الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الوسيلة- ابن حمزة الطوسي

الوسيلة

ابن حمزة الطوسي


[ 1 ]

مخطوطات مكتبة اية الله المرعشي العامة الوسيلة إلى نيل الفضيلة للفقيه عماد الدين أبي جعفر محمد بن على الطوسي المعروف بابن حمزة من أعلام القرن السادس تحقيق الشيخ محمد الحسون * إشراف السيد محمود المرعشي

[ 2 ]

كتاب: الوسيلة إلى نيل الفضيلة * تأليف أبي جعفر الطوسي المعروف بابن حمزة * تحقيق: الشيخ محمد الحسون * نشر: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي - قم * طبع: مطبعة الخيام - قم * التاريخ: 1408 ه‍ ق * العدد: 1000 نسخة * الطبعة: الأولى * السعر: 1400 ريال

[ 3 ]

الفداء إلى الرحمة المهداة للعالمين إلى صاحب الرسالة الخاتمة والشريعة الدائمة إليك يا رسول الله صلى الله عليك وعلى آلك اهدي هذا الجهد المتواضع في إحياء أحد كتب شريعتك السمحاء راجيا " نظرة قبول عبدك محمد الحسون

[ 5 ]

مقدمة التحقيق

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله منطق اللسان بتحميد صفاته، وملهم الجنان توحيد ذاته، والصلاة والسلام على نبينا محمد أشرف مخلوقاته، وعلى آله الذين اقتدوا بهداه واهتدوا بسماته. وبعد: ما إن انتهيت من تحقيق كتاب البيان للشهيد الأول محمد بن مكي الجزيتي العاملي، والذي واجهت في تحقيقه عقبات جمة لا يسع المجال لذكرها هنا، إلا أن هذه العقبات لم تحبط عزيمتي ولم تثنني عن الاستمرار في التحقيق، فبحثت عن كتاب أقوم بتحقيقه، أجعله ذخرا ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، فوجدت نفسي أمام كتاب قيم، وهو (الوسيلة إلى نيل الفضيلة) خطه يراع ابن حمزة المشهدي. فذهبت إلى فضيلة البحاثة حجة الاسلام والمسلمين السيد عبد العزيز الطباطبائي، مستفسرا منه عن هذا الكتاب وعن نسخه الخطية فأخبرني بأن الكتاب قد طبع حروفيا في النجف الاشرف، وأيدني في تحقيقه، وأعارني نسخته الحروفية، وأعطاني أرقاما لنسخ خطية قيمة لهذا الكتاب، فجزاه الله خير الجزاء ووفقه وإيانا لما فيه خير الدنيا والآخرة.

[ 8 ]

الكتاب: الوسيلة إلى نيل الفضيلة: كتاب فقهي فتوائي، على غرار الرسائل العملية المعروفة في أيامنا هذه، ضمنه مصنفه جميع أبواب الفقه في أثواب لها من تحقيقاته الجميلة، فهو من أحسن متون الفقه ترتيبا وتهذيبا. يشتمل على مقدمة وعلى أحد وعشرين كتابا وسبعة أبواب، هذه هي العناوين الرئيسية التي بنى المؤلف كتابه على أساسها، فنراه يعبر عنها تارة ب‍ (كتاب) وأخرى ب‍ (باب) وأخرى ب‍ (فصل)، ككتاب العبادات، وباب الشفعة، وفصل حكم القراض. ويبدو من المقدمة أن الدافع لتأليفه هو إيجاد كتاب فقهي جامع، يضمن بسلاسة العبارة وحسن التبويب التعريف على الأحكام الشرعية، طالبا في ذلك الاجر والثواب. ويعتبر كتاب الوسيلة من المتون الفقهية المعتمدة عند علمائنا، ينقل عنه كل من تأخر عن عصر المؤلف، وذلك لما فيه من غزارة علمية سطرها أحد أعلام الطائفة (ابن حمزة المشهدي). والظاهر أنه كان الكتاب الرائج بين الشيعة في بغداد في القرن السابع، وذلك واضح من الكتاب الذي كتبه الوزير العلقمي إلى تاج الدين ابن صلايا وفيه: " فكان جوابي بعد خطايي لا بد من الشنيعة بعد قتل جميع الشيعة، ومن إحراق كتاب الوسيلة والذريعة " (1). ومن طبعه ضمن الجوامع الفقهية المعتمدة عند الشيعة الامامية يستدل على مكانته بين بقية الكتب. إلا أن هذ الطبعة الحجرية فيها أسقاط كثيرة، وهي مملوءة بالأخطاء، إضافة إلى سوء الخط والإخراج، وعدم الفهرسة مما يجعل الاستفادة منها ليست بالشكل السهل اليسير. وقام الاستاذ عبد العظيم البكاء - المدرس في كلية الفقه بالنجف الاشرف بطبعه حروفيا معتمدا النسخة الحجرية أصلا، وذلك لعدم عثوره على

(1) طبقات الشافعية: ج 8 ص 265.

[ 9 ]

نسخة خطية جيدة، كما قال في مقدمة الكتاب ص 23: " وقد حاولت العثور على النسخة المكتوبة بخط المؤلف أو على نسخة قريبة من عهده فلم أظفر بذلك، وعندها فضلت أن تكون النسخة المطبوعة (الحجرية) أصلا للتحقيق لأنها أقل تصحيفا من غيرها ". وقد قابل النسخة الحجرية على نسخة مخطوطة في مكتبة السيد الحكيم العامة في النجف الاشرف، فجعل الحجرية متنا وأشار إلى الاختلافات الواردة في الخطبة التي رمز لها بالحرف ح - في الهامش، كما قال في ص 24: " قابلت النسخة المعتمدة (الحجرية) بإحدى مخطوطتين في مكتبة الحكيم العامة، وهذه معنونة ب‍ (كتاب الوسيلة لابن حمزة) تكثر فيها الأخطاء، وتقل فيها عناية الناسخ، فلم يكن نصها سليما وإنما فقد الكثير من الكلمات وحتى الجمل، تبين ذلك من خلال مقابلة النسخة المطبوعة بها، الأمر الذي اضطرني إلى أن أثقل هوامش الرسالة بذلك ". وقد تمم الاستاذ البكاء مطبوعته بعمل فهارس فنية للكتاب. ونتيجة لاعتماده على النسخة الحجرية أصلا، وأخرى خطية غير جيدة هامشا، جاء الكتاب المطبوع حروفيا غير لائق بمصنفه العلم ابن حمزة المشهدي. وعند مقابلتي لهذا الكتاب على ثلاث نسخ خطية معتبرة ظهر أن هناك أسقاطا كثيرة، نشير إليها قريبا، إضافة إلى أخطاء مطبعية كثيرة اضطرت الاستاذ البكاء إلى عمل جدول للخطأ والصواب في ثمان صفحات، إضافة إلى عدم مراعاة الجوانب الفنية للتحقيق. هذا وغيره من الأسباب جعلني أقدم على تحقيق هذا الكتاب، وإظهاره بهذه الحلة القشيبة سائلا المولى الاجر والثواب. ونذكر هنا بعض الاسقاط التي ظهرت عند المقابلة، سقط فصل كامل بعنوان: (فصل في بيان نكاح المتعة) والذي يجب أن يأتي بعد: (فصل في بيان أحكام السراري وملك الايمان) ص 366 من الطبعة السابقة.

[ 10 ]

وفي ص 38 سقطت جملة: واستيعاب الوجه بالغسل وحده من قصاص شعر الرأس. وفي ص 82 سقطت جملة: أولم يلزمه قضاء فريضة. وفي ص 116 سقطت جملة: ويرفع يده بالتكبير والقنوت، ويقدم القراءة على التكبيرات وجوبا في الركعتين. وفي ص 120 سقطت جملة: قاعدا وأمكنه الركوع قائما صلى قاعدا، وقام للركوع وإن لم يمكنه إلا. وفي ص 280 سقطت جملة: وإن علم مقدارهما جاز. وفي ص 284 سقطت جملة: للشفعة مخير بين الأخذ بالشفعة. وفي ص 286 سقطت جملة: وباعه كان للبائع وإن عرف أن له مالا. وفي ص 335 سقطت جملة: وإن كان للموسر ولد ووالد معسران وجب عليه الانفاق عليهما معا. وفي ص 336 سقطت جملة: أو ناقصا عنها والاتمام على سيده. وفي ص 337 سقطت جملة: أو كان له أحدهما، أو ليس له أحدهما. فإن كان بين أبوين. وفي ص 337 سقطت جملة: أبويه فهو أولى بحضانته على كل حال، وإن لم يكن له أحد. وفي ص 338 سقطت جملة: فأولاهم به أحقهم بميراثه، وإن كانت نساء فكذلك، وإن كانت رجالا. وفي ص 339 سقطت جملة: ولا يقدر عليه، أو يشتهي ولا يقدر عليه، أو يقدر عليه ولا يشتهي. وفي ص 353 سقطت جملة: عقد نكاح المتعة بغير إذن الولي. وفي ص 436 سقطت جملة: في الصلاة ويبدأ بالطعام، أو لا يخاف التهافت.

[ 11 ]

وفي ص 438 سقطت جملة: خالصا إلا في حالة الحرب، ومخلوطا بما لا تحل الصلاة فيه ويجوز لبسه. وفي ص 480 سقطت جملة: إياه، وكونه غير منازع في نفسه، وكونه مجهول النسب، فإن أقر بأحد والديه قبل منه بشرطين وتوارثا: إمكان ذلك، وتصديقه إياه. الوسيلة لمن: المشهور أن كتاب (الوسيلة إلى نيل الفضيلة) لابن حمزتنا هذا، محمد بن علي الطوسي المشهدي كما صرح به أكثر العلماء والمحققين وأصحاب السير والتراجم كمنتجب الدين في الفهرست، والأردبيلي في جامع الرواة، والحر العاملي في أمل الامل، والمجلسي في البحار، والأفندي الاصبهاني في الرياض، وأبو علي الحائري في رجاله، والخوانساري في الروضات، والمامقاني في التنقيح، والسيد الصدر في تأسيس الشيعة، والقمي في الكنى والألقاب وهدية الاحباب، والسيد الامين في الأعيان، والطهراني في الذريعة، وغيرهم. وقد حصل اشتباه لبعض حيث نسبوا هذا الكتاب لغير مصنفه، ولعل هذا الاشتباه ناشئ من اشتراك عدة أشخاص بهذه الكنية ابن حمزة كما سنوضحه قريبا، ومن هذه الاشتباهات: أولا: ما وقع للمحقق الكركي في إجازته للقاضي صفي الدين عيسى، حيث قال فيها: من فقهاء حلب الشيخ الأجل الفقيه هبة الله بن حمزة صاحب الوسيلة (1). فتراه ينسب الوسيلة إلى هبة الله مع أنها لغيره، وجعل صاحبها من فقهاء حلب مع أنه من أهل طوس. وعلق الخوانساري في الروضات على هذا المدعي قائلا: مع أن كلا الأمرين

(1) بحار الانوار: ج 108 ص 76.

[ 12 ]

غريب لم يذكره أحد غيره، ولم أدر من أين أخذه، إلا من اجتهاد نفسه ومتفردات وهمه وحدسه. وكأنه حسبه أولا أنه هذا الذي لقبه نصير الدين بن حمزة الطوسي المشهدي، ثم وقع منه لغاية المسامحة له في أمثال هذه الأمور تصحيف في اسم هذا الرجل بما ضبطه على زعمه، أو من الناسخين لما أخذه منه، أو لصورة هذه الاجازة تحريف في كتابة لفظ عبد الله واسمه، ثم لعله وجد في بعض المواضع أن من جملة فقهائنا الحلبيين من يسمى بهبة الله بن حمزة أو بمثل هذه التسمية فزعمه إياه كما ألفاه. وإن كان يمكن صحة ما أنبأه من كون ابن حمزة المشهور أحد الفقهاء المنسوبين إلى حلب في تلك العصور، بمعنى أنه كان من الراحلين إلى الديار الحلبية لتعليم شيعتهم الامامية، إما بإرادة نفسه أو باشارة غيره، كما قد عد من جملة أولئك الفقهاء أيضا الشيخ أبا الفتح الكراجكي، وأبا علي الفضل بن الحسن الطبرسي مع أنهما أيضا من غير أهالي تلك الديار (1). ثانيا: قال الخوانساري في الروضات: هذا وقد يوجد في بعض الفهارس نسبة كتاب الوسيلة والواسطة وكتاب التعميم والتنبيه إلى أبي محمد الحسن بن حمزة الحسيني، وكأنه الذي وصفه في أمل الامل بالحلبي، وقال في وصفه: عالما، فاضلا، فقيها، جليل القدر، من غير نسبة كتاب إليه ولا شئ آخر. وعليه فلا يبعد كون هبة الله الموجود في إجازة الشيخ علي الكركي لقبا لهذا الرجل، وكون الحسيني في نسبه تصحيفا للحلبي. كما لا يبعد كون الرجل من أحفاد ابن حمزة الذي هو صاحب الوسيلة، فيكون سبيل هذه النسبة إليه سبيل قولهم في ترجمة الشيخ علي بن الشيخ محمد الشهيدي مثلا: هو علي بن محمد بن الشيخ حسن

(1) روضات الجنات: ج 6 ص 264.

[ 13 ]

صاحب المعالم والمنتقى وغيرهما، فليتأمل ولا يغفل (1). ثالثا: نقل الافندي في الرياض عن بعض أهل عصره ومن تقدمهم نسبة كتاب الوسيلة إلى أبي يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري، خليفة الشيخ المفيد وتلميذه والجالس مجلسه، وأستاذ جد منتجب الدين صاحب الفهرست. وقال بعد ذلك: وأقول بما ذكرنا من هذا التفصيل قد يظهر فساد كلمات طائفة من أهل العصر ومن تقدمهم في نسبة الوسيلة إلى أبي يعلى (2). رابعا: ونقل الافندي في الرياض أيضا نسبة الوسيلة إلى محمد بن حمزة العلوي، ثم قال: يظن أنه صاحب الوسيلة لكن ليس كذلك (3). خامسا: ذكر ابن شهر آشوب كتاب الوسيلة إلى نيل الفضيلة في عداد الكتب التي يجهل مؤلفها، حيث ذكره في فصل: (فيما جهل مصنفه) وذكره باسم: (الوسائل إلى نيل الفضائل) (4). ورده الافندي في الرياض في فصل: (ذكر أسامي كتب علماء الامامية التي لم تعلم أسامي مؤلفيها، أو ظن عدم تعينهم) قائلا: وأما الوسائل إلى نيل الفضائل فالظاهر كونه بعينه كتاب الوسيلة إلى نيل الفضيلة (5).

(1) روضات الجنات: ج 6 ص 265، أمل الامل: ج 2 ص 65.
(2) رياض العلماء: ج 6 ص 17.
(3) رياض العلماء: ج 6 ص 18.
(4) معالم العلماء: ص 145.
(5) رياض العلماء: ج 6 ص 42.

[ 14 ]

حياة المصنف اسمه ونسبه: هو الشيخ الفقيه المتكلم الامين أبو جعفر الرابع عماد الدين محمد بن علي الطوسي المشهدي، المشتهر بالعماد الطوسي المشهدي، والمكنى عند فقهائنا بابن حمزة. هكذا ذكره في الروضات (1)، وكناه الافندي في الرياض تارة بأبي جعفر الثاني، وأخرى بابن حمزة المتأخر (2). أما اسم حمزة الذي نسب إليه المصنف فلعله أحد أجداده، كما جرى لكثير من العلماء في نسبتهم إلى أحد أجدادهم، ويصبح هذا الاسم السمة المميزة له. ولذا لا يبعد أن يكون من أجداده الشيخ نصير الملة والدين علي بن حمزة بن الحسن الطوسي الذي ذكر في أمل الامل بهذا العنوان، وقال في حقه: فاضل جليل له تصانيف يرويها علي بن يحيي الحناط (3). ولا يبعد أيضا كون الشيخ نصير الدين أبو طالب عبد الله بن حمزة الطوسي المشهدي صاحب التصنيفات والتأليفات،

(1) روضات الجنات: ج 6 ص 262.
(2) رياض العلماء: ج 6 ص 16.
(3) أمل الامل: ج 2 ص 186.

[ 15 ]

والدرجات المنيفات من أجداد المصنف أيضا. وما ذكرناه من اسمه ونسبه هو المعروف عند أكثر العلماء والمحققين، إلا أن هناك اختلافا بسيطا وقع في اسمه، فقد وجدت في أثناء مطالعتي ما يلي: قال السيد صدر الدين العاملي الاصفهاني: إن صاحب الوسيلة اسمه الحسن ابن محمد بن حمزة (1). وفي رجال أبي علي: رأيت في كلام بعض متأخري المتأخرين أن اسمه الحسن وهو وهم (2). والظاهر أن مراده السيد صدر الدين. وفي الكنى من أمل الامل: أن ابن حمزة اسمه الحسن (3). أما في الأسماء فقد ذكره بشكل صحيح كما ذكرناه (4). وقال المحقق الكركي في اجازته للقاضي صفي الدين عيسى: من فقهاء حلب الشيخ الأجل الفقيه هبة الله بن حمزة صاحب الوسيلة (5). فجعله من فقهاء حلب مع أنه من أهل طوس، وقد ذكرنا قبل قليل مناقشة الخوانساري في الروضات لهذا المدعي. ابن حمزة مشترك: يطلق ابن حمزة على عدة أشخاص، فبالاضافة إلى ابن حمزتنا هذا يطلق على: أولا: محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري، أبو يعلى خليفة الشيخ المفيد

(1) نقله عنه السيد محسن الامين في الأعيان: ج 2 ص 263.
(2) رجال أبو على الحائري: باب الكنى (3) أمل الامل: ج 2 ص 361.
(4) أمل الامل: ج 2 ص 285.
(5) بحار الانوار: ج 108 ص 76.

[ 16 ]

رحمه الله: والجالس مجلسه، متكلم فقيه قيم بالامرين جميعا، مات رحمه الله يوم السبت سادس عشر شهر رمضان سنة ثلاث وستين وأربعمائة، ودفن في داره. له كتب كثيرة منها: جواب المسائل الواردة من طرابلس، جواب المسألة الواردة من صيدا، جواب مسألة أهل الموصل، المسألة في مولد صاحب الزمان، المسألة في الرد على الغلاة، المسألة في أوقات الصلاة، مسألة في المسح على الرجلين، مسألة في العقيقة (1). ثانيا: الحسن بن حمزة العلوي الطبري الراوي عن ابن بطة، قال السيد محسن الامين في الأعيان (2). وقال النجاشي عنه: الحسن بن حمزة بن علي بن عبد الله بن محمد بن الحسن ابن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، أبو محمد الطبري، يعرف بالمرعشي، كان من أجلاء هذه الطائفة وفقهائها، قدم بغداد ولقيه شيوخنا في سنة ست وخمسين وثلاثمائة، ومات فيها سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. له كتب منها: كتاب المبوب في عمل يوم وليلة، كتاب الأشفية في معاني الغيبة، المفتخر، كتاب المرشد، كتاب تباشير الشريعة (3). وقال العلامة في الخلاصة: كان فاضلا، دينا، فقيها، زاهدا، ورعا، كثير المحاسن، أديبا. روى عن التلعكبري، وكان سماعه منه أولا سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وله منه إجازة لجميع كتبه ورواياته (4). وذكره الشيخ في رجاله في: (من لم يرو عن الأئمة عليهم السلام)، وذكره

1) رجال النجاشي: ص 288، الخلاصة للعلامة: ص 164.
(2) أعيان الشيعة: ج 2 ص 263.
(3) رجال النجاشي: ص 48.
(4) الخلاصة: ص 40.

[ 17 ]

في الفهرست أيضا (1) ثالثا: السيد بهاء الدين أبو الكرم محمد بن حمزة الحسيني، ذكره منتجب الدين في الفهرست (2). رابعا: محمد بن حمزة العلوي، ذكره الافندي الاصفهاني في الرياض (3). خامسا: الشيخ النبيل ابن حمزة المعاصر للعلامة، وكان يسأل العلامة عن المسائل، ذكره في الرياض ثم قال: وقد رأيت في أردبيل بعض تلك المسائل على ظهر رسالة الشيخ علي بن هلال (4). ولادته: ابن حمزة، شأنه شأن الكثير من علمائنا الذين نجهل تأريخ ولادتهم، بل نستطيع أن نقول: إن أغلب علمائنا نجهل التأريخ الصحيح لولادتهم لأسباب لا مجال لذكرها هنا، وعبر هذه الأسطر القليلة التي نطل من خلالها على حياة هذا العلم الالمعي. فخلال تفحصي في كتب التراجم والسير لم أجد من يؤرخ تولد ابن حمزة، إلا أننا يمكن أن نقول: إن ابن حمزة من علماء القرن السادس، بل من النصف الثاني منه، ويدل على ذلك عدة مؤشرات: ففي كتاب " الثاقب في المناقب " الذي يذكر فيه معاجز وكرامات جرت على يد النبي والأئمة الأطهار سلام الله عليهم أجمعين، واحدى هذه المعاجز التي جرت على يد الإمام علي سلام الله عليه، وقد أسندها عن الشيخ الثقة الفاضل أبي عبد الله

(1) رجال الشيخ: ص 465، الفهرست: ص 52.
(2) فهرست منتجب الدين: ص 184 رقم 475.
(3) رياض العلماء: ج 6 ص 16.
(4) المصدر السابق.

[ 18 ]

جعفر بن محمد الدوريستي، وفي نهاية هذه القصة قال ابن حمزة: وقد نقلت ذلك من النسخة التي انتسخها الدوريستي بخطه ونقلها إلى الفارسية في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، ونحن نقلناها إلى العربية من الفارسية ثانية ببلدة كاشان والله الموفق في مثل هذه السنة سنة ستين وخمسمائة (1). وهذا يدل على أنه كان حيا سنة 560 ه‍. وقال الطهراني في الذريعة عند ذكر " ثاقب المناقب ": ويلوح من الشيخ منتجب الدين الذي توفي بعد عام 585 ه‍ أنه كان معاصره، حيث ذكر تصانيفه ولم يذكر اسنادا إليها. ثم قال: ويظهر من القصة الثانية تأريخ تأليف الكتاب في سنة 560 ه‍ (2). وفي الطبقات قال عند ذكر نفس الكتاب: فرغ من تأليفه عام 560 ه‍، ويظهر من كلام المنتجب كونه حيا حال تأليفه للفهرس (3). نشأته: لم تكن ولادة ابن حمزة مجهولة فحسب، بل حياته كلها مجهولة، إضافة إلى بعض الاختلافات في اسمه ونسبه كما مر سابقا، وكذا في نسبة كتبه إليه. فلا أحد يتحدث عن كيفية نشأته، ودراسته وسفره ووو..، بل حتى أساتذته وشيوخه وتلامذته والراوون عنه لم نعرف الكثير عنهم، شأنه في ذلك شأن الكثير من علمائنا الذين اندرس ذكرهم وضاعت كتبهم، فبتنا لا نعرف إلا أسماءهم وأسماء مؤلفاتهم، نعم ذلك هو التأريخ، لم ينقل لنا سيرة حياة العظماء امثال ابن حمزة، وما نقله لنا فالنقص والتزييف وقلب الحقائق صفة ملازمة له، فعلى عاتق من يقع ذلك؟

(1) الثاقب في المناقب " مخطوط " نسخة مكتبة كوهرشاد ورقة 58 ب.
(2) الذريعة: ج 5 ص 5.
(3) طبقات أعلام الشيعة (الثقات العيون في سادس القرون): ص 272.

[ 19 ]

وفاته ومدفنه: قال الخوانساري في الروضات: هذا وإني مع ما ظهر مني من التحقيق في حق هذا الرجل بما لا مزيد عليه لم أعرف إلى الان تأريخ مولده ووفاته، ولا غير ما ذكر من مصنفاته ومؤلفاته غير ما زبر من مآثره ومستطرفاته (1). وقال الطهراني في ذريعته عند ذكر " الرائع في الشرائع " و " ثاقب المناقب ": توفي في كربلاء ودفن خارج باب النجف في البقعة التي يزار فيها (2). وفي تأسيس الشعبة لعلوم الشريعة قال السيد الصدر: لا أعرف تأريخ وفاته، غير أنه توفي في كربلاء، ودفن في بستان خارج البلد، وقبره اليوم معروف خارج باب النجف رضي الله تعالى عنه (3). وقال سلمان هادي طعمة بعد أن اثنى على ابن حمزة: ومرقده في الطريق العام المؤدي إلى مدينة الهندية (طويريج) (4). ومن هذا يعلم أن وفاته مجهولة أيضا، إلا أن قبره معروفا تزوره الخاصة والعامة، فسلام الله عليك يابن حمزة، يا من جهلت ولادته نشأته ووفاته، إلا أنه بقي حيا بمؤلفاته ومصنفاته وآرائه الفقهية، التي لا زال العلماء يذكرونها ويتداولونها ويعنون بها. إطراء العلماء له: قال منتجب الدين في الفهرست: الشيخ الإمام عماد الدين أبو جعفر محمد

(1) روضات الجنات: ج 6 ص 273.
(2) الذريعة: ج 10 ص 66.
3) تأسيس الشيعة لعلوم الشريعة: ص 304.
(4) تراث كربلاء: ص 116.

[ 20 ]

ابن علي بن حمزة الطوسي المشهدي، فقيه عالم واعظ، له تصانيف (1). وقال يحيى بن سعيد الهذلي في كتابه الموسوم " نزهة الناظر في الجمع بين الاشباه والنظائر ": قال شيخنا السعيد أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدس الله روحه: عبادات خمس..، وقال الشيخ أبو جعفر محمد بن علي الطوسي المتأخر رضي الله عنه في الوسيلة: عبادات الشرع عشر..، وقال الشيخ أبو يعلى سلار: العبادات ستة..، وقال الشيخ أبو الصلاح: العبادات عشر.. وعلق الخوانساري في الروضات على هذا قائلا: من هذه العبارة يعلم تقدم منزلة الرجل ابن حمزة على منزلة مثل سلار وأبي الصلاح اللذين كانا من كبار فقهاء زمن شيخنا الطوسي رحمه الله (2). وقال الشيخ الفاضل حسن بن علي بن محمد الطبرسي في كتابيه: مناقب الطاهرين والكامل البهائي: الشيخ الإمام، العلامة الفقيه، ناصر الشريعة، حجة الاسلام عماد الدين أبو جعفر محمد بن علي بن محمد الطوسي المشهدي. ونسب إليه كتاب الثاقب في المناقب (3). وقال الخوانساري في الروضات: ذكره المحدث النيسابوري في كتاب رجاله بعنوان محمد بن علي بن حمزة: الإمام جمال الدين أبو جعفر الطوسي المشهدي، وقال في صفة حاله: شيخ، إمام، فقيه، واعظ، عالم، له تصانيف منها كتاب الوسيلة و.. (4. وقال الشيخ عباس القمي: ابن حمزة الطوسي أبو جعفر محمد بن علي، فقيه

(1) الفهرست: ص 164.
(2) روضات الجنات: ج 6 ص 266. (3) نقله عنه الخوانساري في الروضات: ج 6 ص 262.
(4) روضات الجنات: ج 6 ص 267.

[ 21 ]

عالم واعظ فاضل شيخ (1). وفي الطبقات قال الطهراني: محمد بن علي بن حمزة الطوسي، الشيخ الإمام عماد الدين، المعروف بابن حمزة الثاني، وبابن حمزة الطوسي المشهدي، فقيه عالم واعظ، له تصانيف (2). وقال الحر العاملي في أمل الامل: الشيخ الإمام عماد الدين أبو جعفر محمد ابن علي بن حمزة الطوسي المشهدي، فقيه عالم واعظ، له تصانيف منها: الوسيلة والواسطة (3). وقد وصفه جمع كثير من العلماء والمؤرخين وأصحاب السير: بأنه فقيه عالم واعظ، له تصانيف. مصنفاته: أولا: الوسيلة إلى نيل الفضيلة: وهو الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ، وقد مر الكلام فيه. ونذكر هنا النسخ الخطية التي تيسر لنا معرفتها لهذا الكتاب وأماكن تواجدها: (1) نسخة في المكتبة المركزية بجامعة طهران، كتبها حسين بن علي بن سعيد في دمشق سنة 631 ه‍، مذكورة في فهرسها: ج 5 ص 2101 تحت رقم 700.
(2) نسخة في المكتبة العامة للسيد المرعشي النجفي " دام ظله الوارف "، تأريخ كتابتها سنة 894 ه‍، مذكورة في فهرسها: ج 1 ص 336 رقم 291.
(3) وفيها أيضا نسخة كتبت بتأريخ 1247 ه‍ مذكورة في فهرسها: ج 6 ص 209

1) الكنى والألقاب: ج 1 ص 257.
(2) طبقات أعلام الشيعة (الثقات العيون في سادس القرون): ص 272.
(3) أمل الامل: ج 2 ص 285.

[ 22 ]

ضمن المجموعة وقم 2219.
(4) نسخة في دار الكتب الوطنية في طهران، كتبت في القرن العاشر، مذكورة في فهرسها: ج 10 ص 336 تحت رقم 1799. (5) نسخة في مكتبة مجلس الشيوخ الايراني " سنا " في طهران، كتبت سنة 1101 ه‍ مذكورة في فهرسها: ج 1 ص 64. وعنها فلم في جامعة طهران، مذكور في فهرس أفلام الجامعة: ج 2 ص 133.
(6) نسخة في مكتبة الإمام أمير المؤمنين في النجف الاشرف تاريخها سنة 1033 ه‍.
(7) نسخة في مكتبة مدرسة نواب صفوي في مشهد المقدسة. ثانيا: الواسطة: قال الطهراني في الذريعة: الواسطة من أجل المتون الفقهية المعول عليها كأخته الوسيلة (1). ثالثا: الرائع في الشرائع: كتاب فقهي، ذكره منتجب الدين في الفهرست (2، والطهراني في الذريعة (3) رابعا: الثاقب في المناقب: وهو كتاب ظريف في بابه، ممتاز بين نظائره وأترابه، جامع لفضائل جمة ومعجزات كثيرة غريبة للنبي وفاطمة والأئمة عليهم سلام الله. نسبه إلى ابن حمزة الحسن بن علي بن محمد الطبرسي في كتابيه: مناقب الطاهرين، والكامل البهائي، ثم ذكر أكثر أحاديثه في المعجزات الغريبة والآيات لأهل بيت العصمة عليهم السلام بعد الترجمة له بالفارسية. قاله الخوانساري في الروضات، ثم قال: إنه لم يكن عند المحمدين الثلاثة المتأخرين فلم ينقل شئ

(1) الذريعة: ج 25 ص 11 رقم 55.
(2) الفهرست: ص 164.
(3) الذريعة: ج 10 ص 66 رقم 84.

[ 23 ]

منه في الوافي والوسائل والبحار، ثم نقل عنه ثلاث معجزات: إحداها: قصة أبي الصمصام الصحابي والنوق الثمانين، رواها عن شيخه أبي جعفر محمد بن الحسين بن جعفر الشوهاني مجاور المشهد الرضوي. ثانيتها: قصة أبي عبد الله المحدث الذي أعماه أمير المؤمنين عليه السلام. ثالثها: قصة أنوشروان المبروص المجهوسي الاصفهاني من خواص خوارزمشاه، الذي زال برصه بمجرد التوسل إلى قبر ثامن الأئمة عليه السلام، وقد شاهده المؤلف وقال: ورآه خلق كثير من أهل خراسان، ثم أنه أسلم وحسن اسلامه وعمل شبه صندوق من الفضة للقبر (1). وذكره منتجب الدين في الفهرست باسم " المعجزات " (2). وكذلك الطهراني في الطبقات، ثم قال: إن كتاب المعجزات اسمه " ثاقب المناقب " فرغ من تأليفه سنة 560 ه‍ (3). وقال في الذريعة: ثاقب المناقب في المعجزات الباهرات للنبي والأئمة المعصومين الهداة صلوات الله عليهم أجمعين للشيخ عماد الدين أبي جعفر محمد ابن علي بن حمزة المشهدي الطوسي المعروف بابن حمزة صاحب الوسيلة والواسطة، والمعبر عنه بأبي جعفر الثاني وأبي جعفر المتأخر لتأخره عن الشيخ أبي جعفر الطوسي المشارك له في الاسم والكنية والنسبة (4). وجهل مؤلفة الافندي في الرياض حيث ذكره في فصل: (في ذكر أسامي كتب الامامية التي لم نعلم أسامي مؤلفيها، أو ظن عدم تعينهم) قائلا: ومنها كتاب

(1) روضات الجنات: ج 6 ص 267.
(2) فهرست منتجب الدين: ص 164.
(3) طبقات أعلام الشيعة (الثقات العيون في سادس القرون): ص 272.
(4) الذريعة: ج 5 ص 5 رقم 5.

[ 24 ]

" الثاقب في المناقب " وعندنا منه نسخة وهو من أحسن كتب المناقب وأخصرها، ولم أعلم مؤلفه ولكن كان عصره قريبا من عصر الشيخ الطوسي رحمه الله، فإنه في هذا الكتاب قد يروي عن شيخه أبي جعفر محمد بن الحسين بن جعفر الشوهاني بمشهد الرضا عليه السلام. وعلى هذا لا يبعد أن يكون هذا الكتاب لابن شهر آشوب لأنه ممن يروي عنه، أو هو لواحد من العلماء، معاصري ابن شهر آشوب كالشيخ منتجب الدين ونحوه، وبالبال هو لبعض تلامذة محمد بن الحسن الشوهاني المعروف (1). وتوجد منه عدة نسخ خطبة نذكر ما تيسر لنا معرفتها: (1) نسخة مكتبة آية الله العظمى السيد المرعشي النجفي " دام ظله "، مذكورة في فهرسها: ج 8 ص 27، كتبها الشيخ علي زاهد القمي، تقع في 272 ورقة.
(2) نسخة مكتبة " ملك " في طهران مذكورة في فهرسها: ج 1 ص، كتبها محمد بن قسط في القرن الثاني عشر الهجري، تقع في 244 ورقة.
(3) نسخة في مكتبة مسجد كوهر شاد في مشهد الإمام الرضا عليه السلام. خامسا: كتاب في قضاء الصلاة: قال الخوانساري في الروضات: قال السيد رضي الدين بن طاووس الحسيني رضي الله عنه فيما نقل عن كتابه الموسوم " غياث سلطان الورى " في مسألة قضاء الصلاة عن الأموات: وقد حكى ابن حمزة في كتابه في قضاء الصلاة عن الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسين الشوهاني أنه كان يجوز الاستئجار عن الميت، وفيه من الدلالة على أن له كتبا في قضاء الصلاة (2). سادسا: مسائل في الفقه، حيث عده منتجب الدين من مؤلفات ابن حمزة (3).

(1) رياض العلماء: ج 2 ص 48.
(2) روضات الجنات: ج 6 ص 266.
(3) فهرست منتجب الدين: ص 164.

[ 25 ]

وقال الخوانساري: إن له رسائل وكتب أخرى في الفقه وغيرها (1). أساتذته وشيوخه: الذي عثرت عليه فيما يتعلق بهذا الموضوع ثلاثة أقوال: الأول: إنه من تلامذة شيخ الطائفة الطوسي محمد بن الحسن: ففي الرياض: وقال بعض العلماء: إن أبا جعفر الثاني المتأخر المذكور صاحب الوسيلة تلميذ الشيخ الطوسي، ولكن هنا نظر (2). وفي موضع آخر منه قال: وقد يقال إنه يروي عن الشيخ بلا واسطة أو بواسطة، وهو الذي ينقل قوله في صلاة الجمعة بالحرمة (3). وفي موضع من الروضات: ويظهر من سائر ما يوجد من النقل عن كتب الفتاوى والاستدلال بعنوان العماد الطوسي أنه كان من طبقة تلاميذ شيخ الطائفة (4). وهذا المدعى لا أساس له من الصحة، لأن الشيخ الطوسي توفي سنة 460 ه‍، وابن حمزة من علماء النصف الثاني من القرن السادس. الثاني: إنه من تلامذة أبي علي بن الشيخ الطوسي: ذكر ذلك الخوانساري في موضع من الرضات حيث قال: إن ابن حمزة من تلاميذ شيخ الطائفة، أو تلاميذ ولده أبو علي (5). وهذا المدعى وإن كان ممكنا، لأن أبا علي كان حيا سنة 515 ه‍، إلا أني لم

(1) روضات الجنات: ج 6 ص 266.
(2) رياض العلماء: ج 6 ص 17. (3) رياض العلماء: ج 6 ص 16.
(4) روضات الجنات: ج 6 ص 263.
(5) روضات الجنات: ج 6 ص 263.

[ 26 ]

أجد من يصرح به سوى الخوانساري وفي موضع من الروضات. وأبو علي: هو الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي، كان عالما فاضلا فقيها محدثا جليلا ثقة. قال عنه الشيخ منتجب الدين: فقيه ثقة عين، قرأ على والده جميع مصنفاته، أخبرنا الوالد عنه (1). وفي أعيان الشيعة: يلقب بالمفيد، وبالمفيد الثاني مقابل الأول محمد بن محمد النعمان (2). وقال ابن حجر في لسان الميزان: الحسن بن محمد بن الحسن بن علي الطوسي، أبو علي بن أبي جعفر، سمع من والده، وأبي الطيب الطبري، والخلال، والتنوخي، ثم صار فقيه الشيعة وإمامهم بمشهد علي رضي الله عنه. سمع منه أبو الفضل بن عطاف، وهبة الله السقطي، ومحمد بن محمد النسفي، وهو في نفسه صدوق مات في حدود الخمسمائة، وكان متدينا (3). وله من الكتب: الامالي، شرح نهاية والده، والمرشد إلى سبيل المتعبد (4). الثالث: وهو الصحيح، إنه تلميذ محمد بن الحسين الشوهاني، حيث يروي عنه في كتابه " الثاقب في المناقب ". وقال الخوانساري في الروضات: غاية ما ظفرنا به من الرواية له ابن حمزة أن له الرواية عن الشيخ أبي جعفر الشوهاني (5). والشوهاني: هو الشيخ العفيف أبو جعفر محمد بن الحسين، نزيل مشهد

(1) فهرست منتجب الدين: ص 42 رقم 71.
(2) أعيان الشيعة: ج 5 ص 244.
(3) لسان الميزان: ج 2 ص 250 رقم 1046.
(4) معالم العلماء: ص 37، أمل الامل: ج 2 ص 76، تنقيح المقال: ج 1 ص 306.
(5) روضات الجنات: ج 6 ص 266.

[ 27 ]

الرضا عليه السلام وعلى آبائه الطاهرين السلام. هكذا ذكره منتجب الدين (1). وقال عنه السيد محسن الامين في الأعيان: الشيخ العفيف محمد بن الحسين الشوهاني من أهل أواخر القرن السادس، عالم جليل وفاضل نبيل، من أجلة علمائنا وفقهائنا الأقدمين، وكبار أهل العلم بالحديث، يروي عن جماعة من المشايخ منهم: شيخه الفقيه علي بن محمد القمي تلميذ المفيد عبد الجبار الراوي عن الشيخ الطوسي، ومنهم الشيخ أبو الفتوح الرازي، ومنهم السيد أبو الرضا الراوندي، ومنهم محمد ابن أبي القاسم الطبري. ويروي عنه عبد الله بن حمزة بن عبد الله بن حمزة الطوسي شيخ الحسين بن الحسن البيهقي الكيدري شارح نهج البلاغة (2). تلامذته والراوون عنه: يروي عنه السيد عبد الحميد بن فخار، كما ورد في بحار الانوار في إجازة المحقق الكركي للقاضي صفي الدين، حيث ذكر ابن حمزة وقال: رويت جميع مصنفاته ومروياته بالأسانيد الكثيرة والطرق المتعددة فمنها الطرق المتعددة إلى الشيخ السعيد جمال الدين أحمد بن فهد، عن السيد العالم النسابة الحسيني، عن والده السيد عبد الحميد، عن ابن حمزة (3). وفي الروضات: وأما الرواية عنه ابن حمزة فهي للسيد عبد الحميد بن فخار الموسوي، فيكون الرجل نفسه في درجه الفخار نفسه، وهو من تلامذة ابن إدريس الحلي (4).

(1) الفهرست: ص 65 رقم 391.
(2) أعيان الشيعة: ج 9 ص 233.
(3) بحار الانوار: ج 108 ص 76.
(4) روضات الجنات: ج 6 ص 267.

[ 28 ]

وعبد الحميد بن فخار: هو السيد النسابة، وزين مسند النقابة، جلال الدين عبد الحميد بن السيد شمس الدين شرف الاشراف أبي علي فخار بن معد بن فخار بن أحمد العلوي الحسيني الموسوي الحائري الحلي، من أجلة علمائنا وأفاخمهم. هكذا ذاكره الافندي في الرياض (1). وقال العاملي في أمل الامل: السيد جلال الدين عبد الحميد بن فخار بن معد بن فخار الموسوي، كان فاضلا محدثا رواية، يروي عن تلامذة ابن شهر آشوب، له كتاب ينقل منه الحسن بن سليمان بن خالد الحلي في مختصر البصائر (2). النسخ الخطية المعتمدة: اعتمدنا في تحقيق هذا الكتاب على ثلاث نسخ خطية قيمة هي: الأولى: نسخة المكتبة المركزية في جامعة طهران، مذكورة في فهرسها: ج 5 ص 2101 تحت رقم 700، كتبها حسين بن علي بن سعيد في دمشق، وفرغ منها في جمادى الأولى سنة 631 ه‍. وتقع هذه النسخة في 131 ورقة كل ورقة تحتوي على 27 سطر، حجم الورقة 21 * 16 سم، كتب في آخرها: بلغ قراءة ومقابلة وتصحيحا بنسخة قوبلت بنسخة الأصل، وقد جعلنا هذه النسخة الأصل في علمنا، ورمزنا لها ب‍ " م ". الثانية: نسخة مكتبة آية الله العظمى السيد المرعشي النجفي " دام ظله الوارف " في مدينة قم الطيبة، مذكورة في فهرسها: ج 1 ص 336 تحت رقم 291، تأريخ كتابتها 14 رجب سنة 894 ه‍. تقع هذه النسخة في 119 ورقة، كل

(1) رياض العلماء: ج 3 ص 80.
(2) أمل الامل: ج 2 ص 145.

[ 29 ]

ورقة تحتوي على 23 سطر، حجم الورقة 5 / 38 * 8 / 27 سم، ورمزنا لها ب‍ " ش ". الثالثة: نسخة دار الكتب الوطنية في طهران (مكتبة ملي)، مذكورة في فهرسها: ج 10 ص 336 رقم 1799 ع، تأريخ كتابتها في القرن العاشر. تقع هذه النسخة في 208 أوراق، كل ورقة تحتوي على 18 سطر، حجم الورقة 5 / 26 * 16 سم، ورمزنا لها ب‍ " ط ". منهجية التحقيق: اعتمدت نسخة " م " والتي مر وصفها أصلا في التحقيق، فأثبتها في المتن وقابلت النسختين الأخريين عليها، وأشرت إلى الاختلافات في الهامش، إلا إذا كان ما في النسختين أو إحداهما صحيحا أو راجحا فأثبته في المتن مع الإشارة إلى ذلك في الهامش، فكان عملي في هذا الكتاب كما يلي: أولا: مقابلة النسخ الخطية المعتمدة، والإشارة إلى الاختلافات في الهامش وفق الطريقة التي اتبعناها في التحقيق. ثانيا: تخريج الآيات القرآنية الكريمة وضبطها بالشكل الصحيح. ثالثا: تخريج الأحاديث الواردة في الكتاب من مصادرها الرئيسية. رابعا: تخريج الأقوال الفقهية التي نقلها المصنف من مصادرها الأم. خامسا: شرح الالفاظ اللغوية الصعبة حسبما تقتضيه العبارة. سادسا: ترجمة الاعلام المذكورين في الكتاب. سابعا: عمل فهارس فنية كاملة تسهيلا للمطالب، ووفقا لأحدث القواعد الفنية للتحقيق.

[ 30 ]

مصادر الترجمة: (1) فهرست أسماء علماء الشيعة ومصنفيهم: ص 164 رقم 390، لمنتجب الدين أبي الحسن علي بن عبد الله بن بابويه الرازي، من علماء القرن السادس.
(2) معالم العلماء: ص 145، لمحمد بن علي بن شهرآشوب، ت 588 ه‍.
(3) جامع الرواة: ج 2 ص 154، لمحمد بن علي الأردبيلي الغروي الحائري، ت 1101 ه‍.
(4) أمل الامل: ص 285، 361، لمحمد بن الحسن الحر العاملي، ت 1104 ه‍ (5) بحار الانوار: ج 1 ص 38 وج 108 ص 76، لمحمد باقر المجلسي، ت 1111 ه‍.
(6) رياض العلماء: ج 6 ص 16، للميرزا عبد الله أفندي الاصبهاني من علماء القرن الثاني عشر.
(7) رجال أبو علي الحائري: باب الكنى، لمحمد بن إسماعيل بن عبد الجبار، ت 1215 ه‍.
(8) روضات الجنات: ج 6 ص 262، للميرزا محمد باقر الموسوي الخوانساري، ت 1313 ه‍.
(9) تنقيح المقال: ج 3 ص 156، للشيخ عبد الله المامقاني، ت 1351 ه‍.
(10) تأسيس الشيعة لعلوم الشريعة: ص 304، للسيد حسن الصدر، ت 1354 ه‍.
(11) الكنى والألقاب: ج 1 ص 257، للشيخ عباس القمي، ت 1359 ه‍.
(12) هدية الاحباب: ص 55، للشيخ عباس القمي، ت 1359 ه‍.
(13) أعيان الشيعة: ج 2 ص 263، للسيد محسن الامين، ت 1371 ه‍.

[ 31 ]

(14) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج 5 ص 5، وج 10 ص 66، للطهراني، ت 1389 ه‍.
(15) طبقات أعلام الشيعة (الثقات العيون في سادس القرون): ص 272، للطهراني، ت 1389 ه‍. شكر وتقدير: ختاما أقدم جزيل شكري وتقديري لادارة مكتبة آية الله العظمى السيد المرعشي النجفي " دام ظله الوارف " على طبعها هذا الكتاب واخراجه بهذه الحلة القشيبة، وفقنا الله وإياهم لاحياء تراث آل البيت عليهم السلام. محمد الحسون بلدة قم الطيبة 20 جمادى الآخرة 1408 ه‍

[ 32 ]

الصفحة الأولى من نسخة مكتبة المرعشي

[ 33 ]

الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة المرعشي

[ 34 ]

الصفحة الأولى من نسخة جامعة طهران

[ 35 ]

الصفحة الأخيرة من نسخة جامعة طهران

[ 36 ]

الصفحة الأولى من نسخة مكتبة الدار الوطنية

[ 37 ]

الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة الدار الوطنية

[ 39 ]

الوسيلة إلى نيل الفضيلة

[ 41 ]

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: حمدا لله الكريم الالاء، العظيم النعماء، والصلاة على نبيه محمد خاتم الأنبياء وسيد الاولياء، وعلى آلة سادة الأتقياء، الأئمة الهداة النجباء. فأني أوصيك يا بني بتقوى الله، والاعتصام بحبله، والتمسك بطاعته، والتحرج عن معصيته، والاخلاص في العمل بما يرضيه، والتوفر على التفكر فيما يزيد في معرفتك ويقينك، وبعينك على أمور معادك ودينك، ويمنعك عن التورط في الشبهات، ويردعك عن التميل إلى الشهوات، ويزعك (1) عن ركوب المحارم، ويكبحك عن التسرع إلى المآثم. واياك وغفلة الاغترار، وفترة الاصرار، وعليك بالاستعانة بالله سبحانه على أمور دينك ودنياك، فإنك إن توكلت عليه كفاك. وعليك بتلاوة كتابه في آناء ليلك ونهارك، وحالتي استقرارك وأسفارك، فإن ذلك شفاء لما في الصدور، ونور يوم النشور، ونجاة يوم تزل فيه الأقدام، وتقضي فيه الأحكام وعليك بالعمل بما فيه، والتنبه على ما في مطاويه، فإنه (شافع

1) يزعك: يكفك ويمنعك. لسان العرب 8: 145 (زوع).

[ 42 ]

مشفع، أو ماحل (1) مصدق " (2). وعليك بسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله فإنها جلاء القلوب، واستراحة الكروب، وعليك بما سن لك الأئمة الهداة. فإنهم إلى الجنة الدعاة. ومن النار الحماة. وعليك بسيرة الصالحين. والاقتناص من شواردهم. والاقتباس من فوائدهم. والاشتغال بنفسك عن غيرك. والتوفر على الاكثار من خيرك. وليكن ما تعرف من نفسك شاغلا لك عمن سواك. فتحمد منقلبك ومثواك. وعليك بالاكباب على طلب العلوم، فإنه أرجح ميزانا، وأنجح أمرا وشأنا. وليس يمكنك البلوغ إلى نهايته والوصول إلى غايته فعليك بما هو أكثر فائدة، وأغزر عائدة، وأعود عليك في أولاك، وأخراك ودنياك. وعقباك. وعليك بالفقه، وعليك بالفقه، وعليك بالفقه. فإنه شرف لك في الدنيا، وذخر لك في الآخرة. ولن يتيسر لك ذلك إلا بحسن السيرة، ونقاء الجيب، وطهارة الأخلاق، والتوقي من العيب، واقامة دعائم الاسلام. والاذعان لقواعد الأحكام والتعظيم لأمر الله، فإن الله سبحانه لم يخلق الخلق عبثا، ولم يتركهم مهملا، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا، وعلم ضمائرهم وخبر سرائرهم، وأحصى أعمالهم، وحفظ أحوالهم. واحتج عليهم بارسال الرسل، مبشرا ومنذرا (3) وبانزال الكتب آمرا ومخبرا وداعيا، وزاجرا ولله الحجة البالغة، والنعمة السابغة، وله الحمد على نعمه. والشكر على فيض كرمه. حمدا وافيا، وشكرا كافيا، ثم إني رأيت أن أجمع لك كتابا في الفقه لتحفظه على ترتيب يسهل على

(1) الماحل: الخصم المجادل، والساعي. يقال: محل بفلان، أي سعى به إلى ذي سلطان حتى أوقعه في ورطة، لسان العرب 11: 618 (محل).
(2) الجامع الصغير 2: 264 حديث 6282 نقلا عن سنن البيهقي.
(3) في نسخة " ط ": ونذيرا ومنذرا.

[ 43 ]

المتيقظ الشروع في التحفظ. وقد بينته على بيان الجمل وحصرها. ونظم العقود ونثرها، وانقسام أبوابه على التمييز بين الواجب والمندوب، والمحظور والمكروه. والفعل والترك، والكيفية والكمية. على وجه لا يلحقه خلل، ولا يبلغ طالبه ملل، وقد سميته ب‍ " الوسيلة إلى نيل الفضيلة " مستمدا من الله تعالى التوفيق على الاتمام. والتيسير (1) لدرك المرام. وأن يجعل ذلك خالصا لرضاه، فإنه لا يضيع مع استكفاه، ولا يخيب من رجاه. وهو أكرم مسؤول، وأفضل مأمول.

(1) في نسخة " م ": " والتيسر ".

[ 44 ]

كتاب العبادات العبادات (1) الشرعية ضربان: أحدهما: يجب على الاطلاق على المكلف، مثل الصلاة. والثاني: يجب عند شروط مثل الزكاة، والصوم، والحج. والجهاد، فإن الزكاة تجب عند حصول المال على ما سنذكره، والصوم بشرط الصحة والإقامة أو حكمها (2) والحج بشرط الاستطاعة. والجهاد بشرط الحاجة، والاستطاعة، وغيرهما (3). ولها مقدمات لا تصح من دونها، وهي ضربان: أحدهما غير تابع لها مثل الاسلام، فإن العبادة لا تصح بدون الاسلام بل هو أصل في العبادات. والثاني تبع لها. وإن لم تصح من دونه. وهو الطهارة فإنها شرط في صحة الصلاة، والطواف المفروض، أو في الفضيلة في مثل دخول المساجد، وقراءة

(1) في نسخة " م ": " التكاليف ".
(2) في نسخة " م ": " أو حكمهما ".
(3) في نسخة " ش ": " وغيرها ".

[ 45 ]

القرآن، والسعي بين الصفا والمروة. فتقدم السلام شرط في صحة جميع العبادات وتقدم الطهارة شرط (1) فيما ذكرنا. وللصلاة مقدمات أخر سنذكرها انشاء الله تعالى. فصل في بيان أقسام العبادات عبادات الشرع عشر: الصلاة، والزكاة، والصوم. والحج. والجهاد، وغسل الجنابة. والخمس، والاعتكاف، والعمرة، والرباط.

(1) ليس في النسختين " ش " و " ط ".

[ 46 ]

كتاب الصلاة للصلاة مقدمات لا تصح من دونها. وهي ستة عشر شيئا: الطهارة، ومعرفة الوقت، والقبلة. وعدد الفرائض، وستر العورة. ومعرفة ما يجوز الصلاة فيه من الثياب أو المكان، وما يجوز السجود عليه، وتطهير البدن والثوب (1) وموضع السجود من النجاسة: ومعرفة النجاسات - ليتمكن من الاحتراز عنها - ومعرفة ما يتطهر عنه أو له (2) ومعرفة ما يطهر، وكيفية التطهير. وأما الأذان والإقامة، فمن شروط فضل الصلوات الخمس دون الصحة. فصل في بيان الطهارة للطهارة مقدمات تنقضها وتوجبها، فيجب بيان المقدمات. وما يترتب عليها

(1) في نسخة " م ": " والثياب ".
(2) في النسختين " ش " و " ط ": " به ".

[ 47 ]

ببيانها، وهي تنقسم قسمين: واجب. وندب. فالواجب ثلاثة أنواع: فعل، وكيفية وترك. فالفعل ثلاثة أشياء: الاستنجاء والاستبراء، وغسل مخرج البول بالماء إذا وجد. والكيفية أربعة: تنقية موضع النجو بالماء حتى تزول العين والأثر، أو بالحجارة حتى تزول العين. والمسح عن (1) عند مخرج النجو إلى أصل القضيب بالأصبع في الاستبراء ثلاث مرات. ونتر القضيب بين الابهام والسبابة ثلاث مرات. والاستجمار (2) بأبكار الحجارة. أو بما يزيل العين. سوى ما يؤكل. ووضع الحجر على موضع النجاسة لازالتها. فإن زالت النجاسة بواحدة استعمل تمام الثلاثة سنة. وإن لم تزل بثلاثة استعمل حتى تزول فرضا، فإن تعدت (3) النجاسة عن الموضع لم يجز غير الماء إذا وجد. والترك ستة أشياء: استقبال القبلة في حال الخلاء. واستدبارها مع الامكان، واستعمال المستعمل من الاحجار. والحجر النجس. والاستجمار بماله حرمة من المأكولات. واستعمال الخرقة من وجهين إذا نشفت. والندب ثلاثا أشياء: أدب، وذكر، ومكروه. فالأدب عشرة: الاستتار. وتقديم الرجل اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج. وتغطية الرأس، والجلوس للحدث على موضع مرتفع، والجمع بين

(1) ليس في " م ".
(2) في " ش " و " ط ": " واستجمار ".
(3) في " ش " و " ط ": " تعدى ".

[ 48 ]

الحجارة والماء في الاستنجاء. وتقديم الحجر على الماء أو الاقتصار على الماء. والاستجمار بما يزيل العين، والاستنجاء باليسار، والمسح باليد على البطن بعد ما قام عنه. ونزع الخاتم من اليسار إن كان عليه اسم معظم أو فصه حجر له حرمة. والذكر ستة، الدعاء عند دخول الخلاء. وعند الاستنجاء وعند الفراغ منه، وعند الخروج من

[ 49 ]

وضرورية، وهي بالثلج، أو بالتراب، أو بما يقوم مقامه عند فقده. والاختيارية: وضوء، وغسل، وكل واحد منهما مفروض، ومسنون. فالمفروض من الوضوء شيئان: أحدهما الوضوء لصلاة فريضة لزمه أداؤها حالة الوضوء، والثاني للطواف المفروض. والمسنون أحد عشر: أحدها: للتأهب للصلاة الفريضة قبل دخول وقتها. والثاني: تجديده لكل صلاة مع بقاء حكمه. والثالث: لأداء النوافل. والرابع: لقراءة القرآن. والخامس: لمس المصحف. والسادس: للسعي بين الصفا والمروة. والسابع: للطواف المسنون. والثامن: لدخول المسجد. أو موضع شريف. والتاسع: للتأهب للصلاة متى شاء. والعاشر: للنوم عليه. والحادي عشر: للحائض. فإنها تتوضأ لا لرفع الحدث وتجلس في المصلى ذاكرة لله تعالى بمقدار زمان صلاتها. وإذا توضأ نافلة نوى رفعا للحدث. أو استباحة للصلاة جاز له أن يؤدي به كل صلاة. والطهارة الضرورية بالثلج. أو بالتراب وهو التيمم. وهو ضربان: أحدهما يكون بدلا من الوضوء. والثاني (يكون) (1) بدلا من الغسل المفروض. إلا في موضع واحد يكون فيه بدلا من الغسل المندوب وهو الغسل للاحرام إذا لم يجد الماء.

(1) ليس في النسختين " ش " و " ط ".

[ 50 ]

فصل في بيان ما يقارن الوضوء الوضوء يشتمل على أمور واجبة. ومندوبة. فالواجبة: فعل، وكيفية، وترك. فالفعل سبعة أشياء: النية. وغسل الوجه مرة واحدة. وغسل كل واحدة من اليدين ومسح الرأس، ومسح كل واحدة من الرجلين كذلك. والكفية ثلاثة عشر شيئا: مقارنة النية لحال الوضوء. والاستمرار على حكمها. والابتداء في غسل الوجه من قصاص شعر الرأس. واستيعاب الوجه بالغسل، وحده من قصاص شعر الرأس إلى محادر (1) شعر الذقن طولا. وما دارت عليه الابهام والوسطى عرضا، وغسل اليدين من المرفق إلى أطراف الأصابع، وإدخال المرفق في الغسل، ومسح مقدم الرأس ببلة الوضوء. ومسح الرجلين من رؤوس الأصابع إلى الكعبين ببلته أيضا، والترتيب على ما رتبه الله تعالى (2)، والموالاة - وهي أن يوالي بين غسل الأعضاء ولا يؤخر بعضها عن بعض بمقدار ما يجف ما تقدم - وإيصال الماء إلى ما تحت الخاتم. وغيره إن كان عليه. والترك عشرون شيئا: استقبال الشعر في غسل الوجه وفي غسل اليدين، وفي مسح الرأس، واستئناف الماء لمسح الرأس والرجلين (3) ومسح مؤخر الرأس ومسح أحد جانبيه. ومسح جميع الرأس، ومسح الاذنين، وتخليلهما، والمسح على الشعر إذا جمعه وسط الرأس، والمسح على ما يحول بين العضو الماسح والممسوح. ومسح باطن

محادر شعر الذقن، بالدال المهملة، أول انحدار الشعر عن الذقن: مجمع البحرين - حدر - 3: 261.
(2) في " ش " و " ط " على ما رتبه الله تعالى عليه.
(3) في " ش " و " ط ": " أو الرجلين ".

[ 51 ]

القدمين.، وغسل الرجلين للوضوء مختارا. والمسح (1) على الخفين، وعلى الشمشك (2)، وعلى النعل غير العربية مختارا. والتكرار في المسح. والزيادة في الغسل على المرتين، والاستيضاء مع القدرة. والمندوب: خمسة أضرب: زيادة في الغسل، وأدب. وذكر، وكيفية. وترك. فالزيادة ثلاثة أشياء، غسل الوجه. واليد اليمنى. واليسرى ثانيا. والأدب ثمانية: وضع الاناء على اليمين إذا (3) اغترف منه باليد. وأخذه باليمين. وإدارته في غسل اليمين إلى اليسار، وغسل اليدين قبل ادخالهما الاناء من حدث النوم أو البول مرة ومن الغائط مرتين، والنية عند غسل اليدين - فإن ترك تعين عند غسل الوجه - والمضمضة، والاستنشاق، والسواك خاصة في صلاة الليل. وكيفية النية: أن يقرر في نفسه أنه يتوضأ فرضا، رفعا للحدث (4) واستباحة للصلاة (قربة إلى تعالى، وإن لم يكن فرضا لم يقرر ذلك في نفسه. والذكر عشرة أشياء، التسمية إذا نظر إلى الوضوء، والدعاء عند غسل اليدين،

(1) في " ش " و " ط ": " أو المسح ".
(2) الشمشل، بضم الشين وكسر الميم: قيل إنه المشاية البغدادية وليس فيه نص من أهل اللغة، مجمع البحرين - شمشك - 5: 277، أقول: وهو لفظة أعجمية تطلق على بعض ما يلبس في الرجل.
(3) في " ش " و " ط ": " إن ".
(4) في " ش ": لرفع الحدث (5) في " ط ": " الصلاة ".

[ 52 ]

وعند المضمضة، وعند الاستنشاق، وعدن غسل الوجه. واليد اليمنى، واليسرى، ومسح الرأس، ومسح الرجلين. والفراغ من الوضوء. والكيفية أحد عشر شيئا: الابتداء بالمضمضة قبل الاستنشاق، والاتيان بهما ثلاثا، ثلاثا، والمضمضة بكف واحدة (1) من الماء. وكذلك الاستنشاق، وغسل الوجه باليد اليمنى، وغسل المسنونة على هيئة الواجبة (2)، ووضع الرجل الماء على ظهر ذراعه، والمرأة على باطنها. ومسح مقدم الرأس قدر ثلاث أصابع مضمومة، ومسح الرجلين بالكفين من رؤوس الأصابع إلى الكعبين. والترك ثلاثة: الاستعانة في الوضوء بالغير، والتمندل، وتأخير الاستنجاء وغسل مخرج البول. فصل في بيان السهو العارض في الوضوء السهو فيه أربعة أضرب: أحدها: يوجب إعادة الوضوء، وذلك في ثمانية مواضع: من شك ولم يدر تقدم وضوءه أم حدثه، والشك في الوضوء مع تيقن الحدث، والشك فيهما معا، والشك في الوضوء (وهو) (3) جالس عليه، وأن يظن الاخلال بفعل واجب من أفعال الوضوء، أو يظن فعل شئ ينقض الوضوء، أو يذكر حدثا وقد توضأ لكل صلاة عقيب إحداها بلا فصل واشتبه عليه، أو يذكر ترك غسل عضو من أعضاء هذه الطهارات كذلك. والثاني: لم يلزمه إعادة الوضوء، وجاز له المضي عليه، وذلك في ثلاثة

في نسخة: " م ": واحد ".
(2) في نسخة " ش ": " الواحدة ".
(3) ليس في النسخة " ش ".

[ 53 ]

مواضع: من تيقن الوضوء وشك في الحدث. أو شك في الوضوء بعد ما قام عنه، أو شك في غسل عضو كذلك. والثالث: يجب عليه غسل المشكوك، واعادة المترتب عليه ما لم يجف العضو السابق، وإعادة الوضوء إن جف، وذلك في موضعين: من شك في غسل عضو من أعضاء الطهارة جالسا عليه غسل المشكوك واعادة المترتب عليه، ومن قدم بعض أعضاء الطهارة على بعض ثم ذكر بنى على ما يجب الابتداء به وأعاد ما قدمه عليه. والرابع: من صلى صلوات وقد جدد الوضوء لكل صلاة من غير حدث. ثم ذكر أنه ترك غسل عضو في واحدة أعاد الصلاة الأولى، وإن ترك في اثنتين أعاد الصلاتين، وعلى هذا، ومن صلى بغير طهارة تطهر وأعاد الصلاة. فصل في بيان نواقض الطهارة نواقضها أربعة أضرب: أحدها: ينقضها ويوجب الصغرى من الطهارة، وهو ستة أشياء: خروج البول والغائط من الانسان، وخروج شئ ملوث بالغائط من مخرجه، والريح. والنوم والغالب على السمع والبصر. وكل ما يزيل العقل والتمييز من الاغماء والجنون وغيرهما من سائر الأمراض. وثانيها: يوجب الطهارة الكبر. ى فحسب، وهو الجنابة. وثالثها: يوجب الصغرى مرة. وكلتيهما أخرى، وهو الاستحاضة. ورابعها: يوجبهما معا. وهو ثلاثة أشياء: الحيض، والنفاس، ومس الميت من الناس، أو قطعة أبينت من حي، أو ميت منهم فيها عظم بعد البرد بالموت وقبل التطهير بالغسل. ولا ينقض الطهارة غير ما ذكرناه.

[ 54 ]

فصل في بيان الطهارة الكبرى وهي ضربان: إما يجب إيقاعها على المكلف في نفسه. أو في غيره. وذلك شيئان: أحدهما غسل المولود بعد الولادة، والثاني غسل الميت من الناس. والأول ضربان: أحدهما يؤمر بالغسل لاقامة الحد عليه. والثاني أربعة أضرب: فرض، وواجب. ومختلف فيه، ومندوب، والجميع خمسة وثلاثون غسلا. فالفرض واحد. وهو غسل الجنابة. والواجب ثلاثة: غسل الحيض، والاستحاضة، والنفاس. والمختلف فيه ثلاثة: غسل مس الأموات، وغسل قاضي صلاة الكسوف إذا تركها متعمدا وقد احترق القرص كله. وغسل من سعى إلى مصلوب عامدا بعد ثلاثة أيام. والمندوب ثمانية وعشرون: غسل يوم الجمعة، وروي: أنه سنة واجبة (1) وغسل ليلة النصف من رجب، ويوم السابع والعشرين منه، وليلة النصف من شعبان. وأول ليلة من شهر رمضان، وليلة النصف منه. وليلة سبع عشرة (وتسع عشرة) (2) واحدى وعشرين. وثلاث وعشرين منه، وليلة الفطر، ويوم الفطر. ويوم الأضحى، وغسل الاحرام، وعند دخول الحرم. ودخول مكة. ودخول المسجد الحرام. ودخول الكعبة. ودخول المدينة. ومسجد النبي صلى الله عليه وآله. وعند زيارته عليه السلام،

(1) الكافي 3: 21 حديث 1، 2، 3، والتهذيب 3: 9 حديث 27، 28، 39، والاستبصار: 1: 103 حديث 336 و 337. (2) لم ترد في نسخة " ط ".

[ 55 ]

وعند زيارة الأئمة عليهم السلام. وغسل يوم المباهلة، ويوم الغدير، ويوم المولد، وغسل التوبة، وصلاة الحاجة، وصلاة الاستخارة. فأما الجنابة: فهي بانزال الماء الذي منه الولد، وعلامته الدفق سواء كان معه شهوة أو لم يكن. وإن وجد شهوة من غير دفق، وكان مريضا فكذلك. وإن كان صحيحا لم يكن ذلك منيا إذا لم يكن معه دفق، وبغيبوبة الحشفة في فرج آدمي حي أو ميت. قبل أو دبر، ويجب الغسل عليهما معا. وإذا أجنب الانسان بأحد ما ذكرناه حرم عليه ستة أشياء، قراءة العزائم ودخول المساجد - إلا عابر سبيل - إلا المسجد الحرام. ومسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووضع شئ فيها، ومس كتابة المصحف، ومس كل كتابة معظمة من أسماء الله تعالى، أو أسماء أنبيائه، أو أئمة عليهم السلام. والتوضؤ للجنابة، وكره له سبعة أشياء الأكل، والشرب - إلا بعد المضمضة والاستنشاق - والنوم - إلا بعد الوضوء - والخضاب، ومس المصحف ما عدا الكتابة. وقراءة ما عدا العزائم فوق سبعين آية، والارتماس في الماء الراكد وإن كان كثيرا. فأما الغسل ففيه الفرض، والندب. فالفرض مقدم عليه، ومقارن (له) (1)، فالمقدم ثلاثا أشياء: الاستبراء، وكيفية: وهي أن يستبرئ بالبول - إن كان رجلا (2) - فإن لم يتأت له اجتهد، وازالة المني عن رأس الاحليل. وعن جميع جسده إن أصابه. والمقارن ضربان: فعل، وكيفية. فالفعل، النية. وغسل جميع البدن. والكيفية أربعة أشياء: مقارنة النية لحال الغسل، واستدامة حكمها إلى عند الفراغ، وإيصال الماء إلى جميع أصول الشعر، والترتيب: وهو أن يبدأ بغسل

(1) ليس في النسخة " ط ".
(2) وفي استبراء المرأة قول، ذهب إليه الشيخان في المقنعة: 6، والنهاية. 21.

[ 56 ]

الرأس، ثم بالميامن، ثم بالمياسر، وإن أفاض الماء بعد الفراغ على جميع البدن كان أفضل. والندب خمسة أشياء غسل اليدين قبل ادخالهما الاناء ثلاث مرات. والمضمضة والاستنشاق ثلاثا ثلاثا. والغسل بصاع من الماء فما زاد، والدعاء عند الغسل. والكافر إذا أسلم. وقد أجنب كافرا لزمه الغسل من الجنابة. والمخالف إذا استبصر وأقام فرائضه لم يلزمه الإعادة، وإن لم يقمها أعاد، وإن اجتمع عليه أغسال كثيرة كفاة غسل الجنابة عن الجميع. ولم يكف عنه غيره. وسائر الأغسال، لا بد فيه من تقديم الوضوء عليه. أو تأخير عنه، وينوي في الغسل والوضوء معا رفعا للحدث، أو استباحة (1) للصلاة، إن كان الغسل واجبا (2) سوى غسل من سعى إلى المصلوب بعد ثلاثة أيام، وإن كان الغسل نفلا ارتفع الحدث بالوضوء لا به. وصورة نية الغسل من الجنابة على ما اخترناه: اغتسل من الجنابة فرضا. قربة إلى الله تعالى. فصل في (بيان) (3) أحكام الحيض الحيض: هو الدم الأسود الغليظ الخارج من المرأة بحرارة وحرقة على وجه له دفع، ويتعلق به أحكام من بلوغ المرأة. وانقضاء العدة، وغير ذلك، ولا تحيض امرأة دون تسع سنين، ولا من زاد سنها على ستين سنة من القرشية والنبطية. وعلى خمسين سنة من غيرهما. وللحائض ثلاثة أحوال: أما ترى الدم قليلا: وهو ثلاثة أيام متواليات، وروي

(1) في النسختين " ط " و " ش ": " واستباحة ".
(2) في النسخة " ط ": وأجابا أو كليهما.
(3) ليس في نسخة " ش ".

[ 57 ]

مقدار ثلاثة أيام من عشرة (1) أو كثيرا: وهو عشرة أيام. أو متوسطا: وهو ما بين الثلاثة والعشرة. فإذا بلغت المرأة تسع سنين فصاعدا، ورأت دما لم يخل من ثلاثة أحوال: إما عرفته يقينا أنه دم حيض، أو غيره. أو اشتبه عليها. فإن عرفت يقينا عملت عليه. وإن اشتبه عليها بدم استحاضة فهو حيض، وإن اشتبه بدم العذرة اعتبرت بقطنة. فإن انغمست فهو دم حيض، وإن تطوقت فهو دم عذرة، وإن اشتبه بدم القرح وكان خارجا من الجانب الأيمن فهو دم قرح، وإن كان خارجا من الجانب الأيسر فهو دم حيض. والصفرة والكدرة في أيام الحيض، أو فيما يمكن أن يكون حيضا حيض، وفي أيام الطهر طهر، فإذا رأت الدم بعد انقضاء تسع سنين ولم يشتبه عليها. أو اشتبه وكان محكوما عليه بالحيض تركت الصلاة والصوم، ولها أربعة أحوال: أحدها: أن تراه ثلاثة أيام متواليات ثم ينقطع. ولا تراه بعد ذلك إلى انقضاء عشرة أيام. والثاني: أن ينقطع الدم ثم يعود قبل انقضاء عشرة أيام. والثالث: أن تراه يوما أو يومين، ثم ينقطع عنها ولا يعود، والرابع: أن ينقطع عنها بعد يوم أو يومين. ثم يعود قبل انقضاء عشرة أيام بمقدار ما يتم به ثلاثة أيام. فالأول: يلزمها أن تعمل عمل الحائض في الأيام التي رأيت فيها الدم. ثم تغتسل، والثاني: كان الدمان معا والطهر المتخلل بينهما حيضا. والثالث: يكون دم فساد، ويجب عليها قضاء الصلاة والصوم.

(1) الكافي 3: 76 حديث 5، والتهذيب 1: 158 حديث 452

[ 58 ]

والرابع: يكون جميع عشرة الأيام بحكم الحائض في إحدى الروايتين (1). وإذا رأت الدم في شهرين متواليين على حد واحد. جعلت ذلك عادة ترجع إليها وتعمل عليها. ويتعلق بالحائض وبزوجها أحكام تنقسم إلى أربعة أقسام: واجب. وندب، وكلاهما فعل وترك. فالفعل الواجب ثلاثة: احتشاء الموضع بالكرسف، والاستشفار، ومنع الزوج من الوطئ. والترك الواجب عشرة، الصلاة، والصوم. والاعتكاف. والطواف، ودخول المساجد، ووضع شئ فيها. ومس كتابة المصحف، والأسماء المعظمة، وقراءة العزائم، وسجدة التلاوة. والفعل المندوب إليه شيئان: الوضوء لا على وجه رفع الحدث وقت الصلاة، وجلوسها في المصلى ذاكرة لله تعالى بمقدار زمان صلاتها. والترك المندوب أربعة: قراءة ما عدا العزائم، ومس المصحف، وحمله. والخضاب. وما يتعلق بزوجها فأربعة، لا يصح منه طلاقها حاضرا بعد الدخول " بها " (2)، ويحرم عليه وطؤها، ويجب عليه الكفارة إن وطأها في أول الحيض بدينار، وفي وسطه بنصف دينار، وفي آخره بربع دينار. وإن وطأ أمته حائضا كفر بثلاثة أمداد من الطعام. ويلزمه التعزير. فإذا طهرت وكانت عادتها أقل من عشرة أيام استبرأت بقطنة، فإن خرجت نقية فهي طاهر، وإن خرجت ملوثة صبرت إلى النقاء، وإن اشتبه عليها استظهرت بيوم

(1) الكافي 3: 76 حديث 5 والتهذيب 1: 158 حديث 452.
(2) لم ترد في نسخة " ش ".

[ 59 ]

أو يومين، ثم اغتسلت وإن كانت عادتها عشرة أيام لم يكن عليها استبراء ولا استظهار بل اغتسلت، وإذا حاضت صائمة بطل صومها. فإن حاضت بعد دخول وقت الصلاة، أو طهرت وتوانت في الاغتسال والصلاة. وجب عليها قضاء تلك الصلاة. وإن لم يمكنها ذلك لم يجب عليها القضاء، بل يستحب. ولا يجب عليها قضاء الصلاة الفائتة في أيام حيضها ويجب عليها قضاء الصوم. فصل في بيان أحكام المستحاضة الاستحاضة: دم أصفر رقيق بارد، تراه المرأة عقيب أيام الحيض، أو أكثر أيام النفاس، والمستحاضة مبتدئة، وغير مبتدئة. فالمتبدئة لها أربعة أحوال إذا استمر بها الدم: أولها: أن يتميز لها بالصفة. وتعرف دم الحيض من دم الاستحاضة، فيجب أن تعمل عليه، وحالة الاستمرار إذا مر عليها (أقل) (1) أيام الحيض وهو ثلاثة أيام. وأقل أيام الطهر وهو عشرة أيام. فإذا رأت الدم ثلاثة أيام متواليات عرفت يقينا أنه دم حيض، فإذا استمر إلى تمام عشرة أيام. وجب عليها أن تعمل عمل الحائض، فإذا زاد على عشرة أيام ثلاثة عرفت يقينا أنه دم استحاضة. فإذا لم ينقطع جوزت أن ذلك دم حيض، لانقضاء أقل أيام الطهر وأقل أيام الحيض، وجوزت خلاف ذلك فيلزمها تعرف الحاف. فإن تميز لها بالصفة عملت عليها. وإن لم تتميز رجعت إلى عادة نسائها من أهلها وعملت عليها. فإن لم يكن لها نساء من أهلها رجعت إلى عادة أترابها من أهل بلدتها وعملت عليها. فإن لم يكن لها شئ من ذلك. تركت الصلاة والصوم في الشهر الأول أقل

(1) لم ترد في نسخة " ط ".

[ 60 ]

أيام الحيض، وفي الثاني أكثر أيام الحيض، أن تركت الصلاة والصوم في كل شهر سبعة أيام، وتعمل عمل المستحاضة في الباقية. وإن لم تكن مبتدئة كان لها أيضا أربعة أحوال: أحدها: أن تكون لها عادة بلا تمييز، والثاني: أن تكون لها عادة وتمييز، والثالث: أن يكون لها تمييز بلا عادة، والرابع: أن لا تكون لها عدة ولا تمييز، فالأول: يلزمها العمل عليها، مثاله: امرأة كانت عادتها خمسة أيام من كل شهر، ثم رأت في شهر خمسة أيام دما وعشرة طهرا، ثم خمسة دما، واتصل الدم، فعلت في الدم الثاني ما تعلمه المستحاضة. والثاني: يجوز لها أن تعمل على العادة والتمييز مخيرة فيهما (1)، مثاله: امرأة عادتها سبعة أيام من كل شهر، ثم رأت الدم عشرة أيام بصفة دم الحيض في شهر، ثم اتصل الدم. أو رأت ثلاثة أيام بصفة دم الحيض والباقي دما أحمرا. وقد اتصل الدم، فإن شاءت عملت على العادة. وإن شاءت على التمييز، وأمثال ذلك كذلك. والثالث: يجب عليها أن تعمل على التمييز إذا لم يمكن أن يكون دم حيض، مثاله امرأة كانت لها عادة فنسبت، أو اختلطت عليها ولها تمييز، فرأت ثلاثة أيام بصفة دم الحيض، فوجب عليها عمل الحائض، فإن رأت بعد ذلك خمسة بصفة (دم) (2) الاستحاضة واتصل، كان ثلاثة الأيام حيضا. والباقي استحاضة. وإن انقطع كان الدمان حيضا. والرابع: لم يخل من ثلاثة أوجه: إما كانت ذاكرة لأيام الحيض والعدد ناسية للوقت، أو ذاكرة للوقت ناسية العدد، أو ناسية لهما.

(1) في نسخة " م ": " فيها ".
(2) ليس في نسخة " ش ".

[ 61 ]

فالأول: لزمها عمل الحائض عدة أيام عادتها في وقت يكون الدم فيه أشبه (1) بدم الحيض، وعمل المستحاضة فيما بقي من الأيام. والثاني: ترك الصلاة والصوم ثلاثة أيام في أول الشهر، وعمل عمل المستحاضة في الباقي. والثالث: يكون لها وجهان: أحدهما ترك الصلاة في كل شهر سبعة أيام، والثاني أن تعمل ثلاثة أيام من أول كل شهر عمل المستحاضة، وتغتسل غسل الحيض بعد ذلك لكل صلاة. وتصلي وتصوم شهر رمضان، ولا يطؤها زوجها، ولا يصح طلاقها بوجه. وللمستحاضة ثلاثة أحوال: أحدها: أن ترى الدم غير راشح على القطنة. وعليها أن تتوضأ لكل صلاة، وتصلي بعد الوضوء بلا فصل، بعد تغيير القطنة والخرقة. والثاني: أن تراه راشحا غير سائل، وعليها الاغتسال لصلاة الغداة، والوضوء لكل صلاة فريضة، مع تغيير القطنة والخرقة. والصلاة بعد الوضوء بلا فصل. والثالث: أن تراه راشحا سائلا. وعليها ثلاثة أغسال في اليوم والليلة: غسل للمغرب والعشاء الآخرة. وغسل لصلاة الليل والغداة - إن اعتادت صلاة الليل، وإلا لصلاة الغداة - وغسل للظهر والعصر، وتجمع بين كل صلاتين. وإذا فعلت ما تفعله المستحاضة لم يحرم عليها شئ مما يحرم على الحائض. إلا دخول الكعبة. فصل في بيان حكم النفاس وأما النفساء: فهي المرأة التي ترى الدم عقيب الولادة، وحكمها حكم الحائض في جميع المحرمات. والمكروهات، وأكثر الأيام، ويفارقها في الأقل، فإنه ليس

(1) في نسخة " م ": " اشتبه ".

[ 62 ]

لقليل النفاس حد. وإن ولدت ولدين ورأت الدم بعد وضع كل واحد ابتدأ حكم النفاس من وضع الأول، وحكم الأيام من وضع الثاني. فصل في بيان أحكام الموتى وكيفية غسلها وتكفينها ودفنها الفصل يشتمل على خمسة أنواع: حكم الاحتضار. والغسل، والتكفين، والحمل إلى القبر، والدفن. وحكم الاحتضار ينقسم ثلاثة أقسام: واجب، وندب، ومكروه، فالواجب شئ واحد: وهو الاستقبال إلى القبلة بباطن قدمه. والندب خمسة عشر شيئا: تلقينه الشهادتين، والاقرار بالأئمة عليهم السلام واحدا فواحدا. وكلمات الفرج. وقراءة القرآن عنده، ونقله إلى موضع صلاته. وبسط ما كان يصلي عليه تحته إن تصعب عليه خروج نفسه، وتغميض عينيه، وشد لحييه، واطباق فيه. ومد يديه إلى جنبيه، ومد ساقيه، وتغطيته بثوب، والاستعجال في تجهيزه - إلا لخمسة نفر: المصعوق، والمسكت، والمبطون، والمدخن. والمهدوم عليه إن اشتبه أمرها حتى يستبان - والاسراج عنده إن كان بالليل، وذكر الله تعالى. والمكروه أربعة. تركه وحده. وحضور الحائض والجنب عنده، ووضع حديدة على بطنه. وأما التغسيل فلم يخل الميت: إما يكون ميتا حتف أنفه، أو مقتولا. فالميت حتف أنفه لا يغسل إلا المسلم. أو من كان في حكمه من الطفل والمجنون. وهو ضربان: إما أمكن غسله، أو لم يمكن خيفة تقطع أوصاله بالغسل أو صب الماء عليه، مثل المحترق والمجذوم والمجدور. فالثاني يجب أن ييمم، والأول يجب

[ 63 ]

غسله طفلا كان أو غير طفل. والمقتول لم يخل: إما قتل بين يدي إمام عدل في نصرته أو من أقامه للجهاد، أو قتل بغير ذلك فالأول لم يغسل إن حمل من المعركة قتيلا، وصلي عليه. ودفن بثيابه وخفه إن أصابه الدم، وقيل: ينزع خفه. وإن حمل من المعركة وبه رمق غسل، وكذلك سائر القتلى ما لم يكن باغيا، فإنه لا يجوز غسله ولا الصلاة عليه مختارا. وإن وجد من المقتول قطعة فيها عظم غسل، وصلي عليه إن كان موضع الصدر. وأولى الناس بغسل الميت أولاهم به في الميراث. والميت ذكر وأنثى، فالذكر لم يخل موته من ستة أوجه: إما مات بين رجال ونساء مسلمين. أو بين رجال مسلمين، أو بين نساء مسلمات ولم تكن له فيهن دات رحم، أو كانت له فيهن ذات رحم. أو بين كفار فيهم نسوة مسلمة. أو بين كفار ليس فيهم نسوة مسلمة. فالأول: يلي غسله الرجال دون النساء. والثاني: يغسله أولى الناس به. والثالث: لم يخل من ثلاثة أوجه: إما كان صبيا (ابن) (1) ثلاث سنين، أو لأكثر من ذلك. أو مراهقا. فالأول تغسله النساء مجردا من ثيابه. والثاني تغسله من فوق ثيابه. والثالث دفنه من غير غسل. والرابع: من قسمة الأصل (2) - غسلته محارمه من وراء ثيابه. والخامس: أمرت النسوة المسلمة الرجال الكفار بغسله، وعلمتهم تغسيل أهل الاسلام. والسادس: يدفن من غير غسل.

(1) في نسخة " م ": " له ".
(2) أي: الذي مات بين نساء مسلمات له فيهن ذات رحم.

[ 64 ]

والانثى لم يخل موتها من ستة أوجه أيضا: فإن ماتت بين رجال ونساء مسلمات غسلتها النساء. وإن مات بين نساء مسلمات، فذلك. وإن ماتت بين رجال مسلمين لم يخل: إما كانت لها فيهم ذو رحم ويغسلها من فوق ثيابها. أو لم يكن (لها) (1) فيهم ذو رحم: فإن كانت صبية لها ثلاث سنين غسلها الأجنبي من فوق ثيابها. وإن كانت لأكثر من ذلك دفنوها من غير غسل. وإن ماتت بين نسوة كافرات، ورجال مسلمين غير ذوي رحم لها، أمروا النسوة الكافرة بغسلها. وعلموهن تغسيل أهل الاسلام. وإن لم يكن فيهن رجال مسلمون دفنت من غير غسل. وما يتعلق بالغسل فأربعة أضرب: واجب ومندوب، ومحظور، ومكروه. فالواجب ستة أشياء: تنجية الميت. وغسله مجردا من ثيابه غير عورته - إلا لعذر - وتغسيله ثلاث مرات على ترتيب غسل الجنابة وهيئته، وغسل ما خرج منه من النجاسة قيل التكفين، فإن كان الميت قتيلا، ولزم غسله غسل الدم عنه. والمندوب سبعة وعشرون شيئا: تغسيله تحت سقف، ووضع سرير أو ساجة ليغسل عليه مستقبل القبلة. وغسله أولا بماء السدر. وثانيا بماء جلال الكافور. وثالثا بالماء القراح. وتنجيته بماء الحرض (2) والسدر. ولف خرقة على اليد عند التنجية، وطرحها عن اليد عند الغسل، وحفر حفيرة لانصباب الماء إليها. ووقوف الغاسل على جانب يمينه، وغمز بطنه في الغسلتين الاوليين، وذكر الله تعالى. والاستغفار للميت

(1) ليس في النسخة " ط ".
(2) الحرض، بضمتين وإسكان الراء أيضا: وهو الاشنان، بضم الهمزة: سمى بذلك لأنه يهلك الوسخ، مجمع البحرين 4، 200 (حرض).

[ 65 ]

عند الغسل، وطرح السدي في موضع نظيف، وصب الماء عليه، وضربه ضربا جيدا حتى يرغو. ويطرح رغوته في موضع نظيف لغسل رأسه، وفتق جيب قميصه، ونزعه من تحته. وتركه على عورته قدر ما يسترها، وتليين أصابعه إن أمكن، والاكثار من صب الماء عليه عند حقوه. وغسل فرجه. وأن يغسله وحد. ويصب عليه آخر، وأن يغسل برفق، وغسل يد الغاسل إلى المرفقين كلما فرغ من غسلة. وغسل الاجانة (1)، واستئناف ماء جديد للغسلة الأخرى، وتنشيفه بثوب نظيف بعد الفراغ من غسله، وتقديم الغسل على التكفين ما لم يخف ظهور حادث به، وقرض ما أصاب الكفن مما خرج منه بالمقراض. والمحظور خمسة أشياء: قص شعره، وظفره، وتسريح الرأس، واللحية، وحلق شئ من شعره. والمكروه أحد عشر شيئا (2): غسلة تحت السماء مختارا. واسخان الماء إلا لبرد يخاف الغاسل منه على نفسه، وانصباب الماء إلى البالوعة مع إمكان الحفيرة، وإلى الكنيف على كل حال، والتعنيف في الغسل، وغمز بطن الحبلى. وغمز البطن في الغسلة الثالثة، وركوب الميت في حال الغسل، والوقوف بين رجليه. واقعاده. وأحكام الكفن ضربان: أحدهما يتعلق بالكفن نفسه، والآخر بالتكفين، والكفن فيه مفروض، ومسنون. فالفرض حالة الاختيار ثلاثة أثواب: مئزر، وقميص، وإزار، وحالة الاضطرار واحد. وهو قد ما يلف فيه جسده، فإن لم يوجد أصلا دفن عاريا. والمسنون ستة أشياء، أن يزاد للرجل ثوبان حبرة يمنية عبرية غير مطرز بشئ من الذنب أو الابريسم. وخرقة تشد بها فخذاه، وعمامة يعمم بها محنكا، وللمرأة

(1) الاجانة. بالكسر والتشديد، واحدة الاجاجين: وهي المركن والذي يغسل فيه الثياب، مجمع البحرين 6: 197 (اجن).
(2) المذكورة هنا عشرة فقط.

[ 66 ]

لفافتان، أو لفافة ونمط، وخرقة تشد بها ثدياها. وأما التكفين. والتحنيط، فيشمل حكمها على أربعة أوجه: فرض، وندب، ومحظور، ومكروه. فالفرض ثلاثة أشياء، تكفينه فيما تجوز فيه الصلاة للرجال. وفي الثوب الطاهر، وامساس شئ من الكافور مساجده والمندوب ثمانية وعشرون شيئا ؤ تكفينه في ثياب الفطن الخالص وفي البياض منه، واقامة لفافة مقام الحبرة إن لم توجد. وخياطة الكفن بغزله، واستعمال ثلاثة عشر درهما وثلث من الكافور الخام. أو أربعة مثاقيل إن لم يوجد، أو درهم مع الاختيار، ووضع جريدتين خضراوين معه من النخل، أو السد. أو الخلاف (1). أو شجر رطب مرتبا إذا وجد واستعداد مقدار رطل من القطن لتحشى به الموضع التي يخاف خروج شئ منها. وفرض الحبرة على موضع نظيف، ونثر شئ من الذريرة عليها. وفرض الازار فوقه، ونثر شئ من الذريرة عليه، وفرض القميص فوق الازار. وأن يكتب على الحبرة والأزار والقميص والعمامة والجريدتين الشهادتان. والاقرار بالأئمة عليهم السلام بالتربة، أو بالأصبع إن لم توجد. وأن يذر شئ من الذريرة على القطن. ويوضع على فرجه، قبله ودبره. ويحشى القطن في دبره لئلا يخرج منه شئ. وأن تكون الخرقة في طول ثلاثة أذرع ونصف في عرض شبر إلى أكثر أو أقل، وشد حقويه ووركيه إلى فخذيه شدا وثيقا، إخراج رأسها من تحت رجليه إلى الجانب الأيمن وغمزه في الموضع الذي لف فيه الخرقة، وكون الازار في عرض ما يبلغ من صدره إلى الساقين. وتأزيره به. وسحق الكافور باليد، ووضعه على مساجده السبعة، ومسحها بذلك، ورد القميص عليه بعده. والصاق إحدى الجريدتين بجلده من الجانب الأيمن إلى

(1) شجر الخلاف: الصفصاف بلغة أهل الشام. مجمع البحرين 5: 55 (حلف).

[ 67 ]

الترقوة. ووضع الأخرى من الجانب الأيسر بين القميص والأزار. وأن يكون قدر كل واحدة منهما مقدار عصم الذراع وأن يعمم بعد ذلك. ويوضع وسطها على رأسه، ويعمم بالتدوير، ويحنك. ويطرح طرفاها على صدره، ثم يلف في اللفافة، ثم في الحبرة طاويا جانب الأيسر من كليهما على الأيمن، ثم جانب الأيمن على الأيسر، وأن يعقد طرفيه بعد ما وضع في الكفن ما سقط من شعره. والمحظور ثلاثة أشياء: خلط الطيب بالكافور، والتكفين في الحرير المحض. وامساس الكافور جسد المحرم. والمكروه خمسة عشر شيئا: الزيادة في الكفن على ما ذكرنا، والتكفين في الممزوج بالابريسم مختارا. وفي الكتان كذلك. وأن يجعل للقميص كم ابتداء، وقطع الكفن بالحديد، وبل الخيط بالريق، وتبخير الكفن بالطيب، وكتابة الشهادتين بالسواد على الكفن. والتكفين في الثياب المصبوغة. وجعل القطن في فيه إلا إذا خيف خروج شئ منه. وجعل الكافور في سمعه وبصره وفيه، وسحقه بالحجر أو غيره. وتعميمه عمة الأعرابي من غير حنك. فإذا صلى عليه حمل إلى القبر. ويتعلق بذلك أربعة أحكام من الواجب. والمندوب، والمحظور، والمكروه. فالواجب شئ واحد. وهو دفنه. والندب خمسة وأربعون شيئا: إعلام أهل الايمان بموته ليحضروا الصلاة عليه، وحمله على الجنازة. والمشي خلفها. أو من أحد جانبيها مختارا وتربيعها، وهو أن يبتدئ بالأيمن من مقدم السرير، ويدار به دور الرحى، حتى يرجع إلى المقدم من الجانب الأيسر، والدعاء بالمأثور إذا نظر إليها (1) ووضع الرداء لصاحب المصيبة ولبس القميص ليعرف فيعزى، وتعزية المصاب، واتخاذ الطعام

(1) الكافي 3: 167 باب القول عند روية الجنازة، ومن لا يحضره الفقيه: 1: 113 حديث 525 والتهذيب 1: 452 حديث: 1470 و 1471.

[ 68 ]

له ولذوي قرابته وجيرته. ووضع الجنازة عند رجل القبر بمقدار ذراع مما يلي القبلة للرجل. وحمله إلى القبر بثلاث دفعات. وقدام القبر إن كانت لامرأة، ونزل الولي إلى القبر. أو من يأمره الولي، حافيا من جانب الرجل واتخاذ القبر في جوار الصالحين من أفضل بقاع ذلك البلد. وحفره قدر قامة أو إلى الترقوة. ملحودا في سعة ما يتمكن الرجل فيه من الجلوس، وأن يؤخذ من جانب رأسه من قبل رجل القبر. والمرأة بالعرض، والزوج أولى بها من غيرها. وأن تؤخذ من قبل كتفيها، ويدخل آخر يده تحت حقويها، وأن يكشف رأسه من ينزل إلى القبر، ويحل أزراره، ويسل الميت إلى القبر سلا: ويدعو حين يرى القبر، ويتناول الميت، وتضجيع الميت على الجانب الأيمن، والاستقبال به إلى القبلة إلا أن تكون المرأة ذمية حبلى من مسلم فإنها تستدبر بها القبلة، وتحل عقد الكفن، ويوضع خذه على التراب، فإن كان الميت محرما غطى وجهه بثوب. ويجعل معه شئ من التربة ويشرج (1) عليه اللبن. ويدعو الله تعالى من يشرج. ويلقن قبل التشريح بالتلقين المرسوم. وأن يهيل التراب عليه من حضر - سوى الأقارب - بظهور أكفهم بالاصابع. ويدعو له، ويخرج من القبر من قبل الرجل. ويطم القبر، ويرفع من الأرض مقدار أربع أصابع مفرجات ويسوى، ويربع. ويجعل عند رأسه لوح، أو لبنة. ويصب الماء على القبر من أربع جوانبه. يبدأ بالصب من عند الرأس، ويصب ما فضل من الماء على وسط القبر. ويترك شئ من الحصى. على القبر، وتوضع اليد عليه مفرجة الأصابع، وتغمز فيه بعد ما نضح بالماء، والدعاء للميت. وتأخر الولي لتلقينه بالمروي (2) في ذلك بعد انصراف الناس عنه

(1) شرجت اللبن شرجا: نضدته. أي: ضممت بعضه إلى بعض، الصحاح 1: 324 (شرج).
(2) الكافي 3: 201 حديث 11، ومن لا يحضره الفقيه 1: 109 حديث 501، والتهذيب 1: 321 حديث 935.

[ 69 ]

ورفع صوته بالتلقين إن لم يكن موضع تقية. والترحم عليه. والمحظور ثمانية أشياء اللطم، والخدش وجز الشعر، والنياحة، وتخريق الثياب - إلا للأب والأخ - وارسال الازار على الرأس، وارسال طرف العمامة - إلا لهما - ووضع الرداء في مصيبة الغير، وروي أن ذلك مكروه. والمكروه تسعة عشر: حمل ميتين على جنازة واحدة. ونقله إلى بلد آخر - إلا إلى بعض مشاهد الأئمة عليهم السلام. فإنه يستحب له - والمشي أمام الجنازة - إلا لعذر - وضم اثنين في قبر. وفدحه (1) إلى القبر دفعة واحدة. والنزول فيه بالخفين - الاتقية - والنزول إلى قبر ذوي القرابة - إلا القرابة الميتة - وتشريج اللبن عليه، وهيل التراب لذوي القربى، والجلوس في المقابر قبل أن يدفن، وتحويله إلى قبر آخر، والجلوس للتعزية يومين أو أكثر، وتعزية الشابة - إلا لمحارمها - وغسل المخالف مختارا. وفرش القبر بالساج، أو بالصفاح إذا لم يكن ندبا، وتجصيص القبر، والتضليل عليه، والمقام عنده، وتجديده بعد الاندراس. وإذا كان الميت في السفينة. وتعذر دفنه في التراب، ثقل وطرح في البحر بعد الفراغ من تجهيزه. فصل في بيان التيمم التيمم طهارة المضطر، ولا يرتفع به الحدث. وإنما يستباح به الدخول في الصلاة إذا اجتمع فيه ثلاثة شروط. وهي: فقد الماء أو حكمه وتضييق وقت الصلاة، وطلبه قبل التضيق عن اليمين واليسار مقدار رمية في حزن الأرض ورميتين في سهلها.

(1) فدحه: طرحه، أي: لا تطرحه في القبر وتفجأه به وتعجل عليه بذلك، ولكن اصبر عليه هنيئة ليأخذ أهيته: مجمع البحرين 2: 397 (فدح).

[ 70 ]

وما هو في حكم فقد الماء إثنا عشر شيئا: انتفاء آلة التوصل إليه، وعدم ثمنه، أو حكمه من الاجحاف، والخوف على النفس من استعماله. وخوف الزيادة في علة كانت به. وخوف التشويه بالخلقة أو تغيير الصورة - إلا إذا تعمد الجنابة - وما يحول بينه وبين الماء من عدو أو سبع، والحاجة إليه لسد الرمق، وقلته بحيث لا يسع للطهارة. والحدث بعد تيمم بدل غسل مفروض ويكون معه ماء بمقدار ما يكفي الوضوء دون الغسل، وخوف من جرح ببعض أعضاء الطهارة بحيث لا يمكن غسلها، وخوف على المال. ويستحب التيمم في أربعة، مواضع لغير استباحة الصلاة: عند حضور الجنازة لغير المتطهر، وللمحتلم في المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وآله للخروج منه للاغتسال، وللمحدث في المسجد الجامع يوم الجمعة. ولم يمكنه الخروج للتوضؤ، فإنه يتمم ويصلي، فإذا خرج توضأ وأعاد الصلاة أربعا. وإنما لا يجوز له التيمم إلا بعد تضيق وقت الصلاة، إذا قصد بالتيمم الدخول في صلاة حضر وقتها، فاما أن يتيمم به نافلة، أو يقضي فريضة جاز ذلك على كل حال، وأن يصلي به كل صلاة فريضة ونافلة، وإن لم يدخل وقتها أو دخل قبل تضيق وقتها إذا تضيق الوقت. ويبنى هذا الباب على ثلاثة أقسام: وقت وجوبه. وكيفية فعله، وبيان ما يصح أن يتيمم به. فأما وقت وجوبه، فقد ذكرناه وأما ما يتيمم به: فهو الصعيد الطيب الذي ذكره الله تعالى (1)، أو ما يكون في حكمه. والأرض وما يصحل منها خمسة أقسام: أرض، ومعدن، ومستحيل من الأرض، وحجر، ونبات فالارض هو الأصل، ترابا كان أو مدرا، ويستحب أن يكون من

(1) النساء: 43، والمائدة: 6.

[ 71 ]

عوالي الأرض، ويجوز من المهابط، والواجب فيه كونه طاهرا. والمعدن لا يجوز التيمم منه بحال. والمستحيل مثل النورة. والجص، ويجوز التيمم بأرضهما وبنفس الجص دون النورة. والحجر يجوز التيمم به إذا لم يقدر على التراب، والرمل في حكم الأرض، والسبحة كذلك. فإن لم يجد شيئا من ذلك نفض ثوبه، أو لبد سرج دابته. وتيمم بغبرته، فإن لم يكن معه شئ من ذلك. ووجد وحلا تيمم منه، ضرب بيده عليه. وقد أطلق الشيوخ (1) رحمهم الله تعالى ذلك على الاطلاق. والذي تحقق لي منه، أنه يلزمه أن يضرب يديه على الوحل قليلا، ويتركه عليها حتى ييبس، ثم ينفض عن اليد، ويتيمم به. فإن لم يجد شيئا من ذلك. ووجد الثلج وضع يديه عليه باعتماد حتى تتنديا، ويمسح الوجه واليدين على ترتيب الوضوء مثل الدهن، ويمسح الرأس والرجلين، ويمسح جميع البدن إن كان عليه غسل. وإن لم يجد شيئا من ذلك أخر الصلاة إلى أن يجد. وأما النبات. فلا يجوز التيمم به بوجه. وإن كان مسحوقا مثل الاشنان. سواء كان مختلطا بالتراب أو لم يكن. وحكم النورة والكحل والزرنيخ كذلك وأما كيفية التيمم فيشتمل على واجب وندب والواجب على فعل وكيفية فالواجب خمسة وهي: النية وضرب اليدين على الأرض ومسح الوجه واليد اليمنى واليسرى. والكيفية عشرة أشياء وهي: مقارنة النية لمسح الوجه، والقصد بها إلى استباحة الصلاة. ودون رفع الحدث، وإلى أن تيممه بدل من الوضوء، أو من

(1) انظر: المقنع: 9، والمقنعة: 8، والمبسوط: 1: 33.

[ 72 ]

الغسل، ومسح الوجه من قصاص شعر الرأس إلى طرف الأنف، ومسح ظهر الكف اليمنى من الزند إلى أطراف الأصابع ببطن الكف اليسرى، ومسح ظهر الكف اليسرى ببطن الكف اليمنى كذلك. والترتيب: وهو البدأة بالوجه، ثم باليمنى من اليدين، ثم باليسرى. والندب ثلاثة أشياء: تفريج الأصابع - إذا ضرب يديه على الأرض - ونفض بعده، والتيمم من عوالي الأرض، ولا فرق بين الوضوء والغسل إلا في شئ واحد: وهو أن يضرب يديه على الأرض مرة للوضوء، ومرتين للغسل، ونواقض التيمم، نواقض الوضوء، ويبطل حكمه بوجدان الماء، والتمكن من الاستعمال. فصل في بيان أحكام المياه الماء كله طهور ما بقي على أصل خلقته، وينقسم عشرة أقسام: جار وما هو في حكمه، وواقف مثل ماء المصانع (1)، وما هو في حكمها من الغدران والقلبان (2)، وماء الأواني، والحياض، والماء المستعمل، وماء الابار، والماء المضاف، والماء النجس والاسآر. فالماء الجاري طاهر مطهر، ولا ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه إلا باستيلائها على أحد أوصافه من اللون والطعم والرائحة. ويمكن تطهيره بإكثار الماء إلى حد يزيل حكم الاستيلاء، وما يكون في حكم الجاري، وهو ماء الحمام ما دامت له مادة من المجرى،

(1) المصانع، جمع الصنع بالكسر: وهو الموضع الذي يتخذ للماء. النهاية: 3: 56، (2) الغدران، جمع غدير: وهو القطعة من الماء يغادرها السيل: أي يتركها. لسان العرب 5: 9 (غدر). والقلبان، جمع قليب: وهي البئر التي لم تطو 4: 98، ولسان العرب 1: 689 (قلب)

[ 73 ]

فإذا انقطعت المادة ارتفع عنه هذا الحكم، وحكم الماء الجاري من المثعب (1) من ماء المطر كذلك. وماء المصانع لم يخل: إما يبلغ مقدار كر فصاعدا. أو لم يبلغ، فإن بلغ لم ينجس بوقوع النجاسة فيه، وإنما ينجس إذا غلبت النجاسة على أحد أوصافه. وإذا لم يبلغ كرا نجس بوقوع كل نجاسة فيه، وبمباشرة كل نجس العين مثل الكلب، والخنزير، وسائر المسوخ. وكل نجس الحكم مثل الكافر، والناصب. وبارتماس الجنب فيه، ولا ينجس بولوغ السباع. والبهائم، والحشار فيه سوى الوزغ والعقرب، وبولوغ فيه سوى ما يأكل الجيف، أو ما يكون في منقاره أثر دم. وإذا بلغ كرا فصاعدا ونجس. وأمكن أيضا تطهير بإكثاره بالماء الطاهر إلى حد يزيل حكم الاستيلاء، وإذا لم يبلغ كرا ونجس، مكن أيضا تطهيره بإكثاره بالماء الطاهر حتى يبلغ كرا فصاعدا. إن لم يتغير أحد أوصافه، حتى يزول التغييران استولت عليه. وحد الكر ما بلغ ألفا ومائتي رطل بالعراقي، وقيل بالمدني (2)، أو كان في موضع يكون طوله ثلاثه أشبار ونصفا طولا، في مثله عرضا، في مثله عمقا. وأما مباء الأواني والحياض فضربان: إما بلغ كرا أو لم يبلغ، حكمه ما ذكرناه إلا في موضع وحد. وهو أنه لا يمكن تطهيره إلا باخراجه من موضعه، وبغسل الموضع. لأن غسل الحياض والأواني غير متعذر، وغسل المصانع والغدران والقلبان متعذر فخفف فيه.

(1) المثعب: الميزاب، ومسيل الماء من حوض أو غيره. الصحاح 1: 92 (ثعب) والمعجم الوسيط 1: 96.
(2) قاله الصدوقان في من لا يحضره الفقيه 1: 6، والسيد المرتضى في الناصريات (ضمن الجوامع الفقهية): 212، والانتصار: 8.

[ 74 ]

وأما الماء المستعمل فثلاثة أضرب: مستعمل في الطهارة الصغرى، ومستعمل في الطهارة الكبرى من غسل الجنابة والحيض والاستحاضة والنفاس، ومستعمل في إزالة النجاسة. فالأول يجوز استماله ثانيا في رفع الحدث. وفئ إزالة النجاسة. والثاني والثالث لا يجوز ذلك فيهما إلا بعد أن يبلغ كرا فصاعدا بالماء الطاهر. وأما ماء الابار فإنه لا يعتبر فيه الكر. وينجس بوقوع كل نجاسة فيه. قل الماء أم كثر. والنجاسة الواقعة فيها ثلاثة أضرب: أحدها يوجب نزح جميعه على كل حال مع الامكان. أو تناوب أربعة رجال على نزحه من الغدرة إلى العشية، إذا لم يمكن. وثانيها يوجب نزح الجميع في بعض الأحوال، ونزح البعض أخرى. وثالثها يوجب نزح البعض. فالأول: يلزم حكمه بعشرة أشياء: بوقوع الخمر فيه. وكل مسكر. والفقاع. والمني. ودم الحيض، والاستحاضة. والنفاس، والبعير إذا مات فيه. وبكل حيوان كان في قدر جسمه أو أكبر - وصغار في حكم الكبار -، وبكل نجاسة غلبت على أحد أوصافه. وروى بعض الأصحاب: أن عرق الإبل الجلالة والجنب من الحرام كذلك (1). والثاني: كل نجاسة توجب إخراج قدر معين من الماء. فنص الماء عن ذلك القدر، أو لم ينقص عنه ولم يزد عليه. والثالث: تسعة أضرب: إما يوجب نزح كر من الماء، أو نزح سبعين دلوا. أو خمسين، أو أربعين، أو عشر أدل، أو سبعا، أو خمسا، أو ثلاثا، أو واحدة. فالأول أربعة أشياء: موت الدابة، والحمار، والبقرة أو ما هو في قدر جسمها فيه، وصغارها في حكم كبارها. والثاني شئ واحد: وهو موت الانسان فيه

(1) قاله ابن البراج في المهذب 1: 21.

[ 75 ]

والثالث شيئان: العذرة الرطبة، والدم الكثير سوى ما ذكرناه مما يوجب نزج الجميع. والرابع عشرة أشياء: كل نجاسة لم يرد بنزح الماء لها نص. وموت الكلب. والخنزير، والثعلب، والأرنب، والسنور. والشاة. والغزال، وكل حيوان يكون في قدر جسم أحدها، وبول (الانسان البالغ) (1). والخامس شيئان: العذرة اليابسة. والدم القليل. والسادس سبعة أشياء: وقوع الكلب فيه من غير موت. وموت الفأرة فيه إذا تفسخت أو انتفخت (2) والحمام، والدجاج، وما كان في قدر جسمهما (3). وبول الصبي، وارتماس الجنب فيه، ولا يطهر الجنب بذلك. والسابع شئ واحد: وهو ذرق الدجاج. والثامن أربعة أشياء: موت الحية، والوزغة، والفأرة فيه إذا لم تنفسخ ولم تنتفخ، وبول الصبي إذا أكل الطعام ثلاثا أيام. والتاسع ثلاثة أشياء: موت العصفور، وما كان في قدر جسمه، وبول الصبي إذا لم يطعم. وإنما يجب النزح بعد إخراج النجاسة عنه ما لم تستحل، والدلو دلو العادة وماء الأخيرة نجس. وإن سقط أورض منها شئ في البئر لو يوجب حكما. وإن حفر بئر بقرب بالوعة جعل بينهما سبع أذرع فصاعدا. إن كانت البئر تحت البالوعة وكانت الأرض سهلة، وخمس أذرع فصاعدا، إن [ كانت البئر فوق البالوعة. أو ] (ط) كانت الأرض صلبة. وإن لم يكن فوقها.

(1) في النسختين " ش " و " ط ": " الرجل ". (2) من دونها في نسخة " ط ".
(3) في نسخة " م ": " جسمها " وما أثبتناه من النسختين " ش " و " ط " وهو الصواب.
(4) زيادة من نسختين " ش " و " ط " يقتضيها السياق.

[ 76 ]

وأما الماء المضاف فثلاثة أضرب: إما استخرج من جسم مثل ماء الورد. والخلاف، والآس (1) وأشباهها أو كان مرقا. أو وقع فيه شئ. فالأول الثاني: لا يجوز استعمالهما في إزالة النجاسات. ولا في رفع الاحداث ويجوز فيما سوى ذلك. والثالث: إن سلبه اطلاق اسم الماء لم يجوز استعماله في الأمرين. وجاز فيما سواهما. وإن لم يسلبه جاز على كل حال ما لم ينجس. وأما الماء التنجس. فلا يجوز استعماله بحال. إلا إبقاء على النفس حالة الضرورة. فإنه يجوز شربه. ويجوز رفع حكم النجاسة عند بالتطهير على ما ذكرنا. وأما الأسآر فثلاثة أضرب: مباح مطلق ومحظور نجس ومكروه فسؤر كل شئ طاهر طاهر ما لم يكن في فمه نجاسة. وسؤر كل شئ نجس نجس. وسؤر كل شئ يكره لحمه سكره استعماله. وسؤر السباع - غير الكلب والخنزير - وسؤر الحائض المتهمة. وإذا وقع في الاناء حية أو وزعة. وخرجت حية كره استعمال ذلك الماء. وإذا اجتمعت المياه النجسة حتى صارت كرا لم يرتفع حكم النجاسة عنها. وإن اجتمع النجس والطاهر ارتفع. والأولى تجنبه. ولا يجوز استعمال امثال ذلك مع وجود المياه المتيقن طهارتها. فصل في بيان أحكام النجاسات ووجوب إزالتها عن الثياب والبدن النجاسة ضربان: دم وغير دم.

(1) الاس: ضرب من الرياحين، القاموس المحيط 3: 138، لسان العرب: 6: 18 (أوس)

[ 77 ]

فالدم ثلاثة أضرب: إما تجب إزالته - قليلا كان أو كثيرا - أو تستحب أو تجب إزالة كثيره وتستحب إزالة القليل. فالأول خمسة أضرب: دم الحيض والاستحاضة والنفاس. والكلب. والخنزير. والثاني أيضا خمسة أضرب: دم البق والبراغيث. والسمك. والجراح اللازمة، والقروح الدلمية. والثالث سوى ما ذكرناه من سائر الدماء فإنه يجب إزالة ما بلغ مقدار درهم فصاعدا. في موضع واحدا أو في مواضع متفرقة وهو الكثير ويستحب إزالة ما نقص عن ذلك وهو القليل. وغير الدم ضربان: إما يجب إزالة قليله وكثيره، أو يستحب فما يجب إزالة قليله وكثيره أربعة أضراب: أحدها: يجب غسل ما مسه. إن كان رطبين. أو كان أحدهما رطبا. والثاني: يجب رض الموضع الذي مسه يابسا بالماء إن كان ثوبا. والثالث: يجب مسحه بالتراب. إن مسه البدن يابسين. والرابع: يجب غسل ما أصابه بالماء على كل حال. فالأول: والثاني، والثالث تسعة أشياء: الكلب، والخنزير، والثعلب، والأرنب. والفأرة والوزغة وجسد الذمي والكافر، والناصب، فإنه يجب غسل الموضع الذي مسه رطبا بالماء ثوبا كان أو بدنا. ورشه بالماء إن مس الثوب يا بسين، ومسحه بالتراب إن مس البدن يا بسين. والرابع أحد وعشرون شيئا: بول الادمي وغائطه، والمني من جميع الحيوانات، وبول ما لا يؤكل لحمه من جميع الحيوانات، وروثه وذرقه،

[ 78 ]

وذرق الدجاج، والخمر، وكل شراب مسكر، والفقاع، ولعاب الكافر، والناصب، والكلب، والخنزير، والمسوخ، وجسد الميت من الناس بعد البرد بالموت وقبل التطهير بالغسل، وكل قطعة منه، وكل ما ابين من الحي، وجسد الميت من غير الادمي - إلا ما ليس له نفس سائلة، سوى الوزغ، والعقرب - وعرق الجنب من الحرام على أحد القولين، ولبن الصبية. والنجاسة مرئية، وغير مرئية، فالمرئية يجب إزالتها، ولو كانت مقدار رأس ابرة، وغير المرئية إذا علم، أو غلب على الظن، فكذلك. وما تستحب إزالته فاثنا عشر شيئا، وهي: بول الدابة، والبغال، والحمير - وروي وجوب ذلك - (1)، وأرواثها، وذرق غير الجلال من الدجاج على رواية، وبول ما يؤكل لحمه، وعرق الجنب من غير حرام. وعرق الحائض، والمذي، والوذي، وطين الطريق بعد ثلاثة أيام ما لم تغلب النجاسة عليه. والقئ ما لم يأكل شيئا نجسا، وبول الصبي قبل أن يطعم. وإنما يجب صب الماء على بول الصبي، وغسله مستحب. فصل في بيان حكم التطهير ما يلزم تطهيره للمكلف خمسة أشياء: بدنه، وثوبه، وخفه، وسلاحه، واناؤه. فأما تطهير البدن من النجاسة. إذا وجد الماء وكانت النجاسة مرئية، أن يغسله ويدلك الموضع الذي أصابته، حتى يزيل العين والأثر، وإن لم يجد الماء: أن يتتبع أثرها حتى يزيل عينها بالخرق، أو بالأحجار، وإن لم تكن مرئية - وكان من مس الحيوانات التي ذكرناها رطبة - صب عليها الماء وغسلها، أي المواضع التي أصابتها، وإن كانت يابسة مسحها بالتراب، وإن اشتبه عليه الموضع من جميع

(1) التهذيب 1: 422 حديث 1337.

[ 79 ]

البدن غسل الجميع، إذا وجب الغسل، ومسح بالتراب إذا لزم المسح. وإن كان من غير مس ما ذكرناه، وعلم الموضع الذي أصابه غسله ودلكه وإن اشتبه عليه الموضع من أحد جانبيه غسل جميع ذلك الجانب. وإن اشتبه عليه من جميع البدن غسل الجميع. وأما الثوب: فيجب غسله بالماء إن كانت النجاسة مرئية حتى تزول العين والأثر، فإن لم يذهب أثرها، وكان ذلك من دم الحيض والاستحاضة والنفاس، صبغ موضع الأثر ببعض الاصباغ ولزم عصره إذا غسله، وإن كانت غير مرئية غسله وعصره، فإن اشتبه عليه الموضع كان حكمه مثل ما ذكرناه في البدن. وإن لم يجد الماء ترك حتى يجد، وصلى عاريا على ما سنذكر إن شاء الله تعالى. وإن مسته الحيوانات التي ذكرناها يا بسة رش الموضع بالماء فإن اشتبه الموضع كان حكمه على ما ذكرنا. وأما الخف: فإن كانت النجاسة أصابت داخله. فكان الحكم فيه مثل حكم البدن، وإن أصابت خارجه جاز فيه مسحه بالتراب حتى يزول عينها. وإن غسلها كان أفضل. وأما السلاح، فحكمه حكم الخف. وأما ما يجلس عليه: فإن كان فرشا، وكانت النجاسة يا بسة، بحيث لا تتعدى إليه لم يكن بالوقوف عليه بأس والتنزه عنه أفضل وإن كانت رطبة لم يجز الوقوف عليه حتى يغسل مثل الثوب. وإن كان حصيرا وكانت النجاسة رطبة وجب غسله بصب الماء عليه، ودلكه حتى تزول، وإن كانت يا بسة جاز الوقوف عليه على ما ذكرنا إذا كانت مرئية دون السجود، وإن كانت غير مرئية، واصابته نجاسة مائعة وكانت رطبة غسله، وإن كانت يابسة، وجففها الشمس جاز الوقوف عليه، والسجود إذا كانت الجبهة يا بسة، وإن جففها غير الشمس جاز الوقوف عليه دون السجود.

[ 80 ]

وإن كان أرضا، وكانت النجاسة مرئية رطبة لم يجز الوقوف عليه حتى تزال، وإن كانت يابسة فحكمه على ما ذكرنا، وإن كانت النجاسة مائعة، رطبة كانت أو يا بسة - بالشمس، أو بغيرها - فحكمه على ما ذكرنا. وأما الاناء: فإن مسه أحد الحيوانات التي ذكرناها يا بسين رش بالماء، وإن وقع فيه شئ من الحيوان، ومات وفيه الماء، أو ولغ فيه، أو وقع فيه نجاسة. نجس الماء، ووجب اهراقه، وغسله - إلا من موت ما ليس له نفسه سائلة، سوى الوزغ والعقرب، - سبع مرات. أو ثلاثا، أحدا هن بالتراب أو ثلاثا من غير اعتبار التراب، أو مرة واحدة. فالأول يلزم من شيئين: وقوع الخمر، وموت الفأرة فيه. والثاني من شئ واحد: وهو ولوغ الكلب فيه، فإنه يجب غسلها ثلاث مرات إحداهن بالتراب، وروي وسطاهن. والثالث: ويجب غسله ثلاث مرات من وقوع كل نجاسة فيه، وموت كل حيوان على ما ذكرنا. والرابع يجب من مباشرة تسعة أشياء دون ولوغها فيه: وهي الحيوانات التي ذكرناها. فصل في بيان أعداد الصلوات والصلوات المفروضات في اليوم والليلة خمس في الحضر والسفر، إلا أن عدد ركعات السفر ناقص عن ركعات الحضر، فصلاة الحضر سبع عشرة ركعة، وصلاة السفر إحدى عشرة ركعة. فالظهر أربع ركعات بتشهدين وتسليمة، والعصر والعشاء الآخرة كذلك، والمغرب ثلاث ركعات بتشهدين وتسليمة، والغداة ركعتان بتشهد وتسليمة. وظهر

[ 81 ]

السفر ركعتان بتشهد وتسليمة، والعصر والعشاء الآخر كذلك، والمغرب والغداة في السفر والحضر سواء. ونوافل الحضر أربع وثلاثون ركعة: ثمان بعد الزوال قبل الفريضة، وثمان بعدها، وتسقطان في السفر، ونوافل المغرب أربع ركعات في الحضر والسفر، ونوافل العشاء الآخرة ركعتان من جلوس تعدان بركعة في الحضر دون السفر، وتسمى الوتيرة. ونوافل الليل إحدى عشرة ركعة في الحالين معا. ونوافل الغداة ركعتان في الحالين، كل ركعتين من الجميع بتشهد وتسليمة، وعلى هذا تكون نوافل السفر سبع عشرة ركعة. فصل في بيان أوقات الصلاة لكل صلاة فريضة وقت يفضل عنها، وله أول وآخر. فالأول وقت من لا عذر له، والآخر وقت من له عذر. وايقاع الصلاة في وقتها أداء، سواء كان في أول الوقت أو في آخره، إلا أن أول الوقت له فضل، وبعد خروج الوقت يكون قضاء، ولا يجوز إيقاعها قبل دخول الوقت. ثم الصلاة ضربان: إما يكون له وقت يفوت أداؤها بفواته، أو لا يكون له ذلك. فإن كان، لم يخل: إما يلزم قضاؤها أو لا يلزم قضاؤها وهي صلاة العيد، والصلاة على الموتى. وما يلزم قضاؤها ضربان: أحدهما يكون القضاء مثله في العدد، أو يكون زائدا عليه، مثل صلاة الجمعة، فإنها ركعتان، فإذا فاتت لزم قضاؤها أربع ركعات. وما يكون القضاء مثل المقضي ضربان: أحدهما يجب القضاء مع الغسل، مثل صلاة الكسوف إذا احترق القرص كله وتركها صاحبها متعمدا. والآخر لا يجب مع القضاء الغسل، وهو ضربان: أحدهما يجب عند سبب مثل صلاة الآيات،

[ 82 ]

والآخر يجب بدون سبب، وهو ضربان: أحدهما يكون مقصورا مثل صلاة السفر، والخوف. والآخر ضربان: وهو ما يكون له بدل من التسبيح، مثل صلاة المطاردة، والآخر لا يكون له بدل، وهو ما عدا ما ذكرناه. وأوقات الصلاة المفروضات تنقسم ثلاثة أقسام: إما أن يكون الوقت وفقا للعمل، مثل صلاة الكسوف والخسوف، فإنه يجب أن يبتدئ بالصلاة، إذا ابتدأ الاحتراق بالقرص. ويستحب أن يقف فيها حتى يبتدئ في الانجلاء. وأما يكون الوقت فاضلا عنه، مثل الصلوات الخمس. وأما يكون ناقصا عنه، وهو الصلاة للرياح السود، والزلازل، فإنه يجب أن يبتدئ بالصلاة إذا ظهر السبب. وربما ينجلي قبل الفراغ منها، فإذا انجلى قبل الفراغ أتم صلاته وكانت أداء، فإن لم يبتدئ بالصلاة حالة الظهور، وانجلى قبل الشروع فيها كانت الصلاة قضاء. وأما الاعذار التي يجوز لها تأخير الصلاة إلى آخر الوقت فأربعة: السفر، والمطر،: والمرض، وشغل تركه يضر به في دينه أو دنياه. فأما أول وقت الظهر فزوال الشمس، وآخره للمختار أن يصير ظل كل شئ مثله، سوى ظل الزوال، ولصاحب العذر أن يبقى إلى غروب الشمس مقدار ما يصلي فيه ثماني ركعات، وروي أن وقت المختار أيضا ممتد مثل وقت صاحب العذر (1. وأول وقت العصر عند ما مضى من الزوال مقدار ما يصلي فيه فرض الظهر، ثم هو وقت الصلاتين، إلا أن الظهر مقدم على العصر إلى أن يمضي وقت الظهر للمختار، ثم خلص الوقت للعصر إلى أن يصير ظل كل شئ مثليه. ولصاحب العذر إلى أن يبقى من النهار مقدار ما يصلي فيه العصر.

(1) التهذيب 2: 253 حديث 1003 و 1004، والاستبصار 1: 257 و 258 حديث 922 و 925.

[ 83 ]

ووقت المغرب غروب الشمس، وعلامته زوال الحمرة من ناحية المشرق إلى غروب الشفق للمختار، وإلى ربع الليل لصاحب العذر. وأول وقت العشاء الآخرة بعد الفراغ من فريضة المغرب. وروي بعد غيبوبة الشفق (1)، وآخره ثلث الليل للمختار، ونصفه لصاحب العذر. وأول وقت صلاة الفجر طلوع الفجر الثاني، وآخره للمختار ظهور الحمرة من ناحية المشرق، ولصاحب العذر (إلى أن يبقى) (2) إلى طلوع الشمس مقدار ما يصلي فيه ركعتان. وروي أن وقت المختار، وصاب العذر واحد في جميع الصلوات (3). ووقت نوافل الظهر من غير يوم الجمعة بعد زوال الشمس إلى أن يصير الفئ على قدمين، ووقت نوافل العصر بعد الفراغ من فريضة الظهر إلى أن يصير الفئ (على) (4) أربعة أقدام، ووقت نوافل المغرب بعد الفراغ من فريضته إلى سقوط الشفق، ووقت الوتيرة بعد الفراغ من فريضة العشاء ما لم يرد أن يصلي بعدها صلاة، فإن أراد أن يصلي بعدها صلاة أخرها إلى أن يفرغ منها، ثم يختم بها الصلاة. ووقت نوافل الليل بعد انتصاف الليل إلى طلوع الفجر، وكلما قارب الفجر كان أفضل. ووقت ركعتي الغداة بعد الفراغ من صلاة الليل إلى ظهور الحمرة من ناحية من المشرق. وترتيب نوافل الظهر والعصر يوم الجمعة يخالف ترتيبها في سائر الأيام.

(1) التهذيب 2: 262 حديث 45: 1، والاستبصار 1: 269 حديث 973.
(2) لم ترد في نسخة " ش ".
(3) التهذيب 2: 253 حديث 1001 و 1002، والاستبصار 1: 257 حديث 922 و 923.
(4) لم ترد في نسخة " ش ".

[ 84 ]

ويستحب أن يصلي يوم الجمعة ست ركعات عند انبساط الشمس، وستا عند ارتفاعها، وستا قريبا من الزوال، وركعتي الزوال، وإن صلى الست الثالثة بين الظهر والعصر، أو أخر (1) إلى بعد الفراغ من العصر جاز. وأما قضاء الفرائض، فلم يمنعه وقت إلا عند تضيق وقت الصلاة الفريضة الحاضر وقتها، وهو ضربان، إما فاتته نسيانا، أو تركها قصدا واعتمادا. فإن فاتته نسيانا، وذكرها فوقتها حين يذكرها إلا عند تضيق وقت الفريضة، فإن ذكرها وهو في صلاة فريضة عدل بنيتها إلى القضاء ما لم يتضيق وقت الحاضرة، وإن تركها قصدا جاز له الاشتغال بالقضاء إلى آخر وقت الحاضرة، وإن قدم الحاضر وقتها على القضاء كان أفضل، وإن لم يشتغل بالقضاء، وأخر الأداء إلى آخر الوقت كان مخطئا، وإذا ظن المصلي دخول وقت صلاة فدخل فيها، فحضر وقتها مصليا اجزأت، فإن فرغ منها قبل دخول وقتها أعاد، ويجوز الابراد بالظهر قليلا في بلد شديد الحر، لمن أراد أن يصلي جماعة خمس صلوات تصلى في كل وقت ما لم يكن وقت فريضة حاضرة أو لم يتضيق وقتها: أولها صلاة الاحرام، وثانيها ركعتا الطواف، وثالثها صلاة الكسوف، فهذه الثلاث يجوز الشروع فيها، أو يجب ما لم يدخل وقت فريضة حاضرة. ورابعها قضاء الفرائض، وقد ذكرنا حكمها. وخامسها صلاة الجنائز، فإنه يلزم الصلاة عليها ما لم يتضيق وقت الحاضرة. وأما قضاء النوافل، فمستحب ما لم يكن وقت فريضة أو لم يلزمه قضاء فريضة. ويستحب قضاء ما فات ليلا بالنهار وما فات نهارا بالليل، ويجوز أن يقضي عدة أوتار بليل واحد، فإن عجز عن قضاء النوافل، وقدر على الكفارة تصدق عن كل صلاة نافلة بمد من طعام، فإن لم يقدر فعن نوافل كل يوم.

(1) في نسخة " ش ": " وأخر ".

[ 85 ]

والأوقات التي يكره ابتداء النوافل فيها خمسة: بعد فريضة الغداة إلى أن تطلع الشمس، وعند طلوعها، وعند قيامها نصف النهار - إلا يوم الجمعة صلاة ركعتي الزوال -، وبعد فريضة العصر، وعند غروبها. فصل في بيان القبلة القبلة ضربان: قبلة مختار، وقبلة مضطر. فقبلة المختار: الكعبة لمن هو في المسجد الحرام مشاهدا لها، أو في حكم المشاهد، ولمن لا تلتبس عليه جهتها، وإن كان خارجا من المسجد. والمسجد الحرام لمن هو من أهل الحرم ومشاهده، أو كان في حكم المشاهد. والحرم لمن نأى عن الحرم. والناس يتوجهون إلى القبلة من أربع جهات، فالركن العراقي لأهل العراق، والشامي لأهل الشام، والغربي لأهل الغرب، واليماني لأهل اليمين، وعلى أهل العراق خاصة التياسر قليلا. والمصلي ضربان: حاضر الحرم، وغائبه. فالحاضر يعرف القبلة بالمشاهدة. والغائب بأحد أربعة أشياء: بالخبر الموجب للعلم، وبأن ينصب النبي صلى الله عليه وآله، أو أحد من الأئمة عليهم السلام قبلة، وبأن يصلي إليها، أو بالعلامات المعروفة لها. فعلامات أهل العراق أربع: الشمس، والشفق، والجدي، والفجر. فإذا كان الشمس عند الزوال على الحاجب الأيمن والشفق بحذاء المنكب الأيمن، (والجدي خلف المنكب الأيمن) (1)، والفجر بحذاء المنكب الأيسر، حصل التوجه

(1) لم ترد في نسخة " ط ".

[ 86 ]

إلى القبلة. وعلامات أهل الشام ست: بنات نعش، والجدي، وموضع مغيب سهيل، وطلوعه، والصبا، والشمال. فإذا كانت بنات نعش حال غيبوبتها خلف الأذن اليمنى، والجدي خلف الكتف اليسرى إذا طلع، وموضع مغيب سهيل على العين اليمنى، وطلوعه بين العينين، والصبا على الخد الأيسر والشمال على الكتف اليمنى، كان مستقبلا إلى القبلة. وعلامة أهل الغرب ثلاث: الثريا، والعيوق، والجدي. فإذا كان الثريا على يمينه، والعيوق على شماله، والجدي على صفحة خده الأيسر، فقد استقبل القبلة. وعلامات أهل اليمين ثلاث: الجدي، وسهيل، والجنوب. فإذا كان الجدي وقت طلوعه بين عينيه، وسهيل حين يغيب بين كتفيه، والجنوب على مرجع كتفه اليمنى فقد توجه إلى القبلة. والمضطر ضربان: إما اشتبه عليه القبلة لفقد علاماتها، أو لم يمكنه التوجه إليها لحصوله في سفينة تدور به، أو على راحلة في السفر ولم يمكنه النزول عنه، أو في مطاردة ولا يمكنه الثبوت فيها. فالأول: يصلي إلى أربع جهات مع الاختيار، وإلى جهة غلبت على ظنه في حال الضرورة. والثاني: إن أمكنه أن يدور مع السفينة دار، فإن لم يمكنه استقبل القبلة بتكبيرة الاحرام، وصلى إلى صدر السفينة. والثالث: لا يجوز للمفترض مختارا، ويجوز حالة الضرورة. فإن أمكنه الاستقبال في جميع الأحوال لزم، وإن لم يمكنه استقبل بتكبيرة الاحرام، ثم صلى كيف أمكن. ويجوز للمتنقل مختارا، والتوجه إلى القبلة في جميع الأحوال أفضل إذا أمكن. وإن استقبل بتكبيرة الاحرام مختارا، وصلى الباقي حيث توجهت

[ 87 ]

به الراحلة جاز. والرابع: يصلي كيف شاء، وإن استقبل بتكبيرة الاحرام كان أفضل. فصل في بيان ما يجوز فيه الصلاة اللباس ثلاثة أضرب: إما تجوز فيه الصلاة، أو تكره، أو لا تجوز فيه. فالأول عشرة أشياء: القطن، والكتان، وكلما ينبت من الأرض من أنواع الحشيش والنبات، وجلود ما يؤكل لحمه إذا كان مذكى، وصوف (كل) (1) ما يؤكل لحمه، وشعره، ووبره إذا لم يكن منتوفا عن حي أو ميت، والحواصل الخوارزمي (2)، والخز الخالص، وما كان مخلوطا من ذلك بالقز والابريسم. وإنما تجوز الصلاة في ذلك بشرطين: جواز التصرف فيه - إما بالملك أو الاباحة -، وكونه طاهرا من النجاسة. والثاني أحد عشر شيئا: الثياب السود - سوى العمامة -، والثوب الشاف، والسنجاب (3)، وما يكون فوق جلد الثعلب، والأرنب، أو تحته يابسين، والحرير المحض للنساء، والعمامة إذا لم يكن لها حنك، وشد الازار فوق القميص، والقميص المكفوف بالحرير المحض والثياب المنقوشة بالتماثيل، - وروي حظر ذلك - (4)، واشتمال الصماء، وهو أن يلتحف بالازار، ويدخل طرفيه تحت يد

(1) لم ترد في نسخة " ط ".
(2) الحواصل: جمع حوصل، وهو طير كبير له حوصلة عظيمة، يتخذ منها الفرو. مجمع البحرين - حصل - 5: 350، وحياة الحيوان 1: 273.
(3) السنجاب: حيوان قدر الفأر، شعره في غاية النعومة، يتخذ من جلده الفراء. حياة الحيوان 2: 34.
(4) التهذيب 1: 363 حديث 1503.

[ 88 ]

واحدة ويطرحهما على منكب واحد، مثل (1) اليهود. والثالث خمسة عشر شيئا، الثوب المغصوب مع العلم به مختارا، والثوب النجس، والحرير المحض للرجال - إلا في حال الحرب -، والصوف، والشعر، والوبر إذا نتفت من الحي أو الميت وإن كانت مما يؤكل لحمه، وجلود الميتة وإن كانت مدبوغة، وجلود السباع وإن كانت مذكاة، وشعورها، والفنك (2)، والسمور (3) - إلا حالة الاضطرار -، والخز المغشوش بوبر الأرنب والثعلب، والثوب المخلوط بذلك، والقباء المشدود - إلا في حال الحرب - واللثام في موضع السجود، واللثام (4) إذا منع القراءة وأما ما لا تتم الصلاة فيه منفردا فضربان: أحدهما تكره فيه الصلاة، وهو سبعة أشياء: التكة، والجورب، والقلنسوة المتخذة من شعر الثعلب، والأرنب، والشمشك، والنعل السندية، والتكة، والجورب إذا لحقتهما نجاسة. وروي أن الصلاة محظورة في النعل السندية، والشمشك. والآخر لا تكره فيه الصلاة، وهو خمسة أشياء: الخفان، والجرموقان إذا كان لها ساق، والتكة، والقلنسوة، والجورب من غير ما ذكرناه.

(1) في نسختين " ش " و " ط ": " فعل ".
(2) النفك: دويبة برية غير مأكولة اللحم يؤخذ منها الفرو، وفروتها أطيب أنواع الفراء وأشرفها وأعدلها،، صالح لكل الامزجة المعتدلة مجمع البحرين - فنك - 5: 285، والافصاح 1: 374.
(3) السمور: دابة معروفة يتخذ من جلدها فراء مثمنة، تكون ببلاد الترك تشبه النمر، من أسود لامع وأشقر. مجمع (4) في نسخة " م ": واللثام (والنقاب).

[ 89 ]

فصل في بيان ستر العورة عورة الرجال من السرة إلى الركبة، ويجب منها (1) ستر السوأتين، ويستحب ما بقي، والركبة داخلة فيها وعورة النساء جميع البدن، ويجب عليها ستره، إلا موضع السجود، إذا كانت حرة بالغة والصبية، والأمة، وأم الولد، والمدبرة، والمكاتبة المشروطة يجب عليهن ستر ما سوى الرأس، ويستحب لهن ستره. ويستحب للرجل الصلاة في إزار صفيق (2) ورداء، أو قميص ورداء، وللمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب: مقنعة، وقميص، ودرع. فصل في بيان ما تجوز الصلاة عليه من المكان تجوز الصلاة في كل مكان، والوقوف فيه لها ما لم يمنع مانع من صحة الصلاة فيه، أو لم يعرض ما يكره فيه الصلاة (له) (3) مما يمنع. فما يمنع من صحة الصلاة ثلاثة أشياء: كونه مغصوبا، أو نجسا بحيث تتعدى إليه النجاسة، أو بجنبه، أو قدامه تصلي امرأة. والأمكنة التي تكره الصلاة فيها تسعة وعشرون: بيوت الغائط والأرض الوحلة، وحياض الماء - وتكون الصلاة فيهما (4) بالايماء إذا اضطر إلى الصلاة فيهما (5) - وبيوت النيران، وبيوت المجوس اختيارا - وإن اضطر إلى ذلك رش الموضع أولا بالماء -، والحمام، ومعطن الإبل، وقرى النمل، وبطن الوادي، والأرض الرملة، والسبخة إذا لم يمكن السجود عليها، وبيوت الخمر، وجواد

(1) في نسخة " ط ": " منهما ".
(2) توب صفيق: أي متين، جيد، كثف نسجه. لسان العرب 10: 204 (صفق).
(3) لم ترد في نسخة " ش ". (4 و 5) في نسخة " ش ": " فيها ".

[ 90 ]

الطرق دون الظواهر، وكل موضع بين يديه صور (1)، وتماثيل غير مغطاة، أو نار في مجمرة أو قنديل معلق، أو سلاح، مشهر مختارا، أو امرأة جالسة، أو مصحف مفتوح يشتغل المصلي بالنظر فيه، أو حائط تنز قبلته من بالوعة يبال فيها، ومرابط الدواب والحمير والبغال مختارا، وبيت فيه مجوسي مختارا، ووادي ضجنان (2)، والبيداء (3)، ووادي الشقرة (4)، وذات الصلاصل (5)، والمقابر - إلا إذا كان بين القبر وبين المصلي عن قدامه ويمينه ويساره عشر أذرع -، إلا عند قبور الأئمة عليهم السلام فإنه يستحب الصلاة فيها ما لم يكن إلى القبور، والفريضة في جوف الكعبة، دون النافلة فإنها تستحب. فصل في بيان ما يجوز السجود عليه الأرض كلها مسجد يجوز السجود عليها، وعلى كل ما ينبت منها مما لا يؤكل ولا يلبس بالعادة، إلا الحصر المعمولة بالسيور الظاهرة (6)، إذا اجتمع فيه شرطان: الملك أو حكمه، وكونه خاليا من النجاسة.

(1) في نسخة " ش ": " صورة ".
(2) ضجنان: جبل على بريد من مكة، وقيل بينه وبين مكة خمسة وعشرون ميلا. معجم البلدان 3: 453.
(3) البيداء اسم لأرض ملساء بين مكة والمدينة، وهي إلى مكة أقرب، أمام ذي الحلبفية. معجم البلدان 1: 523.
(4) وادي الشقرة، بضم الشين وسكون القاف: موضع في طريق مكة. انظر: معجم البلدان 3: 355.
(5) ذات الصلاصل: أرض صلبة يسمع منها صوت عند المشى عليها، وهي موضع خسف في طريق مكة، وقيل: في طريق المدينة. انظر: القاموس المحيط 4: 3 ومعجم البلدان 3: 419.
(6) في نسخة " ط ": بالشيور الطاهرة.

[ 91 ]

وما يسجد عليه أربعة أقسام: إما يستحب، أو يحرم، أو يكره، أو يكون السجود عليه مطلقا. فالأول شيئان: الالواح من التربة، وخشب قبور الأئمة عليهم السلام، إن وجد ولم يتق. والثاني: ما سوى الأرض، وما ينبت منها ما ذكرناه مختارا. والثالث: ما مسته النار من الاجر، والخزف، والقرطاس المكتوب إذا أبصره وأحسن القراءة. والرابع: الأرض، والحجر، والحصى، وما ينبت منها مما ذكرناه. فصل في بيان الأذان والإقامة الفصل يحتاج إلى بيان الصلاة التي فيها الأذان والإقامة، والصلاة التي لا أذان لها ولا إقامة، ومن عليه أن يؤذن ويقيم لصلاته وكيفية الأذان والإقامة، ومن له أن يؤذن للناس، وشرائطهما. فالأول: الصلوات الخمس، فإنهما مندوب إليهما الرجال، وأشدهما تأكيدا ما يجهر فيه بالقراءة، وهما أو كد في صلاة الغداة، والمغرب منهما في غيرهما، وواجبان في صلاة الجماعة. والثاني: ما عدا الصلوات الخمس. والثالث: الرجال دون النساء وإنما عليهن أن يتشهدن الشهادتين وإن أذن، وأقمن، وأخفتن كان في ذلك فضل. والرابع: أن يكبر في أول الأذان أربع تكبيرات، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، وأشهد أن محمدا رسول الله دفعتين، ويدعو إلى الصلاة دفعتين، وإلى الفلاح مرتين، وإلى خير العمل مرتين، ويكبر مرتين، ويهلل مرتين. والإقامة

[ 92 ]

مثله، إلا أنه ينقص من أولها التكبير مرتين، ومن آخرها التهليل دفعة (1)، ويزاد قبل التكبير في آخرها " قد قامت الصلاة دفعتين ". فجميع فصولهما خمسة وثلاثون فصلا، وقد روي أكثر من ذلك (2)، والعمل على ما ذكرنا. والخامس: ينبغي أن يكون المؤذن قد اجتمع فيه ست خصال: العدالة، والأمانة، والمعرفة بالوقت، والاضطلاع بالعمل، وجهارة الصوت، وحسنه استحبابا. ويجوز أن يؤذن ويقيم الصبي، ويكره أن يؤذن الأعمى إلا أن يسدده غيره. والسادس: يشتمل على الواجب، والمندوب، والمحظور، والمكروه. فالواجب شئ واحد، وهو الترتيب. والمندوب في الأذان ثمانية: كونه متطهرا، والقيام، واستقبال القبلة، والترتيل، وترك اعراب أواخر الفصول، والافصاح بالحروف، ورفع الصوت به على المئذنة، وفي البيت لنفي الاسقام عنه. وفي الإقامة كذلك، إلا أن استقبال القبلة فيها واجب، والحدر مندوب إليه بدل الترتيل. والمحظور ثلاثة: التثويب، وقول " الصلاة خير من النوم " في أذان الغداة - إلا إذا أراد تنبيه قوم - والكلام في خلال الإقامة بعد قوله: " قد قامت الصلاة "، إلا فيما يتعلق بالصلاة من تقديم الإمام، أو تسوية [ الصف ].
(3) والمكروه خمسة: الكلام في خلالهما - إلا ما ذكرنا - وأن يؤذن أو يقيم ماشيا، أو راكبا، والالتواء بالبدن عن القبلة في حال الأذان، والتأذين في الصومعة. ومن شرط صحتهما دخول الوقت إلا في صلاة الغداة، فإنه يجوز تقديم الأذان فيها على الوقت، ويستحب إعادته بعد دخول الوقت، ويستحب فيه

(1) في نخسة " ط ": " مرة ".
(2) رواه الشيخ في النهاية 15.
(3) في النسخ الخطية الثلاث: الصان.

[ 93 ]

الفصل بين الأذان والإقامة بسجدة، أو جلسة، أو خطوة، وإتمام ما نقص المؤذن من فصولها في النفس، واعادة ما يسمع من الأذان في النفس، ويجوز الاقتصار على مرة مرة حالة الضرورات. فصل في بيان ما يقارن حال الصلاة الصلاة تشتمل على أفعال، وكيفيات، وتروك. والفعل على واجب، ومندوب، والكيفية كذلك. والترك على المحظور، والمكروه. والمحظور على ما يقطع الصلاة في كل حال، أو في حال دون حال. والفعل الواجب ثلاثة أضرب: ركن، وغير ركن، ومختلف فيه. فالركن ستة أشياء: القيام مع القدرة، واستقبال القبلة مختارا، والنية، وتكبيرة الاحرام، والركوع، والسجود. وغير الركن المتفق على وجوبه تسعة أشياء: قراءة الحمد، وسورة معها في الفرض مع القدرة والاختيار، وتسبيحة في الركوع، ورفع الرأس منه والهوي إلى السجود، وتسبيحة فيه، ورفع الرأس منه، والعود إلى السجدة الثانية، وتسبيحة فيها، ورفع الرأس منها. والمختلف فيه إثنا عشر شيئا: رفع اليدين بتكبيرة الاحرام، وتكبيرة الركوع، ورفع اليدين بها، وتكبيرة السجدة الأولى، ورفع اليدين بها، وتكبيرة رفع الرأس منها، ورفع اليدين بها، وتكبيرة السجدة الثانية ورفع اليدين بها، وتكبيرة رفع الرأس فيها، ورفع اليدين بها، وجلسة الاستراحة إذا أراد القيام إلى الثانية. والكيفية ستة عشر شيئا: مقارنة النية للتحريمة، واستدامة حكمها إلى عند الفراغ، والتلفظ بالله أكبر، والتسمية في أول الفاتحة، وفي أول كل سورة يقرأ معها، ووضع الحروف مواضعها مع الامكان في القراءة، والجهر بالقراءة فيما يجهر

[ 94 ]

والمخافتة فيما يخافت فيه، والابتداء بالحمد ثم بالسورة، والترتيب في الصلاة، والطمأنينة في الركوع، (وفي الانتصاب منه، وفي السجدة الأولى) (1)، وفي الانتصاب منها، وفي السجدة الثانية، والسجود على سبعة أعظم - الجبهة، واليدين، والركبتين، وأصابع الرجلين -، واستقبال القبلة بأصابع الرجلين. والمندوب ضربان: فعل، وكيفية. فالفعل أربعة وثلاثون: الاقبال على الصلاة، والخشوع والاخلاص، والدعاء بالمأثور بعد الإقامة، والتوجه بسبع تكبيرات - واحدة منها تكبيرة الاحرام، وثلاثة أدعية بينها، والاستعاذة قبل قراءة الحمد، والترتيل في القراءة، والفصل بين السورتين بسكتة خفيفة، وبين السورة والركوع، وقول ما زاد على تسبيحة واحدة في الركوع من التسبيح، والدعاء وقول سمع الله لمن حمده عند رفع الرأس منه، والدعاء (بعده) (2) وقول ما زاد على تسبيحة واحدة في السجدة الأولى من التسبيح والدعاء، ومثل ذلك في الثانية، والارغام بالأنف فيهما والدعاء بينهما أو النظر في حال القيام إلى موضع السجود وفي حال الركوع إلى ما بين رجليه وإغماض عينيه، وفي السجود إلى طرف أنفه، وفي جلوسه إلى حجره، ووضع يديه على فخذيه بحذاء عيني ركبتيه في حال القيام، وعلى ركبتيه في حال الركوع، وبحذاء أذنيه على الأرض في حال السجود، وعلى فخذيه في حال الجلوس، وتلقي الأرض باليدين إذا هوى إلى السجود، والانكباب على يديه حالة النهوض، والدعاء حالة القيام. والكيفية عشرون شيئا رفع اليدين إلى حذاء شحمتي أذنيه مع كل تكبيرة، وتقريب إحدى القدمين

(1 و 2) لم ترد في نسخة " ط ".

[ 95 ]

من الأخرى بحيث يكون بينهما أربع أصابع مفرجات إلى شبر للرجل، والمرأة لا تفرج بين قدميها، وتضع في حال القيام يديها على ثدييها، وأن يملا الكفين من الركبتين مفرجة الأصابع، ويرد ركبتيه إلى خلف، ويسوي ظهره، ويمد عنقه، والتأني في القراءة، والدعاء، والتسبيح، وقول: سمع الله لمن حمده إذا تمكن من القيام، وتعمد الاعراب، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فيما لا يجهر بالقراءة فيه في الموضعين، والتخوي (1) إذا استرسل للسجود، وبسط الكفين مضمومتي الأصابع حيال الوجه بين يدي الركبتين في السجود، ورفع الأعضاء بعضه عن بعض في السجود، وكشف الثوب عن الكفين للرجال، والمرأة تضع الأعضاء بعضها على بعض في السجود، ولا ترفع عجيزتها، ولا تكشف عن شئ من أعضائها سوى الجبهة، والجلوس على الفخذ الأيسر، ووضع ظاهر القدر اليمنى على باطن اليسرى بين السجدتين، وإن قعد متربعا جاز. والمرأة لا تفرج بين قدميها وتضم ثدييها إلى الصدر، وتضع يديها فوق ركبتيها على فخذيها في الركوع، فإذا جلست فعلى أليتيها، وإذا أرادت السجود قعدت أولا، ثم سجدت لاطئة بالأرض، وإذا تشهدت ضمت فخذيها ورفعت ركبتيها من الأرض، وإذا أرادت النهوض إلى الركعة الأخرى قامت على قدميها. فأما الركعة الثانية، فتسقط فيها من الواجبات خمسة أشياء: النية، والمقارنة فيها، والتحريمة، وكيفيتها، وجلسة الاستراحة ومن النفل عشرة أشياء: التكبيرات الست، والأدعية الثلاثة، والاستعاذة. وتزيد فيها من الواجبات ثمانية أشياء: الجلوس للتشهد، والطمأنينة فيه والشهادتان، والصلاة على النبي، والصلاة على آله عليه وعليهم السلام، والترتيب

(1) خوى في سجوده: جافى بطنه عن الأرض ورفعها حتى يخوى ما بين ذلك ويخوى عضديه عن جنبيه. الصحاح 6: 2333 (خوى)، ولسان العرب 14: 246 (خوا).

[ 96 ]

في ذلك على ما ذكرنا والتسليم إن كانت الصلاة ثنائية. ومن النفل أيضا ثمانية أشياء: القنوت والدعاء المأثور، ورفع اليدين فيه - ومحله قبل الركوع وبعد القراءة - والتورك في التشهد على الفخذ الأيسر، ووضع اليدين على الفخذين مضمومتي الأصابع، والنظر إلى الحجر، والايماء بالتسليم تجاه القبلة إلى الجانب (الأيمن) (1) للامام والمنفرد ناويا به الخروج من الصلاة، والايماء به إلى اليمين للمأموم وإلى اليسار أيضا إن كان على يساره غيره. وقال بعض الأصحاب: إن التسليم سنة (2)، والصحيح ما ذكرناه، فإن كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية سلم بعد التشهد الأخيرة. فأما الركعة الثالثة، فيسقط فيها ما يسقط من الثانية، وقراءة ما زاد على الحمد. ولا يزيد فيها شئ إن كانت الصلاة رباعية، وإن كانت ثلاثية زاد فيها ما يزيد في الثانية سوى القنوت، وإن كانت الصلاة رباعية يسقط منها ما يسقط من الثالثة، وزاد فيها ما يزيد في الثانية سوى القنوت. وأما التروك التي تقطع الصلاة في كل حال فثمانية أشياء: البول، والغائط، والجنابة، والريح، والنوم، ومس الميت من الناس على ما ذكرنا، والسجود على كور العمامة، وعلى موضع ارتفع عن موضع القيام بأكثر من حجم المخدة، لمن قدر على السجود على الأرض.

(1) لم ترد في نسخة " ط ".
(2) اختلف علمائنا في التسليم فممن ذهب إلى وجوبه: السيد المرتضى في الناصريات (ضمن الجوامع الفقهية): 234، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 142، ويحيى ابن سعيد الحلي في الجامع للشرائع: 84، والسيد ابن زهرة في الغنية (ضمن الجوامع الفقيه) 497. وممن ذهب إلى ندبه: الشيخ المفيد في المقنعة: 18 والشيخ الطوسي في النهاية: 83 والاستبصار 1: 346، والجمل (ضمن الرسائل العشرة): 83، وابن إدريس في السرائر: 48 وابن البراج في المذهب 1: 98.

[ 97 ]

وما تقطع في حال دون حال فتسعة أشياء: العمل الكثير مما ليس من أفعال الصلاة، وكتف اليدين، وقول آمين في آخر الحمد، والالتفات إلى ما ورائه، والقهقهة، والبكاء لأمر دنيوي، والأنين بحرفين، والتأفف بحرفين، والتكلم بما ليس من الصلاة. فإن حصل جميع ذلك سهوا أو نسيانا، أو تقية لم يقطع الصلاة، وإن حصل عمدا قطعها. والمكروه تسعة عشر شيئا: تدلية الرأس في الركوع، وأن يجعل ظهره فيه مثل أبزخ (1)، وأن يجعل يده تحت ثوبه، وأن يحدودب في السجود ويلصق البطن بالفخذ هذا للرجل. فأما للمرأة، فرفع العجيزة في الركوع والسجود والكشف عن غير الجبهة. والالتفات إلى أحد الجانبين، والعبث بشئ من الأعضاء، والبصق، والتنخم، والتأوه بحرف، والتثاؤب، والتمطي، وفرقعة الأصابع، والاقعاء بين السجدتين (2) وفي التشهد، ومدافعة الاخبثين، والنفخ في موضع السجود، إذا كان غير بجنبه. وأما ما يجوز له قطع الصلاة فثلاثة أشياء: دفع الضرر عن النفس، وعن الغير، وعن المال إذا لم يمكن إلا بالقطع. وما أبيح فعله في الصلاة فثمانية أشياء: العمل القليل مثل الايماء وقتل المؤذيات من الحية والعقرب، وللتصفيق، وضرب الحائط تنبيها على الحاجة، وما لا يمكن التحرز منه كازدراد ما يخرج من خلل الأسنان، وقتل القمل والبرغوث، وغسل ما أصاب الثوب عن الرعاف ما لم ينحرف عن القبلة أو لم يتكلم، وحمد الله تعالى على العطاس، ورد السلام بمثله.

(1) البزخ: خروج الصدر ودخول الظهر. الصحاح 1: 419 (بزخ) ولسان العرف 3: 8 (بزخ).
(2) وهو أن يضع أليته على عقبيه بين السجدتين. لسان العرف 15: 192 (قعا).

[ 98 ]

ويستحب أن يعقب بعد التسليم بالدعاء المأثور، وتسبيح الزهراء عليها السلام ويسجد سجدة الشكر. فصل في بيان من ترك فعلا من افعال الصلاة من ترك فعلا واجبا من أفعال الصلاة متعمدا بطلت صلاته، وإن ترك ناسيا ولم يذكر بعد ذلك لم يؤاخذ به، وإن ذكر وأمكن تلافيه تلاقى، وإن لم يمكن تلافيه، وكان ركنا أعاد الصلاة، وإن كان غير ركن لم يعد وأتم صلاته. وإن ترك شيئا من مقدمات صلاته لم يخل: إما تجب بسببه إعادة الصلاة، أو لا تجب. فما تجب له إعادة الصلاة ستة أشياء: أحدها: من ترك الطهارة وصلى، ثم ذكر أعاد الصلاة على كل حال بعد ما يتطهر. وكذلك: حكم من ترك عضوا من أعضاء الطهارة. وثالثها: من صلى قبل دخول الوقت ظنا منه بدخوله وفرغ قبل دخوله أعاد (الصلاة) (1). ورابعها: من صلى وفي ثوبه نجاسة، وكان قد علم بها قبل. وخامسها: من صلى وعلى بدنه نجاسة كذلك. وسادسها: من اشتبه عليه جهة القبلة فتحرى، وصلى مستدبر القبلة، ثم ظهر له ذلك. وما لا تجب له إعادة الصلاة أربعة أشياء: أحدها: من ظن دخول الوقت وصلى، ثم دخل عليه الوقت مصليا. وثانيها: من صلى وعلى ثوبه نجاسة، وكان لم يعلم بها، ثم علم بعد الفراغ من

(1) لم ترد في نسختين " ش " و " ط ".

[ 99 ]

الصلاة وقد مضى وقته. وثالثها: من صلى وعلى بدنه نجاسة، ولم يعلم بها كذلك. ورابعها: من تحرى جهة القبلة فاشتبهت عليه، وصلى إلى جهة، ثم ظهر له أنه قد صلى يمين إلى القبلة أو يسارها، وقد مضى الوقت فإن علم ذلك وكان الوقت باقيا أعاد على كل حال. فصل في بيان أحكام السهو إذا عرض للمصلي سهو في الصلاة، وذكر، أو غلب على ظنه ذلك لم يخل من أربعه أوجه: أما يمكن تلافيه في الحال، أو بعده، أو لا يمكن تلافيه وتبطل به الصلاة، أو لا تبطل. وإن عرض له شك محض لم يخل من خمسة أوجه: إما يوجب إعادة الصلاة، أو يوجب التلافي، أو لا يكون له حكم، أو يوجب الاحتياط، أو الجبران. فالأول ثمانية أشياء: من نسي القراءة وذكر وهو قائم لم يركع قرأ، ومن نسي الركوع وذكر قائما، ومن نسي السجدتين، أو واحدة منهما وذكر جالسا، (ومن نسي التشهد الأول وذكر جالسا، ومن نسي التشهد الثاني وذكر قبل التسليم) (1) ومن نسي تسبيح الركوع وذكر راكعا، أو تسبيح السجود وذكر جالسا. والثاني أحد عشر شيئا: من قرأ السورة قبل الحمد ناسيا، وذكر قبل الركوع قرأ الحمد وأعاد السورة. ومن نسي الركوع في واحدة من الأخريين، وذكر بعد السجود، لم يعتد بالسجود وقام وركع.

(1) لم ترد في النسخة " ط ".

[ 100 ]

ومن ترك السجدتين في واحدة من الأخريين بعد الركوع، لم يعتد به وبقيامه، وقراءته، وجلس وسجد. ومن نسي التشهد الأول وذكر في حال القيام قبل الركوع رجع فتشهد وقام، وإن ذكر بعد الركوع مضى في صلاته، وقضى بعد التسليم، وجبر ذلك بسجدتي السهو. ومن نسي سجدة واحدة، وذكر قبل الركوع قائما أو بعده، فحكمه حكم من نسي التشهد في الحالين. ومن نسي سجدتين من الركعتين الأخريين، وذكر بعد القيام، فحكمه مثل حكم من نسي سجدة واحدة، إلا أنه يجب أن يسجد لكل سجدة إذا قضى بعد التسليم سجدتي السهو. ومن جلس في الأولى من صلاة الغداة، وتشهد وسلم، ثم ذكر، طرح جميع ذلك وقام وأتم صلاته ما لم يحدث، أو لم ينحرف عن القبلة، أو لم يتكلم. وكذلك من سلم في الثانية من المغرب. ويتفرع على بعض هذه المسائل مسائل: أحدها: من نسي ركوع واحدا، وذكر بعد السجود، ولم يذكر موضعه اعاد الصلاة على قول من قال: كل سهو يلحق واحدة من الاوليين يوجب الإعادة، ولم يعد على القول الثاني. ومن نسي أربع سجدات من أربع ركعات،، وذكر بعد التسليم أعاد على القول الأول، وقضى على القول الثاني، وسجد بعد ذلك (1) سجدتي السهو. وإن ترك ثلاثا، أو اثنتين، أو واحدة، فعلى ذلك. والثالث تسعة أشياء: من ترك النية، أو تكبير الاحرام، وذكرا وركوعا في واحدة من الاوليين وذكر بعد السجود، أو السجدتين في واحدة منهما وذكر بعد

(1) في نسختين " ش " و " ط ": وسجد بعد كل سجدة سجدتي السهو.

[ 101 ]

الركوع، أو نسي الركوع أو السجدتين على ما ذكرنا من صلاة المغرب أو الغداة، ومن زاد ركوعا، ومن زاد سجدتين في واحدة منهما، ومن نقص ركعة - أو ما زاد بعد أن أحدث، أو تكلم، أو استدبر القبلة. والرابع أربعة أشياء: من ترك القراءة وذكر بعد الركوع، على قول من قال: إنها غير ركن، ومن قال: إنها ركن فهو يوجب الإعادة. ومن ترك تسبيحة الركوع، أو السجود وذكر بعد رفع الرأس، أو التشهد الأول وذكر بعد الركوع من الثالثة. والأول من الوجه الثاني تسعة أشياء: من شك في الركوع بعد الفراغ من السجود في واحدة من الاوليين، أو في السجدتين في واحدة منهما بعد الركوع، أو شك بين الاثنتين والثلاث في صلاة الغداة، أو بين الثلاث والأربع في المغرب، أو شك في صلاة الغداة، أو المغرب، أو السفر في الاوليين من الرباعيات، أو شك ولم يدر كم صلى. والثاني ثمانية أشياء: من شك في القراءة قبل الركوع، أوفي الركوع في واحدة من الأخريين قائما، فإن ذكر راكعا أنه قدر ركع أرسل نفسه ولم يرفع رأسه، فإن ذكر بعد الركوع أعاد. وفي السجدتين معا من الأخريين، فإن ذكر فيهما أنه قد سجد أعاد الصلاة، وفي أصحابنا من جعل حكم الاوليين كذلك (1). أو في سجدة واحدة وهو جالس، فإن ذكر بعد أنه كان قد سجد لم يعد. أو في التشهد الأول جالسا، أو في الثاني ولم يسلم بعد، أو في تسبيح الركوع راكعا، أو السجود ساجدا. والثالث تسعة أشياء: من شك في النية، أو تكبيرة الاحرام حال القراءة، أو في

(1) منهم الشيخ المفيد في المقنعة: 24، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه. 148، وابن إدريس في السرائر: 52.

[ 102 ]

القراءة حالة الركوع، أو بعده، أو في الركوع من أحدهما حالة السجود، أو بعده، أو في السجود منهما وقد قام، أو في التشهد الأول قائما، أو في الثاني وقد سلم، أو سها ثلاث متواليات، أو في سهو. والرابع أربعة مواضع: من شك بين الثنتين والثلاث، أو الأربع، (أو بين الثلاث والأربع) (1)، أو بين الثنتين والثلاث والأربع. فالأول والثالث: يبني على الأكثر ويتم الصلاة، فإذا سلم صلى ركعة من قيام، أو ركعتين من جلوس. والثاني: يبني أيضا على الأكثر ويسلم، ثم يقوم فيصلي ركعتين بالحمد وحدها. والرابع: كذلك في البناء، فإذا سلم قام وصلى ركعتين من قيام وسلم، ثم صلى ركعتين من جلوس. والخامس سبعة أشياء: من تكلم في الصلاة ناسيا، ومن قام وكان من حقه القعود، أو قعد ومن حقه القيام، أو شك بين الأربع والخمس، ومن ذكر بعد الركوع أنه ترك التشهد الأول وقضى بعد التسليم، ومن نسي سجدة واحدة وذكر بعد الركوع وقضى بعد التسليم، أو سجدتين من الاخرتين وقضاهما على ذلك، وجبر جميع ذلك بسجدتي السهو. ومن سها عنهما قضاهما إذا ذكر، وأن طال الزمان، وإن سها في صلاة واحدة بما يوجب الجبران بسجدتي السهو أكثر من مرة واحدة سجد لكل مرة. وإذا وقع سهو في صلاة الجماعة بما يوجب السهو للامام والمأموم سجدوا جميعا سجدتي السهو، وإن سها أحدهما وذكره الآخر لم يجب، وإن سها الإمام دون المأموم ولم يذكره وجب السجدتان على الإمام، ولزم المأموم متابعة احتياطا. فجميع أحكام السهو على اختلافها تقع في اثنين وسبعين موضعا.

(1) لم ترد في نسخة " ط ".

[ 103 ]

فصل في بيان صلاة الجمعة المكلف في صلاة الجمعة أربعة أضرب: إما يجب عليه وتصح به ومنه. أو تجب عليه ولا تصح به ولا منه. أو لا تجب عليه وتصح به ومنه. أو لا تجب عليه ولا تصح به وتصح منه. فالأول: من اجتمع فيه خمس خصال: الاسلام، والذكورة، والبلوغ، والحرية، وكمال العقل. وانتفى منه ست: المرض، والعمى، والعرج، والشيخوخة بحيث لا حراك معها، والسفر الموجب للتقصير، والبعد عن الموضع الذي تقام فيه الجمعة بمقدار فرسخين فصاعدا. والثاني: الكافر. والثالث أربعة: المريض، والأعمى، والأعرج، ومن كان على رأس فرسخين فصاعدا. والرابع خمسة: المرأة، والعبد، والمسافر، والصبي، والمجنون. ويحتاج في الانعقاد إلى أربعة شروط: حضور السلطان العادل، أو من نصبه لذلك، وحضور سبعة نفر حتى تجب، أو خمسة حتى تستحب ممن تجب عليهم وتصح بهم، وأن تكون بين الجمعتين ثلاثة أميال فصاعدا، وتخطب خطبتان تشتملان على أربعة أصناف: حمد الله تعالى، والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وعلى آله عليهم السلام، ووعظ الناس، وقراءة سورة خفيفة من القرآن. ويجب أن يراعي الإمام الذي يخطب أربعة أشياء: يخطب قائما مختارا، وأن يكون على طهر، ويخطب خطبتين، ويفصل بينهما بجلسة خفيفة.

[ 104 ]

ويجتمع فيه تسعة شروط: الايمان، والبلوغ، وكمال العقل، والعدالة، وصدق اللهجة، والولادة من الحلال، واقامة الفراض في أول الوقت، والصحة من الجنون والجذام والبرص. ويستحب أن يكون حاويا لأربع خصال: الفصاحة في الخطبة، والبراءة من اللحن، والتعمم شاتيا كان أو قائضا، والتردي ببرد يمني. ويحفظ أربعة أشياء: الجلوس دون الدرجة العليا للاستراحة، والصعود بسكينة ووقار، والاعتماد في الصعود على سيف أو عكازة أو قوس، وترك الالتفات عن اليمين والشمال. وتجب ثلاثة أشياء: صعود المنبر قبل الزوال بمقدار ما إذا خطب زالت الشمس، وأن يخطب قبل الزوال، ويصلي بعده ركعتين. فإذا صعد أذن المؤذن مرة واحدة، والزيادة عليها بدعة. ويستحب في الخطبة ستة أشياء: الاقتصار، وأن يزيد الوعظ على الفريضة، والترغيب والترهيب، والدعاء للائمة عليهم السلام، وللمؤمنين (والمؤمنات) (1). ويحرم عليه وعلى من حضر الكلام بين الخطبتين وخلالهما، ويجب على من حضر الانصات إليهما. ويستحب في الصلاة خمسة أشياء: أن يقرأ في الأول سورة الجمعة، وفي الثانية سورة المنافقين، وأن يقنت قنوتين: أحدهما في الأولى قبل الركوع، والثاني في الثانية بعده، وأن يجمع بينهما وبين العصر بأذن واحد واقامتين. فصل في بيان أحكام الجماعة الجماعة لا تصح إلا في الصلوات المفروضات، أو فيما كان في الأصل فريضة

(1) زيادة من نسخة " ط ".

[ 105 ]

- إلا في صلاة الاستسقاء خاصة -، وهي ضربان: إما تجب الجماعة: وهي صلاة الجمعة خاصة، أو تستحب: وهي فيما عداها من المفروضات، وفي صلاة الاستسقاء إذا استكملت شروطها، وآكدها في الصلوات الخمس. والشروط التي تصح لأجلها ثلاثة أنواع: أحدها يرجع إلى الإمام، والثاني إلى المأموم، والثالث إليهما. فما يرجع إلى الإمام ثلاثة أشياء: الايمان، والعدالة، وكونه أقرأ القوم. وينبغي أن تنتفي عنه إحدى عشرة خصلة: الكفر، والنصب، وخلاف الحق في أصل الدين، والفسق، وخبث الولادة، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، والغلف، والرق، والخنوثة، والأنوثة. وجاز للثلاثة الأخيرة أن تؤم بأمثالها إذا كانت أهلا لها، وللعبد أن يؤم بمولاه خاصة إذا كان أهلا لذلك. وشروط إمامة الصلاة ست على الترتيب: القراءة، ثم الفقه، ثم الشرف، ثم الهجرة، ثم السن، ثم الصباحة. فإن تساووا في القراءة قدم الأفقه، فإن تساووا قدم الاشرف إذا كان مساويا لهم في القراءة والفقه، وعلى هذا الترتيب الأقدم هجرة، ثم الاسن، ثم الأصبح وجها مع التساوي فيما تقدم. وما يرجع إلى المأموم شيئان: التكليف، والاسلام. وما يرجع إليهما: حضور عاقلين مسلمين فصاعدا. وتكره إمامة ثلاث عشرة نفسا - إلا بأمثالهم -: المتيمم، والمسافر، والمقيد، والقاعد، ومن لم يقدر على اصلاح لسانه، ومن عجز عن أداء حرف أو أبدل حرفا من حرف، أو ارتج عليه في أول كلامه، أو لم يأت بالحروف على الصحة والبيان، والمحدود، والمفلوج، والمجذوم، والأبرص. وصاحب المسجد أولى بالامامة إذا كان أهلا لها، والهاشمي أحق إذا اجتمع فيه شروطها.

[ 106 ]

وما يتعلق بالجماعة خمسة أضرب: واجب، ومندوب، ومحظور ومكروه، وجائز. فالواجب أربعة أشياء: نية الاقتداء، والوقوف خلفه أو عن أحد جانبيه، والانصات لقراءته إذا سمع، ومتابعته في أفعال الصلاة. والمستحب إثنا عشر شيئا: الاجتماع في المكان المستوي، والوقوف خلف الإمام إن كانوا جماعة فيهم رجال، وعن يمينه إن كانا اثنين، وعن يمينه وشماله قعودا إن كانو عراة، وقياما إن كن نساء. وتسوية الصف، وتقارب بعضهم من بعض، وسد فرجه، وأن تكون سعة ما بين الصفين مقدار مريض عنز، وأن يسمع الإمام المؤتم الشهادتين، وانتظار الإمام إذا كان غائبا ما لم يفت الوقت أو الفضل، وقطع كل صلاة للاقتداء بالامام العدل، وقطع النافلة، والاقتصار على الركعتين من الفريضة للاقتداء بعدل، واعادة الصلاة مرة أخرى جماعة إذا صلى منفردا، وجلوس الإمام في التعقيب حتى يتم الصلاة من لم يدرك معه جميع الركعات. والمحظور تسعة أشياء: وقوف الإمام على سطح، أو موضع مرتفع إذا كان المأموم أسفل منه، ووقوف المأموم أمام الإمام، أو خلف حائل بينهما، أو بينه وبين الصف المتصل بالامام - إلا للنساء -، والتقدم على الإمام إلى الركوع، أو إلى السجود، أو إلى الانتصاب منهما، ومفارقة الإمام لغير عذر، والكلام بعد قول المؤذن: " قد قامت الصلاة " - إلا فيما يتعلق بها -، والتنفل إذا أقيم للفريضة مع وجود من يصح الاقتداء به، والاجتماع في النافلة إلا فيما ذكرنا. والمكروه سبعة أشياء: وقوف الإمام في المحراب الداخل، ووقوف المأموم عن يساره منفردين، والوقوف منفردا إذا كان بالصف فرجة، والاجتماع مرتين في صلاة ومسجد واحد، وإطالة الصلاة انتظارا للغير، وتأخير الصلاة انتظارا لمن تكثر به الجماعة، وأن يسمع المأموم الإمام.

[ 107 ]

والجائز سبعة عشر شيئا: الاقتداء في فريضة بأخرى، وفي الأداء بالقضاء، وعلى العكس، واقتداء المفترض بالمتنفل، والمتنفل بالمفترض. وترك الجماعة لعذر عام وهو ثلاثة أشياء: الوحل، والمطر، والريح الشديدة. أو لعذر خاص وهو عشرة أشياء: خوف الضرر على النفس، أو المال، أو الدين، والمرض والتمريض، وغلبة النوم، وفوات الرفقة، والأكل مع شدة الشهوة، وحضور الطعام، وهلاك الطعام، والاستفراغ. ووقوف الإمام على موضع أعلى من موضع المأموم مع استواء المكان، ووقوف الإمام بين الاساطين، ووقوف المأموم بين الاساطين، أو على موضع عال، أو خارج المسجد مع مشاهدة الإمام أو حكمها، وأن يلحق بالصف في الصلاة إذا أدرك الإمام في الركوع قبل الوصول إليه، وأن يقف منفردا حتى يجئ من يقف معه، والاجتماع في السفن المشدود بعضها إلى بعض، وفي غير المشدود ما لم يحل بينهما حائل، والامامة للأعمى إذا سدد، وتقديم غير إمام المسجد إذا خيف فوات الوقت أو الفضل، ومفارقة الإمام لعذر، وإطالة الركوع للامام إذا أحس بداخل، وروي أنه مستحب (1)، واستخلافه من يتم الصلاة بالناس إن سبقه حدث، والاقتصار على تكبيرة الافتتاح إذا أدرك الإمام في الركوع وخاف الفوت. وأما ترتيب وقوف الإمام والمأموم فضربان: أحدهما يقف المأموم عن جانب الإمام، والآخر يقف خلفه. فالأول: إذا صلى رجلان جماعة وقف المأموم على يمين الإمام، أو صلى قوم عراة، أو زمنى صلوا جميعا جلوسا والامام وسطهم. ويقدم العراة إمامهم بركبتيه، وركع وسجد بالايماء، والمأمومون يركعون، ويسجدون. أو صلت النساء جماعة،

(1) الكافي 3: 330 حديث 6، الفقيه 1: 255 حديث 1151، التهذيب 3: 48 حديث 167.

[ 108 ]

ووقفت التي تؤم بهن وسطهن. والثاني: إذا صلى برجل وامرأة جماعة، وقفت المرأة خلفه، أو صلى رجال جماعة وقفوا خلف الإمام، أو صلى رجال ونساء وخناثى وعبيد وصبيان وعراة، وقف الرجال أولا خلف الإمام، ثم العبيد، ثم الصبيان، ثم العراة جلوسا، ثم الخناثى - إذا أشكل أمرها -، ثم النساء، وإن وقف الرجال يمين الإمام جاز. فصل في بيان أحكام [ صلاة ] (1) السفر السفر ثلاثة أضرب: معصية، ومباح، وطاعة. فالسفر إذا كان معصية لم يجز فيه التقصير في الصلاة بحال، ولا إفطار الصوم. وإن كان مباحا، أو طاعة لم يخل: إما بلغ حد التقصير بريدين ثمانية فراسخ، أو لم يبلغ، فإن لم يبلغ لم يخل: إما كان أربعة فراسخ فصاعدا، أو لم يكن. فإن لم يكن لم يقصر بحال، وإن كان لم يخل: إما أراد الرجوع من يومه، أو من غده، أولم يرد الرجوع كذلك. فإن أراد الرجوع من يومه قصر، وإن أراد الرجوع من غده كان مخيرا بين التقصير والاتمام في الصلاة دون الصوم، وإن لم يرد الرجوع أتم على كل حال. هذا إذا لم يكن سفره في حكم الحضر، فإن كان سفره في حكم الحضر لم يخل: إما كان دار إقامة، أو لم يكن. فإن كان له دار إقامة يكون له فيها مقام (عشرة أيام كان حكمه حكم غيره من المسافرين، وإن كان له فيها مقام) (2) خمسة أيام قصر بالنهار وأتم بالليل، وإن لم يكن له دار إقامة أتم على كل حال. والذي يكون سفره في حكم الحضر ثمانية رهط: المكاري، والملاح،

(1) زيادة من نسختين " ش " و " ط ".
(2) لم ترد في نسخة " ط ".

[ 109 ]

والراعي، والبدوي، والبريد، والذي يدور في إمارته، أو جبايته، أو تجارته من سوق إلى سوق. وإن بلغ سفره مسافة التقصير لم يخل من ثلاثة أوجه: إما نوى السفر ولم يخرج، أو خرج ولم ينو، أو نوى وخرج. فالأول: يكون حاضرا. والثاني: يكون في حكم الحاضر وإن قطع منازل مثل من أفلت له دابة، أو أبق له عبد، أو هرب غريم له وخرج في طلبه. والثالث لم يخل من ثمانية أوجه: إما وقف في الطريق، أو عدل عنه إلى صيد، أو مر بضيعة له، أو مضى غير معرج، أو نوى إقامة عشر في المقصد، أو لم ينو ثم نوى إذا بلغ المقصد، أو نوى الإقامة إن رأى فلانا، أو نوى السفر إلى أحد الاحرام الأربعة. فالأول: إن نوى إقامة عشرة أتم وإن لم ينو قصر. والثاني ثلاثة أضرب: إما عدل إلى الصيد لهوا ولايجوز له التقصير، أو لطلب القوت ويلزمه التقصير، أو للتجارة ويلزمه التقصير في الصلاة دون الصوم. والثالث: إن كان له فيها مسكن نزل به ستة أشهر فصاعدا أتم، وإن لم يكن قصر، إلا إذا نوى إقامة عشرة. والرابع: كان فرضه التقصير في الصلاة والصوم. والخامس: فرضه التقصير في الطريق، والاتمام في المقصد وإن بدا له. والسادس: فرضه التقصير في الطريق، فإذا بلغ المقصد ولم يبد له في الإقامة أتم، فإن بدا له لم يخل: إما أتم صلاة واحدة ويلزمه الاتمام، أو بدا له قبل أن يصلي ويلزمه التقصير، أو لم ينو أصلا فيقصر ما بينه وبين شهر، فإن أقام شهرا أتم بعد ذلك ولو صلاة واحدة. والسابع: إن رأى فلانا أتم، ولو بدا له، أو أقام يوما واحدا بعد رؤيته،

[ 110 ]

وقصر إن لم ينو الإقامة ما بينه وبين شهر، إذا لم يره. والثامن: يستحب له الاتمام فيه وإن لم ينو مقام عشرة، ويجوز له التقصير، وإذا رجع إلى بلده من لم ينو السفر، وكان المسافة قدر التقصير قصر. والعاصي في السفر عشرة رهط: الباغي، والعادي، وقاطع الطريق، والساعي فسادا، والقاصد إلى فجور، والتابع لسلطان جائر مختارا في طاعته، والعبد الأبق، والهارب من الغريم وهو يقدر على قضاء حقه من غير إجحاف به، والهاربة من الزوج وهي غير محبوسة في دار الكفر، ومن طلب الصيد لهوا. فصل في بيان صلاة الخوف صلاة الخوف ضربان: صلاة الخوف، وصلاة شدة الخوف. فصلاة الخوف لا حد ثلاثة أقوام: لمن قاتل قتالا واجبا، أو مباحا، أو من كان في حكم من قاتل مباحا مثل الدافع عن النفس أو المال لما رأى سوادا فظنه عدوا. وإنما يجوز ذلك بثلاثة شروط: كون العدو في خلاف جهة القبلة، وخوف الغدر والانكباب منهم عليهم، وإمكان افتراقهم فرقتين، ومقاومة كل فرقة منها العدو. وهي مقصورة سفرا وحضرا، فإذا أرادوا ذلك افترقوا فرقتين، ووقفت إحداهما بازاء العدو، والأخرى مع الإمام عليه السلام، وصلى الإمام بها ركعة، وقام إلى الثانية، ووقف فيها حتى قرأت وركعت، ناوية للمفارقة عن الإمام، وأتمت الصلاة، ورجعت إلى مكان الأخرى، وجاءت هي واقتدت بالامام، وصلت الثانية معه. فإذا جلس الإمام للتشهد، قامت هي ناوية لمفارقة الإمام، وقرأت وركعت وسجدت وتشهدت، فسلم بهم الإمام. وإن كانت الصلاة ثلاثية صلى الإمام بالفرقة الأولى ركعة، ووقف في الثانية حتى أتمت ورجعت إلى مواقف الأخرى، وجاءت هي واقتدت به، وصلى بها

[ 111 ]

ركعتين، وجلس في التشهد حتى قامت ناوية للمفارقة، وأتمت وسلم بها. وأما صلاة شدة الخوف، فعلى حسب ما يمكن قائما، وراكبا وماشيا، وساجدا على قربوس السرج، ومؤمئا مستقبل القبلة، وغير مستقبلها. وإن لم يمكن الايماء قال بدل كل ركعة: سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر. والخائف من السيل، والسبع، والعدو يصلي صلاة شدة الخوف. فصل في بيان صلاة العيد شروط وجوب صلاة العيد شروط وجوب صلاة الجمعة، ويجب على من تجب عليه، وتسقط عمن، تسقط عنه إلا أن صلاة العيد إذا سقط وجوبها لم يسقط استحبابها، وإذا فاتت لا يلزم قضاؤها، إلا إذا وصل إلى الخطبة، وجلس مستمعا إليها، وإذا لم تصل في الجماعة استحب أن تصلى على الانفراد. وينبغي أن تقام مع الاختيار في الصحراء، إلا بمكة فإنه تصلى في المسجد الحرام، لا تجوز صلاة النافلة، قبلها، ولا بعدها قبل الزوال إلا بالمدينة فإنه يستحب أن تصلى فيها ركعتان في مسجد النبي صلى الله عليه وآله، قبل الخروج إلى المصلى. ووقتها: من عند انبساط الشمس إلى وقت الزوال. وكيفيتها: ركعتان باثنتي عشرة تكبيرة، سبع في الأولى، وخمس في الثانية، بزيادة تسع تكبيرات على التكبيرات المعتادة في سائر الصلاة. ويستحب أن يقرأ في أولاهما بعد الحمد سورة الأعلى، وفي الأخرى سورة الشمس، ويفصل بين كل تكبيرتين بقنوت، ويرفع يده بالتكبير والقنوت، ويقدم القراءة على التكبيرات وجوبا في الركعتين، ويركع بعد السابعة في الأولى، وبعد الخامسة في الثانية

[ 112 ]

ويكبر بالتكبير المعروف بعد أربع صلوات مفروضات في عيد الفطر بعد المغرب، والعشاء، والغداة، وصلاة العيد. وبعد خمس عشرة صلاة في عيد الأضحى إذا كان بمنى، وبعد عشر صلوات إذا لم يكن به، وابتدأ من بعد صلاة الظهر يوم العيد إلى أن يستوفي. والخطبة يوم العيد بعد الصلاة، ويقوم الإمام على منبر معمول من الطين، ويخطب مثل خطبة الجمعة، ويعلم الناس الفطرة والأضحية في يوميهما. فصل في بيان صلاة الكسوف صلاة الكسوف تجب عند إحدى أربع آيات: كسوف الشمس، وخسوف القمر، والزلازل، والرياح السود المظلمة. فإذا انكسفت الشمس، أو خسف القمر جميعا، وترك الصلاة متعمدا قضى بغسل، وإن تركها غير متعمد قضى بغير غسل. وإن احترق بعض القرص، وترك عمدا قضى بغير غسل، وإن ترك سهوا لم يقض. وأول وقتها إذا ابتدأ في الاحتراق، وآخره إذا ابتدأ في الانجلاء. وأول وقت صلاة الزلازل والرياح السود أول ظهورها، وليس لاخرها وقت معين، فإن كان وقتها وقت فريضة موظفة ابتدأ بالموظفة، وإن كان وقتها قريبا من وقت الموظفة ودخل فيها، ثم دخل وقت الموظفة أتمها ما لم يخف فوات الموظفة، فإن خاف فوتها قطعها وصلى الموظفة، أو خففها إن أمكن. وهي عشر ركعات بأربع سجدات، أو ركعتان بعشر ركوعات. ويستحب أن يقرأ فيها السور الطوال، وأن تعاد إذا فرغ منها قبل الانجلاء. وكيفيتها: أن يفتتح ويتوجه ويقرأ الحمد وسورة طويلة مثل الأنبياء والكهف، فإذا فرغ ركع، وطول زمان الركوع مثل زمان القراءة، ورف رأسه بالتكبير،

[ 113 ]

وقرأ الحمد وسورة، وعاد إلى الركوع هكذا خمسا، وقال إذا رفع رأسه من الركوع الخامس: سمع الله لمن حمده، وسجد بعد سجدتين، وقام وفعل مثل ما فعل. وقنت إذا أراد الركوع العاشر، وإن قنت خمس مرات عند كل ركوعين كان أفضل، وإن قرأ بعض السورة جاز فإن أراد إتمامها بعد الركوع الأخر لم يقرأ الحمد، وإن أراد قراءة أخرى قرأ الحمد. فصل في بيان صلاة الاستسقاء وهي مثل صلاة العيد صفة، وهيئة، وترتيبا، وفي الخروج إلى المصلى، إلا أنه لم يندب فيها إلى قراءة سورة معينة. وتستحب إذا أجدبت البلاد، وقلت الامطار، ونضبت العيون والآبار. فإذا أراد الناس ذلك تقدم الإمام إليهم بصوم ثلاثة أيام، والسبت والأحد والاثنين، ثم خرج بهم يوم الإثنين إلى الصحراء - إلا بمكة - وتقدمه الناس، وهو على أثرهم بسكينة ووقار، وصلى بهم. فإذا فرغ من الصلاة قام وهو مستقبل القبلة والناس معه، وكبروا الله تعالى مائة تكبيرة، ورفعوا بها الاصوات، ثم التفتوا عن أيمانهم وسبحوا الله تعالى مائة تسبيحة، ثم التفتوا عن شمائلهم وهللوا مائة تهليلة، ثم استقبل الإمام الناس وحمدوا الله تعالى مائة تحميده يرفعون أصواتهم في جميع ذلك. ثم خطب الإمام بخطبة الاستسقاء المروية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) فإن لم يعلم اقتصر على الدعاء فإن لم يسقوا أعادوا ثانيا وثالثا، فإذا سقوا صلوا شكرا لله تعالى. وإنما يحضروا الاستسقاء الشيوخ الكبار، والصبية الصغار، والعجائز من النساء، والبهائم. ويكره إحضار أهل الذمة.

(1) الفقيه 1: 335 حديث 1504، التهذيب 3: 151 حديث 328.

[ 114 ]

فصل في بيان صلاة المريض المريض في صلاته ثمانية أضرب: فإن قدر على الصلاة قائما معتمدا على الحائط، أو عكازة صلى قائما معتمدا عليه. فإن لم يمكنه إلا القيام في بعضها صلى كذلك. وإن لم يمكنه إلا قاعدا وأمكنه الركوع قائما صلى قاعدا وقام للركوع. وإن لم يمكنه إلا القيام لم يقم للركوع، وسجد على الأرض إن أمكنه. فإن لم يمكنه رفع السجادة وسجد عليها. وإن لم يمكنه قاعدا، وأمكنه مضطجعا، صلى كذلك وركع وسجد. فإن لم يمكنه أومأ بالركوع والسجود مضطجعا. فإن لم يمكنه استلقى على قفاه وأومأ، وغمض عينيه إذا أراد الركوع، وفتحهما إذا أراد رفع الرأس منه، وغمضهما للسجود أكثر مما غمض للركوع، وفتحهما إذا أراد رفع الرأس منه. وإذا كان مبطونا، وحدث به ما ينقض الصلاة، قطع وتطهر وبنى. وإن كان به سلس البول فكذلك إذا استبرأ ووجب عليه أن يلف خرقة على ذكره، لئلا تتعدى النجاسة إلى بدنه وثوبه. وإذا صلى قاعدا، فصل بين قعدة القيام وبين قعدة الجلوس بالجلسة، وجلس متربعا، جاز له القراءة، وعلى وركه متشهدا إن أمكنه، فإن لم يمكن فعل كيف أمكنه. وإن كان مسافرا جاز له أن يصلي الفرائض راكبا، وسجد على ما يتمكن منه إن أمكن، وإن تنفل وصلى بالايماء جاز.

[ 115 ]

فصل في بيان صلاة العريان العريان على أربعة أضرب: فإن وجد ما يستر به العورة من الحشيش أو الطين الطاهر سترها به، فإن لم يجد وأراد الصلاة جماعة فقد ذكرنا حكمه، وإن صلى منفردا بحيث يأمن اطلاع أحد عليه صلى قائما، وإن لم يأمن صلى قاعدا. ومن كان معه ثوب نجس فهو في حكم العاري، وإن كانت جماعة عراة،، ومع أحدهم ما يستر به العورة استحب له إذا صلى فيها أن يعيرها واحدا فواحدا حتى يصلوا فيها. والمقيد صلى على حالته كيف أمكنه. فصل في بيان الصلاة في السفينة من ركب السفينة وقدر على الشط، فالمستحب له أن يخرج لصلاة الفريضة إليه، فإن لم يخرج وصلى فيها جاز، وصلى قائما مستقبل القبلة، فإن لم يتمكن من القيام صلى جالسا، فإن دارت السفينة وأمكنه أن يدور معها، ليكون وجهه إلى القيلة دار، فإن لم يمكنه استقبل بتكبيرة الاحرام وصلى كيف دارت به، وسجد إن شاء على خشبها. فإن كانت مقيرة، وكان له ثوب يغطيه به غطاه وسجد عليه وإن لم يكن له ما يستر به سجد على القير إذا لم يكن له ما يسجد عليه. والمتنفل يجوز له أن يصلي إلى رأس السفينة، وإن راعى القبلة كان أفضل، والبحار والأنهار في ذلك سواء. فصل في بيان صلاة الغريق والموتحل والسابح هؤلاء إذا دخل عليهم وقت الصلاة، ولم يتمكنوا من موضع يصلون عليه صلوا

[ 116 ]

بإيماءا، والسجود أخفض من الركوع، ولابد من استقبال القبلة إذا أمكن. فصل في بيان صلاة الليل ونوافل شهر رمضان وغيرها صلاة الليل إحدى عشرة ركعة، فإذا أراد ذلك قام وتطهر، وابتدأ فصلى ركعتين كل ركعة منها بالحمد مرة، والاخلاص ثلاثين مرة، وقنت وعقب بعد كل ركعتين بالدعاء المأثور، أو بما تيسر له، وصلى بعد ذلك ست ركعات كل ركعتين بتسليمة،، وقرأ فيها السور الطوال مثل الأنبياء، والكهف، والحواميم، وعقب بعد كل ركعتين، وقنت في الثانية قبل الركوع، ثم صلى ركعتين صلاة الشفع، وتوجه فيها وفي الأولى بسبع تكبيرات، وقرأ في الأولى الحمد وسورة الفلق، وفي الثانية الحمد وسورة الناس، وقنت بالمأثور، وعقب بالمروي، وسجد، ثم قام إلى مفردة الوتر، وتوجه وقرأ فيها الحمد وسورة الاخلاص ثلات مرات والمعوذتين، وقنت قنوتا طويلا بالمروي، ودعا فيه لاربعين نفرا من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ومن خيار أصحاب الأئمة عليهم السلام وسماهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، ودعا للمؤمنين، وسمى من قدر عليه ولوالديه، ودعا على من حاد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وتضرع، وابتهل، واستغفر، وأناب. فإذا فرغ من القنوت، وركع، ورفع رأسه دعا بالدعاء المروي، فإذا فرغ من الصلاة عقب على ما هو مروي، ثم قام إلى ركعتي الغداة وصلى، وعقب، واضطجع، ووضع الخد الأيمن على اليد اليمنى ودعا، وقرأ الآيات المعروفة بذلك من القرآن على ما هو مذكور. وأما نوافل شهر رمضان فألف ركعة، منها ثلاثمائة ركعة في ثلاث ليال: ليلة تسع عشرة، واحدى وعشرين، وثلاث وعشرين. وثلاثمائة وثمانون ركعة في تسع عشرة ليلة، كل ليلة عشرين ركعة منها ثماني ركعات بعد المغرب قبل العشاء،

[ 117 ]

والباقي بعد العشاء. ومائتان وأربعون ركعة في ثماني ليال الباقية، كل ليلة ثلاثين بين العشائين ثمانيا، والباقي بعده. ويقرأ في كل ركعة الحمد مرة، وقل هو الله إحدى عشر مرة، ودعا بعد كل ركعتين بالمأثور إن أمكنه. وصلى في كل جمعة منها عشر ركعات، منها أربع ركعات صلاة منها أمير المؤمنين عليه السلام وركعتان صلاة الطاهرة عليها السلام وأربع ركعات صلاة جعفر عليه السلام (1). وصلى في سحر الجمعة الأخيرة عشرين ركعة صلاة أمير المؤمنين عليه السلام، وسحر السبت الأخير عشرين ركعة صلاة الطاهرة عليها السلام، وصلى ليلة النصف زيادة على الألف مائة ركعة. وأما صلاة أمير المؤمنين عليه السلام، فأربع ركعات بتشهدين وتسليمين، يقرأ في كل ركعة منها الحمد مرة، والاخلاص خمسين مرة. وصلاة فاطمة عليها السلام ركعتان، يقرأ في الأولى مائة مرة سورة القدر، وفي الأخرى مائة مرة سورة الاخلاص بعد الفاتحة. وصلاة جعفر عليه السلام أربع ركعات بتشهدين وتسليمين، يقرأ في الأولى الحمد وإذا زلزلت، وفي الثانية الحمد والعاديات، وفي الثالثة الحمد وإذا جاء نصر الله، وفي الرابعة الحمد وقل هو الله أحد، ويقنت فيها قنوتين، وسبح في الجميع ثلاثمائة تسبيحة، في كل ركعة خمسة وسبعين بعد القراءة قبل الركوع في كل ركعة خمسة عشر، وفي الركوع عشرا، وفي رفع الرأس منه عشرا، وفي كل واحدة من السجدتين عشرا، وفي رفع الرأس منهما عشرا، وعقب بعد كل واحدة من هذه الصلوات بالدعاء والتسبيح المرويين لها، وإن صلى صلاة جعفر عليه السلام بالليل أو بالنهار واحتسب من نافلته جاز.

(1) زيادة من نسخة " ط "

[ 118 ]

فصل في بيان الصلاة على الأموات الفصل يشتمل على بيان خمسة أنواع: من تجب الصلاة عليه، ومن تحضر الصلاة عليه، ومن يصلي عليه سنة وتقية، ومن يكبر عليه خمسا، ومن يكبر عليه أربعا. فالأول: كل من بلغ ست سنين فصاعدا من أهل الايمان. والثاني ثلاثة أصناف: الكافر، والمنافق، والمقتول باغيا. والثالث: كل طفل من أهل الايمان لم يبلغ ست سنين. والرابع: كل من أقر بالولاية من المسلمين. والخامس: كل من لم يقر بها. ومن يصلى عليه ضربان: مكنس، وعار. فالمكتسي يوضع نعشه بحذاء القبلة، بحيث لو اضطجع على يمينه لكان بأزاء القبلة، ورأسه إلى يمينها، فإن وضع منكوسا وصلي عليه، وجبت إعادة الصلاة عليه ما لم يدفن. ولم يخل: إما كان مفردا، أو معه ميت آخر. فإن كان مفردا وكان رجلا، وقف الإمام عند وسط الجنازة، وإن كانت امرأة وقف عند صدرها. وإن كان معه غيره لم يخل من تسعة أوجه: إما كانا رجلين، أو امرأتين، أو رجلا وامرأة، أو رجلا وصبيا، أو امرأة وصبية، أو صبيا، أو رجلا وخنثى، أو حرا وعبدا، أو رجلا حرا أو عبدا أو امرأة وخنثى وصبيا وصبية وأمة. فالأول: قدم الأقل سنا إلى جهة القبلة، والثاني: كذلك، والثالث: قدمت المرأة، والرابع: قدم الصبي، والخامس: قدمت الصبية، والسادس: قدمت المرأة، إذا كان الصبي ممن تجب عليه الصلاة، والسابع: قدم الخنثى، والثامن: قدم

[ 119 ]

العبد، والتاسع: قدمت الصبية، ثم الأمة، ثم المرأة الخنثى، ثم الصبي، ثم العبد، ثم الحر. وإن كان الصبي ممن لا تجب عليه الصلاة قدم على المرأة. ومن يصلي على الميت سبعة أصناف: إما كان رجلين، أو رجلا وامرأة، أو امرأتين، أو رجالا جماعة، أو عراة، أو نساء، أو رجالا ونساء خناثى وصبية وعبيدا. فالأول: يقف المأموم خلف الإمام، والثاني: كذلك، والثالث: تقف المؤتمة خلفها، والرابع: يقف المأمون، خلف الإمام والخامس: يقف الإمام وسطهم واضعي أيديهم على سوآتهم، والسادس: يقف الإمام والباقيات عن يمينها ويسارها. وإن كان فيهن حائض خرجت من الصف، ووقفت بارزة من الصف، والسابع: يقف الإمام، ثم الرجال، ثم العبيد، ثم الصبيان، ثم الخناثى، ثم النساء. وأما أولى الناس بالصلاة على الميت فأولاهم به في الميراث، إلا إذا حضر الأب والابن معا، فإن الأب أحق من الإبن، والزوج أحق بالصلاة على المرأة. فإن حضر إمام عادل، فهو أحق بالصلاة، وليس لأحد أن يتقدمه. وإن حضر هاشمي، وكان أهلا للامامة قدمه الولي استحبابا. والصلاة في الموضع المخصوص بها أفضل، ويجوز في المساجد، وأفضل الصفوف الأخير. وإذا نوى للصلاة، ورفع يديه بالتكبير، وتشهد الشهادتين بعده، ثم كبر الثانية، وصلى بعدها على النبي - صلى الله عليه وآله عليهم السلام، ثم كبر الثالثة، ودعا للمؤمنين (والمؤمنات) (1)، ثم كبر الرابعة، ودعا على الميت إن كان ناصبا، وختم الصلاة بها، ودعا له إن كان مؤمنا، وإن كان مستضعفا دعا له

(1) زيادة من نسخة " ش "

[ 120 ]

بدعائه، وإن كان ممن لا يعرف عقيدته سأل الله تعالى أن يحشره مع من كان يتولاه، وإن كان طفلا سأل الله تعالى أن يجعله له، لابويه فرطا (1)، ثم كبر الخامسة، وقال ثلاث مرات: عفوك. وليس الطهارة من شرط صحة هذه الصلاة، وإنما هي من شروط فضلها. ولا قراءة فيها، ولا يرفع اليد بالتكبير إلا في الأولى، وروي رفع اليدين (2) في الجميع. وإن سبق المأموم الإمام بتكبيرة أعادها معه، وإن فاتته واحدة كبر عليه بعد فراغ الإمام وإن رفع، وإن فاتته الصلاة صلى على القبر إلى انقضاء يوم وليلة. وإذا صلى عليه لم يبرح من مكانه حتى يرى الجنازة على أيدى الرجال.

(1) فرطا، بالتحريك: أي أجرا وذخرا يتقدم عليهما حتى يردا عليه. لسان العرب - فرط - 7: 367، مجمع البحرين - فرط - 4: 264.
(2) في نسختين " م " و " ط ": اليد.
(3) التهذيب 3: 194، 195 حديث 445 و 446 و 247، الاستبصار 1: 478 حديث 1850 و 1851 و 1852.

[ 121 ]

كتاب الزكاة هذا الفصل يشتمل على بيان زكاة الأموال، وزكاة الرؤوس. وزكاة الأموال تحتاج إلى معرفة ستة عشر شيئا: معرفة وجوبها، ومن تجب عليه ويصح منه أداؤها، ومن تجب عليه ولا يصح منه أداؤها، ومن لا تجب عليه وتلزم في ماله، ومن ضمن إذا لم يؤد، ومن لم يضمن، ومن سقط عنه أداؤها، وما تجب فيه الزكاة من الأموال، وما يستحب، وما ليس فيه الزكاة من الأموال، والقدر الذي تجب فيه، والقدر الذي يجب اخراجه منه إلى المستحق، والوقت الذي يجب فيه، ومن المستحق لها، ومن له صرفها إلى المستحق، ومن إذا أخرج الزكاة وجب عليه إعادتها. فأما الأول: فمعلوم ضرورة من دين نبينا محمد صلى الله عليه وآله. والثاني: كل مكلف مسلم. والثالث: الكافر. والرابع: الصبي. والخامس: كل من يتمكن من إخراجها من المال، وإيصالها إلى المستحق،

[ 122 ]

أو إلى من إليه التفرقة (1) على المستحق، ولم يؤد، أو لم يتمكن، ولم يعزل قدر الفريضة عن المال إذا وجب. والسادس: من لم يتمكن وقد عزل حق الزكاة عن ماله، ولم يفرط فيه. والسابع: الكافر إذا أسلم، فإنه يسقط عنه الزكاة التي كانت واجبة عليه كافرا. والثامن: تسعة أشياء: الذهب، والفضة، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والإبل، والبقر، والغنم. والتاسع: ستة أشياء: الخيل السائمة (الاناث) (2). ومال التجارة إذا طلبت برأس المال أو بأكثر، فإن طلبت بأقل لم يلزم. وقال قوم من أصحابنا: تجب في قيمته الزكاة (3)، ومن قال بالاستحباب، قال بعضهم: تكون فيه زكاة سنة وإن مر عليه سنون (4)، وقال آخرون: يلزم في كل سنة. وسبائك الذهب والفضة ما لم يفر به من الزكاة، فإن فر (به) (5) وجبت. والحلى المحرم لبسه، مثل حلي الرجال للنساء، وحلي النساء للرجال ما لم يفر به من الزكاة. وكل ما يخرج من الأرض مما يكال أو يوزن سوى الاجناس التسعة إذا بلغ النصاب. وكل مال غاب عن صاحبه سنين، ثم تمكن منه أخرج الزكاة لسنة وأحدة استحبابا.

(1) في " م " التفرق. (2) زيادة من نسختين " ش " و " ط ".
(3) قاله ابن بابويه، انظر: المقنع: 52، من لا يحضره الفقيه 2: 11.
(4) منهم الشيخ الطوسي في التهذيب 4: 70، والاستبصار 2: 11.
(5) زيادة من نسختي " ش " و " ط ".

[ 123 ]

العاشر ستة عشر شيئا: العاملة من الحيوان، وغير السائمة من الغنم، والحمير، والبغال، والمتولدة بين الغنم والظباء على قول، وغير الاهلي من الحيوان إذا ملك وتأنس، وكل مال سوى ما ذكرناه مما تجب فيه الزكاة أو تستحب من الدور، والمساكن، والضياع، والعقار والأثاث، والحلي المباح الاستعمال، ومال الطفل، والمجنون من الذهب والفضة، وكل مال لم يتمكن منه صاحبه فرضا كان أو غير فرض، والخضروات. والحادي عشر: المال الزكوي إذا بلغ مقدار نصاب فصاعدا. والثاني عشر: قدر الفريضة. والثالث عشر: مضي السنة على النصاب التام، إن كان المال مما يعتبر فيه حؤول الحول، وهو خمسة أشياء: الذهب، والفضة، والإبل، والبقر، والغنم من الماء الذي تجب فيه الزكاة. وخمسة أشياء مما تستحب فيه الزكاة، وهي: ما سوى ما يخرج من الأرض مما يكال ويوزن، فإذا مر على المال أحد عشر شهرا واستهل الشهر الثاني عشر فقد وجبت الزكاة، وبدو الصلاح في الغلة والتمر في الواجب من الزكاة والمستحب، فإن وقت الوجوب في ذلك غير الأداء، ووقت الوجوب والأداء واحد فيما سواء. والرابع عشر: الذين ذكر هم الله تعالى في القرآن بقوله: " إنما الصدقات للفقراء.. (1) " الآية، وهم ثمانية نفر. والخامس عشر ثلاثة نفر الإمام إذا حضر وطلب حتى يقسم، ثم صاحب المال إذا كان عارفا بذلك، ثم من أذن له الإمام في ذلك من نوابه والفقهاء الامناء. والسادس عشر ستة نفر: أحدها من أدى زكاة المال ولم ينو، أو دفع إلى غير المستحق لها عالما بذلك، أو دفع وظن أنه مستحق ثم ظهر أنه غير مستحق،

(1) التوبة: 60.

[ 124 ]

أو دفعها معجلة ثم تغير حال المدفوع إليه بفسق قبل حؤول الحول، ثم حال الحول وبقى على الفسق ولم يمكن الارتجاع منه، أو دفع إلى وكيل له ليؤدي فتلف، أو دفع إلى غير المستحق. فصل في بيان زكاة الإبل إنما تجب الزكاة فيها بأربعة شروط: الملك، والنصاب، وحؤول الحول، والسوم للدر والنسل. فالنصاب: المبلغ الذي تجب فيه الزكاة، وما لا تجب فيه الزكاة يسمى شنقا، كان تحته نصاب أو لم يكن، وما يؤخذ منها يسمى فريضة، وفيها ثلاثة عشر نصابا: خمسة منها متجانسة، وهي: خمسة، ثم عشرة، ثم خمسة عشر، ثم عشرون ثم خمسة وعشرون. وثمانية مختلفة: ستة وعشرون، ستة وثلاثون، ستة وأربعون، واحد وستون، ستة وسبعون، أحد وتسعون، مائة وأحد وعشرون، ثم تغير ذلك الحكم، وصار النصاب أربعين أو خمسين. والاشناق كذلك، لأن تحت كل نصاب شنقا، إلا في ستة وعشرين وفيها اثنتا عشرة فريضة، خمسة منها متجانسة، وهي: كل ما تجب في خمسة إلى خمسة وعشرين، وهي جذع من الضأن أو ثني من المعز من غنم ذلك البلد - والردئ لا يجزئ - والباقي مختلفة، وهي: بنت مخاض أو ابن لبون ذكر في ستة وعشرين، وبنت لبون في ستة وثلاثين، وحقة في ستة وأربعين، وجذعة في إحدى وستين، وبنتا لبون في ستة وسبعين، وحقتان في إحدى وتسعين، وثلاث بنات لبون في مائة واحدى وعشرين، وبنتا لبون وحقة في مائة وثلاثين. وعلى ذلك فإن لم يكن له ما يجب عليه، وكان معه ما يجب فيما دونه من النصاب أو فوقه دفعه واسترد شاتين أو عشرين درهما إن كان فوقه، ودفع معه ما ذكرنا

[ 125 ]

إن كان دونه، مثل من وجب عليه بنت لبون ومعه بنت مخاض، أو ما هو في حكمها من ابن لبون أو حقة. وإن حصل معه من النصب ما ينقسم على أربعينات وخمسينات مثل مائتين، فإنها تنقسم على خمس أربعينات وأربع خمسينات، كان مخيرا إن شاء دفع أربع حقاق، وإن شاء خمس بنات لبون، والحقة أفضل. وإن كانت الإبل صحاحا ومراضا، أو سمانا ومهازيل لم يجزئ إلا دون، ولم يلزم الأعلى، بل يلزم الوسط، وإن تبرع بالأجود فقد أحسن، ولا يجمع فيها بين المتفرق ولا يفرق بين المجتمع. فصل في بيان زكاة البقر شروط زكاة البقر مثل شروط زكاة الإبل من الملك، والنصاب، وحؤول الحول، والسوم. وما تعلق به الزكاة نصاب، وما لم يتعلق به وقص، والمأخوذ منه فريضة. فالنصاب فيها اثنان، وهما: ثلاثون، وأربعون. والوقص اثنان، وهما ما تحتهما. والفريضة اثنان: تبيع أو تبيعة، ومسنة، فإن انقسم المال على أربعين وثلاثين، مثل مائة وعشرين، أو كان المال صحيحا ومعيبا، أو جيدا ورديئا، أو سمينا وهزيلا، كان حكمه على ما ذكرنا في الإبل. والبقر والجاموس جنس في الزكاة. فصل في بيان زكاة الغنم شروط وجوب زكاة الغنم مثل شروط الإبل والبقر، وما يتعلق به النصاب، وما يؤخذ منه الفريضة، وما لا يتعلق به يسمى عفوا فالنصاب فيها أربعة، والعفو كذلك، والفريضة جنس واحد، وهو: في كل نصاب واحد من جنسه، وباختلاف الغنم

[ 126 ]

بالبلد لا يتغير الحكم، والنصاب الأول: أربعون، والثاني مائة واحدى وعشرون، والثالث: مائتان وواحدة، والرابع: ثلاثمائة وواحدة، فإذا زاد على ذلك تغير هذا الحكم، وكان في كل مائة شاة. ولا يجزئ الردئ، ولا يلزم الافضل، وحكم الصحيح والمريض، والسمين والهزيل، والجيد والردئ على ما ذكرنا. والسخال لها حكم حول أنفسها، وكذلك حكم ولد الإبل. والبقر والضأن والمعز جنس. وأقل الأسنان التي تجزئ الجذع من الضأن، وما تم له سنة من المعز. وإذا حال الحول، وباع أو رهن النصاب لم ينفذ في الفريضة، وإن ضلت واحدة من النصاب قبل الحول، وعادت لم تسقط الزكاة، وإن لم تعد سقطت. فصل في بيان زكاة الذهب والفضة شروط زكاة الذهب والفضة أربعة، الملك، والنصاب، والحول، وكونهما مضروبين منقوشين، أو في حكم المضروب والمنقوش. وفي كل واحد نصابان وعفوان، والمأخوذ منهما يسمى فريضة، والفريضة فيهما ربع العشر. فالنصاب الأول في الذهب عشرون دينار وفيه نصف دينار، وفي الفضة مائتا درهم وفيها خمسة دراهم، والنصاب الثاني في الذهب أربعة دنانير وفيها عشر دينار، وفي الفضة أربعون درهما وفيها درهم، وعلى هذا بالغا ما بلغ. والعفو الأول في الذهب قدر ما نقص عن العشرين، وفي الفضة ما نقص عن المائتين. والعفو الثاني في الذهب ما نقص عن الأربعة، ويستمر هذا الحكم. وفي القضة ما نقص عن الأربعين، وعلى ذلك أبدا. وإن كان الذهب والفضة المضروبان غير خالصين اعتبرنا بالخالص. وإن تم النصاب طر في السنة دون وسطها، أو في أحد طرفيها لم تجب فيه

[ 127 ]

الزكاة، وإن كان ماله غائبا عنه ولم يتمكن منه، أو وديعة ولم يصل إليه، أو قرضا على أحد ولم يرد عليه، وأو دفينا وقد نسي، أو لم يتمكن منه، أو غير مضروب ولا منقوش ولم يفر به من الزكاة لم تجب الزكاة فيه. وإن تمكن منها، أو فر بغير المنقوش المضروب من الزكاة أو لم يأخذ المال من المستقرض وهو يرد عليه وجب فيه الزكاة. فصل في بيان زكاة الغلات والثمار إنما تجب الزكاة في الجميع بشرطين: الملكية، والنصاب. والنصاب فيها واحد، والعفو واحد. فالنصاب خمسة أو ساق، والوسق ستون صاعا، والصاع تسعة أرطال بالعراقي. والعفو ما نقص عن ذلك. ولم يخل جميع ذلك من ثلاثة أوجه: إما سقي سيحا أو بعلا، أو عذيا. أو شقي بالغرب (1)، أو الدوالي، أو ما يلزم عليه المؤن الكثيرة أو سقي بهما معا. فالأول: يلزم فيه العشر. والثاني: نصف العشر. والثالث على ثلاثة أضرب: إما كان الغالب ما يلزم معه العشر، أو نصف العشر، أو كان متساويا. فالأول: يلزم فيه العشر، والثاني: نصف العشر، والثالث: يلزم في نصفه العشر، وفي نصفه نصف العشر. والثمر ضربان: إما اختلف زمان إدراكها في السنة، أو حمل شجرها كل سنة مرتين. فالأول: يضم بعضها إلى بعض. والثاني: لا يضم، ويكون لكل حمل حكم نفسه. وأنواع الثمر والغلة في حكم جنس، ولا يلزم الأعلى إلا إذا تبرع به،

1) الغرب: الدلو العظيمة. الصحاح 1: 193 " غرب ".

[ 128 ]

ولا يجزئ الأدنى. وإن لم يقبل الجفاف بعض الثمر اعتبر بالحساب. فصل في بيان من يستحق الزكاة المستحق للزكاة ثمانية أصناف: الفقراء، والمساكين، والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمون، وفي سبيل الله، وابن السبيل. فالفقير: من لا شئ له. والمسكين: من له قدر من المال ولا يكفيه. والعامل: الساعي لجمع المال، وقد سقط سهمه اليوم. والمؤلفة قلوبهم: الذين يستمالون من الكفار استعانة بهم على قتال غير هم من أمثالهم، فيتألفون، وسقط سهمهم أيضا اليوم. وفي الرقاب: العبيد المضيق عليهم عند ساداتهم، فإن اشتروا واعتقوا عن أهل الصدقة، أو عمن وجب عليه عتق رقبة ولم يجد أجزأ من الزكاة، وكذلك المكاتب إذا عجز عن أداء مال الكتابة أعين بمال الصدقة على فك رقبته. والغارم: من ركبه الدين في مصلحة نفسه أو غير معصية الله تعالى. وسبيل الله: الجهاد، والرباط، والمصالح، وسبيل الخير. وقد سقط اليوم سهم الجهاد والرباط، دون المصالح وسبيل الخير. وابن السبيل: المجتاز بغير بلده المنقطع به غير منشئ للسفر. وقال بعض أصحابنا: الضيف إذا كان فقيرا داخل فيه (1).

(1) لم أجد من صرح بذلك من الأصحاب، قال المفيد في المقنعة: 39: " وابن السبيل: وهم المنقطع بهم في الاسفار، وقد جاءت رواية أنهم الاضياف ". وقال الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 252: " وروي أن الضيف داخل فيه "، وفي النهاية: 184: " وقيل أيضا أنه الضيف الذي ينزل بالانسان ويكون محتاجا في الحال وإن كان له يسار في بلده =

[ 129 ]

ومن يأخذ الصدقة ثلاثة أقسام: إما يعرف استحقاقه بظاهر الحال، أو لا يعرف إلا بالبينة، أو يعرف تارة بهذا وتارة بذاك. فالأول ستة أصناف: العامل، والمؤلفة، وسبيل الله، وابن السبيل، والفقير، والمسكين ابتداءا. والثاني صنفان: الفقير، والمسكين بعد الغنى. والثالث صنفان: الرقاب، والغارم. وينقسمون من وجه آخر قسمين: إحداهما يأخذ مع الغنى والفقر وهم خمسة نفر: العامل، والمؤلفة، والغزاة، والغارم لمصلحة ذات البين، وابن السبيل وإن كان في بلده ذا يسار. والآخر لا يأخذ إلا مع الفقر، وهم أيضا خمسة أصناف: الفقير، والمسكين، والرقاب، والغارم لمصلحة نفسه، وابن السبيل المنشئ للسفر. وينقسمون قسمين آخرين: إحداهما يعطى مستقرا، وهم أربعة أصناف: الفقير، والمسكين، والعامل، والمؤلفة. والآخر يعطى غير مستقر، وهو الباقي. والغارم إن كان انفق ما استدان في معصية الله تعالى، وتاب لم يعط من سهم الغارمين شيئا، وأعطي من سهم الفقراء. ويعتبر الايمان في جميع الاصناف إلا في المؤلفة، والعدالة إلا في المؤلفة والغزاة. وتحرم الزكاة على بني هاشم من غيرهم مع تمكنهم من الخمس، ولا يجوز دفع الزكاة إلى الولد وإن سفلوا، وإلى الوالدين وإن علوا من سهم الفقراء والمساكين، وجاز من سهم الرقاب، والغارم والعامل، والغزاة. وحكم الزوجة من سهم الغارمين كذلك، ولايجوز للمولى أن يدفع صدقته إلى مملوكه. ومن اجتمع فيه سببان، أو أكثر استحق بجميع الأسباب، والمخالف إذا استبصر ودفع الزكاة إلى أهل نحلته أعاد.

= وموطنه ". وقال الراوندي في فقه القرآن 1: 225 " وابن السبيل المسافر المنقطع به والضيف " ولمزيد الاطلاع انظر: جواهر الكلام 15: 374.

[ 130 ]

وإذا حضر الإمام وطلب مال الزكاة وجب أن يدفع إليه، فإن لم يدفع إليه، وأعطى صاحبه لم يجزئ، وإن لم يطلب جاز أن يباشر بنفسه. والأولى أن يدفع إليه زكاة المال الظاهر. وإن لم يحضر الإمام، ولم يعلم وضعها في مواضعها دفع إلى الفقهاء الديانين ليضعوها مواضعها. ومن كان له دين على مؤمن، ومات فقيرا جاز له أن يحتسب من الزكاة. وينبغي أن يدفع زكاة الذهب والفضة إلى الضعفاء، وزكاة المواشي إلى المتجملين ولا يجوز أن يعطي من زكاتهما المستحق أقل من نصاب، ويجوز أن يعطي قدر غناه. وقال قوم بواجب النصاب الأول، والآخرون بالثاني، وإذا استحقها قرابته فالأولى صرفها إليها، وإن كثرت جعل للقرابة قسطا، وللأجانب قسطا. وإذا وجد المستحق في البلد كره له نقلها إلى آخر، فإن نقل ضمن، وإن لم يجد لم تضمن. فصل في بيان زكاة الرؤوس وهي زكاة الفطرة، وهي ضربان: واجب، ومستحب. فالواجب إنما تجب على من فيه أربعة أو صاف: الحرية، والبلوغ، وكمال العقل، واليسار بكونه مالك نصاب مما تجب فيه الزكاة. ولابد في ذلك من معرفة عشرة أشياء: من تجب عليه وتصح منه، ومن تجب عليه ولا تصح منه، ومن لا تجب عليه ولا تستحب له، ومن عليه الاخراج عن غيره، ومن الذي يجب أن يخرج عنه، وما يجب فيه الاخراج، ومقدار ما يجب اخراجه فيها، والوقت الذي تجب فيه، ومن يستحقها، والقدر الذي لا يجوز إخراج أقل منه. فأما الأول: فقد ذكرناه. والثاني: الكافر.

[ 131 ]

والثالث: غير من تجب عليه، أو تستحب له. والرابع: من وجبت عليه وكان ذا عيال. والخامس: خمسة أصناف: نفسه، وجميع عيال من تجب عليه الفطرة من الوالدين وإن علوا، والولد وإن سفلوا، والزوجة، والمماليك، وخادمة الزوجة ومملوكه إذا عالهما، وكل ضعيف أفطر عنده شهر رمضان. والسادس أحد سبعة أصناف: التمر، والزبيب، والحنطة، والشعير، والأرز، والأقط، واللبن. وإنما تجب عليه من ذلك الأغلب من قوته، وأفضلها التمر، ثم الزبيب. والسابع: صاع قدره تسعة أرطال بالعراقي، إلا اللبن فإنه تجب فيه ستة أرطال، وإذا لم يجد أخرج قيمته، وروي أنه يخرج عنه درهما في الغلاء (1)، وثلثي درهم في الرخص (2). والأول أحوط. والثامن: إذا طلع هلال شوال إلى أن يتضيق وقت صلاة العيد، ويجوز تعجيلها من أول شهر رمضان، فإن لم تدفع قبل الصلاة لم يخل من وجهين: إما وجد المستحق، أو لم يجد. فإن وجد فقد فاته الوقت والفضل ولزمه قضاؤها، وروي أنه يستحب له قضاؤها (3). وإن لم يجد وعزل عن ماله، وتلف لم يضمن، وإن لم يعزل ضمن. والتاسع: من يستحق زكاة الأموال، والأولى أن يحملها إلى الإمام إن حضر، وإلى الفقهاء إن لم يحضر ليضعوها مواضعها، وإن قام بنفسه بذلك جاز إذا علم مواضعها.

(1) في نسختين " ش " و " ط ": كأنه درهم.
(2) رواه الشيخ المفيد في المقنعة: 41.
(3) الكافي 4: 170 باب الفطرة، التهذيب 4: 75 باب وقت زكاة الفطرة، الاستبصار 2: 44 باب وقت الفطرة.

[ 132 ]

والعاشر: صاع، ويجوز أن يعطي مستحق أصواعا، فإن كان له صاع واحد، وحضر جماعة من المستحقين جاز له أن يفرقه عليهم. وأما من يستحب له ذلك فثلاثة نفر: من لا يملك نصابا من المال، ومن أسلم بعد استهلال شوال، ومن يأخذ زكاة الأموال. ومن عسر عليه، أو أخذ الزكاة وبه حاجة أدارها على عياله من هذا إلى ذلك، ثم أخرج رأسا عن الجميع. وفطرة المكاتب المشروط عليه على سيده، والمكاتب المطلق إذا أدى بعض مال الكتابة وجب عليه بقدر ما تحرر إذا كان موسرا، والمعسر إذا تزوج أمة لم تلزمه ولا مولاها فطرتها. ويستحب إخراج الفطرة عن المولود بعد استهلال شوال إلى وقت صلاة العيد، وروي إلى وقت الزوال (1). فصل في بيان أحكام الأرضين الارضون أربعة أقسام: أرض أسلم أهلها طوعا، وأرض الجزية وهي: ما صولح عليها أهلها، وأرض أخذت عنوة بالسيف، وأرض الانفال. فالأولى لأربابها، ولهم التصرف فيها بما شاؤوا ما قاموا بعمارتها، فإذا تركوا عمارتها صارت للمسلمين، وأمرها إلى الإمام. والثانية: حكمها موكول إلى الإمام يصالحهم على ما يراه صلاحا من المبلغ، وله بعد مضي مدة الصلح الزيادة والنقصان في ماله. ولم يخل بعد ذلك من ثلاثة أوجه: إما باعوها، أو أسلموا عليها، أو تركوها بحالها. فإن باعوها انتقلت الجزية إلى رؤوسهم، وإن أسلموا عليها سقطت الجزية عنهم ولهم التصرف فيها بأنواعه، وإن تركوها بحالها لزمهم ما صالحوا عليها. والثالثة: يكون بأسرها للمسلمين، وحكمها إلى الإمام يتصرف فيها بما يراه

(1) التهذيب 4: 72 حديث 198.)

[ 133 ]

صلاحا، ويكون أعود على المسلمين. والرابعة: للامام خاصة، وهي عشرة أجناس: كل أرض جلا (عنها) أهلها، وكل أرض خراب باد أهلها، وكل أرض أسلمها الكفار بغير قتال، وكل أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، والبائرة التي لا أرباب لها، والأجام، ورؤوس الجبال، وبطون الاودية، وكل ما يصطفيه الملوك لانفسهم، وقطائعهم التي كانت في أيديهم من غير جهة غصب. فجميع ذاك حكمه إلى الإمام يبيع ما يشاء، ويهب ما يشاء، ويقطع ما يشاء، ويحمي ما يشاء ويضمن ما يشاء بما يشاء كيف يشاء، وينقل من آخر إلى غيره، ويزيد وينقص في النصيب بعد انقضاء المدة. وعلى المتقبل في الانفال وغيرها من الأراضي في فاضل الضريبة له العشر، أو نصفه. فصل في بيان إحياء الموات تتعلق بالموات أربعة أحكام: إحياء، وتحجر، وإقطاع، وحمى. والإحياء يكون لأحد أربعة أشياء: للدار، والحظيرة، والزرع، والغراس. فالإحياء للدار بحائط مسقوف، وللحظيرة برهص، وللزرع باظهار المرز وترتيب الماء، والغراس بالغراس فيه وترتيب الماء. والتحجر: تأثير في الموات دون الاحياء، وهو على ثلاثة أوجه: تحجر لاحياء الأرض، أو لاستخراج المعدن أو لاستنباط العيون والقنى، أو لا جراء الماء من النهر الكبير إلى الصغير. فإن أتم فهو إحياء، إن أثر أثرا فهو تحجر، والمؤثر أولى به، فإن استولى عليه غيره لم تملك وإن أحياء، وإن ترك المؤثر إتمامه أمره السلطان بالاتمام، أو الترك، فإن اعتذر بعذر صحيح قبل منه وأمهل، وإن لم يكن له عذر قبله السلطان من غيره.

(1) زيادة من نسختي " ش " و " ط ".

[ 134 ]

والاقطاع: أن يدفع السلطان إلى رجل من رعيته قطعة من الأرض الميتة، أو غير ذلك من الجبال، والمعادن مما لا يظهر إلا بالعمل والمئونة، فإن كان ظاهرا كان المسلمون فيه شرعا سواء، فإذا قطعه صار أولى بها من غيره، فإذا أحياها ملك، وإن ترك عمارتها كان حكمه حكم التحجر، وخير بين الاحياء والترك. والحمى: حماية أرض الماشية ترعى فيه، وليس لأحد ذلك إلا للسلطان قدر الفاضل عن مواشي المسلمين. وإنما يحمى لأحد أربعة أشياء: للخيل المعدة لسبيل الله، ونعم الجزية، والصدقة، والضوال. والقطيعة ضربان، إحياء، وإرفاق. فإذا أحيا فقد ملك، وإذا أرفق لم يملك، وإن سبقه إليه غيره كان أولى به. والماء ستة أضرب: مجوز، ومباح ونابع من بئر محفورة في الملك، ومحفورة في الموات للشرب، والسقي في الطعن أو النواضح، أو للقناة والعين. فالأول: مملوك مثل المائعات. والمباح ثلاثة أضرب: ماء البحر، والأنهار الكبار، والعيون النابعة في الموات. ويجوز لكل واحد الانتفاع به على سواء، وإن دخل ملك إنسان صار أولى به، ولم يملك. والثاني: الجاري في نهر ملك، وصاحبه أولى به، ولم يكن لأحد منازعته، ويجوز له بيع الفاضل منه، وإن بذل من غير ثمن كان أفضل، وإن كان النهر لجماعة كانو سواء بقدر مالهم في التصرف. والثالث: الجاري في نهر غير مملوك، والحكم فيه أن يحبس الأعلى على الأسفل للنخل إلى الساق، وللزرع إلى الشراك، وللشجر إلى القدم، ويرسل الفاضل إلى من هو أسفل منه. والثالث من قسمة الأصل (1): لمالكه يتصرف فيه كيف شاء، وليس له أن يمنع

(1) أي: الماء النابع من بئر محفورة في الملك.

[ 135 ]

غيره من حفر أخرى بجنبها إذا كان ملكا لذلك الغير. والرابع: كان لصاحبها أن يمنع غيره من حفر أخرى بجنبها إلى أربعين ذراعا. والخامس: كان له أن يمنع من حفر أخرى إلى ستين ذراعا، وروي إلى سبعين. والسادس: كان له أن يمنع من حفر أخرى إلى خمسمائة ذراع إن كانت الأرض صلبة، وإلى ألف ذراع إن كانت رخوة. وإذا أحيا شيئا من ذلك، أو من الأرض بإذن السلطان ملك، وملك بتملكه مرافقه، وإن أحيا بغير إذنه لم يملك.

[ 136 ]

كتاب الخمس (1) الفصل (2) يحتاج إلى بيان خمسة أشياء: ما يجب فيه الخمس، ومن يستحق ذلك، وكيف يقسم، ومن إليه قسمته، وأشياء تتعلق بذلك. فالأولى ثلاثة وثلاثون صنفا: كل ما أخرجته المعادن من الذهب، والفضة، والرصاص، والنحاس، والأسرب، والحديد، والزئبق، والياقوت، والزبرجد، والبلخش، والفيروزج، والعقيق، والكحل، والزرنيخ، والملح، والكبريت، والنفط، والقير، والموميا، وكنوز الذهب، والفضة، وغيرهما إذا لم يعرف لها مالك. والغوص، وما يوجد على رأس الماء في البحر، والعنبر، والمن، والعسل المشتار (3) من الجبال، والغنائم التي تؤخذ من دار الحرب عنوة - قلت، أم كثرت - من المال، والسلاح، والثياب، والمماليك، والكراع، والأرضين، والعقار،

(1) في نسخة " ش ": ومن هذا الكتاب باب الخمس.
(2) في نسختين " ش " و " ط ": " الباب ".
(3) الاشتيار: اجتناء العسل. الصحاح 2: 704 (شور).

[ 137 ]

والفاضل من الغلات عن قوت السنة بعد إخراج الزكاة منها، وكل مال اختلط فيه الحرام بالحلال على وجه لا يتميز، والميراث الذي اختلط الحلال بالحرام كذلك، وفاضل المكاسب عما يحتاج إليه لنفقة سنته، وأرباح التجارات، وكل أرض اشتراها ذمي من مسلم. والثاني: من ولد هاشم من الطرفين، أو من قبل الأب خاصة بعد حق الله تعالى. وينقسم ستة أقسام: سهم لله تعالى، وسهم لرسوله صلوات الله عليه وآله، وسهم لذي القربى - فهذه الثلاثة للامام - وسهم لأيتامهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم. وإذا لم يكن الإمام حاضرا، فقد ذكر فيه أشياء، والصحيح عندي أنه يقسم نصيبه على مواليه العارفين بحقه من أهل الفقر، والصلاح، والسداد. والثالث: يقسم بالسوية من الذكر والانثى، والوالد والولد، والصغير والكبير، ويراعى فيه الايمان، والعدل أفضل من الفاسق. ولا ينقل مع وجود المستحق إلى بلد آخر، وإن لم يوجد نقل، ولا يعطي نصيب هذا ذاك. وإذا بلغ اليتيم سقط حقه من هذا الوجه، دون المسكنة وغيرها. وبلوغ الرجل يحصل بأحد ثلاثة أشياء: الاحتلام، والانبات، وتمام خمس عشرة سنة. وبلوغ المرأة بأحد شيئين: الحيض، وتمام عشر سنين. والحبل علامة البلوغ. والرابع: يكون إلى الإمام إن كان حاضرا، وإلى من وجب عليه الخمس إن كان الإمام غائبا، وعرف صاحبه المستحق، وأحسن القسمة، وإن دفع إلى بعض الفقهاء الديانين ليتولى القسمة كان أفضل، وإن لم يحسن القسمة وجب عليه أن يدفع إلى من يحسن من أهل العلم بالفقه. والخامس: لم يخل المال الذي وجب فيه الخمس من أن يعتبر فيه النصاب

[ 138 ]

أو لا يعتبر: فالأول ثلاثة أشياء: معدن الذهب والفضة، وكنوزهما، والغوص. فإنه يعتبر في المعادن والكنوز قدر النصاب الذي تجب فيه الزكاة، وفي الغوص بلوغ قيمته دينارا. والثاني: ما سوى ذلك. وإن أنفق على تحصيله ما لا وضع مقداره عنه. ووقت الأداء في الغنائم بعد الفراغ من قسمتها، وفيما يوجد من الذهب والفضة من المعادن بعد الفراغ من تصفيته، وفيما سوى ذلك حالة حصوله.

[ 139 ]

كتاب الصوم الصوم في اللغة: هو الامساك. وخص في الشريعة: بإمساك مخصوص، أو حكمه ممن يكون على صفة مخصوصة، عن أشياء مخصوصة، على وجه مخصوص، في زمان مخصوص، إذا قارنته النية فعلا، أو حكما. وهو ضربان: متعين بزمان مخصوص، وغير متعين. فالمتعين ضربان: إما تعين من جهة الله تعالى، أو من المكلف نفسه. فالأول: صوم شهر رمضان، والثاني: صوم النذر المعين بيوم أو أيام. وصوم شهر رمضان يصح بنية القربة، ونية التعيين أفضل، ويجوز أن تكون نية القربة متقدمة. وصوم غير رمضان لا يصح إلا بنية التعيين والمقارنة، وإذا أصبح صائما في شهر رمضان لم يخل من أربعة أوجه: إما نوى بالليل، أو ترك النية عمدا على نية الافطار، أو نسيانا، أو نوى صوم غير رمضان سهوا (1) على اختلافه.

(1) في نسختي " م " و " ط ": " شهرا ".

[ 140 ]

فالأول: يصح صومه. والثاني: يجدد النية، ويصوم ويقضي يوما بدله، فإن أفطر ذاكرا لزمه القضاء والكفارة، وإن أفطر ناسيا لزمه القضاء وحده. والثالث: يجدد النية إلى زوال الشمس، فإن جدد صح صومه، وإن لم يجدد حتى تزول الشمس صام يومه وقضى يوما بدله. والرابع: يجزئ صومه عن شهر رمضان. وحكم النذر المعين كذلك، وإن نسي النية في صوم واجب غير معين جدد ما بينه وبين زوال الشمس، وإن نسيها في صوم نافلة جدد أيضا بعد الزوال إلى أن يبقى من النهار مقدار ما يكون الصائم فيه ممسكا. ومن يصوم رمضان لم يخل: إما تيقن حال اليوم الأول، أو شك فيه. فإن تيقن صام على اليقين، وإن شك ونوى شهر رمضان لم يجزئ، ولزمه القضاء إن تحقق بعد ذلك أنه من شهر رمضان. وإن نوى صوم غير رمضان، أو صوم رمضان إن كان منه وصوم غيره إن لم يكن أجزأ. فصل في بيان أقسام الصوم الصوم ثلاثة أضرب: فريضة، ومندوب إليه، ومحظور. والفريضة مطلق، ومسبب. فالمطلق صوم شهر رمضان، وشرائط وجوبه أربعة للرجال والنساء، وواحدة خاصة للنساء. فالاربعة: البلوغ، وكمال العقل، والصحة، والإقامة أو حكمها. والخاصة للنساء: كونها طاهرا. وشرائط الصحة أربعة: الاسلام أو حكمه، والصحة، والإقامة أو حكمها، وكونه طاهرا من الجنابة والحيض. ويعرف دخول شهر رمضان مع فقد العذر برؤية الهلال، ومع العذر بانقضاء

[ 141 ]

ثلاثين يوما من هلال شعبان، فإن لم ير هلال شعبان عد ستون يوما من هلال رجب. ورؤية هلال رمضان لم يخل من ستة أوجه: إما رآه واحد، أو أكثر، أو رؤي في البلد مع عذر، أو مع فقده، أو خارج البلد مع وجود عذر، أو فقده. فالأول: إن رآه حقيقة لزمه الصوم وحده، وقال: أبو يعلي (1) يلزم الكافة (2). والثاني: لم يخل إما يرى رؤية شائعة أو غير شائعة. فالأول: يلزم الصيام الكافة، والثاني: إن رآه اثنان أو أكثر، وكان بالسماء علة وجب الصوم، وهو القسم الثالث. والرابع: لا يثبت إلا بشهادة خمسين نفر. والخامس والسادس: مثل الثاني والثالث. وروي في السادس: أنه يقبل فيه شهادة رجلين، ولا تقبل فيه شهادة ثلاثة: المرأة، والفاسق، والصبي (3). وإذا رؤي الهلال بالنهار كان لليلة المستقبلة، ولا اعتداد بصغر الهلال وكبره. وإذا رؤي في بلد ولم ير في آخر، فإن كانا متقاربين لزم الصوم أهليهما معا، وإن كانا متباعدين مثل بغداد ومصر، أو بلاد خراسان لم يلزم أهل الآخر. ووقت الصوم من ابتداء الفجر الثاني إلى الليل، ووقت صلاة المغرب والافطار واحد، والابتداء بالصلاة أفضل، إلا إذا حصل أحد ثلاثة أشياء: شدة الجوع، أو العطش، أو انتظار قوم على مائدة. فإذا غابت الشمس أفطر من غير

(1) سلار بن عبد العزيز الديلمي، أبو يعلى، فقيه جليل معظم مصنف، من تلامذة الشيخ المفيد والسيد المرتضى رحمهما الله. من تصانيفه كتاب " الأبواب والفصول " في الفقه، و " المراسم " كذلك والرد على أبي الحسن البصري في " نقض الشافي والتذكرة في حقيقة الجوهر " توفى سنة 463 ه‍. انظر الخلاصة: 86، رجال ابن داود: 104، تنقيح المقال 2: 42.
(2) المراسم: 96.
(3) التهذيب 4: 180 حديث 498 و 499.

[ 142 ]

إفطار، وجاز له تناول المفطرات إلى طلوع الفجر الثاني، إلا الجماع، فإنه يجوز له إلى أن يمكنه الاتيان بالغسل قبل طلوع الفجر. وما يجب الامساك عنه ضربان: واجب، ومستحب. فالأول: على خمسة أضرب: أحدها: يفطر ويوجب القضاء والكفارة إجماعا بين الطائفة. والثاني: يفطر عند بعض، ولا يفطر عند بعض. والثالث: يفطر ويوجب القضاء والكفارة إن قصد به الافطار، وإن لم يقصد (به) (1) الافطار أوجب القضاء دون الكفارة عند قوم من أصحابنا، وكليهما عند آخرين. والرابع: يوجب القضاء دون الكفارة. والخامس: لا يفطر وإن وجب الاجتناب عنه. فالأول ثمانية أشياء: الأكل والشرب للطعام والشراب، وأكل غير المعتاد مثل التراب والحجر، وشرب غير المعتاد، والجماع في أحد الفرجين وإن لم ينزل، وانزال المني عمدا وإن كان بالملاعبة والملامسة، والمقام على الجنابة عمدا من غير ضرورة حتى يطلع الفجر، ومعاودة النوم بعد انتباهتين إلى طلوع الفجر. والثاني أربعة أشياء: تعمد الكذب على الله تعالى، وعلى رسوله صلوات الله عليه، وعلى الأئمة عليهم السلام، والارتماس في الماء. والثالث ثلاثة أشياء: إيصال الغبار الغليظ، والرائحة الغليظة إلى الحلق، وازدراد ما لا يؤكل مثل الخرزة والجوهر والفضة. والرابع تسعة عشر شيئا: الإقدام على الأكل والشرب من غير أن يرصد الفجر قادرا عليه وهو يظن أنه لم يطلع وقد طلع، والاقدام على الجماع وهو يظن تمكنه

(1) زيادة من نسختي " ش " و " ط ".

[ 143 ]

من الغسل قبل طلوع الفجر، ولم يتمكن من غير أن يرصد الفجر على الأكل والشرب وهو شاك في طلوع الفجر، ثم تبين بعد طلوعه، وتقليد الغير في دخول الليل وهو يقدر على مراعاته، والاقدام على الافطار، وتقليد الغير في أن الفجر لم يطلع مع القدرة على مراعاته، والاقدام على مراعاته، والاقدام على ما يفطر من غير مراعاته، وترك القبول عمن أخبر بطلوع الفجر لسبب، والاقدام على ما يفطر، والاقدام على الافطار من غير أمارة تغلب على الظن لعارض في السماء ظنا بدخول الليل ولم يدخل، وتعمد القئ، وابتلاع ما ذرعه (منه) (1)، ومعاودة النوم وهو جنب بعد انتباهة واحدة إلى طلوع الفجر، ووصول الماء من غير قصد إلى حلق من يتبرد به، والحقنة بالمانع، وتقطير المائع في الاحليل بحيث يبلغ إلى الجوف، وابتلاع الخلالة (2) عامدا مع إمكان التحرز، وخروج المني عند النظر، والاصغاء إلى ما يحرم عليه، أو حديث يشتهيه، وابتلاع ما استجلب من الريق وله طعم، وابتلاع ما فضل من الفم من الريق. والخامس سبعة أشياء: التكلم بالفواحش، والنظر إلى المحرمات، والاستماع إلى المنهيات، والسعي إلى المحظورات، والافطار على الطعام الغصب، وتناول الحرام، وارتكاب المنهي. [ والمكروه ] (3) ثلاثة عشر شيئا: ملاعبة النساء، ومماستهن بشهوة، والقبلة للشاب، واخراج الدم إذا أدى إلى الضعف، واستدخال الشياف (4) الجامدة،

(1) زيادة من نسختي " ش " و " ط ".
(2) الخلالة: بقية الطعام بين الأسنان. لسان العرب - خلل 11: 219، مجمع البحرين - خلل - 5: 365.
(3) في النسخ المتوفرة لدينا: والمستحب، والصحيح ما أثبتناه.
(4) الشياف: نوع من الدواء. القاموس المحيط 3: 60 والمراد به: قطع جامدة تدخل في الدبر (وهي الحقنة بالجامد).

[ 144 ]

وتقطير الدهن في الأذن، والاستنقاع في الماء للنساء، وبل الثوب على الجسد للتبريد، وشم المسك، أو ما يجري مجراه، وشم الرياحين والنرجس أشد كراهة، والسعوط إذا لم يبلغ إلى الحلق، فإن بلغ فطر ولزم القضاء، وقال أبو يعلى: والكفارة أيضا (1)، والاكتحال بما فيه صبر أو مسك (2)، ودخول الحمام إذا أدى إلى الضعف. والصوم المسبب ضربان: نذر، وغير نذر. فالنذر خمسة أضرب: نذر في معصية، ونذر غير معين في طاعة، ومعين غير مقيد بحال السفر، ومقيد به، ونذر يوم لا ينعقد فيه الصوم. فالأول غير لازم. والثاني: يلزم، فإن أتى به على الفور كان أفضل، وإن أخر لا يلزم بتأخيره الكفارة حتى يموت، وإن أفطر إذا شرع فيه لم تلزمه الكفارة. والثالث: حكمه حكم صوم شهر رمضان في وجوب الافطار في السفر، وقضاء يوم بدله. والرابع: لا يجوز إفطاره مسافرا. والخامس: لا ينعقد بحال مثل صيام ثلاثة: أيام التشريق بمنى، وصوم يوم العيد، فإن نذر يوما بعينه ووافق ذلك اليوم يوم العيد، والتشريق أفطر وقضى. وحكم النذر المعين حكم صوم رمضان في جميع الأحكام، إلا في النية على ما ذكرنا، وفي لزوم القضاء والكفارة، أو القضاء، وغير ذلك. وغير النذر ضربان: كفارة، وغير كفارة.

(1) المراسم: 98.
(2) في نسختي " ش " و " ط ": عنبر أو صبر أو مسك.

[ 145 ]

فالكفارة: تسعة أجناس: كفارة قتل الخطأ، وكفارة الظهار، وكفارة من أفطر يوما من صيام الاعتكاف، وكفارة من أفطر يوما من شهر رمضان عمدا، وكفارة من أفطر يوما يقضيه من شهر رمضان عمدا بعد الزوال، وكفارة من أفطر يوما من صيام النذر المعين، وكفارة اليمين، وكفارة أذى حلق الرأس، وكفارة جزاء الصيد. وغير الكفارة ثلاثة أضرب: قضاء، وبدل نسك مثل صوم دم المتعة، وشرط صحة عبادة مثل صيام الاعتكاف. وينقسم الجميع إلى ما له بدل، وإلى ما لا بدل له. فالأول تسعة أجناس، وهي: الكفارات. والثاني ثلاثة أجناس: وهي ما سوى ذلك. وينقسم ثلاثة أقسام أخر: مضيق، ومخير فيه، ومرتب. فالمضيق أربعة: صوم النذر، وقضاء ما يفوت من شهر رمضان، وقضاء النذر المعين، وصوم الاعتكاف. والمخير خمسة: صوم كفارة أذى حلق الرأس، وصوم كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا، أو أفطر صوم النذر المعين متعمدا، أو أفطر قضاء شهر رمضان بعد الزوال متعمدا، وصوم جزاء الصيد. والمرتب أربعة: صوم كفارة اليمين، وكفارة قتل الخطأ، وكفارة الظهار، وصوم دم المتعة. وينقسم ثلاثة أقسام أخر: إما يراعي فيه التتابع على جميع الأحوال، أو في بعض الأحوال، أو لا يراعي فيه التتابع. فالأول ثلاثة أصناف: كفارة اليمين، وصوم الاعتكاف، وصوم كفارة من أفطر يوما يقضيه من شهر رمضان بعد الزوال. والثاني تسعة: من وجب عليه صيام شهرين متتابعين في كفارة قتل الخطأ، أو

[ 146 ]

الظهار، أو إفطار يوم من شهر رمضان بغير عذر، أو من النذر المعين، أو إفساد صوم الاعتكاف، أو يوم من جملة شهرين نذر صومهما متتابعا أو من جملة شهر نذر صومه متتابعا بنذر غير معين في الموضعين، أو في إفطار يوم من جملة شهر لزم المملوك من كفارة الظهار أو قتل الخطأ أو الافطار، أو وجب عليه صيام ثلاثة أيام لدم المتعة. وجميع ذلك لم يخل: إما أفطر لعذر، أو لغير عذر. فالأول يبني عليه على كل حال ما لم يكن العذر سفرا. وإن أفطر لغير عذر، أو لجهة السفر لم يخل: إما صام النصف الأول من الثاني شيئا، أو لم يصم كذلك. فإن صام بنى، وإن لم يصم استأنف. والثالث أربعة: صوم النذر إذا لم يشترط التتابع، وصوم جزاء الصيد، والسبعة الأيام لدم المتعة، وصوم قضاء شهر رمضان. فإن صام ثمانية أيام، أو ستة متواليات، وفرق الآخر كان أفضل. وينقسم قسمين آخرين: إما يتعلق بإفطاره قضاء وكفارة، أو لا يتعلق به ذلك. فالأول أربعة أجناس: صوم شهر رمضان، والنذر المعين، وصوم قضاء شهر رمضان على ما ذكرناه، وصوم الاعتكاف. والثاني ما سوى ذلك. وإن باشر شيئا من المفطرات سهوا، أو نسيانا لم يفسد الصوم بحال. والكفارة أحد ثلاثة أشياء: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا. فإن أفطر شهر رمضان بأحد المحرمات وجب عليه ثلاث كفارات، وإن أكره الزوجة على الجماع وجب عليه كفارتان، وضرب خمسين سوطا. وبالتكرر في يوم واحد لا تتكرر الكفارة، وفي أكثر تكرر. وإن عجز عن الكفارات الثلاث، وأمكنه صيام ثمانية عشر يوما صام، وإن

[ 147 ]

لم يمكنه استغفر ولم يعد. فإن عجز في كفارة النذر عن صيام شهرين، وعن بدله، وعن صيام ثمانية عشر يوما صام ثلاثة أيام، فإن عجز استغفر. وكفارة من أفطر يوما يقضيه من شهر رمضان بعد الزوال إن أفطر استخفافا به، مثل كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان، وإن أفطر لغير ذلك فكفارته صيام ثلاثة أيام، أو إطعام عشرة مساكين، وإن عجز لم يلزمه شئ. وأما بقية صيام الكفارات فسنذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى. وأما صوم النفل فأربعة أضرب: صوم الأذن، وصوم الادب، وصوم الكفارة، وصيام التطوع. فالأول ثلاثة: صوم المرأة تطوعا، والعبد، والضيف ينبغي أن يكون بإذن الزوج، والسيد، والمضيف. والثاني خمسة: صوم المسافر إذا قدم أهله وقد أفطر في الطريق، والصبي إذا بلغ نصف النهار وقد أفطر، والمريض إذا برئ، والكافر إذا أسلم، والحائض إذا طهرت. فكلهم يمسك بقية النهار تأديبا، ويقضي. والصبي إن لم يفطر وبلغ صام واجبا، والمسافر إذا قدم أهله قبل الزوال ولم يفطر وجب عليه الصوم، ولم يقض. والثالث: صوم كفارة من نام عن صلاة العشاء متعمدا حتى أصبح، فإنه يستحب له أن يصوم ذلك اليوم، وروي أنه يجب (1). والرابع: صيام جميع السنة إلا العيدين، وأيام التشريق. وفيها ما هو أكثر تأكيدا، وهو خمسة عشر نوعا: صوم الاربعاء بين الخميسين والأيام البيض، والأربعة الأيام من السنة: يوم مولد النبي صلى الله عليه وآله، ويوم المبعث، ويوم دحو الأرض، ويوم الغدير، وصوم أول يوم من ذي الحجة، ويوم عرفة إذا لم

(1) الفقيه 1: 142 حديث 658.

[ 148 ]

يضعف عن الدعاء، ورجب كله، أو خمسة عشر يوما، أو ثمانية، أو سبعة، أو يومين من أوله، أو أيام البيض منه، وأقله اليوم الأول، وشعبان كله. فأما الصوم المحظور فعشرة: صوم المعصية، ويوم الشك بنية رمضان، وصوم الصمت، والوصال، ويوم الفطر، والأضحى، وأيام التشريق لمن كان بمنى، إلا لقاتل العمد في الأشهر الحرام، وصوم الدهر لدخول العيدين، والتشريق فيه. فصل في بيان الصوم في السفر السفر ضربان: معصية، وغير معصية. فالأول لا يجوز فيه الافطار، والثاني ضربان: إما يكون السفر في حكم الحضر ولا يجوز فيه الافطار، أو لا يكون كذلك ويجب فيه الافطار إذا بلغ حد التقصير، سواء كان السفر طاعة أو مباحا. هذا إذا كان الصوم صوم شهر رمضان، أو النذر غير المقيد بحال السفر، فإن كان نذرا مقيدا بحال السفر، أو صوم الكفارة التي يلزم التتابع فيها وإفطاره يوجب الاستئناف، أو صوم ثلاثة أيام لدم المتعة، أو صيام كفارة قتل العمد في الأشهر الحرم وهو يصوم فيها، واتفق له سفر وجب عليه أن يصوم في السفر. وما سوى ذلك من الصيام المفروض وجب فيه الافطار في السفر، فإن لم يفطر وعلم وجوب الافطار لزمه القضاء وأتم، وإن لم يعلم صح صومه، ولم يلزمه القضاء، ولم يأثم. وأما صيام النفل فضربان: مستحب، وجائز. فالأول: صيام ثلاثة أيام عند قبر النبي صلى الله عليه وآله لصلاة الحاجة. والثاني: ما سوى ذلك.

[ 149 ]

وروي كراهية صوم النافلة في السفر (1)، والأول أثبت. وإذا أفطر في السفر تشبه بالصائمين، ولم يتملأ من الطعام والشراب، ولم يقرب الجماع إلا إذا اشتدت حاجته إليه. والمسافر لم يخل من أربعة أوجه: إما خرج قبل الصبح من منزله، أو بعد الصبح قبل الزوال ناويا للسفر من الليل، أو غير ناو، أو خرج بعد الزوال. فالأول: يفطر إذا خفي عليه أذان مصره، أو توارى عنه جدران بلده. والثاني: يفطر ويقضي. والثالث: لا يفطر ولا يقضي. والرابع: يصوم ويقضي. وإذا وصل إلى البلد لم يخل من ستة أوجه: إما وصل قبل الصبح، أو بعده قبل الزوال وقد كان يعلم أنه يصل كذلك، أو لم يعلم وقد وصل قبل الزوال ولم يفطر، أو وصل مفطرا قبل الزوال، أو بعده، أو وصل إلى غير بلده ولم ينو فيه مقام عشرة، أو نوى مقام عشرة فيه. فالأول: يلزمه الصوم. والثاني: يستحب له أن لا يفطر، فإذا وصل نوى وصام وأجزأ. والثالث: ينوي ويصوم. والرابع: أمسك بقية النهار تأديبا. والخامس: يكون مسافرا. والسادس: يكون حكمه حكم من يصل إلى بلده. فصل في بيان أحكام المريض والعاجز عن الصيام المريض عشرة أضرب: إما يكون زائل العقل بالاغماء والجنون وغيرهما. أو غير زائل العقل ويقدر على الصوم من غير ضرر يعود إليه، أو يقدر ويخاف الزيادة في مرضه أو ضررا آخر، أو لا يقدر أصلا، أو يموت من ذلك المرض، أو لا يموت وبقي مريضا إلى رمضان آخر، أو برئ منه ولا يقدر على قضائه حتى يدخل آخر، أو يبرأ منه ولا يقضي ثم يمرض ويموت، أو يبرأ منه ولا يقضي من

(1) التهذيب 4: 235 حديث 690 و 691، الاستبصار 2: 102 حديث 332 و 333.

[ 150 ]

غير توان، أو لا يقضي توانيا. فالأول: يسقط عفه الصوم، ولا يلزمه القضاء بحال، وقال المفيد (1) رضي الله عنه: يلزمه القضاء إذا كان غير مفيق في أول الشهر (2). والثاني: يلزمه الصوم. والثالث: يلزمه الافطار، فإن لم يفطر وصام أثم ولزمه القضاء. والرابع: كذلك. والخامس: يلزم وليه القضاء عنه استحبابا. والسادس: إن قدر على الصوم صام الحاضر، وسقط عنه قضاء الفائت، وتصدق عن كل يوم بمدين من طعام إن قدر عليه، وبمد إن لم يقدر. والسابع: كذلك. والثامن: يلزم وليه القضاء عنه وجوبا. والولي هو أكبر أولاده الذكور، فإن كان له جماعة أولاد في سن واحد قضوا عنه بالحصص، وإن خلف البنت، وترك مالا فدت عنه بما ذكرنا. والتاسع: يصوم الحاضر، ويقضي الأول، ولا صدقة عليه. والعاشر: يصوم الحاضر، ويقضي الأول، ويتصدق عن كل يوم بما ذكرنا. والعاجز عن الصيام أربعة نفر: الحامل المقرب، والمرضعة، والشيخ الهم، ومن به العطاش. فالأول والثاني: إن خافتا على أنفسهما، أو على الولد أفطرتا،

(1) أبو عبد الله، محمد بن محمد بن النعمان، المعروف ب‍ (ابن المعلم) والملقب ب‍ (المفيد). اجتمعت فيه خلال الفضل، وانتهت إليه رئاسة الكل، اتفق الجميع على فضله وعدالته وثقته وجلالته. قال الشيخ النجاشي في رجاله: ص 283 بعد ذكر نسبه إلى يعرب بن قحطان: شيخنا وأستاذنا والعلم، مات سنة (413 ه‍) انظر: رجال الشيخ الطوسي: 514، الفهرست: 157.
(2) المقنعة: 56.

[ 151 ]

وقضتا، وتصدقتا بما ذكرنا. والثالث: يسقط عنه الصوم والقضاء، وفي الصدقة روايتان (1). والرابع: إن رجا زواله أفطر وقضى وتصدق، وإن لم يرج سقط عنه الصوم والقضاء، وفي الصدقة قولان.
(2).

(1) انظر الكافي 4: 116 باب الشيخ والعجوز يضعفان عن الصوم، التهذيب 4: 237 باب العاجز عن الصيام، الاستبصار 2: 103 باب ما يجب على الشيخ الكبير.
(2) ذهب إلى عدم الوجوب جمع من علمائنا منهم المفيد في المقنعة: 56، والسيد في الانتصار: 67، وابن إدريس في السرائر: 86 وذهب جمع من علمائنا إلى الوجوب منهم الشيخ في المبسوط 1: 285، وسلار في المراسم في المراسم: 97..

[ 152 ]

كتاب الاعتكاف الاعتكاف في اللغة: هو اللبث الممتد. وفي الشريعة: خص باللبث في مكان مخصوص، وعلى وجه مخصوص مدة مخصوصة للعبادة. وأصله الاستحباب، ويجب بالنذر ممن يصح منه، ويحتاج ذلك إلى بيان اثني عشر شيئا: من يصح منه الاعتكاف مطلقا، ومن يصح منه إذا أذن له غيره، ومن لا يصح منه بحال، والموضع الذي يصح فيه، وقدر المدة التي يصح بها، وما يبطل الاعتكاف، وما يلزم بإبطاله، والوقت الذي لا يصح فيه، وما يستحب للمعتكف أن يفعل، وما لا يجوز له فعله إذا خرج من الموضع الذي اعتكف فيه لعذر، والعذر الذي يجوز له الخروج لاجله، وما يحرم عليه. فالأول: كل حر بالغ مسلم مالك أمره غير ضعيف إذا لم يكن واجبا عليه بالنذر. والثاني سبعة نفر: المرأة ذات الزوج، والعبد، والمدبر، والمكاتب والمعتق، المشروط عليه، والأجير، والضيف على ما ذكرنا. والثالث خمسة نفر: الكافر، والصبي، والمجنون، والحائض، والناذر لا لوجه الله تعالى.

[ 153 ]

والرابع: كل مسجد قد صلى فيه النبي صلى الله عليه وآله أو الإمام عليه السلام صلاة الجمعة بالناس، وهي أربعة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وآله ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة، وروي مسجد المدائن، أيضا (1) والخامس: ثلاثة أيام فصاعدا، ولا يصح بأقل منها. والسادس ستة أشياء: الجماع، وانزال المني، والخروج من المسجد لغير عذر، والسكر، والارتداد، والحيض للنساء والنفاس. والسابع: الكفارة إن أفسدها بالجماع أو بانزال المني، والقضاء. ولم يخل حال المرأة إذا جامعها من سبعة أوجه: إما كانت غير معتكفة، أو معتكفة بغير إذنه وطاوعته، أو أكرهها، أو كانت معتكفة بإذنه وطاوعته، أو أكرهها وجامعها ليلا، أو نهارا. فالأول: لزم الرجل الكفارة دونها. والثاني: لزم كل واحد منهما الكفارة. والثالث: لزم الرجل الكفارة دونها، ويبطل اعتكافه خاصة. والرابع: لزم كل واحد منهما الكفارة. والخامس: لزم الرجل كفارة نفسه، وكفارة زوجه. والسادس: تلزم كفارة واحدة. والسابع: تلزم كفارتان: إحداهما من جهة الاعتكاف، والأخرى من جهة الصوم، فإن جامع الرجل المعتكف زوجة المعتكفة بإذنها قهرا نهارا، لزمته أربع كفارات. والثامن: من قسمة الأولى العيدان، وأيام التشريق لمن يكون بمنى. والتاسع: أن يشرط على ربه الرجوع إن عرض له عارض، فإن شرط وعرض

(1) رواه الصدوق في المقنع: 66.

[ 154 ]

له ذلك جاز له الخروج على كل حال، وإن لم يشرط وقد صام يوما فكذلك، وإن صام يومين لم يجز له الخروج حتى يتم. والعاشر أربعة أشياء: أن لا يجلس في موضع، ولا يمشي تحت ظل مختارا، ولا يقف فيه إلا للضرورة، ولا يصلي في غير المسجد الذي اعتكف فيه، إلا بمكة فإنه يجوز له أن يصلي فيها في أي بيوتها شاء. والحادي عشر تسعة أشياء: البول، والغائط، وحضور الجنازة، وعيادة المؤمن، وتشييع الأخ في الله تعالى، واقامة الشهادة، وتحملها إذا تعينا عليه، والمرض، والخوف على النفس أو المال. وإذا خرج من جهة المرض، أو الخوف وقد مضى يومان عاد إليه إذا زال في الوقت الذي خرج فيه منه وبنى عليه، وإن لم يمض يومان أو مضيا وخرج لغير عذر استأنف. والثاني عشر: البيع، والشراء، وجميع ما يحرم على المحرم.

[ 155 ]

كتاب الحج الحج: القصد في اللغة، وخص في الشرع: بالقصد إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك مخصوصة عنده، على وجه مخصوص، في وقت مخصوص. والعمرة: الزيارة في اللغة، وخصت في الشريعة بزيارة البيت الحرام لأداء مناسك مخصوصة عنده على وجه مخصوص، وكلاهما ضربان مقتضى لنفسه، أو لغيره. فالأول ضربان: فرض، ونفل. والفرض ثلاثة أضرب: مطلق، ونذر، وقضاء. والثاني ثلاثة أضرب: لازم بالاجرة، أو الوصية، أو الولاية. فالمطلق حجة الاسلام وعمرته، ويجبان في العمر مرة باجتماع تسعة شروط - والرجل والمرأة فيها سواء -، وهي: البلوغ، وكمال العقل والصحة، والحرية ووجود الزاد، والراحلة، وتخلية السرب من الموانع، وامكان المسير، والرجوع إلى كفاية من المال أو الصنعة، أو الحرفة. وتنقسم الشروط ثلاثة أقسام: فبعضها يؤثر في الوجوب دون الصحة، والبعض في الصحة دون الوجوب، والبعض فيهما معا.

[ 156 ]

فالأول سبعة: البلوغ، والحرية، والصحة، ووجود الزاد، والراحلة، وتخلية السرب، وامكان المسير. والثاني يؤثر في الصحة، وهو: الاسلام. والثالث: كمال العقل، لأن المجنون، والصبي لا يجب عليهما، والكافر لا يصح منه وإن وجب عليه. وإذا سقط الوجوب لاختلال أحد هذه الأوصاف لم يسقط الاستحباب، إلا لعذر. والمستحب لا يجزئ عن الواجب. والنذر بالحج لا يصح من أربعة: الكافر، والصبي، والمجنون، والعبد إلا بإذن مولاه، ويصح من غيرهم. ومن يصح منه لم يخل: إما نذر أن حجة الاسلام ولم يلزمه سواها، أو نذر مطلقا ولزمه كيف أمكنه. فإن نذر مشروطا بسنة معينة لزمه، فإن فاته لعذر لم يلزمه القضاء، وإن فاته لغير عذر لزمه القضاء وكفارة النذر، وإن نذر ماشيا وقدر لم يجزئه راكبا، وإن لم يقدر وركب وساق بدنه أجزأ. والقضاء يلزم لكل مرة مرة إذا أفسد الحج، وسنذكر ما يفسد الحج إن شاء الله تعالى. وأما النفل، فيستحب له على حسب استطاعته، وأما ما يلزم بالاجرة، فإن كان من استؤجر صرورة، ووجب عليه الحج لم يصح، وإن لم يكن صرورة، أو كان ولم يجب عليه الحج صح. وكل من يصح أن يحج لغيره إذا لم يكن صرورة على ما ذكرنا، والصرورة الواجب عليه الحج إن حج عن غيره لم يجزئ عنه، ولا عن نفسه، ولم يستحق الأجرة، وإن حج عن نفسه أجزأ عن حجة الاسلام، ولزمه الحج لذلك الغير، وإن لزمه الحج بالوصية لزم من صلب المال إن وجب الحج على الموصي وإن لم يجب كان من ثلث المال، ولزم ذلك من دويرة أهله، فإن

[ 157 ]

لم يسع الثلث لذلك حج من موضع يفي به الثلث، وإن لزم الحج بالولاية لم يخل: إما ترك مالا يفي به، (أو لا يفي به) (1) أو مالا وعليه دين، أو لم يترك مالا وكان قد وجب عليه الحج. فالأول: يلزم الولي أن يحج عنه بنفسه، أو بالاجرة من ميقات أهله، وإن حج من دويرة أهله كان أفضل. والثاني: يلزم أن يحج عنه من موضع يسع له. والثالث: كان بين المدين والحج على القدر. والرابع: يستحب لوليه أن يحج عنه أن قدر. والعمرة: فرض، وندب. والفرض: مفرد، وغير مفرد، والمفرد أربعة أضرب: لازم بالنذر: أو العهد، أو بعد حجة القران، أو الأفراد. وغير المفرد: ما يتمتع به من العمرة إلى الحج. والندب يجوز له في كل شهر، وفي كل عشرة أيام في الأقل. وأفضل أوقاتها رجب، وهي تلي الحج في الفضل ويجب الحج على الفور، فإن أخر أثم. ومن حج مخالفا ثم استبصر، فإن كان لم يخل بشئ من أركان الحج أعاد استحبابا، وإن أخل فيه وجبت عليه الإعادة. والحج ثلاثة أقسام: تمتع بالعمرة إلى الحج، وقران، وافراد. فالأول: فرض من لم يكن من حاضري المسجد الحرام، والحاضر من كان بين منزله وبين المسجد الحرام إثنا عشر ميلا، فإن زاد على تلك المسافة لم يكن من حاضريه. والقران والأفراد: فرض حاضريه، ومن كان فرضه القران والأفراد لم يصح منه التمتع، وروي أنه يصح (2)، ولا يلزمه دم المتعة إن كان من أهل مكة وإن كان فرضه

(1) زيادة من نسخة " ش ".
(2) التهذيب 5: 33 حديث 100، الاستبصار 2: 158 حديث 518.

[ 158 ]

التمتع لم يجزئ القران ولا الأفراد، إلا مضطرا، ومن تمتع بالعمرة إلى الحج وجب عليه الاحرام من ميقات أهله، وإن وجب عليه القران والأفراد أحرم من بيته إن كان مكيا، وإن لم يكن مكيا أحرم من دويرة أهله. وأشهر الحج ثلاثة: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة إلى قبيل الفجر من ليلة النحر. والحاج بالغ، وصبي. والبالغ حرا، أو عبدا، أو مدبرا، أو مكاتبا، أو أمة، أو حرة: أو مدبرة، أو مكاتبة. يكون كل واحد منهم مطلقا، أو محصرا، أو مصدودا. ونفصل ذلك تفصيلا إن شاء الله. وأما الحج، فيشتمل على أربعة أقسام: أفعال واجبة، ومندوبة، وتروك محظورة، ومكروهة. والواجبة على ركن، وغير ركن. والتروك على ما يفسد الحج، ويوجب القضاء والكفارة، أو القضاء دونها، وعلى ما لا يفسد الحج ويوجب الكفارة، أو لا يوجب. فأركان المتمتع في العمرة المستمتع بها أربعة: النية، والاحرام من الميقات وفي وقته، وطواف العمرة، والسعي لها. وفي الحج ستة: النية، والاحرام له من جوف مكة، والوقوف بالموقفين: عرفات، والمشعر، وطواف الزيارة، والسعي لها. والمفرد على ذلك، إلا أن حج المفرد مقدم على العمرة والقارن مثل المفرد، ويتميز منه بسياق الهدي. وغير الركن ثمانية: التلبيات الأربع مع الامكان أو ما يقوم مقامها مع العجز من الايماء للأخرس، أو الاشعار، والتقليد، وركعتا طواف العمرة، والتقصير بعد السعي، وتلبية الاحرام بالحج أو ما يقوم مقامها، والهدي أو ما يقوم مقامه من الصوم إذا عجز، وركعتا طواف الزيارة، وطواف النساء، وركعتا طوافها.

[ 159 ]

ومن حج مفردا سقط عنه الهدي، وما يوجب القضاء والكفارة. ويفسد الحج شيئان: الجماع في الفرج قبلا كان أو دبرا، قبل الوقوف بالموقفين - والرجل والمرأة فيه سواء - والاستمناء باليد، وهو في حكم الجماع. وإن فعل ذلك في العمرة المبتولة أوجب القضاء والكفارة وأبطلها. وما يفسد الحج ولا يوجب القضاء والكفارة شيئان: الاحرام متعمدا مختارا بعد التجاوز عن الميقات، وفي ذلك قولان، والتلبية بعد الطواف، والسعي للعمرة قبل التقصير يفسد التمتع. وما يوجب الكفارة ولا يبطل الحج فثمانية وثلاثون، وما لا يوجب الكفارة الاستماع إلى من تجامع من غير رؤية حتى أمنى، والمستمع لكلام النساء حتى أمنى. والمكروه سبعة عشر شيئا، وسيجيئ شرح ذلك إن شاء الله تعالى. فصل في بيان أحكام الاحرام ومقدماته الاحرام أحد أركان الحج، فمن تركه عامدا، أو تركه عن الميقات عمدا ولم يرجع إليه بطل حجه. وإن تركه ناسيا ولم يذكر، وكان في عزمه الاحرام صح، وإن ذكر بعد ما جاوز الميقات لم يخل من ثلاثة أوجه: إما ذكر قبل دخول مكة، أو بعد دخولها وأمكنه الخروج إلى خارج الحرم، أو لم يمكنه، فالأول: يحرم من موضعه. والثاني: يخرج إليه ويحرم منه. والثالث: يحرم من حيث انتهى إليه. ومن أحرم لم يخل حاله من ثلاثة أضرب: إما قدم الاحرام على الميقات، أو أخر عنه، أو أحرم منه. فالأول: لا ينعقد إلا لإثنين: أحدهما: من نذر تقديم الاحرام على الميقات،

[ 160 ]

والثاني: من يريد أن يعتمر في رجب، ويخاف إن لم يحرم قبل الوصول إليه انقضى الشهر. والثاني: لم يخل من ثلاثة أوجه: إما ترك عمدا من غير عذر، أو نسيانا - وذكرنا حكمهما -، أو ترك بعذر، وحكمه أن يحرم من حيث انتهى إليه. والثالث: فرضه ذلك. والمواقيت خمسة: بطن العقيق، وهو لأهل العراق ومن يحج على طريقهم. وله ثلاثة محارم: أو لها وأفضلها المسلخ، وثانيهما غمرة، وثالثها ذات عرق، ولا يتجاوز ذات عرق إلا لعذر. والثاني: ميقات أهل المدينة، ولهم ميقاتان: ذو الحليفة، والجحفة. والثالث: ميقات أهل الشام، وهو الجحفة، وتسمى المهيعة. والرابع: ميقات أهل اليمن، وهو يلملم. والخامس: ميقات أهل الطائف، وهو قرن المنازل. ومن حج لم يخل إما كان منزلة دون الميقات، أو فوقه. فالأول: يحرم من منزله، والثاني: يحرم من الميقات. ومن عجز عن الاحرام لمرض أحرم عنه وليه وجنبه عما يلزمه الاجتناب عنه، وقد تم إحرامه. والاحرام يشتمل على أفعال، وتروك. والأفعال على واجبات ومندوبات. فالواجبات ستة أشياء: الاحرام من الميقات في أشهر الحج، والنية، واستدامة حكمها حتى يفرغ، ولبس ثوبيه: يأتزر بأحدهما، ويتوشح بالاخر، والتلبيات الأربع مع الامكان. والايماء للأخرس، والاشعار والتقليد في حكم التلبية. والمندوب ضربان: مقدم عليه، ومقارن له. فالمقدم تسعة أشياء: توفير شعر الرأس للمتمتع من أول ذي القعدة، والتنظف

[ 161 ]

إذا أراد الاحرام، وقص الاظفار، وأخذ الشارب، وازالة الشعر عن العانة، وعن الابطين، والغسل، والاحرام عقيب صلاة الظهر، أو عقيب غيرها من الصلاة المفروضة إن لم يكن وقتها، فإن لم يكن وقت فريضة صلى ست ركعات للاحرام وأحرم بعدها، وإن كان بعد فريضة صلى ركعتين له وأحرم بعدهما، وإن صلى ستا كان أفضل، وإن لم يتمكن من صلاة الست ركعات إذا لم يكن وقت فريضة اقتصر على ركعتين، وأن يكون ثوبا إحرامه من بياض القطن، ويجوز الاحرام في كل ثوب تجوز فيه الصلاة للرجال، والأفضل ما ذكرناه، ثم الكتان. والمقارن أحد عشر شيئا: الدعاء للاحرام، وتعيين الحج الذي يحرم له، والشرط على ربه، والجهر بالتلبية للرجال (دون النساء) (1)، والاكثار منها والتلبيات الزائدة على الفرض، والاكثار من قول لبيك يا ذا المعارج لبيك، والإقامة على التلبية للمتمتع حتى يرى بيوت مكة إن حج على طريق أهل العراق، وإلى يوم عرفة إن حج قارنا أو مفردا، وحتى تضع الإبل أخفافها في الحرم إن اعتمر، وحتى يرى الكعبة إن خرج من مكة معتمرا. ومن حج على طريق المدينة ابتدأ بالتلبية إذا علت به راحلته البيداء، ومن حج على غير طريقها لبى بعد ما يمشي خطوات بعد الفراغ من الصلاة إن كان ماشيا، وحين نهض به بعيره (2) إن كان راكبا، والاشعار، والتقليد. والاشعار يكون للبعير والتقليد للغنم والبقر. وإذا نوى ولم يلب، أو لبى ولم ينو لم يصح، وإن نوى الاحرام مطلقا في أشهر الحج، أو علق بإحرام رجل آخر، وهو غير محرم كان بالخيار بين أن يجعله للحج أو للعمرة، وإن كان في غير أشهر الحج تعين للعمرة. والمفروض من التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك،

(1) زيادة من نسختي " ش " و " ط ".
(2) في كافة النسخ المتوفرة لدينا: وحين حتى نهض به بعيره.

[ 162 ]

لا شريك لك لبيك. وإذا تمتع بالعمرة زاد: لبيك بمتعة بعمرة إلى الحج لبيك، وإذا تمتع وقضى مناسك العمرة، ولبى قبل التقصير ناسيا لم يلزمه شئ، وإن لبى عامدا بطلت متعته، وصارت حجته مفردة. وإن أهل بحجة مفردة، وقضى مناسكها بمكة، ولم يلب بعد الطواف وأراد أن يجعلها عمرة جاز له ذلك، ولا تجوز التلبية للمتمتع حالة الطواف ولا في مسجد عرفة. والشرط على ربه أنه إذا عرض له عارض يحبسه جعلها عمرة إن لم تكن حجة، وكان له أن يحل، والشرط لا يسقط القضاء من قابل، وفي اسقاط الدم روايتان. فصل في بيان موجبات الكفارة مما يحصل من الحاج في حال إحرامه، وهي ثمانية وثلاثون: صيد البر وذبحه، وذبح فرخه، وأكل لحمه، والدلالة عليه، والإشارة إليه، وكسر بيضه، والوطء بعد الوقوف بالمشعر قبل طواف النساء، والإمناء، ومباشرة النساء بشهوة، والعقد عليهن لنفسه، وللغير، والشهادة عليه، وتقبيلهن، ومباشرتهن بشهوة، ولبس المخيط من الثياب، وتغطية الرأس للرجل، والمحمل، والارتماس في الماء، وأكل ما فيه طيب مختارا، واستعمال المسك، والكافور، والعنبر والعود، والزعفران، والوروس، والادهان طيبة كانت أو غير طيبة، والتختم للزينة، ولبس السلاح مختارا، ولبس ما يستر ظهر القدم، والفسوق، والجدال، والقبض على الأنف من الروائح الكريهة، وقص الاظفار والشعر، والقاء القمل عن البدن، وقطع شجر الحرم إلا شجر الفاكهة، والحشيش إلا الاذخر. وجاز للمرأة لبس السراويل، والغلالة تحت الثياب، وإن لبس الرجل مخيطا ناسيا غير مضطر نزعه من أسفل، وإن لم يجد غير قباء لبس مقلوبا، ولم يدخل

[ 163 ]

يده في كمه، وإن لبس طيلسانا له زر لم يزرره، ورخص للنساء لبس القميص، وإسدال الثوب دون النقاب، وتغطية الرأس، والمحمل، ولبس ما اعتادته من الحلي ما لم تقصد به الزينة، ولم تظهر لزوجها. ولا يجوز الاحرام في الثوب النجس، ولا في الثياب السود، ولا في المصبوغة بما فيه طيب مع بقاء رائحتها. وإن غطى الرجل رأسه ناسيا ألقى القناع، وجدد التلبية، ولم يلزمه شئ. ويجوز للمحرم ثلاثون شيئا: تغطية الوجه، وعصب الرأس، والمشي تحت الظلال، والقعود في البيت، وفي الخباء، والتظليل على رأسه حالة الاضطرار، والادهان مضطرا بما لا طيب فيه، بما زالت رائحته، والاحتجام، وازالة الشعر عن موضع الحجامة مضطرا، وقتل القمل على بدنه، ونقله إلى موضع آخر، وتنحية الحلمة والقراد، وشراء الجواري، والرجعة، والطلاق، والسعوط بما لا طيب فيه، والاجتياز على موضع يباع فيه الطيب إذا قبض على الأنف، والاكتحال بغير السواد، وبما لا طيب فيه، والخضاب للتداوي، والاحرام في الثوب الوسخ، وفيما أصابه طيب وزالت رائحته، ولبس المنطقة، والهميان، وقتل المؤذيات، وتأديب العبد والخادم والولد ما لم يزد على عشرة أسواط. وإذا صاد المحرم صيدا وذبحه كان في حكم الميتة، وإن اضطر إلى لحم الميتة أكل الصيد دونه وكفر، فإن لم تكن معه الكفارة أكل الميتة، وإن اضطر إلى أكل ما فيه طيب قبض على الأنف وأكل، وإن باشر الطيب لحاجة فكذلك، ولا يكتحل بالسواد، وبما فيه طيب، ولا يجوز له أن يلبس الشمشك بحال، فإن لم يجد النعل لبس الخف إن وجد وشق ظاهر القدمين، وإن قطع الساقين كان أفضل، فإذا وجد النعل نزعه، فإن لم ينزع مع وجدان النعل لزمه فدية.

[ 164 ]

فصل في بيان ما يكره فعله للمحرم وهو سبعة عشر شيئا: لبس الثياب المصبوغة المقدمة، والمصبوغة بما فيه طيب غير المحرمات، والنوم على أمثالها، ولبس الثياب المعلمة، والمصبوغة بالعصفر لأجل الشهرة، واستعمال غير المحرم للمحرم من الطيب، والنظر في المرآة، واستعمال الادهان الطيبة قبل الاحرام إذا كانت مما تبقى رائحتها إلى وقت الاحرام، والسواك إذا أدمى فاه، وحك الجسد على وجه يدميه، ودخول الحمام، والخطبة إلى النساء، والجلوس عند من تطيب، أو باشر الطيب لذلك، وشم الرياحين الطيبة، وخطبة المحل إلى المحرمة، ودلك الجسد في الحمام. فصل في بيان الكفارات المتعلقة بما ذكرنا جناية المحرم ضربان: صيد، وغير صيد. والصيد حلال اللحم، وحرامه. وحرام اللحم مؤذ، وغير مؤذ. فالمؤذي لا يلزم بقتله شئ سوى الأسد إذا لم يرده، فإن قتله ولم يرده لزمه كبش. وغير المؤذي جارحة، وغير جارحة، وغير جارحة. فالجارحة جاز صيدها وبيعها في الحرم واخراجها منه، وغير الجارحة يحرم صيدها ويلزم بالجناية عليها الكفارة. والحلال اللحم صيد بحر - ولا حرج فيه بوجه -، وصيد بر، وخطؤه في حكم العمد في الكفارة. والجناية عليه ضربان: قتل، وجراحة. فإن قتله لم يخل: إما بدأ، أو عاد (1). والبادئ إما قتلا محلا أو محرما، والمحل قتله في الحل أو في الحرم.

(1) في نسخة " ش ": أعاد.

[ 165 ]

فإن قتله في الحل لم يخل: إما قتله على بريد من الحرم، أو على أكثر منه، وإن رماه وهرب منه لم يخل: إما مات في الحل، أو في الحرم. فإن قتله على رأس أكثر من بريد لم يلزمه شئ، وإن قتله على بريد من الحرم لزمه الفداء ولم يحرم أكله، وإن هرب منه ومات في الحل فكذلك، وإن مات في الحرم لزمه الفداء وحرم أكله. والمحرم لم يخل: إما قتله في الحل، أو في الحرم. فإن قتله في الحل على بريد لزمه القيمة ومحرم أكله، وإن أكل منه لزمه قيمتان، وإن قتله في الحرم لزمه الجزاء والقيمة، وإن أكل منه لزمه الجزاء وقيمتان ما لم تبلغ الكفارة بدنة، فإذا بلغت لم تتضاعف الكفارة. وإن صاد طيرا وضرب به الأرض حتى مات تضاعفت القيمة مع الجزاء. والعائد لم يخل إما عاد خطأ، أو عمدا. فإن عاد خطأ تكررت الكفارة، وإن عاد عمدا فهو ممن ينتقم الله منه، وفي الكفارة قولان (1). وما تتعلق به الكفارة ضربان: صيد، وغير صيد. فالصيد ضربان: إما يكون له مثل، أو لا يكون. فما له مثل مضمون به مثل النعامة، والبدنة، والبقرة الوحشية، والأهلية، والظبي، والغنم. وما ليس له مثل ضربان: إما نص على مقدار الكفارة، أو لم ينص، فإن نص لزمه ذلك، وإن لم ينص حكم به ذوا عدل، وجاز أن يكون أحدهما الجاني. وغير الصيد ضربان: استمتاع، وغيره. والاستمتاع ضربان: جماع، وغيره. والجماع ضربان: إما يفسد الحج، أو لا يفسد. فإن أفسد الحج لم تتكرر فيه

(1) القول بتكرار الكفارة ذهب إليه الشيخ - في أحد قوليه - في المبسوط 1: 342 والخلاف 1: 278 مسألة 260 كتاب الحج، وابن إدريس في السرائر: 129. والقول بعدم التكرار ذهب إليه الشيخ - في قوله الثاني - في النهاية: 226 والصدوق في الفقيه 2: 234.

[ 166 ]

الكفارة، وإن لم يفسد الحج لم يخل: إما تكرر منه فعله في حالة واحدة، أو في دفعات. فالأول: لا تتكرر فيه الكفارة بتكرر الفعل، والثاني: تتكرر فيه الكفارة. وغير الجماع من الاستمتاع وغيره ضربان: إما تكرر منه الفعل دفعة واحدة - وفيه كفارة واحدة -، أو تكرر في دفعات، وتتكرر فيه الكفارة بتكرر الفعل. والكفارة: دم، وغير دم. والدم ضربان: إما يلزم في الحال، أو بعده. وما يلزم في الحال ضربان: مطلق، ومقيد. فالمقيد خمسة أضرب: بدنة، وبقرة، وشاة، وحمل، وجدي. فالبدنة تلزم بعشرة أشياء، والبقرة بسبعة أشياء، والشاة باثنين وعشرين شيئا، والحمل بأربعة أشياء، والجدي بأربعة أشياء. والمطلق بأحد عشر شيئا، والفداء بأربعة وثلاثين شيئا. فالبدنة تلزم: بالجماع في فرج حرام قبل الوقوف بالمشعر، وبالإمناء قبل الوقوف به، ويبطلان الحج، ويوجبان المضي في الفاسد والقضاء من قابل، وبالجماع بعد الوقوف به إلى أن يطوف من طواف النساء أربعة أشواط، وبالجماع فيما دون الفرج في إحرام الحج أو العمرة إذا أنزل، بالجماع بعد السعي قبل التقصير في العمرة التي تمتع بها للموسر، وبخروج المني منه إذا نظر إلى غير أهله، وبالإمناء إذا نظر بشهوة إلى أهله، وبالإمناء إذا لاعب أهله بشهوة، وبقبلة أهله بشهوة، وبأن يعقد النكاح لمحرم على المرأة وقد دخل بها محرما، وبالجدال كاذبا ثلاث مرات، ويقتل النعامة، وبالإفاضة من عرفات عمدا قبل غروب الشمس إذا لم يرجع إليها، أو رجع وقد غابت الشمس. فإن أحصر بعد ما وجبت عليه الكفارة لزمه القضاء ودم للكفارة، ودم للتحلل، وفي العقد لزمه قضاء ودم واحد لهما، وإذا طاوعته المرأة وهي محرم لزمها ما

[ 167 ]

يلزم الرجل، ولا بدل للبدنة، إلا فيما يلزم بصيد النعامة، فإن عجز قومها واشترى بقيمتها طعاما وتصدق على ستين مسكينا على كل واحد ونصف صاع، فإن فضل شئ فله، وإن نقص لم يلزمه، فإن عجز عن الصدقة صام ستين يوما، فإن عجز صام ثمانية عشر يوما، فإن عجز استغفر الله، ولم يعد إليه. والبقرة تلزم: بصيد بقرة الوحش، وحمار الوحش، وبإمناء المتوسط إذا نظر إلى غير أهله، وبالجماع قبل الفراغ من سعي الحج، وبالجماع قبل التقصير وبعد الفراغ من المناسك، وبالتقصير قبل الفراغ من سعي، وقلع شجر الحرم، والجدال كاذبا مرتين. ولا بدل لذلك، إلا لصيد البقر الوحشي، وكفارته على النصف من كفارة البدنة في الاطعام، والصيام الأكثر، والأقل. والشاة تلزم: يصيد الظبي، والثعلب، والأرنب، وبإخراج ما أدخل الحرم من الطير منه، وإغلاق الباب على حمام الحرم حتى يموت، وبإطارتها عنه وقد رجعت، - وإن لم ترجع لزم عن كل حمامة شاة، - وبأكل بيض النعام إذا ابتاع له محل، وبكسر بيض الحمام إذا تحرك فيها الفراخ، وبإصابة الجراد الكثير، وتقليم أظفار اليدين في مجلس واحد، وبإفتاء الغير في تقليم الأظفار إذا فعل المستفتي وأدمى أصبعه، وحلق الرأس لأذى، والجدال صادقا ثلاث مرات، وكاذبا مرة، ونتف الابطين، - فإن نتف واحدا أطعم ثلاثة مساكين، - ولبس ثوب لا يحل لبسه له، وأكل طعام لا يحل له أكله، وقلع شجر صغير من الحرم، وجماع المعسر قبل التقصير، وقبلة الزوج قبل التقصير، وبالخروج عن المشعر قبل طلوع الفجر عامدا، وصيد الكركي على رواية (1)، وصيد البط والإوز. ومن أغلق الباب على حمام الحرم وفراخها وبيضها حتى هلكت لزم عن كل طير شاة، وعن كل فرخ حمل، وعن كل بيضة درهم إن كان محرما، وإن كان غير

(1) التهذيب 5: 346 حديث 1201. وانظر المختلف: 274.

[ 168 ]

محرم لزم عن كل طير درهم، وعن كل فرخ نصفه، وعن كل بيضة ربعه، وإن كسر بيض حمام (1) لم يخل: إما تحرك فيها الفراخ، أو لم يتحرك فأن تحرك لزم عن كل بيضة شاة، وإن لم يتحرك لزمت قيمته. والحمل يلزم: بصيد فرخ الحمام، وبإغلاق الباب عليه، وبصيد القطاة وما في قدر جسمها. والحمل يجب أن يكون فطيما يرعى الشجر. والجدي يلزم: بالقنفذ، واليربوع، والضب، وأشباهها. والدم المطلق يلزم: بصيد المحرم حمامة الحرم، وقتل المحل الصيد في الحرم، وشرب لبن الظبي - ولزمته قيمته مع الدم - ومس المرأة بشهوة أنزل أو لم ينزل، وتقليم أظفار اليدين والرجلين معا في مجلس واحد - وإن كان في مجلسين لزمه دمان - وحلق الرأس بعد الفراغ من العمرة التي تمتع بها قبل الاحرام بالحج، ونسيان التقصير حتى يهل بالحج، والتظليل على نفسه، والارتماس في الماء، ولبس الخفين والشمشك مختارا. والفداء يلزم: بالدلالة على الصيد، وقتله، وأكل لحمه، وإعانة الغير على قتله، وقتل المحل الصيد في الحرم، وإيقاد النار لوقوع الصيد فيها - وإن أو قدها جماعة لزم كل واحد فدية، وإن أوقدوا لغير ذلك ووقع فيها طير لزم الكل فدية واحدة - وإصابة المحرم الصيد في الحل على بريد من الحرم، ورمي المحل من الحرم صيدا في الحل وأصابه، وموت الصيد في الحرم إذا كان معه حالة الاحرام ولم تحله. وأمر المحرم غلامه المحل بالصيد - وإذا صاد عبد أحرم بإذن سيده لزم السيد الجزاء - واستعمال الطيب، وقلع الأسنان ولبس السواد، والقميص، وتغطية الرأس بثوب، أو عصابة، أو مرهم ثخين، أو قرطاس، أو طين، وحمل ما يغطي الرأس، وخضابه، ولبس المخيط على كل حال، وابتداء

(1) في نسختين " ش " و " ط ": نعام.

[ 169 ]

الطيب، واستدامته، واستعمال ما صبغ بالطيب، أو غمس فيه، أو بخر به، ولبس جماعة ثياب في مجلس واحد - وإن لبسها في مواضع متفرقة لزم لكل ثوب فدية - ورمي طير على فرع شجرة في الحل وأصله في المحرم - وكذلك إن كان الفرع في الحرم والأصل في الحل - ومس الطيب الرطب مثل الغالية، والمبلول من الكافور، والمسك والسعوط، والحقنة. ومس اليابس إذا علق باليد، وفي خرقة، وحلق الرأس. وإن حلق الرأس وتطيب لزمه فديتان. والفدية عن حلق الرأس شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام عشرة مساكين لكل واحد مد، فإن لم يجد الشاة في غيره من الصيد قومها، وفض ثمنها على الحنطة، وأطعم عشرة مساكين لكل واحد نصف صاع، فإن زاد لم يلزم، وإن نقص أجزأ، فإن لم يقدر صام عشرة أيام، فإن عجز صام ثلاثة أيام. وإن أصاب جرادا، وأمكنه التحرز منها تصدق لكل واحدة بتمرة. وما يلزم به الفدية بعد الجنابة ضربان: أحدهما بيض النعام، والثاني بيض القطاة، والقبج، وما شاكلها. ولم يخل: إما تحرك فيهما الفراخ، أو لم يتحرك. فإن تحرك لزم في بيض النعام ما خض من الإبل، وفي الآخر ما خض من الغنم. وإن لم يتحرك أرسل الفحولة في إناثها بعدد البيض، فما حصل منهما كان هديا لبيت الله الحرام، فإن عجز تصدق عن كل بيضة نعام بشاة، وعن كل بيضة قطاة بدرهم، فإن عجز عن الشاة تصدق على عشرة مساكين، فإن عجز صام ثلاثة أيام وإن قتل صيدا مملوكا لزمه الجزاء لله، والقيمة لصاحبه. والمحل إذا حبس حماما في الحل، ولها فراخ في الحرم ضمن قيمة الفراخ وإن حبسها في الحرم، ولها فراخ في الحل ضمن قيمتها، وإن رمى واحدا فأصاب اثنين، أو اضطرب المرمى فقتل فرخا أو كسر بيضا ضمن الكل.

[ 170 ]

ومن صاد بالجوارح ضمن، وإن رام تخليص صيد فمات منه أو عاب ضمن وإن جرح صيدا، وقتله غيره ضمن القاتل أيضا. وإذا جرح صيدا لم يخل من ستة أوجه: إما اثبته، أو أثر فيه ولم يثبته، أو يؤثر فيه ولم يثبته، أو يؤثر فيه، أو أثر في عضو له مثل اليدين، والرجلين، والعينين: والأذنين والقرنين، أو في عضو لم يكن له نظير، أو داواه فبرئ. فالأول: حكمه حكم القتل. والثاني: لم يخل، إما رآه بعد مستويا ويلزمه ربع الفدية، أو لم يره بعد ويلزمه الفدية. والثالث: استغفر ولم يعد. والرابع: إن كان العضوان قرنين لزم في كل واحد ربع الفدية، وإن كان غير هما فإن كل واحد مضمونا بنصف الفدية، والتضعيف في الجزاء والقيمة بالحساب. والخامس: إن برئ واشتبه عليه لزمته الفدية، وإن برئ (1) تصدق بصدقة. والسادس: إن لم يمتنع ضمن، وإن امتنع ضمن ما بين قيمته صحيحا، ومعيبا. وإن نقل بيض طير من داره ولو في فراشه ولم يحضنه الطير ضمن، وإن نفر الصيد من الحرم فأصابته آفة ضمن، وإن وضع بيض الطير الاهلي تحت الصيد أو بيض الصيد تحت الاهلي وفسد شيئا ضمن الفاسد. وما يكون من الصيد في البر والبحر معا كان الحكم على الموضع الذي فيه بيضه وفرخه. وغير الدم: طعام، ودرهم. والطعام ضربان: إما يكون بدل شئ آخر - وقد ذكرنا حكمه - أو لا يكون، وهو أيضا ضربان: إما تعين قدره، أو لم يتعين. فالمتعين مثل من قص ظفرا واحدا أو أكثر ما لم يبلغ تقليم أظفار اليدين في

(1) في نسختي " ش " و " ط ": مر، وفي " م ": بر [ مر ] خ.

[ 171 ]

مجلس واحد، ولزمه لكل واحد مد من طعام. وإن قتل عصفورا، أو صعوة، أو ما في قدرهما فكذلك. ومن القى القمل من البدن، أو قتل زنبورا تصدق بكف من طعام. وإن حك رأسه، أو لحيته وسقط شئ من شعره، أو مسه في غير الوضوء تصدق بكفين. وغير المتعين: هو أن ينتف ريشة من حمام الحرم، ويلزمه أن يتصدق بشئ باليد التي نتفها بها. والدرهم يجب في خمسة أشياء: من أصاب محلا في الحرم حماما لزمه درهم، وإن أصاب فرخه لزمه نصف درهم، وإن أصاب بيضه لزمه ربع درهم، وإن أصاب محرما بيض حمام في المحل لزمه لكل بيضة درهم، وإن أفسد بعد ما أحل من الاحرام لزمه للجميع درهم. ويجوز أن يرعى الإبل، والسوائم سواها، في نبت الحرم، وحشيشه، ولا يجوز قلعه، وعلفه إياها، إلا الأذخر فإنه يجوز جزه وقلعه. ومن وقع في رأسه القمل، فجعل فيه شيئا يقتلها لزمه الفدية. وما يلزم المحرم من جزاء الصيد، وقيمته في إحرام الحج، والعمرة المتمتع بها من الذبح، والنحر، والاطعام صنعها بمنى، وإن لزمه في إحرام العمرة المبتولة لزمه ذلك بمكة، وذبح ونحر بمكة قبالة البيت بالحزورة (1). وإن كان ما لزم في العمرة من غير جزاء الصيد جاز نحره وذبحه بمنى أيضا، وإن نذر دما وعين الموضع أراق به، فإن لم يعين لم يرقه بالحزورة.

(1) بالفتح ثم السكون، وفتح الواو وراء وهاء: كانت الحزورة سوق مكة وقد دخلت في المسجد لما زيد فيه. معجم البلدان 2: 255.

[ 172 ]

فصل في بيان دخول مكة والطواف فإذا أراد المحرم دخول مكة للطواف استحب له أن يأتي بخمسة عشر شيئا قبل الدخول والشروع فيه: الغسل عند دخول الحرم، فإن فاته اغتسل إذا دخله من بئر ميمون، أو من الفخ، وتطيب الفم بمضغ الأذخر، ودخول مكة، من أعلاها إذا حج على طريق المدينة، والغسل عند دخول مكة، ودخولها ماشيا حافيا على سكينة ووقار، والغسل عند دخول المسجد، ودخول فيه من باب بني شيبة حافيا، والصلاة على النبي آله، والتسليم عليهم عليهم السلام عند الباب، والاستقبال إلى الكعبة إذا نظر إليها، والدعاء بالمروي عند الدخول، وعند ما نظر إلى الكعبة.
(2) وتتعلق بالطواف أفعال مفروضة، ومسنونة، ومحظورة، ومكروهة، ومبطلة وأحكام. فالمفروضة سبعة أشياء: النية، والابتداء في الطواف بالحجر، والختم به، وأن يطوف سبعة أشواط، وأن يطوف بين المقام والبيت، وأن يطوف متطهرا، وركعتا الطواف في المقام، أو خلفه، أو بحذائه إن كان زحام في المقام. والمسنونة ستة عشر شيئا، استلام الحجر في كل شوط، والتقبيل له، والايماء إليه بذلك، ورفع اليدين عنه بالدعاء عند عقد الطواف، والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، وعلى آله عليهم السلام، واستلام الأركان كلها باليمين وخاصة الركن اليماني، والدعاء عند كل ركن، والدعاء في الطواف، والدعاء عند باب الكعبة، والدنو من البيت في الطواف، والرمل في ثلاثة الاشواط الأول، إلا للنساء والعليل والصبي ومن يطوف بهما، والمشي في الأربعة وخاصة في طواف

2) الكافي 4: 401 حديث 1 و 2، التهذيب 5: 99 و 100 حديث 327 و 328.

[ 173 ]

الزيارة، والاضطباع (1)، والمشي بين السرع والإبطاء، والدعاء تحت الميزاب، والتزام المستجار في الشوط السابع، والدعاء عنده. والمحظورة سبعة أشياء: التجاوز في الطواف عن المقام، واستدبار الكعبة، وأن يطوف بالعكس، وأن يجعل اليسار إلى المقام، والمشي على أساس البيت، وعلى الحجر، وعلى حائط الحجر. والمكروهة أربعة أشياء: الطواف في ثوب نجس، وإذا أصاب بدنه نجاسة، والكلام خلاله - إلا بذكر الله تعالى - وإنشاد الشعر. والمبطلة ثلاثة عشر شيئا: الزيادة عمدا في طواف الفريضة، وقطع الطواف قبل أن يطوف أربعة أشواط، وكونه غير متطهر، والحدث الناقص للطهارة قبل أن يطوف أربعة أشواط، والرجوع عنه لغير عذر قبل الاتمام، والشك فيه من غير تحصيل عدد. والمحظورات السبع. والأحكام بعضها يتعلق بالطواف المندوب إليه: وهو خمسة أشياء: أن يطوف بعدد كل يوم من السنة طوافا، فإن لم يقدر فشوطا، وأن يبني فيه على الأقل إذا لم يحصل العدد ويتمم أسبوعين إن زاد على سبعة أشواط عمدا، والفضل في الانصراف على الوتر، وأن يبني إن رجع عنه لعذر قبل أشواط، والإجزاء إذا طاف على غير وضوء، ويلزمه التوضؤ للصلاة. وغير المتعلق بالمندوب أشياء، فإن طاف أربعة أشواط وقطع لعذر، أو نسي وذكر بعده بنى عليه وأتمه، وإن زاد في الفريضة ناسيا، وذكر في الشوط الثامن

(1) قال الجوهري في الصحاح 3: 1248 (ضبع): والاضطباع الذي يؤمر به الطائف بالبيت: أن يدخل الرداء من تحت إبطه الأيمن ويرد طرفه على يساره ويبدي منكبه الأيمن ويغطى الأيسر، وسمى بذلك لإبداء أحد الضبعين.

[ 174 ]

قبل أن يصل إلى الركن طرح الزيادة، وإن ذكر بعد أن يصل الركن تمم أسبوعين وإن شك بعد الرجوع منه لم يلتفت إليه، وإن رجع إلى أهله وذكر أنه ترك بعض الطواف، أو طواف النساء استناب من يتمم عنه ويطوف، ومن قدم السعي على الطواف لم يكن لسعيه حكم، ولا يجوز تأخير السعي بعد الطواف إلى غد، ويجوز للقارن والمفرد تقديم الطواف، والسعي على الوقوف بالموقفين، ولا يجوز للمتمتع إلا لعذر من مرض، وخوف الحيض للمرأة، والعجز عن الرجوع إليه من الهرم، أو الخوف على النفس أو المال. وتقديم طواف النساء جائز للمضطر دون المختار، فإن قدم عمدا على السعي أعاد، وناسيا لم يعد، ويلزم لكل طواف ركعتان، فإن طاف أسبوعين ناسيا في الفريضة فصل بين ركعتي كل واحد منهما بسعي، وإن كان في النافلة صلى ولبى. ووقت صلاة الطواف بعد الفراغ منه، ومن نسي صلاته حتى خرج من مكة عاد إليها وصلى إن أمكنه، فإن لم يمكنه صلى مكانه، فإن مات قضى عنه وليه. والأغلف لا يجوز له الطواف بالبيت. والمريض ضربان: إما أمكنه إمساك الطهارة، أو لم يمكنه. فالأول طاف به وليه، وإن نوى لنفسه طوافا صح، والثاني انتظر وليه به يوما أو يومين، فإن برئ طاف، وإن لم يبرأ أمر من يطوف عنه وصلى هو بنفسه وإن مرض خلال الطواف، ولم يمكنه الاتمام فحكمه الانتظار على ما ذكرنا. فصل في بيان السعي وأحكامه وما يتعلق به وبيان التقصير وغير ذلك من ترك السعي متعمدا بطل حجه، وإن تركه ناسيا وذكر بمكة سعى، وإن ذكر بعد الخروج منها وأمكنه الرجوع إليها رجع وسعى، وإن لم يمكنه أمر من

[ 175 ]

يسعى عنه. وللسعي مقدمات مندوب إليها وهي سبعة: استلام الحجر إذا أراد الخروج إليه، واتيان زمزم، والشرب من مائة، والصب على بدنه من الدلو المحاذي للحجر، والخروج إليه من الباب المقابل للحجر، وقطع الوادي بخشوع حتى يصعد الصفا. ويشتمل على مفروضات، ومسنونات. فالمفروضات أربع: النية، والبدأة بالصفا، والختم بالمروة، والسعي بينهما سبع مرات. والمسنونات (1) ثمانية عشر شيئا: الصعود على الصفا، وإطالة الوقوف عليه إن أمكن، والنظر إلى البيت، واستقبال ركن الحجر، وحمد الله تعالى والثناء عليه وذكر آلائه، وما صنع إليه من حسن بلائه على قدر وسعه، والتكبير سبع مرات، والتهليل سبع مرات، وقول: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شئ قدير " ثلاث مرات، والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، والصلاة على آله عليهم السلام، والدعاء بالمرسوم (2) والمشي في السعي إذا أمكنه، والسعي للرجال من عند المنارة الأولى إلى الثانية في المسعى ذاهبا وراجعا. وأن يرجع القهقرى إن جاوزه غير ساع إلى مبتدأ السعي ويسعى، وإن كان راكبا حرك دابته في المسعى، وأن يكف عن السعي إذا انتهى إلى حد المسعى، والدعاء عند المروة، والصعود عليها. والسهو فيه على خمسة أضرب: ثلاثة منها توجب الإعادة، وهي: الابتداء

(1) في نسختي " ش " و " ط ": والمندوبات.
(2) الكافي 4: 431 حديث 1، والتهذيب 5: 145 حديث 481.

[ 176 ]

بالمروة، والزيادة فيه عمدا، والشك في عدده وهو لم يحصل على عدد. واثنتان لا يوجبانها، وهي: الزيادة فيه ناسيا - فإن زاد ناسيا خير بين طرح الزيادة وإتمام سبعين - والنقصان منه ناسيا، فإن نسي وذكر ورجع فأتم. ويجوز له قطع السعي لعذر من قضاء الحقوق، واقامة الصلاة، وغيرهما. والجلوس خلال السعي للاستراحة من غير استئنافه، ولا يجوز له تقديمه على الطواف، ولا تأخيره إلى غد بعد الطواف. والتقصير أدناه أن يقص شيئا من شعر رأسه، أو يقص أظفاره. والأصلع يأخذ من شعر اللحية أو الشارب، أو يقص الاظفار. فإذا قصر أحل مما أحرم منه إلا من الصيد، لأنه في الحرم وجاز له أكل لحمه، ويستحب له التشبه بالمحرم في ترك لبس المخيط. وإذا دخل المتمتع مكة، وعلم تمكنه من الحج أحل إذا قضى المناسك، وأنشأ الاحرام ثانيا بالحج في وقته، وإن علم أنه لا يتمكن منه أقام على إحرامه، وجعل حجته مفردة، فإن حلق رأسه بعد السعي لزمه دم، ولا يجوز له الخروج من مكة قبل قضاء المناسك بها إلا مضطرا. فصل في بيان الاحرام بالحج ونزول منى فإذا فرغ من المناسك للعمرة لم يخل: إما أمكنه الاحلال من الاحرام والاحرام بالحج والوقوف بالموقفين، أو لم يمكنه. (فإن لم يمكنه) (1) - وهو زوال الشمس من يوم عرفة، ولم يفرغ من مناسك العمرة - لم يجز له التحلل، وإن كان قبل ذلك جاز له التحلل، وهو وقت الامكان. فإن أمكنه لم يخل: إما تضيق الوقت - ويلزمه الاحرام في الحال -، أو لم يتضيق ويلزمه الاحرام يوم التروية. فإن كان إماما أو صاحب عذر من العليل، والهم أحرم قبل الزوال، ليخرج

(1) زيادة من نسختي " ش " و " ط ".

[ 177 ]

إلى منى قبل أن يصلي الظهر والعصر بمكة، وإن لم يكن إماما، ولا صاحب عذر فالافضل أن يحرم بعد الزوال إذا صلى الفريضتين. وشروط الاحرام على ما ذكرنا، إلا أنه يحرم الان بالحج المفرد، ويذكر كل ذلك في تلبيته (1)، وإن كان قد أحرم قبل التمتع بالعمرة إلى الحج وذكر ذلك إحرامه، فإن نوى العمرة في الاحرام وأتى بأفعال الحج، أو نسي الاحرام حتى أتى عرفات، أو نسي الاحرام أصلا وكان في عزمه الاحرام أجزأ وصح حجه. فإذا أحرم لم يجز له أن يطوف بالبيت فإن طاف ناسيا جدد الاحرام بالتلبية. ويجوز له الاحرام من داخل مكة، والأفضل أن يحرم من عند المقام، ثم من المسجد الحرام. وإذا دخل المسجد للاحرام دخله حافيا، بسكينة ووقار، فإذا أحرم لبى من موضع الصلاة إن كان ماشيا، وحين نهض به بعيره إن كان راكبا، ورفع بها صوته إذا أشرف على الأبطح من الردم. فصل في بيان الغدو من منى إلى عرفات وإذا أراد الخروج من منى إلى عرفات، وكان إماما لم يخرج منه إلا بعد طلوع الشمس، وغير الإمام يخرج بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ولا يعبر وادي محسر، إلا بعد طلوع الشمس إن كان مختارا، وإن كان مضطرا جاز له الخروج قبل طلوع الفجر، وصلى في الطريق، وإذا توجه إلى عرفات دعا بالدعاء المأثور، وجدد التلبية إلى عند الزوال. فصل في بيان نزول عرفات وكيفية الوقوف بها، والافاضة منها إلى المشعر الوقوف بعرفات ركن من أركان الحج، والوقوف بالمشعر كذلك، بل هو

(1) في نسختي " ش " و " ط ": التلبية.

[ 178 ]

أو كد، ولم يخل من ثلاثة أوجه: إما أدرك الحاج الموقفين، أو لم يدركهما معا، أو أدرك أحدهما. فإن أدركهما معا تم حجه. وإن لم يدركهما معا فاته الحج، ولزمه المقام على الاحرام إلى انقضاء أيام التشريق، وورود مكة، وجعلها عمرة، والتحلل بنحر بدنة، والحج من قابل إن كان ما فاته فرضا، والدخول في مثل ما خرج منه إذا قضى، إلا إذا كان مفردا أو قارنا ولم يكن من حاضري المسجد الحرام، فإنه يجوز له التمتع، وإن كان الحج تطوعا لم يلزمه قضاء ولا دم، وإذا فاته سقط عنه توابعه، إلا المقام بمنى فإنه يستحب له. وإن أدرك أحد الموقفين، وترك الآخر مختارا بطل حجه، والباقي على ما ذكرنا. وإن لم يتركه ضرورة لم يخل: إما فاته الموقف الأول (1)، أو الثاني. فإن فاته الأول لأنه وصل إليه ليلا، ولم يمكنه الوقوف به وأدرك الثاني صح حجه، وإن أدرك الأول قبل طلوع الفجر صح، وإن وافى المشعر ليلا، ولم يقف بعرفات، وعلم، أو ظن أنه إن مضى إليها أدركها قبل طلوع الفجر لزمه ذلك، وإن علم، أو ظن خلاف ذلك لم يلزمه المضي إليه، وكفاه الوقوف بالمشعر، وإن فاته الثاني لاحتباسه في الطريق لعذر إلى قرب الزوال وقف به قليلا، ثم مضى إلى منى، ومن أدرك المشعر قبل طلوع الشمس من يوم النحر أجزأه ذلك. ويتعلق بالوقوف بعرفات أحكام تنقسم إلى واجب، ومندوب. فالواجب خمسة أشياء: النزول بها، والإقامة فيها إلى غروب الشمس، وقطع التلبية عند الزوال للمتمتع، والوقوف بالموقف على السهل مختارا، والافاضة منها إلى المشعر بعد غروب الشمس.

(1) في نسخة " م ": وإن أدركه ضرورة إما فاته الموقف الأول..

[ 179 ]

فإن أفاض منها قبل غروب الشمس لم يخل من ثلاثة أحوال: إما رجع إليها قبل غروب الشمس، أو بعد غروبها، أو لم يرجع إليها. فالأول: لا يلزمه شئ. والثاني لم يخل: إما أفاض عمدا، أو سهوا. فإن أفاض عمدا لزمه بدنة ينحرها بمنى، فإن عجز صام ثمانية عشر يوما، وإن أفاض سهوا لم يلزمه شئ. والثالث لم يخل: إما أمكنه الرجوع إليها، أو لم يمكنه. فإن أمكنه ولم يفض عمدا لزمته البدنة إذا لم يرجع إليه، وإن لم يمكنه وقد أفاض عمدا لزمته، وإن أفاض سهوا لم يلزمه شئ. والمندوب أحد عشر شيئا: أن يضع رحله بنمرة، ويغتسل عند زوال الشمس، ويصلي الظهر والعصر جامعا بينهما بأذان واقامتين، ويقف في مسيرة الجبل، ولا يصعده مختارا، ويسد الثلم والخلل بنفسه، ووطؤه (1)، ولا يقف تحت الاراك، والدعاء بالمأثور (2)، والاجتهاد فيه والمبالغة، والدعاء لإخوانه. وإذا وقف بالمشعر وجب عليه أشياء، وندب إلى أشياء. فالواجب أربعة: النزول به، والوقوف في نفس المشعر، والإقامة به إلى أن تطلع الشمس للامام، وإلى قرب طلوعها لغيره، ويجوز التأخير له إلى طلوعها، وجاز لثلاثة نفر: المضطر، والعليل، والنساء الخروج منه قبيل الفجر، إلا أنه لا يعبر وادي محسر، إلا بعد طلوع الشمس، والخروج منه إلى منى. والمندوب ثلاثة عشر شيئا: الدعاء إذا خرج إليه من عرفات، والقصد في السير، وتأخير العشاءين إلى المشعر ليجمع بينهما بأذان واقامتين وإن امتد إلى ثلث الليل، والدعاء عند الكثيب الأحمر، وفي الطريق، والصعود على قزح،

(1) في نسختي " ش " و " ط ": ورحله.
(2) الفقيه 2: 324 حديث 1546، والتهذيب 5: 183 حديث 612.

[ 180 ]

ووطؤه بالرجل للصرورة، وذكر الله تعالى عنده، والوقوف للدعاء قريبا من الجبل أو في مبيته، والتحميد لله، والثناء عليه، وتعداد نعمه، وأياديه، والصلاة على نبيه صلى الله عليه وآله، وعلى آله عليهم السلام. فصل في بيان نزول منى ثانيا وقضاء المناسك بها إذا خرج من المشعر سعى في وادي محسر إن كان ماشيا، وحرك دابته إن كان راكبا، وأخذ على الطريق الوسطى إلى الجمرة العظمى، ونزل من منى بحيث يشاء. والمناسك بمنى، ضربان: أحدهما في يوم النحر، والثاني في أيام التشريق. فالمناسك في يوم النحر ثلاثة: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق. ويتعلق بالرمي أفعال، وتروك. فالفعل ضربان: أحدهما يرجع إلى ما يرمى به، والثاني إلى الرامي. فالأول عشرة أشياء: عدده: وهو سبعة، والموضع الذي يرمى إليه: وهو جمرة العقبة، وأن يرمي بالحجر، وأن يكون من حصى الحرم دون حصى المسجدين، وأن تكون ملتقطة منقطة كحلية صما (1)، برشا (2)، طاهرة، في قدر أنملة. والثاني خمسة أشياء: التطهر، والخذف في الرمي، والدعاء مع رمي كل حصاة، وايقاعها على الجمرة، والاستدبار في هذه الجمرة، وأن يكون بين الجمرة وبينه نحو من عشرة أذرع إلى خمسة عشر ذراعا. والرمي واجب عند أبي يعلي، (3)

(1) الحجر الاصم: الصلب المصمت. مجمع البحرين 6: 102 " صمم ".
(2) الحصى البرش: المشتملة على ألوان مختلفة. مجمع البحرين 4: 129 " برش ".
(3) المراسم 105.

[ 181 ]

مندوب إليه عند الشيخ أبي جعفر رضي الله عنهما (1) (2) والخذف واجب عند السيد المرتضى (3) (4) رضي الله عنه. والتروك سبعة: الرمي بالمكسورة وبغير الحصى، وبحصى الجمار وبحصى غير الحرم، وبالنجسة، وبحصى المسجد الحرام، والمسجد بمنى وهو مسجد الخيف. وأما الذبح والنحر فأربعة أشياء: هدي المتمتع، والقارن، والكفارة، والأضحية. والمتمتع: إما يجد الهدي وثمنه، أو يجد الثمن دون الهدي، أو الهدي دون الثمن. فالأول: يلزمه ولا يجزئ واحد إلا عن واحد حالة الاختيار، ويجزئ حالة الاضطرار عن خمسة،، وعن سبعة، وعن سبعين.

(1) محمد بن الحسن بن على الطوسي، أبو جعفر، شيخ الامامية قدس الله روحه، رئيس الطائفة جليل القدر عظيم المنزلة، ثقة عين صدوق، عارف بالأخبار والرجال والفقه والأصول والكلام والأدب، وجميع الفضائل تنسب إليه، صنف في كل فنون الاسلام، وهو المهذب للعقائد في الأصول والفروع والجامع لكمالات النفس في العلم والعمل، وكان تلميذ الشيخ المفيد. ولد قدس الله سره في شهر رمضان سنة خمس وثمانين وثلاثة مائة، وتوفى رضي الله عنه ليلة الإثنين الثاني والعشرين من المحرم سنة ستين وأربعمائة بالمشهد المقدس الغروى على ساكنه السلام ودفن بداره. الخلاصة: 148. (2) الجمل والعقود (ضمن الرسائل العشرة): 234.
(3) على بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق عليه السلام، الشريف المرتضى، حاز من العلوم ما لم يدانيه فيه أحد في زمانه، وسمع من الحديث فأكثر، وكان متكلما شاعرا أديبا، عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا، مات رضي الله عنه لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وثلاثين وأربعمائة النجاشي: 192، الفهرست 98.
(4) الانتصار: 105.

[ 182 ]

والثاني: إن أقام بمكة طول ذي الحجة، ووجد الهدي ابتاعه وذبح، وإن لم يقم، أو أقام ولم يجد خلف الثمن عند ثقة، ليذبح عنه في القابلة عند محله. والثالث: يلزمه صوم عشرة أيام: ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. ويصوم ثلاثة الأيام في الحج، وهي: يوم التروية، ويوم قبله، ويوم بعده. فإن فاته اليوم قبل التروية صام بدله يوما بعد انقضاء أيام التشريق، فإن فاته صوم يوم التروية، واليوم قبله لم يصم يوم عرفة، وصام بعد انقضاء أيام التشريق وإن صام يوم التروية، ويوما قبله، وخاف إن صام يوم عرفة عجز عن الدعاء أفطر وصام بدله بعد انقضاء أيام التشريق. وإن فاته صوم ثلاثة الأيام صام بعد أيام التشريق متواليات، وإن لم يصم في ذي الحجة لم يجز له الصوم، واستقر الهدي في ذمته إلى أن يجد. ويجوز له أن يصوم سبعة الأيام متفرقات. وإن ترك الصوم لغير عذر وجب على وليه أن يقضي عنه ثلاثة الأيام دون السبعة. ويشتمل بيان ذلك على خمسة أنواع: ما يجزئ فيه، وما لا يجزئ، وأيامه، وكيفية الذبح، والنحر، وقسمة اللحم. فالأول يشتمل على بيان الجنس، والصفة، والأفضل. فالجنس ثلاثة: الإبل، والبقر، والغنم. والصفة أربع: السمن، وتمام الخلقة، والتعريف، وأن ينظر في سواد، (ويرتع في سواد) (1)، ويمشي في سواد. والفضيلة في البدن، ثم في البقر، وأدونها الغنم. ولا يجزئ من الإبل والبقر غير الثني، وذوات الأرحام فيهما أفضل. والفضل في الغنم أن يكون فحلا من

(1) لم ترد في نسخة " ط ".

[ 183 ]

الضأن، فإن لم يجد فتيسا من المعز، والجذع لسنته يجزئ، والشاة إذا لم يجد سواها. والثاني ثمانية أجناس: العرجاء البين عرجها، والعوراء (1) البين عورها، الجذاء (2)، والخرماء (3)، والعجفاء (4)، والعضباء (5)، والخصي إذا وجد غيره، والمهزولة إذا اشتراها على ذلك. وتجزئ سبعة أصناف: المشقوق الأذان، والمثقوب، والصحيح داخل القرن، والمبتاع على السمن فخرج هزيلا، أو على الهزال فخرج سمينا، والخصي إذا لم يجد غيره، والموجوء (6) وإن سرق الهدي من موضع حصين أجزأ، والأبدال أفضل، وإن خيف هلاكه قبل بلوغ المحل ذبح، وتصدق على المستحق إن وجد، فإن لم يوجد غمس نعله بالدم، وضربت به صفحة سنامه، أو كتب كتاب ووضع عليه ليعلم من يمر به أنه هدي، فإن هلك أقيم بدله، وإن انكسر الهدي، وانساق إلى المنحر، ونحر أجزأ. والثالث أربعة أيام: يوم النحر، وأيام التشرق، ويجوز ذبح هدي المتمتع طول ذي الحجة.

(1) العوار، بالفتح: العيب. مجمع البحرين 3: 417 (عور).
(2) الجذاء: وهي مقطوعة الأذن. مجمع البحرين 3: 179 (جذذ).
(3) الخرماء: وهي التي تقطع وترة أنفها أو طرف أنفها قطعا لا يبلغ الجذع. مجمع البحرين 6: 56 (خرم).
(4) العجفاء: أي الضعيفة المهزولة. مجمع البحرين 5: 93 (عجف).
(5) العضباء: مكسورة القرن الداخل، أو مشقوقة الأذن. مجمع البحرين 2: 123 (عضب).
(6) الوجاء، بكسر الواو: رض عروق البيضتين حتى تنفضح فيكون شبيها بالخصاء، وقيل هو رض الخصيتين. مجمع البحرين 1: 429 (وجا).

[ 184 ]

والرابع: إن كان الهدي من الإبل نحر قائما، بعد ما ربط يديها ما بين الخف إلى الركبة، وقام من جانب يمينه وطعن في لبته، وتولى النحر بنفسه إن أمكنه، فإن لم يحسن جعل يده مع يد الذابح، وإن لم يفعل كفاه الحضور. ويستحب له أن يقرأ: وجهت.. إلى موضع، وأنا من المسلمين، ثم يقول: اللهم منك ولك، بسم الله (وبالله) (1) والله أكبر، اللهم تقبل مني. وإذا حضر الهدي الواجب، وهدي المتمتع بدأ بالواجب استحبابا، والاستقبال بالذباحة شرط للإجزاء، والتسمية شرط للاستباحة، والدعاء مستحب. وأما الذبح للبقر والغنم وهو من أسفل مجامع اللحين، وهو قطع الحلقوم والمرئ، والودجين وإن أراد ذبح البقر عقل يديه ورجليه، وأطلق ذنبه. وإن أراد ذبح الغنم عقل يديه، وفرد رجليه، وأطلق الأخرى، وأمسك على صوفه أو شعره دون أعضائه إلى أن يبرد. وإن نوى الهدي عن صاحبه وذكر غيره سهوا أجزأ بالنية. وأما الخامس: فالسنة فيه أن يأكل من هديه هذا ثلثة، ويهدي إلى الاخوان ثلثه، ويعطي القانع والمعتر ثلثه. ولا يعطي الجزار منه شيئا، ويعطيه الأجرة من خاصة ماله، وتصدق بجلده أو بثمنه إن أراد ويجوز أن يفرق اللحم بنفسه، وبأمينه. وهدي القران حكمه حكم هدي المتمتع، إلا في شئ واحد، وهو اقترانه بحال الاحرام. وأما الكفارة، فإن عين ما لزمه زال ملكه عنها، فإن بلغ المنحر ونحر فقد وفى، وإن عطب في الطريق بقي في ذمته حتى يكفر، وإن لم يعين كفر بما لزمه ونحر، أو ذبح بمنى أو بمكة على ما ذكرناه.

(1) زيادة من نسخة " ط ".

[ 185 ]

وما يلزمه بالنذر، فإن عين زال ملكه عنه، ولزمه سوق إلى المنحر ونحره، فإن انساق فقد أتى بما وجب، وإن عطب في الطريق لغير تفريط فقد أجزأ، وإن أدركه الذكاة تصدق بلحمه على المساكين، فإن لم يجدهم أعلمه ليعرف حاله، وإن نتج كان الولد هديا. وأما الأضحية فمستحبة بمنى، وغيره من الامصار. وأيامه بمنى أربعة، وبغيرها ثلاثة، فإن كان بمنى، وساق الأضحية مع الاحرام، وأشعر أو قلد لم يجز بيعه، ولا هبته،. ولا الأبدال، منه وإن لم بشعر، ولم يقلد جاز ذلك، وإن مات في الطريق لم يلزمه البدل، فإن ساق في الحج نحر بمنى، وإن ساق في العمرة نحر بمكة، ولا يجوز له أن يأكل من الهدي الواجب، إلا إذا احتاج إليه، وتصدق بقيمته. وما يذبح في الأضحية ضربان: مجزئ، وغير مجزئ. فالمجزئ: مطلق، ومكروه. والأفضل من الأسنان الثني من الإبل، والبقر، والمعز، والجذع من الضان، ومن الالوان البياض، ثم العفرة، ثم السواد. والمستحب من الغنم كبش أملح أغلب ينظر في سواد، ويبرك في سواد، ويرتع في سواد. والمكروه ستة: الجلحاء (1)، والقصماء (2)، والخرقاء (3)، والشرقاء (4)، والمقابلة، والمدابرة (5).

(1) شاة جلحاء: لاقرن لها. مجمع البحرين 2: 345 (جلح).
(2) القصماء: المكسورة القرن الخارج. الصحاح 5: 2013 (قصم).
(3) الخرقاء: وهي التي في أذنها ثقب مستدير. مجمع البحرين 5: 153 (خرق). (4) الشرقاء: المشقوقة الأذن، من قولهم: شرقت الشاة شرقا من باب تعب إذا كانت مشقوقة الأذن باثنتين وهي شرقاء. مجمع البحرين 5: 190 (شرق).
(5) المقابلة: الشاة التي تقطع من أذنها قطعة ولا تبين ولا تبقى معلقة من قبل. فإن

[ 186 ]

وغير المجزئ ثلاثة عشر صنفا: الخصي إذا وجد غيره، والجذع من المعز، والعوراء البينة العور، والعرجاء البينة العرج، والمريضة البينة المرض، والعجفاء غير المنقية (1)، والكسير الذي لا يتعى (2)، والثور، والحمل بمنى، والمصفرة، والنحفاء، والمستأصلة والمشيعة لمرض أو هزال (3). ويكره التضحية بكبش رباه بنفسه، والهدي يجزئ عن الأضحية، والجمع بينهما أفضل. وأما الحلق فوقته بعد الفراغ من النحر، أو بعد حصول الهدي في منزله وإن لم يذبح. والحلق للرجال، وأما النساء فلها التقصير بمقدار أنملة. والصرورة وغير الصرورة إذا تلبد شعره لم يجزئه غير الحلق، وإن لم يتلبد شعر غير الصرورة أجزأه التقصير فإن زار البيت قبل الحلق أعاد الطواف بعده، وإن تركه عمدا لزمه دم شاة، وإن خرج من منى ولم يحلق ولم يمكنه الرجوع إليها حلق مكانه، وبعث بشعره إليها ليدفن بها،، وإن لم يمكنه ذلك لم يلزمه شئ وإن أمكنه الرجوع إليها عاد إليها وحلق بها. ويستحب في الحلق ثلاثة أشياء: الابتداء بالناصية من القرن الأيمن، والانتهاء بالعظمين خلفه، والدعاء بالمأثور، فإن لم يكن على رأسه شعر أمر الموسى على رأسه.

= كانت من آخر فهي المدابرة، بفتح الباء. مجمع البحرين 5: 449 (قبل). (1) العجفاء: الضعيفة المهزولة. والنقى بكسر النون وسكون القاف: المخ من العظام، يقال: أنقت الناقة: أي سمنت وصار فيها نقى. والمراد بها هنا: المهزولة التي لا نقى فيها من الهزال. انظر مجمع البحرين 1: 420 (نقا).
(2) تعى: عدا. القاموس المحيط 4: 306 " سعى ".
(3) المشايع للشئ: أي اللاحق له كالمشيع. مجمع البحرين 4: 357 (شيع). والمراد به هنا: المتأخرة عن قطيع الحيوانات لمرض أو هزال.

[ 187 ]

والمتمتع له ثلاث تحللات: فإذا حلق أحل من كل شي أحرم منه إلا من الطيب والنساء، فإذا طاف للزيارة حل له الطيب، فإذا طاف طواف النساء حلت له النساء أيضا، ويستحب له أن لا يلبس المخيط إلا بعد طواف الزيارة، ولا يمس الطيب إلا بعد طواف النساء. وللقارن والمفرد تحللان، ويحلان بعد الحلق من كل شئ إلا من النساء، وبعد طواف النساء من النساء، فإذا فرغ المتمتع من المناسك بها توجه إلى مكة لزيارة البيت، ولم يؤخر إلى غد لغير عذر، وإلى بعد غد لعذر. وغير المتمتع يجوز له التأخير، والتقديم أفضل. وإذا أراد دخول مكة يستحب له أربعة أشياء: الغسل، والتنظف، وتقليم الاظفار، والأخذ من الشارب. وإن اغتسل بمنى جاز، وإن أحدث بعد الغسل أعاد استحبابا. فإذا دخل مكة فعل مثل فعله أول يوم دخله على سواء من الطواف، وركعتيه، والخروج إلى الصفا، والسعي بينه وبين المروة، فإذا فرغ من السعي عاد إلى البيت لطواف النساء، فإذا طاف وصلى ركعتيه، فقد تم حجه وعمرته إن كان متمتعا، وإن كان غير متمتع تم حجه وبقيت عمرته، يفعلها مبتولة من الحج. فإذا فرغ من ذلك وأراد أن يبيت بمكة للعبادة والطواف جاز، فإن بات بها أو بغيرها لغير العبادة، ولم يعد إلى منى ليبيت بها لزمه عن كل ليلة من الليلتين الاوليين من ليالي التشريق دم. ويستحب للامام الخطبة في أربعة أيام من ذي الحجة: يوم السابع منه، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم النفر الأول ويعلم الناس ما يجب عليهم من المناسك. وأما المناسك بمنى في أيام التشريق، فإن يبيت بها، ولا يخرج ليالي التشريق.

[ 188 ]

منها، إلا بعد نصف الليل على كراهية، وإذا خرج بعد نصف الليل منها لم يدخل مكة إلا بعد طلوع الفجر. ويستحب له ألا يبرح من منى أيام التشريق، ويرمي كل يوم من أيام التشريق ثلاث جمرات بإحدى وعشرين حصاة. ويتعلق به فرض، وندب. والفرض ثلاثة أشياء: أن يرمي كل جمرة بسبع حصيات، ويبدأ بالعظمى، ويرميها خذفا. والندب ثلاثة عشر شيئا: أن يرمي من بطن المسيل، وعن يسارها، ويكبر مع كل حصاة، ويدعو بالمروي في ذلك (1)، ثم يقوم عن يسار الطريق، ويستقبل القبلة، ويحمد الله تعالى، ويثني عليه، ويصلي على النبي، وعلى آله عليهم السلام ثم يتقدم قليلا ويدعوا، ويسأل الله تعالى أن يتقبل منه، فإذا أرا أن يرمي الجمرة الثانية تقدم ورماها، وراعى فيه ما ذكرنا فإذا فرغ منها أتى جمرة العقبة ورماها على ما ذكرنا، إلا أنه لا يقف عندها كما وقف عند الجمرتين الاوليين، ووقت الرمي طول النهار. والفضل في الرمي عند الزوال، فإذا رمى اليوم الأول رمى اليوم الثاني والثالث على ما ذكرنا، فإن أراد الرجوع في النفر الأول، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق وقد أصاب النساء، أو الصيد حالة الاحرام لم يجز له ذلك، وإن لم يصب جاز له الرجوع بثلاثة شروط: أحدها: أن ينفر بعد الزوال. والثاني: أن ينفز قبل غيبوية الشمس. والثالث أن يدفن حصى اليوم الثالث فإن نفر بعد غروب الشمس لزمه دم،

(1) الكافي 4: 478 حديث 1، التهذيب 5: 198 حديث 661.

[ 189 ]

وإن نفر في النفر الثالث، وهو اليوم الثالث جاز له ذلك قبل الزوال. والسهو فيه على خمسة أوجه: إما ترك رمي جميع الأيام، أو رمي البعض، أو ترك رمي بعض الحصاة، أو ترك الترتيب، أو الايقاع على الجمرة. فالأول لم يخل: إما ذكر بمكة، أو إذا رجع إلى أهله، فإن ذكر بمكة، وأمكنه الرجوع إلى منى، رجلا كان أو امرأة رجع إليها ورماها. وإن لم يمكنه استناب. وإن ذكر بعد ما خرج من مكة قضى القابلة إن حج، واستناب إن لم يحج. والثاني لم يخل: إما ذكر من الغد وهو بمنى، أو بمكة، أو إذا خرج من مكة، فإن ذكر من الغد قضى وقدم الفائت ورمى بكرة، ورمى ما يكون ليومه عند الزوال. ولم يجزئ رمي الفائت بالليل، إلا لأحد أربعة: العليل، والخائف، والعبيد، والرعاة. وإن فاته رمي يومين رماها جميعا يوم النفر الثاني، وإن ذكر بمكة، أو بعد ما خرج منها كان حكمه حكم من ترك الرمي كله وذكر بمكة، أو بعد ما خرج منها. والثالث لم يخل من ثلاثة أوجه: إما علم عدد ما رمى وكان أكثر من النصف أو أقل، أو لم يعلم. فالأول أتم الرمي، والثاني والثالث أعاد الرمي عليها، وعلى الجمرة المترتبة عليها. والرابع: إن رماها معكوسة، ورمى الجمرة الأولى أخيرا أعاد على الجمرة الوسطى وجمرة العقبة، والرجل والمرأة في ذلك سواء. والخامس: يلزمه إيقاع الحصى على الجمرة بأي وجه أمكنه، فإن لم يوقع رمى بدله، ويجوز الرمي عن ثلاثة: عن العليل، والصبي، والمغمى عليه بإذنه إن كان عقله ثابتا. ويستحب أن توضع الحصي في كفه، ثم تؤخذ منه ويرمى عنه. والتكبير بمنى عقيب خمسة عشر صلاة واجب: أولها صلاة الظهر من يوم

[ 190 ]

النحر، وفي غيرها من الامصار عقيب عشر صلوات، ولم يكبر قبل يوم النحر، وفي الشوارع، وعقيب النوافل. وهو: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الحمد الله على ما هدانا، وله الشكر على ما أولانا، ورزقنا من بهيمة الانعام. فإذا فرغ من المناسك بها جاز له أن يقيم بها إن كان له بها أمر ما، إلا للامام فإنه ينبغي له أن يصلي يوم النفر الثاني الظهر بمكة، فإن أراد الرجوع من منى إلى أهله، وقد فرغ من مناسك الحج بمكة جاز له ذلك، إلا أن الرجوع إلى مكة أفضل لوداع البيت وطواف الوداع. ويستحب أن يصلي في مسجد الخيف بمنى في مسجد النبي عليه السلام وهو من عند المنارة إلى ثلاثين ذراعا من جانب القبلة، ومن اليمين واليسار ست ركعات، وإذا بلغ مسجد الحصباء دخله واستلقى على قفاه قليلا واستراح، ولا يتركن الصرورة دخول الكعبة مختارا، وغير الصرورة يجوز له تركه، والأفضل دخولها. وإذا دخلها استحب له سته عشر شيئا: أن يدخل حافيا على سكينة، ووقار، ويدعو بالمرسوم (1)، ويصلي ركعتين على الرخامة الحمراء بين الاسطوانتين، ويقرأ في الأول بالفاتحة. وحم السجدة، وفي الثانية الحمد وبعدد آياتها من القرآن، ثم يصلي في زوايا البيت ويدعو بالمرسوم (2)، ثم يقوم بين الركن اليماني والغربي، ويستقبل القبلة، ويلتصق به، ويرفع يديه عليه ويدعو، ثم يتحول إلى الركن اليماني، ثم إلى الغربي ويفعل من ذلك، ويكثر من النوافل فيها. فإذا خرج من الكعبة دعا بالمرسوم، وإذا نزل عن الدرجة فعل سبعة أشياء.

(1) الكافي 4: 401 حديث 1، التهذيب 5: 99 حديث 327.
(2) الكافي 4: 528 حديث 3، التهذيب 5: 276 حديث 945.

[ 191 ]

استحبابا، وصلى عن يمينه ركعتين، وألصق خده وبطنه بالبيت بين الحجر وباب الكعبة ويده اليسرى مما يلي الحجر، وصلى ركعتين بازاء كل ركن، وبدأ بالركن الشامي، وختم بالركن الذي فيه الحجر. وإذا أراد الخروج من مكة استحب له خمسة عشر شيئا، وهي: أن يطوف طواف الوداع، ويستلم فيه الحجر، والركن اليماني إن أمكنه، ويلتزم المستجار في الشوط السابع ويدعو بما أراد، ويستلم الحجر، ويودع البيت، ويدعو بالمرسوم، ويأتي زمزم ويشرب منها، ويخرج من المسجد من باب الحناطين، ويدعو بالمأثور (1)، ويخر ساجدا على باب المسجد ويقوم مستقبل القبلة، ويقول: اللهم إني انقلب على أن لا إله إلا الله. ويكره الخروج من الحرمين بعد طلوع الشمس حتى يصلي الظهر والعصر بهما، وإذا أراد الرجوع إلى أهله اشترى بدرهم تمرا وتصدق به. فصل في بيان مناسك النساء المرأة ذات زوج، وغير ذات زوج. فذات الزوج ثلاثة أضرب: إما لزمها حجة الاسلام، أو وجبت عليها بالنذر، أو أرادت التطوع به. فالأول: يلزم زوجها أن يأذن لها، فإن لم يأذن لها جاز لها خلافه، بل وجب فإن ساعدها زوجها، أو أحد محارمها لم يكن لها أن تحج دونه، ويستحب لهم ذلك، وإن لم يساعدها أحد حجت دونهم. والثاني: إن نذرت قبل التزوج، أو بعده بإذنه فهو في حكم حجة الاسلام، وإن نذرت بغير إذنه لم ينعقد نذرها. والثالث: لا يجوز لها ذلك إلا برضاء الزوج.

(1) الكافي 4: 350 حديث 1، التهذيب، 5: 280 حديث 957.

[ 192 ]

والمعتدة إذا كانت لزوجها عليها رجعة في حكم ذات الزوج. وغير ذات الزوج تحج المفروض، والمتطوع به من غير اعتراض عليها، وإحرامها كاحرام الرجل. والحائض يصح إحرامها دون صلاتها، فإن تركته ظنا منها بأنه لا يصح منها، تجاوزت الميقات، فإن أمكنها الرجوع إليها رجعت وأحرمت منها، فإن لم يمكنها أحرمت من موضعها. فإذا دخلت مكة، وأمكنها الخروج إلى خارج الحرم خرجت وأحرمت منه، فإن لم يمكنها أحرمت منها. فإن كانت طاهرا طافت، وسعت، وقصرت، وأحلت. فإذا كان يوم التروية أحرمت بالحج، وقضت مناسكها على ما ذكرنا، فإن حاضت خلال الطواف، وقد طافت أربعة أشواط، أو أكثر قطعت، وبنت عليه، وخرجت من المسجد، وسعت، وقصرت، وأحلت، ثم أحرمت بالحج يوم، التروية، وخرجت إلى منى وعرفات. فإذا رجعت إلى مكة لقضاء المناسك بها قضت مناسك الحج، ثم أتمت الطواف، وصلت ركعتيه، وإن حاضت قبل أن تطوف أربعة أشواط بطلت متعتها، ولزمتها الإقامة على إحرامها، والخروج إلى منى، وعرفات، والمشعر، وقد صارت حجتها مفردة. فإذا فرعت منها قضت العمرة مبتولة. وإن دخلت مكة حائضا، فحكمها مثل حكم من تحيض قبل أن تطوف أربعة أشواط، فإن لم تحض وأتمت العمرة، وأحرمت يوم التروية بالحج، وخافت الحيض جاز لها تقديم الطوافين: طواف الحج، وطواف النساء، والسعي، فإن حاضت خلال طواف النساء، أو قد طافت أربعة أشواط جاز لها الرجوع إلى أهلها قبل إتمامه. فإن حاضت قبل أن تطوف أربعة أشواط لم يجز لها الرجوع حتى تطوف،

[ 193 ]

فإذا أرادت الوداع حائضا، ودعت من أدنى باب المسجد، فإن عجزت عن الطواف طيف بها، واستلمت الأركان، فإن لم يمكنها أشارت، وإن لم يمكن الطواف بها طاف عنها وليها، وإن لم تعقل الاحرام أحرم عنها وليها، وجنبها ما يجب الاجتناب عنه. وتسقط عنها مما يلزم الرجل أربعة أشياء: كشف الرأس، ورفع الصوت بالتلبية، والحلق ودخول البيت. ويجوز لها مما يحرم على الرجل شيئان: لبس المخيط، والتظليل بالمحمل. ويجوز للمستحاضة دخول المسجد، وقضاء المناسك كلها، إلا دخول الكعبة. فصل في بيان أحكام المحصر والمصدود الاحصار بالمرض، فإذا مرض الحاج بعد ما أحرم، ولم يقدر على النفوذ إلى مكة لم يخل: إما ساق الهدي، أو لم يسق. فإن ساق بعثه إلى المحل، وفعل فعل المحرم إلى أن يبلغ الهدي محله، ثم لم يخل: إما خف من مرضه، أو لم يخف، فإن خف لزمه النفوذ، فإن أدرك الموقفين أو أحدهما فقد حج، وإن لم يدرك جعل ذلك عمرة، فإن كان قد أحرم بفرض لزمه القضاء من قابل فرضا، وإن أحرم بتطوع كان القضاء تطوعا، وإذا قضى دخل في مثل ما خرج منه. وإن لم يخف أحل إذا بلغ الهدي محله، والمحل منى يوم النحر إن كان حاجا، والحزورة بفناء الكعبة إن كان معتمرا، وينوي إذا أحل، ويحل له كل ما يحرم عليه إلا النساء، حتى يحج من قابل إن كان الحج فريضة، ويطوف طواف النساء، أو يستنيب من يطوف عنه إن كان الحج تطوعا ولم يحج، أو يعتمر في الشهر الداخل. ويطوف طواف النساء إن كان معتمرا، وإن لم يسق الهدي بعث بثمنه مع

[ 194 ]

أصحابه، وواعدهم وقتا يذبح فيه، ثم أحل بعد ذلك. والصد بالعدو، ولم يخل: إما صد ظلما، أو غير ظلم. فالأول يتحلل إذا لم يكن له طريق مسلوك سواه، وقد شرط على ربه، وينوي إذا تحلل، ويجب عليه القضاء إن كان صرورة، وهو بالخيار إن كان متطوعا، وفي سقوط الدم إذا شرط قولان. والثاني إن أمكنه النفوذ بعد ذلك نفذ، فإن أدرك أحد الموقفين فقد حج، وإن صد عن بعض المناسك وقد أدرك الموقفين فقد حج، واستناب في قضاء باقي المناسك، وإن لم يمكنه النفوذ، وكان له طريق مسلوك سواه بحيث لم ينفذ زاده لبعده أو لم يشرط على ربه لم يتحلل، وإن صد عن الموقفين فقد ذهب حجه، وحكمه ما ذكرنا. فصل في بيان حج المكاتب والعبد والمدبر والصبي المكاتب: مشروط، ومطلق. فالمشروط في حكم العبد في ذلك. والمطلق، إن أدى بعض مال الكتابة، وكانت الأيام بينهما مهاياة صح منه الحج في أيامه بغير إذن سيده. والعبد لم يخل: إما أحرم بإذن سيده، أو بغير إذنه، فإن أحرم بإذنه، ولم يرجع عن الإذن صح حجه، فإن لزمته الكفارة كان فرضه الصوم دون الذبح، فإن عتق قبل الوقوف بالمشعر أجزأ عن حجة الاسلام، وإن رجع عن الإذن ولم يعلمه، أو أعلمه وقد تلبس بالاحرام لم يكن لرجوعه تأثير، وإن رجع وأعلم قبل تلبسه بالاحرام، أو لم يأذن له فيه وأحرم لم ينعقد إحرامه، وكان لسيده منعه من ذلك.

[ 195 ]

وحكم المدبر كذلك، والصبي إذا حج به وليه وقد عقل الاحرام أمره بالاحرام، والاجتناب عما يجب على المحرم الاجتناب عنه، ويأمره بقضاء المناسك، فإن بلغ قبل الوقوف بالموقفين، أو بأحدهما أجزأ حجه عن حجة الاسلام، وإن لم يبلغ لم يجزئ عنها، وعليه حجة الاسلام إن بلغ مستطيعا، أو وجد الاستطاعة بعد ذلك، وإن لم يعقل الاحرام أحرم عنه وليه، وجنبه المحرمات، وطاف به، وسعى إن أمكنه، وعنه إن لم يمكنه، وكذلك حكم بقية المناسك. فصل في بيان العمرة العمرة ضربان: مرتبطة بالحج، وغير مرتبطة. فالمرتبطة به ضربان: إما تقدمت عليه، أو تأخرت عنه. فالمتقدمة: هي العمرة المتمتع بها إلى الحج، والمتأخرة: هي عمرة القران والإفراد، فإن تمتع بها لم يخل: إما أحرم في أشهر الحج، أو في غيرها. فالأول: لا يجوز له أن يجعلها مفردة إذا نوى ذلك، وإن لم ينو التمتع جاز. والثاني: لا يصح. وإذا اعتمر بحجة القران أو الأفراد، إن شاء أحرم بعد انقضاء أيام التشريق، وإن شاء أخر إلى استقبال المحرم، فإذا أرادها خرج إلى التنعيم (1) وأحرم منها، وشرط على ما ذكرنا في الحج، ونوى العمرة للحج ولبى، فإذا دخل الحرم قطع التلبية، وطاف طواف الزيارة، وسعى بين الصفا والمروة، وقصر أو حلق،

(1) التنعيم، بالفتح ثم السكون، وكسر العين المهملة، وياء ساكنة، وميم: موضع بمكة في الحل، وهو على فرسخين من مكة، يحرم منه المكيون بالعمرة. معجم البلدان 2: 49.

[ 196 ]

والحلق أفضل، وطاف طواف النساء، فإن كان الحج واجبا، أو ندبا كانت العمرة كذلك. وغير المرتبطة بالحج ضربان: واجبة بالنذر، أو مندوب إليها، فالواجبة يلزمها الاتيان بها على ما نذر، والمندوب إليها يصح الاتيان بها في كل شهر. وروي في كل عشرة أيام (1)، وأفضل أوقاتها شهر رجب. والرجبية تلي الحج في الفضل، وتلزم طواف النساء في كل عمرة، إلا في المتمتع بها. فصل في بيان زيارة النبي صلى الله عليه وآله وإذا أراد الرجل الحج، وكان على طريق العراق فالأولى أن يبدأ بزيارة النبي صلى الله عليه وآله، وإن أخر، وبدأ بالحج رجع إلى طريق المدينة وزاره، فإذا وافى المعرس (2) دخله على كل حال وصلى فيه ركعتين، فإن جازه ناسيا رجع وصلى فيه واضطجع، وصلى أيضا في مسجد الغدير ركعتين إذا بلغه. واعلم أن للمدينة حرما مثل مكة، وحده ما بين لا بيتها من ظل عاير إلى وعير، لا يؤكل صيد ما بين الحرتين، ولا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها. ويستحب الغسل لدخول المدينة، ولدخول المسجد، والدخول من باب

(1) الكافي 4: 534 حديث 3، التهذيب 5: 434 حديث 1508، الاستبصار 2: 326 حديث 1158.
(2) المعرس، بالضم ثم الفتح، وتشديد الراء وفتحها: مسجد ذي الحليقة، على ستة أميال من المدينة، كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعرس فيه ثم يرحل لغزاة أو غيرها. والتعريس: نومة المسافر بعد إدلاجه من الليل فإذا كان وقت السحر أناخ ونام نومة خفيفة ثم يثور مع انفجار الصبح لوجهته معجم البلدان 5: 155.

[ 197 ]

جبرئيل عليه السلام، والقيام عند الاسطوانة المقدمة، والزيارة على ما هي مروية (1)، فإذا فرغ أتى المنبر ومسح وجهه وعينيه برمانتيه، وقام عنده حامدا لله تعالى، مثنيا عليه، وصلى ركعتين بين القبر والمنبر، فإن فيه روضة من رياض الجنة، ثم أتى مقام النبي عليه السلام وصلى فيه ما بدا له، ثم أتى مقام جبرئيل عليه السلام ودعا بدعاء الدم، فقد روي أن حائضا لودعت به مستقبلة القبلة لطهرت (2)، ثم زار سيدة النساء عليها السلام. وروي أن قبرها في بيتها، وروي أنه بين القبر والمنبر، وروي أنه في البقيع (3). والاحتياط أن تزار في المواضع الثلاثة. والمجاورة مستحبة بالمدينة، وإكثار الصلاة في المسجد، وإن عرض له مقام ثلاثة أيام بها صامها، واعتكف عند الاساطين، وصلى عند اسطوانة التوبة ليلة الاربعاء، وقعد عندها يومها، وصلى ليلة الخميس عند الاسطوانة التي تليها، وهي تلي مقام النبي ومصلاه عليه السلام، وقعد عندها، وصلى ليله ونهاره، وصلى ليلة الجمعة عند مقام النبي، عليه السلام وصلى عنده يومه وليلته، ولا يتكلم هذه الأيام إن استطاع إلا بما لا بد منه، ولا ينام ليلا ولا نهارا إلا غرارا، ولا يخرج من المسجد إلا لضرورة، ولا ينام فيه، ثم يزور الأئمة عليهم السلام، ويخرج إلى أحد، ويزور حمزة عليه السلام. ويأتي مسجد قبا، ومسجد الاحزاب، ومسجد الفضيخ، ومشربة أم إبراهيم، ويتطوع بما استطاع من الصلاة، وإذا عزم على الرجوع أتى موضع رأس النبي

(1) الكافي 4: 550 حديث 1، الفقيه 2: 338 حديث 1571، التهذيب 6: 5 حديث 8.
(2) الكافي 4: 557 حديث 1، التهذيب 6: 8 حديث 17.
(3) انظر الفقيه 2: 341، التهذيب 6: 9.

[ 198 ]

عليه السلام وصلى فيه (1) ودعا، وأتى المنبر وفعل مثل ما ذكرناه، ورجع إلى القبر وألزق المنكب الأيسر به، وصلى ست ركعات قريبا من الاسطوانة التي خلف الاسطوانة المخلفة، ثم استقبل النبي عليه السلام وودعه ورجع.

(1) في نسختي " ش " و " ط ": عليه.

[ 199 ]

كتاب الجهاد الجهاد فرض من فرائض الاسلام، وهو فرض على الكفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين. وإنما يجب بثلاثة شروط: أحدها: حضور إمام عدل، أو من نصبه الإمام للجهاد. والثاني: أن يدعو إليه. والثالث: اجتماع سبع خصال في المدعو إليه، وهي: الحرية، والبلوغ، والذكورة، وكمال العقل، والصحة، واليسار إذا احتاج إليه، والمعرفة به. ويسقط عن عشرة نفر: النساء، والصبيان، والمجانين، والشيخ الضعيف، والمريض، والأعمى، والمعسر، والأعرج إذا لم يقدر على الحرب فارسا، ومن ليس من أهل المعرفة به، ومن لم يأذنه الوالدان. وربما يصير الجهاد فرض عين بأحد شيئين: أحدهما: استنهاض الإمام إياه. والثاني: يكون في حضور الإمام، وغيبته بمنزلة، وهو أن يدهم أمر يخشى بسببه على الاسلام وهن، أو على مسلم في نفسه أو ماله، إذا حصل ثلاثة شروط: حضوره، وقدرته على دفع ذلك، ووجود معاون إن احتاج إليه، ولا يجوز

[ 200 ]

الجهاد بغير الإمام، ولا مع أئمة الجور. فصل في بيان أقسام الكفار ومن يجوز قتاله، وبيان القتال الكفار ضربان: فضرب يجوز إقراره على دينه، وهم: اليهود، والنصارى، والمجوس بشرطين: قبول الجزية، والتزام إجراء أحكام الاسلام عليهم، وهي ترك التظاهر بالمحرمات، وجميعها ثمانية عشر شيئا: الأشياء المنافية للأمان من القتال مع أهل الاسلام، وما يكون في حكم المنافية من سب الله تعالى، أو سب نبيه عليه السلام، وإصابة المسلمة بالنكاح، والزنى بها، والاعانة على المسلمين: إما باطلاع أهل الحرب على أحوال المسلمين، أو بكتاب إليهم بأخبار أهل الاسلام، أو بإيواء عين منهم، أو بافتتان مسلم عن دينه، أو بدلالة على أحد من المسلمين، أو قطع طريق عليه، واظهار منكر في دار الاسلام من شرب الخمر، ونكاح المحرمات، وإدخال الخنازير في بلادهم، وضرب الناقوس، وإحداث الكنيسة، والبيعة، وإطالة البنيان. فإذا التزموا ترك جميع ذلك - وهو الصغار - جاز عقد الذمة لهم، فإن خالفوا شيئا من ذلك خرجوا من الذمة. والضرب الآخر لا يجوز إقراره على دينه، وهو من عدا هؤلاء من الكفار، ولا يقبل منهم غير الاسلام، فإن لم يقبلوا قوتلوا، ولم يرجع عنهم إلا بعد أن يسلموا أو يقتلوا عن آخرهم. والضرب الأول إن لم يلتزموا الصغار قوتلوا حتى يسلموا، أو يلتزموا الجزية والصغار، أو يقتلوا عن آخرهم. وإذا قوتلوا لم يبدؤوا بالقتال إلا بعد أن يدعوا إلى الاسلام من إظهار الشهادتين والاقرار بتوحيد الله سبحانه، وعدله، والتزام

[ 201 ]

الشريعة بأمرها، فإن أبوا الجميع، أو بعضه حل قتالهم، ووجب. ولم يخل حال أهل الاسلام: إما كان لهم شوكة وقوة، أو كان بهم ضعف وقلة، أو تتوسط حالهم. فالأول: يلزم قتالهم على الفور، ويبدأ بالاقرب فالأقرب، ما لم يكن الاهتمام بالأبعد أو كد. ولا يؤخر قتالهم، إلا إذا رأى الإمام في التأخير مصلحة، ولا يصالحهم الإمام فوق أربعة أشهر، إذا رآه صلاحا. ويقاتلهم الإمام كيف شاء بمن شاء وبما شاء إلا بإلقاء السم في بلادهم، فإن تحصنوا قوتلوا بكل وجه يكون صلاحا، وإذا التحم القتال وتترسوا بالأطفال، أو بالمسلمين إن أسروهم جاز رميهم إذا قصد الكافر، فإن أصاب الطفل أو المسلم لم يلحقه أثم، ولزمه الكفارة في قتل المسلم. ويجوز تبييتهم بالليل، وتخريب المنازل والقلاع واحراقها، وقطع الأشجار إن اقتضت المصلحة. وكره إن لم يحتج إليه. ويجوز بذل الجعل لمن دل على مصلحة المسلمين والنفل إذا كان بالمسلمين ضعف، ويستحب ذلك إذا احتيج إليه، ولا يجوز قتال النساء ما لم تقاتل المسلمين، ولم تعاون عليهم. والثاني: يجوز للامام تأخير قتالهم، وموادعتهم إلى عشر سنين، ولا يجوز له أن يقاتلهم إذا لم يستظهر بالرجال والسلاح، وما يحتاج إليه في قتالهم حتى يستظهر، ويدافعهم بما يرى صلاحا. والثالث: إن كان مكان كل اثنين من الكفار واحدا من المسلمين وجب عليه التثبت لهما، ولا يجوز له الفرار منهما. ومن فر غير متحرف لقتال، أو متحيز إلى فئة فقد باء بغضب من الله، وعلى الإمام أن يقاتلهم، ويصالحهم على حسب ما يراه صوابا. وأما الأذمام فلم يخل: إما كان الحربي أسيرا، أو ممتنعا، فإن كان أسيرا

[ 202 ]

لم يجز لغير الإمام إذمامه، وإن كان ممتنعا جاز للامام عقد الأمان لعامة الكفار. وللمنصوب من جهته أن يعقد لمن يليه، ولآحاد المسلمين أن يعقدوا لواحد إلى عشرة، وليس لأحد أن يذم على الإمام، ويدخل المال تبعا للنفس في العقد. وإن استذموا إلى المسلمين ولم يذموهم، وتوهموا من لفظهم الإذمام، فأتوهم لم يجز التعرض لهم، وردوا إلى مأمنهم، ليكونوا حربا، فإن أسلم الحربي في دار الحرب كان اسلامه حقنا لدمه، ولولده الصغار من السبي، وإن كان حملا وسبيت أمه، ولماله من الأخذ مما يمكن نقله إلى دار الاسلام. ولا يجوز الغدر بمن عقد له الذمة، فإن أحس منهم بغدر نبذ إليهم عهدهم، وردوا إلى مأمنهم بعد استيفاء كل حق لله تعالى، وللمسلمين منهم. فصل في بيان حكم البلاد إذا فتحت كل أرض تفتح على المسلمين لم تخل من أربعة أوجه: إما فتحت عنوة، أو صلحا، أو بغير إذن الإمام، أو سلموا من غير قتال. فالأول: كان الخمس لاهله، والباقي لجميع المسلمين. والثاني: كان حكمها على ما شرط، ولا يصح ذلك، إلا بعد أن يقبلوا أحكام الذمة. والثالث، والرابع: من الانفال. فصل في بيان حكم الاسارى الاسير ثلاثه أضرب: رجال، ونساء، وذراري. فالرجل ضربان: إما أسر قبل انقضاء القتال، أو بعده.

[ 203 ]

فالأول: إن لم يسلم كان الإمام مخيرا بين شيئين، قتله، وقطع يديه ورجليه وتركه حتى يتنزف. والثاني ضربان: إما يجوز له عقد الذمة، أو لا يجوز. فالأول: يكون الإمام مخيرا بين ثلاثة أشياء، أخذ الفداء، أو الاسترقاق، أو المن. والثاني: يكون الخيار بين شيئين: المن، والفداء. وأما النساء فتملك بنفس السبي، وإن كان معها ولد بلغ سبع سنين جاز الفراق بينهما في البيع، وإن لم يبلغ لم يجز. وأما الذراري، فإن أشكل أمرها اعتبرت حالها بالانبات، فإن انبتت فهي في حكم الرجال، وإن لم تنبت فهي مماليك. فصل في بيان الفيئ والغنيمة ومن يستحقهما، وكيفية قسمتهما الفئ في الشريعة: ما حصل في أيدي المسلمين من غير قتال، وهو من الانفال. والغنيمة: ما يستفاد بغير رأس المال، وينقسم قسمين: إما يستفاد من الكنوز والمعادن، وقد ذكرنا حكمها في كتاب الخمس، أو يستفاد بالغلبة من دار الحرب، وهو أيضا قسمان: إما أمكن نقله، أو لم يمكن. فالأول ضربان: أموال، وسبايا. فالاموال تخرج منها الصفايا للامام قبل القسمة، وهي مالا نظير له من الفرس الفاره، والثوب المرتفع، والجارية الحسناء، وغير ذلك، ثم تخرج منها المؤن، وهي ثمانية أصناف: أجرة الناقل، والحافظ، والنفل، والجعائل، والرضيحة

[ 204 ]

للعبيد، والنساء، ومن عاونهم من المؤلفة والاعراب على حسب ما يراه الإمام. ثم يخرج الخمس من الباقي لاهله، ثم يقسم الباقي بين من قاتل ومن هو في حكمه بالسوية للراجل سهم، وللفارس سهمان إذا لم يكن فرسه مسروقا ولا مغصوبا، ومن كان له أفراس جماعة أعطي سهم فرسين لا أكثر. ويستحق الغنيمة ثمانية أصناف: المرصد للقتال، والمطوعة، والباعة، والصنعة إذا حضروا وكان غرضهم الجهاد، أو قاتلوا وإن لم يكن غرضهم الجهاد، والصبيان الحضور، ومن ولد قبل القسمة، ومن وصل إليهم للمدد قبل القسمة، أو انفلت من أسر المشركين ووصل قبل القسمة. وما يؤخذ من الغنائم في المراكب كان حكمه كذلك، ومن دخل دار الحرب أجيرا لغيره استحق السهم، والأجرة. والسبايا: هي الذراري، والنساء، وقد ذكرنا حكمهما، فإن كان فيهم من أسره الكفار من أولاد المسلمين، واسترقوه أطلق لوليه بشرطين: عرفانه، واقامة البينة. والثاني: يخرج منه الخمس، والباقي للمسلمين قاطبة، وأمره إلى الإمام، وما يحصل من غلاته يصرف في مصالح المسلمين. فصل في بيان أحكام الجزية هذا الفصل يحتاج إلى بيان خمسة أشياء: من يجوز عقد الذمة له، ومن توضع عليه الجزية، ومن لا توضع، وقدر الجزية، ومن يستحقها. فالأول: اليهود، والنصارى، والمجوس، وقد ذكرناهم. والثاني: من اجتمع فيه خمس خصال: الحرية، والذكورة، والبلوغ، وكمال العقل، وانتفاء السفه عنه بإفساد دينه أو ما له.

[ 205 ]

والثالث ستة نفر: المرأة، والعبد، والمجنون، والصبي، والأبله، والسفيه المفسد. والرابع: ما يكون به الذمي صاغرا، وقدره موكول إلى رأي الإمام، ويجوز له الزيادة فيه والنقصان عنه، وإن شرط عليهم الضيافة، ورضوا جاز بعد استقرار الجزية بشرطين: أحدهما: أن لا يبلغ قدرا يزيد على أقل ما يجب عليهم من الجزية. والثاني: أن تكون معلومة المقدار في أربعة أشياء: الأيام، وعدد المارة بهم من الرجال، والفرسان، وقدر القوت من الخبز والأدام، وقدر علف الدواب، ويضع على الرؤوس أو على أراضيهم، ولا يجمع بينهما. والخامس: من يقوم مقام المهاجرين في نصرة الاسلام. فصل في بيان أحكام البغاة وكيفية قتالهم الباغي: كل من خرج على إمام عادل، وقتالهم على ثلاثة أضرب: واجب، وجائز، ومحظور. فالأول: ما اجتمع فيه أربعة شروط: كونهم في منعة لا يمكن تفريق جمعهم إلا بالقتال. وخروجهم عن قبضة الإمام ومنفردين عنه في بلده أو غيره، ومباينتهم بتأويل سائغ عندهم، فإن باينوا بتأويل غير سائغ كانوا محاربين، واستنهاض الإمام إياهم للقتال. والثاني: ما يكون دفعا عن النفس. والثالث: إذا كانوا في قبضة الإمام غير ممتنعين، وإذا قاتلوا لم يرجع عنهم حتى يفيئوا إلى الطاعة. أو يقتلوا عن آخرهم، فإن انهزموا وكان لهم فئة يرجعون إليها جاز الاجهاز على جريحهم، والتتبع لمدبرهم، وقتل أسيرهم. وإن لم يكن لهم فئة لم يجز ذلك. وما حواه العسكر من المال فهو غنيمة، وما لم يحوه فلاهله،

[ 206 ]

ولا يجوز سبي ذراريهم بحال. فصل في بيان حكم المحارب المحارب: كل من أظهر السلاح من الرجال أو النساء، في أي وقت وأي موضع يكون، ولم يخل حاله من ثلاثة أوجه: إما يتوب قبل أن يظفر به، أو ظفر به قبل أن يتوب، أو لا يتوب ولا يظفر به. فالأول لم يخل: إما لم يجن، أو جنى بما لا يوجب القود في غير المحاربة وحقه العفو عنه أو جنى جناية توجب القود في غير المحاربة، ويجب العفو عنه في حق الله تعالى، والقود في حق الناس، إلا أن يعفو من له الحق. والثاني لم يخل: إما جنى جناية، أو لم يجن، فإن جنى جناية لم يخل: إما جنى في المحاربة، أو في غيرها. فإن جنى في المحاربة لم يجز العفو عنه، ولا الصلح على مال. وإن جنى في غير المحاربة جاز فيه ذلك. وإن لم يجن وأخاف نفي عن البلد، وعلى هذا حتى يتوب. وإن جنى وجرح اقتص منه ونفي عن البلد. وإن أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف ونفي. وإن قتل وغرضه في إظهار السلاح القتل كان ولي الدم مخيرا بين القود، والعفو، والدية. وإن كان غرضه المال كان قتله حتما، وصلب بعد القتل. وإن قطع اليد ولم يأخذ المال قطع ونفي، وإن جرح وقتل اقتص منه ثم قتل وصلب. وإن جرح، وقطع يده اليمنى لأخذ المال جرح وقطع للقصاص أولا إن كان قطع اليد اليسرى، ثم قطع يده اليمنى لأخذ المال، ولم يوال بين القطعين. وإن كان قطع اليمنى قطعت يمناه قصاصا، ورجله اليسرى لأخذ المال. والثالث: يطلب حتى يظفر به، ويقام عليه الحد.

[ 207 ]

فصل في بيان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هما من فروض الأعيان باجتماع خمسة شروط: أن يعرف المعروف معروفا والمنكر منكرا، ويظن استمرار ذلك من مرتكبه، ويجوز تأثير أمره ونهيه، ولا يؤدي إلى أكثر منه، ولا يكون فيه مفسدة من الخوف على النفس أو المال له أو لغيره. والامر بالمعروف يتبع المعروف في الوجوب، والندب، والنهي عن المنكر يتبع المنكر. فإن كان المنكر محظورا كان النهي عنه واجبا، وإن كان النهي عنه واجبا، وإن كان مكروها كان النهي عنه مندوبا. ويجبان باليد، واللسان، والقلب. ويقدم باللسان ويعظه، يخوفه ويوبخه، وربما يقوم الفعل في ذلك مقام القول من الاعراض عنه، وترك التعظيم له، والازراء به، والهجر عنه، فإن بخع وإلا زجره، فإن لم ينجع ردعه وضربه إن أمكنه، فإن لم ينجع وشدد عليه ارتفع إلى التأديب وإن أدى إلى التلف إن كان مأذونا من جهة من له ذلك. فإن لم يقدر على شئ من ذلك، أو خاف مفسدة فيه اقتصر على القلب، وربما يعرض ما يصيران له قبيحين، وذلك إذا أديا إلى مفسدة، وإذا أكره أحد على ترك المعروف، أو ارتكاب المنكر ما لم يكن قتل نفس محرمة، أو قطع عضوا منها لزم.

[ 208 ]

كتاب القضايا والأحكام فصل في بيان صفة القاضي وآداب القضاء مباشرة القضاء خمسة أضرب: فرض عين، وفرض على الكفاية، ومستحب، ومكروه، ومحظور. فالأول: لواحد، وهو ثقة من أهل العلم إذا لم يجد الإمام سواه. والثاني: لمن يضطلع به، ويرغبه الإمام فيه، ويجد غيره. والثالث: لمن لا يكون له كفاية في المعيشة ويكون من أهله، أو يكون له كفاية ولا يكون مشهورا بالفضل. والرابع: لمن يكون (1) له كفاية وقد شهر بالفضل، وإن كان أهلا له. والخامس لصنفين، العالم به إذا كان غير ثقة، والجاهل إن كان ثقة. ولا ينعقد إلا بثلاثة شروط: العلم، والعدالة، والكمال. فالعلم يتم بالوقوف على الكتاب، والاطلاع على السنة، والتوسط في الاختلاف، والوقوف على الاجماع، والتنبه على اللسان. والعدالة تحصل بأربعة أشياء: الورع، والأمانة، والوثوق، والتقوى.

(1) في نسخة " م ": لا يكون.

[ 209 ]

والكمال يثبت بثلاثة أشياء: بالتمام في الخلقة، وفي الحكم، والاضطلاع بالامر، والأخلاق الحميدة. ولا يجوز القيام بذلك من جهة من ليس إليه ذلك إلا مكرها، إذا نوى القيام به جهة من إليه ذلك، وكان أهلا له، وحكم بالحلق، فإن عرض حكمه للمؤمنين في حال انقباض يد الإمام فهي إلى فقهاء شيعتهم، فإذا تقلد القضاء من له ذلك اجتهد في إقامة الحق، وعمل بكتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه السلام والاجماع لاغير، فإن اشتبه عليه توقف حتى يتضح له، فإن حكم بخلاف الحق سهوا أو خطا، ثم بان له رجع ونقض ما حكم به. فإذا أراد الجلوس للقضاء أختار مجلسا بارزا واسعا، ليصل إليه من له إليه حاجة، ووسط البلد أفضل من الطوف. وأمر أن يفرش له فرش يجلس عليه تمييزا له وهيبة، وتوضأ ولبس أحسن ثيابه وأنظفها، وفرغ نفسه للقضاء عن كل ما يشغله، أو يلفته عنه من الغضب، والجوع، والعطش، والخوف، والحزن، وكل فكر يضر بشئ من ذلك، وبرز على حسن سمت، ووقار، ودخل مجلس حكمه، وصلى ركعتين إن كان في المسجد، وسلم على كل من سبقه إليه، وجلس مستدبر القبلة. وينبغي أن يختار ثلاثة نفر ثقة يقوم على رأسه لترتيب الخصوم أولا. وكاتبا عدلا فقيها عالما عفيفا عن الطمع، ويجلسه بين يديه ليكتب ما يحتاج إليه بنظره. وقساما عارفا ثقة يقسم بين الناس أموالهم، ويحضر الشهود ليستوفي بهم الحقوق، ويثبت بهم الحجج، والمحاضر، والسجلات. ويحضر العلماء ليشاورهم فيما يحتاج إليه، وينبهوه على وجه الصواب، ثم يأخذ ديوان الحكم من الحاكم الذي كان قبله، وينظر في حال المحبوسين مع خصومهم، فإن حبسوا بحق تركهم، وإن حبسوا بباطل رد إلى الحق. وينظر

[ 210 ]

في الحقوق، وحال الشهود الذين حكم بشهادتهم، وفي أمر الاوصياء، ويقر الثقات، ويقوي الضعيف، ويعزل الفاسق، ويرتب أمر الضوال، ويتفرغ لأمر العامة، فإن ظهر من أحد الخصمين لدد وعنت أو سفه نهاه، فإن عاد صاح به وأغلظ في النهي، فإن عاد تجري المصلحة في التأديب والعفو. وهو بالخيار في تتبع حكم الحاكم الأول، إلا أن يستعدي المحكوم عليه، فإذا تتبع وكان قد حكم بالحق أمضاه، وإن حكم بالباطل نفاه، وإن اشتبه عليه لسان المدعي، أو المدعى عليه، أو البينة توقف إلى أن يتضح له. وإن شهد له شاهدان لم يخل حالهما من ثلاثة أوجه: إما عرف حالهما بالعدالة، أو الفسق، أو اشتبه عليه. فالأول: يحكم له من غير توقف. والثاني: لا يحكم به أصلا. والثالث: يتوقف حتى تعرف حالهما، فإن حكم على ظاهر الاسلام، ثم بان له فسقهما نقض الحكم. ولم تخل البينة من وجهين: فإن كان لها سداد وضبط وحزم وجودة تحصيل لم يحتج إلى التفريق والوعظ، والبحث لا بد منه. وإن لم تكن بهذه الصفة فرقها، وسأل كل واحد على حدته عن الكيفية، والوقت، والمكان، وغير ذلك من الوجوه. فإن اتفقت الشهادات بحث عن العدالة، ووعظهم، فإن ثبتوا وقد عدلوا حكم، وإن جرحوا ورجعوا بالوعظ، أو اختلفت الشهادات أسقطها، واختار للمسألة رجلين موسومين بتسع خصال: بالعفة، ووفور العقل، والأمانة، والوثوق والبراءة من الشحناء، والهوى، والميل، والكيد، واللجاج، ووصاهما باكتتام ذلك عن المدعي، والمدعى عليه، والشهود. وأقل ما يجزئ في ذلك أن يكتب ذكر المدعي، والمدعى عليه، والشهود

[ 211 ]

ومقدار الحق ليسأل صاحب المسألة أهل مسجدها، وسوقها، وجيران دكانها، وبيوتها سرا في رقعتين ودفع كل واحدة منهما إلى واحد بحيث لا يطلع عليه الآخر، ولا يقبل التعديل والجرح إلا من اثنين، ويعتبر فيه لفظ الشهادة، ويقبل التعديل غير مفسر، والجرح لا يقبل إلا مفسرا، ويسر إلى الحاكم. ولم يخل: إما رجعا معا بالتعديل أو الجرح، أو رجع أحدهما بالتعديل والآخر بالجرح. فإن رجعا بالتعديل أمضى الحكم، وإن رجعا بالجرح توقف عنه، وإن اختلفا ضم مع كل واحد رجلا آخر وأمرهم بالسؤال والبحث، فإن رجعوا بتمام بينة الجرح والتعديل حكم عليه، وإن رجعوا بتمام البينتين أخذ بقول بينة الجرح. ولا يرتب الحاكم شهودا لا يسمع من غيرهم، وإن رتبها وسمع منها ومن غيرها جاز. وإذا حضر جماعة دفعة أقرع بينهم، فمن خرجت قرعته ابتدأ به في الحكم، وإن علم من جاء أولا بدأ به، وإن اشتبه كتب أساميهم في رقاع وخلطها، وجعلها تحت ما يجلس عليه، وأخرج واحدة فواحدة، فمن خرجت قرعته بدأ به. وإذا حضر خصمان للتداعي لم يخل حالهما من أربعة أوجه: إما عرف المدعي، أو ادعى كلاهما أنه قد أحضره للدعوى، أو ادعى كل واحد منهما على الآخر دفعة، أو بدأ أحدهما بالدعوى فادعى الآخر أنه أحضره ليدعي عليه. فالأول: يسمع دعواه، ويحكم على مقتضى الشرع بينهما. والثاني: إن كان لأحدهما بينة حكم عليها، وإن لم يكن أقرع بينهما. والثالث: يسمع ممن يكون على يمين الخصم. والرابع: يسمع ممن بدأ بالدعوى، إذا لم يكن للاخر بينة على ما ادعاه. ولم يخل المدعى عليه من ثلاثة أوجه: إما يكون أخرس، أو سكت عن الجواب تعنتا، أو أجاب.

[ 212 ]

فالأول: توصل الحاكم إلى إفهامه، ومعرفة ما عنده، وحكم على ما أشار به من الاقرار والانكار. والثاني: يحبسه حتى يقر أو ينكر، إلا أن يعفو الخصم. والثالث: لم يخل من ثلاثة أوجه: إما أقر بما ادعاه، أو بغير أو أنكر. فإن أقر بما ادعاه وكان عينا قائمة في يده انتزعها، وإن كان حقا في ذمته أمره بالايفاء، فإن ادعى الاعسار من غير ذهاب مال قبل منه، إلا أن يقيم خصمه بينة على يساره، وإن ادعى ذهاب ماله لم يقبل منه إلا ببينة من أهل الخبرة الباطنة، فإذا ثبت إعساره خلى سبيله إن لم يكن ذا حرفة يكتسب بها، أمره بالتمحل، وإن كان ذا حرفة دفعه إليه ليستعمله، فما فضل عن قوته وقوت عياله بالمعروف أخذ بحقه. وإن أقر بغيره ولم يكن مالا لم يقبل منه، وإن كان مالا وكان متهما ألزم بيانه، فإن بين وكان موافقا لدعواه فالحكم فيه ما ذكرناه وإن كان مخالفا له: أو أقر مفسرا مخالفا له من غير جنس ما ادعاه وادعى المدعي أن ذلك أيضا يلزمه له الزم الخروج مما أقربه والدعوى بحالها، وإن أقر بجنسه بأقل مما ادعى لزمه ما أقر به وحكم الباقي بحاله، وإن لم يصدقه المدعي فيما أقربه كان دعواه بحالها والزم الجواب. فإن أقر فحكمه ما ذكرنا، وإن أنكر قبل للمدعي: ألك بينة؟ فإن أنعم وكانت حاضرة أقامها، وإن لم تكن حاضرة قيل له: أحضرها وأقمها، ونظر في أمر غيرهما، فإذا أحضرها سمع شهادتها، فإن اتفقت ووافقت دعواه أمضاها، وإن خالفتها أسقطها، وإن ادعى غيبة بينته أخذ منه كفيل حتى يحضر البينة ما لم تزد المدة على ثلاثة أيام: فإن زادت لم يلزمه الكفيل فإن أحضرها قبل انقضاء المدة فذاك، وإن لم يحضرها برئت ذمة الكفيل، وإن قال: ليس لي بينة، قيل له: فما تريد؟ فإن سكت أقامهما، وإن قال: تأخذ لي بحقي، قال للمدعى عليه: أتحلف؟.

[ 213 ]

فإن أنعم قال للمدعي: أفتريد يمينه؟، فإن قال: لا، أقامهما، وإن قال: نعم، وعظه وخوفه وعرفه عاقبة اليمين الكاذبة، فإن أقر فذاك، وإن أصر حلفه، فإذا حلف أسقط دعواه، وإن رد اليمين كان له ذلك فإذا حلف ثبت ما ادعاه، وإن نكل بطل حقه. وإذا حلف المدعى عليه، وشرط في اليمين أنه إذا حلف لم يكن له رجوع عليه بعد ذلك بوجه لزم الشرط، وإن لم يشرط وادعى بعد ذلك عليه، وأقام بينة قبل منه ذلك. وإذا ثبت المال على غير معسر وطالبه به، فتقاعد والتمس صاحب الحق حبسه الحاكم حتى يبرأ إليه من حقه. وإذا أقر المدعى عليه بالمال، وكان المقر بالغا، عاقلا، حرا، غير محجور عليه الزم حكم إقراره، وإن كان غير عاقل، ولا بالغ لم يسمع إقراره. وإن كان عبدا وصدقه سيده، وكان بحق في النفس اقتص منه، إلا أن يفتدي سيده، فإن بلغ الفداء قيمته كان سيده مخيرا بين الفداء وتسليم العبد. وإن كان مالا في الذمة، وكان مأذونا في الاستدانة لزم مولاه، وإن كان مأذونا في التجارة وظن المدين كونه مأذونا في الدين استسعى فيه، وإن لم يكن مأذونا في ذمته، فإذا عتق طولب به. وإن كان محجورا عليه كان على ثلاثة أوجه: إما أقر بما يوجب القصاص، أو بما يكون محجورا عليه، أو بما لا يكون محجورا عليه. فالأول: يقتص منه، والثاني: لا يسمع إقراره، والثالث: يصح إقراره به. فإذا ثبت الحق بإقرار من يصح إقراره، وطلب المدعي من الحاكم إثبات إقراره، فإن كان الحاكم عرف المقر بخمسة أشياء: باسمه، ونسبه، وعينه، وثباته، وكمال عقله اثبته، وإن لم يعرفه توقف عنه إلى أن يأتي ببينة عادلة. فإن التمس بعد ظهور الحال محضرا أو سجلا، وكان مع المدعي كتاب بحقه، وأثبت ما فيه بالبينة، أعلم في أول الكتاب، وكتب تحت كل شهادة: شهد

[ 214 ]

عندي في مجلس حكمي وقضائي، أو كتب له محضرا، وهو لثبوت الحق، وإن ثبت الحق بالبينة من شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، أو شاهد ويمين وذكر ذلك في المحضر، وإن التمس إنفاذ ما فيه والحكم به فهو سجل. ولا يجوز للحاكم أن يقبل كتاب حاكم آخر ويحكم به إلا بالبينة، فإن شهدت البينة على التفصيل حكم به. ولم يخل: إما ادعى المدعي على حاضر يعبر عن نفسه، أو على غائب، أو ميت، أو حاضر لا يعبر عن نفسه مثل المولى عليه. فالأول: قد ذكرنا حكمه. والثاني: يحكم له بشرطين: إقامة بينة عادلة، أو (شاهد) (1)، فإذا حلف لم يخل: إما يكون المدعى به عينا قائمة، أو دينا في ذمته. فالأول: يأخذها الحاكم ويسلمه من المدعي. والثاني: إن كان للمدعى عليه مال من جنس حقه قضى منه، وإن كان من غير جنسه باع عليه: وقضى الحق من ثمنه إن التمس صاحبه، إلا أن تكون الدعوى على ميت فإنه يجوز لورثته أن يقضوا الحق من وجه آخر دون ثمن ما يباع عليه، وإن لم يكن له مال أصلا ذهب حقه في الدنيا، إلا أن يكتسب الغائب أو المولى عليه بعد ذلك مالا، وإن سأله من له الحق على الغائب - ولم يكن له بحضرة الحاكم مال بعد ثبوته - أن يكتب له كتابا إلى حاكم آخر، ويحكم له به أجابه إليهما. والمسافة القريبة والبعيدة في ذلك سواء، فإذا ثبت عند الحاكم الآخر أحضر المحكوم عليه وعرفه. ولم يخل حاله من ستة أوجه: إما أقر به، أو أنكر، أو ادعى قضاءه، أو

(1) لم ترد في نسختي " ش " و " ط ".

[ 215 ]

ادعى أن له بينة أو جرحا للشهود، أو التمس اليمين، أو ادعى أنه غير المكتوب عليه. فالأول: يلزمه حكم إقراره. والثاني: يعرفه بالحكم عليه. والثالث: لا يقبل منه إلا ببينة. والرابع: يؤجل ثلاثة أيام، فإن أتى بها، وإلا الزم الحق. والخامس: لا يلزم له، لأنه قد حلف مرة. والسادس: لم يخل: إما لم يسمه، أو سماه. فالأول لا يقبل منه. والثاني لم يخل: إما يوجد من سماه أو لا يوجد، أو يكون قد مات. فإن وجد، وكان للمحكوم له بينة بأن الحاضر هو المحكوم عليه لم يسمع من المدعى عليه التعلل. وإن لم تكن له بينة وأحضره الحاكم، عرفه فإن أقر توجه عليه الحق، وإن أنكر لزم المكتوب له التفرقة بينها، فإن فرق حكم به، وإن عجز التمس من الحاكم الكاتب طلب مزية، فإن بين حكم به، وإن لم يبين توقف عنه. وإن لم يوجد الزم المحكوم به عليه، وإن مات وأمكن أن تكون المعاملة بينهما فالاشكال بحاله، وإن لم يمكن تعين الحكم على الحق، فإن التمس من الحاكم الثاني كتابا إلى حاكم آخر كان له نقل الشهادة دون الحكم. والمسافة معتبرة في ذلك قدر ما يجوز فيه قبول الشهادة على الشهادة، وهو مسيرة يوم للذهاب والمجئ معا، فإذا قبض الحق من له رد الكتاب إن كان الحق دينا، ولم يلزمه إن كان عينا. فصل في بيان سماع البينات وكيفية الحكم بها المتحاكمان على ثلاثة أوجه: إما يكونان مسلمين، أو كافرين، أو يكون أحدهما مسلما والآخر كافرا. فالأول، والثاني: يلزم التسوية بين الخصمين.

[ 216 ]

والثالث: يرفع المسلم عليه. ولا يجوز للحاكم ثمانية أشياء: أن يصح بأحدهما في غير موضعه، وتلقين أحد الخصمين ما يضر بالاخرة، والاشارة على أحدهما بترك ما قصد له من الاقرار أو اليمين أو غير ذلك، إلا فيما يتعلق بحقوق الله تعالى: فإنه يجوز له أن ينبهه على ما يسقط الحق، وتعتعة الشاهد بالمداخلة في شهادته، وتسديده إذا تتعتع، وتمكين أحدهما من الحيف، وافراد أحدهما بالخطاب. وضيافته. وتلزمه خمسة أشياء: التسوية بينهما في المجلس، والنظر، والخطاب مع تساويهما في الدين، وتمكين من تكون له حجة من إيرادها، والتوكيل على من لا يهتدي لا قامة حجته، وتفريق الشهود إذا لم يكن لها سداد وضبط، والتوقف عن الحكم إذا اشتبه عليه حكم الحادثة، أو الشهود. وإذا جلس الخصمان بين يديه وسكتا قال: ليتكلم المدعي منكما. وإذا فصل بين خصمين تحول عنهما إلى غيرهما: وإذا كان لجماعة دعوى حقوق من جنس واحد على واحد، ووكلوا بأجمعهم وكيلا واحدا، وادعى عليه لهم، وتوجه اليمين جاز الاقتصار على واحدة للكل، والاستحلاف لكل واحد بواحدة. ولا يجوز سماع الدعوى غير محررة، إلا في الوصية. وإنما تتحرر الدعوى في الدين بثلاثة أشياء على الحي، وبستة أشياء على الميت. فالثلاثة: قدر المال، والجنس، والنوع. وربما يحتاج إلى وصف رابع إذا اختلف النوع مثل من ادعى مائة درهم فلاني، وكان بين الصحيح والعلة تفاوت لزمه بيان ذلك. وأما الستة: فالثلاثة التي ذكرنا، وبيان موته، واثبات تركته على التعيين، وكونها في يد المدعي عليه. ويتحرر في العين ببيان الصفات إذا أمكن ضبطها،

[ 217 ]

وبالقيمة إذا لم يمكن. وإن كان عينا تالفة لم يخل من ثلاثة أوجه: إما تكون من ذوات الامثال، أو من ذوات القيمة، أو محلاة بالذهب والفضة. فالأول: يتحرر بالوصف، والثاني: بالقيمة، والثالث: إن كان محلاة بهما معا قومهما بأيهما شاء، وإن كانت محلاة بأحدهما قومها بغير جنسه. فإذا حررت الدعوى، والتمس الجواب طالبه به الحاكم، فإن سكت حبسه حتى يجيب. وإذا ثبت الحق لم يحكم به إلا بالتماس صاحبه، والحكم أن يقول، حكمت، أو قضيت عليك بذلك. أو أخرج مما ثبت له عليك، أو الزمتك. وإن أنكر وكان موضع يمين، وعرف المدعي كان الحاكم مخيرا بين السكوت وبين أن يقول: ألك بينة، وإن لم يعرف قال: ألك بينة؟ وإذا عدل الشهود قال للمدعى عليه: ألك جرح؟ فإن أنعم أمهله ثلاثة أيام، وتكفل به إن التمس خصمه، وإن قال: لا جرح لم يحكم عليه إلا بالتماس من له الحق. وإن جرح البينة قال: زدني في الشهود، وهو رد الشهادة، وإن لم يجرح الشهود والتمس اليمين لم يكن له ذلك. وإذا غابت بينته غيبة بعيدة، أو عجز عنها لم يكن له طلب الكفيل وكان له اليمين أو التخلية، وعرفه الحاكم ذلك، وإن طالب في دين مؤجل لم يحل أجله بكفيل لم يكن له ذلك أيضا، ولا يستحلف بغير التماس من المدعي، فإن التمس عرض عليه، فإن حلف أسقط دعواه على ما ذكرنا، وإن نكل قال له ثلاثا: إن حلفت. إلا جعلتك ناكلا، فإن حلف فذاك، وإن رد فقد ذكرنا حكمه، وإن أصر رد على خصمه، فإذا حلف ثبت حقه. والحقوق ثلاثة: فإن كانت لله لم يحكم بها على الغائب، وإن كانت للناس حكم على ما ذكرنا، وإن كانت لله تعالى من وجه وللناس من وجه آخر حكم على الغائب بحق الناس، وذلك مثل السرقة.

[ 218 ]

ويجوز للحاكم المأمون الحكم بعلمه في حقوق الناس، وللإمام في جميع الحقوق. والحاكم لم يخل: إما يخبر بحكمه، أو ينهى. فإن أخبر وقال: حكمت لفلان بكذا، أو أقر عندي بكذا، أو شهد له شاهدان عندي بكذا، فحكمت له قبل قوله حال ولايته. وإن أنهى واليا، أو معزولا، وقال: حكمت بكذا، أو حكم به حاكم لم يقبل قوله، ولم يكن في حكم شاهد، وإن قال: أقر عندي بكذا كان شاهدا. فصل في بيان أحكام البينات وكيفيتها البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. فالبينة على المال، أو على ما يكون الغرض منه المال أحد أربعة أشياء: شاهدان، وشاهد ويمين، وشاهد وامرأتان ويمين. فإذا أقام شاهدا كان مخيرا بين أن يقيم آخر، أو يقيم امرأتين، أو يحلف. فإن تداعى اثنان عينا قائمة لم يخل من أربعة أضرب: إما كانت في أيديهما معا، أو في يد أحدهما، أو في يد غيرهما، أو لم تكن في يد أحد. فالأول: أربعة أضرب: إما يكون لكل واحد منهما بينة على سواء، أو تخالف إحداهما الأخرى بوجه، أو لا بينة لأحدهما، أو تكون لأحدهما بينة. فإن تساوت البينتان كان المدعى به بينهما نصفين، وإن اختلفتا لم يخل من ثلاثة أوجه: إما تكون إحداهما مطلقة والأخرى مقيدة والحكم للمقيدة، أو تكون إحداهما عادلة والأخرى غير عادلة والحكم للعادلة، أو تكون إحداهما أكثر مع التساوي في العدالة والحكم لأكثر هما عددا. وإن لم تكن لأحدهما بينة وتخالفا كان بينهما نصفان، وإن كانت البينة لأحدهما كان العين له.

[ 219 ]

والثاني لم يخل: إما يتكرر ملكها، أو لا يتكرر. فإن تكرر ملكها مثل الأواني المصوغة من الذهب، والفضة، والنحاس، وأشباهها، وكان لكل واحد منهما بينة على سواء فهي لصاحب اليد. وإن كانت البينة لأحدهما فهي له، وإن لم تكن لواحد منهما بينة لم يتوجه للمدعي على صاحب اليد غير يمين. وإن كانت العين مما لا يتكرر ملكها، لم يخل من سبعة أوجه: إما يكون لكل واحد منهما بينة مطلقة، أو مقيدة بالتاريخ أو تكون إحداهما مطلقة والأخرى مقيدة، أو كانتا مقيدتين بالاضافة إلى ابتياع أو هبة أو معاوضة من واحد أو من شخصين، أو تكون البينة لأحدهما، أو لا تكون لأحدهما بينة. فالأول: يحكم لليد الخارجة. والثاني: للتاريخ السابق. والثالث: للبينة المقيدة. والرابع: لصاحب اليد. والخامس: إن كان الملك وقت الانتقال لمن انتقل منه إلى صاحب اليد حكم له، وإن كان لمن انتقل منه إلى اليد الخارجة كان له. والسادس، يكون لصاحب البينة. والسابع، لا يلزم صاحب اليد غير يمين. والثالث من القسمة الأولى (1) لم يخل من خمسة أوجه: إما ادعاها صاحب اليد، أو لم يدعها وكان لكل واحد منهما بينة على سواء، أو خالفت إحداهما الأخرى، أو كان لأحدهما بينة، أو لم تكن لأحدهما بينة. فإن ادعاها صاحب اليد لم يكن لتداعيهما فائدة، الأبعد إبطال تعلق صاحب اليد.

(1) أي كانت العين في يد غيرهما

[ 220 ]

وإن لم يدعها وكان لكل واحد منهما بينة على سواء تعارضتا. وإن اختلفتا بالتاريخ كان الحكم للسابق، وإن اختلفتا بالتقييد والاطلاق كان الحكم للمقيدة، وإن اختلفتا بالانتقال فحكمه ما ذكرنا. وإن انتقل إليهما من واحد وكان بعد في يد من انتقل منه، وأقام كل واحد منهما بينة مؤرخة على سواء اقرع بينهما، ولا تأثير لا قرار البائع في ذلك، وكذلك إن كانت كل واحدة منهما غير مؤرخة، أو كانت إحداهما مؤرخة والأخرى غير مؤرخة. وإن قبضها واحد ولا تاريخ للبينة، أو اتفق التاريخان حكم لصاحب اليد، وإن تفاوت التاريخ فالحكم للسابق. وإن لم تكن لأحدهما بينة لم يخل من أربعة أوجه: إما أقر صاحب اليد لهما معا، أو لأحدهما، أو لم يقر لأحدهما وقال: لا أدري لمن هي؟ أو أقر لواحد ثم قال: لابل للاخر. فالأول: تحالفا واقتسما نصفين. والثاني: يكون لمن أقر له إذا حلف. والثالث: إن لم يدعها غير هما تحالفا واقتسما. والرابع: حكم لمن أقر له، وغرم قيمتها للاخر. والرابع من قسمة الأصل (1) على أربعة أوجه: إما يكون لكل واحد منهما بينة على سواء، أو على اختلاف، أو تكون البينة لأحدهما، أو لا تكون لواحد منهما بينة. فالأول: يحكم فيه بالقرعة، فمن خرجت قرعته وحلف فهي له، وإن امتنع من اليمين، وحلف الآخر فهي له، وإن امتنعا معا كانت بينهما نصفين. والثاني: يكون الحكم للعادلة، فإن تساويا في العدالة فالحكم لأكثرهما

(1) أي لم تكن العين في يد أحد.

[ 221 ]

عددا إذا حلف صاحبها، ورجل وامرأتان بمنزلة رجلين. والثالث: يكون لمن له بينة، فإن كان خصمه ممن لا يعبر عن نفسه حلف أيضا مع البينة. والرابع: تحالفا واقتسما نصفين إذا لم يكن لهما منازع، وإنما يقتسمان نصفين إذا ادعى كل واحد الكل، فإن ادعى أحدهما الكل، والآخر النصف كان لصاحب النصف الربع، وعلى هذا. وإن تنازعا ملكا، أو ادعى أحدهما شراءه من زيد، والآخر من عمرو، ولم يخل إما كان الملك لزيد وقت البيع، أو لعمرو، أو لهما. فالأول، والثاني: يكون لمن ابتاع من مالكه. والثالث: يكون لكل واحد من المبتاعين الخيار بين الفسخ لتبعض الصفقة، وبين الامضاء. وإن سبق بيع أحدهما تكون له الشفعة، ولا تأثير لبينة اليد مع بينة الملك، ولا لبينة الإرث مع بينة بيع المورث، أو الأصداق، أو الهبة، والتسليم منه. وإذا ادعى إنسان على غيره بمال معين فقال المدعى عليه قبضتك، أو قضيتك منها كذا كان ذلك إقرارا بالكل، ولزمه أن يقيم بينة إن لم يعترف به المدعي. فإن لم تكن بينة كان له تحليفه، وإن قال: قضيتك كذا، ولم يقل منها لم يكن اعترافا بالكل، وكان اعترافا بما ادعى قضاءه. فصل في بيان أعداد البينة وغيرها البيتة ستة أنواع: أحدهما شهادة خمسين رجلا، وذلك في موضعين، رؤية الهلال مع فقد علة في السماء ليلة شهر رمضان في إحدى الروايتين (1)، والقسامة.

(1) التهذيب 4: 159 حديث 448.

[ 222 ]

وثانيها: شهادة أربعة، وذلك في ثلاثة مواضع، الزنى، واللواط، والسحق. وثالثها: شهادة رجلين، وذلك في أربعة مواضع: في الحدود سوى ما ذكرناه، والطلاق، والنكاح، ورؤية الهلال إذا كان في السماء علة. ورابعها: شهادة رجلين، أو رجل ويمين، وذلك في موضعين: في المال، وما كان وصلة إليه. وخامسها: شهادة أربع نسوة، وذلك في ستة مواضع: الرضاع والولادة، والعذرة، والحيض، والنفاس، وعيوب النساء التي تكون تحت الثياب مثل البرص، والرتق، والقرن. وسادسها: شهادة أربع نسوة، أو ثلاث، أو امرأتين، أو واحدة، وذلك في موضعين: الوصية، واستهلاك الصبي، فإن شهد أربع على وصية، واستهلال صبي قبلت وحكم بها، وإن شهدت ثلاث قبلت في ثلاثة أرباعها، وإن شهدت اثنتان قبلت في النصف، وإن شهدت واحدة قبلت في الربع وذلك عند عدم الرجال. وتقبل شهادة النساء في أربعة مواضع، وقد ذكرنا موضعين. والثالث: تقبل شهادتهن مع الرجال، ومع اليمين إذا لم يكن رجال وهي في موضعين: في المال، وفيما كان وصلة إليه. ورابعها، تقبل شهادتهن مع الرجال، ولا تقوم فيه اليمين مقام شاهد، وذلك ضربان: أحدهما أن تشهد امرأتان مع رجل بالقتل، ويجب بذلك الدية دون القود. والآخر في الزنى والسحق. فإن شهد ثلاثة رجال وامرأتان بأحدهما لزم بها الرجم على المحصن، وإن شهد رجلان وأربع نسوة على المحصن لزم الجلد دون الرجم. وما تقبل فيه شهادة النساء مع الرجال فقد ذكرناه. ولا تقبل شهادة النساء مع الرجال في أربعة مواضع: الحدود سوى ما ذكرناه، ورؤية الهلال، والنكاح،

[ 223 ]

والطلاق. فصل في بيان تعارض البينتين وحكم القرعة كل أمر مشكل ففيه القرعة، وتعارض البينتين مشكل، وإنما تعارضتا إذا شهدت إحداهما على الضد بما شهدت به الأخرى من غير ترجيح لاحداهما. فإذا اكترى إنسان دارا من غيره، واختلفا لم يخل من أربعة أوجه: إما اختلفا في قدر الدار، أو المدة، أو جنس الأجرة، أو قدرها. فالأول إذا قال صاحبها: أكريته منها البيت الفلاني بعشرة، وقال المكتري: بل جميع الدار، وأقام كل واحد منهما بينة مؤرخة لم يخل من ستة أوجه، إما تساوت البينتان من جميع الوجوه، أو سبق تاريخ بينة صاحبها، أو تاريخ بينة المكتري، أو لا يكون لأحدهما بينة وكان عقيب العقد، أو كان في أثناء العقد، أو كان لأحدهما بينة. فالأول: تعارضت بينتاهما. والثاني: يلزم المكتري عشرون. والثالث: كان الكل بعشرة. والرابع تحالفا، وفسخ الحاكم بينهما العقد وترادا. والخامس: تحالفا، وانفسخ العقد في الباقي، وحكم بأجرة المثل فيما مضى. وإن كان بعد انقضاء المدة تحالفا وفسخ العقد، وسقط المسمى، ولزمت أجرة المثل. والسادس: يكون الحكم لصاحب البينة. والثاني: إن ادعى صاحب الدار شهرا، والمكتري شهرين لم يخل من أربعة أوجه: إما يكون لكل واحد منهما بينة على سواء، أو سبق تاريخ إحدى البينتين، أو عريتا من التاريخ، أو لم يكن هناك بينة.

[ 224 ]

فالأول: تعارضت فيه البينتان، والحكم فيه للقرعة. والثاني: يكون الحكم للتاريخ السابق. والثالث: تحالفا فيه، وحكم بأجرة المثل. والرابع: حكمه كذلك. والثالث، والرابع من القسمة الأولى يكون فيهما البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، فإن أقام كل واحد منها بينة على سواء تعارضتا، والحكم فيه للقرعة وباقي الأحكام على ما ذكرنا. وإن ادعى كل واحد منهما ملكية عين في الحال، وأقام بينة على سواء تعارضتا. وإذا كان عينا في يد إنسان، وادعى شخصان عليه بأنه اشتراها مني بكذا، وأقام كل واحد منهما بينة على سواء تعارضتا. وكل موضع تعارضت فيه البينتان فلا بد من القرعة، فمن خرجت قرعته وحلف كان الحكم له. فإن امتنع ردت على صاحبه، فإن حلف أخذ، وإن امتنع كان المدعى به بينهما على ما ذكرنا قبل. فصل في بيان دعوى الميراث إذا مات إنسان وخلف وارثا حرا، وآخر مملوكا، فعتق المملوك بعد وفاته لم يخل: إما كان الوارث الحر واحدا أو أكثر. فإن كان واحدا لم يرث مع المعتق بحال، وإن كان أكثر من واحد واقتسما الميراث فكذلك. وإن عتق قبل القسمة ورث معهما، وإن خلف وارثا مسلما وآخر كافرا لم يرث مع المسلم الكافر سواء كان الموارث مسلما، أو كافرا. وإن ادعى الكافر كفر المورث لم يكن لدعواه فائدة، وإن مات وخلف وارثين، وادعى أحدهما أنه كان مسلما، أو حرا حال وفاة المورث وصدقه الآخر، وادعى هو أيضا لنفسه ذلك، ولم يصدقه صاحبه، فإن أقام بينة على ما ادعاه، وإلا

[ 225 ]

كان الميراث للمتفق على إسلامه، فإن التمس يمينه كان له ذلك. وإن ادعى أحد الوارثين تقديم موت المورث والآخر تأخيره كان القول قول من ادعى التأخير، إذا لم تكن بينة على التقديم. وإذا ادعى إنسان أنه وارث فلان وقد مات، وأقام بينة على أنه وارثه، ولم تشهد على أن لا وارث له سواه، فإن كان المدعي ذا فرض أعطي اليقين مثل الأب، والأم، والزوج، والزوجة حتى يتضح الأمر. واليقين أقل سهميه من الميراث. فإن ظهر له وارث سواه، وكان ممن يحجبهم من السهم الأعلى إلى الأدون فقد أخذوا حقهم، وأخذ ما بقي الوارث الباقي، وإن لم يحجبهم وفى عليهم تمام حقهم وأعطى ما بقي من يستحقهم. وإن لم يظهر له وارث سواهم أعطوا تمام حقوقهم. وإن لم يكن المدعي ذا فرض لم يعط شيئا حتى يتضح الأمر، وإن شهد البينة الكاملة بأن لا وارث له سواه أعطي جميع التركة، وإن ادعى أنه وارثه وأخا له غائبا، ولا وارث له سواهما، وأقام بينة على ذلك أعطي نصف الميراث، فإذا حضر الغائب وادعاه أعطي النصف الآخر، وإن لم يدعه ألقي في بيت المال إن كان المال وجد في بيت المورث حتى يتضح الأمر، وإن وجد في يد غيره رد عليه، وإذا أعطى من هؤلاء جميعا شئ لم يعط إلا بكفيل. ومن ادعى ميراث أحد وخفي أمر ورثته واشتبه وأقام بينة على أنه وارثه فقط، أو مع غيره حاضرا كان أو غائبا، وكانت البينة كاملة، واستحق أخذ شئ في الحال لم يعط إلا بكفيل. فصل في بيان دعوى النسب إذا ادعي الانسان نسبا لم يخل: إما ادعى أنه ولد له، أو أحد عمومته، أو خؤولته، أو إخوته.

[ 226 ]

فالأول لم يخل: إما ادعي بفراش، أو بغير فراش. فإن ادعى بفراش لم يخل من ثلاثة أوجه: إما ادعى بفراش منفرد، أو بفراش حرة مشترك، أو بفراش أمة مشترك. فالفراش المنفرد ضربان: إما كان الولد صبيا، أو بالغا. فإن كان صبيا قبل منه إذا لم يكن له نسب معروف، وإن كان بالغا، أو مرهقا وأقام بينة فكذلك، وإن لم يقم بينة قبل منه بشرطين: تصديقه إياه، وامكان أن يكون ولدا له. وإذا ادعى بفراش حرة مشترك، وأقام بينة قبل منه، ويكون ذلك بشبهة عقد، ويقع في موضع واحد، وذلك إذا وجد ليلا على فراشه امرأة نائمة فاعتقد أنها زوجته ووطأها. وإن ادعى بفراش أمة مشترك أقرع في ذلك، فمن خرجت قرعته من الشركاء ألحق به، وغرم للباقين قيمة الأمة، والولد على قدر نصيبهم، وذلك إذا كانت أمة بين شركاء فوطؤوها في طهر واحد، وعلقت. وإن ادعى بغير فراش: إما ادعى بشبهة العقد، أو بغيرها، فإن ادعى بشبهة عقد وأقام بينة قبل منه، ويقع ذلك في ثلاثة مواضع: أولها: يكون بوطء امرأة عقد عليها بظاهر، الحال، ثم بان أنها ذات زوج. وثانيها: يكون بوطء امرأة قد عقد عليها عقدا فاسدا، وقد وطأها آخر، وقد عقد هو أيضا عليها عقدا فاسدا. وثالثها: يكون بوطء امرأة قد عقد عليها فاسدا بعد ما طلقها من عقد عليها شرعيا، وولدت لأكثر من ستة أشهر من وطء الثاني، وأمكن كون الولد من كل واحد منهما، وتنازعا،. فإن أقام كل واحد منهما بينة على سواء تعارضتا وأقرع بينهما، وإن كان لأحدهما بينة ألحق به، وإن لم يكن لواحد منهما بينة أقرع بينهما.

[ 227 ]

وإذا ادعى بغير عقد لم يخل: إما يكون صبيا، أو غير صبي، فإن كان صبيا، ولم يكن له نسب معروف ألحق به، وإن كان بالغا، أو مراهقا وأقام بينة، أو صدقه وأمكن أن يكون ولدا له قبل منه. والثاني: إن صدقه من ادعى نسبه قبل منه ذلك. فصل في بيان تداعى الزوجين في متاع البيت إذا اختلف الزوجان، أو من يرثهما في متاع البيت لم يخل، إما كان في أيديهما معا، أو في يد أحدهما. فإن كان في أيديهما، وكان لكل واحد منهما بينة تحالفا وقسم بينهما، وإن لم يكن لواحد منهما بينة، ويصلح لأحدهما كان له وإن صلح لهما معا كان بينهما، وإن كان لأحدهما بينة حكم له، وإن كان في يد أحدهما كانت البينة على اليد الخارجة، واليمين على المتشبثة. فصل في بيان أحكام اليمين وما يتعلق بها اليمين في الدعاوى على نية المستحلف، إلا إذا كان الحالف، معسرا، فإنها تكون على نية، ويجوز له أن يحلف أنه لا يلزمه شئ مما ادعى به عليه، وينوي في الحال. والحالف ضربان: مسلم، وكافر. وكل واحد منهما ضربان: أخرس، وناطق. والناطق رجل، وامرأة، وصحيح، ومريض. وتؤكد الايمان بالعدد وجوبا، وبالزمان، والمكان واللفظ استحبابا. فالعدد يدخل في القسامة، واللعان، وسنشرحهما. والتأكيد بالزمان أن يحلف في الأوقات الشريفة، وبعد الصلوات المفروضات.

[ 228 ]

وبالمكان أن يحلف في أشرف البقاع من كل بلد. والتأكيد باللفظ يحلف بقوله: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، الطالب الغالب، الضار النافع، المدرك المهلك، الذي يعلم من السر ما يعلمه من العلانية. والواجب قوله: والله. ولا يمين بغير الله تعالى، وبغير أسمائه الحسنى، وصفاته العليا. والكافر يحلف بما يراه يمينا، وبما يكون أردع له وأصلح. والأخرس يتوصل الحاكم إلى معرفة إقراره، وإنكاره، وإلى تعريفه حكم الحادثة بالاشارة، وأحضر مجلس الحكم من فهم أغراضه، وأمكنه إفهامه، وإذا أراد تحليفه إذا توجه عليه وضع يده على المصحف، وعرفه حكمها، وحلفه بالايماء إلى أسماء الله تعالى، وإن كتب اليمين على لوح ثم غسلها، وجمع الماء في شئ وأمره بشربه جاز، فإن شرب فقد حلف، وإن أبى ألزمه الحق. والرجل إذا كان صحيحا أحضر مجلس الحكم إذا توجه عليه اليمين وحلف فيه، وإن كان مريضا وأمكنه الحضور من غير ضرر فكذلك، وإن لم يمكنه حلف في منزله. والمرأة إذا كانت برزة فحكمها حكم الرجل، وإن كانت مخدرة بعث الحاكم إليها من يحكم بينها وبين خصمها في منزلها، فإذا توجه عليها اليمين حلفها في منزلها. واليمين يتوجه على المنكر إذا لم يكن للمدعي بينة، وقد يكون في جنبة المدعي إذا لم يكن له غير شاهد، أو امرأتين فيما يحكم فيه بشاهد ويمين، ولا يحلف إلا بعد تعديل الشهود. وتدخل اليمين في حقوق الناس لا غير، وما كان حقا لله تعالى من وجه،

[ 229 ]

وحقا للناس من وجه دخل فيه اليمين في حق الناس دون حق الله تعالى كالسرقة. والحالف: إما يحلف على فعل نفسه، أو فعل غيره. فالأول: يحلف على القطع نفيا وإثباتا. والثاني: يحلف في الاثبات على القطع، وفي النفي على العلم. وإذا استحلف، أو التمس الجواب من المدعي عليه لم يخل، إما يستحلف، المدعي، أو المدعى عليه إذا أراد عليه اليمين. فالأول: لم يلزمه الجواب على اللفظ، ولا اليمين، وكفاه إذا كان الجواب مشتملا على معنى الدعوى، وكذلك حكم اليمين. والثاني: يلزمه اليمين على اللفظ، والبينة مقدمة على يمين المدعى عليه، ويمينه على يمين المدعي. وإذا نكل المدعى عليه عن اليمين لم يستثبت حكم النكول، ورد اليمين على المدعي، فإن نكل استثبت حكم النكول إن لم يتعلل بإقامة بينة، أو تحقق، أو نظر في حساب آخر. فإن تعلل بشئ من ذلك أخر، فإذا حلف استحق، وإذا استحلف لم يكن له الرجوع إلا برضاء من استحلفه، وإذا أقام شاهدا وقال: لا أختار اليمين سقط حقه منها. فإن ادعى ثانيا في مجلس آخر، ونكل المدعى عليه عن اليمين، أوردها عليه كان له أن يحلف، وإن ادعى توفير الحق صار مدعيا، وكان عليه البينة، واليمين على صاحبه، وله رد اليمين. فصل في بيان الشهادات الشهادة: إخبار بثبوت الحق لواحد على غيره، أو له من غير أن يكون على غيره، وقد يكون لشهادة البينة بدل من اليمين كالقسامة، أو لأحد الشاهدين، وذلك فيما يحكم فيه بشاهد ويمين. والشاهد أحد عشر قسما: مسلم حر، ومملوك، ووالد، وولد، وأخ،

[ 230 ]

وأخت، وأحد الزوجين، وصبي، وامرأة، وولد الزنى، وكافر. فالمسلم الحر: تقبل شهادته، إذا كان عدلا في ثلاثة أشياء: الدين، والمروءة والحكم. فالعدالة في الدين: الاجتناب من الكبائر، ومن الاصرار على الصغائر، وفي المروءة: الاجتناب عما يسقط المروءة من ترك صيانة النفس، وفقد المبالاة، وفي الحكم: البلوغ، وكمال العقل. ولا يقدح في قبول الشهادة أحد عشر شيئا، دناءة الصناعة، والبداوة، والإقامة بالقرى، والعداوة إذا كانت غير ظاهرة، والطعن في الناس إذا كان تدينا، والنقصان في الخلقة، والعمى إذا أثبت صاحبه ولم يحتج في الاثبات إلى الرؤية، وإن تحملها بصيرا ثم عمي جازت شهادته في كل شئ إذا أثبت. والصمم، ويؤخذ بأول قول صاحبه، والضيافة، والعبودة، إلا على سيده، والولادة من الزنى إذا كان المشهود به شيئا قليلا حقيرا. ولا تقبل شهادة خمسة نفر: شهادة من يجر منفعة بشهادته إلى نفسه، مثل الغريم إذا شهد للمفلس المحجور عليه، والسيد إذا شهد لعبده المأذون له في التجارة، والوصي إذا شهد للموصي فيما هو وصيه فيه ما دام إليه أمر الوصية، والوكيل إذا شهد لموكله فيما هو وكيله فيه، والأجير إذا شهد لمستأجره ما دام معه. وتجوز شهادتهم في غير ما ذكرناه إذا كانوا بصفة من تقبل شهادته. وتقبل شهادة أربعة نفر لاربعة، ولا تقبل عليهم شهادة المقذوف للقاذف، والعدو لعدوه، ومن يرى إباحة دم غيره له، ومن قطع طريقه لمن ادعى عليه القطع. والمملوك إذا كان بصفة العدالة تقبل شهادته على حد شهادة الحر، إلا على سيده، والمدبر في حكم العبد، والمكاتب تقبل شهادته على سيده بقدر ما تحرر

[ 231 ]

منه، وتقبل شهادتهم لساداتهم. والولد تقبل شهادته لأبيه، ولا تقبل عليه إذا شهد معه عدل آخر، والوالد تقبل شهادته لولده، وعليه مع عدل آخر، والأخ والأخت كذلك. وحكم الزوجين على ذلك، والصبي إن كان مراهقا، وهو إذا بلغ عشر سنين فصاعدا تقبل شهادته في القصاص والشجاج لا غير، ويؤخذ بأول كلامه. وإن كان غير مراهق لم تقبل شهادته بحال، فإن تحملها صبيا وبلغ وذكر تقبل إذا كان أهلا لها، وكذلك الفاسق والكافر إذا تحملاها ثم تاب الفاسق، وأسلم الكافر. والمرأة قد ذكرنا حكم شهادتها قبل، وكذلك شهادة ولد الزنى. فصل في بيان شهادة الفاسق الفاسق ضربان: قاذف، وغير قاذف. والقاذف ضربان: إما قذف زوجته، أو غيرها. فإن قذف زوجه، أو حقق بأربعة شهود، أو لا عن لم يفسق، وإن لم يحقق ولم يلاعن فسق. وإن قذف غير زوجته وحقق لم يفسق، وإلا فسق، وإذا فسق بالقذف لم تقبل شهادته حتى يتوب. والتوبة فيه سرية، وحكمية. فالسرية: فيما بينه وبين الله تعالى، وهي الندم على ما فرط فيه، والعزم على ترك المعاودة إلى مثله. والحكمية لم يخل: إما كان صادقا فيما بينه وبين الله تعالى، أو كاذبا، فإن كان صادقا قال: الكذب حرام ولا أعود إلى مثل ما قلت، وأصلح العمل بالضد مما قال. وإن كان كاذبا قال: كذبت فيما قلت، وأصلح العمل. وغير القاذف ضربان: إما ارتكب معصية لله تعالى ولم تتعلق بالناس، أو ارتكب معصيته وظلم غيره. فالأول: توبته النزوع عنه، واصلاح العمل بضده مع الندم على ما فات،

[ 232 ]

والعزم على ترك مثله في المستقبل. والثاني توبته النزوع عنه، ورد المظلمة. فإن قتل ظلما سلم نفسه من ولي الدم، فإن غصب مالا رد، أو استحل من صاحبه، أو صالح. وإن قذف استحل منه، وإن ضرب أو جرح أقاد من نفسه، وإن أتلف مالا غرم، وأصلح العمل بالضد في الجميع، وراعى جميع ما ذكرناه. فصل في بيان كيفية تحمل الشهادة لا تجوز إقامة الشهادة لأحد إلا بعد أن يتحملها، وهو عالم بها والعلم يحصل في ذلك بأحد ثلاثة أشياء: بالمشاهدة وحدها، وبالسماع والمشاهدة معا، وبالسماع والاستفاضة. فالمشاهدة تتعلق بالافعال كالقتل، والسرقة، والزنى، وشرب الخمر، والرضاع، وأشباهها. فإذا شاهد شيئا من ذلك، وعلم حقيقته فقد تحمل شهادته، وجاز له إقامة الشهادة على حسب ما شاهد. وقد تجب إقامتها إذا أدى الامتناع منها إلى ضياع حق من حقوق المسلمين ولم يؤد أداؤها إلى ضرر غير مستحق على الشاهد، وقد يحظر إذا أدى إلى شئ من ذلك. وقد يكره إذا علم، أو ظن أنه يرد شهادته، وعلى هذا لو رأى أحد آخر يتصرف الملاك في دار، أو ضيعة، أو غيرهما من غير منازع ولا مانع جاز له أن يشهد على تملكه. والسماع والمشاهدة معا تتعلق بالعقود مثل البيع، والصرف، والسلف، والصلح، والاجارة، والشركة، وغيرها. فإذا شاهد المتعاقدين، وسمع كلام العقد منهما، وعرفهما بالمشاهدة بعينهما جاز له أن يشهد بذلك إذا حضرا، ويقول: أشهد أنه باع هذا الشئ الفلاني من هذا بكذا. وإن غابا، أو غاب أحدهما لم

[ 233 ]

يجز له أن يشهد على الغائب، إلا بعد حصول العلم بثلاثة أشياء، بالعين، والاسم والنسب. فإذا علم ذلك وكان ذاكرا للحال، أو كان معه عدل آخر، وذكره إن لم يكن ذاكرا جاز له إقامة الشهادة على ما ذكرنا. والسماع والاستفاضة يتعلقان بسبعة أشياء: بالنسب، والموت، والعتق، والوقف، والملك (1) المطلق، والنكاح والولاء. ويجوز له أن يشهد بذلك مطلقا من غير أن يعزي إلى أحد بشرطين: سماعه من عدلين فصاعدا، وشياعه واستفاضته في الناس. وإذا تحمل شهادة لم يخل: إما يتحمل على إقرار، أو على شهادة. فإن تحمل على إقرار لم يخل: إما يتحمل على رجل، أو امرأة. فإن تحمل على رجل لم يتحمل إلا بعد المعرفة بستة أشياء: بعينه حتى يمكنه الإقامة عليه حاضرا، واسمه، ونسبه حتى يمكنه الإقامة عليه غائبا، وبكونه بالغا عاقلا جائز الاقرار. فإن لم يعلم بعض ذلك، وعرفه عدلان جاز، ولم يقم شهادة إلا على الوجه الذي تحمل، وإن تحمل على امرأة فكذلك. وإن أسفرت المرأة، ونظر إليها العدلان ليعرفاها كان أحوط. فإن تحملها على الشهادة جاز في غير حق الله تعالى ما لم يتجاوز درجة واحدة، ولم يكن المتحمل امرأة بأحد ثلاثة أوجه: بالاستدعاء. والسماع من شاهد الأصل، وهو يشهد بالحق عند الحاكم، أو يشهد به، ويعزيه إلى سبب وجوبه، ويجب أن يشهد على شهادة كل واحد اثنان، فإن شهد اثنان على شهادة اثنين جاز. ولا تسمع الشهادة من الفرع مع حضور الأصل، فإذا غاب الأصل، أو كان في حكم الغائب جاز، وهو إذا كان مريضا، أو ممنوعا، أو تعذر عليه الحضور. وإذا شهد الفرع، ثم حضر الأصل لم يخل من وجهين: إما حكم الحاكم بشهادة

(1) في نسخة " م ": والمال.

[ 234 ]

الفرع، أو لم يحكم. فإن حكم، وصدقه الأصل، وكان عدلا نفذ حكمه، وإن كذبه وتساويا في العدالة نقض الحكم. وإن تفاوتا أخذ بقول أعدلهما، وإن لم يحكم بقوله سمع من الأصل وحكم به. وإن لم يحضر الأصل، وتغير حاله بفسق، ولم يحكم الحاكم بعد شهادة الفرع لم يحكم بها، وإن حكم لم ينقض، وإن تغير بغير الفسق حكم بشهادة الفرع. فصل في بيان حكم الرجوع عن الشهادة إذا رجع الشهود عن الشهادة لم يخل من ثلاثة أوجه: إما رجع كلهم أو بعضهم قبل الحكم، أو بعده قبل استيفاء الحق، أو بعده. فإن رجعوا قبل الحكم بطلت شهادتهم، وإن رجعوا بعد الحكم قبل استيفاء الحق نقض الحاكم حكمه، وإن رجعوا بعد الاستيفاء وكان الحق مالا، وقد بقي رد على صاحبه، وإن تلف غرم الشهود، وإن رجعوا كلهم غرموا بالنصيب. والمرأة على النصف من الرجل، وإن رجع بعضهم غرم نصيبه، وإن كان الحق حدا أو قصاصا، وهلك المحدود، أو المقتص منه لم يخل: إما قالت البينة: أخطأنا، أو تعمدنا ولم نعرف أنه يقتل، أو لم يدعوا الجهل. فالأول: الزم الدية مخففة. والثاني: تغلظ الدية. والثالث: يجب عليهم القود. وإن قال بعضهم: أخطأنا، وبعضهم تعمدنا، الزم المخطئ الدية بالحساب، والمتعمد القود على ما سنذكر في كتاب القصاص إن شاء الله تعالى مع حكم الجراح، والأرش. وإن شهد على إنسان بالسرقة فقطع، جاءا بآخر وقالا: قد وهمنا والسارق

[ 235 ]

هذا غرما دية يد المقطوع، ولم تقبل شهادتهما على الثاني. وإن شهدا بالطلاق، فاعتدت المرأة، وتزوجها آخر ودخل بها، ثم رجعا عزرا وغرما المهر الثاني، ورجعت المرأة إلى الأول بعد الاعتداد من الثاني. فصل في بيان الحجر والتفليس الحجر: منع صاحب المال عن التصرف فيه، وإنما يكون لأحد وجهين: إما يكون نظرا لصاحبه، أو لغيره. فالأول ثلاثة: الصبي، والمجنون، والسفيه. والثاني أيضا: المريض، والمكاتب، والمفلس. والجميع ضربان: إما يصير محجورا عليه بحكم الحاكم، وهو اثنان: السفيه، والمفلس، أو يكون محجورا عليه بغير حكمه، وهو الباقي. فإذا بلغ الصبي رشيدا، وأدى المكاتب ماله، وصلح السفيه، ويصح المريض وهو محجور عليه فيما زاد على ثلث ماله، وقضى الدين المفلس، وأفاق المجنون انفك الحجر. والمفلس: من ركبه الديون، وماله لا يفي بها. وإذا ادعى الغرماء إفلاسه، وطلبوا من الحاكم الحجر عليه أجابهم إليه بثلاثة شروط: ثبوت الدين، وحلول أجله، وقصور ماله عن قضاء الدين. ويلزم من الحجر ثلاثة أحكام: حظر تصرفه في ماله، وتعلق الديون بعين ما في يده من المال، وجعل الحاكم من وجد متاعه بعينه عنده أحق به من غيره، وإن ادعى الغرماء عليه اليسار بغير بينة كان القول قوله مع اليمين، وإن وجد مال في يده وقال: هو لفلان، وكان حاضرا وصدقه قبل منه، وإن كذبه لم يقبل منه. وإن ادعى لغائب حلف، وإن حل أجل بعض الديون حجر عليه له دون غيره إذا لم يكن في المال وفاء.

[ 236 ]

كتاب والبيع فصل في بيان أحكام البيع وحقيقته البيع: عقد على انتقال عين مملوكة، أو ما هو في حكمها من شخص إلى غيره بعوض مقدر على جهة التراضي، ويحتاج في صحته إلى تسعة أشياء: كون المبيع ملكا للبائع، أو في حكمه بأن يكون البائع وكيلا لمالكه، أو أو وليا، أو يجيز المالك بيعه. والثاني: كون المتبايعين نافذي التصرف في مالهما. والثالث: كون المبيع مشاهدا، أو في حكمه. والرابع: كون الثمن كذلك. والخامس: تعيين (1) مقدار الثمن. والسادس: الايجاب. والسابع: القبول.

(1) في نسختي " ش " و " ط ": تبيين..

[ 237 ]

والثامن: تقديم الايجاب على القبول. والتاسع: أن يؤتى بالايجاب والقبول بلفظ الماضي. وإن كان البيع نسيئة احتاج إلى شرط آخر، وهو تعيين أجل الثمن. وإن كان البيع سلفا احتاج إلى ستة شروط أخر وهي: كون المبيع من ذوات الامثال، وتعيين أجله، وتسليم الثمن قبل التفرق، وكون المسلف فيه موجودا عند حلول الأجل عام الوجود وتعيين موضع التسليم إن كان لنقله أجرة، وأن لا يكون منسوبا إلى ما يحصل منه. وإن كان البيع مرابحة احتاج إلى شرطين آخرين: الإخبار برأس المال، وبيان ما يطلب عليه من الربح غير منسوب إلى أصل المال. وإن كان البيع صرفا احتاج إلى شروط ثلاثة وهي: التبايع بالنقد، والتقابض قبل التفرق، وتساوى البدلين في القدر إذا كانا من جنس واحد. وإن اختلفت الصفات. وحكم سائر ما يدخله الربا في تساوي البدلين مع اتحاد الجنس، أو حكمه كذلك. ويدخل البيوع ثماني خيارات: خيار الاجارة، وخيار الغين، وخيار العيب، وخيار تبعض الصفقة، وسنذكر أحكامها في أبوابها. فخيار الاجارة: أنه متى ما آجره من غيره ولم يعرف المبتاع بذلك، فإذا عرف كان مخيرا بين الفسخ، وبين الامضاء، ويلزمه الصبر إلى انقضاء مدة الاجارة. وخيار الغبن، أن يبيع شيئا أو يبتاع، وهو غير عالم بالقيمة وفيه غبن لا يتغابن بملكه في مثله، فإذا علم كان له الخيار. وخيار العيب: أن يبتاع شيئا معيبا لم يعرف به، فإذا عرف كان له الخيار على ما سنذكره.

[ 238 ]

وخيار تبعض الصفقة: أن يبتاع شيئا، فاستحق بعضه، فإذا علم كان مخيرا بين الرضى بقدر ما للبائع، وبين فسخ البيع. وخيار المدة، وخيار المجلس، وخيار الرؤية، وخيار الشرط. فخيار المدة يدخل في بيع الحيوان، والفواكه، والمبتاع في الحيوان له الخيار ثلاثة أيام ما لم يوجب البيع على نفسه، أو لم ينصرف فيه، أو لم يعقد البيع على انتفاء الخيار، أو لم يوجبا معا. وخيار الفواكه للبائع، فإذا مر على البيع يوم، ولم يقبض المبتاع كان للبائع الخيار. وخيار المجلس للمتبايعين معا ما لم يتفرقا، وينقطع بأحد خمسة أشياء: بالتفرق ولو بخطوة واحدة، وبإيجاب البيع منهما أو من أحدهما، ورضى الآخر به، وبإبطال الخيار، وبالعقد على شرط انتفاء الخيار. وخيار الرؤية للمبتاع، وقد يقع للبائع أيضا، ويختص بالاعيان غير المرثية، أو بما هو في حكمها، فإذا باع البائع شيئا ولم يره المبتاع، أو رآه قبل ولم يره حال البيع، وكان المبيع على ما وصف، أو رآه قبل نفذ البيع، وإن لم يكن كان المبتاع بالخيار بين الفسخ، والامضاء. وينقطع بأحد ثلاثة أشياء: بكون المبيع على ما وصف، وبالرضى به وإن لم يكن على ما وصف، وبتأخير الفسخ مع الامكان، لأن الخيار يجب على الفور. وخيار الشرط يكون بمن شرط له: إما للمتبايعين، أو لأحدهما أو لغيرهما. فإن شرط لأحدهما مدة معينة من الزمان كان له الخيار في المدة، وإن شرطت لهما واجتمعا على فسخ وامضاء نفذ، وإن لم يجتمعا بطل. وإن شرطت لغيرهما ورضي نفذ البيع، وإن لم يرض كان المبتاع بالخيار بين الفسخ والامضاء، وإن أراد ارفع الخيار كان لهما، وإن شرطا مدة مجهولة أو مطلقة لم يصح. والبيع ينقسم عشرين قسما: بيع الأعيان المرثية، وبيع خيار الرؤية، وبيع النسيئة، وبيع السلف وبيع المرابحة، وبيع الصرف، وبيع الجزاف، وبيع

[ 239 ]

الغرر، وبيع تبعض الصفقة، وبيع الفضولي، وبيع الاقالة، وبيع الثمار، وبيع المياه، وبيع الديون، والأرزاق، وبيع ما لم يقبض، وبيع ما يباع حملا بعد حمل أو جزة بعد جزة، وبيع يدخله الربا، والبيع الفاسد، وأحكام الرد بالعيب. فصل في بيان بيع الأعيان المرئية بيع الأعيان المرئية ضربان: مطلق، ومشروط. فالمطلق يجب بنفس العقد، ويستقر بالتفرق، أو بما هو في حكمه من العقد على انتفاء الخيار، أو ايجاب البيع أو إبطال خيار المجلس. فإن كان الثمن مشاهدا، وخرج معيبا ولم يرض المبتاع انفسخ البيع، وإن خرج أحد البدلين مستحقا، أو كلاهما ولم يجزه المستحق بطل البيع. وإن كان الثمن موصوفا وتقابضا، أو أحدهما صح البيع. وإن خرج الثمن معيبا، أو مستحقا، وإن لم يتقابضا ولا أحدهما كان المبتاع أولى به إلى ثلاثة أيام، فإن وفى الثمن، أو قبض المبيع استقر البيع، فإن لم يفعل كان البائع بعد الثلاثة الأيام مخيرا بين فسخ البيع وامضائه، وإن تلف المبيع قبل التسليم كان من ضمان البائع وإن كان بغير تفريط منه، إلا أن يكون عرض للتسليم ولم يتسلم المبتاع، فإن تلف بتفريطه كان من ضمانه على كل حال. والمشروط ضربان: مشروط بنفس العقد مثل شرط انتفاء الخيار، وقد بينا حكمه، ومشروط لا بنفس العقد، وهو أيضا ضربان: أحدهما يكون الشرط غير مقدور يفسد به البيع، والثاني يكون أيضا ضربان: أحدهما يكون من أحكام المبيع، وهو صنفان: الحيوان، والفواكه على ما ذكرنا. والثاني أيضا ضربان: أحدهما يقتضيه العقد، فإن شرط كان تأكيدا، وهو

[ 240 ]

ثلاثة أشياء: خيار المجلس، وضمان الدرك، ونقد البلد، أو الغالب من النقود إن كان ما يتعامل به أهل البلد أكثر من واحد من النقود، وإن لم يكن أحدهما غالبا، ولم يعين بطل العقد. والثاني: لا يقتضيه العقد، وهو أيضا ضربان: أحدهما يكون مصلحة للمتعاقدين، وهو تسعة أشياء: أجل الثمن، وخيار المدة، والإقالة، والرهن بالثمن، والإقراض، والإسلاف، والاستسلاف في مبيع آخر، والضامن للعهدة، والاشهاد. والثاني ضربان: أحدهما قد رغب فيه الشرع، ولزم مثل شرط الاعتاق في بيع المملوك، والآخر قد منع منه الشرع، وكان باطلا مثل الشرط بترك التصرف في المبيع بما يقتضيه التملك. وإن كان المبيع بستانا، أو أرضا فيها بناء، أو شجر أو زرع، أو معدن، أو غير ذلك، وقال: بعتك هذه الأرض كان البيع واقعا على الأرض دون ما فيها، وإن قال: بعتك بما فيها دخل جميع ما فيها في البيع، أمكن نقله أو لم يمكن. وإن قال: بعتكها بحقوقها دخل فيها كل ما كان ثابتا فيها دون المنفرد، فإن كان فيها عين يجري ماؤها لم تدخل فيه، وإن لم تجر دخل فيه. فصل في بيان خيار الرؤية كل ما يباع موصوفا غير مرئي، ولا مؤجل فهو مشروط بخيار الرؤية فإن كان على ما وصف كان البيع ماضيا، وإن لم يكن كان المبتاع بالخيار على الفور بين الفسخ، والامضاء. وإنما يصح بثلاثة شروط: بيان أوصافه التي يتفاوت الثمن لأجلها، وتعيين جنس الثمن ومقداره. وإذا نعت إلى البائع بأعدال محزومة، وجرب مشدودة فيها متاع ومعها كتاب

[ 241 ]

فيه أوصافه، فباعها عليها، فإذا فتحت وكانت دون الوصف كان للمبتاع الخيار، وإن كان فوقه فالخيار للبائع. فصل في بيان البيع بالنسيئة إنما يصح ذلك بثلاثة شروط: تعيين المبيع أو وصفه، وبيان مقدار الثمن وجنسه، وتعيين أجل الثمن بالشهور أو بيوم مشهور. وإن باع بثمنين متفاوتين إلى أجلين مختلفين لم يصح، وقيل: يلزم أقل الثمنين في أبعد الأجلين، والأول هو الصحيح. فصل في بيان بيع السلف إنما يصح ذلك في ذوات الامثال، دون ذوات القيمة إذا اشتمل على تسعة شروط: وصف المبيع، وبيان النوع، والمقدار بالشئ المعلوم، وبيان الأجل، وإن يؤمن انقطاع المسلف فيه عند محله عام الوجود، وتعيين موضع التسليم إن كان لنقله أجرة، ومشاهدة رأس المال أو وصفه، وتبيين مقداره، وقبضه قبل التفرق. فإن أسلف في الحبوب صح بستة شروط: النسبة، والبلد المحمول منه، واللون، والهيئة، والجودة أو الرداءة، والحداثة أو العتاقة. وإن أسلف في الحيوان وصف بستة أو صاف: النسبة، والسن، واللون، والذكورة: والأنوثة، والجودة أو الرداءة، والنتاج إن كان له، فإن اختلف النتاج احتاج إلى بيان نوع آخر. والتمر يوصف أيضا بستة أو صاف: بالنوع، والبلد، واللون، والكبر أو الصغر، والجودة أو الرداءة، والحداثة أو العتاقة لسنة أو أكثر. وحكم الفواكه كذلك.

[ 242 ]

ويوصف المملوك باللون، والنوع، والسن، والقد، والذكورة، والأنوثة، والجودة أو الرداءة. وإن كان النوع الواحد يختلف بالبلد، أو اللون جمع ذلك إلى ما ذكرناه. وتوصف الأمة بالحليلة زائدا على ما ذكرنا. ويوصف الثوب بثمانية أو صاف: بالجنس، والبلد، والطول، والعرض، واللين والخشونة، والرقة والغلظ، والجودة أو الرداءة، والصفاقة أو كونه شافا. والقطن يوصف بستة أشياء: بالجنس، والبلد، واللون، والنعومة أو الخشونة والجودة والرداءة، وطول العطب أو قصره، وكذلك حكم جميع ما يسلف فيه، في ضبط كل صفة يتفاوت الثمن لأجلها. ولا يجوز السلف فيما لا يتحدد بالوصف، ولا في الأشياء المختلطة، ولا الامتعة المتخذة من جنسين فصاعدا، ولا في المنسوب إلى شئ مخصوص. وإن أراد أن يبيع المسلف ما أسلف فيه من المستسلف عند حلول الأجل، أو قبله بجنس ما ابتاعه بأكثر من الثمن الذي ابتاعه به لم يجز، وإن باع بجنس غير ذلك جاز. ويجوز للمسلف توكيل المستسلف في ابتياع المسلف فيه بماله له، وقبضه عوضا عن حقه، ويجوز الاسلاف في جنسين إذا روعي فيه شروط السلف. فصل في بيان بيع المرابحة إنما يصح ذلك بشرطين: تعيين رأس المال، وبيان مقدار الربح. ويتعين رأس المال بأحد أربعة ألفاظ: اشتريت بكذا، أو رأس مالي فيه كذا، أو قوم على بكذا، أو هو علي بكذا. ويعين مقدار الربح بأحد وجهين: أبيعك بكذا، أو أربح عليك كذا.

[ 243 ]

وإن أحدث في المبيع صنعة - زاد بسببها في قيمته - بالاجرة زاد في اللفظ: وأنفقت على الأجرة كذا. وإن عمل بنفسه زاد: وعملت عملا أجرته كذا. وما ابتاعه نسيئة لم يبعه مرابحة بالنقد إلا بعد البيان، فإن باع وعلم المبتاع كان له من الأجل مثل ما للبائع، وإن ابتاع نقدا جاز أن يبيعه مرابحة بالنسيئة، وإن ابتاع شيئين أو أكثر صفقة واحدة وأراد بيع بعض ذلك مرابحة لم يجز إلا بعد البيان. فصل في بيان بيع الصرف بيع الصرف يصح باجتماع ثلاثة شروط، وهي: التبايع بالنقد، والتقابض قبل التفرق، وتساوي البدلين في القدر مع اتحاد الجنس. وإن اختلفت الصفات من النعومة، والخشونة، وجودة الصفة، والرداءة، وكونها صحاحا، دغلة (1). وبيع الذهب على ثمانية أوجه: بيع الذهب بالذهب، وبالفضة، وبجوهر الذهب، وبالذهب المخلوط بالفضة، وبالذهب المغشوش، وبيع جوهر الذهب بجوهره، وبيع المخلوط بالمخلوط، والمغشوش بالمغشوش. فإن بيع الذهب بالذهب لم يخل: إما كان مشارا إليهما أو موصوفين، فإن بيع مشارا إليهما وتقابضا، وظهر ببعض أحد البدلين عيب من جنسه، أو من غير جنسه كان لمن لم يعب ماله الخيار بين رد المعيب، وبين فسخ البيع في الكل. فإن بيع في الذمة، وتقابضا قبل التفرق، وظهر بالبعض عيب في المجلس كان له الابدال لا غير. وإن بيع الذهب بالفضة مشارا إليهما، وتقابضا، وظهر عيب في المجلس من جنسه في البعض أو الكل من أحد البدلين، كان بالخيار بين الفسخ والامضاء.

(1) الدغل: الفساد. الصحاح 4: 1697 " دغل ".

[ 244 ]

فإن كان العيب من غير جنسه، وظهر في البعض تبعضت الصفقة، وإن ظهر في الكل انفسخ البيع. وإن تبايعا في الذمة، وقالا: دينار بعشرة دراهم لزم نقد البلد، أو الغالب، وإن عينا لزم المعين، فإن ظهر بأحدهما عيب في المجلس بعد التقابض كان له الابدال. وإن ظهر بعد التفرق في البعض عيب من جنسه فصاحبه مخير بين ثلاثة أشياء: الرضاء بالبيع، والفسخ والأبدال. وإن ظهر عيب بالكل فله الخيار أيضا بين ثلاثة أشياء: الرضاء، والفسخ في الجميع والأبدال. وإن كان العيب من غير جنسه وظهر بالبعض تبعضت الصفقة، وإن ظهر بالكل انفسخ البيع. وجوهر الذهب يجوز بيعه بالفضة، ولا يجوز بيعه بالذهب، ولا يجوز بجوهره، إلا إذا صفي، وإن علم مقدارهما جاز. والمخلوط بالفضة ضربان: فإن أمكن تخليص أحدهما من الآخر، ولم يعلم مقدار ما فيه من الذهب والفضة لم يجز بيعه بالذهب ولا بالفضة ولا بالمخلوط فإن أراد ذلك تواهبا، وإن علم مقدارهما جاز. وإن لم يمكن التخليص، وعلم مقدار كل واحد منهما جاز أن يباع بالذهب أو بالفضة أو بكيلهما، وبمخلوط مثله، وإن لم يعلم المقدار وعلم الغالب بيع بغير الغالب، فإن اشتبه بيع بكليهما، وإن ضم جنس آخر معه كان أحوط. وإن كان كلا البدلين مخلوطا كذلك، لم يصح بيع أحدهما بالاخر. وأما الذهب المغشوش فلا يجوز بيعه بالذهب: ولا بالذهب المغشوش، إلا إذا كان معلوم المقدار. ويجوز بيعه بالفضة. وحكم الفضة مثل حكم الذهب في الأوجه الثمانية. ويجوز بيعها بالذهب

[ 245 ]

متماثلا، ومتفاوتا نقدا. والمحلى من السيف والمنطقة، وغيرهما بالذهب أو الفضة، فإن كان معلوم المقدار جاز بيعه بجنسه بأكثر مما فيه، ولم يجز بمثله ولا بأقل منه، إلا أن يستوهب المبتاع الزائد، وجاز بيعه بغير جنسه. وإن ابتاع أحد الجنسين من غيره بماله عليه من الدين جاز، وإن دفع المستدين إلى المدين شيئا من جنس ماله عليه ولم يساعره، ثم تغير السعر قوم بقيمة يوم الدفع. فإن أتلف على غيره فاثورة (1) من أحد الجنسين غرم مثله من جنسه، وأجرة العمل. فصل في بيان بيع الجزاف كل ما يباع كيلا، أو وزنا، أو عددا لا يجوز بيعه جزافا، فإن أراد ذلك كال بعض المكيل، ووزن بعض الموزون، وعد بعض المعدود، وباع مع الباقي من جنسه. فصل في بيان بيع الغرر الغرر: ما لا يمكن ضبطه وتحصيله بالمقدار، أو لا يؤمن فيه التلف قبل التسليم. ويدخل الغرر في بيع الأعيان المرئية، وبيع خيار الرؤية، وبيع السلف. ولا يصح بيع ما فيه غرر، إلا إذا ضم معه غيره مما لا يكن فيه غرر. فالغرر في الأعيان المرئية مثل بيع المحاقلة، والمزابنة، إلا في العرايا،

(1) الفاثور: الطست أو الخوان يتخذ من الرخام أو الفضة أو الذهب. انظر مجمل اللغة 4: 78 " فثر "، والقاموس المحيط 2: 111.

[ 246 ]

وبيع الملامسة، والمنابذة، والحصاة، والطير المرئي في الهواء، والصيد القريب منك في الصحراء، وبيع الصوف، والشعر، والوبر منفردا على ظهر الحيوان. والغرر الداخل في بيع خيار الرؤية مثل بيع ثوب على أن طوله وعرضه كذا، فإن لم يكن كذلك لزمه ثوب له على ما وصف، وبيع العبد آبقا، وبيع اللبون على أنها تحلب في كل يوم كذا رطلا، وبيع نافحة المسك على أن ما في جوفه كذا من المسك، وأمثالها. والغرر الداخل في بيع السلف مثل بيع المجر: وهو بيع ما في الأرحام، وثمرة شجرة بعينها قبل بدو صلاحها سنة، وطعام أرض بعينها، وبيع البيض، في جوف البائض، وضربة الغائص، وأمثالها. وبيع مالا يمكن ضبط وتحديد كذلك، وجميع هذه البيوع باطل على الانفراد. ويجوز بيع العبد الآبق، وبيع المجر، وبيع البيض في جوف البائض مع غيره، وكذلك بيع الصوف، والشعر، والوبر على ظهر الحيوان مع غيرها. وجاز بيع ثمرة شجرة بعينها سنتين أو أكثر، وبيع اللبن في الضرع إذا حلب بعضه، وبيع المحلوب مع ما في الضرع، وبيع الثمار إذا أدرك بعضها، وبيع ما في الاجمة من السمك إذا أخذ شيئا منها، أو مع قصبها وشجرها، وبيع الطير الطيارة إذا آوت إلى برجها، وسد عليها بابه بحيث يمكن أخذها. ويجوز الندر للظروف إذا كانت مما تزيد تارة وتنقص أخرى، وقد جرت عادتها بين التجار، وشرط عمل على البائع في البيع يقدر عليه دون ما لا يقدر عليه. وابتياع جزية أهل الذمة وقبولها بشئ معلوم، وابتياع تبن كل كر، أو قدر من الطعام بشئ معلوم قبل الكيل. وابتياع شئ من الظالم إذا لم يعلم كونه غصبا، واستثناء البعض من الكل في البيع إذا غبن. وكل ما أمكن اختباره من غير إفساده لم يصح بيعه من غير اختبار، فإن لم

[ 247 ]

يمكن ذلك جاز بيعه على الصحة، وعلى البراءة، فإن باع على الصحة، وخرج معيبا كان البائع بالخيار بين أخذ الأرش، والرد، فإن خرج البعض معيبا كان مخيرا بين رد الجميع، والأرش. فإن أفسد الجميع لم يكن له غير الأرش. ويحرم النجش، والسوم على السوم، والشري قبل البيع، وعرض سلعة مماثلة لما بيع في مجلس البيع مع ثبوت الخيار بأقل من ثمن ما بيع. وإذا ابتاع أرضا وغرس فيها، واستحقت ولم يثمر الغرس كان المستحق مخيرا بين أن يقلع، ويأخذ أرش ما فسد، وبين أن يأخذ لنفسه ويرد أجرة المثل، وما اتفق فيه عليه، وللغارس الرجوع على البائع إن لم يعلم بذلك وإن أثمر الغرس كان له الأرض بما فيها، ورد عليه ما انفقه مع أجرة العمل. فصل في بيان بيع تبعض الصفقة تبعض الصفقة: أن يبتاع الانسان شيئا فخرج بعضه مستحقا، أو بطل البيع في بعضه مثل أن يبتاع دارا، أو ضيعة، أو متاعا، أو مملوكا، أو غيرها، وكان بعض جميع ذلك لغير البائع، ولم يجزه مالكه، أو يبتاع حرا وعبدا، أو خمرا وخلا، أو خنزيرا وغنما في صفقة، فإذا تبعضت الصفقة كان المبتاع بالخيار بين فسخ البيع فيما صح واسترداد جميع الثمن، وبين الرضى ببيع ماصح واسترداد الثمن بقدر ما خرج مستحقا، والمستحق للشفعة مخير بين الأخذ بالشفعة فيما يدخل فيه الشفعة وبين إسقاطها. فصل في بيان بيع الحيوان الحيوان: آدمي، وبهيمة. فالادمي إنما يجوز منه بيع المماليك من العبد والأمة، أو من كان في حكمهما من المدبر إذا فسخ التدبير، والمكاتب المشروط

[ 248 ]

إذا عجز عن أداء مال الكتابة، وأم الولد إذا مات ولدها، أو في ثمن رقبتها مع بقاء الولد. والبهيمة ضربان: إما يحل لحمها، أو يحرم. فالأول: يحل بيعها، إلا إذا عرض أمر يمنع من ذلك. والثاني: إما يمكن الانتفاع بها مثل جوارح الطير، والسباع، وكلب الصيد والماشية والزرع والحراسة، والسنجاب، والفنك، والسمور، وسباع الوحش للانتفاع بجلدها، وصيدها مثل الفهد، والنمر، والذئب، وأشباه ذلك، وجاز بيع جميع ذلك وأما لا يمكن الانتفاع بها، ويحرم وهو ما سوى ذلك. والإناث من الادمي، والنعم إذا كانت حوامل وبيعت مطلقا كان الولد للمبتاع، إلا إذا شرط البائع. وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله: يكون للبائع، إلا إذا شرط المبتاع (1. وللمبتاع في بيع الحيوان خيار ثلاثة أيام شرط أو لم يشرط. فإن مات في مدة هذه الثلاثة الأيام في يد البائع كان من ماله، وإن مات في يد المبتاع، ولم يتصرف فيه بالبيع أو الهبة، أو الاجارة، أو الوقف، أو العتق، أو التدبير، أو الكتابة إن كان مملوكا، أو بالوطء إن كان أمة فكذلك، وإن تصرف فيه بشئ من ذلك كان من مال المبتاع. والأمة إن كانت من ذوات الأقراء استبرأت بحيضة، وإن كانت من ذوات الشهور فبخمسة وأربعين يوما، والنفقة مدة الاستبراء على البائع. وإن كان المملوك له مال، ولم يعرف البائع وباعه كان للبائع، وإن عرف أن له مالا وباعه مع المال صح إن كان الثمن أكثر مما معه، وإن كان من جنسه، وإن كان من غير جنس ما معه صح على كل حال، وإن لم يعرف مقدار ما معه وباعه

(1) النهاية: 409.

[ 249 ]

بجنسه لم يصح، وإن باع بغير جنسه صح، وإن باع المملوك دون المال صح، فإن شاء سوغه المال، وإن شاء استرد. فصل في بيان بيع الفضولي بيع الفضولي: هو أن يبيع الانسان ما ليس له، ولا يكون وكيلا لمالكه، ولا وليا عليه بوجه، من غير إذنه، فإذا باع كان البيع موقوفا، فإن أجاز مالكه صح بيعه، وإن لم يجزه بطل. فصل في بيان بيع الاقالة بيع الاقالة إنما يصح بأربعة شروط أحدها: أن يبيع بما يكون من ذوات الامثال. والثاني: أن يعين المدة التي يقبل فيها. والثالث: أن يشرط أن يرد عليه مثل الثمن الذي باعه به من غير زيادة ولا نقصان. والرابع: أن يكون المبيع مما يبقى إلى تلك المدة من غير أن يفسد ويتغير عن حاله، فإذا باع شيئا أن يقيل البيع في وقت كذا بمثل الثمن الذي باعه به منه لزمته الاقالة إذا جاء بمثل الثمن في المدة المضروبة أو قبلها فإن جاء به بعد انقضاء المدة لم تلزمه وكان مخيرا، فإن تلف المبيع في المدة المضروبة كان من مال المبتاع، وإن حصل منه غلة كانت له، لأن الخراج بالضمان. فصل في بيان بيع الثمار بيع الثمر وما يحصل من الأشجار لم يخل: إما باع مع أصله، أو منفردا.

[ 250 ]

فإن باعه مع أصله صح، ولم يخل: إما أطلق بيع الأصل، أو بيع الثمر، أو قيد وقال: بعتك الشجر والثمر، فإن قيد صح البيع، وإن أطلق مع الأصل، وقد بدأ صلاح الثمر كان الثمر للبائع، إلا أن يشرط المبتاع، وإن لم يبد صلاحها كان الثمر للمبتاع، إلا أن يشرط البائع. وإن باع الثمر وقد بدا صلاحه صح البيع، وإن لم يبدأ لم يخل: إما باع لسنتين، أو أكثر، أو باع لسنة واحدة. فإن باع لسنة واحدة لم يخل: إما باع بشرط القطع في الحال وقد صح وإن باع على أن يترك على الشجر، أو باع مطلقا لم يصح فإن تلف مع صحة البيع كان من مال المبتاع، وإن تلف وكان البيع فاسدا كان من مال البائع، وإن باع لسنتين أو أكثر صح وإن لم يبد صلاحه والمحاقلة والمزابنة حرام. فالمحاقلة: بيع السنابل التي انعقد الحب فيها، واشتد الحب من ذلك السنبل والمزابنة: بيع التمر على رؤوس النخل بتمر منه، وإن باع بحب آخر من جنسه، وبثمر آخر كذلك لم يصح أيضا، إلا في العرايا، وإنما يصح ذلك بشرطين: المماثلة من طريق الخرص، والتقابض قبل التفرق. والعرية: إنما تكون في النخل دون غيره وقد روي في بعض الأخبار جواز بيع ما في السنبلة، وما على رأس النخل بحب من غيره، وتمر من غيره، وفي العرية بيع ما على النخل بتمر منه. والصحيح ما ذكرنا. فصل في بيان بيع الشرب الماء ضربان: مباح، وملك. فالمباح ضربان: إما يجري إلى مزارع الناس.

[ 251 ]

وأراضيهم، أو لا يجري. فإن جرى كان للأعلى أن يحبس على الأسفل للزرع إلى الشراك، وللنخل إلى الكعب، ثم يرسل إلى من هو أسفل منه. وليس لأحد أن يبيع شيئا من ذلك، ولا أن يستحدث نهرا آخر عليه، إلا إذا فضل عن مزارع من يجري الماء إلى مزارعه. وإن لم يجر إلى مزارع الناس لم يجر لأحد أن يبيع شيئا من ذلك إذا تملكها بالحيازة: إما بأن يستقى في قربة أو جرة، واستحدث نهرا عليه في ملكه، أو في أرض لا ملك له وأجرى الماء فيه، فإذا ملكه بالحيازة جاز له أن يبيع، والأفضل أن يبذل الفاضل من ضياعه بغير ثمن لمن يحتاج إليه. والملك جاز له بيعه سواء كان من عين مملوكة، أو قناة أو نهر استحدثه على أرض مملوكة، أو بائر لا مالك لها وأجرى فيه الماء من الماء المباح، وسواء باع نصيبا من أصله، أو قدرا معينا ينتفع به يوما أو أياما أو بعض يوم. فصل في بيان بيع الديون والأرزاق الدين: سلف، وغير سلف. فما أسلف فيه لا يجوز بيعه قبل القبض، إلا من المسلف إليه بمثل الثمن الذي ابتاعه منه، أو بأقل منه إن باع بجنس ما ابتاع، وإن باع بغير جنس ما ابتاع جاز أن يبيع منه بما هو أكثر قيمة من ذلك. وغير السلف لم يخل: إما كان ثمنا أو غير ثمن. فإن كان ثمنا لم يجز بيعه بالثمن، وجاز بالعروض، وإن كان غير ثمن جاز بالثمن بيعه وبالعروض من غير جنسه، ولا يجوز بيع الدين بالدين، ولا بيع الارزاق، إلا بعد القبض، لأن ذلك غير مضمون.

[ 252 ]

فصل في بيان بيع ما لم يقبض وبيان حكم القبض كل حق يكون لأحد على غيره ضربان: سلف، وغير سلف. وغير السلف ضربان: طعام، وغير طعام. فالسلف: لا يجوز بيعه قبل القبض، إلا من المسلف إليه على ما ذكرنا. والطعام: لا يجوز أيضا بيعه قبل القبض سواء كان مبيعا، أو قرضا فإن باع القرض من الطعام من المستقرض بطعام مثله كان قضاء لدينه، وإن باع بطعام من غير جنسه وقبض في المجلس، أو باع بغير طعام وعين في المجلس صح وإن لم يقبض. وغير الطعام جاز بيعه قبل القبض على كل حال. والقبض يختلف باختلاف المبيع، فقبض ما يمكن تناوله باليد التناول، وقبض الحيوان الاستياق إلى مكان آخر، وقبض المماليك إقامتها في موضع آخر، وقبض المماليك إقامتها في موضع آخر، وقبض المكيل الكيل، والموزن الوزن، والمعدود العد. وما بيع جزافا فالنقل، وقبض الأرضين والعقارات التخلية بين المبتاع وبينهما. فصل في بيان بيع ما يباع حملا بعد حمل أو جزة بعد جزة كل ما يخرج الحمل بعد الحمل من الشجر مثل التين، ومن الخضر مثل القثاء، والبطيخ، والباذنجان، وأشباهما، فإنه يجوز بيع الحاصل من الحمل إذا

[ 253 ]

بدا صلاحه دون ما لم يحصل، ويجوز أن يبيع الحاصل وغيره، فإن باع الحاصل وجنى فذاك، وإن لم يجن حتى حصل حمل آخر: فإن تميز استقر البيع فيما باع، وإن اختلط ولم يتميز ولم يسلم البائع حقه فسخ العقد بينهما. ويجوز أيضا بيع الرطبة وأمثالها الجزة الأولى، أو الثانية، أو الثالثة، أو جميعا. وكذلك بيع ورق التوت، والحناء والآس خرطة أو خرطتين، فإن باع الفصيل على أن يقطع في الحال، فترك كان للبائع أن يقطع عليه، فإن لم يقطع وسنبل كان عليه أجرة الأرض وخراجها. فصل في بيان الربا الربا: فيما يكال ويوزن مع اتحاد الجنس أو حكمه، ولا يجور بيع ما يكال أو يوزن بجنسه متفاضلا، لا نقدا ولا نسيئة، ولا متماثلا نسيئة. والذهب والفضة جنسان، ويجوز بيع أحدهما بالاخر متماثلا، ومتفاضلا نقدا. والحنطة والشعير جنسان في الزكاة، وجنس في البيع. ولم يخل من ستة أوجه: إما يباع مكيل بمكيل من جنسه، أو من غير جنسه، أو بموزون مما هو في حكم جنسه، أو بموزون من غير ذلك، أو بغير موزون، أو يباع معدود بمعدود. فالأول: يجوز بيعه بمثله نقدا لا غير. وأنواع التمر جنس، وكذلك الزبيب، والحنطة، والشعير، ولبن البقر، والغنم، والإبل. ولا يجوز بيع التمر بالرطب، ولا بيع الزبيب بالعنب، لا متماثلا ولا متفاضلا. فإن أريد ذلك بيع بذهب أو فضة، وابتيع الآخر به. والحنطة ودقيقها وسويقها، وخبزها، وكذلك الشعير في حكم الجنس الواحد. والثاني: يجوز بيع أحدهما بالاخر متماثلا ومتفاضلا، نقدا ونسيئة على

[ 254 ]

كراهية. والثالث: لا يجوز بيعهما إلا موزونا، نقدا، متماثلا مثل الحنطة وخبزها. والرابع: يجوز بيع أحدهما بالاخر متماثلا ومتفاضلا، نقدا ونسيئة مثل الحنطة أو الشعير بالتمر والزبيب، أو بالعكس، ومثل الذهب والفضة بالحنطة والشعير والتمر والزبيب. وغير ذلك، أو بالعكس. والخامس: يجوز التبايع فيه نقدا ونسيئة، وعلى كل حال مثل بيع الثياب بالموزونات والمكيلات، ومثل بيع الحيوانات بذلك، وبالعكس. والسادس: يجوز التبايع فيه متماثلا، ومتفاضلا نقدا لا نسيئة إذا كان من جنس واحد مثل بيع بيضة ببيضتين، وجوزة بجوزتين وحلة بحلتين. فإن اختلف الجنس جاز التفاضل فيه نقدا، ونسيئة مثل بيضة بجوزتين، وحلة بغنمين، وغنم بدجاجات. وانواع الغنم الاهلي جنس، وكذلك الوحشي، وأنواع البقر والجاموس جنس، وأنواع الإبل جنس، ولا يجوز بيع لحم الضأن بلحم المعز متفاضلا، ويجوز متماثلا نقدا، وكذلك حكم جميع ما ذكرنا في جنسه. ويجوز بيع لحم الغنم بلحم البقر أو الظباء أو الإبل متماثلا، ومتفاضلا نقدا، ولا يجوز بيع الغنم بلحمه بحال، ويجوز بيعه بلحم البقر، وعكسه على ما ذكرناه. ولا ربا بين الولد ووالده، ولا بين العبد وسيده، ولا بين الرجل وزوجته ولا بين المسلم والحربي. فصل في بيان البيع الفاسد البيع الفاسد ينقسم على بضعة عشر قسما: بيع المجهول، وبيع الغرر منفردا، وبيع الجزاف فيما يباع مكيلا أو موزونا، وبيع يدخله الربا وبيع ما لا يجوز

[ 255 ]

تملكه في شريعة الاسلام للمسلم، إلا بيع من أسلم بعد الكفر وعليه دين وله خمر أو خنزير فإنه جاز له أن يوكل كافرا حتى يبيع عليه ذلك ويقضي به دينه. وبيع ملك الغير إذا لم يجزه المالك وبيع اللقطة مما يجب فيها التعريف قبله، والبيع إذا اختل أحد شروط صحته، وبيع المحجور عليه، وبيع من لم ينفذ تصرفه في ملكه، والبيع إذا أطلق الثمن ونقد البلد أكثر من واحد ولم يغلب أحد النقود، والبيع بما لا يجوز أن يكون ثمنا، وبيع ما لم يتحدد بالصفة إذا كان غير مشاهد، وبيع الحصاة، والمنابذة، والملامسة، والمجر، وغير ذلك، وبيع المحاقلة والمزابنة. فإذا باع أحد بيعا فاسدا، وانتفع به المبتاع، ولم يعلما بفساده ثم عرفا، واسترد البائع المبيع لم يكن له استرداد ثمن ما انتفع به، أو استرداد الولد إن حملت الأم عنده وولدت، لأنه لو تلف لكان من ماله، والخراج بالضمان. فإن غصب إنسان، أو سرق ما ل غيره، أو أمة غيره، أو حيوان غيره وباع من آخر ثم استخرج مالكه من يده شرعا، وكان المبتاع عارفا بالحال لم يكن له الرجوع على البائع، وإن لم يكن عارفا كان له الرجوع عليه بالثمن، وبما غرم للمالك. فصل في بيان أحكام الرد بالعيب إذا باع الانسان شيئا لم يخل: إما باع على البراءة من العيوب، أو باع مطلقا. فإن باع على البراءة وعين العيب، أو لم يعين صح البيع ولم يجز له رده بالعيب، سواء كان بصيرا أو أعمى. وإن باع مطلقا وظهر به عيب كان عند البائع لم يخل: إما حدث عند المبتاع عيب آخر، أو لم يحدث. فإن حدث لم يكن له الرد، وكان له الأرش، إلا أن

[ 256 ]

يقبل البائع المبيع بما حدث عنده العيب. فإن لم يحدث عنده عيب آخر لم يخل: إما ظهر ببعض المبيع عيب، أو بالكل. فإن ظهر بالكل فسنذكر حكمه، وإن ظهر بالبعض لم يكن له رد المعيب دون غيره، فإن شاء رد الجميع واسترد الثمن، وإن شاء أخذ الأرش. وعلى ذلك لو ابتاع جماعة متاعا بالشركة، وظهر به عيب وأراد بعضهم الرد وبعضهم الأرش لم يكن لهم ذلك حتى يتفقوا على أرش أورد، فإن كان قد عرف المبتاع حال البيع العيب لم يكن له رده، وإن عرف بعد ذلك ورضي به، وعرف أنه عيب لم يكن له الرد، وإن لم يعرف أنه عيب ثم عرف كان له الرد. وإذا ظهر العيب كان مخيرا بين ثلاثة أشياء: الرد، والأرش، والرضى به. ويسقط الرد بأحد ثلاثة أشياء: بالرضى، وبترك الرد بعد العلم به إذا عرف أن له الرد وبحدوث عيب آخر عنده. والعيب ما يكون عيبا عند أهل الخبرة، والمعرفة بها. والعيب في المماليك عشرة: الجنون، والجذام، والبرص، وهي من أحداث السنة، أي إن ظهرت بالمملوك قبل سنة من يوم البيع كان له الرد ما لم يحدث عنده عيب آخر، وإن حدث لم يكن له الرد، وكان له الأرش، فإن زاد يوم على السنة لم يكن له الرد. والجب، ونقصان الأعضاء، وزيادتها، وكونها مخنثا، أو سارقا، أو آبقا، أو كافرا إذا شرط كونه مسلما. والأمة والعبد في ذلك سواء، ويزيد فيها خضاب شعرها، وأن لا تحيض في مدة ستة أشهر إذا كان مثلها تحيض. وإذا وطأ الأمة ثم علم بها عيبا لم يكن له ردها، إلا إذا كان العيب حملا، وكان حرا فإنه وجب عليه ردها، ورد معها نصف عشر قيمتها، وإن كان الحمل مملوكا لم يجب ذلك. وإذا اختلفا المتبايعان في العيب لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أمكن حدوث العيب عند كل واحد منهما، أو لم يمكن إلا عند واحد منهما. فإن لم يمكن إلا

[ 257 ]

عند واحد منهما لم يحتج إلى بينة، وإن أمكن أن يكون عند كل واحد منهما وكان هناك بينة حكم عليها، فإن تعارضت بينتان أقرع بينهما، وإن لم يكن لأحدهما بينة كان اليمين على البائع، وإن اختلفا في البراءة من العيب كانت البينة على البائع، وإن علم بالعيب ثم تصرف فيه لم يكن له الرد ولا الأرش. وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي رضي الله عنه في النهاية: كان له الأرش، لأن تصرفه ليس بموجب لرضاه (1). فصل في بيان أشياء تتعلق بالباب من كان له حق على غيره مؤجلا، وأتاه به قبل حلول أجله لم يلزمه قبضه، وإن أتاه به بعد حلول أجله في غير موضع التسليم فكذلك، وإن أتاه به في موضع التسليم، وكان من غير جنسه ونوعه فكذلك، وإن أتاه من جنسه في موضع التسليم وكان مثله لزمه القبض، فإن لم يقبض وتلف كان من ماله، وإن أتاه به زائدا عليه في الصفة لزمه قبوله، وإن كان زائدا في القدر لزمه قبول مثل حقه من دون الزائد، وإن أتاه به ناقصا عنه في الصفة لم يلزمه قبوله، وإن أتى به ناقصا في القدر لزمه قبوله وطالب بالباقي. والاقالة فسخ، ويجوز قبل القبض وبعده بثلاثة شروط: الاقالة على مثل الثمن بغير زيادة ولا نقصان ومن استصنع شيئا قبل، وفعل الصانع كان مخيرا بين التسليم والمنع، والمستصنع بين القبول والرد. ولا يجوز بيع واحد من جماعة، وإذا باع ثوبا بدينار على أن طوله كذا فزاد ذراعا كان للبائع الخيار بين الفسخ والامضاء، ويكون شريكان له بقدر الزيادة، وإن نقص ذراع كان الخيار للمبتاع إن شاء رضي، وإن شاء رد. وعلى هذا حكم الأرض إذا باع أرضا، وقال: هي كذا جريبا فمسحت فزادت أو نقصت.

(1) النهاية: 393.

[ 258 ]

باب الشفعة الشفعة تجب لأحد الشريكين عند انتقال نصيب شريكه عنه بسبعة شروط: أحدها: أن ينتقل عنه بالبيع. والثاني: أن يباع بذوات الامثال من الثمن. والثالث: الخلطة في نفس المبيع، أو في حقوقه من الطريق، والنهر، والساقية إذا لم يقتسمها بالمهاياة. والرابع: أن يقبل المبيع القسمة إذا كان ضيعة أو عقارا. والخامس: أن يكون المبيع بين اثنين. والسادس: أن يكون الشفيع مسلما إذا كان المبتاع مسلما. والسابع: المطالبة بها على الفور. وتسقط بثلاثة عشر شيئا: بانتقال الملك بغير البيع، وبذوات القيمة، وبزيادة الشريك على اثنين، وبتمييزه بجميع الحقوق. وباشراع باب المبيع إلى موضع آخر إذا وجبت الشفعة بالاشتراك في الطريق، وبأن يكون الشريك كافرا والمبتاع مسلما. وبقسمة الساقية بالمهاياة وبتبريك الشفيع على المتبايعين أو على أحدهما. وبأن يشهد على البيع، وأن يسكت عن طلب الشفعة مختارا. وبإبائه عن الابتياع

[ 259 ]

إذا عرض عليه بثمن معين وبيع بأكثر منه أو بمثله. وإذا عرض عليه بالبيع من فلان، وبيع منه، وبيع نصيبه بعد ما علم بثبوت الشفعة قبل المطالبة بها، ويعجز الشفيع عن الثمن وبالمدافعة بالثمن. وإنما تجب الشفعة على المبتاع، ويلزمه الثمن على حد ما يلزم المبتاع، ويلزمه الغائب، والطفل والوقف إذا كان غبطة له. وللشفيع أن يمنع من الاقالة، والرد بالعيب وأن يفسخ البيع إذا باع ما ابتاعه إذا علم به، وهو مخير بين إبطال البيع والشفعة على المبتاع الأول، والرضى بالبيع والشفعة على المبتاع الثاني. والشفعة لا تورث كالاموال.

[ 260 ]

باب الاحتكار والتلقي الاحتكار يدخل في ستة أشياء: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والسمن (1)، والملح. ولا احتكار مع فقد الحاجة، وإذا مست الحاجة إليها فحده ثلاثة أيام في الغلاء، وأربعون يوما في الرخص. وإذا احتبس لقوته وقوت عياله لم يكن ذلك احتكارا، فإذا احتبس للبيع، ومست الحاجة إليه من الناس، ولم يبعه أجبر على البيع دون السعر، إلا إذا تشدد. فإن خالف أحد في السوق بزيادة، أو نقصان لم يعترض عليه. والتلقي: استقبال المتاجر، والمتاع إلى خارج البلد دون أربعة فراسخ، وهو مكروه. وللبائع الخيار على الفور مع الامكان، فإن أخر لغير عذر بطل خياره فإن كان راجعا من موضع ورأى جلبا وابتاع شيئا جاز. وللسمسار أن يبيع متاع البدوي في الحضر، ويستقصي في بيعه، وليس له أن يبيع لباد في البدو.

[ 261 ]

باب في بيان حكم الوزان والناقد والمنادى والكيال والواسطة الوزان: إما يزن الثمن وأجرته على المبتاع، أو المتاع وأجرته على البائع. وأجرة الناقد، والدلال على المبتاع. وأجرة المنادي والكيال على البائع. والواسطة إن نصب نفسه للبيع فأجرته على البائع، وإن نصب للشراء فأجرته على المبتاع، وإن نصب نفسه للأمرين فأجرته على من عمل له. وإن أعطاه المتاع التاجر، وواجبه البيع كان أصل المال للتاجر، والربح للواسطة، والوضعية عليه. وإن لم يواجبه البيع، وبين له بيعه لم يكن له خلافه، فإن خالفه لم ينعقد بيعه، فإن باع وتلف غرم، وإن لم يبين له بيان البيع لزمه أن يبيع نقدا بقيمة المثل بنقد البلد، فإن خالف ورضي التاجر صح، وإن لم يرض لم يصح البيع، فإن فات ضمن تمام القيمة نقدا، فإن اشترى به متاعا آخر، وكان قد ضمن من التاجر كان المتاع له دون التاجر، وإن لم يضمن من التاجر ثمنه، وناب عن التاجر في البيع والابتياع كان المتاع للتاجر، وإن لم ينب عنه كان المتاع للواسطة، وعليه قيمة متاع التاجر.

[ 262 ]

فصل في بيان قسمة العقود العقود تنقسم ثلاثة أقسام: إما يكون العقد لازما من الطرفين مثل الاجارة،: والمساقاة والمزارعة، أو جائزا من الطرفين مثل الشركة، والمضاربة، والجعالة. أو لازما من طرف وجائرا من آخر مثل الرهن، فإنه لازم من جهة الراهن جائز من جهة المرتهن. فصل في بيان عقد الشركة الشركة أربعة أضرب: شركة الأعيان، وشركة الحقوق، وشركة المنافع، وشركة الأعيان والمنافع: وهي التي أردنا بيانها وإنما يصح من ذلك شركة العنان دون المفاوضة والوجوه، والأبدان. فشركة العنان تصح بأربعة شروط: بكون الشريكين نافذي التصرف في مالهما، واتفاق المالين في الجنس والصفة بحيث لو اختلطا لم يتميز أحدهما من الآخر، وخلط أحدهما بالاخر، والعقد عليها من غير تعيين مدة لها، فإذا فعلا ذلك وأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف كان له ذلك على حسب الإذن، فإن خالف وتلف ضمن. وأما الربح والوضعية على قدر المالين، فإن شرطا اتفاق الربح والوضيعة مع تفاوت المالين، أو التفاوت مع تساوي المالين صح على قول بعض الأصحاب (1) وبطل على قول آخرين (2)، فإن تصرف فيه المتصرف كان الربح والوضيعة على قدر

(1) منهم ابن الجنيد كما نقله عنه العلامة في المختلف: 479، والسيد في الانتصار: 227.
(2) منهم الشيخ في المبسوط 2: 350، وابن إدريس في السرائر: 254..

[ 263 ]

المالين، وللمتصرف أجرة المثل. وأما شركة الأبدان فباطلة ولكل واحد من الشركاء أجرة عمله، فإن اشتبه تصالحوا، ومتى أراد المقاسمة أحدهما أو كلاهما كان له ذلك، واقتسما النقد والعروض. وليس لأحدهما مطالبة الآخر بالنقد، ولا بيع المتاع له، بل يأخذ كل واحد نصيبه. وما كان على الناس نسيئة لا تصح قسمته، فإن اقتسما واحتال لكل واحد نصيبه، وقبض أحدهما ما احتال كان عليه أن يقاسم شريكه، وما بقي على الناس كان بينهما حصل أو تلف، وإن رضي أحدهما برأس ماله، وترك الباقي لشريكه صح إن رضي الشريك به. فصل في بيان حكم القراض القراض: هو المضاربة، وهو أن يدفع إنسان إلى غيره مالا ليتجر به على أن ما رزقه الله تعالى عليه من الفائدة يكون بينهما على مقدار معلوم. فإن دفع أحد إلى غيره مالا ليحتفظ به كان وديعة. وإن دفع إليه ليرد على مثله يكون قرضا. وإن دفع إليه ليتجر به له من غير أجرة كان بضاعة. وإن دفع ليرد إليه ليرد عليه مثله ببلد آخر يكون سفتجة. وإن دفع إليه ليتجر به وكان للعامل في التجارة به منفعة يكون قراضا ومضاربة. فإن دفع إليه وقال: اتجر به، ولم يعين مقداره كان له أجرة المثل والربح لصاحب المال والخسران عليه. وإن عين مقدار ماله من الثلث، أو الربع، أو أقل، أو أكثر، فإن ربح كان له ما عين، وإن خسر لم يكن له شئ، وكان الخسران على صاحب المال.

[ 264 ]

وهو عقد جائز من الطرفين، وهو ضربان: صحيح، وفاسد. فالصحيح: ما اجتمع فيه شروط ثلاثة: العقد على الأثمان من الدنانير والدراهم غير المغشوشة، والاطلاق في المدة من غير تعيينها إلا مدة الابتياع، وتعيين مقدار المال. فإذا عقد على ذلك لم يخل: إما ضمن المضارب المال، أو لم يضمنه، فإن ضمنه كان الربح له والخسران عليه، وإن لم يضمنه وأطلق لزم منه ثلاثة أشياء: البيع بالنقد بقيمة المثل بنقد البلد، وكذلك الشراء. فإن خالف ذلك لم يصح، وإن عين له جهة التصرف لم يكن له خلافه، فإن خالف وربح كان الربح على ما شرطا، وإن خسرا وتلف غرم. والقراض الفاسد يجوز للعامل التصرف فيه من جهة الإذن، ولزم له أجرة المثل دون المسمى. ولم يخل القراض: إما أطلق رب المال، أو شرط له العمل. فإن أطلق لم يلزمه من العمل إلا ما يعمل بنفسه صاحب المال، وإن شرط له لزمه العمل بنفسه، فإن لم يعمل كان أجرة العمل في ماله. فإن فسخ أحدهما، أو كلاهما لم يجز للعامل التصرف فيه إلا بالبيع، وتحصيل المال ممن عليه. ولم يخل من ثلاثة أوجه: إما كان المال ناضا، أو عروضا، أو على الناس. فإن كان ناضا أخذ صاحب المال إلا قدر حق العامل، وإن كان عروضا كان مخيرا بين أن يأخذ بالقيمة ويدفع إلى العامل ما يصيبه من الربح، وبين أن يأمر العامل ببيعه، وإن كان على الناس لزم العامل تحصيله. وأما النفقة: فإن كان مشروطة كان على ما شرط، وإن أطلقت كان له الانفاق بالمعروف منه في السفر دون البلد الذي كان به صاحب المال.

[ 265 ]

فصل في بيان حكم الرهن الرهن إنما يصح بثلاثة شروط: بالايجاب، والقبول، والقبض برضاء الراهن، إلا إذا شرط في العقد. والرهن بمال لزم في الذمة، حصل سبب لزومه من حر عاقل غير محجور عليه، أو عبد مأذون له في التجارة. ويجوز رهن المشاع والمقسوم. والرهن مطلق، ومشروط. فالمطلق لا يجوز بيعه إلا بإذن الراهن، فإن لم يأذن أو غاب باعه الحاكم وقضى الدين من ثمنه، فإن أباح الراهن فيه الانتفاع بالمرهون صح، إلا وطء الجارية إن كانت مرهونة. والمشروط ضربان: أحدهما يقتضيه العقد، والآخر لا يقتضيه. فالأول: تأكيد للعقد مثل تسليم الرهن، وبيعه في الدين، ومنافعه للراهن، ودخول نمائه في الرهن إذا حصل بعد الرهن. والثاني: ثلاثة أضرب: أحدها يناقض الرهن، ويبطل الشرط دون الرهن مثل أن يشرط أن لا يسلم الرهن، أو لا يبيع في الدين بحال، أو إلا بما يرضاه الراهن أو فلان. والثاني: يكون مصلحة للمرتهن، ويجوز ذلك مثل التوكيل في بيع الرهن إما للمرتهن، أو غيره، ودخول النماء الحاصل في الرهن، فإن شرط التوكيل في نفس العقد لم يكن له عزله، وجاز بيعه بحضرة الراهن وغيبته، وإن شرط بعد العقد كان له عزله. والثالث: أن يشرط النماء لنفسه، وهو على ثلاثة أضرب: أحدها أن يكون ذلك في دين في الذمة ويصح الرهن ويبطل الشرط.

[ 266 ]

والثاني: أن يكون ذلك في قرض مستأنف، ولا يصح القرض ولا الرهن تبعا ولا الشرط. والثالث: أن يكون ذلك في بيع، وهو ضربان: أحدهما: يكون النماء مجهولا، ولم يصح الشرط. والثاني: يكون معلوما، ويصح ذلك. وإذا ثبت الرهن لم يصح من مالكه التصرف فيه بالبيع والشراء، والعتق، والتدبير، والهبة وغير ذلك، إلا من المرتهن فإنه يصح بيعه منه وهبته. فإن أذن المرتهن له في التصرف صح. وإن هلك الرهن بغير تفريط لم يضمن المرتهن، وإن هلك بتفريط منه ضمن. وإن اختلف المتراهنان لم يخل من أربعة أوجه: إما اختلفا في مقدار ما على الرهن، أو في قيمة الرهن بعد التلف، أو في التفريط، أو في مدة الأجل ولم يكن لأحدهما بينة. فالأول: كان القول قول الراهن مع اليمين. والثاني: كذلك. والثالث: كان القول قول المرتهن مع يمينه. والرابع: كذلك. فإن ادعى صاحب المتاع كونه وديعة عنده، وخصمه كونه رهنا، فإن اعترف صاحب المتاع بالدين كان القول قول خصمه، وإن لم يعترف بالدين كان القول قول صاحب المتاع مع اليمين. وإن رهن حيوانا كان نفقته على الراهن، فإن أنفق عليه المرتهن كان له الرجوع على صاحبه ما لم ينتفع به، فإن انتفع به ولم ينفق رد قدر ما انتفع به.

[ 267 ]

باب في بيان الاجارة الاجارة عقد على منفعة بعوض، ولا يصح فيه تعيين الأجل والعمل معا، فإن عينا بطل، والأجير: منفرد، ومشترك. فالمنفرد المخصوص بالعمل لواحد، ويصح استئجاره بشرطين: تعيين الأجل إن كان العمل مجهولا، وتعيين الأجرة، وتعيين العمل والأجرة إن كان العمل معلوما. والمشترك يعين عمله وأجرته دون المدة، وكل واحد منهما ضامن لجنايته بأرش النقصان، ولتلفه بالتفريط من غير تعد قيمة يوم التلف. والمتلف بتعدية أكثر قيمته من يوم التلف، وإن تلف من غير تفريط منه لم يضمن. وتبطل الاجارة بستة أشياء: بموت كليهما، وبموت أحدهما، وبهلاك المستأجر قبل التسليم، وبمنعه قبل القبض من التصرف، وبخروج الأجرة مستحقة إذا كانت مشاهدة، بأن يشرط في عقد الاجارة تسليم ما وقع عليه عقد الاجارة بعد أيام من وقت العقد. وتسقط الأجرة باسقاط المؤجر، ولا تسقط المنفعة باسقاط المستأجر، ولهذا على ذاك الأجرة، ولذلك على هذا المنفعة، فإن انهدام المسكن المستأجر بتفريط

[ 268 ]

من المستأجر لزمته الاعادة إلى مثل ما كان عليه، وتوفير الأجرة، وإن انهدم بتفريط من المؤجر، أو بغير تفريط من أحدهما سقطت الأجرة، إلا أن يعيده إلى حال العمارة، وإذا لم يمكن المستأجر الانتفاع بما استأجره من غير سبب منه سقط عنه مال الاجارة حتى يعود إلى حال يصح الانتفاع به، ولا تبطل الاجارة بالبيع، فإن علم المبتاع بالاجارة لزمه الصبر إلى انقضاء مدة الاجارة، وإن لم يعلم كان له الخيار بين فسخ البيع، والصبر. والاجارة يدخلها خياران: خيار الرؤية إذا استأجر موصوفا، وخيار الشرط، ولزم ما شرط المؤجر، فإن شرط أن يسكن المستأجر المسكن بنفسه لم يكن له أن يسكن غيره، ولا أن يؤجر من غيره، وإن استأجر مطلقا جاز له أن يسكن غيره، إلا القصار، والحداد، وأن يضع فيه المبتاع إلا ما يضر به مثل السرقين، وأن يشارك غيره في السكنى، وأن يؤجر من غيره بمثل ما استأجره به، ويؤجر بعضه بأقل من مال الاجارة، فإن أحدث فيه حدثا يزيد بسببه في الأجرة جاز أن يؤجر البعض بمثل مال الاجارة، وبأكثر، والكل بأكثر منه. ومنفعة غير الحيوان يجب كونها مقدرة، ومنفعة الحيوان تجوز أن تكون مقدرة، وغير مقدرة، فإن استأجر بهيمة لم يخل من ثلاثة أوجه: إما استأجر للركوب، أو للحمل، أو للعمل. فإن استأجر للركوب عين أربعة أشياء: الراكب، والطريق، والمنزل، والركوب بالمحمل، أو الزاملة، أو القتب بعد رؤية ذلك ومعالقها، فإن عين المركوب وعجز، أو نفق بطل الاجارة فيما بقي، وإن استأجر في الذمة وصف المركوب بأربعة أشياء: بالجنس، والنوع، والجري، وكل ما تختلف الأجرة بسببه، فإن خالف، أو تلف، أو غاب ضمن. وإن استأجر للحمل ذكر سبعة أشياء: الجنس، والمقدار، والموضع المحمول

[ 269 ]

منه، والمحمول إليه، وحكم السير، والنزول، والرحال. وإن استأجر للعمل احتاج إلى أربعة أشياء: كونه مشاهدا أو في حكمه، وتعيين المدة أو العمل، وتقدير الأجرة، ومشاهدة ما يعمل فيه أو حكمها. وإن استأجره حرة أو أمة للرضاع احتاج إلى خمسة شروط: مشاهدة الصبي، وتعيين البيت الذي ترضعه فيه، وتقدير الزمان، والأجرة، وكون العمل مجهولا. فإن أطلق الاجارة لزم الأجرة حاله، وإن قيد لزم على حسب الشرط، وإن عين الأجل لزم العمل على حسب المعهود بين الناس.

[ 270 ]

باب المزارعة المزارعة والمخابرة واحدة، وهي عقد على أرض ببعض ما يخرج من نمائها، وهي ثلاثة أضرب: صحيحة: وهي ما اجتمع فيه شرطان: تعيين الأجل، وتعيين ما يصيب العامل بالسهم مشاعا منسوبا إلى الكل. ومكروهة: وهي العقد على كذا منا، أو قفيزا، أو ما شابه ذلك من غير ما يخرج منها. وفاسدة: وهي ما سوى ما ذكرناه. فإذا كانت المزارعة فاسدة لزم أجرة المثل، وسقط المسمى إن كانت بالنصف، أو الثلث، أو مثل ذلك، ولزم إن كان بالأمنان والقفزان. والمزارعة الصحيحة ضربان: مشروطة، ومطلقة. فالمشروطة لم تخل من أربعة أوجه: إما شرط أن يعمل فيه بنفسه، أو شرط أن يزرع شيئا معينا، أو شرط على العامل مؤونة الأرض، أو على المزارع ولزم الشرط، إلا أنه يجوز للعامل أن يأخذ شريكا يعمل معه. وإن كانت المؤونة معلومة، ثم زادت لزم العامل قدر المعلومة دون الزيادة وإن شرط على العامل شيئا يؤدى إلى صاحب الأرض جاز على كراهية ولزم. وإن استأجر الأرض للزراعة، أو الغرس عين ما يزرع ويغرس فيه.

[ 271 ]

باب المساقاة المساقاة: عبارة عن دفع الانسان إلى غيره نخلا، أو شجرا للفواكه، أو كرما على إصلاحه بالعمارة على أن ما رزقه الله تعالى منها كان بينهما مشاعا على قدر معلوم. وتصح بخمسة شروط: تعيين المدة، وقدر نصيب العامل، وفقد ظهور الثمر أو بقاء عمل بعد ظهوره يستزاد به الثمر، وأن لا يشترط معه عمل صاحب النخل، ولا له ثمرة شجرات بعينها. وإذا تنوع الفواكه والثمر جاز العقد على البعض مرابعة، وعلى البعض مثالثة، أو أقل أو أكثر. والشرط سائغ ما لم يؤد إلى سقوط العمل عن العامل، أو اندفاع الحق عن صاحب الأرض إلى المساقي. وإن شرط على العامل شيئا يؤدى إلى صاحب النخل لزم، إلا إذا تلف الثمر بآفة سماوية. والمؤونة على صاحب النخل، وكل ما يعود بالاستزادة في الثمر فهو على العامل، وكل ما منه حفظ الأصل فهو على صاحبه. وإن تخارصا، وقبل أحدهما نصيب الآخر صح ولزم، زاد أو نقص. وإن تلف لم يكن لأحدهما على الآخر شئ، إلا إذا تلف بتفريطه.

[ 272 ]

فصل في بيان الجعالة وهي عقد جائز من الطرفين، وتصح بشرطين: تعيين العمل، والأجرة. فمن ضل له عبد، أو بعير، أو فرس، أو أبق هذا وند ذاك لم يخل: إما وافق واحدا على شئ معين على الاطلاق، أو وافق على أنه يجيئ به من موضع كذا، أو قال: من جاء به فله كذا، أو قال لواحد: أن جئت به فلك عشرة، ولآخر: إن جئت به فلك خمسة، أو لاخر: إن جئت به فلك خمسة عشر. فالأول: يلزم فيه ما سمى. والثاني: إن جاء به من الموضع المسمى لزم المعين، وإن جاء به من نصف الطريق لزم نصف الأجرة، وعلى هذا. والثالث: لزم المسمى لمن جاء به واحدا كان أو أكثر. والرابع: إن جاء به واحد لزم له ما سماه، وإن جاء به اثنان لزم لكل واحد ثلث ما سمى له، وإن جاء به ثلاثة لزم لكل واحد ثلث ما سمى له، وإن أبق من الواحد بتفريطه غرم قيمته، وإن أبق من غير تفريطه لم يلزمه شئ. فصل في بيان القرض القرض: كل مال لزم في الذمة بعقد عوضا عن مثله، وهو ضربان: مطلق، ومشروط. فالمطلق لا يدخله الربا، فإذا أخذ قرضا على أن يرد مثله ملكه بنفس عقد القرض، وصار مثل سائر أمواله، وجاز الارتهان، فإن رد أجود منه أو زائدا عليه في النوع أو القدر، أو بالعكس منه صح إذا تراضيا. وكذلك إن أخذ حنطة ورد شعيرا، أو شعيرا ورد حنطة، وإن رد من غير جنسه، وتراضيا به من غير تقويم صح، وإن لم يتراضيا ولم يقوم في الحال، ثم تغير السعر كان ذلك بقيمة يوم الدفع.

[ 273 ]

والمشروط ضربان: صحيح، وفاسد. فالصحيح: مثل شرط الزكاة على أحدهما، ورد القرض ببلد آخر، والصحيح عن الغلة، والرهن، والضمان، وأمثالها. والفاسد: ما يؤدي إلى الربا مثل شرط الزيادة في الصفة:، أو القدر، أو إباحة ما على الرهن، فإذا كان كذلك لم يملكه بنفس القرض، وبقي أمانة في يده، ولا يصح الارتهان به، وإن لم يشرط الانتفاع بالرهن، وسوغه المقترض صح. فصل في بيان الدين الدين: كل مال لزم في الذمة عوضا عن عين مثله، وينقسم قسمين: حال، ومؤجل. فالحال يلزم قضاؤه متى طالبه صاحبه مع فقد العذر، والعذر الاعسار، ودخول وقت الصلاة حتى يفرغ من أدائها، وغيبة المال عنه، وتعذره عليه في الحال بسبب شرعي. والمستدين ينقسم ثمانية أقسام: حي حاضر، وغائب، وموسر، ومعسر، ومن استدان هو بنفسه، أو استدانت عليه زوجته، أو مملوكه، وميت. فإن كان المستدين حاضرا موسرا، وطالبه المدين، وقد حل أداؤه، ولم يكن له عذر لزمه الايفاء، فإن كان له عذر أمهل حتى يزول، فإن لم يكن له عذر أمر بالقضاء، فإن لم يقض حبسه الحاكم، إن التمس من له الدين، فإن ماطل في الحبس عزر، فإن أدى إلى ضرر من له المال، وكان له مال ظاهر من جنسه أخذ عنه وقضي به دينه، وإن كان من غير جنسه بيع عليه بقدره، وقضى به دينه ما لم يكن المال الدار التي يسكنها، أو العبد الذي يخدمه. وإن كان غائبا، وأقام من له الدين بينة حلفه الحاكم أنه يستحق عليه اليوم

[ 274 ]

جميع هذا المال، فإذا حلف وكان له مال من جنسه، أو غير جنسه كان حكمه على ما ذكرنا غير أنه لا يدفع إليه المال إلا بكفيل وإن كان المستدين معسرا صبر عليه من له الدين حتى يجد، فإن كان مكتسبا أمر بالاكتساب والانفاق بالمعروف على نفسه وعياله، وصرف الفاضل في وجه دينه، وإن كان غير مكتسب خلي سبيله حتى يجد، وعلى الوجهين إن قضي من سهم الغارمين جاز إذا لم ينفق ما استدان في معصية الله تعالى. وإن استدانت عليه زوجته كان حكمها حكمه بشرطين: بحاجتها إلى النفقة، وهو غائب لم يترك لها نفقة بقدر المعروف. والمملوك إذا استدان لم يخل من ثلاثة أوجه: مأذون في الاستدانة، أو في التجارة دون الاستدانة، أو غير مأذون. فالأول: كان حكم دينه حكم دين مولاه. والثاني: ضربان: فإن علم المدين أنه غير مأذون فيها بقي في ذمته إلى أن يعتق، فإن لم يعلم استسعى فيه إذا تلف المال. والثالث: يكون ضائعا، إلا إذا بقي المال في يده، أو كان قد دفع إلى سيده. والميت ضربان: إما خلف وفاء، أو لم يخلف، فإن خلف لم يخل: إما كانت له بينة، أو لم تكن. فإن كانت أقامها وحلف ولزم ماله. وإن لم تكن له بينة لم يخل: إما اعترفت به الورثة، أو لم تعترف. فإن اعترفت لزم، وإن اعترف بعض الورثة وكان رجلين عدلين فكذلك، وإن لم يكونا عدلين، أو اعترف البعض لزم في نصيبهما أو نصيبه بقدر ما يخصهما، أو يخصه وإن لم يعترف به أحد لزمها اليمين على نفي العلم. وإن لم يخلف وفاء ضاع حقه. وإن قضى أحد من اخوانه المؤمنين من سهم الغارمين جاز، وجاز به فضلا.

[ 275 ]

والمؤجل يلزمه أداؤه عند حلول أجله إذا طولب به، فإن وضع من له الدين شيئا عنه على أن يقضي حالا جاز، وإن زاد من عليه الدين شيئا ليزيد في الأجل لم تصح. وإن مات من عليه الدين حل أجله بموته. وإن مات من له الدين لم يحل الأجل، وإن لم يعرف ورثة من له الدين به وأراد من عليه الدين مصالحتهم جاز إذا أعلمهم بمقدار المال. فصل في بيان الوديعة الوديعة: كل مال، أو شئ جعل في يد الغير للحفظ. وأمانة جميع أصناف الناس سواء إلا المال المغصوب بثلاثة شروط: إذا عرفه غصبا، ولم يختلط بماله على وجه لا يتميز، وأمكنه أن لا يدفع إليه. وهي عقد جائز من الطرفين، وتصح بشرطين: بالقبض، والتسليم. ولم يضمن إلا بثلاثة شروط: بالتفريط، والتصرف فيه أو حكم التصرف وترك الرد إذا طولب به لغير عذر. فإذا صار ضامنا، وتلف لزمه قيمة يوم التلف، فإن اختلفا في القيمة، ولم يكن هناك بينة كان القول قول المودع مع اليمين، وإن لم يتلف لم يزل الضمان إلا بالرد، واستأنف الوديعة إن شاء. وإذا ادعى من عنده الوديعة هلاكها قبل قوله بغير يمين ما لم يظهر منه خيانة، فإن ادعى عليه التفريط من غير بينة لزمه اليمين إن لم يفرط. فصل في بيان العارية العارية: عقد على عين مملوكة للغير لينتفع به غيره من غير أجرة، وهي عقد جائز من الطرفين، ويصح بالقبض والتسليم.

[ 276 ]

وهي ضربان: ثمن، وهو مضمون. وغير ثمن، وهو ضربان: مضمن، وغير مضمن. فالمضمن ضربان: إما ضمن الأصل، أو أرش النقصان إن نقص شئ من أجزائه، أو ذهبت جدته، فإن ضمن الأصل لم يضمن الأرش، وإن ضمن الأرش لزم. وغير المضمن لم يلزم فيه الضمان إلا بالتفريط، وإن اختلفا في التفريط كان القول قول المستعير مع فقد البينة، وإن اختلفا في التضمين فكذلك، وإن اختلفا في القيمة كان القول قول المعير مع فقد البينة، وإن هلك مضمونا لزم قيمته يوم القبض، وإن هلك غير مضمون بالتفريط لزم قيمة يوم التلف. فصل في بيان الغصب الغصب: الاحتواء على مال الغير من غير تراض، ويجب رده من غير مطالبة، إن كان باقيا مع نمائه، إن كان له نماء متصل، أو منفصل وبقي النماء، ومع مثله إن تلف وكان له مثل، أو قيمته إن كان من ذوات القيمة، ومع أرش النقصان إن نقص منه شئ، ومع أجرة العمل إن كان ذا عمل، عمل أو لمن يعمل، ومع الأجرة إن كان له أجرة مثل الدار، والعقار، ومع العقر والولد والأرش إن كان جارية وأحبلها، ونقصت قيمتها بالولادة. وكما هو إن عمل فيه عملا هو أثر غير عين من غير أن يرد عليه أجرة، مثل من غصب صوفا، أو قطنا ونسج منه ثوبا. وإن عمل فيه عملا بالعين مثل أن يصبغ الثوب المغضوب شركه صاحب الصبغ، فإن نقص قيمتها، أو قيمة أحدهما ضمن الأرش، وإن تلف المغصوب ضمن قيمته أكثر ما كانت من يوم الغصب إلى يوم التلف. وإن غصب دجاجة فباضت، واحتضنت وخرجت فراريج ضمن الجميع. وإن غصب الأرض، وزرع ببذره أو الشعير، وسمن به دابته. أو البيض ووضع

[ 277 ]

تحت دجاجة لم يضمن غير الأجرة، وقيمة الشعير والبيض. فصل في بيان اللقطة والضالة اللقطة: ما وجده الانسان لغيره فأخذه. والضالة: ما يضيع من الانسان من حيوان وغيره. فالحيوان ثلاثة أضرب: آدمي، وغير آدمي مما هو ممتنع من صغار السباع مثل الإبل، والخيل، والبغل والثور، ومما هو غير ممتنع من صغار السباع مثل الحمير والغنم. وغير الحيوان: إما وجده في الحرم، أو في غيره، وهو ضربان: إما وجده في فلاة، أو في عمران، أو في بطن حيوان، أو تحت الأرض. فالادمي: حر ومملوك صغير، ومراهق فما فوقه. فالحر لم يملك بالوجدان، فإذا التقط حرا صغيرا، رفع خبره إلى الحاكم لينفق عليه، فإن لم يجد أنفق هو عليه إن لم يعنه أحد، فإذا بلغ وأيسر رجع عليه إن شاء. والصغير من المملوك في حكم اللقطة، والمراهق رفع خبره إلى الحاكم لينفق عليه، فإن لم يجد، كان ذا كسب كانت نفقته في كسبه. فإن لم يكن أنفق عليه ورجع به على صاحبه إذا ظهر. فإذا ظهر وجعل لذلك جعلا استحق، وإن لم يجعل وجرت في البلد عادة بشئ استحقه، وإن لم تجر ووجده في المصر كان له دينار، وإن وجده خارج المصر كان له أربعة دنانير قيمة كل دينار عشرة دراهم. والحيوان الممتنع من صغار السباع: إما ضل، أو تركه صاحبه. فإن ضل وكان بعيرا، كان حكمه حكم المملوك إذا رد على صاحبه. وإن كان غير بعير لم يكن

[ 278 ]

فيه شئ موظف، فإن جعل له صاحبه جعلا استحقه، وإن لم يجعل كان فيه على حسب العادة. وإذا أخذه ضمن، وإن تركه صاحبه من جهد وكلال في كلاء وماء لم يجز له أخذه بحال، وإن تركه في غير كلاء ولا ماء فكذلك. وإن كان غير ممتنع ووجده في برية كان مخيرا بين ثلاثة أشياء: إن كان غنما، إما أكل بالضمان، أو أنفق عليه تطوعا، أو رفع خبره إلى الحاكم ليحكم فيه. وإن وجد في العمران، أو ما يتصل به إلى نصف فرسخ، فهو مخير بين الانفاق عليه تطوعا، وبين أن يرفع خبره إلى الحاكم. وغير الحيوان إن وجد في الحرم عرف سنة، فإن جاء صاحبه وإلا تصدق به عنه بعد سنة من غير ضمان. وإن وجد في برية، وكان طعاما إن شاء أكلها بضمان، وإن شاء رفع خبره إلى الحاكم. وإن كان أداوة أو محظرة، أو حذاء لم يتعرض له بحال. وإن كان غير ذلك مما قيمته درهم فما دونه أخذه وكان له، وإن كانت زائدة على ذلك عرف سنة، فإن جاء صاحبه، وإلا كان مخيرا بين شيئين: إما حفظ لصاحبه بغير ضمان، وإما تصرف فيه بضمان. وإن وجد في عمران في ملكه عرف على ما ذكرنا، وإن كان في ملك غيره عرفه، فإن عرف كان له، وإن لم يعرف فحكمه ما ذكرنا. وإن وجد خافيا تحت الأرض في خراب لم يعرف له مالك أخرج منه الخمس والباقي له، وإن عرف له مالك عرف، فإن عرف رد عليه، وإن لم يعرف أخرج منه الخمس على ما ذكرنا. وإن وجد في ملك الغير، ولم يعرفه كان حكمه على ما ذكرنا. وإن وجد في ملكه وقد ورثه، ولم يعرف له صاحبا كان له، ولمن هو شريكه فيه، وإن اشتراه عرف المشتري منه، فإن عرف، وإلا فهو له أخرج منه الخمس.

[ 279 ]

وإن جد في جوف سمكة أخرج منه الخمس، والباقي له. وإن وجد في بطن غيرها من الحيوان وكان قد ورثه كان في حكم السمكة، وإن كان قد اشتراه عرف المشتري منه، فإن عرف وإلا فهو له على ما ذكرنا. وإن وجدها اثنان، واستبقا إليها كان لمن سبق إليها، فإن تساويا كانت لهما، وإن ادعاها أحد استحقها بشاهدين، أو شاهد ويمين بعد ما وصفها بالوعاء، والوكاء، والوزن، والعدد والحلية. فصل (1) في بيان التصرف في مال اليتيم لا يجوز التصرف في مال اليتيم، إلا لأحد ثلاثة: أولها الولي وهو الجد، ثم الوصي وهو الذي ينصبه أبوه، ثم الحاكم إذا لم يكن له جد ولا وصي، أو كانا غير ثقة. وكل واحد من الجد والوصي لم يخل من ثلاثة أوجه: إما يكون ثقة مليا بالامر ولزم إقراره، أو ثقة غير ملي ولزم تقويته بآخر، أو غير ثقة ولزم الابدال به. ويلزم المتصرف فيه القيام بأمره وحفظ مصالحه، فإذا فعل جاز له أن يأخذ من ماله قدر الكفاف، ويجب عليه أن ينفق عليه بالمعروف، فإن أسرف ضمن الزائد، وإن خلطه بعياله جعله كأحدهم من غير زيادة، وإن سامح له كان أفضل، فإن اتجر بماله (إذا كان معسرا) (2)، كان الربح له والخسران عليه، وإن اتجر لنفسه كان له الربح وعليه الخسران إذا كان مليا بمثل المال، وإن لم يكن مليا، أو تصرف فيه غير من له التصرف كان الربح لليتيم، والخسران على المتصرف،

(1) في نسختي " ش " و " ط ": باب في بيان..
(2) لم ترد في نسختي " ش " و " ط ".

[ 280 ]

وإن كان له مال على الغير، ورأى له الغبطة في المصالحة عليه جاز له أن يصالح، وكان الصلح ماضيا. فصل في بيان الضمان الضمان إثبات مال في الذمة بعقد، وهو ضربان: ضمان مال، وضمان عهد. فضمان المال ضربان: ضمان معلوم، وضمان مجهول. وكلاهما ضربان: ضمان متبرع، وضمان غير متبرع. على الوجوه ضربان: ضمان ملئ، وضمان غير ملئ. وينقسم قسمين آخرين: صحيح، وفاسد. وإنما يصح بخمسة شروط: بتعيين أجل المال، لأن الضمان ينقل المال إلى ذمة الضامن، ولهذا يسقط عن المضمون عنه إذا سقط عن الضامن، ورضاء، المضمون له، والمضمون عنه، ولزوم المال، أو كونه إيلاء إلى اللزوم، وكونه معلوم المقدار على أحد القولين. فالمعلوم يصح ضمانه بلا خلاف، والمجهول يصح على قول من يجوز ذلك إذا ضمن ماله عليه، وأقام بينة على المبلغ. وضمان المتبرع صحيح إذا لم يأب المضمون عنه، وضمان غير المتبرع يصح على كل حال. والملئ يصح ضمانه، وغير الملئ إن علم المضمون له بذلك حال الضمان، أو لم يعلم ورضي به بعده صح، وإن لم يرض به بطل. والفاسد ما يخلو عن الوجوه التي ذكرناها، فإن ضمن مليا، ثم أعسر لم يبطل، وإذا أدى المال كان له الرجوع بمثله على المضمون عنه، إلا إذا تبرع بالضمان، وإن لم يؤد لم يكن له الرجوع، وإن أسقط المضمون له المال عن

[ 281 ]

الضامن سقط عن المضمون عنه، وإن أسقط عنه لم يسقط عن الضامن، وإن أدى المال المضمون عنه صح. وينقسم قسمين آخرين: ضمان انفراد، وضمان اشتراك. فضمان الانفراد: ضمان جماعة عن واحد، ويكون للمضمون له الخيار في مطالبة المال من أيهم شاء على الانفراد، وعلى الاجتماع. وضمان اشتراك بالعكس من ذلك. وضمان العهدة لم يخل من أربعة أوجه: إما ضمن قبل وصول الثمن ولم يصح، وإن ضمن بعده وضمن قيمة ما يحدثه في المبيع وقد شرط ذلك في العقد لم يصح وبطل البيع، وإن ضمن نفس المبيع لم يصح، وإن ضمن العهدة صح. فصل في بيان الكفالة الكفالة: التقبل بنفس إنسان لمن له عليه حق، ولا يصح إلا بشروط خمسة: وهي الايجاب، والقبول، ورضى المكفول له، والمكفول به، وتعيين مدة الكفالة. والكفالة ضربان: كفالة بالعقد، وكفالة تلزم بغير عقد. فالأولى ضربان: مشروطة، ومطلقة. فالمطلقة: لم يلزم فيها الكفيل غير إحضار المكفول به. والمشروطة: هي أن تقيد بتأدية المال، وهي ضربان: فإن قدم ضمان المال على الكفالة، وعجز عن التسليم لزمه المال، وإن قدم الكفالة على ضمان المال لزمه إحضاره دون المال. والتسليم مطلق، ومقيد. فإذا أطلق لزمه التسليم في دار الحاكم، أو في موضع لا يقدر على الامتناع، وإن قيد بموضع مخصوص لزمه تسليمه في ذلك الموضع، ويجوز التكفل بالكفيل، وبأكثر من واحد، وتكفل جماعة لواحد، وإذا سلمه أحد الكفلاء لم تبرأ ذمة الباقين، وتبطل الكفالة بموت الكفيل والمكفول به.

[ 282 ]

وأما ما هو في حكم الكفالة مما يلزم بغير عقد، فتخلية القاتل من يد ولي الدم، وتخلية المستدين من يد من له الدين ويلزمه التسليم إليهما، أو الدية، والدين. فصل في بيان الحوالة الحوالة: انتقال حق من ذمة إلى ذمة، وتصح بعشرة شروط: بالايجاب، والقبول، ورضى المحيل، والمحتال، رضي المحال عليه على الصحيح، وكون المحال به من ذوات الامثال، واتفاق الحقين في الجنس والنوع، والصفة، وكونه مما يجوز فيه أخذ البدل قبل القبض. وإذا قبل الحوالة، وأبرأ ذمة المحيل لم يكن له الرجوع عليه بحال إذا كان مليا، أو معسرا وعلم إعساره حالة الحوالة، وإن لم يعلم إعساره، أو لم تبرأ ذمته كان له الرجوع عليه إذا لم يؤد المال. فصل في بيان الوكالة الوكالة: تفويض الأمر إلى الغير على وجه، وتصح بستة شروط: بالايجاب، والقبول، ويكون الموكل ممن يصح منه مباشرة الأمر الذي وكله فيه، ويكون الأمر الموكل فيه من حقوق الناس، ويكون الوكيل عاقلا بصيرا بالامر الموكل فيه، عارفا باللغة التي يحتاج إليها في المحاورة به، وأن يتوكل لمن هو مثله في الدين على من هو مثله فيه أو دونه. والوكالة ضربان: مطلقة ومشروطة. فالمطلقة يقوم فيها الوكيل مقام الموكل على الاطلاق، إلا فيما يقتضيه الاقرار من الحد، والأدب، والاقرار.

[ 283 ]

والمشروطة لم يكن له فيها التعدي عما رسم له إلى غيره، فإن تجاوز كان ضامنا ولم ينفذ عليه، وإنما تثبت الوكالة بالبينة، أو باعتراف الموكل عند الحاكم، ويصح أن يوكل الحاضر والغائب (1). ويثبت قبول الوكالة باللفظ، أو بالتصرف في الأمر، وهو عقد جائز من الطرفين. وإذا عزله لم ينعزل إلا بالاعلام، أو بالاشهاد إذا لم يمكن الاعلام، فإن اختلفا في ذلك كان القول قول الوكيل مع اليمين. فصل في بيان الصلح الصلح: قطع الخصومة بين المتداعيين، ويجوز على إقرار وإنكار: ما لم يؤد إلى تحليل حرام، أو تحريم حلال مثل صلح المتداعيين على التشارك، أو التبادل، أو التباري، أو شئ آخر، ومثل صلح الشريكين في المال، أو المتقارضين على أمر معلوم، فإذا تم التصالح لم يكن لأحدهما رجوع على الآخر بعد ذلك فصل في بيان الاقرار الاقرار: إخبار بحق على نفسه، ويصح بخمسة شروط وهي: كمال العقل، ونفاذ التصرف له فيما أقر به، ووجود المقر له، وتصديقه إياه إن كان ممن يعبر عن نفسه، وأن يصح أن يكون المقر به حقا للمقر له، وأن لا يؤدي الاقرار إلى أن يكون إقرارا على الغير إلا بإذنه. وإذا أقر لم يخل: إما أطلق، أو قيد. فإن أطلق الزم حكم إقراره وحكم بصحته، وإن قيد وقال: وهبت هذا منه، أو عاوضت هذا معه بذاك لم يلزم حكم إقراره، إلا بعد التسليم في الهبة.

(1) في نسخة " م " الغائب.

[ 284 ]

والتقابض في المعاوضة: واقرار المريض إذا كان صحيح العقل مثل إقرار الصحيح، إلا في حل بعض الورثة لشئ إذا كان متهما، فإذا أقر له، ولم يكن للمقر له بينة على صحة ما أقر له به كان في حكم الوصية، وسنذكر بعد ذلك حكم الاقرار بوارث في باب آخر إن شاء الله تعالى.

[ 285 ]

كتاب النفقات فصل في بيانها وبيان ما يتعلق بها تجب النفقة بأحد ثلاثة أشياء: بالزوجية، وبالقرابة وبملك اليمين. فالزوجية تجب فيها النفقة بشرطين: إمكان: الاستمتاع بينهما معا، والتمكين الكامل من جهتها. والزوج ثلاثة أنواع: حر، ومكاتب، وعبد. والحر ثلاثة أنواع: مؤسر، ومتوسط، ومعسر. والزوجة ثلاثة أنواع: حرة شريفة، وغير شريفة، وأمة. فالموسر إذا تزوج بشريفة، ووجبت النفقة عليه لزمه من الاطعام والإدام على حسب عادة البلد، والكسوة للشتاء والصيف على حسب يساره، وقد ر المرأة من الإبريسم والكتان وغيرهما، ولزمه الإخدام، وما تحتاج إليه للزينة. وإن تزوج بحرة غير شريفة، لزمه جميع ذلك على قدرها دون الاخدام، وإن تزوج بأمة لزمه الانفاق عليها بالمعروف دون الاخدام وإن كانت جميلة. والمتوسط تلزمه النفقة على قدر يساره، وقدر المرأة من الشرف، والوساطة والأمرة، ويلزمه الاخدام للشريفة، وإن خدم بنفسه جاز.

[ 286 ]

والمعسر لا تلزمه النفقة، ولا يكون للمرأة الخيار عليه، بل تصبر حتى تجد، فإذا وجد عادت عليه على قدرها، وقدر ذات يده بها. ولا تلزم النفقة بالنكاح الفاسد بوجه، وإلا المهر، ولا نفقة العدة إذا فرق بينهما، إلا إذا كانت حاملا. وإن فسخ النكاح الصحيح بعيب لم تلزمه نفقة العدة بحال. وإذا طلق المرأة بائنا لم تلزمه النفقة، وإن طلقها رجعيا لزمته. وأما العبد فنفقته نفقة المعسر، فإن تزوج بغير إذن مولاه، ولم يرض به لم يصح العقد، وإن تزوج بإذنه، أو زوجه هو حرة أو أمة، ولم يكن العبد مكتسبا لزمت السيد النفقة، وإن كان العبد مكتسبا كان سيده مخيرا: إن شاء جعل النفقة في كسبه، وإن شاء أنفق من خاص ماله. والمدبر حكمه حكم العبد ما لم يعتق، وحكم الحر إذا عتق، والمكاتب إن لم يعتق شئ منه كان حكمه حكم العبد، وإن عتق منه شئ وكان مكتسبا، وحصل له من والكسب مال لزمه انفاق الموسر بغير ما تحرر منه. انفاق المعسر بقدر ما بقي عبدا، وإن لم يكن له مال كان معسرا. وأما النفقة على الأقارب فواجبة، ومندوبة، فالواجبة إنما تجب على الوالدين وإن علو، وعلى الولد وإن سفلوا. وتجب بشرطين: يسار أحدهما، وإعسار الآخر. وإن حصل رجل معسر بين والد وولد موسرين، وجب عليهما الانفاق بالمعروف عليه بالسوية، وإن كان للموسر ولد ووالد معسران وجب عليه الانفاق عليهما معا، وإن كان له أب وجد وولد معسرون، وأمكنه الانفاق عليهم وجب وإن لم يمكنه فالأقرب أولى من الأبعد، وإن أيسرت الأم وأعسر الأب لزمت النفقة الموسر، وإن كان لرجل والدان معسران، أو ولدان، أو أحد الوالدين وولد، ولم يقدر من النفقة إلا على ما يكفي أحدهما قسم بينهما. وأما الانفاق المندوب فعلى كل من له حظ من الميراث، ويحجبه غيره عن

[ 287 ]

أصل الإرث مثل الأخوة، والأخوات، والعمومة والعمات، والخؤولة والخالات. فأما النفقة على المماليك فانما تجب على العبد، والأمة والداية على كل حال من الاطعام، والكسوة. ولم يخل العبد أو الأمة من أن يكون مكتسبا أو غير مكتسب. فإن كان مكتسبا لم يخل: إما أراد سيده أن يجعل نفقته في كسبه، أو لم يرد. فإن أراد لم يخل من ثلاثة أوجه: إما كان كسبه وفقا لنفقته ولزمه الاكتفاء به، أو فاضلا عنها والفاضل لسيده أو ناقصا عنها والاتمام على سيده. وإن لم يجعل نفقته في كسبه وجبت عليه. نفقته. وغير المكتسب يلزم السيد الانفاق عليه. والأمة: خادمة، وسرية. فالخادمة حكمها حكم العبد، والسرية يفضلها على حسب العادة. وأما الدابة والطير فيجب لصاحبه الانفاق عليهما، ولم يخل حال كل واحدة منهما. إما كانت مأكولة اللحم أو غير مأكولة، فإن أكل لحمها ولم ينفق عليها أمر بالبيع، أو الذبح، أو الانفاق. وإن لم يؤكل لحمها أمر بالبيع، أو الانفاق عليها. هذا في البلد، وإن كان في البدو وثم من الكلاء والماء ما يكفيها أرسلها في الصحراء، فإذا اعتلفت عمل بها ما شاء، وإن لم يكن ثم كلاء ولا ماء، أو كان ولم يكفها أنفق عليها، وإن لم ينفق كان الحكم في البدو مثله في الحضر. وإن كانت البهيمة ذات لبن (1) ولم يكن لها ولد، أو كان واستغنى عنه كان اللبن جميعا لصاحبها، فإن لم يستغن الولد عن اللبن كان الفاضل عن الولدان لصاحبه.

(1) في نسختي " ش " و " ط ": اللبن.

[ 288 ]

فصل في بيان من له حظ في الحضانة ومن هو أولى بها الولد إذا بلغ رشيدا سقط حق الحضانة عنه، وإن لم يبلغ لم يخل: إما كان بين أبوين أو كان له أحدهما، أو ليس له أحدهما. فإن كان بين أبوين، فالأم أولى بالابن حتى يعظم، والبنت حتى تبلغ سبع سنين إذا تفرقا بغير الارتداد ما لم تتزوج، أو لم تفسق. فإن تزوجت، أو فسقت سقط حقها عن الحضانة، فإن فارقت زوجها بالطلاق، أو غيره دون الارتداد وتابت رجع حقها منها، فإذا فطم الابن، وأسبعت البنت، أو تزوجت الأم، أو فسقت، وكان الأب غير فاسق كان أولى بالحضانة. وإن كان له أحد أبويه فهو أولى بحضانته على كل حال. وإن لم يكن له أحد الأبوين لم يخل حال قرابته من ثلاثة أحوال: إما كانت رجالا بلا نساء، أو نساء بلا رجال، أو رجالا ونساء فإن كانت رجالا فأولاهم به أحقهم بميراثه. وإن كانت نساء فكذلك وإن كانت رجالا ونساء فالنساء أولى إذا كانت أقرب من الرجال، أو كانت في درجتهم. وإذا فسق الأولى سقط حقه منها إلى من هو أقرب إليه بعده، والمملوك إن كان أحد الأبوين لم يكن له حظ فيها مع الحر، وإن كان الولد مملوكا ترك من الأم استحبابا.

[ 289 ]

كتاب النكاح النكاح: عبارة عن عقد التزوج بين الرجل والمرأة، وقد يستعمل في الوطء. وهو ثلاثة أضرب: نكاح الغبطة: وهو نكاح المستدام، ونكاح المتعة: وهو المؤجل، ونكاح بملك اليمين. ويشتمل الكتاب على بيان عشرة فصول: بيان كيفية العقد، ومن يجوز العقد عليها، ومن لا يجوز، وما يعقد عليه من المهور، ومن إليه العقد، وما يؤثر في فسخ العقد، وما يلزم بالعقد، وأحكام الأملاك، والزفاف، وما يتعلق بجميع ذلك. فصل في بيان مقدمة الكتاب وكيفية العقد الرجل والمرأة لا يخلو حالهما من أربعة أوجه: إما يشتهي كل واحد منهما النكاح ويقدر عليه، أو لا يشتهي ولا يقدر عليه، أو يقدر عليه ولا يشتهي. فالأول يستحب له النكاح، والثاني يكره له ذلك، والثالث والرابع لا يستحب لهما، ولا يكره، بل يجوز لهما ذلك.

[ 290 ]

والكفاءة معتبرة في نكاح الدوام، وهي الايمان. ولا يصح العقد لمؤمن على كافرة، ولا لكافر على مؤمنة ولا لناصب. ويجوز لمؤمن أن يتمتع باليهودية، والنصرانية، والناصبة مختارا، وعقد نكاح الغبطة مضطرا. ويستحب للرجل أن يطلب للتزوج امرأة فيها ست عشرة خصلة: الدين، والأبوة، والأصل الكريم، وكونها ودودا، ولودا، سمراء، عجزاء، مربوعة، طيبة الربح، والكلام، موافقة، عاملة بالمعروف إنفاذا وإمساكا عزيزة في أهلها، ذليلة مع بعلها، متبرجة مع زوجها، حصانا مع غيره، درماء (1) حسنة الشعر طيبة الليت (2). ويكره التزوج بثمان عشرة: الحسناء من منبت السوء، والسيئة الخلق، والسليطة الصخابة (3) والولاجة الخراجة (4)، والعقيم، والذليلة في أهلها، العزيزة مع بعلها، والحقود، وغير المتورعة، والمتبرجة إذا غاب عنها زوجها، الحصان معه، وغير المرضية في الاعتقاد، وغير السديدة الرأي: وغير العفيفة، وغير العاقلة، والمجنونة، والكردية، والسوداء، إلا إذا كانت نوبية، والمستضعفة من أهل الخلاف، والأمة مع وجود الطول، وإن كانت مؤمنة. والبكر أفضل من الثيب. ويستحب للرجل إذا أراد أن يزوج كريمته أن يطلب رجلا فيه خمس خصال: التدين، والعفة، والورع، والأمانة، واليسار بقدر ما يقوم بأوده وأود عياله من المال أو الحرفة. وإن خطب رجل بهذه الصفة، وإن كان حقير النسب قليل المال إلى آخر،

(1) الدرماء: المراة الضخمة الكعب. انظر الصحاح 5: 1918 " درم " (2) الليت، بالكسر: صفحة العنق. الصحاح 1: 265 " ليت " (3) السليطة: الصخابة: الكثيرة الصياح انظر الصحاح 1: 162 " صخب " 3: 1134 " سلط ".
(4) الولاجة الخراجة: كثيرة الدخول والخروج. الصحاح 1: 348 " ولج ".

[ 291 ]

وإن كان شريفا، ولم يزوجه كان عاصيا لله تعالى مخالفا لسنة نبيه صلى الله عليه وآله. ويكره أن يزوج كريمته من خمسة: من المستضعف المخالف إلا مضطرا، ومن شارب الخمر، والمتظاهر بالفسق، وغير المرضي الاعتقاد، والسيئ السيرة. وإذا عزم الرجل على النكاح لم يعقد إذا كان القمر في برج العقرب، وراعى ثمانية أشياء استحبابا: استخار الله تعالى، وصلى ركعتين، وأكثر من التحميد، ودعاء بالدعاء المروي، وابتدأ باسم الله تعالى، وأعلن النكاح بحضرة (1) جماعة من المؤمنين، وخطب قبل العقد. والشهود من فضيلة النكاح دون صحته، وفسق الولي لا يقدح. ويستحب لولي المرأة أن يقول قبل العقد: أزوجك على إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. ولا يصح النكاح إلا بتعيين المنكوحة، بأحد ثلاثة أشياء: بالاشارة، أو التسمية، أو الصفة. وبالايجاب والقبول. والايجاب قوله: أنكحتك، أو زوجتك. والقبول قوله: قبلت هذا النكاح، أو التزويج، أو قبلت فحسب. وتعيين المهر في نكاح الغبطة من شروط فضله دون صحته، وفي نكاح المتعة من شروط صحته. ويجوز تقديم القبول على الايجاب مثل زوجني فلانة، أو تزوجت فلانة، وقال: زوجتكها، وإن قيل للولي: زوجت فلانة من فلان قال: نعم، وقال للرجل: قبلت التزويج قال: نعم، صح. ولا يجوز القبول بلفظة الاستفهام، ولا الاستقبال. ويجوز التوكيل في الايجاب والقبول، وفي أحدهما. ولا يجوز أن يكون الوكيل فيهما واحدا، فيكون موجبا قابلا. وإن قدر المتعاقدان على القبول والايجاب بالعربية عقدا بها استحبابا،

(1) في نسختي " ش " و " ط ": وأحضر.

[ 292 ]

وإن عجزا جاز بما يفيد مفادها من اللغات، والإشارة المؤذنة بالايجاب والقبول تقوم مقام اللفظ من الأخرس. فصل في بيان من يجوز العقد عليه إنما يجوز العقد على من أحل الله تعالى نكاحه، ولا يجوز على من حرم عليه النكاح، والمحرمات من النساء ضربان: إما تحرم بالنسب، أو بالسبب. فالتي تحرم بالنسب خمس عشرة نفسا: الأم، وأمها وإن علت، وأم الأب وإن علت، والبنت وبناتها وإن سفلت، وبنات الإبن وإن سفلن، والعمة، والخالة، وعمة الأب وخالته، وعمة الأم. وخالتها وإن علون والأخت وبناتها وإن سفلن، وبنات الأخ وإن سفلن. والسبب ضربان: إما يحرم نكاحه أبدا، أو في حال دون حال. فالأول أربعون صنفا: الرضيع، والمعقود عليها في العدة، أو في حال الاحرام من الرجل وهو عالم بتحريمه، دخل بها أولم يدخل، وأم الزوجة، وأمها وإن علون نسبا، ورضاعا، وأم من وطأها بملك اليمين، وبنتها وإن نزلت، وبنات زوجته التي دخل بها، وبنات بناتها، وبنات أبنائها وإن نزلن نسبا ورضاعا. والتي يلوط بأبيها، أو أخيها، أو ابنها فأوقب. والتي قد زنى بها وهي ذات بعل، أو في عدة له فيها عليها رجعة، وبنات العمة، وبنات بناتها إذا فجرت بها، وبنات الخالة، وبنات بناتها كذلك. والتي زنى بأمها، أو ببنتها وإن علت الأم ونزلت البنت نسبا ورضاعا. والتي بانت باللعان، والمطلقة تسع تطليقات للعدة، وتزوجت بعد كل ثلاث زوجا، والتي أفضاها بالوطء وهي في حباله ولها دون تسع سنين، وتبين منه بغير طلاق، والتي قذفها وهي زوجة صماء أو خرساء وتبين أيضا منه بغير طلاق،

[ 293 ]

والتي وطأها أبوه، أو ابنه، أو عقد عليها، والمملوكة التي وطأها أبوه، أو ابنه بملك اليمين، أو نظر منها إلى ما يحرم لغير المالك النظر إليه، أو قبلها بشهوة، والتي زنى بها الأب أو الإبن، وأمها وإن علت، وبناتها وإن نزلن. والثاني: عشر نسوة: المعقود عليها في حال الاحرام جاهلا بالتحريم ولم يدخل بها، فإذا علم بذلك فرق بينهما، فإذا خرج من الاحرام عقد عليها إن شاء، والمعقود عليها في العدة كذلك، وذات الزوج، فإنهن يحرمن على غير أزواجهن، فإذا بن منهم بينونة شرعية، واعتددن حللن على غير أزواجهن. والأختان معا، وسواء عقد عليهما عقد مقارنة، أو عقد متابعة، وعقد المتابعة يصح على من عقد على أول، فإن دخل بالثانية فرق بينهما، ولم يرجع إلى الأولى بعد خروج الثانية من العدة، ولا يجوز له ذلك إلا بعد مفارقة الأولى منه بالموت أو الطلاق، فإن طلقها رجعيا لم يجز له العقد على الأخرى، إلا بعد خروجها من العدة. وإن عقد عليهما عقد مقارنة لم يصح، وروي أنه يختار أيتهما شاء. (1) وبنت غير المدخول بها ما دامت الأم في حباله، فإن نظر من الأم إلى ما يحرم لغير الزوج النظر إليه كره العقد على البنت، وبنت أخ الزوجة، أو أختها بغير رضاء منها، فإن عقد عليهما برضاها جاز، ولم يكن لها بعد ذلك خيار، فإن لم ترض كان مخيرا بين الرضاء، وفسخ عقدها والاعتزال عن الزوج. وتبين منه بغير طلاق، ويفرق بينهما حتى تخرج العمة أو الخالة من العدة، إلا أن ترضى العمة أو الخالة بذلك، وإن طلق إحداهما رجعية وتزوج بنت أخيها، أو بنت أختها، فكذلك. والتي تزوج بها وعنده أربع حرائر قبل موت بعضها، أو طلاقها بائنا أو

(1) التهذيب 7: 285 حديث 1203.

[ 294 ]

رجعيا وقد خرجت من العدة، والأمة وعنده حرة بغير رضاها، فإن عقد عليها بغير رضاها كانت الحرة مخيرة بين ثلاثة أشياء: الرضاء بالعقد، وفسخه، والاعتزال على ما ذكرنا في العقد على بنت الأخ على العمة. وإن تزوج بحرة، وعنده أمة على علم منها لم يكن لها خيار، وإن لم تعلم كان لها الخيار بين الرضاء، وفسخ عقد نفسها، وروي وبين فسخ نكاح الأمة. (1) ومن كان عنده ثلاث نسوة، فعقد على اثنتين أخرتين دفعة أختار واحدة، فإن دخل بواحدة زال الخيار، وصح العقد على المدخول بها، وما سوى ذلك لا يحرم العقد عليه. وكل وطء حلال ينشر تحريم المصاهرة، والمحرم. وكل وطء لشبهة أو أو حرام ينشر تحريم المصاهرة دون تحريم المحرم، والحرام لا يحرم الحلال، ومعنى ذلك: أن كل فجور يحرم العقد إن وقع بعد العقد لم يبطله. وإذا أصرت المرأة عند زوجها على الزنى انفسخ نكاحها على قول بعض الأصحاب.
(2) ويجوز التزوج بأخت الأخ نسبا ورضاعا، فالنسب أن يكون رجل له ابن فتزوج بامرأة لها بنت فأولدها، ثم تزوج ابنه بنتها، وهي أخت أخيه. والرضاع أن يكون لرجل أخ من الأم، وقد أرضعته امرأة لها بنت رضعت معه، فصارت أختا له من الرضاع، ويصح للأخ الآخر أن يعقد على أخت أخيه رضاعا. وإذا زنى رجل بجارية غيره لم يحرم العقد عليها، ولا وطؤها بملك اليمين. ويجوز الجمع بين الأختين، وبين الأم والبنت في الملك دون الوطء. فإن ملك أختين، ووطأ إحداهما لم يجز له وطء الأخرى حتى تخرج الموطوءة من ملكه إذا كان عالما بذلك، فإن وطأ الأخرى بعدها عالما بالتحريم حرمت عليه الأولى

(1) التهذيب 7: 345 حديث 1414.
(2) منهم أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 293، والشيخ في النهاية: 467.

[ 295 ]

حتى تموت الثانية، أو يخرجها من ملكه لا للعود إليها، فإن أخرجها من ملكه للعود إليها لم تحل له حتى تموت، وإن لم يكن عالما بالتحريم جاز له العود إليها. ويحل للحر العقد على أربع حرائر، والجمع بينهن دفعة لا أكثر، والجمع بين أمتين بالعقد، وبين حرتين وأمتين، وحرة وأمتين، ولا يجوز الجمع بين أكثر من أمتين في العقد. وحكم العبد مع الحرائر حكم الحر مع الأماء. ويكره وطء المجوسية بملك اليمين، وعقد المتعة عليها. فصل في بيان ما يجوز عقد النكاح عليه من المهر الفصل يحتاج إلى بيان سبعة أشياء: ما يصح أن يكون مهرا من الاجناس، ومقدار ما يصح: وترك ذكره في عقد النكاح، والشرط بأن لا يكون لها مهر في العقد، والعقد على مالا يصح تملكه في الشريعة، وتفويض المهر، ونكاح الشغار. فالأول: كل ما يصح تملكه في الاسلام مما له قيمة، وما يصح أن يكون ثمنا لمبيع، أو أجرة لمكتري، أو منفعة لحر من تعليم القرآن، والأدب، وتعليم الصنائع المباحة سوى الاجارة. والثاني: موكول إلى رأي الخاطب، ومن بيده عقدة النكاح، فما تراضيا عليه يكون صحيحا، قل ذلك أم كثر، وكل ما كان أخف كان أكثر بركة. والسنة خمسمائة درهم، والنقصان عنه جائز، والزيادة عليه فيها روايتان (1). والثالث: لا يقدح في صحة العقد، وذكره من شرط الفضيلة دون الصحة، ويلزم مهر المثل، ويعتبر بنساء أهلها من كلا الطرفين، الأقرب فالأقرب، وبكل ما

(1) انظر التهذيب 7: 356 و 361 حديث 1450 و 1464.

[ 296 ]

يختلف المهر لاجله من العقل والحمق، والجمال والذمامة، واليسار والاعسار، والبكارة والثيوبة، وصراحة النسب وهجنتها، ولا يتجاوز بذلك مهر السنة، ولمن بيده عقدة النكاح بالفرض. والرابع: لا يقدح أيضا في صحة العقد، ويلزم مهر المثل على ما ذكرنا. فإن مات أحدهما قبل الفرض في المسألتين سقط المهر ولزم الميراث، وإن طلقها قبل الفرض لزم المتعة للموسر بمملوك، أو دابة، أوما أشبههما. وللمتوسط بثوب، أو ما قيمته خمسة دنانير فصاعدا. وللمعسر بخاتم، وما أشبهه. وإن دخل بها قبل القبض، وبعث إليها قبل الدخول بشئ، وأخذت، فإن ردت عليه أو أبت قبولها من جهة المهر لزمه مهر المثل، وإن لم ترد وقالت المرأة بعد ذلك: إنها هدية، والرجل يقول: إنها مهر كان القول قول الرجل مع اليمين، فإن حلف أسقط دعواها، وإن نكل لزم لها مهر المثل، وإن رد اليمين كان له ذلك، وإن دخل بها قبل أن يبعث إليها بشئ لزم مهر المثل. والخامس لا يخلو: إما يكون العاقد مسلما، أو ذميا. فإن كان مسلما سقط المسمى، ولزم مهر المثل مثل من عقد على خمر، أو خنزير، أو ما لا يحل تملكه في الاسلام. وإن كان ذميا لزم المسمى، فإن أسلما قبل القبض لزم قيمته عند متسحليه، وإن أسلما بعد القبض برئت ذمته. والسادس لم يخل: إما كان مفوضا إلى أحدهما، أو إلى كليهما، فإن كان مفوضا إلى الزوج لزم ما حكم به، قل أم كثر، فإن حكم بأكثر من مهر السنة كان الزائد تبرعا، فإن طلقها قبل الدخول لزم نصف ما يحكم به، وإن كان مفوضا إلى الزوجة لزم ما يحكم به ما لم يزد على مهر السنة، إلا أن يتبرع بقبوله وإن مات أحدهما قبل الدخول سقط المهر، وثبت الميراث، ولزمت المتعة. والسابع لم يخل: إما جعل بضع كل واحدة منهما مهرا للأخرى، أو شرط

[ 297 ]

في تزويج إحداهما تزويج الأخرى. فالأول فاسد، والثاني صحيح، عين مقدار المهر أو لم يعين، فإن عين لزم المسمى، وإن لم يعين لزم مهر المثل، وإن جعل بضع إحداهما مهرا للأخرى ولم يجعل بضع الأخرى مهرا لما صح نكاح من لم يجعل البضع مهرا لها دون صاحبتها ويلزم المهر المعين بنفس العقد، ويستقر بأحد ثلاثة أشياء: بالدخول، والموت، وارتداد الزوج. ويسقط بمفارقة من جهة الزوجة قبل الدخول بأحد أربعة أشياء: بفسخ العقد لعيب يوجب ذلك، وبإسلامها عن الكفر، وبارتدادها عن الاسلام، وباختيارها الفراق إن كانت أمة بعد العتق، وزوجها عبد ويسقط بضعه بالطلاق. والشرط في العقد ثلاثة أضرب: شرط يقتضيه العقد، وشرط لا يقتضيه ويخالف الكتاب والسنة. وشرط لا يخالفهما. فالأول: يكون تأكيدا مثل تعجيل المهر. والثاني: يبطل الشرط دون العقد، وهو تسعة أشياء: اشتراطها عليه أن لا يتزوج عليها في حياتها، أو بعد وفاتها، ولا يتسرى، ولا تلزمها طاعته، ولا يجامعها - إلا في نكاح المتعة -، ويأتي بالمهر في وقت كذا، فإن لم يأت به كان العقد باطلا، ويعطى إياها أو أحد أقاربها مالا من غير المهر، أو يشرط الرجل عليها أن لا يكون لها نفقة - إلا في نكاح المتعة - ولا تتزوج بعد موته، ويخرجها إلى بلاد الكفر. والثالث: يصح ذلك ويلزم، وهو ثلاثة أشياء: مثل أن يشرط تعجيل بعض المهر وتأجيل الباقي. ويصح ذلك بشرطين: تعيين مقدار العاجل، وتبيين منتهى الأجل، فإذا سلم العاجل لزمها تسليم نفسها، أو تشترط عليه أن لا يخرجها من البلد، أو يشرط المهر مائة إن أخرجها، وخمسين إن لم يخرجها ما لم يرد إخراجها

[ 298 ]

إلى دار الكفر، فإن أراد لزم، أو في المهرين دون الخروج، فإن أعتق عبده وشرط عليه حال عتقه أن يزوج جاريته منه على أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى لزم. والمهر من ضمان الرجل قبل القبض، ومن ضمانها بعده، وإن استوفت المرأة مهرها قبل الدخول، ثم طلقها لزم له عليها أن ترد نصفه إن كان باقيا، ومثله إن كان تالفا وكان من ذوات الامثال، ونصف قيمته إن كان من ذوات القيمة، ومثل نصف الأجرة إن كان شيئا له أجرة، وكذلك إن وهبت منه قبل الدخول وحللته. وإن كان المهر شيئا له نماء مثل الحيوان، أو الشجر، أو الأرض، وكان الحيوان حاملا، والشجر مثمرا، والأرض مزروعة حال الإصداق، استحق النصف مع نصف النماء وإن حملت، أو أثمر، أو زرعت عندها لم يستحق عليها شيئا من النماء. وإن عقد عليها على عبد آبق مفردا صح العقد دون الصداق ولزم مهر المثل، وإن كان مع شئ آخر صح الصداق أيضا. وإن أبرأت المفوضة ذمته عن المهر لم يصح، وإن عقد نكاحا فاسدا وعين مهرا وأبرأت ذمته لم يصح وإن أبرأته عما استحقت عليه صح. وإن تزوجها على كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه السلام، ولم يسم مهرا لزم مهر السنة. ويستحب أن لا يدخل الرجل بامرأته إلا بعد تقديم شئ من المهر إليها، وإن قدم الجميع كان أفضل. وإذا تنازعا في إقباض المهر فالبينة على المدعي في كل حال. وإن اختلفا في قدر المهر فالبينة على المرأة، وإذا دخل بها، وأرخي الستر عليهما، وادعى الرجل أنه لم يواقعها، وأمكنه إقامة البينة وأقامها قبلت منه، وإن لم يمكنه كان له أن يستحلفها، فإن استحلفها، وإلا لزمه توفية المهر. ومن وكل رجلا في العقد على امرأة، ثم مات الموكل وعقد الوكيل لم يخل: إما عقد قبل موته، ويصح العقد ويثبت المهر والميراث، أو بعد موته،

[ 299 ]

ويبطل العقد. فإن أنكرت الورثة توكيله، ولم يكن للوكيل بينة غرم المهر. ومن تزوج امرأة على أنها بكر، فوجدها غير بكر كان له أن ينقص شيئا من مهرها دون فسخ النكاح، وللمرأة الامتناع من الدخول بها وإن أفضى إليها كرها حتى تستوفي المهر، وإن مكنت من الدخول لم يكن لها بعد ذلك الامتناع، فإن امتنعت نشزت وسقطت نفقتها. فصل في بيان من إليه العقد على النساء الذي بيده عقدة النكاح أربعة: المرأة إذا كانت بالغة رشيدة، وعلى قول بعض الأصحاب باشتراط الثيبوبة (1)، والأب، والجلد مع وجود الأب إذا كانت طفلا، أو بالغة غير رشيدة، ويجوز لهما العفو عن بعض المهر، ووكيل المرأة إذا كانت مالكة أمرها. ومن يعقد عليها: حرة، وأمة. والحرة: بالغة، وطفل. والبالغة: رشيدة، وغير رشيدة. فإذا بلغت الحرة رشيدة ملكت جميع العقود، وزالت الولاية عنها على قول المرتضى رضي الله عنه (2)، ولم تزل إذا كانت بكرا على قول الشيخ أبي جعفر رضي الله عنه (3)، ومن وافقه. ولا يجوز لها العقد على نفسها مع وجود الأب، والجد في حياة الأب بغير إذنهما عقد الدوام، ألا بشرطين: غيبة الولي عنها، أو عضلها عن التزويج من الاكفاء، غير أنه يستحب للولي أن لا يعقد عليها إلا برضاها.

(1) منهم الشيخ المفيد في المقنعة: 78، والشيخ الطوسي في النهاية: 465.
(2) الانتصار: 119.
(3) النهاية: 465..

[ 300 ]

ويستحب لها أن لا تتزوج إلا برضاء الولي على القول الأول، وإن كانت ثيبا جاز العقد من غير مراجعة الولي، والمراجعة إليه مستحبة. والتزويج لا يقف على الاجازة إلا في تسعة مواضع وهي: عقد البكر الرشيدة مع حضور الولي على نفسها، وعقد الأب على ابنه الصغير، وعقد الأم عليه، وعقد الجد مع عدم الأب، وعقد الأخ، والأم، والعم على صبية، وتزويج الرجل عبد غيره بغير إذنه، وتزوج العبد بغير إذن سيده، فإن أجاز الولي والمعقود له أو عليه أو سيده صح، وإلا انفسخ، ويجوز للبكر عقد نكاح المتعة بغير إذن الولي، إلا أنه لا يجوز للرجل وطؤها في الفرج. والبكر إذا كانت بين أب وجد، على القول الثاني كان لكل واحد منهما العقد عليها مستبدا، فإن عقد كل واحد منهما عليها لرجل دفعة صح عقد الجد دون الأب، وإن سبق أحد العقدين صح السابق. وإن كان لها جد بغير أب سقطت ولايته. ويستحب لها أن لا تعدل عنه إلى غيره، فإن لم يكن لها جد، وكان لها أخ فكذلك. وإن وكلت أخوين لها على الاطلاق، وزوجها كل واحد منهما من رجل دفعة صح عقد الأخ الكبير، فإن سبق أحدهما صح العقد السابق، وإذا استأمر الأخ أخته البكر الرشيدة في تزويجها كان سكوتها ورضاها. وإذا عقد الأبوان على صبيتهما كان عقد الصبي موقوفا على اجازته إذا بلغ دون الصبية، فإذا بلغ الصبي ورضي به استقر، وإن أبى انفسخ ولزم العاقد مهرها إذا عين، فإن مات أحدهما قبل البلوغ توارثا. وإن عقد عليهما غير الأبوين ممن يكون عقده موقوفا على الاجازة، ومات أحدهما قبل أن يبلغا لم يتوارثا، فإن بلغ أحدهما ورضي به، ومات قبل بلوغ الآخر عزل عن تركته نصيب ميراث الطفل حتى يبلغ، فإذا بلغ ورضي به، وحلف على الرضاء لغير طمع في الميراث سلم منه. وإن نكل عن اليمين، أو لم يرض

[ 301 ]

به سقط سهمه، وإن مات من لم يبلغ لم يرثه البالغ الراضي، فإن بلغا ورضيا صح العقد ولزم المهر، وإن لم يرضيا وعين المهر لزم العاقد، وإن لم يعين سقط. وبلوغ المرأة يعرف بالحيض، أو بلوغها تسع سنين فصاعدا، ورشدها بوضعها الأشياء مواضعها مما يتعلق بالمرأة. فصل في بيان أحكام الرضاع إنما يثبت للرضاع حكم باجتماع ثلاثة شروط: أحدها: أن يرتضع الصبي مصا من الثدي. والثاني: أن يكون للصبي المرتضع دون سنتين. والثالث: أن تكون المرضعة في مدة السنتين من وقت الولادة. ويتعلق بالرضاع من أحكام النسب ثلاثة: التحريم، وحرمة المحرم، والعتق. ويحصل ذلك بأحد ثلاثة أشياء: بارتضاع الصبي يوما وليلة رضعات متواليات من غير فصل بلبن امرأة أخرى، أو بارتضاع عشر رضعات متواليات ريا، وخمس عشرة رضعة متوالية ريا على القول الآخر، أو بالارتضاع على حد ينبت اللحم، ويشد العظم. فإذا وطأ الرجل امرأة وطءا يلتحق النسب بسببه، وحصل منه ولد كان ولدهما معا، فإذا نزل اللبن كان لبن الفحل، ولبن المرأة تبعا لها، فإن أرضعت المرأة صبيا لغيرهما الرضعة المحرمة: انتشرت الحرمة من جهته إليهما، ومن جهتهما إليه، وحرم الصبي على كل من يحرم عليه أولاد الفحل نسبا ورضاعا، وعلى الفحل وعلى جميع أولاده نسبا ورضاعا. ويحرم على الصبي كل من يحرم الصبي عليه، ويحرم أولاد الفحل على أبي الصبي، وأخواته المنتسبة إلى أبيه نسبا ورضاعا. ويحرم أولاد والد الصبي على

[ 302 ]

الفحل، وأولاده نسبا ورضاعا، وجميع أولاد أمه نسبا ورضاعا من والد الصبي دون غيره على الفحل، وعلى جميع أولاده نسبا ورضاعا. ويحرم الصبي أيضا على جميع أولاد المرضعة من جهة الولادة، وجميع أولادها من الرضاع من لبن هذا الفحل دون غيره، وهم يحرمون على الصبي وعلى أبيه، وإخوته المنتسبة إلى أبيه نسبا ورضاعا ويحرم جميع أولاد الصبي نسبا ورضاعا من أبيه دون غيره على أولاد المرضعة نسبا ورضاعا من لبن الفحل. ويجوز للفحل التزوج بأم الصبي، وجداته، ولوالد الصبي التزوج بالمرضعة، وبأمها، وبجداتها. والرضاع لحمة. كلحمة النسب لقوله عليه السلام: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. " (1). وإذا ارتضع صبيان لبن امرأة، ولكل واحد أخوة وأخوات ولادة ورضاعا من غير الرجل الذي ارتضعا من لبنه جاز التناكح بين القبيلين دونهما، ودون إخوتهما، وأخواتهما من جهة اللبن الذي ارتضعا منه، وإذا تزوج الرجل امرأة ذات لبن، وأخرى رضيعة، وارتضعت الصبية من لبنها الرضعة المحرمة، وكان اللبن لغير الزوج، وقد دخل بها حرمت الرضيعة أبدا عليه، وإن لم يدخل بها حرمت عليه الكبيرة أبدا، فإن طلقهما معا قبل الدخول بذات اللبن، وتزوجهما آخر، ورضعت الرضيعة منها حرمت ذات اللبن على الزوجين معا، والرضيعة على من دخل بذات اللبن، وإن كان اللبن للزوج حرمتا على أبدا. فصل في بيان عقد العبيد والأماء يكره التزوج للحر إذا وجد طولا بالأمة، فإن لم يجد لم يكره.

(1) الكافي 5: 441 حديث 7، التهذيب 7: 320 حديث 1322، الاستبصار 3: 200 حديث 725.

[ 303 ]

والتزوج أربعة أضرب: تزوج الحر بالحرة، وبالأمة، وتزوج العبد بالأمة، والحرة. فالأول: قد ذكرنا حكمه. والثاني لم يخل: إما تكون الأمة لسيد واحد، أو لأكثر. فإن كانت لواحد لم يخل: إما تزوجها بإذن سيده، أو بغير إذنه. فإن تزوجها بإذنه لم يخل: إما شرط كون الولد حرا، أو رقا، أو لم يشرط، فإن تزوجها بإذنه مشروطا لزم الشرط، وإن تزوجها غير مشروط حر الولد، وإن تزوجها بغير إذنه لم يخل من خمسة أوجه: إما دلسها أحد عليه بالحرية، أو شهد شاهدان لها بالحرية، أو تزوجها لظاهر الحال على الحرية، أو علم كونها رقا ولم يعلم التحريم، أو علم الرق والتحريم. فالأول يكون له الرجوع إلى المدلس بالمهر، وكان الولد حرا، ولسيدها عليه عشر قيمتها إن كانت بكرا، ونصف العشر إن كانت ثيبا، وأرش العيب إن عابت بالولادة. وإن دلسها مولاها سقط المهر المسمى، ولزم مهر المثل، ورجع بالمهر على سيدها، وحر الولد. والثاني: يكون له الرجوع بالمهر على الشاهدين، وباقي الحكم على ما ذكرنا. والثالث: يكون النسب لاحقا، والولد رقا، وله الرجوع عليها بالمهر وعليه للسيد ما ذكرناه من عشر القيمة، أو نصفه والأرش. ويجب على سيدها أن يبيع الولد من أبيه، ولزم الأب قيمته فإن عجز استسعى فيها، فإن لم يسع دفع الإمام قيمته إليه من سهم الرقاب، فإن انقطع تصرفه أدى ثمنه من حساب الزكاة، فإن فقد هذه بقي الولد رقا حتى يبلغ، ويسعى في فكاك رقبته. والرابع: يكون الولد رقا: ويلزم المسمى، ويلتحق النسب، ويضمن أرش

[ 304 ]

العيب، ويفرق بينهما. والخامس: يكون زانيا إن لم يرض سيدها بالعقد، ويكون الولد رقا، والنسب غير لاحق، والمهر غير لازم والأرش مضمونا، وعشر القيمة إن كانت بكرا، ونصف العشر إن كانت ثيبا. وإن رضي السيد بالعقد صح النكاح، وإن كانت الأمة لأكثر من واحد، ورضي الجميع به أو لم يرضوا كان حكمهم حكم الواحد، وإن رضي البعض ولم يرض البعض لم يصح العقد، فإن دخل بها كان حكمه في نصيب الراضي حكم من كانت الأمة له ورضي بالعقد. وفي نصيب غير الراضي حكم من كانت له ولم يرض به على جميع الأحوال من الرجوع بالمهر، ولزوم عشر القيمة، أو نصفه، وضمان الأرش والتحاق الولد، ولزوم البيع من والده. وغير ذلك على ما ذكرنا، إلا في مسألة واحدة، وهي أن الولد يلتحق بالأب على جميع الأحوال، فإن ابتاع الأمة بعد العقد الصحيح عليها انفسخ العقد بينهما، وحل له وطؤها بملك اليمين، وإن أراد أن يعتقها ويتزوجها ويجعل عتقها مهرها صح إذا قدم العقد على العتق، وقال: تزوجتك وجعلت عتقك مهرك، فإن طلقها قبل الدخول بها عاد نصفها رقا، وإن قدم العتق على العقد نفذ العتق وهي بالخيار بين الرضاء بالعقد وبين الامتناع. وإن ابتاع بعضها انفسخ النكاح بينهما أيضا، ولم يجز وطؤها بالملك ولا العقد عليها، إلا أن تكون خدمتها مهاياة بينهما، فيجوز له العقد متعة عليها في يوم سيدها بإذنه. والثالث من القسمة الأولى (1) لم يخل من أربعة أوجه: إما يكونان لسيد واحد، أو يكون كل واحد منهما لسيد أخر، أو يكون واحد لسيد، وأخر لأكثر منه، أو

(1) أي تزوج العبد بالأمة.

[ 305 ]

يكون كل واحد منهما لأكثر من واحد. فالأول: يكون ذلك بيد سيدهما إن شاء زوجها متطوعا، وإن شاء كرها، فإذا زوجها منه أعطاها شيئا من ماله مهرا لها، والتفريق بينهما بحكمه أيضا، فإذا أراد ذلك أمرهما بالاعتزال، وقال قد فرقت بينكما، فإذا فرق بينهما، وأراد وطء الجارية، ولم يدخل بها العبد جاز في الحال، وإن دخل استبرأها بحيضة إن كانت من ذوات الأقراء، وبخمسة وأربعين يوما إن كانت من ذوات الشهور، فإن باعهما معا من واحد فحكمه حكم البائع معهما، وإن باعهما من اثنين كان لكل واحد منهما الرضاء بالعقد والفسخ، وإن باع أحدهما كان للمبتاع الخيار بين الرضاء والفسخ. والثاني لم يخل: إما تعاقدا بإذن سيديهما، أو بغير إذنهما، أو إذن أحدهما دون الآخر. فإن أذنا معا صح العقد، وكان الطلاق بيد العبد إلا أن يبيع أحدهما، أو كليهما سيده، فيكون للمبتاع الخيار،، وإن رزقا ولدا كان بين السيدين، وإن عتق أحدهما كان له الخيار دون سيد الآخر فإن عتقا معا كان للمرأة الخيار، والنفقة في كسب العبد إن كان مكتسبا، وعلى سيده إن كان غير مكتسب. ويجوز للسيد أن لا يجعلها في كسبه، وينفق عليهما من وجه آخر. وإن عقدا بغير إذن منهما ولم يجيزا فرق بينهما، فإن دخل بها، ورزقا ولدا كان بين السيدين، وإن أجازا صح، والباقي على ما ذكرنا قبل. وإن أذن أحدهما دون الآخر، ورزقا ولدا كان لمن لم يرض بالعقد، وانفسخ النكاح. والثالث: لا يصح النكاح بينهما، إلا برضاء الموالي معا، فإن رضوا صح العقد، وإن رضي بعضهم دون بعض لم يصح، فإن عقد ولم يرض به بعضهم ودخل بها، وحصل ولد كان بين الجميع بالنصيب، إلا إذا لم يرض به من له أحدهما كله، فإن له الولد دون موالي الآخر. والرابع: يكون حكمه على ما ذكرنا.

[ 306 ]

والرابع من القسمة الأولى (1): لم يخل من أربعة أوجه: إما دلس العبد نفسه بالحرية أو دلسه غيره، أو عرفت الحرة كونه عبدا، وزوجت نفسها منه بغير رضاء سيده، أو برضاء. فإن دلس العبد نفسه بالحرية فرق بينهما إن لم ترض الحره ولا مولى العبد، وإن رضي أحدهما ولم يرض الآخر فكذلك، وإن دخل بها وحصل ولد كان حرا والمهر في ذمته حتى يعتق إن لم يرض سيده، وإن رضي كان المهر عليه، وإن دلسه سيده ألزم المهر، وفرق بينهما. وإن دلسه غيره غرم المهر، وعزر المدلس. وإن عرفته عبدا وزوجت نفسها منه بغير إذن سيده: ولم يرض به السيد بطل النكاح، وسقط المهر، والولد إن حصل رق لمولاه. وإن تزوجها العبد بإذن مولاه صحا العقد، ولزم المهر سيده، والنفقة إن كان العبد غير مكتسب، وإن كان مكتسبا كان سيده مخيرا: إن شاء انفق عليها من غير كسبه، وإن شاء من كسبه، فإن عجز كسبه عن النفقة كان على السيد إتمامها، فإن باع العبد من غيرها كان المبتاع بالخيار بين فسخ العقد، والامضاء والبائع ضامن لجميع المهر إن دخل بها، ولنصفه إن لم يدخل به، وإن باعها منها لم يخل: إما باعها قبل الدخول بها، أو بعده، فإن باعها قبل الدخول لم يخل: إما باعها بنفس المهر، أو بغيره، فإن باعها بنفس المهر بطل البيع دون العقد وإن باعها بعد الدخول صح البيع وانفسخ العقد. وإن باعه بغير المهر صح البيع في الحالين وانفسخ النكاح، وإن اعتقد سيده، ولم يكرهه على النكاح لم يكن له الخيار، وإن أكرهه كان له ذلك

(1) أي تزوج العبد بالحرة.

[ 307 ]

وإذا تزوج برضاء سيده كان الولد حرا، إلا أن يشرط كونه رقا. وإذا تزوج عبد بأمة غير سيده، ورضي سيدهما ثم أبق العبد بعد الدخول بانت منه، ولزمتها العدة، فإن رجع قبل انقضائها كان أملك بها، وإن رجع بعد انقضاء العدة لم يكن له عليها سبيل، ولا يلزم سيده النفقة، وإذا زوج الرجل جاريته من الغير لم يجز له أن ينظر إليها منكشفة، فإذا بانت منه جاز له ذلك، وإذا زوجها لزمه إرسالها ليلا، فإن أراد إمساكها نهارا جاز. فصل في بيان أحكام السراري وملك الايمان إذا ملك الرجل جارية تعلق له بها ثلاثة من الحقوق: الوطء بملك اليمين ما لم يمنع منه مانع، والتزويج من الغير، والتحليل. فالمانع من الوطء ستة عشر شيئا: لحمة الرضاع على ما ذكرنا في باب النسب، ووطء أمها بالعقد، أو ملك اليمين، ووطء ابنتها كذلك، ووطء أختها على ما ذكرنا قبل، وزنى أبيه بها وزناء ابنه بها، ووطء أبيه إياها بملك اليمين، ونظره منها إلى ما لا يحل لغير المالك النظر إليه، وتقبيله إياها بشهوة، وعقده عليها عقدا شرعيا، ووطء ابنه، ونظره، وتقبيله، وعقده كذلك. والمانع ضربان: إما يمنع من الوطء على كل حال، وهو ما عددناه، أو يمنع في حال دون حال، وذلك في أربعة مواضع: الجمع بين الأم والبنت، وبين الأختين على ما ذكرنا قبل، وكونها حاملا وقت ابتياعها، ومحتاجة إلى الاستبراء. وحالها في الاستبراء ثلاثة أضرب: إما يجب استبراؤها، أو لا يجب، أو يستحب. فالأول: التي يعتادها الحيض. والثاني أربع: التي ملكها حائضا، والتي لم تبلغ المحيض ولا مثلها،

[ 308 ]

والتي أيست هي ومثلها من المحيض، والحامل. والثالث أربع: التي لم تبلغ المحيض ومثلها تحيض، والآيسة من المحيض، والمنتقلة إليه من امرأة، أو من ثقة، وقد زعم أنه استبرأها. والاستبراء بحيضة لذوات الأقراء، وبخمسة وأربعين يوما لذوات الشهور، فإذا استبرأها جاز له وطؤها. وأما الحامل، فإن مر عليها من وقت الحمل أربعة أشهر وعشرة أيام جاز له وطؤها، ولم يجز وطؤها قبل ذلك، فإن وطأها لم يجز له بيع ولدها لأنه غذي بنطفته، وعليه أن يعتقه، ويعطيه شيئا من ماله، فإن وطأها قبل الاستبراء، وجاءت بولد قبل مضي ستة أشهر لم يكن له الحاقة بنفسه، وكان لمن انتقل منه إليه. فإن كان الولد حرا لزمه أن يرد الجارية على من انتقل منه إليها مع عقرها، ويسترد ثمنها، وإن كان الولد مملو كا فحكمه ما ذكرنا، وإن جاءت بالولد لأكثر من ستة أشهر كان له. وإذا أولدها، أو أحبلها وسقط الولد تاما، أو غير مخلق، فقد صارت الجارية أم ولده. ويصح الجمع بين الأم والبنت، وبين الأختين في الملك، وفي الملك، والعقد دون الوطء. وإذا كانت الجارية لابن ووطأها الأب لم يخل: إما كان الولد صغيرا، أو كبيرا. فإن كان الولد صغيرا، وقومها الوالد على نفسه، وضمن قيمتها جاز له وطؤها، فإن وطأها وأحبلها كان الولد حرا، وصارت الجارية أم ولد، وإن لم يقومها على نفسه، أو كان الولد كبيرا، ووطأها من غير إذن الكبير سقط عنه الحد ولم تلزمه القيمة، وكان ملك الولد باقيا عليه والولد حرا، ولزمه المهر، وجاز لمالكها بيعها ما لم تكن حاملا، ولم تصر الجارية أم ولد.

[ 309 ]

وإن تزوجها بإذن الكبير إن كانت له، وبغير إذن الصغير إن كانت له جاز، فإن أحبلها صارت أم ولده وإن لم يزل ملك الولد عنها. وإن وطأ الولد جارية أبيه بغير إذنه عالما بتحريمه لزمه الحد إن طاوعته، والحد والمهر معا إن أكرهها، ورق الولد إن أحبلها، ولم يلتحق نسبه، وإن كان جاهلا بالتحريم اندرأ عنه الحد، ولزم المهر، والتحق الولد، ولم تصر الجارية أم ولد. ويكره للرجل وطء الجارية الفاجرة، فإن وطأها لم يطلب ولدها. وجواري مماليكه في حكم جواريه خاصة، وله وطؤها إذا استبرأها، والنكاح بملك اليمين غير موقوف على عدد، ويجوز النوم بين الجاريتين دون الحرتين، وأما العقد على الأماء فقد ذكرنا حكمه. فصل في بيان نكاح المتعة المتعة: عقد مؤجل على امرأة يصح العقد عليها. وإنما يصح بشرطين: تعين الأجل، والمهر معا. ولا تثبت بهذا العقد النفقة، والتوارث إلا بشرط. وتلزم به العدة وإن لم يشرط. والتي يتمتع بها: حرة، وأمة. والحرة: بكر وثيب. والبكر: بالغ، وطفل. والبالغ: بين الأبوين، ومنفردة، فالتي تكون بين الأبوين: رشيدة، وغير رشيدة. فالبكر البالغة إذا كانت بين الأبوين، وكانت رشيدة يجوز عقد المتعة عليها بغير إذن أبيها، ولا يجوز له الافضاء إليها وإن رضيت وإن عقد بإذن أبيها وشرط أن لا يفتضها فكذلك، وإن أطلق جاز ذلك. وإن كانت غير رشيدة، أو طفلا لم يجز العقد عليها إلا بإذن أبيها.

[ 310 ]

وإن لم تكن بين الأبوين وكانت رشيدة جاز العقد عليها، وإن شرطت أن لا يطأها في الفرج لزم الشرط، فإن أذنت له بعد ذلك جاز. وإن كانت غير رشيدة، أو طفلا لم يجز العقد عليها. والثيب: يجوز العقد عليها على كل حال، ويلزم ما شرطا ما لم يكن مخالفا للشريعة. والأمة لا يجوز العقد عليها بغير إذن سيدها. والنساء أربعة: أضرب إما يستحب أن يعقد عليها متعة، أو يباح، أو يكره، أو يحظر. فالأول: التي اجتمع فيها ثلاث خصال: الايمان، والعفة، والاستبصار. والثاني: ثلاث: المستضعفة، والنصرانية، واليهودية. والثالث اثنتان: المجوسية، والفاجرة. والرابع أربع: الكافرة غير الذمية، والناصبة إلا عند الضرورة، والمطلقة بخلاف السنة، والبغية التي تدعو إلى نفسها. وقدر المهر موكول إلى رأيهما في القلة والكثرة، وفيه ما يصح أن يكون مهرا في نكاح الغبطة، وقدر المدة من طلوع الشمس إلى نصف النهار إلى سنين متطاولة. ولا يحتاج هذا النكاح إلى طلاق في المفارقة، بل يزول حكمه بانقضاء المدة، فإذا انقضت المدة وأراد تجديد العقد عليها جاز بغير اعتداد، وإن أراد غيره لم يجز إلا بعد أن تعتد. وحكم نكاح المتعة في العدد حكم الأماء، وإن أراد أن يزيد في الأجل جاز وزاد في المهر، وروي إنه يهب منها مدته ثم يستأنف العقد، والأصح ما ذكرناه أولا. وولد المتعة لا حق بأبيه، ويجوز العقد على واحدة مرارا، وليس الاعلان والاشهاد من فضله، إلا إذا خاف التهمة. فإن لم يدخل بها وأراد مفارقتها وهب

[ 311 ]

منها الأيام وسقط نصف مهرها. وإن ظهر أنها ذات زوج فارقها واسترد المهر منها بحساب ما بقي من الأيام. فصل في بيان العيب المؤثر في فسخ العقد إنما يؤثر العيب في الفسخ إذا كان تدليسا، فإذا لم يكن تدليسا، وقد علم من يكون له الفسخ قبل العقد، أو بعده، ورضي به لم يؤثر فيه. والعيب المؤثر فيه ضربان: خلقة، وغير خلقة. وكل واحد منهما ثلاثة أضرب: أحدها يختص بالرجال، والثاني بالنساء، والثالث يعمهما. فما يختص بالرجال خلقة واحد، وهو العنة، وغير خلقة أربعة: الجب، والسل، والوجوء، والخصاء على وجه لا يمكن الايلاج. والعنة الحادثة بعد الدخول لا تؤثر في الفسخ، وتعرف بأحد ثلاثة أشياء: باعتراف الرجل، وبالعجز عن الايلاج، وباسترخاء الذكر إذا جلس في الماء البارد. فإذا علم ذلك أمهل سنة، فإن واقعها قبل مضي السنة أو بعده قبل الفسخ، أو قدر على مواقعة غيرها، أو رضيت به زال خيارها. وما يختص بالنساء خلقة سبعة أشياء: البرص، والجذام، والعرج، والعمى، والرتق، والقرن، وكونها مفضاة. وغير خلقة شيئان: كونها بنت أمة وقد عقد على أنها بنت مهيرة، أو محدودة في الزنى على إحدى الروايتين. وما يعمهما خلقة شئ واحد، وهو الجنون على وجه لا يعرف معه وقت الصلاة. وغير خلقة شيئان: العبودية، وانتساب إلى قبيلة معينة، أو أب بعينه وقد بان بخلاف ذلك.

(1) التهذيب 7: 424 حديث 1697 و 1698.

[ 312 ]

وإنما يكون لكل واحد منهما خيار الفسخ باجتماع أربعة شروط، وهي: فقد العلم قبل العقد بذلك، والامتناع من الدخول إذا علم بعد العقد، وفقد الرضى، وتعجيل الفسخ إلا لعذر. ويسقط المهر بالفسخ قبل الدخول، وبعده إن كان الفاسخ المرأة، وإن كان الرجل لزمه مهر المثل، ورجع به على المدلس وما سوى ذلك لا يؤثر في الفسخ، والزيادة في العيب بعد الرضى غير مؤثرة. وإذا عقد عليها على أنها بكر، فوجدها ثيبا نقص شيئا من مهرها إن شاء. فصل في بيان ما يلزم بالعقد إنما يلزم بالعقد المهر، وبالدخول بعد العقد أو التمكين التام منه النفقة، وقد ذكرنا هما، والمعاشرة بالمعروف، والقسم إذا كانت له زوجتان أو أكثر، فإن تزوج بأربع، وكن حرائر بات عند كل واحدة ليلة إذا قسم، ونهارها تابع لها. وليست المجامعة والتسوية فيها شرطا، وإن سوى كان أفضل. وإن كان بعض نسائه مملوكة، أو كتابية عند من أجاز ذلك للمسلمة ليلتان، وللمملوكة والذمية ليلة، ولا حظ في القسم للموطوءة بملك اليمين وإن وهبت بعض نسائه ليلتها منه وضعها حيث يشاء، وإن وهبت من بعض ضراتها صفت لها ليلتان، فإن رجعت فيما وهبت جاز. وإذا أراد أن يقسم اقرع بينهن، فمن خرجت قرعتها بدأ بها، وإذا أراد أن يسافر ببعضهن اقترع أيضا، فمن خرجت قرعتها سافر بها، ولم يلزمه القضاء في حق غيرها، وإن سافر بغير من خرجت قرعتها لزمه القضاء في حق الباقيات، وإن بات بعض الليلة عند البعض قضي في حقها.

[ 313 ]

فصل في بيان أحكام الزفاف وآداب الخلوة، وحكم الاحصان، واتخاذ الوليمة والزفاف يستحب فيه اثنا عشر شيئا،: أن يكون بالليل، وتقديم جميع المهر، أو بعضه، أو شيئا ما إن عجز، وأن يكونا على طهارة، ويصليا ركعتين، ويسأل الزوج ربه تبارك وتعالى ودها ورضاها، ويأخذ بناصيتها إذا دخل عليها، ويستقبل بها القبلة، ويدعو بالمرسوم، ويخلع خفها، ويغسل رجلها إذا جلست، ويصب الماء في جوانب الدار من الباب إلى أقصاها. وينبغي أن يجنب الزوجة في الأسبوع من أربعة أشياء: اللبن، والخل، والكزبرة،، والتفاح الحامض. والخلوة لم تخل: إما كانت الزوجة لتسع سنين فصاعدا، أو لأقل منها. فإن كانت لأقل منها لم يجامعها في الفرج، فإن جامعها وأفضاها حرم عليه وطؤها أبدا، ووجب عليه شيئان: الأرش والانفاق عليها مدة حياتها. وإن كانت لتسع سنين فصاعدا، وكانت حائضا حرم عليه وطؤها في الفرج، وإن لم تكن حائضا كره له وطؤها في أوقات، وعلى هيئات، وفي مواضع. واستحب المجامعة في أوقات. وحرم عليه وطؤها في المحاش. فالأول سبعة عشر وقتا: ليلة الهلال - إلا ليلة هلال شهر رمضان - وليلة النصف من الشهر، وليالي المحاق، وليلة الخسوف، ويوم الكسوف، والليلة التي قدم من السفر نهارها، والليلة التي يريد في صبيحتها السفر، وفي أول ساعة من الليل، وما بين طلوع الفجر والشمس، وما بين غروب الشمس ومغيب الشفق، وبعد الظهر وليلة الأضحى، وليلة النصف من شعبان وبين الأذان والإقامة، وعند الزلازل، وعند الرياح السود، والصفر.

[ 314 ]

والثاني تسع هيئات: المجامعة عريانا، وقائما، ومستقبل القبلة، ومستدبرها، وفي وجه الشمس، إلا أن يرخي سترا وعلى شهوة غيرها من النساء، وبعد الاحتلام قبل الغسل أو الوضوء، وأن يجامع وتراه امرأة أخرى، وأن ينام بين حرتين. والثالث أربعة مواضع: البيت الذي فيه غيرهما، وسقوف البنيان، وتحت الشجرة المثمرة، والسفينة. والرابع سبعة أوقات: أول ليلة من شهر رمضان وليلة الإثنين، والثلاثاء، والخميس، والجمعة بعد العشاء، ويوم الخميس عند الزوال، ويوم الجمعة بعد العصر. وإذا جامع حرم عليه أشياء، وكره له أشياء، واستحب له أشياء. فالمحرم ثلاثة أشياء: قراءة العزائم، والنظر إلى فرج المرأة حالة الجماع، والعزل إلا بإذن المرأة. وعن سبع: الأمة، والمتمتع بها، والمرضعة، والعقيم، والمسنة، والبذيئة، والسلطية. والمكروه شئ واحد، وهو الكلام، إلا بذكر الله تعالى. والمستحب أربعة أشياء: غض البصر، وذكر الله تعالى، وأن يسأله أن يرزقه ولدا ذكرا سويا، والغسل أو الوضوء بعد الجماع قبل أن يجامع أخرى. وإذا أراد أن يملك بامرأة جاز له النظر إلى محاسنها، ومشيها، وجسدها فوق الثياب، وإلى محاسن الأمة، وشعرها لا للتلذذ إذا أراد شراءها. والكتابية بمنزلة الأماء. وإحصان الرجل أن يملك فرجا يغدو إليه ويروح من غير منع، والمتعة لا تحصن. وإحصان المرأة أن يكون لها زوج، يغدو إليها ويروح من غير منع. والوليمة مستحبة، وهي جمع الناس في العرس على الطعام، ويستحب أن

[ 315 ]

تكون بالنهار والاجابة إليه مستحبة، إلا إذا كان فيها شئ من المناكير، ولم يقدر على إزالته، ولم يترك لاجله. فصل في بيان حكم الولادة والارضاع والعقيقة وإلحاق الولد وما يتبعها المرأة إذا ضربها الطلق لم يل أمرها غير النساء، فإن فقدت ولي أمرها الزوج، أو أحد محارمها. وإذا ولدت ولدا حيا استحب لوليه أشياء، ولغيره، وكره له أشياء، وحظر عليه شئ واحد. فالمستحب ستة أشياء: أن يؤذن في أذنه اليمنى، ويقيم في اليسرى بعد ما غسل ويحسن له الاسم، وأفضل الأسماء أسماء الأنبياء، وأسماء الأئمة عليهم السلام، وأفضلهما محمد وعلي والحسن والحسين. وللبنات فاطمة، وأسماء بنات النبي والأئمة عليهم السلام. ويحنك في الحال بماء الفرات، وبتربة الحسين عليه السلام، ويلف في خرقة بيضاء، فإن كان الماء ملحا غمس فيه شئ من العسل أو التمر. وما على الغير فالتهنئة به لوالده بالمرسوم. والمكروه شيئان، وتسميته بالأسماء الموحشة مثل الكلب، والنمر، وبالأسماء المنهي عنها مثل حكم، وحكيم، وخالد، وحارث، ومالك. والمحظور شئ واحد: وهو الجمع بين التسمية بمحمد والتكنية بأبي القاسم. وأما الارضاع، فأفضل الالبان للولد لبن أمه، ولم يخل حال الأم من ثلاثة أوجه: إما كان النكاح باقيا بينها وبين أب المولود، أو زائلا،، أو كانت جاريته. فالأول: لها إرضاعه إن رضي به الأب بغير أجرة، ولها الامتناع منه وإن

[ 316 ]

راودها الأب. والثاني: هي أولى برضاعه، رضي الأب به أو لم يرض، ولها أجرة المثل، فإن طلبت أجرة زائدة على ما يرضى به غيرها كان للأب انتزاعه من يدها. والثالث: يكون للأب إجبارها على الارضاع. وإن استرضع للولد طلب له امرأة فيها أربع خصال - والحرة أفضل من الأمة -: الاسلام، والعفة، والعقل، والوضاءة، واجتنب أربعا: الحمقاء، والعمشاء (1)، والكافرة حالة الاختيار، والتي ولدت من الزنى إلا مضطرا. وإن أراد أن يسلمه من ظئر لتذهب به إلى منزلها لم يجز إلا برضى الأم، إذا كانت الظئر حرة مسلمة، والأولى أن تكون الظئر معه في منزله. وتمام الرضاع في مدة حولين كاملين، وأقله أحد وعشرون شهرا، وإن زيد على حولين مقدار شهرين جاز ولا يتعلق به حكم الرضاع، ولا استحقاق الأجرة. وأما العقيقة: عبارة في الشرع عن ذبح شاة عند الولادة للإطعام، ويعق يوم السابع عن الذكر بالذكر، وعن الأنثى بالأنثى، فإن فات قضى الوالد أو الولد عن نفسه بعد البلوغ إن وجد، وهي مستحبة في الأصل، والأفضل فيها الشاة، ثم الجمل الكبير، ثم ما يجزئ في الأضحية، والقيمة غير مجزئة. ولا تكسر أعضاؤها. والقابلة لم تخل من ثلاثة أوجه: أما تكون أم الوالد أو من في عياله، أو غيرهما، أو ذمية. أو لم تكن له قابلة. فالأول: لم يعط شيئا من العقيقة. والثاني: أعطيت الرجل بالورك، وروي ربعها (2).

(1) العمش في العين: ضعف الرؤية مع سيلان دمعها في أكثر أوقاتها. الصحاح 3: 1012 (عمش).
(2) التهذيب ج 7 ص 443 حديث 1771.

[ 317 ]

والثالث: أعطيت ثمن الربع دونه. وإن لم تكن قابلة أعطيت أمه ربعها، وتتصدق به ولا تأكله. ويجوز تفريق اللحم على المؤمنين، وإن طبخ بالماء والملح، وجمع عليه قوم من المؤمنين كان أفضل، وكلما كانوا أكثر كان الثواب أوفر. ويستحب يوم السابع مع العقيقة أن يحلق رأسه، ويتصدق بوزن شعره ذهبا أو فضة، ويختن. وأما الحاق الولد: فانما يلحق الولد بأبيه بشيئين: بالفراش، أو بما هو في حكمه، وهو ثلاثة أشياء: وطء المملوكة بملك اليمين، وشبهة العقد، وشبهة الوطء. والفراش شيئان: العقد، والوطء. وشبهة العقد: أن يعقد على امرأة حرمت عليه، وهو غير عارف بذلك، فوطأها وعلقت منه، ثم بان له الأمر. أو عقد على امرأة، وساق إليه وليها غيرها فوطأها غير عارف بالحال فعلقت. وشبهة الوطء: أن يجد الرجل على فراشه امرأة أو جارية، فظنها امرأته أو جاريته فوطأها فعلقت. وإذا ولدت امرأة على فراش الرجل لأكثر من ستة أشهر فصاعدا لزمه قبوله، وإن ولدت لأقل من ذلك حيا سويا وجب عليه الانتفاء منه، فإن أقر به قبل منه، ولم يسعه بعد ذلك الانتفاء منه. والمخلوقة من ماء الرجل عن غير عقد صحيح، أو فاسد لم يعلم العاقد بفساده وتحريمه، أو شبهة عقد، أو وطء لم يلتحق نسبها، ويجوز له تملكها دون التزويج بها، والتزويج من بنيها. وتزويجه إياه بناتها. وإذا وطأ رجل زوجه في طهر، ثم وجد في ذلك الطهر رجلا يطؤها لم يكن له بذلك نفي الولد، فإن كانت مكان الزوج جاريته فكذلك، فإن غلب على ظنه

[ 318 ]

أنه ليس منه لم يقبله (1). ولم ينفه، ولم يورثه ميراث الولد، وعزل له من ماله شيئا. فإن وطأ الرجل جاريته، وباعها في الحال، ووطأها المبتاع في ذلك الطهر، ثم باعها، ووطأها المبتاع الثاني في ذلك الطهر، وجاءت بولد كان لا حقا بمن عنده الجارية للفراش. وإن وطأها ولم يبعها، أو وطأ زوجه وطلقها، أو مات عنها، وجاءت بولد لأكثر من مدة الحمل، أو وطأهما وغاب عنهما، وجاءت كل واحدة منهما بولد لأكثر من مدة الحمل من وقت الغيبة لم يلتحق النسب. وأكثر مدة الحمل فيه ثلاث روايات: تسعة أشهر (2)، وعشرة، وسنة، وجاز له تملك الولد إن كان من جاريته. وإذا وطأ الرجل زوجته وطلقها، فاعتدت المرأة وتزوجت، ووطأها الزوج وجاءت بولد مخلق لأقل من ستة أشهر من وطء الثاني لم يلتحق به والتحق بالأول ما لم تزد مدة الفراق على مدة أكثر أيام الحمل، فإن زادت لم يلتحق به أيضا، وكذلك الحكم في الجارية إن وطأها، وباعها من آخر ووطأها المبتاع. ولا يجوز لأحد نفي من ولد على فراشه بالظن، وإذا أقر بمن لا يلتحق نسبه شرعا، ثم انتفى منه لم يقبل منه الانتفاء.

(1) في نسخة " م ": لم يقبل.
(2) الكافي 6: 52 حديث 3 باب النوادر، التهذيب 8: 166 حديث 578.

[ 319 ]

كتاب الطلاق فصل في بيان أقسام الطلاق الطلاق أربعة أضرب: واجب، ومندوب إليه، ومحظور، ومكروه. فالأول: طلاق المولى بعد انقطاع مدة التربص إذا لم يف. والثاني: طلاق الرجل زوجته حالة الشقاق، والحال بينهما غير عامرة، ولا يقوم كال واحد منهما بحق صاحبه. والثالث: طلاق الرجل في أحد موضعين: طلاق الحائض المدخول بها ولم يغب عنها زوجها، والتي خرجت من المحيض وواقعها الزوج في ذلك الطهر قبل أن يستبين حملها. والرابع: أن يطلق زوجته والحال عامرة بينهما، ويقوم كل واحد منهما بحق صاحبه. والمطلق ثلاثة: حر بالغ، وغير بالغ، وعبد. والمطلقة ضربان مدخول بها، وغير مدخول بها. فالمدخول بها ثمانيه أصناف:

[ 320 ]

حائض حالة الطلاق، وغير حائض وقد بلغت المحيض، أو لم تبلغ ومثلها تحيض. والتي لم تبلغ ومثلها لا تحيض، والحامل، والمسترابة، والتي أيست من المحيض ومثلها تحيض، والآيسة ومثلها لا تحيض. وإذا طلق زوجته، وزال حكم الزوجية لم يخل: إما أمكن الرجوع، أو لم يمكن. فإن أمكن كان بأحد ثلاثة أوجه: إما بالرجعة، أو تجديد العقد، أو باستئناف العقد بعد تزوج الغير بها، وطلاقها بعد الدخول واعتداها منه. وإن لم يمكن رجوع الرجل إليها، فقد حرم عليه العقد عليها أبدا، وذلك إذا تزوج الرجل امرأة وطلقها تسع تطليقات طلاق العدة، وتزوجت بين كل ثلاث زوجا بالغا تزويجا دائما صحيحا ودخل بها. والنساء ضربان: إما يكون لطلاقها سنة وبدعة، وهي التي اجتمع فيها ثلاثة أشياء: كونها من ذوات الأقراء، حائلا به، غير غائب عنها زوجها شهرا فصاعدا. أو لا يكون لطلاقها سنة وبدعة، وهي خمسة أصناف: من لم تبلغ المحيض، والآيسة من المحيض، والحامل، وغير المدخول بها، والغائب عنها زوجها شهرا فصاعدا. وزمان السنة: إذا كان طاهرا لم يقربها زوجها فيه، وزمان البدعة: إذا كانت حائضا، أو طاهرا وقربها الزوج فيه. والطلاق ضربان: طلاق السنة، وطلاق العدة. وكلاهما يحتاج في صحته إلى أربعة عشر شرطا: ثمانية منها ترجع إلى المطلق، وهي كونه عاقلا، مميزا، مالكا أمره، غير حرد (1)، ولا غضبان، ولا سكران على وجه لا يعرف ما يأتي وما يذر، قاصدا باللفظ إلى البينونة ناويا لها. واثنان يرجعان إلى المطلقة وهما: كونها طاهرا، ولم يقربها زوجها فيه بجماع

(1) غير حرد: غير ممنوع. انظر الصحاح 2: 464 " حرد ".

[ 321 ]

في الفرج. وثلاثة منها ترجع إلى اللفظ وهي: التلفظ بصريح القول إن أمكنه، أو ما يقوم مقامه إن لم يمكنه، وأن تكون غير كتابية، ولا مشروطة. وواحد منها يرجع إلى الغير، وهو حضور شاهدين عدلين في مجلس واحد. ويفارق طلاق العدة طلاق السنة بوجهين: أحدهما أن طلاق العدة إنما يصح بالرجعة قبل انقضاء العدة بغير عقد ومهر جديد، فإذا راجعها لزمه المواقعة في حال طهرها، وطلقها إذا طهرت بعد أن تحيض إن شاء. وطلاق السنة إنما يصح إذا راجعها بعقد بعد انقضاء عدتها على مهر جديد من غير حاجة إلى المواقعة في صحة الطلاق الثاني. والآخر: هو أن طلاق العدة إذا طلقها تسع تطليقات وتزوجت بعد كل ثلاث زوجا صحيح البعولية بنكاح دائم، ودخل بها لم تحل له أبدا. وطلاق السنة إذا طلقها أكثر من ذلك، وتزوج بها بعد البينونة كثير من الرجال جاز له أن يراجعها أبدا إذا بانت من الزوج واعتدت، فإذا طلقها واحدة للسنة وخرجت من العدة، أو طلقها اثنتين ملكت نفسها، وزوجها خاطب من الخطاب إن شاء. وإن لم تخرج من العدة كان أملك برجعتها، فإن تزوجها بعد الواحدة، أو الاثنتين رجل بالغ بنكاح دائم صحيح، ودخل بها هدم ما تقدم من الطلاق، ويقال له: طلاق الهدم، وقال بعض الأصحاب لا يهدم، وإنما يهدم الثلاث، والأول صحيح. ويجوز له استئناف العقد عليها بمهر جديد بعد انقضاء عدتها وإن لم يتزوج، ولا يجوز ذلك بعد الثلاث، إلا بعد أن تنكح زوجا غيره، وتدخل في مثل ما خرجت منه، ثم يخرج منه. وإن أرتفع حيضها بعد الرجعة، والوقاع في طلاق العدة استبرأها بثلاثة أشهر ثم طلقها، وإن لم ترتفع حيضها، وواقعها صح أن يطلقها الأخرى على ما ذكرنا، وإن عجز عن الوقاع طلقها للسنة، لأن طلاق العدة

[ 322 ]

لا يصح بغير وقاع. وطلاق البدعة ضربان: بدعة في الزمان، وهو طلاقها حائضا، أو طاهرا وقد واقعها في طهرها. وبدعة في القول، وهو الطلاق المعلق بشرط، وايقاع الطلاق ثلاثا بلفظة واحدة، ولا يقع كلاهما. وقال بعض أصحابنا تقع واحدة من ثلاث (1). والأول هو الصحيح. وإن واقع زوجته وأراد طلاقها، ولم تبلغ المحيض وبلغت مثلها في السن صبر بعد الوقاع ثلاثة أشهر ثم طلقها، وإن لم تبلغه هي ولا مثلها طلقها متى شاء، وإن كانت آيسة من المحيض ومثلها تحيض، فحكمها حكم من لم تبلغ المحيض وبلغت مثلها، وإن كانت مثلها لا تحيض، فهي في حكم من لم تبلغ المحيض ولا مثلها. والحامل إذا استبان حملها طلقها متى شاء، فإن أراد طلاقها للسنة صبر بعد الطلاق حتى تضع الحمل، ثم عقد عليها ثانيا، وإن أراد طلاقها للعدة طلقها ثم راجعها، وواقعها، ثم طلقها متى شاء حتى يستوفي ثلاثا، فإذا استوفى لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره على ما ذكرناه، ولا يجوز لها التزوج حتى تضع حملها، فإن كانت حاملا باثنين فارقت الزوج الأول بوضع الولد، وحلت للأزواج بوضع الثاني. والمسترابة حكمها في الطلاق حكم من لم تبلغ المحيض ومثلها بلغت، وحكمها في العدة سيجيئ إن شاء الله في بابها. ولا تحيض التي لها دون تسع سنين، والتي لها فوق خمسين سنة من غير القرشية والنبطية، وفوق ستين سنة لهما. والمستحاضة التي استمر بها الدم، وقد دخل بها ضربان: إما يحل وطؤها

(1) منهم: الشيخ في المبسوط 5: 13، والنهاية: 512

[ 323 ]

ويجوز له طلاقها في الوقت الذي يحل له فيه وطؤها، أو لا يحل له وطؤها لثلاثة أشياء: لإطباق الدم عليها، ولنسيانها العدد، والوقت. ولا يجوز له طلاقها احتياطا. وروي: إنها تترك الصلاة والصوم في كل شهر سبعة أيام، وتصلي وتصوم الباقي. وعلى هذا يصح صومها وصلاتها وطلاقها فيما عدا السبعة الأيام. والغائب عنها زوجها مدة شهر فصاعدا، حكمها حكم غير المدخول بها في صحة طلاقها على كل حال، وإن كان الزوج غير مدخول بها طلقها متى شاء، فإذا طلقها ملكت نفسها في الحال، ولم تلزمها العدة. ومن لم تبلغ ضربان: إما لم تبلغ عشر سنين فصاعدا، ولا يصح منه الطلاق، ولا من وليه له. أو بلغ وكان مميزا، ويصح طلاقه، وعتقه وصدقته، ووصيته بالمعروف. أو كان سفيها، فاسد العقل، ويطلق عنه وليه، أو الإمام، أو من يأمره الإمام. وطلاق الحرة ثلاث، تحت حر كانت أو عبد. وطلاق الأمة اثنتان تحت عبد كانت، أو حر. فإن عتقت الأمة قبل الطلاق صار طلاقها ثلاثا، وإن عتقت بعد واحدة كان طلاقها اثنتين. وحكم طلاق العبد قد ذكرناه في فصل عقد العبيد والأماء. وللغائب الرجعة ما لم تمض ثلاثة أشهر من وقت الطلاق، والحاضر إذا لم يمكنه الوصول إليها في حكم الغائب. وإذا طلق غير المدخول بها، ثم استأنف العقد، وطلق قبل الدخول، ثم عقد ثالثا، وطلق قبل الدخول لم يحل له العقد عليها رابعا، إلا بعد أن تنكح زوجا غيره. ولا يصح التوكيل في الطلاق إلا للغائب: فإن وكل وفارقه الوكيل وأراد عزله أعلمه، فإن لم يمكنه أشهد على عزله، فإن لم يشهد وطلق الوكيل نفذ طلاقه، وما يكون في حكم الطلاق أربعة أشياء: الكتابة من الأخرس، ومن الغائب بأربعة شروط: أن يكتب بخطه، ويشهد عليه، ويسلم من الشاهدين، ولا يفارقهما حتى يقيما الشهادة ويعلما المطلقة.

[ 324 ]

والايماء من الأخرس على وجه يفهم منه الطلاق، أو القاء مقنعة على رأسها مع التنحي عنها، فإذا أراد الرجعة كشف المقنعة عن رأسها. والثالث قوله: نعم إذا قيل له: طلقت فلانة. والرابع: تطليقها بما يفيد مفاد العربية من اللغات. وإذا طلق الأمة مرتين لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وبمواقعة سيدها إياها وبابتياعها لم تحلل له. ولا تبين المرأة من الزوج بما يخالف السنة من الطلاق، إلا إذا كانت مؤمنة، والزوج مخالف. والمفقود زوجها، ولم تجد ما تنفق من ماله، ولا وليا ينفق علهيا، ولم ترض رفعت الحال إلى الحاكم حتى ينفق عليها من بيت المال، وطلبه أربع سنين في الافاق، فإن وجد خبر حياته لزمها الصبر، وإن وجد الخبر بموته اعتدت وملكت نفسها، وإن لم يجد له خبرا بموت، ولا حياة أمر الحاكم بعد انقضاء أربع سنين ولي الغائب بتطليقها، فإن لم يكن له ولي طلقها الحاكم، فإذا طلقها اعتدت عنه عدة الوفاة، فإن رجع قبل انقضاء العدة كان أملك بها، وإن رجع بعد انقضائها لم يكن له عليها سبيل، ولا يصح الطلاق قبل العقد. وإذا طلق المريض زوجته بائنا، أو رجعيا ومات أحدهما وهي في العدة توارثا، فإن خرجت من العدة لم يرثه الرجل، وورثته هي إلى مضي سنة كاملة ما لم تتزوج قبل انقضائها. فصل في بيان العدة وأحكامها العدة ضربان: عدة طلاق - أو ما هو في حكمه -، وعدة وفاة. فعدة الطلاق تلزم المدخول بها، ولا عدة على غير المدخول بها، وهي ضربان: عدة الحرة، وعدة الأمة.

[ 325 ]

فالحرة ثمانية أضرب: وحامل، وحائل مستقيمة الحيض، والتي لم تبلغ المحيض ومثلها تحيض والآيسة من المحيض (ومثلها تحيض) (1)، والمسترابة، والتي، تزوجها في عدتها رجل ودخل بها وفرق بينهما، ومضطربة الحيض، ومستحاضة. فالحامل عدتها أقرب الأجلين، ومعنى ذلك أن الرجل إذا طلق امرأته حاملا، ووضعت حملها عقيب الطلاق بلحظة بانت منه بوضع الأول، ولم يجز لها أن تتزوج إلا بعد وضع جميع ما في بطنها. والسقط، وغير السقط وإن كان علقة في ذلك سواء، وإن مضت على ذلك ثلاثة أشهر، ولم تضع الحمل بانت منه، ولم يجز لها التزوج إلا بعد وضع الحمل. والحائل المستقيمة الحيض، وإن كانت تحيض في كل ثلاث سنين (2) مرة اعتدت بالشهور، وإن حاضت لأقل من ذلك اعتدت بالاقراء. وأقل ما تنقضي به العدة ستة وعشرون يوما ولحظتان، وهي لامرأة عادتها في الأقراء أقل أيام الحيض، وأقل أيام الطهر، فإذا طلقها طاهرا، فحاضت عقيب الطلاق بلحظة ثلاثة أيام، وطهرت عشرة، وحاضت ثلاثة، وطهرت عشرة ثم حاضت، فإذا رأت من الدم أول قطرة بانت، وحلت للأزواج إن لم تتقدم عادتها، فإن تقدمت لم تحل إلا بعد انقضاء ثلاثة الأيام من حيضها. وأقل ما تنقضي به عدة الحامل أربعون يوما، لأن في هذه المدة تصير النطفة علقة، والتي لم تبلغ المحيض ولا مثلها، والآيسة من المحيض ومثلها لا تحيض لا عدة عليهما.

(1) لم ترد في نسخة " م ".
(2) هكذا في الخطيات والحجرية، ولعل الصواب: ثلاث أشهر. انظر المختلف: 610.

[ 326 ]

وقال: المرتضى رضي الله عنه: عليهما العدة مثل عدة من لم تبلغ المحيض، ومثلها تحيض (1). والآيسة من المحيض ومثلها تحيض عدتها ثلاثة أشهر. والمسترابة عدتها أربعة أنواع: أحدها: ثلاثة أشهر، وهي إذا مرت بها ثلاثة أشهر بيض لم ترفيها دما. وثانيها: خمسة عشرا شهرا، وهي إذا مرت بها ثلاثة أشهر بيض، ورأت قبل انقضاء ثلاثة أشهر ولو بيوم دما لزمها الاعتداد بالاقراء، فإن احتبس الدم الثاني لعذر صبرت إلى تمام تسعة أشهر من حال الطلاق، فإن رأته، واحتبس الثالث صبرت تمام السنة، واعتدت بعدها ثلاثة أشهر، وإن مات أحدهما قبل انقضاء المدة توارثا. وثالثها: خمسة أشهر، وهي إذا مرت بها ثلاثة أشهر، فرأت الدم قبل انقضائها واحتبس الدم الثاني لغير عذر صبرت بعدها شهرين وقد بانت منه. ورابعها: سنة، وهي إذا مرت بها ثلاثة أشهر بيض، ورأت الدم قبل انقضائها، واحتبس الثاني بعذر صبرت تمام تسعة أشهر فإن لم تر دما اعتدت بعد ذلك بثلاثة أشهر. والتي تزوجها رجل في عدة للمطلق له عليها رجعة، ودخل بها ثلاثة أضرب: إما علما التحريم، أو جهلاه، أو علم أحدهما وجهل الآخر. فإن علما معا فقد زنيا، ولزم من ذلك أمران لهما: الحد، والتحريم أبدا. وإن جهلا معا حصل التحريم أبدا، ولزم للرجل ثلاثة أشياء: الفراش، والعدة ولحوق الولد. وللمرأة عليه شيئان: المهر، والنفقة، وسقط الحد والإثم. وإن علم أحدهما دون الآخر سقط حق العالم ولزمه الحد، ولم يسقط حق

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): 251.

[ 327 ]

الجاهل، وسقط الحد، والتحريم لازم، وللزوج الأول عليها رجعة، ولم يخل: إما جاءت بولد، أم لم تجئ فإن جاءت بولد انقضت عدة الأول بوضع الحمل، واستأنفت العدة عن الثاني. إن لم تجئ. بولد أتمت العدة للأول، واستأنفت للثاني. وأما المضطربة الحيض فعدتها بالاقراء إذا رأت بين الدمين نقاء، وهي إذا تغيرت عادتها، ورأت الدم في كل شهرين، أو ثلاثة بعد ما كانت ترى في كل شهر (1)، أو بالعكس من ذلك، وإن لم تر بين الدمين نقاء فهي مستحاضة، وهي على ثلاثة أضرب: إما عرفت أيام حيضها وتعتد بالاقراء، أولم تعرف وتميز لها الدم فكذلك، أو لم يتميز لها الدم، ويلزمها الاعتداد بالاقراء على عادة نساء أهلها، أو على عادة أترابها إن لم يكن لها من أهلها نساء، فإن فقدت اعتدت بالشهور. والغائب عنها زوجها، وإن كانت من ذوات الأقراء كان عليها مثل عدة الشهور من يوم طلقها ما لم تشتبه، فإن اشتبه اعتدت من يوم وصول الخبر إليها. والأمة أم ولد، وغيرها. فأم الولد إذا تزوجها غير سيدها، ثم طلقها بعد الدخول بها وعتقت في العدة، فعدتها عدة الحرائر، وإن لم يكن له عليها رجعة، أو لم تعتق في العدة كان حكمها حكم الأماء. وغير أم الولد، إن كانت من ذوات الشهور فعدتها خمسة وأربعون يوما، وإن كانت من ذوات الأقراء فعدتها قرءآن. والكتابية عدتها عدة المسلمة، والمتمتع بها عدتها مثل عدة الأماء. وما هو في حكم الطلاق ثمانية أشياء: الفسخ، والبينونة باللعان، ارتداد الزوج، واختيار الحرة الفراق إذا تزوج عليها أمة زوجها. واختيار العمة، والخالة الفراق إذا تزوج زوجها بغير رضى منها بنت أخيها، أو أختها.

(1) في نسخة " م ": شهرين.

[ 328 ]

والفراق من النكاح الفاسد: أو شبهة الوطء. والمعتدة عن الطلاق: بائن، وغير بائن. والبائن: حامل وغير حامل. فالحامل يلزم لها النفقة والسكنى لمكان الحامل وغير الحامل لا يجب لها ذلك. وغير البائن من الرجعيات تلزم لها النفقة، والسكنى في البيت الذي طلقت فيه، إلا لعذر، ولا يجوز لها الخروج منها إلا لحجة الاسلام، أو قضاء حق، وخرجت بعد انتصاف الليل، ورجعت إليه قبل الصحيح، ولم تخل: إما تكون معها احماؤها في بيتها، أو لا تكون. فإن كانت، وأتت بفاحشة مبينة، وأقلها أن تؤذي أهل الرجل بلسانها كان للرجل إخراجها عنه إلى غيره، وإن بدأت عليها احماؤها،، لزمها الانتقال عنها دونها وإن كانت في بيت منفرد لم يلزم الانتقال عنه، وإن وجب عليها الحد حدت خارجه وردت إليه. وأما عدة الوفاة، فيلزم المدخول بها، وغير المدخول بها، والحرة، والأمة، والمتمتع بها، والكتابية، وأم الولد، إلا لمن عقد عليها عقدا فاسدا أو انفسخ نكاحها، أو فسخ، فعدة غير المدخول بها من الحرائر أربعة أشهر وعشر، وعدة المدخول بها كذلك إذا كانت حائلا، ويلزم الاعتداد من يوم الوفاة إذا مات حاضرا، ومن يوم وصول الخبر إن مات غائبا. والاعتداد بالشهور الهلالية. وإن كانت حاملا فعدتها أبعد الأجلين من وضع الحمل، وانقضاء أربعة أشهر وعشر. والأمة عدتها على النصف من عدة الحرة، وإن كانت حاملا فعدتها أيضا أبعد الأجلين. وإن مات الزوج وقد طلقها وهي في عدة له عليها فيها رجعة لزمتها عدة الوفاة. وكذلك حكم الأمة إذا كانت عند سيدها ومات عنها، أو زوجها من غيره،

[ 329 ]

ومات عنها وهي في عدة له عليها فيها رجعة، كانت عدتها عدة الحرائر. والمدبرة إذا مات عنها سيدها، وقد وطأها بملك اليمين أو أعتقها قبل وفاته، فعدتها عدة الحرائر، وإن كانت حاملا فعدتها أبعد الأجلين. وإن لم يطأها فلا عدة عليها، وإن لم يدبرها فعدتها عدة الأماء. والمتمتع بها عدتها مثل عدة الحرة في عدة الوفاة. ويلزم الحداد كل زوجة صحيحة الزوجية تعتد عن الوفاة، وهو الامتناع عن كل ما تتوق إليه النفس من المطعوم، والملبوس، والمشموم، والمضمخ به (1)، والكحل، وما يصفي اللون، أو يحسن، ولزوم موضع الاعتداد، فالأولى أن يكون الموضع الذي كانت مقيمة فيه، ويجوز لها الخروج إلى غيره، ولا يلزم لها النفقة، إلا إذا كانت حاملا، فينفق عليها من نصيب ولدها. فصل في بيان أحكام الرجعة إنما تصح الرجعة للرجل على امرأته بشرطين: أحدهما أن تكون المطلقة مدخولا بها، والثاني أن يكون الطلاق بائنا. والبائن سبعة أضرب: طلاق من لم يدخل بها، وطلاق من لم تبلغ المحيض ولا مثلها، والآيسة من المحيض هي ومثلها، وطلاق المختلعة، والطلاق بعد المباراة، والطلاق الثالث للحرة، والثاني للامة. والحقيقة كل طلاق لا يكون للزوج المراجعة فيه إلا بعقد جديد ومهر مستأنف، أو بعد أن تنكح زوجا غير بائن. وكل طلاق يكون له المراجعة بغير تجديد عقد رجعي. فإذا طلق الرجل زوجته بإيثاره واحدة أو اثنتين، ولم تخرج من العدة كان

(1) تضمخ بالطيب: تلطخ به. الصحاح 1: 426 " ضمخ ".

[ 330 ]

له الرجوع فيها من غير تجديد عقد ومهر. وإن خرجت من العدة كان بائنا، ولم يكن له الرجوع فيه، إلا بتجديد عقد. وإن طلقها ثلاثا لم يكن لها الرجوع فيها، إلا بعد أن تنكح زوجا غيره على الشروط المعتبرة. وحكم التطليقتين مع الأمة حكم الثلاث مع الحرة. والحامل كان له الرجعة عليها ما لم تضع ما في بطنها، ولم يطلقها ثلاثا. وانقضاء العدة لذوات الأقراء بثلاث حيض، ولذوات الشهور بثلاثة أشهر للحرة، وبانقطاع الدم الأول للامة إن كانت من ذوات الأقراء، وبخمسة وأربعين يوما لذوات الشهور. فإن اختلفا في تقديم الطلاق، وتأخيره من غير بينة كان القول قول من ادعى التأخير، إلا في النفقة للزوجة، ويلزمها الاعتداد من الوقت الذي تدعى. والمراجعة ضربان: قول، وفعل. فالقول أحد ستة ألفاظ: راجعتها، وارتجعت، ورددت، وأمسكت، وتزوجت، ونكحت. والفعل أربعة: الوطء، والقبل، واللمس بشهوة، وإنكار الطلاق. ويزداد للأخرس واحد، وهو كشف المقنعة عن رأسها. والاشهاد فيها مستحب. فصل في بيان النكاح المحلل للزوج الأول إذا تزوج الرجل المطلقة ثلاثا طلاق السنة، ولم يشرط طلاقها ولا ارتفاع النكاح بينهما، ولإفساد العقد إذا أباحها للأول، ودخل بها، وكان النكاح دائما صحيحا حلت للأول بخمس شرائط: أولها: أن يتزوج بها نكاحا شرعيا صحيحا دائما بعد ما خرجت من العدة. وثانيها: أن يتزوج بها بعد ما اعتدت عدة كاملة. وثالثها: أن تكون ممن يصح منه الدخول، ويذوق كل واحد منهما عسيلة

[ 331 ]

الآخر. ورابعها: أن تبين منه بينونة شرعية. وخامسها: أن تعتد منه عدة وافية، فإن اختل شئ من ذلك لم تحل للأول، وإن جامعها في غير الموضع المعهود لم يحلل. فصل في بيان الخلع الخلع: بذل المرأة مالا لزوجها فدية لنفسها لكراهيته، ولا يجوز ذلك إلا مع اضطراب الحال بينهما. والفصل يشتمل على بيان ستة أشياء: بيان ماهية الخلع، وقد ذكرناه، وبيان ما يوجب الخلع، وكيفيته، وقدر الفدية، وجنسها، والشروط التي يحتاج في صحته إليها. وما يوجب الخلع أربعة أشياء: قولا من المرأة، أو حكمها. فالقول، أن تقول: أنا لا أطيع لك أمرا، ولا أقيم لك حدا، ولا اغتسل لك من جنابة، ولأوطئن فراشك من تكرهه. والحكم أن يعرف ذلك من حالها. وكيفيته تحصل باجتماع ثلاثة شروط: أن يبتدئ أحدهما بلفظة الخلع، ويقرن به الفدية، ويجيبه الآخر إليه بأن يقول الرجل: خالعتك على مائة دينار، أو تقول المرأة اختلعت نفسي منك على ما ذكرنا، فأجابه الآخر إليه. وأما قدر الفدية فموكول إليهما، قل أم كثر، وإن زاد على المهر. وأما جنسها، فيجب أن يكون مما يصح تملكها شرعا. والشروط التي تحتاج في صحته إليه ثمانية أشياء: أن يخالع باللفظ الصريح دون الكناية، ويراعي شروط صحة الطلاق فيه، وأن تكون المرأة طاهرا طهرا

[ 332 ]

لم يقربها فيه بجماع إذا كانت المرأة لطلاقها سنة وبدعة، ويعين قدر العوض، وجنسه، ونقده، وعراه من الشرط (1)، والوصف، ويطلقها واحدة على الصحيح من القول. فإن خالف شيئا من ذلك بطل الخلع، ولم يخل: إما أطلقا، أو قيدت المرأة بالرجوع فيما افتدت، والرجل بالرجوع في بضعها،، وكلاهما جائز. فإن أطلقا لم يكن لأحدهما الرجوع بحال، إلا برضاء الآخر. وإن قيدا لم يخل: إما لزمتها العدة، أو لم تلزم. فإن لزمتها جاز الرجوع ما لم تخرج من العدة، فإن خرجت منها أو لم تلزم العدة لم يكن لهما الرجوع بحال، إلا بعقد جديد، ومهر مستأنف ويجوز شرط تعجيل الفدية، وتأجيله. فصل في بيان المباراة والنشوز المباراة إنما تكون من جهة الزوجين معا، فإذا التمس أحدهما من الآخر، وقال: أنا كرهت المقام معك، وأنت كرهته معي، فبارئني على كذا لتعطي المرأة زوجها، أو تترك له شيئا من مهرها، وأجابه الآخر إليه صح بشرطين: تكون الفدية أقل من المهر، وبتطليقها واحدة. ويجوز رجوعها فيما بذلت بشرطين: الرجوع قبل انقضاء العدة، وإرادة الزوج الرجوع في البضع. وأما النشوز، فقد يكون من جهة الرجل، ومن جهة المرأة أيضا. فما يكون من جهة الرجل هو أن يكره المقام معها، وتكره هي فراقه. وإماراته غير خافية لمنعه إياها حقوقها من النفقة، والقسم، وغير ذلك. فإن طيبت نفسه بالفعل الجميل، والقول اللطيف، أو تركت حقوقها، أو بعضها له، واعطائه شيئا من مالها قبل، فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما. فإن أصر وآذاها ليأخذ منها

(1) في نسخة (م): الشروط.

[ 333 ]

شيئا، أو يترك له حقها، أو يخالعها كان عضلا، فإن بذلت بذلك واختلعت لم يملكه، وكان لها فيه الرجوع، وله الرجوع في البضع ما لم تخرج من العدة، وهذا الطلاق رجعي، ولزم الحاكم أن يأمرها بالمعاشرة بالمعروف. وما يكون من جهة المرأة يظهر تارة بالقول، وتارة بالفعل. فالقول ترك التلبية إذا دعا، والخطاب بخلاف ما عودته من المقال، والقول الجميل بعد خضوعها له فيه. والفعل ترك طاعته، والإصرار على عصيانه، وترك المبادرة إلى أمره، والاجابة له في الأمور بتكره ودمدمة، فإذا كان ذلك أمرها بتقوى الله، وعرفها عاقبة ترك طاعة الزوج، وأحسن نصيحتها، ووعظها، فإن أصرت هجرها في المضجع إن شاء، فإن أصرت ضربها ضربا رقيقا. وإن ادعى كلاهما النشوز أسكنهما الحاكم بحيث يطلع عليهما ثقة ليعرف حالهما، فإذا عرف أخبر الحاكم به ليحكم بالواجب فيه. فصل في بيان الشقاق إذا وقع بين الزوجين نشوز، لم يخل: إما تراقى إلى ما لا يحل من قول وفعل، أو لم يتراق. فإن تراقى بعث الحاكم حكما من أهله، وحكما من أهلها ليدبر الأمر، فإن جعلا إليهما الاصلاح والطلاق، وأنفذا ما رأياه صلاحا من غير مراجعة، وإن أطلقا لهما القول، وحضر كلا الزوجين ولم يكن أحدهما مغلوبا على عقله، ورأيا الاصلاح أصلحا من غير مراجعة، وإن رأيا التفريق بينهما بطلاق، أو خلع لم يمضيا إلا بعد المراجعة، فإن رضيا فذاك، وإن أبيا ألزمها الحاكم القيام بالواجب، وإن رأى الحاكم أن يبعث الحكمين من غير أهلهما جاز. وإن كان أحد الزوجين غائبا لم يفصل بينهما، وإن كان مغلوبا على عقله بطل حكم الشقاق.

[ 334 ]

وإن لم يتراق الأمر بينهما إلى ما لا يحل، وأمن الاصلاح أصلح الحاكم بينهما، وإن لم يمكن كان في حكم ما تراقى. فصل في بيان الظهار الظهار في الشريعة: عبارة عن قول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أو بنتي (1)، أو واحدة من المحرمات نسبا، أو رضاعا، أو عضو من أعضائها وسمى، أو بعضك وسمى، وعين العضو، أو لم يعين علي كظهر أمي، أو إحدى المحرمات. وإذا ظاهر مطلقا (2) حرم عليه وطؤها بنفس الظهار، والكفارة بالعزم على الرجوع. وإذا ظاهر مشروطا حرم الوطء بوقوع الشرط، ولزمته الكفارة بالوقاع، بالعزم على الرجوع بعد وقوع الشرط، فإن تكرر منه لفظ الظهار لم يخل: إما تكرر منه متواليا، أو متراخيا. فالأول لم يخل: إما أراد به التأكيد، أو الظهار. فإن أراد التأكيد لم يلزمه غير واحد، وإن أراد الظهار كان الجميع ظهارا. والثاني: يكون الجميع ظهارا، وإن ظاهر عن جميع أزواجه بلفظة واحدة وقال: أنتن علي كظهر أمي كان مظاهرا من الجميع. وإنما يكون الظهار شرعيا باجتماع عشرة شروط، منهما اثنان مما يتعلق بالمرأة وهما: كون المرأة غير مدخول بها، وكونها طاهرا طهرا لم يواقعها فيه. والباقي يتعلق بالزوج خمسة منها ترجع إلى الاثبات، وهي التلفظ بالصريح دون الكناية، والنية، والقصد بها إلى التحريم، وأن يكون بإيثار، واختيار، ويشهد عدلين حرين. وثلاثة ترجع إلى النفي، وهي: انتفاء الغضب، والسكر، والقصد به إلى الاضرار.

(1) في نسخة " م ": مشروطا أو مطلقا.
(2) في نسخة " م ": وعزم على الرجوع.

[ 335 ]

فإن ظاهر مطلقا، وعزم على الرجوع لزمته كفارة، فإن وطأها عمدا قبل أن يكفر لزمته كفارتان، وإن وطأها ناسيا لم تلزمه غير واحدة وإن تكرر منه الوطء قبل التكفير عن الأول لم يلزمه غير واحدة، وإن كفر عن الوطء الأول لزمته عن الثانية، وعلى هذا. والمشروط إذا وقع (1) الشرط كان في حكم المطلق، ويقع الظهار في الطلاق الرجعي دون البائن فإن راجع لزم حكم الظهار. وإن خرجت من العدة، واستأنف عليها العقد لم يلزم، وإن ظاهر ثم طلق بائنا، وجدد العقد قبل الخروج من العدة لزم الحكم، وبعد الخروج لم يلزم. وإن رفعت المرأة الحال إلى الحاكم بعد الظهار، وفقد عزم العود أنظره الحاكم ثلاثة أشهر، فإن عاد، وإلا ألزمه الطلاق إذا لم يكن عاجزا عنها. فإن آلى منها بعد الظهار، وقبل التكفير لزمه حكمان متعاكسان: حكم الايلاء، وحكم الظهار، فإن كفر زال حكم الظهار، وإن جامع لزمته ثلاث كفارات. وإن طلق فقد وفى حكم الايلاء، وبقي حكم الظهار ما دامت في العدة. والظهار يقع بأم الولد، والمدبرة، وبالأمة إذا كانت زوجة. فصل في بيان الايلاء الايلاء في الشريعة: يمين الرجل على أن لا يطأ زوجته، وإنما يصح باجتماع عشرة شروط، ستة منها ترجع إلى المولى، وهي: أن يكون عاقلا، ويتلفظ باليمين، وتقترن بها النية، ويريد بها الاضرار، ويوقع على مدة تزيد على أربعة أشهر، ولا يعلقها بشرط. ومنها ما يتعلق بالمرأة شيئان: أن يكون مدخولا بها، طاهرا طهرا لم يواقعها فيه. ويتعلق منها شيئان بغير هما، وهو أن يولي بالله تعالى، أو بأسمائه الحسنى.

(1) في نسخة " م ": قرن.

[ 336 ]

وإنما يقع الايلاء بالتي تزوجها بنكاح الغبطة حرة كانت أو أمة دون غيرها. وإن حلف لمصلحة لم يكن موليا، وإذا آلى كانت المرأة مخيرة بين الصبر، والاستعداد، فإن استعدت ضرب له الحاكم مدة أربعة أشهر ليفي أو يطلق، فإن فاء وجامع لزمته كفارة اليمين، وإن طلق فقد وفى عليها حقها، وإن امتنع عنهما حبسه الحاكم في حظيرة من قصب ليفي أو يطلق، وإن سوف حتى تنقضي المدة المحلوف عليها لم يحنث، وسقطت الكفارة وأثم، وإن فاء قبل انقضاء المدة فقد أحسن، وإن طالبته بالفيئة قبل انقضائها لم يسعها. وفيئة القادر الجماع، وفيئة العاجز بالمرض، أو الحبس، أو غير ذلك باللسان، وهي الاعتذار، والوعد بذلك إذا زال المانع، فإذا زال فاء فيئة القادر أو طلق، فإن استمهل أمهل. والأمة إذا كانت زوجة كانت في حكم الحرة في الايلاء، ولا حق لسيدها فيه. فصل في بيان أحكام اللعان اللعان: عبارة عن أيمان مخصوصة على وجه مخصوص يحلفها الزوجان بعد قذفه إياها. فإذا قذف الرجل زوجته لم يخل: إما يمكن اسقاط الحد باللعان كما يمكن إسقاطه بالبينة، أو لا يمكن. فإن أمكن كان باجتماع سبعة شروط: أن يكون كل واحد من الزوجين بالغا، عاقلا، ويكون النكاح دائما، والمرأة مدخولا بها غير خرساء، ولا صماء، والرجل بصيرا، إلا في الانتفاء عن الولد. وإن لم يمكن الحد باللعان كان في ستة مواضع: أن تكون المرأة غير مدخول بها، أو تكون صماء، أو خرساء، أو لا يدعي الرجل المشاهد مثل الميل في المكحلة، إذا قذفها بالزنى في حبالته، أو يكون أعمى وقذفها بالزنى، فإن نفى الولد صح منه اللعان، أو قذفها بالزنى في عدة منه وكان الطلاق بائنا، ولم يكن هناك ولد، فإن أقام بينة، وإلا كان موجبة الحد، إلا إذا عفت المرأة.

[ 337 ]

فإذا قذف زوجته وقد دخل بها، وهي في حبالته أو في عدة رجعية منه، وادعى المشاهدة، وكان بصيرا، والمرأة غير صماء، ولا خرساء، وقد اجتمع فيهما شروط اسقاط الحد باللعان كان مخيرا: إن شاء أسقط الحد بالبينة، وإن شاء أسقطه باللعان. فإن أقام بينة رجمت المرأة، وورثها. وإن تلاعنا انفسخ النكاح بينهما، وحرمت عليه أبدا، وسقط الحد. إن تلاعنا على نفي الولد لم يلحق النسب بالأب. وإن كانت المرأة صماء، أو خرساء وقذفها وأقام بينة، رجمت مثل السميعة البصيرة، وإن لم يقم بينة انفسخ النكاح بينهما بغير طلاق، وحرمت عليه أبدا، ولزمه الحد. ولا يجوز للرجل اللعان إلا بعد أن رأى عيانا، وقد أدخل الميل في المكحلة، ولا ينفي الولد إلا بعد أن يرى رجلا يطأ زوجته في طهر لم يواقعها فيه، وراعى ذلك، وجاءت بولد لمدة الحمل. أو طلق زوجه واعتدت وتزوجت، وجاءت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم الفراق. أو غاب عنها غيبة وجاءت بولد لأكثر من مدة الحمل من وقت غيبته عنها. أو دخل بها ولم يجامعا في الفرج، ولم يسبق ماؤه إليها. وظهر به الحمل. فإذا خلا الأمر من أحد هذه الوجوه الأربعة لم يجز له نفي الولد، فإذا نفى الولد، أو قذفها في حبالته أو في العدة التي له فيها عليها رجعة، وعجز عن البينة، فإن تلاعنا سقط الحد وانفسخ النكاح، ولم يلتحق الولد، فإن لم يجب الرجل، وأجابت المرأة لزمه حد القذف، وثبت النكاح، والتحق الولد. وإن أجاب الرجل دون المرأة لزمها الرجم، ولم ينفسخ النكاح، ولم يلتحق الولد، ولم يلزم الرجل حد. وإن مات الرجل قبل اللعان بطل حكمه، ولزم لها الميراث، وعليها العدة. وإن ماتت المرأة قبله، وقام وليها مقامها، فإن أجاب إليه ولا عن سقط الحد عنه

[ 338 ]

والميراث عنها، وإن لم يجب إليه، أو لم يكن لها ولي يقوم مقامها فيه لزمه الحد، وثبت له الميراث. وإن كانت المرأة حاملا وأجابا إلى اللعان، إن شاءا تلاعنا، وإن شاءا تركا حتى تضع حملها، فإن وجب في ذلك عليها حد آخر إلى وضع الحمل. واللعان يصح عند الحاكم، وخليفته، ومن يرضى به الزوجان، فإن أراد الحاكم أن يلاعن بينهما، وكانت المرأة مخدرة استوفى اليمين على الرجل في مجلس الحكم، وبعث إليها من يستوفي اليمين عليها في منزلها بأربعة شهود، وأقلها واحد. وإن كانت برزة أحضرها، وجلس الحاكم مستدبر القبلة، وأقامهما بين يديه تجاه القبلة، والمرأة على يمينه بمحضر من العدول، وقال للرجل: قل أشهد بالله إنه لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنى. وإن كان لنفي الولد، قال مكان من الزنى: وأن هذا الولد من الزنى وليس مني، وكرر عليه أربع مرات، فإذا بلغ إلى كلمة اللعنة غلظ عليه أمر الإقدام على اليمين الكاذبة، ووعظه، وزجره وعرفه وبال العاقبة، وقال له: قل إن لعنة الله علي أن كنت من الكاذبين، فإن مر في اليمين أمر من يضع يده على فيه ويسكته تهويلا لليمين، فإن رجع حد والزوجية بحالها، وإن مر فيها قال الحاكم للمرأة: ما تقولين فيما رماك به، فإن اعترفت رجمت، وإن أنكرت قال لها: قولي: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما قذفني به، وكرر عليها أربعا، ثم وعظها، وزجرها، وخوفها كما فعل بالرجل، فإن مرت فيها أمر من يضع يده على فيها: ويسكتها كما فعل بالرجل، فإن لم ترتدع، قال لها: قولي: أن غضب الله علي إن كان من الصادقين فيما رماني به، فإذا فعل ذلك الحاكم، وفرغ من اللعان فقد حصل موجبه من انتفاء الولد إن كان، وانفساخ النكاح، وتحريم التأبيد، وسقوط التوارث، ولا يصح اللعان بخلاف ألفاظ القرآن، أو بما يفيد مفادها إذا لم يعرف العربية.

[ 339 ]

فصل في بيان الفسخ بالارتداد الزوجان إذا ارتد أحدهما، أو كلاهما لم يخل حالهما من ثلاثة أوجه: إما ولدا على فطرة الاسلام، أو أسلما عن الكفر، أو ولد أحدهما على الفطرة، وأسلم الآخر عن الكفر. فإن ولد معا على الفطرة، وارتد أحدهما انفسخ النكاح بينهما بنفس الارتداد، لأن توبته لا تقبل، وإذا ظفر به قتل، وصار ماله لورثته المسلمين. وإن ارتد كلاهما صار مالهما لورثتهما المسلمين، ولبيت المال إن لم يكن لهما وارث مسلم، وسواء دخل بها الزوج، أو لم يدخل في انفساخ النكاح إذا ارتد أحدهما. وإن ولد أحدهما على فطرة الاسلام دون الآخر، وارتد المولود على فطرة الاسلام انفسخ النكاح بنفس الردة، وإن ارتد الآخر لم يخل: إما دخل بها الزوج، أو لم يدخل، فإن دخل بها، وكان الزوج هو المرتد انتظرت به انقضاء العدة، فإن رجع قبل انقضائها كان أحق بها، وإن رجع بعد الانقضاء فقد ملكت نفسها. وإن ارتدت المرأة، ورجعت قبل انقضاء العدة فهو أحق بها، وإن رجعت بعد انقضائها فقد بانت منه. وإن أسلما معا عن كفر، وارتد أحدهما، ولم يدخل بها الزوج بطل النكاح في الحال، وإن دخل بها كان الأمر موقوفا على ما ذكرناه في الرجوع.

[ 340 ]

كتاب العتق والتدبير والمكاتبة فصل في بيان العتق وأحكامه العتق: انفكاك الرق عن المملوك، ويجوز سبي جميع نساء أصناف الكفار وذراريهم، إلا من عقد لهم عقد الذمة من اليهود، والنصارى، والمجوس، أو عقد الأمان لهم منهم ومن غيرهم. ويجوز تملك من سبي، ومن سرق، ومن اشتري من آبائهم، وقراباتهم، وأزواجهم، ومن سباهم وإن كان كافرا. وإذا ملك مملوكا لم يخل من ستة أوجه: إما يعتق عليه في الحال، أو يجب عليه عتقه، أو يستحب له، أو يكره، أو يحظر، أو يجوز. فالأول: تسعة: الوالدان وإن علوا، والولد وإن نزلوا، وجميع المحرمات عليه نسبا، ورضاعا، ومن نكل به، أو برص، أو عمي، أو جذم أو أقعد، ومن شرط في النذر عتقه إن ملكه. والثاني اثنان: من نذر أن يعتقه إذا ملكه، ومن اشتراه وشرط عليه البائع أن يعتقه. والثالث ثلاثة: من يكون من ذوي أرحامه غير من ذكرنا، وهو مؤمن،

[ 341 ]

ومن ملكه سبع سنين وهو مؤمن، ومن ملكه وهو مؤمن مستبصر. والرابع أربعة: المخالف إلا إذا نذر عتقه، والصبي، والعاجز عن الاكتساب، ومن لا يقدر على القيام بنفقته إلا إذا جعل له ما يعينه على المعيشة. والخامس واحد: وهو الكافر. والسادس اثنان: ولد الزنى، والمستضعف. ولا يصح العتق من ثمانية: الصبي إلا إذا كان مراهقا رشيدا وأعتق بالمعروف، والمكره، والسكران، والغضبان، والمجنون، والمعتوه، والمحجور عليه، وغير المالك. وإنما يصح من العاقل بأربعة شروط: التلفظ بالعتق إذا قدر، أو ما ينوب مناب اللفظ إذا عجز، ونية العتق، وأن يقصد به وجه الله تعالى، وأن لا يعلق بشرط. وإذا أعتق لم يخل من ثلاثة أوجه: إما أعتق مملوكا له، أو بعضا من واحدا أو واحدا من جماعة مماليك. فالأول لم يخل من أربعة أوجه: إما أعتق في حق واجب عليه، ولا يكون له عليه ولاء إذا أعتقه تطوعا، وتبرأ من جريرته، ويكون سائبة لا ولاء له عليه، أو لم يتبرأ من جريرته، وله عليه ولاء أو أعتقه وشرط عليه خدمة مدة معينة، ويلزم العبد الوفاء به، فإن أبق ولم يرجع إلى انقضاء المدة، وسقطت عنه، أو إلى انقضاء بعض المدة، ولزمه الخدمة فيما بقي من المدة، أو شرط عليه أن يعطيه شيئا من الدراهم، والدنانير ويلزمه على كل حال. أو أعتقه وقد ملكه شيئا، أو جعل له فاضل ضريبته، أو استحق الأرش بما أصيب في بدنه، أو أعتقه وقد علم بما معه من المال كان المال له إلا إذا شرط لنفسه قبل التلفظ بالعتق، وإن لم يكن عالما بما معه من المال كان المال لسيده. وإن شرط عليه شيئا من المال، ورده إلى العتق، إن لم يرد لزم.

[ 342 ]

والثاني لم يخل: إما يكون الباقي له، أو لغيره، لم يخل: إما أراد به الاضرار أو لم يرد. فإن أراد وكان موسرا قوم عليه الباقي، والزم قيمته، وعتق عليه. وإن كان معسرا لم ينفذ عتقه. وإن لم يرد الضرار، وكان موسرا استحب له ابتياع الباقي، فإن ابتاع عتق عليه، وإن لم يبتع، أو لم يبع منه شريكه لزمه أن يستسعيه في ثمنه، ولم يسع له وضع ضريبة عليه، وإلا استخدامه فإن لم يسع العبد ملك نفسه بمقدار ما تحرر منه، وكسبه، وفطرته، وقدر المحتاج إليه من النفقة بينهما بالحساب. وإن كان كسبه مهاياة بينهما كان ما كسب في يومه له من النادر والمعتاد، وما كسب في يوم سيده لسيد على ما قلنا، إلا الميراث فإنه له. والثالث: يقرع بينهم، فمن خرجت قرعته عتق، وكذلك الحكم إن أوصى بعتق أحد مماليكه. وإن أعتق مريض عبدا وعليه دين، فإن كان قيمة العبد ضعفي الدين نفذ العتق، ولزم العبد السعي في دين سيده، وإن كان قيمته أقل من ذلك بطل العتق، وإن أعتق أمة ذات ولد، وقد بان منها لم يسر العتق إلى الولد، وإن كانت حاملا سرى إليه وإن استثنى، وإذا استباع العبد، وكان سيده يعامله بالمعروف لم يجب إليه، وإن لم يعامله بالمعروف أمر به، فإن فعل وإلا ألزم بيعه، فإن امتنع بيع عليه. فصل في بيان أحكام أمهات الأولاد كل وطء يحصل منه ولد يلتحق بالواطئ صارت الأمة له أم ولد، إلا في ثلاثة مواضع ذكرناها في أحكام السراري وملك الايمان، سواء كان الولد حرا أو مملوكا. وكذلك في خمسة مواضع: وطء بملك يمين وبعقد على جارية غيره، وبتحليل

[ 343 ]

الأمة، وبشبهة عقد، أو نكاح. وسواء ولدت الولد حيا أو ميتا، أو سقط منها تاما أو غير تام، ظهر فيه تخطيط أو لم يظهر، فإن صارت أم ولد وهي في ملكه، أو في ملك غيره، ثم ملكها لم يخل: إما بقي ولدها، أو مات. فإن بقي لم يخل: إما بقي ثمن رقبتها في ذمة سيدها، أو لم يبق. فإن بقي لم يخل: إما مات سيدها، أو كان حيا. فإن بقي ثمنها في ذمة سيدها، ولم يكن له مال سواها لزمه بيعها في ثمن رقبتها. وإن كان له مال سواها قضى الدين منه، ولم يجز له بيعها ما دام ولدها حيا. وإن مات سيدها، ولم يكن له مال سواها، وكان ثمنها في ذمة سيدها عادت بولدها رقا. وإن كان له مال سواها قضى الدين من المال سواها، وجعلت في نصيب ولدها، وعتقت عليه. وإن قصرت التركة عن ذلك عتق منها نصيب الولد عليه، واستسعيت لباقي الورثة في نصيبه. وإن كان عليه دين في غير ثمن رقبتها قومت على ولدها، فإذا بلغ ألزم أداؤها، فإن لم يكن له مال استسعى فيه، فإن مات قبل البلوغ بيعت في الدين، وإن مات ولدها صح بيعها على كل حال. فصل في بيان أحكام الولاء الولاء ثلاثة أضرب: ولاء الامامة، وولاء ضمان الجريرة، - وسنذكرهما في كتاب المواريث إن شاء الله -، وولاء العتق. ويثبت ذلك على ثمانية نفر: من أعتقه مولاه تطوعا لوجه الله تعالى، أو نذرا ولم يجعله سائبة، أو أعتقه عن غيره بغير إذنه حال حياة ذلك الغير، أو بعد وفاته، ومن عتق عليه إذا ملكه، ومن شرط عليه الولاء إذا كاتبه، أو باعه منه. والمدبر

[ 344 ]

وأم الولد، وعتيق المعتق إذا مات المعتق، فإذا ثبت له الولاء ضمن الجريرة، وميراثه لمن له ولاؤه على ما سنذكره في كتاب المواريث. والولاء للمعتق ما دام حيا، رجلا كان أو امرأة، فإذا مات، وكان رجلا كان ذلك لولده الذكور دون الاناث. والأب يقاسمه على رواية. وولد الولد يقوم مقام أبيه في مقاسمته، والأم لا ترث الولاء على الصحيح، والأخ من قبل الأب، والأم، أو الأب وحده يرث دون الأخ من قبل الأم على ترتيب سائر المواريث، وإن كان المعتق امرأة وماتت كان ولاء عتيقها لعصبتها دون ولدها. فصل في بيان الكتابة الكتابة: من عقد شخص على مملوك له على مال مقدر يؤديه إليه في نجوم مخصوصة أو نجم مخصوص ليعتق بأداء المال إليه. والكتابة إذا التمسها أحدهما أو كلاهما مستحبة بخمسة شروط، وهي: إذا كان العبد مكتسبا، ذا أمانة، غير طفل، ولا مجنون، ولم يغل بثمنه، وهي تشبه البيع من وجهين: تعيين الأجل، والعوض. ويفارقها البيع من وجه، وهو شرط الخيار، وهي تخالف البيع من وجهين: امتداد خيار العبد، واحتياجها إلى الأجل. وتصح بأربعة شروط: بالنية، وتعيين الأجل واحدا كان أو أكثر، ووصف العوض ثمنا كان أو عروضا، وبيان مقدار ما يؤدي في كل نجم. والمكاتب حرمن وجه، وهو صحة تصرفه في خمسة أشياء: البيع، والشراء، والاستسلاف، وطلب الشفعة، والهبة من (1) سيده. وعبد من وجه، وهو حجر التصرف عليه في ثلاثة عشر شيئا: الهبة من غير

(1) في نسخة " م ": على.

[ 345 ]

سيده، والإقراض، وبدل العوض على الاختلاع إن كان المكاتب أمة، والتزوج، والمحاباة في المشارات، والعتق، والكتابة، وابتياع من يعتق عليه، والتكفير بغير الصوم، وبيع الشئ نسيئة، والإسلاف، والقراض، والرهن بثمن ما ابتاعه مؤجلا. وهي ضربان: مشروطة: ومطلقة. فالمشروطة: أن يشرط في العقد رده إلى الرق، إن عجز عن أداء الثمن، والمطلق: أن لا يشرط ذلك، فإذا عجز كان له رده إلى الرق سواء عجز عن أداء الجميع، أو عن أداء بعضه، فإذا رده إلى الرق، كان له ما أخذ. وهي عقد جائز من الطرفين، والمطلقة عقد لازم من جهة السيد، جائز من جهة المكاتب، فإذا أدى شيئا من مال الكتابة عتق بقدر ذلك، فإن شرطا في العقد أن المكاتب إذا وفي من ثمنه ما يخص نجما، أو نجمين عتق، فإذا وفى عتق وكان الباقي دينا في ذمته، وإن عجل جعل عتقه على أن يؤدي كل نجم عند محله صح. ويرث هذا المكاتب، ويستحق ما أوصى به له، والحد بحساب ما تحرر منه، ولم يرث ولم يستحق ما أوصى به له بحساب الرق، والحد يستحقه بحساب ما تحرر منه حد الحر، وبحساب ما رق حد العبيد. وإن عجز نفسه وعاد إلى الرق، وكان له ولد من أمة له كان عبدا لسيده، ويستحب للسيد الايتاء، وهو أن يعطيه شيئا من سهم الرقاب، ليعينه على فك رقبته. فصل في بيان التدبير التدبير: عتق معلق بموت المعتق، أو بموت من جعل سيده خدمته له مدة حياته، وشروط صحته شروط صحة العتق، وله شبه بالوصية من وجهين: جواز الرجوع فيه، واعتبار خروجه من ثلث المال. وصورته أن يقول: أنت حر بعد

[ 346 ]

وفاتي، أو ما يعيد فائدته وهو ضربان: مطلق، ومقيد. فالمطلق ما ذكرناه، والمقيد أن يقول: إن مت في سنتي هذه، أو في سفري هذا، أو ما أشبه ذلك فأنت حر، والرجوع فيه يكون بالقول إذا أمكنه، وبالنية معا. وليس التصرف فيه بالبيع، والشراء، والهبة، وغير ذلك رجوعا، فإذا أراد ذلك رجع، ثم باع، أو فعل ما شاء. وإذا دبر مملوكا فرارا من دين عليه لم يصح، وإن لم يكن فرارا صح، وإذا مات المدبر، وخرج المدبر من ثلث المال عتق، وإن لم يخرج عتق بقدر الثلث، واستسعى في بقية الثمن. وإذا ابتاع المدبر جارية بإذن مولاه فأولدها، ورجع في التدبير صح في المدبر دون ولده، وكان الولد أيضا مدبرا لسراية التدبير من أبيه إليه، فإن أبق المدبر بطل التدبير، فإن رزق بعد الاباق مالا، وأولادا كان الجميع لمولاه، فإن مات المولى كان الجميع لورثته، وإن دبره وجعل خدمته مدة حياة نفسه لغيره، وأبق المدبر، ولم يرجع إلا بعد وفاة سيده لم يكن عليه سبيل لأحد. وإن دبر أمة حاملا، وعرف ذلك كان الولد مدبرا أيضا، وإن لم يعرف لم يكن الولد مدبرا، ويصح تدبير أحدهما دون الآخر، وإن دبر جماعة دفعة، ولم يخرجوا من الثلث قدم الأول فالأول، فإن اشتبه أخرج الثلث بالقرعة.

[ 347 ]

كتاب الايمان والنذور فصل في بيان أقسام اليمين لا بد في اليمين من ثلاثة أشياء: حالف، ومحلوف عليه، ومحلوف به. والحالف لم يخل: إما حلف عن غير قصد ولا نية، - ويكون ذلك لغوا لا يلزم به حنث، ولا كفارة، - أو حلف عن قصد ونية، وذلك أيضا ضربان: إما حلف على أمر قد مضى، ولا تلزم به الكفارة بحال، ويلزمه به الحنث إن كذب، وإما حلف على أمر مستقبل، وذلك ينقسم اثني عشر قسما: أما حلف على أنه لا يرتكب معصية، أو لا يترك واجبا، أو لا يفعل مكروها أو لا يخل بمندوب، أو يرتكب معصية، أو يترك واجبا، أو يخل بمندوب، أو يواظب على المكروهات، أو يفعل مباحا،: أو يتركه، ويحلف من تلقاء نفسه، أو يستحلفه غيره. فالأول: يستحق به الثواب وبالاقامة عليه، ويلزمه بحمله خمسة أشياء: الإثم. واستحقاق العذاب، والحنث، والكفارة، والتوبة. والثاني: حكمه كذلك.

[ 348 ]

والثالث، والرابع: يكون مأجورا باليمين، وبالاقامة عليه، ومأزورا بحله لمخالفة اليمين دون ارتكاب المكروه، وترك المندوب، ويلزمه الحنث، والكفارة، والتوبة عن حل اليمين المنعقدة. والخاس: يأثم باليمين، بالإقامة عليه، ويستحق الثواب بحله، ويجب عليه حله، ولا يلزمه به حنث، ولا كفارة، بل يكون بذلك محسنا مطيعا. والسادس: كذلك. والسابع، والثامن: يستحب حلهما، وتركهما، ولا يستحق بذلك مأثما، ولا يلزمه به حنث، ولا كفارة. والتاسع، والعاشر لم يخل: إما أن يكون فعلهما، أو تركهما في باب المصالح دينا أو دنيا سواء، ويلزمه المقام عليه، فإن حله أثم وحنث، ولزمته الكفارة، وإن كان لأحدهما مزية في باب المصالح حله، ولم يلزمه أثم، ولا حنث، ولا كفارة، وروي لزوم الكفارة (1)، وهو الأحوط. والحادي عشر: تكون اليمين على نية الحالف. والثاني عشر: إن كان المستحلف ظالما له باستحلافه فكذلك، وإن كان محقا كان اليمين على نيته. ولا يمين للزوجة مع زوجها، ولا للولد مع والده، ولا للمملوك مع سيده ما لم يؤد إلى فعل قبيح، أو ترك واجب. ومن حلف لدفع أذى عن نفسه، أو أخيه وورى حاز به أجرا، ومن حلف أنه لا يطأ جارية فلان فإذا خرجت من ملكه لم يحنث بوطئها إذا ملكها، أو ملكها غيره وتزوجها، ومن كان عنده أمانة لمسلم، وطالبه ظالم بها، وأمكنه إنكاره أنكر، فإن استحلفه حلف وورى، ومن حلف عليه غيره ليفعل فعلا لم يلزمه بسبب يمينه

(1) التهذيب 8: 291 حديث 1076، الاستبصار 4: 42 حديث 145.

[ 349 ]

شئ إلا أن يؤدي ذلك إلى مفسدة، فإذا أدى إليها، فالأولى إجابته إليه. وأما المحلوف به فأسماء الله تعالى، أو صفات ذاته، أو ذاته بحق، والله، والرحمن، والرب، والعزيز، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، والذي بعث محمدا، والذي أنزل الفرقان، والذي علم السر، ورب العرش، ورب الكعبة، والعالم بالسرائر، والحي القيوم، والذي أصوم له وأحج، والذي أسلمت له، وما أشبه ذلك. ولا يجوز اليمين بغير الله تعالى على وجه، وإن حلف بالبراءة من الله تعالى، أو من رسوله عليه السلام، أو من أحد الأئمة عليهم السلام لم يكن يمينا، فإن كذب أثم ولزمته كفارة النذر، وإن استثنى في اليمين بمشيئة الله تعالى، وكان متصلا، أو في حكمه لم ينعقد. والتنزه عن اليمين على كل حال أفضل، وإن كان صادقا، إلا إذا أدى إلى ضرر يجحف به، ويجتنب اليمين الفاجرة، فإنها تدع الديار بلاقع، فصل في بيان النذر النذر: التزام طاعة لله تعالى بشرط حصول أمر غير محظور، أو اندفاع أمر مكروه. والنذر مشروط، وغير مشروط. والمشروط إن كان الشرط والمنذور فيه كلاهما أو أحدهما معصية لم ينعقد، وإن كان الشرط طاعة والمنذور فيه أيضا طاعة، أو أمرا مرغوبا فيه غير قبيح صح. ولم يخل: إما نذر لله تعالى، وقال،: لله علي كذا إن كان كذا، أو نذر مطلقا، وقال علي كذا إن كان كذا، أو قال: علي كذا. فالأول لم يخل: إما عين بوقت، أو لم يعين. فإن عين بوقت، وأمكنه الوفاء

[ 350 ]

به، ولم يف وقد وقع الشرط لزمته كفارة النذر، وإن لم يمكنه الوفاء به لم تلزمه، وإن عين بوقت لم تصح تلك العبادة فيه لم يصح النذر. وإن لم يعين بوقت، وحصل الشرط لزمه ما نذر على الفور، فإن لم يفعل لم تلزمه الكفارة إلا بموته. وإن نذر بالنية وحدها دون القول كان حكمه حكم من قال بلسانه ونوى، وإن قال: علي كذا إن كان كذا، ولم يقل لله لزمه الوفاء، ولم تلزمه الكفارة بفواته، وإن قال علي كذا فحسب، إن شاء وفى، وإن شاء لم يف، والوفاء أفضل. والنذر ضربان: نذر غصب ولجاج ولا ينعقد ذلك، ونذر طاعة وتبرر، ولم يخل: إما عين الطاعة، أو لم يعين. فإن عين لزمه الوفاء على ما ذكرنا، وإن لم يعين كان مخيرا في فعل أي شئ شاء من أفعال البر والقربة من الصوم، والصلاة، والصدقة. وإن نذر يوما بعينه أن يصوم فيه مطلقا، واتفق أن يكون مسافرا في ذلك، أو يكون اليوم يوم عيد، أو يوما من أيام التشريق، وهو بمنى أفطر وقضى، وإن قيد بحال السفر صام مسافرا، وإن اتفق أن يكون من شهر رمضان صام بنية رمضان وقضى، فإن صام بنية النذر أجزأ عن رمضان وقضى صوم النذر، وإن نذر زيارة بيت الله كان ذلك راجعا إلى بيت الله الحرام، ولزمته زيارته حاجا، أو معتمرا. وإن نذر أن يأتي منى لم يلزمه، فإن نذر أن يأتيه وينحر فيه فكذلك، وإن نذر أن يأتيه وينحر فيه ويفرق على المساكين لزم، وإن نذر أن يأتي مسجدا من المساجد غير المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وآله لم يلزمه، فإذا نذر إتيان أحد المسجدين لزمه أن يأتيه حاجا، أو معتمرا إن كان مخصوصا بالمسجد الحرام، وزائر للنبي صلى الله عليه وآله إن كان مخصوصا بمسجده. وإن نذر إتيان مسجد الكوفة، أو البصرة ليعتكف فيه لزمه لأجل الاعتكاف دون المسجد، ومن نذر طاعة على صفة مخصوصة لزمه إذا حل به النذر،

[ 351 ]

وأمكنه على الصفة المخصوصة. ومن نذر أن يتصدق بجميع ماله لزم، فإن خاف الضرر قوم الجميع، وتصدق بشئ بعد شئ حتى يتصدق بجميع المبلغ. وقد روي أن النذر المطلق كالمشروط. والمعاهدة ثلاثة أضرب: أحدها أن يقول: عاهدت الله تعالى أنه متى كان كذا فعلي كذا، أو عاهد على أن يفعل فعلا، أو يترك فعلا كان الأولى في دينه، أو دنياه خلافه، أو عاهد على أن لا يفعل مباحا. فالأول: حكمه حكم النذر في جميع الأحكام في الحصة والفساد، ولزوم الكفارة. والثاني: في حكم اليمين. والثالث: يكون بالخيار فيه.

[ 352 ]

كتاب الكفارات الكفارة ضربان: أحدهما يتعلق بجنايات الاحرام، وقد ذكرناه في بابه، والآخر ضروب وتختلف أحكامها. وتقع الكفارة في الكل بأحد خمسة أشياء، وهي: العتق والصيام، والاطعام، والكسوة، والغسل. فالعتق ضربان: أحدهما يلزم عتق من جني عليه مولاه بالضرب فوق الحد كفارة لفعله. والثاني ضربان: أحدهما يكون له بدل على التخيير بينه وبين البدل، والثاني يكون له بدل على الترتيب، فإذا عجز عن العتق لزمه بدله. والرقبة المعتقة في الكفارة ضربان: أحدهما يجب أن تكون مؤمنة، وغيرها لا تجزئ، وذلك في كفارة قتل الخطأ. والثاني يجوز أن تكون غير مؤمنة، وذلك في كفارة ما سواه. والبدل ضربان: إما يكون صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا. والآخر الاطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإذا عجز عن ذلك كفر بصوم ثلاثة أيام.

[ 353 ]

والذي بدله صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا على الترتيب ففي موضعين: كفارة قتل الخطأ، والظهار. وعلى التخيير في أربعة مواضع: كفارة النذر، وإفطار يوم من شهر رمضان معتمدا لغير عذر، والحلف بالبراءة من الله تعالى، أو من رسوله، أو من الأئمة عليهم السلام كاذبا، وفي جز المرأة شعرها في مصيبة أصابتها. ويجزئ كل رقبة يستقر عليه ملك المالك إذا ملكه، عبدا كان أو أمة، صغيرا كان أو كبيرا، صحيحا كان أو مريضا، مؤونا كان أو غير مؤون، حاضرا كان أو غائبا أو آبقا إذا لم يعرف موتهما. وأم الولد، والمدبر، والمعتق نصفه، والمرهون إذا كان صاحبه موسرا، والجاني متعمدا إذا أختار ولي الدم الدية بمنزلة من ذكرناه. وكفارة المملوك على النصف من كفارة الحر، وفرضه الصوم دون العتق والاطعام، إلا إذا ملكه صاحبه وأذن له فيه. وأما ترتيب الصيام فقد ذكرناه في كتابه. وأما الاطعام فلم يخل: إما يحضر المساكين ويطعمهم، أو يعطيهم الطعام. وفرضة غالب قوته، فإن أطعم خبزا منه فقد أحسن، وإن أطعم دونه جاز إذا كان مما تجب فيه الزكاة. وأفضل الطعام الخبز واللحم، وأوسطه الخبز والخل والزيت، وأدناه الخبز والملح. ولا يطعم واحدا نصيب اثنين، لا في يوم واحد ولا في يومين، إلا إذا لم يجد المساكين. وإن حضر الصبيان عد مكان واحد اثنين، ومقدار الاطعام ما يشبع، فإن لم يشبع، أو شك فيه أعاد، وإن أطعمهم دون ما يكفيهم أثم، وإن زاد على الكفاية فهو بالخيار من استرداد الفاضل، وتركه لهم، وإن أعطاهم الطعام لزمه لكل مسكين مدان حال السعة والاختيار، ومد حال الاضطرار.

[ 354 ]

وإذا عجز عن فرضه - صيام شهرين متتابعين صام ثمانية عشر يوما، فإن عجز تصدق عن كل يوم بمد من طعام، فإن عجز استغفر الله ولم يعد. وقد تجتمع الكفارات الثلاث على واحد، وهو إذا قتل مؤمنا، معتمدا، وأسلم نفسه من ولي الدم فعفا عنه، أو أخذ منه الدية، وإن كان قتله في الأشهر الحرم لزمه صيام شهرين متتابعين من الأشهر الحرم وإن دخل فيه الأضحى وأيام التشريق. وما يكون بدل العتق فيه إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإذا عجز لزمه صيام ثلاثة أيام، أربعة مواضع: كفارة اليمين، والايلاء، وشق الثوب في موت الولد والزوجة، وخدش المرأة وجهها في مصاب. فحكم العبد قد ذكرناه، وحكم الاطعام أيضا. واعطاء الطعام يكون من أحد ثلاثة أشياء: الحب، والدقيق، والخبز على ما ذكرنا. ولا تجزئ القيمة في ذلك، أي: في الكفارات. والكسوة: ازار، ورداء من الثياب الجديدة، فإن لم يجد جاز الغسيل إذا بقيت منافعه، والصوم فيه لا يجزئ غير متتابع. ومن تزوج امرأة في عدتها، ففارقها كفر بخمسة أصوع من دقيق، ومن نام عن صلاة العشاء حتى يمضي نصف الليل قضاها، وأصبح صائما كفارة له. وقد ذكرنا حكم الغسل للكفارة في السعي بعد ثلاثة أيام إلى مصلوب ليراه، وفيمن ترك صلاة الكسوف عمدا، وقد احترق القرص كله.

[ 355 ]

كتاب المباحات فصل في بيان أحكام الصيد الصيد ضربان: صيد البحر، وصيد البر. فصيد البحر ضربان: طير، وغيره. والطير حكمه حكم طير البر، وسنذكر أحكام الجميع. وغير الطير: سمك، وغير سمك. فالسمك ضربان: ذات فلس، وغير ذات فلس. فذات الفلس حلال إذا كانت مذكاة، وذكاتها صيدها، وهو إخراجها من الماء حية، والتسمية مستحبة فيه. وغير ذات الفلس حرام على كل حال، وما مات في الماء حرام وإن كان ذا فلس، طافيا كان أو غير طاف، وإن التبس ما مات في الماء بما لم يمت لم يؤكل منها شئ. وإن وجدت سمكة على شاطئ الماء، ولم يعلم حالها القيت في الماء، فإن طفت على الظهر فهي ميتة وإن طفت على الوجه فذكية، وبيضها يحل الخشن منها، ويحرم الاملس. وأما صيد البر: فوحش، وطير. فالوحش يحل منها ستة أنواع: الظباء، والكباش الجبلية، واليحمور، والأوعال، والحمر الوحشية، والبقر الوحشي. وما سوى ذلك فحرام أكله من جميع أجناس الحيوانات الوحشية، والحشرات، والهوام، والمؤذيات، والسنانير.

[ 356 ]

ولم يخل ما يحل لحمه من ضربين: إما يكن مقدورا على ذبحه وفيه حياة مستقرة، أو غير مقدور عليه. فالأول: لا بد من ذبحه حتى يحل أكله. والثاني لم يخل: إما أن يصاد بالجوارح، أو بغيرهما. فما يصاد بالجوارح لم يخل: إما يصاد بالكلاب المعلمة، أو بغيرهما. فما يصاد بالكلاب المعلمة يحل أكله بشرطين: إذا قتل أن يسمي مرسلها، ويكون مسلما. وإنما يكون الكلب معلما باجتماع ثلاثة شروط: استرساله إذا أرسل، وانزجاره إذا زجر، وامساكه على صاحبه مرة بعد أخرى. وإن قتله الكلب، وأكل منه نادرا حل، وإن أكل معتادا لم يحل، لأنه غير معلم، وإن جعله في حكم المذبوح كان مخيرا إن شاء ذبحه والذبح أولى وإن شاء تركه حتى يرد، وإن صاده الكلب وأدركه صاحبه لم يخل: إما أدركه وفيه حياة مستقرة، أو غير مستقرة، أو أدركه ممتنعا. فالأول: إن اتسع الزمان لذبحه لم تحل إلا بعد الذكاة، ويعرف ذلك بأن تحرك ذنبه، أو تركض رجله، أو تطرف عينه. وإن لم يتسع الزمان لذبحه حل من غير ذكاة. والثاني: لم يحتج إلى الذكاة، والذكاة أفضل. والثالث: إن أخذه ذبحه، وإن هرب عدوا وأخذ يعدو خلفه، فإن وقف وفيه حياة مستقرة، أو غير مستقرة فحكمه على ما ذكرنا. وإن أرسل شخصان كلبين لم يخل: إما كان كلاهما مسلمين، أو كافرين، أو كان أحدهما مسلما والآخر كافرا. ولم يخل الكلبان: إما كانا معلمين، أو غير معلمين، أو كان أحدهما معلما، والآخر غير معلم. فإن كانا مسلمين، وكان الكلبان معلمين، وسميا، وقتلاه معا، أو أحدهما حل.

[ 357 ]

وإن لم يسميا، أو كان الكلبان غير معلمين، وسميا، وقتلاه حرم. وإن سمى أحدهما، ولم يسم الآخر، وكان أحد الكلبين معلما، وسمى مرسله، وقتله المعلم حل. وإن قتله غير المعلم حرم سمى صاحبه أو لم يسم. وإن قتله المعلم، ولم يسم المرسل حرم أيضا. وإن قتله الكلبان معا حرم. وإن كان المرسلان كافرين، أو كان أحدهما كافرا والآخر مسلما، وسمى المسلم، وقتلاه معا حرم على كل حال، وإن قتله كلب المسلم وكان معلما، وسمي مرسله حل. وكل موضع يحرم الصيد إذا قتله الكلب، فإن أدرك وفيه حياة مستقرة، وذكي حل. وما يصاد بغير الكلاب المعلمة من الجوارح، فإن أدرك وفيه حياة مستقرة، ولم يكن في حكم المذبوح، وذكي حل، وإن خالف ذلك حرم. وإن صيد بغير الجوارح من السهم، والنشاب، والمعراض، والرمح، والسيف، أو الحربة، أو آلة حديد، أو حجرا، أو خشبا. فإن قتله بالثقل، أو لأنه أكبر من الصيد حرم وإن سمى، وإن قتله بالحدة لم يخل: إما قطعه نصفين، أو لم يقطعه. فإن قطعه نصفين وكانا سواء، وخرج منهما الدم حل، وإن لم يخرج حرم، وإن كان أحد الشقين أكبر، ومعه الرأس حل ذلك الشق، وإن تحرك أحدهما حل المتحرك، وإن أبان بعضه حرم ذلك البعض، فإن كان الباقي ممتنعا، ورماه ثانيا فقتله حل، وإن كان غير ممتنع، وأدركه وفيه حياة مستقرة فذبحه، أو تركه إذا لم يتسع الزمان لذبحه حتى برد، أو كان فيه حياة مستقرة، وتركه حل من غير ذكاة. وإذا رمى اثنان بسهمين، ومسلمين كانا أو كافرين، وسمى الراميان، أو لم يمسيا: أو سمى أحدهما دون الآخر كان الحكم في ذلك مثل الحكم في اثنين أرسلا كلبين. وإذا دخل صيد دار رجل، أو أرضه، فتوحل فيها لم يملكه بدخول وإنما

[ 358 ]

يملكه بالحيازة، فإن دخل عليه غيره، وحازه ملكه وإن كان رماه غيره فجرحه أو عفره. وأما الأحبولة فإذا وقع فيها صيد، وأدرك ذكاته حل، وإن بان منه فيها عضو حرم العضو فإن ذكي الباقي حل. وأما الطير فضربان: أهلي، ووحشي. فالأهلي سنذكر حكمه في فصل آخر إن شاء الله. والوحشي: طير البحر، وطير البر، وهي ثلاثة أضرب: حلال أكله، وحرام، ومكروه. فالحلال: ما يكون دفيفه في الطيران أكثر من صفيفه: أو يدف من غير صفيف. والحرام: ما يصف من غير دفيف، أو يكون صفيفه متساويا لدفيفه، أو أكثر. والمكروه: لا يتميز بالصفات، وإنما يتميز بالأسماء، وهو مثل الصرد، الصوام، والقنابر، والهداهد، والحباري، والشقراق، وغربان الكرم. ويتميز الحلال من الحرام بأحد ثلاثة أشياء: بالقانصة، والحوصلة، والصيصة فما له إحدى هذه حل. وإنما يصاد الطير بأحد ثلاثة أشياء: بالشبك، وجوارح الطير، والرمي. فما صيد بالشبك والجوارح إذا أدرك ذكاته حل، وإذا لم تدرك حرم، وما صيد بالرمي فإن أدرك ذكاته حل، وإن لم تدرك أيضا بثلاثة شروط: أن يكون الرامي مسلما، ويسمي إذا رمي، ويرمي بسهم فيه حديدة، ويقتله نافذا، أو معترضا أو من غير حديدة وهو حاد، وينفذ أو يخرق، وإن رمى بغير ذلك، أو قتل بالثقل، أو قتل ولم يخرق ولم ينفذ حرم، وإن لم يقتل وأدرك ذكاته حل. وإن رماه اثنان، وكانا مسلمين، وسميا، أو لم يسميا، أو سمى أحدهما دون آخر، أو كانا كافرين، أو كان أحدهما مسلما والآخر كافرا، فحكمه على ما ذكرنا

[ 359 ]

في إرسال الكلبين، والرمي بسهمين على صيد الوحش، وإذا رمي بسهم وسمى، فأصاب طيرا، ونفذ منه إلى آخر ناهض، وقتلهما معا حلا، وإن كان الآخر غير ناهض حرم، لأنه مقدور عليه. وذبح المقدور عليه في الحلق، واللبة، انسيا كان كالنعم، أو في حكمه كالمثبت من الصيد، أو وحشيا فتأنس. وغير المقدور عليه ذكاته عقره في أي موضع قدر عليه، وحشيا كان أو في حكمه مثل حيوان تردى في بئر، أو غيره ولم يقدر على الحلق واللبة، أو انسيا فتوحش. وأما البيض فحكمه حكم البائض في التحريم، والتحليل، والكراهية، فإن اشتبه فالاعتبار بالنظر إليه، فإن استوى طرفاه حرم، وإن اختلفا حل فصل في بيان أحكام حيوان الحضر حيوان الحضر ضربان: نعم، وطير. فالنعم ثلاثة أضرب: ابل، وبقر، وغنم. والطير أيضا ثلاثة: دجاج، وحمام وبط. وجميع ذلك ضربان: أحدهما عرض له شئ يحرم لحكمه بسببه، أو يكره، والآخر لم يعرض. فالأول ضربان: إما يمكن إزالته بالاستبراء، أو لا يمكن. فما يمكن إزالته أن يكون جميع غذائه عذرة الانسان، فإن كان إبلا وربطه أربعين يوما، وعلفه العلف الطاهر، وإن كان بقرا وربطه عشرين يوما، وإن كان غنما وربطه عشرة أيام، وإن كان بطا وربطه خمسة أيام، وإن كان دجاجا أو حماما وربطه ثلاثة أيام على ما ذكرنا زال حكم الجلل والتحريم عنه جميعا. وإن كان الجلال رضيعا سقاه مكان العلف اللبن الطاهر، وإن كان بعض غذائه

[ 360 ]

عذرة، أو ارتضع من لبن المرأة وإن كثر، أو من لبن الخنزيرة مرة، أو مرتين كره لحمه، ويمكن إزالة الكراهية بما ذكرنا. وما لا يمكن إزالته بالاستبراء شيئان: أحدهما: أن يشرب لبن الخنزيرة حتى يشتد عليه لحمه. والثاني: أن يطأه آدمي. فإذا حصل أحد هذين لم يمكن إزالة تحريمه، وحرم لحمه، ولحم جميع ما يكون من نسله. وإن شرب شئ من هذه الحيوانات خمرا، أو مسكرا، وذبح حل لحمه بعد الغسل دون أحشاء بطنه، وإن شرب البول حل لحمه، وأحشاؤه بعد الغسل. فصل في بيان أحكام الذباحة النحر للابل، والمنحر الوهدة في أعلى الصدر. والذبح لغير الإبل، المذبح من أصل اللحين. ويتعلق بالنحر أحد عشر حكما، ثلاثة منها ترجع إلى النفي، والباقي إلى الاثبات. فالنقي: أن لا يجعل الذبح مكان النحر، ولا ينخع، وهو: إبانة الرأس قبل أن يبرد، ولا يسلخ قبل أن يبرد، فإن نخع عمدا أو سهوا، ولم يخرج الدم حرم، وإن خرج الدم وفعل سهوا، أو سبقه السكين لم يحرم، وإن سلخ قبل أن يبرد حرم. والاثبات: شد أخفافه إلى إباطه، واطلاق رجليه، وغرز السكين أو الحربة في الوهدة، وقطع الحلقوم، والمرئ، والودجين، واستقبال القبلة به، والتسمية. وإن كان الذبح للبقرة عقل يديه ورجليه معا، وأطلق ذنبه، وابتدأ الذبح من أسفل اللحين

[ 361 ]

وإن أراد ذبح الغنم أو مثله عقل يديه، وفرد رجليه وأطلق الأخرى، وأمسك على صوفه دون أعضائه إلى أن يبرد. وباقي الأحكام على ما ذكرنا في النحر. وإن أراد ذبح طير أخذه باليد من غير عقل، واستقبل به القبلة وذبحه، وأرسله، فإن انفلت فهو في حكم الصيد. وإن كان الذبح حاملا: لم يخل الجنين من ثلاثة أحوال: إما أشعر ولم تلجه الروح، أو أشعر وولجته الروح، أو لم يتم خلقه. فالأول: تحصل ذكاته بذكاة أمة. والثاني: يلزم تذكيته. والثالث: يحرم أكله. والذابح يجب أن يكون مؤمنا، أو في حكمه، عالما بالذباحة، وإن وليها فقيه متدين كان أفضل. والذبح يجب أن يكون حالة الاختيار بالحديدة، ويجوز حالة الضرورة بما يفري الاوداج من الليطة، والمروة، والخشبة، والحديدة. وذبيحة الكافر والناصب حرام، والمستضعف تكره ذبيحته للمختار. فصل في بيان ما يحرم من الذبيحة ويحل من الميتة، وحكم الجلود والبيض يحرم من الذبيحة أربعة عشر شيئا: الدم، والطحال، والمشيمة، والفرث، والمرارة، والقضيب، والأنثييان، والفرج ظاهره وباطنه، والعلباء، والغدد، والنخاع، وذوات الاشاجع، والحدق، والخرزة. وتكره الكليتان. ويحل من الميتة أحد عشر شيئا: الصوف، والشعر، والوبر، والريش

[ 362 ]

المجزورات، والعظم، والناب، والظلف، والقرن، والبيض إذا اكتسى الجلد الفوقاني، والأنفحة، واللبن، والمخلب والحافر على رواية البعض إذا قلعا من الميتة (1). وإن اختلط لحم الميتة بالمذكى، ولم يتميز لم يؤكل، وبيع على مستحليه. وإن اشتبه المذكى بالميتة طرح على النار، فإن انقبض فهو مذكى، وإن انبسط فهو ميتة. وإن جعل سمكة مما يؤكل مع أخرى مما لا يؤكل في سفود، وما يؤكل فوق ما لا يؤكل حل، وإن كان تحته لم يحل، وحكم اللحم والطحال كذلك، فإن جعل تحت الطحال مثقوبا جوذاب (2) حرم، وغير مثقوب لم يحرم. وروي أن حكم اللحم والطحال كذلك. وأما الجلود فثلاثة أضرب: جلود الميتة، ولا يجوز استعمالها ولا التصرف فيها. وجلود المذكاة مما يحل أكله، ويجوز استعمالها، والصلاة فيها، والتصرف بالبيع، والشراء. وجلود المذكاة من السباع، ويجوز استعمالها، والتصرف فيها بالبيع، والشراء دون الصلاة إذا كانت مدبوغة. وجلود غير السباع مما لا يؤكل لحمه، وهي في حكم الميتة على كل حال. وأما البيض فقد ذكرنا حكمه.

(1) التهذيب 9: 75 حديث 321.
(2) الجوذاب، بالضم: طعام يصنع من سكر وأرز ولحم. لسان العرب 1: 259 " جذب ".
(3) التهذيب 9: 81 حديث 345.

[ 363 ]

فصل في بيان أحكام الأطعمة الطعام ضربان: حيوان، وغير حيوان. فالحيوان ثلاثة أضرب: إما يحل لحمه، أو يحرم، أو يكره. فما يحل أكله: فقد ذكرناه، والأسباب العارضة التي يحرم لها، وما يمكن إزالتها، وما لا يمكن، وكذلك ما يحرم أكله. وما يكره: فالخيل، والبغال، والحمير. وما يكره لحمه، أو يحرم إذا اضطر إليه الانسان حل له أكله غير باغ ولا عاد. وغير الحيوان أيضا ثلاثة أضرب: حرام، وحلال، ومكروه. فالحرام أصله خمسة أشياء: السموم القاتل قليلها وكثيرها، وجميع أنواع الطين، إلا يسيرا من تربة الحسين عليه السلام، ومما يتداوى به، وجميع النجاسات، والمنجسات إذا لم يمكن تطهيرها، فإن أمكن وطهرت حل أكلها، وجميع أنواع الميتات. والحلال ضربان: حلال حالة السعة والاختيار، وحلال حالة الاضطرار. فالأول: كل طعام طاهر يصلح للأكل مثل الحبوب، والفواكه والخضر، والبطائخ، وما يتخذ من ذلك، ومثل البذور، واللبوب، وأدهانها، وما يتخذ منها، وما تتخذ من ألبان ما يؤكل لحمه من جميع الانواع ما لم ينجس. والثاني: كلما يكون حراما حالة السعة والاختيار من الميتة، والدم، وما هو في حكم الميتة، وغير ذلك، والمضطر من يخاف التلف، أو ما هو في حكم التلف، وهو أربعة أشياء: المرض بترك الأكل، والضعف عن المشي للمسافر ماشيا، وعن الركوب للمسافر راكبا، والتقية بالاكل، وأبيح له قدر ما يسد به الرمق دون الشبع ما لم يكن باغيا ولا عاديا، فالباغي على ثلاثة أضرب:

[ 364 ]

من خرج على إمام عدل، أو طلب الصيد لهوا، أو بطرا. والعادي: من يقطع الطريق. والمكروه سبعة: كل طعام باشره الجنب، والحائض المتهمة، وسباع الطير، وسؤر الفأرة، وما أكلته منه. والثوم الني، والبصل الني إذا أراد دخول المسجد، ومن اضطر إلى طعام الغير، وكان ذلك الغير محتاجا إليه لم يكن له اخراجه من يده، فإن لم يكن محتاجا إليه واستباعه فلم يبعه وكان الثمن حاضرا أجبر عليه، وإن لم يكن الثمن حاضرا وامتنع من البيع لم يجبر عليه. فصل في بيان أحكام الأشربة الأشربة ضربان: مأخوذة من الحيوان، ومن غيره. فالمأخوذة من الحيوان ثلاثة أضرب: إما يكون لحمه حراما، أو حلالا، أو مكروها. فالحرام اللحم: ضربان: نحل، وغيره. فما يؤخذ من النحل حلال، وما يؤخذ من غيره حرام من اللبن وغيره. والحلال اللحم ما يتخذ منه من اللبن بضروبه، وما يتخذ منه. والمكروه اللحم يكره لبنه. ولا يجوز شرب دماء الحيوانات، ولا أبوالها مختارا إلا بول الإبل فإنه يجوز شربه للاستشفاء. وما يؤخذ من الأشربة من غير الحيوان ضربان: مسكر وغير مسكر. فالمسكر نجس حرام، خمرا كان، أو نبيذا. أو جعة، أو نقيعا، أو تبعا، أو مزرا. وغير المسكر ضربان: فقاع وغيره. فالفقاع حرام نجس.

[ 365 ]

وغير الفقاع ضربان: رب، وغيره. فالرب حلال طيب على اختلاف أنواعه مثل رب التوت، والسفر جل، والتفاح، والرمان وغيرها، وما يتخذ من التمر، والزبيب، والعنب، والعسل ما لم يسكر. وغير الرب ضربان: إما جعل فيه شئ من المسكرات ويحرم شربه وينجس بوقوع المسكر فيه، أو لم يجعل فيه شئ منها. فإن كان عصيرا لم يخل: إما غلى، أو لم يغل. فإن غلى لم يخل: إما غلى من قبل نفسه، أو بالنار. فإن غلى من قبل نفسه حتى يعود أسفله أعلاه حرم ونجس، إلا أن يصير خلا بنفسه، أو بفعل غيره فيعود حلالا طيبا، وإن غلى بالنار حرم شربه حتى يذهب على النار نصفه، ونصف سدسه ولم ينجس، أو يخضب الاناء، ويعلق به، ويجلو. وإن لم يغل أصلا حل، خلا كان أو عصيرا. وإن كان نبيذا، وهو أن يطرح شئ من التمر أو الزبيب في الماء، فإن تغير كان في حكم الخمر، وإن لم يتغير جاز شربه، والتوضؤ به ما لم يسلبه اطلاق اسم الماء، ويكره الاستشفاء بالمياه الحارة. فصل في بيان أدب الأكل والشرب إذا أراد العبد أن يأكل الطعام لم يخل: إما كان وقت الصلاة، أو لم يكن. فإن كان آخر وقت الصلاة ابتدأ بها، وإن كان أول وقت لم يخل: إما ينتظره قوم ويبدأ بالطعام، أو لا ينتظره ولا يغلب عليه الجوع ويبدأ بالصلاة، أو غلب عليه الجوع ويخاف التهافت في الصلاة ويبدأ بالطعام، أو لا يخاف التهافت ويكون بالخيار.

[ 366 ]

وإن لم يكن وقت الصلاة ولم يكن عنده ضيف حرم عليه ستة أشياء، ويستحب له أربعة عشر شيئا، ويكره له ثلاثة أشياء. فالحرام: الأكل من الطعام الحرام، أو المغصوب، والجلوس على مائدة يؤكل عليها طعام حرام، أو يشرب مسكر، ومؤاكلة الكافر، والناصب. والمستحب الوضوء قبل الطعام، وبعده، والجلوس على الرجل اليسرى غير متربع في حال الأكل، والتسمية إذا ابتدأ بالاكل، وأن يضع لقمة على الملح أول كل شئ ويضع في فيه، والأكل باليمين مختارا، والتسمية عند الابتداء بأكل كل لون من الطعام، والحمد لله تعالى إذا فرغ من الطعام، وغسل الفم، والمضمضة ثلاث مرات إن كان للطعام وضر، وجمع غسالة الأيدي. والبدأة بواحد، وإدارة الاناء من جانب يمينه حتى يعود إليه، والاستلقاء على القفاء قليلا بعد الفراغ من الطعام ووضع الرجل اليمنى على اليسرى وإن كان عند صاحب الطعام ضيف زاد له في الاستحباب شيئان: الابتداء بالاكل قبله، وكف اليد عنه بعده تأنيسا له. وإن سمى واحد من جماعة أجزأ، وإن قال بسم الله على أوله وآخره أجزأ عن التسمية عند كل لون من الطعام. والمكروه: التربع عند الأكل، والأكل باليسار مختارا، ومؤاكلة المخالف والمستضعف. وسنة الشرب ستة أشياء: التسمية ابتداء، والحمد إذا فرغ، والشرب قاعدا، متمكنا بثلاث دفعات، والتأني فيه، والاجتناب من العب فإنه يورث الكباد. فصل في بيان أحكام الملبوسات اللباس ضربان: إما يكون من نبات، أو حيوان. فما هو من نبات مطلق للرجال والنساء، سواء كان من قطن أو كتان أو غيرهما.

[ 367 ]

وما هو من حيوان ضربان: خارج منه، ونابت عليه. فالخارج منه: قز وإبريسم، ويحل للنساء لبسه، والصلاة فيه في جميع الأحوال، إلا حالة الحداد، سواء كان خالصا أو مخلوطا بغيره ما لم يكن نجسا، ويحرم على الرجال لبسه خالصا إلا في حالة الحرب، ومخلوطا بما لا تحل الصلاة فيه، ويجوز لبسه إذا كان مخلوطا بشئ من القطن، أو الكتان، أو شئ آخر مما ينبت من الأرض، أو كفه للثوب، أو ذيلا، أو جيبا، أو رقعة مخيطة عليه، أو تكة، أو قلنسوة، أو شيئا من أمثالها على كراهية. وما يحرم عليه لبسه يحرم عليه فرشه، والتدثر به، والاتكاء عليه وإسباله سترا. والنابت عليه ضربان: إما يكون من حيوان يحل لحمه، أو يحرم. فإن كان من حيوان حلال اللحم حل للرجال والنساء لبسه، وتملكه، والتصرف فيه، صوفا كان أو شعرا أو وبرا إذا جز من الحي أو الميت، وإذا نتف أيضا من المذكى، أو جلدا إذا سلخ من المذكى ودبغ دون غيره، وإن نتف الشعر، والوبر، والصوف أو سلخ الجلد من الميت، أو الحي لم يجز لبسه، ولا تملكه وإن دبغ، ولا التصرف فيه، إلا إذا اتخذ دلوا يستسقى بها على كراهية لغير الوضوء والشرب. وإن كان من حيوان يحرم لحمه فهو أيضا ضربان: إما كان سباعا، أو غير سباع. فإن كان سباعا جاز استعمال شعره إذا جز في غير الصلاة، واستعمال جلده إذا كان مذكي مدبوغا في غير الصلاة. وإن كان غير سباع لم يجز ذلك، إلا السنجاب فإنه يجوز استعماله، وتملكه، والصلاة فيه. وقد روي في السمور والفنك أيضا مثل ذلك، وهي محمولة على حالة الاضطرار. والحلي ثلاثة أضرب: ذهب، وفضة، وجوهر. فالذهب حرام على الرجال التزين به، حلال للنساء إلا في حال للحداد.

[ 368 ]

والفضة، والجوهر يجوز للرجال التزين بهما، كما يجوز للمرأة. ولبس ما يختص بأحدهما مكروه للاخر، والمموه من الخاتم، والمجرى فيه الذهب، والمصنوع من الجنسين على وجه لا يتميز، والمدروس من الطراز مع بقاء أثره حل للرجال أيضا.

[ 369 ]

كتاب الوقوف والصدقات والوصايا والنحل والهبات العطية تقع على ثلاثة أضرب: عطية في الحياة وعطية بعد الوفاة، وعطية في حال الحياة وبعد الوفاة معا. فالأول يقع بأحد أربعة أشياء: الهبات، والصدقات، والأعمار، والأرقاب. والثاني يقع بشئ واحد: وهو الوصية. والثالث يقع بأحد ثلاثة أشياء: بالوقف، والاسكان، والحبس (1). فصل في بيان الوقف وأحكامه الوقف: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة على وجه من سبل البر. وإنما يصح بثمانية أشياء: كون الواقف نافذ التصرف في ماله، والوقف ملكا له، وصحة البقاء على الوقف بقاء متصلا يمكن الانتفاع به، إلا الدراهم والدنانير، وأن يفعل ذلك تقربا إلى الله تعالى، وتسلم الوقف من الموقوف عليه، أو من وليه، إلا إذا جعل ولاية الوقف لنفسه مدة حياته، أو يكون الموقوف عليه ولده الصغير،

(1) في نسخة " ش ": والحبيس.

[ 370 ]

وتعيين الموقوف عليه، وأن يكون الموقوف عليه ممن يملك المنفعة في الحال من الأحرار الموجودين، أو ممن يكون تبعا لهم من أولادهم، أو منفعة لهم فيه كالمساجد، والقناطر، وسائر متعلقات مصالحهم، وأن لا يعلق الوقف بوجه منقرض، فإن علق على وجه يصح كان عمري، أو رقبي، أو سكنى، أو حبيسا بلفظ الوقف. والوقف ضربان: مطلق، ومشروط. فإذا أطلق كان للموقوف عليه التصرف في منافعه على حسب مشيئته، وإن شرط فيه شرطا لم يسع أحدا خلافه، ولا بد من إجرائه على ما شرط، ولا يجوز بيعه إلا بأحد شرطين: الخوف من خرابه، أو حاجة بالموقوف عليه شديدة لا يمكنه معها القيام به. ولا يجوز الوقف على أربعة عشر: على العبيد، والمعدوم، والحمل، ولا على المجهول، ولا وقف مدة معينة، ولا على بني فلان وهم غير محصورين في البلاد، ولا على نفسه خاصة، ولا المشروط بأن يبيعه متى شاء، أو يخرجه من الموقوف عليهم من شاء، أو يفضل البعض على البعض إن شاء، أو يسوي بينهم إن شاء أو يقول: إذا جاء رأس الشهر وقفت على فلان، ولا على كافر، ولا على مواضع قرباتهم من المسلم إلا على ذوي قرابته. وإذا علين الموقوف عليهم لم يخل: إما عينهم بالأسماء، أو بالصفات. فإن عين بالأسماء وقال: على فلان وفلان وقصر عليه كان إعمارا بلفظ الوقف، فإذا مات الموقوف عليه رجع الوقف إلى الواقف، أو إلى وارثه إن مات هو. وإن لم يقصر عليه وقال: على فلان، وبعده على ولده، وبعد ولده وولد ولده على فقراء المسلمين، لم يكن لولده معه نصيب، ولا للفقراء مع ولده، وولد ولده، وكان لولده بعده وللفقراء بعد ولده. وإن قال: عليه، وعلى ولده، وولده كان لولده وولد ولده معه نصيب بالسوية ذكرا كان أو أنثى. وإن قال: على كتاب الله كان للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن عينهم بالصفات

[ 371 ]

استحق من فيه الصفة المعينة، فإن عينهم بالاسلام كان لمن أقر بالشهادتين، ولمن هو في حكمه من أطفالهم ومجانينهم، وإن عينهم بالايمان كان الظاهر العدالة من الامامية، وإن عينهم بالنسب وقال: على بني فلان لم تدخل فيه البنات، وإن قال: على ولده دخل الأبناء والبنات فيه على سواء، وإن قال: على المنتسبين إلى فلان دخل فيه بنات صلبه دون أولادهما. وإن قال: على العلوية كان على ولد علي من فاطمة عليهما السلام دون غيرها، وإن قال: على ولد رسول الله صلى الله عليه وآله كان على ولد علي من فاطمة، وأولاد أولادهما عليهم السلام. والشيعة: تعم جميع فرقها ما عدا البترية من الزيدية، وقومه: ذكر إن أهل لغته وجيرانه على الاطلاق الذين تكون داره من أربع جوانب إلى أربعين ذراعا، وسبيل الله: المجاهدون، وسبيل البر: الحج، والعمرة، والغزو، ومصالح المسلمين، ومعونة الضعفاء. وإذا وقف على مولاه اختص بموالي نفسه دون موالي أبيه، وبمولاه الذي أعتقه دون مولى نعمته، إلا إذا لم يكن له مولى عتق، وكان له مولى نعمة. وإن قال: على موالي دخل فيه موالى العتاقة: ومولى النعمة. وإن قال: على أقرب الناس إلي، كان على من هو أولى بميراثه، فإن كان له جماعة من القرابات في درجة استحقوا كلهم، فإذا علق بصفة وزالت زال الاستحقاق، فإن عادت الصفة عاد الاستحقاق. وإن وقف على مصلحة، واندرس رسمها صرف في وجوه البر، وإن جعل الولاية إلى أحد، وكان غير ثقة لم تصح ولايته، فإن كان ثقة ضعيفا ضم الحاكم إليه أمينا قويا، وإن تغير بالفسق عزله، وإن كان ثقة مستقلا قرره عليها، وإن وقف على جماعة معينة وهم منتشرون في البلاد كان مقصورا على من حضر بلده.

[ 372 ]

فصل في بيان أحكام الوصية وما يتعلق بها الوصية: صلة ما بعد الموت بخير إلى ما قبله. والموصي لم يخل من أربعة أوجه: إما أوصى في حال الصحة، أو في مرض مخوف، أو غير مخوف، أو مشتبه. فإن أوصى في حال الصحة، أو في المرض غير المخوف، أو المشتبه ونجز، كان من أصل المال، وإن لم ينجز كان من الثلث. وإن أوصي في مرض مخوف، وأشرف على الموت لم تصح وإن لم يشرف كان من الثلث ويحتاج إلى بيان ستة أشياء: بيان الموصي، والموصى إليه، والموصى له، ومن يستحب أن يوصى له، والموصى به، وكيفية الوصية. فأما الموصي: فانما تصح وصيته باجتماع أربعة أشياء: الحرية، والبلوغ، وكمال العقل أو حكمه، ونفاذ تصرفه في ماله. وحكم كمال العقل يكون للمراهق الذي لم يضع الأشياء في غير مواضعها، فإن وصيته، وصدقته، وعتقه، وهبته بالمعروف ماضية دون غيرها. ويستحب الاشهاد عليها، وتثبت بعدلين، وبرجل وامرأتين، وبأربع نسوة، وبثلاث نسوة ثلاثة أرباعها، وبامرأتين نصفها، وبواحدة ربعها، وبذميين عدلين عند أهل نحلتهما ممن ظاهره الأمانة، إذا كان الموصي حيث لا يجد أحدا من المسلمين، فإن لم يجد الوصي البينة وأمكنه الانفاذ لزمه. ولم يخل الموصي: إما أوصى إلى الموصى إليه بحفظ المال على الموصى له، أو يصرفه فيما أوصى إليه فيه. فالأول: يصح ممن له الولاية على الموصى له حال حياته دون من لم يكن له ذلك من الأم، وذوي القرابة، والأجنبي إذا كان طفلا أو سفيها، فإن كان الموصى له بالغا رشيدا لم يكن لأحد الولاية عليه في ماله، ولا التولية في حال

[ 373 ]

حياته، ولا بعد وفاته. والثاني: تصح وصيته إليه على كل حال. وأما من يصح أن يوصى إليه من اجتمع فيه خمس صفات: الاسلام، وكمال العقل، والحرية الكاملة، والعدالة، والبلوغ إذا أوصى بإنفاذ الوصية في الحال. وله أن يعزله مدة حياته، والاستبدال به. فإذا أوصى إليه لم يخل: إما كان حاضرا، أو غائبا. فإن كان حاضرا كان مخيرا بين قبول الوصية وردها. وإن كان غائبا لزمه القبول، إلا إذا كان الموصي حيا، وأمكنه إعلام الرد إياه. وإذا قبل الوصية لم يخل: إما يقوى على إنفاذ الوصية، أو لم يقو. فإن قوي وكان ثقة لزم إبقاؤه، وإن لم يقو ضم إليه من يمكنه القيام بالامر، فإن تغير حاله بالفسق عزل، وأقيم غيره مقامه. وإذا حضر وفاة الوصي لم يخل: إما جعل إليه الموصي أن يقيم آخر مقامه، ويجوز له ذلك، أو لم يجعل إليه ولأصحابنا في ذلك قولان. وإن أوصى إلى اثنين لم يخل من ثلاثة أوجه: إما يكون كلاهما بالغين، أو غير بالغين، أو يكون أحدهما بالغا والآخر صبيا. فإن كان كلاهما بالغين لم يخل: إما جعل الأمر إليهما على الاجتماع، أو على الانفراد والاجتماع معا، أو أطلق القول. فالأول، والثالث: لا يكون لأحدهما الاستبداد بالامر، فإن تشاحا لم ينفذ تصرفهما، إلا فيما يتعلق بمصالح الورثة، فإن أقاما على الخلاف أمرهما الحاكم بالاتفاق وانفاذ الوصية، فإن لم يتفقا استبدل بهما. والثاني: لا يكون لأحدهما الاعتراض على الآخر، إلا إذا خالف الوصية، فإن تشاحا قسم الحاكم التركة بينهما قسمة مقاربة، وتصرف كل واحد منهما في

[ 374 ]

نصيبه من غير انقطاع تصرف صاحبه فيه. وإن كان كلاهما غير بالغين وقال: إذا بلغا أنفذا الوصية، فإن لم يحتمل الأمر التأخير نصب الحاكم أمينا يقوم بالامر حتى يبلغا، ولم يخل حالهما من تسعه أوجه: فإن بلغا رشيدين سلم منهما. وإن بلغا سفيهين عزلهما وأقام مقامهما غيرهما، وإن بلغا عاجزين قواهما بمن يعينهما، وإن مات أحدهما قبل البلوغ أو بلغ سفيها أقام غيره مقامه، وإن ماتا معا قبل البلوغ فكذلك، فإن فسقا بعد الرشد عزلهما، وإن فسق أحدهما أو بلغ سفيها، إن شاء الحاكم فوض جميع الأمر إلى الآخر، وإن شاء أقام غيره مقامه كما يراه صلاحا. وإذا اقتضت المصلحة بيع ملك الطفل أو متاعه، وأراد الوصي ابتياعه لنفسه جاز ذلك بقيمة عادلة، وإن كان له على الموصي مال لم يأخذ من التركة إلا ببينة، ويلزمه الانفاق على الطفل بالمعروف، فإن زاد عليه غرم الزائد، فإذا بلغ الطفل واختلفا في مقدار مدة الانفاق، أو في الانفاق بالزيادة على المعروف كان القول قول المنفق عليه في الأول، وقول المنفق في الثاني إذا كان الانفاق والزائد غير معلومين، فإن كانا معلومين غرم الزائد. فإن خلطه بنفسه وعياله جاز وكان كأحدهم وإن سامح له كان أفضل وإن أخذ عليه فضلة لم يجز. ومن مات عن أطفال من غير نصب وصي عليهم، نصب الحاكم من يقوم بأودهم، فإن فقد وقام بأمرهم بعض صلحاء المؤمنين، وحفظ الأمانة كان ما فعله ماضيا من غير اعتراض عليه لأحد. وأما من يصح أن يوصي له فعشرة: كل مسلم أجنبيا كان أو ذا قرابة إذا كان غير محبوب عن إرثه بغيره، ومن هو في حكم المسلم من أطفالهم، ومجانينهم، وذو رحمه من الكفار، وعبده، وأمته، ومكاتبه، ومدبره، وأم ولده، ومكاتب غيره إذا تحرر بعضه ولزم له من المال بقدر ما تحرر منه.

[ 375 ]

وأما من لا يصح أن يوصي له فأربعة: مملوك الغير، ومكاتبة المشروط عليه، ومدبره، والكافر غير ذي الرحم. وأما من يستحب أن يوصى له، فكل ذي رحم له، محجوب عن ميراثه بغيره، ولولاه لورثه. وأما الموصى به، فانما الكلام فيه على وجهين. أحدهما: جنس ما يوصى به، وهو كلا ما يصح تملكه. أو الانتفاع به. والثاني: قدر ماله أن يوصي به وهو الثلث. ولم يخل حال ورثة الوصي من ثلاثة أوجه: إما كانوا أغنياء، أو فقراء أو متوسطين. فإن كانوا أغنياء كانت الوصية بالثلث أولى، وإن كانوا فقراء فبالخمس، وإن كانوا متوسطين فبالربع. فإن أوصى بأكثر من الثلث، ورضي الورثة بعد الموت بها نفذ، وإن رضوا به في حال حياته كان لهم الرجوع بعد وفاته، وقيل: لم يكن لهم ذلك. ولا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أوصى لواحد، أو لجماعة دفعة، أو لواحد بعد واحد. فإن أوصى لواحد، ولم يرجع عنها لم يخل: إما يموت الموصى له قبل الموصي، أو بقي بعده. فالأول: يكون لورثة الموصى له، وإن رجع بطل. والثاني: يكون لمن أوصى له، ويستحقها بموته إذا خرج الموصى به من الثلث، وإن لم يخرج استحق بقدر الثلث. وإن أوصى لجماعة دفعة وخرج من الثلث استحقوه بالسوية ذكورا كانوا أو إناثا، أو ذكورا وإناثا، فإن قال: على كتاب الله كان للذكر مثل حظ الأنثيين. وإن أوصى لواحد بعد واحد لم يخل من وجهين: إما عطف التالي بحرف

[ 376 ]

العطف، أو أوصى بكرة لواحد، وضحوة لآخر أو غدا. فالأول: إن خرج الجميع من الثلث استحقوه، وإن لم يخرج قدم الأول فالأول حتى يستوفى الثلث، فإن اشتبه أخرج بالقرعة. والثاني: إن خرج من الثلث استحقوا الجميع، وإن لم يخرج قدم الأخير. والاجازة إمضاء عقد متقدم. وإن أوصى لحمل صح بشرطين: بكونه مخلوقا حال الوصية، وخروجه حيا. وإن أوصى به صح على كل حال. وإن أوصى بدرهم لحمل إن كان ذكرا، وبأقل منه أو بأكثر إن كان أنثى، وولدت توأمين لم يستحقا شيئا. وإن أوصى بناقة، أو جمل، أو ثوب، أو غير ذلك وقال: من نوقي، أو جمالي، أو ثيابي، وكان له ذلك لزم واحد مما كان له، فإن لم يكن له شئ منه بطل وإن أوصى من غير نسبة إلى ماله، وخرج من الثلث لزم سواء كان له ذلك أو لم يكن. وإن أوصى بشئ من نوع فيه ما لا يصح تملكه، كانت الوصية بما يصح تملكه مثل من أوصى بكلب، فإنه يستحق كلب صيد، أو زرع، أو ماشية، أو بطبل فإنه يستحق طبل حرب، وإن أوصى بعود لم يصح، وإن أوصى بشئ من العود استحق مما يتنجز به، وإن أوصى بقوس استحق قوسا عجمية، أو عربية، أو قوس حسبان دون الجلاهق (1)، وقوس الندف، إلا أن قال: قوسا من قياسي، ولم يكن له غير قوس الندف، والجلاهق. ومن أوصى بعبد له لغيره، ولآخر بتمام الثلث صحت الوصية، وتعلق بها

(1) الجلاهق، بضم الجيم: البندق المعمول من الطين، الواحدة جلاهقة، وأصله الفارسية جلة. ويضاف القوس إليه للتخصيص فيقال: قوس الجلاهق كما يقال قوس النشاب. انظر لسان العرب 10: 37 ومجمع البحرين 5: 144 " جلهق ".

[ 377 ]

ستة مسائل: أحدها: إن يبقى العبد سليما إلى بعد وفاته، فإن وافقت قيمة الثلث، بطلت الثانية. والثانية: أن تنقص قيمته عن الثلث، ويستحق الثاني تمام الثلث. والثالث: أن تزيد قيمته على الثلث، ويستحق الأول بقدره، وتبطل الثانية. والرابع، أن يموت العبد بعده قبل التسليم، وتبطل الوصية في العبد دون الثاني. ويقوم بقيمة يوم التلف، ويحاسب عليه. والخامس: أن يموت في حياة الموصي، وتبطل الوصية به دون الثاني. والسادس: أن يعيب العبد، ويستحقه معيبا، ويقوم بقيمته صحيحا، فإن زاد صحيحا على الثلث، أو نقصت عنه، أو وافقته كان الحكم فيه على ما ذكرنا. وإن أوصى بجارية له حامل يولد مملوك لم يخل من خمسة أوجه: فإن ولدت قبل وفاة الموصي كان الولد رقا له، وإن ولدت بعد وفاته كان رقا للموصى له، وإن رد الوصية قبل وفاة الموصي لم يصح الرد، وإن رد بعد وفاته قبل القبض صح وعادت رقا للورثة، وإن رد بعد القبض لم يصح بحال. وإن أوصى بحجة الاسلام كان من أصل المال، فإن أوصى بها من الثلث جاز. وإن أوصى بحجة متطوع بها كان من الثلث. وإن أوصى بمال لفلان، ولبني فلان كان بين فلان وبني فلان نصفين، وإن أوصى لجماعة ورد بعضهم كان المردود راجعا إلى ورثته. وإن أوصى لاقرب الناس إليه كان لمن يستحق ميراثه من ذوي الانساب. فإن أوصى بشئ فيه متاع، أو عليه حلية، أو بحيوان حامل ولم يستثن كان الشئ بما فيه أو عليه له إذا خرج من الثلث، فإن أقر بذلك وكان أمينا صح على ما ذكرنا، وإن كان مبهما ولم يكن للمقر له بينة، ولم يخرج من الثلث استحق

[ 378 ]

بمقدار الثلث. وإذا أوصى لأحد بشئ، ولم يبين الوجه فيه كان الموصي له مخيرا بين أن يأخذ لنفسه، وبين أن يصرفه في وجوه البر. وإن أوصى بجزء من ماله، أو بسهم، أو بشئ، أو بكثير، أو بحظ، أو نصيب كان الأول وصية بالسبع، والثاني بالثمن والثالث بالسدس، والرابع بثمانين، والخامس والسادس يكون الأمر فيهما إلى رأي الورثة. وحكم الجيران، والمسلم، والمؤمن، والعلوية، والمنسوبين إلى أحد، أو إلى شئ على ما ذكرناه في فصل الوقف: وتصرف الموصي في الموصى به بالبيع، أو الهبة، أو الوقف، والتغيير عن حاله رجوع عن الوصية، وله ذلك ما دام حيا عاقلا. والعترة: الذرية، والذرية: الولد، وولد الولد. وأهل البيت: الأب وإن علا، والولد وإن نزل. وولد فلان: ولده من الطب. فصل في بيان الهبات الهبة: العطية، وتصح بخمسة شروط: الايجاب، والقبول، وجواز تصرف الواهب فيه، وكونه ملكا له، ومما يتملك. ويصح بهذه الشروط، ويلزم بالاقباض أو قبض المتهب بإذنه، وله الرجوع فيها قبل الاقباض، فإن وهب من غيره، أو باع، أو أخرجه عن ملكه، أو رهن قبل القبض كان جميع ذلك رجوعا. وإذا وهب لم يخل: إما شرط عليه ثوابا، أو لم يشرط. فإن شرط ثوابا صح ولزم، فإن أثاب سقط رجوعه عنها، وإن لم يثب وكانت باقية على ملكه بحالها كان مخيرا بين طلب الثواب والرجوع فيها، وإن تلفت كان له المطالبة بالثواب. وإن لم يشرط ثوابا لم يخل: إما وهب من ذي قرابة، أو أجنبي.

[ 379 ]

فالأول لم يخل من ثلاثة أوجه: إما وهب من الوالدين وإن علوا، أو من الولد وإن نزلوا، أو من غيرهم، فإن وهب من الوالدين وإن علوا، أو من الولد وإن نزلوا واقبض لم يكن له الرجوع، وإن كان الولد طفلا كان قبضه قبضا عنه. وإن وهب من غيرهما من ذوي الرحم ففيه قولان: أحدهما أن يكون حكمه حكم الوالد والولد، والآخر أن يكون حكمه حكم الأجنبي. وإن وهب من الأجنبي واقبض لم يخل: إما عوضه منها بقليل أو كثير ولا يكون له الرجوع، أو لم يعوضه. ولم يخل: إما تلفت ولا رجوع بالعوض عليه، أو بقيت. ولم يخل: إما خرجت عن ملكه، أو لم تخرج. فإن خرجت عن ملكه سقط رجوعه فيها وإن عادت إليه، وإن لم تخرج عن ملكه ووهبها، أو بيعت، أو كانت عبدا فكاتبه مشروطا، وبيع الرهن في الدين، ولم يعجر العبد عن الثمن وأدى سقط رجوعه. فإن انفك الرهن، أو عجر العبد كان له الرجوع فيهما إن بقي الرهن بحاله، فإن لم تبق الهبة بحالها، أو تصرف فيها المتهب بأن تكون شجرا فاتخذ منها بابا أو سريرا، أو يكون ثوبا خاما فقصره، أو أمة فوطأها لم يكن له الرجوع. وإن لم يتصرف فيها لم يخل: إما كانت الهبة حيوانا فحمل، أو شجرا فأثمر، أو غير ذلك. فإن كان غير ذلك كان له الرجوع فيها، وإن كان ذلك لم يخل: إما كان الشجر مثمرا والحيوان حاملا حال الهبة، أو لم يكونا. فإن كانا كان له الرجوع في الأصل والنماء. وإن لم يكونا كذلك كان له الرجوع في الأصل دون النماء، إلا إذا كان الحيوان لم يضع الحمل، فإن له الرجوع فيهما. والزوجان يكره لكل واحد منهما الرجوع على الآخر في الهبة، وكسب العبد لا رجوع فيه.

[ 380 ]

فصل في بيان العمرى والرقبى والسكنى والحبيس هذه أنواع من الهبات تحتاج في صحتها إلى ما تحتاج إليه الهبة. والعمري: أن يجعل إنسان منفعة دار، أو ضيعة لغيره مدة حياة أحدهما. والرقبي: أن يجعل رقبته لغيره مدة معلومة. والسكنى: أن يجعل مسكنا لغيره مدة عمر أحدهما. والحبيس: حبس الفرس في سبيل الله، والبعير في معونة الحاج والزوار، والعبد في خدمة البيت الحرام، أو خدمة تربة الرسول عليه أفضل الصلاة السلام، فإن جعل المنافع له مدة عمره ومات المعمر لم يبطل، وإن مات من جعل له بطل، وإنما يبطل بموت من علق بموته، فإذا علق بموته رجع إلى المعمر إن كان حيا، وإلى ورثته إن كان ميتا. والرقبي كذلك بعد انقضاء المدة المضروبة. والسكنى إن أوجبها، وعلق بموت أحدهما كان حكمها حكم العمري، وإن لم يوجبها كان متى شاء إرجاعها. والحبيس إذا عجز عن العمل أو الخدمة سقط عنه، فإن عاد إلى الاستطاعة عاد العمل، فإن أطلق الحبيس لزمه العمل ما بقي حيا، وإن عين مدة يعمل أو يخدم فيها، وفعل تلك المدة عاد إلى صاحبه إن كان حيا، وإلى ورثته إن مات، وعلى هذا الحديث المشهور قضى علي عليه السلام برد الحبيس وانفاذ المواريث، وجميع هذه الانواع لا تصح، إلا لوجه الله تعالى.

[ 381 ]

كتاب المواريث التوارث يكون بأمرين: نسب، وسبب. فالنسب إنما يأخذ به الميراث الوالدان، والولد، ومن يتقرب بهم، والأقرب يمنع الأبعد إلا في مسألة واحدة والمتساويان في الدرجة لا يمنع أحدهما الآخر، إلا إذا كان لأحدهما قربة إلى المورث بوجهين. والسبب: نكاح، وولاء. والولاء ثلاثة أضرب: ولاء عتق، وولاء ضمان جريرة، وولاء إمامة. وسبب النكاح ثابت مع كل نسب وسبب، وسبب الولاء يثبت مع السبب دون النسب. والموانع عن الإرث ثلاثة: كفر الوارث مع إسلام الموارث، ورقهما أورق أحدهما، وقتل الوارث مورثه ظلما. والحجب ضربان: حجب عن بعض ما يستحقه الوارث لغيره مثل حجب الأخوة والأخوات الأم عن الثلث إلى السدس للأب. وحجب لا للغير وهو ضربان: حجب من السهم الأعلى إلى الأدون مثل حجب الولد وولد الولد الأب والأم والزوج والزوجة عن بقية المال من الثلث، والنصف والربع إلى السدس، والربع والثمن، وحجب عن أصل الإرث مثل حجب الأقرب الأبعد، وحجب الأبعد

[ 382 ]

الأقرب، لاجتماع السببين فيه، وحجب من له سببان من له سبب واحد مع التساوي في الدرجة. ولا يحجب الولد والوالدين والزوجين عن أصل الإرث أحد، والزوجان لا حظ لهما في الحجب والولد وولد الولد لا يحجبهما أحد عن أصل الإرث، ولا عن بعضه إلا ولد الولد، فإنه يحجبه الولد عن أصل الإرث. ويحجب الولد الوالدين والزوج والزوجة عن الأعلى إلى الأدون، وكذلك ولد الولد. ويحجب الولد وولد الولد من يتقرب به، وبمثله، ومن يتقرب بالوالدين، ولا يحجب الوالدان من يتقرب بالولد، وإنما يحجبان من يتقرب بهما. فصل في بيان السهام المفروضة السهام المفروضة في كتاب الله تعالى ستة: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس. فالنصف سهم أربعة: سهم الزوج مع عدم الولد وولد الولد، وسهم البنت، وسهم الأخت لأب وأم، والأخت لأب. ويصح معه اجتماع خمسة أسهم: النصف، والربع، والثمن، والثلث، والسدس. والربع سهم اثنين: سهم الزوج مع وجود الولد أو ولد الولد وإن سفل، وسهم الزوجة مع عدم من ذكرناه. ويصح معه اجتماع أربعة أسهم: الثلثين، والثلث، والسدس والنصف. والثمن سهم الزوجة، والزوجات مع وجود الولد وولد الولد. ويصح معه اجتماع أربعة أسهم: النصف، والثلثين، والثلث، والسدس. والثلثان وهو سهم ستة: سهم البنتين، والأختين لأب وأم، والأختين لأب وحده مع عدم الأختين لأب وأم. ويصح معه اجتماع أربعة أسهم: الثلث، والسدس،

[ 383 ]

والربع، والثمن. والثلث سهم ثلاثة: سهم الأبوين مع عدم الولد أو ولد الولد، وسهم الأم مع عدم الولد، وعدم من يحجبها مع وجود الأب من الأخوة والأخوات، وسهم كلالتي الأم فصاعدا. ويصح معه اجتماع أربعة أسهم: الثلثين، والنصف، والربع، والثمن. والسدس سهم أربعة،: سهم كل واحد من الأبوين مع وجود الولد أو ولد الولد، وسهم الأم مع عدم الولد ووجود من يحجبها، وسهم واحدة من كلالة الأم. ويصح معه اجتماع خمسة أسهم: الثلثين، والنصف، والربع، والسدس، والثمن. فصل في بيان من يرث بالفرض مرة وبالقرابة أخرى من يرث بالفرض مرة، وبالقرابة أخرى ستة نفر: الأبوان والبنت، والأخت لأب وأم، والأخت لأب، وكلالة الأم. فأما الإبن فلا يرث أبدا إلا بالقرابة، وكذلك الإخوة. فالاب له ثلاثة أحوال: أحدها: يرث فيه بالقرابة وحدها، وهو إذا مات ولده ولم يكن له وارث سواه، أو كانت معه الأم، وتأخذ نصيبها بالفرض من الثلث أو السدس، والباقي له بالقرابة. أو كان معهما أحد الزوجين ويأخذ هو فرضه، والأم فرضها، والباقي له بالقرابة. وثانيها: يرث فيه بالفرض وحده، وهو إذا مات ولده وخلف إبنا، أو إبنا وبنتا، ويرث هو السدس بالفرض، والباقي لولد الميت، أو خلف معه أما وبنتين، أو أكثر، وكان لبنتين أو البنات الثلثان بالفرض، وللأم السدس وله السدس بالفرض.

[ 384 ]

وثالثها: يرث فيه بالقرابة والفرض معا، وهو إذا خلف ولده بنتا، أو بنتين فصاعدا واياه، ويأخذ هو سدسه بالفرض، والبنت نصفها بالفرض، أو البنتان فصاعدا ثلثاها بالفرض، ويرد ما بقي عليهم بالحساب بسبب القرابة. وأما الأم فإنها لا تأخذ بالقرابة وحدها أبدا، ولها حالتان: أحدها يكون فيه لها الميراث بالفرض وحده، والآخر: تأخذ الميراث بالفرض والقرابة معا، وتأخذ الميراث بالفرض وحده مع الإبن، أو مع الإبن والبنت، أو مع الأب مع فقد الإبن، أو مع فقده، ووجود الزوج مع وجود الأب، أو مع الأب والبنتين، وتأخذ بالفرض والقرابة في موضع تستحق الرد فإنها تأخذ المسمى بالفرض وما يرد عليها بالقرابة. وأما البنت فلها ثلاثة أحوال: إما تأخذ الميراث بالقرابة وحدها، وهو إذا كان معها ابن فإن الميراث بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين بالقرابة، أو يكون معها جد أو جدة أو كلاهما. وإما تأخذ بالفرض وحده، وهو إذا كانت بنت أخرى وأبوا مورثها، فإن للأبوين السدسين وللبنتين الثلثين بالفرض. وإما تأخذ بالفرض والقرابة معا، وهو إذا كان معها أحد الأبوين، أو كلاهما وأخذ كل واحد فرضه رد عليهما، أو عليهم الفاضل بالقرابة. وأما الأخت لأب وأم فلها أيضا ثلاثة أحوال: أحدها: تأخذ الميراث فيه بالفرض وحده، وهو إذا كان معها زوج، فإنها تأخذ النصف بالفرض، والزوج النصف، أو كانت معها أخت أخرى، وكلالتان لأم، أو أكثر. أو تأخذ بالقرابة وحدها، وهو إذا كان معها أخ لأب وأم. أو تأخذ بالقرابة والفرض معا، وهو إذا استحقت الرد مع الفرض. وأما الأخت للأب وحده، فهي تقوم مقامها مع عدمها، وحكمها سواء. وأما كلالة الأم فحكمها حكم الأم في الميراث، وتأخذ بالفرض وحده مرة، أو

[ 385 ]

الفرض والقرابة معا أخرى، وهو الحال الذي تستحق الرد فيه مع الفرض. وإذا اجتمع ذوو السهام فحالهم على ثلاثة أضرب: أحدها تكون السهام وفقا للفرائض، أو ناقصة عنها، أو زائدة عليها. فالأول في ثلاثة مواضع: وهو إذا خلف الميت بنتين وأبوين، أو زوجا واختا، أو كلالتين فصاعدا من قبل الأب والأم،، أو من قبل الأب وحده، ومثلها من قبل الأم وحدها. والثاني في خمسة عشر موضعا: وهو إذا خلف الميت بنتا وأبا، أو أما، أو كليهما، أو بنتين فصاعدا، أو أحد أبويه، أو بنتا وزوجا أو زوجة، أو بنتين فصاعدا وأحد الزوجين، أو كلالة أب، أو كلالة أم، أو كلالتي أب فصاعدا وكلالة أم، أو كلالتي أم فصاعدا، أو كلالة أب، أو كلالة أب وزوجة، أو كلالة أم وزوجا، أو زوجة، أو كلالتي أم فصاعدا مع أحدهما. والثالث: يكون النقصان داخلا على البنات، وكلالة الأب دون غيرهما، وذلك في عشرة مواضع، وهو إذا خلف الميت أبا وأما، أو زوجا وبنتين أو خلف زوجا، أو زوجة وبنتين وأبويه، أو خلف أبويه وزوجا وبنتا، أو خلف أختين فصاعدا وزوجا، أو خلف كلالتين لأب ومثلهما لأم وزوجا أو زوجة، أو خلف كلالة لأب وكلالتين لأم وزوجا، أو خلف كلالتين لأب وكلالة لأم وزوجا. فصل في بيان ميراث الأولاد قرابة الولد أقوى القرابات، وهو يمنع من يتقرب به، وبمثله، وبالأبوين عن أصل الإرث، ذكرا كان أو أنثى، ويجوز الميراث بأسره إن لم يكن معه من يقاسمه، فإن كان ذكرا بالقرابة، وإن كانت أنثى بالفرض والرد. ولم يخل حال الولد من ضربين: إما كان منفردا بالميراث، أو كان معه غيره

[ 386 ]

من الوالدين والزوجين. فإن كان منفردا بالميراث لم يخل: إما كان الولد ذكرا، أو أنثى، أو ذكرا وأنثى. فإن كان ذكرا، وكان واحدا كان جميع المال له، وإن كان أكثر من واحد كان المال بينهم بالسوية، وإن كان الولد أنثى وكانت واحدة، كان جميع المال لها نصفه بالفرض ونصفه بالرد. وإن كانتا اثنتين فصاعدا كان ثلثا المال لهما، أو لهن بالفرض والباقي بالرد على سواء. وإن كان ذكرا وأنثى كان المال بينهما، أو بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن اجتمع مع الولد - وكان ذكرا، أو ذكرا وأنثى - الأبوان، أو أحدهما أخذ كل واحد منهما السدس، والباقي للولد الذكر والانثى. وإن كان الولد بنتا ومعه أحد أبويه أخذت البنت النصف، وأحد الأبوين السدس، والباقي يرد عليهما بالحساب. وإن كان معه الأبوان معا كان للبنت النصف، وللأبوين السدسان، والباقي رد عليهم بالحساب. وإن كان الولد بنتين فصاعدا ومعهما الأبوان كان للبنتين فصاعدا الثلثان وللأبوين السدسان. وإن كان معهما أحد الأبوين كان له السدس، ولهما أولهن الثلثان، والباقي يرد عليهم بالحساب. وإن كان مع الولد أحد الزوجين أخذ الزوج سهمه الأدنى والباقي للولد بالقرابة إن كان ذكرا، وبالفرض والرد إن كانت أنثى. وإن اجتمع مع الولد أحد الأبوين، أو كلاهما وأحد الزوجين كان لكل واحد منهم سهمه الأدنى، والباقي للولد، إلا إذا كانت بنتان وزوجة وأحد الأبوين، أو بنت وزوجة، أو زوج مع أحد الأبوين، فإنه يأخذ من المال كل واحد منهم فرضه، وما بقي يرد على البنت أو البنتين وأحد الأبوين بالحساب.

[ 387 ]

وإن كان مكان الولد للصلب ولد الولد قام مقامه، وقاسم من قاسمه، ومنع من منعه، وأخذ نصيب من يتقرب به، ذكرا كان أو أنثى. فابن البنت يأخذ نصيب البنت، وبنت الإبن تأخذ نصيب الإبن، وبنو البنت يأخذون نصيب بنت، وبنت ابن تأخذ نصيب ابن. وإن كان له عدة أولاد، ولكل ولد عدة أولاد، ولم يبق أولاده وبقي أولاد أولاده كان لولد كل ولد نصيب من يتقرب به، ويقتسمون للذكر مثل حظ الأنثيين، وولد الولد يمنع ولد ولد الولد، وعلى هذا يمنع الأقرب الأبعد، ويأخذ نصيب من يدلي به، ويقاسم الأبوين والزوجين على حد مقاسمة من يتقرب به. ويأخذ الإبن الكبير ثياب بدن الوالد، وخاتمه الذي يلبسه، وسيفه، ومصحفه بخمسة شروط: ثبات العقل، وسداد الرأي، وفقد آخر في سنه، وحصول تركة له سوى ما ذكرنا، وقيامه بقضاء ما فاته من صلاة وصيام. فصل في بيان ميراث الوالدين ومن يرث معهما لا يرث مع الوالدين ولا مع أحدهما غير الولد، وولد الولد وإن سفل، وغير الزوجين، وقد ذكرنا حكمهما في الميراث مع الولد، فإن كان كل واحد من الأبوين منفردا بالميراث حاز جميع المال، سواء كان أبا أو أما، إلا أن الأب يأخذ جميع المال بالقرابة، والأم تأخذ الثلث بالفرض والباقي بالرد. وإن اجتمع الوالدان معا، ولم يكن للميت أخوان، ولا أخ واختان، ولا أربع أخوات لأب وأم أحرار مسلمون يرثون من قبل الميت كان للأم ثلث المال، والباقي للأب. فإن كان له ذلك صارت الأم محجوبة من الثلث إلى السدس، والباقي للأب، وإن زاحمهما زوج أو زوجة أخذ كل واحد منهما سهمه الأعلى، وكان النقصان داخلا على الأب دون الأم بسببهما. ولم ينقص بسبب الزوج والزوجة عن سهمهما الأعلى والأدنى على ما ذكرنا شئ.

[ 388 ]

وإن كان مع الوالدين جدان، أو جدتان من قبلهما، وكان نصيب الأم الثلث، ونصيب الأب يزيد على السدس استحق الجد أو الجدة سدس المال على ولده طعمة لا ميراثا، فإن كان من قبل كل واحد منهما جد وجدة كان السدس بينهما نصفين. فصل في بيان ميراث الإخوة والأخوات الأخوة والأخوات ثلاثة أضرب: إخوة لأب وأم، وإخوة لأب، وإخوة لأم. فإذا اجتمعوا جميعا سقط كلالة الأب خاصة، وإذا لم يكن كلالة الأب والأم قام كلالة الأب مقامه في مقاسمة من قاسمه، ومنع من منعه، ولم يرث معه إلا الجد والجدة والزوجان كما أن الولد لا يرث إلا الوالدن والزوجان. وكما أن ولد الولد وإن سفل يقاسم الوالدين، ولا يقاسم الجد والجدة. ويقاسم الولد وولد الولد وإن سفل، ويقاسم ولد الإخوة والأخوات وإن سفل الجد والجدة، ولا يقاسم أبو الجد، والجدة، ولا ولده من العمومة والعمات، والخؤولة والخالات، الأخوة، والأخوات، ولا أولادهم وإن سفلوا. والزوج والزوجة يرثان مع الإخوة والأخوات وأولادهم ويستحقان معهم السهم الأعلى، وما فضل عن فريضة الزوج أو الزوجة يكون للكلالة بأسره إن لم يكن معهم جد، ولا جدة من قبل أب أو أم. وميراث كلالة الأب والأم أو كلالة الأب يقسم مثل ميراث الولد، فإن كانوا ذكورا فإنهم يرثون بالقرابة بالسوية، وإن كن إناثا يرثن بالفرض مثل البنات، وإن كانوا ذكورا وإناثا يرثون بالفرض للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن كان الوارث أخا واحدا حاز جميع الميراث بالقرابة، وإن كان أكثر كان المال لهم بالسوية. وإن كان الوارث أختا كان لها، جميع المال نصفه بالفرض، والباقي بالرد، وإن كانتا أختين من قبل الأب والأم، أو من قبل الأب فحكمها حكم البنتين.

[ 389 ]

فإن كان الوارث كلالة واحدة للأم كان الجميع له: سدسه بالفرض، والباقي بالرد. وإن كان أكثر من ذلك كان المال بينهم بالسوية: ثلثه بالفرض، والباقي بالرد. وإن اجتمع كلالة الأب والأم، أو الأب وحده وكلالة الأم، فإن كان كلالة الأب والأم واحدا ذكرا، وكلالة الأم واحدا ذكرا كان أو أنثى كان السدس لكلالة الأم بالفرض، والباقي لكلالة الأب والأم بالقرابة. وإن كان مكان كلالة الأب الذكر أنثى كان على ذلك، إلا أنها تأخذ نصف المال بالفرض والباقي بالرد. ولا يرد على كلالة الأم مع كلالة الأب، والأم لا مع كلالة الأب وحده إذا لم يكن كلالة الأب والأم، لأنه يقوم مقامه إذا عدم، ولا يرث معه إذا وجد، وإذا اجتمع كلالة الأب والأم، وزاحمهم زوج أو زوجة كان النقصان داخلا على كلالة الأب كما على الأب نفسه وإذا اجتمع كلالة الأب والجد والجدة من قبله، وكلالة الأم والجد والجدة من قبلها كان لقرابة الأب نصيب الأب للذكر مثل حظ الأنثيين - وحكم الجد حكم الأخ، وحكم الجدة حكم الأخت - ولقرابة الأم نصيب الأم، وكان بينهم بالسوية وإن كانوا ذكورا وإناثا، سواء زاحمهم الزوج أو الزوجة أو لم يزاحمهم. وجملة أمرهم: أن الكلالتين إذا اجتمعتا معا وكانت التركة وفقا لسهامهما أخذت كل واحدة سهمها. وإن كانت زائدة عليها كانت الزيادة لتركة الأب، ولا تكون التركة ناقصة عن السهام، وإن كان معهم جدا وجدة، أو كلاهما كان كأحدهم إن كان من قبل الأب والأم، أو الأم على ما ذكرنا. وإن زاحمهم زوج، أو زوجة كان النقصان داخلا على قرابة الأب دون قرابة الأم على ما ذكرناه.

[ 390 ]

فصل في بيان ميراث أولاد الإخوة والأخوات من يرث بالنسب ضربان: إما يرث بنفسه، أو بغيره. فمن يرث بنفسه: الولد، والوالدان. ومن سواهم يرث بغيره ويرث نصيب من يدلي به، ذكرا كان أو أنثى، واحدا كان أو أكثر. وولد الأخوة والأخوات لا يرث مع من يتقرب به، ولا مع من هو في مثل درجته، ويرث مع الجد والجدة، والزوج والزوجة على حد ما يرث المتقرب به معهم. وولد الإخوة لأب لا يرث مع ولد الإخوة لأب وأم، كما لا يرث الأخوة لأب مع الإخوة أو الأخوات لأب وأم، وولد الإخوة للأم يرث مع ولد الإخوة لأب وأم أو لأب إذا لم يكن للأب والأم كما يرث الإخوة للأم مع الإخوة للأب والأم، والأقرب يمنع الأبعد أبدا. وإن كان الأقرب أنثى لأنثى، ومتقربا بسبب واحد من جهة أب وأم، أو كليهما، والأبعد ذكرا للذكر، ومتقربا بسببين على أي وجه. ومن يتقرب بسببين، أو بسبب الأب وحده يقتسمون المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. ومن يتقرب بالأم كان الذكر والانثى في القسمة سواء، وولد كل أخ أو أخت لأب، أو أم، أو كليهما إذا كان منفردا حاز جميع الميراث، وإن كان معه غيره المال بينهما، أو بينهم على حسب الاستحقاق. فإن خلف الميت ولد أخ له لأب، وأم، وولد أختين له لأب، وأم، وولد أخ لأم، وولد أخوات لأم، وولد أخوة لأب سقط ولد الإخوة لأب، وكان ثلث المال لولد الأخ والأخوات لأم. وقسم الثلث بالسوية على عدد الأخوة والأخوات لأم، وقسم ولد كل أخ أو أخت نصيبه بينهم بالسوية وكان الثلثان نصفه بين ولد الأخ لأب وأم للذكر مثل حظ الأنثيين، ونصف الثلث الباقي لولد إحدى الأختين.

[ 391 ]

والباقي لولد الأخرى من الأختين كذلك، وعلى هذا حكم الباب. فصل في بيان ميراث الازواج والزوجات الزوج والزوجة يتوارثان على كل حال ما لم يكن فيهما شئ من الموانع على وتيرة واحدة في الحالين مع الولد، وولد الولد وإن نزلوا، ومع فقدهم. وربع الزوجة، أو ثمنها لواحدة أو اثنتين، وثلاث، وأربع على سواء، فإن كانت الزوجة ذات ولد من زوجها المتوفى عنها لزم ميراثها في جميع تركاته، وإن لم تكن ذات ولد منه لم يكن لها حق في الأرضين، والقرى، والمنازل والدور، والرباع. وروي روايات مختلفات بخلاف ذلك، (1) وإذا كان لرجل أربع زوجات، وطلق واحدة طلاقا بائنا، وتزوج بأخرى ومات، واشتبهت المطلقة بغيرها كان للجديدة ربع نصيب الازواج، وثلاثة أرباع نصيبهن بين الأربع بالسوية. وإذا ماتت المرأة وخلفت زوجها، ولم تخلف وارثا سواه. بوجه كان جميع المال للزوج: نصفه بالفرض، والنصف بالرد. فصل في بيان ميراث الأجداد والجدات الجد من قبل الأب بمنزلة الأخ من قبله، والجدة من قبله بمنزلة الأخت، والجد والجدة من قبل الأم بمنزلة الأخ والأخت من قبلها، إلا أن الجد أو الجدة أو كلاهما يأخذ ثلث المال مع الجد أو الجدة من قبل الأب أو كليهما، ومع الأخ أو الأخت من قبله، أو كليهما. ولا يأخذ واحد من الكلالة معهم غير السدس من المال، وقد ذكرنا حكم الجد

(1) التهذيب 9: 300 حديث 1075، الاستبصار 4: 154 حديث 581.

[ 392 ]

والجدة مع الأخوة والأخوات في الميراث، ومع أولادهم. ولا يرث مع الجد والجدة، ولا مع واحد منهما، كان من قبل الأب أو من قبل الأم أحد من الجد الأعلى، ولا من الجدة العليا، ولا من أولادهما من العمومة، والخؤولة، والعمات، والخالات، ولا من أولادهم، فإن انفرد أحدهم بالميراث حاز الجميع، وإن كان معه سواه لم يخل من ثلاثة أوجه. إما كانا لأب، أو لأم، أو كان أحدهما لأب والآخر لأم. فإن كانا لأم كان بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كان لأم اقتسما بالسوية، وإن كان أحدهما لأب والآخر لأم كان الثلثان للجد، أو الجدة من قبل الأب، أولهما على ما ذكرنا. والثلث للجد أو الجدة من قبل الأم أو لهما بالسوية، فإن زاحمهم زوج، أو زوجة كان النقصان داخلا على قرابة الأب. والجد الأدنى والجدة الدنيا يمنعان الأعلى والعليا. وإن خلف الميت جد أبيه وجدته من قبل أبيه، ومثلهما من قبل أمه، وجد أمه وجدتها من قبل أبيها، ومثلهما من قبل أمها كان المال بينهم أثلاثا. فالثلثان منها بين قرابة الأب: ثلثا الثلثين للجد والجدة من قبل الأب، وثلثه للجد والجدة من قبل الأم للذكر مثل حظ الأنثيين، وقيل: في الجد والجدة من قبل الأم بالسوية. وثلث الأصل نصفه بين جد الأم وجدتها من قبل الأم بالسوية، ونصفه بين جدها وجدتها من قبل الأب بالسوية، وعلى ذلك يدور حكم الباب. فصل في بيان ميراث ذوي القرابات ميراث العم والعمة من قبل الأب والأم، أو من قبل الأب وحده مثل ميراث الأخوة والأخوات من قبله، وميراث الخال والخالة مثل ميراث الأخوة والأخوات من قبل الأم وأولادهم مع عدمهم يقومون مقام آبائهم، والأقرب يمنع الأبعد وإن

[ 393 ]

كان الأبعد يدلي بسببين، والأقرب بسبب إلا في مسألة واحدة وهي: إذا مات الرجل وخلف عما لأب، وابن عم لأب وأم كان المال لابن العم لأب وأم دون العم لأب، ولا يتعدى عنه إلى غيره. والمنفرد بالميراث من العمومة والعمات، والخؤولة والخالات، وأولادهم وإن سفلوا يحوز جميع المال. وإن كان معه غيره، وكان مثله كان المال بينهما، وإن كان خلافه لم يخل من ثلاثة أوجه: إما يكون أحدهما عما والآخر عمة، أو خالا، أو خالة. فإن كان عما وعمة على سواء كان المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كان عما وخالا أو خالة كان نصيب الأب للعم والعمة في أخته، ونصيب الأم للخال أو الخالة. وإن خلف عمومة وعمات من قبل الأب والأم، ومثلهم من قبل الأب ومثلهم من قبل الأم، وخؤولة وخالات من قبل الأب، أو الأم أو كليهما، كان ثلث المال لقرابة الأب، وثلثه لقرابة الأم. فما كان لقرابة الأب يكون ثلثاه للعمومة والعمات من قبل الأب والأم للذكر مثل حظ الأنثيين، وثلثه للعمومة والعمات من قبل الأم بينهم بالسوية، وتسقط العمومة والعمات من قبل الأب وحده. وما لقرابة الأم ثلثاه للخؤولة والخالات من قبل الأب والأم، وثلثه للخؤولة والخالات من قبل الأم، وتسقط الخؤولة والخالات من قبل الأب. فإذا عدم العمومة والعمات، والخؤولة والخالات من قبل الأب والأم قام من هو من قبل الأب خاصة مقامهم. وقرابة الأم واحدا كان أو أكثر، ذكرا كان أو أنثى، يتقرب بسببين أو بسبب واحد يأخذ جميع نصيب الأم مع قرابة الأب وإن كانوا جماعة إذا كان في درجتهم، وإن كان على العكس من ذلك فكذلك.

[ 394 ]

وولد العمومة والعمات، والخؤولة والخالات يقومون مقام آبائهم وأمهاتهم، ويقتسمون المال على ما ذكرنا مع التساوي في الدرج والسبب. والذكر إذا أدلى بأنثى يأخذ نصيبها، والانثى إذا أدلت بذكر تأخذ نصيبه. وبنت عم، وبنو عمة إذا اجتمعوا كان لها ثلثا المال، وله ثلثه، وعلى هذا وإن نزلوا، فإن زاحمهم الزوج، أو الزوجة كان النقصان داخلا على قرابة الأب، وإن اتفق أن يكون العم خالا، (والعمة خالة) (1)، وابن العم أخا، كان الميراث في ابن العم بالاخوة، وفي العم والعمة بالوجهين معا، ولا يعدو حكم الباب ما ذكرناه. فصل في بيان توارث أهل ملتين المسلم يرث الكافر، ولا يرثه الكافر. والاسلام على اختلاف المذاهب والآراء ملة واحدة، يرث بعض أهله بعضا، والكفر على اختلافه في حكم الملة الواحدة. وإذا مات مسلم، وخلف وارثا مسلما فقد ذكرنا حكمه، وإن لم يخلف وارثا مسلما، أو خلف ذا رحم كافرا كان ماله لبيت المال، فإن أسلم الكافر على ذلك، وقد نقل التركة إلى بيت المال لم يستحق شيئا، وإن لم تنقل استحق المال على ما ذكرنا. وأن خلف وارثا مسلما، وذا قرابة كافرا، واسلم على المال لم يخل من أربعة أوجه: إما يكون الوارث المسلم واحدا، أو أكثر واقتسما جميع المال، أو بعضه، أو لم يقتسما. فالأول: لم يستحق من أسلم. والثاني: كذلك.

(1) زيادة من نسختي " ش " " ط ".

[ 395 ]

والثالث: استحق حقه مما لم يقتسما. والرابع لا يخلو: إما يكون أحق بها من غيره، أو يكون مثله فإن كان أحق بها حاز جميعها، وإن كان مثله قاسمه على قدر الاستحقاق. وإن مات الكافر لم يخل من ثلاثة أوجه: إما يكون وارثه كافرا، أو مسلما، أو كلاهما. فالأول: يكون ميراثه للكافر. والثاني: يكون للمسلم. والثالث: كذلك. وإن كان الكافر أقرب من المسلم، وإن كان مكان ذي القرابة مولى نعمة فكذلك وإن خلف ولدا طفلا من أم مسلمة كان ميراثه له، لأن الولد يلحق بأشرف الأبوين فإذا بلغوا وأسلموا أخذوا المال، وإن لم يسلموا قهروا عليه، فإن أبوا قتلوا، وكان ميراثهم لوارثهم المسلم، فإن لم يكن له وارث مسلم كان لبيت المال. وأما المرتد فضربان: أحدهما: يكون مولودا على فطرة الاسلام، فإذا ارتد قسم ماله على ورثته المسلمة، وقتل إن ظفر به على كل حال، فإن لحق بدار الحرب، وكسب مالا كان لوارثه المسلم بعد موته. والآخر: لا يكون مولودا على فطرة الاسلام، فإن ظفر به وتاب كان ماله له، وإن لم يتب قتل، وكان ماله لورثته المسلمة، أو لبيت المال إن لم يكن له وارث سواه. فصل في بيان حكم ميراث القاتل من قتل مورثه لم يخل من أربعة أوجه: إما قتله عمدا وعدوانا، أو عمدا

[ 396 ]

ولم يكن ظالما له بالقتل، أو قتله خطأ، أو شبيها بالخطاء. فالأول: لا يستحق شيئا من ميراثه، وكان ميراثه لغيره من الورثة وإن كان أبعد منه، أو يتقرب به. والثاني: لا يسقط حقه من الميراث بسبب قتله. والثالث: يرثه من التركة دون الدية: وقيل: يرث الدية أيضا (1)، وقيل: لم يرث من التركة أيضا.
(2) وإذا لم يرث لم يحجب الأم عن الثلث، وأحد الزوجين عن السهم الأعلى إلى الأدون. ويستحق الدية خمسة: الولد، ومن يتقرب به، والوالدان، ومن يتقرب بالوالد، والزوج. فصل في بيان ميراث الحر من المملوك والمملوك من الحر المملوك لا يرث ولا يورث، فإن مات حر لم يخل الحال من ثلاثة أوجه: إما يكون من يصلح لكونه وارثا له حرا، أو مملوكا، أو بعضهم حرا وبعضهم مملوكا. فإن كان حرا فقد ذكرنا حكمه. وإن كان مملوكا لم يخل من ستة أوجه: إما يكون ولدا واحدا، أو أكثر، أو يكون أحد الوالدين، أو كليهما، أو يكون الولد والوالدان معا، أو يكون الولد وأحد الوالدين. فالأول: إن وفت التركة بثمنه وجب إزالة رقه، والثالث: حكمه كذلك. والثاني، والرابع: إن وفت التركة بأثمانهم جميعا وجب إزالة رقهم، وإلا فلا، فإن وفت وفضل شئ أعطوا الفاضل.

(1) قاله الشيخ المفيد في المقنعة: 107، وسلار في المراسم: 215.
(2) قاله ابن أبي عقيل، كما حكاه عنه العلامة في المختلف: 743.

[ 397 ]

والخامس، والسادس: فالحكم فيهما أيضا على ما ذكرنا، وروي في الجد، والجدة، والأخ، والأخت، وجميع ذوي الأرحام كذلك (1). وإن لم تف التركة بثمنه، وحرر قبل نقل المال إلى بيت المال، أو كان بعضهم حرا وبعضهم مملوكا وعتق، وكان الوارث الحر واحدا، أو كان أكثر واقتسموا المال كله، أو بعضه، أو لم يقتسموا فهو على ما قلنا في المسلم إذا خلف ورثة كفارا، أو مسلمين وكفارا. والمكاتب المطلق إذا حرر بعضه ورث، وورث منه بقدر الحرية، وكذا حكم من حرر بعضه ورق بعضه. ولا حظ للمملوك في حجب الأم، ولا في المنع من السهم الأعلى إلى الأدون. فصل في بيان الميراث بالولاء الولاء على ثلاثة اضرب: ولاء عتق، وضمان جريرة، وإمامة. فولاء العتق يحصل بأن يعتق إنسان عبدا تطوعا لوجه الله تعالى، ولا يبرأ من جريرته. وحكم المدبر، ومن عتق عليه إذا ملكه، ومن أعتقه عن غيره بغير إذنه كذلك. والمعتق: رجل، وامرأة. فإن كان رجلا، وله ولاء على عتيق، ومات العتيق، ولم يكن له وارث من جهة النسب، ولا زوج كان ميراثه لمولاه، فإن مات مولاه كان ميراثه لولده الذكور دون الاناث ولوالد. والأخوة من قبل الأب والأم يقاسم الجد من قبل الأب، والأخوة للأب يقوم مقام الإخوة للأب والأم مع عدمها على ترتيب سائر المواريث، ولا نصيب للبنات ولا للأم، ولا لمن يتقرب بها في الميراث بالولاء نصيب، فإن كان للعتيق وارث

(1) التهذيب 9: 334 و 335 حديث 1203 و 1204

[ 398 ]

نسبا، كان الميراث له دون المولى، وإن كان له زوج أخذ نصيبه، وما بقي فلمولاه. وإذا مات العتيق وله عتيق، ولم يكن لأحدهما وارث من النسب كان ميراثه إذا مات لمولى المولى، فإن لم يكن مولى المولى حيا، أو مات بعده كان ميراثه لعصبته. وإن كان المعتق امرأة كان ولاؤه لها، فإن ماتت كان ولاء العتيق لعصبتها دون ولدها. وإذا زوج رجل أمته من عبد غيره، ثم اعتقها لم يخل: إما كانت حاملا عند العتق، أو غير حامل. فإن كانت حاملا، أو اعتقها وولدها بعد الولادة، ثم أعتق العبد مولاه لم ينجر ولاء الولد إلى مولى العبد، وإن لم تكن حاملا، ثم حملت بعده، فاعتق إنسان جد الولد من قبل الأب انجر إليه ولاؤه، فإن أعتق أباه مولاه انجر إليه ولاؤه. والولاء لا يباع، ولا يوهب. فأما ولاء ضمان الجريرة فيحصل بأحد أربعة أشياء: بأن يسلم رجل على يد غيره فيواليه، أو بأن يلتقطه فيواليه، أو بأن يكون عتيقا سائبة فيوالي انسانا، أو بأن يكون انسانا مجهول النسب فيوالي أحدا على أن يضمن جريرته. فإذا مات الموالي ولم يخلف وارثا قريبا، أو بعيدا، أو زوجا كان ميراثه لمولاه، فإن كان له وارث ذو قرابة كان ميراثه له، وإن كان له زوج أخذ نصيبه والباقي لمولاه إذا لم يكن له وارث من جهة النسب. وهذا الولاء يسري إلى ولده الصغار دون الكبار، فإن أراد الموالي إبطال الولاء كان له إذا لم يؤد المولى شيئا من جنايته، فإن مات من له الولاء لم يرثه وارثه. ولا تجوز الموالاة بين المسلم والكافر بحال، إلا الذمي فإنه يجوز له أن

[ 399 ]

يوالي مسلما. وأما ولاء الامامة: فهو أن يموت إنسان ولا وارث له بوجه من الوجوه فإن ميراثه للامام. فصل في بيان ميراث الاسير والحميل والمفقود والجنين الاسير في بلاد الشرك من المسلمين: إن عرف حياته، ومات له مورث احتفظ بحقه من الميراث حتى يرجع فيأخذ، أو يموت فيورث وارثه إن كان له وارث، أو ينقل إلى بيت المال إن لم يكن له وارث، أو يقسم على فقراء المسلمين إن لم يكن إيصاله إلى الإمام. وإن لم يعرف موته، ولا حياته فهو مفقود. والحميل: المجلوب في بلاد الشرك، فإن تعارف نفسان منهم، أو أكثر بنسب يوجب التوارث، واعترفا بذلك، ولم يشتهرا بغير ذلك النسب قبل منهما بلا بينة. وإذا أقر إنسان بوارث ذي رحم يرث بنفسه مثل الولد، والوالدين، فإن كان الولد صغيرا قبل منه بشرطين: كون الصغير مجهول النسب، غير منازع في نفسه. وإن كان كبيرا قبل منه بأربعة شروط وتوارثا: إمكان كونه ولدا له، وتصديقه إياه، وكونه غير منازع في نفسه، وكونه مجهول النسب. فإن أقر بأحد والديه قبل منه بشرطين وتوارثا: إمكان ذلك، وتصديقه إياه. وإن أقر بمن يرث بغيره، وكان له ورثة مشهورة النسب لم يقبل منه بغير بينة وإن لم يكن له بينة، ولا ورثه، وكان المقر به طفلا قبل منه، وورثه الطفل، وهو لم يرث الطفل بحال. وإن أقر به بالغا، وصدقه قبل منه، وتوارثا.

[ 400 ]

وإن أقر بوارث آخر معه، وصدقه، ولم يكن معه وارث سواه، وكان المقر به مثله تقاسما، وإن كان أولى به دفع جميع المال إليه. وإن أقر بأكثر من واحد وصدقوه دفعة فكذلك، وإن أقر بواحد بعد واحد وقال،: هذا أولى بالميراث، ودفع إليه المال، ثم أقر بآخر، وقال: هذا أولى منه، أو مساو له غرم للثاني ما يستحقه بإقراره، وعلى ذلك بالغا ما بلغ، سواء أقر بذي قرابة، أو أحد الزوجين. وإن كان معه وارث سواه وصدقه في ذلك، وكانا عدلين، وكان المقر به غير مشهور بنسب آخر وصدقهما قبل منهما على جميع الورثة، وألحق نسبه، وإن لم يكونا عدلين لم يلحق نسبهما، ولزمهما له مما في أيديهما نصيبه. وأما الجنين، فإذا سقط حيا ورث، وورث منه، وعلامة كونه حيا الاستهلال. وإذا مات رجل وخلف ولدا، وامرأة حبلى عزل سهم ذكرين للحمل، وقسم بقية المال على بقية الورثة، فإن ولدت ذكرين توأمين فذاك، وإن ولدت واحدا أو واحدة أعطي نصيبه، وقسم الباقي على قدر الاستحقاق. وأما المفقود: فهو من غاب عن وطنه، ولم يعلم بحياته ولا موته ولا خبره، فإذا كان كذلك لم يتعرض لماله حتى يصح موته، أو تمضي عليه مدة لا يعيش إليها مثله. فإن ظهر موته قبل استحقاقه للميراث رد ما عزل له على مستحقيه، وإن مات بعد الاستحقاق للميراث قسم على ورثته، أو نقل إلى بيت المال إن لم يكن له وارث. فصل في بيان ميراث الغرقى والمهدوم عليهم دفعة إذا غرق اثنان، أو أكثر دفعة، أو احترقوا، أو هدم عليهم، أو قتلوا لم يخل حالهم من ثلاثة أوجه: إما يعلم موتهم في حالة واحدة، أو تقدم موت بعضهم على بعض، أو لا يعلم شئ من ذلك، ويجوز تقديم موت كل واحد منهم على الآخر. فالأول: لا يكون بينهما توارث مع القرابة الموجبة للتوارث. والثاني: يرث من تأخر موته من الذي تقدم موته على قدر استحقاقه منه.

[ 401 ]

والثالث: يورث كل واحد منهما من صاحبه من نفس تركته دون ما ورثه منه، وينقل منه إلى بقية ورثته. ويقدم الاضعف في الميراث على الأقوى، مثاله: ثمانية نفر في سفينة فغرقت بهم، أو في بيت فانهدم عليهم، وهم: زوج، وزوجة، وأب كل واحد منهما، وابن، وبنت، فقدم توريث الزوجة على الزوج ويورث كل واحد من الوالدين على ولده من نفس التركة دون ما ورثه من صاحبه، فورثت الزوجة الثمن من الزوج، ثم الزوج الربع منها، ثم ورثت الزوجة الثلث والسدس من الإبن والبنت، ثم الزوج الباقي منهما إن لم يكن لهما وارث آخر لأنهما أبواهما وإن كان لكل واحد منهما ولد اعطي السدس وورث أبوا كل واحد منهما السدسين، وورث كل واحد منهما من أبويه ما يستحقه، وورث الإبن والبنت منهما ما يخصهما، وورث هذا من ذاك من نفس تركته، ومما ورثه من الآخر دون ما ورثه منه، ثم تنتقل منه بقية تركته مع ما ورثه من غيره إلى بقية ورثته، أو إلى الإمام إن لم يكن له وارث. وإن مات شخصان كذلك، وكان وارث كل واحد منهما واحدا ولم يكن لهما وارث سقط هذا الحكم لفقد الفائدة، وذلك إذا مات أب وابن، ولا وارث للأب سوى هذا الإبن، وللابن ولد، أو لا وارث لهما أصلا. فصل في بيان ميراث الخناثى من كانت له آلة الرجال والنساء معا فهو خنثى، ولها ثلاثة أحوال: إما يحكم عليه بالذكورة، أو بالأنوثة، أو يشكل أمره. ويعتبر حاله بالمبال، فإن خرج البول من آلة الرجال فهو رجل، وإن خرج من آلة النساء فهي امرأة، وإن منهما معا اعتبر بآلة سبق البول منها، فإن خرج من

[ 402 ]

الألتين اعتبر بما ينقطع منها أخيرا، فإن خرج منهما دفعة وانقطع عنهما دفعة فهو مشكل أمره، فإن بان ذكرا كان ميراثه ميراث الرجال، وإن بان أنثى كان ميراثها ميراث النساء، وإن أشكل أمره ورث نصف ميراث الرجل ونصف ميراث الأنثى. وقيل: يفرض بنتا، ونصف بنت، مثاله: مات رجل وخلف إبنا، وبنتا، وخنثى، فإن فرض الخنثى بنتا كانت الفريضة من أربعة، للابن اثنان، وللبنت واحد، وللخنثى واحد. وإن فرض إبنا كان لكل واحد من الإبن والخنثى اثنان، وللبنت واحد، فالفريضة من خمسة، فتضرب أربعة في خمسة فتحصل منها عشرون، فتضرب عشرون في حالتي الخنثى فتصير أربعين، منها ثلاثة عشر للخنثى، وثمانية عشر للابن، وتسعة للبنت. وإن عد الخنثى بنت ونصف كانت فريضتهم من تسعة، فيكون للابن أربعة، وللبنت اثنتان، وللخنثى ثلاثة، وعلى ذلك يدور حساب الخنثى في الميراث. وإن خلف مولودا لم يكن له ما للرجال، ولا ما للنساء، وله ثقب يخرج منها البول، فإن خرج منتحيا كان ذكرا، وإن خرج البول غير منتح كان أنثى، فإن اشتبه فالحكم للقرعة. فإن خلف مولودا له رأسان على بدنين في حقو واحد، فإن نام على أحدهما دون الآخر أو ناما معا ونبه أحدهما برفق ولم ينتبه الآخر كانا اثنين، وإن خالف ذلك كانا واحدا. ومن تبرأ عند الحاكم من جريرة ابنه، ومن ميراثه ثم مات الولد لم يرثه، وكان ميراثه لغيره من عصبته. فصل في بيان ميراث ولد الملاعنة وولد الزنى ميراث ولد الملاعنة للأم، أو من يتقرب بها إن ماتت الأم، وهو يرثها ويرث

[ 403 ]

من يتقرب بها إليه وإن كان ممن انتفى باللعان عنه لجهة الامومة دون الأبوة. والأب لا يرثه بحال، وإن أقر به بعد، وهو لا يرثه أيضا، إلا إذا أقر به بعد ذلك. وأما ولد الزنى لا يرث أحدا إلا زوجه، وولده، وولد ولده. ولا يرثه أحد إلا من يرث هو منه، ومن مات منهما عن غير وارث كان ميراثه للامام. فصل في بيان ميراث المجوس روى أصحابنا رضي الله عنهم في ميراث المجوس ثلاث روايات: إحداها: إنها ترث بكل نسب وسبب صحيحين، أو فاسدين في شرع الاسلام (1). والثانية: إنها ترث بكل نسب صحيح وفاسد، وبكل سبب صحيح غير فاسد (2). والثالثة: إنها ترث بنسب وسبب صحيحين غير فاسدين (3). ونحن نقول بالقول الأول. ولا يمكن في نسبتها ما يستحق به الميراث بالفرض من وجهين، ويمكن ذلك من جهة النسب والسبب معا. وإن خلف من يمكن أن يرث بوجهين ويمنع أحدهما الآخر لم يرث إلا بواحد، مثل من يرث أما هي أخت، أو بنتا هي أخت من قبل الأم أو إبنا هو أخ، أو بنتا هي بنت بنت، أو إبنا هو ابن بنت، وعلى هذا لأن الأقرب يمنع الأبعد، وإن اتفق أن لا يمنع أحدهما الآخر ورث من وجهين كمن يكون عما خالا، أو عمة خالة. وإن اتفق مع كونه عما خالا كونه زوجا، أو مع كونها عمة خالة كونها زوجة ورث بالأوجه الثلاثة. فصل في بيان جمل يعرف بها استخراج سهام المواريث السهام المسماة في كتاب الله تعالى ستة، وقد ذكرناها، ومخارجها على

(1 و 2 و 3) انظر التهذيب 9: 364، والاستبصار 4: 188

[ 404 ]

الصحة خمسة: فمخرج الثلثين والثلث: ثلاثة. ومخرج النصف: اثنان. ومخرج الربع: أربعة. ومخرج السدس: ستة. ومخرج الثمن: ثمانية. فإن اجتمع في فريضة سهمان، أو أكثر واختلف المخارج اعتبرنا بالمخرج الأعلى مثل نصف والثمن لبنت وزوجة، أو الثلث والسدس والنصف للأم والأب والزوج، أو الربع والثلثين للزوج والبنتين، أو للزوجة والأختين، وأمثالها. فإن خرج السهام من المخرج الأعلى فذاك، مثل من مات وخلف زوجا وأبوين فإنه يكون للزوج النصف، وللأم الثلث مع فقد من يحجبها، والسدس مع وجوده، والسدس أو الثلث للأب، فيكون الحساب في ستة وتنقسم على صحة. وإن خرجت منه وفضل شئ يحتاج إلى الرد على واحد فقد صح أيضا، مثل زوجة وبنت فتخرج السهام من ثمانية للبنت أربعة، وللزوجة سهم واحد، وفضل ثلاثة فهي للبنت. وإن لم تخرج السهام من المخرج الأعلى لم يخل: إما يحتاج إلى الرد، أو لم يحتج. فإن احتاج لم يخل من ثلاثة أوجه: إما لا يخرج منه سهام الأصل، أو سهام الرد، أو سهام الأصل والرد معا، مثل زوجة واختين لأب وأم، أو لأب، أو كلالتين لأم، أو زوجة وبنتين، أو أكثر، فإن جميع ذلك لا ينقسم على سهام الأصل، ولا الرد. والوجه في ذلك أن يضرب المخرج الأعلى في الآخر، فإن خرج منه سهام الأصل والرد فذاك، وإن لم يخرج منه ضربت المحصول في عدد من له الرد، أو في المخرج الثالث، أو في عدد من ينكسر عليه وقد صحت المسألة.

[ 405 ]

مثاله: زوجة، واختان لأب وأم، أو لأب، فللزوجة الربع وهو من أربعة، وللأختين الثلثان وهو من ثلاثة، فتضرب الثلاثة في الأربعة فتحصل منها اثنا عشر، فيكون للزوجة ثلاثة، وللأختين ثمانية، فيبقى واحد لا ينقسم على الأختين على صحة فيضرب المبلغ في عددهما فيصير أربعة وعشرون منها للزوجة ستة، والأختين ستة عشر، فيبقى اثنان لكل واحد منهما واحد بالرد. وإن كان مكان الأختين ثلاثة، أو أكثر فعلى ما ذكرنا. وكذلك إن كان مكان الأختين من الأب كلالتان لأم فإنه لا يخرج من أربعة سهام الأصل، ولا الرد، والوجه فيه ما ذكرنا. وإن كانت زوجة، وبنت كانت الفريضة من ثمانية على ما ذكرنا فإن كانت مكان زوجة واحدة ثلاث زوجات أو أكثر، ومكان بنت واحدة اثنتان، أو ثلاث ضربت ثمانية في عدد الزوجات، فصارت أربعة وعشرين منها ثلاث للزوجات، لكل واحدة واحد، وللبنتين أو البنات بالفرض ستة عشر، فيبقى ثلاثة فتنقسم على ثلاث بنات، ولا تنقسم على بنتين، فيضرب المبلغ ثانيا في عدد من يجب الرد عليه ويحصل منه المطلوب. وإن خلفت المرأة زوجا، وكلالتين لأم كان مخرج سهم الزوج اثنين، ومخرج سهم الكلالتين ثلاثة لم يخرج من ثلاثة، السهمان معا على صحة، فضربت هذا في ذاك فحصل ستة، فيخرج منها سهام الأصل دون الرد، فتضرب المبلغ ثانيا في عدد من له الرد فيصير اثني عشر، فتخرج منها سهام الأصل والرد، وكذلك إن كان مكان الكلالتين ثلاثة، أو أكثر. وإن خلفت زوجا وبنتا وأحد الوالدين كان الفريضة من ستة، فيخرج منها سهم البنت وهو ثلاثة، وسهم أحد الأبوين وهو واحد، ولا يخرج سهم الزوج منها، ولا سهام الرد، فتضرب المبلغ في مخرج سهم الزوج، فإن حصل المقصود

[ 406 ]

وإلا ضربت المبلغ الثاني في مخرج سهام الرد، وقد صحت المسألة. فإن مات قبل القسمة أحد الورثة لم يخل من خمسة أوجه: إما يكون وارثه وارث الميت الأول بعينه، أو يكون بعض ورثة الأول يرثه، أو بعض ورثة الأول يرث بعض ميراثه ويرث الباقي غيره، أو يرثه غيره، أو لا يكون له وارث. مثال الأول: رجل مات وخلف بنتين، أو بنتين وبنات لأم واحدة، ثم مات بعده أحدهم ولم يكن له وارث سواهم، فإنه لا يعتد في ذلك بموت الثاني. والثاني لم يخل: إما تصح فريضة ورثة الثاني من فريضة ورثة الأول، أو لا تصح. فإن صحت فذاك، وإن لم تصح ضربت إحدى الفريضتين في الأخرى، وصحتا معا. مثاله: رجل مات وخلف ثلاثة بنين لأم، وبنتين لاخرى، ثم مات قبل القسمة أحد البنين، أو إحدى البنتين، فإن فريضتهم من ثمانية، فإن مات أحد البنين كان فرضه اثنان، فيكون لكل أخ واحد، وإن مات بعده، أو مكانه إحدى البنات كان فرضها واحد، فيكون للأخرى. وإن مات وخلف ابنين وثلاث بنات لأم، وبنتا أخرى لأم أخرى ثم ماتت بنت من البنات الثلاث قبل القسمة كانت فريضتهم أيضا من ثمانية، ولم ينقسم نصيبها وهو واحد على ستة، فضربت ثمانية في ستة. فيكون لكل واحد من الابنين اثنا عشر، ولكل واحدة من البنات ستة فماتت إحداهن فيكون منها لكل واحد من اخوتها اثنان، ولكل واحدة من اختيها لأم واحد. والثالث: إن صحت فريضة الأولى من الثانية فذاك، وإن لم تصح ضربت المسألة في عدد من ينكسر عليه. مثاله: رجل مات وخلف أربع أخوات لأب، وزوجة، كان فريضة الزوجة من أربعة، وفريضة الأخوات من ثلاثة، فضربت هذا في ذاك فحصل منها اثنا عشر

[ 407 ]

منها ثمانية للاخوات، وثلاثة للزوجة فيبقى واحد، ولا ينقسم على أربعة فيضرب المبلغ في عددهن فيحصل منها ثمانية وأربعون، منها للزوجة اثنا عشر، ولكل واحدة من البنات تسعة. فإذا ماتت واحدة قبل القسمة، وخلفت الأخوات الثلاث، وثلاث أخوات أخر لأم كان ثلث التسعة لهن وهو ثلاثة لكل واحدة واحد، وثلثاها للاخوات من الأب لكل واحدة اثنان. ومثال الثاني: المسألة بعينها إلا أنه يكون مكان ثلاث أخوات للأم اثنتان، أو أربع، فتضرب المبلغ في عدد من ينكسر عليه، وقد صحت المسألة. والرابع: إن صحت المسألة الثانية من الأولى قسمت منها. مثاله: مات رجل وخلف أبا، وابنين، وبنتا، فمات بعده قبل القسمة أحد الابنين، وخلف ابنتين أو ابنين، فتكون المسألة من ستة للأب منها واحد، وللبنت أيضا واحد، ولكل واحد من الابنين اثنان فمات أحدهما، فيكون نصيبه لولديه لكل واحد منهما واحد، وإن لم تصح منها ضربت إحدى الفريضتين في الأخرى، وصحت منه. مثاله: المسألة المذكورة بعينها إلا أنه خلف الميت الثاني مع الابنين بنتا، ولا يمكن أن ينقسم اثنان على ابنين وبنت، فتضرب ستة في مخرج فريضتهم وهو خمسة فيحصل منها ثلاثون، فينقسم عليهم جميعا على صحة. والخامس: يكون نصيبه لبيت المال، ولا يحتاج إلى بيان قسمة. مثاله: امرأة ماتت وخلفت إخوة، وأخوات، وزوجا، فمات الزوج قبل القسمة، ولم يخلف وارثا فيكون ميراثه للامام. ولاستخراج سهام المواريث والمقاسمات مسائل كثيرة لا يحتملها كتابنا هذا، فاقتصرنا على القليل.

[ 408 ]

كتاب الجنايات الجناية ضربان: جناية على الغير، وجناية لا على الغير. فالجناية على الغير أربعة أضرب: جناية على النفس، أو على المال، أو عليهما معا، أو على العرض. فالجناية على النفس ضربان: جناية على الانسان، وجناية على الحيوان. فالجناية على الانسان ضربان: جناية بالقتل، وجناية بالجراح. والجناية على الحيوان كذلك. والجناية على المال تكون بالسرقة، أو بما هو في حكمه من نبش القبور، وأخذ الكفن. والجناية على النفس والمال جناية المحارب، وقد ذكرنا حكمها. والجناية على العرض: القذف، والكلمة المؤذية. والجناية التي لا تتعلق بالغير ضربان: شرب الأشربة المحظورة، وعمل الخبائث. فالأشربة ثلاثة: الخمر، وكلما يسكر، والفقاع. والخبائث أربعة: الزنى، واللواط، والسحق، والقيادة.

[ 409 ]

فصل في بيان ماهية الزنى وما يثبت به وما يلزم بسببه وأقسام الزناة الزنى الموجب للحد: وطء الرجل الكامل البالغ امرأة في فرجها حراما من غير عقد، أو شبهة عقد، أو شبهة نكاح. وفي الوطء في دبر المرأة قولان: أحدهما: أن يكون زنى، وهو الأثبت. والثاني: أن يكون لواطا. وشبهة العقد: هي العقد على امرأة ممن يحرم عليه بالنسب، أو الرضاع، أو على امرأة ذات زوج مع فقد العلم بالحال وإن لم يعلم التحريم، أو على امرأة في عدة لزوج لها، وسواء كانت عدة وفاة، أو عدة طلاق بائن أو رجعي. أو عقد على امرأة محرما، أو تكون المرأة محرمة، أو يكون كلاهما محرمين، أو على امرأة تلوط بأبيها، أو أخيها، أو ابنها فأوقب، فإن عقد على إحدى هؤلاء غير عالم بالحال، ووطأها اندرأ عنه الحد، وإن كانت محرمة عليه، فإن عرف الحال كان زانيا. وشبهة النكاح: هي أن يجد الرجل امرأة على فراشه فظنها زوجته، أو أمته فوطأها، فإن علم أحدهما، أو كلاهما كان العالم زانيا. وإنما يثبت بأحد شيئين بالبينة، وبإقرار الفاعل على نفسه. والبينة أربعة رجال من العدول، وقيل: ثلاثة رجال وامرأتان، أو رجلان وأربع نسوة، ويلزم بشهادة رجلين وأربع نسوة الجلد دون الرجم. وإنما تقبل البينة مع ثبوت العدالة بستة شروط: قيامها في مجلس واحد، واعتبار المشاهدة مثل الميل في المكحلة، واتفاق معاني الشهادات في الرؤية، والمكان، والوقت، والتقييد بالوطء في الفرج الحرام. فإن اختلفت الشهادات في شئ سوى التقييد لم يثبت الزنى، وتوجه الحد على الشهود وإن اختلفت في

[ 410 ]

التقييد لم يثبت الزنى، ولم يتوجه الحد على الشهود، وإن شهدوا على اجتماعهما في ملاءة مع الملامسة، والتصاق البشرة وجب التعزير دون الحد. ويندرئ الحد عنهما، أو عن المرأة بأحد خمسة أشياء: بأن زاد بعض الشهود وقال: أكرهها الرجل، واندرأ الحد بذلك عن المرأة دون الرجل، وبادعاء الزوجية إذا لم يكن لها زوج ظاهر، وبادعائها أنها بكر، وقد شهدت لها أربع نسوة من المعتمدات (1)، ولم يلزم الشهود حد الفرية، وبتوبتهما قبل قيام البينة، وبرجوع الشهود عن الشهادة، أو بعضهم قبل إقامة الحد، فإن كان زوجها أحد شهود البينة ولم يقذفها جاز، فإن قذفها لم يجز، ولزم الحد الثلاثة، وأسقط الحد الزوج باللعان إن شاء. وأما ثبوته بإقرار الفاعل فيصح بأربعة شروط: بإقرار الفاعل أربع مرات في مجالس متفرقات، وكونه عاقلا كاملا مختارا، فإن رجع قبل أن يتم أربعا سقط. ويستحب للحاكم التعريض إليه بالرجوع، وإن رجع بعد الأربع لم يسقط إن كان موجبه الجلد، ويسقط إن كان موجبه القتل. ويجوز للامام إقامة الحد إذا شاهد من غير قيام بينة، واقرار من الفاعل. وإن كان يتعلق بحقوق الناس لم يجز له ذلك إلا بعد مطالبة صاحب الحق باستيفاء حقه. وأما الزناة فضربان: أحدهما يستوي فيه الاحصان وفقده، والآخر لا يستويان. فما يستويان فيه يكون موجبه القتل، وهو في خمسة مواضع: الزني بزوجة الأب، وبجاريته التي وطأها، وقهر المرأة على فرجها، ويسقط عنها الحد. وزنى الذمي بالمسلم، ووطء كل ذات محرم مع العلم بأنها ذات محرم بعقد كان أو بابتياع على اختلاف أحوال الواطئ. وما لا يستويان فيه أربعة أضرب:

(1) في نسخة " م ": المعدلات.

[ 411 ]

أحدها: موجبه الجلد، ثم الرجم، وهو زنى الشيخ والشيخة بعد الاحصان. وثانيها: موجبه الرجم دون الجلد وهو زنى كل محصن سواهما. وثالثها: موجبه الجلد، ثم النفي بعد حز الناصية، وهو من زنى بعد أن عقد على امرأة عقدا شرعيا دائما، ولم يدخل بها. ورابعها: موجبه الجلد وحده، وهو زنى غير محصن، ولا مملك. وليس على النساء جز الناصية، ولا النفي، وهو التغريب سنة عن البلد الذي هو به. وإذا تكرر الزنى ولم يجلد بعد كل مرة لم يلزم غير حد واحد، فإن جلد بعد كل مرة قتل في الرابعة. وحد المملوك على النصف من حد الحر، ويقتل في الثامنة، وقيل: في التاسعة محصنا وغير محصن، والمدبر، والمكاتب المشروط عليه في حكمه، والمكاتب المطلق يحد حد الحر بقدر ما تحرر منه. وحد العبيد بقدر ما رق، فإن زنى في مكان شريف عزر مع الحد، وإن زنى في وقت شريف غلظ عليه العقوبة. ومن افتض بكرا حرة بأصبعه لزمه مهر المثل، وعزر من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين. وإن افتض أمة غيره بالأصبع لزمه عشر قيمتها، والتعزير. وحكم وطء المرأة في الدبر مثل وطئها في القبل. وأما الحد في الزنى فعلى خمسة أضرب: قتل،. ورجم، وجلد ثم رجم، وجلد، وتعزير. فمن وجب عليه القتل أمر بالاغتسال، والتكفن، وقتل بالسيف، وإن رأى الإمام جاز. وإذا قتل صلى عليه، ودفن، وإن وجب عليه الرجم باعترافه، وكان في زمان معتدل في غير حرم الله تعالى، وحرم رسوله عليه السلام لم يحفر له حفيرة ورجم. ويعتبر في الرجم أربعة أشياء: الرجم بصغار الاحجار، والرمي من خلفه،

[ 412 ]

وأن لا يضرب على رأسه، ولا على وجهه. فإن فر بعد ما مسته الحجارة لم يرد. وإن وجب عليه الحد بالبينة حفر له حفيرة، ودفن فيها إلى حقويه إن كان رجلا، وإلى صدرها إن كانت امرأة، ورجم في حال الحر والبرد، فإن فر رد على كل حال. ويعتبر وقت إقامة الحد أربعة أشياء: إحضار طائفة من خيار الناس، وأن لا يرميه من كان لله تعالى في جنبه حد مثله، وأن يرميه الإمام أولا إن ثبت بالاعتراف، والشهود إن ثبت بالبينة. ولا يجوز إقامة الحد على المرأة حتى تضع ما في بطنها. ومن يجب عليه الحد سبعة نفر: رجل صحيح قوي، وضعيف نضو الخلق، ومريض ثقل مرضه، وخفيف المرض، وامرأة حامل، وحائل مستحاضة، وغير مستحاضة. فإن وجب عليه القتل، أو الرجم أقيم عليه على كل حال إلا في أرض العدو أو في الحرمين إذا التجأ إلى أحدهما بعد ما فعل، فإن فعل في الحرم أقيم عليه الحد فيه. وإن وجب عليه الحد لم يقم عليه في حر شديد، ولا برد شديد بل أقيم عليه في الزمان المعتدل، فإن كان صحيحا قويا أقيم عليه الحد، كما وجد على هيئته، عاريا كان أو كاسيا. وإن كان نضو الخلق ضعيفا معصوبا جلد بعذق فيه مائة شمراخ مرة واحدة، أو بضغث فيه مائة من الخشب أو النبات، وإن كان ثقيل المرض فكذلك، وإن كان خفيف المرض أخر حتى يبرأ، والحامل إذا وضعت حملها، وكان حدها الرجم تركت حتى ترضع ولدها حولين كاملين، وإن كان حدها الجلد، وكانت ضعيفة أخرت حتى قويت، وإن كانت قوية جلدت منفوسة، وإن كانت مستحاضة أخر الحد إلى أن تطهر، وغير المستحاضة لا تؤخر.

[ 413 ]

والضرب يجب أن يكون أشد الضرب للقوي، ويفرق على جميع جسده دون رأسه، ووجهه، وفرجه قائما للرجل، وجالسة للمرأة مربوطا عليها ثيابها لئلا تهتك، وفي بيتها إن كانت مخدرة. وإذا وجب الجلد والرجم بدئ بالجلد، وإن وجب القطع معهما بدئ بالجلد، ثم القطع، ثم الرجم. ولا يوالى بين الحدود إذا اجتمعت، فإذا أقيم واحد ترك حتى يبرأ، ثم أقيم الآخر. ولا يسقط الحد باختلاط العقل بعد الوجوب، ويلزم التأديب بتقبيل الأجنبي. ولا يضمن الجلاد إن هلك المجلود، إلا بالتفريط. وحد المملوك تعزير على النصف من حد الحر، وتعزيره. فصل في بيان أحكام اللواط اللواط: الفجور بالذكران، ولم يخل: إما تلوط بغيره على الاكراه أو مختارا. فالأول: يغلظ فيه العقوبة. والثاني لم يخل: إما أوقب، أو لم يوقب. فإن أوقب، وكان عاقلا لزمه الحد كاملا، سواء تلوط بعاقل، أو مجنون، أو صبي، أو مملوك له، أو لغيره. وإن تلوط مجنون فكذلك. وإن تلوط صبي أدب، وإن تلوط عبد بسيده، أو بغيره حد أيضا. ويحد البالغ تاما إذا كان فاعلا، والمفعول به إذا لم يكن مجنونا ولا صبيا. فإن الصبي والمجنون يؤدبان إذا كانا مفعولا بهما، ويحد المجنون ويؤدب الصبي فاعلين. والعبد إذا تلوط به مولاه وادعى الاكراه درئ عنه الحد. وإن لم يوقب لم يخل من ثلاثة أوجه: إما كانا معا محصنين، أو غير محصنين، أو كان أحدهما محصنا والآخر غير محصن. فإن كانا محصنين رجما، وإن لم يكونا محصنين جلد كل واحد منهما مائة جلدة، وإن كان أحدهما محصنا والآخر غير

[ 414 ]

محصن رجم المحصن، وجلد غير المحصن. وإن تلوط كافر بمسلم أقيم عليه حد الاسلام، وإن تلوط كافر بكافر، أو مسلم بكافر أقيم على المسلم حد الاسلام، والحاكم بالخيار في الكافر إن شاء أقام عليه حد الاسلام وإن شاء دفعه إلى أهل نحلته ليحكم فيه بحكمهم. وإن نام رجلان، أو رجل وغلام، وهما مجردان في ازار واحد من غير فعل عزر الرجل، وأدب الغلام، فإن عادا ثلاثا وعزرا بعد كل مرة قتلا في الرابعة. والحر والعبد، والمحصن وغير المحصن، والعاقل والمجنون إذا كان فاعلا، وأوقبوا سواء في استحقاق الحد. واللواط يثبت بمثل ما يثبت به الزنى من البينة، والاقرار على الوجوه المذكورة على سواء. وحد المفعول به إذا كان عاقلا مثل حد الفاعل. ومن قبل غلاما عزر، فإن كان الغلام محرما غلظ التعزير. فصل في بيان أحكام السحق إنما يثبت السحق بالبينة، أو الاقرار على حد ثبوت الزنى واللواط بهما. والحد فيه مثل الحد في الزنى، ويعتبر فيه الاحصان، وفقده على حد اعتبارهما في الزنى، وحكم اختلاف المتساحقين من العقل، والجنون، والبلوغ، والطفولة، والحرية، والأموة على حد اختلاف من تلوط بغيره في لزوم الحد والتأديب. فصل في بيان حد القيادة القيادة: الجمع بين الفاجرين للفجور، والحد فيها ثلاثة أرباع حد الزاني، فإن كان الجامع بينهما رجلا زيد له حلق الرأس، والاشهار في البلد، فإن عاد ثانية أعيد الحد عليه، ونفي من بلده إلى آخر. وليس على النساء حلق، ولا نفي،

[ 415 ]

ولا إشهار. ويثبت بشاهدين، أو بإقراره، وفي الرمي بها التعزير بما دون الحد في الفرية. فصل في بيان الحد على وطء الميت، والبهيمة، والاستمناء باليد الموطوء ميتا: امرأة، وغلام. والمرأة أجنبية، وغير أجنبية. فإن وطأ الرجل ميتة أجنبية لزمه حد الزنى مغلظا، لانتهاكه حرمة الأموات، وغير الأجنبية إذا كانت زوجته أو أمته لزم فيه التعزير. وحد العبد على النصف من حد الحر والحرة، والأمة والمسلمة والذمية سواء، وإن وطأ غلاما ميتا كان بمنزلة اللواط. ويثبت بشاهدين، وبإقرار الفاعل مرتين. وإن وطأ بهيمة له لم يؤكل لحمها أخرجت من البلد إلى آخر، وبيعت فيها، وتصدق بثمنها، وإن كانت لغيره فكذلك، إلا أن ثمنها لمالكها. وإن كانت مأكولة اللحم، فقد ذكرنا حكمها في كتاب المباحات ولا تقبل شهادة النساء في ذلك، ولزم فاعله التعزير إن كان عاقلا، والتأديب إن كان صبيا، أو مجنونا. ومن استمنى بيده عزر بما دون التعزير في الفجور، أو ضربت يده بالدرة (1) حتى تحمر، وإذا عزر في ذلك ثلاث مرات قتل الرابعة. فصل في بيان الحد على شرب الخمر وسائر المسكرات وشرب الفقاع وغير ذلك من الأشربة المحظورة كلما يسكر كثيره فقليله وكثيره حرام. والمسكر خمر، وغير خمر. فالخمر: المتخذة من عصير العنب نية كانت أو مطبوخة.

(1) الدرة، بالكسر: التي يضرب بها. الصحاح 2: 656 " درر ".

[ 416 ]

وغير الخمر: جميع أنواع النبيذ. وكل طعام فيه خمر فهو حرام، ويلزم بأكله الحد على حد شرب الخمر. وشارب الخمر ضربان: مسلم، وكافر. فالمسلم ضربان: إما يشربها مستحلا لها: أو غير مستحل. فإن شربها مستحلا لها فقد ارتد، ووجب قتله إلا أن يتوب، وعلى الإمام أن يستتيبه، فإن شربها غير مستحل كان عليه الحد ثمانون جلدة. والحر والعبد، والرجل والمرأة فيها سواء، فإن تكرر منه شربها تكرر فيه الحد إذا حد لكل مرة، وإن لم يحد لم يلزم غير حد واحد. وإن ادعى شاربها فقد العلم بتحريمه، وكان ممن يسمع منه ذلك نودي عليه، فإن شهد أحد عليه بأنه عرفه تحريمها أقيم عليه الحد. ويثبت ذلك بشهادة عدلين، أو بإقراره مرتين، وإن شهد أحد بشرب الخمر، وآخر بأنه قاءها، وأمكن أن يكون القئ منها، أو شهدا بأنه قاء، أو بأنهما رأياه سكران، أو أخذ سكرانا قبلت شهادتهما، ويلزم على شاربها في الثالثة القتل إذا حد مرتين، وقتل في الرابعة. وإذا تاب من شربها كان حكمها حكم التوبة من الزنى في سقوط الحد، وغيره. والتعزير فيه بما دون الثمانين والصبي والمجنون يلزمهما التأديب، وإذا حد عاريا، مستور العورة إن كان رجلا، وفرقت الجلدات على ظهره وكتفه. فإن كان المحدود امرأة لم يخل: إما كانت حاملا، أو حائلا. فإن كانت حاملا تركت حتى تضع حملها، وتطهر من النفاس. وإن كانت حائلا غير مريضة حدت غير متكشفة. وتلزم إقامة الحد على البدار، فإن شربها كافر، وظهر بشربه للمسلمين حد، وإن لم يظهر لم يحد. وغير الخمر المسكرات، فإن شربه مستحلا لم يرتد، وعزر على استحلاله، وحد لشربه بعد استتابة الحاكم إياه، فإن لم يتب كان في حكم

[ 417 ]

المرتد، وإن شربه غير مستحل لزمه الحد. والتصرف في المسكرات بالمشارات، وعلاجها، واتخاذها، واتخاذ الأدوية المعجونة بها لم يخل: إما تصرف فيه مستحلا، أو غير مستحل. فالأول يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل. والثاني ينهي عنه، فإن انتهى، وإلا أدب، فإن عاد وأدب ثلاث مرات قتل في الرابعة. والفقاع في حكم الخمر في التحريم، والنجاسة، ووجوب الحد، أو التعزير، أو التأديب على شربه. ومن يستحل شيئا من المحرمات، وهو مولود على فطرة الاسلام فقد ارتد، فإن شرب أو أكل غير مستحل عزر، فإن عاد غلظ عليه العقوبة، فإن تكرر منه قتل عبرة لغيره. فصل في بيان السرقة وأحكامها وبيان إقامة الحد عليها السارق: من أخذ مال الغير من حرز مثله مستخفيا. وإنما يجب فيها القطع بتسعة شروط: كونه كامل العقل غير مشتبه عليه بوجه، وأن يخرج المال من حرز مثله، وأن يكون مقدار ربع دينار فصاعدا، أو في قدر قيمته، وأن يخرج دفعة واحدة، وأن يأخذ مستخفيا، وأن لا يكون المال له، ولا في حكمه، وأن لا يكون ضيفا في دار من له المال، إلا إذا كان البيت الذي فيه المال محرزا. والسارق أربعة أضرب: حر بالغ عاقل، وعبد كذلك، وصبي، ومجنون. فالحر البالغ العاقل إذا سرق من حرز مثله ما قيمته، أو عينه ربع دينار، وأخرج دفعة واحدة مستخفيا، إلا إذا كان طعاما في عام المجاعة، ولم يشتبه عليه، ولم

[ 418 ]

تكن السرقة عين ماله، ولا في حكمه، ولم يسرق من مال من هو في بيته ضيفا بإذنه من بيت محرز، وشهد عليه عدلان، أو أقر على نفسه بذلك طائعا مرتين وجب عليه القطع. والعبد لا تتوجه عليه السرقة، إلا بالبينة دون إقراره، فإذا ثبت عليه وجب عليه القطع. والصبي والمجنون إذا سرق يلزمه التأديب. فأما الصبي فله خمسة أحوال: فإذا سرق أول مرة عفي عنه، فإن عاد ثانيا أدب، فإن عاد ثالثا حكت أصابعه حتى تدمى، فإن عاد رابعا قطعت أنامله، فإن عاد خامسا قطع. واقرار المجنون (1) لا يثبت به شئ. وإن نبش قبرا، وأخذ كفن الميت، وكان قيمته نصابا لزم القطع، وإن دفن فيه مالا، وسرق لم يلزم به القطع، لأن القبر حرز الكفن دون المال، فإن كفن الميت بما لا يجوز التكفين به، أو بما زاد على السنة، وسرق الزائد لم يلزم به القطع. والحرز: كل موضع لا يجوز لغير مالكه الدخول فيه، أو التصرف فيه بغير إذنه، وكان مغلقا، أو مقفلا. وإن سرق دفعة ما قيمته أقل من ربع دينار، حال السرقة لم يلزم القطع وإن توالى منه. وإن نقب موضعا، وأخذ المتاع ولفه، ووضع داخل الحرز على ثقبة النقب، ومد غيره يده إليه لم يلزمهما القطع. وإن سرق عام المجاعة من الحرز ما قيمته نصاب،، أو أكثر من الطعام دون غيره لم يلزمه القطع. وإن غصبه أحد مالا، ووضع في حرزه، فدخل المغصوب منه حرزة مستخفيا، وأخرج عين ماله لم

(1) في نسختي " ش " و " ط ": الصبي والمجنون:

[ 419 ]

يلزمه شئ. وإن سرق الرجل مال ولده، وولد ولده لم يلزمه شئ، لأن مال ولده في حكم ماله، وإن أخذ ما لا غير مستحق كان سالبا، أو غاصبا، ولم يكن سارقا. وإن طر جيب القميص الداخل، وذهب بالمال كان سارقا، وإن طر جيب القميص الخارج، أو أخذ المال من الكم الخارج ولم يكن صاحب القميص اضطبعه (1) لم يكن سارقا، وإن اضطبعه كان سارقا. وإن أخذ الثمرة من رأس الشجرة لم يكن سارقا، وإن قطفت ووضعت على الأرض، وأحرزت بحرز مثله، وسرقها كان سارقا وإن توالى منه السرقة، وشهدت البينة عليه بالجميع دفعة لم يجب عليه غير قطع اليد. فإن شهدت عليه بسرقة واحدة، وسكت حتى قطعت، ثم شهدت عليه بأخرى قطع ثانيا، فإن تاب قبل قيام البينة عليه، أو بعده فحكمه في القطع على ما ذكرنا في باب الزنى في الحد، فأما المال فيلزمه رده على كل حال، قطع أو لم يقطع. والسرقة حق الله تعالى من وجه، وحق الناس من وجه. ويثبت من جهة القطع بشاهدين، أو إقراره مرتين، ومن جهة الرد بشاهد ويمين، أو إقراره مرة. وإن سرق اثنان معا نصابا قطعا، فإن كان كل واحد منهما تفرد بشئ آخر لم يقطع إذا لم يسرق مقدار نصاب. والقطع على ستة أضرب:

(1) الاضطباع: وهو أن تدخل الرداء من تحت أبطك الأيمن وترد طرفه على يسارك وتبدى منكبك الأيمن وتقطى الأيمن وتقطى الأيسر، وسمى بذاك لإيداء أحد الضبعين، وهو التأيط أيضا. الصحاح 3: 1248 " ضبع ".

[ 420 ]

أحدها: أن يكون السارق يده صحيحة، وتقطع من أصول أصابعه من اليد اليمنى. وثانيها: أن تكون يده شلاء، ويقول أهل العلم بالطب: أنها تندمل بعد القطع، وحكمها حكم اليد الصحيحة. وثالثها: أن تكون يمينه شلاء، وإن قطعت بقيت أفواه المجسة منفتحة، وينتقل القطع إلى الرجل اليسرى. ورابعها: أن تكون يمينه مقطوعة، فإن قطعت قصاصا قطعت يساره، وإن قطعت في السرقة قطع رجله اليسرى. وخامسها: أن يكون صحيح اليمين إذا سرق، فذهبت بعد ذلك بآفة ويسقط عنه القطع. وسادسها: أن يعود السارق ويسرق بعد أن قطع يمينه، ويلزم قطع رجله اليسرى من الناتي في ظهر القدم ويترك العقب. وإن عاد السارق ثالثا خلد في السجن، فإن سرق في السجن قتل. وسنة القطع أن تعلق يده المقطوعة ساعة في عنقه للإعتبار، وإن سرى القطع إلى النفس لم يلزم شئ. فصل في بيان الحد في الفرية، وما يوجب التعزير من قذف غيره لم يخل: إما قذف زوجته وقد ذكرنا ذلك في اللعان أو قذف غيرها. والذي قذف غير زوجته خمسة أضرب: حر مسلم بالغ، وعبد، وصبي، ومجنون، وكافر. فالحر المسلم البالغ العاقل لم يخل من خمسة أوجه: إما قذف مثله، أو قذف

[ 421 ]

عبدا، أو صبيا، أو مجنونا، أو كافرا. فإن قذف مثله لم يخل من ثمانية أضرب: إما قذفه بما هو المقذوف به، أو غيره، أو قذف جماعة بلفظة واحدة، أو قذف واحدا بلفظ واحد، أو قذفه بأكثر من واحد، أو تكرر منه لفظ القذف على التوالي، أو تكرر منه اللفظ على التراخي، أو قذفه منسوبا إلى الغير. فإن قذفه بلفظة القذف عارفا بها، وبموضوعها، وفائدتها، وكان المقذوف بها من خاطبه، ويكون محصنا لزمه الحد، وكان للمقذوف المطالبة به، والعفو عنه، وإن لم يطالب به، ولم يعف عنه لم يقم عليه الحد وبقي في ذمته. والمحصن من اجتمع فيه خمس خصال: البلوغ، والعقل، والحرية، والاسلام، والعفة. وإن كان غير محصن عزر ولم يحد. وإن قذف بما المقذوف به غيره لم يخل: إما كان الغير حيا، أو ميتا. فإن كان حيا كان إليه المطالبة، والعفو. وإن كان ميتا، وكان المخاطب به وليه وحده، والمقذوف قد كان محصنا حال حياته، كان إليه المطالبة به، والعفو، وإن لم يكن محصنا كان له المطالبة بالتعزير، والعفو عنه، وإن كان معه غيره كان لكل واحد المطالبة، والعفو. فإن استوفى واحد سقط حق الآخر، وإن عفا واحد لم يسقط حق الآخر من الاستيفاء. وإن كان المقذوف أحد الزوجين لم يكن للاخر في الطلب والعفو حظ. وإن قذف جماعة بلفظة واحدة، وطالبوه دفعة واحدة بعد إقامة البينة لزمه حد واحد للجميع، وإن طالبه واحد بعد واحد لزمه لكل واحد حد. وإن قذفه بأكثر من قذف واحد لزمه حد لكل قذف. وإن قذف واحد امرأة بعد أخرى متواليا، أو متراخيا لم يلزمه غير حد واحد

[ 422 ]

إذا لم يحد للسابق، وإن قذفه منسوبا إلى غيره لزم عليه حد للمقذوف، وحد للمنسوب إليه إن كان كلاهما محصنا، وإن لم يكونا محصنين لزم لكل واحد تعزير. وإن قذف عبدا، أو صبيا، أو مجنونا من أهل الاسلام عزر. وإن قذف كافرا وكان ذميا عزر، وإن كان حربيا لم يلزمه شئ. وإن قذف مكاتبا مطلقا حدحد من قذف حرا بالحساب، وعزر بحساب الرق. وأما العبد، فإن قذف محصنا حد، وإن قذف غير محصن، أو صبيا أو مجنونا أو ذميا عزر. وإن قذف صبي، أو مجنون عزر، وإذا تقاذف الصبيان، والمجانين والعبيد عزروا. وإن قذف كافر مسلما قتل، وإن قذف مثله كان للحاكم الخيار بين إقامة حد الاسلام عليه، وبين رده إلى أهل نحلته ليحكموا عليه. وإذا تقاذف شخصان عزرا، وإن قذف بالصريح راضيا، أو غضبان لزمه الحد وكذلك حكم الكناية المفيدة لذلك إذا كان عارفا بها، وبفائدتها، وإن عرض بالقذف لزمه التعزير، ولا يختلف الحكم باختلاف اللغات. ومن رمى غيره بكلام موحش لم يخل من أربعة أوجه: إما يلزمه القتل، أو الحد، أو التعزير، أو لا يلزمه شئ. فالأول: من يسب النبي صلى الله عليه وآله، أو أحدا من الأئمة عليهم السلام، والكافر إذا سب مسلما. والثاني: كل مسلم بالغ عاقل قذف محصنا. والثالث سبعة نفر: من قذف الصبيان، والمجانين، وأهل الذمة، وغير المحصن، والصبي إذا قذف واحدا من المسلمين، أو من هو في حكمهم، والمجنون. والرابع: من قذف متظاهرا بالفسق، أو كافرا، ومن قال كلمة مؤذية غير مفيدة للقذف لمسلم، أو نيره بلقب يكرهه، أو اغتابه وكان محصنا عزر، فإن كان

[ 423 ]

غير محصن لم يلزمه شئ. وإن رماه موجها بكلمة يحتمل السب، وغيره، أو غيره بشئ من بلاء الله، أو أظهر عليه ما هو مستورا من بلاء الله عزر، وشرح ذلك كثير لا يحتمله كتابنا. والحد في القذف ثمانون، وبالتوبة لا يسقط والتعزير مابين العشرة إلى العشرين، ويجلد من فوق ثيابه، وهو أهون من الجلد في الزنى وشرب الخمر. فصل في بيان أحكام المختلس والنباش والمحتال والمفسد والخناق والمبنج المختلس: من يستلب الشئ ظاهرا، فإن أظهر السلاح فهو محارب، وإن لم يظهر استحق العقوبة الرادعة دون القتل والقطع. والنباش: من يشق القبور، فإن نبش قبرا ولم يأخذ شيئا عزر، أخرج الكفن إلى ظاهر القبر أو لم يخرج، فإن أخرج من القبر ما قيمته نصاب قطع، فإن فعل ثلاث مرات وفات (1)، فإذا ظفر به بعد الثلاث كان الإمام فيه بالخيار بين العقوبة والقطع، وإن عزر ثلاث مرات قتل في الرابعة. والمحتال: من يذهب بأموال الناس مكرا، وخداعا، وتزويرا، وشهادة بالزور، وبالرسالة الكاذبة يلزمه التأديب، والعقوبة الرادعة، والتغريم، وأن يشهر بالعقوبة. والمدلس: في السلع والأموال في حكمه. والمفسد: المحارب والطرار وقد ذكرنا حكمهما. ومن سرق الحر فباعه وجب عليه القطع.

(1) أي: وفات السلطان الظفر به ثلاث مرات.

[ 424 ]

والخناق: من يأخذ بالمخنق، أو بحبل، أو غيره، أو يضع مخدة على فم غيره لم يخل من أربعة أوجه: إما يموت المخنوق في الحال، أو بعده، أو لا يموت أو يذهب بالمال. فإن مات المخنوق في الحال أقيد منه، وإن ذهب بالمال من حرز مختفيا قطع ثم قتل، فإن أشهر السلاح فهو محارب، وإن لم يشهر السلاح ولم يمت في الحال ثم مات بعد مدة يموت فيها غالبا أقيد منه، وإن لم يمت فيها غالبا لزم دية عمد الخطأ. وإن أرسله قبل أن يموت، ثم مات قبل أن يبرأ وجب القصاص، وإن برئ ثم مات عزر. والمبنج: من يسقي غيره شيئا مما يذهب بالعقل، فهو ضامن لجناية يده من نقصان العقل، والحواس، والجسم، ويلزمه التعزير، وإن أخذ شيئا من الحرز مقدار نصاب مختفيا قطع بعد ما استرد منه. فصل في بيان أحكام المرتد والساحر وغيرهما المرتد عن الاسلام ضربان: مولود على فطرة الاسلام، وغير مولود عليها. فالأول: لا يقبل منه الاسلام، ويقتل إذا ظفر به، وتبين منه زوجته بنفس الارتداد، وتلزمها العدة إن دخلت، ويصير ماله ميراثا لورثته المسلمة. والثاني: تقبل منه التوبة، ويجب استتابته، فإن تاب قبل منه، وتبين منه زوجته التي لم يدخل بها في الحال، والتي دخل بها كان نكاحه موقوفا، فإن تاب قبل انقضاء العدة فهو أحق بها، وإن لم يتب بانت منه بانقضاء العدة. وأما ماله فمراعى حتى يتوب، أو يقتل، أو يلحق بدار الحرب، فإن تاب فهو له، وإن قتل، أو لحق بدار الحرب فهو لورثته، ويتعلق بماله نفقة من تجب عليه نفقته قبل أن يصير لورثته، وإن قتله إنسان قبل اللحوق بدار الحرب عزر. وأما ولده

[ 425 ]

فهو في حكم المسلمين، فإن بلغ ولم يصف الاسلام فهو عليه إن كان مولودا على الفطرة، فإن امتنع قتل، وإن حملت امرأته به مسلمة في حال كفره فكذلك، وإن كانت كافرة كان ولد كافر. وأما المرأة، إذا ارتدت فلم يلزمها القتل، بل حبست حتى تتوب، وضربت في وقت كل صلاة، فإن لحقت بدار الحرب، وظفر بها سبيت واسترقت. وأما الساحر، فإن كان مسلما وقامت عليه به بينة قتل، وإن كان كافرا عوقب عليه، ومن تنبأ حل دمه، ومن شك بعد الاقرار في صدق النبي صلى الله عليه وآله، أو قال: ما أدري أهو صادق أو كاذب؟ حل دمه، وبمن أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا من غير عذر عزر، فإن أفطر ثلاثة أيام، سئل هل عليه صومه، فإن أنعم غلظ عليه العقوبة، فإن ارتدع، وإلا قتل، وإن أنكر وجوب الصوم ولم يتب قتل. ومن جامع زوجته في نهار شهر رمضان، فإن طاوعته لزم مع الكفارة كل واحد منهما خمسة وعشرون سوطا، فإن أكرهها وجب عليه جلد خمسين. فصل في بيان من يفعل فعلا يهلك بسببه إنسان أو حيوان أو يتلف بسببه شئ من حفر بئرا ووقع فيها إنسان، أو حيوان، لم يخل من ستة أوجه: إما حفر في ملكه، أو في ملك غيره، أو في موات غير ملك للتملك بالاحياء، أو للانتفاع، به، أو في طريق ضيق، أو واسع. فالأول: إذا دخل ملكه بغير إذنه، ووقع فيها لم يضمن، وإن دخل بإذنه وأعلمه مكانها إن كانت مغطاة، وحذره إن كانت غير مغطاة، وهو يبصرها فكذلك، إلا إذا كان الداخل أعمى. وإن لم يعلمه مكانها، ولم يبصرها، ووقع فيه ضمن. وإن حفر في ملك غيره، وكان مواتا بإذنه لم يضمنا، وإن حفر بغير إذنه،

[ 426 ]

وأبرأه المالك فكذلك، وإن لم يبرئه ضمن. وإن حفر في غير ملك للتملك، ولم يتركها لم يضمن، وإن تركها ولم يبصرها المارة ضمن. وإن حفرها للانتفاع كالبدوي إذا نزل بموضع، وحفر به بئرا لم يضمن. وإن حفر في طريق ضيق ضمن. وإن حفر في طريق واسع بغير إذن الإمام، ولم يبصرها المارة ضمن على كل حال. وإن اضطره إليها أحد ضمن المضطر دون الحافر. وإن وضع حجرا، أو نصب سكينا في الطريق ضمن ما تلف به. فإن بنى بناء مستويا، أو مائلا إلى ملكه فسقط دفعة لم يضمن، وإن بنى مستويا، ومال إلى ملك غيره، وسقط قبل القدرة على نقضه لم يضمن، وإن سقط بعد القدرة، أو بنى بناءا مائلا إلى ملك غيره، أو إلى الطريق، أو أشرع جناحا إلى طريق المسلمين، فوقع على إنسان، أو حيوان، أو غير ذلك ضمن. وإن نصب ميزابا جاز للمسلمين المنع، فإن نصب ووقع على شئ، أو بل طينا في الطريق، أو رشه، أو طرح فيه ترابا، أو قشر البطيخ، أو بالت دابته فيه، أو أحدث فيه حدثا فتلف به حيوان، أو إنسان، أو غيره ضمن. فصل في بيان أحكام الجناية على الحيوان وجناية الحيوان على الغير الحيوان: صائل، وغير صائل.

[ 427 ]

فالصائل: الكلب العقور، والبعير المغتلم (1)، والفرس العضوض، والبغل الرامح، وأشباهها. فإن جنى أحد هذه وقد علم صاحبه بذلك لم يخل: إما جنى في ملك صاحبه أو في غير ملكه فإن جنى في ملك صاحبه لم يخل: إما دخل المجني عليه ملكه بإذنه، أو بغير إذنه. فإن دخل بإذنه، وجنى الصائل عليه ضمن صاحبه، فإن جنى المجني عليه جناية على الصائل، وكان دافعا لم يضمن، وإن كان مبتدئا ضمن. وإن دخل بغير إذنه لم يضمن صاحبه، وضمن الداخل أرش جنايته عليه دافعا، ومبتدئا. وإن جنى في غير ملك صاحبه ضمن المالك، فإن قتله المجني عليه، أو جرحه دافعا، أو مبتدئا فحكمه مثل حكم من دخل عليه بإذن صاحبه، وإن لم يعلم صاحبه بذلك لم يضمن. والسنور المعروف بأكل الطيور في حكم الكلب العقور في زمان صاحبه. وغير الصائل إذا جنى لم يخل: إما كانت يد صاحبه عليه، أو لم تكن. فإن كانت يد صاحبه عليه لم يخل: إما ساقه، أو قاده، أو ركبه. فإن ساقه غير راكب ضمن ما جنى، وإن قاده وكان واحدا ضمن ما أصابه بيده، وفيه دون رجله إلا أن يضربه، فإن ضربه ضمن جناية رجله أيضا. وإن كان أكثر من واحد وقد قطر (2) فكذلك، وإن ركبه ولم ينفر به أحد، ووقفه صاحبه ضمن ما أصاب بيده ورجله، وإن ساقه وضربه فكذلك، وإن ضربه غير الراكب ضمن الضارب، وإن نفر به أحد مخافة أن يطأه، أو يغشاه لم يضمن

(1) المغتلم: الهائج. الصحاح 5: 1997 " غلم ".
(2) القطار: أن تقطر الإبل بعضها إلى بعض على نسق واحد. لسان العرب 5: 107 " قطر "

[ 428 ]

الزاجر ولا الراكب، وإن نفر به لغير خوف ضمن من نفر به. وإن كان الراكب. أو القائد، أو السائق أكثر من واحد، ولزم الضمان كان عليهم بالسوية. وإن انفلت من يده بعد الاحتياط في حفظه، وجنى لم يضمن صاحبه، وإن لم يحتط في حفظه ضمن. وإن جنى على حيوان آخر وقد دخل عليه مأمنه، لزم الضمان، وإن دخل المجني عليه المأمن لم يلزم. وإن أفسد زرعا ويد صاحبه عليه ضمن، وإن لم يكن يد صاحبه عليه وكان بالليل ضمن، وإن كان بالنهار لم يضمن. وإن جنى على حيوان لم يخل: إما تقع عليه الذكاة، أو لا تقع. فإن وقعت وجنى عليه غير دافع، ولم يمكن الانتفاع به لزمته قيمة يوم الاتلاف، وإن أمكن الانتفاع به كان بالخيار بين أن يأخذ أرش ما بين قيمته صحيحا ومعيبا، وبين أن يدفع إليه المجني عليه ويأخذ قيمته صحيحا. هذا إذا ذبحه، فأما إن كسر يده، أو رجله، فليس له إلا الأرش، فإن فقأ عينه ضمن ربع قيمته. وإن لم تقع عليه الذكاة، وصح تملكه ضمن قيمته يوم الاتلاف، وذلك مثل جوارح الطير، والسباع، والكلب السلوقي. وكلب الزرع، والماشية. ودية الكلب السلوقي أربعون درهما، ودية كلب الماشية، والحائط عشرون، ودية كلب الزرع قفيز من طعام. وإن كسر عضوا من أعضائه لزمه الأرش، وإن لم يصح تملكه في الشريعة لم يلزم بالجناية عليه شئ.

[ 429 ]

كتاب أحكام القتل والشجاج وما يتعلق بذلك من القصاص والديات والقسامة وغير ذلك فصل في بيان أقسام القتل القتل ضربان: أحدهما يلزم به القصاص أو الدية، والآخر لا يلزم به ذلك. فالأول ثلاثة أضرب: عمد محض، وخطأ محض، وعمد الخطأ. فالعمد المحض: ما اجتمع فيه خمسة شروط: أن يكون القاتل بالغا، كامل العقل، قاصدا إلى القتل، وإلى المقتول بما يمكن زهاق الروح بسببه غالبا أو نادرا، سواء كان بآلة قاطعة، أو مثقلة،، أو محرقة، أو دافعة للتنفس، أو بحبس عن الطعام والشراب، أو تغريق، أو إخراج الدم على وجه يقتل، أو علاج الطبيب بشئ لم تجر العادة بحصول نفع فيه. وموجب ذلك القود لا غير. فإن عفى الولي فله ذلك، وإن طلب الدية لم يكن له ذلك، إلا إذا أجابه القاتل إليه. والخطأ المحض: كل قتل اجتمع فيه أربعة شروط: أن يكون القاتل بالغا، عاقلا، مخطئ في القصد، وفي الفعل.

[ 430 ]

وقتل المجنون والصبي في حكمه، عمدا كان أو خطأ. وصورة الخطأ: أن يرمي إنسان قاصدا إلى صيد، أو غيره، فأصاب انسانا فقتله، أو ما شابه ذلك، وموجبه الدية على العاقلة. وعمد الخطأ أن يجتمع فيه أربعة شروط: أن يكون القاتل بالغا، كامل العقل، عامدا في الفعل،. مخطئا في القصد. وصورته: أن يعمد إلى تأديب الغير، أو تعليمه أو زجره بآلة لا تقتل غالبا أن يعالج الطبيب بما قد جرت العادة بحصول النفع عنده، وموجبه الدية مغلظة في مال القاتل. والثاني ضربان: قتل بالاستحقاق، وقتل لدفع الضرر. فما هو للاستحقاق قتل بسبب الحد، أو بتأدية الحد إليه، وقتل بغير الحد. فما هو بالحد مثل رجم الزاني، وقتل ناكح ذوات المحارم، والمتلوط، والساحر المسلم، وغير ذلك مما ذكرناه. وما يحصل بتأديته الحد إليه، فهو مثل من قطع في السرقة، أو جلد، أو عزر في أمر يوجب ذلك من غير تعد فتلف بسببه. وأما القتل المستحق لغير الحد فثلاثة: قتل الكافر، والمرتد، والباغي إذا لم يف. وما هو لدفع الضرر فضربان: أحدهما يكون له القصد إلى قتل المدفوع ابتداءا، وهو ما لا يمكن الدفع إلا بالقتل. والآخر لا يكون له القصد إلى القتل ابتداءا، بل قصد إلى الدفع بالمقال، ثم بالفعال، فإن ترامى إلى القتل لم يضمن.

[ 431 ]

فصل في بيان أحكام قتل العمد المحض القاتل عمدا ضربان: كامل، وناقص. فالكامل من فيه خصلتان: الحرية، والاسلام أو حكمه. والناقص من أحد أمرين: الكفر أو حكمه، والرق. والكامل ضربان: أحدهما: يجري بينهما القود على كل حال. والثاني: يجري الفود من وجه، ولا يجري من آخر. فالأول: هو أن يقتل مسلم حر بالغ كامل العقل عمدا، حرا مسلما، أو صبيا من أهل الاسلام، ولم يكن ولده، ولا ولد ولده. أو حرة مسلمة بالغة عاقلة مثلها. أو رجلا حرا مسلما، كامل العقل، أو صبيا. والثاني ضربان: أحدهما يصح القود، إذا رد ولي المقتول الدم على ولي القاتل فضل ما بين ديتهما، وهو إذا قتل حر مسلم عاقل حرة مسلمة، وطلب ولي الدم الاقتصاص منه، فإن له ذلك إذا رد ما ذكرناه. والآخر ضربان: أحدهما: إذا قتل أحدهما صاحبه قتل به، والثاني: إذا قتله صاحبه لم يقتل به. فالأول: إذا قتل إنسان أباه، أو جده، أو صبيا من أهل الاسلام قتل به. والثاني: إذا قتل إنسان ولده، أو ولد ولده لم يقتل به، ولزمه الدية في ماله، وإذا قتل صبي عاقلا لم يقتل به، وتكون الدية على عاقلته. ويقتل الكامل بالكامل، والناقص بالناقص إذا كان النقصان من وجه واحد. والناقص بالكامل، ولا يقتل الكامل بالناقص، إلا إذا اعتاد قتل أهل الذمة، والعبيد، فيقاد به بعد ما يؤخذ من وليه فضل ما بين الديتين، أو الدية وقيمته.

[ 432 ]

وإذا قتل حر مسلم لم يخل من تسعة أضرب: إما قتل مثله واحدا، أو أكثر، أو حرة مسلمة، أو أكثر، أو كافرا، أو عبدا، أو أكثر، أو مجنونا، أو صبيا، أو أكثر. فإن قتل، واحدا مثله وكان المقتول محقونا دمه لزم القود، ولم تثبت الدية إلا بالتراضي، ولم يخل الحال من وجهين: إما كان ولي الدم واحدا، وكان إليه العفو والقصاص والصلح، أو كان الولي أكثر من واحد، وهو على ضربين، إما اتفقوا على الاقتصاص أو اختلفوا. فإن اتفقوا، وبادر أحدهم وقتله صح، وإن اتفقوا على العفو وأخذ الدية، ورضي القاتل بالدية صح. وإن اختلفوا لم يخل: إما طلب القود بعضهم وعفا الآخر، أو أخذ الدية، أو عفا البعض وطلب الدية البعض، فإن عفا أحد، أو أخذ الدية لم يسقط حق القصاص في حق من يطلبه، وكان له ذلك إذا رد على ولي المقتص منه من ديته بقدر حق من عفا عنه، أو أخذ الدية. وإن عفا واحد، وطالب الآخر الدية كان له ذلك. وإن قتل أكثر من واحد لم يكن لأولياء الدم غير القصاص، فإن اقتص ولي أحد من قتلهم حق الباقي إلى غير مال، فإن اجتمع أولياء الدم عند الحاكم، وطلبوا جميعا القصاص قتل بمن قتله أولا، وسقط حق الباقين وإن طلبوا جميعا الدية، ورضي به القاتل جاز، وإن لم يرض لم يكن لهم ذلك، وإن بذل القاتل لواحد أكثر من دية واحدة، ورضي به ولي الدم صح. وإن قتل حرة مسلمة كان لوليها القصاص إذا رد نصف الدية، أو العفو، فإن طلب الدية لم يكن له إلا برضى القاتل. فإن قتل حرتين كان لأوليائهما القصاص من غير رد شئ أو العفو، فإن عفا

[ 433 ]

ولي أحد الدمين كان للاخر القصاص إذا رد ما ذكرنا. وإن قتل حرائر فحكمه على ما ذكرنا. وإن قتل كافرا لم يخل: إما كان الكافر حربيا،، أو ذميا. فالأول: لم يلزمه به قصاص، ولا دية. والثاني ضربان، إما اعتاد قتل أهل الذمة، أو لم يعتد. فإن اعتاد، وطلب ولي الدم القصاص جاز للامام أن يقتص إذا أخذ منه فضل ما بين ديتهما، وإن لم يطلب القصاص جاز للامام أن يأخذ للحر ديته أربعة آلاف درهم، وللحرة نصفها. وإن لم يعتد كان عليه الدية دون القصاص. وإن قتل عبدا لم يخل: إما قتل عبد نفسه، أو عبد غيره. فإن قتل عبد نفسه عاقبه السلطان، وأخذ منه قيمته، وتصدق بها على المسلمين، وإن قتل عبد غيره لزمته قيمته ما لم يتجاوز دية الحر، فإن تجاوزت ردت إلى أقل من دية الحر ولو بدينار. وإن قتل أمة لزمته قيمتها ما لم يتجاوز دية الحرة. والمدبر والمكاتب المشروط عليه في حكم العبد، والمدبرة. وأم الولد في حكم الأمة، والمكاتب المطلق إن أدى بعض مال الكتابة لزم دية الحر بقدر ما تحرر، وقيمته بقدر الرق. وإن قتل مجنونا بحكم الاسلام لم يلزم القصاص، وكان عليه ديته كاملة إن قتله عمدا، أو عمد الخطأ، وعلى عاقلته إن قتله خطأ. وإن قتل صبيا بحكم الاسلام كان حكمه حكم البالغ. وإن قتل حران مسلمان واحدا مثلهما كان لولي الدم قتلهما معا إذا رد إحدى الديتين وقتل أحدهما، ورد الآخر على ورثته نصف الدية وإن تصالحا على ديته كان على كل واحد منهما نصفها. وإن قتلا حرة مسلمة كان لوليها أن يقتص منهما، ويرد

[ 434 ]

دية كاملة ونصف دية على ورثتهما، وعلى ذلك حكم الجماعة. وإن قتلت حرة مسلمة مثلها لزم القصاص. وإن قتلت حرتين، أو حرائر كان حكمها حكم حر قتل حرين أو أحرارا، وإن قتلت حرا مسلما كان لوليه القصاص أو العفو، فإن بذلت الدية، ورضي بها ولي الدم لزم دية الحر، وإن قتلت أحرار فعلى ما ذكرنا. وإن قتلت كافرا، أو عبدا، أو أمة، أو مجنونا، أو مجنونة لم يلزم القصاص، ولزمت الدية على ما ذكرنا. والصبي والصبية بمنزلة الرجل والمرأة في القصاص والدية. وإن قتل عبد حرا لزم القصاص أو الدية، وجاز العفو. فإن قتل مولاه قتل به لا غير، وإن قتل غير مولاه: وأراد ولي الدم القصاص لم يكن له غير ذلك، فإن أراد الدية لزمت مولاه، وهو بالخيار بين فديتها، وتسليم العبد من ولي الدم، فإن فدى فذاك، وإن سلم العبد كان ولي الدم مخيرا بين استرقاقه، وبين قتله، فإن أراد قتله لم يكن له إلا بإذن الإمام. وإن اشترك جماعة من العبيد على قتل حر لم يخل: إما كانوا لمولى واحد، أو لموال. فالأول: كان ولي الدم مخيرا بين العفو، والاقتصاص، وأخذ الدية. فإن عفا فذاك، وإن أراد الاقتصاص لم تخل قيمتهم من ثلاثة أوجه: إما تكون وفقا لديته، ويكون له قتلهم جميعا من غير رد. أو تزيد قيمتهم على ديته، وكان مخيرا إن شاء قتلهم جميعا ورد على مولاهم فاضل القيمة، أو تنقص قيمتهم عن ديته، وليس له في ذلك غير القصاص. وإن أراد الدية كان مولاه مخيرا بين الفدية وتسليم العبيد بقدر الدية. وإن كانوا لموال جماعة فالحكم فيه على ما ذكرنا. وإن قتل كافر حرا مسلما، أو كفار وأسلموا قبل الاقتصاص كان حكمهم حكم

[ 435 ]

المسلمين، وإن لم يسلموا دفعوا برمتهم مع أولادهم، وجميع ما يملكونه إلى ولي الدم إن شاء قتل القاتل، واسترق الأولاد، وتملك الأموال، وإن شاء استرق القاتل أيضا. وإن قتل حر كافر عبدا مسلما قتل به، وإن قتل عبد مسلم ذميا لم يقتل به، ولزم الدية مولاه، وليس له تسليمه من ولي الدم، لأن الكافر لا يتملك المسلم. فإن قتل عبد عبدا لزم القود مع تفاوت القيمتين من غير تراد، فإن كانا لسيدين، واقتص سيد المقتول جاز، وإن عفا فله، وإن طلب الدية كان مولاه بالخيار بين الفدية، والتسليم، فإن فدا لزمته القيمة، وإن سلم للبيع لم يخل من ثلاثة أوجه: إما يبتاع بمثل قيمة المقتول، أو بأكثر، أو بأقل. فالأول: يكون ثمنه بأسره لسيد المقتول. والثاني: إن أمكن أن يباع منه بقدر قيمة المقتول بيع، والباقي رق لسيده، وإن لم يمكن بيع بأسره، ورد على سيده ما فضل من ثمنه على قيمة المقتول. وإن نقص لم يكن له غير ذلك، وإن قتل صبي أو مجنون واحدا، أو أكثر من الحر المسلم، أو الحرة، أو العبد، أو الأمة، أو الكافر، لم يلزم القصاص بوجه، وكان الدية على عاقلته. وإن قتل حران آخر، وكان قتل أحدهما عمدا، والآخر خطأ، أو قتل عاقل وصبي، أو مجنون حرا لم يلزم القصاص، ولزم الدية، وكان ما يصيب من الدية الحر العاقل العامد في ماله مغلظا. ونصيب المخطئ، أو الصبي، أو المجنون على عاقلته، وإنما يكون عمد المجنون خطأ إذا زال عقله بغير فعله، فإن زال بفعله كان حكمه حكم العاقل. فإن اشترك جماعة على قتل واحد لم يخل من ثلاثة أوجه: إما ضربوه دفعة واحدة، وموجبه القصاص على ما ذكرنا، أو ضربوه واحدا بعد واحد، ولم يخل:

[ 436 ]

إما جعله الأول في حكم المذبوح، ويلزمه القصاص وحده، أو لم يجعله ومات من جميع الضربات، ولزمهم القصاص، أو أمسكه واحد وقتله آخر، وربا لهما ثالث، ويلزم القصاص على القاتل، والتخليد في الحبس على الممسك، وسمل العينين على الرابي. وجمله الأمر في ذلك على خمسة عشر وجها: وهي أن الكامل لا يقتل بالناقص ويقتل بالكامل، إلا ما استثنيناه من الأب والجد، ويقتل الناقص بمثله مع اتفاق الملة، وبخلافه إذا كان الناقص المقتول مسلما، ولا يقتل إذا كان كافرا، ويقتل الناقص بالكامل ويدفع إليه مال الناقص، وولده برمته إذا كان النقصان بالكفر، ويقتل العاقل بالصبي، ولا يقتل بالمجنون، ولا المجنون به، ولا الصبي، وقتل الواحد بالجماعة من أمثاله، والجماعة بواحد من مثلها إذا رد الفاضل من دياتهم على ديته، والحر بالحرة، والحرة بالحر على ما ذكرنا. فصل في بيان قتل الخطأ المحض موجب قتل الخطأ المحض الدية، ولم يخل هذا القتل: إما ثبت باعتراف القاتل، أو بالبينة. فإن ثبت بالاعتراف، أو بالمصالحة لزمت الدية القاتل، وإن ثبت بالبينة لزمت العاقلة. والعاقلة: من يضمن الدية. والعاقلة أربعة: فعاقلة الحر إذا لم يوال إلى أحد ورثته إن كانت له ورثة، والامام إن لم يكن له ورثة. وعاقلة المملوك، والمعتق إذا لم يكن سائبة، ولم يكن له وارث مولاه. وعاقلة الذمي، ومن لا وارث له الإمام. وعاقلة من والى إلى غيره من له الولاء، ولا يلزم عاقلة القاتل عمدا شئ

[ 437 ]

من الدية، إلا إذا هرب القاتل، ولم يقدر عليه حتى مات، ولم يخلف مالا. والدية ضربان: دية نفس، ودية جراحه. فدية النفس تستوفى في ثلاث سنين، ودية الجراحة ضربان: إما لم تبلغ أرش الموضحة ويلزم في مال الجاني، أو بلغت وتكون على العاقلة، فإن بلغت مقدار الثلث من دية النفس تستوفي في مدة سنة بعد انقضائها، وإن بلغت مقدار ثلثي دية النفس يستوفي الثلث الباقي بعد انقضاء السنة الثانية، وإن زاد شئ يستوفى الثلثين بعد انقضاء السنة الثالثة. والقتل ضربان: مجهز، وما يحصل بالسراية. فالأول: يبتدئ الحول من وقت القتل. والثاني: من وقت الموت، وابتدأ حول الجراح من وقت الاندمال. والعاقلة ثلاثة أضرب: غني، ومتوسط، وفقير. والاعتبار بوقت الأداء دون الوجوب، والفقير لا يلزمه شئ، وإن مات الغني قبل الأداء لزم في مال، ومن له سبب واحد يقدم عليه من له سببان، ويقدم الأقرب فالأقرب، والقريب والبعيد، والحاضر والغائب سواء إذا كانوا من أهل الأداء، ولا يلزم الموالي مع العصبة شئ، وإنما يلزم المولى من علا إذا فقد العصبة. والعاقلة من يرث الدية سوى الوالدين، والولد والزوج والزوجة يرث الدية، ولا يرث حق القصاص، والذمي إذا قتل مسلما خطأ، أو عمد الخطأ لم يدفع برمته. وأما عمد الخطأ فتلزم فيه الدية في ماله مغلظة، وسيجئ لها بعد ذلك بيان إن شاء الله تعالى. وإذا أمر إنسان أحدا بقتل غيره لم يخل: إما أمر حرا، أو عبدا. فإن أمر حرا لم يخل: إما كان عاقلا بالغا، أو طفلا، أو مجنونا. فإن أمر عاقلا، وقتل لزم

[ 438 ]

القود المباشر، والمراهق في حكم العاقل. وإن أمر صبيا، أو مجنونا، ولم يكرهه لزم الدية عاقلته، وإن أكرهه كان نصف الدية على الأمر، ونصفها على عاقلة القاتل. وإن أمر عبدا صغيرا، أو كبيرا غير مميز لزم الأمر القود، وإن كان مميزا كان القصاص على المباشر، وإذا لزم القود المباشر خلد الأمر في الحبس، وإن لزم الأمر خلد المباشر في الحبس، إلا أن يكون صبيا، أو مجنونا. ويعتبر القصاص بحال الجناية، والأرش بحال الاستقرار، وإذا أراد الولي القود، وقدر على الاستيفاء استوفى بنفسه بسيف صارم، وليس له المثلة بالمقتص منه، ولا تعذيبه، ولا ضربه حتى يموت، وإن فعل هو بصاحبه ذلك فإن ضربه ضربة عمدا على غير المقتل، وقتله في الحال عزر، وإن تركه حتى برئ، ثم أراد أن يستفيد منه لم يكن له ذلك إلا بعد أن يقتص منه في الجرح، إن كان مما يدخله القصاص، أو يدفع إليه الأرش إن لم يدخله القصاص وإن جرحه وسرى إلى نفسه فقد استوفى، وإن ضربه دهشا على غير المقتل، وقتل في الحال لم يلزمه شئ. والمرأة إذا اقتص منها حائلا حكمها حكم الرجل، وإن كانت حاملا تركت حتى تضع حملها، وترضعها اللباء، فإذا وضعت وأرضعت، وهناك من يقوم بأمر الولد جاز الاقتصاص منها، وإن لم يكن لم يجز الاقتصاص منها حتى يستقل الولد. وإن وكل غيره في الاستيفاء مع القدرة عليه جاز، وإن لم يقدر على الاستيفاء بنفسه وجب عليه التوكيل. والولي لم يخل من سبعة أوجه: إما كان عاقلا بالغا رشيدا أو غير رشيد، أو طفلا، أو غائبا، أو كان جماعة حضورا بعضهم رشيد، وبعضهم غير رشيد، أو طفل، أو كان بعضهم حاضرا، وبعضهم غائبا. فالأول: قد ذكرنا حكمه.

[ 439 ]

والثاني: إن كان لغير الرشيد ولي لم يكن له الاستيفاء، فإن عفا على مال صح، فإذا رشد ولي الدم، أو بلغ الطفل رشيدا رضي بذلك فقد صح، وإن لم يرض، وأراد القود كان له ذلك إذا رد ما أخذ وليه، وإن لم يعف الولي على مال حبس القاتل إلى وقت القصاص. وإن كان ولي الدم غائبا، وكان واحدا حبس القاتل حتى يحضر، وإن كان الاولياء جماعة حضورا رشيدا وغير رشيد، أو كان بعضهم حاضرا وبعضهم غائبا، كان للرشيد وللحاضر الاقتصاص، وضمن نصيب غير الرشيد، أو الغائب بالدية، فإذا رشد هذا، أو حضر ذاك لم يخل من ثلاثة أوجه: إما رضي بالقصاص وقد وقع موقعه، أو عفا ورد المقتص على ورثة المقتص منه من الدية بقدر ما عفا عنه، أو طلب الدية ودفع إليه بقدر نصيبه من الدية. فإن كان أبوان ولهما ولدان، فقتل أحدهما أباه، والآخر أمه كان لقاتل الأب الاقتصاص من قاتل الأم وميراثها، ولقاتل الأم الاقتصاص من قاتل الأب وميراثه. فصل في بيان حكم القتيل إذا لم يعرف قاتله إذا وجد قتيل في الزحام، أو في فلاة، أو في سوق، أو في معسكر، أو على باب دار قوم، أو قرية، أو قبيلة، أو بين قريتين، أو قبيلتين على التساوي ولم يكونوا متهمين بذلك، وأجابوا إلى القسامة، ولم يعرف له قاتل، وكان له ولي يطالب بدمه كان ديته في بيت المال. وإن كانوا متهمين بقتله، ولم يجيبوا إلى القسامة لزمتهم الدية، وإن لم يكن له ولي، أو كان ولم يطالب بدمه لم يلزم شئ. وإن وجد صبي قتيلا في دار قوم متهمين به لزمتهم الدية وإن لم يكونوا متهمين لم يلزمهم شئ، وإن وجد قتيل قطعة قطعة فديته على من وجد عنده صدره، إذا لم يكن غير متهما به.

[ 440 ]

فصل في بيان أحكام الديات الدية ضربان: دية النفس، ودية الأعضاء. ودية النفس ضربان: أحدهما تجب بنفس القتل، والأخرى بدل القود. فما يجب بنفس القتل ضربان: أحدهما يجب على العاقلة، وهي دية قتل الخطأ المحض إذا ثبت بالبينة من غير مصالحة، والآخر تجب على القاتل، وهو دية عمد الخطأ، ودية الخطأ المحض إذا ثبت القتل باعتراف القاتل أو الدية بالمصالحة. وما يجب بدل القود فهو دية قتل العمد المحض ويلزم القاتل، إلا إذا هرب ولم يظفر به حتى يموت، ولم يكن له مال كما ذكرنا. ودية العمد تنقسم قسمين: إحداهما دية القتل في الحرم، أو في الأشهر الحرم، والأخرى دية القتل في غير هذه المواضع، والأوقات. فالأول: ديته دية كاملة للقتل، وثلث دية لانتهاكه حرمة الحرم، والأشهر الحرم. وأصول الديات ستة: ابل، وبقر، وغنم، ودرهم، ودينار، وحلة. فإن كان القاتل من أهل الإبل، ولزمته الدية في ماله وجب عليه مائة من الإبل، وإن وجبت على العاقلة، فالاعتبار بحالها. فإن كان من أهل البقر فمائتان منها، وإن كان من أهل الغنم فألف منها، وإن كان من أهل الدراهم فعشرة آلاف درهم، وإن كان من أهل الذهب فألف دينار، وإن كان من أهل الحلة فمائتا حلة. والحلة ثوبان: ازار ورداء. ودية عمد المحض مغلظة بثلاثة أشياء على جميع الأحوال وبشئ آخر على بعض الوجوه. فالأول تغليظ بالسن، والصفة، والاستيفاء. فأما السن فيلزمه المسان، والصفة

[ 441 ]

يلزمه السمان، والاستيفاء يلزمه حاله. والمغلظة على بعض الوجوه هو ما ذكرناه من لزوم دية وثلث، لوقوعه في الحرم، أو الأشهر الحرم. ودية الخطأ مخففة من كل وجه، إلا إذا وقع في الحرم، أو في الأشهر الحرم فإنه يلزم التغليظ بالزيادة، فأما التخفيف في السن: فلزومها أرباعا من الجذاع، والحقاق، وبنات لبون، وبنات مخاض، وتخفيفها بالصقة: أنه لا يطلب فيها شئ من الحوامل، وتخفيفها بالاستيفاء: هو أن يؤخذ في ثلاث سنين من العاقلة. ودية عمد الخطأ مخففة من وجه مغلظة من آخر، فالتغليظ، كونها أثلاثا: ثلاثة وثلاثون منها بنت لبون، ومثلها حقة، والباقي كلها خلفة طروقة الفحل، وتستأدي في سنة إذا كان القاتل في غنى ويسار، وفي سنتين إذا لم يكن. وأما البقر، أو الغنم فيجب أن يكون من المسان في دية قتل العمد، وأرباعا في دية قتل الخطأ، واثلاثا في دية عمد الخطأ، ولا يدخل التغليظ والتخفيف في الذهب والفضة والفضة والحلة. فصل في بيان أحكام الشجاج والجراح وما يصح فيه القصاص، وما لا يصح، وكيفية الاقتصاص وأحكام الديات وما يتعلق بذلك القصاص فيما دون النفس في شيئين: في جرح مشقوق، وعضو مقطوع، وكل عضو لا يكون منه التلف غالبا، وينتهي إلى مفصل يدخله القصاص، وقد يكون الاعتبار فيها بالمساحة طولا وعرضا، لا بالمقادير من الصغر، والكبر والنحافة، والسمن. وكل شخصين يجرى بينهما القصاص في النفس يجري في الأطراف بشرطين أحدهما الاشتراك بالاسم مثل اليمين واليسار إذا كان له عضوان، إلا ما يستثنى منه،

[ 442 ]

والآخر التماثل في الصحة والفساد. ولا قصاص فيما يكون منه التلف غالبا مثل المأمومة والجائفة، وما لا تلحقه الافة لا يعتبر بالسلامته، والاعتبار فيه بالتكافؤ في ثلاثة أشياء: الحرية، والاسلام، والعبودة. ويلزم الاقتصاص بين الكاملين والناقصين، ويقتص من الناقص للكامل دون العكس. وتلزم دية النفس كاملة في أحد سبعة وثلاثين عضوا: العقل إذا ذهب به ولم يرجع، وشعر رأس الرجل والمرأة إذا ذهب به ولم ينبت في ذهاب السمع كله من كلتا الاذنين، وفي قطعهما صحيحين من الأصل، وفي ذهاب البصر بأسره من كلتا العينين، وفي العينين البصيرتين، وفي الأهداب جميعا إذا ذهب بها ولم تنبت على رواية (1). وفي الأنف إذا أوجب جدعا، وفي الشم، وفي الشفتين، وفي اللحين، وفي الأسنان كلها، وفي إذهاب الكلام بأسره، وفي اللسان بأسره، وفي ذهاب الذوق، وفي اللحية إذا ذهب بها ولم يعد، وفي العتق إذا جعله أصور (2)، وفي الترقوة إذا كسرها وانجبرت على عثم (3)، وفي الصدر إذا كسره وانجبر على تثن فيه، وفي الكتفين معا، وفي قطع الحلمتين من ثديي المرأة، وفي الظهر إذا كسره وانجبر على عثم، أو لم يمكنه القعود، أو احدودب، أو ذهب مشيه أصلا من غير شلل في الرجل، أو جماعه من غير شلل في الذكر، أو أصابه سلس البول ودام إلى الليل.

(1) انظر الخلاف 3: 118 مسألة 25 كتاب الديات. (2) أصور: مائل: الصحاح 2: 716 " صور ".
(3) عثم العظم المكسور: إذا انجبر على غير استواء. الصحاح 5: 1979 " عثم ".

[ 443 ]

وفي الاليتين إذا قطعهما إلى العظم، وفي الورك إذا كسر نغضوضه (1) أو عجانه (2) ولم يملك البول والغائط، وفي الذكر إذا أوعبه بالقطع، أو قطع جميع الحشفة دفعة، أو مع بعض القصبة، وفي الأنثيين، وفي قطع الأسكتين، وقطع الشفرين، وقطع أصابع اليدين، وقطع اليدين، وقطع أصابع الرجلين، وقطع الرجلين، وكل ما يكون في نفس الانسان واحد ففيه دية كاملة، إن كان من الرجل ففيه دية الرجل، وإن كان من المرأة ففيه دية المرأة مثل اللسان، واللحية، والذكر. وكل ما يكون فيه اثنان ففيهما دية كاملة، وفي أحدهما نصف الدية، إلا الشفة والخصيتين، فإن في الشفة السفلى ثلاثة أخماس الدية، وفي العليا خمساها، وفي الخصية اليسرى ثلثا الدية، وفي اليمنى ثلثها، وما ليس فيه دية كاملة فسيأتي شرحه إن شاء الله تعالى. فأما العقل، فإن أذهبه بسقيه الأدوية المجننة، أو بضربه شيئا على رأسه حتى طار قلبه، ورعد، وذهب عقله لم يخل من خمسة أوجه: إما آب إليه عقله، أو مات قبل أن يؤوب، أو لم يذهب عقله بأسره وينتفع به وقتا دون وقت، أو لم ينتفع به أصلا، أو انتفع به غير مقتدر. فالأول: عزر لسقيه الأدوية المجننة، ولم يلزمه شئ، ولزمه القصاص، أو أرش الجنابة مع التعزير في الضرب. والثاني: لزمه الدية كاملة. والثالث: فيه الدية على قدر الافاقة والمجنون إذا كان مقدرا.

(1) نغضوضه: أي غرضوفه. انظر الصحاح 3: 1109 " نغض "، القاموس المحيط 2: 346.
(2) العجان: ما بين الخصية وحلقة الدبر. الصحاح 6: 2162 " عجن "

[ 444 ]

والرابع: فيه الدية أيضا. والخامس: موكولا إلى رأي الإمام. فأما شعر الرأس فلا قصاص فيه، فإن كان رجلا ولم ينبت ففيه الدية، وإن نبت بعضه، أو كله ففيه الأرش على ما يراه الإمام، وإن كانت امرأة ولم يعد ففيه ديتها، فإن عاد ففيه مهر نسائها. وأما الرأس ففي بعض شجاجه الأرش دون القصاص، وفي البعض القصاص أو الأرش، وهي ثمانية: أولها الحارصة، ثم الباضعة، ثم المتلاحمة، ثم السمحاق، ثم الموضحة، ثم الهاشمة، ثم المنقلة، ثم المأمومة. فالحارصة: الدامية، وهي التي تشق الجلد دون اللحم، وفيها القصاص، أو الأرش وهو بعير، والذكر والانثى فيه سواء. والدية في العمد والخطأ في مال الجاني، وأرش المملوك على قدر قيمته، وأرش الذمي على قدر ديته، وأرش الحر والحرة سواء إلى أن تبلغ ثلث الدية، فإذا بلغ كان أرش الحرة على النصف من أرش الحر. والباضعة: هي التي تقطع اللحم، وفيها القصاص، أو الدية بعيران. والمتلاحمة: هي التي تنفذ في اللحم، وفيها القصاص، أو الأرش ثلاثة أبعرة. والسمحاق: ما يبلغ القشرة بين العظم واللحم، وفيه القصاص، أو الدية أربعة أبعرة. والموضحة: ما يوضح العظم، وفيه الدية خمسة أبعرة، أو القصاص إن كان عمدا، وإن كان خطأ فالدية على العاقلة، وإن كان عمدا الخطأ فالدية في مال الجاني، ولا قصاص فيهما، وإن سرى إلى ما فوقه ضمن. والهاشمة: ما يهشم العظم، ولا يحتاج إلى النقل، وفيها القصاص إن كان عمدا، أو الدية وهي عشرة أبعرة، وحكم الخطأ وعمده فيها، وفيما على ما ذكرنا

[ 445 ]

في الموضحة. والمنقلة: ما يكسر العظم، ويخرج إلى النقل من موضع إلى موضع، وديتها خمسة عشر بعيرا، وفي عمدها القصاص أو الدية. والمأمومة: ما يبلغ أم الدماغ: ويقال لها: الدامغة أيضا، وفيها الدية دون القصاص، وديتها على الثلث من دية النفس، مغلظة في العمد، ومخففة في الخطأ، وبين بين في عمد الخطأ. الوجه: والجناية على الوجه يكون بالجرح، واللطم. فالجرح على ستة أضرب: إما جرح ولم يوضح، ثم برئ وفي الخدين أثر وفيه عشرة دنانير، أو سقط منه فرعه لحم مع ما ذكرنا. وفيه ثلاثة وثلاثون دينارا، أو حصل منه صدع وفيه ثلاثون دينارا، أو أوضح العظم ولم ينفذ إلى الجوف وفيه خمسون دينارا، وإن برئ الجوف دون الظاهر ففيه مائة دينار وحكم الجبهة، والجبين مثل حكم الرأس في الموضحة، وغيرها. وأما اللطمة، فإن اسود أثر ففيه ستة دنانير، وإن أخضر ففيه نصفها، وإن أحمر ففيه ربعها. وأما الحاجب، ففي ذهاب شعرهما نصف الدية، وفي أحدهما ربع الدية، وفي البعض بالحساب. وأما السمع: فإن ذهب كله من الاذنين ففيه دية كاملة، وإن ذهب من واحدة ففيه نصف الدية، وإن ذهب البعض من كلتيهما، أو واحدة فبالحساب، وإذا أخذ الأرش ثم عاد لم يلزم رده. وإن ذهب السمع من أحد الاذنين بسبب من الله تعالى ففي الآخر الدية كاملة، وإن ذهب بسبب من الناس لم يتغير حكم الآخر. الإذن: والجناية عليها بأحد ثلاثة أشياء: بالقطع، والخرم، وغير ذلك. والقطع فيه القصاص مع التساوي في الصحة، أو الدية فإن استأصلهما كان

[ 446 ]

فيهما الدية كاملة، وفي الواحدة نصف الدية، وتقطع الكبيرة، والثخينة، والسمينة، والسمعية وغير المثقوبة بأضدادها، ولا يقطع الصحيحة بالمقطوع بعضها، ولا بالمنخرمة، ولا بالشلاء، وفي الشلاء ثلث ديتها صحيحة. وفي المقطوع بعضها كان فيها الأرش بالحساب. وفي شحمة الإذن القصاص، أو ثلث الدية، وفي قطع بعضها كذلك. والخرم ديتها ثلث دية الإذن إذا لم تبن، ولم يلزم فيه القصاص إلا بعد أن يندمل، ولم يتصل فإن اتصل سقط القصاص وفيه حكومة، وإن سرى إلى السمع لم يدخل أرش الجنابة في أرشه. وغير القطع والخرم، وهو الثقب فيه حكومة. البصر: وفي ذهابه من العينين كمال الدية، ومن إحداهما نصفها أو القصاص مع التساوي، أو نقصان ضوء المجني عليه خلقة، وفي نقصان الضوء بالحساب، وفي قلع الحدقة بعد ذهاب البصر ثلث دية العين. عين الانسان لم تخل من ستة أوجه: إما كانت له عينان صحيحتان: أو غمشاوان أو كان أعور خلقة أو غير خلقة، أو أعمى قائم العين أو غير قائم العين. فإذا جنى على عينه غيره، وكان الجاني مثله كان فيه الأرش، أو القصاص إن أمكن والصغر، والكبر، والملاحة، والقباحة بمنزلة. ودية الصحيحتين دية النفس، ودية الغمشاوين ثلث دية النفس، ودية الاعور خلقة دية النفس، وديته غير خلقة على النصف، ودية العمياء قائمة إذا قلعها، أو خسف بها ثلث دية الصحيحة فإن ذهب بصرها بجنايته كان فيه الدية، فإن خسف بها قائمه بعد ذهاب البصر كان فيه ثلث الدية وإن بخقها (1) دفعة كان فيه دية واحدة، فإن سمل صحيح العينين صحيحة الاعور خلقة كان المجني عليه بالخيار

(1) البخق، بالتحريك: العور بانخساف العين: الصحاح 4: 1448 " بخق ".

[ 447 ]

بين أخذ الدية: وبين أن يسمل إحدى عينيه ويأخذ نصف الدية، وإن سمل الأعور خلقة إحدى عيني البصير أو الاعور غير خلقة قلعها. وإن اشترك جماعة في سمل عين، أو قطع أذن، أو أنف، أو غير ذلك، وتميز فعل كل واحد منهم عن فعل الآخر لم يلزم فيه القصاص، وعلى كل واحد أرش جنايته فإن لم يتميز كان المجني عليه بالخيار بين العفو، وأرش الدية، والاقتصاص من واحد، ويرد الباقون عليه بالنصيب، وبين الاقتصاص من الجميع، ويرد الفاضل عليهم بالحساب. والجفن: وفي الجفن الأعلى من كل عين ثلث ديتها، وفي الأسفل نصف الدية، وفي كل هدب ثلث دية الجفن، وفيه القصاص أيضا، فإن اقتص، وسرى إلى الضوء لم يلزم شئ. الأنف: وهو ما لأن من المنخرين والحاجز إلى القصبة وفيه الدية كاملة، أو القصاص. فإن جدع مع المارن شيئا من القصبة، أو من اللحم الذي تحته إلى الشفة كان في المارن دية، وفي القصبة أو اللحم حكومة وفي روثة (1) الأنف القصاص، أو نصف الدية، وفي بعضها بالحساب، وفي الشم دية كاملة، وفي قطع أحد المنخرين القصاص، أو نصف الدية. وإن كسره ولم ينجبر ففيه دية، وإن انجبر علم غير عثم، ولا عيب ففيه مائة دينار، وإن اعوج ففيه أيضا حكومة، وإن جعله أشل ففيه ثلث الدية، وإن شق ما بين المنخرين ففيه خمسون دينارا، فإن بقي منفرجا ففيه زيادة حكومة، وإن شق الأنف كان حكمه حكم الدية، والموضحة في الرأس. الشفة: وفيها القصاص، أو الدية، وقد ذكرنا مقدار الدية، وإن قطع بعضها

(1) الروث: طرف الارنبة، والأرنبة طرف الأنف. مجمع البحرين 2: 255 " روث ".

[ 448 ]

كان الاعتبار بالمساحة في الأرش والقصاص، وإن شقهما حتى بدت الأسنان، ولم تلتثما كان فيهما ثلث دية النفس، وإن التأمتا كان فيهما خمسا الدية، وإن التأمت إحداهما فبالحساب. اللحيان: وفيهما القصاص، أو الدية كاملة، وفي أحدهما القصاص، أو نصف الدية، فإن قلع وكان معه الأسنان وجب أرش السن أيضا، وفي رضهما ثلث الدية، وفي كسرهما أرش الهاشمة، أو المنقلة إن احتاج إلى النقل، فإن انجبر على غير عثم ولا عيب ففيه أربعة أخماس دية. كسرة الأسنان لم تخل: إما كانت زائدة أو أصلية. فإن كانت زائدة، وللجاني مثلها ففيها القصاص، أو الدية، وديتها ثلث دية الأصلية، وإن لم يكن له مثلها ففيه الأرش. وإن كانت أصلية، وكانت سن صغير وجب لكل سن بعير، وإن قطع سن كبير كان فيها القصاص أو الأرش، فإن اقتص ورجع كلاهما، أولم يرجعا لم يكن لأحدهما على الآخر سبيل، وإن رجع سن الجاني كان للمجني عليه قلعه، وإن رجع من المجني عليه لم يكن للجاني عليه سبيل. ولا تقلع الكاملة بالناقصة، فإن كسر بعض السن ففيه الدية بالحساب، وفي اسودادها، وانصداعها ثلث ديتها، وفي قلع السوداء والمنصدعة ثلث ديتها وفي اصفرارها واخضرارها حكومة، وإن نقضت بجناية، وقال أهل الخبرة: تسقط على كل حال ففيه الأرش في الحال. وإذا قلع جميع الأسنان ففيها القصاص، أو دية النفس. وما يقسم عليه الدية ثمانية وعشرون، وما زاد عليه زائد، وفي كل واحدة من مقاديم الأسنان وهي اثنتا عشرة - نصف عشر الدية، وفي كل واحدة من المؤاخير - وهي ستة عشر ربع العشر، وإن نقص منها شئ نقص من الأرش، وإن زاد عليها شئ كان للزائد ثلث دية ما بجنيه.

[ 449 ]

اللسان: والجناية عليه بأحد شيئين بالقطع، أو ذهاب الكلام. والقطع ثلاثة أضرب: قطع لسان من بلغ النطق، ولسان من لم يبلغه، ولسان الأخرس. ومن بلغ النطق لم يخل: إما تكلم، أو تأخر نطقه. فإن تكلم لم يخل: إما قطعه من الأصل، أو قطع بعضه. فإن قطع من الأصل ففيه دية النفس أو القصاص، وإن قطع بعضه اعتبر بالحروف، ولزم من الدية بمقدار ما ذهب منها. وإن تأخر نطقه لعلة ففيه ثلث الدية، فإن ترعرع، وتكلم ببعض الحروف اعتبر به، ولزم من الدية بمقدار ما ذهب، فإن ذهب من الحروف بمقدار الثلث فقد استوفى حقه، وإن ذهب أكثر من ذلك فعليه الاتمام، وإن ذهب أقل من ذلك رد الزائد. ومن لم يبلغ النطق، وهو يحرك لسانه للبكاء، أو غيره بما يعبر عنه باللسان فحكمه حكم الناطق. وفي قطع لسان الأخرس ثلث الدية، ومن ضرب ضربة على رأس غيره، فذهب جميع كلامه فعليه دية كاملة، وفي قطعه بعد ذلك ثلث الدية. وإن ذهب بعض حروفه لزمه بالحساب من الدية، فإن ادعى ذهاب كلامه غرز لسانه بالابرة، فإن خرج منه دم أسود صدق، وإن خرج دم أحمر كذب. والذقن: في حكم الوجه في الخدش، والبضع، والايضاح، والكسر، وغيره. العنق: فإن جنى عليه، وجعله أصور ففيه الدية، وإن جعله بحيث لا يقدر على ابتلاع الريق، أو على الازدراد، ولم يمت ففيه حكومة، وإن مات ففيه القود. الترقوة: فإن كسرها وانجبرت على عثم ففيه دية النفس، وإن انجبرت على غير عثم ففيه أربعون دينارا، وفي صدعها أربعة أخماس دية الكسر، فإن أوضح ففيه خمسة وعشرون دينارا، وإن كسرها واحتاجت إلى النقل ففيه ستون دينارا.

[ 450 ]

الصدر: فإن بضع لحمه فديته نصف دية الباضعة في الرأس، فإن أوضحه ففيه خمسة وعشرون دينارا، فإن رضه، وتثنى كلا شقيه ففيه نصف الدية، وفي الواحد ربع الدية. وإذا تثنى الصدر والكتفان معا ففيه الدية كاملة، وإن لحقه صور لم يمكنه معه الالتفات ففيه نصف الدية. وفي جائفته ثلث الدية، وفي قطع حلمة الرجل ثمن الدية، وفي قطع الحلمتين من ثديي المرأة ديتها، وفي قطع ثدييها بعد ذلك حكومة. البطن: في جائفته ثلث الدية، وفي باضعته وداميته نصف ما في الرأس، وفي دوسه حتى يحدث القصاص، أو ثلث الدية. الضلع: في كسر واحد من جانب القلب خمسة وعشرون دينارا، وفي صدعه نصف ذلك. ودية موضحته ونقبه ربع دية كسره، وفي كسر واحد مما يلي العضدين عشرة دنانير، وفي صدعه سبعة دنانير، وفي موضحته ربع ما في كسره في نقبه ديناران ونصف، وفي نقبه من الجانبين برمية، أو طعنة أربعمائة وثلاثة وثلاثون دينارا وثلث دينار. الظهر: في كسره إن انجبر على عثم دية كاملة، وعلى غير عثم خمس الدية، وإن لم يمكنه القعود، أو احدودب، أو ذهب مشيه أصلا من غير شلل في الرجل، أو انقطع نخاعه، وأصابه سلس البول ودام إلى الليل، أو ذهب جماعه من غير شلل في الذكر ففيه أيضا دية، وإن دام سلس البول إلى الظهر ففيه ثلثا الدية، وإن دام إلى الضحوة ففيه ثلث الدية، وإن ذهب مشيه إلا على عكازة بيده ففيه حكومة. الالية: في قطعها إلى العظم نصف الدية، وفي كلتيهما دية كاملة، وفي البعض بالحساب.

[ 451 ]

الورك: في كسره إذا انجبر على غير عيب مائتا دينار، وفي صدعه مائة وستون دينارا، وفي موضحته خمسون دينارا، وفي ناقلته مائة وخمسة وسبعون دينارا، وفي قله ثلاثون دينارا، وفي رضه إذا عثم ثلث الدية، وفي كسر نغضوضه، أو عجانه وملك البول والغائط حكومة، وإن لم يملك البول أو الغائط دية كاملة. الذكر: فيه القصاص، أو الدية، ولا يقطع الصحيح بما به شلل، أو عنة، والباقي يقطع هذا بذاك مع اختلاف الأحوال، ويقطع ذكر الفحل بذكر المسلول. الخصيتين: ويقطع ما به عنة، أو شلل بالصحيح. وديته إذا قطع الجميع، والحشفة بأسرها، أو الحشفة مع بعض القصبة دفعة دية النفس، وإن قطع بعضه طولا، أو بعض الحشفة ففيه الدية بالحساب، وإن جعله أشل ففيه ثلثا الدية، وإن ظهر به بجنايته دمل لا يبرأ، أو برص، أو جراح ففيه حكومة. الانثيان: وفيهما دية كاملة، أو القصاص، كانتا لفحل أو لمن لا ذكر له، وفي اليسرى ثلثا الدية، وفي اليمنى ثلثها، ولا تقطع إحداهما بالأخرى، وفي الادرة خمسا الدية، وإن صار أفحج بحيث لا يقدر على المشي، أو لا ينتفع به ففيه أربعة أخماس الدية. العانة: إذا خرق صفاقها فصار أدر (1) ففيها أربعة أخماس الدية. فرج النساء: تكون الجناية عليه بأحد ستة أشياء: بالقطع، والافضاء، والشلل، وارتفاع الحيض، وإذهاب العذرة، وخرق المثانة فإذا قطعت امرأة من أخرى إسكيتها، أو شفريها ففيهما القصاص أو الدية، وهي دية نفسها، وفي واحد نصف الدية، وفي قطع الركب حكومة. وفي إفضائها إذا كانت دون تسع سنين ديتها، سواء كان زوجا لها أو غير زوج

(1) الادرة، بالضم: نفخة في الخصية. النهاية 1: 31 " أدر ".

[ 452 ]

إذا جامعها لشبهة نكاح، أو عقد. وفي شلل إسكيتها ثلثا الدية. وفي ارتفاع حيضها بعد الاستقامة إذا لم يرجع بعد سنة ثلث ديتها. وفي إذهاب العذرة بالأصبع مهر نسائها. وفي خرق المثانة إذا لم تستمسك البول ثلث ديتها. والخنثى: لم تخل من أربعة أوجه، إما بان كونه ذكرا، أو أنثى، أو مشكلا أمره، أو لم يبن. فإن بان ذكرا، وقطع ذكره أو انثييه كان فيه القصاص، وإن جنى على فرجه ففيه حكومة. وإن بان أنثى وقطع إسكيتها، أو شفريها، أو ركبها لزم فيه الدية على ما ذكرنا قبل، وإن قطع ذكرها، أو خصييها ففيه حكومة، وإن جنت عليها امرأة على آلة النساء كان فيها القصاص، أو الدية. وإن أشكل أمره كان في الجناية عليه الدية دون القصاص. وإن لم يبن أمره صبر حتى بان ليحكم فيه على ما ذكرنا، فإن لم يصبر أعطي الدية على اليقين، فإن بان على ما صالح عليه فذاك، وإن بان بخلافه استوفى الباقي. اليد: تقع الجنابة عليها بأحد ستة أشياء: بالقطع، والفك، والكسر، والرض، والجرح، والضرب. والقطع يكون من مفصل، ومن غير مفصل القطع من المفصل. وفي القصاص، أو الدية، وفي قطع أنملة الابهام القصاص، أو نصف ديتها. وديتها ثلث دية اليد. وفي قطع أنملة من سواها ثلث ديتها سدس دية اليد وإن قطع اليدين من أصول الأصابع، أو مع بعض الكف، أو من الكوع ففيه القصاص، أو دية النفس، وفي إحداهما نصف الدية.

[ 453 ]

وإن قطعها من عظم الذراع، أو من عظم المرفق كان فيه دية، وحكومة. والصحة، والسقم والشيخ فيها بمنزلة. ولا تقطع الكاملة بالناقصة، وتقطع الناقصة بالكاملة ما لم يخف منه التلف، ولا تقطع اليمين باليسار، ولا اليسار باليمين، إلا إذا لم يكن له مثل ما قطعه، فإن قطع يمينا قطعت يمينه، فإن لم يكن له يمين فيساره، فإن لم يكن له يسار فرجله، فإن لم يكن له رجل سقط القصاص. وأما الفك: فإذا فك كفا وتعطلت ففيها ثلثا دية اليد، فإن صلحت والتأمت ففيها أربعة أخماس دية الفك. وفي فك أنملة الابهام عشرة دنانير، وفي فك المفصل الثاني منها نصف دية فك الكف، وفي فك كل مفصل من غير الابهام ثلاثة دنانير، وثلث، وفي فك العضد، أو المرفق أو المنكب ثلاثون دينارا، فإن تعطل العضو بالفك ففيه ثلثا دية اليد، فإن انجبر والتأم ففيه أربعة أخماس دية الفك. وأما الكسر: فإن كسر العضد، أو المنكب، أو المرفق، أو قصبة الساعد، أو أحد الزندين، أو الكفين ففيه خمس دية اليد، وفي كسر الأنملة من الابهام ثلث دية كسر الكف، وفي الثانية نصف دية كسر الكف، وفي كسر المفصل الثاني من الأصابع سوى الابهام أحد عشر دينارا وثلث في كسر الأول نصفه. وفي صدع العضو أربعة أخماس دية الكسر. وأما الرض: فإن رض أحد خمسة أعضاء: المنكب، والعضد، والمرفق، والرسخ، والكف وانجبر على عثم ففيه مائة ثلث دية اليد، فإن انجبر على غير عثم ففيه دينار، وقيل: مائة وثلاثة وثلاثون دينارا وثلث. وأما الجرح: فديته على النصف من دية أمثالها في الرأس. وأما الضرب: فإن ضربها حتى اسود، أو أخضر، أو أحمر ففيه نصف ما في أمثالها في الوجه.

[ 454 ]

وأما الظفر فلم يخل: إما عاد، أولم يعد. فإن عاد أبيض ففي كل واحد خمسة دنانير، وإن عاد أسود، أو لم يعد أصلا، ففي كل واحد عشرة دنانير. الرجل: حكمها حكم اليد في وجوب القصاص، وكمية الدية في الصحيحة والشلاء، وفي القطع من المفصل، وغير المفصل، وقطع أصابعها، وأناملها. وفي الفك، والكسر، والرض، والجرح، والضرب، وغير ذلك، وحكم الحر، والحرة سواء ما لم يبلغ ثلث الدية، فإن بلغت عاد أرش الحر إلى النصف من أرش الحر، وسقط الاقتصاص، إلا بعد رد الفاضل. فصل في بيان ضمان النفوس والاشتراك في الجنايات وغيرها من دعا غيره ليلا وأخرجه من منزله، ولم يرده إليه، ولا رجع هو، ولم يعرف خبره حيا، أو وجد ميتا، أو قتيلا، ولم يقم الداعي بينة على أنه مات حتف أنفه، أو قتله غيره ضمن ديته في الموت، ولزمه القصاص في القتل إذا لم يدع البراءة من قتله. وإذا سلم ولد من ظئر، وأنامته بجنبها فانقلبت عليه فمات، وقد طلبت الظؤرة للفخر لزمتها الدية، وإن طلبتها للفقر لزمت عاقلتها. وإذا مر رجل بين الرماة وبين الغرض فأصابه سهم، وقد حذره الرامي لم يضمن، وإن لم يحذره وكان في ملكه، وقد دخل عليه بغير أذنه فكذلك، وإن دخل عليه بإذنه، أو كان في غير ملكه ولم يحذره كانت ديته على عاقلته. وقضى علي عليه السلام في أربعة نفر شربوا فسكروا، وأخذوا السلاح فاقتتلوا، فقتل منهم اثنان، وجرح اثنان، بأن دية القتيلين على المجروحين، ووضع أرش جراحهما عن الدية وإن مات أحد المجروحين لم يكن له على أولياء المقتولين شئ

[ 455 ]

وحد المجروحين حد الخمر (1). وقضى عليه السلام في أربعة نفر اطلعوا على زبية الأسد، فخر أحدهم فاستمسك بالثاني، والثاني بالثالث، والثالث بالرابع، بأن الأول فريسة الأسد، وغرم أهله ثلث الدية للثاني، وأهل الثاني للثالث ثلثي الدية، وأهل الثالث للرابع تمام الدية (2). ومن اعتدى على المعتدى عليه لم يضمن، وسئل أبو عبد الله عليه السلام عن عن سارق دخل على امرأة ليسرق متاعها، فلما جمع الثياب تابعته نفسه، فكابرها على نفسها فواقعها، فتحرك ابنها، فقام فقتله بفأس كان معه، فلما فرغ حمل الثياب، وذهب ليخرج حملت عليه بالفأس، فقتلته، فجاء أهله يطلبون بدمه، فقال عليه السلام: " اقض هذا كما وصفت لك: يضمن مواليه الذين يطلبون بدمه دية الغلام ويضمن السارق فيما ترك أربعة آلاف درهم لمكابرتها على فرجها إنه زان. وهو في ماله غرامة، وليس عليها شئ في قتلها إياه، لأنه سارق (3) ". ومن ضرب ضربة على رأس غيره فسالت عيناه وضربه المضروب فقتله، فإن ضربه دافعا لم يلزمه شئ، وله الرجوع على تركة المقتول بدية عينه، وإن ضربه مقتصا لم يلزمه القود، لأنه أعمى كان دية المقتول على عاقلة الأعمى ودية عيني الأعمى في تركة الضارب، فإن لم يكن له عاقلة تقاصا. فصل في بيان دية الجنين والميت إذا ضرب إنسان بطن حامل فألقت الولد، لم يخل من سبعة أوجه: إما ألقته

(1) الكافي 4: 284 حديث 5، التهذيب 10: 240 حديث 956.
(2) الكافي 4: 286 حديث 3، التهذيب 10: 239 حديث 951.
(3) الكافي 4: 293 حديث 12، التهذيب 10: 208 حديث 823.

[ 456 ]

حيا ومات في الحال، أو مات بمدة بعد ذلك، أو ألقته ميتا مخلقة ولم تلجه الروح،، أو غير مخلقة وظهر فيه العظم، أو مضغة مثل قطعة لحم فيها مثل العروق، أو علقة شبيهة المحجمة من الدم، أو نطفة. فالأول: تجب فيه دية كاملة، ويتعلق بذلك أربعة أحكام: الدية والكفارة، وانقضاء العدة، وأن تصير الأمة أم ولد. والثاني: لم يخل من وجهين: إما أمكن موته بسبب الجناية، أو لم يمكن. فإن أمكن،، وكانت للمرأة بينة أن الولد لم يزل ضمن حتى مات قبل موتها. وإن لم تكن لها بينة كان القول قول الجاني، وإن لم يمكن موته بسبب ذلك لم يكن على الجاني شئ. والثالث: يلزم فيه عشر الدية. والرابع: فيه ثمانون دينارا، وفيما بين المخلقة وغيرها بالحساب. والخامس: فيه ستون دينارا، وفيما بين المضغة والعظم بالحساب. والسادس: فيه أربعون دينارا، وفيما بين العلقة والمضغة بالحساب، ويتعلق بكل واحد ثلاثة أحكام: الدية، وانقضاء العدة، وصيرورة الأمة أم ولد. والسابع: فيه عشرون دينارا، وفيما بين النطفة والعلقة بالحساب، ولا يتعلق بالنطفة حكم سوى وجوب الأرش، وإن قتل حرة مسلمة حاملا متما، ولم ينفصل ولدها، ومات في بطنها لزمه دية الحرة من جهة الأم، ونصف دية حر، ونصف دية حرة من جهة الولد، وإن انفصل حيا ومات، وكان ذكرا لزمته دية حر، ودية حرة، وإن كانت أنثى لزمته دية حرتين. وفي عزل الرجل عن امرأته الحرة بغير إذنها عشرة دنانير لها، وفي إقراعه في حال الجماع حتى يعزل عشرة دنانير أيضا. وإذا ضرب بطن حامل متم، فألقت جنينا وفيه حياة مستقرة، وقتله آخر وجب

[ 457 ]

عليه القود، وإن كانت فيه حياة غير مستقرة كانت الدية على الضارب، وعلى القاتل التعزير. وإن ضرب بطنها، وألقت يدا لم يخل من خمسة أوجه: إما بقيت ضمنه حتى ألقت الجنين حيا، أو ماتا، أو عاشا، أو ألقته ميتا، أو برئت من الضرب ثم ألقت، أو لم تسقط الجنين وماتت. فالأول: تلزم فيه ديتان. والثاني: يلزم فيه نصف دية. والثالث: تلزم فيه دية الجنين. والرابع: تلزم فيه دية يد الجنين. والخامس: تلزم دية الأم، ودية الجنين معا، وعلى ذلك حكم جميع أعضاء الجنين. وأما الأمة، فلم يخل: إما يكون ولدها حرا، أو رقا. فإن كان حكرا فحكمه على ما ذكرنا، وحكم الأم تجري على القيمة. وإن كان رقا فالاعتبار فيه أيضا بالقيمة. وإن ضربت بطن الذمية، وألقت ولدها فالاعتبار في ذلك بالحساب إلى دية أهل الذمة وهي ثمانمائة درهم للحر، وأربعمائة للحرة. وأما دية الميت فمثل دية الجنين مائة دينار في قطع رأسه، وفي الأعضاء بحساب ذلك، ويتصدق بديته. فصل في بيان أحكام الشهادة على الجنايات وأحكام القسامة إذا ادعى إنسان على غيره بأنه جنى على ولي له، لم يخل من ضربين: إما تكون معه بينة، أو لا تكون. فإن كانت معه بينة حكم له بها.

[ 458 ]

وإن لم تكن له بينة لم يخل من وجهين: إما اعترف به المدعى عليه، أو لم يعترف. فإن اعترف، واجتمع فيه ثلاثة شروط، وهي: كمال العقل، والحرية، والطواعية قبل منه، وحكم للمدعى به. وإن لم يعترف لم يخل من وجهين: إما يكون معه لوث، أو لا يكون. فإن كان معه لوث، وأقام القسامة حكم له به، وإن لم يقم القسامة، أو لم يكن معه لوث كان حكمه حكم سائر الدعاوى. وإنما يثبت القتل، والجراح، والشجاج بأحد ثلاثة أشياء: بالاقرار وقد ذكرنا حكمه، وبالبينة، وبالقسامة. فأما البينة: فشهادة عدلين فيما يوجب القصاص، وأحد ثلاثة أشياء فيما يوجب المال، وهي شهادة عدلين، أو شهادة عدل وامرأتين، أو شهادة عدل ويمين، ويقبل شهادة الصبيان المميزين على وجه في الشجاج. وقد ذكرنا ذلك في باب أحكام الشهادات. فإذا قامت البينة على القتل لم يخل: إما شهدا على الاطلاق، أو على التقييد. فإن شهدا على الاطلاق واتفقا، وقالا: إن هذا قتل فلانا، أو قتل فلان بن فلان ابن فلان ثبت القتل فحسب، فإن كذبهما المشهود عليه لم يقبل منه، والزم بيانه، فإذا بين لم يخل: إما بين بما يوجب القصاص، أو بما يوجب المال، فإن بين بما يوجب القصاص قبل منه، صدقه أو كذبه، وإن بين بما يوجب المال، وصدقه الولي فذاك، ولزم في ماله الدية، كان القتل خطأ محضا أو عمد الخطأ، وإن كذبه كان عليه القسامة. وإن شهدا على التقييد لم يخل: إما اتفقا في الشهادة في خمسة أشياء، أو اختلفا. فإن اتفقا في بيان نوع القتل من العمد، وعمد الخطأ، والخطأ، والوقت،

[ 459 ]

والمكان، والرؤية، والآلة التي قتل بها حكم بمقتضى الشهادة. وإن اختلفا لم يخل: إما اختلفا في نوع القتل، أو في غيره. فإن اختلفا في نوع القتل، وشهد أحدهما بما يوجب القصاص، والآخر بما يوجب المال لم يخل: إما أختار ولي الدم ما يوجب القصاص، أو ما يوجب المال. فإن أختار ما يوجب القصاص أقام القسامة، لأن الشاهد الواحد لوث. وإن اختار ما يوجب المال كان له أن يقيم امرأتين لتشهدا له، أو يحلف. فإذا أقام، أو حلف ثبت له ما ادعاه، ولزم الدية في مال القاتل إن كان القتل خطأ محضا، وعلى العاقلة إن كان عمد الخطأ، وإن اختلفا في غير ذلك من الوجوه الباقية كان على الولي القسامة. وإن شهد له شاهد واحد بالعمد المحض كان ذلك لوثا، وتثبت بالقسامة، وإن شهد بالخطأ المحض، أو بعمد الخطأ كان مخيرا بين إقامة المرأتين، واليمين على ما ذكرنا. وأما القسامة: فهي عبارة عن كثرة اليمين، أو عن تغليظ اليمين بالعدد، ولا يكون لها حكم إلا مع اللوث. واللوث أحد ستة أشياء، وهي: الشاهد الواحد، أو وجدان قتيل في قرية قوم، أو محلتهم، أو بلدتهم الصغيرة، أو حلتهم التي لا يختلط بهم فيها غيرهم، وإن اختلط بهم غيرهم ليلا أو نهارا، كان لوثا في الوقت الذي لا يختلط بهم غيرهم. هذا إذا كان بينهم وبين القتيل أو أهله عداوة، أو إجلاء قوم في ندوة، أو دعوة، أو مشورة عن قتيل، وإن لم يكن بينهم عداوة، أو وجدان قتيل في برية، والدم جار وبالقرب منه رجل في يده سكين عليها دم، أو على الرجل ولا يكون عنده سبع، ولا رجل عن ولي القتيل بيده سكين، والدم ترشش في غير طريقه، أو وجدان قتيل بين طائفة وقاتلها طائفة أخرى، أو قاربتها وترامتا بحيث تصل سهام إحداهما

[ 460 ]

إلى الأخرى، أو شهادة جماعة كثيرة لا يصح عليهم التواطؤ ممن لا تقبل شهادتهم في القتل. واللوث: ما يقوي الظن بصدق المدعي، ويوقعه في القلب، فإذا كان معه لوث، وادعى جناية توجب القصاص، وأقام القسامة ثبت ما ادعاه، فإن كانت الجناية على النفس عمدا محضا كانت القسامة خمسين يمينا، وإن كان معه شاهد واحد كان القسامة خمسة وعشرين يمينا. وإن كانت الجناية على الطرف، وأوجبت دية النفس كان فيها ست أيمان، وإن أوجبت نصف الدية ففيها ثلاث أيمان، وإن أوجبت سدس الدية ففيها يمين واحدة، فإذا أوجبت خمسين يمينا، وكان لولي الدم خمسون رجلا يحلفون بالله تعالى أن المدعى عليه، أو عليهم قتل صاحبهم، وإن كان له أقل من خمسين رجلا كرر عليهم الايمان بالحساب. فإن لم يكن له من يحلف كرر عليه خمسون يمينا، وإن كان من يحلف ثلثه حلف كل واحد سبعة عشر يمينا، لأن اليمين لا تنقسم. والرجل والمرأة في اليمين سواء، فإذا حلفوا ثبت لهم القود، وإن رد الولي اليمين كان له، ووجب على المدعى عليه إقامة القسامة على ما ذكرنا، فإن أقام أسقط دعواه، وإن نكل لزمه ما ادعى عليه المدعي. وإن كانت الدعوى بما يوجب المال، وكان لوثه غير الشاهد، وأقام قسامة خمسة وعشرين يمينا ثبت له ما ادعاه، وإن كان اللوث شاهدا واحدا، فقد ذكرنا حكمه. ولا تسمع الدعوى في ذلك إلا محررة، واقامة القسامة في الأطراف على ما ذكرنا، وفي الكمية على حد القسامة في النفس (1).

(1) في نسخة " م ": وإقامة القسامة على ما ذكرنا في الكمية من ستة، وخمسة، وثلاثة، وغير ذلك على ما ذكرنا، وفي الكيفية حد القسامة في النفس.

[ 461 ]

والمتهم بقتل آخر لم يخل: إما أنكر، أو أقر. فإن أنكر حبس ثلاثة أيام، فإن قامت عليه بينة، وإلا خلي سبيله، وإن لم تقم، واعترف طوعا لزمه. وإن جاء آخر، وأقر بأنه هو الذي قتله دون المتهم المقر لم يخل: إما رجع الأول عن الاقرار، أو ثبت عليه. فالأول: سقط القود عنهما والدية معا، وكانت الدية في بيت المال. والثاني: كان الولي مخيرا بين قتلهما معا، وبين قتل أحدهما، وبين العفو. فإن قتلهما رد دية واحدة على ورثتهما، وإن قتل واحدا رد الآخر على ورثة المقتول نصف ديته. وإذا قامت بينة على رجل بأنه قتل آخر عمدا، وجاء آخر بأنه قتله كان الحكم فيه على ما ذكرنا، إلا في شئ واحد، وهو أنه إذا قتل المقر لم يرد المشهود عليه شيئا على ورثته. هذا آخر الكتاب، والله الموفق للصواب (1). سهام الرد عليه وهو خمسة، فصار الجميع ثلاثين، منها للبنت خمسة عشر، ولكل واحد من الأبوين خمسة، فبقي خمسة منها للبنت ثلاثة على قدر نصيبها، ولكل واحد من الأبوين واحد. فإن لم تستحق الأم الرد لكونها محجوبة رد الاثنان على الأب، فإن كان مع النصف سدس كان الفريضة أيضا من ستة، وهما سهم البنت مع سهم أحد الأبوين، أو سهم الأخت لأب وأم، أو لأب مع سهم

(1) إلى هنا انتهت النسخة الخطية الأم " م "، وما ورد بعده من كلام حول المواريث ورد في نسختي " ش " و " ط "، والظاهر أنه لا علاقة له بكتاب الوسيلة، لعدم عوده بصلة إلى ما سبق من المواريث، ولقول الكاتب بعد عدة صفحات: قال الشيخ الإمام الكبير السعيد عماد الدين، ركن الاسلام محمد بن على بن حمزة بن محمد بن على الطوسي قدس الله روحه ونور مضجعه في الكتاب الواسطة. فالظاهر أنه من كتاب الواسطة للمؤلف ألحق هنا والله العالم

[ 462 ]

واحد من كلالة الأم، أو سهم الزوج مع سهم واحد من كلالة الأم، فإن انقسم عليهما بالفرض، والرد على من يستحق الرد أخذ كل ذي سهم سهمه، ومن استحق الرد ما بقي. مثاله زوج واحد كلالة الأم، فإنه يأخذ الزوج ثلاثة بالفرض، والكلالة ثلاثة: واحدا بالفرض واثنين بالرد. وإن كانت كلالة لأب، وكلالة لأم أخذ كلالة الأب خمسة: ثلاثة بالفرض واثنين بالرد، وكلالة الأم واحدا بالفرض، لأن كلالة الأم لا تستحق الرد مع كلالة الأب. وإن كانت في المسألة بنت وأحد الأبوين استحقا الرد معا، ولم ينقسم ما بقي من الفريضتين على الصحة عليهما ضربت مخرج الفريضة في عدد هما، وتصح منه المسألة، فإذا ضربت الستة في اثنين حصل معك اثنا عشر منها للبنت ستة، ولا حد الأبوين اثنان، فبقي أربعة منها للبنت ثلاثة، ولا حد الأبوين واحد. فإن اجتمع مع النصف ثمن، وهما سهم البنت مع سهم الزوجة، أو الزوجات كان من ثمانية منها للزوجة واحد بالفرض، وللبنت سبعة منها أربعة بالفرض وثلاثة بالرد. وإن كان مكان زوجة واحدة اثنتان، أو ثلاث، أو أربع ضرب أصل المسألة في عدد هن، فما حصل منها انقسم على صحة. وإن اجتمع مع النصف ربع، وهما سهم البنت مع سهم الزوج صحت المسألة مع أربعة مع الفرض والرد. وإن اجتمع ثلثان وثلث، وهما سهما البنتين فصاعدا لأب وأم، أو لأب مع الأبوين، وسهم كلالتين لأب فصاعدا، مع كلالتين لأم فصاعدا كان أصل المسألة من ستة، وتنقسم على صحة إن لم تزد الكلالة على اثنين، وكان لكل واحد من

[ 463 ]

الأبوين، أو كلالة الأم واحد، ولكل واحدة من البنتين، أو كلالة الأب اثنان، فإن زادت الكلالة من أحد الطرفين، أو كليهما على اثنين ضربت مخرج الفريضة في عدد الكلالة، وحصل المقصود. مثاله: ثلاث أخوات من قبل الأب، وثلاث من قبل الأم، ضربت الستة في ثلاث، فخرج منه ثمانية عشر منها ستة لكلالة الأم لكل واحد اثنان، واثنا عشر لكلالة الأب لكل واحدة أربعة. فان كان عدد الكلالة من جانب أكثر، ولم ينقسم علي الصحة ضربت المبلغ الحاصل من الضرب الأول في عدد الكلالة من الطرف الآخر، وقد تم لك مرادك. مثاله: خمس أخوات لأب، وأربع لأم ضربت ثلاثة التي هي مخرج الثلث في خمسة التي هي عدد الأخوات للأب فحصل منه خمسة عشر منها عشرة للاخوات من قبل الأب لكل واحدة اثنان، فبقي خمسة لا تنقسم على أربعة على الصحة، فضربت خمسة عشر في أربع، فحصل منها ستون منها للاخوات من الأب أربعون لكل واحدة ثمانية، للاخوات أو الإخوة من الأم عشرون لكل واحد خمسة. وإن اجتمع ثلثان، وثمن كان مخرج الثمن من ثمانية، ومخرج الثلثين من ثلاثة، فضربت هذا في ذلك، فحصل منه أربعة وعشرون منها للبنتين فصاعدا ستة عشر، وللزوجة ثلاثة، فبقي خمسه لا تنقسم على اثنين، ولا على ثلاثة، ولا على أربعة على الصحة، وتنقسم على خمسة، ولكن لا تنقسم ستة عشر على خمسة، فلزم أن تضرب أربعة وعشرون في عدد من لا تنقسم عليه ليحصل لك مرادك. مثاله: خمس بنات مع الزوجة: فإذا ضربت أربعة وعشرين في خمسة حصل منه مائة وعشرون منها ثمانون للبنات بالفرض لكل واحدة ستة عشر، وللزوجة

[ 464 ]

خمسة عشر بالفرض، فبقي خمسة وعشرون لكل واحدة خمسة بالرد. وإن كانت مع الزوجة ثلاث بنات، ضربت أربعة وعشرين في ثلاث، فحصل منه اثنان وسبعون منها للزوجة تسعة بحق الثمن، وللبنات ثمانية وأربعون بحق الثلثين لكل واحدة ستة عشر، فبقي خمسة عشر لكل واحدة من البنات خمسة بحق الرد. وإن اجتمع في الفريضة ثمن وسدس، وهما فرض أحد الوالدين، وفرض الزوجة مع وجود الإبن كان ذلك أيضا من أربعة وعشرين، لأنها أقل عدد لها ثمن وسدس، فكان منها للأب أو الأم أربعة، وللزوجة ثلاثة، وما بقي فللابن، فإن كان الإبن أكثر من واحد، ولم تنقسم عليهم ضربت المبلغ في عددهم، وقد تم ما تريد. وإن اجتمع ربع وثلث في الفريضة، وهما سهم الزوجة مع الأم، أو مع الكلالتين فصاعدا من قبلها، ضربت مخرج الربع في مخرج الثلث، فحصل منه اثنا عشر منها للزوجة ثلاثة بحق الرابع. وللكلالتين فصاعدا أربعة، وللأم، فإن كانت مع الزوجة أم أخذت الزوجة ثلاثة، والأم أربعة، ورد الباقي على الأم، وإن كان مع الزوجة كلالة الأم، ولم ينقسم المال على الصحة ضربت المبلغ في عدد من ينكسر عليه، وخرج ما تروم على الصحة. مثاله: زوجة وثلاثة من كلالة الأم، فإن للزوجة ثلاثة، ولكلالة الأم أربعة، فبقي خمسة، وتنكسر خمسة، على ثلاثة، فضربت اثني عشر في ثلاثة، فحصل منه ستة وثلاثون منها للزوجة تسعة بالفرض، ولكل واحد من الكلالة أربعة بالفرض فبقي خمسة عشر لكل واحد من الكلالة خمسة بالرد. وإن اجتمع في الفريضة ربع وسدس، وهما سهم الزوج مع أحد الأبوين،

[ 465 ]

إذا كان معهما ابن، وسهم الزوجة مع أحد كلالة الأم، وذلك يخرج من اثني عشر، لأنها أقل عدد له السدس والربع، ويكون منها للزوج ثلاثة، ولا حد الأبوين اثنان وللزوجة ثلاثة، ولا حد كلالة الأم اثنان، والباقي للابن أو البنين ولكلالة الأم بالرد، أو لكلالة الأب إن كانت معهما، فإن انكسر العدد على البنين ضربت المبلغ في عددهم، وانقسم عليهم. وإن اجتمع في الفريضة مع الربع ثلثان، وهما سهم الزوج مع البنتين فصاعدا، وسهم الزوجة مع الأختين لأب ضربت مخرج هذا في ذاك، فحصل منها اثنان عشر منها للبنتين أو الأختين للأب ثمانية، وللزوج أو للزوجة ثلاثة، فبقي واحد لزم رده على البنتين أو الأختين، ولم ينقسم، فضربت المبلغ في عدد من ينكسر عليه وقد انقسم. ومسائل الضرب كثيرة لا يحتملها كتابنا هذا، وقد اقتصرنا على طرف منها، فمن تأمل فيه تنبه به على الكثير. فصل في بيان ما يتعلق من استخراج المناسخات المناسخة: أن يموت إنسان ويترك ما لا وورثة، ويموت واحد من ورثته قبل قسمة الميراث، وإذا مات من ورثة الميت واحد قبل قسمة الميراث، وكان ورثة الثاني بعينها هي ورثة الأول على حد واحد من غير أن يدخل عليهم وارث آخر من جهة ما لم يعتد بموت الثاني ينقسم المال بينهم. مثاله: رجل مات وخلف بنتين، أو بنين وبنات لأم واحدة، ثم مات بعد ذلك أحد البنين، أو البنات كان المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، كأن الميت الثاني لم يكن معهم مستحقا للميراث. وإن كان بعض ورثة الأول يرث الثاني دون بعض، وتصح فريضة الثاني عن

[ 466 ]

فريضة الأول فذاك، وإن لم يصح ضربت إحدى الفريضتين في الأخرى، وصحت منه الفريضتان. مثاله: رجل مات وخلف ثلاث بنين لأم، وبنتين لاخرى كان فريضتهم من ثمانية لكل واحد من البنين اثنان ولكل واحد من البنتين واحد، فإذا مات أحد البنين، أو إحدى البنتين كان فرض الإبن وهو اثنان واحد لأحد أخويه، وواحد للاخر، وفرض البنت، وهو واحد للأخرى، لأن الكلالة لأب لا يرث مع الكلالة لأب وأم. ومثال الثاني: رجل مات وخلف ابنين وثلاث بنات لأم، وبنتا أخرى لأم غيرها، ثم ماتت من بنت البنات الثلاث، وكان فريضتهم أيضا من ثمانية، فإذا ماتت إحدى البنات لم تنقسم فريضتها، وهي واحد على أخويه وأختيه على الصحة ضربت فريضتهم - وهي ستة في الفريضة الأولى وهي ثمانية كان لكل واحد من الابنين اثنا عشر ولكل واحدة من البنات ستة، فإذا ماتت إحداها كان فرضها، وهو ستة ينقسم على أخويها وأختيها لكل واحد من الاخوين اثنان، ولكل واحدة من الأختين واحد. وإن كان ورثة الميت الثاني غير ورثه الميت الأول، وصحت مسألة ورثة الثاني من مسألة الأول فذاك. مثاله رجل مات وخلف أبا وابنين وبنتين، ثم مات أحد الابنين قبل القسمة وخلف ابنين، أو بنتين فإنه تكون الفريضة من ستة منها للأب واحد، وللبنت واحد، ولكل واحد من الابنين اثنان، فإذا مات أحدهما وخلف قال الشيخ الإمام الكبير السعيد عماد الدين ركن الاسلام محمد بن علي بن حمزة بن محمد بن علي الطوسي قدس الله روحه ونور مضجعه في كتاب الواسطة.

[ 467 ]

فصل في بيان جمل يعرف بها استخراج سهام المواريث السهام المسماة في كتاب الله تعالى ستة: النصف، ونصفه، ونصف نصف، والثلثان، ونصفه، ونصف نصفه. ومخارج هذه الستة خمسة: فمخرج الثلثين والثلث ثلاثة، ومخرج النصف اثنان، ومخرج الربع أربعة، ومخرج السدس ستة، ومخرج الثمن ثمانية. فإن اجتمع في الفريضة نصف ونصف، وهما سهم الزوج من الأخت لأب وأم أو لأب فاجعله من ابنين، وإن اجتمع مع النصف ثلث، وهو سهم الزوج مع كلالتي الأم أو أكثر، أو سهم الأخت لأب وأم، أو لأب معهما، أو سهم البنت مع سهم الوالدين خرج من ستة، فإن انقسم عليهم على الصحة أعطي كل ذي حق حقه، ورد الباقي على من يستحقه، فإن لم ينقسم المردود على المستحق، ضرب مخرج فريضة الأصل في مخرج سهام مستحقي الرد، وقد صحت المسألة. مثال ذلك: امرأة ماتت وخلفت زوجا واثنين من كلالة الأم، كان للزوج ثلاثة من ستة، ولكلالتي الأم اثنان، فبقي واحد لا ينقسم على صحة ضربت الستة في الإثنين، فصار اثني عشر منها للزوج ستة، وللكلالتين أربعة، فبقي اثنان لكل واحد منهما واحد، فإن لم تنقسم السهام على من استحقه ضرب مخرج الفريضة في عدد من لا ينقسم عليه وصح. مثاله: المسألة المذكورة إذا كان مكان الإثنين من الكلالة ثلاثة، فإنه لا ينقسم اثنان على ثلاثة على الصحة، ضربت الستة في الثلاثة، فحصل منه ثمانية عشر، فأخذ منها الزوج تسعة، والكلالات ستة كل واحد اثنين، وبقي ثلاثة يرد عليهم بالسوية.

[ 468 ]

وإن كان مكان الزوج أخت لأب استحقت هي الرد دونها، لم يحتج إلى ذلك. وإن كان مكان الزوج أو الأخت لأب، وكلالة الأم بنت، وأبوان استحق كل واحد منهم الرد، وضرب مخرج الفريضة في مخرج ابنين، فإن نصيبه لهما، لكل واحد واحد، وإن لم تصح من مسألة الأول مسألة الثاني، ضربت مخرج أحد الفريضتين في الأخرى، وصححت منه المسألتين. مثاله: المسألة التي ذكرناها، إلا أن الميت الثاني خلف مع الابنين بنتا، ولم ينقسم اثنان على ابنين وبنت، وإنما يخرج فريضتهم من خمسة، فضربت خمسة في ستة فخرج منه ثلاثون، فيكون منها للأب خمسة، وللبنت خمسة، ولكل واحد من الابنين عشرة، فإذا مات أحد الابنين، وخلف ابنين وبنتا كان نصيبه لهم لكل ابن أربعة، وللبنت اثنان، فإن ماتت البنت قبل القسمة كان نصيبها لأخويه لكل واحد واحد. وإن خلف مكانهما أخوين، أو أختين فكذلك، وإن مات الأخ مكان الأخت، وخلف ابنين، أو بنتين، أو إبنا وبنتين خرج فريضة الثالث من فريضة الأول، وإن لم يترك ولدا، أو خلف أخاه وأخته لم تنقسم أربعة عليهما ومخرج فريضتهما ثلاثة فضربتها في الثلثين وصححت منها المسائل، و كان للأب منها خمسة عشر وللبنت كذلك، ولكل واحد من الابنين ثلاثون، فإذا مات أحد الابنين، وخلف أخاه وأخته كان لأخيه منها عشرون، ولأخته عشرة، فإن خلف معهما جدا، أو جدة من قبل الأم، كان لهما من ثلثين عشرة لكل واحد منهما خمسة، فبقي عشرون، ولم تنقسم على الأخ والأخت، فضربت المبلغ في مخرج فريضتهما، وهو ثلاثة فخرج من ذلك مائتان وسبعون يكون منها للأب خمسة وأربعون، وللبنت مثلها ولكل واحد من الابنين تسعون فإذا مات أحدهما، وخلف أخاه و أخته وجدا وجدة من قبل الأم كانت فريضته لهما لكل واحد خمسة عشر، فبقي ستون منها للأخ أربعون،

[ 469 ]

وللاخت عشرون، وشرح جميع ذلك يطول، فذكرنا نبذا منه لينتبه المتأمل على الباقي إن شاء الله تعالى. فصل في بيان أشياء ما يتعلق بالكتاب إذا كان الميت رجلا، أو امرأة لا زوج لها كان الكفن في ماله، وبدئ بتجهيزه من ماله، ثم بدينه ثم بوصاياه، ثم بالميراث، فإن كان ورثة الميت حضورا وجب عليهم تكفينه بالمفروض، واستحب لهم الاتمام بالمستحب من الكفن، وإن تشاحوا في ذلك لم يجبر الممتنع عليه، وإن كان بعض الورثة غائبا، وكفنه الحاضر إذا كان الميت رجلا، أو امرأة لا زوج لها كان الكفن في ماله، وبدئ بتجهيزه من ماله، ثم بدينه ثم بوصاياه، ثم بالميراث، فإن كان ورثة الميت حضورا وجب عليهم تكفينه بالمفروض، واستحب لهم الاتمام بالمستحب من الكفن، وإن تشاحوا في ذلك لم يجبر الممتنع عليه، وإن كان بعض الورثة غائبا، وكفنه الحاضر بالواجب لم يكن للغائب عليه اعتراض، وإن كفنه بالواجب والمستحب وأجازه الغائب صح، وإن لم يجز حرم. وإن لم يكن أحد من ورثته حاضرا، أو كفنه أجنبي بالمفروض مضى، وإن كفنه بالواجب والمستحب ولم يجزه الورثة غرم الزائد على الواجب، وإن كفنه بأجود من كفن مثله فكذلك. وإن كان للمرأة زوج كان كفنها عليه. وإن كان عليه دين، ولم يخلف من المال إلا قدر ما يكفن به كفن، ولم يلزم منه قضاء الدين. فإن تبرع أحد بتكفينه كان ما خلفه لمن له عليه دين، وإن لم يخلف شيئا لا للدين، ولا للكفن، وتبرع أحد بكفن له، ثم آخر، وآخر كان ما فضل للورثة دون الديان.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية