الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المهذب - القاضي ابن البراج ج 2

المهذب

القاضي ابن البراج ج 2


[ 1 ]

- ج - المهذب تأليف الفقيه الأقدم القاضي عبد العزيز بن البراج الطرابلسي 400 - 481 ه‍ الجزء الثاني مؤسسة النشر الإسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (ايران)

[ 2 ]

مواصفات الكتاب: المؤلف: القاضي ابن البراج الموضوع: دورة كاملة فقهية الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة: لجماعة المدرسين بقم المشرفة عدد النسخ: 3000 نسخة تاريخ الطبع: 1406 ه‍. ق المطبعة: العلمية - قم.

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم تقديم: جعفر السبحاني رزقنا الله الاجتهاد الذي هو أشد من طول الجهاد هذه الكلمة المباركة التي افتتحنا به المقال قد سمعنا ها من بطل الفقه والاجتهاد، الإمام المغفور له: السيد حسين البروجردي (1) وقد نقلها عن الشيخ الأعظم الأنصاري، في درسه الشريف ثم أضاف: هذه الكلمة الصادرة عن شخصية لامعة في سماء العلم والفضيلة وعن بطل كبير في مجالي الفقه والأصول من الذين لا يسمح بهم الدهر إلا في فترات يسيرة ويضن بهم إلا في الفينة بعد الفينة. هذه الكلمة، توقفنا على مكانه الاجتهاد من العظمة والصعوبة وإن الوصول إليه

(1) ألقاها في محاضراته الأصولية التي كانت تحضرها عدة من الاعلام والفضلاء في مسجد " عشق على " في " قم " المحمية عند البحث عن حجية الخبر الواحد وذكرها الشيخ الأعظم في التنبيه الثاني من تنبيهات الانسداد عند البحث عن نتيجة دليل الانسداد وإنها هل هي قضية مهملة من حيث الأسباب أو قضية كلية والموجود في الفرائد هكذا: ووفقنا الله للاجتهاد.... لاحظ طبعة رحمة الله صفحة 148.

[ 4 ]

- د - لا يتم إلا باقتحام عقاب وطئ مسافات بعيدة، أشد من العقبات التي يقتحمها المجاهد المناضل لفتح الجبال والقلل، والأمصار والبلدان، إلى درجة أن الشيخ الأعظم - وهو استاذ الفقهاء والمجتهدين وقد عكف على كتبه العلماء واستضاء بنور علمه - الفضلاء يتمناه ويطلب منه سبحانه أن يرزقه. فإذا كان هذا هو حال الشيخ الأعظم وهو يطلب الاجتهاد ويدعو الله سبحانه أن يرزقه، فما ظنك بغيره خصوصا الطبقة الجدد الذين لم يمارسوا الاجتهاد والاستنباط إلا في أبواب ومسائل يسيرة... هذا كلامه قدس سره نقلناه بتصرف يسير فنقول: إن استفراغ الوسع واستنفاد الجهد في استنباط أحكام الله سبحانه يتوقف على تحصيل علوم وإحراز صلاحيات ذكرها الفقهاء في أبحاث القضاء والاجتهاد والتقليد تحت عنوان " مبادئ الاستنباط " ونحن في غنى عن تكريرها للقارئ الكريم في هذا المقام مع ضيق المجال غير إنا نجب التركيز على أمرين مهمين كان يحث عليهما سيدنا الراحل آية الله البروجردي وكان عليهما نظام دراسته الفقهية. 1 - الوقوف على الاراء المطروحة في عصر الأئمة لا شك أن للآيات أسباب نزول يعبر عنها أحيانا بشأن النزول وهي تلعب دورا كبيرا في إيضاح مفاد الآيات وتبيين أهدافها وتلقي ضوءا على مضامينها ولا منتدح للباحث من الرجوع إليها إذا صحت إسنادها ووصلت إليه بطرق صحيحة. نقول: كما أن للآيات هذه الحال، فكذا للروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت مثل هذا فإنه لا تظهر أهدافها إلا بالمراجعة إلى الموجبات والأسباب التي بعثت الأئمة إلى القائها، فالمسائل المعنونة في أحاديثهم والأسئلة التي طرحت عليهم، والأجوبة التي أجابوا بها عنها، كانت مطروحة في مجتمعهم وبيئتهم إذ كان للصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من الفقهاء وجلسوا منصة الفتيا، فيها آراء ونظريات وأقوال، فلم يكن للائمة المعصومين عندئذ بد عن ابداء النظر في هذه المسائل إما ابتداء أو

[ 5 ]

- ه‍ - بعد السؤال عنهم - من جانب أصحابهم وتلاميذهم - فكانت بين آراء أولئك الفقهاء في تلك المسائل وما قال به الأئمة، صلة وثيقة ورابطة خاصة بحيث تعد تلك الاراء قرينة منفصلة لكلماتهم وأحاديثهم وعند ذلك لا غنى للفقيه الباحث، عن الوقوف على تلك الاراء والنظريات التي كان يتبناها فقهاء عصرهم حتى تكون على بصيرة كاملة منها ثم يرجع في كل مسألة إلى ما أثر عن أئمة أهل البيت ويستوضح أهدافها على ضوء تلك الاراء المطروحة في تلك الاوساط العلمية. فعند ذلك يتجلى لهذه المأثورات معنى خاص لم يكن مفهوما قبل الرجوع إلى تلك الملابسات والظروف، ولنأت بمثال وإن كان ضيق المجال لا يسمح بذلك. روى الصدوق في الخصال في حديث شرائع الدين عن الإمام الباقر (عليه السلام) إنه قال: " والإجهار بسم الله الرحمن الرحيم واجب " (1). فإذا نظر الانسان إلى هذه الكلمة (واجب) يتحير في مفاد الرواية وإنها إلى ماذا تهدف، فهل المراد وجوب الجهر في الصلوات التي تجهر فيها بالقراءة، فهذا توضيح للواضح وإن كان المراد وجوب الجهر بها في الصلوات الإخفائية، فهذا لم يقل به أحد وتكون الرواية معرضا عنها لعدم الإفتاء بمضمونها، غير أنه إذا رجع إلى الأقوال المطروحة حول البسملة في زمن الإمام (عليه السلام) من جانب الفقهاء يقف على مضمون الرواية فإن فقهاء عصر الإمام (عليه السلام) كانوا: بين قائل بترك البسملة في القراءة لحديث أنس وحديث ابن عبد الله المغفل قال: سمعني أبي فأنا أقول: بسم الله الرحمن الرحيم فقال أي بني! محدث، إياك والحدث قال: ولم ار واحدا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان أبغض إليه الحدث في الاسلام - يعني منه - فإني صليت مع النبي (صلى الله عليه وآله) ومع أبي بكر وعمر وعثمان فلم اسمع أحدا منهم يقولها فلا تقلها إذا صليت فقل الحمدلله رب العالمين، أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن: وأفتى بها مالك والأوزاعي وقالا لا يقرؤها في أول الفاتحة لحديث أنس.

(1) الوسائل الجزء 4 الباب 21 من أبواب قرائة الصلاة الحديث 5.

[ 6 ]

- و - وعن عائشة: إن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يفتح الصلاة بالتكبير والقراءة ب‍ " الحمدلله رب العالمين ". وبين قائل بأنه يقرأ بها سرا ولا يجهر بها ولا تختلف الرواية عن أحمد: إن الجهر بها غير مسنون قال الترمذي: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) ومن بعدهم من التابعين وبه يقول الحكم وحماد والأوزاعي والثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي. نعم يروى عن عطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير، الجهر بها وهو مذهب الشافعي " (1). وفي هذا الجو المزدحم بأقاويل حول نفس البسملة في الصلوات كلها، والجهر بها في خصوص الجهرية منها: يقول والامام " والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم واجب " ولا يريد منه إلا الجهر في الصلوات الجهرية دون الخفائية ولا يظهر هذا المعنى إلا بالرجوع إلى آرائهم المطروحة حول البسملة ولأجل ذلك يقول الإمام أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): كتموا بسم إله الرحمن الرحيم فنعم والله الأسماء كتموها (2). ويقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة طويلة حول الأحداث التي ظهرت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعارضها الإمام: والزمت الناس الجهر بسم الله الرحمن الرحيم (3) لزوم دراسة الفقه المقارن بهذا البيان يتجلى لزوم دراسة الفقه الإسلامي بشكل مقارن وبعرض المناهج والمدارس الفقهية بعضها على بعض والقضاء حولها بالكتاب والسنة وسائر الأدلة الاجتهادية حسب ما فعله شيخ الطائفة الطوسي في خلافه والعلامة في تذكرته ومنتهاه، فإن لتلك الدراسة مزايا ومعطيات خاصة لا توجد في الدراسة على أساس مذهب واحد

(1) لاحظ مغنى ابن قدامة ج 1 ص 418 - 420 - راجع الخلاف ج 1 ص 103 المسألة 83.
(2) الوسائل الجزء 4 - الباب 21 - الحديث 2.
(3) روضة الكافي ج 8 ص 61.

[ 7 ]

- ز - أضف إليه أن في المقارنة تتجلى قوة منطق أهل البيت وصلابته كما يظهر ركونهم في بيان الأحكام قبل كل شئ إلى الكتاب والسنة ويتبين أن كثيرا من الفتاوى التي يتبناها غيرهم فتاوى شاذة عن الكتاب والسنة. هذا وفي ضوء هذه الدراسة تنحل مشكلة التقريب وترتفع موانعها إذا تظهر بوضوح أن الفقه الإمامي يتفق غالبا مع أحد آراء أئمة المذاهب الأربعة أو آراء من تقدمهم من الصحابة والتابعين والفقهاء الذين جاؤا بعدهم وعند ذلك يظهر أنه لا إشكال في أن يعتنق ذلك المذهب كل من أراد ويعمل به على قرار عمله بسائر المذاهب وأن تتخذه الحكومات الاسلامية مذهبا رسميا للمملكة من دون لزوم التقيد بإطار خاص في المذهب الفقهية.
2 - الشهرة الفتوائية وقيمتها. هذا هو الأمر الثاني الذي نريد أن نركز عليه في هذا التقديم ونقول إنه غير خفى على الباحث النابه أن الشهرة على أقسام ثلاثة: 1 - الشهرة الروائية 2 - الشهرة العملية.
3 - الشهرة الفتوائية. والمراد من الأولى هو اشتهار الرواية بين نقله الأحاديث من دون إفتاء على مضمونها وهذه الشهرة لا تسمن ولا تغني من جوع بل هي موهنة للرواية لأن نقل الرواية من دون الإفتاء بمضمونها يورث الشك فيها إذ لو كانت الرواية خالية عن الإشكال لما اعرض نقلتها عن مضمونها. وعلى الجملة لو كانت الرواية مما يتعلق بالأحكام والافتاء بمضمونها فإعراض النقلة وشيوخ المحدثين والمفتين، من بينهم، يفيد إنهم وقفوا على وجود خلل في جهة صدورها أو غيرها من الجهات فلم يروها صالحة للاستناد فاعرضوا عنه، والرواية التي هذا شأنها خارجة عن حريم أدلة الحجية لأن القدر المتيقن هو الخبر الموثوق

[ 8 ]

- ح - بصدوره وجهة صدوره والخبر المشكوك من بعض هده الجهات غير مشمولة لأدلة الحجية. والمراد من الثانية هي الرواية المشهورة التي تضافرت على نقلها والافتاء بمضمونها، نقلة الآثار وأصحاب الفتيا فلا شك أن مثل هذه الشهرة يورث الاطمئنان وتسكن إليه النفس، وهي التي يقول الإمام في حقها في مقبولة عمربن حنظلة " يظهر إلى ما كان من روايتهما عنا في ذلك الذي حكما به، المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ النادر الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه...... وإنما الأمور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد علمه إلى الله ورسوله " (1). وتوضيح الدلالة يتوقف على بيان أمور أربعة: 1 - إن المراد من " المجمع عليه " ليس ما اتفق الكل على روايته بل المراد ما هو المشهور بين الأصحاب في مقابل ما ليس بمشهور ويوضح ذلك قول الإمام (عليه السلام) " ويترك الشاذ النادر الذي ليس بمشهور عند أصحابك ".
2 - إن المراد من إجماع الأصحاب واشتهارها بينهم هو نقل الرواية مع الإفتاء بمضمونه إذ هو الذي يمكن أن يكون مصداقا لما لا ريب فيه. وإلا فيكون مما فيه ريب كله والشك اجمعه.
3 - إن المراد من قوله " مما لا ريب فيه " هو نفى الريب على وجه الإطلاق لأن النكرة في سياق النفى يفيد العموم فالرواية المشهورة إذا أفتى على مضمونها الأصحاب يكون مصداقا لما ليس فيه أي ريب وشك، وما ربما يتصور من أن المراد من قوله " لا ريب فيه " هو نفي الريب النسبي بالاضافة إلى الريب الموجود في مقابلها خلاف الظاهر وخلاف القاعدة المسلمة بن الادباء في مدخول " لا " النافية حيث اتفقوا

(1) الوسائل الجزء 18 - الباب 9 - من أبواب صفات القاضي، الحديث 1 وقد رواها المشايخ الثلاث في جوامعهم وتلقتها الأصحاب بالقبول بل هي المدار في باب القضاء ويظهر بالمراجعة إلى كتبه مضافا إلى إتقان الرواية وعلو مضمونها والشك والترديد في صحتها أشبه شيئ بالوسوسة.

[ 1 ]

على أنه يفيد العموم والاستغراق: مثل قوله " لا رجل في الدار ".
4 - إن هذا البيان يثبت أن الخبر المشهور المفتى به داخل في القسم الأول من التثليث الوارد في كلامه (عليه السلام) كما أن الخبر الشاذ داخل في القسم الثاني منه أخذا بحكم المقابلة لأنه إذا تبين صحة طرف واحد وصار مما لا ريب في صحته، يصير الطرف المقابل، مما لا ريب في بطلانه، لا مما " فيه ريب ما وشك " إجمالا، لأنه إذا صح كون زيد عادلا على وجه لا ريب في صحته، يكون نقيضه مما لا ريب في بطلانه لا مما فيه ريب إجمالا بحيث يحتمل صحته وبطلانه. ويترتب على ذلك أمران وإن أشرنا إلى واحد منهما في طي البيان السابق: الأول: إن وزان الشهرة العملية وزان بين الرشد ووزان الرواية الشاذة وزان بين الغي وإن الإمام (عليه السلام) لم يذكر التثليث في كلامه إلا لتبيين تلك الجهة فلاحظ التثليث الذي نقلناه. الثاني: إن الشهرة العملية من مميزات الحجة عن اللا حجة وليست من المرجحات فإن المراد من المرجح هو ما يوجب تقديم إحدى الحجتين على الأخرى مع كون المتعارضين حجتين في أنفسهما ككون إحدى الروايتين مخالفة للعامة. وقد عرفت أن نسبة المشهور إلى الشاذ، نسبة بين الرشد إلى بين الغي ومثل ذلك لا يعد من تعارض الحجة مع الحجة بل من قبيل مقابلة ما لا ريب في صحته مع ما لا ريب في بطلانه. الشهرة الفتوائية المجردة من الرواية الشهرة الفتوائية في مسألة مجردة من كل رواية وخبر، هي التي طرحها الاصوليون عند البحث عن حجية الظنون ولكنهم مع الاسف لم يعطوا غالبا (1).

(1) إلا سيدنا الاستاذ الراحل آية الله البروجردي وبعده الاستاذ الأكبر الإمام الخميني دام ظله الوارف فقد استوفيا البحث في الشهرة الفتوائية المجردة راجع ما كتبناه عن دروس الإمام مد ظله في هذا المضمار في " تهذيب الأصول " الجزء الثاني ص 100 - 102.

[ 2 ]

للبحث حقه وقد استوفينا الكلام في البحث عنها في أبحاثنا الأصولية ونأت بمجمل ما حققناه في محلة. - إن المسائل التي تتحقق فيها الشهرة على قسمين: 1 - إن تكون المسألة من المسائل التفريعية التي استنبطها العلماء من القواعد والضوابط الواردة في الكتاب والسنة من دون ورود نص خاص عليها وهذا ما سماه بعض الاجلة بالفقه المستنبط، والشهرة في هذا القسم لا قيمة لها لأنه إذا علم مصدر الفتوى ومدركها، فأصحاب الشهرة وغيرهم في ذاك المجال سواسية، فإن تمت الدلالة فهو وإلا فترفض بلا اكتراث ولأجل ذلك ترى أن الشيخ الأعظم ومن بعدهم لا يعبأون بالاجماع حتى المحصل منه إذا تبين مصدر حكم المجمعين ومدركهم.
2 - إن تكون المسألة من المسائل المتلقاة عن الأئمة الذي يعبر عنه " الفقه المنصوص " وقد عرفت في تقديمنا للجزء الأول من هذا الكتاب أنه ظهر في أوائل القرن الرابع لون جديد من كتابة الفقه والفتيا وهو الإفتاء بمضمون الرواية مع حذف إسنادها وقد تعرفت على الذين كتبوا على هذا النمط وتعرفت على الكتب الموجودة بين أيدينا وإن الصدوقين وشيخ الأمة: المفيد، وتلميذه الأكبر شيخ الطائفة الطوسي يعدون من تلك الطبقة الفاضلة فأفردوا كتبا في ذلك المجال بتجريد الروايات من الأسانيد والافتاء بمتونها. فإذا رأينا اتفاق كلمة تلك الطبقة على مسألة من المسائل كشفنا عن وجود نص صريح وصل إليهم وأفتوا بمضمونه وإن النص كان بمرحلة من التمامية من حيث السند والدلالة حتى إلى دعاهم إلى الإفتاء بمضمونه قاطبة. وعندئذ تدخل الشهرة الفتوائية المجردة في القسم الثاني من أقسام الشهرة أعني الشهرة العملية لأنها إذا كانت العملية عبارة عن شهرة الرواية مع العمل والافتاء بمضمونها، تكون الشهرة الفتوائية في المسائل المتلقاة عن الأئمة: نظيرة لها فإن إفتاء تلك الطبقة بشئ قاطبة تلازم كلا الأمرين: وجود الرواية الواصل إليهم وإن لم تصل الينا، والافتاء بمضمونها.

[ 3 ]

فعند ذلك تشملها المقبولة بلفظها أو بمناطها. نعم ربما يقال إن اتفاقهم على الإفتاء بمضمون الرواية يكشف عن كمالها من حيث السند والدلالة عندهم لا عندنا إذ من المحتمل أنه لو كانت وصلت الرواية الينا لم تكن تامة عندنا من كلتا الجهتين. ولكنه احتمال ضعيف فإن مكانتهم العلمية وقرب عهدهم بزمن المعصومين (عليهم السلام) وتعرفهم على رجال الحديث، يورث الاطمئنان بصدور الحديث أولا وتمامية دلالته ثانيا ولا يكون الاطمئنان الحاصل في ذاك المورد بأقل من الحاصل من خبر الثقة أو الخبر الموثوق بصدوره أو بصدقه. ولو سلمنا ذاك الاحتمال ولكن الشهرة على هذا النمط، يصد الفقيه المتورع عن الإفتاء على خلاف الشهرة المحققة عند القدماء على البيان الذي عرفته. تسعون مسألة ليس لها دليل سوى الشهرة كان سيدنا آية الله البروجردي أعلى الله مقامه يقيم وزنا كبيرا للشهرة الفتوائية ويرى مخالفتها أمرا خاطئا غير جائز وكان يقول إن في الفقه الإمامي فتاوى مسلمة تلقاها الأصحاب قديما وحديثا بالقبول ينوف عددها على تسعين مسألة ليس لها دليل إلا الشهرة الفتوائية بحيث لو حذفنا الشهرة عن عداد الأدلة لاصبحت تلك المسائل فتاوى فارغة مجردة عن الدليل. ومن المؤسف جدا أنه رضوان الله عليه لم يعين موارد هذه الفتاوى ولم يسمها غير أن المظنون أن قسما وافرا منها يرجع إلى باب المواريث والفرائض ففي ذاك الباب فتاوى ليس لها دليل إلا الشهرة. الشهرة الفتوائية وأصحاب الأئمة ومما يؤيد المقصود ما يستفاد من بعض الروايات من أن بعض أصحابهم (عليهم السلام) كان يرجح ويقدم الفتوى المشهورة عند أصحاب الأئمة " الذين كانوا بطانة علومهم وخزانة أسرارهم " على نفس النص الذي كان سمعه من نفس الإمام وقد أقرها الإمام على ذلك التقديم بعد ما اطلع عليه من دون اعتراض وهذا

[ 4 ]

إن دل على شئ، فإنما يدل قبل كل شئ على أن الفتوى المشهورة بين خيارهم صحابتهم (الذين استأمنهم الأئمة على غامض أسرارهم وأخذهم خزنة لعلومهم) كانت حجة بلا كلام أولا ومقدمة على النص الذي ألقوه على السائل ثانيا وما هذا إلا لتعرفهم على الحكم الواقعي الأولى وتميزه عن الحكم الثانوي وإن شئت قلت: كانوا يعرفون جهات الصدور والحكم الجدى الصادر لبيان الواقع عن الحكم الصادر لغيره. وعندئذ يمكن تسرية الحكم من خيار صحابتهم إلى الطبقة التي تليهم من مقاربي عصرهم وعهدهم ولأجل أن يقف القارئ على متون هذه النصوص نأتي ببعضها: روي سلمة بن محرز قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن رجلا مات وأوصى إلي بتركته وترك ابنته قال: فقال لي: اعطها النصف قال: فأخبرت زرارة بذلك فقال لي اتقاك إنما المال لها، قال: فدخلت بعد، فقلت: أصلحك الله إن أصحابنا زعموا إنك اتقيتني فقال: لا والله ما اتقيتك ولكني اتقيت عليك أن تضمن فهل علم بذلك أحد؟ قلت: لا قال: فاعطها ما بقي (1). ويظهر من روايته الأخرى أنه لم يلق زرارة وحده بل لقي عدة من أصحاب الإمام القاطنين في الكوفة حيث يقول: فرجعت فقال أصحابنا: لا والله...
(2). ترى أن الشهرة الفتوائية بلغت من حيث القدر والمنزلة عند الراوي إلى درجة منعته عن العمل بنفس الكلام الذي سمعه من الإمام فتوقف حتى رجع إلى الإمام ثانيا. بل كانوا لا يتوقفون ويقدمون الفتوى المشهورة على المسموع من نفس الإمام شخصيا روى عبد الله بن محرز بياع القلانص قال: أوصى إلى رجل وترك خمس مائة درهم أو ست مائة وترك ابنته وقال لي عصبة بالشام فسألت أبا عبد الله عن ذلك فقال: اعط الابنة النصف والعصبة النصف الآخر، فلما قدمت الكوفة أخبرت أصحابنا فقالوا: اتقاك فأعطيت ابنته، النصف الآخر ثم حججت فلقيت أبا عبد الله فأخبرته بما قال

(1) الوسائل الجزء 17 - الباب 4 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد الحديث 3 (2) المصدر نفسه الباب 5 - الحديث 7.

[ 5 ]

أصحابنا وأخبرته أني دفعت النصف الآخر للابن فقال: أحسنت إنما أفتيتك مخافة العصبة عليك (1). وهذه الأحاديث تعرف مكانه الشهرة الفتوائية عند أصحاب الأئمة ومعه لا يصح لفقيه، الاعراض عن الشهرة والافتاء بالأصل أو الرواية الشاذة. فتبين أن الشهرة الفتوائية في المسائل المتلقاة داخلة في مفاد المقبولة أو مناطها وإن سيرة أصحاب الأئمة جرت على الاعتناء بها فمثل هذه الشهرة إن لم تكن مصدرا للفتيا فلا محالة تكون موجبا للاحتياط وعدم الإفتاء بشئ أو الإفتاء بالاحتياط. مناقشة نظرية بعض المحققين ثم إنه يترتب على ما ذكرناه أمران: 1 - كون الشهرة الفتوائية جايزة لضعف الرواية.
2 - إعراض المشهور موهن مسقط لحجيتها. ولكن لبعض المحققين من الاعاظم نظرية أخرى في كلا المقامين نأتي به في الموردين. قال: إذا كان الخبر الضعيف غير حجة في نفسه على الفرض وكذلك فتوى المشهور غير حجة على الفرض يكون المقام من قبيل انضمام غير الحجة إلى غير الحجة فلا يوجب الحجية فإن انضمام العدم إلى العدم لا ينتج إلا العدم. ودعوى إن عمل المشهور بخبر ضعيف توثيق عملي للمخبر به فيثبت به كونه ثقة، فيدخل في موضوع الحجية، مدفوعة بأن العمل مجمل لا يعلم وجهه فيحتمل أن يكون عملهم به لما ظهر لهم من صدق الخبر ومطابقته للواقع بحسب نظرهم واجتهادهم لا لكون المخبر ثقة عندهم فالعمل بخبر ضعيف لا يدل على توثيق المخبر به ولا سيما أنها لم يعملوا بخبر آخر لنفس هذا المخبر. هذا كله من حيث الكبرى، وأما الصغرى وهي استناد المشهور إلى الخبر

(1) المصدر نفسه الباب 5 - الحديث 4.

[ 6 ]

الضعيف في مقام العمل والفتوى فإثباتها أشكل من إثبات الكبرى لأن مراد القائلين بالانجبار هو الانجبار بعمل قدماء الأصحاب باعتبار قرب عهدهم بزمان المعصوم. والقدماء لم يتعرضوا للاستدلال في كتبهم ليعلم استنادهم إلى الخبر الضعيف وإنما المذكور في كتبهم مجرد الفتوى والمتعرض للاستدلال إنما هو الشيخ الطوسي دون من تقدمه فمن أين يستكشف عمل قدماء الأصحاب بخبر ضعيف ومجرد المطابقة لا يدل على إنهم استندوا في هذه الفتوى إلى هذا الخبر إذا يحتمل كون الدليل عندهم غيره فانجبار الخبر الضعيف بعمل المشهور غير تام صغرى وكبرى (1). وفيما افاده مجال للبحث: أما أولا: فلأن ما هو الحجة من الخبر حسب بناء العقلاء الذي هو الدليل الوحيد في المقام هو الخبر الموثوق بصدوره أو الموثوق بصدقه، وحجية قول الثقة لأجل كون وثاقته إمارة على صدوره من الإمام وصدقه في كلامه، وعلى ذلك فلو كان عمل الأصحاب مورثا للوثوق الشخصي بالصدور، وإن لم يكن مورثا لوثاقة المخبر كفى في كون الخبر حجة، اللهم إلا أن يمنع من كونه مورثا للاطمئنان به وهو كما ترى هذا حول ما ذكر من منع الكبرى. وأما ثانيا فلأن ما ذكره من منع الصغرى قائلا بأن إثبات استناد المشهور إلى الخبر الضعيف أمر مشكل من إثبات الكبرى، فغير تام لما عرفت من أن للقدماء من الفقهاء لونين من التأليف أحدهما بصورة الفقه المنصوص والآخر بصورة الفقه المستنبط، وكان أساس الأول هو تجريد الأسانيد والأخذ بنفس المتون (لا المضامين) فإذا تضافرت فتاوى تلك الطبقة في مسألة، على عبارة موجودة في الخبر الضعيف يستكشف اعتمادهم في مقام الإفتاء على ذاك الحديث واحتمال كون الدليل عندهم غيره مع وحدة التعابير، ومع العلم بعدم خروجهم في مقام التأليف عن إطار النصوص كما ترى * * *

(1) مصباح الأصول ج 2 ص 202

[ 7 ]

كلام آخر في إعراض المشهور ثم: إن له دام ظله كلاما في كون إعراض المشهور هو هنا قال: إذا كان الخبر الصحيح أو الموثق موردا لقيام السيرة ومشمولا لاطلاق الأدلة، فلا وجه لرفع اليد عنه الاعراض المشهور عنه. نعم: إذا تسالم جميع الفقهاء على حكم مخالف للخبر الصحيح أو الموثق في نفسه يحصل العلم أو الاطمئنان بسبب ذلك بأن هذا الخبر لم يصدر من المعصوم أو صدر عن تقية فيسقط الخبر المذكور عن الحجية. وأما إذا اختلف العلماء على قولين وذهب المشهور منهم إلى ما يخالف الخبر الصحيح أو الموثق وأعرضوا عنه واختار غير المشهور منهم ما هو مطابق للخير المذكور فلا وجه لرفع اليد عن الخبر الذي يكون حجة في نفسه لمجرد إعراض المشهور عنه (1). إن القائل بكون الاعراض موهنا ومسقطا للحجية إنما يستند إلى قوله (عليه السلام) في مقبولة عمر بن حنظلة: " فإن المجمع لا ريب " ولا ينطبق ذلك إلا على ما إذا بلغت الشهرة إلى حد جعل الخبر المشهور مما لا ريب في صحته، والخبر الشاذ مما لا ريب في بطلانه، ولا ينطبق ذلك إلا على القسم الأول المذكور في كلامه لا القسم الثاني، فيصير النزاع لفظيا. إحياء الدوارس أو نشر مآثر القدماء الفقهية كل ذلك يوجب سعى الفضلاء إلى الحصول على آثار القدماء ومآثرهم ورسائلهم وكتبهم سواء الفت على نمط الفقه المنصوص أو على نمط الفقه المستنبط ولهذه الغاية قامت مؤسسة سيد الشهداء بتحقيق كتاب الجامع للشرائع للفقيه يحيى بن سعيد الحلي (600 - 681) كما قانت بتحقيق كتاب المهذب للفقيه الأقدم عبد العزيز بن البراج. وهذا الجزء الذي يزفه الطبع إلى القراء الكرام هو الجزء الثاني منه

(1) مصباح الأصول ج 2 ص 203.

[ 8 ]

وقد تعرفت على المؤلف في التقديم الذي قدمناه للجزء الأول منه، وقد تصدى نسخه وتصحيحه ومقابلته مع النسخ التي المحنا إليه في مقدمة الجزء الأول لفيف من الفضلاء وثلة من رواد العلم والحقيقة أعني بهم أصحاب الفضيلة: - 1 الشيخ أحمد خدائي - 2 الشيخ إبراهيم بهادري 3 - الشيخ حسين الأميني 4 - السيد محمد على الرجائي الاصفهاني 5 - الشيخ محمد الرضائي الاصفهاني شكر الله جهودهم المباركة حيث قاموا بهذه المهملة العلمية الشاقة. ثم قام بعدهم العلامة الحجة المحقق السيد عبد الرسول الجهرمي الشيرازي بتحقيق نصوص الكتاب والتعليق عليه وتخريج مصادره ورفع معضلاته فشكر الله مساعيه الجميلة. وقد اتخذ نسخة المكتبة الرضوية أصلا في التصحيح والتعليق ورمز إليها بعلامة " ألف " كما رمز إلى نسخة مكتبة آية الله البروجردي بعلامة " ب " وإلى نسخة مكتبة آية الله الخادمي بعلامة " خ ". ونضيف في خاتمة المطاف: إنه كان للسيد المحقق تعاليق على كتاب الإجارة وقد فاتنا طبعها محلها ونعتذر إليه والعذر عند كرام الناس مقبول. وآخر دعونا عن الحمد لله رب العالمين جعفر السبحاني في 20 جمادى الآخرة من شهور عام 1406 ه‍ ق

[ 9 ]

" باب المزارعة والمساقاة " قولنا " مزارعة " اسم لعقد واحد، وهو استئجار الأرض ببعض ما يخرج منها (1)، وهي جائزة بالنصف أو الثلث، أو أقل من ذلك أو أكثر، ولا يجوز أن يجعل لأحد المتزارعين شيئ ولا يكون مشاعا، مثل أن يكون لأحدهما ما بذره (2) أولا وللآخر ما يتأخر، أو يكون لأحدهما ما ينبت على الجداول والماذيانات، (3) وللآخر ما على الأبواب أو يكون لأحدهما الصيفي، وللآخر الشتوي، فجميع ذلك لا يجوز عقد المزارعة عليه لأنه قد ينمى أحدهما، ويهلك

(1) يظهر منه أن حقيقة المزارعة شرعا إجارة الأرض بحصة من حاصلها وهو الظاهر من النصوص الواردة فيها وفيه خلاف بين المتأخرين وقد تعرض المصنف وغيره أيضا في هذا الباب لمسائل إجارة الأرض للزرع بالنقدين ونحوهما لصدق المزراعة عليها أيضا عرفا.
(2) في نسخة (ب) " ما يدرك أولا ".
(3) في المسالك الجدول هنا النهر الصغير وقد يطلق على قطعة من الأرض يجمع حولها التراب وكلاهما مشتركان في عدم جواز اشتراطه انتهى والماذيانات بكسر الذال ويفتح كما في اللغة مسائل الماء وكأنها هنا آواخر الأرض المزروعة التي يسيل الماء إليها وفي نسخة (ب) على هذه الكلمة بعلامة نسخة البدل " المادريات " تارة و " الأديابات " أخرى وكأنهما تصحيف.

[ 10 ]

الآخر، ولا يجوز لصاحب الأرض أن يأخذ المزارع إلا بما تخرجه الأرض المعقود عليها، ولا يجوز على كيل معين (1) من جنس ما زرع الأرض، مثل أن يستأجر بحنطة، ويزرع فيها حنطة، ويجوز أن يشترك في المعاملة على ذلك الشركاء على أن يجعل كل واحد منهم من عنده في ذلك شيئا معلوما (2)، ولا يجوز أن يجعل للبقر نصيب ولا للبذر نصيب، (3) ويجوز استئجار الأرض بالدنانير والدراهم وغير ذلك من المعروض مدة معلومة. وهي على ما تشترطه المتزارعون من العمل والقيام بالحرث والبقر وما ينفقون عليه، كانت الأرض لهم أو لواحد منهم جائزة. وإذا شرط مالك الأرض على المزارع نصف غلتها، أو أقل من ذلك أو أكثر وجب له ذلك إن سلمت الغلة من الهلاك، فإن لم يسلم من ذلك، وكان هلاكها بشئ من الافات السماوية أو الارضية لم يجب له شيئ.

(1) ظاهره منع إجارة الأرض بجنس ما يزرع فيها مطلقا سواء كان من حاصلها أم غيره وسواء كان نقدا أم نسيئة كما حكاه الشهيد رحمه... في المسالك عن المصنف وقال لا يخلو قوله من قوة للرواية الصحيحة إلا أن المشهور على خلافه ومراده بالرواية خبر الحبلى عن الصادق (عليه السلام): لا تستأجر الأرض بالحنطة ثم تزرعها حنطة ويؤيده بعض المطلقات الناهية عن إجارتها بالطعام لكن الظاهر من بعض آخر اختصاصه بما إذا كان من حاصلها ويمكن حمل الخبر على ذلك كما عن الشيخ فوجه المنع اشتراط كون الحاصل مشاعا بينهما بالنصف أو الثلث أو نحوهما ويحتمل حمل كلام المصنف أيضا عليه.
(2) أي يجعل على نفسه شيئا معلوما من العمل أو المؤونة وزاد هنا في نسخة (م) وهامش نسخة (ب) " ويزرع الانسان في أرض غيره ببقره وبذره على أن يدفع إليه شيئا معينا ".
(3) ورد ذلك في الأخبار وحملها بعض على الكراهة وما في المتن أظهر.

[ 11 ]

فإن جعل المالك للمزارع أجرة معينة إما من العين أو الرزق (1) أو المكيل أو الموزون من غير غلتها. كان له ذلك إذا وفا بما شرط عليه المالك في العقد، هلكت الغلة أو لم تهلك فإن خالف في شئ مما شرط عليه بطل ما شرطه له، وكان له أجرة المثل، إن كان فيما خالف فيه صلاح، فإن كان فيه فساد كان عليه ضمان ما فسد بتعديه. ويفتقر في صحة المزارعة إلى تعيين المدة والوصف لما هي متعلقة به. فإذا زارع رجل أرضا على أن يتولى زراعتها بنفسه وجب عليه ذلك، ولم يجز له أن يعطيها غيره، وإن شرط عليه زراعة شيئ بعينه، وجب ذلك أيضا عليه. وإذا شارك المزارع غيره من الناس، كان له ذلك ولم يكن لصاحب الأرض خلافه في ذلك. وإذا استأجر الأرض وأراد أن يقيم نائبا عنه فيها كان له ذلك. وإذا استأجر الأرض بالثلث أو الربع أو بأقل من ذلك أو بأكثر، جاز له أن يوجرها بأكثر من ذلك أو أقل. فإن استأجر بعين أو ورق، (2) وأراد أن يوجرها بأكثر من ذلك، وكان

(1) في نسخة (ب) " الورق " كما يأتي.
(2) حكاه أيضا في المختلف عن المصنف في كامله وزاد بعد قوله لم يجز لأن الذهب والفضة مضمونان وحاصل ما ذكره هنا أن استئجار الأرض إن كان بالمزارعة بحصة مشاعة من حاصلها جاز للمزارع أن يدفعها إلى غيره مزارعة بالأكثر وإن كان بمال معين فإن كان بالنقدين لم يجز أن يوجرها كذلك بالأكثر ولو بغير نوعهما إلا أن يحدث في الأرض شيئا وإن كان بمال آخر جاز إيجارها بالأكثر إذا اختلف نوعهما وإن لم يحدث فيها شيئا وفي المسألة أقوال منشأها اختلاف النصوص وما ذكره المصنف أولى إلا أن جواز الأخير مع اختلاف النوع خلاف الظاهر وقد تقدم من المصنف في أوائل الإجارة جواز استئجار الأرض بالدينار ثم يدفعها إلى غيره مزارعة بالنصف أو أقل أو أكثر كما تقدم أيضا أنه إذا استأجر دابة أو دارا *

[ 12 ]

قد أحدث فيها حدثا، مثل كرى نهر، أو حفر ساقية، أو ما أشبه ذلك كان جائزا وإن لم يكن أحدث فيها حدثا، لم يجز له ذلك. فإن كان استأجرها بغير العين والورق من حنطة أو شعير أو غيرهما، كان له أن يوجرها بأكثر من ذلك إذا اختلف النوع. وإذا شرط صاحب الأرض على المزارع أن يكون عليه جميع مؤنة الأرض، من كرى نهر أو حفر ساقية وبذر وغير ذلك من العمارة، كان ذلك لازما له ويكون المقاسمة على ما يتفقان عليه فإن شرط المزارع على صاحب الأرض أخذ البذر قبل القسمة، كان له ذلك، وإن لم يشرطه كان البذر عليه (1) على ما شرط، وإذا شرط عليه خراج الأرض ومؤنة السلطان كان ذلك عليه دون المالك، فإن شرط ذلك وكان مقدارا معينا وزاد السلطان المؤنة على الأرض، كانت هذه الزيادة على صاحب الأرض دون المزارع، وإذا شرط المزارع على صاحب الأرض جميع المؤنة من حفر ساقية وبذر وكرى نهر وغير ذلك من العمارة، ويقوم المزارع بالأرض ومزارعتها وعمارتها كان ذلك على ما شرط ولم يلزمه من خراج الأرض شيئ، ولا من مؤنة السلطان ولا غير ذلك، وتجري المقاسمة بينهما على ما يتفقان عليه. وإذا استأجر رجل أرضا مدة معينة، كانت له المدة المعينة وعليه مال الإجارة زرع فيها أو لم يزرع، فإن منعه الما لك منها وانقضت المدة لم يلزمه شيئ، وإن منعه منها ظالم، لم يكن على المالك شيئ.
(2)

* أو نحوهما بدينار جاز أن يوجرها بعشرين درهما أو أكثر والفرق بينها وبين المقام غير واضح والتفصيل لا يسعه المقام. (1) أي لم يجز له أخذ مقداره قبل القسمة.
(2) أي كان له مال الإجارة ولم ينقص منها شيئ لأن الظلم إنما وقع على المستأجر ولكن تقدم في باب الإجارة أنه إذا استأجر أرضا فلحقها أمر لا يقدر معه على زرعها أو افتقر أو مرض كان له نقض الإجارة وظاهره مناف لما هنا وما هنا أظهر كما أشرنا إليه هناك.

[ 13 ]

وإذا استأجر أرضا مدة معلومة، وغرقت وكان قد تصرف فيها بعض المدة كان عليه من مال الإجارة بمقدار ما تصرف فيه، ولم يلزمه الباقي، وإن كان لم يتمكن من التصرف فيها لم يكن عليه شيئ وإذا غصب إنسان غيره أرضا، بنى فيها، أو زرع بغير إذنه، كان لصاحب الأرض قلع زرعه إن لم يكن بلغ، وهدم بنائه، وأخذ ارضه فإن كان الزرع قد بلغ كان له، وكان للمالك طسق الأرض. وإذا استأجر إنسان دارا ليسكنها، وفيها بستان فزرع فيها، وغرس، ثم أراد النقلة منها وكان قد فعل ذلك بأمر صاحبها، كان على صاحبها أن يقوم ما فيها من ذلك (1) وتسليمه إليه. وإذا مات المستأجر أو المؤجر بطلت الإجارة بينهما في الحال وإن هلكت الغلة ببعض الآفات السماوية، كان مال الإجارة لازما للمستأجر. وإذا استأجر رجل أرضا وباعها مالكها بعد ذلك، لم يفسخ البيع الإجارة وإن كان ذلك بحضرة المستأجر، كان على المشتري الصبر إلى أن تنقضي مدة الإجارة،

(1) روى الشيخ رحمه الله في التهذيب بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل اكترى دارا وفيها بستان فزرع في البستان وغرس نخلا وأشجارا وفواكه وغير ذلك ولم يستأمر صاحب الدار في ذلك فقال عليه الكرى ويقوم صاحب الدار الزرع والغرس قيمة عدل فيعطيه الغارس إن كان استأمره في ذلك وإن لم يكن استأمره في ذلك فعليه الكرى وله الغرس والزرع ويقلعه ويذهب به حيث شاء ونحوه في الفقيه ولكن رواه في الكافي أيضا وذكر بعد قوله فيعطيه الغارس وإن كان استأمر فعليه الكرى وله الغرس الخ وهذا بعكس الأول والمصنف رحمه الله تبع الأول إلا أنه أهمل ذكر الكري ولا يخفى أن لفظ الأول غير خال من الاضطراب إذ المفروض في السؤال عدم الاستيمار فلا يناسبه تقييد الجواب بالاستيمار لكن الحكم المذكور فيه أظهر والله العالم.

[ 14 ]

فإن مات المشتري لها ولم تكن مدة الإجارة انقضت لم تبطل الإجارة أيضا بموته، ووجب على وارثه الصبر إلى أن تنقضي مدة الإجارة. وإذا زارع إنسان في أرض على ثلث أو ربع وبلغت الغلة جاز للمالك أن يخرص الغلة على المزارع ثمرة كانت أو غير ثمرة، فإن رضي المزارع بذلك الخرص أخذها، وكان عليه حصة المالك، سواء زاد الخرص، أو نقص، وكان الباقي له. فإن هلكت الغلة بإحدى الافات السماوية لم يجب للمالك على المزارع شيئ. وإذا اشترك اثنان في ضيعة، وزرعاها ونبت الزرع، ومات الواحد منهما بعد ذلك، فقام آخر مقامه في الزرع ومراعاته، فلما بلغ الحصار حضر وارث الميت وادعى أن السهم من الزرع له، دون القيم المراعى له، ودفعه عنه نظر في ذلك فإن كان الزرع، زرع ببذر الشريكين، كان ذلك السهم للوارث الذي طلبه، وللذي قام بمراعاته أجرة المثل. وإذا زارع إنسان غيره في ارضه على أن يزرعها ببذره، ويقوم عليها بنفسه بسهم معلوم، فزرعها ولم تنبت الأرض إلا في العام المقبل، فلما بلغ الزرع الحصاد قال المزارع أنا شريكك في الغلة وقال صاحب الأرض بل هي لي دونك، كانت الغلة للمزارع إن كان البذر له، وعليه للارض أجرة المثل، وإن كان البذر لصاحب الأرض كانت الغلة له وعليه أجرة المثل للمزارع.

[ 15 ]

المساقاة فأما المساقاة فالشرط فيها كالشرط في صحة المزارعة والمساقاة في النخل والشجر كرما أو غير كرم بالنصف أو الثلث أو بأقل من ذلك، لو أكثر جائزة. وتكون المؤونة فيها على المساقي دون صاحب الأرض، فإن ساقى الانسان غيره على نخل أو شجر، فلم يذكر ماله من القسمة، كانت المساقاة فاسدة، وكان لصاحب النخل والشجر ما يخرج من الثمرة، وعليه أجرة المثل للمساقي. ويكره لصاحب الأرض أن يشترط على المساقي مع المقاسمة شيئا من العين أو الورق، فإن جرى ذلك بينهما، وكان الشرط فيه على المساقي، أو على المالك كان جائزا، والأحوط تركه. فإن هلكت الثمرة ببعض الافات السماوية لم يلزمه شيئ من ذلك، وخراج الثمرة على صاحب الأرض، فإن شرط ذلك على المساقي، لزمه ذلك دون المالك. وإذا أخذ إنسان أرضا ميتا (1) ولها مالك معروف فشرط المالك عليه إحيائها ويكون له ارتفاعها (2) مدة من الزمان ثم يعيدها إلى مالكها كان جائزا.

(1) أي صارت ميتا بعد الاحياء وإلا فلا يملكها أحد كما يأتي.
(2) أي فوائدها

[ 16 ]

ومن أخذ أرضا ميتا فأحياها، ولم يعرف لها مالك، كان أولى بالتصرف فيها من سائر الناس، وكان عليه للسلطان طسقها. ومن أخذ أرضا ميتا ولها صاحب معروف، وشرط عليه صاحبها أحياها وله ارتفاعها، وشرط المحيى لها على صاحبها أن يكون مؤنة السلطان عليه كان جائزا، ولصاحب الأرض أخذها متى شاء ذلك (1). وإذا استأجر إنسان أرضا بأجرة معلومة، أراد أن يؤجر بعضها بأكثر مال الإجارة ويتصرف هو في الباقي بما يبقى كان جائزا، ويكره له أن يوجرها بأكثر مما استأجرها به، إلا أن يكون قد أحدث فيها حدثا، وقد تقدم ذكر ذلك (2). وإذا ابتاع إنسان مراعى بثمن معلوم، جاز له أن يبيع بعضها بأكثر الثمن، ويرعى هو الباقي بما يبقى، وليس له أن يبيع ذلك (3) بمثل ما اشترى أو أكثر

(1) الظاهر أن هذا إذا لم يقيده بمدة معينة وإلا لم يجز له أخذها قبل تمامها كما يشير إليه ما تقدم آنفا من قوله مدة من الزمان كما أن ما في بعض الأخبار أيضا من جواز أخذها إذا شاء محمول على ذلك لظاهر ما ورد فيه جواز تقبلها مدة معينة (2) أي في باب المزارعة لكن المذكور هناك عدم الجواز على تفصيل بين النقدين وغيرهما وأما جواز أن يؤجر بعضها بأكثر مال الإجارة فقد ورد في صحيح محمد بن مسلم بل تقدم في أوائل الإجارة إنه يجوز أن يستأجر دارا ثم يؤجر بعضها بمثل ما استأجرها لكن يمكن اختصاص ذلك عند المصنف بالدار للنص كما ذكرناه (3) المراد بالابتياع والبيع في هذه المسألة هو الاستئجار والإيجار لكونهما بيعا لمنافع المرعى من العلف والكلاء وإنما عبر بذلك تبعا للنص وهو موثق سماعة سأله (عليه السلام) عن رجل اشترى مرعى يرعى فيه بخمسين درهما أو أقل أو أكثر فأراد أن يدخل معه ويأخذ منهم الثمن قال فليدخل معه من شاء ببعض ما أعطي وإن أدخل معه بتسعة وأربعين درهما وكان غنمه ترعى بدرهم فلا بأس وليس له أن يبيعه بخمسين درهما ويرعى معهم إلا أن يكون قد عمل في المرعى عملا حفر بئرا أو شق نهرا برضا أصحاب المرعى فلا بأس بأن يبيعه بأكثر مما اشتراه به لأنه قد عمل فيه عملا رواه في الفقيه ونحوه في الكافي والتهذيب وظاهر الخبر اشتراط كون العمل في المرعى برضا صاحبه والمصنف اشترط ذلك في الايجار الثاني وكأنه حمل الخبر عليه ووجهه غير واضح مع أنه لم يشترط ذلك في غير المرعى.

[ 17 ]

ويرعى مع المشتري منه إلا بعد أن يكون قد أحدث في ذلك حدثا، ويكون ذلك برضا صاحب الأرض أيضا فإن لم يرض المالك ببيعه من غيره، لم يجز له ذلك وليس له أن يرعى إلا وحده. وإذا دفع إنسان إلى غيره نخلا معلومة هذه السنة بالنصف، وقال له اعمل فيه برأيك أو لم يقل ذلك، فدفعه العامل إلى آخر معاملة بعشرين وسقا مما يخرج من الثمرة، فعمل على هذا، كان الخارج بين الأول ومالك النخل نصفين وللآخر على الأول اجر مثله ولو كان الشرط في المعاملة الأولى عشرين وسقا لأحدهما بعينه، وفي الثانية النصف كان الخارج لمالك النخل وللآخر على الأول أجرة عمله وللأول على صاحب النخل أجرة ما عمل الآخر، ولا ضمان عليه في ذلك، وكذلك (1) إذا دفع إلى غيره أرضا بالنصف أو الثلث ثم ارتد مالكها، وخرج الزرع. فإن أسلم كان ذلك بينهما (2) على ما اشترطاه وإن هلك على ردته وكان في الأرض نقصان كان النقصان (3) عليه والخارج بين العامل ووارث المرتد على الشرط، وهكذا لو كان العامل هو المرتد ولو كانا جميعا مرتدين كان الخارج بينهما على الشرط في جميع ذلك فإن قتلا أو لحقا بدار الحرب قام ورثتهما مقامهما فإن أسلما فهما على ما كانا عليه ولو عقدا المعاملة والمزارعة فيما ذكرناه

(1) الظاهر زيادة لفظة " كذلك " وصوابه: وإذا دفع إلى غيره أرضا الخ وفي نسخة (م) وهامش نسخة (ب) بعلامة البدل مكان هذه العبارة. وإذا دفع المرتد ارضه وبذره إلى إنسان مزارعة بالنصف فعمل على ذلك وخرج الزرع الخ ولعله كانت العبارتان مذكورتين في نسخة المصنف وكانت العبارة الثانية مقدمة على الأولى فحينئذ لفظة " كذلك " ليست بزائدة.
(2) ظاهره عدم الفرق في ذلك بين المرتد الفطري والملى لكن يأتي في الفرائض أن الفطري يقسم أمواله بين ورثته ويقتل في الحال ولا يستتاب.
(3) في هامش نسخة (ب) بعلامة التصحيح هكذا: كان نقصان الأرض عليه والزرع له وإن لم يكن في الأرض نقصان كان الخارج بين العامل الخ فتأمل

[ 18 ]

وهما مسلمان ثم ارتد أحدهما وقتل على الردة أو لحق بدار الحرب فالخارج على الشرط بينهما ولم يبطل العقل بردته. فإن كان من أهل الحرب ودخل دار الاسلام بأمان فدفع إليه إنسان أرضا وبذرا مزارعة هذه السنة بالنصف كان جائزا، وما يخرج يكون بينهما على ما اشترطاه وليس ينبغي للوالي أن يتركه في دار الاسلام هذه المدة. وإذا ابتاع الحربى المستأمن أرضا عشرية، أو خراجية فسلمها إلى مسلم مزارعة كان جائزا، ويكون ما يخرج بينهما على ما اشترطاه، ويوضع عليه الخراج في ارضه، ويجعل ذميا (1)، ولا يمكن من الرجوع إلى دار الحرب. وإذا دخل مسلم دار الحرب بأمان واشترى أرضا من أراضي الحرب ودفعها إلى حربي مزارعة كان ما يخرج بينهما على ما يشترطانه، وهكذا القول إن أخذ مسلم أرض حربي بالنصف. والمزارعة بين التاجرين المسلمين في دار الحرب بمنزلتها في دار الاسلام، وهكذا هي بين مسلم تاجر، وبين حربي أسلم هناك. وإذا ابتاع مسلم تاجر في دار الحرب أرضا ودفعها إلى حربي مزارعة بالنصف فزرعها فلما استحصد الزرع لم يحصد حتى ظفر المسلمون دار الحرب فافتتحوها عنوة فإن الأرض والزرع لمن افتتحها، (2) وإن كان الزرع حصد ولم يحمل من

(1) أي يصير بذلك في حكم الذمي وذكر العلامة رحمه الله في المختلف إن الوجه أنه لا يصير كذلك ويجوز تمكينه من الرجوع إلى مأمنه وتكون ارضه بحكم مال المستأمن قلت ما ذكره المصنف هنا حكاه الشيخ أيضا في المبسوط في أحياء الموات عن بعض ولم نعثر بعد على دليله.
(2) قال العلامة في المختلف بعد نقل هذا الكلام على المصنف: الوجه أن الأرض للمسلم لا يصير فيئا وكذا الزرع الذي يخصه. قلت قد يدل على قول المصنف في الأرض ما رواه الشيخ في التهذيب بإسناده عن حفص بن غياث قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل من أهل الحرب إذا أسلم في دار الحرب وظهر عليهم المسلمون بعد ذلك فقال: اسلامه إسلام لنفسه *

[ 19 ]

الأرض حتى افتتح المسلمون الأرض، كانت الأرض ونصيب الحربى فيئا للمسلمين، وكان للمسلم نصيب من الزرع ولا فرق في البذر من أيهما كان، وإذا كان مالك الأرض والمزارع مستأمنين في أرض الحرب وظهر المسلمون على الأرض، والزرع قائم لم يحصد كانت الأرض والزرع فيئا للمسلمين، وإذا كان قد حصد، كانت الأرض فيئا والزرع بينهما على ما اشترطاه. وإذا دفعها مسلم إلى حربي مزارعة هذه السنة بالنصف، والبذر من أحدهما بعينه والعمل عليهما جميعا فعملا وأخرجت الأرض الزرع ثم أسلم أهل تلك الدار وقد استحصد ذلك الزرع ولم يحصل (1) كان فاسدا، وما يخرج فهو لصاحب البذر وللآخر الأجر، فإن لم يسلم أهل تلك الدار، وظهر المسلمون عليها كانت الأرض وما فيها فيئا ولم يكن لأحدهما على الأرض (2) شيئ من أجرة ولا غيرها. ومزارعة الصبي والعبد المأذون لهما في التجارة، بمنزلة الحر في المزارعة فإذا زارع العبد انسانا فلم يزرع حتى حجر عليه سيده فنظر فيه بحيث ما كان (3)

* ولولده الصغار وماله ومتاعه ورقيقه له.. وأما الدور والأرضون فهي فيئ ولا يكون له أن الأرض هي أرض جزية لم يجر فيها حكم أهل الاسلام الخ فإن كونها أرض جزية كما يمنع عن تملك من أسلم فيها، يمنع أيضا عن تملك مسلم اشتراها من أهلها وأما جواز مزارعة المسلم لها فلجواز تصرفه فيها بالاشتراء أو لحدوث الملكية له موقتا ما لم يظهر عليها المسلمون وبهذا يظهر وجه قوله في الزرع أيضا بالنسبة إلى حصة المسلم فإنه قبل الحصاد تابع للارض كما يظهر من التعليل في آخر الخبر المذكور بأن ذلك أي الأموال غير الأرض يمكن احتيازه وإخراجه إلى دار الاسلام والله العالم. (1) كذا في الأصل وفي نسخة (ب) " ولم يحمل " والصواب " ولم يحصد " كما تقدم ولعل وجه الفساد هنا ما ذكرنا من عدم تملك المسلم لأرض الحرب بالاشتراء بضميمة أنه ثبت أن الأرض إذا أسلم أهلها طوعا صارت ملكا لهم فيترتب عليه أن الحاصل لصاحب البذر وللآخر الأجر.
(2) في نسخة (ب) " على الآخر " وهو أصح.
(3) الصواب " فحيثما كان ".

[ 20 ]

للحر أن يمنع من المضي على المزارع، كان للسيد أن يمنع عبده منه ويحجر عليه، وحيث ما لم يكن للحر ذلك، لم يكن لسيد العبد منع العبد منه، ولا يبطل مزارعة العبد بحجر السيد عليه وكذلك الصبي بحجر أبيه عليه أو وصيه بعد إذنهما له، وكذلك المعاملة في الشجر وإذا اشترى الصبي التاجر أرضا، وحجر أبوه عليه فدفعها مزارعة بالنصف إلى غيره يزرعها ببذره وعمله فعمل على ذلك، كان الخارج للعامل وعليه نقصان الأرض، فإن لم يكن في الأرض نقصان كان الخارج بينهما على شرطهما، فإن كان البذر من جهة الدافع كان الخارج بينهما (1) وله عليه عوض البذر في جميع الوجهين ويغرم نقصان الأرض، وهكذا لو لم يخرج الأرض شيئا. وإذا دفع الحر إلى العبد المحجور عليه أو الصبي الحر المحجور عليه أرضا وبذرا مزارعة بالنصف هذه السنة فزرعها وخرج الزرع وسلم العامل كان ما خرج بينهما على ما اشترطاه، فإن مات العبد وهو في عمل الزرع بعد ما استحصد الزرع كان صاحب الأرض ضامنا لقيمته، والزرع كله له، فإن مات الصبي في عمل ذلك بعد استحصاد الزرع كان الزرع بينهما على شرطهما، وعلى عاقلة صاحب الأرض دية الصبي، وهكذا الحكم في المعاملة في الشجر. وإذا دفع العبد المحجور عليه أرضا في يديه إلى إنسان يزرعها ببذره وعمله هذه السنة، فما خرج منها كان بينهما نصفين، فزرعها العامل فأخرجت طعاما

(1) كذا في الأصل ونسخة (ب) ولكن في نسخة (م) وفي المختلف عن المصنف كان الخارج للعامل وعليه غرم البذر الخ والمراد بجميع الوجهين أن يكون في الأرض نقصان أم لا في مقابل الفرق المذكور بينهما إذا كان البذر من العامل وعلى كل حال ما ذكره المصنف ولم نعرف وجهه لأن الظاهر فساد مزارعة الصبي بعد حجر أبيه عليه وذكر العلامة في المختلف أن الحاصل للزارع إذا كان البذر منه وعليه أجرة الأرض وأرش النقصان إن نقصت سواء خرج أولا ولو كان البذر من الصبي كان الحاصل له.

[ 21 ]

كثيرا كان سيد العبد مخيرا بين أن يضمن الزارع أجرة ارضه، وبين أن يأخذ نصف ما أخرجته، ولا يضمن العامل شيئا. وإذا كفل إنسان لصاحب الأرض بحصته مما تخرج الأرض، والبذر من عند صاحب الأرض أو من العامل، كان ذلك باطلا، وليس على المزارع ضمان فيما هلك من الزرع، وكذلك هذا الضمان (1) في المساقاة. وإذا كانت المزارعة فاسدة والبذر من العامل وضمن إنسان لصاحب الأرض حصته مما تخرج، كان الضمان باطلا، ولا يجوز أخذ الكفيل بالأجر لأنه لم يضمنه، وإذا كان الشرط بعض الخارج في المزارعة والمعاملة (2) فاستحصد الزرع أو بعضه أو بلغ الثمر أو بعضه، ثم باع أحدهما حصته قبل أن يقبضها كان بيعه جائزا، فإن هلك لم يكن على واحد منهما ضمان، وكذلك إذا لم يبلغ شئ من الثمر وباعه مع مبيع آخر عنه حاضر (3) كان جائزا. وإذا وكل إنسان غيره بارض له على أن يدفعها مزارعة هذه السنة، فدفعها مزارعة بالثلث أو أقل أو أكثر من ذلك كان جائزا، إلا أن يدفعها بشئ يعلم محاباته فيه مما لا يتغابن الناس بمثله، فإن كان كذلك لم يجز، فإن زرعها الزارع ذلك فخرج الزرع، كان بين المزارع والوكيل على ما اشترطا ولا شيئ لصاحب

(1) أي كفل إنسان لصاحب الشجر بحصته مما تخرج ووجه بطلان الكفالة فيهما أنه ليس المزارع مديونا بحصة المالك من الزرع والثمر كما أشار إليه بقوله وليس على المزارع ضمان فيما هلك من الزرع.
(2) المراد بالمعاملة هنا وفي المسائل التالية المساقاة كما تقدم التعبير عنها آنفا بالمعاملة في الشجر والمراد بكون الشرط بعض الخارج أن تكون المزارعة والمساقاة بحصة معينة من الحاصل دون أن تكونا بنقد أو عين أخرى.
(3) الصواب " عينه حاضرة " كما في نسخة (ب) بعلامة التصحيح ومقتضى الحكمين كفاية ضم الحاضر في بيع غير الموجود كما في بيع الثمر سنتين بظهوره في السنة الأولى وورد نحوه في غيره.

[ 22 ]

الأرض منه إلا أنه يضمن الزارع نقصان الأرض، (1) ويرجع به على الوكيل، وإن أراد صاحب الأرض ضمن الوكيل، وإن كان ترك (2) فيه مما يتغابن الناس بمثله فالخارج بين المزارع وصاحب الأرض على ما اشترطا عليه. والوكيل هو الذي يلى قبض نصيب الموكل، وليس لصاحب الأرض أن يقبضه إلا بوكالة، ولو كان صاحب الأرض أمر الوكيل، بأن يدفعها مزارعة ويعمل برأيه فيها ولم يسم له سنة ولا غيرها، جاز للوكيل أن يدفعها أقل من سنة (3) وأكثر من ذلك أو بعد هذه السنة وإن لم يدفع هذه السنة ما لم يعزله عن الوكالة. وإن كان البذر من قبل صاحب الأرض فدفعها الوكيل بما لا يتغابن الناس بمثله وحابى فيها، كان ما يخرج بين الوكيل والزارع على الشرط، ويضمن الوكيل البذر لصاحب الأرض، ويضمن نقصان الأرض أيهما شاء، فإن ضمن الزارع رجع به على الوكيل (4). وإذا دفع إنسان إلى غيره نخلا ووكله بأن يدفعه معاملة هذه السنة، ولم يسم له وقتا وهو على أول سنة، فإن دفعه بما لا يتغابن الناس فيه، كان الخارج لصاحب النخل وللعامل اجر مثله. وإذا وكله على أن يأخذ له نخلا معينا معاملة فأخذه بما يتغابن الناس بمثله، كان جائزا على الشرط، وصاحب المعاملة هو الذي يقبض نصيبه، وإن أخذ بما لا يتغابن

(1) الظاهر أنه ليس المراد بنقصان الأرض هنا تعيبها إذ ليس هذا ملازما للزرع ولا غالبا فيه بل نقصها من جهة الانتفاع بها وهو ملازم لأجرة المثل غالبا وإلا لزم نفي الأجرة لها بدون تعيبها. (2) كذا في النسخ والمراد إنه دفعها بشئ يتغابن الناس بمثله أي يتسامحون فيه.
(3) في نسخة (م) والمختلف " أول سنة ".
(4) نقل العلامة في المختلف عن المصنف هذه المسألة بطولها واورد عليه بوجوه من الإشكال فراجعه.

[ 23 ]

الناس فيه لم يلزم الوكيل (1) إلا أن يريد، فإن عمله وقد علم بنصيبه ولم يعلم، كان له ما شرطه. وإذا أمره بأن يأخذ له نخلا معاملة أو أرضا مزارعة، أو أن يأخذ له أرضا وبذرا مزارعة (2) إلى إنسان غير معينة كان جائزا. وإذا وكل غيره بأن يدفع نخله هذا معاملة بالثلث، فدفعه على أن الثلثين للعامل لم يلزم ذلك صاحب النخل، فإن وكله بأن يأخذ نخل زيد هذه السنة معاملة بالثلث وأخذه على أن للعامل الثلث (3) كان جائزا عليه. وإذا وكل إنسان غيره بأن يأخذ له أرضا مزارعة بالنصف أو الثلث، فأخذها بكر حنطة أو بدراهم أو بشئ من العروض لم يجز ذلك، وكذلك لو أمره بأن يأخذ له هذا النخل معاملة على الثلث فأخذه بشئ مما تقدم ذكره لم يجز إلا أن يريد العامل. وإذا تزوج الرجل المرئة بزراعة ارضه هذه السنة على أن تزرعها ببذرها

(1) الصواب: الموكل كما في المختلف عن المصنف ونسخة (م) وقوله إلا أن يريد يعني يرضى به ويجيز فعل الوكيل وقوله فإن عمله بعد ما رضيه ويستفاد من ذلك ضمنا أن المعتبر علم الوكيل بالحصة الخاصة دون الموكل.
(2) زاد هنا في هامش نسخة (ب) بعلامة التصحيح " ولم يعين شيئا من ذلك كان باطلا فإن أمره بأن يدفع أرضه مزارعة وأن يدفع نخله معاملة " وفي متنها بعد ذلك " إلى إنسان غير معين كان جائزا " فالمراد أنه إن كان مورد الوكالة من الأرض والشجر مجهولا كان باطلا وإن كان ذلك معلوما لكن الانسان الذي يدفع إليه مجهول كان جائزا وأما على ما في المتن فإن صح يحتمل أن يكون الصواب: إلى أسنان أي سنوات معينة.
(3) الصواب: الثلثين كالأول فالمراد إنه أن خالف الموكل فإن كان بضرره لم يجز وإن كان بمنفعته جاز كما في غير المقام.

[ 24 ]

وعملها فما أخرجت، كان بينهما نصفين، كان النكاح جائزا والمزارعة فاسدة، (1) وكان صداقها مثل نصف اجر الأرض، فإن طلقها قبل الدخول بها كان لها ربع اجر الأرض. فإن زرعت المرأة الأرض، وأخرجت زرعا أو لم تخرج، ولم يطلقها كان الخارج للمرئة، وعليها نصف اجر مثل الأرض، ولم يكن لها صداق على الزوج (2) والمرئة في الخلع بمنزلة الزرع (3) في النكاح، وكذلك الحكم في المساقاة. وإذا دفع إنسان إلى غيره نخلا معاملة على أن يلقحه، فما خرج كان بينهما نصفين، ولم يشترط صاحب النخل على العامل من العمل والحفظ، شيئا غير ذلك نظر فإن كان النخل يحتاج إلى السقي والحفظ، كانت المعاملة فاسدة، فإن لقحه العامل كان له اجر مثله، وقيمة ما لقحه به. وإن كان لا يحتاج إلى حفظ ولا سقي ولا عمل غير التلقيح، كانت المعاملة جائزة فإن كان إذا سقي، كان أجود لثمره إلا أن تركه، ليس بمضرة كانت المعاملة أيضا جائزة، وإن كان ترك السقي يضره، وينقصه ويفسده بعضه ولا يفسد جميعه فالمعاملة فاسدة، ولو كان ترك اشتراط التلقيح عليه، واشترط ما عداه، لما جاز لأن تركه مضرة،

(1) لعدم جواز جعلها مهرا لجهالتها حصولا وقدرا فإذا فسد ذلك، فسدت المزارعة أيضا لأن المفروض أن الزوج زارعها بعنوان المهر وأما صحة النكاح فلأن فساد المهر لا يقتضي فساده فينتقل المهر إلى مثل الفاسد وهو هنا نصف أجرة الأرض وذكر في المختلف إنه ينتقل إلى مهر مثلها وهذا أصح فحينئذ إن طلقها قبل الدخول كان لها المتعة لا نصف المسمى لأنه صار كغير المسمى لها.
(2) لأنه على مبني المصنف كان عليها نصف آخر من أجرة الأرض وهو مطابق لحقها عليه من الصداق.
(3) الصواب " بمنزلة الزوج " كما في نسخة (م) وهامش نسخة (ب) بعلامة البدل وكذا في المختلف عن المصنف فالمراد أنه إذا طلبت المرأة الخلع بزراعة أرضها كان الحكم كما ذكر بالنسبة إلى حق الزوج.

[ 25 ]

فقد بقي بعض العمل على صاحب النخل، وهكذا كل عمل لا يصلح النخل إلا به ولم يشترطه على العامل، (1) وإن كان النخل غير محتاج إلى التلقيح ويعقد بغير تلقيح، إلا أن التلقيح أجود له، فالمعاملة جائزة. فإن دفع إليه النخل ملقحا، (2) واشترط التلقيح على صاحب النخل لم يجز، إلا أن يشترط أن يلقحه في هذا الشهر على أن العامل يقوم عليه ويحفظه من أول الشهر الداخل فيكون جائزا. وإذا مات صاحب الأرض أو المزارع أو ماتا جميعا، واختلف ورثتهما أو اختلفا في حياتهما في شرط الانصباء، كان القول: قول صاحب البذر أو ورثته مع أيمانهم، والبينة بينة الآخر، وإن اختلفوا في صاحب البذر كان القول قول المزارع وورثته لأنه في يديه، والبينة بينة صاحب الأرض. وإذا رهن إنسان عند غيره أرضا ونخلا بدين له عليه، فلما قبضه المرتهن

(1) قال المصنف في جواهر الفقه: إن المساقاة موضوعة على أن المال من صاحب المال ومن العامل العمل فإذا شرط العامل على صاحب المال العمل معه كان باطلا ونحوه في مبسوط الشيخ فالظاهر أن ما ذكره في هذه المسائل مبني على ذلك خلافا للمتأخرين من جواز أن يشترط بعض الأعمال دون جميعها على المالك كالمزارعة. قلت: على مبني المصنف لا يبعد الصحة بدون الاشتراط لأنها من قبيل ما وجب على العامل بأصل الشرع اللهم إلا أن يقول بأن جهلهما بذلك مؤد إلى الغرر وأما على مبني المتأخرين فإن كان لبعض الأعمال انصراف إلى أحدهما كالسقي والحفظ للعامل فهو وإلا ففيه وجوه.
(2) هنا سقط وهو كما في نسخة (م) وهامش نسخة (ب) " واشترط عليه السقي والحفظ كان جائزا فإن دفعه إليه غير ملقح " ثم إنه بناءا على ما تقدم من عدم جواز الاشتراط على المالك فالوجه للاستثناء التالي إن مضمون العقد يكون من أول الشهر الداخل نحو ما تقدم في الإجارة من جواز الفصل بين العقد وتملك المنفعة.

[ 26 ]

قال له الراهن اسقه واحفظه وألقحه، فمهما خرج فهو بيننا نصفان ففعل ذلك، كان الخارج لصاحب النخل والمعاملة فاسدة، (1) وكان للمرتهن اجر مثله في التلقيح والسقى، دون الحفظ لأن ذلك يلزمه في حق كونه رهنا، وهكذا القول لو كان الرهن أرضا مزروعة قد صار الزرع فيها بقلا، ولو كان الرهن أرضا بيضاء فزارعه الراهن عليه بالنصف والبذر من المرتهن كان جائزا، ويكون ما يخرج على ما اشترطاه، ويخرج من الرهن ولم يكن للراهن إعارتها رهنا. فإن مات الراهن وعليه دين، لم يكن هذا المرتهن أحق بها من باقي الغرماء (2) قبل انقضاء المزارعة وبعدها.

(1) قال في المختلف: الحق صحة هذه المعاملة كما لو عامل غيره بإذن المرتهن.
(2) هنا سقط وهو كما في المختلف عن المنصف وهامش نسخة (ب) " فإن كان البذر من الراهن كانت المزارعة جائزة وللمرتهن أن يعيدها في الرهن بعد فراغها من الزرع لأنه كان إعارة الأرض فإن مات الراهن كان المرتهن أحق بها من باقي الغرماء " فقوله قبل انقضاء المزارعة وبعدها متعلق بهذا وقال العلامة في المختلف الحق إنه لا فرق بين أن يكون البذر من الراهن أو المرتهن في عدم الخروج من الرهن وفي اختصاص المرتهن بها لو مات الراهن.

[ 27 ]

باب إحياء الموات والتفريع القطائع والشرب روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال من أحاط حائطا على أرض فهي له (1) وقال (عليه السلام) موتان (2) الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم مني (3) وقال من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو أحق به (4) فإذا صح ذلك فالبلاد ضربان أحدهما بلاد الاسلام

(1) رواه ابن حنبل في مسنده ج 3 من أحاديث جابر بن عبد الله الأنصاري وج 5 من أحاديث سمرة بن جندب ورواه أبو داود في سننه باب إحياء الموات من كتاب الخراج بالاسناد إلى سمرة.
(2) في هامش النسخة هنا الموتان الأرض التي لم يحيى بعد للزرع والاصلاح (2) في هامش النسخة هنا الموت الأرض التي لم يحيى بعد للزرع والاصلاح وكذلك الموات.
(3) رواه السيوطي في الجامع الصغير عن سنن البيهقي عن ابن عباس لكن ذكر في ذيله مكان " ثم هي لكم مني " فمن أحيا منها شيئا فهو له نعم فيه أيضا عن البيهقي إن عادى الأرض لله ولرسوله ثم لكم من بعدي فمن أحيا شيئا من موات الأرض فله رقبتها والعادي منسوب إلى عاد أي الأرض الخربة القديمة.
(4) رواه أبو داود في سننه باب إقطاع الأرض من كتاب الخراج والإمارة وهذه الأخبار أوردها الشيخ في المبسوط وشيخنا النوري في المستدرك عن كتاب العوالي مرسلا.

[ 28 ]

والآخر بلاد الشرك فبلاد الاسلام ضربان عامر وغامر فالعامر ملك لاهله لا يجوز لأحد التصرف فيه إلا بإذن صاحبه ومرافقها التي لا بد لها منها مثل الطرق والقنى ومسيل الماء هي في معنى العامر من حيث أن صاحب العامر أحق به من كل أحد ولا يجوز لأحد التصرف فيه إلا بإذنه وكذلك إذا حفر بئرا في موات ملكها وكان أحق بها وبحريمها الذي هو من مرافقها على حسب الحاجة فإن أراد إنسان أن يحفر بئرا تحت هذا البئر ليسوق مائها منها لم يجز ذلك له. والغامر ضربان غامر لم يجر عليه ملك لمسلم وهو الموات الذي قصد به الاحياء (1) وغامر جرى عليه ملك مسلم فهو مثل قرى أهل الاسلام التي خربت وتعطلت فإن كان لشيئ منها صاحب معين أو لصاحبه عقب معين كان صاحبه المعين أو عقبه أحق به من كل أحد وإن لم يكن له صاحب ولا عقب لصاحبه معين صح أن يملك بالإحياء وذلك يكون بأمر الإمام (عليه السلام). وأما بلاد الشرك فضربان أيضا عامر وغامر فالعامر ملك لاهله وكذلك جميع ما يكون به صلاح العامر من الغامر فإن صاحب العامر أحق به من غيره والغامر ضربان أحدهما لم يجر عليه ملك لأحد والآخر جرى عليه ملكه فأما ما لم يجر عليه ملك لأحد فهو للامام وأما ما جرى عليه ملك وصاحبه معين فهو له ولا يملك بالاحياء وإن لم يكن له صاحب معين كان للامام.

(1) أي قصد به كتاب إحياء الموات كما في مبسوط الشيخ قال وسنبين حكمه فيما بعد واعلم أن جل مسائل هذا الباب في المتن متقاربة في العبارة والترتيب والأحكام للمبسوط بحيث كأنها مأخوذة منه فربما يظهر مراد المتن منه وذلك لأن المصنف كان من أصحاب درس الشيخ وكان مشاركا له في البحث والنظر كما قال في شرح جمل العلم في مسألة إخراج زكوة الفطرة بالقيمة أن هذا هو الذي استقر تحريرنا له مع شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله.

[ 29 ]

فأما الأرضون الموات (1) فهي للامام أيضا لا يملكها أحد إلا بالاحياء بإذنه. واحياء الأرض يكون للدار والحظيرة والزراعة فأما إحيائها للدار فهو أن يحوط عليها حائطا ويسقف عليه فإذا فعل ذلك فقد أحياها وملكها ملكا مستقرا ويجوز أن يكون هذا الحائط مبنيا بآجر أو حجر أو لبن أو طين أو خشب أو جص فأما إن أخذها للحظيرة فإحيائه لها كذلك أن يحوطها بحائط من آجر أو حجر أو طين أو لبن

(1) أي التي تقدم إن قصد بها كتاب إحياء الموات واعلم أن الظاهر من الإمام هنا إمام الأصل من آل الرسول (صلى الله عليه وآله) كما صرح به في كلام جمع من الأصحاب وذلك للنصوص الدالة على أن الأرض الميتة من الانفال وهي خاصة بهم (عليهم السلام) لكن ينافيه ما يأتي في المتن ونحوه في المبسوط في مسألة الاقطاع وغيره من التعبير كثيرا عن الإمام بالسلطان وظاهره المتولي لامور المسلمين فعلا المسمى بالحكومة. وما يأتي أيضا من الخلاف في جواز إقطاع شئ للامام إذ لا يناسب ذلك إمام الأصل فيمكن أن يكون مرادهم بالامام هنا هو السلطان كما ورد التعبير عنه بالامام في كلماتهم في القضاء والحدود كثيرا وكذا في الأخبار فالمراد بكون الموات له إنها للمسلمين ويكون أمرها في الاحياء والاقطاع بيد السلطان كما يدل عليه أنه ورد في الأرض التي أسلم أهلها طوعا إن معمورها لاهلها وغير معمورها للمسلمين ونظيره ما ورد في عدة أخبار أن ميراث من لا وارث له لبيت مال المسلمين مع كونه أيضا من الانفال. والمسألة مشكلة جدا فإن كون الموات للامام بكلا المعنيين مخالف لما ورد مستفيضا من طرق الخاصة والعامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) إن من أحيى ميتة فهي له فإن مفاده أنها كسائر المباحات الأصلية كالمياه ويؤيده أن بناء الناس من أول خلقهم كان على ذلك ما قال الله تعالى أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها وإن جميع الأرض قبل الاسلام وبعده صارت محياة بدون الإذن من أحد ويأتي قريبا في تعليقنا على مسألة التحجير ما يرتبط بالمقام والله العالم.

[ 30 ]

أو خشب وليس من شرط الحظيرة أن يجعل لها سقف ويغلق (1) عليها باب كالدور. فأما الاحياء للزراعة فهو أن يجمع حولها ترابا وهو الذي سمي مرزا (2) وإن يرتب لها الماء إما بساقية يحفرها ويسوق الماء إليها فيها أو بقناة يحفرها أو بئر أو عين يستنبطها فهذه الثلاثة (3) شرط في صحة الاحياء للزراعة. وإذا أحيى الانسان الأرض على ما ذكرناه وملكها فإنه يملك مرافقها التي لا يصلح الأرض إلا بها. وإذا حفر بئرا أو شق ساقية أو نهرا فإنه يملك حريمها وجملة ذلك أن ما لا بد منه في استيفاء الماء ومطرح الطين إذا نضب الماء وكريت الساقية والنهر فإن ذلك يكون على حسب الحاجة إليه قليلا كان أو كثيرا وروى أصحابنا (4) إن حد بئر

(1) كذا في النسخ بالغين المعجمة والأولى أن يكون بالمهملة كما في نسخة المبسوط أي ينصب وقوله كالدور راجع إلى هذا لا التسقيف أي أن الدور أيضا ليس من شرطها تعليق الباب عليها ويحتمل أن يكون المعنى ليس الحظيرة كالدور في التسقيف والتعليق فمقتضاه أن يشترط التعليق في الدور والأول أظهر لعدم ذكره فيما تقدم وفي المسالك لا يشترط نصب الباب عندنا لأن السكنى لا يتوقف عليه واعتبره بعض العامة.
(2) بكسر الميم كما في المسالك وفي نسخة (ب) " يسمى حوزا " والأول أصح فإنه المذكور في كتب الأصحاب.
(3) أي جمع التراب وترتيب الماء وسوقه، ومقتضاه أنه لا يكفي مجرد تهية الماء بساقية ونحوها من دون سوقه إليها وفي مفتاح الكرامة عن بعض أنه مقتضى كلام الأصحاب خلافا لظاهر التذكرة.
(4) الموجود في رواياتنا كما في الوافى والوسائل أن بين بئر الناضح إلى بئر الناضح ستون ذراعا وما في المتن كالمبسوط لم يصل الينا وبئر الناضح هو الذي يستقى منها بالابل للزروع والثمار.

[ 31 ]

الناضح أربعون ذراعا ووردت الرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) بما يوافق ذلك وهو أنه قال حريم البئر أربعون ذراعا وروي أن حد القناة في الأرض السهلة ألف ذراع وفي الحزنة خمس مأة ذراع (2). وإذا حفر إنسان بئرا في موات وملكها ثم أراد غيره أن يحفر إلى جانبها بئرا يسوق الماء منها بذلك لم يجز ذلك وكان له منعه من حفرها بغير خلاف وكذلك القول في العين إلا أن يكون بينها وبين ما يريد غيره حفره، الحد الذي ذكرناه متقدما وإن أراد حفر بئر في ملكه أو داره ثم أراد جاره حفر بئر لنفسه (3) بقرب تلك البئر لم يجز منعه من ذلك وإن نقص ماء البئر الأول لأن الانسان مسلط على ملكه والفرق بين الملك والموات فيما ذكرناه: إن الموات يملك بالاحياء فمن سبق إلى حفر بئر ملك حريمه وكان أحق به من غيره وليس كذلك الملك لأن ملك كل واحد من المالكين مستقر ثابت وللمالك أن يفعل ما شاء في ملكه بغير اعتراض عليه. و إذا حفر بئرا في داره وأراد جاره حفر بالوعة أو خلاء بقرب هذا البئر لم يكن له أيضا منعه (4) من ذلك وإن أدى إلى تغيير ماء البئر أو كان صاحب البئر يستقذر

(1) كما في مسند ابن حنبل ج 2 عن أبي هريرة ونحوه في سنن الدارمي وابن ماجه ورواه أصحابنا أيضا كما في الوسائل في إحياء الموات وفي خبر آخر تخصيصه ببئر المعطن أي الذي يستقى منه لشرب الإبل والمواشي وهو الظاهر من ذيل الخبر العامي المذكور.
(2) الوسائل كتاب إحياء الموات الباب 11 (3) أي في دار نفسه كما في هامش نسخة الأصل.
(4) ذكره الشيخ أيضا في المبسوط والعلامة في التذكرة وغيرهما وإنما ذكروا إنه مكروه لكنه مشكل جدا لمنافاته لما ورد مؤكدا في حرمة الجار وترك الاضرار بالناس ففي كتاب علي (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتب بين المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من أهل يثرب أن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم وحرمة الجار على الجار كحرمة أمه رواه في الكافي كما في الوافى باب حسن المجاورة من كتاب الايمان والكفر.

[ 32 ]

ماء بئره لقرب البالوعة والخلاء منها لأن له التصرف في ملكه كيف شاء وأراد. وإذا أحيا أرضا ليغرس فيها بجنب أرض فيها غراس لغيره بحيث يلتف أغصان الغراسين ويلتقي عروقهما كان للأول منعه من ذلك. وإذا اقطع السلطان انسانا قطعة من الموات كان أحق بها من غيره وكذلك إذا تحجر من الموات أرضا والتحجر أن يؤثر فيها أثرا لم يبلغ به حد الاحياء مثل أن يحوط عليها حائطا أو ما جرى مجرى ذلك من آثار الاحياء فإنه أحق بها من غيره وأقطاع السلطان بمنزلة التحجر. وإذا أخر الاحياء وقال له السلطان إما أن تحييها أو تخلى عنها ليحييها غيرك فإن ذكر في ذلك عذرا منعه من الاحياء مثل أن الأكارين والعمال الذين معه هربوا وإن آلاته التي للعمل عابت أو ما أشبه ذلك وسأل التأجيل في ذلك السلطان وإن لم يكن له عذر وخيره السلطان بين الأمرين فلم يفعل شيئا أخرجها من يده فإن وثب عليها غيره وأحياها قبل أن يخرجها السلطان من يده، لم يملكها بذلك الاحياء. وإذا تحجر إنسان أرضا وباعها لم يصح بيعها لأن رقبة الأرض لا يملك بالاحياء (1)

(1) يعني أن رقبة الأرض لا يملك بالاحياء فكيف يملكها بالتحجر الذي هو علامة لارادته أو أنها لا يملك بالاحياء، والتحجر مرتبة منه كما حمل ابن إدريس في زكاة السرائر عبارة المبسوط هنا على ذلك وذكر أن التحجر عند الشيخ إحياء لكنه بعيد لما تقدم آنفا من أن التحجر ليس إحياءا وعلى كل، مقتضاه أن لا يجوز بيع المحياة أيضا لأنه إنما ملك التصرف فيها مع أداء حق الإمام فإحياء الأرض كاستيجارها كما يدل عليه خبر الكابلي وعمر بن يزيد كما في الوافى باب إحياء الأرض من كتاب المكاسب فما تقدم من ملك الأرض محمول على ملك التصرف دون الرقبة وهذا مخالف لما ورد مستفيضا من أن من أحيى ميتة فهي له وما ورد في جواز شراء الأرض مضافا إلى كون عمل المسلمين على خلافه وربما يحتمل أن يكون ما في المتن سهوا من القلم وصوابه " لا يملك بالتحجر " كما صرح بذلك سائر الأصحاب كما في الشرايع والتذكرة وهذا الاحتمال بعيد من المبسوط بمناسبة وذيله فراجع.

[ 33 ]

وإنما يملك التصرف فيها بشرط أن يؤدي ما يلزمه عليها إلى الإمام. وما لا يملكه أحد (1) ولا يملكه إلا بما يستحدث فيه وذلك مثل الموات من الأرض وقد سلف ذكر ذلك فإنما يملك بالاحياء التصرف فيه بإذن الإمام وإنه أحق به من غيره بحق ويجوز للامام أن يقطعه من غير إحياء ولا تحجير لأن الموات ملكه فله أن يقطعه من غير خلاف وما كان من المعادن ظاهرا مثل الماء (2) والكبريت والملح والنفط والقير والمومياء وما جرى مجرى ذلك فإنه لا يملك بالاحياء ولا يصير الانسان بالتحجر به أحق من غيره وليس للامام أن يقطعه بل جميع الناس فيه سواء يأخذ كل أحد منهم حاجته ويجب عليه قيمة الخمس (3) ولا يجوز للامام أن يقطع مشارع الماء فيجعل المقطع أحق بها من غيره. وإذا سبق إلى بعض المعادن الظاهرة رجلان ولم يتقدم أحدهما الآخر، اقرع الإمام أو من نصبه الإمام بينهما في ذلك. وإذا كان في الساحل موضع إذا حفر وانساق إليه الماء ظهر له ملح كان ذلك في حكم الموات لأنه لا ينتفع به إلا باستحداث شئ فيه فيملك بالاحياء ويصير بالتحجر عليه أولى به وللإمام أن يقطعه فإذا حصل لواحد منهما (4) كان أحق به من غيره. والقطائع ضربان أحدهما يملك بالاحياء وهو الموات وقد تقدم ذكر ذلك

(1) هذا ابتداء كلام لتعيين ما يجوز فيه الاحياء والاقطاع والتحجير وما لا يجوز فيه ذلك كما هو صريح المبسوط.
(2) لفظة " الماء " ليست في نسخة (ب) لكنها موجودة في الأصل ونسخة (م) وكذا في المبسوط وعلى كل ليس المراد به ماء البحر والأنهار لعدم كونها معدنا وعدم وجوب الخمس فيها ظاهرا بل مياه خاصة تستخرج من الأرض كالتي يتداوى بها.
(3) كان الصواب " فيها الخمس " كما في نسخة المبسوط.
(4) الصواب فإذا حصل واحد منها كما في المبسوط أي الاحياء والتحجر والاقطاع أو إذا حصل لواحد شيئ منها.

[ 34 ]

والآخر الارفاق (1) وهو ما يجلس الانسان فيه إذا كان في المواضع الواسعة من رحاب الجوامع والطرقات وليس للامام أن يقطع أحدا من ذلك وقد قيل بأن له ذلك والأظهر أنه ليس له ذلك لأن الناس فيه شرع سواء. وأما المعادن التي ليست ظاهرة مثل الذهب والفضة والرصاص والنحاس وما جرى مجرى ذلك مما يكون في بطن الأرض والجبال ولا يظهر إلا بالعمل فيها والمؤنة عليها فإنها يملك عندنا بالاحياء ويجوز للامام إقطاعه لأنه يملكه ومن أحياه فهو أحق به وبمرافقه التي لا بد له منها على حسب الحاجة إليه إن كان يخرج ما يخرج منه بالأيدي (2) وإن كان يخرج بالاعمال فكما ذكرناه في الموات. وإذا تحجر المعدن بالحفر وأراد غيره إحيائه قال الإمام له إما أن تحييه أو تخلى بينه وبين غيرك فإن طلب منه التأجيل أجله حسب ما قدمناه في إحياء الموات سواء وإذا أحيى إنسان مواتا من الأرض وظهر فيه معدن ملكه بالاحياء وملك المعدن لأن المعدن مخلوق بخلقة الأرض فهو جزء من أجزائها وهكذا إذا ابتاع دارا فوجد فيها معدنا كان للمشتري دون البائع فإن ظهر فيها كنز مدفون وكان من دفن الجاهلية ملكه بالاصابة له والظهور عليه وحكمه حكم الكنوز وإن كان من دفن أهل الاسلام

(1) بالراء المهملة والفاء الموحدة الفوقانية مصدر ارفق والمراد أن هذا ليس بتمليك كالموات بل اقطاع للارتفاق بالموضع وهذا الفرع مذكور في المبسوط والتذكرة في باب فروع القطائع وذكر في الأخير خلاف بعض الشافعية فيه وكأنه المراد مما في المتن بقوله وقد قيل بأن له ذلك ونحوه في المبسوط وذكر في كتاب الأم للشافعي بعد ذكر بعض القطائع: إنه يكون شيئ يقطعه المرء فيكون له الانتفاع به ومنعه من غيره إلى أن قال وذلك أنه اقطاع إرفاق لا تمليك وذلك مثل المقاعد بالاسواق.
(2) يعني أن مقدار الحاجة يختلف فيما يخرج بالأيدي وما يخرج بالاعمال فربما يكون في الثاني أكثر وقد تقدم في حفر البئر في الموات أن المدار على قدر الحاجة قليلا كان أو كثيرا.

[ 35 ]

فهو لقطة وإن كان ذلك في أرض ابتاعها لم يدخل الكنز في المبيع لأنه مودع فيه. وإذا كان الموات فيما غنم من بلاد الشرك قد عمل جاهلي في معدن فيه لم يكن غنيمة ولا يملكه الغانمون بل يكون على الإباحة لأنه لا يدري هل من أظهره قصد التملك أم لا (1) فلا يدري أنه كان ملكه فيغنم فالأصل أنه على الإباحة كما ذكرناه. وبلاد الاسلام ضربان أحدهما أسلم أهلها عليها والآخر افتتحت فأما التي أسلم أهلها عليها فمثل مدينة النبي (صلى الله عليه وآله) فإن العامر لاهله بغير خلاف في ذلك وأما الموات فجار مجرى الموات الذي قدمنا ذكره. وأما الذي افتتح فإنه إن كان افتتح عنوة وكان عامرا كان غنيمة وقد تقدم ذكر من يستحق ذلك عندنا وهو جميع المسلمين (2) فأما الموات فما لم يقاتلوا عنه فإن حكمه حكم موات دار الاسلام وأما ما قاتلوا عنه من الموات فهو للامام (3) وأما إذا فتح صلحا على أن يكون الدار لهم بشئ يبذلونه صح ذلك ويكون الدار لهم والعامر ملكهم والموات على ما كان عليه (4) ومن أحيى شيئا منه بإذن الإمام كان أحق به من غيره وإن أحيى المسلم شيئا منه بإذن الإمام كان أحق به أيضا (5) فإن كان الصلح على أن يكون الدار لنا صح ذلك وكان الحكم في ذلك

(1) فيه أولا أن ظاهر الحال في مثله قصد التملك وثانيا اشتراط قصد التملك في حصول الملك هنا غير معلوم وثالثا أن الظاهر تعلق الغنم للمقاتلين بجميع الأموال الموجودة في بلاد الشرك سواء كان ملكا لأحد فعلا أم لا.
(2) وعند العامة للمقاتلة.
(3) أي له أمضا كالذي لم يقاتلوا عنه وإنما ذكره على حدة تعريضا للعامة حيث جعلوه غنيمة للمقاتلة أو تحجيرا لهم كما في المبسوط.
(4) أي قبل الفتح وقد تقدم في أول الباب أنه للامام.
(5) ذكره بالخصوص تعريضا لبعض العامة حيث قالوا إذا أحياه المسلم لا يملك بخلاف دار الحرب للفرق الذي حكاه في المبسوط عنهم.

[ 36 ]

حكم دار الاسلام لأن ذلك صار للمسلمين بالمصالحة فحكم عامره ومواته حكم عامر بلاد الاسلام ومواتها على ما تقدم ذكره وما يصلح (1) بالمصالحة فهو فيئ وحكمه حكم الفيئ في أربعة أخماسه وخمسه وقد سلف ذكر ذلك أيضا ومن يستحق الخمس (2) فإن حصل الصلح على عامرها ومواتها كان العامر للمسلمين والموات للامام على ما سلف بيانه. وإذا ملك إنسان معدنا في أرض أحياها أو ابتاعها فظهر فيها ثم عمل فيها رجل فاخرج منه قطعا فإن كان بغير إذنه كان متعديا في عمله ولم يكن له أجرة ويكون ما أخرجه لصاحب المعدن وإن كان بإذنه وكان قد شرط أن يكون ما يخرجه لنفسه دون المالك لم يصح لأن ذلك بينة (3) مجهولة والمجهولة لا يصح تملكه وجميع ما يخرجه يكون لصاحب المعدن إلا أن يستأنف له بينة بعد الاخراج ويقبضه ذلك ولا أجرة للعامل لأنه عمل لنفسه وإنما يثبت الأجرة له إذا عمل لغيره بإجارة صحيحة أو فاسدة وإذا كان العامل عمل على أن ما يخرجه فهو للمالك وله (4) أجرة المثل. والقول المتعلق بهذا الباب في المياه يقع في ملكها والسقى منها والمباح من ذلك والمملوك فإذا كان لانسان بئرا وقناة أو عين أو مصنعة (5) احتفر ذلك في

(1) الصواب " وما يحصل " كما في نسخة (م) والمبسوط.
(2) أي سلف ذكر من يستحق الخمس في بابه.
(3) الصواب " هبة " كما في نسخة (م) وفي نسخة (ب) بعلامة البدل وكذا في السطر التالي أو يكون المراد بالبينة، الهبة لأن المال يبين من صاحبه كالقرض وعلى كل، فساد هبة المجهول غير ظاهر ولم يذكره المصنف في بابها.
(4) الصواب " فله " فهو جزاء قوله " فإذا كان العامل ".
(5) بفتح النون وضمها بناء كالحوض يجمع فيه ماء المطر كما في القاموس واللسان وقوله تعالى " وتتخذون مصانع " قيل مآخذ الماء وقيل قصورا مشيدة وحصونا

[ 37 ]

ملكه أو داره إليه بوجه من وجوه الأملاك (1) فهي ملكه ويجوز له بيعه لمن يستقى منه النخل والشجر والأرض والزرع وما جرى مجرى ذلك وهو مال من الأموال المتملكة وكذلك ما تخرجه أرض الانسان من كلاء أو عشب (2) أو ما يعانيه من عشب إذا قطعه أو نفاه من مكان إلى مكان. فإن ثبت (3) في الصحارى والقفار والأرض الموات أو بحيث لا ملك لأحد عليه أو ما كان من الماء مسيلا في الاودية من الامطار والأنهار الكبار الذي لا يعرف ابتدائها ولا ملك لأحد على منابعها ومجاريها وما استقر منه في وجه الأرض أو المصانع الجاهلية التي ليس لأحد عليها ملك فالناس في ذلك شرع واحد ومن سبق إلى شيئ منه فهو أحق به إما لشربه (4) أو سقي زروعه أو سقي ماشيته وكذلك الحكم فيما كان من العشب النابت في البراري.

(1) أي من الإرث أو الشراء أو الاحياء وقوله " إليه " بمعنى وصل إليه ويشبه أن يكون فيه سقط.
(2) قيل الكلاء على وزن الجبل مطلق النبات رطبا كان أو يابسا والعشب بضم العين ثم السكون الرطب منه وقيل غير ذلك راجع التاج واللسان وغيرهما في الكلمتين وقوله " أو ما يعانيه " لعله من عني الأرض بالنبات أي أظهرته كما في القاموس فالمراد إن بعض أنواع العشب يقطع ما خرج منه فينبت أصله ثانيا وبعضها ينقل إلى مكان آخر فكلها مملوكة لصاحب الأرض.
(3) أي الماء المذكور من البئر والقناة وفي نسخة (ب) و (م) " فإن نبت " أي الكلاء والعشب لكن هذا يأتي ذكره قريبا وعلى كل، بناءا على ما تقدم من كون الموات ملكا للامام (عليه السلام) بحيث لا يحوز التصرف فيه إلا بإذنه فمقتضى القاعدة أن تكون هذه المنافع الحاصلة فيه ملكا له أيضا لأنها تابعة له كالحاصلة في ملك غيره ولم ار من تعرض لذلك.
(4) في هامش نسخة (ب) هنا " أو حيازته في وعائه " ونحوه في هامش الأصل عن بعض النسخ مع تغيير في الكلمة والعبارة.

[ 38 ]

ومن وقع ملكه على بعض المياه مثل العين والبئر والقناة والمصنعة وما جرى مجرى ذلك فيستحب له أن لا يمنع ابن السبيل من الشرب منه (1) وسقى دابته وجمله وماشيته وأن يتطوع بما يفضل عنه من ذلك ولا يجوز لأحد أن يسقي أرضه ولا زرعه ولا شجره من بئر هذا الانسان أو قناته أو العين أو المصنعة التي له إلا بإذنه. ولو كان له نهر خاص فأراد بيع جزء من مائه أو جميعه كان جائزا وكذلك لو كان النهر مشتركا وأراد بيع حصته من غيره أو هبته أو الوصية به أو الإجارة له كان جائزا. فإن باع الانسان أرضه دون شربها كان أيضا جائزا ويكون مالكا للشرب يفعل فيه ما أراد. وإذا اشترى إنسان أرضا مع شرب مائها أو استأجرها مع شربها كان جائزا وإذا اشتراها بكل حق هو لها كان الشرب ومسيل الماء لها. وإذا كان نهر بين قوم لهم عليه أرضون لا يعرف كيف كان أصله بينهم ثم اختلفوا فيه واختصموا في الشرب كان الشرب بينهم على قدر أراضيهم فإن كان الأعلى منهم لا يشرب حتى يسكر (2) النهر لم يجز أن يسكره على الأسفل ولكن يشرب بحصته

(1) حكم الشيخ رحمه الله تعالى في المبسوط في ماء البئر المملوكة بوجوب بذل ما زاد عن حاجته مجانا لغيره المحتاج إليه لشربه وسقى دابته دون زروعه ما دام الماء في البئر ولم يخرجه صاحبه لنفسه وكذا في ماء العين لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) الناس شركاء في الماء والنار والكلاء وإنه (صلى الله عليه وآله) نهى عن بيع فضل الماء بدعوى شموله للمقام وعدم اختصاصه بالمباح كالأنهار الكبار والمسيل لكن ما ذكره المصنف أقوى لما ورد أيضا في عدة أخبار تجويز بيع الشرب من القناة المملوكة والله العالم.
(2) في المصباح سكرت النهر من باب قتل سددته والكسر بالكسر ما يسد به والمراد إن هذا النهر لكونه مملوكا ومحكوما بالقسمة بينهم بالحصص ليس كالمسيل أو النهر المباح في جواز أن يحبسه الأعلى ليشرب كاملا ثم يرسله إلى الأسفل بل *

[ 39 ]

فإن تراضوا على أن يسكره الأعلى على الأسفل حتى يشرب كان ذلك جائزا (1) ويجوز أن يصطلحوا على شرب كل واحد منهم في يومه فإن اختلفوا لم يجز لأحد منهم أن يسكره على آخر وإذا أراد واحد منهم أن يكري نهرا لم يكن ذلك له إلا برضاء أصحابه وكذلك لو أراد واحد منهم أن ينصب عليه رحى لم يجز له ذلك أيضا إلا برضا الباقين اللهم إلا أن يكون النهر أو الماء لا يستضر بالرحى فإنه يجوز ذلك. وإذا احتاج هذا النهر إلى كري وتنقية ونظافة واصلاح كانت تنقيته على الجميع من أعلاه إلى مفتتح الماء إلى أقرب الأراضي إلى الفوهة (2) فإذا جاوز ذلك رفعت النفقة عن صاحب تلك الأرض وكانت النفقة على من بعده حتى ينتهى إلى من يليه فترفع عند حصته من النفقة مع الشركاء من أهل الاسافل وهكذا أبدا كلما انتهى العمل إلى حق أحدهم كانت النفقة على من بعده دونه. والأنهار الكبار مثل دجلة والفرات والنيل وسيحان وجيحون وما أشبه ذلك فجميع المسلمين فيها شرع واحد وكل واحد منهم له شرب أرضه وزرعه ونخله وشجره وسائر منافعه لا يحبس الماء عن أحد دون أحد ولا لانسان أن يمنع منه غيره. وإذا أراد إنسان أن يكري منه نهرا في أرضه أو في أرض موات قد أذن له في إحيائها ولا ضرر على غيره فيها، كان له ذلك إلا أن يكون ما يحدثه مما ذكرناه فيه ضرر على النهر الأعظم فإن الإمام يمنعه من ذلك وكذلك الحكم لو أراد أن يعمل مصنعة لشرب السابلة أو الحيوان ويجرى الماء إليها من النهر الأعظم في أرض يملكها أو موات قد أذن له فيها سواء.

* يشرب منه على حصته من الأرض خلافا لما حكاه في التذكرة عن بعض العامة من أنه كالمباح في جواز ذلك. (1) في نسخة (ب) " لم يكن ذلك جائزا " وكتب في هامشه بعلامة البدل " كان ذلك " وهو الصواب إذ لا وجه لعدم جوازه مع التراضي.
(2) الفوهة: فم النهر.

[ 40 ]

وإذا احتاج النهر الأعظم إلى عمل حساته (1) إن حصل خوف من الغرق منه أو إلى أن يغلب (2) مائه فينصرف إلى بعض الجهات التي تستضر بانصرافه إليها، كان على السلطان كريه وعمل جنابه ومسناته وكذلك ما كان من الانهار الصغار التي تؤخذ من النهر الأعظم لسقي أرض الخراج من البلاد المفتحة عنوة وكان الوالي يأخذ خراجها فإن حفر هذه الأنهار وعمل جميع ما يحتاج اليد واصلاحه على السلطان فإن كانت الأراضي التي على جانب أحد هذه الانهار بعضها خراجية وبعضها مملوكة عشرية (3) كانت النفقة بين الوالي ومالك تلك الأراضي يسقط كل واحد مما يلزمه فيها ولا يجرى (4) ذلك مجرى نهر خاص لقوم ليس لأحد أن يدخل عليهم فيه ولهم منع من أراد أن يسقي من نهرهم أرضه ونخله وشجره لأن ذلك عليهم. وإذا كان النهر عظيما فإذا انتهى إلى مكان معين كان قسمة بين أهله بالحصص لكل قوم منهم كوة (5) معروفة فاتخذ إنسان أرضا كانت مواتا ولم يكن لها شرب من ذلك النهر وكوالها (6) نهرا من فوق موضع القسمة في مكان ليس لأحد فيه ملك، فساق الماء إلى أرضه من ذلك النهر في ذلك الموضع فإن كان النهر المحدث يضر باهل النهر الأعظم في مائهم ضررا بينا، لم يجز له ذلك وكان للسلطان منعه منه وإن كان لا يضرهم كان جائزا.

(1) الصواب " إلى عمل جنابه " كما في العبارة التالية والجناب بفتح الجيم الجانب وفي نسخة (ب) في الموضعين " حسامه " ولعله إن صح بمعنى الجانب أو نحوه.
(2) كذا في النسخ والظاهر " من أن يغلب " عطف على " من الغرق ".
(3) أي يؤخذ منها العشر وهو الزكاة والمراد الملك الخاص لآحاد الناس.
(4) كذا في النسخ والظاهر أن " لا " زائدة بمناسبة الحكم وقرينة ما بعده.
(5) الكو والكوة بفتح الكاف وضمها وتشديد الواو وجمعه كوى وكواء ثقبة في الخشبة التي توضع في النهر عند مفتتح الأراضي ليقسم بها الماء بينها بالحصص.
(6) الصواب: كرى لها بالراء أي حفر أو كوى لها أي جعل لها كوة على حدة على نهر.

[ 41 ]

وإذا كان لانسان من ذلك النهر الأعظم، كوة معروفة وأراد الزيادة عليها بكوة أو كوتين وكانت هذه الزيادة غير مضرة باهل النهر الأعظم كان له ذلك وجرى ذلك مجرى الأول (1) وإن كانت الكواء في نهر مخصوص يأخذ من هذا النهر الأعظم لم يكن لأحد من ذلك النهر أن يزيد كوة وإن كان ذلك لا يضرهم إلا بإذنهم (2). وإذا أراد بعض الشركاء في النهر أن يعمل عليه جسرا أو يعقد قنطرة أو ما أشبه ذلك لم يجز له ذلك إلا برضاء شركائه. وإذا كان نهر بين رجلين له خمس كواء من هذا النهر الأعظم وأرض أحد الرجلين في أعلى هذا النهر وأرض الآخر في أسفل النهر فقال صاحب الأعلى أريد أن أسد بعض هذه الكواء لأن ماء النهر يفيض في أرضي ويكثر عليها لم يكن له ذلك إلا برضى الآخر فإن قال اجعل لي نصف الشهر ولك نصفه فإذا كان في حصتي سددت ما أردت سده من ذلك وتراضيا على ذلك كان جائزا. وإذا قال أهل أسفل النهر نريد أن نوسع رأس النهر أو نزيد في كواته وقال أهل أعلاه إذا فعلتم ذلك زاد الماء على أرضنا وفاض فوقها فأفسد عليها (3) لم يكن لأهل أسفله أن يوسعوا فيه شيئا ولا أن يزيدوا في شيئ من كواته. وإذا كان لجماعة أراضي وشربها من نهر يأخذ من النهر الأعظم لا يعلم قسط كل واحد منهم أو كل قرية شربها منه، فاختصموا في الشرب كان ماؤه بينهم بمقدار حصصهم من الأراضي ومساحتها ولم يكن لأحد منهم أن يأخذ من مائه أكثر من قدر رى (4) أرضه ولا يغير ما يتقرر بينهم في ذلك إلا بإذن الباقي من شركائه.

(1) أي الفرع المتقدم: إذا لم يضر النهر المحدث بالنهر الأعظم.
(2) الفرق بين هذا وما قبله أن النهر المخصوص ومائه ملك لأصحابه بالحصص فلا يجوز لبعضهم أخذ ما زاد عن حصته وإن كان زائدا عن حاجة الآخرين كما لا يجوز لغيرهم أخذ شيئ منه وأما النهر الأعظم فهو مباح وإنما كان لأصحاب الكواء أو لوية في الأخذ منه بقدر الحاجة.
(3) في نسخة (ب) " فأفسد غلتنا ".
(4) الظاهر أنه بالراء المهملة والياء المشددة وهو الشرب الكامل وفي المسألة *

[ 42 ]

وإذا كانت فوهة النهر تجري في أرض إنسان ثم يصير جاريا بين أراض مشتركة فقال الذي فوهة النهر وأوله في أرضه، هذا النهر لي وإنما أرسله اليكم تبرعا وليس لكم حق في مائه وأنا أريد سده عنكم وقال الذي يجرى النهر بين أراضيهم: النهر لنا وليس لك أنت فيه شيئ وإنما الأرض لك على حسبه (1) دونه ولم يكن لاحدهم بينة على ما ادعاه لم يجز له قطع الماء على الشاربة منه ولو أقام بينة على أن رسمه جرى بسده (2) على أرضه أوقاتا معلومة لم يكن له قطعه على أهل أسفله بالكلية ولا أن يتجاوز بسده الأوقات التي جرى رسمه بمثلها. وإذا كان نهر بين جماعة يأخذ من النهر الأعظم له (3) فيه كواء مسماة ولكل واحد منهم نهر صغير من هذا النهر أو كو وكان نهر أحدهم في أسفل أرضه فإذا أراد أن يحول نهره فيجعله في أعلى أرضه لم يكن له ذلك لأن النهر يذهب من الماء حينئذ بأكثر مما كان يذهب قبل ذلك ويضر بأصحابه فإن أراد صاحب النهر أن يكري نهره فيسفله عن موضعه وإن كان متى فعل ذلك أخذ من الماء أكثر كان ذلك له وكان له أيضا أن يرفع الكو إن كانت مستقلة ليكون الماء أقل في أرضه. وإذا سقى إنسان أرضه أو شجره وسال الماء في مسيله على أرض لانسان آخر فغرقت به لم يلزمه ضمان ذلك.
(4)

قول آخر اختاره العلامة في التذكرة وهو الحكم بالتساوي بينهم عملا بقاعدة اليد وما ذكره المصنف هنا أظهر وقد تقدم أيضا. (1) في نسخة (ب) فوق ذلك بعلامة البدل ومتن نسخة (م) " على جانبه " فلعل صواب المتن أيضا " على جنبه ".
(2) أي بسده عن الأراضي المشتركة وإجرائه على أرضه.
(3) الظاهر " لهم " (4) إعلم أن الفروع التي أوردها المصنف أخيرا في غير النهر مذكورة في المبسوط والنسخ التي بايدينا من المتن غير خالية من السقم وقد راعيت غالبا في ضبط الكلمات المشتبهة ما هو الموجود في نسخة الأصل ونبهت في التعليقة على صوابها من النسختين الاخرتين إن كان ما فيهما أصح أو من مناسبة المقام والمعنى أو بالاستعانة من بعض المصنفات الأخر على وجه الجزم أو الظن والاستظهار كما ترى إلا قليلا مما كان الخطاء فيه واضحا فراعيت صوابه بدون التنبيه والله الهادي إلى الصواب

[ 43 ]

" كتاب الرهن " قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه " إلى قوله " فرهان مقبوضة " (1). وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) -: إنه رهن درعه عند يهودي على شعير أخذه لاهله (2). والاجماع حاصل على جواز الرهن، فإذا كان كذلك، فالرهن الشرعي (3):

(1) البقرة 283.
(2) رواه البخاري وابن ماجه في كتاب الرهن من صحيحيهما بالاسناد عن عائشة وأنس، واورده شيخنا النوري في مستدركه في كتاب الرهن عن درر اللئالي للاحسائي مرسلا. وروى أيضا ابن ماجة في كتاب المذكور والبخاري في كتابي الجهاد، والمغازي من صحيحه أن النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير. وقيل كما في المبسوط أنه (صلى الله عليه وآله) إنما عدل عن أصحابه إلى يهودي لئلا يلزمه منة إذ لا يؤمن إن استقرضه من بعضهم أن يبرأه من ذلك والله العالم.
(3) أي بمعناه الشرعي في مقابل معناه اللغوي الذي هو الدوام والثبات، يقال: نعمة راهنة أي ثابتة دائمة.

[ 44 ]

" هو جعل المال عند صاحب الدين وثيقة له على ماله ". ويفتقر في صفة الرهن إلى الايجاب والقبول، ولا يصح الرهن قبل ثبوت الحق، والوقت الذي يجوز أخذ الرهن فيه، هو بعد اللزوم الحق، أو مع لزومه أيضا، فأما قبل ذلك فلا يصح كما ذكرناه. ويجوز عقد الرهن في الحضر والسفر، ويجوز أخذه في كل دين ثابت في الذمة، مثل القرض، والأجرة، والمهور، وعوض الخلع، وقيم المتلفات، وأروش الجنايات. ويجوز أخذ الرهن على مال الجعالة، وعلى الدية على العاقلة بعد سنة، ويجوز أخذه بالثمن في مدة الخيار المتفق عليها، ويجوز أخذه على الباقي في مال الكتابة، من المكاتب الذي ليس بمشروط عليه، إذا تحرر منه جزء، لأنه بعد أن يتحرر منه جزء، لا يجوز رده في الرق، فيجوز أخذ الرهن على ما ذكرناه. وأما مال الكتابة المشروطة، فلا يجوز أخذ الرهن عليه، لأن للعبد المشروط عليه اسقاط ذلك من نفسه أي وقت أراد إسقاطه، فهو غير ثابت في ذمته، وأيضا فإنه متى امتنع من مال الكتابة، كان لسيده رده في الرق، فلا يحتاج مع ذلك إلى الرهن. وإذا استأجر إنسان غيره إجارة يتعلق بعينه، مثل أن يستأجره ليخدمه، أو يستأجره في عمل يعمله بنفسه، لم يصح أخذ الرهن منه، لأنه إنما يجوز أخذه على حق ثابت في الذمة، وليس ذلك ثابتا في ذمة الاجير، فلا يجوز أخذ الرهن منه عليه: فإن استأجره على عمل في ذمته، مثل أن يجعل (1) له عملا من خياطة، أو غير ذلك جاز أخذ الرهن عليه، لأن ذلك ثابت في ذمة الاجير، وغير متعلق بعين (2)، وللأجير أن يعمله بنفسه، أو بغيره، وإن هرب هذا الاجير، جاز بيع الرهن واستيجار

(1) في نسخة (م) وهامش نسخة (ب) بعلامة البدل " أن يحصل له " وهو أصح (2) أي بعين الاجير ولعله كان " بعينه ".

[ 45 ]

غيره به، ليحصل العمل، وقد ذكرنا فيما تقدم إن أخذ الرهن لا يجوز إلا بعد ثبوت الحق في الذمة، أو في حال لزومه، فإذا كان كذلك وقال أحد المتعاقدين لصاحبه (1) " بعتك هذا الشيئ بكذا على أن ترهن كذا بالثمن " وقال المشتري: " اشتريته على هذا " صح شرط الرهن، وأخذه بعد عقد البيع وتسليمه إليه. وإذا قال " بعتك هذا الشيئ بمأة، أو رهنت (2) منك كذا بالثمن " وقال المشتري " اشتريته منك بمأة ورهنتك هذا الشئ " صح حصول (3) عقد البيع وعقد الرهن، فأما قبل ذلك فقد قلنا إنه لا يجوز وذلك مثل أن يقول: " رهنتك هذا الشيئ. على دينارا ودرهم تقرضنيه في غد " فإذا دفع ذلك إليه في غد لم ينعقد الرهن على ذلك. وما يصح الحاقه بذلك (4) أن يقول الانسان لغيره " أعتق عبدك وعلى ألف " في أن ذلك يصح، فإن أعتق العبد وجب عليه الألف. وكذلك إذا قال: " طلق امرأتك وعلى ألف " ففعل، لزمه الألف، لأنه يجوز من هذا الباذل للمال أن يعلم أنه على فرج حرام مقيم فيستنزله عنه بما يبذله من المال

(1) هذا وما بعده مثال لأخذ الرهن حال لزوم الحق وهو الثمن.
(2) الصواب " وارتهنت " كما في هامش نسخة (ب) بعلامة البدل.
(3) الصواب " لحصول " كما في نسخة (ب) بعلامة البدل.
(4) يعني أن هذه المسائل الثلاث ليست من الرهن لكن ألحقت به في الصحة كما أوردها في المبسوط هنا، ولعل الصواب " ومما لا يصح " كما كان في نسخة (ب) كذلك، فضرب على لفظة " لا " فالمراد أنه لا يصح الحاق هذه المسائل بالرهن على القرض المزبور بدعوى عدم ثبوت الحق فيها أيضا. وعلى كل فقد أورد الأخيرة منها في الشرائع، والقواعد في باب الديات بمناسبة تزاحم السبب والمباشر، وادعى في الجواهر ومفتاح الكرامة الاجماع على صحتها ويدل عليها عمومات العقود والشروط وكون بناء العرف فيها على الالزام.

[ 46 ]

فإذا طلق كان عليه ألف له، وكذلك لو قال: له وهو في سفينة البحر " الق متاعك في البحر وعلى ضمان قيمته " صح، إذا كان غرضه تخفيف السفينة وخلاص النفوس من الغرق، فإذا فعل ذلك كان عليه قيمة المتاع لصاحبه. وإذا عقد الرهن أو سلمه من ليس بكامل العقل، أو هو محجور عليه لم يصح عقده، ولا تسليمه، لأن ذلك إنما يصح ممن هو كامل العقل غير محجور عليه. وكل ما جاز بيعه من مشاع أو غيره فإنه يجوز رهنه، فإن اختلف المرتهن والشريك فقال المرتهن لست أرضى بأن يكون الرهن في يد الشريك، وقال الشريك لا أرضى بكونه في يد المرتهن، ولم يتفقا على من يجعلانه في يده من عدل، أو ممن يرضيانه لذلك أخذه الحاكم وآجره، وجعل لكل واحد من الشريكين قسطا من الأجرة، ويكون إيجاره له إلى حين محل الدين، ليمكن بيعه في حق المرتهن. وإذا أذن الراهن للمرتهن في قبض الرهن، ثم رجع عن الإذن في ذلك، ومنعه من قبضه لم يجز له ذلك، لأن بالايجاب والقبول أوجب قبض الرهن (1)، فليس له بعد ذلك الرجوع فيه، ولا منعه منه. وإذا رهن شيئا ثم جن، أو أغمى عليه كان للمرتهن قبضه، لأن ذلك قد لزم بالايجاب والقبول.

(1) اختلف الأصحاب في أن القبض شرط في لزوم الرهن أو لا، ففي المختلف حكى الأول عن جماعة منهم المصنف، ومقتضاه أنه ما لم يقبضه كان للراهن الرجوع عن رهنه، وهذا مخالف لقوله هنا وفي المسألة التالية، وما في بعض المسائل الآتية في أواخر الباب ويأتي قريبا توجيه ما ظاهره المنافاة له، نعم يظهر منه في مسألة الخرس التالية وفي أواخر الباب أيضا إنه وإن كان القبض واجبا على الراهن لكن لا يجوز للمرتهن قبضه إلا بإذنه، وظاهر قوله هنا أنه إذا أذن له مرة كان للمرتهن قبضه، وإن رجع عن إذنه قبل القبض ونحو ذلك كلام الشيخ في المبسوط.
(2) الظاهر أن المراد ما إذا أذن له في القبض ثم جن الراهن أو أغمى عليه قبل تحققه، كما صرح بذلك في المبسوط ولم يذكر المصنف قيد الإذن هنا لكونه *

[ 47 ]

وإذا رهن إنسان شيئا، ثم خرس، فإن كان يحسن الإشارة أو الكتابة فأشار، أو كتب بالاذن في القبض، كان جائزا، وقام ذلك منه مقام الكلام، وإن كان لا يحسن الكتابة، ولا يعقل الإشارة، لم يجز للمرتهن قبض الرهن، لأنه يفتقر إلى رضاه وكان على وليه تسليمه إليه لأنه بالعقد قد وجب ذلك الرهن. وإذا قبض المرتهن الرهن بإذن صاحبه، فقد لزم بغير خلاف (1) ولم يجز للراهن فسخه، لما قدمناه من إنه وثيقة المرتهن على الراهن فلا يجوز له إسقاطه ويجوز للمرتهن إسقاطه وفسخ الرهن لأنه حقه، ولا حق للراهن فيه، فإذا كان كذلك وأسقطه أو فسخه بأن يقول: " فسخت الرهن، أو أبطلته، أو أقلته فيه، أو ما جرى مجرى ذلك " كان جائزا، فإن أبرأه من الدين، أو افترقا (2) سقط الدين وبطل الرهن، لأنه يتبع الدين فإذا سقط الدين سقط الرهن. فإن أبرأه من بعض الدين، أو قضاه بعضه، لم ينفك الرهن، فكان باقيا بحاله إلى أن لا يبقى من الدين شيئ، لأنه وثيقة المرتهن على جميع ماله من الدين (3) إلى أن لا يبقى منه قليل ولا كثير.

* عطفا على ما قبله، فحاصله أن الجنون والاغماء أيضا لا يوجب منع المرتهن عن القبض إذا أذن له فيه لثبوت حقه بذلك، فلا ينافى هذا ما يأتي في مسألة الخرس، ثم إنه يمكن أن يقال إذا وجب الاقباض على الراهن، فإنما هو الحق المرتهن فلا وجه لاشتراط قبضه بإذنه ولذا أورد في المختلف على الشيخ بأن ما ذكره في مسألة الخرس مناف لما ذكر قبله. (1) الظاهر أن مراده أن اللزوم بعد القبض إجماعي، فلا ينافيه ما تقدم من اللزوم قبله أيضا على مختاره، كما يظهر ذلك من المبسوط.
(2) لعل الصواب " وافترقا " كما في نسخة (ب) فلعل بناء المصنف على اشتراط الافتراق في لزوم الابراء كما في البيع، ويحتمل أن يكون " أو اقتضاه " أو نحو ذلك، ويؤيده العبارة التالية وانه في المبسوط " أو استوفاه ".
(3) فيه أن الظاهر أنه وثيقة عليه بنحو المقابلة كالمعاوضة، فإذا سقط بعضه ينفك من الرهن بنسبته.

[ 48 ]

وإذا آجر المرتهن الرهن من صاحبه، أو أعاره لم ينفسخ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون إيجاره له، أو اعارته قبل القبض، أو بعده، لأن استدامة القبض ليست شرطا فيه، وإن كان اعارته له وإيجاره غير جائز، لأنه ليس للمرتهن التصرف فيه، وأجرة الرهن للراهن دون المرتهن: وإذا استأجر شيئا، وارتهن الرقبة (1)، ثم آجره أو أعاره من الراهن، أو أوصى (2) بمنفعة عين من الأعيان، ثم ارتهن الرقبة من صاحبها، ثم آجر منفعتها منه، أو أعاره، كان الايجار والاعارة جائزين، ولا يقتضي ذلك فسخ الرهن. وإذا كان لانسان في يد غيره وديعة، أو إجارة، أو عارية، أو غصب فجعله رهنا عنده على دين له عليه، كان جائزا (3) ويكون ذلك قبضا، لأنه في يده ولا يفتقر إلى نقله إذا كان قد أذن له الراهن في قبضه عن الرهن. وإذا أقر المرتهن والراهن بقبض الرهن في وقت يمكن صدقهما فيه، صح الاقرار ولزم الرهن، وإن كان لا يصح صدقهما في الوقت الذي ذكرا، أن القبض وقع فيه، كان الاقرار باطلا، مثال ذلك أن يقول للشاهدين " اشهدا على بأنني قد رهنته اليوم دارى التي بمكة " أو ما أشبه ذلك، وأقبضته إياها، ويتصادقان على ذلك، فإنه يكون باطلا، لأنه لا يمكنه قبض الرهن من يومه. وإذا أقر الراهن والمرتهن بقبض الرهن، ثم ادعى (4) بعد ذلك أنه لم يكن

(1) أي ارتهن المستأجر رقبة العين المستأجرة من المؤجر بدين كان له على المؤجر، وهكذا فيما إذا أوصى له بمنفعة عين فإنه يكون رقبتها لوارث الموصى فارتهنها الموصى له من صاحبها بدين له عليه والغرض بيان صحة إجارة هذه العين ثانيا انفساخ الرهن بذلك.
(2) الصواب " أوصى له ".
(3) لكن يأتي قريبا أنه في العارية لا يجوز له الانتفاع بها بعده، وفي الغصب لا يزول عنه الضمان على كلام لنا فيه.
(4) أي الراهن ثم إنه تقدم أن ظاهر المصنف لزوم الرهن قبل القبض فثمرة *

[ 49 ]

قبضه، لم يحلف: لأن دعواه تكذيب لنفسه فلا يسمع منه، ولا يمين على المرتهن، فإن كان إقراره بقبض الشيئ الغائب عنه، على الظاهر بكتاب ورده من وكيل له، أو بخبر من يأنس إلى قوله، ويركن إليه، ثم قال تبينت (1) إنه لم يكن قبضه، وإن من أخبرني كذب، أو أخطأ، وأراد يمين المرتهن، كان له ذلك، لأنه لا يكذب بيمينه الاقرار في الحقيقة، لأنه أخبره بقبضه على الظاهر، ثم بين أن الباطل بخلاف ذلك. وإذا شهد شاهدان على مشاهدة القبض من المرتهن لم يسمع دعوى الراهن بأنه لم يقبضه، ولا يحلف المرتهن، لأنه تكذيب للشاهدين، وهكذا إذا شهدا على إقراره بالقبض، فقال: " ما أقررت بقبضه " لم يسمع منه ذلك، لأنه تكذيب للشاهدين الذين شهدا عليه بذلك. وجميع ما يكون قبضا في الشرع (2)، يكون قبضا في الرهن، والهبات، والصدقات، لا يختلف، وجملة القول أن المرهون إذا كان خفيفا يمكن تناوله باليد، كان القبض فيه التناول بها، وإن كان ثقيلا مثل دابة أو عبد، كان القبض فيه نقله من موضعه إلى غيره، وإن كان طعاما معينا وارتهن منه مكيالا معينا (3)، كان قبضها نقلها من موضعها إلى موضع آخر، وإن كان مما لا ينقل ولا يحول من أرض ودار عليها باب مغلق، فقبض ذلك أن يخلى صاحبها بينها وبين المرتهن، ويفتح بابها،

* هذا الفرع وأمثاله تظهر في سائر آثار القبض كما إذا باع شيئا وشرط فيه رهنا على الثمن فحدث به عيب فإنه إن كان قبل قبض البائع له فله فسخ البيع وإلا فلا. (1) في هامش نسخة الأصل ونسخة (ب) بعلامة البدل " ثبت ".
(2) في نسخة (ب) بصورة التصحيح ونسخة (م) " في البيوع ".
(3) زاد في هامش نسخة (ب) هنا بعلامة التصحيح وفي نسخة (م) " كان قبضه أن يكتاله، فإن ارتهن صبرة على أن كيلها كذا كان قبضها أن يكتالها فإن ارتهنها جزافا ".

[ 50 ]

أو يسلم مفتاحها إليه، وإن لم يكن عليها باب فقبضها أن يخلى بينها وبينه من غير حائل. فإن كان بينهما مشاعا وكان مما لا ينقل، خلى بينه وبينه، سواء حضر الشريك فيه أو لم يحضر، وإن كان مما ينقل ويحول، مثل الشقص من سيف، أو جوهر، أو ما أشبه ذلك، فلا يجوز تسليمه إلى المرتهن إلا بحضرة الشريك فيه، لأنه يريد نقل نصيبه ونصيب شريكه إلى يده، فإذا حضر وسلمه إليه ورضيا بأن يكون الجميع على يد المرتهن كان ذلك جائزا وإن رضيا أن يكون الجميع في يد الشريك كان أيضا جائزا وإن رضيا أن يكون على يد عدل كان جائزا فإن اختلفا أو تشاحا في ذلك فقد تقدم القول فيه وإذا رهن إنسان عند غيره شيئا بدين إلى شهر، على أنه إن لم يقبض ذلك إلى محله، كان الرهن مبيعا بالدين الذي عليه، لم يصح الرهن، ولا البيع بغير خلاف، لأن الرهن مؤقت، والبيع قد علق بزمان مستقبل، فإن هلك هذا الرهن في يده في الشهر، لم يكن مضمونا عليه، لأن صحيح الرهن غير مضمون، فكيف الرهن الفاسد، وبعد الأجل فهو مضمون عليه، لأنه في يده ببيع فاسد، والبيع الصحيح والفاسد مضمون عليه بغير خلاف. وإذا غصب إنسان من غيره عينا من الأعيان، وجعلها المغصوب منه رهنا في يد الغاصب بدين له عليه قبل أن يقبضها منه، صح كونها مرهونة في يده، وعليه ضمان الغصب (1)، فإن باعها منه، زال الضمان. ومن أعار غيره شيئا، ثم رهنه، كان الرهن صحيحا، ويخرج بذلك عن حد العارية ولا يجوز للمرتهن الانتفاع به كما كان ينتفع به قبل أن يصير رهنا عنده. وإذا رهن دارين، أو سلعة، (2) وبطلت إحداهما، وكان ذلك قبل القبض، والرهن مما ينقل ويحول، فإنه ينفسخ في التالف، ولا ينفسخ في الباقي، ويكون

(1) ظاهره الضمان بعد الرهن واظهر منه عبارة المبسوط ويشكل بأنه تخرج العين بذلك عن صفة الغصب إلا أن يكون المراد ما إذا رضي صاحبها به لأجل الضرورة حيث أنه لا يمكنه الوصول إلى ماله فكونه رهنا أولى من ذهابه، (2) الصواب " سلعتين " كما في المبسوط ويظهر من آخر العبارة.

[ 51 ]

رهنا لجميع المال، فإن كان الرهن شرطا في البيع، كان البايع مخيرا بأن يرضى بإحدى الوثيقتين، ويجيز البيع، وبين أن يفسخ، لهلاك إحدى الوثيقتين، فإن أجاز البيع، كان الباقي رهنا بجميع الثمن، لأن الرهن كله وكل جزء من أجزائه مرهون بجميع الدين وبكل جزء من أجزائه. وإن كان مما لا ينقل ولا يحول، مثل دارين احترقت إحداهما، قد تلف خشبها، وذلك يأخذ قسطا من الثمن، ويكون الحكم في ذلك مثل ما ذكرناه في ما ينقل ويحول. فإن انهدمت ولم يتلف منها إلا التأليف (1) فذلك لا يقابله بالثمن، والذي يقابله الثمن من الأعيان باقية، إلا أن قيمتها بالانهدام نقصت، وإذا كان كذلك لم ينفسخ من الرهن شيئ والبايع مخير، إن كان الرهن شرطا في عقدة البيع، لنقصان قيمة الرهن في يد الراهن قبل تسليم الرهن، فإن شاء فسخ البيع، وإن شاء أجازه، ورضي بالدار المنهدمة رهنا، فيكون العرصة والنقض (2) كلها رهنا. وأما إن كان التلف والانهدام بعد القبض، فإن الرهن لا ينفسخ في الباقي، ولا يثبت له (3) الخيار للمرتهن البائع، وليس له أن يطالب ببدله. لأن العقد تناوله بعينه. وإذا رهن جارية قد أقر بوطأها، كان الرهن صحيحا، فإن لم يظهر بها حمل فقد استقر الرهن بغير خلاف، وإن ظهر بها حمل، وولدت، لأقل من ستة أشهر

(1) بالهمزة بمعنى الانضمام، فالمراد أن الذي تلف بالانهدام انضمام أجزاء البيت، واحتراق بعضها، وهو الخشب، والبيت بأجزائه دون أوصافه رهن عن الدين، فإذا تلف بعضه بطل الرهن بالنسبة إليه دون ما إذا تلف وصفه، لكن للبائع خيار فسخ البيع إن كان الرهن شرطا فيه لنقص قيمته.
(2) بالنون المكسورة والقاف والضاد المعجمة مصالح البيت من الطوب والأحجار.
(3) أي لاجله ولعل الصواب " به ".

[ 52 ]

من وقت الوطأ، فإن المملوك (1) لا يلحق به، لأنه لا يجوز أن يكون من الوطأ الذي أقر به، ونسب ولد الجارية لا يثبت، إلا من وطأ أقر به بغير خلاف، وإن ولدت لستة أشهر فصاعدا إلى تمام تسعة أشهر، كان الولد حرا، يثبت نسبه منه، ولا تخرج الجارية من الرهن عندنا. وإذا رهن الجارية، وقبضها المرتهن، لم يجز للراهن وطأها (2) بغير خلاف لأن الوطأ ربما أحبلها، فينقص قيمتها، وربما هلكت بالولادة. وأما سكنى الدار المرهونة، وزراعة الأرض المرهونة، واستخدام العبد المرهون، وركوب الدابة المرهونة، فإن جميع ذلك لا يجوز عندنا، وإن وطأها لم يجب عليه الحد. وإذا وطأها الراهن بإذن المرتهن، لم ينفسخ الرهن، سواء حملت أو لم تحمل فإن باعها بإذنه، انفسخ الرهن، ولا يجب عليه قيمته (3)، لأنه أتلفه بإذنه، فإن فعل ذلك بغير إذنه، فمات كانت قيمته عليه. وإذا أذن المرتهن للراهن في العتق، أو الوطأ، ثم رجع عن الإذن، فإن

(1) في نسخة (ب) تصحيحا وجواهر المصنف " فإن الولد مملوك لا يلحق به ".
(2) هذا من المسائل المشكلة حيث ادعى جماعة من القدماء الاجماع على عدم جواز تصرف الراهن في العين المرهونة لكن في خبرين صحيحين جواز وطأ الجارية، وفي خبر آخر جواز غيره ولا دليل على ما ذكروه إلا ما أرسله العلامة في المختلف، وبعض من تأخر عنه من قوله (عليه السلام) " الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف " وهذا غير موجود في أخبار الخاصة والعامة وفقه القدما، ولهذا أختار بعض المتأخرين كالمحققين: الأردبيلي والسبزواري جواز ما لا يضر بالرهن والله العالم.
(3) الصواب كما في هامش نسخة (ب) تصحيحا: ولا يجب عليه قيمتها مكانها، وإذا أذن المرتهن للراهن في ضرب الرهن فضربه فمات لم يجب عليه قيمته لأنه أتلفه اه ونحوه في المبسوط، والمراد بوجوب قيمته هنا أن يجعلها رهنا مكانه، وذكر المصنف في جواهره ذلك أيضا في ضرب المرتهن بإذن الراهن إلا أن المراد بوجوب القيمة فيه الضمان.

[ 53 ]

كان رجوعه بعد إيقاع المأذون فيه الفعل، لم ينفعه الرجوع، ولا يكون له تأثير، وإن كان الرجوع قبل الايقاع، وعلم الراهن برجوعه، فقد بطل إذنه، ولم يجز له الوطأ، ولا العتق، فإن لم يكن عالما بالرجوع كان ما فعله ماضيا، وليس عليه شيئ وإذا وطأ الراهن أو أعتق، واختلف هو والمرتهن، فقال الراهن فعلته بإذن المرتهن، وقال المرتهن فعليه بغير أمري، كان القول قول المرتهن مع يمينه، لأن الأصل عدم الإذن، والراهن مدع لذلك، فعليه البينة على ما ادعاه، فإذا حلف المرتهن، كان بمنزلة ما لو فعله الراهن بغير إذنه (1)، وإن نكل عن اليمين ردت اليمين على الراهن، فإذا حلف صار كانه فعله بإذن المرتهن، فإن نكل الراهن أيضا لم يلزم الجارية المرهونة يمين. وإذا حلف الراهن والمرتهن، حلف على القطع والبتات. وإن كان هذا الاختلاف بين ورثتهما، فإن وارث المرتهن يحلف على العلم فيقول: " والله لا أعلم أن مورثي فلانا ابن فلان أذن لك في كذا " لأنه ينفي فعل الغير واليمين على نفي فعل الغير يكون على العلم، وإن نكل عن اليمين، فردت على وارث الراهن حلف على القطع (2) والبتات. وإذا أقر المرتهن بأربعة أشياء: بالاذن للراهن في الوطأ، وبانه وطأ، وبان الجارية ولدت منه (3) وبمدة الحمل، مثل أن يقربانها ولدت من وقت الوطأ لستة

(1) لم يذكر المصنف هنا حكم ما لو فعله الراهن بغير إذن المرتهن والظاهر أنه البطلان في الاعتاق وفي الوطأ إن أدى إلى تلف الجارية أو نقص قيمتها بالولادة، أو الافتضاض يلزم الراهن بقيمتها مكانها، أو بأرشها معها رهنا كما في المبسوط، وظاهر المصنف فيما يأتي في مسائل الاختلاف أن من حكمه أيضا أنها إن ولدت من الراهن لا تصير أم ولده بالنسبة إلى حق المرتهن فله أن يبيعها في دينه.
(2) زاد في هامش نسخة (ب) هنا " لأنه يحلف على إثبات الإذن، ومن يحلف على إثبات فعل غيره يحلف على القطع ".
(3) الظاهر زيادة لفظة " منه " لأنه لو أقر بولادتها منه فدعوه بأن الولد من غيره *

[ 54 ]

أشهر فصاعدا، ثم ادعى هذا المرتهن المقر بما ذكرناه، بأن الولد من غيره، لم يصدق، وكانت الجارية أم ولد للراهن، والولد حر لاحق بالراهن، ثابت النسب منه، وليس على الراهن يمين ها هنا، لأن المرتهن قد أقر بما يقتضي الحاق الولد بالراهن، وإنها أم ولده، لأنه أقر بوطأها، وإنها ولدت لستة أشهر من وقت ذلك الوطأ ومع ذلك (1) لا يقال بأن الولد من غيره. فإن اختلفا في شئ من هذه الشروط الأربعة، كان القول قول المرتهن مع يمينه بأنه لم يأذن فيه، فإن اتفقا على الإذن واختلفا في فعل الوطأ، كان القول أيضا قول المرتهن مع يمينه، أنه لم يطأها. فإن اختلفا في ولادتها، فقال المرتهن إنما لم تلده، وإنها التقطته، أو استعارته، وقال الراهن بل ولدته، كان القول قول المرتهن، وكذلك إذا قال - المرتهن ولدته من وقت الوطأ لما دون ستة أشهر كان القول قوله مع يمينه، فإذا حلف في هذه المسائل، كان (2) حرا، وإن نسبه لاحق بالراهن، لاقراره بذلك، وحق المرتهن

* مناقض لنفس إقراره، والمقصود هنا كما يظهر من التعليل ما إذا كان مناقض لمقتضى إقراره، وهذا إنما يكون إذا أقر بأصل ولادتها ويشهد له أيضا أنه لم يذكر هذا القيد في صورة الاختلاف. (1) هذا تمام التعليل أي مع هذا الاقرار من المرتهن لا يحكم له بدعواه أن الولد من غير الراهن، والحاصل أنه قد يتوهم أن اللازم تصديق المرتهن، لكون الجارية في يده، وهو أعلم بحالها، فدفعه المصنف ونحوه في المبسوط بأنه مناقض لاقراره.
(2) أي الولد: وظاهر المصنف أن فائدة قبول دعوى المرتهن بيمينه في هذه المسائل عدم كون الجارية أم ولد الراهن بالنسبة إلى حق المرتهن، فيجوز له بيعها في دينه، بخلاف ما قبلها الذي لم يقبل فيه دعواه، وأما الولد فحر ونسبه للراهن ولا يتعلق به حق المرتهن على كل حال، ويستفاد من ذلك عدم جواز بيع أم الولد المرهونة، ولا ينافيه ما تقدم من عدم خروج الجارية بالحمل. أو الولادة عن الرهن لجواز عدم الملازمة عند المصنف بين الرهن، وجواز البيع والله العالم.

[ 55 ]

لا يتعلق به، ولا تصير الجارية في حقه أم ولد، ويباع في دينه، فإذا عادت إلى الراهن كانت أم ولده: وكذلك لو قال الراهن: اعتقتها بإذنك، وقال المرتهن: ما أذنت لك في ذلك، وحلف وبيعت في دينه، ثم ملكها الراهن، - عتقت عليه، لأنه أقر بأنها حرة فأما المرتهن فلا خلاف في أنه لا يجوز له وطؤ الجارية المرهونة، فإن خالف ووطأ، وكان وطؤه بغير إذن الراهن، كان زانيا ولم يكن عقد الرهن شبهة فيه، وكان عليه الحد، وإن ادعى الجهالة لم يقبل منه ذلك إلا في الموضع الذي يقبل الدعوى لذلك بتحريم الزنا، وهو أن يكون نشأ في موضع بعيد عن بلاد الاسلام يجوز أن يخفي عليه ذلك، أو يكون نشأ في بلاد الكفر، وكان قريب العهد بالاسلام لا يعرف ذلك، فأما إذا كان بخلاف ما ذكرناه، فإنه لا يقبل منه الدعوى للجهالة ويجب عليه الحد. فأما المهر فلا يجب عليه ذلك لسيدها إذا طاوعته، لأن مهر البغي منهي عنه، وإذا طاوعته الجارية، وكانت عالمة بتحريم الزنا، كان عليها الحد، وإن كانت جاهلة وأمكن ذلك، أو كانت مكرهة، لم يجب عليها حد، فأن أحبلها كان الولد رقا (1)، هذا إذا لم يدع الجهالة بتحريمه، أو ادعاها وكان ممن لا تقبل دعواه. وإن ادعى الجهالة وكان ممن تقبل دعواه، لم يجب عليه حد، وأما المهر فإنه إن كان أكرهها، أو كانت نائمة وجب، وإن طاوعته وهي لا تدعى الجهالة (2) وهي ممن يقبل منها ذلك، وجب المهر. ويكون الاعتبار في وجوب المهر بها (3)، والحد، ولحوق الولد، وحريته،

(1) أي للراهن: فإن الحكم في الزنا بالأمة كون الولد رقا لمالكها لانتفاء نسبه من الزاني، وكونه تابعا لامه كما يأتي في باب نكاح الإماء من كتاب النكاح (2) الصواب زيادة " لا " كما في نسخة (م) أو هنا سقط، وهو كما في المبسوط، " أو تدعيها ولا يقبل منها ذلك لم يجب المهر، وإن كانت تدعي الجهالة ".
(3) أي بالجارية: وحاصله أن في وجوب المهر على المرتهن، يعتبر حال الجارية، فإن كانت مطاوعة ولم يقبل منها دعوى الجهالة لم يجب، وإلا وجب سواء، *

[ 56 ]

فإنه يعتبر، فإذا قبل دعواه الجهالة أسقط عنه الحد، والحق به الولد، وكان حرا، وعليه قيمته يوم يسقط حيا. فإن كان وطأها بإذن الراهن وكانت (1) ممن تدعى الجهالة بتحريم الوطأ، قبل منها وأسقط الحد عنها، ويلحق النسب، ويكون الولد حرا بغير خلاف. وإن كانت ممن لا تدعى الجهالة بتحريم الوطأ فهو زنا، والحكم فيه على ما تقدم (2)، وأما المهر فقد اختلف في وجوبه، والأحوط أنه لا يجب، لأنه ليس على وجوبه دليل، والأصل برائة الذمة، وأما الولد فإنه يكون حرا، ولا يجب عليه قيمته. وإذا كان الرهن في دين إلى أجل، وإذن المرتهن للراهن في بيعه أذنا مطلقا فقال له قبل حلول الحق بع الرهن، فباعه نفذ البيع وبطل الرهن، وكان ثمنه للراهن دون المرتهن، ولم يجب على الراهن أن يجعل موضوعه رهنا غيره، فإن كان إذنه مشروطا بأن يكون ثمنه رهنا عوضه كان الشرط جائزا، ويكون ثمنه رهنا عوضه، فإن قال المرتهن أذنت في البيع مطلقا لفظا وكان في نيتي واعتقادي

* كان المرتهن عالما في الصورتين، أو جاهلا، وفي الحد عليه، ولحوق الولد به، وكونه حرا يعتبر حاله في العلم والجهل. (1) الصواب " وكان " أي المرتهن وكذا في الضمائر المؤنثة بعده فإن الكلام في حكم المرتهن كما يشهد له السياق ولحوق النسب وحرية الولد.
(2) أي من وجوب الحد، وقال في المختلف بعد نقل ذلك عن المبسوط: الحق جواز الوطأ مع إذن الراهن، قلت: لما ثبت نصا وفتوى جواز تحليل المالك جاريته لغيره إلا أن يراد هنا مجرد الإذن، ويكون الشرط في التحليل إن شاؤه بلفظ كما ذكره في المختلف في بابه، ثم أن ظاهر المتن والمبسوط أنه لا يشترط في قبول دعوى الجهل هنا، ما تقدم في الوطأ بغير الإذن ولعله لكون الإذن شبهة وظاهرهما أيضا نفي المهر على المرتهن مع جهل الجارية بالتحريم وحرية الولد مع علم المرتهن به خلافا لما تقدم في الوطأ بغير الإذن وكأنه لكون إذنه سببا لسقوط حقه من المهر والاسترقاق.

[ 57 ]

أن يجعل الثمن لي قبل محل الحق، لم يلتفت إلى هذه الدعوى منه ولم يكن بنيته اعتبار في ذلك ولا يفسد إذنه المطلق بما نواه واعتقده، فإن شرط أن يجعل ثمنه في ذمته (1) قبل محله فباع الرهن كان البيع ماضيا، ويكون الثمن رهنا إلى وقت الاستحقاق. فإن اختلفا فقال الراهن أذنت مطلقا فالرهن باطل، والبيع نافذ، وقال المرتهن أذنت لك بشرط تعجيل الحق من ثمنه كان القول قول المرتهن لأنهما لو اختلفا في أصل الإذن لكان القول قوله مع يمينه فكذلك إذا اختلفا في صفته. فإن أذن له مطلقا بعد محل الحق في البيع فباع، صح البيع، وكان الثمن رهنا مكانه، حتى يقضي ما عليه منه أو من غيره، لأن عقد الرهن يقتضي بيعه عند محله عند امتناع من عليه الدين من بذله (2). أرض الوقف وأرض الخراج، وهي كل أرض افتتحت عنوة وهي لكافة

(1) الصواب " في دينه " كما في جملة من الكتب المتعرضة لهذا الفرع، والمراد أن يشرط المرتهن في إذنه أن يعجل الراهن أداء دينه من ثمنه قبل وقته، فالمستفاد من المتن، والمبسوط، أن الشرط فاسد، وذكر الشيخ في الخلاف أنه لا يلزم الوفاء به لأنه لا دليل عليه، وأما صحة البيع وكون الثمن رهنا إلى حلول الدين، فلأن الشرط الفاسد لا يكون عندهم مفسدا، وإنه مع فساده يوجب أن لا يكون الإذن في البيع مطلقا لنفس الراهن هذا، ولكن الظاهر صحة الشرط المذكور، ووجوب العمل به كما ذكره العلامة في التذكرة في مسائل تصرف الراهن، لأنه سائغ عرفي تدعو الحاجة إليه، ولا دليل على منعه، فيشمله أدلة الشروط (2) هذا التعليل بظاهره عليل، ولذا اعرض عنه أكثر المتأخرين، فأطلقوا الحكم ببطلان الرهن، إذا باعه بإذن المرتهن من غير فرق بين أن يكون قبل حلول الدين أبو بعده، لكن لا يبعد توجيهه بأن مقتضى عقد الرهن بيع المرهون عند حلول الدين، وامتناع الراهن من أدائه، فإذا كان هذا الحق ثابتا للمرتهن في الجملة، لا يكون إذنه بالبيع في مورد دليلا على إعراضه عنه.

[ 58 ]

المسلمين، لا يجوز رهن شيئ من ذلك فإن رهن منه شيئ كان باطلا، فإن كان في أرض الوقف بناء من ترابها كان وقفا، وإن كان من غير ترابها كان طلقا وكانت الأرض وقفا، وكذلك القول في الشجر إذا غرست فيها، فإنه يكون طلقا، فإن رهنها دون البناء والشجر كان باطلا، وإن رهنها جميعا بطل ذلك في الأرض وصح في البناء والشجر، فإن رهن البناء والشجر دونها كان جائزا. وإذا رهن إنسان أرضا من أرض الخراج (1) أو آجرها، كان الخراج على المكرى والراهن، لأنها في يده، فإن أدى المرتهن الخراج أو المكترى لم يرجع به على المكرى ولا الراهن. ومن ابتاع عبدا بشرط الخيار له وحده دون البائع، ورهنه في مدة الخيار، كان الرهن صحيحا وسقط الخيار، لأنه تصرف فيه والخيار له وحده، فإن لم يكن الخيار له وحده وكان لهما جميعا ورهنه واحد منهما، وكان هذا الراهن هو البائع، كان هذا التصرف منه فسخا للبيع وانقطع خيار المشتري، وإن كان الراهن هو المشتري لم يصح تصرفه، لأن في إنفاذه إبطال حق البائع من الخيار وذلك لا يجوز، وإذا بطل تصرفه انقطع الخيار من جهته (2). وإذا رهن إنسان عبدا واقبضه وهلك بعد القبض، ثم علم بعيب كان به، لم يكن فيه خيار ولا أرش. فإن رهنه عبدا واقبضه إياه، فقطع بسرقة وقعت منه، قبل القبض كان له

(1) مر آنفا أنه لا يجوز رهن أرض الخراج، فلا بد أن يكون المراد هنا ما إذا رهنها بما فيها من الأشجار والبناء كما في أرض الوقف، أو يكون المراد بما مر رهن رقبة الأرض، وبهذا رهنها بما له من الحق، بقرينة ذكر الإجارة كما ورد في الخبر جواز بيعها كذلك.
(2) وجهه غير ظاهر ولعله أخذه بلازم تصرفه، نظير أخذه بلازم إقراره وإن كان أصله باطلا.

[ 59 ]

الخيار، فإن كان العبد جنى جناية ثم رهن كان باطلا، سواء كانت الجناية عمدا أو خطئا لأنها إن كانت عمدا كان عليه القصاص، وإن كانت خطأ كان على سيده تسليمه إلى المجني عليه، فإن فداه سيده سقط ما على رقبته من الأرش وبقي رهنا، وإن بيع في الجناية وكانت الجناية تستغرق الثمن بيع فيه كله وسقط الرهن، وإن كان لا يستغرق الثمن بيع منه بقدرها وكان الباقي رهنا. وإذا اقترض إنسان من غيره ألفا، ورهن بها عبدا، ثم زاده بالحق رهنا آخر، وهو إن رهن عنده عبدا آخر، ليكون العبدان رهنا بالالف كان صحيحا بلا خلاف، فإن لم يرهن عنده رهنا آخر، إلا أنه اقترض منه ألفا آخر على أن يكون الرهن الأول رهنا به، وبالألف الثاني كان ذلك أيضا جائزا، ويتعلق بالرهن الالفان معا. وإذا دبر إنسان عبده، ثم رهنه بعد ذلك سقط التدبير، لأن التدبير وصية، ورهنه رجوع منها. إذا رهن إنسان غيره عصيرا كان الرهن صحيحا، لأنه مملوك، فإن استحال عين عصيره فصار إلى ما لا يخرج به عن الملك، مثل أن يصير خلا أو مزا (1) أو شيئ لا يسكر كثيره كان الرهن بحاله وإن استحال إلى ما يخرجه عن الملك مثل الخمر فإنه يزول ملك الراهن وينفسخ الرهن، لأن الخمر لا يصح أن يملكها مسلم بغير خلاف، فإن عادت الخمر بعد ذلك خلا عاد ملك الراهن كما كان، وإذا عاد ملكه عاد الرهن بحاله لأنه تابع للملك. ومن كان عنده خمر، فأراقها، فجمعها إنسان آخر، فاستحالت في يده خلا، أو كان عنده خمر فرهنها من إنسان آخر فاستحالت في يد المرتهن خلا، كانت ملكا لمن انقلبت في يده، لأن الاراقة أزالت يده عنها (2).

(1) في القاموس: شراب مز بالضم، أي بين الحلو والحامض.
(2) هذا لا يتم في الرهن إلا أن يثبت كونه كالاراقة في زوال اليد عنها، وليس كذلك، وإلا لزم في الفرع السابق أن لا تعود ملكا لعدم الفرق بين الابتداء والبقاء.

[ 60 ]

وإذا اختلف المتراهنان في الخمر، فقال أحدهما: أقبضته عصيرا، وقال المرتهن: أقبضتني خمرا، كان القول: قول المرتهن مع يمينه إذا لم يكن للراهن بينة. وإذا رهن الذمي عند الذمي خمرا فصارت خلا فهي رهن على ما كانت عليه، وكذا القول: إذا رهنه عصيرا فصار خمرا. وإذا ارتهن إنسان حيوانا وقبضه كان جائزا، وطعام الرقيق وأجرة الراعي على الراهن. وإذا كان لانسان جارية، ولها مملوك صغير، فأراد أن يرهن الجارية دون ولدها كان ذلك جائزا، لأن الرهن لا يزيل الملك ولا يمنع من الرضاع، فإذا حل الدين وقضاه الراهن انفكت من الرهن وإن لم يقضه من غيرها، وكان الولد قد بلغ سبع سنين أو أكثر بيعت الجارية دون الولد، لأن التفريق بينهما إذا انتهى الولد إلى هذا السن جائز. وإذا كان الولد لم يبلغ إلى ذلك السن لم يجز التفريق بينهما وبيعا معا، فما قابل قيمة الجارية كان رهنا يكون المرتهن أحق به من سائر الغرماء، وما قابل الولد لم يدخل في الرهن، ويكون الجميع فيه سواء، هذا إذا علم المرتهن أن لها ولدا فأما إذا لم يعلم ذلك ثم علم كان له ردها وفسخ البيع، لأن ذلك نقص في الرهن فإن بيعها مفردة أكثر لثمنها وذلك غير جائز هاهنا لأن التفرقة بينها وبين الولد في البيع لا يجوز، إذا كان الولد دون سبع سنين. وإذا رهن جارية لا ولد لها، ثم ولدت في يد المرتهن، فإنهما يباعان، ويكون للمرتهن مقدار ثمن الجارية إذا بيعت، ولا ولد لها، لأنه يستحق بيعها غير ذات ولد. وإذا رهن إنسان نخلا مثمرا وشرط المرتهن دخول الثمر في الرهن كان جائزا وكان الجميع رهنا، وإن لم يشترط ذلك لم يدخل في الرهن وإن كانت النخل مطلعة لم يدخل الطلع في الرهن، وإذا رهن أرضا وفيها نخل وشجر أو بناء فإنها لا تدخل في الرهن إلا بشرط، ويكون الأرض وحدها رهنا. وإذا هلك الرهن في يد المرتهن صحيحا كان أو فاسدا لم يكن على المرتهن ضمان

[ 61 ]

إلا أن يفرط فيه فيضمن حينئذ ذلك. وإذا رهن ما يسرع إليه التلف، مثل: البقول، والبطيخ، وما أشبه ذلك، فإن رهنه إلى محل قريب لا يفسد إليه، كان رهنه صحيحا، لأنه يمكن بيعه، واستيفاء الحق من ثمنه في محله، وإن كان المحل يتأخر عن مدة فساده، وشرط المرتهن على الراهن بيعه إذا خيف فساده (1)، كان رهنه باطلا، لأن المرتهن لا ينتفع به، فإن أطلقا ذلك لم يجز الرهن لأنه لا يجبر على بيعه فلا ينتفع المرتهن به. وإذا رهن إنسان أرضا بيضاء، وسلمها إلى المرتهن ونبت فيها بعد ذلك نخل أو شجر بإنبات الراهن، أو حمل السيل إليها نوى فنبت فيها، لم يدخل ذلك في الرهن ولا يجبر الراهن على قلعه في الحال، لأن تركه في الأرض انتفاع بها، والراهن لا يمنع من الانتفاع بالرهن، لأن منفعته له فإذا حل الدين، فإن قضى دينه من غيرها انفكت الأرض من الرهن. فإن لم يقض الدين من غيرها، كان أرش الأرض إذا بيعت وحدها يفي بالدين، بيعت من غير نخل وشجر. وترك النخل والشجر على ملك الراهن، فإن كان لا يفي بدين المرتهن إلا أن الغرس الذي فيها لم ينقص ثمنها وإن لم يكن فيها غرس لكان ثمنها مثل ثمنها مع الغرس (2) يبيعها لأجل المرتهن فإن كان ما فيها من الغرس من نخل وشجر نقص ثمن الأرض، لكثرة النخل والشجر، فإن الراهن

(1) الصواب كما في نسخة (م) وهامش نسخة (ب) تصحيحا. إذا خيف فساده وترك ثمنه رهنا عوضه كان صحيحا وإن شرط الراهن أن لا يبيعه إذا خيف فساده كان رهنه باطلا الخ ونحوه في المبسوط.
(2) في نسخة (م) متنا ونسخة (ب) فوقه بدلا " بيع الغرس معها لأجل المرتهن " وما في المتن أصح، والمراد أنه لو كانت قيمة الأرض بدون الغرس كقيمتها مع الغرس، ولم ينقصها الغرس شيئا فاللازم أن تباع العرض وحدها للمرتهن ولا يجب بيع الغرس معها وقد صرح بذلك في المبسوط، وأما على النسخة الأخرى فلا وجه لوجوب بيع الغرس مع الأرض لأجل المرتهن.

[ 62 ]

مخير بين أن يبيعها جميعا، وبين أن يقلع الغرس، ويسلم الأرض بيضاء معدلة من الخضر (1) لتباع للمرتهن، هذا إذا لم يكن هناك غرماء، وإن كان هناك غرماء وقد فلس بدين لهم فإنه لا يجوز قلعه، لأنه ينقص قيمته، ولكن يباعان جميعا ويدفع إلى المرتهن ما قابل أرضا بيضاء لم يكن فيها نخل ولا شجر. ويكون الباقي خارجا من الرهن، لأن المرتهن استحق بيع الأرض منفردة عن النخل والشجر، فوجب جبران النقص الداخل في ثمنها. فإن رهنه أرضا وفيها نخل وشرط دخولها في الرهن ثم اختلفا في بعض النخل الذي في الأرض، فقال الراهن: هذا نبت بعد الرهن ولم يدخل في الرهن، وقال المرتهن: بل كان موجودا في حال الرهن، وقد دخل فيه، فإن كانت كبارا لا يمكن حدوثها بعد الرهن، كان القول: قول المرتهن من غير يمين، لأنا نعلم كذب الراهن في ذلك، وإن كانت صغارا لا يمكن وجودها في حال عقد الرهن، كان القول: قول الراهن من غير يمين لأنا نعلم كذب المرتهن في ذلك، فإن كان ما ذكره كل واحد منهما ممكنا، كان القول: قول الراهن مع يمينه، لأن الأصل أن لا رهن والمرتهن يدعي الرهن فعليه البينة. وإذا رهن إنسان عند غيره شيئا، وشرط الراهن للمرتهن إذا حل الأجل أن يبيعه كان الشرط صحيحا، ويجوز توكيل المرتهن في بيع الرهن، سواء كان ذلك بحضرة الراهن أو غيبته. وإذا شرط المتراهنان، أن يكون الرهن على يد عدل صح ذلك، وإن شرطا أن يبيعه العدل، صح ذلك أيضا، فإذا حل أجل الدين لم يجز للعدل بيعه إلا بإذن المرتهن لأن البيع في الدين حق له، فإذا لم يطالب به، لم يجز بيعه، ولا يحتاج إلى إذن الراهن وإذا أراد العدل بيع الرهن عند حلول الحق بإذن المرتهن والراهن، واتفقا

(1) في نسخة (م) " من الحظر " والصواب " من الحفر " كما في المبسوط والمراد أن يسويها من الحفر التي حدثت فيها بالقلع.

[ 63 ]

على مبلغ الثمن وجنسه، باعه بما اتفقا عليه، ولم يجز له مخالفتهما في ذلك، لأن الحق لهما، وليس له فيه حق، فإن أطلقا الإذن له بالبيع، لم يجز له بيعه إلا بثمن مثله: ويكون الثمن حالا، ومن نقد البلد، فإن خالف الوكيل وباعه نسيئة، أو باع بغير نقد البلد، لم يصح البيع، ونظر فإن كان المبيع باقيا في يد المشتري، استرجع منه، وإن كان هلك فالراهن بالخيار، إن شاء رجع على المشتري بجميع القيمة، وإن شاء رجع على العدل، وكان له الرجوع على العدل لتفريطه، وعلى المشتري لأنه قبض ماله بغير حق، فإن رجع على العدل، رجع العدل على المشتري، وإن رجع على المشتري لم يرجع على العدل، لأن المبيع هلك في يد المشتري، فيستقر عليه الضمان. فإن كان باع بأقل مما يسوى، (1) وكان ذلك نقصانا كبيرا، لا يتغابن أهل البصيرة بمثله، مثل أن يكون الرهن يساوي مأة، ويتغابن الناس فيه بخمسة، وباعه العدل بثمانين، كان البيع باطلا، فإن كان المبيع باقيا، استرجع، وإن كان هالكا، كان للراهن الرجوع على من أراد منهما، فإن رجع على المشتري رجع بجميع قيمته، ولا يرجع المشتري على العدل، وإن رجع على العدل، رجع عليه بجميع قيمته، لأنه لم يجز له إخراج الرهن بأقل من قيمته، فهو مفرط في حقه، ولزمه جميع قيمته. فإن باعه بما يتغابن الناس بمثله، مثل أن يكون الرهن يساوي مأة ويتغابن الناس فيه بخمسة، فباع بخمسة وتسعين، كان البيع صحيحا، لأن هذا القدر لا يمكن الاحتراز منه، وهو يقع لأهل الخبرة والبصيرة، والمرجع في ذلك إلى أهل الخبرة. فإن باعه بثمن مثله، أو بنقصان يتغابن الناس بمثله، كان البيع صحيحا، فإن حضر من يزيد في ثمنه وكان ذلك بعد لزوم البيع وانقطاع الخيار بينهما،

(1) في نسخة (م) ونسخة (ب) تصحيحا " بأقل مما يشترى " وكلاهما بمعنى.

[ 64 ]

لم يلتفت إلى ذلك، ولا يجوز قبول هذه الزيادة، ولا يملك فسخ البيع في هذه الحال وإن كان ذلك في زمن الخيار مثل أن يكون قبل التفرق من المجلس أو في زمان خيار الشرط كان قبول الزيادة وفسخ العقد جائزا، فإن لم يقبل الزيادة لم ينفسخ العقد (1). والعدل إذا باع الرهن وقبض ثمنه، كان من ضمان الراهن حتى يقبضه المرتهن. وإذا كان الرهن على يد عدل، ومات الراهن انفسخت وكالة العدل، ولزم الوارث قضاء الدين، إما بأن يبيع الرهن ويقضي ذلك من ثمنه أو يقضيه من غير ذلك، فإن امتنع ولم يقضه من الثمن ولا من غيره أقام الحاكم عدلا يبيع الرهن ويقضي الدين منه ثمنه. وإذا باع العدل الرهن، وهلك ثمنه من يده، واستحق الرهن من يد المشتري (2) أمر الحاكم المشتري بتسليم الرهن إلى مستحقه، ويرجع المشتري بالثمن على تركة الراهن، وليس على العدل في ذلك شيئ (3)، ويكون المشتري كغيره، من الغرماء، وله أسوة بهم، ولا يقدم عليهم، لأنهم قد استووا في ثبوت حقوقهم في الذمة، هذا إذا كان العدل بائعا للرهن بأمر الحاكم. فإن كان الرهن (4) باقيا وباعه العدل بتوكيل الراهن وقبض الثمن ثم هلك في يده واستحق المبيع في يد المشتري، فإنه يرجع على الراهن، وكذلك: كل وكيل باع شيئا فاستحق وهلك الثمن في يد الوكيل، فإن المشتري يرجع على الموكل دون الوكيل.

(1) يظهر أن الوكيل العدل مخير بين قبول الزيادة وعدمه، وهو مشكل، لأنه يجب عليه رعاية الغبطة للموكل، وهي في قبول الزيادة.
(2) أي ظهر في يده مستحقا للغير.
(3) أي من ضمان الثمن كما يأتي.
(4) الصواب " فإن كان الراهن باقيا " أي حيا.

[ 65 ]

وإذا باع العدل الرهن وقبض ثمنه وهلك ذلك من يده، لم يلزمه ضمانه، لأنه أمين والأمين لا يضمن إليه بالتفريط. وإذا ادعى هلاكه كان القول قوله مع يمينه، ولا يجب عليه إقامة بينة على ذلك، فإن حلف أنه هلك من يده بغير تفريط برأ منه، وإن لم يحلف ردت اليمين على الراهن، فإن حلف أنه في يده، لزمه ذلك وكان له حبسه، حتى يخرج إليه منه. وإذا ادعى العدل دفع ثمن الرهن إلى المرتهن، وأنكر المرتهن، ذلك، كان القول قول المرتهن مع يمينه. وإذا كان العدل وكيلا في بيع الرهن، فقال له الراهن بعه بدنانير، وقال له المرتهن بعه بدراهم لم يجز له تقديم قول أحدهما على صاحبه، لأن لكل واحد منهما حقا في بيعه (1) وكان على الحاكم، أن يأمره ببيعه بنقد البلد، لأن نقد البلد هو الذي يقتضيه عقد الوكالة. فإن كان حق المرتهن من جنسه، قضى عنه، وإن كان من غير جنسه، صرفه في ذلك الجنس وقضى منه دينه، وإن كانا جميعا نقدي البلد، باع بأكثرهما وأغلبهما استعمالا، فإن استويا، باع بأوفأهما حظا، فإن استويا وكان أحدهما من جنس الحق باع به، وإن كان الحق من غير جنسهما، باع بالذي يكون تحصيل جنس الحق به أسهل، فإن استويا، عمل الحاكم على تقديم أحدهما بما يراه صلاحا. وإذا باع العدل الرهن بدين، كان عليه الضمان، لأنه بذلك مفرط، وإذا فسق العدل، نقل الرهن من يده، لأنه غير مأمون عليه، وإذا حدثت عداوة بينه وبين الراهن، أو المرتهن وأراد (2) نقله، نقل، لأنه ليس من أهل الأمانة في حق عدوه،

(1) فيه أن حق المرتهن أصل بيعه في الجملة، لاستيفاء الدين به، وحق الراهن متعلق بشخص المال، وخصوصياته، لكونه ملكه، فاللازم تقديم قوله، نعم إن كان نقده من غير الجنس الذي عليه وجب تبديله به.
(2) أي الذي بينه وبين العدل عداوة من الراهن أو المرتهن، والمراد أنه إذا أراد هذا أن ينقله الآخر من يد هذا العدل إلى محل آخر وجب عليه ذلك.

[ 66 ]

وإذا تغيرت حال العدل بمرض، أو كبر حتى صار غير متمكن من حفظ الرهن، ولا القيام به فإنه ينقل من يده، لأنه يخشى هلاكه. وإذا اختلف الراهن والمرتهن فيمن ينقل إليه، فأراد أحدهما غير ما أراده الآخر، كان على الحاكم أن يجتهد في ذلك، وينقله إلى أمين ثقة. فإن اختلفا في تغير العدل، فقال أحدهما: تغير، وقال الآخر: لم يتغير، كشف الحاكم عنه، فإن كان لم يتغير أقر الرهن عنده بحاله، فإن كان قد تغير، نقله من يده، وكذلك الحكم إذا كان الرهن في يد المرتهن وادعى الراهن تغيره سواء. وإذا مات المرتهن وصار الرهن في يد وارثه، أو وصيه، وطالب الراهن بنقله من يد الذي صار إليه، كان له ذلك لأنه لم يرض بأن يكون في يد الوارث أو الوصي وينبغي للحاكم، أن ينقله إلى يد ثقة أمين وكذلك الحكم سواء، إذا كان في يد العدل ومات. وإذا لم يتغير حال العدل، واتفق المتراهنان على نقله من يده، كان ذلك جائزا لأن الحق لهما، فإن اختلفا: فأراد أحدهما نقله من يده، ولم يرده الآخر، لم ينقل من يده لأنهما قد رضيا بأمانته ونيابته عنهما في حفظه، فليس لأحدهما الانفراد بنقله واخراجه عن يده. وإذا كان الرهن على يد العدل وأراد رده على المتراهنين، وكانا حاضرين، كان له ذلك، وإذا رده عليهما وقبضاه، فقد برأ العدل من حفظه، فإن امتنعا من قبضه ألزمهما الحاكم قبضه، أو قبضه عنهما، ويبرأ العدل من حفظه أيضا. فإن سلم العدل إلى الحاكم، قبل امتناعهما من قبضه، لم يجز له ذلك، لأنه لا يجوز للعدل دفع الرهن إلى غير المتراهنين مع حضورهما، وامكان إيصاله إليهما، ولا يجوز للحاكم أيضا قبضه منه قبل امتناعهما من قبضه، لأنه لا يثبت له ولاية عليهما إلا إذا امتنعا من القبض، وتعذر إيصاله إليهما، وكذلك: إذا دفعه إلى ثقة عدل ضمنا جميعا، لأنه لا يجوز أن يخرجه من يده إلى غير المتراهنين، وأما العدل الذي قبضه، فإن قبضه بغير حق، فعليه ضمانه، فإن سلمه إلى أحد المتراهنين، كان

[ 67 ]

عليهما أيضا ضمانه، لأنه وكيل لهما في حفظه، فلم يجز له دفعه إلى أحدهما دون الآخر فإن كان المتراهنان غايبين، وكان للعدل عذر، من سفر أو مرض مخوف، فإن الحاكم يقبضه منه عنهما، ولا يجوز له دفعه مع وجود الحاكم إلى غيره، فإن لم يقدر على حاكم ودفعه إلى ثقة عدل، لم يلزم ضمانه، وإن لم يكن له عذر، لم يجز له دفعه إلى الحاكم. وإذا كان أحد المتراهنين حاضرا، والآخر غائبا لم يجز للعدل تسليم الرهن إلى الحاضر، لأنه نائب في حفظه عنهما جميعا، فإن سلمه إلى الحاضر، كان عليه ضمانه ولا يقوم الحاكم هيهنا مقام الغايب (1)، كما قام مقام الغائبين، على ما قدمناه. وإذا تراضى المتراهنان على أن يكون الرهن على يد عدلين، وأراد أحدهما أن يسلم (2) الآخر حتى ينفرد بحفظه، لم يجز له ذلك، لأن الراهن لم يرض بأمانة أحدهما، وإنما رضي بأمانتهما جميعا، فلا يجوز لأحدهما الانفراد بحفظه على حال. وإذا جنى إنسان على الرهن، فأتلفه وهو على يد العدل، كان على الجاني قيمته، ويكون على يد العدل رهنا عوضا عن الأول، وليس يجوز للعدل، بيع هذه القيمة عند محل الدين، لأن الراهن إنما وكله في بيع الرهن دون غيره (3). وإذا كان عند إنسان رهن، لم يجز له أن يسافر به، فإن فعل ذلك، كان عليه

(1) ظاهره أنه مع العذر لا يجوز دفعه إلى الحاضر، والحاكم معا وهذا بعيد جدا، إذ مقتضى كون الحاكم وليا عن الغائبين كونه وليا عن الغائب الواحد أيضا مع إنه عند العذر ليس العدل مكلفا بحفظه، والمفروض أنه لا يجوز له دفعه إلى الحاضر فإما أن يدفعه إلى عدل آخر وحده أو مع الحاضر أو إلى الحاكم والحاضر وهذا أولى بلا إشكال.
(2) أي إلى الآخر، أو يسلم الآخر إليه.
(3) الظاهر أن القيمة بدل عن التالف وفرع عليه، فتجرى عليها أحكامه التي منها الوكالة في البيع.

[ 68 ]

ضمانه، فإن رجع به إلى بلده، لم يزل عنه الضمان، لأن الاستئمان قد بطل ولا يعود الأمانة إلا بأن يرجع إلى صاحبه، ثم يعيده إليه، أو إلى وكيله. وإذا وكل المتراهنان عبدا بغير إذن سيده في حفظ الرهن وبيعه عند محل الحق بجعل، أو غير جعل، لم يجز ذلك، لأن منفعته لسيده، فإن أذن في ذلك كان جائزا. وإذا وكلا في ذلك مكاتبا بغير جعل، لم يجز ذلك لأنه ليس له أن يتبرع لتعلق حق سيده بمنافعه، وإذا كان ذلك بجعل، كان جائزا، لأن للمكاتب أن يؤجر نفسه من غير إذن سيده. وإذا اقترض الذمي من مسلم مالا، ورهن عنه به خمرا، ليكون على يد ذمي آخر يبيعها عند محل الدين فباعها، واحضر الثمن إلى صاحب المال جاز له أخذه (1) ولا يجبر على ذلك (2)، فإن شرط أن يكون الخمر على يد مسلم، وأن يبيعها هذا المسلم عند محل الحق فباعها وقبض ثمنها، لم يصح ذلك ولم يكن لبيع المسلم

(1) كما في خبر منصور قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): لي على رجل ذمي دراهم فيبيع الخمر والخنزير، وأنا حاضر، فيحل لي أخذها فقال: إنما لك عليه دراهم فقضاك دراهمك، ونحوه غيره، وورد في خبر الجزية إن وزر ذلك عليهم، وثمنه للمسلمين حلال، والمشهور بين الأصحاب بطلان الرهن المذكور، إذ لا حرمة للخمر في الاسلام، فلا يتعلق بها حق مسلم برهن وغيره، وعبارة المتن والمبسوط والخلاف لا تدل على صحته لجواز أن يكون المراد أنه وإن كان باطلا، لكن لو أدى الدين بثمنها كان جائزا.
(2) ظاهره أنه لا يجوز إجبار المسلم الدائن على أخذ هذا الثمن في دينه، ونحوه في المبسوط، واظهر منهما في الخلاف، وهذا بعيد إذ بعد فرض أنه حلال له لا وجه لامتناعه عن أخذه كثمن غير الخمر مع إنه الظاهر من خبر منصور المتقدم ويحتمل في عبارة المتن أنه لا يجوز للمسلم أن يجبر الذمي على بيع الخمر المرهونة لما مر آنفا من أنه لا يتعلق حقه بها.

[ 69 ]

الخمر ولا قبضه لثمنها حكم، ولم يجز للمسلم الذي هو صاحب الدين قبضه دينه من ذلك. وإذا أرسل إنسان رسولا إلى غيره مع عبد له، ليقترض له منه دنانير، ويرهن العبد عنده بها، ففعل الرسول ذلك، ثم اختلف الراهن والمرتهن، فقال المرتهن: أرسلت رسولك ليرهن العبد بعشرين دينارا. وقد فعل ذلك، وقال الراهن: ما أذنت له إلا في عشرة دنانير، كان القول قول الراهن مع يمينه، لأن الأصل أنه لم يرهن (1) فإن شهد الرسول للراهن أو للمرتهن، لم يسمع شهادته (2)، لأنه شهد على فعل نفسه وذلك مما لا تقبل فيه شهادته. وإذا أرسل إلى غيره عبدا وثوبا ثم اختلفا، فقال الراهن: العبد هو الرهن والثوب وديعة وأنا مطالب لك بالثوب، وقال المرتهن، الثوب رهن والعبد وديعة فليس لك مطالبتي بالثوب كان العبد قد خرج من الرهن بإنكار المرتهن كونه رهنا (3)، فأما الثوب فهو مدع بأنه رهن وصاحبه ينكر ذلك، فالقول حينئذ، قول الراهن مع يمينه، لأن الأصل أنه ليس برهن وعلى المرتهن البينة على أنه رهن. وإذا كان في يد إنسان ثوب، فقال لصاحبه هو الرهن في يدى رهنتنيه، أو رهنه عبدي (4) بإذنك، فقال صاحبه: لم أرهنه ولا أذنت في رهنه، وإنما رهنت

(1) أي بأزيد من عشرة، والمراد ما إذا اقترض له عشرين أو أكثر واختلفا في مقدار ما يرهن العبد به.
(2) الظاهر قبول قوله بكونه مؤتمنا ذا يد، وليس هو من باب قبول الشهادة.
(3) لكنه معارض بإقرار الراهن ولا يبعد هنا تقديمه على إنكار المرتهن للعلم إجمالا برهن أحدهما فلو لم يقدم بطل حق المرتهن ومع التنزل فالمرجع القرعة لعموم دليلها.
(4) لعل الصواب " عبدك " وفي نسخة (م) " عندي رسولك بإذنك ".

[ 70 ]

أو أذنت في رهن عبدي وقد فعلته، (1) وأنا مطالب لك بقيمته، كان القول قول الراهن في الثوب والقول قول المرتهن في العبد مع يمينه، لأن الأصل في الثوب أنه غير رهن، والقول قول المرتهن في قيمة العبد، لأن الأصل برائة ذمته من ذلك. وإذا رهن إنسان عبده عند غيره، فجنى هذا العبد على سيده، فإن كانت جنايته مما دون النفس، مثل قطع اليد أو قلع العين، أو قطع الأذن وما أشبه ذلك من الجراح التي فيها القصاص كان لسيده، أن يقتص منه، ويبقي بعد القصاص رهنا كما كان، وإن لم يقتص منه وعفى على مال لم يصح ذلك، لأنه لا يجوز أن يثبت له على عبده استحقاق في مال ابتداء، وعلى هذا ينبغي أن يكون الجناية هدرا، وإذا كانت خطأ فكما ذكرناه من إنه لا يصح أن يثبت له على عبده مال ابتداء فإذا كان كذلك بقي العبد رهنا، ولا يؤثر فيه جناية الخطأ ولا العمد بعد العفو فإن القصاص سقط والمال لا يثبت. وإن كان الجناية على نفس السيد، كان للوارث قتل العبد، فإن فعل ذلك بطل الرهن وإن عفى على مال لم يصح، لأنه لا يجوز أن يستحق على ماله مالا، وهذا العبد فهو للورثة فلم يجز ذلك لما ذكرناه. وإذا رهن إنسان عبده عند غيره، فقتل هذا العبد عبدا آخر لسيده فإن كان المقتول ليس برهن كان لسيده أن يقتص منه لأن العبد كفو للعبد، وإن أراد أن يعفو على مال ليبيع العبد المرهون ويقبض ثمنه، لم يجز له ذلك لأنه ليس للسيد أن يعفو عن جناية عبده على مال لنفسه من حيث أنه لا يثبت له على عبده مال إلا أن يكون قائما مقام غيره فيما يثبت له، وإن كانت الجناية خطأ لم يثبت المال وكانت هدرا على ما قلناه. وإذا كان الرهن جارية حبلى فجنى عليها فإن ضربها إنسان فألقت جنينا ميتا،

(1) كذا في الأصل ونسخة (ب) وفي المبسوط " وقد قبلته " والظاهر أن الصواب " وقد قتلته " بقرينة مطالبته بالقيمة.

[ 71 ]

كان على الجاني عشر قيمتها ولا يجب ما نقص من قيمة الأم، لأن ذلك داخل في دية الجنين، ويدفع ذلك إلى الراهن، لأن ولد المرهونة لا يدخل في الرهن، وكذلك بدل نفسه، وليس للمرتهن فيه شيئ، ولا يتعلق به حق له على حال فإن كان دابة حاملا فضربها فألقت جنينا ميتا كان على ضاربها ما نقص من قيمة الأم، ولا يجب بدل الجنين الميت من البهيمة، ويكون داخلا في الرهن لأنه بدل ما نقص من أجزاء الرهن فإن القت جنينا حيا ثم مات كان عليه قيمة الولد ولا يلزمه غير ذلك، ويدخل نقصان الأم في ذلك ويكون ذلك للراهن دون المرتهن. وإذا جنى عليه (1) وكذبه أحد المتراهنين وصدقه الآخر، فإن كان المكذب له هو الراهن، والمصدق له هو المرتهن، ثبت إقراره في حق المرتهن وأخذ منه أرشا ويكون رهنا، فإن أبرأ المرتهن الراهن من دين المرتهن رجع الأرش إلى المقر، ولم يستحقه الراهن، لأنه أقر بأنه لا يستحقه فلزمه إقراره، فإن صدقه الراهن وكذبه المرتهن، كان الأرش واجبا للراهن، وليس للمرتهن فيه حق. وإذا رهن مسلم عند كافر عبدا مسلما أو رهن عنده مصحفا وشيئا من أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) أو الأئمة (عليهم السلام) كان ذلك جائزا ويودع هذا الرهن على يد مسلم. وإذا باع إنسان من غيره شيئا بثمن معلوم إلى أجل معلوم، وشرط فيه أن يرهنه بالثمن رهنا معلوما، كان ذلك صحيحا، ويصير الرهن معلوما بالمشاهدة أو بالصفة، فإذا كان ذلك صحيحا كما ذكرناه وسلم المشتري ما شرط من الرهن، فقد وفي ووجب العقد، فإن لم يسلم ذلك، أجبر عليه، أو يتفاسخان العقد. وإذا باع شيئا بثمن معين إلى أجل معلوم وشرط أن يضمن إنسان الثمن جاز ذلك ويجب أن يكون من يضمنه معلوما، إما بالاشارة، أو بالتسمية والنسب وإما بالوصف بأن يقول يضمنه رجل غنى ثقة فإن لم يجب إلى ضمان ذلك، كان

(1) فيه سقط وصوابه كما في المبسوط وهامش نسخة (ب) بعلامة التصحيح: وإذا جنى إنسان على المرهون جناية ولم يعرف الجاني وأقر إنسان بأنه الذي جنى عليه وكذبه أحد المتراهنين وصدقه الآخر الخ.

[ 72 ]

القول في أنه يجبر على ذلك، أو يتفاسخان العقد كما ذكرناه فيما تقدم. وإذا اتفقا أن يضمن ذلك إنسان معين، أو اتفقا على رهن معين، فاحضر الراهن غير الرجل المعين، أو الرهن المعين لم يلزم المرتهن أن يقبل ذلك منه، ويكون الحكم فيه، مثل ما قدمناه أيضا. وإذا وجد المرتهن في الرهن عيبا، ولم يختلفا في أنه حدث في يد المرتهن، لم يكن له رده، لأنه حدث بعد القبض، وإن كان في يد الراهن وهو به كان له رده، فإذا رده كان مخيرا في فسخ البيع، أو في اجازته بغير رهن، فإن اختلفا في حدوثه وكان حدوثه لا يمكن في يد المرتهن، كان القول قوله بغير يمين، لأنه أمين، (1) وإن كان لا يمكن حدوثه في يد الراهن كان القول قوله من غير يمين، وإن كان حدوثه يمكن في يد كل واحد منهما كان القول قول الراهن مع يمينه، لأن الظاهر بقاء عقد الرهن وفقد الخيار. وإذا كان في الرهن عيب ودلس به الراهن على المرتهن كان المرتهن مخيرا بين رده بالعيب، وبين الرضا به معيبا، فإن رده بالعيب، كان مخيرا في فسخ البيع أو اجازته بغير رهن. وإذا رهن إنسان عبدين وسلم إلى المرتهن واحدا منهما، فمات في يده وامتنع من تسليم الآخر إليه، لم يكن للمرتهن خيار في فسخ البيع لأن الخيار في فسخه إنما يثبت له إذا رد الرهن وليس يمكنه رد ما قبضه، وهكذا الحكم إذا قبض أحد العبدين وحدث به عيب في يده وامتنع الراهن من تسليم الآخر إليه في أنه لا خيار له في فسخ البيع لأنه لا يجوز له رد المعيب للعيب الحادث في يده. ومتى لم يكن الرهن شرطا في عقد البيع فتطوع المشتري فرهن بالثمن ثوبا أو عبدا أو غير ذلك مما يجوز رهنه وسلمه إلى البائع، كان الرهن صحيحا ولزم، لأن كل وثيقة صحت مع الحق فهي صحيحة بعده، وإذا كان ذلك صحيحا لم يكن للراهن

(1) هذا التعليل غير مناسب وهو واضح.

[ 73 ]

انفكاكه إلا بعد الوفاء بجميع الحق، وليس له انفكاكه وقد بقي منه شيئ قليلا كان الباقي (1) أو كثيرا فإن رهنه ولم يسلمه لم يكن له ذلك واجبر على تسليمه (2) ولم يكن للبائع خيار في فسخ البيع، لأنه قد رضي به منه من غير رهن، وإنما يكون له الخيار إذا لم يرض به منه وشرط الرهن في عقد البيع، فإذا امتنع من تسليم الرهن كان قد امتنع من الوفاء بموجب العقد، وكان مخيرا في فسخه. فإن باع شيئا من غيره وشرط أن يكون المبيع، رهنا في يد البائع، كان البيع غير صحيح لأن شرطه أن يكون رهنا لا يصح لأنه شرط أن يرهن ما لا يملك والمشتري لا يملك البيع قبل تمام العقد، وإذا بطل الرهن بطل البيع لأن البيع يقتضي إيفاء الثمن من ثمن المبيع (3) وذلك متناقض من وجه آخر، أن الرهن يقتضي أن يكون أمانة في يد البائع، والبيع يقتضي أن يكون المبيع مضمونا عليه وذلك متناقض أيضا. فإن شرط البائع تسليم المبيع إلى المشتري " ثم يرده إلى يده رهنا بالثمن، فإن الرهن والبيع يكونان فاسدين، مثل ما ذكرناه متقدما، وإذا اختلف الراهن والمرتهن. فقال المرتهن: رهنتني عبدين وقال الراهن: رهنتك أحدهما. كان القول قول الراهن مع يمينه، لأن الأصل أنه لم يرهنه العبد الآخر، وإن اتفقا على الرهن، واختلفا في مقدار الحق الذي رهناه، كان القول قول الراهن مع يمينه، لأن الأصل أنه

(1) تقدم هذا في أوائل الباب وذكرنا ما فيه.
(2) لعدم كون القبض شرطا في لزوم الرهن عند المصنف كما مر في أوائل الباب.
(3) في العبارة سقط أو إجمال ففي المبسوط: لأن البيع يقتضي إيفاء الثمن من غير ثمن المبيع والرهن يقتضي إيفاء الثمن من ثمن المبيع وذلك متناقض ولعله (الخ) وقوله من وجه آخر بيان للتناقض بوجه آخر كما ذكره بعده ولعله كان بالواو العاطفة وقد أورد في المختلف كلام المبسوط واختار صحة البيع والرهن معا ورد الوجهين المذكورين مفصلا فراجع.

[ 74 ]

لم يرهن فيما زاد على ما أقر به. وإذا كان لانسان على غير ألفا درهم، ألف واحد برهن، والألف الآخر بغير رهن، فقضاه ألفا، واختلفا، فقال القاضي: هو الألف الذي " رهن " فطالب برد الرهن الذي على هذا الألف، وقال الذي قبض الألف: هو الذي بغير رهن، والذي بالرهن باق، والرهن لازم، كان القول قول القاضي للألف مع يمينه، لأنهما لو اختلفا في أصل القضاء كان القول قوله مع يمينه (1). وإن اتفقا على أنه قضاه ألفا، ولم يلفظ بشئ منه، ولم يدع نيته وقال القاضي: لم أنو شيئا، كان له أن يصرف إلى أيهما شاء، وكذلك إذا أبرأه من ألف، واختلفا في لفظه أو نيته، أو اتفقا على أنه أطلقه كان بمنزلة قضائه. وإذا كان له على اثنين ألف درهم، على كل واحد منهما خمس مائة وكان لهما عبد مشترك بينهما، فادعى صاحب الدين أنهما رهناه العبد الذي بينهما بالالف الذي هو عليهما، فإن أنكراه، كان القول قولهما مع يمينهما، لأن الأصل أنهما لم ير هنا، وكان عليه البينة بذلك، وإن صدقاه صار رهنا، وكان نصيب كل واحد منهما رهنا، بما عليه من الدين، فإذا قضاه، انفك من الرهن، وإن كان دين الآخر باقيا، فإن صدقه أحدهما، وكذبه الآخر، كان القول قول المكذب مع يمينه، ويكون نصيب المصدق رهنا بما عليه من الدين، فإن شهد المصدق منهما على المكذب، سمعت شهادته، لأنه شهد على شريكه بأنه رهن نصيبه، فإذا شهد عليه، وقبلت شهادته، كان لصاحب الدين أن يحلف مع شاهده، ويحكم له بذلك، فإن أنكراه

(1) ونحوه في المبسوط وكأنه من سهو القلم فإنه لو اختلفا في أصل القضاء فقال الراهن وهو المديون قضيت الدين، وقال المرتهن وهو الدائن لم تقضه فلا ريب إن القول قول المرتهن مع اليمين نعم يمكن الاستدلال لتقديم قول القاضي في الفرع بأنه أبصر بنيته كما في الشرائع ومثله ما إذا كان على كل من الالفين رهن خاص فقضى ألفا واحدا ثم اختلفا فيه.

[ 75 ]

وشهد كل واحد منهما على الأخرى بأنه رهنه حصته واقبضه، قبلت شهادتهما وكان عليه اليمين لكل واحد منهما فإذا حلف حكم له برهن جميعه. وإذا كان لانسان على غيره دين فرهنه داره وصارت الدار في يد المرتهن، فاختلفا فقال الراهن: ما سلمتها إليك رهنا، إنما أعرتكها أو غصبتها مني، أو استأجرها إنسان وأسكنك فيها، كان القول، قول الراهن مع يمينه، لأن الأصل عدم الإذن والرضا بتسليمه رهنا (1). واعلم أن الرهن لا يجوز لمالكه التصرف فيه على حال، فإن آجره كان الأجرة له فإن زوج الراهن عبده المرهون، كان تزويجه جائزا، إلا أنه لا يجوز تسليم الجارية إلى الزوج إلا بعد أن يفكها من الرهن، والنفقة على الرهن واجبة على الراهن، حيوانا كان أو غير حيوان وكل زيادة لا يتميز من الرهن فهي رهن معه، مثل أن يكون جارية فتكبر أو ثمرة فتدرك. وإذا رهن ماشية فإن الراهن إذا أراد الضراب للنتاج، كان له ذلك سواء كان المرهون فحلا أو أنثى، فإن كان فحلا وأراد أن ينزئه على ماشيته أو أراد أن يعيره غيره لذلك لم يكن للمرتهن منعه، لأنه مصلحة للراهن وليس على المرتهن فيه مضرة، وإن كان الماشية المرهونة إناثا وأراد أن ينزئ عليها فحولة ليست مرهونة وكان محل الدين يتأخر عن الولادة، كان ذلك للراهن وإن كان محل الدين لا يتأخر عن ذلك. لم يكن له ذلك، وقد ذكر إنه له، والأظهر أنه له إن لم يكن فيه ضرر يدخل على الراهن والمرتهن في ذلك، وللراهن رعى الماشية نهارا فإذا كان بالليل أتى بها إلى المرتهن.

(1) بناءا على ما ظهر من المصنف آنفا وفي أول الباب من لزوم عقد الرهن بدون القبض وانه يجبر الراهن عليه تظهر فائدة هذا الفرع في سائر آثار القبض من البيع في الدين ونحوه وظاهر المصنف هنا أنه لا يصح قبض المرتهن بدون إذن الراهن كما تقدم أيضا في أوائل الباب.

[ 76 ]

وإذا أراد الراهن أن ينتجع بها من موضعها، وكانت الأرض محضبة، فيها ما يكفي الماشية، لم يكن له ذلك إلا برضا المرتهن، وإذا أجدبت الأرض ولم يكن فيها ما يتماسك الماشية ويكتفي برعيه، كان للراهن الانتجاع بها، ولم يجز للمرتهن منعه من ذلك، لكن يوضع على يدى عدل يأوى إليه بالليل ويكون في حفظه ومراعاته، وإن لم ينتجع الراهن وانتجع المرتهن كان له الانتجاع بها ولم يكن للراهن منعه منها لأن للرهن فيه صلاحا، فإن أراد المتراهنان جميعا أن ينتجعا إلى موضعين مختلفين سلم إلى الراهن، لأن حقه أقوى من حق المرتهن لأنه يملك الرقبة ويحفظ (1) الماشية على يد عدل ثقة. وإذا كان الرهن طفلا ذكرا أو أنثى، لم يمنع الراهن من أن يعذرهما (2) وقد ذكر أن ذلك مسنون، وذكر وجوبه، والقول بالوجوب أظهر، فإن مرض هذا الرهن، واحتاج إلى دواء وامتنع الراهن منه لم يجبر عليه، لأنه قد يبرء من غير دواء، وإن أراد المرتهن أن يداويه، لم يجز للراهن منعه من ذلك، إذا لم يكن من الأدوية المخوفة التي يخالطها السموم، ويخشى عاقبتها وإن كانت المداواة بالفصد، أو ما يجرى مجراه من فتح العروق فإن ذلك جائز للراهن والمرتهن، من أراده منهما لم يكن للآخر منعه عنه، إذا أشاره الثقات من أهل الصنعة بفعله، وأنه لا يخاف منه، وأنه متى لم يفصد لم يؤمن التلف، أو حدوث مرض يخشى عاقبته، فإن ذكر أهل الصنعة أنه ينفع وربما أدى إلى ضرر، وخشي منه التلف، كان للمرتهن منع الراهن منه. فإن كان به إصبع زائدة أو سلعة (3) لم يكن للراهن قطعها، لأن تركها

(1) في نسخة (ب) بدلا " ويجعل ".
(2) أي يختنها كما فسره بذلك في المبسوط وظاهر المصنف وجوبه في كل من الذكر والانثى ولكنه خلاف النص والاجماع في الأنثى كما نذكره في النكاح.
(3) أي الغدة أو زيادة في البدن تتحرك كما في القاموس.

[ 77 ]

يضر (1) وقطعها يخشى منه، فإن كانت قطعة لحم ميتة يخشى من تركها، ولا يخاف من قطعها، جاز قطعها من كل واحد منهما، ولم يكن لأحدهما منع الآخر من ذلك وإن كان الرهن شيئا من الدواب وعرض له ما يحتاج إلى علاج البياطرة من توديح (2) وتبزيغ (3) وتعريب (4) وأشار أهل هذه الصنعة بذلك، جاز لكل واحد منهما فعله، ولم يجز لواحد منهما منع الآخر من ذلك. وإن كان الرهن نخلا فاطلعت النخلة، وأراد الراهن تأبيرها، لم يكن للمرتهن منعه من ذلك، لأن فيه مصلحة لماله، ولا مضرة للمرتهن، وما يحصل من النخل من كرب يابس، وليف وعرجون فهو للراهن دون المرتهن، لأن الرهن لم يتناول ذلك. وإذا رهن اثنان عند غيرهما عبدا بمائة له عليهما، وسلماه إلى المرتهن، جرى ذلك مجرى عقدين، فإن افتك أحدهما نصيبه صح ذلك في نصيبه، ولم يكن له مطالبة المرتهن بالقسمة، لأن القسمة للشريك المالك، فإن قاسمه المرتهن بإذن الراهن الآخر، كانت القسمة صحيحة فإن كان ذلك بغير إذن الراهن لم يصح، وإذا كان الراهن للعبد، واحدا والمرتهن اثنين، صح الرهن وجرى مجرى عقدين، وكان نصف العبد رهنا عند أحدهما بحصته من الدين، والنصف الآخر عند الآخر بحصته أيضا من الدين فإذا قضى لواحد منهما ما عليه أو أبرأه هو منه، خرج منه

(1) الصواب " لا يضر " كما في المبسوط.
(2) كان صوابه بالجيم ففي اللسان التوديج في الدواب كالفصد في الناس فهو من الودج بمعنى العرق.
(3) في القاموس بزغ الحاجم والبيطار: شرط: أي شق.
(4) في المبسوط: التعريب أن يشرط أشاعر الدابة شرطا خفيفا لا يضر بالعصب بعلاج الأشاعر فوق الحافر.

[ 78 ]

نصفه من الرهن (1). وإذا رهن إنسان عند اثنين عبدا، وادعى كل واحد منهما (2) فصدق الراهن، كان القول: قول الراهن بغير يمين فإن كان مع واحد منهما بينة حكم له ببينته، وإن كان مع كل واحد منهما بينة وكان البينتان متساويتين، اقرع في ذلك بينهما، فإن أقر لأحدهما بالسبق (3) وكان الرهن في يد عدل أجنبي. دفع إلى المقر له لأنه انفرد بمزية الاقرار، فوجب تقديم دعواه على دعوى صاحبه ويحلف مع ذلك، وقيل إنه لا يحلف والأحوط الأول فإن نكل عن اليمين كان عليه قيمة الرهن الآخر (4) وردت اليمين على المدعي وحلف وإن كان الرهن في يد المقر له، كان أحق به من الآخر لمزية الاقرار، وإن كان في يد الآخر، كان المقر له، أولى للاقرار أيضا، وإن كان في أيديهما جميعا، فإن نصفه في يد المقر له فقد اجتمع له فيه يد واقرار فهو أولى به وفي النصف الآخر له إقرار وللآخر يد، والاقرار مقدم على اليد. فإن رهن أرضا وفيها شجر أو بناء، لم يدخل ذلك في الرهن، فإن قال بحقوقها، دخل ذلك في الرهن، وإذا رهن شجرا وبين الشجر أرض لم يدخل في الرهن كما لا يدخل في البيع، لأن الاسم لم يتناوله، ولا يدخل فيه قرار الأرض. وإذا رهن نخلا مؤبرة، لم يدخل الثمرة في الرهن إلا أن يشترط ذلك، وإن

(1) فيجوز له المطالبة بالقسمة مع المرتهن الآخر كما في المبسوط.
(2) في نسخة (م) وهامش نسخة (ب) تصحيحا: وادعى كل منهما أن رهنه وقبضه كان قبل صاحبه ولم يكن الرهن في يد واحد منهما فصدق الراهن أحدهما اه ونحوه في المبسوط.
(3) هذا إما تفصيل لما ذكره أولا أو المراد ما إذا كان معهما ويؤيد هذا قوله انفرد بمزية الاقرار وفي نسخة (ب) بدلا " بمزيد الاقرار "، (4) كان الصواب " للآخر " كما في المبسوط وعلى كل وجهه غير ظاهر كانه إن نكل عن اليمين وردت إلى المدعي الآخر كان أصل الرهن له لا قيمته.

[ 79 ]

كانت غير مؤبرة ثم أبرت، فالأظهر أنها لا تدخل في الرهن، لأن الاسم لا يتناولها. وإذا رهن إنسان غنما عليها صوف، لم يدخل الصوف في الرهن، وله أن يجزه ويتصرف فيه كيف أراد. وإذا رهن الأصل مع الثمرة صح ذلك ولا فرق بين أن يكون الثمرة مؤبرة أو غير مؤبرة بدا منها صلاح أو لم يبد، فإن كان رهنها بدين حال، صح العقد وبيعا معا واستوفى الثمن من ذلك، وإن كان بدين مؤجل، يحل قبل إدراكها ومعه كان صحيحا أيضا، وإن كان يحل بعد إدراكها ولا يبقى إليه الرطب، فإن كان مما يصير تمرا صح الرهن، واجبر الراهن على تجفيفه، وكانت المؤنة واجبة عليه، لأن ذلك يتعلق ببقاء الرهن، وإن كان مما لا يصير تمرا بطل الرهن في الثمرة، ولم يبطل في الأصل، والحكم في جميع الثمار والحبوب مثل ما ذكرناه في الرطب سواء (1). وإذا رهن إنسان ثمرة، يخرج بطنا بعد بطن مثل الباذنجان والتين والبطيخ وما جرى مجرى ذلك فإن كان بدين حال جاز، وإن كان بمؤجل يحل قبل حدوث البطن الثاني، أو يحل بعد حدوثه أو معه وهو متميز عنه، كان الرهن جائزا، وإن كان لا يحل حتى يحدث الحمل الثاني ويختلط بالأول اختلاطا لا يتميز عنه، كان الرهن باطلا إلا أن يشترطا قطعه إذا حدث البطن الثاني، لأنه لا يتميز عند محل الدين عما ليس برهن. ولا يجوز رهن المجهول، وكذلك الزرع الذي لا يستخلف (2) لا يجوز أن يرهن النابت إلا بشرط القطع، لأنه يحصل فيه زيادة لم يدخل في الرهن فيختلط

(1) تقدم نحوه فيما إذا رهن شيئا يسرع إليه الفساد مثل البقول والبطيخ لكن في المذكور هناك تفصيل يجرى هنا ظاهرا.
(2) في المبسوط " الزرع الذي يتخلف " وعن نسخة منه " يستخلف " وعلى كل المراد كما يظهر مما بعده ما يزيد على النابت تدريجا كالبقول.

[ 80 ]

به، وإذا كان المحل يتقدم على حدوث البطن الثاني كان الرهن صحيحا. وإذا حل الدين فتوانيا في بيع ذلك حتى حدث البطن الثاني، لم يفسد الرهن بالاختلاط بينهما فإن اختلطا " قبل الرهن برئ " (1) بالمسامحة بما اختلط فإن أجاب إلى ذلك كان الجميع رهنا وإذا حل الحق بيع الجميع فيه، فإن لم يجب إلى المسامحة، كان القول: قول الراهن مع يمينه في مقدار ما كان رهنا سواء كان الرهن في يد المرتهن أو الراهن. وإذا كان الرهن أرضا فغرس المرتهن فيها غرسا فإن كان غرس في مدة الرهن أمر بقلعه، لأنه لم يؤذن له في غرسه، وإن كان غرسه في مدة البيع بإذن الراهن فهو له (2) وإن أراد المرتهن قلعه ونقله كان له، لأنه عين ماله، وإن امتنع من قلعه كان الراهن مخيرا بين أن يقره في أرضه فيكون الأرض للراهن، والغرس للمرتهن، وبين أن يدفع إليه ثمن الغرس فيكون الجميع للراهن، وبين أن يطالبه بقلعه على أن يضمن له ما نقص الغرس بالقلع وكذلك البناء لا فرق بينهما فيما ذكرناه، وإذا اقرض غيره ألف درهم على أن يرهنه بالالف داره ويكون منفعة الدار للمرتهن، لم يصح القرض، لأنه قرض يجر منفعة ولا يصح الرهن لأنه تابع له. وإذا كان لانسان على غيره ألف درهم قرضا، فقال الذي عليه الألف، للذى

(1) الصواب. " قيل للراهن ترى " كما يظهر من المبسوط ونسخ المتن مشتبهة في ضبط الكلمات.
(2) هذا من فروع ما إذا رهنها إلى مدة وشرط للمرتهن أن تكون الأرض مبيعة له بعد هذه المدة إن لم يؤده الدين فيها كما هو صريح المبسوط وأشار إليه المصنف بقوله: وإن كان غرسه في مدة البيع، ولعله كان مذكورا في المتن فسقط وعلى كل فاصل المسألة تقدمت في أوائل الباب وذكر المصنف أن الرهن والبيع كلاهما فاسدان فحينئذ إن غرس فيها في مدة الرهن فقد تصرف فيها بغير إذن صاحبها وإن كان بعدها فالبيع وإن كان باطلا لكن الغرس بإذنه فلذا يختلف حكمه.

[ 81 ]

له الألف أقرضني ألفا، على أن أرهنك به، وبالألف الذي لك عندي بغير رهن هذه الدار، ففعل ذلك كان جائزا لأنه لا مانع يمنع من ذلك. وإذا شرط المرتهن شرطا لنفسه فإما أن يكون شرط نماء الرهن ومنفعته لنفسه، أو شرط أن يكون نماؤه داخلا في الرهن، فإن شرط لنفسه ذلك، فإما أن يكون ذلك في دين مستقر في ذمته، أو في دين مستأنف، فإن كان في دين مستقر في ذمته فرهنه به رهنا وشرط له نماؤه، كان الشرط باطلا والرهن صحيح، وإن كان في دين مستأنف فإما أن يكون في قرض أو بيع، فإن كان في قرض مثل أن يقول أقرضتك هذا الألف على أن ترهن دارك به وتكون منفعتها لي أو دابتك ويكون نتاجها لي، لم يجز ذلك، لأنه قرض يجر منفعة، ويكون القرض باطلا والرهن صحيحا (1) فإن كان في بيع فإما أن يكون المنافع معلومة أو مجهولة، فإن كانت معلومة مثل أن يقول بعتك هذا العبد بألف على أن ترهن دارك به ويكون منفعتها لي سنة كان هذا بيعا وإجارة، وذلك صحيح، ويكون منافع الدار للمرتهن سنة ويكون كانه اشترى عبدا بألف ومنافع الدار سنة، وإن كان المنافع مجهولة كان البيع فاسدا لأن الثمن مجهول، وإذا بطل البيع بطل الرهن، لأنه فرع عليه. هذا إذا شرط منفعة الرهن للمرتهن، فأما إن شرط أن يدخل بها في الرهن، فإن كان ذلك في دين مستقر في ذمته بطل الشرط ولم يدخل في الرهن. وإذا رهن نخلا على أن ما أثمرت يكون رهنا مع النخل أو رهن ماشية على أن ما نتجت يكون النتاج داخلا في الرهن، كان ذلك جائزا (2) وإذا قال رهنتك هذا

(1) كذا في المتن والمبسوط ولا اراه إلا من الغفلة أو سهو القلم لما تقدم آنفا من أن الرهن أيضا باطل لأنه تابع للقرض ويأتي أنه إذا بطل البيع بطل الرهن لأنه فرع عليه.
(2) لا بد أن يكون المراد به غير الدين المستقر لئلا ينافى ما قبله.

[ 82 ]

الحق (1) بما فيه، لم يصح الرهن بما فيه للجهل به، ويصح في الحق، وإذا قال رهنتك الحق، دون ما فيه صح ذلك بغير خلاف، والحكم في الجراب والصندوق والخريطة مثل ما ذكرناه في الحق على حد واحد. وإذا شرط على المرتهن أن يكون الرهن مضمونا كان الشرط باطلا وإذا تلف الرهن، كان للمرتهن الرجوع بدينه على الراهن، سواء كان دينه أكثر من قيمة الرهن أو أقل، لأنه أمانة، وسواء كان هلاكه بأمر ظاهر مثل الحريق أو النهب أو الغرق أو بأمر خفي مثل السرقة والتلصص الخفية أو الضياع، فإن اتهم المرتهن كان القول: قوله مع يمينه إذا لم يثبت بينة على بطلان قوله، فإن فرط في حفظه أو استعمله كان ضامنا له. وإذا قضى الراهن دين المرتهن وطالبه به والرهن عليه (2) فاخره ثم تلف، فإن كان تأخيره لغير عذر كان ضامنا له، وإن كان لعذر لا يتمكن معه من دفعه إليه في الحال بشئ من الموانع مثل درب مغلق أو تضيق وقت صلاة فريضة، أو طريق مخوف أو جوع شديد يخشى منه على نفسه فأذا أخره لشئ من هذه الاعذار أو ما جرى مجراها لم يلزمه الضمان. وإذا ادعى المرتهن رد الرهن على الراهن لم يقبل قوله إلا ببينة، وكذلك المستأجر إذا ادعى رد العين المستأجرة على صاحبها لم يقبل قوله إلا ببينة، ويخالف الوديعة لأن المودع (1) إذا ادعى رد الوديعة على صاحبها قبل قوله مع يمينه، لأنه أخذها لمنفعة المودع. والوكيل إذا ادعى الرد على الموكل فإن لم يكن له جعل، كان بمنزلة المودع، وإن كان له جعل أو كان العامل في القراض إذا ادعى الرد، وكذلك

(1) بضم الحاء المهملة وعاء المال.
(2) الصواب: وطالبه برد الرهن عليه كما في المبسوط.
(3) بفتح الدال أي المستودع وفي التالي بكسرها.

[ 83 ]

الاجير المشترك لا يقبل قوله إلا ببينة. وإذا أسلم إنسان إلى غيره في طعام وأخذ به رهنا صح الرهن، فإن تقايلا وفسخا عقد السلم سقط الطعام عنه، وبرئت ذمته منه وانفك الرهن، لأنه تابع للدين، فإذا سقط بطل الرهن. وإذا باع العدل بإذن الراهن والمرتهن وسلم الثمن إلى المرتهن ثم وجد المشتري بالرهن عيبا فأراد رده لم يكن له رده على المرتهن، ولم يكن له مطالبته بالثمن الذي قبضه، لأن المرتهن ملكه بتصرف حادث بعد البيع، كما إن من باع ثوبا بعيد وقبض العبد وباعه ثم وجد المشتري بالثوب عيبا، كان له رده على البائع ولم يكن له مطالبة المشتري بالعبد الذي ملكه بالشراء من البائع وكذلك إذا رهنه أو أعتقه. فإذا كان كذلك فإن كان العدل قرر في حال البيع أن المبيع للراهن وإنه وكيل فيه، لم يتعلق به من أحكامه شئ، ولم يكن للمشتري رده عليه، ومطالبته بالثمن، وكانت الخصومة بينه وبين الموكل في البيع، وهو الراهن وينظر فيه، فإن صدقه على أن العيب كان في يده، رده عليه، وكان عليه مثل الثمن الذي قبضه منه وكيله، فإن لم يبين العدل حين باعه أنه وكيل، تعلق حكم العقد به في حق المشتري، فإن أقر العدل والراهن بأن العيب كان قبل قبض المشتري رده على العدل ورجع عليه بالثمن، ورجع العدل على الراهن، وإن لم يقرا بذلك، وكان للمشتري بينة فهو كذلك. وإن لم يكن له بينة، كان القول قول العدل مع يمينه، فإن نكل عن اليمين، ردت على المشتري، فإن حلف رد المبيع على العدل، واسترجع منه مثل الثمن الذي دفعه، ولا يرجع العدل هاهنا على الراهن، لأنه مقر بأن العيب حادث في يد المشتري، وإنه يستحق الرد، وإنه ظالم بما رجع عليه من الثمن فلم يجز أن يرجع الظلم إلا على ظالم. فأما إذا استحق الرهن من يد المشتري، وجب عل المشتري رده على

[ 84 ]

مستحقه، وكان له الرجوع على المرتهن بما قبضه من الثمن، لأن ذلك عين ماله لم يملكه الراهن ولا المرتهن، لأن البيع وقع ثابتا (1) في الأصل. فإن كان الرهن قد تلف في يد المشتري، كان للمستحق أن يرجع بقيمته على من شاء من المشتري أو الراهن، أو العدل أما المشتري فلأنه قبض ماله بغير إذنه، وكذلك العدل. وأما الراهن فلأنه غاصب، ويستقر الضمان على المشتري، لأنه تلف في يده ويرجع هو بما دفع من الثمن على المرتهن إن كان باقيا في يده وإن شاء رجع على العدل، وإن كان قد مات، وخلف تركة ووارثا وعليه دين، يستغرق جميع التركة، فرهن الوارث بعضها، أو باعه، لم يصح ذلك، لتعلق الضمان بالتركة. " تم كتاب الرهن "

(1) الصواب " فاسدا " كما في المبسوط ونسخة (ب) بعلامة البدل.

[ 85 ]

كتاب الوقوف والصدقات والعطايا والهبات " باب الترغيب في فعل المعروف " روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، أنه قال: تصدقت يوما بدينار، فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي أما علمت أن صدقة المؤمن لا تخرج من يده حتى يفك عنها لحى سبعين شيطانا (1). وعنه أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب، فإذا تصدق أحدكم بيمينه فليخفها من شماله (2).

(1) الوسائل ج 6 ص 257 وزاد بعده: كلهم يأمره بأن لا يفعل وروي في الكافي باب فضل الصدقة من كتاب الزكاة عن الصادق (عليه السلام) قال واستزلوا الرزق بالصدقة فإنها تفك من بين لحى سبع مأة شيطان. قلت اللحى بفتح اللام منبت شعر اللحية وتثنيته لحيان وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان كما في التاج فالمراد أن الشيطان كثير المنع للصدقة بحيث كأنها تخلص من بين لحى كذا شيطانا.
(2) مستدرك الوسائل ج 1 باب استحباب الصدقة في السر من كتاب الزكاة قلت إخفائها عن شماله كناية عن شدة الاسرار بها أي لا يبسط يمينه بإعطائها فيتقدم على شماله والنصوص في فضل الصدقة السر وأنها تطفئ غضب الرب وتكفر الخطيئة وغير ذلك عن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) كثيرة جدا مثبوتة في أبواب آداب الصدقة زكاة البحار والوسائل ومستدركه وكنز العمال ج 6 كما ورد نحوها أيضا في فضل الصدقة بالليل.

[ 86 ]

وعن الباقر - عليه السلام - أنه قال: اصطناع المعروف يدفع مصارع السوء وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، واول من يدخل الجنة أهل المعروف. (1) وعن الصادق - عليه السلام - ارغبوا في الصدقة، وبكروا فيها، فما من مؤمن ولا مؤمنة يتصدق بصدقة حين يصبح، يريد بها ما عند الله، إلا دفع الله بها عنه من شر ما ينزل من السماء في ذلك اليوم.
(2) وعن الباقر (عليه السلام): إن الصدقة يضاعف في يوم الجمعة.
(3) وعن علي (عليه السلام): الصدقة والحبس ذخيرتان، فدعوهما ليومهما.
(4) " باب الوقوف والصدقات " " الوقف في الأصل، صدقة " ويثبت صحته بأمرين: أحدهما: صحة التصرف فيما يقفه الانسان، إما بملك، أو إذن، والآخر: أن يقبضه، ويخرجه عن يده إلى من هو وقف عليه، أو لمن يتولى عنه ذلك، أو يقوم مقامه في قبضه، فإذا وقف على خلاف ذلك، كان باطلا، فإن مات الواقف والحال فيما وقفه وحبسه على ما ذكرناه، كان ميراثا لورثته، وليس يجوز الوقف إلا فيما يحصل به الانتفاع على الاستمرار

(1) الوسائل ج 11 الباب 1 من فعل المعروف والبحار ج 74 باب فضل الاحسان والمعروف وقد ورد فيهما عن الأئمة (عليهم السلام) أخبار كثيرة مثل ما في هذا الخبر.
(2) الوسائل ج 6 باب استحباب التبكير بالصدقة ص 267 (3) الوسائل ج 5 باب استحباب الصدقة يوم الجمعة من أبواب صلاة الجمعة الحديث 2 و 3 وفي معناه أخبار أخر كما في الباب 40 من المذكور و 21 من زكاة البحار ج 96 ص 180 (4) مستدرك الوسائل، كتاب الوقوف والصدقات، الباب الأول، الحديث الثالث.

[ 87 ]

وعينه قائمة، أو فيما يكون له أصل ثابت، وإن لم يستمر الانتفاع به إلا في أوقات مخصوصة، فأما الأول: فهو كالدور، والمساكن، والضياع، والأراضي، والرقيق والحلى، وكتب العلوم، والمصاحف، وما جرى مجرى ذلك، وآلات الحرب. إذا وقف ذلك في الجهاد، مثل السيوف، والدروع، والخيل، وما جرى هذا المجرى. وأما الثاني: فهو كالنخل، لأنه يصح وقف ثمرته (1)، والأصل ثابت، وكذلك جميع ما جرى هذا المجرى، ولا يجوز وقف ما لا ينتفع به، إلا باستهلاك عينه، كالدنانير والدراهم، وما يؤكل، ويشرب، وما أشبه ذلك. والصدقة ضربان: مطلقة وغير مطلقة، فالمطلقة: هي كل صدقة حصلت عارية من جميع الشروط، والذي ليس بمطلق منها ضربان: مشروط ومؤبد، والمشروط: كل صدقة علق الانتفاع بها بشرط لا يفيد التأبيد، وأما المؤبد: فهو كل صدقة شرط إيصال (2) الانتفاع بها إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، والصدقة المطلقة يقتضي التمليك لرقبة الملك المتصدق به، ويصح من المتصدق عليه به التصرف في ذلك بالبيع، والهبة وغير ذلك من وجوه التصرف. وأما الصدقة المشروطة: فإنها إذا وقعت كذلك، اقتضت تمليك الانتفاع بمنافعها دون رقبة الملك، ولا يصح تصرف المتصدق عليه بها في رقبة الملك، بل له التصرف في المنافع بحسب ما يقتضيه الشرط الحاصل فيها. وأما المؤبد، فإذا وقعت الصدقة عليه كانت وقفا وحبسا، واقتضت صحة التصرف في منافعها من الموقوف عليه إلى حين انقراضه، ثم ينتقل ذلك إلى من شرط رجوع ذلك إليه من بعده. فإن وقف إنسان وقفا، فيجب أن يذكر الموقوف عليه، ويقصد به وجه الله تعالى، فإن وقفه ولم يذكر الموقوف عليه، ولا قصد به وجه الله، لم يصح الوقف، وليس

(1) كانه من سهو قلم الناسخ وصوابه يصح الانتفاع بثمرته.
(2) في هامش نسخة (ب) عن نسخة أخرى " اتصال الانتفاع ".

[ 88 ]

يجوز أن يقف إلا ما يملكه، فإن وقف ما لا يملكه، كان باطلا. وإذا وقف وقفا، ولم يخرجه من يده، ولم يقبضه الموقوف عليه أو من يتولى عنه ذلك، كان باطلا أيضا، فإن مات المالك والحال فيما وقفه على ما ذكرناه، كان ميراثا. وإذا كان لانسان أولاد صغار، أو كبار ووقف على الكبار، لم يكن بد من أن يقبضهم ما وقفه عليهم، وإن لم يقبضهم ذلك لم يصح الوقف، وجروا في ذلك مجرى الأجنبي، في أنه إذا وقف عليه ولم يقبضه، كان الوقف باطلا، فإن وقف على الصغار، كان وقفه صحيحا، وإن لم يصح منهم القبض لذلك في حال صغرهم، لأنه هو الذي يتولى عنهم ذلك، وتوليه لهم يقوم مقام قبضهم له (1). وإذا وقف الانسان شيئا، ثم أخرجه من يده وملكه، لم يجز له تغيير شيئ من شروطه، ولا الرجوع فيه، ولا في شئ منه، ولا نقله عن وجوهه ولا عن شئ منها وإذا وقف شيئا، فينبغي أن ينوي به وجه الله، فإن لم يفعل ذلك كان باطلا، كما قدمناه، وإذا لم يقصد بالصدقة التي ليست وقفا ذلك أيضا لم تصح الصدقة. وقف المفتوحة عنوة ولا يجوز أن يقف شيئا مما افتتحه المسلمون عنوة، إلا أن يصطفي الإمام شيئا منه لنفسه، ثم يملكه ذلك، أو يقطعه إياه، وليس يجوز أن يقف الانسان شيئا على من لم يوجد بعد، وليس معه موجود، فإن فعل ذلك كان الوقف باطلا ولا يجوز لمسلم أن يقف وقفا على أحد من الكفار، فإن وقف ذلك كان باطلا، وقد ذكر جواز ذلك في الأبوين، إذا كانا كافرين، والظاهر ما ذكرناه. والوقف يجب أن يجري على ما يقفه الواقف، ويشترط فيه، ولا يجوز لأحد

(1) لما في صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال في الرجل يتصدق على ولد له قد أدركوا إذا لم يقبضوا فهو ميراث وإن تصدق على من لم يدرك من ولده فهو جائز لأن والده هو الذي يلى أمره اه وهذا الخبر من أقوى ما دل على ولاية الأب لولده الصغير.

[ 89 ]

تغيير شيئ من شروطه، اللهم إلا أن يكون شرطا يتعلق بوجه قبح، فإنه يجب تغييره لذلك. وإذا وقف إنسان على ولد له موجود، وهو صغير، ثم ولد له بعده غيره، وأراد أن يدخله في الوقف مع الأول، كان جائزا، (1) إلا أن يكون قد خص الولد الموجود بذلك وقصره عليه، وشرط إنه له دون غيره ممن عسى أن يرزقه الله من الأولاد، فإنه لا يجوز أن يدخل غيره في ذلك. وإذا وقف إنسان على ولده، وكان منهم ذكور وأناث وشرط تفضيل البعض منهم على البعض، كان جائزا، وأجرى على حسب ما شرطه، وإن لم يشترط ذلك كان الذكر والانثى فيه سواء من ولده وولد ولده، لأن الاسم يتناول جميعهم. وإن شرط أن يكون الوقف بينهم على كتاب الله، أو قال على فرائض الله، كان بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن وقف شيئا على أبويه، كان الحكم فيهما أيضا على مثل ما قدمناه، وإذا وقف إنسان شيئا على المسلمين كان ذلك لجميع من أقر بالشهادتين، وأركان الشريعة، من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد. فإن وقفه على المؤمنين، كان ذلك لمجتنبي الكبائر من أهل الحق والمعرفة بالامامة دون غيرهم، ودون الفساق منهم، فإن وقفه على الشيعة، ولم يعين منهم فرقة دون أخرى، ولا قوما دون قوم، كان ذلك جاريا على الشيعة الامامية، والجارودية وجميع فرق الشيعة، من الكيسانية، والناووسية، والفطحية، والواقفية، والاثني

(1) يعني يجوز تغيير الوقف في هذا الفرض ونحوه في نهاية الشيخ بدون الاستثناء المذكور هنا ووجهه ما ورد أنه إذا جعل شيئا لولده الصغير ثم بدا له أن يدخل معه غيره جاز لكن المشهور على خلافه وحملوا الخبر على غير ذلك نعم لو شرط في الوقف أن يدخله معه إن أراد فالمعروف هو الجواز كما يجوز أن يقف أولا على ولده الموجود ومن يولد له ولعل هذا مراد المصنف وإن كان خلاف الظاهر من كلامه ولذا لم يذكره الفقهاء المتعرضون له إلا أنه انسب بالاستثناء المذكور

[ 90 ]

عشرية، إلا البترية (1)، فإنهم لا يدخلون معهم جملة. فإن وقفه على الامامية، كان جاريا على القائلين بإمامة الاثنى عشر، فإن وقفه على الزيدية، كان جاريا على القائلين بإمامة زيد بن علي، وأمامه كل من خرج بالسيف من ولد فاطمة (عليها السلام). " تقسيم الوقف حسب الموقوف عليه " وإن وقفه على الهاشميين، كان جاريا على ولد هاشم ابن عبد مناف، وولد ولده الذكور منهم والإناث. فإن وقفه على الطالبيين، كان جاريا على أولاد أبي طالب، وولد ولده من الذكور والإناث. فإن وقفه على العلويين، كان جاريا على ولد علي (عليه السلام) من الحسنيين، والحسينيين، والعباسيين، والمحمديين، والعمريين، وولد ولدهم الذكور والإناث. فإن وقفه على ولد فاطمة، كان جاريا على ولد الحسن، والحسين (عليهما السلام): الذكور والإناث. فإن وقفه على الحسنيين، لم يكن للحسينيين معهم في ذلك شيئ، وكان

(1) بضم الباء الموحدة وسكون التاء أو بتقديم التاء المفتوحة على الباء فرقة من الزيدية دعو إلى ولاية علي (عليه السلام) وخلطوها بولاية أبي بكر وعمر واثبتوا لهما الامامة فخروجهم من الشيعة في ذلك لأن هذا العنوان عند الفقهاء الامامية اسم لمن قدم عليا (عليه السلام) على غيره في الامامة كما ذكره العلامة في القواعد في هذا المقام وما في كتب العامة من عد هذه الفرقة من الشيعة كما في الملل والنحل أو عد رجالها منهم كما في تهذيب التهذيب في كثير بن اسمعيل النواء فهو على اصطلاحهم في التشيع وهو القول بتقديم علي (عليه السلام) على عثمان ومعاوية أو تقديم أهل البيت (عليهم السلام) على غيرهم في الكرامة وإمامة المذهب كما يظهر ذلك بمراجعة تراجمهم.

[ 91 ]

جاريا على أولاد الحسن الذكور منهم والإناث. فإن وقفه على الحسينية، لم يكن للحسنية معهم شيئ على حال. فإن وقفه على الموسويين، كان جاريا على أولاد موسى بن جعفر (عليهما السلام): الذكور والإناث. فإن وقفه على جيرانه، ولم يذكرهم بأسمائهم، ولا عينهم بصفاتهم، كان جاريا على من بين داره وبين دارهم أربعون ذراعا، من أربع جوانبها، ولم يكن لمن خرج عن هذا التحديد من الجيران في ذلك شيئ. فإن وقف ذلك على قومه، ولم يذكر أسمائهم، كان ذلك جاريا على أهل لغتهم من الذكور دون الاناث فإن وقفه على عشيرته، كان جاريا على الخاص من قومه الذين هم أقرب إليه في نفسه. وإن وقفه على مستحق الخمس، كان جاريا على ولد أمير المؤمنين (عليه السلام) وولد جعفر، وعقيل، والعباس. فإن وقفه على مستحق الزكاة، كان جاريا على الثمانية الاصناف الذين تقدم ذكرهم في باب الزكاة. فإن وقفه على أحد الاجناس الذين ذكرناهم وكانوا كثيرين في البلاد ومتفرقين فيها: كان ذلك جاريا على من يكون حاضرا في البلد الذي فيه الوقف، دون ما عداه من البلد. فإن وقفه على وجه من الوجوه في البر، أو على (1) قوم معينين ولم يشرط رجوعه على شئ معين بعد انقراض من ذكره، ثم انقرض الموقوف عليه، كان راجعا إلى ذرية الواقف. فإن وقفه على المساجد، أو الكعبة، أو المشاهد، أو ما جرى مجرى ذلك من مواضع العبادات التي يتقرب فيها المسلمون إلى الله تعالى، أو وقفه على شئ

(1) لفظة " أو " ليست في نسخة (ب) وهي موجودة في نسخة الأصل ونهاية الشيخ وهذا أصح من جهة العبارة وإلا فليس لذكر وجه من وجوه البر هنا فائدة لكن ينافيه ما يأتي قريبا من إنه إذا وقف على مصلحة فانقرضت جعل منافعه في وجه البر *

[ 92 ]

من مصالحها، أو سكانها والمقيمين بها، أو أحوالهم وأحوالها (1) كان جاريا على ذلك " تقسيم الوقف حسب الواقف ". فإن وقف المسلم شيئا على البيع، والكنايس، أو شيئ من بيوت عبادات الكفار على اختلافهم، كان باطلا. فإن وقفها الكافر على ذلك، كان ماضيا صحيحا. فإن وقف الكافر أيضا شيئا على الفقراء، كان جاريا على فقراء أهل ملته، دون من عداهم من فقراء الملل المخالفة لملته. وإذا كان الشيئ وقفا على قوم، ومن بعدهم على غيرهم، وكان الواقف قد اشترط رجوعه إلى غير ذلك، إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، لم يجز بيعه على وجه من الوجوه. وإن كان وقفا على قوم مخصوصين، وليس فيه شرط يقتضي رجوعه إلى غيرهم حسب ما قدمناه، وحصل الخوف من هلاكه وافساده، أو كان بأربابه حاجة ضرورية يكون بيعه أصلح لهم من بقائه عليهم، أو يخاف من وقوع خلاف، بينهم، يؤدي إلى فساد، فإنه يجوز حينئذ بيعه، وصرف ثمنه في مصالحهم على حسب استحقاقهم فإن لم يحصل شيئ من ذلك لم يجز بيعه أيضا على وجه من الوجوه. ولا يجوز هبة الوقف، ولا الصدقة به أيضا. وإذ وقف إنسان شيئا على مصلحة، فانقرضت، أو بطل رسمها جعلت منافعها

* فإن المصلحة أيضا من وجوه البر كما يأتي إلا أن يكون المراد بما هنا العناوين العامة كالفقراء والقوم معين الأشخاص والجهات الراجعة إلى مصالح المسلمين كالمشاهد ولعل وجه الفرق أن الوقف في الأخير ملك لله تعالى كما قيل وقد ورد أن ما كان لله فلا يرد وفي الأولين ملك للأشخاص وذكر المحقق رحمه الله في نكت النهاية وجها آخر حاصله أنه في الأخير وقف في الأولين حبس فراجع كلامه فيها. (1) أي على مراعاة أحوالها وكأنه عبارة أخرى عن المصالح.

[ 93 ]

على وجه من وجوه البر، وإذا ذكر شيئا على وجه من وجوه البر، ولم يذكره على التعيين، كان جاريا على الفقراء، والمساكين، ومصالح المسلمين. ومن وقف شيئا لم يجز له أن يأكل منه وإلا أن يسكن فيه فإن أكل منه شيئا كان عليه قيمته، وإن سكن كان عليه أجرته، هذا إذا كان قد وقفه على قوم معينين من ولده، أو غيرهم، فإن لم يكن وقفه على قوم مخصوصين، بل وقفه عاما، وكان ذلك مسجدا، أو ساقية، كان له الصلاة في المسجد، والشرب من الساقية، وكذلك لجميع الفقراء، والأغنياء، وإن كان ثمرة ملك، أو غلة، وافتقر حتى احتاج إلى ذلك، وكان الوقف عاما، كان حكمه كحكم غيره من الفقراء والمساكين، وإن لم يكن عاما، وكان مخصوصا بقوم معينين لم يجز له ذلك، وإن كان ما وقفه دارا، أو منزلا، وكان وقفه كذلك عاما في سائر الناس، مثل الدور التي ينزلها الحاج، والخانات جاز له النزول فيها، وإن لم يكن كذلك، لم يجز له، ومن وقف شيئا، وشرط أنه متى احتاج إليه كان له بيعه، أو كان أحق به، كان ذلك ما شرطه، فإن مات كان ميراثا لورثته، ولم يثبت كونه وقفا ساريا بعد موته. " في الوقف المشاع " والوقف والصدقة التي ليست وقفا، يصحان في المشاع، كما يصحان فيما ليس بمشاع، كما ذكرناه وإذا كان المشاع بين شريكين، أو أكثر جاز لكل واحد. أن يقف بما يملكه منه، أو يتصدق به على من شاء على أي وجه اختاره. ومن تصدق بصدقة لم يجز له استرجاعها ببيع، ولا غيره، فإن رجعت إليه بالميراث، كان جائزا وصح التصرف فيها بالملك. وإذا حبس إنسان مملوكه في خدمة البيت، أو معونة الحاج، والزوار، أو فرسه في الجهاد، أو دابته في سبيل الله، وعجز المملوك عن ذلك، لمرض، أو غيره، أو عجزت الدابة، أو دبرت، أو مرضت، سقط عن المملوك فرض القيام بما حبس فيه، فإن عاد كل واحد من ذلك إلى الصحة كان الشرط فيه قائما إلى

[ 94 ]

أن يموت المملوك، أو ينفق الدابة. وإذا كان على رجل مهر لزوجته، لها أولاد صغار، وله أولاد، فتصدق بجميع ما يملكه على أولاده فرارا من المهر، كانت الصدقة ماضية، والمهر في ذمته يجب عليه الوفاء به، والمطالبة حتى يبرأ ذمته، وإذا تصدقت الزوجة على زوجها بصداقها، أو ببعضه، كان ذلك جائزا. وإذا وقف إنسان حصته من أرض، كان صحيحا، كما قدمناه ولم يثبت لشريكه في ذلك شفعة، لأن الوقف ليس ببيع، والشفعة إنما تثبت في البيع. فإن وقف حصته من عبد، كان جائزا، فإن أعتقه الواقف بعد ذلك لم يصح عتقه، لأن ملكه بالوقف قد زال عنه وإذا جنى العبد الموقوف جناية عمد، وكانت قتلا، قتل، وبطل الوقف، وإن كان قطعا قطع، وبقي الباقي وقفا كما كان، فإن كانت الجناية خطأ، يوجب المال كان ذلك في ماله، ولم يتعلق المال برقبته، لأنه إنما يتعلق برقبة من يباع فيه، وهذا لا يصح بيعه، فإن جنى عليه فقتل، وجبت قيمته، لأنه يضمن بالغصب. وإذا وقف جارية، صح تزويجها، لأن ذلك عقد معاوضة على منفعتها، وجرى ذلك مجرى إجارتها في الصحة، لما ذكرناه وعلى هذا يكون المهر لمن هو وقف عليه، لأنه من كسبها، فإن أتت بولد كان حرا، إذا زوجت بحر، وإن كان مملوكا كان بينهما. " باب النحلة والهبة " الهبة ضربان: أحدهما يجوز للواهب الرجوع فيه، والآخر لا يجوز له الرجوع فيه، والذي يجوز له الرجوع فيه هو كل هبة وهبها الانسان لأجنبي، وكانت قائمة العين، ولم يتعوض عنها عوضا، وإن كانت قد قبضت، فإن كان قد تعوض عنها شيئ قليلا كان أو كثيرا، لم يجز له الرجوع في شيئ منها، وكل هبة كانت لذى رحم منه، ولم يقبضها الموهوب له، والذي لا يجوز له الرجوع

[ 95 ]

فيه من ذلك كل هبة وهبها لأولاده الاصاغر، لأن قبضه قبضهم، فلا يجوز له الرجوع في ذلك، وكل هبة كانت لذى رحمه أولادا كانوا أو غير أولاد، وكانت قد قبضت، فإن لم يكن قبضت. كان الرجوع فيها جائزا، والأفضل له أن لا يرجع فيها، وإن مات قبل قبضها كان ميراثا. وإذا وهب الانسان لصغير من ذوي أرحامه الذي ليسوا بولد له، وقبضه وليه، لم يجز له الرجوع فيه، وإذا لم يتعوض الواهب من الهبة وهلك، أو تصرف الموهوب له فيها، لم يجز للواهب الرجوع فيها، ولا في شيئ منها. " الهبة عقد جائز " وإذ وهب الانسان هبة صحيحة، وباعها قبل القبض، كان البيع ماضيا، وانفسخت الهبة، وإن كان بعد القبض، كان البيع باطلا: فإن كانت الهبة فاسدة، وباعها قبل القبض كان البيع صحيحا، وإن كان البيع بعد القبض، وكان يعتقد أنها صحيحة، وأن الموهوب له قد ملكها صحت (1) ولم يصح بيعها لأن ذلك صار ملكه. وإذا كانت الهبة إنما يلزم بالقبض، وقبضها الموهوب له بإذن الواهب صحت، وثبت له الملك من حين القبض، فإن قبضها بغير إذن الواهب له في قبضها كان القبض فاسدا، ووجب عليه ردها. وإذا وهب شيئا، وقبل الموهوب له الهبة ومات الواهب قبل القبض لم يبطل العقد بموته، وقام الوارث مقامه في ذلك. وإذا وهب لغيره هبة، وقبل الموهوب له ذلك وإذن الواهب له في قبضها، ثم رجع عن ذلك قبل القبض، لم يجز للموهوب له قبضها، فإن قبضها بعد الرجوع،

(1) وجهه غير ظاهر فإنه إذا كانت الهبة فاسدة فاعتقاد صحتها من الواهب لا يصيرها صحيحة ويمكن أن يكون في العبارة تصحيف وصوابها كما في المبسوط صح بيعها لأن ذلك صادف ملكه.

[ 96 ]

لم يكن قبضه لها صحيحا، وإن رجع الواهب بعد القبض كان الهبة صحيحة، ولزم العقد، ولم ينفعه رجوعه بعد ذلك. وإذا قال وهبت لك هذا الشئ، وقبل الهبة وأقبضته إياها، كان العقد صحيحا ولزم بإقراره، ولا فرق في ذلك بين أن تكون الهبة في يد الواهب، أو في يد الموهوب له، لأن كونه في يد الواهب لا يدل على أنه ما أقبضه، من حيث أنه يجوز أن يكون اقبضه، ثم رجع إليه بسبب آخر، فإن قال بعد ذلك ما كنت أقبضته إياها، وإنما كنت، وعدته بالقبض، لم يقبل رجوعه عن إقراره. لأنه يكذب نفسه فيما تقدم من إقراره، فإن أراد يمينه على أنه كان اقبضه كان له ذلك. وإذا قال وهبت له هذا الشئ وخرجت إليه منه، لم يكن ذلك صريحا في القبض، فإن كان في يد الموهوب له، كان ذلك جائزا: واقرارا بالقبض، ويكون ذلك إمارة على أنه أراد به القبض، وإن كان في يد الواهب لم يلزمه الاقرار بالقبض، ويكون معنى قوله " خرجت إليه منه " أنه أذن له في القبض، ولم يقبض ذلك بعد، وإذا قال الموهوب له " وهبت لي هذا الشيئ وأقبضتنيه وملكته " فقال له الواهب " نعم " كان ذلك إقرارا بلزوم الهبة، فكأنه قال وهبت لك، وأقبضتكه، وملكته، لأن لفظة نعم يرجع إلى جميع ذلك على وجه التصديق، ولهذا لو قال إنسان " لي عليك ألف درهم " فقال " نعم " يلزمه ألف درهم. وإذا وهب إنسان شيئا لإثنين فقبلا ذلك، وقبضاه تمت الهبة في الجميع، وإن قبل أحدهما وقبض، تمت الهبة في حقه دون صاحبه، لأنه بمنزلة العقدين، لأن العقد الواحد مع الإثنين بمنزلة العقدين والصفقتين إذا انفردتا. " ما هي النحلة " وأما النحلة فهي العطية وهي للولد وذوي الرحم والقرابة أفضل، ويستحب إذا أعطى الانسان ولده أن يقسم بينهم، ويسوى بين جميعهم، ولا يفضل بعضهم على بعض، سواء كانوا ذكورا أو إناثا أو ذكورا وإناثا، فإن خالف ذلك وفضل

[ 97 ]

بعضهم على بعض، أو أعطى بعضا منهم وحرم بعضا، كان جائرا (1) ويكون تاركا للافضل، وصدقة التطوع عندنا بمنزلة الهبة في جميع الأحكام، ومن شرطها القبول والايجاب، ولا يلزم إلا بالقبض ومن له الرجوع في الهبة له الرجوع في الصدقة (2). " باب الهدية " من السنة ومكارم الأخلاق، الهدية وقبولها (3).

(1) كتب في هامش النسخة تحت هذه الكلمة: أي ظالما لنفسه ولغيره كذا في النهاية قلت فعليه تكون بالراء المهملة لكن الظاهر أنها بالزاء المعجمة كما في نسخة (ب) لقوله بعد ذلك ويكون تاركا للافضل كما ورد في النصوص التصريح بجوازه وصرح به الشيخ أيضا في النهاية.
(2) مقتضاه جواز الرجوع في الصدقة على غير ذي الرحم بعد القبض ونحوه في المبسوط وهذا مع كونه مخالفا للنصوص الكثيرة الدالة على عدم جواز الرجوع في الصدقة مطلقا وعن جماعة دعوى الاجتماع عليه، مناف لما تقدم في الوقف وذكره الشيخ في النهاية في باب الهبة من أن من تصدق بصدقة لم يجز له استرجاعها ببيع وغيره فلعل المراد بما هنا قبل القبض أو غير ذلك كما في مفتاح الكرامة ج 9 ص 150 فصل الصدقة.
(3) النصوص في ذلك كثيرة أورد جملة منها في الوسائل ومستدركه في باب استحباب الاهداء إلى المسلم وقبول هديته من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة مضافا إلى ما ورد في فضل البر وصلة الاخوان واصطناع المعروف إليهم ومكافأة المعروف وهي لا تحصى كثرة مذكورة في البحار في أبواب كتاب العشرة ج 74 و 75 ففي الوسائل في أبواب فعل المعروف ج 11 والأخبار الأربعة المذكورة في المتن موجودة في دعائم الاسلام ج 2 فصل التباذل والتواصل وأوردها إلا الثاني منها في المستدرك في الباب المذكور عن الدعائم وبعضها عن غيره أيضا وأما النصوص الراجعة إلى أحكام الهدية فقد أوردها في الوسائل في كتاب الهبات ج 13 من طبعة المكتبة الاسلامية بطهران.

[ 98 ]

وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: تصافحوا وتهادوا فإن المصافحة تزيد في المودة والهدية تذهب الغل. وعن علي (عليه السلام) أنه قال: خصوا بألطافكم خواصكم وإخوانكم. وقال: إذا أكرم أحدكم أخاه بالكرامة، فليقبلها، فإن كان ذا حاجة، صرفها في حاجته، وإن لم يكن محتاجا وضعها في موضع حاجة صاحبها، ومن كان عنده جزاءا فليجزه، ومن لم يكن عنده جزاءا فثناء حسن. وعنه (عليه السلام): إن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لو دعيت إلى ذراع شاة لاجبت ولو دعيت إلى كراع (1) لقبلت. " أقسام الهدية " والهدية ثلاثة أضرب أولها: أن يكون السبب الداعي إليها الولاية. والدين فيقصد بها ذلك قربة إلى الله تعالى، فإذا فعلت لذلك وجب قبولها، ولم يجز الرجوع منها، ولا التعويض عنها، وبالقبول لها يخرج من ملك المهدى، وإذا لم يقبلها من اهديت إليه، كان مخالفا للسنة، وجاز لصاحبها التصرف فيها، وليست تجري مجرى الصدقة. وثانيها: أن يكون السبب الذي دعا إليها، المودة في الدنيا، والتكرم، فإذا فعل ذلك، وكانت عارية من وجوه القبح، حسن قبولها، وإذا قبلت، خرجت بذلك

(1) الصواب " ولو اهدى إلى كراع " كما في الأخبار المشار إليها وغيرها وهو المناسب للباب والكراع بضم الكاف من البقر والغنم ما دون الركبة من مستدق الساق العاري عن اللحم أو ما دونه سواء كان من اليد أو الرجل والذراع في اليد وهو ما فوق الكراع كما في اللسان وغيره وظاهر الصحاح اختصاص الكراع بالرجل وفي رواية الفقيه عنه (صلى الله عليه وآله) لو دعيت إلى كراع لاجبت ولو أهدى إلى كراع لقبلت فقيل المراد بالكراع الأول أيضا ما ذكر وقيل كراع الغميم موضع بين مكة والمدينة والمراد به المبالغة في البعد.

[ 99 ]

من ملك المهدي أيضا، وله الرجوع فيها ما لم يكن المهدى إليه قد تصرف فيها، والأفضل ترك الرجوع فيها، والمكافاة عليها غير واجبة وإن كافأ عنها من اهديت إليه كان أفضل. وثالثها: أن يكون السبب الداعي إليها الايثار للتعويض عنها، وإذا فعلت لذلك كان المهدى إليه مخيرا بين قبولها وردها، فإن قبلها كان عليها العوض عنها مثلها والزيادة على ذلك أفضل، ولا يجوز للمهدي إليه التصرف فيها إذا كانت هدية على هذا الوجه إلا بعد أن يعوض عنها أو يعزم على ذلك، وإذا عوض عنها، وقبل المهدي العوض، سواء كان أقل منها أو أكثر، لم يجز له الرجوع فيها، وإذا لم يقبل ذلك المهدي العوض، وكانت عين الهدية قائمة، كان له الرجوع فيها، وإن دفع إليه أكثر منها، فإن تصرف فيها المهدى إليه والحال هذه كان عليه القيمة. " تم كتاب الوقوف والصدقات والعطايا والهبات "

[ 100 ]

باب السكنى والعمرى والرقبى هذه الثلاثة بمنزلة واحدة، وإنما يتميز بعضها من بعض بشروط نذكرها ليفهم معناها. أما السكنى: فهي إسكان الانسان غيره داره، أو ما يجري مجراها، أو ضيعته، أو عقاره مدة معينة، إباحة بغير عوض. وأما العمري: فهي أن يقول الانسان لغيره: أعمرتك هذه الدار، أو جعلتها لك عمرك، أو هي لك، ما حييت، أو بقيت، أو عشت، وما أشبه بذلك مما يكون هذا معناه. وأما الرقبى فهو أن يقول الانسان لغيره: " أرقبتك هذه الدار مدة حياتك أو مدة حياتي " وذهب بعض أصحابنا في الرقبى إلى أنها هي قول الانسان لغيره " جعلت لك خدمة هذا العبد مدة حياتك، أو مدة حياتي " وذلك مأخوذ من رقبة العبد، والأول مأخود من رقبة الملك، والذي ذكرناه أولا هو الظاهر من المذهب، والمعول عليه. والعمرى يفتقر صحتها إلى الايجاب والقبول، ولزومها يفتقر إلى القبض كغيره من الهبات، وذلك عقد جائز، فإذا قال لغيره: هذه الدار لك عمرك ولعقبك من بعدك، كان جائزا، لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: أيما رجل أعمر عمرى له

[ 101 ]

ولعقبه، فإنما هي للذي يعطاها، لا يرجع إلى الذي أعطاها، فإنه أعطى عطاءا وقعت فيه المواريث. (1) فإن أطلق القول فقال: هذه الدار لك عمرك، فإذا مت رجعت إلى، ولم يذكر فيه عقبا، كان للمعمر ما دام حيا، فإذا مات رجعت إلى المعمر، أو إلى وارثه إن كان مات، ويفتقر الرقبى أيضا في صحتها إلى الايجاب والقبول كالعمرى، ويلزم مدة حياة من علقها به، ويرجع ملكها بعد موته على ما يشرطه. " وحدة المعنى في الثلاثة " وقد قلنا أن المعنى في السكنى والعمرى والرقبى واحد، ولا فرق عندنا بين العمرى والرقبى، وما يفرق به بعض الناس بينهما، ليس بمذهب لنا. فإذا أسكن الانسان غيره رقبى، وشرط في ذلك موت أحدهما، كان جائزا، وإذا مات الواحد منهما، رجع الموضع إلى أهل المسكن، وإذا أسكن غيره مدة من الزمان، كان صحيحا، ولم يجز للمسكن نقل الساكن من ذلك، إلا بعد انقضاء مدته التي وقع التعيين عليها، فإن أسكنه كذلك، وأراد بيع المكان، لم يجز له بيعه إلا بعد أن تنقضي المدة، أو يشترط على المشتري بقاء الساكن إلى أن يستوفي مدته، وإذا مات المسكن والساكن على هذه الحال لم يجز لورثته نقله حتى تنقضي مدته.

(1) رواه مسلم في الهبات من صحيحه وأبو داود في البيوع من سننه وغيرهما بالإسناد عن جابر بن عبد الله واورده الشيخ في المبسوط وشيخنا النوري في المستدرك ج 2 ص 515 وظاهره أن العمرى في هذا الفرض عطاء كالهبة يقع فيه الميراث وغيره وهذا مخالف لنصوص الامامية وفتاواهم حيث ذكروا أن ملك الدار لصاحبها وإنما ينتفع بها المعمر في حياته وعقبه من بعده فإذا انقرضوا رجعت إلى صاحبها أو وارثه وسند الخبر عامى ليس بحجة ولعل مراد المصنف والشيخ من ايراده الاحتجاج به لاصل المشروعية على من انكره من العامة ولذا لم يحك عنهما القول بمضمونه ويمكن أيضا حمله على أنها كالعطاء في انتفاعه وانتفاع وارثه بها والله العالم

[ 102 ]

ومن أسكن غيره شيئا مما ذكرناه مدة عمره، كان ذلك ماضيا في زمان حيوته وإن كان (1) لورثته نقل الساكن من المكان، فإن مات الساكن، وله ورثة، كان ذلك لورثته إلى أن يموت المسكن، فإن جعل السكنى مدة حياة الساكن، كان ذلك ماضيا إلى أن يموت، فإذا مات رجع إليه، أو إلى وارثه أن كان قد مات، فإن أسكنه بشرط أنه أن مات أحدهما (2) بطل السكنى، كان جائزا، فمتى مات أحدهما، رجع المنزل إلى أهله، ومن أسكن غيره ما ذكرناه ولم يذكر شيئا (3) من ذلك، لم يجز للساكن أن يسكن معه غيره فيه، إلا أن يكون ولده وأهله، فأما غيرهم، فلا يجوز له إسكانه معه وكذلك لا يجوز له أن يؤجر لغيره، ولا أن ينتقل عنه ويسكنه لغيره (4) بغير أجرة، إلا أن يكون المالك قد أذن له في ذلك. " تمت أحكام السكنى والعمرى والرقبى "

(1) في نسخة (ب) وإذا مات كان لورثته وهو الصواب.
(2) أي غير المعين وقد تقدم نحوه آنفا والظاهر أنه تكرار.
(3) زاد في هامش نسخة (ب) هنا بعلامة التصحيح " من الشروط التي ذكرناها وأراد نقله من المكان كان له ذلك ومن أسكن غيره شيئا " وحاصله الفرق بين ما إذا علق الاسكان بعمر أحدهما أو بمدة معينة فيكون ملزما به وما إذا أسكنه بدون ذلك فيجوز له اخراجه متى شاء وهو المعروف بين الأصحاب وقد أهل المصنف حكم ما إذا علقه بمدة معينة ومات الساكن قبل مضيها والظاهر أنه مثل ما إذا علقه بعمر المالك ومات الساكن قبله وقد ذكر أنه يرجع في الباقي إلى ورثة الساكن لكنه مشكل في كليهما لعدم النص وعدم شمول الاسكان له لغيره ولذا لا يجوز له في حياته أن يسكن غيره إلا بإذن المالك.
(4) الصواب: ويسكنه غيره أو ما هو بمعناه.

[ 103 ]

كتاب الوصايا " باب الأمر بالوصية، والحث عليها الوصية جايزة " قال الله تعالى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين الآية (1). وقال، تعالى " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم الآية " (2). وكرر ذكر الوصية فقال: ولامه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين وقال: ولهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وقال: فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصي بها أو دين (3). وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: من مات بغير جاهلية (4).

(1) البقرة - 180.
(2) المائدة - 106 - (3) النساء - 11 و 12.
(4) الوسائل ج 13، الباب 1 من الوصايا، قال ابن إدريس في أول وصايا السرائر المراد به أن أهل الجاهلية ما كانوا يرون الوصية فإذا لم يوص المسلم فقد عمل كعملهم ومن تركها معتقدا أنها غير مشروعة ولا مسنونة فهذا جاحد للنص القرآني حكمه كحكم الكفار والمرتدين انتهى.

[ 104 ]

وقال: ما ينبغي لامرئ مسلم أن يبيت ليلة - وذكر ليلتين - إلا ووصيته تحت رأسه (1). وروي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: ما من ميت تحضره الوفاة إلا رد الله عليه من سمعه وبصره وعقله للوصية ترك الوصية، أو فعل، لأن الوصية حق على كل مسلم (2). وعنه، قال النبي (صلى الله عليه وآله): الوصية تمام ما نقص من الزكاة (3). وقال: من أوصى ولم يحف ولم يضار، كان كمن تصدق به في حياته.
(4) وقال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): من لم يحسن وصيته عند الموت، كان نقصا في مروءته وعقله.
(5). وقال عليه (عليه السلام): ينبغي لمن أحس بالموت، أن يعهد عهده ويجدد وصيته (6). وعن عامر بن سعد عن عن أبيه: مرض بمكة مرضا، أشفى فيه، فعاده رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله ليس يرثني إلا البنت، أفأوصي بثلثي مالي؟ فقال: لا فقال: أفأوصي بنصف مالي؟ فقال لا، فقال: أفأوصي بثلث مالي؟ فقال: الثلث، والثلث كثير، وقال (عليه السلام): إن تدع أولادهم أغنياء خير لهم من أن تدعهم

(1) الباب المذكور من الوسائل الحديث 7 وفيه أن يبيت ليلة والمستدرك الباب 1 من الوصايا وفيه ليلتين.
(2) الباب 4 من وصايا الوسائل وفيه أخذ الوصية أو ترك وهي الراحة التي يقال لها راحة الموت فهي حق على كل مسلم وهكذا في هامش نسخة (ب) بعلامة التصحيح.
(3) وسائل الشيعة ج 13، كتاب الوصايا، الباب الثاني، الحديث الأول.
(4) وسائل الشيعة ج 13، كتاب الوصايا الباب الخامس الحديث الثاني.
(5) وسائل الشيعة ج 13، كتاب الوصايا، الباب الثالث، الحديث الأول.
(6) مستدرك الوسائل، كتاب الوصايا، الباب الثاني، الحديث الثالث.

[ 105 ]

عالة يتكففون الناس. (1) وروى أبو قتادة أن النبي (صلى الله عليه وآله): لما قدم المدينة، سأل عن البراء بن معرور فقيل له: يا رسول الله إنه هلك وقد أوصى لك بثلث ماله، فقبل رسول الله ذلك ثم رده على ورثته.
(2) " باب ما صح من الوصايا وما لا يصح " الوصية بالخمس أو الربع أفضل من الوصية بالثلث، لاسيما إن كان الموصي قليل المال، لأنه إذا كان كذلك، كان توفيره لماله على ورثته أولى من أن ينقصه عليهم بالوصية، والوصية بالخمس أفضل من الوصية بالربع، والوصية بالثلث غاية فيما يوصي به الانسان من ماله، فمن أوصى بأكثر من الثلث لم يصح ذلك، إلا أن يجيزه الورثة. وإذا أوصى بجميع ماله أو بما يكون أكثر من الثلث، امضى من ذلك الثلث، ولم يمض ما زاد عليه، وإذا وصى بوصية كان له أن يغير شروطها، ويرجع فيها، وينقلها من إنسان إلى آخر، ومن وجه إلى وجه غيره.

(1) رواه أبو داود في سننه في كتاب الوصايا ومسلم في صحيحه وغيرهما بألفاظ مختلفة وطرق متعددة وهو معروف واورده الشيخ في المبسوط والنوري في المستدرك في الباب 9 من الوصايا. أقول قوله أشفى فيه أي اشراف على الموت كما في بعض ألفاظ مسلم أشفيت منه على الموت وقوله ليس يرثني إلا البنت أو ابنتي كما في لفظ آخر أو ابنة لي واحدة كما في ثالث فلعل المراد بذلك اضطرار ابنته إلى ميراثه دون سائر أولاده أو أن القضية كانت قبل أن يولد له غيرها فإن سعدا وهو هنا ابن أبي وقاص كانت له عدة أولاد ذكور وقد روي في صحيح مسلم هذه القضية عن ثلاثة منهم وقوله في المتن أن تدع أولادهم فالصواب أولادك كما في المصادر المذكورة.
(2) مستدرك الوسائل، كتاب الوصايا الباب التاسع، الحديث الأول.

[ 106 ]

فإذا أوصى بوصية، ثم أوصى بوصية أخرى، وكان العمل بهما ممكنا، عمل بهما جميعا، وإن كان العمل بهما جميعا غير ممكن، كان العمل بالاخيرة أولى (1). وإذا دبر إنسان مملوكه، كان له الرجوع في تدبيره، لأنه يجري مجرى الوصية، فإن لم يرجع في ذلك، كان من الثلث، فإن أعتقه في الحال، كان عتقه ماضيا، ولم يكن لأحد عليه سبيل. وإذا وصى إنسان بوصية، لم يكن لأحد مخالفته فيما أوصى به، ولا تغيير شيئ من شروط وصيته، إلا أن يكون قد أوصى بانفاق ماله فيما لا يرضي الله تعالى، أو شيئ من المعاصي، مثل قتل نفس، أو انفاقه على مواضع قرب الكفار. أو في مصالح بيوت عباداتهم، مثل الكنائس وبيوت النيران، فإنه متى فعل ذلك كان على الوصي مخالفته في ذلك، ورد الوصية إلى الحق. وإذا أوصى إنسان لأبويه، أو لواحد منهما، أو لبعض أقاربه، بوصية، كانت صحيحة، وذكر (2) أنه، إن وصى لبعض أقاربه، وكان الموصى له كافرا، كانت الوصية ماضية، والصحيح أنه لا يوصي لكافر.

(1) في نسخة (ب) كان العمل بالاخيرة دون الأولى ونحوه في نهاية الشيخ وقال ابن إدريس في السرائر في كلام طويل حاصله أن المراد بما في المتن ونحوه ما إذا كانت الوصية الثانية مناقضة للأولى كما إذا أوصى بثلثه لشخص ثم أوصى به لشخص آخر وأما إذا أوصى بشئ ثم أوصى بشئ آخر ولم يف ثلثه بهما فمذهب أصحابنا فيه أن يبدأ بالأول فالأول. قلت يؤيد ذلك ما يأتي قريبا في كلام المصنف من إنه إذا أوصى بثلث ماله لأجنبي وبثلث آخر للوارث كان العمل على الأول منهما.
(2) بصيغة المجهول أي قيل والقائل الشيخ رحمه الله تعالى في النهاية وذكره في مواضع من وصايا المبسوط إلا أنه يظهر من آخرها تقييده بما إذا كان الكافر من أهل الذمة.

[ 107 ]

وإذا أوصى بإخراج بعض الورثة من الميراث، وكان قد أقر به قبل ذلك، أو كان قد ولد على فراشه، ولم يكن انتفى منه في حال الحياة، كانت وصيته بإخراجه باطلة. وإذا وصى بالثلث للوارث، كان ذلك جائزا، إذا لم يكن بأكثر منه، فإن زادت على ذلك، ردت إلى الثلث كما قدمناه. وإذا جرح إنسان نفسه بما يكون منه هلاكه، وأوصى بعد ذلك بشئ، كانت وصيته باطلة، فإن أوصى ثم قتل نفسه كانت وصيته ماضية (1) في ثلث ماله، أو ثلث ديته، فإن جرحه غيره ثم وصى بعد ذلك كانت وصيته في ثلث ماله وثلث ما يستحقه من أرش الجراح ماضية. وإذا أوصى إنسان لمملوك غيره، أو وصى لمكاتب مشروط عليه، كانت وصيته باطلة، فإن وصى لمكاتب غير مشروط عليه، كانت الوصية جائزة بمقدار ما أدى من كتابته وإذا أوصى لمملوكه بثلث ماله، وكانت قيمة هذا المملوك أقل من الثلث أعتق ودفع إليه الباقي (2) وإن كانت قيمته أكثر من الثلث بمقدار السدس، أو الربع أو الثلث، أعتق بمقدار ذلك، واستسعى في الباقي للوارث، فإن كان قيمته على الضعف من الثلث، كانت الوصية باطلة (3).

(1) كذا في النسختين لكن فيه سقطا والصواب كما يظهر من النهاية: كانت وصيته ماضية فإن أوصى ثم قتله غيره كانت وصيته ماضية في ثلث ماله وثلث ديته.
(2) زاد في هامش نسخة (ب): وإن كانت قيمته وفق الثلث أعتق ولم يدفع إليه شيئ وليس عليه أيضا شيئ.
(3) مقتضى القاعدة صحتها أيضا لكن قيل أنها خارجة عنها بالنص وفي المسألة خلاف ومثلها المسألة التالية إلا أن النص فيها أظهر ولعل القول به أشهر والمراد بالثلث في هذه المسألة ثلث المملوك وغيره فالبطلان إنما يكون إذا بلغت قيمته ضعف ثلث المجموع كما أن المراد بالمسألة التالية، إذا لم يكن للموصى مال آخر غير المملوك الذي أوصى بعتقه كما صرح به في النص وكلام الأصحاب.

[ 108 ]

وإذا أوصى بعتق مملوكه وكان عليه دين، وكانت قيمة المملوك ضعفى الدين، استسعى في خمسة أسداس قيمته لأصحاب الدين ثلاثة أسهم، وللورثة سهمان وله سهم، فإن كانت قيمته أقل من ذلك، كانت الوصية باطلة. وإذا أوصى بثلث ماله لأجنبي، وبثلث آخر للوارث، كان العمل على الأول منهما، فإن التبست الحال في ذلك استعلمت القرعة، فإن أجاز الورثة جميعها كان ذلك صحيحا، وعمل بهما جميعا. وإذا أوصى إنسان لغيره، فقال إن مت قبل موته، أوصيت له بثلث مالي، وإن مت بعد موته فلزيد، فإن مات قبل موته فالوصية للأول، وإن مات بعد موته كانت لزيد. وإذا أوصى لذكر، كان ما وصى به للذكر وكذلك الحكم إن أوصى لأنثى فإن وصى لذكر وأنثى كان بينهما بالسوية. " الوصية للحمل " وإذا أوصى لحمل امرأة فقال: إن كان في بطنها ذكر، فله ديناران، وإن كان أنثى فله دينار، فإن وضعت ذكرا كان له ديناران، وإن وضعت أنثى كان لها دينار وإن وضعت ذكرا وأنثى كان لهما ثلاثة دنانير. وإذا أوصى فقال: إن كان الذي في بطنها ذكرا، فله ديناران، وإن كان أنثى فله دينار، فوضعت ذكرا كان له ديناران، وإن وضعت أنثى كان لها دينار، وإن وضعت ذكرا وأنثى لم يكن لهما شيئ، والفصل بين هذه المسألة والتي تقدمتها أنه قال إن كان في بطنها ذكر، فله ديناران، وإن كان أنثى فلها دينار، وقد كان ذكر وأنثى، وليس في المسألة الثانية كذلك، لأنه قال إن كان الذي في بطنها ذكرا، فله ديناران، أراد إن كان كل الذي في بطنها ذكرا، وكل الذي في بطنها أنثى، وما وجدت هذه الصفة، بل كان ذكرا وأنثى، وإذا أوصى لعبد نفسه، أو لعبد ورثته، كان ذلك صحيحا، لأن الوصية للوارث

[ 109 ]

عندنا تصح (1) وكذلك إن أوصى لمكاتبه أو لمكاتب ورثته كانت الوصية صحيحة وكذلك إذا وصى لأم الولد، صحت الوصية أيضا. وإذا أوصى لعبد الأجنبي لم تصح الوصية، لما ورد الخبر في ذلك (2) وإذا قال: " أوصيت لما تحمل هذه الجارية " لم تصح الوصية، لأن الحمل ليس بموجود في الحال. وإذا قال " أوصيت لزيد بما تحمل هذه الجارية، أو هذه الشجرة " كانت الوصية صحيحة، والفرق بين هذه المسألة والمتقدمة أنه إذا أوصى لما تحمل هذه الجارية أن المملك معدوم غير موجود، وفي هذه المسألة المملك موجود غير معدوم، وهو الموصى له ولا ضرر في الشيئ الموصى به له إذا كان معدوما (3) لأن الاعتبار بوجود المملك. وإذا أوصى إنسان بثمرة نخل لغيره، واحتاج ذلك إلى السقي، لم يجب ذلك على واحد منهما، لأن الموصى له يقول: ليست الرقبة لي فلا يجب على سقيها ولا للورثة لأنها تقول: المنفعة للغير ولا املك الثمرة فلأي وجه يلزمني السقي، فإن تطوع أحدهما بالسقي كان له ذلك. وإذا قال " اعطوا زيدا من رقيقي رأسا " كان ذلك وصية صحيحة، والوراث

(1) تعليل لجواز الوصية لعبد ورثته وفيه رد على العامة حيث منعوا من ذلك لبنائهم على عدم جواز الوصية للوارث وكون العبد لا يملك شيئا فالوصية له ترجع إلى مولاه.
(2) ونحوه في المبسوط ج 4 ص 62 وكان مرادهما إن مقتضى القاعدة جواز الوصية له لما ذكر من رجوعها إلى مولاه لكن منع عنه النص وهو ما في الوسائل في الباب 79 و 80 من الوصايا والمسألة إجماعية كما حكاه في مفتاح الكرامة ج 9 ص 399 عن جماعة لكن قد يظهر من العلامة في المختلف التردد فيه وإنه على عدم الجواز لا فرق بين مملوك الأجنبي ومملوك الوارث.
(3) يعني لا يضر بصحة الوصية إذا كان الشيئ الموصى به معدوما.

[ 110 ]

مخيرون في أي رأس يدفعونه إليه، أقل ما يقع عليه اسم الرقيق سواء كان معيبا أو صحيحا، كبيرا أو صغيرا، فإن هلكت الرقيق إلا رأسا واحدا دفع ذلك العبد، لأنه أوصى له برأس لا يعينه (1) وعلقه بصفة غير موجودة (2)، ويجرى ذلك مجرى وصيته له بدار وليس له دار. وإذا أوصى بشاة من غنمه كانت الوصية صحيحة، وللورثة أن يعطوا أي شاة يقع عليها اسم الشاة، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، ضائنة أو ماعزة، سليمة و معيبة فإن قال " اعطوه شاة من مالي " وكان له ماشية، أعطى منها شاة كما قدمناه، (3) وللورثة أن يشتروا من ماله شاة ويدفع إليه. وإذا قال " ادفعوا له جملا " كان ذلك ذكرا (4)، وإن قال " بقرة " كان أنثى، وإن قال " بقرا " كان ذكرا، فإن قال " اعطوه عشر أنيق أو عشر بقرات " أعطي الاناث دون الذكور، لأنه اسم للاناث. وإن قال " اعطوه عشرة من الإبل " أعطي ذكورا، لأن الهاء لا تدخل إلا على عدد

(1) وفي نسخة " ب " لا بعينه.
(2) في العبارة سقط وصوابه كما في هامش نسخة (ب) بعلامة التصحيح ونحوه في مبسوط الشيخ " وعلقه بصفة والصفة هنا موجودة فإن قال ادفعوا إليه رأسا من رقيقي ولم يكن له رقيق كانت الوصية باطلة لأنه علقه بصفة غير موجودة ويجرى الخ قلت والمراد بالصفة هنا كون الرقيق من ماله.
(3) إلا أن الفرق بين هذا وما تقدم أن في هذا علقه بماله فلهذا يجوز للوارث أن يشتري شاة من ماله ويدفعه إليه ولا يدفع إليه من ماشيته بخلاف ما تقدم فإنه علقه بغنمه وقد ذكر ذلك الشيخ في المبسوط.
(4) زاد في هامش نسخة (ب) هنا " وإن قال ادفعوا له ناقة كان أنثى وإن قال اعطوه ثورا كان ذكرا ".

[ 111 ]

المذكر، فإن قال " اعطوه دابة من دوابي " اعطوه فرسا، وقيل يعطونه ما أراد (1) من الخيل ذكرا كان أو أنثى، أو من البغال والحمير، ولا يعطى من الإبل والبقر بغير خلاف، لأن ذلك في العرف لا يسمى دابة فإن كان في لفظه ما يدل على أنه (2) حمل عليه مثل قوله " اعطوه دابة ليغزوا عليها " فإنه يحمل على الخيل لا غير، فإن قال " دابة لينتفع بظهرها ونسلها " أعطي من الخيل والحمير، ولا يعطى من البغال، لأنه لا نسل لها، فإن قال " لينتفع بظهرها ودرها " أعطي من الخيل، لأن الحمير لا در لها (3). فإن قال " اعطوه كلبا من كلابي " كانت الوصية باطلة، إلا أن يكون له كلاب صيد أو حائط، فإنه تصح فيها ويعطى منها، وإذا أوصى بأن يعطى جرة خمر، وطبلا من طبوله، أو عودا من عيدانه، وكانت الجرة فيها خمر، والطبل والعود هما اللذان للعب واللهو كانت الوصية باطلة، فإن لم يكن في الجرة خمر، وكانت الطبول، طبول الحرب والعود من الأخشاب التي تستعمل في تسقيف البيوت، أو ما جرى مجراها صحت الوصية. وإذا أوصى فقال " اجعلوا ثلث مالي في الرقاب " كان جائزا، وصرف في المكاتبين والعبيد بأن يشتروا به. وإذا أوصى بعتق عبد بثمن معين، فوجد بأقل منه، أعطي الباقي واعتق،

(1) الصواب " ما ارادوا " أي الورثة والخيل اسم لجماعة الفرس ويطلق على الذكر والانثى كالفرس على ما صرح به في الصحاح، والدابة في الأصل كل ما يدب من الحيوان أي يتحرك لكن اشتهرت عند بعض في الفرس كما حكاه في التذكرة وعند آخرين في الثلاثة المذكورة والوصية تحمل على ما ينصرف اللفظ إليه. (2) الصواب " على أنه أراد أحدها " أو نحو ذلك.
(3) الحمير كالخيل في الدر بمعنى اللبن ولذا حمل في التذكرة هذا اللفظ عليهما وعلى كل فاللازم دفع الأنثى منها وفي نسخة (ب) على " در " في الموضعين بعلامة بدل نسخة " رد " بتقديم الراء فلعل المراد به الكر والفر في غير القتال فهذا يحمل على الخيل ذكرا وأنثلا.

[ 112 ]

ولا فرق في ذلك بين أن يكون صغيرا أو كبيرا، أو شابا أو شيخا. وإذا قال: " أعتقوا بثلث مالي رقابا " وجب أن يبتاع بذلك ثلاثة اعبد، ويعتقون لأن ذلك أقل الجمع، فإن وجد بالثلث، أربعة إلى ما زاد على ذلك، اشترى الأكثر واعتق، فإن لم يبلغ الثلث ثمن أربعة، وكان يزيد على ثلاثة، جعل ثمن الإثنين للأكثر، (1) ولا يفضل شيئا. " الايصاء بالحج " وإذا أوصى بأن يحج عنه، ولم يكن حج حجة الاسلام، فإنه يبتدء بالحج على جميع الوصايا إن كان معه وصية غيره من الوصايا، وكذلك يفعل في الواجبات، من الكفارات، وغيرها، فإن فضل من الثلث فضل، كان فيما بقي. وإذا أوصى بأن يحج عنه، ولم يكن حج حجة الاسلام، أخرج عنه ذلك من رأس المال، وكذلك إن كان عليه زكاة أو شيئ واجب، فإن كان تطوعا، أخرج من الثلث (1) من تركته حيث بلغ.

(1) أي لعبدين هما أكثر قيمة بمقدار الزائد وفي نسخة (ب) " جعل ثلث الإثنين " وكتب تحته " ثمن " عن نسخة وعلى كل ففي العبارة سقط أو تحريف إذ لا وجه لاشتراء واحد من الثلاثة بقيمة نازلة واشتراء الآخرين بأكثر من غير تفاضل بينهما فصواب العبارة " فإن لم يبلغ الثلث ثمن ثلاثة وكان يزيد على اثنين " أو سقط منه هذه الجملة مع حكم الموجود في المتن ويؤيد ذلك أن الشيخ في المبسوط ذكر المسألة بنحو ما ذكرناه وذكر في مفتاح الكرامة بعد حكايته عنه أنه بذلك كله عبر في المهذب ثم إن في المسألة قولا آخر بأنه يشتري العبدان ويعتقان ويعطيان الزائد كما عن الشيخ في الخلاف وقولا ثالثا بأنه يشتري بالزائد بعض عبد ثالث كما عن التذكرة وغيرها وهو الأشبه. (1) في هامش نسخة (ب) هنا " حجا كان أو غيره فإذا أوصى أن يحج عنه بمأة درهم تطوعا وكان ثلثه أقل من مأة فإنه يحج عنه بالثلث ".

[ 113 ]

وإذا أوصى أن يحج عنه، فالأفضل أن يحج عنه من كان قد حج وإن حج عنه صرورة، كان جائزا. وإذا أوصى بالحج، فإنه يحج عنه من بلده إذا كان في النفقة فضل لذلك، فإن خرج حاجا، فمات في الطريق وأوصى أن يحج عنه، فإنه يحج من الموضع الذي مات فيه، فإن كان له أوطان مختلفة، ومات في السفر، وأوصى بأن يحج عنه، فإنه يحج عنه من أقرب أوطانه إلى مكة، فإن لم يكن له وطن بأن يكون من أهل البادية، أو من الركاظة (1) منه، والذين لا يستوطنون موضعا، فإنه يحج عنه من حيث مات. وإذا أوصى بالحج وعين له شيا، لا يكفي من يحج عنه من بلده، حج عنه من بعض المواقيت، أو من مكة، وإذا أوصى بأن يحج عنه بمائة درهم من ثلث ماله، وأوصى بما بقي من الثلث لرجل معين، وأوصى لانسان آخر بثلث ماله، كانت الوصية الأولى والثانية صحيحة، والأخيرة باطلة، فإن حصل في ذلك اشتباه استعملت القرعة، وإذا أوصى بثلث ماله لزيد وعمرو، ثم إن زيدا لم يقبل الوصية، فإنها تعود إلى الورثة، ولا يستحق عمرو أكثر من نصف الثلث، لأنه إذا أوصى لهما بالثلث فكأنه أوصي لكل واحد منهما بنصفه على الانفراد، فإذا رد الواحد منهما نصيبه، رجع إلى الوارث.

(1) الصواب عنه بالضاد المعجمة كما في مختلف العلامة حيث حكي هذا الكلام عن المصنف على أنه لم يوجد مادة ركظ بالظاء المؤلفة في شيئ من كتب اللغة والظاهر أن المراد به السائر السائح في الأرض والبلاد قال الزمخشري في الأساس ركضت النجوم في السماء أي سارت وفي معجم المقائيس أن أصل هذه المادة يدل على حركة إلى قدم أو تحريك ويمكن أن يكون ما في المتن من قبيل الخلط بين الحرفين فإنه كان شائعا لفظا وكتابة حتى إنه ألف في الفرق والتمييز بينهما رسائل من أهل اللغة وذكر الفيومي في المصباح أن من العرب من يبدل الضاد ظاءا في التلفظ ومنهم من يعكس.

[ 114 ]

" حكم الايصاء للأقرباء " وإذا أوصى فقال: " اعطوا ثلث مالي لقرابتي، أو لأقربائي، أو لذي رحمي " كان حكم الكل (1) واحدا ودخل في ذلك جميع من يعرف بالعادة أنه من قرابته، وارثا كان، أو غير وارث، وذكر بعض أصحابنا (2) أنه يصرف بمن يقرب منه إلى آخر أب وأم له في الاسلام، والذي قدمناه هو الأظهر، وليس على المذهب الذي حكيناه دليل ولا نص ولا شاهد يعضده. وإذا أوصى فقال: " اعطوا ثلث مالي أقاربي، وأقرب أقربائي، أو إلى أقربهم بي رحما، فإن لم يكن له والد، ولا أم، كان أقرب القرابة إليه ولده، ذكرا كان أو أنثى، ثم ولده (3) وولد ولده وإن سفل، وارثا كان أو غير وارث، فإن لم يكن له ولد، وله ولد ولد (4)، كان أحق بها، لأنه أقرب الناس إلى ولده، فإن اجتمع الوالد والولد كانا في ذلك سواءا، لأن كل واحد منهما يدلي نفسه (5) وليس

(1) أي الحكم في هذه التعبيرات واحد كما يظهر ذلك من عبارة المبسوط ويحتمل أن يكون المراد التسوية بين الذكر والانثى وغيرهما ممن يتفاضل في الميراث كما صرح به هنا في كتب الأصحاب.
(2) المفيد رحمه الله في المقنعة وتبعه الشيخ في النهاية لكن رجع عنه في المبسوط فذكر فيه مثل ما في المتن.
(3) في نسخة (ب) " ثم ولد ولده وإن سفل " وهذا أظهر كما في المبسوط ومقتضى العبارة أنه مع عدم الولد فولد الولد ومن سفل سواء وهذا خلاف الأقربية كما في الإرث فالظاهر أن المراد رعايتها فيهم أيضا فقوله أو غير وارث يعني ما إذا كان فيه مانع آخر كالقتل أو الرق دون الكفر لما تقدم من إنه لا تصح الوصية لكافر وفي المبسوط مثل له بأولاد البنات عند المخالف أي العامة.
(4) هذا تكرار لما قبله ومع ذلك لا يلائم ما بعده فالصواب كما في المبسوط " وله والد " (5) الصواب " بنفسه " وفي متن نسخة (ب) " يدنى " بالنون والظاهر أنهما *

[ 115 ]

بينهما واسطة، وعلى هذا يكون الأب أولى من ولد الولد، فإن لم يكن والد، ولا ولد كان الجد أولى مع عدم الأخوة، لأنه أقرب إليه، فإن لم يكن جد وكان له أخ، كان الأخ أولى، لأنه أقرب ثم يكون الأخ من الأب والأم أولى من الأخ للأب أو للأم، لأنه يدنى بسببين، والأخ للأب والأخ للأم واحد، لأن كل واحد منهما كالآخر في القرابة، والأخ للأب أولى من ابن الأخ للأب والأم، فمتى تساويا في الدرجة كان من يدنى إليه بأبيه وأمه أولى، فإن اختلفا في الدرجة كان الأقرب أولى، فإن اجتمع الجد والأخ كانا متساويين كما نقوله في الميراث، فإن لم يكن جد ولا إخوة ولا أولاد إخوة فالأعمام، ثم بنوا الأعمام، وعلى هذا فمتى تساووا في الدرجة كان ولد الأب والأم أحق وأولى، وإن اختلفوا في الدرجة كان الأقرب أحق وأولى. وإذا أوصى بثلث ماله لجماعة من أقربائه (1) وكان قد أوصى لثلاثة أنفس من أقربائه، فإن كان هناك ثلاثة في درجة واحدة، مثل ثلاثة بنين أو ثلاث بنات، أو ثلاثة إخوة، صرف ذلك إليهم، فإن كان في الدرجة الأولى اثنان، وفي الثانية واحد مثل ابنين وابن ابن، دفع إلى كل واحد من الأولين ثلث الثلث، وإلى من في

* بمعنى واحد أو متقارب وهو التوصل بالشيئ والتقرب به قال الله تعالى: قنوان دانية قيل أي متدلية. واعلم أن المصنف حكم هنا بالأقربية التامة بمعنى عدم الواسطة أو أقليتها أو تعدد سببها ولذا حكم بكون الوالد أولى من ولد الولد مع أنهما في الإرث متساويان عند فقد الود وكون الأخ للأبوين أولى من الأخ للأم مع إنهما يرثان معا ومقتضاه أن يكون العم للأب أولى من ابن العم للأبوين مع إنه في الإرث بالعكس وبمثل هذا ذكر الشيخ رحمه الله في المبسوط خلافا لظاهر المحقق في الشرايع من إنها على مراتب الإرث. (1) أي من أقرب أقربائه كما في التذكرة ويقتضيه الحكم المذكور له إذ لو كان المراد مطلق أقربائه لم يكن وجه للتفصيل والترتيب فيه كما لم يكن إشكال في شقه الثاني.

[ 116 ]

الدرجة الثانية باقي الثلث، لأنه أوصى لجماعة ولا يعطى بعضهم ذلك. (1) " باب الاوصياء " إذا أراد الانسان الوصية، فليوص إلى رجل مسلم عاقل مأمون حكيم ويجوز أن يوصي إلى المرئة الحرة العاقلة المأمونة، والأفضل أن يوصي إلى ولده وأهله دون الأجنبي، ولا يجوز الوصية إلى سفيه، ولا كافر، ولا فاسق، ولا عبد وإن كان عدلا، لأنه لا يملك شيئا مع سيده، ويجوز وصية الكفار بعضهم لبعض وإلى بعض. ويجوز أن يوصي الرجل إلى اثنين، فإن كانا بالغين وجعل إليهما أن لا يمضيا الوصية إلا بأن يكونا مجتمعين، لم يكن لكل واحد منهما أن يمضي شيئا حتى يجتمع مع الآخر، وإذا تشاح هذان الوصيان في الاجتماع في الوصية، لم ينفذ منهما شيئ إلا ما يعود بمصلحة الورثة، وكسوتهم ومأكولهم، وعلى الحاكم أن يحملهما على الاجتماع على تنفيذ الوصية، أو الاستبدال بهما إن رأى ذلك صلاحا، وإن وصى إلى اثنين بالغين ولم يجعل لهما (2) تنفيذ الوصية على الاجتماع منهما، ولا شرط

(1) قد يشكل بأنه إنما أوصى لأقاربه وليس ابن الإبن فعلا أقرب مع وجود الإبن ولهذا أختار العلامة في القواعد رد الباقي أيضا إلى الإبن ويحتمل رده في الميراث لفقد الموصى له بالنسبة إليه لكنه ضعيف والأقرب ما اختاره المصنف وكذا الشيخ في المبسوط لأن الإبن لا يستحق الباقي لظهور لفظ الجماعة في كونه لثالث فيكون الأقرب المستحق له، ابن الإبن وهكذا في كل ما لم يكن في طبقة الأقرب ثلاثة إبنا كان أو غيره نعم إذا لم يكن في المتأخر عنه قريب أصا لا يبعد رده إلى الميراث لما ذكر.
(2) لعل الصواب " عليهما " لمكان الجعل، أو " إليهما " لتضمن الجعل هنا للإيصاء وعلى كل يحتمل أن يكون المراد أنه رخص لهما في الانفراد أيضا فما حكاه في جامع المقاصد وغيره من المصنف من القول بجواز الاستبداد لكل منهما عند إطلاق الوصية إليهما تبعا للشيخ في النهاية غير ظاهر مع أنه على هذا يكون قوله " ولا شرط ذلك عليهما " تكرارا وهو خلاف الظاهر.

[ 117 ]

ذلك عليهما، لكان لكل واحد منهما الاستبداد بما يصيبه، ومطالبة الآخر بقسمة الوصية. فإن أوصى إلى اثنين، أحدهما: رجل، والآخر: صبي، وجعل إلى الرجل النظر في الحال، وللصبي إذا بلغ، كان جائزا، فإن بلغ الصبي فكان فاسد العقل، أو مات، كان للرجل تنفيذ الوصية، وإذا نفذ الرجل الوصية وبلغ الصبي ولم يرض بذلك لم يلتفت إليه، وكان فعل الرجل ماضيا، ومتى خالف الرجل شرط الوصية، لم يصح ما فعله. ويجوز أن يوصي الرجل إلى زوجته، فإن أوصى إلى أهله، وكان منهم. كبار وصغار كان للكبار تنفيذ الوصية من غير انتظار لبلوغ الصغار، وإن كان الموصي قد شرط تأخير ذلك إلى حين بلوغ الصغار، ولم يجز للكبار تنفيذ شيئ منها إلى حين بلوغهم. " الايصاء للحاضر والغائب ". ومن أوصى إلى غيره وكان هذا الوصي حاضرا كان مخيرا بين قبول الوصية وردها، وإن كان غائبا وكان قد بلغ إليه خبر الوصية والموصى حي، كان مخيرا بين قبولها وردها ما دام الموصي حيا، وإن كان ذلك بلغ إليه بعد موت الموصي، لم يكن له ردها والامتناع منها، وكذلك إن كان الموصي حيا، وامتنع الوصي منها، ولم يبلغ خبر الامتناع منها إلى الموصي إلا بعد موته، لم يكن أيضا للوصي الامتناع منها، ووجب عليه القيام بها على كل حال. ومن كان وصيا لغيره وحضرته الوفاة وأراد أن يوصي إلى غيره جاز له أن يوصي إليه بما كان متصرفا فيه من الوصية، ويجب على الموصى إليه القيام بذلك. وللموصى الاستبدال بالوصي ما دام حيا، فإذا مات لم يجز لأحد تغيير وصيته، ولا الاستبدال بأوصيائه، فإن ظهر من الموصي بعده جناية، (1) كان على الناظر

(1) في نسخة (ب) خيانة في الموضعين.

[ 118 ]

في أمر المسلمين عزله، واقامة أمين مقامه، وإن لم يظهر منه جناية إلا أنه بان منه عجز وضعف عن القيام بالوصية، كان للناظر في أمور المسلمين أن ينصب معه أمينا يعينه على تنفيذ الوصية، ولم يجز له أن يعزله لأجل ضعفه. وإذا مات إنسان عن غير وصية، كان على الناظر في أمر المسلمين أن يقيم من ينظر في مصالح ورثته، فإن لم يكن السلطان الذي يتولى ذلك، أو من يأمر به جاز لبعض المؤمنين أن ينظر في ذلك ويعتمد فيه الأمانة، ويؤديها من غير إضرار بالوارث، وما فعله كان ماضيا. وإذا أمر الانسان وصيه بأن يتصرف في تركته لورثته، ويتجر لهم بها، وله على ذلك نصف الربح، كان جائزا. وإذا كان إنسان وصيا لغيره، ومات الموصي، وللوصي عليه مال، لم يجز له أن يأخذ من ماله شيئا من تحت يده، ولا يجوز أن يأخذ إلا ما تقوم له البينة به، وإذا باع الوصي شيئا من التركة التي هو وصى به عليها لمصلحة الورثة، وأراد أن يشتريها لنفسه، كان جائزا، إذا أخذها بالقيمة العدل من غير نقصان من ذلك، فإن باع الوصي من هذا واشترى لنفسه بنقص، أو زيادة (1)، لم يجز له ذلك وإذا خالف الوصي ما أمر به، أو شرط عليه فيما هو وصى عليه من المال، كان عليه ضمان ذلك. وإذا نسي الوصي جميع أبواب الوصية، ولم يكن له مال يرجع إليه ويستضئ به في ذلك، بطلت الوصية (2).

(1) لا وجه لعدم جواز اشترائه بالزيادة ولم أعثر على من نقله عن المصنف فالظاهر زيادة هذه الكلمة أو في العبارة سقط وهو " أو اشترى من ماله شيئا للورثة بزيادة " كما جمع العلامة في القواعد بين الأمرين.
(2) وذكر العلامة في المختلف أنه قال الشيخان والصدوق إذا أوصى بوصية وجعلها أبوابا فنسي الوصي بابا منها يجعل ذلك السهم في وجوه البر وكذا قال ابن البراج. قلت ما حكاه عن ابن البراج غير موجود في هذا الكتاب فلعله من كتابه الكامل *

[ 119 ]

وإذا قال الموصي لوصيه: " اقض عني دينى " وجب عليه الابتداء بذلك من أصل تركته قبل الميراث، فإن تمكن من قضائه ولم يقضه، وهلك المال، كان ضامنا له، ولم يكن لصاحب الدين على الوراث سبيل. وإن كان قد عزل ذلك من أصل تركته، ولم يتمكن من دفعه إلى صاحب الدين، وهلك من غير تفريط من جهته، كان (1) مطالبة الورثة بالدين من جهة الميراث الذي انتقل إليهم عن ميتهم الذي كان الدين عليه. " باب شروط الوصايا " الوصية لا تصح من أحد حتى يكون حرا، كامل العقل، فإن كان صغيرا وكان سنه قد بلغ عشر سنين ولم يكمل عقله، وكان ممن يضع الشيئ في موضعه، كانت وصيته ماضية في المعروف من وجوه البر، وغير ماضية فيما سوى ذلك، وإن كان سنه دون ذلك لم يجز وصيته في شيئ. وصدقة الصبي إذا بلغ عشر سنين، وهبته، وعتقه إذا كان بالمعروف، وفي وجوه البر، على ما قدمناه جائز، فإن كان في القبيح لم يجز. وحد بلوغ الغلام احتلامه، أو كمال عقله، أو أن يشعر، وحد بلوغ المرئة

* أو غيره فعليه يمكن أن يكون نظره الفرق بين ما إذا نسي جميع الموصى به فتبطل الوصية أو نسي بعضها فيجعل في البر وهو ظاهر الشيخ حيث ذكر في النهاية ما حكي عنه في المختلف وذكر في رسالة الحائريات مثل ما في المتن جوابا عما سئل عن الوصي إذا نسي جميع أبواب الوصية هل يكون مثل ما إذا نسي بابا واحدا وهذه الرسالة مطبوعة جديدا وحكى عنها في السرائر هذا الحكم بدون السؤال لكن المستفاد من السرائر والمختلف وغيرهما عدم الفرق بين المسئلتين وأن اختلاف الكلامين إنما هو في الفتوى وكيف ما كان فالمعروف بين المتأخرين أن مقتضى القاعدة والنص الوارد في نسيان البعض جعله في وجه البر مطلقا. (1) الصواب: كان لصاحب الدين كما في نسخة (ب) بصورة التصحيح.

[ 120 ]

تسع سنين، فإذا حصل الغلام على أحد هذه الوجوه، فقد حصل في حد الكمال، ووجب على وليه تسليم ماله إليه، وتمكينه منه، ومن التصرف فيه، إلا أن يكون ناقص العقل، أو به سفه، فإنه لا يدفع ذلك إليه، ولا يمكنه من التصرف فيه. وإذا بلغت المرأة تسع سنين جاز تصرفها في مالها، وكان أمرها فيه ماضيا على سائر (1) الوجوه، إلا أن تكون أيضا ناقصة العقل، أو سفيهة، فإنها لا تمكن من ذلك. " الاشهاد على الوصية " والاشهاد على الوصية من شروطها، فإن وصى إنسان بوصية فيشهد عليها شاهدين عدلين، فإن لم يفعل ذلك وكان الوصي قادرا على تنفيذ الوصية، كان له تنفيذها في وجوهها التي تضمنتها الوصية، ويجوز شهادة النساء فيها مع فقد الرجال وعدم التمكن منهم، وشهادة الواحدة منهن جائزة في ربع الوصية، وشهادة اثنتين منهن جائزه في نصفها، وشهادة الثلاث منهن جائزة في نصفها وربعها، وعلى هذا الحساب. ومن كان له عبدان وجارية حاملة، فاشهد العبدين على أن حمل الجارية منه، ثم اعتقها (2) وشهدا عند وراثه بذلك، فلم يقبلوا شهادتهما، واسترقوهما، وبيعا، وعتقا بعد ذلك، وشهدا للمولود بالنسب، قبلت شهادتهما على الوارث ولا يسترقهما الولد الذي شهدا له على حال. وكل من لم يكن على ظاهر الاسلام من سائر الأديان، فإنه لا يجوز قبول شهادته في الوصية، إلا أن يكون ذميا، ويكون الموصي في حال ضرورة لا يتمكن

(1) الظاهر أنه هنا بمعنى الجميع.
(2) الصواب " أعتقهما " بالتثنية أي العبدين كما في النص الذي هو مدرك لهذا الحكم وهو خبر داود بن أبي يزيد كما في الوسائل الباب 71 من الوصايا.

[ 121 ]

فيها من مسلم يشهده على ذلك، فإنه إذا كانت، الحال ما ذكرناه، واشهد رجلين من أهل الذمة ممن هو على ظاهر الأمانة عند أهل ملته على الوصية، قبلت شهادتهما، وإن لم يكن الحال حال ضرورة على ما قدمناه، وأشهدهما على ذلك لم يجز قبول شهادتهما، ولا سماعها (1) وكانت باطلة. وإذا شهد من الورثة اثنان عدلان في الوصية، أمضيت ولزم باقي الورثة إنفاذها، فإن أثبتا لانفسهما فيها حقا أو تبرءا من حق لم يجز شهادتهما. وإذا شهد وصيان بأن الميت أوصى إلى ثالث منهما، (2) فإن ادعى الثالث ذلك، وصدقهما في ذلك، كان شريكا لهما، وإذا أنكر ذلك لم يجز لهما أن ينفردا بها، لأنهما قد اعترفا بأن الميت لم يرض بهما إلا مع ثالث. " تم كتاب الوصية "

(1) لعل المراد بذلك أنه لم يكن اسماعهما الشهادة جايزا للموصى.
(2) الصواب " معهما " كما في نسخة (ب) بصورة التصحيح.

[ 122 ]

كتاب الفرائض قال الله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم الآيات (1). وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: تعلموا الفرائض فإنها من دينكم، وهي نصف العلم (2). وقال أول علم ينتزع من أمتي الفرائض (3). وقال: تعلموا الفرائض وعلموها الناس، وأني امرؤ مقبوض، وسيقبض العلم، ويظهر الفتن حتى يختلف الرجلان في فريضة لا يجدان من يفصل بينهما (4). وروي عن الأئمة (عليهم السلام): أمران لا يقومان إلا بالسيف، الفرائض، والطلاق (5).

(1) النساء 11 و 12.
(2) سنن البيهقي وابن ماجه والدار قطني ومستدرك الحاكم بإسنادهم عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله).
(3) ذيل الحديث المذكور وزاد فيه وهو أول شيئ ينسى.
(4) سنن الدارمي في مقدمته والدار قطني والبيهقي في كتاب الفرائض بإسنادهم عن عبد الله بن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم ورواه الدار قطني أيضا بإسناد آخر عن أبي سعيد الخدري عنه (صلى الله عليه وآله) وسلم وهذه الأخبار غير موجودة في أحاديث الامامية.
(5) الوسائل ج 17 كتاب الفرائض الباب 3 من موجبات الإرث.

[ 123 ]

واعلم أن الجاهلية قبل الاسلام كان يتوارث بالحلف والنصرة، وأقاموا على ذلك في صدر الاسلام مدة يبين ذلك قوله تعالى: والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم (1) ثم نسخ بعد ذلك بما تضمنته سورة الانفال من قوله تعالى: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض (2). وكانوا يتوارثون بالاسلام والهجرة، وكان (صلى الله عليه وآله) لما قدم المدينة آخا بين المهاجرين والأنصار، وكان المهاجر يرث من الأنصاري، والأنصاري من المهاجر، ولا يرث وارثه الذي كان له بمكة، وإن كان مسلما يبين ذلك قوله تعالى: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا الآية (3). ونسخت هذه الآية بالقرابة، والرحم، والنسب، والأسباب، يبين ذلك قوله تعالى، وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا (4) فبين أن أولي الأرحام أولى من المهاجرين، إلا أن تكون وصية. وأحكام المواريث تبين بذكر وجوه منها: الأسباب الذي يستحق الإرث بها، ومنها: الوجوه المانعة من الإرث، ومنها: سهام الفرائض المسماة، ومن يستحقها، ومنها: مراتب الوراث، ومنها: كيفية التوريث، ومنها: بيان استخراج سهام الوراث بالقسمة، ونحن نورد ذلك بابا بابا بمشيئة الله تعالى. " باب الأسباب التي يستحق الإرث بها ". الميراث يستحق بأمرين أحدهما: نسب، والآخر: سبب، والنسب ضربان:

(1) النساء - 33.
(2) الانفال - 75.
(3) الانفال - 72.
(4) الاحزاب - 6.

[ 124 ]

أحدهما: نسب الوالدين ومن يتقرب بهما، والآخر: نسب ولد الصلب ومن يتقرب به. والسبب ضربان: أحدهما: الزوجية، والآخر: الولاء، والميراث بالزوجية مع وجود من يستحق ميراث الميت، ومع فقده ولا ميت قط (1) في حال إلا أن يمنع من ذلك فيه ما يمنع من الإرث بما سنذكره بعد هذا الفصل. فأما الولاء فثلاثة أضرب: ولاء العتق، وولاء تضمن الجريرة، وولاء الامامة. " باب ما يمنع من الإرث ". المانع من الإرث ثلاثة أشياء: الكفر، ارتدادا كان أو أصليا، والقتل، عمدا بغير حق ولا طاعة، (2) والرق على بعض الوجوه. " باب سهام الفرائض المسماة والمستحق لها ". سهام الفرائض المسماة ستة: وهي النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس. فأما النصف فهو سهم أربعة: البنت، والأخت من قبل الأب والأم، والأخت من قبل الأب مع عدم الأخت من قبل الأب والأم، والزوج مع عدم الولد وولد الولد وإن سفلوا. وأما الربع: فهو سهم اثنين، وهما الزوج مع وجود الولد، أو ولد الولد وإن سفلوا، والزوجة مع عدم الولد أو ولد الولد وإن سفلوا. وأما الثمن: فسهم الزوجة مع وجود الولد أو ولد الولد، ذكرا كان أو أنثى وإن سفلوا

(1) في نسخة (ب) بصورة التصحيح " ولا يسقط في حال ".
(2) الظاهر أن المراد به طاعة الحاكم أو الإمام العادل في قصاص أو نحوه كما مثل الشيخ في النهاية له بذلك لعدم جواز الطاعة في القتل بغير حق وإن كان إكراها من المولى أو السلطان فالمراد بمفهوم الشق الآخر وهو القتل بحق ما إذا كان قصاصا أو نحوه بدون أمر الحاكم.

[ 125 ]

وأما الثلثان: فسهم ثلاثة وهم البنتان وما زاد عليهما من البنات، والأختان وما زاد عليهما من الأخوات من قبل الأب والأم، والأختان وما زاد عليهما من جهة الأب مع فقد الأخوات من قبل الأب والأم. وأما الثلث: فسهم اثنين، وهما الأم مع فقد الولد وولد الولد وإن نزلوا، ومن يحجبها (1) من أخوين، أو أخ واختين، أو أربع أخوات من جهة الأب والأم أو من جهة الأب فقط، وسهم اثنين وما زاد عليها من كلالة الأم. وأما السدس: فهو سهم أربعة: الأب والأم مع وجود الولد وولد الولد وإن نزلوا، والأم مع فقد الولد وولد الولد وإن سفلوا، مع وجود من يحجبها من الأخوة والأخوات المقدم ذكرهم، والواحد من كلالة الأم ذكرا كان أو أنثى. " باب مراتب المواريث " هي مرتبة الوالدين، والولد، والأخوة، والأخوات، وأولادهم، والأجداد، والجدات، والأزواج (2) والعمومة، والعمات، والأخوال، والخالات والمولى، وإمام المسلمين. " باب كيفيات المواريث " نبين ذلك بما نذكره في أبواب مستحقي الميراث، وهي المراتب التي سلف ذكرها، وربما ينبغي أن نلحق بذلك شيئا، فأولها مرتبة الوالدين ونحن نبدأ بها. " باب ميراث الوالدين " ليس يرث مع الوالدين ولا مع واحد منهما أحد غير الولد، أو ولد الولد وإن نزلوا، إذا لم يكن ولد الصلب، والزوج، والزوجة، ولا يرث معهما ولا مع

(1) أي ومع فقد من يحجبها.
(2) لعل ذكر الازواج هنا استطراد فإنهم يرثون مع كل المراتب.

[ 126 ]

أحدهما غير من ذكرناه. فإذا خلف الميت أبويه ولم يخلف غيرهما من ذوي نسب أو سبب، كان ما خلفه لهما، للأب الثلثان، وللأم الثلث، فإن خلف واحد منهما ولم يخلف غيره، كان جميع ما خلفه له، فإن خلف أبويه وأولادا ذكورا وإناثا، كان للأبوين السدسان، وما بقي فللاولاد، للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن خلف معهما بنتا واحدة، كان للأبوين السدسان، وللبنت النصف، والباقي سهم يرد على الأبوين والبنت على قدر سهامهم. فإن ترك أبويه وبنتين، كان للأبوين السدسان، وللبنتين الباقي، وهو الثلثان بينهما بالسوية. فإن ترك أبويه وبنات جماعة، كان الحكم فيهن كالحكم في الأبوين والبنتين سواء. فإن خلف أبويه وولدا ذكرا، كان للأبوين السدسان، والباقي للولد الذكر. فإن ترك أبويه وأولادا ذكورا، كان للأبوين السدسان، والباقي للأولاد الذكور بينهم بالسوية. فإن ترك أحد أبويه وولدا ذكرا، كان لأحد الأبوين السدس، والباقي للولد الذكر. فإن ترك أحد أبويه وأولادا ذكورا، كان لأحد الأبوين السدس، والباقي للأولاد الذكور بينهم بالسوية. فإن ترك أحد أبويه وبنتا، كان لأحد الأبوين السدس، وللبنت النصف، والباقي يرد على أحد الأبوين والبنت، على قدر سهامهما. فإن خلف أحد أبويه وبنتين، كان لأحد الأبوين السدس، وللبنتين الثلثان، والباقي يرد عليهم على قدر سهامهم. (1)

(1) الحكم في الفروع السابقة كلها واضح عند الامامية بالنصوص والاجماع *

[ 127 ]

فإن خلف أحد أبويه وبنات جماعة كان الحكم في أحد الأبوين والبنتين سواء. فإن ترك أحد أبويه (1) وزوجة، كان للزوجة الربع، وللأم الثلث، والباقي للأب. فإن ترك أباه وزوجة، كان الربع للزوجة، والباقي للأب. فإن ترك أما وزوجة، كان للزوجة الربع، وللأم الثلث، والباقي يرد على الأم ولا يرد على الزوجة شيئ. فإن خلف أبويه وزوجة وأولادا ذكورا وإناثا، كان للزوجة الثمن، وللأبوين السدسان، والباقي للأولاد بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن خلف أبويه وزوجة وبنتا، كان للأبوين السدسان، وللزوجة الثمن، وللبنت النصف، والباقي يد على الأبوين والبنت على قدر سهامهم، ولا يرد على الزوجة شيئ. فإن خلف أبويه وزوجة وبنتين، أو أكثر منهم من البنات، كان للأبوين السدسان، وللزوجة الثمن، والباقي للبنتين أو البنات بينهن بالسوية. فإن هلكت امرأة، وخلفت أبويها وزوجها، ولم يخلف غيرهم، كان للزوج النصف، وللأم الثلث، والباقي للأب. فإن تركت أحد أبويها وزوجها، كان للزوج النصف، وما يبقى فلأحد الأبوين، فإن كانت أما أعطيت الثلث بالتسمية، والباقي يرد عليها.
(2)

* وأما في هذا الفرع وما بعده فالمشهور بينهم أيضا كذلك لكن ورد في خبر أن للأب أساس والباقي للبنتين وحكى القول به عن ابن الجنيد ويؤيده ما دل على أن الزيادة ترد على من تدخل عليه النقيصة. (1) الصواب " فإن ترك أبويه " كما في نسخة (ب) (2) زاد في هامش نسخة (ب) هنا " فإن خلفت أبويها وزوجها وأولادا ذكورا وإناثا كان للأبوين السدسان وللزوج الربع والباقي للأولاد بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ".

[ 128 ]

فإن خلفت أبويها وزوجها وبنتا، أو بنتين، أو أكثر من ذلك من البنات، كان للأبوين السدسان، وللزوج الربع، والباقي للبنت أو البنات بينهن بالسوية. فإن خلفت أحد أبويها، أبا كان أو أما، وزوجها وبنتا، كان لأحد الأبوين السدس، وللزوج الربع، وللبنت النصف، والباقي يرد على أحد الأبوين والبنت ولا يرد على الزوج شيئ فإن خلفت أحد أبويها، وزوجها وبنتين، أو أكثر منهما من البنات، كان لأحد الأبوين السدس، وللزوج الربع، والباقي للبنتين، أو البنات بينهن بالسوية. فإن مات إنسان، رجلا كان أو امرأة، وخلف أبويه ولم يترك معهما زوجا ولا زوجة، (1) وترك معهما أخوين، أو أخا وأختين، أو أربع أخوات من الأب والأم، أو من جهة الأب، حجبوا الأم عن الثلث إلى السدس، فيكون للأم السدس والباقي للأب، فإن كان الإخوة والأخوات (2) من جهة الأب أو من جهة الأب والأم كفارا، لم يحجبوها عن الثلث أيضا، وكذلك الحمل لا يحجبها عن الثلث أيضا، وإنما يحجب ما ولد واستهل.

(1) كذا في النسختين وظاهره أن الحجب مشروط بفقد أحد الزوجين وهذا لم يقل به أحد من الأصحاب إذ لم يذكروه في شروط الحجب بل صرحوا بعدمه كما في المبسوط وجواهر المصنف في مسائل اجتماع الفروض وفي الشرائع والقواعد وغيرهما في مسألة إرث الأبوين مع أحدهما ولم ينقل خلافه عن أحد وهو مقتضى إطلاق الكتاب والنصوص بل في بعض الأخبار تصريح به نعم في نهاية الشيخ ذكر في شروط الحجب أنه لم يخلف غير الأبوين من زوج أو ولد لكنه تمهيد لما يذكر بعده في كيفية التقسيم من أن للأب خمسة أسهم وللأم سهم فالظاهر أن المراد بما في المتن أيضا ذلك أو يكون من سبق القلم وصوابه " ولم يترك معهما إبنا ولا ابنة ".
(2) زاد في هامش نسخة (ب) هنا " من جهة الأم لم يجب الأم عن الثلث وكان لها الثلث والباقي للأب وإن كان الأخوة والأخوات " قلت فكلمة " أيضا " الأولى إشارة إلى هذه الزيادة.

[ 129 ]

فإن خلف أبويه، وأولادا، وإخوة، وأخوات كان للأبوين السدسان، والباقي للأولاد، ولا تحجب الأخوة والأخوات ها هنا الأم عن شيئ، لأنهم أنما يحجبونها في الموضع الذي يكون لها فيه الثلث، أو ما زاد على السدس بالرد، (1) وليس هاهنا ثلث، ولا تأثير للحجب هاهنا لأنهما لا يجوز أن ينقص عن السدس شيئا. وإن خلف أبويه وبنتين، أو أكثر منهما من البنات وإخوة وأخوات، كان الحكم فيهم مثل ما تقدم، للأبوين السدسان، أو البنات (2)، ولا تأثير للحجب هنا أيضا. فإن خلف أبويه وبنتا وإخوة وأخوات، كان للأبوين السدسان، وللبنت النصف والباقي يرد على الأب والبنت (3) دون الأم، لأن الإخوة والأخوات حجبوها عن الرد. فإن ترك أبويه (4) وزوجا وبنتا أو بنات، كان للأبوين السدسان، وللزوج الربع، والباقي للبنت. فإن ترك الميت أمه وإخوة وأخوات، لم يحجبوا الأم عن الثلث، وإنما يحجبونها إذا كان الأب موجودا، حتى يتوفر عليه ما يمنع منها (5)، وليس هاهنا أب ولا تأثير للحجب. وولد الولد يقوم مقام الولد للطلب، فولد الأبن ذكرا كان أو أنثى، يأخذ

(1) كما يأتي في الفرع الثاني من هذا.
(2) الصواب كما في نسخة (ب) " والباقي للبنتين أو البنات ".
(3) ظاهره كصريح جماعة أنه يرد عليهما أرباعا فيكون سهم منها للأب والباقي للبنت لكن عن سالم بن بدر أن المعروف بمعين الدين المصرى وهو من فقهاء الامامية في أوائل القرن السابع أنه يرد عليهما أخماسا فخمسان منها للأب والباقي للبنت لأن الإخوة إنما حجبوا الأم للتوفير على الأب فلا وجه لرد الزائد على البنت وهذا أوجه.
(4) الصواب " تركت أبويها " وقد تقدم هذا الفرع.
(5) في هامش نسخة (ب) عن نسخة " ما تمنع هي منه ".

[ 130 ]

مع الأبوين نصيب أبيه، وولد البنت ذكرا كان أو أنثى، يأخذ مع الأبوين نصيب أمه، وحكم ولد الولد مع الأبوين والزوج والزوجة إذا اجتمعوا أيضا، كحكم الولد على السواء. " طعمة الجد والجدة " فإن ترك الميت أبويه، وجدا أو جدة من قبل الأب، كان ما تركه للأبوين، للأب الثلثان، وللأم الثلث، ويؤخذ (1) من نصيب الأب سدس، فيدفع الجد أو الجدة على جهة الطعمة لا على أنه ميراث. فإن حضر عوض الجد أو الجدة من قبل الأب، جد أو جدة من قبل الأم، أخذ من نصيب الأم سدس، فيدفع إلى الجد أو الجدة على جهة الطعمة أيضا لا على أنه ميراث. فإن حضرا في حال لا يستحق كل واحد من الأبوين فيها أكثر من السدس،

(1) ظاهره وجوب هذه الطعمة على الأبوين للجد ومثله عبارة الصدوق في الفقيه والشيخ في النهاية والمبسوط والخلاف ناسبا في الأخير إلى قول الأصحاب وهو الظاهر من النصوص الكثيرة في هذا الباب ففي بعضها أن الله تعالى لم يفرض للجد شيئا فأطعمه النبي (صلى الله عليه وآله) فأجازه الله ومعناه جعل له ذلك تشريعا إلا أنه أعطاه في واقعة خارجية وفي آخر أمر الإمام (عليه السلام) بإعطائه وفي ثالث أن له ذلك. نعم ورد أيضا في بعض الأخبار أنه لا شيئ له لكن الأولى حمله على جهة الميراث ردا على العامة مع إنه لو كان المراد بالنصوص الأولى الندب لم يختص ذلك بالسدس للجد لقوله تعالى وإذا خضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وحمله على التأكيد بعيد جدا. وعلى كل فالمعروف بين المتأخرين هو الندب بل ادعى بعضهم الاجماع عليه لكنه ممنوع لما تقدم بل يحتمل أن يكون مراد من أوجب الإرث للجد مع الأبوين أيضا ذلك كما هو الظاهر من الصدوق عليه الرحمة في الفقيه.

[ 131 ]

لم يكن لهما طعمة، لأن الطعمة إنما يثبت إذا زاد ما يستحقه كل واحد من الأبوين على السدس، ولا طعمة للجد والجدة من قبل الأب إذا كان أبو الميت ميتا، ويكون جميع التر كة للأم، وكذلك لا يكون لهما طعمة إذا كانا من جهة الأم، وكانت الأم ميتة، ويكون جميع المال للأب. فإن خلفت المرأة أبويها، وزوجها، وجدها، أو جدتها من قبل أبيها، وجدها أو جدتها من قبل أمها، كان للزوج النصف، وللأم الثلث، وللأب السدس، وأخذ من ثلث الأم سدس أصل المال، فيدفع إلى الجد أو الجدة من جهتها، ويسقط الجد والجدة من قبل الأب. فإن خلف الميت أبويه، وإخوة، وأخوات من جهة الأب، وجدا أو جدة من جهته، وجدا أو جدة من جهة الأم، كان للأم السدس، والباقي للأب، ويؤخذ من نصيب الأب سدس أصل المال، فيدفع إلى الجد أو الجدة من جهة الأب، ويقسط الجد والجدة من جهة الأم. وإن اجتمع جد وجدة من جهة الأب، أو من جهة الأم في حال، يستحق فيها الطعمة، قسم السدس بينهما نصفين. " باب ميراث الولد وولد الولد " ليس يرث مع الولد أحد إلا الوالدين والزوج والزوجة، ولا يرث معهم من عداهم، لا من ولد الولد ولا غيرهم من جميع القرابات وذوي الأرحام. فإن مات إنسان وخلف ولدا ذكرا ولم يخلف غيره، كان ما خلفه، له، فإن خلف ابنين ولم يخلف غيرهما، كان ما خلفه بينهما نصفين، فإن ترك أولادا ذكورا وإناثا، ولم يترك غيرهم، كان المال كله لهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن ترك بنتا ولم يترك غيرها، كان لها النصف بالتسمية، والباقي يرد عليها بالرحم، فإن ترك بنتين أو أكثر منهما، كان للبنتين أو البنات الثلثان بالتسمية، والباقي يرد على البنتين أو البنات.

[ 132 ]

فإن خلف الميت مع الولد زوجا أو زوجة، كان للزوج الربع، أو للزوجة الثمن، والباقي للولد. فإن ترك ولدين ذكرين، أحدهما أكبر من الآخر، دفع إلى الأكبر منهما ثياب بدنه، وخاتمه الذي كان يلبسه، ومصحفه وسيفه، وعلى هذا الأكبر أن يقضي ما فاته من صلاة أو صوم، وكذلك الحكم إن كان الأولاد جماعة، فإن كان الأكبر أنثى، لم تعط سيفا (1) ودفع ذلك إلى الأكبر من الذكور، فإن كانوا سواء في السن، لم يخص منهم أحد بذلك (2) وقسم على جميعهم ما يخلفه الميت، فإن لم يخلف شيئا غير ذلك لم يخص أحد منهم به، وكان ميراثا بين جميعهم، وولد الولد يقوم مقام الولد (3) إذا لم يكن ولد الصلب، وكل واحد منهم يقوم مقام من يتقرب به فإن خلف الميت ابن بنت، وبنت ابن، كان لابن البنت الثلث، ولبنت الإبن الثلثان وإن خلف أولاد ابن، وأولاد بنت، ذكورا وإناثا، كان لأولاد الإبن الثلثان،

(1) الصواب " شيئا " كما في نسخة (ب) ونهاية الشيخ أي لم تخص بشئ من المذكورات.
(2) قيل أن المراد بذلك أنه مع وجود المتساوين يسقط حكم الحبوة فتقسم المذكورات بين جميع الورثة كما حكاه في مفتاح الكرامة عن هذا الكتاب والنهاية لكنه غير ظاهر إذ لم يفرض فيهما وجود سائر الورثة فالظاهر أن المراد أنه مع انحصارهم لم يخص بها أحدهم ويحتمل أيضا أن يكون المراد أنه مع وجود سائر الورثة تقسم المذكورات بين جميع المتساوين فقط كما حكي القول بذلك عن جماعة من الأصحاب بل عن المشهور.
(3) قد يترائى منه أنه يقوم مقام أبيه في الحبوة كما إذا كان والد الولد الأكبر مع ولده غيره لكن الظاهر أن هذا غير مراد بل المراد أصل الإرث وكيفية التقسيم كما يظهر من تفريعاته سيما وأن الأول غير معروف بين الأصحاب وقد صرح جمع منهم العلامة في الارشاد باختصاص الحبوة بولد الصلب وهو المتبادر من النصوص.

[ 133 ]

بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، ولأولاد البنت الثلث، الذكر والانثى فيه سواء (1). فإن خلف بنت ابن ولم يترك غيرها، كان المال كله لها، وإن ترك أكثر منها كان جميع المال لهن. فإن ترك بنت بنت، ولم يترك غيرها، كان لها النصف تسمية أمها، والباقي يرد عليها وكذلك إن ترك بنتي بنت (2). فإن ترك بنتي بنتين، كان لهما الثلثان نصيب أمهما، والباقي يرد عليهما. وميراث ولد الولد قلوا أم كثروا يجري على هذه الوجه، يأخذ كل واحد منهم نصيب من يتقرب به، وكل من يأخذ الميراث مع ولد الصلب فإنه يأخذ مع ولد الولد، ولا يرث مع ولد الولد، ولد ولد الولد، كما يرث مع الولد للصلب ولد الولد. * * * " باب ميراث الإخوة والأخوات ". لا يرث أحد من أولاد الإخوة والأخوات معهم، ولا غيرهم إلا الجد والجدة على ما نبينه فيما بعد، والزوج والزوجة. فإذا مات إنسان، وترك أخا لأبيه وأمه، أو لأبيه، ولم يخلف غيره، كان المال كله له. فأن خلف أخوين لأب وأم، أو لأب، ولم يخلف غيرهما، كان المال بينهما

(1) نقله الشيخ أيضا في النهاية عن بعض أصحابنا ثم قال وعندي أن المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. قلت هذا البعض غير معروف في كتب الأصحاب ويحتمل كونه المصنف وإن كان بعيدا لتأخره عن الشيخ مرتبة وعلى كل ففي الشرائع أن هذا القول متروك وفي مفتاح الكرامة وغيره أن الاجماع حصل على خلافه.
(2) أي كان لهما النصف أيضا بالتسمية لأمهما والباقي يرد عليهما.

[ 134 ]

نصفين، فأن ترك ثلاثة أخوة، أو أكثر لأب وأم، أو لأب، ولم يترك غيرهم، كان المال بينهم بالسوية. فأن ترك أخوة وأخوات لأب وأم، أو لأب، ولم يخلف غيرهم، كان المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن ترك أخوين أحدهما لأب وأم، والآخر لأب، كان المال للأخ من جهة الأب والأم ولا شئ للأخ من جهة الأب. فإن ترك أخا لأب وأم، وإخوة وأخوات من أب، كان المال للأخ من جهة الأب والأم، ولا شيئ للإخوة والأخوات من جهة الأب. فإن ترك أختا لأب وأم، واختا لأب، أو أختين له، أو أكثر منهما، أو أختا لأب (1) وإخوة له، كان المال للأخت من قبل الأب والأم، دون الإخوة والأخوات من قبل الأب، النصف لها بالتسمية، والباقي بالرد. وكذلك إن كانت أختين (2) مع الإخوة والأخوات من جهة الأب. فإن ترك أخا لامه، ولم يترك غيره، وكان المال كله له، السدس بالتسمية، والباقي بالرد. فإن ترك أخوين لامه، أو أكثر منهما، ولم يترك غيرهما، كان المال لهما، الثلث بالتسمية، والباقي بالرد. فإن خلف إخوة وأخوات من جهة الأم، كان المال لهم، الثلث بالتسمية، والباقي بالرد، الذكر منهم والانثى فيه سواء. فإن ترك أخا من جهة الأخ والأم، وأخا من جهة الأم، كان للأخ من جهة الأم السدس، والباقي للأخ من الأب والأم. فإن ترك إخوة من قبل الأب والأم. وإخوة من قبل الأم، كان للإخوة من قبل الأم الثلث، والباقي للإخوة من قبل الأب والأم.

(1) الصواب " أو أخا لأب أو أخوة له ".
(2) أي لأب وأم لكن هنا كان لهما الثلثان بالتسمية والباقي بالرد.

[ 135 ]

فإن ترك إخوة وأخوات من قبل الأب والأم، (1) كان للإخوة والأخوات من قبل الأم الثلث بينهم بالسوية، والباقي للإخوة والأخوات من قبل الأب والأم، النصف بالتسمية، والباقي بالرد (2) للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن ترك أختا لأم وأختا لأب وأم كان للأخت من قبل الأم السدس، والباقي للأخت من قبل الأب والأم، النصف بالتسمية، والباقي بالرد. وإن ترك أختين أو أكثر منهما من الأخوات من قبل الأم، وأختين أو أكثر منهما من الأخوات من قبل الأب والأم، كان للأختين أو الأخوات من قبل الأم الثلث، والباقي للاختين من قبل الأب والأم، فإن اجتمع معهم الزوج والزوجة، كان له النصف إن كان زوجا، أو الربع إن كانت زوجة، والثلث للإخوة أو الأختين و الأخوات من قبل الأم، والباقي للأختين أو الأخوات من قبل الأب والأم. فإن ترك أخا أو أختا من قبل الأم، وأختا لأب (3)، كان للأخ أو للأخت من قبل الأم السدس، والباقي للأخ من قبل الأب. فإن ترك إخوة وأخوات من قبل الأم، وإخوة وأخوات من قبل الأب، كان للإخوة والأخوات من قبل الأم الثلث بينهم بالسوية، والباقي للإخوة والأخوات من قبل الأب، للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن كان قد اجتمع في هذه الفريضة زوج أو زوجة، كان له النصف إن كان زوجا، أو الربع إن كانت زوجة، والثلث

(1) فيه سقط والصواب " وإخوة وأخوات من قبل الأم " (2) كذا في النسختين ومن المعلوم أن جملة " النصف بالتسمية والباقي بالرد " زيادة وقعت سهوا في النسخة وذلك من جهة أن هذه الجملة واقعة في السطر التالي فحين النسخ وقع النظر إليها فكتبت في السطر المقدم وهذا النحو من الخطاء كثير الوقوع.
(3) الصواب " وأخا لأب " لقوله والباقي للأخ من قبل الأب ولأنه يأتي حكم اجتماع الأخت أو الأخت للأم مع الأخت للأب وحده.

[ 136 ]

للإخوة والأخوات من قبل الأم، والباقي للإخوة والأخوات من قبل الأب. فإن خلف أخا أو أختا أو إخوة أو أخوات من قبل الأم، وأختا من قبل الأب كان للأخ أو للأخت أو الأخوة أو الأخوات من قبل سهمهم، السدس أو الثلث وللاخت من قبل الأب الباقي، النصف بالتسمية، والباقي بالرد (1). فإن ترك أختين أو إخوة وأخوات من قبل الأم، واختين وأخوات من قبل الأب، كان للإخوة والأخوات من قبل الأم، الثلث بالسوية بينهم، والباقي للأختين أو الأخوات من قبل الأب، وإن كان في هذه الفريضة زوج أو زوجة، كان له سهمه النصف إن كان زوجا، أو الربع إن كانت زوجة، والثلث للإخوة والأخوات من قبل الأم، والباقي للأختين والأخوات من قبل الأب. فإن خلف ثلاثة إخوة متفرقين، كان للأخ من الأم السدس، والباقي للأخ من قبل الأب والأم، وسقط الأخ للأب. فإن ترك إخوة وأخوات من قبل الأب والأم (2)، وإخوة وأخوات من قبل الأب، كان للإخوة والأخوات من قبل الأم الثلث بينهم بالسوية، والباقي للإخوة والأخوات من قبل الأب والأم، للذكر مثل حظ الأنثيين، وسقط الأخوة والأخوات من قبل الأب.

(1) ذكر هنا بعض الأصحاب أن الأخت للأب والأخ أو الأخت للأم متساويان في القرب من الميت بسبب واحد ولكل منها فرض خاص فاللازم أن يرد الباقي إليهما بالنسبة كما في بنت واحدة مع الأب أو الأم لكن ما ذكره المصنف أقوى والقائل به أكثر لما يستفاد من النصوص الواردة في ميراث الإخوة والأخوات من أن الزيادة إنما تكون لمن يدخل عليه النقص بدخول زوج أو زوجه وهو هنا الأخت مضافا إلى نص خاص ورد في ابن أخت لأب وابن أخت لأم إذ يعلم منه أن الأختين كذلك لأن ابناهما بمنزلتهما.
(2) هنا سقط وهو كما في هامش نسخة (ب) بعلامة التصحيح " وإخوة وأخوات من قبل الأم ".

[ 137 ]

فإن ترك ثلاث أخوات متفرقات، كان للأخت من الأم السدس، والباقي للأخت من قبل الأب والأم، وسقط الأخت للأب، فإن حصل في هذه الفريضة زوج أو زوجة، كان له النصف إن كان زوجا، أو الربع إن كانت زوجة، والسدس للأخت من قبل الأم والباقي للأخت من قبل الأب والأم، ولا شيئ للأخت من قبل الأب. " باب ميراث أولاد الإخوة والأخوات ". أولاد الإخوة والأخوات لا يرث أحد معهم من أولادهم، ولا أولاد أولادهم، ولا غيرهم، إلا الجد والجدة على ما يأتي بيانه، والزوج والزوجة وأولاد الأخوة يقومون مقام آبائهم، ذكورا كانوا أو إناثا، واحدا كان أو أكثر، إذا لم يكن هناك إخوة ولا أخوات. فإن خلف الميت أولاد أخ لأب ولم يترك غيرهم، كان المال لهم للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن خلف أولاد أخ لأب وأم، وأولاد أخ لأب، كان المال لأولاد الأخ من جهة الأب والأم، دون الأولاد للأخ من جهة الأب. فإن خلف أولاد أخت لأب وأم، وأولاد أخت لأب، (1) ولم يترك غيرهم، كان المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن خلف أولاد أخ أو أخت لأم، ولم يترك غيرهم، كان المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثى بالسوية.

(1) فيه سقط فإن المال في هذا الفرض لأولاد الأخت للأب والأم إذ من المعلوم إن نفس الأختين كذلك كما تقدم وإن أولادهما يقومون مقامهما بالنص والاجماع فصواب العبارة هكذا: " كان المال لأولاد الأخت للأب والأم دون أولاد الأخت للأب فإن خلف أولاد أخت لأب ولم يترك غيرهم كان المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين " كما في النهاية وفي هامش نسخة (ب) نحو ذلك ثم إن المراد بكون المال لأولاد الأخت هنا أن لهم النصف بالتسمية والباقي بالرد كنفس الأخت.

[ 138 ]

فإن خلف معهم أولاد أخ لأب، أو لأب وأم، وأولاد أخت لأب، أو أولاد أخت لأب وأم، كان لأولاد الأخ أو الأخت من جهة الأم السدس، الذكر والانثى فيه سواء، والباقي لأولاد الأخ للأب (1) أو للأب والأم، للذكر مثل حظ الأنثيين فإن حصل في هذه الفريضة زوج أو زوجة، كان له النصف إن كان زوجا، أو الربع إن كانت زوجة، ولأولاد الأخ أو الأخت من قبل الأم السدس، والباقي لأولاد الأخ أو الأخت من جهة الأب، أو من جهة الأب والأم. فإن ترك أولاد أخ، أو أولاد أخت من أم، وأولاد أخ أو أخت من أب، وأولاد أخ أو أولاد أخت من قبل أب وأم، كان لأولاد الأخ أو الأخت من جهة الأم السدس بينهم بالسوية، والباقي لأولاد الأخ أو الأخت من جهة الأب والأم (2). فإن خلف أولاد أخ لأب وأم، وأولاد أخت لهما أيضا، ولم يترك غيرهم، كان لأولاد الأخ من الأب والأم الثلثان، للذكر مثل حظ الأنثيين، ولأولاد الأخت من الأب والأم الباقي للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك إن كانوا أولاد أخ لأب، وأولاد أخت من أب، ولم يكن معهم غيرهم، كان الحكم في الميراث مثل ذلك سواء. فإن خلف أولاد أخ لأب وأم، وأولاد أخت لهما، وأولاد أخ لأم، وأولاد أخت لها، كان لأولاد الأخ وأولاد الأخت من الأم، الثلث لأولاد الأخ من ذلك السدس بينهم بالسوية، والسدس الباقي لأولاد الأخت، الذكر فيه أيضا والانثى سواء (3)

(1) مراده بالاخ هنا أعم منه ومن الأخت أو سقط الأخت من القلم فإنه مفروض في صدر العبارة وذيلها.
(2) زاد في هامش نسخة (ب) " وسقط أولاد الأخ أو الأخت من جهة الأب ".
(3) تكرر هنا أن أولاد الأخ أو الأخت للأم يقتسمون المال بينهم بالسوية سواء كان الأخ أو الأخت واحدا أو متعددا وسواء كانوا مع أولاد الأخ أو الأخت للأبوين أو للأب أم منفردين وهذا هو المعروف المشهور في كتب الأصحاب قديما وحديثا ولم ينقل فيه خلاف لكن لم نجد عليه دليلا سوى ما يظهر من بعضهم كما *

[ 139 ]

ويبقى الثلثان، يكون لأولاد الأخ من قبل الأب والأم الثلثان (1)، للذكر مثل حظ الأنثيين، والثلث والباقي وهو ثلث الثلثين لأولاد الأخت من جهة الأب والأم، للذكر أيضا مثل حظ الأنثيين وسهم الزوج والزوجة ثابت مع من ذكرناه على كل حال. " باب ميراث الازواج والزوجات ". قد مضى القول في سهام الفرائض بأن للزوج، النصف مع عدم الولد أو ولد الولد، والربع مع وجود الولد أو ولد الولد، وللزوجة الربع مع عدم الولد وولد الولد، والثمن مع وجود الولد وولد الولد، ولا ينقص الزوج شيئا من النصف أو الربع ولا يزاد على ذلك، وكذلك الزوجة لا تنقص من الربع، أو الثمن، ولا تزاد على ذلك، فإن كانت الزوجة أكثر من واحدة، بأن تكون زوجتين، أو ثلاثا، أو أربعا، فإن الثمن ينقسم عليهن، فإن كان للرجل أربع نسوة، فطلق منهن واحدة وتزوج أخرى، ثم مات ولم تتميز المطلقة من غيرها من الزوجات، جعل ربع الثمن

* في جواهر الكلام من إنهم يقومون مقام آبائهم ومن المعلوم أن الأخ والأخت للأم يقتسمون بالسوية وفيه أن مقتضى ما دل على قيامهم مقامهم كقوله (عليه السلام) كل ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجر به وغيره مما ورد بالعموم أو في الموارد الخاصة أن أولاد الأخت مثلا يرثون ما كان لها قلوا أو كثروا وكذا أولاد الأخ وأما كون أولاد أخت بمنزلة الأخت وأخيها في كيفية التقسيم فهو أجنبي عنه بل المتبادر من هذا التنزيل عند العرف إنهم يأخذون مال من تقربوا به بحيث كأنهم يرثونه ومقتضى ذلك أن يكون المال بينهم هنا بالتفاضل كما إذا ورثوه حقيقة مضافا إلى أن المستفاد من تفضيل الذكر على الأنثى في الكتاب والسنة وملاحظة النصوص المشتملة على بيان حكمته أن الأصل هو التفاضل بينهما مطلقا وأن الأخوة والأخوات للأم خارج عن هذا الأصل فحينئذ إن تم الاجماع الحجة في المقام فهو وإلا فالأقوى هو التفاضل كما يأتي في الأخوال والخالات. (1) يعني من الثلثين.

[ 140 ]

للتي تزوجها أخيرا، وثلاثة أرباع الثمن بين أربع نسوة اللاتي طلق واحدة منهن ولم تتميز فإن طلق رجل زوجته طلقة رجعية، ومات، ورثته ما دامت في العدة، ويرثها هو أيضا إذا ماتت وهي في العدة، فإن كانت الطلقة بائنة، لم يكن بينهما توارث، وإذا لم يدخل الرجل بزوجته وطلقها، انقطعت العصمة بينهما، ولم يكن بينهما أيضا توارث، وكذلك الحكم فيمن لم يبلغ المحيض، ومثلها لا تحيض، والآئسة من المحيض، وليس في سنها من تحيض. فإن مات رجل قبل دخوله بزوجته، ورثته كما ترثه المدخول بها، وعليها العدة على كمالها. وإن زوج الصبيين أبواهما، ومات واحد منهما قبل البلوغ، ورثه الآخر، فإن عقد عليهما غير أبويهما، لم يكن بينهما توارث إلا أن يبلغا، ويرضيا بالعقد، فإن ماتت الصبية قبل البلوغ، وكان الصبي قد بلغ ورضي بالعقد، لم يرثها، لأن لها الخيار إذا بلغت، وقد ماتت دون البلوغ وإن مات الصبي وكانت الصبية قد بلغت ورضيت بالعقد، ولم يكن الصبي بلغ، فإنها لا ترثه. لأن له الخيار إذا بلغ وقد مات دون البلوغ، وإذا بلغ الصبي ورضي بالعقد، (1) ولم يدفع إلى الصبية منه إلى أن تبلغ، فإذا بلغت ورضيت بالعقد، وحلفت بالله تعالى أنه لم يدعها إلى الرضا بالعقد، الرغبة في ميراثه، دفع ذلك إليها، وكذلك الحكم في الصبي سواء. والمرأة إذا لم يكن لها ولد من زوجها، ومات عنها، لم يورث من الأرضين،

(1) في العبارة سقط وصوابها " وإذا بلغ الصبي ورضي بالعقد ولم تبلغ الصبية ومات الصبي عزل ميراث الصبية منه ولم يدفع إليها إلى أن تبلغ " أو نحو هذه العبارة كما في النهاية والمبسوط وهامش نسخة (ب) وهو المستفاد من صحيح الحذاء الذي هو المستند لهذا الحكم.

[ 141 ]

والرباع (1) والدور والمنازل والقرى شيئا بل يقوم الأخشاب والطوب (2)، وجميع آلات ذلك، ويدفع إليها بحقها منه، ولا يدفع إليها من نفس ذلك شيئ، وذهب بعض أصحابنا (3) إلى أن ذلك يختص بالمنازل والدور، دون الأراضي وغيرها، والظاهر الأول، فإن كان لها منه ولد دفع إليها حقها من نفس ذلك، ولم يمنع من شيئ منه. فإن ماتت امرأة وتركت زوجها، ولم تخلف غيره، فكان له النصف بالتسمية، والباقي يرد عليه. فإن مات رجل وخلف زوجته ولم يخلف غيرها، كان لها الربع بالتسمية، والباقي للامام. وقد روي أن الباقي يرد عليها مثل الزوج (4)، والظاهر ما ذكرناه، وذكر بعض أصحابنا (5) الجمع بين الخبرين أنه مخصوص بحال الغيبة، فأما إذا كان الإمام ظاهرا، فليس للمرأة أكثر من الربع والباقي له، ذكر أبو جعفر الطوسي: (6)

(1) في هامش الأصل: الرباع جمع ربع وهي الدار أيضا قلت قال الزمخشري في الأساس ربع بالمكان: أقام به وفي نهاية ابن الأثير: الربع المنزل ودار الإقامة و ذكر شيخنا المفيد في المقنعة والمسائل الصاغانية أن الرباع عن أهل اللغة هي الدور و المسكان فعليه يكون عطف الدور والمنازل عليها في المتن للبيان ولذا وقع في نهاية الشيخ والمبسوط بلفظة " من " مكان العطف (2) الطوب - الآجر (3) المفيد رحمه الله تعالى في المقنعة والصاغانية وتبعه المحقق رحمه الله في النافع وابن إدريس في السرائر (4) الوسائل ج 17 كتاب الفرائض الباب 4 من أبواب ميراث الازواج.
(5) الصدوق عليه الرحمة في الفقيه الباب 4 من كتاب الفرائض لكنه في المقنع أورد الأول بصورة الفتوى والثاني بصورة الرواية ولم يجمع بينهما وفي الهداية ذكر الأول فقط.
(6) في النهاية لكنه ذكر في التهذيب أن الخبر الثاني يحتمل شيئين أحدهما *

[ 142 ]

إن هذا الوجه قريب في جواز العمل به، الأولى عندي أن لا يدفع إليها إلا الربع بغير زيادة عليه والباقي للامام (عليه السلام) لأنا إذا عملنا به كما ذكره كنا قد عولنا في العمل به على خبر واحد لا يعضده قرينة، وهذا لا يجوز، وينبغي أن يفعل فيه في حال الغيبة مثل ما يفعل في غيره فيما يختص به من دفن، أو وصية، والوصية أحوط على كل حال. (1) " باب ميراث الأجداد والجدات " لا يرث مع الأجداد والجدات أحد، غير الأخوة والأخوات أو أولادهم والزوج والزوجة، ولا يرث الأعلى مع الأدنى منهم. فإذا مات إنسان وخلف جده وجدته من قبل أبيه، ولم يترك مع واحد منهما غيره، كان المال كله له، فإن ترك جده وجدته من قبل أبيه ولم يترك غيرهما، كان المال لهما، للجد الثلثان، وللجدة الثلث، فإن ترك جده أو جدته من قبل أمه، ولم يترك مع واحد منهما غيره كان المال كله له. فإن ترك جده وجدته من قبل أمه، ولم يترك معهما غيرهما كان المال بينهما بالسوية. فإن ترك جده وجدته من قبل أبيه، وجده وجدته من قبل أمه، كان للجد والجدة من قبل الأب الثلثان، للذكر مثل حظ الأنثيين، وللجد والجدة من قبل الأم الثلث بينهما بالسوية، فإن حصل في هذه الفريضة زوج أو زوجة، كان للزوج النصف أو للزوجة الربع وللجد والجدة من قبل الأم الثلث (2) بينهما بالسوية، والباقي للجد

* ما ذكره الصدوق والثاني قال وهو الأولى عندي ما إذا كانت المرأة قريبة فتأخذ الربع بسبب الزوجية والباقي بالقرابة وذكر في المبسوط أن الباقي للامام ولم يقيده بحال ظهوره (عليه السلام) (1) لكن يأتي من المصنف في باب ميراث المولى: إن ميراث من لا وارث له لامام المسلمين وهو من الانفال فإن لم يتمكن من إيصاله إلى الإمام قسم في الفقراء والمساكين ولم يدفع إلى سلطان الجور إلا أن تكون لتقية أو خوف.
(2) أي ثلث الأصل لأنه نصيب الأم والجد من قبلها يقوم مقامها ثم إنه تكرر *

[ 143 ]

والجدة من قبل الأب، للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن ترك جده وجدته من قبل أبيه، وجده أو جدته من قبل أمه، كان للجد والجدة من قبل أبيه، الثلثان بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، والثلث الباقي للجد أو الجدة من قبل الأم. فإن ترك جده أو جدته من قبل أبيه، وجده وجدته من قبل أمه، كان للجد أو الجدة من قبل الأب الثلثان، وللجد والجدة من قبل الأم الثلث بينهما نصفين، وجد أبي الميت وجدته وجد أم الميت وجدتها يتقاسمون الميراث، كما يتقاسمه جد الميت وجدته من قبل أبيه، وجده وجدته من قبل أمه إذا لم يكن هناك جد الميت ولا جدته من قبل أبيه أو أمه. فإن اجتمع جد أبي الميت وجدته من قبل أبيه وجد أبيه وجدته من قبل أمه، وجد أم الميت وجدتها من قبل أبيها، وجدها وجدتها من قبل أمها، كان لأجداد الأب الثلثان، فيكون ثلثا الثلثين للجد والجدة من قبل أبيه، للذكر مثل حظ الأنثيين والثلث الباقي وهو ثلث الثلثين، للجد والجدة من قبل أمه، بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين والثلث الباقي من أصل المال للجدين والجدتين من قبل الأم، النصف منه وهو السدس من أصل المال للجد والجدة من قبل أبيها، بينهما بالسوية، والباقي للجد والجدة من قبل الأم، بينهما بالسوية أيضا. والجد من قبل الأب يقاسم الأخوة من الأب والأم، والأخوات منهما، ويكون مثل واحد منهم، ويستحق مثل ما يستحقه الأخ منهم إن كان واحدا قاسمه المال نصفين،

* هنا أيضا أن الجدين من قبل الأم يقتسمان بالسوية وهو المشهور بل لم يوجد فيه خلاف ويظهر من المحقق السبزواري في الكفاية التأمل فيه لعدم دليل صالح عليه سوى الاجماع المدعى في المقام أو في مطلق المتقرب بالأم فإن تم هذا كاشفا عن نص معتبر فهو الحجة لكن يظهر مما حكاه الكليني عليه الرحمة في الكافي عن يونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان أن بنائهم في إرث الجد على الاجتهاد ومقتضى الأدلة هو التفاضل هنا أيضا كما ذكرناه في أولاد الإخوة للأم وسيأتي تمامه في الأخوال والخالات.

[ 144 ]

وإن كان أكثر من ذلك جرى الحكم فيهم على هذا الوجه بالغا ما بلغوا، فإن كانت أختا كان لها الثلث، وللجد الثلثان، إن كن أخوات كان هو مثل أخ معين (1)، يكون المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك يقاسم الأخوة والأخوات (2) من قبل الأب والأم، ويكون مثل واحد منهم على ما بيناه. فإن اجتمع جد وأخ أو أخت أو إخوة وأخوات من قبل أب وأم وإخوة وأخوات من قبل الأم (3)، كان المال للجد مع الأخ أو الأخت أو الأخوة والأخوات من قبل الأب (4)، والجدة من قبل الأب بمنزلة الأخت من قبل الأب ولأم، أو من قبل الأب تقاسم الأخوة والأخوات من قبل الأب والأم، كما تقاسم الأخت منهما فإن اجتمعت مع إخوة وأخوات من قبل الأب لا غير، قاسمتهم كما تقاسم الأخت منه. والجد والجدة (5) من قبل الأم مثل الأخ من قبل الأم يقاسم من قاسمه الأخ من قبلها، ويسقط في الموضع الذي يسقط، وكذلك الجدة من قبل الأم، وتكون مثل الأخت من قبلها تقاسم من تقاسمه، وتسقط في الموضع الذي تسقط.

(1) في نسخة (ب) بصورة التصحيح " معهن " " 2 " الصواب كما في نسخة (ب) بصورة التصحيح " يقاسم الإخوة والأخوات من قبل الأب إذا لم يكن هنا إخوة وأخوات من قبل الأم والأم ويكون مثل واحد منهم على ما بيناه " ونحوه في النهاية.
(3) الصواب " من قبل الأب كما في نسخة (ب) بصورة التصحيح فإن للإخوة للأم، الثلث والباقي للجد والأخوة للأب والأم ويحتمل أن يكون في العبارة سقط وهو: هذا الحكم للفرض المذكور مع فرض اجتماع الجد والأخوة للأب والأم والأخوة للأب ".
(4) الصواب كما في نسخة (ب) بصورة التصحيح " والأخوات من قبل الأب والأم وسقط الأخوة والأخوات من قبل الأب " (5) الظاهر زيادة " والجدة " لأنه يذكر حكمها بعده.

[ 145 ]

فإذا اجتمعا كانا بمنزلة أخ واخت من قبل الأم، يقاسمان من يقاسمه الإخوة من قبل الأم، ويسقطان في الموضع الذي يسقطون فيه، فإن اجتمعا أو واحد منهما مع أخ أو أخت أو إخوة أو أخوات من قبل الأم، مع أخ أو أخت أو إخوة أو أخوات من قبل الأب والأم، أو من قبل الأب، وجد أو جدة من قبل أب، كان للجد والجدة من قبل الأم مع الأخوة والأخوات من قبلها الثلث، يقتسمونه بينهم بالسوية، والباقي للأخ أو الأخت أو الأخوة أو الأخوات مع الجد والجدة من قبل الأب، للذكر مثل حظ الأنثيين على ما سلف بيانه. وأولاد الإخوة والأخوات وإن نزلوا من قبل أب كانوا أو من قبل أب وأم أو من قبل أم، يقومون مقام الإخوة والأخوات في مقاسمة الجد والجدة، إذا لم يكن هناك إخوة ولا أخوات ويأخذون نصيب من يتقربون به إليه من أخ أو أخت على حد واحد، ولا يسقط منهم أحد، (1) وإن نزلوا ببطون كثيرة. والجد والجدة وإن عليا من قبل الأب كانا أو من قبل الأم يقاسمان الإخوة والأخوات وأولادهم على ما سلف بيانه. وإن اجتمع جد أبي الميت وجدته، وجد أم الميت وجدتها، مع جد الميت وجدته من قبل أبيه، وجده وجدته من قبل أمه، كان الذي يقاسم الأخوة والأخوات جد الميت وجدته من قبل أبيه ومن قبل أمه، ويسقط جد الأب والأم وجدتهما، وعلى هذا الترتيب يمنع الأدنى الأبعد. إذا كان موجودا، فإن كان معدوما قام الأبعد في مقاسمة الأخوة والأخوات مقامه على ما قدمناه. " باب ميراث ذوي الأرحام " العمومة والعمات لا يرث مع واحد منهم أولادهم إلا في موضع واحد، وهو أن ابن العم للأب والأم إذا اجتمع مع العم للأب، كان أولى بالميراث من العم

(1) يعني بسبب الجد وإن كان أدنى وإلا فأولاد الأخ للأب يسقط بأولاد الأخ للأب والأم إذا كان في درجته كما أن النازل يسقط بالسابق.

[ 146 ]

للأب، ولا يرث مع أولاد العمومة والعمات، أولادهم ولا غيرهم (1) إلا الزوج والزوجة، فإن سهم كل واحد منهما ثابت معهم، وثابت أيضا مع الخؤولة والخالات أو أحدهم، ومع أولادهم إذا لم يكن هناك عمومة ولا عمات، ولا خؤولة وخالات، النصف إن كان زوجا، أو الربع إن كانت زوجة. ولا يرث مع الخؤولة والخالات أولادهم، ولا أولاد العمومة والعمات، ولا يرث مع العمومة والعمات أولاد الخؤولة والخالات، ولا أولاد العمومة والعمات ولا يرث عم الأب ولا عمته ولا خال الأب ولا خالته ولا عم عمتها ولا خالها ولا خالتها مع عم الميت وعماته وخاله وخالاته، لأنهم أقرب بدرجة. وميراث العمومة والعمات مثل ميراث الإخوة والأخوات من قبل الأب، وميراث الخؤولة والخالات مثل ميراث الإخوة والأخوات من قبل الأم (2) للخؤولة والخالات، الثلث نصيب الأم وللعمومة والعمات الثلثان، إلا في المسألة التي ذكرناها فإن خلف الميت عما أو عمة أو عمومة أو عمات، ولم يخلف غيرهم، كان المال (3) بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك الحكم إن خلف عمومة وعمات،

(1) كعمومة الأب والأم وعماتهما وخؤولتهما وخالاتهما كما سيصرح المصنف به فيما يأتي.
(2) لكن إذا كان الخال أو الخالة واحدا كان له الثلث أيضا كما صرح به في النصوص ويأتي في كلام المصنف في مسألة اجتماعه مع العم.
(3) الصواب " كان المال لهم فإن خلف عما وعمة كان بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين " إذ ليس في المتن اجتماع الذكر والانثى وعلى كل، إطلاق الحكم بالتفاضل هنا مقيد بما إذا لم يكن العم والعمة أو الأعمام والعمات من قبل الأم فقط لما يأتي في كلام المصنف قريبا من التساوي بينهما إذا كانا مع الأعمام والعمات من قبل الأبوين إذ لا فرق ظاهرا بين ذلك وبين ما إذا كانا منفردين كما في جواهر الكلام في شرح عبارة الشرائع التي هي مثل المتن ولكن يحتمل أيضا أن يكون المراد بالإطلاق المذكور هنا أعم كما حكي القول به عن ظاهر جماعة ويكون *

[ 147 ]

في أنه يكون المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن ترك الميت عمين أحدهما لأب وأم والآخر لأب، كان المال للعم من قبل الأب والأم وسقط العم من الأب. فإن ترك عمين أحدهما لأب وأم، أو لأب، والآخر لأم، كان للعم من جهة الأم السدس، والباقي للعم من قبل الأب والأم، أو من قبل الأب. فإن ترك عمة، ولم يترك غيرها كان المال لها. فإن ترك عمتين لكان المال بينهما نصفين. فإن ترك عمة أب ولم يترك غيرها، كان المال لها، فإن ترك عمتين له، كان المال بينهما نصفين، فإن ترك عمة لأب وأم، وعما أو عمة أو عمومة أو عمات من قبل الأب كان المال للعمة من قبل الأب والأم، وسقط العمومة والعمات من قل الأب. فإن ترك عمة من قبل الأم، وعمة أو عما أو عمومة وعمات من قبل الأب، أو من قبل الأب والأم، كان للعمة من قبل الأم السدس، والباقي لمن هو من قبل الأب والأم، أو من قبل الأب. فإن خلف عمومة وعمات مفترقين، كان للعمومة والعمات من قبل الأم، الثلث بينهم بالسوية، والباقي للعمومة والعمات من قبل الأب والأم، للذكر مثل حظ الأنثيين، ويسقط العمومة والعمات من قبل الأب. فإن خلف خالا أو خالة، ولم يخلف غيره، كان المال كله له، فإن تركهما كان المال بينهما نصفين. فإن ترك خؤولة وخالات كان الحكم فيهما مثل ذلك يكون الميراث بينهم بالسوية. فإن خلف خالين، أحدهما لأب وأم، والآخر لأب، كان المال للخال من

* لصورة الاجتماع مع الأبوين خصوصية عندهم ويأتي نحو ذلك أيضا في الخال والخالة للأبوين ونذكر هناك ما هو الأولى والله العالم.

[ 148 ]

قبل الأب والأم، وسقط الخال من قبل الأب. فإن خلف خالين أحدهما من قبل الأم، والآخر إما من قبل الأب والأم، أو من قبل الأب، كان للخال من قبل الأم السدس، والباقي للخال من قبل الأب والأم، أو من قبل الأب. فإن ترك ثلاثة أخوال مفترقين، كان للخال من جهة الأم السدس، والباقي للخال من جهة الأب والأم وسقط الخال من جهة الأب. فإن ترك خالين أو خالتين أو أكثر من قبل الأم، وخالا أو خالة أو أكثر من قبل الأب والأم، أو من قبل الأب، كان للخالين أو الخالتين من قبل الأم الثلث، بينهما بالسوية، والباقي للخال أو الخالة أو الخؤولة والخالات من قبل الأب كانوا، أو من قبل الأب والأم، بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين (1). فإن خلف خالا أو خالة أو أكثر من قبل الأب، أو من قبل الأب والأم، مع خالة من قبل الأم، كان للخالة من قبل الأم السدس، والباقي للخال أو الخالة أو الخؤولة والخالات من قبل الأب، أو من قبل الأب والأم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.

(1) كذا في النسختين هنا وفي الفرع التالي ونحوه في نهاية الشيخ في بعض نسخها وفي بعض الآخر في الموضعين " للذكر مثل حظ الأنثيين " وكأنه تصحيف إذ ليس هذا التعبير عن التسوية معهودا في كلامه والحكم بالتفاضل هنا مناف لما تقدم آنفا من الحكم بعدمه في الخؤولة والخالات مطلقا إذ لا فرق في ذلك بين اجتماعهم مع الخال والخالة من قبل الأم وعدمه لأنهم يتقربون إلى الميت بأمه على كل حال وقد تقدم في مسألة أولاد الأخوة للأم والجدين لها: إن بناء الأصحاب على التسوية في المتقرب بها ولم يرد هنا دليل خاص على خلافه لكن الأقوى هو التفاضل في الخال والخالة للأبوين أو للأب مطلقا سواء كان معهما خال أو خالة للأم أم لا والتساوي في الخال والخالة للأم كذلك لما ذكرناه في أولاد الأخوة للأم من إنه يعامل معهم معاملة الإرث من الأم وهكذا في الأعمام والعمات.

[ 149 ]

فإن ترك عما أو عمة، أو عمومة، أو عمات، أو عمومة وعمات مختلفين، أو متفقين (1) مع خال أو خالة، أو خالات، أو خؤولة وخالات، كان لمن يتقرب بالأب من العمومة (2) والعمات الثلثان، يقسم بينهم على ما تقدم بيانه، والثلث لمن يتقرب بالأم، واحدا كان أو أكثر يقسم بينهم أيضا على ما بيناه فيما تقدم. ولا يرث مع الأجداد والجدات وإن علوا، أحد من العمومة والعمات، ولا أولادهم، ولا أحد من الخؤولة والخالات، ولا يرث عم الأب ولا عمته، ولا خاله ولا خالته ولا عم الأم ولا عمتها، ولا خالها ولا خالتها مع عم الميت وعمته وخاله وخالته. فإن خلف عم الأب وعمته وخاله وخالته وعم الأم وعمتها وخالها وخالتها كان لعم الأب وعمته وخاله وخالته الثلثان، يكون ثلثا الثلثين لعم الأب وعمته،

(1) أي بأن كان بعضهم للأبوين وبعضهم لأحدهما فالمراد بالمتفقين أن يكونوا جميعا للأبوين أو للأب أو للأم.
(2) بيان للمتقرب بالأب أي مطلق العمومة والعمات المذكورين سواء كانوا للأبوين أو لأحدهما كما أن المراد بالمتقرب بالأم، مطلق الخؤولة والخالات. ويستفاد من المصنف هنا وغيره كالشيخ في النهاية فرعان آخران: أحدهما: إنه إذا كان العم أو العمة للأب والخال أو الخالة للأبوين أو بالعكس لا يكون للأبوين تقدم في الإرث على الأب وإنما يتقدم عليه إذا كانا متحدين في جهة القرابة كالعمومة والخؤولة والأخوة وأولادهم كما صرح بذلك في جواهر الكلام في أوائل بحث الميراث وهو ظاهر من إطلاقات النصوص الواردة في إرث الأعمام مع الأخوال. الثاني إذا كان العم أو العمة واحدا للأم مع الأخوال للأبوين كان له الثلثان وإذا كان الخال أو الخالة كذلك مع الأعمام للأبوين كان له الثلث وإنما يكون لهما السدس إذا كانا مع العم أو الخال للأبوين أو للأب وهو الظاهر أيضا من إطلاق الدليل كقوله (عليه السلام) العمة بمنزلة الأب والخالة بمنزلة الأم.

[ 150 ]

بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، وثلث الثلثين لخال الأب وخالته بينهما بالسوية (1) والثلث من أصل المال لعم الأم وعمتها ولخالها وخالتها يكون النصف من ذلك وهو السدس من أصل المال لعم الأم وعمتها، بينهما بالسوية، والنصف الآخر وهو السدس أيضا من أصل المال لخال الأم وخالتها أيضا بينهما بالسوية. وأولاد العم والعمة وإن نزلوا أولى بالميراث من عم الأب وعمته وخاله وخالته كما أن أولاد الأخوة أولى بالميراث من الأعمام والعمات، وأولاد الخؤولة والخالات وإن نزلوا أولى بالميراث من عم الأب وعمته وخاله وخالته، (2) لأنهم يقومون مقام من يتقربون إليه والذي يتقربون به وأما (3) العم، وأما العمة، وأما الخال، وأما الخالة: وهؤلاء أولى بالميراث من عمومة الأب وعماته وأخواله وخالاته، لأنهم أقرب بدرجة. وأولاد العمومة والعمات يقومون مقام العمومة والعمات، إذا لم يكن عمومة ولا عمات، ويحجبون من يحجبهم العمومة والعمات إلا أن يكون هناك من هو أقرب منهم.
(4) فإن خلف الميت أولاد عمومة متفرقين، كان لأولاد العم من قبل الأم السدس

(1) الظاهر أن حكم هذه الأعمام والأخوال الثمانية كحكم الأجداد الثمانية وقد تقدم من المصنف هناك أن ثلث الثلثين للجد والجدة لأبيه من قبل أمه للذكر مثل حظ الأنثيين.
(2) زاد في هامش نسخة (ب) " وأولاد العمومة والعمات وإن نزلوا أولى بالميراث من خؤولة الأم وخالتها وأعمامها وعماتها وأولاد الخؤولة وإن نزلوا أولى بالميراث من عم الأم وعمتها وخالها وخالتها ".
(3) الواو زائدة ولفظة إما بكسر الهمزة وهي ومدخولها خبر " الذي يتقربون به " (4) زاد في هامش نسخة (ب) هنا " وأولاد الخؤولة والخالات يقومون مقام الخؤولة والخالات إذا لم يكن خؤولة وخالات ويحجبون عن الميراث من يحجبه الخؤولة والخالات إلا أن يكون هناك من هو أقرب منهم " ونحوه في نهاية الشيخ.

[ 151 ]

بينهم بالسوية، (1) والباقي لأولاد العم من قبل الأب والأم، أو من قبل الأب، للذكر مثل حظ الأنثيين، ويسقط أولاد العم للأب إذا اجتمعوا مع أولاد العم من الأب والأم. فإن خلف أولاد خؤولة متفرقين، كان لأولاد الخال من قبل الأم، السدس، بينهم بالسوية، والباقي لأولاد الخال من قبل الأب والأم، للذكر أيضا مثل حظ الأنثيين (2)، وسقط أولاد الخال من قبل الأب. فإن ترك أولاد عمات متفرقين، أو أولاد خالات مفترقين كان الحكم في أولاد العمات مثل ما ذكرناه في أولاد العمومة المفترقين (3). فإن ترك ابنتي عم. أحدهما أخ لأم (4) كان الميراث للأخ من الأم من جهة الأخوة، لا لأنه ابن عم، ويسقط ابن العم الآخر. فإن ماتت امرأة وخلفت ابنتي عم، أحدهما زوجها، كان لزوجها النصف والربع، النصف من ذلك بالزوجية والربع بالميراث، والربع الباقي لابن العم الآخر، لأن النصف الباقي بعد نصف الزوج يقسم بينهما نصفين، فيكون للواحد

(1) الكلام في هذا والفرع التالي مثل ما ذكرناه سابقا في أولاد الأخوة للأم من أن الأقرب بالنظر إلى الدليل هو التفاضل. ثم أن المصنف أهمل حكم أولاد العمومة أو الخؤولة للأم وهو أن لهم الثلث يقتسمونه بين مجموع أولاد أحد العمومة مع أولاد الآخر أو بين مجموع أولاد أحد الخؤولة مع أولاد الآخر سواء قلوا أو كثروا والذكر والانثى في العمومة أو الخؤولة سواء ثم يقتسم الأولاد بينهم على حسب ما ذكر في العم أو الخال الواحد.
(2) راجع لتحقيق هذا إلى ما ذكرناه في مسألة ما إذا خلف أخوالا أو خالات متفرقين حرفا بحرف حتى اختلاف نسخ النهاية.
(3) زاد في هامش نسخة (ب) هنا والحكم في أولاد الخالات مثل ما ذكرناه في أولاد الخال المتفرقين.
(4) كما إذا تزوجت أم المورث بعمه فولدها منه أخ للمورث من أمه وابن عم له.

[ 152 ]

النصف والربع، كما ذكرناه وللآخر الربع الباقي. فإن خلف ابنتي خالة، أحدها أخ لأب (1) كان الميراث هو أخ، من جهة الأخوة لا لأنه ابن خالته، وسقط ابن الخالة الآخر. فإن خلف ابنتي عم، إحداهما زوجته، كان للزوجة منهما الربع، من جهة الزوجية، والباقي بينهما نصفين. فإن هلكت امرأة، وخلفت زوجا، وخالا، أو خالة، وعما أو عمة، كان للزوج النصف، والثلث (2) للخال أو الخالة أو لهما، إن اجتمعا، والباقي للعم أو العمة. فإن مات رجل أو امرأة وترك زوجا أو زوجة، وأولاد خال أو أولاد خالة، وأولاد عم أو أولاد عمة، كان للزوج النصف، أو للزوجة الربع، ولأولاد الخال أو الخالة الثلث، والباقي لأولاد العم أو العمة. فإن مات رجل أو امرأة (3)، وترك زوجا أو زوجة، وجدا أو جدة، أو جدا وجدة من قبل الأب، أو جدا وجدة، من قبل الأم، كان للزوج النصف، أو للزوجة الربع، والثلث للجد أو الجدة من قبل الأم، أو لهما إن اجتمعا، والباقي للجد أو الجدة من قبل الأب، أو لهما إن اجتمعا. فإن هلك إنسان، وترك عمتين لأب، الواحدة منهما خالة لأم وخالة لأب وأم، كان للعمتين الثلثان من أصل المال، بينهما نصفين، والثلث الباقي لخالة من الأم التي هي عمة، والخالة من الأب والأم تكون للأم التي هي عمة، سدس الثلث،

(1) كما إذا تزوجت خالته بأبيه فولد منهما.
(2) أي ثلث الأصل نصيب الأم كما تقدم نحوه فيما إذا تركت زوجا وجدين من قبل الأم وجدين من قبل الأب.
(3) تقدم هذا الفرع في باب ميراث الأجداد والجدات إلا أنه زاد هنا ما إذا كان الوارث أحد الجدين من قبل الأب أو أحدهما من قبل الأم.

[ 153 ]

والباقي للخالة من قبل الأب والأم. (1) " باب ميراث المولى وذوي الأرحام " إذا مات إنسان معتق، وخلف ذا رحم مسلما قريبا كان، أو بعيدا، مع مولاه الذي أعتقه، كان الميراث لذي رحمه دون مولاه، فإن لم يترك ذا رحم، وكان سائبة (2) ولم يتوال إلى أحد يضمن جريرته وحدثه، كان ميراثه لبيت المال، (3) وإن كان توالى إلى أحد يضمن جريرته وحدثه، كان مراثه لمن توالى إليه وإن

(1) في هامش النسخة توضيح لهذا الفرع، لعله من المصنف، وإليك نصه " هذا رجل تزوج بامرأة، لها ابنة، وللرجل ابن، فزوج ابنة زوجته من ابنه، ورزق الرجل من المرئة ابنة، ورزق ابنه من ابنة زوجته ولده، فهذه البنت عمة وخالة لولد الإبن ". قلت هذا فرض كون البنت عمة من جهة الأب وخالة من جهة الأم وأما فرض المسألة فهو بأن تكون للمرأة التي تزوج بها الرجل بنت أخرى من أبي بنتها التي تزوج بها ابن الرجل وتكون أيضا للرجل ابنة أخرى من زوجة ثالثة غير أم ابنه المذكور إذ لو كانت من أمه فهي عمة لولده لأبيه وأمه وهي حاجبة لعمته الأخرى التي هي خالة للأم إذ ليست هي إلا عمة لأبيه وأما الخالة التي هي للأب والأم فليست حاجبة عن الخالة للأم (2) قال الشيخ في النهاية هنا في معنى السائبة: هو الذي أعتق في الواجبات من النذور والايمان والكفارات أو يكون قد أعتقه مولاه وتبرأ من ضمان جريرية واشهد على ذلك.
(3) لعل مراده ببيت المال في هذه المواضع مال الإمام (عليه السلام) لما يأتي قريبا من أن ميراث من لا وارث له للامام وهو من الانفال وقال الشيخ في الخلاف في مسائل الميراث: كل موضع وجب المال لبيت المال عند الفقهاء للمسلمين وعندنا للامام إن وجد الإمام العادل، سلم إليه وإن لم يوجد وجب حفظه له. وقال ابن إدريس في السرائر كل موضع ذكر الشيخ في المواريث إنه لبيت المال فمراده بيت مال الإمام دون بيت مال المسلمين.

[ 154 ]

لم يكن سائبة، كان ميراثه لمولاه الذي أعتقه، رجلا كان الذي أعتقه أو امرأة، فإن كان الذي أعتقه مات قبله، وترك ولدا وكان الأولاد ذكورا، كان ميراث المعتق لهم، وإن كانوا ذكورا وإناثا، كان ميراثه للذكور دون الاناث، وإن كانوا إناثا، وكان قد ترك معهم عصبة، كان الميراث للعصبة، دون الأولاد الاناث، وإن لم يكن ترك معهن عصبة، كان الميراث لبيت المال، وإن لم يكن ترك أولادا، وكان قد ترك عصبة كان الميراث للعصبة، فإن لم يكن ترك عصبة، كان الميراث لبيت المال، فإن كان الذي أعتقه امرأة، وهي حية، فميراثه لها، وإن لم تكن حية وكان لها عصبة، كان الميراث لعصبتها، سواء كان لها أولاد، أو لا، يكون لها ذلك. وإذا تولى هذا المعتق إلى من يضمن جريرته وحدثه ثم مات وكان قد ترك ذا رحم قريبا كان أو بعيدا، كان ميراثه لذي رحمه، (1) وإن لم يكن له ذو رحم قريبا ولا بعيدا، ولا أحد توالى إليه، كان ميراثه لامام المسلمين، لأنه ميراث من لا وارث له (2)، وذلك من الانفال. والميت إذا لم يكن له وارث، وترك مالا ولم يتمكن من إيصاله إلى الإمام قسم في الفقراء والمساكين، ولم يدفع منه إلى سلطان الجور شيئ، هذا إن أمكن ذلك، وكانت التقية مرتفعة، فإن كان الخوف والتقية حاصلين، ويغلب عليه، جاز حينئذ تسليمه إليه، ولم يكن على الذي سلمه إليه شيئ. وإذا مات إنسان وترك وراثا، بعضهم غائب وبعض الآخر حاضر، والغائب أحق بالميراث من الحاضر، وأولى به منه، فينبغي أن يوقف الميراث إلى حين حضور الغائب، ويدفع إليه، فإن لم يحضر وتطاولت المدة قسم على الحاضر، وكان ضامنا له إلى حين حضور الغائب، فإذا حضر سلمه إليه، وإن مات الغائب بعد

(1) هنا سقط وهو كما في هامش نسخة (ب) بصورة التصحيح " وإن لم يكن ترك ذلك كان ميراثه لمن توالى إليه وضمن جريرته وحدثه ".
(2) الصواب " وارث من لا وارث له ".

[ 155 ]

إن تسلم الحاضر الميراث، وكان للغائب وارث، كان على الحاضر تسليم الميراث إلى ورثة الغائب، وإن لم يكن له ورثة كان الميراث للحاضر. " باب الحكم فيمن يموت من المسلمين الأحرار ويخلف وارثا مملوكا " إذا مات الحر المسلم وخلف ذا رحم مملوكا قريبا كان أو بعيدا مستقر الملك وكان قد ترك مع المملوك ذا رحم حرا، قريبا كان أو بعيدا، كان ميراثه لذي رحمه الحر، دون المملوك لأن المملوك لا يجوز أن يرث الحر، إذا كان معه وارث حر فإن لم يكن ترك مع ذي رحمه المملوك ذا رحم حرا، وكان الميراث ينقص عن قيمة المملوك، لم يجب ابتياعه، وكان الميراث لبيت المال، وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يشترى من التركة ويعتق، ويستسعى في الباقي، وهذا ضعيف جدا، لأنه لم يرد به رواية، ولا ثبت عليه دليل وإن كان الميراث يفي بقيمة المملوك، أو يزيد عليه، وجب ابتياعه من التركة، وعتقه ويدفع إليه الباقي، إن كان هناك ما يبقى. فإن ترك هذا الحر أبويه وهما مملوكان، أو ولدين له كذلك، أو ما جرى هذا المجرى، وكان الميراث يفي بقيمة الإثنين، اشتريا وأعتقا وإن كان ينقص عن قيمتهما لم يجب ابتياع واحد منهما ولا جميعهما، وإن كان فيه ما يفي بقيمة أحدهما، أو يزيد على ذلك. وإذا خلف الحر وراثا أحرارا وذا رحم مملوكا، كان المال للأحرار. فإن أعتق المملوك قبل قسمة المال وكان أقرب منهم، أخذ المال، وإن كان ممن يقاسمهم، قاسمهم ذلك، وإن انعتق بعد قسمة المال، لم يكن له شئ وأم الولد يجعل في نصيب ولدها، واعتقت ولا يورث شيئا، وسهم الزوج والزوجة ثابت مع من تقدم ذكره على كل حال.

[ 156 ]

" باب توارث أهل ملتين " الكافر لا يرث المسلم بغير خلاف، والمسلم عندنا يرث الكافر، سواء كان الكافر حربيا أو ذميا، أو مرتدا، أو على أي حال كان من الكفر، ويجوز المسلم المال قريبا كان أو بعيدا، ذا سهم كان أو قرابة من جهة الأب كان أو من جهة الأم. فإذا ترك المسلم ولدا كافرا ولم يترك غيره من المسلمين من زوج، ولا زوجة ولا غير ذلك من ذي رحمه قريبا، ولا بعيدا، كان ميراثه لبيت المال. فإن ترك ولدين أحدهما كافر، والآخر مسلم، كان الميراث للمسلم، ذكرا كان أو أنثى ولم يكن للكافر شيئ. فإن خلف ثلاثة أولاد وأكثر من ذلك أحدهم كافر، كان المال للاثنين المسلمين دون الكافر، فإن أسلم قبل قسمة الميراث كان له حقه منه، وإن أسلم بعد القسمة لم يكن له شيئ. فإن ترك ولدين، أحدهما مسلم، والآخر كافر، كان الميراث للمسلم، دون الكافر فإن أسلم الكافر، لم يكن له شيئ، لأن المسلم قد استحق المال في حال موت من يرثه، والقسمة إنما يثبت للكافر إذا أسلم، وكان الميراث بين اثنين قبل اسلامه، أوا أكثر منها فإن خلف أولادا مسلمين ووالدين كافرين، كان المال للأولاد المسلمين ولم يكن للوالدين الكافرين فيه شيئ. فإن أسلم الوالدان، أو أحدهما قبل القسمة في الميراث كان له حقه منه، وإن أسلما أو أحدهما بعد القسمة، لم يكن له شيئ. فإن خلف أبوين مسلمين وولدا كافرا، كان المال للأبوين المسلمين دون الولد الكافر، فإن أسلم الولد قبل قسمة الميراث، كان له حقه منه، فإن أسلم بعد القسمة، لم يكن له شيئ. فإن خلف أحد أبويه مسلما، وولدا كافرا، كان المال لأحد الأبوين، فإن أسلم

[ 157 ]

الولد لم يكن له شئ. فإن ترك ولدا كافرا، ووالدين كافرين، أو أحدهما وهو كافر، وابن ابن ابن عم أو عمة، أو ابن ابن ابن خال أو خالة، أو من يكون أبعد منهم، وكان مسلما كان المال للمسلم البعيد، دون الولد أو الوالدين أو أحدهما الكفار، فإن أسلم أحدهم أو جميعهم قبل قسمة الميراث، وكان المال لهم، أو لمن أسلم منهم دون ذوي الأرحام، وإن أسلموا أو أحدهم بعد القسمة، لم يكن لهم شيئ. وإذا ماتت امرأة وتركت زوجها وهو مسلم، وولدا أو والدا، أو ذوي أرحام كفارا، كان المال كله للزوج، ولم يكن للولد ولا للوالدين ولا لذوي أرحامه شيئ، فإن أسلموا رد عليهم الفاضل عن سهم الزوج (1). فإن مات رجل وخلف زوجة مسلمة، ولم يخلف غيرها من المسلمين، وترك وراثا كفارا كان ربع المال للزوجة، والباقي لامام المسلمين، فإن أسلموا قبل

(1) هذا الحكم ذكره الشيخ أيضا في النهاية ولم ينقل عن غيرهما واورد عليه بمنافاته لما ذكراه من إنه إذا كان الوارث المسلم واحدا لم يكن للكافر إذا أسلم بعد موت المورث شيئ وقد عللا له في بعض ما تقدم بأن القسمة منتفية ولازمه عدم الفرق بين أن يرث الواحد جميع المال بالقرابة كالأب أو بعضه بالفرض والباقي بالرد كالبنت الواحدة والزوج من هذا القبيل لكن يمكن أن يكون نظرهما إلى أن الزوج لا يرث الباقي وإنما يدفع إليه لأنه لا وارث له فهو أولى به بملاك آخر غير الإرث كالامام (عليه السلام) حيث أن الظاهر أنه ليس وارثا حقيقة وإنما يكون له المال لعدم مالك له كبعض الانفال فيفترق الزوج عن البنت بأن البنت ترث الباقي بالقرابة وهي سبب للارث بخلاف الزوج فإن سبب الإرث له الزوجية وهي توجب النصف فقط ولعل هذا مراد المحقق رحمه الله مما ذكره في نكت النهاية في توجيه هذا الحكم لكن الاعتماد عليه مشكل لمنافاته لظاهر ما دل على كون الميراث كله للزوج ثم إنه بناءا على الوجه المذكور فلو كان الذي أسلم ولدا للمرئة الميتة كان له النصف الباقي ولا يزاحم الزوج في نصفه بخلاف ما إذا كان معه وارث آخر فاسلم الولد قبل القسمة فإنه ينتقل سهمه إلى الربع.

[ 158 ]

قسمة الميراث، رد عليهم الفاضل عن سهم الزوجة (1) وإن أسلموا بعد ذلك لم يكن لهم شئ. وإن خلف الكافر وارثا مسلما، قريبا كان أو بعيدا، ذكرا كان أو أنثى. زوجا أو زوجة (2) ولم يترك غيره، كان المال كله له، فإن ترك مع المسلم كائنا

(1) الظاهر أن مراده بسهم الزوجة هنا مطلق سهمها من الربع أو الثمن بحسب حالها مع الذي يرث معها فإذا كان الذي أسلم ولدا لزوجها ينتقل سهمها من الربع إلى الثمن ويحتمل أيضا أن يكون مراده الربع الذي ذكره أولا مطلقا لجواز أن يكون للقسمة مع الإمام خصوصية عنده لكن الأول أولى باطلاق ما دل على أن من أسلم قبل القسمة فله ميراثه لصدق القسمة هنا حتى على ما ذكرناه آنفا من أن الإمام ليس وارثا حقيقة كما أن ما ذكره أيضا من أنه إن أسلم بعد هذه القسمة لم يكن له شيئ إنما هو لتحقق القسمة فتشمله النصوص الدالة عليه. ثم إنه حكي في جواهر الكلام عن ظاهر الشيخ في النهاية والمصنف في هذا الكتاب أنه إذا لم يكن للميت وارث أصلا غير الإمام فاسلم بعض ورثته الكفار بعد موته، لم يكن له شئ لأن الإمام كالوارث الواحد وكأنه استظهر ذلك من هذا الحكم الأخير كما صرح به في مفتاح الكرامة في كلام الشيخ. وفيه أن هذا غير ظاهر من هذا الحكم لعدم القسمة فيه مضافا إلى أنه ورد في الصحيح أن في هذا الفرض يكون الميراث للمسلم مع أن الظاهر كما ذكرناه أن الإمام ليس بوارث حقيقة.
(2) هنا أمور الأول لا يجوز أن تكون المسلمة زوجة لكافر لكنها ترثه في موارد ذكرها الأصحاب هنا، منها: ما إذا أسلمت دون زوجها فإنها تبين منه وتعتد فلو مات في عدتها منه ترثه بل ذكر الشيخ في النهاية أنه لو كان الزوج ذميا فأسلمت زوجته لا ينفسخ نكاحهما وإنما يمنع الزوج من الخلوة بها ولعل مختار المصنف أيضا ذلك لكنه خلاف المشهور. الثاني مقتضى العبارة هنا أن الزوجة المذكورة إذا لم يكن معها وارث مسلم ترث جميع التركة وهذا خلاف النصوص الدالة على أن الزوجة لا يرد عليها *

[ 159 ]

من كان، وارثا كافرا، قريبا كان أو بعيدا، أو زوجا أو زوجة، كان المال للمسلم دون الكافر، فإن أسلم قبل قسمة الميراث، كان له حقه منه، وإن أسلم بعد ذلك لم يكن له شئ. وإذا مات كافر، وترك أولادا (1) وإخوة وأخوات من قبل الأب، وأخوات

* ما زاد على ربعها كما تقدم من المصنف في باب ميراث الازواج ولا دليل بالخصوص على خلافه هنا فحينئذ إن لم يكن معها وارث كافر كان الباقي للامام وإلا فالظاهر أنه للوارث الكافر سواء كان ولدا للميت الكافر أم غيره فلو كان ولدا له لا تنقص الزوجة من ربعها إلى الثمن وقد حققنا ذلك فيما علقناه على ميراث جواهر الكلام وذكر العلامة رحمه الله في القواعد فيه احتمالين آخرين. الثالث حكي في مفتاح الكرامة وغيره عن المصنف والشيخ في النهاية أنه إذا اجتمعت الزوجة المسلمة والولد الكافر في ميراث الكافر فالربع للزوجة والباقي للامام وهذا خلاف صريح العبارة الموجودة هنا نعم ذكر في مفتاح الكرامة أن هذا يستفاد من عبارة الفرع المتقدم حيث قال فإن مات رجل الخ ولم يفصل بين المسلم والكافر ونحوه في النهاية وفيه أن الظاهر من ذاك الفرع هو المسلم فقط بقرينة السياق لسابقه ولاحقه. الرابع إن مقتضى العبارة هنا أيضا أنه لو خلفت الكافرة زوجا مسلما كان له جميع المال وإن كان معه وارث كافر وهذا مشكل بل الظاهر أن النصف للزوج والباقي للكافر لأن ما دل على أن الزوج يرث الجميع مقيد بما إذا لم يكن وارث آخر والمفروض أن الكافر يرث الكافر ولا دليل على عدم اشتراك المسلم مع الكافر في الإرث مطلقا نعم إذا كان الكافر إبنا للميتة فالظاهر أن للزوج أيضا النصف لما دل على عدم حجب الكافر للمسلم كما إنه إذا كان بناء الكفار على توريث الزوج المسلم جميع المال في بعض الأحوال فهذا يعامل معهم ذلك الزاما لهم بأحكامهم وهذا أمر آخر والله العالم. (1) أي صغارا فكلمة " أولادا صغارا " في السطر التالي تكرار أو زائدة وليعلم أن مورد النص ما إذا ترك نصراني ابن أخ مسلم وابن أخت مسلم فلعله عدل *

[ 160 ]

من قبل الأم مسلمين، وأولادا صغارا كان للإخوة والأخوات من قبل الأم، الثلث، للإخوة والأخوات من قبل الأب الثلثان، ينفق الأخوة والأخوات من قبل الأم على هؤلاء الأولاد الصغار ثلث النفقة، وينفق الأخوة والأخوات من قبل الأب عليهم ثلثي النفقة حتى يبلغوا، فإذا بلغوا وأسلموا سلم الإخوة إليهم ما بقي في أيديهم بعد النفقة، وإن لم يسلموا واختاروا الكفر، لم يدفعوا إليهم شيئا، وتصرفوا في الباقي، فإن كان أحد أبوي الأولاد الصغار مسلما، وترك إخوة وأخوات من قبل (1) الأم، كان المال للأولاد الصغار، فإذا بلغوا قهروا على الاسلام، فإن لم يسلموا كان حكمهم حكم المرتدين، وأجري عليهم ما يجري على المرتدين. فإن هلك وترك أولادا وقرابة كفارا، ومولى نعمة مسلما، كان الميراث لمولى النعمة المسلم، ولم يكن للأولاد والقرابة الكفار بشئ. والمسلمون يرث بعضهم بعضا وإن اختلفوا في المذاهب والآراء لأن الموارثة تثبت باظهار الشهادتين، والاقرار بأركان الشريعة، من صلاة، وصيام، وزكاة، حج، دون الايمان الذي يستحق به الثواب. والكفار يرث بعضهم بعضا على اختلافهم في الديانات لأن الكفر عندنا كالملة الواحدة. " في إرث المرتد " وإذا ارتد المسلم (2) بانت منه زوجته، وكان عليها أن تعتد عدة المتوفى

* المصنف وكذا الشيخ في النهاية إلى الأخوة والأخوات من قبل الأب ومن قبل الأم لعدم الفرق في ذلك كما إنه لا خصوصية للنصراني فيه. (1) كان الصواب " من قبل الأب أو من قبل الأم " كما في النهاية لعدم خصوصية للأم هنا بل المراد مطلق الأخوة.
(2) أي الذي ولد على الاسلام لقوله فيما بعد " من كان كافرا ".

[ 161 ]

عنها زوجها، ويقسم ميراثه بين مستحقيه من وراثه، ويقتل من غير أن يستتاب، فإن لحق بدار الحرب ومات (1) وكان له أولاد كفار وليس له وارث مسلم، كان ماله للامام، ومن كان كافرا ثم أسلم وارتد بعد اسلامه، فإن يعرض (عليه الاسلام) (2) فإن عاد إليه، وإلا قتل، فإن لحق بدار الحرب كان على زوجته أن تعتد منه عدة المطلقة، ثم يقسم ميراثه بين المستحقين له من وراثه، (3) فإن عاد إلى الاسلام قبل انقضاء

(1) يظهر منه أن إرث الإمام له يكون بعد موته وارث غيره من ورثته المسلمين بمحض الارتداد ولعله لما ذكرناه قريبا من أن الإمام ليس بوارث حقيقة إلا أن يكون المراد بهذه العبارة إرث ما حصل له بعد الارتداد إذ الحق بدار الحرب وعلى كل فالمستفاد منه ومن الفرع التالي في المرتد الملى: إن المرتد مطلقا ليس كسائر الكفار في إرث الكافر منه إذا لم يكن له وارث مسلم بل يكون للامام كما هو المشهور بين الأصحاب وإن ما روي في الملى من إرث الكافر منه محمول على التقية كما في النهاية أو موهون بالشذوذ كما ذكره المحقق في الشرائع.
(2) في هامش نسخة الأصل: أي فالحكم أن يعرض وفي نسخة (ب) فإنه يعرض (3) ظاهره أنه بعد لحوقه بدار الحرب تعتد زوجته وتقسم أمواله ونحوه في نهاية الشيخ لكن المشهور بين الأصحاب أنها تعتد بنفس الارتداد وإن أمواله باقية على ملكه لا تقسم قبل موته كما اختاره الشيخ أيضا في كتاب المرتد من خلافه ومبسوطه لخبر الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) إذا ارتد الرجل المسلم عن الاسلام بانت منه امرأته كما تبين المطلقة فإن قتل أو مات قبل انقضاء العدة فهي ترثه في العدة راجع الوسائل ج 17 الباب 6 من موانع الإرث قلت ما ذكره المصنف في الأموال لا يخلو من قوة فأنه إذا لحق بدار الحرب فهو في حكم الحربى تزول عنه حرمة أمواله وإنما تدفع إلى ورثته لكونه أولى بها بل لا يبعد أن يقال أنها تزول عنه بعد ثبوت الارتداد وحكم الحاكم بجواز قتله وإن لم يقتل لعارض لأن الظاهر من النصوص زوال الحرمة عن مال الكافر وإنه إذا حكم في دمه بزوالها بالكفر ففي ماله أولى ولا ينافيه الخبر المذكور ونحوه مما دل على أن ميراث المرتد إذا مات فلورثته لأن هذا إنما يقتضي بقائه على ملكه إذا لم يؤخذ منه بعد الارتداد والتفصيل لا يسعه المقام

[ 162 ]

عدتها، كان املك بها، وإن عاد بعد انقضاء العدة لم يكن له عليها سبيل، وكانت قد ملكت نفسها، فإن مات وهو كافر ولم يكن له وارث مسلم، لأن ميراثه لبيت المال " باب ميراث القاتل " القاتل على ضربين: قاتل عمد، وقاتل خطاء. فأما قاتل العمد فليس يرث شيئا من ميراث المقتول، ولا من ديته إن قبل أولياؤه الدية، ولدا كان، أو والدا قريبا كان، أو بعيدا، زوجا كان أو زوجة، ويكون ميراث المقتول وديته لمن عدا القاتل من ورثته، قريبا كان، أو بعيدا فإن لم يخلف المقتول أحدا من الوراث إلا الذي قتله، كان ميراثه لبيت المال، ولا يعطى القاتل شيئا منه على حال. وإذا قتل رجل ابنه، لم يرثه، فإن كان للقاتل أب وابن، كان الميراث للأب والابن دون القاتل، يكون ذلك بينهما نصفين، لأن الأب جد المقتول والابن إخوة فإن قتل رجل أباه، لم يرثه، فإن كان للأب أولاد غير القاتل، كان الميراث لهم وإن لم يكن له ولد غير القاتل وكان للولد القاتل، ولد، كان الميراث لهذا الولد دون أبيه القاتل. وأما القاتل خطأ فإنه يرث المقتول من ميراثه، ولا يرث من ديته ولدا كان، أو والدا، أو ذا رحم، أو زوجا، أو زوجة. ومن قتل وليس له من الوراث إلا وارث كافر، كان ميراثه لبيت المال، فإن أسلم الكافر كان الميراث له، وكان له أيضا المطالبة بالدم فإن لم يسلم وكان المقتول عمدا، كان الإمام وليه، وهو مخير بين أن يقيد به القاتل، وبين أخذ الدية ليجعلها في بيت المال، وليس له العفو عنه، لأنه ليس بحق له، وإنما هو حق المسلمين (1).

(1) كما في النص المعتبر المعمول به بين الأصحاب وقد يتوهم أن هذا مناف لما تقدم من أن ميراث من لا وارث له للامام (عليه السلام) ويدفعه جواز أن تكون للدية أو القصاص خصوصية في ذلك وقد فصل الكلام هنا في مفتاح الكرامة في أوائل الجزء الثامن وينبغي مراجعته.

[ 163 ]

فإذا كان على المقتول دين، قضى عنه من ديته، كما يقضي عنه من ميراثه، سواء كان المقتول مقتولا عمدا، أو خطأ وقاتل العمد إذا كان مطيعا بالقتل، لم يجز أن يمنع ميراث المقتول، وذلك مثل أن يقتل الانسان غيره بأمر الإمام، أو يقتل أباه أو ولده أو أخاه وهو كافر، أو من البغاة على الإمام. " باب من يستحق دية المقتول " الذي يرث دية المقتول هو من كان يستحق أن يرث الميراث، إلا الأخوة والأخوات من جهة الأم، ومن يتقرب بها، ويرث معها (1) الزوج والزوجة، ولا يرث منها من يتقرب بالأب من الاناث (2) وأما الذكور فإنهم يرثون منها على كل حال، فإن لم يكن هناك إلا من يتقرب بالأم، أو من يتقرب بالأب من الاناث، كان الميراث لبيت المال، والزوج والزوجة يرث كل واحد منهما صاحبه، من الدية، كما يرث من التركة، إلا أن يقتل أحدهما الآخر، فإنه إذا كان ذلك لم يرث من الدية ولا من التركة أيضا، والمطلقة طلاقا رجعيا إذا قتلت، ورث زوجها من تركتها ومن ديتها، وإن قتل الزوج ورثته أيضا مثل ذلك، ما لم تنقض عدتها، وعدتها هي

(1) الصواب " منها ".
(2) ذكره الشيخ أيضا في رسالة الايجاز وجنايات الخلاف، والظاهر أن المراد بالأب هنا أعم منه ومن الأبوين وما حكاه في مفتاح الكرامة عن هذه الكتب الثلاثة من إرث الأخوات للأبوين من الدية لا أصل له وعلى كل لم يوجد وجه لمنع النساء المتقربات بالأب سوى دعوى أن الدية إنما تكون لمن يتحمل الدية عن المقتول لو جنى في حياته خطاءا كما يظهر في المفيد عليه الرحمة في ميراث المقنعة ورواه الشيخ في فرائض الخلاف في إحدى الروايتين عن علي (عليه السلام) لكنها غير ثابتة ومنقوضة بإرث الأم والزوجين من الدية والمشهور بين الأصحاب منع المتقرب بالأم مطلقا دون غيرهم واختاره المصنف أيضا في جواهره والشيخ في النهاية، والموجود في النصوص منع الأخوة والأخوات للأم فقط والمسألة محل إشكال.

[ 164 ]

عدة المتوفى عنها زوجها، فإن انقضت عدتها لم يكن لها ميراث. وإن كان طلاقها طلاقا لا يملك فيه الرجعة، لم يرث كل واحد منهما الآخر على وجه. " باب ميراث ولد الملاعنة " لا يرث ولد الملاعنة أباه، ولا الأب يرثه، ولا يرث أحدا من قرابة أبيه، وهو يرث أمه، وكل من كان من أقاربها. وترثه أمه، ومن يتقرب إليه بالأم، فإن أقر الأب به بعد اللعان، ورث أباه، ولم يرثه الأب على حال. فإن مات ولد الملاعنة، وخلف أخوين أو أختين، أو أخا واختين (1) أحدهما أخا كان أو أختا من قبل الأب والأم، والآخر من قبل الأم، كان ميراث بينهما نصفين لأن نسبه من قبل الأب غير معتبر، وإنما الاعتبار بما كان من قبل الأم. فإن ترك ابن أخيه لأمه، وابنة أخيه (2) لها، كان الميراث بينهما نصفين. فإن ترك بنت أخيه لأمه، وابن أخته لها، كان الميراث بينهما نصفين، لأن كل واحد منهما يأخذ نصيب من يتقرب به، والذي يتقربون به من الأخ والأخت يتساوون في القسمة، وكذلك إن ترك أخا وأختا (3) وابن أخ وابن أخت وجد أو جدة، كان الميراث بينهم أثلاثا متساوية، كمثل ما قدمناه، (4) وعلى هذا الترتيب

(1) الصواب " وأختا ".
(2) لعل الصواب " وابنة أخته لها ".
(3) الظاهر أن الصواب " ترك أخا أو أختا أو ابن أخ أو ابن أخت وجدا وجدة " أو الصواب أخا وأختا أو ابن أخ وابن أخت وجدا أو جدة وإلا لم تتحقق القسمة أثلاثا مع أن ابن الأخ وابن الأخت لا يرث مع أخ أو أخت والمراد بالجد أو الجدة هو للأم دون الأب.
(4) أي أن كل واحد يأخذ نصيب من يتقرب به وفي نسخة النهاية " لمثل " وهو أظهر.

[ 165 ]

يجري ميراث ولد الملاعنة، فيتأمل ذلك. " باب ميراث ولد الزنا " يختلف في ميراث ولد الزنا، فمنهم من يقول: ولد الزنا لا يرث أباه، ولا أمه ولا يرثه أبوه ولا أمه، ومنهم من يقول: يرث أمه ومن يتقرب بها، وترثه أمه، ومن يتقرب بها، والأقوى عندي هو الأول، لأن توريث الولد من الوالد يتبع صحة الحاق الولد به شرعا، فلما لم يجز هاهنا الحاقه به كذلك (1) من حيث حصل عن وطأ بغير عقد ولا شبهة عقد، وكان ذلك قائما (2) كان الأقوى ما ذكرناه، فأما أنه لا يرث أباه ولا يرثه أبوه. فلا يختلفون فيه، فلذلك قصرنا هاهنا الكلام في ميراث أمه، فأما ولد ولد الزنا، فإنه يرث أباه، ويرثه أبوه وكذلك زوجه أو زوجته. " باب ميراث الحميل، والأسير " " والمفقود، واللقيط، والمشكوك فيه " الحميل هو الذي يجلب من بلاد الشرك، ويتعارف منهم قوم بسبب (3) يقتضي الموارثة، فإنهم إذا كانوا كذلك، قبل قولهم في ذلك من غير بينة، وورثوا، ويجرى هذا المجرى سائر من حصل في بلاد، وهو غريب منه، ومعه من يعترف بأنه والده أو ولده، أو أخوه، أو ما جرى هذا المجرى، فإنه يقبل قولهم، ويورثون عليه. وأما الأسير: فإذا كان اسيرا في بلاد الشرك أيضا، (4) ولم يعلم موته، فإنه

(1) أي شرعا.
(2) لعل المراد: إذا كان ذلك ثابتا وإنه حصل عن زنا ولم يكن شبهة ولا فراش وفي نسخة (ب) قائما في أمه.
(3) المراد بسبب هنا أعم من النسب وفي نسخة (ب) كتب فوقه " نسب " بدلا.
(4) الظاهر أن هذه الكلمة زائدة أو مصحفة.

[ 166 ]

يورث ويوقف نصيبه إلى حين حضوره، أو يعلم موته (1)، أو يمضي من الزمان مدة لا يعيش مثله إليها، فإن مات في هذه المدة من يرثه هذا المفقود، فينبغي أن يوقف نصيبه منه حتى يعلم حاله، ويسلم الباقي إلى الباقين من الوراث. فأما اللقيط: فإن كان توالى إلى أحد يضمن جريرته وحدثه، كان ميراثه له و حدثه عليه، وإن لم يكن توالى إلى أحد، كان ميراثه لبيت المال، وليس لمن التقطه ورباه من ميراثه شئ، فإن طلب الذي رباه ما انفقه عليه، كان له ذلك، ويأخذه من أصل تركته، ويكون الباقي لبيت المال. وأما المشكوك فيه: فهو أن يطأ الرجل زوجته، أو مملوكته، ثم يطأها غيره في هذه الحال (2)، وتأتي بولد، فإنه إذا كان كذلك، لم يلحقه بنفسه لحوقا صحيحا، بل يربيه وينفق عليه، فإذا حضرته الوفاة، عزل له من ماله ما يستعين به على حاله، فإن مات هذا الولد لم يكن له من ميراثه شيئ وكان جميعه لبيت المال أن لم يترك ولدا ولا زوجا ولا زوجة. وإذا وطأ رجلان جارية مشتركة بينهما، وجاءت بولد، اقرع بينهما، فمن خرج اسمه، الحق الولد به، وضمن للباقي من شركائه حصتهم، وتوارثا. فإن وطأ اثنان في طهر واحد بعد انتقال الملك من الواحد منهما إلى الآخر،

(1) زاد في هامش نسخة (ب) هنا " فإن لم يعلم له موت ولا حياة فهو بمنزلة المفقود وأما المفقود فإنه لا يقسم ماله إلا أن يعلم موته " وهكذا في المبسوط.
(2) يعني حراما ويحتمل أن يكون المراد أعم منه ومن الشبهة وهذا الحكم ذكره الشيخ أيضا في النهاية هنا وهو بظاهره مخالف صريح لقانون " الولد للفراش " المتفق عليه بين الفريقين بالنصوص المستفيضة عن النبي (صلى الله عليه وآله) لكن الظاهر أن المراد بما ذكراه هنا ما إذا غلب على الظن بإمارة أنه ليس الولد منه كما يأتي في هذا الكتاب " باب الحاق الأولاد " في أواخر كتاب الطلاق وهذا قد استدل له بأخبار لا تخلو من ضعف في سندها أو دلالتها مع اضطراب بينها ومخالفتها لغيرها فراجع كتاب النكاح من جواهر الكلام باب أحكام الأولاد.

[ 167 ]

كان الولد لاحقا بالذي هي عنده، ويرثه ويرث (1) الأب، والولد أيضا يرثه. وإذا تبرأ إنسان من جريرة ولده عند إنسان، (2) ومن ميراثه، ومات الولد، كان ميراثه لعصبة أبيه (3) ولم يكن لأبيه شيئ في ذلك على حال. " باب ميراث المماليك والمكاتبين " المملوك لا يملك شيئا يستحقه وراثه الأحرار لأن المال الذي يكون معه، مال لمولاه، وكذلك المدبر. فأما المكاتب: فإنه إن كان مشروطا عليه، كان حكمه حكم المملوك سواء وإن لم يكن مشروطا عليه فإنه يرث ويورث بقدر ما أدى من مكاتبته من غير زيادة ولا نقص، فإن اشترط المكاتب على الذي كاتبه أن يكون ولاؤه له، كان شرطه صحيحا، (4) فإن شرط أن يكون ميراثه له دون ورثته، لم يجز ذلك.

(1) الظاهر زيادة " ويرث " والصواب " ويرث الأب والولد أيضا يرثه " كما في عبارة النهاية.
(2) الصواب " عند السلطان " كما في نسخة (ب) تصحيحا وللخبر الذي هو مدرك لهذا الحكم الوسائل ج 17 الباب 7 من أبواب ميراث ولد الملاعنة.
(3) العصبة الرجال المتقربون بالأب والمذكور في الخبر المشار إليه أقرب الناس إلى أبيه وهو شامل للنساء وهذا الحكم ذكره الشيخ أيضا في النهاية وحكى عن غيرهما لكن ذكر في الشرائع أنه قول شاذ وحكي في السرائر أن الشيخ قد رجع عنه في حائرياته وقال إن الرواية به شاذة.
(4) المكاتب ليس كالمعتق لأنه اشترى نفسه بمال فلا ولاء عليه لمولاه كالسائبة فيكون ميراثه للامام إذا لم يكن له وارث كما ورد ذلك في الخبر ولكن إذا اشترط هو في عقد الكتابة أو اشترط عليه أن يكون ولائه لمولاه جاز لعموم " الشروط والنصوص الخاصة " فيرثه مولاه إذا لم يكن له وارث وأما إذا اشترط عليه أن يكون ميراثه له مع وارث له فلا يجوز لكونه مخالفا للكتاب كما صرح به أيضا في بعض الأخبار.

[ 168 ]

وإذا كان العبد بين شريكين، فاعتق أحدهما نصيبه فيه، ومات وترك مالا، كان نصفه للذي لم يعتق منه نصيبه، والنصف الآخر لورثته، فإن لم يترك وارثا، كان ذلك لمولاه الذي أعتقه على ما تقدم (1). " باب ميراث الغرقى، والمهدوم عليهم في وقت واحد ". إذا غرق جماعة من الناس في وقت واحد، أو انهدم عليهم موضع، فمات جميعهم، ويكونون يتوارثون، ولا يعلم من الذي مات منهم قبل الآخر، فالحكم في توريثهم أن يورث بعضهم من بعض من نفس تركته، لا مما يرثه من الآخر، يقدم الاضعف في استحقاق الميراث، ويؤخر الأقوى في ذلك، مثال ما ذكرناه أن نفرض إنه غرق زوج وزوجة، فنفرض موت الزوج أولا، وتورث الزوجة منه، لأن سهمها في الاستحقاق أقل من سهم الزوج، وذلك لأن أكثر ما تستحقه الزوجة الربع، وأكثر ما يستحقه الزوج النصف، فهو أقوى حظا منها فيعطى الزوجة حقها منه، والباقي لورثته ثم نفرض أن الزوجة ماتت، فيورث الزوج منها، فيدفع إليه حقه من نفس تركتها، دون ما ورثته منه، ويعطى وراثها الباقي. ومثال ذلك (2)، أب وابن، فنفرض موت الإبن أولا، ويورث الأب منه، لأن سهمه السدس مع الولد، (3)، والباقي للابن، فهو أضعف منه. ويعطى ورثته الباقي من المال، ثم نفرض أن الأب مات، فيعطى الإبن حقه، والباقي لورثته، فإن فرضنا في هذه المسألة أن للأب وارثا، إلا أن هذا الولد أولى منه، وفرضنا أن للولد وارثا، إلا أن الأب أولى منه، فإنه يصير ميراث الإبن لورثة الأب، وميراث الأب لورثة الإبن، لأنا لو فرضنا موت الإبن أولا صارت تركته لأبيه ولو فرضنا موت

(1) أي على التفصيل المتقدم في باب ميراث الموالى وذوي الأرحام.
(2) أي مثال آخر له.
(3) أي مع وجود الولد للابن الميت والمراد بقوله والباقي للابن وقوله يعطى ورثته أيضا، هذا الولد.

[ 169 ]

الأب (1) لصارت تركته لورثة الإبن. فإن مات اثنان، وخلف أحدهما ميراثا، ولم يخلف الآخر شيئا، فالذي خلف ميراثا يرثه الآخر، وينتقل منه إلى ورثته، دون ورثة الذي خلف الميراث، مثال ذلك أب وابن، فإنا إن فرضنا أن الإبن لم يترك شيئا، فالاب ليس له منه حظ فإذا فرضنا بعد ذلك موت الأب، ورثه الإبن، فصارت تركة الأب لورثة الإبن، وكذلك لو فرضنا أن للابن مالا وليس للأب شئ، فإنه إذا فرضنا موت الإبن، انتقلت تركته إلى الأب فإن فرضنا موت الأب بعد ذلك، لم يكن له شئ، ينتقل إلى الإبن، لأن الذي ورثه الإبن (2) لا يرث الإبن منه، على ما قدمناه، فيصير ما ورثه من أبيه (3) لورثته خاصة. فإن غرق اثنان ليس لكل واحد منهما وارث إلا الآخر، فإن ميراثهما لبيت المال (4) فإن كان لأحدهما وارث من ذي رحم (5) أو مولى نعمة، أو ضامن جريرة

(1) أي أولا ومعنى قوله صارت تركته لورثة الإبن أنها تصير للابن في الفرض ويلزمه أن تصير لورثته كما أنه في الأب كذلك وفي هامش نسخة (ب) زاد بعد قوله موت الأب " بعد ذلك لصارت تركته للولد وصار ما كان ورثه من ابنه لورثته الأخر وكذلك لو فرضنا موت الأب " ونحوه في النهاية وهذا بمعنى ما ذكرنا إذ المراد بقوله بعد ذلك أن يفرض موت الأب أولا بعد ما فرض موت الإبن إلا أن يفرض موته بعد موته وهكذا في الفروع الآتية.
(2) الصواب: ورثه الأب كما في نسخة (ب) تصحيحا أو ورثه من الإبن كما في النهاية أو يقرء ورثه بتشديد الراء من التوريث.
(3) الصواب: من ابنه كما في النهاية أي ما ورثه الأب خاصة يكون لورثته (4) زاد في هامش نسخة (ب) هنا " لأن ما ينتقل إلى كل واحد منهما من صاحبه لا وارث له وما كان كذلك فهو لبيت المال ".
(5) كما إذا غرق أخوان من أب ولاحدهما أخوال فإن ميراث من له الخال للآخر فينتقل إلى بيت المال وميراث الآخر لمن له الخال ينتقل إلى خاله وكذا إذا كان له إخوة من أم لكن بالنسبة إلى الزائد عن ثلثهم وإذا غرق اثنان لأحدهما زوج أو زوجة فإن كان الآخر إبنا له كان لأحد الزوجين نصيبه الأدنى الربع أو الثمن والباقي للابن ينتقل إلى بيت المال وإلا فله النصيب الأعلى والباقي للآخر.

[ 170 ]

أو زوج، أو زوجة، فإن ميراث الذي له وارث لمن ليس له وارث، وينتقل منه إلى بيت المال. وإذا غرق اثنان في حال واحدة، يرث الواحد الآخر، والآخر لا يرثه، فإنه لا يورث بعضهما من بعض، ويكون ميراث كل واحد لورثته، مثال ذلك: أخوان غرقا، ولأحدهما أولاد، وليس للآخر ولد، ولا والدان، فإنه إذا كان كذلك، بطل هذا الحكم، لأنه إنما جعل ذلك بأن يفرض توريث بعض من بعض (1) فإذا لم يصح ذلك فيه، فالحكم ساقط. فإن مات اثنان حتف أنفهما، لم يورث بعضهما من بعض، ويكون ميراث كل واحد منهما لوارثه الحي، لأن هذا الحكم جعل في الموضع الذي جوز فيه تقدم كل واحد منهما على الآخر (2). " باب ميراث المجوس " المجوس يرثون بالانساب والأسباب صحيحة كانت في شرع الاسلام، أو غير صحيحة، مثال ذلك: مجوسي مات، وخلف زوجته وهي أخته، فإنها يورث منه بالاخوة، والزوجية، فيكون تقدير ذلك في التوريث أن لها من المال الربع بالزوجية

(1) فيه أن مقتضى إطلاق النصوص عدم اشتراط إرث بعضهم بإرث الآخر منه بل صرح في بعضها بإرث من ليس له مال أصلا ممن له المال كما تقدم من المصنف ولذا مال بعض المتأخرين هنا أيضا إلى التوريث لمن يرث دون الآخر إلا إنه ادعى بعض الاجماع على خلافه وذكر في مفتاح الكرامة أني تتبعت فما رأيت مخالفا سوى ما نقله المحقق الطوسي في الطبقات عن قوم. قلت كون الاجماع هنا حجة غير ظاهر والله العالم.
(2) ظاهره أنه في حتف الأنف لا يجوز احتمال تقدم موت أحدهما على الآخر وهو ممنوع نعم قد ورد فيه نص خاص بعدم التوريث وقد عمل به المشهور لكنه محل تردد.

[ 171 ]

والباقي بالاخوة، ومثال آخر أيضا: مجوسية ماتت وخلف أخوين الواحد منهما زوجها فإن الأخ الذي ليس بزوج يورث بالاخوة، والآخر يورث بالاخوة والزوجية، فيكون تقدير ذلك بالتوريث أن له النصف بالزوجية، والنصف الآخر يقسم بينه وبين الأخ الآخر. وقال قوم من أصحابنا: بأن المجوس يورثون بالانساب، ولا يورثون بالاسباب إلا بما هو جائز في شرع الاسلام، وقال الاخرون منهم بما ذكرناه أولا من أنهم يورثون من الجهتين معا، سواء كان ذلك مما هو جائز في شريعة الاسلام، أو غير جائز فيها، وهو الظاهر من المذهب. " باب ميراث الخنثى " إذا كان لانسان ما للرجال وما للنساء، اعتبرت حاله في هل هو ذكر أو أنثى ببوله، فإن خرج البول مما هو للرجال، ورث ميراث الذكور، وإن خرج مما هو للنساء، ورث ميراث الاناث، فإن خرج البول منهما جميعا (1)، ولم يسبق أحدهما الآخر، كان الاعتبار في ذلك بانقطاعه فأيهما انقطع منه قبل الآخر كان الوريث بحسبه فإن انقطعا جميعا في حال واحدة، ورث ميراث الرجال والنساء، بأن يعطى نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى، فإن دعت الحاجة إلى من ينظر الحال في البول من مجيئه وانقطاعه، فليحضر قوم عدول ويقف الخنثى خلفهم، ويأخذ كل واحد منهم مرآة فيستقبله بها وينظر الشبح الذي فيها، فمهما أدى نظره إليه كان الحكم له، والتوريث بحسبه، وقد ورد أنه يعد أضلاعه (2)، فمن عمل به كان

(1) زاد في هامش نسخة (ب) هنا " كان الاعتبار بما سبق منهما فإن سبق ما للرجال ورث ميراث الذكور وإن سبق ما للنساء ورث ميراث الأنثى فإن خرج البول منهما جميعا ".
(2) يعني إن تساويا ورث ميراث المرأة وإن زاد أحدهما على الآخر ورث ميراث الرجال كما في النهاية.

[ 172 ]

جائزا، فإن كان ممسوحا، ليس له ما للرجال، ولا ما للنساء، فإنه يورث بالقرعة، ويكتب على سهم عبد الله، وعلى سهم أمة الله، فأيهما خرج ورث بحسبه، والخنثى إذا تزوج من خنثى على أن الواحد منهما رجل، والآخر امرأة، من قبل أن يبين أمرهما أوقف النكاح إلى أن يتبين، فإن مات أحدهما قبل بيان أمرهما لم يتوارثا. وإذا كان له ما للرجال وما للنساء، ودعت الحاجة إلى أن يختن قبل أن يبين أمره لم يجز أن يختنه رجل ولا امرأة، وينبغي أن يشترى له جارية من ماله تختنه، فإن لم يكن له مال اشترى ذلك له من بيت المال، فإذا ختنته بيعت بعد ذلك، وأعيد ثمنها إلى بيت المال، والخنثى إذا كان مملوكا، وقال سيده، " كل عبد لي وأمة أحرار، وكل مملوك لي حر " فإنه ينعتق بذلك من غير أن يعتبر له حال، هل هو ذكر أو أنثى، فإن قال: " كل عبد لي حر " لم ينعتق حتى يعتبر حاله في ذلك. فإن تبين أنه رجل انعتق، فإن تبين أنه امرأة لم ينعتق، فإن قال: " كل أمة لي حرة " لم ينعتق حتى يعتبر حاله، فإن بان أنه امرأة أعتق، وإن بان أنه رجل لم ينعتق، فإن مات من ذكرنا حاله، كان ميراثه بالولاية على حسب ما تبين من حاله. وإذا أوصى إنسان لحمل، فقال أن كان ذكرا كان له مأة دينار، وإن كان أنثى، كان له خمسون دينارا، فولد خنثى، أوقف الحكم فيه إلى أن يبين أمره فمهما بان منه كان الحكم بحسبه. وإذا سرق الخنثى، أو قذف، أقيم عليه الحد، فإن قطع إنسان يده أو رجله أو فقأ عينه أوقفت الجناية حتى يبين أمره، فإن بان أنه رجل، كان على الجاني نصف دية رجل، وإن كان امرأة، كان عليه نصف دية امرأة. وإذا ادعى الخنثى أنه رجل أو أنه امرأة لم يلتفت إلى قوله في ذلك ووجب اعتبار حاله، فمهما بان من أمره كان العمل فيه بحسبه. " باب ميراث من له رأسان " إذا كان لشخص واحد رأسان على حقو واحد، كان الاعتبار في هل هو حي

[ 173 ]

واحد، أو حيان بأن يترك حتى ينام، ثم ينبه أحدهما، فإن انتبه أحدهما، ولم ينتبه الآخر، ورث ميراث شخصين، وإن انتبها جميعا، ورث ميراث شخص واحد. " باب احتصار حساب الفرائض " الأصل في ذلك سهام الفرائض، وقد ذكرنا فيما تقدم أنها ستة، وهي: النصف والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس، وبينا فيما تقدم من المستحق لهذه السهام مفصلا، فإذا أردنا أن نذكر حساب الفرائض فينبغي أن تبين مخرج كل سهم منها، لأنها كما قدمناه، الأصل في ذلك، فنقول: إن مخرج النصف من اثنين ومخرج الربع من أربعة، ومخرج الثمن من ثمانية، ومخرج الثلثين والثلث من ثلاثة، ومخرج السدس من ستة. فإن كان في الفريضة مع النصف ثلث أو سدس، كان من ستة، وإن اجتمع معه ثمن أو ربع، فهي من ثمانية، فإن اجتمع ثلثان وثلث، كان من ثلاثة، فإن كان فيها ربع وما يبقى، أو ربع ونصف، وما يبقى، فهي من أربعة، فإن كان فيها ثمن وما يبقى أو ثمن ونصف وما يبقى. فهي من ثمانية، وإن كان مع الربع ثلث أو سدس، فهي من اثني عشر، وإن كان مع الثمن ثلثان أو سدس، كانت من أربعة وعشرين، وإذا أردت إخراج السهام وقسمتها صحاحا، فانظر الفريضة. فإن كان فيها فرض مسمى، إذا خرجته لمستحقه، كان الباقي وفقا لباقي الوارث، فاقسمه عليهم، وليست هاهنا يحتاج إلى ضرب السهام بعضها في بعض مثال ذلك: إنسان مات وخلف أباه وخمسة بنين فهذه من ستة، لأن أقل عدد يخرج منه سدس صحيح هو ستة، للأب السدس من ذلك سهم واحد، ويبقى خمسة أسهم يقسم على البنين الخمسة، لكل واحد منهم سهم، ومثال آخر: امرأة ماتت وخلفت زوجها وثلاثة بنين فهذه من أربعة، لأن أقل عدد يخرج منه ربع صحيح، هو أربعة للزوج من ذلك الربع سهم، ويبقى ثلاثة أسهم، يقسم على البنين الثلاثة، لكل واحد منهم سهم.

[ 174 ]

فإن لم تجد السهام وفقا على ما ذكرناه، ووجدتها منكسرة، إذ قسمتها فهي ضربان: أحدهما أن يكون فيها فرض مسمى، وما بقي لمن يبقى، والباقي أن يكون فيها فرض مسمى، والباقي يرد على أهل تلك التسمية فإن كان ما يجده ينكسر وفيه فرض مسمى، والباقي لمن يبقى، وهو الضرب الأول فاخرج الفرض الأول لمستحقه. فإذا وجدت الباقي ينكسر على من يبقى من الوراث، فاضرب رؤوسهم في أصل الفريضة، ثم أقسم ذلك، تجد السهام صحيحة، مثال ذلك إنسان مات، وترك أباه، وثلاثة بنين، فهذه من ستة، لأن أقل عدد يخرج منه سدس صحيح هو ستة، كما قدمناه، يكون للأب من ذلك السدس سهم واحد ويبقى خمسة أسهم لا ينقسم على البنين الثلاثة على الصحة، فالوجه في ذلك أن تضرب رؤوسهم وهي ثلاثة في أصل الفريضة، وهي ستة فيكون ثمانية عشر سهما للأب منها السدس ثلاثة أسهم، ويبقى خمسة عشر سهما للبنين الثلاثة، لكل واحد منهم خمسة أسهم. ومثال آخر إنسان مات وترك أباه وأربعة بنين، فهذه أيضا من ستة، لأن فيها سدسا، وهو سهم للأب، تبقى خمسة أسهم، لا تنقسم على الأربعة البنين، فالوجه في ذلك أن تضرب رؤسهم وهي أربعة في ستة، وهي أصل الفريضة، يكون أربعة وعشرين سهما، فللاب منها السدس أربعة أسهم، ويبقى عشرون سهما للبنين الأربعة، لكل واحد منهم خمسة أسهم فإن حصل في شيئ من ذلك زوج أو زوجة فليفرض ذلك، كان رجلا مات وخلف زوجته وابنين، فهذه من ثمانية، للزوجة الثمن سهم واحد، يبقى سبعة أسهم، لا ينقسم على الابنين. فالوجه في ذلك أن تضرب رؤسهما، وهي اثنان في أصل الفريضة، وهي ثمانية فيكون ستة عشر سهما، للزوجة منها الثمن سهمان، ويبقى أربعة عشر سهما للابنين، لكل واحد منهما سبعة أسهم. ومثال آخر: امرأة ماتت وتركت زوجها وابنين، فهذه من أربعة للزوج الربع سهم واحد، ويبقى ثلاثة أسهم، لا تنقسم على الإثنين على الصحة، فالوجه

[ 175 ]

في ذلك أن تضرب رؤسهما، وهي اثنان في أصل الفريضة، وهي أربعة، يكون ثمانية أسهم للزوج منها الربع سهمان، ويبقى ستة أسهم للابنين، لكل واحد منهما ثلاثة فإن فرضنا حصول زوج أو زوجة مع الأولاد والأبوين، أو أحدهما، كان العمل على ما نذكره، نفرض أن رجلا مات وترك أبويه وزوجته وابنين، فهذه من أربعة وعشرين، لأن ذلك أقل عدد يخرج منه سدسان صحيحان، وثمن صحيح، يكون للزوجة منها الثمن ثلاثة أسهم، وللأبوين السدسان ثمانية أسهم، يبقى ثلاثة عشر سهما، لا تنقسم على الصحة على الابنين. فالوجه في ذلك أن تضرب رؤسهما وهي اثنان في أصل الفريضة، وهي أربعة وعشرون، فيكون ثمانية وأربعين سهما للزوجة من ذلك ستة أسهم، وهي الثمن، وللأبوين السدسان ستة عشر سهما، يبقى ستة وعشرون سهما للابنين، لكل واحد منهما ثلاثة عشر سهما، فإن حصل في الفريضة مع البنين بنات فاجعل للابن بنتين. مثال ذلك: رجل مات وترك أبويه وزوجة وثلاثة بنين وبنتا فالفريضة من أربعة وعشرين، فصح منها سهام الوالدين والزوجة، وتنكسر سهام الأولاد، فتضرب عددهم وهو سبعة، لأن بنتا وثلاثة بنين بمنزلة سبع بنات في أصل الفريضة، فيصير مائة وثمانية وستين، منها سهم الزوجة أحد وعشرون، وسهم الأب ثمانية وعشرون، وكذا سهم الأم، فيبقى أحد وتسعون، يكون لكل ابن أربعة أسهم، وللبنت سهمان. ثم أضرب ذلك على ما بيناه، وأما الضرب الآخر: وهو أن يكون في الفريضة فرض مسمى، والباقي رد على أهل تلك التسمية، فمثاله أن نفرض أن انسانا هلك وخلف أبويه وبنتا، فهذه من ستة، لأن فيها نصفا وسدسا للأبوين منها السدسان، وللبنت النصف ثلاثة أسهم، ويبقى سهم يرد على الأبوين منها والبنت بحسب سهامهم وهي خمسة، فإن شئت جعلتها من خمسة، واستغنيت عن الضرب، فيكون للأبوين منها سهمان وللبنت ثلاثة أسهم، وهذا أولى وأقرب من الضرب. فإن أردت أن تضرب ذلك، فاضرب سهامهم، وهي خمسة، في أصل الفريضة وهي ستة، يكون ثلاثين سهما، للأبوين منها سدسان عشرة أسهم، وللبنت النصف

[ 176 ]

خمسة عشر سهما، يبقى خمسة أسهم يرد على الأبوين والبنت بحسب سهامهم، فيكون للأبوين منهما سهمان، لكل واحد منهما سهم، وللبنت ثلاثة أسهم. ومثال آخر: إنسان آخر مات، وترك أباه وبنتين، فهذه من ستة، للأب منها السدس سهم واحد، وللبنتين الثلثان أربعة أسهم، ويبقى سهم واحد يرد على الأب والبنتين بحسب سهامهم، وهي خمسة، فإن شئت جعلتها من خمسة أسهم، وهو الأولى من الضرب، والأقرب يكون للأب سهم واحد، وللبنتين أربعة أسهم لكل واحد منهما سهمان، وإن أردت ضرب ذلك، فاضرب سهامهم، وهي خمسة في أصل الفريضة وهي ستة، فيكون ثلاثين سهما للأب السدس خمسة أسهم لكل واحدة منهما سهمان. فإن اجتمع مع أصحاب الرد زوج أو زوجة، لم يرد على الزوج والزوجة شيئ، بل يدفع إلى كل واحد منهما فرضه المسمى بغير زيادة عليه، والباقي لمن يبقى من الوراث، مثال ذلك: رجل هلك وترك أباه وزوجته وبنتا، فهذه من أربعة وعشرين، للزوجة منها الثمن ثلاثة أسهم، وللأب السدس أربعة أسهم، وللبنت النصف اثنا عشر سهما، يبقى خمسة، يرد على الأب والبنت بحسب سهامهم دون الزوجة، فتنكسر على الأب والبنت. فالوجه في ذلك أن تضرب سهامهما وهي أربعة من ستة، يحق النصف والسدس في أصل الفريضة، وهي أربعة وعشرون سهما، فيكون ستة وتسعين سهما، للزوجة من ذلك الثمن اثنا عشر سهما، وللأب السدس ستة عشر سهما، وللبنت النصف ثمانية وأربعون سهما، يبقى عشرون سهما، للأب منها خمسة أسهم، وللبنت خمسة عشر سهما ومثال آخر: امرأة ماتت، وتركت زوجها وأباها وبنتا، فهذه من اثنى عشر للزوج الربع ثلاثة أسهم، وللأب السدس سهمان، وللبنت النصف ستة أسهم، ويبقى سهم يرد على الأب والبنت بحسب سهامهما دون الزوج، فينكسر عليهما، فالوجه في ذلك أن تضرب سهامهما وهي أربعة، يحق النصف والسدس من ستة في أصل الفريضة وهي اثنا عشر، فيكون ثمانية وأربعين سهما، للزوج منها الربع

[ 177 ]

اثنا عشر سهما، وللأب السدس ثمانية أسهم، وللبنت النصف أربعة وعشرون سهما، يبقى أربعة أسهم، للأب سهم واحد، وللبنت ثلاثة أسهم. فهذه جملة موجزة، ولا نوضح عن الأصل في حساب الفرائض فليتأمل، فإنها تكشف عن الغرض في ذلك بمشية الله تعالى. فأما الناسخات فنحن نورد منها ما ينكشف به المراد منها، فنقول: الأصل في ذلك أن تصحح مسألة الميت الأول فإذا صححتها، صححت مسألة الميت الثاني، ثم تقسم ما تختص بالميت الثاني من المسألة الأولى على سهام مسئلته، فإن انقسمت فقد صحت المسئلتان جميعا مما صحت منه المسألة في الميت الأول، مثال ذلك: رجل مات وترك أبوين وابنين فهذه من ستة، للأبوين السدسان سهمان، وللإبنين أربعة، لكل واحد منهما سهمان. فإذا مات أحد الابنين وخلف ابنين، كان لكل واحد منهما سهم من هذين السهمين، فقد صحت المسئلتان من المسألة الأولى. فإن لم ينقسم المسألة الثانية من المسألة الأولى، نظر في سهام المستحق للمسألة الثانية، وأجمعها واضربها في سهام المسألة الأولى، وقد صحت المسئلتان جميعا، مثال ذلك المسألة المقدم ذكرها، فنفرض أن أحد الابنين مات، وخلف إبنا وبنتا، وكان له سهمان من ستة، لا ينقسم على الصحة على الإبن والبنت، فاضرب سهم الإبن وهو اثنان، وسهم البنت وهو الواحد في أصل الفريضة للمسألة الأولى وهي ستة، فيكون ثمانية عشر، يكون الأبوين منهما السدسان، ستة أسهم، ولكل واحد من الابنين ستة أسهم. فإن هلك الإبن وترك إبنا وبنتا، كان للابن من ذلك أربعة أسهم، وللبنت سهمان، وكذلك إن مات ثالثا أو أكثر من ذلك، في أنك تصحح مسألة كل ميت ثم أقسم ماله من مسائل الذين هلكوا قبله من السهام على سهام مسئلته، فإن انقسمت فقد صحت المسائل كلها، وإن لم يصح، ضربت جميع مسئلته فيما صحت منه الذين ماتوا قبله فمهما اجتمع، فقد صحت منه جميع المسائل.

[ 178 ]

كتاب النكاح قال الله تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء (1) وقال: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا الآية (2) وقال: وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم الايتان (3) وقال: وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا (4) وقال: والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (5). وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: تناكحوا تكثروا فأني أباهي بكم الأمم حتى بالسقط (6). وقال: ومن أحب أن يكون على فطرتي فليستن بسنتي، وإن سنتي النكاح (7). وعن الصادق (عليه السلام): إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من أحب أن يلقى إله تعالى طاهرا مطهرا، فليستعفف بزوجة (8). واجمع المسلمون على أن التزويج مندوب إليه، ومرغب فيه، وإن اختلفوا في وجوبه.

(1) النساء 3 (2) الروم 21.
(3) النور 32 و 33 (4) الفرقان 54.
(5) المؤمنون 5. (6 - 7 - 8) مستدرك الوسائل، أبواب مقدمات النكاح، الباب الأول.

[ 179 ]

" باب أقسام النكاح " النكاح على ثلاثة أضرب: نكاح غبطة مستدام غير مؤجل، ونكاح متعة، ونكاح بملك اليمين. فأما نكاح الغبطة المستدام غير المؤجل، فهو نكاح لا يكون موجلا بمدة معلومة من أيام أو شهود أو سنين ويجب في ذلك النفقة، ويلحق فيه الأولاد بالاباء ظاهرا ويستحب فيه عند العقد الاشهاد، والاعلان، وإذا ثبت لم ينفسخ إلا بطلاق أو ما يقوم مقامه من أنواع الفرقة. وأما نكاح المتعة: فهو نكاح ينعقد باجل معين ومهر معلوم، وبذلك: يبين من النكاح المستدام، فإن عين فيه المهر ولم يذكر فيه الأجل، وإن سمي متعة لحق بالأول، وكان نكاحا دائما، وإن ذكر الأجل ولم يذكر المهر كان فاسدا، وإن لم يذكر مهرا ولا أجلا كان باطلا أيضا ويشترك هو والنكاح المستدام في الحاق الأولاد بآبائهم، وأما نكاح ملك اليمين فيختص بوطىء الإماء ممن يملكهن، وأحكام جميع ذلك نبين فيما بعد. " باب ذكر الكفاة في النكاح " " ومن يرغب في نكاحه ومن لا يرغب فيه والاستخارة فيه " الأحرار من المؤمنين يتكافؤن في النكاح وإن تفاضلوا في النسب والشرف، كما يتكافؤون في الدماء وإن تفاضلوا في الشرف والأنساب، فمن كان منهم عاقلا قادرا على نفقات الزوجات بحسب الحاجة مستطيعا للنكاح مأمونا على النفس والمال ليس بمرتكب للفجور والفواحش وليس به سفه من (في خ ل) رأي وإن كان حقيرا في نسبه وطلب إلى غيره التزويج ورغب إليه فينبغي أن يزوجه فإن لم يفعل كان عاصيا

[ 180 ]

مخالفا للسنة والأخبار (1) يمنع من ذلك لأجل نسبه، كما روي عن الصادق (عليه السلام) أن النبي (صلى الله عليه وآله) زوج امرأة من بني هاشم بن عبد مناف بن تميم الدارى، (2) وزوج المقداد ضباعة بنت الزبير من عبد المطلب، وقال: إنما زوجها للمقداد ليتواضع النكاح، فليتأسوا برسول الله، وليعلموا أن أكرمكم عند الله أتقاكم (3). ومن كان له ابنة فإنه يكره له تزويجها ممن كان متظاهرا بشرب الخمور أو غيرها من الفسق، فإن زوجها منه كان النكاح جائزا ويكون بذلك تاركا للافضل وإذا أراد الانسان التزويج، فينبغي أن يطلب ذات الدين والأبوة والأصل الكريم، ولا ينبغي أن يتزوج المرأة لمالها أو لجمالها إذا لم يكن اعتقادها مرضيا ولم تكن كاملة العقل سديدة الرأي، وقال النبي (صلى الله عليه وآله): مالها يطغيها وجمالها يرديها (4). وقال الصادق (عليه السلام) من تزوج امرأة لجمالها أو مالها حرمه الله مالها وجمالها (5). ولا يتزوج امرأة مخالفة في الاعتقاد، فإن فعل ذلك كان النكاح ماضيا، ويكون تاركا للافضل، وإن كانت المرأة مستضعفة لا يعرف فيها نصبا ولا انحرافا عن الحق

(1) الكلمة هنا في نسخة الأصل غير واضحة وفي غيرها " ولا يجب أن يمتنع " لكن المناسب أن تكون " ولا يجوز " أو ما يقرب منه ويأتي في باب الصداق تقييده بأن يبذل لها مهر السنة.
(2) مستدرك الوسائل الباب 22 من مقدمات النكاح.
(3) الوسائل ج 14 الباب 26 من مقدمات النكاح وفيه إنما زوجه لتتضع المناكح وليتأسوا برسول الله (صلى الله عليه وآله) وليعلموا أن أكرمهم عند الله أتقاهم وبمعناه في المستدرك في الباب المذكور عن النبي (صلى الله عليه وآله).
(4) مستدرك الوسائل الباب 13 من مقدمات النكاح وزاد بعد فعليك بذات الدين (5) المقنعة للمفيد وزاد بعده ومن نكح وفق الله له الخير والجمال والكمال وفي معناهما عدة أخبار في الوسائل ج 14 الباب 14 من مقدمات النكاح.

[ 181 ]

جاز له تزويجها، ولا يجوز لانسان أن يزوج ابنته لمخالف له في ذلك مع الاختيار وإذا وجد الرجل امرأة فقيرة ولها أصل ودين فلا ينبغي أن يمتنع من نكاحها لما عليه من ذلك والأفضل للرجال أن يختاروا الولود من النساء، وإن كانت شوهاء قبيحة المنظر ويجتنب العقيم منهن وإن كانت حسناء ويستحب التزويج بالابكار لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله)، أنه قال: إنهن أطيب شيئ أفواها، وأدر شيئ أخلاقا وأحسن شيئ أخلاقا وافتح شيئ أرحاما (1) ويكره التزويج بالسودان من الزنج وغيرهم إلا النوبة. ويكره التزويج بالاكراد وكذلك التزويج بالمجنونة. ويجوز الوطي بملك اليمين من غير أن يطلب منها الولد، ويجوز أن يتزوج الرجل امرأة يعلم منها ارتكاب الفجور إذا تابت منه، وإذا عقد على امرأة كانت قد زنت ولم يعلم ذلك ثم علم به بعد العقد وكان قد دخل بها، كان عليه المهر بما استحل من فرجها، ثم إن أراد أن يمسكها أمسكها وإن أراد طلاقها، طلقها وإن كان لم يدخل بها، كان له الرجوع بالمهر على وليها. ونكاح الحمقاء مكروه وقد روي أن صحبتها بلاء، وولدها ضياع (2)

(1) رواه الشيخ كذلك في النهاية وفي التهذيب باب اختيار الازواج كما في نسخته المطبوعة لكن في الوافى حكي عنه أطيب شيئ أخلافا وأحسن شيئ أخلاقا وافتح شئ أرحاما مقتصرا على هذه الثلاث ونحوه في نسخة (خ) من المتن وللخبر ألفاظ أخر كما في الوسائل الباب 17 من مقدمات النكاح والاخلاف جمع خلف بالكسر أي الضرع وقال ابن إدريس في السرائر حيث أورد الخبر بتمامه: أفتخ بالخاء المعجمة بمعنى ألين وانعم لكن في مجمع البحرين أورده بالحاء المهملة وفسره كالمجلسي عليه الرحمة في المرآة بكثرة النسل وهذا انسب بقوله (صلى الله عليه وآله) بعده: أما علمتم أني أباهي بكم الأمم يوم القيمة حتى بالسقط وإنه في رواية الكافي زاد عليه وأنشفه أرحاما والنشف قلة الرطوبة.
(2) وسائل الشيعة ج 14، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح والباب 33

[ 182 ]

وينبغي لمن أراد التزويج، أن يتزوج للدين والسنة، ولا يتزوج للرياء والسمعة وإذا أراد التزويج استخار الله في ذلك يقول: " اللهم أني أريد النكاح فسهل لي من النساء أحسنهن خلقا وخلقا وأعفهن فرجا وأحفظهن لنفسها ودينها وأمانتي عندها " ثم يفعل ما يريد منه. " باب في ذكر من يحرم نكاحه من النساء ومن يحل منهن " المحرمات من النساء على ضربين: أحدهما: يحرم بالنسب، والآخر: يحرم بالسبب، فالذي يحرم بالنسب الأم وإن علت والبنت وإن نزلت وبنات الأخ وإن نزلن وبنات الأخت وإن نزلن أيضا والعمة والخالة وإن علتا (1) وأما الذي يحرم بالسبب فعلى ضربين: أحدهما: يحرم العقد عليه على كل حال، والآخر يحرم عليه في حال دون حال والذي يحرم العقد عليه على كل حال هو كل من جرى في الرضاع مجرى من ذكرنا تحريمه بالنسب. ويلحق بذلك أيضا كل امرأة عقد عليها الأب أو الإبن ومملوكة الأب أو الإبن إذا جامعاها أو قبلاها بشهوة أو نظرا منها إلى ما يحرم على غير مالكها النظر إليه، وأم الزوجة سواء دخل بابنتها أو لم يدخل وبنت المدخول بها، فإن عقد عليها ولم يدخل بها جاز العقد على البنت (2) وهذا الحكم أيضا ثابت في المتعة.

(1) بأن كانت عمة أو خالة لأب الانسان أو أمه أو جده أو جدته لأبيه أو أمه وأما عمة العمة أو خالة الخالة فقد لا تكون كذلك كما إذا كانت عمة الانسان أختا لأبيه من جهة الأم فقط أو كانت خالته أختا لامها من جهة الأب فقط فالظاهر عدم حرمة عمة هذه العمة وخالة هذه الخالة عليه.
(2) أي بعد فراق أمها كما يأتي قريبا.

[ 183 ]

فأما ملك اليمين فإنه إذا وطئ الرجل مملوكة (1) له حرم عليه وطؤ بناتها بالملك والعقد أيضا فإن لم يطأ الأم جاز له وطؤ البنت وإن كانت أمها باقية في ملكه، والمعقود عليها ليست كذلك، لأنه إذا لم يدخل بالأم لم يجز له العقد على البنت إلا بعد مفارقتها. والمرأة المزني بها يحرم على أب الزاني بها وعلى ابنه، العقد عليها، فإن كان زنى بها بعد أن عقد الأب أو الإبن عليها، فإنه لا يبطل العقد. وإذا ملك الرجل جارية ووطئها ثم وطئها ابنه بعد وطئ الأب لها لم يحرم بذلك على الأب وطؤها، فإن كان ابنه وطئها قبل وطي الأب لها حرم وطؤها على الأب. وإذا كان للمرأة زوج، أو كانت في عدة من زوج له عليها رجعة، وفجر بها رجل في شئ من ذلك حرم على الذي فجر بها العقد عليها أبدا. وإذا طلق رجل زوجته تسع تطليقات للعدة وقد تزوجت فيما بينها بزوجين حرمت عليه أبدا. وإذا لاعن رجل امرأته فرق بينهما، ولم تحل له بعد ذلك أبدا. وإذا عقد المحرم على امرأة وهو عالم بتحريم ذلك فرق بينهما ولم تحل له أبدا فإن لم يكن عالما بهذا التحريم فرق بينهما وجاز له العقد عليها بعد الاحلال. وإذا قذف رجل امرأته وهي صماء أو خرساء فرق بينهما ولم تحل له أبدا. ومن فجر بغلام فأوقب حرم عليه العقد على أمه وابنته وأخته. وإذا عقد الرجل على امرأة في عدتها وهو عالم بذلك فرق بينهما ولم تحل له أبدا وإن لم يكن دخل بها، ولا فرق بين أن يكون العدة عدة الطلاق، أو عدة الوفاة وإن لم يكن عالما بذلك فرق بينهما، وإذا انقضت العدة، جاز له بعد ذلك العقد عليها إن لم يكن دخل بها وإذا كانت المرأة عالمة بذلك حرم عليه الرجوع

(1) في نسخة (خ) وهامش نسخة (ب) تصحيحا: حرم عليه وطي أمها على كل حال ويجوز أن يملكها ولا يطأها وإذا وطي الأم بالملك حرم عليه الخ.

[ 184 ]

إلى هذا الزوج تعقد آخر وإذا لم يكن عالما بذلك وكان قد دفع إليها المهر كان له الرجوع عليها به، وإن عقد عليها وهي في عدة ودخل بها فرق بينهما ولم تحل له أبدا، سواء كان عالما بذلك أم لم يكن عالما به، وكان لها المهر (1) بما استحل من فرجها وعليها عدتان إحداهما: تمام العدة من الزوج الأول، والعدة الأخرى: من الزوج الثاني. وإذا جاعت بولد لأقل من ستة أشهر، كان لاحقا بالزوج الأول، وإن كان لستة أشهر أو أكثر كان للثاني. وأما من يحرم العقد عليه في حال دون حال فهو كل امرأة لها زوج، فإنه يحرم على الرجل العقد عليها وهي في حباله، فإن طلقها الزوج، أو مات عنها جاز له العقد عليها، فإن كان من ذوات العدد، فبعد خروجها من العدة التي لزمتها. وكل أختين من الحرائر، فإنه يحرم الجمع بينهما في عقد نكاح غبطة أو متعة في زمان واحد، فإن تزوج بهما بلفظ واحد في وقت واحد، كان مخيرا في إمساك الواحدة منهما (2) وتخلية الأخرى، فإن عقد على واحدة منهما، ثم عقد على الأخرى بعد ذلك، كان عقده على الثانية باطلا، فإن وطئ الثانية فرق بينهما، وحرم عليه الرجوع إلى الأولى حتى تخرج التي وطئها من عدتها منه. فإن عقد الرجل على امرأة ثم عقد على أمها أو أختها (3) جاهلا بذلك فرق

(1) ظاهره عدم الفرق في استحقاق المهر ووجوب العدة بين صورة العلم والجهل لكن الظاهر أنه إن كانا عالمين فلا مهر ولا عدة لأنهما زانيان وإن كان الرجل عالما فلها المهر ولا عدة عليها وإن كانت المرأة عالمة فبالعكس كما ذكره الشيخ في المبسوط في كتاب العدد في فصل اجتماع العدتين.
(2) أي بالعقد الأول كما هو ظاهر النص وعن جماعة من الأصحاب بطلان العقد وطرح النص بالضعف أو حمله على تجديد العقد.
(3) كذا في نسخ المتن وفي النهاية: والظاهر أن ذكر الأخت تكرار ويحتمل أن يكون من سهو القلم وصوابه " أو ابنتها " لورود النص فيها أيضا كما في الوسائل في *

[ 185 ]

بينهما، فإن جائت بولد لحق به، وحرم عليه الرجوع إلى الأولى حتى تقضي التي وطأها عدتها منه، ومن طلق زوجة له طلاقا رجعيا حرم عليه العقد على أختها حتى تنقضي عدتها، وإذا انقضى أجل الزوجة المتمتع بها جاز العقد على أختها في الحال وقبل انقضاء عدتها، وقد روي (1) أن ذلك لا يجوز حتى تقضي العدة وهو الأحوط، ويجوز العقد على أخت زوجته في حال موت هذه الزوجة. ويحرم عليه الجمع بين الأختين المملوكتين في الوطأ، فأما في الملك فهو جائز، لأن حكم الجمع بينهما في الوطأ حكم الجمع بينهما في العقد، فإن ملكها ووطأ واحدة منهما، حرم عليه وطؤ الأخرى حتى تخرج الموطوئة عن ملكه بهبة أو بيع أو غير ذلك، فإن وطأ الأخرى بعد وطئه لتلك وكان عالما بذلك وتحريمه عليه، حرمت الأولى عليه حتى تموت الثانية. فإن أخرج الثانية عن ملكه، وقصد بإخراجها الرجوع إلى الأولى لم يجز له ذلك، فإن أخرجها لغير ذلك جاز له الرجوع إلى الأولى، وإن لم يكن عالما بتحريم ذلك عليه، كان له الرجوع إلى الأولى إذا أخرج الثانية من ملكه. ويحرم على الرجل إذا كان حرا أن يجمع في العقد بين أكثر من أربع حرائر، أو امتين، ويجوز له الجمع في العقد بين حرتين وأمتين أو حرة وأمتين، ويجوز له الجمع ما شاء بملك اليمين مع العقد على أربع حرائر. فإذا كان عند رجل ثلاث زوجات وعقد على اثنتين في حال، كان مخيرا في

* الوسائل في الباب 8 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة في الخبر 6 لكن مقتضاه الاكتفاء باستبراء الرحم وهو يحصل بحيضة نعم في خبر آخر ورد في خصوص الأخت والأم كما في الباب 21 مما ذكر اعتبار انقضاء العدة ولا يبعد حمل الأول أيضا عليه وعلى كل، ظاهرهما حرمة الرجوع إلى الأولى بدون ذلك كما اختاره الماتن لكن عن جماعة حمله على الكراهة والأول أقوى. (1) الوسائل الباب 27 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.

[ 186 ]

إمساك إحداهما وتخلية الأخرى، فإن عقد عليهما بلفظ واحد ثم دخل بواحدة منهما، كان عقد المدخول بها ثابتا، (1) وعقد التي لم يدخل بها باطلا، فإن عقد عليهما بلفظ قدم فيه ذكر اسم الواحدة منهما على الاسم الأخرى ودخل بالتي قدم اسمها، كان عقدها ثابتا، (2) كان نكاحها باطلا، وكان عليها العدة لأجل الدخول بها. وإذا كان عند رجل أربع زوجات وطلق واحدة منهن طلاقا يملك فيه الرجعة، حرم عليه العقد على أخرى حتى تنقضي عدة المطلقة فإن كان الطلاق بائنا جاز له العقد على أخرى في الحال. وإن كان ذميا وكان عنده أكثر من أربع زوجات فاسلم فعليه أن يختار منهن أربعا فيمسكهن إن أراد ذلك وخلى سبيل ما زاد على الأربع، والرجل إذا كان مملوكا حرم عليه الجمع في العقد بين أكثر من حرتين أو أربع إماء ويجوز له العقد على حرة وأمتين ولا يجوز له العقد على حرتين وأمة. وأما ما يحرم من الرضاع فقد ذكرنا فيما تقدم، أنه يحرم منه ما يحرم بالنسب وإذا عقد الرجل على طفلة رضيعة وله زوجة، فأرضعت هذه الطفلة حرمت عليه الطفلة الرضيعة وامرأته التي أرضعتها. وإذا كان لرجل زوجتان فأرضعتا هذه الطفلة، حرمت عليه الطفلة والزوجة

(1) ظاهره أن الدخول بها بمنزلة الاختيار وإن لم يكن بقصده كما إذا كان جاهلا بتحريم أزيد من أربع ونظيره الدخول بالمطلقة في العدة الرجعية حيث ورد أنه رجوع لكن لم اجد هنا دليلا عليه ولا تعرضا له في كتاب الأصحاب سوى الشيخ في النهاية حيث ذكر فيها مثل ما في المتن ويمكن حمل كلامهما على ما إذا قصد به الاختيار والله العالم. (2) الصواب: كان عقدها ثابتا وعقد الأخرى باطلا وإن دخل بالتي ذكر اسمها ثانيا كان نكاحها باطلا الخ كما في نسخة (خ) وهامش نسخة (ب) تصحيحا وهو المذكور في النص.

[ 187 ]

التي أرضعتها أولا، ولم تحرم التي أرضعتها ثانيا. ومن عقد على طفلتين رضيعتين، وكان له زوجتان، فأرضعت الزوجة الواحدة الطفلتين، حرمت الطفلتان عليه والتي أرضعتها، فإن أرضعت الزوجتان الطفلتين حرم عليه الجميع (1). ولا يجوز للمسلم العقد على مشركة، عابدة وثن كانت، أو يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو غير ذلك على اختلافهم في الشرك، لأن ذلك محرم عليه إلا في حال الضرورة الشديدة فإنه إذا كان ذلك جاز له العقد على اليهودية والنصرانية، ولم يجز له العقد عى الباقيات في حال من الأحوال، ومن عقد على يهودية أو نصرانية فليمنعها من شرب الخمر واكل لحم الخنزير. ويجوز وطؤ اليهودية والنصرانية بملك اليمين (2)، وقد ذكر جواز وطئ المجوسية بالملك أيضا وقيل أنه مكروه وترك ذلك أحوط. وإذا كان الرجل يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا (1) وله زوجة فاسلم ولم تسلم زوجته فإمساكها ووطؤها جائزا له بالعقد الأول، فإن أسلمت الزوجة ولم يسلم الرجل

(1) هذا إذا أرضعت إحدى الزوجتين إحدى الطفلتين المعقود عليهما وأرضعت الأخرى الثانية فإنه داخل فيما تقدم وأما إذا أرضعت كلتا الطفلتين ثم أرضعتهما الزوجة الأخرى كما هو المترائي من العبارة فبناءا على ما ذكرناه آنفا في مسألة الزوجتين وطفلة واحدة، عدم حرمة الزوجة الثانية هنا أيضا لعدم الفرق بين الطفلة الواحدة والمتعددة ثم أن للمسألة هنا تفاصيل كثيرة من حيث كون اللبن للزوج وعدمه والدخول بالزوجة وعدمها أوردها العلامة رحمه الله في التذكرة ومختاره حرمة الزوجة الثانية مطلقا طرحا للنص الذي ورد بعدهما في الطفلة الواحدة.
(2) وكذا بنكاح المتعة في غير حال الضرورة كما يأتي في بابه. (1) يأتي في باب نكاح المشركين أن المجوسي كالوثني في فسخ نكاحه في هذا الفرض إلا إذا كانت زوجته يهودية أو نصرانية وإنه المدار في بقاء النكاح إذا أسلم زوجها حتى في اليهودي والنصراني فراجع.

[ 188 ]

لم يكن له عليها سبيل وتعتد منه، فإن أسلم قبل أن تنقضي العدة كان املك بها، وإن أسلم بعد انقضاء، العدة لم يكن له عليها سبيل، وكذلك الحكم في جميع الكفار فإن أسلم واحد منهم بعد انقضاء عدة زوجته وأراد العقد عليها، كان كغيره من الخطاب وإذا كانت مخيرة في العقد عليها منه، أو الامتناع من ذلك. ويحرم العقد على الناصبة المعروفة بالنصب، ويجوز العقد على من لا يعرف منها ذلك، ويحرم تزويج المؤمنة بالمخالف لها في الاعتقاد ولا يجوز تزويجها إلا بمؤمن مثلها. وإذا لم يكن للمرئة زوج وفجر بها رجل حرم العقد عليها ما دامت مصرة على الفجور فإن أظهرت له التوبة من ذلك والاقلاع عنه جاز له العقد عليها ويعتبر إقلاعها عن ذلك، بأن تدعوها إلى الفجور فتمتنع منه. وإذا فجر رجل بامرئة حرم عليه العقد على أمها وبنتها من النسب والرضاع على كل حال فإن قبلها أو لامسها من غير جماع أو ما جرى مجرى ذلك، جاز له العقد على الأم أو البنت ومن فجر بأم زوجته أو ابنتها، لم تحرم عليه بذلك زوجته. ولا يجوز لرجل العقد على امرأة تكون زوجته عمتها أو خالتها من جهة النسب أو الرضاع إلا برضاهما فإن رضيتا ذلك كان جائزا، وإن لم ترضيا ولم يفسخ الزوج العقد، كان لهما اعتزاله، فإذا اعتزلته كل واحدة منهما واعتدت ثلاثة أقراء، كان ذلك فراقا بينهما، وأغني عن الطلاق. ولا يجوز لرجل العقد على أمة وعنده زوجة حرة إلا برضاها فإن عقد على الأمة من غير رضا زوجته الحرة، كان العقد فاسدا، وإن امضته الحرة كان ماضيا ولم يكن لها بعد ذلك خيار، وإن لم ترض بذلك كان لها اعتزال الزوج فإذا اعتزلته واعتدت أيضا ثلاثة أقراء كان ذلك فراقا بينهما وأغني عن الطلاق. ومن عقد على حرة وأمة في حال واحدة كان العقد على الأمة باطلا، وكان عقد الحرة ماضيا وإن عقد على حرة وعنده أمة هي زوجة، ولم تعلم الحرة بذلك

[ 189 ]

كانت مخيرة بين الصبر عليها وبين الاعتزال وينتظر بها مدة العدة، فإذا انقضت عدتها، كان ذلك فراقا بينهما، فإن رضيت لم تكن لها بعد ذلك خيار. وإذا وجد الرجل الطول إلى العقد على الحرة، كره له العقد على الأمة (1) فإن لم يجد الطول إلى ذلك، جاز له العقد على الأمة، ولم يكن ذلك مكروها فإن عقد عليها مع وجود الطول. كان تاركا للافضل، وكان العقد ماضيا. ويكره للرجل العقد على القابلة، وعلى بنتها، ويكره للرجل الجمع بين امرأة قد عقد عليها وبين امرأة أبيها، أو وليدته، إذا لم تكن أمها. ويكره أن يزوج ابنه ابنة امرأة كانت زوجته، قد دخل بها إذا كانت البنت قد رزقت بعد مفارقتها له، وليس ذلك بمحظور، وإن كانت البنت رزقت قبل عقد الرجل عليها، كان جائزا على كل حال. ويجوز للرجل أن يتزوج وهو مريض، فإن دخل بالزوجة، ومات، كان العقد ماضيا، وصح التوارث بينهما، وإن مات قبل الدخول بها، كان العقد باطلا، ولم يصح بينهما توارث على حال. وإذا أقام رجل بينة على العقد على امرأة، وأثبت أخت تلك المرئة بينة بأنها امرأة الرجل، كانت البينة، بينة الرجل، (1) أو يكون مع بينتها قد دخل بها، فإن ثبت لها أحد هذين الأمرين، بطلت بينة الرجل. ويكره للرجل تزويج ضرة أمه التي كانت مع غير أبيه، وإذا عقد رجل على امرأة وحضر رجل آخر فادعى أنها زوجته، لم يلتفت إلى دعواه، إلا أن تثبت بذلك بينة.

(1) يأتي في أول باب نكاح الأماء هنا أنه غير جائز لكنه إن عقد عليه يصح العقد. (1) زاد هنا في نسخة (خ) وهامش نسخة (ب) تصحيحا " دون بينة المرأة إلا أن تكون بينة المرأة قبل بينة الرجل " وهو الصواب الموافق للخبر ولقول المصنف: " فإن ثبت لها أحد هذين الأمرين ".

[ 190 ]

باب ما يحرم من النكاح بالرضاع وما لا يحرم به، وما يتعلق بذلك " الرضاع يحرم معه النكاح، هو كل رضاع انبت اللحم وشد العظم، فإن لم يعلم ذلك اعتبر بعشر رضعات متواليات لا يفصل بينهن برضاع امرأة أخرى. فإن لم ينضبط العدد في ذلك كان الاعتبار فيه برضاع يوم وليلة، لا يرضع المولود فيها امرأة أخرى، وأن يكون الرضاع في مدة الحولين، وكل رضاع اختلفت فيه هذه الشروط مثل أن يكون مما لا ينبت لحما ولا يشد عظما، أو يكون أقل من عشر رضعات. أو يحصل العشر رضعات ويكون قد فصل بينهن برضاع امرأة أخرى، أو يكون يوما وليلة وقد أرضعت المولود في شيئ منهما امرأة أخرى، أو يكون أقل من يوم وليلة لمن لا يراعي العدد، أو يكون الرضاع حصل بعد انقضاء الحولين، سواء قد فطم الطفل أو لم يفطم أو يكون الرضاع بلبن غير الفحل أو يكون بلبن در أو غير ذلك مما يخالف ما ذكرناه (1) فإنه لا يحرم النكاح معه. ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، والمعنى في ذلك: إن المرأة إذا أرضعت بلبن بعل لها، صبية، حرمت عليه وعلى أمه (2) وأجداده من جهة أبيه وأمه وإن علوا، وفي بنيه وبنى بنيه وإن سفلوا وإن أرضعت هذه المرأة غلاما، حرمت هي عليه وأولادها المنتسبون إليها بالولادة دون الرضاع وأولاد البعل الذي رضع بلبنه المنتسبون إليه بالولادة والرضاع من هذه المرئة وغيرها ولا يتزوج الرجل بابنته من الرضاعة ولا بنات ابنه وإن سفلوا. ولا بأخته من الرضاعة ولا بعماته وخالاته من الرضاعة، ولا يجمع بين أختين له من الرضاع. ويجوز أن يتزوج الرجل بالمرئة التي أرضعت ابنه وكذلك يزوجها من بنيه غير الذي أرضعت، لأنها ليست أما لهم، وإنما هي أم أخيهم الذي أرضعته، ولا تحرم

(1) لم يذكر فيما تقدم إلا مقدار الرضاع واشتراط الحولين.
(2) الصواب " على أبيه " كما في هامش نسخة (ب) بعلامة البدل.

[ 191 ]

عليهم لأنها ليست زوجة لابيهم، (1) وإنما حرم الله نساء الآباء وهذه المرأة ليست من الأب بسبيل، وهكذا يجوز أن يتزوجوا بنتها التي هي رضيع أخيهم وولدها وولد ولدها وكذلك يتزوج الرجل بنات المرئة التي أرضعت ولده وبناتهن أيضا، لأنهن لم يرضعن من لبنه ولا بينه وبينهن قرابة من رضاع ولا غيره، وإنما يحرم نكاحهن على المرضع. ويجوز للرجل أن يتزوج بنت عمه وابنة عمته من الرضاع وكذلك: يجوز له أن يتزوج بنت خاله وابنة خالته من ذلك أيضا، لأنهن مباحات من النسب، وإذا كن مباحات من ذلك، كن مباحات من الرضاع، ويجوز أن يتزوج بكل من أبيح نكاحه من النسب. وإذا أرضعت المرأة طفلين ولكل واحد منهما إخوة وأخوات ولادة أو رضاعا من غير الذي رضعا بلبنه، فإنه يجوز أن يزوج إخوة وأخوات الواحد منهما إلى إخوة وأخوات الآخر على ما قدمناه (2)، ولا يجوز التناكح بينهما بأنفسهما (3) ولا بين

(1) حاصله أن الرضاع إنما يثبت شرعا كون المرضعة أما لأخيهم وأم الأخ ليست في النسب عنوانا محرما بنفسه وإنما تحرم عليهم لكونها أما لهم أو زوجة أبيهم وكلاهما لا يثبت بالإرضاع المذكور وهكذا الكلام في تزوجهم ببنت المرضعة سواء كانت رضيعة أخيهم أو غيرها وتزوج الرجل أي أبو المرتضع ببنات المرضعة اللاتي صرن أخوات لولده فإن أخت الولد إنما تحرم في النسب لكونها بنتا أو بنت الزوجة المدخول بها وكلاهما لا يثبت بالرضاع ولكن المعروف بين الأصحاب في الأخير حرمتهن عليه وعدها المحقق في النكت من المسلمات للنصوص الخاصة وفي بعضها التصريح بأنهن بمنزلة ولدك وهكذا بنات بعل هذه المرضعة الذي هو صاحب اللبن ولادة ورضاعا وإن لم يكن من هذه المرضعة نعم بنات المرضعة رضاعا من بعل آخر لا يحرمن على أبي المرتضع ويمكن حمل كلام المصنف على ذلك (2) بل تقدم آنفا أنه يجوز أن يتزوج إخوة الواحد منهما بالآخر نفسه.
(3) إلا إذا أرضعت أحدهما بلبن زوج والآخر بلبن زوج آخر فيجوز التناكح بينهما كما قال فيما تقدم وأولادهما المنتسبون إليها بالولادة دون الرضاع.

[ 192 ]

إخوتهما وأخواتهما من الجهة التي (1) رضعا بلبنه كما قدمناه. وإذا ادعت امرأة أنها أرضعت طفلا لم يلتفت إلى دعواها في ذلك إلا ببينة يقيمها عليه. وإذا ربت المراة بلبنها جديا كره لحمه ولحم ما يكون من نسله وليس ذلك بمحرم كما هو في الناس (2). " باب في ذكر من يجوز له العقد في النكاح " " ومن لا يجوز له ذلك النكاح بغير ولي ولا شهود عندنا جائز، ولا خلاف في أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تزوج أم سلمة، فزوجها منه ابنها عمر، (3)، ولا خلاف أيضا في أن الإبن لا ولاية له على الأم، فكأنه عليه السلام تزوجها بغير ولي، وأيضا فإنه (عليه السلام) أعتق صفية وتزوجها وجعل عتقها صداقها، (4) والمعتق لا يكون وليا في حق نفسه.

(1) الصواب كما في نسخة (ب) و (خ) من جهة الرجل الذي رضعا بلبنه وقد تقدم هذا في قوله " وأولاد البعل المنتسبون إليه بالولادة والرضاع من هذه المرئة وغيرها " والوجه في الحرمة فيهم أنهم إخوة وأخوات بلبن الرجل.
(2) كان المراد بالناس هنا العامة لكن لم اظفر بفتواهم هنا وأنها على الحرمة أو الحلية ليظهر المراد من تشبيه المصنف.
(3) الوسائل الباب 16 من أبواب عقد النكاح من كتاب النكاح وفيه أنه زوجها إياه (صلى الله عليه وآله) عمر ابن أبي سلمة وهو صغير لم يبلغ الحلم ولكن في الاصابة والاستيعاب أن الذي زوجه سلمة بن أبي سلمة وإن أخاه عمر ولد في السنة الثانية من الهجرة أو قبلها بقليل فلم يكن سنه قابلا لذلك.
(4) الوسائل الباب 11 من أبواب نكاح العبيد والأماء والباب 27 من أبواب مقدمات النكاح والبحار باب أحوال أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) من مجلد تاريخه في الحديث 20 وصحيح مسلم وجامع الترمذي باب اعتاق الأمة وتزويجها وغير ذلك مما ورد في كتب السير في واقعة خيبر وما ورد في فضائل أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) وذكر في الاستيعاب إنهم لا يختلفون في ذلك.

[ 193 ]

فإذا كان الأمر على ما ذكرناه وكانت الحرة رشيدة ملكت كل عقد من نكاح وغيره. وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن البكر لا يجوز لها العقد على نفسها إلا بإذن أبيها وهو الأظهر في الروايات والأكثر في العمل به (1) وإذا تزوج من ذكرناه كان العقد صحيحا ماضيا ومتى طلق كان الطلاق واقعا. والنسوان على ضربين أحدهما ثيبات، والآخر أبكار، فأما الثيب فإنها إذا كانت كبيرة رشيدة فإنها لا تجبر على النكاح ولا تزوج إلا بإذنها واختيارها، فإن كانت صغيرة (2) كان لوليها تزويجها. وأما الأبكار فإن كانت الواحدة منهن صغيرة كان لابيها وجدها أبي أبيها وإن علا تزويجها، وإن كانت كبيرة لم يجز لأحد أن يتولى العقد عليها إلا أبوها أو جدها أبو أبيها إلا أن يعضلاها فإن عضلاها جاز لها أن يعقد على نفسها أي نكاح شاءت وتولى العقد عليها من ارادت من الرجال المسلمين وإن كره أبوها أو جدها ذلك إذا عضلاها لم يلتفت إلى كراهتهما له، وعضلها هو أن لا يزوجاها بالاكفاء إذا خطبوها.

(1) وقال الشيخ في المبسوط الظاهر في الروايات أن للأب والجدان يجبرها على النكاح وفي أصحابنا من قال ليس له إجبارها عليه ولست أعرف به نصا انتهى. وقال المحقق في الشرائع: وهل تثبت ولايتهما على البكر الرشيدة فيه روايات أظهرها سقوط الولاية عنها وثبوت الولاية لنفسها في الدائم والمنقطع. قلت المسألة من عويصات الفقه والنصوص فيها متضاربة كثيرا وفيها ستة أقوال سادسها لبعض المتأخرين وهو ثبوت الولاية لكل من الأب والبنت والأفضل لهما الاستئذان من الآخر وهذا هو الأقرب والله العالم.
(2) بأن ذهبت عذرتها بوطأ زوجها أو غيره أو بغير وطأ وقد حكى الشيخ في المبسوط عن قوم يعني من العامة أنه ليس لأحد إجبار هذه الصغيرة على النكاح حتى تبلغ وتستأذن.

[ 194 ]

وإذا كان الرجل فاسقا جاز أن يكون وليا للمرئة في النكاح، سواء كان ممن له الاجبار كالأب والجد في حق البكر أو لم يكن له ذلك، وليس من شرط صحة انعقاد عقد النكاح، الشاهدان عندنا، بل يصح ثبوته من دونهما، وإنما هو مستحب. وذهب بعض أصحابنا إلى جواز عقد النكاح للمسلم على الكافرة، وعلى هذا إذا عقد الذمي نكاح ابنته الكافرة على مسلم بمحضر من كافرين، كان العقد صحيحا وولاية أصحاب الصنائع الدنية كالحجام والكناس والحراس ومن جرى مجراهم إذا كانوا عدولا، صحيحة، ويصح ولاية الضرير في النكاح، لأنه ليس من شرط صحة عقده، المشاهدة، وإذا كان الأمر على ما ذكرناه في ترتيب النساء على الاولياء واردت ترتيب الاولياء على النساء كان هذا الاولياء: أبا، وجدا، وأخا، وعما، وابن عم، ومولى نعمة وحاكما. فإن كان أب وجد، وكانت المرأة مجنونة أجبرها صغيرة وله تزويجها بإذنها إذا كانت كبيرة، وإن كان لها أخ، أو ابن أخ، أو عم، أو ابن عم، أو مولى نعمة لم يجبرها أحد منهم صغيرة كانت أو كبيرة (1) وإذا كانت عاقلة فهو كالعم. إذا أوجب الولي عقد النكاح للزوج، ثم زال عقله بجنون أو إغماء أو مرض بطل إيجابه ولم يجز للزوج القبول وكذلك لو استدعى لزوج النكاح فقدم القبول وقال زوجنيها ثم لحقه مثل ما قدمناه في الولي، بطل القبول ولم يجز للولي الايجاب. وإذا لم يكن للمرأة الكبيرة أب ولا جد جاز لها العقد على نفسها، وإن كان لها ذلك فتستحب له أن لا يعقد عليها حتى يستأذنها، فإن كانت بكرا وضحكت أو سكتت أو بكت كان ذلك رضي منها بالتزويج. فإن عقد عليها من غير أن يستأذنها كان عقده ماضيا ولم يجز لها خلافه، ولا يجوز

(1) وفي نسخة أخرى. وإن كانت.

[ 195 ]

لها إذا كانت بكرا أن يعقد على نفسها نكاح دوام ولا متعة إلا بإذن أبيها ورضاه فإن فعلت ذلك، كان العقد موقوفا على رضاه فإن لم يرضه كان مفسوخا إلا فيما قدمناه إذا عضلها. وإذا كان لها أب وجد، كان لكل واحد منهما العقد عليها، والجد أولى بالتقدم في ذلك، إذا حضرا جميعا له، فإن عقدا عليها في وقتين مختلفين، كان العقد الأول هو الثابت والمتأخر باطلا وإن عقدا عليها في وقت واحد، كان الثابت عقد الجد دون عقد الأب، وإذا اختاره أبوها رجلا واختار الجد غيره، كان الثابت ما اختاره الجد دون الذي اختاره الأب. وإذا كان الجد الذي هو أبو أبيها حيا، وكان أبوها ميتا، لم يجز له العقد عليها إلا بإذنها وتوكيلها له في ذلك، لأنه مع فقد أبيه يجري مجرى غيره ممن لا ولاية له عليها إلا بإذنها وتوكيلها له وإذا كان لها جد وأخ، فالأفضل لها إذا ارادت التوكيل في ذلك ألا تعدل به عنهما، ويستحب لها أن تجعل أمرها إلى الجد ولا تخالفه، فإن أراد خلافها، وكرهت هي ما أراده، كان العمل على ما تريده هي دون ما يريده الجد. وينبغي لها أن لا توكل في العقد عليها أباها أو غيره إذا كان كافرا وإذا كان لها أخوان فوكلتهما في العقد عليها، فعقد الأكبر لرجل وعقد الأصغر لآخر، كان الثابت ما عقده الأكبر، وبطل عقد الأصغر، فإن كان الذي عقد عليه الأصغر قد دخل بها، كان نكاحه ماضيا ولم يكن للأكبر اعتراض عليه مع الدخول، وإن كان الأكبر سبق بالعقد، كان لها المهر بما استحل من فرجها، وترد إلى الذي عقد له الأكبر عليها بعد العدة، فإن جائت بولد من الذي كان دخل بها، كان لاحقا بأبيه. " في نكاح الباكرة " وإذا كانت البالغة ثيبا، وهي مالكة لأمرها، جائزة التصرف في جميع أحوالها، غير مولى عليها، وكان أبوها حيا أو ميتا، كان لها أن تعقد على نفسها

[ 196 ]

على من شاءت من الاكفاء. فإن كان أبوها حيا، كان الأفضل لها أن لا تعدل عن رأيه، ولا تعقد على نفسها لأحد إلا بإذنه. وإذا وكلت المرأة انسانا في العقد عليها من رجل معين. لم يجز له العقد لغيره، فإن عقد عليه لغيره، كان ذلك باطلا، وإذا عقدت المرأة على نفسها، وهي سكرى كان العقد باطلا، فإن أفاقت ورضيت، كان ماضيا وإن لم ترضه كان باطلا فإن دخل الرجل بها وهي في حال السكر: ثم أفاقت وأقرته على النكاح، كان ماضيا. وإذا كان لرجل عدة بنات، فعقد على واحدة منهن لرجل ولم يسمها له ولا للشهود. وإن الزوج قد رأى جميعهن، كان القول في ذلك قول الأب، ووجب عليه تسليم التي نوى العقد عليها عند عقد النكاح إلى الرجل، فإن كان لم يرهن كلهن، كان العقد باطلا. وحد المرئة التي يجوز لها العقد على نفسها، (1) هو بلوغها تسع سنين أو أكثر من ذلك، والذي بيده عقدة النكاح من الأب أو غيره ممن تجعل إليه المرأة ذلك وتوليه إياها، يجوز له العفو عن بعض المهر، ولا يجوز له العفو عن جميعه. وإذا عقدت الأم لابنها على امرأة، كان مخيرا بين قبول العقد فسخه فإن قبله كان ماضيا، ووجب المهر عليه، وإن لم يقبله كان المهر على أمه (2)

(1) زاد هنا في نسخة (خ) وهامش نسخة (ب) بعلامة التصحيح (وإن تولى غيرها في ذلك).
(2) للنص كما في الوسائل الباب 7 من عقد النكاح لكن اعرض عنه أكثر الأصحاب وحمله بعضهم على ما إذا ادعت الأم للوكالة لما ورد أن الوكيل إذا لم يكن له بينة على توكيله وانكره الزوج، لزمه نصف المهر وعلى كل، لا يبعد أن يكون المراد بالمهر هنا أيضا نصفه لأنه الذي تستحقه المرأة قبل الدخول ولتحقيقه محل آخر

[ 197 ]

وإن كانت المرأة غير بالغ لم يجز لأحد العقد عليها إلا الأب أو الجد أبو الأب في حياة أبيه، فإن لكل واحد منهما أن يتولى العقد عليها من غير استئذان لها، وليس لها إذا بلغت بعد ذلك اختيار، وإن كرهت لم يلتفت إلى كراهتها، وإن تولى العقد عليها غير الأب أو الجد كان العقد باطلا (1) فإن بلغت ورضيته كان ماضيا، وإن كرهت كان مفسوخا، فإن ولي واحد منهما غيرهما العقد عليها كان جائزا. وإن عقد الأب عليها (2) وكان كافرا أو الجد وهو كذلك كان العقد باطلا وإن عقد عليها غير أبيها أو جدها بغير إذن من واحد منهما، كان العقد موقوفا على رضاها إذا بلغت، فإن رضيته كان ماشيا، وإن لم ترضه كان مفسوخا. وإذا عقد الأبوان على ولديهما، وهما صغيران، ثم ماتا قبل البلوغ فإنهما يتوارثان، يرث الصبي الصبية، وترث الصبية الصبي وإن عقد عليهما غير أبويهما إن لم يكن لهما أبوان وكان (3) لهما ذلك فلم يستأذنا في العقد وماتا قبل البلوغ، لم يكن بينهما توارث. فإن مات الصبي بعد البلوغ والرضا بالعقد، وترك مالا، عزل عنه مقدار ما ترثه الصبية إلى أن تبلغ، فإذا بلغت، عرض عليها العقد، فإن رضيت به استحلفت بالله أنه لم يدعها إلى الرضا به الطمع في الميراث، فإن لم تحلف، لم تعط شيئا وإن حلفت، دفع إليها ذلك. وإذا عقد رجل لابن له غير بالغ على جارية، كان الخيار للابن إذا بلغ، وإذا عقد الأب لابن له صغير نكاحا وسمى له مهرا، ثم مات الأب، وجب أخذ المهر من أصل تركته قبل القسمة إلا أن يكون لابنه مال في وقت العقد، فإن المهر يؤخذ منه، ولا يؤخذ من مال الأب شيئ على حال.

(1) يعني غير ماض في حال فلا ينافى كونه موقوفا. (2) لعل المراد ما إذا كانت الصبية بحكم المسلم بأن كانت أمها مسلمة أو كان كفر الأب بعد ولادتها لما تقدم من جواز عقد الذمي نكاح بنته الكافرة.
(3) في نسخة (خ) " أو كان " وهو أصح.

[ 198 ]

" باب الصداق الصداق وأحكامه ". وقال تعالى: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن (2) وقال: فإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم (3). وقال النبي (4) (صلى الله عليه وآله): أدوا العلائق قيل: يا رسول الله وما العلائق؟ قال: ما تراضى عليه الاهلون فجواز المهر ثابت بما ذكرناه والاجماع أيضا منعقد عليه وهو عندنا غير مقدر، وسائر (5) ما يجوز أن يكون ثمنا لمبيع أو أجرة لمكتري يصح أن يكون صداقا قليلا كان، أو كثيرا. ويستحب عندنا أن لا يتجاوز فيه السنة المحمدية خمس مائة درهم جيادا ويجوز أن يكون منافع الحر مهرا، مثل أن يخدمها شهرا، أو على خياطة ثوب، و على أن يخيط لها شهرا، وكذلك البناء وما أشبهه، وكذلك تعليم القرآن والمباح من الشعر.

(1) النساء 4 (2) النساء 24 (3) البقرة 237 (4) في بعض النسخ " وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) " كما في المبسوط والخير بهذا اللفظ لم أجده في أخبار الخاصة والعامة إلا أنه أرسله في أم الشافعي في كتاب الصداق بنحو الجزم والقبول. وروي في سنن الدار قطني ج 3 باب المهر والبيهقي في كتاب الصداق بإسنادهما عنه (صلى الله عليه وآله) قال انكحوا الأيامى قيل ما العلائق بينهم يا رسول الله قال ما تراضى عليه الاهلون وأوردهما ابن الأثير في النهاية في مادة علق وفسر العلائق بالمهور قال وعلاقة المهر ما يتعلقون به على المتزوج وعلى كل، النصوص المصرحة بجواز كون الصداق ما تراضى به الناس أو الزوجان قليلا كان أو كثيرا مستفيضة كثيرة من طرق الخاصة والعامة كما في الوسائل الباب 1 من أبواب المهور وكنز العمال ج 16 وغيرهما.
(5) أي جميع.

[ 199 ]

وروى أصحابنا أن الإجارة مدة لا يصح أن يكون صداقا، لأن ذلك مخصوص بموسى (عليه السلام) (1). وإذا أصدق الرجل المرأة شيئا من تعليم القرآن فيجب أن يكون ذلك معينا، وإذا أصدقها تعليم سورة عين عليها وكذلك: إن كان تعليم آيات منها، لأن ذلك يختلف، فأما التعليم بالحرف الفلاني أو قرائة (2) فلان فغير معتبر به عندنا. فإن أصدقها تعليم سورة بعينها وهو لا يحفظها فإن قال على أن أحصل لك ذلك كان صحيحا، لأنه أوجبه على نفسه في ذمته، وإن قال على أن ألقنك أنا إياها صح ذلك لأنه وجب في ذمته، فليس يلزمه، أن يكون مالكا وذكر أنه لا يصح وهو الأحوط. وإذا جعل صداقها أن يجيئها بعبدها الآبق فالأحوط أنه لا يصح، فإنه يجوز أن يجده ويجوز أن لا يجده ولها هاهنا مهر المثل. وإذا أصدقها خياطة ثوب بعينه فهلك الثوب بطل الصداق، وكان لها عليه مثل أجرة خياطة ذلك الثوب، وكذلك القول في كل مهر معين إذا هلك، في أنه يجب قيمته دون مهر المثل، فإن كان المهر فاسدا وجب مهر المثل، ويستقر جميعه بالدخول ونصفه بالطلاق قبل الدخول:

(1) الوسائل ج 15 الباب 22 من أبواب المهر ففيه " قلت فالرجل يتزوج المرأة ويشترط لابيها إجارة شهرين فقال (عليه السلام) إن موسى (عليه السلام) قد علم أنه سيتم له شرطه فكيف لهذا بأن يعلم أن سيبقى حتى يفي " ولا ريب أن ظاهره عدم الجواز بإجارة الزوج نفسه للمرئة أيضا لعدم علمه بالبقاء إلى الوفاء لكن يحتمل أن يكون مراد الإمام (عليه السلام) نفي جوازه بالاجارة لابيها فإن المهر ملك للمرئة فقط كما صرح به في النصوص فالتعليل المزبور محمول على ضرب من التقريب وإلا فجعل المهر تعليم سورة من القرآن للمرئة أيضا كذلك مع أنه قد صرح في عدة من الأخبار بجوازه.
(2) ظاهره أن الحرف غير القرائة فلعل مراده بالحرف اللهجة كالترقيق والإشمام ولكن في المبسوط القرائة هي الحرف ويحتمل أن يكون صواب المتن " أي قرائة "

[ 200 ]

فإن زمن الخياط أو تعطل، وكان قد شرط لها خياطة ثوب لم يبطل الصداق وإن كان شرط أن يخيطه هو بنفسه، كان الصداق باطلا، إلا (1) أنه علقه بشئ معين وإن كان الثوب والرجل سالمين فالحكم في ذلك على ما قدمناه.
(2) وإذا أصدقها الرجل صداقا ملكت جميعه بالعقد وكان من ضمان الزوج، فإن هلك في يده قبل القبض، كان من ضمانه، وإذا قبضته كان من ضمانها، وإن كان له نماء وزيادة، كان ذلك لها من حين ملكته بالعقد حتى دخل بها، أو يطلقها. ولا يصح المهر إلا أن يكون مما يتملكه المسلمون مثل الدنانير، والدراهم وما له قيمة من فضة، أو ذهب، أو دار، أو عقار، أو حيوان رقيقا كان، أو غير رقيق أو ما جرى مجرى ذلك مما تقدم ذكره أو ما أشبهه فإذا قرر المتزوجان بينهما شيئا من ذلك ورضيا به مهرا، كان مهرا صحيحا، وأما ما لا يصح للمسلمين تملكه مثل الميتة، ولحم الخنزير والخمر، والشراب المسكر، وما أشبه ذلك، فلا يجوز أن يجعل مهرا، ولا أجرا (3) في النكاح، فإن عقر على شيء منه كان باطلا (4) فإن تزوج ذمي يستحل ذلك بذمية على شيئ منه واسلم قبل أن تقبضه الزوجة لم يجز له دفع ذلك إليها، وكان عليه لها قيمته عند مستحيلة. ولا يجوز نكاح الشغار، وهو أن يزوج الرجل ابنته أو أخته لرجل على أن يزوجه الرجل ابنته أو أخته من غير صداق يستقر بينهما سوى ذلك، ولا يجوز النكاح

(1) الصواب " لأنه " كما في نسخة (ب) والمبسوط ثم الظاهر أن الحكم هنا أن عليه أجرة مثل الخياطة كما في هلاك الثوب.
(2) أي يستقر عليه جميع الخياطة بالدخول ونصفها بالطلاق قبله إذ ليس فيما تقدم غير ذلك مما يناسبه.
(3) الأجر في النكاح هو المهر كما ورد في القرآن الكريم فلعل مراد المصنف هنا نكاح المتعة حيث ورد إنهن مستأجرات (4) الظاهر أن المراد كان المهر باطلا فينتقل إلى مهر المثل للمرأة كما تقدم

[ 201 ]

بهبة المرأة نفسها، لأن ذلك إنما كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) خاصا يوضح ذلك قوله تعالى خالصة لك من دون المؤمنين (1) وذلك: أن فاطمة بنت شريح وهبت نفسها له (عليه السلام) فأباحه الله تعالى ذلك دون غيره من سائر الناس. ولا يجوز النكاح أيضا بالعارية ولا بلفظ الإباحة والتحليل، ولا يجوز أيضا على إجارة، مثل أن يعقد الرجل على المرأة أن يعمل لها ولوليها أياما معينة أو سنين معلومة، ومن خطب على غيره وكان كفؤا وبذل مهر السنة فلم يزوجه، كان عاصيا لله تعالى. وإذا عقد إنسان نكاحا على أكثر من مهر السنة، كان عليه الوفاء به على كماله ومن عقد على امرأة كان الأفضل له، أن لا يدخل بها حتى يقدم لها من مهرها شيئا، ويكون الباقي دينا عليه، فإن لم يقدم لها منه شيئا فليكن من غيره على سبيل الهدية ليطيب له (ليطلب خ ل) بذلك الاستباحة لها، فإن لم يفعل وجعل المهر في ذمة ودخل بها من غير تقديم شيئ من ذلك كان جائزا، إلا أن الأفضل ما قدمناه.

(1) الاحزاب 50 قلت يدل عليه أيضا نصوص مستفيضة كما في الوسائل الباب 2 من أبواب عقد النكاح ثم إنه روي في الكافي باب نوادر من أواخر النكاح بطريق حسن أن التي وهبت نفسها وبسببها نزلت الآية كان أنصارية ولكن في كتب التفسير والتراجم اختلفوا فيها كثيرا كما صرح بهذا الاختلاف في الاستيعاب وأسد الغابة في ترجمة غزيلة بنت جابر وكأنه لتعدد الواهبات بعد نزول الآية كما يستفاد من التراجم والأخبار وربما لم يكن النبي (صلى الله عليه وآله) يقبلهن لنفسه ما في المتن من أنها فاطمة بنت شريح ففيه أولا أن الظاهر مما حكاه في المبسوط عن معمر بن المثنى أن هذه المرأة قرشية تزوجها (صلى الله عليه وآله) بعد ما وهبت نفسها فكأنه لم يقبلها هبة وثانيا أنها غير معروفة في أزواجه ولا في الصحابة ولم يذكرها في الاستيعاب وأسد الغابة وإنما حكي في الاصابة ومستدرك الحاكم ج 4 ص 3 عن أبي عبيدة أي معمر بن المثنى أنه ذكرها في أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) والله إعلم.

[ 202 ]

وإذا سمى الزوج المهر ودخل بالزوجة قبل أن يدفع إليها منه شيئا (1) كان عليه مهر المثل ولا يتجاوز بذلك السنة المحمدية. وإذا دخل الرجل بامرأته وادعت عليه المهر بعد الدخول (2) وكانت تدعى أنها جعلت دينا عليه، كان عليها البينة، فإن لم يكن لها بينة كان عليه اليمين، فإن لم تدع ذلك لم يلتفت إلى قولها. " فيما إذا لم يسم المهر " ومن تزوج امرأة على كتاب الله وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يسم مهرا، كان مهرها مهر السنة بغير زيادة ولا نقص، فإن تزوج على حكمها فحكمت بدرهم أو بأكثر منه، إلى أن يبلغ خمس مائة درهم، كان حكمها ماضيا، فإن حكمت بأكثر من خمس مائة درهم لم يجز حكمها وردت إلى الخمس مائة. فإن تزوجها على حكمه، كان ماضيا في أي شيئ ذكره قليلا كان أو كثيرا، ولم يجر حكمه إذا جاوز مهر السنة مجرى حكمها إذا جاوزت ذلك، لأنها لما حكمته كان عليها أن لا تمنعه نفسها إذا أتاها بشئ ما، ولم يكن لها إذا حكمها أن يتجاوز

(1) زاد هنا في نسخة (خ) وهامش نسخة (ب) بعلامة التصحيح " كان باقيا في ذمته ووجب عليه الوفاء به، وإن أعطاها شيئا ولم يكن سمى لها مهرا ودخل بها لم يكن لها سوى ما قبضته منه قبل دخوله بها، وإذا تزوج الرجل ولم يسم لها مهرا فدخل بها قبل أن يدفع إليها شيئا " ونحوه في نهاية الشيخ وزاد فيها بعد قوله وجب عليه الوفاء به " وكذلك إن قدم لها من المهر شيئا ثم دخل بها كان الباقي في ذمته " وما ذكراه فيمن لم يسم لها وأعطاها شيئا قبل الدخول هو المشهور بين الأصحاب وكذا عدم التجاوز عن مهر السنة في الأخير لكنهما خلاف القاعدة ويظهر من الشهيد الثاني في المسالك منعهما وهو الأقرب.
(2) حاصله أنه إذا تنازعا بعد الدخول في أداء المهر فالقول للزوج بأدائه ومقتضى القاعدة أن يكون للزوجة بعدمه مع اليمين فإن الأصل معها والزوج يدعي خلافه فعليه البينة كما ذكره المصنف في جواهره فقوله هنا كالنص الوارد فيه *

[ 203 ]

مهر السنة، وهذا مما فسره الباقر (عليه السلام) (1). وإذا عقد رجل على امرأة نكاحا وسمى لها مهرا ولأبيها شيئا آخر، لم يلزمه ما سماه لابيها، وما سماه لها من المهر كان لازما له. وإذا طلق زوجته قبل الدخول بها بعد قبض الصداق وكان الصداق تالفا وكان له مثل، كالأسمان (كالأثمار - خ ل) والادهان والحبوب وما أشبه ذلك كان له نصف المثل، وإن كان لا مثل له كالعبد والثوب وما أشبههما، كان له نصف القيمة. فإن كان الصداق قائم العين، لم يلحقه زيادة ولا نقص، كان له نصفه، وإن كان نقص نقصان قيمة مثل أن يكون بصيرا فعمي (2) أو سليما فز من (فمرض خ ل) أو ما أشبه ذلك، كان مخيرا بين أخذ نصفه أو أخذ نصف القيمة، وإن لم يكن النقصان نقصان قيمة كان له نصفها.

* محمول على ما إذا كانت العادة جارية بأداء المهر كلا أو بعضا قبل الدخول كما هو المتعارف في بعض البلاد ويظهر من الأخبار فإن قول المرأة حينئذ مخالف لظاهر الحال فتكون مدعية وظاهر المصنف أنه إذا لم تدع المرأة أن هذا المهر جعلته دينا في ذمة الزوج لم يسمح إلى قولها حتى بتحليف الزوج لها. وهذا خلاف ظاهر النص المشار إليه وعموم أن اليمين على من ادعى عليه والله العالم. (1) رواه في المستدرك الباب 18 من أبواب المهور عن دعائم الاسلام مرسلا عنه (عليه السلام) لكن الظاهر أن المراد به كيف يجوز حكمه عليها بما أراد في طرف القلة ولا يجوز حكمها عليه بأكثر من مهر السنة مع أن مقتضى العدل أن يكون الزوج كالمرأة فلا يجوز حكمه عليها بأقل من مهر السنة فقال (عليه السلام) لأنها لما حكمته كان عليها أن لا تمنعه نفسها إذا أتاها بشئ ما يعني أن ما ذكر للزوج جاء من هذا الحكم الثابت في محله بالسنة ورواه في الوسائل أيضا في الباب 21 من أبواب المهور بالإسناد عنه (عليه السلام) لكن التعليل المذكور فيه مغاير لما ذكر هنا.
(2) العمى والزمن وما أشبههما من نقص العين فالمراد بالعبارة أنه إذا قبض *

[ 204 ]

وإذا أصدقها شيئا من الحيوان وطلقها قبل الدخول بها، وكان الحيوان وقت تسليمه إليها حاملا، كان له الرجوع إليها بنصف ما أعطاها ونصف الحمل، وإن كان حمل عندها كان له نصف ما أعطاها دون الحمل. فإن وهبت الزوجة لزوجها الصداق قبل طلاقه، كان له إذا طلقها الرجوع عليها بنصف ذلك. وإذا طلقها قبل الدخول بها ولم يكن سمى لها مهرا، كان عليه أن يمتعها بمملوك أو دابة أو ما جرى مجرى ذلك إن كان موسرا، وإن كان فقيرا فبخاتم أو ما جرى مجراه، وإن كان متوسطا فبثوب أو ما أشبهه. وإذا عقد على امرأة وخلى بها وأرخى الستر فلم يدخل بها حكم عليه لها بجميع المهر على ظاهر الأمر، ولم يكن للمرأة أن تأخذ منه إلا نصف المهر، فإن أمكنه إقامة البينة على أنه لم يدخل بها، مثل أن يكون بكرا فتنظر فتوجد كذلك، لم يحكم عليه إلا بنصف المهر. وإذا مات الرجل قبل الدخول بها، كان على وارثه أن يدفع إلى الزوجة من التركة المهر على كماله. والأفضل للزوجة أن لا تأخذ إلا نصفه، فإن لم تفعل وأخذته على كماله كان جائزا. وإذا ماتت المرأة قبل الدخول بها، كان لأوليائها نصف المهر، (1) وإن

* العين فإن كان موجبا لنقص قيمتها كان مخيرا وإلا فله نصف العين وعبارة المبسوط هكذا وإن كان ناقصا نقصان عين لا نقصان قيمة مثل إن كان بصيرا فعمي وهذا أوضح ولعله كان المتن كذلك لكن لا يلائم قوله: وإن لم يكن النقصان الخ إلا أن يكون هذا أيضا صوابه: وإن كان النقصان نقصان قيمة أي سوقيه ثم أن المراد بقيمة الناقص هنا قيمته غير ناقص ويأتي تفصيله في المتن قريبا. (1) المعروف أن في المسألة قولين استقرار المهر كاملا بموت أحدهما مطلقا والتنصيف كذلك وظاهر المصنف هو التفصيل بين موت الزوج وموت الزوجة *

[ 205 ]

ماتت المرأة بعد الدخول ولم تكن قبضت المهر من زوجها ولا طالبته به، جاز لورثتها المطالبة به وأخذه وترك ذلك أفضل. وإذا كان له أمة فتزوج بها، على أن جعل عتقها صداقها، ثم طلقها قبل الدخول بها. لم يكن لها عليه شيئ (1) وذكر أن لها عليه نصف قيمتها والأولى ما ذكرناه. وإذا اختلف المرأة وزوجها في مبلغ المهر ولم يكن لأحدهما بينة، كان القول: قول الزوج مع يمينه. وإذا تزوج امرأة على حكمها وطلقها قبل الدخول بها، كان لها نصف ما

* فالكامل في الأول والتنصيف في الثاني ونحوه في نهاية الشيخ لكن المحقق في النكت وجماعة حملوا كلامهما في الثاني على ما إذا كانت الزوجة غير ذات ولد فيكون التنصيف لاستحقاق الزوج نصف مهر الزوجة بالارث وهذا بعيد سيما بملاحظة ما ذكراه بعد ذلك من أنه إذا ماتت بعد الدخول كان لورثتها المطالبة بمهرها فإنه في هذا الفرض أيضا إذا كانت غير ذات ولد كان لزوجها النصف بالارث والنصوص الواردة في المسئلتين كثيرة وهي في موت الزوج متعارضة وفي موت الزوجة متفقة على التنصيف فالمصنف رحمه الله تعالى أبقى نصوص الزوجة بحالها وحمل نصوص الزوج بالتنصيف على الافضلية لكن الأقوى هو التنصيف مطلقا والله العالم. (1) في هامش نسخة (ب) بعلامة البدل " لم يكن له عليها " في الموضعين وهو أظهر وعلى كل لا خلاف بيننا في جواز أن يعتق الرجل أمته ويتزوجها ويجعل عتقها صداقها للنصوص الكثيرة من الخاصة والعامة كما مر في الباب السابق أن النبي (صلى الله عليه وآله) تزوج صفية كذلك فإذا طلقها قبل الدخول كان للزوج أن يرجع إليها بنصف ثمنها أو نصف رقبتها مملوكا للنصوص كما في الوسائل الباب 15 من نكاح العبيد والأماء مضافا إلى قوله تعالى " فنصف ما فرضتم " ويأتي من المصنف أيضا التصريح بذلك في باب السراري وملك الايمان فالمراد بما ذكره هنا غير ظاهر والله العالم.

[ 206 ]

حكمت به ما لم يتعد ذلك مهر السنة كما قدمناه، وإن كان تزوجها على حكمه وطلقها قبل الدخول بها كان نصف ما حكم به كائنا ما كان، فإن مات الزوج أو الزوجة قبل أن يحكما، لم يثبت مهر وكان للزوجة المتعة. وإذا عقد الرجل على دار أو خادم ولم يعين كل واحد منهما، كان للزوجة دار، وسط من الدور وكذلك الخادم، وإن عقد على مهر مسمى واعطى الزوجة به عبدا آبقا ومعه شيئ آخر ورضيت بذلك وطلقها قبل أن يدخل بها، كان عليها أن يرد عليه نصف المهر ويكون العبد لها، وإن لم يكن دفع إليها شيئا سوى العبد لم يكن ذلك صحيحا، وكان عليه نصف المهر. وإذا تزوج امرأة وجعل مهرها جارية مدبرة، ورضيت الزوجة بذلك وطلقها قبل الدخول بها، كان لها من خدمتها يوم، وله من خدمتها يوم فإذا مات المدبر انعتقت المدبرة ولم يكن للزوجة عليها سبيل. وإذا أمر إنسان غيره بأن يعقد له على امرأة ومات الآمر وكان عقد عليها قبل موته، كان لها المهر والميراث وكان عليها العدة منه وإن كان عقد عليها بعد موته، كان العقد باطلا. وإذا عقد رجل على امرأة وجعل المهر مملوكا وسلمه إليها فزاد في ثمنه (1) وطلقها قبل الدخول بها، كان له الرجوع عليها بنصف ثمن المملوك في اليوم الذي تسلمته فيه ولم يكن له شيئ فيما زاد من ثمنه. وإذا عقد الرجل نكاحا وشرط للزوجة في الحال شرطا يخالف الكتاب والسنة،

(1) الظاهر أن المراد بذلك أن يزيد في صفة المملوك كالكبر فيزيد به ثمنه لا زيادة سعره من جهة السوق وذلك للتصريح بذلك في الخبر الذي هو مستند هذا الحكم كما في الوسائل الباب 24 من أبواب المهور وقد ذكر المحقق في الشرائع أنه لو نقصت قيمته أو زادت لتفاوت السعر كان له نصف العين قطعا إذ لا نظر إلى القيمة مع بقاء العين.

[ 207 ]

مثل أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى ولا يتزوج بعد موتها أو ما أشبه ذلك، كان الشرط باطلا، والنكاح ماضيا، وكان له أن يتزوج ويتسرى، فإن شرط لها أن يكون الوطوء بيدها لم يصح ذلك، وذكر (1) أنها إن شرطت عليه أن لا يفتضها لم يكن له ذلك إلا بأمرها والأولى ما ذكرناه. وإذا عقد امرأة وأصدقها نخلا قد اطلع ولقح وطلقها قبل الدخول بها، كان لها نصف الأصل ونصف الثمن، (2) وإن كان سلمه إليها قبل أن يلقح، فلقحته وحمل عندها وطلقها قبل أن يدخل بها، لم يكن له إلا نصف قيمته يوم دفع إليها، وإن كانت الزيادات قد هلكت كلها، كان له أن يأخذ نصف ما دفعه إليها. وإذا حصلت الماشية عند الزوجة وتوالدت ونقصت، (3) ثم طلقها قبل الدخول بها، كان مخيرا بين أن يأخذ نصفها على ما هي عليه، وبين أخذ نصف قيمتها يوم دفعها إليه (4).

(1) ذكره الشيخ في النهاية للنص كما في الوسائل الباب 36 من أبواب المهور لكن لا يبعد كون المراد به نكاح المتعة كما يشير إليه ما في خبر آخر أنها تشترط أن لا يدخل بها لخوف الفضيحة ويؤيده ما في بعض أخبار التمتع بالابكار أنه لا يقتضها لأجل العار والاقتضاض بالقاف والضاد إزالة القضة بالكسر أي البكارة وقد يقال بالفاء الموحدة.
(2) الصواب " نصف الثمر " كما في نسخة (خ).
(3) زاد هنا في نسخة (خ) وهامش نسخة (ب) تصحيحا " بالولادة " فالمراد نقض قيمتها بذلك.
(4) الصواب " إليها " ومعنى قيمتها كذلك قيمتها غير ناقص ويستفاد منه ومن الفروع التالية ضمنا أنه إذا اختلفت قيمتها من جهة السعر فالاعتبار بيوم القبض إن كان النقص بعده وبيوم التزوج إن كان قبله وذكر في المبسوط في الأول أنه أقل الأمرين من يوم التزوج ويوم القبض وكذا إذا تلفت العين عندها فراجعه لدليله ج 4 ص 277.

[ 208 ]

ومتى حدث بالمهر عند الزوج عيب من غير فعله وطلقها قبل الدخول بها، كانت مخيرة بين أخذ نصفه ناقصا وبين أخذ نصف قيمته يوم تزوجها به، وإن كان الذي حدث به من فعله كانت مخيرة بين أن تأخذ نصفه ناقصا وتضمينه نصف النقصان وبين تركه وتضمينه نصف القيمة، وإن كان ذلك من فعل أجنبي فهي بالخيار أيضا، إن أرادت أخذت نصفه ناقصا واتبعت الجاني بنصف النقصان، وإن أرادت أخذت من الزوج نصف القيمة. فإن كان المهر مقبوضا فأصابه هذا العيب عندها من فعلها، أو بأمر سماوي قبل طلاقها كان الزوج مخيرا بين أخذ نصفه ناقصا وبين تضمينها نصف القيمة يوم قبضته، وإن كان العيب من فعل أجنبي لم يكن له سبيل على المهر (1) وتضمينها نصف القيمة يوم قبضته. وإذا دفع إليها بالمهر شيئين فتلف أحدهما دون الآخر فإن كان شابههما بقيمة، كان له نصف القيمة، وإن كان المهر غير الشيئين وكان دفعهما إليها على وجه الرهن فتلف أحدهما من غير جناية منها عليه، كان من ماله وعليه نصف ما فرض لها. وإذا قبضت الزوجة المهر وطلقها زوجها قبل الدخول بها، فزاد المهر في يدها أو نقص كان لها زيادته وعليها نقصانه كما قدمناه، وترد نصف ما قبضته يوم قبضته إلا أن تريد إن زاد في يدها أن تعطيه النصف زائدا، أو يريد زوجها أن يأخذ النصف ناقصا ويتراضيان على ذلك فيكون جائزا: ولا فرق في ذلك بين أن يكون المهر عبدا أو أمة أو شاة أو غير ذلك من الحيوان.

(1) يعني ليس مخيرا بين أخذ نصف المهر ناقصا وأخذ نصف قيمته غير ناقص بل يتعين له الثاني وقد حكي هذا التفصيل عن المصنف في المسالك وجواهر الكلام موجها له في الأخير بما لا مجال لنقله وتوضيحه والإشكال عليه فراجع المسألة الثالثة من الطرف الثالث من بحث المهور.

[ 209 ]

وإذا كان المهر جارية وكانت في يد الزوج فاعتقها لم يصح عتقه لها فإن طلقها بعد ذلك، كان له نصفها ولم يصح عتقه كما ذكرناه، وإن كانت المرأة هي التي اعتقتها جاز عتقها فيها فإن طلقها قبل الدخول كان له الرجوع عليها بنصف قيمتها. وإذا أصدقها نخلا أو شجرا ولم يسلم ذلك إليها حتى أثمرت في يده فجعل الثمر في " براني " (1) 0 أو " جرار " أو " حوب " أو " قرب " أو " جلال " أو ما جرى مجرى ذلك كان لها أخذه، وكان له نزعه من تلك الاوعية إن كان نزعه لا يضر بالثمر فإن كان إذا نزع نقص الثمر، كان لها أن تأخذه وتنزع عنه الاوعية وتأخذ ما نقص لأنه تعدى ما فيه إلا أن يتطوع بتلك الاوعية فلا تأخذ منه غير ذلك. وإذا عقد الرجل نكاح المرأة في السر ثم عقداه في العلانية بمهر يخالف الأول، كان الثابت هو الأول، وإذا اتفقا على مهر وتواعدا به من غير عقد، فقالت له المرأة حملتي في حال العقد بذكر ما هو أكثر منه فذكر ذلك لزمه ما عقد به العقد ولم يلتفت إلى ما تواعدا به لأن العقد وقع صحيحا سرا كان أو علانية. وإذا تزوج أربع نسوة بعقد واحد بألف، كان العقد والمهر الصحيحين، وكان لكل واحدة منهن ربع الألف. وإذا عقد لولده على امرأة وأصدقها صداقا، فإن كان الولد موسرا كان المهر في ذمته دون والده، لأن النكاح له، وإن كان الولد معسرا كان ذلك لازما للوالد. وإذا طلقها الولد قبل الدخول بها، فإما أن يكون الصداق مقبوضا عنه من الوالد أو غير مقبوض فإن كان مقبوضا عاد نصفه إلى الولد دون الوالد، لأن الوالد لما ضمن عنه هذا الصداق وقضاه عنه كان بمنزلة هبته له وقبضه له من نفسه، ثم قضى ما لزم ولده من الصداق بمال الولد فكأن الولد أصدق واقبض فإذا طلقها عاد

(1) الظاهر أنها أوعية الثمار كما أن الضمائر المذكورة في العبارات التالية من جهة التذكر والتأنيث مشتبهة في النسخ وقد ضبطتها على حسب ما يناسب المقام في الظاهر والله العالم.

[ 210 ]

إليه نصفه دون والده ولم يجز لوالده أن يسترجعه من الولد، وإذا لم يكن الوالد أقبضها شيئا وطلقها الولد قبل دخوله بها، فإن الولد (1) قد برئت ذمته من نصف الصداق وبقي عليه نصفه. فإن أصدقها الوالد عينا قائمة مثل العبد، فقال تزوج أبني بنتك بهذا العبد من مالي ففعل، كان ذلك صحيحا، فإن طلقها الولد قبل دخوله بها، عاد نصفه إلى الولد ولم يكن لوالده أن يرجع عليه به. فإن كان الولد كبيرا فتزوج واصدق لنفسه لزم المهر في ذمته، فتبرع (2) الوالد وقضاه عنه، ثم طلقها الولد قبل دخوله بها، عاد نصف الصداق إلى الولد، ولم يجز لوالده الرجوع عليه به. " في تزوج المحجور عليه " وإذا تزوج المولى عليه كالمحجور عليه لسفه أو مجنون أو مراهق كان النكاح باطلا، فإن كان قبل الدخول لم يكن عليه شئ، وإن كان بعد الدخول وكانت عالمة بحاله، لم يكن لها شئ، لأنها رضيت بتسليم نفسها مع علمها بحاله فقد أتلفت بضعها على نفسها بذلك وإن لم تكن عالمة بحاله كان عليه لها مهر المثل. والمعتبر في مهر المثل بنساء المرئة هو من كان منهن من عصبتها كالاخت من جهة الأب أو من جهة الأب والأم وبناتها والعمة وبناتها وما أشبه، فأما الأم وما هو من جهتها فلا معتبر به في ذلك، وقد كان: أبو جعفر الطوسي (3) من أصحابنا يعتبر ذلك والأقوى عندي ما ذكرته، لأن المرأة أم الولد يكون من عرض المسلمين تحت الرجل

(1) في نسخة (ب) و (خ) " فإن الوالد " والصواب بمقتضى ما ذكر أولا أنه إن كان الولد موسرا كان النصف الباقي عليه وإن كان معسرا كان على الوالد. (2) كان الصواب " فإن تبرع ".
(3) في نسخة (خ): وقد كان الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي وغيره من أصحابنا الخ.

[ 211 ]

الشريف النسب، مثل الرجل يكون من ولد الحسن أو الحسين (عليهما السلام) فيتزوج بالمرئة من العامة ليس لها نسب ولا حسب. فالمعتبر في نسائها من كان من عصبتها لما ذكرناه ولا يتجاوز بالمهر معها خمس مائة درهم فإن زاد عليها لم يجز أكثر من ذلك ويعتبر أيضا في ذلك النساء اللواتي في بلدها، وبمن هو في سنها أيضا لأن المهر يختلف باختلاف السن ويعتبر أيضا بعقلها وحمقها لاختلاف المهر أيضا بذلك ويعتبر أيضا بجمالها وقبحها وبيسارها وإعسارها وبأدبها والبكارة والثيوبة وبكل ما يختلف المهر لاجله. والاعتبار في النساء بما ذكرناه ينبغي أن يكون بالاقرب منهن إلى المرئة المستحقة لمهر المثل لأنهن أشبه بها، فإن فقدت العصبة اعتبر بذوي الأرحام، فإن فقد ذلك اعتبر بنساء أقرب البلدان إلى بلده، فإن كان الذي يجب عليه مهر المثل من عشيرتها خفف عنه، فإن لم يكن من عشيرتها ثقل عليه، لأن الاعتبار يكون هكذا. وإذا تزوج رجل امرأة وأصدقها ألفا ودفع إليها ألفا وثوبا (1) أو عبدا، ويختلفان فتقول المرأة: دفعته إلى هدية، ويقول الرجل بل دفعته إليك مهرا، كان القول قوله بغير يمين هذا إذا كانا متفقين على القبض بالإطلاق، مثل أن يدفعه إليها فتقبضه وهما شاكان (2) لأنه لم ينطق بمهر ولا هدية وإن اختلفا فقالت المرأة قلت لي خذي هذا هدية أو قالت هبة، وقال بل قلت خذيه مهرا كان القول قوله على كل حال.
(3)

(1) في نسخة (خ) والمبسوط " أو ثوبا " وهو أطهر (2) في نسخة (خ) " مشاركان " وهذا انسب فقوله: " لأنه لم ينطق " متعلق به أي إنهما في الدعوى مشتركان بعدم النطق بمهر أو هدية وإنما اختلفا في قصده ولذا لا يمين عليه إذ لا يصح لغيره دعوى قصد عليه.
(3) لكن عليه اليمين في هذا الفرض لأنه مدعى عليه كما ذكره المصنف في جواهره.

[ 212 ]

وإذا زوج الرجل ابنته وهي رشيدة وأراد قبض مهرها، فإن كانت ثيبا، لم يكن له ذلك إلا بإذنها، وإن كانت بكرا كان له قبضه إذا لم تنهه عن قبضه فإن نهته عن ذلك لم يجز له القبض، وإن كانت مولى عليها لصغر أو سفه مع الكبر أو جنون كان له قبض ذلك. وإذا شرط الرجل في النكاح خيار الثلاث (1) وكان ذلك في أصل العقد كان النكاح باطلا لأنه عقد يلزم نفسه، ولا يصح فيه خيار الشرط، وإن كان الشرط في المهر مثل أن يقول أصدقتك هذه الدار على أن لك الخيار في المهر ثلاثا كان العقد صحيحا والمهر لازما، والخيار ثابتا لقول النبي (عليه السلام) المؤمنون عند شروطهم.
(2) وإذا عقد الرجل على النكاح على امرأة وضمن أبوه لها النفقة عليها سنين لم يصح ذلك لأن النفقة لا يجب عندنا بالعقد، وإنما يجب يوما بيوم، ولا يصح هذا الضمان لأنه ضمان لما لم يجب. وإذا عقد على امرأة نكاحا وسمى فيه مهرا إلى أجل معين وشرط أنه إن احضره في الأجل وإلا كان العقد باطلا، كان العقد ثابتا والمهر في ذمته وإن تأخر عن الوقت الذي ذكره والنفقة واجبة عليه. وإذا عقد على امرأة وشرط لها في حال العقد أن لا يخرجها من بلدها، كان الشرط صحيحا، ولم يجز له إخراجها إلى بلده، وإن شرط أنه إن أخرجها إلى بلده

(1) أي ثلاثة أيام كما صرح بذلك الشيخ في الخلاف في مسألة الخيار في الصداق وقد حكي فيه أيضا في مسألة شرط خيار الثلاث في النكاح عن أبي حنيفة أنه يبطل الشرط ويصح النكاح فكان تعرض المصنف للمسألة هنا وفي جواهره والشيخ في المبسوط لأجل ذلك.
(2) رواه الخاصة والعامة وقد ورد في أخبار الخاصة بأسانيد كثيرة في عدة مسائل كاشتراط الخيار في البيع واشتراط شيئ للمرئة في النكاح واشتراط رد المكاتب إلى الرق إن عجز وغير ذلك ولفظه في غالبها المسلمون وفي نادر المؤمنون كما في الوسائل الباب 20 من المهور.

[ 213 ]

كان مهرها عليه مائة دينار وإن لم يخرجها كان المهر خمسين دينارا ثم أراد إخراجها إلى بلده، وكان بلده في ديار الاسلام، كان الشرط صحيحا، وإن كان في ديار الشرك لم يلزمها الخروج إليه، وكان عليه المهر كاملا. وإذا أعتق إنسان عبده وشرط عليه في حال العتق أن يزوجه جاريته، فإن تزوج عليها أو تسرى، كان له عليه شيئ معين (1)، فتزوج العبد أو تسرى، كان ما شرط لسيده لازما. وإذا عقد الرجل نكاحا على امرأة وشرط أن لا نفقة لها عليه وكان النكاح: نكاح دوام كان النكاح صحيحا والشرط باطلا وكانت النفقة واجبة عليه وإن كان نكاح متعة: كان العقد والشرط صحيحين ولم يكن للمرأة عليه نفقة. " فيما إذا بانت الزوجة ثيبا ". وإذا تزوج امرأة على أنها بكر فوجدها ثيبا، جاز أن ينتقص من مهرها شيئا وليس ذلك بواجب. ولا يجوز للرجل أن يتصرف في شيئ من مهر ابنته ولا أكل شيئ منه إلا بإذنها. وإذا مكنت المرأة الرجل من نفسها وسلمتها إليه وجبت نفقتها، فإن لم تمكنه من نفسها ولا سلمتها إليه، فلا نفقة لها عليه. وإذا ادعت المرأة على زوجها أنه لا ينفق عليها ولم يكن معسرا، الزم النفقة عليها وإن كان معسرا لم يلزم شيئا من ذلك ولم يحبس وترك إلى أن يوسع الله عليه. وإذا لم ينفق الرجل على زوجته ولا يكسوها، وكان ذلك لفقر، أو لأنه

(1) يعني من المال كما في الخبر أفى خبر آخر زوجه ابنته وشرط عليه أنه إن أغارها أي تزوج عليها أو تسرى، يرده في الرق فقال (عليه السلام) له شرطه رواهما في الوسائل الباب 12 من كتاب العتق.

[ 214 ]

لا يمكنه ذلك انظر حتى يوسع الله عليه ويتمكن منه، وإن كان لغير فقر وهو متمكن منه وقادر عليه، الزمه الحاكم النفقة عليها أو طلاقها. وإذا ادعى الزوج أنه دفع المهر إلى زوجته وأنكرت ذلك، كان عليه البينة فإن لم يكن له بينة، كان عليها اليمين بأنه لم يدفعها إليه (1). " في عدم جواز تمكينها " ولا يجوز للمرأة الامتناع من زوجها إذا قبضت مهرها، فإن كانت لم تقبضه كان بها الامتناع منه، فإن امتنعت منه بعد قبضه كانت ناشزا، ولم يلزمه عليه ما دامت على النشوز. ولا يجوز لولي المرأة العفو عن شيئ من المهر بعد دخولها بالزوج، لأنه قد استقر لها بالدخول، فإن أذنت له في ذلك كان جائزا، ويجوز له العفو عن بعضه قبل الدخول بها. وإذا أراد الرجل نقل المرأة من بلدها إلى غيره، كان لها الامتناع من ذلك حتى تستوفى مهرها، وإذا أرادت المرأة أن تبرئ الزوج من مهرها كان ذلك جائزا فإن فعلته في صحتها كان ماضيا، وإن أبرئته منه في مرضها الذي تموت كان من الثلث وإذا كانت المرأة مريضة وليس لها شيئ غير مهرها، لم يجز لها أن تبرئ زوجها في حال مرضها من جميعه، فإن فعلت ذلك سقط عنه الثلث وكان الباقي لورثتها. ومن تزوج وهو مريض ودخل بالزوجة في حال مرضه كان العقد صحيحا ووجب المهر عليه فإن لم يدخل بها كان العقد فاسدا، وإذا مكنت المرأة زوجها من نفسها ودخل بها، كان لها المطالبة بالمهر على كماله، وليس يجوز لها أن تمنعه

(1) هذا إذا كان قبل الدخول أو بعده في غير ما كانت العادة جارية بإدائه قبله وإلا فقد تقدم أن القول قوله.

[ 215 ]

من نفسها بعد ذلك (1). " باب نكاح الإماء والعبيد وما يتعلق بذلك " قال الله تعالى: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت الآية (2). فأباح تعالى: من تضمنت الآية ذكره بشرطين، وهما عدم الطول لنكاح الحرام، والآخر: أن يخشى العنت، وذكر أن العنت هو الزنا، وروي عن علي (عليه السلام): إنه قال لا يحل نكاح الإماء إلا لمن خشي العنت.
(3) وعن الصادق (عليه السلام) أنه قال: لا يتزوج الحر الأمة حتى يجتمع فيه الشرطان العنت وعدم الطول، وإذا كان لانسان أمة لم يجز لغيره أن ينكحها إلا بأن لا يجد الطول إلى نكاح الحرة أو يخشى العنت، فإن تزوج بأمة وهو يجد الطول إلى نكاح الحرة فقد خالف أمر الله وما شرط عليه، (4) ولا يبطل عقده على الأمة بل يكون عقده ماضيا، وإذا لم يجد طولا لنكاح حرة وخشي العنت وأراد العقد على أمة غيره فلا يعقد النكاح عليها إلا بإذن سيدها، ويدفع الصداق الذي يتراضيان عليه إليه. فإذا عقد عليها وجاءت بولد، كان الولد حرا لا سبيل لأحد عليه، فإن شرط سيدها في حال العقد أن يكون الولد مملوكا له، كان الشرط صحيحا ويكون الولد

(1) أي بعد التمكين لكن قال المصنف في جواهره وقد ذكر أن لها الامتناع هاهنا أيضا وهو الأقوى انتهى.
(2) النساء 25 (3) مستدرك الوسائل الباب 41 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة وكذا الخبر التالي.
(4) مقتضاه العصيان والحرمة التكليفية وهي غير منافية لصحته إن خالف في غير العبادات كالبيع وقت النداء وفي المسألة خلاف وقد تقدم في أوائل كتاب النكاح هنا تصريح المصنف بكراهته دون الحرمة.

[ 216 ]

مملوكا له ولا يكون لأب الولد عليه سبيل. وإذا عقد رجل على أمة غيره بغير إذنه كان العقد باطلا، فإن رضي به السيد بعد ذلك وأمضاه كان ماضيا وجرى في استباحة النكاح به مجرى عقد مستأنف. وإذا استقر العقد على الأمة على ما قدمناه لم ينفسخ إلا بطلاق الزوج لها أو عتق سيدها لها أو بيعها، فإن أعتقها السيد والزوج مقيم على نكاحها، كانت مخيرة بين إقراره على ذلك، وبين فسخه، سواء كان حرا أو عبدا، فإن أقرته عليه لم يكن لها بعد ذلك خيار، فإن فسخته كان مفسوخا، وإن باعها سيدها والزوج أيضا مقيم على النكاح كان المشتري لها مخيرا بين إقراره على العقد وبين فسخه فإن أقره عليه لم يكن له بعد ذلك خيار إن فسخه كان مفسوخا. وإذا عقد الرجل على أمة غيره وهو عالم بذلك من حالها بغير إذن سيدها وجاءت بولد كان الولد مملوكا لسيدها ولم يكن للأب عليه سبيل. وإن عقد عليها على ظاهر الأمر ولم يثبت له بينة بأنها حرة، وجائت بولد كان الولد رقا لسيدها، وعلى سيدها تسليم الولد إلى أبيه بالقيمة وعلى الأب أن يدفع إلى سيدها قيمته، فإن لم يكن له مال استسعى في ذلك وإن امتنع من ذلك دفعه الإمام (1) إلى سيد الأمة من سهم الرقاب ولا يسترق ولد حر، وإن كان الزوج قد دفع إليها مهرا لم يكن له (2) عليها سبيل وكان له الرجوع

(1) أي قيمة الولد.
(2) كذا في الأصل ونسخة (ب) ونهاية الشيخ لكن في نسخة (خ) لم يكن لها عليه " والموجود في النص الذي هو مدرك هذا الحكم كما في الوسائل الباب 67 من نكاح العبيد والإماء قال (عليه السلام): إن وجد مما أعطاها شيئا فليأخذه وإن لم يجد شيئا فلا شيئ له وإن كان زوجها إياه ولي لها ارتجع على وليها بما أخذت منه ثم ذكر (عليه السلام) العشر ونصفه لسيدها فعليه يكون المراد بالمتن ذلك وإلا فلا وجه لاستحقاقها ما أخذت مع بطلان تزويجها وللمسألة صور أخرى أوردها العلامة في المختلف عن بعض الأصحاب.

[ 217 ]

بالمهر على وليها. فإن كانت بكرا، كان لسيدها عشر قيمتها وإن كانت ثيبا كان عليه نصف عشر قيمتها، وإن كان عقد عليها على ظاهر الأمر بشهادة شاهدين لها بالحرية وجاءت بولد كان الولد حرا ولم يكن لأحد عليه سبيل. وإذا عقد حر على امرأة وظن أنها حرة بتدليس المتولي للعقد عليها ثم بان أنها أمة، كان له الرجوع بالمهر على وليها، فإن جاءت بولد كان حرا. وإذا كانت المرأة حرة لم يجز لها أن تعقد على نفسها لعبد إلا بإذن سيده، فإن تزوجت به بإذن سيده وجاءت بولد كان حرا، فإن شرط السيد عليها أن يكون الولد رقا لله كان الشرط صحيحا وكان الولد مملوكا لسيده ولم يكن لها عليه سبيل. وإذا استقر عقد الحرة على العبد لم يبطل إلا بطلاق العبد لها دون سيده أو ببيعه فإن طلقها العبد كان طلاقه واقعا وإن باعه كان المشتري له مخيرا بين إقراره على العقد وبن فسخه فإن أقره عليه لم يكن له بعد ذلك خيار، فإن أعتقه سيده لم ينفسخ العقد وكان ثابتا، ولم يكن للزوجة اختيار لأنها قد رضيت به وهو عبد وقد صار حرا فهي بالرضا به، وهو كذلك أولى. " في تزويج العبد بحرة بغير إذن سيده " وإذا تزوج العبد بحرة بغير إذن سيده، كان العقد موقوفا على رضا سيده فإن فسخه كان مفسوخا وإن أمضاه كان ماضيا، ولم يكن له بعد ذلك فسخه ولا ينفسخ إلا بطلاق العبد لها أو بيعه فإن طلقها العبد وقع طلاقه، ولم يكن لسيده عليه اختيار وإن باعه سيده كان الأمر فيه على ما قدمناه، وإن جاءت بولد منه وكانت عالمة بأن سيده لم يأذن له في التزويج، كان ولدها مملوكا لسيد العبد، وإن لم تكن عالمة ذلك كان ولدها حرا. وإذا تزوجت الأمة بغير إذن سيدها بعبد، وكان العبد مأذونا له في التزويج وجاءت بولد، كان الولد رقا للسيد (1) وإن لم يكن مأذونا له في التزويج، كان الولد

(1) أي سيد الأمة كما في النهاية.

[ 218 ]

رقا لسيد الأمة وسيد العبد، بينهما بالسوية. ويجوز أن يزوج الانسان عبده بجاريته، فإن زوجهما كان عليه أن يدفع إليهما شيئا من ماله يكون مهرا لها، والفراق بينهما بيد سيدهما متى شاء فرق بينهما، وليس للزوج طلاقها، هنا على وجه من الوجوه، فإذا أراد السيد أن يفرق بينهما أمره باعتزالها، وأمرها باعتزاله ويقول لها قد فرقت بينكما ويكون ذلك فراقا صحيحا. فإن كان العبد قد وطأها استبرأها بحيضة أو بخمسة وأربعين يوما ثم يطأها إن أراد وطأها، وإن لم يكن للعبد وطؤها، جاز له أن يطأها في الحال من غير استبراء فإن باعهما كان المشتري لهما مخيرا بين إقرارهما على العقد وبين فسخه، فإن أقرهما عليه كان حكمه كحكم السيد الأول في ذلك، وإن فسخه كان مفسوخا. فإن باع السيد أحدهما كان ذلك فراقا بينهما، ولا يثبت العقد إلا بأن يريد هو ثباته على الواحد الذي بقي عنده، ويريد المشتري ثباته على الآخر الذي اشتراه، فإن لم يرد واحد من السيدين ثبات ذلك، لم يثبت العقد بينهما، فإن جاء بينهما ولد كان رقا لسيد الأمة، (1) وإن أعتقهما جميعا كانت الزوجة مخيرة بين الرضا بالعقد الأول وبين فسخه، فإن رضيته كان ماضيا وإن لم ترض كان مفسوخا. وإذا عقد إنسان لعبده على أمة لغيره بإذنه كان ذلك جائزا وكان طلاقها بيد العبد، فإن طلقها كان طلاقه جائزا كما قدمناه ولم يكن لسيده أن يطلق زوجته، فإن

(1) يعني إذا لم يرد واحد منهما النكاح بينهما فجاء ولد لما قبل البيع فهو لسيد الأمة أي البائع إن باع العبد، والمشتري إن باع الأمة لتبعية الولد لأمه في البيع ويحتمل أن يكون المراد أنه للأول مطلقا لأنه كان ملكا له ويمنع التبعية وأما احتمال أن يكون المراد أنه إذا أجاز كلاهما النكاح بعد البيع ثم حصل منهما ولد بعد الاجازة فهو لصاحب الأمة مطلقا لأنه نماء ملكه كما في سائر الحيوانات فمندفع بما يأتي قريبا في نظيره من أن الولد للسيدين كما هو المشهور بين الأصحاب هنا وفيما يأتي وإنما حكي عن أبي الصلاح الحلبي أنه لمولى الأمة للعلة المذكورة والله العالم.

[ 219 ]

باعه كان ذلك فراقا بينهما إلا أن يختار المشتري إقراره على العقد ويريد ذلك أيضا سيد الجارية، فإن لم يرد واحد منهما ذلك كان العقد مفسوخا. وكذلك الحكم إذا باع سيد الجارية، جاريته فإنه يكون فراقا بينهما ولا يثبت إلا برضا سيدها ورضا سيد العبد، فإن لم يرض ذلك واحد منهما كان مفسوخا. وإذا أعتق الانسان جاريته كانت مخيرة بين الرضا بالعقد وبين فسخه حسب ما قدمناه وإن أعتق السيد عبده لم يكن لسيد الجارية عليه خيار ولا يبطل العقد إلا بعتقها أو بيعها فإن جاء بينهما ولد، كان على حسب ما يحصل الشرط بينهما فيه، فإن شرط سيد الجارية أن يكون الولد رقا له كان ذلك وإن اشترط سيد العبد ذلك كان صحيحا ويكون الحكم منه على ما يستقر الشرط بينهما، فإن لم يكن جرى بينهما شرط في ذلك، كان الولد بينهما بالسوية كما قدمناه (1). وإذا كانت الأمة بين شريكين وكان أحدهما غائبا والآخر حاضرا، فعقد الحاضر عليها النكاح لرجل، كان ذلك باطلا فإن رضيه الغائب كان ماضيا. وإذا تزوج رجل أمة بين شريكين ثم اشترى نصيب أحدهما حرمت عليه إلا أن يبتاع النصف الآخر أو يرضي الشريك (2) بالعقد فتحل له، ويكون رضى الشريك

(1) تقدم ذلك فيما إذا تزوجت أمة بغير إذن سيدها بعبد غير مأذون له في التزويج لكن الفرق أن التزويج هناك باطل وليس هنا كذلك وقد مر بنا آنفا ما يفيد للمقام.
(2) المعروف بين الأصحاب أن البضع لا يتبعض فلا يحل للرجل أن يملك نصف أمة ويتزوج بنصفها الآخر لما ورد فيه من النص كما في الوسائل الباب 46 و 41 من نكاح العبيد والإماء فما ذكره المصنف هنا غريب ونحوه في نهاية الشيخ ولذا ذكر المحقق عليه الرحمة في نكته على النهاية أن لفظة " أو " في قوله: أو يرضى بمعنى الواو أو هي من سهو الناسخ والمراد أن يرضي صاحب النصف الآخر بعقد البيع على نصفه وربما حمل على غير ذلك راجع إليه وإلى غيره من أحكام المسألة إلى جواهر الكلام في المسألة السابعة من قسم نكاح الإماء.

[ 220 ]

بالعقد، عقدا مبتدءا، وإذا كان أحد الزوجين مملوكا ومات واحد منهما، لم يكن بينهما توارث لا يرث الرجل المرأة ولا المرأة الرجل وإذا زوج إنسان جاريته من رجل وفرض عليه مهرا (1) وباعها قبل أن يقبض المهر سقط المهر عن الزوج، لأن بيعها طلاقها، وبذلك يزول ملك الزوج لبضعها وفساد العقد لم يكن من جهته، وإنما يكون من جهة غيره وهو سيد الجارية. وإذا أذن السيد لعبده في نكاح حرة فنكح أمة، أو في نكاح أمة فنكح حرة أو في نكاح امرأة معينة فنكح غيرها، أو أن ينكح في بلد معين فنكح في غيره، كان النكاح في جميع ما ذكرناه موقوفا على رضا سيده وإذنه، فمهما أذن فيه كان ماضيا، وما لم يأذن فيه كان باطلا. وإذا أطلق السيد الإذن لعبده في التزويج فقال: له تزوج بمن شئت كان صحيحا فإذا تزوج في بلده لم يكن لسيده منعه ممن تزوج به، فإن تزوج من بلد آخر كان له منعه من السفر ولا يجوز أن يسافر إلا بإذن سيده. وإذا تزوج العبد بإذن سيده بحرة وأمهرها ألفا، كان المهر في ذمة العبد يستوفى من كسبه، فإن ضمن السيد عنه ذلك صح الضمان، وكان المال في ذمة السيد ولم يكن للنفقة مطالبة العبد بشئ منه. " باب ما ينبغي فعله عند العقد على النساء والدخول بهن " إذا أراد الرجل عقد النكاح لنفسه فينبغي له أن يستخير الله تعالى، بأن يصلي ركعتين ويحمده تعالى ثم يدعو، فيقول: اللهم أني أريد النكاح فسهل إلى آخره (2)

(1) الظاهر أن المراد ما إذا باعها قبل الدخول وعليه لا فرق بين قبض المهر كلا أو بعضا وعدمه وهذه المسألة مضطربة التحرير والحكم في هذا الكتاب والنهاية والمبسوط كما يأتي في باب السراري والايمان تحريرها بوجه آخر وما ذكره المحقق رحمة الله تعالى في الشرائع أوضح فراجع جواهر الكلام في المسألة الأولى من لواحق نكاح الإماء.
(2) تقدم في أول كتاب النكاح هنا.

[ 221 ]

ولا يعقد النكاح والقمر في العقرب ويستحب الاشهاد والاعلان بذلك والفرح والمسرة والوليمة أيضا وسنذكرها فيما بعد. ويجوز للرجل النظر إلى وجه المرئة التي يريد العقد عليها وإلى محاسنها وجسمها من فوق ثيابها، فإن لم يكن مريدا للعقد عليها لم يجز له شيئ من ذلك وكذلك يجوز له في الأمة التي يريد ابتياعها فإن لم يرد ابتياعها لم يجز له شيئ من ذلك أيضا. " في آداب الغشيان " وإذا زفت المرأة إلى الرجل ودخل عليها فيستحب له أن يكون على وضوء ويصلي ركعتين وكذلك يستحب لها أيضا أن تفعل مثل ذلك ثم يضع يده على ناصيتها ويمسحها ويدعو فيقول: اللهم ارزقني إلفها وودها ورضائها لي وارزقها ذلك مني واجمع بيننا على أحسن اجتماع وايمن ائتلاف فإنك تحب الحلال وتكره الحرام والخلاف. فإذا أراد الجماع فيسمى الله تعالى ويدعو بما قدر عليه ويقول: اللهم على كتابك تزوجتها وفي أمانك أخذتها وبكلماتك استحللت فرجها فإن قضيت في رحمها شيئا فاجعله مسلما سويا ولا تجعله شرك شيطان، وأفضل أوقات الزفاف والدخول بالزوجة، الليل وافضلها للإطعام النهار. ويكره للرجل أن يجامع زوجته في ليلة خسوف القمر ويوم كسوف الشمس وفيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وفيما بين غروبها إلى مغيب الشفق ووقت الريح السوداء والصفراء والزلازل واول ليلة من الشهر، إلا شهر رمضان وفي محاق الشهر، فقد روي عن الباقر (1) (عليه السلام) أنه قال: والذي بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) بالنبوة واختصه بالرسالة واصطفاه بالكرامة، لا يجامع أحد منكم من وقت من هذه الأوقات

(1) الوسائل الباب 62 من أبواب مقدمات النكاح

[ 222 ]

فيرزق ذرية فيرى فيها قرة عين. ولا يجوز لرجل أن يدخل بزوجته قبل بلوغها تسع سنين، فإن فعل ذلك وعابت، كان عليه ضمان عيبها ويفرق بينهما ولا تحل له أبدا. ويكره للرجل أن يجامع مستقبل القبلة أو مستدبرها أو يجامع وهو عريان أو هو في سفينة وإذا كان مسافرا وقدم على زوجته فإنه يكره له أن يجامعها ليلا حتى يصبح، ويكره للرجل إذا احتلم أن يجامع زوجته حتى يغتسل فإن لم يفعل ذلك توضأ وضوء الصلاة. ويكره للرجل النظر إلى فرج امرأته وكذلك يكره للرجل أيضا الجماع في بيت يكون فيه صبي ينظر إليه أو غير صبي، ويكره له النظر إلى المجامعة فقد روي عن علي (عليه السلام) أنه يورث العمى. (1) ويكره الكلام عند الجماع فقد روي عن الباقر (عليه السلام) أنه يورث الخرس، (2) ويكره إتيان النساء في أحشاشهن (3).

(1) (2) الوسائل الباب 59 و 60 من مقدمات النكاح والظاهر أن المراد أنه يورث العمى والخرس في الولد كما في بعض أخبارهما وربما يحتمل الأعم للزوجين والمراد بالكلام غير ذكر الله والدعاء.
(3) في هامش نسخة الأصل هنا " كلام الشيخ العمد أبي جعفر أيضا على الكراهة وروي عن المرتضى أنه أفتى على إباحته (هنا كلمة غير مقروءة) ذكر أن مذهب المرتضى في هذه المسألة بخلاف ما أسند إليه والمذهب في هذه المسألة هو مذهب السلف وأصحاب الحديث من طائفتنا فإن كتبهم مشحونة بتحريم ذلك وقد نص الشيخ أبو جعفر بن بابويه القمي على تحريمه في عامة كتبه حتى قال: أما الايقاب فهو الكفر بالله. وهذا هو الصواب في الفتوى والطريق إلى التقوى فإن الإباحة والتحليل في هذه المسألة يجر إلى جهالات ويفضي إلى محالات ومع هذا كله فإنه سوء الأدب وشناعة المذهب فالواجب البرائة منه " قال مراجع هذا الكتاب للصحيح والتعليق *

[ 223 ]

ولا يجوز للرجل أن يترك وطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر، ويكره له العزل عن زوجته الحرة إلا بإذنها، فإن أذنت له فيه لم يكن به بأس، فأما الأمة: فإنه يجوز العزل عنها على كل حال، وإذا لم يتمكن الرجل من ماء ليغتسل به فإنه يكره له الجماع فإن خاف على نفسه فعله. وأما الوليمة التي وعدنا ذكرها فهي وليمة العرس، وإنما سميت بذلك لأن فيها اجتماع الزوجين، وحكي عن ثعلب أن الوليمة طعام العرس وهي عندنا مستحبة وذكر بعض الناس أنها واجبة وحضورها مستحب، فإن كانت وليمة لذمي فقد ذكر أنها لا يجوز للمسلم حضورها، وقال بعضهم يجوز ذلك والأول أحوط. وإذا حضرها إنسان وكان صائما تطوعا فيستحب له الافطار، وإن كان صومه واجبا لم يجز له الافطار.

* عبد الرسول الجهرمي هذه الحاشية ليست من المصنف لخلو سائر النسخ عنها وعدم تناسب مضمونها له وكلام الشيخ أبي جعفر يعني الطوسي عليه الرحمة على الكراهة مذكور في المبسوط والنهاية. وما روي عن المرتضى رحمه الله في إباحته موجود في انتصاره وما حكاه عن ابن بابويه من كفر الايقاب فالمراد به الاتيان بالرجال كما في الأخبار ولعل ما في سائر كتب الأصحاب أيضا كذلك نعم تشديده في هذا العمل وأن الطريق إلى التقوى تركه حق لا ينبغي الاغضاء عنه للنهي عنه في النصوص كما في الوسائل الباب 72 من مقدمات النكاح. ففي بعضها عن النبي (صلى الله عليه وآله) أن محاش النساء على أمتي حرام والمحاش هي الادبار ومقتضى الجمع بينه وبين ما دل على الجواز هو الكراهة الشديدة على أن في بعضها تقييد الجواز برضا الزوجة ولذا كان المختار عدم الجواز بدون ذلك هذا مع ما فيه من الخبث والدنائة وتضييع النطفة وإيذاء الزوجة المسلمة التي أكد الشارع في إكرامها وإنه ربما يورث المرض الشديد كالعمى في الرجل والجرح في المرأة ويورث نفرتها عنه وربما أدى إلى الفراق بينهما وغير ذلك من أسباب التنزه والله العالم.

[ 224 ]

وإذا كان في الدعوة شيئ من الملاهي والمناكير أو شرب خمر على المائدة أو ضرب البرابط والمزامير وغير ذلك إلا الدف إذا لم يقل عليه هجو (1)، وعلم المدعو ذلك لم يجز له حضورها فإذا علم أنه إذا حضر (2) قدر على إزالة ذلك، استحب له الحضور ليجمع بين الاجابة إلى الحضور وبين إزالة المنكر، فإن لم يعلم ذلك إلا بعد حضوره وأمكنه إزالته فعل ذلك وإن لم يمكنه ذلك وجب عليه الخروج من موضع ذلك، فإن لم يمكنه الخروج جلس وليس عليه شئ في سماع ذلك إذا لم يتعمد الاستماع له. وإذا رأى صورة ذات أرواح في الموضع منصوبة، فلا يدخله، وإن كانت توطأ لم يكن بدخوله بأس، وإن كانت صورة شجر لم يكن بذلك بأس، وكذلك صورة كل ما ليس له روح، فأما نثار السكر واللوز في ذلك فهو جائز ولا يجوز لأحد أن يأخذ منه شيئا إلا بإذن صاحبه أو بأن يعلم منه ذلك بشاهد وإنه أباحه، وترك أخذه أولى على كل حال ومن أخذ منه شيئا مع العلم بإذن صاحبه في أخذه أو إباحته لذلك، فقد ملكه بالأخذ له والحيازة كما يملك الطعام. * * *

(1) في نسخة (خ) " هجر " بالراء وعلى كل، ظاهر المصنف جواز الدف في الاعراس إذا لم يقل فيها ذلك وظاهر الشيخ في المبسوط في هذا الباب عدم جوازه لعدم استثنائه ذلك وقال في كتاب الوصايا: إن أوصى فقال اعطوه دفا من دفوفي فإنه تصح الوصية لأن الدف له منفعة مباحة لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف وعلى مذهبنا لا يصح لأن ذلك محظور استعماله انتهى.
(2) بل الظاهر وجوبه حينئذ لوجوب إزالة المنكر بكل ما قدر عليه كما هو مقتضى أدلة النهي عن المنكر.

[ 225 ]

" باب القسمة بين الازواج " قال الله تعالى: " قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم " (1) يعني من الحقوق التي لهن على الازواج من الكسوة والنفقة والمهر وغير ذلك: وقال " الرجال قوامون على النساء " (2): يعني أنهم قوامون بحقوق النساء التي لهن على الازواج. وقال " وعاشروهن بالمعروف " (3) وقال: " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف " (4) يعني أن لكل واحد منهما ما عليه لصاحبه يجمع بينهما من حيث الوجوب، ولم يرد بذلك أن للزوجات على الأزواج مثل الذي للأزواج على الزوجات من الحقوق، لأن الحقوق مختلفة فحقوق الزوجات الكسوة والانفاق عليهن والسكنى والمهر، وليس يجب شيئ من ذلك للأزواج على الزوجات، وحقوق الازواج على الزوجات، التمكين من الاستمتاع وهذا مخالف للآخر كما تراه فليس المراد إلا ما ذكرناه. وإذا كان عند الرجل من الازواج أكثر من واحدة فالأفضل له أن يعدل بينهن فيبيت عند كل واحدة بينهن ليلة ولا يجب عليه مجامعتها في تلك الليلة بل يجوز له ترك ذلك، فإن لم يرد العدل بينهما وكان له زوجتان لم يجز له أن يبيت عند الواحدة منهما أكثر من ثلاث ليال ويبيت عند الأخرى ليلة واحدة. وإن كان عنده ثلاث نسوة، كان له أن يبيت عند واحدة منهن ليلتين ويبيت عند كل واحدة من الإثنين ليلة، ليلة، فأن كان عنده أربع نسوة لم يجز له المبيت عند كل واحدة أكثر من ليلة ليلة، ويسوى بينهن في ذلك فأن اختارت واحدة منهن ترك ليلتها لاخرى، كان ذلك جائزا. وإذا عقد رجل على امرأة كانت بكرا جاز له أن يفضلها بالمبيت عندها سبع

(1) " الاحزاب " - 50 (2) النساء - 19.
(3) النساء - 34 (4) البقرة - 228.

[ 226 ]

ليال، ثم يعود إلى التسوية بين جميع أزواجه بعد ذلك، (1) فإن كان عنده زوجتان إحداهما حرة: والأخرى أمة: كان للحرة ليلتان وللأمة ليلة واحدة، وإن كانت عنده أمة بملك يمين مع حرة لم يكن لها مع الحرائر قسمة، وكذلك اليهودية والنصرانية مع الزوجات المسلمات، (2) لأن الحكم كل واحد منهما حكم الأمة. ويجوز للرجل أن يفضل بعض أزواجه على بعض في النفقة والكسوة، والعدل بينهن والتسوية في ذلك أفضل على كل حال، والصحيح والمريض في القسمة سواء وإذا أراد المريض أن يقيم عند بعض أزواجه لم يكن له ذلك إلا أن يأذن له فيه ولا فرق بين المسلم والذمي في ما قدمناه. وإذا سافر الرجل مع بعض الزوجات ثم قدم وسئله الباقيات أن يقيم عند كل واحدة منهن أيام سفره، لم يكن لهن ذلك، ولا يحتسبن بايام سفره عليه، بل يستقبل العدل بينهن ويبتدء بمن لها الحق وكذلك إذا لم يسافر بإحداهن معه وجب إذا انصرف أن يبتدء بصاحبة الحق وإذا أراد الرجل السفر ببعض أزواجه وأذن (3) له في واحدة بعينها كان جائزا، وإن لم يأذن له أقرع بينهن فمن أصابها منهن السهم خرج بها معه. وإذا نكح في سفره زوجة غير الزوجة التي سافر بها معه، كان لها ما للتي يتزوج بها في الحضر إن كانت بكرا أو ثيبا، ولا تحتسب التي (4) سافر بها من ذلك بشئ.

(1) زاد هنا في نسخة (خ) وهامش نسخة (ب) بعلامة التصحيح " وإن كانت ثيبا جاز له أن يفضلها بثلاث ليال ثم يرجع إلى التسوية بين أزواجه " (2) أي كان للمسلمة ليلتان ولليهودية أو النصرانية ليلة كما صرح به في خبر البصري المروى في الوسائل الباب 7 من أبواب ما يحرم بالكفر مضافا إلى ما ذكره المصنف بقوله لأن حكم كل واحد منهما حكم الأمة فإنه إشارة إلى ما ورد في عدة نصوص منها ما في الوسائل الباب 8 مما ذكر.
(3) بصيغة الجمع المؤنث (4) في نسخة (خ) " ولا يحتسب للتي " وعلى كل، المراد أنه إذا أدى في سفره حق الجديدة البكر سبعا أ و الثيب ثلاثا لا يقضي بمثلها للتي سافر بها أولا.

[ 227 ]

وإذا كان لرجل زوجتان أو أكثر إلى أربع فأقام عند إحداهن شهرا وهن ممسكات عنه ثم خاصمنه في ذلك، كان عليه أن يستقبل العدل بينهن، وما فات كان هدرا وهو فيما فعل من ذلك آثم، وعلى الحاكم نهيه عن ذلك وأن يأمره بالعدل، وإن عاد إلى ذلك ورأى أدبه كان له ذلك. وإذا لم يكن للرجل إلا زوجة واحدة، كان عليه المبيت عندها ليلة واحدة من أربع ليال، وله أن يفعل في الثلاث الأخر ما شاء فيما كان مباحا له، فإن كان له زوجتان كان له أن يخص الواحدة منهما في ثلاث الليالى، ويقسم للأخرى ليلتها وكذلك الحكم: إذا كان له ثلاث نسوة قسم لكل واحدة منهن ليلتها، واختص بالرابعة من أراد منهن اختصاصا بها، فإن كانت أزواجه أربعا لم يجز له أن يفضل واحدة منهن على الأخرى. وإذا كان عنده أكثر من زوجة كان له أن يغشى بعضهن دون بعض، وليس عليه إلا المبيت عند كل واحدة منهن في ليلتها ويقيل عندها، فإن لم ينشط للجماع لم يكن عليه شيئ، فإن وجه نشاطا للجماع فلا ينبغي له أن يدعها ويخص نفسها لغيرها. وإذا كان عنده زوجة إلى ثلاث وتزوج بكرا أقام عندها سبع ليال وإن كان ثيبا فثلاث ليال ثم يستقبل القسمة بعد ذلك والتسوية بينهن فيها وإذا دخل عليه بكران في ليلة واحدة أو ثيبان أو بكر وثيب اقرع بينهما، فأيهن خرج سهمها بدأ بها وأوفاها أيامها ولياليها ثم رجع إلى الأخرى ولا يستحب له إذا أقام عند بكر أو ثيب أن يقعد عن صلاة الجماعة، ولا بر كان يفعله، ولا إجابة دعوة المؤمن ولا شهود الجنازة. وإذا كان له زوجة أمة فأقام عندها يوما ثم أعتقت لم يقم عند الحرة الأخرى إلا يوما واحدا وإن أقام عند الحرة يوما واحدا ثم أعتقت الأمة يحول عنها إلى المعتقة وإذا كان عنده زوجة واحدة وكان يصوم النهار ويقوم الليل ولا يجعل لها

[ 228 ]

حظا، فاستعدت عليه، فإنه يؤمر بأن يبيت عندها ليلة من أربع ليال أو أن ينظر لها (1) وإذا تزوج امرأتين على أن يقيم عند الواحدة منهما يوما وعند الأخرى يومين ثم طلبت التي لها اليوم أن تعدل عليها، كان لها ذلك ولم يلزمها الشرط الذي شرطته إلا أن يكون الرجل يعجز عن زوجتين أو تكون ذميمة الخلق فيميل عليها ويريد طلاقها أو تكره (2) هي ذلك فتصالحه على أن يأتيها وقتا بعد وقت أو يوما في أيام أو على أن يترك لها حظها من ذلك فيكون جائزا. ويجوز للرجل أن يترك بعض القسم للمرئة أو كله إذا طابت نفسها بذلك، فإن رجعت فيه كان عليه العدل عليها أو فراقها وكذلك إذا وهبت له ذلك فأقام عند غيرها أياما ثم بدا له أن يستأنف العدل من يوم علم، وإذا قال لا أفارقها ولا اعدل عليها أجبر على العدل عليها ولم يجبر على فراقها. وإذا أعطاها مالا على أن تترك له يومها لم يجز ذلك، لأنه بمنزلة البيع وليس هاهنا عين مملوكة يتناولها البيع ولا يقع عليها ولا هو إجارة على عقد يقابله عوض، وإن حللته فوهب لها شيئا من غير شرط، كان ذلك جائزا. ولا يجوز للرجل الدخول في الليل على غير صاحبة القسم، لأن الليل هو القسم، (3) ويجوز أن يدخل على غيرها بالنهار وللحاجة (4) ولا يفعل عندها فإن

(1) كذا في النسخ ولعل المراد أن يحتسب لها ليلة من أربع ليال ليؤديها إليها بعد ذلك أو يرضيها عنها فتأمل.
(2) الصواب " وتكره " بالواو وحاصل المسألة أنه إذا شرط عليها في العقد أن لا يقسم لها لم يلزمها وإن تزوجها فلم يرضها وأراد طلاقها جاز لها أن تصالحه بترك القسم ونحوه كما في الوسائل الباب 11 من أبواب القسم وغيره وظاهر المصنف أنه لا يجوز لها الرجوع فيه بعد ذلك كما يقتضيه عموم نفوذ الصلح بخلاف الفرع التالي وتأتى مسألة المصالحة آخر الباب بتفصيل.
(3) أي زمان القسم ولعل صواب الكلمة " المقسم " بالميم الزمانية.
(4) كذا في النسخ بالواو فمقتضاه جواز أن يدخل على غيرها بالنهار مطلقا *

[ 229 ]

أراد أن يأوي في النهار إلى منزله آوى إلى منزل صاحبة القسم، ولا يستحب له أن يجامع زوجته في غير يومها، فإن فعل ذلك فعل مكروها ولم يجب عليه كفارة. (1) وإذا مرض بعض الزوجات جاز أن يعدوها نهارا فإن فاتت (2) لم يكن بأس بمقامه عندها حتى يواريها ثم يعود بعد ذلك إلى صاحبة القسم وإن ثقلت بالمرض لم يكن بمقامه عندها بأس حتى تخف أو تموت ثم توفي من بقي من أزواجه مثل ما أقام عندها. وإذا عرض له شغل يمنعه من المبيت عند أزواجه ابتدأ عند فراغه بصاحبة القسم حتى يبتدء (3) به عند عودته من السفر. وإذا كان عند بعض أزواجه مريض أو متداو أو كانت الزوجة مريضة أو حائضا أو نفساء فذلك قسم، يحتسب عليه به، وإذا كان محبوسا وكان الزوجات يصلن إليه فعليه أن يعدل بينهن كما تكون ذلك عليه إذا لم يكن محبوسا. وإذا أراد أن يكون له منزل لنفسه ثم ينفذ إلى كل واحدة منهن فتأتيه يومها

* وبالليل لحاجة لكن الظاهر زيادة الواو والمراد اختصاص جواز الدخول عليها بالنهار لحاجة كما يظهر من الفروع التالية والمسألة محل اختلاف كما يظهر من المبسوط والشرائع والقواعد ثم قوله بعد ذلك ولا يفعل عندها كذا في نسخة الأصل فهو كناية عن الجماع. وفي نسخة (ب) و (خ) " ولا يعقد عندها " وهذا أعم وفي عبارة المبسوط: ما لم يلبث عندها فيجامعها لأن النبي (صلى الله عليه وآله) كذا كان يفعل انتهى وعلى كل فالظاهر أن مراد المصنف بذلك هو الكراهة كما يصرح بها في آخر العبارة والله العالم. (1) الظاهر أن مراده بالكفارة قضاء الجماع لصاحبة القسم فإنه الذي وقع الكلام فيه وحكي عن بعض العامة وجوبه كما في المبسوط ليحصل العدل وأما الكفارة بالمعنى المعروف فلا وجه لوجوبها هنا أصلا.
(2) أي ماتت وهو الموجود في نسخة (خ).
(3) في نسخة (خ) " كما يبتدء " وهو أصح كما أن الصواب أيضا " بها ".

[ 230 ]

وليلتها كان ذلك له، وعليهن أن تأتينه ومن امتنع منهن من ذلك كانت عاصية لبعلها تاركة لحقه ولم يجب عليه في ترك القسم شيئ ما دامت ممتنعة، وكذلك: إذا كانت في منزله تسكنه فغلقت الباب أو امتنعت منه إذا حضر عندها أو هربت منه أو ادعت عليه طلاقا كاذبة فإنه يحل له تركها والقسم لغيرها وترك النفقة عليها إلى أن تعود إلى التخلية بينه وبين نفسها وهذه ناشز وكذلك: إذا كانت المرأة أمة فمنعته نفسها أو منعه منها أهلها لم يكن لها قسم ولا نفقة حتى ترجع عن ذلك. وإذا سافر سيد الأمة بها بغير إذن زوجها أو بإذنه سقطت عنه النفقة، وإذا سافرت الحرة بإذن زوجها أو بغير إذنه لم يكن لها نفقة إلا أن يكون هو الذي أشخصها وإذا كانت الزوجة رتقاء لا يقدر الرجل عليها قسم لها كما يقسم للحائض، لأن القسم على المسكن لا الجماع. والخصي والعنين والمجنون ومن لا يقدر على الجماع إلا بعنت شديد (1) أو لا يقدر عليه جملة لعلة أو لغير ذلك يجري مجرى الصحيح القوى في ذلك، وإذا كان رجل عند واحدة من نسائه ليلا فعرض له جنون في بعض الليل فخرج من عندها فعليه أن يوفيها إذا أفاق أو يستحلها فإن جنت الزوجة وخرجت في بعض الليل لم يجب عليه أن يوفيها شيئا. وإذا قسم الرجل من نسائه يومين أو ثلاثة لكل واحدة منهن ثم طلق منهن واحدة قد ترك لها القسم طلاقا بائنا فعليه أن يستحلها من قسمها، فإن كان طلاقا رجعيا وفاها ما فاتها ويقسم للمرئة التي قد أتى (2) منها وكذلك المحرمة بأمره ولا يقربها. وكذلك يفعل مع نسائه المحرمات (3).

(1) العنت هنا المشقة (2) الصواب " قد آلى منها " كما في نسخة (خ) من قوله تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر.
(3) كالمظاهرة

[ 231 ]

وإذا خافت المرأة من بعلها نشوزا وكان كارها لها وأراد طلاقها وهي كارهة للطلاق، فقالت له أمسكني ولا تطلقني واترك لك مالي عليك من الصداق أو الأجر وأهب لك من مالي كذا وكذا، وأحللتك من يومي وليلتي ونفقتي فما فعله من ذلك برضاها، كان له جايزا إذا أخذه هبة منها من غير شرط يشرطه لها، لأن طلاقها مباح له متى أراده. وإذا نشزت المرأة على زوجها جاز له أن يهجرها في المضاجع وفي الكلام ويضربها ولا يبلغ بضربها حدا ولا يكون ضربا مبرحا ويتوقى وجهها ولا يهجرها بترك الكلام أكثر، من ثلاثة أيام ويهجرها في المضجع إلى أن ترجع عن النشوز قلت مدته أو كثرت، فإذا عادت عن ذلك ورجعت إلى ما يجب له عليها كف عنها وعادت إلى حقها. (1) " باب التدليس في النكاح " عقد النكاح ينفسخ بعيوب: منها ما يختص الرجل. ومنها: ما يختص المرأة ومنها: ما يصح اشتراك الرجل والمرأة فيه. فأما ما يختص الرجل فهو الجب والعنت وأما ما يختص المرأة فهو الرتق والقرن والافضاء وكونها محدودة في الزنا. وأما ما يصح اشتراك الرجل والمرأة فيه فهو الجنون والجذام والبرص والعمى (2)، فأما الجذام والبرص فقد يظهر كل واحد منهما ظهورا لا يخفى على

(1) الكلام في نشوز المرأة على زوجها ونشوزه عليها يأتي بتفصيل في بابي النشوز والشقاق.
(2) حكي في المختلف عن المصنف في الكامل أن الأخيرة مختصة بالمرأة *

[ 232 ]

أحد، وقد يكون يسيرا ويقع الخلف فيه بين أنه جذام وبرص وبين أنه بياض ليس كذلك، فأما الذي لا يختلف فيه فليس فيه كلام. وأما المختلف فيه فيفتقر في المعرفة فيه إلى شاهدين من المسلمين من أهل الطب، فإن نظراه وأخبرا بأنه جذام أو برص حكم فيه بالرد وإن أخبرا بأنه ليس كذلك، لم يحكم فيه بالرد فإذا صح الجذام والبرص على ما ذكرناه من الظاهر الذي لا يختلف فيه ومن المختلف فيه كان للذي إليه الرد، أن يرد. فإن أراد المقام على العقد والصبر، كان ذلك جائزا له، وإن لم يرد ذلك واختار الفسخ كان ذلك له، وفي الناس من قال لا يفسخ عليه إلا الحاكم وعندنا أن ذلك جائز ويجوز أيضا أن يفسخ الرجل ذلك بنفسه، وكذلك المرأة. فإن اختلف المتزوجان فقال أحدهما: هذا جذام أو برص، وقال الآخر: هو مرار كان القول: قول الزوج مع يمينه إن كان ذلك به، أو القول: قول الزوجة مع يمينها إن كان ذلك بها حتى تقوم البينة بشاهدين من أهل الطب بأنه جذام أو برص ثم يكون الخيار بعد ذلك في الفسخ أو الرضا والصبر عليه. وأما الجنون فضربان: أحدهما يخنق، والآخر: يغلب على العقل من غير حدوث مرض، وهذا أكثر من الذي يخنق، وأيهما كان حاصلا بأحد الزوجين، كان للآخر خيار بين الفسخ والرضاء به والصبر عليه، والقول: في الفسخ هل يكون بالحاكم أو بغيره، يجري على ما قدمناه في الجذام والبرص. فأما إن غلب على العقل مرض غير ذلك فليس فيه خيار، لاسيما إذا برء من مرضه وزال الاغماء، فإن زال المرض ولم يزل الاغماء، كان ذلك كالجنون،

* وهو المشهور بين الأصحاب لاسيما في العمى إذ لم ينقل جواز الفسخ به في الرجل عن غير المصنف هنا إلا عن ابن الجنيد في أشعار كلامه مع أنه خلاف مقتضى الأدلة الموجودة نعم في اشتراك الجذام والبرص وجه ذكره في المختلف وتبعه بعض المتأخرين ويظهر من المبسوط في ضمن مسائل الكفائة في النكاح.

[ 233 ]

ولصاحبه الخيار بين الفسخ أو الرضا به، وعندنا أن الجنون بالرجل إذا كان يعقل معه أوقات الصلوات فليس يتعلق به خيار. فأما الجب: فمنه ما يمنع من الجماع ومنه: ما لا يمنع منه فالأول: مثل إن جب جميعه أو بقي منه شئ لا يجامع بمثله فللزوجة: هاهنا الخيار بين الفسخ أو الرضا به وأما الآخر: فإن يبقى منه شيئ يمكن الايلاج به في الفرج بمقدار غيبوبة حشفة الذكر فيه فهذه لا خيار لها معه، لأن جميع الأحكام الوطأ متعلقة بذلك وأما العنين: فهو الذي لا يأتي النساء وسنذكر حكمه فيما بعد، فإن بان أن الزوج خصى: وهو مسلول الخصيتين فلا خيار لها في ذلك، لأن الخصي أكبر (1) من الفحل وإنما لا ينزل، وقد قيل: أن لها الخيار، لأن عليها فيه نقيصة وهو الأظهر، لأن عقدها عليه عقد تناول رجلا سالما من العيب في هذا الشأن.
(2) فإن بان أنه خنثى: وهو الذي له ما للرجل وما للمرئة فلا خيار لها مع ذلك إذا بان أنه رجل لأنه يجامع كما جامع الرجل، وإنما في خلقته ما هو زائد، ويجرى مجرى الإصبع الزائدة في أنه لا تأثير له في شيئ من ذلك. فإن ظهر أنه عقيم وهو أنه لا يولد له فليس لها خيار أيضا، لأنه يجامع كما يجامع غيره، وفقد الولد غير متعلق به لأن ذلك من فعل الله تعالى. وأما الرتقاء فهي المرأة المسدودة الفرج، فإن كان مع ذلك يمكن دخول الذكر ولا يمنع منه فليس له خيار، وإن كان يمنع من ذلك كان له الخيار، فإن أراد الزوج فتق ذلك كان لها منعه منه، لأن ذلك جراحة، فإن أرادت هي اصلاح نفسها

(1) كذا في النسخ والصواب " أكثر " بالثاء المثلثة والمراد كما في المبسوط أن الخصي يولج ويبالغ أكثر من الفحل وإنما لا ينزل.
(2) مضافا إلى التصريح بذلك في نصوص مستفيضة كما في الوسائل الباب 13 من أبواب العيوب في النكاح ويأتي هنا قريبا بعض أحكام المسألة.

[ 234 ]

لذلك لا تمنع منه، لأنه مما يداوى ويصلح بالدواء، فإن عالجت نفسها وزال عنها ذلك سقط خيار الزوج معه لأن الحكم إذا تعلق بعلة وزالت العلة، زال حكمها بزوالها. وأما القرن فذكر أنه عظم في الفرج يمنع من الجماع وذكر (1) أن العظم لا يكون في الفرج ولكن يلحق المرأة عند الولادة حال تنبت اللحم في فرجها، وهو الذي يسمى العفل (2) يكون كالرتق سواء، فإن لم يمنع من الجماع فلا خيار للزوج وإن منع منه كان له الخيار. وإذا كان في كل واحد من الزوجين عيب وكان العيبان مختلفين، مثل أن يكون في أحدهما برص أو جذام، وفي الآخر جنون أو غير ذلك، أو كان العيبان متفقين مثل أن يكون في أحدهما جنون وفي الآخر مثله أو يكون فيه جذام وفي الآخر مثله أو ما أشبه ذلك: كان لكل واحد منهما الخيار في الرد، لأن في المردود عيبا يقتضي الرد. إذا كان الذي به العيب هو الزوجة وأراد الرجل ردها، وكان ذلك قبل الدخول بها سقط صداقها، لأن الفسخ من جهتها قبل الدخول وإن كان ذلك بعد الدخول بها كان لها المهر بما استحل من فرجها، فإن كان لها ولي عقد نكاحها وكان عالما بذلك من حالها، كان للزوج الرجوع عليه بذلك، وإن لم يكن عالما لم يلزمه شيئ. فإن كان الرجل قبل دخوله بها دفع الصداق إليها كان له الرجوع عليها به، وإن لم يكن دفعه إليها لم يكن عليه شئ. " فيما لو حدث العيب بعد العقد " وإذا حدث بالرجل أو المرئة شيئ من هذه العيوب بعد ثبوت العقد واستقراره

(العفل شيئ يخرج من فرج الناقة كالأدرة "

[ 235 ]

ولم يكن حاصلا قبل العقد لم يجب (1) الرد منه إلا ما ذكره أصحابنا من الجنون الذي لا يعقل معه صاحبه أوقات الصلوات، والجب والخصي والعنت (2) وقد قلنا فيما تقدم أن ذكرها سيأتي فيما بعد. وإذا عقد الزوجان النكاح، وفي أحدهما عيب علم به الآخر في حال العقد ورضي به لم يكن له بعد ذلك خيار في الرد على حال: وليس يوجب الرد من العيوب شيئ غير مما ذكرناه، ولا يرد العورا ولا الزانية قبل العقد، ولا المراة إذا تزوجت على أنها بكر فوجدت بخلاف ذلك (3). وإذا تزوجت المرأة رجلا على إنه سليم فوجدته مجنونا، كانت مخيرة بين المقام معه والصبر عليه وبين مفارقته، فإن حدث به جنون يعقل معه أوقات الصلوات لم يكن لها خيار، فإن كان لا يعقل ذلك، كانت مخيرة بين المقام معه وبين فراقه، فإن اختارت فراقه، كان على وليه أن يطلقها عنه (4). وإن تزوجت المرأة رجلا على أنه صحيح فوجدته خصيا، كانت بالخيار بين المقام معه وبين مفارقته، فإن اختارت المقام معه لم يكن لها بعد ذلك خيار، وإن اختارت فراقه وكان قد خلا بها، كان عليه المهر، وعلى الإمام أن يعزره على ذلك لئلا يعود إلى مثله.

(1) أي لم يثبت ولعل الصواب " لم يجز " (2) لكن يأتي أن العنت إذا حدثت بعد الدخول لم يكن لها خيار بخلاف الجنون والظاهر أن الجب والخصاء في ذلك كالعنت.
(3) لكن تقدم في باب الصداق أن في هذا الأخير يجوز للزوج أن ينقص من مهرها شيئا كما ورد في الوسائل الباب 10 من أبواب العيوب في النكاح.
(4) ذكره الشيخ أيضا في النهاية وابن زهرة في الغنية وأنكر المحقق في نكته على النهاية والعلامة في المختلف ومن تأخر عنهما وجوب الطلاق هنا كغيره من العيوب لظاهر النص لكن ما ذكره الاولون أرجح واحتمال كون مرادهم من الطلاق معناه اللغوي أي رفع الحصر عن المرئة وتخليتها كما في بعض أخبار العيوب بعيد.

[ 236 ]

وإذا تزوجت المرأة رجلا فوجدته عنينا انتظر به سنة واحدة، فإن وطىء المرأة في السنة ولو مرة واحدة لم يكن لها خيار، فإن لم يصل إليها بوطأ في جميع السنة كان لها الخيار بين المقام معه وبين مفارقته، فإن اختارت المقام معه لم يكن لها بعد ذلك خيار، وإن اختارت مفارقته فارقته، وكان لها نصف الصداق ولم يكن عليها عدة. فإن تزوجت المرأة بالرجل ووصل إليها بالوطأ ثم حدثت به العنت بعد ذلك لم يكن لها خيار، وإذا لم يقدر الرجل على وطأ المرئة وقدر على وطأ غيرها، لم يكن لها عليه خيار. فإن ادعى الرجل أنه قد وصل إلى المرئة وأنكرت ذلك وكانت بكرا أمر من النساء الثقات من تنظر إليها فإن وجدت كذلك بطلت دعوى الرجل وإن لم يكن كذلك بطلت دعواها، وإن كانت ثيبا كان القول قول الرجل مع يمينه، وقد روي (1) أن المرأة إذا اختلف مع زوجها في ذلك وكانت ثيبا أمرت بأن تحشو قبلها خلوقا ثم يؤمر الرجل بجماعها، فإن جامعها فظهر على ذكره أثر ذلك صدق، وكذبت فإن لم يظهر ذلك على ذكره، صدقت المرأة، وكذب الرجل. وإذا تزوج رجل بامرئة على أنها حرة فبان أنها أمة فإن كان قد دخل بها وكانت هي المتولية لنكاحها منه، كان له ردها ولها المهر بما استحل من فرجها، (2) وإن كان غيرها هو الذي تولى العقد عليها وكان عالما بذلك، كان له الرجوع عليه بالمهر فإن لم يكن عالما بذلك لم يلزمه شيئ.

(1) الوسائل ج 14 الباب 15 من العيوب في النكاح.
(2) تقدم في باب نكاح الإماء والعبيد أن تزويج الأمة والعبد موقوف على إذن السيد وإلا كان فاسدا فالظاهر أن مراد المصنف هنا وفي المسألة التالية ما إذا كانا مأذونين كما صرح في المبسوط هنا بذلك وإلا لم يكن للامة مهر ولا للحرة في المسألة التالية خيار.

[ 237 ]

فإن لم يكن الزوج دخل بها وكان قد دفع المهر إليها، كان له مع ردها الرجوع بذلك على من دفعه إليه، سواء كانت هي المدفوع إليها ذلك أو غيرها، وإن كان لم يدفع إليها شيئا من ذلك كان له ردها ولم يكن لها عليه مهر ولا غيره، وإذا رد الرجل المرأة لما ذكرناه كان رده لها فراقه بينه وبينها ولا يفتقر مع ذلك إلى طلاق. وإذا تزوجت المرأة رجلا على أنه حر فبان أنه عبد، كانت مخيرة بين إقراره على العقد وبين اعتزاله، فإن اختارت إقراره على ذلك لم يكن لها بعد ذلك خيار، وإن اعتزلته كان ذلك فراقا بينهما، ثم إنه إما أن يكون قد دخل بها أو لا يكون دخل بها، فإن كان قد دخل بها كان لها المهر بما استحل من فرجها، وإن لم يكن دخل بها لم يكن لها شيئ. وإذا زوج ابنته على أنها بنت مهيرة فوجدها بنت أمة كان مخيرا بين ردها وبين إقرارها على العقد فإن ردها وكان قد دخل بها كان عليه المهر، (1) وإن لم يكن دخل بها لم يكن عليه شيئ وقد ذكر (2) أن المهر يجب لها على أبيها إذا لم يدخل الرجل بها والأولى أن ذلك غير واجب، فإن أقرها على العقد لم يكن له بعد ذلك خيار. وإذا كان له ابنتان إحديهما: بنت مهيرة والأخرى: بنت أمة، فزوج رجلا بنت الحرة

(1) ظاهره لزوم المسمى عليه سواء ردها أو قبلها فلا ينتقص منه شيئ بكونها بنت أمة بخلاف ما تقدم في شرط البكارة.
(2) ذكره الشيخ في النهاية وحكي في المختلف عن بعض الأصحاب أنه مروى قلت ويؤيده ما ورد أن من زوجته أمه امرأة فلم يقبل كان المهر على الأم وما ورد أنه إذا أمر رجلان أن يزوجه من أهل البصرة فزوجه من أهل الكوفة فردها لزم المأمور نصف المهر ولعل مراد الشيخ بالمهر هنا أيضا نصفه كما ذكرناه فيما علقنا على مسألة تزويج الأم من هذا الكتاب في باب من يجوز له العقد فراجع.

[ 238 ]

ثم أدخل الصداق عليه بنت الأمة كان للرجل (1) ردها عليه وإن كان قد دخل بها ودفع إليها الصداق كان ذلك لها (2) بما استحل من فرجها، وإن لم يكن دخل بها ولا دفع إليها صداقها (3) لم يكن لها شيئ وكان على الأب أن يدفع إلى الرجل البنت التي من الحرة وهي التي كان عقد له عليها، وإن كان الرجل قد دفع الصداق إلى الأولى لم يكن لهذه شيئ ووجب على أبيها في ماله صداقها دون الزوج، وإن كان الزوج لم يدفع الصداق إلى الأولى كان عليه دفعه إلى بنت الحرة التي عقد له عليها، وإذا تزوج رجلان بامرأتين وأدخلت كل واحدة منهما على الذي ليس هو زوجها وعلما بذلك فيما بعد وجب رد كل واحدة منهما إلى زوجها إن لم يكن الزوجان دخلا بهما، وإن كانا دخلا بهما كان لكل واحدة منهما المهر فإن كان لهما ولي تعمد ذلك أغرم المهر (4) ولا يدخل كل واحد من الزوجين بزوجته حتى

(1) أي يستحق الرد فلا ينافى وجوبه عليه لكونها غير زوجته كما في نكت النهاية.
(2) ظاهره أن ذلك مهرها وإن كان أقل من مهر المثل أو أكثر ولعله لأجل أنه لما لم يكن لها مهر مفروض وإنما كان للدخول بالشبهة فكلما دفع إليها وقت الدخول كان مما استحل به فرجها وقد تقدم نحوه في باب الصداق في الدخول بالزوجة إذا لم يفرض لها وأعطاه شيئا قبله خلافا للمتأخرين هنا كما في الشرائع والمختلف فأوجبوا لها مهر المثل مطلقا فإن كان المدفوع أقل أتمه وإن كان أكثر استرد منه.
(3) هذا التقييد لا وجه له كما لم يذكر في النهاية إذ لو لم يدخل بها لم تستحق شيئا وإن دفعه إليها فلعل ذكر المصنف له لكون الدخول مقارنا غالبا لدفع الصداق أو كان الصواب " أو " مكان الواو فالمراد حينئذ أنه إن دخل بها ولم يدفع إليها لم يكن لها شيئ على الزوج بل كان مهرها وهو المثل على أبيها لتدليسه إن لم تكن هي عالمة كما هو المفروض ولا فهي زانية ولا مهر لها مطلقا. (4) هذه الجملة محرفة في النسخ فصححتها من النهاية والنص الوارد في الحكم كما في الوسائل الباب 49 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 فراجعه فإن فيه زيادة.

[ 239 ]

تقضي العدة ممن كان دخل بها. وقد روي أن (1) الرجل إذا ادعى أنه من قبيلة معينة وعقد له على امرأة على أنه من تلك القبيلة ثم ظهر أنه من غيرها أن عقده فاسد. وإذا ارتدت المرأة لم ينعقد عليها نكاح لأحد من مسلم ولا كافر ولا مرتد مثلها لأنها لا تقر على ذلك، وإذا وكل رجل غيره على أن يزوجه امرأة معينة فزوجها الوكيل من وليها فحضر الموكل فأنكر وحلف بطل النكاح (2). " باب نكاح المتعة " قال الله تعالى: والمحصنات من النساء إلا ما ملك إلى قوله: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة الآية (3). وعن الأئمة (عليهم السلام): لا ينبغي للمؤمن أن يخرج من الدنيا حتى يستعمل ذلك ولو مرة واحدة (4) وعنهم (عليهم السلام) قالوا من استعمل ذلك لاحياء الحق وازالة دواعي الشيطان إلى الفجور كتب الله له بذلك حسنات. وإذا اغتسل منه خلق الله تعالى من كل قطرة يقطر من غسله، ملكا يستغفر الله له إلى يوم القيامة. وصفة نكاح المتعة وشروطه على ضربين أحدهما: يجب ذكره في حال العقد والآخر: لا يجب والأفضل ذكره.

(1) الوسائل الباب 16 من العيوب في النكاح ففيه " قال تفسخ النكاح أو قال ترد " وعلى كل الظاهر أن المراد لها الخيار في الرد والقبول وكأنه مراد المصنف بالفساد كما مر منه غير مرة ذكر البطلان ومراده عدم المضي في الحال.
(2) يعني في ظاهر الحكم فيجوز لها أن تزوج ولكن ليس للموكل فيما بينه وبين الله إلا أن يطلقها كما ورد في الوسائل الباب 4 من كتاب الوكالة وذكر فيه أيضا أن الوكيل يغرم لها نصف المهر إن لم يشهد على وكالته.
(3) النساء 24 (4) الوسائل ج 14 الباب 2 من أبواب المتعة.

[ 240 ]

فأما الواجب فهو تعيين الأجر والأجل، وأما ما لا يجب، وإن كان الأفضل ذكره؟ فهو سؤال المرئة هل لها زوج أو هي في عدة منه أو معها حمل أم ليس معها ذلك وأن له أن يضع الماء حيث يشاء، وأنه لا نفقة لها ولا سكنى وإن عليها العدة. فأما نفي التوارث فلا يثبت بينهما ولو اشترط (1) وأما الولد فلا يجوز للرجل أن يشترط أنه لا يلحق به على كل حال (2) ولو اشترط لكان باطلا. فمن أراد هذا العقد فينبغي أن يطلب امرأة صحيحة الولاية على نفسها عفيفة مؤمنة معتقدة للحق، فإذا وجدها عرض عليها ذلك فقال: لها تمتعيني نفسك على كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله) كذا وكذا يوما أو شهرا أو سنة بكذا وكذا من دراهم أو دنانير أو غيرها مما يتعين فيه قيمة، على أن لي أن أضع الماء حيث شئت وإنه لا نفقة لك على ولا سكنى وعليك العدة إذا انقضت المدة. فإذا أجابت إلى ذلك أعاد عليها القول، فقال: متعيني نفسك على كتاب الله تعالى وسنة نبيه كذا وكذا يوما أو شهرا أو سنة ويعيد باقي الكلام، فإذا أتى على آخره كما قدمناه، وقالت: قد قبلت أو رضيت أو أجبتك إلى ذلك قال: هو قد قبلت ورضيت. فإن قالت المرأة قد متعتك نفسي كذا وكذا بكذا وكذا وذكرت الشروط،

(1) أي اشترط نفيه وحاصله أن التوارث بينهما ثابت لا يسقط باشتراط نفيه كالنكاح الدائم ويأتي من المصنف هنا ذكر ذلك ثانيا وحكاه في المختلف عن كامله أيضا كما حكي عنه في المسالك وغيرها ولولا ذلك لاحتملنا في المتن قويا أن كلمة " نفي " زيادة من سهو القلم لغرابة هذا الحكم إذ النصوص المستفيضة والفتاوى المحكية عن سائر الأصحاب مجمعة إجمالا على خلافه وإن اختلفت في ثبوته وعدمه إذا اشترطا ثبوته أو لم يشترطا نفيه بل يظهر مما يأتي في آخر هذا الباب أيضا منافاته لما ذكره هنا وفي الموضع الثاني فلاحظه وما علقنا عليه والله العالم.
(2) زاد في نسخة (خ) وهامش نسخة (ب) بعلامة التصحيح " لأنه يلحق به على كل حال ".

[ 241 ]

وقال الرجل: قد قبلت ورضيت كان أولى والوجه في تكرار الكلام والشروط في ذلك أن الأول خطبة: والثاني: يكون عقدا. " فيما إذا نسي الأجل " فإن ذكر الأجر ولم يذكر الأجل، كان النكاح دائما وبطل كونه متعة وإن ذكر الأجل ولم يذكر الأجر كان باطلا وإن لم يذكرهما جميعا كان العقد أيضا باطلا (1) وإذا انعقد نكاح المتعة على ما بيناه وجب على الرجل تسليم الأجر إلى المرأة فإن أخر بعضه برضاء المتمتع بها كان جائزا وإذا تسلمت منه ذلك استحق بعضها (2) على الشروط التي استقرت بينهما. وإذا لم يجد امرأة على الصفة التي قدمنا ذكرها ووجد مستضعفة جاز له أن يعقد عليها، ويجوز عقد المتعة على اليهودية والنصرانية، ومن عقد على واحدة من هؤلاء فليمنعها من شرب الخمر واكل لحم الخنزير. وليس الاشهاد والاعلان من شرائط المتعة، فإن خاف الانسان على نفسه من السلطان وأن يتهمه بالزنا، فليشهد في ذلك شاهدين فإن لم يفعل فليترك هذا العقد. ويجوز العقد على المرئة البكر والدخول بها إذا لم يكن لها أب، فإن كان لها أب، جاز العقد عليها بإذنه والأحوط أن لا يعقد عليها إذا لم يأذن في ذلك، ولا يعقد متعة على فاجرة إلا أن يمنعها من الفجور، فإن لم تمتنع فلا يعقد عليها. ويجوز العقد على الأمة بإذن سيدها، وقد ذكر (3) جواز العقد على أمة امرأة

(1) لم اجد هذا الفرع فيما راجعته من كتب الأصحاب لكن ذكره العلامة في التحرير وادعى الاجماع على البطلان ويظهر ذلك من المسالك ومقتضى القاعدة بناءا على ما ذكره المصنف وجماعة في ترك ذكر الأجل وحده صحة هذا أيضا دائما إذ ليس ذكر المهر شرطا في الدائم فيكون لها مهر المثل.
(2) الصواب " بعضها ".
(3) ذكره الشيخ في النهاية لكن قال ابن إدريس في السرائر أنه رجع عنه في جواب المسائل الحائريات.

[ 242 ]

وإن لم تأذن سيدتها في ذلك والأحوط خلافه وأن لا يعقد عليها إلا بإذنها. وإذا كان عنده زوجة حرة فلا يعقد على امرأة (1) متعة إلا برضاه والحكم في ذلك مثل ما ذكرناه فيما سلف من نكاح الدوام. إذا عقد على امرأة متعة ثم أختار فراقها قبل الدخول بها، كان لها نصف المهر ويهب لها أيامها وإن كان قد سلم إليها جميع المهر كان له الرجوع عليها بنصفه، فإن كانت قد وهبت له المهر قبل أن يفارقها كان له الرجوع عليها بنصفه إذا فارقها. وإذا أسلم إليها من مهرها شيئا ودخل بها ووقت له بالمدة، وجب أن يدفع إليها ما بقي منه، فأن أخلت بشئ من المدة كان له أن ينقضها من المهر بحساب ذلك فإن دفع إليها المهر أو بعضه ودخل بها ثم ظهر له بعد الدخول أن لها زوجا، كان لها ما أخذت ولا يجب عيه أن يدفع إليها الباقي. والمهر ما يتراضيان عليه مما له قيمة قليلا كان أو كثيرا ويجوز على كف من حنطة أو شعير وما جرى مجرى ذلك من غيرهما، والأجل أيضا ما يتراضيان عليه مما ذكرناه من أيام معينة أو شهر معين أو سنة معينة، ولا يجوز اشتراط المرة والمرتين (2) وإن كان روي جواز ذلك فالأحوط ما ذكرناه من الأيام المعينة والشهور المعلومة والسنين المذكورة فإن ذكر المرة مبهمة (3) ولم يقرن بها ذكر وقت معين كان النكاح دائما.

(1) كذا في النسخ والصواب " على أمة " كما في النهاية.
(2) أي يعينه بذلك فقط دون المدة فإذا عينه بالمدة واشترط فيها المرة أو أكثر فلا بأس كما يظهر من الحكمين التاليين وراجع الوسائل الباب 25 من نكاح المتعة.
(3) يعني أنه أبهم في المرة أيضا فلم يعين عددها ويحتمل أن يكون المراد بيان حكم ما قبله في التعيين بالمرة وأنه في حكم الاخلال بذكر الأجل لكنه بعيد لأنه ذكر فيما قبله إنه خلاف الإحتياط ومعناه إنه يحتمل صحته متعة فلا يجزم بعده بكونه دائما نعم لا يبعد هذا الاحتمال في خبر هذا الحكم كما في الوسائل الباب 20 من المتعة وعليه يكون الخبر مخالفا لجواز التعيين بذلك.

[ 243 ]

ومتى شرط أن يأتيها ليلا أو نهارا أو يوما معينا أو مرة في أسبوع كان ذلك جائزا، وقد ذكرنا فيما سلف، أن نفي التوارث لا يصح اشتراطه، فأما إن شرط الوارث ثبت ذلك عنها (1) وإذا عقد عليها شهرا، ومضى عليها شهر فإن كان عينه كان له الشهر الذي عينه، وإن لم يكن عينه، لم يكن له عليها سبيل (2). والعزل جائز، للرجل وإن لم يشترطه، وإذا جائت المرأة بولد كان لاحقا بالزوج عزل عنها أو لم يعزل، ولا يجوز للمتزوج متعة أن يزيد على أربع من النساء (3) وقد ذكر أن له أن يتزوج ما شاء والأحوط ما ذكرناه. والمتمتع بها إذا انقضى أجلها جاز أن يعقد عليها الرجل عقدا جديدا في الحال ومتى أراد الزيادة في الأجل قبل انقضائه لم يجز ذلك، فإن أراده فليهب لها ما بقي من الأيام، ويعقد عليها بعد ذلك ما شاء من الأيام ويجوز للرجل أن يعقد على المرأة الواحدة مرات كثيرة مرة بعد أخرى. والمتمتع بها إذا بانت من زوجها بانقضاء الأجل (4) كان عليها العدة؟ وهي

(1) الصواب " بينهما " كما في نسخة (خ) ومقتضى ما تقدم أن يكون فائدة هذا الشرط التأكيد.
(2) لبطلان العقد بعدم تعيين الشهر أو لمضي شهره لانصرافه إلى المتصل بالعقد كما قيل لكن الأول أظهر ويستفاد منه أنه لو عين شهرا منفصلا عن العقد بشهر أو أكثر كان صحيحا كما في النهاية وغيرها خلافا لبعض ما حكاه في المسالك وهو أصح.
(3) حكاه في المختلف عن المصنف في كامله أيضا لكن المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا كما ادعاه بعضهم جواز الزيادة ما شاء للنصوص الكثيرة وما دل منها على عدمه فالمراد منه الإحتياط من المخالفين كما اشير إليه في بعضها.
(4) أو بهبة الزوج للباقي وإنما تجب لعدة فيهما إذا دخل الزوج بها بخلاف عدة الموت فلا يشترط فيها ذلك.

[ 244 ]

حيضتان أو خمسة وأربعون يوما، (1) وإن كان ذلك بموت الرجل كان عليها العدة؟ وهي أربعة أشهر وعشرة أيام مثل عدة الموت في نكاح الدوام للحرة غير حبلى (2). وإذا شرط الرجل أن لا يطأ المرأة في الفرج لم يكن له الوطؤ فيه إلا بإذن الزوجة له في ذلك وما يجوز اشتراطه في عقد المتعة إنما يثبت إذا ذكر بعد العقد فإن ذكر قبل العقد لم يكن له تأثير. وإذا اختلف الزوجان بعد اتفاقهما على العقد! فادعى أحدهما: إنه متعة كان على مدعى المتعة بينة وعلى المنكر اليمين، لأن الزوج إن ادعى المتعة كان مدعيا لما نفى عنه حقوقا من نفقة وميراث وغير ذلك، وإن ادعت المرأة ذلك كانت مدعية لما تملك نفسها معه بغير طلاق أو ما أشبهه.

(1) فالأول لمن تحيض والثاني للتي لا تحيض وهي في سن من تحيض هذا إذا لم تكن المرأة حبلى وإلا فعدتها أن تضع حملها على كل حال.
(2) وأما الأمة فالمشهور أن عدتها بموت زوجها خمسة وأربعون يوما نصف الحرة خلافا لبعض من أنها كالحرة وأما الحبلى فهي أبعد الأجلين من وضع الحمل والمدة المذكورة للحرة أو الأمة ولم يتعرض المصنف هنا لهذه الفروع لأن لها محلا آخر.
(3) حكاه في المختلف عن المصنف وفيه " مدعيا لما يسقط عنه حقوقا " وعلى كل، المراد أن الأصل ترتب هذه الأحكام وإنما تسقط بذكر الأجل فمدعي المتعة مثبت مخالف للأصل وتقريب ذلك كما قيل أن حديث النكاح بنفسه مقتض للدوام وترتب أحكامه وليس قصد الدوام وذكره في العقد شرطا فيه ولذا تقدم أنه لو أخل بذكر الأجل كان دائما فمدعي المتعة يدعي شرطا مخالفا لهذا الأصل وهو ذكر الأجل في العقد فيكون عليه البينة نم لو كان قصد الدوام وذكره معتبرا فيه كان الأمر بالعكس لأن مدعي الدوام مثبت للزائد على أصل النكاح والأصل عدمه وبرائة المنكر عن تلك الأحكام ثم إن ذكر الميراث هنا من أحكام الدوام يدل على نفيه في المتعة كالنفقة وهذا خلاف ما تقدم من المصنف في موضعين فلعله من سهو القلم أو أراد به التمثيل على مذهب غيره والله العالم.

[ 245 ]

" باب السراري وملك الايمان " الوطأ لواحد من هؤلاء لا يجوز إلا بعقد أو بملك يمين، ولا فرق في ملكهن بين حصوله بابتياع أو بغير ذلك من وجوه التمليكات، من ميراث أو هبة أو صدقة أو غنيمة أو سبى، فأما إذا ملك الرجل واحدة منهن بأحد وجوه التمليكات لم يجز له أين يطأها حتى يستبرأها بحيضة إن كانت ممن تحيض، وإن لم تكن ممن تحيض استبرأها بخمسة وأربعين يوما، وإن كانت: آئسة من المحيض أو كانت لم تبلغ المحيض لم يكن عليها استبراء. ومن أراد بيع جارية يطأها فينبغي له أن يستبرأها بما ذكرناه، وإذا أخبر بائعها لمشتريها بأنه قد استبرأها وكان في قوله ثقة جاز لمشتريها وطؤها، والأفضل له أن لا يطأها إلا بعد أن يستبرأها، والجارية إذا كانت لامرأة وباعتها لرجل جاز له وطؤها من غير استبراء والأفضل والأحوط له أن يستبرأها إذا أراد أن يطأها. وإذا ابتاع رجل جارية ثم اعتقها من قبل أن يستبرأها، وأراد العقد عليها جاز له ذلك، ومن كان له أن يطأها (1) فالأفضل له أن لا يطأها إلا بعد أن يستبرأها، وإذا اعتقها وكان قد وطأها جاز له أن يعقد عليها، وكان له وطؤها أيضا ولم يكن عليه استبراء فإن أراد غيره أن يعقد عليها النكاح لم يجز له ذلك إلا بعد خروجها من العدة؟ وهي ثلاثة أشهر (2).

(1) يعني إن كانت الجارية يجوز وطؤها بدون الاستبراء قبل الاعتاق كإحدى المذكورات فبعد الاعتاق والتزويج أيضا جاز ذلك لكن الاستبراء أفضل وظاهره أنه لو لم يجز وطؤها بدونه لم يجز بعدهما أيضا خلافا لظاهر النهاية من أن الاعتاق والتزويج في هذا الفرض مسقط للاستبراء بل في جواهر الكلام نفي عنه الخلاف لكنه كدليله غير واضح وما في المتن أهو الأقوى والله العالم.
(2) أو ثلاث حيض ولا يخفى أن عنوان العدة مغاير للاستبراء ويفترقان في أحكام منها الحرمة الأبدية إذا تزوج امرأة في عدتها دون مدة الاستبراء على الأظهر.

[ 246 ]

وإذا اشترى رجل جارية حائضا لم يجز له أن يطأها إلا بعد الطهر، فإذا طهرت جاز له وطؤها من غير استبراء، فإن اشتراها وهي حامل لم يجز له أن يطأها في الفرج حتى تضع حملها، فإن مضى لها (1) أربعة أشهر وعشرة أيام، جاز له أن يطأها في الفرج، والأفضل له أن لا يفعل ذلك فإن فعل ولم يعزل عنها لم يجز له أن يبيع ولدها، والأفضل له أن يوصي له بشئ من ماله إذا حضرته الوفاة. وإذا اشترى رجل جارية وأراد وطأها قبل الاستبراء لم يجز له ذلك إلا فيما دون الفرج، وترك ذلك أفضل. ويجوز للرجل أن يجمع بين ما أراد من النساء بملك لليمين، ولا يجوز للرجل أن يجمع بين الأختين، ولا بين الأم وبنتها في الوطأ، ويجوز له الجمع بينهن في الملك والاستخدام فإن وطأ البنت لم يجز له وطؤ الأم، وإن وطأ الأم لم يجز له وطؤ البنت. وإذا كان لرجل جارية فوطأها أو قبلها بشهوة أو نظر منها إلى ما يحرم على غيره النظر إليه، لم يجز لابنه أن يطأها ويجوز له أن يملكها، وكذلك الحكم في الأب إذا وطأ ابنه جارية أو قبلها أو نظر إلى ما يحرم على غير مالكها النظر إليه، ويجوز له أن يملكها من غير وطأ وجميع ما ذكرناه من المحرمات بالنسب والسبب والعقد لا يجوز وطؤهن بملك اليمين.

(1) في نسخة (ب) " فإن مضى من حملها " وعلى كل، فالمراد أن تمضي هذه المدة من بدو حملها وإن كان مدة اشترائها أقل فإنه الظاهر من النص الوارد فيه كما في الوسائل الباب 8 من نكاح العبيد والإماء وقول المصنف لم يجز له أن يطأها الخ يراد به الحرمة في هذه المدة والكراهة فيما بعدها قبل وضع الحمل وهذا هو المحكى عن أكثر الأصحاب لكن النصوص الواردة فيه متعارضة. قال صاحب جواهر الكلام في فصل بيع حيوان من متاجره: إن المسألة من المشكلات وقد اضطرب فيها كلام الاساطين.

[ 247 ]

وإذا زوج الرجل مملوكة له لم يجز له وطؤها حتى يفارقها زوجها وتخرج من عدتها وكذلك لا يجوز له تقبيلها ولا النظر إليها مكشوفة ولا عارية من ثيابها حتى يفارقها زوجها، وإذا كان لرجل شريك في جارية لم يجز له وطؤها إلا بعقد (1) أو بانتقال جميعها إليه. وإذا اشترى رجل جارية كان لها زوج زوجها سيدها به، ولم يرض المشتري لها إقرار الزوج على العقد بينهما لم يجز له وطؤها حتى تنقضي مدة الاستبراء فإن رضي بالعقد لم يجز له وطؤها إلا بعد مفارقة الزوج لها بموت أو طلاق. ويجوز للرجل أن يشتري من لها زوج في دار الحرب ويجوز له أن يشتري السبايا المستحق للسبي وإن سباهم أهل الضلال، وكانوا ممن يستحق السبى جاز أيضا ابتياعهم منهم. وإذا كان لرجل جارية وأراد أن يجعل عتقها صداقها كان جائزا، وينبغي إذا أراد فعل ذلك أن يقدم لفظ التزويج على لفظ العتق، فيقول تزوجتك وجعلت مهرك عتقك، فإن لم يفعل ذلك وقدم لفظ العتق على لفظ التزويج مثل أن يقول أعتقتك وتزوجتك وجعلت مهرك عتقك كان العتق ماضيا وكانت مخيرة بين الرضا بعقد النكاح (2) وبين الامتناع منه.

(1) أي عقد التزويج له من الشريك الآخر لنصيبه أو تحليله له لكن في الأول إشكال ذكرناه في مثل هذه المسألة في باب نكاح الإماء والعبيد فيمكن حمل كلامه على الثاني كما قيل هناك.
(2) أي بعقد جديد كما هو ظاهر الخبرين الواردين فيه، لاحظ الوسائل الباب 12 من نكاح العبيد والإماء، ويحتمل كون المراد والرضا بالعقد الأول ويلزمه أن لا يكون لها مهر سوى العتق المذكور لما في أحد الخبرين من استحباب أن يجعل لها مهرا وعلى كل، أصل الحكم غير واضح لضعف الدليل وكون الكلام المتصل كالجملة الواحدة.

[ 248 ]

فإن طلقها قبل الدخول بها كان لها عليه (1) مثل نصف قيمتها، وقد ذكر (2) أنه يرجع نصفها رقا وتستسعى في ذلك النصف فإن لم تسع في ذلك كان له منها يوم في الخدمة ولها يوم وإن كان لها ولد وله مال الزم أن يؤدي عنها النصف الباقي وتنعتق، والذي ذكرناه أولا أولى وأحوط. وإذا أعتق جارية وجعل عتقها مهرها ولم يكن أدى ثمنها ومات عنها، فإن ترك من المال ما يحيط بثمن رقبتها كان العتق والتزويج ماضيين، وإن لم يترك شيئا غيرها كان العتق باطلا ويبطل العقد أيضا (3) وترد إلى سيدها الأول، فإن كانت قد جاءت بولد كان حكمه حكمها في أنه يكون رقا لمولاها. وإذا كان للمرئة الحرة زوج مملوك فملكته بأحد وجوه التمليكات حرمت عليه ولم يجز له وطؤها، فإن اختارت ذلك كان عليها أن تعتقه وتتزوج به إن شاءت ذلك.

(1) كذا في النسخ والصواب " له عليها " وتقدم نحوه في باب الصداق وذكرنا فيه ما ينبغي مراجعته.
(2) ذكره الشيخ في النهاية للخبر كما في الباب 15 مما ذكر ويمكن الجمع بينه وبين غيره مما دل على قول المصنف بأن المراد أن نصفها في حكم المملوك من حيث وجوب السعي عليها لأداء قيمته وأنه إن امتنعت منه كان لكل منهما يوم في الخدمة ولعله مراد الشيخ أيضا.
(3) للخبر الصحيح كما في الوسائل الباب 71 من نكاح العبيد والإماء و 25 من كتاب العتق وقد علل فيه لبطلانهما بأنه أعتق ما لا يملك ومورده ما إذا اشترى نسيئة ولم يكن له مال حين اشتراها إلى أن مات كما يقتضيه الجمع بين جملتيه في موضع من التهذيب فحكم فيه الإمام (عليه السلام) ببطلان اشترائها لعدم قدرته على أداء ثمنها في هذه المدة وهذا غير بعيد لجواز أن يكون صحته موقوفة على المتمكن من أدائه في الأجل كما هو المغروس في قصد البائعين.

[ 249 ]

وإذا كان لرجل عبد أو أمة وكان للعبد أو الأمة مملوكة (1) وأراد وطؤ هذه المملوكة كان له ذلك جايزا لأن ما يملكه عبده أو أمته فهو ملكه، وليس يملكان هما شيئا. وإذا كان لولده جارية وأراد وطأها، فإن كان الولد كبيرا وقد وطأها (2) أو نظر منها إلى ما يحرم على غير مالكها النظر إليه، لم يجز للأب وطؤها على حال، وإن لم يكن وطأها ولا نظر إليها على الوجه الذي ذكرناه لم يجز للأب وطؤها إلا بإذن ابنه في العقد عليها له أو تملكه إياها. وإن كان الإبن صغيرا لم يجز له وطؤها حتى يقومها على نفسه، ويكون الثمن في ذمته لابنه. وإذا كان العبد بين شريكين، فأذن له أحدهما في التزويج وعلم الشريك الآخر بذلك، كان مخيرا بين إمضاء العقد وفسخه. وإذا كان لانسان عبد فأذن له في التزويج فتزوج ثم ابق بعد ذلك، لم يكن لزوجته على سيده نفقة وكان عليها العدة منه (3)، فإن عاد قبل انقضاء العدة كان

(1) كما إذا وهبها لهما المولى أو غيره وفي الخبر: وهبها للامة أبوها الوسائل الباب 80 من نكاح العبيد والإماء وظاهره كالمتن عدم توقف الجواز على قصد التملك.
(2) أو قبلها بشهوة كما تقدم في المتن آنفا (3) أي مع الدخول بها وهذه المسألة مضمون النص كما في الوسائل الباب 73 من نكاح العبيد والإماء وقد ذكر فيه أن إباق العبد طلاق امرأته وهو بمنزلة المرتد عن الاسلام وسنده لا يخلو من ضعف وفي ذيله اضطراب لكن يعضده قويا ما في الصحيح الوارد في سرقة العبد الآبق من إنه بمنزلة المرتد فإن أبى الرجوع إلى مولاه قتل كما في الوسائل الباب 72 من كتاب العتق فالتردد أو الخلاف في مسئلتنا كما في جواهر الكلام في المسألة العاشرة من تحريم النكاح بالكفر في غير محله والله العالم.

[ 250 ]

املك بها، وإن كانت عدتها قد انقضت لم يكن له عليها سبيل. وإذا كان له مملوكة فالأفضل له أن لا يطأها ولا يطلب منها ولدا فإن فعل ذلك فليعزل عنها. وإذا زوج مملوكته لرجل وسمى لها صداقا معينا وقدم الزوج شيئا من مهرها ثم باعها سيدها (1) لم يجز له المطالبة بباقي الصداق، ولا الذي اشتراها إلا أن يرضى بالعقد ويقره على نكاحها. وإذا كان له عبد فزوجه بحرة، كان المهر لازما له دون العبد، فإن باعه قبل الدخول بالزوجة كان على سيده نصف المهر. وإذا زوج الرجل مملوكته برجل حر ثم اعتقها، فإن مات الزوج ورثته وكان عليها عدة الحرة المتوفى عنها زوجها وإن علق عتقها بموت زوجها ثم مات الزوج لم ترثه (2)، ووجب عليها أن تعتد عدة المتوفى عنها زوجها. ولا يجوز بيع أم الولد إلا في ثمن رقبتها إذا لم يكن لسيدها مال غيرها، فإن مات وخلف مالا غيرها جعلت من نصيب ولدها فإذا فعل ذلك انعتقت في الحال. " باب نكاح المشركين " إذا كان: للمشرك أكثر من أربع زوجات وهن كتابيات من النصارى واليهود أو منهما جميعا فاسلم دونهن، كان عليه أن يختار منهن أربعا وكذلك إن أسلمن معه ويفارق الباقي منهن وكذلك إن كن مجوسيات أو وثنيات أو منهما جميعا فأسلمن معه، فإن لم يسلمن وأقمن على الشرك لم يجز له أن يختار منهن واحدة، لأن المسلم لا ينكح مجوسية ولا وثنية.

(1) أي بعد ما دخل الزوج بها كما في النص الوارد فيه الوسائل الباب 87 من نكاح العبيد والإماء.
(2) لاشتراط الحرية في الإرث وهذه المملوكة صارت حرة بعد موت زوجها كما علله بذلك في النص رواه في الوسائل الباب 65 من نكاح العبيد والإماء ويستفاد منه أيضا جواز تعليق عتقها بموت الزوج.

[ 251 ]

وإذا كان الزوجان كتابيين يهوديين أو نصرانيين، أو يهوديا ونصرانية، أو نصرانيا ويهودية فاسلم الزوج فهما على النكاح وكذلك إن كان الذي أسلم وثنيا أو مجوسيا والزوجة يهودية أو نصرانية، وإن كان الذي أسلم هي الزوجة فسنذكر حكمها فيما بعد (1). وإن كانا وثنيين أو مجوسيين أو أحدهما مجوسي والآخر وثنى، فمن أسلم منهما (2) وكان اسلامه قبل الدخول، وقع الفسخ على كل حال، وإن كان بعد الدخول وقف ذلك على انقضاء العدة، فإن اجتمعا على النكاح (3) قبل انقضائها فهما على النكاح وإلا كان ذلك مفسوخا وكذلك إذا كانا كتابيين فأسلمت الزوجة لأن الكتابي لا يتمسك بعصمة مسلمة أبدا، سواء كانا في دار الحرب أو دار الاسلام، وقد ذكر بعض أصحابنا (4) أن نكاحها لا ينفسخ بإسلامها، لكن لا يمكن الرجل من الخلو بها وإذا تزوج وهو مشرك بالأم وبنتها في عقد واحد أو في عقدين ثم أسلم ولم يكن دخل بواحدة منهن كان له أن يختار منهما من أراد ويفارق الأخرى، فإن كان

(1) أي في المسألة التالية ويأتي بعض فروعها بعد ذلك أيضا.
(2) أي من أحد الزوجين.
(3) الصواب " على الاسلام " كما في المبسوط أو المراد اجتمعا على تصحيح النكاح بالاسلام.
(4) حكاه الشيخ في المبسوط أيضا عن بعض أصحابنا وذكر في النهاية أنه إن كان زوجها بشرائط الذمة يملك عقدها غير أنه لا يمكن من الدخول إليها ليلا ولا من الخلو بها أي نهارا ولا إخراجها إلى دار الحرب انتهى ملخصا وظاهر الصدوق في المقنع جواز خلوة النصراني بها في النهار أيضا والنصوص الواردة في ذلك متضاربة كما في الوسائل الباب 9 من أبواب ما يحرم بالكفر من النكاح والباب 1 من موانع الإرث من كتاب الفرائض وما اختاره المصنف هنا من الحاق المجوسي بالوثني وبقاء نكاح الكتابة إن أسلم زوجها مطلقا دون الكتابي إن أسلمت زوجته، أولى وأحوط

[ 252 ]

دخل بكل واحدة منهما حرمت البنت على التأبيد، لأنها بنت مدخول بها، والأم حرمت عيه مؤبدا أيضا للعقد على البنت والدخول بها (1). وإن كان دخل بالبنت دون الأم حرمت الأم على التأبيد لمثل ما قدمناه، فإن كان دخل بالأم دون البنت حرمت البنت على التأبيد. وإذا نكح امرأة وعمتها أو امرأة وخالتها ثم أسلم كان له أن يختار أيهما شاء، ويفارق الأخرى، (2) دخل بها أو لم يدخل بها فإن رضيت العمة أو الخالة بالمقام معها كان له الجمع بينهما. وإذا كان يملك أما وبنتها فأسلم وأسلمن (3) معه فإن لم يكن وطأ واحدة منهما كان له وطوء واحدة منهما دون الأخرى، فإذا وطئ منهما واحدة حرمت الأخرى على التأبيد (4)، لأن الدخول بالمرأة يحرم أمها وبنتها على التأبيد، والموطؤة تكون له حلالا.

(1) جملة والأم هنا ساقطة في نسخة (ب) و (خ) وثابتة في هامش نسخة الأصل وهو الصواب لقوله بعد ذلك لمثل ما قدمناه والضمير في " الدخول بها " راجع بحسب المعنى والسياق إلى البنت وفي هامش الأصل كتب تحته " يعني الدخول بالبنت " وكأنه من الناسخ ولا أرى له وجها فالظاهر أن المصنف اشترط هنا في حرمة الأم الدخول بالبنت كما عن بعض أصحابنا وابن مسعود من الصحابة فعليه صح ما ذكره في هذه الصور الأربعة لكن المشهور بين الأصحاب وذكره المصنف في باب ما يحرم نكاحه أن الأم تحرم بمجرد العقد على بنتها فعليه، الظاهر حرمة الأم هنا أيضا مطلقا على تأمل في الأخيرة والتفصيل لا يسعه المجال.
(2) بناءا على كون المحرم هو الجمع بينهما لكن فيه أيضا كلام لا يسعه المجال.
(3) الصواب " وأسلمتا " وهذا التقييد لا وجه له في المملوكة الكتابية لجواز وطئها بالملك بشرائط المسلمة فالمراد ما إذا كانت مشركة بناءا على عدم جواز وطئها بالملك كما تقدم سابقا الإحتياط في وطئ المجوسية به.
(4) زاد هنا في نسخة (خ) وهامش نسخة (ب) " وإن كان دخل بهما جميعا حرمتا عليه على التأبيد " لكن المناسب أن يكون موضع هذه الزيادة قبل ذلك أو بعده

[ 253 ]

وإذا أسلم وعنده من الإماء أربع زوجات وأسلمن معه فإن كان ممن يجوز له نكاح أمة من عدم الطول وخوف العنت، كان له أن يختار منهن اثنتين، لأنه لو أراد استئناف نكاحهما كان له ذلك إذا كان كذلك جاز له ما ذكرناه. وإن كان ممن لا يجوز له نكاح أمة لوجود الطول وأنه لا يخاف العنت، كان له أيضا أن يختار منهن اثنتين عندنا، لأنه مستديم للعقد وليس مبتدأ به، ويجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء ألا ترى إنه ليس له أن يعقد على الكتابية مع أن له استدامة عقدها. وإذا كان عنده أربع زوجات حرة وثلاث إماء فاسلم، واسلم جميعهن معه كان الأمر في ذلك (1) موقوفا على رضا الحرة، فإن رضيت ثبت نكاحها. وإذا تزوج العبد وهو مشترك بستة: امتين وكتابيتين ووثنيتين فاسلم وأسلمن معه فليس للأمتين خيار في فراقه، لأنه مملوك وهما مملوكتان فلا مزية لهما عليه، وأما الحرائر فالخيار لهن في فراقه، فإن اخترن ذلك بقي عنده أمتان وله إمساكهما، لأنه يجوز للعبد عندنا أن يتزوج بأربع إماء (2)

(1) أي في اختيار حرتين وأمتين أو ثلث حرائر وأمة دون حرة وثلث إماء لما تقدم سابقا من أن الحر لا ينكح أزيد من امتين وأما اختيار أربع حرائر فلا إشكال وظاهر العبارة أنه إذا لم ترض الحرة انفسخ نكاح الأمة بخلاف ما ذكرناه آنفا في العمة أو الخالة من أنه إذا لم ترضيا جاز له اختيار البنتين مع اشتراك المسئلتين في جواز الجمع بالرضا كما تقدما معا في باب من يحرم نكاحه فراجع وتدبر.
(2) في التعليل سقط أو مسامحة إذ لو لم يجز له التزوج إلا بأمتين كما عن العامة جاز له إمساكهما أيضا كما في المبسوط وظاهر المصنف إن تخير الحرائر هنا للمزية لهن على الزوج بالحرية وعبارة المبسوط تشعر بالاجماع واستشكل فيه في التذكرة وهو في محله لعدم نص عليه إلا ما ورد في تخير الحرة إذا تزوجت بعبد على أنه حر لكنه للتدليس المنتفي في المقام وما ورد في تخير الأمة المزوجة إذا أعتقت لكنه ليس لمزيتها عليه إذ لو كان زوجها حرا كان تخيرها أيضا ثابتا. *

[ 254 ]

وإذا تزوج العبد وهو مشرك بأربع حرائر فاسلم، واسلم معه اثنتان منهن واعتق ثم أسلمت الحرائر (1) بعد ذلك، أو أسلمن كلهن معه ثم أعتق كان له أن يختار منهن اثنتين بغير زيادة عليهما، لأن الاعتبار بثبوت حال الاختيار، والاختيار ثبت له وهو عبد فإذا أعتق لم يتعين (2) قدر ما ثبت له بعتقه، فإذا كان كذلك وكان له أن يختار اثنتين، قيل له إن شئت بعد ذلك أن تتزوج باثنتين غيرهما ليصير عندك أربع نسوة فافعل لانك حر كامل وكذلك: استئناف العقد على أربع نسوة. وإذا عقد العبد وهو مشرك على أربع حرائر فاسلم واعتق ثم أسلمن، أو أسلمن

* ثم إنه لو رضيت الحرائر ببقاء النكاح أو قلنا بعدم الخيار فللعبد إمساك اثنتين منهن أو حرة وأمتين فقط لعدم جواز تزوجه بأكثر. (1) أي الباقيتان منهن ولعل الصواب " الأخريان " كما في المبسوط.
(2) الصواب " لم يتغير " كما في نسخة (خ) والمبسوط. واعلم أن نسخة (خ) في مواضع منها اسقاط لكنها في مورد الاختلاف مع النسختين الأخريين أصح وهي للسيد الجليل حجة الاسلام الآغا حسين الملقب بالخادمي ولأجله رمزت بها (ب خ) وكان هذا السيد من أعاظم العلماء في مدينة أصفهان قائما فيها بخدمة العلم والدين والقاء الدرس على الفضلاء من زمان بعيد وأخير أتصدى زعامة حوزتها العلمية ومن جهة النسب هو من أحفاد آية الله السيد صدر الدين العاملي والد آية الله السيد إسماعيل الصدر فله صلة تامة بالسادات صدر الدين وشرف الدين المنتشرين في ايران والعراق ولبنان. وفيهم العلماء الأجلاء وزعماء الناس في دينهم وسياستهم وينتهى نسبهم إلى السيد نور الدين على، والد صاحب المدارك قدس الله تعالى أسرارهم ومن المأسوف أن السيد الخادمي توفي في هذا اليوم الثامن عشر من جمادى الثانية سنة ألف واربع مأة وخمس الهجرية القمرية في مدينة أصفهان عن عمر جاوز الثمانين وقد نقل جثمانه الشريف إلى المشهد الرضوي ودفن هناك.

[ 255 ]

أولا ثم أعتق ثم أسلم هو، ثبت نكاح الأربع بغير اختياره، لأنه في وقت ثبوت الاختيار حر، وهن حرائر وثبت نكاح الأربع كما ذكرناه، وانما ينفسخ نكاح من زاد على العدد الذي يجوز استدامته والزيادة ها هنا مرتفعة. وإذا أسلم الحر وعنده أربع حرائر وأسلمن معه ثبت نكاحهن بغير اختيار، فإن قال بعد ذلك فسخت نكاحهن لم يجز له ذلك نوى الطلاق بذلك أو لم ينوه، لأن الطلاق عندنا لا يقع إلا بحصول شرائط من جملتها صريح اللفظ. وإذا كان عند الحر المشرك خمس حرائر فاسلم، وأسلمن بعده واحدة بعد واحدة، وكلما أسلمت واحدة قال لها اخترتك ثبت نكاح أربع ووقع الفسخ بالخامسة. وإذا كان الحر مشركا وله زوجة كذلك فأسلمت الزوجة واسلم بعدها فإن كان اسلامه قبل انقضاء عدتها فهما على النكاح وإن كان بعد انقضاء العدة كان خاطبا من الخطاب. وإذا أسلم المشرك وعنده اختان حرتان أو أكثر (1) من أربع حرائر، كان

(1) في نسخة (خ) " وأكثر " بالواو وهذا انسب بما بعده فالمراد أن عنده مع الأختين عدة حرائر يزدن على الأربع فيمسك إحداهما ما تتم به الأربع من غيرهما وأما على نسخة " أو " فالمراد بيان مسئلتين وتكون لفظة " مع " فيما بعده بمعنى الواو أو تصحيفا منها في النسخ وظاهر المصنف وجوب اختيار الأخت الأولى ولعله لكون الكفار مكلفين بالفروع كما هو المعروف بين الامامية إذ مقتضاه بطلان نكاح الثانية واقعا وإنما يعامل معها الزوجية حال الكفر فإذا أسلم الزم بالواقع لكن لازمه كون الزيادة على الأربع أيضا كذلك وهو خلاف ظاهر النص الوارد في مجوسي أسلم وله سبع نسوة مع أنه يأتي في آخر هذا الباب وذكره سائر الأصحاب أن انكحة الكفار صحيحة واقعا إذا علموا بمذهبهم لقوله (عليه السلام) لكل قوم نكاح خلافا لبعض العامة فالظاهر أن في الأختين جواز اختيار أيتهما شاء كما في الشرائع وإن شئت التفصيل بما لا مزيد عليه فراجع التذكرة والله العالم.

[ 256 ]

له أن يترك عنده التي نكح أولا من الأختين مع تمام أربع حرائر، ويفارق الأخت الثانية وما زاد على الأربع الحرائر. وإذا أسلمت الذمية قبل الدخول بها ملكت نفسها ولم يكن عليها عدة، فإن أسلم زوجها في حال إسلامها فهما على النكاح، وإن تأخر إسلامه عن إسلامها كان خاطبا من الخطاب. وإذا خرج الحربى إلى دار الاسلام فاسلم ثم لحقته زوجته فهما على النكاح (1) وإذا خرجت امرأة من أهل الحرب إلى دار الاسلام مستأمنة (2) ولها زوج قد تخلف في دار الحرب لم يكن له عليها سبيل، ولها أن تتزوج بعد أن تستبرئ رحمها فإن جاء زوجها بعد ذلك (3) مستأمنا كان خاطبا من الخطاب. فإذا سبئت المرأة قبل زوجها أو هو قبلها ثم مكثا في الغنيمة ما شاء (4) أن

(1) الظاهر أن نظر المصنف هنا أن الهجرة إلى دار الاسلام لا يوجب انفساخ النكاح كما رواه في الوسائل الباب (5) مما يحرم بالكفر خلافا لأبي حنيفة كما في الخلاف والتذكرة فليس المراد هنا بقاء النكاح ولو بعد العدة.
(2) الاستئمان أن يدخل الكافر دار الاسلام بأمان وكأنه هنا أعم من الذمة وظاهر المتن أنه من أسباب الفسخ إن كان من المرأة وإن لم تسلم كما عن أبي حنيفة لكن لم أعثر على ذلك فيما راجعته من كتب الأصحاب في الجهاد والنكاح فلعل المراد بالمستأمن هنا المسلم أو هو مصحف منه في النسخ والله العالم.
(3) أي بعد الاستبراء وهو بحيضة أو بخمسة وأربعين يوما كما تقدم في باب السراري لكن يحتمل أن يكون المراد به هنا الاعتداد بالشهور والأقراء بل هو الظاهر لو صح ما احتملناه في المستأمن.
(4) أي الإمام وكأنه سقط من الأصل ونسخة (ب) وحرف في نسخة (خ) وقوله فإن أدخل أحدهما أي دار الاسلام كما في نسخة (خ) وهذه المسألة أوردها الأصحاب في كتاب الجهاد كما في المبسوط والتذكرة والشرائع لكنهم لم يفصلوا بين المكث في دار الحرب وعدمه.

[ 257 ]

يمكثا في دار الحرب، كانا على النكاح فإن أدخل أحدهما دون صاحبه بطل النكاح بينهما، وإذا سبئت المرأة وزوجها من أهل الحرب كان لمن يملكها أن يفرق بينهما كما يكون له ذلك في عبيده، إلا أن يكون أهل الحرب القوا بأيديهم حتى سبوا على أن لا يفرق بين الزوج منهم وزوجته فصولحوا على ذلك وعقد لهم، فليس يجوز التفرقة بينهم. وإذا ارتد الرجل بانت منه زوجته فإن تاب (1) كان خاطبا من الخطاب. وإذا أسلم المشرك أو الذمي وعنده من لا يحل نكاحها في الاسلام انفسخ النكاح، وإذا تزوج الذمي الذمية من محارمه وهو في دينهم جائز، فرفعت الزوجة خبرها إلى الحاكم وسألته إمضاء حكم الاسلام بينهما والزوج كاره لذلك لم ينظر بينهما، فإن تراضيا بحكمه امضى عليهما حكم الاسلام، وفرق بينهما فيما أوجب الحكم تفريقه. وإذا تزوج النصراني النصرانية ثم تمجست كانا على نكاحهما، فإن أسلم الزوج عرض (عليها الاسلام) فإن أسلمت (2) وإلا فرق بينهما، فإن عادت إلى النصرانية أو اليهودية كانت على النكاح، فإن تمجست بعد إسلام الزوج فسد النكاح، (3)

(1) زاد هنا في نسخة (خ) وهامش نسخة (ب) بعلامة التصحيح " قبل أن تنقضي عدتها كان على نكاحهما وإن انقضت عدتها ثم تاب " والظاهر أن المراد بذلك هو المرتد الملى لما تقدم في كتاب الفرائض والمعروف بين الأصحاب أن ارتداد الزوجة كذلك بلا فرق بين الفطري والملى.
(2) أي قبل انقضاء عدتها لما تقدم في أول الباب من وقوف نكاح المجوسية عليه ومقتضاه أنه لو كان ذلك قبل أن يدخل بها فرق بينهما في الحال لكن ظاهر المصنف هنا أعم لما قبل الدخول ولعله لعدم قدح الفصل فيه بمقدار العرض ويؤيده ما ورد في مجوسية أسلمت قبل زوجها ولم يدخل بها كما في الوسائل الباب 9 مما يحرم بالكفر الحديث 7.
(3) ظاهره أنه هنا يفسخ في الحال فلا ينفع إسلامها ولو في العدة ولا عودها *

[ 258 ]

وإذا أسلم النصراني وزوجته نصرانية، فرجعت إلى اليهودية فهي زوجته. وإذا اغتصب الحربى حربية على نفسها أو طاوعته وأقاما على ذلك معا بغير عقد لم يقرا عليه إن أسلما وهما على هذه الصفة لأنهما لا يعتقدان ذلك نكاحا. وإذا أسلم الزوج وعنده زوجة ثم ارتد بعد اسلامه قبل انقضاء عدتها، فإن أقامت على الشرك حتى انقضت عدتها من حين أسلم انفسخ النكاح، وإن أسلمت (1) وهو مرتد زال باختلاف الدين بإسلامه، فإن أقام على الردة حتى انقضت عدتها بانت من حين ردته، وإن رجع بينا (2) أنه لم تزل زوجيته ولم يكن لها نفقة قبل إسلامها (3)، فإن أسلمت وهو مرتد كان نفقتها عليه لأن التفريط منه. وإذا تزوج مشرك بمشركة وطلقها ثلاثا، لم تحل له إلا بعد زوج، فإن تزوجت بمشرك ودخل بها، أباحها للأول وكذلك لو تزوج مسلم كتابية ثم طلقها

* إلى اليهودية أو النصرانية كما استظهره العلامة رحمه الله تعالى أيضا في التذكرة في أوائل البحث الثاني من فصل التحريم بالكفر وكأنه لتبدل الدين. (1) أي في العدة المذكورة التي أولها حين إسلام الزوج والحاصل أنه إذا أسلمت الزوجة فيها بعد ارتداده يحسب لها عدة أخرى من حين ردته فإن بقي على الردة حين انقضت هذه العدة الثانية انفسخ النكاح وإن رجع إلى الاسلام قبل انقضائها يتبين أنه زوجيته باقية وعبارة المتن والمبسوط مجملة في ذلك لكنه المستفاد من التذكرة ولعل جملة " زال باختلاف الدين بإسلامه " زائدة أو المراد زوال النكاح في الجملة ويفصله ما بعده والمراد بالارتداد هنا ما عن الملة لما ذكرناه آنفا وذكر في التذكرة نحو هذه المسألة في إسلام الزوجة وارتدادها قبل زوجها لكن الارتداد فيها أعم والظاهر عدم الفرق في المسئلتين بين الكتابيين وغيرهما لمكان الارتداد ولتفصيله محل آخر. (2) أي ظهر لنا ولعل الصواب " تبينا " كما في المبسوط.
(3) في نسخة (خ) " قبل اسلامه " وكأنه خطاء.

[ 259 ]

ثلاثا فتزوجت في حال الشرك (1) ودخل الزوج بها، أباحها لزوجها المسلم. وأنكحة الكفار عندنا صحيحة، ومهور نسائهم تابعة لذلك في الصحة، والمعتبر فيها بالقيمة إذا كانت مما لا تحل للمسلم تملكه وحكمنا بينهم فيها. " باب أحكام الولادة والعقيقة والرضاع " إذا ضرب المرأة المخاض فينبغي للنساء أن ينفردن بها ليتولوا معونتها وأمرها في الولادة، ولا يحضرها أحد من الرجال إلا في الحال الذي يعدم فيها النساء، فإذا وضعت ولدها أخذته القابلة إن كان لها القابلة، ومسحته من الدم ثم تغسله، ويؤذن في إذنه اليمنى، ويقام في إذنه اليسرى ويحنك بماء الفرات والأفضل فيما يؤخذ من هذا الماء أن يؤخذ من موضع يتشعب إلى أنهار شتى مثل نهر الكوفة وكربلا فإن لم يتمكن من ذلك فليحنك بماء عذب، فإن لم يتمكن من ذلك، ولم يقدر إلا على ماء ملح فينبغي أن يلقى فيه شيئ من عسل أو تمر ليحلو ثم يحنك به وينبغي أن يستعمل في تحنيكه مع الماء، شئ من تربة الحسين (عليه السلام) إن وجد ذلك. فإذا كان في اليوم السابع من ولادته فينبغي أن يختار له اسم يسمى به، ويعق عنه ويختن في ذلك اليوم، وأفضل الأسماء، اسماء الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، وأفضل ذلك محمد وعلى والحسن والحسين وما عدا ذلك من اسماء أئمتنا (عليهم السلام)، وكذلك الكنى (2)، ويكره أن يكنى الانسان (3) ولده حكما أو حكيما أو خالدا أو حارثا أو مالكا وكذلك ويكره أن يكنيه بأبي عيسى وأبي الحكم وأبي خالد.

(1) يعني كونها كتابية فإنه يطلق عليه الشرك أيضا.
(2) زاد هنا في هامش نسخة (ب) بعلامة التصحيح " ويكره أن يكنى الانسان بأبي القاسم إذا كان الاسم محمدا لأن ذلك مخصوص بالنبي (صلى الله عليه وآله) والقائم (عليه السلام) ومن المأسوف أن نسخة (خ) تفقد هذا الباب وبعده.
(3) الصواب " أن يسمى انسانا " فإن المذكورات اسماء وإنه الوارد في الخبر كما في الوسائل الباب 28 من أحكام الأولاد.

[ 260 ]

فإذا كان اليوم السابع من ولادته كما ذكرناه حلق رأسه وتصدق بوزن شعره ذهبا أو فضة، ويكون ذلك مع العقيقة في وقت واحد ويكره أن يترك للصبي إذا حلق رأسه قنزعة، (1) وكذلك: يكره أن يحلق بعض رأسه ويترك بعضه ويعق عنه إن كان ذكرا بكبش، وإن كان أنثى بشاة مع التمكن من ذلك فإن لم يتمكن من كبش ولا بشاة ووجد دون ذلك كان جائزا. والأفضل أن يعق عن الذكر بالذكر وعن الأنثى بالأنثى كما قدمناه فإن لم يقدر على ذلك وقدر على حمل كبير جاز أن يعق به وما يجري في الأضحية من ذلك يجوز العقيقة به فإذا ذبحت العقيقة فينبغي أن يدفع إلى القابلة ربعها المؤخر (2) فإن كانت القابلة ذمية لم يدفع إليها ذلك، ودفع إليها ثمن ذلك وإن كانت القابلة أم والد المولود ومن هو في عياله، لم يدفع إليها شيئ من العقيقة، ودفع الربع إلى أم المولود لتتصدق به. وينبغي أن يفصل العقيقة ولا يكسر لها عظم ويتصدق بها على الفقراء والمساكين وإن طبخ لحمها ودعى عليه قوم من المؤمنين ليأكلوه كان أفضل، ولا يأكل أحد من

(1) في القاموس: " القزعة بضم القاف والزاء وفتحهما وكسرهما: الشعر حوالى الرأس والخصلة منه تترك على رأس الصبي أو ما ارتفع من الشعر وطال وقال القزع قطع السحاب وأن يحلق رأس الصبي ويترك مواضع منه متفرقة تشبيها بقزع السحاب " فيظهر منه إنهما لغتان ونون الأول أصلية ولكن الجوهري أورده في الثاني وظاهره أنه مشتق منه ويمكن كون الثاني تخفيفا من الأول وورد كلاهما في الأخبار وفي بعضها تفسير القزع بأن يحلق موضعا ويترك موضعا وفي آخر بأن يحلق الرأس إلا قليلا ويترك وسط الرأس وظاهر المصنف أن ترك القنزعة وترك حلق بعض الرأس أمران وهذا غير ظاهر من الأخبار لجواز كون المراد منها الثاني وكون الأول فردا منه فراجع الوسائل الباب 66 من أحكام الأولاد.
(2) أي الرجل والورك كما في الخبر.

[ 261 ]

أبوي المولود شيئا من العقيقة، وقد روي جواز ذلك (1) والأحوط ما قدمناه. " في أحكام الختنة ". وينبغي أن يختن المولود في اليوم السابع كما ذكرناه فإن أخر ذلك عن هذا اليوم كان جائزا، إلا أن الأفضل ذلك، والقول في خفض الجواري مثل ذلك، (2) وإذا تأخر ختان أحد ممن ذكرناه إلى وقت بلوغه وجب أن يفعل به ذلك عند البلوغ وكذلك: من أسلم وهو بالغ غير مختتن، فليختتن وإن كان شيخا. وإذا مات المولود في اليوم السابع من ولادته، وكان موته قبل الظهر من ذلك لم يعق عنه، وإن كان موته بعد الظهر، استحب أن يعق عنه. وينبغي أن يرضع الصبي حولين كاملين على ما ثبت به السنة في ذلك، والزيادة عليه جائزة وكذلك: النقص منه، فأما الزيادة: فلا يجوز أن يكون أكثر من شهرين، وأما النقص: فلا يجوز أن يكون أكثر من ثلاثة أشهر، فإن فعله ذلك، كان جورا عليه، ونقص الثلاثة الأشهر مكروه. وأفضل ما يرضع به الصبي من الالبان لبن أمه، والأم إن كانت حرة وأرادت رضاعه كان لها ذلك، وإن لم ترده لم تجبر عليه، وإن كانت أمة كان الزامها ذلك جائزا.

(1) الوسائل الباب 44 من أحكام الأولاد الحديث 7 وكذا في الحديث 4 على نسخة الكافي دون التهذيب وموردهما أكل الأب فقط كما أن في خبر آخر يأكل منها كل أحد إلا الأم ولم نعثر على خبر في جوازه للأم وعلى كل، ظاهر المصنف هنا والشيخ في النهاية الحرمة والمعروف بين الأصحاب هو الكراهة.
(2) الخفض بالخاء المعجمة في البنات كالختان في الرجال للذكور ولذا أطلق عليه الختان في بعض الأخبار كما قيل في اللغة أن الخفض أيضا يطلق على ختان الذكور لكنه شاذ وظاهر المصنف هنا وجوبه في البنات كما تقدم ذلك منه في الرهن في مسألة رهن الطفل المملوك لكنه غير معروف بل ادعى الاجماع على خلافه وصرح في النصوص بعدمه ويمكن حمل كلامه هنا على غير ذلك.

[ 262 ]

وإذا أرضعته الحرة وتطلب أجرة الرضاع كان ذلك (1) واجبا على والد الصبي، وإن كان والده ميتا، كان ذلك في مال الصبي، وإن كان لها مملوكة فأرضعته كان لها اجر رضاع مملوكتها وهو أجرة المثل. وإذا وجد والد الصبي من يرضع ولده بأجرة تكون أقل من الأجرة التي تأخذها أمه ورضيت الأم بها كانت أحق به من غيرها، وإن لم ترض بها كان لوالده أخذه منها ودفعه إلى من يرضعه بالأقل. وإذا كان الولد ذكرا فوالدته أحق به من أبيه (2) مدة الرضاع، فإذا انقضت هذه المدة كان والده أحق به منها، وإذا كان أنثى فوالدته أحق به من أبيه إلى سبع سنين، فإن تزوجت فيما دون سبع سنين، كان والده أولى به منها، فإن مات والده كانت والدته أحق بولدها من وصى أبيه ذكرا كان الولد أو أنثى إلى أن يبلغ. فإذا كان والد الصبي عبدا ووالدته حرة. كانت والدته أحق به وأولى من أبيه على كل حال فإن انعتق كان أولى به على ما تقدم ذكره. وإذا أراد الرجل من يرضع ولده، فينبغي أن يختار لذلك امرأة، مسلمة. عاقلة جميلة الوجه عفيفة. ولا يجوز له أن يسترضع امرأة كافرة إلا عند الضرورة

(1) مقتضاه جواز استئجارها أيضا خلافا لما تقدم في كتاب الإجارة من عدم جوازه وعدم استحقاقها الأجرة لو أرضعت إلا أن يكون مراده هنا ما إذا خرجت من حباله لقوله بعد ذلك في الحضانة: فإن تزوجت الخ لكنه بعيد وقد ذكرنا هناك بعض الكلام فيه فراجع والذي أظن أنه ليس للمرئة ما دامت في حباله أن تمتنع من إرضاع ولدها منه بلا عوض وله إجبارها عليه إذا كان متعارفا ولم يكن عليها ضرر لأنه من شؤون المعاشرة وإيجاد العائلة ووجوب طاعة الزوج وقد جعل الله تعالى رزق الولد في ثدى أمه كما ورد في الخبر وبناء التزويج غالبا عليه وقوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ولم اجد في النصوص المعتبرة ما يدل على خلافه لكنه خلاف المعروف بين الأصحاب والله العالم.
(2) أي في الحضانة.

[ 263 ]

إلى ذلك فإنه يجوز حينئذ أن يسترضع يهودية أو نصرانية دون غيرها من سائر الكفار وإذا لم يجد في هذه الحال يهودية ولا نصرانية ووجد مجوسية، جاز أن يسترضعها، ولا يجوز له ذلك مع وجود اليهودية أو النصرانية على حال فإذا استرضع اليهودية أو النصرانية فليقرها عنده في منزله، ولا يدفع الولد إليها لتمضي به إلى منزلها وينبغي أن يمنعها أيضا من شرب الخمر واكل لحم الخنزير. ولا يجوز أن يسترضع ناصبية ولا امرأة قد ولدت من الزنا، أ و كانت مولودة من ذلك إلا في حال الضرورة وعدم من يجوز استرضاعه ممن قدمنا ذكره. والمرضعة تستحق أجرة الرضاع في حولين كاملين فإن زاد على الحولين لم تستحق على ذلك أجرة ومن دفع ولده إلى ظئر، فمضت به ولم تحضره إلا بعد الفطام، لم يجز له إنكاره ولا يكذبها في قولها بأنه ولده لأنها مأمونة. وإذا دفعت الظئر ولد إنسان إلى ظئر أخرى كان عليها ضمانه، فإن لم تحضره كان عليها ديته، واسترضاع الإماء جايز فمن أراد أن يسترضعهن فليسترضع المسلمة منهن حسب ما وصفناه فيمن يجوز استرضاعه من غيرهن. " باب النشور " قال الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن (1) فعلق تعالى: هذه الأحكام بالنشوز إذا ظهرت إماراته ودلائله وذلك يظهر بقول أو فعل. أما القول: فمثل أن تكون المرأة تلبي الرجل إذا دعاها وتخضع له بالقول إذا كلمها ثم تمنع عن ذلك وعن القول الجميل عند مخاطبته. وأما الفعل: فمثل إن كانت تقوم إليه إذا دخل عليها وتسارع إلى فراشه إذا دعاها إليه، ثم تترك ذلك فتصير لا تقوم ولا تسارع إلى فراشه، بل إذا دعاها إلى ذلك صارت إليه بكراهة ودمدمة وأمثال ذلك، فإذا ظهر ما ذكرناه أو ما جرى مجراه

(1) النساء 34.

[ 264 ]

وعظها بما يأتي ذكره لقوله تعالى الذي قدمناه. وأما إن نشزت فامتنعت عليه وأقامت على ذلك وتكرر منها جاز له ضربها فإن نشزت أول مرة جاز له أن يهجرها في المضجع ويضربها أيضا. فأما الموعظة: بأن يخوفها بالله تعالى ويعرفها أن عليها طاعة زوجها، ويقول اتقى الله وراقبيه وأطيعيني ولا تمنعيني حقي عليك. والهجران في المضجع: هو أن يحول ظهره إليها، وقال بعض الناس ترك كلامها إلا أنه لا يقيم عليه أكثر من ثلاثة أيام. وأما الضرب فهو ضرب تأديب كما يضرب الصبيان على الذنب، ولا يضربها ضربا مبرحا (1) ولا مزمنا ولا مدميا ويفرقه على بدنها ويتقى وجهها، وإذا ضربها كذلك فليكن بالمسواك (2) وذكر بعض الناس (3) أنه يكون بمنديل ملفوف أو درة ولا يكون بخشب ولا سوط. * * *

(1) بضم الميم وتشديد الراء المكسورة أي شديدا شاقا كما في الصحاح ونهاية ابن الأثير وغيرهما وفي خطبة النبي (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع كما في تحف العقول وصحيح مسلم وغيرهما واللفظ للأول قال في شأن النساء: حقكم عليهن أن لا يوطئن أحدا فرشكم ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم وأن لا يأتين بفاحشة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح وقال الطبرسي في مجمع البيان أنه قيل في معنى غير المبرح أن لا يقطع لحما ولا يكسر عظما.
(2) كما رواه الشيخ في التبيان مرسلا عن الإمام الباقر (عليه السلام) وفي جواهر الكلام حمله على ابتداء الضرب إذا يحصل به الغرض وإلا جاز الأقوى فالأقوى ما لم يكن مدميا أو مبرحا لاطلاق الآية وكلمات الأصحاب. قلت لو صح الخبر سندا ومتنا فالأولى حمله على المبالغة في أدنى الضرب.
(3) أي من العامة ثم إنه تقدم بعض هذه المسائل في باب القسمة.

[ 265 ]

" باب الشقاق والحكمين " إذا ظهر بين الزوجين الشقاق، وكان النشوز منها فقد تقدم ما فيه، وإن كان من الزوج فلا يخلو من أن يكون منه النشوز أو دلائله فإن كان النشوز منه: وهو أن يمنعها حقها من كسوة ونفقة ونحو ذلك، فإن الحاكم يلزمه أن يضم الزوجين إلى جانب عدل يتفقد أحوالهما ويكشف أمورهما، وإن ظهرت إمارات النشوز: وهو إن كان يستدعيها إلى فراشه ثم امتنع وكان مقبلا عليها ثم اعرض عنها وظهر منه دليل الزهد فيها، فلا بأس أن تطيب المرأة نفسه بأن تترك بعض حقها من كسوة ونفقة ونحو ذلك، وأن يترك القسم، لقوله تعالى: فلا جناح عليهما إن تصالحا بينهما صلحا والصلح خير (1). فإن أشكل الأمر فادعى كل واحد منهما النشوز ولم يعلم الناشز منهما أسكنهما الحاكم إلى جانب ثقة يشرف عليهما ويعلم الناشز منهما لأن الحاكم لا يمكنه أن يتولى ذلك بنفسه، فإن أخبره بنشوز واحد منهما حكم بينهما فيه بالواجب، وإن علم النشوز من كل واحد منهما على صاحبه وانتهى الأمر بينهما إلى المضاربة والمشاتمة وتخريق الثياب وإلى ما لا يجوز من قول أو فعل ولم يفعل الزوج الصفح ولا الفرقة فهذا هو الموضع الذي تناوله، قوله تعالى: وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها.
(2) فإذا كان كذلك: بعث الحاكم حكمين ليحكما على ما يؤدي إليه اجتهادهما، ولم يلتفت إلى رضا الزوجين بذلك، وقال لهما إن رأيتما الإصلاح فأصلحا، وإن رأيتما الفراق فبطلاق أو خلع فافعلا. فإن كانت المصلحة في الصلح فلابد من اجتماع الحكمين عليه لأن الصلح من جهة كل واحد منهما.

(1) النساء - 128 (2) النساء - 35

[ 266 ]

فإن كانت المصلحة في الخلع فلا بد أيضا أن يجتمعا لأنه عقد معاوضة يبذل أحدهما عنها ويقبل الآخر للزوج، وإن كانت المصلحة في الطلاق فليس يفتقر إلى اجتماعهما، لأن الذي من جهتها لا صنع له في الطلاق. ويستحب أن يكون حكم الزوج من أهله وحكم المرأة من أهلها للظاهر (1) فإن بعث من غير أهلها كان جائزا وينبغي أن يكون الحكمان ذكرين حرين عدلين، ولهما الاصلاح من غير استئذان، وليس لهما الفرقة بالطلاق وغيره إلا بعد أن يستأذنا هما، وقد ذكرنا في كتابنا " الكامل في الفقه " في هذا الموضع، أنه على طريق التوكيل، والصحيح أنه على طريق الحكم لأنه لو كان توكيلا لكان تابع للوكالة وبحسب شرطها وإذا فوضا أمر الخلع والفرقة إلى الحكمين والأخذ لكل واحد منهما من صاحبه كان عليهما الاجتهاد فيما يريانه هذا فيما يتعلق بالشقاق أو الفراق. وأما فيما عدا هذا النوع من الحقوق مثل إثبات دين، على صاحبه واستيفاء حقه منه وقبض ديونه، فهذا توكيل لا مدخل للحكم فيه، لأنه لا مدخل له في الشقاق بينهما، وإذا غاب أحد الزوجين لم يكن للحكمين أن يفعلا شيئا، لأنا وإن أجزنا القضاء على الغائب فإنما يقضى عليه وأما يقضى له فلا، وهاهنا: لكل واحد منهما حق له، وعليه فلم يجز. وإذا غلب على عقل الزوجين أو أحدهما، لم يكن لهما إمضاء شيئ، لأن زوال العقل يزيل حكم الشقاق ولو كان ذلك وكالة لأزاله أيضا. وإذا شرط الحكمان شرطا كان مما يصلح في الشرع لزومه لزم، وإن كان مما لا يلزم مثل إن شرطا عليها ترك بعض النفقة أو القسم، أو شرطا عليه أن لا يسافر بها

(1) أي ظاهر قوله تعالى فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها لكن مقتضاه الوجوب فكأنه عدل عنه المصنف وغيره لحصول الغرض بالأجنبي أيضا أو لفهم العموم من النصوص كما قيل وكلاهما غير ظاهر فتعين الاهل إن أمكن، أقوى كما اختاره ابن إدريس في السرائر ووافقه بعد المتأخرين.

[ 267 ]

فكل ذلك لا يلزم الوفاء به، وإن أختار الزوجان المقام على ما فعله الحكمان كان جميلا، وإن اختارا، تركه كان ذلك لهما. " باب الخلع " الخلع جائز في الشريعة لقول الله: ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به (1) يتضمن ذلك: رفع الجناح في أخذ الفدية منها عند خوف التقصير في إقامة الحدود المحدودة في حق الزوجية، فدل ذلك على جواز ما ذكرناه، والخلع منه ما هو محظور، ومنه ما هو مباح. فأما المحظور فهو أن يكره المرأة ويعضلها بغير حق لتفتدي نفسها منه، وقبلها يكون الحال بينهما عامرة والأخلاق ملتئمة ويتفقا على الخلع فتبذل له شيئا على طلاقها. وأما المباح: فإن يخافا ألا يقيما حدود الله، مثل أن تكره المرأة زوجها، إما لخلقه أو دينه أو ما جرى مجرى ذلك مما في نفسها من كراهتها له فإذا كانت في نفسها على هذه الصفة خافت ألا يقيم حدود الله عليها في حقه، وهو أن تكره الاجابة له فيما هو حق له عليها فيحل لها أن تفتدي نفسها بغير خلاف وذلك: لقوله تعالى هاهنا: " فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به " (2). ويجوز الخلع عند المضاربة والقتال، ولا يجوز في حال الحيض ولا في طهر قاربها فيه بجماع ولا يقع أيضا بمجرده، فلابد من التلفظ فيه بالطلاق، فإن كان الخلع بصريح الطلاق كان طلاقا، وإن كان بغير صريح الطلاق مثل أن تقول لزوجها خالعني أو فاسخني أو فارقني بكذا وكذا وأجابها لم يصح ذلك ولم يقع،

(1) البقرة - 229 (2) البقرة - 229

[ 268 ]

والبذل في الخلع غير مقدر إن شاءا اختلعا بقدر المهر أو بأكثر منه أو أقل فجميع ذلك جائز وإذا أوقع كما ذكرناه صحيحا وقعت الفرقة، وإذا طلقها طلقة بدينار على أن له الرجعة لم يصح الطلاق. وإذا شرطت المرأة أنها متى أرادت الرجوع فيما بذلته كان لها وتثبت الرجعة كان صحيحا، وقد قدمنا القول بأن الخلع لا بد فيه من لفظ الطلاق فليس يقع صحيحا إلا كذلك، وإذا حصل كذلك لم يمكن أن يلحقها طلاق آخر ما دامت في العدة، لأن الرجعة غير ممكنة فيها. وإذا قال لزوجته أنت طالق ثلاثا في كل سنة واحدة، لم يقع من ذلك شيئ لأنه طلاق بشرط وكل طلاق بشرط لا يصح عندنا على وجه، فكل ما جرى هذا المجرى من المسائل في هذا الباب فهو عندنا غير صحيح. وإذا قالت لزوجها طلقني ثلاثا بألف درهم فقالا طلقتك ثلاثا بألف درهم لم يصح ذلك ولا يقع منه طلاق، لأن الطلاق الثلاث عندنا لا يقع بلفظ واحد ولا يصح وإذا قلنا (1) بذلك أن نقول أنها تقع واحدة لأنها إنما بذلت العوض في الثلاث فإذا لم يصح الثلاث وجب أن يبطل من أصله. وإذا قالت الزوجة اخلعني على ألف درهم راضية (2) فقال خالعتك بها صح ذلك ولزم المسمى وإذا ذكر القدر والجنس دون النقد، فقالت خالعني بألف درهم فقال خالعتك بها صح ذلك وكان عليها ألف درهم من غالب نقد البلد.

(1) الصواب زيادة الواو أي يصح إذا قلنا ببطلان الثلاث بلفظ واحد أن نقول يقع واحدة فيصح البذل لأن البذل كان للثلاث دون الواحدة فإذا بطل لها لم يصح للواحدة أيضا.
(2) كأنها نوع من الدراهم الرائجة ولم اجد ذكرا لها فيما راجعته ولعل الصواب " وافية " وهي الدرهم البغلي كما في كتاب العقد المنير وذكره الفقهاء في ما يعفى عنه في الصلاة.

[ 269 ]

وإذا ذكر القدر دون الجنس والنقد، فقالت خالعني بألف، فقال خالعتك بألف فإن اتفقا على الإرادة وإنهما أرادا الدراهم أو الدنانير لزم الألف من غالب نقد البلد، فإن اتفقا على إنهما أرادا معا بالالف، ألف درهم راضية وجب ما اتفقت إرادتهما عليه، أما مطلقا: فيجب من غالب نقد البلد أو معينا: فيجب ما عيناه، وإذا اتفقا على إنهما، ما أرادا جنسا من الاجناس، ولا كان لهما إرادة فيه، كان الخلع فاسدا. وإذا اختلفا في النقد واتفقا في القدر والجنس كان القول: قولها مع يمينها، وعلى الرجل البينة فيما يدعيه لأنه مدع، وإذا اختلفا فقال أحدهما: ذكرنا النقد وهي راضية، وقال الآخر، بل أطلقنا، ولها غالب نقد البلد كانت هذه المسألة مثل المسألة المتقدمة عليها. وإذا اختلفا في المسألة الثالثة: وهي إذا لم تذكر جنسا ولا نقدا واختلفا في الارادة لم يصح الخلع أصلا. وإذا قال الرجل خالعتك على ألف في ذمتك، فقالت: خالعتني على ألف ضمنها لك غيري، كان عليها الألف، لأنها قد أقرت بالالف وادعت الضمان. وإذا قال خالعتك على ألف في ذمتك فقالت خالعتني على ألف يزنها لك والدي أو أخي، كان عليها الألف لمثل ما قدمناه، وإذا قال خالعتك على ألف في ذمتك فقالت بل خالعتني على ألف في ذمة زيد، كان عليه البينة وعليها اليمين لمثل ما قدمناه. (1)

(1) كذا في نسختين وفيه أن مقتضى الدليل المتقدم أن يكون عليها الألف بلا بينة وفي المبسوط ذكر قبل هذه المسألة، إذا قال خالعتك على ألف في ذمتك فقالت ما خالعتني وإنما خلعت غيري فالقول قولها مع يمينها لأنه ادعى عليها عقد معاوضة ثم ذكر هذه المسألة وقال والذي نقوله أن عليه البينة وعليها اليمين لمثل ما قلناه أي في الذي ذكر قبلها. فالظاهر أنه في المتن سقط ذلك والمسائل المذكورة هنا مطابقة للمبسوط *

[ 270 ]

وإذا قالت: له طلقني على ألف، فقال أنت طالق إن شئت، أو قال لها إن ضمنت لي ألفا فأنت طالق أو قال فإن أعطيتني فأنت طالق أو ما يجري هذا المجرى من المسائل فإنه لا يصح ولا يقع به خلع ولا طلاق، لأن الطلاق عندنا لا يصح بشرط وذلك كله بشرط (1) فلا يصح. فإن خالعها على ألف درهم من غير شرط اقتضى ذلك ما قدمناه من ألف درهم فضة غالب نقد البلد، وإن كانت ردية كان له المطالبة ببدلها، وإذا قالت له طلقني طلقة بألف، فقال لها أنت طالق بألف وطالق وطالق وقعت الأولى بائنة، لأن العوض جعل في مقابلتها ولم يقع الثانية ولا الثالثة، لأنه طلقها بعد أن بانت منه بالأولى و ذلك لا يصح. وإذا خالعها على ثوب موصوف في الذمة مثل إن خالعها على ثوب مروى وصفه وضبطه بالصفات. كان الخلع صحيحا ولزم العوض، لأنه عوض معلوم، والعوض إذا كان معلوما في الخلع لزم ووجب عليها أن تسلم إليه ما وجب له في ذمتها على الصفة، فإذا سلمته إليه وكان سليما على الصفة لزمه، وإن كان معيبا كان مخيرا بين إمساكه وبين رده، فإن أراد إمساكه فذلك إليه، وإن أراد رده كان له الرجوع عليها بالذي خالعها به، لأن الذي وجب له في ذمتها ما كان سليما من العيوب فإذا رده كان له المطالبة ببدله. وإذا خالعها على ثوب بعينه على إنه مروى فكان كتانا كان الخلع صحيحا لأنه خلع بعوض (2) عين فبان غيرها، لأن اختلاف الاجناس كاختلاف الأعيان

* غالبا والفرق بين المقام والمسئلتين السابقتين أن قول المرأة في السابقتين يتضمن إقرارها بالالف على نفسها دون المقام لأن ذمة زيد أجنبية عنها إلا أن يكون مرادها بذمته ضمانه عنها وهو خلاف الفرض لذكره فيما قبله. (1) لكن الشرط في الصورة الأولى وهو مشيئة الزوجة حاصل باستدعائها الطلاق فلا يبعد صحته.
(2) هنا سقط وهو كما في المبسوط وهامش نسخة (ب) " فإن اختار إمساكه لم يكن له ذلك لأنه عقد الخلع على جنس فبان غيره كما لو عقد على.. ".

[ 271 ]

فإذا رده كان مستحقا للقيمة لا غيرها. وإذا خالعها على أن ترضع ولده سنتين صح ذلك، فإن عاش الولد حتى ارتضع السنتين فقد استوفى حقه، وإن انقطع لبنها وجف بطل البذل وكان له الرجوع عليها بأجرة المثل في رضاع مثله. وإذا قال له أبو زوجته طلقها وأنت برئ من مهرها، فطلقها، طلقت ولم يبرأ من مهرها، لأنها إن كانت رشيدة لم يملك أبوها التصرف في مالها بغير إذنها، وإن كان يلي عليها لصغر أو جنون أو سفه لم يصح، لأنه إنما ملك التصرف فيما فيه نظر لها وحظ ولا نظر لها في ذلك كما لو كان لها دين فأسقطه فإذا كان ما ذكرناه صحيحا ولم يبرأ من مهرها لم يلزم أباها ضمان ذلك، لأنه لم يضمن على نفسه شيئا ويقع الطلاق رجعيا، لأن العوض لم يسلم. وإذا اختلف المتخالعان في جنس العوض أو قدره أو تعجيله أو تأجيله أو في عدد الطلاق، كان القول: قول المرأة لأنهما قد اتفقا على البينونة، وإنما اختلفا فيما لزمها، فالرجل مدع بالزيادة فعليه البينة إلا في عدد الطلاق فإن القول فيه: قول الرجل مع يمينه. وإذا قال لزوجته طلقتك بألف وضمنت ذلك، وأنكرت، كان القول: قولها مع يمينها، لأنه يدعي عليها عقد معاوضة والأصل أن لا عقد غير أنه يحكم بالبينونة لاعترافه بذلك. وإذا اختلعت الأمة نفسها بعوض وكان ذلك بإذن سيدها صح، لأنه وكلها ويقتضي أن تخلع نفسها بمهر مثلها، فإن فعلت بذلك أو بأقل منه وكانت مأذونا لها في التجارة دفعت ذلك مما في يدها، وإن لم يكن مأذونا لها في ذلك دفعته من كسبها فإن لم يكن لها كسب، كان ذلك في ذمتها، يستوفى منها إذا أعتقت، وإن اختلعت نفسها بأكثر من مهر مثلها كان جائزا (1).

(1) هذا مناف لما مر آنفا من إنها تخلع بمهر مثلها إلا أن يكون المراد أن *

[ 272 ]

وإن كان الخلع بغير إذن سيدها فإما أن يكون: منجزا أو معلقا بصفة؟! فإن كان منجزا: فإما أن يكون بدين أو بمعين؟! فإن كان بدين في الذمة، ثبت ذلك في ذمتها تطالب به إذا أعتقت! وإن خالعها بشئ بعينه كالعبد المعين كان الخلع صحيحا والطلاق بائنا (1)! وإن كان [ معلقا ] بصفة لم يصح الخلع. وإذا اختلعت المكاتبة بإذن سيدها؟ كان الحكم فيها كالحكم في الأمة، فإن كان ذلك بغير إذنه صح ذلك لأن الحق لها. وإذا كان للرجل امرأتان فخالعهما على ألف درهم؟! قسمت الألف بينهما على قدر ما تزوجهما به من المهر؟! فإن تراضى الزوجان بينهما على شيئ كان جائزا؟! وإذا خالعها على عبد وجب القتل عليه وقتل العبد بذلك كان للرجل الرجوع عليها بقيمته. وإذا خالعها على عبد معين فإذا هو نصراني أو هو معروف بالاباق؟ لم يكن له رجوع عليها به، وإذا وكلت المراة في الخلع وكيلها؟ فإما أن تطلق أو تقدر البذل، فإن أطلقت وخلعها بمهر مثلها نقدا بنقد البلد فقد حصل ما أقرته به، وإن كان بأقل من مهر مثلها نقدا أو بمهر مثلها إلى أجل كان أيضا جائزا (2).

* ما زاد على مهر مثلها يتعلق بذمتها كما صرح بذلك في المبسوط فمقتضاه أن لا يكون مما في يدها وإن كانت كسوبا أو مأذونا لها في التجارة ويجوز أن يكون المراد بما مر هو الرجحان. (1) لكنه كما صرح به في المبسوط لا يملك الزوج هذا العبد لأنه ليس لها دفعه فيكون للزوج عوضه وهو القيمة في ذمتها تطالب بها بعد عتقها ويسارها.
(2) يظهر منه إنه إذا طلقت فخلعها الوكيل بأكثر من مهر المثل لم يصح الخلع خلافا للمبسوط حيث قال يصح ويرجع إلى مهر المثل وما في المتن أقرب كما في توكيل الزوج إذا خالعها الوكيل بأقل منه وقد اختار فيه ذلك في المبسوط ولم نجد فرق بينهما.

[ 273 ]

وكذلك: إذا اختلعها بأكثر من مهر مثلها وقد قدرت البذل وفعل بذلك القدر؟ كان صحيحا، وإن كان بأكثر مما قدرته لم يصح الخلع لأنه أوقع الخلع على ما لم تأذن له فيه فأما الرجل: إذا وكل وكيلا في الخلع فالحكم فيه كما ذكرناه في وكيل المرئة،. والخلع في المرض يصح لأنه عقد معاوضة فهو جار مجرى البيع، فإن كان الزوج هو المريض؟! فخالع زوجته على ما هو قدر مهر مثلها، كان ذلك جائزا وإن كان أكثر من مهر مثلها، كان أيضا جائزا، وإن كان المريض هو المرأة فاختلعت نفسها بمهر مثلها، كان من صلب مالها، وإن كان أقل من مهر مثلها، كان أيضا جائزا (1). وإذا اختلعت نفسها بعبد قيمته مائة فخرج نصفه مستحقا: كان ذلك باطلا. " في شروط الخلع " واعلم: إن الشروط التي تقع الخلع معها هي شروط الطلاق وسيأتي ذكرها فيما بعد. وأما المباراة: فهو ضرب من الخلع؟! إلا أن الكراهة تكون من كل واحد من الزوجين للآخر فإذا عرف كل واحد منهما ذلك من الآخر، أو قالت المرأة لزوجها أني قد كرهت المقام معك وقد كرهت أيضا أنت المقام معي فبارئني؟! أو

(1) أي من صلب مالها وأما إذا اختلعت بأكثر من مهر مثلها ففي المبسوط كان مهر مثلها من الصلب والزائد عليه من الثلث ثم حكي عن بعض العامة أنه يعتبر الكل من الثلث وعبارة المصنف هنا مجملة في ذلك ولا يبعد منع كونه من الصلب مطلقا بناءا على كون تصرف المريض من الثلث وعلى كونه منه لا يبعد ذلك في أكثر من مهر المثل أيضا هذا في الزوجة المريضة وأما الزوج المريض فالظاهر جوازه بأقل من مهر المثل بلا إشكال والله العالم.

[ 274 ]

يقول الزوج لها مثل ذلك ثم يقول على أن تسقط عني بعض المهر أو تعطيني كذا وكذا؟! وكان أقل من المهر الذي أعطاها ولا يكون أكثر منه فإذا إجابته إلى ذلك وبذلت له من نفسها ما أراده منها طلقها طلقة واحدة للسنة؟ وسيأتي ذكر طلاق السنة فيما بعد، ويكون الطلقة بائنة لا سبيل له عليها إلا أن ترجع هي في شيئ مما بذلته؟! وإن فعلت ذلك كان له الرجوع أيضا في بعضها إن لم تكن خرجت من عدتها! فإن كانت قد خرجت من العدة لم يجز لها الرجوع في ذلك ولم يكن للزوج أيضا عليها سبيل إلا بعقد ومهر جديدين إن أراد المراجعة وأما النشوز فقد تقدم ذكره (1) * * * " تم كتاب النكاح وما يلحق به من أحكام النشوز والشقاق والحكمين والخلع (2) والمباراة "

(1) في باب النشوز قريبا (2) وكان الأولى للمصنف أن يبحث عن الخلع والمباراة في باب الطلاق كما فعل المتأخرون

[ 275 ]

" باب الطلاق " قال الله تعالى: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن الآية (1). فجعل تعالى الطلاق بيد الرجل دون النساء، وأباحهم ذلك، فإذا اختار الرجل طلاق زوجته، كان له ذلك، بسبب وبغير سبب، لأنه مباح له إلا أن طلاق الزوجة بغير سبب مكروه، فإن فعل ذلك كان تاركا للافضل، ولم يكن عليه شيئ. ويفتقر في صحة الطلاق الشرعي إلى شروط متى حصلت ثبت حكمه، ومتى لم يحصل، أو اختل بعضها، لم يقع الطلاق. وهذه الشروط على ضربين: أحدهما عام في جميع أنواع الطلاق، والآخر يختص بنوع واحد. فأما العام: فهو كون المطلق كامل العقل، ومن يصح تصرفه، وكونه قاصدا إليه، وأن ينوي الفرقة والبينونة به، والتلفظ بلفظ الطلاق المخصوص به مع التمكن من ذلك، دون كناياته، أو ما قام مقام اللفظ المخصوص به عند عدم التمكن من ذلك، وتعيين الزوجة التي في عقد نكاحه، وشهادة شاهدين مجتمعين في مجلس واحد، وايقاعه متعريا من الشروط. وأما المخصوص بنوع واحد من أنواعه له فهو إيقاعه له بالمدخول بها وهي طاهرة، في طهر لم يقربها فيه بجماع، وهو حاضر غير غائب عنها.

(1) الطلاق - 1

[ 276 ]

" باب بيان ما يقع به الطلاق " " وما لا يقع من صريح لفظ، أو كناية أو شرط، أو استثناء " " أو صفة، وغير ذلك " صريح الطلاق لفظة واحدة، وهي قول الرجل لزوجته: " أنت طالق " أو " فلانة طالق " أو " هي طالق " وكل واحد من ذلك جائز، يقع الطلاق به إذا قارنه نية الفرقة والبينونة، فإن تجرد من النية لم يقع الطلاق. فأما كنايات الطلاق فلا يقع بشئ منها طلاق عندنا، وهي قوله " سرحتك " أو " أنت مسرحة، أو مطلقة، أو خلية، أو برية، أو بائن، أو بتلة، أو حرام، أو اعتدى، أو استبرء رحمك، أو اذهبي، أو الحقي بأهلك، أو حبلك على غاربك " وكل ما جرى مجرى ذلك لا يقع به طلاق، حصل معه نية، أو لم تحصل، ولسنا نحتاج فيما ذكرناه مع قولنا بأن الطلاق لا يقع بشئ منه إلى ذكر المسائل التي تورد في ذلك وتبنى عليه، أو يتفرع منها، لأن ذلك عندنا يعزل مع ما ذكرناه. (1) وإذا قال لها: " أنت طالق إن دخلت الدار، أو أنت طالق إن قدم زيد أو إن حضر عمرو، أو إذا جاء رأس الشهر، أو إن أكل زيد " لم يقع به طلاق، ولا بكل ما يكون شرطا مما لم نذكره. وإذا قال لها: " أنت طالق " فهو صريح في الطلاق كما قدمناه، ولا يصح أن ينوي به أكثر من طلقة واحدة، فإن نوى أكثر من ذلك وقعت واحدة ولم يقع أكثر منها. وإذا قال لها " أنت طالق طلاقا " أو " أنت الطلاق " أو " أنت طلاق " لم يقع الطلاق بشئ من ذلك إلا بقوله " أنت طالق طلاقا " إذا نوى، ويكون قوله طلاقا تأكيدا.

(1) عبارة النسختين هنا مشتبهة في بعض كلماتها فراعينا الأصح منها بحسب المعنى.

[ 277 ]

وإذا كتب بطلاقها ولم يتلفظ به ولم ينوه لم يقع طلاق، فإن تلفظ به وكتبه، وقع باللفظ إذا كان معه النية للفرقة، فإن كتب ونوى ولم يتلفظ بذلك: لم يقع به طلاق هذا إذا كان قادرا على اللفظ، فإن لم يكن قادرا على ذلك ونوى الطلاق، وقع طلقة واحدة بغير زيادة عليها. فإن خيرها في الطلاق مثل أن يقول لها: " جعلت أمرك إليك " أو " أمرك بيدك " أو " طلقي نفسك " لم يقع به طلاق. والوكالة في الطلاق جائزة مع الغيبة دون الحضور، فإذا وكل في ذلك، جاز للوكيل أن يطلق في الحال، ويجوز له أن يؤخر ذلك. وإذا قال لزوجته قبل دخوله بها: " أنت طالق ثلاثا " وقع من ذلك واحدة بائنة فإن قال لها وهي غير مدخول بها: " أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق " فإنها تطلق بالأولى فتبين بها، ولا يلحقها طلقة ثانية، ولا ثالثة بغير خلاف. وإذا قال لها: " أنت طالق غرة شهر رمضان، أو رأس الهلال، أو نصف الشهر، أو في انسلاخه " أو ما جرى مجرى ذلك، لم يقع به طلاق. وإذا قال لها: " كلما طلقتك فأنت طالق " ثم قال لها: " أنت طالق " طلقت طلقة واحدة بقوله أنت طالق بالمباشرة، (1) ولم يقع بالصفة شيئ آخر. وإذا قال لها: " كلما وقع عليك طلاقي، فأنت طالق " ثم قال لها: أنت طالق " فإنها تطلق واحدة بالمباشرة لا غير. وإذا قال لغير المدخول بها " أنت طالق طلقة بعدها طلقة " طلقت طلقة بائنة. ولا يقع بها طلقة أخرى، لأنها بانت بالأولى. فإن قال: " أنت طالق طلقة قبلها طلقة " وقعت طلقة واحدة (2) بالمباشرة، ولا تقع التي قبلها.

(1) أي بدون تعليقة بصفة كقوله كلما طلقتك وحكي في المبسوط عن بعض العامة أنه يقع حينئذ طلقتين إحداهما بالمباشرة والأخرى بالصفة وحكي عنهم أيضا أنه في الفرع التالي يقع ثلاثا.
(2) فيه إشكال لأنها معلقة بوقوع طلاق قبلها وهو غير حاصل مع أن التعليق *

[ 278 ]

وإذا قال: " أنت طالق، أنت طالق " ونوى الايقاع، وقعت واحدة، ولم يقع ما زاد عليها سواء كان مدخولا بها، أو غير مدخول بها، إلا أنها تكون بائنة في غير مدخول بها كما قدمناه، ولم يقع بها بعد ذلك شيئ، وإن كانت مدخولا بها، فالأولى طلقة، ويسأل عن الثانية والثالثة، فإن قال أردت تأكيد الأولى بها، قبل ذلك منه، ولم تقع إلا طلقة كما ذكرناه، لأن الكلام يؤكد بالتكرار، وإن قال غير ذلك، لم يلتفت إليه ولم يقع غير واحدة. وإذا أكره الرجل على الطلاق فتلفظ به، ليدفع به المكروه عن نفسه، لم يقع طلاقه. وإذا زال عقله بمرض أو جنون أو سكر ببنج، أو شيئ من الأدوية، أو شيئ من المسكرات، أو ما أشبه ذلك، لم يقع طلاقه. وإذا قال له إنسان: " فارقت زوجتك " فقال " نعم " لزمه طلقة واحدة بإقراره لايقاعها، فإن قال: أردت بقولي " نعم " إقرارا مني بطلاق كان مني قبل هذه الزوجية فإن صدقته الزوجة، كان الأمر على ما حكاه وإن كذبته، كان عليه البينة، فإن لم يكن له بينة، كان القول قوله مع يمينه (1). وإذا قيل له: " خليت امرأتك " (2) أو قيل له " الك زوجة " فقال: " لا " لم يكن ذلك طلاقا، وإذا قال لها: " أنت طالق هكذا " مشيرا بإصبع، فطلقت طلقة واحدة، فإن أشار إليها باصبعين، أو أكثر كان مثل إصبع واحدة سواء. وإذا قال لها: " أنت طالق واحدة في اثنتين " (3) وقصد الايقاع، وقعت واحدة،

غير جائز عند المصنف مطلقا كما تقدم لكن الظاهر أن المراد هنا تنجيز الطلاق في الحال بإضافة طلاق آخر قبله أو بعده والله العالم. (1) مقتضى المقابلة أن يكون القول قولها مع يمينها لكن للمقام خصوصية تقتضي أن يكون قوله كما صرح به في المبسوط.
(2) الصواب هنا " فقال نعم " كما في المبسوط.
(3) في نسخة (ب) " أو اثنتين " والأول أصح كما هو صريح المبسوط حيث حكي فيه عن العامة تفصيلا مترتبا على ذلك.

[ 279 ]

سواء كان من أهل الحساب أو لم يكن. وإذا قال لها: " أنت طالق واحدة لا يقع عليك " لم يقع بها طلقة لفقد النية للايقاع. وإذا قال لها: " أنت طالق أولا؟ " لم يقع به طلاق بغير خلاف، لأنه استفهام. وإذا قال لها: " أنت طالق اثنين " (1) وقعت طلقة في الحال، بقوله أنت طالق إذا نوى الفرقة، وما عدا ذلك لغو. وإذا قال لها: " أنت طالق نصف تطليقة أو ثلث تطليقة " لم يقع طلاق جملة، وكذلك إذا قال: " أنت طالق نصف طلقة أو ثلث طلقة أو سدس طلقة " وما جرى مجرى ذلك لم يقع منه طلاق، وإذا قال: " أنت طالق وطالق وطالق " وقعت الأولى إذا نوى الايقاع، ولم يقع ما زاد على ذلك. وإذا كان له أربع زوجات، فقال لهن: " أوقعت منكن (2) طلقة واحدة " لم يفع شيئ فإن قال لهن. أوقعت منكن طلقة واحدة واحدة، لم يقع أيضا شيئ، فإن قال لهن: أوقعت بينكن أربع تطليقات، ونوى طلقة كل واحدة منهن، طلقت (3) كل واحدة منهن. وإذا قال أنت طالق ثلاثا إلا طلقة، أو قال إلا طلقتين. أو قال أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين، أو قال أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة إذا نوى الفرقة أو لم ينو لم يقع شئ، (4) وكذلك إذا قال " أنت طالق خمسا إلا اثنتين " وكل ما جرى مجرى

(1) في نسخة (ب) " امس " تصحيحا وهو محتمل.
(2) الظاهر " بينكن " وكذا فيما بعده.
(3) مقتضاه أن يكون القول المذكور من صريح الطلاق وهو مناف لما تقدم في أول الباب من أن لفظة الصريح ما اشتمل على كلمة طالق مفردا أو جمعا كأنتن طوالق إلا أن يحمل ما تقدم على المثال لكل ما هو صريح في الايقاع به في الحال كقوله طلقتك كما يظهر ذلك من المبسوط هناك.
(4) يعني ولو واحدة ولعله لعدم صراحة اللفظ في هذه الأمثلة في الطلاق لمكان *

[ 280 ]

ذلك، فإنه لا يقع إلا واحدة مع النية. والاستثناء (1) إذا دخل معه في الطلاق، لم يقع معه طلاق، ولو كان شرطا لم يقع ذلك معه، كما قدمناه لكنه (2) إنما يرد لإيقاف الكلام عن النفوذ، ولو كان شرطا لوجب، وإذا (3) قال: " أنت طالق إن لم يشاء الله أن تطلق " لأنا نعلم أنه تعالى لا يشاء الطلاق، لأنه مباح. وهو تعالى لا يريد المباح عند أكثر مخالفينا، فدل ذلك على ما ذكرناه من أنه ليس بشرط، وإنما هو لإيقاف الكلام عن النفوذ. " باب أقسام الطلاق " " ولواحقه، وما يتعلق بذلك " الطلاق ضربان: أحدهما طلاق السنة، والآخر طلاق العدة، وينقسم ذلك أقساما: وهو طلاق المدخول بها وهي ممن تحيض، وطلاق التي لم يدخل بها وهي

* الاستثناء لكن الفرق حينئذ بينها وبين المثال التالي حيث ذكر فيه وقوع الواحدة مع النية غير واضح كما صرح في المبسوط بوقوعها في الجميع والمظنون أن في العبارة هنا سقطا وصوابها " يقع واحدة إذا نوى الفرقة وإن لم ينو لم يقع شئ " كما يشهد له أيضا قوله: وكذلك (1) الظاهر أن المراد استثناء مشيئة الله بقوله: إن شاء الله أو إلا أن يشاء الله ولما كان هذا محتملا لكونه شرطا ذكر أنه لا يقع الطلاق معه أيضا كما قدمه بل زاد عليه هنا إنه على تقدير وقوعه مع الشرط ليس هذا شرطا حقيقة لأنه يرد في الكلام لإيقافه عن النفوذ.
(2) في نسخة (ب) بدلا عن بعض النسخ " لأنه " وهو غير ظاهر.
(3) الواو هنا زائدة ولفظة " إذا " متعلقة بقوله لوجب وجواب " لو " قوله " أن تطلق " وبعض كلمات المتن في النسختين مشتبهة صححتها على ما ترى برعاية المعنى وملاحظة المبسوط.

[ 281 ]

ممن تحيض، والمدخول بها ولم تبلغ المحيض، ولا في سنها من تحيض، وطلاق التي لم تبلغ المحيض، وفي سنها من تحيض، والحامل المستبين حملها، والآئسة من المحيض (1) وليس في سنها من تحيض والغائب عنها زوجها، وطلاق الغلام وطلاق المماليك، وطلاق المريض. وأما لواحق الطلاق فضربان: أحدهما له مدخل في بعض ضروب الطلاق ويقتضي الفرقة والبينونة والآخر لا مدخل له في ذلك، وإن اقتضى الفرقة والبينونة أو كان كالسبب في ذلك، فأما الأول من هذين الضربين فهو النشوز، والخلع، والمبارات، والشقاق، وقد سلف ذكر ذلك، وأما الثاني: فهو الظهار، والايلاء واللعان والارتداد، وسيأتي بيان جميع ذلك فيما بعد. " باب صفة طلاق السنة " طلاق السنة: هو: أن يطلق الرجل زوجته وهو غير غائب عنها، على الشروط التي سلف ذكرها من كونها غير حائض، وكونها طاهرا في طهر لم يقربها فيه بجماع. وغير ذلك مما قدمنا ذكره، طلقة واحدة، ويتركها حتى تخرج من عدتها فإذا خرجت منها ملكت نفسها، ولم يكن له عليها بعد ذلك سبيل، وكان خاطبا من الخطاب ومتى لم تخرج من عدتها كان املك برجعتها وله ردها وإذا خرجت من العدة، وأراد تزويجها لم يجز له ذلك إلا بعقد جديد، ومهر جديد، فإذا تزوجها كذلك ودخل بها ثم أراد طلاقها، فعل بها مثل ما فعله في الطلقة الأولى من استيفاء الشروط، ويطلقها طلقة ثانية، ويتركها حتى تنقضي عدتها، فإذا خرجت منها كانت املك بنفسها، ولم يكن له عليها سبيل. فإن أراد بعد ذلك العقد عليها، عقد عليها عقدا

(1) زاد هنا في هامش نسخة (ب) بعلامة التصحيح " وفي سنها من تحيض والآيسة من المحيض ".

[ 282 ]

جديدا بمهر جديد، فإن أراد طلاقها بعد ذلك، فعل بها كما فعل في الطلقتين الاوليين من استيفاء الشروط، وطلقها، فإذا طلقها الثالثة، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره فإن تزوجت بين الطلقة الأولى والثانية، أو بين الثانية والثالثة، زوجا بالغا تزويج دوام، ودخل بها، هدم هذا التزويج ما تقدم من الطلاق، وكذلك إذا تزوجت على هذه الصفة بعد الطلقة الثالثة، فإنه يهدم التطليقات الثلاث، ويجوز لها الرجوع إلى الزوج الأول بعقد جديد ومهر جديد أبدا. " باب طلاق العدة " طلاق العدة مخصوص بمن ترى دم الحيض، وصفته أن يطلقها على الشروط السالف ذكرها، فإذا طلقها كذلك، راجعها قبل انقضاء عدتها ولو بيوم أو يومين، فإذا أراد أن يطلقها طلقة ثانية، جامعها ثم استبرأها بحيضة، وطلقها الثانية، كما طلقها الأولى على الشروط التي ذكرناها، فإذا طلقها، استرجعها قبل أن تنقضي عدتها، فإذا أراد طلاقها جامعها، ثم استبرأها بحيضة، وطلقها طلقة ثالثة على الشروط التي تقدم ذكرها، فإذا طلقها الثالثة، فقد بانت منه في الحال ولم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، ولا يجوز لها أن تتزوج غيره أيضا حتى تنقضي عدتها، فإذا قضتها، وتزوجت زوجا بالغا تزوج دوام، ودخل بها، ثم طلقها، أو مات عنها، جاز لها الرجوع إلى الأول بعقد جديد ومهر جديد، فإن راجعها كذلك وطلقها ثلاث تطليقات أخر، كما قدمناه لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فإذا تزوجت به على الصفة المقدم ذكرها، وطلقها أو مات عنها، جاز لها الرجوع إليه بعقد جديد ومهر جديد، فإن طلقها بعد ذلك ثلاث تطليقات أخر، يكمل بها مع ما تقدم ذكره تسع تطليقات، لم تحل له أبدا. والزوج الذي يحلل رجوع المرئة إلى الأول، هو أن يكون بالغا حرا كان أو عبدا، ويكون تزويجه بها تزويج الدوام، يدخل بها، فإن اختل شيئ من ذلك بأن يكون غير بالغ، أو كان بالغا ولا يدخل، أو يكون بالغا وقد دخل بها ويكون التزويج

[ 283 ]

متعة، فإنه لا يجوز لها الرجوع إلى الأول، مع ذلك وأما المراجعة فأقل ما تحصل به أن يقبلها، أو يلامسها، أو ينكر طلاقها عند انقضاء عدتها، فأي شيئ فعل من ذلك كان رجعة، وإن أراد المراجعة من غير هذا الوجوه، بأن يختار ذلك ويتلفظ بها كان أيضا رجعة، والأفضل له أن يشهد على المراجعة شاهدين فإن لم يشهد على ذلك كان جائزا، إلا أن الأفضل له. والأحوط ما ذكرناه، لأنه متى لم يشهد على ذلك، وأنكرته المرأة وشهد له شاهدان بالطلاق حكم به لها، وثبت عليه الطلاق، ولم يكن له عليها سبيل، وإذا راجعها وأراد أن يطلقها طلقة أخرى للعدة لم يجز له ذلك حتى يجامعها، ويستبرئها بحيضة كما ذكرناه، فإن لم يجامعها أو عجز عن ذلك لم يجز له طلاقها للعدة، فإن أراد طلاقها وهو كذلك، طلقها للسنة. " باب طلاق المدخول بها " " وهي ممن تحيض " هذا الطلاق قد تقدم بيانه فيما ذكرناه، من صفة طلاق السنة والعدة، ولا حاجة إلى إعادته. " باب طلاق التي لم يدخل بها " " وهي ممن تحيض " إذا أراد الرجل طلاق هذه الزوجة طلقها واحدة أي وقت أراد على الشروط التي قدمنا ذكرها إلا الحيض فإنه يجوز أن يطلقها وهي حائض أو غير حائض فإذا طلقها فقد بانت منه في الحال فإن كان بعد ذلك (1) كان خاطبا من الخطاب، وجاز لها أن

(1) أي إن كان الطلاق بعد هذه الصفة

[ 284 ]

تتزوج (1) بعد حال الطلاق، وليس عليها عدة، فإذا أراد مراجعتها لم يجز له ذلك إلا بعقد جديد، ومهر جديد، فإن راجعها (2) وطلقها قبل الدخول بها، فقد بانت منه أيضا بتطليقتين، وهو بعد ذلك خاطب من الخطاب. فإن أراد مراجعتها كان بعقد جديد، ومهر جديد، فإن طلقها (4) قبل الدخول بها، طلقة ثالثة، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره على الشرط الذي تقدم ذكره. ومن طلق زوجته قبل الدخول بها، فعلى ضربين إما أن يكون سمى لها مهرا أو لا يكون سمى لها مهرا، فإن كان الأول وجب لها عليه نصفه، (4) وإن كان الثاني كان عليه أن يمتعها على قدر حاله، فإن كان موسرا، كان ذلك جارية، أو دابة، أو ثوبا قيمته خمسة دنانير، أو ما زاد على ذلك وإن كان متوسط الحال، فمن ثلاثة دنانير أو ما زاد عليها، وإن كان معسرا فدينار، أو خاتم، أو ما جرى مجرى ذلك. ويعتبر في المتعة ما جرت العادة به من حال المرئة والرجل. " باب طلاق المدخول بها، ولم تبلغ المحيض " " ولا في سنها من تحيض " إذا أراد الرجل طلاق زوجة له مدخول بها، وهي لم تبلغ المحيض، ولا في سنها من تحيض، وحد ذلك تسع سنين (5). فليطلقها أي وقت أراد طلاقها، فإذا

(1) أي بهذا الرجل أو غيره (2) أي بعقد جديد (4) أي بعد ما راجعها (1) تقدم بعض التفصيل في ذلك في باب الصداق من النكاح (5) الصواب " دون تسع سنين " كما في النهاية ويدل عليه قول المصنف بعد ذلك: فإن كان لها تسع سنين وزائدا وقد تقدم في النكاح باب ما ينبغي فعله عند العقد أنه لا يجوز الدخول بالزوجة قبل بلوغها تسع سنين فإن فعل وعابت كان *

[ 285 ]

طلقها بانت منه، وصار عند ذلك خاطبا من الخطاب، فإن كان سمى لها مهرا، وجب ذلك لها عليه على كماله، وإن لم يكن سمى لها مهرا، كان لها مهر مثل نسائها، ولا يتجاوز بذلك مهر السنة خمس مائة درهم، فإن كان لها تسع سنين وزائدا على ذلك، ولم يكن حاضت بعد، وأراد طلاقها فينبغي (1) له أن يصبر عليها ثلاثة أشهر ثم يطلقها بعد ذلك. " باب طلاق التي لم تبلغ المحيض " " وفي سنها من تحيض " إذا كان للرجل زوجة لم تبلغ المحيض وفي سنها من تحيض، وأراد طلاقها، فينبغي له أن يستبرئها بثلاثة أشهر، فإذا فعل ذلك، طلقها، إن اختار طلاقها. " باب " " طلاق الحامل المستبين حملها " طلاق هذه المرئة إذا أراد زوجها طلقها (2) أي وقت شاء، فإذا طلقها واحدة، فهو املك برجعتها، ما لم تضع حملها، فإذا استرجعها على هذا الوجه، ثم أراد أن يطلقها طلاق السنة لم يجز له ذلك، حتى تضع حملها، فإن أراد أن يطلقها للعدة الطلقة التي قدمنا ذكرها جاز له ذلك، وينبغي (3) له إذا أراد ذلك أن يواقعها، ثم

* عليه ضمان عيبها ويفرق بينهما ولا تحل له أبدا ونحوه كلام الشيخ في النهاية وجماعة من الأصحاب فظاهرهم أنه إذا لم يحصل بها عيب جاز إمساكها ووطأها بعد البلوغ لكن ذكر ابن إدريس في السرائر أن مرادهم هنا جواز الامساك فقط مع حرمة وطأها أبدا وهو بعيد فراجع والله العالم. (1) الظاهر أن المراد به هنا الوجوب كما في الباب التالي وما بعده (2) وفي نسخة طلاقها.
(3) أي يجب كما تقدم آنفا.

[ 286 ]

يطلقها، فإذا فعل ذلك بانت منه بتطليقة (1)، وهو املك برجعتها، فإن استرجعها وأراد أن يطلقها، واقعها ثم يطلقها بعد المواقعة، فإذا فعل ذلك بانت منه بتطليقتين، وهو املك برجعتها، فإن استرجعها ثم أراد أن يطلقها الثالثة، واقعها ثم طلقها، فإذا طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وليس لها أن تتزوج حتى تضع حملها، فإن كانت حاملا باثنين، فهي تبين من بعلها بوضعها الأول، إلا أنه لا تحل لها أن تتزوج حتى تضع الباقي من حملها. " باب طلاق الآئسة " " من المحيض وفي سنها من تحيض " إذا كانت المراة آئسة من المحيض، وفي سنها من تحيض، وأراد زوجها طلاقها، فينبغي له أن يستبرئها بثلاثة أشهر، فإذا استبرئها بذلك، طلقها إن شاء، وحد من كانت كذلك أن ينقص سنها عن خمسين سنة، فإن أراد طلاقها من غير استبراء بما ذكرناه لم يجز له ذلك. " باب طلاق الائسة " " من المحيض وليس في سنها من تحيض " إذا كانت المرأة آئسة من المحيض وليس في سنها من تحيض وحد ذلك أن يكون سنها خمسين سنة، أو أكثر من ذلك، وأراد زوجها طلاقها، طلقها أي وقت شاء، فإذا طلقها بانت منه في الحال، وكان بعد ذلك خاطبا من الخطاب. " باب طلاق الغائب عنها زوجها " الرجل الغائب عن زوجته، إذا أراد طلاقها، فإن كان لما خرج عنها كانت

(2) الصواب " بتطليقتين " وجملة " هو املك - إلى - بتطليقتين " زائدة أو المراد من قوله: فإذا فعل ذلك هو الطلاق الأول فيكون ما بعده تكرارا لما قبله وهو بعيد

[ 287 ]

طاهرة في طهر، لم يقربها فيه، بجماع، طلقها أي وقت شاء. وإن كانت طاهرة طهرا، قد قربها فيه بجماع، وأراد طلاقها لم يجز له ذلك حتى يمضي لها ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر (1) ثم يطلقها بعد ذلك، أي وقت شاء، وإذا أراد طلاقها طلقها، طلقة واحدة، فإذا فعل كان ذلك املك برجعتها ما لم تخرج من عدتها، وهي ثلاثة أشهر، إن كانت ممن تحيض، فإذا راجعها فينبغي له أن يشهد على المراجعة، فإن لم يشهد على ذلك، وبلغ الزوجة الطلاق، ثم اعتدت وكملت عدتها، لم يكن له عليها سبيل، تزوجت، أو لم تتزوج إلا بعقد جديد، ومهر جديد فإن طلقها واشهد على طلاقها، ثم قدم من غيبته، ودخل بها، وأقام معها وجاءت بولد، ثم ادعى أنه كان طلقها، لم يقبل دعواه في ذلك، إلا ببينة (2) وإن احضر بينة كان الولد لاحقا به. وإذا كان أربع نسوة، وغاب عنهن، ثم طلق واحدة منهن، وأراد أن يتزوج غيرها، لم يجز له ذلك حتى يمضي التي طلقها تسعة أشهر، لأن في ذلك مدة الأجلين: وضع الحمل وفساد الحيض. وإذا كان لرجل زوجة، وهي معه في البلد، غير أنه، لا يصل إليها بالجملة، كان حكمه حكم الغائب عن زوجته إذا أراد طلاقها: في أنه، يصبر إلى أن يمضي ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر، ثم يطلقها أي وقت أراد طلاقها.

(1) الظاهر أن المراد إن أقل ما يمضي شهر وهو حده الواجب والأكثر منه إلى ثلاثة أفضل وأحوط وذلك لاختلاف النصوص ومقتضى الجمع بينهما ما ذكر كما في الوسائل وجواهر الكلام وقيل فيه غير ذلك فراجع.
(2) في نهاية الشيخ: لم يقبل قوله ولا بينته ونحوه في الشرائع وغيره وذكر في جواهر الكلام أنه لم يظهر لنا مخالف فيه والأصل فيه خبر سليمان بن خالد كما في الوسائل الباب 15 من أقسام الطلاق فالظاهر أن صواب المتن " ولا بينته " مضافا إلى أنه لو قبلت منه لا يلحق به الولد أيضا.

[ 288 ]

" باب طلاق الغلام " الغلام إذا كان يحسن الطلاق، وكان سنه عشر سنين، أو أكثر من ذلك، وأراد الطلاق، كان ذلك جائزا، وكذلك يجوز صدقته، وعتقه ووصيته، وإن كان سنه أقل من عشر سنين، أو يكون ممن لا يحسن الطلاق، لم يجز طلاقه، ولم يجز أيضا لوليه إن كان له ولي أن يطلق عنه إلا أن يكون قد بلغ، وهو مع ذلك فاسد العقل، فإنه إذا كان كذلك جاز لوليه أن يطلق عنه. " باب طلاق المماليك " إذا كان للعبد زوجة حرة فطلاقها ثلاث تطليقات، فإن كانت الزوجة مملوكة، كان طلاقها طلقتين، فإن طلقها واحدة، ثم عتقا جميعا بقيت معه على تطليقة واحدة، (1) فإن عتقا قبل أن يطلقها شيئا، كان حكمها في الطلاق، كحكم الحرة في أن طلاقها ثلاث تطليقات، وإن كانت للحر زوجة مملوكة، فطلاقها تطليقتان، فإذا طلقها كذلك لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره فإن وطأها سيدها؟ لم تحل للزوج بذلك، ولا تحل له (2) إلا بأن يدخل بها، ويطلقها، أو يموت عنها، فإذا كان كذلك

(1) يعني أن لها طلقة أخرى ثانية ثم لا تحل له حتى تنكح زوجا كغير المعتقة كما صرح المصنف بذلك في الفرع التالي وهذا هو المشهور لكن المذكور في النصوص الواردة فيه كما في الوسائل الباب 28 من أقسام الطلاق: أنها كانت عنده على واحدة وهذا يمكن أن يكون المراد به بقاء الطلقة الأولى وإنه لا يهدمها الاعتاق كما يهدمها الاسلام لو كانت مشركة فأسلمت بعدها فلا ينافي أن يكون لها طلقتان أخريان بصيرورتها حرة كما عن ابن الجنيد لعموم الآية وهو الأقوى.
(2) فيه سقط والصواب: " ولا تحل له إلا بأن تدخل في مثل ما خرجت منه من الزوجية فإذا اشتراها الزوج الذي طلقها لم يحل له أيضا وطأها حتى يزوجها من رجل يدخل بها ثم يطلقها أو يموت عنها " كذا في هامش نسخة (ب) لكن بعد تصحيح ألفاظه بملاحظة المعنى ومراجعة النهاية والنصوص الواردة فيه كما في الوسائل الباب 26 مما ذكر.

[ 289 ]

حل له وطؤها بالملك، فإن طلقها واحدة ثم أعتقت بقيت معه على طلقة واحدة، وإن تزوجها بعد ذلك، وطلقها طلقة ثانية، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره. " باب طلاق المريض " لا يجوز طلاق المريض، فإن طلق كان طلاقه واقعا، وورثته الزوجة ما بينه وبين سنة، إن لم يبرأ من مرضه ولا تتزوج (1) المرأة، فإن برأ المريض، ثم مرض بعد ذلك، ومات لم ترثه المرأة، وكذلك إن تزوجت المرأة بعد خروجها من عدتها، لم يكن لها منه ميراث، فإن لم تتزوج، ومضى لها سنة ويوم، لم يكن لها بعد ذلك ميراث، وهو يرث المرأة مادامت في العدة، فإن خرجت منها لم يكن له ميراث، ولا فرق في ذلك (2) بين أن يكون التطليقة أولة، أو ثانية، أو ثالثة. وإذا أعتقت الأمة تحت عبد وهي مريضة، فاكتسبت مالا، واعتق العبد كان لها الخيار، فإن اختارت الفسخ بطلت الزوجية، وإن ماتت لم يرثها (3) ولم ترثه هي أيضا، والصغيرة إذا زوجها أخوها، أو عمها، ثم بلغت مريضة، واختارت الفسخ، لم يرث واحد منها الآخر.

(1) الصواب " ولم تتزوج " (2) أي في إرث الزوجة منه في السنة وأما إرثه منها في العدة فهذا الكلام يوهم عدم الفرق المذكور فيه أيضا واظهر منه كلام الشيخ في النهاية لكن الوجه اعتبار كونها في العدة الرجعية والظاهر أن مرادهما أيضا ذلك كما ذكره المحقق في نكت النهاية وينبغي في المقام استثناء المختلعة والمباراة والمستأمرة فإنهن لا يرثن من الزوج وإن مات بمرضه في السنة للنص. (3) المراد بهذا الفرع وما بعده أن حكم الإرث المذكور خاص بطلاق المريض فلا يلحق به فسخ الزوجة المريضة إن ماتت في مرضها لحرمة القياس عندنا بل الظاهر أنه لا يلحق به فسخ الزوج المريض ولا غير الفسخ من أسباب زوال النكاح كاللعان وحدوث التحريم بينهما برضاع ونحوه كما صرح بذلك كله في جواهر الكلام في كتاب الطلاق.

[ 290 ]

" باب الرجعة " " قال الله تعالى: وبعولتهن أحق بردهن (1) " أراد بذلك رجعتهن، والرد هو الرجعة، (وقال تعالى: الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان " (2) فبين بذلك أن الطلاق مرتان ومعناه طلقتان، ثم قال تعالى: فامساك بمعروف بأن يراجعها لأن الامساك هاهنا هو الرجعة. وقال تعالى: (وإذا طلقتم النساء فإذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف) (3). وقال في موضع آخر (أو فارقوهن بمعروف (4) فخير بين الامساك الذي هو الرجعة، وبين المفارقة. وقال تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) إلى قوله لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا (5) يعني الرجعة، فالرجعة معلوم جوازها من الشرع على كل حال، فإذا كان كذلك فالاعتبار في الطلاق بالزوجة إن كانت حرة فثلاث تطليقات، وإن كانت أمة فتطليقتان، سواء كانت تحت حر، أو عبد، وعدة المرأة تكون بالاقراء، أو بالحمل أو بالشهور، فإذا كانت عدتها بالاقراء، أو بالحمل، قبل قولها في انقضاء عدتها، فإذا قالت: قد خرجت من العدة، قبل قولها في ذلك مع يمينها، لأنها مؤتمنة على فرجها، لقوله تعالى: (ولا تحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن (6). يريد الحيض، والحمل، كذلك جاء في التفسير، (7) فإن ادعت ما يمكن

(1) البقرة آية 228 (2) البقرة 229.
(3) البقرة 231 (4) الطلاق 2.
(5) الطلاق آية 1.
(6) البقرة 228.
(7) كما في جمع البيان عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال قد فوض الله إلى النساء ثلثة أشياء الطهر والحيض والحبل ونحوه في تفسير علي بن إبراهيم لكن لا يظهر منه النسبة إلى الإمام (عليه السلام) وفي تفسير العياشي عنه (عليه السلام) فسره بالحمل فإن صح الأول كان هذا بيانا للفرد كما في كثير من الأخبار الواردة في تفسير الآيات.

[ 291 ]

صدقها قبل قولها مع يمينها، (1) وإن ادعت ما لا يمكن صدقها فيه، لم يقبل قولها، لأن كذبها قد علم وتحقق، فأما كيفية ما يمكن كونها صادقة فيه، فجملته أنه لا يخلو من أن تكون من ذوات الأقراء، أو من ذوات الحمل، فإن كانت من ذوات الأقراء، فأما إن تكون حرة أو أمة، فإن كانت حرة فطلقها في حال طهرها، فإن أقل ما يمكن فيه انقضاء عدتها ستة وعشرون يوما ولحظتان، تبيين ذلك: إنه ربما طلقها في آخر جزء من طهرها، فإذا مضى جزء ورأت الدم ثلاثة أيام وعشرة أيام طهرا، وثلاثة أيام بعد ذلك دما، فيكون قد حصل لها قرءان في ستة عشر يوما ولحظة، فإذا رأت بعد ذلك عشرة أيام طهرا، ثم رأت بعد ذلك لحظة دما، فقد خرجت من العدة، فتكون الجميع ستة وعشرين يوما ولحظتين. وأقل ما يمكن أن تنقضي به ثلاثة عشر يوما ولحظتان، (2) فإذا ادعت المرأة انقضاء عدتها في أقل من المدة التي ذكرناها، لم يقبل قولها، لأن ذلك لا يمكن بمجرى العادة وإن كانت عدتها بالوضع فأقل ما يمكن أن تضع فيه ثمانون يوما، لأنه يحتمل أن يتزوجها الرجل، فيدخل بها، وتحبل فتبقى النطفة أربعين يوما، ثم تصير علقة أربعين يوما ثم تصير مضغة، فإن وضعت ما يتصور فيه خلقة آدمي يومين (3) المضغة، لأنها مبتدء خلق البشر، فإن

(1) الظاهر أن المراد ما إذا انكره الزوج كما في الشرائع وإلا فلا حاجة إلى اليمين لقول الباقر (عليه السلام) العدة والحيض للنساء إذا ادعت صدقت وظاهر المصنف أنه في أقل ما يمكن انقضاء العدة به أيضا يقبل قولها بيمينها وهو بعيد بل الوجه أنه لا يقبل إلا بشهادة النساء لها وإن لم ينكر عليها للنص كما في الوسائل الباب 47 من أبواب الحيض وكأنه لكون الانقضاء به خلاف المتعارف وفي معرض التهمة.
(2) فإن عدتها قرءان وتنقضي بالدخول في الحيضة الثانية وذكر جمع من الأصحاب أنه يمكن نادرا أن يكون أقل وهو فيما إذا طلقها بعد وضع الحمل قبل النفاس بلحظة ثم رأته لحظة بناءا على كونه كالحيض في ذلك فعليه تنقضي في الحرة بثلاثة وعشرين يوما وثلاث لحظات وفي الأمة بعشرة أيام وثلاث لحظات.
(3) في العبارة هنا وفي ذيلها تشويش ولعل صوابها هنا كما في المبسوط " فإن *

[ 292 ]

ادعت وضع الحمل دون ذلك كله. لم يقبل قولها، لأنه غير ممكن، وهذا وإن كان قولا للمخالفين، فالاحتياط يقتضي أن نقول به، لأنها تخرج من العدة بذلك إجماعا، ولأنه ليس لنا في ذلك نص معين، فنقول بما يتضمنه فيه. وإذا قالت وضعت الحمل وسرق، أو مات، صدقت في ذلك، لأنها مؤتمنة عليه، ولا تطالب باظهار الولد. وإنما يقبل قولها في انقضاء العدة بالحمل، فأما في الحاق النسب والاستيلاد والطلاق إذا علق به (1)، فلا يقبل قولها فيه، بل يرجع ذلك إلى الزوج، فإذا قال هي ولدته وليس مني فإنه يلحقه نسبه لأجل الفراش إلا أن ينفيه باللعان، فإن قال ما ولدته هي بل استوهبته، أو سرقته، أو التقطته، أو أسرته (2) لم يقبل قولها، ويكون القول قوله مع يمينه، لأن إقامتها البينة على أنها ولدته ممكن لها، فإذا لم تقمها كان القول قوله مع يمينه.

* وضعت ما يتصور فيه خلقة آدمي أو مضغة حلت ولا فرق بين ما يتصور فيه خلقة آدمي وبين المضغة لأنها مبتدأ خلق البشر " قوله حلت أي للأزواج فهو عبارة عن الخروج من العدة وحكي في المختلف كلام المصنف والمبسوط وأسقط منهما هذه العبارة فقال بعد قولهما " ثم تصير مضغة ": فإن ادعت وضع الحمل إلى آخره وكأنه أراد الاختصار وعلى كل يستفاد منهما أن أقل وضع الحمل صيرورة النطفة مضغة فلو سقط العلقة لم تنقض به العدة وهو الظاهر من الخبر الموثق كما في الوسائل الباب 11 من أبواب العدد وروي في الكافي باب بدو خلق الانسان من كتاب النكاح أن النطفة تكون في الرحم أربعين يوما ثم تصير علقة أربعين يوما ثم تصير مضغة فما في المتن والمبسوط من فقد نص على ما ذكر ممنوع. (1) أي قال لها أنت طالق إن كنت حاملا فلا يثبت الطلاق بادعائها للحمل وقد تقدم أن التعليق في الطلاق غير جائز مطلقا فالمراد أنه لو قيل بجوازه كما عن العامة.
(2) عن بعض النسخ " اشترته "

[ 293 ]

وأما الأمة إذا أتت بولد وادعت أنه من سيدها، رجع إلى السيد في ذلك فإن قال هي ولدته وليس مني، أو استوهبته أو التقطته أو سرقته أو ما أشبه ذلك كان القول قوله على كل حال، لأنها ليست فراشا (1). وإذا كانت معتدة بالشهور فطلقت كانت عدتها ثلاثة أشهر من وقت الطلاق فإن كانت ممن توفي عنها زوجها، فأربعة أشهر وعشر من وقت الوفاة، لا يرجع في ذلك إلى قبول القول، لأنه مشاهد، إلا أن يختلفا، فيقول الرجل طلقتك في شعبان، تقول المرأة في رجب، فيكون القول قوله مع يمينه، لأن الأصل عدم الطلاق (2) فإن كان ذلك بالعكس، فقال الزوج طلقتك في رجب، وقالت المرأة بل في شعبان، كان القول قولها، لأنها تطول على نفسها العدة، غير أنه تسقط النفقة عن الزوج فيما (3) زاد على ما أقر به إلا أن تثبت بينة، كما إذا اختلفا فقال الزوج طلقتك

(1) تعليل لقبول قوله: " إن قال ولدته وليس مني ". وإن هذا هو الفرق بين الأمة والزوجة ولكن يأتي من المصنف وغيره في باب الحاق الأولاد أن الأمة أيضا فراش وقد اطال في جواهر الكلام في كتاب اللعان للجمع بين كلماتهم والنصوص في ذلك مختلفة والأقوى أنها فراش له بوطأها ولكن ادعى الاجماع على انتفاء ولدها عنه بنفيه دون لعانه وربما يلزمه الإحتياط أيضا في بعض الأحكام كما يأتي هنا وتقدم في بعض الأبحاث السابقة والله العالم.
(2) وقوع الطلاق إجمالا معلوم فالمراد أن الأصل عدم وقوعه في رجب حيث اختلفا فيه فيلزمه الوقوع في شعبان ويترتب عليه امتداد العدة منها إلى ثلاثة أشهر هذا بناءا على القول بصحة الأصل المثبت وكأنه مختار المتقدمين وأما بناءا على عدمها كما عليه المتأخرون فيمكن استصحاب العدة المعلوم كونها في شعبان إجمالا إلى زمان الاختلاف لكن فيه إشكالا ليس هنا محل ذكره.
(3) مقتضى تقديم قولها بالأصل المذكور ثبوت النفقة لها عليه فيما زاد أيضا كما في المعتدة بالاقراء وتنظيره بما إذا اختلفا في كون الطلاق قبل الدخول أو بعده فاسد لأن الأصل فيه عدم الدخول فيقدم قول الزوج ولعل مراد المصنف أن القول قوله على كل حال لأن الطلاق فعله وهو أبصر بفعله لكن تؤخذ المرأة بقولها فيما *

[ 294 ]

قبل الدخول، وتقول هي بعد الدخول، فإنما يقبل قول الزوج في سقوط نصف المهر، فيسقط عنه، ويقبل قول الزوجة في وجوب العدة لأنه نصيبها (يضرها خ ل). والمطلقة طلقة رجعية لا يحرم تقبيلها ولا وطؤها، فمتى فعل زوجها ذلك، كان رجعة، وليس من شرط صحة الرجعة الاشهاد، وإنما هو احتياط، واستحباب. وإذا قال الرجل لامرأته، راجعتك إن شئت لم يصح، لأنه لا اعتبار هاهنا بمشيئتها. وإذا كانت الزوجة أمة، فطلقها طلقة رجعية، وادعى أنه كان راجعها وكذبته، كان القول قوله فإن صدقته فالقول قولها ويحكم بصحة الرجعة، فإن قال السيد كذبت هي، وإن الزوج، ما راجعها لم يقبل، لأن الرجعة استباحة بضع، يتعلق بالزوجين، وليس بزوج فلا يقبل ذلك منه. وإذا طلقها طلقة رجعية، واختلفا في الاصابة، فقال الزوج طلقتك بعد أن أصبتك ولي عليك الرجعة، ولك كمال المهر، وعليك العدة، وقالت المرأة طلقتني قبل أن تصيبني، فليس علي عدة ولا لك على رجعة ولي عليك نصف المهر كان القول قولها مع يمينها لأن الطلاق إذا كان عن نكاح لا يعلم الاصابة به فيه، فالظاهر وقوع الفرقة وحصول البينونة، فإن ادعى الرجل الاصابة، كان مدعيا لأمر باطن يريد أن يدفع به الظاهر، فإذا حلفت سقطت دعواه، وليس له عليها رجعة، ولا تجب عليها العدة والسكنى، والنفقة، ولا تجب عليه وإن كان مقرا به، لأنه ليس يقبل هذا الاقرار، فلا حكم له، وإذا كان المهر في يده كان لها عليه نصفه، لأنها لا تدعي أكثر منه، وإن كان في يدها لم يجز للزوج أن يسترجع فيه النصف، لأنه أقر بأن جميع المهر لها، ولا يمكنه أن يسترجع شيئا لا يدعيه. هذا إذا كان الزوج هو المدعي للاصابة، وأنكرت الزوجة ذلك، فأما إن

* يرجع إلى نفسها وهو بقاء العدة بالنسبة إلى حرمة التزويج وذلك لتضمن قولها الاقرار بذلك والله العالم.

[ 295 ]

إن ادعت الزوجة الاصابة، وأنكر الزوج ذلك، مثل أن تقول طلقتني بعد الاصابة ويقول الزوج: طلقتك قبل الاصابة، فهي معترفة بثبوت الرجعة والعدة، وتدعى كمال المهر، والزوج معترف بأنه لا رجعة له عليها، ولا يجب له عليها عدة، ولها عليه نصف المهر، فإن القول قوله مع يمينه، لأن الأصل عدم الاصابة، والظاهر أن الفرقة قد وقعت والبينونة حصلت، وعليها البينة فيما تدعيه، فإن حلف سقطت دعواها، وكان عليها العدة، لأنها أقرت بوجوبها عليها، ولا يجب لها سكنى، ولا نفقة، لأنها أقرت بأنها لا تستحقه (1) والمهر يجب نصفه، سواء كان في يده، أو في يدها، لأنه حلف أنه طلقها قبل الدخول، فليس لها إلا النصف، فإن كان دفع الجميع استرجع النصف، فإن تعلق (2) في ذلك بالخلوة، وأن لها تأثيرا في ذلك لم يلتفت إليه، لأن الخلوة لا تأثير لها هاهنا. وإذا طلق الرجل زوجته ثلاثا مفترقات مشروعة، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، ويصيبها، ثم يطلقها، أو يموت عنها، وتعتد منه، فتحل للأول حينئذ. والخصي على ضربين: مسلوب (3) ومجبوب، فالمسلوب هو الذي سلب بيضتاه وبقي ذكره، وهذا إذا تزوجت به ووطأها حلت للأزواج (4) لأنه أولج، وإن كان لا ينزل، والانزال غير معتبر به (معتد به خ ل) في باب الإباحة، لأنه لو التقى الختانان من السالم الصحيح، ثم أكسل حلت للأول.

(1) هذا من سهو القلم فإنها مدعية للاستحقاق فدفعت عنه بإنكار الزوج ويمينه وكأنه اشتبه بالفرض الأول.
(2) بصيغة المجهول أي إن تمسك أحد لاستحقاق جميع المهر لها بحصول الخلوة وإن لها تأثيرا في ذلك كما عن بعض العامة.
(3) الصواب " مسلول " باللاميين كما في المبسوط و " سلت " باللام المشددة والتاء المؤنثة وقد تقدم في باب التدليس في النكاح أن الخصي هو مسلول الخيصيتين والمجبوب قسم آخر فما ذكره هنا مسامحة.
(4) الصواب " للأول "

[ 296 ]

وأما المجبوب فإن لم يبق من ذكره شيئ، كان الوطأ معدوما، ولم يتعلق به إباحة، فإن بقي ما لا يتبين، فليس يبيحها للأول، لأنه لا يغيب ولا يدخل، وإن بقي قدر ما يغيب منه، إذا أولج ويلتقي معه الختانان، فإن ذلك يبيحها للأول، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الزوج حرا والمرأة أمة، أو المرأة حرا والزوج عبدا، أو كانا مملوكين، أو حرين، أو كانت ذمية. الطلاق بالنساء (1) فإن كانت أمة فطلقتان، وإن كانت حرة فثلاث تطليقات، سواء كان الزوج حرا أو عبدا، فالحر إذا طلق زوجته الأمة طلقتين، ثم ملكها لم تحل له إلا بعد زوج يصيبها، ولا يجوز له وطؤها بملك اليمين، إلا بعد ذلك أيضا. وإذا قيل لرجل أطلقت امرأتك؟ فقال: نعم بمحضر عدلين لزمه الطلاق في الظاهر، لأن معنى قوله نعم، أي نعم طلقتها، فإن كان صادقا لزمه الطلاق ظاهرا وباطنا، وإن كان كاذبا لزمه في الحكم، ولم يلزمه فيما بينه وبين الله. وإذا رجع زوجته بلفظ النكاح، مثل أن يقول لها تزوجتك أو نكحتك، كان رجعة، إذا قصد ذلك. وإذا تزوجت المطلقة ثلاثا بزوج، فوجدها على فراشه، فظن أنها أجنبية، فوطأها حلت للأول، لأن شرط الإباحة قد حصل وهو الوطؤ في نكاح صحيح، والمطلقة ثلاثا إذا وجدها رجل على فراشه فظن أنها أمته أو زوجته، فوطأها لم تحل للأول لأنه لم يطأها في عقد، وإذا تزوجها الزوج الثاني إلى مدة، كان ذلك متعة، ولم يحل مع ذلك للأول.

(1) في نسخة (ب) " لا طلاق النساء " فهو تعليل للتعميم المذكور قبله والأصح ما في المتن كما في نسخة الأصل فالمراد أن في الطلقتين أو الثلاث يعتبر حال المرئة من كونها أمة أو حرة دون زوجها وقد مضت هذه المسائل في باب طلاق المماليك.

[ 297 ]

" باب الظهار " قال الله تعالى: " والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا (1) ". وعن الصادق (عليه السلام): قال جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال يا رسول الله ظاهرت من امرأتي، قال اذهب فاعتق رقبة، قال ليس عندي، قال فصم شهرين، قال لا أستطيع، قال اذهب فأطعم ستين مسكينا، فقال: والذي بعثك بالحق لا أعرف بين لابتيها أحدا أحوج إليه مني ومن عيالي، قال اذهب وكل واطعم عيالك ".
(2) فالظهار محرم في الشريعة. ألا ترى قوله تعالى: الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم إلى قوله تعالى فإطعام ستين مسكينا (3) فبين في ذلك حكمه وذكر تحريمه بأنه قول منكر وزور، ثم ذكر الكفارة فأوجب فيها عتق رقبة ثم صوم شهرين متتابعين، ثم إطعام ستين مسكينا، فإن ذلك مرتب، فثبت بذلك، أن للظهار حكما في الشريعة، وإن الكفارة تتعلق بها فالظهار الحقيقي الذي ورد به الشرع هو أن يشبه الرجل جملة زوجته، بظهر أمه أو إحدى المحرمات عليه، فيقول: أنت على كظهر أمي أو بنتي، أو يذكر غيرهما من المحرمات عليه

(1) المجادلة 4 (2) الوسائل ج 15 الباب 2 من أبواب الكفارات وفيه بعد قوله: ستين مسكينا " قال ليس عندي فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنا أتصدق عنك فأعطاه تمرا لإطعام ستين مسكينا وقال اذهب وتصدق بها فقال والذي بعثك بالحق ما أعلم بين لابتيها أحدا أحوج إليه مني ومن عيالي قال فاذهب فكل واطعم عيالك " قوله بين لابتيها أي في المدينة لأن اللابة هي الحرة أي الأرض ذات الحجارة، والمدينة المنورة بين لابتين عظيمتين وروى الشيخ في المبسوط نحو هذا الخبر بوجه أبسط.
(3) المجادلة 2

[ 298 ]

كالاخت، أو ابنتها، أو العمة، أو الخالة، وما جرى مجرى ذلك، فليس يصح حتى ينوي الرجل به التحريم، ويشهد عليه شاهدين في مجلس واحد، وتكون الزوجة طاهرا طهرا لم يقربها فيه بجماع، فإن اختل مما ذكرناه شيئ، لم يصح الظهار، وكذلك لا يقع صحيحا إذا كان مشروطا، ولا يقع أيضا صحيحا، إذا كانت المرأة حايضا، ولا يقع إلا بزوجة مدخول بها، حرة كانت أو أمة. فإن كانت ملك يمين لم يقع بها ظهار، وكذلك لا يقع بالتي لم يدخل بها، ويقع بالزوجة إذا كانت حاملا، فإن قال لها أنت مني كظهر أمي، أو أنت معي أو عندي أو ما جرى مجرى ذلك، كان مظاهرا، لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، وكذلك إذا قال نفسك على كظهر أمي، أو جسمك أو بدنك أو ما جرى مجرى ذلك كان ظهارا فإن شبه زوجته بعضو من أعضاء الأم غير الظهر، مثل أن يقول أنت على كبطن أمي، أو كفرج أمي، أو كرأس أمي، أو شبه عضوا من أعضاء زوجته بظهر أمه، مثل أن يقول فرجك أو رجلاك أو راسك، وما جرى مجرى ذلك، وكذلك قوله رجلك على كرجل أمي أو بطنك على كبطن أمي، أو فرجك على كفرج أمي، وما أشبه ذلك، ونوى الظهار كان بجميع ذلك مظاهرا. فإن قال لها أنت على كأمي، أو مثل أمي، كان ذلك كناية، يحتمل مثل أمي في الكرامة: ويحتمل مثلها في التحريم فالتحريم يرجع إليه، فإن قال مثلها في الكرامة لم يكن ظهارا وإن قال أردت مثلها في التحريم، كان ظهارا، وإن أطلق لم يكن ظهارا، لأنها كناية، لم يتعلق الحكم بمجردها، إلا ببينة. فإن قال لها أنت على كظهر أبي، لم يكن ظهارا، نوى أو لم ينو، فإن شبه زوجته بإحدى جداته من قبل أبيه، أو من قبل أمه، قريبة كانت أو بعيدة، كان بذلك مظاهرا، لأن الأم يطلق عليها حقيقة ومجازا، وإن كان في ذلك خلاف إلا أن الظاهر عندنا ما ذكرناه، فإن شبهها بامرأة تحل له لكنها محرمة في الحال، مثل المطلقة

[ 299 ]

ثلاثا، أو أخت امرأته أو عمتها أو خالتها (1) فإنه لا يكون مظاهرا، فإن شبهها بامرأة محرمة عليه على التأبيد غير الأمهات، مثل البنات وبنات الأولاد من البنين، والبنات والأخوات وبناتهن والعمات والخالات، فعندنا إنهن يجرين مجرى الأمهات. فأما النساء المحرمات عليه بالرضاع والمصاهرة، فالظاهر أنه لا يكون بهن مظاهرا. فإذا قال لزوجته ما ذكرنا أن الظاهر يقع به، ويثبت معه التحريم مع الشروط التي بيناها في ذلك، حرم عليه وطؤها، ولم يحل له ذلك منها حتى يكفر، فإن واقعها مرة واحدة قبل أن يكفر، كان عليه كفارة أخرى، فإن واقعها أكثر من مرة، كان عليه لكل مرة كفارة. وإذا كان للرجل من الزوجات أكثر من واحدة، فظاهر منهن في حال واحدة، كان عليه لكل واحدة منهن كفارة، وقد روي (1) أن عليه كفارة واحدة، والاحتياط يقتضي ما ذكرناه أولا. وإذا ظاهر الرجل من زوجته مرة بعد أخرى، كان عليه لكل مرة كفارة. والكفارة الواجبة في الظهار ما تضمنته الآية، وهو عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع، فاطعام ستين مسكينا. ولا يجزي للمظاهر الصوم إلا بعد العجز عن العتق، ولا يجزيه إطعام إلا بعد العجز عن الصوم، فإن كفر بواحدة، وهو قادر على أن يكفر بما قبلها، كان عليه أن يكفر بالكفارة المتقدمة، دون ما يليها، فإن لم يكفر بواحدة من الثلاث الكفارات، لم يجز له وطؤها، وكان له القيام معها، فإن طلبت فراقه ورافعته إلى الحاكم، أجله ثلاثة

(1) بناءا على حرمة العقد عليهما كما عن العامة وأما عند الامامية فالمعروف * إنما هو حرمة إدخال بنت الأخ أو بنت الأخت على العمة والخالة من دون رضاهما كما تقدم في هذا الكتاب في باب المحرمات من النكاح دون ادخالهما على البنتين إلا على قول نادر (1) الوسائل الباب 14 من كتاب الظهار.

[ 300 ]

أشهر فإن كفر، وإلا الزمه طلاقها، فإن كان غير قادر على الكفارة، لم يلزمه الطلاق (1). وإذا أراد المظاهر الصوم، فعليه أن يصوم شهرين متتابعين، فإن صام شهرا وصام من الثاني شيئا (2) وأفطر، كان له أن يبتدأ الصوم من أوله، فإن أفطر قبل أن يتم صوم الشهر الأول لمرض، جاز له البناء على ما تقدم. وإذا دخل المظاهر في الصوم، وقدر على الرقبة، كان له المضي في صومه، والأفضل له أن يعدل إلى الرقبة، وإذا عجز عن الاطعام صام ثمانية عشر يوما، فإن عجز عن ذلك أيضا لم يجز له وطؤ زوجته التي ظاهر منها، وبقي على ذلك إلى أن يكفر، والاطعام نصف صاع لكل رجل (واحد خ ل). وإذا طلق المظاهر زوجته قبل أن يكفر، سقطت الكفارة عنه، فإن راجعها قبل أن تنقضي عدتها لم يجز له وطؤها حتى يكفر، فإن خرجت من عدتها وعقد عليها بعد ذلك عقدا جديدا لم يلزمه كفارة، وجاز له وطؤها. وإذا ظاهر العبد من زوجته، كان ظهاره واقعا وكان عليه الكفارة، والكفارة الواجبة عليه في ذلك صوم شهر واحد لا غير. وإذا حلف الرجل بالظهار لم يلزمه حكمه، ولا يقع الظهار إلا مع الاختيار، ولا يقع مع الاكراه، ولا للغضب، ولا السكر ولا في إضرار. وإذا قال لزوجته أنت طالق كظهر أمي لم يقع بذلك ظهار، نوى ذلك أو لم ينوه، وكذلك لو قال أنت حرام كظهر أمي لم يكن ظهارا، وإذا كان له زوجتان،

(1) يأتي قريبا أنه مع العجز عن الكفارة لا يجوز له وطؤها وظاهره عدم قيام الاستغفار مقام الكفارة فعدم الزامه بالطلاق حينئذ ضرر عليها ومخالف لما دل على التفريق بينهما كما في جواهر الكلام. (2) الصواب كما في النهاية وهامش نسخة (ب) " كان له أن يصوم ما بقي عليه متفرقا وإن لم يصم من الثاني شيئا وأفطر كان عليه أن يبتدأ الخ فإنه الوارد في النصوص.

[ 301 ]

فقال لاحداهما أنت على كظهر أمي، ثم قال للأخرى شركتك معها، لم يكن قوله للثانية ظهارا، وإذا قال لزوجته أنت على كظهر أمي إن شاء زيد، لم يكن ظهارا، وقد ذكر بعض أصحابنا أن ذلك ظهار، والظاهر من المذهب الأول. وإذا قال لها أنت على كظهر أمي إن شاء الله لم ينعقد بذلك ظهار. وإذا قال لها أنت على كظهر أمي يوما أو يومين، أو شهرا أو شهرين، أو سنة أو سنتين، لم يكن بذلك مظاهرا. " باب الايلاء " قال الله تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر (1) الآية. والايلاء معلوم من دين الاسلام، وهو في اللغة عبارة عن اليمين عن كل شيئ (2)، فأما في الشرع فمخصوص بيمين الرجل على أن لا يطأ زوجته، ومذهبنا أن يحلف على أن لا يطأها أكثر من أربعة أشهر، فإن حلف على أربعة أو ما دونها، لم يكن موليا وإنما قلنا ذلك لقوله تعالى: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر (3). فأضاف إليهم بلفظ الملك (4) مدة الأربعة، فثبت أن ما بعدها ليس له، وأيضا فلولا أنه نزلت (5) بالفئة ما يقتضي الغفران لما أخبر عن الغفران عنه.

(1) البقرة - 226.
(2) الصواب " على كل شيئ " أو هو من قبيل ما تقدم في الظهار من أن الحروف يقوم بعضها مقام بعض.
(3) البقرة - 226.
(4) أي اللام في قوله تعالى: للذين وهذا الدليل يتم إذا كان المراد بالاية التربص من أول وقوع الايلاء كما هو الأظهر منها وأما بناءا على كونه بعد الرفع إلى الحاكم كما يأتي هنا ففي دلالته على ما ذكر في طرف الأكثر مطلقا نظر.
(5) في المبسوط " فلولا أنه يريد " وهو أصح فالمراد أن الله تعالى قال: فإن *

[ 302 ]

وصفته، أن يحلف الرجل بالله تعالى، أن لا يجامع زوجته، ويقيم على يمينه فإن فعل ذلك كانت الزوجة مخيرة بين المقام معه، والصبر عليه؟ وبين مخاصمته، ومرافعته إلى الحاكم، فإن استعدت عليه أنظره الحاكم بعد مرافعتها إليه أربعة أشهر ليراجع نفسه ويرتئي في أمره، فإن كفر عن يمينه وراجع زوجته، فلا حق لها عليه وإن أقام على الامتناع من مجامعتها خيره الحاكم بين أن يكفر، ويرجع إلى زوجته أو يطلقها، فإن امتنع من الرجوع إليها، والطلاق جميعا، وثبت على الاضرار بها ضيق الحاكم عليه في المطعم والمشرب، وذكر (1) أنه يحبسه في حظيرة من قصب حتى يفئ إلى أمر الله تعالى، ويراجع زوجته، أو يطلق، فإن طلقها فهو أملك بردها ما لم تخرج من عدتها، فإن خرجت من عدتها لم يكن له عليها سبيل، ولا يقع الايلاء بالزوجة إلا بعد الدخول بها، فإن آلى الرجل قبل الدخول بها لم يلزمه الايلاء ولا يكون الايلاء إلا باسم الله تعالى، فإن آلى بغير اسم الله أو حلف بالطلاق أو العتاق لم يكن بذلك إيلاء، ويراجع زوجته، ولا شئ عليه. وإذا ادعت الزوجة على الرجل أنه لا يقربها وأنكر هو ذلك، وذكر أنه يقربها، كان عليه اليمين: بأن الأمر على ما ادعاه، ولم يكن عليه شئ، وإذا كانت المرأة متمتعا بها، لم يقع بها إيلاء، وإذا حلف أن لا يجامع زوجته وهي مرضعة، خوفا من انقطاع لبنها، فيستضر بذلك ولدها، لم يكن عليه

* فاؤوا فإن الله غفور رحيم ومفاده أن الفئة أي رجوع الزوج عن إيلائه بوطئها مقرونة بالمغفرة ومقتضاه أن يكون معها عصيان فلا تكون إلا بعد أربعة أشهر لأن للزوج أن لا يطأ زوجته في مدة الأربعة بدون الايلاء ويرد عليه أن المغفرة هنا لعدم الزامه بحلفه على ترك الوطأ في الأربعة أو بعدها وقد استدل في كتاب الخلاف بنحو ذلك لمسألة أخرى فراجع. (1) ذكره الشيخ في النهاية قال حبسه الحاكم في حظيرة من قصب وضيق عليه في المطعم والمشرب حتى يفيئ إلى أمر الله ونحوه في مقنعة المفيد بدون ذكر الحظيرة من قصب والأول مروى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) كما في الوسائل الباب 11 من الايلاء.

[ 303 ]

شئ لأنه حلف في صلاح. وإذا هجر الرجل زوجته سنة، أو أكثر، أو أقل، لم يكن ذلك إيلاء، ويراجع زوجته، وليس عليه شئ. فأما ألفاظ الايلاء، فمثل قوله: والله لا آتيك (1) والله لا أدخل ذكري في فرجك، والله لا أغيب ذكري في فرجك، والله لا أوطيك، لا أصبتك، لا باشرتك لا جامعتك، لا لامستك، لا باضعتك، وما جرى مجرى ذلك، فجميعه محتمل عندنا (2) فإن نوى به الجماع في الفرج، كان إيلاء، وإن لم ينو ذلك لم يكن إيلاء ولا يثبت به حكم الايلاء جملة. فإذا قال: إن وطأتك فأنت طالق ثلاثا، كان ذلك باطلا، ولا حكم له عندنا. وإذا قال لها: أنت على حرام، لم يتعلق بذلك حكم عندنا، لا طلاق، ولا ظهار، ولا عتاق، (3) ولا يمين في إيلاء، ولا غيره، نوى ذلك أو لم ينو. وإذا قال لها: إن أصبتك فعبدي حر عن ظهاري إن تظاهرت (4) لم يتعلق

(1) الصواب " لا أنيكك " كما في المبسوط ويظهر مما يأتي.
(2) الحق أن بعض هذه الالفاظ صريح كالنيك وما بعده وبعضها ظاهر كالوطأ والجماع لكنها بالنظر إلى وقوع الايلاء بحكم المحتمل فإنه إن كان معها نية كان إيلاءا وإلا لم يكن سواءأ كان اللفظ صريحا أو كناية وكان هذا مراد المصنف إلا أن يكون في الكلام سقط فراجع المبسوط والدليل على اعتبار النية فيه مطلقا قوله تعالى " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان " خلافا لما عن الشافعي من أنه في الصريح يحكم عليه بالأيلاء ظاهرا وإن لم ينوه في نفسه كما في الطلاق ونحوه.
(3) يعني إن كانت أمة لا تنعتق بهذا القول.
(4) أي ظاهرت يقال ظاهر من امرأته وتظاهر وتظهر وبها جميعا ثم أن المراد بهذا القول تعليق العتق على الاصابة والظهار معا عند العامة يقع العتق إذا وجد الشرطان ويكون إيلاء عندهم أن تقدم الظهار إذ ليس من شرطه عندهم الحلف بالله تعالى.

[ 304 ]

بذلك حكم، لا عتاق، ولا ظهار لأنه مشروط، وهما لا يتعلقان بشروط، ولا يتعلق به إيلاء لأنه ليس بيمين بالله تعالى، وإذا قال لها: والله لا أصبتك، ثم قال لزوجة له أخرى، قد أشركتك معها في الايلاء، لم تكن شريكتها في ذلك، وكان موليا في الأولى، دون الثانية، لأن اليمين بالله تعالى ينعقد لأجل حرمة اللفظ، وهو أن يحلف بالله تعالى، أو بشئ من صفات ذاته، وقوله قد أشركتك معها في الايلاء لفظ، لا حرمة له، واليمين بالله بالكنايات، لا ينعقد، فسقط ذلك في حق الزوجة الثانية، وثبت في الأولى. وإذا آلى منها بالطلاق، فقال لها أنت طالق إن أصبتك، ثم قال لاخرى قد أشركتك معها، لم يكن موليا من واحدة منهما، لأنه لم يحلف بالله تعالى. وإذا آلى من امرأته تربص أربعة أشهر، ثم وقف لها، فإن اختلفا في المدة، فقالت قد انقضت، وقال الرجل ما انقضت، كان القول قوله مع يمينه، لأن الأصل أنها ما انقضت، فإن اختلفا في ابتداء المدة، كان القول أيضا قول الرجل مع يمينه، لأن الأصل أن لا يمين. وإذا آلى من الرجعية صح الايلاء، لأنها في حكم الزوجات، فإذا كان كذلك فإن المدة تحسب عليه ما دامت في العدة من وقت اليمين، (1) لأنها مباحة الوطأ وإذا ادعى الاصابة، وأنكرت المرأة ذلك كان القول قوله مع يمينه (2) فإن

(1) أي فمتى راجعها ضرب له المدة من وقت اليمين ومقتضاه أن مدة التربص من هذا الوقت خلافا لما مر منه من أنها بعد المرافعة وربما يظهر منه أن له مدتين كلتيهما أربعة أشهر إحداهما بعد اليمين والأخرى بعد المرافعة وهو بعيد وبالجملة كلمات المصنف والشيخ في ذلك مضطربة والأظهر كونها من اليمين فقط لما أشرنا إليه في أول الباب.
(2) الأصل عدم الاصابة فمقتضاه أن يكون القول قولها مع اليمين لكن قد يعارض ذلك بأصل آخر كبقاء العقد كما في المبسوط فتقديم قوله لذلك لكنه محل إشكال

[ 305 ]

كانت بكرا لم يجر الحكم فيها بمثل ذلك لأن الايلاء لا يصح إلا بعد الدخول وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم. وإذا آلى من زوجته، ثم ارتدا، أو أحدهما، لم تحسب المدة عليه، لأنها إنما تحسب إذا كان المانع من الجماع، اليمين، وهاهنا المانع اختلاف الدين، وأيضا فإنه لا يمكنه الفئة بعد التربص، ولا الطلاق. (1) وإذا آلى من زوجته وهو صحيح ثم جن، فالمدة محسوبة عليه، لأن العذر من جهته في زوجته تامة (2) فإذا انقضت المدة وهو مجنون، لم يكن عليه مطالبة لأنه غير مكلف: وإذا آلى منها ثم جنت هي، فإن فرت منه ولم تقم في يده، لم تحسب المدة عليه. لأن العذر من جهتها، فإن كانت في يده كانت المدة محسوبة عليه، لأنه متمكن من وطأها، فإن انقضت المدة وهي مجنونة لم يوقف ولا مطالبة عليه في حقها لأن الحق يختص بها وليست من أهل المطالبة به لكن يقال له اتق الله ووفها حقها بطلاق أو وطأ، فإن طلق فلا كلام، وإن وفاها حقها بالوطئ حنث هاهنا، لأنه عاقل قاصد إلى المخالفة. الذمي يصح منه الايلاء كما يصح من المسلم، فإذا ترافعا ذميان إلى حاكم المسلمين في ذلك، كان مخيرا بين أن يحكم بينهما أو يعرض عنهما ويتركهما مع أهل ملتهما في ذلك.

(1) قال في المبسوط: فإن اجتمعا على الاسلام قبل انقضاء العدة فقد عاد إلى ما كانا عليه ويستأنف المدة من حين العود وإن كان الرجوع بعد انقضاء العدة فقد وقع الفسخ بانقضاء العدة وله أن يتزوج بها.
(2) الصواب " في زوجية تامة " كما في نسخة المبسوط هنا وفي أمثاله.

[ 306 ]

" كتاب اللعان والارتداد " قال الله تعالى: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله (1) الآيات فبين في ذلك اللعان، وترتيبه، وكيفيته. وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) " أنه اتاه عويم العجلاني، فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلا، أيقتله فيقتلونه، أم كيف يصنع، فقال: (عليه السلام) قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك فأت بها فجاء بها فتلاعنا.
(2) واللعان معلوم من دين الاسلام بغير إشكال: وصفته: أن يجلس الحاكم مستدبر القبلة ويقف الرجل بين يديه، والمرئة عن يمينه، ولا يقعدهما، ثم يقول الرجل: أشهد بالله أنني لمن الصادقين فيما ذكرت عن هذه المرئة من الفجور، فإذا قال ذلك مرة، قالا له أشهد بالله ثانية، فإذا شهد ثانية قال له أشهد ثالثة، فإذا شهد ثالثة، قال أشهد رابعة، فإذا شهد أربع مرات، إنه لمن الصادقين، قال له اتق الله تعالى، واعلم أن لعنة الله شديدة، وعقابه اليم، فإن كان حملك على ما قلت غيرة، أو سبب من الأسباب، فراجع التوبة، فإن عقاب الدنيا أهون من عقاب الآخرة، فإن رجع عن قوله جلده حد المفتري ثمانين جلدة، ورد عليه زوجته وإن لم يرجع عن ذلك، وأقام على ما ادعاه، قال له: قل إن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين. فإذا قال ذلك، قال للمرئة. ما تقولين فيما رماك به هذا الرجل، فإن اعترفت به رجمها حتى تموت، فإن لم تعترف وأنكرته، قال لها اشهدي بالله أنه لمن الكاذبين فيما قذفك به من الفجور، فإذا شهدت مرة وقالت أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما قذفني به، طالبها بأن تشهد ثانية، فإذا شهدت بذلك طالبها بها ثالثة، فإذا شهدت طالبها بها رابعة، فإذا شهدت ذلك، وعظها كما وعظ الرجل، ثم قال لها: اتقى الله فإن غضب الله شديد، فإن كنت قد افتريت ما قذفك به، فتوبي إلى الله، فإن عقاب

(1) النور - 6 (2) الوسائل الباب 1 من كتاب اللعان رواه عن رسالة المحكم والمتشابه نقلا من تفسير النعماني وفيه عويمر بن الحارث مع تفصيل في القضية وكيفية اللعان.

[ 307 ]

الدنيا أهون من عقاب الآخرة فإن اعترفت بالفجور رجمها، وإن أقامت على تكذيب الرجل، قال لها: قولي إن غضب الله علي إن كان من الصادقين، فإذا قالت ذلك فرق بينهما، ولم تحل له أبدا (1) وقضت العدة منه منذ لعانها له، فإن نكل الرجل أو المرئة عن اللعان قبل أن تكمل الشهادات، كان على الذي نكل منهما الحد، إن كان الرجل، وإن كانت المرأة عليها الرجم. وإذا كان له زوجة حرة، فقذفها بالفجور، وادعى عليها المشاهدة لرجل يطأها في الفرج، وكان له بينة تشهد بذلك وشهدت به البينة، ثبت اللعان بينهما (2) لأن البينة إنما أسقطت الحد دون اللعان. وإذا أنكر الرجل ولد زوجته، وهي في حباله، أو بعد فراقها بمدة الحمل (3) إن لم تكن نكحت زوجا غيره، وأنكر (4) ولدها لأقل من ستة أشهر من فراقه لها فإن كانت (5) قد نكحت زوجا غيره ولم يدعه الثاني

(1) واعلم أنه يظهر من كلمات عدة من الأصحاب في هذا الباب كبعض النصوص أن اللعان بالقذف كما أنه يوجب سقوط الحد عن الزوجين والحرمة الأبدية يوجب أيضا انتفاء الولد من الزوج قهرا من غير حاجة إلى نفيه بلعان آخر أو في ضمن الأول وإن لم يعلم الزوج بانتفائه لأجل الفراش فهذا من أحكامه التعبدية لكن يظهر أيضا من كلماتهم بل صرح به في بعضها أنه إنما ينتفي الولد إذا علم الزوج بانتفائه ولاعن له ولم اجد المسألة محررة في كلامهم.
(2) أي يجوز اللعان بينهما بعد شهادة البينة والظاهر أن المراد الملاعنة بنفي الولد حيث أنه لا ينتفي بهذه الشهادة لأجل الفراش فيقتصر في جوازها بما إذا كان بينهما ولد كما في المبسوط.
(3) وهي ستة أشهر إلى تسعة أو عشرة أشهر من وطئه لها قبل الفراق.
(4) الصواب " أو أنكر " كما في المقنعة والنهاية.
(5) الصواب " وإن كانت " كما فيهما فالجملة وصلية وقوله: " ولم يدعه الثاني " مشعر بجواز ادعائه له في هذا الفرض وليس كذلك لعدم مضى ستة أشهر من نكاحه وكأنه *

[ 308 ]

لاعنها (1) بدعوى مشاهدته بفجورها، فإن كان قذفها بغير نفي الولد، بغير (2) طلاقه لها وبعد انقضاء عدتها، لم يكن بينه وبينها لعان، وجلد حد المفتري. وإذا اكذب الرجل نفسه بعد اللعان، لم يكن عليه شيئ، ولا ترجع زوجته إليه، وقد روي أن عليه الحد، (3) والظاهر أنه ليس عليه ذلك، وإذا اعترف بالولد قبل انقضاء اللعان، الحق به وتوارثا وكان عليه الحد، وإن اعترف به بعد اللعان الحق به، ولم يرث الإبن، والابن يرثه، ويكون ميراث الإبن لأمه، ولم يتقرب إليه منها، دون أبيه ومن يتقرب إليه به، وإن اعترفت المرأة بالفجور بعد تقضي اللعان، لم يكن عليها شيئ إلا أن تقر على نفسها بالفجور أربع مرات، فإن أقرت كذلك بأنها زنت، وهي محصنة، كان عليها الرجم، وإن كانت غير محصنة، كان عليها الحد، مأة جلدة. وإذا قال الرجل: للمرئة يا زانية، أو قد زنيت، ولم يقم له بينة بذلك أربعة شهود، كان عليه حد المفتري، وإن قذفها ولم يدع المشاهدة مثل الميل في المكحلة لم يكن بينهما لعان، وكان عليه أيضا حد المفتري وإذا قال: وجدت معها رجلا في ازار، ولم أعلم ما كان بينهما، عزر ولم يفرق بينهما. وإذا قذفها بما يجب فيه اللعان، وكانت صماء أو خرساء فرق بينهما، ولم يكن بينهما لعان، لأن اللعان إنما يكون باللسان، ولم تحل له أبدا، وعليه حد المفتري

* لذا أسقطه في النهاية لعدم مدخليته (1) الصواب " لاعنها كما يلاعنها " كما في هامش نسخة (ب) تصحيحا وفي المقنعة فالمراد أن كما يجوز ملاعنتها بدعوى مشاهدة الفجور منها فيترتب عليها ما تقدم، تجوز بإنكار ولدها منه من دون مشاهدة لفجورها لما يعلم من نفسه معها وهذا في مورد يلحق الولد به شرعا لولا إنكاره كهذه الموارد وكيفيتها كالأول إلا في نسبتها إلى الفجور.
(2) الصواب " بعد طلاقه " والمراد بالطلاق هنا الرجعى كما يأتي.
(3) الوسائل الباب 6 من كتاب اللعان الحديث 6.

[ 309 ]

إن قامت بينة القذف عليه، وإن لم يقم عليه بذلك بينة لم يكن عليه شيئ. (1) وإذا قذفها قبل الدخول بها لم يكن لعان لأن اللعان إنما يثبت بعد الدخول (2) وكان عليه الحد. ولا لعان بين الرجل ومملوكته ولا بينه وبين زوجته المتمتع بها وإن كانت له امرأة يهودية، أو نصرانية ثبت اللعان بينهما، وقد ذكر (3) أنه لا لعان بينهما، والصحيح ثبوته بينهما. وإذا انتفى من ولد امرئة وهي حامل، صحت الملاعنة بينهما، فإن نكلت عن ذلك قبل استكمال الشهادات، لم يقم عليها الحد حتى تضع حملها، وإذا ولدت زوجة الرجل توأمين، وأنكر واحدا منهما، واعترف بالآخر، لم يجز له ذلك لأن الحمل واحد. وإذا طلق زوجته قبل الدخول بها، وادعت أنها حامل منه، وأنكر الولد، فإن قامت لها بينة بذلك بأنه خلا بها وأرخى الستر ثبت اللعان بينهما، وكان عليه المهر على كماله، وإن لم تقم بينة بذلك، كان عليه نصف المهر. وكان عليها الحد (4) بعد أن يحلف بالله تعالى أنه لم يدخل بها.

(1) أي من الحد لعدم ثبوته وأما الحرمة الأبدية فهي ثابتة عليه واقعا بنفس القذف كما في النهاية ويدل عليه النص كما في الوسائل الباب 8 من كتاب اللعان.
(2) صرح به في النصوص كما في الوسائل الباب 2 مما ذكر لكن حكي الخلاف فيه عن بعض الأصحاب وعن بعض آخر التفصيل بين القذف ونفى الولد فأثبته في الأول دون الثاني والله العالم.
(3) نسبه في جواهر الكلام إلى المحكى عن جماعة منهم ابن الجنيد ومنشأ الخلاف اختلاف النصوص.
(4) أي مأة سوط كما في النهاية وذكر في جواهر الكلام أن النص خال عن الحد ولا وجه له لأن إنكار الدخول والولد من الزوج وإن كان موافقا للأصل وكان القول فيه قوله لكنه لا يثبت زناها الموجب لهذا الحد عليها.

[ 310 ]

وإذا قذف زوجته وادعى المشاهدة مثل الميل في المكحلة، وهي في عصمته أو يكون قد طلقها طلاقا يملك فيه رجعتها، ثبت اللعان بينهما، وإن قذفها بعد انقضاء عدتها، أو في عدة لا رجعة له عليها فيها لم يكن بينهما لعان (1)، وكان عليه حد الفرية. وإذا قذف زوجته وترافعا إلى الحاكم، وماتت الزوجة قبل الملاعنة، وقام من أهلها رجل مقامها ولاعنها (2) لم يكن له منها ميراث، وإن لم يقم من أوليائها أحد مقامها في الملاعنة، كان للزوج ميراثه منها، وعليه الحد ثمانون جلدة، وإذا قذف زوجته بعد اللعان، كان، عليه حد القاذف ثمانون جلدة. فإن قال لها لم أجدك عذراء كان عليه التعزير، ولم يجب حدا كاملا. وإذا قذفت (3) الأمة ووجب بقذفها التعزير. ثم ماتت كان لسيدها المطالبة به، لأنها كانت ملكه، وهو أولى الناس بها. وإذا ادعت الزوجة عليه أنه قال يا زانية، فأنكر ذلك، وقال ليست بزانية، ثم قامت البينة عليه بأنه قال لها ذلك، وإنه يكذب نفسه يلزمه الحد لقيام البينة، و ليس له أن يلاعن، لأنه قد تقدم الاقرار منه بأنها ليست بزانية، فليس له أن يحقق كونها زانية بلعانها مع تقدم إنكاره (4). وإذا قال الصبي لزوجته: يا زانية، لم يكن ذلك قذفا، ولا يلزمه به الحد بغير خلاف، لأن القلم مرفوع عن الصبي حتى يبلغ فإذا بلغ وأراد أن يلاعن، لم

(1) وإن كان القذف بالاضافة إلى حال الزوجية كما يأتي.
(2) الصواب " لا عنه " كما في النص أو " لاعن عنها " (3) بصيغة المجهول.
(4) بخلاف ما إذا أنكر ولم يقل ليست بزانية فإنه يجوز له اللعان بالقذف المجدد لأنه ليس تكذيبا لقوله الأول وهل عليه الحد حينئذ بالأول كما في المبسوط أو لا فيه وجهان.

[ 311 ]

يجز له ذلك، لأن اللعان إنما يكون لتحقيق (1) القذف وقد ذكرنا أنه لا قذف له. والمطلقة طلاقا رجعيا إذا قذفها زوجها في حال عدتها، كان عليه الحد، وله إسقاطه باللعان، لأنها في حكم الزوجات فلو أبانها أو خلع أو فسخ ثم قذفها بزنا إضافة إلى حال الزوجية، كان الحد لازما. فإن كان هناك نسب، كان له إسقاطه باللعان وإن لم يكن هناك نسب، لم يكن له أن يلاعن، وإذا كان له أن يلاعن وينفي النسب وكان الولد قد انفصل، كان له أن يلاعن لنفسه (2) وإن لم يكن انفصل وكان حملا وأراد تأخير اللعان إلى أن ينفصل، كان له ذلك، وإن أراد اللعان في الحال، كان له ذلك أيضا. وإذا قذف زوجته بإصابة رجل لها في دبرها، كان عليه الحد، وله إسقاطه باللعان، فإن قذف أجنبيا أو أجنبية بذلك، كان عليه حد القذف. وإذا قال لزوجته: يا زانية بنت الزانية، كان قاذفا لها ولامها بالزنا، وعليه الحد، لكل واحدة منها حد كامل، وله اسقاط حد الأم بالبينة حسب، لأنها أجنبية، وله اسقاط حد البنت بالبينة وباللعان، لأنها زوجة، وإذا أعفا واحدة منهما عن حقه لم يسقط حق الآخر، ومن طالب منهما بذلك قبل صاحبه، كان له ذلك، فإن اتفقا في حال المطالبة، كان ذلك من باب التخيير، وقد بينا فيما سلف كيفية اللعان. فأما مكانه: فينبغي أن يلاعن بينهما في أشرف المواضع، فإن كان بمكة فبين الركن والمقام، وإن كان بمدينة ففي مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) عند المنبر: وإن كانت ببيت المقدس ففي المسجد عند الصخرة، وإن كان في غير ذلك من البلاد ففي المسجد الجامع. وأما وقت ذلك: فبعد العصر، وأما الجمع: فيعتبر لقوله تعالى: وليشهد

(1) لعل الصواب " لتحقق " كما في نسخة (ب) قلت المرفوع في حق الصبي حكم القذف وهو الحد دون مفهومه ومقتضى إطلاق النصوص عدم اختصاص اللعان عند القذف بثبوت الحد فيجوز مع ارتفاعه أيضا.
(2) الصواب " لنفيه " كما في المبسوط.

[ 312 ]

عذابهما طائفة من المؤمنين. (1) ومن شرط صحة اللعان الترتيب، فيبدأ بلعان الزوج، وبعده لعان المرئة، فإن خالف الحاكم ذلك وبدأ بلعان المرأة، لم يعتد به، وإن حكم لم ينفذ حكم به وإذا كانت المرأة حائضا وأرادت اللعان، لم تدخل المسجد لذلك بل يلاعن على بابه، ويخرج الحاكم إليها يستوفي (2) اللعان عليها. وإذا قذف الرجل زوجته ومات أحدهما فإن كان الميت هي الزوجة، وكان موتها قبل اللعان، فقد ماتت على حكم الزوجية، يرثها الزوج (1) وليس له أن يلاعن لنفي الزوجية، لأنها قد زالت بالموت، وإن كان موتها بعد اللعان، فقد ماتت بعد ثبوت أحكام اللعان، ولا يؤثر موتها شيئا أكثر من سقوط الحد عنها بلعان الزوج لا بموتها، فإن مات الزوج قبل اللعان، فقد مات على حكم الزوجية، وورثته المرأة لبقاء الزوجية. وإذا قال لزوجته: أنت أزنى الناس، لم يكن قاذفا بظاهره، لأنه يتحقق أنها لا تكون أزنى الناس كلهم، لأن الناس لا يكون كلهم زناة فإن قال أردت أنها أزنى من الناس كلهم، قيل له قد فسرت كلامك بمحال، ويسقط حكمه. وإن قال: أردت أنها أزنى الناس من زناة الناس كان قاذفا لها ولجماعة غير معينين (1) وإذا لم يعين المقذوف، لم يكن عليه شيئ. وإذا قال لزوجته زنيت وأنت صغيرة، فإن فسر ذلك بما لا يحتمل القذف،

(1) النور - 2 - وفي دلالة الآية على الاجتماع للعان نظر واضح.
(2) في المبسوط " من يستوفي " (3) لكن تقدم أن عليه الحد للقذف وإنه إن قام أحد من أهلها مقامها فلاعنه سقط الحد ولا ميراث وقد ورد ذلك في الوسائل الباب 15 من اللعان. (1) زاد هنا في هامش نسخة (ب) بعلامة التصحيح " وكان عليه الحد لزوجته وله اسقاط باللعان ولم يكن على شيئ لقذفه الباقي من الناس لأنه قذف جماعة غير معينين " ونحوه في المبسوط.

[ 313 ]

مثل أن يقول زنيت ولك سنتان أو ثلاث سنين، علم كذبه لأن ذلك لا يتأتى فيها، ولا يجب عليه حد، ولا تعزير قذف، بل تعزير سب وشتم، ولا يكون له اسقاط ذلك باللعان، وإن فسر ذلك بما يحتمل القذف مثل أن يقول زنيت ولك تسع سنين أو عشر سنين، فهذه يتأتى فيها الزنا، وقد قذفها به إلا أنه لا حد عليه، لأن الصغيرة ناقصة، لا يجب الحد برميها، لكن تعزير قذف، وله إسقاطه باللعان. وإذا قذف زوجته وهي أمة عمرو، فله إسقاطه باللعان. وإذا قال رجل لزوجته: يا زانية، فقالت بل أنت زان، كان كل واحد منهما قاذفا للآخر، ولا حد على واحد منهما وعليهما التعزير. وإذا قال لزوجته ولأجنبية: زنيتما أو أنتما زانيتان، كان قاذفا لهما، ووجب عليه الحد، ويخرج عن حد الأجنبية بالبينة حسب، وعن حد الزوجة بالبينة، أو باللعان. وإذا قذف أربع زوجات، كان عليه الحد، وله إسقاطه باللعان، وينبغي أن يلاعن كل واحدة لعانا منفردا، لأنه يمين واليمين لا يتداخل في حق الجماعة بغير خلاف، فإن تراضين باللعان بمن يبدء بلعانها بدء بها، وإن تشاححن في ذلك، اقرع بينهن، وبدء بمن خرجت لها القرعة. وإذا قذف زوجته، وادعى عليها أنها أقرت بالزناء، وأنكرت وأقام شاهدين فشهدا عليها أنها أقرت بالزناء، لم يثبت ذلك عليها إلا أن يشهد عليها بذلك أربعة شهود عدول (1). وإذا قذف امرأة، ثم اختلفا، فقال: قذفتها وهي صغيرة، فعلى الرجل التعزير،

(1) الظاهر أن المراد أن تشهد الأربعة بإقرارها أربع مرات وإلا فلا يثبت عليها أيضا نعم يسقط الحد عن الزوج بناءا على ما قيل من سقوطه عنه بإقرارها مرة وكان اعتبار الأربعة هنا لفحوى اعتبارها في نفس الزنا وفي الاقرار به وفيه إشكال كما في الشرائع ثم أنه ذكر في المبسوط أن هذه الشهادة لا يوجب الحد عليها لأن إنكارها بمنزلة الرجوع عن الاقرار الثابت والله العالم.

[ 314 ]

وقالت بل قذفني وأنا كبيرة، فعليه الحد، ولم يكن لأحدهما بينة، كان القول قوله مع يمينه، لأن الأصل الصغر، فإذا حلف عزر، ولم يجب عليه حد. والمرتد عن دين الاسلام على ضربين: أحدهما: أن يكون مولودا على فطرة الاسلام، والآخر يكون قد أسلم بعد كفر ثم ارتد بعد هذا الاسلام، فإن كان مسلما مولودا على فطرة الاسلام، ثم ارتد فقد بانت منه زوجته في الحال، وقسم ماله بين ورثته وقتل من غير أن يستتاب، وكان على زوجته أن تعتد عدة المتوفى عنها زوجها. وإن كان ممن أسلم بعد كفر، ثم ارتد استتيب، فإن عاد إلى الاسلام كان العقد بينه وبين زوجته ثابتا، وإن لم يعد إلى الاسلام قتل، فإن لحق بدار الحرب، ثم عاد إلى الاسلام قبل خروج زوجته من عدتها (1) لم يكن له عليها سبيل، فإذا مات المرتد قبل انقضاء العدة، ورثته الزوجة، واعتدت منه عدة المتوفى عنها زوجها، وإن ماتت الزوجة وهو مرتد لم يرث منها شيئا على حال. " باب العدد والاستبراء " قال الله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا الآية (2). وقال تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء (3). وقال: ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها (4) وقال: وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن (5). وقال: وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم الآية (6).

(1) في هامش نسخة (ب) هنا " وهي ثلاثة أشهر كان أملك بها وإن رجع بعد خروجها من عدتها " قلت وقد تقدم نحوه في النكاح.
(2) (3) البقرة - 234 - 228.
(4) الاحزاب - 49.
(5) (6) الطلاق 4 - 1.

[ 315 ]

والعدة ضربان: أحدهما: عدة طلاق، والآخر: عدة وفاه. فعدة الطلاق ضربان: عدة طلاق الحرة، وعدة طلاق الأمة، فعدة طلاق الحرة ضربان: طلاق التي ترى المحيض، وطلاق الائسة من المحيض وفي سنها من تحيض. فأما عدة التي ترى الحيض فثلاثة أقراء، وهي الأطهار سواء كان الذي طلقها حرا أو عبدا وأما عدة الائسة من المحيض وفي سنها من تحيض فثلاثة أشهر، سواء كان الذي طلقها حرا أو عبدا أيضا. وأما عدة طلاق الأمة فضربان: عدة التي ترى المحيض، وعدة الائسة من المحيض وفي سنها من تحيض، فأما عدة التي ترى المحيض فهي قرءان، سواء كان الذي طلقها حرا أو عبدا، وأما عدة الائسة من المحيض وفي سنها من تحيض فخمسة وأربعون يوما. وعدة المتمتع بها إذا انقضى أجلها وكان الرجل حيا، مثل عدة الأمة المطلقة سواء. وأما عدة الوفاة فضربان: عدة الحرة المتوفى عنها زوجها، وعدة الأمة المتوفى عنها زوجها وليست أم ولد. فأما عدة الحرة المتوفى عنها زوجها: فأربعة أشهر وعشرة أيام سواء كانت زوجة دوام أو متمتعا بها، وسواء كان الزوج حرا أو عبدا وأما عدة الأمة من وفاة زوجها وليست أم ولد، فهي شهران وخمسة أيام سواء كان زوجها حرا أو عبدا، وسواء كانت زوجة دوام أو متعة. وإذا طلق الرجل زوجته ولم يكن دخل بها، فلا عدة عليها، وإن كان دخل بها ولم تبلغ المحيض ولا في سنها من تحيض فلا عدة عليها ولها (1) أن تعقد النكاح

(1) لعل الصواب " وليس لها " أو المراد به عدم المنع عن ذلك من جهة الدخول وإن كان يجب فيه إذن الولي والمولى من جهة الصغر والمملوكية.

[ 316 ]

على نفسها في الحال سواء كانت حرة أو أمة. وإذا طلق الرجل زوجته وهي آئسة من المحيض وليس في سنها من تحيض وقد تقدم (1) ذكر حد ذلك فلا عدة أيضا عليها، ولها أن تعقد النكاح على نفسها في الحال سواء كانت أيضا حرة أو أمة. وعدة الحامل المطلقة. أن تضع حملها ولو كان بعد الطلاق بغير فصل وتحل للأزواج، سواء كان ما وضعته تاما أو غير تام، سقطا أو غير سقط، فإن كانت حاملا باثنين فوضعت أحدهما، فقد ملكت نفسها إلا أنه لا يجوز لها العقد على نفسها لرجل حتى تضع ما في بطنها، وقد تقدم (2) ذكر ذلك، وإذا وضعت جميع ما في بطنها، جاز لها العقد على نفسها، فإن ارتابت بالحمل بعد الطلاق أو ادعت ذلك، صبر عليها تسعة أشهر ثم تعتد بعد ذلك بثلاثة أشهر، فإذا فعلت ذلك، بانت من الزوج. وإذا كانت لرجل زوجة مملوكة وهي أم ولد منه (3) ومات عنها، كان عليها أن تعتد منه مثل عدة الحرة أربعة أشهر وعشرا، وإن لم تكن أم ولد، كانت عدتها شهرين وخمسة أيام كما قدمناه، فإن طلقها طلاقا رجعيا وكانت أم ولد لسيدها ثم مات عنها كانت عدتها أربعة أشهر وعشرا كما تقدم ذكره، وإن لم تكن أم ولد، كانت عدتها شهرين وخمسة أيام. وإن لم يكن الطلاق رجعيا، كانت عدتها عدة الطلاق (4)

(1) في باب طلاق الائسة.
(2) في باب طلاق الحامل المستبين حملها.
(3) مقتضاه اعتبار كون الولد من الزوج ويدل عليه ما رواه في الفقيه كما في الوسائل الباب 20 من موانع الإرث لكن المسألة محررة في كتب الأصحاب والمذكور فيها كما في النهاية والشرائع والمختلف وغيرها كون الولد من المولى لتشبه أمه بالحرية ولعله المراد بالمتن أو يكون لفظة " منه " من سهو القلم للتصريح بالسيد في الفرع الذي بعده مع الإشارة فيه إلى ما ذكر هنا وأما الخبر المذكور فغير معمول به (4) وقى قرءان أو خمسة وأربعون يوما ومبدء هذه العدة من وقوع الطلاق وأما إذا كان رجعيا فهو من الوفاة لأنها بحكم الزوجة.

[ 317 ]

وإذا كان للحر زوجة مملوكة وطلقها طلقة رجعية، ثم أعتقت، كان عليها مثل عدة الحرة، وإن كانت الطلقة بائنة، كانت عدتها عدة الأمة. فإن طلقها ومات عنها ثم أعتقت، كانت عدتها مثل عدة الحرة (1) وكذلك إن كانت مملوكة له وهو يطأها بملك اليمين وأعتقها بعد موته. فإن اعتقها في حال حياته اعتدت بثلاثة أقراء، أو بثلاثة أشهر على ما تقدم ذكره. وإذا طلق زوجة له حرة طلاقا يملك فيه الرجعة، ومات عنها، كانت (2) عدتها أبعد الأجلين أيضا، فإن وضعت حملها قبل انقضاء أربعة أشهر، وعشرة أيام كان عليها أن تكمل ذلك وإن قضت أربعة أشهر وعشرة أيام ولم تضع حملها، كانت عدتها أن تضع حملها. وإن كان غائبا عن زوجته وطلقها، اعتدت بثلاثة أشهر من يوم يبلغها الخبر بذلك، فإن ثبت لها بينة مقبولة بتعيين اليوم الذي كان طلقها فيه، كان لها أن تبني عدتها عليه، فإن كانت المدة قد انقضت قبل وصول الخبر إليها بالطلاق، جاز لها العقد على نفسها، وإن لم تقم لها بينة بذلك، وجب عليها أن تعتد من يوم وصول الخبر إليها بالطلاق على كل حال.

(1) أي إن كان الطلاق رجعيا لما مر آنفا من أن الموت والاعتاق لا يبدلان عدة البائن ويحتمل كون لفظة " طلقها " زيادة والصواب " فإن مات عنها ثم أعتقت " فهي مسألة أخرى كما في النهاية وغيرها ويدل عليها ظاهر النص في الوسائل الباب 50 من العدد.
(2) الصواب " كانت عدتها أبعد الأجلين وإن كان طلاقا لا يملك رجعتها كانت عدتها عدة المطلقة وإن مات الرجل عن زوجته وهي حامل كانت عدتها أبعد الأجلين أيضا " كذا في هامش نسخة (ب) بعلامة (ظ) ونحوه في النهاية والمراد بأبعد الأجلين في الأول إما أربعة أشهر وعشرا كما في النهاية حيث أنها أبعد من عدة الطلاق وإما أن عدة الطلاق قد تكون أبعد كما تقدم ويأتي في المسترابة ونحوها فاللازم عليها حينئذ أن تأخذ بالأبعد.

[ 318 ]

وإذا طلق زوجته وهي مستحاضة، وكانت عارفة بايام حيضها، كان عليها أن تعتد بالاقراء، فإن لم تكن عارفة بذلك، اعتبرت صفات الدم على ما قدمناه في باب الحيض، واعتدت أيضا بالاقراء، فإن لم يتميز لها ذلك والتبس عليها دم الحيض بدم الاستحاضة، اعتبرت عادة نسائها في الحيض، واعتدت على عادتهن بالاقراء. وإن كانت نسائها مختلفات العادة، أو لم تكن لها نساء كان عليها أن تعتد بالشهور. وإذا طلق زوجته طلاقا رجعيا، لم يجز له أن يخرجها من بيته، ولا تخرج هي أيضا، إلا بأن تأتي بفاحشة مبينة، والفاحشة أن تفعل ما يجب عليها به الحد، فإذا فعلت ذلك أخرجت وأقيم عليها الحد، وقد روي (1) أن أقل ما يجوز إخراجها معه أن تؤذي أهل زوجها، فإن فعلت ذلك جاز إخراجها. وإذا ادعت المرأة الضرورة إلى الخروج، أو أرادت فضاء حق، فلتخرج بعد أن يمضي نصف الليل وتعود إلى بيتها قبل الفجر وإذا أرادت الحج وكان ما تريده من ذلك حجة الاسلام، جاز لها الخروج فيها من غير إذن زوجها، فإن كانت حجة التطوع، لم يجز لها أن تخرج إلا بعد أن تنقضي عدتها، أو يأذن لها الزوج في ذلك. وإذا كان الطلاق لا يملك فيه الزوج الرجعة، فإنه يجوز له إخراج المرئة في الحال، ولا تكون لها عليه نفقة إلا أن تكون حاملا وله عليها رجعة (2) فإن النفقة تجب لها عليه، فإن انقطعت العصمة بينهما لم تكن لها نفقة.

(1) الوسائل الباب 23 من أبواب العدد من كتاب الطلاق.
(2) لا وجه لهذا التقييد إذا الكلام في البائنة مع أنه لو كان له رجعة تجب عليه النفقة سواء كانت حاملا أم لا وعبارة النهاية هكذا " إلا أن تكون حاملا فتلزمه النفقة عليها حتى تضع ما في بطنها وإذا لم تكن حاملا لزمته النفقة عليها ما دام له عليها رجعة فإذا انقطعت العصمة سقطت عنه النفقة " والظاهر أن المتن كان كذلك فوقع فيه السقط كما أن الوارد في النصوص أيضا كذلك فراجع الوسائل الباب 7 و 8 من النفقات.

[ 319 ]

وإذا مات الرجل عن زوجته، اعتدت كما قدمناه ولم تكن لها نفقة من تركة زوجها، فإن كانت حاملا انفق عليها من نصيب ولدها التي هي حامل به ويجوز للمتوفى عنها زوجها. المبيت في غير الدار التي توفي فيها زوجها. وعليها الحداد إن كانت حرة فإن كانت مملوكة لم يكن عليها حداد. والحداد: هو ترك الزينة والطيب واكل ما فيه الرائحة الطيبة. (1) وإذا مات الرجل وهو غائب، اعتدت زوجته من يوم يبلغها الخبر، لأن عليها الحداد ولم يجر في العدة من اليوم الذي مات فيه مجرى المطلقة في أنها تعتد من يوم طلقها، لأجل ما ذكرناه من الحداد، وليس على المطلقة ذلك فجاز لها ما لا يجوز للمتوفى عنها زوجها. ومن ذلك من قد تزوج بيهودية أو نصرانية ثم مات عنها، كانت عدتها مثل عدة الحرة المسلمة: أربعة أشهر وعشرة أيام. وقد ذكرنا أن المطلقة إذا كانت من ذوات الحيض كانت عدتها ثلاثة أقراء وهي الأطهار، فإذا كان كذلك وطلقها في طهر، فإنها تعتد ببقية ذلك الطهر وإن بلحظة، فإذا دخلت في الحيض حصل لها قرء، فإذا طهرت دخلت في القرء الثاني فإذا حاضت حصل قرءان، فإذا طهرت دخلت في القرء الثالث، فإذا حصل لها ثلاثة أقراء، انقضت عدتها، وإذا طلقها في آخر طهر، وبقي بعد التلفظ بالطلاق جزء، وقع منه الطلاق، وهو مباح، وتعتد بالجزء الذي بقي طهرا، إذا كان طهرا، لا يجامعها فيها فيه.

(1) المعروف أن الحداد ترك الزينة والتطيب كما في النصوص وأما ترك أكل ما فيه الرائحة الطيبة فلم أجده في نص ولا في كلام المتأخرين وذكره الشيخ أيضا في النهاية وزاد عليه شمه ولعله لاطلاق المنع من الطيب في بعض النصوص هنا نظير المنع عنه كذلك في نصوص الاحرام فتأمل ويأتي في هذا الباب تفصيل الحداد وذكر أقسامه.

[ 320 ]

وإذا اختلفا: فقالت المرأة طلقتني، وقد بقي من الطهر جزء فاعتد بذلك قرءا، وقال الرجل لم يبق شيئ تعتدين به كان القول قول المرأة، لأن قولها مقبول في الحيض والطهر. وإذا كانت المرأة معتدة بالشهور، فلا يحتاج أن يرجع إلى قولها، لأن قدر الشهر معلوم، وهو ثلاثة أشهر إن كانت مطلقة، وأربعة أشهر وعشرا، إن كان زوجها قد توفي عنها إلا أن يختلفا في وقت الطلاق، فيكون القول قول الزوج، كما لو اختلفا في أصل الطلاق، لأن الأصل أن لا طلاق. وإذا كانت المرأة معتدة بوضع الحمل فادعت أن عدتها قد انقضت باسقاط كان القول قولها وتبين بوضع أي شيئ وضعته. وإذا كانت المرأة ممن تحيض وتطهر وتعتد بالاقراء، وانقطع (إذا انقطع خ ل) عنها الدم لعارض من مرض أو رضاع، لم تعتد بالشهور، بل تتربص حتى تأتي بثلاثة أقراء، وإن طالت مدتها (1) وإن انقطع لغير عارض ومضى لها ثلاثة أشهر بيض لم تر فيها دما، فقد انقضت عدتها، وإن رأت الدم قبل ذلك، ثم ارتفع حيضها لغير عذر (2) أضافت إليها شهرين، وإن كان لعذر صبرت تمام تسعة أشهر ثم اعتدت بعدها بثلاثة أشهر، فإن ارتفع الدم الثالث لعذر صبرت تمام سنة، ثم اعتدت ثلاثة أشهر بعد ذلك (3).

(1) أي وإن كان بين الحيضتين ثلاثة أشهر وأكثر وذكر في جواهر الكلام بعد أن حكي ذلك عن المصنف، أن الموافق للنص والفتوى كفاية مضى ثلثة أشهر بيض مطلقا لاسيما في المرضعة حيث ورد فيها النص الخاص.
(2) الظاهر أن المراد ما إذا بلغت بعد الحيضة سن اليأس وهو خمسون سنة أو ستون كما تقدم في باب طلاق الائسة وذلك للنص الخاص كما في الوسائل الباب 6 من العدد.
(3) ذكره الشيخ أيضا في النهاية والمبسوط للنص المعتبر كما في الوسائل الباب 13 من العدد لشموله لهذا الفرض فيكون أطول العدة خمسة عشر شهرا وذكر في *

[ 321 ]

وإذا تزوج صبي صغير امرأة، فمات عنها، كان عليها عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا، سواء كانت حاملا (1) أو غير حامل، وسواء ظهر بها حمل بعد وفاة الزوج أو كان موجودا مع حال وفاته، فإن لم تعتد عنه، وكان الحمل لاحقا بإنسان وطأ شبهة، أو رجل تزوجها تزويجا فاسدا، كان النسب يلحقه. وتكون معتدة عن ذلك الوطأ بوضع الحمل، وتنقطع العدة بالشهور (2)، لأنه لا يصح أن يكون معتدة عن رجلين في حالة واحدة، فإذا انقضت العدة بوضع الحمل اعتدت حينئذ بالشهور فإن كان الحمل من زنا لم يقطع الاعتداد بالشهور في حال الحمل، والزناء لا يقطع حكم العدة، لأنه لا عدة له. وإذا كان الباقي من ذكر المجبوب قدر الحشفة من ذكر السليم في تمكنه إيلاجه، كان حكمه حكم السليم، يلحقه النسب وتعذر زوجته بالاقراء، وبوضع الحمل فإن كان جميع ذكره مقطوعا يلحقه النسب، لأن الخصيتين إذا كانتا باقيتين فالإنزال ممكن، ويمكنه أن يساحق وينزل، فإن حملت عنه اعتدت بالوضع، وإن لم تكن حاملا اعتدت بالشهور، ولا يمكن أن تعتد بالاقراء، لأن عدة الأقراء إنما تكون عن طلاق بعد دخول (3) والدخول متعذر من جهته. فأما الصبي قطعت خصيتاه وبقي ذكره، فإن حكمه حكم الفحل، يلحقه

* ذيله إنه إن مات أحدهما في هذه المدة يرثه الآخر ومقتضاه أن تكون بتمامها عدة رجعية فلو مات الزوج فيها ولو قبل آخرها بيوم تلزمها عدة الوفاة من الموت فتمتد إلى أكثر من تسعة عشر شهرا وقد أورد في جواهر الكلام على هذا الخبر بما لم اجد له محصلا فراجع وتأمل. (1) أي من إنسان آخر شبهة أو زنا كما يأتي تفصيله.
(2) أي أربعة أشهر وعشرا.
(3) ظاهر النصوص أن أصل الاعتداد إنما يكون بعد الدخول من غير فرق بين ما هو بالاقراء أو الشهور وعلى فرض وجوبه بالسحق أيضا لقوله تعالى " ما لم تمسوهن " فمقتضى إطلاق الدليل تحققه أيضا بكليهما في محلهما.

[ 322 ]

النسب وتعتد منه المرأة بالاقراء والحمل، لأنه لا يصح منه استيلاد بمجرى العادة. (1) وإذا كانت المرأة آئسة من المحيض ومثلها لا تحيض، لم يكن عليها عدة مثل الصغيرة التي لا تحيض مثلها، لم تكن عليها عدة. وإذا تزوج عبد أمة وطلقها بعد الدخول طلقة، ثبت له عليها الرجعة، لأنه قد بقي لها طلقة. فإن أعتقت في أثناء العدة، ثبت لها خيار الفسخ كما سلف لأنها في معنى الزوجات، فإن اختارت الفسخ انقطع حق الزوج من الرجعة، وكان لها أن تبني على عدتها عدة الحرة لا عدة أمة، ولا يجب عليها استئناف هذه العدة. وإذا طلق الرجل زوجته طلقة رجعية، وجرت في عدتها، ثم راجعها، انقطعت عدتها بالرجعة، لأنها تصير فراشا، فإن طلقها بعد ذلك بعد الدخول بها، كان عليها استئناف العدة، وإن لم يكن دخل بها استأنفتها أيضا، فإن خالعها، ثم تزوجها، ثم طلقها، استأنفت أيضا العدة (2) ولم يجز لها أن تبني على ما تقدم.

(1) هذا التعليل لا يناسب ما قبله فإنه إذا لم يصح منه استيلاد لم يجز أن تعتد منه بالحمل فالظاهر أن فيه سقطا ولعله كما في المبسوط " وإن كان قطع ذكره وأنثياه لا يلحقه نسب ولا تعتد منه بالاقراء والحمل " ثم إنه تقدم في عيوب النكاح أن الذي قطعت خصيتاه وبقي ذكره قادر على الوطأ دون الانزال فإلحاق الولد به لما ذكره جماعة من الأصحاب في باب اللعان وغيره من احتمال تكونه منه بمحض الادخال فيشمله " الولد للفراش " وهذا مشكل جدا لأن مقتضى العادة والفطرة كما في الآيات والأخبار، أن الولد من نطفة الرجل فلا محل للاحتمال المذكور وإلا لجرى في السحق بدون الانزال ونحوه أيضا لجواز تكونه منه بذلك بإذن الله تعالى وقاعدة الفراش ناظرة إلى غير ذلك.
(2) في هامش نسخة (ب) هنا تعليقة لعلها من صاحب النسخة وهي: ظاهره عدم الفرق بين أن يكون طلاقه إياها بعد الدخول بها أو قبله وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشيخ لا عدة عليها إن كان قبل الدخول وتحل للأزواج في الحال وبه قال داود لأن عدة المخالعة قد انقضت بالتزوج والطلاق الثاني لا يوجب العدة لأنه قبل المسيس وقال الشافعي لا عدة عليها للطلاق لكنها تكمل عدة المطلقة الخلعية وهو أقرب الوجوه انتهى *

[ 323 ]

وإذا كان لرجل زوجتان، أو أكثر منهما واحدة غير معينة، ثم مات قبل التعيين للمطلقة، فإن كانتا غير مدخول بهما، وجب على كل واحدة منهما أن تعتد أربعة أشهر وعشرا احتياطا، وإن كانتا مدخولا بهما، وكانتا حاملين اعتدت كل واحدة منهما أبعد الأجلين، وإن كانتا غير حاملين، وكان الطلاق رجعيا كان على كل واحدة منهما عدة أربعة أشهر وعشرا، وإن كان الطلاق بائنا، وهو معين، ولم يكن مضى بعد مدة، وطلق ومات عقيب الطلاق، كان على كل واحدة منهما أن تعتد ما يقارب من ثلاثة أقراء، أو أربعة أشهر وعشرا، للاحتياط، وإن كان قد مضى بعض العدة، بأن يكون قد حاضت كل واحدة منهما حيضة، ثم توفي عنها زوجها، كان على كل واحدة منهما أن تأتي بأطول الأمرين غير معين (1)، فإن طلق واحدة غير معينة، فيقال. افرض الطلاق في أيهما شئت، فإذا فرض في إحداهما طلقت، والأخرى على الزوجية، وعليها ابتداء العدة في وقت الطلاق، كما لو كان الطلاق معينا، فإن اختلفت حال الزوجتين، وكانت الواحدة منهما مدخولا بها، والأخرى ليست كذلك، أو الواحدة منهما حاملا، والأخرى ليست كذلك، أعني غير حامل، أو إحداهما رجعية، والأخرى بائنة، كان على واحدة منهما أن تأتي بالعدة، كما يجب عليها أن يأتي بها لو كانت على صفة صاحبتها. وإذا طلق الرجل زوجته، واستحقت السكنى في منزله، وباع الزوج هذا المنزل، فإن كانت تعتد بالاقراء أو بالحمل لا يصح البيع، لأن مدة استحقاق البائع مجهولة، واستثناء مدة مجهولة في البيع غير جايز، وإن كانت تعتد بالشهور، كان

* ما في الهامش ويأتي بعد ذلك أنه إذا تزوجها في عدتها انقطعت العدة أي بالنسبة إلى خلعها فلا ينافي حكمه هنا بالاستئناف للطلاق الذي بعده كما مر في الطلقة الرجعية (1) في المسألة هنا اضطراب وكذا في المبسوط وهي كالمسألة التالية مبنية على صحة طلاق إحداهما مبهما من غير تعيين لها في القصد كبيع أحد العبدين كذلك وهذا مما أفتى به الشيخ والمصنف لكنه خلاف المشهور بل التحقيق كما في جواهر الكلام فراجعه في شروط المطلقة وفي فروع عدة الوفاة.

[ 324 ]

البيع صحيحا، فإن استحقت المرأة السكنى في منزله وحجر عليه، كانت هي أحق بالسكنى من الغرماء، لأن السكنى يختص بعين الدار، وحقوقهم غير مختصة بها، فإن كان قد حجر عليه، ثم طلقت المرأة، واستحقت السكنى، كانت هي أسوة الغرماء، لأن حقهم متقدم على حقها فلم يجز تقديمها عليهم لكن يسوى بينها وبينهم وإذا طلقت المرأة وهي في منزل لا يملكه زوجها، إما بأن يكون مستعارا أو مستأجرا ويتضيق انقضاء مدة الإجارة عند حال الطلاق، فإن رضي صاحب المنزل بإقرارها فيه كان على الزوج إسكانها فيه، وإن لم يرض بذلك أو طلب أكثر من أجرة مثله، لم يلزم الزوج أن يسكنها فيه وسقط حق الزوجة من سكنى الدار بعينها، وثبت حقها من السكنى في ذمة زوجها، فإن كان موسرا كان عليه أن يستأجر لها موضعا بقدر سكنى مثلها في أقرب المواضع من الموضع الذي كانت فيه إن تمكن من ذلك وإن كان معسرا وعليه ديون، كانت الزوجة تستحق السكنى في ذمته والغرماء أيضا يستحقون ديونهم في ذمته، فإن كان طلقها بعد الحجر، ضربت مع الغرماء بقدر حقها من السكنى، وإن كان الطلاق قبل الحجر ثم حجر عليه، فإن المرأة تضرب مع الغرماء في حقها، لأن حقها وحقهم متساو في الثبوت في الذمة. وإذا أمر الرجل زوجته بالانتقال من المنزل الذي هي ساكنة فيه إلى منزل آخر فانتقلت ببدنها ولم تنقل مالها وعيالها ثم طلقها، كان عليها العدة في المنزل الثاني دون الأول، والاعتبار بالمنزل الذي تكون مقيمه فيه لا بالمال والعيال (1). وإذا أمرها بالانتقال من منزلها إلى منزل آخر، فخرجت من المنزل الأول إلى الثاني وعادت إلى الأول لنقل مالها أو بعض حوائجها ثم طلقها، فإنها تعتد في المنزل الثاني الذي انتقلت إليه، لأنه قد صار منزلا لها ورجوعها إلى الأول إنما كان لحاجة فإذا أمرها بالانتقال من منزلها الذي تسكنه إلى منزل آخر فخرجت من الأول ولم

(1) يعني أنها لو نقلت مالها وعيالها إلى المنزل الثاني ولم تنتقل ببدنها فإنها تعتد في الأول.

[ 325 ]

تصل إلى الثاني حتى طلقها وهي بين المنزلين، كان عليها أن تعتد في الثاني لأنها مأمورة بالانتقال إليه. وإذا أمرها بالخروج من بلدها إلى بلد آخر ثم طلقها، فإن كان طلاقه لها حصل قبل خروجها من منزلها، اعتدت في منزلها، لأن الطلاق صادفها وهي مقيمة فيه. وإن كان طلقها بعد فراقها لمنزلها ولم تفارق بنيان البلد، كان عليها الرجوع إلى منزلها الأول وتعتد فيه، لأنها لم تفارق البلد. وإن كان خروجها لأنه أذن لها في الحج أو الزيارة أو النزهة ولم يأذن في إقامة مدة مقدرة ففارقت البلد وطلقها، لم يلزمها الرجوع إلى منزلها، لأنه ربما كان الطريق مخوفا وتنقطع عن الرقاق. فإذا أرادت الرجوع كان لها أن تعتد في منزلها. وإن تعذر في وجهها (1) وكان أذن لها في النزهة أو الزيارة، كان لها أن تقيم ثلاثة أيام (2) فإذا قضتها أو قضت الحج، ولم تجد رفقة (3) وكان الطريق أمنا وعلمت من حالها أنها إذا رجعت إلى البلد أمكنها أن تقضي ما بقي من عدتها، وجب ذلك عليها، وإن كانت لا تتمكن من ذلك (4) لزمها الرجوع، لأنها مأمورة وليست مأمورة بالإقامة. فإن كان أمرها بالإقامة في البلد الآخر مدة معينة أو شهرا معينا، أو شهرين معينين، ففارقت بلدها وطلقها، فإنه إن كان طلقها قبل وصولها إلى البلد الآخر، كان حكمها كما ذكرناه في طلاقه لها بين المنزلين. وإن كان طلقها بعد وصولها إليه، جاز لها أن تقيم فيه المدة التي أذن لها بالمقام فيها.

(1) الصواب " فإن نفذت في وجهها " كما في المبسوط أي مضت.
(2) أي وإن كان أذن لها في الحج فلها أن تقضيه كلما يدوم.
(3) في المبسوط " ولم تجد رفقة وخافت في الطريق فلها أن تقيم لأن ذلك عذر وإن وجدت رفقة وكان الطريق أمنا " الخ وكأنه اصواب من المتن.
(4) أي من قضاء باقي العدة في منزلها بعد الرجوع

[ 326 ]

وإذا أحرمت المرأة وطلقها الزوج، وجبت العدة عليها، فإن كان الوقت ضيقا تخاف من فوات الحج إن أقامت العدة، كان عليها أن تخرج وتقضي حجها ثم ترجع لتقضى ما بقي عليها من العدة إن كان بقي عليها منها شيئ. فإن لم يكن الوقت ضيقا وكان واسعا، أو كانت محرمة بعمرة، فليس تقيم وتقضي العمرة (1) ثم تحج وتعتمر. فإن طلقها ولزمتها العدة ثم أحرمت، كان عليها ملازمة المنزل لقضاء العدة لأن وجوب العدة سابق ومتقدم لإحرامها، وهي مفرطة في إدخال الاحرام عليها. فإذا قضت ما عليها من العدة وكانت محرمة بعمرة، فإنها لا تفوت فتأتي بها، فإن كانت محرمة بحج فإن لم تكن فاتها أتت به، وإن كان قد فات، كان عليها أن تتحلل بعمرة وكان عليها القضاء (2) من قابل. وإذا أذن الرجل لزوجته في الخروج إلى بلد وأطلق ذلك فخرجت ثم طلقها واختلفا فقالت الزوجة نقلتني، وقال الرجل لم أنقلك، كان القول قول الرجل وعليها الرجوع إلى المنزل وتعتد فيه، لأنه اختلاف في نية الزوج وهو أعلم بما أراد، فإن مات واختلفت الزوجة مع ورثته، كان القول قولها، لأنهم استووا في الجهل بما أراد، وظاهر قوله موافق لدعوى المرئة لأن ظاهر أمره لها بالخروج إلى موضع كذا، وظاهره النقلة (3).

(1) الصواب " فإنها تقيم وتقضي العدة " كما في المبسوط.
(2) أي قضاء الحج وقال في المبسوط: " عندنا إن كان حجة الاسلام وعندهم أي العامة على كل حال " قلت هذا قرينة على كون المراد بالمتن حجة الاسلام ثم أنه تقدم أن المطلقة الرجعية تخرج في عدتها لحجة الاسلام مطلقا وللمندوب بإذن الزوج فيرد على ما ذكره هنا أنه إن كان الحج واجبا وجب عليها الاحرام بعد الطلاق والمضي فيه وكذا إن كان مندوبا وقد أحرمت له بالاذن وإن أحرمت بدونه كان باطلا لأنها بحكم الزوجة فلا يبقى مورد للقضاء ولا يبعد كون الحكم في العمرة أيضا كذلك.
(3) تقدم أن المطلقة الرجعية إذا مات زوجها في العدة تستأنف عدة الوفاة *

[ 327 ]

وإذا طلقت البدوية أو مات عنها زوجها وكان لها السكنى (1) وجب عليها العدة في بيتها الذي تسكنه، فإن ارتحل جميع الحي ارتحلت معهم واعتدت في المكان الذي يرتحلون إليه، لأنها لا يمكنها المقام بعدهم وحدها في الموضع الذي ارتحلوا منه فإن ارتحل الحي إلا أهلها وكان في أهلها منعة، لم يجز لها أن ترتحل وكان عليها الإقامة معهم وتعتد، لأنه يمكنها مع ذلك المقام في بيتها من غير ضرر يلحقها في مقامها لذلك. فإن انتقل أهلها وبقي من الحي قوم فيهم منعة، كانت مخيرة بين المقام وتعتد في بيتها وبين الخروج مع أهلها وتعتد حيث يرتحلون إليه لأن في تأخرها عليها ضررا باستيحاشها من أهلها، فإن مات أهلها وبقي من الحي قوم فيهم منعة، كان عليها المقام وتعتد. وإذا طلق الرجل زوجته وهي في منزل تخاف من انهدامه واحتراقه أو وصول اللصوص إليه أو الدعار، وأرادت الانتقال منه، كان لها ذلك لأن ما جاء فيه (ما خافته فيه خ ل) عذر يبيحها ذلك. وإذا وجب على المطلقة حق وكان يمكن استئفاءه من غير خروجها من منزلها لم يجز إخراجها لذلك، لأنه يمكن استئفاءه مع مقامها في منزلها. فإن كان عليها حق تجحده وكانت بارزة (2) تدخل وتخرج. فإنها تخرج ويقام عليها (3) إن وجب

* فما في هذا الفرع كالفرع التالي مبني على استحقاق المتوفى عنها زوجها للسكنى وهو خلاف ظاهر المصنف فيما تقدم بل ظاهر المبسوط الاجماع على عدمه خلافا لبعض العامة ويمكن أن يكون نظر المصنف هنا إلى استحقاقها لها في خصوص هذا الفرع لثبوته بالطلاق قبل الموت فيستصحب كما صرح به في المبسوط في مسألة تقسيم الورثة للمنزل وهذا أيضا قد يكون مخالفا للنصوص الدالة على استئنافها عدة الوفاة لظهورها في ترتب جميع آثارها ومنها عدم الاستحقاق للسكنى كما في الشرائع. (1) أي على القول بأن لها السكنى كما في المبسوط.
(2) أي ممن كانت عادته ورسمه البروز من بيتها كثيرا وعدم لزومها بيته غالبا.
(3) أي الحد، إن كان هو الحق عليها فالمراد بالحق فيما بعده الديون ونحوها.

[ 328 ]

عليها ويستوفى ما عليها من حق. وإن كانت غير بارزة لا تدخل ولا تخرج فإن الحاكم يقيم عليها الحد في منزلها ويبعث من ينظر بينها وبين خصمها في بيتها. وإذا طلق الرجل زوجته فاستحقت السكنى ولم يكن للرجل ذلك، وجب عليه أن يستأجر لها منزلا. فإن كان غائبا، استأجر الحاكم من ماله لأنها استحقت السكنى فوجب أن يوفي ما تستحقه كالدين. فإن لم يكن له مال ورأى الحاكم أن يقترض عليه ويستأجر لها، فعل ذلك وكان دينا في ذمته، فإن استأجرت ذلك بغير أمر الحاكم لها فيه مع القدرة على استئذانه، كانت مطوعة (متطوعة خ ل) ولم يكن لها الرجوع على الزوج بشئ. فإن لم تقدر على استئذان الحاكم جاز لها ذلك. وإذا طلق زوجته وهي في منزلها (1) وأقامت فيه حتى كملت عدتها ولم تطالبه بأجرة ثم طلقها (2)، لم يلزمه ذلك، لأن الظاهر من سكونها (3) التطوع بالمقام في منزلها فلم يجز لها المطالبة بالبدل. فإن استأجرت دارا وسكنتها ولم تطالبه بالأجرة حتى انقضت عدتها ثم طالبته بعد ذلك بها، لم يلزمه ذلك، لأنها إنما تستحق أجرة السكنى على الزوج إذا سكنت حيث يسكنها، فأما إذا سكنت هي حيث شائت، لم يكن لها عليه شيئ، فإن استأجرت منزلا أو سكنت في منزلها بعض العدة ولم تطالب ثم طالبت، كان لها أجرة السكنى من وقت المطالبة، ولا شيئ لها على ما تقدم من سكناها، لأنها فيما تقدم، سكنت حيث أرادت فلم تستحق أجرة ذلك، وفي المستقبل يسكنها زوجها حيث شاء فاستحقت الأجرة عليه. وإذا اتفق السفر لرجل مع زوجته في سفينة وطلقها وكان له منزل غير السفينة يأوى إليه، كان لها الخيار في الرجوع إلى المنزل وتعتد فيه. وإن لم يكن له منزل

(1) أي منزل نفسها غير الذي كان لزوجها.
(2) الصواب " ثم طالبتها " أي الأجرة.
(3) الأولى أن يكون بالتاء (سكونتها)

[ 329 ]

يأوى إليه غير السفينة كان حكمها حكم الدار، وإذا كان لها (1) بيوت منفرد كل بيت منها بباب وغلق، اعتدت في بيت منها. فإن كانت كبيرة أو صغيرة وليس فيها بيوت وكان معها محرم، فإنه (2) يخرج من السفينة ويترك المرأة في بيتها حتى تعتد، وإن لم يكن معها محرم، خرجت من السفينة واعتدت في أقرب المواضع إليها مثل الدار. والمعتدة التي تستحق السكنى تلازم البيت، وليس لها أن تخرج منه بغير حاجة، فإن اضطرت إلى الخروج بأن تخاف من غرق أو حرق أو هدم، كان لها الخروج، سواء كانت معتدة عن طلاق أو وفاة، فإن لم تكن مضطرة إلى الخروج لكن تريده لحاجة من ابتياع قطن أو بيع غزل، جاز لها الخروج لذلك نهارا ولا يجوز لها ليلا (3). وعلى المعتدة من الوفاة الحداد. وهو: تجنبها لكل ما يدعو إلى أن تشتهى وتميل النفس إليه من مثل الطيب ولبس المطيب والخضاب وغير ذلك. فإذا تجنبت ذلك فقد حدت. فأما غير هذه المعتدة من المعتدات فلا يلزمها ذلك. والادهان على ضربين: طيب، وغير طيب. فأما الطيب فهو كدهن البنفسج والبان والورد، وما جرى مجرى ذلك. وهذا لا يجوز للمعتدة استعماله في شعرها ولا بدنها.

(1) أي السفينة.
(2) أي الزوج كما في المبسوط.
(3) تقدم في أوائل الباب أن المتوفى عنها زوجها يجوز لها المبيت في غير الدار التي توفي فيها زوجها وإنه لا نفقة لها من تركة زوجها وظاهره عدم استحقاقها السكنى كما ذكره آنفا وتقدم أيضا أن المطلقة الرجعية إذا دعته ضرورة إلى الخروج من منزلها أو أرادت قضاء حق فلتخرج بعد نصف الليل وتعود قبل الفجر فما ذكره المصنف في هذا الفرع لم أعرف له وجها والله العالم.

[ 330 ]

وأما الضرب الآخر: وهو ما ليس بطيب، فهو كالشيرج والزيت، وهذا لا يجوز استعمالها له في شعرها، لأن يرجله ويحسنه، ويجوز أن تستعمله في بدنها لأنه ليس فيه طيب ولا زينة. فإن كان لها لحية لم يجز لها أن تدهنها. فأما الكحل الأسود الذي هو الأثمد فلا يجوز لها أن تكتحل به ولا أن تختضب حاجبيها، لأنه زينة. فإن احتاجت إلى الكحل اكتحلت ليلا ومسحته نهارا. وأما الأبيض الذي هو التوتيا فلها أن تكتحل به في الليل والنهار وعلى كل حال. وأما الصبر فإن النساء يكتحلن به لأنه يحسن العين ويطري الأجفان: والمعتدة ينبغي لها أن تجتنبه. وأما الكلكون فلا يجوز لها استعماله لأنه زينة. وكذلك جميع ما يحسن به وجوه النساء من أسفيذاج وما جرى مجراه. وأما لبس الحلي فهي ممنوعة منه، لأنه من الزينة. وأما الثياب ففيها زينتان إحداهما تحصل بحسب (بنفس خ ل) الثوب وهو ستر العورة وجميع البدن، قال الله تعالى خذوا زينتكم عند كل مسجد (1). والزينة الأخرى تكون بصبغ الثوب وغيره، وإذا أطلق كان المراد، الثاني والأول هي غير ممنوعة منه. وما يحصل به الزينة من الصبغ على ضروب: منها ما يدخل على الثوب لنفي الوسخ عنه مثل السوداء والكحلي، وهذا لا تمنع المعتدة منه. ومنها ما يدخل على الثوب لتزئينه مثل الحمرة والصفرة وغيرهما، فالمعتدة ممنوعة من ذلك، لأنه زينة. ومنها ما يدخل على الثوب ويكون مترددا بين الزينة وغيرها مثل صبغة أزرق واخضر، فإن كان ذلك مشبعا يضرب إلى السواد، لم تمنع المعتدة منه. وإن كانت صافية يضرب إلى الحمرة فهي ممنوعة منه. وأما الملبوس من الثياب فإن كان منه مرتفعا فاخرا مثل الديبقي والقصب والسابوري وغير ذلك مما يعمل من القطن والكتان والصوف والوبر، فالمعتدة

(1) الاعراف - 31

[ 331 ]

غير ممنوعة منه أيضا (1). والحداد يلزم المرأة الحرة الكبيرة المسلمة، والأمة إذا كانت زوجة، والكافرة إذا مات زوجها، سواء كان الزوج مسلما أو كافرا، والصغيرة إذا مات زوجها عنها يأخذها وليها بذلك. وإذا طلق الرجل زوجته ودخلت في العدة، لم يجز لها أن تتزوج حتى تنقضي عدتها، فإن نكحت قبل ذلك بطل النكاح وليس تنقطع عدتها بنفس النكاح ما لم يدخل الثاني بها. لأن الفراش لا يثبت بالنكاح الفاسد. فإن فرق بينهما قبل الدخول، لم يكن عليها للثاني عدة، وعليها أن تمضي في عدتها عن الأول إلى أن تكملها ثم يتأمل حالهما، فإن كانا عالمين بتحريم النكاح كان عليهما التعزير، وإن لم يكونا عالمين لم يكن عليها تعزير. وإن كان أحدهما عالما بذلك عزر دون الآخر، فإن دخل الثاني بها وكانا عالمين، كانا زانيين. وإن كانا عالمين بتحريم النكاح أو الوطأ. فإن الوطأ وطؤ شبهة لا يجب الحدية ويثبت به الفراش (2). ويلحق النسب، وتجب به العدة،

(1) زاد في هامش نسخة (ب) " وأما ما يعمل من الابريسم مصبوغا كان أو غير مصبوغ فهو غير ممنوعة منه أيضا ".
(2) المراد بالفراش هنا صيرورة المرئة بالشبهة كالزوجة في أحكام منها: ما ذكره من انقطاع عدة الأول ومنها: إنه لو زنى أحد بالموطوئة شبهة فولد منها ولم يعلم كون الولد لأيهما يلحق بالشبهة ومنها: إنه لو وطأ شبهة زوجة الغير فولد منها اقرع بينهما بخلاف الزنا فإنه يلحق بالزوج ومنها: حرمة أم الموطوئة وبنتها على الواطئ إن قلنا باختصاص الحرمة بالوطأ الصحيح دون الزنا ونحو ذلك وهذا في الجملة وإن كان معروفا بين الأصحاب كما في المبسوط وغيره لكنه غير ظاهر من النصوص وإنما المذكور فيها وجوب العدة والمهر ولحوق النسب بمعنى أنه لو علم عادة كون الولد من الشبهة يلحق بالواطئ ويكون كولده من الزوجة بخلاف الزنا حيث أنه ينفى عنه شرعا في الإرث ونحوه وقد حكي عن ابن إدريس نحو ما ذكرنا.

[ 332 ]

وتنقطع عدة الأول لأنها صارت فراشا للثاني ولا يجوز أن تكون معتدة عن الأول وهي فراش للثاني. ويجب عليها أن تأتي بكل واحدة من العدتين على الانفراد ولا يدخل إحداهما في الأخرى. وإن كان أحدهما عالما والآخر غير عالم، فإن كان الذي هو غير عالم هو الرجل، والمرأة عالمة، فهو وطؤ شبهة لا حد عليه. والمرأة تصير فراشا له ويلحقه النسب، وتجب عليها العدة، والمرأة زانية، عليها الحد ولا مهر لها. وإن كانت هي التي ليست عالمة والرجل هو العالم، فالمرأة غير زانية ولا حد عليها ولها المهر، والرجل زان يجب عليها الحد ولا يلحقه النسب، ولا تجب له العدة. وإذا اجتمع على امرأة عدتان وكانت (1) هي والزوج جاهلين، أو كان الزوج جاهلا وكانت غير حامل تعتد بالاقراء أو بالشهور، فإنها تكمل عدة الأول ثم تعتد عن الثاني. وإذا لم تكن اعتدت عن الأول بشئ، اعتدت منه بثلاثة أقراء، أو ثلاثة أشهر. فإن كانت اعتدت عنه ببعض العدة، فإنها تتم ذلك وتعتد عن الثاني عدة كاملة، وإنما قدمت العدة عن الأول لأنها سابقة. فإن كانت المرأة معتدة بالحمل فإنه إن لحق الحمل بالأول دون الثاني، اعتدت منه عن الأول، فإذا وضعت استأنفت عدة الثاني. وإن لحق الحمل بالثاني دون الأول، اعتدت به عن الثاني ثم تأتي بالعدة عن الأول، أو باقيها إن كانت قد أتت ببعضها. فإن أمكن أن يكون الحمل من كل واحد منهما (2) اقرع بينهما فمن

(1) بيان لسبب اجتماعهما عليها أي بأن كانت هي والزوج الثاني جاهلين.
(2) بأن كان لستة أشهر من وطأ الثاني ولا يزيد على أقصي الحمل من الأول ووجه القرعة أنها لكل مشتبه والمرأة فراش لهما كما وردت في ولد الجارية المشتركة لكن الأقوى هنا أنه للثاني للنص كما في الوسائل الباب 17 من أحكام الأولاد وذكره المصنف في باب محرمات النكاح نعم لو وطأها في العدة شبهة بدون التزويج كان ما ذكر متجها لخروجه عن النص المذكور وجواز اختصاص التزويج الفاسد *

[ 333 ]

خرج اسمه الحق به واعتدت به عنه ثم استأنفت العدة من الآخر. وإذا وطئ الرجل زوجته في العدة كانت ذلك منه رجعة وحكمنا بالمراجعة، ويكون وطؤها بعد ذلك وطئا في الزوجية وينقطع حكم العدة. وإذا كانت الزوجة مدخولا بها وخالعها ولزمتها العدة ثم تزوجها في عدتها، انقطعت العدة. وإذا طلقت الأمة ودخلت في العدة وباعها سيدها وهي معتدة، كان البيع صحيحا. فإن كان المشتري لها لم يعلم بذلك من حالها، كان له الخيار، لأن ذلك نقص، ويفوت الاستمتاع مدة العدة. فإن فسخ استرجع الثمن وردها على سيدها، وإن لم يفسخ لزمه البيع ولم يجز له وطؤها حتى تنقضي عدتها، وإذا انقضت لم تحل له حتى يستبرأها. وكذلك الحكم إذا كان عالما بذلك من حالها. ولا يدخل الاستبراء في العدة لأنهما حقان مقصودان لآدميين. وإذا نامت امرأة على فراش رجل فظن أنها أمته ووطأها ثم ظهر أنها امرأة حرة أجنبية، كان هذا الوطؤ وطأ شبهة ليس فيه حد، ويلحق النسب ويكون الولد حرا ويثبت مهر المثل. وعلى هذه الحرة أن تعتد عدة الحرة. وإذا وجد رجل امرأة على فراشه وظن أنها زوجته ثم ظهر أنها أمة لغيره وكان قد وطأها، لم يجب في ذلك حد، فأما المهر فيجب مهر المثل ويلحق النسب، لأنه وطؤ شبهة ويكون الولد حرا لاعتقاده حريته، ويكون عليه قيمته لسيد الأمة، وتعتبر القيمة بحال الوضع لأنها حال الاتلاف، وعليها عدة أمة لأنها أمة وجوب العدة. ويجب الاستبراء للامة المشتراة، وكذلك المسبية، وتستبرئ كل واحدة

* جهلا بالفراش كما يظهر من العلامة في التذكرة في الفصل الأول من ركن المحرمات ولا فرق في ذلك بين كون المراد بالفراش في الشبهة ما مر آنفا في شرح المتن أو خصوص لحوق الولد كما ذكرنا.

[ 334 ]

منهما بقرء، وكذلك المدبرة إذا مات سيدها فإنها تنعتق وتستبرئ بقرء (1)، وكذلك أم الولد إذا مات عنها سيدها، فإنها تعتد عنه عدة وفاة: أربعة أشهر وعشرا وإن اعتقها في حياته اعتدت بثلاثة أقراء. وإذا زوج أم الولد سيدها غيره وطؤها على السيد. وإذا مات السيد وهي زوجة لم يجب عليها عنه استبراء، وإن لم يمت السيد أولا ومات الزوج، كان عليها عدة وفاة مثل عدة الحرة: أربعة أشهر وعشرا. فإن مات سيدها قبل انقضاء عدتها لم يجب عليها عنه عدة واستبراء، وإذا انقضت عدتها عن الزوج قبل موت السيد، عادت إلى سيدها وليس عليه أن يستبرئها، فإن مات سيدها بعد انقضاء عدتها من الزوج، لزمها الاستبراء عنه (2). وإذا مات سيدها وزوجها ولم يعلم الميت منهما أولا، اعتدت أربعة أشهر وعشرا لأنه إن كان سيدها مات أولا، فليس عليها منه عدة لأنها تحت زوج فإذا مات زوجها بعد ذلك، كان عليها أن تعتد منه عدة الحرة للوفاة (3) فإذا انقضت عدتها لم يكن عليها من السيد استبراء. هذا إن كان بين موتهما أقل من أربعة أشهر وعشر

(1) المعروف بين الأصحاب أن المدبرة التي وطأها المولى تعتد من وفاته بأربعة أشهر وعشر للنص الصريح وغيره وكونها كأم الولد ولم ينقل خلافه إلا عن ابن إدريس فلعل مراد المصنف هنا غير الموطوئة كما يأتي حكمه بذلك في أمثالها (2) أي عن السيد وظاهره الاستبراء بقرء فيكون المراد ما إذا مات قبل أن يطأها وإلا وجب عليها عدة الوفاة كما مر وحكي في جواهر الكلام عن الشهيد الثاني رحمه الله تعالى: احتمال وجوب عدة الوفاة عليها مطلقا لاطلاق ما دل على اعتداد أم الولد بموت سيدها كما في الزوجة وهذا لا يخلو من قوة ويحتمل كون مراد المصنف هنا ذلك.
(3) زاد في هامش نسخة (ب) هنا وفي المبسوط " وإن كان الذي مات أولا هو الزوج، كان عليها أن تعتد منه عدة الوفاة " قلت هذا مبني على ما تقدم سابقا فيما علقناه أن أم الولد من السيد تعتد من موت زوجها بأربعة أشهر وعشر بخلاف غيرها

[ 335 ]

فإن كان بين موتهما أكثر من ذلك كان كما ذكرناه (1) وتعتد من وقت موت الثاني (2) عدة الحرة احتياطا كما قدمناه. وإذا ملك أحد أمة بابتياع وكان البائع قد وطأها لم يجز للمشتري وطؤها إلا بعد أن يستبرئها، وكذلك إن أراد المشتري تزويجها لم يجز له وطؤها (3) إلا بعد أن يستبرئها وكذلك إن أراد أن يعتقها ويتزوجها قبل الاستبراء لم يكن له ذلك وكذلك إذا اشتراها (4) ووطأها وأراد تزويجها قبل الاستبراء لم يجز له ذلك. وإذا ملك رجل أمة بهبة أو ابتياع أو إرث أو من غنيمة لم يجز له وطؤها حتى يستبرئها، كبيرة كانت أو صغيرة بكرا أو ثيبا، تحبل أو لا تحبل إلا أن تكون صغيرة لا تحيض مثلها أو كبيرة كذلك، فإنه ليس على هاتين استبراء. وإذا باع إنسان أمة لامرئة وقبضتها المرأة ثم إعادتها إليه بإقالة كان الأحوط له أن لا يطأها حتى يستبرئها، وإن لم تكن قبضتها لم يكن عليه استبراء وإذا اشترى رجل أمة فاستبرأت قبل أن يقبضها بحيضة، ثم قبضها بعد ذلك لم يعتد بذلك الاستبراء، فإن وصاله بجارية وقبل الوصية بها، ملكها بنفس القبول، فإن استبرأت قبل أن يقبضها لم يعتد بذلك الاستبراء، فإن ورث أمة واستبرأها قبل القبض جاز له أن يعتد بذلك الاستبراء، لأن الموروث في حكم المقبوض (5). وإذا اشترى أمة حاملا كان استبراؤها بوضع الحمل، فإن وضعت بعد لزوم

(1) أي فيما كان بينهما أقل وإنما ذكره على حدة لمخالفة بعض العامة فإن قيل: مر آنفا أنه إن كان موت السيد بعد خروجها عن عدة الزوج لزمها الاستبراء عن السيد أيضا قلنا هذا إذا كان موت الزوج معلوما فرجعت إلى السيد بخلاف المقام.
(2) مر أن عدة الوفاة من بلوغ الخبر فلعل المراد بالمتن أيضا ذلك.
(3) الصواب " تزويجها ".
(4) الصواب " استبرئها.
(5) قال في المبسوط: لجواز بيعه والتصرف فيه بخلاف المبيع.

[ 336 ]

العقد وانقضاء الخيار، وقع به الاستبراء (1). إذا عجزت المكاتبة وفسخ سيدها الكتابة ورجعت إلى ملكه، لم يحل له وطؤها حتى يستبرئها، وكذلك إذا زوج أمته ثم طلقت (2) وكذلك إذا ارتد السيد أو الأمة فإنها تحرم عليه فإذا عاد المرتد إلى الاسلام لم تحل له حتى يستبرئها. وإذا اشترى مجوسية فاستبرأت وأسلمت لم تعتد بذلك الاستبراء لأنه لم تقع به استباحة الوطأ (3) وكذلك إن اشترى مجوسية وكاتبها وأسلمت واستبرأت وهي مسلمة مكاتبة ثم عجزت نفسها، لم تعتد بذلك الاستبراء لأنه لم تقع به استباحة الوطأ. وكل جنس تعتد الحرة به فإن الأمة تعتد به إلا انهما تختلفان في مقداره ولا تتساويان في وضع الحمل (4) وأما الأقراء فالحرة تعتد بثلاثة أقراء، والأمة تعتد بقرئين، والأمة المسبية والمشتراة بقرء (5)، فأما المشهور فالمطلقة الحرة تعتد بثلاثة أشهر، والأمة بخمسة وأربعين يوما، وأما المسبية والمشتراة فإنها تعتد بشهر. فإن

(1) زاد هنا في هامش نسخة (ب) " وإن وضعت في مدة الخيار إما خيار المجلس أو خيار الشرط لم يعتد به في الاستبراء وكأنه لعدم الملك قبل انقضاء الخيار كما يظهر من المبسوط.
(2) أي قبل الدخول وإلا وجب عليها الاعتداد بما مر في أول الباب إلا أن يكون المراد بالاستبراء هنا أعم على خلاف الاصطلاح.
(3) بناءا على ما تقدم في النكاح من أن الأمة المجوسية لا يجوز للمالك وطؤها (4) الصواب: إلا في وضع الحمل.
(5) وكذا سائر الإماء المذكورات هنا كالمرتدة والمكاتبة وظاهر المصنف في هذه المسائل أن الاستبراء من قسم الاعتداد وأنه من الحقوق فلا يتداخل مع العدة إذا كانا لشخصين كما تقدم وليس عبارة عن تحصيل برائة الرحم بترك وطئها كيفما اتفق وأنه يعتبر فيه أن يكون لاستباحة الوطأ وأن يقع في ملكه وقبضه وهذا كله يشكل استفادتها من النصوص وإنما حكي عن بعض العامة ولذا قوى في المبسوط خلافه في أكثرها وزاد عليه في الشرائع وغيرها.

[ 337 ]

انقطع دمها لعارض (1) استبرأت بخمسة وأربعين يوما. ومن اشترى أمة وادعى أنها حامل وأنه يستحق ردها فإنها تعرض على القوابل فإن شهدن بأنها حامل كان له الرد، فإن صدق المشتري البائع في أن الحمل كان حاصلا في حال البيع كان له الرد على كل حال. فإن اختلفا في ذلك ووضعت الحمل لأكثر من أقصي مدة من وقت العقد فيعلم أنه من المشتري ويتحقق حدوثه بعد البيع فلا يملك به الرد، وإن أتت به لأقل من ستة أشهر من وقت البيع فيتحقق أنه من البائع ويعلم أنه كان في حال البيع فيكون له الرد. فإن أمكن أن تأتي به لأكثر من ستة أشهر دون أقصي مدة الحمل كان القول قول البائع مع يمينه لأن الأصل أن لا عيب. وإذا باع رجل أمة فظهر بها حمل فادعى البائع أنه منه وأنها أم ولده كان مضمون هذا الاقرار، أن نسب الولد لاحق به وأنها أم ولده وأن البيع باطل، فإن صدقه المشتري في ذلك ثبت أنها أم ولده وانفسخ البيع، وإن كذبه فإن لم يكن أقر في حال البيع أنه قد وطأها لم يقبل إقراره في هذه الحال، لأن الملك قد انتقل إلى المبتاع في الظاهر فاقراره لا يقبل في ملك الغير. فإن أقر البائع في حال البيع أنه وطأها فإذا أتت بالولد بعد الاستبراء لأقل من ستة أشهر فإن نسبه يلحق البائع بالاقرار المتقدم ويصير أم ولده وينفسخ البيع. فإن أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الاستبراء. لم يلحق البائع. " باب المفقود وعدة زوجته " إذا خرج رجل إلى بلد وعلم أنه مقيم فيه وأنه حي فالزوجية بينه وبين زوجته باقية ولا يجوز لها أن تتزوج حتى يحصل لها العلم اليقين (اليقيني خ ل)

(1) أي من مرض أو رضاع كما تقدم في غير اليائسة التي لا تحيض في العادة وهي في سن الحيض فهذه تستبرأ بشهر والتي تحيض وتطهر عادة لكن ارتفع حيضها للمانع المذكور تستبرأ بخمسة وأربعين يوما وتقدم الفرق بينهما في انقضاء العدة للزوجة بثلاثة شهور.

[ 338 ]

بموته، فإن فقد ولم يعلم خبره ولا هل هو حي أو ميت لم يزل ملكه عن ماله، فأما زوجته فإنها ما دامت ساكنة فأمرها إليها. فإن رفعت أمرها إلى السلطان أجلها من يوم رفعت خبرها إليه إلى أربع سنين ويبعث في الافاق من يبحث عن خبره، فإن عرف له خبر كان عليها أن تصبر أبدا. وإن لم يعرف له خبر وانقضت أربع سنين وكان لهذا الغائب ولي ينفق عليها، كان عليها الصبر أبدا. وإن لم يكن له ولي فرق الحاكم بينهما فاعتدت عدة الوفاة، فإن قدم الغائب في زمان العدة كان أملك بها وإن قدم بعد انقضاء العدة لم يكن له عليها سبيل. فإن قدم الغائب بعد موتها وكانت قد خرجت من العدة أو تزوجت لم يرثها على حال. " باب الحاق الأولاد بالاباء، وأحكام ذلك " إذا دخل رجل بزوجته وأتت بولد تام على فراشه لستة أشهر من اليوم الذي وطأها فيه، كان عليه الاقرار به ولم يجز له إنكاره ولا نفيه عن نفسه. وإن أتت به لأقل من ستة أشهر جاز له إنكاره (1) ونفيه عن نفسه، فإن نفاه عن نفسه ورافعته زوجته إلى الحاكم، كان عليه ملاعنتها (1) فإن أقر الرجل به ثم نفاه بعد ذلك عن نفسه لم يكن لهذا النفى تأثر وكان الولد لازما له ولاحقا به. وإذا كان هذا الولد من زوجة متمتع بها كان عليه أيضا الاقرار به ولم يجز له نفيه وإذا كانت الزوجة غير مدخول بها، أو دخل بها الزوج وغاب عنها غيبة تزيد على مدة الحمل، وجاءت بولد لم يكن والد إله وكان له نفيه عن نفسه. وإن كانت له جارية لم يطأها، أو كان قد وطأها ثم غاب عنها غيبة تزيد على مدة الحمل وجاءت بولد،

(1) يمكن كون الجواز هنا بمعنى عدم المنع فقط فإن الظاهر كما قيل وجوب النفى في هذه الحال حفظا للنسب عن الضياع وترتب المحرمات.
(2) اللعان إنما يكون إذا أمكن لحوق الولد به شرعا بأن كان لستة أشهر أو أكثر فينفيه لما يعلم من نفسه بأمر غير ظاهر وأما إذا كان لأقل فهو منتف عنه شرعا بلا لعان فلعل مراد المصنف ما إذا لم يكن له طريق إلى إثباته.

[ 339 ]

لم يكن والدا له ووجب نفيه عن نفسه. وإذا كان لرجل زوجة أو جارية وكان يطأهما ويعزل عنهما وجاءت واحدة منهما بولد، وجب عليه الاقرار به ولم يجز له نفيه عن نفسه. وإذا اشترك رجلان أو أكثر منهما في مملوكة ووطأها جميعهم في طهر واحد ثم جائت بولد، اقرع الحاكم بينهم فمن خرج اسمه كان الولد لاحقا به. وإذا وطأ رجل مملوكة له وباعها من قبل أن يستبرئها، ثم وطأها المشتري لها قبل أن يستبرئها أيضا، وباعها هذا الثاني للآخر فوطأها أيضا قبل أن يستبرئها ثم جاءت بولد، كان لاحقا بالذي عنده المملوكة. وإذا طلق رجل زوجته ثم تزوجت (1) وجاءت بولد لأقل من ستة أشهر، كان لاحقا بالزوج الأول. وإن كان لستة أشهر كان لاحقا بالزوج الثاني. وإذا باع رجل مملوكته ووطأها المشتري وجاءت بولد لأقل من ستة أشهر، كان لاحقا بالمولى الأول. وإن كان لستة أشهر كان لاحقا بالمولى الذي هي عنده. وإذا وصل الخبر إلى المرئة بطلاق زوجها لها أو بموته ثم اعتدت وتزوجت وجاءت بولد ثم جاء زوجها وأنكر الطلاق وعلم أن شهادة الذين شهدوا بطلاقه أو بموته كانت شهادة زور، فرق بينها وبين الزوج الثاني ثم تعتد منه (2) وتعود إلى الأول بالعقد المتقدم دون عقد جديد ويكون الولد لاحقا بالزوج الذي جاء منه، وفرق بين المرأة وبينه (3)

(1) أي بعد العدة كما في النص وأما لو تزوجت فيها شبهة فقد تقدم من المصنف أنه إن أمكن كونه لهما اقرع بينهما وذكرنا ما فيه.
(2) أي عدة وطأ الشبهة وهي كعدة الطلاق ثلاثة أقراء أو ثلاثة شهور كما أشار إليه في مسألة اجتماع العدتين.
(3) أي بين الولد وكأنه لكون حضانته حينئذ لأبيه دونها لأنها متزوجة كما ورد ذلك فيمن طلق زوجته فتزوجت ثم أنه ورد أيضا في نصوص المسألة هنا أن المرأة لها المهر من الثاني بما استحل من فرجها ويضمن له شاهد الزور بسبب الغرور

[ 340 ]

وإذا وطأ رجل امرأة فجورا فحملت منه ثم تزوجها، لم يجز له الحاق الولد بنفسه (1) وكذلك إن وطأ مملوكة لغيره فحملت منه ثم ابتاعها منه لم يجز له أيضا الحاق الولد بنفسه. وإذا وطأ رجل جاريته ووطأها بعده بلا فصل رجل آخر فجورا وجاءت بولد واشتبه الأمر عليه فيه كان لاحقا به. فإن غلب على ظنه بشئ من الامارات أنه ليس منه لم يجز له الحاقه بنفسه ولم يجز له أيضا بيعه. فإن حضرته الوفاة، وصى له بشئ من ماله ولا يورثه ميراث الأولاد. وإذا ابتاع رجل جارية حاملا ثم وطأها قبل أن يمضي لها أربعة أشهر وعشرة أيام، لم يجز له بيع الولد لأنه غذاه بنطفته وعليه أن يدفع إليه شيئا من ماله ويعتقه. وإن وطأها بعد مضي أربعة أشهر وعشرة أيام (2) وكان يعزل عنها فإنه يجوز له بيع الولد أيضا. وإذا كان لرجل زوجة أو جارية يتهمها بفجور وجاءت بولد لم يجز له نفي الولد وكان عليه الاقرار وإنما يجوز له مع العلم بأنه ليس منه. وإذا كانت له مملوكة لم يطأها وجاءت بولد، كان له بيعه على كل حال. واعلم أن أقل الحمل (3) أربعون يوما، وهو مدة انعقاد النطفة وأقله بخروج

(1) زاد هنا في هامش نسخة (ب) " وكذلك إن وطأ مملوكة لغيره فحملت منه ثم تزوجها لم يجز له الحاق الولد بنفسه " (2) عبارة النهاية هكذا " وإن كان وطؤها بعد انقضاء الأربعة أشهر وعشرة أيام جاز له بيع الولد على كل حال وكذلك إن كان الوطؤ قبل انقضاء الأربعة أشهر وعشرة أيام إلا أنه يكون قد عزل عنها جاز له بيع ولدها " والظاهر أن المتن كان كذلك فوقع فيه سقط كما يشهد له لفظة أيضا في آخره والتعليل بالتغذية في أوله والذي ظهر لنا من النصوص أنه في المدة المذكورة من حملها لا يجوز له وطؤها وبعدها يجوز مع الكراهة وفي كليهما إن عزل عنها يجوز بيع الولد وإلا فلا وفي المسألة خلاف.
(3) لعل الصواب " أول الحمل "

[ 341 ]

الولد حيا ستة أشهر كما قدمناه لأن النطفة تبقى في الرحم أربعين يوما ثم تصير علقة أربعين يوما ثم تصير مضغة أربعين يوما، ثم تصير عظاما أربعين يوما ثم تكتسي لحما ويتصور وتلجها الروح إلى عشرين يوما، فذلك ستة أشهر، وأكثر الحمل تسعة أشهر ولا يكون حمل على التمام لأقل من ستة أشهر قال الله تعالى " حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا (1) والفصال من الرضاع في أربعة وعشرين شهرا فيكون الحمل الباقي من ثلاثين شهرا وهو ستة أشهر، ولا يكون مدة الحمل على ما ذكرناه أكثر من تسعة أشهر. وإذا افتقر الحاكم في الحكم إلى القرعة فيمن تقدم ذكره من الولد الذي يحكم بين الرجلين فيه بذلك، فينبغي أن يقصد إلى سهم أو قرطاس فيكتب عليه، اسم الرجل الواحد واسم الولد، ويكتب على سهم أو قرطاس اسم الرجل الآخر واسم الولد ويخلط ذلك في سهام أو قراطيس متشابهة ثم يقول المقرع: اللهم أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، بين لنا أمر هذا المولود لنقضي فيه بحكمك. ثم يخلط السهام بيده ويأخذ منها واحدا واحدا فمن خرج اسمه لحق به الولد. " باب النفقات " قال الله تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى أن لا تعولوا (2). أي لا يكثر من تمونونه.
(3) وقيل: معنى " ألا تعولوا ": " لا تجوروا " فلو

(1) الاحقاف - 15 (2) النساء - 3.
(3) في نسخة (ب): أي لا تكثروا من تمونونه والأول أصح قال في المبسوط يقال عال يعول: إذا جار وأعال: إذا كثر عياله وقيل إن عال يعول مشترك بين جار *

[ 342 ]

لم تكن النفقة واجبة والمؤنة لازمة ما حذر من كثرتها. وقال تعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله به بعضهم على بعض وبما انفقوا من أموالهم (1). وقال: قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم (2) يريد النفقة. وقال الله تعالى: وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف (3) والمولود له هو الزوج، فإذا كان في ذلك دليل على وجوب النفقة فوجب أن ينفق الزوج على زوجته وعلى ولده على ما تضمنته لاية. واعلم: إنه يجوز للرجل أن يتزوج من النساء أربعا، ويستحب له الاقتصار على واحدة (4)، وقد تقدم القول بأن على الزوج، النفقة على زوجته فأما أن يخدمها خادما وينفق عليه فالقول فيه أنه إن كان مثلها مخدوما فعليه ذلك وعليه نفقة خادمها وإن كانت ممن لا تخدم مثلها لم يجب عليه إخدامها، والمرجع فيمن يخدم ومن لا يخدم إلى العرف والعادة، فإن كانت من أهل بيت كبير ولها نسب وشرف ومال وثروة مثلها لا تخدم منزله في طبخ ولا عجين ولا غسل ثياب ولا كنس المنزل وما أشبه ذلك، كان عليه إخدامها.

* وبين كثر عياله ذكره الفراء وعال يعيل إذا افتقر ومنه قوله تعالى ووجدك عائلا فأغنى انتهى ولا يخفى أن قول المصنف: فلو لم تكن النفقة الخ راجع إلى قوله لا يكثر من تمونونه كما ذكره في المبسوط بعده ويمكن إرجاعه إليه وإلى ما بعده بتكلف (1) النساء - 34.
(2) الاحزاب - 50.
(3) البقرة 233.
(4) لعله للاحتياط وصعوبة العدل بين الزوجين والتحرز عن الشقاق الحاصل بينهما غالبا وإلا فالمستفاد من ظواهر الآيات والنصوص الواردة في الترغيب للنكاح وذكر فوائده، خلافه كما هو شأن النبي وأهل بيته (عليهما السلام) وغيرهم.

[ 343 ]

وإن كانت من أدناء (أفناء خ) الناس مثلا نساء الحمالين والأكارين ومن جرى مجراهم لم يجب عليه إخدامها. وإذا كان المرجع في ذلك إلى العرف فإنما يرجع إليه في مثلها ولا يرجع إلى ما ترتب به (1) نفسها، فإذا كانت من ذوي الاقدار فتواضعت وانبسطت في الخدمة كان عليه إخدامها، فإن لم تكن كذلك وتعظمت وتكبرت وترفعت عن الخدمة لم تستحق الخدمة بذلك لأن المرجع فيه إلى قدرها لا إلى الموجود منها في الحال. هذا إذا كانت صحيحة، فإن مرضت واحتاجت إلى من يخدمها لزمه إخدامها وإن كان مثلها لا يخدم في حال الصحة، لأن المعتبر في ذلك بالعرف ومن العرف أن تحتاج إلى خادم كما أن العرف في الجليلة يقتضي أن تفتقر إلى خادم، فصارت في حال المرض مثل الجليلة في حال الصحة. وإذا كان على الزوج كما قلناه أن يخدم زوجته فليس يجب عليه أكثر من خادم واحد ولو كانت أجل الناس، لأن الذي عليه من الخدمة، الكفاية، والكفاية تحصل بواحدة وإن كان للزوجة رباع ومال وجهاز تحتاج فيه إلى خدمة ومراعاة، لم يلزم زوجها غير الخادم الواحد، وإذا كان ليس يلزمه إلا الخادم الواحد فهو مخير بين أن يبتاع خادما، أو يستأجره أو يكون لها خادم ينفق عليها بأمرها، أو يخدمها بنفسه فيكفيها ما يكفي فيه الخادم، لأن الواجب عليه تحصيل الخدمة لها وليس لها أن أن تتخير عليه الوجوه التي يحصل منها ذلك. فإن أرادت منه أن تخدم نفسها وتأخذ ما يأخذ الخادم من النفقة، لم يكن لها ذلك لأن الخدمة للدعة والترفه، فإذا لم تختر ذلك وأراد الخدمة لم يلزمه دفع عوض إليها عن ذلك. وإذا كاتب (2) إنسان عبده كان له أن يبتاع الرقيق لأن له تنمية المال، فإن

(1) لعل الصواب " تزينت به " من الزي كما في المبسوط.
(2) هذه المسألة بطولها من فروع نفقة الولد أدرجها المصنف والشيخ في المبسوط بين مسائل الانفاق على الزوجات استطرادا لعلة غير ظاهرة والله العالم.

[ 344 ]

اشترى جارية لم يجز له وطؤها لأن في ذلك تعزيرا بمال سيده، فإن أذن له في ذلك كان جائزا فإن وطأها بإذن سيده أو بغير إذنه فليس فيه حد لأن هناك شبهة، والنسب لاحق لأنه وطؤ سقط فيه الحد عن الوطء فإن ألحق نسبه فإنه مملوك لأنه من بين مملوكين، ويكون مملوكا لأبيه لأنه ولد مملوكته ولا يعتق عليه لأنه ناقص الملك ولا يجوز له بيعه لأن الشرع منع من بيع الآباء والأولاد (1) ولا يملك عتقه لأن فيه اتلاف مال سيده. وعليه النفقة على ولده. فأما نفقة ولده من زوجته فغير واجبة عليه سواء كانت حرة أو مملوكة أو أم ولد لغيره أو مكاتبة، لأنها إن كانت حرة فلا نفقة عليه لأنها تجب باليسار وهو غير موسر لأن ما في يده لسيده. وإن كانت مملوكة لم تجب عليه نفقة لأنه مملوك لسيد المملوكة، وليس يجب عليه نفقة مملوك غيره، ويفارق ولده من أمته لأنه مملوكه فلهذا انفق عليه كسائر مماليكه. وإن كانت أم ولد للغير فلا نفقة عليها (2) لما تقدم ذكره وإن كانت مكاتبة للغير فكذلك. فإذا كان لا نفقة عليه كما ذكرنا، وقيل لنا: فعلى من تكون نفقته؟ قلنا: إذا كانت زوجته حرة كانت النفقة عليها، لأنه إذا لم يكن الأب من أهل الانفاق، انفقت الأم. وإن كانت أمة للغير، كان على سيدها نفقة هذا الولد لأنه مملوكه وإن كانت مكاتبة كان موقوفا مع أمه يعتق بعضها (3) وعلى هذا نفقته على أمه كما تنفق على نفسها مما في يدها

(1) يمكن أن يقال أن الشرع إنما منع ذلك لأجل انعتاقهم عليه والمفروض في المقام عدمه لنص ملكه.
(2) الصواب " عليه " لأن الكلام صدرا وذيلا في نفقة ولده من زوجته.
(3) الصواب " يعتق بعتقها " كما في المبسوط قوله: وعلى هذا الخ أي بناءا على كون الولد كأمه في العتق يكون نفقته على أمه واعلم أن في عدة من كلمات المتن هنا في النسختين غلطا أو تحريفا فراعيت تصحيحها بمناسبة المقام وبعضها صحيحة لكن كتب عليها في نسخة (ب) كلمة أخرى بعلامة النسخة وهي غير مناسبة ولذا اعرضت عن نقلها

[ 345 ]

وإن كانت زوجته مكاتبة لسيده فلا نفقة عليه (1)، والنفقة على ما قدمنا تفصيله، فإن أراد هذا المكاتب ابن ينفق على ولده منها كان جائزا لأنه ليس في ذلك تغرير بمال السيد فإن عجز (2) وعاد إلى الرق فالنفقة كانت على مال سيده. فإن أدى وعتق فقد انفق على مال سيده. وأما ولد العبد (3) من زوجته فالحكم فيه كالحكم في ولد المكاتب من زوجته لا يجب عليه (4) الانفاق لما تقدم ذكره. واعلم أن نفقات الزوجات تعتبر بحال الزوج ولا تعتبر بحال الزوجة، وقد ذكر في ذلك أنه إن كان موسرا، كان عليه في كل يوم مدان، وإن كان متوسطا متجملا فمد ونصف، وإن كان معسرا فقدر المد. ويعتبر الغالب في قوت أهل البلد والغالب من قوته، وليس عليه أن يدفع إليها إلا الحب، فإن طلبت منه غيره لم يلزمه لأنها تكون مطالبة بغير حقها وغير ما يجب لها عليه. فإن أراد هو أن يدفع إليها غير ذلك لم يلزمها قبوله لأن يكون دافعا إليها غير حقها وغير ما يجب لها. فإن اصطلحا على أخذ البدل من ذلك، دنانير أو دراهم كان ذلك جائزا. فأما الخادمة فقد ذكرنا فيما تقدم أن نفقتها تجب عليه إذا كانت ممن يخدم مثلها، فإن كان موسرا كان عليه لها مد وثلث، لأنه أقل من نفقة الموسر والمتوسط وارفع من نفقة المعسر، وإن كان معسرا ألزم نفقة مد لأنه ليس يمكن أقل منه من حيث أن البدن لا يقوم بأقل منه. ومذهبنا يقتضي الرجوع إلى اعتبار العادة في ذلك. وأما الادم فعليه أن يدفع إلى الزوجة مع الطعام أدما والمرجع في جنسه إلى

(1) أي على العبد المكاتب.
(2) تعليل وبيان لعدم التغرير بمال السيد وفيه الفرق بين كونها مكاتبة لسيده أو لغيره.
(3) أي العبد الخالص غير المكاتب.
(4) بل لا يجوز له كما في المبسوط.

[ 346 ]

غالب آدم البلد من زيت أو شيرج أو سمن، ومقداره يرجع إلى العادة فما كان أدما للمد في العادة أوجب ذلك عليه، ويفرض لخادمها الادم أيضا، ويفرض لها عليه اللحم في كل أسبوع دفعة واحدة، ويكون ذلك في يوم الجمعة لأنه عرف عام، ويرجع إلى العرف في مقداره وكذلك القول في الخادم. ولا يجب لها عليه أجرة الحجام، ولا فاصد، ولا ثمن دواء. وأما الدهن الذي تدهن شعرها به وترجله والمشط فإنه على الزوج لأنه من كمال النفقة. ويجب عليه كسوتها، والمرجع في قدر ذلك (1) وجنسه إلى عرف العادة وأما العدد فللزوجة أربعة أشياء: قميص ومقنعة (2) وخف، هذه كسوة الصيف. فأما في الشتاء فإنه يزيده جبة محشوة بالقطن، وكذلك الخادم. وعليه أيضا لها الفراش والوسادة واللحاف وما ينام عليه بحسب العرف والعادة فيه. وإذا دفع إليها الكسوة لمدة يلبس في مثلها ستة أشهر تقديرا فأخلقت وبليت فإن لحقها ذلك في وقتها (3) كان عليه عوضها، وإن كان ذلك قبل وقتها لشهرين أو ثلاثة أشهر لم يلزمه العوض عنها. وإن كان بعد وقتها كان عليها عوضها (4). فأما البدوية فإنها في وجوب النفقة لها على زوجها تجري مجرى ما قدمناه في الحضرية، وتفترقان في غير وجوب ذلك على الزوج، وذلك أن قوت البادية بخلاف قوت الحاضرة لأنهم يقتاتون بالاقط والبلوط، فعلى زوجها نفقتها من غالب قوت

(1) أي الكبر والصغر.
(2) في هامش نسخة (ب) هنا " وسراويل وشيئ يلبسه في رجلها من نعل أو غيره وأما خادمها ثلاثة أشياء: قميص ومقنعة وخف ".
(3) أي خلقت في رأس ستة أشهر مثلا أو حواليها.
(4) أي في رأس المدة التي يخلق فيها الثوب عادة وإن لم يحصل ذلك لهذا الثوب لأجل أنها لم تلبسه أو جهدت به كثيرا في حفظه قال في المبسوط: وكذلك إذا أعطاها قوت يومها فلم تأكله إلى الغد وجب عليه القوت في الغد بلا خلاف ولكن حكي فيه عن بعض أنه ليس عليه في الثوب عوضه في ذاك المدة قبل خلقه.

[ 347 ]

البادية كما قدمناه في غالب قوت البلد. وليس يجب على الزوج أن يضحي عنها، ولا أن يؤدي عنها كفارة اليمين، وعليه زكاة الفطرة عنها. فأما السبب الذي تجب النفقة على الزوج عنده فهو التمكين المستحق إذا كانا كبيرين. والتمكين الناقص هو التخلية والتمكين الكامل هو تسليم نفسها إليه وتمكينه منها على الإطلاق ومن غير اعتراض عليه في موضع مسكنها ونقلها إليه، فإذا حصل التمكين على ما ذكرناه وجب تسليم النفقة في كل يوم من أوله، فإن توانى في ذلك حتى مضت مدة استقرت عليه النفقة. فإن لم تسلم نفسها إليه ولا تمكنه التمكين الكامل مثل أن تقول له: أسلم نفسي إليك في بيت أبي أو بيتي أو بيت الفلاني أو المحلة الفلانية، فلا نفقة لها لأن التمكين الكامل ما وجد، فإن حصل التمكين الكامل وكان الزوج حاضرا كان عليه النفقة لأن سبب الاستحقاق لها قد حصل. وإن كان غائبا فحضرت عند الحاكم وأعلمته أنها مسلمة نفسها إلى زوجها على الإطلاق لم يحكم لها بالنفقة حتى يكتب إلى حاكم البلد الذي الزوج مقيم فيه ويعرفه ذلك من حالها، ثم يحضره ذلك الحاكم ويعلمه بما ذكرته زوجته، فإن سار لوقته أو وكل من ينوب عنه في القبض والتسليم، وحضر وقبض كان ذلك الوقت هو وقت ابتداء النفقة. وإن لم يسر ولا وكل ضرب المدة التي لو سافر فيها يوصل إليها ثم يكون عليه نفقتها عند آخر هذه المدة، لأن التمكين الكامل وجد منها وقدر على القبض فلم يفعل، وكذلك الحكم إذا كان الزوج كبيرا والزوجة مراهقة تصلح للوطأ. وإذا كان الزوج كبيرا والزوجة صغيرة لا يجامع مثلها فليس لها نفقة. وإن كان الزوج صغيرا والزوجة كبيرة لم يكن لها أيضا النفقة. فإن كانا صغيرين فلا نفقة لها أيضا. وإذا مرضت الزوجة لم تسقط نفقتها لأجل مرضها، لأنها من أهل الاستمتاع بها، ولأنه يألفها ويسكن إليها وتفارق الصغيرة بهذين الوجهين. وإن كان بها عيب في الفرج يمنع من الوطأ ويوجب الرد، فإن اختار إمساكها

[ 348 ]

لزمته النفقة، وله أن يستمتع بها فيما دون الفرج، وإن اختار ردها كان ذلك له. وإذا أعسر الزوج ولا يقدر على النفقة على زوجته بوجه من الوجوه، كان عليها الصبر إلى أن يوسع الله عليه ولا يفسخ عليه الحاكم وإن طالبته المرأة بذلك. وإذا كان موسرا بالنفقة فمنعها مع القدرة، الزمه الحاكم الانفاق عليها. فإن لم يفعل أجبره على ذلك فإن أبى ذلك حبسه أبدا حتى ينفق عليها. وإذا كانت الزوجة مطلقة طلاقا رجعيا كان لها النفقة لأنها في معنى الزوجات وإن كان طلاقا بائنا لم تكن لها نفقة. فإن أبانها وكانت حاملا وجبت النفقة للحمل فلما وجب ذلك بوجوده وسقط بعدمه، ثبت أن النفقة له، (1) ولأنه إذا كان للحمل مال انفق عليها فيه فدل ذلك على أنه لا يجب لها، فإذا لم تكن النفقة لها لأجل الحمل وكان للحمل على ما بيناه، فعلى ذلك ينبغي أن يقال في الحر إذا تزوج بأمة وأبانها وهي حامل، فإن النفقة على سيد الأمة (2) فإن تزوج عبد بأمة وأبانها وهي حامل كانت النفقة على سيد الولد دون والده، لأن العبد لا يجب عليه نفقة أقاربه (3) فإن تزوج عبد بحرة فأبانها وهي حامل كانت النفقة على الزوجة، لأنه ولد حرة وأبوه مملوك. وإن كان النكاح فاسدا (4) وكان الزوج حرا كانت النفقة عليه لأنها

(1) أي للحمل لا للحامل لأجل الحمل قلت ظاهر الآية والنصوص هو الثاني كما عن بعض الأصحاب والمخالفين ولا ينافيه الدليلان المذكوران في المتن كما أن بعض الفروع التالية وغيرها أعم فراجع جواهر الكلام.
(2) هذا إذا شرط مولاها على الزوج رق الولد وقلنا بصحة هذا الشرط كما صرح بذلك في الشرائع وأشار إليه في المبسوط بقوله تجب نفقة الولد على سيده وهو سيد الأمة.
(3) أي ولو كانت النفقة لها وجبت على العبد في كسبه وهكذا في الفرع التالي (4) أي شبهة إذ الولد والنسب منتف في غيرها وبالجملة فهذه أربعة فروع ذكرها المصنف تبعا للمبسوط لكون النفقة للحمل لكن يمكن منع كونها من فروع خصوصا في الأول والأخير

[ 349 ]

نفقة ولده، ولا فرق في باب لحوق النسب وثبوته بين النكاح الصحيح والفاسد. ويستحق الولد النفقة على والده إذا كان الولد على صفة ووالده على صفة (1) فأما صفة الولد الذي يستحق النفقة وصفة الوالد الذي يستحق عليه ذلك فهي أن يكون الولد معسرا ثم ناقص الخلقة أو ناقص الإحكام، أو ناقص الخلقة والاحكام. فناقص الخلقة: الضرير والزمن، وناقص الإحكام: الولد الصغير لأنه لا حكم لكلامه والقلم لا يجري عليه، وأما ناقص الخلقة والإحكام: فالكبير الضرير المجنون فإنه ناقص الأمرين معا. وأما صفة والده الذي يستحق عليه النفقة فهو القادر على النفقة على ولده في الفاضل عن قوت يومه، فإذا قدر على ذلك لمال في يده أو قدرة على كسب وكان عليه الانفاق. فإذا كان الأمر في الولد والوالد على ما ذكرناه. فأما الترتيب في ذلك فجملته أن نفقة الولد على والده إن كان موسرا كما ذكرناه، فإن لم يكن له والد أو كان له والد إلا أنه معسر فعلى جده. فإن لم يكن له جد، أو كان له وكان معسرا فعلى والد الجد ثم هذا الترتيب أبدا. فإن لم يكن له أب ولا جد أو كانا إلا أنهما معسران فنفقته على أمه وكل جدة، وإن علت فهي كالأم إذا لم تكن دونها جدة أو كانت لكنها معسرة مثل ما ذكرناه في الأب هذا إذا لم يكن من شق الأم إلا هؤلاء، فإن كان في شق الأم غير هؤلاء وهو أب الأم وأم أب الأم ومن جرى هذا المجرى فهم من أهل الانفاق في الجملة، لأن النفقة تلزم بالقرابة على من يقع عليه اسم الأب حقيقة أو مجازا، أو على من وقع عليه اسم الجد حقيقة أو مجازا. وإذا كان له أب وأم فالنفقة على الأب دون الأم فإن كان له أم وجد أبو أب وإن علا فالنفقة على الجد دون الأم. فإن اجتمع أبو أم وأم أم فهما سواء لتساويهما في الدرجة

(1) زاد في هامش نسخة (ب) " ويستحق الوالد النفقة على ولده إذا كان الوالد على صفة وولده على صفة "،

[ 350 ]

أيضا (1). فأما النفقة على الوالد فعلى الولد أن ينفق على والده في الجملة وعلى جده وإن علا، وينفق على أمه وأمهاتها وإن علون. والذي تجب النفقة عليه فإنها تجب في الفاضل عن قوت يومه وليلته. وصفة من تجب له فإن يكون فقيرا ناقص الإحكام أو الخلقة أو هما، وناقص الإحكام، المجنون، والخلقة الزمانة، وهما: أن يكون مجنونا زمنا، فمن كان على هذه الصفة لزمت ولده النفقة عليه. وإن كان كامل الخلقة والإحكام إلا أنه فقير فعلى ولده الانفاق عليه، وإذا كان الولد كامل الخلقة والإحكام وكان معسرا وجب نفقته عليه (2). وإذا كان موسرا وكان أبواه معسرين، فإن كان معه ما ينفق عليهما فعليه ذلك وإن لم يفضل عن كفايته إلا نفقة أحدهما كان هذا الفاضل بينهما. وإذا كان الإبن موسرا وله أب وجد أبو أب وهما معسران، وابن وابن ابن معسران أيضا فإن فضل ما يكفي الكل انفق عليهم، وإن فضل ما يكفي واحدا منهم

(1) لفظة " أيضا " هنا غير مناسبة وزاد في هامش نسخة (ب) بعدها بعلامة بعض النسخ " فإن اجتمع أم أم وأم أب أو أبو أم وأم أب كانا أمهما امهاتها وإن علون " والظاهر أن ذيله تصحيف من السطر التالي في المتن والصواب " كانا سواء " كما في المبسوط فيحتمل أن تكون لفظة " أيضا " بعد هذه الجملة أو إنه كان قبلها فرع آخر نحوه سقط من المتن.
(2) يعلم من ذلك أنه لا عبرة في الولد أو الوالد بنقص الخلقة أو الإحكام وإنما العبرة بفقره وإن كان كاملا خلافا لبعض العامة فما ذكره أولا من اعتبار نقصها مع الفقر لأنه متفق عليه بين الخاصة والعامة كما أنه مع نقصهما إنما يجب الانفاق عليه إذا لم يكن له مال أو نحوه والظاهر أنه يعتبر في الفقر في كل من الوالد والولد وغيرهما ممن تجب نفقته على غيره، عجزه عن التكسب اللائق بحاله كما في الشرائع وغيره نظير ما تقدم هنا آنفا من وجوب نفقة غيره عليه بل قد يقال بأن المرأة القادرة على التزويج اللائق بحالها بحكم الغنى وفيه تأمل.

[ 351 ]

كان الإبن أولى، وكذلك الأب مع الجد (1) فإن كان معسرا وله أب وابن موسران كان نفقته عليهما سواء تساويهما في القرابة والتعصيب (2) والرحم. وإن كان موسرا وله زوجة ومن ذوي الأرحام من تجب عليه نفقته. فإن فضل ما يكفي الكل انفق على الكل. وإن فضل ما يكفي أحدهم كانت الزوجة أحق بها، لأن نفقتها على سبيل المعاوضة ونفقة ذوي الأرحام مواساة، والمعاوضة أقوى لأنها تستحق مع إعسارها ويسارها، والوالد إذا كان موسرا لا نفقة له، وتستحق مع يسار الزوج وإعساره. والولد لا نفقة له على أب معسر. وتستحق المطلقة المرضعة النفقة وهي الأجر على الرضاع لقوله تعالى: فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن (3). فإن طلبت أجرة مثلها وليس هناك غيرها أو يوجد غيرها بهذه الأجرة فهي أحق، وإن طلبت أكثر من ذلك (4) والزوج يجد بأجرة المثل كان له نقله عنها لقوله تعالى: وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (5) ولقوله تعالى. وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف (6)

(1) أي إن فضل من الأب ما يكفي لواحد فالاب أولى من الجد ويظهر من ذلك حكم ما إذا كان له أب وابن معسران وفضل منه ما يكفي أحدهما فالابن أولى من الأب وهذا تعرض له في المبسوط على حدة وقوى فيه أنهما سواء ويحتمل أن يكون المراد بالمتن أولوية الإبن بالنسبة إلى ابن الأب لا الأب ويؤيده التعليل المذكور في التالي أو المراد ما إذا كان له أب وجد أو ابن وابن ابن كما في المبسوط (2) التعصيب قرابة خاصة للذكور مذكور في كتاب الميراث وباب العاقلة من كتاب الديات.
(3) الطلاق - 6 (4) ظاهره أنه إذا طلبت أجرة المثل والزوج يجد بأقل منها ليس له النقل.
(5) الطلاق - 6 (6) البقرة 233

[ 352 ]

وأما نفقة المملوك فتجب على سيده وهو على ضربين: مكتسب، وغير مكتسب فإن كان غير مكتسب لصغر أو كبر أو زمانة أو مرض فإن نفقته على سيده، وإن كان مكتسبا كان سيده مخيرا بين أن يجعلها في كسبه وبين أن ينفق عليه من عنده لأن كسبه وماله له. فإن أنفق عليه من ماله كان جميع كسبه له، وإن جعل نفقته في كسبه وكان وفقا لنفقته لم يكن من سيده غير ذلك، وإن زاد كسبه على ذلك كان الفاضل لسيده. وإن كان نقص من ذلك كان على سيده تمامه. والمراعى في مقدار نفقته ما يكفيه لقوته وغير ما (1) يكفيه بحسب العادة. وإذا بانت المرأة من زوجها بطلاق أو خلع أو غير ذلك وله معها (منها خ ل) ولد طفل لا يعقل ولا يميز، كانت هي أولى بحضانته من أبيه. وإن كان بالغا عاقلا كان مخيرا بين أن يكون مع أبيه أو أمه. وإن كان صغيرا وقد ميز ولم يبلغ وكان ذكرا كان (2) أولى به إلى سبع سنين من عمره، وإن كان أنثى كانت الأم أولى بها إلى تسع سنين، وقيل إلى بلوغها (3) ما لم تتزوج فإن تزوجت كان الأب أحق

(1) لعل الصواب " وغيره " أي غير القوت كالسكنى.
(2) في نسخة (ب) " كانت أمه " وكذا في المختلف عن المصنف في هذا الكتاب لكن الغالب أن الولد قبل سبع سنين بحكم غير المميز ولذا ذكر في المبسوط هنا أن حد التميز أن يبلغ سبع أو ثمانى سنين فلعل مراد المصنف غير الغالب.
(3) لعل المراد بلوغها عرفا مبلغ النساء للتزويج ونحوه إذا البلوغ الشرعي يكون بتسع سنين لكن لم اجد هذا القول لأحد فإن المذكور في المبسوط وغيره هو البلوغ المراد به الشرعي نعم حكي عن بعض تحديده بتزويج البنت فلعله المراد هنا وعلى كل فعن الشيخ في النهاية أن الأم أولى بحضانة الذكر مدة الحولين وبالأنثى سبع سنين واختاره كثير من الأصحاب وحكاه في المختلف عن المصنف في الكامل.

[ 353 ]

بولده ذكرا كان أو أنثى، طفلا غير مميز ولا عاقل أو طفلا مميزا. فإن كان لم يبلغ سبع سنين أو أكثر منها فإن تزوجت وكان لها أم، كانت أمها أحق به إن لم يكن لها زوج وهو جد الطفل (1). وإن كان غير جده كان الأب أحق له. فإن كان لجد الطفل (2) كانت أولى به من الأب وكذلك الحكم فيما زاد على ما ذكرناه من الآباء والأمهات. فإن لم تكن أمهات الأم على ما ذكرناه كان الأب أحق به من كل أحد ثم أمهاته وآباؤه، ويجرون في كونهم أحق به مجرى أحقهم بميراثه، فمن كان منهم أحق بميراثه كان أحق بحضانته. وإن كان من يستحق ميراثه أكثر من واحد، وتنازعوا في حضانته، اقرع بينهم فمن خرج اسمه كان أولى به. وكذلك القول في إخوته وأخواته إذا لم يكن أب ولا أم ولا أحد ممن تقدم ذكره. وإذا كان له ولد من كافرة وهو مسلم كان المسلم أحق بولده على كل حال. فإن أسلمت الكافرة كان كما لو كانت في الأصل مسلمة. وكذلك لو كانت مسلمة وزوجها كافر كانت أحق به من الكافر فلو أسلم الكافر كما كان لو كان في الأصل مسلما. وإذا كان أحد أبوي الطفل مملوكا لم يكن له حق في الحضانة فإن أعتق ثبت حقه، وتكون أمه أحق به إلى سبع سنين من عمره ثم يكون أبوه أحق به من ذلك وإن كان الولد أنثى كانت أمه أحق بها إلى أن تبلغ.

(1) الصواب " إن لم يكن لها زوج أو كان لها زوج وهو جدا الطفل " كما في هامش نسخة (ب) بعلامة التصحيح.
(2) في هامش نسخة (ب) بعلامة التصحيح " فإن كان لجد الطفل أم ولا زوج لها كانت أحق به من الأب فإن كان لها زوج وهو أبو جد الطفل " وهذا الترتيب غير وارد في النصوص ولعله الصدق أم الولد على أمهات أمه فيكون أولى من الأب وفيه منع واضح مضافا إلى أن المستفاد من النصوص وغيرها كما في جواهر الكلام أن الأصل كون حضانة الولد ذكرا كان أو أنثى لأبيه وإنما خرجت عنه الأم فيما ذكر

[ 354 ]

وإذا تزوجت الأم أو فسقت سقط حقها من الحضانة. فإن كان لها أم كانت أحق به على ما قدمناه. وإذا ملك إنسان بهيمة كانت مما يؤكل لحمه أو لا يؤكل، طيرا كان أو غير ذلك، مما يؤكل لحمه أيضا أو لا يؤكل، كان على مالكه النفقة عليه وإن كانت البهيمة في البلد كانت نفقته عليه بالقيام بها بالعلف وبما يصلح حالها، وإن كانت في البادية أطلقها للرعي، فإن لم يكن لها ما يرعاه فالعلف. والمالك لما يؤكل لحمه من ذلك مخير فيه بين البيع والذبح والعلف. وإن كانت مما لا يؤكل لحمه كان مخيرا بين علفها وبين بيعها ولا يجوز له حبس شيئ من ذلك من غير أن يعلفه ولا يقوم به ولا يطلقه للرعي وما أشبه ذلك. فإن فعل ذلك أجبره الحاكم على أحد ما ذكرنا أنه مخير فيه.

[ 355 ]

" كتاب العتق والتدبير والمكاتبة وما يتعلق بذلك " قال الله تعالى: " فلا اقتحم العقبة. وما أدريك ما العقبة. فك رقبة " (1) الآية. وعن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: من أعتق رقبة مؤمنة أو مسلمة في الله، أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار. وعن زين العابدين (عليه السلام) قال، ما من مؤمن يعتق نسمة مؤمنة، إلا أعتق الله تعالى بكل عضو منها عضوا من النار حتى الفرج بالفرج. وعن الصادق (عليه السلام): أربع من أراد الله بواحدة منهن وجبت له الجنة، من سقى هامة صادئة (صادمة خ ل)، أو أطعم كبدا جائعة، أو كسا جلدا عاريا. أو أعتق رقبة مؤمنة (2). وإذا كان العتق لا يصح إلا فيما يملك، فينبغي أن يذكر ما يصح تملكه، وما لا يصح " باب ذكر من يصح تملكه ومن لا يصح ". إذا كان الانسان بالغا كامل العقل، وأقر على نفسه بالعبودية، كان رقا، وكذلك

(1) البلد 11 - 13 (2) هذه الأخبار الثلاثة أوردها كذلك في دعائم الاسلام واورد نحوها في الوسائل الباب الأول من العتق وهامة صادئة: أي العطشان فإن الصدى العطش أو شدته وهامة بتخفيف الميم وسط فوق الرأس وبتشديدها ذات السموم القاتلة كالحية وكلاهما غير مناسب هنا فلعلها من الهيام بمعنى شدة العطش أي نفسا هائمة

[ 356 ]

إن لم يكن بألفا فيثبت عليه بينة بذلك، كان رقا كذلك، وإذا ثبت رق من ذكرناه، صح التصرف فيه بالعتق وغيره، من هبة أو بيع أو ما أشبهه، وذلك (1) مما يجوز في شرع الاسلام، ومن لا يثبت عليه ما ذكرناه من الاقرار أو البينة فإنه لا يجوز استرقاقه. والكفار على ضربين: أحدهما يسترق، والآخر لا يسترق والذي يسترق هو جميع من خالف اليهود والنصارى والمجوس من الكفار، وكل يهودي ونصراني ومجوسي امتنع من اعطاء الجزية. وأما الذي لا يسترق منهم فهو كل من أعطى الجزية، من يهودي أو نصراني أو مجوسي، وهؤلاء إذا اعطوا الجزية لم يسترقوا وأقروا على أديانهم وأحكامهم، وكل من عداهم من الكفار لا يجوز أخذ الجزية منهم كما قدمناه، بل يعرض الاسلام عليهم فإن أسلموا وإلا قوتلوا وغنمت أموالهم، وسبيت ذراريهم، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم مفصلا. ويجوز استرقاق الكفار وإن سباهم أهل الضلال والفسق. ويجوز أن يبتاع الانسان ما يسبيه بعض الكفار من بعض، ما لم يكن المسبي مسلما، وإذا كان للكافر أولاد وزوجة، أو غير ذلك من أقاربه، فأراد بيع شيئ منهم، جاز ابتياعه منه واسترقاقه، ويصح التصرف فيه بالبيع وما جرى مجراه من وجوه التصرف. وإذا كان المملوك من أهل الايمان، فإنه يستحب لسيده عتقه، وإذا بقي في ملكه سبع سنين فلا يسترقه أكثر من ذلك. وإذا ملك إنسان أحد أبويه، أو بعض من يحرم عليه نكاحه من أقاربه، انعتق عليه في الحال الذي يملكه فيه، ولا يثبت له استرقاق، وكذلك إن ملك مثل المحرمات عليه من الرضاع، فإنه ينعتق عليه أيضا في الحال.

(1) في نسخة (ب) " أو ما أشبه ذلك مما يجوز ".

[ 357 ]

ويجوز للانسان أن يملك من عدا أبويه (1) من ذوي أرحامه، والأفضل لمن ملك ذلك أن لا يسترقه بل يعتقه. وإذا عمى المملوك، أو أجذم، أو اقعد أو مثل به سيده، أو نكل به، (2) انعتق في الحال، وإذا كان العبد يباع في السوق المسلمين، جاز ابتياعه، وإن ادعى الحرية، لم يقبل قوله إلا ببينة عادلة، فإن ثبت له ذلك خلى سبيله، فإن لم يثبت ذلك فهو عبد يصح بيعه كما قدمناه. " باب العتق وأحكامه صحة العتق تفتقر إلى شروط: وهي أن يكون المعتق كامل العقل، وينوي العتق، ويقصد إليه دون غيره، ويكون مالكا لما يعتقه، ويتلفظ فيه بالحرية، وهو أن يقول: " فلان عبدي، أو فلانة أمتي، أو يشير إلى ذلك فيقول: أنت أو هذه حر أو حرة لوجه الله تعالى "، ويكون متقربا بذلك إليه تعالى. فإذا أعتق عبدا، وهو غير كامل العقل، أو لا يتلفظ باللفظ الذي قدمنا ذكره، أو لا يتقرب بالعتق إليه تعالى، لم يقع عتقه، وكان باطلا. ويستحب عتق من كان من أهل الحق، ويجوز عتق المستضعف، ويكره عتق من خالف الحق، وإذا قال: " كل عبد أملكه في المستقبل فهو حر لم يقع العتق وإن ملك في المستقبل عبدا أو عبيدا، إلا أن يكون نذر ذلك، فيلزمه العتق لأجل النذر دون غيره. وإذا أعتق مملوكا لغير الله، أو لم يرد به وجه الله تعالى، أو أعتقه وهو مكره،

(1) أي من الذكور وأما الاناث فقد مر أنه ينعتق عليه من يحرم عليه نكاحه من أقاربه كالاخت وبنتها والعمة والخالة نسبا أو رضاعا.
(2) التنكيل هو التمثيل وهو قطع ما يزيله عن هيئته كالانف والأذن وقد ورد في النص كل منهما فلعل مراد المصنف به مطلق التعذيب.

[ 358 ]

أو ناقص العقل، أو سكران، أو ساه، أو غضبان، أو حلف بالعتق، لم يقع العتق. وإذا كان المعتق أخرس فكتب العتق بيده، أو أشار إليه، وفهم من قصده ذلك، كان عتقه ماضيا. ومن أعتق مملوكا لا يقدر على الاكتساب، أو يكون (1) فيه ما يغنى نفسه، كان جائزا، إلا أن الأفضل أن لا يعتق إلا من يكون قادرا على اكتساب ما يحتاج إليه أو يغنى نفسه ومن أعتق من هذه صفته، أو كان صبيا، أو عاجزا عن النهضة فيما يحتاج إليه ويقوم بأوده (2)، فالأفضل أن يجعل له شيئا من ماله يستعين به على معيشته. وإذا كان عبد بين شريكين، واعتق أحدهما نصيبه إضرارا بشريكه الآخر، وكان موسرا كان عليه أن يبتاع ما بقي من العبد، ويعتقه، وإن كان معسرا لا يملك إلا ما أعتقه، كان العتق باطلا، وإن لم يكن قصده بما أعتقه من نصيبه، الاضرار بشريكه، وإنما قصد بذلك وجه الله، لم يجب عليه ابتياع نصيب شريكه ولا عتقه، بل يستحب له ذلك، فإن لم يفعله استسعى العبد في الباقي من ثمنه، ولم يكن لصاحبه الذي يملك منه، ولا عليه ضرر به (1)، بل له أن يستسعيه في الباقي من ثمنه، فإن امتنع العبد من السعي في فك رقبته، كان من نفسه قدر ما أعتق ولمولاه الباقي.

(1) الصواب " أو لا يكون ".
(2) الاود بفتحتين الاعوجاج يقال أقام أوده أي سوى أمره وعدله وبسكون الواو بمعنى الجهد والمشقة ومنه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لطلحة والزبير: إنكما شريكان في القوة وعونان على العجز والأود. (1) الصواب كما في النسخة (ب) مع التصحيح وفي النهاية " ولم يكن لصاحبه الذي يملك منه ما بقي استخدامه ولا له عليه ضريبة " وظاهر المتن والنهاية عدم اشتراط قصد القربة في عتق الشريك مع يساره وهو الظاهر من النص الوارد فيه وهذا مناقض لما مر وما قيل في رده من عدم منافاة قصد الاضرار للتقرب خلاف الظاهر فالأولى عدم اشتراط القربة في هذا الفرض أو مطلقا فيحمل النصوص في اعتباره على نفي الكمال كما لا يبعد.

[ 359 ]

وإذا كان لانسان مملوك، فاعتق منه بعضه، نصفه أو أربعه أو أقل من ذلك أو أكثر، انعتق جميعه عليه. وإذا كان له مملوك فاعتقه وشرط عليه أنه متى خالفه في فعل من الأفعال كان ردا في الرق، أو كان عليه مال معلوم، كان الشرط صحيحا، وكذلك إن شرط عليه خدمته سنة أو أكثر من ذلك، كان الشرط أيضا صحيحا ولزمه ذلك، فإن مات المعتق كانت خدمته لورثته، وإن أبق المملوك ولم تؤخذ (ولم يوجد خ ل) حتى انقضت المدة المضروبة لخدمته، لم يكن للوارث عليه سبيل. وإذا كان له عبد فاعتقه وكان مع العبد مال، وكان سيده عالما به كان ذلك المال للعبد المعتق دون سيده، وإن لم يكن السيد عالما به، كان المال للسيد دون العبد وإذا كان للعبد مال. وأراد سيده عتقه واستثنى المال، جاز له ذلك إلا أنه لا يبتدئ بتحريره أولا بل يبتدئ فيقول: " مالك لي وأنت حر لوجه الله تعالى " فإن بدأ بالحرية فقال: " أنت حر لوجه الله ولي مالك " مضى العتق ولم يكن لسيده سبيل على المال (1). المملوك لا يملك من الأموال شيئا ما دام مملوكا، فإن ملكه سيده شيئا من ذلك ملك التصرف فيه، وكذلك إذا جعل عليه ضريبة يؤديها إليه، وما يبقى بعد ذلك يكون له فإنه إذا أدى الضريبة إلى سيده، كان له التصرف فيه (2)، وليس له أن يملك رقبة المال. فإن تزوج أو تسرى أو ابتاع مملوكا من هذا المال واعتق المملوك كان جميع ذلك جائزا، إلا أن هذا المملوك الذي يعتقه، كان سائبة (3) لا ولاء

(1) تقدم نحوه في كتاب النكاح فيما لو أعتق جاريته وتزوجها وجعل مهرها عتقها.
(2) في هامش نسخة (ب) " كان له التصرف في الباقي وكذلك إذا أصيب العبد بما يستحق به الأرش كان ذلك له وجاز له التصرف فيه " ونحوه في النهاية (3) السائبة المهملة والمراد هنا العبد الذي أعتق وليس لمن أعتقه ولاء عليه ويأتي بيانه في باب الولاء التالي وقوله " لأن العبد لا يملك جريرة غيره " تعليل لكونه *

[ 360 ]

لا حد عليه، ولا يجوز له أن يتوالى إلى العبد الذي أعتقه، لأن العبد لا يملك جريرة غيره فإن توالى إلى غيره كان جائزا. وإذا كان لانسان من العبد أكثر من ثلاثة، فاعتق منهم ثلاثة، وقيل له: " أعتقت مماليكك " فقال: " نعم " لم ينعتق منهم إلا الثلاثة الذين كان أعتقهم، وإن كان قد أجابهم بلفظ العموم بقوله " نعم " وكذلك لو أعتق أربعة أو خمسة أو أكثر من ذلك. وإذا نذر عتق أول مملوك يملكه، فملك جماعة من المماليك في حال واحدة اقرع بينهم، فمن خرج اسمه انعتق (1) وإذا كانت له مملوكة فنذر إنه إن وطأها كانت معتقة، فوطأها قبل خروجها من ملكه، انعتقت، وإن أخرجها من ملكه ثم اشتراها ووطأها بعد ذلك، لم ينعتق بما كان نذره أولا. وإذا نذر عتق مملوك معين، كان عليه عتقه بعينه دون غيره، فإن أعتق غيره، لم يكن ذلك مجزيا له. وإذا قال: " كل مملوك لي قديم فهو حر "، انعتق من مماليكه كل من كان له في ملكه ستة أشهر. وإذا زوج مملوكة له، وشرط عتق أول ولد تلده فولدت توأما، كانا جميعا معتقين (1).

* سائبة ولعدم جواز أن يتوالى إليه أي أنه لا ولاء له عليه بأصل الشرع ولا بعقده بعد العتق لأنه متضمن لضمان الجريرة والعبد لا يملك ذلك. (1) ظاهره أنه بالنذر ينعتق قهرا إذا ملكه وهذا إذا كان المنذور نفس العتق من باب نذر النتيجة كما ذكر ذلك بعض الأصحاب فيما إذا انذر عتق عبد معين لا يملكه لكنه مشكل لكونه مخالفا لعموم ما دل على عدم صحة العتق قبل ملك بل الأظهر من النصوص الواردة في مسألة المتن بعد حملها على النذر، اعتبار الاعتاق فيه أيضا كما لو كان المنذور هو الاعتاق. (1) الفرق بين هذا وما مر آنفا في أول ما يملكه مضافا إلى النص أن مراد *

[ 361 ]

وإذا ابتاع مملوكة ولم يسلم ثمنها إلى البائع، ثم اعتقها وتزوجها، ومات عنها، ولم يترك موروثا من المال غيرها، ردت في الرق لبائعها، فإن كانت قد حملت، كان الحمل رقا له، وكان عتقه ونكاحه كلاهما باطلا. وإن كان قد ترك موروثا يحيط بثمن رقبتها، كان على الوارث دفع ثمنها إلى بائعها وكان عتقه ونكاحه صحيحين، ولم يكن لأحد عليها سبيل، فإن كانت حاملا، كان الحمل حرا لا سبيل لأحد عليه. وإذا أعتق عبده عند موته، وعليه دين، وكان ثمن العبد ضعفى ما عليه من الدين، كان عتقه ماضيا، وإذا استسعى العبد في قضاء ما على سيده من الدين. وإن كان ثمن العبد أقل من ضعفى الدين كان العتق باطلا. وإذا كان له من المماليك جماعة، فاعتق منهم الثلث ولم يعين ذلك، استخرج بالقرعة، فمن خرج اسمه كان حرا. وإذا أعتق مملوكة له حاملا من غيره، كان حملها معتقا، فإن استثناه من الحرية لم يثبت له رق مع مضي الحرية في أمه. وإذا مات وترك مملوكا، وشهد بعض الوراث أن سيده الميت أعتقه، نظر فإن كان مرضيا وشهد معه غيره بما شهد به، انعتق المملوك، ولم يكن لأحد عليه سبيل، وإن لم يكن مرضيا، مضى العتق في حصة منه، واستسعى المملوك فيما بقي منه. وإذا نذر عتق رقبة مؤمنة. ثم أراد عتق صبي غير بالغ، كان ذلك جائزا. وإذا أبق المملوك وأراد سيده عتقه في الكفارة، كان جائزا إذا لم يعلم بموته. وإذا مات العبد وعليه دين نظر فإن كان سيده أذن له في الاستدانة، كان عليه قضاءه، وإن لم يكن أذن له في ذلك، لم يجب عليه القضاء.

* الناذر فيما مر أول عدد يملكه وفي هذا يمكن كون المراد أول بطن تلده ولذا كان ظاهر النص والفتوى عدم الفرق بين ولادتهما في آن واحد أو متعاقبا.

[ 362 ]

وإذا أعتق عبده عن دين (1) وكان عليه عتق رقبة واجبة لم يكن مجزئا عنه. وإذا بلغ الغلام عشر سنين، جاز عتقه وصدقة إذا كان على وجه المعروف. وإذا كان له مملوك، وكان يقوم بأحواله ويحسن إليه، فأراد البيع، (2) كان سيده مخيرا في ذلك، ولم يجب عليه بيعه. وإذا أوصى بعتق رقبة غير معينة، جاز له أن يعتق رقبة، ذكرا كان أو أنثى. وإذا كان عبد بين ثلاثة: لواحد منهم نصفه، والآخر سدسه، فاعتق صاحب النصف وصاحب السدس ملكيهما معا في وقت واحد، اشتريا نصيب الثالث، وكان عليهما قيمة الثلث بينهما، (3) لقول النبي (صلى الله عليه وآله) (4) من أعتق شركا له من عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم العبد قيمة العدل، فأعطى شركائه حصصهم، وعتق العبد، فعلق الضمان بأن أعتق شركا له من عبد، وقد اشتركا (5) في هذا المعنى، فكانا سواء في الضمان. وقد ذكرنا فيما تقدم أن من ملك أحد أبويه أو من لا يجوز عليه نكاحه من أقاربه انعتق عليه في الحال، ولم يلحق بذلك ما يتعلق به (6)، لأن ذلك الموضع اقتضى

(1) الصواب " عن دبر " يعني إذا دبر مملوكه لم يجزه عن عتق وجب عليه في كفارة ونحوها وإن كان ذلك بعد موته كما في النص.
(2) أي أراد العبد من سيده أن يبيعه والمذكور في النص فلا يبعه ولا كرامة له أي لا يجب إجابته.
(3) أي نصفين وإن اختلف ملك المعتقين كما في هامش نسخة (ب) وتقييده بوقت واحد لأنه إذا أعتق أحدهما نصيبه أولا، ضمن نصيب الآخرين.
(4) رواه مسلم في كتابي العتق والايمان من صحيحه ومضمونه موجود في أخبار الخاصة كما في الوسائل الباب 18 من العتق وفي بعضها التقييد بما كان قصده الاضرار كما تقدم في المتن والمراد بالشرك في الخبر، النصيب.
(5) أي صاحب النصف وصاحب السدس.
(6) أي ذكرنا فيما تقدم أصل المسألة ولم نتعرض لما يتعلق بها من الفروع لأن المناسب هناك هو الاجمال المذكور.

[ 363 ]

ايراده على الجملة التي ذكرناها. ونحن نذكر الان ما يتعلق بذلك، ومن (1) إذا ملك مما ذكرناه وانعتق عليه فلا يخلو من أن يملك جميعه أو بعضه فإذا كان ملك جميعه ينعتق عليه وكذلك إذا ملك بعضه انعتق بعضه لأن الذي يقتضي عتق الجميع، يقتضي عتق البعض، فإذا ملك بعضه، عتق عليه ذلك البعض، فإذا صح عتقه نظر فإن كان معسرا، لم يقوم عليه نصيب شريكه، وإن كان موسرا وكان قد ملكه باختياره، قوم عليه ذلك لأنه يملكه مع العلم بأنه يعتق عليه وإن ملكه بغير اختياره مثل إن ورث ذلك البعض، فإنه لا يقوم عليه الباقي، لأن القدر الذي عتق عليه، لم يقصد به إدخال الضرر على شريكه (2). وإذا أعتق بعضه بغير قصد مالكه إلى الضرر لم يقوم عليه كما لو أوصى بعتق نصف مملوك، فإنه ينعتق بعضه بعد وفاته، ولا يقوم على الوارث الباقي من الرق، لأنه لا صنع له في عتق الذي انعتق منه. وإذا أوصى لصبي أو مجنون لكل واحد منهما بمن يعتق عليه، مثل إن أوصى لأحدهما بأحد آبائه، وللآخر (3) بأحد أبنائه، فهل يجب على وليه القبول لذلك أم لا يجب ذلك عليه، فإنه ينظر فيه فإن كان في الموضع الذي لا يقوم عليه، (4)

(1) كان الصواب " ومن ذلك " أي ومما يتعلق بها أنه إذا ملك الخ.
(2) ونحوه في المبسوط إلا أنه قال لأنه لا صنع له في عتق ما عتق منه لكنه قال في الخلاف: يقوم عليه ما بقي إن كان موسرا وحكي عن الشافعي أنه لا يقوم عليه لأنه بغير اختياره ثم استدل لما اختاره باجماع الفرقة وأخبارهم والظاهر أن قول المصنف: وإذا أعتق بعضه الخ من متممات الاستدلال المذكور فهو كبرى لما قبله وقوله كما لو أوصى الخ تمثيل له بالوصية بعتق بعض المملوك وأنه لا يقوم الباقي على الوارث لما ذكر.
(3) أي المجنون كما في المبسوط وذلك لأن الصبي لا يكون له ابن.
(4) ذكر في المبسوط تفصيل الذي يقوم عليه والموضع الذي لا يقوم عليه.

[ 364 ]

قبل الولي له ذلك، وإن كان في الموضع الذي يقوم عليه، لم يقبل ذلك له. " باب الولاء " إنما يثبت الولاء لسبب، والسبب ضربان: أحدهما: العتق، والآخر: العتق فهو ولاء كل من أعتق تطوعا لوجه الله فمن أعتق لذلك، كان ولاءه لمن أعتقه وجريرته عليه فإن كان سيده في حال عتقه قد تبرأ من جريرته، واشهد على ذلك شاهدين، وجعلها سائبة، فإنه لا يكون ولاءه له، ولا ضمان جريرته عليه. وولاء أولاد المعتق (1) وإن سفلوا لمن أعتق آبائهم إذا كانوا أحرارا في الأصل فإن كانوا معتقين (2)، كان ولاءه لمن أعتقهم دون الذي أعتق آبائهم. وإذا مات المعتق (3) ورث ولاء مواليه أولاده الذكور دون الاناث، فإن لم يكن له أولاد ذكور، وكان له بنات، كان ولاء مواليه لعصبته دون غيره، لأنهم هم الضامنون لجريرته. وإذا كان المعتق امرأة (4)، ولها موال وعصبة وأولاد ذكور وأناث. كان ولاء مواليها لعصبتها دون أولادها، وإذا كان للمعتق أخ لأبيه، أو لأبيه وأمه وعصبة، كان ميراثه لأخيه، وكذلك إن كان له أبوان، فإن ولاء مواليه لابويه دون عصبته،

(1) بفتح التاء على صيغة المفعول.
(2) أي من غير مولى الأب كما إذا تزوج الأب بأمة لغير مولاه وشرط مولاها كون الولد رقا له.
(3) على صيغة الفاعل.
(4) أي وماتت إذ لا إشكال في كون الولاء لها في حياتها والعصبة هم الذكور المتقربون إلى الميت بأبيه وظاهر العبارة التالية أنهم غير الأخوة لكن يمكن كون المراد تقديمهم على سائر العصبة.

[ 365 ]

لأن العصبة إنما يأخذ الميراث إذا لم يكن غيرهم، أو يكون الذي خلفهم الميت إناثا (1). وأما ما سببه تضمن الجريرة: فهو ولاء كل معتق كان سائبة، وتوالى إلى غيره تضمن جريرته، والمعتق إنما يكون سائبة بأن يعتق في شيئ من الكفارات الواجبة، أو يتبرأ معتقه من جريرته، فإذا كان كذلك، كان سائبة لا ولاء لأحد عليه، إلا أن يتوالى هو إلى من يضمن جريرته، فيكون ولاءه له. فإن لم يتوال إلى إنسان حتى مات، وخلف موروثا، كان لبيت المال، ولا يصح هبة الولاء على وجه من الوجوه، وكذلك بيعه لا يصح على حال من الأحوال.
(2) " باب التدبير " الشروط التي يصح التدبير معها هي شروط العتق، وقد تقدم ذكرها. وأما صفته فهو أن يقول الانسان لمملوكه: " أنت رق في حياتي وحر لوجه الله بعد وفاتي " فإذا قال كذلك، صح التدبير، سواء كان هذا القول في صحة أو مرض. وكذلك لو قال: " أنت حر لوجه الله إذا مت، أو إن مت، أو إن حدث بي حدث

(1) مقتضاه أنه لو خلف الأم وحدها لا ترث من ولائه ولا يبعد الإشكال في إرثها مع الأب أيضا كما في جواهر الكلام لظهور بعض النصوص في اختصاص إرث الولاء بالرجال كما مر في المتن بالنسبة إلى الأولاد واعلم أن مسائل إرث الولاء طويل الذيل وكثير الخلاف وما في المتن موافق لنهاية الشيخ.
(2) وهنا سببان آخران للولاء أحدهما إذا اشترى عبد بمال الزكاة واعتق فولائه للمستحقين للزكاة كما في النص والثاني إذا أسلم كافر على يد مسلم فولائه لهذا المسلم لكن الأول ملحق بولاء العتق المذكور غايته أنه لا يلزم فيه اعتاق الشخص والثاني خلاف المشهور بل الاجماع المحكى كما في المبسوط والخلاف لكن وردت به أخبار من الخاصة والعامة اوردناه في التعليق على ميراث جواهر الكلام والله العالم.

[ 366 ]

الموت، أو أنت محرر أو أنت عتيق بعد موتى، أو أنت مدبر " ويريد بذلك عتقه بعد موته، أو ما أشبه ذلك من الالفاظ، كان جاريا مجرى الأول. وإذا دبر مملوكه على ما ذكرناه فهو مملوك ما دام السيد حيا، وللسيد الرجوع في تدبيره وبيعه وهبته وغير ذلك، أو يجعله صداقا، والتدبير جار مجرى الوصية، فإن بدا له تغييرها (فإن بدلها بغيرها خ ل) قبل موته، بطل منها ما رجع فيه، وإن تركها حتى مات، كانت ماضية من الثلث، فإن مات السيد ولم يرجع عن التدبير، كان من الثلث، فإن زاد عليه، استسعى المدبر في ما يبقى، فإن نقص عن ذلك كان معتقا. ويستحب لمن دبر مملوكه أن يشهد على تدبيره، له، وكذلك إن رجع في تدبيره، وليس ذلك بواجب عليه، ويجوز لسيد المدبر أن يبيع خدمته، وإذا ثبت (1) على تدبيره ولم يرجع عنه، فيشترى المشتري كذلك، فيخدمه أيام حياته الذي دبره: فإذا مات، عتق من الثلث. وإذا كان له جارية مدبرة، جاز له وطؤها، وولد المدبرة الذي تأتي به (2)

(1) الصواب " إذا ثبت " بدون الواو كما في المختلف عن هذا الكتاب فهو قيد لما قبله كما أن الصواب في السطر التالي " حياة الذي " وبالجملة ظاهر المصنف وجماعة كالشيخ في كتبه أنه إذا لم يرجع المولى عن تدبيره قولا أو عملا ببيع العبد ونحوه جاز له بيع خدمته ما دام حيا فإذا مات صار العبد حرا لظاهر النصوص كما عن الوسائل الباب 3 من أبواب التدبير ولا مانع من إطلاق البيع مجازا على نقل الخدمة ومن اغتفار الجهالة هنا لجهالة موت المولى تعبدا كما في باب السكنى والعمرى فلا داعى لحمل النص وكلام الأصحاب على الإجارة مدة معينة ثم مدة أخرى وهكذا.
(2) أي من غير مولاها كما إذا زوجها بعبد أو حر وشرط كون ولدها له ومورد النص هو التزويج بالحر ولم يذكر فيه هذا الشرط لكنه محمول عليه لوضوح عدم الرقية بدونه.

[ 367 ]

في حال كونها مدبرة، كهيئتها، ويجرون مجراها يعتقون بعتقها، ويكونون رقا برقها ما تمادى السيد في التدبير، وله أن يرجع عن تدبيرها دونهم، ولا يجوز له نقض تدبير الأولاد، وإنما له نقض تدبير الأم دونهم. وإذا اشترى المدبر جارية بإذن سيده فولدت منه أولادا، ثم مات المدبر قبل سيده، كان ما خلفه من مال ومتاع وأم ولده لسيده، فإذا مات السيد انعتق الأولاد بعد ذلك. وإذا دبر ما في بطن أمته دون الأم ثم مات، كان الولد مدبرا إذا وضعته قبل أن يمضي ستة أشهر من وقت التدبير، فإذا وضعته بعد أن يمضي ستة أشهر، (1) لم يجبر الورثة على عتقه، ويستحب لهم أن لا يبطلوا العتق عما وضعته، الأمة، إلا إذا جاوز تسعة أشهر. وإذا باع السيد أمته التي دبرها (2) في بطنها من غير أن يستثني ولدها، كان بيعه لها رجوعا عن تدبير ما في بطنها. وإذا دبر أمته وهو لا يعلم أنها حامل، ولم يذكر في تدبيره ما في بطنها كان التدبير لهما، (3) وكذلك: إن حدث الحمل بعد التدبير، كانا جميعا مدبرين ويعتقان معا من الثلث فإن كان قيمتهما أكثر من الثلث ولم يجز الورثة ذلك سعيا في الزيادة.

(1) قيل لاحتمال تأخر الحمل عن التدبير وإنما توهم المولى وجوده قلت ظاهرهم أعم مما علم بوجوده كما هو الغالب فلعله كان ذلك منصوصا لم يصل الينا.
(2) الصواب " دبر ما في بطنها " كما عن بعض النسخ أو " دبرها وما في بطنها " والحكم المذكور صالح لهما.
(3) من قوله: " وإذا دبر إلى ما في بطنها " زيادة في هامش نسخة (ب) تصحيحا وحكاه في المختلف أيضا عن المصنف كذلك ومقتضاه أنه لو كان عالما بحملها ودبرها كان الولد رقا والمذكور في النص عكس ذلك كما ذكره الشيخ في النهاية وحكاه أيضا في المختلف عن المصنف قبل النقل الأول والله العالم.

[ 368 ]

ويجوز له تدبير حصته من مملوكه (1) فإن مات الذي دبر حصته في مملوك كان بمنزلة الذي يعتق الحصة في العبد (2). وإذا قال لمملوكه أنت حر إن حدث بي موت في مرضى هذا أو في سفري هذا، لم يكن ذلك تدبيرا إذا صح أو قدم؟! وكذلك: إن قال له أنت حر بعد موت زيد، فإن مات السيد قبل موت زيد، كان للوارث بيع المملوك. وإذا قال كل مملوك لي حر بعد وفاتي كان جميع ما في ملكه في حال هذا القول منه مدبرا، وما يملكه بعد ذلك لا يدخل في التدبير. وإذا قال له أنت حر إذا جائت سنة كذا أو شهر كذا أو يوم كذا، فحضر الوقت الذي ذكره وهو في ملكه، كان حرا وله أن يرجع في ذلك كله بأن يخرجه من ملكه ببيع أو هبة أو غير ذلك كما له الرجوع في تدبيره. وإذا قال له متى ما قدم زيد فأنت حر، ومتى ما صح عمرو من مرضه فأنت حر كان له بيعه قبل قدوم زيد أو أن يبرء عمرو. فإن قدم هذا أو برأ هذا من مرضه وهو في ملكه عتق عليه. وإذا قال كل عبد لي حر بعد وفاتي وكان له شقص في عبد لم يدخل الشقص في التدبير إلا أن يكون أراده فإن أراده دخل في ذلك، وإن قال العبد المدبر لسيده عجل لي العتق ولك ألف درهم فقال نعم واعتقه، كان ذلك عتقا على مال وهو حر وعليه الألف وبطل التدبير. وإذا كان على سيد المدبر دين، يحيط بجميع ماله جاز بيع المدبر في ذلك إلا أنه لا يباع فيه إلا بعد أن لا يوجد له قضاء إلا ببيعه؟! أو يقول السيد أبطلت التدبير. وإذا ارتد المدبر ولحق بدار الحرب ثم عاد إلى سيده بالملك الأول فتاب

(1) أي إذا كان مشتركا بين اثنين أو أكثر.
(2) تقدم أنه لو أعتق حصته ضمن حصة شريكه في الجملة فهنا أيضا يضمنها في تركته ويأتي قريبا أنه من الثلث.

[ 369 ]

كان تدبيره ثابتا (1)، ولو أخذ اسيرا فأخذه سيده قبل القسم أو بعده كان على تدبيره؟! فإن ارتد سيده ولحق بدار الحرب وعاد تائبا قبل أن يحكم الحاكم بقسمة ماله كان على تدبيره، لأن ذلك جار مجرى موته (2). وإذا دبر أمته ووطأها وولدت، كانت أم ولد وتنعتق بموته. وإذا قال لعبده المدبر إذا أديت إلي ألف درهم إلى سنة، فأنت حر لم يبطل التدبير بذلك؟! فإن أدى المال في الأجل عتق، وإن مات السيد قبل أن يؤديه عتق بالتدبير. وإذا دبر عبده ثم خرس فلم يتكلم حتى مات كان على تدبيره فإن أشار باشارة يفهم منها رجوعه عن تدبيره (3) في حال الغلبة على عقله لم يصح رجوعه؟! وكان المملوك باقيا على تدبيره. وإذا دبره وهو مغلوب على عقله، ثم تاب (آب خ ل) إليه عقله، ولم يجدد له تدبيرا كان تدبيره باطلا. وإذا اثبت المملوك على سيده شاهدين بأنه دبره، والسيد ينكر ذلك، قيل له إن أردت فارجع عن تدبيره (4)، كان عليهم البينة بما ادعوه! ولا يجوز في ذلك

(1) يأتي إن أباق العبد مبطل لتدبيره ولحوقه بدار الحرب أباق كما في المبسوط وغيره.
(2) التعليل لا يناسب ما قبله والظاهر أن فيه سقطا ولعله " وإن كان ارتد عن فطرة صار حرا " وذلك لما تقدم في آخر باب اللعان من أن هذا المرتد بحكم الميت في قسمة ماله بين الورثة وبينونة زوجته واعتدادها عدة الوفاة ولذا قال في المسالك وربما قيل بانعتاقه بالارتداد عن فطرة تنزيلا له منزلة الموت انتهى ثم إن تقييد المصنف في الأول بقبل حكم الحاكم لأجل أنه إذا كان بعده زال عنه الملك فيبطل تدبيره.
(3) في هامش نسخة (ب) هنا " أو كتب كتابا بعد ذلك كان كرجوعه عنه باللفظ وإذا دبره وغلب على عقله فرجع عن تدبيره ".
(4) في هامش نسخة (ب) هنا " وليس عليك شيئ فإن أقام الشاهدين بعد وفاة سيده فادعى الوارث رجوعه عن تدبيره " ونحوه في المبسوط مع تفصيل زائد.

[ 370 ]

شاهد واحد، ويمين المدعي للوارث (1) ولا للملوك؟! فإن أنكر الورثة التدبير ولم يكن للمملوك بينة حلف الورثة ما علموا (2) أن أباهم دبره فإذا حلفوا كان رقيقا؟ فإن نكلوا عن اليمين عتق من الثلث ولهم استحلافه إن أرادوا منه ذلك، فإن حلف بعض الورثة ونكل بعض عتق منه نصيب من نكل عن اليمين ولم يعتق نصيب من حلف. وإذا كاتب السيد مدبره لم يبطل التدبير بالمكاتبة فإن أدى الكتابة قبل موت سيده عتق وبطل التدبير، وإن مات سيده قبل وكان يخرج من الثلث عتق وبطلت منه السعاية؟! وإن لم يخرج من الثلث عتق منه ما خرج منه ويبطل عنه من مال الكتابة بقدر ما عتق منه ويسعى ما بقي؟! وإن مات السيد وليس له من المال غيره ولم يكن أدى من الكتابة شيئا عتق منه الثلث وسعى في ثلثي القيمة إن شاء أو ثلثي الكتابة. وإذا دبر مكاتبه كان المكاتب مخيرا بين نقض الكتابة ويبقى مدبرا وبين المضي على الكتابة؟! فإن مات وليس له مال غيره، سعى في الأقل من ثلثي المكاتبة (القيمة والكتابة خ ل). وإذا كان له عبدان فكاتبهما مكاتبة واحدة على ألف درهم وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه ثم دبر أحدهما ومات السيد عتق المدبر ورفعت حصته من المكاتبة وأخذ الوارث بحصة الآخر أيهما شاؤا فإن أخذ بها المدبر رجع بها على صاحبه. وإذا كان العبد بين اثنين فدبر أحدهما نصيبه كان نصيبه مدبرا وليس عليه

(1) يعني إذا كان المدعي للرجوع هو الوارث وجب عليه شاهدان ولا يكفي شاهد واحد ويمينه وكذا إن كان المدعي للتدبير هو المملوك والوجه فيه أن الشاهد الواحد ويمين المدعي إنما يكتفى به في الأموال فقط دون مثل المقام.
(2) أي يحلفون على نفي العلم بتدبير الأب ولا يلزمون بالحلف على نفي تدبيره.

[ 371 ]

لشريكه قيمة فإن مات فعتق نصف العبد كانت بقية القيمة من الثلث، فإن لم يكن في الثلث فضل كان مخيرا بين أن يعتق وبين أن يستسعى (1). وليس للمدبر ولا لأم الولد مال وما يكون معهم من ذلك فهو لساداتهم حتى يعتقوا. وإذا دبر ذمي مملوكه فاسلم المملوك قيل له إن أردت الرجوع في التدبير بعناه عليك وإن لم ترده حيل بينك وبينه وأدى خراجه إليك حتى تموت فيعتق أو تستسعيه إن اتفق معك على ذلك أو ترجع فتبيعه (2). والحربي إذا دخل دار الاسلام بأمان فدبر عبدا له كان جائزا؟! فإن أراد الرجوع إلى دار الحرب لم يمتنعا (لم يمنعا خ ل) من ذلك؟! فإن أسلم المدبر قيل للحربي إن رجعت في التدبير بيع عليك ولم يمنع من ذلك وإن لم ترجع خارجناه لك (3) ومنعناك خدمته فإن أردت العودة إلى بلدك وكلت بخراجه إن شئت من يقبضه فإذا مت كان حرا وإن اتفقت معه على السعاية سعى لك في قيمته، فإن كان التدبير حصل في دار الحرب وخرج مستأمنا والعبد معه فاسلم العبد بيع عليه على كل حال. وإذا دبر المرتد مملوكه وتاب قبل أن يحكم الحاكم في ماله جاز تدبيره،

(1) لعل المراد أن الشريك الآخر مخير بين أن يبطل عتق النصف المدبر وبين أن يبقيه ويستسعى العبد في نصيبه وذلك لما مر هنا من أن تدبير الشريك لحصته بمنزلة اعتاقه وقد مر في الاعتاق أنه إن كان موسرا ضمن حصة شريكه وإن كان معسرا بطل اعتاق حصته ومن المعلوم أن عدم فضل في الثلث كالإعسار لكن تقدم هناك أيضا أنه إن كان قصده من اعتاق حصته، القربة صح على كل حال ويستسعى العبد في الباقي ومقتضاه أن يكون المقام كذلك.
(2) صححت عبارات مسألة من المختلف وجواهر الكلام.
(3) المخارجة الضريبة وهي يضرب المولى على عبده شيئا معينا من كسبه في كل يوم فيكسب العبد لنفسه بما أراد ويؤدى إلى مولاه ما ضرب عليه وهو المسمى. بالخراج هنا وما زاد عليه فهو له وهي جائزة شرعا إذا كان كسبه يفي بنفقته وخراجه

[ 372 ]

وإن لحق بدار الحرب أو قتل أو قسم ماله كان تدبيره باطلا. وإذا مات سيد المدبر وفي يده مال افاده قبل موت سيده كان ميراثا لورثة سيده، فإن قال أفدته بعد موت سيدي كان القول قوله مع يمينه وعلى الوارث البينة بأنه أفاد ذلك المال قبل موت سيده، فإن قامت البينة على المال أو بعضه أخذ وأما ما قامت البينة عليه (1)، فإن قال المدبر كان في يدى في حياة سيدي لغيري وإنما ملكته بعد وفاة سيدي، كان القول قوله مع يمينه إلا أن تثبت البينة بأنه كان في يده في حياة سيده يملك سيده. وإذا كان المملوك بين شريكين فيه قد أعتق أحدهما نصيبه ودبر الآخر بعده نصيبه، فإن كان المعتق موسر ضمن الذي (2) دبر قيمة حصته، والعبد حر وولاؤه له، وإن كان معسرا كان الذي دبر نصيبه مخيرا بين أن يعتق أو يستسعى العبد في قيمة حصدة وإذا مات السيد وخلف أمة مدبرة ومعها ولد (3)، فقال الوارث ولدته قبل التدبير وقالت هي ولدته بعد التدبير فالقول قول الوارث لأنها تدعي إخراج شيئ من ملكهم، فإن أقامت المدبرة البينة، بأن الولد ولدته بعد التدبير كان حرا. وإذا دبر إنسان في حال صحته رقيقا بعضهم قبل بعض وفي مرضه آخرين كذلك وأوصى بعتق آخرين بأعيانهم، ابتدأ بالوصية الأولى (4) إلى أن يستغرق الثلث، فإن اشتبه عليه الأمر في ذلك استعمل القرعة. وإذا دبر أمة فولدت أولادا بعد التدبير ثم مات فعجز الثلث عن قيمتهم عتق

(1) أي لم تقم البينة على أنه استفاد هذا المال في حياة السيد وإنما قامت على أنه كان في يده في حيوته.
(2) الصواب " ضمن للذي " لما تقدم في العتق من أن الشريك إذا أعتق نصيبه من العبد ضمن قيمة الباقي لشريكه.
(3) أي وهو مملوك وقد تقدم أنه إن ولدته بعد تدبيرها فهو أيضا مدبر.
(4) أي التدبير لما تقدم من أنه جار مجرى الوصية في خروجه من الثلث ومقتضى المتن أن يكون تنجيز العتق في مرض الموت أيضا كذلك.

[ 373 ]

من كل واحد ما يحتمله الثلث من جميعهم، ويستسعى في قسطه من الزيادة لأنهم كلهم بمنزلة عتقه واحدا من جملة الثلث ولا يجرون مجرى الذين ذكروا في باب القرعة (1) وإذا دبر ما في بطن جاريته من الحمل كان جائزا؟! فإذا كانت الأمة بين شريكين فدبر أحدهما ما في بطنها فإن ولدته لأكثر من ستة أشهر لم يحكم بتدبيره؟! وإن ولدته لأقل من ستة أشهر حكم بذلك. وإذا قال أحدهما ما في بطنك حر بعد وفاتي وقال الآخر للامة أنت حرة بعد وفاتي فولدت لأقل من ستة أشهر، كان الولد مدبرا بينهما وحصة الذي دبر الأم مدبرة مع الأم والولد؟! فإن ثبت على ذلك ومات رجع شريكه بقيمة نصف الأم في ثلثه إن كان فيه فضل أو ما كان فيه واستسعى الأم في باقي نصف قيمتها؟! فإن ماتا جميعا ثابتين على تدبيرهما لم يكن لأحد من الورثتين رجوع على الآخرين في نصف قيمة الأم (2) إن كان في ثلثه فضل لذلك ولا استسعوا الأم في نصف قيمتها. ولا يجوز عتق المدبر في شيئ من الكفارات الواجب فيها العتق إلا بعد أن ينقض تدبيره وإذا أبق المدبر بطل تدبيره؟! فإن رزق ولدا في حال إباقه أو مالا ثم مات سيده كان جميع ما خلفه من مال وولد لوارث المدبر له وإذا حصل للمدبر مال كان ذلك لسيده يفعل فيه ما شاء فإن باعه كان له أخذ ما معه من ذلك. وإذا جعل السيد خدمة عبده لغيره وشرط أنه إذا مات المستخدم له كان حرا كان جائزا؟! فإن مات المستخدم له كان حرا؟! فإن أبق هذا المملوك ولم يعد إلا بعد موت من جعلت خدمته له، لم يكن لأحد عليه سبيل؟ فإن جعل سيده خدمته لنفسه مدة

(1) لأن القرعة إنما تكون في مورد له واقع معين لكنه مشتبه كما في الفرع المتقدم أو لم يكن له واقع معين أصلا فيقرع لرفع التشاح أو مصلحة أخرى كما تقدم في من نذر عتق أول ما يملكه فملك جماعة دفعة وأما في المقام فالمعتق معلوم وهو بعض من كل واحد من الأولاد إذا لم يف الثلث بجميعهم.
(2) يظهر منه أن حصة الذي لم يدبر الأم تسقط بتدبيره لحصته من ولدها إذا مات ثابتا على تدبيره ولم أعرف وجهه.

[ 374 ]

من الزمان ثم يكون حرا بعد ذلك كان جائزا، فإن أبق المملوك قبل انقضاء العدة انتقض التدبير (1) فإن وجده ذلك كان مملوكا له يفعل به ما يشاء. " باب جناية المدبر وعليه " إذا جنى المدبر كان كالعبد إن شاء سيده تطوع عنه بإخراج أرش الجناية فإن فعل بعد (2) ذلك لم ينقض التدبير فإن لم يفعل كان عليه تسليمه وذلك رجوع من تدبيره. فإن كانت الجناية تستغرق رقبته بيع فيها ويدفع إلى المجني عليه أرش جنايته، فإن نقص ثمنه عن الجناية لم يلزم سيده إتمام ذلك؟! فإن كانت الجناية قليلة وثمن المدبر كثيرا قيل لسيده إن أردت أن تباع جميعه فيدفع إلى المجني عليه أرش الجناية ويدفع إليك الباقي من الثمن فعلنا، لأنه قد كان له بيعه من غير جناية منه، وإن أردت افتديته بما وجب في عتقه (3) من الجناية، وإن أردت بيع منه بقدر أرش الجناية وكان ما بقي مدبرا بمنزلة العبد ما دام سيده حيا. وإذا جنى على المدبر بتلفه أو بتلف بعضه فأخذ سيده قيمته أو أرش ما أصيب منه، كان مالا من ماله إن اختار جعله في مثله، وإن اختار فعل فيه ما شاء فإن كان الذي جنى عليه عبدا يسلم إليه والمدبر حي فهو على تدبيره، والقول في العبد المسلم في جرح المدبر إلى سيد المدبر كالقول فيما أخذ من أرش الجناية عليه من عين أو ورق فإن شاء جعله مدبرا معه، وإن شاء باعه أو فعل به ما أراد. وإذا جنى المدبر أو الجارية المدبرة جنايات يبلغ أرشها مأة من الإبل، ولم

(1) يظهر منه أن هذا من قسم التدبير فيشمله ما دل على أن الاباق مبطل له والفرق بينه وبين ما قبله بالنص لكن الظاهر من تعريفهم له في أول الباب اختصاصه بالعتق بعد موته ولم ار نصا للمقام بل تقدم في العتق خلافه في فرع آخر يشبه هذا.
(2) أي فعل السيد ذلك بعد الجناية (3) الأصوب " في عنقه " بالنون

[ 375 ]

يكن قيمة الجاني خمسا من الإبل، وللمدبر مال وولد فماله لسيده وليس للمجني عليه فيه حق. وإذا ضرب إنسان بطن امرأة مدبرة فألقت جنينها ميتا وماتت؟! كان في الجنين عشر قيمة أمه يوم جتى عليها وفي الأم قيمتها وكان جميع ذلك للسيد يفعل فيه ما أراد؟ فإن ألقت جنينا حيا ثم ماتت ومات كان فيها قيمتها وفي الجنين قيمته لأنه إذا كان حيا فحكمه حكم نفسه، وإذا كان ميتا فحكمه حكم أمه. " باب المكاتبة " المكاتبة جائزة في شرع الاسلام؟ بدليل قوله تعالى: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا (1) وعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " من أعان غارما أو غازيا أو مكاتبا في كتابته أظله الله يوم لا ظل إلا ظله " (2) فإذا كانت المكاتبة جائزة كما ذكرناه فكاتب إنسان مملوكه ذكرا كان أو أنثى على مبلغ معين من المال يؤديه إليه في نجوم معلومة كان جائزا؟ وهي ضربان أحدهما: مطلق والآخر: مشروط، فأما المطلق: فهو أن يكاتب عبده أو أمته على مال معين في نجوم معلومة ولا يشرط عليه أنه متى عجز كان ردا في الرق والمشروط، هو أن يشرط على عبده أو أمته في حال المكاتبة أنه إن عجز عن أداء ذلك كان ردا في الرق؟ وله جميع ما أخذ منه. فإذا كاتب إنسان مملوكه مكاتبة مطلقة على ما بيناه، وأدى شيئا من مكاتبته، انعتق منه بحساب ذلك، ولم يكن لسيده عليه، سبيل، فإن مات المكاتب وترك مالا وولدا ورث سيده منه بمقدار ما بقي له من العبودية، وكان الباقي لولده إذا كانوا أحرارا؟ فإن كان المكاتب قد رزق ولدا بعد المكاتبة من مملوكة له كان حكم ولده كحكمه

(1) النور: 33 (2) مسند ابن حنبل ج 3 ص 487 ومستدرك الحاكم ج 2 كتاب الجهاد ص 89 بإسنادهما عن سهل بن حنيف باختلاف يسير في اللفظ واورده في المبسوط عن سهل كما في المتن إلا أن فيه " عاتقا " بدل " غارما "

[ 376 ]

في أنه يسترق مولى أبيه منه بقدر ما بقي على الأب، فإن أدى الإبن ما كان بقي على أبيه صار حرا ولم يكن لسيده عليه سبيل فإن لم يكن له مال استسعاه سيد أبيه مما بقي على الأب فإذا أدى ذلك صار حرا وإذا أدى هذا المكاتب بعض مكاتبته كان ممن يرث ويورث بحساب ما عتق منه، ويمنع الميراث بقدر ما بقي من الرق وكذلك: إذا أوصى له كانت الوصية ماضية بقدر ما تحرر منه ويمنع بقدر ما بقي من رقه. وإذا كان المكاتب عليه مشروطا على ما تقدم ذكره وعجز عن أداء ثمنه؟ وحد عجزه أن يؤخر نجما إلى نجم أو يعلم من حاله أنه لا يقدر على فك رقبته، كان ردا في الرق، وإن كان قد أدى شيئا من مكاتبته كان لسيده. ويستحب لسيده إذا عجز بتأخيره نجما إلى نجم (أو يعلم من حاله أنه لا يقدر على فك رقبته) (1) أن لا يرده إلى الرق بل يصبر حتى يوفيه. وإذا مات هذا المكاتب وخلف مالا وولدا؟ كان ما خلفه لسيده وكان ولده مملوكا له، (لسيده خ ل) وليس يجوز لهذا المكاتب التصرف في نفسه بتزويج ولا هبة مال ولا بعتق ما دام يبقى عليه شيئ من مكاتبته؟ وإنما يجوز له التصرف في ماله بالبيع والشراء إذا أذن له سيده في ذلك. وإذا كان مأذونا له في الاستدانة وحصل عليه دين كان على سيده ضمان ذلك؟ وإذا كان المكاتب مملوكة وكانت قد أدت من مكاتبتها شيئا حرم على مولاها وطؤها بملك اليمين، لأن بعضها قد تحرر، ولا يجوز له العقد عليها لأن بعضها ملك له، فإن وطأها بعد أن أدت من مكاتبتها شيئا أقيم الحد عليه بقدر ما عتق منها ودرا عنه بحساب ما بقي ويجب عليها مثل ذلك إن كانت طاوعته في ذلك، فإن أكرهها على ذلك لم يكن عليها شيئ.

(1) بين القوسين زيادة في هامش نسخة (ب) وموجود في متن الأصل لكن عليه علامة الزيادة.

[ 377 ]

فإذا فعل المكاتب (1) ما يجب عليه الحد به، أقيم ذلك عليه بقدر ما انعتق منه حد الحرية وبقدر ما بقي منه رقا حد العبودية؟ وكل شرط يشرطه سيد المكاتب عليه فإنه يكون صحيحا، إلا أن يكون شرطا يخالف الكتاب والسنة، فإنه يكون باطلا، كما أن جميع ما يشرطه عليه إذا أعتقه؟ فإذا شرط أن ولائه له كان له ذلك دون غيره من سائر الناس. وإذا احضر المكاتب إلى مولاه جميع ما كاتبه وقال له خذ مني جميع ذلك في دفعة واحدة كان مخيرا إن شاء أخذه وإن شاء تركه؟ وإذا لم يكن المكاتب مشروطا عليه ثم عجز عن الوفاء كان على الإمام (عليه السلام) أن يفك رقبته من سهم الرقاب. وإذا كان المكاتب أمة وتزوجت بغير إذن سيدها، كان نكاحها باطلا، وإن كان بإذنه وكانت قد أدت من مكاتبتها شيئا وجاءت بولد كان حكم ولدها كحكمها يعتق منه بحساب ما عتق منها، ويسترق منه بحساب ما بقي من مكاتبتها إذا كان تزويجها بمملوك، وإذا كان بحر كان ولدها حرا. ويستحب للانسان أن يكاتب مملوكه إذا علم أن له قدرة على أداء ثمنه، إما من صناعة في يده أو غير ذلك؟ فإن طلب المملوك المكاتبة، (2) يستحب لسيده أيضا أن يعينه على فك رقبته بشئ من ماله من سهم الرقاب. وإذا كاتب عبده فيستحب له أن لا يزيد في مكاتبته على القدر الذي هو ثمن له، ومهما فعله معه من المعونة على فك رقبته كان له فيه ثواب جزيل (3).

(1) أي غير المملوكة المذكورة بالنسبة إلى مولاها.
(2) ظاهر الآية المباركة وجوب المكاتبة على السيد إذا طلبها العبد وكان فيه خير من القدرة والوفاء لكن ادعى إجماع الامامية على استحبابها وهو المعروف بين فقهاء العامة خلافا لداود الظاهري وبعض التابعين وروي في دعائم الاسلام عن الإمام الصادق (عليه السلام) أن الآية تعليم وليس بواجب.
(3) كما في الخبر المتقدم في أول الباب مضافا إلى قوله تعالى وآتوهم من مال الله الذي آتاكم - النور 33.

[ 378 ]

وإذا تزوج وكاتب (1) بمعتقه لقوم وأولدها كان الولد تبعا لأمه وعليه الولاء لمولى أمه؟ لأن عليها الولاء فإن أدى المكاتب وعتق، جر الولاء الذي على ولده لمولى أمه، إلى مولى نفسه، وإن عجز ورق استقر لمولى أمه. فإن مات المكاتب واختلف سيده وسيد الأم فقال: سيد المكاتب قد أدى وعتق وجر الولاء الذي على ولده وقال سيد الأم: بل مات عبدا فلم يجر شيئا كان القول قول سيد الأم والأصل بقاء الولاء، والأصل بقاء المكاتبة والأصل أنه لا عتق في المكاتب فلهذا كان القول قول سيد الأم فأما قبل وفاة المكاتب فإن اعترف السيد بعتق المكاتب والأداء فيجر الولاء ويزول الاختلاف. وإذا كان لانسان مكاتبان كاتبهما بعقد واحد أو بعقدين كل واحد منهما على ألف، فادى أحدهما ألفا وعتق ثم أشكل عليه عتق المؤدى (2) منهما لزمه أن يكرر ألفا (3) لعله يذكر ذلك طول حياته وليس له فرض القبض في أحدهما بل عليه التذكر فقط؟ فإن قال قد ذكرت أن هذا هو المؤدى منهما، حكم بعتقه وبقي الآخر على الكتابة، فإن صدقه الآخر صح ذلك وإن ادعى عليه أنه هو الذي أدى إليه كان القول قول السيد، لأن الأصل أن لا قبض (4) وعليه اليمين لأنه يمكن صدق المدعي فيما يدعيه ويمينه على الثبات (5) لأنها على فعل نفسه وإن كانت على النفى فإنه لم يبين (6) حتى مات قبل الثبات، اقرع بينهما. وإن كاتب السيد عبده على مال، ثم إن السيد باع المال الذي في ذمة

(1) الصواب " إذا تزوج مكاتب " كما في المبسوط.
(2) أي عتق أحدهما معينا وفي المبسوط " عين المؤدى منها " وهو أظهر.
(3) أي يكرره في خاطره لعله يذكر المؤدى منهما ولعل الصواب " أن يتذكر ".
(4) يمكن الخدشة في هذا الأصل بأنه معارض بمثله من الآخر لكنها تندفع بأن القبض من الآخر ثبت شرعا باعتراف السيد.
(5) الصواب " على البتات " أي القطع بنفي القبض منه لا على عدم العلم به.
(6) الصواب " فإن لم يبين "

[ 379 ]

المكاتب لم يصح البيع، لأن النهي ورد عن بيع ما لم يقبض وهذا بيع لما لم يقبض فلم يصح. وإذا اشترى المكاتب من يعتق عليه بحق القرابة كالآباء، والأمهات أو غيرهم بإذن سيده صح ذلك؟ وإن كان بغير إذن سيده كان الشراء باطلا لأن في ابتياع من ذكرناه إتلافا للمال، لأنه يخرج من يده شيئا ينتفع به ويمكنه التصرف فيه ويستبدل به ما لا ينتفع به ولا يمكنه التصرف فيه وما كان كذلك كان إتلافا في الحقيقة. ويجوز كتابة الذمي: للذمي؟ فإن كاتب نصراني: نصرانيا كانت كتابته صحيحة جائزة بما يجوز به كتابة المسلم للمسلم، ويرد على الوجه الذي يرد عليه كتابته المسلم فإذا كاتب من ذكرناه عبدا وترافعا إلى حاكم المسلمين حكم بينهما بحكم الاسلام فإن كانت الكتابة تجوز بين المسلمين أمضاها وإن كانت لا يجوز ردها؟! لأن الحاكم إنما يجوز له أن يحكم بما يجوز له في دينه، فإذا حكم بينهما وكانت الكتابة صحيحة أقرهما عليها وأمضاها؟ وإن كانت فاسدة بأن يكونا عقداها على خمر، أو خنزير، أو شرط فاسد وكانا قد عقدا ذلك في حال كفرهما وتقابضا العوض واسلما وترافعا إلى حاكم المسلمين فإنه يقرهما على ذلك؟ لا بمعنى أنه يحكم بصحته لكن لا يتعرض له، ويجرى مجرى المتزوجة على مهر فاسد وتقابضا العوض في حال كفرهما واسلما فإن عقدا الكتابة على خمر أو خنزير في حال الشرك ثم أسلما وتقابضا العوض بعد الاسلام فالحاكم يبطل ذلك ويرده؟! لأن قبض الخمر والخنزير لا يجوز في حال الاسلام، ويلزم في ذلك قيمة ما وقع عليه العقد عند مستحليه، فإن كان عقد الكتابة في حال الكفر ثم أسلما وترافعا قبل التقابض أو بعد قبض البعض كان القول في ذلك ما قلناه في المسألة المتقدمة. وإذا كان للكافر عقد مكاتبة ثم أسلم لم يقع عليه؟ لأن العقد رفع سلطانه عنه وقد حصل فأما أن يسلم ثم كاتبه لم يصح ذلك (1).

(1) هذا الفرع كذا في النسخ ومعناه غير واضح والظاهر أن الصواب ما في *

[ 380 ]

وإذا كاتب الحربى عبده في دار الحرب ثم دخلا دار الاسلام بأمان أو مستأمنين (1) ثم كاتبه، فما داما لا يترافعان إلى الحاكم ويتحاكمان إليه؟ فلا ينبغي أن يعرض لهما بل يقرهما على ما فعلاه؟ فإن ترافعا إليه حكم بينهما بحكم الاسلام ونظر في الكتابة، فإن كانت صحيحة في الشرع أعلمهما صحتها وأقرهما عليها؟ وإن كانت فاسدة أعلمهما فسادها وأنه لا يجوز الاقرار عليها. فإن قهر العبد سيده على نفسه في دار الحرب ودخل دار الاسلام بأمان والسيد معه فقد ملك السيد وانفسخت الكتابة فيه وملك سيده بقهره إياه ويقر على ذلك لأن دار الحرب دار قهر وغلبة، من غلب وقهر فيها على شيئ ملكه، فأما إذا دخلا دار الاسلام ثم قهر سيده على نفسه فإنه لا يقر على ذلك لأن دار الاسلام دار إنصاف وحق وليست دار قهر وغلبة. وإذا كان للمسلم عبد فارتد العبد ثم كاتبه السيد، جاز ذلك لأنه عقد معاوضة ويصح ذلك من المرتد؟ فإن أدى المال إلى سيده عتق وصار حرا مرتدا؟ ويجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل فإن عجز نفسه استرقه سيده ورده إلى ملكه، فإن أسلم وإلا قتل، ويكون ماله لسيده، وإن قتل على الردة قبل أن يؤدي، وقبل أن يعجز انفسخت الكتابة بقتله ويكون المال الذي في يده لسيده لأنه لما انفسخت الكتابة عاد إلى ملكه. * * *

* المبسوط وهو هكذا " وإذا كان للكافر عبد فكاتبه ثم أسلم (أي العبد) فإنه لا يباع عليه لأن القصد إزالة سلطانه وقد حصل فأما إن أسلم ثم كاتبه فعندنا لا يصح ". (1) المستأمن طالب الأمان المسمى في عرف الحاضر باللاجئ فالدخول بأمان أعم منه كما إذا دخل لايصال مكتوب أو لطلب المسلمين له والظاهر أن هنا سقطا والصواب " أو دخلاه ثم كاتبه " وإلا فذكر المكاتبة بعد ما ذكرها أولا قبل الدخول لا وجه له.

[ 381 ]

" باب مكاتبة العبدين " إذا كان لانسان مملوكان فكاتبهما مكاتبة واحدة على ألف درهم وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه كان جائزا، فإن أدى أحدهما جميع المال (الألف خ ل) عتقا جميعا ورجع بحصته على صاحبه؟ فإن كانت قيمتهما سواء فادى أحدهما شيئا عاد بنصفه على الآخر وإن كانت قيمتهما مختلفة عاد على صاحبه بقسط ما أدى من قيمته. وإذا كاتب العبد سيده على نفسه وعلى عبد للسيد غائب، بألف درهم كان جائزا فإن أدى المال عتقا ولا يرجع على الغائب بشئ لأنه لم يأمره بذلك وإنما تطوع بفعل ذلك، ولو أراد السيد بيع الغائب لم يكن له ذلك. وإذا كان لإثنين مملوكان فكاتباهما معا بمائة دينار فكل واحد منهما مكاتب بحصته لصاحبه؟ وإذا كاتب عبدين مكاتبة واحدة فعجز أحدهما فقدمه إلى الحاكم فرده الحاكم في الرق والحاكم غير العالم بمكاتبة الآخر معه ثم أن الآخر أدى جميع المكاتبة في أوقات لا يعجز فيها؟ فإن العبدين يعتقان، لأن عجز الأول كان باطلا ولا يكون إلا عجزهما معا؟ لأن المكاتبة واحدة. وإذا كاتب إنسان حر على عبد لغيره فادى المكاتبة ولم يأمره العبد بذلك فهو متطوع وليس له رجوع بالمال على سيد العبد ولا على العبد. وإذا كاتب اثنان عبدا لهما مكاتبة واحدة وغاب أحدهما وقدم الآخر العبد إلى الحاكم وقد عجز لم يرده في الرق حتى يجتمع السيدان. وإذا كاتب (1) إنسان عبدين كتابة واحدة، فمات أحدهما قيل للثاني: إما أن تختار أن تؤدي باقي الكتابة عنك وعن صاحبك، وإما أن تكاتب عن نفسك كتابة

(1) هذه المسألة إلى قوله لأنه في، مشتبهة في النسخ الموجودة وأوردها في المختلف عن المصنف سليما فصححت منه المتن ثم أن الظاهر كما في المختلف وحكي نحوه الخلاف والمبسوط أنه تبطل كتابة الميت ويسقط نصيبه من مالها ويبقى كتابة الآخر بما يتقسط عليه كما في البيع ونحوه.

[ 382 ]

جديدة فأيهما اختار كان له ذلك وإن كان المتروك (1) مالا فيه وفاء بقسطه من الكتابة أخذه السيد من الكتابة وكان على الباقي (2) ما بقي من قسطه منها؟ وكذلك: إذا ارتد أحدهما ولحق بدار الحرب فحكم بلحاقه أو قتل على ردته، وإن كان ما ترك الميت فيه وفاء بجميع الكتابة فإن السيد يأخذ من ذلك جميع الكتابة ويعتقان معا وترجع ورثته على الحي بحصته وبقية ذلك ميراث لهم فإن كسب مالا في دار الحرب وظهر المسلمون عليه لم يرجع المؤدى (3) في ذلك بشئ لأنه فئ. وإذا كاتب الشريكان في العبد، عبدهما ثم أعتق أحدهما نصيبه ومات وليس له وارث من ذوي أرحامه كان المال بينهما نصفين وإن كاتباه ولم يشترطا عليه أن يكون أداء الكتابة لهما جميعا (4) جاز له أن يدفع جزء (5) كل واحد منهما إلى صاحبه على الانفراد، وكان لكل واحد منهما ما أخذ منه ولا يشركه فيه غيره؟ فإن عجز عن نجومه وقد كاتبه كل واحد منهما مكاتبة على حدة في حصته فأراد أحد الشريكين تعجيزه ورده في الرق وقد شرط عليه ذلك وأراد الآخر أنظاره كان كل واحد منهما محكما في حقه. وإذا كاتب العبد سيده عن نفسه وعن أولاد له صغار وقد شرط السيد عليه أنه

(1) أي ما تركه العبد الميت من المال لمكاتبته.
(2) أي العبد الآخر وفي نسخة (ب) " على الثاني " وهو أظهر فيما ذكر (3) كذا في النسخ والمختلف فالمراد به العبد الآخر إذا أدى كتابة الأول بعد ارتداده ولحوقه بدار الحرب فيعلم منه أنه إذا أداها بعد ذلك قبل غلبة المسلمين عليه جاز له الرجوع إليه بما أداه ويحتمل أن يكون الصواب " لم يرجع المولى " مع أن التعليل المذكور شامل له أيضا.
(4) أي لم يشترطا عليه التساوي فيما يؤديه إليهما بأن لا يخص أحدهما بشئ من مال الكتابة.
(5) أي بعضا مما يؤديه في وقته من الكتابة وفي المختلف عن المصنف في هذه المسألة " حق كل واحدهما منهما ".

[ 383 ]

إن عجز رد في الرق، فعجز قبل بلوغ الأولاد أو بعد رد في الرق وكان ذلك ردا للولد، فإن قالوا بعد ذلك نحن نسعى في المكاتبة كان ذلك إلى سيدهم إن أراد إجابتهم إلى ذلك أجابهم وإن لم يرد إجابتهم كان ذلك إليه. " باب مكاتبة المريض " إذا كاتب مريض عبده، في حال مرضه مكاتبة مثله، وأقر باستيفائه في حال المرض لم يصدق فيما جاوز الثلث؟ ولو كان عليه دين يحيط بماله لم يصدق في شيئ إلا أن العبد يعتق ويؤخذ بالكتابة، فإن ثبت للعبد بينة بأنه قد وفاه الكتابة في مرضه، عتق. وكذلك: إذا أقر المريض في حال مرضه أنه قد كان كاتبه في [ صحته ] واستوفاها منه لم يصدق فيما جاوز الثلث بعد الدين إلا أن يثبت للعبد بينة على ذلك فإن كاتبه في صحته وعلم ذلك ثم أقر في مرضه بالاستئفاء صدق. وإذا أوصى فقال كاتبوا على عبدي على كذا مبلغ عينه إلى أجل كذا إن أنا مت وذلك كتابة مثله جاز إن خرج من الثلث فإن لم يكن له مال غيره قيل له إن شئت تعجل الثلثين وتؤخر الثلث فذاك؟ وكذلك: إن حط عنه من المكاتبة شيئا يكون أكثر من الثلث وإذا لم يعجل ثلثي الكتابة وليس للميت مال غيره بطلت الكتابة عن الثلثين وصحت في الثلث بالقسط في النجوم. فإن كانت الكتابة على دون القيمة مما يتجاوز قدر الثلث شيئا وفي خمس مأة مأة (1) فكاتبه على مأتين، فإن أدى ثلثي قيمته معجلة عتق وإلا عتق ثلثه واسترق ثلثاه. وإذا أوصى بأن يوضع كتابة عبده الذي كاتبه فهي كوصية بعتقه يعتق إن كان

(1) كذا في نسختي الأصل و (ب) وكان فيه سقطا أو تحريفا ولم اهتد بالمراجعة إلى المبسوط وغيره إلى صوابه فتأمل.

[ 384 ]

الثلث يحتملها أو ما احتمل منها ويسعى فيما بقي عليه. وإذا كاتب عبده وقد حضره الموت وكان الثلث يحتمله، وأوصى بوصايا وليس في الثلث فضل عن قيمة العبد بدء بالكتابة ثم جعلت في الوصايا بالقسط إلا أن يختار الورثة أن يؤدوا الوصايا ويكون مال الكتابة لهم، فإن اختاروا تسليم العبد بالوصايا كان ذلك لهم فإن مات العبد لم يكن لأصحاب الوصايا رجوع على الوارث بشئ. وإذا أوصى للعبد بنجم من نجومه غير معين كان للورثة أن يختاروا أي نجم شآؤا ويعتق منه بقدره إن لم يكن اشترط رقه فإن جعل الاختيار في ذلك إلى العبد كان له أن يختار أي نجم شاء. وإذا أوصى فقال ضعوا عنه ثلث كتابته وضع عنه ثلث الأصل لا ثلث الباقي؟ فإن امتنع العبد من قبول الوصية بذلك لم يجز، لأنه بمنزلة العتق له أو لبعضه الذي ليس للعبد فيه اختيار على سيده. وإذا أوصى بمكاتبه الذي يأخذ (1) من نجومه شيئا لرجل وحصل الثلث قدره صار رقا للموصى له به إن كان الرجوع مشروطا عليه في الرق، فإن كانت الوصية بمال الكتابة دون رقبته فعجز، كان رقه للوارث دون الموصى له به، فإن قال كتابته لزيد فإن عجز فرقبته لعمر وجاز ذلك. وإذا مات السيد لم يبطل موته الكتابة ما كان المكاتب ساعيا في نجومه وأدى ذلك إلى الورثة ويعتق بالوفاء.

(1) في نسخة (ب) تصحيحا " لم يأخذه " وزاد في الهامش تصحيحا بعد قوله قدره " جاز ذلك وإذا اشترط على الموصى له به أن لا يقطعه عن كتابته فإن عجز وقد مضى برقبته له " وعلى كل ففي المبسوط والشرائع أن الوصية برقبة المكاتب لا تصح لنقص الملك إلا أن يوصي بها على تقدير العجز عن الأداء ولعله مراد المصنف هنا والله العالم.

[ 385 ]

وإذا مات السيد وابنته (1) تحت النكاح الذي شرط عليه الرق عند عجزه فإنه يمنع من وطأها فإن أدى كانا على النكاح، وإذا كان على الميت دين يحيط بالكتابة فأخذ المكاتب مال الكتابة وقسمه على الغرماء ودفع إلى كل ذي حق حقه منه كان جائزا. وإذا كان له عبد فكاتبه في حال صحته ثم أعتقه في المرض وليس له مال سواه سعى إن شآء في ثلثي قيمته وإن شآء في ثلثي ما عليه. " باب المكاتبة الفاسدة " إذا كان لانسان مملوك فكاتبه على ثوب لم يعين جنسه، أو دار غير معلومة أو على قيمته (2) دون غيرها كانت المكاتبة فاسدة فإن أدى إلى سيده ثوبا ما، لم يعتق وكذلك في الدار. وإن أدى قيمته فقد ذكر أنه يعتق، لأن ذلك معين وإن كانت المكاتبة في الأصل غير جائزة (3) وليس يجري ذلك مجرى الثوب وما جرى مجراه، وإذا كاتب جاريته على ألف درهم وشرط عليها أن يطأها ما دامت في كتابته كانت المكاتبة جائزة والشرط باطلا.

(1) في نسخة (ب) " واثبته " لكن الصواب " وابنته " ووجه منعه من وطأها احتمال عجزه ورجوعه في الرق فتملك الابنة لزوجها كلا أو بعضا إن كان معها وارث آخر ولا يجوز لها التزوج بمملوكها ولكن إذا أدى مال الكتابة صار حرا وبقي النكاح.
(2) أي المملوك.
(3) لم أعرف وجه عدم جوازها إن كانت قيمته معلومة إذ ليست القيمة إلا المال الذي يكون بمقدارها كما لم أعرف وجه حصول العتق بأدائها لو كانت المكاتبة غير جائزة إذا لو لم تجز كانت فاسدة فلا يلزم الوفاء بها على السيد ولم اجد المسألة مذكورة في كتب الأصحاب.

[ 386 ]

وإذا كاتبها على أن كل ولد تلده فهو له أو على أن تخدمه بعد العتق كان ذلك فاسدا. وإذا كاتبها على ألف وهي قيمتها على أنها إذا أدت عتقت، كان عليها ألف آخر كان جائزا، وإذا كاتبها على عبد لرجل لم يجز ذلك وكذلك كل ما عينه من مال غيره من عرض أو حيوان أو موزون أو مكيل أو ما أشبه ذلك. وإذا كاتبها هي حامل واستثنى ما في بطنها لم يجز ذلك، فإن كاتبته عما في بطنها دونها لم يجز أيضا. وإذا كاتب عبده وشرط عليه أنه إن أدى مال الكتابة ومات، ورثه هو وولده؟ أو شرط عليه شرطا يزيل عنه بعض أحكام الأحرار ويلحق به أحكام العبيد. كان ذلك باطلا. وإذا كاتبه على نجوم معلومة وشرط عليه أنه إذا أداها كان حرا بعد موت سيده كان ذلك باطلا: " باب أحكام الجنايات " " الواقعة من المكاتب بغيره أو من غيره به " إذا جنى المكاتب على غيره فلا يخلو الغير من أن يكون هو سيده أو غير سيده فإن كان هو سيده، فلا يخلو من أن يكون الجناية على طرفه أو على نفسه، فإن كانت على طرفه فخصمه في ذلك السيد، فإن كانت عمدا كان له أن يقتص، وإن كانت خطأ كان له أخذ الدية؟. فإن كانت على نفسه الوارث (1) وإن كانت عمدا كان له المطالبة بالقصاص وإن كانت خطأ كان له الدية؟ وإن كانت عمدا واختار القصاص واقتص إما في الطرف أو النفس فقد استوفى حقه؟ وإن كانت خطاء أو عمدا فعفا عن القود منها وجب الأرش

(1) الصواب " فخصمه الوارث فإن كانت عمدا " كما في المبسوط

[ 387 ]

ويتعلق برقبته وإذا تعلق الأرش برقبته فللمكاتب أن يفدي نفسه؟ لأن ذلك يتعلق بمصلحته، وإذا أراد أن يفدي نفسه فداها بأقل الأمرين من الأرض أو القيمة. فإن كان في يده مال كان له أن يدفع ذلك منه، لأنه من مصلحته، وله صرف المال الذي في يده فيما يتعلق بمصلحته فإذا قبض السيد أو وليه منه أرش الجناية وبقي معه ما يؤديه من مال المكاتبة أداه في ذلك وعتق؟ وإن لم يبق معه شيئ كان له أن يعجزه؟ فإن لم يكن معه مال فقد اجتمع عليه حقان مال الكتابة وارش الجناية فإن كان في يده ما يتم لهما دفعه وعتق، وإن لم يكن في يده ما يتم لهما كان للسيد تعجيزه فإذا عجزه انفسخت الكتابة ورجع إلى مالكه وسقط الحقان معه، لأنه لا يثبت للسيد على مملوكه مال. وإذا كانت الجناية على غير سيده وكانت عمدا وجب القصاص؟ فإن عفا وجبت الدية، فإن جنى خطأ وجب الأرش فإن اختار القصاص (1) كان له ذلك وإن عفا تعلق (1) برقبته، والحكم في ذلك وفي جناياته خطئا واحد، وله أن يفدي نفسه من الجناية بأقل الأمرين على ما قدمناه بغير زيادة على ذلك. فإن لم يكن معه ما يدفعه إليه كان للمجني عليه أن يعجزه ويتبعه في الجناية؟ لأنه قد تعلق برقبته حق وكان له بيع الرقبة في الجناية إلا أن يريد السيد أن يفديه ويقره على الكتابة فيكون له ذلك؟ فأما ما يفديه به فقد تقدم ذكره.
(3) وإذا جنى العبد المشاع (4) للتجارة على أجنبي حر أو عبد وكانت الجناية

(1) أي في العمد (2) أي الدية (3) أي أقل الأمرين من الأرش أو القيمة (4) الصواب " المبتاع " والمراد ما إذا اشترى المكاتب عبدا للتجارة فجنى العبد المشتري على أجنبي ويأتي الكلام فيما إذا جنى على المكاتب نفسه

[ 388 ]

عمدا كان عليه القصاص؟ فإن عفا فعليه الدية، فإن كانت خطاءا فالارش فإن اختار السيد (1) أن يفديه كان له ذلك. وإذا كاتب عبدا واجتمعت عليه حقوق من دين أو ثمن مبيع أو أرش جناية وما أشبه ذلك وكان في يده مال، فإما أن لا يكون محجورا عليه أو يكون قد حجر عليه فإن لم يكن حجر عليه وكانت الحقوق كلها حالة كان له أن يقدم ما شآء منها؟ لأنه مطلق التصرف وله أن يفعل ذلك؟ وإن كان بعضها حالا وبعضها مؤجلا، فارش الجناية لا يكون إلا حالا، وقد يكون مال الكتابة حالا: ويكون مؤجلا؟ فإن أراد الابتداء بقضاء الدين الحال، جاز ويبقي المؤجل عليه؟ وإن أراد تعجيل المؤجل (2) لم يكن له ذلك: فإن أراد تعجيل مال الكتابة جاز لأن ذلك يكون هو (3) من سيده. فإن كان قد حجر على المكاتب وأن المال الذي في يده يعجز عن ديونه فاجتمعوا غرماؤه وسألوا الحاكم أن يحكم بالحجر عليه، فإن تصرفه بذلك ينقطع ويكون الأمر إلى الحاكم ويقسط ماله على قدر ما عليه من الحقوق فإن لم يرضوا بذلك: وتشاحوا قدم صاحب الدين على المجني عليه وعلى السيد، لأن حقه يختص بالمال الذي في يده، فإذا لم يدفع حقه إليه منه لم يرجع منه إليه شئ آخر، والسيد والمجني عليه يرجعان من حقهما إلى الرقبة؟ فإذا دفع إلى صاحب الدين حقه، وبقي

(1) لعل مراده بالسيد هنا العبد المكاتب حيث أن العبد المشتري ملك له كما يظهر ذلك أيضا من المبسوط فيما فرعه بعد ذلك عليه (2) أي من ديون الناس غير مال الكتابة.
(3) في المبسوط " هبة من سيده " قال: تعجيل الدين المؤجل بمنزلة الزيادة فيه فهو كالهبة والعبد المكاتب لا يملك الهبة من الأجنبي فإن عجل مال الكتابة فهو هبة من سيده فيكون كالهبة بإذنه قلت إن كان المال الذي في يد العبد غير واف بجميع الحقوق كما هو ظاهر المصنف والشيخ فإذن السيد هنا لا يجدي لتقديمه لكونه تفويتا لحق غيره ممن كان دينه حالا كما إن ما ذكره أولا من جواز تقديم ما شاء من الحقوق الحالة لا يخلو من إشكال لأن مقتضى العدل هو التقسيط وإن لم يكن حجر عليه الحاكم فعلا.

[ 389 ]

معه شيئ دفع إلى المجني عليه وقدم على السيد، لأنه يأخذ دينه بحق الجناية والسيد يأخذ حقه بالملك وحق الجناية مقدم على الملك؟ فإذا دفع حق المجني عليه وبقي شيئ دفعه إلى السيد؟ فإن لم يبق شيئ كان له تعجيزه واسترقاقه. فإن لم يبق بعد قضاء الدين مع المكاتب بشئ، كان للسيد والمجني عليه تعجيزه لأن حق كل واحد منهما يتعلق بالرقبة وقد تعذر ذلك (1) فإن اختار التعجيز انفسخت الكتابة وبرئ المكاتب مما عليه من المال وبقي حق المجني عليه متعلقا برقبته ويكون له بيعه في الجناية إلا أن يختار سيده أن يفديه فيكون ذلك له. وإذا مات المكاتب ومعه من المال ما لا يفي بما عليه من الحقوق انفسخت الكتابة بموته وسقط حق السيد من المال ويعود رقبته إلى ملكه، ويسقط أيضا حق المجني عليه من الأرش، لأنه كان متعلقا رقبته وقد فاتت وبقي الدين للمقر (2). وأما البائع فيدفع ذلك المال الذي كان في يده فإن بقي منه شيئ كان للسيد لأنه كسب عبده. فإن لم يكن (3) في يده مال وانظره أصحاب الحقوق بحقوقهم حتى يكتسب ويدفع إليهم كان جائزا، وليس ذلك بواجب عليهم ولهم الرجوع فيه متى أرادوا.

(1) كذا في النسخ والمبسوط ولعل المراد أن تعلق حقهما بالرقبة قد تعذر بدون التعجيز فيلزمه جواز التعجيز وعلى كل، ظاهر المصنف هنا جواز التعجيز لكل من السيد والمجني عليه مستقلا وقد تقدم التصريح بذلك والمراد بالتعجيز في هذه الموارد هو الحكم بعجز المكاتب عن الاكتساب وأداء مال الكتابة ليعيده إلى ما كان عليه قبل المكاتبة من الرق الكامل فيجوز له التصرف فيه بالبيع وغيره مما منع عنه بالمكاتبة.
(2) في المبسوط " وبقي الدين للقرض والبائع فيدفع ذلك من المال الذي كان في يده " وكأنه الصواب هنا إذ لا يستقيم المعنى بدونه.
(3) هذا راجع إلى ما ذكره أولا في قوله: وإذا كاتب عبدا واجتمعت عليه حقوق.

[ 390 ]

فإن لم ينظروه وطالبوه بحقوقهم لم يكن لصاحب الدين تعجيزه، لأن حقه قبل التعجيز وبعده ثابت في ذمته؟ فاذن لم يكن له في تعجيزه فائدة، فأما السيد والمجني عليه فلهما تعجيزه لأنهما يستفيدان بذلك فائدة وهي أن المجني عليه يبيع الرقبة في حقه والسيد يستردها إلى ملكه فإن عجزاه انفسخت الكتابة ويباع في الجناية ويقدم حق المجني عليه على حق السيد كما قدمناه. وإذا وجب على المكاتب أروش عدة من جناياته على جماعة، وكان في يده مال يفي بذلك، دفع الأرش منه وبقي الحكم بينه وبين السيد إن أدى إليه مال الكتابة أعتق وإن لم يرد (يؤد خ ل) ذلك إليه كان له استرقاقه؟ وإن لم يكن في يده مال كان للمجني عليهم أن يعجزوه ويفسخوا المكاتبة ليعود إلى الرق وبيع في حقوقهم، فإن كان ثمنه يفي بحقوقهم دفع إلى كل واحد منهم قدر ما يصيبه منه ولا فرق في ذلك بين أن يكون قد جنى على جميعهم دفعة واحدة أو على واحد منهم بعد آخر وبعضهم قبل التعجيز وبعضهم بعده، لأن محل هذه أجمع الرقبة. وإذا قطع المكاتب يد سيده عمدا وجب له القصاص؟ فإن اختار ذلك كان له استئفاؤه في الحال؟ وإن عفا على أرش وكانت (1) الجناية خطأ يوجب بها الأرش لم يكن له المطالبة به إلى حال اندمال الجرح. وإذا كان للمكاتب عبيد فجنى بعضهم على بعض؟ فإن كانت الجناية موجبة للمال، بأن يكون خطاءا أو شبيه عمد فإنها تهدر، وإن كانت موجبة للقصاص كان له أن يقتص من الجاني، لأن في ذلك مصلحة لملكه؟ وذلك: بأن يؤثر (2)

(1) الصواب " أو كانت " كما تقدم نحوه.
(2) كذا فيما عندي من النسخ وظاهره أن إيثار بعضهم على بعض هو المصلحة المقتضية للقصاص وهذا لا يخلو من تكلف وفي نسخة المبسوط المطبوعة جديدا " لا يتوثب بعض عبيده على بعض " وهذا أظهر لكن لفظة " لا " مكتوبة فيهما بين القوسين إشارة إلى أنها في بعض النسخ أو من المصحح.

[ 391 ]

بعض عبيده على بعض، فإن اقتص جاز وإن عفا سقط القصاص؟ إلا أنه لا يجب له مال لأن السيد لا يستحق مالا على عبيده. وإذا كاتب عبدا وجنى المكاتب جناية خطأ أو جناية عمد وعفى عن القصاص فيها، كان الأرش متعلقا برقبته لأنه بمنزلة العبد القن في حكم الجناية؟ وإذا كان في يده مال جاز أن يدفع منه الأرش الذي عليه ويفدى نفسه لأن ذلك من مصلحته؟. فإن أعتقه السيد مضى عتقه وكان على السيد ضمان أرش الجناية لأنه أتلف محل الأرش ومنعه من بيعه في الجناية فكان ضمان الأرش لازما؟ فإن أدى العبد مال الكتابة وعتق كان عليه ضمان الأرش لأنه أوقع العتق باختياره وقد كان يتمكن من تعجيز نفسه والامتناع من الأداء وعليه أقل الأمرين من أرش الجناية أو القيمة. وإذا جنى المكاتب جنايات تعلق أرشها برقبته فاعتقه سيده فلزمه ضمان الجنايات أو أدى المكاتب المال فعتق فلزم ضمانها، كان اللازم له من ذلك الأقل من أروش الجنايات كلها أو القيمة لأن الاروش كلها تعلقت برقبته، فلما أعتقه سيده منع من بيعه في الجنايات كلها للذي (1) وجد منه، وكذلك (2): الاعتاق حصل دفعة واحدة يلزمه (3) الأقل من أروش الجنايات كلها أو القيمة. وإذا جنى المكاتب جنايات عدة وعجزه سيده واعاده إلى الرق، كان بمنزلة العبد القن وسيده مخير بين تسليمه ليباع في الجنايات أو يفديه فإن اختار الفداء فداه بالأقل من قيمته أو أروش الجناية. وإذا ابتاع المكاتب عبدا للتجارة فجنى هذا العبد على المكاتب جناية خطاء أو عمد وعفا عن القصاص كانت الجناية هدرا ولا يجب له الأرش على العبد لأن العبد ملكه؟ والسيد لا يستحق على رقبة مملوكه مالا على وجه من الوجوه ويجرى مجرى الحر

(1) أي للاعتاق الذي صدر منه.
(2) لعل الصواب " وذلك الاعتاق ".
(3) الصواب " فيلزمه ".

[ 392 ]

وإذا كان له عبد فأتلف عليه مالا فإن ضمانه لا يثبت في ذمته؟ وإذا جنى على المكاتب وكانت الجناية على نفسه انفسخت الكتابة سواء كانت من سيده أو من غيره؟ فإن كان القائل له غير سيده كان عليه القيمة لسيده والكفارة لله تعالى (1) فإن كان القاتل، السيد لم يكن عليه قيمة لأنه قد عاد إلى ملكه بفسخ الكتابة (2) والكفارة واجبة عليه، وما يكون في يده من مال فهو لسيده إذا قتله السيد أو غير السيد لأنه ملكه، وكان له ماله بحق الملك لا بالارث. فإن كانت الجناية على طرفه (3) وكان حرا لم يجب عليه القصاص، لأن الحر لا يقتل بالعبد؟ (4) وإن كان عبدا كان عليه القصاص، فإذا وجب الأرش في جناية الخطأ أو في جناية العمد إذا عفا عن القصاص فيها فإن الأرش للمكاتب لأنه من جملة الكسب وليس له المطالبة بالأرش إلا بعد اندمال الجرح؟ فإن سرت الجناية إلى نفسه انفسخت الكتابة وعاد إلى ملك سيده وما يكون في يده من مال فهو للسيد. * * *

(1) يأتي في باب القصاص بيان هذه الكفارة في العمد والخطاء وكذا في باب الكفارات.
(2) أي صار بحكم القن وقد ذكر المصنف في باب القصاص أن من قتل عبده القن فعليه التعزير والكفارة لكن في بعض النصوص أنه يؤخذ منه القيمة ويتصدق به عن العبد كما عن جمع من الأصحاب مع أن في بطلان الكتابة بقتل المولى إشكالا وإنما ورد النص به في موت المكاتب المشروط.
(3) زاد هنا في هامش نسخة (ب) " من سيده لم يقاص " عليه لأن له عليه ملكا فإن كان ضعيفا لم يلزمه الأرش وكان الجاني غير سيده " لكن صوابه كما في المبسوط: لأن له عليه ملكا وإن كان ضعيفا ويلزمه الأرش وإن كان الجاني غير سيده.
(4) أي إذا لم يقتل به لعدم المكافئة فلا قصاص في الطرف أيضا لذلك.

[ 393 ]

" مسائل في المكاتبة " إذا كان للمريض عبد فكاتبه في حال مرضه كانت المكاتبة صحيحة لأنه ملكه؟ فإن برأ من المرض لزمته الكتابة في جميع العبد لأن الكتابة تصرف منجز؟ وإذا تصرف فيه المريض وبرأ من مرضه لزمته؟ وإن مات اعتبر ذلك: من الثلث فإن احتمل ثلثه قيمة جميع العبد، نفذ جميع المكاتبة في جميعه، فإن أدى المال إلى الورثة عتق وإن لم يحتمل الثلث جميعه فإن لم يخلف الميت غيره، فإن الكتابة تلزم في ثلثه ويبقى ثلثاه موقوفا على إجازة الورثة فإن أجازوه، نفذت الكتابة في جميعه؟ وإن لم يجيزوه بطلت في ثلثيه وبقيت في الثلث فإذا أدى إليهم ثلث المال عتق (1). وإذا كان له عبد فكاتبه في صحته ثم مرض وأقرانه قبض مال الكتابة صح إقراره وعتق العبد، لأن المريض يملك القبض ويملك الاقرار به مثل الصحيح. وإذا كان له عبد فكاتبه على دراهم، ثم أبرأه عن دنانير أو كاتبه على دنانير ثم أبرأه عن دراهم كان ذلك باطلا لأن الذي يستحق عليه الدراهم فإذا أبرأه عن دنانير فقد أبرأه عما لا يستحقه، فصار كما لو كان له على زيد حق فأبرأ عمروا منه، فإن أبرأه عن ألف درهم وله عليه دنانير، وقال أردت به دنانير قيمتها ألف درهم (2) إلا قفيز حنطة ثم قال أردت إلا دراهم بقفيز حنطة، فإنه يقبل فيكون قد استثنى قيمة القفيز من الألف فإن أبرأه عن الدراهم وله عليه دنانير ثم اختلفا فقال: سيده أردت به الدراهم على الإطلاق فقال المكاتب: بل أردت عن قيمة الدراهم من الدنانير كان القول، قول السيد لأنه اختلاف في نيته وإرادته وهو أعلم بذلك من غيره.

(1) أي ثلثه ويظهر مما تقدم في باب مكاتبة المريض أنه يسعى في الباقي (2) هنا سقط وهو كما في هامش نسخة (ب) والمبسوط " قبل منه ذلك وبرأت ذمته عن القدر الذي أراده لأنه أبرأه عما يستحقه فصح الابراء كما إذا قال لزيد على ألف درهم ".

[ 394 ]

فإن مات السيد واختلف المكاتب وورثته فيما ذكرناه كان القول قول الورثة لأنهم يقومون مقامه؟ وإذا قال السيد استوفيت آخر كتابة هذا العبد لم يبرأ العبد بهذا اللفظ من الاقرار على الإطلاق لأنه يحتمل استوفيت آخر ما بقي من مال الكتابة ويحتمل آخر ما حل عليه ويحتمل آخر نجومه؟ فأما إذا كان محتملا لم يقع البرائة بالشك لكن يرجع إلى السيد فيستفسر عما أراده فبأي شيئ فسره قبل منه. فإن اختلف المكاتب وسيده؟ فقال سيده أردت أنني استوفيت آخر ما حل عليك؟ فقال المكاتب: بل آخر مال الكتابة كان القول قول السيد لأنه أعلم بما نواه وكذلك: إن مات السيد واختلف المكاتب وورثته؟ كان القول، قول الورثة كمثل ما قدمناه. فإن قال استوفيت آخر كتابتك (1) إن شاء زيد لم يكن ذلك: إقرارا؟ ولا يتعلق به حكم لأنه علقه بصفة والاقرار لا يتعلق بالصفات كما لو قال لزيد على مأة درهم إن شاء زيد فإنه لا يتعلق به حكم. وإذا كان له عبد فأوصى بكتابته كانت الوصية صحيحة؟ لأنها تضمن القربة وهي العتق ويعتبر قيمة العبد الموصي بكتابته من الثلث؟ فإن كان لم يوص إلا بالكتابة فقط كان الثلث مصروفا إليها؟ وإن كان أوصى بالكتابة وبغيرها من هبة ووصية بمال ومحاباة وعتق، قدم العتق على غيره؟ وإن أوصي بكتابة وغيرها من دون عتق قدمت الكتابة على غيرها. وإذا كانت الكتابة مقدمة على غيرها فإن الثلث يتوفر عليها وإن احتمل قيمة العبد كوتب والزم الورثة بذلك؟ فإن لم يجز العبد الكتابة لم يجبر عليها. فإن رجع بعد ذلك وطلبها لم يجب إليها لأن حقه قد سقط بامتناعه، وإن اختارها وطلبها وكان الموصي أطلق الوصية ولم يقدر ما يكاتب عليه، فإنه يكاتب على ما جرت العادة به

(1) زاد في هامش نسخة (ب) (إن شاء الله لم يلزمه شيئ وإن قال استوفيت آخر كتابتك ".

[ 395 ]

في كتابة مثله؟ وإن كان قدر ما يكاتب عليه فإنه يكاتب على ذلك القدر من غير زيادة عليه. فإذا كوتب وأدى مال الكتابة كان المال غير محسوب من جملة التركة؟ بل يكون حقا خالصا للوارث، هذا إذا كان قيمته يخرج من الثلث؟ فإن لم يخرج، فإنه يكاتب القدر الذي يحتمله الثلث. وإذا كان له عدة من العبيد فأوصى بأن قال كاتبوا عبدا من عبيدي، كان للوارث أن يكاتب أي عبد أراده؟ ولا يجوز أن يكاتب أمة لأن اسم العبد لا يجري عليها؟ إذا قال كاتب أمة من إمائي كان له أن يكاتب أي أمة أراد، ولا يجوز أن يكاتب عبدا لأن اسم الأمة لا يجري عليه. وإذا قال كاتب عبدا من عبيدي وقد كان له خنثى قد حكم عليه بأنه رجل، جاز أن يكاتبه؟ فإن كان له خنثى قد حكم فيها بأنها أنثى، فقال كاتب أمة من إمائي جاز أن يكاتبها وإذا قال كاتب واحدا من رقيقي جاز أن يكاتب عبدا؟ أو أمة؟ لأن اسم الرقيق يجري عليهما فإن كان له خنثى مشكل لم يكاتبها حتى يبين أمرها. (1) وإذا كان له عبد فكاتبه ومات السيد، لم ينفسخ الكتابة بموته لأنها لازمة من جهته، فإن كان مال الكتابة ينصرف إلى ورثته وكانوا رشيدين بالغين عقلا، والمال لهم وكانوا واحدا، أسلم المكاتب إليه المال؟ وإن كانوا جماعة دفع إلى كل واحد منهم حقه؟ فإن دفع البعض إلى بعض منهم لم يعتق (2)، فإن سلم المال إلى الوصي لم يعتق لأن الورثة لا يولى عليهم لأنهم من أهل الرشد والوصية لا تصح في حقوقهم وإن كانوا غير رشيدين أو كانوا أطفالا أو مجانين وكان لهم جد، كان هو الناظر في أمورهم، فلا تصح معه الوصية فإذا دفع المال إليه عتق؟ وإن لم يكن جد

(1) الظاهر أن المراد ما إذا قال كاتب عبدا أو أمة دون ما إذا قال رقيقا لأن اسم الرقيق يجري على المشكل أيضا فلعل هذه الجملة قبل ذلك (2) وكذا إذا دفع الكل إلى بعضهم كما يأتي نحوه في الدفع إلى الوصي ولعل لفظة " البعض " هنا زائدة لوضوح أنه لا يعتق بدفع بعض المال مطلقا

[ 396 ]

ووصى أبوهم إلى من ينظر في أمورهم صح ذلك ويجب على المكاتب أن يدفع ذلك إلى الوصي إن كان واحدا وإن كانا اثنين وقد أوصى إليهما وإلى كل واحد منهما على الانفراد، كان للمكاتب أن يدفع ذلك إليهما وإلى كل واحد منهما وإن كان أوصى إليهما ولم يوص إلى كل واحد منهما على الانفراد، لم يجز أن يدفع إلى أحدهما ولكن يدفع إليهما، فإن دفع إلى أحدهما لم يعتق لأن الموصي إنما أوصى باجتهادهما ولم يوص باجتهاد واحد منهما وحده. فإن كان الورثة بعضهم صغارا وبعضهم كبارا، قبض الكبار حقوقهم وأما الصغار: فإن الحاكم ينصب لهم أمينا فيدفع المكاتب إليه ذلك. وإذا كان مال الكتابة ينصرف إلى موصى له به وكان هذا الواحد (1) معينا كان الحق له؟ وإن كان أوصى به لاقوام غير معينين مثل الفقراء والمساكين، لم يجز للمكاتب أن يوصل المال إليهم بنفسه، وعليه أن يسلمه إلى الوصي لأن الميت لم يرض باجتهاد المكاتب، وإنما يرضى باجتهاد الوصي. فإن كان مال الكتابة ينصرف إلى غرماء وقضاء ديون، وكان السيد قد أوصى بأن يقضى من مال الكتابة جاز للمكاتب تسليمه إلى أصحاب الديون ويجوز أن يسلمه إلى الوصي وليس للوارث حق هاهنا فيه؟ وإن لم يكن قد وصى، كان الحق للوارث والوصى معا فلا يجوز للمكاتب أن يدفعه إلا بحضرتهما ورضاهما، لأن للورثة حقا فيه وهو اخذهم المال ويقضوا الدين من عندهم. وإذا كان له عبد فكاتبه على مال وكان مشروطا عليه وأراد سيده فسخ الكتابة ولم يكن قد حل على المكاتب نجم، لم يجز له الفسخ وكذلك: إن كان قد حل عليه نجم ومعه ما يؤدي ولم يمتنع من الأداء. فإن كان قد حل عليه المال ولم يكن معه ما يؤدي أو كان ذلك معه وامتنع من أدائه، كان لسيده فسخ الكتابة فإن كان العبد حاضرا كان للسيد فسخ ذلك بنفسه

(1) لعل الصواب " واحدا معينا ".

[ 397 ]

من غير حاجة إلى الحاكم فإن كان غائبا لم يكن لسيده فسخها بنفسه بل يرفع ذلك إلى الحاكم ويثبت عنده أن له مالا على المكاتب وقد تعذر الأداء إليه فإذا فعل ذلك استحلفه الحاكم مع بينته وحكم له بالفسخ. وإذا كاتب عبدا وحل عليه نجم فاظهر أنه عاجز عن أدائه فانظره سيده بذلك صح الانظار ولا يجبر على اختيار الفسخ فإن رجع بعد ذلك إلى المطالبة بالمال كان له ذلك ولم يجب عليه الفاضل (1) الذي بذله. وإذا ادعى المكاتب على سيده أنه أدى إليه مال الكتابة وأنكر السيد ذلك فشهد للمكاتب شاهد واحد، فإنه يحلف ويحكم له بأدائه المال لأن الذي يثبت بهذه الشهادة قضاء المال ودفعه، وذلك يثبت بشاهد ويمين. وإذا كاتب عبده على عوض (2) صح ذلك لأن العوض يصح أن يكون في الذمة عن سلم، فصح أن يكون ثمنا فإن أدى العوض على الصفة التي شرطت عليه، وقع العتق في الظاهر؟ فإن استحق العوض السيد، (3) استقر العتق للعبد وإن خرج العوض مستحقا سلم إلى صاحبه ويرتفع العتق لأن الكتابة عقد معاوضة فإذا دفع عوضا مستحقا كان ذلك الدفع لا تأثير له ووجوده كعدمه (4). فإن قال لعبده إذا أعطيتني ثوبا من صفته كذا وكذا فأنت حر؟ فدفع إليه ثوبا

(1) الظاهر أن الصواب " التأجيل الذي بذله " كما في المبسوط ثم فيه أيضا: لأن من كان عليه حق معجل فأجله لم يلزمه ذلك وقال بعضهم أي العامة يلزمه والأول أقوى عندي لأنه لا دليل على لزومه.
(2) الصواب " عرض " بالراء المهملة وكذا في العبارات التالية غير الأخيرة وهو بفتح العين وسكون الراء غير الدرهم والدنانير من الامتعة كما في مصباح اللغة (3) الظاهر أن الصواب " فإن استقر العرض للسيد " (4) فحينئذ إن تمكن العبد من الاتيان بعرض آخر على ما شرط عليه وقع العتق من بعده وإلا فللسيد تعجيزه ورده إلى الرق

[ 398 ]

على هذه الصفة وكان مستحقا فإنه لا يعتق لأن تقرير (1) قوله إن أعطيتني ثوبا من صفته كذا وكذا يعني أملكه وانتفع به والمستحق لا يملكه ولا ينتفع به، وهكذا: لو قال له إن أعطيتني هذا الثوب فأنت حر فغصبه وأعطاه فإنه لا يعتق بمثل ذلك. وإذا أوصى بما في ذمة مكاتبه لانسان ولآخر برقبته إذا عجز كانت الوصيتان صحيحتين فإن أدى مال الكتابة عتق، ويكون ذلك المال للموصى له به فيبطل وصيته لآخر، فإن عجز نفسه واسترق، سلمت الرقبة إلى الموصى له بها ويطلب الآخر بالمال (2) وإذا كاتب عبده كتابة فاسدة ثم أوصى بما في ذمته بطلت الوصية، لأنه لا يملك شيئا في ذمته؟ فإن قال إذا قبضت مال الكتابة فقد أوصيت لك به، كانت الوصية صحيحة لأنه إذا قبض المال ملكه (3)، وما يأخذه من ذلك يملكه لأنه كسب عبده. وإذا أوصى لانسان فقال: أوصيت لك بما يعجله مكاتبي من مال الكتابة كانت الوصية صحيحة؟ فإن عجل مما عليه شيئا دفع ذلك إلى الموصى له، وإن لم يعجل شيئا بل أدى المال كرها (4) بطلت الوصية. وإذا كان له عبد فكاتبه كتابة فاسدة ثم أوصى برقبته كانت الوصية صحيحة لأن ملكه لم يزل عن رقبته بالكتابة الفاسدة؟. وإذا أوصى إنسان فقال ضعوا عن مكاتبي أكثر ما بقي عليه من مال الكتابة، كان قد أوصى بوضع نصف ما عليه وزيادة لأن أكثر الشيئ ما زاد على نصفه، فيلزم الوارث أن يضع عنه نصف مال الكتابة (5) وزيادة على ذلك ما أراد من غير تحديد ومقدار.

(1) لعل الصواب " تقدير " كما في المبسوط (2) الصواب " وبطلت الأخرى بالمال " كما في بعض النسخ والمبسوط.
(3) زاد هنا في هامش نسخة (ب) " وإن كان قبضه عن كتابة فاسدة لأنه أضاف الوصية إلى ملكه " وكذا في المبسوط.
(4) لعل الصواب " نجوما " أو نحوه مما هو خلاف التعجيل وفي المبسوط " كرة " والله العالم.
(5) إن لم يدفع منه شيئا إلى الموصي وإلا فنصف ما بقي عليه وزيادة.

[ 399 ]

فإن أوصى فقال ضعوا عنه أكثر ما بقي عليه من مال الكتابة وقبل (1) نصفها، كان أوصى بأن يوضع عنه ثلثة أرباع مال الكتابة وزيادة على ذلك لأن أكثر ما بقي عليه هو النصف وزيادة عليه فنصف ذلك الربع وزيادة عليه. وإذا أوصى فقال: ضعوا عن مكاتبي ما شاء، لم يجز إن شاء جميع ما عليه بل يبقي منه جزء وإن قل. وإذا أوصى فقال (2): ضعوا عنه الأوسط من نجومه فإن الأوسط يقع على الأوسط في العدد والأوسط في الأجل والأوسط في القدر، فالأوسط في العدد: أن يكون النجم ثلاثة فيكون الثاني أوسطها؟ وفي الأجل أن يكاتبه على نجم إلى شهر ونجم إلى شهرين ونجم إلى ثلاثة أشهر، فيكون أوسطها هو الذي إلى شهرين؟ والأوسط في القدر أن يكاتبه على نجم إلى مأة ونجم إلى مأتين ونجم إلى ثلاث مأة، فالذي إلى مأتين وسطها، فإذا كان كذلك وكان في نجومه أوسط في القدر وأوسط في الأجل وأوسط في العدد استعملت القرعة في ذلك. وإذا كاتب عبده على نجوم مخصوصة في أوقات مخصوصة (3) فإذا أدى شيئا من النجوم أعتق بحسابه، ولم يجز رده في الرق فإن عجز فيما بعد عن مال الكتابة كان على الإمام (عليه السلام) أن يؤدي عنه ما بقي عليه من سهم الرقاب؟ فإذا مات هذا المكاتب وخلف أولادا ومالا، ورثه سيده بقدر ما بقي له من العبودية؟ وكان الباقي لولده إن كانوا أحرارا. وإن كان المكاتب رزق الولد بعد الكتابة من أمة له، كان حكم ولده حكمه

(1) الصواب " ومثل " أو هو بمعناه.
(2) زاد في هامش نسخة (ب) هنا " ضعوا عن مكاتبي أي نجم شاء فأي نجم شاء وضع عنه. وإذا قال " قلت مر هذا الفرع وفروع أخر من الوصية في باب مكاتبة المريض.
(3) أي ولم يشرط عليه الرد في الرق إن عجز كما تقدم في أول باب المكاتبة وهذا الفرع وما بعده تكرار له.

[ 400 ]

في أنه يسترق منه مولى أبيه بقدر ما بقي على أبيه فإن أدى الإبن ما كان بقي على أبيه صار حرا ولم يكن للسيد سبيل عليه؟ فإن لم يكن له مال استسعاه سيد أبيه فيما بقي على أبيه، فإذا أداه صار حرا؟ وهذا المكاتب إذا أدى بعض مال الكتابة يرث ويورث بحساب ما عتق منه ويمنع الميراث ويحرم بقدر ما بقي من الرق. وإذا فعل المكاتب ما يجب عليه الحد أقيم عليه بقدر ما عتق حد الحرية وما بقي منه رقا حد العبودية؟ وإذا جنى على غيره جناية عمد وكان المجني عليه حرا اقتص منه، وإن كان عبدا لم يقتص منه لأن بعضه حر ولا قصاص بين الحر والعبد، وإن كان مكاتبا مثله فإن كان تحرر منه مثل ما تحرر من الآخر أو كثر جاز أن يقتص منه وإن كان تحرر أقل مما تحرر من الآخر لم يقتص منه وإن كانت الجناية خطأ فإنه يتعلق الأرش بمقدار ما تحرر منه بذمته، إن كان المجني عليه حرا أو عبدا وبمقدار ما بقي منه رقا يتعلق برقبته ولسيده أن يفديه على ما تقدم ذكره. وإذا جنى على هذا المكاتب وكانت الجناية عمدا والجاني حرا لم يقتص منه، لأن بعضه رق ولا يقتص لعبد من حر وإن كان الجاني عبدا اقتص منه فإن كان مكاتبا مثله وكان قد تحرر منه مثل ما تحرر من هذا أو دونه اقتص منه؟ وإن كان قد تحرر من الجاني أكثر منه لم يقتص منه كما تقدم ذكره. فإن كانت الجناية خطأ كان فيها الأرش بمقدار ما تحرر منه من دية الحر وبمقدار ما بقي رقا دية العبد. وإذا كان الجاني حرا لزمه ذلك أو عاقلته، وإن كان عبدا تعلق ذلك برقبته ولسيده أن يفديه فإن كان مكاتبا قد تحرر منه البعض تعلق بذمته مقدار ما تحرر منه وبمقدار ما بقي رقا برقبته. وكل مكان ذكرنا أنه في جناية عمد (1) فإنه يكون في ذمته (رقبته خ ل) يطالب به من كسبه الذي يصيبه، وإن كان عن جناية خطأ

(1) أي فيما إذا عفى عن القصاص.

[ 401 ]

كان ذلك على الإمام لأنه عاقلته، فإن كان سيده شرط عليه أن يكون له ولاؤه كان على السيد ما يتعلق بذمته. وإذا أوصى هذا المكاتب كانت وصيته ماضية بمقدار ما تحرر منه في ثلثه وباقي ذلك لورثته ومردودة بمقدار ما بقي منه رقا، وإذا ركبه دين تعلق بذمته بمقدار ما تحرر منه يطالب به إذا أعتق أو من الذي يكسبه في اليوم الذي يختص به أو بمقدار ما تحرر منه فأما بمقدار ما بقي منه رقا فإن استدانه بإذن مولاه فعلى مولاه قضاؤه عنه وله أن يقضي ذلك من كسبه الذي يصيبه بمقدار الرق وإن كان استدانه بغير إذن مولاه تعلق بكسبه جميعه ويقضي منه دين الغرماء ويكون ما يبقى بينه وبين سيده على حساب الحرية والرق. وإذا كاتب مملوكة وتحرر بعضها منها لم يجز له وطؤها، (1) فإن وطأها كان عليه الحد بمقدار ما تحرر منها ودرى عنه بمقدار ما بقي، وعليها مثل ذلك: فإن أكرهها لم يكن عليها شيئ، وهذه المكاتبة (2) لا يجوز لها أن تتزوج إلا بإذن سيدها، فإن تزوجت بغير إذنه كان النكاح باطلا. فإن تزوجت بإذنه وأدت شيئا من مكاتبتها ورزقت أولادا، كان حكم ولدها حكمها (3) يسترق منهم بحساب ما بقي من ثمنها ويعتق بحساب ما انعتق؟ وهذا المكاتب لا يجوز على سيده زكاة الفطرة عنه، فإن كان مشروطا عليه لزمه ذلك. " تم كتاب العتق والتدبير "

(1) بالملك أو بعقد التزويج لما تقدم في أوائل باب المكاتبة وظاهر المصنف هنا وفيما تقدم جواز الوطء إن لم يتحرر منها شيئا مطلقة كانت أو مشروطة والمعروف بين الأصحاب عدم الجواز مطلقا لضعف الملك وربما يظهر ذلك من مطاوي المتن.
(2) بل كل أمة مكاتبة كما تقدم في أوائل الباب المذكور لوضوح أنها مملوكة لا تقدر على شيئ.
(3) أي إذا تزوجت بمملوك وأما إذا تزوجت بحر كان ولدها منه حرا كما صرح به هناك.

[ 402 ]

كتاب الايمان قال الله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان (1) وقال: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة (2) وقال تعالى: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها (3) وقال: ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما (4). وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال بئس القوم يجعلون أيمانهم دون طاعة الله (5) وعنه (صلى الله عليه وآله) لا تحلفوا بآبائكم ولا بالأنداد " بالأجداد - خ ل " ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون (6). وعن علي (عليه السلام) أنه قال اتقوا اليمين الكاذبة فإنها منفقة للسلعة، ممحقة للبركة

(1) المائدة: 89 (2) آل عمران: 77 (3) النحل: 91 (4) الفتح: 10 (5) مستدرك الوسائل الباب 7 من كتاب الايمان (6) سنن أبي داود باب كراهية الحلف بالآباء من الايمان وفيه ولا بأمهاتكم ولا بالانداد.

[ 403 ]

ومن حلف يمينا كاذبة فقد اجترأ على الله فلينتظر عقوبته (1). فاليمين الشرعية عند أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تكون إلا بالله أو بأحد أسمائه الحسنى؟ وكل يمين كانت بغير ما ذكرناه فليست يمينا صحيحة، ولا يستقر لها حكم في حنث ولا كفارة فلو حلف بالنبي أو بالكعبة أو بما أشبه ذلك من المخلوقات كلها أو بالبراء (بالبرء - خ ل) من الله تعالى أو من النبي أو الأئمة أو أحدهم (عليهم السلام) أو من القرآن أو ما جرى مجرى ذلك: لم يكن يمينا صحيحة. اليمين ضربان: أحدهما: يجب الكفارة عليها، والآخر لا يجب عليها ذلك: فأما الأول: فمثل أن يحلف أن لا يخل بواجب أو لا يرتكب قبيحا ثم يخل بالواجب أو يرتكب القبيح فيجب عليه الكفارة، أو يحلف أن يفعل ما وجب فعله أو ما الأولى فعله في دينه أو دنياه ثم لا يفعل ما حلف على أن يفعله مما وجب عليه أو أخل بما الأولى (به - خ ل) فعليه الكفارة، أو يحلف أن لا يفعل شيئا بتساوي فعله وتركه ثم يفعله فعليه الكفارة. فإن حلف أن لا يأكل ولا يشرب من لحم أو لبن شاة أو غيرها لم يجز له أن يأكل من لحمها ولا يشرب من لبنها وكذلك: لا يأكل ولا يشرب من لحم أولادها أو ألبانهن، فإن أكل من ذلك أو شرب وهو غير محتاج إليه (2) كان عليه الكفارة فإن حلف على أن لا يفعل (3) شيئا من المحرمات مثل قتل إنسان غير مستحق للقتل أو غصب ماله أو ظلمه أو يؤذى مؤمنا أو غير ذلك مما يحرم عليه فعله فليترك جميع ذلك ولا كفارة عليه؟ أو يحلف أن يفعل شيئا لا ينفعه في دينه أو دنياه مثل أن يبيع شيئا الأولى أن يمسكه أو يمضي في شيئ الأولى أن لا يمضي فيه أو يطالب بحق هو له على غيره الأولى أن لا يطالبه فليترك جميع ذلك وليس عليه كفارة، أو

(1) المستدرك الباب 3 من كتاب الايمان (2) أي وإن كان محتاجا فلا كفارة كما يأتي.
(3) الصواب " على أن يفعل ".

[ 404 ]

يحلف أن لا يفعل ما يجب عليه فعله مثل أن لا يقضي دينا أو لا يرد وديعة أو لا يشكر منعما أو لا ينصف من نفسه أو لا يصلي ولا يصوم أو لا يزكى ماله أو لا يحج فليفعل ذلك ولا كفارة عليه. أو أن يحلف أن لا يفعل ما الأولى فعله في دينه أو دنياه مثل أن لا يحسن إلى أحد أو لا يصلي نافلة أو لا يصوم تطوعا أو لا يصل أحدا من الاخوان أو لا يسعى في شيئ من حوائجهم أو لا يعينهم ولا يساعدهم أو لا يتجر لمعيشته مع حاجته إلى ذلك أو لا يبتاع لاهله شيئا في ابتياعه مصلحة لهم أو لا يسكن دارا وبه حاجة إلى سكناها أو لا يبنيها وهو مضطر إلى بنائها أو ما جرى مجرى ذلك، فليفعله ولا كفارة عليه. ومن كان عنده وديعة فطالبه بها ظالم فلينكرها وليحلف عليها ويورى في نفسه ما يخرج به من كونه كاذبا، ولا يلزمه كفارة بل يكون مثابا على ذلك؟ فإن حلف على ما ذكرناه ولم يكن ممن يحسن التورية وكانت نيته حفظ الأمانة فليس عليه كفارة وإذا حلف على ماض مثل أن يقول والله ما فعلت كذا وكان قد فعل ذلك فليس عليه كفارة وهو مستحق للعقاب ويجب عليه أن يستغفر الله تعالى ولا يعود إلى مثل ذلك وليس للولد يمين مع والده ولا للمملوك مع سيده ولا لزوجة رجل معه، فإن حلف واحد من هؤلاء على شيئ مما ليس بواجب ولا قبيح، جاز للأب حمل ابنه على خلافه، ولا كفارة عليه وكذلك: القول في العبد وسيده والمرأة مع زوجها. وإذا حلف على ما يدفع به ضررا أو أذية عن نفسه أو عن بعض المؤمنين لم يلزمه على ذلك كفارة بل يكون مثابا عليه؟ وإذا استحلف السلطان الجائر أصحابه وأعوانه على ظلم المؤمنين وحلفوا له على ذلك وجب عليهم ترك الظلم وترك الوفاء. بما استحلفوا عليه ولا كفارة عليهم في ذلك. وإذا حلف على غيره (1) أن يبتاع له شيئا أو يمضي معه إلى بعض المواضع أو يأكل منه أو يشرب أو يسير معه في طريق أو ما جرى مجرى ذلك فلم يفعل له ذلك

(1) أي قال له مثلا: أسئلك بالله أن تفعل لي كذا كما يأتي تصريحه بذلك أيضا

[ 405 ]

لم يجب عليه كفارة؟ فإن حلف عليه أن يركب له دابة أو يقطع معه شجرا أو يحمل معه حملا فلم يفعل لم يجب عليه كفارة. وإذا وهب له أحد أبويه شيئا ثم مات الواهب وطالبه الوارث به، جاز له أن يحلف بأنه كان ابتاعه منه ودفع إليه ثمنه ولم يكن عليه كفارة ولا أثم. وإذا كان عليه دين فطالبه به صاحب الدين فلم يقدر على قضائه لاعساره ودافعه عنه واحضره إلى الحاكم وخاف من الاقرار له به لئلا يحبسه (1) عليه فيضر ذلك به وبأهله، جاز له أن يحلف عليه ويورى في يمينه ويعزم على قضائه إذا أيسر، ولا يلزمه كفارة على ذلك ولا أثم؟ فإن لم ينو قضاه كان مأثوما. وإذا علم صاحب الدين حالة من ذكرناه من العجز، لم يجز له استحلافه ولا حبسه؟ فإن علم بعجزه عن أداء ما عليه من ذلك، واستحلفه أو حبسه كان مأثوما؟ وإذا حلف أن لا يبتاع لاهله شيئا بنفسه جاز له أن يبتاعه، وليس عليه كفارة ولا أثم؟ وإذا حلف على أن مملوكه حر خوفا من أن يأخذه منه ظالم لم ينعتق بذلك ولم يجب عليه كفارة. وإذا حلف لزوجته أن لا يتزوج عليها ولا يشتري مملوكة يطأها أو يتسرى بها لا في حيوتها ولا بعد وفاتها، جاز له أن يتزوج ويشترى الجارية ويتسرى بها ولا كفارة عليه في ذلك ولا أثم. وإذا حلفت المرأة لزوجها أن لا تتزوج بعد طلاقه لها وبينونتها منه أو بعد موته كان لها أن تتزوج، ولم تكن عليها كفارة ولا أثم في ذلك. وإذا كان عليه دين فحلف لصاحبه أن لا يخرج من البلد إلا بعلمه، وكان لا يقدر على قضاء دينه وخاف من مطالبته له إن أقام في البلد، وإن أعلمه بخروجه اعتقله أو حبسه واستضر هو وأهله بذلك جاز له الخروج من غير إعلامه بذلك وليس عليه كفارة ولا أثم في ذلك.

(1) الأصح " أن يحبسه ".

[ 406 ]

وإذا حلف أن لا يأكل ولا يشرب من لحم أو لبن شاة أو غيرها، فأكل أو شرب من ذلك وهو محتاج إليه لم يكن عليه كفارة؟ وإذا حلف أن يؤدب مملوكه بضرب، جاز أن لا يضر به وليس عليه كفارة. وإذا حلف أن يقتطع مال غيره فلا كفارة عليه وإن كان مأثوما بذلك، وإنما كفارته إيصال ذلك إلى مستحقه؟ وإذا حلف أن لا يمس جارية غيره أبدا ثم ابتاعها لنفسه جاز له أن يطأها لأنه إنما حلف أن لا يمسها حراما. وإذا أودع عند غيره مالا أو متاعا وأعلمه أنه لانسان معين ومات وطالبه الوارث به، فإن كان الموصي بذلك عنده ثقة جاز له أن يحلف على أنه ليس عنده ودفع ذلك إلى صاحبه ولا كفارة عليه؟ فإن لم يكن عنده ثقة، دفع ذلك إلى الوارث. وإذا حلف وقال: والله لاقتلن زيدا وزيد قد مات أو قال: والله لأصعدن إلى سماء: وما أشبه ذلك لم يحنث بذلك ولا يلزمه كفارة، وإذا حلف الانسان بالله تعالى وهو كافر صحت يمينه ولم يصح منه الكفارة إذا حنث، لأنها تفتقر إلى نية القربة والقربة لا تصح من الكافر لأنه لا يعرف الله تعالى وإذا لم يعرفه لم يصح أن يتقرب إليه بذلك: وقد ذكر فيما تقدم أن اليمين لا يكون يمينا صحيحة إلا بأن يكون بالله تعالى أو بأحد أسمائه الحسنى فعلى هذا إذا حلف بالله كان يمينا. وكذلك: إذا حلف بالرحمن الرحيم وأطلق وأراد اليمين بذلك كان يمينا؟ وكذلك: رب العالمين وجميع ما يشاركه (1) فيه غيره مثل رب وخالق ورازق وما أشبه ذلك، وإذا حلف حالف به وأطلق ذلك ولم يقيد وأراد اليمين كما قدمناه كان

(1) أي يشاركه غيره في أصل الاسم فيقال رب العالمين لله تعالى ورب الدار لغيره فاصل الرب مشترك وهكذا الخالق والرازق لكن إطلاقها بدون إضافتها إلى شيئ كما إذا قال يا رب منصرف إلى الله تعالى كما في المبسوط وإن شئت قلت هذه الأسماء وما أشبهها على وجه الإطلاق لا يشاركه تعالى فيها غيره ولعله مراد المصنف فيكون صواب العبارة " ما لا يشاركه ".

[ 407 ]

يمينا؟ فإن قيده برب الدار وخالق الحركة أو رازق الجند وما أشبه ذلك لم يكن يمينا على حال مثل أن يكون رب الدار وخالق الحركات ورازق الجند. وإذا قال وعزة الله وجلال الله أو عظمة الله وأراد اليمين كان ذلك يمينا؟ فإن قال وعلم الله وقدرة الله وأراد كونه عالما أو كونه قادرا وأراد بذلك اليمين كان يمينا؟ وإن أراد المعنى الذي يكون العالم والقادر به عالما وقادرا لم يكن ذلك يمينا لأنه تعالى عالم لنفسه وقادر لنفسه. فإذا قال أقسمت بالله وأراد بذلك اليمين كان يمينا؟ وإن أطلق ذلك لم يكن يمينا لأن قوله " أقسمت بالله " يحتمل أن يكون خبرا والخبر عن إنه أقسم متقدما لا يكون يمينا؟ فإن لم يرد بذلك الخبر ونوى اليمين كان يمينا صحيحة. وإذا قال لعمر الله ونوى اليمين بذلك كان يمينا (1) وإذا أطلق ولم ينو اليمين لم يكن يمينا؟ وإذا قال اعزم بالله لم يكن يمينا نوى بذلك اليمين أو لم ينو، لأن ذلك ليس من ألفاظ اليمين وإذا قال أسألك بالله أو قال أقسم عليك بالله لتفعلن كذا لم يكن يمينا. وإذا قال والذي نفسي بيده ونوى اليمين كان ذلك يمينا لأنه روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يقسم بذلك كثيرا فيقول تارة " والله الذي نفسي بيده وتارة والذي نفس محمد بيده ". وإذا قال والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ونوى اليمين كان ذلك يمينا لأنه روي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقسم بذلك فيقول: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة وتردى بالعظمة. وإذا حلف في النفى أو الاثبات واستثنى فقال: إن شاء الله سقط حكم اليمين بذلك ولم يثبت لها حنث، وإنما سقط ذلك بهذا الاستثناء إذا كان متصلا غير منفصل

(1) زاد هنا في هامش نسخة (ب): وإذا قال تالله ونوى اليمين كان ذلك يمينا وإذا قال أشهد بالله ونوى بذلك اليمين كان يمينا.

[ 408 ]

وذلك أن يأتي به نسقا من غير قطع الكلام، أو يأتي به في معنى الموصول وهو أن يكون الكلام انقطع لانقطاع النفس أو الصوت أو عى (1) أو تذكر، فإذا أتى به على هذا الوجه صح. وإن فصل بينه وبين اليمين فصلا طويلا على غير ما ذكرناه ثم استثنى أو تشاغل بحديث آخر حين فراغه من اليمين سقط بحكم الاستثناء؟ فإذا كان الاستثناء بالمشية لا يصح في اليمين إلا أن يكون موصولا كما ذكرناه فلا يصح أيضا إلا أن يكون نطقا وقولا فإن كان نية أو اعتقادا لم يصح وإذا أتى به قولا ونطقا لم يصح إلا أن يقصد به الاستثناء وينوي ذلك ويعتقده، فإن لم يكن كذلك لم يصح؟ وإذا أراد أن يقول لا والله فسبق لسانه فقال بلى والله وهو غير منوي بذلك اليمين كان ما سبق به لسانه لغوا لا حكم له ولم يكن يمينا، ولا يلزمه على ذلك شيئ وكذلك: ما جرى هذا المجرى من اللغو. فإذا حلف وحنث لزمه الكفارة وهي متعلقة بالحنث، فإن قدم الكفارة على الحنث لم يجزئه (لم يجزه - خ ل) وكان عليه إعادتها. " باب النذور والعهود " إذا قال إنسان إن كان كذا فلله علي كذا ثم ذكر صلاة أو صوما أو صدقة أو غير ذلك من افعال البر، كان ذلك نذرا صحيحا ووجب عليه الوفاء بما نذر فيه ولم يجز له الاخلال به، ويفتقر في صحة ذلك إلى النية؟ وكذلك: العهد فإن تجرد واحد منهما من النية لم يكن لذلك حكم. وإن قال إن كان كذا فعلي كذا ولم يذكر الله تعالى لم يكن ذلك نذرا، وكان مخيرا بين الوفاء به وبين تركه والأفضل الوفاء بذلك؟

(1) بكسر العين المهملة وتشديد الياء المثناة وهو العجز أو الفتور في التكلم كما في الحديث النساء عى وعورة فاستروا عيهن بالسكوت وعوراتهن بالبيوت.

[ 409 ]

وليس ينعقد النذر على معصية، فإذا نذر في شيئ من ذلك كان النذر باطلا. وإذا لم يتلفظ بالنذر واعتقد أنه إن كان كذا فلله (1) علي كذا وإن اعتقد أنه إذا كان شيئ كان عليه كذا ولم يعتقد ذلك لله تعالى كان مخيرا بين الوفاء به وبين تركه والأفضل الوفاء به. وإذا قال إن كان كذا فلله علي المشي إلى بيته الحرام أو اهدى إليه بدنة أو احمل إليه كسوة أو ما أشبه ذلك، فإذا حصل ذلك الشيئ كان عليه الوفاء بذلك. وإذا قال إن كان كذا فلله علي أن أهدي إلى بيته طعاما لم يجب عليه الوفاء به لأن الهدي لا يكون إلا من الإبل أو البقر أو الغنم؟ وإذا نذر أن يهدي إلى البيت هديا ولم يسمه كان عليه أن يهدي إن من الإبل أو البقر أو الغنم لأن الهدي لا يكون إلا من ذلك كما قدمناه. وإذا نذر لله تعالى أنه متى كان كذا فعليه شئ ولم يعين ذلك الشيئ كان مخيرا بين الصلاة والصوم أو الصدقة أو غير ذلك من أنواع القرب. فأما المعاهدة فهو قول الانسان عاهدت الله تعالى إن كان كذا فعلي كذا ويعتقد (2) مثل ذلك؟ فإن قال ذلك أو اعتقد وحصل الذي عاهد عليه كان عليه الوفاء بذلك عند حصول ما ذكره. وإذا قال أنا محرم بحجة أو عمرة إن كان كذا وكذا كان ذلك لغوا ولم يثبت له حكم.

(1) في هامش نسخة (ب) زاد هنا تصحيحا " كان الوفاء بذلك واجبا عليه إذا حصل ذلك الشيئ وكان هذا كقوله: إن كان كذا " ونحوه في نهاية الشيخ وحاصله أنه إذا لم يتلفظ بنذره ولكنه نواه في اعتقاده كان ذلك بمنزلة القول فإن كان نواه لله تعالى وجب الوفاء وإلا فهو أفضل.
(2) الصواب " أو يعتقد " بقرينة ما بعده وما تقدم نحوه في النذر

[ 410 ]

والنذر ضربان أحدهما: يجب الوفاء به والآخر: لا يجب الوفاء به، فالذي يجب الوفاء به هو أن ينذر الانسان أنه متى فعل شيئا من الواجبات أو المندوبات أو المباحات كان عليه شيئ معين من صوم أو صلاة أو حج أو صدقة أو غير ذلك من افعال البر فإنه متى فعل ذلك كان عليه الوفاء به. وإذا نذر إن عوفي من مرضه أو عاد من سفره أو ربح في تجارته أو كفى سطوة ظالم أو تخلص من يده أو ما أشبه ذلك وحصل الشيئ الذي نذر فيه كان عليه الوفاء بما نذر ولم يجز له أن يخل به. وإذا نذر عن ولد له غائب وهو مريض أنه إن عوفي من مرضه كان عليه كذا وبلغه برؤه، فإن كان برؤه حصل بعد النذر كان عليه الوفاء به، وإن كان حصل قبل النذر لم يلزمه الوفاء به. وإذا وجب عليه نذر وكان قد علقه بشرط أو وقت معين كان عليه الوفاء به عند حصول الشرط أو الوقت المعين، فإن خالف في ذلك كان عليه الكفارة؟ وإن لم يكن علفه بشرط ولا وقت معين كان ذلك ثابتا في ذمته إلى أن يفي به. وإذا نذر صوم شهر أو سنة أو أقل من ذلك أو أكثر، وكان قد علق ذلك بوقت معين ولم يصمه فيه وجب عليه القضاء والكفارة؟ فإن لم يكن علقه بوقت معين كان عليه الوفاء به أي وقت شاء إلا أن الأحوط فعله على الفور والبدار دون التراخي فإن أخره لم يكن عليه كفارة. وإذا كان عليه صوم نذر فمرض أو سافر، فإن كان النذر نذر الصوم على كل حال وجب عليه الصوم في السفر والمرض (1) وإن لم يكن نذره على كل حال أفطر وكان عليه القضاء بغير كفارة.

(1) هذا الحكم في المرض غير معروف من الأصحاب لكنه قد يظهر من الخبر الوارد فيه للسفر حيث ذكرا فيه معا إلا أنه لم ينقل القول به عن أحد كما يستفاد من جواهر الكلام وغيره عند تعرضهم لهذا الخبر.

[ 411 ]

وقد ذكرنا فيما تقدم أن النذر لا ينعقد على معصية فإن نذر صوم يوم العيدين أو صوم يوم (1) فوافق أن يكون ذلك، يوم العيدين وجب عليه إفطاره وليس عليه قضاء ولا كفارة. وإذا نذر عتق رقبة معينة اعتقها على كل حال سواء كانت مؤمنة أو كافرة؟ فإن كانت غير معينة أعتق أي رقبة شاء بعد أن لا تكون كافرة. وإذا نذر صوم حين من الدهر ولم يعين شيئا وجب صوم ستة أشهر فإن نذر صوم زمان ولم يعين شيئا كان عليه صوم خمسة أشهر. وإذا نذر عتق كل مملوك قديم في ملكه ولم يعين شيئا أعتق كل عبد مضى عليه في ملكه ستة أشهر. وإذا نذر صدقة مال كثير ولم يسم شيئا معينا كان عليه أن يتصدق بثمانين درهما أو ما زاد على ذلك. وإذا انذر إخراج شيئ في وجه من وجوه البر ولم يذكر شيئا معينا، كان مخيرا بين الصدقة على فقراء المسلمين المؤمنين وبين اخراجه في حج أو زيارة أو غير ذلك من وجوه البر؟ وإذا نذر الحج ماشيا أو زيارة مشهد من المشاهد الشريفة كذلك، ثم عجز عن المشي كان له أن يركب، ولا كفارة عليه، فإن ركب من غير عجز وجب عليه إعادة الحج أو الزيارة بأن يمشي ما ركب ويركب ما مشى، وإذا أتى إلى نهر وأراد العبور فيه في زورق فينبغي أن يكون فيه قائما ولا يجلس حتى يخرج إلى البر وإذا جعل دابته أو ثوبه أو مملوكه هديا للكعبة أو لبعض المشاهد كان عليه أن يبيع الدابة أو الثوب أو المملوك ويصرف ثمنه في بعض مصالح الكعبة أو المشهد وفي معونة الحاج والزوار؟

(1) كيوم الجمعة وقد ورد في بعض النصوص أنه يصوم يوما بدله واختاره الشيخ في النهاية.

[ 412 ]

وإذا نذر صدقة بدنانير أو دراهم على فقراء معينين أو في موضع معين وجب عليه فعل ذلك على ما عينه؟ ولم يجز له العدول عنه إلى غيره؟! فإن عدل إلى غير ذلك كان عليه الإعادة على الوجه الذي عينه. وإذا نذر صلاة معينة تطوعا في وقت معين كان عليه الوفاء بذلك في الوقت الذي عينه مسافرا كان أو حاضرا. وإذا نذر الحج إن رزقه الله ولدا ورزق الولد ومات قبل أن يحج للولد (1) أو غيره عنه من صلب ماله. وإذا نذر ولم يعين شيئا، كان مخيرا بين صلاة ركعتين وبين صوم يوم واحد أو صدقة بدرهم أو أقل من ذلك أو أكثر؟ وإذا نذر في طاعة الصدقة بجميع ما يملكه كان عليه الوفاء بذلك، فإن خاف المضرة بخروجه من جميع ما يملكه قوم ذلك على نفسه وتصدق به شيئا بعد شيئ ويثبت ما يتصدق به إلى أن يعلم الوفاء بذلك؟ فإذا علم برأت ذمته مما كان نذره. وإذا كان له عبد فنذر أن لا يبيعه أبدا، لم يجز له بيعه احتاج إلى ذلك أو لم يحتج إليه. وإذا نذر الاحرام بحجة أو عمرة من مكان معين، وجب عليه الوفاء بذلك وإن كان المكان الذي عينه لاحرامه دون الميقات. وإذا نذر الحج ولم يكن له مال له يحج به، ثم حج من غيره، كانت حجته مجزية عن ذلك الغير، وعليه الحج إذا تمكن منه؟! وقد ذكر (2) أن ذلك يجزأه

(1) الظاهر أن الصواب " ومات قبل أن يحج وجب أن يحج بالولد أو غيره عنه من صلب ماله " كما في نسخة (ب) وهامشها تصحيحا ونحوه في النهاية والمذكور في النص الذي هو مدرك هذا الفرع " أنه: نذر إن رزق ولدا أن يحج به أو يحج عنه " فراجع الوسائل الباب 16 من كتاب النذر ونحوه في الباب 29 من أبواب وجوب الحج إلا أن فيه أنه يحج عنه من ثلثه (2) ذكره الشيخ في النهاية لظاهر النص كما في الوسائل الباب 21 من كتاب النذر.

[ 413 ]

عن حجة النذر، والصحيح ما ذكرناه. وإذا نذر نذرا وعجز عن الوفاء به لم يكن عليه شيئ؟ وإذا كانت المرأة صائمة صوم نذر فحاضت فيه كان عليها أن تفطر ثم تقضي ذلك ولا شيئ عليها بعد القضاء. وأما ما لا يجب الوفاء به من النذر فهو أن ينذر أنه متى فعل شيئا من القبيح كان عليه كذا شكرا لله تعالى: ثم فعل ذلك القبيح لم يجب عليه الوفاء بذلك؟ لأنه نذر في معصية وقد ذكرنا فيما تقدم: إن النذر لا ينعقد على معصية. وإذا نذر أنه متى لم يترك واجبا أو ندبا كان عليه كذا؟ وكذا: فليفعل الواجب أو الندب ولا شيئ عليه (1). وإذا نذر أنه إن فعل واجبا أو ندبا أو ربح في تجارة أو برء من مرضه إن برء مريض له أو تخلص من ظلم ظالم أو قدم من سفر وما أشبه ذلك فعل قبيحا، مثل أن يقتل مؤمنا أو يترك واجبا أو يغصب مالا لغيره أو يفجر بامرأة أو ما جرى هذا المجرى كان عليه أن يترك ولا كفارة عليه. وأما المعاهدة: فإن الانسان إذا عاهد الله تعالى: على أن يفعل (2) ما الأولى أن يفعله في دينه أو دنياه أو لا يفعل ما الأولى أن يفعله، فليفعل ما الأولى فعله ويترك ما الأولى تركه ولا كفارة. وإذا عاهد الله: تعالى على أن لا يفعل قبيحا ولا يترك واجبا أو ندبا وفعل القبيح أو ترك الواجب أو الندب كان عليه الكفارة.

(1) تقدم في ذكر ما يجب الوفاء أنه إذا نذر أنه متى فعل واجبا أو مندوبا كان عليه كذا وكذا يجب الوفاء به إذا فعله والمراد بهذا النذر ترغيب نفسه على فعل الطاعة وهو عبادة وأما في هذه المسألة فالمراد به زجر نفسه عن معصية.
(2) الصواب كما في هامش نسخة (ب) تصحيحا " على أن يفعل واجبا أو ما يكون به طائعا فعليه الوفاء به فإن لم يفعل كان عليه الكفارة وإذا عاهد الله سبحانه على أن يفعل ما الأولى أن لا يفعله في دينه أو دنياه " ونحوه في نهاية الشيخ.

[ 414 ]

" كتاب الكفارات " الكفارات على ضروب: منها كفارة اليمين ومنها كفارة نقض النذور والعهود (1) ومنها: كفارة الحلف بالبرائة من الله تعالى أو رسوله أو أحد الأئمة (عليهم السلام). ومنها كفارة من أفطر في يوم من شهر رمضان متعمدا ومنها كفارة من أفطر بعد الزوال في يوم يقضيه عن يوم من شهر رمضان. ومنها كفارة قتل العمد ومنها كفارة قتل الخطاء ومنها كفارة وطء الزوجة أو الأمة في الحيض، ومنها كفارة العجز عن صيام شهرين؟ ومنها: كفارة من تزوج امرأة وهي في العدة؟ ومنها: كفارة من نام عن صلاة العشاء الأخيرة حتى صار نصف الليل ومنها كفارة من ترك صلاة الكسوف؟ ومنها: كفارة النظر إلى المصلوب بعد ثلاثة أيام ومنها: كفارة من شق ثوبه في موت ولده أو أخيه؟ ومنها كفارة لطم المرئة وجهها في مصاب أو خدشة أو جزها لشعرها في ذلك. ومنها: كفارة قتل السيد مملوكه أو كفارة ضربه له بما يزيده على الحد. " باب كفارة اليمين " كفارة اليمين: عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم؟ وهذه الكفارات واجبة على وجه التخيير دون الترتيب، والحانث مخير في أي شئ منها فعل كان مجزيا وإذا أراد عتق الرقبة فينبغي أن يعتق من يكون على ظاهر الاسلام أو من يكون بحكم ذلك ذكرا كان: أو أنثى: صغيرا كان: أو كبيرا؟ ولا يجوز له عتق مدبر إلا بعد أن ينقض تدبيره؟ ولا يجوز له أيضا أن يعتق مكاتبا قد أدى شيئا من مكاتبته.

(1) زاد هنا في هامش نسخة (ب) " ومنها كفارة الظهار ومنها كفارة الايلاء "

[ 415 ]

ويجوز له أن يعتق المملوك الآبق إذا لم يعلم موته؟ ويجوز له أيضا عتق الاعور والأعرج والأشل، ولا يجوز عتق مقعد ولا مجذوم ولا أعمى. ولا ينبغي للحانث أن يعتق أم ولده في الكفارة أيضا، وقد ذكر: (1) جواز ذلك والأحوط ما ذكرناه. وإذا أراد إطعام عشرة مساكين فيطعم كل واحد منهم شبعه في يوم، فإن لم يقدر أطعمه مدا من طعام ويجوز جمعهم في موضع واحد وإطعامهم ذلك الطعام. ولا يجوز أن يكون جميع العشرة صغارا؟ وقد ذكر (2) أنه إذا لم يجد إلا الصغار جعل كل اثنين منهم بواحد. ولا يجوز أن يكونوا إلا من فقراء المؤمنين أو من هو بحكمهم؟ فإن لم يجد أحدا من هؤلاء بقي ذلك في ذمته إلى أن يجدهم فيطعمهم وقد ذكر (3) أنه إذا لم يجدهم أطعم المستضعفين من المخالفين والأول أحوط. وإذا لم يجد تمام العدد من المؤمنين ووجد بعضهم كرر على الموجودين حتى يستكمل العدد؟ وإذا لم يجد إلا واحدا أطعمه في عشرة أيام يوما بعد يوم في كل يوم طعام واحد حتى يستكمل العدد ولا يجوز أن يطعم الناصبي شيئا من ذلك على حال وأعلى ما يطعم الخبز واللحم وأوسطه الخبز والخل والزيت وأدناه الخبز والملح؟ وإن تمكن من إطعام ما هو ارفع من ذلك وفعل، كان أفضل. وإذا أراد كسوتهم دفع إلى كل واحد منهم ثوبين إذا قدر على ذلك فإن لم يمكنه وقدر على أن يكسو كل واحد ثوبا واحدا اقتصر على ذلك، فإن لم يقدر على شيئ من هذه الكفارات الثلاث صام ثلاث أيام متتابعات فإن لم يقدر على الصوم استغفر الله ولا يعود إلى اليمين. والكفارة (وكفارة اليمين - خ ل) لا تجب إلا بعد الحنث؟ فإن كفر الحالف قبل

(1) ذكره الشيخ في النهاية من دون تقييد بعدم الوجدان. (2 - 3) ذكرهما الشيخ أيضا في النهاية.

[ 416 ]

الحنث لم يكن ذلك مجزيا له ووجب عليه إعادتها بعد الحنث؟ وإذا وجبت عليه الكفارة لم يجز له صرفها إلا إلى من لا يلزمه نفقته فأما من يلزمه نفقته فلا يجوز صرفها إليه. وأما الكفارة (1) إلى مسكين كان المستحب له أن لا يشتري ذلك منه؟ وإذا وجب على العبد كفارة كان فرضه فيها الصوم ولا فرق في ذلك بين أن تكون الكفارة مخيرا فيها مثل كفارة اليمين وبين أن تكون مرتبة مثل كفارة الظهار والقتل. وإذا أراد العبد هذا الصوم وكان قد حلف وحنث بإذن سيده، فإن أراد سيده منعه من ذلك لم يجز له منعه، لأنه صوم لزمه بإذنه؟ وإن كان الحلف (2) والحنث بإذنه فليس له أيضا منعه منه. وكذلك لو كان الحلف بإذن سيده والحنث بغير إذنه فإذا لزمه الصوم على ما ذكرناه وإن أراده في وقت يضعف فيه بدنه منه كان لسيده منعه منه، وإن لم يكن كذلك لم يكن (لم يجز - خ ل) له منعه منه. وإذا أعتقه سيده بعد اليمين وقبل الحنث فهو في الكفارة كالحر، لأن المعتبر بحال وجوب الكفارة وحال الوجوب عقيب الحنث وذلك قد حصل وهو حر؟ وإذا كان نصفه حرا ونصفه مملوكا وحلف ثم حنث، فإن كان معسرا بما فيه من الحرية

(1) كذا في النسخ ولعل صوابه " وإذا أدي الكفارة " (2) الظاهر أن الصواب " وإن كان الحلف بغير إذنه والحنث بإذنه " كما في المبسوط قال لم لأن التكفير بالحنث والوجوب عقيب الحنث ثم زاد عليه وإن كان العقد أي الحلف والحنث معا بغير إذنه لم يكن له الصيام بغير إذنه لأنه الزم نفسه صوما بغير إذنه انتهى قلت تقدم هنا في الايمان أنه لا يمين للمملوك مع سيده كما ورد به النص الصحيح ومقتضاه بطلان حلفه بغير إذن السيد مطلقا فلا يتعلق به حنث ولا كفارة.

[ 417 ]

كان فرضه في الكفارة، الصيام، وإن كان موسرا بما فيه من الحرية صح منه العتق والاطعام والكسوة في ذلك ولا يصح منه فيه الصوم. وإذا حلف إنسان لا أدخل هذه الدار ثم دخلها أو شيئا منها أو غرفة منها حنث؟ ولا فرق في ذلك بين أن يدخلها من الباب أو ينزل إليها من السطح، فإن كان سطحها محجرا ورقى عليه (1) لم يحنث وكذلك إن وقف على بدن (برز - خ ل) الحائط لم يحنث. وإذا حلف لا أدخلنها فجلس في سفينة أو على شيئ فحمله الماء فأدخله إليها أو القى نفسه في الماء فحمله فأدخله إليها حنث؟ لأنه دخلها باختياره، وإذا حلف لا دخلت هذه الدار وكان خارجا منها فابتدأ ودخلها حنث ولو كان فيها فاستدام المقام فيها لم يحنث. وإذا حلف لا دخلت بيتا فدخل بيتا من آدم أو شعرا ووبر أو طين أو مدر فإن كان بدويا ودخل ذلك حنث سواء دخل بيوت البادية أو الحاضرة. وإن كان قرويا فدخل بيوت البلدان حنث وإن دخل بيوت البادية (2) وكان يعرفها حنث وإن لم يعرفها لم يحنث. وإذا حلف أن لا يأكل من طعام يشتريه زيد فاشترى زيد طعاما واشترى عمرو طعاما وخلطاه فأكل منه (3) حنث لأنه لا يقطع (4) على أنه لم يأكل من طعام زيد

(1) ظاهره أنه إذا لم يكن السطح محجرا ورقى عليه يحنث والظاهر عدم الفرق لعدم صدق دخول الدار به على كل حال كما في المبسوط (2) في نسخة (ب) هنا بعد البادية " أو الحاضرة " وفي نسخة الأصل كذلك لكن عليه علامة زيادة هذه الكلمة وهو الصواب لأن بيوت الحاضرة هي بيوت البلدان (3) أي نصفه مثلا فما دونه (4) الاعتبار في تحقق الحنث بالقطع على الأكل منه لا بعدم القطع على أنه لم يأكل منه كما يأتي قريبا في أكل الثمرة.

[ 418 ]

وقد ذكر (1) أنه لا يحنث والأحوط ما قدمناه. وإذا حلف أن لا يدخل دار زيد هذه فدخلها حنث سواء كان ملك زيد قد زال عنها أو لم يزل وإذا حلف أن لا يدخل دار زيد ولم يقل هذه فدخل دارا يملكها زيد حنث، فلو أن ملك زيد زال عنها وصارت ملكا لغيره ودخلها لم يحنث. وإذا حلف أن لا يلبس هذا الثوب وهو رداء فلبسه وهو رداء حنث وإن لبسه ثوبا غير رداء لم يحنث. فإن حلف لا لبست هذا الثوب وأطلق فلبسه وهو رداء حنث وكذلك لو عمله ثوبا ولبسه يحنث أيضا. وإذا حلف لا يدخل هذه الدار مطلقا فدخلها من بابها أو من غيره أو نزل إليها من السطح حنث لأنه دخلها فإن حلف لا يدخلها من هذا الباب فدخلها منه حنث، ولو غير بابها وجعلها من جهة أخرى ودخلها منه لم يحنث؟ وإذا حلف لا يدخل دار زيد فدخل دارا يملكها زيد حنث، فإن دخل دارا يسكنها زيد وهي غير ملك له لم يحنث. وإذا حلف ألا يدخل على زيد بيتا فدخل بيت عمرو وزيد فيه وهو عالم بذلك حنث، فإن كان غير عالم بذلك أو كان مكرها على دخوله لم يحنث. وإذا حلف لا يسلم على زيد فسلم على جماعة فيهم زيد فإن كان عالما به ولم يستثنه بقلبه حنث وإن استثناه بقلبه لم يحنث؟ فإن لم يكن عالما به لم يحنث، ولا فرق في ذلك بين أن يكون جاهلا به أو كان عالما به ثم نسيه حين (السلام عليهم). وإذا حلف ليأكلن هذا الطعام غدا ولم يأكله في غد حتى غربت الشمس من غد حنث وكذلك: إن أكل بعضه اليوم أو بعضه غدا حنث. وإذا حلف أنه يقضيه دينه غدا فلم يقضه ذلك حتى غربت الشمس من غد

(1) حكاه في المبسوط عن قوم ولعلهم من العامة.

[ 419 ]

حنث ما لم يكن قد مات أو أكره على تأخيره فإن قضى بعضه اليوم وبعضه غدا حنث. وإذا حلف لا أكلت هذين الرغيفين أو لا لبست هذين الثوبين، فأكل أحد الرغيفين أو لبس أحد الثوبين لم يحنث؟ فإن أكلهما أو لبسهما حنث، فإن حلف ليأكلن هذين الرغيفين أو ليلبسن هذين الثوبين فأكلهما أو لبسهما لم يحنث؟ وإن أكل أو لبس أحدهما ولم يأكل ولا لبس الآخر حنث. وإذا حلف لا كلمت زيدا وعمروا فكلم أحدهما حنث والفرق بين ما ذكرناه هاهنا وبين ما ذكرناه في الرغيفين والثوبين أن هناك: يمينا واحدا وهنا يمينان لأن تقدير ذلك لا كلمت زيدا ولا كلمت عمروا، وإنما دخلت الواو نائبه مناب تكرير الفعل كانه أراد أن يقول لا كلمت زيدا ولا كلمت عمروا فقال وعمروا. وإذا حلف لا يأكل سمنا وكان السمن جامدا فأكله وحده أو مع الخبز حنث؟ وإن كان مائعا فأكله مع الخبز أيضا حنث وإن شربه لم يحنث لأنه حلف أن لا يأكله فإذا شربه لم يحنث؟ فإن كان الخبيص (1) معمولا بسمن فأكله وكان السمن ظاهرا فيه حنث وإن كان مستهلكا لم يحنث. وكذلك إذا حلف لا يأكل خلا فأكل مرقة (2) فيها خل ظاهر فإنه يحنث وإن كان مستهلكا لم يحنث. وإذا حلف لا يأكل هذه الثمرة فوقعت في ثمرة فأكل جميعه إلا واحدة فإن تيقن أنه قد أكل التي حلف عليها حنث. وإن تيقن أنه لم يأكلها لم يحنث وإن أشكل عليه الأمر فيها لم يحنث لأن الأصل أنه ما حنث ولا يحنث بالشك؟ وإذا حلف لا آكل هذه الحنطة أو من هذه الحنطة فأكلها على جهتها أو بعد إن طحنها وصارت دقيقا حنث لأن العين الذي تعلقت اليمين بها واحدة. وكان الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله قد قال: لي يوما في الدرس إن أكلها

(1) " الخبيص " الحلو المخبوصة خبص الشئ بالشئ أي خلط.
(2) (المرق والمرقة " الماء الذي أعلى فيه اللحم فصار دسما.

[ 420 ]

على جهتها حنث؟ وإن كلها دقيقا أو سويقا لم يحنث؟! فقلت له ولم ذلك وعين الدقيق هي عين الحنطة وإنما تغيرت بالتقطيع الذي هو الطحن؟ فقال: قد تغيرت عما كانت عليه وإن كانت العين واحدة وهو حلف أن لا يأكل ما هو مسمى بحنطة لا ما يسمى دقيقا؟ فقلت: له هذا لم يجز في اليمين: فلو حلف لا أكلت هذه الحنطة ما دامت تسمى حنطة كان الأمر على ما ذكرت فإنما حلف أن لا يأكل هذه الحنطة أو من هذه الحنطة فقال على كل حال قد حلف أن لا يأكلها وهي على صفة وقد تغيرت عن تلك الصفة فلم يحنث فقلت الجواب هاهنا مثل ما ذكرته أولا وذلك: إن كنت تريد أنه حلف أن لا يأكلها وهي على صفة أنه أراد وهي على تلك الصفة فقد تقدم ما فيه فإن كنت لم ترد ذلك فلا حجة فيه، ثم يلز يأكل هذا الخيار أو هذا التفاح ثم قشره وقطعه وأكله ألا يحنث ولا شبهة في أنه يحنث فقال: من قال: في الحنطة ما تقدم يقول في الخيار والتفاح مثله فقلت له إذا قال في هذا مثل ما قاله في الحنطة علم فساد قوله بما ذكرته: من أن العين واحدة اللهم إلا أن شرط في يمينه أنه لا يأكل هذا الخيار أو هذا التفاح وهو على ما هو عليه فإن الأمر يكون على ما ذكرته؟ وقد قلنا أن اليمين لم يتناول ذلك ثم قلت له: على أن الإحتياط يتناول ما ذكرته فأمسك (1). فإذا حلف لا يأكل شحما فأكل ما يجري عليه اسم شحم حنث، وإذا حلف ألا يأكل (2) رطبا فأكل من النصف (3) فإن كان أكل منه البسر لم يحنث وإن أكله بجملته حنث لأنه أكل الرطب.

(1) قلت قول الشيخ هنا مثل ما ذكره المصنف آنفا في أكل السمن.
(2) زاد هنا في هامش نسخة (ب) " تمرا فأكل رطبا أو رطبا فأكل بسرا أو بسرا فأكل تمرا لم يحنث فإن حلف أن لا يأكل ".
(3) لعل الصواب " المنصف " وهو كما في لغة العراق ما صار نصفه من جهة الرأس رطبا وبقي نصفه الآخر بسرا أحمر أو أصفر.

[ 421 ]

وإذا حلف لا يأكل لبنا فأكل سمنا لم يحنث فإن أكل زبدا وكان في الزبد لبن ظاهر حنث؟ وإن لم يكن فيه لبن أو كان مستهلكا لم يحنث. " باب كفارة نقض النذر والعهد ". كفارة نقض النذر والعهد عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا؟ وهذه الكفارة يجب على وجه التخيير أي شيئ فعله المكفر منها كان مجزيا له فإن عجز عن جميع ذلك كان عليه صوم ثمانية عشر يوما؟ فإن لم يقدر على ذلك أطعم عشرة مساكين أو كساهم؟ فإن لم يقدر على ذلك تصدق بما قدر عليه، فإن لم يقدر على شيئ على وجه من الوجوه استغفر الله تعالى ولا يعود إلى مثل ذلك. " باب كفارة الظهار والايلاء " هذه الكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يقدر على ذلك أطعم ستين مسكينا؟ وهي واجبة على الترتيب فلا يجوز للمكفر أن يعدل عن العتق إلى الصوم إلا بعد العجز عن العتق، ولا يجوز له العدول عن الصوم إلى الاطعام إلا بعد العجز عن ذلك، فإن عدل عن العتق إلى الصوم أو عدل عن الصوم إلى الاطعام من غير عجز عن ذلك لم يجزأه وكان عليه أن يكفر بما وجب عليه أولا فأولا على الترتيب الذي ذكرناه دون التخيير. فإن جامع المظاهر قبل التكفير كان عليه كفارة أخرى (1) إلى أن يكفر؟ وأما كفارة الايلاء فهي كفارة اليمين وقد سلف ذكرها. " باب كفارة الحلف بالبرائة من الله أو رسوله أو أحد الأئمة (عليهم السلام) " هذه الكفارة مثل كفارة الظهار؟ فإن لم يقدر على كفارة الظهار كان عليه كفارة يمين.

(1) زاد في هامش نسخة (ب) هنا " وكلما جامع قبل التكفير كان عليه كفارة أخرى.

[ 422 ]

" باب كفارة من أفطر في يوم من شهر رمضان متعمدا " " أو أفطر بعد الزوال في يوم يقضيه عن يوم من شهر رمضان " كفارة من أفطر متعمدا في يوم من شهر رمضان، عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا؟ وهذه الكفارة تجب على وجه التخيير، أيها فعل المكفر كان ذلك مجزيا له. فأما كفارة من أفطر بعد الزوال في يوم يقضيه عن يوم من شهر رمضان فهي كفارة من أفطر في يوم من شهر رمضان وقد ذكر (1) أن كفارة ذلك كفارة يمين. وروي أنه ليس عليه شيئ؟ (2) والذي قدمناه أحوط على كل حال، فإن أفطر في هذا اليوم قبل الزوال لم يكن عليه شيئ. " باب كفارة قتل العمد والخطأ " كفارة قتل العمد هي عتق رقبة واطعام ستين مسكينا وصوم شهرين متتابعين بعد عفو أولياء الدم عن القود ورضاهم بأخذ الدية وهذه الكفارة تجب على الجمع ولا يجوز الاقتصار على واحد منها، فإن اقتصر المكفر على واحدة منهما لم يجزئه ذلك ولم يكن مكفرا. وأما كفارة قتل الخطاء فهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يقدر على ذلك فاطعام ستين مسكينا؟ وهذه الكفارة تجب على الترتيب الذي ذكرناه ولا يجوز على وجه التخيير.

(1) ذكره الشيخ في النهاية.
(2) الوسائل الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان من كتاب الصوم قلت النصوص الواردة في التكفير خاصة بالجماع دون ما دل على عدمه فيمكن الجمع بينهما بذلك ودعوى عدم الفرق بين الافطار بالجماع وغيره مجازفة لا سيما وقد ورد في الصحيح منع المسافر شديدا عن الجماع دون غيره مستدلا فيه بأن السنة لا تقاس كما في الوسائل الباب 13 من أبواب من يصح منه الصوم.

[ 423 ]

" باب كفارة من وطأ زوجته أو أمته في الحيض " إذا وطأ رجل زوجته في أول الحيض كانت كفارته عن ذلك دينارا واحدا قيمته عشرة دراهم جيادا، وإن وطأها في وسط الحيض كفر عن ذلك بنصف دينار، وإن وطأها في آخره كفر عن ذلك بربع دينار وقد سلف ذكر ذلك. وأما كفارة وطء الأمة في الحيض فهي ثلاثة أمداد من طعام يدفعها المكفر إلى ثلاثة مساكين لكل واحد منهم مد واحد. " باب كفارة العجز عن صوم الشهرين المتتابعين " كفارة من عجز عن ذلك، صوم ثمانية عشر يوما، فإن لم يستطع ذلك تصدق عن كل يوم بمد من طعام، فإن لم يقدر على ذلك استغفر الله تعالى ولم يكن عليه شيئ بعد ذلك. " باب كفارة من تزوج امرأة في عدتها " كفارة هذا المتزوج في العدة خمسة أصوع من دقيق بعد أن يفارقها. (1) " باب كفارة من نام عن صلاة العشاء الأخيرة " إذا نام الانسان عن صلاة العشاء الأخيرة حتى جاز نصف الليل كانت كفارته عن ذلك صوم اليوم الذي صبح من تلك الليلة فيه. " باب كفارة من ترك صلاة الكسوف " كفارة من ترك هذه الصلاة هي الاغتسال وقضاء الصلاة بعد ذلك؟! وهذه الكفارة إنما يثبت بشرط العمد لترك هذه الصلاة مع احتراق جميع القرص.

(1) ذكره جماعة من الأصحاب منهم الشيخ في النهاية لكن المذكور في النص تزوج امرأة ولها زوج وفيه أيضا أن هذا إذا لم ترفع القضية إلى الإمام أي الحاكم والله العالم.

[ 424 ]

" باب كفارة من نظر إلى المصلوب بعد ثلاثة أيام " كفارة النظر إلى المصلوب هي استغفار الله تعالى من ذلك والاغتسال، وهذه الكفارة إنما تفعل إذا مضى الانسان إلى المصلوب متعمدا وقاصدا إلى ذلك وقد مضى له مصلوبا ثلاثة أيام، فإن نظر إليه على خلاف ما ذكرناه لم يكن عليه شيئ. " باب كفارة من يشق ثوبه في موت ولده أو زوجته " هذه الكفارة هي كفارة يمين، فإن شق ذلك في موت والد أو والدة أو أخ وما أشبه ذلك لم يكن عليه شيئ. " باب كفارة لطم المرأة وجهها في مصاب أو جزها لشعرها في ذلك " الكفارة على هذا الفعل هي كفارة يمين وليس يلزم إلا بشرط: وهو أن تلطم المرأة وجهها في مصاب وتخدشه حتى تدميه، فإن لم ينته إلى هذا الحد فلا كفارة عليها. فإن جزت شعرها في ذلك، كانت الكفارة فيه عتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا أو صوم شهرين متتابعين. " باب كفارة قتل السيد مملوكه أو ضربه فوق الحد " كفارة هذا القاتل لمملوكه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا مخيرا في ذلك (1) وعليه مع ذلك التوبة فأما كفارة ضربه له فوق الحد فهي عتقه له إذا فعل ذلك.

(1) ظاهره ما إذا قتله عمدا أو أعم منه ومن الخطاء لكن الظاهر من بعض النصوص كما في الوسائل الباب 29 من أبواب الكفارات أنه في العمد يجب الجمع بين هذه الخصال كقتل غير العبد وهو الظاهر من المصنف أيضا فيما يأتي من القصاص

[ 425 ]

" باب يلحق بما ذكرناه من الكفارات " إذا وجب على المكفر صيام شهرين متتابعين في شيئ من الكفارات فصام الشهر الأول ومن الشهر الثاني، شيئا آخر ثم أفطر لغير علة كان مخطئا (1) وجاز له أن يبني على ذلك ويتمم الشهر وإن كان صام الأول ولم يصم من الثاني شيئا وأفطر، كان عليه استئناف الصوم من أوله؟! وكذلك: يجب عليه إذا أفطر في بعض أيام الشهر الأول وإن أفطر قبل أن يصوم من الشهر الثاني شيئا (2) لعلة كان له أن يبني على ما مضى ومن وجبت عليه كفارة مرتبة وعجز عن العتق ثم انتقل إلى الصوم فصام شيئا ثم قدر على عتق الرقبة جاز له إتمام الصوم ولم يلزمه الرجوع إلى العتق؟ فإن رجع إلى العتق وعدل عن الصوم كان أفضل. فأما ما يلزم المحرم من الكفارات على جناياته فقد سلف ذكره في كتاب الحج فمن احتاج إلى المعرفة بذلك نظره في الموضع الذي ذكرناه.

(1) ظاهره من الخطاء هنا الإثم لكن يظهر من بعض نصوصه عدمه قال في الشرائع وهل يأثم مع الافطار فيه تردد أشبهه عدم الإثم.
(2) الظاهر أن مراده أعم مما إذا صام الأول كله أو بعضه وذلك لاطلاق النصوص والتصريح بالثاني من بعضها كما في الوسائل الباب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب.

[ 426 ]

" كتاب الأطعمة والأشربة والصيد والذباحة " قال الله تعالى: " إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا " الآيات (1) وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: من أهون أهل النار عذابا ابن جذعان فقيل له ولم ذلك يا رسول الله قال: كان يطعم الطعام (2). وعنه (عليه السلام): إن أعرابيا قال له يا رسول الله علمني عملا أدخل به الجنة، فقال له: أطعم الطعام وافش السلام وصل بالليل والناس نيام؟ قال: لا أطيق ذلك قال: فهل لك ابل قال: نعم قال: فانظر بعيرا منها فاسق عليه أهل بيت لا يشربون الماء إلا غبا (3) فلعلك لا ينفق (4) بعيرك ولا يتحرق (5) سقاؤك حتى يجب لك الجنة.

(1) سورة الدهر الآية - 5 (2) النصوص الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) في فضل إطعام المسلم وخصوصا المؤمن وتأكد ذلك وكذا سقيهم وإضافتهم كثيرة جدا متضافرة يصعب إحصائها وهي مبثوثة في الوافى والبحار والوسائل ومستدركها في كتاب العشرة وفعل المعروف والأطعمة وغيرها وربما عقدوا لها عدة أبواب بمناسبة خاصة وأما الأخبار النبوية المذكورة في المتن فقد رواها مع غيرها في دعائم الاسلام ج 2 كتاب الأطعمة ورواها عنه في المستدرك في موارد مختلفة تناسب أبوابها.
(3) أي ليس لهم ماء إلا قليل فيشربون يوما ويوما لا (4) نفقت الدابة أي هلكت (5) الظاهر أنه بالخاء المعجمة من الخرق بمعنى الشق وفي الدعائم لا يتمزق وهو بمعناه.

[ 427 ]

وقال (صلى الله عليه وآله): لا يضيف الضيف إلا كل مؤمن ومن مكارم الأخلاق قرى الضيف وحد الضيافة ثلاثة أيام فما كان أكثر من ذلك فهو صدقة. وقال: من أكل طعاما لم يدع إليه فإنما يأكل في جوفه شعلة من نار. وقال الصادق (عليه السلام) لبعض أصحابه ما يمنعك أن تعتق كل يوم رقبة قال لا يحتمل ذلك مالي جعلت فداك قال: فأطعم كل يوم رجلا مؤمنا، موسرا كان أو معسرا؟ إن الموسر قد يشتهى الطعام وذكر باقي الحديث (1). " باب أقسام الأطعمة والأشربة " الأطعمة ضربان: حيوان وغير حيوان والحيوان على ثلاثة أضرب: مباح ومحرم ومكروه. فالمباح هو كل ما كان ذكيا من الإبل والبقر والغنم والطير الحلال أكله ويتميز ذلك بذكرنا ما لم يحرم أكله (2) وسيأتي ذكر ذلك بمشيئة الله تعالى ومن ذلك (3) ما كان جلالا واستبرأ بعد ذلك الجلال من الإبل بأربعين يوما، والبقر بعشرين يوما، والحمل والشاة بعشرة أيام، وكل ما شرب من هذه الاجناس خمرا ثم ذبح غسل بالماء (4)؟

(1) دعائم الاسلام في الباب المذكور والوسائل الباب 26 و 29 من الأطعمة والبحار باب إطعام المؤمن من كتاب العشرة على اختلاف يسير في لفظه ولم اجد للحديث باقيا في آخره (2) الصواب " ما يحرم " (3) أي من المباح الحيوان الجلال بعد الاستبراء لكن يأتي أنه مكروه فكأنه أراد بالمباح هنا أعم منه (4) أي غسل لحمه وأما ما في بطنه فيأتي أنه لا يحل بالغسل وزاد في هامش نسخة (ب) هنا " وكل ما شرب من ذلك بولا غسل ما في بطنه "

[ 428 ]

وكل ما شرب من ذلك يسيرا من لبن امرأة ولم يشتد بذلك (1) وكل ما كان من الطير جلالا يأكل العذرة وحدها أو يأكلها مع غيرها، واستبرأ البط وما جرى مجراه بخمسة أيام والدجاج وما يجري مجراه بثلاثة أيام. وأما المحرم: فهو الميتة وكل ما لم يتحرك منه شئ بعد الذبح وإن سال منه الدم وكل ما لم يسل منه دم (2) والمنخنقة والمتردية والموقوذة بحجرا وغيره والنطيحة وكل ما كانت الذكاة ممكنة منه فضرب أو طعن فمات من ذلك وما أكله السبع وما قتله غير كلب المسلم المعلم من الكلاب وكل ما ذكاه كافر وكل ما ذكى في غير موضع الذكاة وما قطع من الحيوان قبل الذكاة وما قطع من ذكى الحيوان قبل أن يبرد بالموت وكل ما كان في بطن ما شرب خمرا من ذلك، غسل بعد الذكاة أو لم يغسل وكل ما وطأه إنسان من الاجناس الثلاثة السالف ذكرها وينبغي إحراقها بالنار وكل ما شب من لبن خنزيرة واشتد بذلك وكل ما كان من نسل ذلك وأولاده أبدا ما تناسلت وتوالدت. والفيل والثعلب والأرنب والسبع والنمر والفهد والكلب والخنزير والدب والقرد والسنور والسلحفاة والضب واليربوع والفار والحيات والعقارب والخنافس والنمل والسرطان وبنات وردان والزنابير وفراخها والنحل والسنجاب والفنك والسمور والقنفذ وكل ذي ناب ومخلب من الوحوش وكل ما يصف من الطير وكل ما كان صفيفه أكثر من دفيفه إن كان مما يصف، ويدف النسر والعقاب والحداة والرخمة وكل ما كان له مخلب من الطير وكل ما ليس له حوصلة من ذلك ولا قانصة

(1) الظاهر أن المراد أن هذا مباح ليس بمكروه بخلاف ما إذا اشتد فإنه مكروه غير محرم كما صرح به في النص (2) يعني أن غير الميتة إذا ذبح ولم يتحرك بعد الذبح منه شئ من عينه أو رجله أو تحرك ولم يجر منه دم فهو بحكم الميتة.

[ 429 ]

والخطاف (1) والخفاش والطواويس. وأما المكروهة: فهو كل ما شرب من الاجناس الثلاثة لبن خنزيرة دفعة واستبرأ سبعة أيام (2) ويطعم فيها العلف إن كان يأكله أو يسقي اللبن إن كان يشربه والخيل والبغال والحمير أهلية كانت أو وحشية. والحبارى والهدهد والصرد والقنابر والصوام والشقراق والغراب وكل ما كان جلالا يأكل العذرة وحدها أو يأكلها مع غيرها ثم استبرأ بعد ذلك الانعام والبط والدجاج بما تقدم ذكره وغير ذلك من الطير بيوم ليلة. وأما ما ليس بحيوان فيما (مما - خ ل) تقدم ذكره فعلى ثلاثة أضرب: محرم، ومكروه، ومباح. فأما المحرم: فهو السمايم القاتلة أجمع والنجاسات كلها وكل طعام وقع فيه دم إلا أن يكون يسيرا فيقع في قدر فإنه ينبغي أن يهراق ما فيها ويغسل ثم يغسل اللحم ويعاد طبخه بغير ما كان معه من المرق أو غيره، وكل طعام أو دهن مائع وقع فيه شيئ من ميتة ذوات الانفس السائلة أو وقع فيه وزغ أو عقرب إلا أن يكون جامدا فيلقى ما حول ذلك ويستعمل الباقي منه. ومؤاكلة الطعام مع الكفار وكل طعام مائع باشره كافر أو جعل في إناء كان يستعمله كافر في طعام أو غيره من غير أن يغسل، وكل طعام جعل في شئ من أواني الخمر قبل أن يغسل الاناء ثلاث مرات ويجف بعد الغسل، وكل طعام في آنية ذهب أو فضة حتى يزال من ذلك إلى غيره، والطين إلا تربة الحسين (عليه السلام) فإنه يجوز

(1) في نسخة (ب) هنا " القطاف " وزاد عليه في هامشه " والخطاف " وفي نسخة الأصل بعد ذلك " الخشاف " مكان " الخفاش " وهو بمعناه كما في القاموس.
(2) لعل المراد أن الكراهة بعد الاستبراء فبدونه يحرم بالدفعة فاعتبار الاشتداد فيما تقدم إنما هو للحرمة المطلقة ويحتمل كون المراد أنه بالدفعة يكره وترتفع الكراهة بالاستبراء والنصوص الواردة في الباب غير خال من الاجمال.

[ 430 ]

استعمال اليسير منه للشفاء من الأمراض، وكل عجين عجن بماء نجس وكل خبز يخبز من ذلك العجين، وبيض ولبن ما لا يحل أكل لحمه، وكل ما استوى طرفاه من البيض (1). وأما المكروه من ذلك: فهو كل طعام باشره جنب أو حائض إذا كانا ممن لا يؤمن منه بعد (ترك - خ ل) التحفظ من النجاسة وكل ما أكل الفجار (الفار - خ ل) منه واكل البصل والثوم مطبوخا ونيا لمن يريد دخول المساجد، وكل بيض يوجد في بطن ميتة كان يجوز أكل لحمها، وكل لبن يوجد في ضرعها وحرير البقل (2) وطعام اللحاط (الفجاة - خ ل) وكل طعام لم يدع الانسان إليه (3) وطعام الولايم القبائح (4) والخبز المقطع بالسكين. وأما المباح فضربان: حبوب وغير حبوب وجميعها هو كل ما عدا ما ذكرناه من محرم ومكروه. " باب الأشربة " هي على ثلاثة أضرب: محرم، ومكروه، ومباح، فالمحرم هو الخمر بعينها

(1) أي إذا كان مشتبها أنه من الطير الحلال أو الحرام كما في غيره من كتب الأصحاب.
(2) هذا وما بعده وما بعد كلمة الولائم لم أعرف ضبطها ومعناها ولم يكن مجال واسع للمراجعة التامة.
(3) تقدم في الأخبار النبوية في أول كتاب الأطعمة أن هذا شعلة من النار ونحوه في أخبار الامامية كما في الوسائل الباب 63 من أبواب الأطعمة المحرمة وهما نصان في الحرمة مضافا إلى المنع عن التصرف في مال الغير بغير إذنه فلعل مراد المصنف هنا ما إذا أحرز رضا صاحبه بشاهد الحال كالصديق حيث تضمنت الآية بجواز الأكل من بيته لكنه قد لا يخلو من مذلة واستخفاف كما ورد أنه ينبغي للمؤمن أن لا يخرج من بيته حتى يطعم فإنه اعزله الوسائل الباب 62 من آداب المائدة.
(4) في بعض النسخ: السابح وفي بعضها: النتاج.

[ 431 ]

والمسكر من كل شراب وإن اختلفت ضروبه وأنواعه، من عنب كان أو زبيب أو تمر أو عسل أو حنطة أو شعير أو غير ذلك. والفقاع وكل مائع من النجاسات مثل الأبوال وغيرها، وكل ما كان من المائعات الطاهرة فنجس ببعض النجاسات، والشرب فيما لا يجوز الأكل منه من أواني الذهب والفضة وغيرهما وقد تقدم ذكر ذلك والعامرة (والمعاقرة - خ ل) بما كان من الأشربة الحلال مثل الماء وشرب الجلاب والورد وما أشبه ذلك من الأشربة الحلال. وأما المكروه فهو شرب الماء في الليل قائما والعب والنهل في نفس واحد والشرب من كسر الكوز ومما يلى إذنه، والشرب في حال الاتكاء وشرب الماء المالح وشرب المياه الكبريتية والماء الاجن وكل ما تغير لونه أو طعمه أو رائحته بغير نجاسة وأما المباح فهو كل ما عدا ما ذكرناه. " باب ما يتعلق بذلك " إذا كانت قدر على نار وهي تغلى فوقع فيها خمر وكان قليلا فإنه يهراق ما فيها ويجوز غسل اللحم وأكله بعد ذلك وإن كان كثيرا فإنه يهراق ما فيها ولا يؤكل شيئ منه والأحوط في الوجهين جميعا أن لا يؤكل من ذلك شيئ على وجه. فإن وقع فيها دم، وكان قليلا وغلى جاز أكل ما فيها بعد أن تغلي (2) وإن

(1) كان الصواب هو المعاقرة كما في نسخة الكافي لأبي الصلاح الحلبي المطبوعة جديدا ولم اجد ذلك في غيره من كتب الأصحاب فلعلها من العقار بالعين المضمومة والقاف بمعنى الخمر فالمراد شرب الحلال تشبها بشربها كان يظهر نشاط السكر ولعله لذا حكى الشهيد رحمه الله في قواعده عن بعض الأصحاب أنه لو شرب المباح متشبها بشارب المسكر فعل حراما ويحتمل أيضا كون المراد المغالبة ففي لسان العرب: معاقرة الشراب مغالبته يقول أنا أقوى على شربه فيغالبه فيغلبه.
(2) الظاهر أن الصواب " بعد أن يغسل " كما تقدم آنفا

[ 432 ]

كان كثيرا لم يجز أكل شيئ منها وقيل أن هذا إنما جاز في الدم بغير غسل اللحم لأن النار تحمل (1) الدم ولأن اللحم لا يكاد يعرى منه وقد جاز أكله بعد الغسل مع إنه كذلك: والأحوط عندي في الوجهين جميعا أن لا يؤكل من ذلك شيئ. وإذا وقع شيئ من ذوات الانفس (2) السائلة في شيئ نجسه فإن كان ما وقع فيه مائعا مثل الزيت والشيرج وما أشبه ذلك من الادهان لم يجز استعماله في أكل ولا غيره (3) إلا في الاستصباح به تحت السماء، ولا يجوز الاستصباح به تحت السقف ولا ما يستظل به الانسان فإن كان جامدا مثل السمن والزبد وما أشبه ذلك القى ما يكون حول الميتة وجاز أكل الباقي بعد ذلك. وإذا مات ما لا نفس له سائلة مثل الجراد وبنات وردان والخنافس وما أشبه ذلك في شيئ من الأطعمة والأشربة أو غيرها جامدا كان ما وقع فيه ذلك أو مائعا فإنه لا ينجس به على ما ذكرناه فيما تقدم، ويجوز استعماله في الأكل والشرب وغير ذلك ولا يجوز الأكل والشرب مع الكفار ولا استعمال آنيتهم إلا على ما قدمناه، ويجوز استعمال ما باشروه بأيديهم من الحبوب وما جرى مجراها مما لا يقبل النجاسات. وأواني من يشرب الخمر والمسكر لا يجوز استعمال شيئ منها حتى يغسل ثلاث مرات بالماء ويجفف وإذا مات شيئ من ذوات الانفس السائلة في قدر وهي تغلى أهريق ما فيها وكان الحكم في اللحم مثل ما ذكرناه في الدم من الغسل والأكل؟ وكل طعام أكل

(1) عن بعض النسخ " تحل " ولعل الصواب " تحيل " كما في النهاية من الاحالة التي هي من المطهرات والموجود في النص " تأكل الدم " وهو بمعناها (2) أي ميتتها لقوله بعد ذلك: القى ما حوله الميتة (3) كالتدهن كما صرح به في النهاية

[ 433 ]

منه سنور فجائز أكله وكذلك: ما شرب منه إلا أن يكون في أكله أو شربه كان فيه أثر دم من حيوان أكله. وإذا نجس الماء بوقوع شيئ من النجاسات فيه ثم عجن به عجين وخبز لم يجز أكله إلا في حال الضرورة الشديدة التي تخاف معها على تلف النفس، فإنه يجوز أن يؤكل منه مقدار ما يمسك الرمق فأما في غير ذلك فلا يجوز أكل شيئ منه، وقد وردت رواية بجواز أكله (1) وذكر فيها أن النار قد طهرته والأحوط ما قدمناه. ويجوز شرب أبوال الإبل للتداوي بذلك وكذلك شرب البانها على كل حال وكذلك البان الاتن واكل ما يعمل من البانها أيضا على كل حال. وكل عصير لم يغل فإنه حلال استعماله، فإن غلى لم يجز استعماله على حال والغليان الذي معه لا يجوز استعماله هو أن يصير أسفله أعلاه بالغليان فإن صار بعد ذلك خلا جاز استعماله وقد تقدم ذكر ذلك فإذا طبخ العصير على النار وغلى ولم يذهب ثلثاه لم يجز استعماله؟ فإن ذهب ثلثاه وبقي ثلثه جاز استعماله؟ وحد ذلك أن يصير حلوا يخضب الاناء، ومن كان يستحل شرب العصير إذا طبخ فلم يذهب منه الثلثان فلا يجوز أن يؤتمن على طبخه ولا يسمع قوله فيه. ومن خاف على نفسه من العطش جاز له أن يشرب من الخمر أو المسكر مقدار ما يمسك رمقه وإذا كان في الدواء شيئ من المسكر لم يجز التداوي به إلا أن لا يكون له عنه مندوحة والأحوط تركه ولا يجوز أن يسقي بشئ من البهائم والأطفال شيئا من الخمر والمسكر ويجوز شرب النبيذ الذي لا يسكر مثل أن يلقى التمر أو الزبيب في الماء المر أو المالح وينقع فيه إلى أن يحلو فإن تغير لم يجز شربه.

(1) الوسائل الباب 14 من أبواب الماء المطلق وفيه أكلت النار ما فيه وفي خبر آخر يباع ممن يستحل الميتة كما في الوسائل الباب 11 من الأسئار وفي ثالث يدفن ولا يباع فالاحتياط في محله

[ 434 ]

ما يستعمل من الأواني في الخمر وهو خشب، فلا يجوز استعماله في شيئ من المائعات، وما كان مثل الجرار من النحاس والصفر أو الفخار أو الكيزان (1) التي تجري هذا المجرى فإنه يجوز استعماله بعد غسله بالماء ثلاث مرات. " باب آداب الأكل والشرب " يستحب لمن أراد الأكل والشرب أن يغسل يديه قبل الأكل والشرب ويسمى الله تعالى عند ابتداء الأكل والشرب ويحمده عند الفراغ منهما، فإن كان ممن ينقل إليه الوان كثيرة فيستحب له أن يسمي عند ابتدائه في أول كل لون منها فإن قال في أول ذلك بسم الله على أوله وآخره أجزأ وإذا كان مع الانسان غيره وسمى على المائدة واحد منهم أجزأ ذلك أيضا فالأول أفضل. ولا يحضر الانسان (2) على مائدة يشرب عليها شيئ من الخمر أو المسكر أو الفقاع ولا يكثر من الأكل ولا يزيد على شبعه. وإذا أراد شرب الماء فليشربه مقطعا في ثلاثة أنفاس ويسمى الله في أول كل دفعة من ذلك وعند الفراغ منها (3) وينبغي أن يبتدي صاحب الطعام بالاكل وهو آخر من يرفع يده منه ولا يأكل ولا يشرب بيساره إلا لضرورة ولا من كسر الكوز ولا من عند عروته وقد تقدم ذكر ذلك أيضا. فإذا حضر الطعام في وقت صلاة فينبغي أن يبتدأ بالصلاة فإن حضر عند صاحبه قوم ينتظرون ذلك فينبغي الابتداء بالطعام فإن كان وقت صلاة قد تضيق وجب الابتداء

(1) جمع الكوز وفي نسخة (ب) " الكسران " وكتب تحته بعلامة (ظ) أي الظاهر " الكاسات " وفي هامشها أيضا بعد كلمة الفخار " الأخضر أو غير الأخضر " وتقدم هنا مرتين اعتبار التجفيف بعد الغسل (2) ذكر هذا في الآداب قد يوهم الكراهة لكنه غير مراد قطعا لصراحة النصوص وكلمات الأصحاب بتحريمه (3) أي يحمده تعالى كما في النصوص

[ 435 ]

بالصلاة على كل حال؟ ومن شرب ماء فليصمه ولا يعبه، ومن شرب لبنا فليعبه ولا يتجرعه. وإذا شرب الماء قال الحمد لله الذي سقانا عذبا زلالا برحمته ولا يسقينا ملحا أجاجا بذنوبنا. (1) وإذا شرب اللبن قال: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، وإذا أكل سمكا قال: اللهم بارك لنا فيه وأبدلنا به خيرا منه (2) " باب الصيد والذبائح " قال الله تعالى: " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " (3) وقال الله تعالى: " أحلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلى عليكم " (4) وقال الله تعالى: " وإذا حللتم فاصطادوا " (5) وقال تعالى: " يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح إلى قوله: فكلوا مما أمسكن عليكم " (6) فأباح تعالى: صيد البحر لكل واحد وأباح صيد البر إلا لمن كان محرما. واستفيد من ذلك جواز الاصطياد واكل الصيد وجواز تعليم الجوارح للصيد

(1) كما في قرب الاسناد ص 12 وفيه: ولم يسقنا وكذا في الوسائل الباب 10 من الأشربة المباحة إلا أنه أسقط قوله: برحمته وقال في آخره: ولم يؤاخذنا بذنوبنا (2) في الوسائل الباب 36 من الأطعمة المباحة كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا أكل السمك قال ذلك وفي الباب 55 لم يكن (صلى الله عليه وآله) يأكل طعاما ولا شرابا إلا قاله إلا اللبن فإنه كان يقول اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه ويظهر منه أن اللبن خير من جميع الأطعمة والأشربة ويقال أن فيه جميع ما يحتاج إليه البدن (3) (4) (5) (6) المائدة 96 - 1 - 2 - 4

[ 436 ]

والاصطياد واكل ما يصيد ويقتل إذا كان كلبا معلما. (1) والصيد ضربان: صيد البر؟ وصيد البحر؟ فأما صيد البر فعلى ثلاثة أضرب أولها: حلال أكله على كل حال، وثانيها: محرم، وثالثها: مكروه، فأما الحلال أكله على كل حال فهو كل صيد أخذ بشبكة أو حبالات أو ما أشبه ذلك من آلات الصيد وأدركت ذكاته، وكل صيد أخذه كلب معلم أو غير معلم أو فهد وكان المرسل له قد سمى الله تعالى (2) عند إرساله وأدركت ذكاته. وكل ما قتله كلب معلم وإن لم يدرك ذكاته إذا كان المرسل له قد سمى الله تعالى عند إرساله، وكلما أخذه أيضا كلب معلم سمي المرسل له عند إرساله (3) فأكل منه وكان ذلك منه شاذا وهو غير معتاد لاكل الصيد. وكل ما اشترك في قتله من الكلاب المعلمة اثنان أو أكثر ولم يدرك ذكاته إذا كان صاحب كل كلب منها قد سمى عند إرساله، وكل صيد ضرب بالسيف أو طعن برمح فقتله بذلك الضارب له أو الطاعن وكان قد سمى عند ضربه أو طعنه، وكذلك إن ضربه أو طعنه فقطعه بنصفين وتحرك كل واحد منهما وخرج منه دم فإن تحرك أحدهما وخرج منه دم دون الآخر فالمتحرك هو الحلال أكله دون الذي لم يتحرك ولم يخرج منه دم وكل صيد انقطعت (قطعت - خ ل) منه قطعة وأدركت ذكاة الباقي منه وكل ما أصابه سهم وإن كان الرامي قصد غيره إذا سمى عند الرمي بسهم وكل صيد أخذ وتناهبه جماعة

(1) لفظة الجوارح في الآية عامة لكل ما يصيد فإنه من الجرح بمعنى الكسب لكن خصصها فقهاء الامامية بالكلب لقوله تعالى مكلبين كما في نصوص أئمتهم (عليهم السلام) (2) ظاهر المصنف هنا وفيما يأتي قريبا في آخر ذكر المحللات وفي ذكر المحرمات اعتبار التسمية في إرسال غير الكلب المعلم مضافا إلى إدراك الذكاة والتسمية عندها ووجهه غير ظاهر ولم اجد نقله عن أحد.
(3) من قوله: وكلما أخذه إلى هنا موجود في نسخة الأصل فقط وهو انسب بما بعده وقوله: وكان ذلك منه شاذا يعني إنما يحل الباقي منه إذا لم يكن معتادا للأكل فأكل منه نادرا كما يأتي أيضا.

[ 437 ]

فأخذوه قطعا (1) وكل ما أخذ بباز أو ما جرى مجراه من الجوارح وأدركت ذكاته مع التسمية عند الإرسال وكل جراد أخذ حيا. وأما المحرم أكله من ذلك: فهو كل صيد أخذ بأي نوع من آلات الصيد كان ولم يدرك ذكاته أو قتله سهم ولم يكن الرامي له سمى عند رميه. وكل صيد أخذ بالبندق أو الحجارة أو الخشب أو المعاريض أو ما جرى مجرى ذلك ومات فيه وكل فرخ أصابه سهم ولم ينهض بالطيران وإن كان صاحب السهم قد سمى عند رميه، وكل ما يصيده البازى أو غيره من الجوارح ولم يدرك ذكاته. وكل صيد أصابه سهم ليس فيه حديدة فقتله وكل صيد رمي بأكبر منه فقتله وكل صيد قتله كلب غير معلم وكل صيد أكل منه كلب معلم وهو معتاد لاكل الصيد وكل ما اشترك في قتله غير واحد من الكلاب المعلمة وإن كان صاحب أحدهم قد سمى عند إرساله ولم يسم صاحب الآخر عند إرساله وكل صيد قتله فهد ولم يدرك ذكاته وكل صيد انقلب (انفلت - خ ل) عليه كلب معلم من غير أن يرسله صاحبه عليه فقتله، وكل صيد لم يسم الصائد عند إرساله ما يصيده به أو عند ذكاته، وكل صيد أرسل عليه كلب فقتله وسمى عليه غير المرسل له، وكل صيد غاب عن عين صاحبه ثم وجده بعد ذلك مقتولا، وكل صيد رمي بسهم فسقط من موضع عال من جبل أو غيره أو وقع في الماء ومات، وكل صيد ضرب بسيف فانقطع بنصفين ولم يتحرك واحد منهما ولا خرج منه دم، فإن تحرك أحدهما فقد تقدم ذكره، وكل ما قطع من الصيد وهو حي وكل جراد وقع في الماء فمات فيه أو مات في الصحراء قبل أخذه أو كان في موضع فوقع فيه نار فاحترق، وكل طائر (صيد - خ ل) مالك لجناحه

(1) ظاهره أنه قطعه الجماعة بعد أخذه حيا قبل أن يقتل وكذا في النهاية لكن يمكن كون المراد ما إذا قطعوه بعد الاصطياد برمي ونحوه كما في النص وحمله في جواهر الكلام على ما إذا لم تكن حياته مستقرة

[ 438 ]

يعرف صاحبه، وكل طائر مخصوص الجناح (1) وصيد المحرم على المحل والمحرم وصيد المحل على المحرم، وكل صيد لم يسم الصائد له عند أخده ولا الإرسال عليه إذا كان لا يعتقد وجوب التسمية ناسيا كان أو غير ناس. وأما المكروه: فهو كل صيد لم يسم الصائد له عند أخذه والأرسال عليه ناسيا إذا كان يرى وجوب التسمية، وكل صيد أكل منه كلب معلم ولم يكن معتادا لاكل الصيد وكل جراد لم يسم الصائد له عند أخذه. وأما صيد البحر فعلى ثلاثة أضرب؟ أولها: يحل أكله على كل حال؟ وثانيها: محرم؟ وثالثها: مكروه؟ فأما الحلال أكله على كل حال فهو كل سمك له فلس أخذه مسلم وأخرجه من الماء حيا أو أخرجه كافر وشاهد مسلم اخراجه له كذلك، أو أخذ مجتمعا في حظيرة أو شبكة أو ما جرى مجرى ذلك وأقام في الماء يوما وليلة وكان فيه ما قد مات في الماء ولم يجد السبيل إلى تمييز ما مات منه فيه مما لم يمت. وكل ما وجد منه على ساحل البحر والقى في الماء فرسب أصله ولم يطف عليه وكل ما كان منه جلالا واستبرأ، واستبرأوه هو أن يجعل في ماء طاهر يوما كاملا ويطعم شيئا طاهرا. وأما المحرم: فهو كل سمك لا فلس له وكل سمك أخذه كافر ولم يشاهد مسلم اخراجه من الماء حيا، وكل ما مات منه في الماء سواء كان موته فيه ابتداء أو أخرج منه وجعل في شيئ وأعيد إلى الماء فمات فيه، وكل ما خالف ماله فلس من جميع الحيوان في الماء. وأما المكروه فهو كل ما (1) في الماء ولم يتميز الميت منه في الماء مما لم يمت فيه لأنه إن تميز من ذلك لحق باب المحرم وكل ما كان صيده في يوم الجمعة وكل

(1) لأن قص الجناح علامة أنه مملوك (1) في هامش نسخة (ب) " كل ما أخذ مجتمعا في شبكة أو حظيرة أو ما جرى مجرى ذلك وغلب في الظن موت بعضه في الماء "

[ 439 ]

ما لم يسم الصائد له عنده، والمارماهى والزهو، والزمار والكنعت والربيثا والطمر والإيلامي والطيراني. " باب ما يحل من الذبايح وما يحرم منها ومن الميتة والبيض والجلود " لا يجوز أن يتولى الذبح إلا من كان مسلما من أهل الحق فإن تولاه غير من ذكرناه من الكفار المخالفين لدين الاسلام أو من كفار أهل الملة على اختلافهم في جهات كفرهم لم يصح ذكاته ولم يؤكل ذبيحته وكذلك: إن تولاها من أهل الحق من تعمد ترك التسمية عند الذبح لم يصح ذكاته ولم يؤكل ذبيحته إلا أن يكون في حال تقية. وإذا أحسن الصبي أو المرأة الذبح وقويا عليه جاز أكل ذبيحتهما، فإن لم يحسناه لم يؤكل ذبيحتهما؟! والتسمية واجبة في الذبح فمن تعمد تركها كما ذكرناه لم يؤكل ذبيحته فإن أخل بها ناسيا جاز أكل ذبيحته وكيفية التسمية أن يقول الذابح بسم الله والله أكبر؟ ويجوز أن يقتصر على التسمية والأول أفضل. واستقبال القبلة بالذبيحة أيضا واجب؟ فمن تعمد ترك ذلك لم يؤكل ذبيحته؟ فإن تركها ناسيا لم يكن بها بأس؟ والذباحة لا يجوز إلا بالحديد، فمن خاف من موت الذبيحة ولم يقدر على الحديد جاز أن يذبح بشئ له حدة مثل الزجاجة والحجر الحاد أو القصب؟ والحديد أفضل وأولى من جميع ذلك. وذكاة ما يريد الانسان ذكاته (ذبحه - خ ل) لا يجوز إلا في الحلق، فإن ذبح في غير الحلق كان ذلك حراما ولم يؤكل ذبيحته؟ فإن كان في حال لا يقدر فيها على ذبح ما يريد ذبحه مثل أن يكون عنده ثور قد استعصى عليه أو وقع في بئر أو ما أشبه ذلك أو جاموس قد ند وحمى نفسه من الوصول إليه، جاز أن يذبح في غير الحلق ويؤخذ الثور والجاموس بالسيوف والحراب فإذا لحق وفيه حياة ذكى على كل حال

[ 440 ]

وما كان مما ينحر فإنه يجب أن ينحر في اللبة؟ فإن نحر في غيرها لم يجز أكله إلا أن يكون قد استعصى فيجرى حكمه مجرى ما تقدم ذكره في الثور والجاموس وكل ما نحر وكان مما يجب ذبحه أو ذبح وكان مما يجب نحره، لم يؤكل إلا أن يكون على الوجه الذي قدمناه. وكل ما ذبح في حال الضرورة وكان مما ينبغي نحره أو نحر فيها وكان مما ينبغي ذبحه، إذا أدرك وفيه حياة وجب تذكيته على كل حال فإن تركت تذكيته حتى مات لم يجز أكله. ومن أراد الذباحة فلا يجوز أن يقلب السكين ويذبح بها إلى فوق بل يبتدي بالذبح من فوق إلى أسفل، ولا يجوز للذابح أن ينخع البهيمة حتى يبرد بالموت وذلك أن لا يفصل رأسها من جسدها ويقطع نخاعها وهو عظم في العنق، فإن سبقه السكين فأبانت الرأس من الجسد لم يكن بأكل ذلك بأس؟ وإذا أراد أن ينحر من الإبل شيئا فينبغي أن يشد أخفافه إلى بطنه (إبطيه - خ ل) ويطلق رجليه ثم ينحره، وإن أراد أن يذبح شيئا من البقر فينبغي أن يعقل يديه ورجليه ويطلق ذنبه وإن أراد يذبح شيئ من الغنم فينبغي أن يعقل يديه وفرد رجليه ويطلق رجله الأخرى ويمسك على صوفه أو شعره حتى يبرد ولا يمسك شيئا من أعضائه؟ وإذا أراد ذبح شيئ من الطير فينبغي أن يذبحه ويرسله ولا يعقله ولا يمسكه، فإن انفلت منه جاز أن يرميه بسهم ويكون حكمه حكم الصيد فإذا لحقه حياة ذكاه وإذا ذبحت ذبيحة ولم يتحرك منها شيئ لم يجز أكلها، فإن تحرك شيئ منها مثل يدها أو رجلها أو ذنبها أو خفيها أو أذنها جاز أكلها ومن ذبح بهيمة لم يجز أن يسلخها إلا بعد أن تبرد بالموت فإن سلخها قبل ذلك أو سلخ منها شيئا لم يجز أكلها ومن ذبح شاة أو غيرها ووجد في بطنها جنينا قد اشعر وأوبر ولم تنشش (1) فيه الروح فذكاته ذكاة أمه وإن لم يكن كذلك أو لم

(1) أي لم تسق فيه الروح من نش الدابة أي ساقها سوقا بالرفق وكان الروح *

[ 441 ]

يكن تاما لم يجز أكله وكل جنين كان قد اشعر وأوبر وولجته الروح وأدرك كذلك لم يكن بد من ذكاته؟ فإن لم يدرك لم يجز أكله على كل حال. والذبح في الليل مكروه إلا لضرورة أو للخوف من فوت الذبيحة ويكره أيضا الذبح في نهار يوم الجمعة قبل الصلاة إلا لضرورة. وكل ما كان من الإبل أو البقر أو الغنم مذكى أو غير ذلك مما يجوز أكله فإنه يحرم منه الطحال والمشيمة، والفرث، والقضيب، والمرارة، والنخاع (1) والأنثيان والفرج ظاهره وباطنه والعلباء (2) والغدد، وذوات الاشاجع، (3) والحدق، والخزرة (4) تكون في الدماغ ويكره الكليتان. ويحل من الميتة الشعر والوبر والصوف والريش إذا جز وما لا يجز من ذلك ويقلع منها ليس بحلال ويحل منها أيضا السن والظفر والظلف والعظم والقرن والناب والأنفحة واللبن والبيض إذا كان قد اكتسى الجلد الفوقاني؟ فإن لم يكن اكتسى ذلك فلا يحل أكله. فإذا اختلط لحم ذكى بميتة ولم يكن تمييزه لم يحل أكل شيئ منه وقد قيل (5)

* تساق إلى البدن شيئا فشيئا وفي بعض النسخ لم تنشر وفي بعض آخر لم تنش والكل متقارب المعنى (1) خيط ابيض ضخم في فقار الظهر إلى العنق وما مر آنفا من أنه عظم في العنق فلعله مصحف وصوابه عرق (2) بالعين المهملة المكسورة والباء الموحدة ممدودا ويقال أيضا علباوان أي عصبتان عريضتان صفراوان من الرقبة إلى الذنب (3) في جواهر الكلام المراد بها غير معلوم والنصوص خالية عن ذكرها (4) بالخاء المعجمة والپاء المهملة حبة صغيرة (5) قاله في النهاية للنص كما في الوسائل الباب 7 مما يكتسب به من كتاب التجارة.

[ 442 ]

أنه يجوز بيعه على مستحلي الميتة والأحوط ترك بيعه. وإذا جعل طحال في سفود (1) مع لحم وجعل في تنور فإن كان اللحم تحته لم يجز أكل ذلك اللحم وما تحته إن كان تحته شيئ فإن كان الطحال تحت اللحم أكل اللحم، ولم يؤكل ما تحته من لحم أو غيره. ولا يحل أكل شيئ من الميتة إلا عند الضرورة التي يخاف معها من تلف النفس فإنه يجوز أن يؤكل منها عند ذلك ما يمسك الرمق، ما لم يكن هذا المضطر عاديا وهو الذي يخرج لقطع الطريق ولا باغيا وهو الذي يبغى الصيد على وجه اللهو والبطر فإن هؤلاء لا يجوز لهم أن يأكلوا منها شيئا على حال. ويجوز أن يؤكل من البيض ما كان مما يؤكل لحمه فإن وجد بيض ولا يعرف هل هو بيض ما يؤكل لحمه أو غير ذلك، فإنه يعتبر باختلاف طرفيه فما كان مختلف الطرفين جاز أكله لأنه من بيض ما يؤكل لحمه؟ وما استوى طرفاه فلا يجوز أكله وأما الجلود فإن كان مما يؤكل لحمه وكان مذكى فإنه يجوز استعماله في اللباس والصلاة وغير ذلك قبل الدباغ وبعده إذا لم يكن عليه نجاسة ولا أثر دم؟ فإن كان ميتة ولم يكن مذكى لم يجز استعماله على وجه من الوجوه لا قبل الدباغ ولا بعده. وإن كان مما لا يؤكل لحمه، فإن كان كلبا أو خنزيرا فلا يجوز استعماله لا قبل الذكاة ولا بعدها، دبغ أو لم يدبغ على كل حال وإن كان جلد فهد أو نمر أو ذئب أو أرنب أو سبع أو ثعلب أو سنجاب أو سمور أو غير ذلك من السباع والبهائم، فإنه يجوز استعماله إذا كان مذكى ودبغ إلا في الصلاة فإنه لا يجوز استعماله فيها فإن استعمله (1)

(1) بفتح السين وضمها وتشديد الفاء: حديدة ذات شعب معقفة معروف يشوى به اللحم وجمعه سفافيد (لسان العرب) (2) الظاهر أن المراد أن يستعمله قبل الذكاة كما صرح به الشيخ في النهاية وإنه مقتضى المقابلة لما قبله.

[ 443 ]

إنسان نجست يده وما يصيبه من بدنه ويجب عليه غسل ذلك. وشعر الخنزير لا يجوز استعماله مع الاختيار، فإن اضطر إنسان إلى استعماله فلا يستعمل منه إلا ما لا يكون قد بقي فيه شيئ من الدسم؟ وإذا حضر وقت الصلاة وجب عليه غسل يديه منه ومن ربى شيئا من الغنم فأراد ذبحه فإنه يكره له أن يتولى ذلك بنفسه وليس ذلك بمحظور والأفضل أن يجعل غيره يتولى ذلك. ولا يجوز عمل دلو من جلود الميتة ولا استعماله في الماء. وقد ذكر (1) جواز ذلك فيما عدا الشرب والطهارة والأحوط ترك استعماله في ذلك وفي غيره. وإذا قطع إنسان شيئا من أليات الغنم وهي أحياء لم يجز أكل شيئ منها ولا أن يستصبح بشئ من دهن ذلك؟ لأنه ميتة وذلك مما لا يجوز استعماله على حال

(1) ذكره في النهاية

[ 444 ]

" كتاب الطب والاستشفاء بالبر وفعل الخير " قد ورد الأمر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالتداوي فقال تداووا فما أنزل الله داءا إلا أنزل معه دواءا إلا السام، فإنه لا دواء له يعني الموت. ويجب على الطبيب أن يتقي الله فيما يفعله بالمريض وينصح فيه، ولا بأس بمداواة اليهودي والنصراني للمسلمين؟ وإذا أصاب المرأة علة في جسدها واضطرت إلى مداواة الرجل كان جائزا وإذا كان بالانسان رمد كره له أكل التمر، فإن أكله وكان الرمد بعينه اليسرى أكله بضرسه الأيمن وإن كان الرمد بعينه اليمنى، أكله بضرسه الأيسر. ومن كان يستضر جسده بترك العشاء فالأفضل له أن لا يتركه ولا يبيت إلا وجوفه مملوء من الطعام. وإذا كان لانسان مريض فلا ينبغي أن يكره على تناول الطعام والشراب بل يلطف به (له - خ ل) في ذلك فإن امتنع لم يكره عليه. واكل اللحم واللبن ينبت اللحم ويشد العظم واللحم يزيد في السمع والبصر، واكل اللحم بالبيض يزيد في الباه. وماء الكماة فيه شفاء العين، ووصف زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) ذلك وقال ينبغي أن يؤخذ الكماة فيغسل حتى ينقى ويعصر بخرقة ويؤخذ ماؤها فيرفع على النار حتى ينعقد ويلقى فيه قيراط من المسك ثم يجعل في قارورة ويكتحل به لأوجاع العين كلها، فإذا جف سحق بماء السماء أو غيره ويكتحل منه لأوجاع العين.

[ 445 ]

ويكره أن يحتجم الانسان في يوم أربعاء أو سبت فإنه ذكر أنه يحدث منه الوضح (1) والحجامة في الرأس فيه شفاء من كل داء وأفضل الدواء في أربعة أشياء الحجامة والحقنة والنورة والقئ. فإن نبع الدم (2) بإنسان فينبغي أن يحتجم في أي الأيام كان ويقرء آية الكرسي ويستخير الله ويصلي على النبي وآله. وإذا عرضت الحمى لانسان فينبغي أن يداويها بصب الماء عليه فإن لم يسهل عليه فليحضر له إناء فيه ماء بارد ويدخل يده فيه؟ وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يفعل ذلك والاكتحال بالاثمد عند النوم يذهب بالقذى ويصفى البصر. فإذا لدغت العقرب انسانا فليأخذ شيئا من الملح ويضعه على موضع اللدغة ثم يعصر بابهامه حتى يذوب واكل العجوة يشفى من السم. وصفة ذلك أن يؤخذ تمر العجوة فينزع نواه ثم يدق دقا جيدا ويعجن بسمن بقر عتيق ويرفع، فإذا احتيج إليه أكل للسم، هكذا وصفه زيد بن علي بن الحسين (عليهما السلام). وأفضل ما استشفت به النفساء أكل الرطب ومن اشتد وجعه فينبغي أن يستدعي بقدح فيه ماء ويقرأ عليه الحمد أربعين مرة ثم يصبه على نفسه، (3) واكل الزبيب المنزوع العجم على الريق، فيه منافع عظيمة فمن أكل منه كل يوم على الريق إحدى وعشرين زبيبة منزوعة العجم قل مرضه؟ وقيل أنه لا يمرض إلا المرض الذي يموت فيه

(1) أي البياض والمراد به هنا البرص وقد ورد في بعض الأخبار الانكار على من ذكر ذلك فراجع له ولغيره من وقت الحجامة وآدابها إلى الوسائل الباب 11 و 13 من أبواب ما يكتسب به (2) الصواب " تبيغ الدم " قال ابن إدريس في السرائر: هو بالتاء المنقطة بنقطتين من فوق والباء المنقطة من تحتها بنقطة واحدة والياء المنقطة من تحتها بنقطتين وتشديدها والغين المعجمة أي هاج به.
(3) رواه في دعائم الاسلام ج 2 فصل ذكر العلاج بتفصيل في اعتلال الحسين (عليه السلام) وذكر فيه أن جبرئيل قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أن الله تعالى لم ينزل عليك سورة من القرآن إلا وفيها فاء وكل فاء آفة ما خلا سورة الحمد.

[ 446 ]

ومن أكل عند نومه سبع تمرات عوفي من القولنج وقتل دود البطن، واكل الحبة السوداء فيه شفاء من كل داء إلا الموت؟ واكل التفاح يكفي الحرارة (1) ويبرد الجوف وينفع من الحمى. وفي شراب العسل منافع كثيرة فمن استعمله انتفع به ما لم يكن به مرض حار. ومن اشتد به مرض فيسأل امرأته أن تهب له من مهرها درهما ويشترى به عسلا ويشربه بماء السماء فإنه ينتفع بذلك. وفي شرب لبن البقر منافع فمن تمكن منه فليشربه وفي الحبة السوداء شفاء من كثير من الأمراض واكل السمن نافع للأحشاء وهو في الصيف خير منه في الشتاء ومن وطأ برجله على رمضاء فاحرقته، فيطأ على بقلة البصلة (2) فإن ذلك يزول بوطأه لها؟ واكل القرع يزيد في العقل وينفع الدماغ؟ ويستحب أكل الهندباء وذكر أنه ليس فيه ورقة إلا وفيها من ماء الجنة. وعن الصادق (عليه السلام) قال: إذا دخلتم أرضا فكلوا من بصلها فإنه يذهب عنكم وبائها. وعنه (عليه السلام) أن رجلا من أصحابه شكى إليه اختلاف البطن فأمره أن يتخذ من الارز سويقا ويشربه ففعل فعوفي له وقال: مرضت سنتين أو أكثر فألهمني الله تعالى الارز، فأمرت به فغسل وجفف ثم مس النار وطحن وجعلت بعضه سويقا وبعضه حساء واستعملته فبرأت. وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) ما من شجرة حرمل (3) إلا ومعها ملائكة يحرسونها

(1) الصواب " يطفي الحرارة " كما في الوسائل الباب 89 من الأطعمة المباحة (2) الصواب " بقلة الرجلة " كما في الكافي والمحاسن والوافي والوسائل وهي الفرفخ ويقال لها بالفارسية " خرفه " وقد ورد أنها بقلة فاطمة (عليها السلام) فسماها بنو أمية لعنهم الله بقلة الحمقاء بغضا لفاطمة (عليها السلام) (3) بالحاء والراء المهملتين كجعفر يقال له بالفارسية " سپندان " في القاموس هو حب نبات معروف يخرج السوداء والبلغم وهو غاية أي في النفع ويصفى الدم وينوم *

[ 447 ]

حتى تصل إلى من وصلت وفي أصل الحرمل لشره (1) وفي فرعها شفاء من اثنين وسبعين داء. قال النبي (عليه السلام): إياكم والشبره (2) فإنه حار بارد وعليكم بالسناء فتداووا به فلو دفع شئ الموت لدفعه السناء، وتداووا بالحلبة (3) فلو يعلم أمتي مالها في الحلبة لتداووا بها ولو بوزنها ذهبا. وقال الصادق (عليه السلام): المحموم يغسل له السويق (4) ثلاث مرات ويعطاه فإنه يذهب الحمى وينشف المرة والبلغم ويقوى الساقين. وقال السويق ينبت اللحم ويشد العظم، ونهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن شرب الماء الحميم وهو الشديد الحرارة. وقال: إدمان أكل السمك الطري يذيب الجسد وقال الصادق (عليه السلام) أكل التمر بعد السمك الطري يذهب أذاه وقال: لرجل شكى إليه وجع الخاصرة: عليك بما يسقط من الحيوان (5) فكله ففعل فبرأ

* واستفاف مثقال ونصف منه غير مسحوق اثنتى عشر ليلة يبرى من عرق النساء انتهى وذكر له في تاج العروس فوائد أخرى (1) في نسخة (ب) " بسره " بالباء الموحدة والسين وهاء الضمير وفي دعائم الاسلام ج 2 ص 150 بالنون والشين المعجمة والتاء المؤنثة أي رقية وحرزا ويوجب الفرح والانبساط وفي طب الأئمة لأبني بسطام عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن في أصلها وفروعها لسرا وفي حبها الشفاء من اثنين وسبعين داءا والله العالم (2) الصواب " الشبرم " كما في الدعائم والسرائر ففي القاموس نبات له حب كالعدس ثم ذكر خطره وخواصه (3) بالحاء المهملة المضمومة والباء الموحدة وعن بعض النسخ بالجيم وكلاهما نبت لكن الأول هنا أصح فإنه أورد في نهاية ابن الأثير وتاج العروس والخبر المذكور في المتن فيه وذكر لها في القاموس فوائد كثيرة وفي ترجمته أنها شنبليلة (4) في نسخة (ب) " يغسل بالسويق " والصواب هو الأول (5) الصواب " من الخوان "

[ 448 ]

وقال: الريح الطيبة يشد العقل ويزيد في الباه ونهى النبي (عليه السلام) عن أكل الطفل والطين (1) والفحم وقال من أكل الطين أعان على نفسه، ومن أكله فمات لم يصل عليه واكل الطين يورث النفاق، وقال (عليه السلام): فضلنا أهل البيت على الناس كفضل دهن البنفسج على سائر الادهان وقال: أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) الخل يسكن المراء ويحيى القلوب ويقتل دود البطن ويشد الفم. فهذه جملة مقنعة اختصرناها من جملة ما ورد عن الأئمة (عليهم السلام) (3) في الاستشفاء بفعل الخير والبر والتعوذ والرقى فنحن نورد أيضا من جملة ما ورد عنهم في ذلك جملة مقنعة. وقال الصادق (عليه السلام) ثلاثة يذهبن النسيان ويحددن (4) الفكر قراءة القرآن والسواك والصيام وقال لبعض أهل بيته قد ذكر له أنه عليل: ادع مكيلا (5) فاجعل فيه برا واجعله بين يديه (6) وأمر غلمانك إذا جاء سائل أن يدخلوه إليه فتناوله منه بيده ويأمر أن يدعوا

(1) كذا في نسخة الأصل بعطف الطين على الطفل وفي نسخة (ب) ونسخة أخرى بدون ذكر العطف فالمراد منع الأطفال عن أكلهما لكن الظاهر كون الأول انسب بظاهر النهي وبما بعده فيمكن كون المراد بالطفل ما يشبه الطين ففي القاموس الطفال الطين اليابس وفيه أيضا طفل النبت أصابه التراب وفي تاج العروس في مستدركاته الطفل بالفتح الطين الأصفر المعروف بمصر تصبغ به الثياب (2) في بعض النسخ: من أكل الرمان بشحمه دبغ معدته والسفرجل يذكى قلب الضعيف ويشجع الجبان وروي من سيدنا أبو عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: (3) أي في باب الطب فقوله: في الاستشفاء استئناف لما يذكره في التالي (4) عن بعض النسخ " يجددن " بالجيم وفي الدعائم " يحدثن الذكر " (5) الصواب " مكتلا " بالتاء المثناة من فوق وهو الزنبيل الكبير (6) الظاهر " بين يديك " وهكذا في بعض الضمائر التالية ويحتمل أنه قال (عليه السلام) *

[ 449 ]

له، قال أفلا أعطي الدنانير والدراهم قال: اصنع ما أمرتك به وكذلك رويناه ففعل فرزق العافية. وقال ارغبوا في الصدقة وبكروا فيها فما من مؤمن تصدق بصدقة حين يصبح يريد بها ما عند الله إلا دفع الله بها عنه شر ما ينزل من السماء ذلك اليوم ثم قال لا تستخفوا بدعاء المساكين للمرضي منكم فإنه يستجاب لهم فيكم ولا يستجاب لهم في أنفسهم وروي عنه (عليه السلام) أن رجلا من أصحابه شكى إليه وضحا أصابه بين عينيه وقال: بلغ مني يا بن رسول الله مبلغا شديدا فقال: عليك بالدعاء وأنت ساجد ففعل فبرأ منه وقال: إذا أصابك سقم (هم - خ ل) فامسح يدك على موضع سجودك (1) ثم أمر يدك على وجهك من جانب خدك الأيسر وعلى جبينك إلى جانب خدك الأيمن ثم قل بسم الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم اللهم اذهب عني الهم والحزن ثلاثا (3) وقال: علي (عليه السلام) شكوت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) تفلت القرآن مني فقال يا على سأعلمك كلمات تثبت القرآن في قلبك قل: اللهم ارحمني بترك معاصيك وارزقني حسن الظن (3) فيما يرضيك عني والزم قلبي حفظ كتابك كما علمتني وأن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني اللهم نور بكتابك بصري واشرح به صدري واستعمل به بدني وأعني عليه إنه لا يعين إلا أنت فدعوت بهن فثبت الله القرآن في صدري.

* ذلك لمن يفعل بالمريض (1) أي من الجبهة (2) رواه الكليني في الكافي كما في الوسائل الباب 28 من التعقيب وفيه إذا صليت المغرب فأمر يدك على جبهتك وقل الخ وعن بعض نسخ الكافي إضافة الغم بين الهم والحزن وقوله ثلاثا يمكن أن يكون قيدا للجملة الأخيرة وأن يكون للمجموع (3) الظاهر كما في الكافي " حسن النظر أو المنظر " وقد رواه في باب الدعاء في حفظ القرآن من كتاب الدعاء من الأصول بإسناده أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعلمك دعاءا لا تنسى القرآن اللهم ارحمني الخ وفيه زيادات

[ 450 ]

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) ضمنت لمن سمى الله على طعامه أن لا يشتكى منه قال ابن الكوا قد أكلت البارحة طعاما وسميت عليه ثم أصبحت وقد آذاني فقال له لعلك أكلت الوانا فسميت على بعضها ولم تسم على بعض؟ فقال قد كان ذلك قال فمن ذلك أتيت يا لكع (1) وقال الصادق (عليه السلام) في المستحاضة تغتسل عند كل صلاة احتسابا فإنه لم تفعله امرأة إلا عوفيت من ذلك. وقال من قال كل يوم ثلاثين مرة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين تبارك الله أحسن الخالقين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم دفع الله عنه سبعة وسبعين نوعا من البلاء أهونها الجذام (2) وقال علي (عليه السلام) مرضت فعادني رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا لا انقلب (3) على فراشي فقال (عليه السلام) يا على: أشد الناس بلاء النبيون ثم الاوصياء ثم الذين يلونهم أبشر فإنها حظك من عذاب الله مع ما لك من الثواب ثم قال: أتحب أن يكشف الله ما بك قلت بلى يا رسول الله قال قل اللهم ارحم جلدى الرقيق وعظمي الدقيق وأعوذ بك من فورة الحريق يا أم ملدم (4) إن كنت آمنت بالله فلا تأكلي اللحم ولا تشربي الدم ولا تفوري من الفم

(1) في نهاية ابن الأثير: اللكع عبد العرب: العبد ثم استعمل في الحمق والذم (2) ورد في عدة أخبار في تعقيب الصلاة أن من قال بعد صلاتي الفجر والمغرب سبحان الله العظيم وبحمده لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم سبع مرات قبل أن يتكلم دفع الله عنه سبعين نوعا من البلاء كالجذام والبرص (3) الظاهر أن " لا " زائدة والصواب " أتقلب " وفي دعائم الاسلام والسرائر " وأنا لا أتقار على فراشي " من القرار وقد روي هذا التعويذ في البحار باب عوذة الحمى من كتاب الذكر والدعاء عن دعوات الراوندي عن سلمة بن أبي سلمة قال مرض أمير المؤمنين (عليه السلام) فعاده النبي (صلى الله عليه وآله) وقال إن أشد الناس بلاءا النبيون الخ (4) كنية الحمى وقد ورد ذكرها في عدة أخبار في عوذة الحمى كما في البحار في الباب المذكور

[ 451 ]

وانتقلي إلى من يزعم أن مع الله الها آخر فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله قال ففعلتها فعوفيت من ساعتي قال جعفر بن محمد (عليهما السلام) ما فزعت إليه قط إلا وجدته وكنا نعلمه النساء والصبيان (1) وقال الصادق (عليه السلام): كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجلس الحسن على فخذه اليمنى والحسين على فخذه اليسرى ثم يقول أعيذكما بكلمات الله التامات (كلها - خ) من شر كل شيطان وهامة ومن عين لامة ثم يقول هكذا كان إبراهيم (عليه السلام) يعوذ ابنيه إسماعيل وإسحاق وعنه (عليه السلام) إذا أردت أن تعوذ فضم كفيك واقرء فيهما فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد ثلاث مرات ثم اجعلهما على المكان الذي تجد (2) ثم ضمهما واقرأ فاتحة الكتاب وقل أعوذ برب الناس ثلاث مرات ثم ضعهما على المكان (3) وقال الصادق (عليه السلام): إذا أردت أن ترقى الجراح (4) فضع يدك عليه وقل بسم الله أرقيك والله يشفيك بسم الله الأكبر من الحديد والحجر والباب الاسم (5) والغرق (6) فلا يفتر والعين فلا يسهر تردده ثلاث مرات

(1) أي فضلا عن الرجال كما روي في طب الأئمة (عليهم السلام) أنه كان يعلم رجلا من أوليائه نحو ذلك (2) من الوجد بمعنى الوجع (3) زاد عليه في هامش نسخة (ب) " الذي تجد ثم ضمهما واقرأ فاتحة الكتاب وقل أعوذ برب الفلق ثلث مرات ثم ضعهما على الموضع " وكذا في الدعائم لكن بتقديم الفلق على الناس (4) أي من الدم أو الألم أو نحوهما مما يخاف منه (5) في الدعائم " والناب الاسمر " (6) لعل الصواب: بالعين المهملة كما في الدعائم وفيه أيضا " فلا ينعر " وعن نسخة منها " تفطر " وعلى كل فالظاهر أن المراد تعويذ الجراح من إصابة الحديدة لبرئها أو الحجر أو من قطع العرق أو فتوره أو سهر العين من وجعه والله العالم وقد روي نحوه في البحار في باب الدعاء لعموم الاوجاع من كتاب الدعاء

[ 452 ]

وقال علي (عليه السلام) من ساء خلقه فأذنوا في إذنه وعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه نهى عن السحر والنمائم فلا يجوز استعمال شيئ من ذلك على حال (1)

(1) الأخبار المذكورة هنا في كتاب الطب والاستشفاء لما كانت كثيرة ولم تكن لها صلة بمسائل الفقه اهملت عن المراجعة لها إلى مواضعها من كتب الأخبار إلا بعض ما كان مشتبها وقد أوردها في دعائم الاسلام ج 2 كتاب الطب وسرائر ابن إدريس بعد كتاب الأطعمة والأشربة ومن أراد التوسع في ذلك فليرجع البحار كتابي السماء والعالم والدعاء والوسائل بأبي الأطعمة المباحة والأشربة المباحة وأبواب الذكر والدعاء وكتاب طب الأئمة (عليهم السلام) لأبني بسطام وفي بعض ما في المتن بلفظه " قال " أو " عنه " كتب عليه في نسخة (ب) " وروي عن " عن نسخة أخرى وهذا أيضا اهملت عن نقله إلا قليلا

[ 453 ]

كتاب الدية والقصاص وما يتعلق بذلك ويلحق به " باب تحريم القتل وسفك الدماء بغير حق " قال الله تعالى: " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا " (1) وقال تعالى: " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق " (2) وقال سبحانه: " والذين لا يدعون مع الله الها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق " (3) وقال: " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالد فيها، وغضب الله عليه ولعنه واعد له عذابا عظيما " (4) وقال: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيما، ومن يفعل ذلك عدوانا فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا " (5) وعن (وروي عن سيدنا أبي عبد الله جعفر بن محمد - خ ل) الصادق عن آبائه (عليهم السلام)

(1) (2) الاسراء - 33 - 31 (3) الفرقان - 68 (4) (5) النساء 93 - 29 و 30

[ 454 ]

عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: إن في جهنم واديا يقال له: سعير إذا فتح ذلك الوادي ضجت النيران منه، أعده الله تعالى للقاتلين (1) وقال: (وروي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال خ ل) أعيى (2) الناس على الله من قتل غير قاتله، أو ضرب غير ضاربه، أو تولى غير مواليه، أو ادعى إلى غير أبيه وروي عنه أنه (صلى الله عليه وآله)، خطب الناس يوم النحر بمنى فقال: أيها الناس لا ترجعوا بعدى كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلى يوم يلقون ربهم، فيحاسبهم. إلا، هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد (3)

(1) مستدرك الوسائل الباب 1 من القصاص وفيه " للقتالين " (2) الصواب " أعتى " من العتو بمعنى الطغيان والتجبر وقد ورد الخبر كذلك بعدة أسانيد عن الأئمة (عليهم السلام) وفي أكثرها أنه وجد ذلك مكتوبا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قائم سيفه والمذكور فيها هو الأولان وزاد في بعضها، ومن والى غير مواليه فقد كفر بما أنزل الله وفي ثالث مكان ذلك ومن ادعى لغير أبيه فهو كافر بما أنزل الله ولم اجد ما ورد فيه الأربعة المذكورة كما في المتن إلا في الدعائم ج 2 كتاب الديات (3) رواه في تاريخ اليعقوبي ومغازي الواقدي في باب حجة الوداع في ضمن خطبة يوم النحر بتقديم قوله (صلى الله عليه وآله) إنما أمرت الخ على الجملة الأولى ونحوه في تفسير علي بن إبراهيم عند قوله تعالى في سورة المائدة: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك " وروي الجملة الأولى بدون الثانية في تحف العقول في خطبته (صلى الله عليه وآله) وصحيح البخاري باب حجة الوداع ومسلم الباب 29 من الايمان كما روي الجملة الثانية على حدة كثيرا في كتب الخاصة والعامة كما في البحار الباب 24 من كتاب الايمان وصحيح مسلم الباب 8 منه وفي بعضها إضافة شهادة أني رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي بعضها أنه قال ذلك لعلي (عليه السلام) في فتح خيبر أيضا

[ 455 ]

وروي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه أتي بقتيل وجد بين دور الأنصار، فقال: هل يعرف؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: لو أن الأمة اجتمعت على قتل مؤمن أكبها الله في نار جهنم (1). وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال: من الكبائر، قتل المؤمن عمدا، والفرار من الزحف، واكل الربا بعد البينة، واكل مال اليتيم ظلما والتعرب بعد الهجرة، ورمى المحصنات الغافلات المؤمنات (2) وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه مر بقتيل، فقال من هذا (3) فلم يذكر له أحد، فغضب ثم قال: والله الذي نفسي بيده لو اشترك فيه أهل السماء والأرض لأكبهم الله في النار وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: دماؤكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا وفي بلدكم هذا (4) * * *

(1) دعائم الاسلام ج 2 كتاب الديات والظاهر أنه الخبر التالي بلفظ آخر (2) بهذا المعنى أخبار كثيرة في الوسائل الباب 46 من أبواب جهاد النفس كتاب الجهاد (3) في نسخة (ب) من لهذا أي من قتله كما فيما رواه في الوسائل الباب 2 من القصاص بمضمونه مفصلا فلا منافاة وبين ما مر (4) ورواه في الكافي كما في الوسائل الباب 1 من القصاص بإسنادين عن الإمام الصادق (عليه السلام) عنه (صلى الله عليه وآله) في خطبته بمنى في حجة الوداع ونحوه في البخاري باب حجة الوداع من المغازي وصحيح مسلم باب حجته (صلى الله عليه وآله) من كتاب الحج وغيرهما من كتب الخاصة والعامة حيث رووه بأسانيد وفي بعضها زيادة " وإعراضكم " كما في خصال الصدوق عليه الرحمة في أبواب الاثنى عشر وصحيح مسلم في الباب 9 من كتاب القسامة وزاد في رواية الكافي بإسناديه إلا من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه فإنه لا يحل دم امرء مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه.

[ 456 ]

" باب أقسام القتل " " وتفصيل ما فيه من الدية وأحكام ذلك " القتل على ثلاثة أضرب: عمد محض، وخطاء محض، وخطاء شبيه العمد. فأما العمد المحض: فإن يكون القاتل عامدا في قتل المقتول، بآلة تقتل غالبا مثل السكين والسيف، والحجر الثقيل، واللت (1)، وما أشبه ذلك، عامدا في قصده وهو أن يقصد بذلك قتله. فإذا كان عامدا في قصده، عامدا في فعله، كان القتل عمدا محضا. وأما الخطاء المحض، فهو القتل الذي لا يشبه شيئا من العمد بأن يكون مخطئا في فعله، مخطئا في قصده، مثل أن يرمي طائرا فيصيب انسانا، فقد أخطأ في الأمرين جميعا. وأما ما يشبه العمد، وهو عمد الخطاء، فهو أن يكون عامدا في فعله مخطئا في قصده، فأما عمده في فعله فهو أن يعمد إلى ضربه بآلة لا تقتل غالبا، مثل عصا الخفيفة، والسوط، وما أشبه ذلك، وأما الخطاء فإنه يكون قصده تأديبه وتعليمه وزجره فيموت بذلك. فهو عامد في فعله، مخطئ في قصده. فأما القتل العمد، ففيه القود، أو الدية، وقبول الدية، أولى عن الهاشمي (2)

(1) باللام المفتوحة والتاء المثناة: القدوم والفاس العظيمة وهي فارسية (أقرب الموارد) (2) كذا في الأصل وهامش نسخة (ب) تصحيحا وظاهره اختصاص أولوية قبول الدية بما إذا كان القاتل هاشميا وظاهر قوله تعالى: " فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان "، عدم الاختصاص للتعبير فيه بالعفو المرغوب إليه وبالأخ الظاهر في أن عفوه لأجل اقتضاء الأخوة ولعل مراد المصنف أنه في الهاشمي آكد لتأكد احترامهم وفضل صلتهم والاحسان إلى مسيئهم بقرابتهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى كل لم ار لذلك تعرضا فيما راجعته عاجلا من بعض كتب الأصحاب كما أن بعض نسخ المتن خال عن ذكر الهاشمي.

[ 457 ]

" وأما الدية فينقسم بانقسام القتل " فدية العمد المحض: إذا كان القاتل من أصحاب الذهب، ألف دينار جياد. وإن كان من أصحاب الفضة، فعشرة آلاف درهم جياد. وإن كان من أصحاب الإبل فمائة مسنة. قيمة كل واحدة منها عشرة دنانير. أو ماتا مسنة من البقر، إن كان من أصحاب البقر. قيمة كل واحدة منها خمسة دنانير. أو ألف شاة، إن كان من أصحاب الغنم. قيمة كل واحد منها دينار واحد. أو مأتا حلة، إن كان من أصحاب البز (1) قيمة كل حلة خمسة دنانير. فهذه دية الحر المسلم، صغيرا كان أو كبيرا، ودية المرأة الحرة المسلمة، النصف من ذلك، صغيرة كانت أو كبيرة. فأما غير من ذكرناه من العبد، والذمي وغيرهما فسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى. ودية العمد تجب في مال القاتل، دون غيره من جميع الناس، فإن لم يكن له مال، لم يكن لأولياء الدم إلا نفسه، فإما أن يقيدوا بصاحبهم، وإما أن يعفوا عنه، أو ينظروه حتى يوسع الله تعالى عليه فإن تبرع إنسان عنه بالدية، كان جائزا. وإن هرب القاتل ولم يقدر عليه حتى مات، وكان له مال أخذت الدية من ماله، فإن لم يكن له مال، أخذت من الأقرب فالأقرب من أوليائه المستحقين لميراث دينه، ولا يجوز أن يؤخذ هؤلاء بالدية مع وجود القاتل. وقاتل العمد تجب عليه التوبة، وليس يصح منه إلا بعد أن يسلم نفسه إلى أولياء المقتول، ويعترف بالقتل فإن شاؤا بعد ذلك أقادوه بصاحبهم، وإن شاؤا عفوا عنه، وقبلوا منه الدية، أو صالحوه على ما يرضون. فإن لم يقيدوه بصاحبهم كان عليه بعد التوبة، الكفارة وهي. عتق رقبة، وصوم شهرين متتابعين، واطعام ستين مسكينا على الجمع. وأما دية قتل الخطاء فواجبة على عاقلة القاتل، الذين يرثون ديته، ولا يجب

(1) بالباء الموحدة وتشديد الزاء المعجمة: الثياب (القاموس)

[ 458 ]

على من لا يرثها شيئ. وذكر بعض أصحابنا (1) أن لهذه العاقلة الرجوع بها على مال القاتل إن كان له مال، فإن لم يكن له مال لم يكن لهم عليه شيئ، وإن كان للقاتل مال ولم يكن للعاقلة مال كانت الدية في مال القاتل فإذا لم يكن للقاتل خطئا مال، ولا عاقلة، ولا ضامن جريرة من مولى نعمة، أو مولى تضمن جريرة، كانت الدية على بيت المال. ولا يجب على العاقلة من دية الخطاء إلا ما قامت البينة به، فأما ما يقر القاتل به أو يصالح عليه، فليس عليهم منه شيئ. وأما الدية في قتل الخطاء، فهي ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، أو مأة من الإبل. عشرون منها بنت مخاض، وعشرون ابن لبون ذكر، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة. وروي (2) أن فيها خمسة وعشرين بنت مخاض، وخمسا وعشرين بنت لبون، وخمسا وعشرين حقة، وخمسا وعشرين جذعة، أو مأتان من البقر، ألف شاة، أو مأتا حلة، كما سلف ذكره في قتل العمد. ودية العمد تستأدى في سنة واحدة، ودية الخطاء، تستأدى في ثلاث سنين. ودية قتل الخطاء شبيه العمد تجب على القاتل في ماله، فإن لم يكن له مال استسعى فيها، أو يبقى في ذمته حتى يوسع الله عليه فإن هرب القاتل أو مات وكان له من الاولياء من يرث ديته، أخذت منه، فإن لم يكن منهم أحد حيا، كانت واجبة في بيت مال المسلمين. والدية في ذلك مغلظة (3)، ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، أو مأة من

(1) المفيد في المقنعة: قال وترجع العاقلة على القاتل فإن كان له مال أخذت منه ما أدت عنه وإن لم يكن له مال فلا شئ لها عليه.
(2) الوسائل الباب 1 و 2 من ديات النفس (3) أي من حيث أسنان الإبل وأوصافها فإنها أعلى مما مر في الخطاء المحض ومن حيث الأداء فإنه في سنة واحدة كالعمد

[ 459 ]

الإبل: ثلاث وثلاثون ببنت لبون، وثلاث وثلاثون حقة، واربع وثلاثون خلفة (1) كلها يتمخض من أولادها، أو مائتان من البقر " أثلاثا أيضا " أو ألف شاة مثل ذلك، أو مأتا حلة. وقد ذكر بعض أصحابنا (2) أن هذه الدية تستأدى في سنتين. ويجب على قاتل الخطاء محضا كان أو شبيه العمد، الكفارة وهي: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. فإن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا فإن لم يقدر على ذلك أيضا يتصدق بما يتمكن منه، أو صيام (صام - خ ل) ما يقدر على صيامه. وإذا قتل الإبن أباه عمدا، قتل به، وإن قتله خطاء كانت الدية على عاقلته، وليس له (3) منها شيئ. وإذا قتل الأب ابنه عمدا، لم يقتل به، وكان عليه الدية في ماله، ويكون الدية لورثته خاصة، فإن لم يكن وارث غير أبيه القاتل، كانت الدية لبيت المال. وإن كان قتله خطاء محضا، كانت الدية على عاقلته، يأخذها الورثة منهم، وليس للقاتل منها شيئ، فإن لم يكن له وارث إلا أبوه القاتل وحده، فإنه لا دية على العاقلة، فيسقط هاهنا على كل حال. وأما إن كان قتله خطاء شبيه العمد، فإن الدية تكون في ماله خاصة وتكون

(1) بفتح الخاء وكسر اللام أي الحامل كما هو المعروف من معناه وذكر في المبسوط أنه قيل هي التي يتبعها ولدها وظاهر المصنف هو الأول وإن قوله يتمخض من أولادها تفسير لها أي تحمل بالأولاد حيث أنه يقال للابل الحامل أو الحوامل مخاض مضافا إلى وصفها بطروقة الفحل في بعض النصوص (2) المفيد رحمه الله في المقنعة (3) أي لا يرث الإبن من هذه الدية وفي نسخة (ب) " وليس عليه " وكأنه خطاء.

[ 460 ]

لورثته خاصة، وليس للقاتل منها شيئ، فإن لم يكن له وارث إلا الأب القاتل وحده، كانت الدية عليه لبيت المال. وإذا قتل الانسان عمدا ولم يكن له ولي، كان الإمام (عليه السلام) ولي دمه. إن أراد أقاد القاتل بالمقتول. وإن أراد أخذ منه الدية، فجعلها في بيت المال، وليس له العفو عنه على حال، لأن ديته لبيت المال كما أن ديته عليه (1) فإذا قتل خطاء أو شبيه العمد، ولم يكن له أحد، كان للامام (عليه السلام) أخذ ديته، وليس له غير ذلك. وإذا أعفى ولي الدم عن الدم، لم يكن له المطالبة بعد ذلك به. فإن قتل القاتل بعد ذلك كان ظالما، وكذلك إن قبل الدية ثم قتله بعد ذلك عمدا كان ظالما له ووجب القود عليه. وإذا تكافأت دماء اثنين واستوت حرمتهما، جاز قتل أحدهما بالآخر، فيقتل الحر بالحر، والحرة بالحرة، والحرة بالحر، والحر بالحرة إذا ردوا فاضل الدية. ويقتل العبد بالعبد، والأمة بالأمة، والأمة بالعبد، والعبد بالأمة (2)، والنصراني باليهودي، واليهودي بالنصراني، والمجوسي بالنصراني واليهودي، والنصراني أو اليهودي بالمجوسي. والشرك كله ملة واحدة.

(1) يعني لو كان جنى في حياته ولم يكن له عاقلة ولا مال كان ما وجب عليه من الدية على بيت المال كما مر وقد ورد ذلك في النص تعليلا لعدم جواز العفو المذكور والظاهر أن المراد بالامام هنا وفي سائر أبواب الحدود ونحوها المذكور في النصوص وكلمات الفقهاء ليس هو الإمام المعصوم من أوصياء الرسول (عليهم الصلاة والسلام) بل السلطان الوالي لامور المسلمين المسمى بالحكومة في العرف الحاضر وإن كانوا متغلبين وهذا ظاهر من النصوص الواردة في بيان الوظيفة لهم في هذه الأمور كما ذكرناه في كتاب إحياء الموات وإلا لم يكن لذكر الخلاف هنا عن ابن إدريس وغيره في أمثاله وجه (2) ظاهره عدم وجوب رد فاضل القيمة كما عن غيره وفيه خلاف

[ 461 ]

وإذا قتل المسلم كافرا، لم يقتل المسلم به. وإذا قتل الكافر كافرا واسلم القاتل، لم يقتل بالمقتول. وإذا قتل الحر عبدا. لم يقتل به. سواء كان عبد نفسه أو عبد غيره، فإن كان عبده، كان عليه التعزير والكفارة. (1) وإذا كان عبد غيره، كان عليه مع التعزير والكفارة، قيمة العبد لسيده. وإذا قتل عبد عبدا، كان لسيد المقتول، القود وهو مخير بين ذلك وبين العفو، فإن قتل فقد استوفى حقه، وإن عفى على مال، تعلقت قيمة المقتول برقبة القاتل، وسيده مخير بين أن يفديه وبين تسليمه للبيع، فإن فداه فقد أخذ سيد المقتول حقه، وإن سلمه للبيع وبيع بما يكون وفقا لقيمة المقتول وأخذه سيده فذاك حقه، وإن بيع بأقل من قيمة المقتول، لم يكن على سيده غير ذلك. وإن بيع بأكثر كان الفاضل لسيده. وإذا كانت قيمته أكثر وأراد سيده أن يفيده، كان له ذلك. وإن أراد تسليمه للبيع كان ذلك له أيضا، فإن فداه جاز ذلك. وإن سلمه للبيع وأمكن أن يباع منه بقدر ما تعلق برقبته كان الباقي لسيده. وإن لم يكن إلا ببيع جميعه. بيع جميع ذلك وأخذ من قيمة أرش الجناية ويكون الباقي لسيده. وإذا قتل عبد عبدين لإثنين، لكل واحد منهما عبد: فإن عفوا على مال، تعلق برقبته قيمة كل واحد منهما، ويكون سيده مخيرا على ما تقدم ذكره. ودية العبد قيمته ما لم يزد على دية الحر، فإن زادت قيمة أحدهما على ذلك ردت إلى دية الحر. وإذا تداعى رجلان لقيطا لم نلحقه بواحد منهما إلا بالقرعة، فإذا أقرعنا بينهما الحقناه بمن خرجت القرعة له. وإن قتلاه قبل الحاقه بأحدهما، لم يكن على واحد منهما قود، لأن كل واحد منهما يجوز أن يكون هو أباه. فإن رجعا عن الاعتراف به.

(1) وفي بعض الأخبار يغرم قيمة العبد ويتصدق بها عنه وحكاه في جواهر الكلام عن أكثر الأصحاب منهم المصنف وفي خبر آخر تؤخذ منه وتجعل في بيت مال المسلمين.

[ 462 ]

لم يقبل رجوعهما، لأنه قد حكم بأن أحدهما أبوه فلا يقبل رجوعه. فإن رجع أحدهما وأقام الآخر على اعترافه ثبت نسبه من المعترف وانتفى عن المنكر، لأنهما قد اتفقا على أن هذا أبوه، فحكمنا بقولهما: إن أحدهما أبوه باعترافهما وسقط الآخر. فأما أبوه فلا قود عليه، وعليه لوارث الولد نصف الدية. وأما الآخر، فهو أجنبي شارك الأب في قتل ولده، فعليه القود بعد أن يرد على ورثته نصف الدية، فإن عفى عنه سقط عنه القود وكان عليه نصف الدية. وعلى كل واحد منهما، الكفارة، لأنهما اشتركا في قتله. وإذا كان لرجل زوجة وله منها ولد فقتل هذا الرجل هذه الزوجة، ورثها ولده، ولم يرثها هو لأنه القاتل لها، ولم يرث الولد، القصاص من أبيه، لأنه لو قتله أبواه (1) لم يملك القصاص عليه. فإن كانت هذه الزوجة، لها مع ولدها منه ولد من غيره، فقتلها، ورث ولدها منه وولدها من غيره التركة دون الزوج، ويسقط عن الزوج القصاص، لأن أحد ورثتها ولده ولا يرث القصاص عليه، وله (2) القصاص بعد أن يرد نصيب ولدها منه، وأما الدية فواجبة عليه للولدين، لولده منها النصف، وللآخر النصف. فإن كانت هذه الزوجة لا ولد لها منه، ولها ولد من غيره، وقتلها، لم يرثها وورثها ولدها من غيرها، وورث القصاص على زوج أمه (3)، لأن زوج أمه لو قتله قتل به. وإذا قتل جماعة واحدا كان لولي الدم قتلهم به، إذا رد فاضل الدية فإن أراد واحدا منهم دون الباقين، كان له ذلك، ورد الباقون على أولياء المقاد منه ما يصيبهم من الدية.

(1) كذا في النسخ الموجود والظاهر أن الصواب " أبوه " لمكان ضمير المفرد في " عليه " مضافا إلى أن ظاهر المصنف فيما مر اختصاص نفي القصاص بقتل الأب لولده دون الأم وهو المعروف بين الأصحاب ولم يحك خلافه إلا عن ابن الجنيد (2) أي الولد الآخر (3) بعد رد نصف ديته على ورثته كما مر في قتل الحر بالحرة

[ 463 ]

وإذا جرح واحد. غيره مأة جراحة، وجرحه آخر جراحة واحدة. فمات المجروح، كانا جميعا قاتلين له، وكان عليهما القود. والولي مخير بين قتلهما جميعا وبين العفو عنهما ويأخذ من كل واحد منهما نصف الدية فيرد على أولياء المقاد منه وإذا قطع إنسان يد غيره، وقطع آخر رجله، وأوضحه ثالث (1)، فسرى إلى نفسه، كان جميعهم قاتلة (قتلة له خ ل) وكان وليه مخيرا بين أن يقتص أو يعفو عنه. فإن اقتص كان له أن يقتص في الجرح، (الجراح - خ ل)، فيقطع القاطع ثم يقطعه (2) ويوضح الذي أوضحه ثم يقتله. فإن عفى عن الجميع. أخذ الدية أثلاثا، وإن عفى عن كل واحد (3) على ثلث الدية، كان له قتل الآخرين إذا رد فاضل الدية. وإذا قتل الصبي والمجنون انسانا لم يكن عليهما قود، فإن اختلف ولي المقتول والصبي بعد بلوغه. فقال وليه: قتلته وأنت بالغ وعليك القود، وقال الصبي: بل قتلته وأنا صبي، فليس على الصبي قود، كان القول قود الجاني، لأن الأصل الصغر حتى يعلم زواله. فإن اختلف هو والمجنون، فإن كان يعرف له حال جنون، كان القول قول الجاني مع يمينه، لأنه أعلم بوقته. وإن لم يعرف له حال جنون، كان القول قول الولي، لأن الأصل صحته وسلامته حتى يعلم أنه مجنون

(1) أي جرحه جرحا أوضح العظم وأظهره.
(2) كذا في النسخ والصواب " ثم يقتله " كما في المبسوط وحكاه في المختلف عن المصنف وإنه الموافق لما بعده والوجه في هذا الحكم أنه كما ينسب القطع والقتل أو الجرح والقتل إلى هؤلاء الثلاثة جاز لولي المقتول أن يفعل بهم ذلك وفيه أن القتل هنا بسبب القطع أو الجرح فيقال قتله بذلك فيدخل قصاصهما في قصاصه كما في موضع آخر من المبسوط وعزاه في المختلف إلى المشهور نعم لو قتله بعدهما بسبب آخر كان الوجه ما ذكر ثم أن جواز قتل الثلاثة إنما هو بعد رد فاضل الدية كما ذكره في آخر هذا الفرع.
(3) أي عن واحد منهم أيا كان.

[ 464 ]

وإذا أضرم إنسان نارا، والقى فيها انسانا، ولم يمكنه الخروج منها حتى مات، كان عليه القود. فإن كان يمكنه الخروج والتخلص منها، فلم يخرج ولا خلص نفسه منها حتى مات، لم يجب على الملقى له فيها قود، لأنه أعان على نفسه. فإن ألقاه في لجة بحر، فمات، كان عليه القود (1). فإن ألقاه في لجة، فالتقمه حوت قبل وصوله إلى الماء، كان عليه القود، لأنه أهلكه بنفس الالقاء، لأنه لو لم يأخذه الحوت، كان هلاكه فيه، فكان الحوت اهلكه (ابتلعه خ ل) بعد أن حصل ما فيه هلاكه. وقول من يقول: إنه ما اهلك بالالقاء، وإنما هلك بشئ آخر، وهو التقام الحوت قبل هلاكه له: غير صحيح، لأنه لو كان ذلك صحيحا، لكان إذا وصل إلى ماء، ثم التقمه الحوت قبل هلاكه، أن يكون ما هلك بالالقاء وإنما هلك بالتقام الحوت له صحيحا، ولا يحكم عليه بقود، فقد علم خلاف ذلك (2). وإذا جنى إنسان على غيره جناية جعله بها في حكم المذبوح، مثل إن قطع حلقومه ومريه (3) أو أبان خيشومه وأمعاه، وجاء آخر فقده بنصفين أو ذبحه، كان الأول هو القاتل، وعليه القود. والثاني غير قاتل، وعليه التعزير، لأن الأول جعله في حكم المذبوح، لأن الحياة التي فيه غير مستقرة. والثاني يلزمه دية ميت.
(4) وإذا قطع الصبي يد بالغ، وبلغ الصبي، وسرى القطع إلى نفس البالغ لم يكن على الصبي قود. وكذلك الحكم إذا قطع مسلم يد نصراني له ذمة، ثم

(1) إذا لم يمكنه الخروج لما مر في الالقاء في النار.
(2) في هذا الفرع من قوله: فإن ألقاه في لجة بحر في نسخة الأصل اسقاط لما لا يلتئم بدونه الكلام وما اثبت هنا مأخوذ مما في هامش نسخة (ب) تصحيحا.
(3) بفتح الميم وتشديد الياء كأمير مجرى الطعام والشراب.
(4) وهي مأة دينار في الذبح ولعله في القد كذلك وظاهر المتن أن هذا لا يسقط التعزير.

[ 465 ]

أسلم، وسرت الجناية إلى نفسه وهو مسلم، فمات. أو قطع حر يد عبد، ثم أعتق العبد، وسرت الجناية إلى نفسه، سواء في أنه لا قود في ذلك، لأن التكافؤ إذا لم يكن حاصلا في وقت القطع وكان موجودا في وقت السراية، لم يثبت القود في القطع ولا السراية. فإذا كان كذلك، ولم يلزم فيما ذكرناه قود، كان فيه الدية، لأن الجناية إذا وقعت مضمونة، كان الاعتبار بأرشها في حال الاستقرار. يدل على ما ذكرناه أنه لو قطع يدي مسلم ورجليه، كان فيه ديتان، فإن سرى ذلك إلى نفسه كان فيه دية واحدة. ولو قطع اصبعا واحدة كان فيه عشر الدية، فإن صارت نفسا. كان فيه الدية، اعتبارا بحال الاستقرار، كما قدمناه. وإذا قطع يد مرتد، ثم أسلم ومات، أو حربي فاسلم ثم مات، وكان القطع في حال كفره، والسراية في حال اسلامه، لم يجب هاهنا قود، لما تقدم ذكره، فالدية لا تجب هاهنا، لأن الجناية إذا لم تكن مضمونة، لم تكن سرايتها مضمونة. وإذا رمى مسلم عبدا بسهم، فاعتق، ثم أصابه السهم فقتله. (أو نصرانيا، فاسلم، ثم أصابه السهم فقتله. أو مرتدا، فاسلم، ثم أصابه السهم فقتله) (1) لم يجب في شيئ من ذلك قود، لما تقدم ذكره، ولأن الاعتبار بالقصد إلى تناول نفس مكافئة حين الجناية، وحين الجناية هو الإرسال للسهم فالتكافؤ غير موجود حينئذ، فلا قصاص في ذلك، وفيه دية مسلم، لأن الاصابة حصلت وهو محقون الدية (2)، فكان مضمونا بالدية. فإن رمى حربيا بسهم، فاسلم، ثم أصابه السهم فقتله، لم يكن عليه قود، وعليه الدية، وليس بينه وبين ذلك في المرتد فرق، لأن الاصابة صادفته وهو محقون الدم، فكان عليه لذلك الدية. وإذا قطع المسلم يد مسلم، وارتد المقطوع وسرت الجناية إلى نفسه فمات،

(1) ما بين القوسين موجود في هامش نسخة (ب) تصحيحا. (2) لعل الصواب " محقون الدم " كما في الفرع التالي.

[ 466 ]

فإن عاد إلى الاسلام قبل أن يحصل السراية (1)، كان عليه القود، لأن الجناية وكل السراية قد حصلت في حال التكافؤ، وإن عاد إلى الاسلام بعد أن أقام على الردة مدة سرت الجناية فيها، لم يكن فيه قود، لأن القصاص إنما يجب بالقطع وكل السراية يبين ذلك أنه لو قطع مسلم يد مسلم، فارتد المقطوع، ثم مات وهو على ردته لم يكن عليه قود، ولو قطع يد مرتد فاسلم المرتد ومات وهو مسلم لم يكن فيه قود أيضا ولو قطع يده خطاء، ثم ارتد، وعاد إلى الاسلام ومات، فإن كان اسلامه حصل قبل أن يحصل للجناية سراية في حال الردة، كان عليه الدية، لأنها جناية مضمونة سرت إلى النفس وهي مضمونة، واعتبار الدية بحال الاستقرار، وهو في حال الاستقرار مسلم. وإن أقام على الردة مدة تحصل فيها السراية واسلم، كان عليه الدية، لأن الجناية إذا كانت مضمونة، كان الاعتبار فيها بحال الاستقرار، وحال الاستقرار هو حي مسلم، فكانت الدية لازمة، لأنه قد وجد الكمال في الطرفين. فإن كانت هذه الجناية وقعت على مرتد، ومات وهو مرتد، لم يلزم في ذلك قود، ولا دية، ولا كفارة. فأما المسلم الذي ارتد، ثم عاد إلى الاسلام، ومات وهو مسلم، فإن الكفارة تجب على القاطع له، سواء أقام على ردته مدة سرت فيها الجناية إلى نفسه، أو لم يقم ذلك، لأن الكفارة تلزم بقتل النفس التي لها حرمة، والقاتل قد قتل نفسا لها حرمة، لأن الحرمة موجودة في الطرفين، حال الجناية، وحال السراية. وإذا أمر الإمام غيره بقتل إنسان، لم يكن على القاتل المأمور بالقتل قود، ولا أثم، ولا غير ذلك. لأن الإمام لا يأمر بقتل إنسان وهو غير مستحق (إلا وهو مستحق - خ ل) للقتل. فإن أمر خليفة الإمام غيره بقتل إنسان لغير استحقاق، وكان المأمور عالما بذلك

(1) كان المراد بالسراية بلوغ الجرح حدا يكون سببا للموت ولو بعد زمان فإذا كان في أوله خفيفا لا يموت به لا يكون سراية إلا بعد أن تحصل فيه شدة توجب الموت فبهذا يمكن فرض حصول الاسلام قبل السراية وبعدها قبل الموت.

[ 467 ]

لم يجز له قتله، لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. (1) فإن خالف وقبل منه في قتل المأمور بقتله، كان على هذا القاتل، القود والكفارة، ولا قود على الأمر له بذلك ولا كفارة، وهو آثم بما فعل من الأمر. فإن كان المأمور يعتقد أن قتله حق، وإن الإمام وخليفته لا يقتل إلا بالحق، وأن طاعته فيما أمره به واجبة. كان عليه أيضا القود، لأنه هو المباشر للقتل، دون الآمر (2) فإن أكرهه فقال له: إن قتلته وإلا قتلتك، لم يجز له قتله وإن كان خائفا، لأن قتل المؤمن لا يجوز استباحته بالاكراه على قتله، فإن خالف وقتل، فقد آثم بقتل نفس يحرم قتلها، وكان عليه القود. وإذا جرح المسلم نصرانيا، ثم ارتد المسلم، ثم سرت الجناية إلى نفسه فمات، لم يكن على المرتد قود، لفقد التكافؤ في حال الجناية. باب قتل الإثنين أو أكثر منهما بواحد أو الواحد لإثنين أو أكثر منهما إذا قتل اثنان أو أكثر منهما واحدا عمدا، كان ولي الدم مخيرا بين أن يقتل منهم واحدا، ويرد الباقون على وارثه مقدار ما كان نصيبهم، لو طولبوا بالدية وبين أن يقتلهما جميعا، بعد أن يؤدي إلى ورثة المقادين ما يفضل عن دية صاحبهم

(1) أورده شيخنا الصدوق عليه الرحمة في كتاب من لا يحضره الفقيه في آخر أبوابه من جملة ألفاظ رسول الله (صلى الله عليه وآله) الموجزة التي لم يسبق إليها واورده السيد الرضى رحمه الله في باب الحكم من نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وورد أيضا عن غيرهما في عدة أخبار لا يهمنا نقلها هنا. (2) نعم لكنه معذور في اعتقاده فهو بحكم الخطاء وحكي في المختلف عن الخلاف أنه إذا لم يكن للمأمور طريقا إلى العلم بحرمة قتله كان القود على الآمر ثم قال وهذا عندي جيد

[ 468 ]

يتقاسمونه بينهم بالسوية. وإذا قتل اثنان واحدا بسيفين أو ضربتين مختلفين، فيكون القتل حادثا عن ضربهما، كان الحكم فيهما ما تقدم سواء. فإن كان قتلهما خطاء، كانت الدية على عاقلتهما بالسوية. وإذا اشترك اثنان في قتل إنسان، فقتله واحد منهما، وأمسكه الآخر، قتل القاتل، وحبس الممسك في السجن حتى يموت، ويضرب في كل سنة خمسين سوطا وإن كان معهما من ينظر إليهما سملت عيناه. فإن قتلت امرأتان رجلا عمدا، قتلتا به جميعا، فإن قتله منهن أكثر منهما، كان لولي الدم قتلهن كلهن، ويؤدى ما يفضل عن دية صاحبه، إلى أوليائهن يقتسمونه بينهن بالحصص. فإن كان قتلهن له خطاء كانت الدية على عاقلتهن بالسوية. فإن قتل رجل وامرأة رجلا، كان لأولياء الدم قتلهما جميعا، ويردوا إلى أولياء الرجل نصف ديته. (فإن اختاروا قتل المرأة، كان لهم ذلك. ويأخذون نصف الدية. وإن اختاروا قتل الرجل، كان لهم ذلك، وترد المرأة على أولياء الرجل نصف ديتها) (1) فإن أراد أولياء الدم الدية، كان نصفها على الرجل، ونصفها على المرأة وإذا كان قتلهما خطاء كانت الدية على عاقلتهما نصفين بالسوية. وإذا قتل رجل حر ومملوك رجلا حرا عمدا، كان أولياء المقتول مخيرين

(1) ما بين القوسين من زيادات هامش نسخة (ب) تصحيحا (2) هذا الفرع ذكرهما الشيخان في المقنعة والنهاية كذلك ولعله كان منصوصا عندهما كما هو المعمول به غالبا في الكتابين وإلا فظاهره خلاف القاعدة المسلمة بل استغربه في جواهر الكلام ويمكن تأويله بأن المراد بقتل الحر القاتل ما إذا دفع إلى ورثته نصف ديته ولم يذكره تعويلا على ما ذكره كما مر نظيره وأن المراد بأداء ثمن المملوك إلى سيده أداء مقدار يخصه منه وهو نصفه أو ما زاد على نصف دية المقتول وأن المراد بأداء سيد المملوك نصف الدية إلى ورثته، أدائه إلى ورثة المقتول لا الحر القاتل على ما يظهر منه بدءا

[ 469 ]

بين أن يقتلوهما ويؤدوا إلى سيد المملوك ثمنه، وبين أن يقتلوا الحر، ويؤدى سيد المملوك إلى ورثته نصف الدية، أو يسلم المملوك إليهم، فإن اختاروا استرقاقه، استرقوه، وأن اختاروا قتله، قتلوه. وليس لسيد المملوك على الحر سبيل. فإن اختاروا الدية، كانت على الحر وعلى سيد العبد نصفين، أو يسلم السيد المملوك إليهم، فيكون رقا لهم، ويؤخذ من الحر نصف الدية، فإن كان قتلهما له خطاء، كان نصف الدية على عاقلة الرجل، والنصف الآخر على سيد المملوك، أو يسلمه إلى أولياء الدم يسترقونه، ولا يجوز لهم قتله. وإذا قتلت امرأة ومملوك رجلا حرا، واختار أولياء الدم قتلهما جميعا، كان لهم ذلك، فإن كانت قيمة المملوك أكثر من خمسة آلاف درهم، كان لهم أن يردوا على سيد المملوك الفاضل عن خمسة آلاف درهم. فإن اختاروا أن يقتلوا المرأة ويأخذوا المملوك كان لهم ذلك إلا أن تكون قيمة المملوك أكثر من خمسة آلاف درهم فعليهم أن يردوا على سيد المملوك، الفاضل من خمسة آلاف درهم، ويأخذوا المملوك ويفتديه (1) سيده، فإن كان قيمة المملوك أقل من خمسة آلاف درهم، لم يكن لهم غير نفسه. فإن طلبوا الدية، كان لهم ذلك، ويكون على المرأة نصفها، وعلى سيد المملوك، النصف الآخر، أو يسلمه إليهم. فإن اشترك جماعة من الممالك في قتل رجل حر عمدا، كان لأولياء الدم قتلهم جميعا، وعليهم رد ما يفضل عن دية صاحبهم، فإن نقص ثمنهم عن ديته، لم يكن لهم سبيل على مواليهم. فإن اختاروا الدية، كانت على مواليهم بالحصص، أو يسلموا المماليك إليهم. فإن كان قتلهم خطاء، كانت الدية على ساداتهم، أو يسلموا المماليك إليهم يسترقونهم، ولا يجوز لهم قتل واحد منهم. وإذا قتل رجل عمدا، رجلين أو أكثر منهما، واختار أولياء الدم، القود، لم يكن لهم غير نفس القاتل، ولم يكن لهم سبيل على شيئ من ماله، ولا وارثه، ولا عاقلته

(1) الصواب " أو يفتديه "

[ 470 ]

وإن اختاروا الدية، (1) كان لهم عن كل مقتول دية كاملة. وإن كان قتله لهم خطاء كان على عاقلته ديات الجميع على كمالها. وإذا قتل رجل رجلا وامرأة، أو رجالا ونساءا أو امرأتين ونساء، كان الحكم فيه وفيهم مثل ما تقدم. وإذا اشترك قوم في قتل إنسان، فطلب منهم أولياء الدم الدية، وأخذوها منهم كان على واحد منهم الكفارة وقد سلف ذكر ذلك رجلا كان أو امرأة، إلا المملوك، فإنه لا يجب عليه أكثر من صوم شهرين، فأما العتق أو الطعام، فإن ذلك لا يلزمه منه شيئ. * * * باب القصاص والشجاج وما يلحق بذلك قد تقدم القول فيما تعلق بالنفس من القصاص، فأما دون النفس، فنحن نذكر منه جملة، بمشيئة الله: قال الله تعالى: النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف (2) الآية. ففصل الأعضاء - كما ترى - ثم عم بالقول الجميع، فقال: والجروح قصاص (3) ولا خلاف في جواز القصاص في الشريعة، وليس يصح إلا بشروط وهي: التساوي في الحرية، بأن يكون المقتص والمقتص منه حرين مسلمين، أو يكون المجني عليه أكمل.

(1) ظاهر المصنف في هذه الفروع أن اختيار القصاص أو الدية في العمد لولي المقتول فلو اختار الدية وجبت على القاتل والمشهور كما قيل أن الواجب أولا هو القصاص إلا أن يصالح عنه الولي بالدية ويقبلها القاتل فراجع جواهر الكلام بحث الاستيفاء من القصاص.
(2) و (3) المائدة / 45

[ 471 ]

وأن يحصل (يكون خ ل) الاشتراك في الخاص، يمين بيمين، ويسار بيسار. لأنه لا يقطع يسار بيمين، ولا يمين بيسار. وأن تكون السلامة حاصلة، لأنه لا يقطع اليد الصحيحة باليد الشلاء. فأما ما كان في الرأس والوجه من الجراح، فليس يجب فيها القصاص إلا بشرط وهو: التكافؤ في الحرية، أو يكون المجني عليه أكمل. وجملة القول من ذلك، إنا ننظر إلى طول الشجة وعرضها، فيعتبر بمساحة طولها وعرضها. وأما الأطراف، فلا يعتبر فيها بكبر ولا صغر، يؤخذ اليد السمينة بالهزيلة، والغليظة بالرقيقة. ولا يعتبر في ذلك، المساحة، وإنما يعتبر الاسم مع السلامة، مع التكافؤ في الحرية، كما قال تعالى: وكتبنا عليهم فيها، أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن (1). فاعتبر الاسم فقط. فإذا كان كذلك، فالقصاص في الموضحة جائز بعد الاندمال، لأنها ربما صارت نفسا، واول العمل في ذلك، أن يجعل على موضع الشجة مقيسا من خيط أو عود، فإذا علم قدرها، حلق في مثل ذلك في الموضع بعينه من رأس الشجاج (2) لأن الشعر إن كان قائما لا يؤمن أن يؤخذه أكثر من الحق - فإذا حلق الموضع، جعل عليه المقياس، وخط على الطرفين خطأ يكون مغيرا إما من سواد أو غيره، حتى لا يزيد على مقدار الحق، ثم يضبط المقتص منه، لئلا يتحرك فيجني عليه بأكثر من ذلك ويكون الزيادة هدرا، لأنه هو الذي يجنى على نفسه فإذا ضبط، وضع الحديدة (3) من عند

(1) المائدة 45.
(2) الظاهر أن صواب العبارة " حلق مثل ذلك الموضع بعينه من رأس الشاج " كما في المبسوط.
(3) في متن نسخة (ب) ونسخة أخرى " الجريدة " والأول أصح وعلى كل فكان المراد بها ما اعد سابقا في المحاكم لمثل هذا القصاص كالسيف للقتل.

[ 472 ]

العلامة، ثم أوضحه إلى العلامة الأخرى: ثم إن رأس المجني عليه، (1) إما أن يتفقا في القدر والمساحة، أو يختلفا، ويكون رأس المجني عليه أصغر أو أكبر. فإن كانا متساويين، وكانت الشجة في بعض الرأس أو في كله، استوفى حسب ما قدمناه. وإن كان رأس المجني عليه أكبر، مثل أن يكون من جبهته إلى قفاه نصف شبر وشبر، والجاني شبر فقط، وكانت الموضحة في بعض رأس المجني عليه، وذلك القدر جميع رأس الجاني، فإنه يستوفي جميع رأس لا مثله (2) في المساحة، وإن كانت في جميع رأس المجني عليه، فإنه يستوفي جميع رأسه، من أوله إلى آخره، ولا يترك من الراس إلا الجبهة (3)، لأن الجبهة عضو آخر، ولا عن رأسه أيضا إلى قفاه، لأن القفا عضو آخر، ولا يوضح مكانا آخر، لئلا يصير موضحتين بموضحة واحدة. فإن كان رأس المجني عليه أصغر من رأس الجاني، أخذ قدر مساحتها (4) من رأس الجاني، إن أراد بدء من الجبهة لأنه منتهى (5) المساحة، وإن أراد بدء من القفا إلى منتهاها أيضا، لأن السمت (6) محل الاقتصاص، إلا أنه بقدر الجناية، من غير زيادة عليها، ولو أراد أن يأخذ من وسط الرأس بقدر المساحة، جاز، لأن هذا

(1) الصواب " رأس الجاني والمجني عليه " كما لا يخفى.
(2) الصواب " لأنه مثله " كما في المبسوط وكون المراد نفي المثلية بنسبة الثلثين مناف لذكر المساحة.
(3) الصواب " ولا ينزل من الرأس إلى الجبهة) كما في المبسوط وللمناسبة لما بعده أي لا ينزل الشج.
(4) أي مساحة الشجة في رأس المجني عليه.
(5) الصواب " إلى منتهى المساحة " أي مساحة الخيط المقيس به كما يدل عليه كلمة " أيضا ".
(6) أي الرأس بجميعه فهو تعليل لجواز الابتداء بهما.

[ 473 ]

السمت محل الاقتصاص. فإن أخذ قدر المساحة بغير زيادة عليها، فقد استوفى الحق، وإن زاد على ذلك، وكان متعمدا، فالزيادة موضحة يجب القود فيها، لأنه ابتداء إيضاح على وجه العمد. فإذا ثبت أنها موضحة منفردة لم يكن (1) أخذ القصاص فيها من رأسه، لأن محلها ما اندمل، لكنه يصبر إلى أن يندمل، فإذا كان ذلك، أخذ القصاص فيها في محل الاندمال. هذا إذا قال: عمدت. فإن قال: أخطأت، كان القول قوله، لأنه الجاني، فهو أعلم بحال الجناية، فإذا حلف، لزمه أرش الموضحة كاملة. وإذا شجه دون الموضحة، مثل أن شجه متلاحمة، كان فيها القود. * * * فأما الأطراف: فيجرى القصاص فيها من المفاصل، في اليدين، والرجلين، والعينين، والأذنين، والأنف، والأسنان، واللسان، والذكر. للآية. ويجب ذلك بشروط وهي: الانفاق في الحرية، والسلامة، والاشتراك في الاسم الخاص - يمين بيمين، ويسار بيسار - ولا يعتبر القدر والمساحة، بل تؤخذ اليد السمينة بالهزيلة، والغليظة بالرقيقة. للآية. وإذا كان كذلك، وقطع يده من مفصل الكوع.
(2) فيقطع يده من المفصل المذكور بعينه، ويكون المجني عليه مخيرا بين أخذ القصاص، وبين العفو على مال، فإن عفى على مال. كان فيها نصف الدية، خمسون من الإبل. فإن قطع يده من بعض الذراع، لم يكن فيها قصاص من بعض الذراع لأن نصف

(1) لعل الصواب " لم يمكن ".
(2) بضم الكاف وسكون الواو وهو هنا الزند.

[ 474 ]

الذراع ليس يمكن قطعه، خوفا من إتلافه، أو أخذ أكثر من الحق، فيكون المجني عليه مخيرا بين العفو على مال، وله دية يد وحكومة في ما زاد عليها من الذراع. وبين القصاص، فيقتص اليد من الكوع، ويأخذ حكومة فيما بقي من الذراع. فإن قطع من مفصل المرفق، فله القصاص من هذا المفصل بعينه، والمجني عليه، مخير بين العفو ويأخذ دية اليد، خمسين من الإبل، وحكومة في الساعد (1) وبين أن يقتص من المرفق. فإن قال: أنا اقتص من الكوع، وآخذ من الذراع حكومة، لم يجز له ذلك، لأنه إذا أمكنه أن يستوفي حقه أجمع قودا، لم يكن له استيفاء بعضه وأخذ حكومة فيما بقي. وهذا يفارق المسألة المتقدمة، حيث كان له القصاص في الكوع وأخذ الحكومة فيما بقي من الذراع، لأنه لا يمكنه استيفاء جميع حقه قصاصا، لأن نصف الذراع لا ينفصل له. وكذلك إذا قطع يده من مفصل المنكب، على هذا التفصيل. فإن خلع كتفه واقتلع العظم الذي هو المشط من ظهره، سأل أهل الخبرة عن ذلك، فإن قالوا: إن استيفاء ذلك يمكن قصاصا، ولا يخاف عليه الجائفة (2)، (استوفى قصاصا، لأن له حدا ينتهى إليه، فإن قالوا: ليس يؤمن عليه الجائفة)، (3) كان المجني عليه مخيرا بين العفو وأخذ دية اليد - خمسين من الإبل - وفيما يزيد على ذلك حكومة (4)، وبين أن يأخذه القصاص من المنكب، وفيما يزيد عليه حكومة. فإن قطع يدا كاملة الأصابع ويده ناقصة الإصبع، كان المجني عليه مخيرا

(1) أي الذراع وهو بين مفصل الزند والمرفق.
(2) بالجيم وهي الجراحة التي تخرق إلى الجوف.
(3) ما بين القوسين ليس في نسخة الأصل وإنما هو في هامش نسخة (ب) تصحيحا وهو الصواب كما في المبسوط.
(4) الحكومة في هذه الموارد بمعنى الأرش بأن يفرض الحر المجني عليه عبدا فيقوم صحيحا وناقصا فيؤخذ ما بينهما من التفاوت.

[ 475 ]

بين العفو على مال، وله دية اليد - خمسون من الإبل - وبين أن يقتص فيأخذ يدا ناقصة اصبعا قصاصا. وإن كانت يده شلاء، فقطع صحيحة، سئل أهل الخبرة، فإن قالوا: إن الشلاء إذا قطعت، بقيت أفواه العروق لا ينضم ولا ينحسم ولا يبرأ ولا يؤمن التلف بقطعها، لم تقطع، لأنه لا يجوز أن يؤخذ نفس بيد. وإن قالوا: إنها ينحسم ويبرأ في المقادة (1) أخذنا بها (أخذ به - خ ل)، لأنه قد رضي بأخذ ما هو أقل من حقه، فهو كالضعيفة بالقوية. وإذا قطع يدا شلاء، ويده صحيحة، لم يكن فيها قود، ويكون فيها ثلث دية اليد الصحيحة. وإذا قطع إصبع غيره، فسرت إلى كفه، فذهب كفه ثم اندملت، كان عليه بالأصبع والسراية جميعا، القصاص. وإذا قطع أطراف غيره، مثل أن يكون قطع يديه، ورجليه، وأذنيه، فله أن يأخذ دية النفس دون ما زاد عليها، وليس له أن يأخذ ثلاث ديات. وإذا ذهب ضوء العين عن (من - خ ل) الموضحة بالسراية، كان في ذلك، القصاص وإذا كان فيه القصاص، فالمجني عليه مخير بين العفو وبين استيفاء القود، فإن عفى وجبت له دية موضحة في الضوء (2)، الدية، فإن أراد القصاص، اقتص في الموضحة ثم يصبر، فإن سرى القصاص إلى ضوء العين، كان القصاص واقعا موقعه، وإن لم يسر إلى ضوء العين، كان فيه القصاص، فإن أمكنه أن يقتص الضوء (3)، كان ذلك له، وإن لم يمكنه ذلك إلا بذهاب الحدقة، لم يكن له القصاص فيه، لأن الذي يستحقه

(1) أي يحصل البرء في المقطوعة قصاصا والأظهر أن الصواب " في العادة " كما في المبسوط.
(2) الصواب " وفي الضوء " بالواو العاطفة أي تجب فيه أيضا دية وهي دية كاملة في العينين فتوى ونصا.
(3) بما يذكره في الفرع التالي.

[ 476 ]

هو الضوء، فلا يجوز أن يأخذ معه عضوا آخر (1). وإذا لطم غيره، فذهب ضوء عينه، لطم مثلها. فإن ذهب بذلك ضوء عينه، فقد استوفى القصاص، وإن لم يذهب الضوء، استوفى بما يمكن استيفاء ذلك بمثله من حديدة قد أحمى في النار (2)، أو كافور، أو دواء يذر فيها. فإن لطم غيره، وذهب ضوء عينه، وابيضت وشخصت، لطم مثلها، فإن ذهب الضوء وحصل البياض والشخوص فيها، فقد استوفى الحق، وإن ذهب الضوء، ولم يحصل البياض والشخوص، وأمكن أن يعالج بما حصل به ذلك، كان له فعله، فإن لم يتمكن ذلك لم يكن فيه شيئ (3). وإذا ذهب شعر الرأس، فلم يعد، كان فيه الدية كاملة. وكذلك شعر اللحية فأما شعر الحاجبين، فمضمون بنصف الدية، وكذلك شعر اشفار العينين. وما عدا ذلك من الشعر، ففيه حكومة. وإذا جرح غيره، ثم إن المجروح قطع من مكان الجرح لحما، وسرى ذلك إلى نفسه، (فإن كان اللحم الذي قطعه حيا، كان على الجاني القود، لأنه هلك من عمل بين أحدهما مضمون والآخر هدر) (4). فإن كان اللحم المقطوع ميتا، كان قطع هذا اللحم لا تأثير له، لأنه لا سراية فيه، وكان على الجاني، القود.

(1) فيقتصر حينئذ على أخذ الدية لا محالة.
(2) أي يقرب الحديدة المحماة إلى العين من دون أن تمس بها وقد مر إنه إذا لم يمكن ذلك لا يجوز له القصاص.
(3) ظاهره نفي الدية والحكومة معا واظهر منه عبارة المبسوط وهذا في الدية كذلك لعدم شيئ مقدر في البياض والشخوص بنفسهما وأما الحكومة فمقتضى جواز القصاص لهما بعد ذهاب الضوء من الجاني ثبوتها.
(4) ما بين القوسين من زيادات هامش نسخة (ب) تصحيحا وكذا في المبسوط وفيه " من عمدين " مكان " من عمل بين " والظاهر أن قود الجارح إنما هو إذا رد إلى ورثته نصف ديته كما في الشرائع وذلك لأجل الاشتراك.

[ 477 ]

وإذا قطع يد رجل، وفي اليد إصبعان شلاوان، وثلاث أصابع سليمة ليس فيها شيئ من الشلل، لم يلزم القاطع قود، لأن الاعتبار في لزوم ذلك في الأطراف إنما يكون بالتكافؤ فيها، واليد الشلاء لا تكافؤ الصحيحة، فإذا لم يلزم هذا القاطع قود لما ذكرناه. ورضي الجاني بأن يقطع يده بتلك اليد، لم يجز ذلك، لأن القود إذا لم يجب في الأصل لم يجز استيفاؤه بالبدل (1). وهذا يبين بالحر إذا قتل عبدا، وقال الحر: قد رضيت بأن يقتله (يقتلني - ظ) سيده، في أنه لا يجوز قتله، ولا يعتبر رضاه في ذلك، وللمجني عليه القصاص في الأصابع الثلاثة السليمة، ويكون مخيرا بين العفو والاستيفاء، فإن عفى عن القصاص، أخذ في السليمة ثلاثين من الإبل، ويأخذ في الشلاوين ثلث ديتهما صحيحتين. إذا قطع أنملة من إصبع، وكانت الأنملة هي العليا، ثم يقطع المجني عليه الأنملة التي تحتها، وسرى ذلك إلى نفسه، كان عليه القود، ولا فرق بين أن يكون المجني عليه قطع لحما حيا أو ميتا، كما ذكرناه فيما تقدم (2). وإذا قطع يدا كاملة الأصابع، ويده ناقصة اصبعين، كان المجني عليه مخيرا (فإن اختار القصاص أخذ الموجود ودية المفقود، فيأخذ دية اصبعين - عشرون من الإبل -) (3) فإن اختار القصاص، لم يكن له أخذ المال. وكذلك القول إذا كان ذلك خلقة، أو ذهب بآفة من الله تعالى. وإن كان قد أخذ ديتها واستحقها على غيره، كان عليه رد المال.

(1) لعل الصواب بالذال المعجمة.
(2) آنفا في الجرح.
(3) ما بين القوسين في هامش نسخة (ب) تصحيحا لكنه مناف لقوله بعده: " فإن اختار القصاص لم يكن له أخذ المال " فما في الهامش إما زيادة وليس من المتن أو أن ما بعده قول آخر حكاه المصنف وسقط منه كلمة " وقيل " أو نحوه كما في المبسوط والله العالم.

[ 478 ]

وإذا كانت له إصبع زائدة، فقطع يدا، فإن كانت مثل يده في الزيادة، وكانت الزيادة من المقطوع في محل الزيادة من القاطع، مثل أن يكون مع الابهامين، أو مع الخنصرين منهما، قطعت يده بيده، لأنهما متساويتان في الخلقة والزيادة. وإن كانت المقطوعة ذات خمس أصابع، وللقاطع إصبع زائدة، فإن كانت الزائدة على ساعد القاطع، قطعت يده بذلك، لأنا نأخذ ليد مثل يد، والزيادة تسلم للقاطع. وإن كانت الزيادة على كف القاطع لم يقطع يده بيده، لأنها تزيد اصبعا، فلا يقطع بما هي ناقصة اصبعا (1) فإذا كانت لا تقطع على ما ذكرناه فالزيادة، إما تكون منفردة - كإحدى الأصابع - أو يكون ملصقة بواحدة منها، أو يكون على إصبع من الأصابع، فإن كانت منفردة كإحدى الأصابع، كان مخيرا بين العفو وله أخذ دية كاملة وبين أن يقتص فيأخذ خمس أصابع قصاصا ويترك الزائدة. وإن كانت ملصقة بإحدى الأصابع، كان مخيرا بين العفو وله أن يأخذ دية كاملة وبين أن يقتص فيأخذ أربع أصابع قودا، وليس له أخذ الخامسة، لأنها ملصقة بالزائدة وله ديتها، عشرة من الإبل. وإن كانت الزائدة على إصبع من الأصابع، وكانت نابتة على الأنملة العليا، كان الحكم فيها، كالحكم فيها إذا كانت ملصقة بالزائدة، وقد تقدم ذلك. وإن كانت نابتة على الأنملة الثانية كان القصاص في ثلاث (2) أصابع، وفي الأنملة العليا ودية الأنملتين الباقيتين. وإن كانت على السفلى، كان له القصاص في أربع والأنملتين العليا والوسطى ودية الأنملة السفلى التي عليها الإصبع الزائدة.

(1) يمكن أن يقال لما كانت الإصبع الزائدة خارجة عن الخلقة المتعارفة لم يكن القصاص في الكف زائدا على المماثلة على أنه ورد فيمن قطع كفا مقطوعة الأصابع أنه يجوز القصاص ويرد إلى القاطع دية أصابعه وقد عمل به جمع من الأصحاب ولا يبعد كونه على القاعدة.
(2) كذا في النسخ ونسختي المبسوط والصواب (أربع أصابع) إذ لا وجه لثلاث ولا فرق بينه وبين ما قبله وما بعده.

[ 479 ]

فإن كانت يد القاطع ذات خمس أصابع، ويد المقطوع ذات ست أصابع، كان للمقطوع، القصاص، لأنه يأخذ ناقصا بكامل، ويكون مخيرا بين العفو والاستيفاء. فإن عفى على مال، كان له بيده يد كاملة، وفي الإصبع الزائدة حكومة، ولا تبلغ الحكومة في ذلك دية الإصبع الأصلية، لأنا نأخذ (1) في الخلقة الزائدة ما نأخذه في الأصلية، فإذا كان كذلك (2) فكان لا فرق بين قطعها وحدها أو مع اليد. فإن اندملت كان فيها الأرش - ثلث الإصبع الصحيحة - كان بها سير (3) بعد الاندمال، أو لم يكن بها كذلك. وإذا قطع من غيره أنملة لها طرفان، وكان للقاطع مثلها في تلك الإصبع، كان عليه القصاص، لتساويهما في ذلك، وإن لم يكن له مثلها، أخذ القصاص في الموجودة، وحكومة في المفقودة. وإن كانت أنملة القاطع، لها طرفان، وللمقطوعة طرف واحد، فلا قصاص على الجاني، لأنا نأخذ زائدة بناقصة، وله دية أنملة ثلث دية الإصبع ثلاث وثلث من الإبل. وإذا قطع رجل يمين رجل، وكان لهذا القاطع يمين، قطعت بها. وإن لم يكن له يمين، وكان له يسار، قطعت يده اليسرى به (4). وكذلك الحكم، إذا قطع يسرى غيره، ولم يكن له يسرى، وله يمين، فإنه يقطع يمينه باليسرى. فإن لم يكن له يدان

(1) الصواب " لأنا لا نأخذ " كما في المبسوط.
(2) يعني إذا كان في الإصبع الزائدة حكومة لا فرق بين قطعها بقطع الكف أو وحدها قلت ذكرنا أن الحكومة هي أرش ما بين الصحيح والناقص وقطع الإصبع الزائدة ليس نقصا نعم لو قطعها وحدها كانت له حكومة للإيذاء والله العالم.
(3) الصواب " شين " كما في المبسوط.
(4) هذا وما بعده خارج عن قاعدة المماثلة المستفادة من قوله تعالى: فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم لكنه منصوص كما في الوسائل الباب 12 من قصاص الطرف.

[ 480 ]

وكانت له رجلان، قطعت رجله اليمنى باليمنى. فإن لم يكن له رجل يمنى، وكانت له يسرى، قطعت رجله اليسرى بذلك، فإن لم يكن له يدان، ولا رجلان، كان له الدية، وسقط القصاص هاهنا. وإذا قطع أذن رجل، فأبانها، ثم الصقها المجني عليه في الحال، فالتصقت كان على الجاني القصاص، لأن القصاص يجب بالابانة. فإن قال الجاني: أزيلوا إذنه، واقتصوا مني، كان له ذلك، لأنه ألصق بها ميتة. فإن كان ذلك، ثم الصقها الجاني فالتصقت، وقع القصاص موقعه. فإن قال المجني عليه: قد التصقت إذنه بعد إبانتها، أزيلوها عنه، وجب إزالتها. وإذا إلى الذي ألصق المقطوع بإذنه، فالتصق، لم تصح صلاته، لأنه حامل النجاسة في غير موضعها لغير ضرورة. فأما إذا أجبر عظمه بعظم ميتة، فلا تمنع صحة الصلاة عندنا معه، لأن العظم ليس بنجس، لأنه لا تحله الحياة، والميتة إنما تكون ميتة بأن يفنى عنها الحياة التي تكون حياته فيها، والعظم لا تحله الحياة كما قدمناه. وقد ذكر: إن العظم إذا كان عظم ما هو نجس العين، مثل الكلب والخنزير، لم تجز الصلاة فيه، والاحتياط يقتضي ذلك (1). وإذا قطع أذن رجل وبقيت معلقة لم تبن من باقيها، كان في ذلك القصاص، لأنها قد انتهت إلى حد يمكن فيها المماثلة، وكذلك القول في قطع اليد، فإذا كان كذلك وأراد القصاص، اقتص منه إلى الجلدة التي هي متعلقة بها. وإذا قطع ذكر رجل قطع ذكره، ويقطع ذكر الشاب بذكر الشاب، وذكر الشاب بذكر الشيخ، وذكر الشيخ بذكر الشاب، وكذلك ذكر الصبي، بغيره مما ذكرناه. ويقطع ذكر الفحل بذكر الخصي. فإن قطع ذكر أشل أو به شلل - وهو الذي قد استرسل ولا ينتشر ولا يقوم ولا ينبسط ولا ينقبض، صار مثل الحرمة - (2) لم يكن في قطع قود، مثل اليد السليمة

(1) وكذا في كل ما لا يؤكل لحمه للنص الدال على بطلان الصلاة في كل شيئ منه.
(2) لعل الصواب (الخرقة) كما في المبسوط.

[ 481 ]

بالشلاء، لا يقطع بها. فإن قطع أغلف، ذكر مختون، قطع ذكر الاغلف بالمختون. وإذا قطع خصيتي رجل، كان على القاطع القود. فإن قطع واحدة منهما، سئل أهل الخبرة عن الباقية (1) فإن قالوا: لا يخاف عليها في هذا الموضع، قطعنا بها وإن قالوا: إنها لا يؤمن عليها من ذهاب منافعها، لم يكن من ذلك قود هاهنا، لأن ذلك يؤدي إلى أخذ عضوين بعضو واحد. فإن عفى على مال، كان نصف الدية إن كانت المقطوعة هي اليمنى، وإن كانت هي اليسرى، كان فيها ثلثا الدية، لأن منها يكون الولد (2). ويقتص من الأنف بالأنف والاعتبار في ذلك لا بصغر ولا كبر، ولا بغلظ ولا دقة، ولا بأنه أفطس أو أقنى. لتساويهما في الاسم، وهو المراعى في هذا الموضع وما أشبهه. فإن قطع رجل انف مجذوم، ولم يكن سقط منه شيئ بالجذام. قطع الأنف الصحيح به، لأنه يجوز عندنا أخذ الصحيح بالعليل. وإن كان قد ذهب بعضه وتناثر الجذام، كان المجني عليه مخيرا بين أن يأخذ بقدره من الدية فيما بقي، وبين أن يقتص فيما بقي، إن كان الذي ذهب مما يمكن القصاص فيه، وهو أن يكون ذهب جانبه بالجذام. فإن كان الذاهب منه طرفه، لم يكن فيه إلا الدية فيما بقي. ويؤخذ الأنف الشام (السالم خ ل) بالأنف الأخشم.
(3) والذي يؤخذ قودا، وتجب فيه دية كاملة، من الأنف، هو المارن والمارن، هو مالان منه، وهو ما نزل من قصبة الخياشم - التي هي العظم - لأن له حدا ينتهى إليه، فهو من قصبة الأنف، وهو

(1) أي التي تبقى من القاطع لو اقتص منه بالواحدة.
(2) ورد ذلك في الخبر كما في الوسائل الباب 1 و 18 من ديات الأعضاء وفي الثاني أن في اليمنى ثلث الدية لكن في سنده ضعف.
(3) الأخشم: الذي لا يشم به.

[ 482 ]

مثل (1) اليد من الساعد، والرجل من الساق فإن قطع جميعه، كان المجني عليه مخيرا بين القود والدية بكمالها، لأن في الأنف الدية. فإن قطعه مع قصبة الأنف كان كقطع اليد من الساعد - المجني عليه مخير بين العفو وتكون له دية كاملة في المارن وحكومة في القصبة - كما لو قطع يده من نصف الساعد، فإن له العفو ويأخذ دية كاملة، ويكون كحكومة في الساعد - وإن أراد أخذ القصاص في المارن، وحكومة في القصب، مثل الساعد، سواء. فإن قطع بعض المارن، رجع إلى قدر ذلك بالاجزاء، فإن كان ثلثا أو عشرا عرف ذلك وأخذ بحسابه من انف القاطع. ولا يؤخذ بالمساحة (2). لأنه قد يكون نصف المقطوع مثل جميع انف القاطع، فيفضي ذلك إلى أن يأخذ أنفا بنصف، وذلك لا يجوز. فإن قطع واحدا من المنخرين، كان له القصاص في ذلك، لأن له حدا ينتهى إليه هو، مثل إحدى الأصبعين. لأن بينهما حاجزا. وإذا قطع رجل أذن رجل، كان في ذلك القصاص، ولا اعتبار في ذلك بصغر ولا كبر، ولا بسمن ولا دقة، ولا بسميعة ولا صماء، ولا بما جرى مجرى ذلك لأن الاسم يتناول ذلك، ولا اعتبار هاهنا به (3) فإن قطع الأذن كلها، كان مخيرا بين قطع أذن الجاني، وبين أخذ كمال دية أذن. (وإن قطع بعض الأذن، علم هل ذلك ربع أو ثلث أو عشر؟ فيأخذ هذا الطرف من أذن الجاني، ويقطع الأذن التي لا ثقب فيها بالمثقوبة.) (4)

(1) الظاهر زيادة " وهو " وما بعده خبر لقوله فهو من قصبة الأنف.
(2) ذكر في شج الرأس مما تقدم أنه يؤخذ بالمساحة وكأنه لصدق المماثلة بها دون المقام لمكان القطع.
(3) الظاهر أن الصواب " والاعتبار هاهنا به " أي بالاسم.
(4) ما بين القوسين ساقط من نسخة الأصل إلا كلمات يسيرة في أوله وآخره *

[ 483 ]

وإذا قطع يدا لا أظافير لها جملة، لم يكن في ذلك قود، لأنه نقصان خلقة، وليس يؤخذ الكامل بالناقص، وله دية كاملة. وفي الأسنان، القصاص. فإن قلع سنا وكان سن متغير (1) لم يكن فيها قصاص في الحال، ولا دية لأنها مما يرجى رجوعه. وينبغي للمجني عليه أن يصبر حتى يسقط اسنانه التي هي أسنان اللبن ويعود، فإذا سقطت وعادت ولم تعد المقلوعة سئل أهل الخبرة، فإن ذكروا أنها لا يؤيس من رجوعها إلى وقت كذا وكذا: فينبغي أن يصبر إلى ذلك الوقت، فإن لم تعد، علم أنه قد أعدم إنباتها، وآيس من عودها وكان المجني عليه حينئذ مخيرا بين القصاص وبين العفو على مال، ويأخذ دية سن كما لو قلع سن مثغر (2) والمثغر هو الذي قد سقطت وأسنان اللبن متى ثغره (3) ونبت موضعها غيرها - فإن عادت السن في الوقت الذي ذكره أهل الخبرة أو مع عودة الأسنان، وكانت متغيرة، سوداء أو خضراء أو صفراء فالظاهر أنه من فعله، فيكون عليه حكومة. وإن رجعت كما كانت سالمة من التغير والنقصان، لم يكن فيها قصاص ولا دية.
(4) فإن مات قبل الاياس من رجوعها، لم يكن فيها قصاص، لأن الحدود تدرء

* لا تفيد معنى وثابت في هامش نسخة (ب) لكن بتصحيف في بعض موارده فراعيت صوابه وقوله: علم بصيغة المجهول وتخفيف اللام أو تشديدها أي يجعل العلامة (1) في النسخ بالتاء والغين والياء أي الزائل والأظهر أن الصواب " غير مثغر " كما في المبسوط لذكر المثغر فيما بعد وعلى كل فالمراد سن الصبي قبل أن يسقط (2) دية الأسنان وغيرها مذكورة في المبسوط والشرائع وغيرهما في باب مستقل وكأنه سقط عن قلم المصنف أو الناسخ.
(3) الصواب " قد سقطت أسنان اللبن من ثغره " والثغر ما تقدم في الفم من الأسنان يقال اثغر الصبي أي سقط ثغره ونبت.
(4) ظاهره نفي الحكومة أيضا وفيه كلام فراجع جواهر الكلام.

[ 484 ]

بالشبهات، والشبهة هاهنا: إنا لا نعلم رجوعها. فأما الدية فلازمة، لأن القطع قد علم والقود متوهم، ولا يسقط حقه بأمر متوهم. وإذا قلع سن مثغر، سئل أهل الخبرة، فإن ذكروا: أنها لا تعود أبدا، كان المجني عليه مخيرا بين القصاص والعفو. فإن قالوا: لا يرجى (1) رجوعها إلى كذا وكذا. فإن عادت، وإلا فلا يعود، لم يكن فيها قصاص ولا دية إلى الحد الذي ذكره أهل الخبرة. فإذا كان ذلك ولم يعد، كان المجني عليه مخيرا بين القصاص أو الدية، وإن عادت وكان عودها قبل الاياس من عودها. فهي مثل سن المثغر (2) وقد تقدم ذكر ذلك. وإن كان عودها بعد الاياس من ذلك - إما بعد المدة المحدودة أو قبلها وقد ذكروا أنها لا تعود أبدا - فإن كان المجني عليه قد أخذ الدية كان عليه ردها، لأن السن التي أخذ الدية عنها قد عادت وإن كان قد اقتص كان عليه دية سن الجاني التي أخذها قصاصا وليس عليه قصاص في ذلك. وقد ذكر (3) خلاف قولنا هذا، والاحتياط يتناول ما ذكرناه. والسن الزائدة - هي التي تكون خارجة من صف الأسنان، وعن سمتها. إما من خارج أو داخل الفم - فإذا جنى إنسان على ما هذه صفته، ولم يكن له سن زائد، فليس في ذلك قصاص، وعليه ثلث الدية للسن الأعلى (4) فإن كان له سن زائدة في غير محل المقلوعة، فليس في ذلك أيضا قصاص، لأنا لا نأخذ عضوا في محل بعوض في محل آخر. ولا نأخذ الإصبع السبابة بالأصبع الوسطى. وعليه ثلث دية

(1) الظاهر " يرجى رجوعها ".
(2) الصواب " غير المثغر " كما في المبسوط وقد مر حكمه آنفا.
(3) حكاه في المبسوط عن قوم وكأنهم من العامة بدعوى أن العائدة لما كانت على خلاف العادة فهي هبة جديدة من الله تعالى كما ورد في أخبارنا في دية العين التي لا يبصر صاحبها شيئا.
(4) الصواب " الأصلي " كما في العبارة التالية.

[ 485 ]

السن الألي كما قدمناه فإن كان للجاني سن زائدة في محلها، كان المجني عليه مخيرا بين القصاص وبين العفو على مال، فإن أراد القصاص، فلا فرق بين أن يكونا سواء وبين أن يكون الواحد منهما أكثر (1) من الأخرى. وإذا وجب لانسان على غيره قود، في طرف أو نفس، لم يجز أن يستوفيه بنفسه، لأن ذلك من فروض الأئمة (عليهم السلام)، وعليه التعزير. وإذا وجب قصاص على رجل في يمينه، فقال له المجني عليه: أخرج يمينك لاقتصها، فاخرج يساره فقطعها. فإن كان المقتص جاهل بأنها يساره، لم يكن عليه قود، لأنه قطعها معتقدا أنه يستوفي حقه بها، وكان شبهة (شبهته - خ ل) في سقوط القود فيها، ولأنه قطعها ببذل مالكها، فلا قود عليه في ذلك. فأما ديتها فلازمة له (2) لأنه بذلها عن يمينه، وكان البذل على سبيل المعاوضة، فإذا لم يصح كان على القابض الرد، فإذا عدمت، كان عليه بدلها، وإن كان المقتص عالما بأنها يساره، فقطعها. فإن هذا القطع مضمون، لأنه إنما بذلها بعوض، فلم يسلم له، فكان على القابض الضمان، فإذا كان ذلك مضمونا فالضمان في اليد بالدية، لأنه بذلها للقطع، فكان شبهة في سقوط القود عنه، وسقوط القود (3) إنما يثبت، لأنه مضمون بالدية. وإذا كان الأمر في اليسار على ما ذكرناه، فالقصاص باق في يمينه وله دية يساره. وليس للمقتص قطع اليمين، حتى ينظر ما يكون من قطع اليسار، فإما أن تندمل

(1) الصواب بالباء الموحدة.
(2) ظاهره عدم الفرق بين أن يكون الجاني عالما بلزوم إخراج يمينه وعدم أجزاء اليسار عنها أم لا خلافا للمبسوط وظاهر الشرائع فنفيا الدية في الأول ولا يبعد نفيها مطلقا كما في جواهر الكلام لأن ظاهر النصوص في ضمان النفس أو الطرف أو المال ما إذا كان التلف مستندا عرفا إلى المباشر بخلاف مثل المقام.
(3) في نسخة (ب) " وثبوت القود " وكأنه خطاء وعلى كل فالمقصود من هذه الجملة وتعليلها غير متضح فتأمل.

[ 486 ]

أو يسرى، فإن اندملت فقد استقر على المقتص دية اليسار، وله قطع اليمين. فإن استوفاها قصاصا كان عليه دفع دية اليسار. وإن عدل (1) عن اليمين وجبت له دية اليمين، وكان عليه دية اليسار، فليتقاصان، فإن سرى قطع اليسار إلى النفس، كان عليه ضمان النفس، لأنه سراية عن قطع مضمون سرى إلى النفس. وهي مضمونة، فكانت ديتها عليه، فعليه دية نفس بغير زيادة على ذلك. وإذا قطع يدى رجل ورجليه، كان عليه ديتان، دية في اليدين، ودية في الرجلين. فإن مات بعد الاندمال، استقرت الديتان على الجاني. وإن سرى القطع إلى النفس، كان عليه دية واحدة، لأن أرش الجناية يدخل في بدل النفس. وإذا قطع يد عبد، كان عليه نصف قيمته. ويمسكه سيده. فإن قطع يدي عبد أو رجليه، كان عليه قيمته كاملة يتسلم العبد.
(2) وإذا قطع رجل، يد عبد، وآخر يده الأخرى، كان عليهما قيمة كاملة، على كل واحد منهما نصفها، ويمسكه سيده. ودية الكافر، ثمان مأة درهم. فإذا جنى عليه جناية لها أرش مقدر، كان التقدير في ديته، ففي يده أربع مأة درهم، وفي موضحته أربعون درهما، وفي اصبعه ثمانون درهما. والمرأة الكافرة على النصف من ذلك. ودية المسلم مأة من الإبل، وقد ذكرنا ذلك مفصلا فيما تقدم، وفي يده خمسون من الإبل، وفي اصبعه عشرون، وفي موضحته نصف عشر الدية - خمس من الإبل -. والمسلمة خمسون من الإبل، وفي يدها خمس وعشرون. وتعادل الرجل إلى ثلث الدية، فيكون في أصبعها عشر من الإبل، وفي ثلاث أصابع

(1) أي عدل عن القصاص فيها إلى مال ولعل الصواب " وإن عفى " كما في المبسوط.
(2) الصواب " ويتسلم " أي يأخذه الجاني لنفسه بدفع تمام قيمته بخلاف ما إذا دفع نصفها.

[ 487 ]

ثلاثون، وفي أربع، عشرون. وكل جناية لها في الحر أرش مقدر من ديته، لها من العبد مقدر من قيمته، ففي انف الحر ولسانه وذكره، وديته. وفي كل واحد منها في العبد، قيمته. في يده نصف قيمته، وفي اصبعه عشر قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته. فإذا كان كذلك، وكان قدر الجناية في العبد قيمته، مثل الأنف، واللسان، والذكر، واليدين، والرجلين، وجب ذلك على الجاني ويسلم العبد. وإذا قتل حر عبدا، وجبت قيمته في ذمته، وكذلك إن قطع (1) أو قتله عمد الخطاء فإن قتله خطاء محضا. فالقيمة على عاقلته. وكذلك في أطرافه. وإذا كان إنسان على جانب حائطه أو حافة نهر، أو شفير بئر، فصاح به غيره صيحة شديدة، فسقط فمات، فإن كان رجلا عاقلا لم يكن على الصائح شيئ، لأنه ما سقط من صيحته، وإنما وافق وقوعه صيحته. وإن كان الذي سقط صبيا أو مجنونا، كان على الصائح الدية والكفارة، لأن مثل هذا يسقط من الصيحة الشديدة والدية على عاقلته. وكذلك لو كان جالسا في غفلة واغتفله الصائح، فصاح به مفزعا له، فسقط فمات، كانت الدية على عاقلته، والكفارة في ماله. وإذا شهر رجل سيفه، وطلب رجلا، ففر المطلوب من بين يديه، والقى نفسه في نار أو بئر، أو من سطح، أو جبل، فمات، لم يكن على طالبه ضمان لأنه إنما الجأه إلى الهرب، ولم يلجئه إلى الوقوع، بل المطلوب القى نفسه باختياره في مهلكة، فالطالب صاحب سبب، والواقع مباشر، وإذا اجتمعت مباشرة مع سبب غير ملجئ، لم يكن على صاحب السبب - مثل الدافع، والحافر - فإن الضمان على الدافع وليس على الحافر ضمان. فإن كان المطلوب أعمى، فوقع كذلك، كان ضمانه على الطالب، لأنه سبب ملجئ، فإن الأعمى لم يعلم ذلك، ولا أراد أن يلقى نفسه في مهلكة، والسبب إذا كان ملجئا، كان الضمان على صاحب السبب.

(1) أي أطرافه اشير إليه في آخر العبارة.

[ 488 ]

مثل أن يحفر بئرا، فيقع فيها أعمى، فإن ضمانه على حافر البئر، لأنه الجأه إلى الوقوع فيها. ويفارق إذا كان بصيرا، لأنه ما الجأه إلى الوقوع. وإذا طلب بصيرا فهرب بين يديه، فاعترضه أسد، فقتله، لم يلزم الطالب ضمانه، سواء كان المطلوب أعمى أو بصيرا، لأن الأسد له قصد واختيار، وكان من الطالب سبب غير ملجئ ومن الأسد المباشرة، فلا ضمان عليه مثل الدافع والحافر فإن اضطره مع الأسد إلى مضيق فقتله الأسد، كان عليه الضمان، لأن الأسد يفترس في المضيق غالبا. وإذا جنت أم الولد جناية، كان على سيدها أرش جنايتها. وإذا اصطدم فارسان فهلكا، كان على عاقلة كل واحد منهما، ونصف دية الآخر، ويكون الباقي هدرا. وإذا اجلس إنسان في طريق، فعثر به غيره عثرة يقتل مثلها، فهلكا معا، كان على عاقلة كل واحد منهما كمال الدية. والفرق بينهما (1) أن كل واحد منهما هلك بسبب انفرد به صاحبه، لأن العاثر قتل الجالس مباشرة، والعاثر مات بسبب كان من الجالس. فذلك [ فلذلك: ظ ] على عاقلة كل واحد منهما كمال دية الآخر. كما لو حفر بئرا، في غير ملكه، ثم جاء رجل، فخرج الحافر (2) وسقط الخارج في البئر. فإن الخارج قتل الحافر بمباشرة، والحافر قتل الخارج بسبب وكذلك لو نصب سكينا في غير ملكه، وحفر آخر بئرا في غير ملكه، فوقع الحافر على السكين فمات ووقع الناصب في البئر فمات، فإن على عاقلة كل واحد منهما كمال دية الآخر، لأنه مات بفعل انفرد به صاحبه، وليس كذلك مسألة الصدمة، لأن كل واحد من المتصادمين مات بفعل اشتركا فيه، فلم يلزم عاقلة كل واحد بصير منهما كمال دية الآخر. ولا فرق بين أن يكونا بصيرين، أو ضريرين، أو أحدهما

(1) أي بين هذا وما قبله: (2) الصواب " فجرح الحافر وسقط الجارح " وكذا فيما بعده كما في المبسوط

[ 489 ]

بصير والآخر ضرير، لأنه إن كانا ضريرين كان القتل خطاء من كل واحد منهما، فعلى عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر مخففة. وإن كانا بصيرين وكان ذلك خطاء كانا كالضريرين. وإن كان كل واحد منهما على وجه العمد والقصد، كان عمدا محضا، يوجب القود، فيكون في تركة كل واحد منهما نصف دية الآخر حالة مغلظة. وإذا مات ما تحت المصطدمين من المركوب، كان على كل واحد منهما نصف قيمة دابة الآخر. فإن كان قيمتهما متساويين تقاضا. وإن كانت مختلفين، فإنهما يتقاصان ويترادان الفضل. ولا يكون ضمان القيمة على العاقلة. لأن العاقلة لا يعقل البهائم. ولا فرق بين أن يكون مركوبهما فرسين، أو حمارين، أو بغلين، أو جملين، أو أحدهما مخالف للآخر، لأنهما اشتركا في الجنايتين، فكانا متساويين في الضمان كما لو جرح أحدهما غيره مأة جرح وجرح نفسه أو غيره جرحا واحدا كانا متساويين في الضمان، وإن اختلفا. هذا حكم المصطدمين إذا كانا حرين كبيرين. فإن كانا صغيرين، وكان المركوب (1) منهما، كان على عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر. فإن كان ولياهما، اللذان أركباهما، كان الحكم فيهما كما لو كانا بأنفسهما، لأن على وليهما تعليمهما، لأنه من الأدب. وإن كان أركبهما أجنبيان. كان على عاقلة كل واحد من المركبين لهما نصف دية الصغيرين معا، لأنه فعل ما ليس له فعله، ولا يهدر شيئ من دمهما. ولا فرق بين أن يكون الصغيران مسلمين أو كافرين، أو أحدهما مسلما والآخر كافرا، لأنه إن كانتا الديتان كاملتين أو ناقصتين، فإن على عاقلة كل واحد منهما نصف الديتين، وإن كانت إحداهما ناقصة والأخرى كاملة فكذلك أيضا، لأن عاقلة كل واحد منهما يعقل نصف دية كاملة ونصف دية ناقصة. فإن كان المصطدمان امرأتين، غير حاملتين، فالحكم فيهما كالحكم في

(1) الصواب " وكان الركوب ".

[ 490 ]

الرجلين. وإن كانتا حاملتين، فأسقطت كل واحدة منهما جنينا ميتا، كان دية الجنين عليهما خاصة، فعلى هذا يجبر (يجب على - خ ل) كل واحدة منهما نصف دية الجنين في مالها. فإن كانا المصطدمان عبدين، كانت قيمة كل واحد منهما هدرا، لأنه مات من فعله وفعل الآخر، فما قابل فعله هدر. وما قابل فعل غيره مضمون - وهو نصف القيمة - غير أن محل تعلق نصف القيمة رقبة الجاني، والرقبة قد هلكت، فبطل محل تعلق القيمة. كما لو قتل العبد عبدا تعلقت قيمته برقبته، فإن هلكت سقطت القيمة لفوت محلها. فإن كان أحدهما حرا والآخر عبدا وماتا جميعا، وجب نصف قيمة العبد في تركة الحر، ووجب بموت الحر نصف ديته، وكان من حقها أن تكون متعلقة بتركته (1) برقبة العبد، إلا أنها تحولت إلى قيمته. لأن العبد إذا جنى تعلق أرش الجناية برقبته، فإن قتله قاتل تحول الأرش إلى قيمته، فكذلك هاهنا: قد قتل الحر فوجب أن يتعلق نصف الدية بنصف قيمته لورثة الحر، فوجب لسيد العبد نصف قيمة عبده، ووجب لورثة الحر، نصف الدية المتعلقة بنصف قيمة العبد: فإن تساويا تقاصا. وإن كان نصف القيمة أقل من نصف الدية، كان القدر الذي يقابل من ذلك نصف قيمة العبد، الحكم فيه كما لو كان نصف القيمة ونصف الدية سواء. والفاضل من نصف الدية على نصف القيمة، يكون هدرا، لأنه لم يبق محل يتعلق به. وإن كان نصف القيمة أكثر من نصف الدية، لم يكن بالزيادة اعتبار (2). فإن مات العبد أولا، وجب نصف قيمته، لأنه هلك من فعله وفعل غيره، فكان

(1) الظاهر أن " بتركته " زائدة لأن جناية العبد متعلقة برقبته فقط كما مر هنا وسابقا أو الصواب " لورثته " أو نحو ذلك.
(2) لما مر سابقا من أن قيمة العبد المقتول إذا زادت عن مقدار دية الحر يسقط الزائد فحاصل الفرع أنه ليس لوارث الحر ولا لمولى العبد شيئ على كل حال فذكر هذه الشقوق لاختلاف وجوهها ومخالفة العامة في بعضها.

[ 491 ]

ما قابل فعل نفسه هدرا. فإن مات الحر أولا، وجب بموته نصف ديته كما ذكرناه، وكان هذا النصف متعلقا برقبة العبد، يباع فيها: فإن كانت قيمة العبد متساوية لنصف الدية استوفى ذلك من ثمنه، فإن كانت أقل من نصف الدية لم يكن لمن وجب له نصف الدية إلا قيمة العبد، والزائد على ذلك يكون هدرا. وإن كانت قيمة العبد أكثر من نصف الدية، بيع منه بقدر نصف الدية، وكان الفاضل لسيده. فإن مات العبد حتف أنفه، سقط ما كان متعلقا برقبته إلى غير بدل، فإن كان قد قتله قاتل، كانت قيمته واجبة على القاتل، ويحول ما كان متعلقا برقبته إلى قيمته يستوفي من الذي يجب القيمة عليه. وإذا رمى عشرة بحجر منجنيق، وأصاب واحدا منهم فمات، كان موته بجنايته على نفسه، وجناية التسعة عليه، فما قابل جنايته على نفسه كان هدرا، وما قابل حناية التسعة، كان مضمونا، فيكون على عاقلة كل واحد من التسعة عشر ديته، فيكون لوارثه تسعة أعشار الدية. فإن قتل الحجر واحدا من غيرهم، فقد اشتركوا في قتله فإن كان الرمي خطاء، كان على كل واحد (1) منهم عشر الدية مخففة، فإن كان عمدا كان في ذلك القود. وما ذكرناه من هذا الضمان لازم لمن جر الحبال (2) ورمى بالحجر. فإن أمسك الخشب إنسان، أو وضع الحجر في كفة المنجنيق غير ما ذكرناه لم يلزمه ذلك، لأن المباشرة في الرمي منهم دون غيرهم. فأما من أمسك الخشب أو وضع الحجر في الكفة إذا كان غير الذي يجر السهم (3) ويرمي عنه، فلا يلزمه ذلك

(1) الظاهر أن المراد على عاقلتهم كما في المبسوط.
(2) أي حبال المنجنيق التي يكون جرها سببا للرمي وكأنه كان للمنجنيق خشب لا يمكن الرمي أو لا يكمل إلا بإمساكه لكنه لا ينسب القتل إلى ممسكه ولا إلى واضع الحجر فيها وبهذا يقاس حال الرمي والقتل بالأسلحة والآلات الحادثة في الاعصار الأخيرة بأنواعها المختلفة من الدبابات والرشاشات وغيرها.
(3) لعل الصواب " يجر الحبل " والمراد بالسهم هنا موضع الحجر من المنجنيق *

[ 492 ]

وإذا تصادمت سفينتان - من غير قصد ممن فيهما إلى ذلك ولا تفريط - وهلك بعض ما في إحداهما، لم يكن عليهم شيئ. وإن كان بقصد منهما إلى ذلك، كان على ملاحي السفينة التي لم يهلك منها شيئ، ضمان ما هلك من الأخرى. وإذا كانت سفينة مشدودة على شاطئ البحر غير سائرة، فوافقت سفينة سائرة فصدمتها وكسرتها وهلك ما فيها فإن كان القيم الذي بها غير مفرط فليس عليه ضمان وأما السفينة الصادمة فإن كان القيم الذي بها مفرطا، كان عليه الضمان، وإن لم يكن مفرطا لم يلزمه ضمان. وإن كان في السفينة جماعة، فثقلت وخافوا الهلاك والغرق، فألقى بعضهم متاع نفسه، لم يكن على أحد ممن فيها ضمان لشيئ من ذلك، سلموا أو لم يسلموا لأنه اختار إتلاف ماله لغرض. فإن أخذ مال غيره فألقاه في البحر بغير إذن صاحبه كان عليه ضمان ذلك، سلموا أو لم يسلموا، لأنه أتلف مال غيره بغير إذنه. فإن قال واحد منهم لبعض أصحاب المال: الق متاعك في البحر ليخفف عنا ما نحن فيه، فقبل منه، فلا ضمان عليه من ماله، سلموا أو هلكوا (أولم يسلموا خ ل) فإن قال: الق متاعك في البحر وعلى ضمانه، فألقاه، كان عليه ضمانه. فإن لم يخافوا الغرق، وقال لغيره الق متاعك في البحر، ففعل، لم يلزمه ضمان. وإذا قال: الق متاعك في البحر على أني وركاب السفينة ضامنون ذلك (1) " والضمان ضربان: ضمان اشتراك، وضمان اشتراك وانفراد، فأما ضمان الاشتراك، فمثل أن يقول جماعة لغيرهم: ضمنا لك الألف الذي لك على زيد، فيكون جميعهم ضامنون لذلك، وكل واحد منهم ضامن لعشر الألف (2)، فله أن يطالبهم معا

* حيث يجذبه الرامي إلى جهة نفسه بحبل ونحوه ثم يدفعه وعلى كل فالعبارة تكرار لما قبله وذكر في المبسوط مكانها: " إنه مثل من جعل سهما في قوس رجل فنزع صاحب القوس ورمى به فالضمان على الرامي دون من وضع السهم ". (1) يأتي جوابه فيما بعد. فقوله هنا: " والضمان ضربان إلى قوله: وإنما يضمن الحصة " مقدمة وتمهيد للجواب.
(2) أي إذا كانت الجماعة عشرة أنفس كما في المبسوط.

[ 493 ]

بالالف، ويطالب كل واحد منهم بعشر الألف. وأما ضمان الاشتراك والانفراد. فمثل أن يقولوا: ضمنا لك وكل واحد منا الألف الذي لك على زيد، فيكون الجميع ضامنين لكله، وكل واحد ضامن لكله فإن قال واحد منهم: ضمنت لك أنا وأصحابي مالك على زيد. وسكت أصحابه ولم يكونوا وكلوه في ذلك كان عليه ضمان العشر من الألف، لأنه لم يضمن الكل وإنما يضمن بالحصة. فإذا كان الضمان على ما بيناه، كان القاء المتاع في البحر على ذلك، فإن كان الضمان فيه ضمان اشتراك وانفراد، ضمن كل واحد منهم جميع المتاع. فإن قال: القه على أني وركبان السفينة ضمناء، فسكتوا، ضمن بالحصة أيضا. فإن قال: على أني وكل واحد منهم ضامن، ضمن الكل. فإن قال: على أني وهم ضمناء، وقد ضمنت بإذنهم، فأنكروه، كان عليه الضمان (1) دونهم. فإن قال: على أني أؤدي لك من مالهم، كان عليه الضمان دونهم. فإن قال: أنا ألقيه، ثم ألقاه كان عليه ضمان الجميع. وإذا خرق السفينة، فغرق ما فيها، وكان الذي فيها مالا ومتاعا وما جرى مجراه كان عليه ضمان جميعه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون عمدا أو خطئا أو شبيه العمد فإن كان فيها أحرارا، وكان خرقه لها عمدا - مثل إن قلع منها لوحا، وتكون في لجة البحر بعيدا من الشط - فهو عمد محض وعليه القود. وإن كان خطاء محضا - مثل أن يكون في يده حجر أو فاس، فسقط منها، فخرقها - كان على عاقلته الدية، والكفارة في ماله. وإن كان عمد الخطاء - مثل إن قلع لوحا، ليدخل غيره عوضا منه أو يصلح مسمارا، فانخرقت، فذلك عمد الخطاء فعليه في ماله. الدية مغلظة، والكفارة في ماله أيضا.

(1) هذا محتمل لضمان الكل أو بحصته ونحوه عبارة المبسوط وذكر في الشرائع أنه يضمن الجميع وكأنه الأقوى الزاما له بقوله كما عليه بناء العقلاء في أمثاله مضافا إلى التغرير هذا إذا أنكر الباقون بعد الالقاء وأما قبله فلا يضمن إلا بحصته.

[ 494 ]

وإذا تجارح اثنان، فجرح كل واحد منهما الآخر، وادعى واحد منهما أنه جرح صاحبه دفعا عن نفسه. وأنكر الآخر ذلك، كان القول قول المنكر مع يمينه (لأن الظاهر حصول الجناية، وهو يدعي الاسقاط، كان القول قوله مع يمينه) (1) لما ذكرناه. وإذا سلم ابنه إلى السابح، ليعلمه السباحة، فغرق. فإن كان كبيرا بالغا، لم يكن على المعلم ضمان، لأن البالغ العاقل. إذا غرق في تعلم السباحة، كان هو الذي ترك الإحتياط في حق نفسه، فليس على غيره ضمان. وإن كان المتعلم غير بالغ، كان على معلمه السابح ضمانه، لأنه أتلفه بالتعليم، كما لو ضرب معلم صبيا على التعليم فمات، ولأنه فرط فيه، وكان يجب عليه الإحتياط في حفظه، وملازمة رجليه فإذا لم يفعل، كان مفرطا وجب الضمان عليه. وذلك عمد الخطاء، فعليه الدية في ماله مغلظة مؤجلة، على ما قدمناه. وإذا غشيت الدابة انسانا، فزجرها لئلا تطأه، فجنت عند زجره لها جناية على راكبها أو على غيره، (لم يكن عليه شيئ، فإذا نفرها إنسان فرمت راكبها أو جنت على غيره) (2) كان ضمان ما أصاب راكبها أو غيره، على الذي نفرها. وإذا ركبها إنسان وساقها، فوطأت انسانا أو كسرت شيئا، كان ضامنا لما يصيبه بيديها، ولم يكن عليه شيئ فيما يصيبه برجليها. وإذا ضربها فرمحت (3) فأصابت شيئا، كان عليه ضمان ما أصابته بيديها أو رجليها وإذا ساق دابة، فوطأت شيئا بيديها، أو رجليها، كان عليه ضمان ذلك. فإن

(1) ما بين القوسين في هامش نسخة (ب) تصحيحا.
(2) ما بين القوسين في هامش نسخة (ب) تصحيحا وهو الصواب والألم يناسب ما في آخره.
(3) رمح الفرس والبغل والحمار وكل ذي حافر أي ضرب برجله وقيل ضرب برجليه جميعا (لسان العرب).

[ 495 ]

كان يقودها، كان عليه ضمان ما يصيبه بيديها، دون ما يصيبه برجليها، إلا أن يضربها فترمح برجلها فتصيب شيئا، فإنه يكون ضامنا له. وإذا آجر إنسان دابته لغيره فركبها وساقها، فوطأت شيئا، كان ضمانه على مالك الدابة دون راكبها. هذا إذا كان مالكها معها. فإن لم يكن معها وكان الراكب هو الذي يدبرها ويراعيها، لم يكن على مالك شئ وكان على راكبها الضمان. وإذا رمت الدابة راكبها لم يكن على المؤجر لها شيئ كان معها أو لم يكن معها، إلا أن يكون نفرها، فيكون ضامنا لما يحدث منها من الجناية. وحكم الدابة في كل ما ذكرناه، وحكم ما يركب من الدواب والجمال، على حد واحد لا يختلف. وإذا حمل إنسان على رأسه متاعا بأجرة، فكسره، أو أصاب به إنسان، كان ضامنا له. فإن دفعه دافع، كان ضمان ذلك على الدافع له. وإذا قال إنسان لغيره: أعطني أو أعرني ولدك يطلع لي نخلة، فدفعه إليه، فصعد الولد النخلة، فسقط منها فهلك، لم يكن عليه شيئ، لأنه قد بين له أنه يصعد النخلة ولو لم يكن بين له، كان عليه ضمانه. وإذا قتل إنسان مجنونا عمدا، كان عليه ديته، ولم يكن فيه قود. فإن كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه، فقتله، لم يكن عليه شيئ، ويكون دم المجنون هدرا وإن كان قتله خطاء. كانت الدية على عاقلته. فإن قتل المجنون انسانا كان عمده وخطأه واحدا، تجب الدية فيه على عاقلته، فإن لم يكن له عاقلة كانت على بيت المال وإذا قتل إنسان غيره، وعقله سليم، ثم جن، قتل به. وإذا قتل إنسان غيره وهو أعمى، كان عمده وخطأه واحدا (1) تجب الدية فيه

(1) قال في الشرائع: وفي الأعمى تردد أظهره أنه كالمبصر في توجه القصاص بعمده قلت لعموم أدلته وما ورد في خلافه كالنص الوارد في الفرع التالي لا يبعد حمله على ضعف إثبات العمد في حقه في الجملة كما هو كذلك في مورد هذا النص.

[ 496 ]

على عاقلته، وقد تقدم طرف من ذلك. وإذا ضرب إنسان غيره ضربة، سالت عيناه منها، فضرب المضروب الضارب فقتله، كان على عاقلة القاتل دية المقتول، ولم يكن عليه قود، لأنه حين ضربه فقتله كان أعمى، وقد قدمنا القول، بأن عمد الأعمى وخطأه سواء. فإن لم يكن عاقلة كانت الدية في ماله خاصة، يؤديها في ثلاث سنين، ويرجع بدية عينيه على وارث الذي ضربه، فيأخذ ذلك من تركته. وإذا وطأ رجل زوجته، ولم تبلغ تسع سنين، فأفضاها، كان عليه ديتها، والنفقة عليها إلى حين موتها، لأنه قد جعلها بحيث لا يصلح للرجل (1) فإن وطأها بعد تسع سنين، فأفضاها، لم يكن عليه شيئ. وإذا رمى إنسان نارا في دار غيره متعمدا، فاحترقت الدار وما فيها، كان عليه ضمان جميع ما هلك بالنار من نفس ومتاع، ويجب عليه القتل بعد ذلك (2) فإن اشعل نارا في داره أو شئ من ملكه، وحملته الريح إلى موضع آخر فاحترق، لم يكن عليه شيئ. وإذا أحدث إنسان حدثا في طريق المسلمين، ليس هو بحق، أو أحدثه في ملك غيره بغير إذن المالك، مثل حفر بئر، أو بناء جدار، أو نصب خشبة،

(1) أي للرجال كما ورد في الخبر: إنه عطلها على الازواج وذلك لأن الافضاء عيب في النكاح لمنعه عن الولادة وظاهر المصنف وغيره عدم الفرق بين أن يمسكها أو يطلقها لكن المستفاد من بعض النصوص سقوط الدية بإمساكها وهو الأقوى ولعل مختار المصنف عدم جواز إمساكها لما مر في النكاح باب ما ينبغي فعله عند العقد.
(2) أي بعد ضمان المتاع فالمراد بوجوب القتل بيان ضمان النفس وقيل في معنى العبارة غير ذلك فراجع جواهر الكلام في المسألة الثامنة من موجبات الضمان بالاسباب من كتاب الديات وما ذكرناه أصح كما في نكت المحقق لموافقته للنص كما رواه الصدوق عليه الرحمة في ديات الفقيه.

[ 497 ]

أو إخراج ميزاب، أو كنيف، أو ما أشبه ذلك، فوقع فيه إنسان، أو زلق به، أو لحقه منه شيئ من هلاك، أو تلف شيئ من الأعضاء، أو كسر شيئ من الامتعة، كان عليه ضمان ما يصيبه. فإن أحدث في الطريق، ما له إحداثه، لم يكن عليه شيئ. وإذا اغتلم (3) البعير، كان على صاحبه حبسه وحفظه. فإن جنى جناية قبل أن يعلم به، لم يلزمه شيئ. فإن علم به وفرط في حفظه، كان عليه ضمان جميع ما يصيبه من قتل نفس أو غير ذلك، فإن كان الذي جنى البعير عليه، ضرب البعير، فجرحه أو قتله، كان عليه مقدار ما جنى عليه مما ينقص من ثمنه، يطرح من دية ما كان جنى عليه البعير. وإذا هجمت دابة على أخرى في موضعها، فجرحتها أو قتلتها، كان على مالكها ضمان ذلك. وإن دخلت الدابة عليها في موضعها، فأصابها شيئ لم يلزم فيها ضمان شيئ من ذلك. فإذا أصاب إنسان خنزير ذمي، فقتله، كان عليه قيمته، فإن جرحه كان عليه ما نقص من ثمنه عند أصحابه. وإذا ركب اثنان دابة فجنت جناية، كان أرش ذلك عليهما بالسوية. وإذا وطأ امرأة في دبرها، فالح عليها، فماتت من ذلك، كان ضامنا لديتها. وإذا انفلتت دابة، فرمحت (1) انسانا فقتله، أو أتلف شيئا، أو كسرت عضو إنسان، لم يكن على صاحبها شيئ. وإذا دخل إنسان دار قوم بإذنهم، فعقره كلبهم، كان عليهم ضمان ذلك. فإن دخل بغير إذنهم لم يجب عليهم شيئ. وإذا اركب إنسان عبدا له دابة، فجنت الدابة جناية، كان ضمان ذلك على سيد العبد.

(1) أي هاج من شدة شهوة النكاح (1) أي ضربت برجلها كما مر.

[ 498 ]

وإذا عبر الراعي بالغنم على قنطرة (1) أو جسر، فازدحمت عليه، فوقع منها شيئ فهلك. فإن كان ضربها أو صرخ بها بخلاف العادة، كان عليه ضمان ذلك. وإن لم يكن فعل ذلك لم يكن عليه شيئ. هذا إذا كان ذلك طريقه، فأما إن كان مضى بها فيما ليس هو طريقه، وأصابها على القنطرة أو الجسر ذلك كان عليه الضمان وإذا استأجر عبدا بغير إذن سيده، أو صبيا بغير إذن والده أو وليه، فأصابهما شيئ، كان عليه الضمان. وإذا استسقى رجل من قوم، فلم يسقوه وهم متمكنون مما يسقونه منه، وتركوه حتى مات، كان عليهم ديته. وإذا وقف جماعة على زبية (2) أسد، أو شفير واد، أو نهر جزار (3) فزلت رجل أحدهم فسقط وتعلق بآخر، وتعلق الثاني بثالث، وتعلق الثالث برابع، وهلك جميعهم، كان على الأول ثلث دية الثاني، وعلى الثاني ثلث (4) دية الثالث، وعلى الثالث دية الرابع كاملة، وليس على الرابع شيئ، لأنهم بمنزلة المشتركين في قتل الرابع، والرابع لم يجن على واحد منهم. وكذلك الحكم لو كانوا أكثر من أربعة، في أنه يكون نقص دية الأخير (5) منهم على جميعهم.

(1) في المصباح المنير: القنطرة ما يبنى على الماء للعبور والجسر أعم لأنه يكون بناءا وغير بناء.
(2) بضم الزاء المعجمة حفيرة في مرتفع الأرض لصيد الأسد.
(3) بالجيم والزاء المعجمة كما في نسخة (ب) أي منقطع الماء أو بالخاء والراء المهملة كما يحتمله سائر النسخ أي كثير الجريان.
(4) الصواب " ثلثا " بالتثنية كما في النص وكتب الأصحاب.
(5) الظاهر أن الصواب " غير الأخير " إذ مقتضى ما ذكر أنه لو كانوا خمسة مثلا فالأول هدر وعليه ربع دية الثاني لاشتراكه أيضا في قتل من بعده فينقص من ديته بمقداره وعليه نصف دية الثالث وعليه ثلاثة أرباع دية الرابع وعليه دية الخامس كمالا وهذا الحكم إنما ثبت بالنص ومورده افتراس الأسد وتعدى المصنف إلى نحوه مما *

[ 499 ]

وإذا دخل ستة غلمان الماء، فغرق واحد منهم، فشهد اثنان منهم على الثلاثة بأنهم غرقوه، وشهد الثلاثة على الإثنين: إنهما غرقاه، فيجب أن تفرض الدية أخماسا: على الإثنين ثلاثة أخماس الدية، وعلى الثلاثة، خمسا الدية. وإذا شرب أربعة نفر خمرا، فتباعجوا (1) بالسكاكين أو غيرها، فمات منهم اثنان، وجرح اثنان، فالحكم فيهم، أن يضرب المجروحان كل واحد منهما ثمانين جلدة، ويكون عليهما دية المقتولين، ثم تقاس جراحتهما وترفع من الدية. وإن مات واحد من المجروحين، لم يكن على أولياء المقتولين شيئ. وإذا ركبت جارية جارية، فنخستها أخرى، فقمصت المركوبة، فصرعت الراكبة، فماتت، كانت الدية على الناخسة، والقامصة نصفين. وروي (2) أن عليهما ثلثي الدية وسقط الثلث الباقي لركوب الميتة عليها، والأول أظهر. وإذا قطع الختان حشفة غلام، كان عليه ضمان ذلك. وإذا تطبب إنسان، أو تبيطر، فليأخذ البرائة، وإلا كان ضامنا لما يحدثه من جناية. * * * باب " البينات على القتل والقسامة " القتل يثبت بأمرين: بينة، أو إقرار. فأما البينة، فهي شهادة شاهدين، عدلين، بأن المدعى عليه قتل المقتول. وأما الاقرار. فهو إقرار القاتل على نفسه بأنه قتل المقتول. ولا فصل في هذين الوجهين بين أن يكون القتل عمدا أو خطئا في أن الحكم يثبت بكل واحد منهما. فإن لم يكن لأولياء الدم شاهدان، يشهدان لهم على القاتل بأنه قتل صاحبهم

* كان الهلاك بغير أنفسهم وأما لو هلكوا بوقوع بعضهم على بعض فله تفصيل آخر كما في المبسوط والشرائع.
(5) يقال: بعج بطنه إذا شقه بالسكين. (1) الوسائل الباب 7 من موجبات الضمان.

[ 500 ]

كان عليهم القسامة، وهي ضربان: أحدهما، قسامة قتل العمد. والآخر، قسامة قتل الخطاء. وقسامة قتل العمد، خمسون رجلا من أولياء المقتول، يقسم كل واحد منهم بالله تعالى، أن زيد المدعى عليه، قتل عمروا صاحبهم. وأما قتل الخطاء فقسامته، خمسة وعشرون رجلا يحلفون كذلك. فإذا ثبتت البينة أو القسامة بالقتل، وجب على المدعى عليه القود. إن كان القتل عمدا، أو الدية إن رضي أولياء الدم بها. وإن كان القتل خطاء محضا أو شبيه العمد، وجب على المدعى عليه أو على عصبته الدية على ما تقدم ذكره. وإذا قامت بينة بالقتل على ما بيناه، فلا قسامة. والقسامة إنما تكون مع التهمة الظاهرة، مثل أن يكون الذي يسند القتل إليه أو قبيلته اعداء للمقتول، بشر (بسبب خ ل) متقدم بينهم وبين المقتول، أو بينه وبين بعض أهله، أو يشهد على المدعى عليه بالقتل، من لا تقبل شهادته، كالنساء، وغيرهن من (ممن - ظ) ليس هو من أهل العدالة. أو يشهد عدل واحد بذلك. أو قال المقتول (1) فلان هو القاتل. أو شيئ مما أشبه ذلك مع اللطخ (2) فإذا كان الأمر على ما ذكرناه، وكان المقتول مسلما، وجبت القسامة على أولياء الدم، فإذا وجبت عليهم، فينبغي أن يقسم (3) على أن فلانا قتل المقتول، إن كان واحدا، وإن كان القاتل اثنين، اقسموا على أن فلانا وفلانا قتلا صاحبنا فلانا، وكذلك. إن كان أكثر من ذلك، ذكروه في القسامة.

(1) أي قبل زهاق روحه.
(2) بالخاء المعجمة كما في بعض النسخ أي اللوث يقال لطخه لطخا أي لوثه تلويثا والمعروف في سائر كتب الأصحاب هو التعبير باللوث في اعتبار القسامة وهو وجود إمارة تفيد الظن بصدق المدعي في إسناد القتل إلى أحد وله حدود ذكروها في كتبهم.
(3) أي كل أحد من الاولياء والأولى ذكره بصيغة الجمع

[ 501 ]

وإذا لم يكن لأولياء الدم بينة تشهد لهم، بأن المدعى عليه هو القاتل لصاحبهم ولا لهم أيضا قسامة منهم (1) كان على المدعى عليه إحضار خمسين رجلا يحلفون عنه، أنه برئ مما ادعى عليه (من القتل، فإذا حلفوا كذلك برأ ذمته مما ادعى عليه) (2) من ذلك، فإن لم يكن له ذلك ردت الايمان عليه حتى يستكمل خمسين يمينا أنه برئ من ذلك. فإن حضر أقل من عدة (عدد - خ ل) القسامة استحلف الحاضرون منهم. وكررت عليهم الايمان حتى يستكمل خمسين يمينا. فإن أقسم القوم القسامة كلها، بأن فلانا هو القاتل لصاحبهم، وثبتت بينة عادلة قبل أن يحكم في المدعى عليه " إن القاتل لصاحبهم غيره " حكم بالبينة وبطلت القسامة ولم يكن لهم على من اقسموا سبيل. وإذا وجبت القسامة لقوم، ولم يرفعوا إلى الحاكم أمرهم، ولا قطع بها حكم حتى مات القوم، أو مات بعضهم، كان لورثته مثل ما لهم من ذلك. والبينة في الأعضاء، مثل البينة في النفس. وكل ما تجب الدية فيه من أعضاء الانسان، مثل العينين والسمع واليدين جميعا، فإن القسامة فيه، وهي: ستة رجال يقسمون أن المدعى عليه فعل ما ادعوه بصاحبهم، فإن لم يكن للمدعي قسامة، كررت عليه ستة أيمان، فإن لم يحلف، أو لا يكون له من يحلف، طولب المدعى عليه بقسامة ستة رجال، يقسمون على أنه برئ مما ادعوه عليه. وفيما نقص من الأعضاء، القسامة على قدر ذلك، إن كان سدس العضو فرجل واحد يقسم بذلك. وإن كانت ثلث العضو، فرجلان يقسمان به. وإن كان النصف، فثلاثة رجال، وعلى هذا الحساب. فإن لم يكن له من يقسم، كان عليه بعد ذلك، الايمان، إن كان السدس فيمين واحدة، وإن كان ثلثا فيمينان، وعلى هذا الحساب،

(1) المراد بالقسامة هنا الجماعة المقسمون وقد يطلق على نفس القسم المذكور كما في السطر السابق ويأتي.
(2) ما بين القوسين في هامش نسخة (ب) تصحيحا.

[ 502 ]

كما تقدم ذكره. فإن لم يكن للمدعي من يحلف عنه، وامتنع هو من اليمين، طولب المدعى عليه، إما بمن يحلف عنه، أو بتكرير الايمان عليه، كما يلزم المدعي على ما تقدم ذكره. وأما الاقرار، فالمراعى أن يقر القاتل - " وهو حر كامل العقل، غير مجبر، ولا مكره " - على نفسه بالقتل مرتين. فإن أقر وهو مملوك، أو ناقص العقل، أو مجبر أو مكره، لم يكن لاقراره تأثير، ولا يقبل على وجه. وإذا كان القتل عمدا، وشهد شاهدان على إنسان بأنه قتل المقتول، وشهد شاهدان بأن القاتل غيره، سقط القود هاهنا، وجبت الدية على الإثنين، المشهود عليهما، نصفين. وإذا كان القتل شبيه العمد، كان الحكم فيه كذلك. وإن كان خطاء محضا، كانت الدية فيه على عاقلتهما نصفين. وإذا اتهم رجل بأنه قتل رجلا، وأقر هو بذلك، ثم أقر آخر بأنه هو القاتل له دون الأول، ورجع الأول عن إقراره، درأ عنهما جميعا القود والدية أيضا، ودفعت الدية إلى أولياء الدم من بيت المال. وإذا قامت بينة على إنسان بأنه قتل غيره عمدا، وأقر آخر بأنه هو القاتل لذلك الانسان بعينه عمدا، كان أولياء الدم مخيرين في أن يقتلوا من أرادوا منهما، إلا أنه متى أرادوا قتل المشهود عليه، لم يكن لهم على المقر سبيل، ويرجع أولياء المشهود عليه على المقر بنصف الدية. وإن قتلوا المقر لم يكن لهم على المشهود عليه سبيل ولا لأولياء المقر عليه أيضا سبيل. وإن أرادوا قتلهما جميعا، قتلوهما وردوا على أولياء المشهود عليه نصف الدية بغير زيادة على ذلك. فإن يطلبوا الدية، كان ذلك على المشهود عليه وعلى المقر نصفين. وإذا قتل رجل رجلا، وادعى القاتل أنه وجده مع زوجته، كان عليه القود إلا أن يقيم البينة بما ادعاه.

[ 503 ]

وإذا أقر اثنان بأنهما قتلا انسانا، فاختلفا، فقال الواحد منهما: قتلته عمدا، وقال الآخر: قتلته خطاء، كان أولياء الدم مخيرين فيهما. فإن عملوا على قول المقر بالعمد، لم يكن لهم على المقر بالخطاء سبيل. وإن عملوا على قول المقر بالخطاء لم يكن لهم على المقر بالعمد سبيل. وإذا اتهم إنسان بالقتل، وجب أن يحبس ستة أيام، فإن أحضر المدعي بينة تشهد له بما ادعاه أو فصل الحكم فيه، وإلا أطلق من الحبس، ولم يكن للمدعي سبيل عليه. * * * " باب العاقلة " الاجماع منعقد على أن العاقلة تحمل دية الخطاء، إلا الاصم (1) وخلافه غير قادح فيما انعقد عليه الاجماع. والعاقلة التي تحمل ذلك، هم كل عصبة خرجت عن الوالدين والمولودين، وهم الآخرة (2) وأبناؤهم، والأعمام وأبناؤهم، وأعمام الأب وأبناؤهم. والموالي. فإذا كانت العاقلة هي من ذكرناه فينبغي أن يبدأ فيها بالاقرب فالأقرب على ترتيب الميراث، ولا يلزم ولد أب (3) وهناك من هو أقرب منه، فالأقرب الأخوة وأبناؤهم،

(1) الظاهر أنه أبو بكر الاصم واسمه عبد الرحمن بن كيسان كما في لسان الميزان ج 3 ص 427 وذكر أنه معتزلي صاحب المقالات في الأصول ويحتمل أن يكون أبا العباس محمد بن يعقوب بن يوسف ترجمة ابن الأثير في أول لبابه بعنوان الاصم وذكر أنه المشهور في الشرق والغرب لكن الأول أظهر كما يظهر في غير المقام من بعض مواضع التذكرة والخلاف.
(2) أي من قبل الأب أو الأبوين لخروج المتقرب بالأم وحدها عن العصبة.
(3) أي الأخ من قبل الأب وحده مع الأخ من الأبوين فإن الثاني أقرب كما يأتي.

[ 504 ]

ثم الأعمام ثم أبنائهم، ثم أعمام الأب ثم أبنائهم، فإذا لم يبق أحد من العصبات فالمولى، فإن لم يكن مولى فبيت المال. وأكثر ما يحمله كل رجل من العاقلة نصف دينار إن كان موسرا، فإن لم يكن موسرا فربع دينار، فإذا كان له أخ والعقل دينار، كان عليه نصف دينار، والباقي على بيت المال، وإن كان له أخوان كان على كل واحد منهما نصفه. فإن كان العقل دينارين وله أخ وابن أخ وعم وابن عم، كان على كل واحد نصف دينار فإن كان العقل خمسة دنانير وله عشرة إخوة، فعلى كل واحد منهم نصف دينار. وعلى هذا يجري الأمر في ذلك أبدا. فإن اجتمع له أخوان وكانا لأب، أو لأب وأم كانا في ذلك سواء. فإن كان أحدهما لأب والآخر لأب وأم، كان على الأولى بالميراث وهو الأخ من الأب والأم وليس على النساء ولا الصبيان ولا المجانين عقل (1). والذي يتحمل العقل عن القاتل من العاقلة من كان غنيا أو متجملا (2) وليس على الفقير أن يتحمل منها شيئا. ويعتبر الغنى والفقر وقت المطالبة والاستيفاء، وهو عند حلول الحول، ولا يعتبر ذلك قبل المطالبة. فمن كان غنيا عند دخول الحول طولب بذلك وإن كان فقيرا فيما تقدم، ومن كان فقيرا ترك. وكذلك يفعل عند دخول كل حول. وإذا حال الحول على موسر وجبت عليه المطالبة، فإن مات بعد ذلك لم تسقط عنه، وكان ما وجب عليه ثابتا في تركته. وقد ذكرناه في ما تقدم أن دية الخطاء تستأدى في ثلاث سنين في كل سنة نجم.

(1) يعني بالعقل في هذا الباب الدية قيل ومنه العاقلة لتحملهم لها أو لإرثهم لها لو كان مقتولا.
(2) لعل صوابه بالحاء المهملة كما في نسخة المبسوط المطبوعة قديما أي كسوبا.

[ 505 ]

وإذا جنى إنسان على نفسه جناية فيها تلف نفسه، أو قطع عضو منها، عمدا كان ذلك منه أو خطاءا، كان هدرا. وأما المولى، فإن كان من - فوق وهو المعتق المنعم - فإنه يعقل عن المولى من أسفل - وهو المعتق المنعم عليه - لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: الولاء لمحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ولا يورث (1) فشبهه بالنسب، وبالنسب يتحمل العقل، فكذلك بالولاء، فإن الولاء لا يعقل (2) وإنما يعقل إذا لم يكن للقاتل عصبة، أو كان له عصبة لا يتسع حالها لتحمل الدية، فإذا كان إنما يعقل بعد العصبات ووجبت الدية وحال الحول فرق الثلث (3) على العصبات، على الأخوة وأبنائهم، ثم الأعمام وأبنائهم ثم أعمام الأب وأبنائهم. على هذا الترتيب أبدا. فإذا لم يبق له عصبة مناسب تحمل المولى ما بقي. فإن اتسعوا لما بقي، وإلا فعلى عصبة المولى ثم على مولى الموالى (المولى - خ ل) فإن لم يتسعوا فعلى عصبتهم على ترتيب الميراث، فإن لم يتسعوا وفضل فضل فمن بيت المال.
(4) يؤخر بيت المال عن الموالى كما يؤخر عنهم في

(1) الوسائل الباب 42 من العتق وسنن الدارمي في الفرائض والجامع الصغير للسيوطي واورده الشيخ في فرائض الخلاف وفي المبسوط هنا وبابي الولاء من العتق والفرائض وليس في شيئ منها " ولا يورث " إلا في المبسوط هنا وكأنه سهو من القلم نشأ من ورود نحوه في الوقف، أو الصواب " ولا يشترط " كما في نص على حدة أو لا " يشترى " كما في فرائض المبسوط فإن إرث الولاء في الجملة ثابت نصا وفتوى كما مر في العتق من هذا الكتاب.
(2) كذا في نسخة (ب) بعد التصحيح ولكن في الأصل ونسخة أخرى " فكذلك الولاء يعقل " وهو الصواب.
(3) أي ثلث الدية الواجب لذاك الحول (4) ظاهره عدم الفرق بين أن يكون للقاتل مال أم لا لكن مر في باب أقسام القتل أنه إن كان له مال ولا مال لعاقلته فالدية عليه دون بيت المال.

[ 506 ]

الميراث. فإن كان بيت المال ليس فيه مال، تأخرت حتى يحدث من يحملها (1) من بيت المال. فأما المولى من أسفل، فليس يعقل المولى من فوق. وإذا وضع إنسان حجرا في طريق المسلمين، أو في ملك غيره، فتعقل به إنسان (2)، فوقع فمات أو نصب مكان الحجر سكينا فوقع على إنسان (3) فمات أو وضع حجرا في هذا الموضع، ونصب قريبا منه سكينا، فتعقل بالحجر فوقع على السكين فمات. كان على فاعل ذلك، الدية في ماله، لأنه معتمد (4) وهو في ذلك بمنزلة الدافع للذي مات. فإن كان ذلك من اثنين، مثل أن وضع أحدهما في هذا الموضع حجرا، ونصب الآخر سكينا قريبا منه، فتعقل إنسان بالحجر فوقع على السكين فمات، كانت الدية على واضع الحجر وحده، لأنه كالدافع له على السكين. وكذلك لو وضع أحدهما حجرا وحفر الآخر قريبا منه بئرا، فتعقل إنسان بالحجر فسقط في البئر، كان على واضع الحجر الضمان، كما إذا دفعه في البئر. فإن كان هذا الواضع في ملكه، فوضع فيه حجرا أو نصب سكينا، أو وضع الحجر ونصب السكين، فتعقل إنسان بالحجر فوقع على السكين، أو وقع (5) فمات، لم يكن عليه ضمان، لأنه فعل ما

(1) لعل الصواب " ما يحملها " أي يحدث فيها مال بقدر الدية (2) بصيغة الماضي من باب التفعل بمعنى الحبس والامساك يقال عقله عن حاجته إذا حبسه كما في لسان العرب والنسخ الموجودة من المتن مضطربة في ضبطه مادة وهيئة هنا وفي الموارد التالية والأظهر ما ذكرناه (3) الصواب " عليها إنسان " (4) الصواب " متعمد " إذ المدار في الضمان هنا على التعدي كما في الفروع التالية (5) أي على الأرض إذا لم ينصب سكينا

[ 507 ]

له فعله، والتعدي كان من الهالك، لأنه فرط بدخوله غير ملكه، فهدر دمه. فإن كان ذلك من اثنين، وضع المالك الحجر، ونصب الأجنبي سكينا، فتعقل إنسان بالحجر فوقع على السكين فمات. كان على صاحب السكين الضمان، دون الواضع للحجر، لأن الناصب هو المتعدى دون صاحب الحجر، وكذلك لو أن المالك نصب السكين ثم وضع الحجر أجنبي. كان الضمان على واضع الحجر الأجنبي، لأن المتعدي هو. وإذا حفر بئرا فسقط فيها إنسان أو بهيمة فهلك، وكان ذلك في ملكه، لم يكن عليه شيئ، لأن له أن يفعل في ملكه ما أراد. وكذلك الحكم إذا حفرها في موات ليملكها به، لأنه لا فرق بين ذلك وبين أن يفعله في ملكه. فإن حفر البئر في غير ملكه بغير إذن المالك، كان ضمان ما يتلف. بذلك على الحافر للبئر، لأنه تعدى بحفرها. فإن أبرأه المالك وقال: قد رضيت بحفرك وأقره عليه، زال الضمان عنه. وإذا حفر بئرا في طريق المسلمين، وكان الطريق ضيقا، كان عليه الضمان، سواء حفرها بإذن الإمام أو بغير إذنه، لأنه لا يملك الإذن فيما يضيق على المسلمين ويلحقهم بذلك الضرر. وإذا بنى إنسان في ملكه حائطا مستويا فسقط دفعة واحدة، فأتلف شيئا من الانفس والأموال، لم يكن عليه شيئ، لأن له أن يصنع في ملكه ما أراد من غير تفريط. وكذلك الحكم إذا بناه في ملكه مائلا إلى ملكه. وكذلك إذا بناه في ملكه فمال بنفسه إلى ملكه، أو بناه (1) مائلا في الأصل. فإن بناه في ملكه مستويا، فمال إلى الطريق، أو إلى دار جاره، وطالبه جاره

(1) الظاهر أن هذا الفرض تكرار للفرض الثاني ولذا ذكره في المبسوط شاهدا على نفي الضمان في الأخير ولعله المراد بالمتن.

[ 508 ]

بنقضه، واشهد عليه أو لم يشهد (1) فوقع فأتلف نفسا أو غيرها، فإن كان ذلك قبل المطالبة بنقضه وقبل الاشهاد، لم يكن عليه الضمان وإن كان بعد ذلك، كان عليه الضمان إذا كان قادر ومتمكنا من نقضه فلم يفعل، فإن لم يكن قادر أو لا متمكنا من ذلك لم يكن عليه شئ وإذا أخرج جناحا إلى طريق المسلمين، فوقع على إنسان فقتله أو أصاب بوقوعه شيئا فأتلفه، كان عليه الضمان وإذا كان الحائط بين دارين فتشقق وتقطع، وخيف من سقوطه، ولم يمل إلى دار أحدهما، لم يكن لأحدهما مطالبة شريكه بنقضه، لأنه إذا مال إلى هواء دار الجار فقد حصل في ملكه وكان له المطالبة بإزالته. كما لو عين غصنا من شجرته إلى دار جاره، فإن له المطالبة بإزالته بقطع أو غيره. وإذا أراد إخراج جناح إلى شارع المسلمين. أو إلى درب نافذ أو غير نافذ وبابه فيه، أو أراد عمل ساباط، فكان قد عمل ذلك على وجه يستضر به المجتازون والعابرون، منع منه وإن لم يكن كذلك لم يمنع منه. وإذا مشى إنسان بين الرماة والهدف، فأصابه سهم من الرماة، كان ذلك خطاء لأن الرامي لم يقصده وإنما قصد الهدف. فإن كان معه صبي فقربه إلى طريق السهم فوقع السهم فيه فقتله، كان على الذي قربه الضمان دون الرامي، لأن الرامي ما

(1) ذكر المطالبة والاشهاد هنا مناف للتفصيل بعده فكان الأولى حذفهما ولعله كانت المسألة مذكورة في كلام القوم كذلك فتبعهم المصنف فيه ثم زاد عليه في حكمه والمراد بالمطالبة في التفصيل أعم من مطالبة الجار ومطالبة الحاكم بالنسبة إلى الطريق كما يظهر من المبسوط هذا ولكن الظاهر عدم مدخلية المطالبة والاشهاد في الضمان لصدق التفريط بدونهما فيضمن بتحقيق الميل على الأقوى (2) الظاهر هنا سقطا وهو " وإن مال إلى دار أحد هما كان له مطالبة شريكه بنقضه " كما في المبسوط وإلا لا يناسب التعليل (3) لعل الصواب " لو عبر غصن " كما في المبسوط

[ 509 ]

قصده، والذي قربه عرضه لذلك. وإذا بالت دابته في الطريق فزلق به إنسان فمات، كانت الدية عليه، سواء كان راكبا أو قائدا أو سائقا، لأن يده عليها، كما لو بال هو في هذا المكان. وإذا أكل شيئا فرمى بقشره في الطريق، مثل الخيار والبطيخ والقثاء (1) كان الحكم إذا زلق به إنسان مثل ما تقدم. وكذلك إذا رش في طريق ماءا، فزلق به إنسان فهلك، فإن عليه الضمان في كل ذلك. * * * " باب دية الجنين والميت " " إذا قطع رأسه أو بعض أعضائه " دية الجنين تلزم بحسب ما تلقيه أمه، وذلك على وجوه، منها أن يضرب إنسان بطن امرأة حامل، أو يضربها بحيث تلقى ما في بطنها، فتلقى ذلك نطفة، ففيه عشرون دينارا. فإن ألقته علقة، كان عليه فيه أربعون دينارا. فإن ألقته مضغة، كان فيه ستون دينارا. فإن ألقته وفيه عظم، كان فيه ثمانون دينارا. فإن ألقته وقد اكتسى لحما وكمل خلقه ولم ينشأ فيه الروح، كان فيه مأة دينار. فإن ألقته فيما بين شيئ من هذه الوجوه الخمسة، كان فيه بحساب ذلك. وإذا القت المرأة جنينا وادعت حياته، وأنكر الجاني ذلك، كان عليها البينة

(1) القثاء هو الخيار كما في المجمع والصحاح وفي المصباح أن بعض الناس يطلقه على نوع يشبع الخيار وفي البحار باب القثاء أنه يظهر من بعض الاطباء أنه الطويل المعوج (2) ظاهره أن المراد بحسابه في الصفة فلو القت نطفة متغيرة عن البياض ولم تصر علقة يؤخذ ما بينهما على صفتها وذكر في السرائر أن المراد بحساب الأيام فكلما زاد على مقدار مكث النطفة بصورتها يوم زاد على الدية دينار واحتمل في الشرائع وجها ثالثا فراجع له ولتحقيق أصله إلى جواهر كلام.

[ 510 ]

والقول قول الجاني مع يمينه بأنه كان ميتا. وإذا ضرب رجل امرأة، فادعت أنها القت جنينا، وأنكر الجاني ذلك، كان القول قوله مع يمينه. فإن ثبت لها بذلك بينة حكم لها بها. وإذا قتلت امرأة وهي حامل، ومات الولد في بطنها، ولم يعلم هل هو ذكر أو أنثى، كان على الجاني دية امرأة كاملة، وفي ولدها نصف دية رجل ونصف دية امرأة، تكون جملة ذلك اثنى عشر ألف درهم وخمس مأة درهم. وإذا قطع شيئ من جوارح الجنين الذي ليس بحي وأعضائه، كان فيه الدية من حساب جوارح الجنين الذي ليس بحي، وهي مأة دينار. وإذا شربت امرأة دواء لتلقى ما في بطنها وألقتها، كان عليها الدية بحساب ما قدمنا ذكره لوارث المولود، دونها. ودية الجنين الذمي عشر دية أبيه، وما يكون من أعضائه بحساب ذلك. ودية جنين الأمة إذا كانت حاملا من مملوك عشر قيمتها، وما كان منه فبحسابه وفي جنين البهيمة عشر قيمتها، وفيما كان بين ذلك فبحسابه. وإذا افزع إنسان رجلا وهو يجامع فعزل عن المرأة، كان عليه لضياع النطفة عشر دية الجنين وهو عشرة دنانير. فإن عزل الرجل عن زوجته الحرة غير المجنونة

(1) أي بعد ولوج الروح في الولد فإن ديته حينئد عشرة آلاف درهم إن كان ذكرا وخمسة آلاف إن كان أنثى ومع الاشتباه نصفهما كما في النص فإذا أضيفت إليه دية المرأة خمسة آلاف صار اثنى عشر وخمس مأة (2) أي التام الذي لم يلج فيه الروح وكذا في الأمة وقد مر في هذا الكتاب أن دية الرجل الذمي ثمان مأة درهم فيكون عشرها ثمانين ويكون لأعضاء الجنين على هذا الحساب (3) أي من أعضائه كما مر أو من مراتبه كالنطفة ففيها خمس عشر القيمة وهكذا (4) لعل الصواب " ودون ذلك " أي دون الجنين التام

[ 511 ]

بغير إذنها، كان عليه مثل ما تقدم من دية ضياع النطفة عشرة دنانير. فإن عزل عن الأمة، لم يكن عليه شيئ. وحكم الميت حكم الجنين، وديته كديته سواء. فإذا فعل إنسان بميت فعلا لو فعله بالحي لكان فيه تلف نفسه، كان عليه مأة دينار، وفيما يفعل به من قلع عين أو قطع يد أو كسرها أو جراحة فبحساب ديته. ودية الحي يستحقها وارثه، ودية الميت لا يستحقها منهم أحد، بل هي له يتصدق بها عنه. وإذا ضرب رجل أمة أو ذمية، فأعتقت الأمة أو أسلمت الذمية قبل أن تلقى جنينها، ثم ألقته بعد ذلك، كان حكمه حكم أمه في وقت الولادة. * * * " باب الجنايات على الحيوان " متى أتلف حيوانا لغيره، وكان الحيوان مما لا يقع عليه الذكاة من الفهود والصقور وما أشبه ذلك مما يجوز للمسلم تملكه.
(2) كان قيمته يوم أتلفه فإن أتلف عليه شيئا مما لا يحل للمسلم تملكه، لم يكن عليه شيئ، وإن أتلف شيئا من ذلك على ذمي، كان عليه قيمته. فإن أتلف عليه شيئا مما يقع الذكاة عليه، على وجه يمنعه من الانتفاع به،

(1) أي يسلمها إلى الزوجة كما في المقنعة والنهاية وغير هما وهذا الحكم ذكره جمع من قدماء الأصحاب ونسبه بعض كالنهاية والخلاف إلى الرواية وكان المراد بها رواية ظريف بن ناصح الطويلة فقد رواها في الكافي والفقيه والتهذيب وبينها اختلاف في النقل وفي الاخيرين جملتان فيهما اضطراب واختلاف في النسخ والظاهر أن إحداهما لعزل الزوج والأخرى لإفزاع الغير لكن النصوص الواردة في جواز العزل عن الحرة مع الكراهة كما تقدمت من المصنف في النكاح لا تناسب وجوب الدية فيحمل ما في الرواية على الاستحباب كما في المختلف (2) زاد هنا في هامش نسخة (ب) " على ذمي " وكأنه سهو

[ 512 ]

كان حكمه أيضا حكم ما لا يقع عليه الذكاة في أنه يجب عليه قيمته في يوم إتلافه فإن أتلفه على وجه يمكنه الانتفاع يه، كان لصاحبه الخيار بين أن يلزمه قيمته يوم أتلفه ويسلم إليه ذلك الشيئ، أو يطالبه بقيمة ما بين كونه متلفا وكونه حيا. ودية الكلب السلوقي أربعون درهما، ودية كلب الحائط والماشية عشرون درهما وفي كلب الزرع قفيز من طعام، وليس في غير ما ذكرناه من الكلاب شيئ. وجراح البهائم، وقطع أعضائها، يجري على حسب ما قدمناه وإن (فإن - ظ) كان الحيوان مما يتملك، كان فيه أرش ما بين قيمته صحيحا ومعيبا، وإن كان مما لا يتملك، فحكم جراحه وكسره، حكم اتلاف نفسه. فإذا كسر إنسان عظم بعير أو بقرة أو شاة أو ما أشبه ذلك، كان عليه أرشه كما قدمناه. وليس له خيار في أخذ قيمته وتسليمه إلى الجاني عليه. وإذا كان البعير بين أربعة نفر، فعقل واحد منهم يده، فتخطى إلى بئر فوقع فيها فاندق، كان على الشركاء الثلاثة للذي عقله ربع قيمته، لأنه حفظ وضيع عليه الباقون بترك عقالهم إياه. وإذا فقأ عين بهيمة، كان عليه ربع قيمتها. وإذا جنت بهيمة إنسان على غيره جناية أو على بهيمة، فإن كانت الجناية بتفريط وقع منه في حفظها، أو تعد في استعمالها، كان عليه ضمان جنايتها، كائنا ما كان وإن كان بغير ذلك لم يكن عليه شيئ. فمن ذلك، جناية غنم الانسان على زرع، فإنه إن كان ترك حفظها ليلا حتى دخلته وأكلته وأفسدته، كان عليه ضمان ذلك، وإن كان إفسادها كذلك نهارا من غير سبب لم يكن عليه شئ. وإذا أتلف إنسان على مسلم شيئا من الملاهي، التي لا يجوز له تملكها، مثل العيدان والطنابير وآلات الزمر وما أشبه ذلك لم يكن عليه شيئ. فإن أتلف من ذلك

(1) وذلك لجريان العادة بعقال البعير لئلا يشرد كما ورد في الخبر، اعقلها وتوكل فهنا قد عمل العاقل بذلك في حصته وإنما تلف لعدم مشاركة الباقين له في حصصهم بعقال كله فالنص الوارد بضمانهم على القاعدة وليس حكما في واقعة كما قيل

[ 513 ]

شيئا على ذمي في حرزه، كان عليه ضمانه. " باب ما لا دية فيه ولا قود " " ومن لا يعرف قاتله، والقاتل في الحرم والأشهر الحرم " إذا قصد إنسان غيره يريد نفسه أو ماله، فدفعه المقصود إليه عن نفسه، فأدى الدفع له إلى قتله، كان دمه هدرا. ومن مات في زحام على جسر، أو على عبور موضع، أو في يوم عرفة أو يوم جمعة، أو ما أشبه ذلك من المواضع التي يزدحم الناس عليها، (فيها - خ ل) ولا يعرف له قاتل وكان له ولي يطلب ديته، كان ديته، على بيت المال، فإن لم يكن له ولي فلا دية له. وإذا وجد قتيل في قرية، أو قبيلة، أو وجد على باب دار قوم، ولا يعرف له قاتل ويكونون متهمين بقتله، ويمتنعون من القسامة، كانت ديته على أهل تلك القرية أو القبيلة أو الدار. فإن لم يكونوا متهمين، أو أجابوا إلى القسامة، لم يكن عليهم شئ، وكانت ديته على بيت المال. وإذا وجد قتيل بين القريتين، كانت ديته على أهل أقرب القريتين إليه، فإن كانت القريتان في المسافة متساويتين، كانت الدية على أهلهما جميعا بالسوية. وإذا وجد قتيل بين عسكرين نازلين (1)، كان الحكم فيه مثل ما تقدم في القريتين. وإذا رمى مسلم في حرب كافرا بسهم، فاسلم الكافر قبل وصول السهم إليه، لم يكن له دية. وإذا وجد قتيل مقطعا في مواضع متفرقة، كانت ديته على أهل المواضع التي يكون فيها قلبه وصدره، ولا شئ على الباقين، إلا أن يتهم قوم آخرون بقتله، فيحكم

(1) أي واقفين غير عابرين ويحتمل كون المراد موقفين عن القتال

[ 514 ]

فيهم بإقامة البينة أو القسامة. وإذا وقفت فرعة الليل (1) ووجد مجروح أو قتيل بين الناس لم يكن فيه أرش ولا قصاص، وكانت ديته على بيت المال. وإذا دخل صبي دار قوم، فوقع في بئر هم فمات. وكان دخوله بإذنهم، وهم متهمون بعداوة بينهم وبين أهله، كانت الدية عليهم، وإن كانوا مأمونين غير متهمين لم يكن عليهم شئ. وإذا وجد قتيل في صحرا، أو أرض فلاة لم يكن فيها أحد، كان ديته على بيت المال. وإذا وجد قتيل في معسكر أو سوق، ولم يعرف له قاتل، كانت ديته على بيت المال. وإذا أراد إنسان غلاما، أو امرأة على فجور فدفعاه عن أنفسهما فمات، كان دمه هدرا. وإذا مات إنسان في قصاص، أو حد، لم يكن فيه دية ولا قود. وإذا اطلع إنسان على قوم في دارهم أو دخل عليهم دارهم بغير إذنهم، فزجروه فلم ينزجر، فرموه فقتلوه أو فقئوا عينه، لم يكن عليهم شيئ، وكان دمه هدرا وإذا قصد مجنون انسانا بخشبة أو حجر أو سيف أو ما جرى مجرى ذلك،

(1) كذا في نسخة (ب) ونسخة أخرى من الوقوف والقرع بالقاف والراء المهملة وعن نسخة " وقعت وقعة " ولعل الصواب " وقعت فزعة بالليل " كما في نهاية الشيخ بالفاء والزاء المعجمة وعلى كل فالمراد وقوع فتنة بالليل ثم زالت ففي الوسائل الباب 6 من دعوى القتل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ليس في الهايشات عقل ولا قصاص ثم ذكر فيه أن الهايشات الفزعة تقع بالليل والنهار فيشج الرجل فيها أو يقع قتيل لا يدري من قتله وشجه وفي نهاية ابن الأثير: في الحديث ليس في الهيشات قود أي القتيل يقتل في الفتنة لا يدري من قتله.

[ 515 ]

فدفعه عن نفسه فقتله، كان دمه هدرا. وإذا لعب الصبيان فرمى أحدهم غيره بخطره (1) فدق رباعيته، أو ما أشبه ذلك وكان قد قال: حذار، لم يكن عليه قصاص وقد روي (2) في امرأة أدخلت صديقها في حجلتها ليلة دخول زوجها بها وإنه لما خلى الزوج بها ثار الصديق إليه واقتتلا، فقتل الزوج الصديق، ثم إن المرءة ضربت زوجها ضربة فقتلته، ثم إن (3) المرأة تضمن دية الصديق وتقتل هي بزوجها. وروي (4) أيضا في لص دخل على امرأة، فجمع الثياب، ثم حملته نفسه على وطأ المرأة، فلما وطأها ثار ابنها إليه فقتله اللص، وأن المرأة حملت عليه بفأس فقتله، وجاء أوليائه من الغد يطلبون بدمه، فإن ضمان دية الغلام على أوليائه الذين طلبوا بدمه، ويضمن السارق فيما ترك أربعة آلاف درهم، لمكابرة المرءة على فرجها لأنه زان، وهو في ماله غرامة، وليس على المرأة في قتله شيئ لأنه سارق.

(1) الخطر بالتحريك: السبق الذي يتراهن عليه والمقلاع الذي يرمى به والمراد هنا الثاني كما في مجمع البحرين وقوله: حذار أي احذر وقد ورد ذلك عن أمير المؤمنين كما في الوسائل الباب 26 من القصاص في النفس وفيه أن الرامي أقام البينة بأنه قال حذار فدرأ (عليه السلام) عنه القصاص وقال قد أعذر من حذر وكأن المراد بالقصاص هنا ضمان الدية لأن عمد الصبي خطاء تحمله العاقلة فكيف بمثل ذلك مما لم يكن فيه تعمد (2) الوسائل الباب 21 من موجبات الضمان.
(3) الظاهر زيادة لفظة " ثم " وضمان المرأة دية الصديق لأنها عرضته للقتل وعدم كون الدية على الزوج المباشر (4) الوسائل الباب 23 من قصاص النفس الحديث 2 وفيه سقط وصوابه ما في المتن (5) أي دم السارق كما عن بعض نسخ المتن

[ 516 ]

وإذا قتل إنسان غيره في الحرم، أو في أحد الأشهر الحرم، طلبت منه الدية للقتل، والثلث لانتهاكه حرمة الحرم، والأشهر الحرم. وإن اختار أولياء المقتول القود، كان لهم ذلك. وإذا قتل إنسان غيره في غير الحرم، ثم التجأ إلى الحرم وتحرم به، لم يقتل فيه، بل يضيق عليه في المطعم والمشرب ويمنع من مبايعته ومعاملته حتى يخرج منه، فيقام الحد عليه، وكذلك الحكم فيمن التجأ في مثل ذلك إلى مشهد من مشاهد الأئمة (عليهم السلام). تم كتاب الديات * * *

(1) في نسخة الأصل هكذا " وطلبت منه الدية كان عليه دية وثلث، الدية للقتل والثلث لانتهاكه " وظاهره أنه إن طلب منه القود لم يكن عليه الثلث الزائد (2) إلى هنا انتهت مراجعتي لكتاب مهذب الفقه، وكان المرجو إنهاؤها إلى آخر الكتاب لكن عاقني عنه استعجال الناشر، وقد وقع الفراغ من ذلك ليلة الثامن عشر من شهر ربيع الأول عام 1406 هج بمدينة قم، والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

[ 517 ]

باب الحدود قال الله تعالى: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة، ولا تأخذ كم بهما رأفة في دين الله، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. (1). وقال الله تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك واصلحوا فإن الله غفور رحيم.
(2). وقال الله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله، والله عزيز حكيم.
(3) وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله): إنه نهى عن تعطيل الحدود، وقال: إنما هلك بنوا إسرائيل لأنهم كانوا يقيمون الحدود على الوضيع دون الشريف. وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه اللام) أنه قال لبعض أصحابه ممن وصاه بإقامة الحدود: عليك بإقامة الحدود على القريب والبعيد، والحكم بكتاب الله في الرضا

(1) النور، الآية 2 (2) النور الآية 4 (3) المائدة الآية 42 (4) دعائم الاسلام، ج 2، كتاب الحدود، الحديث 1540، ص 442

[ 518 ]

والسخط، والقسم بالعدل بين الأحمر والأسود. (1) وروي عنه (عليه السلام) أنه كتب إلى رفاعة: اقم الحدود على القريب يجتنبها البعيد ولا تطل الدماء (2)، ولا تعطل الحدود. وليس يقيم الحدود إلا الأئمة (عليهم السلام)، أو من ينصبونه لذلك، أو يأمرونه به، إلا ما ورد في جواز إقامة أحدنا ذلك على بعض أهله، وسيأتي ذكره فيما بعد بمشيئة الله تعالى ولا يجوز تضييع شئ من الحدود الواجبة ولا النقص منها ولا الزيادة عليها، ولا الشفاعة فيها أيضا. فإن كانت الحدود من حقوق الادميين جازت الشفاعة فيها قبل رفعها إلى الإمام (عليه السلام)، أو إلى المنصوب من قبله، فإن رفعت إليه لم تجز الشفاعة بعد ذلك فيها، وظهر المؤمن حمى إلا من حد يجب عليه، ومن عفى عن حد، وجب له، لم يجز له الرجوع فيه بعد ذلك. " باب الزنا وأقسام الزنا وما يتعلق بذلك " الزنا معلوم من دين الاسلام تحريمه بغير خلاف، وهو وطؤ البالغ الكامل لمن حرم الله تعالى وطأه من غير عقد، ولا شبهة عقد، في الفرج، وقد تقدم ذكر المحرمات وما يصح الوطأ من عقد أو ملك في كتاب النكاح، فلا وجه لاعادته هنا. فأما شبهة العقد فهو أن يعقد الرجل على ذي محرم - من بنت أو أم، أو أخت أو ما أشبه ذلك - وهو لا يعرفها، أو يعقد على امرأة لها بعل وهو لا يعلم ذلك، أو يعقد عليها وهي في عدة - إما من طلاق رجعي أو بائن، أو متوفى عنها زوجها - وهو غير عالم بحالها، أو يعقد عليها وهي محرمة، أو يعقد وهو محرم ناسيا، ثم يعلم شيئا من ذلك، فإنه يدرء الحد عنه: ولا يحكم عليه بالزناء. فإن عقد على أحد ممن ذكرنا متعمدا (3)، وهو عالم بذلك، ووطئها، كان حكمها حكم الزنا.

(1 - 2) دعائم الاسلام، ج 2، كتاب الحدود، الحديث 1543، ص 443 و 1541 ص 442 * (3) في بعض النسخ " أو "

[ 519 ]

فأما الزناة، فينقسمون خمسة أقسام. أولها: يجب الحد فيه بالقتل على كل حال. وثانيها: يجب الجلد فيه، ثم الرجم. وثالثها: يجب الرجم فيه دون الجلد. ورابعها: يجب فيه الجلد ثم النفى. وخامسها: يجب فيه الجلد فقط. وأما ما يجب فيه القتل على كل حال، فهو وطؤ من وطأ ذات محرم منه، من أم، أو بنت، أو أخت، أو ابنتها، أو بنت أخ، أو عمة، أو خالة، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، شيخا كان أو شابا، محصنا كان أو غير محصن. أو كان ذميا فزنى بمسلمة. فإنه يقتل على كل حال وإن أسلم، وعلى المرئة الحد على ما يستحقه، من جلد أو رجم. وكل من غصب امرأة فرجها، محصنا أو غير محصن وكل من زنى بامرأة أبيه، محصنا أو غير محصن. وأما الذي يجب فيه الرجم بعد الجلد، فهو وطؤ الشيخ والشيخة إذا زنيا وكانا محصنين. وأما الذي يجب فيه الرجم دون الجلد، فهو وطؤ كل محصن أو محصنة ليسا بشيخين. وأما الذي يجب فيه الجلد ثم النفى، فهو البكر والبكرة، والبكر هو الذي أملك على امرأة ولم يكن دخل بها. وأما الذي يجب فيه الجلد فقط، فهو كل من زنى وهو غير محصن ولا بكر، رجلا كان أو امرأة. وحد الاحصان في الرجل، أن يكون له فرج يتمكن من وطئه، ويكون مالكا له بعقد أو ملك يمين. والعقد يكون دائما غير مؤجل، لأن المتعة لا تحصن، ولا فرق بين أن يكون العقد الدائم عقدا على حرة أو أمة، أو عقدا على امرأة يهودية

[ 520 ]

أو نصرانية فإن ذلك كله تحصن، وملك اليمين أيضا يحصن. ومن كان غائبا عن زوجته غيبة لا يتمكن معها من الوصول إليها، أو يكون حاضرا غير متمكن من وطئها بأن يكون محبوسا، أو ما جرى مجرى ذلك، أو لا يكون دخل بها بعد، فإنه لا يكون محصنا. وأما الاحصان في المرئة، فهو أن يكون لها زوج يغدو إليها ويروح، يخلى بينه وبينها، غير غائب عنها، وقد دخل بها، حرا كان أو عبدا. والبكر الذي ذكرناه، أنه هو الذي أملك بالمرأة ولم يدخل بها، يجب عليه مع الجلد جز شعره، والنفي عن بلده سنة. وإذا كان امرأة لم يجب عليها شيئ من ذلك، ولا يجب عليها غير الحد. والذي يجب عليه الجلد وليس عليه أكثر من ذلك، فهو وطؤ كل من زنى وليس بمحصن ولا بكر، فإنه يجب عليه الجلد، رجلا كان أو امرأة. وإذا زنى ثم جلد، ثم زنى ثانية ثم جلد، ثم زنى ثالثة وجلد، ثم زنى رابعة، كان عليه القتل. فإن زنى أربع مرات أو أكثر من ذلك ولم يقم عليه حد لم يجب عليه أكثر من مأة جلدة. وجميع هذه الأحكام خاصة في الحر والحرة، إلا الأول - الذي هو القتل - فإنه يشترك فيه الحر والعبد. وأما ما عدا ذلك فحكم المملوك غير حكم الحر ونحن نبين ذلك، فنقول: العبد والأمة إذا زنيا، كان على كل واحد منهما خمسون جلدة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الزنا بحر أو حرة، أو مملوك أ مملوكة، شيخين كانا أو شابين، محصنين أو غير محصنين، بكرين أو غير بكرين، لا يختلف الحكم في أنه يجب عليهم خمسون جلدة مع هذه الوجوه كلها. فإن زنيا ثمانى مرات وأقيم عليهما الحد في ذلك، ثم زنيا التاسعة، وجب عليهما القتل. فإن لم يقم عليهما

(1) في بعض النسخ زيادة " إلى غير مهد ".

[ 521 ]

حد في شيئ من ذلك و (1) كانا قد زنيا أكثر من ثمانى مرات، فإنه لا يجب على كل واحد منهما (2) أكثر من خمسين جلدة. وزنا الحر والحرة. والمسلم والأمة المسلمة (3) التي لغيره سواء كانت لزوجته أو لوالده أو لغير هما من الأجنبيين على حد واحد لا يختلف فيه الحكم. وكذلك المرأة لا فرق بين أن تزني بحر، أو عبد مملوك لها، أو لغيرها، فإن الحكم أيضا لا يختلف في ذلك. وإذا زنى بصبية لم تبلغ فليس مثلها قد بلغ (4) فليس عليه إلا الجلد، ولا رجم عليه في ذلك. فإن أفضاها أو عابها، كان عليه ضمان عيبها، وقد سلف ذكر ذلك. وإذا زنت امرأة بصبي لم يبلغ، لم يكن عليها غير جلد مأة، ولا رجم عليها، والصبي والصبية عليهما تأديب. فإن زنى رجل بمجنونة، كان عليه الحد جلد مأة وليس عليه رجم، وليس على المجنونة شيئ. وإذا زنى مجنون بامرأة، كان عليها جلد مأة أو الرجم. وإذا زنى إنسان، وتاب قبل قيام البينة عليه بالزنا، ادرأت التوبة عنه الحد. فإن تاب بعد قيام البينة عليه، كان عليه الحد، ولم يجز للامام (عليه السلام) أن يعفو عنه فإن كان أقر على نفسه عند الإمام (عليه السلام)، ثم أظهر التوبة، كان الإمام بالخيار في إقامة الحد عليه أو العفو عنه، بحسب ما يراه من المصلحة في ذلك، وإن لم يتب لم يجز للامام العفو عنه.

(1) في جميع النسخ " أو " والظاهر أنها تصحيف والصحيح ما في المتن.
(2) في النسخ " منهم " والظاهر أنها تصحيف (3) الظاهر أن في العبارة تشويش واضطراب ولعلها تصحيف والمراد: إن زنا الحر مع الحرة المسلمة أو الأمة المسلمة على حد واحد.
(4) لعل المراد: إن مثلها في الجسم لم تبلغ وهذا القيد للاحتراز عن صبية لم تبلغ ولكن أمثالها في الجسم قد بلغن

[ 522 ]

وإذا زنى نصراني أو يهودي بمن هو من أهل ملته، فالامام مخير بين إقامة الحد عيه بما يقتضيه شرع الاسلام، وبين تسليمه إلى أهل ملته وأهل ملة المرأة ليقيموا عليه (1) الحد بحسب ما يعتقدونه في ملتهم. وإذا عقد رجل على امرأة في عدتها، ودخل بها وهو عالم بذلك، كان عليه الحد. فإن كانت عدتها عدة طلاق رجعي، كان عليه الرجم. وإن كانت عدة طلاق بائن، أو متوفى عنها زوجها، كان عليه مأة جلدة فقط. فإن ادعيا أنهما لم يعلما أن ذلك لا يجوز في شريعة الاسلام، لم يصدقا فيه، وأقيم عليهما الحد. وإذا زنى مكاتب مشروط عليه، وقد أدى من مكاتبته شيئا، كان حده حد المماليك، وقد تقدم ذكر ذلك. فإن كان غير مشروط عليه، وقد أدى من مكاتبته شيئا جلد بحساب ما أدى حد الحر - من مأة جلدة - وبحساب ما بقي من حد المملوك من خمسين جلدة - ولم يجب عليه رجم على حال ولا على وجه، إلا بعد أن ينقضي مكاتبته ويطأ زوجته بعد ذلك وهو حر، فإذا زنى بعد ذلك كان عليه الرجم. وكذلك المملوك المحض. وإذا أعتق وزنى، فإن كان قد وطأ امرأة بعد العتق وقبل الزنا، كل عليه الرجم. وإن كان لم يطأها بعد العتق، كان عليه مأة جلدة، لأنه في حكم من لم يدخل بزوجته. وإذا وطأ رجل جارية من المغنم قبل القسمة، قومت عليه وأسقط عنه من قيمتها بمقدار ما يصيبه منها، والباقي بين المسلمين، ويقام عليه الحد ويدرأ عنه بمقدار ما كان له منها. وإذا كان لرجل مملوكة، له فيها شريك، فوطأها، كان عليه من الحد بحساب ما لا يملك منها ويدرأ عنه بحساب ما يملكه منها. وإذا زنت امرأة وحملت من الزنا، وشربت دواء فألقت الجنين سقطا، كان

(1) في بعض النسخ " عليها " والظاهر تصحيفها

[ 523 ]

عليها الحد للزنا والتعزير لفعلها. وإذا زنى إنسان في شهر رمضان نهارا، أقيم عيه الحد وعوقب زائدا على ذلك، لانتهاكه حرمة الشهر، وكان عليه الكفارة للافطار. فإن كان زنى بالليل، كان عليه الحد والتعزير، ولم يجب عليه كفارة. وإذا زنى في حرم الله أو حرم رسوله أو أحد الأئمة (عليهم السلام)، كان عليه الحد للزنا، والتعزير لانتهاكه حرمة حرم الله وحرم رسوله وحرم الأئمة (عليهم السلام) وكذلك إن فعل ما يوجب الحد أو التعزير في مسجد أو موضع عبادة، فإنه يجب عليه مع الحد، التعزير، وفيما يوجب التعزير العقوبة مغلظة. وإذا زنى في يوم عيد فطر أو أضحى، أو في غير ذلك من الليالى الشريفة مثل ليلة الجمعة، أو ليلة النصف من شعبان، أو ليلة أحد العيدين، أو في يوم السابع والعشرين من رجب، أو ليلة سبع عشر من شهر ربيع الأول، أو خمسة وعشرين من ذي القعدة، أو ليلة عاشورا أو يومه، أو يوم الغدير أو ليلته، فإنه يغلظ العقوبة. وإذا أقر على نفسه بالزنا، كان عليه الحد، وسيأتي ذكر ذلك الاقرار الذي يوجب الحد " بمشيئة الله ". فإن أقر أنه زنى بامرأة معينة، كان عليه حدان، أحدهما حد الزنا، والآخر حد القذف وهكذا حكم المرأة إذا قالت زنى بي فلان، سواء. وإذا افتض إنسان بكرا باصبعه، كان عليه عشر قيمتها، وجلد - من ثلاثين سوطا إلى تسعة وسبعين سوطا - عقوبة على جنايته. فإن كانت البكر المجني عليه حرة، كان عليه أيضا مهر مثل نسائها بغير نقص فيه. فإن كانت قد زنى بها فذهب بعذرتها، لم يكن لها عليه مهر على حال. (1) وإذا زوج رجل جارية (2) لرجل، ثم وطأها بعد ذلك، كان عليه الحد.

(1) ظاهر الفرض مطاوعة البكر.
(2) كذا في أكثر النسخ وفي نسخة " جاريته "

[ 524 ]

وإذا زنى إنسان وهو سكران، عليه حدان حد للزنا وحد للسكر ولم يسقط عنه الحد لسكره وزوال عقله. أو إذا زنى وهو أعمى وجب الحد عليه كما يكون على البصير، ولم يسقط الحد عنه لعماه فإن ادعى أن الأمر اشتبه عليه: وظن إن الامرأة التي وطأها كانت زوجته أو جاريته، لم يصدق في ذلك، ووجب أن يقام عليه الحد، وإذا ادعى الزوجية لم يحد إلا أن تقوم البينة عليه بخلاف ما ادعاه. ولا حد أيضا مع إكراه وإلجاء، ولا يصح إلا مع الاختيار. وإذا تشابهت امرأة لرجل (1) بجاريته ونامت على مرقده ليلا، فظن أنها جاريته فوطأها من غير تحرز، كان عليه الحد سرا وعلى المرئة جهرا. * * * " باب ما به يثبت حكم الزنا " " ويوجب إقامة الحد على الزاني " الذي يثبت به الزنا ويجب معه إقامة الحدود على الزنا شيئان، أحدهما، الاقرار، والآخر البينة. فأما الاقرار، فهو إقرار الانسان الكامل العقل، المختار على نفسه أربع مرات دفعة بعد أخرى بالوطأ في الفرج على وجه الزنا، فإنه يحكم عليه بذلك، ويجب عليه ما يجب على فاعله. فإن أقر أقل من أربع مرات، أو أقر أربع مرات بالوطأ فيما دون الفرج. لم يحكم عليه بالزنا، وكان عليه التعزير حسب ما يراه الإمام. فأما البينة، فهي شهادة أربعة من العدول على الرجل بأنه وطأ امرأة - ليس بينه وبينها عقد ولا شبهة عقد - في الفرج. فإذا شهدوا بذلك، فادعوا المشاهدة للفعل كالميل في المكحلة، قبلت شهادتهم، وحكم عليه بالزنا، ووجب على المشهود عليه الحد.

(1) في النسخ " الرجل " بدل " لرجل " والظاهر أنها تصحيف.

[ 525 ]

فإن شهد هؤلاء الأربعه بالزنا، ولم يشهدوا بالمعاينة على الوجه الذي قدمناه كان على كل واحد منهم حد القذف. فإن شهد أقل من أربعة، واحدا كان أو اثنين أو ثلاثة، وادعى مشاهدة الوطأ في الفرج كان على جميعهم حد الفرية. فإن شهد الأربعة واختلفوا في شهاداتهم فشهد بعضهم بالمعاينة وشهد البعض الآخر بغير ذلك كان عليهم أيضا حد القرية. فإن شهد لاربعة باجتماع الرجل والمرئة في ازار (1) وحد مجردين من ثيابهما، أو شهدوا بالوطأ فيما دون الفرج، ولم يشهدوا بالزنا، سمعت شهادتهم وكان على الفاعل لذلك التعزير. فإن شهدوا بالوطأ في الدبر، كان حكمه حكم الوطأ في القبل سواء. وكذلك الحكم في الاقرار بذلك، سواء. فإن شهد الشهود على امرأة بالزنا، وادعت المرئة أنها بكر، نظرت إليها النساء فإن وجدتها بكرا لم يجب عليها حد، وإن لم يكن كذلك وجب الحد عليها. وإذا شهد أربعة نفر على امرأة بالزنا، وأحد هؤلاء الشهود زوج المرئة، كان عليها الحد، وقد ذكرنا أن الثلاثة يحدون حد المفتري، ويلاعنها زوجها. وذكر بعض أصحابنا أن هذه الرواية (2) محمولة على أنه إذا لم يعدل الشهود و (3) اختلفوا في إقامة الشهادة، وقد ذكرت في كتابي " الكامل " أن الأقوى في نفسي في ذلك: إنهم يحدون، ولا يجب على المرأة حد. لأن زوجها في حكم الخصم لها، وشهادة الخصم على خصمه في الأمر الذي هو خصمه فيه ليست بمقبولة، وإذا كان الأمر على ذلك. لم يبق غير ثلاثة، فيجب عليهم حد الفرية. ومن شرط صحة شهادة الشهود بالزنا. أن يوقعوا شهاداتهم بذلك في وقت واحد، ومكان واحد، في مجلس واحد ومقام واحد. فإن شهد بعضهم من غير حضور

(1) في بعض النسخ: في دار واحد.
(2) الوسائل، ج 15، الباب 12 من أبواب اللعان، الحديث 2 و 3.
(3) في النسخ " أو " بدل " الواو " والظاهر تصحيفها

[ 526 ]

الباقي من الشهود وقال: الساعة يحضرون، كان عليه حد الفرية لأنه لا تأخير في ذلك ولا يجوز شهادة النساء على الانفراد في الزنا، ووجب على كل واحدة منهن حد الفرية. فإن شهد أربعة نفر - ثلاثة رجال. وامرأتان - قبلت شهادتهم في ذلك، ووجب بشهادتهم، الرجم. فإن شهد رجلان واربع نساء، لم يجب الرجم بهذه الشهادة، ويجب بها الحد الذي هو الجلد. فإن شهد رجل وست نساء أو أقل أو أكثر، لم تقبل هذه الشهادة في الزنا، ووجب على كل واحد منهم حد الفرية. فإن شهد أربعة نفر بالزنا على رجلين وامرأتين، أو أكثر من ذلك، قبلت شهادتهم ووجب إقامة الحد على المشهود عليهم، ويجوز تفريق الشهود، إذا رأى الإمام في ذلك صلاحا. وإذا وجد رجل وامرأة على حال الزنا وادعى الزوجية، درأ عنهما الحدود. وإذا شاهد الإمام انسانا على حال الزنا أو شرب الخمر، كان عليه إقامة الحد على من شاهده لذلك، ولا ينتظر مع مشاهدته له على ذلك قيام البينة على ما شاهده عليه ولا إقراره بذلك أيضا، وهذا مخصوص بالامام دون غيره من سائر الناس، لأن غيره إذا شاهد ذلك فلا يجوز له إقامة الحد مع مشاهدته إلا مع قيام البينة بذلك. وأما القتل، والسرقة، والقذف، وما يجب فيه حق للمسلمين، من حد أو تعزير فليس للامام إقامة الحد على ذلك، إلا بعد مطالبة صاحب الحق بذلك ولا يكفي مشاهدته له على هذه الحال. فإذا طلب صاحب الحق ذلك من الإمام، أقام الحد فيه، ولا ينتظر أيضا مع علمه بذلك إقراره أو قيام البينة به. وإذا أقر رجل بالزنا أربع مرات بأنه زنى بهذه المرئة، وأكذبته المرأة، أو قالت: أكرهني، كان عليه الحد دونها. فإن أقرت المرأة أربع مرات بأن هذا الرجل زنى بها، وأكذبها الرجل، كان عليها الحد دونه، وكذلك الحكم لو صدقها مرة واحدة. * * *

[ 527 ]

" باب كيفية إقامة الحد في الزنا " إذا كان الانسان محصنا يجب عليه الجلد والرجم، جلد أولا الحد ولم يرجم حتى يبرأ جلده، فإذا برأ رجم. وإذا أراد الإمام أن يرجمه، وكانت البينة قد قامت عليه بالزنا، أمر بأن يحفر له حفيرة ويدفن فيها إلى حقويه، ثم يرجم بعد ذلك. وكذلك يفعل بالمرئة إلا أنها تقعد في الحفيرة إلى صدرها ثم يرجم. فإذا فر واحد منهما من الحفيرة، رد إليها حتى يستوفى منه الحد بالرجم. فإن كان الرجم وجب عليهما بإقرارهما على أنفسهما، فعل بهما مثل ما تقدم ذكره، إلا أنه إذا أصاب واحد منهما الرجم وفر من الحفيرة، لم يرد إليها، وترك حتى يمضي حيث شاء وأراد. فإن كان فراره قبل أن يصيبه شيئ من الرجم، رد إلى الحفيرة على كل حال. والذي يجب الرجم عليه، إذا كانت البينة قد قامت عليه، كان أول من يرجمه الشهود، ثم الإمام، ثم الناس. وإن كان الرجم وجب عليه، بإقراره على نفسه، كان أول من يرجمه، الإمام، ثم الناس وينبغي أن تكون حجارة الرجم صغارا، ولا تكون كبارا. ويكون الرجم من خلف المرجوم، لئلا يصيب وجهه شيئ منه. وأما الذي يجب عليه الجلد دون الرجم، يجب أن يجلد قائما مأة جلدة من أشد ما يكون من الضرب، ويجلد على الحال التي يوجد (1) عليها، فإن وجد عريانا جلد عريانا، وإن كان عليه ثياب جلد وهي عليه. ويضرب جميع جسده إلا رأسه ووجهه وفرجه، فإن مات لم يكن له قود ولا دية وإذا أريد جلد المرئة جلدت كما يجلد ارجل، وضربت كما يضرب، إلا أنها

(1) في بعض النسخ " يؤخذ "

[ 528 ]

تكون جالسة ولا تكون قائمة في هذه الحال، وتضرب وعليها ثيابها مربوطة، لئلا يهتك عورتها. وإذا فر من يقام الحد عليه بالجلد، أعيد حتى ليستوفي الحد منه، سواء كان ممن وجب عليه الحد بإقراره أو ببينة. وإذا أريد إقامة الحد على الزاني بالجلد أو الرجم، فينبغي أن يعلم الناس بالحضور، ثم يحد بمحضر منهم لينزجروا من مثل ذلك. ولا يحضر عند إقامة الحد على الزاني إلا خيار الناس، وأقل من يحضر لذلك من الناس واحد فصاعدا، ولا يرميه إلا من ليس لله تعالى في جنبه حد. وإذا وجب إقامة الحد على الزاني بالرجم، أقيم بذلك عليه صحيحا كان أو مريضا. والذي يجب عليه الجلد إذا كان مريضا، لم يقم الحد عليه حتى يبرأ، وإذا برأ أقيم الحد عليه، فإذا اقتضت المصلحة تقديم الحد، أخذ العرجون فيه مأة شمراخ أو ما يقوم مقامه، ويضرب به ضربة واحدة. وإذا زنت امرأة وهي حامل، لم يقم عليها حد بجلد ولا رجم وهي كذلك، فإذا وضعت ولدها، وخرجت من نفاسها، وأرضعتها، جلدت أو رجمت. فإذا اجتمع على إنسان حدود منها قتل، ابتدأ أولا بحده بما لا يكون قتلا، ثم يقتل بعد ذلك مثال ما ذكرناه، أن يقتل ويسرق ويزني وهو غير محصن. فإنه يجلد أولا للزنا، ثم يقطع للسرقة، ثم يقتل. وإذا جب على رجل، الحد وهو صحيح العقل، ثم اختلط عقله بعد ذلك، وكانت البينة قد قامت عليه بذلك، أقيم الحد عليه على كل حال. ومن يجب عليه النفى بالزنا، يجب نفيه عن البلد الذي زنا فيه إلى بلد آخر سنة. وإذا أقر على نفسه بحد. ثم أنكر ذلك، لم يلتفت إلى إنكاره. إلا الرجم، فإنه إذا أقر على نفسه بما يوجب الحد (1) ثم جحد بعد ذلك قبل أن يرجم خلي

(1) أي الرجم.

[ 529 ]

سبيله. وإذا أقر على نفسه بحد ولم يبينه، ضرب حتى يبينه (1) هو عن نفسه الحد. وإذا كانت المرأة مستحاضة، لم يقم عليها الحد حتى ينقطع الدم عنه، وقد تقدم ذكر ذلك. وإذا وجب على إنسان حد، لم يقم عليه في الأوقات الشديدة الحر، ولا الشديدة البرد، بل يقام عليه ذلك في الأوقات المعتدلة. وإذا فرق من رجم المرجوم، دفن في الحال، ولم يترك على وجه الأرض. ولا يقام الحد أيضا في أرض العدو، لئلا يحمل المحدود الحمية والغضب، على اللحوق بأعداء الدين. وإذا التجأ إلى حرم الله أو حرم رسوله أو أحد الأئمة (عليهم السلام)، لم يقم الحد عليه فيه، بل يضيق عليه في المطعم والمشرب، ويمنع من المعاملة ببيع أو شراء حتى يخرج منه، فإذا خرج أقيم عليه الحد. وإذا أحدث وهو في الحرم ما يوجب إقامة الحد عليه، أقيم ذلك عليه، وقد تقدم ذكر ذلك أيضا. * * * " باب الحد في اللواط، والسحق " " ووطأ البهائم والميتة، والاستمناء باليد " اللواط هو الفجور بالذكران، وهو ضربان، أحدهما إيقاع الفعل في الدبر بالإيقاب، كالميل في المكحلة. والآخر بإيقاع الفعل فيما عدا ذلك من الفخذين، أو ما لا يكون بالإيقاب في الدبر. ويثبت ذلك على فاعله بأمرين. أحدهما: إقراره على نفسه بذاك أربع مرات كما قدمناه في باب حد الزنا سواء كان فاعلا أو مفعولا. فإن أقر دون ذلك، لم يجب عليه الحد، وكان على الحاكم تعزيره، لاقراره على نفسه بالفسق. والثاني: البينة وهي أربعة شهود يشهدون بذلك - كما ذكرناه في شهادتهم

(1) كذا في أكثر النسخ وفي نسخة ما يشبه " ينته " ولعل الصحيح " ينهى ".

[ 530 ]

بالزنا - ويذكرون المشاهدة للفعل كالميل في المكحلة. فإن لم يشهدوا كذلك، كان عليهم حد الفرية، إلا أن يشهدوا بإيقاع الفعل فيما دون الدبر، فيقبل شهادتهم ويجب الحد بها. وإذا شاهد الإمام بعض الناس على هذا الفعل، كان له إقامة الحد عليه به. وإذا ثبت على اللائط حكم اللواط بالإيقاب، كان حده أن يرمى من حائط عال، أو يرمى عليه جدار، أو يدهده (1) من جبل، أو يضرب عنقه، أو يرجمه الإمام والناس أو يحرق بالنار. والامام مخير في ذلك أي شئ إذا أراد فعله منه، كان ذلك له بحسب ما يراه صلاحا. فإن أقام عليه حدا بغير النار، كان له إحراقه بعد ذلك. والفاعل (2) لما يخالف الايقاب فاعلا كان أو مفعولا به على ضربين، أحدهما، أن يكون محصنا. والآخر، غير محصن. فإن كان محصنا، كان عليه الرجم. وإن كان غير محصن، كان عليه الحد - مأة جلدة - سواء كان فاعلا أو مفعولا، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا. وإذا تلوط رجل بصبي لم يبلغ، كان عليه الحد كاملا وعلى الصبي التعزير لأجل تمكينه من نفسه وإذا كان الصبي هو الفاعل بالرجل كان على الصبي التعزير وعلى الرجل المفعول به، الحد كاملا. وإذا تلوط صبي بصبي مثله، أدبا جميعا، ولم يجب على واحد منهما حد وإذا كان لرجل عبد ولاطه، كان عليه وعلى العبد جميعا الحد. فإن ادعى العبد على سيده: أنه أكرهه على ذلك، درأ عنه الحد، وأقيم الحد على سيده. وإذا تلوط رجل بمجنون، أقيم الحد عليه، ولم يكن على المجنون شئ. فإن لاط المجنون بغيره كان عليه الحد كاملا. وإذا لاط كافر بمسلم قتل على كل حال. وإن لاط بكافر مثله، كان الإمام مخيرا

(1) دهده الشئ: دحرجه.
(2) أي من نسب إليه الفعل.

[ 531 ]

بين أن يقيم الحد عليه بما يوجبه شرع الاسلام، وبين تسليمه إلى أهل ملته، ليقيموا الحد عليه بما يقتضيه دينهم. وإذا وجد رجلان، أو رجل وغلام في ازار واحد، مجردين من ثيابهما، أو قامت بينة بذلك، أو أقرا به، كان على كل واحد منهما التعزير من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين (1) سوطا بحسب ما يراه الإمام. فإن عادا إلى ذلك ضربا مثل ذلك، فإن عادا أقيم عليهما الحد كاملا، مأة جلدة. وإذا قبل إنسان غلاما ليس بمحرم منه، كان عليه التعزير. فإن قبل وهو محرم، غلظ التأديب لينزجر عن مثله. وإذا لاط إنسان ثلاث مرات ويقام عليه الحد في كل مرة، قتل في الرابعة. وإذا لاط رجل ثم تاب قبل قيام البينة عليه بذلك لم يجب عليه حد. فإن قامت البينة عليه بعد ذلك لم يكن للامام أن يقيم عليه الحد. فإن تاب بعد قيام البينة عليه بالفعل، كان للامام اقامته عليه، ولم يسقط عنه الحد، ولا يجوز للامام العفو عنه. وإن كان الرجل اللائط أقر على نفسه ثم تاب، وعلم منه الإمام ذلك، كان له العفو عنه، أو إقامة الحد عليه بحسب ما يراه. فإن لم يظهر منه التوبة، لم يجز له العفو عنه على حال. وإذا تلوط رجل بميت، كان الحكم فيه حكم التلوط بالحي سواء. ويغلظ عقوبته لانتهاكه (2) حرمة الموتى. " المساحقة " وإذا تساحقت امرأة لامرئة أخرى، وقامت عليهما البينة بذلك، وكانتا محصنتين كان على كل واحدة منهما الرجم. وإن كانتا غير محصنتين، كان على كل واحدة منهما

(1) في نسخة " إلى تسعة وسبعين ".
(2) انتهك الشئ: اذهب حرمته، وانتهك فلانا: نقض عرضه.

[ 532 ]

الحد - مأة جلدة - ويثبت ذلك بالبينة أو الاقرار. فأما البينة: فهي شهادة أربعة عدول، كما قدمناه. وأما الاقرار. فإقرار المرئة على نفسها أربع مرات بذلك، كما سلف ذكره في الزنا. وإذا كان لامرئة جارية فساحقتها، وجب على كل واحدة منهما الحد. فإن ادعت الجارية: أن سيدتها أكرهتها على ذلك، درأ الحد عنها، وأقيم ذلك على سيدتها كاملا. وإذا تساحقت المسلمة كافرة، أقيم الحد على كل واحدة منهما، وكان الإمام في الكافرة بالخيار بين أن يقيم الحد عليها، وبين أن يسلمها إلى أهل ملتها ليقيموا عليها ذلك بحسب ما يقتضيه دينهم. فإن ساحقت امرأة صبية لم تبلغ، كان على المرأة الحد، وأدبت الصبية. فإن تساحقت صبيتان، أدبتا، ولم يقم على كل واحدة منهما الحد كاملا. وإذا وطأ رجل زوجته، وقامت الزوجة فساحقت جارية بكرا، وألقت ماء الرجل في رحمها وحملت الجارية، كان على المرئة الرجم، وعلى الجارية إذا وضعت ما في بطنها مأة جلدة، والحق الولد بالرجل، وكان على المرئة المهر للجارية، لأجل ذهاب عذرتها بالولد. وهذه قضاء سيدنا أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) (1). وإذا تابت المتساحقة قبل رفع خبرها إلى الإمام، لم يلزمها حد. فإن قامت عليها بينة بعد ذلك لم يقم عليها حد. فإن قامت البينة عليها قبل توبتها، ثم تابت بعد ذلك، أقيم الحد عليها. فإن كانت أقرت بالفعل عند الإمام أو من ينوب عنه، ثم أظهرت التوبة، كان للامام العفو عنها، واقامة الحد عليها بحسب ما يراه صلاحا في ذلك. وإذا افتضت امرأة جارية بأصبعها فذهبت بعذرتها، كان عليها مهرها والتعزير مغلظا.

(1) الوسائل، ج 18 الباب 3 من أبواب حد السحق، الحديث 1 و 3.

[ 533 ]

وإذا وجدت امرأتان في ازار واحد مجردتين من ثيابهما وليس بينهما رحم، ولا دعتهما ضرورة من برد وما أشبهه إلى ذلك، كان على كل واحدة منهما التعزير من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين سوطا بحسب ما يراه الإمام أو النائب عنه. فإن عادتا إلى ذلك، نهيتا وأدبتا. فإن عادتا ثالثة، أقيم الحد عليهما مأة جلدة. فإن عادتا إلى ذلك رابعة، قتلتا. " نكاح البهائم " وإذا وطأ رجل بهيمة، كان عليه التعزير. فإن كانت ملكه، لم يكن عليها أكثر من ذلك، وإن كانت ملكا لغيره، كان عليه أن يغرم ثمنها لصاحبها، فإن كانت مما يصح الذكاة عليه، ذبحت وأحرقت، لأن لحمها قد حرم، وكذلك جميع ما يكون من نسلها. وإذا اختلطت بهيمة موطوئة بغيرها من البهائم، ولم يتميز من غيرها، فيجب أن يقسم القطيع الذي فيه تلك البهيمة، نصفين ويقرع بينهما، فمهما وقعت القرعة عليه قسم أيضا نصفين وأقرع بينهما، ولا يزال يفعل ذلك حتى لا يبقي إلا واحدة، فإذا بقيت واحدة ذبحت وأحرقت. وإن كانت مما لا يصح الذكاة عليه، أخرجت من البلد الذي فعل بها ذلك إلى بلد آخر وبيعت هناك، لئلا تعرف فيعير بها صاحبها. وإذا تكرر من وطء البهيمة هذا الفعل وكان قد أدب وحد، كان عليه القتل في الرابعة. ويثبت الحكم الذي ذكرناه في وطء البهيمة بشهادة شاهدين عدلين مرضيين، أو إقرار الفاعل على نفسه بذلك مرتين. وإذا وطأ ميتة، كان حكمه حكم من وطأها حية. فإن كانت زوجته، كان عليه التعزير بحسب ما يراه الإمام. فإن لم تكن زوجته وكان محصنا، كان عليه الرجم وإن كان غير محصن، كان عليه الحد.

[ 534 ]

ويثبت الحكم بذلك، بشهادة شاهدين عدلين، واقرار الفاعل لذلك على نفسه مرتين. " حد الاستمناء " وإذا استمنى بيده وانزل، كان عليه التعزير، وليس عليه حد في ذلك. والتعزير والتأديب فذلك هو بحسب ما يراه الإمام. وعن أمير المؤمنين (عليه السلام)، أنه ضرب يد من فعل ذلك حتى احمرت، واستتابه وزوجه من بيت المال (1). * * * " باب الحد في القيادة وشرب الخمر " " وكل مسكر من الشراب والفقاع وغير ذلك من الأشربة والمئاكل المحظورة " إذا جمع إنسان بين الرجال والنساء، أو الرجال والغلمان للفجور، كان عليه خمس وسبعون جلدة - وذلك ثلاثة أرباع حد الزاني - ويحلق رأسه، ويشهر في البلد الذي يفعل ذلك فيه، وينفى منه إلى بلد آخر. ويثبت الحكم بذلك بشهادة شاهدين عدلين، أو إقرار الفاعل على نفسه بذلك مرتين. وإذا فعلت امرأة ذلك، كان عليها مثل ما ذكرنا أنه يفعل بالرجل، إلا حلق الرأس والأشهار والنفي، فإنه لا يفعل بها شيئ من ذلك. وإذا رمى إنسان غيره بالفساد، كان عليه التعزير بما دون حد الفرية، حتى لا يعود إلى أذى المسلمين بذلك. وإذا شرب إنسان خمرا، نبيذا أو مزرا (2) أو نقيعا، أو غير ذلك - من الأشربة التي

(1) الوسائل، ج 18، الباب 3 من أبواب نكاح البهائم ووطء الأموات والاستمناء، الحديث 1 و 2، (2) المزر: نبيذ الشعير والحنطة والحبوب، والنقيع: شراب يتخذ من زبيب.

[ 535 ]

يسكر - قليلها أو كثيرها، وجب الحد ثمانون جلدة، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، إلا أن المسلم يقام عليه ذلك على كل حال شربه عليها، والكافر لا يحد إلا بأن يظهر شرب ذلك بين المسلمين، أو يخرج بينهم سكران. فإن استتر بذلك - فشربه في بيته، أو كنيسته أو بيعته - لم يجز أن يحد. والحد يقام على شارب الخمر، وكل مسكر من الشراب، قليلا كأنا أو كثيرا، لأن القليل منه يوجب الحد كما يوجبه الكثير، لا يختلف الحكم في ذلك. ويثبت الحكم في ما ذكرناه بشهادة شاهدين عدلين: أو بالاقرار بذلك. فإن شهد أحد الشاهدين بالشرب، والآخر بالقئ، قبلت شهادتهما، ووجب بها الحد. أو يقر على نفسه بشرب ذلك مرتين. ولا يجوز أن يقبل شهادة على شهادة في الحدود. ولا يجوز أيضا أن يكفل من وجب عليه الحد، بل يجب أن يقام ذلك عليه على الفور والبدار. ولا يجوز أيضا الشفاعة في اسقاط شئ من الحدود، لا عند الإمام ولا عند غيره من جميع الناس. وإذا استحل إنسان شرب شئ من الخمر، حل دمه. وكان على الإمام (عليه السلام) أن يستتيبه، فإن تاب، أقام عليه الحد إن كان شربه، وإن لم يتب قتله. وإذا استحل شرب شئ من المسكر المخالف للخمر لم يحل دمه، وللإمام أن يعزره، إن رأى ذلك ويجلد شارب الخمر وغيره من الأشربة المسكرة على ظهره وكتفه عريانا، ولا يضرب على وجهه وفرجه. وإذا أكل إنسان شيئا من الأطعمة وفيه شئ من الخمر، أو اصطنع به، أو استعمل دواء فيه منه، وهو عالم به، كان عليه الحدة ثمانون جلدة فإن لم يكن عالما به، لم يكن عليه شئ. ولا يجوز مجالسة شراب الخمر وكل مسكر، ولا الجلوس على مائدة يشرب عليها شيئ من ذلك خمرا كان أو غيره، وكذلك حكم الفقاع. ومن فعل ذلك وجب عليه التأديب بحسب ما يراه الإمام.

[ 536 ]

وإذا كان شارب المسكر سكران، لم يقم الحد عليه حتى يفيق، ثم يقام عليه ذلك وإذا أقيم عليه الحد مرتين وعاد إلى شربه بالثالثة، كان عليه القتل. وإذا باع إنسان الخمر أو غيره من الشراب المسكر، أو اشتراه، كان عليه التأديب فإن فعل ذلك وهو مستحل له، استتيب، فإن تاب، وإلا وجب عليه القتل مثل ما يجب على المرتد. والحكم في شرب الفقاع في وجوب الحد عليه، وتأديب من يتجر فيه، تعزير من يستعمله، حكم الخمر سواء. وإذا شرب إنسان خمرا أو غيرها، مما يوجب الحد والتأديب، ثم تاب قبل قيام البينة عليه بذلك، سقط الحد عنه. وإن تاب بعد قيام البينة عليه به، أقيم الحد عليه فإن أقر على نفسه وتاب بعد الاقرار، جاز للامام (عليه السلام) أن يعفو عنه، وكان مخيرا بين ذلك وبين إقامة الحد عليه. فإن شرب المسكر في شهر رمضان، أو في مكان شريف، مثل حرم الله تعالى وحرم رسوله أو أحد الأئمة (عليهم السلام)، أقيم عليه الحد، وأدب زائدا على ذلك، لانتهاكه حرمة الحرم الذي ذكرناه. وإذا كان الانسان مولودا على فطرة الاسلام، واستحل شيئا من الدم والميتة، أو لحم الخنزير، كان مرتدا، ووجب عليه القتل. وإذا تناول منه شيئا وهو محرم له، كان عليه التعزير، فإن عاد إلى ذلك أدب وغلظت عقوبته، وإن تكرر منه ذلك دفعات وجب عليه القتل. وإذا قامت البينة على الانسان بتحريم الربا وأكله عوقب حتى يتوب، فإن استحل ذلك، وجب عليه القتل، فإن أدب مرتين وعاد إلى ذلك ثالثة، كان عليه القتل وإذا اتجر إنسان في السموم القاتلة، كان عليه العقاب والتأديب، وإن استمر على ذلك ولم ينته عنه، وجب عليه القتل وإذا أكل لحم السمك المحرم كالمارماهى، والجرى، ومسوخ السمك كلها

[ 537 ]

ومسوخ البر، والطحال، وسباع الطير، وما جرى مجرى ذلك من المحرمات، وجب عليه التعزير، فإذا عاد أدب ثانية. فإن استحل شيئا مما ذكرناه، وجب القتل عليه. * * * " باب الحد في السرقة " الحد الذي يقطع يد السارق فيه، ربع دينار أو أكثر منه أو ما قيمته ذلك، من أي جنس فإن كان من ذهب مضروب منقوش، قطع به. وإن كان تبرا (1) من ذهب المعادن وتحتاج إلى سك وعلاج، لم يجب القطع به. وإن كان ذهبا خالصا غير مضروب، جاز القطع به. والقطع إنما يجب بما ذكرنا ذلك، إذا سرق من حرز، والحرز هو كل موضع لم يكن لغير المتصرف الدخول فيه وإليه إلا بإذنه، أو يكون مقفلا عليه، أو مدفونا وكل موضع يطرقه الناس أجمع، ولا يختص واحدا منهم، فليس ذلك بحرز وهو مثل الخانات، والحمامات، والارحية، والمساجد، وما أشبه ذلك. فإذا سرق بالغ كامل العقل، وكانت الشبهة غير (2) مرتفعة، وجب عليه القطع، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا. فإن سرق من غير حرز، لم يجب عليه قطع. وإذا كان الشيئ في الخانات ونحوها مما ليس بحرز، مدفونا أو مقفلا عليه، فسرقه إنسان، كان عليه القطع، لأن صاحبه قد أحرزه بالدفن والقفل، وقد ذكرنا أن الحرز هو كل موضع لم يكن لغير المتصرف فيه، الدخول إليه إلا بإذنه. فإن كان هذا الموضع مفتوحا غير مغلق ولا مقفل، كالدار وما أشبهها، وفيها بيوت مغلقة، وفي قاعتها (3) شيئ، لم يكن ذلك في حرز، وما يكون داخل البيوت

(1) أي قطعة. كذا في النسخ والظاهر زيادة كلمة " غير ".
(3) القاعة: ساحة الدار.

[ 538 ]

المغلقة، في حرز. فإن سرق سارق مما في هذه الدار المفتوح بابها مما هو في قاعتها وخارج عن بيوتها المقفلة، لم يكن سارقا من حرز. فإن كان بابها مغلقا عليها، كان ما في قاعتها وبيوتها في حرز ولو كانت أبواب بيوتها وخزائنها مفتوحة، فإن كان بابها مفتوحا وأبواب بيوتها وخزائنها مفتوحة: لم يكن ذلك حرزا. وإن كان صاحبها فيها وكانت أبوابها مفتوحة، فليس شيئ منها بحرز. إلا ما كان يراعيه ببصره دون غيره، وكذلك ما جرى مجرى الدار من المنازل وما أشبهها. وأما باب الدار، فإذا نصب ودار في مكانه، كان في حرز، سواء كان مغلقا أو مفتوحا. وأما أبواب البيوت والخزائن التي دخلها، فهي كالمتاع في الدار، فإن كانت هذه الأبواب مغلقة، فهي في حرز، وإن كان باب الدار مغلقا فهي في حرز. وأما حلقة الدار إن كانت قد سمرت (1) فيه، فهي في حرز، لأن العادة جارية في الاحتراز عليها بسمرها في الباب، فإن قلعها إنسان وكانت قيمتها نصابا، كان عليه القطع. وأما حائط الدار والذي فيه مبني (2)، من آجر أو حجر أو خشب، فهو في حرز، لأن ما كان حرزا لغيره في نفسه حرز. فإن هدم إنسان شيئا من الحائط وأخذ منه ما قيمته النصاب، كان عليه القطع. وإذا أخرج السارق متاعا من بيت في الدار إلى صحنها، وكان باب البيت مفتوحا، وكذلك باب الدار، لم يكن عليه قطع، لأنه لم يخرجه من حرز. فإن كان باب الدار مفتوحا وباب البيت مغلقا على المتاع، كان عليه القطع، لأنه قد أخرجه من حرز إلى غير حرز، لأن باب الدار إذا كان مفتوحا، لم يكن صحنها حرزا. وإن كان باب الدار مغلقا، وباب البيت مفتوحا، واخرج المتاع منه إلى الصحن، لم يجب عليه القطع، لأن البيت إذا كان مفتوحا لم يكن حرزا، فإذا أخرجه إلى الصحن، كان قد أخرجه من غير حرز إلى ما هو حرز، فلا قطع عليه. وإن كان

(1) بمسمار.
(2) أي ما يستعمل في بناء الحائط.

[ 539 ]

باب البيت مغلقا وباب الدار مغلقا، واخرج المتاع من البيت إلى الصحن لم يكن عليه القطع (1)، لأنه أخرجه من حرز إلى حرز. فإن كان الموضع من الخانات التي فيها بيوت، ولكل إنسان بيت مقفل والصحن مشترك بين الجماعة التي فيه، كان كل بيت مقفل فيه حرزا لما فيه. فإن نقبه إنسان أو كسر قفله، واخرج منه ما قيمته، نصاب إلى صحن الخان، كان عليه القطع، لأنه أخرج ذلك من حرز إلى غير حرز. فإن الخان يجري مجرى الدرب الذي فيه حجرتان، الحجرة حرز لما فيها. فإذا أخرج السارق من الحجرة شيئا إلى الدرب فقد أخرجه من حرز إلى غير حرز، وكذلك الخان مع بيوته، ولا فرق في ذلك بين أن يكون باب الخان مغلقا أو مفتوحا، بخلاف ما ذكرناه في الدار، لأن صحنه مشترك بين الناس. وليس صحن الدار التي ينفرد بها واحد جاريا هذا المجرى. وإذا نقب اثنان موضعا، ودخل أحدهما، فأخذ المتاع ووضعه في موضع النقب وأخذه الخارج منه، لم يجب على واحد منهما، لأنه لم يخرجه من كمال الحرز، ويجرى مجرى أن يضعه في بعض البيت، ويجتاز مجتاز فيأخذه من النقب، فإنه لا قطع على واحد منها. وإذا نقب واحد منهما ودخل الآخر فاخرج نصابا، لم يكن عليهما قطع. وإذا كان في الحرز ماء يجري، فأخذ المتاع فوضعه على الماء، فأخرجه الماء من الحرز ثم أخذه، كان عليه القطع، لأنه أخرج المتاع بآلة، كما لو أخرجه بخشبة أو جرة بحبل أو ما أشبه ذلك. وكذلك لو وضعه على دابة وساقها فخرجت به الدابة، كان عليه القطع، لأنه خرج بفعله. وكذلك لو وضعه عليها ولم يسقها. فإن كان في الحرز ماء راكد، فوضع المتاع فيه، فانفجر وخرج المتاع معه،

(1) وفي نسخة ".. واخرج المتاع من البيت إلى الصحن، عليه القطع لأنه أخرجه من حرز إلى غير حرز ".

[ 540 ]

لم يكن عليه القطع لأنه خرج بغير قصد. فإن أخذ المتاع ورمى به خارج الحرز فطيرته الريح وأعانته على إخراجه ولولا الريح لما خرج، كان عليه القطع، لأن الاعتبار بابتداء فعله لا بمعاونة الريح على نقله، ويجرى مجرى رميه منها في الغرض (1) فإنه إذا رماه وأطارته الريح فأصاب الغرض، كان له إصابة في أن الاعتبار بابتداء فعله، لا بمعاونة الريح له. وإذا دخل حرزا فأخذ منه جوهرة فبلعها، فخرج منها وهي باقية في جوفه، كان عليه القطع، لأنه أخرجها في وعاء، كما لو جعلها في جراب (2) أو ما أشبه ذلك وقد ذكر: إنه لا قطع عليه. وما ذكرناه أظهر. وإذا كان في الحرز شاة فذبحها، وكانت قيمتها قبل الذبح ربع دينار ونقصت عن ذلك بعد الذبح، وأخرجها بعد ذلك، لم يجب عليه القطع، لأن ذلك إنما يجب عليه إذا أخرج من الحرز نصابا كاملا، وهذه الشاة بعد ذبحها ليست كذلك. وإذا اشترك ثلاثة نفر في إخراج نصاب من الحرز قطع جميعهم، وإن كان أقل من نصاب لم يقطعوا. وإذا نقب اثنان موضعا. ودخله الواحد منهما، فأخذ السرقة واخرج يده من الحرز والسرقة فيها، فأخذها الخارج من الحرز، أو رمى بها إلى خارج الحرز فأخذها الخارج، كان له (3) القطع على الذي أخرج يده وهو فيها والذي رمى بها، وليس على الخارج من الحرز قطع. وإذا نقبا موضعا فدخل الواحد منهما فحمل السرقة ووضعها قريبا من البيت، فادخل الخارج يده إلى الحرز فأخذها، كان عليه القطع، دون الذي هو داخل الحرز وإذا نقب إنسان حرزا وهتكه ومضى عنه ولم يخرج منه شيئا، واجتاز آخر

(1) إشارة إلى ما ذكر في باب السبق والرماية.
(2) الجراب: وعاء من إهاب الشاة.
(3) أي لصاحب المال

[ 541 ]

فوجد الحرز مهتوكا بالنقب فدخل واخرج السرقة منه، لم يجب على واحد منهما قطع، لأن الأول نقب ولم يأخذ شيئا ولا أخرجه والثاني أخرجه من حرز مهتوك. وإذا نقب إنسان وحده موضعا ودخله واخرج منه ثمن دينار، ثم جاء الليلة الثانية فاخرج منه ثمن دينار، كان عليه القطع، وقال بعض الناس: ليس عليه قطع. وما ذكرناه هو الصحيح، لأنه أخرج نصابا من حرز هتكه هو. وكذلك القول لو أخرج ثمن دينار ثم عاد من ليلته واخرج ثمن دينار آخر في أن عليه القطع. وإذا نقب ودخل الحرز فذبح شاة، كان عليه ما بين قيمتها حية ومذبوحة. فإن أخرجها بعد الذبح وكان قيمتها نصابا، كان عليه القطع وإن كان قيمتها أقل من نصاب لم يجب عليه القطع. وإذا كانت المسألة بحالها، فأخذ ثوبا فشقه، كان عليه ما نقص بالتخريق. فإن أخرجه من الحرز وقيمته نصاب، كان عليه القطع، وإن كانت أقل من نصاب لم يكن عليه قطع. وإذا سرق إنسان شيئا يجب فيه القطع ولم يقطع حتى ملكه بابتياع أو هبة أو ما أشبه ذلك، لم يسقط القطع عنه سواء ملكه قبل الترافع إلى الحاكم أو بعده، إلا أنه إذا ملكه قبل الترافع إلى الحاكم لم يقطع، لا لأن القطع سقط عنه، لكن لأنه لا مطالبة له بذلك، ولا قطع بغيره مطالبة السرقة. وإذا نقب حرزا ومعه صبي صغير ليس له تميز، ثم أمره بدخول الحرز، فدخله واخرج السرقة فأخذها هو، كان عليه القطع، لقوله تعالى (1): والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، ولم يفرق وإذا سرق حرا صغيرا وكان عليه حلى كان عليه القطع. وإذا ثبت بينة على إنسان: بأنه سرق من حرز رجل نصابا، فقال السارق: المال لي. كان القول قول صاحب الحرز: إن المال له، لأنه قد ثبت أنه أخذه منه فإذا حلف لم يلزم السارق قطع، لأنه صار حقا وصار شبهة، لوقوع التنازع في المال. والحد

(1) المائدة 38

[ 542 ]

لا يجب مع الشبهة. وإذا سرق إنسان من ستارة الكعبة وهي محيطة عليها ما قيمته ربع دينار، كان عليه القطع، لأن الرواية (1) عندنا تضمنت: إن القائم (عليه السلام) إذا ظهر قطع أيدي بني شيبة، وقال: هؤلاء سراق الله. وذلك يدل على أن في ذلك قطعا (2). وإذا استعار إنسان من غيره بيتا، فجعل متاعه فيه، فنقب المعير له وسرق المتاع، كان عليه القطع. وإذا سرق الضيف من حرز مضيفه نصابا، لم يجب عليه القطع. وإذا أخرج النباش الكفن من القبر إلى وجه الأرض، كان عليه القطع. فإن أخرجه من اللحد إلى بعض القبر، لم يجب عليه القطع. وإذا سرق إنسان من الغنيمة وكان ممن له فيها نصيب، وكان ما سرقه أكثر. من نصيبه مما يكون بعده نصابا يجب فيه القطع أو أكثر من ذلك، كان عليه القطع وإذا كان أقل من ذلك، لم يجب عليه قطع. وإن كانت السارق ممن ليس له نصيب في الغنيمة وكان من أصحاب الخمس، كان حكمه فيما يسرقه مثل ما قدمناه ممن له نصيب من الغنيمة في أنه إن كان ما سرقه أكثر من سهمه بمقدار نصاب، يجب فيه القطع وإن كان أقل من ذلك لم يقطع. وإن سرق واحد من هؤلاء ما يكون مقداره مقدار ما يصيب من الغنائم، أو سهمه من الخمس إن لم يكن من أصحاب الغنيمة لم يكن عليه قطع. وإن كان السارق من غير الغانمين وغير أصحاب الخمس، فسرق (3) وأحد من الغانمين من الأربعة الأخماس، وليس هو من أصحاب الخمس، كان عليه القطع على كل حال.

(1) بين المباشرة والتسبيب (2) الوسائل ج 9، الباب 22 من أبواب مقدمات الطواف، الحديث 3.
(3) في بعض النسخ زيادة ما يشبه بكلمة " هو " فتكون ضمير فصل قبل حرف العطف.

[ 543 ]

" باب ذكر من لا يقام عليه الحد " قد سلف قولنا: بأن الحامل والنفساء والمستحاضة، لا يقام عليهن حد وهن (1) كذلك. وذكرنا أيضا أنه لا يقام الحد على من وجب عليه في الحر الشديد، ولا في البرد الشديد، وكيف يقام عليهن. وكذلك ما يتعلق بالمريض. فلا وجه لاعادته. فإن دخل إنسان حماما فسرق ثيابه، فإن كان دفعها إلى الحمامي وأمره بحفظها، كان الحمامي مودعا، فإن راعاها مراعاة جيدة بأن لم يترك النظر إليها احتياطا في حفظها، فسرقت بحيث لا يعلم، لم يكن عليه شئ، وكان على السارق ضمانها والقطع فإن توانى الحمامي في مراعاتها، أو نام في حفظها، أو اشتغل بالحديث أو غيره، أو اعرض عنها، أو وضع الثياب خلفه فسرقت، كان على الحمامي ضمانها لأنه مفرط في حفظها، وكان على السارق غرمها ولم يكن عليه قطع، لأنه لم يسرقها من حرز. فإن دخل الحمام وجعل ثيابه على حصير أو علقها على وتد بحسب ما جرت العادة به، ولم يدفعها إلى الحمامي ولا استحفظه إياها، فليس الحمامي مودعا لذلك وهذه الثياب في غير حرز فإن سرقت، لم يجب على سارقها قطع لأنه سرقها من غير حرز كما قدمناه، ولأن المكان مأذون في الدخول إليه واستطراقه، فما جعل فيه كان في غير حرز. وإذا شرب الذمي الخمر من غير أن يتظاهر بذلك بين المسلمين، فقد ذكرنا أنه لا حد عليه. وإذا كان الذمي مجوسيا فنكح أمه غير متظاهر بذلك، لم يكن عليه حد، لأنه بذل الجزية على مقامه على دينه واعتقاده، فإذا كان هذا النكاح مما يقتضيه دينه، لم يجز الاعتراض عليه فيه. وإذا سرق من نماء الوقف وهو من أهله، لم يقطع، لأن له فيه حقا، كما لو سرق من بيت المال.

(1) في بعض النسخ " لا يقام عليهن حدودهن كذلك ".

[ 544 ]

وإذا سرق وله يمين كاملة، أو ناقصة وقد ذهب أصابعها إلا واحدة، قطعت هذه اليمين. فإن لم يكن فيه إصبع فإنما يكفي (1) الكف وحدها أو بعض الكف، لم يقطع، لأن القطع لا يتعلق عندنا إلا بالاصابع، فمن لم يكن له أصابع، لم يجب عليه قطع غيرها إلا بدليل فإن كانت شلاء، فذكر أهل الخبرة بالطب: إنها إن قطعت بقيت أفواه العروق مفتحة، كانت كالمعدومة. فإن ذكروا: إنها تندمل، قطعت الشلاء. فإن سرق ويمينه كاملة، ثم ذهبت قبل أن يقطع بالسرقة لمرض أو آكلة أو آفة، سقط عنه القطع. وإذا سرق وليس له يمين، قطعت رجله اليسرى. وذكر أنه قطع يساره، والأول أظهر. وإذا سرق من غير حرز، لم يقطع في شئ من ذلك. وإذا سرق العبد من مال سيده، لم يقطع. وإذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر من غير حرز لم يقطع. وإذا سرق من مال ابنه ابنته وأولادهما وإن نزلوا، لم يقطع. وإذا سرق من بيت المال أو الغنيمة مقدار ما له فيه من العطاء والاستحقاق، لم يقطع. وليس في الكلب والخنزير قطع لأنهما حرام، وكذلك ثمنهما. وإذا ترك الجمال، الجمال والأحمال في مكان ومضى لحاجة، كان كل ما معها من متاع وغيره في غير حرز، لا قطع في شئ من ذلك. وإذا أقر بالسرقة مختارا ورجع عن ذلك، سقط عنه القطع، وكان عليه رد السرقة. وإذا تاب من السرقة قبل قيام البينة عليه بذلك، ثم قامت عليه بعد ذلك،

[ 545 ]

لم يجب عليه قطع، وكان عليه رد السرقة. وإذا سرق مأكولا في عام مجاعة، لم يكن عليه قطع. وإذا سرق شيئا من جيب إنسان أو كمه وكانا ظاهرين، لم يكن عليه قطع وكان عليه التأديب، فإن كانا باطنين، كان عليه القطع. وإذا سرق شيئا من الفواكه وهي في الشجرة، لم يكن عليه قطع، وكان عليه التأديب. وما زاد على ذلك فقد تقدم ذكره، فلا وجه لاعادته. * * * " باب صفة قطع اليد والرجل في السرقة " إذا وجب على إنسان قطع يده في السرقة، قطعت يده اليمنى من أصول الأصابع فإن سرق ثانيا، قطعت رجله اليسرى من أصل الساق عند معقد الشراك (1) من ظهر القدم، وترك له ما يعتمد عليه. فإن سرق ثالثا، خلد الحبس. فإن سرق رابعا، قتل فإذا قدم لقطع يده، فينبغي أن يجلس، ولا يقطع وهو قائم. ويضبط ضبطا جيدا، لئلا يضطرب ويتحرك فيجني على نفسه. وتشد يده بحبل، ويمد حتى يبين المفاصل من أصابعه، ويوضع يده على لوح أو غيره مما يسهل ويعجل قطعه، ويوضع على المفصل سكين حاد، ويدق من فوقها دقة واحدة، حتى ينقطع ذلك بأعجل ما يمكن، إن أمكن ذلك، أو يوضع على ذلك شيئ حاد ويمد عليه مدة واحدة. ولا يكرر القطع فيعذب المقطوع بذلك. لأن الغرض إقامة الحد عليه من غير تعذيب له. فإن علم القاطع ما هو اعجل من ذلك في القطع قطع به. وإذا قطعت اليد حسمت، والحسم أن يغلى الزيت، فإذا قطعت جعل موضع القطع في الزيت المغلى حتى يسد أفواه العروق وينحسم خروج الدم منها. فإن

(1) الشراك: سير النعل على ظهر القدم

[ 546 ]

لم يفعل الإمام ذلك، لم يكن عليه شيئ، لأن الذي عليه إقامة الحد، ليس عليه مداواة المحدود. فإن شاء المقطوع مداواة نفسه، كان له ذلك. وإذا حسمت اليد، علقت في عنقه ساعة، لأن ذلك ازجر واردع (1)، ولأن ذلك من السنة لأنه مروى أن النبي (صلى الله عليه وآله) فعله (2). * * * " باب الحد في الفرية، وما يوجب التعزير " إذا كان الانسان بالغا كامل العقل رجلا كان أو امرأة، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، وافترى على غيره من الأحرار البالغين المسلمين. بأن قذفه بالزنا أو باللواط أو بأنه منكوح أو بما جرى مجرى ذلك، أو ما هو في معناه، بأي لغة كانت، وكان عارفا بموضع اللغة وفائدتها، وجب عليه حد القاذف وهو ثمانون جلدة، حرا كان أو عبدا. فإن قال له شيئا مما ذكرناه، وهو غير عالم بفائدة تلك اللغة ولا موضع لفظها لم يجب عليه حد ولا غيره. ويجب أن يراعى في المقذوف شرائط، إذا تكاملت فيه وجب حد القاذف له، وإذا اختل جميعها أو بعضها لم يجب حده، وهي: أن يكون بالغا عاقلا، حرا، مسلما، عفيفا عن الزنا. وإذا افترى على امرأة، فقذفها بأنها، زانية، أو قد زنت، وجب الحد عليه، كما يجب عليه ذلك إذا قذف الرجل بشئ من ذلك، سواء. وإذا قال شيئا من ذلك وهو غير بالغ، لم يكن عليه حد، وكان عليه التأديب، وكذلك إن قاله لمن هو غير بالغ. فإن قال ذلك لعبد أو أمة، أو كافر أو كافرة، وجب عليه التعزير، ولم يجب

(1) لنفسه ولغيره، ويحتمل أن يكون معناه: إنه امنع من خرج الدم (2) المبسوط، ج 8، ص 36

[ 547 ]

عليه حد لئلا يؤذى المماليك وأهل الذمة. وإذا قال لغيره: يا بن الزاني، أو يا بن الزانية، أو قد زنت بك أمك، أو ولدت من الزنا، وجب عليه الحد. وكانت المطالبة بذلك إلى أولياء المقول له ذلك. فإن عفت عنه كان جائزا. فإن كانت ميتة ولم يكن لها ولد إلا المقذوف، كان له المطالبة بذلك أو العفو عنه. فإن كان لها من الاولياء أكثر من واحد وعفى بعضهم دون بعض، كان لمن (لم) يعف (1) عنهم المطالبة بإقامة الحد عليه على كماله. وإن قال لغيره: يا بن الزاني، أو زنا بك أبوك أو لاط، وجب عليه الحد لأبيه. ويجرى الحكم في العفو هاهنا أو المطالبة بذلك، إن كان الأب حيا أو ميتا، مجرى ما تقدم ذكره في الأم سواء ومن عفى عن الحد من الاولياء، مع كون من قذف حيا، لم يجز عفوه، وإنما يجوز له ذلك إذا كان ميتا. ومن عفى عن شيئ من الحدود، لم يجز له أن يطالبه ما عفى عنه بعد ذلك، ولا الرجوع فيه. وإذا قال له: يا بن الزانيين، أو زنا بك أبواك، أو أبواك زانيان، كان عليه حدان، أحدهما للأب والآخر للأم. فإن كان الأبوان حيين، كان لهما المطالبة بذلك أو العفو عنه. وإن كانا ميتين، كان ذلك لأوليائهما، كما قدمناه. وحكم العم والعمة، والخال والخالة، وغيرهم من ذوي الأرحام، حكم الأخ والأخت في أن الولي، الأولى بهم، يقوم بمطالبتهم الحد، وله العفو عنه أيضا عن ذلك على ما تقدم بيانه. وإذا قال: ابنتك زانية، أو قد زنت، أو ابنك زان أو لاط، وجب الحد عليه وللمقذوف المطالبة بذلك أو العفو عنه، سوآء كان الإبن والبنت حيين أو ميتين، فإن سبقه الإبن أو البنت إلى العفو، كان ذلك ماضيا. وإذا قال لغيره: يا زانى، وأقيم عليه الحد. ثم قال ذلك ثانيا، كان عليه

(1) والظاهر سقوط كلمة " لم "

[ 548 ]

الحد أيضا ثانيا. فإن قال له ذلك ثالثا، كان عليه أيضا الحد ثالثا. فإن قال له: الذي قلته لك كان صحيحا، كان عليه التعزير ولم يجب عليه حد. وإذا قال له دفعات كثيرة، واحدة بعد أخرى: يا زانى، ولم يقم عليه في شئ منها حد، لم يكن عليه غير حد واحد وإذا أقيم على إنسان حد ثلاث مرات، وجب عليه القتل في الرابعة. وإذا قال لجماعة من الرجال أو النساء، أو الرجال والنساء: يا زناة، أو قد زنيتم، أو زنوا - وجاؤا به مجتمعين -، وجب لهم عليه حد واحد، وإن جاؤا به مفترقين، كان عليه لكل واحد منهم حد واحد. وإذا قال لغيره: قد زنيت بفلانة. وكانت المرأة ممن يجب الحد لها، كان عليه حدان، حد للرجل وحد للمرأة. وإذا قال له قد لطت بفلان، كان عليه من الحد أيضا مثل ذلك. فإن كان الرجل أو المرأة غير بالغة، أو كانا (1) بالغين ولم يكونا حرين، أو لم يكونا مسلمين، كان عليه الحد لقذفه إياه (2)، والتعزير لأنه نسبه إلى المذكورين. وإذا قال لرجل: يا زوج الزانية، أو زنت زوجتك، وجب الحد للزوجة، وكان لها المطالبة بذلك أو العفو إن كانت حية. فإن كانت ميتة، كان ذلك لأوليائها وليس للزوج شئ في الحد. وإذا قال لمملوك أو كافر: يا بن الزانية، أو يا بن الزاني، وكان أبواه حرين مسلمين، كان عليه الحد، لأن الحد لمن يواجهه بالقذف. فكان له الحد كاملا. وإذا قال لمسلم: يا بن الزانية، أو أمك زانية، وكانت الأم كافرة أو مملوكة، كان عليه الحد لحرمة ولدها الحر المسلم. وإذا تقاذف بعض أهل الذمة بعضا، كان عليهم التعزير ولا حد عليهم. وكذلك الحكم في العبيد والصبيان.

(1) أي المفعولين في المسألتين (2) أي الفاعل

[ 549 ]

وإذا قال لابن الملاعنة: يا بن الزانية، أو قد زنت بك أمك، كان عليه الحد لأمه. إذا كانت أم ولد الزنا قد أقيم عليها (1) وقال له إنسان: زنت بك أمك، أو قال له: يا بن الزانية، كان عليه التعزير، ولم يجب عليه حد. وإذا قال له ذلك وكانت قد تابت وأظهرت التوبة، وجب الحد عليه. وإذا قذف محصنا أو محصنة، لم تقبل شهادته بعد ذلك، إلا أن يتوب أو يرجع، وليس يصح توبته من ذلك إلا بأن يكذب نفسه في ملاء من الناس في المكان الذي قذف فيه. ويثبت الحد بالقذف بشهادة شاهدين عدلين، أو إقرار القاذف على نفسه بذلك مرتين. وإذا ثبت ذلك، أقيم الحد عليه. ولا يكون الحد في القذف مثل الجلد في الزنا في القوة والشدة، بل يكون دون ذلك، ويجلد القاذف فوق الثياب ولا ينزع عنه ولا يجوز للامام (عليه السلام) العفو عن القاذف، لأن ذلك إلى المقذوف دون غيره من سائر الناس، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الحد يثبت على القاذف ببينة أو إقرار، أو تاب أو لم يتب. فإن العفو في جميع ذلك إلى المقذوف كما ذكرناه فيما سلف. وإذا قذف إنسان مكاتبا ضرب بحساب ما عتق منه حد الحر، ويعزر بما يبقى فيه من الرق. وإذا قال لامرأة (2): يا زانية، أنا زنيت بك، وجب عليه حد القاذف لقذفه ولم يجب عليه شيئ فيما ذكرناه عن نفسه من الزنا إلا أن يقر أربع مرات، فيجب حينئذ عليه حد الزنا. وإذا قال لولده: قد زنيت، أو يا زانى، لم يجب عليه حد. فإن قال له:

(1) في بعض النسخ زيادة كلمة " الحد ".
(2) وفي نسخة " لامرأته "

[ 550 ]

يا بن الزانية ولم ينتف منه، كان عليه الحد لزوجته - أم المقذوف - إن كانت حية وإن كانت ميتة وكان وليها ولده لم يكن له المطالبة بالحد. فإن كان لها أولاد من غيره أو قرابة، كان المطالبة بالحد. فإن انتفى من ولده، كان عليه أن يلاعن أمه، وقد سلف ذكر كيفية اللعان. فإن انتفى منه بعد إقراره به، كان عليه الحد. وإن كان قذفها بعد اللعان كان عليه الحد أيضا. وإذا تقاذف اثنان بما يجب الحد فيه، لم يجب على واحد منهما حد لصاحبه وكان عليهما التعزير. وإذا قال لغيره: يا كشحان، أو يا قرنان (1) أو يا ديوث، وكان متكلما باللغة التي يفيد فيها بهذا اللفظ، رميه باخت أو زوجة، وكان عالما بفائدة اللفظة عارفا بها كان عليه الحد فإن لم يكن عارفا بفائدة اللفظ، لم يكن عليه حد القذف، وينظر في عادته واستعماله هذه اللفظة، فإن كان قبيحا غير أنه لا يفيد القذف، أدب وعزر، فإن أفاد غير ذلك في عادته، لم يجب عليه شئ. وإذا قال لغيره: يا فاسق، أو يا خائن، أو يا شارب الخمر، وهو على ظاهر العدالة، لم يجب عليه حد قاذف وكان عليه التأديب. وإذا قال: حملت بك أمك في حيضها، أو أنت ولد حرام، كان عليه التعزير ولم يجب عليه حد القذف. وإذا قال للمسلم: أنت وضيع، أو رفيع (2)، أو مسخ، أو خسيس، أو خنزير أو ما أشبه ذلك، كان عليه التعزير. فإن كان المقول له كافرا يستحق الاستخفاف

(1) قيل القرنان من يدخل على بناته والكشحان من يدخل على أخواته، راجع الروضة البهية.
(2) كذا في النسخ ولعل معناه " متكبر " ويحتمل أن يكون أصله " رفيغ " بالمعجمة، يقال الرفغ للسفال من الناس

[ 551 ]

والاهانة، لم يجب عليه شيئ. وإذا قال لغيره: يا كافر وهو على ظاهر الاسلام، ضرب ضربا وجيعا. فإن كان المقتول له يجحد فريضة عامة معلومة في شرع الاسلام، لم يجب عليه شئ. وإذا وجه غيره بكلام محتمل للسب وغيره، أدب وعزر حتى لا يعرض باهل الايمان. وإذا عيره بشئ من بلاء الله تعالى مثل البرص والجذام والعمى والجنون وما أشبه ذلك، أو أظهر عنه ما هو مستور من بلاء الله تعالى، كان عليه التأديب، إلا أن يكون المعير به ضالا كافرا. وكل لفظ يؤذي به الانسان غيره من المسلمين، فإنه يجب على المتكلم به التعزير. وإذا نبز (1) إنسان مسلما أو اغتابه ويثبت عليه بينة بذلك وجب عليه التأديب. وإذا قال لزوجته بعد دخوله بها: لم أجدك عذراء، كان عليه التعزير. وإذا سب إنسان النبي (صلى الله عليه وآله) أو أحدا من الأئمة (عليهم السلام) كان عليه القتل وحل لمن سمعه قتله إن لم يخف على نفسه أو على غيره، فإن خاف على شيئ من ذلك، أو خاف ضررا يدخل على بعض المؤمنين في الحال أو في المستقبل، فلا يتعرض لقتله، ويتركه. وإذا هجا إنسان مسلما وجب عليه التأديب. فإن هجا أهل الضلال لم يلزمه شيئ وإذا ادعى رجل أنه نبي، كان عليه القتل وحل دمه. وإذا قال إنسان: لا أدري النبي صادق أم كاذب، وأنا شاك في ذلك، وجب قتله إلا أن يقر به (2). وإذا أفطر المسلم في شهر رمضان متعمدا من غير عذر يبيحه ذلك، كان عليه التعزير والعقوبة الموجعة. وإن أفطر ثلاثة أيام، سئل: هل عليك في ذلك

(1) نبز غيره: أي لقبه بالالفاظ المستهجنة القبيحة (2) أي يقر بهذا القول في حقه من جانب الحكومة الاسلامية، مثل أهل الذمة.

[ 552 ]

شيئ (1) أم لا؟ فإن قال: لا، كان عليه القتل، وإن قال: نعم، كان عليه من العقوبة ما يردعه عن مثل ذلك. فإن لم يرتدع، كان عليه القتل. وإذا قامت البينة على إنسان من المسلمين بالسحر كان عليه القتل. وإن كان كافرا وجب تأديبه وعقوبته. وإذا أخطأ مملوك أو صبي أدب بخمس ضربات إلى ست، ولا يزاد على ذلك. وإذا ضرب إنسان عبده بما هو حد، كان عليه عتقه كفارة لذلك. وإذا كان المرتد مولودا على فطرة الاسلام وجب قتله من غير استتابة، فإن تاب لم يكن لأحد عليه سبيل، وإن لم يتب قتل على كل حال. والمرتدة عن الاسلام لا يجب عليها قتل بل تستاب، فإن لم تتب تحبس أبدا وتضرب في أوقات الصلاة ويضيق عليها في المطعم والمشرب. وإذا وطأ الرجل زوجته في حيضها وجب ضربه خمسة وعشرون سوطا. فإن وطأها في شهر رمضان متعمدا كان عليه خمسة وعشرون سوطا، فإن كانت المرأة قد طاوعته في ذلك، كان عليها مثل ذلك، فإن أكرهها كان عليه خمسون سوطا. وأما الكفارة التي تلزمها، فقد تقدم ذكرها. وشاهدا الزور يجب أن يؤدبا في قومهما أو في قبيلتهما، ويغرما ما أتلفاه بشهادتهما إن كانا أتلفا شيئا بذلك. * * *

(1) أي أثم وبأس، راجع الوسائل، ج 7، الباب 2 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.

[ 553 ]

" باب حدود المحارب " " والخناق، والنباش، والمختلس، والمحتال، والمبنج (1) " من كان من أهل الريبة وجرد سلاحا في بر أو بحر، أو في بلد أو في غير بلد في ديار الاسلام أو في ديار الشرك، ليلا أو نهارا كان محاربا، فإن قتل ولم يأخذ مالا كان عليه القتل، ولا يجوز لأولياء المقتول، العفو عنه على حال، فإن عفوا عنه كان على الإمام قتله. فإن قتل وأخذ مالا كان عليه رد المال أولا، ثم يقطع بالسرقة، ثم يقتل بعد ذلك ويصلب. فإن أخذ المال ولم يقتل أحدا ولا جرحه كان عليه القطع ثم النفى من البلد الذي هو فيه. وإن جرح ولم يأخذ مالا ولا قتل أحدا كان عليه القصاص والنفي بعد ذلك من البلد الذي فعل فيه ذلك إلى غيره. وإن لم يجرح ولا أخذ مالا كان عليه النفى كما قدمناه، ويكتب إلى البلد الذي ينفى إليه: بأنه منفى محارب فلا يجالس ولا يبايع ولا يؤاكل ولا يشارب، فإن انتقل إلى بلد آخر غير البلد الذي نفي إليه، كوتب إليه أيضا بذلك، ولا يزال يفعل به ما ذكرناه إلى أن يتوب، فإن قصد بلاد الشرك منع من الدخول إليها، فإن مكنوه من ذلك قوتلوا عليه. واللص محارب: فإن دخل على إنسان، كان له أن يدافعه عن نفسه ويقاتله، فإن أدى ذلك إلى قتله، لم يكن عليه شيئ وكان دمه هدرا. وإذا قطع الطريق جماعة وأقروا بذلك كان حكمهم ما قدمناه. فإن لم يقروا وقامت البينة عليهم بذلك كان حكمهم كما تقدم أيضا. وإذا شهد شاهدان على أن هؤلاء قطعوا الطريق علينا وعلى القافلة وأخذوا متاعا لم يلتفت إلى هذه الشهادة ولم يقبل في حق أنفسهما، لأنهما شهدا لانفسهما - ولم يقبل شهادة الانسان لنفسه - ولا يقبل شهادتهما للقافلة أيضا لأنهما قد أبانا عن العداوة، وشهادة العدو غير مقبولة على عدوه. وإذا شهد بعض اللصوص على بعض، لم يقبل شهادتهم، وكذلك إن شهد

(1) بنجه: نومه بالبنج، البنج يستعمل في الطب للتخدير.

[ 554 ]

الذين أخذت أموالهم بعض منهم لبعض، لم تقبل شهادتهم، وشهادة غيرهم مقبولة في ذلك وأما الخناق: فإن عليه القتل بعد أن يسترجع منه ما أخذه ويرد على صاحبه فإن لم يوجد ذلك الشيئ بعينه غرم قيمته أو أرش ما عيناه (1) نقص من ثمنه، إلا أن يعفو عنه صاحبه. وأما النباش، فإنه إذا نبش القبر وأخذ كفن الميت، كان عليه القطع كما يكون على السارق سواء. فإن نبش القبر ولم يأخذ منه شيئا أدب وغلظت عقوبته ولم يكن عليه قطع على حال. فإن تكرر الفعل منه ولم يؤدبه الإمام، كان له قتله ليرتدع غيره في المستقبل عن مثل ذلك. وأما المختلس، (2) فهو الذي يستلب الشيئ من الطرق والشوارع ظاهرا. فإذا فعل شيئا من ذلك، وجب أن يعاقب عقوبة يرتدعه عن مثل ما فعله، وذلك يكون بحسب ما يراه الإمام أصلح وأردع، ولا يجب عليه قطع في ذلك على وجه من الوجوه وأما المحتال، فهو الذي يتحيل على أخذ أموال الناس بالخديعة والمكر، وشهادات الزور، وتزوير الكتب في الرسائل الكاذبة، وما جرى مجرى ذلك. فإذا فعل شيئا من ذلك، كان عليه التأديب، وينبغي للامام أن يعاقبه عقوبة تردعه عن فعل مثل ذلك في المستقبل، ويغرم ما أخذه على كماله. وأما المبنج: فإنه متى بنج غيره بشئ سقاه أو أطعمه حتى سكر منه وأخذ ماله وجب أن يعاقبه الإمام بحسب ما يراه، ويسترجع منه ما أخذه. فإن جنى الاسكار والبنج على ذلك الانسان جناية، كان عليه ضمان ما جناه. " تم كتاب القصاص والحدود " * * *

(1) كذا في بعض النسخ وفي بعضها " عساه " (2) اختلس الشئ: أي أخذه واختطفه بسرعة على حين غفلة من صاحبه.

[ 555 ]

" كتاب الشهادة " قال الله تعالى: " واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء (1) ". وقال تعالى: " واشهدوا إذ تبايعتم " الآية (2). وتوعد على كتمانها، فقال: " ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه " (3) فلو لم تكن حجة لما توعد على كتمانها. وقال: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم " الآية (4) وقال تعالى: " وإذا طلقتم النساء - إلى قوله - واشهدوا ذوي عدل منكم " (5) وعن النبي (صلى الله عليه وآله)، أنه قال: " من سئل عن علم يعلمه فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار " (6). وروي عن علي (عليه السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله)، أنه قال: " إن ملك الموت إذا نزل بقبض روح الفاجر نزل معه بسفود من نار، فقلت: يارسول الله فهل يصيب ذلك

(1 و 2 و 3) البقرة 282 و 283 (4) النور 4 (5) الطلاق 1 و 2 (6) البحار، ج 2 من الطبع الجديد، ص 72، الحديث 37 مع اختلاف في المتن

[ 556 ]

أحدا من امتك؟ قال. نعم حاكما جائرا، واكل مال اليتيم، وشاهد الزور " (1). وعن علي (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " يبعث شاهد الزور يوم القيامة يولغ (2) لسانه في النار كما يولغ الكلب لسانه في الاناء " (3). وقال (صلى الله عليه وآله): " تقوم القيامة على قوم يشهدون من غير أن يستشهدوا " (4). فالعدالة معتبرة في صحة الشهادة على المسلم، وتثبت في الانسان بشروط وهي البلوغ، وكمال العقل، والحصول على ظاهر الايمان، والستر والعفاف، واجتناب القبائح، ونفى الظنة والحسد والتهمة والعداوة. ولا فرق في صحة من كان على هذه الشرائط ووجوب قبولها، بين أن يكون الشاهد لها رجلا أو امرأة، قريبا أو أجنبيا، حرا أو عبدا. وهي على ثلاثة أضرب، شهادة الرجال، وشهادة النساء، وشهادة الصبيان. فأما شهادة الرجال، فضربان، صحيحة وغير صحيحة فالصحيحة، هي شهادة من جمع الشروط التي ذكرناها. وشهادة القاذف بعد توبته والمعرفة بذلك منه. وشهادة الشريك لشريكه فيما ليس هو شريكا فيه. وشهادة الاجير على مستأجره، سواء كان مقيما معه أو كان قد فارقه. وشهادته له بعد مفارقته. وشهادة الوصي لمن هو وصى له، وشهادته عليه، إذا كان معه غيره من أهل العدالة، و (5) استحلف المشهود له. وشهادة الأعمى إذا كان يثبت الشهادة، وكانت مما لا تفتقر فيه إلى الرؤية، أو كان شهد بذلك قبل العمى. وشهادة الاصم، ويؤخذ بأول قوله ولا يؤخذ بثانيه. وشهادة ذوي العاهات

(1) الوسائل، ج 18، كتاب الشهادة، الباب 9، الحديث 3 وفي دعائم الاسلام ج 2، ص 507 (2) في نسخة " يدلغ " في الموضعين (3) دعائم الاسلام، ج 2، ص 507، إلا أن فيه " يدلع " بالمهملة ".
(4) دعائم الاسلام، ج 2، ص 508، مع اختلاف يسير.
(5) كذا في النسخ ولعل أصلها " أو ".

[ 557 ]

والآفات. والشهادة التي يؤديها في حال عدالته من كان قد شهد بها وهو في حال فسقه وشهادة لاعب الحمام. وشهادة المراهن في الخف والحافر، والريش. وشهادة الوالد لولده، وشهادته عليه مع غيره من أهل العدالة. وشهادة الولد لوالده. وشهادة الأخ لأخيه وعليه مع غيره من أهل العدالة. وشهادة الزوج لزوجته وعليها مع غيره من أهل العدالة. وشهادة العبيد لساداتهم لا عليهم، ولغير ساداتهم وعليهم. وشهادة المكاتبين والمدبرين على غير ساداتهم ولهم. وشهادتهم لساداتهم بمقدار ما عتق منهم. ومن كان له عبدان، وأشهدهما على نفسه بالاقرار بوارث، وردت شهادتهما لأجل الميراث، وجازه (1) غير المقر له، وأعتقهما، وشهدا للمقر له، كان شهادتهما مقبولة، ورجع الميراث إلى من شهدا له بالاقرار ويعودان رقا له. فإن شهدا بأن مولاهما كان أعتقهما في الحال التي كان أشهدهما على نفسه بالاقرار، قبلت هذه الشهادة أيضا، ولم يسترقهما الذي شهدا له، لأنهما قد أحييا حقه بشهادتهما له. وأما الشهادة التي هي غير صحيحة، فشهادة من خالف الاسلام من الكفار - على اختلافهم - على أحد من المسلمين في حال الاختيار، فإن كانت حال ضرورة، قبلت شهادتهم في الوصية دون غيرها على ما قدمناه. ولا يجوز شهادة أهل الملل المختلفة بعضها على بعض، بل يقبل شهادة أهل الملة الواحدة بعضهم على بعض إلا المسلمون فإن شهادتهم مقبولة على الجميع. وقد ذكر: إن شهادة الكافر على مثله وعلى غيره غير مقبولة، وهو الأقوى، لأن العدالة معتبرة في الشهادة، والكافر غير عدل. ولا يجوز قبول شهادة مبطل على محق وإن كان على ظاهر الاسلام. وكذلك شهادة ولد الزنا. ولا يجوز شهادة الفساق ومرتكبي القبائح من شرب الخمر والزنا واللواط واللعب بالشطرنج أو النرد أو ما يجري مجرى ذلك من آلات القمار، والارتشاء في الأحكام وغير ذلك من جميع القبائح

(1) كذا في أكثر النسخ وفي بعضها " أجازه " والظاهر أنهما تصحيف والصحيح " حازه " بالحاء المهملة.

[ 558 ]

وضروب الفسق على اختلافه، إلا على أنفسهم دون غيرهم. ولا يجوز قبول شهادة الظنين والمتهم، والخصم، والأجير لمستأجره مع مقامه معه في الاستئجار، ولا شهادة المجان (1) ولا شهادة من أخذ الأجر على الأذان ولا شهادة من أخذه على الصلاة. ولا شهادة السائلين في الاسواق ولا على أبواب الدور. ولا شهادة الشريك لشريكه فيما هو شريك فيه. ولا شهادة اللصوص، إلا أن يقروا على أنفسهم بشئ، ولا يقبل شهادة من يشهد بها قبل أن يسأل عنها. ولا شهادة الولد على الوالد، ولا العبد على سيده، إلا أن يكون ذلك بعد عتقه. فإذا شهد شهود على إنسان بأنه قال: اشهدوا علي بأن ملكي أو داري أو ما جرى مجرى ذلك لفلان، ولم يذكر صدقة ولا هبة ولا غيرها، كانت هذه الشهادة باطلة، وقوله غير صحيح لأنه يتناقض من حيث أن ملكه لا يكون ملكا لغيره، وينبغي أن يستفسر عن ذلك، فإن كان (2) ملكي، كان إقرارا، وإن ذكر هبة، اعتبرت شرطها. ولا يجوز شهادة واحد في الهلال، ولا الطلاق، ولا الحدود، وما أشبه ذلك وأما شهادة النساء، فعلى ثلاثة أضرب، أولها: لا يجوز قبولها على حال، وثانيها: يجوز ذلك فيها إذا كان معهن غيرهن من الرجال، وثالثها: يجوز ذلك أيضا فيها. ولا يجوز أن يكون معهن أحد من الرجال. فأما الأول، فرؤية الهلال، والطلاق، والحدود إلا الزنا، وقد تقدم ذكره. وأما الثاني، فرجم المحصن، بأن يشهد ثلاثة رجال وامرأتان، فيقبل شهادتهم ويرجم المشهود عليه بذلك. وإن شهد رجلان واربع نسوة، أو رجل وست نساء بالزناء لم يقبل شهادتهم، وحدوا حد الفرية. ويقبل شهادتهن في القتل والقصاص، ولا يقاد بها ولا يقتص، وإنما يجب الدية وحدها بأن شهد رجل وامرأتان على إنسان بالقتل أو الجراح وتقبل شهادتهن في الديون مع الرجال وعلى الانفراد بأن يشهد رجل وامرأتان على

(1) مجن الرجل مجونا: كان لا يبالى قولا وفعلا أي هزل.
(2) الظاهر سقط مثل " قال " أو " أجاب "، ومعنى كان ملكي: إنه ملكي سابقا فيكون إقرارا بأنه لفلان، الان.

[ 559 ]

إنسان بدين لرجل فتقبل شهادتهم، وإن شهدت امرأتان قبلت شهادتهما، وكانت كشهادة رجل واحد يجب معها اليمين على المشهود له. وأما الثالث، فهو الذي يجوز قبول شهادتهن فيه ولا يجوز أن يكون معهن أحد من الرجال، فهو جميع ما لا يجوز للرجال النظر إليه، مثل العذرة، والأمور الباطنة في النساء. وشهادة القابلة وحدها في استهلال الصبي في ربع ميراثه. وشهادة امرأة واحدة في ربع الوصية، وشهادة امرأتين في نصف ميراث المستهل ونصف الوصية، وعلى هذا الحساب وذلك لا يجوز التعويل عليه والحكم به إلا مع عدم الرجال. وشهادة الزوجة على زوجها فيما يجوز قبول شهادتها فيه إذا كان معها غيرها من أهل العدالة. فأما شهادة الصبيان، فهي ضربان جائز وغير جائز فالجائز: شهادة كل صبي بلغ عشر سنين إلى أن يبلغ، في الشجاج والقصاص، ويؤخذ بأول كلامهم في ذلك ولا يؤخذ بآخره، ويفرق بينهم في الشهادة، فإن اختلفوا لم يحكم بشئ من أقوالهم. ومن شهد منهم في حال الصبا وبلغ ثم أدى شهادته تلك، بعد البلوغ وكان على ظاهر العدالة قبلت شهادته. وأما التي ليست بجائزة: فهي شهادتهم في كل ما عدا ما ذكرناه، فإنه لا يجوز قبولها في شيئ منه على حال. * * * " باب كيفية الشهادة وإقامتها " قال الله تعالى: " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " (1). وعن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " قال: حين

(1) البقرة 282.

[ 560 ]

يدعوا قبل الكتاب (1) لا ينبغي لأحد إذا دعي إلى شهادة أن يقول: لا أشهد لكم " (2). لا يجوز لأحد الامتناع من الشهادة إذا دعى إليها، إذا كان من أهل الشهادة والعدالة إلا أن يكون في حضوره لذلك وشهادته ضرر لشيئ يتعلق بالدين، أو فيه مضرة لأحد المؤمنين. ومن حضر الشهادة على إنسان فليس يجوز أن يشهد إلا على من هو عارف به، ويجوز أن يشهد على من لا يعرفه بتعريف رجلين من المسلمين الثقات. وإذا أقام هذا هذه الشهادة، فلا يقيمها إلا كما شهد بها. وإذا شهد على امرأة وهو عارف بعينها، جاز له الشهادة عليها. فإن لم ير وجهها فإن شك فيها لم يجز أن يشهد عليها حتى تسفر عن وجهها ويعرفها بعينها. وإذا أراد أن يشهد على أخرس (3) لم يجز له ذلك إلا بعد أن يعرف من إشارته الاقرار بما يريد الاشهاد به. وإذا أراد الشهادة عليه لم يقمها إلا بأنه عرف من إشارته، الاقرار بما شهد عليه به، ولا يجوز أن يقيمها بمجرد الاقرار، لأنه إن فعل ذلك كان كاذبا. * * * " الشهادة على الشهادة " وإذا أراد الشهادة على شهادة، فينبغي أن يشهد رجلين على رجل واحد، لأن الرجلين في الشهادة على الشهادة يقومان مقام شاهد واحد. فإن شهد واحد لم يقم مقام الواحد الذي يريد الشهادة على شهادته، ولا يكون لذلك تأثير. ولا يجوز الشهادة على شهادة إلا في العقود والديون والأملاك. فأما الحدود فلا يجوز ذلك فيها.

(1) و (2) الوسائل، الباب 1 من كتاب الشهادات، الحديث 6 والحديث 2 و 5 وقبل الكتاب أي قبل الكتابة المذكورة في الآية.
(3) أي على إقرار أخرس

[ 561 ]

ولا يجوز شهادة على شهادة على شهادة في شيئ من الأشياء على حال. وإذا شهد إنسان على شهادة آخر، وأنكر الشهادة الشاهد الأول، قبلت شهادة أعدلهما، فإن تساووا في العدالة طرحت شهادة الثاني. ويجوز الشهادة على شهادة وإن كان الشاهد الأول حاضرا غير غائب، إذا منعه مانع من اقامته الشهادة من مرض أو غيره. ويجوز شهادة الانسان على مبيع لم يعرفه ولا يعرف حدوده ولا مكانه إذا عرف بايعه ومشتريه وإذا رأى إنسان في يد غيره شيئا وهو متصرف فيه تصرف الملاك جاز أن يشهد بأنه ملكه، كما يجوز أن يشتريه على أنه ملكه. وروي أنه يكره للمؤمن أن يشهد لمخالف له في الاعتقاد، لئلا يلزمه إقامتها وربما ردت شهادته فيكون ممن قد اذل نفسه، فمن عمل بذلك كان جائزا. وإذا أراد إقامة شهادة، لم يجز له إقامتها إلا على ما يعلم، ولا يعتمد على خطه إن (1) لم يكن ذاكرا للشهادة، فإن لم يذكرها وشهد معه آخر، جاز أن يقيمها، والأحوط الأول. وإذا علم شيئا ولم يكن قد أشهد عليه ثم دعي إلى الشهادة بذلك، كان مخيرا بين أن يقيمها وبين أن لا يقيمها، فإن علم أنه متى لم يقمها بطل حق مؤمن وجب عليه إقامتها. ولا يجوز لانسان أن يشهد قبل أن يسأل عن الشهادة، كما لا يجوز له كتمانها وقد دعي إلى إقامتها، إلا أن يكون في شهادته إبطال حق قد علمه فيما بينه وبين الله تعالى، أو يكون مؤدية إلى ضرر على المشهود عليه لا يستحقه، فإنه لا يجوز له أن يقيم الشهادة التي دعي إلى إقامتها. والشهادة من فروض الكفايات إذا كان هناك خلق قد عرفوا الحق وصاروا به شاهدين. فإذا قام به اثنان سقط الفرض عن الباقين. وقد يتعين الفرض فيه، وهو إذا لم يتحمل الشهادة إلا اثنان، أو يتحملها خلق ولم يبق منهم غير اثنين. * * *

(1) في بعض النسخ مع " الواو "

[ 562 ]

" باب الحكم بالشاهد الواحد مع اليمين " الحكم بالشاهد الواحد مع يمين المدعي صحيح، والترتيب في ذلك مراعى بأن يشهد للمدعي شاهده ثم يحلف. فليس يصح أن يحلف، ثم يشهد له شاهده بعد ذلك. فإذا كان ذلك صحيحا، فالشاهد واليمين إنما يحكم بهما فيما يكون مالا أو ما يكون المقصود به المال. فأما المال فالقرض، والغصب، والدين، وقضاء الدين، وأداء مال الكتابة. وأما المقصود منه المال فعقود المعاوضات أجمع كالبيع، والسلم والصرف، والاجارة والصلح، والقراض، والمساقات، والهبة، والوصية، والجناية الموجبة للمال، كالخطأ وعمد الخطأ، وعمد يوجب المال - كما لو قتل ولده، أو عبد غيره -. وأما الوقف فيصح فيه ذلك بشاهد ويمين، لأنه عندنا ينتقل إلى الموقوف عليه. وأما اليمين التي هي القسامة فليست تثبت إلا في الدماء خاصة، وقد بينا ما يتعلق بها في باب الديات فيما سلف. * * * " باب شهادة الزور " قال الله تعالى: " واجتنبوا قول الزور، حنفاء لله غير مشركين به " (1) فقرن الله تعالى شهادة الزور بالشرك. وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: يبعث شاهد الزور يوم القيامة، يولغ (2) لسانه في النار كما يولغ الكلب لسانه في الاناء (3) وقد تقدم هذا ونحوه.

(1) الحج الآية 32 (2) في بعض النسخ " يدلغ " مكان " يولغ " في الموضعين. (3) دعائم الاسلام، ج 2، ص 507

[ 563 ]

وعن الصادق (عليه السلام) قال: شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يجب له النار (1). فليس يجوز لأحد أن يشهد بشهادة زور على أحد من سائر الناس موافقا كان أو مخالفا، فلا يشهد بما لا يعلمه، ولا ينكر بما يعلمه مما استشهد فيه. فإن علم شيئا ولم يستشهد فيه، كان مخيرا بين إقامة شهادته وبين أن لا يقيمها، إلا أن يكون في تركه لذلك تضييع حق لبعض المؤمنين أو خوف (2) على أحد منهم، فإنه لا يجوز له التوقف عن إقامة الشهادة، وقد تقدم ذكر طرف من ذلك. فإن شهد أربعة رجال على رجل بالزنا وكان محصنا، فرجم ورجع واحد منهم بعد رجمه عما كان شهد به، فإما أن يقول: تعمدت، أو يقول: غلطت أو توهمت قال في رجوعه عن ذلك: تعمدت، كان عليه القتل ويؤدى إلى ورثته ثلاثة أرباع الدية. وإن قال: غلطت أو توهمت كان عليه ربع الدية وإن رجع بعد رجمه منهم اثنان فإما أن يقولا: بالعمد أو بالغلط والتوهم. فإن قالا بالعمد وأراد أولياء المقتول بالرجم، قتلهما قتلوهما، وأدوا إلى ورثتهما دية كاملة يتقاسمونها بالسوية، ويؤدي الشاهدان الآخران إلى ورثتهما أيضا نصف الدية يتقاسمونها بالسوية. وإن اختار أولياء المقتول قتل واحد منهما أدى (3) الآخر مع الباقي من الشهود إلى ورثة المقتول الثاني ثلاثة أرباع ديته فإن قالا بالغلط والتوهم، كان عليهما نصف الدية. وإن رجع الجميع عن شهادتهم، كان حكمهم حكم الإثنين سوآء. وإذا شهد اثنان على إنسان بطلاق زوجته، ثم اعتدت وتزوجت ودخل الزوج بها، ثم رجعا عن شهادتهما بذلك وجب الحد عليهما، وضمان المهر للزوج الثاني وتعاد المراة إلى زوجها الأول بعد الاستبراء من الثاني. وإذا شهد رجلان على رجل بسرقة، فقطع المشهود عليه، ثم رجعا عن الشهادة،

(1) الوسائل، ج 18، الباب 9 من أبواب الشهادات، الحديث 1 (2) في بعض النسخ " جور " (3) في بعض النسخ بزيادة " الواو "

[ 564 ]

فإما أن يكونا قالا تعمدنا أو غلطنا أو توهمنا، فإن قالا: تعمدنا قطعت يد واحد منهما وأدى الآخر نصف دية اليد. وإن أراد المقطوع الأول (1) قطعهما، كان له ذلك، ويؤدي إليهما دية واحدة يتقاسمانها بينهما بالسوية. وإن قالا: غلطنا أو وهمنا، وجب عليهما دية يد المقطوع الأول. فإن رجع الواحد منهما، كان عليه نصف دية اليد. وإن شهد رجلان على رجل بدين، ثم رجعا، كان عليهما مقدار ما شهدا به. فإن رجع أحدهما دون الآخر، كان عليه ما يصيبه، وهو النصف. وإذا أشهد اثنان على رجل، ثم رجعا عن ذلك قبل أن يحكم الحاكم فيما شهدا به، طرحت شهادتهما ولم يلتفت إليها، ولا يجب عليهما في ذلك شيئ. فإن رجعا عن ذلك بعد أن حكم الحاكم بشهادتهما، وكان ما شهدا به قائم العين، وجب رده على صاحبه، ولم يكن عليهما شيئ وإن لم يكن قائم العين، كان عليهما غرم ذلك فإن شهد اثنان على إنسان بسرقة فقطع، ثم أحضرا بعد ذلك رجلا غيره وقالا هذا هو السارق، وإنما غلطنا وتوهمنا، كان عليهما دية اليد، ولم يقبل شهادتهما على الرجل الذي أحضراه. وعلى الإمام تعزيز الشهود بالزور، ويشهرهم في محالهم ليرتدع غيرهم بذلك * * * (باب التغليظ في اليمين). التغليظ في اليمين يكون بالمكان الذي يستحلف فيه، وكذلك الزمان، والعدد واللفظ. فإذا كان كذلك، فإنها يغلظ في كل بلد في أشرف موضع فيه. فإن كان بمكة فبين الركن والمقام، فإن كان عليه يمين ثان لا يحلف إلا بين ذلك أو في الحجر فإن كان عليه يمين في أن لا يحلف فيه حلف بالقرب من البيت في غير الحجر. فإن كان بمدينة النبي (صلى الله عليه وآله)، فعلى منبره وإن كان بيت المقدس فعند الصخرة

(1) أي المشهود عليه

[ 565 ]

وإن كان بغير هذه المواضع من البلاد، ففي أشرف بقعة فيه. وأشرف بقاع البلاد: الجوامع والمشاهد. وأما التغليظ بالزمان، فبعد صلاة الظهر وقبل صلاة العصر. فإذا صح تغليظها بالمكان والزمان، وكان الحق مالا أو ما يقصد به المال، لم يغلظ إلا بالقدر الذي يجب الزكاة فيه. فإن كان الحق غير مال ولا ما يقصد به المال فإنها تغلظ فيه قليلا أو كثيرا. وأما التغليظ بالعدد، وفي القسامة يحلف خمسين يمينا، ويغلظ بالعدد في اللعان. فأما اللفظ فيغلظ بأن يقول: " والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية " أو ما جرى مجرى ذلك. فإن كان الحالف رجلا مسلما كانت اليمين في ما ذكرناه. وإن كانت امرأة وهي مخدرة استخلف الحاكم من يحكم بينها وبين خصمها في بيتها، فإذا توجهت اليمين عليها، حلفها كالبارزة في التغليظ بالمكان، إن كانت طاهرا استحلفها فيه، وإن كانت حائضا في باب المسجد. وإن لم تكن مخدرة وهي التي تبرز في حوائجها، فإن كانت طاهرا استحلفها في المكان الشريف كالرجل، وإن كانت حائضا فعلى باب المسجد، فإنه لا يجوز للحائض دخول المسجد. وإذا ادعى المملوك على سيده العتق، كان القول قول سيده مع يمينه. فإن كانت قيمة العبد القدر الذي أغلظ بالمكان، غلظ به. وإن كانت أقل، لم تغلظ، لأنه استحلاف على مال، لأنه يحلف على استيفاء ملكه بالرق، وذلك مال بغير إشكال فإن حلف السيد سقطت دعوى المملوك. وإن نكل عن اليمين، ردت على العبد، فيغلظ عليه في المكان، قلت قيمته أو كثرت، لأنه حلف على العتق والحرية، وتلك يمين على غير مال ولا المقصود به المال. وإذا توجهت اليمين على كافر، وكان يهوديا. غلظ باللفظ فيقول: " والله

[ 566 ]

الذي أنزل التوراة على موسى بن عمران " ويغلظ عليه بالمكان فيستحلف في المكان الشريف عنده وهو الكنيسة، لأنه يعظمها كما يعظم المسلم المسجد، وإن كان نصرانيا حلف وقال: " والله الذي أنزل الانجيل على عيسى " فإذا قلت (1) الذي أنزل الانجيل على عيسى، لم يمكنه من الاعتقاد ما ذكرناه. وأما المكان، فالبيعة، لأنه يعظمها. وإن كان مجوسيا، حلف فقال: " والذي خلقني ورزقني " لئلا يشارك الله وحده " النور "، فإنه يعتقد النور الها، فإذا قال خلقني ورزقني، ارتفع الاحتمال والابهام فيما ذكرناه، فأما المكان، فإن المجوس يعظم النار، فإن كانوا يعظمون بيتها حلف فيه. فإن كان الحالف وثنيا معطلا أو ملحدا لا يقر بالتوحيد، لم يغلظ عليه باللفظ ويقتصر معه على قول " والله " لأنه وإن لم يكن معتقدا فإنه يزداد إثما ويستحق العقوبة إن كذب في ذلك. " تم كتاب الشهادة " * * *

(1) أي في استحلافه.

[ 567 ]

" كتاب اللقطة والضوال، واللقيط والأبق " اللقطة ضربان: أحدهما يجوز التقاطه ولا يجب تعريفه ولا ضمانة على الملتقط له وتركه أفضل. والآخر لا يجوز التقاطه فإن التقطه ملتقط وجب عليه حفظه وتعريفه. فأما ما يجوز التقاطه ولا يجب تعريفه ولا ضمانة على المتلقط له فهو كل ما كان أقل من درهم، أو يكون وجده في مكان خرب، قد دثر (1) وباد أهله. وأما ما لا يجوز التقاطه، فإن التقطه ملتقط وجب عليه حفظه وتعريفه، فهو ضربان، أحدهما، ما يوجد في الحرم، فإنه يجب على ملتقطه حفظه وتعريفه سنة في المواقف والمواسم، فإن حضر صاحبه أعاده إليه. وإن لم يحضر بعد السنة تصدق به عنه، ولا يلزم منه بعد ذلك شئ. فإن حضر صاحبه بعد ذلك، لم يجز له المطالبة به. فإن أراد الملتقط أن يخيره في أن يغرمه له ويكون ثواب الصدقة له دونه، وإن اختار صاحب المال ذلك كان جائزا، وليس ذلك مما يجب على واحد منهما، بل موقوف على اختياره إن شاء فعل ذلك، وإن شاء لم يفعل. فأما ما يوجد في غير الحرم، فإنه يجب على ملتقطه حفظه وتعريفه سنة. فإن حضر صاحبه دفعه إليه. وإن لم يحضره، كان له التصرف فيه، وعليه ضمانه، إن حضر صاحبه كان عليه دفعه إليه. وإن كان قد تصدق به عنه، كان عليه الضمان لقيمته

(1) دثر: أي درس وبلى، وباد: أي هلك

[ 568 ]

يوم تصدق به. أو دفعه إلى صاحبه إن حضر بعد ذلك، فإن اختار صاحبها أن لا يأخذ ذلك ويكون له الأجر كان جائزا. وإذا هلكت اللقطة من عند الملتقط لها في زمان التعريف بتفريط منه كان عليه قيمتها يوم هلكت، وكذلك يجب عليه أن يتصرف فيها في زمان التعريف، وإن كان ذلك بغير تفريط، لم يلزم الملتقط منها شيئ. وإذا تصرف إنسان في مال اللقطة وربح فيه ربحا قبل كمال السنة، كان الربح لصاحبها دونه، وإن كان ذلك بعد السنة، كان الربح له، وعليه ضمان مال اللقطة لصاحبها. وإذا التقط مالا، واشترى به جارية، وحضر بعد ذلك صاحب المال فوجد الجارية ابنته، فإن أجاز له ابتياعها، انعتقت في الحال، ولم يكن له مطالبة الملتقط بشئ من ذلك. وإن لم يجز البيع، كان له مطالبته بالمال، وكان على الملتقط إعادته، ولا يجب على صاحب المال إدخال ابنته في ملكه من غير اختياره لذلك لأنها تنعتق عليه ويذهب ماله. وإذا وجد كنزا في دار، وكانت الدار منتقلة إليه بميراث عن أهله كان ما وجده من الكنز بينه وبين شركائه في الميراث إن كان له شركاء، وإن لم يكن له شركاء كان ذلك له دون كل أحد وإن كانت الدار انتقلت إليه بابتياع كان عليه أن يعرف البائع لها، فإن عرف ذلك رده إليه، وإن لم يعرفه كان ذلك له دون بائعها، وكان عليه إخراج الخمس منه ويتصرف في الباقي إن شاء. وإذ وجد شيئا في دار أو صندوق، وكان غيره يتصرف في الدار والصندوق، كان الحكم فيه على الوجه الذي يوجد ذلك الشئ عليه كالحكم في اللقطة التي يجري مجراه. وإن كان لا يتصرف في ذلك غيره، كان ذلك له. وإذا ابتاع شيئا من الإبل أو البقر أو الغنم، فذبحه فوجد في جوفه مالا أو ما له قيمة، فعليه أن يعرفه للبايع، فإن عرفه دفعه إليه، وإن لم يعرفه، كان عليه إخراج الخمس منه

[ 569 ]

ثم يتصرف في الباقي فهو له، وإذا ابتاع سمكة فوجد في جوفها سبيكة أو صرة (1) أو ما أشبه ذلك، أخرج من ذلك، الخمس، وكان الباقي له. وإذا وجد طعاما في مفازة فليأخذه وليقومه على نفسه ويأكله، فإن حضر صاحبه دفع إليه ثمنه. وإذا وجد لقيطا فهو حر، وجب على من وجده أن يرفع خبره إلى سلطان الاسلام لينفق عليه من بيت المال، فإن لم يتمكن من السلطان لينفق عليه استعان على ذلك بالمسلمين. فإن لم يعنه أحد أنفق هو عليه، فإذا بلغ كان له مطالبته بما انفقه عليه إن كان له مال، اللهم إلا أن يكون تبرع بالنفقة عليه، فإنه لا يرجع عليه بها، ولا يجوز له مطالبته بها على حال. وليس لمن وجد اللقيط عليه ولاء، وكذلك ليس لأحد من الناس عليه ذلك، إلا أن يبلغ، فإذا بلغ وتولى انسانا كان ولاؤه لمن يتولاه، ولا فرق في ذلك في أن يكون الذي يتولاه هو الذي وجده أو غيره من المسلمين وإن لم يوال أحدا إلى أن مات، كان ولاؤه للمسلمين، فإن خلف تركة وكان له ولد كان ما خلفه لولده المسلم. وإن لم يخلف ولدا مسلما، كان ماله لبيت المال. وإذا كان البعير في مكان يرعى فيه مطلقا، ولم يكن معه من يحفظه، لم يجز لأحد أخذه. فإن أخذه رده إلى صاحبه. وسبيل الثور والجاموس والدابة إذا كانت مسرحة في أرض السواد بحيث يجد المرعى، سبيل الإبل. فإن وجد هذه الدواب بعيدة عن السواد فإن كانت غنما، فينبغي أن يؤخذ ويحفظ بها لاصحابها. وينفق على الضوال من البهائم بأمر الحاكم، ويرجع على أربابها بذلك. وإذا وجد إنسان ضالة، فينبغي له أن يأتي بها إلى إمام المسلمين فيسلمها إليه وعلى الإمام أن ينفق عليها من بيت المال ما رآه بعد أن يحفظ مبلغ النفقة. وإذا وجد ضالة وهو في زمان سلطان الجور، حبس الضالة واحتسب بنفقتها على صاحبها، وليس له من ذلك الأوسط (2) من نفقة مثلها.

(1) الصرة بالضم: ما يجعل فيها الدراهم وغيرها (2) أي الحد المتوسط

[ 570 ]

وإذا التقط لقطة أو وجد ضالة، أو عبدا آبقا، أو صبيا حرا ضالا فرده على أهله لم يكن له في شيئ من ذلك جعل، فإن عوضه صاحبه بشئ على وجه البر، كان جائزا وإذا وجد شاة فينبغي أن يحبسها عنده ثلاثة أيام، فإن حضر صاحبها سلمها إليه وإن لم يحضر تصدق بها عنه. وإذا وجد ما له قيمة يسيرة مثل الحبل والوتد والشظاظ (1) والعقال وما أشبه ذلك، جاز له أخذه. والأفضل تركه في موضعه وأن لا يأخذه. وأخذ الجعل على ما يجده الانسان جائز، فإذا وجد شيئا من ذلك وكان مستأجرا فيه وقد جرت بينه وبين صاحب الضالة موافقة، كان لمن يجد ذلك ما اتفقا عليه. فإن لم يكن جرى بينهما في ذلك موافقة وكان ما وجده عبدا أو بعيرا وكان قد وجد ذلك في البلد، كان جعله عليه دينارا واحدا قيمته عشرة دراهم جيادا، فإن كان ما وجده خارج البلد كان جعله أربعة دنانير قيمتها أربعون درهما جيادا، وإن كان غير عبد ولا بعير رجع فيه إلى العادة في مثله، فدفع إليه ذلك. وإن كان من وجد العبد أو الضالة غير مستأجر لم يكن له شيئ، لأن المسلم يرد على المسلم (2). وإن وجد إنسان عبدا آبقا فأخذه ليرده على صاحبه، فأبق منه، لم يكن عليه شيئ. وإذا كان له عبدان آبقان، فقال للآخر: إن جئتني بعبدي الفلاني فلك كذا، فجاء بأحد العبدين، فاختلفا، فقال الجاعل: ما شارطتك في هذا بل شارطتك على الآخر، وقال المجعول له: بل شارطتني على هذا، كان القول، قول الجاعل مع يمينه، لأن المجعول له يدعي إحداث شرط. والأصل أن لا شرط. وإذا قال: إن جئتني بعبدي الآبق كان لك كذا فجاء به ثم اختلفا، فقال المجعول له: شارطتني على دينار، وقال الجاعل: شارطتك على نصف دينار. كان ذلك خلافا في قدر الأجرة، فتكون له أجرة المثل مع يمين الجاعل لأنه المدعى عليه.

(1) الشظاظ: خشبة تدخل في عروتي الجوالق (2) أي ماله، ولعله تعليل لعدم جواز أخذ الأجرة من المال

[ 571 ]

وإذا قال: من جاء بعبدي الآبق كان له دينار، فجاء به واحد، فإنه يستحق دينارا، فإن جاء به اثنان استحقا الدينار، فإن جاء ثلاثة أو أكثر كان لكل واحد ما يصيبه وإذا قال: من دخل دارى كان له دينار، فدخلها اثنان أو أكثر، كان لكل واحد منهما دينار. والفرق بين المسألتين، أن من قال: من دخل دارى فله كذا. علق الاستحقاق بالدخول، وقد وجد من كل واحد منهم ذلك فاستحقه، فليس كذلك الرد، لأنه علق الاستحقاق برده ولم يكن يرده كل واحد منهم، وإنما جاء به جميعهم، فبجميعهم حصل المفقود، فلهم كلهم الأجرة، لأن السبب وجد من جميعهم ولم يوجد من كل واحد منهم على انفراده. وإذا قال: من جاء بعبدي الآبق كان له ثوب أو دابة، فجاء به اثنان، كانا مستحقين لأجرة المثل، لأن العقد فاسد، لأن الأجرة مجهولة، فإن جاء به ثلاثة، كان لكل واحد منهم ثلث أجرة المثل. وإذا قال لواحد: إن جئتني بعبدي الآبق فلك ثلاثون، فجاؤا به، كان لكل واحد منهم ثلث ما سماه به. وإذا قال: من جائني بعبد آبق من البصرة كان له دينار، فجاء به من واسط، فإنه يستحق نصف دينار، لأنه عمل نصف العمل. وإذا قال: إن جئتني بعبدي فلك كذا، فجاء به إلى باب البلد ثم هرب، فإنه لا يستحق شيئا، لأنه ما جاء به، لأن المقصود من المجيئ به التسليم، ولم يحصل. وإذا أقر ببعض اللقطة وأنكر بعضها، كان القول قوله مع يمينه فيما أقر به، وما انكره. إذا اتهمه بلقطة وأنكرها، كان القول قوله مع يمينه، وعلى المدعى عليه ذلك، البينة. وإذا مات اللقيط وترك مالا، وادعى إنسان أنه ابنه، لم يصدق في ذلك إلا ببينة. وإذا بلغ اللقيط وتزوج بامرأة ودخل بها، وادعت إنه ابنها لم تصدق إلا ببينة

[ 572 ]

وإذا التقط عبد لقيطا ولم يعرف ذلك إلا بقوله، وقال سيد العبد: كذب بل هو عبدي، كان القول قول السيد مع يمينه (1). وإذا التقط إنسان لقيطا، فجاء آخر فأخذه من يده، واختصما، وجب رده إلى الأول. وإذا وجد طعاما رطبا لا يبقى، كان مخيرا بين أن يقومه على نفسه، ويضمن ثمنه لصاحبه إذا جاء وطلبه، وبين أن يبيعه ويحفظه على صاحبه، أو يتصدق به على ما قدمناه من شرط الضمان. " تم كتاب اللقطة " * * *

(1) وفي نسخة زيادة " وإذا كان العبد مهجورا عليه فإن كان مأذونا له كان القول قول العبد " والظاهر أن معناه: على القول بأن العبد ليس له أن يأخذ اللقطة فإن كان...

[ 573 ]

" كتاب القسمة والبنيان " روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: لا ضرر ولا ضرار (1) فكل ما كان مشتركا وهو مما يصح قسمته من غير ضرر يتعلق بأحد الشراك فطلب بعضهم أو جميعهم القسمة قسم ذلك بينهم وأخذ كل واحد منهم منه وكل ما لا يتجزى بأنصباء الشركاء فلا قسمة فيه. وإذا كانت دار بين شريكين، فاقتسماها، فصار السفل لأحدهما، والعلو للآخر كان ذلك جائزا إذا لم يكن في ذلك ظلم ولا غبن، فإن كان فيها ذلك وكان الشريكان قد علما ذلك ورضيا به، كانت القسمة ماضية، وإن كانا لم يعلما ذلك ولا رضيا، كانت القسمة باطلة ووجب فسخها. وإذا اقتسم قوم دارا أو أرضا وشرطوا أن لا يكون لواحد منهم طريق إلى ذلك كان الشرط باطلا. فإن اقتسموا ذلك وله طريق، فجعلوا الطريق في نصيب أحدهم وللباقين المرور بأرجلهم في تلك الطريق وتراضوا بذلك. كان صحيحا ماضيا. وإذا اقتسموا دارا فرضى أحدهم بشئ منها أقل من حقه وترك الباقي لمن بقي يقتسمونه وتراضوا به، كان ذلك جائزا. وإن كان بين جماعة من الناس دور، فقال أحدهم: أريد أن آخذ حقي في ذلك في كل دار (2) وقال بعض آخر منهم بجمع

(1) الوسائل، ج 17، الباب 7 من أبواب إحياء الموات، الحديث 2، ص 333.
(2) في النسخ " داره " ولعلها تصحيف

[ 574 ]

كل واحد نصيبه في موضع واحد وكانت الدور معتدلة في بقاعها وأحوالها ورغبة الناس فيها، قسم لكل إنسان حقه في مكان واحد. وإن كانت مختلفة اختلافا بينا، قسمت لكل دار منها ناحية، وأخذ كل واحد منهم حقه منها. وإذا كان قوم شركاء في حوائط أرض في نواح متفرقة، وبعض ذلك قريب من بعض، وأراد كل واحد منهم أخذ نصيبه في ناحية واحدة بقيمة عادلة كان ذلك جائزا. فإن كان كل شئ من ذلك لا ينقسم على الانصباء - وإذا قسم كان فيه ضرر يلحق بعض الشركاء، وكان حقه منه ما لا يكاد ينتفع به على الانفراد - وجب أن يجمع حصة كل واحد منهم في ناحية بقيمة عادلة. وإذا كان النخل بين قوم وأرادوا قسمته، لم يصح ذلك إلا ببيعه وقسمة ثمنه بينهم، أو بأن يقلع من الأرض ويقسمونه كما قسم مثله، أو يكون مما يمكن قسمته بالعدل فيقسم. وإذا كانت أرض موروثة بين قوم ولها شرب، وأرادوا قسمتها، قسموها وكان لكل ذي حظ منها من الشرب بقدر حصته. وإذا كان بين قوم دار وهي غائبة عنهم وقد عرفها جميعهم، جاز أن يقسموها على الصفة التي عرفوها، ويصير لكل واحد منهم حقه منها بحسب ما عرفه. فإن لم يعرفها جميعهم أو عرفها بعضهم ولم يعرفها بعض آخر، لم يصح قسمتها إلا بعد أن يحضروها ويحضروا قسمتها، أو يحضر ذلك من يقوم مقامهم وينوب منابهم فيه. وكذلك الشجر والأرض. وإذا كانت بين قوم ساحة وبيوت جاز أن يقسموا البيوت بالقيمة، والساحة بالذراع ويترك من الساحة طريق لأصحاب البيوت. وإذا قسم العلو والسفل قوم، كان سقف السفل عل صاحب السفل، ويكون كالارض لصاحب العلو. ولا يجوز لصاحب السفل هدمه والزام صاحب العلو تسقيفه بل إذا استهدمه ولم يكن صاحب العلو قد جنى عليه، كان عمله لازما لصاحب السفل. * * *

[ 575 ]

" باب البنيان " إذا كان الحائط بين دارين وكان ملكا لصاحب الدار الواحدة، فانهدم وامتنع مالكه من بنائه وطلبه مالك الدار الأخرى بنيانه وقال له: قد كشفت أهلي فاستر بيني وبينك، كان عليه أن يستر بينهما إما ببناء أو غيره مما لا يتم معه كشف أهل صاحب الدار الأخرى. فإن لم يكن الحائط بينهما، ولم يكن ملكا لأحدهما (1)، وطلب أحدهما من الآخر أن يبنيه وامتنع من ذلك، فإن كان مما ينقسم، قسم بينهما وبنى كل واحد منهما ما يختص به منه، أو تركه إن لم يكن في ذلك ضرر على الآخر. فإن كان مما لا ينقسم، لزم البناء أو البيع أو تسليمه إلى الآخر ليبنيه، ويكون له دونه أن رضي بذلك، فإن تراضيا على أن يبنيه الطالب (2) وينتفع به، فإن أراد الآخر الانتفاع به معه دفع إليه نصف نفقته، كان ذلك جائزا. وإذا أراد إنسان رفع داره أن يعلى بناها حتى يمنع جارها الشمس، كان له رفعها ما أراد إن لم يكن فيها منظر ينظر إليه منه. وإذا كانت له دار وأراد أن يفتح كوة (3) من حائط، فإن كان ينظر منها داخل دار جاره، لم يجز له ذلك. وإن كان يفتحها للضوء جاز له فتحها، إذا كانت بحيث لا ينظر منها داخل دار جاره. وإذا كانت له دار وأراد تحويل بابها عن المكان الذي هو فيه، أو أراد فتح باب آخر مع بابها في شارك مسلوك نافذ، كان ذلك له جائزا إلا أن يكون له ضرر وإن كان في رائعة (4) غير نافذة، لم يكن له فتح باب منها ولا تحويل بابها عن مكانه إلا بعد أن يرضى أهل تلك الرائعة.

(1) بل مشتركا بينهما.
(2) في أكثر النسخ " للطالب " والظاهر أن الصحيح ما في المتن.
(3) الكوة بفتح الكاف وضمها الخرق في الحائط.
(4) أي طريق.

[ 576 ]

والطريق السابل لا يجوز لأحد تغييره عما هو عليه. وإن كان لقوم معينين واتفقوا على نقله إلى مكان وليس فيه ضرر على أحد، كان جائزا. وكذلك إن أرادوا أن يحفروا الطريق ويجعلوا لها علقا (1) كان ذلك لهم إذا تراضوا به. ولا يجوز لأحد أن يفعل ذلك بالسابلة. وإذا كان لانسان طريق في بستان لآخر وأراد أن يجعل عليه بابا لم يجز له ذلك إلا أن يأذن له فيه صاحب الطريق. وإذا اختصم اثنان في خص (2) كان للذي إليه القمط منه. والقمط هو الحبل، والخص هو الطى الذي يكون بين الدور في السواد، فكان الذي إليه الحبل أولى من الآخر. " تم كتاب القسمة والبنيان "

(1) في بعض النسخ " علوا " بدل " علقا ".
(2) ما يصنع من قصب أو شجر.

[ 577 ]

" كتاب الدعوى والبينات " يجب على المدعي البينة في الأموال، ويجب على المنكر اليمين. فإن أراد الحاكم الإحتياط في قبول الشهادة، كان له تفريق الشهود واستدعائهم واحدا بعد واحد، ويسمع شهادته ويثبتها ثم يقيمها ويحضر آخر ويفعل به مثل ما فعل أولا ويقابل بين الشهادات، فإن وجدها متفقة كان عليه الحكم بها، وإن وجدها مختلفة أبطلها ولم يحكم بشئ منها. والحكم بتفريق الشهود على الوجه الذي ذكرناه جائز في جميع الأحكام والديون والعقود والأملاك والدماء والفروج والقصاص والشجاج وسائر الحقوق. فإن لم يفرق الحاكم الشهود وشهدوا مجتمعين في مقام واحد، جاز سماع شهاداتهم، وإن كان تفريقهم أقوى في الإحتياط لسماع شهاداتهم. فإن شهد عند الحاكم شاهدان عدلان في مقام واحد على وجه واحد ووافقت شهادتهما الدعوى، كان عليه الحكم بشهادتهما. فإن شهد عنده اثنان لا يعرفهما بعدالة ولا جرح، سمع شهادتهما وأثبتهما عنده. ثم كشف عن أحوالهما فإن وجدهما ممن يرضى قوله ويجوز شهادته حكم بشهادتهما وإن وجدهما بخلاف ذلك طرح شهادتهما ولم يلتفت إليهما. وإذا شهد عنده من يتعتع (1) في شهادته، لم يجز له أن يسدده ولا يمكن أحدا

(1) أي يتردد.

[ 578 ]

من تلقينه بل يتمهل عليه حتى يفرغ ثم ينظر في شهادته، فإن كانت توافق الدعوى سمعها وقبلها، وإن كانت لا توافقها طرحها ولم يلتفت إليها. وإذا شهد عنده شاهدان على أن الحق لزيد، وشهد شاهدان غيرهما على أن الحق لغير المشهود له أولا، فإن كان أيديهما خارجتين من ذلك الشئ، كان على الحاكم أن يحكم لأعدلهما شهودا فإن تساووا في العدالة، حكم لأكثرهما في العدد مع يمينه بالله تعالى بأن الحق له. فإن تساووا في العدد، اقرع بينهما، فمن خرج اسمه استحلف وكان الحكم له، فإن امتنع من خرج اسمه في القرعة من اليمين استحلف الآخر. فإن حلف كان الحكم له، فإن امتنعا من اليمين قسم الحق بينهما نصفين. فإن كان مع أحدهما يد متصرفة نظر في ذلك، فإن كانت البينة تشهد بأن الحق ملك له فقط، وتشهد بالملك الآخر أيضا، أخذ الحق من اليد المتصرفة وسلم إلى الذي يده خارجة عنه. فإن شهدت البينة لليد المتصرفة بسبب الملك من مفاوضة أو بيع أو هبة أو ما جرى مجرى ذلك كانت الأولى من اليد الخارجة. وإذا شهد شاهدان على امرأة بأنها زوجة لزيد، وشهد شاهدان غيرهما بأنها زوجة عمرو، حكم لأعدلهما شهودا، فإن تساووا في العدالة اقرع بينهما، فمن خرج اسمه حكم بأن المرأة زوجته دون الآخر. وإذا هلك إنسان وترك أولادا، وحضر إنسان وادعى عليه بأنه ابتاع منه موضعا معينا، وحضر آخر وادعى عليه أنه ابتاع منه ذلك الموضع بعينه، واظهر كل واحد منهما كتابا بذلك، وتساوت بينة الكاتبين في العدالة والعدد، اقرع بينهما، فمن خرج اسمه استحلف مع ذلك وكان الحكم له. وإذا كان رجل وامرأة مجتمعين ومعهما جارية. فادعى الرجل أنها مملوكته وادعت المرأة أنها بنتها وأنها حرة، وأنكرت الجارية الدعويين جميعا، كان على الرجل البينة بأنها مملوكة لم يبعها ولم يعتقها، وإذا اثبت بينة بذلك سلمت إليه. و إن لم يثبت ذلك، ولا تكون هي بالغة أو تكون بالغة إلا أنها لا تقر، أخذت من يده

[ 579 ]

فإن أقامت المرأة البينة بأنها بنتها دفعت إليها. فإن لم تكن لها بينة أطلقت الجارية لتمضي حيث شاءت، ولم يكن لواحد منهما عليها سبيل. وإذا كان في موضع جماعة من الناس جلوسا، وفي وسطهم كيس فيه مال، فادعاه واحد منهم، وسئل الباقون عنه فقالوا: ليس هو لنا، كان الكيس للذي ادعاه وإذا طلق رجل زوجته وفي بيتها ما للرجال وما للنساء، ولم يكن لأحدهما بينة على شيئ منه كان بينهما نصفين فإن طلقها وادعى أن متاع البيت له وادعت المرأة أنه لها دونه حكم للرجل بما للرجال وللمرأة بما للنساء. وإذا دخل إنسان الحمام، وادعى أن ثيابه ضاعت في الحمام، لم يلزم الحمامي شيئ وإن ذكر المدعي أن الحمامي أخذ الجعل لأنه إنما يأخذ ذلك على الحمام لا على ضمان الثياب. وقد استوفينا ما يتعلق بالتالف في الحمام فيما تقدم. وإذا كان قوم مشتركين في جارية فوطأها جميعهم في طهر واحد وحملت وولدت وادعى كل واحد منهم أن الولد له اقرع بينهم فمن خرج اسمه كان الولد لاحقا به دون غيره، وغرم لمن يبقي قيمة الولد بحسب ما لهم من الجارية، وكان عليه أن يرد مع ذلك أيضا ثمن الجارية (1) يكون بينهم على قدر حصصهم. وإذا نذر إنسان أن أول مملوك يملكه فهو حر، وملك اثنين أو أكثر منهما في وقت واحد اقرع بينهما فمن خرج اسمه كان حرا. وإذا سقط موضع على جماعة فماتوا، وبقي منهم صبيان، أحدهما حر والآخر مملوك وهذا المملوك عبدا لهذا الحر ولم يتميز أحدهما من الآخر اقرع بينهما، فمن خرج اسمه كان حرا، وكان الآخر مملوكا له. وإذا أوصى بعتق ثلث عبيده ولم يعينهم ولا ميزهم بذكر ولا صفة، اقرع بينهم فمن خرج اسمه أعتق. وإذا ولد مولود له ما للرجال وما للنساء اقرع بينهم، فإن خرج سهم رجل،

(1) لأنها صارت أم ولد فتكون في معرض العتق.

[ 580 ]

الحق بالرجال، وأن خرج سهم امرأة ورث بحسب ذلك. وكل أمر مشكل فاستعمال القرعة فيه هو الواجب. * * * " باب فيما على الحاكم في الخصوم والشهود " إذا حضر عند الحاكم خصمان، كان عليه أن يسوى بينهما في الدخول عليه، والجلوس بين يديه والنظر إليهما، والاستماع لما يذكرانه، والانصات إلى ذلك والعدل بينهما حتى في لحظة وإشارته ومقعده ولا يرفع صوته على أحدهما كما لا يرفع على الآخر، ويساوي بينهما في الأفعال الظاهرة ولا يميل بقلبه إلى أحدهما دون الآخر هذا كله إذا كانا متساويين في الدين مسلمين كانا أو كافرين فإن كان أحدهما مسلما والآخر كافرا فلا ينبغي أن يساوي بينهما في المجلس. وإذا جلس الخصمان بين يديه لم يجز له تلقين واحد منهما بما فيه ضرر على الآخر، ولا يهديه إليه مثل أن يقصد إلى الاقرار فيلقنه الانكار أو يقصد اليمين ولا يجعل أحدهما أقرب إليه في الجلوس من الآخر وهكذا في الشهادة، إن أحس من الشاهد التوقف فيها لم يكن له أن يشير عليه بالاقدام عليها وإن أحس منه الإقدام عليها لم يلقنه التوقف عنها فإذا لقن واحدا منهما فقد ظلم الآخر وأفضى إلى إيقاف حقه هذا فيما يتعلق بحقوق الادميين فأما ما يتعلق بحقوق الله تعالى فإنه يجوز التلقين فيها والتنبيه على ما يسقطها. وإذا جلسا بين يديه جاز أن يقول: تكلما، يريد بذلك يتكلم المدعي منكما أو يصرح بهذا، يقول يتكلم المدعي منكما أو يسكت الحاكم ليقول القائم على رأسه لهما ذلك، لأنهما قد نهانا به (1) عن الابتداء بالكلام حتى يأذن لهما وإن سكت ولم يقل لهما شيئا إلى أن يبتدء بالكلام كان جائزا.

(1) كذا في بعض النسخ والظاهر أنها تصحيف والصحيح " لأنهما قد نهيا عن الابتداء بالكلام " كما في المبسوط.

[ 581 ]

ولا يقول لواحد منهما تكلم، لأنه إذا أفرده بالخطاب، كسر قلب الآخر. وإذا ابتدء أحدهما بالكلام وجعل يدعي على خصمه، منع الأخير من مداخلته، لأنه يفسد عليه نظام الدعوى. وأقل ما على الحاكم، أن يمنع كل واحد من أن يقال من عرض صاحبه، لأنه جلس للفصل والانفصال بين الناس، وأقل ما عليه أن لا يمكن أحدهما من ظلم الآخر ولا من الحيف عليه. ولا يجوز له أن يضيف أحد الخصمين دون صاحبه، إما أن يضيفهما معا أو يتركهما معا. ولا يجوز له أن يرتشي في الأحكام، لأن الراشي والمرتشي ملعونان، وذلك حرام على المرتشي على كل حال ووجه، فإن كان الراشي قد رشاه على تغيير (1) حكم أو إيقافه فهو حرام على ما قدمناه، وإن كان لإجرائه على رسم له أو واجبه، لم يحرم عليه ذلك. وأما الهدية، فإن من لم يكن له بمهاداته عادة حرم عليه قبولها، فإن كان من جرت له بمهاداته عادة كالصديق والملاطف والقريب، فأهدى إليه هدية تتعلق بحكومة بينه وبين غيره، أو أحسن بأنه قدمها بالحكومة بين يديه، حرم ذلك عليه كالرشوة، وإن لم يكن شئ من ذلك جاز قبولها والأفضل له أن ينزه عن أخذها. وإذا حضر مسافرون ومقيمون وكان الذي سبق هم المسافرون، قدمهم، لأنه ينبغي أن يقدم السابق من أهل البلد وكذلك المسافر، بل هو أولى. وإن وافدا معا أو تأخر المسافرون فإن كان بهم قلة من حيث لا يضر تقدمهم باهل البلد، كان مخيرا بين تقديمهم وبين أن يفرد يوما يفرغ فيه من حكوماتهم، لأن المسافر على شرف السفر والرجل يكثر شغله ويزدحم حوائجه، فلهذا قدم. وإن كانوا مثل المقيمين أو أكثر كأيام الموسم في مكة والمدينة كانوا هم والمقيمين سواء، لأن في تقديمهم إضرارا باهل البلد وفي تأخيرهم إضرارا بهم، فكانوا سواء.

(1) في بعض النسخ " تعيين ".

[ 582 ]

وينبغي للحاكم أن يجلس في مكان بارز للناس مثل الصحراء، أو رحبة (1) أو مكان واسع إلا من ضرورة من مطر أو غيره فيجلس في بيته أو في المسجد ويتقدم إلى ثقة ليحفظ من جاء أولا ويضبط: قد جاء فلان أولا، ثم فلان، ثم فلان، على هذا أبدا. فإذا حكم (2) الحاكم قدم الأول فالأول، فإن كان عددهم قليلا يمكن الإقراع بينهم، اقرع بينهم، فمن خرج قرعته قدمه، وإن كثرت وتعذرت القرعة كتب الحاكم أسماءهم في رقاع وجعلها بين يديه ومد يده وأخذ رقعة بعد رقعة أخرى كما سبق. فإذا قدم انسانا بالسبق أو بالقرعة أو بالرقعة، فحكم بينه وبين خصمه، وفرغ منهما أمرهما بالقيام، وقدم غيرهما. فإن قال الأول: لي حكومة أخرى لم يلتفت إليه وقال له: قد حكمت بينك وبين خصمك بحكمك فإما أن تنصرف أو تصبر حتى افرغ من الناس فإنه لو قضى بينه وبين من يخاصمه أدى ذلك إلى أن يستغرق المجلس لنفسه، فلذلك لا يزاد على واحدة. فإذا تقدم غيره فادعى فإن شاء ادعى على المدعى عليه أولا وإن شاء ادعى على المدعي الأول وإن شاء ادعى المدعى عليه أو لا على المدعي الأول، فإنه يحكم بينهما لأنا إنما نعتبر الأول فالأول في المدعي وأما في المدعى عليه فلا فإذا فرغ وبقي واحد حكم عليه وبين خصمه، فإن كان له من الحكومات أكثر من الواحد حكم في جميعها، لأنه لا مزاحم له فيها، اللهم إلا أن يكون الأول قد جلس حتى يفرغ الناس فإذا حكم بين الأخير وخصمه حكومة قدم الأول، لأنه لهذا جلس. وإذا حضر اثنان فادعى أحدهما على الآخر، فقال المدعى عليه: أنا المدعي وهذا المدعى عليه، لم يلتفت الحاكم إلى ذلك، وقال له: أجب عن دعواه، فإذا

(1) رحبة المكان: أي ساحته وصحنه (2) في نسخة " حضر " بدل " حكم "

[ 583 ]

فرغ من حكومتك وكان لك كلام أو دعوى فاذكره. فإن حضرا وادعيا جميعا كل واحد منهما على الآخر في حال واحد، لم يسبق أحدهما صاحبه، قدم الذي يكون على يمين صاحبه. وإذا كان لجماعة حقوق على واحد من جنس واحد أو أجناس مختلفة ووكلوا من ينوب عنهم في الخصومة فادعى الوكيل الحقوق فإن اعترف الزم ذلك وإن أنكر وكان هناك بينة حكم بها عليه، وإن لم يكن بينة كان القول قوله مع يمينه. وإذا أراد كل واحد من هذه الجماعة أن يستحلفه على الانفراد كان ذلك له، لأن اليمين حق له فكان له أن ينفرد بها، فإن رضيت الجماعة منه بيمين عن الكل كان ذلك جائزا لأن اليمين حق لهم فإذا رضوا بيمين واحدة صح ذلك واكتفى بها عن جميعهم. وإذا حضر عند الحاكم إنسان واستعدى (1) على إنسان، وكان المستعدى عليه حاضرا، أعدى عليه وأحضره، وليس في ذلك ابتذال (2) لأهل الصيانات إن كان المستعدى عليه من أهلها ومن أهل المروات، لأن أمير المؤمنين (عليه السلام) حضر عند شريح مع يهودي، وحضر عمر مع أبي بن زيد عند ابن ثابت ليحكم بينهما، وحضر أبو الدوانيق - في حجة - مع الجمالين مجلس الحكم بخلاف (3) جرى بينهما. فإذا كان إحضار من ذكرناه صحيحا جائزا، فينبغي أن يكون عند الحاكم في ديوان حكمه ختوم من طين مطبوخة (4) بخاتمه ينفذ منها شيئا مع الخصم إليه فإن حضر، وإلا بعث ببعض أعوانه إليه. فإن حضر، وإلا انفذ شاهدين يشهدان على امتناعه فإن حضر، وإلا استعان بصاحب الحرب وهو صاحب الشرطة.

(1) استعدى: أي استنصر (2) الابتذال: أي الخفة والمهانة، وفي أكثر النسخ " ابتدال " بالمهملة أي اتخاذ البدل. (3) في نسخة " لخلف " بدل " بخلاف " (4) في المبسوط " مطبوعة "

[ 584 ]

فإن كان المستعدى عليه غائبا في ولاية هذا الحاكم، مثل أن يكون غائبا إلى موضع، والموضع موضع نظر هذا الحاكم وولايته، وكان في موضع غيبته خليفة له، كتب إليه رقعة وانفذ بخصمه إليه ليحكم بينهما وإن لم يكن هناك خليفة، وكان فيه من يصلح أن يحكم بينهما، كتب إليه رقعة وجعل النظر بينهما إليه فإن لم يكن له ذلك في الموضع ولا وال فيه، قال لخصمه: حرر دعواك عليه، فإذا حررها أعدى عليه (1) وإن كان غائبا في غير ولايته، مثل أن يكون الحاكم ببغداد فغاب إلى بصرة والبصرة في غير ولايته، فإنه يقضي على غائب. وإن كانت امرأة وكانت بارزة فهي كالرجل، فإن كانت مخدرة بعث إليها من يقضي بينها وبين خصمها في منزلها والبارزة هي التي تبرز لقضاء حوائجها بنفسها، والمخدرة هي التي لا تخرج لذلك. فإذا حضر قيل له ادع الان، فإن ادعى لم يسمع الدعوى إلا محررة. فأما إن قال: لي عنده فرش أو ثوب أو حق لم يسمع دعواه، لأن الدعوى لها جواب، فربما كان ب‍ " نعم " وليس على الحاكم أن يقضي به عليه لأنه مجهول فإذا كان كذلك فلابد من تجديد الدعوى، كانت من الأثمان أو من جنس غيرها صحت مع تحريره لها أن يذكر الجنس والمقدار أو النوع أو ما أشبه ذلك مما يخرجها عن أن تكون مجهولة، فإذا كان كذلك لم يكن للحاكم المطالبة بالجواب من غير مسألة المدعي، لأن الجواب حق للمدعي فليس للحاكم مطالبته به من غير مسألة كنفس الحق فإذا طالبه بالجواب بالمسألة كان ذلك بأن يقول له: ما تقول فيما يدعيه؟ فإن أقر عند ذلك بالحق، الزمه القيام لخصمه به لأنه لو قامت عليه بينة بذلك الزمه، فبان يلزمه باعترافه أولى والزامه القيام به يكون بأن يقول: ألزمتك ذلك أو قضيت به عليك أو أخرج له منه فإذا قال ذلك له كان حكما بالحق. فإن سأله المدعي أن يكتب له محضرا حجة له في يده بحقه فعل ذلك.

(1) في نسخة " اعتدى عليه "

[ 585 ]

وإن لم يقر بالحق وأنكرها فقال: لا حق لك قبلي، كان هذا موضع البينة فإن كان المدعي لا يعرف له موضع البينة: كان للحاكم أن يقول له: ألك بينة فإن كان عارفا بأنه وقت البينة، فالحاكم مخير بين أن يسكت أو يقول له ألك بينة، فإذا قال ألك بينة، فإن لم يكن له بينة، عرفه الحاكم بأن لك يمينه، فإذا عرف ذلك لم يكن للحاكم أن يستحلفه بغير مسالة المدعي لأن اليمين حق له فليس له أن يستوفيه إلى (1) مطالبته مثل نفس الحق فإن لم يسأله واستحلفه من غير مسألة لم يعتد بهذه اليمين لأنه أتى بها في غير وقتها، فإن لم يعتد بها أعادها عليه بمسألة المدعي. فإذا عرض عليه اليمين، فإن أجاب إليها وحلف، أسقط الدعوى ولم يكن لخصمه أن يستحلفه مرة أخرى، لا في هذا المجلس ولا في غيره فإن سأله الحالف أن يكتب له بما جرى محضرا لئلا يدعيه مرة أخرى، فعليه أن يكتب له ذلك يكون حجة في يده. فإن لم يحلف قال له الحاكم: إن حلفت، وإلا جعلتك ناكلا ورددت اليمين على خصمك فيحلف فيستحق عليك، يقول هذا ثلاثا، فإن سأل الحاكم أن يكتب له محضرا بما جرى فعل ذلك هذا إذا لم يكن بينة. فإن كانت بينة فكانت حاضرة، لم يقل الحاكم: أحضرها، لأنه حق له فله أن يفعل ما يرى، فإذا حضرا لم يسأل الحاكم عما عندهما حتى يسأله المدعي ذلك لأنه حق له فلا يتصرف فيه بغير أمره، فإذا كان لا بد من سؤال المدعي للاستماع منهما لم يقل الحاكم لهما: اشهدا، لأنه أمر، والحاكم لا يأمرهما، إلا أنه يقول: تكلما إن شئتما، من كان عنده كلام فليذكره إن شاء، فإذا قالا ما عندهما. فإما أن يكون ما أقاماه من الشهادة فاسدا أو صحيحا، فإن كان فاسدا مثل أن قالا: بلغنا أن له عليه ألفا، أو قالا، سمعنا بذلك، قال له الحاكم: زدني في شهودك فيرد شهادتهما بذلك. فإن شهدا عنده بالحق شهادة صحيحة، لم يحكم له الحاكم حتى يسال الحاكم

(1) في نسخة " إلا بمطالبته "

[ 586 ]

بها، فإذا سأله بحث عن حال الشهود، فإن كانوا فساقا وقف الأمر حتى يأتي بالبينة، وإن كانوا عدولا قال الحاكم للمدعى عليه: قد عدلا عندي، هل لك جرح؟ فإن قال: نعم، أنظره - حتى يجرح الشهود - ثلاثا، فإن لم يأت بجرح أو قال: لا جرح عندي. لم يحكم حتى يسأل المدعي أن يحكم له بذلك. فإن سأله فيستحب للحاكم أن يقول للمدعى عليه: (قد ادعى كذا عليك وشهد عليك بكذا وأنظرتك جرح الشهود فلم تفعل، وهو (1) إذا أحكم عليك) ليبين له أنه حكم بحق، فإذا قال هذا حكم عليه بالبينة، ولم يستحلف المدعي مع بينته. هذا إذا كانت البينة حاضرة، فإن كانت غائبة، قال الحاكم له (2): ليس لك ملازمته ولا مطالبته بكفيل، ولك يمينه أو تتركه حتى تحضر البينة، وذكر: أن له ملازمته ومطالبته بكفيل حتى تحضر البينة، وما ذكرناه أولا هو الأظهر والأصح والثاني أحوط لصاحب الحق ولا بأس به. فإن سكت أو قال: لا أقر ولا أنكر، قال الحاكم له: إن أجبت عن الدعوى وإلا جعلتك ناكلا ورددت اليمين على خصمك، وذكر أنه يحبسه حتى يجيب إما بإقرار أو بإنكار ولا يجعله ناكلا. وما ذكرناه أولا هو الظاهر من مذهبنا، ولا باس بالعمل بالثاني. ولا ينبغي له أن يأخذ الرزق على القضاء. وقد ذكر جواز ذلك وأخذه من بيت المال. وإذا ترافع خصمان إلى الحاكم، فادعى أحدهما على الآخر حقا، فأنكر، وعلم الحاكم صدق المدعي فيما طالبه، مثل أن يكون ما عليه يعلمه الحاكم أو قصاص وما أشبه ذلك، كان له أن يحكم بعلمه. فأما مخالفونا فلا خلاف بينهم في أنه يحكم في الجرح بعلمه، ويقولون:

(1) كذا في النسخ ولعل الضمير للشأن (2) أي للمدعي

[ 587 ]

لو علم الجرح وشهدوا عنده بالتعديل، ترك الشهادة وعمل بعلمه ولأنه لو لم يقض بعلمه افضى إلى إيقاف الحكم أو فسق الحاكم، لأنه إذا طلق الرجل زوجته بحضرته ثلاثا، ثم جحد الطلاق، كان القول قوله مع يمينه، فإن حكم بغير علمه - وهو استحلاف الزوج - وتسليمها إليه فسق وإن لم يحكم له وقف الحاكم (1). وهكذا إذا أعتق الرجل عبده بحضرته ثم جحد. وإذا غصب من رجل ماله، ثم جحد يفضى إلى ما قلناه، فهذا قولهم، ثم يعيبوننا إذا قلنا بمثله. باب كتاب قاض إلى قاض لا يجوز عندنا العمل على كتاب قاض إلى قاض في الأحكام، ولا قبوله في ذلك. ومخالفونا مجيزون (2) ذلك فيعملون عليه في الأحكام، وكذلك يقولون في كتابه إلى الأمير (3)، وكتاب الأمير إلى القاضي أو الأمير على ما تضمنته الآية من قصة سليمان (عليه السلام) وبلقيس من قوله تعالى: " يا أيها الملاء إني ألقي إلي كتاب كريم، إنه من سليمان، وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " (4) فكتب إليها سليمان فدعاها إلى الاسلام والايمان. وما رواه عبد الله بن حكيم قال: أتانا كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل وفاته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب.
(5) وما روي عن ضحاك بن سفيان من أنه قال: أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) على قوم من العرب وكتب معي كتابا وأمرني فيه أن أورث امرأة اسم الضابى من دية زوجها

(1) كذا في النسخ ولعله تصحيف وأصلها " الحكم " (2) في بعض النسخ " مخيرون " ولعلها تصحيف والصحيح ما أثبتناه.
(3) في المبسوط " الامين " بدل " الأمير " في المواضع الثلاثة.
(4) النمل، الآية 31 - 30.
(5) المبسوط، ج 8، ص 122، " وفي الوسائل، ج 16، ص 368، الحديث 2 ما يدل على ذلك ".

[ 588 ]

فعمل به عمر وكان لا يورث المرءة من دية زوجها، حتى روى الضحاك له ذلك فعمل به (1). وما روي من أنه (صلى الله عليه وآله) جهز جيشا، وأمر عليهم عبد الله بن رواحة، وأعطاه كتابا مختوما وقال: لا تفضه حتى تبلغ موضع كذا وكذا، فإذا بلغت ففضه، واعمل بما فيه قال: ففضضته وعملت بما فيه (2). وما كتب به (عليه السلام) إلى الأكاسرة والقياصرة. فكتب إلى قيصر ملك الروم، " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى عظيم الروم، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم " الآية فلما وصل الكتاب إليه قام قائما ووضعه على رأسه واستدعى مسكا فوضعه فيه، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ثبت ملكه (3). وما كتب به إلى ملك الفرس، فإنه كتب إلى كسرى بن هرمزان بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الله إلى كسرى بن هرمزان أسلموا تسلموا والسلام. فلما وصل الكتاب إليه أخذه ومزقه، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) فقال تمزق ملكه (4). وما يدعونه من الاجماع على ذلك في جميع الاعصار، قالوا: لأن الصحابة لم تزل كذلك، والتابعون من بعدهم، فكتب بعضهم إلى بعض. ولأن للناس إليه حاجة وجميع ما ذكروه لا حجة لهم فيه أما ما ذكروه من كتب النبي (صلى الله عليه وآله)، فإنه (5) عمل عليها لأنها كانت معلومة وهي حجة، لأن قوله (عليه السلام) حجة، وليس الخلاف في ذلك، وإنما الخلاف فيمن ليس بمعصوم، وهل هو كتابه أم لا؟ وأما ما كتبه إلى كسرى وقيصر، فإنه دعاهم فيها إلى الله تعالى، والاقرار بنبوته، وذلك عليه دليل غير الكتاب، ولا خلاف في أنه لا يقبل فيه كتاب قاض إلى قاض. وأما الاجماع فنحن نخالفهم فيه أشد الخلاف، وليس هذا الكتاب موضوعا

(1 و 2 و 3 و 4) المبسوط، ج 8، ص 122 و 123.
(5) أي عبد الله بن راحة

[ 589 ]

للحجاج فنستقصي الكلام عليهم فيه، وهو مستوفى في كتب أصحابنا الموضوعة في ذلك فمن أراد الوقوف عليه نظره من هناك. باب الاستحلاف إذا توجهت اليمين على أحد الخصمين وأراد الحاكم استحلاف من توجهت عليه، فينبغي أن يخوفه بالله تعالى ويذكره العقاب الذي يستحق على اليمين الكاذبة والوعيد عليها فإن راجع الحق حكم عليه بما يقتضي الحال حسب ما توجبه الشريعة وإن لم يراجع ذلك، واستمر على الانكار، استحلفه بالله الذي لا إله إلا هو أو بشئ من أسمائه. ولا يجوز استحلافه بغير ذلك من الكتب المنزلة والأمكنة الشريفة، ولا بالانبياء ولا بالرسل، ولا بالبرائة من الله تعالى، ولا من رسله ولا من أحد من الأئمة ولا بطلاق ولا بعتق ولا بكفر. فإذا استحلف الحاكم الخصم، فينبغي أن يقول له: قل " والله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الطالب الغالب، الضار النافع، المدرك المهلك، الذي يعلم من السر ما يعلمه من العلانية، ما لهذا المدعي على ما ادعاه ولا له قبلي حق بدعواه ". فإذا حلف بذلك برئت ذمته مما ادعى خصمه عليه به. وإن قال له: قل " والله ما له قبلي حق " كان مجزيا إلا أن الأول أقوى في الترتيب والردع على من تقدم باليمين. وأما استحلاف أهل الكتاب فينبغي أن يكون أيضا بالله تعالى أو بشئ من أسمائه، ويجوز أن يستحلفوا بما يذهبون هم إلى الاستحلاف به وذلك إلى الحاكم، فإنه يستحلف بما يراه أردع لهم وأعظم عليهم قد ذكرنا فيما سلف طرفا من كيفية استحلافهم، فإن استحلفهم كذلك، كان جائزا. فإن كان الذي توجهت عليه اليمين أخرس فإنه يستحلفه بالاشارة والايماء

[ 590 ]

إلى أسماء الله تعالى ويوضع يده على اسم الله تعالى في المصحف ويعرف يمينه على الانكار كما يعرف إقراره وانظره (1) فإن لم يحضر مصحفا كتب اسم الله ووضع يده عليه. وينبغي أن يحضر استحلافه من كان معتادا لفهم أغراضه وإشاراته وإيمائه وإن كتب نسخة اليمين في لوح ثم غسل اللوح وجمع الماء وأمر بشربه كان جائزا وكان حالفا إذا شربه، وإن امتنع من شربه الزم القيام بالحق وإذا أراد الحاكم استحلاف الخصم، فينبغي أن لا يستحلفه إلا في مجلس الحكم. فإن أراد استحلاف من توجهت اليمين عليه ومنعه من حضور مجلسه مانع من عجز أو مرض أو ما جرى مجرى ذلك انفذ الحاكم إليه من ينوب عنه في استحلافه. فإذا وجبت اليمين على امرأة. فينبغي أن يستحلفها أيضا في مجلس الحكم ويعظم الايمان عليها وقد ذكرنا فيما سلف حكمها في البروز أو غيره فلا وجه لاعادته فإن امتنعت بعد اليمين من الخروج من الحق كان له حبسها، كما له حبس الرجل وقد تقدم أيضا في ذلك ما لا طائل في أعادته. فأما مواضع الاستحلاف فقد قدمنا ذكرها، فمن أراد الوقوف عليه نظر في موضعه إن شاء الله تعالى. باب آداب القضاء قال الله تعالى لرسوله (صلى الله عليه وآله): وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم (2) وقال تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (3) وقال تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (4). وقال تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون (5). وقال تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين

(1) في نسخة " وإنكاره " عطفا على " إقراره " بدل " وانظره " (2) المائدة، الآية 49 (3 و 4 و 5) المائدة، الآية 49، 50، 52.

[ 591 ]

الناس أن تحكموا بالعدل (1). وقال النبي (صلى الله عليه وآله): من حكم في قيمة عشرة دراهم فأخطأ حكم الله جاء يوم القيامة مغلولة يديه (2) ومن أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض (3). وقال علي (عليه السلام) كل حاكم حكم بغير قولنا أهل البيت فهو طاغوت. وقرء (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا) (4). ثم قال: والله لقد فعلوا، تحاكموا إلى الطاغوت وأضلهم الشيطان ضلالا بعيدا، فلم ينج، من هذه الأمة (5) إلا نحن وشيعتنا وقد هلك غيرهم، فمن لم يعرفهم فعليه لعنة الله (6). وقال الصادق (عليه السلام) الحكم حكمان، حكم الله عزوجل وحكم الجاهلية، فمن أخطأ حكم الله فحكم الجاهلية (7). وروي أن القضاة أربعة: ثلاثة في النار وواحد في الجنة، فأما الثلاثة التي في النار: فقاض قضى بالباطل وهو يعلم أنه الباطل، وقاض قضى بالباطل وهو يظن أنه حق وقاض قضى بشئ وهو لا يعلم أنه حق أو باطل، وأما الذي في الجنة فقاض قضى بالحق وهو يعلم أنه حق (8).

(1) النساء، الآية 62 (2 و 3) دعائم الاسلام، ج 2، ص 528 (4) الوسائل، ج 18، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 32، ص 16 النساء، الآية 62.
(5) في نسخة " من هذه الآية " بدل " من هذه الأمة " (6) دعائم الاسلام، ج 2 ص 530 (7) دعائم الاسلام ج 2 ص 529، والوسائل، ج 18، ص 11، الحديث 7 (8) الوسائل، ج 18، أبواب صفات القاضي، الباب 4 و 12، الحديث 6 و 59، ص 11 و 127، مع اختلاف بين ما في المتن الروايات، ولعل المعقول في المتن رواية أخرى.

[ 592 ]

وقال النبي (صلى الله عليه وآله): إذا جلس القاضي للحكم، بعث الله إليه ملكين يسددانه فإن عدل أقاما، وإن جار عرجا وتركاه (1). وقال: من طلب حقا حتى يناله، فإن غلب عدله جوره فله الجنة، وإن غلب جوره عدله فله النار (2) وروي عنه أنه (صلى الله عليه وآله) قال: الله تعالى مع الحاكم ما لم يجر فإذا جار برئ منه ولزمه الشيطان (3). فجواز القضاء معلوم من دين الاسلام على وجه لا يعترضه شك وهو من فروض الكفائات وإذا قام به قوم سقط عن الباقين، فإن أطبق أهل بلد على تركه وامتنعوا منه، خرجوا، وجاز للامام (عليه السلام) قتالهم عليه، لما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال إن الله لا يقدس أمة ليس فيهم من يأخذ للضعيف حقه (4) ولأنه من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. فإذا أراد الحاكم أن يحكم بين الناس فيستحب له أن يجلس لذلك في موضع بارز للناس، مثل فضاء واسع أو رحبة أو ما أشبه ذلك: ليصل من كانت له حاجة من غير مزاحمة، فيكون في ذلك رفق بهم ويستحب أيضا أن يكون هذا الموضع في وسط البلد، لأنه أقرب ما يكون إلى المساواة بين الناس، فإن جلس في طرف البلد أو حكم في بيته أو في موضع ضيق كان جائزا. ويستحب أن يصل إليه في مجلس حكمه كل أحد، ولا يتخذ صاحبا يجب الناس عن الوصول إليه ويجوز أن يتخذ الحاجب لغير ذلك لما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: من ولي شيئا من أمور الناس فاحتجب دون حاجتهم وفاقتهم، احتجب الله دون حاجته وفاقته وفقره (5) فأما جلوسه للحكومة في المساجد فجائز وقد روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقضي في مسجد الكوفة (6) ودكة القضاء فيه معروفة إلى هذا

(1 و 2 و 3) المبسوط ج 8، ص 83 (4) المبسوط، ج 8، ص 82 (5 و 6) المبسوط ج 8، ص 87

[ 593 ]

الوقت لا يختلف أحد فيها وأما إقامة الحدود فمكروهة فيها بغير خلاف. ولا ينبغي للحاكم أن يحكم وهو غضبان، ويستحب له إذا غضب ترك الحكم إلى أن يزول عنه الغضب ثم يقضي بين الناس بعد ذلك لما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: لا يقضي القاضي ولا يحكم الحكم (1) بين اثنين وهو غضبان وكل أمر يكون معه في معنى الغضبان فحكمه حكم الغضبان في تركه الحكم حتى يزول عنه ذلك مثل الجوع الشديد والعطش الشديد والغم الشديد والفرح الشديد، والوجع الشديد، ومدافعة الاخبثين، والنعاس الغامر للقلب، كل ذلك سواء فيما ذكرناه لما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: لا يقضي القاضي وهو غضبان مهموم ولا مصاب محزون، ولا يقضي وهو جائع (2) فإن خالف وقضى بين الناس وهو على الصفة التي ذكرناها فوافق الحق نفذ حكمه، ولا ينقض حكمه. ويكره تولى البيع والشراء بنفسه، لما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ما عدل وال اتجر في رعيته أبدا (3). ولا ينظر في ضيعته ونفقة عياله بل يوكل من ينوب عنه في ذلك، لأن جميع ذلك ما يشغله من القضاء ويستحب أن يكون وكيله مجهولا لأنه إذا عرف خون (4) لأجل الحكم وكان وكيله جار مجراه، فإن (خالف في هذا فباع) (5) واشترى بنفسه كان التصرف صحيحا نافذا لأنه [ ليس بمحرم وإنما ] هو مكروه لأجل الحكم. ويستحب للحاكم إذ ادعى إلى وليمة [ أن يحضرها لما ] روي عنه (صلى الله عليه وآله) من قوله لو دعيت إلى ذراع لاجبت ولو أهدي إلي ذراع لقبلت (6).

(1) في نسخة " الحاكم " بدل " الحكم " المبسوط، ج 8، ص 88 (2 و 3) المبسوط، ج 8، ص 88 (4) خونه: نسبه إلى الخيانة، تنقصه (5) ما بين الهلالين ساقط عن النسخة وإنما أخذناه من المبسوط وكذا فيما بعده، لأن عبارته موافقة للكتاب (6) المبسوط، ج 8 ص 89، إلا أن فيه " لو أهدي إلي كراع لقبلت ".

[ 594 ]

- فإن كثرت الولائم تخلف عن الأكل (1) لأن [ قبول ] ذلك مستحب والقضاء مقدم عليها -. ويعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويأتي مقام الغائب لأنها قربة وطاعة. فإن كثر ذلك، فازدحم، عليه، حضر الكل، لأنه حق يسهل قضاؤه بحضور لحظة. ويتصرف إذا حضر بلد ولايته، فأول ما يبتدي به أن ينفذ إلى الحاكم المعزول، فيأخذ ديوان الحكم إليه، وهو ما عنده، وثائق الناس وحججهم، المحاضر والسجلات، لأن من عادة القضاة إذا حكموا بشئ أن يكون ذلك في سجل على نسختين، نسخة في يد المحكوم له ونسخة في ديوان الحكم احتياطا، فمتى ضاعت حجة، رجع إلى ما في ديوان الحكم. ويكون فيه كتب الوقف، فإن العادة جارية عند القضاة بتجديدهم كتب الوقف كلما أخلقت ومات شهودها. ويكون فيه ودائع الناس أيضا، فإن من الناس من يودع كتبه ووثائقه في ديوان، لأنه أحفظ لها وأحوط عليها. فإذا حصل الديوان عنده خرج إلى المجلس الذي يجلس فيه للحكم بين الناس راكبا إن كان له مركبا، أو ماشيا إن لم يكن له ذلك، فإذا مر بقوم سلم عليهم عن يمينه وشماله، لما روي عنه (صلى الله عليه وآله) يسلم الراكب على الماشي، والقائم على القاعد، والقليل على الكثير (2). فإذا وصل إلى مجلسه سلم على من سبق إليه من الوكلاء والخصوم. فإن كان مجلسه في المسجد إلى حين يدخله ركعتين تحية المسجد لما روي من قوله (صلى الله عليه وآله): إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (3)، وإن لم يكن [ المكان مسجدا كان بالخيار بين أن يصلي ركعتين ] إن كان وقتا تجوز النافلة فيه و [ بين أن يترك، ويفرش له ما يجلس عليه وحده من حصير أو بساط ] أو

(1) في المبسوط " عن الكل " (2 و 3) المبسوط، ج 8، ص 90

[ 595 ]

غير ذلك ولا [ يجلس على التراب ولا على بارية المسجد لأنه أهيب له ] عند الخصوم [ وانفذ لامره، ويجلس عليه وحده ليتميز من غيره عند تقدم الخصم ] إليه. ويكون متوجها إلى القبلة لما روي عنه (صلى الله عليه وآله) من قوله: خير المجالس ما استقبل به القبلة (1) وقد ذكر أنه يكون ظهره إليها، ليكون وجوه الخصوم في الاستحلاف إليها. فالأول أظهر. فإذا جلس، وقف على رأسه ثقة ترتب الناس، فتقدم السابق فالسابق، والأول فالأول، ولا يقدم من تأخر، ولا يؤخر من تقدم، لأن السابق أحق من غيره، ثم ينظر في ذلك فإن كان يكتب لنفسه كتب ما يحتاج إليه، فإن لم يكتب لنفسه اتخذ كاتبا ثقة حافظا، ويجلس بين يديه قريبا منه بحيث يشاهد ما يكتبه. وينبغي أن يكون في مجلسه أهل العلم من أهل الحق، ليكون متى حدثت حادثة تحتاج فيها إلى سؤالهم عنها ليذكر الجواب فيها، والدليل عليها، فإن كانوا بالقرب منهم، ذاكرهم وإن كانوا بعيدين عنه استدعائهم لذلك. فإذا حكم بحكم وكان موافقا للحق لم يكن لأحد معارضته فيه، وإن أخطأ وجب عليهم أن ينهوه وليس عندنا في الشرع قياس، ولا اجتهاد، ولا كل مجتهد عندنا مصيب، فيوجب عليهم تنبيهه من هذه الوجوه. وينبغي أن يحضر عنده شهود البلد، يستوفي بهم الحقوق ويثبت لهم الحجج والسجلات والمحاضر وأما مكان جلوسهم: فإن كان الحاكم من يحكم بعلمه فإن [ شاء استدناهم وإن ] أراد، باعدهم عنه لأنه إن كان يقضي بعلمه [ فمتى أقر عنده مقر بحق ثم رجع ] عنه حكم عليه بعلمه، ولا يحتاج إلى [ الشهادة على إقراره، وإن كان ممن لا يقضي ] الحكم بعلمه، استدعاهم إليه بحيث يسمعون [ كلام الخصمين كيلا يقر منهم مقر ] ثم يرجع عنه وإذا رجع عنه شهد به عنده شاهدان وحكم عليه بالبينة لا بعلمه فإذا جلس للحكم كان أول ما ينظر فيه حال المحبسين. لأن الحبس عذاب،

(1) المبسوط، ج 8، ص 90

[ 596 ]

فيخلصهم منه، ولأنه قد يكون فيهم من تم عليه الحبس بغير حق. ثم ينظر بعد الفراغ منهم في حال الاوصياء، والأمناء، واللقطة، والضوال، وما ينفق بعد ذلك الحكم فيه هذا الذي ينبغي أن يبتدي بالنظر فيه إذا جلس للقضاء في ابتداء ولايته. إذا حضر عند الحاكم خصمان أن يكون أحدهما أكبر من الآخر، وقد تعلم اللدد (1) وهي الالتواء والعنت من وجوه، منها أن يقدم الانسان خصمه إلى الحاكم فيتحاكمه، فتوجه اليمين [ فإذا بدء باليمين قطعها ] عليه وقال لي عليه بينة، فإذا فعل ذلك أول مرة، نهاه عن ذلك ومنعه منه وأعلمه " أن ذلك لا يحل، إن لم يكن لك بينة " فإن عاد إلى ذلك، زبره ونهاه وأغلظ له في النهي، وصاح عليه ولا يعجل عليه بالتعزير، لئلا يكون جاهلا بذلك. فإن عاد ثالثا فقد فعل ما يستحق به التأديب والتعزير. فإن كان قويا لا يكفه [ إلا ] التعزير عزره، وإن كان ضعيفا لا يحتمل الضرب حبسه وأدبه بالحبس دون الضرب وإن رأى أن المصلحة في ترك ذلك كله فعل. وإذا أغلظ للحاكم في القول، فقال [ حكمت على بغير حق نهاه ] فإن عاد وقد استحق [ التعزير - ظ ] على ما يراه [ الحاكم ]. وينبغي للحاكم أن لا يكون ضعيفا مهينا لأنه لا يهاب، فربما جرت بالمشاتمة وينبغي أن يكون فيه شدة من غير عنف، ولين من غير ضعف فهو أولى وأحق بالمقصود فإن حدثت حادثة وأراد الحكم فيها، فإن كان عليها دليل من نص كتاب أو سنة أو إجماع عمل في الحكم فيها عليه، وإن لم يكن عليها دليل على جملة أو تفصيل ولا غير ذلك من الحجج وكانت يبقاه على الأصل، رجع في ذلك إليه. ولا يجوز أن يقلد غيره في حكم [ و ] لا يشاور فيه ولا يستفتي غيره ثم يحكم بتلك الفتيا، لأن الحاكم ينبغي أن يكون عالما بما وليه فإن اشتبه عليه بعض الأحكام ذاكر أهل العلم لتفقهه في ذلك على الدليل.

(1) في الجواهر، ج 40، ص 79: " واستعمل اللدد أي طلب اليمين من الخصم ثم قطعها عليه وقال: لي بينة سأحضرها، ثم يعود إلى الأول وهكذا "

[ 597 ]

والقضاء لا ينعقد للقاضي إلا بأن يكون من أهل العلم والعدالة والكمال، وكونه عالما: بأن يكون عارفا بالكتاب والسنة، والاجماع، والاختلاف، ولسان العرب وأما القياس فلسنا نعتبره، لأن استعماله في الشريعة عندنا باطل. فأما الكتاب، فيفتقر في تعرفه إلى المعرفة بأشياء وهي: العام والخاص، والمحكم والمتشابه، والمفسر، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ فأما العموم والخصوص لئلا يتعلق بعموم قد دخله الخصوص مثل قوله سبحانه: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " (1) هذا عام في كل مشركة، حرة كانت أو أمة وقوله تعالى " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " (2) خاص في الحرائر فلو تمسك بالعموم غلط وكذلك قوله " اقتلوا المشركين " (3) عام وقوله: " من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية " (4) خاص في أهل الكتاب. وأما المحكم والمتشابه ليقضي بالحكم وبالمفسر كقوله " أقيموا الصلوة " (5) وهذا غير مفسر وقوله " وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون " (6) وحين تمسون - يعني المغرب والعشاء والآخرة - وحين تصبحون. وأما المطلق والمقيد ليبني المطلق على المقيد مثل قوله سبحانه " واستشهدوا شهيدين من رجالكم " (7) فهذا مطلق في العدل والفاسق وقوله " واشهدوا ذوي عدل منكم " (8) مقيدا بالعدالة فيبنى المطلق عليه. وأما الناسخ والمنسوخ يقضي بالناسخ دون المنسوخ، كآية العدة بالحول (9) والآية التي تضمنت العدة بالأشهر (10)

(1) البقرة، 221 (2) المائدة، 5 (3) التوبة، 5 (4) التوبة، 9 (5) البقرة، 43 (6) الروم، 18 (7) البقرة، 282 (8) الطلاق، 2 (9) البقرة، 242 " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج.... " (10) البقرة، 235 " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا "

[ 598 ]

وأما السنة فيحتاج أن يعرف منها شيئا: المتواتر والأحاد - ليعمل بالمتواتر دون الاحاد - والخاص والعام والناسخ والمنسوخ لما تقدم في نص القرآن، ولما كان في السنة مجمل ومفسر ومطلق ومقيد - كما في الكتاب - احتاج إلى أن يعرف جميع ذلك لما تقدم ذكره. ويعرف الاجماع والاختلاف، لأن الاجماع حجة لئلا يقضي بخلافه ويعرف الاختلاف ليعلم هل هو موافق لبعض الفقهاء أم لا؟ وهذا عندنا يضعف إدخاله في هذا الموضع، والمعول على ما تقدم: وأما لسان العرب فيحتاج إلى معرفته، لأن صاحب الشرع عليه وآله السلام خاطبنا به. وقد ذكر أنه لا يلزمه أن يكون عارفا بجميع الكتاب، بل يكفي في ذلك معرفته بالايات المحكمة وذكر: إن جميع ذلك خمس مأة آية وذلك يمكن معرفته. والسنة تكفى أن يتعلق بالأحكام من سننه دون آثاره وأخباره، فإن جميع ذلك لا يحيط به أحد علما، وما قبلها مدون في الكتب في أحاديث مخصوصة. وأما الخلاف، فهو متداول بين الفقهاء يعرفه أصاغرهم. وأما لغة العرب، فيكفي أن يعرف شيئا ذكرناه دون أن يكون عارفا بجميع اللغات وهذه الجمل الأخيرة غير بعيدة من الصواب، بل الظاهر أن القاضي إذا كان علمها كانت كافية له فيما هو عليه. وأما كونه عدلا ثقة فلابد منه، لأنه إن كان فاسقا لم ينعقد له القضاء بالاجماع إلا خلاف الاصم (1) لأنه أجاز أن يكون فاسقا وخلافه غير مؤثر في الاجماع. وأما كونه كاملا، والمراد به كامل الخلقة والأحكام. أما كامل الخلقة، أن يكون بصيرا، لأنه إن كان أعمى لا ينعقد له القضاء، لأنه يحتاج إلى معرفة المقر من المنكر، والمدعي من المدعى عليه، وما يكتبه كاتبه بين

(1) مرت ترجمته ص 503

[ 599 ]

يديه. وإن كان ضريرا (1) لم يعرف ذلك، وإذا لم يعرفه لم ينعقد القضاء له كما ذكرناه وأما كمال الإحكام، بأن يكون بالغا، حرا، ذكرا، لأن المرأة لا تنعقد لها القضاء على حال. ولا يجوز له الحكم بالاستحسان ولا بالقياس. وإذا حكم بشئ ثم بان له أنه خطأ، أو بان له أن الحاكم قبله حكم بشئ واخطأ فيه، كان عليه نقض ما أخطأ هو فيه، وكذلك ما أخطأ فيه غيره من الحكام المتقدمين عليه، وحكم بما يعلمه من الحق. وليس يجب عليه إذا ولي القضاء أن يتبع حكم من كان قبله، ولو تبعه لكان جائزا لكن ليس عليه ذلك. لكن عليه أن ينقض ما يتفق ظهوره له، فإن الحكم فيه وقع بخلاف الحق. وإذا حضر مجلس حكمه خصمان لا يعرف لسانهما، أو شهد عنده شاهد بشئ لا يعرف، لم يكن بد من مترجم يترجم عنه، ليعرف الحاكم ما يقوله. والأظهر أن الترجمة شهادة ويفتقر إلى العدد والعدالة والحرية ولفظ الشهادة، وقد ذكر خلاف ذلك، وما ذكرناه هو الأحوط والأظهر من حيث أنه مجمع على العمل به. وقد تقدم في باب الشهادات من يجوز قبول شهادته ومن لا يجوز، فلا حاجة إلى أن نذكر تصفحه بحال من يحضر مجلسه في شهادة، وهل هو عدل فيحكم بشهادته أو غير عدل فيردها، اللهم إلا أن يكون لم يتقدم له المعرفة بمن يحضر ليشهد، فإنه لا بد أن يكشف عن حاله فيحكم بشهادة من يثبت عنده عدالته، ويطرح شهادة من لا يكون كذلك. وقد تقدم أيضا طرف من كيفية السماع لشهادتهم وتعريفهم في ذلك، وغيره ما يغنى معرفته هناك من إعادته هاهنا. ولا يجوز للحاكم أن يرتب له شهودا يسمع شهاداتهم دون غيرهم من سائر الناس [ بل يدع الناس ] وكل من شهد عنده وعرفه وإلا سأل عنه، لأنه إذا رتب قوما فإنما يفعل ذلك بمن هو عدل عنده، وغير من رتبه لذلك، وقد يكون مثله أو اعدل منه. فإذا كان الكل سواء، لم يجز أن يختص بعضهم بالقبول دون بعض ولأن

(1) الضرير: الذاهب البصر

[ 600 ]

فيه مشقة على الناس لشدة حاجتهم إلى الشهادة بالحقوق في كل وقت، من نكاح وغصب ومعاملة وقتل وغير ذلك. وإذا لم يقبل إلا قوما دون قوم شق ذلك على الناس، ولأن فيه ضررا عليهم. فإن الشاهد إذا علم أنه لا يقبل قول غيره ربما تقاعد حتى يأخذ الرشوة عليها. ولأن فيه إبطال الحقوق، فإن كل من له حق، لا يقدر على إقامة البينة به من كان مقبول الشهادة راتبا لها دون غيره، فإذا كان كذلك لم يجز له ترتيبهم. فإن رتب قوما قد عرف عدالتهم وسكن إليهم في استماع أقوالهم وتقبل شهاداتهم، فإذا شهد عنده بالحق غيرهم، بحث عن أحوالهم، فإذا زكوا حكم أن (1) شهادتهم، لم يكن بذلك بأس وينبغي أن يكون له كاتب يكتب بين يديه، يكتب عنده الاقرار والانكار وغير ذلك، وصفة ذلك الكاتب أن يكون عدلا، فقيها، عاقلا، نزها عن الطمع. وإنما اعتبرت العدالة لأنها موضع أمانة. واعتبر العقل لئلا يخدع. وكونه فقيها، ليعرف الالفاظ التي تتعلق الأحكام بها - ولا بغيرها - لأن غير الفقيه لا يفرق بين واجب وجائز، وليكون أخف على القاضي، لأنه يفوض إليه ذلك، ولا يحتاج إلى مراعاته فيما يكتبه ويكون نزها بريا من الطمع، لئلا يرتشي فيغير. ويجوز أن يتخذ لذلك عبدا لأنه قد يجوز أن يكون عدلا، ولا يتخذ كافرا بغير خلاف. وفي آخر نسخة المكتبة الرضوية تم كتاب المهذب في الفقه للقاضي أبي القاسم بن البراج نور الله ضريحه وفرغ من تحريره العبد الضعيف الفقير المحتاج إلى رحمة الله تعالى أبو طالب علي بن محمد بن علي يوم الثلثا الرابع عشر من صفر سنة إحدى وخمسين وست مأة هجرية حامدا لله مصليا على نبيه محمد وعترته الأطهرين وقد كتب هذا الكتاب مصنفه في سنة سبع وستين وأربع مأة

(1) كذا في النسخ ولعله تصحيف واصله " عن "

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية