لأحدهما إلا مع حضور الآخر، فعليه الدليل. وإذا هلك المبيع في مدة الخيار فهو من مال البائع، إلا أن يكون المبتاع قد أحدث فيه حدثا يدل على الرضا، فيكون هلاكه من ماله. وإذا وطئ المشتري في مدة الخيار لم يكن مأثوما، ويلحق به الولد، ويكون حرا، ويلزم العقد من جهته، على ما قدمناه، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة، ولم ينفسخ خيار البائع ولو شاهده يطأ فلم ينكر، لأنه لا دليل على ذلك، فإن فسخ البائع العقد لزم قيمة الولد للمشتري، وعشر قيمة الأمة - إن كانت بكرا - و نصف عشر قيمتها - إن كان ثيبا - لأجل الوطئ بدليل الاجماع المشار إليه. وخيار المجلس والشرط موروث، بدليل إجماع الطائفة، ولأنه إذا كان حقا للميت ورث كسائر حقوقه، لظاهر القرآن، وإذا جن من له الخيار أو أغمي عليه، انتقل الخيار إلى وليه، بدليل الاجماع المشار إليه. السبب الرابع للخيار: ظهور عيب إذا كان في المبيع قبل قبضه، بلا خلاف، ولا ينقطع إلا بأحد أمور خمسة: أحدها: اشتراط البراءة من العيوب حالة العقد ; فإنه يبرأ من كل عيب، ظاهرا كان أو باطنا، معلوما كان أو غير معلوم، حيوانا كان المبيع أو غيره، بدليل إجماع الطائفة. ويحتج على المخالف بقوله عليه السلام: المؤمنون عند شروطهم (1)، و

1 - التهذيب: 7 / 371 برقم 1503 وسنن البيهقي: 6 / 79 و 7 / 249 وكنز العمال: 4 / 364 =

[ 222 ]

قوله: الشرط جائز بين المسلمين ما لم يمنع منه كتاب ولا سنة. (1) وثانيها: تأخير الرد مع العلم بالعيب، لأنه على الفور بلا خلاف. وثالثها: الرضا بالعيب، بلا خلاف أيضا. ورابعها: حدوث عيب آخر عند المشتري، وليس له هاهنا إلا الأرش - و هو أن يرجع على البائع من الثمن بمقدار ما نقص من قيمة المبيع صحيحا - إلا أن يكون المبيع حليا، أو آنية من ذهب أو فضة (2) قد بيع بجنسه، فإن أخذ الأرش لا يجوز لما يؤدي ذلك إليه من الربا، والأولى فسخ العقد، واستئنافه بثمن (3) ليس من جنس المبيع، ليسلم من ذلك. وخامسها: التصرف في المبيع الذي لا يجوز مثله إلا بملك أو الإذن الحاصل له بعد العلم بالعيب، فإنه يمنع من الرد بشئ من العيوب، ولا يسقط حق المطالبة (4) بالأرش، لأن التصرف دلالة الرضا بالبيع لا بالعيب، وكذا حكمه إن كان قبل العلم بالعيب، وكان مما يغير المبيع بزيادة فيه، مثل الصبغ للثوب، أو نقصان منه كالقطع له، وإن لم يكن كذلك فله الرد بالعيب إذا علمه ما لم يكن المبيع أمة فيطؤها، فإن ذلك يمنع من ردها بشئ من العيوب إلا الحبل، فإنها ترد به ومعها نصف عشر قيمتها لأجل الوطئ على ما مضى ; كل ذلك بدليل الاجماع من الطائفة. وأحداث السنة الجنون والجذام والبرص فإنه يرد بكل واحد من ذلك العبد.

= برقم 10918 و 10919، وبداية المجتهد: 2 / 296 والبحر الزخار: 5 / 76 باب الضمان ولفظ الحديث في بعض المصادر: " المسلمون... ". 1 - التهذيب: 7 / 22 ومن لا يحضره الفقيه: 3 / 127 وعوالي اللئالي: 3 / 225. (قطعة منه).
2 - في " ج " من الذهب والفضة.
3 - في " ج ": فيمن. 4 - في الأصل و " ج ": ولا يسقط بحق المطالبة.

[ 223 ]

والأمة إلى مدة سنة، إذا لم يمنع من الرد مانع بدليل الاجماع المشار إليه أيضا. وترد الشاة المصراة ومعها صاع من تمر أو بر عوض لبن التصرية، بدليل هذا الاجماع، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعا من تمر (1) وفي رواية أخرى: أو بر. وإذا كان العيب في بعض المبيع فله أرشه أو رد الجميع، وليس له رد المعيب خاصة، بدليل الاجماع المشار إليه، ويحتج على المخالف بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا ضرر ولا إضرار (2)، وفي رد المعيب خاصة إضرار بالبائع. ولا يمنع من الرد بالعيب الزوائد المنفصلة الحاصلة من المبيع في ملك المشتري كالثمرة والنتاج، ومتى رد فذلك له دون البائع، بدليل الاجماع المتكرر ذكره، ويحتج على المخالف بما رووه من أنه صلى الله عليه وآله وسلم قضى بأن الخراج بالضمان (3) ولم يفرق بين الكسب وغيره.

1 - سنن البيهقي: 5 / 320 باب مدة الخيار في المصراة، ومسند أحمد: 2 / 386 و 4 / 314 وكنز العمال: 4 / 53 - 55 وجامع الأصول: 1 / 421.
2 - سنن البيهقي: 6 / 69 باب لا ضرر ولا ضرار وص 157 وكنز العمال: 3 / 919.
3 - سنن النسائي: 7 / 255، وجامع الأصول: 1 / 597، وسنن الترمذي: 3 / 582 برقم 1286 و سنن ابن ماجة: 2 / 754 برقم 2243، وسنن البيهقي: 5 / 321 و 322 وكنز العمال: 4 / 93 و عوالي اللئالي: 1 / 219 والتاج الجامع: 2 / 204 وفيه: الخراج بالفتح هو الفائدة التي تأتي من المبيع بالضمان، أي يستحقه المشتري بسبب الضمان فإذا اشترى عبدا أو بهيمة واستغله أياما ثم ظهر به عيب سابق على البيع بقول أهل الخبرة فله فسخ البيع وفائدته في هذه المدة للمشتري، لأنه لو تلف عنده لضمنه انتهى. أقول: إن للمحققين من الفقهاء بحوث حول مفاد القاعدة، فمن أراد الوقوف فليرجع إلى كتب القواعد الفقهية وللشيخ الأنصاري قدس سره كلمة حول القاعدة في مبحث المقبوض بالعقد الفاسد. لاحظ المكاسب، ص 104..

[ 224 ]

السبب الخامس للخيار: ظهور غبن لم تجر العادة بمثله، بدليل الاجماع المشار إليه، ويحتج على المخالف بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا ضرر ولا ضرار - ومن اشترى بمائة ما يساوي عشرة كان غاية في الضرر - وبنهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن تلقي الركبان، وقوله: فإن تلقى متلق فصاحب السلعة بالخيار إذا دخل السوق (1)، لأنه إنما جعل له الخيار لأجل الغبن. الفصل الثاني فأما الربا فيثبت في كل مكيل وموزون، سواء كان مطعوما أو غير مطعوم، بالنص لا بعلة بدليل إجماع الطائفة ; فلا يجوز بيع بعضه ببعض - إذا اتفق الجنس أو كان في حكم المتفق كالحنطة والشعير عندنا - إلا بشروط ثلاثة زائدة على ما مضى: الحلول النافي للنسيئة، والتماثل في المقدار، والتقابض قبل الافتراق بالأبدان، بلا خلاف إلا من مالك فإنه قال: إذا كان أحد العوضين مصوغا (2) جاز بيعه بأكثر من وزنه وتكون الزيادة قيمة الصنعة (3) ويحتج عليه بما رووه من قوله عليه السلام: لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق (4) إلا سواء بسواء (5)، ولم يفصل، فأما قول ابن عباس ومن وافقه من الصحابة بجواز التفاضل نقدا (6) فقد انقرض وحصل الاجماع على خلافه.

1 - جامع الأصول: 1 / 445 وسنن البيهقي: 5 / 347 باب النهي عن تلقي البيع.
2 - في " ج ": مصنوعا.
3 - لاحظ تفسير القرطبي: 3 / 351 في تفسير الآية 275 من سورة البقرة: * (الذين يأكلون الربا...) *.
4 - الورق - بكسر الراء والاسكان للتخفيف -: النقرة المضروبة. المصباح المنير.
5 - جامع الأصول: 1 / 457 وسنن البيهقي: 5 / 276 والفروق للقرافي: 3 / 259 الفرق التسعون والمائة...
6 - المغني لابن قدامة: 4 / 134 والفروق للقرافي: 3 / 259 الفرق التسعون والمائة...

[ 225 ]

فإن اختلف الجنس وكان أحدهما ذهبا والآخر فضة سقط اعتبار التماثل فقط، واعتبر الحلول والتقابض بلا خلاف، فإن لم يكونا ذهبا وفضة سقط اعتبار التماثل بلا خلاف، وأما اعتبار الحلول والتقابض هاهنا فهو الأحوط، ويصح البيع من دونهما وإن كان مكروها، بدليل إجماع الطائفة، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: فإن اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم. (1) وإن كان أحدهما ذهبا أو فضة والآخر مما عداهما، سقط اعتبار الشروط الثلاثة بلا خلاف، وقد روي أصحابنا أنه إذا اتفق كل واحد من العوضين في الجنس، وأضيف إلى أحدهما ما ليس من جنسه، سقط اعتبار التماثل في المقدار ; مثل بيع دينار ودرهم بدينارين أو بدرهمين، وألف درهم وثوب بألفين، ويدل على ذلك بعد الاجماع المشار إليه، ظاهر القرآن ودلالة الأصل. واللحمان أجناس مختلفة، فلحم الابل جنس منفرد عرابها وبخاتيها، ولحم البقر كذلك عرابها وجوامسها، ولحم الغنم صنف واحد ضأنها وماعزها (2)، ولحم البقر الوحشي صنف غير الاهلي، وكذا لحم الغنم الوحشي مثل الظبي (3)، وحكم لبن هذه الاصناف في الاختلاف حكمها، يدل على ذلك إجماع الطائفة، وأيضا فهذه لحوم لأجناس مختلفة، ينفرد كل جنس منها باسم وحكم في الزكاة، فكانت تابعة لها في الاختلاف. ولا يجوز بيع اللحم بالحيوان إذا اتفق الجنس، بدليل الاجماع الماضي ذكره، ويحتج على المخالف بما رووه من نهيه عن بيع اللحم بالحيوان (4)، فأما إذا لم يكن من جنسه فلا بأس ببيعه، لاجماع الطائفة وظاهر القرآن ودلالة الأصل. ويجوز بيع الحيوان بالحيوان متماثلا ومتفاضلا، سواء كان صحيحا أو

1 - سنن البيهقي: 5 / 282 باب جواز التفاصل في الجنسين.
2 - في " ج ": ومعزها.
3 - في " س ": مثل الظباء.
4 - سنن البيهقي: 5 / 296 باب بيع اللحم بالحيوان.

[ 226 ]

كسيرا، نقدا - لمثل ما قلناه في المسألة الأولى - ولا يجوز ذلك نسيئة في الظاهر من روايات أصحابنا، وطريقة الاحتياط تقتضي المنع منه، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: الحيوان بالحيوان واحد باثنين لا بأس به نقدا ولا يجوز نسيئة. (1) ونهى صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع المحاقلة، وهو بيع السنابل التي انعقد فيها الحب، واشتد بحب منه أو من غيره، وعن بيع المزابنة وهو بيع التمر على رؤوس النخل بتمر منه أو من غيره، لأن ذلك لا يؤمن فيه الربا. ورخص عليه السلام في بيع العرايا، وهي جمع عرية وهي النخلة تكون لانسان في بستان غيره أو في داره، ويشق عليه دخوله إليها، فيبتاعها منه بخرصها تمرا، بدليل الاجماع من الطائفة على هذا التفسير، وقد فسر أبو عبيدة العرية بما قلناه، ويحتج على المخالف بما رووه من أنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع التمر بالتمر ورخص في العرايا أن يباع بخرصها تمرا يأكلها أهلها رطبا (2) وهذا نص. ولا يجوز بيع الرطب بالتمر في غير العرايا، لا متماثلا ولا متفاضلا، بدليل الاجماع المشار إليه، ويحتج على المخالف بما رووه من أنه صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: أينقص إذا جف؟ فقيل له: نعم، فقال: فلا.
(3) فأما ما عدا التمر من الثمار، فلا نص لأصحابنا في المنع من بيع رطبه بيابسه، ويدل على جوازه ظاهر القرآن ودلالة الأصل، وحمله على الرطب قياس، وذلك عندنا لا يجوز. ولا ربا عندنا بين الوالد وولده، والسيد وعبده، والزوج وزوجته، والمسلم والحربي، بدليل إجماع الطائفة وبه يخص ظاهر القرآن في تحريم الربا على العموم،

1 - جامع الأصول: 1 / 474 وسنن البيهقي: 5 / 287 و 288 والتاج الجامع للأصول: 2 / 208.
2 - جامع الأصول: 1 / 396 وسنن البيهقي: 5 / 309 و 310 والتاج الجامع للأصول: 2 / 211 و لفظ الحديث: نهى عن بيع الثمر بالتمر....
3 - كنز العمال: 4 / 190 برقم 10105 والتاج الجامع للأصول:: 2 / 208.

[ 227 ]

وإذا اختص تحريمه بجنس دون جنس، فما المنكر من اختصاصه بمكلف دون مكلف؟ الفصل الثالث وأما السلم (1) فشرائطه الزائدة التي تخصه أربعة: ذكر الأجل المعلوم، وذكر موضع التسليم، وأن يكون رأس المال مشاهدا، وأن يقبض في مجلس العقد ; بدليل الاجماع من الطائفة، ولأنه لا خلاف في صحته مع تكامل هذه الشروط، ولا دليل على ذلك إذا لم يتكامل، ويحتج على المخالف في اعتبار الأجل المعلوم بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من أسلف فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم (2)، وظاهر الأمر في الشرع يقتضي الوجوب. ولا يجوز التأجيل إلى الحصاد أو الدياس أو ما أشبه ذلك مما يختلف زمانه، بدليل الاجماع الماضي ذكره، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تتبايعوا إلى الحصاد ولا إلى الدياس ولكن إلى شهر معلوم (3)، وهذا نص. ولا يجوز السلف فيما لا ينضبط بوصف يتميز به، كالمعجونات، والمركبات، والخبز، واللحم - نيئا كان أو مطبوخا - وروايا الماء، ولا في المعدودات كالجوز والبيض إلا وزنا، ويجوز السلف في الحيوان بدليل الاجماع المشار إليه، ويحتج على

1 - السلم والسلف: هو ابتياع كلي مؤجل بثمن حال عكس النسيئة، ويقال للمشتري " المسلم " بكسر اللام، وللثمن " المسلم " بفتحها، وللبائع " المسلم إليه " وللمبيع " المسلم فيه ". ومن خواصه أن كل واحد من البائع والمشتري صالح لأن يصدر منه الايجاب والقبول من الآخر. لاحظ وسيلة النجاة ج 1، ص 422، تأليف الفقيه السيد أبو الحسن الاصفهاني - قدس سره -. أقول: وسمي سلما لتسليم رأس المال فيه ويسمى سلفا لتقديم رأس المال فيه. لاحظ التاج الجامع: 2 / 215.
2 - سنن البيهقي: 6 / 18 باب جواز السلف... وكنز العمال: 6 / 241 وجامع الأصول: 2 / 17 والتاج الجامع للأصول: 2 / 215 والمغني لابن قدامة: 4 / 351.
3 - الشافعي: الأم: 3 / 96 وابن قدامة: المغني: 4 / 356.

[ 228 ]

المخالف بما رووه من أمره عليه السلام حين أراد تجهيز بعض الجيوش بأن يبتاع البعير بالبعيرين وبالأبعر إلى خروج المصدق. (1) ولا يجوز لمن أسلم في شئ بيعه من المسلم إليه ولا من غيره قبل حلول أجله - وقد دخل في ذلك الشركة فيه والتولية له لأنهما بيع - فإذا حل جاز بيعه من المسلم إليه بمثل ما نقد فيه، وبأكثر منه من غير جنسه، ومن غير المسلم إليه بمثل ذلك، وأكثر منه من جنسه وغيره، بدليل إجماع الطائفة وظاهر القرآن و دلالة الأصل، إلا أن يكون المسلم فيه طعاما فإن بيعه قبل قبضه لا يجوز إجماعا، على ما قدمناه. وتجوز الاقالة على كل حال لأنها فسخ وليست ببيع، ويحتج على المخالف في ذلك بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من أقال نادما في بيع أقاله الله نفسه يوم القيامة (2)، وإقالة نفسه هو العفو والترك، فوجب أن تكون الاقالة في البيع كذلك، وعلى هذا لا يجوز الاقالة بأكثر من الثمن أو بأقل، أو بجنس غيره. وإذا جئ بالمسلم فيه قبل محله لم يلزم المشتري قبوله، لأنه لا يمتنع أن يكون له في تأخيره غرض لا يظهر لغيره، ولأن إجباره على ذلك يحتاج إلى دليل، و يجوز التراضي على تقديم الحق عن أجله بشرط النقص منه، بدليل الاجماع المشار إليه، ولأنه لا مانع من ذلك، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: المؤمنون عند شروطهم (3) وقوله: الصلح جائز بين المسلمين إلا ما حرم حلالا أو حلل حراما (4)، فأما تأخير الحق عن أجله بشرط الزيادة فيه فلا يجوز بلا خلاف، لأنه ربا.

1 - سنن البيهقي: 5 / 287 و 288 وجامع الأصول: 1 / 473.
2 - كنز العمال: 4 / 90 وسنن البيهقي: 6 / 27.
3 - سنن البيهقي: 6 / 79 و 7 / 249 وكنز العمال: 4 / 364 وبداية المجتهد: 2 / 294 والبحر الزخار: 5 / 76 والتهذيب: 7 / 371 ولفظ الحديث في بعض المصادر (المسلمون...).
4 - سنن البيهقي: 6 / 65 وكنز العمال: 4 / 365 برقم 10933.

[ 229 ]

الفصل الرابع وأما ما يتعلق بالبيع من الأحكام فقد مضى في خلال الفصول المقدمة منه مما يناسبها، وبقي ما نذكر منه اللائق بغرض الكتاب. واعلم أن من حكم البيع وجوب تسليم المعقود عليه في الحال إذا لم يشرط التأجيل بلا خلاف، فإن تشاحا وقال كل واحد منهما: لا أسلم حتى أتسلم، فعلى الحاكم إجبار البائع على تسليم المبيع أولا، لأن الثمن إنما يستحق على المبيع، فوجب الاجبار على تسليمه، ليستحق الثمن، فإن امتنع البائع من التسليم حتى هلك المبيع، فهلاكه من ماله على كل حال، ويبطل العقد لتعذر تسليمه، وإن كان قبضه المشتري فهلك، وقد لزم البيع، فهلاكه من ماله دون مال البائع، سواء كان قبضه أو رضي بتركه في يد البائع. والقبض فيما لا يمكن نقله، كالأرضين التخلية ورفع الحظر، وكذا حكم ما يمكن ذلك فيه، مما يتصل بها من الشجر وثمره المتصل به والبناء، وفيما عدا ذلك التحويل والنقل، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة. ويكره بيع المرابحة بالنسبة إلى الثمن، كقوله: ثمن هذه السلعة كذا، وقد بعتكها برأس مالي وربح درهم في كل عشرة، والأولى تعليق الربح بعين المبيع. ومن ابتاع شيئا بثمن مؤجل لم يجز أن يبيع مرابحة حتى يخبر بذلك ; فإن باع ولم يخبر بالاجل صح البيع بلا خلاف، إلا أن المشتري إذا علم ذلك كان بالخيار (1) بين أن يدفع الثمن حالا وبين أن يرد بالعيب، لأن ذلك تدليس في الثمن. ومن قال لغيره: هذه السلعة علي بمائة، بعتكها بربح درهم في كل عشرة،

1 - في الأصل: فهو بالخيار.

[ 230 ]

فقال: اشتريته، ثم قال: غلطت بل اشتريتها بتسعين، فالبيع صحيح، لأنه لا دليل على فساده، والمشتري بالخيار بين أن يأخذها بمائة وعشرة، لأن العقد على ذلك وقع، وبين أن يردها، لأن ما علمه من النقصان في الثمن عيب، له ردها به إن شاء. ومن حط من الثمن بعد لزوم العقد شيئا، وأراد البيع مرابحة، لم يلزمه حطه، بل يخبر بما وقع العقد عليه، لأن الثمن قد استقر، ومن قال: إن الحط بعد لزوم العقد يلحق به فعليه الدليل، وإذا أراد أن يحسب أجرة القصارة مثلا والطراز في بيع المرابحة، قال (1): صار علي بكذا، أو جاء علي، ولم يقل: اشتريته. ومن باع بشرط حكم البائع (2) والمشتري في الثمن، فالبيع فاسد، لما قدمناه من الجهالة بالثمن، فإن تراضيا بإنفاذه فحكم المشتري بالقيمة فما فوقها، أو حكم البائع بالقيمة فما دونها، مضى ما حكما به، وإن حكم البائع بأكثر والمشتري بأقل لم يمض، وقد قدمنا أن تعليق البيع بأجلين وثمنين كقوله: بعت إلى مدة كذا بكذا، وإلى ما زاد عليها بكذا ; يفسده، فإن تراضيا بإتمامه كان للبائع أقل الثمنين في أبعد الأجلين، بدليل إجماع الطائفة على ذلك. وقد قدمنا أن من جمع في صفقة واحدة بين شيئين يصح بيع أحدهما دون الآخر، نفذ البيع فيما يصح فيه ; فإذا ثبت ذلك فالمشتري بالخيار بين أن يرد الجميع أو يمسك ما يصح فيه البيع بما يخصه من الثمن الذي يتقسط عليه، لأن جميع الثمن إنما كان في مقابلتهما، ويتقسط عليهما معا، فإذا بطل بيع أحدهما سقط من الثمن بحسابه (3) ومن أوجب الجميع فعليه الدليل، ولا خيار للبائع على المشتري في ذلك، لأن البيع قد ثبت من جهته، فمن جوز له الخيار، فعليه الدليل.

1 - في الأصل: وقال.
2 - في " س " " بشرط حوم البائع " وهو تصحيف والصحيح ما في المتن.
3 - في " ج ": من الثمن الذي يتقسط بحسابه.

[ 231 ]

ولا يدخل في بيع الشجر ما عليه من ثمر إلا بالشرط، وكذلك حكم الزرع مع الأرض، والحمل مع الحيوان، وما يصاحبه من أداة ودثار (1) ومال يكون مع العبد أو الأمة. ومن قال: بعت هذه الأرض بحقوقها، دخل فيها الشجر، فإن قال: بعت هذه الدار بحقوقها، دخل في ذلك كل شئ ثابت بثبوت البناء (2) كالشجر، والرفوف، والأوتاد، والاغلاق المنصوبة، والفرد التحتاني من الرحا المبنية، بلا خلاف، وعندنا الرحا الفوقاني والمفتاح أيضا كذلك، لأنهما من حقوقها المنتفع بها. ومن اشترى من يحرم عليه مناكحته من ذوي نسبه، عتق عليه عقيب العقد. وإذا اختلف المتبائعان في جنس المبيع أو في عينه (3) وفقدت البينة، لزم كل واحد منهما أن يحلف على ما أنكره، لأنه مدعى عليه ; فيحلف البائع أنه لم يبع ما ادعاه المشتري، ويحلف المشتري أنه لم يشتر ما ادعاه البائع. وإن اختلفا في مقدار المبيع، فالقول قول البائع مع يمينه، لأنه المنكر، وإن اختلفا في مقدار الثمن، فالقول قول المشتري مع يمينه، ويعتبر أصحابنا هنا أن تكون السلعة تالفة، فإن كانت سالمة، فالقول عندهم قول البائع مع يمينه. وإن اختلفا في أصل الأجل، أو الخيار، أو مقدار مدتهما، أو في وقت حدوث العيب، أو في كون العقد واقعا على البراءة من العيوب، فاليمين على من أنكر منهما، لأنه لا خلاف أن اليمين على من أنكر على ما ورد في الخبر.
(4) ولا يجوز الاحتكار في الاقوات مع الحاجة الظاهرة إليها، ولا يجوز إكراه الناس على سعر مخصوص.

1 - الدثار: ما يتدثر به الانسان وهو ما يلقيه عليه من كساء أو غيره فوق الشعار. المصباح المنير.
2 - في الأصل و " س ": ثبوت البناء.
3 - في " ج ": وفي عينه.
4 - الكافي: 7 / 415 ح 1، وسنن البيهقي: 10 / 252.

[ 232 ]

فصل في الشفعة الشفعة في الشرع عبارة عن استحقاق الشريك المخصوص على المشتري تسليم المبيع بمثل ما بذل فيه أو قيمته، وهي مأخوذة من الزيادة، لأن سهم الشريك يزيد بما ينضم إليه، فكأنه كان وترا فصار شفعا. ويحتاج فيها إلى العلم بأمرين: شروط استحقاقها، وما يتعلق بها من الأحكام. وشروط استحقاقها ستة وهي: أن يتقدم عقد بيع ينتقل معه الملك إلى المشتري. وأن يكون الشفيع شريكا بالاختلاط في المبيع أو في حقه، من شربه أو طريقه. وأن يكون واحدا. وأن يكون مسلما إن كان (1) المشتري كذلك. وأن لا يسقط حق المطالبة. ولا يعجز عن الثمن. اشترطنا تقدم عقد البيع، لأن الشفعة لا تستحق قبله بلا خلاف، ولا

1 - في الأصل: إذا كان.

[ 233 ]

تستحق بما ليس ببيع، من هبة أو صدقة أو مهر زوجة أو مصالحة أو ما أشبه ذلك، بدليل إجماع الطائفة، ولأن إثبات الشفعة في المهر، وفي المصالحة، وفي الهبة على بعض الوجوه، يفتقر إلى دليل شرعي، وليس في الشرع ما يدل عليه. واعتبرنا أن ينتقل الملك معه إلى المشتري، تحرزا من البيع الذي فيه الخيار للبائع أو له وللمشتري معا، فإن الشفعة لا تستحق هاهنا، لأن الملك لم يزل عن البائع، فأما ما لا خيار فيه، أو فيه الخيار للمشتري وحده ففيه الشفعة، لأن الملك قد زال به عنه. واشترطنا أن يكون شريكا للبائع، تحرزا من القول باستحقاقها بالجوار، فإنها لا تستحق بذلك عندنا، بدليل الاجماع المشار إليه، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: الشفعة فيما لا يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة (1) ولا يعارض ذلك ما رووه من قوله عليه السلام: الجار أحق بسقبه (2) لأن في ذلك إضمارا، وإذا أضمروا أنه أحق بالاخذ بالشفعة، أضمرنا أنه أحق بالعرض عليه، ولأن المراد بالجار في الخبر الشريك، لأنه خرج على سبب يقتضي ذلك ; فروى عمرو بن الشريد (3) عن أبيه قال: بعت حقا من أرض لي فيها شريك فقال شريكي: أنا أحق بها، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: الجار أحق بسقبه (4)، والزوجة تسمى جارة لمشاركتها

1 - سنن البيهقي: 6 / 102 باب الشفعة فيما لم يقسم، وصحيح البخاري: 3 / 114 باب الشفعة و مسند أحمد: 3 / 296.
2 - سنن البيهقي: 6 / 105 باب الشفعة بالجوار، والتاج الجامع للأصول: 2 / 217 وصحيح البخاري: 3 / 115 باب الشفعة. قال الفيومي: سقب سقبا من باب تعب: قرب، والجار أحق بسقبه أي بقربه، وفسر بالشفعة. المصباح المنير.
3 - عمرو بن الشريد بن الثقفي أبو الوليد الطائفي، روى عن أبيه وأبي رافع وسعد بن أبي وقاص و ابن عباس، وعنه إبراهيم بن ميسرة ومحمد بن ميمون وصالح بن دينار وغيرهم. لاحظ تهذيب التهذيب: 12 / 47.
4 - سنن النسائي: 7 / 320 الشفعة وأحكامها، والبحر الزخار: 4 / 3 كتاب الشفعة.

[ 234 ]

للزوج في العقد قال الأعشى (1): يا جارتي بيني فإنك طالقه... وهي تسمى بذلك عقيب العقد وتسمى به وإن كانت بالمشرق والزوج بالمغرب، فليس لأحد أن يقول إنما سميت بذلك لكونها قريبة (2) مجاورة، فقد صار اسم الجار يقع على الشريك لغة وشرعا. واشترطنا أن يكون واحدا، لأن الشئ إذا كان مشتركا بين أكثر من اثنين فباع أحدهم لم يستحق شريكه الشفعة، بدليل إجماع الطائفة ; ولأن حق الشفعة حكم شرعي يفتقر في ثبوته إلى دليل شرعي، وليس في الشرع ما يدل على ذلك هاهنا، وعلى هذا إذا كان الشريك واحدا ووهب بعض السهم أو تصدق به، و باع الباقي للموهوب له، أو المتصدق عليه، لم يستحق فيه الشفعة. واشترطنا أن يكون مسلما إذا كان المشتري كذلك، تحرزا من الذمي لأنه لا يستحق على مسلم شفعة، بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا عموم قوله تعالى: * (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) * (3)، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: لا شفعة لذمي على مسلم.
(4) واشترطنا أن لا يسقط حق المطالبة، لأنه أقوى من قول من يذهب إلى أن حق الشفعة على الفور، وتسقط بتأخير الطلب مع القدرة عليه، من أصحابنا (5)

1 - الأعشى ميمون بن قيس بن جندل، يكنى أبا بصير، أحد الاعلام من شعراء الجاهلية، لاحظ ترجمته في الاغاني: 9 / 108، والبيت في ديوانه ص 122، ومصرعه الأخير: " كذاك أمور الناس غاد وطارقه " أنشده لامرأته الهزانية حين طلقها.
2 - في " ج ": قرينة.
3 - النساء: 141. 4 - البحر الزخار: 4 / 5 كتاب الشفعة ولفظ الحديث: لا شفعة للذمي على المسلم.
5 - الشيخ: المبسوط: 3 / 108 والنهاية: 424 والخلاف كتاب الشفعة المسألة 4.

[ 235 ]

وغيرهم ; لأن ما قلناه هو الأصل في كل حق عقلا وشرعا، ولا يخرج من هذا الأصل إلا ما أخرجه دليل قاطع، كحق الرد بالعيب ; على أن حق الرد ربما كان في تأخيره إبطاله، لجواز تغير أمارات العيب وخفائها، فحصلت الشبهة في وجوده، فوجب لذلك المسارعة إلى الرد، وليس كذلك حق الشفعة، لأن ما يجب به من عقد البيع قد أمن ذلك فيه، وما يتعلق به المخالف في ذلك أخبار آحاد لا يعول على مثلها في الشرع. وقولهم: إذا لم تبطل الشفعة بتأخير الطلب دخل على المشتري ضرر، لأنه إذا علم بذلك امتنع من التصرف (1) في المبيع بما يحتاج إليه من غرس وبناء و تغيير، لأن الشفيع يأمره بإزالة ذلك إذا أخذ وهو من أخذه على وجل، وذلك ممنوع منه عقلا وشرعا، الجواب عنه أن يقال: يمكن أن يتحرز من هذا الضرر بما به يسقط الشفعة أصلا، أو بما لا ينشط معه الشفيع إلى الأخذ، أو لا يقدر عليه من زيادة الثمن، ووجوه التحرز من ذلك كثيرة. ثم يقال لهم على سبيل المعارضة: في مقابلة ضرر المشتري بما ذكرتموه من ضرر الشفيع بالشركة ; وإزالة ضرره هاهنا هو المقصود المراعى دون إزالة ضرر المشتري، ولهذا يستحق بالشفعة من علم بالبيع بعد السنين المتطاولة، بلا خلاف وإن كان حاضرا في البلد، وكذا حكم المسافر إذا قدم، والصغير إذا بلغ، ولم يمنع ما ذكرتموه من ضرر المشتري من استحقاقها. واشترطنا عدم عجزه عن الثمن، لأنه إنما يملك الأخذ إذا دفع إلى المشتري ما بذله للبائع، فإذا تعذر عليه ذلك سقط حقه من الشفعة، وسواء كان عجزه لكونه معسرا، أو لكون ما وقع عليه العقد أو بعضه غير معلوم القيمة، وقد فقدت عينه، بلا خلاف في ذلك.

1 - في " ج ": من التصرفات.

[ 236 ]

وروى أصحابنا أن كذا حكمه متى لم يحضر الثمن من البلد التي هو فيه حتى مضت ثلاثة أيام، ومتى ادعى إحضاره من مصر آخر فلم يحضره حتى مضت مدة يمكن فيها وصول الثمن وزيادة ثلاثة أيام ; هذا ما لم يؤد الصبر عليه إلى ضرر، فإن أدى إلى ذلك بطلت الشفعة، بدليل إجماع الطائفة. وإذا كان الثمن مؤجلا فهو على الشفيع كذلك، ويلزمه إقامة كفيل به إذا لم يكن مليا، وهذا لا يتفرع على مذهب من قال من أصحابنا: إن حق الشفعة لا يسقط بالتأخير. (1) وإذا حط البائع من الثمن بعد لزوم العقد فهو للمشتري خاصة، ولم يسقط عن الشفيع، لأنه إنما يأخذ الشقص بالثمن الذي انعقد البيع عليه، وما يحط بعد ذلك هبة مجددة لا دليل على لحوقها بالعقد. وإذا تكاملت شروط استحقاق الشفعة، استحقت في كل مبيع، من الأرضين والحيوان والعروض - كان ذلك مما يحتمل القسمة أو لم يكن - وهذا هو المذهب الذي تقدم الاجماع عليه من أصحابنا. ويحتج على المخالف بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: الشفعة فيما لم يقسم (2) ولم يفصل، وبقوله: الشفعة في كل شئ (3)، على أنه يقال لهم: إذا كنتم تذهبون إلى أن الشفعة وجبت لادخاله الضرر على الشفيع، وكان هذا المعنى حاصلا في سائر المبيعات، لزمكم القول بوجوب الشفعة فيها. وقولهم: من صفة الضرر الذي تجب الشفعة لازالته أن يكون حاصلا على

1 - السيد المرتضى: الانتصار: 219.
2 - سنن البيهقي: 6 / 102 و 103 باب الشفعة فيما لم يقسم، وكنز العمال: 7 / 8 برقم 17707 و مسند أحمد بن حنبل 3 / 296 وصحيح البخاري: 3 / 114 باب الشفعة: والبحر الزخار: 4 / 3 كتاب الشفعة.
3 - جامع الأصول: 2 / 13 والبحر الزخار: 4 / 3 كتاب الشفعة.

[ 237 ]

جهة الدوام، وهذا لا يكون إلا في الأرضين، ليس بشئ لأن الضرر المنقطع يجب أيضا إزالته عقلا وشرعا، كالدائم، فكيف وجبت الشفعة لازالة أحدهما دون الآخر؟ على أن فيما عدا الأرضين ما يدوم كدوامها ويدوم الضرر بالشركة فيه كدوامه، كالجواهر وغيرها. ومن أصحابنا من قال: لا يثبت حق الشفعة إلا فيما يحتمل القسمة شرعا من العقار والأرضين، ولا يثبت فيما لا يحتمل القسمة من ذلك، كالحمامات والارحية، ولا فيما لا ينقل ويحول (1) إلا على وجه التبع للارض كالشجر والبناء.
(2) والشفعة مستحقة على المشتري دون البائع وعليه الدرك للشفيع، بدليل إجماع الطائفة ; ولأنه قد ملك بالعقد والشفيع يأخذ منه ملكه بحق الشفعة فيلزمه دركه. وإذا كان الشريك غير كامل العقل فلوليه أو الناظر في أمور المسلمين، والمطالبة له بالشفعة، بدليل الاجماع المشار إليه، ويحتج على المخالف بقوله عليه السلام: الشفعة فيما لم يقسم (3)، ولم يفصل، وإذا ترك الولي ذلك، فللصغير إذا بلغ، و المجنون إذا عقل، المطالبة، بدليل الاجماع المتكرر، ولأن ذلك حق له لا للولي، وترك الولي لاستيفائه لا يؤثر في إسقاطه. وإذا غرس المشتري وبنى، ثم علم الشفيع بالشراء وطالب بالشفعة، كان له إجباره على قلع الغرس والبناء إذا رد عليه ما نقص من ذلك بالقلع ; لأن المشتري فعل ذلك في ملكه، فلم يكن متعديا، فاستحق ما ينقص بالقلع، ولأنه لا خلاف في أنه له المطالبة بالقلع إذا رد ما نقص به، ولا دليل على وجوب المطالبة إذا لم يرد.

1 - كذا في الأصل و " ج " ولكن في " س ": " ولا فيما لا ينقل ويحول ".
2 - الشيخ: المبسوط: 3 / 106 و 107 والنهاية: 424 والخلاف المسألة 1 و 16 من كتاب الشفعة.
3 - تقدم مصدره آنفا.

[ 238 ]

وإذا استهدم المبيع لا بفعل المشتري، أو هدمه هو قبل علمه بالمطالبة بالشفعة، فليس للشفيع إلا الأرض والآلات، وإن هدمه بعد العلم بالمطالبة، فعليه رده إلى ما كان، بدليل الاجماع المشار إليه. وإذا عقد المشتري البيع على شرط البراءة من العيوب، أو علم بالعيب و رضي به، لم يلزم الشفيع ذلك، بل متى علم بالعيب رد المشتري إن شاء. وإذا اختلف المتبايعان والشفيع في مبلغ الثمن، وفقدت البينة، فالقول قول المشتري مع يمينه، بدليل الاجماع المتكرر. وحق الشفعة موروث عند بعض أصحابنا (1) لعموم آيات الميراث، وعند بعضهم لا تورث.
(2)

1 - المفيد المقنعة: 619 والسيد المرتضى: الانتصار: 217. 2 - الشيخ: النهاية: 425، والخلاف: كتاب الشفعة المسألة 12، والقاضي: المهذب: 1 / 459.

[ 239 ]

فصل في القرض القرض جائز من كل مالك للتبرع ; فلا يجوز للولي أو الوصي إقراض مال الطفل، إلا أن يخاف ضياعه ببعض الأسباب، فيحتاط في حفظه بإقراضه. وفي القرض فضل كثير وثواب جزيل، ويكره للمرء أن يستدين ما هو غني عنه، ويحرم ذلك عليه مع عدم القدرة على قضائه، وزوال الضرورة إليه. وكل ما يجوز السلم فيه يجوز للمسلم إقراضه، من المكيل والموزون والمذروع والحيوان وغير ذلك، لأن الأصل الاباحة، والمنع يحتاج إلى دليل، ويحتج على المخالف بالأخبار الواردة في جواز القرض والحث على فعله، لأنها عامة لا تخصيص فيها. وهو مملوك بالقبض، لأنه لا خلاف في جواز التصرف فيه بعد قبضه، ولو لم يكن مملوكا لما جاز ذلك فيه. ويجوز أن يقرض غيره مالا على أن يأخذه في بلد آخر، أو على أن يعامله في بيع أو إجارة أو غيرهما، بدليل إجماع الطائفة، ولأن الأصل الاباحة، والمنع يفتقر إلى دليل شرعي. ويحرم اشتراط الزيادة فيما يقضى به، سواء كانت في القدر أو الصفة، و يجوز أن يأخذ المقرض خيرا مما كان له من غير شرط - ولا فرق بين ذلك أن يكون عادة من المقترض أو لم يكن - بدليل الاجماع المشار إليه، ولأن الأصل إباحة ذلك.

[ 240 ]

وإن كان للدين مثل، بأن يكون مكيلا أو موزونا، فقضاؤه بمثله لا بقيمته، بدليل الاجماع المتكرر، ولأنه إذا قضاه بمثله، برئت ذمته بيقين، وليس كذلك إذا قضاه بقيمته، وإذا كان مما لا مثل له، كالثياب والحيوان، فقضاؤه برد قيمته. ولا يحل المطل (1) بالدين بعد المطالبة به لغني، ويكره لصاحبه المطالبة به مع الغنى عنه وظن حاجة من هو عليه إلى الارتفاق به، ويحرم عليه ذلك مع العلم بعجزه عن الوفاء، لقوله تعالى: * (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) * (2)، ولا يحل له المطالبة في الحرم على حال، ويكره له النزول عليه ; فإن نزل لم يجز له أن يقيم أكثر من ثلاثة أيام، ويكره له قبول هديته لأجل الدين، والأولى به إذا قبلها الاحتساب بها من جملة ما عليه ; كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. ولا يجوز لصاحب الدين المؤجل، أن يمنع من هو عليه من السفر، ولا أن يطالبه بكفيل، ولو كان سفره إلى الجهاد، أو كانت مدته أكثر من أجل الدين، لأن الأصل براءة الذمة من الكفيل، ودعوى جواز المطالبة به تفتقر إلى دليل، ولأنه لا يستحق عليه شيئا في الحال، فلا يستحق المطالبة بإقامة الكفيل. ويكره استحلاف الغريم المنكر، لأن في ذلك تضييعا للحق وتعريضا لليمين الكاذبة، ومتى حلف لم يجز لصاحب الدين إذا ظفر بشئ من ماله أن يأخذ منه بمقدار حقه، ويجوز له ذلك إذا لم يحلف إلا أن يكون ما ظفر به وديعة عنده، فإنه لا يجوز له أخذ شئ منها بغير إذنه على حال، بدليل الاجماع الماضي ذكره، ويخص الوديعة عموم قوله تعالى: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) *.
(3) وإذا استدان العبد بغير إذن سيده فلا ضمان عليه ولا على السيد إلا أن

1 - مطله بدينه مطلا: إذا سوفه بوعد الوفاء مرة بعد أخرى. المصباح المنير. 2 - البقرة: 280.
3 - النساء: 58.

[ 241 ]

يعتق فيلزمه الوفاء. ومن مات حل ما عليه من دين مؤجل، بلا خلاف إلا من الحسن البصري (1)، ولا يحل له ما له من دين مؤجل بلا خلاف إلا ما رواه بعض أصحابنا من طريق الآحاد أنه يصير حالا.
(2) ولا يثبت الدين في التركة إلا بإقرار جميع الورثة، أو شهادة عدلين منهم أو من غيرهم به مع يمين المدعي، فإن أقر بعضهم ولم يكن على ما ذكرناه، لزمه من الدين بمقدار حقه من التركة، ولم يلزم غيره، ومتى لم يترك المقتول عمدا ما يقضي دينه لم يجز لاوليائه القود إلا أن يضمنوا قضاءه، بدليل الاجماع المتكرر ذكره.

1 - أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، مولى الأنصار، روى عن أبي بن كعب وسعد بن عبادة وعمر بن الخطاب، ولم يدركهم، وروى عنه حميد الطويل وعطاء وقتادة وغيرهم، مات سنة 110 ه‍، لاحظ طبقات الفقهاء: 91 وتهذيب التهذيب: 2 / 263 وشذرات الذهب: 1 / 136.
2 - الشيخ: النهاية: 310، ولاحظ الوسائل: 13، ب 12، من أبواب الدين والقرض، ح 1 و 4.

[ 242 ]

فصل في الرهن الرهن في الشريعة عبارة عن جعل العين وثيقة في دين، إذا تعذر استيفاؤه ممن هو عليه، استوفي من ثمن العين. وشروط صحته ستة: حصول الايجاب والقبول من جائزي التصرف. وأن يكون المرهون عينا لا دينا، لأنا قد بينا أنه وثيقة عين في دين. وأن يكون مما يجوز بيعه، لأن كونه بخلاف ذلك ينافي المقصود به. وأن يكون المرهون به دينا لا عينا مضمونة، كالمغصوب مثلا، لأن الرهن إن كان على قيمة العين إذا تلفت لم يصح، لأن ذلك حق لم يثبت بعد، وإن كان على نفس العين فكذلك، لأن استيفاء نفس العين من الرهن لا يصح. وأن يكون الدين ثابتا، فلو قال: رهنت كذا بعشرة تقرضنيها غدا لم يصح. وأن يكون لازما كعوض القرض (1) والثمن والأجرة وقيمة المتلف وأرش الجناية.
(2) ولا يجوز أخذ الرهن على مال الكتابة المشروطة، لأن عندنا أن ذلك غير لازم على ما قدمناه.

1 - في " ج " و " س ": لعوض القرض.
2 - قال الشيخ في المبسوط: 2 / 196: والدين الذي يجوز أخذ الرهن به فهو كل دين ثابت في الذمة مثل الثمن والأجرة والمهر والقرض والعوض في الخلع وأرش الجناية وقيمة المتلف، كل ذلك يجوز أخذ الرهن به.

[ 243 ]

وإذا تكامل ما ذكرناه من هذه الشروط (1) صح الرهن بلا خلاف، وليس على صحته مع اختلال بعضها دليل، فأما القبض فهو شرط في لزومه من جهة الراهن دون المرتهن، ومن أصحابنا من قال: يلزم بالايجاب والقبول لقوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * (2) قال: وهذا عقد يجب الوفاء به (3) والقول الأول هو الظاهر من المذهب والذي عليه الاجماع. وإذا تعين المخالف من أصحابنا باسمه ونسبه لم يؤثر خلافه في دلالة الاجماع، لأنه إنما كان حجة لدخول قول المعصوم فيه لا لأجل الاجماع (4)، ولما ذكرناه يستدل في المسألة بالاجماع، وإن كان فيها خلاف من بعض أصحابنا فليعرف ذلك، وأما قوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) *، فلا يمتنع ترك ظاهره للدليل. واستدامة القبض في الرهن ليست بشرط، بدليل إجماع الطائفة ; وأيضا قوله تعالى: * (فرهان مقبوضة) * (5)، فشرط القبض ولم يشترط الاستدامة، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: الرهن محلوب ومركوب (6) وذلك لا يجوز بالاطلاق إلا للراهن بلا خلاف. ولا يجوز للراهن أن يتصرف في الرهن بما يبطل حق المرتهن، كالبيع والهبة والرهن عند آخر، والعتق، فإن تصرف كان تصرفه باطلا، ولم ينفسخ الرهن، لأن الأصل صحته، والقول بفسخه يحتاج إلى دليل شرعي، وليس في الشرع ما يدل عليه ; وإنما ينفسخ الرهن إذا فعل ما يبطل به حق المرتهن منه بإذنه. ويجوز له الانتفاع بما عدا ذلك، من سكنى الدار، وزراعة الأرض، وخدمة العبد، وركوب الدابة، وما يحصل من صوف ونتاج ولبن، إذا اتفق هو

1 - في " ج ": وإذا تكاملت هذه الشروط.
2 - المائدة: 1.
3 - الشيخ: الخلاف، كتاب الرهن المسألة 5.
4 - في " ج ": لا لأجل الاجتماع.
5 - البقرة: 283.
6 - سنن البيهقي: 6 / 38 وكنز العمال: 6 / 288 برقم 15738.

[ 244 ]

والمرتهن على ذلك وتراضيا به، وكذا يجوز للمرتهن الانتفاع بالسكنى والزراعة و الخدمة والركوب والصوف واللبن إذا أذن له الراهن وتكفل بمؤنة الرهن، و الأولى أن يصرف قيمة منافعه من صوف ولبن في مؤنته، وما فضل من ذلك كان رهنا مع الأصل ; يدل على ذلك إجماع الطائفة، فإن سكن المرتهن الدار، أو زرع الأرض بغير إذن الراهن أثم ولزمه أجرة الأرض والدار، وكان الزرع له، لأنه عين ماله، والزيادة حادثة فيه، وهي غير متميزة منه. ولا يحل للراهن ولا المرتهن وطئ الجارية المرهونة، فإن وطأها الراهن بغير إذن المرتهن أثم، وعليه التعزير، فإن حملت وأتت بولد ; فإن كان موسرا وجب عليه قيمتها، تكون رهنا مكانها، لحرمة الولد، وإن كان معسرا بقيت رهنا بحالها، وجاز بيعها في الدين، بدليل الاجماع المشار إليه، فإن وطأها بإذن المرتهن لم ينفسخ الرهن، حملت أو لم تحمل، لأن ملكه لها ثابت، على ما بيناه فيما مضى، وإذا كان ثابتا، كان الرهن على حاله. فإن وطأها المرتهن بغير إذن الراهن، فهو زان، وولدها منه (1) رق لسيدها، و رهن معها، فإن كان الوطئ بإذن الراهن، وهو عالم بتحريم ذلك، لم يلزمه مهر، لأن الأصل براءة الذمة، وإلزامه المهر يفتقر إلى دليل شرعي ; فإن أتت بولد كان حرا لاحقا بالمرتهن بلا خلاف، ولا يجب قيمته، لأن الأصل براءة الذمة، وشغلها بذلك يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. ورهن المشاع جائز كالمقسوم، بدليل إجماع الطائفة، وأيضا قوله تعالى: * (فرهان مقبوضة) * (2) ولم يفصل، ويجوز توكيل المرتهن في بيع الرهن، بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا فالأصل جواز ذلك، والمنع منه يفتقر إلى دليل، ويحتج على المخالف بعموم الأخبار الواردة في جواز التوكيل.

1 - في " ج ": وولده منها.
2 - البقرة: 283.

[ 245 ]

وإذا كان الرهن مما يسرع إليه الفساد، ولم يشرط (1) بيعه إذا خيف فساده، كان الرهن باطلا، لأن المرتهن لا ينتفع به، والحال هذه، وإذا أذن المرتهن للراهن في بيع الرهن بشرط أن يكون ثمنه رهنا مكانه، كان ذلك جائزا، ولم يبطل البيع، بدليل قوله تعالى: * (وأحل الله البيع) * (2)، ويحتج على المخالف بقوله: المؤمنون عند شروطهم (3)، وإن قال له: بع الرهن بشرط أن تجعل ثمنه من ديني قبل محله، صح البيع، وكان الثمن رهنا إلى وقت المحل، ولم يلزم الوفاء بتقديم الحق قبل محله، لأنه لا دليل على لزوم ذلك. والرهن أمانة في يد المرتهن، إن هلك من غير تفريط، فهو من مال الراهن، ولا يسقط بهلاكه شئ من الدين، بدليل الاجماع المشار إليه. ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: لا يغلق الرهن الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه (4)، لأن المراد بالغنم الزيادة، وبالغرم النقصان والتلف، وقولهم: المراد بالغرم النفقة والمؤونة، لا ينافي ما قلناه، فيحمل اللفظ على الأمرين، وأيضا فقوله " الرهن من صاحبه " المراد به من ضمان صاحبه، ومعنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا يغلق " أي لا يملكه المرتهن، ويحتج عليهم بقوله: الخراج بالضمان (5)، وخراجه إذا كان للراهن بلا خلاف، وجب أن يكون من ضمانه.

1 - في " س ": ولم يشترط.
2 - البقرة: 275.
3 - بداية المجتهد: 2 / 296 والتهذيب: 7 / 371 وسنن البيهقي: 6 / 79 و 7 / 249 وكنز العمال: 4 / 363 ولفظ الحديث في بعض المصادر: المسلمون...
4 - سنن البيهقي: 6 / 39، باب الرهن غير مضمون، وكنز العمال: 6 / 289.
5 - سنن البيهقي: 5 / 321 والتاج الجامع للأصول: 2 / 204 وكنز العمال: 4 / 93 وجامع الأصول: 1 / 597 و 598 وقال ابن الأثير في النهاية (مادة خرج) بعد نقل الحديث ما هذا نصه: يريد بالخراج ما يحصل من غلة العين المبتاعة، عبدا كان أو أمة أو ملكا، وذلك أن يشتريه فيستغله زمانا ثم يعثر منه على عيب قديم له يطلعه البائع عليه، أو لم يعرفه، فله رد العين المبيعة وأخذ الثمن =

[ 246 ]

ولا يعارض من ذلك ما رووه من أن رجلا رهن فرسه عند إنسان فنفق، فسأل المرتهن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فقال: ذهب حقك (1) لأن المراد بذلك ذهب حقك من الوثيقة لا من الدين، وقلنا ذلك لوجهين (2): أحدهما: أنه وحد الحق، ولو أراد ذهاب الدين والوثيقة معا لقال: ذهب حقاك، والثاني: أن الدين إنما يسقط عند المخالف إذا كان مثل قيمة الرهن أو أقل، ولا يسقط الزيادة منه إذا كان أكثر، فلو أراد ذهاب حقه من الدين، لاستفهم عن مبلغه، أو فصل في الجواب. وقولهم: سقوط الحق من الوثيقة معلوم بالمشاهدة، فلا فائدة في بيانه، غير صحيح، لأن تلف الرهن لا يسقط حق المرتهن من الوثيقة على كل حال، بل إذا أتلفه الراهن، أو أتلفه أجنبي، فإن القيمة تؤخذ وتجعل رهنا مكانه، فأراد عليه السلام أن يبين أن الرهن إذا تلف من غير جناية (3) سقط حق الوثيقة. وإذا ادعى المرتهن هلاك الرهن، كان القول قوله مع يمينه، سواء ادعى ذلك بأمر ظاهر أو خفي، بدليل إجماع الطائفة، وأيضا فقد بينا أنه أمانة في يده، وإذا كان كذلك، فالقول قوله في هلاكه. وإذا اختلف الراهن والمرتهن في الاحتياط والتفريط، وفقدت البينة، فالقول قول المرتهن أيضا مع يمينه، وإذا اختلفا في مبلغ الرهن، أو مقدار قيمته، فالقول قول الراهن مع يمينه، وإذا اختلفا في مبلغ الدين، أخذ ما أقر به الراهن (4) وحلف على ما أنكره، ويدل على ذلك كله، الاجماع المتكرر ذكره.

= ويكون للمشتري ما استغله، لأن المبيع لو كان تلف في يده لكان من ضمانه، ولم يكن له على البائع شئ. والباء في بالضمان متعلقة بمحذوف، تقديره الخراج مستحق بالضمان أي بسببه. انتهى وتقدم الحديث مع التعليقة عليه في كتاب المتاجر في ذيل خيار العيب فلاحظ. 1 - سنن البيهقي: 6 / 41.
2 - في " ج ": بوجهين.
3 - في " ج ": من غير خيانة.
4 - في " س ": للراهن.

[ 247 ]

فصل في التفليس المفلس في الشرع من ركبته الديون، وماله لا يفي بقضائها. ويجب على الحاكم الحجر عليه بشروط أربعة: أحدها: ثبوت إفلاسه، لأنه سبب الحجر عليه، فلا يجوز قبل ثبوته. والثاني: ثبوت الديون عليه لمثل ذلك. والثالث: كونها حالة، لأن المؤجل لا يستحق المطالبة به قبل حلول أجله. والرابع: مسألة الغرماء الحجر عليه، لأن الحق لهم، فلا يجوز للحاكم الحجر به إلا بعد مسألتهم. فإذا حجر عليه تعلق بحجره أحكام ثلاثة: أولها: تعلق ديونهم بالمال الذي في يده. وثانيها: منعه من التصرف في ماله بما يبطل حق الغرماء، كالبيع، والهبة، والاعتاق، والمكاتبة، والوقف، ولو تصرف لم ينفذ تصرفه، لأن نفوذه يبطل فائدة الحجر عليه، ويصح تصرفه فيما سوى ذلك، من خلع، وطلاق، وعفو عن قصاص، ومطالبة به، وشراء بثمن في الذمة، ولو جنى جناية توجب الأرش، شارك المجني عليه الغرماء بمقداره، لأن ذلك حق ثبت على المفلس بغير اختيار صاحبه، ولو أقر بدين، وذكر أنه كان عليه قبل الحجر، قبل إقراره، وشارك المقر له سائر الغرماء، لأن إقراره صحيح ; وإذا كان كذلك، فظاهر الخبر في قسمة ماله بين غرمائه يقتضي غ‌ا ذكرناه، فمن خصصه فعليه الدليل.

[ 248 ]

وثالثها: أن كل من وجد عين ماله من غرمائه (1) كان أحق بها من غيره، بدليل إجماع الطائفة، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: أيما رجل مات، أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه (2)، هذا إذا وجد العين بحالها لم تتغير ولا تعلق بها حق لغيره برهن أو كتابة. فإن تغيرت، لم يخل تغيرها إما أن يكون بزيادة أو نقصان. فإن كان بنقصان كان بالخيار بين أن يترك ويضرب بالثمن مع باقي الغرماء، وبين أن يأخذ، فإن أخذ وكان نقصان جزء، وينقسم الثمن عليه، كعبدين تلف أحدهما، أخذ الموجود، وضارب الغرماء بثمن المفقود، وإن كان نقصان جزء لا ينقسم الثمن عليه، كذهاب عضو من أعضائه، فإن كان لا أرش له، لكونه بفعل المشتري، أو بآفة سماوية، أخذ العين ناقصة، من غير أن يضرب مع الغرماء بمقدار النقص، وإن كان له أرش، لكونه من فعل أجنبي، أخذه وضرب بقسط ما نقص بالجنابة مع الغرماء. وإن كان تغيير العين بزيادة لم يخل إما أن تكون متصلة أو منفصلة، فإن كانت متصلة لم يخل إما أن تكون بفعل المشتري أو بفعل غيره، فإن كان بفعله، كصبغ الثوب وقصارته، كان شريكا للبائع بمقدار الزيادة، وإلا أدى إلى إبطال حقه، وذلك لا يجوز، وإن كانت بغير فعله، كالسمن، والكبر، وتعليم الصنعة، أخذ العين بالزيادة، لأنها تبع، وإن كانت منفصلة كالثمرة والنتاج، أخذ العين دون الزيادة، لأنها حصلت في ملك المشتري. ولو كانت العين زيتا، فخلطه بأجود منه سقط حق بائعه من عينه، لأنها في

1 - في " ج ": عن غرمائه.
2 - المستدرك على الصحيحين: 2 / 51 كتاب البيوع ولاحظ كنز العمال: 4 / 275 برقم 10465 كتاب التفليس، وسنن البيهقي: 6 / 45 و 46 باختلاف قليل.

[ 249 ]

حكم التالفة، بدلالة أنها ليست موجودة (1) مشاهدة ولا من طريق الحكم، لأنه ليس له أن يطالب بقسمته. ولا يجب على المفلس بيع داره التي يسكنها، ولا عبده الذي يخدمه، ولا دابته التي يجاهد عليها، بدليل إجماع الطائفة، ولأنه لا دليل على وجوب بيع ما ذكرناه، ويلزمه بيع ما عدا ذلك، فإن امتنع باع الحاكم عليه، وقسم الثمن بين الغرماء، بدليل الاجماع المشار إليه، ونحتج على المخالف بما رووه من أنه عليه السلام حجر على معاذ وباع ماله في دينه (2) وظاهر ذلك أنه باعه بغير اختياره. وإذا ظهر غريم آخر بعد القسمة، نقضها الحاكم وقسم عليه، لأن حقه ثابت فيما كان في يد المفلس، ولا دليل على سقوطه منه بقسمته على غيره. ولا تصير الديون المؤجلة على المفلس حالة بحجر الحاكم عليه للحالة، لأن الأصل كونها مؤجلة، وعلى من ادعى أنها تصير حالة الدليل. ويسمع البينة على الاعسار، بدليل إجماع الطائفة، ولأنها ليست على مجرد النفي، وإنما تتضمن إثبات صفة له، ويجب سماعها في الحال، ولا يقف ذلك على حبس المعسر، بدليل الاجماع المشار إليه. وإذا ثبت إعساره بالبينة، أو صدقه في دعوى ذلك الغرماء، لم يجز (3) للحاكم حبسه، ووجب عليه المنع من مطالبته وملازمته إلى أن يستفيد مالا، بدليل الاجماع الماضي ذكره، وأيضا قوله تعالى: * (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) * (4) ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام لغرماء الرجل الذي أصيب

1 - في " ج ": بموجودة.
2 - سنن البيهقي: 6 / 48 باب الحجر على المفلس، والبحر الزخار: 5 / 89 كتاب الحجر. 3 - في " ج ": لم يجب.
4 - البقرة 280.

[ 250 ]

بما ابتاعه من الثمار: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك (1)، ولم يذكر الملازمة. وليس للغرماء مطالبة المعسر بأن يؤجر نفسه، ويكتسب لايفائهم، بدليل ما قدمناه في المسألة الأولى سواء ; بل هو إذا علم من نفسه القدرة على ذلك و ارتفاع الموانع منه، فعله ليبرئ ذمته. وعلى الحاكم إشهار المفلس، بدليل الاجماع، ليعرف، فلا يعامله إلا من رضى بإسقاط دعواه عليه. * * *

1 - مسند أحمد بن حنبل: 3 / 36 و 58 وكنز العمال:: 4 / 278 برقم 10480.

[ 251 ]

فصل في الحجر المحجور عليه هو الممنوع من التصرف في ماله، وهو على ضربين: محجور عليه لحق غيره، ومحجور عليه لحق نفسه. والأول ثلاثة: المفلس، وقد قدمنا حكمه، والمريض محجور عليه في الوصية بما زاد على الثلث من التركة، لحق ورثته، بلا خلاف، والمكاتب محجور عليه فيما في يده، لحق سيده. والضرب الثاني أيضا ثلاثة: الصبي والمجنون والسفيه، ولا يرتفع الحجر عن الصبي إلا بأمرين: البلوغ والرشد، والبلوغ يكون بأحد خمسة أشياء: السن، وظهور المني والحيض والحلم والانبات، بدليل إجماع الطائفة. وحد السن في الغلام خمس عشرة سنة، وفي الجارية تسع سنين، بدليل الاجماع المشار إليه، ويحتج على المخالف في الغلام بما رووه من قوله عليه السلام: إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة، كتب ماله وعليه، وأخذت منه الحدود (1) وبما رووه عن ابن عمر من قوله: عرضت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام بدر، وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، فردني ولم يرني بلغت، وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني في المقاتلة (2)، فنقل الحكم، وهو الرد والاجازة، وسببه هو السن.

1 - المغني لابن قدامة والشرح الكبير: 4 / 515 كتاب الحجر الفصل الثالث في البلوغ، ونقله الشيخ في الخلاف كتاب الحجر المسألة 2.
2 - سنن البيهقي: 6 / 55 كتاب الحجر باب البلوغ بالسن، والمغني لابن قدامة والشرح الكبير: 4 / 513 كتاب الحجر.

[ 252 ]

والرشد يكون بشيئين: أحدهما: أن يكون مصلحا لماله بلا خلاف، و الثاني: أن يكون عدلا في دينه ; فإن اختل أحدهما استمر الحجر أبدا إلى أن يحصل الأمران، بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا قوله تعالى: * (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) * (1). والفاسق سفيه، وأيضا قوله تعالى: * (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) * (2) فاشترط الرشد، ومن كان فاسقا في دينه كان موصوفا بالغي، ومن وصف بذلك لم يوصف بالرشد، لتنافي الصفتين، وأيضا فلا خلاف في جواز دفع المال إليه مع اجتماع العدالة وإصلاح المال، وليس على جواز دفعه إذا انفرد أحد الأمرين دليل. وإذا اجتمع الأمران معا جاز (3) على كل حال ; فإن ارتفع الحجر ثم صار مبذرا مضيعا، أعيد الحجر عليه، بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا فالمبذر سفيه وغير رشيد بلا خلاف، فوجب إعادة الحجر عليه، لظاهر ما قدمناه من القرآن، وأيضا قوله تعالى: * (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) * (4) وذمه تعالى للتبذير يوجب المنع منه، ولا يصح ذلك إلا بالحجر. ويحتج على المخالف بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: اقبضوا على أيدي سفهائكم (5) ولا يصح القبض إلا بالحجر، وقوله عليه السلام: إن الله يكره لكم ثلاثا: قيل وقال،

1 - النساء: 5.
2 - النساء: 6.
3 - في " ج ": " بناء " بدل " جاز ".
4 - الاسراء: 27.
5 - الجامع الصغير: 1 / 600 برقم 3894 وكنز العمال: 3 / 69 برقم 5525 و 5586 ولفظ الحديث: خذوا على أيدي سفهائكم قبل أن يعمهم الله بعقابه، وكنوز الحقائق للمناوي المطبوع في هامش الجامع الصغير: 1 / 123 وفيه: " خذوا على أيدي سفهائكم من قبل أن يهلكوا أو يهلكوا، وفي الخلاف، كتاب الحجر، المسألة 7، كما في المتن.

[ 253 ]

وكثرة السؤال وإضاعة المال (1)، وما يكره الله تعالى يجب المنع منه، لأنه لا يكون إلا محرما. وإن عاد الفسق دون تبذير المال، فالاحتياط يقتضي إعادة الحجر أيضا، لأنا قد بينا أن الفاسق سفيه، وإذا كان كذلك فهو ممنوع من دفع المال إليه، لما قدمناه من الاستدلال. ويصح طلاق المحجور عليه للسفه، وخلعه، ولا تدفع المرأة بذل الخلع إليه، ويصح مطالبته بالقصاص، وإقراره بما يوجبه، ولا يصح تصرفه في أعيان أمواله، ولا شراؤه بثمن في الذمة. * * *

1 - سنن البيهقي: 6 / 63 وفيه: إن الله كره لكم ثلاثا... ونحوه في مسند أحمد بن حنبل: 2 / 327، و 4 / 246 و 249 ومثله في كنز العمال: 16 / 46 برقم 43871 و 44028.

[ 254 ]

فصل في الصلح الصلح جائز بين المسلمين ما لم يؤد إلى تحليل حرام أو تحريم حلال ; فلا يحل أن يؤخذ بالصلح ما لا يستحق ولا يمنع به المستحق، وهو جائز مع الانكار، بدليل إجماع الطائفة، وأيضا قوله تعالى: * (والصلح خير) * (1) ولم يفرق، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: الصلح جائز بين المسلمين إلا ما أحل حراما أو حرم حلالا.
(2) والشوارع على الاباحة يجوز لكل أحد التصرف فيها بما لا يتضرر به المارة، فإن أشرع جناحا وكان عاليا لا يضر بالمجتازين، ترك ما لم يعارض فيه أحد من المسلمين، فإن عارض وجب قلعه، لأن الطريق حق لجميعهم، فإذا أنكر أحد لم يجز أن يغصب على حقه ; وأيضا فلا خلاف أنه لا ينفرد بملك شئ من القرار والهواء، والبناء تابع له ; وأيضا فلو سقط ما أشرعه على إنسان فقتله، أو مال فأتلفه، للزمه الضمان بلا خلاف، ولو كان يملك ذلك لما لزمه. والسكة إذا كانت غير نافذة فهي ملك لأرباب الدور الذين فيها طرقهم ; فلا يجوز لبعضهم فتح باب فيها، ولا إشراع جناح إلا برضا الباقين، ضر ذلك أو لم يضر، ومتى أذنوا في ذلك، كان لهم الرجوع فيه، لأنه إعادة (3)، ولو صالحوه على

1 - النساء: 128.
2 - سنن البيهقي: 6 / 65 كتاب الصلح، وكنز العمال: 4 / 365 برقم 10933 والوسائل: 18 / 170 ب 3 من أبواب كيفية الحكم ح 5.
3 - كذا في " ج " ولكن في الأصل و " س ": لأنه إعارة.

[ 255 ]

ترك الجناح بعوض لم يصح، لأن إفراد الهواء بالبيع باطل، ولا يجوز منعه من فتح كوة في حائطه، لأن ذلك تصرف في ملكه خاصة، ولا أعلم في ذلك كله خلافا. فإن تساوت الأيدي في التصرف في شئ وفقدت البينة، حكم بالشركة - أرضا كان ذلك، أو دارا، أو سقفا، أو حائطا أو غير ذلك - لأن التصرف دلالة الملك وقد وجد. فإن كان للحائط عقد إلى أحد الجانبين، أو فيه تصرف خاص لأحد المتنازعين، كوضع الخشب، فالظاهر أنه لمن العقد إليه، والتصرف له، فتقدم دعواه، ويكون القول قوله مع يمينه، وإنما كلفناه اليمين، لجواز أن يكون هذا التصرف مأذونا فيه، أو مصالحا عليه، والحائط ملك لهما. ويحكم بالخص (1) لمن إليه معاقد القمط (2)، وهي: مشاد الخيوط في القصب، بدليل إجماع الطائفة، ويحتج على المخالف بما رووه من طرقهم من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث عبد الله بن اليمان (3) ليحكم بين قوم اختصموا في خص، فحكم به لمن إليه القمط، فلما رجع إليه عليه السلام أخبره بذلك فقال: أصبت و أحسنت.
(4) وإذا انهدم الحائط المشترك لم يجبر أحد الشريكين على عمارته والانفاق عليه، وكذا القول في كل ملك مشترك، وكذا لا يجبر صاحب السفل على إعادته لأجل العلو، لأن الأصل براءة الذمة ومن أوجب إجباره على النفقة في ذلك، فعليه الدليل، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: لا يحل مال امرئ

1 و 2 - الخص - بالضم والتشديد -: البيت من القصب. والقمط، جمع قماط وهو حبل يشد به الاخصاص. مجمع البحرين.
3 - في المصدر: حذيفة بن اليمان.
4 - سنن ابن ماجه: 2 / 785 برقم 2343، وسنن البيهقي: 6 / 67 وأسد الغابة: 1 / 262.

[ 256 ]

مسلم إلا بطيب نفس منه. (1) وإذا أراد أحدهما الانفراد بالعمارة لم يكن للآخر منعه ; فإن عمر متبرعا بالآلات القديمة، لم يكن له المطالبة لشريكه بنصف النفقة، ولا منعه من الانتفاع، وإن عمر بآلات مجددة، فالبناء له، وله نقضه إذا شاء، والمنع لشريكه من الانتفاع، وليس له سكنى السفل ولا منع شريكه من سكناه، لأن ذلك انتفاع بالأرض لا بالبناء. ولا يجوز لأحد الشريكين في الحائط أن يدخل فيه خشبة خفيفة لا تضر بالحائط ضررا كثيرا إلا بإذن الآخر، لأن ذلك هو الأصل من حيث كان تصرفا فيما لا يملكه على الانفراد، ومن ادعى جواز ذلك لزمه الدليل، ومتى أذن لشريكه في الحائط في وضع خشب عليه، فوضعه ثم انهدم أو قلع، لم يكن له أن يعيده إلا بإذن مجدد، لأن جواز إعادته يفتقر إلى دليل، والأصل أن لا يجوز ذلك إلا بإذن، و ليس الإذن في الأول إذنا في الثاني. وإذا تنازع اثنان دابة، أحدهما راكبها والآخر آخذ بلجامها، وفقدت البينة، فهي بينهما نصفين، لأنه لا دليل على وجوب الحكم بها للراكب، وتقديمه على الآخذ، فمن ادعى ذلك فعليه الدليل. ومن ادعى على غيره مالا مجهولا، فأقر له به، وصالحه فيه على مال معلوم، صح الصلح، لقوله تعالى: * (والصلح خير) * (2) لأنه لم يفرق، وقوله عليه السلام: الصلح جائز بين المسلمين، الخبر.
(3) * * *

1 - سنن البيهقي: 6 / 100 وكنز العمال: 1 / 92 ومسند أحمد: 5 / 72 والبحر الزخار: 5 / 89.
2 - النساء: 128.
3 - سنن البيهقي: 6 / 65 كتاب الصلح، وكنز العمال: 4 / 365 برقم 1033.

[ 257 ]

فصل في الحوالة (1) الحوالة تفتقر في صحتها إلى شروط: منها: رضا المحيل إجماعا، لأن من عليه الدين مخير في جهات قضائه. ومنها: رضا المحال - بلا خلاف إلا من داود - لأن نقل الحق من ذمة إلى أخرى مع اختلاف الذمم، تابع لرضا صاحبه ; ولأنه إذا رضي عليه صحت الحوالة بلا خلاف، وليس على صحتها مع عدم رضاه دليل، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أحيل أحدكم على ملئ فليحتل (2)، محمول على الاستحباب، لما فيه من قضاء حاجة أخيه وإجابته إلى ما ينبغي. ومنها: رضا المحال عليه، لأن إثبات الحق في ذمته لغيره - مع اختلاف الغرماء في شدة الاقتضاء وسهولته - تابع لرضاه، ولأنه لا خلاف في صحتها إذا رضي، وليس كذلك إذا لم يرض. ومنها: أن يكون المحال عليه مليا في حال الحوالة، بلا خلاف بين أصحابنا، فإن رضي المحال بعدم ملاءته جاز، لأنه صاحب الحق. وتصح الحوالة على من ليس عليه دين، لأن الأصل جواز ذلك، والمنع منه يفتقر إلى دليل.

1 - حقيقة الحوالة تحويل المديون ما في ذمته إلى ذمة غيره، وهي متقومة بأشخاص ثلاثة: " المحيل " وهو المديون، و " المحتال " وهو الدائن و " المحال عليه "، وأما " المحال به " فهو المال الذي أحاله المحيل إلى ذمة المحال عليه.
2 - سنن البيهقي: 6 / 70 كتاب الحوالة، وكنز العمال: 5 / 575 برقم 14015.

[ 258 ]

وإذا كان عليه دين اعتبر شرطان آخران: أحدهما: اتفاق الحقين في الجنس والنوع والصفة، لأن المحال عليه لا يلزمه أن يؤدي خلاف ما هو عليه. والثاني: أن يكون الحق مما يصح أخذ البدل فيه قبل قبضه، لأن ذلك في الحوالة وهذه حالها في معنى المعاوضة. وإذا صحت الحوالة، انتقل الحق إلى ذمة المحال عليه، بلا خلاف إلا من زفر (1) لأنها مشتقة من التحويل، وذلك لا يكون مع بقاء الحق في الذمة الأولى. ولا يعود الحق إلى ذمة المحيل إذا جحد المحال عليه الحق وحلف عليه، أو مات مفلسا، أو أفلس وحجر الحاكم عليه، لأنه لا دليل على عود الحق إليه بعد انتقاله عنه ; ولأن عوده إليه عند إعسار المحال عليه، يبطل فائدة اشتراط ملاءته، وقد بينا أن ذلك يشترط. وإذا أحال المشتري البائع بالثمن، ثم رد المبيع بالعيب، بطلت الحوالة، لأنها بحق البائع وهو الثمن، وإذا بطل البيع سقط الثمن فبطلت، فإن أحال البائع على المشتري بالثمن ثم رد المبيع بالعيب، لم تبطل الحوالة، لأنه تعلق به حق لغير المتعاقدين. وإذا اختلفا فقال المحيل: وكلتك بلفظ الوكالة، وقال المحال: بل أحلتني بلفظ الحوالة، فالقول قول المحيل بلا خلاف، لأنهما اختلفا في لفظه، وهو أعرف به من غيره، ولو كان النزاع بالعكس من ذلك، كان القول قول المحال، لأن الأصل بقاء حقه في ذمة المحيل.

1 - وهو زفر بن الهذيل بن قيس بن مسلم من بني العنبر أحد الفقهاء والزهاد، تفقه وغلب عليه الرأي، وهو أول من قدم البصرة برأي أبي حنيفة مات بالبصرة سنة 158 ه‍ لاحظ الفهرست لابن النديم: 256 ولسان الميزان: 2 / 476.

[ 259 ]

وإذا اتفقا في لفظ الحوالة، وإن القدر الذي جرى بينهما منه أنه قال: أحلتك بما لي عليه من الحق، ثم اختلفا فقال المحيل: أنت وكيلي في ذلك، وقال المحال: بل أحلتني لآخذ ذلك لنفسي، فالقول قول المحيل، لأن الأصل بقاء حق المحال في ذمته، وبقاء حقه على المحال عليه ; المحال يدعي زوال ذلك، والمحيل ينكره، كان القول قوله مع يمينه. * * *

[ 260 ]

فصل في الضمان (1) من شرط (2) صحته: أن يكون الضامن مختارا، غير مولى عليه، مليا في حال الضمان - إلا أن يرضى المضمون له بعدم ملاءته، فيسقط هنا هذا الشرط. وأن يكون إلى أجل معلوم. وأن يقبل المضمون له ذلك. وأن يكون المضمون حقا لازما في الذمة - كمال القرض والأجرة وما أشبه ذلك - بدليل الاجماع المشار إليه، ومصيره إلى اللزوم، كالثمن في مدة الخيار، لقوله عليه السلام: الزعيم غارم (3)، ولم يفصل. ويصح ضمان مال الجعالة بشرط أن يفعل ما يستحق به، للخبر المتقدم، وقوله تعالى: * (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) *.
(4) وليس من شرط صحته أن يكون المضمون معلوما، بل لو قال: كل حق يثبت على فلان فأنا ضامنه، صح ولزمه ما يثبت بالبينة أو الاقرار، بدليل الاجماع

1 - قال الشيخ في المبسوط ج 2 ص 323: فمن شرطه وجود ثلاثة أشخاص: ضامن، ومضمون له، ومضمون عنه، فالضامن هو الكفيل بالدين والمتحمل له، والمضمون له هو صاحب الدين، والمضمون عنه فهو من عليه الدين.
2 - في الأصل: من شروط.
3 - سنن البيهقي: 6 / 72 كتاب الضمان ومسند أحمد بن حنبل: 5 / 267 وكنز العمال: 15 / 178 برقم 40490.
4 - يوسف: 72.

[ 261 ]

المشار إليه. وليس من شرط صحته أيضا رضا المضمون عنه، ولا معرفته ومعرفة المضمون له، لأنه لا دليل على ذلك. ويحتج على المخالف بما رووه من أن عليا عليه السلام وأبا قتادة (1) لما ضمنا الدين عن الميت أجازه النبي عليه السلام ولم يحصل رضاه لموته، ولا سألهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن معرفته ولا معرفة صاحب الدين (2) ; فدل على أن ذلك ليس من شرط صحة الضمان.
(3) وإذا صح الضمان انتقل الحق إلى ذمة الضامن، وبرئ المضمون عنه منه و من المطالبة به، بدليل إجماع الطائفة، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي لما ضمن الدرهمين عن الميت: جزاك الله عن الاسلام خيرا، وفك رهانك كما فككت رهان أخيك (4)، وقوله لأبي قتادة لما ضمن الدينارين: هما عليك والميت منهما برئ؟ قال: نعم (5) فدل أن المضمون عنه يبرأ من الدين بالضمان. ولا يرجع الضامن على المضمون عنه بما ضمنه إذا ضمن بغير إذنه، فإن كان أذن له في الضمان رجع عليه، بدليل الاجماع المشار إليه، سواء أذن في الأداء أو لم يأذن، لأنا قد بينا أن الحق انتقل إلى ذمته، فلا حاجة إلى استئذانه في القضاء. ويحتج على المخالف في المسألة الأولى بخبر علي عليه السلام وأبي قتادة، لأن

1 - أبو قتادة الحارث بن ربعي بن بلدمة وقيل اسمه النعمان مات سنة 54 ه‍ - لاحظ أسد الغابة: 5 / 274.
2 - سنن الدارقطني: 3 / 78 و 79 برقم 291 و 293 وسنن أبي داود: 3 / 247 برقم 3343 وسنن النسائي: 4 / 65 وسنن البيهقي: 6 / 72 و 73 كتاب الضمان والبحر الزخار: 5 / 77 ومستدرك الوسائل: 13 / 435 كتاب الضمان، الباب 2، ح 1 والباب 3، ح 4 و 3.
3 - في " ج " و " س ": صحته الضمان. 4 و 5 - سنن الدارقطني: 3 / 78 و 79 رقم 291 و 293 وسنن أبي داود: 3 / 247 وسنن النسائي: 4 / 65 ومستدرك الوسائل: 13 / 435 كتاب الضمان وسنن البيهقي: 6 / 73 والبحر الزخار: 5 / 77.

[ 262 ]

ضمانهما لما كان بغير إذن لم يكن لهما الرجوع على المضمون عنه ; لأن ذلك لو كان لهما لم يكن في الضمان فائدة، ولكان الدين باقيا على الميت كما كان. ويصح ضمان الدين عن الميت المفلس، لأنه لا مانع من ذلك، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجاز الضمان مطلقا في الخبر المتقدم، ولم يستفهم عن حال الميت. وإذا تكفل ببدن إنسان، وضمن إحضاره بشرط البقاء، صح بلا خلاف، إلا ما رواه المروزي (1) من قول آخر للشافعي (2)، وإذا طولب بإحضاره، وهو حي، فلم يحضره، لزمه أداء ما يثبت عليه في قول من أجاز كفالة الأبدان، وإن مات قبل ذلك بطلت الكفالة، ولم يلزمه أداء شئ مما كان عليه، بلا خلاف بين من أجاز هذه الكفالة إلا من مالك (3) وابن سريج (4). ويدل على ذلك إجماع الطائفة لأن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل، وأيضا فهذه الكفالة إنما كانت ببدنه لا بما في ذمته، ولا يجب عليه ما لم يتكفله، ولو قال: إن لم آت به في وقت كذا فعلي ما يثبت عليه، لزمه ذلك إذا لم يحضره - حيا كان أو ميتا - بدليل الاجماع المشار إليه، ولأنه قد تكفل بما في ذمته، فيلزمه أداؤه. * * *

1 - إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن مطر أبو يعقوب الحنظلي المعروف بابن راهويه المروزي، روى عن ابن عيينة وابنه علية وجرير وحفص ابن غياث وغيرهم، وروى عنه جماعة مات سنة 238 ه‍ لاحظ تهذيب التهذيب: 1 / 216.
2 - لاحظ المغني لابن قدامة: 5 / 95 وبداية المجتهد: 2 / 295.
3 - لاحظ المغني لابن قدامة: 5 / 105.
4 - أحمد بن عمر بن سريج، القاضي أبو العباس البغدادي، فقيه الشافعية في عصره، تفقه عند أبي القاسم الانباطي وغيره، مات سنة 306 ه‍ في بغداد، طبقات الشافعية 1 / 90 برقم 35، و الاعلام للزركلي: 1 / 185.

[ 263 ]

فصل في الشركة ومن شرط صحة الشركة: أن يكون في مالين متجانسين إذا خلطا اشتبه أحدهما بالآخر. وأن يخلطا حتى يصيرا مالا واحدا. وأن يحصل الإذن في التصرف في ذلك ; بدليل إجماع الطائفة على ذلك كله، وأيضا فلا خلاف في انعقاد الشركة بتكامل ما ذكرناه، وليس على انعقادها مع عدمه أو اختلال بعضه دليل، وهذه الشركة التي تسميها الفقهاء شركة العنان. (1) وعلى ما قلناه لا يصح شركة المفاوضة وهي: أن يشتركا في كل ما لهما و عليهما، ومالاهما متميزان، ولا شركة الأبدان وهي: الاشتراك في أجرة العمل، ولا شركة الوجوه وهي: أن يشتركا على أن يتصرف كل واحد منهما بجاهه لا برأس ماله (2)، على أن يكون ما يحصل من فائدة، بينهما.

1 - قال في الحدائق: 21 / 161 في بيان وجه هذه التسمية ما هذا نصه: فقيل: من عنان الدابة، إما لاستواء الشريكين في ولاية الفسخ والتصرف واستحقاق الربح على قدر رأس المال، كاستواء طرفي العنان... وإما لأن لكل واحد منهما أن يمنع الآخر من التصرف كما يشتهي ويريد، كما يمنع العنان الدابة... وقيل: من " عن " إذا ظهر، إما لأنه ظهر لكل واحد منهما مال صاحبه أو لأنها أظهر أنواع الشركة ولهذا أجمع على صحتها، وقيل: من " العانة " وهي المعارضة لأن كل واحد منهما عارض بما أخرجه الآخر.
2 - في الأصل و " س ": برأس مال.

[ 264 ]

ويدل على فساد هذه الشركة أيضا أنه عليه السلام قد نهى عن الغرر (1) وهو حاصل فيها، لأن كل واحد من الشريكين لا يعلم أيكسب الآخر شيئا أم لا، ولا يعلم مقدار ما يكسبه، ويدخل فيه شركة المفاوضة على أن يشاركه فيما يلزمه بعدوان وغضب وضمان، وذلك غرر عظيم. وإذا انعقدت الشركة اقتضت أن يكون لكل واحد من الشريكين من الربح بمقدار رأس ماله، وعليه من الوضيعة بحسب ذلك، فإن اشترطا تفاضلا في الربح، أو الوضيعة مع التساوي في رأس المال، أو تساويا في كل ذلك مع التفاضل في رأس المال، لم يلزم الشرط، بدليل الاجماع المشار إليه، وكذا إن جعل أحد الشريكين للآخر فضلا في الربح بإزاء عمله لم يلزم ذلك، وكان للعامل أجر مثله، ومن الربح بحسب رأس ماله، ويصح كل من ذلك بالتراضي، ويحل تناول الزيادة بالاباحة دون عقد الشركة، ويجوز الرجوع بها لمبيحها مع بقاء عينها، بدليل الاجماع المشار إليه، ولأن الأصل جواز ذلك، والمنع يفتقر إلى دليل. فإن قال المخالف: اشتراط الفضل في الوضيعة بمنزلة أن يقول: ما ضاع من مالك فهو علي، وهذا فاسد، قيل له: ما أنكرت أن يكون بمنزلة أن يقول: ما ضاع فهو من مالي ومالك إلا أني قد رضيت أن يكون من مالي خاصة، وتبرعت لك بذلك؟ - وهذا لا مانع منه، ويلزم أبا حنيفة على ذلك أن لا يجيز اشتراط التفاضل في الربح، لأنه بمنزلة أن يقول: ما أستفيده في مالي فهو لك. والتصرف في مال الشركة على حسب الشرط ; إن شرطا أن يكون لهما معا على الاجتماع، لم يجز لأحدهما أن ينفرد به، وإن شرطا أن يكون تصرفهما على الاجتماع والانفراد، فهو كذلك، وإن اشترطا التصرف لأحدهما، لم يجز للآخر إلا بإذنه، وكذا

1 - الوارد في المصادر هو النهي عن بيع الغرر دون النهي عن مطلق الغرر سواء كان في البيع أم في نعم نقل الشيخ في الخلاف - كتاب الضمان المسألة 13 وكتاب الشركة المسألة 5 - إنه روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى الغرر.

[ 265 ]

القول في صفة التصرف في المال، من السفر به، والبيع بالنسيئة، والتجارة في شئ معين، ومتى خالف أحدهما ما وقع عليه الشرط، كان ضامنا. والشركة عقد جائز من كلا الطرفين، يجوز فسخه لكل واحد منهما متى شاء، ولا يلزم شرط التأجيل فيها، وتنفسخ بالموت. والشريك المأذون له في التصرف مؤتمن على مال الشركة، والقول قوله، فإن ارتاب به شريكه حلف على قوله. وإذا تقاسم الشريكان لم يقتسما الدين، بل يكون الحاصل منه بينهما و المنكسر عليهما، ولو اقتسماه فاستوفى أحدهما ولم يستوف الآخر، لكان له أن يقاسم شريكه على ما استوفاه ; كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. فإذا باع من له التصرف في الشركة، وأقر على شريكه الآخر بقبض الثمن - مع دعوى المشتري ذلك وهو جاحد - لم يبرأ المشتري من شئ منه ; أما ما يخص البائع فلأنه ما اعترف بتسليمه إليه ولا إلى من وكله على قبضه، فلا يبرأ منه، وأما ما يخص الذي لم يبع، فلأنه منكر لقبضه، وإقرار شريكه البائع عليه لا يقبل، لأنه وكيله، وإقرار الوكيل على الموكل بقبض الحق الذي وكله في استيفائه، غير مقبول، لأنه لا دليل على ذلك، ولو أقر الذي لم يبع، ولا أذن له في التصرف، أن البائع قبض الثمن، برئ المشتري من نصيب المقر منه (1) بلا خلاف. وتكره شركة المسلم للكافر بلا خلاف إلا من الحسن البصري، فإنه قال: إن كان المسلم هو المنفرد في التصرف لم تكره.
(2) * * *

1 - كذا في الأصل، ولكن في " ج " و " س ": من النصيب المقر به.
2 - المغني لابن قدامة: 5 / 110 والمحلى: 6 / 416 - المسألة 1244 -.

[ 266 ]

فصل في المضاربة المضاربة والقراض عبارة عن معنى واحد، وهو أن يدفع الانسان إلى غيره مالا ليتجر به، على أن ما رزق الله تعالى من ربح، كان بينهما على ما يشترطانه. ومن شرط صحة ذلك، أن يكون رأس المال فيه، دراهم أو دنانير معلومة مسلمة إلى العامل، ولا يجوز القراض بالفلوس ولا بالورق المغشوش، لأنه لا خلاف في جواز القراض مع حصول ما ذكرناه، وليس على صحته إذا لم يحصل دليل. وتصرف المضارب موقوف على إذن صاحب المال ; إن أذن له في السفر به، أو في البيع نسيئة، جاز له ذلك، ولا ضمان عليه لما يهلك أو يحصل من خسران، وإن لم يأذن له في البيع بالنسيئة، أو في السفر، أو أذن له فيه إلى بلد معين، أو شرط أن لا يتجر إلا في شئ معين ولا يعامل إلا إنسانا معينا، فخالف لزمه الضمان، بدليل إجماع الطائفة، ويحتج على المخالف في صحة القراض مع هذه الشروط بقوله عليه السلام: المؤمنون عند شروطهم (1)، لأنه لم يفصل. وإذا سافر بإذن رب المال، كانت نفقة السفر من المأكول والمشروب والملبوس من غير إسراف من مال القراض، ولا نفقة للمضارب منه في الحضر،

1 - البحر الزخار: 5 / 76 وبداية المجتهد: 2 / 296 وسنن البيهقي: 6 / 79 و 7 / 249 وكنز العمال: 4 / 363 برقم 10918 و 10919 ولفظ الحديث في بعض المصادر: المسلمون... والتهذيب: 7 / 371 برقم 1503.

[ 267 ]

ومن أصحابنا من أختار القول بأنه لا نفقة له حضرا ولا سفرا ; قال: لأن المضارب دخل على أن يكون له من الربح سهم معلوم، فليس له أكثر منه إلا بالشرط. (1) وإذا اشترى العامل من يعتق على رب المال بإذنه، صح الشراء وعتق عليه، وانفسخ القراض إن كان الشراء بجميع المال، لأنه خرج عن كونه مالا، وإن كان ببعض المال انفسخ من القراض بقدر قيمة العبد، وإن كان الشراء بغير إذنه وكان بعين المال، فالشراء باطل، لأنه اشترى ما يتلف ويخرج عن كونه مالا عقيب الشراء، وإذا اشترى بثمن في الذمة، صح الشراء ووقع الملك للعامل ; ولا يجوز له أن يدفع الثمن من مال القراض، فإن فعل لزمه الضمان، لأنه تعدى بدفع مال غيره في ثمن لزمه في ذمته. وإذا اشترى المضارب ممن يعتق عليه قوم ; فإن زاد ثمنه على ما اشتراه، انعتق منه بحساب نصيبه من الربح، واستسعى في الباقي لرب المال، وإن لم يزد ثمنه على ذلك، أو نقص عنه، فهو رق، بدليل إجماع الطائفة. والمضاربة عقد جائز من كلا الطرفين، لكل واحد منهما فسخه متى شاء، وإذا بدا لصاحب المال من ذلك بعد ما اشترى المضارب المتاع لم يكن له غيره، و يكون للمضارب أجر مثله. والمضارب مؤتمن لا ضمان عليه إلا بالتعدي، فإن شرط عليه رب المال ضمانه، صار الربح كله له دون رب المال، ويكره أن يكون المضارب كافرا، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. * * *

1 - الشيخ: المبسوط: 3 / 172.

[ 268 ]

فصل في الوكالة لا تصح الوكالة إلا فيما يصح دخول النيابة فيه، مع حصول الايجاب والقبول ممن يملك عقدها بالاذن فيه، أو بصحة التصرف منه فيما هي وكالة فيه بنفسه. فلا تصح الوكالة في أداء الصلاة والصوم عن المكلف بأدائهما، لأن ذلك مما لا يدخل النيابة فيه، ولا يصح من محجور عليه أن يوكل فيما قد منع من التصرف فيه، ولا تصح الوكالة من العبد، وإن كان مأذونا له في التجارة، لأن الإذن له في ذلك ليس بإذن في الوكالة، وكذلك الوكيل لا يجوز له أن يوكل فيما جعل له التصرف فيه إلا بإذن موكله. ولا يصح أن يتوكل المسلم على تزويج المشركة من الكافر، ولا أن يتوكل الكافر على تزويج المسلمة من المسلم، لأنهما لا يملكان ذلك لانفسهما، ولا يجوز للمسلم أن يوكل الكافر، ولا يتوكل له على مسلم، بدليل إجماع الطائفة. وتصح وكالة الحاضر، ويلزم الخصم مخاصمة الوكيل، ولا يعتبر رضاه بالوكالة، بدليل الاجماع المشار إليه، ويحتج على المخالف بعموم الأخبار الواردة في جواز الوكالة، لأن الأصل جواز ذلك، ومن منع منه فعليه الدليل. وتصرف الوكيل موقوف على ما يقع العقد عليه ; إن كان مطلقا عمت الوكالة كل شئ إلا الاقرار بما يوجب حدا أو تأديبا، فإن كان مشروطا بشئ اختصت الوكالة به دون ما سواه، ومتى فعل الوكيل ما لم يجعل له لم يصح، ولزمه الدرك فيه. ولو أقر الوكيل في الخصومة - دون الاقرار - بقبض موكله الحق الذي وكله

[ 269 ]

في المخاصمة عليه، لم يلزمه إقراره، لأن الأصل براءة الذمة، وعلى من ألزمه ذلك بإقرار الوكيل الدليل، فإن أذن له في الاقرار عنه لزمه ما يقر به، لأن الأصل جواز ذلك، والمنع يفتقر إلى دليل، وقوله عليه السلام: المؤمنون عند شروطهم (1)، يدل عليه. والوكيل مؤتمن لا ضمان عليه إلا أن يتعدى. ومطلق الوكالة بالبيع أن يبيع بثمن المثل من نقد البلد حالا، فإن خالف لم يصح البيع، لأنه لا خلاف في صحته مع حصول ما ذكرناه، وليس على صحته إذا لم يحصل دليل، وإذا اشترى الوكيل وقع الملك للموكل من غير أن يدخل في ملك الوكيل، ولهذا لو وكله على شراء من يعتق عليه فاشتراه لم ينعتق. والوكالة عقد جائز من كلا الطرفين، يجوز لكل واحد منهما فسخه، فإذا فسخه الوكيل وعزل نفسه انفسخ - سواء كان موكله حاضرا أو غائبا - ولم يجز له بعد ذلك التصرف فيما وكل فيه. ومتى أراد الموكل فسخه وعزل الوكيل، افتقر ذلك إلى إعلامه إن أمكن، فإن لم يمكن فليشهد به، وإذا فعل ذلك انعزل الوكيل، ولم ينفذ بعده شئ من تصرفه، وإن اقتصر على عزله من غير إشهاد، أو على الاشهاد من غير إعلام - و هو متمكن - لم ينعزل، ونفذ تصرفه إلى أن يعلم. فإن اختلفا في الاعلام، فعلى الموكل البينة به، فإن فقدت فعلى الوكيل اليمين أنه ما علم بعزله، فإن حلف مضى ما فعله، وإن نكل عن اليمين، بطلت وكالته من وقت قيام البينة بعزله، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. وتنفسخ الوكالة بموت الموكل، أو عتقه للعبد الذي وكل في بيعه، أو بيعه له قبل بيع الوكيل، بلا خلاف.

1 - بداية المجتهد: 2 / 296 والبحر الزخار: 5 / 76 باب الضمان وسنن البيهقي: 6 / 79 و 7 / 249 و كنز العمال: 4 / 363 برقم 10918 و 10919 ولفظ الحديث في بعض المصادر: المسلمون... والتهذيب: 7 / 371 برقم 1503 كما في المتن.

[ 270 ]

فصل في الاقرار لا يصح الاقرار على كل حال إلا من مكلف غير محجور عليه لسفه أو رق، فلو أقر المحجور عليه للسفه بما يوجب حقا في ماله، لم يصح، ويقبل إقراره فيما يوجب حقا على بدنه كالقصاص والقطع والجلد. ولا يقبل إقرار العبد على مولاه بما يوجب حقا في ماله، من قرض أو أرش جناية، بل يلزمه ذلك في ذمته، يطالب به إذا عتق إلا أن يكون مأذنونا له في التجارة، فيقبل فيما يتعلق بها خاصة، نحو أن يقر بثمن مبيع، أو أرش عيب أو ما أشبه ذلك، ولا يقبل إقراره بما يوجب حقا على بدنه، بدليل إجماع الطائفة، ولأن في ذلك إتلافا لمال الغير وهو السيد، وذلك لا يجوز، ومتى صدقه السيد قبل إقراره في كل ذلك بلا خلاف. ويصح إقرار المحجور عليه لفلس، وإقرار المريض للوارث وغيره، بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا قوله تعالى: * (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم) * (1)، والشهادة على النفس هي الاقرار ولم يفصل، وعلى من ادعى التخصيص الدليل. ويصح إقرار المبهم مثل أن يقول: لفلان علي شئ، ولا تصح الدعوى المبهمة، لأنا إذا رددنا الدعوى المبهمة، كان للمدعي ما يدعوه إلى تصحيحها و ليس كذلك الاقرار، لأنا إذا رددناه لا نأمن أن لا يقر ثانيا.

1 - النساء: 135.

[ 271 ]

والمرجع في تفسير المبهم إلى المقر، ويقبل تفسيره بأقل ما يتمول في العادة، وإن لم يفسره، جعلناه ناكلا، ورددنا اليمين على المقر له، فيحلف على ما يقول و يأخذه، فإن لم يحلف فلا حق له. وإذا قال: له علي مال عظيم، أو جليل، أو نفيس، أو خطير، لم يقدر ذلك بشئ، ويرجع في تفسيره إلى المقر، ويقبل تفسيره بالقليل والكثير، لأنه لا دليل على مقدار معين، والأصل براءة الذمة، وما يفسر به مقطوع عليه، فوجب الرجوع إليه. ويحتمل أن يكون أراد به عظيم عند الله تعالى من جهة المظلمة، وأنه نفيس جليل عند الضرورة إليه، وإن كان قليل المقدار، وإذا احتمل ذلك وجب أن يرجع إليه في تفسيره، لأن الأصل براءة الذمة، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه (1) ولأنه يقتضي ألا يؤخذ منه أكثر مما يفسر به. وإذا قال: له علي مال كثير، كان إقرارا بثمانين، بدليل إجماع الطائفة، وروي في تفسير قوله تعالى: * (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة) * (2)، أنها كانت ثمانين موطنا.
(3) وإذا قال: له علي ألف ودرهم، لزمه درهم، ويرجع في تفسير الألف إليه، لأنها مبهمة، والأصل براءة الذمة، وقوله " ودرهم " زيادة معطوفة على الألف، و

1 - سنن البيهقي: 6 / 100 و 8 / 182 وسنن الدارقطني: 3 / 26 وكنز العمال: 1 / 92 برقم 397 و مسند أحمد بن حنبل: 5 / 72 و 113.
2 - التوبة: 25.
3 - تفسير العياشي: 2 / 82 ح 37 والكافي: 7 / 463 ح 21، وسائل الشيعة: 16 ب 3 من أبواب النذر والعهد ح 1 و 4 وتفسير التبيان: 5 / 197 ومجمع البيان: 5 / 17 في ذيل الآية: 25 من سورة التوبة.

[ 272 ]

ليست بتفسير لها، لأن المفسر لا يكون بواو العطف، وكذا الحكم لو قال: ألف و درهمان، فأما إذا قال: وثلاثة دراهم، أو ألف وخمسون درهما، أو خمسون وألف درهم، أو ما أشبه ذلك، فالظاهر أن الكل دراهم، لأن ما بعده تفسير. وإذا قال: له علي عشرة إلا درهما، كان إقرارا بتسعة، فإن قال: إلا درهم، بالرفع، كان إقرارا بعشرة، لأن المعنى غير درهم، وإن قال: ما له علي عشرة إلا درهما، لم يكن مقرا بشئ، لأن المعنى ما له علي تسعة، ولو قال: ماله علي عشرة إلا درهم، كان إقرارا بدرهم، لأن رفعه بالبدل من العشرة، فكأنه قال: ما له علي إلا درهم. فإذا قال: له علي عشرة إلا ثلاثة إلا درهما، كان إقرارا بثمانية، لأن المراد إلا ثلاثة لا يجب إلا درهما من الثلاثة يجب، لأن الاستثناء من الايجاب نفي، ومن النفي إيجاب، واستثناء الدرهم يرجع إلى ما يليه فقط، ولا يجوز أن يرجع إلى جميع ما تقدم، لسقوط الفائدة، على ما بيناه في أصول الفقه، وإذا كان الاستثناء الثاني معطوفا على الأول، كانا جميعا راجعين إلى الجملة الأولى، فلو قال: علي عشرة إلا ثلاثة وإلا درهما، كان إقرارا بستة. وإذا استثنى بما لا يبقى معه من المستثنى منه شئ كان باطلا، لأنه يكون بمنزلة الرجوع عن الاقرار فلا يقبل، وإن استثنى بمجهول القيمة (1) كقوله: علي عشرة إلا ثوبا، فإن فسر قيمته بما يبقى معه من العشرة شئ، وإلا كان باطلا. ويجوز استثناء الأكثر من الأقل بلا خلاف إلا من ابن درستويه النحوي (2)

1 - في " ج " و " س ": مجهول القيمة.
2 - أبو محمد، عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي، كان عالما فاضلا، أخذ الادب عن ابن قتيبة والمبرد ببغداد، وأخذ من الدارقطني وغيره، وله تصانيف عديدة، مات ببغداد سنة 347 ه‍ لاحظ الكنى والألقاب: 1 / 279 وميزان الاعتدال: 2 / 400 برقم 4246.

[ 273 ]

وابن حنبل (1) ويدل على صحته قوله تعالى: * (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) * (2) وقال حكاية عن إبليس * (فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين) * (3)، فاستثنى من عباده " الغاوين " مرة، و " المخلصين " أخرى، ولابد أن يكون أحد الفريقين أكثر من الآخر. وإذا قال: علي كذا درهم، بالرفع لزمه درهم، لأن التقدير هو درهم، أي الذي أقررت به درهم، وإن قال: كذا درهم، بالخفض، لزمه مائة درهم، لأن ذلك أقل عدد يخفض ما بعده، ولا يلزم أن يكون إقرارا بدون الدرهم، لأنه أقل ما يضاف إلى الدرهم، لأن ذلك ليس بعدد صحيح، وإنما هو كسور، وإن قال: كذا درهما، لزمه عشرون درهما، لأنه أقل عدد ينتصب ما بعده. وإن قال: كذا كذا درهما، لزمه أحد عشر، لأن ذلك أقل عددين ركبا و انتصب ما بعدهما، وإن قال: كذا وكذا درهما، كان إقرارا بأحد وعشرين، لأن ذلك أقل عددين عطف أحدهما على الآخر وانتصب الدرهم بعدهما. وإذا أقر بشئ وأضرب عنه واستدرك غيره، فإن كان مشتملا على الأول، بأن يكون من جنسه وزائدا عليه وغير متعين، لزمه دون الأول، كقوله: علي درهم لا بل درهمان، وإن كان ناقصا عنه، لزمه الأول دون الثاني، كقوله: علي عشرة لا بل تسعة، لأنه أقر بالعشرة ثم رجع عن بعضها فلم يصح رجوعه، ويفارق ذلك ما إذا قال: له علي عشرة إلا درهما، لأن عن التسعة عبارتين: أحدهما لفظ التسعة،

1 - لاحظ المغني لابن قدامة: 5 / 302 كتاب الاقرار. وقال الشيخ في المبسوط: 3 / 8: الاستثناء من الجمل جائز... ولا فرق بين أن يستثنى الأقل ويبقى الأكثر وبين أن يستثنى الأكثر ويبقى الأقل بلا خلاف إلا من ابن درستويه النحوي، فإنه قال: لا يجوز استثناء الأكثر من الأقل، وبه قال أحمد بن حنبل.
2 - الحجر: 42.
3 - ص: 82 و 83.

[ 274 ]

والآخر لفظ العشرة، مع استثناء الواحد، فبأيهما أتى فقد عبر عن التسعة. وإن كان ما استدركه من غير جنس الأول كقوله: علي درهم لا بل دينار، أو قفيز حنطة لا بل قفيز شعير، لزمه الأمران معا، لأن ما استدركه لا يشتمل على الأول، فلا يسقط برجوعه عنه، وإن كان ما أقر به أولا وما استدركه متعينين (1) فبالاشارة إليهما أو بغيرهما (2) مما يقتضي التعريف، لزمه أيضا الأمران، سواء كانا من جنس واحد، أو من جنسين، أو متساويين في المقدار، أو مختلفين، لأن أحدهما - والحال هذه - لا يدخل في الآخر، فلا يقبل رجوعه عما أقر به أولا، كقوله: هذا الدرهم لفلان لا بل هذا الدينار، أو وإذا قال: له علي ثوب في منديل، لم يدخل المنديل في الاقرار، لأنه يحتمل أن يريد في منديل لي، ولا يلزم من الاقرار إلا المتعين دون المشكوك فيه، لأن الأصل براءة الذمة، وكذا القول في كل ما جرى هذا المجرى. وإذا قال: له علي ألف درهم وديعة، قبل منه، لأن لفظة " علي " للايجاب، وكما يكون الحق في ذمته، فيجب عليه تسليمه بإقراره، كذلك يكون في يده فيجب عليه رده وتسليمه إلى المقر له بإقراره. ولو ادعى التلف بعد الاقرار قبل، لأنه لم يكذب إقراره، وإنما ادعى تلف ما أقر به بعد ثبوته بإقراره، بخلاف ما إذا ادعى التلف وقت الاقرار، بأن يقول: كان عندي أنها باقية فأقررت لك بها وكانت تالفة في ذلك الوقت، فإن ذلك لا يقبل منه، لأنه يكذب إقراره المتقدم، من حيث كان تلف الوديعة من غير تعد (3) يسقط حق المودع.

1 - في " ج " و " س " معينين.
2 - كذا في " ج " و " س "، ولكن في الأصل: " أو بغيرها ". 3 - في " ج ": من غير تفريط.

[ 275 ]

وإذا قال: له علي ألف درهم إن شئت، لم يكن إقرارا، لأن الاقرار إخبار عن حق واجب سابق له، وما كان كذلك لم يصح تعليقه بشرط مستقبل. وإذا قال: له من ميراثي من أبي ألف درهم، لم يكن إقرارا، لأنه أضاف الميراث إلى نفسه، ثم جعل له منه جزء، ولا يكون له جزء من ماله إلا على وجه الهبة. ولو قال: له من ميراث أبي ألف، كان إقرارا بدين في تركته، وكذا لو قال: داري هذه لفلان، لم يكن إقرارا، لمثل ما قدمناه. ولو قال: هذه الدار التي في يدي لفلان، كان إقرارا، لأنها قد تكون في يده بإجارة، أو عارية، أو غصب. ويصح إقرار المطلق للحمل، لأنه يحتمل أن يكون من جهة صحيحة، مثل ميراث، أو وصية، لأن الميراث يوقف له، ويصح له الوصية، والظاهر من الاقرار عندنا الصحة، فوجب حمله عليه. ومن أقر بدين في حال صحته، ثم مرض فأقر بدين آخر في حال مرضه صح، ولا يقدم دين الصحة على دين المرض إذا ضاق المال عن الجميع، بل يقسم على قدر الدينين، بدليل قوله تعالى: * (من بعد وصية يوصى بها أو دين) * (1)، من غير فصل، ولأن الأصل تساويهما في الاستيفاء، من حيث تساويا في الاستحقاق، وعلى من ادعى تقديم أحدهما على الآخر، الدليل. * * *

1 - النساء: 11.

[ 276 ]

فصل في العارية العارية على ضربين: مضمونة وغير مضمونة، فالمضمونة العين والورق (1) على كل حال، وما عداهما بشرط التضمين أو التعدي، وغير المضمونة ما عدا ما ذكرناه، بدليل إجماع الطائفة المحقة. وإذا اختلف المالك والمستعير في التضمين والتعدي، وفقدت البينة، فعلى المستعير اليمين، وإذا اختلفا في مبلغ العارية أو قيمتها، أخذ ما أقر به المستعير، وكان القول قول المالك مع يمينه فيما زاد على ذلك، بدليل الاجماع المشار إليه. وإذا اختلف مالك الدابة وراكبها، فقال المالك: آجرتكها، أو غصبتنيها، وقال الراكب: بل أعرتنيها، فالقول قول الراكب مع يمينه، وعلى المالك البينة، لأن الأصل براءة الذمة، والمالك مدع للضمان بالغصب، أو الأجرة بالكراء (2) فعليه البينة، وكذلك الحكم إذا اختلف مالك الأرض وزارعها.
(3) وإذا استعار من غيره دابة ليحمل عليها وزنا معينا، فحمل أكثر منه، أو ليركبها إلى مكان فتعداه، كان متعديا، ولزمه الضمان ولو ردها إلى المكان المعين، بلا خلاف. وإذا أذن مالك الأرض للمستعير في الغراس أو البناء، فزرع، جاز، لأن

1 - الورق - بكسر الراء والاسكان للتخفيف - النقرة المضروبة، ومنهم من يقول: النقرة مضروبة كانت أو غير مضروبة. المصباح المنير.
2 - في " ج " و " س ": أو الاجر بالكراء.
3 - في " ج " و " س ": وزراعها.

[ 277 ]

ضرر الزرع أخف من ضرر ما أذن له فيه، ولا يجوز له الغراس أو البناء إذا أذن له في الزرع، لأن ضرر ذلك أكثر، والإذن في القليل لا يكون إذنا في الكثير، وكذا لا يجوز له أن يزرع الدخن أو الذرة إذا أذن له في زرع الحنطة، لأن ضرر ذلك أكثر، و يجوز له أن يزرع الشعير لأن ضرره أقل. وإذا أراد مستعير الأرض للغراس والبناء قلعه كان له ذلك، لأنه عين ماله، وإذا لم يقلعه (1) وطالبه المعير بذلك بشرط أن يضمن له أرش النقص - وهو ما بين قيمته قائما ومقلوعا - أجبر المستعير على ذلك، لأنه لا ضرر عليه فيه، وليس للمستعير أن يطالب بالتبقية بشرط أن يضمن أجرة الأرض، فإن طالبه المعير بالقلع من غير أن يضمن أرش النقصان، لم يجبر عليه، لأنه لا دليل على ذلك. ويحتج على المخالف فيه بما رووه من قوله عليه السلام: من بنى في رباع قوم بإذنهم فله قيمته (2)، فأما إن أذن له إلى مدة معلومة، ثم رجع قبل مضيها، وطالب بالقلع، فإن ذلك لا يلزمه إلا بعد أن يضمن الأرش، بلا خلاف. وإذا أعار شيئا بشرط الضمان فرده المستعير إليه أو إلى وكيله، برئ من ضمانه، ولا يبرأ إذا رده إلى ملكه ; مثل أن يكون دابة فيشدها في إصطبل صاحبها، لأن الأصل شغل ذمته هاهنا، ومن ادعى أن ذلك يبرئ ذمته، فعليه الدليل. * * *

1 - في " ج ": لم يفعله.
2 - سنن البيهقي: 6 / 91 وسنن الدارقطني: 4 / 243 برقم 142 وكنز العمال: 10 / 643 برقم 30373.

[ 278 ]

فصل في الغصب من غصب شيئا له مثل - وهو ما تساوت قيمة أجزائه، كالحبوب، و الادهان، والتمور (1) وما أشبه ذلك - وجب عليه رده بعينه، فإن تلف فعليه مثله، بدليل قوله تعالى: * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (2)، ولأن المثل يعرف مشاهدة، والقيمة يرجع فيها إلى الاجتهاد، و المعلوم مقدم على المجتهد فيه، ولأنه إذا أخذ المثل أخذ وفق حقه، وإذا أخذ القيمة، ربما زاد ذلك أو نقص. فإن أعوز المثل أخذت القيمة، فإن لم يقبض بعد الاعواز حتى مضت مدة اختلفت القيمة فيها، كان له المطالبة بالقيمة حين القبض لا حين الاعواز - وإن كان قد حكم بها الحاكم حين الاعواز - لأن الذي ثبت في ذمته المثل، بدليل أنه متى زال الاعواز قبل القبض، طولب بالمثل، وحكم الحاكم بالقيمة لا ينقل المثل إليها، وإذا كان الواجب المثل، اعتبر بدل مثله (3) حين قبض البدل، ولم ينظر إلى اختلاف القيمة بعد الاعواز ولا قبله. وإن غصب ما لا مثل له - ومعناه لا يتساوى قيمة أجزائه، كالثياب، والرقيق، والخشب، والحطب، والحديد، والرصاص والعقار، وغير ذلك من الأواني وغيرها - وجب أيضا رده بعينه.

1 - التمور جمع التمرة: المصباح المنير.
2 - البقرة: 194.
3 - في الأصل: بذل مثله.

[ 279 ]

فإن تعذر ذلك بتلفه وجب قيمته، لأنه لا يمكن الرجوع فيه إلى المثل، لأنه إن ساواه في القدر، خالفه في الثقل، وإن ساواه فيهما، خالفه من وجه آخر وهو القيمة، فإذا تعذرت المثلية، كان الاعتبار بالقيمة، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: من أعتق شقصا من عبد قوم عليه (1)، فأوجب عليه القيمة دون المثل. ويضمن الغاصب ما يفوت من زيادة قيمة المغصوب بفوات الزيادة الحادثة فيه، لا بفعله، كالسمن والولد وتعلم الصنعة والقرآن - سواء رد قيمة المغصوب أو مات في يده - لأن ذلك حادث في ملك المغصوب منه، لأنه لم يزل بالغصب، وإذا كان كذلك فهو مضمون على الغاصب، لأنه حال بينه وبينه. فأما زيادة القيمة لارتفاع السوق، فغير مضمونة مع الرد، لأن الأصل براءة الذمة، وشغلها يفتقر إلى دليل، فإن لم يرد حتى هلكت العين، لزمه ضمان قيمتها بأكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التلف، لأنه إذا أدى ذلك برئت ذمته بيقين، وليس كذلك إذا لم يؤده. وإذا صبغ الغاصب الثوب بصبغ يملكه، فزادت لذلك قيمته، كان شريكا فيه بمقدار الزيادة فيه، وله قلع الصبغ، لأنه عين ماله، بشرط أن يضمن ما ينقص من قيمة الثوب، لأن ذلك يحصل بجنايته. ولو ضرب النقرة دراهم، والتراب لبنا، ونسج الغزل ثوبا، وطحن الحنطة، وخبز الدقيق، فزادت القيمة بذلك، لم يكن له شئ، لأن هذه آثار أفعال، وليست بأعيان أموال، ولا يدخل المغصوب بشئ من هذه الأفعال في ملك الغاصب، ولا يجبر صاحبه على أخذ قيمته، لأن الأصل ثبوت ملك المغصوب منه، ولا دليل على زواله بعد التغيير.

1 - بداية المجتهد: 2 / 317.

[ 280 ]

ويحتج على المخالف بقوله عليه السلام: على اليد ما قبضت حتى تؤدي (1)، وقوله: لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه.
(2) ومن غصب زيتا فخلطه بأجود منه، فالغاصب بالخيار بين أن يعطيه من ذلك، ويلزم المغصوب منه قبوله، لأنه تطوع له بخير من زيته، وبين أن يعطيه مثله من غيره، لأنه صار بالخلط كالمستهلك، ولو خلطه بأردأ منه، لزمه أن يعطي من غير ذلك، مثل الزيت الذي غصبه، ولا يجوز أن يعطيه منه بقيمة زيته الذي غصبه، لأن ذلك ربا، وإن خلطه بمثله، فالمغصوب منه شريكه فيه، يملك مطالبته بقسمته. ومن غصب حبا فزرعه، أو بيضة فأحضنها، فالزرع والفرخ لصاحبهما دون الغاصب، لأنا قد بينا أن المغصوب لا يدخل في ملك الغاصب بتغييره، وإذا كان باقيا على ملك صاحبه، فما تولد منه ينبغي أن يكون له دون الغاصب، ومن أصحابنا من أختار القول: بأن الزرع والفرخ للغاصب وعليه القيمة، لأن عين الغصب تالفة (3)، والمذهب هو الأول. ومن غصب ساجة (4) فأدخلها في بنائه، لزمه ردها، وإن كان في ذلك قلع ما بناه في ملكه، لمثل ما قدمناه من الدليل في مسألة ضرب النقرة، وطحن الحنطة، وكذا لو غصب لوحا، فأدخله في سفينة، ولم يكن في رده هلاك ما له حرمة، وعلى الغاصب أجرة مثل ذلك من حين الغصب إلى حين الرد، لأن الخشب يستأجر

1 - سنن البيهقي: 6 / 90 و 95 و 100 و 8 / 276 ومسند أحمد بن حنبل: 5 / 8 و 13 وكنز العمال: 10 / 29811 ولفظ الحديث: على اليد ما أخذت...
2 - سنن البيهقي: 6 / 100 وكنز العمال: 1 / 29 برقم 397 ومسند أحمد بن حنبل: 5 / 72 والبحر الزخار: 4 / 173. 3 - الشيخ: الخلاف، كتاب الغصب، المسألة 38، والقاضي: المهذب: 1 / 452.
4 - الساج: ضرب عظيم من الشجر، الواحدة ساجة وجمعها ساجات. المصباح المنير.

[ 281 ]

للانتفاع به. وكل منفعة تملك بعقد الاجارة، كمنافع الدار، والدابة، والعبد، وغير ذلك، فإنها تضمن بالغصب، بدليل قوله تعالى: * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (1)، والمثل يكون من حيث الصورة ومن حيث القيمة ; وإذا لم يكن للمنافع مثل من حيث الصورة، وجبت القيمة. وإذا غصب أرضا فزرعها ببذر من ماله، أو غرسها كذلك، فالزرع والشجر له، لأنه عين ماله، وإنما تغيرت صفته بالزيادة والنماء، وعليه أجرة الأرض، لأنه قد انتفع بها بغير حق، فصار غاصبا للمنفعة، ويلزمه ضمانها، وعليه أرش نقصانها إن حصل بها نقص، لأن ذلك حصل بفعله. ومتى قلع الشجر فعليه تسوية الأرض، وكذا لو حفر بئرا أجبر على طمها، وللغاصب ذلك وإن كره مالك الأرض، لما في تركه من الضرر عليه بضمان ما يتردى فيها. ومن حل دابة فشردت، أو فتح قفصا فذهب ما فيه، لزمه الضمان، سواء كان ذلك عقيب الحل والفتح، أو بعد أن وقفا ; لأن ذلك كالسبب في الذهاب، ولولاه لما أمكن، ولم يحدث سبب آخر من غيره، فوجب عليه الضمان. ولا خلاف أنه لو حل رأس الزق فخرج ما فيه، وهو مطروح لا يمسك ما فيه غير الشد، لزمه الضمان، ولو كان الزق قائما مستندا وبقي محلولا حتى حدث عليه (2) ما أسقطه من ريح أو زلزلة أو غيرهما، فاندفق ما فيه، لم يلزمه الضمان بلا خلاف، لأنه قد حصل هاهنا مباشرة وسبب من غيره. ومن غصب عبدا فأبق، أو بعيرا فشرد، فعليه قيمته، فإذا أحرزها صاحب

1 - البقرة: 194.
2 - في " ج ": " حتى حدث عليه سقطة " والصحيح ما في المتن.

[ 282 ]

العبد ملكها بلا خلاف، ولا يملك الغاصب العبد، فإن عاد انفسخ الملك عن القيمة ووجب [ عليه ] (1) ردها وأخذ العبد، لأن أخذ القيمة إنما كان لتعذر أخذ العبد والحيلولة بين مالكه وبينه، ولم يكن عوضا عنه على وجه البيع، لأنا قد بينا أن ملك القيمة يتعجل هاهنا، وملك القيمة بدلا عن العين الفائتة بالاباق لا يصح على وجه البيع، لأن البيع يكون فاسدا عندنا - وعند المخالف في هذه المسألة يكون موقوفا ; فإن عاد العبد سلمه المشتري، وإن لم يعد رد البائع الثمن - ولما ملكت القيمة هاهنا - والعبد آبق ولم يجز الرجوع بها مع تعذر الوصول إلى العبد - ثبت أن ذلك ليس على وجه البيع. وما يلزم بالجناية على الحيوان، سنذكر تفصيله في كتاب الجنايات إن شاء الله تعالى. * * *

1 - مابين المعقوفتين موجود في " ج ".

[ 283 ]

فصل في الوديعة المرء مخير في قبول الوديعة والامتناع من ذلك، وهو أولى ما لم يكن فيه ضرر على المودع، ويجب عليه حفظها بعد القبول لها كما يحفظ ماله. وهي أمانة لا يلزم ضمانها إلا بالتعدي، فإن تصرف فيها أو في بعضها، ضمنها وما أربحت، وكذا إن فك ختمها، أو حل شدها، أو نقلها من حرز إلى ما هو دونه، كان متعديا، ويلزمه الضمان بدليل إجماع الطائفة، وكذا إن لم يكن هناك ضرورة من خوف نهب (1) أو غرق أو غيرهما، فسافر بها، أو أودعها أمينا آخر و صاحبها حاضر، أو خالف مرسوم صاحبها في كيفية حفظها، وكذا لو أقر بها لظالم يريد أخذها، من دون أن يخاف القتل، أو سلمها إليه بيده، أو بأمره، وإن خاف ذلك، ويجوز له أن يحلف أنه ليس عنده وديعة إذا طولب بذلك، ويورى في يمينه بما يسلم به من الكذب، بدليل الاجماع المشار إليه، ولا ضمان عليه إن هجم الظالم، فأخذ الوديعة قهرا. ولو تعدى المودع ثم أزال التعدي، مثل أن يردها إلى الحرز بعد إخراجها، لم يزل الضمان، لأنه لا خلاف أنه كان لازما له قبل الرد، ومن ادعى سقوطه عنه بعده، فعليه الدليل، ولو أبرأه صاحبها من الضمان بعد التعدي، وقال: قد جعلتها وديعة عندك من الآن، برئ، لأن ذلك حق له، فله التصرف فيه بالابراء والاسقاط، ويزول الضمان بردها إلى صاحبها أو وكيله، سواء أودعه إياها مرة ثانية، أم لا، بلا خلاف.

1 - في " ج ": من خوف ونهب.

[ 284 ]

وإذا علم المودع أن المودع لا يملك الوديعة، لم يجز له ردها إليه مع الاختيار، بل يلزمه رد ذلك إلى مستحقه، إن عرفه بعينه، فإن لم يتعين له، حملها إلى الامام العادل، فإن لم يتمكن لزمه الحفظ بنفسه في حياته، وبمن يثق إليه في ذلك بعد وفاته، إلى حين التمكن من المستحق، ومن أصحابنا من قال: تكون - و الحال هذه - في الحكم كاللقطة (1)، والأول أحوط. وإن كانت الوديعة من حلال وحرام لا يتميز أحدهما من الآخر، لزم رد جميعها إلى المودع متى طلبها، بدليل الاجماع المشار إليه. ومتى ادعى صاحب الوديعة تفريطا فعليه البينة، فإن فقدت، فالقول قول المودع مع يمينه، وروي أنه لا يمين عليه إن كان ثقة غير مرتاب به.
(2) وإذا ثبت التفريط واختلفا في قيمة الوديعة، ولا بينة، فالقول قول صاحبها مع يمينه، ومن أصحابنا من قال: يأخذ ما اتفقا عليه، ويحلف المودع على ما أنكره من الزيادة.
(3)

1 - القائل هو الشيخ في النهاية: 436، وابن الجنيد. لاحظ المختلف: 444 من الطبعة القديمة.
2 - لاحظ جواهر الكلام: 27 / 148، والوسائل: 13 ب 4 من أبواب أحكام الوديعة ح 7.
3 - الحلبي: الكافي / 231.

[ 285 ]

فصل في الاجارة كل شئ يستباح بالعارية، يستباح بعقد الاجارة، بلا خلاف ممن يعتد به، و تفتقر صحتها إلى شروط: منها: ثبوت ولاية المتعاقدين ; فلا يصح أن يؤجر الانسان ما لا يملك التصرف فيه، لعدم ملك أو إذن، أو ثبوت حجر، أو رهن، أو إجارة متقدمة، أو غير ذلك. ومنها: أن يكون المعقود عليه من الجانبين معلوما، فلو قال: آجرتك إحدى هاتين الدارين، أو بمثل ما يؤجر به فلان داره، لم يصح. ومنها: أن يكون مقدورا على تسليمه، حسا وشرعا ; فلو آجر عبدا آبقا أو جملا شاردا، لا يتمكن من تسليمه، أو ما لا يملك التصرف فيه، لم يصح. ومنها: أن يكون منتفعا به ; فلو آجر أرضا للزراعة في وقت يفوت بخروجه، و الماء واقف عليها لا يزول في ذلك الوقت، لم يصح، لتعذر الانتفاع. ومنها: أن تكون المنفعة مباحة ; فلو آجر مسكنا، أو دابة، أو وعاء في محظور، لم يجز. فإن كان المستأجر مسكنا، احتيج مع ما تقدم من الشروط إلى تعيين المدة، و إن كان دابة، افتقر إلى ذلك أيضا، أو إلى تعيين المسافة، كل ذلك، بدليل إجماع الطائفة المحقة، ولأنه لا خلاف في صحة العقد مع تكامل ما ذكرناه، وليس على صحته مع اختلال بعضه دليل.

[ 286 ]

وإذا صح العقد استحقت الأجرة عاجلا، إلا أن يشرط التأجيل، بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا قوله تعالى: * (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) * (1)، لأن المراد فإن بذلن لكم الرضاع، بدليل قوله في آخر الآية: * (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى) *، والتعاسر أن لا ترضى بأجرة مثلها. ويملك المؤجر الأجرة والمستأجر المنفعة بنفس العقد، حتى لو استأجر دابة ليركبها إلى مكان بعينه، فسلمها إليه، فأمسكها مدة يمكنه المسير فيها، فلم يفعل، استقرت الأجرة عليه، بدليل الاجماع الماضي ذكره، ولأنه عقد له على منفعة، ومكنه منها، فلم يستوفها، وضيع حقه، وذلك يسقط حق المؤجر. وإذا قال: آجرتك هذه الدار كل شهر بكذا، صح العقد وإن لم يعين آخر المدة، لأن الأصل الجواز، والمنع يحتاج إلى دليل، ويستحق الأجرة للزمان المذكور بالدخول فيه، ويجوز الفسخ بخروجه، ما لم يدخل في الثاني، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يؤجر مدة قبل دخول ابتدائها، لافتقار صحة الاجارة إلى التسليم (2)، ومنهم من أختار القول بجواز ذلك (3) وهو أولى لقوله: * (أوفوا بالعقود) * (4)، وقوله عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم " (5) وأما التسليم فهو مقدور عليه حين استحقاق المستأجر له، وتعذره قبل ذلك لا ينافي عقد الاجارة. ولا يجوز أن يؤجر بأكثر مما استأجره من جنسه - سواء كان المستأجر هو

1 - الطلاق: 6.
2 - الشيخ: الخلاف: كتاب الاجارة، المسألة 13 والمبسوط: 3 / 230 والحلبي: الكافي / 349. 3 - القاضي: المهذب: 1 / 473.
4 - المائدة: 1.
5 - بداية المجتهد: 2 / 29 وسنن البيهقي: 6 / 79 و 7 / 249 وكنز العمال: 4 / 363 برقم 10918 و 10919 والبحر الزخار: 5 / 76 ولفظ الحديث في بعض المصادر: المسلمون عند شروطهم. والتهذيب: 7 / 371 برقم 1503 كما في المتن.

[ 287 ]

المؤجر أو غيره - إلا أن يحدث فيما استأجره حدثا يصلحه، بدليل الاجماع المشار إليه، ولأنه لا خلاف في جواز ذلك بعد الحدث، ولا دليل على جوازه قبله. ولا بأس بذلك مع اختلاف الجنس، مثل أن يستأجر بدينار، فيؤجره بأكثر من قيمته من العروض ; لأن الربا لا يدخل مع الاختلاف، ولأن الأصل في العقل والشرع جواز التصرف فيما يملك إلا لمانع. وإذا ملك المستأجر التصرف بالعقد، جاز أن يملكه لغيره، على حسب ما يتفقان عليه، من زيادة أو نقصان ; اللهم إلا أن يكون استأجر الدار على أن يكون هو الساكن، والدابة على أن يكون هو الراكب ; فإنه لا يجوز - والحال هذه - إجارة ذلك لغيره على حال، بدليل الاجماع المشار إليه. والاجارة عقد لازم من كلا الجانبين، لا ينفسخ إلا بحصول عيب من قبل المستأجر - نحو أن يفلس فيملك المؤجر الفسخ - أو من قبل المستأجر - مثل انهدام المسكن، أو غرقه على وجه يمنع من استيفاء المنفعة - فيملك المستأجر الفسخ، ويسقط عنه الأجرة، إلى أن يعيد المالك المسكن إلى الحالة الأولى، لأن المعقود عليه قد فات ; اللهم إلا أن يكون ذلك بتعدي المستأجر، فيلزمه الأجرة والضمان. وتنفسخ الاجارة بموت أحد المتعاقدين، بدليل الاجماع الماضي ذكره، لأن من خالف في ذلك من أصحابنا (1) لا يؤثر خلافه في دلالة الاجماع، لما بيناه فيما مضى، وأيضا فالمستأجر دخل على أن يستوفي المنفعة من ملك المؤجر، وقد فات ذلك بموته، وكذا إن كان المؤجر عقد على أن يستوفي المستأجر المنفعة لنفسه. ولا يملك المستأجر فسخ الاجارة بالسفر - وإن كان ذلك بحكم الحاكم - ولا بغير ذلك من الاعذار المخالفة، لما قدمنا ذكره ; مثل أن يستأجر جملا للحج

1 - الحلبي: الكافي / 348.

[ 288 ]

فيمرض، أو يبدو له من الحج، أو حانوتا ليتجر ببيع البز (1) فيه وشرائه، فيحترق بزه أو يأخذ ماله اللصوص. ولا تنفسخ الاجارة بالبيع، وعلى المشتري إن كان عالما بالاجارة الامساك عن التصرف، حتى تنقضي مدتها، وإن لم يكن عالما بذلك، جاز له الخيار في الرد بالعيب، بدليل الاجماع المشار إليه، ويدل أيضا على أن الاجارة لا تنفسخ بشئ مما ذكرناه قوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * (2)، وهذا عقد فوجب الوفاء به، وأيضا فقد ثبت صحة العقد، والقول بأن شيئا من ذلك يبطله يفتقر إلى دليل. ومتى تعدى المستأجر ما اتفقا عليه، من المدة، أو المسافة، أو الطريق، أو مقدار المحمول، أو عينه إلى ما هو أشق في الحمل، أو المعهود في السير، أو في وقته، أو في ضرب الدابة، ضمن الهلاك أو النقص، ويلزمه أجر الزائد على الشرط، بدليل الاجماع المشار إليه، ولأنه لا خلاف في براءة الذمة منه إذا أدى ذلك، وليس على براءتها إذا لم يؤده دليل. ولو رد الدابة إلى المكان الذي اتفقا عليه بعد التعدي بتجاوزه، لم يزل الضمان، بدليل الاجماع المتكرر، وأيضا فقد ثبت الضمان بلا خلاف، فمن ادعى زواله بالرد إلى ذلك المكان، فعليه الدليل، فإن ردها إلى البلد الذي استأجرها منه إلى يد صاحبها، زال ضمانه. والأجير ضامن لتلف ما استؤجر فيه، أو نقصانه، إذا كان ذلك بتفريطه، أو نقصان من صنعته (3) سواء كان ختانا، أو حجاما، أو بيطارا، أو غير ذلك، وسواء كان مشتركا - وهو المستأجر على عمل في الذمة - أو مفردا - وهو المستأجر للعمل مدة معلومة - لأنه يختص عمله فيها بمن استأجره ; يدل على

1 - البز: بالفتح -: نوع من الثياب، وقيل: الثياب خاصة من أمتعة البيت، وقيل: أمتعة التاجر من الثياب. المصباح المنير.
2 - المائدة: 1.
3 - في " س ": أو نقصان صنعته.

[ 289 ]

ذلك الاجماع الماضي ذكره، ويحتج على المخالف بقوله عليه السلام: على اليد ما أخذت حتى تؤديه (1)، لأنه يقتضي ضمان الصناع على كل حال، إلا ما خصه الدليل، مما ثبت أنهم غلبوا عليه، ولم يكن بجنايتهم. وأجرة الكيال ووزان البضاعة على البائع، لأن عليه تسليم ما باعه معلوم المقدار، وأجرة وزان الثمن وناقده على المشتري، لأن عليه تسليم الثمن معلوم الجودة والوزن. وأجر رد الضالة على حسب ما يبذله مالكها، فإن لم يعين شيئا كان أجر رد العبد أو الأمة أو البعير في المصر عشرة دراهم فضة، ومن غير المصر أربعين درهما، وما عدا ذلك يقضى فيه بالصلح. ومن آجر غيره أرضا ليزرع فيها طعاما صح العقد، ولم يجز له أن يزرع غير ذلك، بدليل قوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * (2)، وقوله عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم " (3)، وإذا آجرها للزراعة من غير تعين لما يزرع، كان له أن يزرع ما شاء، لأن الأصل الجواز، والمنع يفتقر إلى دليل، وإذا آجرها على أن يزرع ويغرس، ولم يعين مقدار كل واحد منهما، لم يصح، لأن ذلك مجهول، والضرر فيه مختلف، وإذا لم يعين بطل العقد. وإذا اختلف المؤجر والمستأجر في قدر الأجرة، أو المنفعة، وفقدت البينة، حكم بينهما بالقرعة ; فمن خرج اسمه حلف وحكم له، لاجماع الطائفة على أن كل أمر مجهول مشتبه فيه القرعة.

1 - سنن البيهقي: 6 / 95 ومسند أحمد بن حنبل: 5 / 8 و 13.
2 - المائدة: 1.
3 - بداية المجتهد: 2 / 29 وسنن البيهقي: 6 / 79 و 7 / 249 والبحر الزخار: 5 / 76 وكنز العمال: 4 / 363 برقم 10918 و 10919 ولفظ الحديث في بعض المصادر: المسلمون... و التهذيب: 7 / 371 برقم 1503 كما في المتن.

[ 290 ]

فصل في المزارعة والمساقاة تجوز المزارعة - وتسمى المخابرة - على الأرض، سواء كانت خلال النخل أم لا، والمساقاة على النخل والكرم وغيرهما من الشجر المثمر بنصف غلة ذلك، أو ما زاد عليه أو نقص، بدليل إجماع الطائفة المحقة، وأيضا فالأصل الجواز، والمنع يفتقر إلى دليل. ويحتج على المخالف بما رووه من أنه عليه السلام عامل أهل خيبر بشطر (1) ما يخرج من تمر وزرع، وما روي من نهيه عن المخابرة، محمول على إجارة الأرض ببعض الخارج منها، وإن كان معينا، لأن ذلك لا يجوز باتفاق، لعدم القطع على إمكان تسليمه. ومن شرط صحة العقد مشاهدة ذلك، وإمكان تسليمه، وتعيين المدة فيه، وتعيين حق العامل، وشرطه أن يكون جزءا مشاعا من الخارج، فلو عامله على وزن معين منه، أو على غلة مكان مخصوص من الأرض، أو على تمر نخلات بعينها، بطل العقد بلا خلاف بين من أجاز المزارعة والمساقاة، ولأنه قد لا يسلم إلا ما عينه، فيبقى رب الأرض والنخل بلا شئ، وقد لا يعطيه (2) إلا غلة ما عينه، فيبقى العامل بغير شئ. وإذا تمم المزارع والمساقي عمله على هذا الشرط، بطل المسمى له، و استحق أجرة المثل.

1 - في الأصل: بشرط.
2 - في الأصل و " ج ": " لا يعطب " بدل " لا يعطيه ".

[ 291 ]

وتصرف العامل بحسب (1) ما يقع العقد عليه ; إن كان مطلقا، جاز له أن يولي العمل لغيره، ويزرع ما شاء، وإن شرط عليه أن يتولى العمل بنفسه، وأن يزرع شيئا بعينه، لم يجز له مخالفة ذلك، بدليل إجماع الطائفة، وقوله عليه السلام: المؤمنون عند شروطهم.
(2) ولو زارع ببعض الخارج من الأرض، والبذر من مالكها، والعمل والحفظ من المزارع جاز، وكذا لو شرط على العامل في حال العقد ما يجب على رب المال، أو بعضه - وهو ما فيه حفظ الأصل، كبناء الحيطان، وإنشاء الانهار، والدواليب، وشراء الدابة التي ترفع الماء - أو شرط على رب المال ما يجب على العامل، أو بعضه - كالتأبير، والتلقيح، وقطع ما يصلح النخل، من جريد، وحشيش، وإصلاح السواقي، ليجري فيها الماء، أو إدارة الدولاب، وحفظ التمر، وجداده (3) ونقله إلى المقسم - صح ذلك، لدلالة الأصل وظاهر الخبر. ولو ساقاه بعد ظهور الثمرة، صح إن كان قد بقي من العمل شئ وإن قل، لدلالة الأصل، ولأن الأخبار عامة في جواز المساقاة، من غير فصل. فأما الزكاة فإنها تجب على مالك البذر أو النخل (4): فإن كان ذلك لمالك الأرض، فالزكاة عليه، لأن المستفاد من ملكه، من حيث (5) كان نماء أصله، وما يأخذه المزارع أو المساقي كالأجرة عن عمله، ولا خلاف أن الأجرة لا تجب فيها

1 - في " ج ": على حسب.
2 - بداية المجتهد: 2 / 29، سنن البيهقي: 6 / 79 و 7 / 249 وكنز العمال: 4 / 363 برقم 10918 و 10919 والبحر الزخار: 5 / 76 والتهذيب: 7 / 371 برقم 1503 ولفظ الحديث في بعض المصادر: المسلمون عند شروطهم.
3 - في " ج " " جذاذه " وكلاهما بمعنى القطع. المصباح المنير.
4 - ولصاحب السرائر تعليق على المقام جدير بالمطالعة، لاحظ السرائر: 2 / 442.
5 - في " س ": ومن حيث.

[ 292 ]

الزكاة، وكذا إن كان البذر للمزارع، لأن ما يأخذه مالك الأرض كالأجرة، عن أرضه، فإن كان البذر منهما، فالزكاة على كل واحد منهما، إذا بلغ مقدار سهمه النصاب. وعقد المزارعة والمساقاة يشبه عقد الاجارة، من حيث كان لازما، وافتقر إلى تعيين المدة، ويشبه القراض، من حيث كان سهم العامل مشاعا في المستفاد. والمزارعة والمساقاة إذا كانت على أرض خراجية، فخراجها على المالك إلا أن يشترطه على العامل، وهو على المتقبل إلا أن يشترطه على المالك. وإذا اختلف صاحب الشجر (والعامل، فقال صاحبه: شرطت لك الثلث، وقال العامل: لا بل النصف، وفقدت البينة، فالقول قول صاحب الشجر) (1) مع يمينه، لأن جميع الثمرة لصاحب الشجرة، لأنها نماء أصله، وإنما يثبت للعامل من ذلك شئ بالشرط، فإذا ادعى شرطا كان عليه البينة، فإذا عدمها كان القول قول صاحب الشجر مع يمينه، وإن كان مع كل واحد منهما بينة، قدمت بينة العامل، لأنه المدعي، لقوله عليه السلام: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه (2) وصاحب الشجر مدعى عليه فعليه اليمين. * * *

1 - ما بين القوسين سقط من نسخة " س ".
2 - سنن البيهقي: 10 / 252 وسنن الدارقطني: 4 / 157 برقم 8 و 4 / 218 برقم 53 و 54 و الوسائل: 18 / 170 ب 3 من أبواب كيفية الحكم ح 1 و 2 و 3 و 4 و 5 و 6.

[ 293 ]

فصل في إحياء الموات قد بينا فيما مضى أن الموات من الأرض للامام القائم مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، وأنه من جملة الانفال، يجوز له التصرف فيه بأنواع التصرف، ولا يجوز لأحد أن يتصرف فيه إلا بإذنه، ويدل على ذلك إجماع الطائفة، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: ليس لاحدكم إلا ما طابت به نفس إمامه. (1) ومن أحيى أرضا بإذن مالكها، أو سبق إلى التحجير عليها، كان أحق بالتصرف فيها من غيره، وليس للمالك أخذها منه، إلا أن لا يقوم بعمارتها، أو لا يقبل عليها ما يقبل غيره، بالاجماع المشار إليه، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: من أحيى أرضا ميتة فهي له (2)، وقوله: من أحاط حائطا على أرض فهي له (3)، والمراد بذلك ما ذكرناه، من كونه أحق بالتصرف، لأنه لا يملك رقبة الأرض بالاذن في إحيائها. ولا يجوز لأحد أن يغير ما حماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الكلاء، لأن فعله حجة في الشرع، يجب الاقتداء به كقوله، على أن ذلك لمصلحة المسلمين، وما قطع على أنه مفعول لمصلحتهم لم يجز نقضه. وللإمام أيضا أن يحمي من الكلاء لنفسه، ولخيل المجاهدين، ونعم

1 - المحلى: 7 / 74 كتاب إحياء الموات المسألة 1347، ولفظ الحديث: إنما للمرء ما طابت نفس إمامه ونحوه في كنز العمال: 16 / 741 برقم 46598 ونقله الشيخ في الخلاف كتاب إحياء الموات المسألة 4 بلفظ: ليس للمرء إلا...
2 - سنن البيهقي: 6 / 143 ومسند أحمد بن حنبل: 3 / 338 وكنز العمال: 3 / 910 برقم 9140.
3 - سنن البيهقي: 6 / 148 ومسند أحمد بن حنبل: 5 / 12 و 21.

[ 294 ]

الصدقة والجزية وللضوال ما يكون في الفاضل عنه كفاية لمواشي المسلمين، وليس لأحد الاعتراض عليه، ولا نقض ما فعله، لأنه عندنا يجري في وجوب الاقتداء به مجرى الرسول، ولأنا قد بينا أن الموات ملك له، ومن ملك أرضا فله حمايتها، بلا خلاف، وقد روى المخالف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا حمى إلا لله ولرسوله ولائمة المسلمين. (1) ولا يجوز للامام أن يقطع شيئا من الشوارع والطرقات ورحاب الجوامع، لأن هذه المواضع لا يملكها واحد بعينه، والناس فيها مشتركون، فلا يجوز له - و الحال هذه - إقطاعها، ومن أجاز ذلك فعليه الدليل. والماء المباح يملك بالحيازة، سواء حازه في إناء، أو ساقه إلى ملكه في نهر، أو قناة، أو غلب [ عليه ] (2) بالزيادة فدخل إلى أرضه، وهو أحق بماء البئر التي ملك التصرف فيها بالاحياء، وإذا كانت في البادية، فعليه بذل الفاضل عن حاجته لغيره، لنفسه وماشيته، ليتمكن من رعي ما جاور البئر من الكلاء المشترك، وليس عليه بذله لزرعه، ولا بذل آلة الاستقاء، وقد روى المخالفون أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: من منع فضل مائة ليمنع به الكلاء، منعه الله فضل رحمته يوم القيامة.
(3) ولمن أحيى البئر من حريمها ما يحتاج إليه في الاستقاء، من آلة ومطرح

1 - سنن البيهقي: 6 / 146 باب ما جاء في الحمى وسنن الدارقطني: 4 / 238 برقم 120 و 122 و المحلى: 7 / 77 كتاب إحياء الموات المسألة 1347 ومسند أحمد بن حنبل: 4 / 38 و 71 و 73 و كنز العمال: 4 / 383 برقم 11025 ولفظه: لا حمى إلا لله ولرسوله ونقله الشيخ في الخلاف، كتاب إحياء الموات المسألة 6 كما في المتن.
2 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج ".
3 - كنز العمال: 3 / 900 برقم 9101 و 9102 و 9103 و 4 / 83 برقم 9641 باختلاف قليل ونقله النوري - قدس سره - في مستدرك الوسائل: 17 / 116 ب 6 من أبواب إحياء الموات ح 7 والشيخ في الخلاف كتاب إحياء الموات المسألة 13 كما في المتن.

[ 295 ]

الطين، وروى أصحابنا أن حد ما بين بئر المعطن إلى بئر المعطن أربعون ذراعا، و ما بين بئر الناضح إلى بئر الناضح ستون ذراعا، وما بين بئر العين إلى بئر العين في الأرض الصلبة خمسمائة ذراع، وفي الرخوة ألف ذراع (1)، وعلى هذا لو أراد غيره حفر بئر إلى جانب بئره، ليسوق (2) منها الماء، لم يكن له ذلك بلا خلاف، ولا يجوز له الحفر إلا أن يكون بينهما الحد الذي ذكرناه. فأما من حفر بئرا في داره، أو في أرض له مملوكة، فإنه لا يجوز له منع جاره من حفر بئر أخرى في ملكه، ولو كانت بئر بالوعة يضر به، بلا خلاف أيضا ; و الفرق بين الأمرين أن الموات يملك التصرف فيه بالاحياء، فمن سبق إلى حفر البئر صار أحق بحريمه، وليس كذلك الحفر في الملك، لأن ملك كل واحد منهما مستقر ثابت، فجاز له أن يفعل فيه ما شاء. ومن قرب إلى الوادي، أحق بالماء المجتمع فيه من السيل، ممن بعد عنه، وقضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الأقرب إلى الوادي يحبس الماء للنخل إلى أن يبلغ في أرضه إلى أول الساق، وللزرع إلى أن يبلغ إلى الشراك، ثم يرسله إلى من يليه (3) ثم هكذا يصنع الذي يليه مع جاره. ولو كان زرع الأسفل يهلك إلى أن يصل إليه الماء، لم يجب على من فوقه أن يرسله إليه حتى يكتفي ويأخذ منه القدر الذي ذكرناه. * * *

1 - الوسائل: 17 ب 11 من أبواب إحياء الموات ح 2 و 5.
2 - في الأصل: ليسرق.
3 - لاحظ الوسائل: 17 ب 8 من أبواب إحياء الموات.

[ 296 ]

فصل في الوقف تفتقر صحة الوقف إلى شروط: منها: أن يكون الواقف مختارا مالكا للتبرع، فلو وقف وهو محجور عليه لفلس ; لم يصح. ومنها: أن يكون متلفظا بصريحه، قاصدا له وللتقرب به إلى الله تعالى. والصريح من ألفاظه: وقفت وحبست وسبلت، فأما قوله: تصدقت، فإنه يحتمل الوقف وغيره، وكذا حرمت وأبدت، مع أنه لم يرد بهما عرف الشرع، فلا يحمل على الوقف إلا بدليل، ومن أصحابنا من أختار القول بأنه لا صريح في الوقف إلا قوله: وقفت (1). ولو قال: تصدقت، ونوى به الوقف، صح فيما بينه و بين الله تعالى، لكن لا يصح في الحكم، لما ذكرناه من الاحتمال. ومنها: أن يكون الموقوف معلوما مقدورا على تسليمه، يصح الانتفاع به، مع بقاء عينه في يد الموقوف عليه، وسواء في ذلك المنقول وغيره، والمشاع والمقسوم، بدليل إجماع الطائفة. ويحتج على المخالف في وقف المنقول بخبر أم معقل (2) فإنها قالت: يا رسول الله إن أبا معقل (3) جعل ناضحة في سبيل الله، وأنا أريد الحج فأركبه؟

1 - الشيخ: المبسوط: 3 / 292.
2 - أم معقل الاسدية ويقال الاشجعية زوجة أبي معقل، قيل: روت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشرة أحاديث، و روى عنها الأسود بن يزيد ويوسف بن عبد الله بن سلام وأبو بكر بن عبد الرحمان بن الحارث لاحظ أعلام النساء: 5 / 64 وتهذيب التهذيب: 12 / 480 وأسد الغابة: 5 / 620.
3 - أبو معقل الأنصاري لاحظ ترجمته في أسد الغابة: 5 / 301.

[ 297 ]

فقال: صلى الله عليه وآله وسلم: إركبيه فإن الحج والعمرة من سبيل الله (1)، وفي وقف المشاع بقوله عليه السلام لعمر في سهام خيبر: حبس الأصل وسبل الثمرة.
(2) والسهام كانت مشاعة، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما قسم خيبر وإنما عدل السهام. ولا يجوز وقف الدراهم والدنانير بلا خلاف ممن يعتد به، لأن الموقوف عليه لا ينتفع بها مع بقاء عينها في يده. ومنها: أن يكون الموقوف عليه غير الواقف، فلو وقف على نفسه لم يصح (3) وفي ذلك خلاف، فأما إذا وقف شيئا على المسلمين عامة، فإنه يجوز له الانتفاع به بلا خلاف، لأنه يعود إلى أصل الاباحة، فيكون هو وغيره فيه سواء. ومنها: أن يكون معروفا متميزا، يصح التقرب إلى الله تعالى بالوقف عليه، و هو ممن يملك المنفعة حالة الوقف ; فلا يصح أن يقف على شئ من معابد أهل الضلال، ولا على مخالف للاسلام، أو معاند للحق (4) إلا أن يكون ذا رحم له، ولا على أولاده ولا ولد له، ولا على الحمل قبل انفصاله، ولا على عبد، بلا خلاف. ولو وقف على أولاده وفيهم موجود صح، ودخل في الوقف من سيولد له على وجه التبع، لأن الاعتبار باتصال الوقف في ابتدائه بمن هو من أهل الملك. ويصح الوقف على المساجد والقناطر وغيرهما، لأن المقصود بذلك مصالح المسلمين، وهم يملكون الانتفاع.

1 - سنن البيهقي: 6 / 274 باب الوصية.
2 - سنن الدارقطني: 4 / 192 و 193 باب في حبس المشاع وسنن البيهقي: 6 / 162 كتاب الوقف باب وقف المشاع والبحر الزخار: 4 / 147 كتاب الوقف ومسند أحمد بن حنبل: 2 / 114 و فيه: " احبس أصله وسبل ثمرته " ومثله في كنز العمال: 16 / 632 برقم 46142 و 46150 و 46156 ونقله الشيخ في الخلاف كتاب الوقف المسألة 1 كما في المتن.
3 - في " ج ": لا يصح.
4 - في " ج ": ولا على مخالف أهل الاسلام أو معاند الحق.

[ 298 ]

ومنها: أن يكون الوقف مؤبدا غير منقطع، فلو قال: وقفت كذا سنة ; لم يصح، فأما قبض الموقوف عليه، أو من يقوم مقامه في ذلك، فشرط في اللزوم. ويدل على صحة ما اعتبرنا من الشروط بعد إجماع الطائفة، أنه لا خلاف في صحة الوقف ولزومه إذا تكاملت [ هذه الشروط ] (1) وليس على صحته ولزومه إذا لم تتكامل دليل. وإذا تكاملت هذه الشروط زال ملك الواقف، ولم يجز له الرجوع في الوقف، ولا تغييره عن وجوهه ولا سبله، إلا على وجه نذكره، بدليل الاجماع المشار إليه، ولأنه لا خلاف في انقطاع تصرف الواقف في الرقبة والمنفعة، وهذا هو معنى زوال الملك به، وينتقل الملك إلى الموقوف عليه، لأنه يملك التصرف فيه، وقبض منافعه، وهذا هو فائدة الملك. وتعلق المخالف بالمنع من بيعه، لا يدل على انتفاء الملك، لأن الراهن ممنوع من بيع المرهون، وإن كان مالكا له، والسيد ممنوع من بيع أم الولد، في حال عندنا، وعندهم في كل حال، وهو مالك لها، على أنه يجوز عندنا بيع الوقف للموقوف عليه، إذا صار بحيث لا يجدي نفعا، وخيف خرابه، أو كانت بأربابه حاجة شديدة، ودعتهم الضرورة إلى بيعه، بدليل إجماع الطائفة، ولأن غرض الواقف انتفاع الموقوف عليه، فإذا لم يبق له منفعة إلا من الوجه الذي ذكرناه جاز. ويتبع في الوقف ما يشرطه الواقف من ترتيب الأعلى على الأدنى، واشتراكهما أو تفضيل في المنافع، أو مساواة فيها، إلى غير ذلك بلا خلاف. وإذا وقف على أولاده وأولاد أولاده، دخل فيهم ولد البنات (2) بدليل الاجماع المشار إليه، ولأن اسم الولد يقع عليهم (3) لغة وشرعا، وقد أجمع

1 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج ".
2 - في " ج ": أولاد البنات.
3 - في الأصل و " ج ": " عليهن " بدل " عليهم ".

[ 299 ]

المسلمون على أن عيسى عليه السلام ولد آدم وهو من ولد ابنته (1)، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحسن والحسين عليهما السلام: ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا (2)، وإذا وقف على نسله أو عقبه أو ذريته، فهذا حكمه، بدليل قوله تعالى: * (ومن ذريته داود وسليمان) * إلى قوله: * (وعيسى وإلياس) * (3)، فجعل عيسى من ذريته، وهو ينسب إليه من الأم. وإن وقف على عترته، فهم ذريته، بدليل الاجماع المشار إليه، وقد نص على ذلك ثعلب (4) وابن الأعرابي (5) من أهل اللغة، وإذا وقف على عشيرته، أو على قومه، ولم يعينهم بصفة، عمل بعرف قومه في ذلك الاطلاق، وروي أنه إذا وقف على عشيرته، كان ذلك على الخاص من قومه الذين هم أقرب الناس إليه في نسبه.
(6) وإذا وقف على قومه، كان ذلك على جميع أهل لغته من الذكور دون الاناث، وإذا وقف على جيرانه ولم يسمهم، كان ذلك على من يلي داره من جميع الجهات إلى أربعين ذراعا، بدليل إجماع الطائفة. ومتى بطل رسم المصلحة التي الوقف عليها، أو انقرض أربابه، جعل ذلك في وجوه البر، وروي أنه يرجع إلى ورثة الواقف (7)، والأول أحوط.

1 - في " ج ": من ولد آدم وهو ولد ابنته.
2 - علل الشرائع: 1 / 211 ب 59، عوالي اللئالي: 3 / 129 والبحار: 36 / 289 و 325 و 43 / 278.
3 - الانعام: 84 - 85.
4 - أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي الشيباني المعروف ب‍ " ثعلب "، قيل سمي به لأنه إذا سئل عن مسألة أجاب من هاهنا وهاهنا، فشبهوه بثعلب إذا أغار، كان إمام الكوفيين في النحو واللغة، قرأ على ابن الأعرابي، مات سنة 291 ه‍، لاحظ تاريخ بغداد: 5 / 204 والكنى والألقاب: 2 / 117. 5 - أبو عبد الله محمد بن زياد الكوفي، أحد العالمين باللغة، أخذ الادب عن الكسائي وابن السكيت و صاحب المفضليات، وأخذ عنه ثعلب وغيره، مات سنة 231 ه‍، لاحظ الكنى والألقاب: 1 / 210. 6 و 7 - لاحظ النهاية: 599.

[ 300 ]

فصل في الهبة تفتقر صحة الهبة إلى الايجاب والقبول، وهي على ضربين (1): أحدهما: لا يجوز [ له ] (2) الرجوع فيه على حال، والثاني: يجوز. والأول: أن تكون الهبة مستهلكة، أو قد تعوض عنها، أو يكون لذي رحم، و يقبضها هو أو وليه، سواء قصد بها وجه الله تعالى أم لا، أو لم تقبض وقد قصد بها وجه الله تعالى، ويكون الموهوب له ممن يصح التقرب إلى الله تعالى بصلته. والضرب الثاني: ما عدا ما ذكرناه. ويدل على ذلك الاجماع، وقول المخالف: جواز الرجوع في الهبة ينافي القول بأنها تملك بالقبض، يبطل بالمبيع في مدة الخيار، فإنه يجوز الرجوع فيه وإن ملك بالعقد، ومهما اعتذروا به عن ذلك قوبلوا بمثله، وتعلقهم بما يروونه من قوله عليه السلام: الراجع في هبته كالراجع في قيئه (3)، لا يصح، لأنه خبر واحد، ثم هو معارض بأخبار واردة من طرقهم في جواز الرجوع، على أن الألف واللام إن كانتا للجنس، دخل الكلب فيمن أريد باللفظ، وإن كانتا للعهد، فالمراد الكلب خاصة، لأنه لا يعهد الرجوع في القئ إلا له. وعلى الوجهين، لا يجوز أن يكون المستفاد بالخبر التحريم، لأن الكلب لا

1 - في " ج ": وهي ضربان.
2 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج ".
3 - سنن البيهقي: 6 / 180 ومسند أحمد بن حنبل: 1 / 250 و 291 و 339 و 342 و 2 / 182، ولفظ الحديث: العائد في هبته كالعائد في قيئه ونحوه في الجامع الصغير: 2 / 184 برقم 5650 وكنز العمال: 16 / 640 برقم 46164 و 46171 و 46175 والبحر الزخار: 4 / 132 كتاب الهبات.

[ 301 ]

تحريم عليه، بل يكون المراد الاستقذار والاستهجان، وقد روي من طريق آخر: الراجع في هبته كالكلب يعود في قيئه (1)، وذلك يصحح ما قلناه، على أنه لو دل على التحريم، خصصناه (2) بالموضع الذي يذهب إليه بالدليل. والهبة في المرض المتصل بالموت، محسوبة من أصل المال لا من الثلث، بدليل الاجماع المشار إليه، ولا تجري الهبة مجرى الوصية، لأن حكم الهبة منجز في حال الحياة، وحق الورثة لا يتعلق بالمال في تلك الحال، وحكم الوصية موقوف إلى بعد الوفاة، وحق الورثة يتعلق بالمال في ذلك الوقف، فكانت محسوبة من الثلث. وهبة المشاع جائزة، بدليل الاجماع المشار إليه، ولأن الأصل الجواز، والمنع يفتقر إلى دليل، ويحتج على المخالف بالأخبار الواردة في جواز الهبة، لأنه لا فصل فيها بين المشاع وغيره. ولو قبض الهبة من غير إذن الواهب، لم يصح، ولزمه الرد، لأنه لا خلاف في صحة ذلك مع الإذن، وليس على صحته من دونه دليل. وإذا وهب ما يستحقه في الذمة، كان ذلك إبراء بلفظ الهبة، ويعتبر قبول من عليه الحق، لأن (3) في إبرائه منه منة عليه، ولا يجبر على قبول المنة. ومن منح غيره ناقة، أو بقرة، أو شاة، لينتفع بلبنها مدة [ معلومة ] (4)، لزمه الوفاء بذلك إذا قصد به وجه الله تعالى، وكان ذلك الغير ممن يصح التقرب إلى الله تعالى ببره، ويضمن هلاك المنيحة ونقصانها بالتعدي.

1 - سنن البيهقي: 6 / 180 ومسند أحمد بن حنبل: 1 / 291 وكنز العمال: 16 / 640 رقم 46172 و 46173 و 46174 و 46176 باختلاف قليل.
2 - في " ج " لخصصناه.
3 - في " ج " و " س ": لأنه.
4 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج ".

[ 302 ]

وكذا لا يجوز الرجوع في السكنى والرقبى والعمرى إذا كانت مدتها محدودة، وقصد بها وجه الله تعالى، والرقبى والعمرى سواء، وإنما يختلفان بالتسمية، فالرقبي أن يقول: أرقبتك هذه الدار مدة حياتك، أو حياتي. والعمرى أن يقول: أعمرتك كذلك. (1) وإذا علق المالك ذلك بموته، رجع إلى ورثته إذا مات، فإن مات الساكن قبله، فلورثته السكنى إلى أن يموت المالك، فإن علقه بموت الساكن، يرجع إليه إذا مات، فإن مات المالك قبله، فله السكنى إلى أن يموت، ومتى لم يعلق ذلك بمدة، كان له إخراجه متى شاء. ولا يجوز أن يسكن من جعل ذلك له من عدا ولده (2) وأهله إلا بإذن المالك، ومن شرط صحة ذلك كله الايجاب والقبول على ما قدمناه. ومن السنة الاهداء، وقبول الهدية إذا عريت من وجوه القبح، ومتى قصد بها وجه الله تعالى وقبلت، لم يجز له الرجوع فيها، ولا التعويض عنها، وكذا إن قصد بها التكرم والمودة الدنيوية، وتصرف فيها من أهديت إليه، وكذا إن قصد بها العوض عنها، فدفع، وقبله المهدى، وهو مخير في قبول هذه الهدية وردها، ويلزم العوض عنها إذا قبلت بمثلها، والزيادة أفضل. ولا يجوز التصرف فيها إلا بعد التعويض، أو العزم عليه، ومن أراد عطية أولاده، فالأولى أن يسوي بينهم ولو كانوا ذكورا وإناثا، وإن فضل بعضهم على بعض، جاز ذلك (3) بدليل إجماع الطائفة وفيه الحجة.

1 - كذا في الأصل و " س " ولكن في " ج ": أعمرتك كذا مدة عمرك أو مدة عمري.
2 - في " ج " من عدا والده. 3 - في " ج ": جاز كل ذلك.

[ 303 ]

فصل في اللقطة من وجد ضالة من الابل لم يجز له أخذها بإجماع الطائفة (1)، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال - وقد سئل عن ذلك -: مالك ولها خفها حذاؤها وكرشها سقاؤها (2). ومن وجد ما عدا ذلك كره له أخذه، فإن أخذه وكانت قيمته دون الدرهم، لم يضمنه، ويحل له التصرف فيه، وفيما بلغ أيضا الدرهم وزاد عليه مما يخاف فساده بالتعريف، كالاطعمة، من غير تعريف. وأما ما سوى ذلك فعليه تعريفه حولا كاملا في أوقات بروز الناس، و أماكن اجتماعهم، كالاسواق وأبواب المساجد، وهو بعد الحول إن لم يأت صاحبه بالخيار بين حفظه انتظارا للتمكن منه، وبين أن يتصدق به عنه، ويضمنه إن حضر ولم يرض، وبين أن يتملكه ويتصرف فيه، وعليه أيضا الضمان إلا لقطة الحرم، فإنه لا يجوز تملكها، ولا يلزم ضمانها إن تصدق بها. ويدل على ذلك كله الاجماع المشار إليه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال، و قد سئل عن اللقطة: إعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها،

1 - في " ج ": بدليل إجماع الطائفة.
2 - سنن البيهقي: 6 / 189 كتاب اللقطة باب ما يجوز له أخذه وما لا يجوز... ومسند أحمد بن حنبل: 2 / 186 و 4 / 116 و 117 وصحيح مسلم: 5 / 134 كتاب اللقطة.

[ 304 ]

وإلا فاستمتع بها وفي خبر آخر: وإلا فشأنك (1)، والعفاص: هو الذي يكون فوق رأس القارورة وشبهها، من جلد أو غيره [ يكون ] (2) فوق الصمامة، وهي: ما يحشى في الرأس، والوكاء: هو ما يشد به العفاص من سير (3) أو خيط. وحكم لقطة المحجور عليه يتعلق بوليه، ولقطة العبد يتعلق حكمها بمولاه، واللقيط حر لا يجوز تملكه، وإذا تبرع ملتقطه بالانفاق عليه، لم يرجع عليه بشئ إذا بلغ وأيسر، وإذا لم يرد التبرع، ولم يجد من يعينه على الانفاق [ عليه ] (4) من سلطان أو غيره، فأنفق للضرورة، جاز له الرجوع، وليس له عليه بالانفاق ولاء. وإذا ادعى اثنان في لقيط أنه ولد لهما، ألحق بمن أقام البينة، فإن أقاماها جميعا وتكافأت، أقرع بينهما، فمن خرج اسمه ألحق به، بدليل الاجماع المشار إليه، وقد بينا فيما مضى حكم الموجود من الكنوز وقدر أجر رد العبد أو البعير.
(5) * * *

1 - صحيح مسلم: 5 / 134 كتاب اللقطة وسنن البيهقي: 6 / 189 كتاب اللقطة باب ما يجوز له أخذه وما لا يجوز مما يجده.
2 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج ".
3 - السير الذي يقدر من الجلد، جمعه سيور. المصباح المنير.
4 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج ".
5 - كذا في " ج " وحاشية الأصل، ولكن في متنه و " س ": وقدر أجرة العبد أو البعير.

[ 305 ]

فصل في الوصية قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الوصية حق على كل مسلم (1). وقال: ما ينبغي لامرئ مسلم أن يبيت ليلة إلا ووصيته تحت رأسه (2) وقال: من مات بغير وصية مات ميتة جاهلية.
(3) والواجب منها البداية بالاقرار على جهة الجملة بما أوجب الله سبحانه علمه والعمل به، ثم الوصية بالاستمساك بذلك، وبتقوى الله، ولزوم طاعته، و مجانبة (4) معاصيه، ويعين من ذلك ما يجب من غسله وتكفينه ومواراته، ثم الوصية بقضاء ما عليه من حق واجب ديني أو دنيوي، ويخرج ذلك من أصل التركة، إن أطلق ولم يقيد بالثلث. فإن لم يكن عليه حق، استحب له أن يوصي بجزء من ثلثه، ويصرف في النذور والكفارات، وجزء في الحج والزيارات، وجزء يصرف إلى مستحقي الخمس، وجزء إلى مستحقي الزكاة (5) وجزء إلى من لا يرثه من ذوي أرحامه. وتصح الوصية من المحجور عليه للسفه، ومن بلغ (6) عشر سنين فصاعدا

1 - الوسائل: 13 / 351 ب 1 من أبواب أحكام الوصايا ح 3 و 4 و 6.
2 - نفس المصدر ح 5 و 7.
3 - نفس المصدر ح 8.
4 - في " ج ": " ومحاسبة معصيته " والصحيح ما في المتن. 5 - في " ج ": إلى مستحق الخمس وجزء إلى مستحق الزكاة.
6 - في " ج ": وممن بلغ.

[ 306 ]

من الصبيان، فيما يتعلق بأبواب البر خاصة. ومن شرط صحتها حصول الايجاب من الموصي والقبول من المسند إليه، و من شرطه أن يكون حرا مسلما بالغا عاقلا عدلا بصيرا بالقيام بما أسند إليه ; رجلا كان أو امرأة، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة. ويجوز للمسند إليه القبول في الحال، ويجوز له تأخير ذلك، لأن الوصية بمنزلة الوكالة، وهي عقد منجز في الحال، فجاز القبول فيها، بخلاف قبول الموصى له، فإنه لا يعتد به إلا بعد الوفاة، لأن الوصية تقتضي تمليكا له في تلك الحال، فتأخر القبول إليها. وللموصي الرجوع في الوصية وتغييرها بالزيادة والنقصان، والاستبدال بالاوصياء، ما دام حيا، ولا يجوز للمسند إليه ترك القبول إذا بلغه ذلك بعد موت الموصي، ولا ترك القيام بما فوض إليه من ذلك، إذا لم يقبل ورد فلم يبلغ الموصى ذلك حتى مات، بدليل إجماع الطائفة، ولا يجوز للوصي أن يوصي إلى غيره إلا أن يجعل له ذلك الموصي. وإذا ضعف الوصي عما أسند إليه، فعلى الناظر في مصالح المسلمين أن يعضده بقوي أمين ولا يعزله فإن مات أقام مقامه من يراه لذلك أهلا. والوصية المستحبة والمتبرع بها محسوبة من الثلث، سواء كانت في حال الصحة أو في حال المرض، وتبطل فيما زاد عليه إلا أن يجيز ذلك الورثة بلا خلاف. وتصح الوصية للوالدين والأقربين في المرض (1) المتصل بالموت بدليل إجماع الطائفة وأيضا قوله تعالى: * (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين) * (2)، وهذا نص في موضع الخلاف، ولا يمكن

1 - كذا في " ج " ولكن في الأصل و " س ": " وتصح للوارث في المرض ".
2 - البقرة: 180.

[ 307 ]

أن يدعى نسخ هذه الآية بآية المواريث، لأنه لا تنافي بينهما، وإذا أمكن العمل بمقتضاهما، لم تصح دعوى النسخ. وقولهم: " نخص الآية بالوالدين والأقربين إذا كانوا كفارا " يفتقر إلى دليل، ولا دليل لهم على ذلك. وما يروونه من قوله: " لا وصية لوارث (1)، قد نص أصحاب الحديث على تضعيف رواته، (2)، ثم هو مخالف لظاهر القرآن المعلوم، ولا يجوز ترك المعلوم للمظنون، ولو سلم من ذلك كله لكان خبر واحد، وقد بينا أنه لا يجوز العمل بذلك في الشرعيات. ولا تصح الوصية للكافر إلا أن يكون ذا رحم للموصي، بدليل إجماع الطائفة، وأيضا فلا خلاف في جوازها له إذا كان ذا رحم، وليس على جوازها إذا لم يكن كذلك دليل. وتجوز الوصية للحمل، فإن ولد ميتا، فهو لورثة الموصي. وإذا وصى بثلث ماله في أبواب البر، فلم يذكر تفصيلا، كان لكل باب منها مثل الآخر، وكذا إن أوصى لجماعة ولم يرتبهم ولا سمى لكل واحد منهم شيئا معينا، وإن رتبهم وعين ما لكل واحد منهم، بدأ بالأول، ثم الثاني، إلى تكميل الثلث، ثم لا شئ لمن بقي منهم. ومن أوصى بوصايا من ثلثه، وعين منها الحج، وكانت عليه حجة الاسلام، وجب تقديم الحج على الوصايا الأخر وإن لم يبق لها شئ من الثلث، لأن الحج واجب وما هو متبرع به، ويستأجر للنيابة عنه من ميقات الاحرام،

1 - التاج الجامع للأصول: 2 / 266 وسنن البيهقي: 6 / 264 ومسند أحمد بن حنبل: 4 / 186، 187، 238 و 5 / 267 وكنز العمال: 16 / 615 برقم 46062 و 46071، 46072 و 46119.
2 - لاحظ سنن البيهقي: 6 / 264 و 265 والاعتصام بالكتاب والسنة تأليف الاستاذ العلامة آية الله الشيخ جعفر السبحاني، ص 237 - 260 فقد ناقش رجال الحديث وأثبت إن السند مشتمل على أناس لا يحتج بهم.

[ 308 ]

بدليل إجماع الطائفة. ومن أوصى بسهم من ماله، أو شئ من ماله، كان ذلك السدس، فإن أوصى بجزء منه كان ذلك السبع (1) بدليل إجماع الطائفة على ذلك كله، وقد روي عن أياس بن معاوية (2) في السهم أنه قال: هو في اللغة السدس (3) وروي عن ابن مسعود (4) أن رجلا أوصى بسهم من ماله فأعطاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم السدس.
(5) ومن أوصى لقرابته دخل في ذلك كل من تقرب إليه (6) إلى آخر (7) أب وأم في الاسلام، ومن أوصى بثلثه في سبيل الله، صرف ذلك في جميع مصالح المسلمين، مثل بناء المساجد، والقناطر، والحج، والزيارة، وما أشبه ذلك، بدليل الاجماع (8) المشار إليه، ولأن ما ذكرناه طرق إلى الله تعالى، وإذا كان كذلك، فالأولى حمل لفظة " سبيل " على عمومها. * * *

1 - في " ج ": " التسع " بدل " السبع ". 2 أبو واثلة: أياس بن معاوية بن قرة بن أياس بن هلال المزني البصري، روى عن أنس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وغيرهم، وعنه أيوب وحميد الطويل وسفيان وجماعة، مات سنة 122 ه‍ لاحظ تهذيب التهذيب: 1 / 341.
3 - المبسوط للسرخسي: 27 / 145، والمغني لابن قدامة: 6 / 581.
4 - تقدمت ترجمته ص 198.
5 - المغني لابن قدامة: 6 / 581.
6 - في الأصل: دخل في ذلك من يتقرب إليه. 7 - في " ج ": من آخر.
8 - في " ج " بدليل إجماع الطائفة.

[ 309 ]

كتاب الفرائض جملة ما يحتاج إلى العلم به في ذلك ستة أشياء: ما به يستحق الميراث. وما به يمنع. ومقادير سهام الوراث. (1) وترتبهم في الاستحقاق. وتفصيل أحكامهم مع الانفراد والاجتماع. وكيفية القسمة عليهم. فأما ما به يستحق الميراث فشيئان: نسب وسبب، والسبب ضربان: زوجية وولاء، والولاء على ضروب ثلاثة: ولاء العتق، وولاء تضمن الجريرة، وولاء الامامة. وأما ما به يمنع فثلاثة أشياء: الكفر، والرق، وقتل الموروث عمدا على وجه الظلم. الفصل الأول وأما مقادير السهام فستة: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس:

1 - في " ج " و " س ": سهام الوارث.

[ 310 ]

فالنصف سهم أربعة: سهم الزوج مع عدم الولد، وولد الولد وإن نزلوا، و سهم البنت إذا لم يكن غيرها من الأولاد، والأخت من الأب والأم، والأخت من الأب، إذا لم تكن أخت من أب وأم. والربع سهم اثنين: سهم الزوج مع وجود الولد، أو ولد الولد، وإن نزلوا، وسهم الزوجة مع عدمهم. والثمن سهم الزوجة فقط، مع وجود الولد وولد الولد، وإن نزلوا. والثلثان سهم ثلاثة: سهم البنتين فصاعدا، والأختين فما زاد من الأب والأم، والأختين فصاعدا من الأب، إذا لم يكن أخوات من أب وأم. والثلث سهم اثنين: سهم الأم مع عدم الولد وولد الولد، وعدم من يحجبها من الأخوة، وسهم الإثنين فصاعدا من كلالة الأم. والسدس سهم خمسة: سهم كل واحد من الأبوين مع وجود الولد، وولد الولد (1)، وإن نزلوا، وسهم الأم مع عدم الولد، ووجود من يحجبها من الأخوة، وسهم الواحد من الأخوة أو الأجداد من قبل الأم. الفصل الثاني وأما ترتيب الوراث، فاعلم أن الواجب تقديم الأبوين والولد، فلا يجوز أن يرث مع جميعهم ولا مع واحدهم أحد ممن عداهم، إلا الزوج والزوجة، فإنهما يرثان مع جميع الوراث، وحكم ولد الولد وإن نزلوا، حكم آبائهم وأمهاتهم في الاستحقاق، ومشاركة الأبوين، وحجبهما عن أعلى السهمين [ إلى أدناهما ] (2)،

1 - في " ج ": أو ولد الولد.
2 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج ".

[ 311 ]

وحجب من عداهما من الارث جملة إلا من استثنيناه. والأقرب من الأولاد أولى من الأبعد، وإن كان الأقرب بنتا والأبعد ابن ابن ; فإن عدم الأبوان والولد، فالواجب تقديم الأخوة والأخوات والأجداد والجدات، فلا يرث مع جميعهم ولا واحدهم أحد ممن عداهم إلا الزوج والزوجة. وحكم أولاد الأخوة والأخوات وإن نزلوا، حكم آبائهم وأمهاتهم في الاستحقاق ومشاركة الأجداد وحجب من سواهم واعتبار الأقرب منهم فالأقرب ; فإن لم يكن أحد من هؤلاء، وجب تقديم الأعمام والعمات والأخوال والخالات أو واحدهم على غيرهم من الوراث إلا من من استثنيناه. وحكم الأولاد منهم وإن نزلوا، حكم آبائهم وأمهاتهم على ما قدمناه إلا في مشاركة الأخوال والأعمام وفيما رواه أصحابنا - رضي الله عنهم - من أن ابن العم للأب والأم، أحق بالميراث من العم للأب، فإن عدم هؤلاء الوراث، فالمستحق من له الولاء بالعتق أو تضمن الجريرة دون الامام عليه السلام، ويقوم ولد المعتق الذكور [ منهم ] (1) دون الاناث مقامه ; فإن لم يكن له ولد قام عصبته مقامهم. الفصل الثالث: في تفصيل أحكام الوراث مع الانفراد والاجتماع وقد بينا أن أول المستحقين الأبوان والولد ; فالأبوان إذا انفردا من الولد، كان المال كله لهما، للأم الثلث، والباقي للأب، والمال كله لأحدهما إذا انفرد، فإن كان معهما زوج أو زوجة، فللام الثلث من أصل التركة، والباقي للأب بعد سهم

1 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج ".

[ 312 ]

الزوج أو الزوجة. يدل على ذلك بعد إجماع الطائفة، قوله تعالى: * (فإن لم يكن له ولد...) * (1) الآية، وهذا نص في موضع الخلاف، لأنه لا يفهم من إيجاب الثلث لها إلا الثلث من الأصل، كما لا يفهم (2) من إيجاب النصف للبنت أو للزوج مع عدم الولد إلا ذلك. وأيضا فإنه تعالى لم يسم للأب مع الأم شيئا، وإنما يأخذ الثلثين، لأن ذلك هو الباقي بعد المسمى للأم، لا لأنه الذي لابد أن يستحقه، بل الذي اتفق له. فإذا دخل عليهما زوج أو زوجة، وجب أن يكون النقص داخلا على من له ما يبقى، وهو الأب، كما أن له الزيادة، دون صاحب السهم المسمى وهو الأم ; و لو جاز نقصها عما سمي لها في هذا الموضع، لجاز ذلك في الزوج أو الزوجة، وقد علمنا خلاف ذلك. وحمل المخالف الآية على أن المراد للأم الثلث مع الأب إذا لم يكن وارث غيرهما، ترك للظاهر من غير دليل. وقولهم: لما ورث الأبوان بمعنى واحد وهو الولادة وكانا في درجة واحدة أشبها الابن والبنت، فلم يجز أن تفضل الأنثى على الذكر، قياس لا يجوز أن تثبت به الأحكام الشرعية، ثم لو منع ذلك من التفضيل منع من التساوي، كما منع في الابن والبنت منه، وقد علمنا تساوي الأبوين. وقولهم: " إذا دخل على الأبوين من يستحق بعض المال، كان الباقي بعد أخذ المستحق (3) بينهما على ما كان في الأصل، كالشريكين في مال لأحدهما ثلثه و

1 - النساء: 11.
2 - في الأصل: " كما يفهم " والصحيح ما في المتن. 3 - في " س ": " بعد هذا المستحق " وفي " ج ": " كان الباقي أخذ المستحق " والصحيح ما في المتن.

[ 313 ]

للآخر ثلثاه، استحق عليهما بعضه " ليس بشئ، لأن الشريكين قد استحق كل واحد منهما سهما معينا، فإذا استحق من المال شيئا (1) كان ما يبقي بينهما على قدر سهامهما المسماة المعينة، وليس كذلك ما نحن فيه، لأنا قد بينا أن الأب لا يأخذ الثلثين بالتسمية، ولا هما سهمه الذي لابد أن يستحقه، وإنما له الفاضل بعد ما سمي للأم، فاتفق أنه الثلثان له. وبهذا نجيب عن قولهم: إذا دخل النقص على الابن والبنت معا، لمزاحمة الزوج أو الزوجة، فكذلك يجب في الأبوين، لأن الله سبحانه قد صرح في الابن و البنت بأن للذكر مثل حظ الأنثيين، فوجب أن تكون القسمة بينهما على ذلك في كل حال، ولم يصرح بأن للأب في حال الانفراد من الولد الثلثين، وإنما أخذهما اتفاقا، فافترق الأمران. فإن كان مع الأبوين أخوان، أو أربع أخوات، أو أخ وأختان لأب، أو لأب وأم، أحرار مسلمون، فالأم محجوبة عن الثلث إلى السدس، بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا فلا خلاف في صحة الحجب بمن ذكرناه، وليس كذلك الحجب بمن عداهم، وقوله تعالى: * (فإن كان له إخوة فلامه السدس) * (2)، وإن تناول ظاهره الأخوة من الأم، فإنا نعدل عن الظاهر للدليل. وللأبوين مع الولد السدسان بينهما بالسوية، ولاحدهما السدس، واحدا كان الولد أو أكثر، ذكرا كان أو أنثى [ ولد صلب كان أو غيره ] (3) إلا أنه إن كان ذكرا فله جميع الباقي بعد سهم الأبوين، وإن كان ذكرا وأنثى، فللذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا كله بلا خلاف، وإن كان أنثى فلها النصف والباقي رد عليها و على الأبوين، بدليل إجماع الطائفة وأيضا قوله تعالى: * (وأولوا الأرحام بعضهم

1 - في " ج " و " س ": استحق من المال شئ.
2 - النساء: 11.
3 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج ".

[ 314 ]

أولى ببعض في كتاب الله) * (1)، وإذا كانت البنت والأبوان أقرب إلى الميت، وأولى برحمه من عصبته ومن المسلمين (2) وبيت المال، كانوا أحق بميراثه. ونحتج (3) على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: المرأة تحوز ميراث ثلاثة: عتيقها ولقيطها وولدها (4)، وهي لا تحوز جميعه إلا بالرد، وبما رووه من أنه عليه السلام جعل ميراث ولد الملاعنة لامه ولذريتها من بعدها (5) وظاهر ذلك أن جميعه لها، ولا يكون لها ذلك إلا بالرد، وبما رووه عن سعد (6) أنه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن لي مالا كثيرا، وليس يرثني إلا بنتي، أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا، قال: فبالنصف؟ قال: لا، قال: فبالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير (7)، فأقره عليه السلام على قوله " ليس يرثني إلا بنتي " ولم ينكر عليه، وروي الخبر بلفظ آخر وهو أنه قال: أفأوصي بثلثي مالي والثلث لبنتي؟ قال: لا، قال: أفأوصي بنصف مالي والنصف لبنتي؟ قال: لا، قال: أفأوصي بثلث مالي والثلثان لبنتي؟ قال: الثلث والثلث كثير (8) وهذا يدل على أن البنت قد ترث الثلثين. وقول المخالف: إن الله تعالى جعل للبنت الواحدة النصف، فكيف تزاد عليه؟ لا حجة فيه، لأنها تأخذ النصف بالتسمية، وما زاد عليه بسبب آخر،

1 - الانفال: 75.
2 - في " ج ": وإمام المسلمين.
3 - كذا في الأصل ولكن في " ج " و " س ": ويحتج. 4 - التاج الجامع للأصول: 2 / 260 ومسند أحمد بن حنبل: 3 / 490 و 4 / 107 وكنز العمال: 11 / 7 برقم 30388 ولفظ الحديث: إن المرأة تجوز ثلاثة مواريث والبحر الزخار: 5 / 360.
5 - سنن البيهقي: 6 / 259 باب ميراث ولد الملاعنة، والتاج الجامع للأصول: 2 / 254.
6 - أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص روى عن خولة بنت حكيم، وروى عنه ابن عباس وأولاده وغيرهم مات سنة 51 وقيل 55 أو 56 لاحظ تهذيب التهذيب: 3 / 483 والتاريخ الكبير: 4 / 43 و فيه " توفي سعد بن أبي وقاص في أيام بعد ما مضى من إمارة معاوية عشر سنين ". 7 و 8 - سنن الترمذي: 4 / 430 كتاب الوصايا باب ما جاء في الوصية بالثلث وسنن البيهقي: 6 / 269 والتاج الجامع للأصول: 2 / 265 ومسند أحمد بن حنبل: 1 / 168 و 171 و 172 و 173 و 174 و 176 والبحر الزخار: 5 / 303 كتاب الوصايا.

[ 315 ]

وهو الرد بالرحم، ولا يمتنع أن ينضاف سبب إلى آخر، كالزوج إذا كان ابن عم ولا وارث معه، فإنه يرث النصف بالزوجية، والنصف الآخر عندنا بالقرابة، وعند المخالف بالعصبة. الفصل الرابع فإن كان مع الأبوين ابنتان فما زاد، كان لهما الثلثان، وللأبوين السدسان، ولا حد الأبوين معهما السدس، والباقي رد عليهم بحساب سهامهم، فإن كان هناك إخوة يحجبون الأم، لم يرد عليها شئ [ ورد ذلك على الأب والبنت فحسب ] (1). فإن كان مع الأبوين والولد زوج أو زوجة، كان للولد ما يبقي بعد سهم الأبوين والزوج أو الزوجة، واحدا كان الولد أو جماعة، ذكرا كان أو أنثى، وإن لم يف الباقي بالمسمى للبنت أو الابنتين، ويكون النقص داخلا على البنت أو ما زاد عليها، دون الأبوين، ودون الزوج أو الزوجة. وهذه من مسائل العول التي يذهب المخالفون فيها إلى إدخال النقص على جميع ذوي السهام، ويشبهون ذلك بمن مات وعليه ديون لا تتسع تركته لوفائها. والعول في اللغة عبارة عن الزيادة والنقصان معا ; فإن (2) أضيف هاهنا إلى المال، كان نقصانا، وإن أضيف إلى السهام، كان زيادة. يدل على صحة ما نذهب إليه إجماع الطائفة عليه، وأيضا فلا خلاف أن النقص هاهنا داخل على البنات، ولا دليل على دخوله هنا على ما عداهن، من إجماع ولا غيره، فوجب البقاء فيهم على الأصل الذي اقتضاه ظاهر القرآن. وأيضا فدخول النقص على جميع ذوي السهام، تخصيص لظواهر كثيرة من

1 - مابين المعقوفتين موجود في " ج ".
2 - في " ج " و " س ": فإذا.

[ 316 ]

القرآن، وعدول عن الحقيقة فيها إلى المجاز، ودخوله على البعض رجوع عن ظاهر واحد، فكان أولى ; وإذا ثبت أن نقص البعض أولى، ثبت أنه الذي عيناه، لأن كل من قال بأحد الأمرين، قال بالآخر، والقول بأن المنقوص غيره مع القول بأن نقص البعض أولى، خروج عن الاجماع. والفرق بين ما نحن فيه وبين الديون على التركة، أن الغرماء مستوون في وجوب استيفاء حقوقهم منها، ولا مزية لبعضهم على بعض في ذلك، وليس كذلك مسائل العول، لأنا قد بينا أن في الورثة من لا يجوز أن ينقص عن سهمه، وفيهم من هو أولى بالنقص من غيره، فخالفت حالهم الغرماء. ودعواهم على أمير المؤمنين عليه السلام أنه كان يقول بالعول وروايتهم عنه أنه قال - بغير روية، وقد سئل وهو على المنبر عن ابنتين وأبوين وزوجة -: صار ثمنها تسعا (1)، غير صحيحة، لأن ابنيه عليهما السلام وشيعته أعلم بمذهبه من غيرهم، وقد نقلوا عنه خلاف ذلك، وابن عباس ما أخذ مذهبه في إبطال العول إلا عنه، وقد روى المخالف عنه أنه قال: من شاء باهلته أن الذي أحصى رمل عالج ما جعل

1 - سنن الدارقطني: 4 / 69 كتاب الفرائض برقم 5 ووسائل الشيعة: 17 / 429 ب 7 من أبواب موجبات الارث ح 13 و 14 ونقله المجلسي - قدس سره - في بحار الانوار: 40 / 159، والشيخ في الخلاف، كتاب الفرائض المسألة 45 و 81 وقال في ذيل الرقم الأخير ما هذا نصه: والجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: أن يكون خرج مخرج التقية، لأنه كان يعلم من مذهب المتقدم عليه القول بالعول، وتقرر ذلك في نفوس الناس، فلم يمكنه إظهار خلافه، كما لم يمكنه المظاهرة بكثير من مذاهبه، ولأجل ذلك، قال لقضاته وقد سألوه بم نحكم يا أمير المؤمنين؟ فقال: اقضوا بما كنتم تقضون حتى يكون الناس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي وقد روينا شرح هذا في كتابنا الكبير، وما روى من تصريح أمير المؤمنين عليه السلام بمذهبه لعمر، وانه لم يقبل ذلك، وعمل ما أراده. والوجه الآخر: أن يكون ذلك خرج مخرج النكير لا الأخبار والحكم، كما يقول الواحد منا إذا أحسن إلى غيره، وقابله بالذم والاساءة فيقول: قد صار حسني قبيحا، وليس يريد بذلك الخبر، يريد الانكار.

[ 317 ]

في مال نصفا وثلثا وربعا. (1) ثم إن اعتمادهم في الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام لما ادعوه من قوله بالعول في الفرائض، على أخبار آحاد، لا يعول على مثلها في الشرع، ثم هي موقوفة على الشعبي (2) والنخعي (3) والحسن بن عمارة، والشعبي ولد في سنة ست و ثلاثين، والنخعي ولد في سنة سبع وثلاثين، وأمير المؤمنين عليه السلام قتل في سنة أربعين، فلا يصح روايتهما عنه، والحسن بن عمارة مضعف عند أصحاب الحديث (4)، ولما ولي المظالم قال سليمان بن مهران الأعمش (5): ظالم ولي المظالم. وأما ما ادعوه من قوله عليه السلام: صار ثمنها تسعا، فرواه سفيان (6) عن رجل لم يسمه، والمجهول لا يعتمد (7) بروايته، على أنه يتضمن ما لا يليق به عليه السلام، لأنه سئل عن ميراث المذكورين، فأجاب عن ميراث الزوجة فقط ; وإغفال من عداها - وقد سئل عنه - غير جائز عليه عليه السلام. وقد قيل: إن الخبر لو صح لاحتمل أن يكون المراد به، صار ثمنها تسعا عند من يرى العول، على سبيل التهجين له والذم، كما قال تعالى: * (ذق إنك أنت العزيز الكريم) * (8)، أي عند قومك وأهلك، واحتمل أيضا أن يكون أراد الاستفهام، وأسقط حرفه، كما روي عن ابن عباس في قوله تعالى: * (فلا اقتحم العقبة) * (9)، وكما قال عمر بن أبي ربيعة:

1 - التعليق المغني على الدارقطني: 4 / 69 والمحلى: 8 / 279 والمبسوط للسرخسي: 29 / 162 والمغني لابن قدامة: 7 / 27 والتهذيب: 9 / 248 ح 962 و 963 باختلاف يسير.
2 - أبو عمر عامر بن شراحيل الشعبي، كوفي من شعب همدان، روى عن علي عليه السلام وزيد بن ثابت و سعيد بن زيد، وروى عنه أبو إسحاق والأعمش، مات سنة 104 وقيل 107 ه‍، لاحظ طبقات الفقهاء: 82 وتهذيب التهذيب: 5 / 65. 3 و 5 - تأتي ترجمتهما ص 321.
4 - قال العسقلاني في ذيل ترجمة الحسن بن عمارة نقلا عن السهيلي: إنه ضعيف بإجماع منهم، تهذيب التهذيب: 2 / 304.
6 - والظاهر أنه سفيان بن عيينه المتوفى سنة 198 ه‍، لاحظ تهذيب التهذيب: 4 / 117.
7 - في " ج " و " س ": لا يعتد.
8 - الدخان: 49.
9 - البلد: 11.

[ 318 ]

ثم قالوا تحبها؟ قلت بهرا * عدد القطر والحصى والتراب (1) الفصل الخامس وإذا انفرد الولد من الأبوين وأحد الزوجين، فله المال كله، سواء كان واحدا أو جماعة، ذكرا كان أو أنثى. فلا يرث مع البنت أحد سوى من قدمناه، عصبة كان أم لا، بل النصف لها بالتسمية [ الصريحة ] (2) والنصف الآخر بالرد بالرحم، على ما بيناه، ومخالفونا يذهبون إلى أنه لو كان مع البنت عم أو ابن عم، لكان له النصف بالتعصيب، وكذا لو كان معها أخت، ويجعلون الأخوات عصبة مع البنات، ويسقطون من هو في درجة العم أو ابن العم من النساء، كالعمات وبنات العم إذا اجتمعوا، و يخصون بالميراث الرجال دونهن، لأجل التعصيب، ونحن نورثهن. ويدل على صحة ما نذهب إليه بعد إجماع الطائفة عليه ما قدمناه (3) من آية ذوي الأرحام، لأن الله سبحانه نص فيها على أن سبب استحقاق الميراث (4) القربى وتداني الأرحام، وإذا ثبت ذلك، وكانت البنت أقرب من العصبة، وجب أن تكون أولى بالميراث. ويدل أيضا على أنه لا يجوز إعطاء الأخت النصف مع البنت، قوله تعالى:

1 - عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي القرشي الشاعر، أرق شعراء عصره من طبقة جرير والفرزدق، والبيت في ديوانه المطبوع حديثا: 1 / 37، وفيه " عدد النجم " ومات سنة 93 ه‍ في البحر غرقا لاحظ الاعلام للزركلي: 5 / 211، والأغاني 1 / 61.
2 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج ".
3 - كذا في الأصل ولكن في " ج " و " س " يدل على صحة ما نذهب إجماع الطائفة عليه وما قدمناه.
4 - في الأصل: نص فيها على سبب استحقاق الميراث.

[ 319 ]

* (إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك) * (1)، فشرط في استحقاقها للنصف فقد الولد، فيجب أن لا تستحقه (2) مع البنت، لأنها ولد. ويدل على بطلان تخصيص الرجال بالارث دون النساء، قوله تعالى: * (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) * (3) فأوجب سبحانه للنساء نصيبا، كما أوجب للرجال، من غير تخصيص، فمن خص الرجال بالميراث في بعض المواضع، فقد ترك الظاهر، فعليه الدليل ولا دليل يقطع به على ذلك. ولا يلزمنا مثل ذلك إذا خصصنا البنت بالميراث دون العصبة، لأن الاستواء في الدرجة مراعى مع القرابة (4)، بدليل أن ولد الولد لا يرث مع الولد، وإن شمله اسم الرجال، إذا كان من الذكور، واسم النساء إذا كان من الاناث ; وإذا ثبت ذلك وكان هو المراد بالآية، وورث المخالف العم دون العمة، مع استوائهما في الدرجة، كان ظاهر الآية حجة عليهم دوننا، على أن التخصيص بالادلة غير منكر، وإنما المنكر أن يكون ذلك بغير دليل. فإن قالوا: نحن نخص الآية التي استدللتم بها بما رواه ابن طاووس (5) عن أبيه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: يقسم المال على أهل الفرائض على كتاب الله فما أبقت فلاولى ذكر قرب (6)، وتورث الأخت البنت بما رواه الهذيل عن

1 - النساء: 176.
2 - في " ج ": أن لا تستحقها.
3 - النساء: 7.
4 - في " ج ": مع القربة. 5 - هو عبد الله بن طاووس بن كيسان اليماني روى عن أبيه وعطاء وعمرو بن شعيب وغيرهم وروى عنه ابناه طاووس ومحمد، وإبراهيم بن نافع مات سنة 132 ه‍ لاحظ تهذيب التهذيب: 5 / 267.
6 - سنن أبي داود: 3 / 122 برقم 2898 وفيه: " أقسم المال " وسنن الترمذي: 4 / 418 باب ميراث العصبة برقم 2098 وسنن البيهقي: 6 / 258 ومسند أحمد بن حنبل: 1 / 313.

[ 320 ]

ابن شرحبيل (1) من أن أبا موسى الأشعري (2) سئل عمن ترك بنتا وبنت ابن و أختا لأب وأم فقال: للبنت النصف وما بقي فللاخت (3). وبما رواه الأسود بن يزيد (4) قال: قضى فينا معاذ بن جبل (5) على عهد رسول الله عليه السلام فأعطى البنت النصف والأخت النصف ولم يورث العصبة شيئا.
(6) فالجواب: إن ترك ظاهر القرآن لا يجوز بمثل هذه الأخبار، لأن أول ما فيها أن الخبر المروي عن ابن عباس لم يروه أحد من أهل الحديث (7) إلا من طريق ابن طاووس. ومع هذا فهو مختلف اللفظ، فروي على ما تقدم، وروي: فلأولي عصبة قرب، وروي: فلأولي عصبة ذكر، وروي: فلأولي رجل ذكر عصبة، واختلاف

1 - هكذا في النسخ التي بأيدينا والظاهر أن الصحيح: " هزيل بن شرحبيل " لأن الراوي عن أبي موسى الأشعري هو هزيل بن شرحبيل كما نص عليه العسقلاني في تهذيب التهذيب: 5 / 362 ويؤيد ذلك، ما نقله السيد المرتضى في الانتصار، ص 280 حيث قال: وخبرهم الذين يعولون عليه في توريث الأخت مع البنت، رواه الهزيل بن شرحبيل أن أبا موسى الأشعري سئل عن رجل ترك بنتا و أختا من أبيه وأمه....
2 - عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار أبو موسى الأشعري روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام وعمر و ابن عباس وغيرهم، وعنه أولاده إبراهيم وأبو بردة وموسى وأبو سعيد الخدري و هزيل بن رحبيل مات سنة 42 ه‍ أو 44 وغير ذلك لاحظ تهذيب التهذيب: 5 / 362، و أسد الغابة: 3 / 245.
3 - سنن أبي داود: 3 / 120 برقم 2890 وسنن البيهقي: 6 / 233.
4 - الأسود بن يزيد بن قيس النخعي أبو عمرو ويقال أبو عبد الرحمان، روى عن علي عليه السلام وأبي بكر و عمر وابن مسعود وأبي موسى وحذيفة وغيرهم، وعنه إبنه عبد الرحمان وأخوه عبد الرحمن و جماعة مات سنة 75 ه‍ بالكوفة وقيل: مات سنة 74 ه‍ لاحظ تهذيب التهذيب: 1 / 342. 5 - تقدمت ترجمته ص 120.
6 - سنن أبي داود: 3 / 121 برقم 2893 وسنن البيهقي: 6 / 233.
7 - في " ج ": من أصحاب الحديث.

[ 321 ]

لفظه مع اتحاد طريقه دليل ضعفه. على أن مذهب ابن عباس في نفي التوريث بالعصبة مشهور، وراوي الحديث إذا خالف كان قدحا في الحديث، والهزيل ابن شرحبيل مجهول ضعيف. ثم إن أبا موسى لم يسند ذلك إلى النبي عليه السلام، وفتواه لا حجة فيها، ولا حجة أيضا في قضاء معاذ بذلك، ولا في كونه على عهد رسول الله ما لم يثبت علمه عليه السلام به وإقراره عليه، وفي الخبر ما يبطل أن تكون الأخت أخذت بالتعصيب، وهو قوله: ولم يورث العصبة شيئا، لأنها لو كانت هاهنا عصبة، لقال: ولم يورث باقي العصبة شيئا. على أن هذه الأخبار لو سلمت من كل قدح، لكانت معارضة بأخبار مثلها، واردة من طرق المخالف، مثل قوله عليه السلام: من ترك مالا فلاهله (1)، وقول ابن عباس وجابر بن عبد الله: إن المال كله للبنت دون الأخت، وروى الأعمش (2) مثل ذلك عن إبراهيم النخعي (3)، وبه قضى عبد الله بن الزبير (4) على ما حكاه

1 - صحيح الترمذي: 4 / 413 برقم 2090 وسنن أبي داود: 3 / 123، وسنن البيهقي: 6 / 201 و 351، ومسند أحمد بن حنبل: 2 / 287 و 450 و 3 / 215 و 338.
2 - سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، مولاهم أبو محمد الكوفي الأعمش، يقال أصله من طبرستان و ولد بالكوفة، وروى عن عبد الله بن أوفى وزيد بن وهب وأبي وائل وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي، وروى عنه الحكم بن عتيبة وأبو إسحاق السبيعي وسليمان التيمي وغيرهم، قيل ولد يوم قتل الحسين عليه السلام وذلك يوم عاشوراء سنة 61 ه‍ وقيل: 58 ومات 148 ه‍ لاحظ تهذيب التهذيب: 4 / 222 والكنى والألقاب: 2 / 39.
3 - إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، الفقيه الكوفي روى عن خاليه: الأسود وعبد الرحمان ابني يزيد ومسروق وغيرهم، وروى عنه الأعمش ومنصور وحماد بن سليمان مات سنة 96 ه‍ لاحظ تهذيب التهذيب: 1 / 177.
4 - عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام وعن جده أبي بكر (لأن أمه أسماء كانت بنت أبي بكر) وخالته عائشة، وروى عنه جماعة مات سنة 73 لاحظ أسد الغابة: 3 / 161 وتهذيب التهذيب: 5 / 213.

[ 322 ]

الساجي (1) والطبري (2)، وما نختص نحن بروايته في إبطال التوريث بالعصبة كثير. وإذا تعارضت الأخبار سقطت، ووجب الرجوع إلى ظاهر القرآن، على أن أخبارهم لو سلمت من المعارضة، لكانت أخبار آحاد، وقد دللنا على فساد العمل بها في الشرعيات. على أنهم قد خالفوا لفظ الحديث عن ابن عباس، فورثوا الأخت مع البنت وليس برجل ولا ذكر، وورثوها أيضا مع الأخ إذا كان (3) مع البنت ولم يخصوا الأخ، وكذا لو كان مكان الأخ عم ; وإذا جاز لهم تخصيصه بموضع دون موضع، جاز لنا حمله على من ترك أختين لأم وأخا لأب مع أولاد إخوة لأب وأم، أو ترك زوجة وأخا مع عمومة وعمات، فإن ما يبقى بعد الفرض المسمى، للاختين أو للزوجة لاولى ذكر قرب، وهو الأخ بلا خلاف. على أنهم إذا جعلوا الأخت عند فقد الأخوة عصبة، لزمهم أن يجعلوا البنت مع عدم البنتين عصبة وبل هي أولى، لأن الابن أحق بالتعصيب من الأب، و الأب أحق بالتعصيب من الأخ، وأخت الابن يجب أن تكون أحق بالتعصيب من أخت الأخ بلا شبهة ; وليس لهم أن يفرقوا بأن البنت لا تعقل عن أبيها، لأن الأخت أيضا لا تعقل.

1 - أبو يحيى، زكريا بن يحيى الساجي البصري، أخذ الفقه عن الربيع والمزني، وروى عن العنبري ومحمد بن بشار وله كتاب اختلاف الفقهاء مات سنة 307 ه‍ لاحظ الانساب 7 / 10 ولسان الميزان: 2 / 488 وطبقات الشافعية: 1 / 95 برقم 40.
2 - لاحظ سنن البيهقي: 6 / 233 والمغني لابن قدامة: 7 / 7 و 28 والمحلى: 8 / 268 و 269 وبداية المجتهد: 2 / 341.
3 - في " ج ": إذا كانا.

[ 323 ]

الفصل السادس وقد بينا فيما تقدم أن ولد الولد وإن نزلوا، يقومون مقام آبائهم وأمهاتهم في مشاركة من يشاركونه، وحجب من يحجبونه، ويأخذ كل منهم ميراث من يتقرب به ; كابن بنت وبنت ابن، فإن لابن البنت الثلث، ولبنت الابن الثلثان. والدليل على ذلك - بعد إجماع الطائفة - أن اسم الولد يقع على ولد الولد و إن نزلوا، سواء كان الولد ذكرا أو أنثى، لما قدمناه من إطلاق المسلمين في عيسى عليه السلام (1) أنه من ولد آدم عليه السلام، ومن قول النبي عليه السلام في الحسن والحسين عليهما السلام: ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا (2)، ولأن جميع ما علقه سبحانه من الأحكام بالولد، قد عم به ولد البنين والبنات في قوله تعالى: * (حرمت عليكم أمهاتكم و بناتكم - إلى قوله تعالى: - وبنات الأخ وبنات الأخت) * (3)، وقوله: * (وحلائل أبنائكم) * (4)، وفي قوله: * (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن - إلى قوله: - أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن) *.
(5) وإذا وقع اسم الولد على ولد الولد [ حقيقة ] (6) تعلق بهم من أحكام الميراث إذا لم يوجد ولد للصلب، مثل ما تعلق به، بظاهر القرآن، وليس لأحد أن يقول: إن اسم الولد يقع على ولد الولد مجازا، فلا يدخل في الظاهر إلا بدليل، لأن الأصل في الاستعمال الحقيقة، على ما بيناه فيما مضى من أصول الفقه، ومن ادعى المجاز

1 - في " ج ": في حق عيسى عليه السلام.
2 - علل الشرائع: 1 / 211 ب 59، عوالي اللئالي: 3 / 129 وبحار الانوار: 36 / 289 و 325 و 43 / 278. 3 و 4 - النساء: 23.
5 - النور: 31.
6 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج ".

[ 324 ]

فعليه الدليل. ولا يلزم على ذلك مشاركة ولد الولد لولد الصلب في الميراث، ولا مشاركة الأجداد للاباء الادنين لظاهر قوله تعالى: * (ولأبويه لكل واحد منهما السدس) * (1)، لأنا عدلنا عن الظاهر في ذلك، للدليل القاطع، ولا دليل يوجب الرجوع عنه فيما اختلفنا فيه، فبقينا على ما يقتضيه [ الظاهر ].
(2) الفصل السابع ويستحب أن يخص الأكبر من الولد الذكور (3) بسيف أبيه ومصحفه و خاتمه (4) إذا كان هناك تركة سوى ذلك، بدليل إجماع الطائفة، ومن أصحابنا من قال: (5) يحتسب بقيمة ذلك عليه من سهمه، ليجمع بين ظاهر القرآن وما أجمعت عليه الطائفة، وكذا قال فيما رواه أصحابنا: من أن الزوجة لا ترث من الرباع والأرضين شيئا، فحمله على أنها لا ترث من نفس ذلك بل من قيمته.
(6) الفصل الثامن ولواحد الأخوة والأخوات (7) أو الأجداد والجدات إذا انفرد جميع المال من أي الجهات كان، وإذا اجتمع كلاة الأم مع كلالة الأب والأم كان للواحد من

1 - النساء: 11.
2 - مابين المعقوفتين موجود في " ج ".
3 - في الأصل و " س ": الذكورة.
4 - كذا في الأصل و " س " ولكن في " ج ": ومصحفه وخاتمه وثياب جلده. 5 و 6 - القائل هو السيد المرتضى: الانتصار ص 299 و 301.
7 - في " س ": أو الأخوات وفي " ج ": أو الأخوات أو الأجداد أو الجدات.

[ 325 ]

قبل الأم - أخا كان أم أختا جدا أم جدة - السدس، وللاثنين فصاعدا الثلث و الذكر والانثى فيه سواء، وروى أن لواحد الأجداد من قبل الأم الثلث نصيب الأم، والباقي لكلالة الأب والأم، أخا كان أم أختا جدا أم جدة ; فإن كانوا جماعة ذكورا وإناثا فللذكر مثل حظ الأنثيين. ولا يرث أحد من الأخوة والأخوات من قبل الأب خاصة، مع وجود واحد منهم من الأب والأم، أخا كان أم أختا، ومتى اجتمع واحد من كلالة الأم مع أخت أو أختين فصاعدا من الأب والأم، كان الفاضل من سهامهم مردودا على كلالة الأب والأم خاصة، ويشترك كلالة الأم مع كلالة الأب في الفاضل على قدر سهامهم، ومن أصحابنا من قال: يختص بالرد كلالة الأب، لأن النقص يدخل عليها خاصة إذا نقصت التركة عن سهامهم لمزاحمة الزوج أو الزوجة، ولا يدخل على كلالة الأم ولا على الزوج والزوجة على حال. (1) وولد الأخوة والأخوات وإن نزلوا يقومون عند فقدهم مقامهم في مقاسمة الأجداد وفي الحجب لغيرهم، وكذا حكم الأجداد والجدات وإن علوا، والأدنى من جميعهم - وإن كان أنثى - أحق من الأبعد وإن كان ذكرا، كل ذلك بدليل الاجماع من الطائفة عليه. ويستحب إطعام الجد أو الجدة من قبل الأب السدس من نصيب الأب إذا كان حيا وسهمه الاوفر، فإن وجدا معا فالسدس بينهما نصفان، ومن أصحابنا من قال: إن هذا حكم الجد والجدة أيضا من قبل الأم معها.
(2) الفصل التاسع ويرث الأعمام والعمات والأخوال والخالات مع فقد من قدمنا ذكره من

1 - لاحظ النهاية: 637 و 638.
2 - القاضي: المهذب: 2 / 130.

[ 326 ]

الوراث، ويجري الأعمام والعمات من الأب والأم مجرى الأخوة والأخوات من قبلهما في كيفية الميراث، وفي إسقاط الأعمام والعمات من قبل الأب فقط، ويجري الأخوال والخالات مجرى الأخوة والأخوات من قبل الأم، لواحدهم إذا اجتمع مع الأعمام والعمات السدس ولمن زاد عليه الثلث، الذكر والانثى فيه سواء، والباقي للأعمام والعمات من قبل الأب والأم أو [ من الأم ] (1) إذا لم يكن واحد منهم من قبل أب وأم ; للذكر من هؤلاء مثل حظ الأنثيين، بدليل إجماع الطائفة، وظاهر القرآن الذي قدمنا ذكره في توريث ذوي الأرحام والقرابات. فإن اجتمع الأعمام والعمات المتفرقون مع الأخوال والخالات المتفرقين، كان للأعمام والعمات الثلثان ; لمن هو للأم من ذلك السدس، والباقي لمن هو للأب والأم دون من هو للأب، وللأخوال والخالات الثلث ; ولمن هو للأم منه السدس، والباقي لمن هو للأب والأم دون من هو للأب. ولا يقوم ولد الأعمام والعمات مقام آبائهم وأمهاتهم في مقاسمة الأخوال والخالات، ولا يقوم أيضا ولد الخؤولة والخالات مقام آبائهم وأمهاتهم في مقاسمة الأعمام والعمات ; فلو ترك عمة أو خالة مثلا مع ابن عم وابن خال، لكانت كل واحدة من العمة والخالة أحق بالميراث منهما، ولا يرث الأبعد من هولاء مع من هو أدنى منه إلا من استثنيناه فيما مضى من ابن العم للأب والأم، فإنه أحق عندنا من العم للأب، وكل هذا دليله الاجماع من الطائفة عليه. الفصل العاشر

فإن لم يكن أحد ممن قدمنا ذكره من الوراث، كان ميراثه لمن أعتقه تبرعا، لا فيما يجب عليه من الكفارات، سواء كان المعتق رجلا أو امرأة، والدليل على أن
1 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج " و " س ". والظاهر أن الصحيح: " من الأب ".

[ 327 ]

الولاء لا يثبت إلا في العتق المتبرع به، بعد الاجماع المشار إليه، أن الولاء حكم شرعي يفتقر ثبوته إلى دليل شرعي، وليس في الشرع ما يدل على ثبوته في الموضع الذي اختلفنا فيه، فوجب نفيه. فإن لم يكن المعتق باقيا فالميراث لولده الذكور منهم دون الاناث، ومن أصحابنا من قال: إن ولد المعتقة لا يقومون مقامها في الميراث ذكورا كانوا أو إناثا. (1) فإن لم يكن للمعتق أولاد فالميراث لعصبته، وأولاهم الأخوة، ثم الأعمام، ثم بنو العم. ومن زوج عبده بمعتقة غيره، فولاء أولادها لمن أعتقها، فإن أعتق أبوهم انجر ولاء الأولاد إلى من أعتقه ممن أعتق أمهم، وإن أعتق جدهم من أبيهم مع كون أبيهم عبدا انجر ولاء الأولاد إلى من أعتق جدهم (2) فإن أعتق بعد ذلك أبوهم أنجز الولاء ممن أعتق جدهم إلى من أعتق أباهم. وحكم المدبر حكم المعتق سواء، ولا يثبت الولاء على المكاتب إلا بالشرط، فإن لم يشرط (3) ذلك كان سائبة [ وهي من ليس له ولاء ] (4). الفصل الحادي عشر فإن لم يكن أحد ممن ذكرناه وكان الميت سائبة - بأن يكون معتقا في كفارة

1 - الشيخ: النهاية: 670 باب ميراث الموالي مع وجود ذوي الأرحام.
2 - في نسخة الأصل و " ج " هنا زيادة مع تقدم وتأخر وما في المتن مطابق لنسخة " ج " وهو الصحيح.
3 - في " ج " و " س ": فإن لم يشترط.
4 - مابين المعقوفتين موجود في " ج ".

[ 328 ]

واجب (1) أو معتقا تطوعا، وقد تبرأ معتقه من جريرته - أو مكاتبا غير مشروط عليه الولاء وقد توالى إلى من ضمن جريرته، كان ميراثه له، فإن مات لم ينتقل إلى ورثته. فإن عدم جميع هؤلاء الوراث فالميراث للامام، فإن مات انتقل إلى من يقوم مقامه في الامامة، دون من يرث تركته، وسهم الزوج أو الزوجة ثابت مع جميع من ذكرناه، على ما مضى بيانه، وكل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. الفصل الثاني عشر وقد بينا فيما سبق أن الكافر لا يرث المسلم، فأما المسلم فإنه يرث الكافر عندنا وإن بعد نسبه، ويدل على ذلك الاجماع الماضي ذكره، وظاهر آيات الميراث، لأنه إنما يخرج من ظاهرها ما أخرجه دليل قاطع. ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: الاسلام يعلو ولا يعلى عليه (2)، وقوله: الاسلام يزيد ولا ينقص (3)، فأما ما رووه من قوله عليه السلام: لا توارث بين أهل ملتين (4) ; ومن قول بعض الصحابة في ذلك، فأكثره مضعف مقدوح في رواته (5)، ثم هو مخالف لظاهر القرآن، ومعارض بما قدمناه ولو سلم من ذلك

1 - في " ج ": في كفارة واجبة.
2 - سنن الدارقطني: 3 / 252 والجامع الصغير: 1 / 474 برقم 3063 وسنن البيهقي: 6 / 205 و جامع الأصول: 10 / 368 برقم 7362 كتاب الفرائض والمواريث وكنز العمال: 1 / 66 برقم 246 ووسائل الشيعة: 17 ب 1 من أبواب موانع الارث ح 11 وقد تقدم الحديث مع تعليقته في كتاب البيع ص 210 فلاحظ. 3 - سنن البيهقي: 6 / 205 و 254 و 255 ومسند أحمد بن حنبل: 5 / 236 وكنز العمال: 1 / 66 برقم 245 والجامع الصغير: 1 / 474 برقم 3062.
4 - سنن الدارقطني: 4 / 72 برقم 16 و 17 ولفظ الحديث: لا يتوارث أهل ملتين، ونحوه في كنز العمال: 6 / 106 برقم 15052.
5 - في " ج ": في روايتهم.

[ 329 ]

كله لكان من أخبار الآحاد التي لا يجوز العمل بها في الشرعيات. على أنا نقول بموجب قوله عليه السلام: لا توارث بين أهل ملتين، لو سلمناه (1) لأن التوارث تفاعل، وذلك لا يكون إلا بأن يرث كل واحد منهما الآخر، ونحن لا نقول: بأن الكافر يرث المسلم، فلا توارث بينهما والحال هذه. وقول بعض المخالفين: إن التوارث إنما هو للنصرة والموالاة، ولذلك يرث الذكور من العصبة دون الاناث، ولا يرث القاتل ولا العبد، لنفي النصرة، مما لا يعول على مثله، لأنه غير مسلم أن التوارث لما ذكروه، وقد ورث النساء والأطفال مع فقد ذلك فيهم. ثم إن النصرة مبذولة من المسلم للكافر في الحق (2) والواجب، كما أنها مبذولة للمسلم بهذا الشرط. وإذا كان للكافر أولاد أصاغر، وقرابة مسلم، أنفق عليهم من التركة حتى يبلغوا ; فإن أسلموا فالميراث لهم، وإن لم يسلموا كان لقرابته المسلم، وإذا أسلم الكافر أو عتق المملوك بعد القسمة لم يرث شيئا. ومتى لم يكن للميت إلا وارث مملوك، ابتيع من التركة وعتق وورث الباقي، ويجبر المالك على بيعه ; هذا إذا كانت التركة تبلغ قيمته فما زاد، فأما إذا نقصت عن ذلك فلا يجب شراؤه، ومن أصحابنا من قال: إذا كانت التركة أقل من ثمن المملوك أستسعي في الباقي (3)، والأول أظهر.

1 - في " ج ": لو سلمنا تسليم الجدل.
2 - في " ج ": من الحق.
3 - قال الشيخ في النهاية ص 668: فإن كان التركة أقل من قيمة المملوك لم يجب شراء الوارث... وقال بعض أصحابنا: " إنه إذا كانت التركة أقل من ثمن المملوك استسعى في باقيه " ولست أعرف بذلك أثرا. وقال العلامة - قدس سره - بعد نقل كلام الشيخ: على أن القول الآخر ليس بعيدا عن الصواب، لأن عتق الجزء يشارك عتق الجميع في الأمور المطلوبة شرعا فيساويه في الحكم. المختلف، الطبع القديم، ص 744.

[ 330 ]

وأم الولد إذا مات سيدها، وولدها حي جعلت في نصيبه وعتقت عليه، فإن لم يخلف غيرها عتق منها نصيب الولد واستسعيت في الباقي لغيره من الورثة، فإن كان ثمنها دينا على سيدها، قومت على ولدها، وتركت حتى يبلغ الولد ; فإذا بلغ أجبر على قضاء ثمنها، فإن مات قبل البلوغ بيعت لقضائه. ولا يرث القاتل عمدا مقتوله على وجه الظلم، على ما بيناه بلا خلاف، ويرثه إن كان قتله خطأ ما عدا الدية المستحقة عليه، بدليل الاجماع من الطائفة على ذلك وظاهر آيات المواريث، وقاتل العمد إنما أخرجناه من الظاهر، بدليل قاطع،، وليس ذلك في قاتل الخطأ. وقول المخالف: لو كان قاتل الخطأ وارثا لما وجب تسليم الدية عليه، ليس بشئ لأنه لا تنافي بين وجوب تسليم الدية وبين الميراث مما عداها، ولا يورث من الدية أحد من كلالة الأم [ ولا من يتقرب بها ] (1) ويرثها من عداهم من ذوي الانساب والأسباب. ويرث (2) ولد الملاعنة لامه ولمن يتقرب بها، وترثه هي ومن يتقرب بها، ولا يرثه أبوه ولا من يتقرب به على حال، ولا يرثه الولد إلا أن يقر به بعد اللعان ; بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا فالاحتياط فيما ذكرناه، لأن الاقرار بالولد بعد نفيه قد يكون للطمع في ميراثه، فإذا لم يورث، كان ذلك صارفا له عن الاقرار به لهذا الغرض، واقتضى أن لا يكون بعد الجحود إلا لتحري الصدق فقط. وولد الزنا لا يرث أبويه ولا من يتقرب بهما، ولا يرثونه على حال، لأنه ليس بولد شرعا، لأن الولد للفراش على ما جاء به الأثر (3)، ومن أصحابنا من

1 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج ".
2 - في " ج " و " س ": " وميراث ".
3 - مسند أحمد بن حنبل: 5 / 326 و 267 وسنن البيهقي: 7 / 157 و 402 و 412 باب الولد للفراش ووسائل الشيعة: 14 ب 58 من أبواب نكاح العبيد والأماء ح 2، 3، 4، 7 وج 17 =

[ 331 ]

قال: حكمه وحكم ولد الملاعنة سواء (1). وهو مذهب من خالفنا من الفقهاء. ويعزل من التركة مقدار نصيب الحمل، والاستظهار يقتضي عزل نصيب ذكرين ; فإن ولد ميتا فلا ميراث له (2)، وإن ولد حيا ورث، وتعلم حياته بالاستهلال والحركة الكثيرة التي لا تكون إلا من حي، وإن ولد وله ما للرجال و ما للنساء، اعتبرت حاله بالبول فمن أي الفرجين خرج ورث عليه ; فإن خرج منهما اعتبر بالسبق، فمن أيهما سبق ورث عليه، فإن تساوى خروجه منهما، فمن أيهما انقطع أخيرا ورث عليه، فإن تساوى انقطاعه منهما ورث نصف ميراث الرجال و نصف ميراث النساء، وقد روي: أنه تعد أضلاعه، فإن نقص أحد الجانبين ورث ميراث الرجال، وإن تساويا ورث ميراث النساء (3)، فإن لم يكن للمولود فرج أصلا استخرج بالقرعة، فما خرج ورث عليه. وإذا عقد على الصغيرين عقد النكاح أبواهما توارثا، وإن كان العاقد غيرهما، فلا توارث بينهما حتى يبلغا ويمضيا العقد، وإن بلغ أحدهما فأمضاه ثم مات أنتظر بلوغ الآخر ; فإن بلغ وأمضاه حلف أنه لم يرض به للميراث، فإن حلف ورث، وإلا فلا ميراث له. ويتوارث الزوجان بعد الطلاق الرجعي، سواء كان في الصحة أو المرض، مادامت المرأة في العدة، وإن كان في حال مرض الزوج، ورثته المرأة وإن كان بائنا، إذا مات من مرضه ذلك ما لم تتزوج أو يمض لطلاقها سنة، وإذا تزوج المريض و مات قبل الدخول بطل العقد ولم ترثه المرأة. وإذا انفرد الزوج بالميراث، فله النصف بالتسمية، والنصف الآخر بالرد،

= ب 8 من أبواب ميراث ولد الملاعنة ح 1 و 4. 1 - الحلبي: الكافي: 377 والصدوق: المقنع: 177 و 178.
2 - في " ج ": فلا شئ له.
3 - الوسائل: 17 ب 2 من أبواب ميراث الخنثى، ح 3، 5.

[ 332 ]

بدليل إجماع الطائفة، ولا يلزم أن يرد على الزوجة، لأن الشرع لا يؤخذ بالقياس. وإذا تعارف المجلوبون من بلاد الشرك بنسب يوجب الموارثة بينهما قبل قولهم بلا بينة، وورثوا عليه، ويوقف نصيب الاسير في بلاد الكفر إلى أن يجئ أو يصح موته، فإن لم يعلم مكانه، فهو مفقود، وحكمه أن يطلب في الأرض أربع سنين، فإن لم يعلم له خبر في هذه المدة، قسم ماله بين ورثته. وإذا مات اثنان أو ما زاد عليهما في وقت واحد، بهدم (1)، أو غرق، ولم يعلم أيهما مات قبل صاحبه، ورث أحدهما من الآخر من نفس تركته، لا مما يرثه من صاحبه، وأيهما قدم في التوريث جاز، وروي أن الأولى تقديم الاضعف في الاستحقاق وتأخير الأقوى (2) ثم ينقل ميراث كل واحد منهما من صاحبه إلى وارثه، فإن كان أحدهما يرث صاحبه، والآخر لا يرثه، بطل هذا الحكم، وانتقل كل واحد منهما إلى وارثه من غير واسطة. ومن أصحابنا من قال (3): يورث المجوس وغيرهم من أهل الملل المختلفة في الكفر إذا تحاكموا إلينا على ما قرره شرع الاسلام، من الانساب والأسباب الصحيحة والسهام، ومنهم من قال (4): يورثون على ما يرونه في ملتهم، والدليل على ذلك كله - سوى ما لم يتعين المخالف من الطائفة فيه - إجماعها عليه، وفيه الحجة على ما بيناه. الفصل الثالث عشر في كيفية القسمة على الوراث يحتاج إلى تصحيح السهام في قسمة الأرضين

1 - في " ج ": لهدم. 2 - الوسائل: 17 ب 6 من أبواب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم ح 1 و 2.
3 - الحلبي: الكافي: 376.
4 - الشيخ: النهاية: 683.

[ 333 ]

والرباع، والوجه في ذلك أن يضرب سهام المنكسر عليهم في أصل الفريضة، فما بلغت إليه خرجت منه السهام صحاحا. وأصل الفريضة هو أقل عدد يخرج منه السهام المسماة فيها صحاحا ; مثل أن يجتمع مع النصف ثلث أو سدس، فيكون أصلها (1) من ستة، فإن كان معه ربع فأصلها من أربعة، فإن كان مع النصف ثمن فأصلها من ثمانية، فإن كان مع الربع ثلث أو سدس، فأصلها من إثني عشر، وإن كان مع الثمن ثلثان أو سدس، فأصلها من أربعة وعشرين. مثال ما قدمناه في تصحيح السهام، أن نفرض أبوين وابنا وبنتا ; فأصل فريضتهم من ستة ; للأبوين سهمان وتبقى أربعة تنكسر على الابن والبنت، وفتضرب سهامهما وهي ثلاثة - للابن سهمان وللبنت سهم - في أصل الفريضة و هي ستة، فتكون ثمانية عشر ; لكل واحد من الأبوين ثلاثة، ويبقى إثنا عشر، للابن منها ثمانية وللبنت أربعة، وكذا لو كان مكان الابن والبنت ثلاث بنات، فإنا نضرب سهامهن، وهي ثلاثة، في أصل الفريضة، فيكون للأبوين ستة، ولكل واحدة من البنات أربعة. وإن كان في الفريضة رد ينكسر، فالوجه أن يجمع مخرج فرائض من يجب الرد عليه ثم يضرب في أصل الفريضة ويقسم الجميع ; كفريضة الأبوين والبنت مثلا فإن أصلها من ستة، للأبوين الثلث، وللبنت النصف، ويبقى سهم ينكسر في الرد عليهم، فمخرج الثلث من ثلاثة، ومخرج النصف من اثنين، وذلك خمسة، فتضرب في أصل الفريضة وهي ستة، فيكون ثلاثين ; للأبوين عشرة، وللبنت خمسة عشر بالفرض، وللأبوين من الباقي، وهو خمسة، سهمان وللبنت ثلاثة بالرد، وعلى هذا يجري الحساب في جميع الفرائض فليتأمل.

1 - في " ج ": فيكون أصلهما.

[ 334 ]

والوجه في تصحيح المناسخات (1)، أن تصحح مسألة الميت الأول، ثم تصحح مسألة الميت الثاني، وتقسم ما يختص بالميت الثاني من المسألة الأولى على سهام مسألته. فإن انقسمت، فقد صحت المسألتان مما صحت منه مسألة الميت الأول ; كمن مات وخلف أبوين وابنين، فأصلها من ستة، للأبوين سهمان، ولكل واحد من الابنين سهمان، فإن مات أحد الابنين، وخلف إبنين، كان لكل واحد منهما سهم من هذين السهمين، فقد صحت المسألتان من المسألة الأولى. وإن لم تنقسم الثانية من الأولى، جمعنا سهام المسألة الثانية، وضربناها في سهام المسألة الأولى ; مثل أن يخلف أحد الابنين في المسألة التي قدمناها إبنا و بنتا، فإن سهمه وهو اثنان من ستة ينكسر عليهما، فيضرب سهم الابن وهو اثنان وسهم البنت وهو واحد في أصل الفريضة من المسألة الأولى وهي ستة، فتكون ثمانية عشر ; للأبوين السدسان ستة، ولكل واحد من الابنين ستة، فيكون لابنه وبنته اللذين خلفهما للذكر مثل حظ الأنثيين من غير انكسار. وكذا الحكم لو مات ثالث ورابع فما زاد، فإنا نصحح مسألة كل ميت، ويقسم ماله من مسائل من مات قبله من السهام على سهام مسألته، فإن انقسمت فقد صحت لنا المسائل كلها، وإن لم تصح، ضربنا جميع مسألته فيما صحت من مسائل من مات قبله، فما اجتمع صحت منه المسائل (2) كلها إن شاء الله.

1 - التناسخ في الميراث: أن يموت ورثة بعد ورثة، وأصل الميراث قائم لم يقسم، فلا يقسم على حكم الميت الأول، بل على حكم الثاني وكذا ما بعده. مجمع البحرين.
2 - في " ج ": صحت منه بقية المسائل.

[ 335 ]

كتاب النكاح نحتاج أولا أن نبين من يحرم نكاحه، ثم نبين أقسام النكاح المباح وشروطه، والأسباب الموجبة لتحريم الوطئ بعد صحة العقد، وما يتعلق بذلك كله من الأحكام، فنقول: من يحرم العقد عليهن على ضربين: أحدهما يحرم على كل حال، والثاني يحرم في حال دون حال. فالضرب الأول: المحرمات بالنسب وهن ست (1): الأم وإن علت، والبنت وإن نزلت، والأخت، وبنت الأخ والأخت وإن نزلتا، والعمة والخالة وإن علتا، بلا خلاف. والمحرمات بالرضاع ; وهن ست (2) كالمحرمات بالنسب، إلا أن الراضع من لبن المرأة يحرم عليه كل من ينتسب إلى بعلها بالولادة والرضاع، ولا يحرم عليه من ينتسب إلى المرأة إلا بالولادة دون الرضاع. ولا يقتضي التحريم الرضاع إلا بشروط: منها: أن يكون سن الراضع والمرتضع من لبنه له دون الحولين، بدليل إجماع الطائفة، وأيضا قوله تعالى: * (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين

1 و 2 - في " ج ": وهي ستة.

[ 336 ]

لمن أراد أن يتم الرضاعة) * (1)، لأن المراد إثبات الرضاع الشرعي، الذي يتعلق به الحرمة، بدليل أنه تعالى لا يجوز أن يريد الرضاع اللغوي،، لأنه ينطلق (2) على ما يحصل بعد الحولين، وقبل تمامهما، ولا يريد نفي جوازه دونهما، أو بعدهما، لأن ذلك جائز بلا خلاف، ولا نفي الكفاية بدونهما، لأن الكفاية قبل تمامهما قد تحصل بلا شبهة، فلم يبق إلا ما قلناه. ومن شروط تحريم الرضاع: أن يكون لبن ولادة لا در، بدليل إجماع الطائفة. ومنها: أن يكون مما ينبت اللحم ويشد العظم، بأن يكون يوما وليلة، أو عشر رضعات متواليات، عند بعض أصحابنا (3)، وعند بعضهم خمس عشرة رضعة (4)، والأول أحوط، كل رضعة منها تروي الصبي لا يفصل بينها (5) برضاع امرأة أخرى، بلا خلاف بين أصحابنا، ولا يثبت الرضاع بقول المرضعة، بل يفتقر ثبوته إلى بينة عادلة. ومن هذا الضرب من المحرمات أم المعقود عليها، بدليل إجماع الطائفة، وأيضا قوله عزوجل: * (وأمهات نسائكم) * (6) ولم يشترط الدخول، وأيضا فقد روى المخالفون أنه عليه السلام قال: من نكح امرأة ثم ماتت قبل الدخول بها لم تحل له أمها (7)، وهذا نص. ومن هذا الضرب أيضا ابنة المدخول بها، سواء كانت في حجر الزوج أو

1 - البقرة: 233.
2 - في " ج ": لأنه يطلق.
3 - القاضي: المهذب: 2 / 190. 4 - الشيخ: المبسوط: 5 / 305، كتاب الرضاع.
5 - في " ج " و " س ": بينهما.
6 - النساء: 23.
7 - سنن البيهقي: 7 / 160 ولفظ الحديث: أيما رجل نكح امرأة فدخل بها أو لم يدخل بها فلا يحل له نكاح أمها.

[ 337 ]

لم تكن، بلا خلاف إلا من داود فإنه قال: إن كانت في حجره حرمت وإلا فلا (1)، ظنا منه أن قوله تعالى: * (اللاتي في حجوركم) * (2)، شرط في التحريم. وليس ذلك شرطا، وإنما هو وصف لهن، لأن الغالب أن الربيبة تكون في حجره. ومن هذا الضرب أم المزني بها وابنتها، فهو الظاهر من مذهب أصحابنا و الأكثر من رواياتهم، وطريقة الاحتياط تقتضيه. وتحرم على الابن زوجة الأب وأمته المنظور إليها بشهوة، بلا خلاف بين أصحابنا، وعلى الأب زوجة الابن أيضا وأمته المنظور إليها بشهوة، ومن أصحابنا من قال: الموطوءة (3)، والأول أحوط. ويحرم على كل واحد منهما العقد على من زنى بها الآخر، بدليل إجماع الطائفة، ويخص التحريم على الابن قوله تعالى: * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) * (4) لأن لفظ النكاح يقع على العقد والوطئ معا. وتعلق المخالف بما يروونه من قوله عليه السلام: الحرام لا يحرم الحلال (5)، غير معتمد لأنه خبر واحد، ثم هو مخصوص بالاجماع، ويحمل على مواضع: منها: أن وطئ المرأة في الحيض حرام ولا يحرم ما عداه من الحلال منها. ومنها: أن الزنا بالمرأة لا يحرم التزويج بها إذا تابت. ومنها: أن وطئ الأب لزوجة إبنه والابن لزوجة أبيه حرام ولا يحرم من الزوجة ما كان حلالا منها.

1 - لاحظ بداية المجتهد: 2 / 33 والمغني لابن قدامة: 7 / 473.
2 - النساء: 23.
3 - الشيخ المفيد لاحظ المختلف / 524 من الطبع القديم.
4 - النساء: 22.
5 - سنن البيهقي: 7 / 169 وسنن الدارقطني: 3 / 268 برقم 88 و 89 و 90 ولفظ الحديث: لا يحرم الحرام الحلال ونقله الشيخ في الخلاف كتاب النكاح المسألة 71 كما في المتن.

[ 338 ]

ويحرم العقد على الزانية وهي ذات بعل أو في عدة رجعية ممن زنى بها، و على أم الغلام الموقب وأخته وابنته ممن لاط به، ويحرم أيضا على التأبيد المعقود عليها في عدة معلومة أو إحرام معلوم، والمدخول بها فيهما على كل حال، والمطلقة للعدة تسعا ينكحها بينها رجلان، والملاعنة والمقذوفة من زوجها، وهي صماء أو خرساء، يدل على ذلك كله إجماع الطائفة، وأيضا فلا يجوز أن يستباح التمتع بالمرأة إلا بيقين ولا يقين فيما ذكرناه. ويعارض المخالف في الملاعنة (1) بما يروونه من قوله عليه السلام: المتلاعنان لا يجتمعان أبدا (2)، وقوله لعويمر (3) حين فرق بينه وبين زوجته باللعان: لا سبيل لك عليها (4)، وقول المخالف: أراد بذلك في هذه الحال، تخصيص بغير دليل. واستدلال المخالف بأن الأصل الاباحة وبظاهر القرآن كقوله تعالى: * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) * (5)، وقوله: * (وأحل لكم ما وراء ذلكم) * (6)، غير لازم، لأنا نعدل عن ذلك بالدليل، كما عدلوا عنه في تحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها. وحكم الأم والبنت والأخت بالرضاع في التحريم بهذه الأسباب، حكم

1 - في " س ": بالملاعنة.
2 - سنن الدارقطني: 3 / 276 برقم 116 وسنن البيهقي: 7 / 409 وكنز العمال: 15 / 204 برقم 40582.
3 - قال ابن الأثير في أسد الغابة: 4 / 168: عويمر بن أبيض العجلاني الأنصاري صاحب اللعان... ثم نقل عن الطبري إنه عويمر بن الحارث بن زيد بن حارثة بن الجد العجلاني، وهو الذي رمى زوجته بشريك بن سمحاء، فلاعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهما، وذلك في شعبان سنة تسع لما قدم من تبوك.
4 - بداية المجتهد: 2 / 115 و 121 والتاج الجامع للأصول: 2 / 349 والفقه على المذاهب الأربعة: 5 / 107 و 113.
5 - النساء: 3.
6 - النساء: 24.

[ 339 ]

ذوات النسب، وحكم الأماء في التحريم بالنسب والرضاع وغيره من الأسباب، حكم الحرائر. وأما من يحرم العقد عليهن في حال دون حال فأخت المعقود عليها بلا خلاف، أو الموطوءة بالملك بلا خلاف إلا من داود، ويدل على ذلك قوله تعالى: * (وأن تجمعوا بين الأختين) * (1) لأنه لم يفصل، والخامسة حتى تنقبض الأربع بما يوجب البينونة، والمطلقة للعدة ثلاثا، أو للسنة، على ما نبينه، حتى تنكح زوجا آخر وتبين منه ; وكذا حكم كل مزوجة، والمعتدة من الطلاق الرجعي حتى تخرج من عدتها، كل هذا بلا خلاف، وبنت الأخ على عمتها، وبنت الأخت على خالتها حتى تأذنا، والأمة على الحرة حتى تأذن، والزانية حتى تتوب، بدليل إجماع الطائفة. وظواهر القرآن المبيحة للعقد على النساء بالاطلاق تبيح تزويج المرأة على عمتها وخالتها إلا ما أخرجه الدليل من حظر ذلك إذا لم يكن منهما إذن، وما يرويه المخالف من قوله عليه السلام: لا تنكح المرأة على عمتها وخالتها (2)، خبر واحد مخالف لظاهر القرآن، ومعارض بأخبار تقتضي الاباحة مع الاستئذان، ومحمول لو سلم من ذلك كله على ما إذا لم يكن منهما إذن، فلا يمكن الاعتماد عليه. ويحرم العقد على الكافرة وإن اختلفت جهات كفرها حتى تسلم - إلا على وجه نذكره - بدليل إجماع الطائفة، وأيضا قوله تعالى: * (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) * (3)، وقوله: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * (4)، وقوله: * (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) * (5) لأنه نفي ما لظاهر التساوي في

1 - النساء: 23.
2 - سنن البيهقي: 7 / 165، 166 باب ما جاء في الجمع بين المرأة وعمتها... ومسند أحمد بن حنبل: 1 / 78 و: 2 / 189 و 207 وكنز العمال: 16 / 326 برقم 44744.
3 - الممتحنة: 10.
4 - البقرة: 221.
5 - الحشر: 20.

[ 340 ]

جميع الأحكام التي من جملتها المناكحة. وقوله تعالى: * (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) * (1)، نخصه بنكاح المتعة، فإنه جائز عندنا على الكتابيات، أو نحمله على ما إذا كن مسلمات، بدليل ما قدمناه، ولا يمتنع أن يكون من جهة (2) الشرع قبل ورود هذا البيان فرق بين من آمنت بعد كفر، وبين من لم تكفر أصلا، فيكون في البيان لاباحة نكاح الجميع فائدة، وليس لأحد مع جواز هذا أن يقول: قد أغنى عما اشترطتموه من إسلام الكتابيات قوله تعالى: * (والمحصنات من المؤمنات) *. فإن قالوا: لستم بتخصيص هذه الآية بما ذكرتموه، لتسلم لكم ظواهر آياتكم بأولى منا إذا خصصنا ظواهركم بالمرتدات والحربيات، ليسلم لنا ظاهر الآية التي نستدل بها؟! قلنا: غير مسلم لكم التساوي في ذلك، بل نحن أولى بالتخصيص منكم، لأنكم تعدلون عن ظواهر كثيرة، ونحن نعدل عن ظاهر واحد ; وإذا كان العدول عن الحقيقة إلى المجاز إنما يفعل للضرورة، فقليله أولى من كثيره بغير شبهة. وأما أقسام النكاح المباح فثلاثة: نكاح غبطة، ونكاح متعة، ونكاح بملك اليمين. ونكاح المستدام مستحب بلا خلاف إلا من داود، فإنه قال: واجب، ويدل على ما قلناه بعد إجماع الطائفة قوله تعالى: * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) *، إلى قوله: * (فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) * (3)، لأنه تعالى علق ذلك باستطابتنا، وما كان كذلك فليس بواجب، ولأنه خير بينه وبين ملك اليمين، والتخيير لا يكون بين واجب ومباح، ولأن ذلك يقتضي جواز الاقتصار على ملك اليمين،

1 - المائدة: 5 2 - في " س ": من جملة.
3 - النساء: 3.

[ 341 ]

والمخالف لا يجيزه، ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: * (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات) * إلى قوله: * (وأن تصبروا خير لكم) * (1)، ولو كان نكاح الأمة عند عدم طول الحرة واجبا، لم يكن الصبر خيرا منه، وعند المخالف أن الصبر لا يجوز، فضلا عن أن يكون خيرا من النكاح. ومن شرط صحة عقد النكاح: أن يكون المعقود عليه معلوما متميزا ; فلو قال: زوجتك من عندي، أو امرأة، أو حمل هذه الجارية، لم يصح للجهالة. وأن يكون ممن يحل نكاحه، فلا يصح العقد بين الكافر والمسلم بلا خلاف. ولا بين المسلم وبين إحدى المحرمات عليه اللاتي قدمنا ذكرهن. وأن يحصل الايجاب والقبول، وأيهما سبق جاز ; فلو قال: زوجنيها، قال الولي: زوجتكها، صح، ويحتج على المخالف بما رووه من حديث سهل بن سعد (2) فإنه قال: زوجنيها يا رسول الله، فقال: زوجتكها بما معك من القرآن (3)، ولم يأمره بعد ذلك بالقبول. ولو قال: أتزوجنيها؟ فقال: زوجتكها، لم يصح حتى يقبل الايجاب، لأن السابق له استفهام، ولو اقتصر القائل على قوله: قبلت، صح العقد، لأن ذلك جواب الايجاب وهو منضم إليه، فكأن معناه قبلت هذا التزويج بلا شبهة. ومن شرط ذلك أن يكون بلفظ النكاح، أو التزويج، أو الاستمتاع في النكاح المؤجل عندنا، مع القدرة على الكلام، ولا يصح العقد بلفظ الاباحة، ولا

1 - النساء: 25.
2 - تقدمت ترجمته ص 81.
3 - سنن ابن ماجة: 1 / 608 برقم 1889 وسنن الترمذي: 3 / 421 برقم 1114 وسنن الدارمي: 2 / 142 وسنن البيهقي: 7 / 144 ومسند أحمد بن حنبل: 5 / 336.

[ 342 ]

التحليل، ولا التمليك، ولا البيع، ولا الاجارة، ولا الهبة، ولا العارية، بدليل إجماع الطائفة، ولأن ما اعتبرناه في نكاح الدوام، مجمع على انعقاده، وليس على انعقاده بما عداه دليل. ومن شرطه أن يكون صادرا ممن له ولاية، والولاية (1) التي يجوز معها تزويج الصغيرة غير البالغ (2) - سواء كانت بكرا أو قد ذهبت بكارتها بزوج أو غيره، ولا يكون لها بعد البلوغ خيار، بلا خلاف بين أصحابنا - وتزويج البكر البالغ من غير إذنها - على خلاف بينهم في ذلك - مختصة بأبيها وجدها له في حياته، فإن لم يكن الأب حيا فلا ولاية للجد، ومن يختاره الجد أولى ممن يختاره الأب، وليس لأحدهما فسخ العقد الذي سبق الآخر إليه، وإن كان بغير إذنه، والأولى بالأب استئذان الجد، بدليل إجماع الطائفة. ويحتج على المخالف في أن لا ولاية على الصغيرة إلا للأب والجد بما رووه من قوله عليه السلام لقدامة بن مظعون (3) وقد زوج ابنة أخيه: إنها يتيمة وإنها لا تنكح إلا بإذنها (4)، ولا يجوز أن يقال: سماها يتيمة وإن كانت بالغا، لقرب عهدها باليتم، لأن ذلك رجوع عن الظاهر في الشرع بغير دليل، لأنه لا يتم بعد الحلم، على ما ورد به الخبر.
(5) وعلى الأب أو الجد استئذان البكر البالغ ; وإذنها صماتها على ما ورد به

1 - " والولاية " مبتدأ وخبره قوله: " مختصة بأبيها ".
2 - بلغ الصبي بلوغا فهو بالغ، والجارية بالغ أيضا بغير هاء، فاستغنوا بذكر الموصوف وبتأنيثه عن تأنيث صفته كما يقال: امرأة حائض. المصباح المنير.
3 - أبو عمرو، قدامة بن مظعون بن حبيب بن وهب القرشي الجمحي، هو أخو عثمان بن مظعون، شهد بدرا وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مات سنة 36 ه‍، لاحظ أسد الغابة: 4 / 198.
4 - سنن الدارقطني: 3 / 230 برقم 37 وسنن البيهقي: 7 / 113 و 120.
5 - مستدرك الوسائل: 13 / 428 ب 2 من أبواب كتاب الحجر ح 3 و 4.

[ 343 ]

الخبر (1)، فإن عقد بغير إذنها، فأبت العقد، لم ينفسخ العقد عند من قال من أصحابنا: لهما إجبارها على النكاح، وعند من قال منهم: ليس لهما ذلك، ينفسخ (2)، وطريقة الاحتياط تقتضي اعتبار رضاها في صحة العقد، لأنه لا خلاف في صحته إذا رضيت، وليس كذلك إذا لم ترض، وعلى هذا، النكاح يقف على الاجازة سواء كانت من الزوج أو الولي أو المنكوحة. ويحتج على المخالف في ذلك بما روي من أن امرأة بكرا أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إن أبي زوجني وأنا كارهة، فخيرها النبي عليه السلام (3)، وهذا يدل على أن النكاح يقف على الفسخ والاجازة. ولا تعقد البكر على نفسها بغير إذنهما، فإن عقدت وأبيا العقد انفسخ، إلا أن يكونا قد عضلاها بمنعها من التزويج بالاكفاء، فإنه لا ينفسخ بدليل إجماع الطائفة. ولا ولاية لغير الأب والجد على البكر، ولا ولاية لهما ولا لغيرهما على البنت البالغ الرشيدة إلا أن تضع نفسها مع غير كف ء، فيكون لابيها أو جدها فسخ العقد. والكفاءة تثبت عندنا بأمرين: الايمان، وإمكان القيام بالنفقة، بدليل الاجماع المشار إليه، ولأن ما اعتبرناه مجمع على اعتباره، وليس على اعتبار ما عداه دليل. وللثيب إذا كانت رشيدة أن تعقد على نفسها بغير ولي، وكذا البكر إذا لم يكن لها أب، وإن كان الأولى لهما رد أمرهما إلى بعض الصلحاء من الأقارب أو

1 - سنن البيهقي: 7 / 122 باب إذن البكر الصمت وسنن الدارمي: 2 / 138.
2 - قال الشيخ في المبسوط: 4 / 162: وأما الابكار فلا تخلو أن تكون صغيرة أو كبيرة... وإن كانت كبيرة فالظاهر في الروايات إن للأب والجد أن يجبر على النكاح... وفي أصحابنا من قال: ليس له اجبارها على النكاح، ولست أعرف له نصا.
3 - سنن البيهقي: 7 / 117.

[ 344 ]

الاجانب ; بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا قوله تعالى: * (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) * (1)، فأضاف عقد النكاح إليها، وهذا يقتضي بظاهره أنها المتولية لعقدها، ومثل ذلك قوله سبحانه: * (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) *.
(2) وما يتعلق به المخالف من قوله عليه السلام: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل (3)، غير معتمد، لأنه مقدوح في روايته، مع أنه خبر واحد، ومعارض بما ورد من طرقهم من قوله عليه السلام: الايم أحق بنفسها من وليها (4)، والأيم التي لا زوج لها، وهذا عام، وقوله عليه السلام: ليس للولي مع الثيب أمر (5)، ولو سلم من ذلك كله لجاز حمله على الأمة إذا تزوجت بغير إذن مولاها، لأن الولي في اللغة والمولى بمعنى واحد. ويشهد بهذا التأويل، أنه قد روي من طريق آخر: أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها (6)، وقول المخالف: في الخبر ما يمنع من ذلك ; وهو قوله عليه السلام: " فإن دخل بها فلها مهر مثلها بما استحل من فرجها " لأنه أضاف المهر إليها والأمة لا تملكه، ليس بشئ يعول على مثله، لأن ذلك إنما جاز للعلقة التي بينها وإن لم تملكه، كما قال عليه السلام: من باع عبدا وله مال كان المال لمولاه.
(7)

1 و 2 - البقرة: 230 و 232.
3 - سنن الدارقطني: 1 / 84 برقم 2 و 3 / 221 برقم 10 وسنن البيهقي: 7 / 111 و 219 و 125 و سنن الدارمي: 2 / 137.
4 - سنن الدارمي: 2 / 138 وسنن البيهقي: 7 / 115 و 118 و 122 وسنن الدارقطني: 3 / 239 برقم 65.
5 - سنن الدارقطني: 3 / 239 برقم 66 و 67 وسنن البيهقي: 7 / 118 باب ما جاء في إنكاح الثيب. 6 - سنن البيهقي: 7 / 105 و 138.
7 - سنن البيهقي: 6 / 219 باب لا يرث المملوك و 5 / 324 باب ما جاء في مال العبد وفيه: فماله للبائع ونحوه في مسند أحمد بن حنبل: 2 / 9 و 82 و 150.

[ 345 ]

وتعلقهم بما رووه من قوله عليه السلام: لا نكاح إلا بولي (1)، يسقط بمثل ما قدمناه من القدح، والمعارضة، وبأنه خبر واحد، وبأنا نقول بموجبه، لأن الولي هو الذي يملك العقد، والمرأة عندنا هذه حالها ; فإذا عقدت النكاح كان ذلك نكاحا بولي، ولفظة " ولي " تقع على الذكر والانثى بغير شبهة على من يعرف اللغة، كما تقع عليها لفظة " وصي " وبأنا نحمله على نفي الفضيلة، كما قال عليه السلام: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد (2)، ولا صدقة وذو رحم محتاج.
(3) الفصل الأول وليس من شرط صحة العقد الشهادة، بل من مستحباته، بدليل إجماع الطائفة وأيضا قوله تعالى: * (وأنكحوا الأيامى منكم) * (4) فقد أمر تعالى (5) بالنكاح، ولم يشترط الشهادة، ولو كانت شرطا لذكرها. ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: أوصيكم بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله (6)، ولا كلام يستباح به فرج المرأة إلا الايجاب والقبول، فيجب بظاهر الخبر حصول الاستباحة بذلك، من غير أمر آخر سواه، ولا يجوز حمل الخبر على أن المراد بكلمة الله قوله

1 - سنن الدارقطني: 3 / 225 برقم 21 و 22 و 23 و 24 وسنن البيهقي: 7 / 105 و 124 باب لا نكاح إلا بولي مرشد.
2 - سنن الدارقطني: 1 / 420 برقم 1، وسنن البيهقي: 3 / 111 و 174.
3 - الوسائل: 6 / 286 ب 20 من أبواب الصدقة ح 4.
4 - النور: 32.
5 - في الأصل و " س ": بدليل الاجماع وأيضا فقد أمر تعالى.
6 - المبسوط للسرخسي: 5 / 59 و 181 والمغني: 8 / 126 و 9 / 229، وكنز العمال: 16 / 378. قال ابن الأثير في جامع الأصول: 6 / 504: " عوان " جمع عانية، أي أسيرة، شبه المرأة في دخولها تحت حكم الزوج بالاسير، ولاحظ المجازات النبوية للشريف الرضي: 226 برقم 206.

[ 346 ]

تعالى: * (وأنكحوا الأيامى منكم) * (1)، وما أشبه ذلك، لأن المستفاد به الإذن فيما يقع به تحليل الفرج، وهو ما قلناه، من الايجاب والقبول، ولهذا لا يستغنى بذلك عنها. وتعلقهم بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل (2)، قد بينا الجواب عنه، على أن أبا حنيفة لا يصح على مذهبه أن يزيد الشهادة بأخبار الآحاد، لأن عنده أن كل زيادة في القرآن توجب النسخ، ونسخ القرآن لا يجوز بأخبار الآحاد. الفصل الثاني وليس من شرط صحة عقد الدوام ذكر المهر بلا خلاف، بل من مستحباته، ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: * (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) * (3)، والطلاق لا يقع إلا في نكاح صحيح. والمهر ما تراضى عليه الزوجان، دائما كان العقد أو مؤجلا، مما له قيمة، و يحل تملكه (4)، قليلا كان أو كثيرا، ويجوز أن يكون تعليم شئ من القرآن ولو كان آية واحدة، بدليل إجماع الطائفة، وأيضا قوله تعالى: * (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) * (5)، وفي موضع آخر: * (فآتوهن أجورهن) * (6)، والاسم يتناول القليل و الكثير، وأيضا قوله تعالى: * (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) * (7)، ولم يفرق بين القليل والكثير، وعند المخالف

1 - النور: 32.
2 - سنن الدارقطني: 3 / 225 برقم 21 و 22 و 23 وسنن البيهقي: 7 / 124 و 125.
3 - البقرة: 236.
4 - في " س ": تمليكه. 5 و 6 - النساء: 4 و 24 7 - البقرة: 237.

[ 347 ]

إذا فرض لها خمسة دراهم وجبت كلها. ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: أدوا العلائق، فقيل له: ما العلائق؟ فقال: ما تراضى عليه الاهلون (1)، وقوله عليه السلام: من استحل بدرهمين فقد استحل (2)، وقوله عليه السلام: لا جناح على امرئ أصدق امرأة صداقا قليلا أو كثيرا (3)، وقوله عليه السلام للرجل الذي طلب منه تزويج المرأة: زوجتكها بما معك من القرآن (4)، بعد أن طلب منه أن يصدقها بشئ، وقال له: التمس ولو خاتما من حديد (5). والظاهر أنه عليه السلام جعل ما معه من القرآن صداقا، لأنه لم يطلب الفضل والشرف، وإنما طلب المهر، ولأنه قال: " بما معك " والباء تدل على البدل و العوض، ولو أراد الشرف لقال: لما معك من القرآن، ولا يصح جعل القرآن صداقا إلا على وجه التعليم له، وفي خبر آخر عن أبي هريرة أنه قال عليه السلام للرجل: قم فعلمها عشرين آية وهي امرأتك (6)، وهذا نص. ولا يجوز (7) أن يقول الانسان لغيره: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك،

1 - سنن الدارقطني: 3 / 244 برقم 10 وسنن البيهقي: 7 / 239 والأم: 5 / 59 والمغني لابن قدامة: 8 / 4 وفيه أن للصداق تسعة أسماء: الصداق والصدقة والمهر والنحلة والفريضة والأجر والعلائق والعقر والحباء. ثم نقل الحديث ونقله الشيخ في المبسوط: 4 / 271، والخلاف كتاب الصداق المسألة 2، 17، 37.
2 - الأم: 5 / 95 وسنن البيهقي: 7 / 238 وفيه: " بدرهم " ونقله الشيخ في الخلاف، كتاب الصداق، المسألة 2.
3 - سنن الدارقطني: 3 / 244 برقم 7 و 8 باختلاف يسير، ونقله الشيخ في الخلاف كتاب الصداق المسألة 2 كما في المتن.
4 - سنن الدارقطني: 3 / 247 برقم 21 وسنن البيهقي: 7 / 144 وسنن الدارمي: 2 / 142 ومسند أحمد بن حنبل: 5 / 336.
5 - تقدم مصدر الحديث آنفا.
6 - سنن أبي داود: 2 / 236 برقم 2112 وبداية المجتهد: 2 / 19.
7 - في " ج ": ولا يصح.

[ 348 ]

على أن يكون بضع كل واحدة منهما مهر الأخرى، لأن ذلك هو نكاح الشغار، الذي نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه، ولا خلاف من أصحابنا في تحريمه. (1) ويجوز جعل العتق مهرا، بأن يقول لامته: قد تزوجتك وجعلت عتقك مهرك، ولو قال: قد أعتقتك وتزوجتك وجعلت عتقك صداقك، ثبت العتق، وكانت مخيرة في التزويج به. وإذا عين المهر حالة العقد، كان للزوجة أن تمتنع من تسليم نفسها حتى تقبض جميعه، فإذا قبضته فله نقلها إلى منزله، وليس لها الامتناع، ولو دخل بها، وهو أو بعضه باق في ذمته، لم يكن لها منع نفسها منه حتى تقبض ذلك، وإنما لها المطالبة به فقط. وإذا لم يسم لها مهرا حالة العقد، ودخل بها ; فإن كان أعطاها قبل الدخول شيئا، وقبضته منه، لم يكن لها غيره، لأنها لو لم ترض به لما مكنته من نفسها، وإن لم يكن أعطاها شيئا، لزمه مهر مثلها، ويعتبر في ذلك السن، والنسب، والجمال، والتخصيص، وكلما يختلف المهر لاجله، فإن نقص عن مهر السنة، وهو خمسمائة درهم فضة أو قيمتها خمسون دينارا، لم يكن لها غيره، وإن زاد على ذلك رد إليه، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. وإذا وقع العقد على عبد مجهول، أو دار مجهولة، صح، وكان لها من أوسط العبيد أو الدور، وإذا وقع على عين محرمة، كالخمر، وعين الغصب، صح العقد و بطل المسمى بلا خلاف، إلا من مالك (2) وبعض أصحابنا (3)، ونبين صحة ما

1 - في " ج ": ولا خلاف في تحريمه.
2 - لاحظ بداية المجتهد: 2 / 27 والمغني لابن قدامة: 8 / 23.
3 - الشيخ: النهاية / 469 والحلبي: الكافي / 293 ونسب العلامة - قدس سره - في المختلف من الطبع القديم ص 541 هذا القول إلى الشيخ المفيد وابن البراج وما في النسخة المطبوعة من المقنعة والمهذب خلاف ذلك، فلاحظ.

[ 349 ]

اخترناه، أن أكثر ما يلزم في هذه الصورة سقوط المسمى، وذلك لا يؤثر في صحة العقد، لأنا قد بينا أنه لا خلاف في صحته مع عدم ذكر المهر. والزوجة تملك الصداق المسمى لها كله بنفس العقد، وهو من ضمان الزوج إن تلف قبل القبض، ومن ضمانها إن تلف بعده، خلافا لمالك، فإن دخل بها أو مات عنه استقر كله بلا خلاف، وإن طلقها قبل الدخول بها رجع بنصف العين التي قدمها، دون الزيادة المنفصلة الحادثة في يد الزوجة، كحمل الحيوان، بدليل إجماع الطائفة، وأيضا قوله تعالى: * (وآتوا النساء صدقاتهن) * (1)، والظاهر أن الكل لهن من غير فصل بين ما قبل الدخول وبعده. ومن لم يسم لها مهر إذا طلقت قبل الدخول، فلا مهر لها، ولها المتعة، و يعتبر بحال الزوج ; فعلى الموسر خادم أو دابة أو ما أشبه ذلك، وعلى المتوسط ثوب أو ما أشبهه، وعلى الفقير خاتم أو نحوه، بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا قوله تعالى: * (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين) *.
(2) وإذا أصدقها على أن لابيها ألفا، صح العقد بلا خلاف، ويجب عليه الوفاء بما سمى لها، وهو بالخيار فيما شرط لابيها، بدليل إجماع الطائفة، ولو أصدقها وشرط أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى، لصح النكاح والصداق، وبطل الشرط، بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا فذلك شرط يخالف الكتاب والسنة، فكان باطلا. ولو شرط في النكاح أن لا يسافر بها، لكان الأولى الوفاء بذلك، لقوله عليه السلام: المؤمنون عند شروطهم (3)، وإذا شرط في النكاح أو فيه وفي الصداق معا خيار

1 - النساء: 4.
2 - البقرة: 236.
3 - بداية المجتهد: 2 / 296 والبحر الزخار: 5 / 76 وسنن البيهقي: 6 / 79 و 7 / 249 =

[ 350 ]

المدة، بطل النكاح والصداق، لأن ثبوت عقد النكاح حكم شرعي يحتاج إلى دلالة شرعية، وليس في الشرع ما يدل على ثبوت ذلك هاهنا. ولو شرط الخيار في الصداق وحده، لم يبطل النكاح، وصح الشرط والصداق، لقوله عليه السلام: المؤمنون عند شروطهم (1)، وهذا شرط لا يخالف الكتاب والسنة، فكان صحيحا.
(2) ومن السنة في عقد الدوام الخطبة قبله - بلا خلاف إلا من داود فإنه قال: واجبة - والاعلان به، والوليمة له، واجتماع الناس، بدليل إجماع الطائفة، ولأن الأصل براءة الذمة، وشغلها بإيجاب شئ من ذلك، يفتقر إلى دليل. الفصل الثالث ولا يجوز للحر أن يجمع في عقد الدوام بين أكثر من أربع حرائر، أو أمتين، ولا للعبد أن يجمع بين أكثر من أربع إماء، أو حرتين، وإذا اجتمع عنده أربع حرائر، لزم العدل بينهن في المبيت، ولا يفضل واحدة إلا برضى الأخرى، بلا خلاف، فإن كان عنده زوجتان جاز أن يفضل إحداهما بليلتين، بدليل إجماع الطائفة، وأيضا فإن له حقا، بدلالة أن له أن يتزوج اثنتين أخراوين، فجاز أن يجعل نصيبهما (3) لاحدى زوجتيه. وإن كان له زوجتان حرة وأمة، كان للحرة ليلتان وللأمة ليلة، بدليل

= وكنز العمال: 4 / 363 برقم 10918 و 10919 ولفظ الحديث في بعضها: المسلمون... و التهذيب: 7 / 371 برقم 1503 كما في المتن. 1 - تقدم مصدره آنفا.
2 - في " س ": فكان صحيحا هنا.
3 - في الأصل و " س ": " أن يجعل نصيبه " والصحيح ما في المتن.

[ 351 ]

الاجماع المشار إليه، ويحتج على المخالف بما روي من قوله عليه السلام: من نكح أمة على حرة فللحرة ليلتان وللأمة ليلة (1)، وهذا نص، وروي مثل ذلك عن علي عليه السلام (2) ولا مخالف له في الصحابة. وإن كان عنده زوجة أو أكثر، فتزوج بأخرى ; فإن كانت بكرا، فلها حق التقديم وحق التخصيص بسبعة أيام، وإن كانت ثيبا، فلها حق التقديم و التخصيص بثلاثة أيام، من غير قضاء، أو سبعة يقضيها في حق الباقيات، ولها الخيار في ذلك، بدليل الاجماع المشار إليه. ويحتج على المخالف في التخصيص - فإن التقديم لا خلاف فيه - بما رووه من قوله عليه السلام: للبكر سبع وللثيب ثلاث (3)، فأضاف إليهما ذلك بلام الملك، وقوله لأم سلمة (4) لما دخلت عليه: إن شئت سبعت عندك، وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت.
(5) الفصل الرابع ويكره للحر أن يتزوج بأمة (6) وهو يجد طولا للحرة، ولا يخاف على نفسه

1 و 2 - لاحظ سنن الدارقطني: 3 / 258 وسنن البيهقي: 7 / 299 ونقله الشيخ في الخلاف كتاب القسم بين الزوجات المسألة 3 كما في المتن.
3 - سنن الدارقطني: 3 / 283 برقم 140 والجامع الصغير: 2 / 416 ونقله الشيخ في الخلاف كتاب القسم بين الزوجات المسألة 6 ولاحظ سنن البيهقي: 7 / 301 و 302.
4 - إسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة القرشية المخزومية زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كانت من المهاجرات إلى الحبشة وإلى المدينة، لاحظ أسد الغابة: 5 / 588.
5 - سنن البيهقي: 7 / 300 باب الحال التي يختلف فيها حال النساء ونقله الشيخ في الخلاف كتاب القسم بين الزوجات المسألة 6 ولاحظ سنن الدارقطني: 3 / 283 و 284.
6 - في " ج ": أن يتزوج أمة.

[ 352 ]

العنت، بدليل إجماع الطائفة، ولا يجوز للحر أن يتزوج أمة، ولا للحرة أن تتزوج عبدا إلا بإذن السيد، فإن فعلا ذلك بغير إذنه، كان العقد موقوفا على إجازته، والولد حر مع الأذن، إلا أن يشترط الرق، ورق مع عدمه. وإذا مات السيد أو باع العبد، فالوارث والمبتاع بالخيار بين إمضاء العقد وفسخه، وكذا لو أعتق الأمة، كان الخيار لها في ذلك، سواء كان الزوج حرا أو عبدا، وإذا حصل الرضا من هؤلاء، لم يكن لهم بعد الرضا خيار، ولا توارث بين الزوجين إذا كان أحدهما رقا. وإذا زوج عبده بأمة غيره فالطلاق بيد الزوج، والولد - إن لم يكن هناك شرط أنه رق لأحد السيدين - بينهما في الملك على السواء، ومن زوج عبده بأمته، استحب له أن يعطيها شيئا من ماله مهرا، والفراق بينهما بيده، يأمر كل واحد منهما باعتزال صاحبه متى شاء، وليس للزوج طلاق على حال، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة. الفصل الخامس وإذا كانت الزوجة ممن يصح الدخول بها، لبلوغها تسع سنين فصاعدا، و تسلمها الزوج، لزمه إسكانها، والانفاق في كسوتها وإطعامها بالمعروف، ولزمها طاعته في نفسها، وملازمة منزله، فإن عصته وهي مقيمة فيه، وعظها وخوفها الله تعالى، فإن لم يؤثر ذلك هجرها بالاعراض عنها، واعتزال الفراش، أو تحويل وجهه عنها فيه، فإن لم يؤثر ذلك ضربها ضربا رفيقا (1) غير مؤثر في جسدها، ولا يترك ما تضطر إليه من غذاء ولباس. فإن خرجت من منزله بغير إذنه، أو بإذنه وامتنعت من العود إليه، سقط

1 - في " ج ": دقيقا.

[ 353 ]

عنه فرض نفقتها، وكان له ردها إليه وإن كرهت، وتأديبها بما قدمناه ; قال الله تعالى: * (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن) * (1)، وقال كثير من أهل التفسير: معنى * (تخافون) * تعلمون، ومن لم يقل ذلك، وحمل الخوف على ظاهره، لابد أن يضمر: " وعلمتم ذلك منهن " لأن بمجرد الخوف من النشوز وقبل حصوله، لا يفعل شئ مما ذكرناه. وأما الزوج إذا نشز على المرأة، وكره المقام معها وهي راغبة فيه، فلا بأس أن تبذل له على استدامة المقام معه شيئا من مالها، وتسقط عنه فرض نفقتها والليلة التي لها منه، ويصطلحا على ذلك ; قال الله تعالى: * (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير) *.
(2) والشقاق بين الزوجين يكون بأن يكره كل واحد منهما صاحبه، ويقع بينهما الخصام، ولا يستقر بينهما صلح، لا على طلاق (3)، ولا على مقام من غير شقاق، وأيهما رفع الخبر إلى الحاكم، فعليه أن يبعث رجلين مأمونين، أحدهما من أهل الزوج والآخر من أهل المرأة ينظران بينهما ; فإن أمكنهما الاصلاح نجزاه (4)، فإن رأيا أن الفرقة أصلح، أعلما الحاكم بذلك، ليرى رأيه. وليس له إجبار الزوج على الطلاق إلا أن يمنع من حقوق الزوجة واجبا عليه (5) ; قال الله تعالى: * (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) *.
(6)

1 - النساء: 34.
2 - النساء: 128.
3 - في " ج ": إلا على طلاق.
4 - في " ج ": تحراه. 5 - في " ج ": إلا أن يمنع من حقوق الزوجية ما وجب عليه.
6 - النساء: 35.

[ 354 ]

ومن تزوج امرأة على أنها حرة فخرجت أمة، أو بنت حرة فخرجت بنت أمة، أو سليمة فخرجت مجذومة، أو برصاء، أو عمياء، أو رتقاء، أو مفضاة، أو مجنونة، أو عرجاء - ومن أصحابنا من ألحق بذلك كونها محدودة في الزنا (1) - كان له ردها، وفسخ العقد بغير طلاق، بإجماع الطائفة، ويأخذ ما دفع إليها من المهر إلا أن يكون قد وطئها قبل العلم بالعيب، فإنه يكون المهر لها بما استحل من فرجها، ويرجع به على من تولى أمرها، إن كان علم بالعيب، ودلسها عليه. وإن كانت أمة فرزق منها ولدا ; فإن كان عقد على أنها حرة بشهادة شاهدين لها بالحرية، فالولد حر، ويرجع السيد بقيمة الولد والمهر على من تولى أمرها، وإن كان عقد من غير بينة بذلك، فولدها رق، ويلزم سيدها دفعه إلى الأب بالقيمة، وعلى الأب دفعها إليه، فإن لم يكن له مال استسعى فيها، فإن أبى ذلك، فعلى الامام القيام بها من سهم الرقاب، وعلى الأب لمولى الجارية، عشر قيمتها إن كانت بكرا، ونصف عشرها إن لم تكن كذلك. وإن علم الزوج بأحد هذه العيوب، فوطئها، أو رضي به، لم يكن له بعد ذلك رد، ولا أخذ شئ من المهر، ويكون الولد من الأمة رقا لسيدها إن كان العقد بغير إذنه، ولا يلزم دفعه بالقيمة بلا خلاف. والحرة إذا تزوجت برجل على أنه حر، فظهر عبدا، أو سليم، فظهر أنه مجنون، أو عنين، أو مجبوب، فلها الرد، ولا يرد الرجل بغير هذه العيوب - وحكم الولد من العبد ما قدمناه من حكم ولد الأمة - غير أن العنين يجب الصبر عليه سنة ; فإن تعالج ووصل إليها فيها ولو مرة واحدة، فلا خيار لها في رده، وإن لم يصل إليها في هذه المدة، فلها الخيار، وهذا حكم العنة الحادثة بعد الدخول والصحة، بدليل إجماع الطائفة. والجنون الحادث بعد الدخول ; إن كان يعقل معه أوقات الصلاة، فلا خيار

1 - القاضي: المهذب: 2 / 231.

[ 355 ]

لها في فراقه، وإن كان لا يعقل ذلك، كان لها الخيار، ولزم وليه أن يطلقها منه، إن طلبت الفراق بلا خلاف بين أصحابنا. وإذا حدث بالزوجة بعد الدخول أحد ما قدمناه من العيوب، لم يكن للزوج به فسخ العقد، وإنما يفارقها إذا شاء بالطلاق، على خلاف بينهم في ذلك. ويجوز لمن أراد نكاح امرأة أن ينظر إلى وجهها وكفيها، بدليل إجماع الطائفة، وقد روى جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إذا أراد أحدكم أن يتزوج امرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها (1)، وروى أبو الدرداء (2) أنه قال: إذا طرح الله في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن يتأمل محاسن وجهها.
(3) الفصل السادس وأما نكاح المتعة تفتقر صحته إلى شرطين زائدين على ما تقدم من الشروط: أحدهما تعيين الاجر (4) والثاني تعيين الأجل ; فإن ذكر الاجر دون الأجل كان دواما، وإن ذكر الأجل فقط، فسد العقد، ويستحب ذكر ما عدا هذين الشرطين، نحو أن يقول: على أن لا ترثيني ولا أرثك، وأن أضع الماء حيث شئت، وأنه لا

1 - رواه النووي في المجموع في شرح مهذب الشيرازي: 17 / 215 من الطبعة الوحيدة، الناشر مكتبة الارشاد، جدة المملكة العربية السعودية، كتاب النكاح. 2 - عويمر بن مالك بن زيد بن قيس المعروف بأبي الدرداء الأنصاري الخزرجي، وقيل: اسمه عامر بن مالك وعويمر لقبه، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعائشة وزيد بن ثابت، وعنه إبنه بلال وزوجته أم الدرداء وسويد بن غفلة وغيرهم، وآخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين سلمان الفارسي، مات في زمن عثمان قبل سنتين من موته وقيل: سنة 32 ه‍ لاحظ أسد الغابة: 4 / 159 وتهذيب التهذيب: 8 / 175.
3 - رواه النووي في المجموع: 17 / 123 - 214 وأحمد بن حنبل في مسنده: 4 / 226 عن محمد بن سلمة باختلاف يسير.
4 - في " ج ": تعيين المهر.

[ 356 ]

سكنى لك ولا نفقة، وعليك العدة إذا انقضت المدة. والمتمتع بها لا يتعلق بها حكم الايلاء، ولا يقع بها طلاق، ولا يصح بينها وبين الزوج لعان، ويصح الظهار، وانقضاء الأجل يقوم في الفراق مقام الطلاق، ويدل على ذلك كله إجماع الطائفة، ولا سكنى لها، ولا نفقة، ولا توارث بينهما، بلا خلاف بينهم أيضا، ولو شرط ذلك كله، لم يجب أيضا عند بعض أصحابنا (1)، لأنه شرط يخالف السنة، وعند بعضهم يثبت بالشرط.
(2) ويجوز الجمع في هذا النكاح بين أكثر من أربع، ولا يلزم العدل بينهن في المبيت، ويلحق الولد بالزوج، ويلزم الاعتراف به إذا وطئ في الفرج وإن كان يعزل الماء، بدليل الاجماع المشار إليه. ويدل أيضا على إباحة نكاح المتعة أن ذلك هو الأصل في العقل، وإنما ينقل (3) عن الأصل العقلي بدليل، ولا دليل يقطع به في ذلك، فوجب البقاء على حكم الأصل، وأيضا فهذا النكاح كان مباحا في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلا خلاف، وإنما ادعى النسخ، وعلى من ادعاه الدليل. وأيضا قوله تعالى: * (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) * (4) الآية، والاستمتاع بالنساء بعرف الشرع مختص بهذا العقد، فوجب حمل الآية عليه به. فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون المراد بالاستمتاع هاهنا الالتذاذ والانتفاع دون العقد المخصوص، بدليل أن قوله: * (وأحل لكم ما وراء ذلكم) *، يتناول عقد الدوام بلا خلاف؟ قلنا: لا يجوز حمل لفظ الاستمتاع على ما ذكر لأمرين: أحدهما: أنه يجب

1 - الحلبي: الكافي / 298.
2 - الشيخ: النهاية / 492.
3 - كذا في الأصل: ولكن في " ج " و " س ": ينتقل.
4 - النساء: 24.

[ 357 ]

حمل الالفاظ الواردة في القرآن على ما يقتضيه العرف الشرعي، دون الوضع اللغوي، على ما بيناه في أصول الفقه، والثاني: أن الالتذاذ لا اعتبار به في وجوب المهر، لأنا لو قدرنا ارتفاعه عمن وطئ زوجته ولم يلتذ، لأن نفسه كرهتها، أو لغير ذلك، لوجب المهر بالاتفاق، فيثبت أن المراد ما قلناه. وأما إباحته تعالى بالآية نكاح الدوام، فغير مناف لما ذكرناه، من إباحة نكاح المتعة، لأنه سبحانه عم الأمرين معا بقوله: * (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين) *، ثم نص سبحانه نكاح المتعة بقوله: * (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) *. ويؤيد ذلك ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام وعبد الله بن عباس وابن مسعود ومجاهد (1) وعطاء (2) من أنهم كانوا يقرأون: " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى " (3) وقوله تعالى: * (ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) * (4)، والمراد بذلك على ما اتفق عليه أصحابنا. ورووه عن آل الرسول عليه وعليهم السلام الزيادة من الزوج في الاجر، ومن الزوجة في الأجل. وتعلق المخالف (5) بقوله تعالى: * (والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) * (6)، وادعاؤهم أن المتمتع بها ليست زوجة، لأنها لا ترث ولا تورث ولا تبين بالطلاق، ولا يلحقها حكم الايلاء والظهار، ولا يصح بينها وبين زوجها

1 - أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي المخزومي، روى عن علي عليه السلام وسعد بن أبي وقاص وروى عنه عطاء و...، مات سنة 100 وقيل 104 ه‍، طبقات الفقهاء: 58 وتهذيب التهذيب: 10 / 42.
2 - عطاء بن أبي رياح القرشي مولاهم أبو محمد المكي، روى عن ابن عباس وأسامة، وروى عنه إبنه يعقوب وأبو إسحاق، مات سنة 114 ه‍. طبقات الفقهاء: 57 وتهذيب التهذيب: 7 / 199.
3 - سنن البيهقي: 7 / 205 ولاحظ مجمع البيان: 3 / 32.
4 - النساء: 24.
5 - هو مبتدأ، خبره قوله: " ليس بشئ يعول ".
6 - المؤمنون: 5 - 7.

[ 358 ]

لعان، ولا يلحق الولد بزوجها، ولا تعتد لانقضاء الأجل وللوفاة إذا كانت حرة، كعدة الحرائر من الازواج، ولا تحلل للمطلق ثلاثا، العود إلى الزوجة، ولا يجب لها سكنى ولا نفقة (1)، ليس بشئ يعول على مثله، لأن الأحكام الشرعية إنما تثبت بالادلة الشرعية، ولا مدخل فيها للقياس على ما بيناه في أصول الفقه.
(2) وإذا ثبت ذلك، وكان الدليل الشرعي قد قدر (3) هذه الأحكام في المتمتع بها، وجب القول بها، ولم يجز قياسها على غيرها من الزوجات. على أن ما ذكروه من الميراث ينتقض بالقاتلة لزوجها، فإنها لا ترثه، و بالزوجة إذا كانت ذمية أو أمة، فإنه لا توارث بينها وبين زوجها. وأما الطلاق فقد قام مقامه في الفرقة غيره في كثير من الزوجات، كالملاعنة، والمرتدة، والأمة المبيعة، والمالكة لزوجها، فما أنكروا أن يكون انقضاء الأجل يقوم في الفرقة مقام الطلاق، ولا يحتاج إليه؟! وليس لأحد أن يقول:: فإلا وقع الطلاق قبل انقضائه؟! لأن كل من أجاز النكاح إلى أجل، منع من وقوع الطلاق قبله ; فالقول بأحد الأمرين دون الآخر، يبطله الاجماع. وأما الايلاء فإن الله تعالى علق حكم من لم يراجع ويكفر بالطلاق (4)، ولا يقع بالمتمتع بها طلاق، فلا يلحقها حكم الايلاء، مع أنه قد يكون أجل المتعة أقل من الأجل المضروب في الايلاء، وهو أربعة أشهر، فكيف يصح في هذا النكاح الايلاء؟ وأما اللعان فعند أبي حنيفة أن الشرط في وقوعه بين الزوجين أن يكونا حرين مسلمين، وعنده أن الأخرس لا يصح قذفه ولا لعانه ; فلا يصح له التعلق في نفي

1 - هذه الوجوه الثمانية التي استدل بها المخالف على أن المتعة ليست بزوجة، قد أجاب عنها السيد المرتضى - قدس سره - بتفصيل، لاحظ الانتصار، ص 114.
2 - في " ج ": على ما بيناه فيما مضى في أصول الفقه.
3 - في " ج ": قد قرر.
4 - في " ج ": حكم من يراجع ولم يكفر بالطلاق.

[ 359 ]

زوجية المتمتع بها بانتفاء اللعان. وأما الظهار فيقع بالتمتع بها عندنا، ويلحق الولد بأبيه في هذا النكاح، بخلاف ما ظنوه. وأما العدة إذا انقضى أجلها فقرءان، وقد ثبت بلا خلاف أن عدة الأمة كذلك، وإن كانت زوجة، وإذا توفي زوجها قبل انقضاء الأجل، فعدتها عندنا أربعة أشهر وعشرة أيام، كعدة المعقود عليها عقد الدوام. وما يتعلق به المخالف في تحريم المتعة من الأخبار، أخبار آحاد لو سلمت من القدح في رواتها والمعارضة لها، لم يجز العمل في الشرع بها، فكيف وقد طعن أصحاب الحديث في رواتها، وضعفوهم بما هو مسطور؟! وعارضها أخبار كثيرة في إباحة المتعة، واستمرار العمل بها، حتى ظهر من نهي عمر عنها ما نقله الرواة؟! وقوله: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حلالا أنا أحرمهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج (1) يبطل دعوى المخالف: أن النبي عليه السلام هو الذي حرمها، لأنه اعترف بأنها كانت حلالا في عهده، وأضاف النهي والتحريم إلى نفسه. فإن قيل: كيف يصرح بتحريم ما أحله النبي عليه السلام، ولا ينكر ذلك عليه؟ قلنا: ارتفاع النكير يحتمل أن يكون للتقية، ويحتمل أن يكون لشبهة، وهي اعتقاد التغليظ والتشديد في إضافة النهي إليه، وإن كان النبي عليه السلام هو الذي حرمها، أو اعتقاد جواز نهي بعض الأئمة عما أباحه الله إذا أشفق في استمرار عليه من ضرر في الدين (2).

1 - سنن البيهقي: 7 / 206 باب نكاح المتعة وكنز العمال: 16 / 519 برقم 45715، 45722 والمغني لابن قدامة: 7 / 572، والغدير: 6 / 211.
2 - وللسيد المرتضى قدس سره كلام في المقام جدير بالمطالعة، لاحظ الانتصار: 112

[ 360 ]

وهذا الوجه هو الذي حمل الفقهاء نهي عمر عن متعة الحج عليه، على أن المتمتع لا يستحق حدا من رجم ولا غيره باتفاق، وقد قال عمر: لا أوتى بأحد تزوج متعة إلا رجمته بالحجارة (1)، وما أنكر أحد ذلك عليه، ومهما اعتذروا به عن ذلك، كان عذرا في ترك النكير لتحريم المتعة. الفصل السابع وأما ملك اليمين فيكون بأحد أسباب التمليك، وإذا انتقلت إلى الملك بأحد أسبابه، لم يجز وطؤها حتى تستبرئ بحيضة أو خمسة وأربعين يوما إن كانت ممن لا تحيض، إلا أن يكون البائع لها قد استبرأها قبل البيع، وهو ممن يوثق بأمانته، فإنه لا يجب على المشتري - والحال هذه - استبراؤها، وإنما يستحب له ذلك، فإن كانت حاملا لم يجز له وطؤها في الفرج - حتى يمضي لها أربعة أشهر - إلا بشرط عزل الماء، فإن لم يعزل لم يجز له بيع الولد، ولا أن يعترف به ولدا، بل يجعل له قسطا من ماله، لأنه غذاه بنطفته، بدليل إجماع الطائفة. ولا يحل وطئ الأمة إذا كان بعضها حرا وبعضها رقا، بل يكون لمالك البعض من خدمتها في الزمان بمقدار ما يملكه منها، ولها من نفسها بمقدار ما هو حر منها، وقد روي أنه يجوز أن يعقد عليها في يومها عقد المتعة خاصة.
(2) وإن كانت مشتركة بين شريكين لم يجز لأحدهما وطؤها إلا أن يحلله شريكه من ذلك، على ما رواه أصحابنا (3)، ولابد من اعتبار لفظ التحليل، بأن يقول: حللتك من وطئها، أو: جعلتك منه في حل، وكذا لو كانت خاصة في الملك، فإنه يجوز وطؤها لغير المالك بتحليله لها ; فإن وطئها أحد الشريكين من غير تحليل، أثم

1 - كنز العمال: 16 / 520 برقم 45716 و 45725 وسنن البيهقي: 7 / 206 باب نكاح المتعة باختلاف يسير ونقله السيد المرتضى في الانتصار ص 112. 2 و 3 - لاحظ النهاية: 494 كتاب النكاح باب السراري وملك الايمان.

[ 361 ]

ووجب تأديبه، فإن جاءت بولد ألحق به، ولزمه لشريكه سهمه من قيمته، فإن وطأها جميعا أثما وأدبا، فإن جاءت بولد ألحق بمن خرج له اسمه بالقرعة، ودفع إلى شريكه مقدار نصيبه من قيمته. ويجوز شراء الجارية ووطؤها، وإن سباها الظالمون، إذا كانت مستحقة للسبي وإن لم يخرج منها الخمس، لتحليل مستحقيه شيعتهم (1) إياهم خاصة من ذلك لتطيب مواليدهم، ويجوز وطؤها وإن لم تسلم إذا كانت كتابية. ومتى ملك المرء من يحرم عليه مناكحته بالنسب، عتق عليه عقيب ملكه بلا فصل، ويجري على أم الولد جميع أحكام الرق إلا بيعها وولدها حي (2) في غير ثمنها، فإنه لا يجوز [ بيعها ] (3) على ما بيناه في كتاب البيع ; كل ذلك بدليل إجماع الطائفة عليه. ويجوز الجمع في الوطئ بملك اليمين بين قليل العدد وكثيره، ويجوز الجمع بين المحرمات بالنسب والسبب في الملك، دون الوطئ، على ما دللنا عليه فيما مضى. ووطئ الحلائل من النساء في الدبر غير محظور، بدليل الاجماع المشار إليه، و أيضا قوله تعالى: * (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) * (4)، ومعنى * (أنى شئتم) * من أين شئتم، وكيف شئتم، في قول العلماء بالتفسير واللغة، وحمل ذلك على الوقت، وأن يكون المعنى " متى شئتم " على ما حكى عن الضحاك (5) خطأ عند جميعهم. وقول المخالف: إذا سمى الله تعالى النساء حرثا، وجب أن يكون الوطئ

1 - في " ج ": لشيعتهم.
2 - في " ج ": وولدها حر.
3 - مابين المعقوفتين موجود في " ج ".
4 - البقرة: 223.
5 - حكاه الطبرسي عنه في المجمع: 1 / 321 والضحاك أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني، كان ظاهري المذهب، وله تصانيف كثيرة، مات سنة 287، لاحظ الاعلام للزركلي: 1 / 189.

[ 362 ]

حيث يكون النسل، لا يعول على مثله، لأنه لا يمتنع تسميتهن بذلك، مع إباحة وطئهن فيما لا يكون منه الولد، لأنه (1) لا خلاف في جواز وطئهن فيما عدا القبل و الدبر، لأنه لو صرح بأن قال: فأتوا حرثكم أنى شئتم، من قبل ودبر، لحسن ولما (2) كان متنافيا، ولو كان ذكر الحرث يمنع من الوطئ في الدبر، لتنافى ذلك ولم يحسن التصريح به. ومن يقول: إن المراد بالآية إباحة وطئ المرأة في قبلها من جهة دبرها، خلافا لما يكرهه اليهود، مخصص للظاهر (3) من غير دليل، ولو صح نزول الآية على هذا السبب، لم يجز (4) أكثر من مطابقتها له، فأما منع تعديها إلى غيره مما يقتضيه ظاهرها فلا يجب. وقد حكى الطحاوي (5) عن الشافعي أنه قال: ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تحريم ذلك ولا تحليله شئ، والقياس أنه مباح (6)، وحكى عن مالك أنه قال: ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني يشك في أن وطئ المرأة في دبرها حلال وتلا الآية، وروى مالك (7) ذلك عن نافع عن ابن عمر.
(8)

1 - في " ج " و " س ": بدليل أنه.
2 - في " س ": لحسن منه ولما.
3 - في الأصل: " مخصص لظاهر " وراجع في توضيح مقالة اليهود إلى المجمع: 1 / 320 وسنن البيهقي: 7 / 195.
4 - في " ج ": لم يجب.
5 - أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي - النسبة إلى " طحا "، وهي قرية بأسفل أرض مصر من الصعيد يعمل فيها كيزان، يقال لها: الطحوية - مات 321 ه‍. لاحظ الانساب، للسمعاني: 4 / 52 وكشف الظنون: 1 / 32.
6 - الدر المنثور: 1 / 638 في ذيل الآية 223 من سورة البقرة، ونيل الأوطار: 6 / 201.
7 - هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر، الاصبحي الحميري، أبو عبد الله المدني، روى عن عامر بن عبد الله بن الزبير وزيد بن أسلم، ونافع مولى ابن عمر وحميد الطويل وغيرهم، وروى عنه الزهري ويحيى بن سعيد ويزيد بن عبد الله وغيرهم، مات 79 تهذيب التهذيب: 10 / 5.
8 - الدر المنثور: 1 / 638 في ذيل الآية 223 من سورة البقرة وروح المعاني: 2 / 124 في تفسير الآية.

[ 363 ]

الفصل الثامن وأما ما يقتضي تحريم الحلائل من النساء فعلى ضربين: أحدهما: يصاحب ما يقتضي تحليلهن. والثاني: يوجب فسخه. فالأول: الدخول في الاحرام، والصوم الواجب، وحدوث دم الحيض والنفاس، والايلاء، والظهار. والثاني: الطلاق واللعان والارتداد، على ما نبينه. الفصل التاسع: في الايلاء يفتقر الايلاء الشرعي - الذي يتعلق به إلزام الزوج بالفيئة أو الطلاق، بعد مطالبة الزوجة بذلك - إلى شروط: منها: أن يكون الحالف بالغا كامل العقل. ومنها: أن يكون المولى منها زوجة دوام. ومنها: أن يكون الحلف بما ينعقد به الايمان من أسماء الله تعالى خاصة. ومنها: أن يكون ذلك مطلقا من الشروط. ومنها: أن يكون مع النية والاختيار، من غير غضب ملجئ ولا إكراه.

[ 364 ]

ومنها: أن تكون المدة التي حلف أن لا يطأ الزوجة فيها، أكثر من أربعة أشهر. ومنها: أن تكون الزوجة مدخولا بها. ومنها: أن لا يكون الايلاء في صلاحه لمرض يضر به الجماع، أو في صلاح الزوجة، لمرض، أو حمل، أو رضاع. (1) يدل على ذلك كله إجماع الطائفة، وأيضا فإن وقوع الايلاء وتعلق الأحكام به، طريقه الشرع، ولا خلاف في ثبوت ذلك مع تكامل ما ذكرناه، وليس على ثبوته مع اختلال بعضه دليل، فوجب نفيه، ويخص ما اشترطناه من كونها زوجة دوام ما قدمناه في فصل المتعة. ويحتج على المخالف فيما اعتبرناه من كون اليمين بأسماء الله تعالى خاصة بما رووه من قوله عليه السلام: من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (2)، ويحتج عليه في النية بقوله عليه السلام: إنما الأعمال بالنيات (3)، والمراد أن أحكام الأعمال إنما تثبت بالنية، لما علمناه من حصول الأعمال في أنفسها من غير نية، ويحتج عليه في الاكراه بما رووه من قوله عليه السلام: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (4)، ويدخل في ذلك رفع الحكم والمآثم، لأنه لا تنافي بينهما. ويخص كون المدة أكثر من أربعة أشهر قوله تعالى: * (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر) * (5)، فأخبر سبحانه أن له التربص هذه المدة، فثبت

1 - في " س ": أو ارضاع. 2 - سنن الدارمي: 2 / 185 وسنن البيهقي: 10 / 28.
3 - سنن البيهقي: 7 / 341 ومسند أحمد بن حنبل: 1 / 25 وسنن الدارقطني: 1 / 51 برقم 1.
4 - سنن البيهقي: 7 / 356 و 357 والجامع الصغير: 2 / 16 برقم 4461 وسنن ابن ماجة: 1 / 659 برقم 2045 والفقيه: 1 / 59 برقم 132.
5 - البقرة: 226.

[ 365 ]

أن ما يلزمه من الفيئة أو الطلاق يكون بعدها. ويخص كونها مدخولا بها قوله تعالى: * (فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم) * (1)، لأن المراد بالفيئة العود إلى الجماع بلا خلاف، ولا يقال: عاد إلى الجماع، إلا لمن تقدم منه فعله، وهذا لا يكون إلا في المدخول بها. ولا يصح اعتماد المخالف فيما ذكرناه من الشروط على ظاهر قوله تعالى: * (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر) *، لأنا نخص ذلك بالدليل، على أنا نمنع من تسمية من أخل ببعض ما اشترطناه موليا، فعليهم أن يدلوا على ذلك حتى تتناوله الآية، ولا دليل لهم عليه. وإذا تكاملت هذه الشروط في الايلاء، فمتى جامع حنث، ولزمته كفارة يمين، وإن استمر اعتزاله لها، فهي بالخيار بين الصبر عليه وبين مرافعته إلى الحاكم ; فإن رافعته إليه أمره بالجماع والتكفير، فإن أبى أنظره أربعة أشهر من حين المرافعة، لا من حين اليمين، ليراجع نفسه، فإن مضت هذه المدة، ولم يجب إلى ما أمره، فعليه أن يلزمه بالفيئة أو الطلاق، فإن أبى ضيق عليه في التصرف، و المطعم، والمشرب، حتى يفعل أيهما اختاره. ولا تقع الفرقة بين الزوجين بانقضاء المدة، وإنما يقع بالطلاق، بدليل إجماع الطائفة، وأيضا قوله تعالى: * (وإن عزموا الطلاق) * (2) فأضاف الطلاق إلى الزوج، كما أضاف الفيئة إليه، فكما أن الفيئة لا تقع إلا بفعله، فكذلك الطلاق، وقوله تعالى: * (فإن الله سميع عليم) * (3)، لأنه يفيد أن هناك ما يسمع ; ولا يوصف بذلك إلا الطلاق دون انقضاء المدة، وأيضا فإن الأصل بقاء العقد فمن ادعى أن انقضاء المدة طلقة بائنة، أو رجعية، فعليه الدليل.

1 - البقرة: 226. 2 و 3 - البقرة: 227.

[ 366 ]

ومن آلى أن لا يقرب زوجته المعقود عليها عقد متعة، أو أمته، لزمه الوفاء، ومتى لم يف حنث وعليه الكفارة، ولا حكم لها عليه إذا استمر على مقتضى الايلاء. الفصل العاشر: في الظهار يفتقر صحة الظهار الشرعي إلى شروط: منها: أن يكون المظاهر بالغا، كامل العقل، ولا يصح من صبي، ولا مجنون، ولا سكران. ومنها: أن يكون مؤثرا له، فلا يصح من مكره، ولا غضبان لا يملك مع غضبه الاختيار. ومنها: أن يكون قاصدا به التحريم، فلا يقع بيمين، ولا مع سهو، ولا لغو. ومنها: أن يكون متلفظا بقوله: أنت علي كظهر أمي، أو إحدى المحرمات عليه ; فلو علق ذلك بغير الظهر، من رأس أو يد، أو غيرهما، لم يصح. ومنها: أن يكون ذلك مطلقا من الاشتراط، فلو قال: أنت كظهر أمي إن كان كذا، لم يصح، وإن حصل الشرط. ومنها: أن يكون موجها ذلك إلى معقود عليها، سواء كانت حرة، أو أمة، دائما نكاحها، أو مؤجلا، فلو قال: إذا تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي، لم يقع بها ظهار وإن تزوجها. ومنها: أن يكون معينا لها، فلو قال - وله عدة أزواج -: زوجتي أو إحدى زوجاتي علي كظهر أمي، من غير تمييز لها بنية، أو إشارة، أو تسمية، لم يصح. ومنها: أن تكون طاهرا من الحيض، أو النفاس، طهرا لم يقربها فيه بجماع،

[ 367 ]

إلا أن تكون حاملا، أو ليست ممن تحيض، ولا في سنها من تحيض، أو غير مدخول بها، أو مدخولا بها وهي غائبة عن زوجها، فإنه لا اعتبار بهذا الشرط فيها. ومنها: أن يكون الظهار منها بمحضر من شاهدي عدل. ويدل على ذلك كله ما قدمناه في اعتبار شروط الايلاء من إجماع الطائفة، ونفي الدليل الشرعي على وقوعه مع اختلال بعضها، ولا يقدح فيما اعتمدناه من الاجماع خلاف من قال من أصحابنا (1) بوقوع الظهار مع الشرط، وبحصول التحريم، وثبوت حكم الظهار مع تعليق اللفظ بغير الظهر، وبنفي وقوعه بغير المدخول بها، لتميزه من جملة المجتمعين باسمه ونسبه، على أن قوله تعالى: * (والذين يظاهرون من نسائهم) * (2)، ينافي تعليقه بغير الظهر، وعدم وقوعه بغير المدخول بها، لأن الظهار مشتق من لفظ الظهر، وغير المدخول بها توصف بأنها من نساء الزوج. وإذا تكاملت شروط الظهار، حرمت الزوجة عليه، فإن عاد لما قال، بأن يريد استباحة الوطئ، لزمه أن يكفر قبله بعتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا. ويدل على أن العود شرط في وجوب الكفارة ظاهر القرآن، ولأنه لا خلاف أن المظاهر لو طلق قبل الوطئ لا تلزمه الكفارة، وهذا يدل على أن الكفارة لا تجب بنفس الظهار، ويدل على أن العود ما ذكرناه، أن الظهار إذا اقتضى التحريم، وأراد المظاهر الاستباحة، وآثر رفعه، كان عائدا لما قال، ومعنى قوله: * (ثم يعودون لما قالوا) * (3) أي المقول فيه (4) كقوله سبحانه: * (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) * (5)،

1 - الشيخ: الخلاف كتاب الظهار المسألة 3 و 9 و 20. 2 و 3 - المجادلة: 3.
4 - في الأصل: أي لمقول فيه.
5 - الحجر: 99.

[ 368 ]

أي الموقن به، وكقوله عليه السلام: الراجع في هبته (1)، أي في الموهوب، وكما يقال: اللهم أنت رجاؤنا، أي مرجونا. ولا يجوز أن يكون المراد بالعود الوطئ، على ما ذهب إليه قوم، لأن قوله تعالى: * (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) * (2) أوجب (3) الكفارة بعد العود وقبل الوطئ، فدل على أنه غيره. ولا يجوز أن يكون العود إمساكها بعد الظهار زوجة، مع القدرة على الطلاق، على ما قال الشافعي، لأن العود يجب أن يكون رجوعا إلى ما يخالف مقتضى الظهار ; وإذا لم يقتض فسخ النكاح، لم يكن العود الامساك عليه، ولأنه تعالى قال: * (ثم يعودون لما قالوا) *، وذلك يقتضي التراخي، والقول بأن العود هو البقاء على النكاح، قول بحصوله عقيب الظهار من غير فصل، فهو بخلاف الظاهر.
(4) وإذا جامع المظاهر قبل التكفير فعليه كفارتان: إحداهما كفارة العود، و الأخرى عقوبة الوطئ قبل التكفير، بدليل إجماع الطائفة، ولأن بذلك يحصل اليقين ببراءة الذمة.
(5) وإن استمر المظاهر على التحريم فزوجة الدوام - وإن كانت أمة - بالخيار بين الصبر على ذلك وبين المرافعة إلى الحاكم، وعلى الحاكم أن يخيره بين التكفير واستباحة الجماع، وبين الطلاق، فإن لم يجب إلى شئ من ذلك، أنظره ; فإن فاء إلى أمر الله تعالى في ذلك، وإلا ضيق عليه في المطعم والمشرب حتى يفئ ولا يلزمه

1 - تقدم مصدر الحديث ص 300.
2 - المجادلة: 3. وفي " س ": لأنه تعالى قال: * (فتحرير...) *.
3 - في " س ": لأنه تعالى قال:... فأوجب.
4 - في الأصل: بخلاف الظهار.
5 - كذا في " س " ولكن في الأصل و " ج ": لبراءة الذمة.

[ 369 ]

الحاكم بالطلاق إلا إذا كانت قادرا على الكفارة وأقام على التحريم مضارة، بدليل إجماع الطائفة. وإذا طلق قبل التكفير سقطت عنه الكفارة، فإن راجع في العدة لم يجز له الوطئ حتى يكفر، فإن خرجت من العدة، واستأنف العقد عليها، جاز له الوطئ من غير تكفير، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز له الوطئ إلا أن يكفر على كل حال (1)، وظاهر القرآن معه، لأنه يوجب الكفارة بالعودة من غير فصل. وإذا ظاهر من زوجتين له فصاعدا، ألزمه مع العود لكل واحدة منهن كفارة، سواء ظاهر من كل واحدة على الانفراد، أو جمع بينهن في ذلك كله بكلمة واحدة، وإذا كرر كلمة الظهار، لزمه بكل دفعة كفارة، فإن وطئ التي كرر القول عليها قبل أن يكفر، يلزمه كفارة واحدة عن الوطئ وكفارات التكرار، بدليل الاجماع المشار إليه. وفرض العبد في الكفارة، الصوم، وفرضه فيه كفرض الحر، لظاهر القرآن، ومن أصحابنا من قال: الذي يلزمه شهر واحد (2)، ومن أصحابنا من قال: لا يصح الظهار من المنكوحة بملك اليمين (3)، ومنهم من قال: يصح (4)، وفي ذلك نظر.

1 - ذهب إليه أبو الصلاح وسلار، لاحظ المختلف: 601 من الطبع القديم.
2 - قال العلامة في المختلف ص 601 من الطبع القديم: ذهب الشيخان إلى أن كفارة العبد في الظهار صوم شهر واحد، وتبعهما ابن البراج، وقال أبو الصلاح: فرضه في الصوم كالحر، وبه قال ابن زهرة وابن إدريس.
3 - القاضي: المهذب: 2 / 298 والمفيد: المقنعة: 534 واختاره أبو الصلاح وسلار لاحظ المختلف ص 599 من الطبع القديم.
4 - الشيخ: النهاية / 527 والخلاف كتاب الظهار المسألة 8 وذهب إليه ابن أبي عقيل وابن حمزة لاحظ المختلف ص 599 من الطبع القديم.

[ 370 ]

الفصل الحادي عشر: في الطلاق تفتقر صحة الطلاق الشرعي إلى مثل ما افتقر إليه الظهار من الشروط، ولا يصح إلا من عاقل مختار قاصد إلى التحريم به غير حالف ولا ساه ولا حاك عن غيره ولا لاعب، متلفظ بصريحه - وهو لفظ الطلاق دون كناياته نحو: أنت حرام أو بائنة أو خلية أو برية أو الحقي بأهلك أو حبلك على غاربك وما أشبه ذلك، وإن قارنته النية - مطلق له من الاشتراط، موجه به إلى معقود عليها عقد دوام، معين لها، معلق له بجملتها دون أبعاضها، بمحضر من شاهدي عدل، في طهر لا جماع فيه، إلا في حق من استثنيناه. ويدل على ذلك ما قدمناه من الدليل في شروط الايلاء. ويخص اعتبار لفظ الطلاق، أنه الذي ورد به القرآن وتعلقت به الأحكام، فيجب أن لا يتعلق بغيره، ولا يقال لمن فعل ما فيه معنى الطلاق " مطلق " كما لا يقال لمن فعل ما فيه معنى الضرب " ضارب ". ويخص تعليق الطلاق بالشرط، أن ذلك غير مشروع، لأن الله سبحانه لم يشرع لمريد الطلاق أن يعلقه بأمر يجوز حصوله وارتفاعه، لأن ذلك لا يطابق مراده، وإذا لم يكن مشروعا، لم يتعلق به شئ من الأحكام الشرعية، وبمثل ذلك يبطل تعليق الطلاق بالأبعاض، لأنه ليس من الالفاظ المشروعة في الطلاق فيجب أن لا يقع، وأيضا قوله تعالى: * (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) * (1)، يدل على ذلك، لأنه علق الطلاق بما يتناوله اسم النساء، واليد أو الرجل لا يتناولهما

1 - الطلاق: 1.

[ 371 ]

ذلك. ويخص اعتبار الشهادة قوله تعالى: * (فطلقوهن لعدتهن) *، إلى قوله: * (وأشهدوا ذوي عدل منكم) * (1)، لأن ظاهر الأمر في الشرع يقتضي الوجوب، وهذا يوجب عود ذلك إلى الطلاق وإن بعد عنه، لأنه لا يليق إلا به دون الرجعة التي عبر عنها بالامساك، لأنه لا خلاف في أن الاشهاد عليها غير واجب، كما وجب عود التسبيح إليه تعالى مع بعد ما بينهما في اللفظ في قوله سبحانه: * (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه) * (2)، من حيث لم يلق إلا به. وحمل الأمر بالاشهاد على الاستحباب، ليعود إلى الرجعة، عدول عن الظاهر في عرف الشرع بغير دليل، ولا يجوز أن يكون الأمر بالاشهاد متعلقا بقوله تعالى: * (أو فارقوهن بمعروف) * (3) لأن المراد بذلك هاهنا ترك المراجعة، والاستمرار على موجب الطلاق المقتضي للفرقة، وليس بشئ يتجدد فعله فيفتقر إلى إشهاد. ويخص اعتبار الطهر أنه لا خلاف في أن الطلاق في الحيض بدعة و معصية، وقد فسر العلماء قوله تعالى: * (فطلقوهن لعدتهن) *، بالطهر الذي لا جماع فيه، وإذا ثبت أنه مخالف لما قد أمر الله تعالى لم يقع ولم يتعلق به حكم شرعي. ويحتج على المخالف بما رووه من أن ابن عمر طلق زوجته ثلاثا بلفظ واحد، وهي حائض، فسأل عمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فردها عليه ولم يره شيئا (4)، وظاهر ذلك نفي التأثيرات كلها، والتخصيص ببعضها يفتقر إلى دليل، وبما رووه من

1 - الطلاق: 2.
2 - الفتح: 8 - 9.
3 - الطلاق: 2.
4 - سنن الدارقطني: 4 / 7 برقم 14 وصحيح مسلم: 4 / 181 باب تحريم طلاق الحائض وسنن البيهقي: 7 / 334.

[ 372 ]

طريق آخر من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعمر: مره فليراجعها ثم ليدعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم ليطلقها إن شاء (1)، وظاهر الأمر على الوجوب. وإذا أوجب المراجعة دل ذلك على أن الطلاق لم يقع، والمراد بالمراجعة على هذا ردها إليه وترك اعتزالها، لأنه كان فارقها ظنا منه لوقوع الطلاق، وذلك يقال على سبيل الحقيقة لمن طلق زوجته طلاقا فاسدا، ولمن ظن وقوعه، فأخرجها من منزله واعتزلها. وإذا تقرر ما ذكرناه، من شروط الطلاق، فاعلم أنه على ضروب أربعة: واجب، ومحظور، ومستحب، ومكروه. فالواجب طلاق المولي بعد التربص، لأن عليه أن يفئ أو يطلق على ما قدمناه، وطلاق الخلع على ما نبينه. والمحظور طلاق المدخول بها في الحيض، أو الطهر الذي جامعها فيه، قبل أن يظهر بها حمل، ولا خلاف في حظره، وإنما الخلاف في وقوعه على ما بيناه. والمستحب طلاق من كانت الحال بينه وبين زوجته فاسدة بالشقاق، وتعذر الانفاق، وعجز كل واحد منهما عن القيام بما يجب عليه لصاحبه. والمكروه طلاقه إذا كانت الحال بينهما عامرة، وكل واحد قيم بحق صاحبه. والنساء في الطلاق على ضربين: منهن من ليس في طلاقها سنة ولا بدعة، ومنهن من في طلاقها ذلك. فالضرب الأول: الآيسة من الحيض، لصغر أو كبر، والحامل، وغير المدخول بها، والغائب عنها زوجها.

1 - صحيح مسلم: 4 / 181 باب تحريم طلاق الحائض وسنن الدارقطني: 4 / 7 برقم 15 وسنن البيهقي: 7 / 323 و 324.

[ 373 ]

والضرب الثاني: المدخول بها لا غير، إذا كانت حائلا، من ذوات الأقراء، وطلاقها للسنة في طهر لا جماع فيه، وللبدعة في حيض أو طهر فيه جماع. ثم أعلم أن الطلاق على ضربين: رجعي وبائن. والبائن على ضروب أربعة: طلاق غير المدخول بها، وطلاق العدة، و الخلع، والمباراة [ والتطليقة الثالثة بعد كل تطليقتين من أي طلاق كان ] (1). أما الرجعي فهو أن يطلق المدخول بها واحدة، ويدعها تعتد في سكناه و نفقته، ويحل له النظر إليها، ومراجعتها بالعقد الأول ما دامت في العدة، وليس لها عليه في ذلك خيار، وتجوز المراجعة من غير إشهاد، والاشهاد أولى، وإن قال: قد راجعتك، كان حسنا، وإن لم يقل ذلك، ووطأها أو قبلها بشهوة كان ذلك رجعة، بدليل إجماع الطائفة وقوله تعالى: * (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) * (2) فسمى المطلق طلاقا رجعيا بعلا، ولا يكون كذلك إلا والمرأة بعلة، وهذا يقتضي ثبوت الاباحة، لأنها تابعة للزوجية، ولم يشترط الشهادة ولا لفظ المراجعة. فإن خرجت من العدة ملكت نفسها، فإن آثر مراجعتها فبعقد جديد ومهر جديد، وتبقى معه على طلقتين أخراوين ; فإن كمل طلاقها ثلاث مرات في ثلاثة أطهار، مع تخلل مراجعته لها - على ما سندل عليه - ولم تكن تزوجت فيما بينهما سواه، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، نكاح دوام، ويكون بالغا، ويدخل بها، ويفارقها، وتنقضي عدتها منه. ويهدم الزوج الثاني التطليقات الثلاث وإن تكررت من الأول أبدا، ويبيح المرأة بالعقد المستأنف، وكذا إن تزوجت فيما بين الأولى والثانية، أو الثانية و الثالثة، هدم ذلك ما تقدم من الطلاق، على الأظهر الأكثر من روايات أصحابنا،

1 - ما بين المعقوفتين موجود في حاشية الأصل و " ج ". 2 - البقرة: 228.

[ 374 ]

ومنهم من قال: لا يهدم الزوج الثاني ما دون الثلاث، ومتى رجعت إلى الأول، كانت معه على ما بقي من تمام الثلاث (1)، وظاهر قوله تعالى: * (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) * (2) معه، لأنه يدل على تحريمها عليه بالثالثة، حتى تنكح زوجا غيره من غير فصل. وأما غير المدخول بها فإنه إذا طلقها واحدة، بانت منه، وملكت نفسها في الحال، فإن أختار مراجعتها ورضيت، فبعقد جديد ومهر جديد، فإن راجعها و طلقها قبل الدخول تمام ثلاث مرات، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وهذا مختص بحرائر النساء، فأما الأمة فأقصى طلاقها - حرا كان الزوج أو عبدا - طلقتان. وأما طلاق العدة فيختص بالمدخول بها المستقيمة الطهر والحيض، و صفته أن يطلقها في طهر لا جماع فيه، بشاهدي عدل، ثم يراجعها قبل أن تخرج من عدتها، ويطأها، فإذا حاضت وطهرت، طلقها ثانية بشاهدي عدل، ثم راجعها قبل الخروج من العدة، ووطئها، فإذا حاضت وطهرت طلقها ثالثة بشاهدي عدل، فإذا فعل ذلك حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، ولا يهدم الزوج الثاني هذه التطليقات الثلاث أبدا، بل متى طلقها على هذا الوجه تسع تطليقات، ينكحها بينها رجلان، حرمت عليه أبدا، على ما قلناه فيما مضى. وأما الخلع فيكون مع كراهة الزوجة خاصة الرجل (3)، وهو مخير في فراقها إذا دعته إليه حتى تقول له: لئن لم تفعل (4) لأعصين الله بترك طاعتك، ولأوطئن

1 - في " ج " و " س ": " بقي من الأول تمام الثلاث " ولاحظ المبسوط: 5 / 81 والخلاف كتاب الطلاق، المسألة 59.
2 - البقرة: 230.
3 - في " ج ": دون الرجل.
4 - في " ج ": إن لم تفعل.

[ 375 ]

فراشك غيرك، أو يعلم منها العصيان في شئ من ذلك (1) فيجب عليه - والحال هذه - طلاقها. ويحل له أخذ العوض على ذلك - سواء بذلته له ابتداء، أو بعد طلبه منها، و سواء كان مثل المهر الذي دفعه إليها أو أكثر - بدليل إجماع الطائفة، وأيضا قوله تعالى: * (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) * (2). ولا يقع الخلع بمجرده، بل لابد من التلفظ معه بالطلاق، فيقول مريده: قد خلعتك على كذا وكذا فأنت طالق، والدليل على ذلك إجماع الطائفة، لأن من قال من أصحابنا: لفظ الخلع كاف في الفرقة (3)، لا يؤثر خلافه في دلالة الاجماع، وأيضا فلا خلاف بين الأمة في حصول الفرقة بما ذكرناه، وليس على حصولها بمجرد لفظ الخلع دليل. وأما طلاق المباراة فيكون مع كراهة كل واحد من الزوجين صاحبه، ويجوز للزوج أخذ البذل عليه إذا لم يزد على ما أعطاها من المهر، ولا يحل له أخذ الزيادة عليه، ويقول من يريد ذلك: قد بارئتك على كذا وكذا فأنت طالق، وذلك لفظه بدليل الاجماع (4) المشار إليه. فإذا تلفظ بالطلاق في الخلع والمباراة، بانت الزوجة منه بواحدة، و لم يملك رجعتها في العدة بالعقد الأول، إلا أن تعود فيما بذلت له أو في بعضه فيها، ولا خيار لها في العود بشئ من ذلك بعد العدة في التطليقتين. وإذا كمل هذا الطلاق ثلاث مرات، على الوجه الذي بيناه فيما مضى،

1 - في " ج ": أو يعلم منها الموجب في شئ من ذلك.
2 - البقرة: 229.
3 - ذهب إليه السيد المرتضى وابن الجنيد، لاحظ المختلف: 594 من الطبع القديم.
4 - في الأصل: وذلك بدليل الاجماع.

[ 376 ]

حرمت المطلقة على الأول، حتى تنكح زوجا غيره، على ما قدمناه، وذلك بدليل إجماع الطائفة، وتسقط السكنى والنفقة في الطلاق البائن، بدليل الاجماع المشار إليه، ولأن الأصل براءة الذمة، وشغلها بإيجاب شئ من ذلك، يفتقر إلى دليل. ومن طلق ثلاثا بلفظ واحد كان مبدعا في قوله " ثلاثا "، ووقعت واحدة إذا تكاملت الشروط، على الصحيح من المذهب، لأنه إذا تلفظ بالطلاق مع تكامل شروطه المسنونة وجب وقوعه، وما أبدع من قوله " ثلاثا " لا حكم له في الشرع، لأنه مخالف للسنة، ولا تأثير له في إفساد ما قد تكاملت شروطه الشرعية من الطلاق، ولا فرق بين أن يتبع الطلاق بقوله: " ثلاثا " وبين أن يتبعه بشتم المرأة، و كما أن ذلك - وإن كان بخلاف السنة - غير مانع من وقوع الطلاق، فكذلك ما نحن فيه. ويدل على أن قوله " ثلاثا " بدعة بعد إجماع الطائفة قوله تعالى: * (الطلاق مرتان) * (1)، والمراد بذلك الأمر، لأنه لو كان خبرا لكان كذبا، فكأنه قال: طلقوا مرتين، كما قال الله تعالى: * (ومن دخله كان آمنا) * (2)، أي فأمنوه، ولا يكون الطلاق مرتين إلا بحصول واحدة بعد أخرى، وكما أن من أعطى درهمين دفعة واحدة لم يوصف بأنه معط مرتين، ولا يكون كذلك حتى يفرق الاعطاء لهما في وقتين، فكذلك المطلق. وليس لهم أن يقولوا: العدد في الآية مذكور عقيب اسم، وإذا ذكر عقيب الاسم لم يقتض التفريق، كما إذا قال: له علي عشرة، مرتين، وإنما يقتضيه إذا ذكره عقيب فعل، كما إذا قال: أعطه مرتين، أو أدخل الدار مرتين، لأنا قد بينا أن معنى قوله تعالى: * (الطلاق مرتان) *، الأمر، والعدد - والحال هذه - في الآية مذكور عقيب فعل.

1 - البقرة: 229.
2 - آل عمران: 97.

[ 377 ]

فإن قيل: ليس فيما ذكرتموه أكثر من وجوب التفريق، فلم قلتم: إنه لابد أن يكون في طهرين مع تحلل المراجعة؟ قلنا: لاجماع الطائفة على ذلك، ولأنه إذا ثبت وجوب التفريق فكل من أوجبه قال بما ذكرناه، والقول بأحد الأمرين دون الآخر، خروج عن إجماع الأمة. ويحتج على المخالف في ذلك أيضا بما رووه عن ابن عمر من قوله: طلقت زوجتي وهي حائض، فقال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما هكذا أمرك ربك، إنما السنة أن تستقبل بها الطهر، فتطلقها في كل قرء مرة. (1) ويحتج عليهم في أن التلفظ بالثلاث بدعة، وغير واقع ثلاثا، بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث ابن عمر: إذن عصيت ربك، حين قال له: أرأيت لو طلقتها ثلاثا (2). وبما رووه من أن رجلا طلق زوجته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله النبي عليه السلام: كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثا في مجلس واحد، فقال عليه السلام: إنما تلك واحدة فراجعها إن شئت، فراجعها (3)، والأخبار في ذلك كثيرة. فإن احتج من ذهب إلى وقوع الثلاث بلفظ واحد، وإن كان بدعة، بما روي في حديث ابن عمر، من قوله عليه السلام: إذن عصيت ربك وبانت منك امرأتك (4)، فغير معول على مثله، لأن أول ما فيه، أنه خبر واحد، ثم هو معارض بغيره، ثم يحتمل أن يكون عليه السلام أراد بقوله: بانت منك امرأتك، إذا خرجت من العدة، لأنا قد بينا أنه يقع بذلك واحدة، على أن قول ابن عمر: أرأيت لو طلقتها ثلاثا، يحتمل أن يكون أراد في ثلاثة أطهار تتخللها المراجعة.

1 و 2 - سنن الدارقطني: 4 / 31 برقم 84 وسنن البيهقي: 7 / 330 و 334.
3 - سنن البيهقي: 7 / 339 ومسند أحمد بن حنبل: 1 / 265.
4 - سنن الدارقطني: 4 / 31 برقم 84 وسنن البيهقي: 7 / 334.

[ 378 ]

ويحتمل ذكر المعصية على هذا لأمرين: أحدهما أن إخراج الزوج نفسه من التمكن من مراجعة المرأة حتى تنكح زوجا غيره مكروه، لأنه لا يدري كيف يتقلب (1) قلبه، وربما هم بالمعصية، والثاني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يمتنع أن يكون عالما من زوجة ابن عمر صلاحا وخيرا يوجبان المعصية بفراقها، ومع ما ذكرناه في الخبر من الاحتمال يسقط به الاستدلال. الفصل الثاني عشر: في اللعان تقف (2) صحة اللعان بين الزوجين على أمور: منها أن يكونا مكلفين، سواء كانا أو أحدهما من أهل الشهادة أم لا.
(3) ومنها: أن يكون النكاح دواما. ومنها: أن تكون الزوجة مدخولا بها، وحكم المطلقة طلاقا رجعيا إذا كانت في العدة كذلك. ومنها: أن لا تكون صماء ولا خرساء. ومنها: أن يقذفها الزوج بزنا يضيفه إلى مشاهدته، بأن يقول: رأيتك تزنين، ولو قال: يا زانية، لم يثبت بينهما لعان، أو ينكر حملها، أو يجحد ولدها، ولا يقيم أربعة من الشهود بما قذفها به. وأن تكون منكرة لذلك، ويدل على هذا كله إجماع الطائفة، وأيضا فلا

1 - في " ج ": كيف ينقلب.
2 - في " ج ": تفتقر.
3 - في " ج ": سواء كان كل منهما أو أحدهما من أهل الشهادة أو الخبرية أم لا؟

[ 379 ]

خلاف في صحة اللعان مع تكامل ما ذكرناه، وليس على صحته مع اختلال بعضه دليل. وصفة اللعان أن يجلس الحاكم بينهما مستدبر القبلة، ويوقفهما بين يديه، المرأة عن يمين الرجل، موجهين إلى القبلة، ويقول للرجل: قل: أشهد بالله إني فيما ذكرته عن هذه المرأة من الفجور لمن الصادقين، فإذا قال ذلك أمره أن يعيده تمام أربع مرات. فإذا شهد الرابعة قال له الحاكم: اتق الله عزوجل واعلم أن لعنته شديدة، وعذابه أليم، فإن كان حملك على ما قلت غيرة أو غيرها فراجع التوبة، فإن عقاب الدنيا أهون من عقاب الآخرة. فإن رجع عن قوله، جلده حد المفتري، وإن أصر على ما ادعاه قال له: قل: إن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين، فإذا قالها، أقبل على المرأة وقال لها: ما تقولين فيما رماك به؟ فإن اعترفت رجمها، وإن أقامت على الانكار، قال لها: قولي: أشهد بالله أنه فيما رماني به لمن الكاذبين، فإذا قالت، طالبها بإتمام أربع شهادات كذلك، فإذا شهدت الرابعة، وعظها كما وعظ الرجل ; فإن اعترفت رجمها، وإن أصرت على الانكار، قال لها: قولي: إن غضب الله علي إن كان من الصادقين، فإذا قالت ذلك، فرق الحاكم بينهما، ولم تحل له أبدا، على ما قدمناه فيما مضى من الكتاب. ولفظ الشهادة وعدد الشهادات والترتيب واجب في اللعان ; فلو قال: أحلف بالله، أو أقسم بالله، أو نقص شيئا من العدد، أو بدأ الحاكم بالمرأة أولا، لم يعتد باللعان، ولم تحصل الفرقة، وإن حكم الحاكم بذلك، لأن ما قلناه مجمع على صحته وليس على صحة ما خالفه دليل. ولأن ما عدا ما ذكرناه مخالف لظاهر القرآن، لأنه تعالى ذكر لفظ الشهادة

[ 380 ]

والعدد والترتيب، من حيث أخبر أنها تدرأ عن نفسها العذاب بلعانها، والمراد بالعذاب عندنا الحد، وعند أبي حنيفة الحبس ولا يثبت واحد منهما إلا بعد لعان الزوج، فصح ما قلناه. الفصل الثالث عشر: في الردة متى أظهر المرء الكفر بالله تعالى، أو برسوله عليه السلام، أو الجحد بما يعم فرضه و العلم به من دينه صلى الله عليه وآله وسلم، كوجوب الصلاة، أو الزكاة، أو ما جرى مجرى ذلك، بعد إظهاره التصديق به، كان مرتدا. وهو على ضربين: أحدهما أن يكون مولودا على فطرة الاسلام، والثاني أن يكون إسلامه بعد كفر. (1) فالأول تبين زوجته منه في الحال، ويقسم ماله بين ورثته، ويجب قتله من غير أن يستتاب، بدليل إجماع الطائفة، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: من بدل دينه فاقتلوه (2)، وقوله: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس (3)، ولم يشترط الاستتابة، فمن اشترطها في هذا الموضع، فعليه الدليل. والثاني هو المرتد عن إسلام حصل بعد كفر يستتاب، فإن رجع إلى الاسلام، كان العقد ثابتا بينه وبين زوجته، فإن أسلم ثم ارتد ثانية، قتل من غير أن

1 - في " ج ": بعد كفره.
2 - سنن الدارقطني: 3 / 108 برقم 90 وص 113 برقم 108 وسنن البيهقي: 8 / 195 و 205 و مسند أحمد بن حنبل: 1 / 282 و 283 وكنز العمال: 1 / 90 برقم 387.
3 - سنن البيهقي: 8 / 19 و 25 و 194 ومسند أحمد بن حنبل: 1 / 61 و 63 و 70.

[ 381 ]

يستتاب، ومتى لحق بدار الحرب وعاد إلى الاسلام، والمرأة لم تخرج عن عدتها (1) كان أملك بها من غيره. ولا تقتل المرتدة، بل تحبس حتى تسلم أو تموت في الحبس، بدليل إجماع الطائفة، ويحتج على المخالف بما رووه من نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل المرتدة، ونهيه عن قتل النساء والولدان (2) ولم يفصل، وروى أصحابنا أن الزنديق - وهو من يبطن الكفر ويظهر الاسلام - يقتل ولا تقبل توبته. الفصل الرابع عشر: في العدة العدة على ضربين: عدة من طلاق وما يقوم مقامه، وعدة من موت أو ما يجري مجراه. والمطلقة على ضربين مدخول بها وغير مدخول بها، وغير المدخول بها لا عدة عليها بلا خلاف. والمدخول بها لا تخلو إما أن تكون حاملا أو حائلا. فإن كانت حاملا، فعدتها أن تضع الحمل، حرة كانت أو أمة، بلا خلاف يعتد به، وقوله تعالى: * (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * (3)، يدل على ذلك، ولا يعارض هذه الآية قوله تعالى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن

1 - في الأصل: من عدتها.
2 - الجامع الصغير: 2 / 702 برقم 9496 وسنن الدارقطني: 3 / 117 برقم 118 وصحيح مسلم: 5 / 144 كتاب الجهاد والسير باب تحريم قتل النساء والصبيان. 3 - الطلاق: 4.

[ 382 ]

ثلاثة قروء) * (1)، لأن آية وضع الحمل عامة في المطلقة وغيرها وناسخة لما تقدمها بلا خلاف، ويبين ذلك أن قوله سبحانه: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * في غير الحوامل، لأنه تعالى قال: * (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) * (2)، ومن كانت مستبينة الحمل لا يقال فيها ذلك، وإذا كانت خاصة في غير الحوامل لم يعارض آية الحمل، لأنها عامة في المطلقة وغيرها. وإن كانت حائلا فلا يخلو إما أن تكون ممن تحيض أم لا، فإن كانت ممن تحيض، فعدتها إن كانت حرة ثلاثة قروء بلا خلاف، وإن كانت أمة فعدتها قرءان بلا خلاف إلا من داود، فإن عتقت في العدة تممتها عدة الحرة. والقرء المعتبر، الطهر بين الحيضتين، بدليل إجماع الطائفة، وإن كانت لا تحيض ومثلها تحيض، فعدتها إن كانت حرة ثلاثة أشهر بلا خلاف، وإن كانت أمة فخمسة وأربعون يوما. وإن كانت لا تحيض لصغر أو كبر وليس في سنها من تحيض، فقد اختلف أصحابنا في وجوب العدة عليها، فمنهم من قال: لا تجب (3)، ومنهم من قال: يجب أن تعتد بالشهور، وهو اختيار المرتضى رضي الله عنه (4) وبه قال جميع المخالفين (5)، وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك، وأيضا قوله تعالى: * (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن) * (6)، وهذا نص، وقوله تعالى: * (وإن ارتبتم) * معناه على ما ذكره جمهور المفسرين: إن كنتم مرتابين في عدة هؤلاء النساء، وغير عالمين بمقدارها، فقد روى

1 و 2 - البقرة: 228.
3 - الشيخ النهاية: 532 والقاضي: المهذب: 2 / 315 و 316.
4 - الانتصار: 146.
5 - في " ج ": وهو اختيار المرتضى وهي ثلاثة أشهر وبه قال جميع المخالفين.
6 - الطلاق: 4.

[ 383 ]

أن أبي بن كعب قال: يا رسول الله إن عددا من عدد النساء لم تذكر في الكتاب، الصغار والكبار وأولات الاحمال، فأنزل الله تعالى: * (واللائي يئسن) * إلى قوله: * (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * (1). ولا يجوز أن يكون الارتياب بأنها يائسة من الحيض أو غير يائسة، لأنه تعالى قد قطع فيمن تضمنته الآية باليأس من المحيض بقوله: * (واللائي يئسن) * والمرتاب في أمرها لا تكون يائسة، وإذا كان المرجع في حصول حيض المرأة و ارتفاعه إلى قولها، وكانت مصدقة فيما تخبر به من ذلك، وأخبرت بأحد الأمرين، لم يبق للارتياب في ذلك معنى، وكان يجب لو كان الريبة راجعة إلى ذلك أن يقول: " إذا ارتبن " لأن الحكم في ذلك يرجع إلى النساء ويتعلق بهن. ولا يجوز أن يكون الارتياب بمن تحيض أو لا تحيض ممن هو في سنها، لأنه لا ريب في ذلك. من حيث كان المرجع فيه إلى العادة، على أنه لابد فيما علقنا به الشرط وجعلنا الريبة واقعة فيه من مقدار عدة من تضمنته الآية، من أن يكون مرادا، من حيث لم يكن معلوما لنا قبل الآية ; وإذا كانت الريبة حاصلة فيه بلا خلاف تعلق الشرط به، واستقل بذلك الكلام، ومع استقلاله يتعلق الشرط بما ذكرناه، ولا يجوز أن يعلق بشئ آخر، كما لا يجوز فيه لو كان مستقلا اشتراطه. وأما ما يقوم مقام الطلاق: فانقضاء أجل المتمتع بها، وعدتها قرءان إن كانت ممن تحيض، وخمسة وأربعون يوما، إن كانت ممن لا تحيض، بدليل إجماع الطائفة. والمتوفى عنها زوجها إن كانت حرة حائلا، فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، مدخولا بها، أو غير مدخول بها، بلا خلاف،

1 - الدر المنثور: 8 / 210 ذيل الآية والقرطبي: 18 / 193 ذيل الآية.

[ 384 ]

وقد دخل في هذا الحكم، المطلقة طلاقا رجعيا، إذا توفي زوجها وهي في العدة، لأنها زوجته على ما بيناه فيما مضى، وهذه عدة المتمتع بها، إذا توفي عنها زوجها قبل انقضاء أيامها، وعدة أم الولد لوفاة سيدها، وعدتها لو زوجها سيدها وتوفي زوجها. وإن كانت الوفاة بعد ما انقضت أيام المتمتع بها، فعدتها شهران وخمسة أيام، سواء كانت في العدة أم لا، وهذه عدة الزوجة إذا كانت أمة، فإن عتقت وهي في العدة فعليها أن تكمل عدة الحرة، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة. وإن كان المتوفي عنها زوجها حاملا، فعليها أن تعتد عندنا خاصة بأبعد الأجلين، فإن وضعت قبل انقضاء الأيام المعينة لها لم تنقض عدتها حتى تكمل تلك المدة، وإن كملت قبل وضع الحمل لم تنقض عدتها حتى تضع الحمل، بدليل الاجماع المشار إليه (1)، وطريقة الاحتياط، ولأن العدة عبادة تستحق عليها الثواب، وإذا كان الثواب فيما ذهبنا إليه أوفر، لأن المشقة فيه أكثر، كان أولى من غيره. وقوله تعالى: * (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * (2)، معارض بقوله تعالى: * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) *.
(3) وأما ما يجرى مجرى الموت فشيئان: أحدهما: غيبة الزوج، التي لا تعرف الزوجة معها له خبرا، فإنها إذا لم تختر الصبر على ذلك، ورفعت أمرها إلى الامام، ولم يكن له ولي يمكنه الانفاق عليها،

1 - في " ج ": بدليل إجماع الطائفة المشار إليه.
2 - الطلاق: 4.
3 - البقرة: 234.

[ 385 ]

فيلزمه الامام ذلك، حتى يجب عليها الصبر، ويبعث الامام من يتعرف خبره في الآفاق ; فإن لم يعرف له خبر حتى انقضت أربع سنين من يوم رفعت أمرها إلى الامام، فعدتها عدة المتوفى عنها زوجها. والثاني: الارتداد عن الاسلام على الوجه الذي لا يقبل التوبة منه، بدليل الاجماع المشار إليه، فأما ما تصح التوبة منه، فقد روي أن عدتها ثلاثة أشهر. وحكم العدة في الطلاق الرجعي أن لا تخرج المرأة من بيت مطلقها إلا بإذنه، ولا يجوز له إخراجها منه إلا أن تؤذيه، أو تأتي فيه بما يوجب الحد، فيخرجها لاقامته ويردها، ولا تبيت إلا فيه، ولا يردها إذا أخرجها للأذى، وروي أن أقل ما يحصل به الأذى أن تخاصم أهل الرجل. (1) وتجب النفقة في عدة الطلاق الرجعي بلا خلاف، ولا تجب في عدة البائن بدليل إجماع الطائفة، ولأن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل، إلا أن تكون حاملا، فإن النفقة تجب لها بلا خلاف، لقوله تعالى: * (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) * (2)، ولا نفقة للمتوفى عنها زوجها إذا كانت حائلا بلا خلاف، وإن كانت حاملا أنفق عليها عندنا خاصة من مال ولدها، حتى تضع الحمل. وتبيت المتوفى عنها زوجها حيث شاءت، ويلزمها الحداد بلا خلاف، وهو اجتناب الزينة في الهيئة ومس الطيب واللباس، ولا يلزم المطلقة وإن كانت بائنة، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه، ودلالة الأصل وقوله تعالى (3): * (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده) *.
(4)

1 - الوسائل: 15 ب 23 من أبواب العدد برقم 1، 2، 5 و 6.
2 - الطلاق: 6 3 - في الأصل: ودلالة قوله تعالى: 4 - الاعراف: 32.

[ 386 ]

وتلزم عدة الوفاة للغائب عنها زوجها من يوم يبلغها الخبر، بلا خلاف بين أصحابنا، ولأن العدة من عبادات المرأة، فلا تصح إلا بنية في ابتدائها، وهذا حكم العدة من الطلاق على خلاف بين أصحابنا في ذلك. الفصل الخامس عشر: في أحكام الأولاد السنة في المولود أن يحنك عند وضعه بماء الفرات إن وجد أو بماء عذب، فإن لم يوجد إلا ملحا، جعل فيه عسل أو تمر، وأن يؤذن في أذنه اليمنى ويقام في اليسرى، وأن يحلق رأسه في اليوم السابع، ويتصدق بزنة شعره (1) ذهبا أو فضة، وأن يختن ويسمى بأحسن الأسماء، وأفضلها اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أحد الأئمة من أهل بيته عليهم السلام. وأن يعق في هذا اليوم عن الذكر بذكر من الضأن، وعن الأنثى بأنثى، ويعطي القابلة ربع العقيقة، ويكون ذلك الورك بالرجل، إلا أن تكون ذمية، فإنها لا تعطى من اللحم شيئا، بل تعطى قيمته. ويطبخ الباقي من اللحم، ويدعى إلى تناوله جماعة من فقراء المؤمنين، وإن فرق اللحم عليهم جاز، والأول أفضل، ولا يأكل الأبوان من العقيقة شيئا، ولا خلاف بين أصحابنا في ذلك كله إلا في العقيقة، فإن منهم من يقول: إنها واجبة (2) ومنهم من يقول: سنة مؤكدة (3).

1 - في " ج ": بوزن شعره.
2 - قال العلامة - قدس سره -: المشهور أن العقيقة مستحبة وليست واجبة وقال السيد المرتضى وابن الجنيد: أنها واجبة. المختلف ص 576 ط القديم.
3 - الشيخ: النهاية ص 501. والحلبي: الكافي ص 314.

[ 387 ]

ولا تجير الحرة على رضاع ولدها، وتستحق أجرة على أبيه، فإن كان قد مات استحقته من مال الولد، وهي أحق برضاعه، إلا أن تطلب من الاجر برضاعه (1)، أكثر مما قد رضى به غيرها. والمطلقة أحق بالذكر من الأب مدة الرضاع، وبعدها الأب أحق به، فإن كان أنثى، فالأم أحق بها إلى سبع سنين، إلا أن تتزوج، فيكون الأب أحق على كل حال، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة. واعلم أن أقل الحمل ستة أشهر، لقوله تعالى: * (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) * (2) وقوله: * (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) * (3)، وأكثره في غالب العادة تسعة أشهر، بلا خلاف، وينضاف إلى ذلك أشهر الريب، وهي ثلاثة أشهر، وهي أكثر أيام الطهر بين الحيضتين، فتصير أكثر مدة الحمل سنة، بدليل إجماع الطائفة، ولأن ما ذهبنا إليه من أكثر مدة الحمل مجمع عليه، وليس على قول من ذهب إلى أن أكثره سنتان، أو أربع، أو سبع، دليل.
(4) وعلى ما ذكرناه إذا طلق الرجل زوجته، أو مات عنها، فتزوجت، وجاءت بولد لستة أشهر فصاعدا، من يوم دخل الثاني بها، فهو لاحق به، وإن أتت به لاقل من ستة أشهر، لحق بالأول إن كان مدة طلاقها أو الوفاة عنها سنة فما دونها، وإن كان مدة ذلك أكثر من سنة لم يلحق به، ولا يحل للرجل الاعتراف بالولد في الموضع الذي قلنا إنه لا يلحق به فيه.

1 - في " س " وحاشية الأصل: برضاعته.
2 - الاحقاف: 15.
3 - البقرة: 233.
4 - قال السيد المرتضى - قدس سره - في الانتصار ص 154: ومما انفردت به الامامية القول: بأن أكثر مدة الحمل سنة واحدة، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، فقال الشافعي: أكثر الحمل أربع سنين، وقال الزهري والليث وربيعة: أكثره سبع سنين، وقال أبو حنيفة: أكثره سنتان... وعن مالك فيه ثلاث روايات: إحداها مثل قول الشافعي أربع سنين، والثانية خمس سنين، والثالثة سبع سنين.

[ 388 ]

فصل في العتق والتدبير والمكاتبة لا يصح العتق إلا من كامل العقل غير مولى على مثله، مختار له قاصد إليه، متلفظ بصريحه، مطلق له من الشروط - إلا بالنذر - موجه به إلى مسلم أو من هو في حكمه، متقرب به إلى الله تعالى. فلا يقع العتق من طفل، ولا مجنون، ولا سكران، ولا محجور عليه، ولا مكره، ولا ساه، ولا حالف، ولا بالكتابة أو الاشارة، مع القدرة على النطق باللسان، ولا بكنايات العتق كقوله: أنت سائبة، أو: لا سبيل لي عليك، ولا بقوله: إن فعلت كذا فعبدي حر، ولا بكافر (1) ولا للأغراض الدنيوية من نفع أو دفع ضرر أو إضرار بالغير، ويدل على وجوب اعتبار هذه الشروط إجماع الطائفة، وأيضا فلا خلاف في صحة العتق مع تكاملها، ولم يقم بصحته مع اختلال (2) بعضها دليل. وإذا أعتق مالك العبد، نصفه، أو ربعه، أو ما زاد على ذلك، أو نقص منه، عتق الجميع، وإن كان العبد مشتركا، فأعتق أحد الشريكين نصيبه، انعتق ملكه خاصة، إلا أنه إن كان موسرا، طولب بابتياع الباقي ; فإذا ابتاعه انعتق الجميع، وإن كان معسرا استسعى العبد في قيمة باقيه ; فإذا أداها عتق جميعه، فإن عجز عن ذلك كان بعضه عتيقا، وبعضه رقيقا، بدليل الاجماع المشار إليه.

1 - في الأصل و " ج ": ولا بكاف.
2 - في " ج ": وليس على صحته مع اختلال.

[ 389 ]

والعتق في مرض الموت من أصل التركة إن كان واجبا، وإن كان متبرعا به، فهو من الثلث ; فإن كان المتبرع به لجماعة عبيده، ولا مال له غيرهم، استخرج ثلثهم بالقرعة، وإن كان لواحد ولا مال له غيره، عتق ثلثه واستسعى في باقيه، وإن كان على الميت دين ; فإن كان ثمن العبد مثل الدين مرتين، صح العتق واستسعى العبد في قضائه، وإن كان أقل من ذلك لم يصح العتق. ولا يجوز أن يعتق في الكفارة الأعمى ولا الاعرج ولا الاشل ولا المجذوم. وإذا أعتق مملوكه (1) وله مال يعلم به فهو للمعتق، وإن لم يعلم به، أو علم فاشترطه لنفسه فهو له، وينبغي أن يقول: مالك لي وأنت حر، فإن قال: أنت حر ومالك لي، لم يكن له على المال سبيل، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة. والتدبير عتق بعد الوفاة، ويفتقر صحته إلى شروط العتق المنجز في الحياة، وقد بينا في باب البيع، الموضع الذي يجوز بيعه فيه، فلا نطول بإعادته. وأما المكاتبة فهي أن يشترط المالك على عبده أو أمته تأدية شئ معلوم يعتق بالخروج منه إليه، وهي بيع العبد من نفسه، وقد بينا في باب البيع أيضا أنها على ضربين: مشروطة وغير مشروطة، [ وبينا جواز بيعه على وجه ] (2) ويدل على ذلك إجماع الطائفة، ولأن الكتابة عقد يتعلق بالشرط الذي يتراضيانه (3) * فيجب أن يكون بحسب ذلك الشرط، وقوله عليه السلام: المؤمنون عند شروطهم (4) يدل على ذلك. وإذا أدى المكاتب من غير شرط شيئا من مال الكتابة، عتق منه بحسابه، بدليل الاجماع المشار إليه، ولأن الرقبة قد جعلت بإزاء المال، فيجب أن يتحرر من

1 - كذا في الأصل: ولكن في " ج " و " س ": مملوكا.
2 - ما بين المعقوفتين موجود في " ج ". 3 - في " ج ": يتراضيان به.
4 - بداية المجتهد: 2 / 296 والتهذيب: 7 / 371 برقم 1503 والاستبصار: 3 / 232 برقم 835 و الوسائل: 15 / 30 ح 4 ب 20 من أبواب المهور.

[ 390 ]

الرقبة بمقدار ما يؤدى من المال. ولا يجوز للرجل وطئ أمته المكاتبة، سواء كانت الكتابة (1) مطلقة أو مشروطة بلا خلاف، فإن وطئها وكانت مشروطا عليها لم يحد، لأن هناك شبهة يسقط بها الحد، وإن كانت غير مشروط عليها، وقد أدت من مال الكتابة شيئا، كان عليه الحد بمقدار ما تحرر منها، بدليل إجماع الطائفة. ولا يجوز مكاتبة الكافر (2) للاجماع المشار إليه، وأيضا قوله تعالى: * (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) * (3)، وحمل ذلك على الايمان والدين، أولى من حمله على المال والتكسب، لأنه لا يقال للكافر - وإن كان موسرا أو مكتسبا - أن فيه خيرا، ولا أنه خير، ويقال ذلك لمن كان فيه إيمان ودين، وإن لم يكن مكتسبا ولا ذا مال، ولو تساوى ذلك في الاحتمال، لوجب الحمل على الجميع.

1 - في " ج ": كانت المكاتبة.
2 - في " ج ": مكاتبة العبد الكافر.
3 - النور: 33.

[ 391 ]

فصل في اليمين والعهد والنذر لا يمين شرعية إلا بالله تعالى، أو اسم من أسمائه الحسنى، دون غيرها من كل مقسوم به ; بدليل إجماع الطائفة، وأيضا فالحلف بغير الله تعالى عاص بمخالفة المشروع (1) من كيفية اليمين، وإذا كان انعقاد اليمين ولزوم الكفارة بالحنث حكما شرعيا لم يثبت بالمعصية، وأيضا الأصل براءة الذمة، وشغلها يفتقر إلى دليل. واليمين المنعقدة الموجبة للكفارة بالحنث، هي أن يحلف العاقل المالك لاختياره أن لا يفعل في المستقبل قبيحا أو مباحا لا ضرر عليه في تركه، أو أن يفعل طاعة أو مباحا لا ضرر عليه في فعله مع عقد اليمين بالنية، وإطلاقها من الاستثناء بالمشيئة (2) فيخالف ما عقد اليمين عليه، مع العمد والاختيار ; بدليل الاجماع المشار إليه، لأنه لا خلاف في انعقاد اليمين في المواضع التي ذكرناها (3)، و ليس على انعقادها فيما سواها دليل. ويخص النية قوله تعالى: * (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) * (4)، وعقد اليمين لا يكون إلا بالنية، ويحتج على

1 - في " س ": بمخالفة الشرع وفي " ج ": لمخالفة الشرع.
2 - في حاشية الأصل: من الاشتراط بالمشيئة.
3 - في " ج ": في الموضع الذي ذكرناه.
4 - المائدة: 89.

[ 392 ]

المخالف في سقوط الكفارة بالسهو والاكراه بقوله عليه السلام: رفع عن أمتي الخطأ و النسيان وما استكرهوا عليه. (1) واليمين التي لا تنعقد، ولا كفارة فيها، ما عدا ما ذكرناه ; مثل أن يحلف الانسان على يمين (2) هو كاذب فيه، أو يقول: لا والله، وبلى والله، من غير أن يعقد ذلك بنية، وهذه يمين اللغو، أو يحلف أن يفعل، أو يترك ما يكون خلافه طاعة لله تعالى، واجبة أو مندوبا إليها، أو يكون أصلح له في دنياه. ويحتج على المخالف في هذا بقوله عليه السلام: من حلف على شئ فرأى ما هو خير منه فليأت الذي هو خير منه وتركه كفارته (3)، ويخص اليمين على المعصية، أن معنى انعقاد اليمين، أن يجب على الحالف، أن يفعل أو يترك ما علق اليمين به، وهذا لا يصح في المعصية، لأن الواجب تركها، وليس لأحد أن يقول: معنى انعقاد اليمين لزوم الكفارة بالمخالفة، لأن ذلك تابع لانعقاد اليمين وموجب عنه، فكيف يفسر الانعقاد به؟ وكفارة اليمين عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فمن لم يجد صام (4) ثلاثة أيام، والكسوة على الموسر ثوبان، وعلى المعسر ثوب، والاطعام شبع المسكين في يومه. ولا كفارة قبل الحنث، ولا يمين للولد مع والده، ولا للعبد مع سيده، ولا للمرأة مع زوجها، فيما يكرهونه من المباح.

1 - الجامع الصغير: 2 / 16 برقم 4461 وسنن البيهقي: 7 / 256 و 10 / 61، وفيه: " تجاوز الله عن أمتي " والوسائل: 3 / 270 ح 6 و 7 و 8 ب 12 من أبواب لباس المصلي.
2 - كذا في " ج " ولكن في الأصل: " على ماض " وفي " س ": على ما مضى.
3 - الجامع الصغير: 2 / 596 برقم 8641 وكنز العمال: 16 / 722 برقم 46524 و 46527 وسنن البيهقي: 10 / 53 ومسند أحمد بن حنبل: 2 / 204 و 360 و 3 / 76 و 4 / 256 باختلاف يسير.
4 - في " ج ": فصيام.

[ 393 ]

ولا يجوز اليمين بالبراءة من الله، أو من رسوله، أو أحد الأئمة عليهم السلام، فإن فعل أثم، ولزمه - إن خالف ما علق البراءة به - كفارة ظهار، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة. ومن قال: علي عهد الله أن أفعل كذا من الطاعات، أو أترك كذا من المقبحات، كان عليه الوفاء، ومتى خالف لزمه عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، مخير في ذلك ; بدليل الاجماع الماضي ذكره. وأما النذر فهو أن يقول: لله علي كذا إن كان كذا، ويلزم الوفاء متى حصل ما نذر فيه، - وقد دللنا على وجوب ذلك فيما تقدم من الكتاب في باب الصلاة - فإن لم يفعل لزمه كفارة نقض العهد، بدليل الاجماع المشار إليه. ومتى قال: علي كذا إن كان كذا، ولم يقل: لله، أو قال: لله علي كذا، ولم يقل: إن كان كذا، لم يكن ناذرا، ولم يلزمه بالمخالفة كفارة، لأن ما اعتبرناه (1) مجمع على انعقاد النذر به، ولا دليل على انعقاده من دونه، وقد روي عن ثعلب أنه قال: النذر عند العرب وعد بشرط، ومن أصحابنا من أجرى قول القائل: لله علي كذا، من غير شرط مجرى العهد.
(2) ولا ينعقد نذر المعصية، ولا النذر فيها، بدليل ما قدمناه من الاجماع ونفي الدليل الشرعي على انعقاده، وأيضا فمعنى انعقاد النذر أن يجب على الناذر فعل ما أوجبه على نفسه، وإذا انتفى بالاجماع أن تجب المعصية على حال، ثبت أن النذر لا ينعقد فيها، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: لا نذر في معصية.
(3)

1 - في " ج ": لأن ما ذكرناه.
2 - الشيخ: النهاية، ص 564 والخلاف كتاب النذور، المسألة 1.
3 - سنن البيهقي: 10 / 69 و 70 وكنز العمال: 16 / 713 و 714 برقم 46479 و 46482 و 46485.

[ 394 ]

فصل في الصيد والذبائح والأطعمة والأشربة لا يجوز الصيد عندنا إلا بالكلب المعلم، دون غيره من سباع الوحش والطير، بدليل إجماع الطائفة، وأيضا قوله تعالى: * (وما علمتم من الجوارح مكلبين) * (1) لأنه سبحانه لما أتى بلفظة " مكلبين " وهي تختص الكلاب، علمنا أنه لم يرد بالجوارح جميع ما استحق هذا الاسم، وإنما أراد الكلاب خاصة، ويجري ذلك مجرى أن يقال: ركب القوم مبقرين أو مجمزين، في أنه يختص ركوب البقر والجمازات (2) وإن كان اللفظ الأول عام الظاهر. ولا يجوز حمل لفظة " مكلبين " في الآية على أن المراد بها التضرية للجوارح، والتمرين لها، حتى يدخل في ذلك غير الكلاب، لأن " مكلبا " عند أهل اللغة، هو صاحب الكلاب بلا خلاف بينهم، وقد نص على ذلك صاحب كتاب الجمهرة (3) وأنشد قول الشاعر: تباري مراخيها الزجاج كأنها * ضراء أحست نبأة من مكلب

1 - المائدة: 4.
2 - في " س ": و " الجميزاء " والجمازة: مركب سريع يتخذه الناس في المدن لاحظ المعجم الوسيط.
3 - تأليف أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد، والشاعر هو طفيل الغنوي لاحظ جمهرة اللغة: 1 / 376 وانظر ترجمة الشاعر في الاغاني: 15 / 349. وقال الحلي في السرائر: 3 / 83 بعد نقل قول الشاعر: يصف خيلا، والمراخي جمع مرخاء، وهي السريعة العدو، والزجاج جمع زج والضراء جمع ضرورة وهي الكلبة.

[ 395 ]

ولم يقل أحد من أهل اللغة أن المكلب هو المضري والمعلم، على أن حمل مكلبين على ما ذكروه يقتضي التكرار، لأنا قد استفدنا هذا المعنى من قوله تعالى: * (وما علمتم) * وحملها على ما قلناه يفيد زيادة على ذلك، وهو أن هذا الحكم يختص بالكلاب دون غيرها. والكلب يعتبر في كونه معلما، أن يرسله صاحبه فيسترسل، ويزجره فينزجر، ولا يأكل مما يمسكه، ويتكرر هذا منه، حتى يقال في العادة: إنه معلم، وما هذا حاله، يحل أكل ما قتله، بلا خلاف إذا سمى صاحبه المسلم عند إرساله، وفي ذلك خلاف. (1) والتسمية شرط عند إرسال الكلب والسهم وعند الذبح، بدليل إجماع الطائفة، وطريق الاحتياط وقوله تعالى: * (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) * (2)، وإنما أخرجنا من هذا الظاهر ما تركت التسمية عليه سهوا أو نسيانا، بدليل إجماع الطائفة، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل (3)، فأباح ذلك بشرط الإرسال والتسمية، وفي خبر آخر: فكل وإلا فلا. ولا يحل أكل الصيد إذا أكل منه الكلب، وكان أكله معتادا، لأن ذلك يخرجه عن كونه معلما، على ما قلناه، ولقوله تعالى: * (فكلوا مما أمسكن عليكم) * (4)، وما هذه حاله ممسك على نفسه دون صاحبه، فإن كان أكله نادرا لم يخرجه عن كونه معلما، لأن العاقل إذا لم يخرجه السهو والغلط فيما كان عالما به، عن كونه عالما بذلك بالاطلاق، فالبهيمة مع فقد العقل بذلك أولى.

1 - الخلاف في التسمية واقع عند العامة. لاحظ الخلاف كتاب الصيد والذباحة المسألة 6.
2 - الانعام: 121. 3 - سنن البيهقي: 9 / 235 و 237 وكنز العمال: 9 / 236 برقم 25812.
4 - المائدة: 4.

[ 396 ]

وكل صيد أخذ حيا ولم تدرك ذكاته، لا يحل أكله، ولا يحل أكل ما قتله غير كلب المسلم المعلم من الجوارح، ولا ما قتله الكلب إذا انفلت من صاحبه ولم يرسله، أو كان المسمي عند إرساله غير صاحبه الذي أرسله، أو شاركه في القتل غير واحد من الكلاب المعلمة، ولم يسم أحد أصحابها، وكذا حكم كل صيد وجد مقتولا، بعد ما غاب عن العين، أو سقط في ماء، أو من موضع عال، أو ضرب بسيف فانقطع نصفين ولم يتحرك واحد منهما، ولا سال منه دم ; كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه، وطريقة الاحتياط. ولا يحل أكل ما قتل من مصيد الطير بغير النشاب، ولا به إذا لم يكن فيه حديد، بدليل ما قدمناه، وما عدا الطير من صيد البر يحل أكل ما قتل منه بسائر السلاح - وإن كان قتله بالعقر في غير الحلق واللبة (1) من بدنه - بلا خلاف، بشرط كون المتصيد مسلما، بدليل إجماع الطائفة. وحكم ما استعصى من الانعام أو وقع في زبية (2) وتعذر نحره أو ذبحه، حكم الوحش في صحة ذكاته بسائر السلاح، على أي وجه كان، وفي ذلك خلاف، ويدل عليه إجماع الطائفة. والنحر في الابل، والذبح فيما عداها، هو السنة بلا خلاف، ولا يجوز في الابل الذبح وفيما عداها النحر، فإن ذبح الابل مع القدرة والتمكين من نحرها، أو نحر ما عداها فكذلك لم يحل الأكل (3) بدليل إجماع الطائفة. وإذا أراد نحر شئ من الابل، عقل يديه، وطعنه في لبته وهو بارك، و يذبح ويضجع ما عدا الابل ; فإن كان من الغنم، عقل يديه وأحد رجليه، وإن كان من البقر، عقل يديه ورجليه.

1 - اللبة: موضع الذبح، والتاء زائدة، لسان العرب.
2 - الزبية: حفرة في موضع عال يصاد فيها الأسد ونحوه والجمع " زبى ". المصباح المنير.
3 - كذا في " ج " ولكن في الأصل و " س ": فإن فعل ذلك لم يحل الأكل.

[ 397 ]

ولا تكون الذكاة صحيحة مبيحة للأكل إلا بقطع الحلقوم والودجين و المري على الوجه الذي قدمناه، مع التمكن من ذلك بالحديد، أو ما يقوم مقامه في القطع عند فقده، من زجاج، أو حجر أو قصب، مع كون المذكي مسلما، ومع التسمية، واستقبال القبلة، بدليل ما قدمناه. ولا تحل التذكية بالسن والظفر المتصلين بلا خلاف ولا بالمنفصلين، وفي ذلك خلاف، وطريقة الاحتياط تمنع من ذلك بعد إجماع الطائفة. ولا تحل ذبائح الكفار، لانهم لا يرون التسمية فرضا ولا سنة، ولأنهم لو سموا لما كانوا مسمين لله تعالى، لانهم غير عارفين به سبحانه، ولا في حكم العارفين، ولا يلزم على ذلك تحريم ما يذبحه الصبي الذي يحسن الذبح، لأنه غير كافر، وفي حكم العارف، ولأنا نخرجه من ظاهر الآية بدليل. ولا يحل أكل كل ذبيحة تعمد فيها (1) قلب السكين والذبح من أسفل إلى فوق، أو فصل الرأس منها، أو سلخ جلدها قبل أن تبرد بالموت، أو لم تتحرك، أو تحركت ولم يسل منها دم، بدليل الاجماع الماضي ذكره وطريقة الاحتياط. وذكاة ما أشعر أو أوبر من الاجنة ذكاة أمة ; إن خرج ميتا حل أكله، وإن خرج حيا فأدركت ذكاته أكل وإلا فلا، وإن لم يكن أشعر أو أوبر لم يحل أكله إذا خرج ميتا، بدليل إجماع الطائفة. وذكاة السمك والجراد صيد المسلم له فقط، ومن أصحابنا من قال: يجوز صيد الكافر لهما، لأنه ليس من شرط ذلك التسمية، وإن كانت أولى، إلا أنه لا يحل أكل شئ من ذلك إذا لم يشاهد المسلم أخذ الكافر له حيا (2) والقول الأول أحوط. ولا يحل من السمك إلا ما كان له فلس، ولا يحل الدبا من الجراد، ولا يحل

1 - في " ج ": تعمل فيها.
2 - الشيخ: المبسوط: 6 / 276.

[ 398 ]

من السمك ما مات في الماء، ولا من الجراد ما مات في الصحراء، وكذا حكم ما مات من السمك لذهاب الماء عنه، وما مات من الجراد لوقوعه في ماء أو نار، بدليل ما قدمناه من الاجماع وطريقة الاحتياط. ويحرم أكل الكلب والخنزير والثعلب والأرنب والضبع والضب واليربوع والسلحف (1) والقنفذ والفأر والسنور والقرد والدب (2) والفيل وكل ذي ناب ومخلب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وما لا حوصلة له منه ولا قانصة، ودواب البحر ما عدا ما قدمناه من السمك، وحشرات الأرض، والميتة، والدم المسفوح، والطحال، والقضيب، والانثيين، والغدد، والمشيمة، والمثانة، والطين، إلا اليسير من تربة الحسين عليه السلام، وبيض ما لا يؤكل لحمه ولبنه، وما اتفق طرفاه من مجهول البيض، والسموم القواتل، وما قطع من الحيوان قبل الذكاة وبعدها، قبل أن يبرد بالموت، وما كان في بطن ما شرب خمرا من ذلك وإن غسل، والذي في بطن ما شرب بولا حتى يغسل، وما وطئه الانسان من الانعام، وما شرب من لبن خنزيرة واشتد به، وما كان من ولد ذلك ونسله، وما أدمن شرب النجاسات حتى يمتنع (3) منه عشرا، وجلالة الغائط إذا كان غذاؤه كله من ذلك، حتى تحبس الابل أربعين يوما، والبقر عشرين يوما، والشاة عشرة أيام، وروي سبعة (4)، والبط والدجاج خمسة أيام، وروي في الدجاج ثلاثة أيام (5)، و السمك يوما وليلة، والطعام النجس، والمغصوب، والطعام في آنية الذهب والفضة.

1 - في " ج ": والسلحفاة.
2 - الدب: حيوان خبيث يعد من السباع. مجمع البحرين. 3 - في " ج ": حتى يمنع.
4 - مستدرك الوسائل: 16 / 187 ب 19 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 1 و 3.
5 - الوسائل: 16 ب 28 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 2 و 8 ومستدرك الوسائل: 16 / 187 ب 19 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 1 و 2 و 3.

[ 399 ]

ويحرم شرب قليل المسكر وكثيره - من عنب كان أو من غيره، مطبوخا كان أو غير مطبوخ - والفقاع وكل ما ليس بطاهر من المياه وغيرها من المائعات. وثمن كل ما يحرم أكله وشربه من المسوخ والأنجاس - إلا ما استثنيناه في كتاب البيع - وأجر عمل المحرمات من الملاهي وآلات القمار وغير ذلك من كل محرم حرام، وكذا الاجر على العبادات التي أمر بها المكلف لا بسبب الاستئجار ; كل ذلك بدليل إجماع الطائفة وطريق الاحتياط. ويحتج على الشافعي في قوله بإباحة أكل الثعلب والضبع بما رواه أبو هريرة من قوله عليه السلام: كل ذي ناب من السباع حرام (1)، ومن طريق آخر أنه عليه السلام نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير (2)، ويحتج عليه في تحليل أكل الضب بما رووه من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى أصحابه وقد نزلوا بأرض كثيرة الضباب وهم يطبخون فقال: ما هذا؟ فقالوا: ضباب أصبناها، فقال عليه السلام: إن أمة من بني إسرائيل مسخت دوابا في هذه الأرض وإني أخشى أن تكون هذه، فاكفؤا القدور.
(3) ويحتج على أبي حنيفة في تحليل ما عدا الخمر من النبيذ بما رووه من قوله عليه السلام: ما أسكر كثيره فقليله حرام (4)، وقوله: حرمت الخمر بعينها والمسكر من كل شراب.
(5) ويحتج على المخالف في تحريم الفقاع بما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام (6)

1 و 2 - سنن البيهقي: 9 / 315 ومسند أحمد بن حنبل: 2 / 236 و 1 / 289 و 327 و 373.
3 - سنن البيهقي: 9 / 325 باب ما جاء في الضب وكنز العمال: 15 / 452 برقم 41793.
4 - سنن البيهقي: 8 / 296 ومسند أحمد بن حنبل: 2 / 167 و 3 / 112 و 343.
5 - سنن البيهقي: 8 / 297 و 10 / 213.
6 - أبو عبيد القاسم بن سلام - بتشديد اللام - البغدادي، فقيه، نحوي ولد بهرات ومات بمكة سنة (224 ه‍). لاحظ طبقات الفقهاء ص 102 وتهذيب التهذيب: 8 / 283.

[ 400 ]

والساجي في كتاب اختلاف الفقهاء عن أم حبيبة (1) زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أن قوما من أهل اليمن قدموا عليه صلى الله عليه وآله وسلم لتعلم الصلاة والفرائض والسنن، فقالوا: يا رسول الله إن لنا شرابا نتخذه من القمح والشعير، فقال عليه السلام: الغبيراء؟ - فقالوا: نعم، فقال: لا تطعموه، قال الساجي في حديثه: إنه عليه السلام قال ذلك ثلاثا، وقال أبو عبيد في حديثه: لما كان بعد ذلك بيومين ذكروها له عليه السلام، فقال: الغبيراء؟ - فقالوا: نعم، قال عليه السلام: لا تطعموها، قالوا: فإنهم لا يدعونها، فقال عليه السلام: من لم يتركها فاضربوا عنقه.
(2) وروى أبو عبيد أيضا عن زيد بن أسلم (3) أن النبي عليه السلام سئل عن الغبيراء فنهى عنها وقال: لا خير فيها، قال وقال زيد بن أسلم: والاسكركة هي (4)، وقد علمنا أن الاسكركة اسم يختص في لغة العرب بالفقاع، وقد روى ابن حنبل عن ضمرة أنه قال: الغبيراء التي نهى عليه السلام عنها الفقاع، وقال ابن حنبل: إن مالك بن أنس كان يكره الفقاع ويكره بيعه في الاسواق، وإن ابن المبارك (5) كان يكرهه، وكان يزيد بن هارون (6) يكرهه أيضا، وهؤلاء عند المخالف من كبار شيوخ

1 - اسمها رملة، بنت أبي سفيان، انظر ترجمتها في أسد الغابة: 5 / 573.
2 - سنن البيهقي: 8 / 292 ومسند أحمد بن حنبل: 6 / 427.
3 - أبو أسامة، زيد بن أسلم العدوي المدني الفقيه، روى عن أبيه وابن عمر وعائشة وجابر وغيرهم، روى عنه أولاده الثلاثة: أسامة وعبد الله وعبد الرحمان وغيرهم، مات سنة 136 ه‍ تهذيب التهذيب: 3 / 395.
4 - الموطأ / 732 كتاب الأشربة برقم 10 وسنن أبي داود: 3 / 328 وجامع الأصول: 5 / 97 كتاب الشراب الباب الثاني في الخمور والأنبذة وفيه: الغبيراء: شراب تتخذه الحبشة من الذرة يسكر، والسكركة: نوع من الخمور تتخذ من الذرة.
5 - أبو عبد الرحمان، عبد الله بن مبارك بن الواضح الحنظلي التميمي، روى عن سليمان التيمي وحميد الطويل وخلق كثير، وعنه الثوري وخلق كثير أيضا، مات سنة 181 لاحظ تهذيب التهذيب: 5 / 382.
6 - أبو خالد، يزيد بن هارون الواسطي، روى عن سليمان التيمي وحميد الطويل وعاصم =

[ 401 ]

أصحاب الحديث. (1) ولحوم الحمر الاهلية والبغال غير محرمة بدليل إجماع الطائفة ; وأيضا الأصل الاباحة والمنع يحتاج إلى دليل، ولا دليل يقطع به على ذلك، لأن ما يتعلق به المخالف في تحريم لحم الحمر، أخبار آحاد لا يجوز العمل بها في الشرعيات ; ثم هي معارضة بغيرها، ومحمولة على أن سبب النهي عن ذلك قلة الظهر في ذلك الوقت لا تحريم اللحم، كما كان نهيه عليه السلام عن لحوم الخيل كذلك. وقوله تعالى: * (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة) * (2)، لا دلالة للمخالف فيه، لأن جعلها للركوب والزينة لا يمنع من كونها لغيرهما، بدليل جواز الحمل عليها - وإن لم يذكره - وأكل لحوم الخيل عند الأكثر (3) ولأن الظاهر أن المقصود بذلك الركوب والزينة دون أكل اللحم، وكذا نقول ; وليس ذلك بمانع من كون لحمها حلالا إذا أريد أكله، ألا ترى أن من قال لغيره: قد وهبتك هذه الفرس لتركبها، لا يمنع من جواز انتفاعه به بغير الركوب. ويجوز أن ينتفع من ميتة ما يقع الذكاة عليه بالصوف والشعر والوبر والقرن والظلف والخف والمخلب والسن واللبن والأنفحة (4) والريش. ومتى وجد لحم ولم يعلم أذكي هو أو ميت (5) طرح على النار ; فإن تقلص فهو ذكي، وإن انبسط فهو ميتة. ويعتبر السمك (6) بطرحه في الماء ; فإن رسب (7) فهو ذكي، وإن طفا فهو ميت، كل ذلك بدليل الاجماع الماضي ذكره.

= الاحول وغيرهم وروى عنه أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين وغيرهم، مات سنة 206 ه‍، تهذيب التهذيب: 11 / 368. 1 - لاحظ الخلاف كتاب الأشربة، المسألة 6، والانتصار: 199.
2 - النحل: 8.
3 - في " ج ": وأكل لحوم الخيل عند الأكثر جائز.
4 - الأنفحة هي الكرش. المصباح المنير.
5 - في " ج ": أو ميتة.
6 - في " ج ": ويعتبر في السمك.
7 - رسب الشئ رسوبا - من باب قعد -: ثقل وصار إلى أسفل. المصباح المنير.

[ 402 ]

كتاب الجنايات وما توجبه الجنايات على ضربين: قتل وغير قتل، فالقتل على ضروب ثلاثة: عمد محض، وخطأ محض، وخطأ شبيه العمد. فالعمد المحض هو ما وقع من كامل العقل عن قصد إليه بلا خلاف، سواء كان بمحدد، أو مثقل، أو سم، أو خنق، أو تغريق، أو تحريق، بدليل إجماع الطائفة، وأيضا قوله تعالى: * (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) * (1)، لأنه لم يفصل (2) بين أن يكون القتل بمحدد أو غيره. ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقلته، فمن قتل بعده قتيلا، فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية (3)، لأنه لم يفرق أيضا. والخطأ المحض، هو ما وقع من غير قصد إليه، ولا إيقاع سببه بالمقتول، نحو أن يقصد المرء رمي طائر مثلا فيصيب إنسانا فيقتله، بلا خلاف. والخطأ شبيه العمد، هو ما وقع من غير قصد إليه، بل إلى إيقاع ما يحصل القتل عنده مما لم تجر العادة بانتفاء الحياة بمثله بالمقتول، نحو أن يقصد المرء تأديب من له تأديبه، أو معالجة غيره بما جرت العادة بحصول النفع عنده، من مشروب، أو فصد أو غيرهما، بدليل إجماع الطائفة.

1 - الاسراء: 33.
2 - في " ج ": لأنه لم يفرق.
3 - سنن البيهقي: 8 / 52 كتاب الجنايات، باب الخيار في القصاص، وسنن الترمذي: 4 / 21 وسنن الدارقطني: 3 / 95 برقم 54 و 55 ومسند أحمد بن حنبل: 1 / 358.

[ 403 ]

ونحتج على مالك في قوله بقوله عليه السلام (1): ألا إن في قتيل عمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الابل (2)، ومن طريق آخر: ألا إن دية الخطأ شبيه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الابل (3)، وهذا نص أن ذلك (4) غير مختص بما رووه من قوله. والضرب الأول من القتل موجبه القود بشروط: منها: أن يكون غير مستحق بلا خلاف. ومنها: أن يكون القاتل بالغا كامل العقل، فإن حكم العمد ممن ليست هذه حاله، حكم الخطأ، بدليل إجماع الطائفة، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: رفع القلم عن ثلاثة.
(5) ومنها: أن لا يكون المقتول مجنونا، بلا خلاف بين أصحابنا. ومنها: أن لا يكون صغيرا، على خلاف بينهم فيه، وظاهر القرآن يقتضي الاستقادة به.
(6) ومنها: أن لا يكون القاتل والد المقتول، بدليل الاجماع المشار إليه، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: لا يقتل الوالد بولده.
(7) ومنها: أن لا يكون القاتل حرا والمقتول عبدا، سواء كان عبد نفسه، أو عبد

1 - وفي " ج ": ويحتج على المالك بقوله عليه السلام. 2 و 3 - سنن البيهقي: 8 / 44 كتاب الجنايات باب شبه العمد... ومسند أحمد بن حنبل: 2 / 103.
4 - كذا في الأصل و " ج ": ولكن في " س ": لأن ذلك.
5 - سنن الدارقطني: 3 / 139 برقم 173 والجامع الصغير: 2 / 16 برقم 4462 وسنن البيهقي: 7 / 359 ومسند أحمد بن حنبل: 1 / 140، 155.
6 - في " س ": " الاستفادة به " وهو تصحيف والصحيح ما في المتن.
7 - سنن الدارقطني: 3 / 141 برقم 180 والجامع الصغير: 2 / 742 برقم 9839 ومسند أحمد بن حنبل: 1 / 49.

[ 404 ]

غيره، بدليل إجماع الطائفة، وأيضا قوله تعالى: * (الحر بالحر والعبد بالعبد) * (1)، يدل على ما قلناه، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: لا يقتل حر بعبد.
(2) ومنها: أن لا يكون القاتل مسلما والمقتول كافرا، سواء كان معاهدا أو مستأمنا أو حربيا، بدليل إجماع الطائفة وأيضا قوله تعالى: * (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) * (3)، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده (4) ويقتل الحر بالحرة بشرط أن يؤدي أوليائها إلى ورثته الفاضل عن ديتها من ديته، وهو النصف، بدليل إجماع الطائفة وقوله تعالى: * (والانثى بالانثى) * [ يدل على أن الذكر لا يقتل بالانثى ] (5)، وإنما أخرجنا من ذلك قتله بها مع الشرط الذي ذكرناه، بدليل الاجماع. وتقتل الجماعة بالواحد بشرط أن يؤدي ولي الدم إلى ورثتهم الفاضل عن دية صاحبه، فإن أختار ولي الدم قتل واحد منهم، كان له ذلك، ويؤدي المستبقون ما يجب عليهم من أقساط الدية إلى ورثة المقاد منه، ويدل على ذلك إجماع الطائفة، وأيضا فما اشترطناه أشبه بالعدل وأليق به.
(6) ويدل على جواز قتل الجماعة بالواحد بعد الاجماع المشار إليه قوله تعالى: * (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) * (7)، لأنه لم يفرق بين الواحد والجماعة وأيضا قوله تعالى: * (ولكم في القصاص حياة) * (8)، لأن المعنى

1 - البقرة: 178.
2 - سنن البيهقي: 8 / 34 و 35 كتاب الجنايات باب لا يقتل حر بعبد.
3 - النساء: 141.
4 - سنن البيهقي: 8 / 29 و 30 و 31، ولاحظ صحيح البخاري: 9 / 16.
5 - البقرة: 178 وما بين المعقوفتين موجود في " ج ".
6 - وفي " س ": " بالعدل والتوبة " والصحيح ما في المتن.
7 - الاسراء: 33.
8 - البقرة: 179.

[ 405 ]

أن القاتل إذا علم أنه إذا قتل قتل (1) كف عن القتل، وكان في ذلك حياته وحياة من هم بقتله، وسقوط القود بالاشتراك في القتل يبطل المقصود بالآية. ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين... الخبر (2)، لأنه لم يفرق، وقوله تعالى: * (أن النفس بالنفس) * (3) و * (الحر بالحر) * (4) المراد به الجنس لا العدد، فكأنه قال: إن جنس النفوس يؤخذ بجنس النفوس، وجنس الأحرار يؤخذ بجنس الأحرار. ولا تجب الدية في قتل العمد مع تكامل الشروط الموجبة للقود، فإن بذلها القاتل ورضى بها ولي الدم جاز ذلك، وسقط حقه من القصاص، بدليل إجماع الطائفة وأيضا قوله تعالى: * (أن النفس بالنفس) * (5)، وقوله: * (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر) * (6)، ومن أوجب زيادة على ذلك فقد ترك الظاهر. ومتى هرب قاتل العمد، ولم يقدر عليه حتى مات، أخذت الدية من ماله، فإن لم يكن له مال، أخذت الدية من الأقرب فالأقرب من أوليائه الذين يرثون ديته، بدليل الاجماع المتكرر. ويقتل الواحد بالجماعة إن أختار أولياء الدم قتله، ولا شئ لهم غيره، فإن تراضوا بالدية، فعليه إذا قبل [ من الديات الكاملة بعدة من قتل ] (7) وإن أراد بعض الاولياء القود وبعضهم الدية، كان لهم ذلك، وإن عفا بعضهم، سقط حقه، وبقى حق من لم يعف على مراده.

1 - في " ج ": إذا علم القاتل أنه إذا قتل به يقتل. 2 - سنن البيهقي: 8 / 52 كتاب الجنايات. 3 و 5 - المائدة: 45. 4 و 6 - البقرة: 178.
7 - مابين المعقوفتين موجود في " ج " وهو الصحيح.

[ 406 ]

ولو كان المقتول واحدا، وأولياؤه جماعة، فاختار بعضهم القود، والبعض الآخر الدية والعفو، جاز قتله بشرط أن يؤدي من أراده إلى مريدي الدية أقساطهم منها، أو إلى ورثة المقاد منه أقساط من عفا، بدليل إجماع الطائفة و أيضا قوله تعالى: * (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) * (1) ومن أسقط القود مع عفو بعض الاولياء، أو أراد به الدية، فقد ترك الظاهر. ويجوز لأحد الاولياء استيفاء القصاص من غير استئذان لشركائه فيه، بشرط أن يضمن نصيبهم من الدية، بدليل إجماع الطائفة وظاهر الآية، لأنه ولي فيجب أن يكون له سلطان. ويقتل الذمي بمن قتله من المسلمين، ويرجع على تركته أو أهله (2) بديات الأحرار وقيمة الرقيق، أو بما يلحقه من قسط ذلك إن كان مشاركا في القتل. وإذا قتل العبد الحر، وجب تسليمه إلى ولي الدم وما معه من مال وولد، إن شاء قتله، وتملك ماله وولده، وإن شاء استرقه أيضا، بدليل إجماع الطائفة. فإن كان العبد شريكا للحر في هذا القتل، واختار الاولياء قتل الحر، فعلى سيد العبد لورثته نصف ديته، أو تسليم العبد إليهم يكون رقا لهم، بدليل الاجماع المشار إليه، وإن اختاروا قتل العبد، كان ذلك لهم، بلا خلاف بين أصحابنا. وليس لسيد العبد على الحر سبيل عند الأكثر منهم، وهو الظاهر في الروايات، ومنهم من قال: يؤدي الحر إلى سيد العبد نصف قيمته (3)، وإن اختاروا قتلهما جميعا، كان لهم ذلك بلا خلاف بين أصحابنا، ومنهم من قال: بشرط أن يؤدوا قيمة العبد إلى سيده خاصة، ومنهم من قال: وإلى ورثة الحر

1 - الاسراء: 33.
2 - في " ج ": ويرجع على أهله وتركته.
3 - الحلبي: الكافي: 386.

[ 407 ]

أيضا. (1) وإذا قامت البينة بالقتل على إنسان، وأقر آخر بذلك القتل، وبرأ المشهود عليه منه، فأوليائه مخيرون بين قبول الدية منهما نصفين، وبين قتلهما، ورد نصف ديته على ورثة المشهود عليه، دون المقر، ولا شئ لورثته على المشهود عليه، وإذا لم يبرء المقر المشهود عليه، كانا شريكين في القتل، متساويين فيما يقتضيه. وإذا أقر إنسان بقتل يوجب القود، وأقر آخر بذلك القتل خطأ، كان ولي الدم بالخيار بين قتل المقر بالعمد، ولا شئ لهم على الآخر، وبين أخذ الدية منهما نصفين، والقود على المباشر للقتل، دون الآمر به أو المكره عليه، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه، وقد روي: أن الآمر إن كان سيد العبد، وكان معتادا لذلك، قتل السيد وخلد العبد [ في ] (2) الحبس، وإن كان نادرا، قتل العبد، وخلد السيد [ في ] (3) الحبس.
(4) وإذا اجتمع ثلاثة في قتل، فأمسك أحدهم، وضرب الآخر، وكان الثالث عينا لهم، قتل القاتل، وخلد الممسك [ في ] (5) الحبس، وسملت عين الرقيب، بدليل إجماع الطائفة، ويحتج على المخالف لما رووه من قوله عليه السلام: يقتل القاتل و يصبر الصابر (6)، قال أبو عبيدة (7): معناه يحبس الحابس. وإذا قتل السيد عبده، بالغ السلطان في تأديبه، وأغرمه قيمته، وتصدق بها، فإن كان معتادا لقتل الرقيق، مقرا عليه، قتل لفساده في الأرض - لا على وجه القصاص - وكذا لو كان معتادا لقتل أهل الذمة. ولا يستقيد إلا سلطان الاسلام، أو من يأذن له في ذلك، وهو ولي من ليس

1 - لاحظ في الوقوف على الأقوال المختلف: 791 من الطبع القديم. 2 و 3 و 5 - ما بين المعقوفات موجود في " ج ".
4 - لاحظ الكافي للحلبي: 387.
6 - سنن الدارقطني: 3 / 140 برقم 175.
7 - كذا في النسخ التي بأيدينا، والظاهر أن الصحيح " أبو عبيد "، تقدمت ترجمته ص 339.

[ 408 ]

له ولي من أهله، يقتل بالعمد أو يأخذ الدية ويأخذ دية الخطأ، ولا يجوز له العفو كغيره من الاولياء. ولا يستقاد إلا بضرب العنق، ولا يجوز قتل القاتل بغير الحديد (1) وإن كان هو فعل ذلك، بلا خلاف بين أصحابنا في هذا كله، ومن أصحابنا من قال (2): إن قصاص الطرف يدخل في قصاص النفس، وكذلك ديته تدخل في دية النفس، ومنهم من قال (3): إن قطع يده أو قلع عينه ثم قتله بفعل آخر، فعل به مثل ذلك ثم قتل، وظاهر قوله تعالى: * (والجروح قصاص) * (4)، وقوله تعالى: * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (5)، معه. وأما الضربان الآخران من القتل ففيهما الدية، على ما نبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى. وتجب الكفارة في ضروب القتل كلها إلا أنها في العمد عتق رقبة وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكينا على الجمع، ولا تجب إلا مع التراضي بالدية، وفي الخطأ على التخير، بدليل إجماع الطائفة على ذلك، وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك. ويحتج على المخالف في كفارة قتل العمد بما رووه من أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله إني وأدت في الجاهلية، فقال: أعتق عن كل مؤودة رقبة (6)،

1 - في الأصل: ولا يجوز القتل بغير الحديد.
2 - لاحظ المختلف: 809 الطبع القديم كتاب القصاص والديات الفصل الخامس. 3 - الشيخ: النهاية: 771 والخلاف كتاب الجنايات المسألة 89.
4 - المائدة: 45.
5 - البقرة: 194.
6 - المجموع للنووي في شرح المهذب للشيرازي - الطبعة الوحيدة الكاملة، الناشر مكتبة الارشاد، جدة، المملكة العربية السعودية ج 21 / 21 باب كفارة القتل، وفيه " بكل مؤودة "، قال النووي =

[ 409 ]

وبما رواه واثلة (1) قال: أتينا رسول الله في صاحب لنا قد استوجب النار بالقتل، فقال: أعتقوا رقبة يعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار.
(2) وأما ما عدا القتل من الجناية (3) على الآدمي في بدنه بالجروح وغيرها، وفي القصاص مع حصول الشروط التي اعتبرناها في القصاص بالقتل، وينضاف إلى ذلك (4) شرطان آخران: أحدهما أن يكون ما فعله الجاني مما لا يرجى صلاحه كقطع اليد مثلا، أو عطبها وقلع العين أو ذهاب ضوئها، وما أشبه ذلك، والثاني أن لا يخاف بالاقتصاص به تلف نفس المقتص منه، كالجائفة والمأمومة وما جرى مجراهما، فإنها يخاف منها تلف النفس (5) ولا يصح فيها ولا في مثلها القصاص. ومتى اقتص بجرح أو كسر أو قلع (6) قبل اليأس من صلاحه، فبرأ أحدهما،

= بعد نقل الحديث ما هذا نصه: " الموؤودة البنت المقتولة عندما تولد، كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك مخافة العار والفقر ". وقال في مورد آخر في مقام الاستدلال على وجوب الكفارة على القاتل وإن كان كافرا، مستدلا عليه بالنص المذكور قال: ما هذا نصه: " وهذا نص على وجوب الكفارة على القاتل الكافر " لاحظ المجموع: 21 / 23. ونقله الشيخ في الخلاف كتاب كفارة القتل المسألة 6. 1 - واثلة بن الاسقع بن كعب بن عامر ويقال: ابن الاسقع بن عبد العزى بن عبد ياليل بن ناشب، أبو شداد، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن أبي مرثد الغنوي وأبي هريرة وأم سلمة، وروى عنه أبو إدريس الحولاني ومكحول وغيرهما مات سنة 83 ه‍ لاحظ تهذيب التهذيب: 11 / 101 وأسد الغابة: 5 / 77.
2 - المغني لابن قدامة: 10 / 38 وسنن البيهقي: 8 / 133 باب الكفارة في قتل العمد، والفقه على المذاهب الأربعة: 5 / 255 والمجموع للنووي: 17 / 550 باب كفارة القتل. ونقله أحمد بن إدريس القرافي في الذخيرة: 12 / 419.
3 - في " ج ": من الجنايات. 4 - كذا في جميع النسخ والظاهر " فينضاف " جوابا لاما.
5 - في " ج ": وما جرى مجراهما مما يخاف فيه.
6 - كذا في " ج " ولكن في الأصل و " س ": أو خلع.

[ 410 ]

ولم يبرأ الآخر، أعيد القصاص عليه إن كان بإذنه، وإن كان بغير إذنه، رجع المقتص منه على المعتدي دون المجني عليه. وإذا لم يتعد المقتص المشروع له ومات المقتص منه، لم يكن عليه شئ، فإن تعدى بما لا يقصد معه تلف النفس، كان ضامنا لما يفضل عن أرش الجناية عليه من ديته، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة. ومن قطع أصابع غيره، أو واحدة منها، وقطع آخر يده من الزند، أو المرفق، أو الابط، فعلى الأول دية ما جناه، وعلى الثاني دية ما بقي بعده، وإن شاء اقتص منهما، ورد على الثاني دية ما جناه الأول، أو أخذ من الأول دية ما جناه، فدفعها إلى الثاني، بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا قوله تعالى: * (والجروح قصاص) * (1) يدل على جواز القصاص. ومن قطع يمين غيره، ولا يمين له، قطعت يساره، فإن لم يكن له يسار، قطعت رجله اليمنى، فإن لم يكن له، قطعت اليسرى، بدليل الاجماع المشار إليه. وما لم يتكامل فيه الشروط التي معها يجب القصاص، ففيه الدية، ويضمن الحر قيمة ما أفسده وأرش ما جناه عن عمد، أو خطأ، أو قصد، أو سهو، و ما يحصل من ذلك عند فعله، أو فعل من يلي عليه على الوجه الذي نذكره. فمن قتل حيوان غيره، أو جرحه، أو كسر آلته، أو مزق ثوبه، أو هدم بناءه، ضمن، وكذا لو حصل شئ من ذلك بإحداثه في طريق المسلمين، أو في غيره من الملك المشترك، أو ملك الغير الخاص ما لم يبح له. ويضمن ما يحصل بمداواته من فساد إذا (2) لم يبرأ إلى المداوى أو وليه منه، أو بإرساله جمله الهائج، وكلبه العقور، أو بإرسال غنمه ليلا على كل حال، ولا

1 - المائدة: 45.
2 - في " ج ": بمداواته وغيره إذا.

[ 411 ]

يضمن ما تجنيه نهارا إلا أن يكون أرسلها في ملك غيره. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ناقة البراء بن عازب (1) دخلت حائطا فأفسدته فقضى عليه: أن على أهل الأموال حفظها نهارا، وعلى أهل المواشي حفظها ليلا، وأن على أهلها الضمان في الليل.
(2) ويضمن ما تجنيه دابته بيدها إذا كان راكبا لها أو قائدا، ولا يضمن ما تجنيه برجلها إلا أن يؤلمها بسوط أو مهماز أو لجام، ويضمن كل ذلك إذا كان سائقا، و لم يحذر، أو حاملا عليها من لا يعقل على كل حال، ويضمن ما تفسده إذا نفرها إلا أن يكون قصد بذلك دفع أذاها عنه، أو عمن يجري مجراه، ويضمن جناية الخطأ عن رقيقه وعمن هو في حجره، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة عليه.

1 - البراء بن عازب بن الحارث بن عدي، المدني الصحابي، نزل الكوفة ومات بها في زمن مصعب بن الزبير، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام وأبي أيوب وبلال وغيرهم، وروى عنه عبد الله بن زيد وأبو جحيفة وابن أبي ليلى وجماعة مات سنة 72 ه‍ لاحظ تهذيب التهذيب: 1 / 425 وأسد الغابة: 1 / 171.
2 - سنن الدارقطني: 3 / 154 برقم 216 - 222.

[ 412 ]

فصل: في الديات دية الحر المسلم في قتل العمد مائة من مسان الابل (1) أو مائتا بقرة، أو مائتا حلة، أو ألف شاة، أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم فضة جيادا، على حسب ما يملكه من يؤخذ منه في الموضع الذي ذكرناه، يدل على ذلك إجماع الطائفة وأيضا فالأصل براءة الذمة. ومن قال: إنها من الغنم ألفان، ومن الدراهم إثنا عشر ألفا (2)، فعليه الدليل. وتجب هذه الدية في مال القاتل بلا خلاف، وتستأدى في سنة، بدليل إجماع الطائفة. ودية قتل الخطأ شبيه العمد على أهل الابل ثلاثة وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة وأربعة وثلاثون ثنية، كلها طروقة الفحل، وقد روى: ثلاث وثلاثون بنت لبون (3) وثلاث وثلاثون حقة وأربع وثلاثون خلفة (4)، وروي: أنها ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وأربعون خلفة (5)، وما ذكرناه أولا

1 - لاحظ في الوقوف على معنى " المسان " عند الفقهاء واللغويين جواهر الكلام: 43 / 5. 2 - ذهب إليه بعض العامة، لاحظ الخلاف كتاب الديات، المسألة 10.
3 - الحقة من الابل: هي التي استحقت الفحل، والحمل وهي التي استكملت ثلاث سنين و دخلت في الرابعة. والجذع: الصغير السن، وهو من الابل إذا استكمل أربعة أعوام ودخل في الخامسة. والثنية من الابل ما استكملت الخامسة من عمرها ودخلت في السادسة. وبنت لبون من الابل هي التي استكملت سنتين وطعنت في الثالثة. لسان العرب.
4 - لاحظ الوسائل: 19 ب 1 من أبواب ديات النفس ح 13. وفي " ج ": أربع وأربعون خلفة.
5 - مستدرك الوسائل: 18 ب 2 من أبواب ديات النفس ح 6.

[ 413 ]

تقتضيه طريقة الاحتياط، لأن الأسنان فيه الأعلى، وتجب هذه الدية في مال القاتل. فإن لم يكن له مال استسعى فيها، وأنظر إلى حين اليسر، فإن مات أو هرب أخذت من أوليائه الذين يرثون ديته الأقرب فالأقرب، فإن لم يكن له أولياء، أخذت من بيت المال، يدل على ذلك إجماع الطائفة، وأيضا فذمة العاقلة في الأصل بريئة وشغلها بإيجاب الدية مع قدرة القاتل عليها، يفتقر إلى دليل، وتستأدى هذه الدية في سنتين، بلا خلاف من أصحابنا. ودية قتل الخطأ المحض على أهل الابل ثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون، وعشرون بنت مخاض، وعشرون ابن لبون ذكرا، وروي: أنها خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة (1). والأول أظهر في الروايات. وتجب هذه الدية على العاقلة، بلا خلاف إلا من " الاصم " (2) وتستأدى في ثلاث سنين، بلا خلاف إلا من " ربيعة " (3) فإنه قال: في خمس، وإذا لم يكن للعاقلة مال، أو لم يكن له عاقلة، وجبت الدية في ماله، فإن لم يكن له مال، وجبت في بيت المال، بدليل إجماع الطائفة. وعاقلة الحر المسلم عصبته الذين يرثون ديته، وعاقلة الرقيق مالكه، وعاقلة الذمي الفقير الامام، ولا تعقل العاقلة (4) صلحا ولا إقرارا ولا ما وقع عن تعد،

1 - لاحظ الوسائل: 19، ب 2 من أبواب ديات النفس، ح 10.
2 - أبو بكر عقبة بن عبد الله الاصم المتوفى (200 ه‍) وله تصانيف عديدة، روى عن عطاء وحميد بن هلال وسالم، وروى عنه ابن المبارك وأبو قبيصة ومعقل، لاحظ الفهرست لابن النديم: 214 و تهذيب التهذيب: 7 / 244 وميزان الاعتدال: 3 / 86. 3 - أبو عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمان المدني المعروف بربيعة الرأي وعنه أخذ مالك مات سنة (136 ه‍) لاحظ تهذيب التهذيب: 3 / 223.
4 - في " ج ": " ولا يقبل العاقلة " والصحيح ما في المتن.

[ 414 ]

كحدث الطريق وما دون الموضحة. ودية رقيق المسلمين قيمته، ما لم يتجاوز قيمة العبد دية الحر المسلم، وقيمة الأمة دية الحرة، فإن تجاوزت ذلك ردت إليه. ودية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم، بدليل إجماع الطائفة وأيضا فالأصل براءة الذمة، وشغلها بما زاد على ذلك يفتقر إلى دليل، ودية رقيقهم قيمته ما لم يتجاوز قيمة العبد دية الحر الذمي، وقيمة الأمة دية الحرة الذمية، فإن تجاوزت ذلك فترد إليها، بدليل الاجماع المشار إليه. ودية المرأة نصف دية الرجل، بلا خلاف إلا من " ابن علية " (1) و " الاصم " فإنهما قالا: هما سواء (2)، ويحتج عليهما بما روي من طرقهم من قوله عليه السلام: دية المرأة على النصف من دية الرجل.
(3) ويجب على القاتل في الحرم أو في شهر حرام دية وثلث. ومن أخرج غيره من منزله ليلا، ضمن ديته في ماله حتى يرده، أو يقيم البينة بسلامته أو براءته من هلاكه، وكذا حكم الظئر مع الصبي الذي تحضنه. وإذا وجد صبي في بئر لقوم وكانوا متهمين على أهله، فعليهم الدية، وإن كانوا مأمونين فلا شئ عليهم، والقتيل إذا وجد في قرية، ولم يعرف من قتله، فديته على أهلها، فإن وجد بين القريتين، فالدية على أهل الأقرب إليه منهما، فإن كان وسطا فالدية نصفان، وحكم القبيلة والمحلة والدرب والدار حكم القرية. ودية كل قتيل لا يعرف قاتله ولا يمكن إضافته إلى أحد، على بيت المال،

1 - هو إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، وعلية أمه، مات سنة 193 ه‍، تهذيب التهذيب: 1 / 241.
2 - لاحظ المغني لابن قدامة والشرح الكبير: 9 / 532 كتاب الديات والبحر الزخار: 5 / 275.
3 - سنن البيهقي: 8 / 95 كتاب الديات والتاج الجامع للأصول: 3 / 11 وكنز العمال: 15 / 57 برقم 40071 والبحر الزخار: 5 / 275.

[ 415 ]

كقتيل الزحام، والموجود بالأرض التي لا مالك لها، كالبراري والجبال، كل ذلك بطريق إجماع الطائفة. ومن عزل عن زوجته الحرة بغير إذنها، لزمه لها دية النطفة عشرة دنانير، وإن كان ذلك بإفزاع غيره، فالدية لهما عليه. ومن جنى على امرأة فألقت نطفة، فعليه في ماله ديتها عشرون دينارا، وإن ألقت علقة، وهي قطعة دم كالمحجمة، فأربعون دينارا، وإن ألقت مضغة، وهي بضعة من لحم، فستون دينارا، وإن ألقت عظما، وهو أن يصير في المضغة سبع عقد، فثمانون دينارا، وإن ألقت جنينا كامل الصورة فمائة دينار (1) وإن ألقته حيا ثم مات، لزم فيه دية كاملة، وإن مات الجنين في الجوف ففيه نصف الدية، وتجب الدية للأم خاصة إن كان الزوج هو الجاني، وتجب للزوج خاصة إن كانت الجانية هي. وإذا كان للحمل حكم الرقيق أو أهل الذمة ففيه بحساب دياتهم. وفي قطع رأس الميت عشر ديته، وفي قطع أعضائه بحساب ذلك، ولا يورث ذلك، بل يتصدق به عنه، كل ذلك بدليل الاجماع المشار إليه. وقضى أمير المؤمنين عليه السلام في ستة غلمان كانوا يسبحون، فغرق أحدهم فشهد منهم ثلاثة على اثنين بتغريقه، وشهد الاثنان على الثلاثة بذلك: أن على الإثنين ثلاثة أخماس الدية، وعلى الثلاث خمسا الدية.
(2) وقضى عليه السلام في أربعة تباعجوا بالسكاكين فمات اثنان وبقى اثنان: أن على الباقين دية المقتولين يقاصان منهما بأرش جراحهما.
(3)

1 - كذا في الأصل و " س " ولكن في " ج ": فإن وضعته كامل الخلقة ولم تلجه الروح فمائة دينار.
2 - لاحظ الوسائل: 19، ب 2 من أبواب موجبات الضمان ح 1.
3 - الوسائل: 19، ب 1 من أبواب موجبات الضمان ح 1.

[ 416 ]

وقضى عليه السلام في امرأة ركبت عنق أخرى فجاءت أخرى فقرصت المركوبة فقمصت فوقعت الراكبة فاندق عنقها: أن على القارصة ثلث الدية، وعلى المركوبة الثلث وأسقط الثلث، لأن الراكبة كانت لاعبة ولم تكن مستأجرة، ولو كانت كذلك لوجبت الدية عليهما كاملة. (1) واعلم أن في ذهاب العقل الدية كاملة بلا خلاف. وفي شعر الرأس واللحية إذا لم ينبت الدية كاملة، فإن نبت كان في شعر رأس الرجل أو لحيته عشر الدية، وفي شعر المرأة مهر مثلها، بدليل إجماع الطائفة. وفي قلع العينين أو ذهاب ضوئهما الدية كاملة، وفي إحداهما نصف الدية بلا خلاف، ويعتبر بالفتح في عين الشمس، فإن أطرق حكم بالسلامة، وإن لم يطرق حكم بذهاب النور. وفي قلع عين الاعور - إذا كان عوره خلقة أو بآفة من قبل الله تعالى - الدية كاملة، بدليل إجماع الطائفة، فإن كان عوره بغير ما ذكرناه فنصف الدية. وفي بعض البصر بحساب ما ذكرناه، وتقاس إحدى العينين بالأخرى بلا خلاف، والعينان بعيني من هو من أبناء سنه عندنا، ويعتبر مدى ما يبصر بها من أربع جهات، فإن استوى ذلك صدق، وإن اختلف كذب بلا خلاف. وفي شفر العين الأعلى ثلث ديتها، وفي الأسفل نصف ديتها، والعين العمياء إذا كانت واقفة (2) ففي خسفها ثلث ديتها، وفي طبقها إذا كانت مفتوحة أو ذهاب سوادها، ربع ديتها.

1 - الوسائل: 19، ب 7 من أبواب موجبات الضمان ح 2 ومستدرك الوسائل: 18، ب 7 من أبواب موجبات الضمان أحاديث الباب باختلاف قليل. وفي هامش الوسائل: القرص - بالصاد المهملة - : أخذ الجلد بين الاصبعين ويقال بالفارسية: " نيشكون ".
2 - في " س ": واقعة.

[ 417 ]

وفي ذهاب شعر الحاجبين إذا لم ينبت، الدية كاملة، وفي أحدهما نصف الدية، فإن نبت ففيه الأرش. وفي قطع الاذنين أو ذهاب السمع جملة، الدية كاملة، وفي إحديهما نصف الدية، وفي نقصان السمع بحساب ذلك، يقاس بالصوت في الجهات، كالقياس في العين بالبصر، وفي قطع شحمة الاذنين ثلث ديتها، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة. وفي ذهاب الشم، الدية كاملة بلا خلاف، ويعتبر بتقريب الحراق، فإن دمعت العين، فحاسة الشم سليمة وإلا فلا. وفي استئصال الأنف بالقطع الدية كاملة، وفي قطع الارنبة نصف الدية، وفي إحدى المنخرين الربع منها، وفي النافذة في المنخرين ثلث الدية، وإن كانت في إحداهما فالسدس، فإن صلحت الأولى والتأمت كان فيها خمس الدية، وإن التأمت الثانية كان فيها العشر، وفي كسره وجبره من غير عيب ولا عثم عشر الدية أيضا، بدليل الاجماع المشار إليه. وفي استئصال اللسان بالقطع، أو ذهاب النطق به جملة، الدية كاملة، ويعتبر بالابرة، فإن لم يخرج دم أو خرج وكان أسود فهو أخرس، وإن خرج أحمر فهو صحيح، وفي قطع بعضه بحساب الواجب في جميعه، ويقاس بالميل، وكذا الحكم في ذهاب بعض اللسان، ويعتبر بحروف المعجم، فما ذهب من المنطق به منها فعلى الجاني من الدية بعدده، وفي لسان الأخرس إذا قطع ثلث دية الصحيح، بدليل الاجماع المشار إليه. وفي الشفتين الدية كاملة بلا خلاف، وفي العليا الثلث منها، وفي السفلى الثلثان، وفي البعض منها بحساب ذلك، وفي شق إحديهما ثلث ديتها، فإن التأمت فالخمس، بدليل إجماع الطائفة.

[ 418 ]

وفي الأسنان الدية كاملة بلا خلاف، وفي كل واحدة مما في مقاديم الفم، وهي اثنتا عشرة، نصف عشر الدية، وفي كل واحدة مما في مآخيره، وهي ست عشرة، ربع عشر الدية، وفي السن الزائدة على هذا العدد الأرش. وفي سن الصبي قبل أن يثغر (1) فيها عشر عشر الدية، وفي بعض السن بحساب ديتها، وفي اسودادها ثلثا دية سقوطها، وفي قلعها بعد الاسوداد ثلث ديتها صحيحة. وفي الثديين الدية كاملة، وفي أحدهما نصف الدية. وفي اليدين الدية كاملة، وفي إحداهما النصف منها، وفي كل واحد من الساعدين أو العضدين نصف الدية، وفي كل إصبع عشر الدية إلا الابهام، فإن فيها ثلث دية اليد، وفي أنملة كل إصبع ثلث ديتها إلا الابهام، فإن في الأنملة منها نصف ديتها، وحكم الفخذين والساقين والقدمين وأصابعهما حكم اليدين، وفي كل إصبع زائدة ثلث دية الأصابع الأصلية. وفي الصلب إذا كسر الدية كاملة، فإن جبر وصلح من غير عيب، فعشر الدية. وفي قطع الحشفة فما زاد من الذكر، الدية كاملة، وفي الأنثيين الدية كاملة، وفي إحديهما نصف الدية، وروي: أن في اليسرى منهما الثلثين، وفي اليمنى الثلث (2). وفي إفضاء الحرة ديتها.

1 - الثغر: المبسم، ثم أطلق على الثنايا، وإذا كسر ثغر الصبي قيل: ثغر ثغورا بالبناء للمفعول وثغرته أثغره من باب نفع: كسرته وإذا نبتت بعد السقوط قيل: أثغر إثغارا، وإذا ألقى أسنانه قيل: اثغر على افتعل. المصباح المنير.
2 - الوسائل: 19، ب 1 من أبواب ديات الأعضاء ح 1 وب 18 من أبواب ديات الأعضاء ح 2.

[ 419 ]

وفي كسر عظام العضو (1) خمس دية ذلك العضو، فإن جبر وصلح من غير عيب، فأربعة أخماس ديته، وفي موضحة كل عضو من اليدين ربع دية كسره، وفي رضه ثلث ديته، فإن جبر فصلح من غير عيب، فأربعة أخماس رضه، وكل عضو فيه مقدر إذا جني عليه، فصار أشل، وجب فيه ثلثا ديته، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة. وحكم الشجاج (2) في الوجه حكمها في الرأس وهي ثمانية. فأولها الحارصة: وهي الدامية، وهي التي تقشر (3) الجلد وتسيل الدم، ففيها عشر عشر دية المشجوج. ثم الباضعة: وهي التي تبضع اللحم، وفيها خمس عشر ديته. ثم النافذة وتسمى المتلاحمة: وهي التي تنفذ في اللحم، وفيها خمس عشر وعشر عشر. ثم السمحاق: وهي التي تبلغ القشرة التي بين اللحم والعظم، وفيها خمسا عشر ديته. ويثبت في هذه الأربع أيضا القصاص، بدليل إجماع الطائفة، وقال جميع الفقهاء: فيها حكومة وليس فيها شئ مقدر ولا قصاص. ثم الموضحة: وهي التي توضح عن العظم، وفيها نصف عشر الدية بلا خلاف، وفيها القصاص أيضا بلا خلاف. ثم الهاشمة: وهي التي تهشم العظم، وفيها عشر الدية.

1 - في " ج ": وفي كسر عظم العضو.
2 - قال في الجواهر: 43 / 317: الشجاج - بكسر الشين - جمع شجة بفتحها، وهي الجرح المختص بالرأس والوجه، ويسمى في غيرها جرحا. 3 - في " س ": تشق.

[ 420 ]

ثم المنقلة: وهي التي تحوج مع كسر العظم إلى نقله من موضع إلى آخر، وفيها عشر ونصف عشر. ثم المأمومة: وهي التي تصل إلى أم الدماغ، وفيها ثلث الدية، وفي هذه الثلاث ما ذكرناه من المقدر بلا خلاف، وليس فيها قصاص بلا خلاف. وأما الجائفة فليست من الشجاج، لأنها في البدن وهي التي تبلغ الجوف، ولا قصاص فيها، وفيها ثلث الدية أيضا بلا خلاف. وفي لطمة وجه الحر إذا أحمر موضعها دينار ونصف، فإن أخضر أو اسود فثلاثة دنانير، وفي لطمة الجسد، النصف من لطمة الوجه. والمرأة تساوي الرجل في ديات الأعضاء والجراح حتى تبلغ ثلث الدية، فإذا بلغت ذلك، رجعت إلى النصف من ديات الرجال، وديات ذلك في العبيد بحساب قيمتهم ما لم تزد على دية الحر فإن زادت ترد إلى ذلك (1) على ما قدمناه، وديات ذلك في أهل الذمة بحساب ديات أنفسهم. ولا دية للمستأجر بما يحدث عليه (2) في إجارته بفعله أو عند فعله. ولا دية لمقتول الحدود والآداب المشروعة، ولا للمدافعة عن النفس أو المال، وما تسقط الدية فيه تسقط قيمة المتلف (3) وأرش الجناية، ودليل ذلك كله إجماع الطائفة عليه، وفيه الحجة على ما بيناه. * * *

1 - كذا في " ج " ولكن في الأصل و " س ": ما لم تزد على دية الحر فيرد إلى ذلك.
2 - في " س ": مما يحدث عليه.
3 - في " ج ": قيمة التلف.

[ 421 ]

كتاب الحدود الفصل الأول: في حد الزنا متى ثبت الجماع في الفرج على عاقلين (1) مختارين، من غير عقد، ولا شبهة عقد، ولا ملك يمين، ولا شبهة ملك، ثبوتا شرعيا، فهما زانيان، يجب عليهما الحد بلا خلاف. والزناة على ضروب: منهم من يجب عليه القتل، حرا كان أو عبدا، محصنا أو غير محصن، وعلى كل حال، وهو من زنى بذات محرم له، أو وطئها مع العقد عليها، والعلم برحمها منه، أو زنى بامرأة أبيه، أو غصب امرأة على نفسها، أو زنى وهو ذمي بمسلمة، أو زنى وهو حر بكر رابعة، وقد جلد في الثلاثة قبلها، أو زنى وهو عبد ثامنة، وقد جلد فيما قبلها من المرات، بدليل إجماع الطائفة. ويحتج على المخالف (2) بما رووه من قوله عليه السلام: من وقع على ذات محرم فاقتلوه (3) ولم يفصل، وليس لهم أن يحملوا ذلك على المستحل، لأنه تخصيص بغير دليل، ولأنه لو أراد ذلك لم يكن لتخصيص ذوات الأرحام بالذكر فائدة، وروى

1 - في " ج ": مع عاقلين.
2 - في " س ": ويحتج فيها على المخالف.
3 - التاج الجامع للأصول: 3 / 30، كتاب الحدود وسنن الدارقطني: 3 / 126 برقم 142 وسنن البيهقي: 8 / 234 و 237 كتاب الحدود باب من وقع على ذات محرم له وجامع الأصول: 4 / 275.

[ 422 ]

المخالف أيضا: أن رجلا تزوج امرأة أبيه، قال أبو بردة (1): فأمرني النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أقتله.
(2) وغصب المرأة على نفسها أفحش وأغلظ من الزنا مع التراضي، وكذا المعاودة للزنا بعد الجلد ثلاث مرات وسبع مرات (3) لا شبهة في عظم ذنبه، وتأكد فحشه، فلا يمتنع أن يكون الحد أغلظ، وفي زنا الذمي بالمسلمة خرق للذمة، ومن خرق الذمة فهو مباح القتل بلا خلاف، وليس لأحد أن يقول: كيف يقتل من ليس بقاتل؟ لأن المحصن والمرتد يقتلان بلا خلاف وليسا بقاتلين. ومن الزناة من يجب عليه الجلد ثم الرجم، وهو المحصن إذا كان شيخا أو شيخة، بدليل إجماع الطائفة، وأيضا فالرجم لا خلاف فيه إلا من الخوارج، وخلافهم غير معتد (4) به، وقد انقرض وحصل الاجماع على خلافه، وإنما الخلاف في لزوم الجلد مع الرجم، وظاهر القرآن يدل عليه، ويحتج على المخالف (5) بما رووه من قوله عليه السلام: والثيب بالثيب جلد مائة والرجم.
(6) ومن الزناة من يجب عليه الرجم فقط، وهو كل محصن ليس بشيخ ولا شيخة، بلا خلاف إلا من الخوارج، فإنهم أوجبوا الجلد، ونفوا أن يجب الرجم في

1 - اسمه هاني بن نيار بن عمرو، وقيل: مالك بن هبيرة، حليف الأنصار وخال البراء بن عازب وقيل: عمه، شهد بدرا وما بعدها، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنه البراء بن عازب وجابر وابن أخيه سعيد بن عمير بن عقبة بن نيار وغيرهم، مات سنة 41 ه‍ وغير ذلك لاحظ تهذيب التهذيب: 12 / 19 وأسد الغابة: 5 / 146.
2 - جامع الأصول: 4 / 275 وسنن البيهقي: 8 / 237.
3 - في " ج ": أو سبع مرات.
4 - في " س ": غير معتمد.
5 - في " س ": ويحتج فيها على المخالف.
6 - صحيح مسلم: 5 / 115 كتاب الحدود باب حد الزاني والتاج الجامع للأصول: 3 / 24 كتاب الحدود وسنن البيهقي: 8 / 210 ومسند أحمد بن حنبل: 5 / 320 و 321 وجامع الأصول: 4 / 264.

[ 423 ]

موضع من المواضع، وقد بينا انعقاد الاجماع على خلافه، ومن أصحابنا من قال بوجوب الجلد هاهنا أيضا مع الرجم (1)، والظاهر من المذهب هو الأول. ومن الزناة من يجب عليه الجلد ثم النفي عاما إلى مصر آخر، وهو الرجل إذا كان بكرا، بدليل إجماع الطائفة، وقد روي من طرق المخالف أنه عليه السلام قال: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام.
(2) ومن الزناة من يجب عليه الجلد فقط، وهو كل من زنى وليس بمحصن ولا بكر، والمرأة إذا زنت (3) بكرة، بدليل الاجماع المشار إليه. ومن الزناة من يجب عليه جلد خمسين فقط، وهو العبد أو الأمة، سواء كانا محصنين أو غير محصنين، شيخين أو غير شيخين، وعلى كل حال. ومن الزناة من يجب عليه من حد الحر ومن حد العبد بحساب ما تحرر منه وبقي رقا، وهو المكاتب الذي قد تحرر بعضه. ومن الزناة من يجب عليه التعزير، وهو الأب إذا زنى بجارية إبنه، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة، وليس لأحد أن ينكر سقوط الحد عن الأب هاهنا، مع اعترافه بسقوط القصاص عنه في القتل، لأن ما أوجب ذلك في أحد الموضعين، وهو الدليل الشرعي يوجبه في الآخر. والاحصان الموجب للرجم هو أن يكون الزاني بالغا كامل العقل، له زوجة دوام، أو ملك يمين، سواء كانت الزوجة حرة أو أمة، مسلمة أو ذمية - عند من أجاز نكاح الذمية - ويكون قد وطأها، ولا يمنعه من وطئها مستقبلا مانع، من

1 - الشيخ المفيد: المقنعة: 775 والسيد المرتضى: الانتصار: 254.
2 - التاج الجامع للأصول: 3 / 24 كتاب الحدود وسنن البيهقي: 8 / 210 ومسند أحمد بن حنبل: 5 / 320 و 321 وجامع الأصول: 4 / 264.
3 - في " س ": إذا كانت.

[ 424 ]

سفر أو حبس أو مرض منها، ويعتبر عمن هذه حاله بالثيب أيضا. والبكر هو الذي ليس بمحصن، وقد أملك على امرأة ولم يدخل بها، وحكم المرأة في ذلك كله حكم الرجل، ويدل على ما قلناه الاجماع المشار إليه. ويثبت حكم الزنا إذا كان الزاني ممن يصح منه القصد إليه (1) سواء كان مكرها أو سكران، وإن كان مجنونا مطبقا لا يفيق فلا شئ عليه، وإن كان يصح منه القصد إليه جلد مائة جلدة، محصنا كان أو غير محصن، إذا ثبت فعله ببينة أو علمه (2) الامام، ولا يعتد بإقراره وإن كان ممن يفيق ويعقل، كان حكمه في حال الافاقة حكم العقلاء. وسواء في ثبوت الحكم على الزاني كون المزني بها صغيرة أو مجنونة أو ميتة، ويسقط الحد عنها إن كانت مكرهة أو مجنونة لا تفيق، وإن كانت ممن تفيق فحكمها في حال الافاقة حكم العاقلة. وإذا تاب أحد الزانيين قبل قيام البينة عليه، وظهرت توبته وصلاحه، سقط الحد عنه، وكذا إن رجع عن إقراره بالزنا قبل إقامة الحد، أو في حاله، أو فر منه، ولا تأثير لفراره إذا كان بعد ثبوت الزنا عليه لا بإقراره. وإن تاب بعد ثبوت الزنا عليه، فللامام العفو عنه، وليس ذلك لغيره، و يحفر للمرجوم حفيرة يجعل فيها، ويرد التراب عليه إلى صدره، ولا يرد التراب عليه إن كان رجمه بإقراره. وإذا اجتمع الجلد والرجم بدئ بالجلد، وأمهل حتى يبرأ من الضرب، ثم رجم، ويبدأ الامام بالرجم فيما يثبت بعلمه أو بإقراره، ويبدأ الشهود فيما ثبت بشهادتهم، وبعدهم الامام، وبعده من حضره من عدول المسلمين وأخيارهم دون

1 - في " ج ": يصح منه العقد. 2 - في " ج ": أو علم الامام.

[ 425 ]

فساقهم، ويتولى الامام أو من يأذن له في الجلد إذا ثبت موجبه بعلمه أو بإقراره، وإن كان ثبوته بالبينة، تولاه الشهود. ويقام الحد على الرجل على الهيئة التي رؤي زانيا عليها من عرى أو لباس، ولا يقام الحد في زمان القيظ في الهواجر (1) ولا في زمان القر في السوابر (2)، ويضرب أشد الضرب على سائر بدنه، سوى رأسه وفرجه، ويجلد الرجل قائما والمرأة جالسة، قد شدت عليها ثيابها. ويجوز للسيد إقامة الحد على من ملكت يمينه بغير إذن الامام، ولا يجوز لغير السيد ذلك إلا بإذنه، وكل ذلك بدليل إجماع الطائفة عليه، وفيه الحجة، ويحتج فيها على المخالف في السيد بما رووه من قوله عليه السلام: أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم.
(3) الفصل الثاني: في حد اللواط والسحق اللواط هو فجور الذكران بالذكران وهو على ضربين: إيقاب وما دونه من التفخيذ. ففي الأول إذا ثبت الثبوت الشرعي، قتل الفاعل والمفعول به. وفي الثاني جلد كل واحد منهما (4) مائة جلدة، بشرط كونهما بالغين عاقلين

1 - الهواجر جمع الهاجرة، وهي نصف النهار عند اشتداد الحر، أو من عند الزوال إلى العصر، لأن الناس يسكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا من شد الحر. مجمع البحرين.
2 - السبرة: الغداة الباردة، ومنه اسباغ الوضوء في السبرات. كتاب العين.
3 - سنن الدارقطني: 3 / 158 برقم 228 وسنن البيهقي: 8 / 245 ومسند أحمد بن حنبل: 1 / 95.
4 - في " س " وحاشية الأصل: ففي كل واحد منهما.

[ 426 ]

مختارين، ولا فرق في ذلك بين المحصن والبكر، والحر والعبد، والمسلم والذمي. والامام مخير في قتله إن شاء صبرا أو رجما أو تردية من علو أو إلقاء جدار عليه أو إحراقا له بالنار، بدليل إجماع الطائفة، ويحتج على المخالف بما رووه عن عكرمة (1) عن ابن عباس من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من وجدتموه على عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به.
(2) والسحق هو فجور الاناث بالاناث، وفيه إذا ثبت جلد مائة لكل واحدة من الفاعلة والمفعول بها، بشرط البلوغ وكمال العقل والاختيار، ولا فرق بين حصول الاحصان والحرية والاسلام وارتفاع ذلك، وروي: وجوب الرجم مع الاحصان هاهنا وفي القسم الثاني من اللواط.
(3) وحكم ذلك كله مع الاكراه أو الجنون أو التوبة قبل ثبوت الفاحشة وبعدها، وفي الرجوع عن الاقرار، وفي كيفية الجلد ووقته، وفي القتل في المرة الرابعة، مثل الذي ذكرناه في الزنا، فلا نطول بإعادته، وذلك بدليل الاجماع المشار إليه.

1 - أبو عبد الله المدني البربري مولى ابن عباس، أصله من بربر، روى عن مولاه وعلي بن أبي طالب عليه السلام والحسن بن علي وغيرهم، وروى عنه عباد بن منصور وداود بن حصين وعمرو بن دينار وغيرهم، مات سنة 104 ه‍ أو 105 وغير ذلك لاحظ تهذيب التهذيب: 7 / 263 وطبقات الفقهاء: 59.
2 - التاج الجامع للأصول: 3 / 27 كتاب الحدود وسنن الدارقطني: 3 / 124 برقم 140 وسنن البيهقي: 8 / 232 وجامع الأصول: 4 / 305 وسنن الترمذي: 4 / 57 برقم 1456.
3 - لاحظ الوسائل: 18، ب 1 من أبواب حد السحق والقيادة، ح 1، ومستدرك الوسائل: 18، ب 1 من أبواب حد اللواط، ذيل الحديث الخامس.

[ 427 ]

الفصل الثالث: في حد القيادة من جمع بين رجل وامرأة أو غلام، أو بين امرأتين للفجور، فعليه جلد خمسة وسبعين سوطا، رجلا كان أو امرأة، حرا أو عبدا، مسلما أو ذميا، ويحلق رأس الرجل، ويشهر في المصر، ولا يفعل ذلك بالمرأة. وحكم الرجوع عن الاقرار، وحكم الفرار والتوبة قبل ثبوت ذلك وبعده، وكيفية إقامة الحدود ووقته، ما قدمناه. ومن عاد ثانية جلد ونفي عن المصر، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة، وروي: أنه إن عاد ثالثة جلد، فإن عاد رابعة، عرضت عليه التوبة، فإن أبى قتل، وإن أجاب قبلت توبته، وجلد، فإن عاد خامسة بعد التوبة، قتل من غير أن يستتاب. (1) الفصل الرابع: في حد القذف من قذف - وهو كامل العقل - حرا أو حرة بزنا أو لواط - حرا كان القاذف أو مملوكا - رجلا أو امرأة، فهو مخير بين العفو عنه وبين مطالبته بحق القذف، وهو جلد ثمانين سوطا، بدليل إجماع الطائفة وأيضا قوله تعالى: * (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) * (2)، ولم يفصل

1 - لم نجد النص في الجوامع الحديثية نعم نقله الحلبي في الكافي: 410.
2 - النور: 4.

[ 428 ]

بين العبد وغيره. وإن كان القاذف ذميا قتل بخروجه من الذمة، وسواء في ذلك الصريح من اللفظ، والكناية المفيدة لمعناه، فالصريح: لفظ الزنا، واللواط، والكناية: كلفظ القحوبية والعلوقية والفسق والفجور والقرننة (1) والدياثة، وما أشبه ذلك مما يفيد في عرف القاذف معنى الصريح. ومن قال لغيره: زنيت بفلانة، فهو قاذف لاثنين، وعليه لهما حدان، وكذا لو قذف جماعة، وأفرد كل واحد منهم بلفظ، سواء جاؤوا به على الاجتماع أو الانفراد، ولو قذفهم (2) بلفظ واحد وجاء به كل واحد منهم على الانفراد، فإن جاؤوا به مجتمعين حد لجميعهم حدا واحدا. وحد القذف موروث يرثه كل من يرث المال من ذوي الانساب دون الأسباب، وإذا طالب أحدهم بالحد وأقيم له، سقط حق الباقين، وإذا عفا بعضهم كان لمن لم يعف المطالبة باستيفاء الحد، وإذا لم يكن للمقذوف المتوفى ولي، أخذ بحقه سلطان الاسلام، ولم يجز له العفو. ولا يسقط حد (3) القذف بالتوبة على حال، وإنما يسقط بعفو المقذوف، أو وليه من ذوي الانساب خاصة، ويقتل القاذف في المرة الرابعة إذا حد فيما قبلها من المرات. ويقتل من سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره من الأنبياء أو أحد الأئمة عليهم السلام، وليس على من سمعه فسبق إلى قتله من غير استئذان لصاحب الأمر (4) سبيل، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة

1 - رجل قرنان - وزان سكران -: لا غيرة له. المصباح المنير.
2 - كذا في " ج " ولكن في الأصل و " س ": وقذفهم، ولعل الأصح " أو قذفهم ".
3 - في الأصل و " س ": حق القذف.
4 - في " س ": " بصاحب الأمر "، وفي " ج ": من استيذان صاحب الأمر.

[ 429 ]

الفصل الخامس والحد في شرب قليل المسكر وكثيره، وإن اختلفت أجناسه، إذا كان شاربه كامل العقل، حرا كان أو عبدا، رجلا كان أو امرأة، مسلما أو كافرا، متظاهرا بذلك بين المسلمين، ثمانون جلدة بدليل إجماع الطائفة. وقد روي من طرق المخالف: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلد شارب الخمر ثمانين (1)، ورووا عن علي عليه السلام أنه قال في شارب الخمر: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى (2) فيجب أن يحد حد المفتري، ولا مخالف له من الصحابة في ذلك. ويقتل المعتاد لشرب المسكر في الثالثة، وقد حد فيما قبلها، بدليل الاجماع المشار إليه، وحكم شارب الفقاع حكم شارب الخمر بدليل هذا الاجماع، وأيضا فقد ثبت تحريم شربه بما قدمناه فيما مضى، وكل من قال بذلك أوجب فيه حكم حد الخمر، والقول بأحد الأمرين دون الآخر خروج عن الاجماع. وحكم التائب من ذلك قبل ثبوته أو بعده، حكم التائب من الزنا وغيره، مما يوجب حدا لله تعالى، ولا يتعلق به حق لآدمي وقد تقدم، ويضرب الرجل على ظهره وكتفيه وهو عريان، والمرأة في ثيابها.

1 - كنز العمال: 5 / 484 برقم 1387.
2 - جامع الأصول: 4 / 331 وسنن البيهقي: 8 / 320 و 321 وكنز العمال: 5 / 474 برقم 13660.

[ 430 ]

الفصل السادس: في حد السرقة يجب القطع على من ثبت كونه سارقا بشروط: منها: أن يكون مكلفا. ومنها: أن لا يكون والدا من ولده، وإن كان غنيا عن ماله، ولا عبدا من سيده بلا خلاف. ومنها: أن يكون مقدار المسروق، ربع دينار فصاعدا، أو قيمة ذلك مما يتمول عادة وشرعا، سواء كان محرزا بنفسه، وهو الذي إذا ترك لم يفسد، كالثياب والحبوب اليابسة، أو لم يكن كذلك، كالفواكه واللحوم، وسواء كان أصله الاباحة، كالخشب والقصب والطين، وما يعمل من الأواني، وما يستخرج من المعادن أو لم يكن كذلك، كالثياب والأثاث. ومنها: أن يكون المسروق لاحظ ولا شبهة للسارق فيه. ومنها: أن يكون مخرجا من حرز، وروى أصحابنا: أن الحرز في المكان هو الذي لا يجوز لغير مالكه أو مالك التصرف فيه دخوله إلا بإذن (1)، ويدل على جميع ذلك إجماع الطائفة. والسارق هو الآخذ على جهة الاستخفاء والتفزع، وعلى هذا ليس على المنتهب والمختلس والخائن (2) في وديعة أو عارية قطع - خلافا لأحمد - بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا فما اعتبرناه مجمع على وجوب القطع به، وليس على

1 - لاحظ المبسوط: 8 / 22.
2 - في " ج ": والمختلس والمختالين والخائن.

[ 431 ]

وجوبه بما خالفه دليل. ويحتج على المخالف بما روي من طرقهم عن جابر من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس على المنتهب ولا على المختلس ولا على الخائن قطع (1)، وهذا نص. ونحتج على المخالف بما اعتبرناه من النصاب بما رووه عن عائشة من قوله عليه السلام: القطع في ربع دينار فصاعدا (2)، وهذا أيضا نص، وأيضا فالأصل براءة الذمة، ومن أوجب القطع فيما نقص عما ذكرناه احتاج إلى دليل. ونحتج على أبي حنيفة في إسقاط القطع بسرقة ما ليس بمحرز بنفسه، وما كان أصله الاباحة، سوى الذهب والفضة والياقوت الفيروزج (3) فإنه لم يسقط القطع بسرقته، بقوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (4)، لأنه لم يفصل، ولا يجوز أن يخرج من ذلك إلا ما أخرجه دليل قاطع، وبقوله عليه السلام: القطع في ربع دينار.
(5) وإنما أراد ما قيمته ذلك بلا خلاف، ولم يفرق. وإذا تكاملت شروط القطع، قطعت يمين السارق أول مرة، فإن سرق ثانية، قطعت رجله اليسرى، بلا خلاف إلا من عطاء (6)، فإنه قال: يده اليسرى (7)، وقد

1 - التاج الجامع للأصول: 3 / 22 كتاب الحدود وسنن الدارقطني: 3 / 187 برقم 310 وسنن البيهقي: 8 / 279 وجامع الأصول: 4 / 321 وكنز العمال: 5 / 381 برقم 13334.
2 - التاج الجامع للأصول: 3 / 21 وجامع الأصول: 4 / 310 و 325 وصحيح مسلم: 5 / 112 كتاب الحدود باب حد السرقة وسنن البيهقي: 8 / 254.
3 - لاحظ الفقه على المذاهب الأربعة: 5 / 174 والمغني لابن قدامة: 10 / 243.
4 - المائدة: 38.
5 - تقدم مصدر الحديث آنفا.
6 - عطاء بن أبي رباح، اسم أبيه أسلم القرشي، مولاهم أبو محمد المكي، روى عن ابن عباس وابن عمرو ومعاوية وأسامة وجماعة، وعنه إبنه يعقوب وأبو إسحاق السبيعي ومجاهد والزهري وغيرهم، مات سنة 114 ه‍ لاحظ تهذيب التهذيب: 7 / 199 وطبقات الفقهاء: 57.
7 - المغني لابن قدامة والشرح الكبير: 10 / 265.

[ 432 ]

روي من طرق المخالف عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتي بسارق فقطع يده، ثم أتي به وقد سرق ثانية فقطع رجله اليسرى. (1) فإن سرق ثالثة خلد الحبس إلى أن يموت أو يرى ولي الأمر فيه رأيه، فإن سرق في الحبس ضربت عنقه، بدليل إجماع الطائفة. ويحتج على المخالف بما روي عن علي عليه السلام من أنه أتي بسارق مقطوع اليد والرجل، فقال: إني لأستحي من الله أن لا أترك له ما يأكل به ويستنجي (2)، ولم ينكر ذلك عليه أحد، وأيضا فالأصل براءة الذمة من القطع، فمن أوجبه في الثالثة فعليه الدليل. ويحتج على المخالف في جواز قتله بما رووه عن جابر من أن النبي صلى الله عليه وآله قتل السارق في الخامسة (3)، وبما رووه عن عثمان وعبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز من أنهم قتلوا سارقا بعد ما قطعت أطرافه.
(4) وإذا كانت يمين من وجب عليه القطع لها شلاء قطعت، ولم تقطع يساره، وكذلك من وجب قطع رجله اليسرى وكانت شلاء، تقطع دون رجله اليمنى، بدليل إجماع الطائفة. وموضع القطع في اليدين من أصول الأصابع ويترك له الابهام، وفي الرجل عند معقد الشراك، ويترك له مؤخر القدم والعقب، بدليل إجماع الطائفة، وأيضا فما اعتبرناه مجمع على وجوب قطعه، وليس على قطع ما زاد عليه دليل. وقد روى الناس كلهم عن علي عليه السلام: أنه قطع السارق من الموضع الذي

1 - سنن البيهقي: 8 / 272 وبداية المجتهد: 2 / 453.
2 - المغني لابن قدامة: 10 / 268 وسنن البيهقي: 8 / 275 باختلاف يسير، والوسائل: 18 ب 5 من أبواب حد السرقة، ح 1 و 2.
3 - بداية المجتهد: 2 / 453 وجامع الأصول: 4 / 322 وسنن البيهقي: 8 / 272.
4 - المغني لابن قدامة: 10 / 267 وسنن البيهقي: 8 / 272.

[ 433 ]

ذكرناه بمشهد من الصحابة ولم ينكر أحد منهم ذلك عليه، وهذا يقتضي على " أصل المخالف " (1) الاجماع على ذلك في تلك الحال. وإذا سرق اثنان فما زاد عليهما شيئا، فبلغ نصيب كل واحد منهم المقدار الذي يجب فيه القطع، قطعوا جميعا بلا خلاف، سواء كانوا مشتركين في السرقة، أو كان كل واحد منهم يسرق لنفسه، وإن لم يبلغ نصيب كل واحد منهم ذلك المقدار، ولم يكونوا مشتركين، فلا قطع على واحد منهم بلا خلاف. وإن كانوا مشتركين في ذلك، ففي إخراجه من الحرز قطعوا جميعا بربع دينار، بدليل إجماع الطائفة، وأيضا قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (2)، لأن ظاهره يقتضي أن وجوب القطع إنما كان بالسرقة المخصوصة، وإذا استحق كل واحد منهم هذا الاسم، وجب أن يستحق القطع. ويحتج على المخالف بما رووه من الخبر المقدم لأنه عليه السلام أوجب القطع في ربع دينار فصاعدا، ولم يفصل بين الواحد وبين ما زاد عليه، ومن أصحابنا من أختار القول: بأنه لا قطع على واحد من الجماعة حتى يبلغ نصيبه المقدار الذي يجب فيه القطع على كل حال (3)، والمذهب هو الأول. وتقطع الأم بالسرقة من مال ولدها، والولد بالسرقة من مال أحد الوالدين، وكل واحد من الزوجين بالسرقة من مال الآخر، بشرط أن يكون المال المسروق محرزا ممن سرقه، ولا قطع على من سرق [ منهم ] (4) من هؤلاء بدل ما يجب من النفقة لمن يستحق الانفاق، بدليل الاجماع المشار إليه وظاهر الآية والخبر.

1 - أي القاعدة المسلمة لدى العامة وهي إن سكوت الصحابة في مقابل عمل الامام عليه السلام تدل على الصحة عندهم.
2 - المائدة: 38.
3 - الشيخ: الخلاف، كتاب السرقة، المسألة 8.
4 - ما بين المعقوفتين موجود في " س ".

[ 434 ]

ويقطع الطرار من الجيب والكم من الثوب التحتاني، ويقطع النباش إذا أخذ كل واحد منهما ما قيمته ربع دينار فصاعدا، بدليل إجماع الطائفة، وأيضا فظاهر الآية والخبر يدلان على ذلك، لأن السارق هو الآخذ للشئ على جهة الاستخفاء والتفزع، فيدخل من ذكرناه في ظاهر الآية. وقد روى المخالف عن عائشة وعمر بن عبد العزيز أنهما قالا: سارق موتانا كسارق أحيائنا (1)، والغرم لازم للسارق وإن قطع، بدليل الاجماع المشار إليه وظاهر الآية والخبر، لأنه يقتضي إيجاب القطع على كل حال، فمن منع منه مع الغرم فعليه الدليل. ومن أقر أو قامت عليه البينة بسرقات كثيرة، قطع بأولها وأغرم الباقي، وإذا رجع المقر بالسرقة عن إقراره، لم يقطع، وكذلك إن تاب وظهر صلاحه قبل أن يرفع خبره إلى ولي الأمر، فإن تاب بعد ما ارتفع خبره إليه، كان مخيرا بين قطعه والعفو عنه، وليس لغيره في ذلك خيار، وعليه رد ما سرقه إن كانت عينه باقية، وغرم قيمته إن كانت تالفة على كل حال، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة. وقد روى أصحابنا: أن الصبي إذا سرق هدد، فإن عاد ثانية أدب بحك أصابعه بالأرض حتى تدمى، فإن عاد ثالثة قطعت أطراف أنامله الأربع من المفصل الأول، فإن عاد رابعة قطعت من المفصل الثاني، فإن عاد خامسة قطعت من أصولها.
(2) وروي: أنه لا قطع على من سرق طعاما في عام مجاعة (3)، وقد بينا في كتاب

1 - الذخيرة تأليف القرافي: 12 / 165 كتاب الحدود والمغني لابن قدامة: 10 / 281 باب القطع في السرقة. وفيه " سارق أمواتنا... " ونحوه في البحر الزخار: 5 / 173 كتاب الحدود. ونقله الشيخ في الخلاف كتاب السرقة المسألة 28 والحلي في السرائر: 3 / 514 كما في المتن.
2 - لاحظ الوسائل: 18، ب 28 من أبواب حد السرقة أحاديث الباب.
3 - الوسائل: 18، ب 25 من أبواب حد السرقة ح 2 و 3 و 4.

[ 435 ]

الجهاد حد المحارب فلا وجه لاعادته. الفصل السابع واعلم أن التعزير يجب بفعل القبيح، أو الاخلال بالواجب الذي لم يرد الشرع بتوظيف حد عليه، أو ورد بذلك فيه ولم تتكامل شروط إقامته، فيعزر على مقدمات الزنا واللواط من النوم في إزار واحد والضم والتقبيل إلى غير ذلك، على حسب ما يراه ولي الأمر، من عشرة أسواط إلى تسعة وتسعين سوطا. ويعزر من وطئ بهيمة، أو استمنى بيده، ويعزر العبد إذا سرق من مال سيده، والوالد إذا سرق من مال ولده، ومن سرق أقل من ربع دينار، ومن سرقه أو أكثر منه من غير حرز، ومن قذف - وهو حر مسلم - ولدا له، أو عبدا له، أو لغيره، أو ذميا، أو صغيرا، أو مجنونا، ويعزر العبيد والأماء وأهل الذمة إذا تقاذفوا. ومن قذف غيره بما هو مشهور به، ومعترف بفعله من سائر القبائح، لم يستحق حدا ولا تعزيرا، ويعزر المسلم إذا عير مسلما بعمى أو عرج أو جنون أو جذام أو برص، فإن كان كافرا فلا شئ عليه. والتعزير لما يناسب القذف من التعريض بما لا يفيد زنا، ولا لواطا، والنبز بالألقاب من ثلاثة أسواط إلى تسعة وسبعين (1) سوطا، وإذا تقاذف اثنان بما يوجب الحد، سقط عنهما، ووجب تعزيرهما، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة، وروي: أنه متى عزر المرء رابعة استتيب، فإن أصر وعاد إلى ما يوجب التعزير ضربت عنقه.
(2)

1 - في " ج " و " س ": " تسعة وتسعين " والصحيح ما في المتن.
2 - لم نجد النص في المجامع الحديثية نعم نقله الحلبي في الكافي: 420 باختلاف يسير.

[ 436 ]

كتاب القضاء وما يتعلق به يجب في متولي القضاء (1) أن يكون عالما بالحق في الحكم المردود إليه بدليل إجماع الطائفة، وأيضا فتولية المرء مالا يعرفه قبيحة عقلا، ولا يجوز فعلها، وأيضا فالحاكم مخبر في الحكم عن الله تعالى، ونائب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شبهة في قبح ذلك من دون العلم، وأيضا قوله تعالى: * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) *.
(2) ومن حكم بالتقليد لم يقطع على الحكم بما أنزل الله، ويحتج على المخالف بما رووه في خبر تقسيم القضاة: " ورجل قضى بين الناس على جهل فهو في النار " (3) ومن قضى بالفتيا فقد قضى على جهل، ويجب فيه أن يكون عدلا بلا خلاف إلا من الاصم وخلافه غير معتد به. وينبغي أن يكون كامل العقل، حسن الرأي، ذا علم وورع، وقوة على القيام بما فوض إليه (4)، ويجوز للحاكم أن يحكم بعلمه في جميع الاشياء من الأموال والحدود والقصاص وغير ذلك. وسواء في ذلك ما علمه في حال الولاية أو قبلها، بدليل إجماع الطائفة،

1 - في " ج ": في المتولي للقضاء.
2 - المائدة: 44. 3 - سنن البيهقي: 10 / 116 كتاب آداب القاضي باب إثم من أفتى أو قضى بالجهل، والجامع الصغير: 2 / 264 برقم 6189.
4 - في " ج " و " س ": بما فوض الله.

[ 437 ]

وأيضا قوله تعالى: * (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) * (1)، وقوله: * (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق) * (2)، ومن حكم بعلمه فقد حكم بالحق والعدل، وأيضا قوله تعالى: * (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * (3)، وقوله: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) *.
(4) ومن علمه الامام أو الحاكم زانيا أو سارقا وجب عليه امتثال الأمر، وإذا ثبت ذلك في الحد ثبت في الأموال، لأن أحدا لم يفرق بين الأمرين، وأيضا فلو لم يقض الحاكم بعلمه، لأدى إما إلى فسقه، من حيث منع الحق الذي يعلمه، أو إعطاء ما لم يعلم استحقاقه، وإما إلى إيقاف الحكم، والأول يقتضي فسخ ولايته وإبطال أحكامه مستقبلا، والثاني ينافي المقصود بها، وأيضا فإنما يحتاج إلى البينة ليغلب في الظن صدق المدعى، ولا شبهة في أن العلم بصدقه آكد من غلبة الظن. فإذا وجب الحكم مع الظن ذلك، فلان يجب مع العلم به أولى وأحرى، ويدل أيضا على ما قلناه إمضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحكم له بالناقة على الأعرابي من أمير المؤمنين عليه السلام (4) ومن خزيمة بن ثابت (6)، وسماه لذلك ذا الشهادتين (7) من حيث علما صدقه صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجز. وقول أمير المؤمنين عليه السلام لشريح (8) لما طالبه بالبينة على ما ادعاه في درع طلحة: ويحك خالفت السنة بمطالبة إمام المسلمين ببينة، وهو مؤتمن على أكثر من هذا (9)، يدل على ما قلناه، لأنه أضاف الحكم بالعلم إلى البينة على رؤوس

1 - المائدة: 42.
2 - ص: 26.
3 - النور: 2.
4 - المائدة: 38.
5 - لاحظ الوسائل: 18 ب 18 من أبواب كيفية الحكم ح 1.
6 - لاحظ ترجمته في أسد الغابة: 2 / 114 وتهذيب التهذيب: 13 / 140.
7 - لاحظ الوسائل: 18 ب 18 من أبواب كيفية الحكم ح 3.
8 - شريح بن الحارث الكوفي القاضي لاحظ ترجمته في تهذيب التهذيب: 4 / 326.
9 - راجع الوسائل: 18 ب 14 من أبواب كيفية الحكم ح 6.

[ 438 ]

الاشهاد من الصحابة والتابعين، فلم ينكر ذلك أحد منهم. وليس لأحد أن يمنع من الحكم بالعلم من حيث إن ذلك ربما اقتضى تهمة الحاكم، لأن ذلك استحسان محض، فلا يجوز العدول به عما اقتضاه الدليل، ويلزم على ذلك أن لا يجوز الحكم في المستقبل بالبينة والاقرار المتقدمين من حيث كان مستند هذا الحكم العلم السابق لهما. على أن الشروط المراعاة في الحاكم تقتضي حسن الظن به، وتمنع من تهمته في الحكم بعلمه، كما تمنع من ذلك في قوله: أقر عندي بكذا، أو قامت البينة بكذا. وإذا وجب عليه الحكم بما ثبت عنده بإقرار أو بينة، وإن لم يحضر ذلك أحد سواه، وحرم عليه الامتناع من الحكم لأجل التهمة، فكذلك ما نحن فيه. ويقضى بشهادة المسلمين بشرط: الحرية والذكورة والبلوغ وكمال العقل والعدالة في جميع الاشياء بلا خلاف، غير أنه لا يقبل في الزنى إلا شهادة أربعة رجال بمعاينة الفرج في الفرج، مع اتحاد اللفظ والوقت، ومتى اختلفوا في الرؤية، أو نقص عددهم أو لم يأتوا بها في وقت واحد، حدوا حد الافتراء بلا خلاف، أو شهادة ثلاثة رجال وامرأتين، وكذا حكم اللواط، والسحق، بدليل إجماع الطائفة، ويقبل فيما عدا ذلك شهادة (1) عدلين، ويعتبر في صحتها اتفاق المعنى ومطابقة الدعوي دون الوقت بلا خلاف. ولا يقبل شهادة النساء فيما يوجب حدا، لا على الانفراد من الرجال ولا معهم، بلا خلاف إلا في الزنى عندنا على ما قدمناه، ولا تقبل شهادتهن على كل حال في الطلاق، ولا في رؤية الهلال، بدليل إجماع الطائفة. وتقبل شهادتهن على حال الانفراد من الرجال في الولادة والاستهلال والعيوب التي لا يطلع عليها الرجال، كالرتق والافضاء بلا خلاف.

1 - في " ج " و " س ": بشهادة.

[ 439 ]

وتقبل شهادة القابلة وحدها إذا كانت مأمونة في الولادة والاستهلال، ويحكم لأجلها بربع الدية أو الميراث، وتقبل شهادتهن فيما عدا ما ذكرناه مع الرجال بدليل إجماع الطائفة، ويقوم كل امرأتين مقام رجل بلا خلاف. ويقضى بشهادة الواحد مع يمين المدعي في الديون خاصة، بدليل إجماع الطائفة، ويحتج على المخالف بما رووه من طرق كثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أنه قضى باليمين مع الشاهد (1)، وعلى المسألة إجماع الصحابة أيضا. وتقبل شهادة كل واحد من الولد والوالدين والزوجين للآخر، وتقبل شهادة العبيد لكل واحد وعليه إلا في موضع نذكره، كل ذلك بإجماع الطائفة وظاهر القرآن، لأنه على عمومه إلا ما أخرجه دليل قاطع، ويقبل شهادة الأخ لأخيه بلا خلاف إلا من الأوزاعي (2) مطلقا ومن مالك في النسب (3)، وتقبل شهادة الصديق لصديقه وإن كان بينهما ملاطفة ومهاداة بلا خلاف إلا من مالك فإنه قال: لا تقبل إذا كان ذلك بينهما. وتقبل شهادة الأعمى فيما لا يحتاج فيه إلى مشاهدة، وليس للمخالف أن يقول: إن الأعمى لا طريق له إلى معرفة المشهود عليه، لاشتباه الاصوات، لأن مثل ذلك يلزم في البصير، لاشتباه الأشخاص، وإذا كانت حاسة البصر طريقا إلى العلم مع جواز الاشتباه، فكذلك حاسة السمع، ولا شبهة في أن الأعمى يعرف أبويه (4) وزوجته وولده ضرورة من جهة إدراك الصوت، وقد ثبت أن الصحابة

1 - سنن البيهقي: 10 / 167 وسنن الدارقطني: 4 / 214 برقم 37 و 38. 2 - عبد الرحمان بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي الفقيه روى عن عطاء بن أبي رياح وقتادة و محمد بن سيرين وغيرهم، وعنه مالك والشعبة والثوري وابن المبارك، مات سنة (158 ه‍) لاحظ تهذيب التهذيب: 6 / 216.
3 - المغني لابن قدامة والشرح الكبير: 12 / 69 كتاب الشهادات.
4 - في الأصل: يعرف أباه.

[ 440 ]

كانت تروي عن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهن من وراء حجاب على التعيين لهن، وهذا يدل على أن التمييز (1) بينهن حصل من جهة السماع. وتقبل شهادة الصبيان في الشجاج والجراح خاصة، إذا كانوا يعقلون ذلك، ويؤخذ بأول أقوالهم، ولا يؤخذ بآخرها، بدليل إجماع الطائفة، وقد اشتهر عند الناس عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قضى في ستة غلمان دخلوا الماء فغرق أحدهم فشهد ثلاثة منهم على اثنين أنهما غرقاه، وشهد الاثنان على الثلاثة أنهم غرقوه: أن على الإثنين ثلاثة أخماس الدية، وعلى الثلاثة الخمسان (2)، وقد ذكرنا هذه في فصل الديات، ولا يمتنع قبول شهادة الصبيان في بعض الاشياء دون بعض، كما نقوله كلنا في شهادة النساء. وتقبل شهادة القاذف إذا تاب وأصلح عمله، ومن شرط التوبة أن يكذب نفسه بدليل إجماع الطائفة، ولا تقبل شهادة الولد على والده، ولا العبد على سيده فيما ينكرانه، وتقبل عليهما بعد الوفاة بإجماع الطائفة، ولا تقبل شهادة ولد الزنا، بدليل هذا الاجماع. ولا تقبل شهادة العدو على عدوه، ولا الشريك لشريكه فيما هو شريك له، ولا الاجير لمستأجره، ولا شهادة ذمي على مسلم إلا في الوصية في السفر خاصة عندنا، بشرط عدم أهل الايمان. واعلم أنه يحكم بالقسامة إذا لم يكن لأولياء الدم عدلان يشهدان بالقتل، وتقوم مقام شهادتهما في إثباته، والقسامة خمسون رجلا من أولياء المقتول، يقسم كل واحد منهم يمينا أن المدعى عليه قتل صاحبهم، فإن نقصوا عن ذلك، كررت عليهم الايمان حتى تكمل خمسين يمينا، وإن لم يكن (3) إلا ولي الدم وحده، أقسم

1 - في " ج " و " س ": التميز.
2 - الوسائل: 19، ب 2 من أبواب موجبات الضمان ح 1. 3 - في " ج ": ولو لم يكن.

[ 441 ]

خمسين يمينا، فإن لم يقسم أولياء المقتول، أقسم خمسون رجلا من أولياء المتهم أنه برئ مما ادعى عليه، فإن لم يكن له من يقسم، حلف هو خمسين يمينا وبرئ. والقسامة لا تكون إلا مع التهمة بأمارات ظاهرة، ويدل على ذلك إجماع الطائفة، ويحتج على المخالف بما روي من طرقهم من قوله عليه السلام: البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة (1)، وقوله للانصار لما ادعت على اليهود أنهم قتلوا عبد الله (2) بخيبر: تحلفون خمسين يمينا، وتستحقون دم صاحبكم، فقالوا: أمر لم نشاهده كيف نحلف عليه؟! فقال: يحلف لكم اليهود خمسين يمينا، فقالوا: لا نرضى بأيمان قوم كفار، فأداه عليه السلام من عنده.
(3) والقسامة فيما فيه دية كاملة من الأعضاء ستة نفر، وفيما نقص من العضو بحسابه، وأدنى ذلك رجل واحد في سدس العضو، بدليل الاجماع المشار إليه، وروى أصحابنا: أن القسامة في قتل الخطأ خمسة وعشرون رجلا.
(4) واعلم أن من دعي إلى تحمل الشهادة وهو من أهلها، فعليه الاجابة لقوله تعالى: * (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) * (5)، فإذا تحملها لزمه أداؤها متى طلبت منه، لقوله سبحانه: * (ولا تكتموا الشهادة) * (6)، وهو مخير فيما سمع أو شاهد من تحمله وإقامته أو ترك ذلك. ولا يجوز لأحد أن يتحمل شهادة إلا بعد العلم بما يفتقر فيها إليه، ولا تجزئه

1 - سنن الدارقطني: 4 / 218 برقم 51 و 52 وسنن البيهقي: 8 / 123.
2 - هو عبد الله بن سهل بن زيد الأنصاري قال ابن الأثير في أسد الغابة: 3 / 179: عبد الله بن سهل قتيل اليهود بخيبر وبسببه كانت القسامة....
3 - سنن البيهقي: 8 / 118 و 119 كتاب القسامة.
4 - لاحظ الوسائل: 19، ب 11 من أبواب دعوى القتل ح 1 و 2.
5 - البقرة: 282.
6 - البقرة: 283.

[ 442 ]

مشاهدة المشهود عليه ولا تحليته (1) ولا تعريف من لا يحصل العلم بخبره، ولا يجوز له أداؤها إلا بعد الذكر لها، ولا يعول على وجود خطه، لقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (2)، ولأن الشاهد مخبر على جهة القطع بما يشهد به (3)، وإخبار المرء على هذا الوجه بما لا يعلمه قبيح. وتثبت شهادة الأصل بشهادة عدلين، وتقوم مقامهما إذا تعذر حضور الأصل بموت أو مرض أو سفر (4)، ولا يجوز ذلك إلا في الديون والأموال (5) والعقود، ولا يجوز في الحدود، ولا يجوز شهادة على شهادة على شهادة في شئ من الاشياء، بدليل إجماع الطائفة. وإذا شهد اثنان على شهادة واحد، ثم شهدا على شهادة آخر، تثبت شهادة الأول بلا خلاف، وتثبت أيضا شهادة الثاني عندنا، وهو قول الأكثر من المخالفين، والصحيح من قول الشافعي، والأخبار التي وردت بأن شهادة الأصل تثبت بشاهدين يتناول (6) هذا الموضع. ولا يحكم ببينة المدعي بعد استحلاف المدعى عليه، بدليل إجماع الطائفة، ويحتج على المخالف بما روى من طرقهم من قوله عليه السلام: من حلف فليصدق ومن حلف له فليرض، ومن لم يفعل، فليس من الله في شئ (7)، وللمدعى عليه رد اليمين على المدعي بدليل إجماع الطائفة، وأيضا قوله تعالى: * (أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم) * (8)، والمراد وجوب أيمانهم للاجماع على أن اليمين لا ترد بعد

1 - حلية الانسان: ما يرى من لونه وظاهره، في " ج ": " ولا نفسه " وفي " س ": " ولا تخليته "، وكلاهما تصحيفان.
2 - الاسراء: 36.
3 - في " ج ": عما يشهد به.
4 - في " ج ": لموت أو لمرض أو سفر.
5 - في " ج ": والأملاك.
6 - في " ج ": تثبت بشهادة عدلين يتناول.
7 - سنن البيهقي: 10 / 181 ووسائل الشيعة: 16 / 151 ب 6 من أبواب الايمان ح 1 و 3.
8 - المائدة: 108.

[ 443 ]

حصول يمين أخرى، وهذا يبطل قول من لم يجز رد اليمين على حال. ونحتج على المخالف بما روي من طرقهم من قوله عليه السلام: المطلوب أولى باليمين من الطالب (1)، لأنه يدل على اشتراكهما في جواز المطالبة باليمين، وأن للمطلوب مزية عليه بالتقديم، لأن لفظة " أولى " كلفظة " أفضل " وهي في اللغة تفيد تفضيل أحد الشيئين على الآخر فيما اشتركا فيه. ولا يجوز الحكم إلا بما قدمناه من علم الحاكم أو ثبوت البينة على الوجه الذي قرره الشرع، أو إقرار المدعى عليه، أو يمينه، أو يمين المدعي، دون ما سوى ذلك، مما لم يرد التعبد بالعمل به، من قياس أو رأي واجتهاد (2) أو كتاب حاكم آخر إليه، وإن ثبت بالبينة كتابه أو قوله مشافهة له: ثبت عندي كذا، بدليل إجماع الطائفة وقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (3)، وإذا حكم (4) بما ذكرناه تيقن براءة ذمته مما تعلق بها من الحكم بين الخصمين، وليس كذلك إذا حكم بما خالفه. وتسمع بينة الخارج وهو المدعي، دون بينة الداخل وهو صاحب اليد، لقوله عليه السلام: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.
(5) وإن كان مع كل واحد منهما بينة ولا يد لأحدهما، حكم لأعدلهما شهودا، فإن استويا في ذلك، حكم لأكثرهما شهودا مع يمينه، فإن استويا (6) أقرع بينهما،

1 - لم نعثر عليه بهذا اللفظ نعم في مسند أحمد بن حنبل: 1 / 356 " المدعى عليه أولى باليمين " وفي الجامع الصغير للسيوطي: 2 / 665 " المدعى عليه أولى باليمين إلا أن تقوم عليه البينة " ونحوه في سنن الدارقطني: 4 / 129 وسنن البيهقي: 10 / 256. ونقله الشيخ - قدس سره - في الخلاف كتاب الشهادات المسألة 28 كما في المتن وجواهر الكلام: 40 / 186.
2 - في الأصل وفي " س ": من قياس ورأي واجتهاد.
3 - الاسراء: 36.
4 - في " ج ": ولأنه إذا حكم.
5 - سنن الدارقطني: 4 / 157 برقم 8 وص 218 برقم 53 وسنن البيهقي: 10 / 252.
6 - في " س ": فإن استووا.

[ 444 ]

فمن خرج اسمه حلف وحكم له. وإن كان لكل واحد منهما يد ولا بينة لأحدهما، كان الشئ بينهما نصفين، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة. وإذا ثبت أن الشاهد شهد بالزور، عزر وأشهر وأبطل الحاكم حكمه بها إن كان حكم ورجع على المحكوم له بما أخذ، إن أمكن، وإلا على شاهد الزور، وإن كان ما شهد به قتلا أو جرحا أو حدا اقتص منه، وإذا رجع عن الشهادة بشبهة دخلت عليه، لزمه دية القتل، أو الجرح، ومثل العين المستهلكة بشهادته، أو قيمتها إن يرضى المحدود (1) بما يتفقان عليه، بدليل الاجماع المشار إليه. واعلم أنه ينبغي للحاكم أن يفرد الوقت الذي يجلس فيه للحكم له خاصة، ولا يشوبه بأمر آخر سواه، وأن لا يجلس وهو غضبان ولا جائع ولا عطشان ولا مشغول القلب بشئ من الاشياء، ويجلس مستدبر القبلة وعليه السكينة والوقار، وينزله مجلسه عن الدعابة والمجون (2)، ويوطن نفسه على إقامة الحق والقوة في طاعة الله تعالى. وينبغي له أن يسوي بين الخصمين في المجلس واللحظ والاشارة، ولا يبدأهما بخطاب إلا أن يطيلا الصمت، فحينئذ يقول لهما: إن كنتما حضرتما لامر فاذكراه، فإن أمسكا أقامهما، وإن ادعى أحدهما على الآخر لم تسمع دعواه إلا أن تكون مستندة إلى علم، مثل أن يقول: أستحق عليه، أو ما أفاد هذا المعنى، ولو قال: أدعي عليه كذا، أو أتهمه بكذا، لم يصح، وأن يكون ما ادعاه معلوما متميزا بنفسه أو بقيمته، فلو قال: أستحق عليه دارا أو ثوبا، لم يصح للجهالة. وإذا صحت الدعوى أقبل الحاكم على الخصم وقال: ما تقول فيما ادعاه؟ فإن أقربه وكان ممن يقبل إقراره، للحرية، والبلوغ، وكمال العقل، والايثار

1 - في " ج " و " س ": أو برضى المحدود.
2 - المجون: أن لا يبالي الانسان بما صنع. لسان العرب.

[ 445 ]

للاقرار، ألزمه الخروج إلى خصمه منه، فإن أبى أمر بملازمته، فإن آثر صاحب الحق حبسه حبسه، وإن آثر إثبات اسمه ونسبه في ديوان الحكم أثبته، إذا كان عارفا بعين المقر واسمه ونسبه، أو قامت (1) عليه البينة العادلة له عنده بذلك. وإن أنكر ما ادعى عليه فقال للمدعي: قد أنكر دعواك، فإن قال: لي بينة، أمرة بإحضارها، فإن ادعى أنها غائبة ضرب له أجلا لاحضارها، وفرق بينه وبين خصمه، وله أن يطلب كفيلا بإحضاره إذا أحضر بينته. ويبرأ الكفيل من الضمان إذا انقضت المدة ولم يحضرها، فإن أحضرها وكانت مرضية حكم بها، وإلا ردها. وإن أحضر شاهدا واحدا أو امرأتين قال له الحاكم: تحلف مع ذلك على دعواك، فإن حلف ألزم خصمه ما ادعاه، وإن أبى أقامهما، وإن لم يكن له بينة قال له: ما تريد؟ فإن أمسك أقامهما، وإن قال: أريد يمينه، قال: أتحلف؟ فإن قال: نعم، خوفه الله تعالى من عاقبة اليمين الفاجرة في الدنيا والآخرة. فإن أقر بما ادعاه عليه ألزمه به، وإن أصر على اليمين عرض عليهما الصلح، فإن أجابا أمر بعض أمنائه أن يتوسط ذلك بينهما، ولم يجز أن يلي هو ذلك بنفسه، لأنه منصوب لبت الحكم (2) وإلزام الحق - ويستعمل الوسيط في إصلاح ما يحرم على الحاكم فعله - وإن لم يجيبا إليه أعلم المدعي أن استحلاف خصمه (3) يسقط حق دعواه، ويمنع من سماع بينة بها عليه. وإن نزل عن استحلافه (4) أقامهما وإن لم ينزل واستحلفه (5) سقط حق دعواه، وإن نكل المدعى عليه عن اليمين ألزمه الخروج إلى خصمه مما ادعاه، وإن

1 - كذا في الأصل، ولكن في " س ": " أو ما قامت " وفي " ج ": وقامت البينة.
2 - في " ج ": لثبت الحكم.
3 - في " ج ": إن المدعي إن استحلف خصمه.
4 - في " ج ": فإن تولى عن استحلافه " وفي " س ": وإن ترك عن استحلافه.
5 - في " ج ": وأن يتولى واستحلفه. وفي " س ": وإن لم يترك واستحلفه.

[ 446 ]

قال: يحلف ويأخذ ما ادعاه، قال له الحاكم: أتحلف؟ فإن قال: لا، أقامهما، وإن قال: نعم، خوفه الله تعالى، فإن رجع عن اليمين أقامهما، وإن حلف استحق ما ادعاه، والأكثر من هذا لا خلاف فيه، وما فيه منه الخلاف فقد قدمنا الدلالة عليه، فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى. وفي النسخة المطبوعة في ضمن الجوامع الفقهية بزيادة ما يلي: وإذ قد وفينا بما اشترطناه على أنفسنا في صدر الكتاب، فنحن قاطعون للكلام، حامدون لله سبحانه على نعمه الدوام، وآلائه العام، حمدا يكون لحقه قضاء، ولشكره أداء، مستغفرون له تعالى من نقص عن واجب ما قصدناه، وعدول عن حق فيما سطرناه، بريئون إليه سبحانه من كل ما خالف الصواب وجانبه وضاده، متوسلون إليه بأكرم الوسائل لديه في توفير حظنا من الثواب عليه، إنه على كل شئ قدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله الطاهرين، وسلم عليهم أجمعين تسليما باقيا إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين اللهم صلي على محمد وآل محمد.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية