الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المهذب - القاضي ابن البراج ج 1

المهذب

القاضي ابن البراج ج 1


[ 1 ]

المهذب تأليف الفقيه الأقدم القاضي عبد العزيز بن البراج الطرابلسي 400 - 481 هج‍ الجزء الأول مؤسسة النشر الإسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (ايران) بسم الله الرحمن الرحيم انطلاقا " من أهمية التراث الإسلامي، ومكانته السامية في حياة الأمة ونهضتها الراهنة، أخذت " مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم المقدسة " على عاتقها، القيام بكل جهد ممكن في سبيل أحياء التراث الإسلامي المبارك فقامت - منذ تأسيسها وإلى الان - بطبع ونشر عشرات الكتب والمصنفات الاسلامية القيمة التي ألفها القدامى من كبار العلماء وأرباب الفكر في شتى مجالات الفقه والأصول والحديث والتفسير والفلسفة والكلام، وغير ذلك من مجالات الثقافة الاسلامية وشعبها، وذلك بعد تحقيقها على أيدى كبار الاساتذة المحققين في الحوزة العلمية، وإعدادها إعدادا يناسب متطلبات هذا العصر، واحتياجات الأمة في هذه الفترة الخطيرة من تاريخها. ولم تكتف هذه المؤسسة بإخراج ونشر هذا الصنف من المؤلفات والمصنفات بل وجهت عنايتها واهتمامها أيضا إلى ما ألف وكتب في هذا العصر في تبيين مفاهيم الاسلام والثورة الإسلامية المجيدة فطبعت ونشرت مجموعة من الدراسات الاسلامية الحديثة في مختلف شؤون الفكر الإسلامي. ولقد وفقت هذه المؤسسة في هذا السبيل ولقيت ما أخرجته ونشرته من كنوز

[ 2 ]

الفكر والمعرفة إقبالا وتقديرا كبيرين، مما شجعها على مواصلة هذا السعي البناء، وهذا الجهد العلمي المخلص غير أن المؤسسة هذه - إحساسا منها بجسامة المسؤولية، وخدمة للفكر الإسلامي - لم تكتف بنشر وبث ما يتم تحقيقه وإعداده فيها، بل عمدت إلى تشجيع الجهود العلمية والفكرية التي يقوم بها المحققون في المؤسسات الأخرى فنشرت ما حققوه من مؤلفات مخطوطة قيمة تغني المكتبة الفقهية أو الأصولية أو الفلسفية، أو غيرها وهذا الكتاب القيم هو أحد تلك المصنفات القيمة التي قامت " مؤسسة النشر الإسلامي " بنشره وتوزيعه، بعد أن حققته ثلة من الفضلاء، وطبعت " مؤسسة سيد الشهداء العلمية الجزء الأول منه. وقد تعهدت " مؤسسة النشر الإسلامي " بنشر هذا الجزء المطبوع، وطبع بقية أجزائه على نفقتها نظرا لأهمية هذا المؤلف الفقهي، الذي يطبع لأول مرة. وترجو أن تكون بذلك قد أسدت خدمة جديرة بالاهتمام إلى الوسط العلمي، والله المستعان مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم المقدسة 22 جمادى الأولى 1406 ه‍. ق

[ 3 ]

تقديم: جعفر السبحاني تطور الفقه عند الشيعة في القرنين: الرابع والخامس و أضواء على حياة المؤلف: القاضي ابن البراج

[ 4 ]

في هذه المقدمة: * شرف كل علم بشرف موضوعه، شرف علم الفقه * إكمال الشريعة بعامة أبعادها، دلائل إكمال الشريعة، بماذا تحقق الكمال؟ * القرآن تبيان لكل شئ * مكانة السنة في الشريعة الاسلامية * الواقعيات المتضادة لاكتمال الشريعة * الخلافات العميقة في الأصول والفروع * كيف يجتمع الاكتمال مع وجود الخلافات المذهبية العميقة * توجيه الخلافات بوجهين، وضعف التوجيه الأول * إيداع علم الكتاب والاحاطة بالسنة لدى العترة الطاهرة * درر مضيئة من كلمات الرسول في حق العترة الطاهرة * تنصيص النبي على عدد العترة الطاهرة * إحاطة العترة بالسنة، مراحل تطور الفقه عند الامامية، المرحلة الثالثة والأقطاب الخمسة * أضواء على حياة القاضي مؤلف المهذب، أقوال العلماء في حقه وفيه عشرون كلمة * ميلاده: إنه شامي لا مصري، ابن البراج زميل للشيخ لا تلميذه * مناقشة القاضي آراء الشيخ في كتابيه: المهذب وشرح الجمل * استمرار الاجتهاد بعد وفاة الشيخ الطوسي ونقد ما افاده سديد الدين الحمصي ومن تبعه * التحام القاضي مع الشيخ الطوسي * أساتذته وتلاميذه ومؤلفاته * تاريخ تأليف هذا الكتاب وكلمة المحققيين فيه

[ 5 ]

تقديم * بقلم: جعفر السبحاني بسم الله الرحمن الرحيم شرف الفقه: إن شرف كل علم بشرف موضوعه، وشرف ما يبحث فيه عن عوارضه وأحواله. فكل علم يرتبط بالله سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله، أو يرجع إلى التعرف على سفرائه وخلفائه وما أوحى إليهم من حقائق وتعاليم، وأحكام وتكاليف يعد من أشرف العلوم، وأفضلها، وأسناها. لارتباطه به تعالى. وقد أصبح (علم الفقه) ذات مكانة خاصة بين تلك المعارف والعلوم، لأنه الراسم لمناهج الحياة في مختلف مجالاتها، والمبين للنسك والعبادات، ومحرم المعاملات ومحللها، ونظام المناكح، والمواريث، وكيفية القضاء، وفصل الخصومات والمنازعات، وغيرها. وعلى الجملة: هو المنهاج الوحيد والبرنامج الدقيق لحياة المسلم الفردية، والاجتماعية، كيف ويصف علي أمير المؤمنين عليه السلام أهمية تلك التعاليم والبرامج، من خلال الإشارة إلى آثارها في حياة الفرد والجماعة إذ يقول: " فرض الله الايمان تطهيرا من الشرك، والصلاة تنزيها عن الكبر، والزكاة تسبيبا للرزق. والصيام ابتلاء لإخلاص الخلق، والحج تقوية للدين: والجهاد عزا

[ 6 ]

للاسلام، والامر بالمعروف مصلحة للعوام، والنهى عن المنكر ردعا للسفهاء وصلة الرحم منماة للعدد، والقصاص حقنا للدماء، وإقامة الحدود إعظاما للمحارم، وترك شرب الخمر تحصينا للعقل، ومجانبة السرقة إيجابا للعفة، وترك الزنا تحصينا للنسب، وترك اللواط تكثيرا للنسل، والشهادات استظهارا على المجاهدات، وترك الكذب تشريفا للصدق، والسلام أمانا من المخاوف، والامامة نظاما للامة، والطاعة تعظيما للامامة " (1) وإذا كان الفقه كفيلا بسعادة الانسان في الدارين ومبينا لفرائض العباد ووظائفهم فقد أختار الله سبحانه أفضل خلائقه، وأشرف أنبيائه لإبلاغ تلك المهمة الجسيمة، فكان النبي صلى الله عليه وآله في حياته مرجع المسلمين، في بيان وظائفهم وما كانوا يحتاجون إليه من أحكام، كما كان قائدهم في الحكم والسياسة، ومعلمهم في المعارف والعقائد فقام صلى الله عليه وآله بتعليم الفرائض والواجبات والعزائم والمنهيات، والسنن والرخص وما يتكفل سعادة الأمة ونجاحها في معترك الحياة، وفوزها ونجاتها في عالم الآخرة. إكمال الشريعة بتمام أبعادها إن الشريعة التي جاء بها خير الرسل، وأفضلهم هي آخر الشرائع التي أنزلها الله سبحانه، لهداية عباده فهو - صلوات الله عليه - خاتم الأنبياء، كما أن كتابه وشريعته خاتمة الشرائع، وآخر الكتب. قال سبحانه: " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شئ عليما " (الاحزاب - 40). وبما أنه صلى الله عليه وآله خاتم الأنبياء، وشريعته خاتمة الكتب والشرائع، يجب أن تكون شريعته - حتما - كاملة الجوانب، جامعة الأطراف لن يفوتها بيان شئ، وتغنى المجتمع البشرى عن كل تعليم غير سماوي.

(1) نهج البلاغة قسم الحكم، الحكمة رقم 252.

[ 7 ]

ولأجل ذلك نرى أنه سبحانه ينص على ذلك ويصرح بأنه زوده بشريعة اكتملت جوانبها يوم قال تعالى: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " (المائدة - 3) وظاهر قوله: " أكملت لكم دينكم " أنه سبحانه أكمل دينه النازل على نبيه الاكرم صلى الله عليه وآله من جميع الجوانب، وكل الجهات. فهذا الدين كامل من حيث توضيح المعارف والعقائد، كامل من حيث بيان الوظائف والأحكام، كامل من جهة عناصر استمراره، وموجبات خلوده، ومتطلبات بقائه، على مدى الأيام والدهور. فلا وجه - إذن - لقصر الآية على الكمال من ناحية دون ناحية، وجانب دون جانب فهي بإطلاقها تنبئ عن كمال الشريعة في جميع جوانبها، ومجالاتها من غير اختصاص بالايمان، أو بالحج، أو بغيره. على أن حديث الإكتمال الوارد في هذه الآية، لا يختص بإكمال الدين من حيث بيان العقيدة وتبليغ الشريعة، بل يعم الاكتمال من جهة بقاء الشريعة واستمرار وجودها طيلة الاعوام والحقب القادمة، إذ ليس حديث الدين كالمناهج الفلسفية والأدبية وما يشبه ذلك، فإن الاكتمال في هذه المناهج يتحقق بمجرد بيان نظامها وتوضيح خطوطها الفكرية، سواء أطبقت على الخارج أم لا، وسواء استمر وجودها في مهب الحوادث أم لا، بل الدين شريعة الهية انزلت للتطبيق على الخارج ابتداء واستمرارا حسب الأجل الذي أريد لها. فتشريع الدين من دون تنظيم عوامل استمرار وجوده يعد دينا ناقصا ولأجل ذلك دلت السنة على نزول الآية " اليوم أكملت " يوم غدير خم عندما قال النبي (صلى الله عليه وآله) بنصب على (عليه السلام) للولاية والخلافة (1).

(1) راجع الغدير ج 1 ص 210 - 217 للوقوف على مصادر هذا الأمر.

[ 8 ]

والعجب أن ابن جرير أخرج عن ابن جريح، قال: مكث النبي صلى الله عليه وآله بعد ما نزلت هذه الآية " اليوم أكملت.. " إحدى وثمانين ليلة (1). وبما أن الجمهور أطبقوا على أن وفاة النبي صلى الله عليه وآله كانت في الثاني عشر من ربيع الأول، فينطبق أو يقارب يوم نزول هذه الآية على الثامن عشر من شهر ذي الحجة، وهو يوم الغدير الذي قام النبي صلى الله عليه وآله فيه بنصب على عليه السلام للخلافة والولاية. ولأجل هذه العظمة الموجودة في مفهوم الآية، روى المحدثون عن طارق بن شهاب قال: قالت اليهود للمسلمين: انكم تقرأون آية في كتابكم لو علينا - معشر اليهود - نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: وأى آية؟ قال: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ". أخرج ابن جرير، عن عيسى بن حارثة الأنصاري قال: كنا جلوسا في الديوان، فقال لنا نصراني: يا أهل الاسلام: لقد انزلت عليكم آية لو انزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم، وتلك الساعة عيدا ما بقي اثنان، وهي قوله: " اليوم أكملت لكم دينكم ". وكما روى ابن جرير، عن ابن جريح، عن السدى أنه لم ينزل بعد هذه الآية حرام لا حلال، ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله فمات (2). * * * بماذا تحقق الكمال؟ لا شك أن الشريعة الاسلامية من جانب الأحكام والعقائد اكتملت بأمرين أحدهما: كتاب الله سبحانه، والآخر سنة نبيه الكريم أما الأول فقد عرف سبحانه مكانته، وسعة معارفه بقوله: " ونزلنا عليك الكتاب

(1) الدر المنثور ج 2 ص 257 و 259.
(2) الدر المنثور للعلامة جلال الدين السيوطي (المتوفى عام 911 ه‍) ج 2 ص 257

[ 9 ]

تبيانا لكل شئ " (النحل - 89). فلا شك أن المراد من لفظة " كل شئ " هو كل شئ أنيط بيانه إلى سفرائه و أنبيائه سبحانه من العلوم والمعارف، والمناهج والتعاليم التي لا يصل الفكر الإنساني إلى الصحيح منها، بلغ ما بلغ من الكمال فهذه الأمور تكفل الكتاب الكريم ببيانها وذكر خصوصياتها، وأما العلوم التي يصل إليها البشر بفكره، كالفنون المعمارية، والمعادلات الرياضية والقوانين الفيزياوية والكيماوية، فهي خارجة عن رسالة ذلك الكتاب، وليس بيانها من مهامه ووظائفه. نعم ربما يحتمل أن يكون للآية معنى أوسع، حتى يكون القرآن الكريم قابلا لتبيان تلك المعارف والعلوم، غير أن هذا الاحتمال - على فرض صحته - لا يصحح أن يكون (القرآن الكريم) مصدرا لهذه المعارف، حتى يرجع إليه كافة العلماء والاختصاصيون في هذه العلوم، وإنما يتيسر استخراج هذه العلوم والمعارف لمن له مقدرة علمية إلهية غيبية، حتى يتسنى له استخراج هذه الحقائق والمعارف من بطون الآيات وإشاراتها، وهو ينحصر في جماعة قليلة. وأما مكانة السنة فيكفي فيها قوله سبحانه: " وما ينطق عن الهوى " (النجم - 3) وقوله سبحانه: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " (الحشر -، 7) وغير ذلك من الآيات التي تنص على لزوم اقتفاء أثر النبي، وتصرح بوجوب اتباعه، وعدم مخالفته ومعصيته. وعلى ذلك تكون الشريعة الاسلامية شريعة كاملة الجوانب، كاملة الجهات والأطراف، قد بينت معارفها، وأحكامها بكتاب الله العزيز وسنة نبيه الكريم، فلم يبق مجال للرجوع إلى غير الوحي الإلهي وإلى غير ما صدر عن النبي الكريم. وهذه الحقيقة التي تكشف عنها الآية - بوضوح - وأن الدين اكتمل في حياة النبي

[ 10 ]

بفضل كتابه وسنته، مما أطبقت عليه كلمة العترة الطاهرة بلا خلاف، ولايقاف القارئ على ملامح كلماتهم في هذا المقام، نأتي ببعض ما ورد عنهم في ذلك المجال: لكل شئ أصل في الكتاب والسنة: لقد صرح أئمة أهل البيت والعترة الطاهرة بأنه ما من شئ في مجالي العقيدة والشريعة إلا وله أصل في الكتاب والسنة وهذا هو ما يظهر من كلماتهم ونصوصهم الوافرة روى مرازم، عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: إن الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن الكريم تبيان كل شئ حتى والله ما ترك الله شيئا يحتاج العباد إليه إلا بينه للناس حتى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا نزل في القرآن إلا وقد أنزل الله فيه (1). وروى عمرو بن قيس، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن الله تبارك وتعالى لم يدع شيئا تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة، إلا أنزله في كتابه وبينه لرسوله، وجعل لكل شئ حدا وجعل عليه دليلا يدل عليه (2) وروى سليمان بن هارون قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ما خلق الله حلالا ولا حراما إلا وله حد كحد الدار، فما كان من الطريق فهو من الطريق وما كان من الدار فهو من الدار، حتى أرش الخدش فما سواه، والجلدة ونصف الجلدة (3) وروى حماد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: ما من شئ إلا وفيه كتاب أو سنة (4) وعن المعلى بن خنيس قال، قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما من أمر يختلف فيه

(1) الكافي ج 1 ص 48.
(2) الكافي ج 1 ص 48 من كتاب فضل العلم (3 و 4) الكافي ج 1 ص 48 - 50 - من كتاب فضل العلم.

[ 11 ]

اثنان إلا وله أصل في كتاب الله عزوجل، ولكن لا تبلغه عقول الرجال (1) وعن سماعة، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال قلت له: أكل شئ في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله أو تقولون فيه؟ قال: بل كل شئ في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله (2). هذا هو حال الكتاب والسنة عند أئمة العترة الطاهرة، فلو لم نجد حكم كثير من الموضوعات والحوادث، في الكتاب والسنة ولا وقفنا على جملة من المعارف والعقائد فيهما، فما ذلك إلا لأجل قصور فهمنا وقلة بضاعتنا، لأن في الكتاب رموزا وإشارات، وتنبيهات وتلويحات منها تستنبط أحكام الحوادث والموضوعات، ويهتدي بها الانسان إلى المعارف والعقائد وقد اختص علمها بهم دون غيرهم كما أن عندهم سنة النبي التي لم تصل كثير منها إلى أيدي الناس، هذه هي حقيقة الحال عن أئمة العترة الطاهرة، وعلى ذلك اقتفت شيعتهم أثرهم في تشييد صرح المعارف والعقائد، وإرساء فقههم، وفروعهم وأصولهم. إن القارئ الكريم لو راجع الجوامع الحديثية والتفسيرية، ووقف على كيفية استدلال الأئمة الطاهرين، بالايات والسنة النبوية على كثير من المعارف والأحكام يقف على صحة ما قلناه، وهو أن عندهم علم الكتاب بالمعنى الجامع الوسيع، كما أن عندهم السنة النبوية بعامتها. وهذا لا ينافى أن يكون الكتاب هاديا للامة جمعاء، ويكون طائفة من السنة في أيدي الناس، غير أن الاكتناه برموز الكتاب وإشاراته، والإحاطة بعامة سننه، من خصائص العترة الطاهرة وقد قام بعض الافاضل من طلاب مدرستنا بجمع الأحاديث، التي استدل فيها الأئمة الطاهرون بالكتاب والسنة على أمور وأحكام، مما لم تصل إليه أفهام الناس، وإنما خص علم ذلك بهم.

(1 و 2) الكافي ج 1 ص 48 - 50 - من كتاب فضل العلم

[ 12 ]

الواقعيات المتضادة للكمال: فإذا كان الشارع قد أعلن عن خاتمية الرسالة وكمال الشريعة الاسلامية، وجب أن تتقارب الخطى والمواقف بين المسلمين، ويقل الخلاف والنقاش بينهم، ويجتمع الكل على مائدة القرآن والسنة من دون أن يختلفوا في عقائدهم، ولا أن يتشاجروا في تكاليفهم ووظائفهم. ولكننا - مع الاسف - نشاهد في حياة المسلمين أمرا لا يجتمع مع هذا الكمال، بل يضاده، ويخالفه بل وينادي بظاهرة بعدم كماله من حيث الأصول والفروع، وينادى بأن الرسول صلى الله عليه وآله ما جاء بشريعة كاملة جامعة الأطراف شاملة لكل شئ. وتلك الحقيقة المضادة لحديث الكمال هي الاختلافات الكبيرة والخلافات العريقة التي حدثت بين المسلمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله بل قبيلها أيضا. فقد صاروا في أبسط المسائل إلى معقدها إلى اليمين واليسار، وافترقوا فرقتين أو فرقا حتى انتهوا إلى سبعين فرقة، بل إلى سبع مائة فرقة. فهذا هو التاريخ يحدثنا أن أول تنازع وقع في مرضه (عليه الصلاة والسلام) هو ما رواه البخاري بإسناده عن عبد الله بن عباس، قال: لما اشتد بالنبي مرضه الذي مات فيه، قال: ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدى، فقال عمر (رضي الله عنه): إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله وكثر اللغط فقال النبي صلى الله عليه وآله قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع، قال ابن عباس: الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين رسول الله (1). ولم ينحصر الخلاف في أخريات حياته، بل ظهر الخلاف في تجهيز جيش

(1) صحيح البخاري ج 1 باب كتابة العلم ص 29 وأيضا ج 4 كتب الجهاد باب جوائز الوفد ص 69، وصحيح مسلم ج 5 كتاب الوصية، باب ترك الوصية ص 76.

[ 13 ]

أسامة، حيث أنه صلى الله عليه وآله أمر أسامة بأن يسير إلى النقطة التي سار إليها أبوه من قبل، وجهز له جيشا وعقد له راية فتثاقل أكابر الصحابة عن المسير معه لما رأوا مرض النبي صلى الله عليه وآله وهو يصر على مسيرهم، حتى أنه خرج معصب الجبين، وقال جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه (1) وأما اتساع رقعة الخلاف، ودائرة الاختلاف بعد لحوقه صلى الله عليه وآله بالرفيق الأعلى فحدث عنه ولا حرج. فقد اختلفوا في يوم وفاته في موته (عليه الصلاة والسلام) قال عمر بن الخطاب من قال إن محمدا قد مات قتلته بسيفي هذا، وإنما رفع إلى السماء كما رفع عيسى عليه السلام ولما جاء أبو بكر بن أبي قحافة من السلع، وقرأ قول الله سبحانه: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين " رجع عمر عن قوله، وقال كأني ما سمعت هذه الآية حتى قرأها أبو بكر (2) وأخطر الخلافات وأعظمها هو الاختلاف في الامامة، وإدارة شؤون الأمة الاسلامية، فمنهم من قال بتعدد الامراء فأمير من الأنصار وأمير من المهاجرين، ومن قائل بلزوم انتخابه من طريق الشورى، ومن قائل ثالث بالتنصيص بالولاية والأمارة فقد أحدث ذلك الخلاف خرقا عظيما لا يسد بسهولة ولأجل ذلك يقول الشهرستاني في " ملله ونحله ": ما سل سيف في الاسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الامامة في كل زمان (3).

(1) الملل والنحل للشهرستاني المقدمة الرابعة ج 1 ص 23، وشرح النهج لابن أبي الحديد ج 2 ص 20 (2) الملل والنحل ج 1 ص 23.
(3) الملل والنحل ج 1 ص 24

[ 14 ]

ولم يقف الخلاف والاختلاف عند هذا الحد، فقد اتسع نطاقه بعد الاختلاف في الزعامة السياسية، حتى شمل القيادة الفكرية، فحدثت مذاهب واتجاهات، ووجدت مناهج متباينة في المعارف الاعتقادية، التي تشكل أعمدة الدين وأصوله وجذور الاسلام وأسسه. فاختلف المسلمون - في هذا المجال - إلى معتزلة وجبرية، وانقسمت الأولى إلى واصلية، هذلية، نظامية، خابطية، بشرية، معمرية، مردارية، ثمامية، هشامية، جاحظية، خياطية. كما انقسم منافسوا المعتزلة (أعني الجبرية) إلى: جهمية، نجادية، ضرارية وقد كان هذا الاختلاف في إطار خاص، أي في معنى الاسلام والايمان وما يرجع إلى فعل الله سبحانه، وإذا أضفنا إليه الاختلاف سائر النواحى، فنرى أنهم اختلفوا في صفاته سبحانه إلى: أشعرية، ومشبهة وكرامية. وقد أوجبت هذه الاختلافات والنقاشات إلى وقوع حروب دامية، وصراعات مدمرة أريقت فيها الدماء البريئة - من المسلمين، وسحقت الكرامات غير أن إطار الاختلاف لم يقف عند ذلك، فقد حدث اختلاف في مصير الانسان وما يؤول إليه بعد موته من البرزخ ومواقفه، ويوم القيامة وخصوصياته، إلى غيرها من الاختلافات والمنازعات الفكرية العقيدية، التي فرقت شمل المسلمين، ومزقت وحدتهم وكأنهم نسوا قول الله تعالى: إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون " (الأنبياء 92) فصارت الأمة الواحدة أمما متعددة، وأصبحت اليد الواحدة أيدي متشتتة ولو أضفنا إلى ذلك ما حدث بين المسلمين من الاختلاف في المناهج الفقهية التي أرساها الصحابة والتابعون وتابعوا التابعين، إلى أن وصل الدور إلى الأئمة الأربعة يقف الانسان على اختلاف واسع مروع، وعند ذلك يتساءل الانسان ويسأل

[ 15 ]

المرء نفسه: ترى أي الأمرين أحق وأصح؟ 1 - ما نص به القرآن الكريم، وحدث عنه سيد المرسلين عن كمال الدين بأصوله وجذوره، وشعبه وفروعه بحيث لم يبق للمسلم حاجة إلا رفعها، ولا حادثة إلا بين حكمها، ومقتضى ذلك أن يتقلل الخلاف والنقاش إلى أقل حد ممكن 2 - ما نلمسه ونراه - بوضوح - من الخلاف والتشاجر في أبسط الأمور وأعمقها من دقيقها وجليلها، بحيث لم يبق أصل ولا فرع إلا وفيه رأيان بل آراء. إن حديث الاختلاف الكبير هذا لا يمكن أن يعد أمرا بسيطا، كيف والامام علي عليه السلام يعتبره دليلا على نقصان الدين إن كان المختلفون على حق، وإلا كان اختلافهم أمرا باطلا، لأن كمال الشريعة يستلزم أن يكون كل شئ فيها مبينا، فلا مبرر ولا مصحح للإختلاف. يقول الإمام عليه السلام في ذم اختلاف العلماء في الفتيا: ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام، فيحكم فيها برأيه ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا. وإلههم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد أفأمرهم الله - سبحانه - بالاختلاف فأطاعوه! أم نهاهم عنه فعصوه! أم أنزل الله سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه! أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟! أم أنزل الله سبحانه دينا تاما فقصر الرسول صلى الله عليه وآله عن تبليغه وأدائه، والله سبحانه يقول: " ما فرطنا في الكتاب من شئ " وفيه تبيان لكل شئ وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا (1) أترى أنه (صلوات الله عليه) بعد ما يندد بالاختلاف، يقول أم أنزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه.

(1) نهج البلاغة قسم الخطب، الخطبة رقم 18

[ 16 ]

فاكتمال الدين بعامة أبعاده ينفي وجود الثاني، كما أن وجود الخلاف في عامة المسائل لا يجتمع مع إكمال الدين، فما هو الحل لهذين الأمرين المتخالفين؟! الاجابة على هذا السؤال: إن هناك تحليلين يمكن أن يستند إليها الباحث في حل هذه المعضلة: الأول: إن النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وإن أكمل دينه في أصوله وفروعه غير أن المسلمين في القرون الغابرة وقفوا أمام النصوص الاسلامية، فأوجدوا مناهج ومذاهب لا تلائم القرآن الكريم ولا السنة النبوية إلا أن هذه الاجابة لا تتفق مع الواقع، بل تعتبر قسوة على الحق وأصحابه، لما نعلم من حياة المسلمين في الصدر الأول وبعده من أن الدين كان عندهم من أعز الأشياء وأنفسها، فكانوا يضحون بأنفسهم وأموالهم في سبيله. فعند ذلك كيف يمكن أن ينسب إلى هؤلاء الجماعة بأنهم قد وقفوا في وجه النصوص الاسلامية، وقابلوها بآرائهم، ورجحوا أفكارهم ونظرياتهم على الوحي؟ كيف والقرآن الكريم يصف تلك الثلة بقوله: " محمد رسول الله والذين آمنوا معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) (الفتح - 29). الثاني: إن الشريعة الاسلامية قد جاءت بدقائق الأمور وجلائلها في كتاب الله وسنة نبيه، غير أن الشارع الحكيم قد أودع علم كتابه والاحاطة بسنة نبيه - اللذين اكتملت بهما الشريعة، وتمت بهما النعمة. واستغنت الأمة بهما عن اتخاذ أي شئ في عداد كتاب الله وسنة نبيه - عند أناس متطهرين من الإثم والذنب، مصونين

[ 17 ]

عن الزلل والخطأ، قد أحاطوا بمحكم القرآن ومتشابهه، ومجمله، ومفصله وناسخه ومنسوخه، وعامه وخاصه، ومطلقه ومقيده، بل بدلالاته وتنبيهاته، ورموزه وإشاراته التي لا يهتدى إليها إلا من شملته العناية الإلهية، وعمته الفيوض الربانية. كما وأحاطوا بسنة نبيهم، وشوارد أقواله، ووجوه أفعاله. وألوان تقريره واقراره. فالتحق - صلى الله عليه وآله - بالرفيق الأعلى والحال هذه، وأى أن العلم بحقائق الكتاب ومتون سنته مخزون عند جماعة خاصة قد عرفهم بصفاتهم وخصوصياتهم تارة، وأسمائهم وأعدادهم تارة أخرى كما سيوافيك ولو أن الأمة الاسلامية رجعوا في مجال العقائد والمعارف، وموارد الأحكام والوظائف إلى هذه الثلة، لأوقفوهم على كل غرة لائحة، وحجة واضحة، وقول مبين، وبرهان متين، واستغنوا بذلك عن كل قول ليس له أصل في كتاب الله وسنة رسوله، ولمسوا اكتمال الدين في مجالي العقيدة والشريعة بأوضح شكل. فحديث اكتمال الدين وكمال الشريعة في جميع مجالاتها أمر لا غبار عليه، ولكن الخلاف والنقاش حدث في أسس الاسلام وفروعه لأجل الاستقلال في فهم الذكر الحكيم، وجمع سنة الرسول من دون أن يرجعوا إلى من عنده رموز الكتاب وإشاراته، ودلائله وتنبيهاته، فهم وراث الكتاب (1) وترجمان السنة، فافترقوا - لأجل هذا الاعراض - إلى فرق كثيرة ومناهج متكثرة إن الاستقلال في فهم المعارف والأصول واستنباط الفروع، ألجأ القوم إلى القول بالقياس والاستحسان، وتشييد قواعد ومقاييس ظنية كسد الذرائع والمصالح المرسلة، وغيرها من الأمور التي ما أنزل الله بها من سلطان، وذلك لانهم واجهوا من جانب اكتمال الدين من حيث الفروع والأصول، بحيث لا يمكن إنكاره حسب

(1) إشارة إلى قوله سبحانه: " ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا " الفاطر - 32.

[ 18 ]

الآيات والأحاديث، ومن جانب آخر واجهوا الحاجات والحوادث المتجددة التي لم يجدوا لها دليلا، لا في الكتاب ولا في السنة، فلاذوا إلى العمل بهذه المقاييس حتى يسدوا الفراغ، ويبرئوا الشريعة الاسلامية عن وصمة النقص. قال ابن رشد مستدلا على حجية القياس: إن الوقائع بين أشخاص الأناس غير متناهية، والنصوص والأفعال والاقرارات (أي تقرير النبي) متناهية، ومحال أن يقابل مالا يتناهى بما يتناهى (1). وكأنه يريد أن يقول إنه لولا القول بحجية القياس لاصبحت الشريعة ناقصة غير متكاملة وهذا الجواب (وهو إيداع علم الكتاب عند العترة والإحاطة بالسنة) مما يلوح من الغور في غضون السنة، ولعل القارئ الكريم يزعم - بادئ بدء - أن هذه الجواب نظرية غير مدعمة بالبرهان، غير أن من راجع السنة يرى النبي الاكرم - صلى الله عليه وآله - يصرح في خطبة حجة الوداع بأن عترته أعدال الكتاب العزيز وقرناؤه، وهم يصونون الأمة عن الانحراف والضلال، ولا يفارقون الكتاب قدر شعرة، ومع الرجوع إليهم لا يبقى لقائل شك ولا ترديد. روى الترمذي، عن جابر قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجه يوم عرفة، وهو على ناقته القصوى يخطب فسمعته يقول: " يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تصلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي " (2) وروى مسلم في صحيحه: " أن رسول الله قام خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة.. ثم قال: ألا يا أيها الناس فانما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب

(1) بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج 1 ص 2 راجع أيضا المدخل الفقهي العام ج 1 ص 77 (2) صحيح الترمذي ج 3 ص 199 باب مناقب أهل بيت النبي

[ 19 ]

وإني تارك فيكم ثقلين: أولها كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به.. وأهل بيتي " (1) وقد روى هذا الحديث أصحاب الصحاح والسنن بعبارات مختلفة، كما رووا أنه نطق به النبي في حجة الوداع، وفي غدير خم وقبيل وفاته، فدراسة الحديث توقفنا على مكانة أهل البيت النبوي، وعترة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث يعدلون القرآن الكريم في الهداية والنور، والعصمة والمصونية، وأن مفارقتهم مفارقة للكتاب، وبالتالي مفارقة السعادة، والوقوع في وهاد الضلالة عدد الأئمة: إن النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) لم يكتف بالتنصيص بالوصف، بل أخبر بأن عدد الأئمة الذين يلون من بعده اثنا عشر، وقد رواه أصحاب الصحاح والمسانيد، فروى مسلم، عن جابر بن سمرة، إنه سمع النبي يقول: لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش (2) وروى البخاري قال: سمعت النبي يقول: يكون اثنا عشر أميرا: فقال كلمة لم اسمعها فقال أبي: قال كلهم من: قريش (3) وهناك نصوص أخرى لهذا الحديث تصرح بأن عدد الولاة اثنا عشر وأنهم من قريش. وجاء على (عليه السلام) يفسر حديث النبي ويوضح إبهامه ويقول: إن الأئمة من قريش في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم ولا يصلح الولاة من غيرهم (4)

(1) صحيح مسلم ج 7 باب فضائل علي بن أبي طالب ص 123.
(2) صحيح مسلم ج 6 كتاب الامارة ص 3 - 4 باب الناس تبع لقريش (3) البخاري ج 6 ص 65 كتاب الأحكام (4) نهج البلاغة الخطبة 142.

[ 20 ]

إحاطة العترة بالسنة: ما ذكرناه آنفا من أن العترة الطاهرة أحاطوا بالسنة النبوية، التي لم تحتفظ بأكثرها الأمة مما تصرح به العترة وتقول: إن كل ما يروون من أحاديث في مجالي العقيدة والشريعة، كلها رواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن طريق آبائهم وقد وردت في هذا الصعيد نصوص لا مجال لنقلها برمتها، بل نكتفي بالقليل من الكثير: روى حماد بن عثمان وغيره قالوا: سمعنا أبا عبد الله عليه السلام يقول: حديثى حديث أبي، وحديث أبي حديث جدى، وحديث جدى حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين (عليه السلام)، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) قول الله عزوجل (1). وعن جابر قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إذا حدثتني بحديث، فأسنده لي فقال: حدثني أبي عن جدى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، عن جبرئيل (عليه السلام)، عن الله عزوجل وكل ما أحدثك (فهو) بهذا الإسناد، وقال: يا جابر لحديث واحد تأخذه عن صادق خير لك من الدنيا وما فيها (2) ومن كتاب حفص بن البخترى، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): نسمع الحديث منك فلا أدري منك سماعة، أو من أبيك، فقال: ما سمعته مني فاروه عن أبي، وما سمعته فاروه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3). وعن يونس، عن عنبسة قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام عن مسألة فأجابه فيها،

(1) جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 127 - 128.
(2) المصدر السابق (3) جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 128 - 129، ومن أراد الوقوف على المزيد من ذلك فليراجع المصدر المذكور من ص 126 - 219

[ 21 ]

فقال الرجل: إن كان كذا وكذا ما كان القول فيها، فقال له: مهما أجبتك فيه بشئ فهو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لسنا نقول برأينا من شئ (1) كيفية بيان الفقه عند الامامية: لقد عكفت الشيعة بعد لحوق النبي (صلى الله عليه وآله) بالرفيق الأعلى على دراسة الفقه، وجمع مسائله وتبويب أبوابه وضم شوارده، وأقبلوا عليه إقبالا تاما قل نظيره لدى الطوائف الاسلامية الأخرى، حتى تخرج من مدرسة أهل البيت وعلى أيدى أئمة الهدى، عدة من الفقهاء العظام لا يستهان بهم، فبلغوا الذروة في الفقاهة والاجتهاد نظراء. زرارة ابن أعين، ومحمد بن مسلم الطائفي، وأبي بصير الأسدي، ويزيد بن معاوية، والفضيل بن يسار، وهؤلاء من أفاضل خريجي مدرسة أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله (عليهما السلام)، فأجمعت العصابة على تصديق هؤلاء، وانقادت لهم بالفقه والفقاهة. ويليهم في الفضل والفقاهة ثلة أخرى، وهم أحداث خريجي مدرسة أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) نظراء: جميل بن دراج، وعبد الله بن مسكان، وعبد الله بن بكير، وحماد بن عثمان، وحماد بن عيسى، وأبان بن عثمان، كما أقرت العصابة على فقاهة ثلة أخرى من تلاميذ أصحاب الإمام موسى بن جعفر الكاظم وابنه أبي الحسن الرضا (عليهما السلام) نظراء: يونس بن عبد الرحمان، وصفوان بن يحيى، ومحمد بن أبي عمير، وعبد الله بن المغيرة، والحسن بن محبوب والحسين بن علي بن فضال، وفضالة بن أيوب (2) هؤلاء أبطال الشيعة في الفقه والحديث في القرنين: الأول والثاني من الهجرة، وقد تخرجوا من مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وأخذوا منهم الفقه وأصول الإجتهاد والاستنباط.

(1) المصدر نفسه.
(2) راجع رجال الكشى ص 206 و 322 و 466

[ 22 ]

نعم لا ينحصر المتخرجون من مدرستهم في هؤلاء الذين ذكرناهم، فقد تخرج من تلك المدرسة جماعة كثيرة تجاوزت المئات بل الالاف، وقد ضبطت أسماءهم وخصوصياتهم وكتبهم، الكتب الرجالية والفهارس العلمية ومع أن كتب الرجال والفقه تنص على مكانتهم في الفقاهة، ومدى استنباطهم الأحكام الشرعية، غير أن كتبهم في القرون الثلاثة الأولى كانت مقصورة على نقل الروايات بإسنادها، والافتاء في المسائل بهذا الشكل، مع تمييز الصحيح عن السقيم والمتقن عن الزائف وتطلق على كتبهم عناوين: الأصل، الكتاب، النوادر، الجامع، المسائل أو خصوص باب من أبواب الفقه، كالطهارة، والصلاة، وما شابه ذلك هذه الكتب المدونة في القرون الثلاثة بمنزلة " المسانيد " عند العامة، فكل كتاب من هذه الرواة يعد مسندا للراوي، قد جمع فيه مجموع رواياته عن الإمام أو الأئمة في كتابه، وكان الأفتاء بشكل نقل الرواية بعد أعمال النظر ومراعاة ضوابط الفتيا وهكذا مضى القرن الثالث. وبإطلالة أوائل القرن الرابع طلع لون جديد في الكتابة والفتيا، وهو الأفتاء بمتون الروايات مع حذف أسنادها، والكتابة على هذا النمط مع أعمال النظر والدقة في تمييز الصحيح عن الزائف فخرج الفقه - في ظاهره - عن صورة نقل الرواية، واتخذ لنفسه شكل الفتوى المحضة، وأول من فتح هذا الباب على وجه الشيعة بمصراعيه هو والد الشيخ الصدوق " علي بن الحسين بن موسى بن بابويه " المتوفى عام 329 ه‍، فألف كتاب " الشرائع " لولده الصدوق، وقد عكف فيه على نقل متون ونصوص الروايات، وقد بث الصدوق هذا الكتاب في متون كتبه: كالفقيه، والمقنع والهداية، كما يظهر ذلك من الرجوع إليها.

[ 23 ]

ولقد استمر التأليف على هذا النمط، فتبعه ولده الصدوق المتوفى عام 381، فألف " المقنع والهداية "، وتبعه شيخ الأمة ومفيدها " محمد بن النعمان " المتوفى عام 413 في " مقنعته "، وتلميذه شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي المتوفى عام 640 في " نهايته ". ولما كانت متون هذه الكتب والمؤلفات مأخوذة من نفسه الروايات والأصول وقعت متونها موضع القبول من قبل الفقهاء فعاملوها معاملة الكتب الحديثية، وعولوا عليها عند إعوازهم النصوص على اختلاف مشاربهم وأذواقهم وكان سيدنا الاستاذ آية الله البروجردي المتوفى عام (1380 ه‍) يسمى تلك الكتب ب‍ " المسائل المتلقاة "، وسماها بعض الاجلة ب‍: الفقه المنصوص ". مبدء تطور الفقه عن الشيعة الامامية ما تقدم من المرحلتين كان راجعا إلى بيان الفقه من دون حدوث أي تطور عميق فيه: والنمط الثاني (تجريد المتون عن الأسانيد) وإن كان نمطا جديدا، وثورة على الطريقة القديمة السائدة طيلة قرون، لكنه لم يكن رافعا للحاجة وسادا للفراغ، لأن هناك حاجات وأحداث لم ترد بعينها في متون الروايات وسنن النبي (صلى الله عليه وآله)، وإن كان يمكن استنباط أحكامها من العمومات والإطلاقات والأصول الواردة في الكتاب والسنة، فعند ذلك يجب أن تكون هناك ثورة جديدة قوية تسد هذا الفراغ، وتغنى المجتمع الإسلامي من الرجوع إلى غير الكتاب والسنة ولذلك قام في أوائل القرن الرابع لفيف من فقهاء الشيعة بإبداع منهج خاص في الفقه، وهو الخروج عن حدود عبائر النصوص والألفاظ الواردة في الكتاب والسنة، وعرض المسائل على القواعد الكلية الواردة في ذينك المصدرين، مع التحفظ على الأصول المرضية عند أئمة الشيعة من نفى القياس والاستحسان ونفى الاعتماد على كل نظر ورأى ليس له دليل في الكتاب والسنة.

[ 24 ]

وهذا اللون من الفقه وإن كان سائدا بين فقهاء العامة، لكنه كان مبنيا على اسس وقواعد زائفة، كالعمل بالقياس وسائر المصادر الفقهية، غير المرضية عند أئمة الشيعة وأول من فتح هذا الباب بمصراعيه في وجه الأمة، هو شيخ الشيعة وفقيهها الأجل، الذي يعرفه شيخ الرجاليين، وحجة التاريخ بقوله: الحسن بن علي بن أبي عقيل أبو محمد الحذاء: فقيه متكلم ثقة، له كتب في الفقه والكلام منها، كتاب " المتمسك بحبل آل الرسول "، كتاب مشهور في الطائفة، وقيل: ما ورد الحاج من خراسان إلا طلب واشترى منه نسخا، وسمعت شيخنا أبا عبد الله (المفيد) رحمه الله يكثر الثناء على هذا الرجل رحمه الله (1) وهذا شيخ الطائفة الطوسي يعرفه ويعرف كتابه المذكور في فهرسه، ويقول وهو من جملة المتكلمين، إمامي المذهب، ومن كتبه كتاب " المتمسك بحبل آل الرسول " في الفقه وغيره، وهو كتاب كبير حسن (2) ويقول العلامة: ونحن نقلنا أقواله في كتبنا الفقهية، وهو من جملة المتكلمين وفضلاء الامامية. ويصف كتابه " المتمسك بحبل آل الرسول " بأنه كتاب مشهور عندنا (3)، وقد نقل آراءه العلامة في " مختلف الشيعة " في جميع أبواب الفقه، وهذا يكشف عن أن الكتاب المذكور كتب على أساس لاستنباط، ورد الفروع إلى الأصول،

(1) فهرس النجاشي ص 35 واختلف أرباب المعاجم في كنيته واسم أبيه لاحظ تعليقات فوائد الرجال للعلامة بحر العلوم ج 2 ص 212 (2) الفهرس للشيخ ص 79، ضبط الشيخ اسم أبيه عيسى "، والنجاشي " على "، والثاني أقرب إلى الصواب (3) الخلاصة ص 40

[ 25 ]

والخروج عن دائرة ألفاظ الحديث، عملا بقول الصادق: علينا القاء الأصول اليكم، وعليكم التفريح (1) ولعله لأجل هذا قال العلامة بحر العلوم في " فوائد الرجالية ": هو أول من هذب الفقه واستعمل النظر، وفتق البحث في الأصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى وبعده الشيخ الفاضل " ابن الجنيد " (2) وقال صاحب " روضات الجنات " أيضا: إن هذا الشيخ هو الذي ينسب إليه إبداع أساس النظر في الأدلة، وطريق الجمع بين مدارك الأحكام بالاجتهاد الصحيح، ولذا يعبر عنه وعن الشيخ أبي علي بن الجنيد في كلمات فقهاء أصحابنا. بالقديمين، وقد بالغ في الثناء عليه أيضا صاحب " السرائر "، وغيره وتعرضوا لبيان خلافاته الكثيرة في مصنفاتهم (3) والتاريخ وإن لم يضبط عام وفاته، غير أنه من معاصري الشيخ الكليني المتوفى عام 328 ه‍، ومن مشايخ جعفر بن محمد بن قولويه، المتوفى عام 369 ه‍، وقد ترجم له السيد الامين رحمه الله في أعيان الشيعة ترجمة مبسوطة (4) والثاني هو محمد بن أحمد بن جنيد، أبو علي الكاتب الاسكافي الذي قال النجاشي عنه: وجه في أصحابنا ثقة جليل القدر، صنف فأكثر، ثم ذكر فهرس كتبه ومنها: كتاب " تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة "، وكتاب، " الأحمدي للفقه المحمدي " (5)

(1) السرائر قسم المستطرفات ص 477 في ما أورده من جامع البزنطي، صاحب الرضا.
(2) الفوائد الرجالية ج 2 ص 229 (3) روضات الجنات ج 2 ص 259 (4) أعيان الشيعة ج 22 ص 192 - 202 (5) رجال النجاشي ص 273

[ 26 ]

ويصف الشيخ الطوسي كتاب " تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة ": بأنه كتاب كبير على عشرين مجلدا، يشتمل على عدة من كتب الفقه على طريق الفقهاء (1) وقوله: على طريقة الفقهاء إشارة إلى إنه كان كتابا على نمط الكتب الفقهية الاستدلالية، نظير الكتب الفقهية للعامة. ولأجل ذلك يقول صاحب " روضات الجنات ": إن هذا الشيخ تبع الحسن بن أبي عقيل العماني فأبدع أساس الإجتهاد في أحكام الشريعة. ويقول: ونقل عن " إيضاح العلامة " أنه قال: وجدت بخط السيد السعيد محمد بن معد، ما صورته، وقع إلى من هذا الكتاب - أي كتاب " تهذيب الشيعة " - مجلد واحد، وقد ذهب من أوله أوراق، وهو كتاب النكاح، فتصفحته ولمحت مضمونه فلم أر لأحد من هذه الطائفة كتابا أجود منه، ولا أبلغ ولا أحسن عبارة، ولا أدق معنى، وقد استوفى منه الفروع والأصول، وذكر الخلاف في المسائل واستدل بطريق الامامية وطريق مخالفيهم، وهذا الكتاب إذا أمعن النظر فيه وحصلت معانيه علم قدره ومرتبته، وحصل منه شئ كثير ولا يحصل من غيره ثم يقول العلامة: قد وقع إلى من مصنفات هذا الشيخ المعظم الشأن كتاب الاحمدي في الفقه المحمدي وهو مختصر هذا الكتاب، جيد يدل على فضل هذا الرجل وكماله، وبلوغه الغاية القصوى في الفقه وجودة نظره، وأنا ذكرت خلافه وأقواله في كتاب " مختلف الشيعة في أحكام الشريعة (2) وبذلك يعلم أن استعمال القياس في فقهه كان لأجل الاستدلال على طريق

(1) فهرس الشيخ ص 160 (2) روضات الجنات ج 6 ص 145 - 147، نقلا عن إيضاح العلامة، وقد نقله بعض الاجلة عن خلاصة العلامة، وهو ليس بصحيح. ولاحظ أيضا إيضاح الاشتباه للعلامة ص 88 - 89 ط ايران

[ 27 ]

المخالفين، ولعله إلى ذلك ينظر الشيخ حيث يقول في " عدته ": لما كان العمل بالقياس محظورا في الشريعة عندهم لم يعملوا به أصلا، وإذا شذ واحد منهم عمل به في بعض المسائل، على وجه المحاجة لخصمه، وإن لم يكن اعتقاده، رووا قوله وأنكروا عليه (1) الثالث: الشيخ الفقيه المحقق النقاد نابغة العراق، ونادرة الافاق، الشيخ المفيد محمد بن النعمان، المولود عام 338 ه‍ والمتوفى عام 413. يقول تلميذه، أبو العباس النجاشي في فهرسه في حقه: شيخنا وأستاذنا رضي الله عنه فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية والوثاقة والعلم (2) ويقول عنه تلميذه الآخر الشيخ الطوسي في فهرسه: محمد بن محمد بن النعمان المفيد يكنى أبا عبد الله المعروف بابن المعلم، من جملة متكلمي الامامية، انتهت إليه رئاسة الامامية في وقته، وكان مقدما في العلم وصناعة الكلام، وكان فقيها متقدما فيه، حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب، وله قريب من مائتي مصنف كبار وصغار (3). وكفى في فضل الرجل وتقدمه في الفقه والكلام إنه تخرج عليه وتربى في مدرسته العلمان الكبيران: السيد المرتضى، والشيخ الطوسي قدس الله أسرارهما: (إن آثارنا تدل علينا) وقد ذكر النجاشي من أسامي مؤلفاته نحوا من مأة واربع وستين كتابا

(1) عدة الأصول ج 1 ص 339 الطبعة الحديثة. لاحظ أيضا في ذلك ما حققه السيد بحر العلوم في فوائده ج 3 ص 213 - 225 فقد أغرق نزعا في التحقيق فلم يبق في القوس منزعا (2) فهرس النجاشي طبعة الهند ص 283 (3) فهرس الشيخ الطوسي ص 166

[ 28 ]

وقد طبع منه في الفقه: المقنعة، (والمسائل الصاغانية " والاعلام " فيما اتفقت عليه الامامية وهو كالذيل لكتاب أوائل المقالات) غير أن رسائله في الفقه كثيرة معروفة، يظهر لمن راجع الفهارس الرابع: علي بن الحسين الملقب ب‍: " علم الهدى " والمعروف ب‍: " السيد المرتضى " المولود عام 355 هجري، والمتوفى عام 436 هجري. قال عنه تلميذه الشيخ الطوسي: متوحد في علوم كثيرة، مجمع على فضله مقدم في العلوم مثل علم الكلام والفقه وأصول الفقه، ثم ذكر تصانيفه. وقال عنه تلميذه الآخر أبو العباس النجاشي: حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه وسمع من الحديث فأكثر. وذكر تأليفه (1) ومن تأليفه في الفقه: الانتصار في انفرادات الامامية، صنفه للامير الوزير عميد الدين في بيان الفروع التي شنع على الشيعة لأنهم خالفوا فيها الاجماع فأثبت أن لهم فيها موافقا من فقهاء سائر المذاهب، وإن لهم عليها حجة قاطعة، من الكتاب والسنة، وقد طبع الكتاب كرارا ". وكتابه هذا في الفقه، وكتابه الآخر أعني " الذريعة في أصول الفقه " يعربان عن أن السيد من الشخصيات البارزة التي يضن بها الدهر إلا في فترات قليلة الخامس شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، المولود عام 385 ه‍، المتوفي 460 ه‍، فقيه الشيعة وزعيمهم في القرن الخامس بعد السيد المرتضى الشهير بعلم الهدى، فقد قام بتأليف كتاب على هذا النمط وأسماه كتاب " المبسوط "، وألفه بعد كتابه المسمى " بالنهاية " الذي كتبه على النمط الأول من التأليف،. قال في مقدمة " المبسوط ": كنت عملت على قديم الوقت كتاب " النهاية "،

(1) فهرس الشيخ ص 125 (2) فهرس النجاشي ص 192

[ 29 ]

وذكرت جمع ما رواه أصحابنا في مصنفاتهم وأصولها من المسائل، وفرقوه في كتبهم، ورتبته ترتيب الفقه، وجمعت فيه النظائر... ولم أتعرض للتفريع على المسائل ولا لتعقيد الأبواب، وترتيب المسائل وتعليقها والجمع بين نظائرها، بل أوردت جميع ذلك أو أكثره بالالفاظ المنقولة، حتى لا يستوحشوا من ذلك وعملت بآخره مختصر جمل العقود، وفي العبارات سلكت فيه طريق الايجاز والاختصار، وعقود الأبواب في ما يتعلق بالعبادات ووعدت فيه أن أعمل كتابا في الفروع خاصة، يضاف إلى كتاب " النهاية "، ويجتمع مع ما يكون كاملا كافيا في جميع ما يحتاج إليه ثم رأيت أن ذلك يكون مبتورا يصعب فهمه على الناظر فيه، لأن الفرع إنما يفهمه إذا ضبط الأصل معه، فعدلت إلى عمل كتاب يشتمل على عدد جميع كتب الفقه التي فصلوها الفقهاء، وهي نحو من ثلاثين كتابا، أذكر كل كتاب منه على غاية ما يمكن تلخيصه من الالفاظ، واقتصرت على مجرد الفقه دون الأدعية والآداب، وأعقد فيه الأبواب وأقسم فيه المسائل، وأجمع بين النظائر وأستوفيه غاية الاستيفاء، وأذكر أكثر الفروع التي ذكرها المخالفون (1) وقد لخصنا عبارة الشيخ في مقدمته، وقد أوضح فيها طريقته الحديثة، التي اجتمعت فيه مزية التفريع والتكثير، والاجابة على الحاجات الجديدة، وبيان أحكام الحوادث مع عدم الخروج عن حدود الكتاب والسنة، بل الرجوع إليهما في جميع الأبواب. وقد نال هذا الكتاب القيم رواجا خاصا، وهو أحد الكتب النفيسة للشيعة الامامية في الفقه، وقد طبع في ثمانية أجزاء. كما إن للشيخ الطوسي كتابا آخر وهو كتاب " الخلاف "، سلك فيه مسلك الفقه المقارن

(1) المبسوط ج 1 ص 2 - 3

[ 30 ]

والحق أن شيخ الطائفة قد أوتي موهبة عظيمة وفائقة، فخدم الفقه الإسلامي بألوان الخدمة، فتارة كتب كتاب " النهاية " على طريقة " الفقه المنصوص " أو المسائل المتلقاة " كما كتب " المبسوط " على نهج الفقه التفريعي، وأثبت أن الشيعة مع نفيهم للقياس والاستحسان، قادرون على تفريع الفروع، وتكثير المسائل، وتبيين أحكامها من الكتاب والسنة مع التحفظ على أصولهم بالاجتهاد ثم ألف كتاب " الخلاف " على نمط الفقه المقارن، فأورد فيه آراء الفقهاء في عصره والعصور الماضية، وهو من أحسن الكتب وأنفسها، كما أنه ابتدع نوعا رابعا في التأليف، فأخرج أصول المسائل الفقهية بأبرع العبارات وأقصرها وأدرجها في فصول وعقود خاصة، أسماها " الجمل والعقود "، وقد أشار إليها في مقدمته إذ قال وانا مجيب إلى ما سال الشيخ الفاضل أدام الله بقاه من إملاء مختصر، يشتمل على ذكر كتب العبادات، وذكر عقود وأبواب وحصر جملها، وبيان أفعالها، وأقسامها إلى الأفعال والتروك وما يتنوع من الوجوب والندب، وأضبطها بالعدد، ليسهل على من يريد حفظها، ولا يصعب تناولها ويفزع إليه الحافظ عند تذكره، والطالب عند تدبره. فهذه الالوان الأربعة في كتب الشيخ يسد كل منها ناحية من النواحى الفقهية * * * السادس: الشيخ سعد الدين أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير (1) بن عبد العزيز بن براج الطرابلسي، تلميذ السيد المرتضى، وزميل الشيخ الطوسي أو تلميذه المعروف بالقاضي تارة وبابن البراج أخرى، فقيه عصره وقاضي زمانه، وخليفة الشيخ في الشامات. وهو أحد الفقهاء الابطال في القرن الخامس بعد شيخيه: المرتضى والطوسي،

(1) نقل السيد بحر العلوم في فوائده ج 3 ص 61 إن في نسختين من نسخ إجازة العلامة لأبناء زهرة " بحر " مكان نحرير وجعله أصح لكون " بحر " أكثر في الأسماء من " نحرير "

[ 31 ]

صاحب كتاب " المهذب " في الفقه وغيره من الآثار الفقهية فهو - قدس سره - اقتفى خطوات شيخ الطائفة من حيث التبويب والتفريع، ويعد الكتاب من الموسوعات الفقهية البديعة في عصره. وهذا الكتاب هو الذي يزفه الطبع إلى القراء الكرام في العالم الإسلامي، وسوف تقف على مكانة الكتاب وكيفية التصحيح والتحقيق في آخر هذه المقدمة ولأجل ذلك يجب علينا البحث عن المؤلف والكتاب حسبما وقفنا عليه في غضون الكتب ومعاجم التراجم، وما أوحت الينا مؤلفاته، وآثاره الواصلة الينا. وقبل كل شئ نذكر أقوال أئمة الرجال والتراجم في حقه، فنقول: 1 - يقول الشيخ منتجب الدين في الفهرس عنه: القاضي سعد الدين أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج، وجه الأصحاب، وفقيههم، وكان قاضيا بطرابلس، وله مصنفات منها: " المهذب " و " المعتمد " و " الروضة " و " المقرب " و " عماد المحتاج في مناسك الحاج " أخبرنا بها الوالد، عن والده، عنه (1) 2 - ويقول ابن شهر آشوب في " معالم العلماء " (2): أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز، المعروف بابن البراج، من غلمان (3) المرتضى رضي الله عنه، له كتب في الأصول والفروع، فمن الفروع: الجواهر، المعالم، المنهاج، الكامل، روضة النفس في أحكام العبادات الخمس، المقرب، المهذب، التعريف، شرح جمل العلم والعمل للمرتضى رحمه الله (4)

(1) بحار الانوار ج 102 ص 441، وقد طبع فهرس منتجب الدين في هذا الجزء من أجزاء البحار.
(2) معالم العلماء ص 80 (3) المراد من الغلمان في مصطلح الرجاليين هو الخصيص بالشيخ، حيث أنه تلمذ عليه وصار من بطانة علومه (4) معالم العلماء ص 80.

[ 32 ]

3 - وقال العلامة الحلي في اجازته لأولاد زهرة المدرجة في كتاب الاجازات للمجلسي الملحق بآخر أجزاء البحار قال: ومن ذلك جميع كتب الشيخ عبد العزيز بن نحرير البراج (1).
4 - وقال الشهيد في بعض مجاميعه في بيان تلامذة السيد المرتضى -: ومنهم أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن البراج، وكان قاضى طرابلس، ولاه القاضي جلال الملك رحمه الله وكان أستاذ أبي الفتح الصيداوي، وابن رزح [ كذا ]، من أصحابنا.
5 - وقال ابن فهد في اصطلاحات المهذب: وبالقاضي عبد العزيز بن البراج تولى قضاء طرابلس عشرين سنة. وقال في رموز الكتاب: " وبكتابي القاضي: إلى المهذب والكامل (2) 6 - وقال الشيخ على الكركي في اجازته للشيخ برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن علي - في حق ابن البراج: الشيخ السعيد، خليفة الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي بالبلاد الشامية، عز الدين عبد العزيز بن نحرير بن البراج قدس سره (3).
7 - وذكره الشهيد الثاني في اجازته قال: ".. وعن السيد المرتضى علم الهدى، وعن الشيخ سلار والقاضي عبد العزيز بن البراج، والشيخ أبي الصلاح بجميع ما صنفوه ورووه " وقال في حاشية هذا الموضع: وجدت بخط شيخنا الشهيد إن ابن البراج تولى قضاء طرابلس عشرين سنة أو ثلاثين (4)

(1) البحار ج 102 ص 265 (2) الفوائد الرجالية ج 3 ص 63 (3) رياض العلماء ج 3 ص 144، وما نقلناه من الشهيد آنفا نقلناه من ذاك المصدر.
(4) ولاحظ الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم ج 3 ص 62

[ 33 ]

8 - وقال بعض تلامذة الشيخ على الكركي، في رسالته المعمولة في ذكر أسامي مشائخ الأصحاب: ومنهم الشيخ عبد العزيز بن البراج الطرابلسي، صنف كتبا نفيسة منها: المهذب، والكامل، والموجز، والإشراق، والجواهر، وهو تلميذ الشيخ محمد بن الحسن الطوسي. 9 - وقال الأفندي التبريزي في الرياض: وقد وجدت منقولا عن خط الشيخ البهائي، عن خط الشهيد أنه تولى ابن البراج قضاء طرابلس عشرين سنة أو ثلاثين سنة، وكان للشيخ أبي جعفر الطوسي أيام قرائته على السيد المرتضى كل شهر اثنا عشر دينارا ولابن البراج كل شهر ثمانية دنانير، وكان السيد المرتضى يجرى على تلامذته جميعا.
10 - ونقل عن بعض الفضلاء أن ابن البراج قرأ على السيد المرتضى في شهور سنة تسع وعشرين وأربع مائة إلى أن مات المرتضى، وأكمل قراءته على الشيخ الطوسي، وعاد إلى طرابلس في سنة ثمان وثلاثين وأربع مائة، وأقام بها إلى أن مات ليلة الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وقد نيف على الثمانين (1).
11 - ونقل صاحب الروضات عن " أربعين الشهيد "، نقلا عن خط صفى الدين المعد الموسوي: إن سيدنا المرتضى - رضي الله عنه - كان يجرى على تلامذته رزقا فكان للشيخ أبي جعفر الطوسي رحمه الله أيام قراءته عليه كل شهر اثنا عشر دينارا وللقاضي كل شهر ثمانية دنانير، وكان وقف قرية على كاغذ الفقهاء (2).
12 - وقال عنه التفريشي في رجاله: فقيه الشيعة الملقب بالقاضي وكان قاضيا

(1) رياض العلماء ج 3 ص 141 - 142 (2) روضات الجنات ج 4 ص 230 واقرأ ذيله في رجال السيد بحر العلوم ج 3 ص 105 فإنه يفيدك.

[ 34 ]

بطرابلس (1).
13 - وقال المولى نظام الدين القريشي في نظام الأقوال: عبد العزيز بن البراج، أبو القاسم، شيخ من أصحابنا، قرأ على السيد المرتضى في شهور سنة تسع وعشرين وأربع مائة وكمل قراءته على الشيخ الطوسي، وعبر عنه بعض - كالشهيد في الدروس وغيره - بالقاضي، لأنه ولي قضاء طرابلس عشرين سنة أو ثلاثين، مات ليلة الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة إحدى وثمانين وأربع مائة (2) 14 - وقال الشيخ الحر العاملي في أمل الامل... وجه الأصحاب وفقيههم، وكان قاضيا بطرابلس، وله مصنفات، ثم ذكر نفس ما ذكره منتجب الدين في فهرسه، وابن شهر آشوب في معالمه، والتفريشي في رجاله (3).
15 - وقال المجلسي في أول البحار: وكتاب المهذب وكتاب الكامل وكتاب جواهر الفقه للشيخ، الحسن المنهاج، عبد العزيز بن البراج، وكتب الشيخ الجليل ابن البراج كمؤلفها في غاية الاعتبار (4).
16 - وفي مجمع البحرين. مادة " برج ": وابن البراج: أبو القاسم عبد العزيز من فقهاء الامامية وكان قاضيا " بطرابلس 17 - وقال التستري في مقابيس الأنوار: الفاضل الكامل، المحقق المدقق، الحائز للمفاخر والمكارم ومحاسن المراسم: الشيخ سعد الدين وعز المؤمنين، أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج الطرابلسي الشامي نور الله مرقده السامي، وهو من غلمان المرتضى، وكان خصيصا بالشيخ وتلمذ عليه وصار خليفته في البلاد الشامية، وروي عنه وعن الحلبي، وربما استظهر تلمذته على الكراجكي وروايته

(1) نقد الرجال ص 189 (2) رياض العلماء ج 3 ص 145، نقلا عن نظام الأقوال (3) أمل الامل ج 2 ص 152 - 153 (4) بحار الأنوار ج 1 ص 20 و 38

[ 35 ]

عنه أيضا (1) وصنف الشيخ له - بعد سؤاله - جملة من كتبه معبرا عنه في أوائلها بالشيخ الفاضل، وهو المقصود به والمعهود، كما صرح به الراوندي في " حل المعقود "، وكتب الشيخ أجوبة مسائل له أيضا، وكان من مشائخ ابن أبي كامل، والشيخ حسكا، والشيخ عبد الجبار، والشيخ محمد بن علي بن محسن الحلبي، وروى عنه ابناه الأستاذان: أبو القاسم وأبو جعفر اللذان يروى عنهما القطب الراوندي وابن شهر آشوب السروي وغيرهم، وله كتب منها، المهذب، والجواهر، وشرح جمل المرتضى والكامل، وروضة النفس، والمعالم، والمقرب، والمعتمد، والمنهاج وعماد المحتاج في مناسك الحاج، والموجز، وغيرها، ولم اقف إلا على الثلاثة الأول، ويعبر عنه كثيرا بابن البراج (2) 18 - وقال المتتبع النوري.. الفقيه العالم الجليل، القاضي في طرابلس الشام في مدة عشرين سنة، تلميذ علم الهدى وشيخ الطائفة، وكان يجرى السيد عليه في كل شهر دينار (الصحيح ثمانية دنانير)، وهو المراد بالقاضي على الاطلاق في لسان الفقهاء، وهو صاحب المهذب والكامل والجواهر وشرح الجمل للسيد والموجز وغيرها.. توفى - رحمه الله - ليلة الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة 481 ه‍ وكان مولده ومنشأه بمصر (3).
19 - وقال السيد الامين العاملي: وجه الأصحاب، وكان قاضيا بطرابلس، وله مصنفات،... كتاب في الكلام، وكان في زمن بني عمار (4)

(1) سيوافيك من صاحب رياض العلماء خلافه وأن الذي تتلمذ عليه هو تلميذ القاضي لا نفسه، وأن الاشتباه حصل من الوحدة في الاسم واللقب (2) مقابيس الأنوار ص 7 - 9 (3) المستدرك ج 3 ص 481 (4) أعيان الشيعة ج 7 ص 18

[ 36 ]

20 - وقال الحجة السيد حسن الصدر عنه: القاضي ابن البراج، هو الشيخ أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج، وجه الأصحاب وفقيههم إمام في الفقه، واسع العلم، كثير التصنيف، كان من خواص تلامذة السيد المرتضى حضر عالى مجلس السيد في شهور سنة 429 إلى أن توفى السيد ثم لازم شيخ الطائفة أبا جعفر الطوسي حتى صار خليفة الشيخ وواحد أهل الفقه، فولاه جلال الملك قضاء طرابلس سنة 438، وأقام بها إلى أن مات ليلة الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وقد نيف على الثمانين، وكان مولده بمصر وبها منشأه (1) إلى غير ذلك من الكلمات المشابهة والمترادفة الواردة في كتب التراجم والرجال التي تعرف مكانة الرجل ومرتبته في الفقه وكونه أحد أعيان الطائفة في عصره، وقاضيا من قضاتهم في طرابلس. غير أن من المؤسف أن أرباب التراجم الذين تناولوا ترجمة الرجل عمدوا إلى نقل الكلمات حوله آخذين بعضهم من بعضهم من دون تحليل لشخصيته، ومن دون أن يشيروا إلى ناحية من نواحى حياته العلمية والاجتماعية ولأجل ذلك نحاول في هذه المقدمة القصيرة تسليط شئ من الضوء على حياته، وتحليلها حسبما يسمح لنا الوقت أضواء على حياة المؤلف: ميلاده: لم نقف على مصدر يعين تاريخ ميلاد المترجم له على وجه دقيق، غير أن كلمة الرجاليين والمترجمين له اتفقت على أنه عام 481 ه‍ وقد نيف على الثمانين، فعلى هذا فإن أغلب الظن أنه - رحمه الله - ولد عام 400 ه‍ أو قبل هذا التاريخ بقليل.

(1) تأسيس الشيعة لفنون الاسلام ص 304

[ 37 ]

هو شامي لا مصري: وأما موطنه فقد نقل صاحب " رياض العلماء " عن بعض الفضلاء أنه كان مولده بمصر، وبها منشأه (1). وأخذ منه صاحب " المقابيس " والسيد الصدر كما عرفت، ولكنه بعيد جدا. والظاهر أنه شامي لا مصري، ولو كان من الديار المصرية لزم عادة أن ينتحل المذهب الإسماعيلي، وينسلك في سلك الإسماعيليين، لأن المذهب الرائج في مصر - يومذاك - كان هو المذهب الإسماعيلي، وكان الحكام هناك من الفاطميين يروجون لذلك المذهب، فلو كان المترجم له مصري المولد والمنشأ فهو بطبع الحال إذا لم يكن سنيا، يكون إسماعيليا، وبما أنه يعد من أبطال فقهاء الشيعة الامامية لزم أن يشتهر انتقاله من مذهب إلى مذهب، ولذاع وبان، مع إنه لم يذكر في حقه شئ من هذا القبيل. هذا هو القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمي المغربي، الفقيه الفاطمي الاسماعيلي، مؤلف كتاب " دعائم الاسلام " المتوفى في القاهرة في جمادى الآخرة عام 363 ه‍ قد عاش بين الفاطميين وألف على مذهبهم، ومات عليه، وصلى عليه المعز لدين الله وترجمه السيد بحر العلوم في الجزء الرابع ص 145 من فوائده وعلق عليه المعلق تعليقات مفيدة فشكر الله مساعي المؤلف والمعلق فلاحظ. فالظاهر أن ابن البراج شامي، وقد انتقل بعد تكميل دراسته في بغداد إلى مولده - البلاد الشامية - للقيام بواجباته، وحفظ الشيعة من الرجوع إلى محاكم الآخرين

(1) رياض العلماء ج 3 ص 143

[ 38 ]

الرزق بحسب الدرجة العلمية: قد وقفت في غضون كلمات الرجاليين والمترجمين إن السيد المرتضى كان يجرى الرزق على الشيخ الطوسي اثنى عشر دينارا وعلى المؤلف ثمانية دنانير، وهذا يفيد أن المؤلف كان التلميذ الثاني من حيث المرتبة والبراعة بعد الشيخ الطوسي في مجلس درس السيد المرتضى، كيف وقد اشتغل الشيخ بالدراسة والتعلم قبله بخمسة عشر عاما، لأنه تولد عام 400 ه‍ أو قبله بقليل وولد الشيخ الطوسي عام 385 ه‍. وحتى لو فرض أنهما كانا متساويين في العمر ومدة الدراسة ولكن براعة الشيخ وتوقده ونبوغه مما لا يكاد ينكر، وعلى كل تقدير فالظاهر أن هذا السلوك من السيد بالنسبة لتلميذيه كان بحسب الدرجة العلمية. هو الزميل الأصغر للشيخ: لقد حضر المؤلف درس السيد المرتضى - رحمه الله - عام 429 ه‍ وهو ابن ثلاثين سنة أو ما يقاربه فقد استفاد من بحر علمه وحوزة درسه قرابة ثمان سنين، حيث أن المرتضى لبى دعوة ربه لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة 436 (1) فعندما لبى الاستاذ دعوة ربه، حضر درس الشيخ إلى أن نصب قاضيا في طرابلس عام 438، وعلى ذلك فقد استفاد من شيخه الثاني قرابة ثلاث سنوات، ومع ذلك كله فالحق أن القاضي ابن البراج زميل الشيخ في الحقيقة، وشريكه في التلمذة على السيد المرتضى، وأنه بعد ما لبى السيد المرتضى دعوة ربه وانتهت رئاسة الشيعة - في بغداد - إلى الشيخ الطوسي، حضر درس الشيخ الطوسي توحيدا للكلمة، وتشرفا وافتخارا، أولا، واستفادة ثانيا كما قبل من جانبه الخلافة والنيابة في البلاد الشامية وتدل على أن ابن البراج كان زميلا صغيرا للشيخ لا تلميذا له أمور:

(1) فهرس النجاشي ص 193

[ 39 ]

1 - عند ما توفى أستاذه السيد المرتضى رحمه الله، كان القاضي ابن البراج قد بلغ مبلغا كبيرا من العمر، يبلغ الطالب - في مثله - مرتبة الإجتهاد، وهو قرابة الأربعين، فيبعد أن يكون حضوره في درس الشيخ الطوسي من باب التلمذة المحض بل هو لأجل ما ذكرناه قبل قليل. 2 - إن السيد المرتضى عمل كتابا باسم " جمل العلم والعمل " في الكلام والفقه على وجه موجز، ملقيا فيها الأصول والقواعد في فن الكلام والفقه. وقد تولى شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي شرح القسم الكلامي منه وهو ما يعز عنه ب‍ " تمهيد الأصول " وقد طبع الكتاب بهذا الاسم وانتشر بينما تولى القاضي ابن البراج - المترجم له - شرح القسم الفقهي ومن هذا يظهر زمالة هذين العلمين، بعضهما لبعض في المجالات العلمية، فكل واحد يشرح قسما خاصا من كتاب أستاذهما 3 - إن شيخنا المؤلف ينقل في كتابه " شرح جمل العلم والعمل " عند البحث عن جواز إخراج القيمة من الاجناس الزكوية ما هذا عبارته: " وقد ذكر في ذلك ما أشار إليه صاحب الكتاب رضي الله عنه من الرواية الواردة، من الدرهم أو الثلثين، والأحوط إخراجها بقيمة الوقت، وهذا الذي استقر تحريرنا له مع شيخنا أبي جعفر الطوسي ورأيت من علمائنا من يميل إلى ذلك " (1). وهذه العبارة تفيد زمالتهما في البحث والتحرير 4 - نرى أن المؤلف عندما يطرح في كتابه " المهذب " آراء الشيخ يعقبه بنقد بناء ومناقشة جريئة، وهذا يعطي كونه زميلا للشيخ لا تلميذا آخذا، ونأتي لذلك بنموذجين:

(1) شرح جمل العلم والعمل ص 268، وقد حقق نصوصه الاستاذ مدير شانه چى دام ظله

[ 40 ]

أولا - فهو يكتب في كتاب الايمان من " المهذب إذا ما حلف الرجل على عدم أكل الحنطة فهل يحلف إذا أكلها دقيقا أو لا، ما هذا عبارته: كان الشيخ أبو جعفر الطوسي - رحمه الله - قد قال لي يوما في الدرس: إن أكلها على جهتها حنث، وإن أكلها دقيقا أو سويقا لم يحنث. فقلت له: ولم ذلك؟ وعين الدقيق هي عين الحنطة، وإنما تغيرت بالتقطيع الذي هو الطحن. فقال: قد تغيرت عما كانت عليه. وإن كانت العين واحدة، وهو حلف أن لا يأكل ما هو مسمى بحنطة لا ما يسمى دقيقا. فقلت له: هذا لم يجز في اليمين، فلو حلف: لا أكلت هذه الحنطة ما دامت تسمى حنطة، كان الأمر على ما ذكرت، فانما حلف أن لا يأكل هذه الحنطة أو من هذه الحنطة. فقال: على كل حال قد حلف أن لا يأكلها وهي على صفة، وقد تغيرت عن تلك الصفة، فلم يحنث. فقال: الجواب ها هنا مثل ما ذكرته أولا، وذلك: إن كنت تريد أنه حلف أن لا يأكلها وهي على صفة. أنه أراد على تلك الصفة، فقد تقدم ما فيه، فإن كنت لم ترد ذلك فلا حجة فيه. ثم يلزم على ما ذكرته أنه لو حلف أن لا يأكل هذا الخيار وهذا التفاح، ثم قشره وقطعه وأكله لم يحنث ولا شبهة في أنه يحنث. فقال: من قال في الحنطة ما تقدم، يقول في الخيار والتفاح مثله. فقلت له: إذا قال في هذا مثل ما قاله في الحنطة علم فساد قوله بما ذكرته من أن العين واحدة، اللهم إلا إن شرط في يمينه أن لا يأكل هذا الخيار أو هذا التفاح وهو على ما هو عليه، فإن الأمر يكون على ما ذكرت، وقد قلنا إن اليمين لم يتناول ذلك.

[ 1 ]

ثم قلت: إن الإحتياط يتناول ما ذكرته، فأمسك (1). ثانيا - ما جاء في كتاب الطهارة، عندما إذا اختلط المضاف بالماء المطلق وكانا متساويين في المقدار، فذهب القاضي إلى أنه لا يجوز استعماله في رفع الحدث، ولا إزالة النجاسة، ويجوز في غير ذلك، ثم قال: وقد كان الشيخ أبو جعفر الطوسي - رحمه الله - قال لي يوما في الدرس: هذا الماء يجوز استعماله في الطهارة وازالة النجاسة. فقلت له ولم أجزت ذلك مع تساويهما؟ فقال: إنما أجزت ذلك لأن الأصل الإباحة. فقلت له: الأصل وإن كان هو الإباحة، فأنت تعلم أن المكلف مأخوذ بأن لا يرفع الحدث ولا يزيل النجاسة عن بدنه أو ثوبه إلا بالماء المطلق، فتقول أنت بأن هذا الماء مطلق؟! فقال: أفتقول أنت بأنه غير مطلق؟ فقلت له: أنت تعلم أن الواجب أن تجيبني عما سألتك عنه قبل أن تسألني ب‍ " لا " أو " نعم " ثم تسألني عما أردت، ثم انني أقول بأنه غير مطلق. فقال: ألست تقول فيها إذا اختلطا وكان الأغلب والأكثر المطلق فهما مع التساوي كذلك؟ فقلت له: إنما أقول بأنه مطلق إذا كان المطلق هو الأكثر والأغلب، لأن ما ليس بمطلق لم يؤثر في اطلاق اسم الماء عليه، ومع التساوي قد أثر في اطلاق هذا الاسم عليه، فلا أقول فيه بأنه مطلق، ولهذا لم تقل أنت بأنه مطلق، وقلت فيه بذلك إذا كان المطلق هو الأكثر والأغلب، ثم إن دليل الإحتياط تناول ما ذكرته، فعاد إلى الدرس ولم يذكر فيه شيئا (2). وهذا النمط من البحث والنقاش والأخذ والرد في أثناء الدروس يرشد إلى

(1) المهذب كتاب الكفارات ج 2 ص 419 و 420.
(2) المهذب، كتاب الطهارة ج 1 ص 24 - 25

[ 2 ]

مكانة القاضي في درس الشيخ الطوسي وإن منزلته لم تكن منزلة التلميذ بل كان رجلا مجتهدا ذا رأي ونظر ربما قدر على إقناع أستاذه وإلزامه برأيه.
5 - إن الناظر في ثنايا كتاب " المهذب " يرى بأن المؤلف - المترجم له - يعبر عن استاذ السيد المرتضى بلفظة " شيخنا " بينما يعبر عن " الشيخ الطوسي " بلفظة الشيخ أبو جعفر الطوسي " لا ب‍ " شيخنا " والفارق بين التعبيرين واضح وبين. وهذا وإن لم يكن قاعدة مطردة في هذا الكتاب إلا إنها قاعدة غالبية. نعم عبر في " شرح جمل العلم والعمل " عنه ب‍ " شيخنا " كما نقلناه 6 - ينقل هو رأي الشيخ الطوسي - رحمه الله - في مواضع كثيرة بلفظ " ذكر " أي قيل، وقد وجدنا موارده في مبسوط الشيخ - رحمه الله - ونهايته. ولا شك أن هذا التعبير يناسب تعبير الزميل عن الزميل لا حكاية التلميذ عن أستاذه وعلى كل تقدير فرحم الله الشيخ والقاضي بما أسديا إلى الأمة من الخدمات العلمية، ووفقنا للقيام بواجبنا تجاه هذين العلمين، والطودين الشامخين، سواء أكانا زميلين أو استاذا وتلميذا. استمرار الاجتهاد والمناقشة في آراء الشيخ: لقد نقل صاحب المعالم عن والده - الشهيد الثاني - رحمه الله بإن أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا له لكثرة اعتقادهم فيه وحسن ظنهم به فلما جاء المتأخرون وجدوا أحكاما مشهورة قد عمل بها الشيخ ومتابعوه فحسبوها شهرة بين العلماء، وما دروا أن مرجعها إلى الشيخ وأن الشهرة إنما حصلت بمتابعته. قال الوالد - قدس الله نفسه -: وممن اطلع على هذا الذي تبينته وتحققته من غير تقليد: الشيخ الفاضل المحقق سديد الدين محمود الحمصي، والسيد رضي الدين ابن طاوس، وجماعة. وقال السيد - رحمه الله - في كتابه المسمى: ب‍ " البهجة لثمرة المهجة ": أخبرني

[ 3 ]

جدى الصالح - قدس الله روحه - ورام بن أبي فراس - قدس الله روحه - أن الحمصي حدثه أنه لم يبق مفت للامامية على التحقيق بل كلهم حاك. وقال السيد عقيب ذلك: والان فقد ظهر لي أن الذي يفتى به ويجاب على سبيل ما حفظ من كلام المتقدمين (1) ولكن هذا الكلام على اطلاقه غير تام، لما نرى من أن ابن البراج قد عاش بعد الشيخ أزيد من عشرين سنة، وألف بعض كتبه كالمهذب بعد وفاة الشيخ وناقش آراءه بوضوح، فعند ذلك لا يستقيم هذا القول على اطلاقه: " لم يبق مفت للامامية على التحقيق بل كلهم حاك ". وخلاصة القول أن في الكلام المذكور نوع مبالغة، لوجود مثل هذا البطل العظيم وهذا الفقيه البارع. مدى صلته بالشيخ الطوسي: قد عرفت مكانة الشيخ ومنزلته العلمية، فقد كان الشيخ الطوسي ينظر إليه بنظر الإكبار والإجلال، ولأجل ذلك نرى أن الشيخ ألف بعض كتبه لأجل التماسه وسؤاله فها هو الشيخ الطوسي يصرح في كتابه " المفصح في إمامة أمير المؤمنين " بأنه ألف هذا الكتاب لأجل سؤال الشيخ (ابن البراج) منه فيقول: سألت أيها الشيخ الفاضل اطال الله بقاءك وأدام تأييدك إملاء كلام في صحة إمامة أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب صلوات الله عليه (2) كما أنه ألف كتابه " الجمل والعقود " بسؤاله أيضا حيث قال: أما بعد فأنا مجيب إلى ما سأل الشيخ الفاضل - أدام الله بقاءه -، من إملاء مختصر يشتمل على ذكر كتب العبادات (3) ونرى أنه ألف كتابه الثالث " الايجاز في الفرائض والمواريث " بسؤال الشيخ

(1) معالم الدين - الطبعة الجديدة - المطلب الخامس في الاجماع ص 408 (2) الرسائل العشر ص 117.
(3) الرسائل العشر ص 155

[ 4 ]

أيضا فيقول: سألت أيدك الله إملاء مختصر في الفرائض والمواريث (1). ولم يكتف الشيخ بذلك، فألف رجاله بالتماس هذا الشيخ أيضا إذ يقول: أما بعد فأني قد أجبت إلى ما تكرر سؤال الشيخ الفاضل فيه، من جمع كتاب يشتمل على أسماء الرجال الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وآله، وعن الأئمة من بعده إلى زمن القائم عليهم السلام، ثم أذكر من تأخر زمانه عن الأئمة من رواة الحديث (2) ويقول المحقق الطهراني في مقدمته على " التبيان عند البحث عن " الجمل والعقود ": قد رأيت منه عدة نسخ في النجف الاشرف، وفي طهران، ألفه بطلب من خليفته في البلاد الشامية، وهو القاضي ابن البراج، وقد صرح في هامش بعض الكتب القديمة بأن القاضي المذكور هو المراد بالشيخ، كما ذكرناه في الذريعة ج 5 ص 145 (3) ويقول المحقق الشيخ محمد واعظ زاده في تقديمه على كتاب " الرسائل العشر ": وفي هامش النسخة من كتاب " الجمل والعقود " التي كانت بأيدينا، قد قيد أن الشيخ هو ابن البراج وعلى ذلك يحتمل أن يكون المراد من الشيخ الفاضل في هذه الكتب الثلاثة هو الشيخ القاضي ابن البراج، كما يحتمل أن يكون هو المراد في ما ذكره في أول كتاب الفهرس حيث قال: ولما تكرر من الشيخ الفاضل - أدام الله تأييده - الرغبة في ما يجرى هذا المجرى وتوالى منه الحث على ذلك، ورأيته حريصا عليه، عمدت إلى كتاب يشتمل على ذكر المصنفات والأصول ولم أفرد أحدهما عن الآخر..، وألتمس بذلك القربة إلى الله تعالى، وجزيل ثوابه، ووجوب حق الشيخ الفاضل - أدام الله تأييده -، وأرجو أن يقع ذلك موافقا لما طلبه إن شاء الله تعالى (4). ونرى نظير ذلك في كتابه الخامس أعني " الغيبة " حيث يقول:

(1) الرسائل العشر ص 269 * (2) رجال الشيخ ص 2 (3) التبيان ج 1 مقدمة المحقق الطهراني ص (ث) * (4) فهرس الشيخ ص 24

[ 5 ]

فاني مجيب إلى ما رسمه الشيخ الجليل اطال الله بقاه، من إملاء كلام في غيبة صاحب الزمان (1). وربما يحتمل أن يكون المراد من الشيخ في الكتاب الخامس، هو الشيخ المفيد، ولكنه غير تام لوجهين. أولا: إنه - قدس سره - قد عين تاريخ تأليف الكتاب عند البحث عن طول عمره حيث قال: فإن قيل: ادعاؤكم طول عمر صاحبكم أمر خارق للعادات، مع بقائه - على قولكم - كامل العقل تام القوة والشباب، لأنه على قولكم في هذا الوقت الذي هو سنة سبع وأربعين وأربع مائة.. ومن المعلوم أن الشيخ المفيد قد توفى قبل هذه السنة ب‍ 34 عاما. أضف إلى ذلك أنه يصرح في أول كتاب الغيبة بأنه (رسمه مع ضيق الوقت وشعث الفكر، وعوائق الزمان، وطوارق الحدثان)، وهو يناسب أخريات إقامة الشيخ في بغداد، حيث حاقت به كثير من الحوادث المؤسفة المؤلمة، حتى ألجأت الشيخ إلى مغادرة بغداد مهاجرا إلى النجف الاشرف، حيث دخل طغرل بك السلجوقي بغداد عام 447، واتفق خروج الشيخ منها بعد ذلك عام 448، فقد أحرق ذلك الحاكم الجائر مكتبة الشيخ والكرسي الذي يجلس عليه في الدرس، وكان ذلك في شهر صفر عام 448 (2) أضف إلى ذلك أن شيخ الطائفة ألف كتابا خاصا باسم " مسائل ابن البراج " نقله شيخنا الطهراني في مقدمة " التبيان " عن فهرس الشيخ (3) أساتذته: لا شك أن ابن البراج - رحمه الله - أخذ أكثر علومه عن أستاذه السيد المرتضى

(1) الغيبة ص 78 (2) لاحظ المنتظم لابن الجوزي ج 8 ص 173، الكامل لابن الأثير ج 8 ص 81 (3) التبيان ص أ - ب. ونص به أيضا العلامة الطباطبائي في فوائده الرجالية لاحظ ج 3 ص 233

[ 6 ]

- رحمه الله - وتخرج على يديه، قال السيد بحر العلوم الفوائد ج 3 ص 139 " وقد تلمذ على السيد المرتضى وأخذ عنه العلم والفقه، الجم الغفير من فضلاء أصحابنا وأعيان فقهائنا منهم.. والقاضي السعيد عبد العزيز بن البراج " وحضر بحث شيخ الطائفة على النحو الذي سمعت، غير أننا لم نقف على أنه عمن أخذ أوليات دراساته في الأدب وغيره وربما يقال أنه تتملذ على المفيد، كما في " رياض العلماء " (1) وهو بعيد جدا، لأن المفيد توفي عام 413 ه‍، والقاضي بعد لم يبلغ الحلم لأنه من مواليد 400 أو بعام قبله، ومثله لا يقدر على الاستفادة عادة من بحث عالم نحرير كالمفيد - رحمه الله - وقد ذكر التستري صاحب المقابيس أنه تلمذ على الشيخ أبي الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي. أحد تلاميذ المفيد ثم السيد، ومؤلف كتاب " كنز الفوائد " وغيره من المؤلفات البالغة ثلاثين تأليفا (2) وقال في الرياض ناقلا عن المجلسي في فهرس ب حاره: إن عبد العزيز بن البراج الطرابلسي من تلاميذ أبي الفتح الكراجكي، ثم استدرك على المجلسي بإن تلميذه هو القاضي عبد العزيز بن أبي كامل الطرابلسي، لا عبد العزيز بن نحرير (3) غير أن التستري لم يذكر على ما قاله مصدرا، نعم بحسب طبع الحال فقد أخذ عن مثله. وربما يقال بتلمذه على أبي يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري، صهر الشيخ المفيد وخليفته، والجالس محله الذي وصفه النجاشي في رجاله بقوله: بأنه متكلم فقيه قيم بالامرين جميعا (4)

(1) رياض العلماء ج 3 ص 413. * (2) ريحانة الأدب ج 5 ص 40 (3) رياض العلماء ج 3 ص 142 (4) النجاشي ص 288، وهذا الشيخ هو الذي اشترك مع النجاشي في تغسيل السيد المرتضى، يقول الشيخ النجاشي عند ترجمة المرتضى: وتوليت غسله ومعى الشريف أبو يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري وسالار بن عبد العزيز، وبذلك يظهر أنه كان حيا عام وفاة المرتضى، وهو 436 ه‍ فلا يصح القول بأنه قد توفي عام 433، بل هو توفي إما في 443، أو 463 والأخير هو الحق الحقيق بالتصديق لاحظ مقال العلامة الحجة *

[ 7 ]

ولم نقف على مصدر لهذا القول، سوى ما ذكره الفاضل المعاصر الشيخ كاظم مدير شانه چى في مقدمة كتاب لشرح (جمل العلم والعمل) للقاضي ابن البراج وربما عد من مشايخه أبو الصلاح تقى الدين بن نجم الدين المولود عام 347 والمتوفى عام 447، عن عمر يناهز المائة، وهو خليفة الشيخ في الديار الحلبية، كما كان القاضي خليفته في ناحية طرابلس كما يحتمل تلمذه على حمزة بن عبد العزيز الملقب بسلار المتوفى عام 463، المدفون بقرية خسروشاه من ضواحي تبريز، صاحب المراسم ولم نجد لذلك مصدرا وإنما هو وما قبله ظنون واحتمالات، وتقريبات من الشيخ الفاضل المعاصر " مدير شانه چى " وعلى ذلك فقد تلمذ المترجم له على الشيخ أبي عبد الله جعفر بن محمد الدويريستي الذي هو " ثقة عين، عدل، قرأ على شيخنا المفيد، والمرتضى علم الهدى (1) وقد ذكر الفاضل المعاصر من مشايخه عبد الرحمان الرازي، والشيخ المقرئ ابن خشاب، ونقله عن فهرس منتجب الدين، غير أنا لم نقف على ذلك في فهرس منتجب الدين وإنما الوارد فيه غير ذلك (2) فقد قال الشيخ منتجب الدين: الشيخ المفيد أبو محمد عبد الرحمان بن أحمد الحسين النيسابوري الخزاعى، شيخ الأصحاب بالري، حافظ، ثقة، واعظ، سافر في البلاد شرقا وغربا، وسمع الأحاديث عن المؤالف والمخالف، وقد قرأ على السيدين: علم الهدى المرتضى، وأخيه الرضى، والشيخ أبي جعفر الطوسي، والمشائخ:

السيد موسى الزنجاني دام ظله في مجلة " نور علم " العدد 11 و 12 وليعلم أن الشيخ أبا يعلى غير محمد بن علي بن حمزة الطوسي المشهدي، وهو الذي يقول فيه الشيخ منتجب الدين: فقيه، عالم، واعظ له تصانيف منها: الوسيلة، الواسطة، الرائع في الشرائع، المعجزات، مسائل في الفقه، (البحار ج 102 ص 271) (1) فهرس منتجب الدين ص 215 - 216.
(2) وقد رفعنا رسالة في هذا الموضوع إلى الفاضل المعاصر " مدير شانه چى " فتفضل بالجواب مصرحا بأن الحق إنهما من تلاميذه لا من مشائخه.

[ 8 ]

سالار، وابن البراج، والكراجكي - رحمهم الله جميعا - وقال أيضا: الشيخ المفيد عبد الجبار بن عبد الله بن علي المقرئ الرازي فقيه الأصحاب بالري، قرأ عليه في زمانه قاطبة المتعلمين من السادة والعلماء، وقد قرأ على الشيخ أبي جعفر الطوسي جميع تصانيفه وقرأ على الشيخين سالار وابن البراج (1) عام تأليف الكتاب: قد ذكر القاضي في كتاب الاجارة تاريخ اشتغاله بكتابة باب الاجارة وهو عام 467 (2). فالكتاب حصيلة ممارسة فقهية، ومزاولة طويلة شغلت عمر المؤلف مدة لا يستهان بها، وعلى ذلك فهو ألف الكتاب بعد تخليه عن القضاء لأنه اشتغل بالقضاء عام 438 ومارسها بين عشرين وثلاثين عاما، فعلى الأول كتبها بعد التخلي عنه، وعلى الثاني اشتغل بالكتابة في أخريات ممارسته للقضاء وعلى ذلك فالكتاب يتمتع بأهمية كبرى، لأنه - رحمه الله - وقف في أيام توليه للقضاء على موضوعات ومسائل مطروحة على صعيد القضاء، فتناولها بالبحث في الكتاب وأوضح أحكامها، فكم فرق بين كتاب فقهي يؤلف في زوايا المدرسة من غير ممارسة عملية للقضاء، وكتاب يؤلف بعد الممارسة لها أو خلالها. ولأجل ذلك يعتبر الكتاب الحاضر " المهذب " من محاسن عصره. تلاميذه: كان شيخنا المترجم له يجاهد على صعيد القضاء بينما هو يؤلف في موضوعات فقهية وكلامية، وفي نفس الوقت كان مفيدا ومدرسا، فقد تخرج على يديه عدة من الاعلام نشير إلى بعضهم:

(1) بحار الأنوار ج 102 - فهرس الشيخ منتجب الدين - 242.
(2) راجع الجزء الثاني، كتاب الإجارة ص 476 قال: إذا استأجر دار ا فقال المؤجر وهو مثلا في رجب: أجرتك هذه الدار في شهر رمضان، أو كان في مثل هذه السنة وهي سنة سبع وستين وأربع مائه، فقال: أجرتك هذه الدار سنة ثمان وستين وأربع مائة، إلى آخره

[ 9 ]

1 - الحسن بن عبد العزيز بن المحسن الجبهاني (الجهياني) المعدل بالقاهرة فقيه، ثقة، قرأ على الشيخ أبي جعفر الطوسي، والشيخ ابن البراج - رحمهم الله جميعا (1) 2 - الداعي بن زيد بن علي بن الحسين بن الحسن الأفطسي الحسيني الاوي الذي عمر عمرا طويلا كما ذكره صاحب المعالم في اجازته الكبيرة، وهو يروي عن المرتضى، والطوسي، وسلار، وابن البراج، والتقى الحلبي جميع كتبهم وتصانيفهم وجميع ما رووه وأجيز لهم روايته (2) 3 - الشيخ الإمام شمس الاسلام الحسن بن الحسين بن بابويه القمي، نزيل الري المدعو حسكا، جد الشيخ منتجب الدين الذي يقول نجله في حقه: فقيه، ثقة، قرأ على شيخنا الموفق أبي جعفر - قدس الله روحه - جميع تصانيفه بالغري - على ساكنه السلام - وقرأ على الشيخين: سلار بن عبد العزيز، وابن البراج جميع تصانيفهما (3) 4 - الشيخ المفيد أبو محمد عبد الرحمان بن أحمد بن الحسين النيسابوري الخزاعي 5 - الشيخ المفيد عبد الجبار بن عبد الله بن علي المقرى الرازي، وقد توفي بطرابلس، ودفن في حجرة القاضي، كما حكى عن خط جد صاحب المدارك، عن خط الشهيد وكان حيا إلى عام 503 (4) وقد عرفت نص الشيخ منتجب الدين في حق الرجلين 6 - الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن المحسن الحلبي، فقيه، صالح، أدرك الشيخ أبا جعفر الطوسي - رحمه الله - (5) وقال في " الرياض ": إنه يظهر من إجازة الشيخ على الكركي للشيخ على الميسي وغيرها من المواضع، إنه يروى عن القاضي عبد العزيز بن البراج -

(1) فهرس منتجب الدين المطبوع في الجزء 102 من البحار ص 219 (2) المستدرك ج 3 ص 444، طبقات إعلام الشيعة في القرن الخامس ص 75 (3) فهرس منتجب الدين المطبوع في بحار الأنوار ج 102 ص 219.
(4) طبقات أعلام الشيعة في القرن الخامس ص 103 و 107.
(5) فهرس منتجب الدين المطبوع في بحار الأنوار ج 102 ص 265

[ 10 ]

قدس الله روحه - الشيخ أبو جعفر محمد بن محسن الحلي (1) وينقل عنه. وقال في تلك الاجازة في مدح ابن البراج هكذا: الشيخ السعيد الفقيه، الحبر العلامة، عز الدين، عبد العزيز بن البراج - قدس الله سره - (2) 7 - عبد العزيز بن أبي كامل القاضي عز الدين الطرابلسي، سمى شيخنا المترجم له، يروى عن المترجم له، والشيخ الطوسي، وسلار، ويروى عنه عبد الله بن عمر الطرابلسي كما في " حجة الذاهب " (3) 8 - الشيخ كميح والد أبي جعفر، يروى عن ابن البراج (4). 9 و 10 - الشيخان الفاضلان الأستاذان إبنا المؤلف: أبو القاسم (5) وأبو جعفر اللذان يروى عنهما الراوندي والسروي وغيرهم (6) 11 و 12 - أبو الفتح الصيداوي وابن رزح، من أصحابنا (7) هؤلاء من مشاهير تلاميذ القاضي وقفنا عليهم في غضون المعاجم وليست تنحصر فيمن عددناهم. وقال السيد بحر العلوم: وله كتاب الموجز في الفقه قرأ عليه الفقيه شمس الاسلام الحسن بن الحسين بن بابويه (8) والشيخ الفقيه الحسين بن عبد العزيز (9) وشيخ الأصحاب عبد الرحمان بن أحمد الخزاعى (10) وفقيه الأصحاب عبد الجبار بن

(1) ووصفه الشيخ منتجب الدين: بالحلبي كما نقلناه آنفا.
(2) رياض العلماء ج 3 ص 144 * (3) طبقات أعلام الشيعة في القرن الخامس ص 106 (4) طبقات أعلام الشيعة في القرن السادس ص 4 (5) وبما أن كنية القاضي هو أبو القاسم، فلازم ذلك أن يكون اسم ابنه القاسم إلا أبا القاسم، ومن جانب آخر فإن التسمية بنفس القاسم وحده بلا ضم كلمة الأب إليه قليل في البيئات العربية، فيحتمل وحدة الكنية في الوالد والولد.
(6) المقابيس ص 90. * (7) رياض العلماء ج 3 ص 143 و 145.
(8) وهو جد الشيخ منتجب الدين المدعو ب‍ " حسكا " تجد ترجمته في فهرس منتجب الدين (9) ترجمه الشيخ منتجب الدين في فهرسه ص 4 وقال: " الموفق الشيخ أبو محمد الحسين بن عبد العزيز بن الحسن الجهاني المعدل بالقاهرة فقيه ثقة قرأ على الشيخ أبي جعفر الطوسي والشيخ ابن البراج " (10) ترجمه الشيخ منتجب الدين في فهرسه ص 7 ونص على تلمذه على ابن البراج

[ 11 ]

عبد الله الرازي (1) وعبيد الله (2) بن الحسن بن بابويه (3) وفي خاتمة المطاف ننبه على أمور: 1 - إنه كثيرا ما يشتبه الاستاذ بالتلميذ لأجل المشاركة في الاسم واللقب، فتعد بعض تصانيف الاستاذ من تآليف التلميذ. قال في " رياض العلماء ": وعندي أن بعض أحوال القاضي سعد الدين عبد العزيز ابن البراج هذا، قد اشتبه بأحوال القاضي عز الدين عبد العزيز بن أبي كامل الطرابلسي (4). ويظهر من الشهيد الأول في كتابه " الأربعين " في سند الحديث الثاني والثلاثين، وسند الحديث الثالث والثلاثين مغايرة الرجلين. قال الشهيد الأول في سند الحديث الثاني والثلاثين:.. حدثنا الشيخ الإمام قطب الدين أبو الحسين القطب الراوندي، عن الشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن المحسن الحلي (5) قال: حدثنا الشيخ الفقيه الإمام سعد الدين أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن البراج الطرابلسي، قال: حدثنا السيد الشريف المرتضى علم الهدى أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي، إلى آخره، وفي سند الحديث الثالث والثلاثين... حدثنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن عمر الطرابلسي، عن القاضي عبد العزيز بن أبي كامل الطرابلسي، عن الشيخ الفقيه المحقق أبي الصلاح تقى بن نجم الدين الحلبي، عن السيد الإمام المرتضى علم الهدى.. إلى آخره (6) ولاحظ الذريعة ج 32 ص 492 فلا شك - كما ذكرنا - فإن القاضي عبد العزيز

(1) لاحظ المصدر نفسه. * (2) لاحظ المصدر أيضا ص 15.
(3) الفوائد الرجالية ج 3 ص 23.
(4) رياض العلماء ج 3 ص 143 و 145.
(5) وقد عرفت أن الصحيح هو " الحلبي ".
(6) الاربعون للشهيد، في شرح الحديث الثاني والثلاثين والثالث والثلاثين ص 23 - 24 فيظهر من السندين مغائرة الرجلين وتعاصرهما.

[ 12 ]

ابن أبي كامل تلميذ القاضي بن نحرير. 2 - يظهر من غضون المعاجم أن بعض ما ألفه القاضي في مجالات الفقه كان مركزا للدراسة، ومحورا للتدريس، حيث أن الشيخ سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي - الشهير بالقطب الراوندي - كتب بخطه إجازة لولده على كتاب " الجواهر في الفقه " لابن البراج عبد العزيز وهذه صورتها: قرأ على ولدي نصير الدين أبو عبد الله الحسين - أبقاه الله ومتعنى به -، قراءة إتقان، وأجزت له أن يرويه عن الشيخ أبي جعفر محمد بن المحسن الحلبي عن المصنف (1) ولم تكن الدراسة لتقتصر على كتاب " الجواهر " بل كان كتابه الآخر وهو (الكامل) كتابا دراسيا أيضا. ولذلك نرى أن الشيخ أبا محمد عبد الواحد الحبشي، من تلاميذ القاضي عبد العزيز بن أبي كامل الطرابلسي، قرأ الكامل عليه، والكامل من مؤلفات شيخنا المترجم له (2) 3 - نقل صاحب الرياض أنه تولى القضاء في طرابلس، لدفع الضرر عن نفسه بل عن غيره أيضا، والتمكن من التصنيف، وقد عمل أكثر الخلق ببركته بطريق الشيعة، وقد نصبه على القضاء جلال الملك عام 438 ه‍ (3).
4 - وقال صاحب الروضات: إن من المستفاد من كتاب (الدرة المنظومة) لسيدنا العلامة الطباطبائي إنه يعبر عن القاضي بالحافي، ولم نجد له مصدرا قبله. قال في منظومته: وسن رفع اليد بالتكبير * والمكث حتى الرفع للسرير

(1) قد مضى أنه من تلاميذ القاضي.
(2) طبقات أعلام الشيعة في القرن السادس ص 168.
(3) رياض العلماء ج 3 ص 152 وتأسيس الشيعة ص 304

[ 13 ]

والخلع للحذاء دون الاحتفاء * وسن في قضائه الحافي الحفاء (1) 5 - إن طرابلس بلد على ساحل البحر الأبيض المتوسط وهي جزء من لبنان الفعلى، يقع في شماله، وهي غير طرابلس عاصمة ليبيا، والثانية أيضا تقع على البحر الأبيض. تآليفه خلف المترجم له ثروة علمية غنية في الفقه والكلام، تنبئ عن سعة باعه في هذا المجال، وتضلعه في هذا الفن. وإليك ما وقفنا عليه من أسمائها في المعاجم: 1 - الجواهر: قال في رياض العلماء: رأيت نسخة منه في بلدة ساري، من بلاد مازندران، وهو كتاب لطيف، وقد رأيت نسخة أخرى منه بأصفهان عند الفاضل الهندي، وقد أورد - قدس سره فيه المسائل المستحسنة المستغربة والأجوبة الموجزة المنتخبة (2) 2 - شرح جمل العلم والعمل.
3 - المهذب - وهو الكتاب الذي بين يديك.
4 - روضة النفس.
5 - المقرب في الفقه (الذريعة 22 ص 108).
6 - المعالم في الفروع (الذريعة ج 21 ص 197).
(7) - المنهاج في الفروع ((الذريعة ج 23 ص 155) 8 - الكامل في الفقه، وينقل عنه المجلسي في بحاره (الذريعة ج 17 ص 257) 9 - المعتمد في الفقه (الذريعة ج 21 ص 214).
10 - الموجز في الفقه، وربما ينسب إلى تلميذه ابن أبي كامل الطرابلسي (لاحظ الذريعة ج 23 ص 251)

(1) روضات الجنات ج 4 ص 205 - لكن من المحتمل أن يكون " الحافي " مصحف " القاضي " لقرابتهما في الكتابة فلاحظ.
(2) رياض العلماء ج 3 ص 142

[ 14 ]

11 - عماد المحتاج في مناسك الحاج (لاحظ الذريعة ج 15 ص 331). ويظهر من الشيخ ابن شهر آشوب في " معالم العلماء " أن كتبه تدور بين الأصول والفروع كما أن له كتابا في علم الكلام. ولكنه مع الاسف قد ضاعت تلك الثروة العلمية، وذهبت أدراج الرياح ولم يبق إلا الكتب الثلاثة: الجواهر، المهذب: شرح جمل العلم والعمل. ويظهر من ابن شهر آشوب أنه كان معروفا في القرن السادس بابن البراج، وهذا يفيد بأن البراج كان شخصية من الشخصيات، حتى أنه نسب القاضي إلى هذا البيت. هذه هي كتبه وقد طبع منها " الجواهر " ضمن " الجوامع الفقهية " على وجه غير نقى عن الغلط، فينبغي لرواد العلم اخراجه وتحقيق متنه على نحو يلائم العصر. كما أنه طبع من مؤلفاته " شرح جمل العلم والعمل " بتحقيق الاستاذ كاظم مدير شانه چى وها هو " المهذب " نقدمه إلى القراء الكرام، بتحقيق وتصحيح وتعليق ثلة من الفضلاء ستوافيك أسماؤهم. وقد كان سيدنا الاستاذ آية الله العظمى البروجردي - قدس الله سره - يحث الطلاب على المراجعة إلى المتون الفقهية المؤلفة بيد الفقهاء القدامى وكان يعتبر الشهرة الفتوائية على وجه لا يقل عن الاجماع المحصل. وكان من نواياه - قدس سره - طبع بعض الكتب الفقهية الأصلية منها: 1 - الكافي، للفقيه أبي الصلاح الحلبي.
2 - الجامع للشرائع، ليحيى بن سعيد الحلي.
3 - كشف الرموز، للفقيه عز الدين الحسن بن أبي طالب اليوسفي الأبي، تلميذ المحقق وشارح كتاب " النافع " شرحا حسنا متوسطا وقد أسماه - كما عرفت - ب‍ " كشف الرموز ".
4 - المهذب، للقاضي ابن البراج.

[ 15 ]

وقد طبع الأول - بفضل الله - بتحقيق الشيخ الفاضل رضا استادي وطبع " الجامع " للحلي وقامت بنشره مؤسسة سيد الشهداء بتحقيق ثلة من الافاضل مع تقديمنا له. وأما الثالث فسوف نقوم بتحقيقه وتصحيحه وطبعه بعد جمع مخطوطاته الأصلية من المكتبات إن شاء الله... وها هو (المهذب) وقد حققت نصوصه بعد تحمل المشاق في جمع مخطوطاته الأصلية وقد قام بهذا الجهد العلمي - الذي لا يعرف مداه سوى من له إلمام بتحقيق الكتب - لفيف من الفضلاء بين مستنسخ ومقابل ومحقق نصوصه ومستخرج أحاديثه إلى غير ذلك من الأمور التي يقف عليها القارئ عند المراجعة وإليك أسماء محققي هذا الجزء: 1 - السيد أحمد القدوسي الطهراني، 2 - السيد محمد الكماري، 3 - الشيخ محمد على المظاهري فشكر الله مساعيهم الجميلة. وقام بالتعليق عليه وحل بعض معضلاته الأفاضل العظام: 1 - الشيخ على جاويدان.
2 - السيد محمد الكاهاني الخراساني.
3 - السيد على أصغر الموسوي. فشكر الله جهودهم المباركة ولا يقوم بهذه المهمة العلمية الشاقة إلا من له ولع بالعلم، واهتمام بإحياء الآثار العلمية القديمة ولا يقف على مدى هذه الجهود إلا من له إلمام بإحياء التراث العلمي. ومؤسسة (سيد الشهداء (ع) العلمية) إذ تعتز بتقديم ثالث منشوراتها إلى القراء الكرام وتأمل إن يقع لديهم موقع القبول والرضا. وصف النسخ التي اعتمدوا عليها وإليك وصف النسخ التي وقف عليها المحققون وعملوا على ضوئها وهي ثمان نسخ: 1 - نسخة فتوغرافية أخذت عن النسخة المحفوظة في مكتبة المرجع الديني الأعلى السيد آقا حسين الطباطبائي البروجردي - رضوان الله تعالى عليه - وهي نسخة

[ 16 ]

جديدة مصححة كاملة، جيدة الخط، وكانت سنة استنساخها 1348 الهجرية القمرية 2 - نسخة جيدة غير مصححة، وهي تشتمل على كتاب الاقرار إلى كتاب المواريث، وهي في خزانة كتب السيد العلامة الحجة الآية السيد آقا حسين الخادمي الأصفهاني - قدس الله سره - وليس فيها ذكر من سنة الاستنساخ.
3 - نسخة غير كاملة ولا مصححة، جيدة الخط، من خزانة كتب الحجة الآية الحاج السيد مصطفى الصفائي الخونساري دام ظله، وهي تشتمل على كتاب الطهارة إلى كتاب الزكاة، وليس فيها ذكر من سنة الاستنساخ.
4 - نسخة غير كاملة ولا مصححة، من خزانة كتب السيد المرجع الديني النجفي المرعشي دام ظله، وهي تشتمل على كتاب الطهارة إلى كتاب الزكاة، ليس فيها ذكر من سنة الاستنساخ.
5 - نسخة عتيقة غير مصححة ولا كاملة، من خزانة كتب (جامعة طهران) ليس فيها ذكر من سنة الاستنساخ، وهي تشتمل على كتاب الطهارة إلى آخر أبواب الصلاة.
6 - نسخة كاملة جديدة جيدة الخط، غير مصححة، من مكتبة الخطيب المصقع الشيخ على أصغر مرواريد الخراساني، وكانت سنة استنساخها 1241 الهجرية القمرية.
7 - نسخة مكتبة (دار القرآن الكريم) في قم المشرفة لمؤسسها آية الله العظمى الكلبايكاني، نسخت عام 1256، وهي من أول كتاب الإجارة إلى آخر الكتاب.
8 - نسخة مكتبة الروضة المقدسة الرضوية، وهي نسخة ثمينة عتيقة جدا، من كتاب الإجارة إلى آخر الكتاب، وقد نسخت عام 651 الهجرية، المحفوظة في الخزانة برقم 2598 / 388، وعليها علامة وقف حبيب الله الواعظ. قم ساحة الشهداء - مؤسسة الإمام الصادق (ع) جعفر السبحاني تحريرا في 17 ربيع الأول 1406

[ 17 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله الواحد القديم العزيز العليم، الذي انعم على عباده المكلفين، وميزهم به من سائر المخلوقين، إيثارا منه سبحانه وتعالى لنيلهم منازل الثواب، والظفر بمراتبه في كريم المئاب، وجعله وصلة لهم إلى ذلك أصلا وفرعا وعقلا وشرعا، ونصب عليه الدلائل الواضحات، والحجج البينات، إزاحة لعللهم وغاية في الانعام عليهم، حمد المستبصرين الذاكرين، وله الشكر على نعمه أبدا الابدين، وصلى الله على سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد والأئمة من آله الطاهرين وسلم تسليما. أما بعد: فلو ساعدتني الأقدار وأطاعني الإمكان والاختيار، لكنت مستسعدا بالزيارة (1) والايلام (2)، والقبول والإلهام بالحضرة القضوية التقية الخالصية أدام الله أيامها ما دام الجديدان، وصرف عنها صرف الحدثان، إذ كانت عضدا للمؤمنين، وركنا من أركان الدين ومقرا للرئاسة والعدل ومحلا للنفاسة والفضل، ولما كنت غير قادر على ما قدمته ولا متمكن مما ذكرته، رأيت وضع كتاب ترتبته (3)

(1) في بعض النسخ " بالزيادة " بدل " بالزيارة " (2) أولم الرجل: عمل وصنع وليمة (3) كذا في النسخ والظاهر " رتبته "

[ 18 ]

مما يشتمل على أبواب الفقه: في الحلال والحرام والقضايا والأحكام ليكون مجددا لذكرى عندها، وعوضا عن مثوبي بها، فوضعت هذا الكتاب لذلك وليكون عدة للاخوان، كثرهم الله في الرجوع إليه، للمعرفة بعباداتهم الشرعية وما عساه تلتبس عليهم في ذلك من المسائل الفقهية، ومن الله سبحانه استمد المعونة والتأييد والتوفيق والتسديد وهو حسبى ونعم الوكيل. فصل: إعلم أن الشرعيات على ضربين: أحدهما: أعم في بلوى المكلف بها والآخر ليس كذلك. فاما الأعم: فهو الصلاة وحقوق الأموال والصوم والحج والجهاد. وأما ما ليس كذلك فهو ما عدا هذه والجملة منها. والضرب الأعم أيضا ينقسم إلى ما هو أعم في البلوى من باقيه وإلى ما ليس كذلك وهو ما عداها من هذا الضرب وإذا كانت الشرعيات تنقسم إلى ما ذكرناه، وكان الأولى تقديم ذكر الأعم على ما ليس كذلك وجب إن يقدم ذكر العبادات الخمس على جميع ما سواها من الشرعيات، وهذا بعينه يقتضي تقديم ذكر الصلاة على حقوق الأموال والصوم والحج والجهاد، وإذا وجب على ما ذكرناه تقديم ذكر الصلاة على الجميع، وكان إيقاعها لا يصح إلا بالطهارة وجب تقديمها عليها، ونحن لذلك فاعلون بعون الله وحسن توفيقه. كتاب الطهارة قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين، وإن كنتم جنبا فاطهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء

[ 19 ]

فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا (1). وقال سبحانه: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (2). وقال الله تعالى: يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر (3). وإذا شرعنا في ذكر الطهارة فينبغي أن نبتدء بذكر أشياء، منها: ما الطهارة ومنها ما به يفعل، ومنها أقسامها، ومنها مقدماتها، ومنها كيفياتها، ومنها ما يوجب إعادتها، ومنها ما يتبعها ويلحق بها. فصل: في بيان الطهارة الشرعية: هي استعمال الماء والصعيد على وجه يستباح به الصلاة أو تكون عبادة يختص بغيرها. ما به يفعل الطهارة: الذي يفعل به الطهارة شيئان: أحدهما بالماء، والآخر بالصعيد، ولما كان الصعيد إنما يستعمل في حال الضرورة وعند عدم الماء أو فقد التمكن من استعماله وكانت الطهارة به بدلا من الطهارة بالماء وجب تقديم ذكر المياه عليه ونحن نقدم ذلك بمشيئة الله وعونه. باب المياه وأحكامها: قال الله تبارك وتعالى: وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان (4) وقال سبحانه: وأنزلنا من السماء ماء طهورا.
(5) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وقد سئل عن البحر، فقال: هو الطهور ماؤه، الحل

(1) المائدة: 6 (2) البقرة: 222 (3) المدثر: 1 - 5 (4) الانفال: 11 (5) الفرقان: 48

[ 20 ]

ميتته (1) فكل ماء نزل من السماء، أو نبع من الأرض وكان مخزونا، أو ماء بحر أو على أي وجه كان فهو على أصل الطهارة ما لم تعلم فيه نجاسة. وهو على ضربين: طاهر ليس بمطهر، وطاهر مطهر، فاما الطاهر الذي ليس بمطهر فهو جميع المياه المستخرجة والمعتصرة وكل ماء مضاف منها، مثل ماء الورد والآس والقرنفل (2) والريحان والخلاف (3) والزعفران وكل ما أشبه ذلك وجميع هذه المياه يجوز استعمالها في غير الطهارة فاما في الطهارة فلا يجوز ويلحق به في ذلك كلما خالطه جسم طاهر فسلبه اطلاق اسم الماء. وإما الطاهر المطهر، فهو كل ما استحق اطلاق اسم الماء ولم يكن نجسا، وهذا الماء، هو الذي يجب استعماله في الطهارة، ورفع الاحداث وازالة النجاسات عن الأبدان والثياب، ويجوز في غير ذلك من شرب وما سواه، فكل هذه المياه كما ذكرناه على أصل الطهارة، والحكم بذلك فيها مستمر حتى تعلم ملاقاة شئ من النجاسات لها. وهي على ثلاثة اضرب: جار، وراكد ليس من مياه الابار، ومياه الابار. فاما الجاري فمحكوم بطهارته حتى يتغير أحد أوصافه التي: هي الريح واللون والطعم من نجاسة، فإذا صار كذلك حكم بنجاسته ولم يجز استعماله على وجه من الوجوه إلا في الشرب بمقدار ما يمسك الرمق عند الخوف من تلف النفس وأما الراكد الذي ليس من مياه الابار فهو على ضربين: أحدهما أن يكون مقداره كرا أو أكثر منه، والآخر أن يكون أقل من كر. فاما ما كان مقداره كرا أو أكثر منه فليس ينجس بملاقاة شئ من ذلك له إلا

(1) الوسائل، ج 1، الباب 2 من أبواب الماء المطلق، الحديث 4، إلا أن فيه " سئل عن الوضوء بماء البحر " وفي دعائم الاسلام، ج 1 ص 111: روينا... عن رسول الله (صلى الله عليهم أجمعين).. وانه ذكر البحر، فقال: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته (2) (3) القرنفل: ثمر شجرة كالياسمين، والخلاف: شجر الصفصاف

[ 21 ]

أن يتغير بذلك أحد أوصافه التي هي الريح واللون والطعم، فإذا حصل كذلك كان نجسا. وأما ما كان مقداره أقل من كر، فإنه ينجس بملاقاة ذلك له، تغير بذلك أحد أوصافه أو لم يتغير. والكر هو ما كان مقدار ألف رطل ومأتي رطل بالعراقي، أو ثلاثة أشبار ونصف طولا في مثل ذلك عرضا في مثل ذلك عمقا. مياه الآبار وأما مياه الآبار فإنها تنجس بما يلاقيها من ذلك، قليلا كان ماؤها أو كثيرا، تغير بذلك أحد أوصافها أو لم يتغير، فإذا حصلت كذلك لم يجز استعمالها إلا بعد تطهيرها، وتطهيرها أن يكون بالنزح منها، والنزح منها على ثلاثة اضرب: أولها: نزح جميع الماء فإن لم يتمكن من ذلك لكثرته وقوة مادته ونبعه تراوح عليه أربعة رجال يستقون منه من أول النهار إلى آخره ثم يحكم بطهارته. وثانيها: نزح كر. وثالثها: نزح مقدار بالدلاء. فاما ما ينزح جميع الماء على ما قدمناه، فهو وقوع شئ من الخمر فيها وكل شراب مسكر والفقاع، والمنى، ودم الحيض، والاستحاضة، والنفاس وعرق الإبل الجلالة وموت البعير فيها، وكل ما كان جسمه مقدار جسمه (1) أو أكثر. وذكر في ذلك عرق الجنب إذا كان جنبا من حرام وجميع ما كان نجسا ولم يرد في النزح منه مقدار معين. وأما ما ينزح منه كر فهو موت الخيل فيها، والبغال، والحمير، وكلما كان جسمه بمقدار أجسامهم.

(1) أي جسم البعير

[ 22 ]

وأما ما ينزح منه مقادير الدلاء فهو ثمانية اضرب: أولها: سبعون، وثانيها: خمسون، وثالثها: أربعون، ورابعها: عشرة وخامسها: سبع، وسادسها: خمس، وسابعها: ثلاث، وثامنها: دلو واحد وأما السبعون: فينزح من موت الانسان فيها. وأما الخمسون: فينزح من وقوع الدم المخالف لدم الحيض والاستحاضة والنفاس إذا كان كثيرا فيها، والعذرة الرطبة والمتقطعة (1) وأما الأربعون: فينزح إذا مات فيها شئ من الكلاب والخنازير والغنم والأرانب والثعالب والظباء والسنانير وكلما كان جسمه بمقدار أجسامها وبول الانسان الكبير. وأما العشرة: فينزح من الدم المخالف للدماء الثلاثة المتقدم ذكرها إذا كان قليلا، أو العذرة اليابسة. وأما السبع: فينزح من موت الحمام فيها، والدجاج، وكلما كان جسمه بمقدار أجسامها والكلب إذا وقع حيا وخرج حيا على ما وردت به الرواية (2)، والفأرة إذا تفسخت، والجنب إذا ارتمس فيها، وبول كل صبي أكل الطعام. وأما الخمسة: فينزح من ذرق الدجاج الجلالة خاصة. وأما الثلاثة: فينزح من موت الحية فيها، والوزغ، والعقرب، والفأرة التي لم تنفسخ. وأما الدلو الواحد: فينزح من موت العصافير فيها، والقنابر، والزرازير (3) وكلما كان جسمه بمقدار أجسامهم وبول كل صبي لم يأكل الطعام. وماء البئر إذا تغير أحد أوصافه من النجاسة ينزح منه حتى يطيب، كثيرا كان

(1) أي المنتشرة (2) الوسائل ج 1 الباب 17 من أبواب الماء المطلق الحديث 1 (3) الزرزور: طائر من نوع العصفور، جمعه الزرازير

[ 23 ]

النزح أو قليلا، ولا يعتبر فيه ها هنا بمقدار من النهار ولا بمن يستقى منه من الرجال. والماء الذي في الدلو الأخير من دلاء النزح محكوم بنجاسته والباقي بعده من ماء البئر طاهر، والذي يقطر من الدلو نجس إلا إنه ما يتنجس به الباقي في البئر من الماء لأنه معفو عنه. والمعتبر في هذا الدلو، المعتاد، لا بما ذهب إليه قوم إنه من دلاء هجر (1) أو بما يسع أربعين رطلا، لأن الخبر في ذلك لم يرد مقيدا. واعلم إن مياه الحياض والغدران والقلبان (2) وما جرى مجراها إذا تغير أحد أوصافها الثلاثة بنجاسة حكمنا بنجاستها على ما قدمناه، فإذا زال هذا التغير بغير الماء الطاهر المطهر من الاجسام الطاهرة التي تختلط به، أو بتصفيق الرياح له أو ما جرى مجرى ذلك، لم يحكم بطهارته وكان نجسا. وإذا كان مقدار الماء أقل من كر وهو نجس فتمم بطاهر حتى صار كرا، أو كان طاهرا فتمم بنجس ولم يتغير أحد أوصافه التي هي الريح أو اللون أو الطعم، كان طاهرا، فإن تغير بذلك أحد أوصافه كان نجسا، وكذلك الحكم فيه إذا كان هذا المقدار نجسا وتمم بنجس فصار كرا بالجميع، فإنه يحكم بطهارته ما لم يكن أحد أوصافه متغيرا بالنجاسة، لقولهم صلوات الله عليهم: إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا (3) وقد كان الشيخ أبو جعفر الطوسي " ره " يذهب إلى نجاسة هذا الماء، ويقوى القول بما ذكرناه في كثير من الأوقات، وقد أشرنا إلى الوجه القوى لذلك في كتابنا الموسوم ب‍ " جواهر الفقه " فمن أراد الوقوف عليه نظره في ذلك الموضع

(1) وفي المدارك نقل عن بعض المتقدمين إن المراد بالدلو الهجرية التي وزنها ثلاثون رطلا أو أربعون (راجع الجواهر ج 1 ص 260)، وهجر محركة: بلدة باليمن واسم لجميع أرض البحرين وقرية كانت قرب مدينة تنسب إليها القلال، والقلة إناء للعرب (2) القلبان: جمع القليب بمعنى الحفيرة (3) المستدرك ج 1 الباب 9 من أبواب الماء المطلق الحديث 6 إلا أنه عن النبي صلى الله عليه وآله

[ 24 ]

" الماء المضاف " والماء الطاهر المضاف إذا اختلط بالطاهر المطهر وسلبه اطلاق اسم الماء لم يجز استعماله في رفع الاحداث ولا إزالة النجاسات، ويجوز استعماله في غير ذلك والماء النجس لا يجوز استعماله على كل حال إلا في الشرب خاصة عند الخوف من تلف النفس فإنه يجوز والحال هذه أن يشرب ما يمسك الرمق كما قدمناه وإذا أعجن به الدقيق وخبز، لم يجزأ كل شئ منه. وإذا اختلط الطاهر المضاف بالطاهر المطهر ولم يسلبه اطلاق اسم الماء جاز استعماله في الطهارة وغيرها وإذا اختلط هذا الماء المضاف بالمطهر - وكان المطهر هو الأغلب والأكثر - جاز استعماله في رفع الاحداث وازالة النجاسات، وجاز استعماله فيما عدا ذلك. فإن لم يغلب أحدهما على الآخر، ولا زاد عليه، وكانا متساويين، فالاقوى عندي إنه لا يجوز استعماله في رفع الحدث، ولا إزالة النجاسة، ويجوز في غير ذلك وقد كان الشيخ أبو جعفر الطوسي (ره) قال لي يوما في الدرس: هذا الماء يجوز استعماله في الطهارة وازالة النجاسة. فقلت له: ولم أجزت ذلك مع تساويهما فقال: إنما أجزت ذلك لأن الأصل الإباحة. فقلت: له الأصل وإن كان هو الإباحة، فأنت تعلم أن المكلف مأخوذ بأن لا يرفع الحدث ولا يزيل النجاسة عن بدنه أو ثوبه إلا بالماء المطلق، فتقول أنت: بأن هذا الماء مطلق؟ فقال: أفتقول أنت بأنه غير مطلق؟ فقلت له: أنت تعلم أن الواجب أن تجيبني عما سألتك عنه قبل أن تسألني ب‍ " لا " أو " نعم " ثم تسألني عما أردت، ثم انني أقول: بأنه غير مطلق. فقال: ألست تقول فيها إذا اختلطا وكان الأغلب والأكثر المطلق، فهما مع التساوي كذلك؟ فقلت له: إنما أقول بأنه مطلق إذا كان المطلق هو الأكثر والأغلب لأن ما

[ 25 ]

ليس بمطلق لم يؤثر في اطلاق اسم الماء عليه، ومع التساوي قد أثر في اطلاق هذا الاسم عليه فلا أقول فيه بأنه مطلق، ولهذا لم تقل أنت بأنه مطلق، وقلت فيه بذلك إذا كان المطلق هو الأكثر والأغلب، ثم إن دليل الإحتياط تناول ما ذكرته، فعاد إلى الدرس ولم يذكر في ذلك شيئا. " أسئار الحيوان " وأسئار الحيوان هي فضلة ما شربوا منه واستعملوه وماسوه بأجسامهم وهي على ثلاثة اضرب: أولها: يجوز استعماله على كل حال. وثانيها: مكروه. وثالثها: لا يجوز استعماله على حال. فاما الأول: فهو سؤر كل ما أكل لحمه من حيوان البر والبحر لا ما كان جلالا وكل ما ليس بنجس من حيوان البر كان مما لا يؤكل لحمه وأما المكروه: فهو سؤر الجنب والحائض والبهائم والسباع إلا الكلاب والخنازير، وسؤر الطيور إلا ما كان جلالا أو مما يأكل الجيف، أو يكون على منقاره أثر الدم، والسنور، والفأرة، والخيل، والبغال والحمير. وأما الذي لا يجوز استعماله على حال: فهو سؤر كل ما لا يؤكل لحمه من غير الناس والطيور إلا ما ذكرناه فيما تقدم وسؤر كل ما كان نجسا من الناس والكلاب والخنازير. واعلم أن حكم المائعات المخالفة للماء المطلق إذا شرب منها شيئ مما تقدم ذكره أو استعمله أو ماسه بجسمه كالحكم السالف ذكره في الأقسام الثلاثة. وكلما ذكرناه إنه لا يجوز استعمال سؤره إذا ماس جسمه مائعا ثم جمد كالماء الذي

[ 26 ]

يمسه ثم يصير ثلجا، أو جليدا (1) فإنه لا يجوز استعماله على حال وإن غسل. فإن ماسه وهو ثلج أو جليد لم يجز استعماله إلا بعد غسله وكذلك الحكم فيما خالف الماء من المائعات. وليس ينجس الماء مما يقع فيه من الحيوان إلا أن تكون له نفس سائلة، وأما ما يقع فيه مما ليس له نفس سائلة - غير العقرب والوزغ فإنه لا ينجسه، فذلك كالخنافس وبنات وردان (2) والجراد وما أشبه ذلك ويجوز استعماله على كل حال إلا أن يسلبه إطلاق اسم الماء، فإن سلبه ذلك لم يجز استعماله في الطهارة وجاز استعماله في ما عدا ذلك، والبول والروث مما يؤكل لحمه إذا وقع في الماء لم ينجسه قليلا كان أو كثيرا ويجوز استعماله على كل حال إلا أن يسلبه إطلاق اسم الماء عليه، فإذا سلبه ذلك لم يجز استعماله في الطهارات وجاز استعماله فيما عداها، وما يكره أكل لحمه فمكروه استعمال ما وقع فيه بوله أو روثه من الماء، والكراهة في ذلك تزيد وتنقص بحسب زيادتها ونقصها في أكل لحم ذلك. مثال ما ذكرناه: إن كراهة أكل لحم الحمار أغلظ من كراهة أكل لحم البغال وكراهة أكل لحم البغال أغلظ من كراهة أكل لحم الفرس، والكراهة فيما ذكرناه في أكل هذه اللحوم. " ماء المطر " وماء المطر إذا كان نازلا من السماء فحكمه حكم ماء الجاري، يجوز استعماله على كل حال فإن انقطع واستقر منه شيئ في موضع من الأرض ولاقته نجاسة اعتبر فيه بالقلة والكثرة والتغيير وكان الحكم فيه بحسب ذلك. وطين المطر محكوم إلى ثلاثة أيام بالطهارة إلا أن يعلم ملاقاة شيئ من النجاسة له فإنه يحكم بنجاسته

(1) في بعض النسخ " جامدا " بدل " جليدا " (2) بنت وردان، جمعها بنات وردان: دويبة كريهة الريح تألف الأماكن القذرة في البيوت وهي ذات الوان مختلفة

[ 27 ]

" ماء الحمام " وماء الحمام حكمه حكم الماء الجاري إذا كانت له مادة ويجوز استعماله على كل حال. فإن انقطعت مادته من المجرى ولم تلاقه نجاسة فاستعماله جائز على كل حال فإن لاقته نجاسة كان الاعتبار بالقلة والكثرة والتغير ويحكم فيه بحسب ذلك على ما قدمناه. " البئر القريب من البالوعة " والأرض التي فيها البئر إذا كانت سهلة وكانت بالقرب من البئر، بالوعة وكانت البئر تحت البالوعة فيستحب أن يكون بينهما مقدار سبع أذرع. وإن كانت الأرض حزنة (1) وكانت البئر فوق البالوعة فيستحب أن يكون بينهما خمس أذرع. وجميع مياه العيون الحمية مكروه استعمالها والتداوي بها، وكذلك يكره استعمال الماء المسخن بالشمس في الطهارة فاما المسخن بالنار فليس بمكروه " الماء النجس " والماء النجس إذا تطهر به مكلف ثم صلى فلا يخلو من أن يكون تقدم له العلم بنجاسته، أو لم يتقدم له العلم بذلك. فإن كان العلم قد تقدم له بذلك كان عليه إعادة الطهارة والصلاة، إن كان قد صلى بهذه الطهارة سواء كان مع تقدم العلم له بذلك وقد نسيه ثم ذكره أو لم يكن كذلك. فإن لم يكن قد تقدم العلم له بذلك فلا يخلو من أن يكون الوقت باقيا أو غير باق، فإن كان باقيا كان عليه إعادة الطهارة والصلاة وإن لم يكن باقيا لم يكن عليه شيئ وعليه مع هذه الوجوه غسل ما أصابه هذا الماء من جسده أو ثيابه.

(1) والحزن ما غلظ من الأرض (راجع المصباح)

[ 28 ]

" الأواني وفروعها " والأواني إذا كانت من خشب أو فخار (1) أو رصاص أو زجاج أو نحاس أو حديد وكانت طاهرة فإنه يجوز استعمالها في الماء للطهارة وغيرها، وما كان منها ينشف الماء مثل الخشب والفخار الذي لم يقصر وكان آنية لأحد من الكفار فإنه لا يجوز استعماله في الماء غسل أو لم يغسل. وكذلك ما استعمل منها في الخمر والمسكر وقد ورد جواز استعمال ذلك إذا غسل سبع مرات (2) والاحتياط يتناول ما ذكرناه. وأواني الذهب والفضة لا يجوز استعمالها في الماء ولا في غيره للطهارة و لا غيرها، فإن تطهر المكلف منها، أو أكل فيها، أو شرب منها، كانت طهارته صحيحة ولم يحرم المأكول والمشروب عليه. لأن الحظر إنما يتناول استعمالها وذلك لا يتعدى إلى ما هو فيها. والاناء المفضض إذا كان فيه موضع غير مفضض جاز الشرب من ذلك الموضع دون غيره من المفضض. وكل ما استعمله من الكفار - على اختلافهم في الكفر - من الأواني والأوعية في المائعات إذا كانت مخالفة للأواني والأوعية التي تقدم ذكر استعمالهم لها، أو باشروه بأجسامهم فلا يجوز استعمال شيئ منها إلى بعد غسله ثلاث مرات. وإذا شرب الكلب أو الخنزير في شيئ من الاوعية أو الأواني، فلا يجوز استعمال ذلك حتى يهرق ما فيه من الماء، ويغسل ثلاث مرات، الأولى بالتراب.

(1) الفخار بالتشديد: الطين المشوى (2) الوسائل ج 17 الباب 30 من الأشربة المحرمة الحديث 2 إلا أنه ورد في النبيذ قال في الحدائق: والذي وقفت عليه من أخبارها منها موثقة عمار (المشار إليها) وإلى هذه الرواية استند أصحاب القول الأول (أي القول بسبع مرات في إناء الخمر) راجع الحدائق ج 5 ص 494.

[ 29 ]

وليس يعتبر التراب في غسل شئ مما ذكرناه إلا في ولوغ الكلب والخنزير - لأنه يسمى كلبا -. وإذا ولغ في الاناء من الكلاب أكثر من واحد فلا يجب تكرار الغسل له بعدد ما ولغ فيه منها، بل يكفى غسله دفعة واحدة ثلاث مرات كما ذكرناه (1). وكذلك الحكم فيه إذا تكرر ولوغ الكلب الواحد. وإذا غسل الاناء من ولوغ الكلب المرة الأولى والثانية ووقع فيه نجاسة لم يجب استئناف الغسل له من أوله بل يبني على ما تقدم ويتمم العدد لأن النجاسة بعد حاصلة والمراعى في الحكم بطهارته بالمرة الثالثة. وإذا وقع الاناء الذي ولغ فيه الكلب في ماء يكون أقل من كر قبل غسله كان الماء الذي وقع فيه، نجسا ولم يجز استعماله. وإذا أصاب شيئ من الماء الذي يغسل به هذا الاناء جسد الانسان أو ثوبه فالاحوط غسله. وإذا وقع الاناء الذي ولغ فيه الكلب في ماء جار وجرى عليه لم يحكم بطهارته لأنه لم يغسل الغسل المحكوم بطهارته معه. " العلم الإجمالي في الأواني " ومن كان معه إناءآن في أحدهما ماء طاهر وفي الآخر ماء النجس ولم يعلم الطاهر منهما لم يجز استعمال واحد منهما على حال إلا للشرب في حال الضرورة. وإذا كان معه إناءان، في أحدهما ماء طاهر وفي الآخر ماء مستعمل في الطهارة الصغرى، جاز استعمال أي منهما شاء، وإذا كان في أحدهما ماء استعمل في الطهارة الصغرى وفي الآخر ماء استعمل في الطهارة الكبرى استعمل في الطهارة أيهما أراد، وإن كان في الواحد منهما ماء مستعمل في الطهارة الكبرى ولم يعلم

(1) في بعض النسخ زيادة " فكذلك الحكم فيه إذا تكرر الغسل له بعدد ما ولغ فيه منها بل يكفى غسله دفعة واحدة ثلاث مرات كما ذكرناه "

[ 30 ]

المستعمل منهما في الطهارة الكبرى من الآخر فالأحوط أن يستعمل كل واحد منهما وإذا كان معه إناءان، يعلم أن ماء أحدهما طاهر وماء الآخر نجس ثم نسي ذلك ولم يتميز له كل واحد منهما من الآخر، وأخبره عدل بأن النجس واحد عينه لم يلزمه القبول منه ولم يجز له استعمال واحد منهما لأن النجاسة في أحدهما متيقنة. وإذا وجد ماء فاعلمه غيره بأنه نجس لم يلزمه القبول منه وجاز له استعماله لأن الماء على أصل الطهارة ما لم يعلم ملاقاة شيئ من النجاسات له. ومن كان معه إناءان، يعلم طهارتهما فشهد شاهدان بإن واحدا منهما معينا نجس أو كان يعلم نجاستهما فشهد شاهدان بإن واحدا منهما معينا طاهر لم يجب عليه القبول منهما، بل يعمل على الأصل الذي كان متيقنا بحصول الماء عليه. وإذا كان معه إناء فيه ماء تيقن نجاسته وشك في طهارته، أو كان تيقن طهارته فشك في نجاسته، لم يلتفت إلى شكه في شيئ منهما وكان عمله على ما كان متيقنا له من ذلك. وإذا كان معه ثلاثة أواني، اثنان منها يشتبهان عليه في نجاسة أو طهارة والآخر متيقن طهارته، كان عليه أن يستعمل الذي يتيقن طهارته دون المشتبه عليه وإذا كان معه إناء كانت فيه نجاسة وشك في تطهيره لم يجز استعماله حتى يطهره. وإذا حضر عند ماء متغير اللون أو الطعم أو الرائحة وشك في أن هذا التغير من نجاسة أو من أصل الماء، جاز استعماله ولم يلزمه في شكه شئ لأن الماء على أصل الطهارة حتى يعلم حصول نجاسة فيه. أحكام الجلود ولا يجوز استعمال شيئ من جلود الميتة ولا الانتفاع به، دبغ أم لا ولا فرق في ذلك بين أن يكون مما يؤكل لحمه أو مما لا يؤكل لحمه. ولا يجوز التصرف في شيئ من ذلك على حال وكل ما ذكى وكان مما

[ 31 ]

لا يؤكل لحمه وليس هو من الكلاب والخنازير فإنه يجوز الانتفاع بجلده بعد الدباغ فاما جلود الكلاب والخنازير فإنه لا يجوز ذلك فيها وإن ذكيت ودبغت وكذلك لا يجوز الانتفاع بشئ من شعر ذلك إذا جز في حياته أو بعد موته. وشعر وصوف الميتة التي ليست كلبا ولا خنزيرا طاهر يجوز استعماله وكذا شعر الانسان في حياته وبعد موته. وقد ذكر إن ذلك نجس، والاحتياط يتناول ذلك والدباغ يجب أن يكون بطاهر مثل قشور الرمان والعفص (1) والقرظ (2) وما أشبه ذلك، ولا يجوز مما يكون نجسا كالحارش (3) فإنه يعمل بخرء الكلاب. باب الصعيد وما يجوز التيمم به وما لا يجوز قال الله تعالى:.. فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا (4). الآية. فالصعيد هي: ما يتصاعد على وجه الأرض من تراب أو غبار وهو على ثلاثة اضرب: أولها يجوز التيمم به على كل حال والثاني مكروه والثالث ما لا يجوز التيمم به على حال. فاما الذي يجوز التيمم به على كل حال فهو كل طاهر من هذا الصعيد والأرض الحصية (5) والحجر، والصخر، والوحل إذا وضع الانسان يديه عليه ومسح

(1) العفص: ثمر معروف كالبندقة يدبغ به ويتخذ منه الحبر.
(2) القرظ بفتحتين: حب معروف يخرج في غلف كالعدس من شجر العضاه وبعضهم يقول: إنه ورق السلم (راجع المصباح) (3) كذا في بعض النسخ وفي بعضها " كالحاوش " والظاهر إنهما تصحيف والصحيح " الدارش " وهو الجلد الأسود وفي الخبر " عن أبي الحسن الرضا (ع) إنه سئله عن جلود الدارش التي يتخذ منها الخفاف، قال: فقال: لا تصل فيها، فإنها تدبغ بخرء الكلاب راجع الوسائل ج 2 الباب 71 من أبواب النجاسات الحديث 1 (4) المائدة: 6 (5) أي كثير الحصاة

[ 32 ]

إحداهما بالأخرى حتى ينشف وذلك لا يكون إلا مع عدم التمكن من التراب أو ما يقوم مقامه. وكل ما كان من التراب في عوالي الأرض كان استعماله أفضل من استعمال ما كان منه في مهابطها. ومن لم يتمكن من شيئ مما ذكرناه فلينفض ثوبه، أو عرف دابته (1)، أو لبد سرجه، أو ما جرى مجرى ذلك مما يكون فيه غبار وتيمم به. وأما المكروه فهو تراب الأرض السبخة والرملة. وأما الذي لا يجوز التيمم به فهو كل ما يختص بمعدن من كحل أو زرنيخ أو زاج (2) أو ما يجرى مجرى ذلك، وكل ما لا يطلق عليه اسم الأرض من دقيق أو أشنان (3) أو سدر وما جرى مجرى ذلك في نعومته أو انسحاقه (4) وكل ما كان نجسا مما قدمنا ذكر جواز التيمم به. باب أقسام الطهارة الطهارة على ثلاثة أقسام: وضوء وغسل وتيمم والوضوء: على قسمين: واجب ومندوب: فاما الواجب فهو ما يقصد به رفع الحدث لاستباحة الصلاة به، وأما المندوب فهو ما يقصد به مس المصحف أو كتابته أو ما جرى مجرى ذلك: الغسل وأما الغسل: فهو على ضربين: واجب ومندوب.

(1) عرف الدابة: الشعر النابت في محدب رقبتها.
(2) الزاج: ملح يصبغ به (3) الاشنان: بضم الهمزة: لغة معرب ويقال له بالعربية: الحرض ويقال له بالفارسية " چوبك " (4) النعومة: لينة المس، وانسحق الشئ: اندق.

[ 33 ]

فاما الواجب فهو الغسل من خروج المنى على كل حال، والجماع في الفرج - أنزل المجامع أو لم ينزل - والحيض، والاستحاضة، والنفاس، ومس الميت من الناس بعد برده بالموت وقبل غسله، وغسل الموتى من الناس. وأما المندوب فهو على أربعة أضرب: أولها يتعلق بأزمنة مخصوصة، وثانيها يتعلق بأمكنة شريفة، وثالثها يتعلق بعبادة معينة، ورابعها قسم مفرد عن ذلك. فاما الازمنة المخصوصة في يوم الجمعة، ويوم العرفة، ويوم العيد فطرا كان أو أضحى أو غديرا، وليلة النصف من شعبان، واول ليلة من شهر رمضان، وليلة النصف منه، وليلة سبع عشرة منه، وليلة إحدى وعشرين منه، وليلة ثلاث وعشرين منه. وأما الأمكنة الشريفة فهي: الحرم، والمسجد الحرام، والكعبة، ومدينة النبي صلى الله عليه وآله وأما العبادات المعينة فهي: الاحرام للحج والعمرة، والزيارات لنبي كانت أو إمام عليه السلام، أو البيت الحرام، والمباهلة، والتوبة، وصلاة الاستسقاء، وصلاة الاستخارة وصلاة الحاجة، وصلاة الشكر، والاسلام من الكفر، وقضاء صلاة الكسوف إذا تعمد قاضيها تركها مع احتراق جميع القرص. وأما الضرب المفرد فهو غسل المولود، وغسل القاصد إلى نظر المصلوب بعد ثلاثة أيام. " التيمم " وأما التيمم فهو على ضربين: أحدهما بدل عن الوضوء، والآخر بدل عن الغسل. فاما الذي هو بدل من الوضوء فهو ضربة واحدة على ما تيمم به المتيمم لوجهه أو (1) يديه. وأما الذي هو بدل من الغسل فهو ضربتان إحداهما للوجه والأخرى لليدين.

(1) كذا في جميع النسخ وهو تصحيف والصحيح هو " و " بدل " أو "

[ 34 ]

" باب الجنابة " الجنابة تكون بأمرين أحدهما: إنزال المنى على كل حال. والآخر: الجماع في الفرج وإن لم ينزل المجامع. التقاء الختانين: غيبوبة الحشفة في الفرج. فإذا صار المكلف جنبا بأحد هذين الأمرين، كان عليه الغسل - وسنذكر كيفيته في باب كيفيات الطهارة - ولا يدخل المسجد الحرام، ولا مسجد النبي صلى الله عليه وآله جملة، فاما غير ذلك من المساجد. فيجوز له دخولها عابر سبيل من غير جلوس فيها واستقرار بها، فإن كان له فيها شئ جاز له أخذه منها، ولا يضع فيها شيئا ولا يقرء شيئا من العزائم الأربع جملة - وهي سجدة لقمان، وحم السجدة، والنجم، وأقراء باسم ربك (1) فاما غير ذلك من القرآن فلا يجوز أن يقرأ منه أكثر من سبع آيات والأفضل ترك ذلك، ولا يمس كتابة المصحف، ويجوز أن يمس أطراف الورق والأفضل أن لا يمسه ولا يمس شيئا عليه اسم الله تعالى أو أحد الأنبياء والأئمة (عل) مكتوبا، ولا يطوف بالبيت، ولا يسجد إذا سمع من يقرء السجدة، ولا يأكل ولا يشرب ولا ينام حتى يغتسل ويتمضمض ويستنشق، ولا يختضب حتى يغتسل. " باب الحيض " الحيض: هو دم اسود يخرج من المرأة بحرارة على وجه يتعلق بظهوره وانقطاعه - على الخلاف في ذلك - انقضاء عدة المطلقات، وأقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام، وأقل الطهر عشرة أيام وليس لأكثره حد. فإن رأت الحائض الدم ثلاثة أيام متوالية أو مفترقة (2) في جملة العشرة فهي حائض وفي أصحابنا من اعتبر كونها متوالية، فإن رأت الدم يوما واحدا أو يومين

(1) السجدة: سورة 32 - حم: سورة 41 - النجم: سوره 53 - العلق: سورة 96 (2) في بعض النسخ " منفردة " بدل مفترقة "

[ 35 ]

وانقطع عنها إلى آخر اليوم العاشر فليس ذلك حيضا، وإذا رأته بعد العشرة أيام كان استحاضة. فإن رأته اليوم الرابع بعد انقضاء هذه العشرة كان حيضا إلا أن ترى يوما واحدا أو يومين وينقطع فلا تراه حتى تنقضي العشرة فلا يحكم بأنه حيض وإنما قلنا بأنه حيض لأن أقل أيام الطهر وهو عشرة قد انقضت فيكون هذا الدم من الحيضة المستأنفة، فإن رأت الدم بعد أن يكمل أكثر أيام الحيض ويستمر ذلك بها ولا ترى بين الدمين طهرا فإنه ليس بحيض فيجب الحكم بأنه استحاضة - وسنذكر حكم الاستحاضة في بابها بعون الله سبحانه -. والحمرة والصفرة في أيام الحيض حيض، وفي أيام الطهر غير حيض. وإذا اختلفت عادة المرأة اعتبرت صفات الدم بعد أن يعتبر بين الدمين أقل الطهر وهو عشرة أيام، فإن لم يتميز لها صفات الدم تركت الصوم والصلاة في الشهر الأول أقل أيام الحيض، وفي الشهر الثاني أكثر أيامه. وتستقر عادة المرأة بأن ترى الدم شهرين متواليين في وقت متفق، فتعمل حينئذ في عادتها على ذلك. وإذا التبس على المرأة دم الحيض بدم العذرة، استبرأت نفسها بقطنة، فإن خرجت مطوقة فهو دم عذرة، وإن خرجت منغمسة فهو حيض. فإن التبس بدم القرح استدخلت المرأة أصبعها، فإن كان الدم يخرج من الجانب الأيسر فهو دم حيض وإن كان يخرج من الأيمن فهو دم قرح. وإذا انقطع الدم عن المرأة وأرادت أن تعلم هل هي بعد، حائض أو قد طهرت فتستدخل قطنة، فإن خرجت وعليها دم فهي حائض لم تطهر، وإن لم تخرج عليها شيئ فقد طهرت. وإذا كانت المرأة حائضا فكل ما ذكرناه مما يتعلق بالجنب من الأحكام يتعلق بها ويلحق بذلك أن لا تصوم ولا تصلى وهي كذلك، وإذا وطأها زوجها كفر عن ذلك

[ 36 ]

- وسنذكر ما يلزمه من الكفارة في باب الكفارات -. فإذا حضر وقت الصلاة توضأت وجلست في مصلاها تذكر الله تعالى وتسبحه وتمجده إلى أن ينقضي وقت الصلاة. وإذا اغتسلت قضت الصوم دون الصلاة وإذا رأت الدم وقد دخل وقت الصلاة ومضى من هذا الوقت مقدار ما يمكنها أداء تلك الصلاة ولم تكن صلت كان عليها قضائها. وإن رأت الدم قبل ذلك يجب (1) عليها القضاء. فإذا طهرت وتوانت عن الغسل وكان قد دخل عليها الوقت ولم تغتسل حتى خرج الوقت كان عليها القضاء. وإذا طهرت عند زوال الشمس ولم تغتسل حتى دخل وقت العصر وجب عليها قضاء الصلاتين. وإذا طهرت قبل مغيب الشمس بمقدار ما يؤدى فيه خمس ركعات استحب لها قضائهما، وإن كان مقدار ما يؤدى فيه أربع ركعات، كانت عليها قضاء صلاة العصر وإذا طهرت بعد مغيب الشمس إلى نصف الليل وجب عليها قضاء العشائين وإذا طهرت قبل طلوع الفجر بمقدار ما تؤدي خمس ركعات استحب لها قضائهما، وإن لم يكن في الوقت أكثر من أن تصلى فيه أربع ركعات، كان عليها قضاء العشاء الأخير فقط وكان عليها قضاء الفجر إذا طهرت قبل طلوع الشمس بمقدار ما يؤدى فيه ركعة، فإن كان أقل من ذلك لم يلزمها شيئ. فإذا حاضت في يوم تصبح فيه صائمة أفطرت وكان عليها قضاء ذلك اليوم ولو كان قد حاضت قبل مغيب الشمس بلحظة، وإذا رأت الدم بعد العصر امسكت بقية يومها عن الافطار وكان عليها القضاء، وإذا أصبحت حائضا وطهرت امسكت باقي النهار وكان عليها القضاء. وإذا رأت الطهر وجب عليها الغسل - وسنذكر كيفيته في موضع مفرد من

(1) كذا في النسخ التي بايدينا والظاهر سقوط " لم " الجازمة من الفعل " تجب "

[ 37 ]

باب كيفية الطهارة إن شاء الله تعالى -. " باب الاستحاضة " والاستحاضة هي استمرار ظهور الدم بالمرئة بعد أكثر أيام الحيض والمرأة في ذلك على ضربين: أحدهما أن تكون مبتدئة، والآخر أن تكون غير مبتدئة. فاما المبتدئة فينبغي لها أن تعمل على التمييز بصفات الدم، فإذا رأت الدم الأسود الخارج بحرارة كان عليها أن تعمل ما تعمله الحائض وقد تقدم ذكر جميع ذلك. وإذا رأت الدم الأصفر البارد الرقيق فعلت ما تفعله المستحاضة. فإن لم يكن لها تمييز عملت على عادة نسائها إن كان لها نساء، فإن لم يكن لها نساء عملت على عادة أمثالها في السن. وعليها أن لا تصوم ولا تصلى في الشهر الأول أقل أيام الحيض، وفي الشهر الثاني أكثر أيامه إذا لم يكن لها تمييز ولا نساء ولا امثال في السن ثم تصلى وتصوم بعد ذلك. وأما التي ليست مبتدئة فعليها إذا فقدت التمييز واختلفت عليها عادتها أن تترك الصوم والصلاة في كل شهر سبعة أيام ثم تصلى وتصوم بعد ذلك ولا يزال هذا فعلها حتى، تستقر عادتها وتعلم استقرار عادتها بأن يتوالى عليها شهران يظهر بها الدم في أيام متساوية فيهما لا زيادة فيها ولا نقصان. وعليها مبتدئة كانت أو غير مبتدئة أن تحتشى (1) بقطنة: وإن ظهر عليها دم ولم يرشح كان عليها الوضوء عند كل صلاة. وإن رشح عليها ولم يسل كان عليها غسل واحد عند الفجر وتتوضأ بعد ذلك لكل صلاة من يومها وليلتها وتجدد تغيير الحشو مع ذلك. وإن رشح وسال اغتسلت ثلاثة أغسال: أولها لصلاة الظهر والعصر تؤخر

(1) احتشت المرأة، استدخلت في فرجها القطنة.

[ 38 ]

الظهر قليلا عن أول وقتها وتجمع بينه وبين العصر، والثاني تجمع بينه (1) وبين صلاة المغرب والعشاء الآخرة كذلك، وثالثها لصلاة الليل والفجر تؤخر صلاة الليل قليلا إن كانت ممن تصليها ثم تجمع بينهما به، وإن كانت ممن لا تصلى صلاة الليل صلت به صلاة الفجر وحدها. وتصوم وتصلى في سائر أيامها إلا الأيام التي تكون حائضا فيها. وإذا وجبت عليها حد لم يقم عليها حتى ينقطع الدم عنها. والأفضل لها قبل الوطي أن تغسل فرجها. وجميع ما يحرم على الحائض فهو حلال لها إلا في الأيام التي تكون فيها حائضا. واعلم أن المبتدئة إذا رأت دم الحيض - وهو الأسود الخارج بحرارة - ثلاثة أيام، ودم الاستحاضة (2) - وهو الأصفر الرقيق البارد - ثلاثة أيام، ثم رأت صفرة أربعة أيام ثم انقطع الجميع كان ذلك كله حيضا. وإن رأت دم الاستحاضة ثلاثة أيام ودم الحيض ثلاثة أيام ثم رأت دم الاستحاضة وجاز عليها العشرة أيام فحكمها في ما رأته من دم الحيض حكم الحائض، وفي ما رأته من دم الاستحاضة حكم المستحاضة. فإذا كان الدم متصلا وتوضأت ثم انقطع عنها قبل دخولها في الصلاة كان عليها استئناف الوضوء وإن صلت بالوضوء الأول لم تصح صلاتها سواء عاد إليها الدم قبل فراغها من الصلاة أو بعد فراغها منها. وإذا توضأت بعد دخول وقت الصلاة وصلت عقيب الوضوء كانت صلاتها صحيحة، فإن توضأت قبل دخول الوقت لم يكن وضوءها صحيحا فإن صلت به لم تصح الصلاة أيضا.

(1) كذا في النسخ ولعل المراد بالجمع بينه وبين الصلاة عدم الفصل بينه وبينها.
(2) ليس المراد الدم المحكوم بأنه استحاضة بل الدم الذي كان بصفة الاستحاضة

[ 39 ]

وإذا توضأت لصلاة مخصوصة مفروضة جاز لها أن تصل به من النوافل ما ارادت. " باب النفاس " أعلم أن النفساء هي التي ترى الدم عند الولادة، فأن رأت قبل الولادة لم يكن ذلك نفاسا وإن لم تر دما عند الولادة لم يتعلق بها شيئ من أحكام النفاس. ولا فرق في الولادة بين أن يكون ولادة بسقط أو غير سقط، وبولد تام أو غير تام. فإن رأت الدم دفعة واحدة وانقطع عنها ثم عاد قبل تمام عشرة أيام أو إلى اليوم العاشر كان جميع ذلك نفاسا، فإذا رأته بعد تمام العشرة أيام لم يكن نفاسا، فإن مضى عليها بعد العشرة الأولى، عشرة أيام أخرى ثم رأته فيها ثلاثة أيام متوالية أو متفرقة كان ذلك حيضا. فإن كانت حاملا باثنين ورأت الدم مع ولادة الأول منهما ومع ولادة الثاني حكمت بالنفاس من الأول وعملت في أكثره على ولادة الثاني. وأكثر النفاس كأكثر أيام الحيض عشرة أيام، وليس لقليله حد. وجميع أحكام النفساء هي أحكام الحائض إلا فيما ذكرناه: إنه ليس لأقل النفاس حد. " باب مقدمات الطهارة " مقدمات الطهارة هي استنجاء مخرج النجو (1) بالماء أو الاحجار، وغسل مخرج البول بالماء وحده. وترك استقبال القبلة واستدبارها في حال البول والغائط، وتقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء، واليمنى عند الخروج منه، والدعاء عند ذلك، وتغطية

(1) النجو: ما يخرج من البطن أي الغائط.

[ 40 ]

الرأس عند دخول الخلاء، والدعاء عند الاستنجاء وعند الفراغ منه، ولا يستقبل الشمس ولا القمر في حال البول ولا الغائط، ولا الريح بالبول، ولا يحدث في الماء الجاري، ولا الراكد، ولا في الطريق، ولا أفنية الدور، ولا في المشارع، ولا تحت الأشجار المثمرة، ولا في مواضع اللعن، ولا في (1) النزال، ولا يبول في جحرة الحيوان، ولا على الأرض الصلبة، ولا يطمح ببوله في الهواء، ولا يتكلم في حال البول والغائط ولا يستاك في هذه الحال، ولا يأكل ولا يشرب وهو كذلك. " باب الاستنجاء وأحكامه " الاستنجاء هو تنظيف مخرج النجو بما قدمنا ذكره من الماء أو الاحجار، والجمع بينهما أفضل من الاقتصار على أحدهما، والاقتصار على الماء أفضل من الاقتصار على الاحجار. ويجب على المكلف أن ينظف الموضع على وجه يتيقن معه النظافة. فاما مخرج البول فليس يجزي فيه إلا الماء مع التمكن منه، وكذلك إذا تعدت النجاسة مخرج النجو فليس يجزي فيه إلا الماء. والأحجار ينبغي أن يكون ثلاثة وغير مستعملة في الاستنجاء وإن لم يقدر على ثلاثة أحجار وقدر على حجر له ثلاثة رؤوس قام كل رأس منه مقام حجر فإذا استعمل حجرا واحدا ونقى الموضع به فينبغي أن يستعمل آخرين سنة. ولا يجوز أن يستنجى بعظم ولا روث، ويجوز استعمال الخرق (2) والقطن في ذلك عوضا من الاحجار إذا لم يتمكن منها. وإذا أراد دخول الخلاء فينبغي أن يدعو فيقول: " بسم الله وبالله أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم "

(1) في بعض النسخ زيادة " فيئ " (2) في بعض النسخ " الخزف " بدل " الخرق "

[ 41 ]

ويقول عند الاستنجاء " الحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا، اللهم حصن فرجى وفروج أوليائي وذريتي وفروج المؤمنين من ارتكاب معاصيك حتى لا نعصيك أبدا ما أبقيتنا انك تعصم من تشاء من عبادك " ويقول عند الفراغ منه بعد أن يمسح بيده على بطنه: " الحمد لله الذي أماط عني (1) الأذى وهنأني طعامي وشرابي وعافاني من البلوى، الحمد لله الذي رزقني ما اغتذيت به وعرفني لذته وابقى في جسدي قوته واخرج عني أذاه، يا لها نعمة لا يقدر القادرون قدرها ". وإن كان قد بال فينبغي أن يجلب القضيب من أصله إلى رأس الحشفة دفعتين أو ثلاثا ويعصرها ويغسله بالماء وأقل ما يجزي في غسله من الماء مثلا ما عليه. ولا يجوز أن يستنجى باليد اليمنى مع الاختيار، ولا يستنجى وفي يده خاتم قد نقش على فصه اسم من اسماء الله تعالى أو أحد أنبيائه أو الأئمة عليهم السلام وكذلك إن كان فصه من حجر زمزم. وإذا كان على حال البول أو الغائط وسمع صوت المؤذن جاز أن يقول في نفسه كما يقوله. وإن ترك الاستنجاء ناسيا أو متعمدا كان عليه إعادته، فإن كان قد صلى كذلك كان عليه مع إعادته، إعادة الصلاة. باب ترك استقبال القبلة واستدبارها وكذلك الشمس والقمر في حال البول والغائط ترك استقبال القبلة واستدبارها في هذه الحال واجب لا يجوز سواه مع التمكن فإن كان الموضع الذي يتخلى المكلف فيه مبنيا على وجه يمكنه معه الانحراف عن استقبالها واستدبارها انحرف وإن لم يتمكن من ذلك لم يكن عليه شيئ.

(1) أماط: أي أبعد

[ 42 ]

فاما الشمس والقمر فالأفضل أن لا يستقبلهما ولا يستدبرهما في هذه الحال، لأنه ذكر (1) أنهما خلقان عظيمان من خلق الله تعالى فينبغي أن ينزههما عن ذلك في هذه الحال. باب في كراهة الباقي من المقدمات أما استقبال الريح بالبول فذكر (2) إن الوجه في كراهته أن الريح ترده إليه فينجس به. وأما الإحداث في الماء فذكر (3) أن للماء أهلا وأمرنا أن لا نؤذي أهله في ذلك وأما الطريق وأفنية الدور والمشارع وتحت الأشجار المثمرة فلأن الناس يتأذون بذلك ويلعنون فاعله. وأما جحرة الحيوان فلأنه ربما كان فيه من الدبيب ما يخرج بوقوع البول عليه فيتأذى به. وأما الأرض الصلبة فلأن البول إذا سقط عليها تطاير وتراجع عليه. وأما طمحه بالبول في الهواء فلأنه يراجع عليه. وأما الكلام والسواك والأكل والشرب فذكر أنه يورث الخرس أو البخر (4) فالأولى اجتناب ذلك للوجوه المذكورة. " باب كيفية الطهارة " كيفية الطهارة على ثلاثة أضرب: أولها: كيفية الوضوء، وثانيها: كيفية

(1) وفي الحديث " إنهما آيتان من آيات الله " راجع إلى جامع أحاديث الشيعة، ج 2 ص 192 وإلى البحار ج 80، ص 194، الحديث 53.
(2) البحار، ج 80 ص 194، الحديث 53.
(3) الوسائل ج 1 الباب 24 من أبواب أحكام الخلوة الحديث 3، والمستدرك ج 1 الباب 19 من أبواب أحكام الخلوة الحديث 5.
(4) الوسائل ج 1 الباب 21 من أبواب أحكام الخلوة الحديث 1.

[ 43 ]

الغسل، وثالثها: كيفية التيمم. باب كيفية الوضوء كيفية الوضوء هو أن يبتدء من يريده بوضع الاناء عن يمينه، ثم يدعو فيقول " الحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا ". ثم يسمى الله تعالى ويغسل يده - لإدخالها الاناء - من حدث البول أو النوم مرة ومن حدث الغائط مرتين، وينوي رفع الحدث به لوجوبه عليه، واستباحة الصلاة به على جهة القربة إلى الله تعالى. ويأخذ بيمينه كفا من الماء فيتمضمض به ثلاثا ويقول: " اللهم لقني حجتى يوم ألقاك وأطلق لساني بذكرك ". ثم يأخذ كفا آخر ويستنشق به ثلاثا ويقول: " اللهم لا تحرمني من طيبات الجنان واجعلني ممن يشم ريحها وروحها وريحانها ". ثم يأخذ كفا آخر ويغسل به وجهه من قصاص شعر رأسه إلى محادر (1) شعر الذقن طولا وما دارت عليه الابهام والوسطى عرضا، فإن كان ذا لحية لم يجب عليه إيصال الماء تحتها، وكذلك إن كانت امرأة ولها لحية لم يلزمها ذلك. ثم يأخذ كفا فيغسل به وجهه ثانيا كذلك ويقول: " اللهم بيض وجهى يوم تسود فيه الوجوه ولا تسود وجهى يوم تبيض فيه الوجوه ". ثم يأخذ كفا ويديره إلى كفه الأيسر ويغسل به يده اليمنى من المرفق إلى أطراف الأصابع، ويعم (2) المرفق بالغسل ولا يستقبل شعر الذراع (3) ويأخذ كفا ويأخذه ثانيا كذلك وهو يقول: " اللهم اعطني، كتابي بيميني، والخلد في

(1) محادر شعر الذقن: أول انحدار الشعر عن الذقن وهو طرفه " مجمع البحرين " (2) في بعض النسخ " يتم " بدل " يعم " (3) المراد بالاستقبال هنا: هو الغسل منكوسا، قال الشيخ ره: ولا يستقبل الشعر في غسل اليدين بل يبدأ من المرفق (النهاية، ص 14)

[ 44 ]

الجنان بيساري، وحاسبني حسابا يسيرا واجعلني ممن ينقلب إلى أهله مسرورا " ويأخذ كفين واحدا بعد واحد ويغسل بهما يده اليسرى كما غسل اليمنى ويقول " اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي ". ويكون ابتداؤه بطرح الماء على ظاهر الذراع ويختم بباطنه إن كان رجلا وإن كانت امرئة بدأت في ذلك بباطن ذراعها وختمت بظاهرها. وإن كان مقطوع اليدين من المرفق غسل موضع القطع، وإن كان القطع من فوق المرفق لم يجب عليه غسل الباقي من عضده وإن كان القطع من المرفق أو دونه غسل الباقي من ذلك. وإن كان له أصابع زائدة على الخمس، أو يدا زائدة على ذراع واحد كان عليه غسل ذلك وكذلك يلزمه فيما يكون زائدا على الذراع إذا كان من المرفق وما دون، فإن كان فوق المرفق لم يلزمه في ذلك. وإذا كان في اصبعه خاتم - أو في يده حلى إن كان امرئة - وجب عليه تحريكه أو نزعه ليصل الماء إلى تحته من ظاهر الجسد. ثم يرفع يده اليمنى ببلل الوضوء من غير أخذ ماء جديد فيمسح بها مقدم رأسه بمقدار ثلاث أصابع مضمومة عرضا، ولو مسح بإصبع واحدة كان جائزا. وإن مسح غير مقدم الرأس لم يكن مجزيا، وكذلك إن مسح على عمامته، أو كانت امرئة فمسحت فوق قناعها فإن ذلك لا يكون مجزيا. - ثم يقول: " اللهم غشني برحمتك وبركاتك " ثم يمسح الأصابع إلى الكعبين وهما النابتان في وسط القدم عند معقد الشراك (1) من غير أخذ ماء جديد لذلك، فإن مسحهما من الكعبين إلى أطراف الأصابع كان جائزا، والأفضل الأول، ولا يمسح على خفيه إن كان ذلك عليه و يقول: " اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه الأقدام واجعل سعيي فيما يرضيك

(1) شراك النعل: سيره على ظهر القدم،

[ 45 ]

عني يا ذا الجلال والاكرام ". ويقول عند (1) فراغه من الوضوء: " الحمدلله رب العالمين اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ". فإذا كان في أرض جمد أو ثلج ولم يقدر على ما يتوضأ به وضع يديه على الجمد أو الثلج حتى تنتديا (2) ويجرى الماء كالدهن عليها ويتوضأ به انشاء الله تعالى. والترتيب والموالاة يجبان في الوضوء. فإن توضأ على خلاف الترتيب المقدم ذكره لم يكن مجزيا له. وإن ترك الموالاة حتى يجف العضو المتقدم لم يجزه أيضا، اللهم إلا أن يكون الحر شديدا أو الريح يجفف منهما العضو المتقدم بينه وبين طهارة العضو الثاني من غير اهمال لذلك فإنه يكون مجزيا. " باب كيفية الغسل " كيفية الغسل هي: أن يبتدأ المريد له، بغسل يديه قبل ادخالهما الاناء ثلاث مرات. فإن كان على جسده نجاسة أزالها عنه، ثم يجتهد في الاستبراء بالبول فإن لم يجتهد في ذلك. ووجد بعد الغسل بللا خارجا من الاحليل كان عليه إعادة الغسل فإن وجد ذلك بعد الاجتهاد في الاستبراء بالبول لم يجب عليه إعادة الغسل، إلا أن يتحقق إنه مني ثم يغسل فرجه، فإن كان امرئة غسلته عرضا. وينوي به رفع الحدث لوجوبه عليه على جهة القربة إلى الله سبحانه ويتمضمض

(1) في بعض النسخ " بعد " بدل " عند " (2) من النداوة.

[ 46 ]

ويستنشق ثلاثا ثلاثا. ولا يتوضأ قبل هذا الغسل، بل يغسل رأسه إلى أصل عنقه بمقدار ثلث اكف من الماء، فإن استعان في إفاضة الماء عليه بإناء كان جائزا، ويخلل عليه أذنيه، ويميز شعر رأسه ليصل الماء إلى أصوله، وإن كانت امرئة وشعرها مشدود والماء يصل إلى أصوله لم يلزمها حله، والأفضل لها أن تحله، وإن كان الماء لا يصل إلى أصوله وجب عليها حله وإيصال الماء إلى أصول الشعر. ثم يغسل شقه الأيمن، من أصل العنق إلى تحت القدم بمقدار ثلاث اكف من الماء. ثم الأيسر كذلك. ويميز شعر جسده ويدير يديه على سائر جسده. وإن كان في يده خاتم أو على جسده سير (1) أو ما أشبه ذلك، أو كان امرئة وعليها حلى وجب تحريكه أو نزعه ليصل الماء إلى ما تحته من الجسد. وإن كان الماء يجرى تحت القدم، وإلا غسلها. والأفضل أن يغتسل بمقدار صاع من الماء أو أكثر، وأقل ما يجزي من ذلك ما يجرى على الجسد بمقدار ما يسمى به غاسلا. والترتيب واجب في الغسل، وإن كان خالف الترتيب لم يجزه ذلك. والموالاة غير واجبة فيه، والأفضل الموالاة. وينبغي أن يسمي الله تعالى ويذكر الله تعالى ويسبحه ويحمده، فإذا فرغ من ذلك قال: " اللهم طهر قلبي وزك عملي واجعل ما عندك خيرا لي، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ". فاما كيفية غسل الميت من الناس فهو ككيفية غسل الجنب ويختص باشياء وسيأتي ذكر جميع ذلك في كتاب الجنائز إن شاء الله تعالى.

(1) السير بفتح السين: قدة من الجلد مستطيلة ومنه شراك النعل.

[ 47 ]

" باب كيفية التيمم " كيفية التيمم هي أن يقصد من يريده إلى ما يجوز التيمم به فإن كان على جسده نجاسة ابتدأ بمسحها عنه بالتراب أو بغيره إن تمكن من ذلك. ونوى بفعله استباحة الصلاة به، لوجوب ذلك عليه على جهة القربة إلى الله سبحانه. ويضرب بباطن كفيه جميعا مفرجا من أصابعه - على ما تيمم به - ضربة واحدة. ثم يرفعهما وينفض (1) إحداهما بالأخرى ويمسح بهما وجهه من قصاص شعر رأسه إلى طرف أنفه مرة واحدة. ثم يمسح ظاهر كفه اليمنى بباطن كفه اليسرى من الزند إلى أطراف الأصابع. ثم يمسح ظهر كفه اليسرى بباطن كفه اليمنى كذلك. ويقتصر المتيمم على هذا القدر إن كان تيممه بدلا من الوضوء، فإن كان بدلا من الغسل ضرب ضربة أخرى وجعل الأولى لوجهه والثانية ليديه. واعلم إن التيمم إنما يجب على المكلف بأن يكون محدثا ويتضيق عليه وقت الصلاة حتى يصير الباقي منه بمقدار ما يؤدي فيه تلك الصلاة. ويجتهد في طلب الماء في رحله وفي الأرض الحزنة (2) مقدار رمية سهم وفي السهلة رمية سهمين، أمامه وخلفه ويمينه وشماله. وإذا لم يجده في رحله أو يفقد التمكن من استعمال الماء ولا فرق في ذلك بين أن يكون فقده من التمكن له بعدم ثمن أو لأنه يكون معه منه مقدار يعده للشرب ويخاف إن توضأ به استضر بذلك في نفسه أو لأنه يكون في موضع يخاف على نفسه أو ماله من عدو أو سبع إن هو مضى إليه، أو ما جرى مجرى ذلك أو لمرض أو جراح أو غيرهما مما يخاف على نفسه من استعمال الماء عليه أو لتزايد مرض من

(1) نفض الثوب: حركه ليزول عنه الغبار.
(2) الحزنة بالفتح: من الأرض ما غلظ.

[ 48 ]

استعماله أو لأنه غير موجود جملة فمتى حصلت هذه الوجوه أو بعضها سقط وجوب الوضوء، وإذا اجتمعت هذه الوجوه وجب التيمم. فإن كان متمكنا من ابتياعه من غير مضرة تلحقه وجب عليه ابتياعه، وإن كان عليه في ابتياعه مضرة يسيرة كان كذلك أيضا. وإذا خاف على نفسه التلف من البرد الشديد مسافرا كان أو حاضرا كان عليه التيمم بدلا من الوضوء أو من الغسل فإذا صلى وهو على هذه الصفة لم يلزمه إعادة الصلاة التي صلاها وهو كذلك. وإذا أجنب نفسه مختارا كان عليه الغسل وإن لحقته منه مشقة شديدة لا تبلغ إلى تلف النفس، فإن خاف على نفسه التلف كان عليه التيمم ويصلى، فإذا زال الخوف اغتسل وأعاد الصلاة. وإن كان مريضا أو كبيرا أو مجدورا (1) أو به جروح أو قروح يخاف على نفسه لأجلها من استعمال الماء تيمم وصلى ولم يلزمه إعادة ما صلى بتيممه. ومتى عرضت له جنابة من غير اختياره وكان في المسجد الحرام أو مسجد يصلي الله عليه وآله فلا يخرج منه حتى يتيمم من مكانه. وإن كان في بعض المساجد في يوم جمعة وانتقض وضوئه فلم يتمكن من الخروج تيمم من موضعه وصلى فإذا خرج توضأ وأعاد الصلاة. وإذا كان في رحله شيئ من الماء ونسيه ثم تيمم وصلى وعلم بعد ذلك والوقت باق توضأ وأعاد الصلاة، وإن كان الوقت قد انقضى لم يلزمه ذلك. وإذا دخل في صلاة ثم وجد الماء فإن كان قد ركع مضى في صلاته وإن لم يكن ركع قطعها وتوضأ ثم استأنف الصلاة، وقد ذكر إنه لا يقطعها وهو الأقوى عندي. وإذا عرض له بول أو غائط فلا يتيمم حتى يستنجى ويستنشف بالخرق أو ما جرى مجراها ثم يتيمم، فإن كان جنبا استبرء بالبول وتنشف ثم يتيمم بعد ذلك.

(1) المجدور: المصاب بالجدري، والجدري: بثور وقروح ممتلئة ماء.

[ 49 ]

وإذا اجتمع ثلاثة من الناس في موضع فمنهم اثنان: أحدهما محدث حدثا يوجب الغسل، والآخر محدث حدثا يوجب الوضوء، ومات الذي ليس بمحدث ولم يكن معهم من الماء إلا مقدار ما يكفي واحد منهم، فينبغي أن يتوضأ به الذي وجب عليه الوضوء. ويجمع ثم يغتسل به الذي وجب عليه الغسل منهم ويتيمم الميت ويدفن فإن كان لا يتمكن من جمع الماء - إذا توضأ به من ذكرناه أولا - أو لا يبقى منه ما يكون فيه كفاية الطهارة واحد منهما اغتسل به الذي وجب عليه الغسل منهم ويتيمم الذي وجب عليه الوضوء ويتيمم الميت ويدفن. وكل من تيمم تيمما صحيحا جاز له أن يصلي به ما شاء من الصلوات ما لم يحدث، أو يتمكن من استعمال الماء. فاما من ينبغي أن يتيمم من موتى الناس فسنذكر في كتاب الجنائز بمشيئة الله وعونه. " باب ما يوجب إعادة الطهارة " الذي يوجب إعادة الطهارة على ضربين: أحدهما ينقضها والآخر لا ينقضها، والناقض لها على ضربين: أحدهما ينقض الطهارة الصغرى ويوجبها، والآخر ينقض الصغرى والكبرى ويوجب الكبرى. فاما الذي ينقض الصغرى ويوجبها فهو: خروج الريح من الدبر، والبول، والغائط والنوم الغالب على السمع والبصر، وكل ما أزال العقل من مرض وغيره وأما الذي ينقض الصغرى والكبرى ويوجب الكبرى فهو خروج المنى على كل حال.

[ 50 ]

والجماع في الفرج، وإن لم يكن معه إنزال، والحيض، والاستحاضة، والنفاس، ومس الميت من الناس بعد برده بالموت وقبل غسله. وأما ما ليس بناقض لها فهو: أن يتطهر المكلف بغير نية، أو يطهره غيره مع تمكنه من الطهارة بنفسه، أو يتطهر بما يعلم نجاسته، أو يتعمد ترك عضو من أعضاء الطهارة، أو يشك في طهارة عضو ولا يعلمه على التعيين وهو على حال الطهارة (1). أو يشك فلا يدري ما فعل وهو على حال الطهارة أيضا - لأنه إن شك في ذلك بعد الانصراف لم يكن عليه شيئ - أو شك في الحدث وهو على حال الطهارة، أو شك في الطهارة وهو متيقن الحدث، أو تيقن الطهارة والحدث جميعا ولا يعلم المتقدم منهما على الآخر، أو يخل بالترتيب فيقدم ما يجب تأخيره ويؤخر ما يجب تقديمه، فعليه أن يطهر ما يجب تقديمه ثم يعيد الطهارة على ما يجب تأخيره. ومثال هذا في الوضوء، أن يغسل يده اليمنى قبل وجهه، فيغسل وجهه ثم يغسل يده اليمنى. أو يغسل يده اليسرى قبل اليمنى فيغسل اليمنى ثم يغسل اليسرى، أو يمسح رجليه قبل رأسه فيمسح رأسه ثم يمسح رجليه. ومثال ذلك في الغسل: أن يغسل شقه الأيمن قبل رأسه فيغسل رأسه ثم يغسل شقه الأيمن أو يغسل شقه الأيسر قبل الأيمن فيغسل الأيمن ثم يغسل الأيسر. ومثال ذلك في التيمم أن يمسح يده اليمنى قبل وجهه، فيمسح وجهه ثم يمسح يده اليمنى، أو يمسح يده اليسرى قبل اليمنى فيمسح اليمنى ثم يمسح اليسرى. وأن يتطهر بما يعلم مغصوبا، أو يخل بالموالاة في الوضوء والتيمم. ويراعى في إعادة الوضوء وحده مع هذا الاخلال إن لم يجف العضو المقدم على غيره، فإن كان ذلك لعوز (2) الماء وكان ما يجف عضوا من أعضاء المسح مسحه بنداوة يده، وإن لم يكن في يده نداوة أخذ من نداوة حاجبيه أو لحيته ومسح

(1) أي حال الاشتغال بفعل الطهارة (2) أعوز الشئ: أقل مع الحاجة إليه (راجع اللسان)

[ 51 ]

ذلك فإن لم يكن في شئ من ذلك نداوة اعاد على كل حال. أو تيمم بما لا يجوز التيمم به، أو تيمم قبل تضيق الوقت أو تيمم وهو متمكن من استعمال الماء، أو تيمم بنية التيمم للطهارة الصغرى وهو جنب وينسى الجنابة، فليعد التيمم بنية الطهارة الكبرى " باب فيما يتبع الطهارة ويلحق بها " الذي يتبع ذلك ويلحق به هو إزالة النجاسات من الأبدان والثياب، وغير ذلك مما سيأتي ذكره والنجاسة على ثلاثة أضرب: أولها: يجب إزالته قليلا كان أو كثيرا. وثانيها: يجب إزالته إذا بلغ مقدارا معينا، فإن نقص عنه لم يجب إزالته. وثالثها: لا يجب إزالته. فاما الأول، فهو: دم الحيض والاستحاضة، وبول الانسان كبيرا كان أو صغيرا والغائط، والمنى من الناس وغيرهم، والخمر، وكل شراب مسكر، والفقاع وبول وروث كل ما لا يؤكل لحمه، وذرق الدجاج الجلال والإبل الجلالة، وعرق الجنب من حرام. وكل ماء غسلت به نجاسة أو ولغ فيها كلب أو خنزير أو ثعلب أو أرنب وما جرى مجرى ذلك، وكل ماء أو مايع غير الماء لاقته نجاسة أو ماسه جسم نجس وطين المطر إذا مضى عليه ثلاثة أيام. وأما الثاني، فهو: ما بلغ مقداره مقدار الدرهم المضروب من درهم (1) وثلث، مجتمعا كان فيما أصابه أو متفرقا فإن لم يبلغ ذلك لم يجب إزالته وهو: كل دم كان مخالفا لما قدمناه من الدماء. وأما الثالث، فهو: بول وذرق جميع الطيور التي لا يؤكل لحمها.

(1) المراد من الدرهم الأول هو المساحة المستفادة من قيد المضروب ومن الدرهم الثاني هو الوزن وهو (6 و 12) حمصة

[ 52 ]

فاما ما عدا ذلك من بول وروث وذرق مما يؤكل لحمه فهو مكروه - إلا الدجاج الجلال والإبل إذا كانت كذلك - وجميعه مما لا يجب إزالته، وإنما الأفضل فيه ذلك. وإذا كانت المرأة تربى طفلا ولم يكن لها من الثياب إلا واحد ولا يمكنها التحرز من بوله فعليها غسله في كل يوم مرة واحدة، وتصلى فيه إن شاءت بعد ذلك والثوب أو الجسد إذا ماسه جسم محكوم عليه بالكفر وكان رطبا أو كان المماس له رطبا ولم يكن هو كذلك فإنه يجب غسله، وكان الثوب والجسد يابسا وكان المماس له من جسد الكافر يابسا لم يجب غسله بل يرش الموضع - الذي أصابه - الماء. والقول في الكلب والخنزير إذا ماسا شيئا كالقول في ذلك وإذا ماس الانسان شيئا من ذلك بيده وكان يابسا ويده يابسة مسحها بالحائط أو التراب فإن غسلها كان أفضل. وإذا كان ماء المطر جاريا من ميزاب ولاقته نجاسة ولم يتغير بها أحد أوصافه وأصاب شيئا كان طاهرا، وإن تغير بذلك أحد أوصافه وجب غسل ما أصابه. والنجاسة إذا أصابت موضعا من ثوب أو جسم وعرف موضعه، غسل الموضع بعينه، فإن لم يعلم ذلك غسل جميعه. وإذا أصابت النجاسة موضعا من ثوب وقطع ذلك الموضع لم يجب غسله بعد القطع، فإن كان قطع ولم يعلم هل هو الموضع الذي أصابته النجاسة أم لا. وجب غسل الباقي منه. والحصر والبواري إذا أصابها بول أو نجاسة مايعة وجففتها الشمس فقد طهرت فإن لم يجف بذلك وجب غسلها. وما جففته الشمس من غير البواري والحصر فهو على حال النجاسة ويجب غسله والفأرة إذا أكل من طعام أو مشى عليه فهو معفو عليه، والأفضل إزالة ما أصابه

[ 53 ]

واكل الباقي. فإن أصاب ذلك وزغ أو عقرب فهو نجس. والقيئ، والمذي، والوذي (1) ليس بنجس والأفضل غسل ما أصابه ذلك وكل ما لا نفس له سائلة إذا وقع في شيئ من المطعومات والمشروبات ومات فيها فإنه لا ينجسه وهو على حكم الطهارة إلا أن يكون ذلك من المياه فيسلبه ذلك إطلاق اسم الماء فإنه حينئذ لا يجوز استعماله في شيئ. وجلود الميتة كلها نجسة، دبغت أو لم تدبغ وقد أشرنا إلى طرف من ذلك فيما تقدم. كتاب الجنائز إذا أردنا بيان أحكام الجنائز ينبغي أن نذكر أشياء: منها الأحكام المتعلقة بحال الاحتضار، ومنها ما يغسل من موتى الناس وأبعاضهم، ومنها ما لا يغسل من ذلك، ومنها كيفية غسل الميت، ومنها الاكفان والتكفين، ومنها الصلاة على الجنائز، ومنها الدفن والقبور. " باب الأحكام المتعلقة بحال الاحتضار " إذا حضر الانسان الوفاة فيجب أن يوجه إلى القبلة بأن يجعل على ظهره وباطن رجليه تلقاها ووجهه مستقبلا لها لو وقف لكان متوجها إليها، كما لو استقبلها للصلاة قائما لكان كذلك. ويستحب أن يحضر بالقرآن: وإذا تصعب عليه خروج نفسه نقل إلى المكان الذي كان يصلي فيه. ويلقن الشهادتين وأسماء الأئمة عليهم السلام وكلمات الفرج وهي: لا إله إلا الله

(1) في بعض النسخ " الودي " بالمهملة بدل " الوذي " بالمعجمة.

[ 54 ]

الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السموات السبع ورب الأرضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. ويغمض عيناه. فإذا قضى أطبق فوه، ومدت يداه وساقاه إن أمكن ذلك، وشد لحيته، ويغطى بثوب أو ما أشبه، ويسرج عنده في الليل مصباح، ويهتم بالأخذ في أمره وإنجازه ولا يتشاغل عن ذلك بشئ، يمنع الجنب والحائض من الدخول عليه، ولا يترك وحده، ولا يجعل على بطنه شيئ من الحديد. " باب ما يغسل من موتى الناس وأبعاضهم وما لا يغسل من ذلك " الموتى من الناس وأبعاضهم على ضربين أحدهما: يغسل، والآخر لا يغسل والذي يغسل هو: كل من مات منهم حتف أنفه ويمكن من غسله بالماء ولم يمنع مانع من ذلك من علة، أو ضرورة، أو برد شديد وما جرى مجرى ذلك. وكل ميت منهم حدثت بجسده وجلده علة محللة للحمه أو جلده ولم يخف في صب الماء عليه من تخلل ذلك وتقطيعه. وكل قتيل - إلا أن يكون شهيدا مات بين يدى الإمام أو من نصبه الإمام في المعركة ولم ينقل منها وفيه حياة لأنه متى لحق ونقل وفيه حياة وجب غسله - وكل سقط له أربعة أشهر فصاعدا وكل مخالف للحق من ملة الاسلام مات مع مؤمن واضطرته التقية إلى غسله - وإذا كانت الحال هذه غسله هذا المؤمن غسل أهل الخلاف - وكل رجل مات بين نساء مسلمات له فيهن محرم من النساء - هذا يغسله من كان ذا محرم منه، فإن كان معهن رجل مسلم غسله الرجل المسلم، كذلك الحكم مع المرئة إذا ماتت بين رجال مسلمين لها فيهم محرم، أو معهم امرأة مسلمة -. وكل ولد مات في بطن امرئة وهي حية، وهذا إذا مات في بطنها ولم يخرج

[ 55 ]

أدخلت القابلة أو غيرها من النساء يدها في فرجها وأخرجته، فإن لم يخرج صحيحا قطعته وأخرجته قطعا ثم غسل وكفن ودفن، فإن ماتت المرأة والولد في بطنها حي شق جانبها الأيسر واخرج الولد ثم يخاط الموضع وتغسل المرأة بعد ذلك، وكذلك الولد. وكل طفل ذكر مات بين نساء وله مدة العمر ثلاث سنين أو دونها وليس معهن رجل، وهذا يغسله النساء ويجوز لهن غسله مجردا من ثيابه، فإن كان له أكثر من ثلاث سنين غسله من فوق القميص يصب الماء عليه، وكذلك الحكم في الصبية إذا ماتت بين رجال. وكل بعض أو قطعة فيها عظم أو كانت موضع الصدر. ولا فرق في ذلك بين أن يكون أكيل السبع أو لا يكون كذلك. وأما من لا يغسل فهو: كل شهيد يقتل بين يدى الإمام العادل أو من نصبه الإمام - في نفس المعركة - ولم يلحق وبه رمق (1) لا شئ من الحياة، وهذا يدفن معه كل ما أصابه دمه من لباسه إلا الخفين، وقد ورد (2) أنهما إذا أصابهما شيئ من دمه دفنا معه. وكل كافر من أهل البغى كان أو غيره. وكل مرجوم أو مقتول قودا وهذان يؤمران بالاغتسال والتحنيط والتكفين

(1) كذا في النسخ التي بايدينا ولعل كلمة " و " العاطفة محذوفة هنا، ويحتمل أن يكون المراد من الرمق القوة كما قد يطلق عليها (راجع المصباح فيكون أخص من الحياة، فحينئذ يكون المعنى: إن الشرط في وجوب غسل الشهيد ادراكه وبه قوة لا ادراكه بدونها وإن كان به شيئ من الحياة. وهذا يكون وجها ثالثا في المسألة. وينافيه ما في الجواهر من حكاية القول الثاني عن المؤلف " ره " (الجواهر، ج 4، ص 90) (القول الأول سقوط الغسل إن مات في المعركة مطلقا والقول الثاني اشتراط عدم ادراكه حيا في سقوطه).
(2) المبسوط، ج 1، ص 181، والنهاية، ص 40

[ 56 ]

ثم يقام الحد عليهما بعد ذلك، فإذا أقيم عليهما دفنا من غير غسل ولا تيمم. وكل سقط له أقل من أربعة أشهر وهذا إنما يلف بخرقة ويدفن بدمه. وكل رجل مات بين نساء مسلمات ليس فيهن له محرم، ولا يحضرهن رجل مسلم وهذا تدفنه النساء بثيابه، وكل امرئة مسلمة ماتت بين رجال مسلمين وليس فيهم لها محرم، ولا معهم امرأة مسلمة وهذه يدفنها الرجال بثيابها. وكل بعض أو قطعة من إنسان ليس فيها عظم ولا هي موضع الصدر، ولا فرق بين أن يكون أكيل السبع أو غيره. وكل مخالف للحق من ملة الاسلام ليس في ترك غسله تقية. وكل ميت حدث بجسمه شيئ من الآفات التي تحلل جسمه أو جلده ويخاف إذا صب الماء عليه من تخلل ذلك وتقطعه منه، فإن هذا يؤمم (1) ولا يغسل. وكل ميت لم يتمكن من الماء لغسله أو تمكن منه ومنع من غسله مانع من علة كما قدمنا أو ضرورة أو برد شديد ولم يتمكن من إسخان الماء لغسله. وإذا كان الميت خنثى وكان موته بعد بلوغه - وقبل تبين حاله في أنه هل هو ذكر أو أنثى؟ فيلحق بالرجال أو النساء - لم يغسله رجل ولا امرأة ويؤمم (2) بالصعيد " كيفية غسل الميت " إعلم إنه ينبغي أن يستعد لغسل الميت - قبل أن يأخذ الغاسل فيه - من السدر مقدار رطل واحد ونصف بالعراقي، ومن القطن مقدار رطل، ويجوز أن يزاد على ذلك ليسد به منافذه (3) - وإن كان يخرج منها شئ يحتاج فيه إلى ذلك - ويستعد أيضا شئ من الاشنان (4) ليسحق (5) به

(1 و 2) أي ييمم (3) في بعض النسخ " منافسه " ومعناهما واحد.
(4) معروف، الذي يغسل به الايدى.
(5) في بعض النسخ " ليستنجي " بدل " ليسحق "

[ 57 ]

ويحفر لماء غسله حفيرة ينزل فيها، ولا يترك أن ينزل في بالوعة أو خلاء مع التمكن من ذلك، فإن لم يتمكن مما ذكرناه كان ترك نزوله في ذلك جائزا. ويصب ماء الغسل من الأواني النظيفة ما يكون كفاية لذلك. ولا يغسل بماء مسخن إلا أن تدعو الضرورة إليه من برد شديد، أو لتليين أعضائه وأصابعه. ولا يجوز غسله بالماء الحارة كما ذكرناه. فإذا حصل ما تقدم ذكره ابتدأ وليه بغسله، أو من ينصبه الولي لذلك، ويكون معه من يعينه في تقلبه وصب الماء عليه. ويضعه على ساجة تحت سقف مع القدرة على ذلك، ثم يمل الميت فيضعه عليها ممدودا على ظهره، وباطن رجليه تلقاء القبلة كما كان في حال الاحتضار وشق جيب قميصه الذي هو عليه وينزعه عنه بأن يأخذه من جهة رجليه بعد أن يستر عورته بشئ ولا يقص الغاسل له شيئا من أظفاره، ولا شيئا من شعره ولا لحيته. وإن سقط في ذلك الغسل من ذلك أو من جسده شئ جعله في كفنه (1) عند تكفينه له. ويأخذ السدر فيلقيه على الماء ويضربه في إجابة حتى يرغو وينقل رغوته (2) إلى إناء آخر، ويقف على جانبه الأيمن، ولا يتخطاه في شئ من أحوال الغسل جملة. ثم يلين أصابعه وأطرافه ويمددها، فإن تصعب عليه من ذلك شئ تركه على ما هو عليه. ثم يمسح بطنه مسحا رقيقا فإن خرج منه شئ صب الماء عليه ليزول من تحته فإن كان الميت امرأة وكانت حبلى لم يمسح لها بطنا في شئ من غسلها. ويعقد الغاسل النية لغسل الميت ثم ينظر، فإن كان على شيئ من جسده

(1) في بعض النسخ " كنفه " بدل " كفنه " ومعناه " الجانب " (2) رغوة السدر: زبده الذي يعلوه عند ضربه في الماء.

[ 58 ]

نجاسة أزالها بالماء، ويأخذ بعد ذلك خرقة لينجيه بها فيلفها على يده من الزند إلى أطراف الأصابع، ويلقى عليها شيئ من الاشنان وينجيه بذلك، ويصب الآخر عليه من السدر ثلاث صبات. ويكون الاناء الذي يصب الماء، كبيرا مثل الابريق الحميدي أو غيره مما يجرى مجراه. ويكون صب الماء متصلا ولا يقطع إلى أن يفرغ الاناء، وإذا أصاب هذا الاناء جسد الميت غسل قبل إنزاله في الماء. ثم يلقى الغاسل الخرقة عن يده ويغسل يديه من المرفقين إلى أطراف الأصابع ويوضأ الميت كما يتوضأ الحي للصلاة فيغسل وجهه، ويغسل بعد ذلك يديه من المرفقين إلى أطراف الأصابع، ويمسح بمقدم رأسه، وظاهر قدميه. ثم يتقدم فيقف عند رأسه من الجانب الأيمن، ويأخذ من رغوة السدر التي كان أعدها، ويبتدئ فيغسل رأسه بها ولحيته من الجانب الأيمن إلى أصل عنقه ثلاث مرات بثلاث صبات من ماء السدر. ثم يميله على الجانب الأيسر ليبدو له الأيمن، فيغسله بماء السدر من قرنه إلى تحت قدمه ثلاث مرات بثلاث صبات من ماء السدر أيضا، ويكون صب الماء من غير تقطيع من رأسه إلى تحت قدمه. ويدخل الغاسل يده تحت منكبه كلما غسله، ويكون وقوفه على جانبه الأيمن ويكثر من قوله: عفوك اللهم عفوك وذكر الله تعالى. ثم يرده على جانبه الأيمن ليبدو له الجانب الأيسر، فيغسله على هذه الصفة بماء السدر. ثم يعود الغاسل عنه، ويغسل الأواني كلها من ماء السدر غسلا نظيفا، ويغسل يديه من المرفقين إلى أطراف الأصابع. ويصب في الأواني ماء آخر ويأخذ شيئا من الكافور، فيسحقه بيديه ويلقيه في الماء ويضربه به.

[ 59 ]

ثم يرجع إلى الميت فيقف على جانبه الأيمن كما وقف أولا، ويمسح بطنه مسحا رقيقا، فإن خرج منه شئ صب الماء عليه ليزول من تحته. ثم يلف على يده خرقة مثل الأولى وينجيه بها ويغسله بماء الكافور كما غسله بماء السدر سواء. فإذا فرغ من ذلك تحول عنه، ثم غسل الأواني من ماء الكافور وملأها ماء قراحا، وغسل يديه من المرفقين إلى أطراف الأصابع، ثم عاد إليه، فوقف على جانبه الأيمن، ولا يمسح بطنه في هذه الغسلة جملة. ثم يلف على يده خرقة لينجيه بها، ويفعل في غسله مثل ما فعله في الغسلتين الاوليين بالماء القراح فقط. فإذا فرغ من ذلك القى عليه ثوبا نظيفا وينشفه به. ثم يحول عنه واغتسل، فإن لم يتمكن من الاغتسال توضأ وضوء الصلاة: ولا يمسه ولا يمس أكفانه شيئا إلا بعد أن يغتسل أو يتوضأ. فإذا فعل ذلك، نقله إلى أكفانه، فوضعه فيها، موجها إلى القبلة - كما ذكرناه في حال الاحتضار والغسل - ثم يأخذ قطعة من قطن فيحشو بها دبره حشوا جيدا، لئلا يخرج منه شئ بعد الغسل - ومتى خرج ذلك منه وأصاب شيئا من بدنه، غسل المكان الذي أصابه، وإن أصاب شيئا من كفنه قطع بمقراض فإذا فعل ذلك فقد كمل غسله ويأخذ بعد ذلك في تكفينه ونحن نذكره بمشية الله تعالى سبحانه " باب الاكفان والتكفين " الثياب التي يجوز التكفين بها، هي: الثياب القطن البياض - وهذه أفضل ثياب الاكفان - وثياب الكتان البياض، وكل ثوب من ذلك مخيط لم يكن خياطته ابتدأت للتكفين، وثياب الصوف. ولا يجوز التكفين بشئ يخالف ما ذكرناه ولا بشئ من جميع الثياب إذا

[ 60 ]

كان فيه أو في طرازه ذهب، وجميع الثياب المصبغات. وقد ذكر أن السواد من القطن والكتان مكروه. والمفروض من الاكفان ثلاث قطع وهي: قميص، ومئزر، وإزار، والندب أن يزاد على ذلك قطعتان وهما لفافتان - ولا يجوز الزيادة على هذه الخمس قطع، وما يتبع ذلك فليس هو من جملة الكفن، لأن الكفن هو ما يلف به جسد الميت، خرقة يشد بها فخذاه وعمامة يعمم بها وإن كان امرئة زيدت خرقة يشد بها ثدياها إلى صدرها. وإذا لم يوجد حبرة (1) ولا نمط (2) جاز أن يتخذ بدل كل واحد منهما ازار. وكفن الميت يجب اخراجه ابتداء من تركته قبل قضاء الديون والوصايا وكل شئ. وإن كان الميت امرئة كان كفنها على زوجها لا في تركتها، ولا مالها. وأما التكفين فهو: أن يبتدأ بالحبرة أو ما قام مقامها، فيفرش على شئ نظيف وينشر عليها شئ من القمحة (3)، ثم يفرش على ذلك الازار الثاني وينشر القمحة أيضا عليه ويفرش الثالث فوقه وينشر عليه من القمحة شئ آخر. ويكتب على الاكفان بتربة سيدنا أبي عبد الله الحسين عليه السلام إن تمكن منها، أو بالأصبع إن لم يجدها: فلان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه والأئمة - فلان وفلانا إلى آخرهم - أئمته أئمة الهدى الأبرار ثم يلف الكفن.

(1) الحبرة: بكسر الحاء وفتح الباء وهو ثوب يمنى وهو من الأجزاء المستحبة للكفن (2) النمط: هو ثوب من صوف، فيه خطط تخالف لونه شامل لجميع البدن فوق الجميع وهو مخصوص بالمرئة.
(3) القمحة بالفتح فالسكون: قيل حنطة ردية (راجع المجمع) وفي الجواهر: قيل إنها (أي الذريرة) حبوب تشبه حب الحنطة التي تسمى بالقمح، تدق تلك الحبوب كالدقيق لها ريح طيبة - الجواهر ج 4 ص 222.

[ 61 ]

فإذا فرغ الغاسل من غسل الميت على ما قدمناه، نقله إلى الاكفان ووضعه فيها مستقبلا به القبلة - كما تقدم ذكره في حال الاحتضار - ثم يأخذ خرقة طولها ثلاثة أذرع ونصف، ويجوز أن يكون أطول من ذلك - ويسد دبره بالقطن سدا جيدا، ويشد أوراكه إلى فخذيه بالخرقة بأن يلف عليها شدا وثيقا ويخرج طرفها من بين رجليه، ويغرز (1) طرفها في حاشية الخرقة من الجانب الأيمن. ويسد منافسه (2) بالقطن لئلا يخرج منها شئ. وإذا كان الميت امرئة، شد ثدياها بخرقة إلى صدرها، ويأخذ المئزر فيشده عليها كما يشد المئزر للحي. ثم يلبسه القميص، فإن كان له قميص جاز أن يكفن به بعد أن يقطع إزراره إلا أن يكون هذا القميص قد ابتدأت خياطته للتكفين، فإنه لا يجوز تكفينه به. ويأخذ من الجريد الأخضر جريدتين طول كل واحدة منهما مثل عظم الذراع، يكتب عليهما مثل ما كتب على الاكفان، يلفهما في القطن ويجعل الواحدة قائمة مع جانبه الأيمن من ترقوته ملصقة بجلده، والأخرى من جانبه الأيسر كذلك من فوق القميص، فإن لم يجد جريدة النخل جاز أن يجعل عوضه من الشجر الأخضر مثل السدر أو الخلاف أو غير ذلك. ثم يعممه بالعمامة بعد أن يكتب عليها مثل ما كتبه على الاكفان بإن يضعها على رأسه من وسطها ويحنكه ويعممه بهما مدورا، ويرسل طرفيها على صدره. ويأخذ من الكافور - ويكون مما لم تمسه النار إن تمكن من ذلك - وزن ثلاثة عشر درهما وثلث، وهو السنة الاوفى، فإن لم يقدر على ذلك المبلغ جاز أقل منه أيضا مثل درهم أو ما قدر عليه، ويسحقه بكفيه ويجعله على مساجده: جبهته، وطرف أنفه، وباطن كفيه يمسحهما إلى أطراف الأصابع، ويضع منه على

(1) غرزه: أي لواه وادخل طرفه في أصله.
(2) منافسه أي منافذه وخلله.

[ 62 ]

عيني ركبتيه، وإبهامي رجليه، فإن بقي بعد ذلك شئ جعله على صدره. ثم يأخذ في درجه في أكفانه: فيبدء بالازار فيرد ما على يساره على يمينه، وما على يمينه على يساره، ويفعل باللفافة الأخرى والحبرة أو النمط مثل ذلك، ويجمع أطراف اللفائف من عند رأسه ورجليه، ويشق (1) حاشية الظاهرة منها ويعقده عليها، ويكثر من ذكر الله سبحانه، فإذا فرغ من جميع ما أوصفناه صلى عليه وحمله إلى حفرته فيدفنه فيها. فاما الصلاة عليه فسنوردها. " وأما الدفن - فنحن ذاكروه - وما يتعلق به من أحكام القبور " فإذا أردت دفن الميت فيحمل إلى قبره، وينبغي أن يحمله المشيعون له، ومن حمله منهم فينبغي أن يبتدئ بحمله من جانب مقدم السرير الأيمن، ثم يدور إلى الجانب الأيسر ويعود إلى مقدمه الأيمن. ومن مشى خلف الجنازة فينبغي أن يمشى عن يمينها أو يسارها. ويقول المشاهد لها: الحمدلله لذى لم يجعلني من السواد المخترم (2) فإذا وصل به إلى القبر لم يفجأه به دفعة واحدة، بل يضعه دونه قليلا مما يلى رجليه فيه، ثم ينقله إلى شفيره في ثلاث دفعات. فإن كان الميت امرئة وضعت على جانب القبر مما يلى القبلة. ثم ينزل إليه أولى الناس بالميت، أو من يأمره الولي بذلك. ويتحفى (1) ويحل أزراره ويكشف رأسه إلا أن تكون به ضرورة تمنعه من ذلك فله أن لا يكشفه. فإذا عاين القبر قال: اللهم اجعلها روضة من رياض الجنة ولا تجعلها حفرة من حفر النيران.

(1) في بعض النسخ " يشد " بدل " يشق " (2) المخترم: الهالك (3) يتحفى: أي ينزل حافيا:

[ 63 ]

ثم يأخذ برأس الميت وكتفيه من جهة رجليه من القبر، ثم يسله (1) من سريره سلا معتدلا ولا ينكس رأسه في القبر عند إنزاله إليه، فإن كان امرأة أخذها عرضا ويقول الذي ينزل الميت في قبره: بسم الله وبالله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله، اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله اللهم زدنا إيمانا وتسليما. ثم يضعه على جانبه الأيمن مستقبلا بوجهه القبلة في لحد أو شق واللحد أفضل ويحل عقد أكفانه ويكشف وجهه ويضع خده على التراب، وإن جعل معه شيئا من تربة سيدنا الحسين بن علي عليهما السلام كان أفضل. ويلقنه الشهادتين وأسماء الأئمة عليهم السلام بأن يقول: يا فلان بن فلان أذكر العهد الذي خرجت عليه من دار الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عليا أمير المؤمنين عليه السلام والحسن والحسين وعلى بن الحسين - ويذكر الأئمة عليهم السلام إلى آخرهم - أئمتك أئمة الهدى الأبرار. ثم يشرج (2) عليه بعد ذلك اللبن أو ما قام مقامه ويقول المتولي لذلك: اللهم صل وحدته وآنس وحشته وارحم غربته واسكن إليه من رحمتك رحمة يستغنى بها عن رحمة من سواك واحشره مع من كان يتولاه ثم يخرج من جهة رجلى الميت في القبر ويهل (3) الحاضرون التراب عليه بظهور أكفهم. وهم يقولون: إنا لله وانا إليه راجعون، هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، اللهم زدنا إيمانا وتسليما. واعلم أن هذا القبر يجب أن يكون مقدار قامة الرجل إلى ترقوته، وعرضه بمقدار ما يتمكن فيه من الجلوس، فإذا طم القبر على الميت رفع عن وجه الأرض مقدار

(1) سل الشئ: انتزعه وأخرجه في رفق.
(2) شرج اللبن: نضده أي ضم بعضه إلى بعض.
(3) كذا في أكثر النسخ والظاهر أنه " يهيل " وهال عليه التراب معناه صبه عليه

[ 64 ]

شبر أو أربع أصابع، ويصيب عليه الماء، بأن يبتدئ بذلك من عند رأسه ويدار عليه من أربع جوانبه إلى أن يرجع إلى الرأس فإن بقي من الماء شئ صب على وسطه ثم يضع عند رأس القبر حجرا ظاهرا أو لوحا أو ما يجرى مجرى ذلك، ويضع الحاضرون - بعد تسوية القبر - أيديهم عليه عند رأسه، ويكونون متوجهين إلى القبلة، ويغمزوا أصابعهم في ترابه وهم يقولون: اللهم ارحم غربته، وصل وحدته، وآنس وحشته، وآمن روعته، وأسكن إليه من رحمتك رحمة يستغنى بها عن رحمة من سواك، واحشره مع من كان يتولاه، ثم يعزى وليه بعد الانصراف، ثم يتأخر أولى الناس بالميت عن القبر ويجعل وجهه إليه وظهره إلى القبلة وينادى الميت بأعلى صوته - إن لم يكن عليه تقية -: يا فلان بن فلان! أذكر العهد الذي خرجت عليه من دار الدنيا وهي شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن أمير المؤمنين علي ابن أبيطالب والحسن والحسين - ويذكر الأئمة عليهم السلام إلى آخرهم - أئمتك أئمة الهدى الأبرار وأن الموت حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، إذا أتاك الملكان وسألاك. فقل: الله ربي لا أشرك به شيئا ومحمد نبيي وعلي وصيه (1) والحسن والحسين - ويذكر الأئمة عليهم السلام واحدا بعد واحد إلى آخرهم - أئمتي والاسلام دينى والقرآن شعاري والكعبة قبلتي والمسلمون إخواني. ثم ينصرف، وإن كان عليه تقية جاز له أن يقول ذلك سرا. واعلم أن الميت إذا كان مهدوما عليه، أو مصعوقا، أو غريقا، أو صاحب ذرب (2) أو مدخنا فلا ينبغي أن يدفن إلا بعد ثلاثة أيام، إلا أن يظهر إمارات الموت

(1) كذا في نسخة وفي أكثر النسخ " وصيي " بدل " وصيه " (2) الذرب بالتحريك: الداء الذي يعرض للمعدة فلا يهضم الطعام ويفسد فيها (مجمع البحرين) ويقال له " الأسهال "

[ 65 ]

عليه، والمصلوب لا يترك على خشبته أكثر من ثلاثة أيام ثم ينزل عنها ويدفن. ولا يحمل ميتان على جنازة واحدة إلا لضرورة، ولا ينقل ميت من قبره إلى موضع آخر إلا لضرورة أيضا، وقد ذكر جواز ذلك إلى بعض مشاهد الأئمة عليهم السلام وإذا كان الميت امرئة لم ينزل معها القبر إلا زوجها أو ذو رحم منها، فإن لم يتمكن من ذلك، جاز لبعض المؤمنين النزول. ولا يهيل الوالد التراب على أحد من أولاده، ولا الولد على والده ولا يلقى في القبر تراب من غير ترابه، ولا يسنم بل يعمل مربعا، ولا يلزم المقام عند القبر، ولا يجصص، ولا يدفن ميت في قبر وفيه ميت آخر إلا لضرورة. وإن كان القبر نديا جاز أن يفرش فيه ألواح خشب، وإذا كان الميت خنثى ودعت الضرورة إلى دفنه في قبر، فيه ميت آخر جعل خلف الرجل وجعل التراب بينهما، وإن كان الذي في القبر امرأة جعل أمام المرأة ويجعل التراب بينهما أيضا وإذا اندرست القبور فلا تجدد بعد ذلك " تم كتاب الطهارة "

[ 66 ]

كتاب الصلاة قال الله سبحانه: " أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " (1) وقال الله تعالى: " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " (2) وقال الله تعالى: " اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا " (3) وقال عزوجل: " واقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات الآية " (4) وقال تعالى: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين " (5) وإذا أردنا بيان أحكام الصلاة وجب أن نبين أشياء: منها أقسامها، ومنها أعدادها، ومنها أوقاتها، ومنها ما يجوز فيه من اللباس وما لا يجوز فيه من ذلك، ومنها ما يجوز عليه من المكان وما لا يجوز عليه من ذلك، ومنها ستر العورة، ومنها ذكر القبلة، ومنها الأذان والإقامة، ومنها كيفيتها، ومنها

(1) البقرة الآية 110 * (2) العنكبوت الآية 45 (3) الاسراء، الآية 78 و 79 * (4) هود، الآية 114 (5) البقرة، الآية 238

[ 67 ]

ما يوجب إعادتها، ومنها بيان أحكام السهو والشك فيها، ونحن نذكر كل واحد من ذلك وما يتعلق به من أحكامه في فصل مفرد له بمشيئة الله تعالى. " باب أقسام الصلاة " أقسام الصلاة على ضربين: أحدهما صلاة اليوم والليلة، والآخر ما عدا ذلك وأما صلاة اليوم والليلة: فهي الظهر والعصر والعشائان وصلاة الليل وصلاة الفجر. وأما ما عدا ذلك فهو صلاة العيدين وكسوف الشمس والقمر، وقضاء الفائت من الصلاة، وصلاة النذر، وركعتي الطواف، والصلاة على الموتى، وصلاة الاستسقاء، ونوافل شهر رمضان، وصلاة عيد الغدير، وصلاة يوم مبعث النبي صلى الله عليه وآله وصلاة أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب وصلاة السيدة فاطمة عليهما السلام وصلاة الحبوة (1) وصلاة الاستخارة، وصلاة الحاجة، وصلاة ليلة النصف من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان، وصلاة الشكر، وصلاة الزيارات، وصلاة ليلة عيد الفطر، وصلاة الاحرام، وصلاة تحية المسجد. " باب إعداد الصلاة " إعداد الصلاة على ضربين: أحدهما إعداد ركعات اليوم والليلة، والآخر إعداد ما عدا ذلك. وأعداد ركعات اليوم والليلة على ضربين: أحدهما إعداد الحضر، والآخر إعداد السفر. فاما إعداد الحضر فعلى ضربين: أحدهما إعداد فرائضه، والآخر إعداد نوافله، فاما إعداد فرائض الحضر فهي سبعة عشر ركعة: الظهر أربع ركعات، والعصر والعشاء الآخرة مثل ذلك، والمغرب ثلاث ركعات، والفجر ركعتان. فاما نوافل الحضر فهي أربع وثلاثون ركعة: ثمان ركعات نافلة الظهر،

(1) وهي صلاة جعفر عليه السلام المشهورة بين الفريقين.

[ 68 ]

وثمان ركعات نافلة العصر، واربع ركعات نافلة المغرب، وركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة، وثمان صلاة الليل، وثلاث الشفع والوتر، وركعتان نافلة الفجر. فاما إعداد فرائض السفر فهي إحدى عشر ركعة: الظهر ركعتان، والعصر والعشاء الآخرة كذلك، والمغرب ثلاث ركعات، والفجر ركعتان. وأما أعداد نوافل السفر فهي سبع عشرة ركعة: أربع ركعات نافلة المغرب وثمان صلاة الليل وثلاث الشفع والوتر، وركعتان نافلة الفجر الأول. فاما أعداد غير صلاة اليوم والليلة من الصلوات - فهي على ضربين: أعداد الفرائض منها. والآخر أعداد النوافل. فاما أعداد الفرائض من ذلك فهي: صلاة العيدين - كل واحدة منهما ركعتان - وصلاة كسوف الشمس والقمر - عشر ركعات بأربع سجدات - وصلاة قضاء الفائت بحسب الفائت - إن كان أربعا فأربعا، وإن كان ثلاثا فثلاثا، وإن كانت الصلاة ثنائية فاثنتان - وصلاة النذر بحسب ما ينذره الناذر ويوجبه من ذلك على نفسه قليلا كان أو كثيرا -. وصلاة الطواف ركعتان. وصلاة الموتى خمس تكبيرات. وأما ما عدا ذلك من مندوبات الصلاة وهي: صلاة الاستسقاء - كصلاة العيدين - ونوافل شهر رمضان - ألف ركعة - والزيادة عليها مأة ركعة ليلة النصف منه وصلاة عيد الغدير - ركعتان - وصلاة يوم المبعث - اثنتا عشرة ركعة واربع ركعات صلاة أمير المؤمنين عليه السلام، وركعتان صلاة سيدتنا فاطمة " سلام الله عليها ". واربع ركعات صلاة الحبوة وركعتان صلاة الاستخارة، وركعتان صلاة الحاجة أيضا، واثنتا عشرة ركعة صلاة ليلة النصف من شعبان. وركعتان صلاة الشكر. وركعتان صلاة الزيارة - لكل واحد ممن يزار، (1) وركعتان صلاة يوم عرفة، وركعتان صلاة ليلة عيد الفطر، وستة ركعات أو ركعتان صلاة الاحرام.

(1) كذا في نسخة وفي بقية النسخ " لكل واحد من زائر " والصحيح ما أثبتناه:

[ 69 ]

واربع ركعات الزيادة على نوافل الجمعة، وركعتان صلاة تحية المسجد. " باب أوقات الصلاة " أوقات الصلاة على ضربين: أوقات الفرائض، وأوقات النوافل، فأما أوقات الفرائض فعلى ضربين: أحدهما: أوقات فرائض اليوم والليلة. والآخر: أوقات الفرائض لما عدا ذلك. فأما أوقات فرائض اليوم والليلة فخمسة أوقات: أولها الظهر وله وقتان: أول وآخر، فالأول زوال الشمس من وسط السماء إلى جهة المغرب، والآخر أن يصير ظل كل شئ مثله. والثاني العصر وله وقتان: أول وآخر، فالأول حين الفراغ من فريضة الظهر، والآخر أن يصير ظل كل شيئ مثليه. والثالث المغرب وله وقتان: أول وآخر، فالأول سقوط القرص من افق المغرب، والآخر غيبوبة الشفق من جهته - وفي أصحابنا من ذهب إلى أنه لا وقت له، إلا واحد وهو غروب القرص في افق المغرب وقد رخص للمسافر الذي يجد به السير، تأخير ذلك إلى ربع الليل. والرابع العشاء الآخرة وله وقتان: أول وآخر، فالأول حين الفراغ من فريضة المغرب - وقيل (1) غيبوبة الشفق، والآخر ثلث الليل، وقيل نصفه، والثلث أحوط - وقد ذكر أن الوقت هاهنا للمضطر ممتد إلى قبل طلوع الفجر. والخامس الفجر وله وقتان: أول وآخر، فالأول ابتداء طلوع الفجر الثاني - المعترض في جهة المشرق - والآخر ابتداء طلوع قرص (2) الشمس.

(1) والقائل هو الشيخ (ره) في النهاية، ص 59، وفي نسخة " قبل " بدل " قيل " والظاهر أنه تصحيف.
(2) في بعض النسخ " قرن " بدل " قرص ".

[ 70 ]

فأما وقت صلاة العيدين فهو ارتفاع الشمس. ووقت صلاة الكسوف ابتداء كسوف القرص، أو وجود الآية العظيمة من زلزلة، أو ريح سوداء أو ما أشبه ذلك. ووقت صلاة ركعتي الطواف حين الفراغ من الطواف ووقت صلاة الجنازة حين حضور الجنازة ووقت صلاة النذر حين حضور الزمان الذي علق النذر به، ووقت صلاة الفائتة إذا كانت منسية، حين الذكر لها، فإن لم تكن منسية فجميع الأوقات إلا أن يكون قد تضيق وقت الحاضرة، فإنه إذا كان ذلك، صليت الحاضرة ورجع بعد ذلك إلى القضاء. وأوقات النوافل على ضربين: أحدهما يصح فعلها فيه ابتداء وقضاء، والآخر مكروه، وأما الأول فهو أوقات نوافل اليوم والليلة وهي ستة أوقات: أولها: نوافل الظهر، وهو ما بين زوال الشمس إلى أن يبقى من وقت الظهر مقدار ما يؤدى فيه أربع ركعات إلا في يوم الجمعة خاصة، فإنه يجوز تقديم النوافل قبل الزوال أو تأخيرها إلى بعد صلاة فريضة العصر. وثانيها: وقت نوافل العصر، وهو ما بين الفراغ من فريضة الظهر إلى أن يبقى من وقت العصر مقدار ما يؤدى فيه أربع ركعات إلا في يوم الجمعة أيضا فإنه ينبغي تقديم ذلك أو تأخيره كما ذكرناه من حيث أنه لا ينبغي للمصلي أن يفرق بين فريضتي الظهر والعصر فيه. وثالثها: نوافل المغرب وهو من حين الفراغ من فريضته إلى حين زوال الشفق من المغرب. ورابعها: وقت الوتيرة وهو حين الفراغ من فريضة العشاء الآخرة. وخامسها: وقت صلاة الليل وهو من انتصافه إلى قبل طلوع الفجر. وسادسها: وقت ركعتي الفجر وهو ما بين الفراغ من صلاة الليل إلى طلوع الحمرة من ناحية المشرق. وأوقات ما عدا نوافل اليوم والليلة وهي: انبساط الشمس وقت صلاة -

[ 71 ]

الاستسقاء، فإذا بقي إلى زوال الشمس مقدار ساعة أو دونها وقت صلاة عيد الغدير، ارتفاع النهار وقت صلاة الشكر و (1) تجدد النعم، وارتفاعه أيضا وقت صلاة عاشورا على بعض الأقوال. وأما المكروه من الأوقات، فيختص بالنوافل المبتدأة بها من غير سبب وهي: حين طلوع الشمس، ووقت قيامها نصف النهار في وسط السماء إلا في يوم الجمعة، وبعد فريضة العصر، وحين غروب القرص، وبعد فريضة الغداة. واول الوقت وقت من لا عذر له، وآخره وقت ذوي الأعذار، والأعذار: المرض، والسفر، والمطر، والشغل بما يستضر بتركه في الدين أو الدنيا. والضرورة (2) الصبي إذا بلغ، والحائض إذا طهرت، والمجنون إذا أفاق، والمغمى عليه أيضا كذلك، والكافر إذا أسلم. وكل من صلى في الوقت كان مؤديا سواء كان في أوله أو في آخره ما لم يخرج الوقت وقد بقي عليه من الصلاة بقية فإن كان كذلك كان قاضيا ومن صلى قبل دخول الوقت لم يكن مؤديا ولا قاضيا وكان عليه الإعادة - لما صلاه - إذا دخل الوقت، ومن صلى بعد خروج الوقت كان قاضيا وإذا زالت الشمس وصارت بعد الزوال على قدمين ولم يكن المكلف صلى من نوافل الظهر شيئا فينبغي أن يؤخرها ويبدأ بالفريضة، وهكذا ينبغي أن يفعل في نوافل العصر مع فريضته إذا صار الظل بعد الزوال على أربعة اقدام فإن كان قد صلى شيئا من النوافل وانتهى الظل إلى ما ذكرناه تممها على التخفيف وصلى الفرض بعد ذلك. ومن أدركه الفجر ولم يكن صلى شيئا من صلاة الليل فينبغي أن يبتدأ بصلاة الفجر، ويؤخر صلاة الليل، فإن كان

(1) العطف أما على الشكر فيكون عطف تفسير من قبيل عطف السبب على المسبب أو عطف على ارتفاع النهار فيكون لصلاة الشكر وقتان.
(2) الضرورة مبتدأ وما بعده خبرها (راجع المبسوط، ج 1 ص 72).

[ 72 ]

قد صلى عند الفجر من صلاة الليل أربع ركعات تم صلاتها على التخفيف وصلى الغداة، وإذا قام إلى صلاة الليل وقد قرب طلوع الفجر خفف فيها واقتصر على قراءة الحمد وحدها. ولا يجوز تقديم صلاة الليل في أوله إلا المسافر يخاف من فوتها، أو شاب يخاف أن يمنعه من القيام آخر الليل رطوبة رأسه، ولا ينبغي أن يجعل ذلك، عادة وقضاء صلاة الليل من الغد أفضل من تقديمها في أول الليل. ومن أدركه الفجر ولم يكن صلى شيئا من صلاة الليل جاز أن يصلي نافلة الفجر ما بينه وبين طلوع الحمرة من ناحية المشرق، فإذا طلعت الحمرة كان عليه الابتداء بفريضته. ومن ابتدأ بالصلاة قبل دخول الوقت ودخل الوقت وهو في شئ منها وتمم باقيها فيه، كانت صلاته مجزية، فأما من صلى قبل دخول الوقت وفرغ من صلاة لم تكن مجزية. فأما من صلى بعد خروجه فقد تقدم ذكره. فإذا كنا قد ذكرنا الأوقات فينبغي أن نذكر ما يعرف به زوال الشمس. " باب ما يعرف به زوال الشمس " زوال الشمس يعرف بميزانها، أو بالاسطرلاب وذلك مشهور. فإن لم يتمكن من يريد معرفة ذلك مما ذكرناه أمكن أن يعرفه بالدائرة الهندية (1) وصفة ذلك: أن يقصد لها أرضا مستوية البسطة (2)، يدير فيها دائرة معتدلة، ويأخذ عودا معتدلا - يكون طوله مثل نصف دنوها إلى جانب الدائرة ويجوز أن

(1) كذا في نسخة وفي أكثرها " الهندسية " (2) في نسخة " مستوية السطح " بدلها

[ 73 ]

يكون أطول قليلا - ويعمله غليظ الأسفل دقيق الرأس مثل السلة (1) - وينصبه في وسطها، موضع مركزها وينظر ظله: فإنه يجده في أول النهار ممتدا خارجا عن محيطها، وكلما ارتفعت الشمس نقص الظل حتى يصير طرفه على محيطها، وينبغي أن يرقبه: فإذا صار على محيطها، أعلم عليه ثم يتركه فإنه لا يزال ينقص حتى يدخل الدائرة ويقصر بعد ذلك إلى نصف النهار ثم يعود في الزيادة بعد نصف النهار. فإنه ينبغي أن يرقبه قبل خروجه - في محيط الدائرة - وإذا صار طرف الظل عليها، أعلم عليه، ثم يخط خطا مستقيما من العلامة الأولى إلى العلامة الثانية، فيكون كالوتر لقوس، ثم يقسم القوس الذي تحته بنصفين، ويقسم الدائرة بمجموعها من نصف القوس أرباعا يتقاطع بخطين، فيكون الخط الخارج من نصف القوس إلى أعلى الدائرة هو خط نصف النهار الممتد من الشمال إلى الجنوب، والخط القاطع له عرضا هو الخط الممتد من المشرق إلى المغرب، وإذا تم ذلك وكان العود منصوبا في وسط هذه الدائرة والقى ظله على الخط الذي ذكرناه أنه خط نصف النهار كانت الشمس في وسط السماء، فإذا ابتدأ طرف رأس الظل يخرج عنه فقد زالت الشمس وذلك وقت الصلاة. فإذا لم يتأت الانسان عمل هذه الدائرة فليقصد إلى أرض معتدلة السطح، فينصب فيها عودا بصفة العود الذي تقدم ذكره ثم يرقب ظله فإنه يكون في ابتداء النهار طويلا - ولما ارتفعت الشمس نقص إلى أن تقف الشمس في وسط السماء فيقف الظل ثم يبتدئ في الزيادة - إلى جهة المغرب (2)، فينبغي أن يرقبه حينئذ وكلما نقص، أعلم عليه بنقط يضعها على رأس الظل - وكلما نقص فعل ذلك إلى

(1) السلة: السبد حيث يكون على شكل المخروط، وفي بعض النسخ " رقيق الرأس ".
(2) الظرف صفة ل‍ " طويلا "

[ 74 ]

أن تعين له الزيادة (1) على موضع النقطة التي انتهى إليها، فإذا صار كذلك فقد زالت الشمس. " باب ما يجوز الصلاة فيه من اللباس وما لا يجوز " اللباس على ضربين: أحدهما، تصح الصلاة فيه والآخر لا تصح، فالذي تصح فيه على ضربين: أحدهما، تصح فيه على كل حال والآخر مكروه. فأما الذي تصح على كل حال: فهو جميع ما أنبته الأرض من أنواع الحشيش والنبات إذا عمل حتى يصح كونه ساترا، وصوف كل حيوان يؤكل لحمه إذا ذكى، وشعره، وجلده، ووبره، والخز الخالص، والثوب إذا كان لحمته قطنا أو كتانا والباقي ابريسم، والخفان (2) ولا بد من الاعتبار في جميع ذلك كونه طاهرا، مع صحة التصرف فيه بملك أو إباحة، لأنه متى لم يكن كذلك لم يصح فيه الصلاة. وأما المكروه فهو: الرداء إذا اشتمل اشتمال الصماء (3)، والمئزر إذا شد فوق القميص، والثوب إذا كان شفافا، وثوب المرئة للرجل، والقباء المشدود. وثوب شارب الخمر ومستحل النجاسات أو شيئ منها وإن لم يعلم أن عليه النجاسة، والنقاب للمرئة، واللثام للرجل، والتكة والقلنسوة وما يجرى مجراها مما لا يتم الصلاة به منفردا إذا كان على شيئ من ذلك نجاسة. والثوب الأسود. والمفدم (4) وإما الذي لا تصح فيه على حال فهو: الابريسم المحض، وصوف ما لا يؤكل

(1) أي الزيادة بعد الزوال (2) اللذان لهما الساق (3) اشتمال الصماء: هو أن يدخل الرجل ردائه تحت إبطيه ثم يجعل طرفيه على منكب واحد، وفيه معان آخر ذكرت في مجمع البحرين.
(4) الثوب المفدم باسكان الفاء: المصبوغ بالحمرة صبغا مشبعا.

[ 75 ]

لحمه، وشعره، ووبره، وجلده وإن ذكى ودبغ، وجلود الميتة كلها، ما تصح عليه الزكاة منها وما لا تصح وإن دبغت أيضا، واللباس المغصوب. وما كان من اللباس مغشوشا بوبر الارانب وما أشبهها، والفنك (1) والسمور والسنجاب، والثوب المدبج (2) بالديباج أو الحرير المحض، والشمشك (3)، والنعل السندي. وما عليه شيئ من النجاسة - إذا كانت الصلاة مما تتم به منفردا - وثوب الانسان إذا كان عليه سلاح مشهر - مثل السيف أو السكين - وكذلك إذا كان في كمه مفتاح حديد إلا أن يلفه بشئ، وإذا كان معه دراهم سود إلا أن يشدها في شيئ، والخاتم إذا كان فيه صورة، وخلاخل النساء إذا كان لها صوت. " باب ما تجوز عليه الصلاة من المكان (وما لا تجوز) " المكان على ضربين: أحدهما تجوز عليه الصلاة، والآخر لا تجوز. والذي تجوز الصلاة عليه على ضربين: أحدهما تجوز الصلاة عليه على كل حال والآخر مكروه، فأما ما تجوز الصلاة عليه على كل حال فهو كل ما أطلق عليه اسم الأرض، وكل ما أنبته إلا ما يؤكل ويلبس، فإن كانت الحال حال ضرورة جاز السجود على ثوب قطن أو كتان، والأولى ترك ذلك. ولابد من الاعتبار - فيما ذكرناه - بصحة التصرف - بالملك، والاباحة - فمتى لم يكن كذلك لم تكن الصلاة صحيحة. وأما المكروه فهو مرابط الدواب، والإبل، والبيت الذي فيه مجوسي أو غيره من الكفار، والحمام، وجوف الوادي، وقرى النمل، ومرابض الغنم،

(1) الفنك بفتحتين: يقال إنه نوع من جراء الثعلب الرومي وقيل فيه معنى آخر (2) دبجه. نقشه وزينه (3) الشمشك بضم الشين وكسر الميم قيل إنه المشاية البغدادية (مجمع البحرين)

[ 76 ]

وجواد الطرق (1) وبيوت النيران، والأرض السبخة، وبين القبور، والثلج، والآجر، والخشب (2) والحجر مع التمكن من الأرض، والجص، والبيع والكنائس وبيت شارب الخمر، وذات الصلاصل، ووادي ضجنان، والبيداء، ووادي الشقرة (3) والقرطاس المكتوب. وأما ما لا تجوز الصلاة عليه، فهو ما انطلق (4) عليه اسم الأرض ولم يصح التصرف فيه بملك ولا إباحة. ويلحق بهذا المكان إذا أذن صاحبه لغيره في المقام فيه ثم نهاه بعد ذلك عن المقام أو أمره بالخروج فلم يخرج وأقام، فإنه إذا كان كذلك، وصلى والوقت متسع، لم تصح الصلاة، وإن كان الوقت ضيقا صحت، وكل ما انبتته الأرض مما يؤكل، ويلبس أو مما لا يؤكل ولا يلبس، ولم يصح التصرف فيه بالملك أو بالاباحة. وإن كان طاهرا، وجلد كل حيوان يصح فيه الذكاة والصلاة، أو لا يصح، وشعره ووبره، وصوفه، والقير، والذهب، والفضة، والمعادن، وداخل الكعبة للفرائض وحدها، لأن النوافل يجوز صلاتها فيها. " باب المساجد وما يتعلق بها " المساجد أفضل المواضع والأمكنة التي يصلي فيها، ولما كانت كذلك وجب ذكرها وما يتعلق بها.

(1) الجادة: وسط الطريق.. والجمع جواد مثل دابة ودواب (مجمع البحرين) (2) في بعض النسخ " الخبث " بدل " الخشب ".
(3) ذات الصلاصل: موضع خسف في طريق مكة، ووادي ضجنان: جبل بناحية مكة، والبيداء: موضع بين مكة والمدينة على ميل من ذي الحليفة نحو مكة، ووادي الشقرة - بضم الشين وسكون القاف - موضع في طريق مكة.
(4) كذا في جميع النسخ ومعناه: ذهاب اسم الأرض.

[ 77 ]

قال الله سبحانه " إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر الآية (1) وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة (2) وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال من كان القرآن حديثه والمسجد بيته بنى الله له بيتا في الجنة (3) وروي عن الأئمة (ع) إن الصلاة في المسجد الحرام بمأة ألف صلاة (4) والصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله بعشرة آلاف صلاة (5) والصلاة في بيت المقدس بألف صلاة وفي المسجد الأعظم بمأة صلاة، وفي مسجد القبيلة بخمس وعشرين صلاة وفي السوق باثنتي عشرة صلاة، وصلاة الرجل في بيته وحده صلاة واحدة (6) وصلاة الفرائض في المساجد أفضل منها في البيوت، وصلاة النساء في بيوتهن أفضل منها في غيرها (7) وصلاة النوافل في البيوت أفضل من المسجد ولا سيما صلاة الليل. بناء المسجد فيه ثواب عظيم، وفضل جزيل، وينبغي أن لا يعلى ولا يظلل، ولا يزخرف، ولا يشرف، ومأذنة المسجد ينبغي أن تبنى مع حائطه ولا ترفع عليه ولا يبنى في وسطه، ولا يجعل المحراب داخلا في بناء الحائط، ومن أخذ من آلته شيئا من الحصى أو غيره وجب رده إليه أو إلى غيره من المساجد ولا تنشد فيه الضالة. ويجنب البيع والشرى وإنشاد الشعر، ورفع الأصوات، ودخول الصبيان والمجانين عليه، واقامة الحدود فيه وبرئ النبل، وسل السيوف، وعمل الصنائع وينبغي للانسان أن لا ينام فيه، وإذا أكل شيئا من بصل أو ثوم لم يدخله، حتى تزول رائحة

(1) التوبة، الآية 18 (2) المستدرك، ج 1، الباب 6 من أبواب المساجد، الحديث 1 و 2 و 5 (3) الوسائل، ج 3، الباب 3 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 2 (4) الوسائل، ج 3، الباب 52 من أبواب أحكام المساجد: الحديث 5 و 7 و 8 و 10 (5) الوسائل، ج 3، الباب 57 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 2 و 3 و 4 (6) الوسائل، ج 3، الباب 64 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 2 (7) الوسائل، ج 3، الباب 30، الحديث 2 و 3 و 4

[ 78 ]

ذلك عنه، وما ينبغي فعله من التيمم لمن أجنب في المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وآله قد ذكرناه فيما تقدم (1) ومن أراد دخول المسجد فليمسح أسفل رجليه، أو أسفل شمشكه، أو خفه، أو نعله، أو ما يكون فيه، ويقدم رجله اليمنى عند دخوله، ويقول: بسم الله وبالله، اللهم صل على محمد بن عبد الله وعلى آله، وافتح لنا باب رحمتك واجعلنا من عمار مساجدك جل ثناء وجهك. وإذا أراد الخروج قدم رجله اليسرى في ذلك، ويقول: اللهم صل على محمد وآل محمد، وافتح لنا باب فضلك. وإن أراد أن يبصق فليضع ذلك في أسفل ما يمشي به من شمشك أو غيره، ولا يبصق في المسجد فإن فعل ذلك فليدفنه في التراب ولا يدفن فيه ميت. وتنظيف المساجد فيه فضل كثير، وكذلك إسراجها، ولا يكشف في شيئ منها عورة وإذا بنى الانسان مسجدا في داره جاز له تغييره، وتوسيعه وتضييقه، وإذا استهدم المسجد فصار مما لا يرجى فيه الصلاة بخراب ما حوله وانقطاع الطريق عنه وكان له آلة جاز أن يستعمل فيما عداه من المساجد، وإذا صار على هذه الصفة لم يعد ملكا على حال. " باب الجماعة وأحكامها " الاجتماع في الفرائض فيما عدا الجمعة مندوب إليه وفيه فضل كثير، وأما في الجمعة مع اجتماع الشروط فواجب، وقد روي أن صلاة الرجل جماعة يزيد على صلاة من صلى وحده في الفضل بخمسة وعشرين صلاة (2) والأفضل للانسان أن لا يترك الجماعة إلا لعذر والعذر على ضربين: أحدهما عام والآخر خاص فأما

(1) لاحظ ص 48 (2) الوسائل، ج 5، الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3

[ 79 ]

العام فهو: المطر، والوحل، والريح الشديد، وما جرى مجرى ذلك، وأما الخاص فهو الخوف والمرض، ومدافعة الاخبثين، وفوات الرفاق، وحضور الطعام مع شدة الحاجة إلى أكله، أو خبز أو طبيخ يخاف على تلفهما إن تركهما، أو يكون له عليل، أو مريض شديد، أو يغلبه النعاس الكثير يخاف من انتظار الجماعة عليه النوم وانتقاض الطهر فتفوته الصلاة، أو إباق عبد أو هلاك مال. أو ما يجرى مجرى ذلك. وتنعقد الجماعة بشرطين أحدهما العدد، والآخر الأذان والإقامة، وأقل ما ينعقد به العدد ثلاثة أحدهم الإمام وينبغي أن يعدل الصفوف، ويكون بين كل صفين مريض عنز وما أشبه ذلك، ولا يمكن أحد من الصبيان والعبيد، والنساء والمخنثين من الوقوف في الصف الأول، وإذا امتلاءت الصفوف ووقف الانسان وحده كان جائزا، وإذا رأى الانسان خللا في الصف فيستحب أن يسده بنفسه، ويجوز للانسان أن يقف بين الاساطين، وإذا وقف الرجل بحيث يكون بينه وبين الإمام ساتر من جدار وما جرى مجراه أو كان خلف المقاصير (1) التي ليست مخرمة (2) لم تكن صلاته جماعة، وقد رخص للنساء في ذلك، وأفضل الصفوف الصف الأول وما قرب من الإمام، وكان عن يمينه، وإذا صلى في المسجد جماعة، فإنه يكره إن تصلى فيه تلك الصلاة بعينها جماعة. وإن حضر قوم بعد الصلاة وأرادوا أن يصلوا جماعة وكانت الصفوف لم تنقض جاز أن يتقدم واحد منهم ويصلي بهم، ولا يصلي بهم الذي كان أم الناس ولا يؤذن ولا يقام لها، لأن الأذان والإقامة المتقدمة كافية في ذلك، وإن كانت الصفوف قد انقضت أذن وأقام وصلى بهم.

(1) المقاصير جمع المقصورة: والمراد بها مقام الإمام، أي ما يحجر فلا يدخل فيه غيره (راجع الجواهر، ج 13، ص 156) (2) المخرمة: ما فيها ثقب وانشقاق

[ 80 ]

" باب الامامة وما يتعلق بها " لا يجوز لأحد أن يتقدم في الصلاة على الإمام الأعظم، فأما من عداه فيجوز تقديمه على غير الإمام الأعظم من الناس إذا جمع شروطا، وهي: كونه حرا بالغا كامل العقل موثوقا بورعه ودينه سليما من العاهات والأسباب التي نذكرها " في من يؤم بمثله " وأما من يؤم بمثله، ولا يؤم بغيره من الاصحاء السليمين، فهو الأبرص، والمجذوم، والمفلوج، والزمن، فهؤلاء كما ذكرناه لا يؤم واحد منهم إلا بمن كان بمثله، ولا يؤم بمن يخالفه في الصحة والسلامة، ولا يؤم العبيد بالاحرار، إلا أن يكونوا ساداتهم إذا كان العبد أقرأهم، ولا تؤم المرأة الرجال، ويجوز أن تؤم النساء ولا يؤم الأعرابي المهاجرين، ويجوز أن يؤم بغيرهم، ولا يؤم المتيمم بالمتوضين ويجوز أن يؤم المتيممين ولا يؤم المسافر الحاضرين ويؤم المسافرين وقد ذكر أن إمامته للحاضرين جائز إلا أنها مكروهة وعلى هذا الوجه إن أم بالحاضرين فينبغي له إذا تمم فرضه سلم وقدم غيره من الحاضرين ليتم الصلاة بهم. ولا يجوز إمامة كل من خالف الحق بمذهب، أو دين، ومن يتظاهر بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ولا يتبرء من أعدائه، وولد الزنا والفاسق والمحدود وإن كان موافقا في الاعتقاد والأعمى إذا لم يسدده من خلفه، فإن سدده (1) كانت إمامته جائزة، ومن لم يكن من الصبيان بالغا لم تجز إمامته، وقد ذكر في ذلك عاق والديه وقاطع رحمه والأغلف. وإذا حضر الصلاة من نصبه الإمام الأعظم لم يتقدم أحد عليه وإذا حضر رجل من بني هاشم وهو على الشرائط التي قدمنا ذكرها، فينبغي تقديمه، ولا يتقدم أحد على أميره، ولا على من هو في مسجده، أو منزله إلا أن يقدم، ويتقدم اقرء الجماعة

(1) بأن يوجهه إلى القبلة.

[ 81 ]

فإن استووا فأكبرهم سنا، فإذا استووا فأصبحهم وجها ويكره لمن يؤم بالناس أن يصلي في محراب داخل في الحائط، وإذا قامت الصلاة وكانت مما يصلي بإمام لم تجز صلاة النوافل في هذا الحال، ولا يجوز للامام أن يصلي بالناس جالسا إلا أن يكونوا عراة فإنهم إذا كانوا كذلك صلوا جلوسا وتقدمهم الإمام بركبتيه، ولا يجوز أن يكون موضع وقوف الإمام أعلى من موضع المأمومين بما يعلم تفاوته، ويجوز أن يكون موضع المأمومين أعلى من موضع الإمام. وإذا حضر لصلاة الجماعة اثنان بغير زيادة عليهما فليقف أحدهما عن يمين الآخر ويصليان، ومتى أم من يصح تقدمه بغيره في صلاة جهرة وقرء، فلا يقرء المأموم بل تسمع قرائته فإن كان لا يسمع قرائته كان مخيرا بين القرائة وتركها، وإن كانت صلاة إخفات فيستحب للمأموم أن يقرء فاتحة الكتاب وحدها. ويجوز أن يسبح الله تعالى ويحمده. وإذا أم من لا يجوز الاقتداء به فعلى من خلفه ممن يأتم به القراءة على كل حال جهر الإمام بالقراءة أو لم يجهر، وإذا رأى إنسان رجلين يصليان نوى الائتمام بواحد منهما غير معين لم تصح صلاته، وإذا رأى اثنين يصليان، أحدهما مأموم والآخر إمام فنوى الائتمام بالمأموم لم تصح صلاته وإذا صلى رجلان فذكر كل منهما أنه إمام صحت صلاتهما، وإن ذكر كل واحد منهما أنه مأموم لم تصح صلاتهما، وكذلك إن شكا ولم يعرف كل واحد منهما أنه مأموم لم تصح صلاتهما أيضا ولا يؤم الأمي بقارئ، والأمي هو الذي لا يحسن قراءة الحمد، والأمي يجوز أن يأتم بالأمي ومن صلى خلف من لا يأتم به فعليه أن يقرأ لنفسه، وأقل ما يجزي الانسان قراءة الحمد وحدها. ومن صلى خلف من لا يقتدى به وكان عليه تقية ولم يتمكن من قراءة أكثر منها كان جائزا ويجزيه أيضا إن كان عليه تقية أن تكون قراءته مثل حديث النفس ولا يجوز له ترك القراءة على حال، وإذا سبق الإمام الذي لا يقتدى به إلى الفراغ

[ 82 ]

من السورة فالأفضل أن يبقي منها آية فإذا وصل الإمام إليها تممها هو بذلك معه، فإذا فرغ منها قبله فينبغي له أن يسبح الله تعالى ويحمده إلى حين فراغه من القرائة ومن أدرك تكبيرة الركوع فقد أدرك تلك الركعة، وإن لم يدركها فقد فاتته وإذا سمع تكبيرة الركوع قبل وصوله إلى الصف فليركع ويمشي وهو كذلك حتى يصل إلى الصف ويتم ركوعه، وإذا رفع الإمام رأسه من الركوع فليسجد، فإذا نهض إلى الثانية فيلحق بالصف، فإذا خاف الانسان من فوت الركوع أجزأه أن يكبر تكبيرة واحدة للافتتاح والركوع، وإن كان لا يخاف من ذلك كبر تكبيرتين واحدة للافتتاح والأخرى للركوع ومن فاته مع الإمام ركعة أو ركعتان جعل ما يدركه معه أول صلاته، فإذا سلم الإمام قام هو ويتمم ما فاته. وينبغي للامام أن يسمع من خلفه الشهادتين، وإذا اقتدى إنسان بغيره في صلاته لم يجز له أن يرفع رأسه قبل رفع رأسه من ركوع ولا سجود، فإن فعل ذلك ناسيا عاد إلى الركوع أو السجود حتى يرفع رأسه مع الإمام، وإن تعمد ذلك لم يرجع إلى الركوع ولا السجود، بل يقف حتى يلحقه الإمام، وإن كان الإمام لا يقتدى به وفعل ذلك معه، فلا يرجع إليه، متعمدا كان في ما فعله أو ناسيا، فإن عاد إليه كان قد زاد في صلاته، وذلك لا يجوز. ومن لحق الإمام وقد رفع رأسه من الركوع سجد معه ولم يعتد بتلك السجدة ويجوز له أن يقف حتى يقوم الإمام إلى الثانية ومن لحقه وهو في التشهد جلس معه حتى يسلم، فإذا سلم قام هو واستأنف الصلاة. والامام إذا علم بدخول قوم إلى المسجد وهو في الركوع، اطال فيه حتى يلحقوا به في ذلك. وإذا سلم الإمام فينبغي أن يسلم تسليمة واحدة تجاه القبلة، ويشير بمؤخر عينه اليمنى بها إلى جهة يمينه. ولا يزول من موضع صلاته حتى يتم من فاته شيئ من الصلاة خلفه (1)، ما فاته منها ومن لم يكن صلى الظهر ثم دخل مع الإمام في صلاته

(1) في النسخ التي بايدينا زيادة " واو " هنا.

[ 83 ]

العصر لم يجز أن يصليها عصرا ولا أن يقتدى به، فإن نوى أنها له ظهر كان جائزا. ومن كان إماما ثم أحدث في الصلاة حدثا ينقض الطهارة أو يقطعها، فينبغي أن يقدم غيره ليتم الصلاة بالناس، ويستحب أن يكون هذا الذي يقدم ممن قد شهد الإقامة للصلاة، فإن لم يكن كذلك جاز تقديمه على كل حال، وإن كان ممن قد فاته من الصلاة ركعة أو ركعتان كان أيضا جائزا غير أنه إذا صلى بهم تمام صلاتهم أومأ بالتسليم لهم إيماء، أو قدم من يسلم بهم ثم يقوم هو فيتمم الباقي له من الصلاة والامام إذا مات فجأة أزيل من القبلة وقدم من يتمم الصلاة بالناس. وإذا دخل إنسان في صلاة نافلة ثم أقيمت الصلاة كان له قطعها، والدخول في الجماعة، وإذا كان في فريضة كان له قطعها إذا كان الإمام إمام الأصل وإذا لم يكن الإمام إمام الأصل وكان ممن يقتدى به تمم صلاته التي هو فيها ركعتين على التخفيف ويعدهما نافلة، وإن كان ممن لا يقتدى به بنى على ما هو فيه، ودخل معه في الصلاة، فإذا فرغ من صلاته سلم ثم قام مع الإمام وصلى ما بقي له معه واعتده أيضا من النافلة وإذا اتفق قيام الإمام في حال تشهده اقتصر فيه على الشهادتين وسلم قائما. وإذا كان الإمام مخالفا في الاعتقاد وقرأ سورة سجدة ولم يسجد فينبغي أن تؤمي أنت بالسجود ايماءا ومن اضطر إلى التسليم قبل أن يسلم الإمام جاز له الخروج ومن صلى بقوم إلى غير القبلة ومن خلفه عالم بذلك كان على الجميع إعادة الصلاة فإن لم يكن الذين خلفه عالمين بذلك لم يكن عليهم إعادة وكانت الإعادة على الإمام وحده. " باب ستر العورة " سترها في الصلاة على ضربين، أحدهما عورة الرجال والآخر عورة النساء فأما عورة الرجال فهي من السرة إلى الركبتين وأقل ما يجزي في ستر العورة مئزر وما أشبهه

[ 84 ]

مما إذا استتر به وأسبل (1) به ستر الركبتين، فقد ذكر أن الواجب ستر القبل والدبر وما عدا ذلك مستحب، وما ذكرناه هو الأحوط، فأما عورة النساء فهي جميع أبدانهن إلا رؤوس المماليك ومن لم تبلغ من الحرائر: فإن هؤلاء يجوز لهن كشف رؤوسهن في الصلاة والأفضل لهن سترها، وأقل ما يجزي البالغ من الحرائر درع يسترها إلى قدميها وخمار، والمماليك ومن ليس ببالغ درع يستر إلى القدمين، والأفضل التجمل باللباس للصلاة مع القدرة على ذلك والتمكن منه والأفضل للرجل إذا أراد الصلاة أن يرتدي ويلبس العمامة محنكا في صيف كان أو في شتاء. " باب القبلة " القبلة هي الكعبة، والعلم بها واجب مع التمكن للتوجه إليها في فرائض الصلاة وسننها، واحتضار الموتى من الناس، وغسلهم، والصلاة عليهم، ودفنهم والذبائح. فكل من شاهد الكعبة وجب عليه التوجه إليها، فإن لم يشاهدها وشاهد المسجد الحرام وجب عليه التوجه إلى المسجد الحرام وإن لم يشاهد الكعبة ولا المسجد الحرام وجب عليه التوجه إلى الحرم سواء كان مشاهدا له أو لم يكن كذلك، وما قدمناه في معرفة زوال الشمس به، يعرف به جهة القبلة، لأن الشمس إذا زالت مالت (2) من بين عيني الانسان حتى تصير على حاجبه الأيمن كان متوجها إليها، وإذا كان في الليل كان متوجها إليها بأن يجعل الجدى على منكبه الأيمن، وإن كان عند طلوع الفجر جعله على يده اليسرى.

(1) في بعض النسخ " أسيل ".
(2) مراده " رحمه الله " إنه إذا زالت الشمس ووقعت بين عيني الانسان انحرف الانسان في تلك الساعة إلى اليسار حتى جعلت الشمس على حاجبه الأيمن فحينئذ كان مواجها إلى القبلة، وهذا منطبق على من كان في الشام والضمير في " إليها " في الموردين إلى القبلة

[ 85 ]

وإذا تقدمت له المعرفة بجهة القبلة أمكنه أيضا أن يعرف زوال الشمس بأن يتوجه إليها فيرى الشمس على حاجبه الأيمن. (1) ويمكن أن يعرف ذلك بأن يجعل الانسان منكبه الأيمن بازاء المغرب والأيسر بازاء المشرق ثم ينظر الشمس، فإذا رآها قد زالت وصارت (2) على حاجبه الأيمن كان متوجها إلى القبلة، فإن كان عارفا بالجهة التي تنتهي الشمس إليها في الصيف ثم ترجع (3). وعارفا بالجهة التي إذا رجعت انتهت ثم عادت، وكذلك في جهتي انتهائها في المغرب ورجوعها، ثم تحرى (4) جهة الوسط بأن يجعل منكبه بازاء الوسط من الجهتين المذكورتين في المغرب ومنكبه الأيسر بازاء الوسط من الجهتين المذكورتين في المشرق. ثم توجه إلى جهة الجنوب، فإنه إذا وقف كذلك ووجد الشمس قد زالت وصارت على حاجبه الأيمن عرف بذلك الزوال وكان متوجها إلى القبلة. وإذا أطبقت السماء بالغيم، وحضر وقت الصلاة، ولم يتمكن المكلف من المعرفة بجهتها ولا غلب في ظنه ذلك، صلى إلى أربع جهات، الصلاة بعينها أربع صلوات، فإن لم يتمكن من ذلك لخوف أو غيره من الضرورات، صلى إلى أي جهة أراد والمحبوس إذا كان لا يتمكن من المعرفة بجهة القبلة، كان حكمه ما قدمناه ومن كان على سطح الكعبة فعليه أن ينزل ويتوجه إليها فإن لم يتمكن من ذلك لضرورة استلقى على ظهره ونظر إلى السماء وصلى إليها، وقد ذكر أنه إذا فعل ذلك كان متوجها إلى البيت المعمور (5).

(1) هذا أيضا منطبق على من كان في الشام.
(2) يعني ينحرف الانسان إلى اليسار حتى تصير الشمس على حاجبه الأيمن.
(3) المراد هي النقطة العليا في القوس الصعودي لمشارق الشمس في أول الصيف وكذا ما بعده في القوس النزولي - في أول الشتاء - (4) كذا في النسخ والظاهر أن الصحيح " تحرى " بمعنى أختار والمراد بوسطهما المغرب والمشرق الاعتداليين.
(5) الوسائل ج 3، الباب 19 من أبواب القبلة، الحديث 2

[ 86 ]

وإذا اجتمع قوم غير عارفين بجهة القبلة بشئ من الوجوه التي ذكرناها وأرادو أن يصلوا جماعة جاز لهم ذلك بأن يقتدوا بواحد منهم إذا كانت أحوالهم متساوية في التباس القبلة عليهم. فإن غلب في ظن بعضهم جهة القبلة وتساوى ظن الباقين كان ذلك أيضا جائزا لهم بأن يقتدوا به، لأن فرضهم الصلاة إلى الجهات الأربع مع التمكن وإلى واحدة منها مع الضرورة، وهذه الجهة واحدة من ذلك فإن اختلف ظنونهم وأدى كل واحد منهم اجتهاده إلى القبلة في خلاف الجهة التي ظن الآخر أنها بها، لم يجز أن يقتدي واحد منهم بالاخر. وإذا وجب على قوم منهم الصلاة إلى أربع جهات جاز لهم الصلاة جماعة، ويقتدى كل واحد منهم بصاحبه في الجهات الأربع. ومن دخل إلى غير بلده من البلدان أو المواضع جاز له أن يصلي إلى قبلة ذلك البلد أو الموضع الذي دخل إليه، فإن علم أو غلب على ظنه أن تلك القبلة غير صحيحة لم تجز له الصلاة إليها وكان عليه أن يجتهد في طلب القبلة - بأحد الوجوه التي ذكرناها - ثم يتوجه إليها. ومن لا يحسن الاعتبار في طلب جهة القبلة بشئ مما ذكرناه، وأخبره عدل بأن القبلة في جهة معينة جاز له الرجوع في ذلك إلى قوله. " الصلاة على الراحلة وما يلحق بها " والمسافر إذا كان ماشيا لم يجز له أن يصلي إلا وهو مستقبل القبلة، فإن كان على راحلة لم يجز له مع الاختيار أن يصلي إلا كذلك (1)، فإن كان مضطرا أو غير متمكن من النزول عنها جاز أن يصلي عليها بعد أن يستقبل القبلة ويجوز صلاة النوافل في السفر على الراحلة وإن كان المسافر مختارا بعد أن يستقبل القبلة، فإن لم يمكنه ذلك استقبلها بتكبيرة الاحرام ثم يصلي كيف ما توجهت به راحلته، وكذلك الماشي إذا لم يتمكن من استقبالها في جميع صلاته.

(1) أي كالماشي، وفرضها استقبال القبلة واقفا.

[ 87 ]

ومن كان في سفينة وهو متمكن من أن يدور إلى القبلة - إذا دارت هي في خلاف جهتها - فعل ذلك، فإن لم يتمكن من ذلك صلى إلى صدر السفينة بعد أن يستقبلها بتكبيرة الاحرام. ومن كان في حرب شديد ومسائفة وخوف من ذلك لا يتمكن معه من استقبال القبلة سقط عنه فرض الاستقبال لها وكانت صلاته على ما سنذكره في باب صلاة الخوف إن شاء الله تعالى. ومن كان عالما بدليل القبلة ثم التبس عليه ذلك لم يجز له أن يقلد غيره في الرجوع إلى واحدة من الجهات الأربع التي كلف الصلاة إليها مع الالتباس، فإن كان به ضرورة صلى إلى أي جهة أراد، فإن قلد غيره في حال الضرورة دون الاختيار كان جائزا إذا كانت الجهة التي يقلد فيها غير (1) فمخير في الصلاة إليها أو إلى غيرها. ولا يجوز للمكلف قبول قول غير العدل في شئ من الجهات مسلما كان أو كافرا. ومن صلى إلى جهة من الجهات ثم بان له أنه قد صلى إلى غير القبلة، وكان الوقت باقيا كان عليه إعادة الصلاة. فإن كان قد اقتدى به في هذه الصلاة أعمى أو قبل قوله فيها ولم يقتد به كان عليه أيضا الإعادة، وإن كان الوقت قد انقضى لم يكن عليه إعادة إلا أن يكون قد صلى مستدبر القبلة، فحينئذ تكون عليه الإعادة. والضرير (2) إذا دخل في صلاة إلى جهة بقول واحد من الناس ثم ذكر له آخر أن القبلة في غير تلك الجهة كان عليه أن يأخذ بقول أعدلهما عنده، فإن تساويا في العدالة مضى في صلاته.

(1) الظاهر سقوط الضمير، المضاف إليه.
(2) الضرير: ذاهب البصر

[ 88 ]

وإذا دخل الأعمى في صلاة إلى جهة بقول بصير ثم أبصر ورأى علامات القبلة وإماراتها صحيحة بنى على صلاته، فإن افتقر - حين أبصر - إلى تأمل كثير وطلب الامارات ومراعاة لذلك كان عليه استئناف الصلاة، وهو الأحوط من قول من قال: بأنه يمضي في ذلك. ومن توجه في الصلاة إلى جهة وهو بصير ثم عمى عليه كان عليه المضي فيها، فإن انحرف عنها انحرافا لا يمكنه معه الرجوع إليها كان عليه استئنافها من لفظها (1) ويعمل على قول من يسدده إلى جهة القبلة. " باب الأذان والإقامة وأحكامهما " الأذان والإقامة على ضربين: واجب ومندوب، فالواجب هو ما يتعلق منهما بصلاة الجماعة على الرجال، وأما المندوب فهو ما يتعلق منهما بغير صلاة الجماعة على ما ذكرناه. وفصولهما على ضربين أحدهما فصول الأذان والآخر فصول الإقامة، فأما فصول الأذان فثمانية عشر فصلا، وهي الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، حي على خير العمل، حي على خير العمل، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله. وأما فصول الإقامة فهي سبعة عشر فصلا وهي مثنى من أولها، فإذا قلت حي على خير العمل قلت: قد قامت الصلاة مرتين، فإذا قلت بعد ذلك الله أكبر قلت: لا إله إلا الله مرة واحدة. واعلم أن الأذان والإقامة مشدد فيهما على وجه التأكيد على من صلى شيئا

(1) الظاهر أن المراد استئناف الصلاة من رأس

[ 89 ]

من الصلوات الخمس منفردا، والإقامة في ذلك أشد تأكيدا من الأذان، ومن صلى جماعة بغير أذان ولا إقامة كانت صلاته صحيحة غير أن فضل الجماعة ليس بحاصل له وهما أيضا مؤكدتان فيما يجهر فيه المصلي بالقرائة إذا كان منفردا وما يتعلق به صلاتا المغرب والفجر من ذلك آكد من غيرهما على المنفرد. ولا يجوز الأذان والإقامة للنوافل والأفضل لمن صلى قضاء لشيئ من الصلوات الخمس أن يؤذن كذلك ويقيم - حسب ما كان فعله - في الصلاة التي يقضي عنها وإذا دخل المصلي في صلاة بغير أذان ولا إقامة فالأفضل له الرجوع، ويؤذن ويقيم ثم يدخل في الصلاة، فإن كان قد ركع لم يجز له ذلك، ومضى في صلاته. والتثويب والترجيع عندنا ليسا بمسنونين في الصلاة، والترجيع هو التكرار للتكبير والشهادتين في أول الأذان، والتثويب هو قول: الصلاة خير من النوم. والترتيب واجب في الأذان والإقامة، وهو أن يبتدأ بالتكبير، ثم شهادة أن لا إله إلا الله، ثم شهادة أن محمدا رسول الله، ثم حي على الصلاة، ثم حي على الفلاح، ثم حي على خير العمل، ثم التكبير، ثم التهليل على ما ذكرناه، وإن كان في الإقامة أتى بعد " حي على خير العمل " بذكر الإقامة، وبعد ذلك بالتكبير ثم التهليل ومتى أذن أو أقام بغير ترتيب كان عليه إعادة ذلك وإن أذن وأقام قبل دخول الوقت أعادهما أيضا. ويجب على المصلي - جماعة - استقبال القبلة في حالهما، وأن يكون قائما إلا لضرورة تمنعه من ذلك. وينبغي للمصلي أن يرتل ألفاظ الأذان ويحدر (1) الإقامة، ويقف على فصولهما، ولو يعرب شيئا من ذلك ويجوز للنساء أن يؤذن ويقمن من غير أن يسمعن الرجال أصواتهن. ويجوز تقديم الأذان قبل دخول الوقت في صلاة الغداة فإذا دخل الوقت لم يكن بد من إعادته، وينبغي رفع الصوت في الأذان ولا ينتهى في

(1) أي يسرع

[ 90 ]

ذلك إلى حد يبطله، ويجوز الكلام في حال الأذان ويكره في الإقامة، وإن تكلم بها استحبت له الإعادة وكذلك يستحب له الإعادة إذا عرض له الاغماء أو النوم ثم أفاق أو استيقظ ومن أتى ببعض الأذان ثم ارتد وعاد إلى الاسلام فعليه استئنافه، ومتى تمم الأذان ثم ارتد بعد ذلك جاز لغيره أن يأتي بالإقامة. ومن جمع بين صلاتين جاز له أن يؤذن ويقيم للأولى ثم يقيم للثانية ويجوز أن يصلي ما شاء من الصلوات الخمس بالإقامة دون الأذان وإن لم يجمع بين اثنين منها. ولا يجوز الأذان والإقامة إلا للصلوات الخمس فأما غير ذلك من سائر الصلوات على اختلافها فلا يجوز الاتيان بهما في ذلك. وليس على النساء أذان ولا إقامة، فإن أذن وأقمن كان أفضل ولا يسمعن الرجال أصواتهن كما قدمناه. ويستحب لمن أذن أو أقام أن يقول في نفسه عند حي على خير العمل: آل محمد خير البرية مرتين، ويقول في نفسه إذا فرغ من (1) قوله حي على الصلاة لا حول ولا قوة إلا بالله، وكذلك يقول عند قوله حي على الفلاح، وإذا قال: قد قامت الصلاة قال اللهم أقمها وأدمها واجعلني من خير صالحي أهلها عملا، وإذا فرغ من قوله قد قامت الصلاة قال: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة الدائمة (2) اعط محمدا سؤله يوم القيامة وبلغه الدرجة والوسيلة من الجنة وتقبل شفاعته في أمته. ومن أذن وأقام فينبغي أن يفرق بينهما بجلسة يمس فيها بيده الأرض أو بسجدة أو خطرة، إلا أن يكون ذلك لصلاة المغرب، فإنه لا يفرق بينهما بسجدة ويستحب لمن سمع الأذان والإقامة أن يقول في نفسه كما يسمع منه. وينبغي (3) أن يكون المؤذن مأمونا عارفا بالأوقات، ولا يجوز أخذه الأجرة

(1) في بعض النسخ زيادة " صلاة " والمراد لفظ الصلاة الواقعة في " حي على الصلاة " (2) في بعض النسخ " القائمة " بدل " الدائمة ".
(3) في بعض النسخ " يستحب " بدل " ينبغي "

[ 91 ]

على ذلك إلا أن يكون من بيت المال، وإذا تشاح الناس على الأذان اقرع بينهم لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله ثلاثة لو علمت أمتي ما فيها لضرب عليها بالسهام: الأذان، والغدو إلى الجمعة، والصف الأول (1). وإذا دخل قوم إلى المسجد وقد صلى الناس جماعة وأرادوا أن يصلوا جماعة لم يكن عليهم أذان ولا إقامة، هذا إذا لم يكن الناس قد انصرفوا من صلاة الجماعة وإن كانوا قد انصرفوا أذنوا وأقاموا وإذا صلى إنسان خلف من لا يقتدى به، أذن وأقام فإن صلى خلف من يأتم به لم يكن عليه أذان ولا إقامة. ومن أحدث في حال الأذان كان عليه إعادة الوضوء والبناء على ما تقدم، وإن كان ذلك منه حال الإقامة اعاد الوضوء واستأنفها. ويكره أن يؤذن الانسان وهو راكب أو ماش مع الاختيار، ويجوز أن يؤذن وهو على غير طهارة، ولا يقيم إلا وهو على طهارة. كيفية الصلاة على ضربين: أحدهما كيفية صلاة اليوم والليلة والآخر كيفية ما عدا ذلك من الصلوات وكيفية صلاة اليوم والليلة على ضربين: أحدهما كيفية صلاة المختار والآخر كيفية صلاة المضطر. إذا كان كان المكلف بالصلاة مختارا ودخل الوقت، فينبغي أن يتطهر للصلاة إن كان محدثا، ثم يتوجه إلى القبلة وهو قائم مع تمكنه من ذلك، ويؤذن فإذا فرغ من ذلك سجد، وقال في سجوده. لا إله إلا أنت ربي سجدت لك خاضعا خاشعا فصل على محمد وآل محمد، وارحمني وتب علي انك أنت التواب الرحيم، ويرفع رأسه ويقيم الصلاة فإن فرق هاهنا بين الأذان والإقامة بخطوة أو جلسة كان جائزا إلا أن تكون صلاة المغرب فلا يفرق كما قدمناه في باب الأذان فإذا استوى

(1) جامع أحاديث الشيعة ج 4، الباب 2 من أبواب الأذان والإقامة، ص 628 الحديث 14.

[ 92 ]

قائما فرق بين قدميه بمقدار شبر أو أربع أصابع، فإن كان المصلي امرأة جمعت بين قدميها، ولا يلتفت المصلي، يمينا ولا شمالا، ويكون على خشوع وخضوع وتذلل لله سبحانه، ثم يفتتح الصلاة بسبع تكبيرات، ويعقد النية كذلك في حال الابتداء بالدخول فيها ويبتدئ بالتكبيرة الأولى فيقول: الله أكبر، ويرفع يديه مع التكبير باسطا كفيه مفرجا بين إبهاميه ومسبحتيه حيال شحمتي أذنيه ولا يتجاوز بذلك أطراف أصابعه. ثم يرسلهما - إذا كبر - على فخذيه ثم يرفعهما، ويكبر ثانية وثالثة كذلك فإذا فرغ من الثالثة دعا فقال " اللهم أنت الملك الحق المبين، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوء وظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم يكبر تكبيرتين يكمل بهما خمس تكبيرات، ويفعل فيهما كما فعل في التكبير المتقدم، ثم يقول: بعد الخامسة: " لبيك وسعديك، والخير كله في يديك والمهدى من هديت، عبدك وابن عبديك، لا ملجأ ولا منجا ولا ملتجأ منك إلا إليك سبحانك وحنانيك، تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت الحرام " وإذا فرغ من ذلك كبر تكبيرتين يكمل بهما سبع تكبيرات ثم يرسل يديه إلى فخذيه بعد السابعة وإن كان امرأة وضعت أطراف أصابع يدها اليمنى على ثديها الأيمن، واليسرى على الأيسر وقال: " وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض حنيفا مسلما على ملة إبراهيم ودين محمد (ص) ومنهاج علي بن أبي طالب وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وانا من المسلمين أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم. ويقرأ الحمد وسورة ويفتحها ببسم الله الرحمن الرحيم فإذا فرغ من قراءة الحمد، فلا يقول آمين كما يفعله العامة ويجعل نظره في حال قيامه إلى موضع سجوده ولا يضع يمينه على شماله ويخافت بقراءة السورتين في الظهر والعصر إلا ببسم الله الرحمن الرحيم، فإنه يجهر بها في كل صلاة، ويجهر بالقراءة في صلاة العشائين والغداة، فإذا فرغ من قراءة السورة الثانية رفع يديه بالتكبير للركوع فإذا كبر

[ 93 ]

ركع ووضع باطن كفيه على عيني ركبتيه مفرجات الأصابع وسوى ظهره ومد عنقه وغمض عينيه، فإن لم يغمضها جعل نظره إلى ما بين قدميه وإن كان امرأة لم تنحن (1) كثيرا ووضعت يديها على ثدييها. ويسبح ويقول: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثا أو خمسا أو سبعا وما زاد على المرة الواحدة فهو أفضل، فإذا فرغ من التسبيح استوى قائما، وقال سمع الله لمن حمده، الحمدلله رب العالمين أهل الجود والكبرياء والعظمة، ثم يرفع يديه بالتكبيرة فإذا فرغ أرسل نفسه للسجود وتلقى الأرض بيديه قبل ركبتيه وبسطهما على الأرض، وجعل أطراف أصابعه مما يلى وجهه جهة القبلة وإن كان امرأة جلست قبل السجود. ويسجد معلقا على أعضاء مخصوصة من جسده وهي: جبهته وطرف أنفه وكفاه وركبتاه وإبهاما رجليه، ولا يضع بعض جسده على بعض ولا يلصق بطنه بفخذيه ولا فخذيه بساقيه، ويجعل نظره إلى طرف أنفه - فإن كان امرأة سجدت لاطئة بالأرض وضمت ذراعيها إلى عضديها وعضديها إلى جنبيها وفخذيها إلى بطنها. ثم يقول: " اللهم لك سجدت ولك خشعت وبك آمنت وعليك توكلت، ولك أسلمت، وأنت ربي، سجد لك وجهي، وقلبي، وسمعي، وبصري، وجميع جوارحي، سجد وجهي للذى خلقه وصوره وشق سمعه وبصره " ويسبح فيقول " سبحان ربي الأعلى وبحمده " مرة واحدة أو ثلاثا وما زاد على ذلك كان أفضل، فإذا أكمل التسبيح رفع رأسه ثم استوى جالسا. وقال: الله أكبر، وليكن جلوسه على فخذه الأيسر، ويضع ظاهر قدمه الأيمن على باطن الأيسر ويجعل نظره إلى حجره، وإن كانت امرأة جلست على أليتيها رافعة ساقيها وضمت فخذيها، وجعلت باطن قدميها على الأرض. وقال في جلوسه، " اللهم اغفر لي وارحمني وادفع عني وأجرني إني لما

(1) في النسخ " لم تنحى " ولعله تصحيف والصحيح ما أثبتناه.

[ 94 ]

انزلت إلى من خير فقير، ثم يكبر تكبيرة للسجدة الثانية، ويرفع يديه جميعا، ويسجد ويفعل في سجوده كما فعل في السجدة الأولى ويرفع رأسه بالتكبير ويجلس كما جلس أولا فإذا استقر كل عضو منه قام إلى الركعة الثانية بغير تكبير، بل يقول بحول الله وقوته أقوم واقعد. وإن كانت امرأة لم ترفع عجيزتها أولا بل تنسل انسلالا، فإذا استوى قائما افتتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم وقرأ الحمد، وسورة يفتتحها أيضا " ب‍ " بسم الله الرحمن الرحيم " فإذا فرغ من قراءة السورة الثانية رفع يديه بالتكبير وبسطهما، وجعل باطنهما إلى السماء وظاهرهما فيما يلى الأرض. ويقنت فيقول: " لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السموات السبع ورب الأرضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وآل محمد وعافنى واغفر لي واعف عني وآتني في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا برحمتك عذاب النار " ثم يدعو بما أراد من حوائج الدنيا والآخرة إذا فرغ من القنوت ركع وسجد وفعل في ركوعه وسجوده مثل ما فعل فيما تقدم، فإذا فرغ من ذلك جلس للتشهد كما جلس بين السجدتين ويضع كفيه على فخذيه، ويكون أطراف أصابعهما دون عيني ركبتيه ويجعل نظره إلى حجره ويتشهد ويقول: بسم الله وبالله والأسماء الحسنى كلها لله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدى الساعة اللهم صل على محمد وآل محمد وتقبل شفاعته في أمته وارفع درجته. ثم تسلم إن كانت الصلاة ثنائية، وإن كانت ثلاثية، أو رباعية لم يسلم ونهض بغير تكبير، بل يقول بحول الله وقوته أقوم واقعد، ويتم ما بقي عليه من الركعات ويفعل فيها كما فعل في الركعتين الاولتين إلا القراءة، فإنه لا يقرأ في ثالثة ولا رابعة بسورتين بل يقتصر على الحمد وحدها، أو يسبح ثلاث تسبيحات، يقول في كل واحدة منها:

[ 95 ]

سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فإذا فعل ذلك جلس للتشهد الأخير وقال: بسم الله وبالله والأسماء الحسنى كلها لله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، التحيات لله والصلوات الطيبات الطاهرات الزاكيات الرائحات الناعمات الغاديات (1) المباركات لله ما طاب وطهر وزكى، وخلص ونمى، وما خبث فلغير الله. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدى الساعة، واشهد أن الجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، اللهم صل على محمد وآل محمد، وارحم محمدا وآل محمد كأفضل ما صليت وباركت وترحمت وتحننت على إبراهيم في العالمين انك حميد مجيد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام على جميع أنبياء الله وملائكته ورسله السلام على الأئمة الهادين المهديين، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. فإذا تمم جميع ما ذكرناه، وكان إماما أو مصليا على جهة الانفراد أو غير مقتد بإمام (2) سلم تسليمة واحدة فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأومأ بها إلى تجاه القبلة، وانحرف بمؤخر عينه اليمنى إلى جهة يمينه، وإن كان مأموما وعلى يساره سلم تسليمة أخرى إلى جهة يساره. فإذا سلم كما ذكرناه عقب قبل قيامه من مجلس صلاته فقال: الله أكبر ثلاث مرات ويرفع يديه مع كل تكبيرة منها إلى شحمتي أذنيه، ثم يقول بعد التكبير: (لا إله إلا الله الها واحدا ونحن له مسلمون، لا إله إلا الله لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (3)، لا إله إلا الله وحده وحده أنجز وعده،

(1) الغاديات من الغدو، والرائحات من راح يروح أي جاء وذهب في الرواح أي العشى.
(2) لعل المراد من كان في جماعة ولكن لا يقتدي، كمن حضر جماعة من لا يقتدى به (3) في بعض النسخ " المشركون " بدل " الكافرون "

[ 96 ]

ونصر عبده، وأعز جنده وغلب الاحزاب وحده فله الملك وله الحمد، يحيى ويميت، ويميت ويحيى، وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيئ قدير، اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم). ثم يسبح تسبيحة الزهراء مولاتنا فاطمة الزهراء عليها أفضل السلام، وهو أربع وثلاثون تكبيرة، وثلاث وثلاثون تحميدة وثلاث وثلثون تسبيحة، يبتدي في ذلك بالتكبير، ثم التحميد، ثم التسبيح، ويقول! " اللهم أنت السلام ومنك السلام ولك السلام وإليك السلام، وإليك يرجع السلام تباركت يا ذا لجلال والاكرام، السلام على رسول الله، السلام على نبي الله، السلام على محمد بن عبد الله خاتم النبيين، السلام على الأئمة الطاهرين الهادين المهديين، السلام على جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، وعزرائيل ملك الموت وحملة العرش السلام على رضوان خازن الجنان السلام على مالك خازن النار، السلام على آدم ومحمد ومن بينهما من الأنبياء والأوصياء والشهداء والصلحاء، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ويسلم على الأئمة (عل) واحدا واحدا ويقول بعد ذلك: " اللهم إني أسئلك من كل خير احاط به علمك وأعوذ بك من كل شر أحاط به علمك وأسئلك عافيتك في أموري كلها، وأعوذ بك من خزى الدنيا وعذاب الآخرة "، ثم يقرء اثنتى عشرة مرة قل هو الله أحد ويقول بعد ذلك: " اللهم إني أسئلك باسمك المكنون المخزون، الطاهر الطهر المبارك، وأسألك باسمك العظيم وسلطانك القديم أن تصلي على محمد وآل محمد، يا واهب العطايا، ويا مطلق الاسارى، ويا فاك الرقاب من النار، أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تعتق رقبتي من النار وتخرجني من الدنيا أمنا، وتدخلني الجنة سالما، وأن تجعل دعائي أوله فلاحا، وأوسطه نجاحا وآخره صلاحا انك أنت علام الغيوب، ثم يسجد سجدتي الشكر، ويكون لاطئا بالأرض ويقول: فيها شكرا شكرا ماة مرة، ويجوز أن يقول عفوا عفوا، فإن لم يتمكن من ذلك قال:

[ 97 ]

شكرا شكرا ثلاث مرات، فإذا لم يتمكن من التعقيب بما ذكرناه اقتصر على تسبيح السيدة فاطمة عليها السلام وإن عقب بما ذكرناه في صلاة الفرائض والنوافل حاز بذلك فضلا عظيما. " باب تفصيل الأحكام المقارنة للصلاة " الأحكام المقارنة للصلاة على ضربين: أحدهما واجب والآخر ندب، فأما الواجب فهو: النية وتكبيرة الاحرام، ومقارنة النية لأول الصلاة، واستمرار حكمها إلى حين الفراغ منها، والقيام مع التمكن منه، أو ما قام مقامه مع العجز عنه، والتوجه إلى القبلة والتلفظ: ب‍ " الله أكبر " وقراءة الحمد وسورة في الركعتين في حال التمكن والحمد وحدها فيما زاد من الصلاة على الركعتين الاولتين، أو عشرة تسبيحات مخيرا في ذلك، والإشارة باليد والاعتقاد بالقلب للتكبير والقرائة إذا كان المصلي أخرس، وتعلم سورة كاملة ممن لا يحسن من القراءة شيئا، والقراءة باللسان العربي، والركوع والطمأنينة والتسبيح فيه والانتصاب فيه، والسجود الأول والتسبيح فيه، ورفع الرأس منه والطمأنينة في السجود الأول وفي الانتصاب منه والسجود الثاني والتسبيح فيه ورفع الرأس منه والطمأنينة في السجود الثاني والاخفات فيما يخافت فيه، والجهر فيما يجهر به، والجهر ب‍ " بسم الله الرحمن الرحيم " فيما يجهر أو يخافت، والتشهد الأول والثاني في كل رباعية وثلاثية: والتشهد الواحد في كل ثنائية، والصلاة على النبي وآله في كل تشهد، والسجود على سبعة أعضاء وهي الجبهة وباطن الكفين، والركبتان وإبهاما الرجلين. ولا يتكتف ولا يلتفت إلى خلفه، ولا يقرء من السور الطوال ما يفوت وقت الصلاة معه ولا يقول: آمين ولا يفعل فعلا كثيرا من غير افعال الصلاة ولا يتأوه بحرفين ولا يتكلم بما ليس من الصلاة، ولا يحدث بما ينقض الطهارة، ولا يقهقه

[ 98 ]

ولا يبكي على مصاب أحد من الخلق، ولا يصلي في شئ مما لا يجوز الصلاة فيه. ولا في موضع ويجوز السجود عليه، ولا يتم الصلاة إذا كان مسافرا أو في حكم المسافر ولا يقصرها إذا كان حاضرا أو في حكم الحاضر، ولا يصلي وبجانبه امرأة تصلي وإن كان المصلي امرأة فلا تصلي وبجانبها رجل يصلي. ولا يقرأ سورة في ركعة ثالثة، ولا رابعة. وأما الندب: فهو افتتاح الصلاة بسبع تكبيرات، منها تكبيرة الاحرام والدعاء بين هذه التكبيرات وأن يأتي بالسبع تكبيرات في سبع مواضع: وهي الركعة الأولى من كل فريضة والأولى من ركعتي الزوال، واول ركعة من صلاة المغرب واول ركعة من صلاة الليل، واول ركعة من صلاة الوتيرة وفي ركعة الوتر والأول من ركعتي الاحرام ولفظ التوجه (1) وتكبير الركوع والسجود ورفع اليدين مع كل تكبيرة، وقول " سمع الله لمن حمده " عند رفع الرأس من الركوع وما زاد من تسبيح الركوع والسجود على تسبيحة واحدة، والدعاء في الركوع والسجود والارغام بالأنف في السجود، والجلسة بين الركعات إلا جلسة التشهد، والنظر في حال القيام إلى موضع السجود وفي حال الركوع إلى بين القدمين وفي حال السجود إلى طرف الأنف، وفي حال الجلوس إلى الحجر، وإسبال اليدين على الفخذين محاذية لعيني الركبتين في حال القيام، ووضعهما في حال الركوع على عيني الركبتين، وفي حال السجود بحذاء الاذنين، وفي الجلوس على الفخذين، وتلقى الأرض باليدين عند الانحطاط للسجود قبل الركبتين، والاتكاء عليهما عند القيام، ورفعهما إلى حد شحمتي الاذنين (2) مع مد العنق في الركوع، ورد الرجل اليمنى إلى الخلف عند الجلوس، والقنوت بعد القراءة وقبل الركوع في الثانية، واعادته إذا ترك، وزيادة التحميد والدعاء على الشهادتين، والصلاة على

(1) أي دعاء " وجهت " (2) أي في التكبير

[ 99 ]

النبي وآله صلى الله عليه وآله، والتورك في حال التشهد على الورك الأيسر مع الضم للفخذين، ووضع ظاهر قدم اليمنى على باطن اليسرى. وأن يتحنك ويرتدي برداء: والتسليم إن كان إماما أو منفردا أو غير مقتد (1) بغيره إلى جهة القبلة، ويومئ إيماء إلى يمينه بمؤخر عينه، فإن كان مأموما وعلى يساره غيره سلم عن يساره أيضا، والتعقيب عند الفراغ من الفرائض والنوافل. ولا يصلي ويداه داخل ثيابه، ولا يفرقع أصابعه ولا يتمطى ولا يتثأب (2) ولا يتنخع، ولا ينفخ موضع سجوده، ولا يدافع الاخبثين، ولا يصلي فيما ذكرنا أن الصلاة مكروهة فيه، ولا على ما ذكرنا إنها مكروهة عليه، ولا يصلي ومعه حديد مثل سكين أو سيف وما أشبه ذلك أو شئ فيه صورة، ولا يصلي وفي قبلته قرطاس مكتوب. ولا تماثيل ولا نار ولا سلاح مشهور، ولا يصلي في موضع حائط قبلته ينز (3) من بالوعة مع التمكن من ذلك، ولا يقعى (4) بين السجدتين ولا يقرء في مصحف، ولا يصل بين السورتين اللتين (5) يقرأهما في الصلاة بل يفصل بينهما بسكتة. " باب صلاة الجمعة " روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أربعة يستأنفون العمل: المريض إذا برأ والمشرك إذا أسلم، والمنصرف من الجمعة إيمانا واحتسابا، والحاج (6).

(1) الظاهر منه: من حضر جماعة من لا يقتدى به، في قبال المنفرد.
(2) التثاؤب: فترة تعتري الشخص فيفتح عندها فاه واسعا، والتمطي: مد اليدين.
(3) النز: ما يتحلب من الأرض من الماء (4) من الاقعاء (5) المراد سورة الفاتحة وما يقرأ بعده من سورة (6) جامع أحاديث الشيعة، ج 6، الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث 19 ص 48.

[ 100 ]

وعن الباقر عليه السلام أنه قال: إن الأعمال تضاعف بيوم الجمعة فأكثروا من الصلاة والصدقة (1) وعن الرسول صلى الله عليه وآله أنه قال: اكثروا من الصلاة على يوم الجمعة فإنه يوم تضاعف فيه الأعمال (2). واعلم أن فرض الجمعة لا يصح كونه فريضة (3) إلا بشروط متى اجتمعت صح كونه فريضة جمعة ووجبت لذلك (4) ومتى لم تجتمع لم تصح ولم يجب كونه كذلك بل يجب كون هذه الصلاة ظهرا ويصليها المصلي بنية كونها ظهرا. والشروط التي ذكرناها هي: أن يكون المكلف كذلك حرا، بالغا، كامل العقل، سليما من المرض والعرج والعمى والشيخوخة التي لا يمكنه الحركة معها، وأن لا يكون مسافرا ولا في حكم المسافر، وأن يكون بينه وبين موضع الجمعة فرسخان فما دونهما، ويحضر الإمام العادل أو من نصبه أو (5) من جرى مجراه ويجتمع من الناس سبعة نفر: أحدهم الإمام ويتمكن من الخطبتين ويكون بين الجمعتين ثلاثة أميال، فهذه الشروط إذا اجتمعت وجب كون هذه الصلاة فريضة جمعة، ومتى لم يجتمع سقط كونها فريضة جمعة وصليت ظهرا كما قدمناه. فإن اجتمع من الناس خمسة نفر أحدهم الإمام، وحصل باقي هذه الشروط كانت صلاتها ندبا واستحبابا. ويسقط فرضها مع حصول الشروط المذكورة عن تسعة نفر وهم الشيخ الكبير والطفل الصغير، والعبد، والمرأة، والأعمى، والمسافر، والأعرج، والمريض

(1) جامع أحاديث الشيعة، ج 6، الباب 35 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث 27، ص 164.
(2) جامع أحاديث الشيعة، ج 6، الباب 38 من أبواب الجمعة، الحديث 11، ص 186.
(3) في بعض النسخ زيادة " جمعة ".
(4) في بعض النسخ " كذلك " بدل " لذلك ".
(5) في بعض النسخ " واو " بدل " أو "

[ 101 ]

وكل من كان منزله من موضعها على أكثر من فرسخين، ويجب صلاتها على العقلاء من هؤلاء إذا دخلوا فيها ويجزيهم إذا دخلوا فيها وصلوها عن صلاة الظهر. " آداب الجمعة " فإذا حضر يوم الجمعة فينبغي للمكلف أن يحلق رأسه ويقص أظفاره، ويأخذ من شاربه وينظف، ويغتسل، وأفضل الأوقات لهذا الغسل كلما قرب من الزوال، ومتى زالت الشمس ولم يكن اغتسل قضاه يوم السبت - وإذا خاف من عدم الماء في يوم الجمعة جاز له تقديمه في يوم الخميس - وإذا اغتسل، لبس افخر ثيابه وتطيب بما قدر عليه، وتوجه إلى المسجد بسكينة ووقار والدعاء في توجهه إليه فقال: " اللهم من تهيأ وتعبأ واعد واستعد لوفاده إلى مخلوق رجاء رفده وجوائزه، ونوافله، فإليك يا سيدي وفادتي وتهيئتي وإعدادي واستعدادي رجاء رفدك وجوائزك ونوافلك " ثم يصلي ست ركعات بتسليم كل اثنتين عند انبساط الشمس وستا عند ارتفاعها، وستا قبل الزوال وركعتين حين تزول الشمس - استظهارا للزوال ثم يؤذن، ويقيم، ويفتتح الفرض بسبع تكبيرات ويتوجه (1) ثم يقرء الحمد، وسورة الجمعة، ويجهر بالقرائة أيضا (2) فإذا قام إلى الثانية قرء الحمد وسورة المنافقين، ويجهر بالقرائة أيضا. فإذا فرغ من القرائة، رفع يديه للقنوت حيال صدره وبسطهما وقنت بما تقدم ذكره في كيفية الصلاة، ثم يركع ويتشهد ويقوم إلى الثالثة، ويقرأ الحمد وحدها أو يسبح كما ذكرناه فيما مضى، ويفعل في الرابعة مثل ما ذكرناه، ثم يسلم ويسبح تسبيح سيدة النساء فاطمة صلوات الله عليها، ويقرأ الحمد مرة واحدة، وسورة الاخلاص سبع مرات، والمعوذتين وآية الكرسي مرة واحدة، وآية

(1) أي دعا ب‍ " وجهت وجهى.. " (2) أي كما يجهر في صلاة الجمعة

[ 102 ]

السخرة وهي: إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام (1) الآية، ويقرأ آخر سورة التوبة " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم، فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم " (2) مرة واحدة ويرفع يديه بالدعاء فيقول: " اللهم إني عهدت إليك بحاجتي وأنزلت بك اليوم فقري وفاقتي ومسكنتي فأنا لمغفرتك أرجى مني لعملي ورحمتك أوسع من ذنوبي، فتول قضاء كل حاجة هي لي بقدرتك عليها ويتيسر ذلك عليك ولفقري إليك فأني لم أصب خيرا قط إلا منك ولم يصرف عني أحد سوءا قط غيرك ولست أرجو لآخرتي ودنياي سواك ولا ليوم فقري وتفردي من الناس في حفرتي غيرك، فصل على محمد وآل محمد، واجعلني من أهل الجنة التي حشوها البركة وعمارها الملائكة مع نبينا محمد صلى الله عليه وآله وأبينا إبراهيم صلوات الله عليه فإذا فرغ مما ذكرناه فليؤذن وليقم لصلاة العصر ثم يصليها كما صلى الظهر، فإذا سلم سبح تسبيح الزهراء (ع) واستغفر الله تعالى سبعين مرة ويقول في استغفاره: " استغفر الله ربي وأتوب إليه " وليصل على محمد وآل محمد سبع مرات. يقول في كل مرة: " اللهم صل على محمد وآل محمد الاوصياء المرضيين بأفضل صلواتك وبارك عليهم بأفضل بركاتك، والسلام عليهم، وعلى أرواحهم وأجسادهم ورحمة الله وبركاته " فإذا كمل ذلك سبع مرات قال: اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم " مأة مرة، ثم ادع بما تيسر من الدعاء بعد ذلك، وإنما ذكرنا صلاة أربع ركعات هاهنا لمن صلى لنفسه بغير إمام.

(1) الاعراف، الآية 54 (2) الآية 128

[ 103 ]

" كيفية صلاة الجمعة " فأما إذا حضر الإمام واجتمعت الشروط التي قدمنا ذكرها فينبغي للامام أن يلبس العمامة في صيف كان أو في شتاء، ويرتدي ببرد يمنى، أو عدني فإذا قرب من الزوال صعد المنبر وأخذ في الخطبة بمقدار ما إذا خطب الخطبتين زالت الشمس، وينبغي إذا خطب هاتين الخطبتين أن يفرق بينهما بجلسة ويقرأ سورة خفيفة ويحمد الله في خطبته ويصلي على النبي وآله ويدعو لائمة المسلمين ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويعظ ويزجر، ويخوف، وينذر. فإذا نزل الإمام صلى بالناس ركعتين يقرأ في الأولى الحمد وسورة الجمعة يجهر فيها بالقرائة، فإذا فرغ منها رفع يديه للقنوت قبل الركوع، ثم تمم الركعة فإذا قام إلى الثانية قرأ الحمد وسورة المنافقين، وجهر بها أيضا ويقنت في هذه الركعة بعد الركوع ثم يتمها ويسلم. ولا يجوز أن يصلي بالناس غير الإمام إذا كان حاضرا في البلد إلا لمانع له أو من يأمره بذلك ومن لم يدرك الخطبتين وكان الإمام ممن يقتدى به كانت صلاته كاملة، فإذا أدرك الإمام وقد ركع في الثانية فقد فاتته الجمعة وعليه أن يصلي الظهر أربع ركعات، وعلى من يقتدي بإمام أن يصغي إلى قرائته. ومن صلى لنفسه بغير إمام فليقرأ السورتين اللتين سلف ذكرهما، فإن سبق إلى سورة غيرهما ثم ذكر ذلك فعليه الرجوع إليها إذا لم يجز نصف السورة التي ابتدأ بها فإن تجاوز النصف فالأفضل له أن يتم ويحسبها من النوافل، ثم يستأنف الصلاة، بالسورتين اللتين ذكرناهما، وليس ذلك ما يجب عليه ومن صلى خلف من لا يأتم به تقية، فينبغي له أن يقدم صلاته إن تمكن من ذلك، فإن لم يتمكن من تقديمها صلى معه ركعتين فإذا سلم قام هو فتمم ركعتين فإذا أدرك الإمام وقد صلى ركعة صلى معه الثانية، فإذا سلم قام هو فصلى ركعة أخرى، وجهر فيها بالقرائة.

[ 104 ]

فإذا صلى مع الإمام ركعة وركع فيها ولم يتمكن من السجود فإذا قام الإمام من السجود سجد هو ولحق بالامام فمتى لم يفعل ذلك ووقف حتى ركع الإمام في الثانية فلا يركع معه فإذا سجد الإمام سجد هو وجعل سجدتيه للركعة الأولى فإذا سلم قام فأتى بركعة أخرى، ومتى لم ينو بالسجدتين أنهما للركعة الأولى كان عليه استئناف للصلاة. وإذا كان الزمان زمان تقية جاز للمؤمنين أن يجمعوا في مكان لا يلحقهم فيه ضرر وليصلوا جماع بخطبتين فإن لم يتمكنوا من الخطبة صلوا جماعة أربع ركعات ومن صلى فرض الجمعة مع إمام يقتدى به فليصل العصر بعد الفراغ من فرض الجمعة ولا يفصل بينهما إلا بالإقامة، ويجوز للمسافر أن يصلي الجمعة بالمقيمين إذا تمكن من الخطبتين، واجتمعت الشروط، فإن صلى بهم بغير خطبة كانت ظهرا وإذا اجتمع (1) النساء لم تنعقد بهن (2) الجمعة، وكذلك الصبيان إذا لم يبلغوا. وإذا خطب الإمام وحده ثم حضر العدد إن عليه إعادة الخطبة، فإن لم يعدها لم تصح الجمعة ولا (3) كان ما صلاه فريضة جمعة. ومن وجبت عليه الجمعة ومنعه من حضورها مانع أو كان له عذر إما في نفسه أو أهله، أو أخ له في الدين، مثل أن يكون مريضا فيشتغل بإعانته أو ميت يهتم (4) بتجهيزه ودفنه لم يكن عليه شيئ. فإذا اجتمعت الشرائط وزالت الشمس وأراد الانسان السفر لم يجز له ذلك

(1) كذا في النسخ والظاهر أن معناه: صلى الإمام بالنساء وأم بهن خاصة، ويحتمل التصحيف وإن الصحيح " اجتمعت " (2) في بعض النسخ " منهن " بدل " بهن " (3) في بعض النسخ " وإلا " بدل " الجمعة ولا " (4) في بعض النسخ " يشتغل " بدل " يهتم "

[ 105 ]

حتى يصلي، وإذا كان (1) السفر من يوم الجمعة من بعد طلوع الفجر كان ذلك مكروها، والأفضل أن يقيم حتى يصلي ويسافر بعد ذلك. وإذا أحرم الإمام بالجمعة فعرف أنه قد صلى في البلد في موضع آخر الجمعة لم تنعقد له جمعة، ويصلي ظهرا إذا لم يكن بينهما ثلاثة أميال. وإذا وجبت الجمعة على إنسان وجلس الإمام على المنبر حرم عليه البيع والشراء. " باب صلاة السفر " روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: إن الله سبحانه اهدى إلى أمتي هدية لم يهدها إلى أحد من الأمم تكرمة منه عزوجل لنا، فقيل له وما ذلك يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وآله: الافطار والصلاة في السفر، فمن لم يفعل ذلك فقد رد على الله هديته (2)، وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: أنا برئ ممن يصلي أربعا في السفر (3) وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: من قصر الصلاة في السفر وأفطر فقد قبل تحفة الله سبحانه وكملت صلاته (4). واعلم أن السفر على أربعة أوجه: أولها واجب وثانيها ندب وثالثها مباح ورابعها قبيح، فأما الواجب فهو مثل سفر من وجب عليه حج أو عمرة وأما المندوب فهو مثل سفر القاصد إلى الزيارات وما أشبهها.

(1) في بعض النسخ " أراد " بدل " كان " وفي أكثرها " كان أراد " (2) الوسائل، ج 5، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11، والمتن مطابق لما في (دعائم الاسلام)، ج 1، ص 195، إلا أن في الدعائم " الافطار وتقصير الصلاة في السفر ".
(3) جامع الأحاديث، ج 7، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، ص 25، الحديث 23، ودعائم الاسلام، ج 1، ص 195.
(4) جامع الأحاديث، ج 7، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، ص 24، الحديث 18، ودعائم الاسلام، ج 1، ص 195، إلا أن فيهما " فقد قبل تخفيف الله عزوجل.

[ 106 ]

وأما المباح فهو مثل سفر التجارة وطلب الارباح لذلك وطلب القوت لانفسهم ولأهليهم، وأما القبيح فهو مثل سفر متبع السلطان الجائر مختارا، ومن هو باغ أو عاد، أو يسعى في قطع الطريق، وما أشبه ذلك ومن طلب الصيد للهو والبطر فأما أصحاب الوجوه الثلاثة التي هي الواجب والندب والمباح فعليهم التقصير في الصلاة والصوم، وأما أصحاب الوجه الرابع وهو القبيح فعليهم الاتمام في الصلاة والصوم، ومن كان سفره في طلب صيد التجارة لا لقوته وقوت عياله وأهله فقد ورد أنه يتم الصلاة ويفطر الصوم (1). ومن سافر سفرا يلزمه فيه التقصير فلا يجوز له ذلك حتى يخفى عليه أذان مصره أو يتوارى عنه جدران مدينته خرابا كانت أو عامرة، فإن كان باديا فحتى تجاوز الموضع الذي يستقر فيه منزله، وإن كان مقيما في واد حتى تجاوز ارضه، وإن سار عنه طولا حتى يغيب عن موضع منزله. ومن مر في طريقه على مال له أو ضيعة يملكها، أو كان في طريقه أهل أو من جرى مجراهم ونزل عليهم ولم ينو المقام عندهم عشرة أيام كان عليه التقصير. والسفر الذي يلزم فيه التقصير هو ما كان مسافته ثمانية فراسخ أو ما زاد على ذلك أو أربعة فراسخ إذا نوى العود من يومه، وقد ذكر التخيير بين القصر والاتمام لمن كان سفره أربعة فراسخ ولم ينو الرجوع من يومه. وجميع من كان سفره أكثر من حضره مثل الملاح، والمكاري، والجمال والبدوي إذا طلب القطر والنبت، والرعاة، والأمراء الذين يدورون في إماراتهم، والجباة الذين يسعون في جباياتهم، ومن يدور من سوق إلى سوق في تجارته، فإن الاتمام لازم لهم ولا يجوز لأحد منهم التقصير إلا أن يقيم في بلده عشرة أيام، فإن أقام ذلك قصر، وإن كان مقامه خمسة أيام قصر بالنهار وتمم بالليل والتقصير في

(1) جامع الأحاديث، ج 7، الباب 13 من أبواب صلاة المسافر، ص 61، الحديث 6.

[ 107 ]

السفر وكذلك الافطار فيه في شهر رمضان واجبان، فمن صلى صلاة رباعية على كمالها كان عليه الإعادة، إلا أن يكون لم يقرء الآية (1) في ذلك. ومن خرج من بلده إلى بلد آخر، ومن قريته إلى قرية أخرى في دون المسافة التي حدت للتقصير، لم يقصر وإن خرج من ذلك البلد أو تلك القرية إلى بلد آخر ونوى المقام فيه عشرة أيام أو أكثر كان عليه الاتمام وإن كان بين البلد الثاني وبين بلده الذي خرج منه أولا، المسافة المحدودة، وكذلك لو انتقل من مكان إلى غيره ولا مكان بينهما إلا وهو ينوي المقام فيه عشرة أيام أو أكثر من ذلك. والأماكن ليس بين واحد منها وبين ما يليه المسافة المحدودة لم يجز التقصير في شئ من ذلك. فإن خرج من بلده إلى بلد يقصر إلى مثله، الصلاة ولم يصل إلى آخر المسافة المضروبة للتقصير حتى بدا له الرجوع إلى بلده كان عليه الاتمام. وإذا كان للبلد طريقان من موضع خروج الانسان، وأحد الطريقين دون المسافة والطريق الآخر فيه المسافة، أو أكثر منها فسار في أحد الطريقين لغير علة لم يقصر، فإن كان الطريق الذي هو أقل مسافة مخوفا، أو شاقا أو كان له في الطريق إلا بعد حاجة تدعوه إلى المسير فيه كان عليه التقصير. ومن سافر إلى بلد ونوى إنه إن لقي زيدا أقام عنده عشرة أيام كان عليه التقصير حتى يلقى زيدا، فإذا لقيه وأقام عنده على نية المقام عشرة أيام كان عليه الاتمام. والمسافر إذا نزل في موضع نوى فيه الإقامة عشرة أيام كان عليه الاتمام فإن نوى المقام أقل من ذلك قصر، فإن لم ينو شيئا أو سوف نفسه بالخروج فقال اليوم أخرج - أو غدا أخرج، ولم يستقر له نية في مقام ولا مسير كان عليه أن يقصر ما بينه وبين شهر، فإن كمل الشهر كان عليه الاتمام.

(1) أي آية التقصير في السفر.

[ 108 ]

وإذا نسي المسافر صلاة وذكرها في الحضر قضاها صلاة مسافر، وإن نسي صلاة في الحضر وذكرها في حال السفر قضاها صلاة حاضر وإذا شك ولم يعلم هل الصلاة التي نسيها، صلاة حضر أو سفر، كان عليه أن يصلي صلاة حضر. والمسافر إذا دخل بلدا ونوى المقام عشرة أيام ثم صلى وبدا له في المقام وكان قد صلى منها ركعة أو ركعتين لم يجز له قصرها، بل عليه إتمامها لأنه دخل بنية مقيم ونوى السفر قبل إتمامها، فإذا دخل في صلاة الظهر ونوى المقام قبل أن يصلي ركعتين أو صلى ركعتين ونوى المقام قبل أن يسلم كان عليه إتمامها أربع ركعات وليس عليه استئنافها، وإن سلم في ركعتين ونوى المقام كان عليه الاتمام فيما يستقبل، فإن نوى المقام وهو في صلاة الظهر وسلم من ركعتين كان عليه استئناف الظهر أربع ركعات، والمسافر إذا أتم الصلاة متعمدا أو ناسيا وكان الوقت باقيا كان عليه الإعادة. ومن ابق له عبد فخرج في طلبه وقصد بلدا - يقصر في مثله الصلاة - وقال: إن وجدته قبل ذلك البلد رجعت لم يجز له التقصير لأنه لم ينو سفرا يقصر الصلاة فيه، وإن لم يقصد بلدا ونوى إنه يطلبه حيث بلغ لم يكن له القصر لأنه شاك في المسافة المحدودة للتقصير وإن نوى قصد ذلك البلد سواء وجد عبده قبل الوصول إليه أو لم يجده، كان عليه التقصير لأنه نوى سفرا يجب التقصير فيه. فإذا خرج وهذه نيته ثم رجع عن هذه النية وعزم على العود إلى وطنه وترك القصد إلى تلك البلدة، يقطع سفره هاهنا وكان في رجوعه مستأنفا للسفر فإن كان بين هذا المكان وبين بلده مسافة يقصر فيها الصلاة، كان عليه التقصير، وإن لم يكن كذلك كان عليه الاتمام. والمسافر في البر والبحر والأنهار و (1) في جميع أحكام السفر من تقصير وإتمام على حد سواء لا يختلف الحال في ذلك، وإذا دخل المركب في البحر إلى جزيرة من جزائره أو موضع يقف فيه فالحكم فيه كالحكم في دخوله إلى بلد وكل موضع

(1) كذا في النسخ، ولعل كلمة " واو " زائدة

[ 109 ]

يجب فيه التقصير أو الاتمام. فإن خرج إلى مسافة يقصر في مثلها وردته الريح كان التقصير لأنه ما رجع ولا نوى مقاما. فأما صاحب السفينة فإنه يجب عليه التمام لأنه ممن يجب عليه الاتمام مع (1) جملة المسافرين. ومن سافر إلى مكة حاجا وبينه وبينها مسافة يقصر فيها الصلاة ونوى المقام بها عشرة أيام كان عليه التقصير في الطريق والاتمام إذا وصل إليها. فإن خرج منها إلى عرفات، ليقضى مناسكه بها - ولا ينوي المقام بمكة عشرة أيام إذا رجع إليها - كان عليه التقصير لأنه قد نقص مقامه بسفر - بينه وبين بلده - قصر في مثله، وإن نوى - إذا - قضى مناسكه بعرفات - المقام بمكة عشرا إذا عاد إليها، كان عليه التمام إذا عاد إليها. فإن كان يريد - إذا قضى مناسكه - المقام عشرة أيام بمكة أو بمنى وعرفة ومكة حتى يخرج من مكة مسافرا فعليه الاتمام بمكة و التقصير في منى وعرفات إلى أن ينوي المقام بها عشرا فعليه حينئذ التمام، وقد ذكر أن عليه التقصير والأحوط ما ذكرناه أولا. ومن سافر إلى موضع فخرج من بلده إلى مكان - بينه وبينه مسافة دون المسافة المحدودة للتقصير، ونوى أن ينتظر فيه والمقام عشرة أيام أو أكثر، فإذا اجتمعوا سافروا منه سفرا يجب فيه التقصير عليهم - لم يجز له التقصير حتى يسيروا من ذلك المكان الذي يجتمعون فيه، لأنه لم ينو بالخروج إلى هذا المكان سفرا يقتضي التقصير. وإن لم ينو المقام عشرة أيام، وإنما خرج بينة أنه إذا اجتمعوا ساروا، كان عليه التقصير ما بينه وبين شهر، ثم يتم بعد ذلك. والمسافر إذا صلى خلف المقيم لم يلزمه الاتمام معه، وإذا أم المسافر بمسافرين ومقيمين وأحدث ثم استخلف مقيما صلى المقيم على التمام ولم يلزم المسافرين ذلك

(1) كذا في النسخ ولعله تصحيف والصحيح " من جملة المسافرين " كما في المبسوط، ج 1، ص 138.

[ 110 ]

ومن شيع مؤمنا وكان مسافة سفره معه ثمانية فراسخ - أو أربعة إذا عزم على الرجوع من يومه - كان عليه التقصير. ويجوز للمسافر الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وبين العشائين، وليس عليه شئ من نوافل النهار، والذي عليه من النوافل قدمناه حين ذكرنا أعداد نوافل السفر في ما تقدم، وليس يجب على المسافر صلاة الجمعة ولا العيدين. ويستحب له أن يقول عقيب كل صلاة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فإن في ذلك جبرا لصلاته، وقد روي أنه يستحب له الاتمام في أربعة مواضع: وهي مكة والمدينة ومسجد الكوفة والحائر (1) ووردت رواية أخرى أنه يستحب الاتمام في حرم الله تعالى وحرم رسوله صلى الله عليه وآله وحرم أمير المؤمنين عليه السلام وحرم الحسين عليه السلام (2) والتقصير هو الأصل، والعمل به عندي في هذه المواضع وغيرها أحوط. فأما ما يوجب إعادة صلاة السفر فسنذكره في ما يوجب إعادة الصلاة بعون الله ومشيئته. وأما معنى التقصير فهو أن يصلي كل صلاة رباعية، ركعتين فأما ما عدا الرباعيات من الصلاة فالمسافر يصليها كما يصليها في الحضر سواء. " باب صلاة المضطر " إذا اضطر المكلف في صلاته إلى الاخلال بشئ من أحكامها - التي بينا أنها لازمة للمختار - كان عليه الاجتهاد في إيقاعها على غاية ما يمكنه الايقاع لها عليه، وكيفية صلاة المضطر تختلف بحسب اختلاف الضرورة، فمن ذلك صلاة المريض وصلاة الخوف وصلاة العريان وصلاة السابح وصلاة الغريق والموتحل وصلاة

(1) الوسائل، ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 26 و 29 (2) الوسائل، ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 24

[ 111 ]

المضطر إلى المشى وصلاة المقيد والمشدود بالرباط وما أشبه ذلك، والصلاة في السفينة، ونحن نذكر هذه الفصول واحدا واحد بمشيئة الله وعونه. " باب صلاة المريض " إعلم أن المريض لا يسقط عنه فرض الصلاة ما دام عقله ثابتا إلا أن يكون امرأة حائضا، وإنما يتغير صفاته بحسب اختلاف حاله في المرض، فإذا كان قادرا على الصلاة قائما وجبت عليه كذلك، فإن لم يتمكن من ذلك وكان متمكنا من أدائها بأن يعتمد على حائط أو عصا أو ما أشبه ذلك وجبت عليه كذلك أيضا، فإن لم يقدر على ذلك وقدر على أدائها جالسا، أداها كذلك، فإن لم يقدر عليها جالسا وقدر عليها مضطجعا على جنبه وجبت عليه كذلك، فإن لم يقدر على ذلك وقدر عليها مستلقيا على ظهره صلاها مستلقيا عليه والمريض إذا صلى جالسا كان عليه أن يقرأ فإذا أراد الركوع وكان قادرا على القيام فليقم ويركع فإن لم يقدر على ذلك ركع وهو جالس فإن لم يقدر على السجود رفع بيده شيئا يجوز السجود عليه وسجد عليه فإن لم يقدر على الصلاة جالسا جملة صلى على جنبه الأيمن ويسجد، فإن لم يتمكن من السجود أومأ به إيماء. وأما إذا لم يقدر على الاضطجاع استلقى على ظهره وصلى إيماء، وصفة ذلك أن يفتتح الصلاة بالتكبير ويقرأ، فإذا أراد الركوع غمض عينيه فإذا أراد رفع رأسه من الركوع فتحهما فإن أراد السجود غمضهما فإذا أراد رفع رأسه منه فتحهما، يفعل ذلك إلى أن يتم الصلاة. والمريض إذا صلى جالسا فينبغي أن يجلس مربعا في حال القرائة، فإذا أراد الركوع فليثني رجليه، فإن لم يقدر على ذلك جلس بحسب تمكنه فإن كان مبطونا واحدث بما ينقض الطهارة فعليه إعادتها والبناء على ما مضى من صلاته، فإن كان به سلس البول جاز له الصلاة بعد أن يستبرء، ويستحب أن

[ 112 ]

يلف على ذكره، خرقة تمنع من تعدى ما يخرج منه إلى بدنه وثيابه. وإذا كان المريض مسافرا وهو راكب جاز له الصلاة على ظهر دابته ويسجد على ما يتمكن من السجود عليه، وإن صلى نافلة جاز له أن يومئ بها إيماء وإن لم يسجد، والأحوط أن يسجد إن قدر على ذلك. وحد المرض المبيح للصلاة جالسا أن يعلم من حال نفسه أنه لا يقدر على الصلاة قائما ولا على الوقوف أو المشى بمقدار زمان الصلاة. " باب صلاة الخوف والمطاردة والمسائفة ". كل قتال كان واجبا مثل قتال المشركين وأهل البغى، أو مباحا مثل الدفع عن المال والنفس فإن صلاة الخوف فيه جائزة وتقصيرها صحيح. وهي أن يصلي كل رباعية ركعتين كما قدمناه في صلاة السفر، وصلاة الخوف بالتقصير أحق وأولى بالقصر من صلاة المسافر لأن هذه معها خوف وتلك لا خوف معها فهذه أحق بذلك. واعلم أن هذه الصلاة لا تجب إلا عند شروطها وهي أن يكون العدو في غير جهة القبلة، ولا يتمكن المقابل (1) له إلا بأن يستدبر القبلة، ويكون عن يمينه أو شماله، أو يخاف من العدو عند اشتغالهم بالصلاة من الغدر بهم والارتكاب لهم (2) والإنكباب عليهم، وأن يكون في المسلمين كثرة متى افترقوا طائفتين كان كل طائفة مقاومة للعدو حتى تفرغ الطائفة الأخرى من الصلاة فإذا حصلت هذه الشروط صحت صلاتها جماعة إذا أرادوها كذلك. وقد يجوز أن يصليها الواحد منفردا، غير أنهم إذا ارادوا صلاتها جماعة

(1) في بعض النسخ " المقاتل " بدل " المقابل ".
(2) ارتكب الأمر: اقتحمه متهورا.

[ 113 ]

كما ذكرناه كان أقل ما يكون الطائفة معه طائفة ثلاثة (1) وقد ذكر أن هذا الاسم يصح تناوله للواحد. ولا فرق في وجوب التقصير فيها بين أن يكون الخوف من عدو أو سبع أو غير ذلك. فإن كان الأمر على ذلك فهي على ضربين: أحدهما صلاة خوف والآخر صلاة شدة الخوف وهي التي يقول (2) فيها صلاة المطاردة والمسائفة. " كيفية صلاة الخوف " فأما الأولى فصفتها أن يفترق الجماعة فرقتين فتقف فرقة بحذاء العدو وتقوم الفرقة الأخرى فتقف خلف الإمام فصلى بهم ركعة، فإذا قام إلى الثانية وقف قائما وصلوا - هم - (3) الركعة الثانية وتشهدوا ثم سلموا ثم قاموا فوقفوا بحذاء العدو وتقدمت الفرقة الأخرى فوقفت خلف الإمام وافتتحوا الصلاة بالتكبير فصلى بهم الإمام الركعة الثانية له وهي لهم أوله، فإذا جلس للتشهد قاموا - هم - إلى الركعة الثانية لهم فصلوها فإذا فرغوا منها تشهدوا ثم يسلم الإمام بهم وقد تمت صلاتهم. وإن كانت الصلاة صلاة المغرب فينبغي أن يفترقوا كما ذكرناه، ويتقدم فرقة فتقف بحذاء العدو وتتقدم الفرقة الأخرى فتقف خلف الإمام فيصلي بهم ركعة ويقف في الثانية، ويصلوا هم (4) الركعتين الباقيتين ويخففوا فيها، فإذا سلموا وقفوا بحذاء العدو وتقدمت الفرقة الأخرى فوقفت خلف الإمام وافتتحوا الصلاة بالتكبير وصلى بهم الثانية له وهي لهم أو له فإذا جلس للتشهد جلسوا معه وذكروا الله تعالى

(1) معناه: إن أقل عدد تصدق عليه الطائفة، ثلاثة.
(2) كذا في النسخ والظاهر " يقال ".
(3) الضمير ضمير الفصل.
(4) في النسخ " يصلوا بهم " والظاهر أنه تصحيف والصحيح ما أثبتناه.

[ 114 ]

فإذا قام إلى الثالثة له قاموا معه وهي لهم ثانية فيصليها، فإذا جلس للتشهد الثاني جلسوا معه وتشهدوا وهو أول تشهد لهم وخففوا في تشهدهم ثم قاموا إلى الثالثة لهم فصلوها فإذا جلسوا للتشهد الثاني وتشهدوا، سلم الإمام بهم وانصرفوا. ومن كان في حال هذه الحرب راكبا صلى على ظهر دابته بعد أن يستقبل بتكبيرة الاحرام القبلة، فصلى كيف ما دارت به الدابة ويسجد على قربوس سرجه فإن لم يتمكن من السجود صلى إيماء وانحنى للركوع والسجود، وجعل سجوده اخفض من ركوعه إن تمكن من ذلك. " صلاة المطاردة " فأما صفة صلاة شدة الخوف وهي المطاردة والمسائفة وهي إذا كانت الحال ما ذكرناه كبر المصلي لكل ركعة تكبيرة. والتكبيرة أن يقول: " (سبحانه الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ". فأما حكم السهو في هذه الصلاة فسنذكره في باب السهو بمشيئة الله سبحانه. واعلم أن أخذ السلاح يجب على الطائفة ويجب أن يكون خاليا من نجاسة فإن كان على شيئ منه ريش مما لا يؤكل لحمه كالعقاب والنسر لم يكن بأس. فإن كان ثقيلا لم يمكن معه الركوع والسجود مثل الجوشن، والكواعد (1) والمغافر السابغة (2) وما جرى مجرى ذلك كان مكروها. والذي ينبغي أخذه من ذلك ما كان مثل السكين والسيف والقوس وغيره والرمح إذا لم يتأذ به أهل الصف فإن كان عليه نجاسة لم يكن به بأس. فإذا كان على السيف الصيقل نجاسة ومسح بخرقة كانت الصلاة فيه جائزة. وفي أصحابنا من قال بأن ذلك جائزة على كل حال

(1) الظاهر أنه السواعد ذكره الجاحظ في البيان والتبيين ج 3 ص 42 وقال " ولا الجواشن ولا السواعد " وهي ما يلبس على الساعد من حديد أو ذهب.
(2) مغفر سابغ: طويل يستر الجبهة.

[ 115 ]

لأنه إذا مسح بالخرقة فقد طهر، وعندي أنه لا يطهر بذلك، لكن الصلاة فيه جائزة كما قدمناه لأنه مما لا يتم الصلاة فيه منفردا. ومن صلى مع شدة الخوف ركعة وهو راكب ثم امن فينبغي أن ينزل عن دابته ويتم ما بقي من صلاته على الأرض فإن كان آمنا وصلى ركعة على الأرض ثم لحقته شدة الخوف فليركب ويتم ما بقي عليه من الصلاة راكبا، هذا جائز ما لم يستدبر القبلة، فإن استدبرها كان عليه استئناف الصلاة. وإذا كان بين المقاتلة حائط أو خندق وخافوا أن ينقب العدو عليهم الحائط أو يطم الخندق إذا تشاغلوا بالصلاة، جاز لهم أن يصلوا إيماء، هذا إذا ظنوا ذلك قبل أن يصلوا وإن ظنوا أنهم لا يفعلون ذلك إلا بعد فراغهم من الصلاة لم يجز لهم أن يصلوا صلاة شدة الخوف. وإذا رأوا سوادا فظنوه عدوا جاز أن يصلوا صلاة شدة الخوف إيماء، فإن لم يكن ما رأوا صحيحا لم يكن عليهم إعادة، وإذا شاهدوا العدو فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان لهم أن بينهم نهرا كبيرا أو خندقا لا يصلون إليهم معه، فليس عليهم إعادة. والعدو إذا كان في جهة القبلة والناس في مستو من الأرض لا يسترهم شئ ولا يمكنهم أمر يخاف منه وكان المسلمون كثيرين لم يجب عليهم صلاة الخوف ولا صلاة شدة الخوف. وإذا كان المسلمون كثيرين ويصح أن يفترقوا طائفتين وكل طائفة منهما يقوم بالعدو، جاز للامام أن يصلي بالطائفة الواحدة، الركعتين ثم يصلي بالطائفة الأخرى ركعتين آخرتين، ويكون هاتان الركعتان له نافلة ولهم فريضة. وإذا كان يوم الجمعة وكان عددهم العدد الذي تنعقد به الجمعة جاز للامام أن يصلي بهم الركعتين بأن يخطب بالطائفة الأولى ويصلي بهم ركعة، ثم يصلوا - هم - الركعة الأخرى، ثم يقوم مقام أصحابهم فيصلي بهم الركعة الأخرى على ما قدمناه، وإن لم يبلغوا العدد الذي ذكرناه لم ينعقد لهم هذه الصلاة صلاة جمعة بل يصلوها

[ 116 ]

ظهرا وإن بلغت الطائفة الأولى العدد المذكور وخطب بهم (1) وكان في الطائفة الأخرى العدد أيضا كاملا لم يصح أن يصلي بهم جماعة إلا بعد أن يعيد الخطبة لأن الجمعة لا تنعقد مع تمام العدد إلا بخطبة فإن صلى بالأولى صلاة الجمعة كاملة لم يجز أن يصلي الأخرى صلاة جمعة بل يصلي بهم ظهرا. وإذا انهزم المشركون وطلبهم المسلمون لم يجز أن يصلوا صلاة الخوف لأن الخوف قد ارتفع وليس مشاهدتهم بإمارة لحصول الخوف. ومن فر من الزحف وصلى صلاة شدة الخوف كان عليه الإعادة إذا كان عاصيا بفراره فإن كان متحيزا إلى فئة أو متحرفا لقتال لم يلزمه الإعادة، وإنما يكون عاصيا بفراره من الزحف إذا فر من اثنين أو أقل منهما فأما إن كان من أكثر من اثنين فإنه لا يكون عاصيا وكانت صلاته جائزة. " باب صلاة العراة " من كان عريانا وليس له لباس يستتر به وتمكن من الاستتار بحشيش أو غيره كان عليه أن يستر عورته به ويصلي قائما فإن لم يقدر على ما يستتر به جملة وكان وحده بحيث لا يراه أحد صلى قائما وإن كان معه إنسان أو كان موضع يخشى فيه أن يراه غيره كان عليه أن يصلي جالسا. وإذا اجتمع عراة ولم يتمكنوا مما يستترون به وأرادوا أن يصلوا جماعة كان عليهم أن يجلسوا صفا واحدا ويجلس إمامهم في وسطهم ولا يتقدمهم إلا بركبتيه ثم يصلي بهم وهو، وهم جلوس، ويومئ الإمام بركوعه

(1) أي من غير أن يصلي بهم، قال في المنتهى ج 1، ص 406: لو خطب بالطائفة الأولى ولم يصل بهم ثم مضوا إلى العدو وجائت الطائفة الثانية قال الشيخ لا يجوز أن يصلي بهم الجمعة إلا أن يعيد الخطبة.

[ 117 ]

وسجوده ايماءا ويجعل سجوده اخفض من ركوعه، ويركع الذين خلفه ويسجدون. وقد ذكر أن العريان يؤخر الصلاة إلى أن يتضيق وقتها رجاء أن يجد ما يستتر به فإن لم يجد شيئا صلى، فمن عمل على ذلك كان جائزا. " باب صلاة السابح والغريق والموتحل " السابح والغريق والموتحل إذا دخل عليهم وقت الصلاة ولم يتمكنوا من الحصول في موضع يصلون فيه، استقبلوا القبلة بتكبيرة الاحرام وصلوا إيماء، فإن لم يتمكنوا من استقبال القبلة صلوا ولم يكن عليهم شئ، ويكون ركوعهم وسجودهم ايماءا ويجعلون سجودهم اخفض من ركوعهم. " باب صلاة المضطر إلى المشى والمقيد والمشدود بالرباط " " وما أشبه ذلك " إذا اضطر الانسان إلى المشى ولم يتمكن من الوقوف صلى ماشيا بعد التوجه إلى القبلة إن تمكن من ذلك ويومي بركوعه وسجوده ايماءا. فأما المقيد والمشدود بالرباط ومن جرى مجرى ذلك فإنه يجب عليه الاجتهاد في أداء الصلاة على غاية ما يتمكن منه ومتى أمكنه أن يبلغ بالصلاة إلى غاية هي نهاية ما يقدر عليه فأوقعها دون ذلك كان عليه استئنافها، وإذا لم يتمكن واحد مما ذكرناه من أن يصلي إلا ايماءا صلى كذلك وكانت صلاته مجزية.

[ 118 ]

" باب الصلاة في السفينة " إذا دخل على المكلف وقت الصلاة وهو في سفينة، وكان متمكنا من الخروج منها إلى البر كان الأفضل له الخروج والصلاة على الأرض، فإذا لم يخرج منها وصلى في السفينة كانت صلاته مجزية ومن صلى في السفينة كان عليه أن يصلي قائما ويستقبل القبلة مع التمكن من ذلك، فإن لم يتمكن من ذلك صلى جالسا متوجها إلى القبلة، وإذا دارت السفينة دار معها كيف ما دارت، ويستقبل القبلة، فإن لم يتمكن من ذلك استقبل القبلة بتكبيرة الاحرام وصلى كيف ما دارت. فإذا صلى فيها شيئا من النوافل صلى قائما إلى رأسها إذا لم يتمكن من التوجه إلى القبلة ومتى لم يجد في السفينة ما يسجد عليه، سجد على خشبتها، فإن كان عليه قير القى عليه شيئا مما يصح السجود عليه، وسجد عليه، فإن لم يقدر على ذلك سجد على القير وكانت صلاته ماضية. " باب كيفية صلاة ما عدا صلاة اليوم والليلة " ما عدا صلاة اليوم والليلة من مفروض الصلوات ست صلوات قد تقدم ذكرها في جملة أعداد الصلوات. وهي صلاة العيدين، وصلاة كسوف الشمس والقمر والزلازل والرياح السود والآيات العظيمة، وقضاء الفائت من الصلاة، وصلاة النذر، وركعتا الطواف، والصلاة على الموتى، ونحن نأتي بذكر كيفية كل واحدة منها بمشيئة الله تعالى. " باب كيفية صلاة العيدين " هذه الصلاة تجب على من تجب عليه صلاة الجمعة وتسقط عن من تسقط

[ 119 ]

عنه صلاة الجمعة، وشروطها شروطها، فإذا كان يوم العيد بعد صلاة الفجر فإنه يستحب للانسان أن يدعوا بهذا الدعاء فيقول: " اللهم إني توجهت إليك بمحمد أمامي وعلي من خلفي وأئمتي عن يميني وشمالي، استتر بهم من عذابك وأتقرب إليك زلفى لا أجد أحدا أقرب إليك منهم فهم أئمتي، فآمن بهم خوفي من عذابك وسخطك وأدخلني برحمتك الجنة في عبادك الصالحين، أصبحت بالله مؤمنا موقنا مخلصا على دين محمد صلى الله عليه وآله وسنته وعلى دين الأوصياء وسنتهم آمنت بسرهم وعلانيتهم وأرغب إلى الله فيما رغبوا فيه وأعوذ بالله من شر ما استعاذوا منه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم توكلت على الله حسبي الله، ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره، اللهم أريدك فأردني واطلب ما عندك فيسره لي. اللهم انك قلت في محكم كتابك المنزل وقولك الحق ووعدك الصدق: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فعظمت شهر رمضان بما انزلت فيه من القرآن الكريم وخصصته بأن جعلت فيه ليلة القدر. اللهم وقد انقضت أيامه ولياليه وقد صرت منه يا الهي إلى ما أنت أعلم به مني فأسألك بما سألك به ملائكتك المقربون وأنبياؤك المرسلون وعبادك الصالحون أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تقبل مني كلما تقربت إليك به وتتفضل علي بتضعيف عملي وقبول تقربي وقرباتي واستجابة دعائي وهب لي منك عتق رقبتي من النار والأمن يوم الخوف من كل فزع ومن كل هول أعددته ليوم القيامة أعوذ بحرمة وجهك الكريم وبحرمة نبيك وبحرمة أوصيائه أن يتصرم هذا اليوم ولك قبلي تبعة تريد أن تقتصها مني لم تغفرها لي أسألك بحرمة وجهك الكريم بلا إله إلا أنت أن ترضى عني وإن كنت قد رضيت عني فزد فيما بقي من عمرى رضا، وإن كنت لم ترض عني فمن الان فارض عني يا سيدي ومولاي الساعة الساعة واجعلني في هذه الساعة وفي هذا اليوم وفي هذا المجلس من عتقائك من النار عتقا لا رق معه.

[ 120 ]

اللهم إني أسألك بحرمة وجهك الكريم أن تجعل يومي هذا خير يوم عبدتك فيه منذ أسكنتني الأرض وأعظمه أجرا وأعمه نعمة وعافية وأوسعه رزقا وأبتله عتقا من النار وأوجبه مغفرة وأكمله رضوانا وأقربه إلى ما تحب وترضى اللهم لا تجعله آخر زمان صمته لك وارزقني العود فيه حتى ترضى وترضى كل من له قبلي تبعة، ولا تخرجني من الدنيا إلا وأنت عني راض. اللهم واجعلني من حجاج بيتك الحرام في هذا العام وفي كل عام المبرور حجهم المشكور سعيهم المغفور ذنبهم المستجاب دعاؤهم المحفوظين في أنفسهم وأديانهم وذراريهم وأموالهم وجميع ما أنعمت به عليهم، اللهم اجعل قلبي في مجلسي هذا وفي يومي هذا وفي ساعتي هذه مفلحا منجحا مستجابا دعائي مرحوما موتى ومغفورا ذنبي. اللهم واجعل فيما شئت واردت وقضيت وحتمت وأنفذت أن تطيل عمري وأن تقوي ضعفي وأن تغني فقري وأن تجبر فاقتي وأن ترحم مسكنتي وأن تعز ذلي (1) وأن تونس وحشتي وأن تكثر قلتي وأن تدر رزقي في عافية ويسر وخفض وعيش وتكفيني كل ما أهمني من أمر دنياي وآخرتي ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين فأعجز عنها ولا إلى الناس فيرفضوني وعافني في بدني وديني وأهلي ومالي وولدي وأهل مودتي وجيراني وإخواني وأن تمن على بالامن أبدا ما أبقيتني فإنك وليي ومولاي وسيدي وإلهي وثقتي ورجائي ومعدن مسألتي وموضع شكواي ومنتهى رغبتي فلا تخيبن (2) عليك دعائي يا سيدي ومولاي ولا تبطل ظني ورجائي لديك فقد توجهت إليك بمحمد وآل محمد صلواتك عليهم وقد قدمتهم إليك أمامي وأمام حاجتي وطلبتي و (3) تضرعي ومسألتي فاجعلني بهم وجيها في الدنيا والآخرة فإنك

(1) في بعض النسخ زيادة " أن تغفر لي " (2) في بعض النسخ " فلا تخيبني " (3) في بعض النسخ " ولا تبطل " بدل " وطلبتي ".

[ 121 ]

مننت على بمعرفتهم (1) فاختم لي بها السعادة انك على كل شيئ قدير. اللهم لا تبطل عملي، وطمعي، ورجائي، يا الهي ومالكي وارحم (2) بالسعادة والسلامة والاسلام، والأمن، والايمان، والمغفرة، والرضوان، والشهادة والحفظ، يا الله يا الله أنت لكل حاجة، فتول عاقبتها، ولا تسلط علينا أحدا من خلقك بشئ لا طاقة لنا به من أمر الدنيا، وفرغنا لأمر الآخرة، يا ذا الجلال والاكرام صل على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد وارحم محمدا وآل محمد، وسلم على محمد وآل محمد كأفضل ما صليت وباركت وترحمت وسلمت وتحننت على إبراهيم وآل إبراهيم انك حميد مجيد " فإذا فرغ من هذا الدعاء، وأراد الخروج إلى المصلى، فالأفضل له أن لا يخرج إلا وهو على غسل، ووقت هذا الغسل طلوع الفجر، ويلبس اجمل ثيابه والامام يلبس الرداء والعمامة شاتيا كان أم قايظا، وإن كان عيد الفطر فالأفضل أن لا يخرج من بيته حتى يفطر على شيئ من الحلاوة، وإن كان عيد الأضحى فالأفضل له أن لا يأكل مما يذبحه أو ينحره إلا بعد عوده من الصلاة ولا يأكل شيئا قبل خروجه، فإذا توجه إلى المصلى فيستحب له أن يكون ماشيا وعليه سكينة ووقار، فإن كان إماما كان كذلك حافيا وكلما مشى قليلا وقف وكبر حتى يصل إليه. ويستحب له أيضا أن يدعو في توجهه إلى المصلى فيقول: " اللهم من تهيأ وتعبأ واعد، واستعد لوفادة إلى مخلوق رجاء رفده وطلب جوائزه وفواضله، ونوافله فإليك يا سيدي وفادتي وتهيأتي، وإعدادي، واستعدادي، رجاء رفدك وجوائزك ونوافلك، فلا تخيب اليوم رجائي، يا من لا يخيب عليه سائل، ولا ينقصه نائل، إني لم آتك اليوم بعمل صالح قدمته، ولا شفاعة مخلوق رجوته لكننى أتيتك مقرا بالظلم والإسائة، لا حجة لي ولا عذر فأسألك يا رب أن تعطيني سؤلي ومسألتي وتقلبني

(1) في بعض النسخ زيادة " فاختم بمعرفتهم " (2) كذا في النسخ ولعل الصحيح " واختم لي " كما في إقبال السيد

[ 122 ]

برغبتي، ولا تردني مجبوها، ولا خائبا يا عظيم، يا عظيم، يا عظيم أرجوك بالعظيم أسألك يا عظيم أن تغفر لي العظيم لا إله إلا أنت صل على محمد وآل محمد وارزقني خير هذا اليوم الذي شرفته وعظمته واغسلني من جميع ذنوبي وخطاياي، وزدني من فضلك انك أنت الوهاب. فإذا وصل إلى المصلى فالأفضل له أن يجلس على الأرض، فإذا قام إلى الصلاة برز تحت السماء ولا يؤذن لصلاة العيد، ولا يقام لها، بل يقول المؤذن ثلاث مرات الصلاة ثم يفتتح الصلاة بتكبيرة ويقرء: الحمد والشمس وضحيها، فإذا فرغ من القرائة كبر ثانية ورفع بها يديه وقنت فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم أهل الكبرياء والعظمة وأهل الجود والجبروت وأهل العفو والرحمة، وأهل التقوى والمغفرة أسألك بحق هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا ولمحمد صلى الله عليه وآله ذخرا ومزيدا أن تصلي على محمد وآل محمد كأفضل ما صليت على عبد من عبادك، وصل على ملائكتك ورسلك واغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والأموات. اللهم إني أسألك خير ما سألك به عبادك المرسلون وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبادك المرسلون ثم يكبر الثالثة ويقنت - بهذا القنوت أيضا، ثم يكبر رابعة ويقنت، ثم يكبر خامسة، ويقنت به ثم يكبر سادسة ويقنت، ثم يكبر سابعة ويركع بها، ويسجد سجدتين، فإذا رفع رأسه من السجود قام إلى الركعة الثانية بغير تكبيرة (1) ثم يكبر تكبيرة واحدة ويقرأ الحمد وهل أتاك حديث الغاشية، فإذا فرغ من القرائة كبر ثانية ورفع بها يديه وقنت كما قنت فيما تقدم ثم كبر ثالثة وقنت ثم كبر رابعة وقنت ثم كبر خامسة وركع بها وسجد وتشهد وسلم فيكون جملة هذه الصلاة ركعتين باثنتي عشرة تكبيرة سبع في الأولى، وخمس في الثانية، من

(1) هذه التكبيرة تسمى ب‍ " تكبيرة القيام " التي نفاها المصنف

[ 123 ]

جملتها تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع. فإذا فرغ الإمام من الصلاة خطب بالناس ويكون قيامه للخطبة على منبر مبنى من طين. ويستحب للانسان أن يكبر ليلة عيد الفطر عقيب أربع صلوات أولها صلاة المغرب وآخرها صلاة العيد يقول: " الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد على ما هدانا وله الشكر على ما أولانا "، ويكبر في عيد الأضحى إن كان بمنى عقيب خمس عشرة صلاة أولها صلاة الظهر من يوم العيد، وإن كان في غير منى من سائر الامصار كبر عقيب عشر صلوات أولها الظهر أيضا من يوم العيد ويزيد في التكبير بعد قوله: " وله الشكر على ما أولانا ورزقنا من بهيمة الأنعام " ولا ينبغي أن يخرج إلى صلاة العيد بسلاح إلا لضرورة تدعو إلى ذلك. ومن أراد الخروج يوم العيد من بلد بعد طلوع الفجر فلا يخرج حتى يحضر صلاة العيد، فإن كان قبل الفجر جاز له الخروج، ولا يجوز أن يصلي شيئا من النوافل ابتداءا ولا قضاء قبل صلاة العيد ولا بعدها حتى تزول الشمس إلا بمدينة الرسول صلى الله عليه وآله فإنه إذا كان بها صلى في مسجد النبي صلى الله عليه وآله ركعتين قبل صلاة العيد استحبابا ومن صلى صلاة العيد كان مخيرا في استماع الخطبة، والأفضل له أن يسمعها، ومن لم يحضر صلاة العيد مع الإمام فالأفضل له أن يقضيها في بيته كما كان يصليها مع الإمام، وليس ذلك بواجب عليه. وذكر أنه إذا اتفق أن يكون يوم العيد يوم الجمعة كان الذي يصلي صلاة العيد مخيرا بين حضور الجمعة وبين أن لا يحضرها، والظاهر وجوب حضورها في الصلاتين وانعقادهما مع تكامل الشروط التي ذكر أنها لا تنعقد إلا بكمالها. ومن صلى صلاة العيد قبل طلوع الشمس كان عليه الإعادة لها. ومن خرج إلى صلاة العيد في طريق فليرجع في غيرها استحبابا ومن كان لا هيئة لها من النساء من العجائز جاز خروجها لصلاة العيد ومن كان لها منهن هيئة وجمال صلتها في بيتها

[ 124 ]

" باب كيفية صلاة الكسوف " صلاة كسوف الشمس وخسوف القمر والزلازل والرياح السود المظلمة والآيات العظيمة واحدة، وهي واجبة لا يجوز تركها، فمن تركها فليس يخلو من أن يكون تركها متعمدا أو ناسيا، فإن تركها، متعمدا وكان قرص الشمس أو القمر قد احترق جميعه كان عليه قضاؤها مع الغسل، وإن كان قد احترق بعض القرص كان عليه القضاء دون الغسل وإن كان ناسيا وكان قد احترق جميع القرص، كان عليه القضاء، وإن لم يكن قد احترق جميع القرص، لم يكن عليه شيئ، وإذا فاتته ولم يكن علم، فليصلها إذا علم ذلك. وأما وقتها فقد ذكرناه في باب أوقات الصلاة. ويستحب صلاتها جماعة، ومن لم يصلها كذلك، جاز له أن يصليها منفردا. وجملتها عشر ركعات بأربع سجدات يبتدء بها بتكبيرة الاحرام، ثم يتوجه (1) فيقرأ الحمد وسورة، والأفضل أن يقرأ فيها من السور الطوال: مثل الكهف والأنبياء وما أشبه ذلك، فإذا فرغ من القراءة ركع وأطال في ركوعه بمقدار زمان قرائته، ثم يرفع رأسه بالتكبير ولا يقول " سمع الله لمن حمده " ويستوي قائما ثم يقرأ الحمد وسورة، فإذا فرغ منها ركع وأطال في ركوعه مثل زمان قراءته، ثم يرفع رأسه بالتكبير ولا يقول " سمع الله لمن حمده " ويستوي قائما ثم يقرأ الحمد وسورة فإذا فرغ منها ركع وأطال في ركوعه مثل زمان قرائته، ولا يقول " سمع الله لمن حمده " ويستوي قائما ثم يقرأ الحمد وسورة، فإذا فرغ منها ركع وأطال في ركوعه مثل زمان قرائته ثم يرفع رأسه ويقول في الخامسة مثل ما قدمناه، ثم يركع الخامسة ويرفع رأسه بغير تكبير، بل يقول سمع الله لمن حمده، الحمدلله رب العالمين، ويسجد سجدتين، ويطيل في كل واحدة منهما

(1) أي دعا ب‍ " وجهت وجهى.. "

[ 125 ]

مثل زمان ركوعه، ثم ينهض ويستوي قائما ويركع خمس ركعات على الصفة المقدمة، ويسجد في الخامسة، ويتشهد ويسلم، ومن صلى هذه الصلاة وفرغ منها قبل أن ينجلي القرص أو تزول الآية، فيستحب له إعادتها، فإن لم يعدها جلس في موضعه يذكر الله سبحانه إلى أن ينجلي القرص أو تزول الآية ومن شك في شئ من هذه الصلاة، كان عليه استئنافها. ومن صلاها لزلزلة فليسجد بعد فراغه منها وليقل في سجوده " يا من يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن امسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا، يا من يمسك السماء أن تقع على الأرض أمسك عنا السوء ". ومتى انكسفت الشمس أو خسف القمر أو حدثت آية مما ذكرناه في وقت صلاة حاضرة، بدأ بالحاضرة، ثم رجع إليها، وإن بدأ بصلاتها ودخل وقت فريضة قطعها وصلى الفريضة ورجع إليها وتمم صلاتها، وإن دخل وقت صلاة الليل، صلى أولا صلاة الكسوف ثم عاد إلى صلاة، الليل فإن فاتت صلاة الليل قضاها بعد ذلك، ولا يجوز ترك صلاة الكسوف لأجلها على حال من الأحوال. " باب قضاء الفائت من الصلاة " إعلم أن جميع الأوقات أوقات لقضاء ما فات من الصلاة إلا ما يعرض فيه شغل لا بد منه مما يقوم بالنفس - على الاقتصاد - (1) أو يتضيق وقت فريضة حاضرة، وحد تضيق الوقت أن يصير الباقي منه بمقدار ما يؤدي فيه تلك الصلاة. وكل صلاة واجبة فاتت فأن قضاءها واجب من غير تراخ، إلا أن يكون قد تضيق وقت صلاة حاضرة، فإنه متى كان ذلك وجب صلاة الحاضرة ثم يقضي

(1) مراده " ره ": إن الاشتغال بتحصيل المعاش - لمن عليه القضاء - لا بد أن يكون بمقدار الاقتصاد وحد الوسط، لا بمقدار التوسعة، لأنه " ره " قائل بالمضائقة في القضاء

[ 126 ]

الفائتة بعد ذلك، فأن صلى الحاضرة والوقت متسع وهو عالم بذلك لم ينعقد وكان عليه قضاء، الفائتة ثم يصلي الحاضرة، وإن لم يكن عالما وذكرها وهو في الحاضرة نقل نيته إليها ثم صلى الحاضرة. ويقضي الفائتة ولا يصلي الحاضرة إلا أن يتضيق الوقت إذا كان قد فاته صلوات عدة (1)، فإذا تضيق الوقت صلى الحاضرة ثم عاد إلى القضاء. وإذا نسي شيئا قضاه وقت الذكر له وإذا دخل في صلاة نافلة ثم ذكر أن عليه صلاة أخرى عدل نيته إلى الفائتة ثم يعود إلى تلك الصلاة بعد الفراغ من الفائتة، وهكذا يفعل إذا دخل في صلاة فريضة لم يتضيق وقتها ثم ذكر أن عليه صلاة أخرى، ومثال ما ذكرناه أن يدخل في صلاة العصر، ويذكر أن عليه صلاة الظهر فيعدل نيته إليها، فإذا فرغ منها عاد فصلى العصر، فإن تضيق الوقت كمل صلاة العصر ثم صلى الظهر. ويجب أن يقضي حتى يغلب في ظنه الوفاء إذا كان قد فاته من الصلاة ما لا يتحقق جملته وكذلك يصلي اثنتين وثلاثا وأربعا إذا فاتته صلاة ولم يعلم ما هي: نوى بالاثنتين الغداة وبالثلاث المغرب وبالأربع الظهر أو العصر أو العشاء الآخرة، فإذا فاتته صلاة وهو مسافر ولم يعلم ما هي صلى اثنتين وثلاثا، ويفعل في النية لها مثل ما ذكرناه. ومن فاتته صلاة معينة دفعات عدة، ولم يعلم عدد الدفعات صلى من هذه الصلاة بعينها حتى يغلب في ظنه الوفاء. والمرتد يجب عليه القضاء بجميع ما فاته في أيام ردته، ومن صلى صلاة نذر على غير الوجه الذي شرطه والشروط التي نذر لايقاعها، عليه القضاء لها على ذلك الوجه والشرط وإذا بلغ إنسان في وقت يتسع لأداء الصلاة، وفرط في أدائها حتى خرج الوقت كان عليه القضاء والولي عليه أن يقضي عمن يلي أمره ركعتي الطواف إذا

(1) أي كثيرة

[ 127 ]

كان قد نسيها، ومات قبل أن يقضيها، والمغمى عليه إذا أفاق في وقت يتسع لأداء الصلاة وفرط في أدائها حتى خرج الوقت كان عليه القضاء. ومن كان مسافرا ونسى صلاة - وجبت عليه في الحضر - كان عليه (1) قضائها على التمام، فإن كان حاضرا وكان قد نسي صلاة سفر كان عليه قضاؤها على التقصير. وعليه أيضا يقضي الصلاة على التقصير، إذا كان قد أتمها في السفر وكانت آية التقصير قد تليت عليه، أو علم وجوب التقصير عليه، فإن لم تكن الآية تليت عليه ولا علم وجوب التقصير لم يكن عليه شئ. وكل ذلك واجب على المكلف ومن بلغ الحلم في وقت لا يتسع لأدائها كان عليه القضاء ندبا واستحبابا، وكذلك من أغمى عليه بجنون أو مرض غير الجنون وأفاق في وقت غير متسع لأداء الصلاة، وكذلك يقضي جميع ما فاته في حال الاغماء، فإن كان كثيرا ولم يتمكن من قضاء جميعه قضى صلاة اليوم الذي يفيق فيه، وكذلك يقضي النوافل - إذا فاته منها صلوات عدة، ولم يعلم كمية ذلك - إلى أن يغلب في ظنه الوفاء فإن لم يتمكن من ذلك استحب له أن يتصدق عن كل ركعتين بمد من طعام فإن لم يقدر على ذلك فعن كل يوم بمد من طعام فإن لم يقدر على ذلك لم يكن عليه شيئ وكذلك يقضي النافلة المنسية أي وقت ذكرها، إلا أن يكون قد حضر وقت فريضة فينبغي أن يصلي الفريضة، ثم يقضي النافلة بعد ذلك إذا أراد، وكذلك يقضي نوافل الليل بالنهار، ونوافل النهار بالليل ندبا، واستحبابا كما قدمناه، فأما الحائض فقد ذكرنا في باب الحيض ما يتعلق بها من ذلك. " باب كيفية صلاة النذر " يجب على الناذر للصلاة أداؤها على الوجه والشرط الذي نذرها عليه، فإن

(1) كذا في نسخة وليست في بقيتها جملة " كان عليه "

[ 128 ]

نذر منها عددا مخصوصا أو شيئا من التسبيح أو قرائة سورة معينة، أو صلاتها في زمان أو مكان مخصوص أو إيقاعها على وجه مخصوص وجب عليه إيقاعها وأداؤها على العدد، والوجه والشرط الذي عقد نذره، فإن لم يقض ذلك أو شيئا معه وصلاها كذلك لم يجزه، وكان عليه قضاؤها مع الكفارة، وسيأتي ذكر هذه الكفارة في باب الكفارات بعون الله تعالى. " باب ركعتي الطواف " ركعتا الطواف واجبتان كما ذكرناه في قسمة المفروض من الصلوات، ويجب أن يفعل المكلف فيهما مثل ما يفعله في غيرهما من أحكام الصلاة ومن وجبتا عليه صلاهما عند مقام إبراهيم عليه السلام بأن يجعله بين يديه ثم يصلي، فإن نسي صلاتهما عند هذا المقام كان عليه إعادتهما عنده، فإن لم يذكرهما حتى سار رجع فصلاهما عنده، فإن لم يتمكن من ذلك صلاهما حيث يذكرهما، والأفضل أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الحمد سورة الاخلاص وفي الثانية بعد الحمد قل يا أيها الكافرون، فأما وقتها فقد ذكرناه في باب أوقات الصلاة. (باب الصلاة على الموتى) إذا أردنا أن نذكر كيفية الصلاة على الموتى من الناس فينبغي أن نبين من يجوز هذه الصلاة عليه ومن لا يجوز. فأما الذي يجوز عليه فهو كل من كان على ظاهر الايمان من رجل أو امرأة، حر أو عبد ومن بلغ عمره من هؤلاء الذين ذكرناهم ست سنين أو أكثر، وقد يصلي هذه الصلاة على جهة الندب والاستحباب على كل طفل يقصر عمره عن ست سنين

[ 129 ]

من أولاد المسلمين، وعلى من خالف مذهب أهل الحق مع حصول التقية المرتفعة (1) في ترك ذلك، فلا يجوز الصلاة على الناصب للعداوة لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله إذا كانت التقية مرتفعة في ترك الصلاة عليه، وكذلك لا يجوز على غير الناصب ممن ظاهره ظاهر الكفر والشرك على حال، ومن مات ممن ذكرنا جواز الصلاة عليه من الرجل، والمرئة أو الحر، والعبد كانت الصلاة عليه واجبة. وينبغي أن يؤذن المؤمنين بذلك ليجتمعوا، ويكثروا للصلاة (2) عليه، وهي فرض على الكفاية، ومتى قام بها بعض المكلفين سقط فرضها عن الباقين، والأفضل للانسان أن لا يصليها إلا وهو على طهارة، فإن لم يكن على ذلك وفاجأته تيمم وصلى عليها، فإن لم يتمكن من ذلك أيضا جاز أن يصليها على غير طهارة ومن كان من النساء على حال حيض أو جنابة وأرادت الصلاة على الجنازة، فالأفضل لها أن لا تصليها إلا بعد الاغتسال فإن لم تتمكن من ذلك جاز لها ذلك بالتيمم فإن لم تتمكن من ذلك جاز لها أن تصلي عليها بغير طهارة. وإذا حضر الناس للصلاة على الجنازة وقفوا صفوفا خلف من يؤم بهم فإن حضر معهم نساء وقفن خلف الرجال من غير أن يختلطن بهم، فإن كان فيهن حائض وقفت منفردة منهن، فإن كان الذي حضر للصلاة على الجنازة نساء ليس معهن أحد من الرجال وقفت التي تؤم بهن في وسطهن من الصف، والباقون عن يمينها وشمالها فإن كان جميع من يحضر للصلاة عليها عراة ففعلوا كما ذكرنا فعله للنساء سواء. والجنازة تجعل وقت الصلاة عليها مما يلى القبلة، فإن حضر معها جنازة امرأة جعلت مما يلى القبلة والرجل مما يلى الإمام، وإذا اجتمع جنازة رجل وامرأة وصبى جعل الصبي مما يلي القبلة ثم المرأة إليه ثم الرجل. فإن اجتمع معهم عبد قدم الصبي أولا إلى القبلة، ثم المرأة، ثم العبد، ثم

(1) أي التقية غير الواجبة.
(2) في بعض النسخ " الصلاة " بدل " للصلاة "

[ 130 ]

الرجل فإن اجتمع معهم خنثى جعل الصبي مما يلى القبلة أولا، ثم المرأة بعده، ثم الخنثى بعدها ثم العبد ثم الرجل، وهؤلاء الذين صلى على جميعهم صلاة واحدة، كانت مجزية، ولم يحتج المصلون أن يصلوا على كل واحد منهم صلاة على حدة والامام العادل إذا حضر للصلاة على الجنازة كان أولى بالتقدم عليها في ذلك من غيره، فإن لم يكن حاضرا وحضر رجل من بني هاشم يعتقد الحق كان أولى بذلك إذا أذن له الولي، فإن لم يأذن له لم يجز له التقدم، والأفضل للولي أن يقدمه والمرأة إذا كان لها زوج كان أولى بالصلاة عليها وإذا كان للميت ابنان مؤمنان كانا مخيرين في التقدم للصلاة ما لم يتنازعا في التقدم، فإن تنازعا في ذلك اقرع بينهما. والصلاة على الجنازة جائزة في المساجد والأفضل في ذلك أن يصلي عليها في المواضع المخصوصة بها، فإذا أراد الإمام التقدم للصلاة على الجنازة، فينبغي أن يتحفى ويكون بينه وبينها عند وقوعه عليها شيئ يسير، فإن كان الميت رجلا وقف محاذيا لوسطه، وإن كان امرأة وقف محاذيا لصدرها. " كيفية الصلاة على الميت " وليس في هذه الصلاة قراءة، ولا ركوع، ولا سجود، بل دعاء واستغفار وهي خمس تكبيرات يبدأ بها بتكبيرة الاحرام ويقرن النية كذلك بها، فيرفع المصلي مع هذه التكبيرة يديه ثم يرسلهما، ويقول: " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الها واحدا أحدا فردا صمدا حيا قيوما لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، لا إله إلا الله الواحد القهار ربنا ورب آبائنا الأولين " والاختصار على الشهادتين في ذلك مجز، ويكبر " ثانية " ولا يرفع يديه معها. ويقول: " اللهم صل على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد وارحم محمدا وآل محمد كأفضل ما صليت وباركت ورحمت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم انك حميد مجيد " ويكبر " ثالثة " ولا يرفع يديه معها. ويقول: " اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم

[ 131 ]

والأموات، وادخل على موتاهم رأفتك، ورحمتك وعلى أحيائهم بركات سماواتك وأرضك، إنك على كل شئ قدير، ويكبر " رابعة "، ولا يرفع يديه معها، ويقول: اللهم عبدك وابن عبدك وابن امتك نزل بك وأنت خير منزول به، اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، (1) وإن كان مسيئا فتجاوز عنه واغفر له واجعله عندك في عليين، واخلف على أهله في الغابرين، وارحمه برحمتك يا ارحم الراحمين. فإن كان الميت امرأة، قال بعد هذه التكبيرة: اللهم امتك وابنة امتك نزلت بك وأنت خير منزول به، اللهم إن تك محسنة فزد في إحسانها، وإن تك مسيئة فاغفر لها وتجاوز عنها وارحمها يا رب العالمين " وإن كان الميت طفلا فقل: " اللهم هذا الطفل كما خلقته قادرا وقبضته ظاهرا، فاجعله لابويه فرطا (2) ونورا وارزقنا أجره ولا تفتنا بعده. وإن كان مستضعفا قال: " اللهم اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ". وإن كان غريبا لا يعرف له قولا فقل: " اللهم هذه النفس أنت أحييتها، وأنت أمتها تعلم سرها وعلانيتها، فولها ما تولت واحشرها مع من أحبت " وإن كان الميت ناصبا (3) فقل: " عبدك ابن عبديك لا نعلم منه إلا شرا فأخذه من عبادك وبلادك وأصله أشد نارك، اللهم إنه كان يوالي أعدائك ويعادي أولياءك ويبغض أهل بيت نبيك فاحش قبره نارا ومن بين يديه نارا وعن شماله نارا وسلط عليه في قبره الحيات والعقارب " ويكبر الخامسة، ولا يرفع اليدين معها، ويقول: عفوك عفوك، ولا يبرح من موضعه حتى ترى الجنازة قد رفعت على أيدي الرجال والذي ذكرناه في ترك

(1) في بعض النسخ " حسناته " بدل " إحسانه " (2) الفرط بفتح الراء: هو من يتقدم القوم ليصلح لها ما يحتاجون إليه مما يتعلق بالمراد، كما في الحدائق (3) في بعض النسخ " ناصبيا " بدل " ناصبا "

[ 132 ]

رفع اليدين مع التكبيرة الأولى مستحب، ولو رفعها مع جميع التكبيرات لكان جائزا إلا أن الأفضل ما قدمناه. ومن حضر الصلاة على الجنازة وقد فاته شيئ من التكبيرات فليتمه إذا فرغ الإمام من الصلاة عليها متتابعا، وإن رفعت كبر عليها، وهي مرفوعة، ومن لحق الجنازة عند وصولها إلى القبر كان له أن يكبر ما بقي له من ذلك ومن سبق الإمام بشئ من التكبير عليها كان عليه الإعادة لذلك ومن فاتته الصلاة على الجنازة جاز له أن يصليها على القبر بعد دفن الميت ما بينه وبين يوم وليلة، وليس تجوز الصلاة عليه بعد ذلك على حال. والصلاة على الجنازة الواحدة دفعتين مكروه، فإذا حضرت الجنازة في وقت صلاة فريضة، فالأولى الابتداء بالفريضة، ثم الرجوع إلى الصلاة على الجنازة إلا أن يخاف من حدوث أمر بالميت، فإن كان ذلك قدمت الصلاة عليه، ورجع إلى الفريضة. وإذا كانت الجنازة في وقت الصلاة عليها مقلوبة، ولو يعلم المصلي عليها ذلك من حالها أديرت عما كانت عليه وهويت (1) وأعاد الصلاة عليها، فإن لم يعلم ذلك حتى دفنت كانت الصلاة ماضية، وإذا حضرت الجنازة وكبر المصلي عليها تكبيرة أو تكبيرتين، ثم حضرت جنازة أخرى كان مخيرا بين أن يتم التكبيرات على الأولى، وبين أن يبتدء بالتكبير من التكبيرة التي انتهى إليها وإن كان الميت عريانا ولا كفن عليه فليترك في قبره ويستر عورته ويصلى عليه ويدفن.

(1) كذا في النسخ ولعل المراد: إن الجنازة رفعت من الأرض فأديرت ووضعت ويحتمل التصحيف فيكون الصحيح " سويت " كما في النهاية والمبسوط.

[ 133 ]

" باب المندوب من الصلوات " " باب سنن اليوم والليلة " إعلم أن أول ذلك نوافل الظهر، وينبغي إذا زالت الشمس أن يصلي، وهي ثمان ركعات يفتتح الركعتين الاولتين بسبع تكبيرات، أو خمس أو ثلاث أو واحدة إلا أن الاتيان بأكثر من التكبيرة الواحدة أفضل، فإذا فرغ من التكبير الذي ذكرناه توجه (1) وقرء في الأولى بعد الحمد، قل هو الله أحد، وفي الثانية بعد الحمد قل يا أيها الكافرون ويخافت بالقرائة، فإن جهر كان جائزا، والأفضل الاخفات نوافل النهار والجهر في نوافل الليل، فإذا فرغ من القرائة فعل في الركوع والسجود والتسبيح مثل ما سلف ذكره في كيفية صلاة المختار، فإذا سلم من هاتين الركعتين قام ثم أتى بست ركعات يتشهد ويسلم في كل اثنتين، فإذا تمم الثمان ركعات، حمد الله سبحانه وأثنى عليه وصلى على النبي وآله صلى الله عليه وآله ثم يقول: " الحمدلله الواحد الاحد المتوحد في الأمور كلها الرحمن الرحيم الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله " ويدعو بما شاء، ثم يؤذن ويقيم ويصلي فريضة الظهر فإذا فرغ منها صلى بعدها نوافل العصر ثمانى ركعات وفعل كما فعل في نوافل الظهر ثم يؤذن ويقيم ويصلي فريضة العصر فإذا غربت الشمس وصلى فريضة المغرب صلى بعدها نوافلها وهي أربع ركعات من غير أن يفصل بين هذه النافلة وبين الفريضة بتعفير ولا كلام، يفتتح الأولى بسبع تكبيرات، وفعل فيها من القراءة والتسبيح وغيره من افعال الصلاة مثل ما قدمناه ويتشهد بعد كل ركعتين، ويسلم، فإذا فرغ كما ذكرناه سبح، وعفر ودعا بما أراد، فإذا غاب الشفق وصلى فريضة العشاء الآخرة، صلى الوتيرة وهي: ركعتان من جلوس تحسبان بواحدة يقرأ فيهما مثل ما قدمناه، فإذا فرغ من ذلك فيأوى إلى فراشه ويضطجع فيه على جانبه الأيمن، ويقول: بسم الله وبالله

(1) أي دعا ب‍ " وجهت.. ".

[ 134 ]

وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله وخير الأسماء كلها لله، اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهى إليك، وفوضت أمري إليك رهبة منك ورغبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكل كتاب أنزلته وبكل رسول أرسلته " ثم يقرأ سورة الاخلاص والمعوذتين، وآية الكرسي، ويسبح تسبيحة السيدة فاطمة صلوات الله عليها وهي أن يكبر أربعا وثلثين تكبيرة ويحمد ثلاثا وثلثين تحميدة ويسبح ثلاثا وثلثين تسبيحة ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت ويميت ويحيى وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شئ قدير، أعوذ بالله بالذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه من شر ما خلق، وذرء وبرء وأنشأ وصور، ومن شر الشيطان الرجيم، أعوذ بكلمات الله التامة من شر الدابة (1) والهامة، واللامة ومن شر الشيطان الرجيم وما ذرء في الأرض وما أخرج منها ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير، استعنت بالله وأتوكل على الله وحسبي الله ونعم الوكيل ". فإذا انتصف الليل قام إلى صلاة الليل وقال عند قيامه إلى ذلك: " الحمدلله الذي رد على روحي لأعبده وأحمده اللهم إنه لا يوارى منك ليل داج ولا سماء ذات أبراج، ولا أرض ذات مهاد ولا ظلمات بعضها فوق بعض ولا بحر لجى، يعلم خائنة إلا عين وما تخفى الصدور غارت النجوم، ونامت العيون، وأنت الحي القيوم، لا تأخذك سنة ولا نوم، سبحان الله رب العالمين "، ويقرأ خمس آيات من آخر سورة آل عمران: " إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لاولى الباب، إلى قوله: انك لا تخلف الميعاد ". وإذا سمع صوت الديكة قال " سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبقت رحمتك غضبك، سبحانك وبحمدك، عملت سوء وظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر

(1) في بعض النسخ " الندامة " بدل " الدابة ".

[ 135 ]

الذنوب إلا أنت " فإذا فرغ من ذلك استاك، ثم يتطهر ويفتتح الصلاة بسبع تكبيرات ويتوجه ويقرء الحمد وسورة الاخلاص ثلاثين مرة، ويقرء في الثانية الحمد وقل يا أيها الكافرون ثلاثين مرة وإن قرء ذلك مرة واحدة كان جائزا، ثم يصلي ست ركعات بما شاء من القرآن، ويطيل في قراءته وركوعه وسجوده إلا أن يخشى من طلوع فحينئذ يخفف، فإذا فرغ من الثمان ركعات كما ذكرناه صلى الشفع والوتر ثلاث ركعات، يقرأ في الأولى بعد الحمد قل هو الله أحد وفي الثانية مثل ذلك، ويتشهد ويسلم، ويقوم بعد ذلك إلى الثالثة فيتوجه ويقرأ بعد الحمد سورة الاخلاص، فإذا فرغ من القرائة قنت بقنوت الوتر إن شاء ذلك وإن شاء أن يقتصر بكلمات الفرج ويدعو بما أحب كان جائزا، وقنوت الوتر هو: لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلى العظيم سبحان الله رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. اللهم لا إله أنت نور السموات والأرض لا إله إلا أنت زين السماوات والأرض لا إله إلا أنت جمال السماوات والأرض لا إله إلا أنت رب العالمين لا إله إلا أنت الغفور الرحيم لا إله إلا أنت الرحمان الرحيم لا إله إلا أنت مالك يوم الدين لا إله إلا أنت إليك يبتدئ كل شئ وإليك يعود، لا إله إلا أنت لم تزل ولا تزال لا إله إلا أنت الملك القدوس لا إله إلا أنت السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر لا إله إلا أنت الكبير والكبرياء ردائك سبحان الذي ليس كمثله شيئ وهو السميع البصير والحمد لله الذي تواضع كل شيئ لعظمته وذل كل شيئ لعزته واستسلم كل شيئ لقدرته وخضع كل شيئ لملكته واتضع كل شيئ لربوبيته فأنت يا رب صريخ المستصرخين وغياث المستغيثين والمفرج عن المكروبين والمروح عن المغمومين ومجيب دعوة المضطرين وكاشف السوء وكهف المضطهدين وعماد المؤمنين، إليك ملجأهم ومفزعهم ومنك رجاؤهم وبك استعانتهم وحولهم وقوتهم، إياك يدعون وإليك يطلبون ويتضرعون ويبتهلون

[ 136 ]

وبك يلوذون وإليك يفزعون وفيك يرغبون وفي مننك ينقلبون وبعفوك وإلى رحمتك يسكنون ومنك يخافون ويرهبون، لك الأمر من قبل ومن بعد حتى لا يحصى نعمك ولا تعد، أنت جميل العادة والبلاء ومستحق للشكر والثناء ندبت إلى فضلك وامرت بدعائك وضمنت الاجابة لعبادك وأنت صادق الوعد وفي العهد، قريب الرحمة. اللهم إني أشهد على حين غفلة من خلقك انك أنت الله الذي لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك المرتضى ونبيك المصطفى وأسبغت عليه نعمتك وأتممت له كرامتك، وفضلت لكرامته منه آله فجعلتهم أئمة الهدى ومصابيح الدجى وأكملت بحبهم وطاعتهم الايمان، وقبلت بمعرفتهم والاقرار بولايتهم، الأعمال واستعبدت بالصلوة عليهم عبادك وجعلتهم مفتاحا للدعاء وسببا للاجابة. اللهم فصل على محمد وآل محمد أفضل ما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم انك حميد مجيد، اللهم إنهم الفضل والوسيلة وأعطهم من كل كرامة ونعمة وعطاء أفضله حتى لا يكون أحد من خلقك أقرب مجلسا ولا أحظى عندك منزلة ولا أقرب منك وسيلة ولا أعظم شفاعة منهم. اللهم واجعلني من أعوانهم وأنصارهم وأتباعهم وثبتني على محبتهم وطاعتهم والتسليم لهم والرضا بقضائهم واجعلني بمحبتهم عندك وجيها في الدنيا والآخرة، ومن المقربين فإني أتقرب إليك بهم وأقدمهم بين يدى حوائجي ومسألتي، فإن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك وحجبت دعائي عنك فاستجب يا رب بهم دعائي واعطني بهم سؤلي وتقبل بهم يا رب توبتي واغفر بهم يا رب ذنوبي يا محمد أتقرب بك إلى الله ربي وربك ليسمع دعائي ويعطيني سؤلي ويغفر ذنبي يا رب أنت أجود من سئل وأكرم من أعطى وارحم من استرحم يا الله يا الله يا الله يا رب يا رب يا رب يا رحمان يا رحمان يا رحمان قلت: ولقد نادينا نوح فلنعم المجيبون نعم والله المجيب أنت ولنعم المدعو أنت ولنعم المسؤول أنت أسألك بنور وجهك وعز ملكوتك وأسالك باسمك بسم الله الرحمان الرحيم وبكل اسم سميت به نفسك وعلمته

[ 137 ]

أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أعلنت وما أسررت وما أنت أعلم به مني مغفرة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة ولا تسألني عن شيئ من ذنوبي بعدها أبدا أبدا واعطني عصمة لا أعصيك بعدها أبدا أبدا وخذ بناصيتي إلى محبتك ورضاك ووفقني لذلك واستعملني به أبدا ما أبقيتني، واحفظني من بين يدى ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي ومن تحت قدمي وامنعني من أن يوصل إلى بسوء واصرف عني شر كل شيطان مريد وشر كل جبار عنيد وشر كل ضعيف من خلقك وشديد ومن شر السامة والهامة والعامة ومن شر كل دابة صغيرة أو كبيرة بالليل والنهار ومن شر فساق العرب والعجم ومن شر فسقة الجن والانس. اللهم من كان ثقته ورجاؤه غيرك فأنت يا رب ثقتي ورجائي، أعوذ بدرعك الحصينة أن لا تميتني هرما ولا ردما ولا غرقا ولا عطشا ولا حرقا ولا غما ولا موت الفجأة ولا أكيل السبع، وأمتني في عافية على فراشي أو في الصف الأول الذين نعتهم في كتابك فقلت كأنهم بنيان مرصوص، مقبلين غير مدبرين على طاعتك وطاعة رسولك اللهم صل على محمد وآل محمد واهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت انك تقضي ولا يقضى عليك، سبحانك وتعاليت سبحانك رب البيت، أستغفرك وأتوب إليك وأومن بك وأتوكل عليك، ولا حول ولا قوة إلا بك. اللهم تولني وآتني في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، يا الله يا الله ليس يرد غضبك إلا حلمك ولا يجير من نقمتك إلا رحمتك ولا ينجيني منك إلا التضرع إليك، فهب لي من لدنك رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك بالقدرة التي أحييت بها جميع من في البلاد وبها تنشر ميت العباد، ولا تهلكني غما حتى تغفر لي وترحمني وتعرفني الاجابة في دعائي وأذقني طعم العافية إلى منتهى أجلي، ولا تشمت بي عدوى ولا تملكه رقبتي. اللهم إن رفعتني فمن ذا الذي يضعني، وإن وضعتني فمن ذا الذي يرفعني

[ 138 ]

وإن أهلكتني فمن ذا الذي يحول بينك وبيني، أو يتعرض لك بشئ من أمري، وقد علمت أنه ليس في حكمك ظلم ولا في نقمتك عجلة، فانما يعجل من يخاف الفوت، وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف، وقد تعاليت يا الهي عن ذلك، فلا تجعلني للبلاء غرضا (1)، ولا لنقمتك نصبا، ومهلني ونفسني وأقلني عثرتي فقد ترى ضعفي وقلة حيلتي، وأنت أحق من أصلح من عبده فاسدا، وأقوم منه أودا (2). اللهم جامع الخلق لليوم العظيم، اجعل في ذلك اليوم مع أوليائك موقفي وفي أحبائك محشري، وحوض محمد نبيك صلواتك عليه وآله موردي ومع الملائكة الكرام مصدري، ثم لقني برهانا أفوز بحجته واجعل لي نورا أستضئ بقبسه، ثم اعطني كتابي بيميني أقر بحسناته (3) وتبيض بها وجهى، وترجح بها ميزاني، وامضي بها في المغفورين لهم من عبادك إلى رحمتك، وامنن علي بالجنة برحمتك وأجرني من النار بعفوك. اللهم تولني واحفظني اللهم صل على محمد وآل محمد عبدك ورسولك وعلى آله الطاهرين أفضل ما صليت على أحد من خلقك، اللهم صل على أمير المؤمنين ووصي رسول رب العالمين، اللهم صل على الحسن والحسين سبطي الرحمة وإمامي الهدى، وصل على الأئمة من ولد الحسين علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والخلف الحجة عليهم السلام. اللهم اجعله الإمام المنتظر والقائم المهدي اللهم انصره نصرا عزيزا وافتح له فتحا يسيرا، واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا. اللهم اجعلني من أصحابه وأعوانه وأنصاره والذابين عنه إله الحق (4) آمين رب العالمين.

(1) في بعض النسخ " عرضا " مهملة.
(2) " الاود " الاعوجاج.
(3) في بعض النسخ " بحسناتي " (4) في بعض النسخ " الخلق " بدل " الحق "

[ 139 ]

اللهم تم نورك فهديت فلك الحمد ربنا وعظم حلمك فعفوت، فلك الحمد ربنا وبسطت يدك فأعطيت، فلك الحمد ربنا، وجهك أكرم الوجوه، وجهتك أكرم الجهات وعطيتك أفضل العطايا وأهناها، " يطاع (1) ربنا ويشكر ويعصي ربنا فيغفر لمن يشاء يجيب المضطر ويكشف الضر ويشف السقيم وينجي من الكرب العظيم " لا يجزي بالآئك أحد ولا يحصى بعلمك قول قائل. اللهم إليك رفعت الايدى ونقلت الأقدام ومدت الاعناق ودعيت بالالسن وتقرب إليك بالاعمال ورفعت الابصار، ربنا اغفر لنا وارحمنا وافتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين. اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا وغيبة أمامنا، وشدة الزمان علينا، ووقوع الفتن بنا، وتظاهر أعدائنا وكثرة عددهم وقلة عددنا، ففرج يا رب ذلك عنا بفتح منك تعجله ونصر منك تعزه وأمام حق تظهره إله الحق رب العالمين. اللهم اغفر لي ولوالدي وارحمهما كما ربياني صغيرا، واجزهما بالاحسان إحسانا وبالسيئات غفرانا، ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم. اللهم اغفر لفلان - وتسمي من أردت من أخوانك. اللهم إني أسألك جميع ما سألتك لنفسي ولوالدي ولإخواني جميعا من المؤمنين والمؤمنات، وأسألك اليقين لي ولهم والعفو والعافية في الدنيا والآخرة اللهم وقد شملنا زيغ الفتن واستولت علينا غشاوة الخير، وقارعنا الذل والصغار وحكم علينا غير (2) المأمون على دينك،

(1) في بعض النسخ بصيغة الخطاب وكذا ما بعده إلى " ينجى من الكرب ".
(2) في النسخ التي بايدينا " خير المأمون " والصحيح ما أثبتناه كما في مصباح المتهجد ص 138.

[ 140 ]

اللهم وقد بلغ الباطل نهايته واستجمع طريده ووسق (1) وضرب بجرانه (2) اللهم فأتح (3) له من الحق يدا (4) حاصدة تصرع قائمة وتجد (5) سنامه حتى يظهر الحق بحسن صورته. اللهم أسفر لنا عن نهار العدل فأرناه سرمدا (6) لا ليل فيه وأهطل (7) علينا بركاته، وأدل له ممن عاداه وناواه (8) واحي به القلوب الميتة، واجمع به الاهواء المتفرقة، واقم به الحدود المبطلة (9) والأحكام المهملة. اللهم لا تدع للجور دعامة إلا قصمتها، ولا كلمة مجتمعة إلا فرقتها، ولا قائمة إلا حفظتها (10). اللهم أرنا أنصاره عباديد بعد الالفة وشتى بعد اجتماع الكلمة ومقنعي (11) الرؤوس بعد الظهور على الأمة (12)

(1) أي جمع وحمل، وفي بعض النسخ " وسغ " وفي مصباح المتهجد " بسق ".
(2) في النسخ التي بايدينا وجران البعير: مقدم عنقه من مذبحه أي منحره، وضرب بجرانه: أي ثبت واستقر وهو مجاز منقول عن الكناية من قولهم " القى البعير جرانه " إذا برك، راجع أقرب الموارد (3) أتاح الله له الشئ: قدره له وأنزله به.
(4) في النسخ التي بايدينا " ندا " والصحيح ما أثبتناه كما في مصباح المتهجد (5) يقال جد الثمرة يجدها جدا من باب قتل: قطعها لاحظ مجمع البحرين وفي مصباح المتهجد " تجذ سنامه " (6) في بعض النسخ " سديدا " (7) الهطل: تتابع المطر والدمع وسيلانه.
(8) ناوءت الرجل: عاديته (9) وفي المصباح المتهجد " المعطلة (10) كذا في النسخ وهو تصحيف والصحيح " خفضتها " أو " أخفقتها " (11) في بعض النسخ " مقتضى " بدل " مقنعي " (12) في بعض النسخ " الأئمة " بدل " الأمة "

[ 141 ]

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأغنني بحلالك عن حرامك، وأوسع على من رزقك وأعذني من الفقر، رب إني أسأت وظلمت نفسي وبئس ما صنعت فهذه يداي جزاء بما كسبتا، وهذه رقبتي خاضعة لما أتيت، وها أنا ذا بين يديك، فخذ لنفسك رغاها من نفسي، لك العتبى لا اعود فإن عدت فعد علي بالمغفرة. العفو تقولها ثلاث مأة مرة وما استطعت. ثم تقول اللهم حاجتي التي إن أعطيتنيها لم يضرني ما منعتني وإن منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني بعدها فكاك رقبتي من النار، واستغفر الله بجميع ظلمي وجرمي وإسرافي على نفسي في أمري وأتوب إليه - يقولها سبعين مرة - ثم يقول: الحمد لله حق حمده وصلواته على صفوته من خلقه محمد وأهل بيته ". فإذا أتيت على ذلك فاركع فإذا رفعت رأسك من الركوع استويت قائما فقل " يا الهي هذا مقام من، حسناته نعمة منك وشكره قليل وعمله ضعيف وذنبه عظيم وليس لذلك إلا عفوك ورحمتك. اللهم وقد قلت في كتابك المنزل على نبيك المرسل صلواتك عليه،: " كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون " طال هجوعي وقل قيامي وهذا السحر وأنا أستغفرك لكل ذنب اذنبته استغفار من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا "، ثم يخر ساجدا ويسجد السجدتين ويتشهد ويسلم، ومن فعل ذلك وسلم فليقل " سبحان ذي الملك والملكوت سبحان الملك القدوس " يكررها ثلاثا. ويصلي ركعتي الغداة يفتتح الأولى منها بالتكبير ويقرأ الحمد وقل يا أيها الكافرون، وفي الثانية الحمد وسورة الاخلاص، فإذا سلم فيها حمد الله واثنى عليه وصلى على محمد وآله صلوات الله عليهم وسئل الله تعالى من فضله. ويستحب أن يستغفر الله تعالى عقيب صلاة الفجر - سبعين مرة - يقول: " استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم الرحمان الرحيم وأتوب إليه " ويصلي على محمد وآله - مأة مرة -، يقول:

[ 142 ]

اللهم صل على محمد وآل محمد الاوصياء المرضيين بأفضل صلواتك، وبارك عليهم بأفضل بركاتك، والسلام (1) عليه وعليهم وعلى أرواحهم وأجسادهم ورحمة الله وبركاته " فإن طال ذلك عليه فليقل " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد الطاهرين " يكررها مأة مرة وإن طال عليه أيضا لفظ الاستغفار فليقل " استغفر الله وأتوب إليه " ثم يخر ساجدا بعد التعقيب من هاتين الركعتين ويقول: في سجوده " يا خير مدعو يا خير مسؤول يا أوسع من أعطى وأفضل من يحبى (2) صل على محمد وآل محمد واغفر لي وارحمني وتب علي انك أنت التواب الرحيم ". فإذا رفع رأسه من سجوده. قال: اللهم من أصبح وحاجته إلى غيرك فاني أصبحت وحاجتي ورغبتي إليك يا ذا الجلال والاكرام " ثم يضطجع على جانبه الأيمن مستقبل القبلة، ويقول: " استمسكت بعروة الله الوثقى التي لا انفصام لها واعتصمت بحبل الله المتين وأعوذ بالله من شر فسقة العرب والعجم، وأعوذ بالله من شر فسقة الجن والانس، توكلت على الله والجأت ظهرى إلى الله، أطلب حاجتي من الله، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيئ قدرا، حسبى الله ونعم الوكيل " ويقرأ من آخر آل عمران الخمس آيات التي كان قرأها عند قيامه إلى صلاة الليل، فإذا طلع الفجر قال " سبحان رب الصباح سبحان فالق الاصباح " ثلاث مرات، ثم يصلي الفريضة إن شاء الله. وإذا خاف المسافر من غلبة النوم عليه ولا يقوم آخر الليل إلى الصلاة جاز إن يقدم صلاتها في أول الليل بعد صلاة العشاء الآخرة، كذلك يفعل من أراد المسير في آخر الليل، وإذا ضعف الانسان عن صلاة الليل قائما جاز له أن يصليها جالسا. وإذا أدركه الفجر وكان قد صلى من صلاة الليل أربع ركعات تممها وخفف

(1) في بعض النسخ " وسلم " بدل " والسلام " (2) في نسخة " مرتجى " بدل " من يحبى ".

[ 143 ]

في قرائته ودعائه وصلى الفجر بعد ذلك، فإن أدركه وقد صلى أقل من أربع ركعات قطع على الشفع مما انتهى إليه عن ذلك وصلى الغداة وتمم بعد ذلك صلاة الليل. وإذا قام في آخر الليل وقد قرب طلوع الفجر وخاف إن ابتدء هو بصلاة الليل هجم الفجر، فينبغي أن يبتدء بركعتي الشفع ويوتر بعدهما ويصلي بعد ذلك ركعتي الفجر، فإن طلع الفجر أذن وأقام وصلى فريضة، ثم صلى ثمان ركعات بعد فريضة الفجر، وإن يطلع أضاف إلى ما صلى ست ركعات ثم اعاد ركعة الوتر وركعتي الغداة، وإن هو قام وقد قرب الفجر أدرج صلاة الليل بالحمد وسورة الاخلاص مرة واحدة وخفف ليفرغ من ذلك قبل طلوع الفجر، وإن قام وقد بقي من الليل شيئ اطال في صلاته على ما تقدم بيانه. فأما سنن السفر فقد ذكرناها في ما سلف، وأما كيفيتها فهو جار مجرى ما ذكرناه فيما تقدم. باب ما عدا سنن اليوم والليلة من سنن الصلاة: هذه المسنونات من الصلوات نحن ذاكروها فصلا فصلا إلى آخرها بمشيئة الله تعالى. باب كيفية صلاة الاستسقاء: إذا امتنع القطر واجدبت البلاد، يستحب للناس أن يصلوا هذه الصلاة، ويتقدم الإمام أو من قام مقامه من الناس بالصوم ثلاثة أيام فإذا كان يوم الثالث، اغتسل من يريد صلاتها، وينادى بالصلاة جامعة ويخرجون إلى الصحراء، والأفضل أن

[ 144 ]

يكون ذلك الإثنين (1) ولا يصلي في مسجد إلا أن يكونوا بمكة، ويتقدم المؤذنون كما يفعل في صلاة العيد، ويخرج الإمام على أثرهم بسكينة ووقار حتى ينتهى إلى المصلى من الصحرا، فإذا صار بذلك الموضع، قام فيصلي بهم ركعتين من غير أذان ولا إقامة يقرء فيهما من السور ما أراد. وترتيبها مثل ترتيب صلاة العيدين، اثنتى عشر تكبيرة سبع في الأولى وخمس في الثانية (2)، والقراءة قبل التكبير فإذا فرغ الإمام من صلاتها وسلم صعد المنبر وحمد الله سبحانه واثنى عليه وصلى على رسوله (صلى الله عليه وآله ووعظ الناس وزجر وحذر وأنذر، فإذا فرغ من الخطبة أدار ردائه فجعل ما على يمينه على يساره، وما على يساره على يمينه - ثلث مراة، ثم استقبل وكبر - مأة تكبيرة - رافعا صوته بها ويكبر الناس معه، ثم يلتفت على يمينه ويسبح الله سبحانه - مأة تسبيحة - رافعا صوته بها، ويسبح الناس معه كذلك، ثم يلتفت على يساره فيحمد الله سبحانه - مأة تحميدة - رافعا صوته بها، ويفعل الناس معه ذلك، ثم يقبل بوجهه إلى الناس فيستغفر الله تعالى مأة مرة رافعا صوته بها ويفعل الناس معه ذلك ثم يستقبل القبلة بوجهه فيدعو ويدعوا الناس معه، فيقول: " اللهم رب الارباب ومعتق الرقاب ومنشئ السحاب ومنزل القطر من السماء ومحيي الأرض بعد موتها، يا فالق الحب والنوى

(1) أي يوم الإثنين.
(2) فيكون في الأول خمسة قنوتات (لأن إحدى التكبيرات هي تكبيرة الاحرام والسابعة هي تكبيرة الركوع، كما ذكره " قدس سره " في صلاة العيدين،) وفي الثانية أربعة قنوتات كما هو ظاهر قوله " قدس سره ": (والقرائة قيل التكبير)، إلا أنه " قدس سره " ذكر في صلاة العيدين: " قام إلى الركعة الثانية بغير تكبيرة، ثم يكبر تكبيرة واحدة ويقرء الحمد " وظاهره أن القنوتات في الثانية ثلاثة، وهو أحد الأقوال في كيفية صلاة العيدين وعليه السيد المرتضى، والشيخ المفيد وأبو الصلاح وابن زهرة " قدس الله أسرارهم " كما ذكره العلامة في المختلف " ص 112 "، والبحراني في " حدائقه " ج 10 ص 244

[ 145 ]

ويا مخرج الزرع والنبات ومحيي الأموات، وجامع الشتات، اللهم اسقنا غيثا مغيثا غدقا مغدقا هنيئا مريئا، ينبت به الزرع والنبات، ويدر به الضرع ويحيى به الأرض بعد موتها، ويسقى به مما خلقت أنعاما وأناسى كثيرا ". ويستحب للامام أن يخطب خطبة أمير المؤمنين عليه السلام المعروفة بخطبة الاستسقاء فإن لم يحفظها جاز أن يقتصر على ما قدمناه أو على الدعاء، ولا ينبغي للناس أن يخرجوا معهم أحدا من أهل الذمة، ويجوز خروج الكبار والصغار من الرجال والعجائز من النساء وصغارهن، فأما الشباب ومن لها هيئة منهن فلا ينبغي أن تخرج في ذلك، فإن صلوا ولم يسقوا صلوا ثانيا وثالثا، فإذا خرج الناس لذلك فسقوا قبل أن يصلوا صلوا شكرا لله سبحانه. ويجوز أن يصلوا صلاة الاستسقاء إذا قل نبع مياه الآبار ونصبت (1) وكذلك مياه العيون وينبغي لأهل الخصب (2) أن يدعو لأهل الجدب، حضروا معهم في هذه الصلاة أم لم يحضروا معهم. " باب نوافل شهر رمضان " نوافل شهر رمضان ألف ركعة زائدة على نوافله (3) وترتيبها: أن يصلي من يريد صلاتها من أول ليلة من الشهر في كل ليلة عشرين ركعة ثمانى منها بعد صلاة المغرب، واثنتي عشرة ركعة بعد صلاة العشاء الآخرة قبل الوتيرة، ويصلي الوتيرة بعد ذلك يفعل هذا إلى ليلة تسع عشرة من الشهر، فإذا حضرت هذه الليلة اغتسل وصلى بعد العشاء الآخرة مأة ركعة، ثم يعود في ليلة العشرين إلى الترتيب الذي

(1) كذا في النسخ ومعناه: أتعبت، أي يعسر سقيها، ويحتمل أن تكون " نضبت " بالمعجمة، يقال نضب الماء نضوبا أي غار في الأرض وسفل (2) الخصب بكسر الخاء: النماء والبركة خلاف الجدب (3) أي نوافل المصلي في سائر الشهور ويحتمل أن يكون المراد سائر نوافل هذا الشهر.

[ 146 ]

قدمنا ذكره، فإذا حضرت ليلة إحدى وعشرين اغتسل بعد العشاء الآخرة وصلى مأة ركعة، ويصلي في ليلة اثنتى وعشرين بعد المغرب ثمان ركعات، وبعد العشاء الآخرة اثنتى وعشرين. فإذا حضرت ليلة ثلث وعشرين اغتسل وصلى بعد عشاء الآخرة مأة ركعة، ثم يصلي ليلة أربع وعشرين إلى آخر الشهر في كل ليلة بعد صلاة المغرب ثمان ركعات وبعد عشاء الآخرة اثنتى وعشرين ركعة، فيكون جميع ما ذكرناه تسع مأة وعشرين ركعة، ويبقى ثمانون ركعة يصلي في يوم جمعة من الشهر عشر ركعات - منها صلاة أمير المؤمنين عليه السلام - وسنذكر كيفيتها في بابها ومنها صلاة السيدة فاطمة (عليها السلام) وسنذكرها أيضا فيما بعد في بابها ومنها صلاة جعفر بن أبي طالب عليهما السلام وسنذكرها في بابها إن شاء الله تعالى. ثم يصلي في آخر ليلة جمعة من الشهر عشر ركعة (1) من صلاة أمير المؤمنين عليه السلام وفي آخر ليلة سبت منه عشر ركعة من صلاة مولاتنا فاطمة صلوات الله عليها، فيكمل بذلك ألف ركعة. والزيادة على هذه الألف مأة ركعة ينبغي أن يصليها ليلة النصف من هذا الشهر ويقرء في كل ركعة بعد الحمد قل هو الله أحد عشر مرات. " باب صلاة يوم الغدير " هذا العيد هو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، فمن أراد هذه الصلاة فالأفضل له أن يغتسل في هذا اليوم، ويلبس اجمل ثيابه، ويمس شيئا من الطيب ويبرز تحت السماء فإذا بقي من النهار إلى زوال الشمس مقدار ساعة أو نحو ذلك صلاها ركعتين يقرء في كل واحدة منهما بعد الحمد قل هو الله أحد عشر مرات وإنا أنزلناه عشر مرات، وآية الكرسي عشر مرات.

(1) كذا في أكثر النسخ وفي نسخة عشر ركعات والصحيح " عشرين ركعة " والشاهد أفراد التمييز وكذا إكمال العدد راجع الوسائل، الباب 7 من أبواب نافلة شهر رمضان، الحديث 1

[ 147 ]

فإذا سلم حمد الله واثنى عليه وصلى على النبي وآله صلى الله عليه وآله وابتهل إلى الله سبحانه في لعن ظالمي أهل البيت (عل) وأشياعهم ثم دعا فقال. اللهم إني أسألك، بحق محمد نبيك وعلى وليك، وبالشأن والقدرة التي خصصتهما به دون خلقك أن تصلي عليهما وعلى ذريتهما وأن تبدأ بهما في كل خير عاجل، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد الأئمة القادة والدعاة السادة والنجوم الزاهرة والاعلام الباهرة وساسة العباد وأركان البلاد والناقة المرسلة، والسفينة الناجية الجارية في اللجج الغامرة، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد خزان علمك وأركان توحيدك ودعائم دينك ومعادن كرامتك وصفوتك من بريتك وخيرتك من خلقك الأنبياء النجباء الأبرار، والباب المبتلى به الناس، من اتاه نجى ومن أباه هوى. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد أهل الذكر، الذين أمرت بمسألتهم وذوي القربى الذين أمرت بمودتهم وفرضت حقهم وجعلت الجنة جزاء من اقتص آثارهم، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما أمروا بطاعتك ونهوا عن معصيتك ودلوا عبادك على وحدانيتك. وأسألك بحق محمد نبيك ونجيبك (1) وصفوتك وأمينك ورسولك إلى خلقك، وبحق أمير المؤمنين ويعسوب الدين وقائد الغر المحجلين الولي الوصي الوفى والصديق الأكبر والفاروق الأعظم بين الحق والباطل والشاهد لك والدال عليك والصادع بأمرك والمجاهد في سبيلك لم تأخذه فيك لومة لائم، أن تصلي على محمد وعلى آل محمد وأن تجعلني في هذا الشهر وفي هذا اليوم الذي عقدت فيه العهد لوليك في أعناق خلقك وأكملت لهم الدين من العارفين بحرمته والمقرين بفضله من عتقائك وطلقائك من النار، ولا تشمت بي حاسد النعم. اللهم فكما جعلته عيدك الأكبر وسميته في السماء بيوم العهد والمعهود وفي الأرض يوم الميثاق المأخوذ والجمع المسؤل صل على محمد وعلى آل محمد، وأقرر به

(1) في بعض النسخ " نجيك "

[ 148 ]

عيوننا واجمع به شملنا، ولا تضلنا بعد إذ هديتنا، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين يا ارحم الراحمين. الحمد لله الذي عرفنا فضل هذا اليوم، وبصرنا حرمته، وكرمنا به وشرفنا بمعرفته وهدانا بنوره، يا رسول الله يا أمير المؤمنين عليكما وعلى عترتكما وعلى محبيكما مني أفضل السلام ما بقي الليل والنهار، بكما أتوجه إلى الله ربي وربكما في نجاح طلبتي وقضاء حوائجي، وتيسير أموري. اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تلعن من جحد حق هذا اليوم وأنكر حرمته، وصد عن سبيلك لاطفاء نورك فأبى الله إلا أن يتم نوره، اللهم فرج عن أهل بيت نبيك واكشف عنهم وبهم عن (1) المؤمنين الكربات اللهم إملاء الأرض عدلا كما ملئت ظلما وجورا، وأنجز لهم ما وعدتهم انك لا تخلف الميعاد. " باب صلاة يوم المبعث " هذا اليوم هو الذي بعث الله تعالى فيه محمدا صلى الله عليه وآله بالرسالة، وهو اليوم " السابع والعشرون " من رجب، فمن أراد صلاة هذا اليوم فينبغي أن يفتتح الصلاة بالتكبير ويصلي " باثنتي عشرة ركعة " يقرأ في كل ركعة منها بعد فاتحة الكتاب سورة " يس " فإذا فرغ منها جلس في مكانه، قرأ الحمد " أربع مرات " وقل هو الله أحد " أربع مرات " وكل واحدة من المعوذتين " أربع مرات "، ثم يقول بعد ذلك: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله " أربع مرات ثم يقول الله الله ربي ولا أشرك به شيئا أربع مرات ويدعو بما شاء لنفسه بغير ذلك.

(1) في نسخة " أمير المؤمنين " بدل " المؤمنين " والصحيح ما أثبتناه

[ 149 ]

" باب صلاة أمير المؤمنين عليه السلام " وهذه الصلاة أربع ركعات، بتسليم بعد كل ركعتين، يقرأ في كل ركعة منها الحمد مرة واحدة وقل هو الله أحد خمسين مرة. " باب صلاة مولاتنا فاطمة عليها السلام " هذه الصلاة ركعتان، يقرء في الأولى فاتحة الكتاب مرة واحدة وانا أنزلناه مأة مرة، وفي الثانية بعد فاتحة الكتاب سورة الاخلاص مأة مرة. " باب صلاة الحبوة " هذه الصلاة، صلاة جعفر الطيار (عليه السلام) وتسمى أيضا صلاة التسبيح، وهي أربع ركعات: يقرأ في الأولى الحمد مرة وسورة الزلزلة، وفي الثانية الحمد مرة وسورة العاديات، وفي الثالثة الحمد مرة وإذا جاء نصر الله والفتح، وفي الرابعة الحمد وقل هو الله أحد، ويقول في كل ركعة عقيب القراءة وقبل الركوع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم يقول ذلك في الركوع عشرا ومثل ذلك في انتصابه، ومثل ذلك في السجدة الأولى وفي الجلسة بين السجدتين وفي السجدة الثانية وإذا رفع رأسه وجلس قبل القيام، ويفعل ذلك في كل ركعة. " باب صلاة الاستخارة: صلاة الاستخارة ركعتان، يصليهما من أراد صلاتها كما يصلي غيرهما من النوافل، فإذا فرغ من القرائة في الركعة الثانية قنت قبل الركوع ثم يركع ويقول

[ 150 ]

في سجوده: " استخير الله " مأة مرة، فإذا أكمل المأة قال: " لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم، رب بحق محمد وآل محمد، صل على محمد وآل محمد: وخر لي في كذا وكذا " ويذكر حاجته التي قصد هذه الصلاة لأجلها وقد ورد في صلاة الاستخارة وجوه غير ما ذكرناه، والوجه الذي ذكرناه - هاهنا - من أحسنها. " باب صلاة الحاجة " من كان له إلى الله حاجة، فينبغي أن يصوم ثلاثة أيام، وتكون هذه الأيام أربعاء وخميسا وجمعة، فإذا كان يوم الجمعة اغتسل ولبس ثوبا جديدا، وصعد إلى موضع، وصلى بهذه الصلاة ركعتين كما يصلي غيرهما من النوافل، فإذا سلم منها رفع يديه إلى السماء. ثم قال: اللهم إني أطلب ساحتك لمعرفتي بوحدانيتك وصمدانيتك وانه لا قادر على (1) حاجتي غيرك وقد علمت يا رب إنه كل ما تظاهرت نعمتك على اشتدت فاقتي إليك وقد طرقني هم كذا وكذا وأنت تكشفه، عالم غير معلم، واسع غير متكلف، فأسألك باسمك الذي وضعته على السماء فانشقت ووضعته على الجبال فنسفت، وعلى النجوم فانتثرت (2) وعلى الأرض فسطحت، وأسألك بالحق الذي جعلته عند محمد وآل محمد، وعند فلان وفلان ويسمى الأئمة واحدا أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تقضي حاجتي وتيسر على عسرها، وتكفيني مهمها، فإن فعلت ذلك فلك الحمد، وإن لم تفعل ذلك فلك الحمد، غير حائر (3) في حكمك، ولا متهم

(1) في بعض النسخ زيادة " كل " (2) في نسخة " فانتشرت " (3) ويحتمل غير " جائز " بالجيم المعجمة

[ 151 ]

في قضائك، ولا خائف (1) في عدلك " ويلصق خده الأيمن بالأرض ويقول: " اللهم إن يونس بن متى عبدك ونبيك دعاك في بطن الحوت فاستجبت له، وأنا أدعوك فاستجب لي كما استجبت له " وقد ورد في صلاة الحاجة وجوه، أحسنها ما ذكرناه " باب صلاة ليلة النصف من رجب " صلاة ليلة النصف من رجب اثنتا عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة " الحمد وسورة "، فإذا فرغ منها قرء الحمد والمعوذتين وسورة الاخلاص وآية الكرسي أربع مرات، وقيل: سبع مرات، ويقول " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " كذلك (2)، ويقول " الله الله ربي، لا أشرك به شيئا ويقول: " ما شاء الله لا قوة إلا بالله العلي العظيم " سبع مرات. " باب صلاة ليلة النصف من شعبان " هذه الصلاة أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة منها بعد الحمد قل هو الله أحد مأة مرة، فإذا فرغ مصليها دعا بما أراد. " باب صلاة الشكر " صلاة الشكر ركعتان، يصليهما من قضى الله حاجته أو جدد عليه نعمته، يقرأ في كل واحدة بعد الحمد قل هو الله أحد، وإنا أنزلناه في ليلة القدر، أو غير ذلك من سور القرآن، ويقول في ركوعه وسجوده فيهما " الحمد لله شكرا لله وحمدا لله "

(1) في بعض النسخ " بغى " بدل " خائف " (2) أي أربع مرات أو سبع

[ 152 ]

ويقول بعد التسليم منهما " الحمد لله الذي قضى حاجتي، وأعطاني مسألتي ". " باب صلاة الزيارات " وهي ركعتان لكل واحد من نبي أو إمام، والفعل فيهما من افعال الصلاة كالفعل في غيرهما من ذلك، وقيل: إن المصلي لهما ينبغي أن يقرأ في الركعة الأولى منهما بعد الحمد، سورة الرحمان، وفي الثانية بعد الحمد، سورة يس، وإنما ندب الزائر لأمير المؤمنين عليه السلام إلى صلاة ست ركعات، لأن عنده آدم ونوحا عليهما السلام، فمن زاره فينبغي أن يزورهما، ويصلي لزيارتهما أربع ركعات ولزيارته هو عليه السلام ركعتين، فتكمل بذلك ست ركعات، فأما كيفية الزيارة فسيأتي ذكرها في باب الزيارات إن شاء الله تعالى. " باب صلاة ليلة عيد الفطر " هذه الصلاة ركعتان، الأفعال فيها كالأفعال في غيرها من الصلوات إلا القراءة فإنه ينبغي لمن صلاها أن يقرأ في الركعة الأولى منهما بعد الحمد، قل هو الله أحد ألف مرة وفي الثانية بعد الحمد قل هو الله أحد مرة واحدة. " باب صلاة الاحرام " وينبغي لمن أحرم بحج أو عمرة، أن يصلي ست ركعات، يقرأ في الأولى منهما بعد الحمد، قل هو الله أحد وفي الثانية بعد الحمد قل يا أيها الكافرون.

[ 153 ]

" باب صلاة النوافل الزائدة على نوافل يوم الجمعة " هذه الصلاة أربع ركعات، تزاد على نوافل يوم الجمعة، فيصير جملتها عشرين ركعة، فأما أحكامها فهي جارية مجرى أحكام غيرها من نافلة الصلاة. " باب تحية المسجد " هذه الصلاة ركعتان، ينبغي لمن دخل المسجد أن يصليهما تحية له، وأحكامها جارية مجرى غيرها من نوافل الصلاة. " باب ما يوجب إعادة الصلاة " ما يوجب إعادة الصلاة على ضربين: أحدهما يتعلق بعدد الركعات، والآخر لا يتعلق بذلك، فأما الذي لا يتعلق بعدد الركعات، فهو أن يترك المصلي النية عمدا أو سهوا، أو تكبيرة الاحرام، أو الركوع حتى يسجد، أو يترك سجدتين في ركعة، أو يسهو فحدث ما ينقض الطهارة ولم يتطهر حتى يستدبر القبلة، أو تكلم لأنه إذا تطهر ولم يتكلم من غير استدبار القبلة كان له البناء على ما تقدم من الصلاة، أو يصلي بغير طهارة، أو يشك في الوقت فيصلي قبل دخوله ثم يعلم ذلك بعد الفراغ منها، أو يصلي إلى غير جهة القبلة، أو يصلي في لباس النجس، وقد تقدم له العلم به لأنه متى لم يتقدم له العلم، لم يكن عليه إعادة إلا أن يعلم ذلك والوقت باق. أو يصلي جماعة فيصلي الإمام بهم إلى غير جهة القبلة، وهم عالمون بذلك، لأنهم إن لم يكونوا عالمين كانت الإعادة على الإمام دونهم. أو يصلي جماعة يكون إمامهم على غير طهارة وهم عالمون بذلك، ومتى

[ 154 ]

لم يكونوا عالمين كانت الإعادة على الإمام وحده، أو يصلي اثنان يعتقد كل واحد منهما إنه مأموم والآخر له إمام، لأنه متى اعتقد كل واحد منهما أنه إمام الآخر كانت صلاتهما صحيحة. أو يصلي وعلى جسده نجاسة وهو عالم بها، وكذلك إن لم يتقدم العلم بها ثم علم والوقت باق، وإن كان الوقت قد خرج لم يكن عليه إعادة. أو ترك القرائة متعمدا، أو يقتدي بمن لا يجوز الاقتداء به وهو عالم بذلك، أو يسجد على شئ نجس مع تقدم العلم به أو يصلي في ثوب أو مكان مغصوب مختارا مع تقدم علمه بذلك، أو لا يمس الأرض بجبهته في السجود. أو يتعمد الجمع بين صورتين بعد الحمد، أو يتعمد التسليم قبل الفراغ من الصلاة، أو يصلي عريانا، وهو متمكن مما يستر به أو يقهقه، أو يبكي على هلاك أحد، أو مصيبة، لأنه إن بكى من خشية الله تعالى لم يكن عليه إعادة أو يعبث بلحيته (1) أو ثوبه من غير ضرورة، أو يحدث ما ينقض الطهارة متعمدا. أو يتعمد ترك الشهادتين أو الصلاة على النبي وآله صلى الله عليه وآله في التشهدين أو في واحد منهما، أو يتعمد الاتمام في السفر النبي يجب عليه التقصير مع علمه بأن ذلك لا يجوز، أو يتم ساهيا في السفر ويذكر ذلك والوقت باق، لأنه إن ذكر ذلك بعد خروج الوقت لم يلزمه إعادة. أو يأتم بقاعد وهو ممن تجب عليه الصلاة قائما، أو يأتم بمن بينه وبينه حائط أو ما أشبه ذلك، أو يكون مكان الإمام ارفع من مكانه بما يعلم تفاوته ولم تجر العادة بمثله. أو يكون في محمل (2) أو ما أشبهه ومعه امرأة فيصليان جميعا في حالة واحدة أو يصلي وهو متيمم قبل تضيق الوقت، أو يصلي متيمما وهو متمكن من استعمال الماء أو يصلي وقد تطهر بما لا تجوز الطهارة به، أو تكون امرأة حرة فتصلي مكشوفة

(1) في بعض النسخ " بجسده " بدل " بلحيته ".
(2) في بعض النسخ " محل " بدل " محمل "

[ 155 ]

الرأس مع تمكنها من ستره، أو يصلي فيما لا تجوز الصلاة فيه، أو يسجد على ما لا يجوز السجود عليه، إلا أن يكون في حال ضرورة وقد ذكر أنه يجوز السجود على ثوب قطن أو كتان، أو يقرء بغير لسان عربي. " باب السهو في الصلاة " إذا علم المكلف في صلاته أمرا من الأمور أو غلب ذلك على ظنه فيجب عليه العمل فيها بما علمه أو غلب على ظنه ومع هذين الوجهين لا يثبت للسهو والشك، في الصلاة حكم، وإنما يثبت ذلك فيما لا يعلمه ولا يغلب على ظنه، وذلك إنما يكون بتساوي الظن واعتداله، فإذا كان ما ذكرناه صحيحا، فالسهو في الصلاة على خمسة أضرب: أولها يوجب إعادتها، وثانيها يوجب الإحتياط وثالثها يوجب التلافي ورابعها يوجب الجبران بسجدتي السهو، وخامسها لا حكم له. فأما ما يوجب إعادتها، فهو على ضربين: أحدهما لا يتعلق بأعداد الركعات والآخر يتعلق بذلك، وما لا يتعلق بأعداد الركعات قد تقدم ذكره فيما يوجب إعادة الصلاة وأما ما يتعلق بأعداد الركعات، فهو أن يشك في الركعتين الاولتين من كل رباعية، أو يشك في صلاة المغرب أو صلاة الغداة أو صلاة السفر، أو يشك في صلاته أي صلاة كانت ولا يعلم، كمن صلى بسهو فيزيد ركعة أو ينقص ركعة أو أكثر ولا يعلم حتى يستدبر القبلة أو يتكلم بما ليس من الصلاة. وأما ما يجب منه الإحتياط، فهو أن يشك ولا يعلم هل صلى ركعتين أو ثلاثا فليبن على الثلاث ويتم الصلاة، فإذا سلم صلى ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس أو يشك فلا يعلم هل صلى ثلاثا أو أربعا فليفعل مثل ما فعله في اثنتين أو ثلاث، أو يشك فلا يعلم صلى اثنتين أو أربعا فليبن على الأربع ويسلم ويصلي ركعتين من قيام أو يشك بين اثنتين وثلاث واربع فليبن على الأربع ويسلم، ثم يصلي ركعتين من قيام وركعتين من جلوس.

[ 156 ]

وصلاة النافلة يجوز البناء فيها على الأقل وعلى الأكثر. فأما ما يوجب التلافي، فهو أن يسهو عن قراءة الحمد ثم يقرء سورة غيرها فليرجع فيقرء الحمد وسورة بعدها، أو يسهو عن قرائة السورة التالية للحمد ثم يذكر ذلك قبل الركوع فليقرءها ثم يركع، أو يسهو عن تسبيح الركوع قبل رفع رأسه منه، فليسبح ويرفع رأسه، أو يشك في الركوع وهو في حال القيام فليركع، فإن ذكر في حال هذا الركوع أنه كان قد ركع، أرسل نفسه إلى السجود من غير أن يرفع رأسه أو يشك في سجدتين أو واحدة منهما قبل القيام فليسجد ما شك فيه، أو يشك (1) في التشهد الأول وهو قائم لم يركع (2) فليجلس ويتشهد، أو يسهو عن السجود ثم يقوم قبل الركوع فليرجع وليسجد. وأما ما يجب فيه الجبران بسجدتي السهو، فهو أن يسهو عن سجدة ويذكرها بعد الركوع، فليقضها بعد التسليم ويسجد سجدتي السهو أو يسهو فتكلم، فعليه سجدتا السهو بعد التسليم، أو يسهو فيقوم في موضع جلوس أو يجلس في موضع قيام، فعليه بعد التسليم سجدتا السهو أو يسهو فيسلم في الركعتين الاولتين ثلاثية أو رباعية فعليه أيضا سجدتا السهو، أو يسهو عن التشهد فليقضه بعد التسليم، ويسجد سجدتي السهو، أو يشك هل صلى أربعا أو خمسا، وتتساوى ظنونه في ذلك، فليبن على الأربع ويسجد سجدتي السهو وأما ما لا حكم له: فهو أن يشك في تكبيرة الاحرام وهو في حال القرائة، أو يشك في القرائة وهو في حال الركوع أو يشك في التشهد وهو في الثالثة، أو يسهو في النافلة أو يسهو في سهو أو يتواتر عليه السهو أو يشك في تسبيح الركوع وقد رفع رأسه منه أو يشك في تسبيح السجود وقد رفع رأسه منه. " تم كتاب الصلاة "

(1) كذا في النسخ ولعله تصحيف والصحيح " يسهو " وإلا فهي تنافي ما سيأتي قريبا " في الشك في التشهد ".
(2) في بعض النسخ " ثم يركع " بدل " لم يركع " ولعل معناه: فليجلس بأرسال نفسه من غير رفع رأسه، كما مر في الفرع الاسبق.

[ 157 ]

" باب حقوق الأموال " حقوق الأموال التي ذكرنا في أول الكتاب أنها من العبادات يحتاج في بيان أحكامها إلى أشياء وهي: الزكاة والخمس وأحكام الأرضين والجزية والغنائم والأنفال، ونحن نبين أحكام كل واحد منها في باب مفرد بعون الله وتوفيقه. " باب في الزكاة " قال الله تعالى، قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلوتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون، " إلى قوله " يرثون الفردوس، هم فيها خالدون (1). وقال تعالى، قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى (2). وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال في الزكاة: إنما يعطى أحدكم جزءا مما أعطاه الله فليعطه بطيب نفس منه، ومن أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره (3) وروي عن محمد بن علي الباقر (ع)، أنه قال: ما نقصت زكاة من مال قط

(1) المؤمنون، الآية: 1 - 11 (2) الأعلى، الآية: 14 - 15.
(3) جامع أحاديث الشيعة ج 8، الباب 1 من أبواب فضل الزكاة، الحديث 20، ص 9، وفي نسخة " شرة " وما في المتن مطابق لما في دعائم الاسلام (ج 1، ص 240).

[ 158 ]

ولا هلك مال في بر، أو بحر أديت زكاته (1). واعلم أن الزكاة على ضربين، أحدهما زكاة الأموال، والآخر زكاة الرؤس، ويؤدى (2) ذلك إلى بيان أشياء، منها من يجب عليه الزكاة، ومنها ما الذي يجب فيه الزكاة، ومنها ما المقدار الذي يجب اخراجه منها، ومنها من المستحق لها، ومنها ما المقدار الذي ينبغي دفعه إلى مستحقه منها، ومنها الوقت الذي ينبغي إخراجها فيه. " باب من يجب عليه الزكاة " الذي يجب عليه الزكاة، هو كل حر، كامل العقل ذكرا كان أو أنثى، مخاطب بشريعة النبي صلى الله عليه وآله مالك لنصاب تجب فيه الزكاة. وإنما شرطنا الحرية، لأن من ليس بحر لا يجب عليه الزكاة، بل ليس يملك ما تجب فيه زكاة عليه. وشرطنا كمال العقل، لأن من ليس بكامل العقل لا يجب عليه زكاة ولا غيرها، وذكرنا كون من تجب عليه ذكرا كان أو أنثى لنبين أن وجوبها لا يختص بالذكر دون الأنثى، ولا بالأنثى دون الذكر، بل ذلك يعمهما، وشرطنا كونه مخاطبا بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وآله، لنبين أن وجوبها متعلق بالمسلمين، والكفار، لأن الكفار عندنا مخاطبون بالشرائع، وإنما لا يصح منهم أدائها مع المقام على كفرهم، لأن الاسلام شرط في صحة أدائها، لا في وجوبها. وشرطنا كونه مالكا لنصاب يجب فيه الزكاة، لأن من لا يملك ذلك، لا تجب عليه.

(1) جامع الأحاديث، ج 8، الباب 2 من أبواب فضل الزكاة، الحديث 13، ص 24 ي الدعائم (ج 1 ص 240).
(2) في بعض النسخ " مدار " بدل " يؤدي "

[ 159 ]

" باب ما الذي تجب فيه " الذي تجب فيه الزكاة تسعة أشياء وهي، الذهب، والفضة، والإبل والغنم، والبقر، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. " باب زكاة الذهب " ليس تجب الزكاة في الذهب إلا أن تجتمع فيه شروط وهي: الملك، والنصاب، وكونه مضروبا منقوشا دنانير، أو (1) كان كذلك فسبك عند دخول وقت الزكاة فرارا بذلك منها، وحلول الحول على النصاب، وهو حال (2) فيه من أوله إلى أول يوم من الشهر الثاني عشر. فإذا اجتمعت هذه الشروط، وجب فيه الزكاة. فإذا بلغ الذهب عشرين مثقالا، كان فيه نصب المثقال وليس فيه بعد ذلك شئ حتى يبلغ بعد العشرين أربعة مثاقيل، فإذا بلغ ذلك كان فيه عشر مثقال، وعلى هذا الحساب بالغا ما بلغ المال، وإذا لم يبلغ المال عشرين مثقالا لم يجب فيه جملة، وما لا تجب الزكاة فيه، يسمى عفوا. والمعتبر في ما ذكرناه من مثاقيل الذهب، والدراهم في المأتين، وفي العشرين (3)، والأربعين - بالوزن، لا بالعدد. وسبائك الذهب، وما كان منه حليا، أو أواني، أو مراكب، أو ما جرى مجرى ذلك، فإنه ليس في شيئ منه زكاة، إلا أن يكون قد عمل كذلك فرارا منها.

(1) في نسخة " ولو " بدل " أو " (2) في بعض النسخ " حاصل " بدل " حال " (3) العشرون هو النصاب الأول للذهب والاربعون هو النصاب الثاني للفضة.

[ 160 ]

وإذا كان شيئ من المال يبلغ نصابا - دينا - كانت الزكاة عنه واجبة على المستدين، فإن ضمن المدين ذلك لزمه، ولم يكن على المستدين - من ذلك عليه - شيئ. ومن كان في مال لا يبلغ النصاب، وله مال غائب لا يبلغ أيضا ذلك. وهو متمكن منه، وإذا اجتمعا وكان فيهما نصاب أو أكثر، وجب عليه جمعهما، و الاخراج عنهما. فإن كان له مال غائب، وهو متمكن من التصرف فيه، وكان فيه نصاب، أو أكثر، وجب زكاته، فإن لم يكن متمكنا من التصرف فيه لم يكن عليه شيئ. وحلى الذهب محرم استعماله على الرجال، وفي الالات لهم أيضا. ومن ترك نفقة لعياله، دنانير، أو دراهم، ويبلغ ذلك نصابا تجب فيه الزكاة، وكان قد ترك ذلك لهم، لسنة، أو لسنتين، فإن كان حاضرا، وجب عليه في ذلك الزكاة، وإن كان غائبا، لم يكن في ذلك شيئ. ومن ورث مالا، ولم يصل إليه، ولا يمكن من التصرف فيه إلا بعد الحول، لم يلزمه زكاته من ذلك الحول. " باب زكاة الفضة " زكاة الفضة لا تجب إلا بشروط، وهي وشروط الذهب سواء، فإذا اجتمعت لم يكن فيها شيئ حتى يبلغ مأتى درهم. فإذا بلغت ذلك كان فيها خمسة دراهم، ثم ليس فيها شيئ بعد ذلك حتى تزيد أربعين درهما، فيكون فيها درهم واحد، وعلى هذا الحساب بالغا ما بلغ المال. ولما لا يجب الزكاة فيه من الفضة، يسمى عفوا أيضا. وما يتعلق منها بدين، أو غيبة، فالحكم فيه ما ذكرنا في الذهب.

[ 161 ]

" باب زكاة الإبل " ليست تجب زكاة الإبل إلا بشروط، وهي الملك، والسوم، والنصاب، وحلول الحول، فإذا اجتمعت هذه الشروط لم يكن فيها شيئ حتى تبلغ خمسا، فإذا بلغت ذلك كان فيها شاة، ثم ليس فيها شيئ حتى تبلغ عشرا، فيكون فيها شاتان، ثم ليس فيها شيئ حتى تبلغ خمس عشرة، فيكون فيها ثلاث شياة. ثم ليس فيها شيئ حتى تبلغ عشرين، ففيها أربع شياة. ثم ليس فيها شيئ حتى تبلغ خمسا وعشرين فيكون فيها خمس شياة. فإذا صارت ستا وعشرين كان فيها بنت مخاض أو لبون ذكر. ثم ليس فيها شيئ حتى تبلغ ستا وثلاثين فيكون فيها بنت لبون. ثم ليس فيها شيئ حتى تبلغ ستا وأربعين فيكون فيها حقة. ثم ليس فيها شيئ حتى تبلغ إحدى وستين فيكون فيها جذعة. ثم ليس فيها شيئ حتى تبلغ ستا وسبعين فيكون فيها بنتا لبون. ثم ليس فيها شيئ حتى تبلغ إحدى وتسعين فيكون فيها حقتان. ثم ليس فيها شيئ حتى تبلغ مائة واحدى وعشرين فيطرح هذا الاعتبار الذي قدمناه، وتخرج من كل خمسين، حقة، ومن كل أربعين، بنت لبون بالغا ما بلغت. وبنت المخاض: هي التي مضت لها سنة ودخلت في الثانية وسميت بذلك لأن أمها تكون قد حملت، وهي تمخض بولدها. وأما ابن اللبون: فهو الذي قد مضى له سنتان، ودخل في الثالثة، وسمى بذلك لأن أمه قد وضعت وصار لها لبن، وكذلك بنت اللبون. وأما الحقة، فهي التي قد مضى لها ثلاث سنين، ودخلت في الرابعة، وسميت بذلك لأنها قد استحقت أن يحمل عليها. وأما الجذعة، فهي التي قد مضى لها أربع سنين، ودخلت في الخامسة، ولذلك سميت جذعة.

[ 162 ]

وما يتعلق به زكاة الإبل منها تسمى فريضة، وما لا تجب تسمى شنقا (1). ومن وجبت زكاة الإبل عليه، ولم يكن عنده عين ما وجب عليه، وتمكن من دونها، أخذ منه ذلك، ودفع معه ما يكون تماما لما وجب عليه. وإن كان عنده أزيد مما وجب عليه، أخذ منه ورد عليه الفاضل له، مثال ذلك، أن يجب عليه بنت لبون، وليس عنده، ويكون عنده بنت مخاض. فليأخذ منه، ويدفع معها شاتين، أو عشرين درهما جيادا. أو يجب عليه بنت لبون، وليست عنده، ويكون عنده حقة، فليؤخذ منه، ويرد عليه شاتان، أو عشرون درهما. وإن وجب عليه بنت مخاض وليست عنده، وعنده ابن لبون ذكر، فإنه يؤخذ منه، ولا يرد عليه شئ ولا يدفع هو أيضا شيئا. لأنه لا فضل بين بنت مخاض وابن لبون الذكر. وإذا كان عند الانسان خمس من الإبل، ومر به ثلاث سنين، لم يجب عليه في ذلك غير شاة واحدة، لأن الشاة استحقت بها، وما يبقى منها أقل من خمس، فلا يجب عليه غير ما ذكرناه. فإن كان عنده منها ست وعشرون، ومر ثلات سنين، وجب عليه بنت مخاض للسنة الأولى، ثم ينقص النصاب الذي يجب فيه بنت مخاض، فيجب عليه خمس شياة للسنة الثانية والسنة الثالثة ينقص عن النصاب الذي فيه خمس شياة. فيجب عليه أربع شياة، فيجتمع عليه بنت مخاض، وتسع شياة.

(1) الشنق بالتحريك في الصدقة ما بين الفريضتين مما لا تتعلق به زكاة لاحظ مجمع البحرين.

[ 163 ]

" باب زكاة البقر " الشروط التي تجب الزكاة في البقر باجتماعها هي: الشروط التي ذكرناها في الإبل، فإذا اجتمعت فليس يجب عليها زكاة حتى يبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ذلك كان فيها تبيع، أو تبيعة، وقد ذكر أن التبيع هو الذي له سنتان، وذكر أن هذا الاسم لا يدل على شيئ، ذكر ذلك عن أبي عبيد، وذكر غيره أنه إنما سمي بهذا الاسم لأنه يتبع أمه في المرعى، وذكر غير من ذكرناه أنه الذي يتبع قرنه إذنه. وإذا لم تستقر من جهة اللغة في حقيقة التبيع، ما يعتمد عليه في هذا الباب فإن المعول على ما ورد في الشرع. وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه قال تبيع، أو تبيعة، جذع، أو جذعة (1) وفسر ذلك الباقر، والصادق عليهما السلام بالحول (2). وليس بعد الثلاثين شيئ حتى يبلغ أربعين، فيكون فيها مسنة، وذكر أنها التي لها أربع سنين، وذكر أنها التي لها سنتان وهي الثنى في اللغة، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: المسنة هي الثنية فصاعدا (3). ثم ليس فيها بعد الأربعين شيئ حتى يبلغ ستين، فيكون فيها تبيعان، فإذا زادت على ذلك، أخرج من كل ثلاثين تبيع، أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ثم كذلك بالغا ما بلغت. ومن كان عنده من البقر ثلاثون، بعضها سوسي (4) أو حبشي، وبعضها جواميس

(1) المبسوط، ج 1 ص 198، والخلاف، ج 1، ص 275، وفي السنن الكبرى للبيهقي، ج 4، ص 95.
(2) كذا في نسخة وفي نسخة أخرى " بالحولين " وفي الخبر " الحولي " الوسائل، ج 6، الباب 4 من أبواب زكاة الانعام، الحديث 1.
(3) المبسوط، ج 1 ص 198.
(4) قال في مراصد الاطلاع: السوس بالضم ثم السكون وسين أخرى: بلدة بخوزستان وجد فيها جسد دانيال، فدفن في نهرها تحت الماء وعمر قبره وموضعه ظاهر يزار. قلت وهو معرب " شوش " والسوس أيضا بلد بالمغرب:

[ 164 ]

وبعضها نبطى، كان الذي يؤخذ منه تبيع أو تبيعة من أوسط ذلك على قدر المال وما لا تجب الزكاة فيه من البقر يسمى وقصا. " باب زكاة الغنم " الغنم لا يجب فيها الزكاة إلا بشروط، وهي الشروط التي ذكرناها في الإبل، والبقر. فإذا حصلت، لم يجب فيها شيئ حتى يبلغ أربعين، فإذا بلغت، كان فيها شاة وليس فيها بعد ذلك شيئ حتى تبلغ مائة واحدى وعشرين، فيكون فيها شاتان. وليس فيها بعد ذلك شيئ حتى تبلغ مأتين وواحدة، فيكون فيها ثلاث شياة وليس فيها بعد ذلك شيئ حتى تبلغ ثلاث ماة وواحدة، فيكون فيها أربع شياة، فإذا زادت على ذلك، تركت هذه العبرة واخرج عن كل مأة شاة ثم على هذا الحساب بالغا ما بلغت. ومن كان له من المواشى متفرقا في مواضع مختلفة ما إذا اجتمع كان نصابا، فإن الزكاة واجبة فيه. وإن كان لاشتراك جماعة في موضع واحد مقدار نصاب، أو أكثر منه وكان ما يختص به كل واحد منهم أقل من نصاب، لم يجب في شئ من ذلك زكاة. ومن أنكر حلول الحول على ماشيته، وشهد شاهدان عدلان على أن الحول قد حال عليها، قبلت شهادتهما، وأخذت منه الزكاة. ومن كان عنده من جنس واحد نصاب، وهو من أنواع مختلفة مثل أن يكون عنده أربعون شاة، بعضها ضأن، وبعضها معز وبعضها شامية، وبعضها عربية، وبعضها مكية فليؤخذ منها شاة، لأن الاسم يتناوله، ولا ينبغي أن يؤخذ الأجود، ولا الأدون بل يؤخذ الأوسط، أو ما تكون قيمته على قدر المال. ومن كان له في بلدين نصاب واحد، وجبت عليه زكاته، فإن كانت أقل من

[ 165 ]

نصاب واحد متفرقة في بلدين لم تجب عليه الزكاة في شيئ فإن كان له في بلدين أو أكثر منها ثمانون شاة، أو مأة وعشرون شاة، لم يجب عليه غير شاة واحدة لأنها في ملك واحد. فإن كان في كل بلد منها نصاب، وحضره الساعي في طلب الزكاة من المال فقال له المطلوب منه ذلك. هذه عندي وديعة، قبل قوله، ولم يطالبه على ذلك بينة وكذلك إن ادعى حلول الحول، إلا أن يثبت عليه ببينة بخلاف ما قاله في الحول. كما قدمناه. وإذا كان عنده أربعون شاة فحال الحول عليها وولدت شاة منها، ثم حال عليها الحول الثاني، ثم ولدت شاة ثانية، ثم حال عليها الحول الثالث، وجب عليها ثلاث شياة، لأن الحول الأول حال عليها، وهي أربعون فوجبت فيها شاة، فلما ولدت تمت أربعين فلما حال عليها الحول وجب منها ثلاث شياة. ومن كان عنده من الغنم أربعون، ولم يكن ولد منها شيئ، وحال عليها حول ثان، وثالث لم يجب عليه فيها غير شاة واحدة. ومن كان له مأتا شاة وواحدة، ومرت ثلاث سنين وجب عليه سبع شياة، لأن الواجب عليه في السنة الأولى ثلاث شياة وفي كل سنة شاتان، لأن المال الثاني، والثالث قد نقص عن المأتين وواحدة فلم يجب غير شاتين. وهذا على قولنا في أن الزكاة تتعلق بالمال، فأما من قال بأنها تتعلق بالذمة، فقوله في ذلك يخالف ما ذكرناه. ومن كان عنده نصاب فغصب غاصب ذلك النصاب ثم عاد إليه قبل حلول الحول، لم تجب عليه زكاة، لأن إمكان التصرف في جميع الحول يراعى في ذلك وكذلك القول في غير هذا الوجه من وجوه الزكاة. وإذا وقف على إنسان نصاب من الغنم، وحال عليه الحول لم يجب عليه في ذلك زكاة، لأنها غير مملوكة. فإن ولدت وحال على أولادها، وكان الواقف لها لم يشترط كون أولادها

[ 166 ]

وقفا معها، كان فيها الزكاة وإن كان شرط ذلك، لم يكن فيها الزكاة. ومن ابتاع من الغنم نصابا ولم يقبضها حتى حال الحول عليها نظر، فإن كان متمكنا من قبضها كان عليه فيها الزكاة، وإن لم يكن متمكنا من قبضها، لم يكن عليه فيها زكاة. وما يجب فيه زكاة الغنم، يسمى فريضة وما لا يجب فيه يسمى عفوا. " باب زكات الغلات الأربع " التي هي الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. ليس تجب الزكاة في الغلات إلا بشرطين، وهما الملك والنصاب. فإذا حصل في أحدها هذان الشرطان، لم تكن فيه زكاة حتى يبلغ خمسة أوسق، بعد إخراج المؤن، حق السلطان من مقاسمة، وغيرها. فإذا بلغ ذلك بعد ما ذكرناه، فإن كان سقيه سيحا أو بعلا، أو عذيا (1) كان فيه العشر، وإن كان سقيه بالقرب، أو الدوالي. كان فيه نصف العشر. فإن زاد على الاوسق شيئا، أخرج من الزائد بحساب ذلك. وما كان سقيه سيحا وغير سيح، فيجب أن يعتبر في ذلك الأغلب. فإن كان سقيه سيحا هو الأكثر، أخرج منه العشر، وإن كان سقيه بالقرب والدوالي أكثر من السيح، أخرج منه نصف العشر، وإن تساويا، ولم يغلب أحدهما على الآخر، أخرج من نصفه بحساب العشر، ومن نصفه الآخر بحساب نصف العشر. والوسق: ستون صاعا، والصاع أربعة أمداد، والمد رطلان وربع بالعراقي. ووزنه بالدراهم ألف مأة وسبعون درهما. والدرهم ستة دوانيق، والدانق ثمانى حبات من أوسط حبات الشعير،

(1) المراد بالسيح: الجريان على وجه الأرض وبالبعل: ما يشرب بعروقه في الأرض التي تقرب من الماء وبالعذي: ما سقته السماء، لاحظ الجواهر، ج 15، ص 237:

[ 167 ]

وهو تسعة أرطال بالعراقي، وستة أرطال بالمدني. وما لا يجب فيه الزكاة من هذه الغلات يسمى عفوا، وإذا وقف إنسان على غيره ضيعة، وبلغت غلتها نصابا. فإن كانت وقفا على واحد كان عليه الزكاة في ذلك وإن كانت وقفا على جماعة، وبلغ نصيب كل واحد منهم النصاب، كان على كل واحد منهم الزكاة. واعلم أن الاعتبار فيما تخرجه الأرض مما يكال أو يوزن، مما عدا هذه الغلات الأربع يجرى مجرى الاعتبار فيما تقدم مما الزكاة فيه مفروضة. وإنما ذكرنا ذلك، لأن هذه الغلات يستحب إخراج الزكاة عنها، وأردنا أن نبين، أن الاعتبار فيها كالاعتبار في الغلات الأربع التي الزكاة واجبة فيها. وأموال التجارة يجرى الاعتبار فيها مجرى الاعتبار في الأموال (1) التي تجب فيها الزكاة، لأن إخراج ذلك عنها مستحب أيضا. ويزيد مال التجارة على ذلك، بأن يطلب برأس المال أو الربح. فإذا اجتمعت الشروط المقدم ذكرها، وطلب رأس المال أو الربح صح إخراج الزكاة عنها. وأن طلب تجارة (2) لم يكن فيها زكاة جملة. وأما الخيل، ففيها أيضا الزكاة مستحبة، ولها شروط، وهي الملك، والسوم وحلول الحول عليها، وليس بها نصاب يراعى في ذلك، فإذا حصلت فيها الشروط التي ذكرناها كان على كل رأس من العتاق منها ديناران، وكل رأس من البرازين دينار واحد. والمال الذي يغيب عن صاحبه سنين، ثم يعود إليه ولم يكن متمكنا في حال غيبته من التصرف فيه، فإنه يستحب أن يزكى لسنة واحدة. وأما مال الأطفال، والمجانين الصامت (3) ففيه الزكاة أيضا مندوبة إذا

(1) أي النقدين: (2) كذا في النسخة ويحتمل التصحيف ويكون الصحيح " بخسارة ": (3) أي المال الصامت الذهب والفضة

[ 168 ]

اتجر الولي به نظرا لهم فعليه إخراجها عنهم. ويجوز أن يأخذ لنفسه من الربح مقدار ما يحتاج إليه على قدر الكفاية، والأفضل له ترك ذلك. فإن اتجر لنفسه، وكان في تلك له ذمة (1) تفي بالمال، كان عليه ضمانه، وكان الربح له، وإن كان لا ذمة له تفي بذلك، وتصرف فيه من غير ولاية ولا وصية، كان عليه ضمان المال، ويكون الربح لأصحابه، وليس له فيه شيئ، ويخرج الزكاة عنه. فأما ما عدا أموالهم الصامتة - من المواشى والغلات - فإن (1) كان الزكاة واجبة فيها، وعلى وليهم إخراجها إلى مستحقها. وسبائك الذهب والفضة، قد ذكرنا أنها متى سبكت فرارا من الزكاة، كانت الزكاة واجبة عليها، فإن كان لم يسبكها فرارا من ذلك، فالزكاة مستحبة فيها. وما كان حليا، كانت زكاة إعارته. وكل ما خالف ما ذكرناه " إن الزكاة تتعلق به " من الخضر كالبقول، والباذنجان والبطيخ، وما أشبه ذلك وليس يتعلق بشئ من الزكاة. " باب المقدار الذي ينبغي اخراجه من الزكاة ". المقدار الذي ينبغي اخراجه منها هو ما يجب في النصاب، وقد تقدم في ما سلف ذكر ذلك.

(1) أي متمكنا من الضمان كما في المبسوط، ج 1، ص 234 والظاهر أن المراد أن يكون متمكنا من مال يفي بمال الصغير: (2) الظاهر زيادة " أن ":

[ 169 ]

" باب في " من المستحق " للزكاة ". الذي يستحق الزكاة، هو من ذكره الله تعالى في القرآن (1) من الاصناف الثمانية، وهم: الفقراء والمساكين، والعاملون عليها. والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمون وفي سبيل الله، وابن السبيل. فأما الفقراء فهم الذين لا شيئ لهم، وأما المساكين فهم الذين يكون لهم مقدار من القوت لا يكفيهم، وأما العاملون عليها فهم عمال الصدقات، والسعاة فيها. وأما المؤلفة قلوبهم الذين يستمالون إلى الجهاد، وأما الرقاب فهم العبيد، والمكاتبون منهم إذا كانوا في ضر وشدة، فإنه يجوز ابتياعهم من الزكاة، ويستنقذون ذلك (2) مما يكونون فيه من الضر، والشدة. فأما الغارمون فهم الذين قد ركبتهم الديون في غير معصية الله تعالى، لأنه متى كان عليهم دين أنفقوه في ذلك، فلا يجوز أن يقضي ذلك عنهم من الزكاة. وأما سبيل الله فهو الجهاد، وما فيه صلاح للمسلمين مثل عمارة الجسور، والقناطر، وما جرى مجرى ذلك. فأما ابن السبيل فهو المنقطع به وإن كان غنيا في بلده، وقد ذكر أنه الضيف الذي ينزل بالانسان وإن كان أيضا غنيا في بلده. ويجب أن يعتبر في سائر ما ذكرناه من هؤلاء إلا المؤلفة قلوبهم شروط ثلاثة. أولها: أن يكونوا من أهل العدالة والايمان المعتقدين له، لأن من لا يكون كذلك بأن يكون ليس من أهل الايمان، والمعرفة به، ولا من المعتقدين له، ولا هو على ظاهر العدالة، والصلاح، أو كان فاسقا يشرب الخمر أو غيره من أنواع الفسق وهو من أهل الايمان، فإنه لا يستحق شيئا من الزكاة. ولا يجزي دفع شيئ منها إليه عمن وجبت عليه.

(1) التوبة الآية 60: (2) هكذا في النسخة، ولعل الصحيح " بذلك " بدل " ذلك ":

[ 170 ]

وثانيها: أن لا يكون من بني هاشم المستحقين للخمس المتمكنين من أخذه، لأن من يتمكن منهم من أخذه لم يجز له أخذ الزكاة. وإن كانت حالهم حال ضرورة، وهم غير متمكنين من أخذ ذلك معها، جاز لهم أخذ الزكاة، والاستعانة بها على أحوالهم رخصة لهم عند عدمهم لأخذ ما يستحقونه من الأخماس وكانت مجزية عمن أخرجها إليهم، وهم على هذه الحال. وسيأتي في باب الخمس ذكر من يستحق من بني هاشم بعون الله سبحانه. وثالثها: أن يكونوا ممن لا يجب على المكلف الانفاق عليه مثل الوالدين، والولد، والجد والجدة، والزوجة، والمملوك. فأما من خالف هؤلاء من الأقارب فإنه يجوز دفع الزكاة إليه إذا كان على الشروط التي تقدم ذكرها. والأفضل أن لا يعدل (1) الانسان بالزكاة غير هؤلاء بل يفرقها عليهم، فإن جعل لهم قسطا وللأجنبي المستحق بها قسطا كان جائزا. ومن كان له مملوك يخدمه ودار يسكنها وليس دار غلة، فإنه يجوز له أخذ الزكاة، وهكذا إذا كانت دار غلة غير أن غلتها ليست تقوم بحاله وحال عياله، فإنه يجوز أخذها، وإن كان في غلتها كفاية لذلك لم يجز دفع الزكاة. ومن كان له صناعة أو معيشة لا تقوم بحاله وحال عياله فإنه يجوز له أخذها. وإن كان ما يكسبه منها يقوم بحاله، أو حالهم، لم يجز دفعها إليه. ومن لا يحسن أن يعيش، ويكسب ما يقوم بحاله، فإنه يجوز له أخذها ولو كان معه سبع مأة درهم كما ورد الخبر (2) بذلك. ولو كان معه خمسون درهما، ويحسن أن يتعيش بها، ويكسب ما يقوم بحاله، وحال عياله، فليس يجوز له أخذها.

(1) من العدول: (2) جامع أحاديث الشيعة ج 8 ص 171 باب من يستحق الزكاة ومن لا يستحق، الوسائل ج 6، الباب 8 الحديث 1، والباب 12، الحديث 2:

[ 171 ]

ومن كان عليه دين انفقه في غير معصية كما ذكرناه فيما سلف، فإنه يجوز قضائه عنه من الزكاة، وكذلك العبد، والمكاتب يجوز له ابتياعهما على ما قدمناه من الزكاة والميت إذا كان عليه دين فإنه يجوز أن يحتسب به من الزكاة، فإن كان على ميت من المؤمنين دين جاز أن يقضي عنه ذلك، ويجوز للولد قضاء الدين من والديه، أو ولده من الزكاة إذا كان عليهم شيئ من ذلك. ويجب حمل الزكاة إلى الإمام " عليه السلام " إذا كان ظاهرا. ليفرقها على مستحقيها وإن كان غائبا، فإنه يجوز لمن وجبت عليه، أن يفرقها في خمسة أصناف وهم: الفقراء، والمساكين، والرقاب، والغارمون، وابن السبيل. ويسقط من الاصناف الثانية - التي ذكرنا إنهم يستحقون الزكاة، ويصح دفعها إليهم - من لا يتم إلا مع ظهور الإمام " عليه الاسلام " أو من نصبه، الثلاثة (1) الاصناف الباقية، وهم العاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي سبيل الله، لأن وجودها لا على الوجه الذي معه يستحقون الزكاة. وإذا عرف الانسان مستحق الزكاة، وهو يستحيى من أخذها، والتعرض لها جاز دفعها إليه، من غير أن يعلم أنها من الزكاة. وإذا دفع إنسان إلى غيره زكاة ليفرقها في مستحقيها، وكان الذي دفع إليه من المستحقين لاخذها، جاز له أن يأخذ منها. مثل ما يدفعه منها إلى غيره. فإن عين له على أقوام يدفع ذلك إليهم لم يجز له أخذ شيئ منها، بل يدفعها إلى الذي عين له دفعها إليهم، دون غيرهم. ومن وجب إخراج الزكاة عليه، أخرجها إلى مستحقها على الفور والبدار دون التراخي. فإن مطل بإخراجها مع تمكنه من ذلك، وإيصالها إلى مستحقها وهلكت كان عليه ضمانها، واخراجها ثانيا. ومن وجبت عليه الزكاة، وكان في بلده مستحق

(1) عطف بيان لقوله " من لا تيم ":

[ 172 ]

لها، وهو عالم به، فلم يدفعها إليه، وأخرجها إلى مستحقها في بلد آخر، فهلكت في الطريق، فعليه ضمانها، واخراجها ثانيا أيضا إلى مستحقها. وإن لم يعلم في بلده مستحقا لها، وأخرجها إلى من يستحقها في بلد آخر، فهلكت، لم يكن عليه شيئ. وكذلك الحكم إذا لم يجد من يستحقها في بلده، ولا في غيره، ثم عزلها إلى أن يجد لها مستحقها، أو كان يجد مستحقها في غير بلده، ولا يقدر على إنفاذها، إليه ثم هلكت، فإنه لا شيئ عليه في شئ من ذلك، ولا يلزمه ضمانها ولا إخراجها دفعة أخرى. فإذا لم يجد من وجبت عليه الزكاة مستحقا لها، وعزلها، ثم مات، وهي باقية، فيجب عليه أن يوصي إلى من يثق به ليدفعها إلى مستحقها إذا تمكن من ذلك، فإذا فعل ما ذكرناه، برأت ذمته منها. وإن حضره مستحق للزكاة قبل دخول وقتها فإنه يجوز أن يدفع إليه بنية القرض ثم يعتبر حاله إذا دخل الوقت. فإن كانت على ما كانت عليه - ولم يتغير، ولا صار بصفة من لا يستحقها، ولا يجوز له أخذها - جاز أن يحتسب بها منها وإن كانت حاله قد تغيرت، وصار بصفة من لا يستحقها لم يجز الاحتساب بها، فإن احتسب لم يجز عنه، ووجب عليه إخراجها ودفعها إلى مستحقها. " باب المقدار الذي ينبغي دفعه إلى مستحق الزكاة منها " أقل ما ينبغي دفعه من الزكاة إلى مستحقها هو ما يجب في نصاب واحد، ويجوز أن يدفع إليه أكثر من ذلك، ويجوز أيضا أن يدفع من وجبت عليه الزكاة، زكاة ماله بمجموعها إلى واحد ممن يستحقها، وينبغي أن يدفع زكاة الذهب والفضة إلى الفقراء المعروفين بأخذ ذلك، ويدفع زكاة المواشى إلى المتحملين ممن يستحقها،

[ 173 ]

" باب الوقت الذي ينبغي إخراج الزكاة فيه " الوقت الذي ينبغي إخراج الزكاة فيه، هو دخول أول يوم من الشهر الثاني عشر، من السنة التي حالت على المال، ويتضيق الوجوب في ذلك إلى آخره، فإذا خرج الثاني عشر كان قاضيا لها إذا أخرجها هذا إذا كان المال حاصلا في جميع الحول، من أوله إلى اليوم الذي ذكرناه، ولم يكن من الغلات، لأن الغلات لا يراعى فيها الحول على ما قدمناه وإنما يراعى فيها الملك وحصول النصاب. واليوم الذي هو أول يوم من الشهر الثاني عشر، هو أول وقت الوجوب ثم كلما مضى من الشهر شيئ ازداد تضييق الوجوب إلى آخره، وإن لم يخرجها من وجبت عليه إلى مستحقها مع تمكنه من ذلك، أو (1) عزلها من ماله مع عدم تمكنه من إخراجها إليه، إلى أن ينقضي الشهر الثاني عشر من الحول كان مخطئا وكانت في ذمته إلى أن يوصلها إلى المستحق لها. ولا يجوز تقديم إخراجها على وقت الاخراج لها إلا بنية القرض وقد وردت أخبار (2) تتضمن جواز تأخيرها عن وقتها، وتقديمها عليه، والوجه في تقديمها ما ذكرناه من الاخراج لها بنية القرض، وأما التأخير لها، فهو محمول على انتظار من يستحقها. " باب زكاة الرؤس " زكاة الرؤس هي زكاة الفطرة، وينبغي أن يبين من يجب عليه، وما يجب فيه، ومن يستحقها، وما أقل ما يدفع عليه منها، وما الوقت الذي يجب إخراجها فيه

(1) الظاهر أنها عطفت على " ذلك ": (2) الوسائل ج 6، الباب 49، من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 11 و 13.

[ 174 ]

" باب فيمن تجب عليه زكاة الفطرة، وما يتعلق به من ذلك " الذي يجب عليه الفطرة هو كل من يجب عليه زكاة أول نصاب من الأموال ومن لا يملك ذلك فليست الفطرة واجبة عليه. ويستحب له أن يخرجها عن نفسه، وعمن يعول إن كان له عيال، فإن لم يكن له ذلك أخرجها عن نفسه استحبابا. فإن كان ممن يستحق أخذها، فليأخذها ويخرجها عن نفسه وعمن يعوله إن كان له ذلك، وعن نفسه إن لم يكن له عيال. فإن كان محتاجا إليها أدارها على عياله إلى أن ينتهى إلى آخرهم ثم يخرج منهم إلى غيرهم مما ينبغي اخراجه عن رأس كل واحد. وإذا كان عند إنسان ضيف، يفطر عنده في شهر رمضان، أو كان لزوجه مملوك في عياله أو ولد له فيه مولود، كان عليه إخراج الفطرة عنه وجوبا. اللهم إلا أن يكون المولود يولد ليلة الفطر، أو في يومه التي قبل صلاة العيد، فيكون إخراج ذلك عنه استحبابا. والمكاتب إذا لم يكن مشروطا عليه لم يجب على مكاتبه إخراج الفطرة عنه، فإن كان مشروطا عليه كان على سيده إخراجها عنه. والكافر إذا أسلم في شهر رمضان قبل ليلة الفطر وجب عليه إخراجها، وإن كان أسلم ليلة الفطر، أو في يومه قبل صلاة العيد لم يجب عليه ذلك، وكان عليه أن يخرجها استحبابا. وإذا ملك عبد عبدا، كان على السيد إخراج الفطرة عنهما جميعا. " باب ما تجب فيه الفطرة " تجب في الحنطة، والشعير على أهل الموصل، والجزيرة، والجبال، وباقي خراسان.

[ 175 ]

والتمر على أهل مكة، والمدينة، واليمن، واليمامة، والبحرين، وأطراف الشام، والعراقين، وفارس، والأهواز وكرمان. والزبيب على أهل أوساط الشام و " مرو " من خراسان، والري، والأرز على أهل طبرستان، والبر على أهل مصر، والأقط (1) على الاعراب، وسكان البوادي، ومن لم يجد منهم الاقط أخرج عنه اللبن والتمر، والزبيب، وهو أفضل ما يخرج في الفطرة لمن وجبت عليه. " باب فيمن المستحق للفطرة، وكم أقل ما يدفع منها إليه " الذي يستحق أخذ زكاة الفطرة هو كل من يستحق أخذ زكاة الأموال، وقد ذكرناه في ما تقدم وإذا كان الإمام " عليه السلام " ظاهرا وجب على من وجبت عليه الفطرة حملها إليه ليدفعها إلى مستحقها، ولا يتولى هو ذلك بنفسه، فإن لم يكن الإمام عليه السلام ظاهرا كان عليه حملها إلى فقهاء الشيعة، ليضعها في مواضعها، لأنهم أعرف بذلك ولا يجوز أن يدفع إلا إلى أهل الايمان، والمعرفة، كما ذكرناه فيمن يستحق أخذ زكاة الأموال. ولا يجوز دفعها إلى من لا يجوز دفع زكاة الأموال إليه إلا في حال التقية، والأفضل له في هذه الحال أن لا يدفعها إلى من ذكرناه، بل يدفع إليه عن غيرها. والحكم في حملها من بلد إلى آخر، كالحكم فيما ذكرناه في زكاة الأموال، وكذلك الحكم في عزلها. والأفضل لمخرج الفطرة أن لا يتعدى أقاربه إذا كانوا من المستحقين لها. وكذلك الأفضل أن لا يتعدى إلى من يستحقها من جيرانه إذا كانوا على الشروط التي قدمنا ذكرها، فإن تعدى بها من ذكرناه من الأقارب، والجيران، ودفعها إلى

(1) الاقط بفتح الهمزة وكسر القاف: الجبن المتخذ من اللبن الحامض.

[ 176 ]

من يستحقها من غيرهم، لم يكن عليه شيئ، بل يكون تاركا للافضل. فأما أقل ما ينبغي دفعه إلى المستحق لها منها فهو أن يدفع إلى الواحد ممن ذكرناه ما يجب اخراجه عن رأس واحد. فأما ما كان أكثر من ذلك فيجوز دفعه إليه. " باب في ذكر الوقت الذي يجب إخراج الفطرة فيه " هذا الوقت هو من طلوع الفجر من يوم العيد إلى قبل صلاة العيد، وكل ما قرب وقت هذه الصلاة تضيق الوجوب. فمن لم يخرجها حتى قضيت الصلاة كان تاركا لما وجب عليه، ومخطئا في ذلك، فإن أخرجها بعد هذه الصلاة لم تكن واجبة، وجرى مجرى الصدقة المتطوع (بها)، وقد ورد (1) جواز تقديم إخراجها في شهر رمضان، والأفضل إخراجها في الوقت المضروب لوجوبها. " تم كتاب الزكاة "

(1) الوسائل ج 6، الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3 و 4

[ 177 ]

" باب الخمس وأحكامه " أحكام الخمس تتبين بذكر أشياء: منها ما الذي يجب الخمس فيه، ومنها ما يراعى فيه مقدار، وما لا يراعى فيه ذلك، ومنها متى يجب، ومنها من المستحق له، ومنها كيفية قسمته. " باب في ذكر ما يجب الخمس فيه " الخمس يجب في " كنوز " الذهب والفضة والدنانير والدراهم، " والغنائم الحربية " و " جميع المعادن " من الذهب والفضة والحديد والصفر والنحاس والرصاص والزيبق والكحل والزرنيخ والنفط والقير، " (والنوص؟) " والموميا والكبريت والزبرجد والياقوت والفيروزج والبلخش (1) والعنبر والعقيق " وأرباح التجارات والمكاسب كلها " و " المال الحرام إذا اختلط بالحلال ولم يتميز " و " الأرض إذا ابتاعها الذمي من المسلم ". فأما الكنز إذا وجد فليس يخلو إما في دار الحرب، أو في دار الاسلام، فإن كان في دار الحرب، كان فيه الخمس على كل حال. فإن كان في دار الاسلام، فلا يخلو من أن يكون وجد في ملك الانسان أو في أرض ليس لها مالك، فإن كان في ملك الانسان، أو في أرض ليس لها مالك، كان

(1) البلخش معرب بلخچ وهو الزاج الأسود:

[ 178 ]

عليه أن يعرف به، فإن عرف، كان لمن عرفه. وإن لم يعرفه، فليس يخلو من أن يكون عليه أثر الاسلام، مثل سكة الاسلام، أو لا يكون عليه أثر لذلك، فإن كان عليه أثر الاسلام، كان بمنزلة اللقطة، وسيجيء أحكام اللقطة بعون الله سبحانه. وإن لم يكن عليه أثر الاسلام، فإنه يخرج منه الخمس، ويكون الباقي لمن وجده. فأما الغنائم الحربية، فهي كل ما يغتنمه المسلم في دار الحرب مما يحويه العسكر، ومما لا يحويه ومما يمكن نقله إلى دار (1) الاسلام، وما لا يمكن ذلك فيه من الأموال، والأرضين، والذراري (2)، والعقار والكراع (3)، والسلاح، وغير ذلك مما يصح تملكه، وكان في يد أهل الحرب على جهة الإباحة أو الملك، ولم يكن غصبا لمسلم. ففي ذلك كله الخمس في كل شيئ منها. وأما المعادن التي ذكرناها، فإنه يجب الخمس في كل شئ منها. وأما الغلات والأرباح والمكاسب ففيها الخمس كما ذكرناه بعد إخراج حق السلطان، وقوت الرجل لنفسه وعياله على الاقتصاد (4) في ذلك. ويجب الخمس في العسل الذي يؤخذ من رؤس الجبال، وكذلك في المعدن إذا كان لمكاتب، والعامل في المعدن إذا كان مملوكا، كان فيه الخمس، لأن كسبه لسيده. وأما المال الحرام، إذا اختلط بالحلال، فإنه ينبغي أن يحكم فيه بالأغلب. فإن كان الحرام الغالب، احتاط من هو في يده في إخراج الحرام منه. فإن لم يتميز له ذلك أخرج منه الخمس، ويصح تصرفه في الباقي على وجه الحلال.

(1) في نسخة " ديار " بدل " دار ": (2) أي الأولاد الصغار: (3) الكراع اسم لجماعة الخيل.
(4) أي مقتصدا:

[ 179 ]

ومن ورث من المال ما يعلم أن صاحبه جمعه من وجوه محرمة مثل الربا والمغصوب وغير ذلك ولم يتحقق مقداره فليخرج منه الخمس ويتصرف في الباقي، فإن غلب في ظنه أو علم أن الأكثر حرام احتاط في اخراجه قليلا كان أو كثيرا، أورده إلى من هو له إن تميز له ذلك، فإن لم يتميز ذلك له، تصدق به عنهم. وأما الأرض إذا ابتاعها ذمى من مسلم، ففيه الخمس. كما ذكرناه. " باب ذكر ما يراعى فيه مقدار، وما لا يراعى فيه ذلك " ما يراعى فيه مقدار: شيئان، أحدهما يراعى فيه بلوغ النصاب الذي تجب الزكاة فيه، والآخر يراعى في بلوغه مقدار دينار فصاعدا. وأما الأول فهو في جميع الكنوز، وأما الثاني فهو الغوص، فليس يراعى مقدار في شيئ يجب الخمس فيه إلا في هذين الجنسين. فأما ما خالفهما، فلا يراعى فيه ذلك على وجه من الوجوه. " باب ذكر الوقت الذي يجب إخراج الخمس فيه " الوقت الذي يجب إخراج الخمس فيه، هو حين حصول المال من غير مراعات لحلول الحول عليه، ولا غير ذلك. " باب ذكر مستحق الخمس " الذي يستحق الخمس ستة، وهم: الله سبحان وتعالى، ورسوله صلى الله عليه وآله، وذوو القربى وهو الإمام عليه السلام واليتامى والمساكين وابن السبيل ممن ينتهى إلى أمير المؤمنين عليه السلام علي بن أبي طالب عليه السلام بالولادة وجعفر وعقيل والعباس بن عبد المطلب عليهم السلام.

[ 180 ]

" باب ذكر قسمة الخمس " قال الله سبحانه: " واعلموا أنما غنمتم من شيئ فإن لله خمسه وللرسول، ولذي القربى واليتامى، والمساكين وابن السبيل ". (1) فعلى هذا يقسم الخمس ستة أسهم، ثلاثة منها وهي سهم الله تعالى، وسهم رسوله " صلى الله عليه وآله " وسهم ذي القربى للامام عليه السلام والثلاثة أسهم الباقية. يفرقها الإمام عليه السلام على يتامى آل محمد صلى الله عليه وآله ومساكينهم وأبناء سبيلهم، لكل صنف منهم سهم. وعلى الإمام عليه السلام تسليم (2) ذلك على قدر كفايتهم. ومؤنتهم للسنة على جهة الاقتصاد. فإن فضل من ذلك شيئ كان له، وإن نقص فعليه أن يتمه مما يختصه، وليس لغير من تقدم ذكره في الخمس حق، بل هو لمن يحرم عليه الزكاة ذكرا كان أو أنثى ممن ذكرناه فيما تقدم. وكل ما يختص من الخمس بالمساكين، أو المناكح، أو المتاجر فإنه يجوز التصرف فيه في زمان غيبه الإمام عليه السلام، لأن الرخصة قد وردت (3) في ذلك لشيعة آل محمد عليهم السلام، دون من خالفهم. وأما ما يختص به من غير ذلك فلا يجوز لأحد من الناس كافة التصرف في شيئ منه، ويجب على من وجب عليه حمله إلى الإمام عليه السلام ليفعل فيه ما يراه، فإن كان عليه السلام غائبا، فينبغي لمن لزمه إخراج الخمس أن يقسمه ستة أسهم على ما بيناه،

(1) الانفال الآية 41 (2) في نسخة: تقسيم (3) المستدرك - الباب 4 من أبواب الانفال، الحديث 3 وفي جامع أحاديث الشيعة ج 8، الباب 7 من أبواب فيمن يستحق الخمس، الحديث 12، ص 595:

[ 181 ]

ويدفع منها ثلاثة إلى من يستحقه من الاصناف المذكورة فيما سلف. والثلاثة الأخر للامام عليه السلام ويجب عليه أن يحتفظ بها أيام حياته، فإن أدرك ظهور الإمام عليه السلام، دفعها إليه، وإن لم يدرك ذلك، دفعها إلى من يوثق بدينه وأمانته من فقهاء المذهب ووصى (1) بدفع ذلك إلى الإمام عليه السلام إن أدرك ظهوره، وإن لم يدرك ظهوره وصى إلى غيره بذلك، وقد ذكر بعض أصحابنا، إنه ينبغي أن يدفنه تعويلا في ذلك على الخبر (2) المتضمن، لأن الأرض تظهر كنوزها عند ظهور الإمام عليه السلام. والأول أحوط، وأقوى في برائة الذمة من ذلك. وذكر بعض أصحابنا أيضا، أن ما يختص بغير المساكن، والمتاجر، والمناكح يجوز التصرف فيه، فإنه يجرى مجرى ما يختص بالمساكن، والمتاجر، والمناكح وهذا لا يعول عليه، ولا يعمل به. " باب أحكام الأرضين " الارضون تنقسم أربعة أقسام، أولها: قسم يسلم أهلها عليها طوعا، وثانيها: أرض افتتحت بالسيف عنوة، وثالثها: كل أرض، صالح عليها أهلها، ورابعها: أرض الانفال، ونحن نفرد لكل واحد منها بابا إن شاء الله تعالى. " باب ذكر الأرض التي يسلم عليها طوعا " الأرض إذا أسلم أهلها عليها طوعا من غير حرب، تركت في أيديهم، وكانت ملكها لهم، يصح لهم التصرف فيها بالبيع والشراء والوصية والهبة وغير ذلك من أنواع التصرف.

(1) وفي نسخة: وصاه (2) منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر ص 472، وفي بحار الأنوار ج 51 باب الآيات المأولة بقيام القائم عليه السلام ص 64:

[ 182 ]

وإذا عمروها، فليس عليهم إلا فيما تخرجه، وهو العشر ونصف العشر بحسب سقيها، كما ذكرناه في باب الزكاة، وإن تركوا عمارتها حتى صارت خرابا، كانت حينئذ لكافة المسلمين، يقبلها الإمام عليه السلام ممن يقوم بعمارتها بحسب ما يراه، من نصف أو ثلث أو ربع وعلى متقبلها بعد إخراج مؤنة الأرض وحق القبالة فيما يبقى في خاصة من عليها إذا بلغ خمسة أوسق، أو أكثر من ذلك، العشر أو نصف العشر بحسب سقيها على ما سلف بيانه. " باب ذكر الأرض المفتحة بالسيف عنوة " الأرض إذا فتحت عنوة كانت لجميع المسلمين، للمقاتل منهم وغير المقاتل وارتفاعها (1) يقسم بينهم، ولا للمقاتل منهم إلا بما يكون في العسكر فإن ذلك يقسم في المقاتلة دون غيرهم. ولا يصح التصرف فيها بوقف ولا صدقة ولا بيع ولا بغير ذلك من سائر ضروب التمليك. وللإمام عليه السلام أن يقبلها بما يراه لمن يعمرها، إما بالنصف أو الثلث، أو الربع، وللإمام عليه السلام إن ينقلها من متقبل إلى آخر بعد انقضاء مدة زمان التقبل، وله التصرف في هذه الأرض بحسب ما يراه، صلاحا للمسلمين، ويجب على المتقبل فيما يبقى في يده مما تخرجه بعد إخراج المال الذي يقبلها به، العشر، أو نصف العشر حسب السقى (1) كما تقدم القول به. " باب ذكر أرض الصلح " أرض الصلح هي أرض الجزية، فإذا صالح الإمام عليه السلام أهلها عليها وجب عليهم الأداء لما يصالحهم عليه، من نصف أو ثلث أو ربع. ولا يجب على رؤسهم، لأن ما وضع على هذه الأرض بالمصالحة، بدل من جزية رؤسهم فليس يجب على

(1) أي أجرتها والمقدار الذي يتقبلها به أي حق القبالة: (2) وفي نسخة: سقيها

[ 183 ]

رؤسهم بعد ذلك، ومن أسلم من ملاكها سقط عنه ما وضع على ارضه بالصلح، كما يسقط عنه الجزية التي على رأسه بالاسلام. لأنه بدل من الجزية، ويكون حكم من أسلم من أربابها فيها، حكم المسلم (1) عليها طوعا، وهذه الأرض يصح التصرف فيها بسائر أنواع التصرف. وللإمام عليه السلام الزيادة والنقصان فيما يصالحهم عليه بعد أن يمضي مدة الصلح بحسب ما يراه من الصلاح في ذلك. " باب ذكر أرض الانفال " كل أرض انجلى أهلها عنها، وكل أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب إذا سلمها أهلها من غير قتال، وكل أرض باد أهلها، ورؤس الجبال، وبطون الاودية والآجام، وصوافي الملوك، وقطائعهم ما لم يكن ذلك غصبا وكل أرض كانت آجاما فاستحدثت مزارع، أو كانت مواتا فأحييت، فجميع ذلك من الانفال، وهي للامام عليه السلام خاصة دون غيره من سائر الناس، وله أن يتصرف فهيا بالهبة، والبيع، وغير ذلك من سائر أنواع التصرف حسب ما يراه، وله عليه السلام أن يقبلها بما يراه من نصف، أو ثلث، أو ربع، وله بعد انقضاء مدة القبالة أن يقبضها، وينزعها ممن هي في يده بالقبالة، ويقبلها لغيره إلا أن يكون مما كانت مواتا فأحييت، فإنها إذا كانت كذلك لم ينتزع من يد من حياها، وهو أولى بالتصرف فيها ما دام يتقبلها بما يتقبلها به غيره، فإن لم يتقبلها بذلك جاز للامام عليه السلام أن ينتزعها من يده ويقبلها لغيره كما يراه، يجب على المتقبل فيما يبقى في يده بعد إخراج مال القبالة وما لحقه عليها من المؤن، العشر أو نصف العشر حسب ما (2) يراه الإمام عليه السلام.

(1) وفي نسخة: من أسلم (2) كذا في النسخة ولعلها تصحيف والصحيح " حسب السقى " كما مر في المفتوحة عنوة:

[ 184 ]

باب الجزية أحكام الجزية تبين بذكر أشياء. منها، من يجب أخذ الجزية منه، ومن لا يجوز أخذها منه. ومنها، ما ينبغي أخذه منها. ومنها، من المستحق لها. ونحن نفرد كل واحد من ذلك بابا نذكره فيه، إن شاء الله. " باب في ذكر من يجب أخذ الجزية منه، ومن لا يجوز أخذها منه " الذي يجوز أخذ الجزية منه، هو كل مكلف ذكر من اليهود والنصارى و المجوس امتنع عن الاسلام، وأجاب إلى إعطائها. وأما الذي لا يجوز أخذها من الكفار، فهو جميع النساء والأطفال والبله، والمجانين من اليهود: والنصارى، والمجوس. فأما جميع أصناف الكفار المخالفين لليهود والنصارى والمجوس فلا يقبل منهم إلا الاسلام، أو القتل، ولا يقبل من أحد منهم جزية على حال. ومن لم يؤد الجزية من اليهود، والنصارى، والمجوس إلى أن أسلم (1) فقد أسقطت عنه بالاسلام ولم يجز أخذها منه، ولا الزامه بها على وجه من الوجوه وسائر الأحوال، سواء كان اسلامه حصل قبل حلولها عليه، أو في وقت حلوها، أو بعد ذلك. وقد ذكر جواز أخذها منه إن كان اسلامه حصل، وقد حلت عليه والصحيح ما قدمناه. " باب في ذكر ما ينبغي أخذه من الجزية " الذي ينبغي أخذه من الجزية، ليس له مقدار معين، بل ذلك إلى الإمام

(1) وفي نسخة: " إذا أسلم "

[ 185 ]

عليه السلام، يأخذ من كل واحد ممن يجب عليه أخذها منه، ويضعها عليه بحسب ما يراه. وهو مخير بين وضعها على رؤسهم، أو على أرضيهم، إلا إنهم متى وضعها على أرضيهم، لم يضعها على رؤسهم. وقد روي عن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام إنه وضع على الاغنياء منهم ثمانية وأربعين درهما، وعلى أوساطهم أربعة وعشرين درهما، وعلى الفقراء منهم اثنى عشر درهما (1) وذلك منه عليه السلام بحسب ما يراه في وقته. وإذا وجبت الجزية على واحد ممن ذكرناه، ودفعها من ثمن ما يستحله مثل الخمر، وغيره من المحرمات في شريعة الاسلام كان أخذ ذلك منه جائزا، والأثم فيه عليه، ولا أثم على أخذ (2) له منه. " باب في ذكر المستحق للجزية ". المستحق لأخذ الجزية هو كل من قام مع الإمام عليه السلام من المسلمين في نصرة الاسلام والذب عنه مقام المهاجرين، لأن المهاجرين في عصر النبي صلى الله عليه وآله هم الذين كانوا يستحقون أخذها، فمن كانت صفته ما ذكرنا من المسلمين فهو الذي يستحق أخذها، وإليه يدفع، دون غيره من الناس. " باب الغنائم ". كل ما يغتنمه المسلمون من الكفار فيجب إخراج الخمس منه ابتداء ويصرف الباقي إلى ما يستحقه. وذلك على ضربين، أحدهما يختص المقاتلة دون غيرهم من جميع المسلمين. والآخر لا يختص مقاتلا (3) دون غيره بل هو لجميع المسلمين، المقاتلة منهم وغير المقاتلة والذي يختص المقاتلة دون غيرهم هو جميع ما حواه العسكر فقط.

(1) الوسائل، ج 11، الباب 68 من أبواب جهاد العدو، الحديث 5 ص 115: (2) وفي نسخة: " الأخذ " (3) وفي نسخة: المقاتل

[ 186 ]

وهذا يقسم في المقاتلة فحسب، ولا يدفع إلى أحد ممن عداهم منه شيئ إلا الإمام عليه السلام، فإنه يجوز أن يأخذ ذلك قبل القسمة ما يختار أخذه من الجارية الحسناء، والفرس الجواد، والثواب الرفيع وما جرى مجرى ذلك. وما لا يختص بمقاتل دون غيره ويكون لجميع المسلمين، فهو كل ما اغتنمه المسلمون ما لم يحوه العسكر من الأراضي، والعقارات، وغير ذلك، فإن جميعه لكافة المسلمين المقاتل منهم وغير المقاتل، والغائب منهم والحاضر على السواء. فإن أدرك إنسان المقاتلة لمعونتهم، بعد أن قاتلوا، وغنموا، كان شريكا لهم فيما غنموا. وينبغي للامام أن يسوى بين المسلمين في القسمة، ولا يفضل أحد منهم على أحد لشرف فيه، أو زهد، أو علم من ليس هو كذلك. ويعطى للفارس سهمين، وللرجل سهما واحدا، فإن كان مع الفارس منهم أكثر من فرسين، لم يسهم إلا لفرسين فقط. وإذا ولد في أرض الجهاد مولود، دفع إليه كما يدفع إلى المقاتل وحكم القسمة في البحر إذا كان مع المقاتلة فرسان ورجالة كحكمهما في البر، لا يختلف الأمر في شيئ من ذلك. " باب ذكر الانفال ". الانفال هي كل أرض تقدم ذكرها، وميراث من لا وارث له، وجميع المعادن وكل غنيمة غنمها قوم قاتلوا أهل الحرب بغير إذن الإمام عليه السلام، أو ممن نصبه، وما يريده الإمام أخذه لنفسه مما تقدم ذكره، وجميع الانفال كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله في حياته، وهي بعده للامام القائم مقامه، ولا يجوز لأحد من الناس التصرف في شيئ منها إلا بإذنه عليه السلام. " تم كتاب الخمس "

[ 187 ]

" كتاب الصيام " قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون إلى قوله لعلكم تشكرون (1). وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في خطبة خطبها في آخر شعبان أيها الناس أنه قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر، فيه ليلة القدر، العمل فيها خير من ألف شهر، من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهذا (1) شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، شهر يزاد فيه رزق المؤمنين، من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيئ (3) وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: صوم رمضان جنة من النار.
(4) والصوم على ثلاثة أضرب واجب ومندوب ومحرم، فأما الواجب فهو على ضربين: أحدهما يجب من غير سبب والآخر يجب عند سبب والذي يجب من غير سبب، هو شهر رمضان والذي يجب عند سبب هو قضاء ما يفوت من شهر رمضان لعذر من مرض أو غيره،

(1) البقرة: 183 - 185: (2) وفي نسخة: هو (3) الوسائل، ج 7 الباب 18 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 10، والمتن مع ما في الدعائم (ج 1، ص 268) أوفق: (4) دعائم الاسلام، ج 1، ص 268:

[ 188 ]

وصوم النذر والعهد وصوم الكفارة لذلك وصوم الظهار وصوم قتل الخطاء، وصوم كفارة من أفطر في يوم يقضيه من شهر رمضان، وصوم اليمين بالله سبحانه والبرائة وصوم جز المرئة شعرها في مصاب، وصوم اذى حلق الرأس (1) وصوم دم المتعة (2) وصوم جزاء الصيد، وصوم من فاتته صلاة العشاء الآخرة، وصوم الاعتكاف. وأما المندوب فهو ضربان: أحدهما مشدد فيه على وجه التأكيد والآخر غير مشدد فيه فأما المشدد فيه فهو صوم رجب كله، واول يوم منه، واليوم السابع والعشرون منه، وهو يوم المبعث، والثالث عشر منه مولد أمير المؤمنين عليه السلام، وشعبان كله، ويوم النصف منه ويوم السابع عشر من شهر ربيع الأول مولد النبي صلى الله عليه وآله ويوم عرفة، واول يوم من ذي الحجة مولد إبراهيم عليه السلام ويوم الثامن عشر منه وهو يوم الغدير. والأيام البيض من كل شهر وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر وثلاثة أيام من كل شهر، أربعاء، وخميسين، أول خميس في الشهر، وأول أربعاء يكون في العشر الثاني، وآخر خميس في الشهر، ويوم الخامس والعشرين من ذي القعدة وهو يوم دحو الأرض، وصوم الإذن (3) وصوم التأديب (4) وصوم يوم عاشوراء على جهة الحزن بمصاب أهل البيت عليهم السلام وصوم ثلاثة أيام للاستسقاء وصوم الشكر. وأما ما ليس بمشدد فيه: فهو باقي أيام السنة بعد الذي ذكرناه إلا الأيام المحرمة

(1) أي صوم حلق الرأس لأجل الأذى في الرأس: (2) أي الصوم بدلا عن هدى التمتع: (3) صوم الإذن ثلاثة: أحدها صوم المرئة تطوعا بإذن زوجها، ثانيها صوم المملوك بإذن سيده، ثالثها صوم الضيف بإذن مضيفه: (4) صوم التأديب خمسة أقسام: المسافر إذا قدم أهله وقد أفطر، والحائض إذا طهرت، والمريض إذا برئ، والكافر إذا أسلم، والصبي إذا بلغ " كل ذلك إذا كان في أثناء النهار " راجع المبسوط، ج 1. ص 283

[ 189 ]

فهو يوم الفطر، ويوم الأضحى وايام التشريق بمنى، ويوم الشك على أنه من شهر رمضان، وصوم الوصال (1) وصوم الدهر كله (2) وصوم النذر المعصية، وصوم الصمت. " باب صوم شهر رمضان وعلامة دخوله " علامة دخول شهر رمضان: رؤية الهلال مع زوال العوارض، فإذا رأيته فلا تشر إليه بيدك، واستقبل القبلة وارفع يدك للدعاء واقصده بكلامك وقل: ربي وربك الله رب العالمين: ثم قل: اللهم أهله علينا وعلى بيوتنا وأشياعنا وإخواننا بأمن وإيمان وسلامة وإسلام، وبر وتقوى وعافية ورزق واسع وحسن وفراغ من الشغل، واكفنا فيه بالقليل من النوم، ومسارعة فيما تحب وترضى وثبتنا عليه، اللهم بارك لنا في هذا العهد وارزقنا بركته وخيره وعونه وغنمه وفوزه واصرف عنا شره وضره وبلائه وفتنته، اللهم ما قسمت فيه من رزق أو خير أو عافية أو فضل أو مغفرة أو رحمة فاجعل نصيبنا فيه الأكبر وحظنا فيه الاوفر انك على كل شئ قدير. ثم أصبح صائما من غد يومك، فإن لم تر الهلال لتركك النظر إليه، والتصدي لرؤيته ورآه الناس رؤية شائعة في البلد الذي أنت فيه وجب أيضا الصوم من الغد وإن لم يره أهل البلد وكان في السماء علة وراه خمسون رجلا وجب أيضا الصوم وإذا لم يره من ذكرناه ورآه واحدا أو اثنان وجب الصوم على من رآه في حق نفسه ولم يجب الصوم على غيره. وإذا كان في السماء علة ولم يره أحد من أهل البلد ورآه من خارجه شاهدان عدلان وجب الصوم، ومتى لم يكن في السماء علة وتصدى الناس لرؤيته فلم يروه لم يجب الصوم فإن شهد من خارج البلد خمسون رجلا برؤيته وجب الصوم، وإذا لم يشاهد أحد. الهلال ولا ورد خبر من خارج البلد برؤيته، عددت بشهر الماضي

(1) صوم الوصال أن يجعل عشاء سحوره: (2) صوم الدهر معناه صوم أيام السنة الشاملة للأيام المحرمة:

[ 190 ]

ثلاثين يوما وصمت بنية الوجوب فإن ثبت بعد ذلك بينة عادلة برؤيته قبل يوم صيامك بنية الوجوب بيوم، كان عليك قضائه (1). والأفضل أن تصوم يوم الشك بنية أنه من شعبان فإن ثبت بعد ذلك ببينة عادلة أنه كان من شهر رمضان أجزأك صومه ولم يلزم قضائه، وإن لم تصمه لم يكن عليك شئ إلا أن يكون في حكم المفطر ويثبت أنه كان من شهر رمضان، فيكون عليك صيام يوم بدله وليس بجائز لأحد أن يعمل في الصوم على العدد بالجدول، ولا غيره. وإذا غم هلال شهر رمضان فينبغي أن يعد شعبان ثلاثين يوما ثم يصوم بعد ذلك بنية شهر رمضان، فإذا غم هلال شعبان فيعد رجب ثلاثين يوما، فإن رأى بعد ذلك هلال شوال ليلة تسع وعشرين من شهر رمضان، قضى يوما لأن الشهر لا يكون أقل من تسعة وعشرين يوما، فإذا غم جميع شهور السنة ولم يحقق المكلف هلال شهر واحد منها، فينبغي أن يعد من السنة الماضية خمسة أيام ويصوم اليوم الخامس، لأن الشهور لا تخرج جميعا كاملة، وقد ذكر أنه ينبغي أن يعد كل شهر منها ثلاثين يوما ويصوم. وإذا كانت البلدان متقاربة ولم ير الهلال في البلد، ورؤي (2) من خارجه على ما قدمنا بيانه في الشهادة وجب العمل به، هذا إذا لم يكن في السماء علة، وكانت الموانع مرتفعة أو كانت البلدان كما ذكرناه متقاربة حتى لو رؤى الهلال في أحدها لرؤي في الآخر، مثل طرابلس وصور ومثل صور والرملة ومثل حلب وطرابلس ومثل واسط وبغداد وواسط والبصرة وأما: إذا كانت البلدان متباعدة مثل طرابلس وبغداد وخراسان ومصر وبغداد وفلسطين والقيروان وما جرى هذا المجرى، فإن لكل بلد حكم سقعه (3) ونفسه، ولا يجب على أهل بلد مما ذكرناه العمل بما رآه أهل البلد الآخر.

(1) وفي نسخة: قضاء يوم عوضا منه (2) مجهول " رأى " على وزن قتل (3) السقع لغة هو الصقع وهو الناحية من الأرض

[ 191 ]

والوقت الذي يجب الامساك فيه عما يفطر من طعام وشراب وجماع وغير ذلك هو من طلوع الفجر إلى أن تغرب الشمس. وذلك مباح للانسان في الليل، فإن طلع الفجر وهو على حال أكل وشرب وجب عليه قطعه والامساك عنه، وإن كان في فمه منه شيئ وجب أن يلفظه ويمتنع بلع شيئ يبقى في فيه منه، وإن أراد الجماع في هذه الحال، وجب عليه الامتناع منه، فإن طلع الفجر عليه وهو مخالط وجب عليه الامساك عن الحركة (1) لترك ذلك بنية التخلص منه، متى لم يفعل ما ذكرنا فقد أخطأ وأفسد صوم يومه ولزمه القضاء والكفارة، وسنذكر ما يفسد الصوم وما لا يفسده وما يوجب القضاء والكفارة، وما لا يوجب ذلك فيما بعد أن شاء الله تعالى. وعلامة غروب الشمس، زوال الحمرة من افق المشرق، وهو وقت الافطار الذي لا يجوز ذلك قبله، ومن رأى القرص وقد غاب عن بصره ثم رأى الشمس على رؤس الجبال، والشفق الذي ذكرناه باقيا لم يزل فليس يجوز له الافطار. " باب في ذكر ما ينبغي للصائم الامساك عنه " الذي ينبغي للصائم الامساك عنه على ضربين: واجب، ومكروه، والواجب على ضربين أحدهما يفسده والآخر لا يفسده، والذي يفسده على ضربين: أحدهما يوجب القضاء والكفارة، والآخر يوجب القضاء دون الكفارة. ونحن نذكر جميع ذلك في أبوابه بمشيئة الله تعالى. " باب ما يفسد الصوم ويوجب القضاء والكفارة " الذي يفسد الصوم ويوجب القضاء والكفارة: الأكل والشرب في نهاره متعمدا والجماع كذلك وإن لم يكن معه إنزال، واستنزال الماء الدافق في كل حال،

(1) أي إن طلع الفجر وهو مجامع وجب عليه النزع فورا من دون حركة تعين على الجماع لا على النزع " راجع المبسوط، ج 1، ص 472 "

[ 192 ]

والكذب على الله تعالى ورسوله أو أحد الأئمة عليهم السلام. وازدراد (1) ما لا يؤكل ولا يشرب، والبقاء على حال الجنابة متعمدا من غير ضرورة حتى يطلع الفجر، والنوم على حال الجنابة إلى أن يطلع الفجر بعد الانتباه مرتين، وإيصال الأدوية إلى الجوف من غير مرض يضطر إلى ذلك، والارتماس في الماء على التعمد، وشم الرائحة الغليظه التي تدخل إلى الحلق، وجلوس النساء إلى أوساطهن في الماء مع الاختيار لذلك. " باب ما يفسد الصوم ويوجب القضاء دون الكفارة " الذي يفسد الصوم ويوجب القضاء دون الكفارة، هو النوم إلى الفجر على حال الجنابة بعد الانتباه مرة واحدة، والحقنة في المرض المحوج إليها، والسعوط (2) كذلك، وتعمد القيئى، وبلع ما يحصل منه في الفم (3)، ووصول الماء إلى الحلق عند المضمضة والاستنشاق للتبرد، والاقدام على تناول ما يفطر عند طلوع الفجر من غير رصد له ثم يعلم إنه كان طالعا وترك الامتناع مما يفطر عند طلوع الفجر ممن أخبره غيره بطلوعه فلم يمتنع، والتقليد للغير في أن الفجر لم يطلع ثم يعلم إنه كان طالعا أو تناول ما يفطر ممن شك في دخول الليل لوجود عارض، ولا يعلم ولا غلب على ظنه دخوله، وجلوس النساء إلى أواسطهن في الماء من غير تعمد لذلك. واعلم أن جميع ما عددناه في هذين البابين، متى وقع من الانسان شيئ منه سهوا أو نسيانا فإنه لا يوجب عليه شيئ، وعليه المضي في صومه فأما الكفارات عن ذلك فسنذكرها في باب الكفارات فيما بعد إن شاء الله تعالى.

(1) ازدرد اللقمة: ابتلعها.
(2) السعوط على وزن رسول: دواء يصب في الأنف (3) قال الشيخ " قدس الله سره ": إذا تخلل فخرج من اسنانه ما يمكنه التحرز منه فبلعه عامدا كان عليه القضاء - المبسوط، ج 1 ص 272

[ 193 ]

" باب ما يجب الامساك عنه مما لا يفسد الصوم " الذي يجب الامساك عنه - بعد ما ذكرناه في البابين المقدم ذكرهما - وإن لم يكن مفسدا للصوم، هو الاصغاء إلى استماع ما لا يحل استماعه من الاغانى، وأصوات العيدان، والطنابير، وغير ذلك من المناهي، وقول الفحش، والكلام بما لا يجوز التكلم به، كالنميمة والكذب وما جرى ذلك، ولمس ما لا يحل ملامسته، والسعي فيما يحرم السعي فيه من القبائح، والسعي أيضا إلى المواضع المنهي عنها وتعمد النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، والعزم على القبائح والارادة لها. " باب ما يكره للصائم الامساك عنه " يكره للصائم ترك زمان الصوم خاليا عن قرائة القرآن، وذكر الله تعالى وتمجيده وتسبيحه، والصلاة على النبي وآله عليهم السلام، والاجتهاد في العبادة، وأن لا يفضل من قدر عليه من أهل الايمان، وأن لا يبر من يمكن من بره من الاخوان وأن لا يصل رحمه، وترك السحور، وأن يكتحل بشئ فيه صبر (1) أو ما جرى مجرى ذلك، وبشم المسك والزعفران والرياحين وآكدها النرجس، والسواك الرطب، ومضغ العلك، والفصد والحجامة، ودخول الحمام على وجه يضعفه، والاحتقان بالأشياء الجامدة مع الامكان، وملاعبة النساء، ولباس الثوب المبلول للتبرد، والمضمضة للتبرد بها، وتقطير الادهان في الإذن. " باب حكم المسافر في الصوم " المسافر في شهر رمضان ومن هو في حكم المسافر، فرضه الافطار ولا يجوز له الصيام في شيئ من هذا الشهر. وحد السفر الذي يجب التقصير في الصوم أو الاتمام هو الحد الذي يجب معه التقصير في الصلاة أو إتمامها وقد تقدم بيان ذلك في كتاب الصلاة.

(1) الصبر بالفتح فالكسر: عصارة شجر مر.

[ 194 ]

ويكره للانسان الخروج للسفر في هذا الشهر، إلا أن يضطر إلى ذلك فإذا انقضى جميع الشهر وقد ذكر (1) ثلاث وعشرون منه جاز له الخروج على كل حال، وينبغي للمسافر فيه أن لا يمتلي من الطعام والشراب، وأن لا يجامع إلا عند الضرورة الشديدة إليه، والأحوط ترك إجماع بالكل. وإذا كان المسافر عالما بأن الافطار واجب عليه، ثم صام لم يجزه صومه وعليه القضاء، وإن لم يكن عالما بذلك لم يكن عليه قضاء، وكان صيامه مجزيا. وإذا نوى السفر من الليل وخرج بعد طلوع الفجر أي وقت من النهار ففرضه الافطار، وإن لم يكن نوى ذلك من الليل، ثم خرج بعد طلوع الفجر، فعليه إتمام الصيام ولا قضاء عليه وذا خرج قبل طلوع الفجر، كان فرضه الافطار سواء نوى السفر من الليل أو لم ينو ذلك، وكان عليه القضاء. وإن نوى السفر من الليل، ولم يتم له الخروج إلا بعد زوال الشمس فعليه الامساك عن الافطار باقي النهار، والقضاء بعد ذلك. ولا يجوز للمسافر أن يصوم شيئا من الصوم الواجب في سفره إلا الثلاثة أيام في الحج، التي هي من جملة العشرة المخصوصة بدم المتعة، والنذر المشروط صيامه في السفر والحضر (2)، وإن لم يكن شرط ذلك، وكان نذر يوما معينا أو شهرا معينا، واتفق له ذلك في السفر، لم يصمه وكان عليه القضاء لذلك. فأما الصوم التطوع: فمكروه في السفر إلا ثلاثة أيام مخصوصة لصلاة الحاجة عند قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وهي أربعاء وخميس وجمعة فأما ما عدا ذلك من جميع وجوه الصيام فلا يجوز للمسافر صومه في السفر، فمن أراد صوم ذلك صبر إلى أن يقدم إلى أهله ويصوم فإن نوى المقام في بلد عشرة أيام أو أكثر جاز له أن يصوم. ومن فاته شيئ من الصوم في السفر وتمكن من القضاء له فلم يقضه ثم مات، كان على وليه صيام ذلك عنه، ولا فرق في هذا بين أن يكون من فاته ذلك رجلا أو امرأة

(1) بصيغة المجهول: أي قيل، والقائل هو الشيخ " ره " في المبسوط (2) أي شرط الصوم مطلقا، سفرا كان أو حضرا

[ 195 ]

وإذا قدم المسافر على أهله وكان قد أفطر فليمسك باقي النهار عن الافطار وعليه القضاء، وإن لم يكن أفطر فليمسك عن ذلك باقي النهار ولا قضاء عليه. وإذا طلع الفجر عليه - في اليوم الذي يصل فيه إلى بلده - قبل وصوله إليه فهو مخير بين أن يمسك عن الافطار، ثم إذا دخل البلد تمم صوم ذلك اليوم، ولا قضاء عليه، وبين أن يفطر فإذا دخل إليه، أمسك بقية النهار وعليه القضاء. " باب المريض والعاجز عن الصيام " حد المرض الذي يلزم معه الافطار هو أن يعلم الانسان من نفسه أن لا يقدر على الصيام معه، فإنه إن صام، زاد ذلك في مضرته ومشقته، فإذا حصل الانسان على هذا الحد من المرض أفطر، كان له ذلك، لأن فرضه حينئذ الافطار، وعليه القضاء بعد زوال مرضه، ومتى صام وهذه حاله لم يجزه صومه، وكان عليه القضاء بعد برئه من المرض. وإذا فاته صوم شهر رمضان وبعده لمرض كان به، واستمر مرضه إلى شهر رمضان آخر ولم يصح بينهما، كان عليه أن يصوم الحاضرة ويتصدق عن الشهر الأول بمدين من طعام عن كل يوم، فإن لم يتمكن من ذلك، تصدق عن كل يوم بمد، فإن لم يقدر، لم يلزمه قضاء ولا غيره، فإن صح بين الشهرين ولم يقض مما فاته، وكان عازما على القضاء قبل الشهر الثاني ثم مرض، كان عليه أن يصوم الثاني ويقضي الأول ولا كفارة عليه، فإن ترك ذلك بعد صحته من مرضه توانيا، كان عليه صوم الشهر الثاني والصدقة عن الأول وقضائه مع ذلك، وكذلك الحكم فيما زاد عن شهر رمضان وإذا أفطر المريض في أول النهار وصح في بعضه لزمه الامساك عن الافطار بقية النهار وقضاء ذلك اليوم. وإن صح في بعضه وقدر على الصوم ولم يكن أفطر، تمم صيام ذلك وإذا لم يصح المريض من مرضه الذي أفطر فيه ومات، فعلى ولده الأكبر من الذكور أن يقضي عنه ما فاته من ذلك ومن الصلاة أيضا، فإن لم يكن له ذكر فالأولى به من

[ 196 ]

النساء وصوم ذلك ندب واستحباب، فإن صح من مرضه ولم يقض ما عليه، فعلى من ذكرناه، قضاء ذلك وجوبا. وإن مات ولم يكن له من الأولاد إلا توأمان كانا مخيرين أيهما شاء قضى عنه، فإن تشاحا في ذلك، اقرع بينهما. والمريض إذا مات وقد كان وجب عليه صوم شهرين متتابعين صام عنه وليه شهرا وتصدق عن شهر، ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون المريض رجلا أو امرأة. وأما من أغمى عليه لجنة (1) أو غيرها، فإنه إن عرض له ذلك قبل استهلال الشهر، واستمر به ذلك حتى دخل فيه يوم وايام ثم أفاق، فإن عليه القضاء لما فاته وقد ذكر أنه لا قضاء عليه وهو مذهب الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله فإن استهل عليه الشهر ونوى صيامه ثم عرض له ذلك واستمر به حتى دخل من الشهر أيضا يوم وايام ثم أفاق فإنه إذا لا قضاء عليه. والشيخ والمرأة الكبيرة إذا كبرا وعجزا عن الصيام وأفطرا، كان ذلك لهما وعليهما أن يتصدقا عن كل يوم بمدين من طعام أو مد إذا لم يقدرا على المدين، وليس عليهما قضاء. ومن عرض له عطاش لا يقدر معه على الصوم وأفطر، كان له ذلك وعليه أن يتصدق عن كل يوم بمدين من طعام أو مد إن لم يقدر ذلك ولا قضاء عليه. هذا إذا كان العطاش العارض لا يرجى زواله، فأما إن كان يرجى زواله، فعليه الصدقة مع القضاء إذا زال عنه وصح منه والمرأة الحامل والمرضعة القليلة اللبن، إذا خافتا من أن يضر الصوم بولديهما وافطرتا، كان لهما ذلك وعليهما الصدقة عن كل يوم بمثل ما ذكرناه متقدما من المدين والمد حسب القدرة على ذلك وعليهما القضاء، وجميع ما ذكرنا هاهنا جواز الافطار له لا يجوز له الجماع ولا الشبع من الطعام، ولا الري من الشرب في نهار الصوم بل يكون أكلهم وشربهم

(1) الجنة: الجنون

[ 197 ]

دون الشبع والروي وإن كان يسيرا يسيرا فهو أفضل. " باب حكم الحائض والنفساء في الصوم " إذا أفطرت الحائض في نهار الصوم كان لها ذلك، ولا ينبغي أن تمتلي من طعام ولا شراب، وعليها القضاء. وإذا طهرت في وسط النهار امسكت فيما بقي منه عن الأكل والشرب أدبا وعليها القضاء، ولا فرق في ذلك بين أن يكون قد أفطرت قبل أن تطهر أو لم تفطر. وإذا رأت دم الحيض في بعض نهار الصوم، امسكت أيضا بقية ذلك اليوم أدبا، وعليها القضاء لذلك اليوم ولكل ما فاتها من أيام الصوم بحيضها. ولو رأت الدم قبل سقوط قرص الشمس بلحظة، كان عليها القضاء. وإذا فاتها شيئ من الصوم الواجب بالحيض وماتت فليس يجب على أحد القضاء عنها إلا أن يكون قد تمكنت من الصوم فلم تقض ذلك فإنه يجب على ولدها الأكبر أن يقضي عنها ذلك، فإن لم يكن لها ولد فالأولى بها من النساء وحكم النفساء مثل حكمها. " باب حكم الكافر إذا أسلم في الصوم والصبي إذا بلغ فيه " الكافر إذا أسلم والصبي إذا بلغ الحلم وقد استهل، عليهما شهر رمضان فإنه يجب عليهما صيامه، ولا قضاء عليهما لما فرطا فيه فيما سلف - قبل الاسلام والبلوغ -. فإن أسلم الكافر أو بلغ الصبي في بعض أيام الشهر كان عليهما صيام الباقي منه ولا قضاء عليهما لما مضى عليه من أيامه، فإن حصل الاسلام للكافر أو البلوغ من الصبي في بعض نهار يوم من أيامه أمسك باقي نهاره أدبا، ولا قضاء عليهما لذلك اليوم، فإن حصل ذلك منهما قبل الفجر كان عليهما صوم ذلك اليوم، فإن لم يصوماه وجب عليهما القضاء له.

[ 198 ]

" باب صوم النذر " إذا نذر الانسان صوم يوم معين مثل يوم جمعة أو سبت أو ما جرى مجرى ذلك من الأيام، أو شهر مثل شهر رجب أو شعبان أو ما أشبه ذلك من الشهور، كان عليه صيام ما عينه من ذلك، إلا أن يوافق ما عينه شهر رمضان أو يوما من أيامه أو يوم عيد أو أيام تشريق بمنى فإنه إذا وافق شيئا من ذلك، لم يجز له صومه ولا قضاء عليه. وكذلك إذا كان مسافرا، ولم يكن نذر صيامه في كل حال من حضر أو سفر، فإن كان نذر صيامه في حال الحضر والسفر وشرط ذلك، كان عليه صومه في السفر. فإن نذر صوما مبهما: مثل أن ينذر صوم حين من الزمان، فعليه صيام ستة أشهر، فإن نذر صوم زمان كان عليه صوم خمسة أشهر. فإن نذر صوم شيئ من الصيام في موضع معين، مثل مكة أو مدينة النبي صلى الله عليه وآله أو بعض المواضع الشريفة والأمكنة المعظمة، كان عليه الوفاء بذلك في الموضع الذي نذر الصيام فيه وعينه له فإن حضر في ذلك الموضع وصام بعض ما نذره، ثم لم يقدر على المقام به إلى أن يتم ما عليه من ذلك، جاز له الخروج إلى بلده وقضائه بعد وصوله إليه على التمام. ومن نذر صوم شهر بالإطلاق فعليه صوم شهر - أي شهر من السنة كان -، فإن أفطر قبل أن يتم نصفه متعمدا من غير ضرورة كان عليه استئناف الصوم، فإن كان إفطاره لضرورة، جاز له البناء على ما تقدم، وإن كان إفطاره بعد جواز نصفه تممه ولم يجب عليه استئنافه. وإذا شرط الناذر في الصوم النذر، الموالات، وجب عليه ذلك، فإن صامه متفرقا لم يجزه وكان عليه الابتداء به متواليا، فإن كان فرق ذلك لضرورة كان له أن يبني على ما تقدم ولم يكن عليه شيئ. ومن أفطر في يوم نذر صيامه، لغير ضرورة فعليه أن يقضي ذلك اليوم. وكفارة من أفطر يوما من شهر رمضان، وقد ذكر أنه كان إفطاره لضرورة يتمكن معها من

[ 199 ]

الصيام بمشقة، كان عليه مع القضاء إطعام عشرة مساكين أو صوم ثلاثة أيام، وإذا لم يتمكن معها من الصيام لم يكن عليه القضاء لما أفطره. ومن عجز عن صوم ما نذره فليتصدق عن كل يوم بمدين من طعام أو مد. وصوم العهد يجرى هذا المجرى. ومن نذر الاعتكاف كان الوفاء عليه بذلك واجبا. " باب صوم الظهار وصوم كفارة القتل، وصوم كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان، وصوم كفارة من أفطر في يوم يقضيه عن يوم من شهر رمضان، وصوم كفارة نقض النذر والعهد وصوم كفارة اليمين بالبرائة، وصوم كفارة جز المرأة شعرها في مصاب، وصوم كفارة فسخ الاعتكاف " صوم ما ذكرناه من هذه الكفارات شهران متتابعان يجب صومهما، فإن أفطر في الأثناء لضرورة جاز له أن يبني على ما تقدم، وإن كان لغير ضرورة: فإما أن يكون صام من الثاني شيئا، وإما أن لا يكون صام منه شيئا، فإن كان صام منه شيئا فقد أخطأ وجاز له البناء على ما تقدم، وإن لم يكن صام منه شيئا كان عليه استئناف الصوم من أوله. ومن وجب عليه صومهما وهو مسافر فلينتظر بذلك وصوله إلى بلده، فإذا وصل ابتدأ بصومهما ولا يبتدء بذلك في السفر، ولا يبتدء أيضا بصومهما من أول شعبان، لأن شهر رمضان يمنع من المتابعة بين شعبان وبين شهر آخر فإن قدم على شعبان صوم شيئ من الأيام جاز له ذلك، لأنه عند آخر شعبان يكون قد زاد على الشهر، فيكون حينئذ متتابعا بين شهرين، ثم يبني على ما تقدم بعد انقضاء شهر رمضان. ولا يجوز له أيضا الابتداء بصومهما من أول شوال، لدخول العيد في جملة الشهر وهو مما لا يجوز صومه، فإن ابتدء بذلك بعده كان جائزا. ولا الابتداء بصومهما من أول ذي الحجة، لدخول يوم العيد أيضا في جملة

[ 200 ]

الشهر، ولدخول أيام التشريق أيضا فيه على من كان بمنى، فإن ابتدء بذلك بعد أيام التشريق إن كان بمنى، أو بعد العيد إن كان في غيرها، كان جائزا. فأما صوم كفارة من أفطر في يوم يقضيه عن شهر رمضان، فإن الحكم فيه أنه إن كان تعمد الافطار قبل الزوال فقد أخطأ وليس عليه غير صوم يوم بدله، وإن كان تعمد ذلك بعد الزوال، كان عليه كفارة من أفطر في يوم من شهر رمضان وفي أصحابنا من أوجب عليه كفارة يمين وقد ذكرنا ذلك فيما سلف (1). " باب صوم كفارة اليمين وأذى حلق الرأس " صوم كفارة اليمين هو صوم ثلاثة أيام متوالية، بعد العجز عما نذكره من هذه الكفارات في باب الكفارات إن شاء الله تعالى، فإن فرق إنسان بين صوم هذه الثلاثة أيام لغير ضرورة، كان عليه استئناف الصوم، فإن كان لضرورة جاز له البناء على ما تقدم. فأما صوم اذى حلق الرأس، فهو صوم ثلاثة أيام متوالية أيضا، يجب صومها كذلك على من كان محرما ويؤذى (2) بشعر رأسه فحلقه. وإن فرق صومها مختارا كان عليه استئناف الصوم، وإن كان ذلك لضرورة جاز له أن يبني على ما تقدم منه. " باب صوم دم المتعة " هذا الصوم هو عشرة أيام، يلزم المتمتع بالعمرة إلى الحج إذا لم يقدر على هدى التمتع، ثلاثة منها في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، والثلاثة التي في الحج هي يوم قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة، ويجب صومها متواليا، فمن فرقها لضرورة جاز له البناء على ما تقدم، وإن كان مختارا كان عليه استئناف صومها. ومن فاته صوم اليوم الأول منها صام ما يليه ثم صام بدل اليوم الذي فاته يوما

(1) لعله سهو والصحيح " نذكر فيما سيأتي " فإنه " رحمه الله " يذكره في باب قضاء الفائت من الصيام..
(2) مجهول من باب الأفعال

[ 201 ]

بعد أيام التشريق، فإن صام (1) يوم التروية فلا يصم يوم عرفة، بل يصوم الثلاثة بعد أيام التشريق يوم الحصبة وهو يوم النفر ويومين بعده، فإن فاته ذلك فليصم في بقية ذي الحجة، فإن لم يصمها حتى دخل الحرم (2) كان عليه دم سنذكره في كتاب الحج من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وقد رويت رخصة في تقديم صوم هذه الثلاثة الأيام من أول العشر (3) وكذلك في تأخيرها إلى بعد أيام التشريق لمن ظن أن صوم يوم التروية ويوم عرفة يضعفه عن القيام للمناسك (4)، ومن لم يصمها عقيب أيام التشريق ثم خرج إلى بلده فليصمها في طريقه فإن لم يتمكن من ذلك، صامها مع السبعة الأيام إذا رجع إلى أهله. والسبعة ينبغي أن تصام متوالية، وقد ورد جواز تفريقها (5) وما ذكرناه أحوط، فإن لم يعد من وجب عليه صيامها إلى بلده وأقام بمكة، فلينظر مضى المدة التي في مثلها يصل إلى بلده ثم يصومها. " باب صوم جزاء الصيد ومن فاتته صلاة العشاء الآخرة " صوم جزاء الصيد على ضروب: منها ستون يوما - ومنها ثمانية عشر يوما - ومنها ثلثون يوما - ومنها تسعة أيام - ومنها عشرة أيام - ومنها ثلاثة أيام - ومنها يوم واحد - ومنها ما يتضاعف.

(1) كذا في النسخ والصحيح " فإن فاته " كما في النهاية، ص 552 (2) كذا في النسخ ولعله تصحيف والصحيح " المحرم " كما سيذكره في أحكام المهدى (3) الوسائل، ج 10، الباب 54 من أبواب الذبح من كتاب الحج، الحديث 1 و 3، ص 169 والباب 46 منها، الحديث 2 و 8، ص 155 (4) الوسائل، ج 10، الباب 46 من أبواب الذبح من كتاب الحج، الحديث 1 و 4 و 14 وغيرها إلا أنها مقيدة بمن فاته الصوم قبل أيام التشريق.
(5) الوسائل، ج 10، الباب 55 من أبواب الذبح من كتاب الحج، الحديث 1 ص 180

[ 202 ]

فأما الستون فيجب على من أصاب نعامة ولم يتمكن من الاطعام على ما سنذكره في كتاب الحج إن شاء الله تعالى. وأما الثمانية عشر فيجب إذا لم يقدر على صيام هذه الستين يوما. وأما الثلثون فيجب على من أصاب بقرة وحش أو حمار وحش إذا لم يتمكن من الاطعام على ما يأتي ذكره أيضا في كتاب الحج بعون الله سبحانه: وأما التسعة فيجب إذا لم يقدر على صوم هذه الثلثين يوما. وأما العشرة فيجب على من أصاب غزالا وما أشبه مما سنذكره هناك أيضا إذا لم يقدر على الاطعام حسب ما نبينه في موضعه من كتاب الحج. وأما الثلاثة فيجب على من لا يتمكن من صوم هذه العشرة. وأما اليوم الواحد فيجب على كل نصف صاع من البر مما لا مثل له من النعم، على ما نذكره (1) في كتاب الحج إن شاء الله تعالى أيضا. وأما الذي يتضاعف فيجب على المحرم إذا أصاب صيدا في الحرم، وهذا الصوم لا يلزم فيه التتابع، بل المكلف مخير بين المتابعة والتفريق والأفضل المتابعة. فإما صوم من فاتته عشاء الأخيرة فهو صوم اليوم الذي يصبح فيه من فرط في هذه الصلاة حتى جاز النصف الأول من الليل. " باب قضاء الفائت من الصيام لمرض أو غير مرض " إذا فات الانسان شيئ من صيام شهر رمضان أو غيره من الصوم الواجب، فإنه يجب عليه قضائه، فإن صامه جاز له التطوع بالصوم، ويجب عليه الفور بالقضاء مع التمكن من ذلك، فإذا أراده فلينو به القضاء. وإن كان فاته شيئ من شهر رمضان، جاز له قضائه في أي شهر كان إلا أن يكون مسافرا، فإنه لا يجوز له حينئذ القضاء حتى يرجع إلى بلده أو يعزم على المقام في

(1) في باب ما يتعلق بذلك البدنة قال " رحمه الله ": إذا وجبت على إنسان ولم يقدر عليها...... فإن لم يقدر على إطعام ستين مسكينا صام عن كل نصف صاع يوما.

[ 203 ]

غيره عشرة أيام أو أكثر، فإذا عزم على ذلك كان عليه القضاء في ذلك الموضع. والفائت من الصيام يجوز قضائه متتابعا ومتفرقا والأفضل التتابع، فإن لم يرد قضائه متتابعا وكان عليه عشرة أيام أو أكثر، فليتابع بين ستة أيام ويفرق الباقي. وتجديد النية للقضاء ممن يصبح بنية الافطار يصح إلى قبل الزوال، فإذا زالت لم يجز له تجديدها، وكذلك الحكم فيمن أراد تجديدها (1) لصوم التطوع، ومن طلع عليه الفجر وأجنب - متعمدا لذلك أو غير متعمد - لم يجز له صوم ذلك لا على جهة القضاء ولا غيره بل يفرط (2) ثم يصوم يوما غيره قضاء له. ومن أجنب في شهر رمضان، ولم يغتسل متعمدا أو غير متعمد، ثم صام الشهر كله وصلى، كان عليه الغسل وقضاء الصوم والصلاة. ومن أفطر من يوم - يقضيه عن يوم من شهر رمضان، ناسيا - تمم صيامه ولا شيئ عليه، وإن أفطر متعمدا وكان ذلك قبل زوال الشمس لم يكن عليه شيئ غير صوم يوم بدله، وإن كان ذلك بعد زوال الشمس كان عليه مع القضاء الكفارة وهي كفارة يمين وذكر أن عليه كفارة من أفطر من يوم من شهر رمضان، وهو الذي يقتضيه الإحتياط. والمستحاضة إذا لم تفعل في أيام استحاضتها مما يجب فعله في الاستحاضة فإن عليها القضاء، وكذلك يجب عليها إذا فعلت ذلك وصامت، في الأيام التي كان يعتاد فيها الحيض. فأما ما يتعلق بالحائض والنفساء فقد تقدم ذكره.

(1) في النسخ بزيادة " الواو " هنا.
(2) كذا في النسخ والظاهر أنها تصحيف والصحيح " يفطر "

[ 204 ]

باب الاعتكاف وصيامه الاعتكاف في الشرع لبث متطاول في مسجد معين لعبادة معينة، لا تثبت صحته إلا بصوم، فإذا أراد الانسان الاعتكاف فينبغي أن يقصد النية كذلك ويصوم، لأنه لا يصح إلا بصوم كما ذكرناه ويجتنب ما يجتنبه المحرم، ويعتكف في أحد أربعة مساجد وهي: مسجد الحرام، أو مسجد المدينة، أو مسجد الكوفة، أو مسجد البصرة، ولا يجوز الاعتكاف في غير هذه المساجد. وأقل الاعتكاف ثلاثه أيام، فإن اعتكف يومين وأراد أن يفسخ الاعتكاف لم يكن له ذلك وعليه أن يتم ثلاثة أيام، لأنه إنما يجوز له الفسخ إذا لم يتمم يومين. ولا يخرج المعتكف من المسجد إلا لضرورة تدعوه إلى ذلك، من عيادة مريض من المؤمنين، أو تشييع جنازة لهم، أو ما جرى مجرى ذلك. ولا يصلي إلا في المسجد الذي يعتكف فيه إلا أن يكون بمكة خاصة، فإنه إن كان بها جاز له ذلك في أي موضع شاء منها وإذا عرض له مرض وخرج من المسجد لاجله، فعليه أن يقضي الاعتكاف والصوم بعد برئه من المرض. وإن كان المعتكف امرأة وحاضت فعليها مثل ذلك بعد طهرها من حيضها. وإذا وطأ المعتكف ليلا، كان عليه كفارة من تعمد الافطار في يوم من شهر رمضان، ويجب على المرئة إذا كانت معتكفة وطاوعته مثل ذلك. وإذا وطأ نهارا كان عليه كفارتان، وكذلك يجب على المرئة إذا طاوعته إلى ذلك وهي معتكفة، فإن لم تطاوعه إلى ذلك انقلبت كفارتها إليه ولم يجب عليها شيئ، فإن وطأها نهارا وهي معتكفة مكرها لها على ذلك، كان عليه أربع كفارات فإن وطأها على هذا الوجه ليلا كان عليه كفارتان. ويستحب للمعتكف أن يشترط على الله سبحانه، الرجوع إن عرض له مرض فمتى لم يشترط ذلك وعرض له مرض لم يجز له الرجوع عن الاعتكاف إلا أن يكون لم يتمم يومين كما ذكرناه فيما سلف. وأفضل الاعتكاف ما كان في العشرة الأخيرة من شهر رمضان، وإذا مات

[ 205 ]

المعتكف قبل أن يقضي مدة اعتكافه فقد ذكر بعض أصحابنا إن وليه يقضي عنه ذلك أو يخرج من ماله ما يكون فيه كفاية لم ينوب عنه، فإن عمل على ذلك لم يكن به بأس. والاعتكاف ينقسم 0 إلى الواجب والمندوب، والمندوب يجب بالدخول فيه ولا يجوز فسخه له كما لا يجوز فسخ الواجب منه، وقد ذكرنا أن المعتكف لا يجوز أن يخرج من المسجد لغير ضرورة، فمتى فعل ذلك أفسد الاعتكاف وكان عليه استئنافه ويفسده أيضا السكر، والارتداد، وإذا رجع المرتد على حال ارتداده لم يجز له البناء عليه ولا يصح الاعتكاف ممن عليه ولاية إلا بإذن من يلى أمره، كالزوجة مع زوجها، والعبد مع سيده، والمكاتب قبل حاله حريته، والمدبر، والضيف، والأجير ومن وجب عليه قضاء شيئ من الاعتكاف وجب عليه ذلك على الفور دون التراخي والمرأة إذا طلقها زوجها وهي معتكفة، أو مات عنها وهي كذلك فخرجت واعتدت في بيتها، كان عليها استئناف الاعتكاف، وإذا أذن الوالي المعتكف بالصلاة. فقال له: الصلاة أيها الأمير وما جرى مجرى هذا اللفظ بطل اعتكافه (1) ومن كان معتكفا وعليه دين يقدر على قضائه وأخرجه الحاكم لاجله بطل اعتكافه (2). وإن كان لا يقدر على ذلك لم يبطل اعتكافه. والسلطان إذا أخرج المعتكف من المسجد ظلما له لم يبطل اعتكافه، ومن كان عليه قضاء شيئ من الاعتكاف وجب عليه ذلك على الفور والبدار دون التراخي. أما ما يتعلق به الاعتكاف بالنذر، فسنذكره فيما يأتي من باب النذر بعون الله سبحانه " تم كتاب الصوم والاعتكاف "

(1) إن العبارة قاصرة عن إفادة المطلوب وعبارة المبسوط وافية به قال فيه: يجوز للمعتكف صعود المنارة والأذان فيها سواء كانت داخلة المسجد أو خارجه لأنه من القربات، وإذا خرج دار الوالي وقال: حي على الصلاة أيها الأمير أو قال: الصلاة أيها الأمير بطل اعتكافه " راجع المبسوط، ج 1، ص 294 " و " الجواهر، ج 17، ص 183 " (2) لعل وجه البطلان أنه في صورة القدرة وطلب الحاكم وجب خروجه عن المسجد لأداء دينه فيحرم لبثه فيه وأما في الصورة الثانية حيث لا يقدر على أداء دينه فلا يجب عليه الخروج

[ 206 ]

" كتاب الحج " قال الله عزوجل: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين " (1) وقال تبارك وتعالى " الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج (2). وقال سبحانه، " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم، فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هديكم، وإن كنتم من قبله لمن الضالين. ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبائكم، أو أشد ذكرا " (3). وقال الله تعالى " إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما فمن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم " (4) وقال الله تعالى " وأتموا الحج والعمرة لله، فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي، ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به اذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام

(1) آل عمران، الآية 97 (2) البقرة، الآية 197 (3) البقرة الآية 198 إلى 200 (4) البقرة، الآية 158

[ 207 ]

ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة، ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " (1) وقال عز اسمه " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق " (2). وقال سبحانه " والبدن جعلناها لكم من شعائر الله، لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف، فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون (3). وقال الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم معتمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذو اعدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره " (4). وروي عن سيدنا أبي عبد الله جعفر بن محمد (ع) أنه قال: من مات ولم يحج حجة الاسلام إن لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحج أو سلطان يمنعه فليمت يهوديا أو نصرانيا (5). " باب ضروب الحج وأقسامه " الحج على ضربين: واجب ومندوب، فالواجب على ضربين: مطلق، والآخر غير مطلق والمطلق هو ما يجب منه من غير سبب، وما ليس بمطلق هو ما يجب منه عند سبب

(1) البقرة، الآية 196 (2) الحج، الآية 27 إلى 29 (3) الحج، الآية 36 (4) المائدة: الآية 95 (5) الوسائل، ج 8، الباب 7 من أبواب وجوب الحج، الحديث 1، ص 20

[ 208 ]

فالذي يجب من غير سبب هو حجة الاسلام، ويجب في العمرة مرة واحدة. وما يجب عند سبب هو ما يتعلق منه بنذر أو ما أشبهه. وأما المندوب، فهو ما ندب المكلف إلى فعله منه بعد حجة الاسلام. وضروبه ثلاثة، تمتع بالعمرة إلى الحج، وقران، وافراد وفرائض هذه الضروب على قسمين، أركان وغير أركان، والأركان على ضربين، أركان التمتع والآخر أركان القران والإفراد. فأما أركان التمتع، فهي النية للتمتع بالعمرة إلى الحج، والاحرام، والطواف لها، والسعي بين الصفا والمروة لها، والنية للحج، والاحرام له، والوقوف بعرفات والوقوف بالمشعر الحرام، وطواف الحج والسعي له. وأما أركان القران والإفراد فهي النية للحج، والاحرام والوقوف بعرفات والوقوف بالمشعر الحرام وطواف الحج، والسعي له. وأما ما ليس بركن، فهو التلبيات الأربع مع التمكن منها، أو ما قام مقامها مع العجز عنها وركعتا طواف العمرة، والتقصير بعد السعي، والتلبية عند الاحرام بالحج، أو ما قام مقامها، والهدى أو ما قام مقامه من الصوم مع العجز عنه وركعتا طواف الزيارة، وطواف النساء وركعتا طواف النساء " باب صفة التمتع بالعمرة إلى الحج ". التمتع بالعمرة إلى الحج فرض كل نأى عن مكة ولم يكن من أهلها وحاضريها، وينبغي لمن أراد ذلك أن يوفر شعر رأسه ولحيته من أول ذي القعدة الحرام، ولا يمس شيئا منه، فإذا وصل إلى ميقات أهله أحرم منه بالحج متمتعا، وعقد نية لذلك في حال الاحرام وعقد إحرامه بالتلبية، ومضى بعد ذلك إلى مكة، فإذا شاهد بيوتها قطع التلبية، ثم دخلها، فإذا وصل إلى المسجد الحرام، دخله من باب نبي شيبة، فطاف بالكعبة سبعة أشواط للعمرة المتمتع بها. وصلى ركعتين عند فراغه من الطواف خلف مقام إبراهيم (ع)، ثم خرج إلى الصفا فيسعى بينه وبين المروة

[ 209 ]

سبعا، ثم قصر من شعر رأسه، وقد أحل من كل شيئ أحرم منه إلا الصيد، فإنه في الحرم. والأفضل له أن يبقى على إحرامه إلى يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، فإذا حضر هذا اليوم، وزالت الشمس صلى الظهر، وأحرم بعد ذلك بالحج، ومضى إلى منى ملبيا، ثم غدا منها إلى عرفات، فإذا كان وقت الزوال من يوم عرفة قطع التلبية، وجمع بين صلاتي الظهر والعصر باذان واحد واقامتين، ووقف إلى غروب الشمس، فإذا غربت أفاض منها إلى المشعر الحرام، فإذا وصل إليه، جمع فيه بين العشائين باذان واقامتين، ووقف به تلك الليلة، فإذا أصبح يوم النحر صلى الغداة ووقف على المشعر الحرام إلى طلوع الشمس، فإذا طلعت أفاض عنه إلى منى فإذا وصلها، رمى جمرة العقبة بسبع حصاة، ثم ينحر أو يذبح، ويلحق بمنى ثم يمضي إلى مكة من يومه، أو من الغد ولا يؤخر ذلك فيطوف بالبيت سبعة أشواط وهو طواف الحج، ويسعى بين الصفا والمروة سبعا وهو سعى الحج، فإذا تمم ذلك فقد أحل من كل شيئ أحرم منه إلا النساء والصيد، وأما الصيد فإنه لا يجوز له - فإنه في الحرم - حتى يخرج منه، وأما النساء فلطوافهن الذي بقي عليه، فإذا طافه حللن له. ثم يخرج من يومه إلى منى، فيقيم بها ليالي التشريق، ويرمى في كل يوم من أيام التشريق، الجمار الثلاث بإحدى وعشرين حصاة لكل واحدة سبع حصيات ثم ينفر بعد ذلك، فإذا أوصل ما ذكرناه فقد قضى حجه متمتعا، وقضى مناسكه كذلك. " باب صفة القران في الحج " فأما القران فهو فرض من كان من أهل مكة وحاضريها وصفة ذلك أن يحرم من يريده من ميقات أهله، ويعقد نيته لذلك في حال الاحرام، ويسوق هديه بعد أن يشعره أو يقلده وذلك أن يشق سنامه ويلطخه بالدم ويقلده بنعل، والأفضل أن يكون قد صلى فيه فإن كان معه بدن كثيرة، صفها صفين ووقف بينها، وأشعرها عن يمينه

[ 210 ]

ويساره. ثم يسوقه من موضع الاحرام إلى منى، ولا يحمل عليه، ولا يجحف به بالكد في طريقه، ويمضي ملبيا، فإذا وصل إلى مكة وأراد دخولها جاز له ذلك إلا أنه لا تقطع التلبية بها (1)، ولا يقطعها إلى زوال الشمس من يوم عرفة وهو التاسع من ذي الحجة، وإن أراد أن يطوف بالبيت تطوعا جاز له ذلك إلا أنه كلما طاف جدد التلبية ليعقد بها إحرامه لأنه لو ترك ذلك لدخل في كونه محلا وبطلت حجته، وصارت عمرة، ثم يقف بالموقفين، وينحر هديه بمنى، فإن صد أو احصر فسيأتي ذكر ذلك " إن شاء الله ". ويرمى الجمار كما يرميها المتمتع سواء، ويدخل إلى مكة، ويطوف بالبيت طواف الحج سبعة أشواط، ويسعى سعيه بين الصفا والمروة سبعة أشواط أيضا. ثم يطوف طواف النساء، فإذا فعل ذلك فقد تم حجه قارنا، وقضى مناسكه كذلك، وعليه بعد هذا العمرة، وسيأتي ذكرها فيما بعد بمشيئة الله تعالى. والمتمتع لا يجب قضائها لأن تمتعه بها إلى الحج سقط عنه فرضها. والقارن إنما سمي قارنا، لسياقه الهدي (2). " باب صفة الأفراد " ومن أراد الحج مفردا فليس عليه هدى، وعليه أن يفعل مثل ما ذكرناه في صفة القرآن. لأن مناسك القرآن والمفرد على حد سواء، وانما يفصل (3) القارن من المفرد بسياق الهدي، ويستحب للمفرد تجديد التلبية عند كل طواف.

(1) وأما في حج التمتع فيقطعها بالوصول إلى مكة (2) قال الشيخ " رحمه الله " في المبسوط " ج 1، ص 311 ": والقارن هو الذي يقرن بإحرامه بالحج مفردا سياق الهدي.
(3) وفي نسخة " ينفصل "

[ 211 ]

" باب ضروب العمرة وصفتها " العمرة واجبة كالحج، والمطلق منها كالمطلق منه، وما ليس بمطلق منها مثل ما ليس بمطلق منه. وهي على ضربين، عمرة متمتع بها إلى الحج، والآخر عمرة مفردة منه، وفرائض ذلك على ضربين، أركان وغير أركان، فالأركان هي النية، والاحرام، والطواف، والسعي، وأما ما ليس بركن، فهي التلبية، وركعتا الطواف، والتقصير وطواف النساء، وركعتا هذا الطواف. والعمرة المتمتع بها لا تصح إلا في أشهر الحج، والتي لا يتمتع بها يجوز فعلها في شهور الحج وغيرها. وسيأتي فيما بعد ذكر شهور الحج بعون الله سبحانه. وأفضل العمرة ما كان في رجب، وقد ورد في شهر رمضان (1) ويستحب للانسان أن يعتمر في كل شهر، أو في كل عشر (2) أيام إن تمكن من ذلك. وصفتها أن يحرم المعتمر من خارج الحرم، ويعقد إحرامه بالتلبية فإذا دخل الحرم قطعها، فإن كان قد خرج من مكة ليعتمر، قطعهما إذا شاهد الكعبة، ثم يطوف بالبيت سبعا، ويسعى بين الصفا والمروة سبعا، إذا فعل ذلك فقد أحل من كل شيئ أحرم منه وعليه لحلية النساء طوافهن، فإذا طافه حللن له. " باب الاحرام وأحكامه " أحكام الاحرام تتبين بذكر أشياء، منها ما يجوز الاحرام فيه وما لا يجوز، ومنها ذكر الزمان الذي يصح الاحرام فيه، ومنها ما ينعقد الاحرام به، ومنها كيفيته، ومنها ما ينبغي للمحرم اجتنابه، ومنها ذكر ما يلزم المحرم على جناياته من الكفارة.

(1) الوسائل ج 10، الباب 4 من أبواب العمرة، الحديث 2، ص 242 (2) لعل الصحيح " عشرة "

[ 212 ]

" باب ما يجوز الاحرام فيه على كل حال وما لا يجوز " الذي يجوز فيه الاحرام على كل حال هو الثياب البياض من القطن والكتان المحض إذا لم يكن مختلطا ولا (1) مما لا يجوز الاحرام فيه، وسيأتي بيان ذلك فيما بعد ذلك إن شاء الله، وكل ما جازت فيه الصلاة على ما سنذكره، والقطن والبياض أفضل ثياب الاحرام. وأما ما لا يجوز الاحرام فيه، فهو ما نقص عن ثوبين إلا في حال الضرورة، فإنه يجوز له في هذه الحال الاحرام في واحد، والثياب المخيطة إلا السراويل فإنه يجوز لبسه للرجال والنساء إذا لم يقدر على غيره، والثوب المصبوغ بالزعفران أو نسي (2) فيه ذلك: وكل ثوب فيه طيب لم تذهب رائحته، والعمامة للرجال وما قام مقامها في ستر الرأس، والطيلسان (3) إذا كان له أزرار، وزره المحرم على نفسه، والقبا إلا أن لا يكون له غيره فيلبسه مقلوبا ولا يدخل يديه في أكمامه، والخفان إلا أن تدعوه الضرورة إلى لباسها، والقفازان (4)، والحلى الذي لم تجر عادة المرأة بلبسه أو جرت بذلك مع القصد به الزينة، والخاتم إذا لبسه للزينة أيضا، فإن كان ذلك للسنة كان جائزا. وقد ذكر جواز لبس المخيط من الثياب للنساء دون الرجال. والأصل أن الذي يحرم لباسه على الرجال في الاحرام يحرم لباسه على النساء إلا السراويل كما قدمنا القول به. وجميع ما لا يجوز فيه الصلاة، لا يجوز فيه الاحرام.

(1) كذا في النسخ ولعلها تصحيف والصحيح: إذا لم يكن مختلطا بما لا يجوز الاحرام فيه (2) كذا في النسخ ولعلها تصحيف والصحيح " بشئ " بدل " نسي " (3) الطيلسان بالفتح وتثليث اللام: كساء مدور أخضر لا أسفل له، لحمته - وقيل سداه - من صوف، يلبسه الخواص من العلماء والمشايخ، وهو من لباس العجم (4) القفاز بضم القاف وتشديد الفاء: لباس الكف وهو شيئ يعمل لليدين يحشى بقطن ويكون له أزرار تزر على الساعدين.

[ 213 ]

ويكره في ذلك كل ثوب كان معلما، (1) أو اسود مقدما، (2) أو كان من مصبغات النساء (3) لهن، والطيلسان الذي له أزرار إذا لم يزره على نفسه، وكل ثوب أصابه طيب وذهبت رائحته إلا أن يغسل، والحلى للمرأة التي لم تجر عادتها بلبسه إذا لم تقصد به الزينة، وما تكره الصلاة فيه أيضا، وكل ما ذكرنا الان إنه مكروه فإنه يجوز لباسه غير أن الأفضل ما ذكرناه. " باب الزمان الذي يصح الاحرام فيه " الزمان الذي يصح الاحرام فيه للتمتع بالعمرة إلى الحج، والقران فيه، والإفراد له، هو شهور الحج، وهي شوال وذو القعدة، والتسعة الأيام الأول من ذي الحجة. فأما أحكام ذلك فمفروضة وهي إعادة الحج إذا أحرم في غير هذه الأشهر، وتجديد الاحرام في هذه الأشهر إذا كان قد أحرم في غيرها، وأن لا يحرم إذا كان متمتعا بالعمرة إلى الحج، أو قارنا، أو مفردا إلا في هذه الأشهر " باب المكان الذي يصح الاحرام منه، وأحكامه " الامكنة التي يجب الاحرام فيها هي التي وقتها النبي صلى الله عليه وآله، وهي: ذو الحليفة وهو مسجد الشجرة، وذلك ميقات أهل المدينة، ومن حج على طريقهم. والجحفة وهي المهيعة، وذلك ميقات أهل الشام ومن حج على طريقهم. والعقيق وأوله المسلخ وأوسطه الغمرة وآخره ذات عرق، وذلك ميقات أهل العراق ومن حج على طريقهم. ويلملم وذلك ميقات أهل اليمن ومن حج على طريقهم. هامش) * (1) قيل، المراد بالمعلمة - بالبناء للمجهول - المشتملة على لون يخالف لونها حال عملها كالثوب المحوك من لونين أو بعده بالطرز والصبغ.
(2) أي مشبعا (3) كذا في النسخ ولعل الصحيح " مصبغات الثياب " كما في الخبر.

[ 214 ]

وقرن المنازل وذلك ميقات أهل الطائف ومن حج على طريقهم. فأما أحكام ذلك، فهي أن يحرم من الميقات الذي هو ميقات أهله، ولا يجوز أن يحرم من غيره إلا ما نذكره فيما بعد، ويجب عليه الرجوع إلى الميقات ليحرم منه إذا كان قد ترك ذلك ناسيا ولم يذكر حتى سار من الميقات وإن وصل إلى مكة ويجب عليه الاحرام من المكان الذي وصل إليه إذا لم يتمكن من الرجوع إلى الميقات ليحرم منه إما للخوف، أو لضيق الوقت. وكذلك تجب عليه إعادة الحج إذا ترك الاحرام من الميقات متعمدا، أو الخروج إلى خارج الحرم ليحرم منه إذا كان وصل إلى مكة وأمكنه الخروج إلى ذلك، لأنه إن لم يتمكن من ذلك، أحرم من موضعه. والاحرام من المنزل إذا كان منزله دون ميقات إلى مكة، وكذلك خروج المجاور بمكة - إذا أراد الحج - إلى ميقات أهله ليحرم منه مع التمكن من ذلك. وكذلك إحرامه من خارج الحرم إذا لم يتمكن من ذلك، أو من المسجد الحرام إذا لم يتمكن من الخروج إلى خارج الحرم. والاحرام من ولي المريض عنه إذا لم يستطع هو الاحرام وإن (1) يجنبه ما يجتنبه المحرم. ولا يترك الاحرام من الميقات، ولا يجوز ذات عرق إلا وهو محرم، والأفضل أن يحرم من المسلخ، فإن لم يتم ذلك له فليحرم من غمرة. " باب ما يقارن حال الاحرام من الأحكام " الأحكام التي تقارن هذه الحال على ضربين، واجب ومندوب. فالواجب هو النية، واستمرار حكمها إلى حين الاحلال، ولبس ثوبين مع التمكن، أو واحد مع الضرورة، وعقد الاحرام بالتلبية، أو ما قام مقامها من الايماء

(1) في بعض النسخ زيادة " لم "، والصحيح ما أثبتناه كما نقله كشف اللثام على ما في الجواهر (ج 18، ص 128)

[ 215 ]

ممن لا يستطيع الكلام، أو الاشعار والتقليد من القارن والمفرد، وتجريد الصبيان من فخ (1) إذا أراد أهلوهم (2) الحج بهم. وأن لا يعقد الاحرام بأقل من أربع مرات من التلبية. ولا يلبس سلاحا في هذه الحال إلا لضرورة. ولا تصلي المرأة صلاة الاحرام إذا عرض لها الحيض في وقته حتى تطهر بل تفعل ما تفعله الحائض، وتمضى. ويستحب له توفير شعر الرأس واللحية من أول ذي القعدة، وتنظيف الجسد من الشعر بالحلق، والاطلاء، وأخذ شيئ من الشارب والأظفار دون الرأس، والغسل، وصلاة ست ركعات أو ركعتين بعد فريضة، وأفضل ذلك فريضة الظهر. والذكر للفظ التمتع إن كان المحرم متمتعا والقران والإفراد إن كان قارنا أو مفردا، والاشتراط على الله سبحانه أن يحله حيث حبسه لأنه إن لم يشترط ذلك وعرض له مرض لم يجز له الاحلال. وأن لا يمس شعر رأسه بعد توفيره من أول ذي القعدة إلى هذه الحال. ولا يمس أيضا شيئا من لحيته إلا ما ذكرناه من الأخذ بشئ من الشارب. " باب ما ينعقد به الاحرام " ينعقد بالتلبية أو ما قام مقامها من الايماء ممن لا يستطيع الكلام والتقليد، والاشعار. وهي على ضربين، واجب ومندوب، وأما الواجب فهو: لبيك، اللهم لبيك، لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك. وأما المندوب فهو: لبيك ذا المعارج، لبيك لبيك داعيا إلى دار السلام لبيك لبيك غفار الذنوب، لبيك لبيك مرغوبا ومرهوبا إليك، لبيك لبيك تبدى والمعاد

(1) وهو بئر معروف على فرسخ من مكة.
(2) أهلون جمع أهل: حذفت نونها لأجل الاضافة

[ 216 ]

إليك، لبيك لبيك تستغني ويفتقر إليك، لبيك لبيك أهل التلبية، لبيك لبيك ذا الجلال والاكرام، لبيك لبيك له الحق، لبيك لبيك ذا النعماء والفضل الحسن الجميل، لبيك لبيك كاشف الكرب العظيم، لبيك لبيك عبدك وابن عبديك، لبيك لبيك يا كريم، لبيك لبيك أتقرب إليك بمحمد وآله، لبيك لبيك بحجة وعمرة معا، لبيك لبيك تمامهما وبلاغهما عليك. فإن كان قارنا أو مفردا فال عوض قوله " بحجة وعمرة معا ": لبيك لبيك بحجة، لبيك لبيك إلى آخر التلبية. فإن كان نائبا من غيره قال: لبيك عن فلان بن فلان، لبيك لبيك بكذا وكذا لبيك، ثم يذكر ما هو فيه من تمتع بالعمرة إلى الحج، أو القران، أو الأفراد، ثم يأتي بباقي التلبية. فأما التقليد والاشعار فقد سلف ذكرهما. وأما أحكام التلبية فهو على ضربين واجب ومندوب، فالواجب التلفظ بالتلبيات الأربع المفروضة حين عقد الاحرام، وتحريك اللسان أو الإشارة ممن لا يقدر على الكلام. وإن يقيد المحرم بحجة مفردة إذا كان قد لبى بالتمتع بالعمرة إلى الحج، ودخل مكة وطاف وسعى، ثم لبى بالحج متعمدا قبل إن يقصر لأن متعته تبطل هذه التلبية، وأن يمضي في حجه متمتعا إذا وقع منه مثل هذه التلبية ناسيا، لأنه لا شيئ عليه في ذلك. وإن لبى أولياء الصبيان أو من لا يحسن التلبية عنهم إذا ارادوا الحج بهم، وأن يلبى المحرم إذا كان حاجا على طريق المدينة من الموضع الذي فيه يصلي فيه (1) للاحرام، أو إذا أتى البيداء، وهذا هو الأفضل. وأن لا يجعل ما هو فيه عمرة إذا كان لبى بحجة مفردة ودخل مكة وطاف ثم

(1) الظاهر زيادة " فيه " في أحد الموضعين.

[ 217 ]

لبى بعد الطواف، فإنه إنما يجوز له أن يجعل ذلك عمرة إذا قصر بعد السعي، فإذا لم يكن ذلك ولبى بعد الطواف فلا يصح له أن يجعل ما هو فيه عمرة، وأن لا يترك شيئا من التلبيات الأربع الواجبة، إذا كان قد أحرم بالحج يوم التروية. ولا يقطع التلبية حتى يشاهد بيوت مكة، وحد هذه البيوت من " عقبة المدنيين " إلى " ذي طوى " إذا كان قد لبى متمتعا، ولا يقطعها إذا كان معتمرا حتى تقع الإبل أخفافها في الحرم ولا يقطعها أيضا إذا كان قد خرج من مكة ليعتمر حتى يشاهد الكعبة. وأما المندوب فهو التلفظ بالمندوب من التلبية والاكثار من قول: لبيك ذا المعارج، ومن قول: لبيك بحجة وعمرة إن كان متمتعا ورفع الصوت بذلك إن تمكن منه ولم يكن عليه تقية، فإن لم يتمكن نواه في نفسه، والجهر بالتلبية من الرجال دون النساء، والاكثار من التلبية في كل حال من الأوقات، وبالأسحار، وعند هبوط الاودية، وصعود التلال (1) ولا يلبي المحرم إلا وهو على طهارة. " باب كيفية الاحرام ". وهي أن يأخذ من يريده، ثوبي إحرامه بعد الفراغ من الاغتسال، فليأتزر كما قدمناه بأحدهما، ويتشح (2) بالآخر، فإن لحقه برد جاز، أن يزيده على الذي اتشح به ما يقى نفسه به من البرد. والأفضل له أن يلبس ثوبي الاحرام بعد صلاة فريضة، فإن لم يتمكن صلى ست ركعات، أو ركعتين إن لم يتمكن من الست ويقرء في الأولى بعد الحمد " قل هو الله أحد " وفي الثانية بعد الحمد أيضا " قل يا أيها الكافرون " وقد تقدم ذكر ذلك في كتاب الصلاة. فإذا فرغ من صلاته، حمد الله تعالى، واثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وذكر الأئمة عليهم السلام، وقرء سورة إنا أنزلناه، ودعا بعدها فقال: " اللهم إني أسئلك إن تجعلني

(1) التلال جميع التل من الأرض: قطعة ارفع قليلا مما حولها.
(2) اتشح بثوبه: أن يدخله تحت أبطه الأيمن ويلقيه على منكبه الأيسر.

[ 218 ]

ممن استجاب لك، وآمن بوعدك، واتبع أمرك، اللهم إني عبدك، وفي قبضتك، لا أوقي إلا ما وقيت ولا أخذ إلا ما أعطيت، وقد عزمت على التمتع بالعمرة إلى الحج، - إن كان متمتعا، فإن لم يكن متمتعا ذكر ما عزم عليه إن كان قارنا قال: وقد عزمت على الحج قارنا وإن كان مفردا ذكر ذلك - ثم يقول: فأسألك أن تعينني عليه وعلى ما ضعفت عنه، وتسلم مني مناسكي في يسر منك وعافية، واجعلني من وفدك الذين رضيتهم، وارتضيتهم، وسميتهم وكفيتهم، اللهم فتمم لي ما قصدت له - فإن كان متمتعا قال عقيب ذلك: اللهم إني أسئلك، أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله، فإن عرض لي عارض يحبسني، فحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت، اللهم إن لم يكن حجة فعمرة، أحرم لك جسدي وشعرى وبشرى من النساء والطيب والثياب، ابتغى بذلك وجهك والدار الآخرة، فأعني وتقبل مني. وإن كان قارنا قال بدل قوله " التمتع بالعمرة إلى الحج ": قارنا فسلم لي هديي وأعني على مناسكي، أحرم لك جسدي، وشعري وبشري إلى آخر الكلام ". فإن فرغ من ذلك وكان متمتعا، عقد إحرامه بالتلبيات الواجبة، وهو جالس في مكانه فيقول عقيب الكلام الذي تقدم ذكره: " لبيك لبيك، اللهم لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك " ولا يعلن بها، ثم يستوي على مركوبه، ويعلن بالمفروض، والمندوب من التلبية، وقد تقدم ذكر ذلك. فإن كان قارنا عقد الاحرام بالتلبية كما ذكرناه، والاشعار والتقليد، وقد بيناهما أيضا فيما سلف. وإن كان المحرم امرأة وقد حاضت أو نفست وقت الاحرام، فعلت ما تفعله الحائض، وتترك الصلاة والقرآن، وأحرمت وقضت مناسكها إلا الطواف بالبيت ودخول المسجد حتى تطهر، وتقضى ذلك. وينبغي للمحرم إذا حصل في ميقات أهله، أن يتنظف ويقص أظفاره، ويأخذ

[ 219 ]

من شاربه، ولا يمس شعر رأسه، ويزيل الشعر من جسده، وإن تنظف واطلأ قبل ذلك بيوم إلى خمسة عشر لم يكن به بأس، والأفضل إعادة ذلك عند الاحرام. وإن عدم الماء تيمم، ولبس ثوبي إحرامه، يأتزر بأحدهما، ويتشح بالآخر كما قدمناه، أو يرتدي به. ومن اغتسل بالغداة أجزأه ذلك ليومه أي وقت أحرم فيه، وإن اغتسل أول الليل أجزأه ذلك إلى آخر الليل ما لم ينم، فإن نام أعاده استحبابا إلا أن يكون عقد الاحرام بعد الغسل. ومن اغتسل واكل بعد ذلك طعاما - لا يجوز للمحرم أكله - أو لبس ثوبا - لا يجوز للمحرم لبسه - أعاده استحبابا. ويجوز للمحرم أن يصلي صلاة الاحرام أي وقت كان من ليل أو نهار ما لم يكن وقت فريضة قد تضيق، فإن كان قد تضيق بدء بالفرض الحاضر، ثم يصلي صلاة الاحرام بعد ذلك، فإن كان أول الوقت بدء بصلاة الاحرام، ثم صلاة الفرض. ويستحب له أن يشترط، أن يحله حيث حبسه كما ذكرناه. ويجوز لمن أحرم أن يأكل لحم الصيد وينال النساء ويشم الطيب ما لم يعقد الاحرام بالتلبية أو بسياق الهدي وإشعاره أو تقليده، فإن عقد بشئ من ذلك، عليه سائر ما ذكرنا، والاشعار: هو أن يشق سنام البعير من الجانب الأيمن - فإن كان له بدن كثيرة جاز أن يدخل بين بدنتين، فيشعر إحديهما من الجانب الأيمن، والأخرى من الأيسر - وهي باركة، وينحرها وهي قائمة والتقليد يكون بنعل قد صلى فيه. ومن أحرم ولم ينو حجا ولا عمرة، وكان إحرامه في أشهر الحج، كان مخيرا بين الحج والعمرة، أي واحد منهما أراد كان له فعله، وإن كان إحرامه في غير أشهر الحج، لم ينعقد إحرامه إلا بالعمرة.

[ 220 ]

" باب ما ينبغي للمحرم اجتنابه " ما ينبغي للمحرم اجتنابه لباس الثياب المخيطة، والملامسة بشهوة، والتقبيل بشهوة أيضا. والجماع، والاستمتاع، والتزويج، وعقد ذلك لنفسه ولغيره، - فإن فعل ذلك كان العقد باطلا - ولا يشهد عقدا، والمقام على عقد امرأة عقد عليها، بل يفرق بينهما (1) - ولا تحل له أبدا إذا كان عالما وقت العقد لتحريم ذلك عليه، فإن لم يكن عالما بذلك جاز له الرجوع إليها بعد إحلاله من إحرامه. والصيد، والذبح بشئ منه، والدلالة عليه، والإشارة إليه، واكل لحم الصيد وإن كان من صيد غيره وكسر بيضة، وذبح فراخ شيئ من الطيور، والتظليل على نفسه، أو محمله وتغطية رأسه إلا أن يكون امرأة فإنها تغطي رأسها، وتكشف وجهها. وقطع شيئ من الحشيش، والشجر النابت في الحرم - إلا (2) الفاكهة والأذخر - إلا أن يكون هو الذي غرس ذلك في ملكه أو نبت - في داره بعد أن بناها، فإنه إن كان كذلك جاز له قطعه. وحد الحرم الذي لا يجوز قطع الشجر منه هو بريد في بريد (3)، والادهان بما فيه طيب، وكل ما فيه ذلك أيضا، واستعمال المسك والكافور والعنبر والعود والزعفران، والقرب من شيئ من هذه الاجناس على ثيابه، وإن كان أصابها أزاله في الحال.

(1) يعني لا يجوز له تحمل الشهادة، ولا إقامتها عند الحاكم، فإن أقامها لم تثبت بها الزوجية المدعاة بين الرجل والمرأة، لأنه خرج بإقامتها عن العدالة، بل يفرق بينهما لاحظ المبسوط ج 1 ص 317 (2) في نسخة " ولا " بدل " إلا " والصحيح ما في المتن، (3) البريد: هو اثنا عشر ميلا والميل ثلث الرسخ

[ 221 ]

ولباس ما يستر ظاهر القدم مثل الجورب وما أشبهه مع الاختيار، فأما عند الضرورة فجائز. والتختم للزينة، والرفث وهو الجماع، والفسوق وهو الكذب على الله أو على رسوله صلى الله عليه وآله أو على أحد الأئمة عليهم السلام، والجدال وهو قول " لا والله وبلى والله " وقص شيئ من شعره وأظفاره، وازالة القمل عن نفسه، ويجوز نقل ذلك من موضع إلى آخر، وأما إزالته عن نفسه جملة فلا يجوز. وقتل البراغيث، والبق، وما أشبه ذلك إذا كان في الحرم، فإن كان في غيره جاز له ذلك. وسد أنفه من الرائحة الكريهة، وإدماء جسده أو فمه بحك أو سواك، ودلك رأسه أو وجهه في وضوء أو غسل لئلا يسقط شيئ من شعره. ولبس السلاح إلا لضرورة، وقتل جراد أو زنابير مع تمكنه من أن لا يفعل ذلك، واخراج حمام الحرم منه، والامساك له أيضا، فإن أخرجه رده إليه، وإمساك شيئ من الطير أيضا إذا دخل الحرم وهو معه، بل يخليه يمضي حيث شاء إلا أن يكون مقصوص الجناح فليتركه حتى ينبت ريشه ويخليه. ولا يشم شيئا من الطيب المخالف للخمسة الاجناس المتقدم ذكرها، ولا يستعمل الحناء للزينة، والكحل بما فيه طيب. والنظر في المرأة، ولا يخرج القماري ما أشبهها من الحرم، ويجوز إخراج الفهود منه على كل حال، ولا يستعمل الادهان الطيبة قبل الاحرام إلا أن يكون مما لا تبقى رائحته، والصلاة بالبيداء وذات الصلاصل ووادي ضجنان، ووادي الشقرة، وتأديب الغلام، فإن أدبه فلا يزيد على عشرة أسواط، وتلبية من دعاه، فإن كان أراد إجابته فليقل: يا سعد. واجتناب المحرم لجميع ما ذكرناه على ضربين، أحدهما واجب والآخر مندوب، فأما الواجب فهو الاجتناب عن جميع ما ذكرناه من أول الفصل إلى قولنا: " إلا أن يكون مقصوص الجناح فليتركه حتى ينبت ريشه ويخليه ".

[ 222 ]

وأما المندوب فهو الاجتناب عن كل ما يتلو ذلك من قولنا: " ولا يشم شيئا من الطيب المخالف للخمسة الاجناس " إلى آخره، فليتأمل ذلك إن شاء الله. " باب ما يلزم المحرم على جناياته من الكفارة " الذي يلزم المحرم على جناياته من الكفارة على ضربين. أحدهما تجب فيه الكفارة بحيوان والآخر بغير حيوان. فالذي يجب فيه بحيوان ستة أضرب، " أولها " تجب فيه بدنة، و " ثانيها " بقرة، و " ثالثها " شاة، و " رابعها " كبش، و " خامسها " حمل، و " سادسها " جدى. فأما ما يجب فيه بغير حيوان فهو أربعة أضرب، أولها يجب فيه مقدار الطعام، وثانيها القيمة، وثالثها مقدار من التمر، ورابعها صدقة غير معينة؟ فأما ما يجب فيه بدنة، فهو أن يصيب المحرم نعامة أو يصيب شيئا من بيضها ويكون قد تحرك فيه فرخ، فإن لم يكن تحرك فيها فرخ، أرسل فحولة الإبل في إناثها بعدد البيضة، فما ينتج كان هديا لبيت الله تعالى، أو يجامع في الفرج متعمدا أو فيما دونه قبل الوقوف بالمزدلفة وعليه زائدا على البدنة، إعادة الحج من قابل وعلى المرأة مثل ذلك إذا كانت محرمة وطاوعته، فإن كان أكرهها على ذلك كان عليه كفارتان، ولم يكن عليها شيئ، أو يجامع في الفرج متعمدا بعد الوقوف بالمشعر الحرام، أو يجامع مملوكة له محرمة بإذنه وهو محل، لأنه إن كان إحرامها بغير إذنه لم يكن عليه شيئ، أو يجامع قبل طواف الزيارة وهو قادر على البدنة. وكذلك يلزمه إذا جامع قبل التقصير وهو موسر، أو جامع بعد المناسك قبل طواف النساء، أو يجامع وهو محرم بعمرة مبتولة (1) قبل الفراغ من مناسكها و عليه مع ذلك، المقام بمكة إلى الشهر الداخل ليعيد العمرة. أو يعبث بذكره فيمنى وحكمه فيما زاد على البدنة حكم المجامع قبل الوقوف بالمزدلفة أو بعده في إعادة

(1) في نسخة " متمتعة " بدل " مبتولة " وما في المتن متفق عليها، وأما ما في النسخة وفيها خلاف

[ 223 ]

الحج من قابل، أو سقوط ذلك عنه. أو ينظر إلى غير أهله فيمنى ويكون قادرا على البدنة. أو ينظر إلى أهله بشهوة أو يلاعبهم بشهوة فيمنى أيضا، أو يعقد المحرم على امرأة ويدخل بها المعقود عليها (1) أو يجادل ثلاث مرات كاذبا، أو ينسى طواف الزيارة ولا يذكره حتى يرجع إلى أهله وعليه مع البدنة، الرجوع إن تمكن ليقضيه بنفسه. أو يفيض من عرفات إلى المزدلفة قبل غروب الشمس متعمدا وهو جاهل بذلك أو يجامع وهو في طواف ولم يتمه وعليه مع البدنة إعادته، أو يجامع وهو في طواف النساء ولم يجز نصفه وعليه مع البدنة إعادته أيضا، فان كان جاز نصفه بنى على ما تقدم ولم يعده، أو ينذر الحج ماشيا ويعجز عن المشى فيركب وعليه مع البدنة أن يكون قائما مواضع العبور (2)، أو يجامع وقد سعى بعض السعي وعليه مع البدنة إتمامه، فإن كان قد ظن إنه تممه وجامع بعد ذلك، تمم السعي ولم يلزمه غير ذلك. وأما ما يجب فيه بقرة أن يصيب حمار وحش أو بقرة وحش أو يجادل مرتين كاذبا أو يقلع (3) شيئا من شجر الحرم الذي لم يغرسه هو في ملكه، ولا نبت في داره بعد بنائه لها، أو لا يكون قادرا على البدنة - التي تجب عليه في الجماع قبل طواف الزيارة -، أو (4) يكون قادرا على البدنة أيضا التي تجب عليه - متى نظر إلى غير أهله فأمنى - أن (5) لا يكون موسرا. فأما الذي يجب فيه شاة، فهو أن يصيب طائرا من حمام الحرم، أو يخرج شيئا من هذا الحمام منه، أو ينفر ذلك فيرجع، فإن لم يرجع كان عليه لكل طائر

(1) لعلها عطف بيان لضمير " بها " ويتحمل التصحيف والصحيح " المعقود له " (2) المراد بها السفينة ونحوها مما يضطر إليها في طي الطريق (3) في نسخة " يقطع " بدل " يقلع " (4) الظاهر سقوط كلمة " لا " هنا (5) كذا في النسخ ولعل كلمة " إذ " انسب

[ 224 ]

شاة، أو يصيب ظبيا أو ما جرى مجراه وهو محرم في الحل، أو يأكل جرادا كثيرا أو يصيبه وهو يتمكن من أن لا يصيب، أو يذبح طائرا من الصيد في الحرم وهو محل، أو يصيب حجلة (1)، أو حمامة، أو شيئا من بيضها ويكون قد تحرك فيه الفرخ فإن لم يكن تحرك فيها ذلك، أرسل فحولة الغنم في إناثها بعدد البيض فما ينتج كان هديا لبيت الله تعالى، أو يغلق على حمام الحرم بابا وداخله فراخ، وبيض فيهلكن، فيكون عليه عن كل طائر، شاة. وأما الفراخ، والبيض فسنذكرهما فيما بعد بمشيئة الله سبحانه. أو يأكل بيضة نعامة اشتراها له غيره فإن أكل أكثر من ذلك والمشتري له غيره كان عليه لكل بيضة شاة، فأما المشتري فسيأتي ذكر ما يلزمه في ذلك. أو لا يقدر على البقرة التي تجب عليه عند عجزه من البدنة التي تلزمه على الجماع و (2) قبل طواف الزيارة، أو لا يقدر على البقرة التي أيضا تجب عليه عند عجزه عن البدنة التي تجب عليه إذا نظر إلى غير أهله فأمنى، أو يجادل ثلاث مرات صادقا، أو جادل مرة واحدة كاذبا، أو قبل زوجته من غير شهوة. فأما تقبيل الولد والوالدة فلا شيئ عليه. أو قلم أظفار يديه ورجليه في مجلس واحد، أو قلم أظفار يديه في مجلس واحد، أو قلم أظفار رجليه في مجلس واحد، فإن قلم شيئا من الأظفار ناسيا، لم يلزمه على ذلك شيئ، أو أفتاه غيره بتقليم ظفره فأدمى اصبعه فالشاة على المفتي، أو يحلق رأسه لأذى، أو يظلل على نفسه، أو يستعمل دهنا فيه طيب، أو يلبس ما لا يحل له لبسه، أو يأكل ما لا يحل له أكله، أو ينطف (3) إبطيه جميعا، أو يقلع ضرسا له، أو يخرج من المشعر قبل طلوع الفجر، أو يلبس قميصا، أو يلبس ثيابا جماعة في مجلس واحد

(1) الحجل: طائر في حج الحمام، أحمر المنقار والرجلين.
(2) كذا في النسخ والظاهر زيادة " الواو " (3) كذا في بعض النسخ ولعلها تصحيف والصحيح " ينتف " بالتاء، ويحتمل أن تكون " ينظف " بالظاء المعجمة

[ 225 ]

فإن لبسها متفرقة كان عليه لكل واحد شاة، أو يحلق متعمدا قبل يوم النحر أو ينسى التقصير حتى يهل (1) بحج، أو يقبل زوجته قبل التقصير، أو يترك الحلق أو التقصير بمنى حتى يزور البيت، أو يحل عليه المحرم ولم يكن صوم (2) الثلاثة الأيام المتعلقة بدم المتعة ولا عوضها في النفر ويومين بعده، ولا في بقية ذي الحجة، أو يبيت ليلة من ليالي التشريق بغير منى، أو يضرب بطائر الأرض في الحرم فيقتله، فعليه مع الشاة قيمتان (3) والتعزير لاستصغاره الحرم، أو يوقد جماعة نارا فيقع فيها طائر فإن كان قصدهم ذلك، كان على كل واحد منهم الفداء، وإن لم يكن قصدهم ذلك، كان على جميعهم فداء واحد. وأما ما يجب فيه كبش فهو أن يصيب أسدا لم يرده، لأنه إن أراده ودفعه عن نفسه فأصابه لم يكن عليه شيئ. فأما ما يجب فيه حمل: فهو أن يغلق على حمام الحرم بابا ومعها فرخ فيهلك الفرخ فإن كان معها من الفراخ أكثر من واحد فهلكن، كان عليه لكل فرخ حمل، فأما ما ليس بفرخ فقد تقدم ذكر ما تجب فيه، أو يصيب قطاة وما أشبهها. وينبغي أن يكون الحمل - في كل ما ذكرناه - قد فطم، ورعى من الشجر. فأما ما يجب فيه مقدار من طعام: فهو أن يصيب عصفورا أو قنبرة، أو ما جرى مجرى ذلك فعليه الصدقة بمد من طعام أو ينطف (4) إبطه فعليه إطعام ثلاثة مساكين،

(1) إلا هلال كناية عن الاحرام (2) كذا في بعض النسخ ولعلها تصحيف والصحيح " صام " ويحتمل أن تكون تامة (3) والأصل فيه خبر معاوية بن عمار " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في محرم اصطاد طيرا في الحرم، فضرب به الأرض فقتله، قال: عليه ثلاث قيمات، قيمة لاحرامه وقيمة للحرم، وقيمة لاستصغاره إياه " الوسائل، ج 9، الباب 45 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1. والظاهر أن المصنف " ره " حمل القيمة الأولى على الدم، خصوصا بعد ملاحظة التعليل في الخبر بأن إحدى القيم للاحرام، راجع الجواهر، ج 20، ص 270 (4) كذا في النسخ وقد مر احتمال التصحيف فيها، فيكون الصحيح " ينتف "

[ 226 ]

أو يمس رأسه أو لحيته لغير طهارة فيسقط شيئ من شعرهما بذلك، فعليه كفان من طعام فإن كان مسهما لطهارة لم يكن عليه شيئ، وقد ذكر أنه إن سقط ذلك في حال وضوء، كان عليه كف من طعام، وإن كان كثيرا فدم شاة. أو يصيب زنبورا متعمدا فعليه كف من طعام، أو يرمى عن نفسه قملة أو يقتلها فعليه كف من طعام، أو يقلم ظفرا من أظفاره أو أكثر منه، فعليه مد من طعام إلا أن يكون ناسيا فلا يكون عليه شيئ. وأما ما يجب فيه القيمة: فهو أن يصيب بيض حمام وهو محرم في الحل فعليه لكل بيضة درهم. أو يصيب ذلك وهو محل في الحرم فعليه لكل بيضة ربع درهم، ولا فرق بين أن يكون أهليا أو من حمام الحرم، إلا أن حمام الحرم يشتري لها بذلك علف، وقيمة بيض الأهلي يتصدق بها على المساكين، أو يخرج طائر من الحرم فليرده، فمتى لم يفعل ومات فيه كان عليه القيمة، أو يشتري محل المحرم (1) بيض نعام فيأكله المحرم، وقد تقدم ذكر ما عليه (2) في ذلك فيما وجب فيه شاة. أو يقتل اثنان صيدا أحدهما محرم والآخر محل في الحرم، فعلى المحل القيمة، وأما المحرم فيتضاعف عليه الجزاء والقيمة، وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى: أو يفقئ عين (3) غزال فعليه قيمته وفي الواحدة منها نصف القيمة، أو يكسر يديه جميعا فعليه القيمة وفي الواحدة منها نصف القيمة، وهكذا الحكم في كسر رجليه، أو يكسر قرنيه جميعا فعليه نصف القيمة، وفي الواحد منهما ربع القيمة، وليس في قتله أكثر من قيمة واحدة. أو يغلق بابا وهو محرم على حمام الحرم حتى هلكت ومعها بيض، فعليه لكل بيض درهم، فأما ما عدا البيض فقد سلف ذكره.

(1) كذا في النسخ والظاهر أنها تصحيف والصحيح " يشتري محلا لمحرم " ليكون " محلا " حالا للفاعل فيفيدان أن القيمة على المحل.
(2) أي على المحرم (3) أي عينيه

[ 227 ]

وإن كان أغلق عليها بابا قبل أن يحرم، كان عليه لكل طائر درهم، ولكل فرخ، نصف درهم ولكل بيضة ربع درهم. ولو قتل المحل فرخا في الحرم على غير هذا الوجه لوجب عليه نصف درهم. فأما ما يجب فيه مقدار من تمر فهو أن يصيب جرادة أو يأكلها فعليه تمرة يتصدق بها. فأما ما يجب فيه صدقة غير معينة فهو أن ينتف ريشة من حمام الحرم فعليه صدقة يتصدق بها باليد التي نتف الريشة بها، أو يصيب صيدا وهو محل فيما بين البريد (1) إلى الحرم بأن يكسر قرنه أو يفقئ عينه، فأما إن أصابه على بريد فسنذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى. " باب ما يتعلق بذلك البدنة " إذا وجبت على إنسان ولم يقدر عليها، قوم الجزاء وفض ثمنه على البر واطعم ستين مسكينا، كل مسكين نصف صاع، فإن نقص عن ذلك فقد أجزأه وإن زاد عليه لم يجب عليه أكثر من ذلك، فإن لم يقدر على إطعام ستين مسكينا، صام عن كل نصف صاع يوما، فإن لم يقدر على ذلك، صام ثمانية عشر يوما. ومن وجبت عليه بقرة ولم يقدر عليها، قومها وفض ثمنها على الطعام واطعم ثلاثين مسكينا، كل مسكين نصف صاع، فإن زاد على ذلك لم يكن عليه أكثر من ذلك، وإن نقص فقد أجزأه، فإن لم يقدر على ذلك صام تسعة أيام، وإذا وجبت عليه شاة ولم يقدر عليها، قومها وفض ثمنها على الطعام واطعم عشرة مساكين كل مسكين، نصف صاع، فإن زاد على ذلك لم يلزمه غيره وإن نقص لم يجب عليه أكثر منه، فإن لم يقدر صام ثلاثة أيام. وحكم الحمل والجدي يجرى هذا المجرى. وكل من تكرر منها الصيد ناسيا تكررت عليه الكفارة، فإن تعمد ذلك مرة

(1) البريد: هو بمعنى الرسول ثم استعمل في المسافة التي يقطعها المسافر وهي اثنا عشر ميلا

[ 228 ]

لزمته الكفارة مرة واحدة، فإن تعمد مرتين لم يلزمه كفارة بل ينتقم الله منه كما قال الله تعالى (1). وكل محرم أصاب صيدا في الحرم، وجب عليه الجمع بين الجزاء والقيمة، إلا من ضرب بطائر الأرض فقتله فعليه مع الجزاء قيمتان والتعزير وقد تقدم ذكر ذلك، فأما إن أصاب وهو محل في الحرم أو هو محرم في الحل فقد بيناه فيما تقدم ذكره، والمحل إذا قتل صيدا في الحرم كان عليه الفداء وكذلك يجب عليه إذا ذبحه ومن دل على صيد، فعليه الفداء، والجماعة المحرمون إذا قتلوا صيدا وجب على كل واحد منهم الفداء، والمحرم يلزمه فداء الصيد كما قدمناه فإن أكله كان عليه فداء آخر وإن لم يصده هو. وإذا رمى صيدا بشئ ومضى الصيد لوجهه ولم يؤثر فيه شيئا لم يكن عليه شيئ فإن أثر فيه فأدماه بأن كسر يده أو رجله ثم رآه بعد ذلك وقد صلح، كان عليه ربع، فإن لم يعلم أصابه أم لم يصبه، فعليه الفداء. وإذا كان محلا أو محرما وأصاب صيدا ماضيا إلى الحرم برمي أو غيره ثم دخل الصيد الحرم ومات، كان عليه الفداء وكان لحم الصيد حراما، وإذا أصاب صيدا وهو محل فيما بينه وبين الحرم على بريد، فعليه الفداء، وكذلك يجب عليه إذا كان في الحرم ورمى صيدا في الحل. وإذا أحرم الغلام بإذن سيده وأصاب صيدا كان على السيد، الفداء، وكذلك يجب عليه إذا أمره بالصيد وهو محرم وإن كان الغلام محلا، ومن يلى أمر صبي فعليه الكفارة فيما يجنيه الصبي إذا كان قد حج به، صيدا كان ما جناه أو غير صيد ومن رمى طائرا وهو على شجرة اصلها في الحرم وفرعها في الحل، فعليه الفداء، ولا فرق بين أن يكون الطير على فرع من فروعها التي في الحل أو في الحرم. وكل ما يخافه الانسان مثل السباع والحيات والعقارب وما يجرى مجرى ذلك، فإنه يجوز للمحرم قتله وإن كان في الحرم إلا الأسد إذا لم يرده وقد سلف

(1) المائدة - الآية 95

[ 229 ]

ذكره، ويجوز أيضا قتل القراد (1) ورميه عن نفسه وازالته عن بعيره، وكل ما أخذ من السباع مثل الفهود وما يجرى مجراها بابتياع أو غيره ودخل به في الحرم، فإنه يجوز للمحرم اخراجه منه ولا فرق بين أن يكون الذي دخل إلى الحرم، محرما أو محلا ومن ربط صيدا خارج الحرم فدخل الحرم، كان ثمنه ولحمه حراما ولم يجز اخراجه إلا ما قدمنا ذكره من الفهود وما أشبهها وما قدمنا ذكره في باب الكفارات. " نبذة من لزوم إعادة الحج من قابل ". من تعمد ووطأ في الفرج أو استمنى قبل الوقوف بمشعر الحرام فذلك لازم له سواء كان الحج الذي فعل ذلك فيه واجبا أو تطوعا، وقد قيل أن الحجة، الأولى، والثانية عقوبة على ما جناه، وينبغي لمن فعل ذلك إذا عاد إلى الحج والمرأة معه أن يفترقا إذا وصلا إلى الموضع الذي كان وطأها فيه، وقد ذكر أن حد الافتراق هو أن لا يخلو بأنفسهما بل يكون معهما غيرهما من الناس. وكل من تجسس أو استمع على من يجامع من غير أن ينظر إلى الذي يفعل فأمنى فليس عليه شيئ. وإذا كان أصل شجرة في الحل وفرعها في الحرم، أو يكون اصلها في الحرم وفرعها في الحل فلا يجوز قلعها إلا ما يكون الانسان أنبته، وغيره مما ذكرناه فيما مضى، وقد ذكرنا أيضا فيما تقدم أنه لا يجوز قلع الحشيش في الحرم، وإن كان له ابل جاز له تركها لترعى فيه ولم يجز له - هو - قلعه. وكل ما يجوز للمحل ذبحه أو نحره في الحرم مثل الإبل والبقر والغنم والدجاج الحبشي وغير الحبشي فإنه يجوز أيضا للمحرم. وكل صيد يكون في البحر والبر معا

(1) القراد بالضم: دويبة تتعلق بالبعير ونحوه وهي كالقمل للانسان، والجمع قردان.

[ 230 ]

وهو يبيض ويفرخ في البحر والبر - فلا بأس للمحرم أن يأكل طريه ومملوحه (1) وإن كان يبيض ويفرخ في البر لم يجز أكله ولا صيده. وإذا ذبح المحرم صيدا في الحل أو الحرم، كان ميتة لم يجز أكله لأحد، وكذلك الحكم إذا ذبحه المحل في الحرم. والضعيف (2) عن الفداء والقيمة إنما يكون فيما لا يبلغ بدنة، ويلحق بذلك من شرب لبن ظبية في الحرم، فعليه دم وقيمة اللبن معا. وكل ما لا يجب فيه دم مثل العصفور وما جرى مجراه إذا أصابه المحرم في الحرم كان عليه قيمتان، وفي صغار النعام مثل ما في كبارها، وقد ذكر أن الصغير منها يجب فيه الصغير من الإبل في سنة، وكذلك القول في البقر والغنم، والكبار أفضل، وفي جميع ما تقدم ذكره من الصيد، يجب الكفارة متعمدا كان ما يصيبه أو ناسيا أو عالما أو جاهلا. وإذا اضطر المحرم إلى أكل الميتة وكان قادرا على فداء الصيد، فليأكل الصيد ويفديه ولا يأكل الميتة، فإن لم يكن قادرا على ذلك جاز له أكل الميتة، وكل من كان محرما بحج ووجب عليه جزاء صيد أصابه، وأراد ذبحه أو نحره فليذبحه أو ينحره بمنى، وإن كان معتمرا، فعل ذلك بمكة أي موضع شاء منها، والأفضل أن يكون فعله لذلك بالحرورة مقابل الكعبة، والذي يجب على المحرم بعمرة مفردة - من كفارة ليست من كفارة الصيد - فله يجوز نحرها وذبحها بمنى. " باب الطواف وما يتعلق به من الأحكام " الطواف على ضربين: واجب ومندوب فالواجب، ثلاثة أطواف وهي:

(1) الطري: اللين من الطراوة. والمملوح ضده، وهو ما يطرح عليه الملح لئلا يفسد.
(2) كذا في النسخ والظاهر أنها تصحيف، والصحيح " التضعيف " أي تضاعف فداء الصيد على المحرم في الحرم

[ 231 ]

طواف العمرة وطواف الزيارة وطواف النساء وأما المندوب: فهو ما ندب المكلف إلى فعله منه، وقد ذكر في ثلاث مأة وستون أسبوعا (1)، أو ثلاث مأة وستون شوطا فإن لم يتمكن من ذلك فما تيسر منها. وأحكام الطواف على ضربين: واجب ومندوب فالواجب " إيقاعه على طهارة " و " الابتداء به من الحجر الأسود والختم به "، " ويكمله سبعة أشواط " و " صلاة ركعتي الطواف عند مقام إبراهيم عليه السلام " و " طواف أسبوعين " (2) إذا نذر الناذر الطواف على أربع. والطواف على المريض إذا كان غير قادر عليه - وكذلك من جرى مجراه ممن يحج به - فإن كان المرض عرض له بعدان طاف أربعة أشواط، وانتظر به يوم أو يومان فإن صح تمم طوافه لنفسه (3) وإن لم يصح، أمر من يطوف عنه وصلى هو ركعتي الطواف، وإن كان طوافه أقل من أربعة وبرأ من مرضه اعاد الطواف من أوله، فإن لم يصح ولم يبرئ من مرضه أمر من يطوف عنه أسبوعا، والطواف أيضا إذا كان قادرا على إمساك الطهارة، فإن لم يقدر على ذلك انتظر به صلاحه فإذا صح طاف بنفسه وإن لم يصلح، طيف عنه وصلى هو ركعتي الطواف. و " إعادته " إذا زاد فيه متعمدا أو جامع متعمدا قبل إتمامه وهو طواف الزيارة، وكذلك إن كان طواف النساء وجامع قبل نصفه، فإن كان ذلك بعد جواز نصفه جاز له البناء بعد أن يتطهر، وقد ذكرنا ما يلزم على الجماع في الطواف من الكفارة فيما تقدم. و " إعادته " إذا حدث ما ينقض الوضوء قبل نصفه، وإن كان بعد النصف جاز له البناء على ما تقدم منه، أو قطعه - لغرض - قبل نصفه أو طاف وعلى ثوبه نجاسة وهو عالم بها، فإن لم يكن عالما بها قبل الابتداء به وعلم، أزالها وتمم ما بقي، أو قطعه

(1) والمراد من الأسبوع: سبقه أشواط.
(2) أسبوع ليديه وأسبوع لرجليه.
(3) كذا في النسخ والظاهر أنها تصحيف والصحيح " بنفسه "

[ 232 ]

لغرض من دخول البيت أو غيره، فإن كان ذلك بعد نصفه، بني على ما تقدم منه. وإن يقطعه إذا حضر وقت صلاة واجبة وليصل ثم يبنى بعد الفراغ من الصلاة على ما مضى، وإن يقطعه إذا كانت امرأة وحاضت بعد جواز نصفه، وتقضى الباقي بعد السعي والتقصير، وإن تجعل ما هي فيه حجة مفردة إذا حاضت في أقل من نصفه وكذلك يجب عليها إذا حاضت قبله وكان طواف العمرة وعليها بعد الحج قضاء (1) العمرة. وإن يقضي المولى (2) ما فرط فيه وليه، ويلحق بذلك إعادة الحج من قابل إذا ترك طواف الزيارة متعمدا، وإن كان طواف النساء لم يفسد الحج بتركه. ولا يطوف وهو غير مختتن إلا أن تكون امرأة فإنه يجوز لها ذلك، ولا يطوف إلا ما بين المقام والبيت فإن خرج عن المقام لم يصح، ولا يطوف وعلى رأسه برطلة (3) ولا يقرن بين طوافين في فريضة ويجوز له ذلك في التطوع، ولا يطوف إذا كان متمتعا وأهل بالحج حتى يحضر منى والموقفين إلا أن يكون شيخا كبيرا أو امرأة تخاف الحيض فيجوز لها (4) تقديمه على ذلك. والقارن والمفرد يجوز لهما تقديم الطواف قبل عرفات، ولا يطوف طواف النساء متمتعا كان أو قارنا أو مفردا إلا بعد الرجوع من منى والموقفين، إلا لضرورة تمنع من ذلك أو يكون شيخا كبيرا أو امرأة تخاف الحيض فيجوز لها التقديم قبل الموقفين. ولا يقرب النساء إذا ترك طوافهن حتى يقضيه، ولا يقدم طواف النساء على السعي.

(1) أي الاتيان بها (2) أي المولى عليه فيكون المراد قضائه بعد البلوغ، وفي نسخة " الوالي " بدل " المولى " أي يأتي الولي ما فرط فيه المولى عليه، ولعل هذا أظهر.
(3) البرطلة وربما يشدد اللام: القلنسوة (4) كذا في النسخ، ولعل اصلها " لهما "، وكذا ما يأتي بعد أسطر

[ 233 ]

فأما المندوب: فهو الاغتسال إذا أراد الطواف، والمشي حافيا بسكينة ووقار والدخول لاجله إلى المسجد من باب بني شيبة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، ويطيب الفم بالاذخر (1) أو غيره، واستلام الحجر الأسود في كل شوط والايماء إليه إذا لم يتمكن من تقبيله والدعاء عند استلامه، والدعاء أيضا في الطواف، وذكر الله تعالى وقراءة القرآن، والتزام المستجار ووضع البطن والخد عليه، والدعاء عند المستجار أيضا. واستلام الأركان كلها، والانصراف على وتر، إذا كان في طواف نافلة وزاد على طواف بأن ابتدئ طوافا ثانيا (2) ولا يتكلم في الطواف بغير ذكر الله تعالى وقرائة القرآن والدعاء، ولا يعول على غيره في ضبط عدد الطواف، فإن فعل ذلك وشكا جميعا وجبت الإعادة له من أوله. " باب كيفية الطواف " قد ذكرنا فيما سلف أن المريد للطواف ينبغي أن يكون على الطهارة، وينبغي أن يبتدأ بالحجر الأسود ويختم به، وكلما فعل ذلك مرة فقد طاف شوطا ولا يزال كذلك حتى يتم سبعة أشواط، ويجب أن يكون طوافه بين المقام والبيت ولا يطوف من داخل الحجر (3) بل يطوف من خارجه، ولا يشتغل عن الدعاء فيه بالنظر إلى الناس فإذا ابتدأ به من الحجر الأسود وصار مقابل باب الكعبة دعا فقال: " سائلك ببابك، مسكينك ببابك، فقيرك ببابك فتصدق عليه بالجنة، اللهم صل على محمد وآل محمد وأدخلني الجنة برحمتك وعافنى من السقم وأوسع علي من الرزق الحلال وادرء عني شر فسقة العرب والعجم وشر فسقه الجن والانس " وإن كان نائبا من غيره ذكره

(1) الاذخر بكسر الهمزة والخاء: نبات معروفة عريض الأوراق، طيب الرائحة (2) فيتم على ثلاثة أطواف أو خمسة وهكذا (3) أي حجر إسماعيل

[ 234 ]

ودعا له ومضى حتى يقابل المقام فإذا جاز باب الكعبة وصار محاذيا للمقام قال " السلام عليك يا رسول الله وعلى أهل بيتك الطاهرين من الانام السلام على إبراهيم الداعي إلى البيت الحرام ومسمع من في الاصلاب والأرحام، السلام على أنبياء الله وملائكته الكرام ". ثم يقول في طوافه بين كل موضعين - يقف بينهما (1) للدعاء - " اللهم إني أسئلك باسمك الذي يمشى به على طلل الماء (2) كما يمشى به على وجه (3) الأرض وباسمك المخزون المكنون عندك، وباسمك الأعظم الذي إذا دعيت به، أجبت وإن سئلت به، أعطيت أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي كذا وكذا ويذكر حوائجه للدنيا والآخرة ". ويكثر من قرائة سورة " إنا أنزلناه في ليلة القدر " في طوافه حتى يقابل الركن الشامي، فإذا قابله وصار محاذيا لطرف الحجر قال: السلام عليك غير مقلو (4) ولا مهجور، اللهم صل على محمد وآل محمد وافتح لي أبواب رحمتك. ثم يتقدم حتى يصير محاذيا للميزاب، فإذا صار محاذيا لذلك من خارج الحجر في ظهره نظر إليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وقال: اللهم أعتقني من النار وأوسع علي من رزقك الحلال الطيب، وادرء عني شر فسقة العرب والعجم والجن والانس، وأدخلني الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين. ويدور حوالى الحجر حتى يسير عند طوافه الآخر محاذيا للركن الغربي،

(1) يحتمل أن تكون الكلمة " فيهما " بدل " بينهما " وهو الأصح (2) طلل الماء: ظهره وسطحه، وفي النسخ " ظلل " بالمعجمة ولعلها تصحيف لعدم تناسب معناها في الدعاء مضافا إلى موافقة المتن للكافي والفقيه والتهذيب نعم في الوسائل " ظلل " بالمعجمة ولعلها أيضا تصحيف (3) في نسخة " جدد الأرض " بدل " وجه الأرض " والجدد: الأرض الصلبة التي يسهل المشى عليها (4) في نسخة " غير مغلوب " بدل " غير مقلو "

[ 235 ]

فإذا صار محاذيا في ذلك قال: " اللهم رب إبراهيم وإسماعيل اللذين أمرتهما برفع أركان بيتك، وأن يطهراه للطائفين والعاكفين والركع السجود فيما سألاك (1) أن تتقبل منهما، فتقبل ذلك مني انك أنت السميع العليم "، ثم يقول بعد أن يجاوز الركن الغربي قبل وصوله إلى الركن اليماني " اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافنى واعفوا عني وارزقني ووفقني ". ثم يتقدم حتى يصل إلى المستجار وهو دون الركن اليماني قليلا فإذا صار كذلك فليقل. (اللهم هذا مقام من أساء واغترف واستكان واعترف وأقر بالذنوب التي اجترم، هذا مكان المستغيث المستجير من النار، مكان من لا يدفع عن نفسه سوء ولا يجر إليها نفعا، هذا مقام من لاذ ببيتك الحرام، راغبا وراهبا، بك أستعيذ من عذاب يوم لا ينفع فيه شفاعة الشافعين إلا من أذنت له يا رب العالمين، اللهم صل على محمد وآل محمد الطاهرين وسلمني من هول ذلك اليوم برحمتك يا ارحم الراحمين. ثم يتقدم إلى الركن اليماني، فإذا صار عنده التزمه ووضع خده عليه، فإن لم يتمكن، مسحه بيده ثم يمسح بها وجهه وقال: يا سيدي إلى من يطلب العبد إلا إلى مولاه، ولمن يرجو إلا سيده، فأسئلك أن تصلي على محمد نبيك وعلى آله الطاهرين وأن تتقبل مناسكي وتنجح حوائجي، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدا عبده ورسوله، أمنت بما جاء به واتبعت النور الذي أنزل معه. ثم يجوز حتى يصير بينه وبين الركن الذي فيه الحجر الأسود ويقول: اللهم إني حللت بفنائك، واجعل قراى (2) مغفرتك، وارض عني خلقك اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ثم ينفد (3) إلى الحجر الأسود، فإذا وصل إليه فقد

(1) في نسخه: يسئلانك (2) قرى الضيف قرا وقراء: أضافه ضيافة (3) معناها: يتمم أي الشوط، وفي نسخة " يتقدم " بدل " ينفد "

[ 236 ]

تمم شوطا فيستلمه، فإن لم يتمكن أشار إليه بيده فقبلها وقال: " اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم يا رب العالمين، وأهلك اعدائهم أجمعين، اللهم تب على توبة نصوحا واعصمني فيما بقي من عمري، وارزقني من رزقك الحلال وأدخلني الجنة برحمتك، وأعذني من عذاب النار ". ويتم سبعة أشواط على هذا الترتيب، ويقف في الشوط السابع عند المستجار ويلصق خده وبطنه عليه ويدعو فيقول: " اللهم رب البيت العتيق واللطف الرفيق صل على محمد وآل محمد المنتجبين، والطف لي في الدين والدنيا بلطف من عندك يا رب العالمين، اللهم هذا مقام العائذ بكرمك، اللائذ ببيتك وحرمك، رب إن البيت بيتك والعبد عبدك، فاجعل قراى مغفرتك وهب لي ما بيني (1) وبينك، وارض عني خلقك ". ويتعلق هنا بأستار الكعبة ويقول: " اللهم بك استجير فأجرني وبك استغيث فأغثني يا رسول الله يا أمير المؤمنين يا فاطمة بنت رسول الله يا حسن بن علي يا حسين بن علي - ويذكر الأئمة عليهم السلام واحدا واحدا إلى المهدي عليه السلام فإن لم يتمكن من ذكرهم للتقية أسر ذلك في نفسه - وقال: بالله ربي استغيث وبكم إليه تشفعت، أنتم محمدتي (2) وإياكم أقدمكم بين يدي حوائجي، فكونوا شفعائي إلى الله تعالى في إجابة دعائي، وتبليغي في الدين والدنيا مناي، اللهم ارحم بهم عبرتي (3) واغفر بشفاعتهم خطيئتي، واقبل مني مناسكي واغفر لي ولوالدي، واحفظني في نفسي وأهلي وولدي، وجميع إخواني، أشركهم في صالح دعائي انك على كل شيئ قدير ". ثم يمضي إلى الركن اليماني فإذا صار عنده استلمه والتزمه وسأل حوائجه،

(1) في النسخ زيادة " بين " هنا والظاهر أنها زائدة.
(2) في نسخ: " عمدتي " (3) العبرة: الدمعة قبل أن تفيض

[ 237 ]

ثم يكثر من التضرع إلى الله تعالى في ذلك ويقول: " اللهم صل على محمد وآل محمد وقنعني بما رزقتني، وبارك لي فيما آتيتني وارحمني إذا توفيتني ". ثم يمضي إلى الحجر الأسود فإذا صار في الشوط السابع عنده فقد تم طوافه، وينبغي أن يفعل في تقبيله كما تقدم القول به، ثم يقول " اللهم أعني على تمام مناسكي، ووفقني لما يرضيك عني وتقبل مني صالح عملي، واغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وصل على محمد وآله الطاهرين ". فإن كان نائبا عن غيره ذكره في طوافه، فقال: " اللهم هذا الطواف عن فلان بن فلان، فتقبله مني وأجرني على أدائي له وعنه "، ثم يصلي ركعتي الطواف عند مقام إبراهيم عليه السلام، ثم يقف متوجها إليه من ورائه حتى تكون الكعبة أمامه، ويكون متوجها إليه ويفتح (1) صلاة ركعتين ويقرء فيهما بما قدمنا ذكره في كتاب الصلاة (2) فإذا سلم منهما رفع يديه وقال: الهي قد مد (3) إليك الخاطئ المذنب يديه لحسن ظنه بك، الهي قد جلس المسيئي بين يديك مقرا لك بسوء عمله وراجيا منك الصفح عن زلله، الهي قد رفع الظالم كفيه إليك راجيا فيما لديك (4) فلا تخيبه برحمتك من فضلك، الهي قد جثا العائد إلى المعاصي بين يديك خوفا من يوم يجثو فيه الخلائق بين يديك، الهي قد جائك العبد الخاطئ فزعا مشفقا، ورفع إليك طرفه حذرا راجيا، وفاضت عبرته مستغفرا نادما الهي فصل على محمد وآل محمد واغفر لي برحمتك يا خير الغافرين ويقرأ سورة " إنا أنزلناه ". وإن كان نائبا عن غيره، قال: " اللهم إن طوافي هذا وصلاتي هذه من فلأن بن فلان، فاقبل منه وأثبه وإياي في نيابتي عنه في ذلك "، فإذا فعل ذلك فقد تم

(1) في النسخ " يفتتح " (2) ص 128 (3) في النسخ " قد جثا " بدل " قد مد " والظاهر أن الصحيح ما في المتن، لأن الجثور عبارة عن الجلوس على الركبتين وأطراف الأصابع وهذا المعنى لا يناسب هنا.
(4) في النسخ " يديك " والظاهر أنها تصحيف والصحيح ما في المتن

[ 238 ]

طوافه للتمتع وعليه بعد ذلك الخروج إلى الصفا والسعي. " باب السهو والشك في الطواف " السهو والشك في الطواف على ضربين: أحدهما يوجب إعادته، والآخر لا توجب إعادته. والذي يوجب إعادته أن يسهو في طواف فريضة ويذكر أنه طاف أقل من أربعة أشواط، أو يشك فيه فلا يعلم هل طاف أم لم يطف، أو يشك في حال الطواف ولا يدري كم طاف جملة، أو يشك بين ستة وسبعة وثمانية فلا يدري كم طاف من ذلك وهو في حال الطواف أيضا، أو يشك بين ستة وسبعة ولا يدري كم طاف منهما وهو في حال الطواف. أو يسهو فيطوف على غير طهارة ثم يذكر ذلك، أو يسهو فيطوف من خارج المقام حيث هو الان، أو يزيد فيه متعمدا، أو يسهو عنه وهو في طواف الزيارة ولا يذكره حتى عاد إلى أهله فيرجع ويقضيه مع التمكن من ذلك، فإن لم يتمكن من الرجوع أمر من يطوف عنه، أو يتعمد تقديم طواف النساء على السعي فليعده، أو يستعين بغيره في حصر عدد الاشواط فشكا جميعا في ذلك. وأما الذي لا يوجب إعادته فهو: أن يسهو عن الشوط السابع ثم يذكر بعد الانصراف فعليه أن يعيد شوطا بدله فإن لم يكن ذكر ذلك حتى أتى بلده أمر من يطوف عنه، أو يسهو فيطوف ثمانية أشواط فليضف إلى ذلك ستة أشواط أخر، ويصلي أربع ركعات، ركعتين فيما بعد الطواف ثم يسعى ويصلي الركعتين الاخيرتين بعد السعي. أو يسهو ويذكر في الشوط الثامن إنه طاف سبعا، فإن ذكر ذلك قبل بلوغه الحجر الأسود قطعه، وإن كان ذكر ذلك بعد أن جاوزه تمم أربعة عشر أشواطا، أو شك فلا يعلم هل طاف سبعة أو ثمانية فليقطعه ويصلي ركعتين، أو يسهو فيقطعه ويصلي ركعتين أو يسهو فيقطعه ويمضي إلى السعي ثم يذكر ذلك فإن ذكره قبل أن يسعى ستا يتمم الطواف، وإن كان قد سعى ستا (1) قطع السعي وعاد إلى الطواف

(1) في النسخ بزيادة كلمة " الواو " هنا، والظاهر أنها سهو

[ 239 ]

فتممه ورجع فتمم السعي. وإتمامه الطواف إنما يصح إذا كان قطعه له أزيد من النصف، فأما إن كان في أقل من النصف اعاد كما قدمناه، أو يسهو فيقدم طواف النساء على السعي فلا شيئ عليه إلا أن يتعمد ذلك فقد تقدم ذكره، أو يشك بين ستة وسبعة بعد الانصراف من الطواف فلا شيئ عليه، أو يشك فيما دون السبعة في طواف النافلة، فليبن فيه على الأقل إذا كان شكه في حال الطواف، فإن ذكر بعد انصرافه لم يكن عليه شيئ. " باب السعي وأحكامه ". أحكام السعي على ضربين واجب، ومندوب فأما الواجب فهو: السعي بين الصفا والمروة سبع مرات، والابتداء به من الصفا والختم بالمروة، وقطعه إذا تضيق وقت فريضة حاضرة، - وذكر (1) إنه يقطعه إذا دخل وقتها ويصلي ثم يعود فيتممه - وإتمامه بعد الفراغ من الصلاة التي قطعه لأجلها. وأن يعيد الحج من قابل إذا تركه متعمدا، ولا يسعى إذا كان متمتعا وأهل بالحج حتى يحضر منى والموقفين، إلا أن يكون شيخا كبيرا أو امرأة تخاف الحيض فيجوز لها (2) تقديمه، ولا يتمه، إذا كان فيه وحضر وقت فريضة حاضرة بل يقطعه ويصلي كما قدمنا القول به. وأما المندوب: وهو الطهارة للسعي بغسل، أو وضوء، واستلام الحجر الأسود إذا أراد السعي، والحضور عند بئر زمزم للشرب من مائها والغسل منه والصب منه على الجسد إذا لم يتمكن من الغسل، وينبغي أن يكون ذلك من الدلو المقابل للحجر الأسود، والخروج إليه من الباب المقابل للحجر أيضا. والإسراع في موضع

(1) بصيغة المجهول والقائل هو الشيخ " قده " كما في النهاية وغيرها.
(2) كذا في النسخ ولعل اصلها " لهما "

[ 240 ]

السعي إذا كان الذي يسعى رجلا ماشيا وراكبا، والدعاء عند الصفا والمروة وفيما بينهما، والدعاء في حال السعي، ولا يكون راكبا في حال سعيه مع تمكنه من ذلك ولا يقطعه إذا عرضت له حاجة بل يؤخرها حتى يفرغ منه إن تمكن من تأخيرها، وإذا قطعه لحاجة، تممه بعد ذلك. " باب كيفية السعي ". ينبغي لمن قصد إلى السعي بعد الفراغ من الطواف أن يأتي زمزم فيشرب من مائها ويصب منه على جسده من الدلو المقابل للحجر الأسود كما قدمناه، ويخرج إلى السعي من " باب الصفا " و عليه السكينة والوقار حتى يأتي " الصفا " فيصعد عليها ويستقبل الكعبة بوجهه ويكبر الله تعالى ويحمده ويهلله سبعا سبعا، ويقول: بعد ذلك " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيئ قدير " ثلاث مرات ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله والأئمة صلوات الله عليهم كذلك، ويقرء سورة إنا أنزلناه، ويقول بعد ذلك " اللهم (1) العفو والعافية واليقين في الدنيا والآخرة ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار برحمتك، اللهم اغفر لي كل ذنب اذنبته وإن عدت فعد على بمغفرتك (2) انك أنت الغفور الرحيم، اللهم أظلني بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، اللهم استعملني بطاعتك وسنة رسولك صلى الله عليه وآله وتوفني على ملته واحشرني في زمرته، اللهم انك تكفلت بأرزاقنا ورزق كل دابة فآتنا من فضلك وأوسع علينا من رزقك وبارك لنا في الاهل والمال والولد، اللهم ارحم مسيرنا إليك من الفج العميق وارزقنا منك رحمة نستغني بها من رحمة من سواك اللهم صل على محمد وآل محمد واغفر لي ولوالدي ولجميع المؤمنين ". ثم ينحدر إلى المروة ويقول في انحداره " يا رب العفو يا من أمر بالعفو وأولى

(1) لعله سقط هنا " إني أسألك " كما في الوسائل.
(2) في النسخ " بالمغفرة "

[ 241 ]

بالعفو، العفو "، ثم يمضي حتى يصل إلى المنارة، فإذا وصل إليها هرول كالبا (1) إلى حد الهرولة - الأخرى - وهو زقاق العطارين، ثم يدعو فيقول. " اللهم اهدني للتي هي أقوم، واغفر لي وارحم وتجاوز عما تعلم انك أنت الاعز الاكرم " ويكرر هذا القول حتى يصل إلى الزقاق. فإذا وصل إليه قطع الهرولة ومشى إلى المروة، وقال: " يا ذا المن والطول والكرم والجود صل على محمد وآل محمد، واغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت يا كريم " ويكرر ذلك حتى يصل إلى المروة، فإذا وصل إليها كبر الله سبحانه وحمده وهلله سبعا وصلى على النبي وآله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيئ قدير، اللهم إني أسألك حسن الظن بك وصدق النية في التوكل عليك، اللهم أفعل بي ما أنت أهله فإنك أن تفعل بي ما أنا أهله تعذبني ولم تظلمني ". ويقر بذنوبه ويقرء سورة إنا أنزلناه، فإذا فعل ذلك فقد تم من السعي شوطا ثم ينحدر من المروة ماضيا إلى الصفا ويقول فيما بين المروة والزقاق مثل ما قاله أولا في هذا الموضع، ويقول أيضا في حال الهرولة من الزقاق إلى المنارة ومن المنارة في حال المشى إلى الصفا مثل ما قاله أولا من دعاء وغيره، ولا يزال كذلك حتى يتم سبعة أشواط فإذا تمم ذلك قصر، والتقصير هيهنا هو أن يأخذ من جوانب شعره ورأسه ولحيته ولا يحلق رأسه ويقلم أظفاره والأفضل له أن يبقي منها ما يأخذه عند تقصيره للحج، فإذا أتى بذلك فقد أحل من كل ما أحرم منه إلا الصيد، وجاز له لبس الثياب المخيطة، غير أن الأفضل أن يقيم على إحرامه إلى يوم التروية، فإذا حضر هذا اليوم جدد الاحرام للحج فيه.

(1) لعل مناها: شديدا، يقال: كلب الدهر على أهله إذا الح عليهم واشتد، وفي نسخة " طالبا "

[ 242 ]

" باب السهو والشك في السعي " السهو والشك في السعي ضربان: أحدهما يجب منه إعادته، والآخر لا تجب منه ذلك، فأما الذي تجب منه إعادته فهو: أن يسهو فيقدم (1) على الطواف، أو يشك وهو فيه فلا يدري كم سعى، أو يسعى ثمانى مرات ويكون في الثامنة عند المروة أو يزيد فيه متعمدا، أو يسهو عنه فلا يذكره حتى صار في بلده، فعليه الرجوع لقضائه فإن لم يتمكن من ذلك أمر من يسعى عنه. وأما الذي لا يجب منه إعادته فهو: أن يسهو فيزيد فيه وقد بدء بالصفا، فليطرح الزيادة ويتم سبعين (2) إن شاء ذلك، أو يسعى تسع مرات ويكون في التاسع عند المروة فلا شيئ عليه، أو يسهو فينقص شوطا أو أكثر ثم يذكره فعليه إتمامه، أو يسهو عن الرمل (3) ويذكر ذلك في حال السعي، فليعد إلى المكان الذي سهى عنه فيه ثم يأتي بالرمل إن شاء الله. " باب التقصير بعد سعى العمرة المتمتع بها إلى الحج ". إذا فرغ المتمتع من هذا السعي فليقصر، وذلك أن يأخذ شيئا من شعره وأظفاره ولا يلحق رأسه، فإذا فعل ذلك فقد أحل من كل شيئ أحرم منه إلا الصيد والأفضل له البقاء على إحرامه وترك لبس المخيط من الثياب إلى أن يجدد الاحرام بالحج، فأما ما يلزمه على حلق رأسه هاهنا وما عليه أيضا إذا نسي التقصير حتى أحرم بالحج من الدم، فقد تقدم ذكره.

(1) تحتمل النسخة أن تكون الكلمة " فيقدمه " (2) تثنية سبع أي أربع عشرة مرة ولكن الاصطلاح الدارج هو الأسبوع (3) الرمل بالتحريك: الهرولة

[ 243 ]

" باب تجديد الاحرام بالحج في يوم التروية " أحكام هذا الاحرام وشروطه، كأحكام وشروط الاحرام المتقدم، إلا فيما نذكره الان وهو: إن هذا الاحرام ينبغي أن يعقده يوم التروية عند الزوال، فإن لم يتمكن من ذلك ففي الوقت الذي يعلم أنه يلحق معه الوقوف. ويذكر المحرم بالحج في إحرامه الحج فقط، ويقطع التلبية يوم عرفة عند الزوال فإن نسي وأحرم بالعمرة وقد كان التي بأركان الحج، أجزأه ذلك بالنية، فإن نسي الاحرام ولم يذكره حتى صار بعرفات أحرم بها، فإن لم يذكر حتى قضى مناسكه كلها لم يلزمه شيئ. والمتمتع بالعمرة إلى مكة ليلة عرفة، جاز له أن يعقد الاحرام بالحج بعد أن يطوف ويسعى، فإن دخلها يوم عرفة جاز له ذلك أيضا إلى زوال الشمس - فإذا زالت فقد فاتته العمرة وبطل كونه متمتعا وكانت حجته مفردة - هذا (1) إذا علم إنه يلحق عرفات، فإن لم يعلم ذلك وغلب على ظنه أنه لا يلحقها، لم يجز له أن يحل بل عليه أن يقيم على إحرامه الأول ويجعل حجته مفردة، لأنه لا يصح مع ما ذكرناه غير ذلك. " باب كيفية هذا الاحرام " قد ذكرنا فيما تقدم أن يوم التروية (2) هو الثامن من ذي الحجة، فإذا حضر هذا اليوم، فينبغي لمن يريد تجديد الاحرام أن يغتسل ويلبس ثوبي إحرامه، ويمضي

(1) إشارة إلى أصل المسألة (2) في النسخ بزيادة كلمة " الواو " هنا

[ 244 ]

إلى المسجد الحرام فيصلي فيه ويعقد إحرامه عند المقام، فإذا قصد المسجد فيقول " اللهم إني خرجت إليك راضيا، ولما قلت مسلما وبمن أرسلت مصدقا، ولما مننت شاكرا، وبما أنعمت عارفا فصل على محمد وآل محمد، واجعل توجهي إليك سببا لكل خير، وجملني بلباس التقوى، فارزقني الخضوع والخشوع وجنبني الرياء والسمعة برحمتك ". ثم يدخل المسجد، وإذا دخله فليكن دخوله بسكينة ووقار، فإذا أراد أن يطوف بالبيت تطوعا جاز له ذلك، ثم يصلي عند المقام ركعتين ويجلس إلى زوال الشمس فإذا زالت صلى ست ركعات أو ركعتين كما قدمناه. ويصلي فريضتي الظهر والعصر إن تمكن من ذلك وإلا صلى الظهر، فإذا فرغ دعا الله تعالى بما أراد وصلى على النبي وآله صلى الله عليهم. ثم عقد النية للاحرام بالحج وصار إلى عند المقام وهو أفضل المواضع التي يعقد الاحرام منها، فإذا وصل إليها دعا فقال " صدق الله الذي لا إله إلا هو، وبلغت رسله الكرام ونحن على ذلك من الشاهدين والحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وآل محمد واجعلني ممن استجاب لك وآمن بوعدك واتبع كتابك وسنة نبيك، فإنما أنا عبدك وفي قبضتك، اللهم إني أريد ما أمرت به من الحج على كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله، فقوني عليه ويسره لي وسلم لي مناسكي في يسر منك وعافية، واجعلني من وفدك وحجاج بيتك الذي رضيت عنهم وارتضيتهم اللهم إن عرض على عارض يحبسني فحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت على، أحرم لك جسدي وشعري وبشري ولحمي ودمي وعصبي وعظامي من النساء والطيب والثياب ". ثم يأتي بالتلبيات الأربع المفروضة وقد سلف ذكرها، ثم يقول " لبيك بحجة تمامها عليك ". ولا يرفع صوته بذلك، فإن كان نائبا عن غيره يقول " اللهم إني أريد

[ 245 ]

الحج عن فلان على كتابك وسنة نبيك، فيسره ي وسهله على "، ويقول بعد الاحرام " اللهم ما أصابني من تعب أو نصب، فآجر فلانا فيه وآجرني في قضائي عنه "، وإذا لبى قال من آخر التلبية " لبيك عن فلان بن فلان لبيك "، ثم يخرج متوجها إلى منى. " باب الخروج إلى منى بعد الاحرام بالحج " إذا أراد الحاج بعد إحرامه - كما قدمنا القول به - الخروج إلى منى، فالأفضل له أن لا يخرج من مكة إليها، حتى يصلي الظهر يوم التروية إلا الإمام خاصة فإن عليه أن يصلي الظهر والعصر بمنى ويقيم بها إلى طلوع الشمس من يوم عرفة ثم يمضي إلى عرفات. فإذا توجه الحاج من مكة إلى منى فينبغي له أن يقرء سورة إنا أنزلناه، فإذا بلغ الرقطا دون الردم (1) وأشرف على الأبطح، رفع صوته بالتلبيات الأربع المفروضة واتبعها بالمندوبة، وقد سلف بيان جميع ذلك، ويقول: " اللهم إياك أرجو ولك أدعو، فبلغني أملي وأصلح لي عملي ". حتى يصل إلى منى، فإذا وصل إليها قال: " الحمد لله الذي أقدمنيها صالحا، وبلغنيها في عافية سالما، اللهم هذه منى وهو (2) مما مننت به علينا، فأسئلك أن تمن على ما مننت به على أنبيائك وأوليائك وأهل طاعتك، فإنما أنا عبدك وفي قبضتك فصل على محمد وآل

(1) الرقطاء: موضع دون الردم، يسمى مدعى الاقوام مجتمع قبائلهم و " الردم " أي السد، ومنه الردم بمكة وهو حاجز يمنع السيل عن البيت المحرم ويعبر عنه الان بالمدعى (2) كذا في النسخ وفي الوسائل " وهذه " وهو الأصح، ج 10 الباب 6 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة، الحديث 2

[ 246 ]

محمد، واغفر لي ذنوبي واقض حوائجي "، ثم ينزل ويصلي العشائين والفجر، فإذا صلى الفجر غدا إلى عرفات. " باب الغدو إلى عرفات والوقوف بها وما يتعلق بذلك من الأحكام " فإذا غدا إلى عرفات، قال: " اللهم إليك صمدت واياك اعتمدت ووجهك أردت، وأمرك اتبعت وقولك صدقت، فأسئلك أن تبارك لي في رحلتي، وأن تقضي لي حاجتي وتنجح لي (1) طلبتي، وأن تباهي بي اليوم من هو أفضل مني اللهم صل على محمد وآل محمد وأعني على تمام مناسكي، وزك عملي واجعلها خير غدوة غدوتها، أقربها من رضوانك وأبعدها من سخطك. ثم يلبي التلبيات كلها يرفع صوته ويقرء إنا أنزلناه، ولا يزال ملبيا حتى يصل إلى عرفات، فإذا وصل إليها ضرب خبائه بنمرة وهي بطن عرفة، ولا يقطع التلبية بها إلى زوال الشمس من يوم عرفة، فإذا زالت قطعها واغتسل ودعا عند غسله فقال: " بسم الله وبالله وعلى سنة رسول الله صلى الله وعليه وآله، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا والعيوب، حتى تتوفاني وأنت عني راض ". ويكبر الله سبحانه ويهلله، ثم يصلي الظهر والعصر باذان واقامتين، ثم يتوجه إلى الموقف فيقف به، وأفضل مواضع الوقوف بها ميسرة الجبل قريبا من الميل، ولا يجوز أن يقف بنمرة ولا بثوية ولا ذي المجاز، ولا يرتفع إلى الجبل إلا لضرورة شديدة، فإذا وقف توجه إلى القبلة ويسبح الله تعالى مأة مرة وحمده مأة مرة وهلله مأة مرة وكبره مأة مرة وقال: " ما شاء الله لا قوة إلا بالله ". ثم يقول: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيئ قدير " ويقرء عشر آيات من أول سورة البقرة وآية الكرسي وآخر سورة البقرة من قوله: " لله ما في السموات وما

(1) في النسخ " في طلبتي "

[ 247 ]

في الأرض " إلى آخرها، ويقرء آية السخرة وهي: " إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، ألا له الخلق والامر تبارك الله رب العالمين ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا، إن رحمة الله قريب من المحسنين (1) ويقرء قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ويقول: " اللهم إني عبدك فلا تجعلني من أخيب وفدك، وارحم مسيري إليك، اللهم رب المشاعر الحرام كلها فك رقبتي من النار وأدخلني الجنة برحمتك وأوسع على من رزقك وادرء عني شر فسقة الجن والانس، اللهم إني أسئلك بحولك وقوتك ومجدك وكرمك ومنك وفضلك يا اسمع السامعين ويا أبصر الناظرين ويا أسرع الحاسبين ويا أرحم الراحمين أن تصلي على محمد وآل محمد وإن تغفر لي وترحمني وتفعل بي كذا وكذا ويذكر حوائجه للدنيا والآخرة " (2) ويقر بما يعرفه من ذنوبه (3) ويعترف به ذنبا ذنبا، ويستغفر الله تعالى في جملة لما يعرفه ولا يذكره، ويرفع يديه إلى السماء ويقول: " اللهم حاجتي - التي إن أعطيتنيها (4) لم يضرني ما منعتني (5) فإن منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني - فكاك رقبتي من النار اللهم إني عبدك، ناصيتي بيدك وأجلي بعلمك، أسئلك أن توفقني لما

(1) الاعراف، 56 - 53 لاحظ الوسائل، ج 10 - باب 14 استحباب الوقوف بعرفات على سكينة، الحديث 4 (2) الوسائل، ج 10 - الباب 14 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة الحديث 1 (3) وفي بعض النسخ " من توبة " (4) وفي بعض النسخ " أعطيتها " (5) وفي بعض النسخ " منعتنيها "

[ 248 ]

يرضيك عني وأن تسلم لي مناسكي التي أريتها إبراهيم خليلك عليه السلام، ودللت عليها بنبيك محمد صلى الله عليه وآله. اللهم اجعلني ممن رضيت عمله، وأطلت عمره وأحييته بعد الممات حياة طيبة، الحمدلله على نعمائه التي لا تحصى بعدد، ولا تكافئ بعمل، الحمد لله على عفوه بعد قدرته، الحمد لله على رحمته التي سبقت غضبه ". ويكثر من الدعاء ويحذر أن يشغله الشيطان عن الدعاء بالنظر إلى الناس، فقد ذكر أنه ليس شيئ أحب إليه من أن يذهل الناس في الموقف عن ذلك، ويدعو بعد ما ذكرناه بدعاء الموقف إن أراد ذلك. " باب دعاء الموقف " " لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السموات السبع، ورب الأرضين السبع، وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وخيرتك من خلقك، وعبدك الذي اصطفيته لرسالاتك، واجعله يا الهي أول شافع واول مشفع، وأبرك قائل وأنجح سائل ". " اللهم صل على محمد وآل محمد، أفضل ما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم انك حميد مجيد، اللهم انك تجيب المضطر إذا دعاك، وتكشف السوء وتغيث المكروب وتشفي السقيم، وتغنى الفقير وتجبر الكسير، وترحم الصغير وتعين الكبير، وليس فوقك أمير وأنت العلي الكبير، يا مطلق المكبل (1) والأسير يا رازق الطفل الصغير، يا عصمة الخائف المستجير يا من لا شريك له ولا وزير ". " اللهم انك أعظم من دعى وأسرع من أجاب، وأكرم من عفا وخير من أعطى، وأوسع من سأل ورحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، ليس كمثلك شيئ مسئول ولا معط، دعوتك فأجبتني وسألتك فأعطيني، وفزعت إليك فرحمتني، وأسلمت

(1) الكبل: القيد، تقول كبلت الاسير إذا قيدته فهو مكبل

[ 249 ]

نفسي إليك فاغفر لي ولوالدي وولدي وكل سبب ونسب في الاسلام لي ولجميع المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات " " اللهم إني أسئلك بعظيم ما سألك به أحد من خلقك، من كريم أسمائك وجميل ثنائك وخاصة آلائك، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تجعل عشيتي هذه أعظم عشية مرت على منذ أنزلتني إلى الدنيا، بركة في عصمة من دينى وخاصة ي وقضاء حوائجي، وتشفيعي في مسائلي وإتمام النعمة علي وصرف السوء عني وألبسني ثوب العافية، وأن تجعلني ممن نظرت إليه في هذه العشية برحمتك، انك جواد كريم ". " اللهم صل على محمد وآل محمد، ولا تجعل هذه العشية آخر العهد مني، فبلغنيها (1) من قابل مع حجاج بيتك الحرام، والزوار لقبر نبيك عليه السلام في أعفى عافيتك، وأعم نعمتك وأوسع رحمتك، وأجزل قسمك وأسبغ رزقك وأفضل الرجاء، وأنا لك على أحسن الوفاء انك سميع الدعاء ". " اللهم صل على محمد وآل محمد، واسمع دعائي وارحم تضرعي، وتذللي واستكانتي وتوكلي عليك، وأنا لك سلم لا أرجو نجاحا ولا معافا ولا تشريفا إلا بكرمك، فامنن على بتبليغي هذه العشية من قابل، وأنا معافا من كل مكروه ومحذور من جميع البوائق، وأعني على طاعتك وطاعة أوليائك، الذين اصطفيتهم من خلقك لخلقك ". " اللهم صل على محمد وآل محمد، وسلمني في دينى وامدد لي في اجلى، وأصلح (2) لي جسمي، يا من رحمني وأعطاني سؤلي، واغفر لي ذنبي انك على كل شيئ قدير، اللهم صل على محمد وال محمد، وتمم لي نعمتك فيما بقي من عمري، حتى تتوفاني وأنت عني راض، اللهم صل على محمد وآل محمد،

(1) وفي بعض النسخ " حتى تبلغها " وفي نسخة المقنعة " حتى تبلغنيها " (2) وفي المقنعة " وأصح "، ص 65

[ 250 ]

ولا تخرجني عن ملة الاسلام، فأني اعتصمت بحبك ولا تكلني إلى غيرك، اللهم صل على محمد وآل محمد، وعلمني ما ينفعني، واملأ قلبي علما وخوفا من سطواتك ونقماتك، اللهم إني أسئلك مسألة المضطر إليك، المستجير من عذابك، الخائف من عقوبتك أن تغفر لي بعفوك وتحنن على برحمتك، وتجود على بمغفرتك وتؤدي عني فريضتك، وتغنيني بفضلك عمن سواك من (1) أحد من خلقك، وأن تجيرني من النار برحمتك، اللهم صل على محمد وآل محمد، وافتح لي (2) فتحا يسيرا وانصره نصرا عزيزا، اللهم صل على محمد وآل محمد، واظهر حجته بوليك وأحي سنته بظهوره حتى يستقيم بظهوره جميع عبادك وبلادك ولا يستخفى أحد بشئ من الحق مخافة أحد من الخلق ". " اللهم إني أرغب إليك في دولته الشريفة الكريمة، التي تعز بها الاسلام وأهله، وتذل بها الشرك وأهله اللهم صل على محمد وآل محمد، واجعلني فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقائدين (3) في سبيلك، وارزقني كرامة الدنيا والآخرة، اللهم ما أنكرناه من الحق فعرفناه، وما قصرنا عنه فبلغناه، اللهم صل على محمد وآل محمد واستجب لنا ما دعوناك وسألناك، واجعلنا ممن يتذكر فتنفعه الذكرى، وأعطني اللهم سؤالي في الدنيا والآخرة، انك على كل شيئ قدير ". ثم يجتهد في الدعاء فإذا فرغ منه وغربت الشمس، أفاض من عرفات إلى المشعر الحرام. " باب أحكام الوقوف بعرفات ". هذه الأحكام على ضربين: واجب، ومندوب، فأما الواجب فهو: الوقوف بالموقف إلى غروب الشمس، والافاضة منه إلى المشعر الحرام عند غروبها، واعادة

(1) وفي المقنعة " تغنيني بفضلك عن سؤال أحد.. " (2) وفي المقنعة " وافتح له " وهذه تناسب ما بعدها.
(3) وفي بعض النسخ " والعابرين " كما في المقنعة

[ 251 ]

الحج من قابل إذا تركه متعمدا، فإن نسيه أعاده ما بينه وبين طلوع الفجر من يوم النحر، فإن لم يذكر ذلك إلا بعد طلوع الفجر، وكان قد وقف بالمشعر الحرام، كان حجه ماضيا ولا شيئ عليه. ولا يخرج أحد من منى إلى عرفات إلا بعد طلوع الفجر من يوم عرفة، إلا أن يكون مضطرا إلى ذلك، ولا يجوز الحاج منها وادي محسر إلا بعد طلوع الشمس من هذا اليوم أيضا، ولا يرتفع إلى الجبل إلا لضرورة ولا يقف تحت الاراك، ولا في نمرة ولا في ثوبة ولا في ذي المجاز. وأما المندوب فهو: الدعاء في التوجه من منى إلى عرفات، والغسل عند زوال الشمس قبل الوقوف بها، وضرب الخباء بنمرة وهي بطن عرنة، والجمع في عرفات بين الظهر والعصر باذان واحد واقامتين، وأن لا يخرج الإمام من منى إليها إلا بعد طلوع الشمس من يوم عرفة ومن سواه يجوز له الخروج قبل ذلك. " باب الافاضة من عرفات إلى المشعر الحرام ". ينبغي لمن أراد الافاضة من عرفات إلى المشعر الحرام أن لا يفيض منها إلى غيرها حتى تغرب الشمس، فإذا غربت وأفاض منها قال: " اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا الموقف، وارزقنيه أبدا ما أبقيتني واقلبني مفلحا منجحا مستجابا لي مرحوما مغفورا بأفضل ما ينقلب به أحد من وفدك عليك، واعطني أفضل ما أعطيت أحدا منهم من الخير والبر والرحمة والرضوان والمغفرة، وبارك لي فيما أرجع (1) إليه من مال أو أهل أو قليل، أو كثير، وبارك لهم في ". ويقصد في سيره (2) حتى يصل إلى الكثيب الأحمر فإذا وصل إليه وهو عن يمين الطريق، قال: " اللهم ارحم موقفي، وزك عملي، وسلم دينى، وتقبل مناسكي "

(1) وفي بعض النسخ " فيما يرجع " (2) وفي بعض النسخ يقتصده في مسيره

[ 252 ]

ثم يمضي حتى يصير عند المأزمين، فإذا صار عنده قال: الله أكبر أربع مرات، ثم يقول: " اللهم صل على محمد وآل محمد، خيرتك من خلقك وآله الطاهرين، الهي إلى هاهنا دعوتني وبما عندك وعدتني، وقد أجبتك بتوفيقك وفضلك فارحمني وتجاوز عني بكرمك ". ثم ينزل المشعر الحرام، فإذا وصل إليه نزل به إن وجد فيه خللا (2) وإن لم يجد ذلك لكثرة الناس نزل قريبا منه ويصلي فيه العشائين باذان واحد واقامتين، ويؤخر نوافل المغرب إلى بعد الفراغ من العشاء الآخرة، ولا يصليها إلا فيه ولو مضى ربع الليل أو ثلثه، فإن لم يبلغ إليه إلى ثلث الليل جاز له أن يصلي المغرب في الطريق. فإذا فرغ من صلاته بالمشعر، قال: " اللهم هذه جمع (3) فأسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تجمع لي فيها جوامع الخير الذي جمعت لأنبيائك وأهل طاعتك من خلقك، وقد أمرت عبادك بذكرك عند المشعر الحرام فصل على محمد وآل محمد، ولا تؤيسني من خيرك، وعرفني في هذا المكان ما عرفت أوليائك، ولا تخيبني فيما رجوتك، وأعتقني ولوالدي ولجميع المؤمنين من النار برحمتك ". ثم يجتهد في الصلاة والدعاء طول ليله (4) إن تمكن من ذلك إلى الفجر، فإذا طلع الفجر صلى الفريضة، وتوقف متوجها إلى القبلة ودعا بما نورده الان من دعاء الموقف بالمشعر الحرام، ويجتهد في ذلك إلى طلوع الشمس، فإذا لم يتمكن من ذلك لضرورة، فإنه يستحب له أن يطأ المشعر برجله مع التمكن منه.

(1) المأزمان: بكسر الزاء وبالهمز - ويجوز التخفيف بالقلب ألفا - الجبلان بين عرفات والمشعر.
(2) الخلل: الفرجة بين الشيئين.
(3) هو اسم آخر للمشعر.
(4) في بعض النسخ " ليلة " بالتاء، والظاهر أنها تصحيف.

[ 253 ]

" باب الدعاء في الموقف بالمشعر الحرام " ينبغي لمن أراد الوقوف بالمشعر الحرام بعد صلاة الفجر أن يقف منه بسفح الجبل متوجها إلى القبلة، ويجوز له أن يقف راكبا، ثم يكبر الله سبحانه ويذكر من آلائه وبلائه ما تمكن منه، ويتشهد الشهادتين ويصلي على النبي وآله والأئمة عليهم السلام وإن ذكر الأئمة واحدا واحدا ودعا لهم وتبرء من عدوهم كان أفضل. ويقول بعد ذلك: " اللهم رب المشعر الحرام، فك رقبتي من النار، وأوسع علي من الرزق الحلال، وادرء عني شر فسقة الجن والانس، اللهم أنت خير مطلوب إليه، وخير مدعو وخير مسؤول، ولكل وافد جائزة، فاجعل جائزتي في موطني هذا، أن تقيلني عثرتي وتقبل معذرتي وتجاوز عن خطيئتي، ثم اجعل التقوى من الدنيا زادي برحمتك. " ثم يكبر الله سبحانه مأة مرة، ويحمده مأة مرة، ويسبحه مأة مرة، ويهلله مأة مرة، ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله ويقول: " اللهم اهدني من الضلالة، وأنقذني من الجهالة، واجمع لي خير الدنيا والآخرة، وخذ بناصيتي إلى هداك وانقلني إلى رضاك، فقد ترى مقامي بهذا المشعر الذي انخفض لك فرفعته، وذل لك فأكرمته وجعلته علما للناس، فبلغني فيه مناي ونيل رجائي، اللهم إني أسئلك بحق المشعر الحرام أن تحرم شعري وبشري على النار، وأن ترزقني حياة في طاعتك وبصيرة في دينك وعملا بفرائضك، واتباعا لأوامرك وخير الدارين جامعا، وأن تحفظني في نفسي وولدي ولوالدي وأهلي وإخواني وجيراني برحمتك. ويجتهد في الدعاء والمسألة والتضرع إلى الله سبحانه إلى حين ابتداء طلوع الشمس، فإذا طلعت أفاض من المشعر الحرام إلى منى، ويأخذ حصى الجمار منه ومن الطريق، ولا يفيض قبل طلوع الشمس، ويسير بسكينة ووقار، ويذكر الله سبحانه ويصلي على النبي وآله عليهم السلام. ويجتهد في الاستغفار حتى يصل وادي محسر، فإذا وصل إلى هذا الوادي سعى فيه، فإن كان راكبا حرك دابته حتى يجوزه، وهو يقول:

[ 254 ]

" اللهم سلم عهدي، واقبل توبتي واجب دعوتي واخلفني فيمن تركت بعدى " ثم يمضي إلى منى. " باب أحكام الوقوف بالمشعر الحرام " هذه الأحكام على ضربين: واجب، ومندوب، فالواجب: هو الوقوف به، وذكر الله سبحانه والصلاة على النبي وآله عليهم السلام، والرجوع إلى منى بعد ذلك، واعادة الحج من قابل إذا ترك هذا الوقوف متعمدا، وكذلك يجب عليه إذا أدرك المشعر بعد طلوع الشمس، فإن أدركه قبل ذلك كان الحج ماضيا، ولا يرتفع الوقوف بالمشعر الحرام إلى الجبل، إلا لعائق من ضيق أو ما أشبهه. ولا يخرج أحد من المشعر قبل طلوع الفجر، ولا يجوز وادي محسر حتى تطلع الشمس أيضا، ولا يخرج الإمام من المشعر إلا بعد طلوع الشمس مع التمكن من ذلك. وأما المندوب: فهو الدعاء عند الافاضة إلى المشعر الحرام، والاقتصاد في السير إليه، والدعاء عند الكثيب الأحمر، والسعي عند وادي محسر حتى يجوزه، والدعاء عند هذا الوادي، ويجمع بين العشائين باذان واحد واقامتين، وأن لا يصلي بين العشائين نوافل، بل يؤخر ذلك إلى بعد صلاة عشاء الآخرة. " باب الرجوع من المشعر الحرام إلى منى ليقضي المناسك بها " ينبغي للحاج إذا فرغ من الوقوف بالمشعر الحرام الرجوع إلى منى ويقضي مناسكه بها، وهذه المناسك ثلاثة أشياء، وهي رمي الجمار، والذبح، والحلق. " باب رمي الجمار " إذا أردنا أن نبين رمي الجمار، فينبغي أن نبين ما يجوز الرمي به من هذا الحصا، فهو الذي يأخذ من جمع أو من منى أو من الطريق إذا عاد الحاج من المشعر

[ 255 ]

الحرام إلى منى ولم يتمكن من أخذها من جمع ولا من منى، و (1) يجوز أخذها من جميع الحرم إلا ما سنذكره. وينبغي أن يكون برشا (2) منقطة، كحلية، ولا يكسرها، ويكره أن يكون صما، ولا يأخذ الحصى للرمي من خارج الحرم، ولا حصى المسجد الحرام، ولا مسجد الخيف، ينبغي للعائد من المشعر الحرام إلى منى يوم النحر أن يرمى الجمرة القصوى وحدها بسبع حصيات، ولا يرمى غيرها في هذا الوقت، بل يرمى الجمار الثلاث بعد رجوعه من مكة وفراغه من طواف الحج وسعيه في أيام التشريق، وهي - الثاني والثالث والرابع من يوم النحر، في كل يوم بإحدى وعشرين حصاة كل واحدة بسبع حصيات، فتكون جملة الحصى سبعين حصاة، يرمي منها يوم النحر جمرة العقبة بسبع حصيات، ويبقي منها ثلاث وستون حصاة، يرمي في أيام التشريق الجمار الثلاث، في كل يوم بإحدى وعشرين حصاة، لكل واحدة سبع حصيات. فإذا أراد الحاج رمي الجمار بهذه الحصيات، فينبغي أن يكون على طهر، ويقف متوجها إلى القبلة، ويجعل الجمرة عن يمينه، ويكون بينه وبينها مقدار عشرة أذرع إلى خمسة عشر ذراعا من بطن الميل، ويأخذ الحصاة فيضعها على باطن إبهامه ويدفعها بالمسبحة، وقيل بل يضعها على ظهر إبهامه ويدفعها بالمسبحة. ويقول: " اللهم هذه حصياتي، فاحصهن لي وارفعهن في عملي، بسم الله وبالله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، الله أكبر اللهم تصديقا بكتابك وعلى سنة نبيك، اللهم اجعله حجا مبرورا وسعيا مشكورا، وعملا مقبولا وذنبا مغفورا " ويقول ذلك مع كل حصاة، ويجزيه أن يذكر ذلك مع الأولى، ويكبر مع كل واحدة، أو يكبر مع الكل، لكل واحدة تكبيرة، ويفعل ذلك حتى يتم رمي السبع حصيات،

(1) في بعض النسخ بزيادة كلمة " لا " هنا، والظاهر أنها تصحيف بقرينة قوله بعد أسطر " ولا حصى المسجد الحرام.. " وعدم نقل الخلاف في المسألة.
(2) البرش بالضم: المشتملة على الوان مختلفة.

[ 256 ]

فإذا تم ذلك رجع إلى رحله بمنى، وهو يقول: " اللهم بك وثقت، وعليك توكلت فنعم الرب ونعم المولى ونعم النصير " فإن كان نائبا من غيره قال عند رمي الجمرة: " اللهم إن هذه الحصيات عن فلان بن فلان، فاحصهن له وارفعهن في عمله، واجعله له حجا مقبولا وسعيا مشكورا وعملا مبرورا، وأثبني على أدائي عنه " ويدعو له ولنفسه بما أراد، ثم يبتاع الهدي " باب السهو في رمي الجمار وغيره " إذا لم يرم الحاج الجمار إلى أن غابت الشمس، لم يجز له الرمي إلا من الغد بكرة، ولا يرمي ليلا إلا لضرورة من خوف أو غيره إلا أن يكون امرأة أو عبدا فإنه يجوز لهما ذلك. وينبغي أن يرمي من (1) يحج به من صبي ومن لا يقدر على ذلك لمرض أو غيره، فإذا نسي الرمي حتى أتى مكة كان عليه أن يرجع ليقضي ذلك، وإن لم يذكره حتى عاد إلى أهله لم يكن عليه شئ، فإن عاد حاجا قضاه، فإن لم يحج، أمر من يقضي عنه، وإذا بدء بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم الأولى، اعاد على الوسطى وجمرة العقبة. فإذا سهى فرمى الجمرة الأولى بثلاث حصيات، ورمى الجمرتين الاخيرتين على التمام، اعاد عليها كلها، فإن كان قد رمى الأولى بأربع، ثم تمم الرمي على الاخيرتين، اعاد على الأولى بثلاث حصيات ولم يعد على الباقي، وكذلك إذا رمى الوسطى بأقل من أربع، اعاد عليها وعلى ما بعدها، فإن كان رماها بأربع تممها ولا إعادة عليه الثالثة. وإذا علم أنه قد نقص حصاة ولم يعلم لاى الجمار هي، اعاد على كل واحدة منهن بحصاة، ومن كان عليه رمي يومين، رماها كلها يوم النفر، وإذا فاته رمي لأمسه رمى ما فاته من ذلك من الغد بكرة، وما كان مخصوصا بيومه رماه عند الزوال،

(1) الصحيح " عن من ".

[ 257 ]

وإذا رمى جمرة بحصاة فوقعت في محله (1) اعاد مكانها غيرها، فإن أصابت شيئا (2) ووقعت على الجمرة فلا إعادة عليها. " باب أحكام الهدي وذبحه أو نحره ". الهدي لا يكون إلا من الإبل أو البقر أو الغنم، فإن كان من الإبل فيجب أن يكون ثنيا من الاناث، وهو الذي تمت له خمس سنين ودخل في السادسة، وإن كان من البقر، فيكون ثنيا من الاناث أيضا فما فوق ذلك، والثنى منها هو الذي تمت له سنة ودخل في الثانية، وإن كان من الضأن فجذعا فما فوقه وهو الذي لم يدخل في السنة الثانية. ويجب أن لا يكون ناقص الخلقة، ولا اعور بين العور، ولا اعرج بين العرج، ولا عجفاء (3) ولا أجذم، ولا أجذع (4) وهو المقطوع الأذن، ولا خصيا إلا أن لا يقدر على غيره، ولا أعضب وهو المكسور القرن، إلا أن يكون الداخل صحيحا والخارج مقطوعا، فإنه يجوز إذا كان كذلك ويحضر به عرفات، ولا يجزي الهدي الواحد عن أكثر من واحد، إلا في حال الضرورة فإنه يجزي عن أكثر من ذلك. وإذا ضل الهدي عن صاحبه، فوجده غيره فذبحه بغير منى، كان على صاحبه العوض لأنه إنما يجزي عنه إذا ذبحه بمنى.

(1) كذا في بعض النسخ، وفي الرواية ".. فوقعت في محمل.. " راجع الوسائل، ج 10، الباب 6 من أبواب رمي جمرة العقبة، ص 72.
(2) في بعض النسخ " ستا " والظاهر أنها تصحيف والصحيح ما في المتن.
(3) العجفاء: الضعيفة المهزولة.
(4) كذا في بعض النسخ والظاهر أنها تصحيف والصحيح " اجدع " بالدال بالمهملة وفي دعائم الاسلام، ص 327 " نهي عن الجدعاء " وفي الفقيه، باب الأضاحي، ح 3048 " لا يضحى.. ولا بالجدعاء.. والجدعاء المقطوعة الأذن " وفي التهذيب، ج 5، ص 213، ح 716 " ولا بالجذاء.. والجذاء مقطوعة الأذن " نعم في الوسائل المطبوعة حديثا ج 10، ص 119 ولا بالجذعاء.. " بالمعجمة ولكنها أيضا تصحيف بقرينة كونها مهملة في المطبوعة قديما

[ 258 ]

وينبغي لصاحب الهدي أن لا يأكل منه إذا كان قد وجب عليه في نذر أو كفارة، فإن أكله من غير ضرورة كان عليه الفداء، ولا ابتياعه مهزولا (1) - وهو عالم بذلك - وحد الهزال الذي لا يجوز معه ذلك هو أن لا يكون على كليتيه شحم وإن اشتراه على إنه سمين فخرج مهزولا كان مجزيا، ولا يجزي المهزول إلا بأن لا يقدر على غيره. وينبغي أن يجعل حكم ما ينتج من الهدي حكم أمه في وجوب النحر أو الذبح وإذا ضاع الهدي بعد تقليده وإشعاره واشترى عليه، ثم وجد الأول وأراد ذبح (2) الثاني فعليه ذبح الأول معه، لأنه إنما يجوز له بيع الثاني إذا اختار ذبح الأول، فإن لم يكن اشعر الأول ولا قلده، كان مخيرا في ذبح أيهما شاء والأفضل ذبحهما جميعا ولا ينبغي تأخير الذبح بمنى إلى بعد الحلق إلا أن يكون ناسيا، وإذا لم يقدر على ابتياع الهدي، فينبغي أن يترك ثمنه عند ثقة يشتريه به ويذبحه عنه في العام المقبل، وإذا لم يقدر المتمتع على هدى التمتع كان عليه صوم عشرة أيام، سبعة منها إذا رجع إلى أهله، وثلاثة في الحج وهي يوم قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، فإن لم يتمكن من ذلك صام ثلاثة أيام بعد التشريق، فإن لم يقدر صام باقي ذي الحجة فإن دخل عليه المحرم ولم يكن صام من ذلك شيئا كان عليه دم. والسيد إذا أمر عبده بالحج متمتعا، كان عليه أن يذبح عنه أو يأمره بالصوم، فإن أعتق العبد قبل الوقوف بالموقفين، كان عليه الهدي، والحاج يصوم صوم الهدي عمن يلى أمره إذا مات قبل أن يصومه. ومن نذر ذبح هدى في مكان معين، وجب عليه ذبحه في ذلك المكان، فإن ولم يعين ذلك ذبحه بفناء الكعبة (3) وهدى المتعة ينبغي أن يذبح في أيام ذي الحجة

(1) في بعض النسخ هنا إضافة " كان مجزيا " إلا أنها مضروبة عليها بالقلم لكن الظاهر لزومها (2) كذا في بعض النسخ والظاهر أنها تصحيف، والصحيح " بيع الثاني " (3) بفناء الكعبه: سعة امامها - وقيل ما امتد من جوانبها دورا وهو حريمها خارج المملوك منها ومثله فناء الدار

[ 259 ]

ولا يتجاوز به ذلك، وإن كان أحرم بالحج ذبحه بمنى، وإن كان للعمرة المفردة ذبحه بالحرورة مقابل الكعبة، وايام الذبح بمنى أربعة وهي - يوم النحر وثلاثة بعدها وفي ساير الامصار ثلاثة أيام أولها يوم النحر ويومان بعدها. ويستحب له أن يتطوع بالهدي، إذا لم يكن متمتعا، وإذا صام (ثلاثة الأيام بمكة ثم تمكن من الهدي فليهده، وينبغي أن ينحر ما يجب نحره، قائما مربوط اليدين بين الخف والركبة، ولا يأخذ من جلده شيئا بل يتصدق به، والذابح ينبغي أن يتولى الذبح بنفسه، فإن لم يستطع ذلك وضع يده مع الذابح ويسمى بسم الله عند الذبح، ولا يترك التسمية فإنها واجبه، ومتى تعمد تركها لم يجز أكل ما ينحره أو يذبحه فإن كان ناسيا جاز له ذلك، ويدعو عند الذبح وإن جمع بين الهدي والأضحية كان أفضل، وإن كان نائبا عن غيره ذكره عند الذبح وينبغي أن يقسم ذلك ثلاثة أقسام: يأكل الواحد - إلا أن يكون هدى نذرا أو كفارة، فإنه إن كان كذلك لم يجز أكل شيئ منه - ويهدى قسما آخر، ويتصدق بالثالث. فأما الأضحية فهي مندوبة وشروطها شروط ذبح الهدي سواء، والأيام التي ينبغي نحرها أو ذبحها فيها هي الأيام التي ينبغي نحر الهدي أو ذبحه فيها، وقد سلف ذكر ذلك. " باب الحلق " إذا ذبح الحاج هديه أو نحره اغتسل وقصر من شعره أو حلق، والتقصير هو الواجب والحلق مندوب، فإن كان الحاج صرورة (1) فقد ذكر أنه لا يجزيه إلا الحلق، ومن لم يكن صرورة، فالتقصير يجزيه إلا أن الحلق أفضل. والحلق يجب أن يكون بمنى، فإن نسي حتى خرج منها رجع إليها ليقصر أو يحلق بها، فإن لم يتمكن من ذلك حلق في موضع الذكر له وينفذ شعره ليدفن

(1) الصرورة هو الذي لم يحج بعد.

[ 260 ]

بها، وليس على النساء حلق ويجزيهن التقصير وينبغي لمن أراد التقصير أو الحلق أن يغتسل ويستقبل القبلة، ويقصر من شعر رأسه ولحيته وأظفاره وإن شاء حلق، ويكون الابتداء بالحلق من الناصية من القرن الأيمن إلى الأذنين، فإن لم يكن على رأسه شعر أمر الموسى عليه. ويدعو عند ذلك ويقول: " اللهم اعطني بكل شعرة نورا يوم القيامة وحسنات مضاعفة " فإن كان نائبا عن غيره قال: " اللهم هذا عن فلان، اللهم حرم شعره وبشره من النار " فإذا فرغ من ذلك فينبغي أن يدخل مكة لزيارة البيت ويرجع إلى منى. " باب الدخول إلى مكة من منى لزيارة البيت والرجوع إلى منى " من فرغ من التقصير أو الحلق، فينبغي أن يتوجه إلى مكة من يومه أو من الغدوة (1) ولا يؤخر ذلك، ليزور البيت بطواف الزيارة وهو طواف الحج ويسعى سعيه، وينبغي أن يغتسل إن توجه إلى زيارة البيت في اليوم الثاني من يوم النحر، فإن كان توجهه إلى ذلك يوم النحر كان الغسل الذي فعله عند الحلق مجزيا له عن ذلك ويذكر الله سبحانه في توجهه إلى مكة، ويأتي من حمده والثناء عليه بما أمكنه ويصلي على النبي وآله عليهم السلام بما أمكن أيضا، ويدعو فيقول: " اللهم إني أريد بتوجهي هذا زيارة بيتك الحرام غير راغب عن مشاعرك العظام، فأسألك أن تعينني على نسكي ولا تجعله آخر العهد مني يا ذا الجلال والاكرام " ويقرء سورة إنا أنزلناه ". فإذا وصل إلى مكة قال: " الحمدلله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وسلم تسليما، اللهم إني عبدك والبلد بلدك، والبيت بيتك، حيث أطلب رحمتك، متبعا لامرك راضيا بقدرك، فأسألك المضطر الخائف المشفق من عذابك أن تلبسني عفوك وتجيرني من النار برحمتك " (2)

(1) وفي بعض النسخ: الغد.
(2) الوسائل ج - 10 - الباب - 4 - من أبواب زيارة البيت - الحديث: 1.

[ 261 ]

ثم يمضي، فإذا وصل إلى باب المسجد الحرام - وهو باب بني شيبة - وقف على عتبته - وقد ذكرنا أنها الصنم الذي يسمى هبلا - ثم يقول " السلام على رسول الله وعلى أهل بيته الطاهرين، السلام على أنبياء الله ورسله وملائكته وحججه، اللهم صل على محمد وآله أجمعين وسلم عليهم تسليما، يا مقيل العثرات يا مكفر السيئات، أسألك أن تقيلني عثرتي وأن ترحم عبرتي وتجاوز عن زلتي، اللهم هذا مقام العائذ بك من النار، فأعذني منها ووالدي وولدي وجميع أهلي وإخواني، بقدرتك إنك على كل شيئ قدير " ويدخل المسجد ويقدم رجله اليمنى، ويقول: " بسم الله وبالله اللهم صل على محمد وآل محمد ". ثم يمضي حتى يقف عند الحجر الأسود، فيستلمه ويدعو عنده كما دعا يوم قدم مكة، ويبتدئ منه بطواف الزيارة - وهو طواف الحج كما ذكرنا - يفعل فيه كما فعل في طواف التمتع، من الابتداء بالحجر الأسود والختم به والدعاء وغير ذلك، فإذا فرغ من ذلك مضى إلى الصفا وسعى سعى الحج، يفعل فيه كما فعل في السعي الأول الذي هو سعى التمتع، فإذا فرغ من سعى الحج طاف طواف النساء، ويجوز له تأخيره عن هذا اليوم، إلا أنه لا تحل له النساء حتى يطوف، فإذا فرغ مما ذكر رجع إلى منى لرمي الجمار الثلاث بها في أيام التشريق، ويبيت بها ليالي هذه الأيام الثلاث. " باب الرجوع من مكة إلى منى لرمي الجمار الثلاث بها وغير ذلك " إذا فرغ مما قدمنا ذكره من طواف الحج أو سعيه، خرج عائدا إلى منى، فإذا وصل إليها بات بها ليالي التشريق، فإن بات بغيرها ليلة من هذه الليالى كان عليه شاة، ثم يرمي الجمار الثلاث في كل يوم من هذه الأيام الثلاث بإحدى وعشرين حصاة، ويفعل في حال الرمي مثل ما قدمنا ذكره في رمي الجمرة القصوى يوم النحر، ويأتي من أحكام الرمي والدعاء بما ذكرناه هناك. ويكبر في أيام التشريق بمنى عقيب خمس عشرة صلاة - أولها الظهر من يوم

[ 262 ]

النحر وآخرها صلاة الغداة من يوم الرابع منه - يقول: " الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، ورزقنا من بهيمة الانعام " ثم ينفر من منى بعد ذلك. " باب النفر " النفر نفران - أول وثان - فأما الأول: فيومه يوم الثاني من أيام التشريق وهو الثالث من يوم النحر، وأما الثاني: فيومه يوم الثالث من أيام التشريق وهو الرابع من يوم النحر أول النهار، وأما إذا انتصبت الشمس (1) فمن أراد النفر من منى، فليصل بمسجد الخيف ست ركعات أو ركعتين عند المنارة، فإذا فرغ منها دعا فقال: " الحمدلله حقا حقا وقولا وصدقا، وصلى الله على سيدنا محمد رسوله وعلى آله الطاهرين وسلم تسليما، اللهم أنت الله لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت، ولا مضل لمن هديت ولا هادى لمن أضللت، ولا معز لمن ذللت، ولا مذل لمن أعززت، ولا مقدم لمن أخرت ولا مؤخر لمن قدمت، وأسألك يا الله يا رحمان يا رحيم، أن تصلي على محمد وآله الطاهرين، وأن تفعل بي كذا وكذا - وتذكر حوائجك للدنيا والآخرة -. " ثم يخرج (2) ما بقي عليه رمي الجمار، وينفر بعد ذلك، ثم يمضي إلى مكة. وكل من أصاب النساء أو شيئا من الصيد فليس له أن ينفر في النفر الأول، وعليه أن يقيم إلى النفر الأخير، ومن لم يصب ذلك فله أن ينفر في النفر الأول، والأفضل له أن يقيم إلى النفر الأخير. وإذا أراد أن ينفر في النفر الأول فلا ينفر حتى تزول الشمس، ومن كانت به ضرورة من خوف وغيره فإنه يجوز له تقديم ذلك قبل الزوال، وليس له ذلك مع ارتفاع الضرورة عنه، ومن أراد النفر بعد الزوال في النفر الأول، فله أن ينفر

(1) انتصب: أي قام وارتفع.
(2) أي يخرج عن ذمته.

[ 263 ]

بينه وبين غروب الشمس، فإذا غربت فلم يجز له النفر وعليه أن يبيت بمعنى إلى الغد. فإذا نفر في النفر الأخير فيجوز له أن ينفر من بعد طلوع الشمس أي وقت شاء، وإن لم ينفر وأراد المقام جاز له ذلك، إلا الإمام وحده فإن عليه أن يصلي الظهر بمكة. ومن نفر من منى وكان قد قضى مناسكه كلها، جاز له أن لا يدخل مكة، وإن كان قد بقي عليه شيئ من المناسك لم يكن له بد من الرجوع إليها والأفضل دخول مكة على كل حال. فإذا مضى إلى مكة ووصل إلى مسجد الحصا (1) وهو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله، فيدخله ويستلقي على ظهره فيه، فإذا استراح توجه إلى مكة، فإذا وصل إليها فليغتسل ويدخل بعد ذلك الكعبة، فإن كان صرورة من الرجال دون النساء لم يجز له ترك ذلك مع الاختيار، فإن لم يتمكن من ذلك لضرورة فلا شيئ عليه. ومن دخلها فينبغي أن يكون حافيا، ولا يدخلها بحذاء ولا يمتخط (2)، ولا يبصق، ثم يدعو عند دخولها فيقول: " بسم الله وبالله ما شاء الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله السلام، السلام على محمد بن عبد الله رسول الله، السلام على أمير المؤمنين عليه السلام وصي نبي الله - ويسلم على الأئمة عليهم السلام - ويقول: الحمد لله الذي جعلني من وفد بيته وزواره، اللهم إني أسألك بلا إله إلا أنت وحدك لا شريك له يا أحد يا فرد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تفك رقبتي من النار، اللهم انك قلت ومن دخله كان آمنا، فأمني من عذابك ومن الفتنة في الدنيا والآخرة برحمتك. ويصلي بين الاسطوانتين على الرخامة الحمراء ركعتين، يقرء في الأولى الفاتحة وحم السجدة، وفي الثانية الفاتحة وعدد آيات السجدة، وإن قرء غير ذلك كان جائزا، ويصلي في كل زاوية من زواياها ركعتين، بدء بالزاوية التي فيها الدرجة

(1) وفي نسخة: " الحصب ".
(2) امتخط: أخرج المخاط من أنفه، والمخاط: ما يسيل من الأنف.

[ 264 ]

ثم بالغربية، ثم التي فيها الركن اليماني، ثم التي فيها الحجر الأسود. فإذا فرغ من ذلك دعا، فقال: " اللهم من تهيأ أو تعبأ أو اعد واستعد لوفادة إلى مخلوق رجاء رفده وجوائزه ونوافله وفواضله، فإليك يا سيدي تهيئتي وإعدادي واستعدادي، رجاء رفدك ونوافلك وفواضلك وجائزتك، فلا تخيب اليوم رجائي، يا من لا يخيب عليه سائل، ولا ينقصه نائل، فإني لم آتك اليوم بعمل صالح قدمته، ولا شفاعة مخلوق رجوته، ولكني أتيتك مقرا بالظلم والإسائة على نفسي، لا حجة لي ولا عذر، فأسألك يا من هو كذلك أن تعطيني مسئلتي وتقيلني عثرتي وتقبل رغبتي ولا تردني ممنوعا ولا خائبا، يا عظيم يا عظيم أرجوك للعظيم، أسألك يا عظيم أن تغفر لي الذنب العظيم، لا إله إلا أنت يا رب العالمين. وينبغي أن يلتصق بالحائط بين الركن اليماني والغربي، ويرفع يديه عليه ويجتهد في الدعاء عنده، ويفعل عند كل ركن مثل ذلك، ثم يخرج من الكعبة ويمضي إلى بئر زمزم ويشرب من مائها، فإذا خرج منها قال عند خروجه ثلاث مرات: " اللهم لا تجهد (1) بلائي، ولا تشمت بي أعدائي، ولا تجعل النار مثواي (2) ويصلي في موضع المقام الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ركعتين وأن يجعل مقام إبراهيم عليه السلام خلف ظهره، ويكون قريبا من حائط الكعبة، فإذا فرغ من الصلاة مضى إلى بئر زمزم، فاستقى بها بالدلو المقابل للحجر الأسود إن تمكن من ذلك، وشرب منه وصب على رأسه وبدنه إن قدر على ذلك، ودعا فقال " اللهم اجعله علما نافعا، ورزقا واسعا، وشفاء من كل داء وسقم " ويقرء إنا أنزلناه وإن كان نائبا عن غيره، ذكره بمثل ذلك. فإن أراد المسير فليقصد البيت الحرام ليودعه، ووداعه له هو أن يطوف به بطواف الوداع سبعة أشواط، ويفعل فيها كما فعل في الطواف يوم قدم مكة، فإذا

(1) جهد البلاء - هو بفتح الجيم مصدر أي الحالة التي يختار عليها الموت - وفي الخبر عنه صلى الله عليه وآله جهد البلاء - هو أن يقدم الرجل فيضرب عنقه صبرا.
(2) وفي نسخة: مأوائي.

[ 265 ]

فرغ من ذلك التصق بالحطيم وهو أشرف بقعة على وجه الأرض وهو ما بين الحجر الأسود والباب، وجعل صدره على الحائط، ويبسط يده عليه، حتى يكون اليمنى على جهة الباب، واليسرى من جهة الحجر الأسود ويحمد الله سبحانه، ويصلي على النبي عليه السلام. ثم يقول: " اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، ونبيك وأمينك، ونجيبك وخيرتك من خلقك، كما بلغ رسالاتك وجاهد في سبيلك، وصدع بأمرك وأوذي (1) في جنبك وعبد حتى أتاه اليقين، اللهم اقلبني مفلحا منجحا مستجابا لي بأفضل ما يرجع به من وفدك (2) من المغفرة والبركة والرحمة والرضوان والعافية اللهم إن أمتني فاغفر لي، وإن أحييتني فارزقنيه من قابل، اللهم لا تجعله آخر العهد من بيتك، اللهم إني عبدك وابن امتك، حملتني على دابتك وسيرتني في بلادك، حتى أقدمتني حرمك وأمنك، وقد كان في حسن ظنى بك أن تغفر لي ذنوبي، فازدد علي رضاك وقربني إليك زلفى، ولا تباعدني من رضاك، فإن كنت تغفر لي فمن الان فاغفر لي قبل تنائي (3) عن بيتك داري، فهذا أوان انصرافي إن كنت أذنت لي، غير راغب عنك ولا عن بيتك (4) ولا مستبدل بك ولا به ". " اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي حتى تبلغني أهلي فاكفني مؤنة عبادك وعيالي، فإنك ولي ذلك من خلقك، وأمني برحمتك ". ويصلي ركعتين عند المقام لطواف الوداع، فإذا فرغ منهما رفع يديه للدعاء فقال: " اللهم إني خرجت من بيتي إلى بيتك الحرام، قاصدا إليك أريدك لا أريد غيرك، وأنت الذي رزقتني ذلك ومننت على به، اللهم إني أردت اتباع كتابك

(1) كذا في بعض النسخ. ولكن الصحيح - أوذي - كما هو تعبير الإمام في الرواية راجع.
(2) في بعض النسخ: أحد وفدك.
(3) أي التبعد.
(4) في بعض النسخ " نبيك " يدل " بيتك " وما أثبتناه موافق لكتب الحديث.

[ 266 ]

وسنة نبيك صلى الله عليه وآله وأداء فرضك وقضاء حقك، وأنا عبدك وضيفك وفي حرمك نازل بك، وعلى كل مأتى حق، لمن أتاه وزاره، وأنت أفضل مأتى، وأكرم مزور، وخير من طلبت إليه الحاجات، وأكرم من سئل، وأرحم من استرحم، وأجود من أعطى، وأرأف من عفى، وأسمع من دعا، وأكرم من اعتمد عليه ". " اللهم وبي فاقة إليك، وعندي الطلبات أنا مرتهن بها، قد أثقلت ظهري و أفقرتني إلى رحمتك، اعتمد عليك فيها، وأسألك مسامحتها وغفرانها قديمها وحديثها، عمدها وخطأها، كبيرها وصغيرها، قليلها وكثيرها، وكل ذنب أذنبته، مغفرة عنها يا عظيم، فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا أنت يا عظيم، اللهم إني أسألك رزقا واسعا وعلما نافعا وعيشا هنيئا حاصلا (1) وسرورا جامعا ". ويجتهد في الدعاء لنفسه ولوالديه وأهله وجميع المؤمنين، ويصلي بعد ذلك عند الأركان كلها، ويدعو أيضا عند الحطيم بما قدر عليه، وإن قدر على أن يتعلق بحلقة الباب، فليفعل ويقول: " المسكين ببابك فتصدق عليه بالجنة "، ثم يشرب من ماء زمزم، ولا يصب على رأسه منه شيئا، ثم يخرج بعد ذلك من المسجد، ويجعل خروجه من باب الحناطين. فإذا أتى إلى هذا الباب وقف قبل خروجه منه، ثم استقبل الكعبة وخر ساجدا، وقال: " سجدت لك يا رب تعبدا ورقا، لا إله إلا أنت ربي حقا حقا، اللهم اغفر لي ذنوبي وتقبل حسناتي، وتب على انك أنت التواب الرحيم "، ثم يرفع رأسه ويحمد الله تعالى، ويثنى عليه وصلى على النبي وآله عليهم السلام، ويقول " اللهم إني انقلب على قول لا إله إلا الله ". فإن كان نائبا عن غيره، قال: " اللهم أنت العالم بأن فلان بن فلان قد ائتمنني على النيابة عنه في هذه الحجة، اللهم وقد أديتها وبذلت مجهودي فيها، ولم أشرك معه غيره فيها، اللهم فإني أشهدك وكفى بك شهيدا أنها لفلان بن فلان، وانني

(1) وفي بعض النسخ: صالحا

[ 267 ]

نائب عنه فاجعلها اللهم مكتوبة له عندك، وأثبني في أدائي لها وقيامي بها برحمتك ". ثم يخرج من باب المسجد وهو يقول: " آئبون تائبون عابدون، لربنا حامدون، وله شاكرون، وإلى ربنا راغبون، وإلى ربنا راجعون "، ثم يشتري بدرهم - أو ما قدر عليه - تمرا ويتصدق به قبضة قبضة، ويتوجه إلى زيارة النبي صلى الله عليه وآله إن لم يكن زاره في توجهه إلى الحج، وسنذكر زيارته صلى الله عليه وآله فيما يأتي من الزيارات إن شاء الله تعالى. " باب ما يفعله من وجب عليه الحج ولم يتمكن من أدائه لمانع أو يفعله عنه وما يلحق بذلك " إذا وجب الحج على المكلف ومنعه من الخروج لأدائه مانع - من سلطان أو مرض أو عدو - على وجه لا يمكنه معه الخروج لذلك بنفسه، كان عليه إخراج نائب عنه، فإذا ارتفع المانع وجب عليه الحج بنفسه، فإن لم يرتفع ذلك المانع حتى مات كانت حجة النيابة مجزية عنه. ومن كان مملوكا أو طفلا فحج به وليه، لم تجزه هذه الحج عن حجة الاسلام وكان على المملوك إذا انعتق، والطفل إذا بلغ، الحج بنفسه، فإن انعتق المملوك قبل الوقوف بأحد الموقفين كان ذلك مجزيا له عن إعادته. وإذا وجب الحج على الانسان ومنعه من الخروج بنفسه لأدائه مانع، ولم يقم نائبا ينوب عنه في ذلك، أو كان متمكنا من الخروج ولم يخرج ثم مات، وجب أن يخرج من ماله قبل قسمة ميراثه، مقدار، ما يحج به عنه، فإن لم يخلف إلا مقدار الحج، حج عنه بذلك، وكذلك يجب أن يفعل إذا لم يخلف إلا مقدار ما يحج به عنه من بعض المواضع (1). ومن لم يقدر على الزاد والراحلة، وكان له ولد له مال، جاز له أن يأخذ من ماله مقدار ما يحج به على الاقتصاد، ومن لا يكون متمكنا من الاستطاعة ومكنه بعض

(1) في بعض النسخ: في بعض المواقيت.

[ 268 ]

اخوانه من ذلك وجب عليه الحج فإن أيسر بعد ذلك كان عليه إعادة الحج استحبابا. ومن وجب عليه وأقام في النيابة عنه من هو صرورة وهو الذي لم يحج قط، كانت نيابته عنه صحيحة، إلا أنها لا تجزى هذا النائب عن حجة الاسلام، ويجب عليه إذا تمكن من الاستطاعة، الحج عن نفسه. ومن نذر حجة وجب ذلك عليه، وإن كانت حجة الاسلام قد وجبت عليه وجب أن يحجها أيضا، وليس يجزي إحدى هاتين الحجتين، عن الأخرى. وإذا كان الانسان مخالفا للحق واتى بجميع أركان الحج لم يجزه هذه الحجة عن حجة الاسلام، وعليه الإعادة لذلك إذا صار من أهل الحق، وقد ذكر أنها مجزية. " باب ما يتعلق بمن حج عن غيره على وجه النيابة وغير ذلك ومن أراد أن يحج عن غيره، لم يجز له ذلك حتى يقضي ما يجب عليه منه إن كان ذلك قد وجب عليه، ومن لم يكن له مال فإنه يجوز له الحج من غيره، فإذا تمكن من المال بعد ذلك، كان عليه أن يحج عن نفسه. ومن أمر غيره أن يحج عنه متمتعا، وكان هذا المأمور نائبا بأجرة، لم يجز له أن يحج عنه إلا كذلك، فإن حج عنه قارنا أو مفردا لم يجز له ذلك وكان عليه الحج عنه متمتعا فإن أمره أن يحج عنه قارنا أو مفردا فحج عنه متمتعا، كان ذلك جائزا ولم يكن عليه شيئ فإن أمره أن يحج عنه من طريق بعينه، جاز له المسير في غيرها، وإن أمره أن يحج عنه بنفسه، لزمه الحج كذلك ولم يجز له أن يستنيب غيره في ذلك، إلا أن يأذن له المستنيب فيه، فإذا أذن له فيه كان جائزا. وإذا أخذ إنسان حجة من غيره لم يجز له أن يأخذ حجة أخرى حتى يقضي الأولى، ومن كان نائبا عن غيره فصد عن بعض الطريق، فعليه أن يرد من أجرة النيابة بقدر ما بقي عليه إلا أن يضمن الحج في المستقبل، ومن كان نائبا عن غيره ومات قبل الاحرام ودخول الحرم وترك موروثا، كان على وارثه أن يرد من تركته مقدار

[ 269 ]

ما بقي عليه من نفقة الطريق إلى من استنابه في الحج عنه، وإن كان مات بعد الاحرام ودخل الحرم فقد برئ من الحج، ولم يجب على ورثته شيئ، وكانت حجته مجزية عمن استنابه. وإذا أخذ إنسان حجة وانفق على نفسه في طريقه نفقة على وجه الاقتصاد، ثم فضل له شيئ كان له، وإن لم يفضل له شيئ واحتاج إلى زيادة، يستحب لصاحب الحجة أن يدفع ذلك إليه، وإن لم يدفعه إليه، لم يجب عليه شيئ، وإذا تطوع الانسان بالحج عن ميت، وقد كان هذا الميت، وجب الحج عليه، فقد سقط عنه فرض الحج بحجة التطوع. وإذا ترك إنسان عند غيره وديعة ثم مات، فعلى المودع أن يأخذ منها مقدار ما يحج به عنه فيصرفه إلى من ينوب عنه في الحج، هذا من (1) علم أو غلب على ظنه أن وارثه لا يقضي عنه، فأما إن لم يعلم ولا غلب على ظنه ذلك، فإن الواجب عليه أن لا يتعرض لأخذ شيئ من الوديعة على حال، وأن يعيدها على وارثه على حالها، ومن كان مخالفا في الاعتقاد فلا يجوز الحج عنه، قريبا كان في النسب أو بعيدا إلا الأب خاصة، فقد ذكر جواز ذلك عنه وإن كان مخالفا وذلك عندي لا يصح. وليس يجوز للمرئة الحج عن غيرها إلا أن تكون عارفة وقد حجت حجة الاسلام فإن لم تكن كذلك لم يجز لها الحج عن غيرها، والنائب عن غيره في الحج، ينبغي أن يذكره في ادعيته ومواقفه وما يتعلق به، وإن لم يذكره واعتقد ذلك في نفسه كان جائزا، ولم يفسد بترك ذلك حجه. " باب ما يتعلق بالنساء في الحج ". إذا كان للمرأة زوج وعزمت على الحج، فينبغي لها أن لا تخرج إلا معه، فإن منعها من ذلك لم يجز لها مخالفته، إلا أن يكون الحجة التي تريد الخروج إليها هي حجة الاسلام وقد وجبت عليها فإنه لا يجوز لزوجها منعها من ذلك، فإن منعها

(1) في نسخة " إن " بدل " من ".

[ 270 ]

جاز لها مخالفته في ذلك فإن كان الحج تطوعا ومنعها من الخروج لم يجز لها مخالفته، وإذا لم يخرج زوجها معها أو لم يكن لها زوج، فينبغي لها أن لا تخرج إلا مع ذي رحم محرم مثل الأب أو الأخ أو العم أو الخال، فإن لم يكن لها ذلك، جاز لها الخروج مع من يثق بدينه وأمانته من المؤمنين. وإن كانت المرأة في عدة من طلاق فلها أيضا الخروج فيها - إذا كانت الحجة التي تريد الخروج إليها حجة الاسلام - سواء كان للزوج عليها في العدة رجعة أو لم يكن له عليها ذلك، فإن كان له عليها فيها رجعة وكانت الحجة التي تريد الخروج إليها تطوعا، لم يجز لها الخروج إلا بإذنه، وإن كانت العدة من وفاة، جاز لها الخروج إلى الحج واجبا كان أو تطوعا. " باب الصد والاحصار " الحاج إنما يكون مصدودا بأن يمنعه العدو ويصده عن الدخول إلى مكة، فإذا كان كذلك كان عليه أن يذبح هديه في الموضع الذي صده العدو فيه، ويحل من جميع ما أحرم منه. والمحصور هو الذي يلحقه من المرض ما لا يتمكن معه من الوصول إلى مكة، فإذا لحقه ذلك على هذا الحد فينبغي له إن كان قد ساق هديا أن يبعث به إلى مكة، ثم يجتنب ما يجتنبه المحرم حتى يبلغ الهدي محله، ومحله منى يوم النحر إن كان حاجا، أو كان معتمرا فمحله مكة بفناء الكعبة، وإذا بلغ هديه محله قصر من شعر رأسه وحل له كل شيئ اجتنبه إلا النساء. فإن كان صرورة وجب عليه الحج من قابل، فإن لم يكن صرورة لم يكن عليه ذلك، ويستحب له إعادته، فإن لم يعده فليس عليه شيئ، ولا يحل له النساء إلى أن يحج من قابل إن كان ممن يجب عليه الحج، أو يأمر من يطوف عنه طواف النساء إن كان متطوعا، وإن وجد من نفسه خفة (1) بعد إنفاذه الهدي، فعليه أن يلحق

(1) عن المرض.

[ 271 ]

أصحابه، فإن أدرك مكة قبل أن ينحر، هديه، فليقض (1) مناسكه كلها، وليس عليه حج في القابل إن لحق أحد الموقفين، وإن لم يلحقه كان عليه الحج من قابل. فإن لم يدرك أصحابه إلا بعد أن ينحروا هديه، فقد فاته الحج ووجب عليه إعادته في العام المقبل، فإن كان هذا المحصور لم يسق هديا فليبعث ثمنه مع أصحابه ويواعدهم أن يشتروه في وقت معين ويذبحوه عنه ثم يحل هو بعد ذلك، وإذا عاد أصحابه ولم يجدوا هديا يشترونه له به ويذبحونه عنه، وكان قد أحل، لم يكن عليه شيئ إلا إنفاذ الثمن في العام المقبل يشتري به، ويجتنب ما يجتنبه المحرم إلى أن يذبح وينحر عنه. والمحصور إذا كان معتمرا فعلى ما قدمنا ذكره (2)، وجب عليه أن يعتمر في الشهر الداخل إن (3) كان اعتمر عمرة مفروضة، وإن كان متطوعا كان عليه أن يتطوع في الشهر الداخل أيضا. ومن احصر وكان قد أحرم بالحج قارنا فلا يجوز له أن يحج في المستقبل متمتعا، بل يجب عليه الدخول في مثل ما خرج عنه، وإذا أراد أن يبعث هديا تطوعا واعد أصحابه على يوم معين واجتنب ما يجتنبه المحرم إلا أنه لا يلبي، ومتى فعل شيئا مما يحرم على المحرم، كان عليه الكفارة كما يكون المحرم، وإذا حضر اليوم الذي واعد أصحابه عليه، أحرم منه. وإذا بعث الهدي من بعض الافاق واعدهم أيضا على يوم معين ليشعروه ويقلدوه وإذا حضر ذلك اليوم اجتنب ما يجتنبه المحرم إلى أن يبلغ الهدي محله، فإذا بلغ ذلك، أحل من كل شيئ أحرم منه. " باب ما يتعلق بالعمرة ". إذا حج الانسان متمتعا بالعمرة إلى الحج سقط فرض العمرة بعد ذلك عنه،

(1) في بعض النسخ " فليفرض " بدل " فليقض ".
(2) في بعض النسخ زيادة " الواو ".
(3) في بعض النسخ " أنه " والظاهر أنها تصحيف والصحيح ما في المتن

[ 272 ]

فإن حج قارنا أو مفردا لم يسقط فرضها عنه وكان عليه القضاء (1) لها بعد أيام التشريق وفي استقبال المحرم. ومن اعتمر عمرة - غير متمتع بها إلى الحج - في شهور الحج ثم أقام بمكة إلى أن أدرك يوم التروية كان عليه أن يحرم بالحج ويخرج إلى منى ويفعل ما يفعله الحاج ويصير بعد ذلك متمتعا فإن اعتمر في أشهر الحج لم يلزمه ذلك (2). ومن دخل مكة بعمرة مفردة في غير أشهر الحج لم يجز له التمتع بها إلى الحج، فإن أراد التمتع فعليه تجديدها في أشهر الحج ومن دخل مكة بعمرة مفردة في أشهر الحج جاز له أن يقضيها ويخرج إلى أي موضع أراد، ما لم يدركه يوم التروية، والأفضل له أن يقيم حتى يحج ويجعلها متعة. ومن دخل مكة بنية التمتع لم يجز له أن يجعلها مفردة، ولا أن يخرج من مكة حتى يحج، لأنه قد صار بذلك مرتبطا بالحج. فإذا كان الانسان معتمرا وساق هديا ذبحه أو نحره في الموضع الذي قدمنا ذكره، وقد قدمنا أيضا ذكر أفضل العمرة (3) والمستحب منها فلا حاجة إلى ذكر ذلك هاهنا. " باب أحكام الحرم ". من ظفر في الحرم بلقطة فعليه أن يعرف بها سنة فإن ظفر بصاحبها دفعها إليه وإن لم يظفر به تصدق بها عنه، وإن حضر صاحبها بعد ذلك ورضي بالصدقة لم يكن عليه شيئ، فإن لم يرض بها، كان عليه ضمانها. فإذا دخل إنسان الحرم بسلاح فلا يشهره ولا يحمله ظاهرا بل يستره. ومن جنى جناية - يجب بها إقامة الحد عليه - وكان خارج الحرم ثم هرب

(1) أي الاتيان بها.
(2) أي لم يلزمه إدراك يوم التروية بمكة.
(3) وهي ما كانت في رجب

[ 273 ]

إلى الحرم خوفا من اقامته عليه، لم يقم عليه الحد حتى يخرج منه وينبغي في مدة مقامه أن لا يبايع ولا يعامل ويضيق عليه في المنع من الطعام والشراب حتى يخرج، فإذا خرج، أقيم الحد عليه وإذا جنى في الحرم جناية يجب فيها الحد، أقيم عليه فيه، وليس يكون حكمه حكم من جنى في غيره. ومن أراد أن يبني شيئا بمكة فلا يرفعه فوق الكعبة. وليس لأحد أن يمنع الحاج موضعا من دور مكة ومنازلها، لقول الله تعالى عزوجل: سواء العاكف فيه والباد (1). وأما ما يتعلق بالحرم من أحكام الطير الذي لا يجوز صيده فيه ولا يجوز قتله فيه من السباع والهوام وما يجوز، وأحكام الشجر النابت فيه وما يجوز فعله (2) وما لا يجوز، فقد تقدم ذكر جميعه ما يغنى عن إعادتها هاهنا. " باب حد الحرم ومكة وعرفات والمشعر الحرام ". حد الحرم من جهة المدينة على ثلاثة أميال (3)، ومن طريق اليمن على سبعة أميال، ومن طريق العراق على سبعة أميال، ومن طريق جده على عشره أميال ومن طريق الطائف على عرفة، أحد عشر ميلا من بطن نمرة. وحد مكة من عقبة المدنيين إلى عقبة ذي طوى، وحد عرفة من بطن عرنة وثوية ونمرة إلى ذي المجاز وحد المشعر الحرام هو ما بين المأزمين (4) إلى الحياض إلى وادي محسر. " تم كتاب الحج "

(1) الحج - 25.
(2) كذا في بعض النسخ ولعل اصلها " قلعه ".
(3) الميل ثلث الفرسخ.
(4) المأزمان: الموضع الذي بين عرفة والمشعر.

[ 274 ]

" كتاب الزيارات " " باب زيارة رسول الله صلى الله عليه وآله " الحاج إذا لم يكن زار النبي صلى الله عليه وآله في مسيره إلى الحج، كان عليه أن يزوره بعد الفراغ من الحج، وكذلك من لم يزره وإن (1) لم يكن حاجا مع تمكنه من ذلك. فمن توجه إلى زيارته صلى الله عليه وآله من مكة بعد حجه فينبغي له إذا أتي مسجد الغدير - وهو على يسار المتوجه من مكة إلى المدينة دون الجحفة قليلا، وقد ذكر أن بينه وبينها ثلاثة أميال - (2) فليدخله، ويصلي من ميسرته ما تيسر له، ثم يمضي إلى المدينة، وإذا أتى في طريقه معرس (3) النبي صلى الله عليه وآله فلينزل به، وإن كان وقت صلاة مكتوبة أو نافلة صلاها فيه، واضطجع به يسيرا، وإن لم يكن وقت صلاة نزل به ولا يترك ذلك ليلا كان أو نهارا، ثم يمضي حتى يصل إلى المدينة، فإذا قاربها فليغتسل لدخولها. فإن لم يتمكن من ذلك اغتسل بعد دخولها، ثم يجر (4) رجله ويلبس أنظف ثيابه،

(1) في بعض النسخ " وإن يكن حاجا " والصحيح ما في المتن.
(2) في بعض النسخ زيادة " قليلا ".
(3) المعرس موضع كان يعرس فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو على فرسخ من المدينة بقرب مسجد الشجرة.
(4) في بعض النسخ " يجرد " إلا أن " الدال المضروب عليها ولكن من المحتمل قريبا لزومها والمعنى: يجرد أي " يخلع " رجله عن النعل، ويحتمل أن يكون ما في المتن صحيحا والمراد حينئذ أن يقرب بين الخطوات ويقصرها، فإنه عند قصرها يشبه جر الرجل.

[ 275 ]

ويدخل، فإذا وصل إليه دخل من باب جبرئيل عليه السلام، فإذا صار بالباب وقف به، ثم قال: " بسم الله وبالله السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدا عبده ورسوله " صلى الله عليه وآله. ثم يقدم رجله اليمنى، ويدخل إلى قبره صلى الله عليه وآله، فإذا صار عنده زاره عليه وآله السلام. " باب كيفية زيارة النبي صلى الله عليه وآله " إذا صار عند قبره عليه وآله السلام، وقف عند الاستوانة المقدمة من جانب القبر الأيمن عند زاويته من رأسه، فيكون منكبه الأيمن مما يلى موضع المنبر، والأيسر إلى جانب القبر، فإذا استقر في وقوفه كما ذكرناه، قال: " أشهد أن لا إله لا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله، واشهد انك رسول الله، وإنك محمد بن عبد الله، واشهد انك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لامتك، وجاهدت في سبيل الله حق جهاده، داعيا إلى طاعة الله، وزاجرا عن معصيته، وإنك لم تزل بالمؤمنين رؤفا رحيما، وعلى الكافرين غليظا حتى أتاك اليقين، فبلغ الله بك أشرف محل المكرمين. الحمدلله الذي استنقذنا بك من الشرك والضلال، اللهم فاجعل صلواتك وصلاة ملائكتك المقربين وعبادك الصالحين وأنبيائك المرسلين وأهل السماوات والأرضين ممن سبح لك يا رب العالمين من الأولين والآخرين على محمد عبدك ورسولك ونبيك وأمينك ونجيبك وحبيبك وصفيك وخاصتك وصفوتك وخيرتك من خلقك، اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم امنحه أشرف محله ومرتبته، وارفعه إلى اسنى درجة ومنزلة، واعطه الوسيلة والفضيلة والرتبة العالية الجليلة كما بلغ ناصحا، وجاهد في سبيلك، وصبر على الأذى في جنبك وأوضح دينك، وأقام حججك، وهدى إلى طاعتك، وأرشد إلى مرضاتك، اللهم صل عليه وعلى الأئمة الأبرار من ذريته، والصفوة الأخيار من عترته، وسلم عليهم أجمعين تسليما ".

[ 276 ]

اللهم إني لا أجد سبيلا إليك سواهم، ولا أرى شفيعا مقبول الشفاعة عندك غيرهم، فبهم أتقرب إلى رحمتك، وبولايتهم أرجو جنتك، وبالبرائة من أعدائهم آمل الخلاص من عذابك. اللهم فاجعلني بهم عندك وجيها في الدنيا والآخرة، وارحمني يا أرحم الراحمين "، ثم يستقبل (1) بوجهه النبي صلى الله عليه وآله، ويجعل القبلة خلف ظهره، والقبر أمامه، ويقول " السلام عليك يا نبي الله ورسوله صلى الله عليه وآله، السلام عليك يا صفوة الله وخيرته من خلقه، (2) السلام عليك يا أمين الله وحجته، السلام عليك يا خاتم النبيين وسيد المرسلين، السلام عليك أيها البشير النذير، السلام عليك أيها الداعي إلى الله بإذنه والسراج المنبر. السلام عليك وعلى أهل بيتك الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، أشهد أنك يا رسول الله آتيت بالحق، وقلت الصدق، والحمد لله الذي وفقني للايمان بك والتصديق بنبوتك، ومن علي بطاعتك واتباع سبيلك، وجعلني الله من أمتك والمجيبين لدعوتك، هداني إلى معرفتك ومعرفة الأئمة من ذريتك، أتقرب إلى الله بما يرضيك، وأبرئ إلى الله مما يسخطك، مواليا لأوليائك، معاديا لأعدائك، جئتك يا رسول الله زائرا، وقصدتك راغبا، متوسلا إلى الله سبحانه وأنت صاحب الوسيلة والمنزلة الجليلة والشفاعة المقبولة والدعوة المسموعة، فاشفع لي إلى الله تعالى في الغفران والرحمة والتوفيق والعصمة، فقد غمرت الذنوب، وشملت العيوب، وأثقل الظهر، وتضاعف الوزر، وقد أخبرتنا - وخبرك الصدق - أنه تعالى قال - وقوله الحق -: " ولو إنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما " (3). وقد جئتك يا رسول الله مستغفرا من ذنوبي تائبا من معاصي وسيئاتي، وإنني

(1) في بعض النسخ " تستقبل وجه النبي صلى الله عليه وآله ".
(2) وفي بعض النسخ ابتداء من " السلام عليك يا أمين الله.
(3) النساء - 64.

[ 277 ]

أتوجه بك إلى الله ربي وربك، ليغفر لي ذنوبي، فاشفع لي يا شفيع الأمة، وأجرني (1) يا نبي الرحمة صلى الله عليك وعلى آلك الطاهرين ". ويجتهد في المسألة، ثم يستقبل القبلة بعد ذلك بوجهه وهو في موضعه، ويجعل القبر من خلفه، ويقول: اللهم إليك ألجأت أمري، وإلى قبر نبيك ورسولك أسندت ظهري، وإلى القبلة التي ارتضيتها استقبلت بوجهي، اللهم إني لا املك لنفسي خير ما أرجو، ولا أدفع عنها سوء ما أحذر، والامر كلها بيدك، فأسألك بحق محمد وعترته وقبره الطيب المبارك وحرمته أن تصلي عليه وآله، وأن تغفر لي ما سلف من جرمي وتعصمني من المعاصي في مستقبل عمري، وتثبت على الإيمان قلبي، وتوسع علي رزقي، وتسبغ علي النعم، وتجعل قسمي من العافية أوفر القسم، وتحفظني في أهلي ومالي وولدي وتكلاني من الأعداء، وتحسن لي العافية (2) في الدنيا ومنقلبي في الآخرة اللهم اغفر لي ولوالدي ولجميع المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك على كل شيئ قدير ". ويقرء سورة " إنا أنزلناه في ليلة القدر " إحدى وعشرين مرة. ثم يزور في الروضة مولاتنا السيدة فاطمة صلوات الله عليها. " باب زيارة مولاتنا السيدة فاطمة صلوات الله عليها " الروضة هي مما بين القبر والمنبر إلى الاساطين التي تلى صحن المسجد، وليس في الصحن من الروضة شيئ فإذا صار بالروضة فليقل: " السلام على البتول الشهيدة بنت نبي الرحمة، وزوج الوصي الحجة، وأم السادة الأئمة، السلام عليك يا فاطمة الزهراء بنت النبي المصطفى، السلام عليك وعلى أبيك وبعلك وبنيك، السلام عليك أيتها الممتحنة، السلام عليك أيتها المظلومة الصابرة، لعن الله من

(1) وفي بعض النسخ " واجزني ".
(2) كذا في بعض النسخ ولعل أصلها " العاقبة ".

[ 278 ]

منعك حقك ودفعك عن إرثك، ولعن الله من كذبك وأغمك (1) وغصك بريقك (2) وأدخل بيتك. ولعن الله من رضي بذلك، وشايع فيه واختاره وأعان عليه، وألحقهم بدرك الجحيم، أتقرب إلى الله سبحانه بولايتكم أهل البيت، وبالبرائة من أعدائكم من الجن والإنس وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ". ثم يعود إلى المنبر، ويمسح رمانتيه بيده، ويمسح بهما وجهه وعينيه، ويقف مستقبل القبلة - فيحمد الله تعالى ويثني عليه ويصلي على النبي وآله عليهم السلام ويقول " لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين " ثم يقف عند المقام. " باب الوقوف عند مقام النبي صلى الله عليه وآله وما يفعل ويقال فيه " فإذا صار عند مقام النبي صلى الله عليه وآله وهو بين القبر والمنبر في الروضة وقف عند الاسطوانة المحلقة (3) التي تلى المنبر وجعله ما بين يديه، وصلى أربع ركعات، وإن لم يتمكن فركعتين للزيارة، فإذا سلم منهما قال: " اللهم هذا مقام نبيك وخيرتك من خلقك، جعلته روضة من رياض جنتك وشرفته على بقاع أرضك، وقد أقمتني فيه بلا حول كان مني في ذلك إلا رحمتك، فأسألك في هذا المقام الطاهر أن تصلي على محمد وعلى آل محمد وأن تعيذني من النار، وتمن علي بالجنة وترحم موقفي وتغفر زلتي وتزكي عملي، وتوسع لي رزقي، وتديم عافيتي، وتسبغ نعمتك علي، وتحرسني من كل متعد علي وظالم لي، وتطيل عمري، وتوفقني لما يرضيك عني،

(1) في نسخة " أعنتك " بدل " اغمك " (2) في نسخة " بريتك " بدل " بريقك ".
(3) أي كثيرة الحلوق

[ 279 ]

وتعصمني عما يسخطك علي، اللهم إني أتوسل إليك بنبيك وأهل بيته حججك على خلقك، (1) وأمنائك في أرضك أن تستجيب دعائي وتبلغني من الدين والدنيا أملي ورجائي، يا سيدي ومولاي قد سألتك فلا تخيبني، ورجوت فضلك فلا تحرمني وأنا الفقير إلى رحمتك الذي ليس له غير إحسانك، وبفضلك أسألك أن تحرم شعري وبشري على النار، وتأتيني من الخير ما علمته منه وما لم أعلم، وادفع عني من الشر ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم اغفر لي ولوالدي ولجميع المؤمنين والمؤمنات ثم يقف عند مقام جبرئيل عليه السلام ويدعو ويقول: " أي جواد، أي كريم، أي قريب أي بعيد أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن توفقني لطاعتك ولا تزيل عني نعمتك، وأن ترزقني الجنة برحمتك، وتوسع على من فضلك، وتغنيني عن شرار خلقك، وتلهمني شكرك وذكرك، ولا تخيب يا رب دعائي ولا تقطع رجائي بحق محمد وآل محمد صلى الله عليهم أجمعين ". " باب زيارة الأئمة عليهم السلام بالبقيع " فإذا أراد المضي إلى البقيع فليغتسل ويزور الأئمة عليهم السلام بزيارة واحدة والذين بالبقيع من الأئمة عليهم السلام هم: أبو محمد الحسن بن علي وأبو محمد علي بن الحسين زين العابدين وأبو جعفر محمد بن علي الباقر وأبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق صلوات الله عليهم أجمعين. وجميعهم في موضع واحد وقبر واحد، وإذا أتي هذا القبر جعله من بين يديه وقال: " السلام عليكم أئمة الهدى، السلام عليكم أيها الحجج على أهل الدنيا، السلام عليكم أيها القوامون في البرية بالقسط، السلام عليكم أهل الصفوة، السلام عليكم أهل النجوى، أشهد أنكم قد بلغتم ونصحتم وصبرتم في ذات الله، وكذبتم وأسيئ إليكم فغفرتم، واشهد أنكم الأئمة الراشدون المهديون، وإن طاعتكم مفروضة،

(1) وفي نسخة " وآياتك في أرضك "

[ 280 ]

وإن قولكم الصدق، وإنكم دعوتم فلم تجابوا، وأمرتم فلم تطاعوا، وإنكم دعائم الحق وأركان الأرض، لم تزالوا بعين الله عزوجل ينسخكم في أصلاب كل مطهر، وينقلكم في الأرحام الطاهرات، لم تدنسكم الجاهلية الجهلاء، ولم يستوفيكم (1) فتن الأهواء، طبتم وطهرتم، فمن الله بكم علينا ديان يوم الدين، فجعلكم في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وجعل صلواتنا (2) عليكم رحمة لنا وكفارة لذنوبنا، فاختاركم لنا فطيب خلقنا بما من به علينا من ولايتكم، وكنا عنده مسلمين، وهذا مقام من أسرف وأخطأ، واستكان وأقر بما جنى، يرجو بمقامه الخلاص، وأن يستنقذه الله بكم مستنقذ الهالكين، فكونوا شفعائي (3) فقد وفدت اليكم إذ رغب مخالفوكم عنكم من أهل الدنيا، واتخذوا آيات الله هزوا، واستكبروا عنها. يا من هو قائم لا يسهو، ودائم لا يلهو ومحيط بكل شيئ لك المن بما وفقتني، وعرفتني بما أعنتني عليه إذ صد عنه عبادك، وجهلوا معرفتهم، واستخفوا بحقهم، ومالوا إلى سواهم، وكانت المنة لك علي ومنك إلي، فلك الحمد إذ كنت عندك في مقامي مذكورا مكتوبا، فلا تحرمني ما رجوت، ولا تخيبني فيما دعوت " وليدع لنفسه بما أراد، ثم يزور الشهداء بأحد بعد ذلك. " باب زيارة الشهداء بأحد " ينبغي لمن أراد ذلك مع التمكن أن يبتدئ في زيارة الشهداء بأحد بزيارة حمزة عليه السلام. " باب زيارة قبر حمزة عليه السلام " إذا أتى قبر حمزة عليه السلام فليقل: " السلام عليك يا عم رسول الله صلى الله عليه وآله

(1) في نسخة " لم يسر " وفي أخرى " لم يستر " وفي البحار " لم تشرك " (2) في نسخة " صلاتنا " (3) في نسخة " فكونوا له شفعاء " (4) في نسخة " ماتوا " بدل " مالوا "

[ 281 ]

السلام عليك يا خير الشهداء، السلام عليك يا أسد الله وأسد رسوله أشهد انك قد جاهدت في الله عزوجل، وجدت بنفسك ونصحت رسول الله صلى الله عليه وآله وكنت فيما عند الله سبحانه راغبا، بابي أنت وأمي أتيتك متقربا إلى الله عزوجل بزيارتك، ومتقربا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، راغبا إليك في الشفاعة وأبتغي بزيارتك خلاص نفسي متعوذا بك من نار استحققتها بما جنيت على نفسي هاربا من ذنوبي التي احتطبتها على ظهري فزعا إليك رجاء رحمة ربي، أتيتك أستشفع بك إلى مولاي، وأتقرب به (1) إلى إلهي ليقضي بك حوائجي، وأتيتك من شقة بعيدة طالبا فكاك رقبتي من النار، وقد أوقرت ظهري ذنوبي، وأتيت ما أسخط ربي ولم أجد أحدا أفزع إليه خيرا لي منكم أهل البيت والرحمة، وكن لي شفيعا يوم حاجتي وفاقتي، فقد أتقرب إليك محزونا، وأتيتك مكروبا، وزرتك مغموما، وسكنت عندك باكيا، وخرجت إليك منفردا، أنت ممن أمرني الله بصلته، وحثني على بره، ودلني على فضله، وهداني بحبه، ورغبني في الوفادة إليه وألهمني طلب حوائجي عنده، أنتم أهل البيت لا يشقى من يتولاكم ولا يخيب من أتاكم، ولا يخسر من يهويكم، ولا يسعد من عاداكم " ثم يستقبل القبلة، ولا يجعل القبر بين يديه، ويصلي، فإذا فرغ من صلاته فلينكب على القبر، وليقل: " اللهم صل على محمد وآل محمد اللهم إني تعرضت لرحمتك بلزومي لقبر عم نبيك صلى الله عليه وآله لتجيرني من نقمتك وسخطك وتقيلني يوم يكثر فيه الأصوات، وتشتغل فيه كل نفس بما قدمت وتجادل عن نفسها فإن ترحمني اليوم فلا خوف على ولا حزن ولا تعاقب فمولى له القدرة على عبده. اللهم فلا تخيبني بعد اليوم، ولا تصرفني بغير حاجتي فقد لصقت بقبر عم نبيك وتقربت به إليك ابتغاء مرضاتك ورجاء رحمتك، وتقبل مني، وعد بحلمك على جهلي، وبرأفتك على جناية نفسي، فقد عظم جرمي، وما أخاف أن تظلمني

(1) في بعض النسخ (ببينة) بدل (به).

[ 282 ]

ولكن أخاف سوء الحساب، فانظر اليوم تقلبي على قبر عم نبيك عليهما السلام، فبهما فكني من النار، ولا تخيب سعيي ولا يهون عليك ابتهالي ولا يحجبني (1) عنك صوتي ولا تقلبني بغير حوائجي يا غياث كل مكروب ومحزون، يا مفرجا عن الملهوف الحيران الغريق المشرف على الهلكة، صل على محمد وآل محمد، وانظر إلي نظرة لا أشقى بعدها أبدا، وارحم تضرعي وعبرتي وانفرادي فقد رجوت رضاك، وتخيرت الخير الذي لا يعطيه أحد سواك فلا ترد املي. اللهم إن تعاقب فمولى (2) له القدرة على عبده، وجزاء سوء عمله، (3) فلا أخيبن اليوم، ولا تصرفني بغير حاجتي، ولا تخيبن شخوصي ووفادتي فقد أنفدت نفقتي وأتعبت بدني وقطعت المفازات وخلفت الأهل والمال وما خولتني، وأثرت ما عندك على نفسي ولذت بقبر عم نبيك صلى الله عليه وآله وتقربت به إليك ابتغاء مرضاتك، فعد بحلمك على جهلي، وبرأفتك على ذنبي، فقد عظم جرمي برحمتك يا كريم ". " باب زيارة قبور الشهداء بأحد بعد حمزة " إذا أتي قبور الشهداء بأحد: فليقل " السلام عليكم يا أنصار الله وأنصار رسوله عليه وآله السلام، سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار السلام عليكم يا أهل الديار أنتم لنا فرط وإنا بكم لاحقون، اللهم أنفعني بزيارتهم "، ويقرء سورة إنا أنزلناه " باب ذكر المشاهد الشريفة " وينبغي أن يصلي في المشاهد المعظمة إن تمكن من ذلك، ويبتدئ منها بمسجد قباء، وهو الذي اسس على التقوى فيصلي فيه عند الاسطوانة التي عند المحراب ويدعو الله تعالى بما أراد.

(1) في نسخة " ولا يحجبن " (2) في نسخة " فهو لمولى " بدل " فمولى " (3) وفي نسخة " سوء فعله "

[ 283 ]

ومنها مشربة أم إبراهيم وهي مسكن النبي صلى الله عليه وآله. ومنها مسجد الفضيح، فقد ذكر إنه الذي ردت فيه الشمس لأمير المؤمنين عليه السلام لما نام النبي صلى الله عليه وآله في حجره. ومنها مسجد الاحزاب وهو مسجد الفتح، فإذا فرغ من الصلاة فيه قال: " يا صريخ المكروبين ويا مجيب دعوة المضطرين يا مغيث المهمومين اكشف همى وكربي وغمى كما كشف ذلك عن نبيك صلواتك عليه وآله في هذا المكان ". ومنها مسجد أمير المؤمنين عليه السلام المقابل لقبر حمزة والذي عنده مسجد الفتح. ومنها دار زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام. ومنها مسجد سلمان رضي الله عنه، فإذا أراد المجاورة بالمدينة فليجاور ففي ذلك فضل كثير. " باب المجاورة بالمدينة " المجاورة بالمدينة مستحبة وبمكة مكروهة فمن جاور بالمدينة وأقام بها فينبغي له أن يكثر من الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله، ويعتكف فيه ثلاثة أيام: أربعاء وخميسا وجمعة، ويصلي ليلة الاربعاء عند اسطوانة أبي لبابة وهي اسطوانة التوبة، ويقعد عندها يوم الاربعاء، ويصلي ليلة الخميس عند الاسطوانة التي تلى مقام النبي صلى الله عليه وآله ويزور الأئمة عليهم السلام بالبقيع ويتوجه حيث شاء إن شاء الله تعالى ويصلي ليلة الجمعة عند مقام النبي صلى الله عليه وآله. ويودع الأئمة عليهم السلام بالبقيع ويتوجه حيث شاء إن شاء الله تعالى. " باب وداع النبي صلى الله عليه وآله ". ومن أراد الخروج من المدينة ووداع النبي صلى الله عليه وآله فليغتسل بعد فراغه من حوائجه، فإن كان نائبا عن غيره ذكر من هو نائب عنه عند غسله، ودعا له. ثم يدخل إلى قبره عليه السلام ويفعل عنده مثل ما فعل عنده لزيارته وليقل " اللهم لا تجعله آخر العهد مني لزيارة قبر نبيك صلى الله عليه وآله فإن توفيتني قبل ذلك

[ 284 ]

فإني أشهد في مماتي على ما شهدت عليه في حياتي أن لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك صلى الله عليه وآله وإن كان نائبا عن غيره دعا له، وذكر أنه نائب عنه في هذا الوداع. " باب وداع الأئمة عليهم السلام بالبقيع " ومن أراد وداع الأئمة عليهم السلام بالبقيع فليأته وإذا وقف على قبرهم جعله بين يديه وقال: " السلام عليكم أئمة الهدى ورحمة الله وبركاته، آمنت بالله والرسول وبما جئتم به ودللتم عليه، اللهم اكتبنا مع الشاهدين، اللهم لا تجعله آخر العهد مني لزيارتهم، وارزقنيها أبدا ما أحييتني، فإذا توفيتني فاحشرني معهم وفي زمرتهم، أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ". وإن كانت له حاجة ذكرها، وتوجه حيث يشاء. " باب زيارة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه " ومن أراد زيارة أمير المؤمنين عليهم السلام فليأت مشهده وهو على غسل، ويقف على قبره ويستقبله بوجهه، ويجعل القبلة بين كتفيه كما فعل في زيارة النبي صلى الله عليه وآله ثم يقول: " السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا ولي الله، السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا حجة الله السلام عليك يا سيد الوصيين، السلام عليك يا خليفة رسول رب العالمين، أشهد أنك قد بلغت عن رسول الله صلى الله عليه وآله ما حملك، وحفظت ما استودعك، وحللت حلال الله وحرمت حرام الله، وتلوت كتاب الله، وصبرت على الأذى في جنب الله، محتسبا حتى أتاك اليقين، لعن الله من خالفك ولعن الله من قتلك (1) ولعن الله من بلغه ذلك فرضى به أنا إلى الله منهم برى " (2). ثم انكب على القبر فيقبله ويضع خده الأيمن عليه ثم الأيسر ثم يتحول إلى

(1) في نسخة " قاتلك " بدل " قتلك " (2) في نسخة " برءآء " بدل " برئ "

[ 285 ]

عند الرأس فيقف عليه ويقول: " السلام عليك يا وصى الاوصياء ووارث علم الأنبياء، أشهد لك يا ولي الله بالبلاغ والأداء، أتيتك زائرا عارفا بحقك، مستبصرا بشأنك مواليا لأوليائك، معاديا لأعدائك متقربا إلى الله تعالى، بزيارتك في خلاص نفسي وفكاك رقبتي من النار وقضاء حوائجي للدنيا والآخرة، فاشفع لي عند ربك صلوات الله عليك ورحمة الله وبركاته ". ثم يقبل القبر ويضع خده عليه ويرفع رأسه، ويصلي ست ركعات حسب ما قدمنا ذكره. فإذا أراد وداعه عليه السلام فليقف على قبره كما وقف أولا، ثم يقول: " السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، أستودعك الله وأسترعيك الله وأقرء عليك السلام آمنا بالله وبالرسول وبما جئت به ودللت عليه، اللهم اكتبنا مع الشاهدين، اللهم لا تجعله آخر العهد لزيارة وليك، وارزقني العود إليه أبدا ما أبقيتني، فإذا توفيتني فاحشرني معه ومع ذريته الأئمة الراشدين عليه وعليهم السلام ويدعو بعد ذلك بما شاء الله. " باب زيارة أبي محمد الحسن بن علي صلوات الله عليهما " هذه الزيارة قد تقدم ذكرها في باب زيارة الأئمة عليهم السلام بالبقيع. " باب زيارة سيدنا أبي عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام ". من أراد زيارته عليه السلام فليأت مشهده بعد أن يغتسل ويلبس أطهر ثيابه، فإذا وقف على قبره استقبله بوجهه وجعل القبلة بين كتفيه ويقول: " السلام عليك يا بن رسول الله، السلام عليك يا بن أمير المؤمنين، السلام عليكم يا بن الصديقة الطاهرة سيدة نساء العالمين، السلام عليك يا مولاي يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته ". أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، وتلوت الكتاب حق تلاوته، وجاهدت في الله حق جهاده، وصبرت

[ 286 ]

على الأذى في جنبه محتسبا حتى أتاك اليقين. أشهد إن الذين خالفوك وحاربوك وإن الذين خذلوك وإن الذين قتلوك، ملعونون على لسان النبي الأمي، وقد خاب من افترى، لعن الله الظالمين لكم من الأولين والآخرين وضاعف عليهم العذاب الأليم، أتيتك يا مولاي يا بن رسول الله زائرا عارفا بحقك، مواليا لأوليائك، معاديا لأعدائك مستبصرا بالهدى الذي أنت عليه، عارفا بضلالة من خالفك فاشفع لي عند الله ربك (1). ثم ينكب على القبر ويضع خده عليه ويتحول إلى عند الرأس ويقول: " السلام عليك يا حجة الله في أرضه وسمائه صلى الله على روحك الطيب وجسدك الطاهر وعليك يا مولاي ورحمة الله وبركاته ". ثم ينكب على القبر فيقبله ويضع خديه عليه ويتحول إلى عند الرأس فيصلي ركعتين للزيارة، ويصلي بعدهما ما تيسر، ويتحول إلى عند الرجلين فيزور علي بن الحسين صلوات الله عليهما ويقول: " السلام عليك يا مولاي وابن مولاي ورحمة الله وبركاته لعن الله من ظلمك ولعن الله من قتلك، وضاعف عليهم العذاب الأليم " ثم يدعو بما أراد. ويزور الشهداء منحرفا من عند الرجلين إلى القبلة ويقول " السلام عليكم أيها الشهداء الصابرون أشهد أنكم جاهدتم في سبيل الله وصبرتم على الأذى في جنب الله ونصحتم لله ولرسوله ولابن رسوله حتى أتاكم اليقين. أشهد أنكم أحياء عند ربكم ترزقون. فجزاكم الله عن الاسلام وأهله أفضل جزاء المحسنين وجمع بيننا وبينكم في محل النعيم. " ثم يمضي إلى قبر العباس بن أمير المؤمنين عليهما السلام فإذا أتاه وقف عليه وقال: " السلام عليك يا بن أمير المؤمنين، السلام عليك أيها العبد الصالح. المطيع لله ولرسوله، أشهد أنك قد جاهدت ونصحت وصبرت حتى أتاك اليقين لعن الله الظالمين من الأولين والآخرين والحقهم بدرك الجحيم ".

(1) في نسخة " عند ربك "

[ 287 ]

ثم يصلي في مسجده تطوعا ما أراد وينصرف فإذا أراد وداع سيدنا أبي عبد الله عليه السلام عند انصرافه من مشهده فيقف على قبره كما وقف عليه أولا ويقول: " السلام عليك يا مولاي يا أبا عبد الله، هذا أوان انصرافي غير راغب عنك ولا مستبدل بك غيرك، وأستودعك الله وأقرء عليك السلام، آمنا بالله وبالرسول وبما جئت به ودللت عليه، اللهم فاكتبنا مع الشاهدين، اللهم لا تجعل زيارتي هذه آخر العهد من زيارته وارزقني العود إليه أبدا ما أحييتني فإذا توفيتني فاحشرني معه واجمع بيني وبينه في جنات النعيم "، ويدعو بعد ذلك بما أراد ثم ينصرف. " باب زيارة أبي الحسن علي بن الحسين زين العابدين وأبي جعفر محمد بن علي الباقر وأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق صلوات الله عليهم " هذه الزيارة تقدم ذكرها في باب زيارة الأئمة عليهم السلام بالبقيع. " باب زيارة أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام " من أراد هذه الزيارة فليغتسل ثم يقف على قبره كما قدمناه ويقول: " السلام عليك يا نور الله في ظلمات الأرض، السلام عليك يا ولي الله، السلام عليك يا حجة الله، السلام عليك يا باب الله، أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وامرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وتلوت الكتاب حق تلاوته، وجاهدت في الله حق جهاده، وصبرت على الأذى في جنبه، محتسبا وعبدته مخلصا حتى أتاك اليقين، أبرء إلى الله من أعدائك، وأتقرب إلى الله بموالاتك، أتيتك يا مولاي زائرا عارفا بحقك مواليا لأوليائك معاديا لأعدائك فاشفع لي عند ربك ". ثم ينكب على القبر فيقبله ويضع خديه عليه، ويتحول إلى عند الرأس ويقف ويقول: " السلام عليك يا بن رسول الله، أشهد أنك صادق صديق أديت ناصحا وقلت أمينا، ولا تؤثر عمى على هدى ولم تمل من حق إلى باطل، صلى الله عليك ورحمته وبركاته ". ثم يقبل القبر ويصلي ركعتين، ويصلي بعدهما ما أراد، ويتحول إلى عند

[ 288 ]

الرجلين ويدعو الله بما أراد. فإذا أحب وداعه عند انصرافه، وقف على قبره كما وقف عليه أولا، وقال: " السلام عليك يا مولاي يا أبا إبراهيم ورحمة الله وبركاته استودعك واقرء عليك السلام، آمنا بالله والرسول وبما جئت به ودللت عليه، اللهم اكتبنا مع الشاهدين ". " باب زيارة أبي الحسن علي بن موسى عليهما السلام " ومن أراد هذه الزيارة اغتسل ووقف على قبره كما قدمناه ثم يقول: " السلام عليك يا ولي الله وابن وليه، السلام عليك يا حجة الله وابن حجته، السلام عليك يا إمام الهدى والعروة الوثقى ورحمة الله وبركاته. أشهد أنك مضيت على ما مضى عليه أبوك وأجدادك الطاهرون عليهم السلام، لم تؤثر عمى على هدى، ولم تمل من حق إلى باطل، وإنك نصحت لله ولرسوله وأديت الأمانة، فجزاك الله عن الاسلام وأهله خير الجزاء، أتيتك بأبي أنت وأمي زائرا عارفا بحقك مواليا لأوليائك معاديا لأعدائك فاشفع لي عند ربك عزوجل ". ثم ينكب على القبر فيقبله ويضع خديه عليه، ويتحول إلى الرأس ويقول " السلام عليك يا مولاي يا بن رسول الله ورحمة الله وبركاته. أشهد أنك الإمام الهادي والولي المرشد أبرء إلى الله من أعدائك وأتقرب إلى الله بموالاتك صلى الله عليك ورحمة الله وبركاته ". ثم يصلي ركعتين، ويصلي بعدهما ما أحب، ويتحول إلى عند الرجلين ويدعو عندهما بما أحب وشاء. فإذا أراد وداعه عند الانصراف، وقف على قبره كوقوفه عليه أولا وقال: " السلام عليك يا مولاي يا أبا الحسن ورحمة الله وبركاته استودعك الله واقرء عليك السلام، آمنا بالله وبالرسول وبما جئت به ودللت عليه اللهم اكتبنا مع الشاهدين ". ثم ينكب على القبر ويقبله ويضع خديه عليه وينصرف.

[ 289 ]

" باب زيارة أبي جعفر محمد بن علي بن موسى عليهم السلام " إذا زرت جده موسى بن جعفر (ع) فادخل عليه قبل خروجك وإحداثك بشئ ينقض الطهارة، وقف على قبره وأنت مستقبل وجهك لوجهه (ع) وقل: " السلام عليك يا حجة الله، السلام عليك يا ولي الله، السلام عليك يا نور الله في ظلمات الأرض، أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة، وامرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وتلوت الكتاب حق تلاوته وجاهدت في الله حق جهاده، وصبرت على الأذى في جنبه حتى أتاك اليقين، أتيتك زائرا عارفا بحقك، مواليا لأوليائك، معاديا لأعدائك فاشفع لي عند ربك ". ثم قبل القبر، وضع خديك عليه، وصل ركعتين، وصل بعدهما ما تيسر لك وادع الله سبحانه. فإذا أردت وداعه فقف على القبر كما وقفت عليه أولا حين بدأت بزيارته وقل: " السلام عليك يا مولاي يا بن رسول الله ورحمة الله وبركاته استودعك الله، واقرء عليك السلام، أمنا بالله وبالرسول وبما جئت به ودللت عليه، اللهم اكتبنا مع الشاهدين "، ثم اسئل (1) الله سبحانه أن لا يجعله آخر العهد منك، وادع بما أحببت وقبل القبر وضع خديك عليه ثم انصراف " باب زيارة أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى " " وأبي محمد الحسن بن علي عليهم السلام " وإذا أتيت " سر من رأى " فاغتسل قبل دخول المسجد، فإذا دخلته فقف على قبريهما واجعل وجهك تلقاء القبلة وقل: " السلام عليكما يا وليي الله، السلام عليكما يا حجتى الله، السلام عليكما يا نوري الله في ظلمات الأرض، السلام عليكما يا أميني الله، أتيتكما زائرا لكما عارفا بحقكما مؤمنا بما آمنتما به، كافرا بما كفرتما به،

(1) في بعض النسخ " يسئل " والظاهر أنها تصحيف والصحيح ما أثبتناه.

[ 290 ]

محققا لما حققتما، مبطلا لما أبطلتما أسأل الله ربي وربكما أن يجعل حظي من زيارتكما مغفرة ذنوبي، وإعطائي مناي، وأن يصلي على محمد وآل محمد، وأن يرزقني شفاعتكما، ولا يفرق بيني وبينكما في الجنة، برحمته. ثم ارفع يديك بالدعاء وقل: " اللهم ارزقني حب محمد وآل محمد وتوفني على ولايتهم، اللهم العن ظالمي أهل بيت نبيك، وانتقم منهم، اللهم عجل فرج وليك وابن وليك واجعل فرجنا مقرونا بفرجهم ". ثم صل مكانك أربع ركعات وصل بعدها ما أحببت وادع الله كثيرا. وإذا أردت وداعهما عند انصرافك فقف على قبريهما كما وقفت في أول دخولك وقل: " السلام عليكما يا وليي الله أستودعكما الله وأقرء عليكما السلام، آمنا بالله وبالرسول وبما جئتما به ودللتما عليه، اللهم اكتبنا من الشاهدين ". ثم اسئل الله تعالى العود إليهما وادع بما شئت. " باب زيارة جامعة لسائر المشاهد على أصحابنا أفضل السلام " إذا أردت زيارة واحد من الأئمة عليهم السلام أجزأك أن تقول: " السلام على أولياء الله وأصفيائه، السلام على أنبياء الله وأحبائه، السلام على أنصار الله وخلفائه السلام على محال معرفة الله، السلام على معادن حكمة الله، السلام على مساكن ذكر الله، السلام على عباد الله المكرمين، الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، السلام على المستقرين في مرضات الله، السلام على الذين من والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم فقد عاد الله، ومن عرفهم فقد عرف الله، ومن جهلهم فقد جهل الله ". أشهد الله أني حرب لمن حاربكم، سلم لمن سالمكم، مؤمن بما آمنتم به، كافر بما كفرتم به، محقق لما حققتم، مبطل لما أبطلتم. مؤمن بسركم وعلانيتكم مفوض في ذلك كله إليكم، والحمد لله رب العالمين، لعن الله عدوكم من الجن

[ 291 ]

والإنس، وضاعف عليهم العذاب الأليم ". ثم يصلي صلاة الزيارة ويدعو بعدها بما أراد إن شاء الله. " باب وداع الأئمة عليهم السلام ". إذا أردت وداع واحد منهم أجزءك أن تقول: " السلام عليك يا مولاي ورحمة الله وبركاته، أستودعك الله، وأقرء عليك السلام " ثم انصرف حيث شئت إن شاء الله تم الجزء الأول من المهذب بحمد الله ومنه ويتلوه الجزء الثاني في كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين والأئمة الأخيار والنجباء الأبرار والحمد لله رب العالمين. " تم كتاب الزيارات "

[ 292 ]

بسم الله الرحمن الرحيم " كتاب الجهاد " قال الله تبارك وتعالى: " كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم " (1) وقال عزوجل: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التورية والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم " (2) وقال جل اسمه: " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد " الآية (3) وقال سبحانه: - " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم " (4) وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: " إن الله وملائكته يصلون على أصحابنا الخيل من اتخذها فاتخذها في سبيل الله " (5) وروي عنه صلى الله عليه وآله قال:

(1) البقرة الآية 216.
(2) التوبة الآية 111.
(3) التوبة الآية 5.
(4) الانفال الآية 60.
(5) دعائم الاسلام، كتاب الجهاد، ص 344، مع اختلاف يسير في العبارة.

[ 293 ]

" ما من قطرة أحب إلى الله عزوجل من قطرة دم في سبيل الله " (1) وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه أنه قال: " الجهاد فرض على جميع المسلمين لقول الله تعالى " كتب عليكم القتال " (2) وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: " عليكم بالجهاد في سبيل الله مع كل إمام عادل، فالجهاد في سبيل الله مع كل إمام عادل باب من أبواب الجنة " (3) وروي عن أبي عبد الله " جعفر بن محمد عليهما السلام " أنه قال: " أصل الاسلام الصلاة، وفرعه الزكاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله " (4). والجهاد فرض على جميع المسلمين على الكفاية، ومعنى قوله (5) فرض على الكفاية: إنه إذا أقام به من يكتفى به فيه من بعض المسلمين سقط فرضه عن الباقين، والذين يمكن حصول الكفاية بهم، هم الذين يكونون في أطراف بلاد الاسلام، فإنهم إذا طرقهم العدو وكان فيهم كفاية لهم وقيام بكفهم ودفعهم فالفرض ساقط عن غيرهم. فإن لم يكن فيهم كفاية واحتاجوا إلى عدد كان الفرض لازما لمن يليهم وعليهم أن يمدوهم ويعينوهم أولا فأولا، فإن لم ينكف العدو بذلك فاحتيج إلى جميع المسلمين، وجب ذلك على الجميع، لوجوبه على كل رجل منهم، حر، بالغ، كامل العقل، سليم من الشيخوخة والمرض والعذر الذي لا يمكنه معه القيام بالحرب أن يكون له عذر يمنعه من ذلك، ويكون (6) مأمورا به من قبل الإمام العادل، أو من نصبه الإمام. وإنما ذكرنا الرجل لأن النساء لا يجب عليهن الجهاد، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله

(1) الوسائل، ج 11، الباب 1 من أبواب جهاد العدو، ص 8، الحديث 11.
(2) المستدرك، ج 2، الباب 1 من أبواب جهاد العدو، الحديث 23.
(3) المستدرك، ج 2، الباب 1 من أبواب جهاد العدو، الحديث 30.
(4) دعائم الاسلام، كتاب الجهاد، ص 342.
(5) أي قول القائل.
(6) أي الجهاد.

[ 294 ]

من أنه سئل هل عليهن جهاد فقال: لا - وإنما ذكرنا الحرية - لأن العبيد لا يجب عليهم، لأنهم لا يملكون شيئا، يوضح ذلك القرآن والخبر. فأما القرآن فقوله سبحانه: (ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج) (1) والمملوك داخل في ذلك، لأنه لا يملك شيئا مما ذكرناه. وأما الخبر فما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله من إنه كان إذا أسلم عنده رجل قال له حر أو مملوك؟ فإن كان حرا بايعه على الاسلام والجهاد، وإن كان مملوكا بايعه على الاسلام دون الجهاد (2). وإنما ذكرنا البلوغ لأن الصبي لا يجب عليه، لما روي من أن ابن عمر عرض على النبي صلى الله عليه وآله يوم أحد وهو ابن أربع عشر، سنة فرده ولم يره بالغا، وانه عرض عليه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة فأجاز في المقاتلة (3). وإنما ذكرنا كمال العقل لأن المجانين لا يجب عليهم الجهاد. لأنهم غير مكلفين. وإنما ذكرنا الشيخوخة - التي لا يمكن معها القيام بالحرب، لأن المكلف بالشيئ إنما يكون مكلفا به مع الاستطاعة له وقدرته عليه، فأما إذا لم يكن مستطيعا له ولا قادرا عليه لم يصح كونه مكلفا به. وإنما ذكرنا المرض - الذي لا يمكن المريض معه القيام بالحرب - لمثل ما تقدم، ولأن المرض إما أن يكون ثقيلا، أو خفيفا. فإن كان ثقيلا كالحمى اللازمة المطبقة أو البرسام (4) وما أشبه ذلك فلا يجب الجهاد عليه لقوله سبحانه: ولا على المريض (5).

(1) التوبة، الآية 91.
(2) المبسوط، ج 2، ص 5.
(3) المبسوط، ج 2، ص 5.
(4) البرسام: التهاب في الحجاب الحاجز الذي بين الكبد والقلب (5) الفتح، الآية 17.

[ 295 ]

فإن كان خفيفا، كالحمى التي ليست لازمة ولا مطبقة، بل يكون بالنوبة في وقت دون وقت، أو وجع الفرس والصداع (1). وما أشبه ذلك، فذلك لازم له لأنه كالصحيح، فأما الحمى الثانية (2) فإنما يسقط وجوب ذلك عليه في حال النوبة - إن كان فيها غير قادر ولا يتمكن من القيام بالحرب - فإن لم يكن كذلك، فحاله كحال الصحيح السليم كما قدمنا. فأما العذر فإن كان مرضا أو غيره مما قدمنا ذكره، فقد مر ما فيه، وإن كان غير ذلك مثل أن يكون معسرا فينبغي تأمل حاله، فإن كان الجهاد وموضع الحرب قريبا من البلد الذي هو فيه وحوله، فالجهاد واجب عليه، ولا معتبر في سقوط ذلك عنه باعتباره (3). وإن كان موضع ذلك بعيدا فينبغي النظر في حال هذه المسافة، فإن كانت مما لا توجب قصر الصلاة فالجهاد واجب عليه، وإن كانت توجب القصر لم يجب عليه جهاده، لأن من شرط ذلك الزاد ونفقة الطريق ونفقة من تجب عليه نفقته إلى حين رجوعه وثمن سلاحه، فإن لم يجد ذلك لم يجب الجهاد عليه لقوله سبحانه وتعالى: " ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج " (4) فإن كانت المسافة أكثر من ذلك فليس يجب الجهاد عليه أيضا، لأنه يحتاج في ذلك إلى ما ليس بقادر عليه، من زيادة على ما ذكرناه من النفقة والراحلة من الواجد، لقوله: سبحانه " ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه " (5).

(1) الصداع: وجع الرأس عموما.
(2) أي غير اللازمة.
(3) وفي نسخة: " والمعتبر في سقوط ذلك عنه باعتباره " والظاهر أن الصحيح ما أثبتناه والمعنى: إنه لا اعتبار في سقوط الجهاد عنه بالعسر، لأنه قريب.
(4) التوبة، الآية 91.
(5) التوبة، الآية 92

[ 296 ]

ومن كان له أبوان مسلمان وهما مفتقران إليه في القيام بهما أو النفقة عليهما فليس يلزمه الخروج، وإن كان أبواه كافرين كان الخروج واجبا عليه. وإن كان من يجب عليه الجهاد (1) عليه دين حال ولم يكن له من يوفيه عنه ولا يمكنه قضائه، فلصاحب الدين منعه من الخروج حتى يقضيه دينه، فإن كان في يد صاحب الحق رهن فيه وفاء، بالدين، فأذن له صاحب الحق بالخروج، خرج فإن كان الدين مؤجلا وعليه رهن أو لم يكن عليه رهن، وكان إذا خرج ترك وفائه (2) فإن له الخروج، أذن له صاحب الحق أو لم يأذن فيه، فإن لم يترك وفائه فقد ذكر أن له الخروج على كل حال، وليس لصاحب الدين المؤجل منعه من ذلك، لأنه بالتأجيل بمنزلة من لا دين عليه. وإذا احاط (3) الحرب بالبلد وجب على كل من ذكرناه الخروج. وليس له الامتناع من ذلك بشئ من الاعذار التي وصفناها ولا غيرها، ولا يجوز لصاحب الدين ولا غيره المنع عن ذلك على كل حال. ومن خرج إلى الجهاد ولم يكن له عذر ثم تجدد العذر، بأن يكون صاحب الدين أذن له في الخروج ثم بدا له من ذلك، أو كان أبواه كافرين فأسلما فإن كان ذلك قبل التقاء الجمعين جاز له الرجوع، فإن كان التقى الجمعان لم يجز له الرجوع ويجوز له الخروج بالصبيان (4) للانتفاع بهم، والنساء يجوز خروجهن ليعالجن الجرحى والمرضى، والمرئة إذا كان له زوج لم يجز لها الخروج إلى الجهاد إلا بإذنه. وإنما ذكرنا أن يكون مأمورا بالجهاد من قبل الإمام أو من نصبه، لأنه متى لم يكن واحدا منهما لم يجز له الخروج إلى الجهاد.

(1) في نسختين زيادة كلمة " الواو " ولعلها تصحيف.
(2) المراد إنه ترك ما لا يفي بدينه عند حلوله.
(3) في نسخة " إذا صار الحرب " وفي أخرى " إذا حار ".
(4) وفي نسخة " ويجوز خروج الصبيان ".

[ 297 ]

فإن دهم المسلمين العدو وهجم عليهم في بلدهم جاز لجميع من في البلد قتاله على وجه الدفع عن النفس والمال. والجهاد مع أئمة الكفر ومع غير إمام أصلي (1) أو من نصبه قبيح، يستحق فاعله العقاب، فإن أصاب كان مأثوما، وإن أصيب لم يكن على ذلك اجر. ومتى غنم المسلمون غنيمة وهذه حالهم، كان جميع الغنيمة للامام خاصة وليس يستحقون منها شيئا بالجملة. ومعاونة المجاهدين فيها فضل كثير، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: من جهز غازيا أو حاجا أو معتمرا أو خلفه في أهله فله مثل أجره (2) ويجوز للامام أن يستعين بالمشركين على قتال المشركين بأن يكون في المسلمين قلة، أو يكون في المستعان جيد الرأي حسن السياسة. وإذا عرف الإمام من رجل الأرجاف والتحوين (3) ومعاونة المشركين كان له أن يمنعه من الغزو. وأما الأرجاف فهو مثل أن يقول: بلغني أن للقوم كمينا، أو لهم مددا يلحقهم وما جرى هذا المجرى، وأما التحويل فهو أن يقول: إن الصواب أن يرجع عنهم فإنا لا نطيق قتالهم ولا يثبت لهم ويضعف أنفسهم بذلك وما أشبهه، والاعانة أن يرى (4) عينا منهم يطلعهم على عورات المسلمين أو يكاتبهم بأخبارهم ومن كان على واحد من هذه الصفات كان للامام منعه من الخروج مع المسلمين، فإن لم يمنعه وخرج، لم يعط من الغنيمة ولم يسهم له سهم منها، لأنه ليس من المجاهدين بل هو بفعله عاص.

(1) وفي نسخة " أصل " " بدل " أصلي ".
(2) المبسوط ج 2، ص 7.
(3) كذا في نسختين وفي المبسوط " التجديل " وفي بعض نسخ منه " التحديل " ويحتمل أن يكون الأصل " التخديل " والمراد منه صرف المسلمين عن الحرب، كما إن المراد من الأرجاف: إيجاد الاضطراب فيهم.
(4) من الأرائة أي يرى عينا منهم أسرار المسلمين ومن المحتمل قريبا أن تكون " يؤوى " من الإيواء.

[ 298 ]

ومن يجب عليه الجهاد على ضربين: أحدهما يجب عليه بنفسه، والآخر يجب عليه إقامة نائب عنه فيه، فأما الذي يجب عليه بنفسه فهو كل من وجب عليه وعلم من نفسه القيام والتمكن منه، وأما الذي يجب عليه إقامة نائب عنه فيه، فهو كل من وجب عليه وعلم من نفسه أنه لا يتمكن منه. ومن وجب عليه الجهاد فلا يجوز له أن يغزو عن غيره، ومن لم يجب عليه جاز له ذلك، ويجوز أخذ النائب الأجرة ممن يستنيبه فيه. " باب فيمن يجب جهاده " من يجب جهاده على ثلاثة أضرب: أحدها ضرب لا يقبل منهم إلا الدخول في الاسلام حسب، فإن لم يجيبوا إلى الدخول قتلوا وسبى ذراريهم وصارت أموالهم غنيمة وثانيها ضرب لا يقبل منهم إلا الدخول في الاسلام أو أداء الجزية " عن يد وهم صاغرون " والقيام بشرايط الذمة، فإن لم يجيبوا إلى ذلك (1) ولم يثبتوا عليه ثم فعلوا شيئا منه خرجوا من الذمة، وأجريت عليهم الأحكام التي تقدم ذكرها من القتل وغنيمة الأموال وسبى الذراري. وثالثها على ضربين: أحدهما له فئة يرجع إليها، والآخر لا فئة له، والذي له فئة يرجع إليها، يجاز (2) على جريحهم ويتبع مدبرهم ويقتل أسيرهم ويغنم أموالهم التي يحويها العسكر فقط، ولا يجوز، سبى ذراريهم ولا أخذ شيئ من أموالهم التي لا يحويها العسكر. والذي لا فئة له لا يجاز على جريحهم ولا يتبع مدبرهم ولا يسبى ذراريهم، بل يغنم أموالهم التي في العسكر دون غيرها. والضرب الأول - من القسمة المتقدمة - هم جميع من خالف الاسلام وليس لهم كتاب ولا شبهة كتاب، كعباد الأوثان والكواكب ومن جرى مجراهم،

(1) الأنسب " أو " بدل " الواو ".
(2) أي يجهز.

[ 299 ]

والضرب الثاني - هم اليهود والنصارى والمجوس. والضرب الثالث - الذي هو على ضربين، هو جميع من انتمى إلى الاسلام من البغاة، وهم الذين يبغون على الإمام العادل وينكثون بيعته (1) ويفعلون ذلك مع نصبه الإمام للنظر في أمور المسلمين ويجرى مجرى أصحاب الجمل وصفين. " باب سيرة الحرب وما يفعل قبل القتال وبعده " إذا عزم المجاهدون على الزحف، فينبغي لصاحب الجيش أن يعقد الألوية ويسلم الرايات إلى من ينبغي تسليمها إليه ممن يختاره ويصلح له ذلك، ثم يقدم إليهم الإنذار والأفضل تقديمه، ثم يبعث الطوالع (2) والعيون، ويقرر الشعار بين الناس وأفضل الشعار ما كان فيه اسم الله تعالى. ولا يجوز لأحد أن يفر من الزحف، ولا يفر من واحد أو اثنين، ويجوز الفرار من ثلاثة أو أكثر، ولا يقطع الأشجار المثمرة ولا تحرق إلا أن يدعو إلى ذلك ضرورة، ولا يلقى السم في ديارهم، وقد أجاز ذلك قوم من أصحابنا والأفضل تركه. ولا ينبغي أن يفارق الانسان سلاحه عند القتال. ويستحب حفر الخندق عند دعاء الحاجة إلى ذلك، وينبغي أن يبتدء بالقتال بعد الزوال وبعد صلاة الظهر، ويدعو عند اللقاء بدعاء النبي صلى الله عليه وآله ويدعو بدعاء أمير المؤمنين على عليه السلام فأما دعاء النبي صلى الله عليه وآله وهو الذي دعا يوم أحد، وهو: " اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان " وأما دعاء أمير المؤمنين عليه السلام فهو: " اللهم أنت عصمتي وناصري وبغيتي، اللهم بك أصول وبك أقاتل ". وإذا أراد صاحب الجيش الزحف عبأ الرجالة (3) وقدم الرماة، ثم الخيل،

(1) يحتمل أن يكون أصلها " أو ".
(2) لعل أصلها " طلائع ".
(3) عبأ الجيش للحرب: جهزه وهيأه، والراجل: خلاف الفارس يجمع على الرجال والرجالة: من يمشي على رجليه.

[ 300 ]

ثم الإبل، وجعل ذلك كتائب (1) ففرق القبائل وقدم على كل قوم رجلا، وصف الصفوف وكردس الكراديس (2) وجعل للعسكر ميمنة وميسرة وقلبا - يكون هو فيه - مع العدو (3). ويزحف ويأمر حينئذ بالدعاء وخفض الاصوات واجتماع النيات واظهار العدد، وألات الحرب وإشهار السيوف ورفع الرماح، وأن يلزم كل قوم مركزهم ومكانهم، ولا يبادر أحد غيره إلا بأمر صاحب الجيش، ومن حمل فليرجع إلى مركزه ومكانه. ويأمر الرماة بالرمي، والمقدمة أن يتقدم، ومن رأى من العدو، فرصة فينبغي أن ينهزها (4) بعد إحكام مركزه حتى إذا بلغ مراده رجع إليه، فإذا ارادوا الحملة - فليبدء بذلك صاحب المقدمة - فإن كان ممن معه كفاية في دفع العدو وهزيمته فليثبت الناس في مراكزهم، وإن تضعضعت (5) المقدمة وشقت (6) الرماة وحملت المنجيد (7) وافتقدت (8) الأطراف والأدوية والأكام (9) لئلا يكون في شيئ

(1) الكتيبة، تجمع على كتاب: القطعة من الجيش أو الجماعة من الخيل.
(2) كردس الخيل: جمعها وجعلها كتيبة كتيبة، والكرادس جمع كردوسة: طائفة عظيمة من الخيل.
(3) في نسخة " العدد " بدل " العدو " ولعل معناها: إن هذا التسليم فيما إذا كان المعسكر عدد قابل لهذه القسمة.
(4) في نسختين بالراء المهملة ولكنها تصحيف والصحيح " ينهز " بالمعجمة، ونهز نهزا أي نهض لتناول شيئ " وانتهز الفرصة " أي " بادر وقتها واغتنمها ".
(5) تضعضع: أي ضعف.
(6) وشق: أي طعن وخدش.
(7) كذا في النسخ لعل أصلها " النجيد " وهو الشجاع الماضي في ما يعجز غيره، أو المسحة وهي آلة معروفة ويحتمل أن يكون أصلها " المنجنيق " وهو معروف.
(8) أي تفقدت ومعناها: الطلب (9) في نسخة " الأجام " بدل " الاكام "

[ 301 ]

من ذلك كمين، أو مكيدة، وتقرب الرايات وتقعقع الحجف (1) ويقدم في صدر العدو أصحاب الحديد من التجافيف (2) والدروع والسواعد (3) والجواشن. فإن انكسر العدو لم يحمل عليهم الجيش جملة واحدة بل يحملون أولا فأولا، فإن ثبت العدو فليثبت الناس، وإن انهزموا الهزيمة التي لا تحصل فيها شك، فليحمل الجيش عليهم جمله واحدة وهم على حال التعاني (4) غير متفرقين. وينبغي إذا انصرفوا من الحرب أن ينصرفوا على حال التبعية (5) أيضا ولا يتفرقوا، فإن زحف العدو أولا إلى المسلمين، فينبغي لأميرهم أن يصف الناس على الخندق ويأمرهم بالترجيل وملازمة الأرض، ويحكموا صفوفهم إلى حد لا يكون فيها شيئ من الخلل، ولا يعتمدوا على شيئ من آلات الحرب إلا على السيوف، فإذا حمل العدو عليهم جثوا (6) على ركبهم ونظروا إلى مواضعهم ولا يهولن أحدا عدوهم، ويستتروا بالجحف، فإذا أتموا حملتهم وعادوا حمل الناس عليهم بالسيوف. فإن ثبتوا فليثبتوا على حال التعاني فإن لم يثبتوا أو استوت (7) الهزيمة عليهم، فليركبوا الخيل ويجد في طلبهم واستئصالهم. فإن عرض للمسلمين - والعياذ بالله - هزيمة، فيجب أن يصيح بعضهم ببعض ويذكروا ما به توعد الله تعالى ذكره من فر من الزحف وتعنف بعضهم بعضا وتبكيته (8)

(1) تقعقع: اضطرب وترك - وصوت عند التحرك، والحجف جمع الحجفة: التروس من جلود.
(2) التجافيف جمع التجفاف وهي آلة للحرب تلبسها الفرس والانسان يتقي بها كأنها درع (3) السواعد: ما يلبس على الساعد من حديد أو نحاس أو ذهب.
(4) كذا في نسخة ولعل معناها: " التعاون ".
(5) في نسخة " التعبئة " بدل " التبعية " ومعناها: الاعداد والتهيؤ.
(6) جثا جثوا: جلس على ركبتيه. أو قام على أطراف أصابعه.
(7) في نسخة " استرت " بدل " استوت ".
(8) التبكيت: التوبيخ.

[ 302 ]

ويسرع من كان مخفا في لحوق المنهزمين، ويجتهدوا في ردهم، فإذا اجتمعوا واستقر كل قوم مع صاحبهم المستولي عليهم، عادوا إلى حال التبعية (1)، ثم يقاتلوا ويستعينوا بالله سبحانه في النصر على عدوهم ويقاتلونهم بكل ما أمكن قتالهم به من السلاح وغيره إلا السم. فإن تحصنوا فصب عليهم المناجيق، والعرادات (2) وما جرى مجرى ذلك، وقاتلوا إلى أن يفتح الله سبحانه، فإن كان فيهم مسلمون ونساء وصبيان وشيوخ وذمى وأسارى ومن لا يجوز قتله وكان المشركون أكثر منهم، جاز رميهم مع الكراهة لذلك إلا لضرورة، فإن كان هناك ضرورة جاز رميهم. وإن كان المسلمون أكثر من المشركين لم يجز رميهم، وإذا تعمد إنسان رمي واحد ممن ذكرناه، كان عليه القود والكفارة وإن كان خطاء كان فيه الدية. وإن كانت الحروب ملتحمة (3) وكان المسلمون أكثر من المشركين وأصيب منهم واحد لم يلزمه فيه شيئ، غير أنه لا يجوز والحال هذه أن يتعمد المسلم ويقصد بالرمي. وإذا انترس (4) المشركون بأسارى المسلمين وكانت الحرب ملتحمة، لم يقصد الاسير بالرمي (5) فإن أصيب لم يكن على من رماه شيئ، وإن لم يكن الحرب ملتحمة يجوز رميه، فإن رماه ولم يقصده فإن أصابه، كان ذلك خطاء وعليه ديته، وإن تعمده كان عليه القود أو الدية. وإذا كان المسلمون مستظهرين على المشركين، كره تبييتهم ليلا والاغارة (6)

(1) في نسخة " التعبئة ".
(2) العرادة: من آلات الحرب أصغر من المنجنيق ترمى بالحجارة المرمى البعيد (3) التحم الحرب بين القوم: اشتبكت واختلط..
(4) في نسخة " اترس ".
(5) في بعض النسخ - لا يجوز رمي الأسير.
(6) أغار على القوم غارة وإغارة: دفع عليهم الخيل والغارة النهب.

[ 303 ]

عليهم، وإن لم يكن في المسلمين قوة عليهم جاز تبييتهم والاغارة عليهم وإن كان فيهم النساء، والصبيان. وقتال المشركين جائز في جميع الأوقات، إلا في الأشهر الحرم لمن كان يرى منهم لها حرمة، فإن من يرى ذلك منهم لا يجوز قتاله فيها إلا أن يبتدئ هو فيها بالقتال. فإذا ابتدء بذلك جاز قتاله فيها وإن لم يبتدأ لم يجز قتاله حتى ينقضي. ولا يجوز قتل النساء وإن قاتلن مع أهلهن، إلا أن يدعوا إلى قتلهن ضرورة، وإن دعت إلى ذلك ضرورة لم يكن به بأس. والمرابطة في حال ظهور الإمام عليه السلام فيها فضل كثير، وحدها من ثلاثة أيام إلى أربعين يوما، فإن زادت على ذلك كان حكم المرابط حكم المجاهد في الثواب. ومتى نذر إنسان المرابطة والامام ظاهر وجب عليه الوفاء بذلك، وكذلك وجب عليه الوفاء به (1)، فإن نذر ذلك في حال استتاره صرفه في وجوه البر. وإذا أخذا إنسان شيئا من غيره لينوب عنه في المرابطة، وكان الإمام عليه السلام مستترا، كان عليه رد ذلك، فإن لم يجده رده على وارثه، فإن لم يكن له وارث كان عليه الوفاء به فإذا كان أخذه في حال ظهور الإمام عليه السلام وجب عليه الوفاء به، ومن لم يتمكن عن المرابطة بنفسه وأعان المرابطين من ماله بشئ أو رابط (2) دابة، كان له في ذلك فضل كثير. ولا يجوز التمثيل بالعدو ولا الغدر به. ومن كان من المسلمين في دار العدو فحاربهم غيرهم من الكفار، جاز له قتاله ويقصد بذلك الدفع عن نفسه دون القصد إلى معونة العدو

(1) كذا في النسخ والظاهر أن في العبارة سقطا بنحو " إن نذر صرف شيئ في المرابطين " (2) وفي نسخة " ربط ".

[ 304 ]

وإذا كان عسكر المسلمين مثل نصف عسكر المشركين، لم يجز لأحد أن يولي الدبر بل وجب عليه الثبات، إلا أن يكون متحرفا لقتال أو يكون في مضيق فينحرف عنه إلى موضع يتسع فيه للقتال أو يعين على مجال (1) فرسه، أو يكون موضعه معطشا فيتحول إلى موضع الماء، أو يكون الريح والشمس في وجوههم يستدبرونها أو يكون متحيزا إلى فئة فيتحيز إليها، وسواء كانت فئة بعيدة أو قريبة، أو ما جرى مجرى ذلك، فإذا انحرف بغير ما ذكرناه كان فارا واستحق العقاب العظيم لقوله سبحانه: " فقد باء بغضب من الله " (2). وإذا لقي واحدا من المشركين وعلم أو غلب على ظنه أنه يقتله، فقد ذكر أنه يجوز له الانصراف، والأقوى عندي خلافه، وتعويل من خالف في ذلك على قوله سبحانه " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " (3) يصح تناوله لغير هذا الموضع، لأنه متعبد في جهاد الكفار بالثبات لقوله سبحانه " إذا لقيتم فئة فاثبتوا " (4). فإذا كان عسكر المشركين أكثر من ضعف عسكر المسلمين، لم يجب الثبات، أو يغلب في ظنه إنه إن ثبت قتل، فالأفضل له الثبات فإن لم يثبت وأراد الانصراف كان له ذلك، وقد ذكر أن الجيش إذا بلغ اثني عشر ألفا لم يجز لأحد أن يولي. ومن كانت له دعوة قد بلغته، وعلم أن النبي صلى الله عليه وآله يدعو إلى الايمان وشرائع الاسلام، ولم يقبلوا ذلك مثل الترك والروم والهند والخزر (5) ومن جرى مجراهم فإنه يجوز للامام أو من نصبه أن ينفذ الجند لقتالهم من غير أن يقدم النذارة (6) إليهم ويجوز أن يغير (7) عليهم.

(1) أي جولانه.
(2) الانفال، الآية 16.
(3) البقرة، الآية 195.
(4) الانفال، الآية 45.
(5) الخزر: بضم معجمة وسكون زاء وفتحها: جنس من الأمم خزر العيون من ولد يافث بن نوح على نبينا وآله (ع) من خزرت العين إذا صغرت وضاقت.
(6) النذارة، الإنذار.
(7) من الاغارة.

[ 305 ]

ومن لم تبلغه الدعوة فلا يجوز له قتاله، إلا بعد الانذار والتعريف بما يتضمنه الدعوة مما قدمنا ذكره، فإذا علم ما ذكرناه ولم يقبل ذلك قوتلوا وقتلوا، فإن كانوا من أهل الجزية وأجابوا إلى دفعها لم يقاتلوا ولم يقتلوا وقبل ذلك منهم، تركوا على ما هم عليه من دينهم، فإن لم يكونوا من أهل الجزية فعل بهم من القتل وغيره ما قدمناه " باب الأمان وأحكامه " الأمان جائز في شريعة الاسلام، لقوله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وآله: " وإن أحد من المشركين استجارك فاجره حتى يسمع كلام الله " (1) الآية، ولأنه صلى الله عليه وآله فعل ذلك عام الحديبية، ولأنه صلى الله عليه وآله أيضا امضاه لأم هاني بنت أبي طالب في فتح مكة لما أجارت رجلا، فقال " عليه وآله السلام أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت ". فإن كان العاقد للأمان الإمام عليه السلام جاز أن يعقده لجميع المشركين في سائر الأماكن والأقاليم كلها، لأن إليه النظر في جميع أمور الدنيا والدين ومصالح الاسلام والمسلمين كافة. وإن عقد واحدا من خلفائه وولاته على صقع من الأصقاع أو إقليم من الأقاليم، جاز له مع من (2) يليه من المشركين، ولا يتجاوز ذلك إلى غيره إلى ما يلى جهة لم يجعل إليه النظر فيها ولا تدبير مصالحها وسياستها. فإن كان العاقد واحدا من المسلمين، جاز له ذلك من الواحد والعشرة، ولا يجوز فعله لذلك مع جميع أهل بلد أو صقع، لأنه ليس له النظر في ذلك، فإذا كان ذلك جائزا للواحد من المسلمين، لا يخلو من أن يكون هذا الواحد كامل العقل أو غير كامل العقل، فإن كان كامل العقل لم يخل من أن يكون رجلا أو امرئة، فإن كان رجلا لم يخل من أن يكون حرا أو عبدا، فإن كان عبدا جاز له ذلك على خلاف فيه، وإن كان حرا جاز له ذلك بلا خلاف فيه، وإن كانت امرأة، جاز لها ذلك لما ذكرناها من فعل " أم هاني ".

(1) التوبة - الآية 6.
(2) في نسخة: " ولمن " بدل " مع من ".

[ 306 ]

وإن كان غير كامل العقل رجلا أو امرأة، حرا كان أو عبدا، فإن ذلك لا يجوز له لأنه غير مكلف. والصبي إذا كان كبيرا ولم يبلغ الحلم، فاغتر به بعض المشركين (1) وأمنه هذا الصبي لم يصح أمانه، ولا يجوز التعرض له بسوء حتى يرد إلى مأمنه، فإذا حصل إلى مأمنه أو في الموضع الذي يأمن فيه على نفسه بعد ذلك، صار حربيا لأنه دخل علينا بشبهته، فلا يجوز مع ذلك الغرر به. فإذا استذم (2) قوم من المشركين قوما من المسلمين، فأشار المسلمون إليهم إنكم لا أمان لكم عندنا، فظنوا أنهم قد أمنوا لهم فدخلوا إليهم لم يجز التعرض لهم بل يردون إلى مأمنهم فإذا حصلوا به صاروا حربيا. وإذا كان مسلم في دار الحرب اسيرا أو مطلقا، فأعطى الأمان لبعض المشركين لم يجز أمانه، وكذلك لو امن بعض المسلمين بعض المشركين من بعد الهزيمة وفي حال التمكن منهم والظفر بهم، لم يجز هذا الأمان أيضا. والأمان جائز بكل لسان - عبارة أو إشارة - إذا فهم المخاطب به معناه، ولفظ الأمان هو: " أجرتك، أو أمنتك، أو ذممت لك " فإن قال: لا بأس عليك، أو لا تخف أو لا تذهل (3)، أو ما عليك خوف، أو ما أشبهه، أو كلمه (4) أو قال ما معناه بلغة أخرى فإن علم من قصده أنه أراد الأمان كان ذلك أمانا، لأن المراعى هاهنا القصد لا اللفظ، فإن لم يقصد ذلك ودخل إليه لم يجز التعرض له بسوء لأنه دخل على شبهته، ويجب أن يرد إلى مأمنه، فإذا حصل به صار حربا كما ذكرنا في غيره فيما تقدم. وإذا كان بعض المشركين في حصن، فقال: واحد منهم للمسلمين: اعطوني أمانا على أن أفتح لكم الحصن، فأعطوه الأمان، فقال لأصحابه: قد أخذت الأمان

(1) فزعم الصحة، وفي نسخة " فاعتبر " بدل " فاغتر ".
(2) في نسختين " استندم " والظاهر أنها تصحيف والصحيح ما أثبتناه.
(3) الذهول: هو الذهاب عن الأمر بدهشة.
(4) كذا في نسخة وفي أخرى تحتمل الكلمة أن تكون " كله " والظاهر أنها هو الصحيح والمراد أنه قال كل هذه الالفاظ.

[ 307 ]

لكم، ففتحوا الحصن، نظر في أمرهم، فإن كان المسلمون علموا (1) بما فعل صاحبهم معهم لم يجز لهم أن يفعلوا معهم ما يجوز فعله بهم لو فتحوا الحصن عنوة من سبى وغيره، وإن لم يكونوا علموا ذلك، فعلوا بهم ما يجوز لهم لو فتحوه عنوة، لم يكن عليهم شيئ لأن ذلك غرر من صاحبهم لا من المسلمين، إلا أنه إذا علموا ذلك استحب لهم أن لا يسبوهم، ويجزونهم في أن يكونوا ذمة في دار الاسلام، أو يمضوا حيث شاءوا بأنفسهم وذراريهم، من غير شيئ يستعينون به على قتال المسلمين من سلاح وما أشبهه. وإذا دخل الحربى دار الاسلام في تجارة، بأمان رجل من المسلمين على نفسه وجميع أسبابه، كان أمنا على نفسه وماله وعلى من يكون في صحبه من قرابة وغيرها، سواء خرجوا مجتمعين في دفعة واحدة أو متفرقين. وإذا دخل المشرك دار الاسلام بأمان، ثم خرج إلى دار الشرك بغير أمر الإمام ولا من نصبه الإمام ولا في حاجة ولا في تجارة بل للاستئطان فقط، انتقض الأمان على نفسه ولم ينتقض عن ماله إذا كان قد ترك مالا في دار الاسلام، والأمان قائم في ماله ما دام حيا، فإن مات انتقل ميراثه إلى ورثته من أهل الحرب إن لم يكن له وارث مسلم يحجبهم عنه، وينتقض الأمان في المال لأنه مال كافر ليس بيننا وبينه أمان - لا في نفسه ولا في ماله - ويكون فيئا للامام خاصة، لأنه لم يؤخذ بالسيف فهو مثل ميراث من لا وارث له. وإذا أخذ أمانا لنفسه ودخل دار الاسلام، ثم مات وترك بها مالا وكان له وارث في دار الحرب فالحكم فيه كالحكم في المسألة المتقدمة، وقد ذكر أنه يرد إلى ورثته الكفار، وهذا فاسد لأنه حينئذ مال من لا أمان بيننا وبينه لا في نفسه ولا في ماله. وإذا أعطى المسلمون الأمان لرجل من المشركين في حصن وفتح الحصن ولم يعرف الرجل المذكور بعينه، نظر في ذلك، فإن كان الجيش الذي فتحوا

(1) في نسخة " عملوا " بدل " عملوا ".

[ 308 ]

الحصن غزوا بغير إذن الإمام عليه السلام ولا من نصبه، كان عليهم أن يكفوا عن قتل من في الحصن حتى يخبرهم أميرهم، إما أن يقرع بينهم - فمن خرج اسمه كان أمنا أو (1) يجرى على الناس الحكم، فإما (2) أن يؤمن الجميع على نفوسهم ويصيروا ذمية ويستسعى كل واحد منهم في قيمته، إلا قدر واحد معهم من جملتهم قيمة وسطا، والقرعة أولى. وإذا حضر (3) المسلمون المشركين، فائتمن (4) واحد من المشركين لجماعة معينين كان الأمان صحيحا فيهم دون غيرهم، ولو استأمن لعدد غير معين (5) كان ذلك جائزا في هذا العدد، دون غيرهم مما زاد عليه فإن قال: اعطوني الأمان لالف رجل أو مأة رجل وافعلوا في الباقي ما أردتم، كان ذلك جائزا ويختار من أراد منهم الألف والمأة فإن قال: آمنوا جميع أهل الحصن ولكم منهم ألف أو مأة صح ذلك وتدفع الألف والمأة من رقيقهم أو من أحرارهم. فإن كان الجيش غزا بغير إذن الإمام أو من نصبه كان للامام أو من نصبه أن يفعل مع أهل الحصن ما أختار من الوجهين المذكورين، وإذا انهزم المشركون وادعى بعد ذلك واحد من المسلمين إنه كان أمن بعضهم، لا يقبل ذلك أيضا منه إلا ببينة، ولو ادعى بعد الهزيمة اثنان أنهما كانا (6) أمنا رجلا أو أكثر منه لم يقبل ذلك منهما أيضا إلا ببينة. وإذا طلب صاحب جيش المشركين الأمان، على أن يدخل في جملة الذمة (7) ببلدان

(1) كذا في نسختين ولعلها تصحيف والصحيح " الواو " بدل " أو " وفي نسخة " أو يجرى على تأثير الحكم ".
(2) كذا في نسختين ولعلها وتصحيف والصحيح " وأما " بدل " فأما ".
(3) كذا في نسختين ولعل أصلها " حصر " بالمهملة.
(4) في نسخة " فاستأمن " بدل " فأتمن ".
(5) أي غير معين معدوده.
(6) في نسختين " كان " ولكن الظاهر أنها تصحيف.
(7) في نسخة " في جملة ذمية بلدان ".

[ 309 ]

الاسلام على الجزية جاز ولم يكن له الرجوع إلى دار الحرب، فإن أراد ذلك أو هم به لم يكن بحبسه بأس، ولا يقتل إلا أن يحارب، وإن طلب الأمان على أن يقيم بغير جزية لم يجز ذلك. ويكره تمكين من دخل من دار الحرب إلى دار الاسلام - من رسول أو غيره بأمان - من المقام أكثر من أربعة أشهر، فإن كان الداخل كتابيا وأقام سنة كان عليه الجزية أو على من حبسه حتى كمل عليه الحول. وإذا أراد الإمام أو أحد من خلفائه، جعل الجعائل لمن يدل على مصلحة أو على حصن أو غيره كان جائزا، وليس يخلو ذلك من أن يكون ماله أو ملك أهل الحرب، فإن جعله من ملكه وماله لم يصح حتى يكون معلوما موصوفا في الذمة أو معينا مشاهدا، لأنه عقد في ملكه فلا يجوز أن يكون مجهولا، فإن كان من ملك أهل الحرب، جاز أن يكون مجهولا ومعلوما وإذا كان كذلك، صح أن يقول: " من دلنا على كذا فله كذا " على ما ذكرناه من القسمين. فإن قال " من دلنا على القلعة الفلانية فله جارية فيها " وشوهدت القلعة لم يكن له شيئ حتى ينفتح، فإذا انفتحت فليس يخلو من أن يفتح عنوة أو صلحا، فإن كان عنوة وكانت الجارية على الشرك سلمت إليه، وإن كانت قد أسلمت قبل الظفر بها فهي حرة، فلا تدفع إليه إلا قيمتها، (1) وإن كانت قد أسلمت بعد الظفر نظر إلى الدليل، فإن كان مسلما سلمت إليه لأنها عين مملوكة، وإن كان مشركا لم تسلم إليه، لأن الكافر لا يملك مسلما بل يدفع قيمتها إليه، فإن ماتت الجارية قبل الظفر بها أو بعده لم يكن له شيئ، لأن أصل العقد حصل بشرط أن يكون له مع وجودها وإن كانت فتحت صلحا، وشرط أن لصاحب القلعة أهله وكانت الجارية من أهله، عرض على الدليل الأخذ لقيمتها ليتم الصلح، فإن أجاب إلى ذلك، جاز أن

(1) في نسختين " قبل الظفر به أو هي حرة فلا تدفع إليه قيمتها " والظاهر أنها تصحيف والصحيح ما في المتن كما في المبسوط.

[ 310 ]

يعرض قيمتها على صاحب القلعة ويسلمها إلى الدليل، فإن أجاب إلى ذلك جاز، وإن امتنع كل واحد منهما من ذلك، قيل لصاحب القلعة " أرجع إلى قلعتك بأهلك " ويزول الصلح، لأنه قد اجتمع هاهنا شيئان متنافيان، فلا يمكن الجمع بينهما، وحق الدليل سابق وجب تقديمه، وإذا كان المشرك ممتنعا وهو أسير فجعل له جعل على أن يدل على المشركين فدل عليهم، وجب الوفاء بما ضمن له. ولو جعل له جعل على أن يدل على مأة فدل على خمسين، أو عشره فدل على خمسة، كان النصف مما جعل له، فإن كان أسيرا فجعل له اسيرا يقتل لم يقبل (1) لأن القتل لا يتبعض، فإن لم يؤخذ في الموضوع الذي دل عليه أحد، لم يكن له من الجعل شيئ. وإذا ضل مسلم عن الطريق ومعه أسير من المشركين، فجعل له الأمان إن دله على الطريق، فلما دله عليها (2) ولاح له الجيش خاف المسلم من أن لا يطلقه صاحب الجيش، كان عليه اطلاقه قبل وصوله إلى الجيش، فإن أدركه المسلمون قبل اطلاقه كان على صاحب الجيش اطلاقه له، فإن اتهمه في ذلك استحلفه عليه ثم أطلقه، وإن لم يفعل صاحب الجيش ذلك، على المسلم أن يأخذه في سهمه ثم يطلقه بعد ذلك. إذا دخل إنسان من المشركين إلى دار الاسلام أمنا، (3) ثم أراد الرجوع إلى دار الحرب لم يمكن له أن يخرج بشئ من السلاح وما جرى مجراها مما

(1) كذا في نسخة ويحتمل أن تكون الكلمة " لم يقتل " فتكون المسئلة من شقوق الفرع السابق، والمراد: إنه لو جعل أسير - يجوز قتله - جعلا للمشرك الأسير بإزاء أن يدل على المأة مثلا فدل على خمسين لم يقتل الاسير المجعول، لأن نصفه حق للمجعول له والقتل لا يتبعض وفي نسخة أخرى " فجعل له أن يدل بقتل " بدل " فجعل له اسيرا يقتل ".
(2) كان تأنيث الضمير باعتبار تأنيث " الطريق " في بعض اللغات، أو باعتبار " الطريقة " (3) وفي نسخة: مستأمنا ".

[ 311 ]

يستعان به على قتال المسلمين، إلا أن يكون دخل ومعه شيئ فيجوز تمكينه من ذلك دون ما سواه. فإذا دخل مسلم دار الحرب بأمان، ثم أخذ منهم مالا قرضا أو سرقة ثم عاد الينا ودخل صاحب المال الينا بأمان، كان على المسلم رد ماله إليه لأن الأمان يقتضي الكف عن ماله. وإذا دخلت المرأة إلى دار الاسلام مستأمنة وكان لها زوج مشرك، انقطعت العصمة (1) بينهما ولم يحتج في ذلك إلى طلاق بل يكون ذلك فسخا للنكاح، وليس لها أن تتزوج حتى تنقضي عدتها، وإذا خرجت من دار الحرب حاملا و (2) تزوجت، كان النكاح مفسوخا. وإذا تزوج الحربى حربية لها زوج، ثم أسلما وخرجا من دار الحرب لم تحل له إلا بنكاح جديد وإذا تزوج الحربى حربية ودخل بها ثم ماتت، واسلم زوجها في دار الاسلام وجاء وارثها طالبا لزوجها بمهرها، لم يجب عليه دفع ذلك إليه لأن الوارث من أهل (3) الحرب ولا أمان له على هذا الوجه، فإن كان لها ورثة مسلمون كان لهم مطالبة الزوج بالمهر، ولا يحكم من المستأمنين (4) فيما كان بينهم في دار الحرب إذا تحاكموا فيه إلى المسلمين، ويحكم بينهم فيما كان بينهم في دار الاسلام. والحربي إذا أسلم في دار الحرب عصم بذلك دمه وجميع ماله مما يمكن نقله إلى دار الاسلام، وأما أولاده الأصاغر إنه كان له ذلك، وهذا حكمه إذا أسلم وهو في دار الاسلام، فأما أولاده البلغ فلهم حكم أنفسهم، وأما أملاكه التي لا يمكن

(1) وفي نسخة " العقد " بدل " العصمة ".
(2) الواو حالية.
(3) في نسخة " دار الحرب ".
(4) في نسخة زيادة " ويحكم " ولعلها سهو.

[ 312 ]

نقلها إلى دار الاسلام مثل العقارات والأرضين فهو غنيمة. وإذا أسلم وله حمل كان الحمل مسلما، وإذا غنمت زوجته هذه واسترقت لم يسترق ولده لأن إسلامه محكوم به منذ أسلم أبوه وإذ تزوج مسلم حربية فحملت منه بمسلم ثم سبيت وهي حامل واستفرقت لم يسترق ولدها أيضا، وإذا (1) استرقت الزوجة انفسخ النكاح. وإذا استأجر مسلم دارا في دار الحرب ثم غنمها المسلمون، فقد ملكوا رقبتها بالغنيمة دون منفعتها، وعقد الإجارة ثابت لا ينفسخ إلى أن ينقضي هذه الإجارة وإذا أعتق المسلم عبدا وثبت له الولاء عليه، ولحق بدار الحرب ثم حصل في الاسر، لم يحز استرقاقه لأن ولاء مولاه المسلم قد ثبت عليه فلا يجوز إبطاله، وقد ذكر أنه يجوز إبطال الولاء فيه. وإن كان الولاء للذمي ثم لحق المعتق بدار الحرب، يصح استرقاقه لأن مولاه لو لحق بداء الحرب وظفر به لاسترق، وإذا غلب المشركون على المسلمين وظفروا - والعياذ بالله - بهم وحازوا أموالهم فليس يملكون منها شيئا، ولا فرق بين أن يكونوا حازوها (2) إلى دار الحرب أو لم يكونوا حازوها إليها، وآخذها يكون غاصبا لها. وإذا ظفر به وغنم وعرفه صاحبه، كان له أخذه واسترجاعه قبل القسمة، ووجب تسليمه إليه إذا ثبت له البينة، وإن كان بعد القسمة كان ذلك له أيضا، لكن يدفع الإمام إلى من حصل في سهمه قيمته. وإذا أسلم من هو في يده أخذه بغير قيمة، وقد ذكر أن صاحبها يكون أولى بها بالقيمة إذا قسمت. وإذا أخذ مشرك جارية مسلم فوطأها وولدت منه وظفر المسلمون بها،

(1) في نسختين زيادة " تزوج " والظاهر أنها سهو.
(2) في نسخة زيادة " إليها " والظاهر أنها سهو، وفي نسخة أخرى " جازوها " بالمعجمة

[ 313 ]

كانت هي وأولادها لمالكها، فإن أسلم الواطي لها لم يزل ملك مالكها عن ذلك بإسلامه فإن وطأها بعد إسلامه وهو يظن أنها ملكه ثم ولدت منه، فإن ولده أيضا يكون لسيد الجارية إلا أنه يقوم على الأب ويؤخذ منه قيمته، ويلزم الواطئ عقرها (1) لسيدها. " باب ما يجوز أن يغنم وما لا يجوز ذلك فيه " قد تقدم القول في أحكام الأرضين (2)، فلا حاجة إلى إعادة بذلك هاهنا، ونحن نذكر ما يزيد على ذلك مما يجوز أن يغنم وما لا يجوز ذلك فيه. وإذا أخذ المسلمون من دار الحرب طعاما فأخرجوه إلى دار الاسلام أو بعضه، وجب رده إلى الغنيمة قليلا كان أو كثيرا لأن الحاجة قد زالت، فإن كان على قدر الكفاية، مؤسرين كانوا أو معسرين، معهم طعام أو ليس معهم طعام، لا يلزمهم في ذلك شيئ (3). والحيوان المأكول إذا احتاج الغانمون إلى ذبحه واكل لحمه، كان لهم ذلك وليس عليهم ضمان شيئ من ذلك، فإذا اتخذوا من جلوده ما يكون سقاء (4) أو روايا (5) أو ركوة (6) أو ما أشبه ذلك، أو أحرزوا الجلود ليعملوا منها ما جرى هذا المجرى وجب عليهم رد ذلك في المغنم. وإذا أقام ذلك في يده مدة ما، لم يجب عليه في ذلك أجرة مثله وعليه ضمان

(1) العقر: ما يعطى بإزاء وطأ المرئة.
(2) لاحظ ص 181.
(3) الفرع الثاني في طعام لم يخرجوه إلى دار الاسلام بل تناولوه في دار الحرب راجع المبسوط، ج 2، ص 29 وفي نسختين زيادة " الواو " قبل قوله: " لا يلزمهم.. " ولعلها تصحيف وكان في العبارة سقطا ولكن المراد معلوم وهو ما ذكرناه.
(4) السقاء ككتاب: جلد السخلة إذا جذع يتخذ للماء واللبن.
(5) الروايا جمع الراوية وهي المزادة، يوضع فيها الزاد.
(6) الركوة بالفتح: دلو صغير من جلد.

[ 314 ]

ما نقص منها، فإن زاد بصنعة فيها، لم يكن له بذلك حق، لأنه تعدى فيها، فأما إذا كان في يده ثياب، فعليه ردها إلى المغنم، فأما لبسها فلا يجوز له ذلك على كل حال ولا يجوز له أيضا أن يدهن ولا يتداوى لنفسه ولا لدابته بشئ من أدهان الغنيمة ولا أدويتها، إلا بأن يضمن ذلك، لأنه ليس بقوت، وكذلك لا يجوز له أن يطعمها (1) بشئ من الجوارح (2) والبزاة (3) وغيرها إن كان معه شيئ من ذلك، لأنه ليس ذلك ضرورة فيفعل ذلك لأجلها. وإذا اقرض بعض الغانمين غيره شيئا الغنيمة من علف دابة أو غير ذلك كان جائزا، إلا أنه لا يكون قرضا في الحقيقة، من حيث أنه لا يملكه فيقرضه، لأن يده عليه فإذا سلمه إلى غيره وصارت يد الغير عليه يكون يد الثاني عليه وهو أحق به من الأول، ولا يجب عليه رده إلى الأول، فإن رد، كان المردود عليه أحق به، لثبوت اليد عليه، فإذا خرج المقرض (4) من دار الحرب، والطعام أو العلف كان في يده كان عليه رده في المغنم ولا يرده إلى المقرض، لأنه ليس بملك له. وإذا باع بعض الغانمين لغيره طعاما، لم يجز له ذلك ولم يكن هذا البيع بيعا صحيحا، وإنما يكون منتقلا من يد إلى أخرى، فإذا حصل في يد واحد منهما كان أحق بالتصرف فيه فقط. وكل ما يؤخذ في المغنم من مصاحف أو كتب فقه أو شيئ من علوم الشريعة (5) أو نحو أو لغة أو شعر أو من كتب الحديث والروايات وما لحق بذلك فهو مما يجوز بيعه وشرائه والجميع يكون غنيمة. وكل ما يؤخذ من ذلك من كتب الكفر والزندقة والسحر وما أشبه ذلك فهو

(1) أي البهائم.
(2) الجوارح من الطير: المفترسة.
(3) البزاة جمع البازى: طير من الجوارح يصاد به.
(4) بفتح الراء.
(5) في نسخة " الشرعية ".

[ 315 ]

مما لا يجوز بيعه ولا شرائه فإن كان له لبد (1) أو ظروف ينتفع بها وجلود كذلك غسلت وكان ذلك غنيمة، فأما أوراقها فإنها تمزق ولا تحرق لأنه لا شيئ من الكاغذ إلا وله قيمة، وكذلك الحكم فيما نذكر أنه من التوارة والأنجيل لأن ذلك قد غير وبدل وكل ما لا يكون عليه أثر ملك، كالشجر والحجر والصيد، فلا يكون ملكا لهم، فلا يكون غنيمة، لأنه إنما يكون كذلك ما كان ملكا للكفار، فأما ما لا يكون ملكا لهم فلا يكون غنيمة، وإذا كان عليه أثر ملك كالصيد المشدود والحجر المنحوت والخشب المنجور، فجميع ذلك يكون غنيمة، وعلى ما أصلناه ينبغي أن يكون الصيد إذا كان في دور المشركين، أو كان واقعا في حبائلهم وأشراكهم (2) وحوائطهم وفخاخهم (3) وما جرى مجرى ذلك فجميعه يكون غنيمة لأن عليه أثر الملك لهم، وما لم يكن كذلك فلا يكون غنيمة. وإذا صادهم في بلادهم المسلمون، كان ذلك لمن أخذه ولا يلزمه رده إلى المغنم، وكذلك الحكم في الشجر والحجر وما جرى مجرى ذلك سواء، فإن وجد ما يجوز أن يكون ملكا للمشركين أو المسلمين، مثل الخيمة والخرج (4) والأوتاد وما أشبه ذلك، ولم يعرف له صاحب، عرف سنة، فإن لم يظفر له بصاحب رد إلى المغنم وإذا كان في المغنم بهيمة وأراد المسلمون ذبحها ليأخذوا جلدها، ليستعملونه في النعال وما أشبهها في السيور (5) والركب (6) لم يجز ذلك، لأن ذبح منهى عنه إلا للأكل. وإذا كان في بيوت المشركين فهودة (7) أو صقورة أو جوارح معلمة أو سنانير

(1) وفي نسخة " أوعية ".
(2) الاشراك جمع شرك محركة: حبائل الصيد وما ينصب للطير.
(3) الفخاخ جمع الفخ بالفتح: آلة يصاد بها.
(4) الخرج كقفل وعاء معروف يجعل على ظهر الدابة لوضع شيئ فيه والجمع خرجة.
(5) السير جمعه سيور: قدة من الجلد مستطيلة.
(6) الركب من السرج: هو الركاب.
(7) الفهد: سبع يصاد به، ضيق الخلق شديد الغضب، وكذا الصقر والجارحة من الطيور

[ 316 ]

أو كلاب صيد وما أشبه ذلك، فذلك مما تباع وتشترى وجميعه غنيمة، وإن وجد شئ منهم في أرضهم وليس عليه أثر ملك، فاصطاده المسلمون كان ذلك لمن أخذه كما ذكرناه في الصيد كما تقدم ولا يلزم رده في المغنم. وأما الخنازير فينبغي للمسلمين قتلها، فإن أعجلهم المسير ولم يتمكنوا من ذلك لم يكن عليهم شيئ، والخمور ينبغي أن تراق، فإن كانوا على المسير كسروها، فإن كان المسلمون قد صالحوهم لم يكسروها. وإذا غنم المسلمون شيئا من خيول المشركين ومواشيهم، ثم أدركهم المشركون وخافوا أن يأخذوها منهم، لم يجز لهم عقرها (1) ولا قتلها، وإن كانوا (2) رجالة أو على خيل قد وقفت وكلت (3)، وخافوا (4) أن يسترد الخيل فيركبوها ويظفروا بهم، جاز لهم عقرها وقتلها لمكان الضرورة التي ذكرناها، وإن كانت خيولهم قد كلت ووقفت، فلا ضرورة حينئذ هاهنا ولم يجز قتلها ولا عقرها ويجوز عقر الخيل التي يقاتلون عليها وقتلها، والأفضل ترك ذلك مع الظهور (5) عليهم وارتفاع الضرورة إلى ذلك. " باب الاسارى " الاسارى على ضربين: أحدهما ما يجوز استبقائه - والآخر لا يستبقي، فالذي يجوز استبقائه، كل أسير أخذ بعد تقضي الحرب والفراغ منها، والذي لا يستبقي: هو كل أسير أخذ قبل تقضي الحرب والفراغ منها. والضرب الأول يكون الإمام ومن نصبه الإمام مخيرا فيهم، إن شاء قتلهم وإن

(1) عقر الفرس والإبل: قطع قوائمها بالسيف.
(2) أي المشركون.
(3) كل الرجل وغيره من المشى وغيره تعب وأعيا.
(4) أي المسلمون.
(5) أي الغلبة.

[ 317 ]

شاء فأداهم (1) وإن شاء من عليهم وإن شاء استرقهم، ويفعل في ذلك ما يراه صلاحا في التدبير (2) والنفع للمسلمين. وأما الضرب الثاني فحكمه إلى الإمام أو من نصبه أيضا، وهو مخير في قتلهم بأي نوع أراده من أنواع القتل. فإذا أسر مسلم مشركا فعجز الاسير عن المشى ولم يكن مع المسلم ما يحمل عليه فإن عليه إطلاقه. ومن كان اسيرا عند الكفار من المسلمين فلم يجز له أن يتزوج إليهم، فإن كان به ضرورة تزوج يهودية أو نصرانية، ولا يجوز له التزويج بغير ذلك من المشركين والمشرك إذا أسر وله زوجة كانا على الزوجية إن لم يجز الإمام استرقاقه، فإن فادى به أو من عليه عاد إلى زوجته، فإن استرقه انفسخ نكاحه. وإذا كان الاسير صبيا أو امرأة لها زوج، كان النكاح مفسوخا بنفس الاسر لأنهما صارا رقيقين. وإذا أسر رجل بالغ كتابيا أو من له شبهة كتاب، كان الإمام مخيرا فيه على ما قدمنا من الوجوه، فإن أسر وثنيا كان مخيرا فيه بين المن عليه أو المفاداة، ويسقط هاهنا استرقاقه لأنه ممن لا يقر على الجزية. وإذا فادى رجلا وقبض مال المفاداة كان هذا المال غنيمة. وإذا اسلموا قبل الاسر كانوا أحرارا وعصموا بذلك دمائهم وأموالهم إلا بحقها (3)، وسواء أحيط بهم في حصن أو في مضيق، وإذا حدث الرق في الزوجين أو في أحدهما انفسخ النكاح في الحال لأن الزوجة صارت مملوكة بنفس الحيازة، وإذا كان المسبي الرجل لم ينفسخ النكاح في الحال إلا أن يسترقه الإمام، وإذا كان المسبي المرأة، انفسخ أيضا النكاح في الحال لما ذكرناه فإذا كان الزوجان جميعا

(1) أي أطلقهم وأخذ فديتهم، وفي نسخة " أدرئهم " بدل " فأداهم ".
(2) تدبرت الأمر: نظرت في دبره وهو عاقبته وآخره.
(3) لعل المراد إنه لا يجوز قتلهم وأخذ أموالهم إلا إذا تعلق بهما حق مثل ما إذا كانوا سرقوا مال مسلم.

[ 318 ]

مملوكين لم ينفسخ النكاح لأنه لم يحدث بهما هاهنا رق لأنهما قبل ذلك رقيقان. وإذا سبيت المرأة وولدها لم يجز للامام أن يفرق بينهما فيعطى الأم لرجل ويعطي ولدها الآخر، بل ينظر فإن كان في الغانمين، من يبلغ سهمه الأم والولد دفعهما إليه وأخذ فضل القيمة، أو يجعلهما في الخمس، فإن لم يبلغهما باعهما ورد ثمنهما في المغنم (1) والأمة إذا كان لها ولد لم يكن لسيدها أن يفرق بينهما ببيع ولا غيره من وجوه التمليكات. وإذا بلغ الصبي سبع سنين أو ثمانى سنين كان ذلك هو السن الذي يخير بين الأب والأم فيجور أن يفرق بينهما فيه، وقد ذكر أن ذلك لا يصح إلا أن يبلغ، ولا يفرق بينه وبين الجدة من قبل الأم، لأنها في الحضانة بمنزلة ابنتها - أم الولد - وأما الفرقة بين الوالد والولد فجائز لا محالة وإن باع كان البيع جائزا. وقد قيل أن البيع فاسد لما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: إنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك ورد البيع (2)، وهذا هو الأقوى. ومن خرج عن الآباء وإن علوا، والأبناء وإن نزلوا - من الإخوة وأولادهم والأعمام وأولادهم - فإن التفرقة جائزة بينهم. وإذا سبى طفل مع والديه أو أحدهما كان دينه على دينهما ولم يجز بيعه منفردا عن أمه. فإن باعمها جميعا من المشركين أو المسلمين جاز ذلك. وإن مات أبواه لم يتغير عن حكم دينه، ويجوز بيعه إذا مات أبواه من المسلم فإن بيع من مشرك كان بيعه مكروها، وقد حكى عن بعض الناس تحريم بيعه. فإذا سبى الولد منفردا عن أبويه، كان تابعا للسابي في الاسلام، فإن بيع من مشرك كان البيع باطلا، وإن بيع من مسلم كان البيع صحيحا.

(1) والمراد: " إما أن يعطيهما أحد الغانمين إن بلغهما سهمه وإلا أخذ منه فضل القيمة وإما أن يجعلهما في الخمس وإن لم يفعلهما باعهما ورد ثمنهما في المغنم " هذا وليست العبارة وافية تمام المراد.
(2) المبسوط، ج 2، ص 21.

[ 319 ]

وإذا جنى الاسير جناية تحيط بنفسه قبل القسمة، سلم إلى مستحق ذلك بنفسه وخرج عن القسمة، وإن كانت الجناية دون النفس بيع في الجناية، ودفع إلى المجني عليه قيمة الجناية وترك الباقي في المغنم. فإن كان الجاني امرأة ومعها ولدها وكانت جنايتها تحيط بنفسها، بيعت هي وولدها ولم يفرق بينهما في بيع وقسم ثمنهما، فما أصابها عن نفسها سلم إلى المجني عليه، وما أصاب من ولدها رد إلى المغنم. والمسلم إذا أسره المشركون ثم اسلموا عليه، كان حرا على ما كان عليه. وأم الولد والمكاتب والمدبر إذا لم يكن سيده رجع عن تدبيره (1) يكونون على ما هم عليه. وكل ملك لا يجوز فيه البيع فإن أهل الحرب لا يملكونه. وإذا أسر مسلم رجلا فادعى الأسير أنه كان مسلما لم يقبل منه ذلك إلا ببينة. وإذا كان قوم من المسلمين أسارى في دار الحرب، وقتل بعضهم بعضا أو تجارحوا ثم صاروا إلى دار الاسلام، أقيمت عليهم الأحكام في ذلك. فإذا أسر مشرك امرأة حرة مسلمة، ووطأها بغير نكاح ثم ظفر المسلمون بها، لم يسترق أولادها وكانوا مسلمين بإسلامها، وكذلك الحكم إن كان لها زوج في دار الاسلام، إلا أن أولادها من المشرك لا يلحقون بزوجها المسلم. وإنما يلحقون بالمشرك وإن كان: نكاحها فاسدا، للشبهة. والحربي إذا أسلم في دار الاسلام وله زوجة في دار الحرب، وسبيت وهي حامل منه لم يسترق ما في بطنها، وإذا ولدته كان مسلما باسلام أبيه، وأي الوالدين أسلم، كان الولد تبعا له. وإذا سبى المسلمون الوثنيات ومن أشبههن لم توطأ واحدة منهن إلا بعد إسلامها وإن أسر المشركون مسلما وشرطوا عليه أن يكونوا منه في أمان إن أطلقوه، ثم أطلقوه على هذا الشرط فعليه (2) أن يخرج من عندهم الينا ولا يلزمه الإقامة بالشرط لأنه

(1) في نسختين زيادة " ولا " والظاهر أنها تصحيف.
(2) في نسختين " فعليهم " بدل " فعليه " والظاهر أنها تصحيف.

[ 320 ]

حرام، وإن كانوا قد استرقوه ثم أطلقوه على أنه مملوك، جاز له أن يسرق وينهب ويهرب لأن استرقاقه باطل. وإذا أسر المشركون المسلم وأطلقوه في ديارهم وشرطوا عليه أن لا يخرج منها كان هذا الشرط فاسدا وعليه الخروج منها. ومن أسره المشركون وصار في دار الحرب وكان مستضعفا (1) وهو متمكن من الخروج فعليه الخروج، وإن كان غير متمكن من ذلك، جاز أن يقيم لأنه مضطر إلى ذلك. وإذا أسر المشركون مسلما وأطلقوه في دار الحرب على أنه في أمان منهم وشرطوا عليه المقام بها أو لم يشرطوا ذلك، كانوا منه في أمان ولم يكن له قتالهم في مال ولا نفس، والحكم في خروجه من دار الحرب مع تمكنه من ذلك ومقامه بها على ما قدمناه، فإن خرج هاربا فأدركوه كان له الدفاع عن نفسه، فإن أدى دفعه إلى قتل طالبه، لم يكن عليه شيئ لأنه الذي نقض عهده وزال أمانه (2) وإن أطلقوه بغير أمان، كان له أن يأخذ من أموالهم وأولادهم ونسائهم وغير ذلك ما يمكن منه، ويخرج هاربا أو غير هارب لأنهم لم يشترطوا الأمان، وإذا شرطوا عليه المقام في دار الحرب ولم يحلفوا على ذلك حرم عليه المقام ولم يجب عليه الوفاء بالشرط، وإن حلفوه على ذلك لم يخل من أن يكون مكرها على اليمين أو يكون مختارا، فإن كان مكرها لم ينعقد يمينه لأنه مكره في (3) خروجه، وإن كان مختارا كان له الخروج ولم يلزمه كفارة. فإن أطلقوه وشرطوا عليه يحمل مالا من دار الاسلام وإلا رجع إليهم لم يلزمه شيئ من ذلك، فإن قرروا بينهم وبينه فداء، فإن كان مكرها على ذلك لم يلزمه الوفاء به، وإن كان متطوعا لم يلزمه أيضا لأنه عقد عقدا فاسدا.

(1) والمراد من المستضعف: من لا رهط ولا عشيرة له ولا يتمكن من إظهار دين الاسلام (2) في نسخة " لأن الذي نقض عنه.. " وفي أخرى ".. نقص عنده.. " والظاهر تصحيفهما.
(3) لعل كلمة " عدم " محذوفة هنا.

[ 321 ]

ولو أن الإمام أو من نصبه، شرط أن يفادي قوما من المسلمين بمال، لما صح ذلك وكان العقد فاسدا ولم يملك المشركون ما يأخذونه منه، وإن ظهر المسلمون على المشركين وأخذوا منهم هذا المال، لم يكن غنيمة ووجب رده إلى بيت المال. وإذا غصب مسلم فرسا وغزا عليه وغنم وأسهم له ثلاثة أسهم، كان الثلاثة أسهم كلها له، ولم يكن لصاحب الفرس منها شيئ، فإن دخل دار الحرب بفرسه الذي يملكه وغزا ثم غصبه غيره من أهل الصف فرسه وغنم (1) وأسهم للذى غصب الفرس ثلاثة أسهم، كان له من هذه الثلاثة أسهم، سهم واحد والسهمان الباقيان لصاحب الفرس وإنما اختلف الحكم فيما ذكرناه، لأن الغاصب في المسألة الأولى هو الحاضر للقتال دون صاحب الفرس وقد أثر حضوره في القتال، وفي المسألة الثانية صاحب الفرس حضر القتال فارسا وآثر في القتال، الغاصب لفرسه، غصبه بعد ذلك فكان السهم دون الغاصب (2) للفرس. وإذا اشترى إنسان الاسارى من المسلمين لبعض التجار بإذنهم بأن يشتريهم ويكفهم من العرض، (3) فابتاعهم وأخرجهم من دار الحرب، كان عليهم أن يؤدوا إليه ما ابتاعهم به، وإن اشتراهم بغير أذنهم، لم يجب عليهم أن يؤدوا المال إليه ويستحب لهم أداء ذلك، وإن أذنوا له في ابتياعهم وكانوا فقراء فاشتراهم وأخرجهم من دار الحرب ولم يقدروا على تعويضه (4) عوض ذلك من بيت مال المسلمين إذا كان ثمنهم الذي وزنه (5) هو قيمتهم، فإن كان قد دفع فضلا على ذلك، فإن الفاضل في قتاله (6)، ولم يجب تعويضه على ذلك من بيت مال المسلمين

(1) في نسخة " غنموا ".
(2) للفرس خبر لكان.
(3) أي من المعرضية للبيع.
(4) في نسختين " تعريضه " والظاهر أنه تصحيف.
(5) أي جعله وزنا وعدلا لهم وبحذائهم.
(6) كذا في نسختين ولعلها تصحيف والصحيح " في ماله ".

[ 322 ]

فإن اشترى صبيانا أو أطفالا أحرارا بإذن أو بغير إذن، لم يجب على أوليائهم ولا عليهم إذا بلغوا رد عوض المال إليه، فإن فعلوا ذلك كان حسنا، وإن كان أوليائهم التاجر (1) في ذلك كان عليهم أن يدفعوا ذلك إليه. وإذا اشترى مكاتبا أو أم ولد بأمرهما له بذلك، واشتراهما فأخرجهما من دار الحرب لم يكن له عليهما شيئ، إلا أن يعتقا، فإذا أعتقا، جاز له مطالبتهما بماله وإن كان اشتراهما بغير إذنهما له في ذلك، لم يستحق عليهما شيئا عتقا أو لم يعتقا. فإن اشترى عبيدا كان لساداتهم أن يأخذوهم بالثمن الذي ابتاعهم به، اللهم إلا أن يكونوا عند مشرك، فدفعهم المشرك إلى هذا التاجر عوضا عن هدية أو ما أشبهها فيكون قيمته ما أوفى عليه بهم. " باب قتال أهل البغى ". قال الله تعالى: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحديهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله " (2) الآية. وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه خطب يوما بالكوفة، فقام إليه رجل من الخوارج فقال، لا حكم إلا لله فسكت عليه السلام ثم قام آخر وآخر وآخر فلما اكثروا فقال صلوات الله عليه وآله " كلمة حق يراد بها باطل، لكم عندنا ثلاث خصال، فلا نمنعكم مساجد الله أن تصلوا فيها، ولا نمنعكم الفيئ ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا أبتدءكم بحرب حتى تبدءوا، لقد أخبرني الصادق عن الروح الامين عن رب العالمين إنه لا يخرج عليكم فئة قلت أو كثرت إلى يوم القيامة إلا جعل الله حتفها على أيدينا، وإن أفضل الجهاد جهادكم وأفضل المجاهدين من قتلكم وأفضل الشهداء من قتلتموه، فاعملوا ما أنتم عاملون، فيوم القيامة يخسر المبطلون ولكل

(1) " التاجر " خبر لكان.
(2) الحجرات - الآية 9.

[ 323 ]

نبأ مستقر فسوف تعلمون ". (1) وروي عنه عليه السلام أنه حرض الناس يوم الجمل على القتال، فقال " قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون " (2) ثم قال: " هذا والله ما رمى أهل هذه الآية بسهم قبل اليوم " (3) وروي عنه عليه السلام إنه قال يوم الصفين " اقتلوا بقية الاحزاب وأولياء الشيطان، اقتلوا من يقول: كذب الله ورسوله ".
(4) وروي - أنه لما أغارت خيل معاوية على الانبار، وقتلوا عامله عليه السلام وانتهكوا حرم المسلمين، خرج عليه السلام بنفسه غضبان حتى انتهى إلى النخيلة، فمضى الناس فأدركوه فقالوا أرجع يا أمير المؤمنين فنحن نكفيك المؤنة، فقال: والله ما تكفونني ولا تكفون أنفسكم، ثم قام فيهم خطيبا فحمد الله واثنى عليه ثم قال: " إن الجهاد باب من أبواب الجنة فمن تركه، ألبسه الله تعالى الذلة ولشمله البلاء والصغار وقد قلت لكم وأمرتكم أن تغزوا هؤلاء القوم قبل أن يغزوكم، فإنه ما غزى قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا، فجعلتم تتعللون بالعلل وتسوفون، وهذا عامل معاوية أغار على الانبار فقتل عاملي عليها ابن حسان (5) وانتهك أصحابه حرمات المسلمين، لقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرئة المسلمة والأخرى المعاهدة فينزع قرطها (6) وخلخالها لا يمتنع منها ثم انصرفوا لم يكلم أحد منهم، فوالله لو أن امرء مسلما مات من هذا أسفا، ما كان عندي ملوما بل كان عندي جديرا. يا عجبا عجبت لبث (7) القلوب وتشعب الاحزاب من اجتماع هؤلاء القوم

(1) المستدرك، ج 2، الباب 24 من أبواب جهاد العدو، ص 254، الحديث 9.
(2) التوبة، الآية 12.
(3) المستدرك، ج 2، الباب 24 من أبواب جهاد العدو، ص 254، الحديث 5 (4) المصدر، الحديث 15.
(5) في نسخة " ابن حسام ".
(6) القرط: ما يعلق في شحمة الأذن.
(7) البث: النشر والإذاعة والتفرق.

[ 324 ]

على باطلهم وفشلكم عن حقكم، حتى صرتم غرضا تغزون ولا تغزون ويغار عليكم ولا تغيرون ويعصى الله وترضون، إذا قلت لكم اغزوهم في الحر قلتم هذه أيام حارة القيظ (1) أمهلنا حتى ينسلخ الحر وإذا قلت لكم اغزوهم في البرد قلتم هذه أيام صر (2) وقر، وأنتم من الحر والبرد تفرون فأنتم والله من السيف أفر. يا أشباه الرجال ولا رجال، يا طغام (3) الأحلام يا عقول ربات الحجال (4)، قد ملاتم قلبي غيظا بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: إن علي بن أبي طالب لرجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب، فمن إعلم بالحرب مني؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا قد عاقبت (5) على الستين ولكن لا رأي لمن لا يطاع، أبدلني الله بكم من هو خير لي منكم وأبدلكم من هو شر لكم مني. أصبحت والله لا أرجو نفعكم ولا أصدق قولكم، وما سهم من كنتم من سهمه إلا سهم الاخيب، فقام إليه جندب (6) بن عبد الله فقال: يا أمير المؤمنين ها أنا وأخي أقول كما قال موسى: رب إني لا املك إلا نفسي وأخي، فمرنا بأمرك، والله لنضربن دونك وإن حال دون ما نريده جمر الغضا (7) وشوك القتاد، فأثني عليهما وقال: أين تبلغان رحمكما الله مما أريد

(1) القيظ: صميم الصيف.
(2) الصر: البارد والقر بالضم: ضد الحر.
(3) الطغام: الضعيف العقل، والأحلام جمع حلم وفسر بالعقل، وفي نسختين " طعام بالمهملة " ولعلها تصحيف.
(4) الحجال: جمع حجله وربات الحجال: النساء.
(5) في نسخة " عافيت ".
(6) هو المعروف والمسمى بجندب الخير الأزدي من أصحاب أمير المؤمنين (ع) وشهد معه عليه السلام بصفين واحد الثلاثة الذين شهد لهم رسول الله بالجنة وهم أويس القرني وزيد بن صوحان وجندب الخير الأزدي رحمة الله عليهم.
(7) الجمر: النار والغضا: شجر عظيم، خشبه من أصلب الخشب ولهذا يكون في فحمه صلابة.
(8) دعائم الاسلام: ج - 1، ص - 390. وأيضا نهج البلاغة عبده: الخطبة - 26

[ 325 ]

فقد دل ما اوردناه - من القران والخبر - على أن الله سبحانه فرض قتال أهل البغى، وقد ذكرنا في باب من يجب جهاده من المراد باهل البغى وقسمتهم، فإذا اقتتلت طائفتان بكلام أو ما يجرى مجراه ولم يشهروا سلاحا أصلح بينهما بما يدعو إلى الالفة وما يعم النفع به وإن بغت إحداهما على الأخرى وشهرت الظالمة السلاح على المظلومة، وجب قتال الطائفة الباغية حتى تفيئ إلى أمر الله سبحانه، ووجب على المؤمنين إذا دعاهم الإمام إلى ذلك واستعان بهم معاونته ومساعدته والخروج معه إلى حربهم، ولم يجز لأحد منهم التأخر عنه في ذلك ولا فرق في وجوب قتال الباغية بين أن يكون باغية على طائفة من المؤمنين، وبين أن يكون بغت على الإمام إما في خلع طاعته أو منعه مما يجب له التصرف فيه من إقامة حدا وغيره أو ما جرى مجرى ذلك، فإن في كل ذلك يجب قتال هذه الباغية، ولا يجوز لمن دعاه الإمام إلى ذلك واستعان به في حربهم، التخلف عنه كما قدمناه. ولا ينبغي أن يبدؤا بالحرب حتى يبدؤهم بها، ويجوز إن يدعوا قبل القتال إلى الحق وينذروا، فإن لم يجيبوا قوتلوا وإن كانوا عارفين بما يدعوهم الإمام إليه ولم يدخلوا فيه، جاز قتالهم من غير دعاء ولا إنذار. ولا يجوز قتالهم إلا مع الإمام أو مع من ينصبه لذلك، وإذا بلغ - بعض خلفاء الإمام على بعض المواضع - اجتماع قوم (1) على الخلاف والخروج على شق عصا المؤمنين (2) لا يقاتلهم حتى يطلع الإمام على أحوالهم، وينتظر أمره فيهم فمهما أمروا به (3) انتهى إليه. ويقاتل أهل البغى بكل ما يقاتل به المشركون، وإذا انهزم عسكرهم وكان لهم فئة يرجعون إليها جاز اتباع مدبرهم وأن يجهز على جريحهم، وتغنم أموالهم التي في العسكر دون غيرها من أموالهم ولا تسبى ذراريهم. وإن لم يكن لهم فئة يرجعون إليها، لم يتبع مدبرهم ولا يجهز جريحهم، فأما

(1) فاعل بلغ (2) في نسخة " المسلمين " (3) كذا في النسختين ولعلها تصحيف والصحيح " أمر به "

[ 326 ]

أموالهم فلا يغنم منها إلا ما حواه العسكر دون ما سواه مما لم يحوه، ولا تسبى ذراريهم، وقد ذكرنا هذا التفصيل في باب من يجب جهاده عند قسمة أهل البغى وإذا أدرك المؤمن الباغي وظهر عليه وغشيه بسلاحه فسئل الأمان واظهر التوبة والرجوع، أو أقر بإمامة الإمام الحق، أو أظهر ما يكون بإظهاره مفارقا لما هو عليه، لم يجز للمؤمن الذي ظهر عليه طعنه ولا ضربه، وإن كان جريحا لم يجهز عليه كما قدمناه. وإذا عدل أهل البغى عند الظهور عليهم إلى رفع المصاحف والدعاء إلى حكم الله سبحانه وتعالى، بعد أن كانوا دعوا إلى ذلك ولم يجيبوا إليه لم يلتفت إلى هذا الفعل منهم ولم يرفع الحرب عنهم إلا برجوعهم إلى الحق. وإذا أعانهم قوم من أهل الذمة على قتال أهل العدل لبرئت الذمة منهم، ولا فرق في ذلك بين أن يكون لمن أعانوه من أهل البغي فئة وبين أن لا يكون لهم ذلك وقتلوا مقبلين ومدبرين (1)، فإن ادعوا الجهل بما جرى معهم إنهم أكرهوا على ذلك وأظهروا التوبة مما فعلوا، عفي عنهم ولم يقتل لهم أسير ولا يسبى لهم ذرية. وإن كان ما ادعوه إنما هو على وجه المدافعة وعرف منهم خلافه لم يلتفت إلى قولهم في ذلك ومن أصاب منهم دم إنسان من أهل العدل أو ماله طولب بذلك، ولا يجب على واحد من أهل العدل إذا أصاب شيئا من ذلك لأحد منهم. وإذا كان رجل من أهل البغى قد استحق على رجل من أهل العدل قبل (2) الفرقة، حقا من قصاص أو أرش وطلب الحكم بينه وبينه من صاحب عسكر أهل العدل، حكم بينهم في ذلك وأمضى ما يجب لكل واحد منهما على الآخر، فإن كان ما حكم به للباغي على العادل ما لا ينبغي أن يحكم له ولا يسلم إليه، بل يجس

(1) يعني لا يجرى في حق أهل الذمة حكم البغاة وهو " قتل المقبل لا المدبر فيما إذا لم يكن لهم فئة " بل يقتلون مقبلين أو مدبرين.
(2) أي قبل افتراقهم عن المؤمنين وعن الطريق الحق. وفي نسختين " قتل الفرقة " والظاهر أنها تصحيف.

[ 327 ]

عنده إلى أن يرجع إلى الحق، لئلا ينفقه على حرب أهل العدل. " باب أقسام الغزاة " الغزاة على ضربين: مطوعة وغير مطوعة، والمطوعة هم الذين يكونون مشغولين بمعاشهم لم ينشطوا للغزو، فإذا غزوا وعادوا رجعوا إلى معاشهم، والذين هم غير مطوعة، هم الذين يكونون قد راصدوا (1) نفوسهم للجهاد ووقفوها عليه. والقسم الأول إذا غنموا في دار الحرب، شاركوا الغانمين وأسهم لهم، وأما القسم الثاني فيجوز أن يعطوا من الغنيمة ويجوز أن يعطوا من الصدقة من سهم ابن السبيل. والاعراب ليس لهم من الغنيمة شيئ، ويجوز للامام أن يرضخ (2) لهم ويعطيهم من الصدقة من سهم ابن السبيل، لأن الاسم يتناولهم. ومن يعطي من الغنيمة فلا يفضل أحد منهم في كل ذلك على أحد بل يسوى بينهم، ومن يعطي من سهم ابن السبيل، يجوز للامام تفضيل بعضهم في ذلك على بعض على قدر مؤنتهم وكفايتهم بحسب ما يراه. ولا يجوز لأحد من الغزاة أن يغزو بغير أمر الإمام، فإن غزا بغير أمر الإمام كان مخطئا، فإن غنم، كان جميع ما يغنمه للامام دون كل أحد من الناس. وجميع ما يحتاج إليه من آلات الحرب والكراع (3) من بيت المال من أموال المصالح، وهكذا أرزاق ولاة الأحداث والحكام والصلاة والأذان وما أشبه ذلك، فإنهم يعطون من المصالح، والمصالح تخرج من (4) ارتفاع أراضي ما فتح عنوة ومن سهم سبيل الله.

(1) راصده: راقبه وراصد الشيئ له: أعدله.
(2) رضخت له رضخا أعطيته شيئا ليس بالكثير.
(3) الكراع: اسم يطلق على الخيل والبقال والحمير وقيل لخصوص الخيل خاصة (4) في نسخة زيادة " إخراج " ولعلها تصحيف.

[ 328 ]

ومن جمله ذلك، ما يلزم فيما يخصه من الأنفال والفيئ، وهو جنايات من لا عقل له، ودية من لا يعرف القاتل له وما جرى مجرى ذلك مما يأتي ذكره في مواضعه. وإذا أراد الإمام القسمة، فينبغي أن يبتدئ أولا بقرابة النبي صلى الله عليه وآله وبمن هو أقرب فالأقرب، فإن تساووا في القرابة بدأ، بمن هو أقدمهم هجرة فإن تساووا في ذلك فأقدمهم في السن، وإذا فرغ من اعطاء أقارب رسول الله صلى الله عليه وآله، بدأ بعد ذلك بالانصار وأقدمهم على العرب، فإذا فرغ منهم رجع إلى العجم، ولم يقدم أحدا منهم ممن ذكرنا تأخيره على أحد ممن ذكرنا تقديمه. " تم كتاب الجهاد "

[ 329 ]

" كتاب السبق والرماية " قد ذكرنا في أول كتاب الجهاد قوله تعالى: " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل " الآية.. (1) وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: " ألا إن القوة في الرمي " ثلاث دفعات (2)، وروي عنه صلى الله عليه وآله إنه مر بقوم من الأنصار يترامون فقال: " أنا مع الحزب الذي فيه ابن الأدرع، فأمسك الحزب الآخر " وقالوا: لن يغلب حزب فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: ارموا فأني أرمى معكم، فرمى مع كل واحد منهم رشقا فلم يسبق بعضهم بعضا، فلم يزالوا يترامون وأولادهم وأولاد أولادهم لا يسبق بعضهم بعضا " (3). وروي أيضا أنه صلى الله عليه وآله كان يسابق على ناقته العضباء، وإن أعرابيا جاءه على بكر (4) فسابقه، فسبقها فاغتم المسلمون، فقيل يا رسول الله سبقت العضباء فقال حق على إله أن لا يرفع شيئا في الأرض إلا قد وضعه.
(5) وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: " تناصلوا، واحتفوا، واخشوا شنواء وتمعددوا " (6)

(1) الانفال، الآية 60.
(2) المبسوط، ج 6 ص 289.
(3) المستدرك، ج 2، ص 516، الحديث 3.
(4) البكر بالفتح: الفتى من الإبل.
(5) المستدرك، ج 2 ص 517، الحديث 4.
(6) المبسوط، ج 6، ص 290.

[ 330 ]

فقوله تناصلوا فمعناه تراموا بالنصال (1) وقوله: " احتفوا " معناه امشوا حفاة، وقوله " اخشوشنوا " يعني البسوا الخشن من الثياب، وقوله: " تمعددوا " يعني تكلموا بلغة معد بن عدنان فإنها أفصح اللغات وروي - عنه صلى الله عليه وآله أنه قال " لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر " (2). " باب ما يجوز المسابقة عليه وما لا يجوز " " وما يتعلق بذلك من أحكام النضال " النصل ضربان: نشابة وهي للعجم، والآخر سهم وهو للعرب، والمزاريق (3) وهي الردينيات (4) والسيوف والرماح كل ذلك من النصل ويجوز المسابقة عليه بعوض، لقوله سبحانه وتعالى: " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل " الآية (5)، ولقوله عليه السلام: " لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر (6)، وجميع ذلك يتناوله اسم النصل. وأما الخف فضربان: ابل وفيل، فالابل تجوز المسابقة عليها لقوله تعالى: " من خيل ولا ركاب " (7) والركاب الإبل، ولما قدمنا ذكره من إنه صلى الله عليه وآله كانه يسابق بناقته العضباء. وأما الفيل: ففيه خلاف، والأظهر جواز ذلك فيه، لعموم الخبر فيما تضمنه من ذكر الخف.

(1) جمع نصل، وهو حديدة السهم والرمح والسكين والسيف.
(2) المستدرك، ج 2 ص 517، الحديث 8، والوسائل، ج 13، الباب 3 من أبواب السبق والرماية، الحديث 4.
(3) المزراق جمعه المزاريق: الرمح القصير.
(4) الردينى: الرمح، نسبته إلى ردينية وهي امرأة اشتهرت بتقويم الرماح.
(5) الانفال، الآية 60.
(6) مر آنفا.
(7) الحشر، الآية 6.

[ 331 ]

وأما المسابقة على الخيل فلا خلاف فيه ولقوله عليه السلام أو حافر، وأما البغال والحمير ففيها خلاف، والأظهر جواز ذلك لعموم الخبر، فأما ما عدا ما يتناوله الخبر فلا يجوز عندنا المسابقة عليه، لأن الخبر (1) تضمن نفى ذلك فيما لا يتناوله. فإن كانت المسابقة فيما ذكرناه جائزة، فمن شرط صحتها أن تكون الغاية (2) التي تجري المسابقات إليها، والانتهاء الذي يجريان إليه معلوما، لما روي - عن رسول الله صلى الله عليه وآله " سابق الخيل المضمرة من الحفيا إلى ثنية الوداع، وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق " (3)، وأن تكون الغاية التي تجريان إليها واحدة لا تختلف الغايتان فتكون إحداهما أبعد من الأخرى. وأما في المناضلة: فإذا تناضلا على الاصابة جاز، وأن تناضلا على أيهما (4) أصاب جاز عندنا، وعند غيرنا لا يجوز. فإذا كان كذلك وقيل لإثنين أيكما سبق إلى كفين (5) فله عشرة دراهم صح، لأن كل واحد منهما يجتهد في السبق وحده، فإن قال لإثنين فمن سبق فله عشرة دراهم ومن صلى (6) فله مثل ذلك، فإن لم يدخل بينهما ثالث فإن ذلك لا يصح لأن كل واحد منهما لا يجتهد ولا يكد نفسه، لأنه إن سبق كانت العشرة له وإن صلى فكذلك له العشرة.

(1) أي قوله صلى الله عليه وآله: " لا سبق.. ".
(2) لعل معناها: المسير والمسافة وتحتمل أن يراد بها غاية الزمان، ولعل في العبارة سقطا وصحيحها " ابتداء الغاية التي تجري المسابقات منها " كما في المبسوط (3) المبسوط، ج 6، ص 296.
(4) لعل في العبارة سقطا، وفي المبسوط: وإن تناضلا على أيهما أبعد رميا..، ج 6، ص 296.
(5) كذا في نسخة وفي أخرى " كفى " ولعلهما تصحيف والصحيح " أيكما سبق إلى كذا " كما في المبسوط.
(6) صلى: يعني حاذى رأس فرسه صلوى فرس السابق، والصلوان: الحقوان.

[ 332 ]

فإذا دخل بينهما ثالث، وقال (1) الثلاثة سبق أو صلى فله عشرون صح ذلك، لأن كل واحد منهما يجتهد ويكد، خوفا من أن يكون ثالثا غير سابق ولا مصلى، فإن لم يستو بينهما وجعل في العطية فاضلا، فقال، للسابق عشرة وللمصلي خمسة جاز، فإن دخل بينهما ثالث صح، لأن كل واحد منهم يخشى من أن يكون ثالثا لا يأخذ شيئا، فإن لم يدخل بينهما ثالث قال قوم لا يصح والصحيح جوازه، لأن كل واحد منهما يكد ويجتهد في تحصيل الأكثر. هذا إذا كان المسبق (2) غيرهما، فإن كان هو أحدهما فقال: أينا سبق فله عشرة، إن سبقت أنت فلك عشرة وإن سبقت أنا فلا شيئ عليك كان جائزا، وفي الناس من قال: لا يجوز فإن أخرج كل واحد من المستبقين عشرة، ويقول: من سبق فله عشرون، فإن لم يدخلا بينهما محللا، لم يجز ذلك لأنه يكون قمارا، وإن أدخلا بينهما محللا فسبقهما المحلل، أحرز السبقين، وإن سبق أحدهما الآخر والمحلل، أحرز سبقه وسبق صاحبه ولم يكن على المحلل شيئ في ماله، وكذلك لو سبق (3) المحلل وتساوى المستبقان، رجع إليهما سبقاهما ولم يكن على المحلل أيضا في ماله شيئ، ولا يجوز أن يدخلا بينهما، إلا أن يكون ليس بمأمون أن يسبق فرسيهما، فإن أدخلا فرسا دون فرسيهما يأمنان عليه أن يسبقهما، كان ذلك حيلة وقمارا، وينبغي أن يخط في النهاية خط معترض، فأي الفرسين أو الأكثر خرج فيها طرف إذنه قبل الآخر، حكم بالسبق له. فأما المناضلة في الرمي فلا يصح إلا بشروط، كل واحد منها يجب أن يكون معلوما، وهي: الرشق، وعدد الاصابة، والمسافة، وقدر العوض والسبق، وشرط المبادرة والمحاطة.

(1) الظاهر سقط كلمة " أي " كما في المبسوط.
(2) المسبق أي معطى السبق وهو العوض.
(3) فاعل " سبق " ضمير التثنية الراجع إلى " المستبقان "، وقد تنازع فيه الفعلان: " سبق وتساوى ".

[ 333 ]

وأما الرشق بكسر الراء فهو عدد الرمي، وأما الرشق بفتحها فهو الرمي، وأما عدد الاصابة: فمثل أن يقال. الرشق عشرون والإصابة خمسة وما جرى هذا المجرى وأما صفة الاصابة: فمثل أن يقال: حوابي، أو خواصر، أو خوارق، أو خواسق، فالحوابي: ما وضع بين يدى الغرض، والخواصر: ما كان في جانبي الغرض، والخوارق: ما أخذ من الغرض ولم يثبت فيه، والخواسق: ما وقع في الغرض وثبت فيه. وأما المسافة: فهي ما بين الهدفين (1)، مثل أن يقول: مأتا ذراع أو ثلاث مأة ذراع وما أشبه ذلك. وأما الغرض: فهو الذي ينصب في الهدف ويقصد أصابته بالرمي، وقد يكون من جلد، أو قرطاس، أو ورق، أو خشب، أو من شف (2)، وقيل إنه الرقعة (3)، وأما قدر الغرض: فهو مثل أن يقال: شبر في شبر، أو أربع أصابع في مثل ذلك. وأما السبق: فهو المال الذي يخرج في المناضلة: وأما المبادرة: فأن يبادر أحدهما إلى الاصابة مع تساويهما في عدد الرمي. وأما المحاطة: فأن يبادر أحدهما إلى الاصابة مع تساويهما في عدد الرمي، بعد اسقاط ما تساويا في الاصابة، فجميع هذه يجب في كل واحد منهما أن يكون معلوما، ومتى لم يكن كذلك لم يصح، والهدف هو التراب الذي يجمع وينصب الغرض فيه، وقد يجوز أن يعمل من لبن وما أشبهه. فإن شرط أحد المتناضلين أن يرمي بجنس من القسي (4) ويرمي الآخر بجنس غيره كان جائزا، ولكل واحد منهما أن يتخير من الجنس ونصاله ما أراد، فإن رمى

(1) الهدف بالتحريك: هو الحائط أو التراب المجموع الذي ينصب فيه الغرض، وتثنيته باعتبار أن موضع الرامي يصير هدفا في المرة الثانية وسيأتي ما يوضحه.
(2) الشف: الثوب، الستر الرقيق، والشيئ اليسير.
(3) رقعة الغرض: قرطاسه أي أديمه المنصوب للنضال. (4) القسي جمع قوس وهو ألة منحنية ترمى بها السهام.

[ 334 ]

لم يكن له ابداله، من غير ذلك الجنس وينبغي أن ينصب الرماة بينهم عدلا، يخط لهم خطا في مقام الرمي، يقفونه دونه. وللرامي الوقوف حيث أراد من ذلك الخط من مقابلة المسبق أو يمينه أو يساره ولا يجوز لصاحب السبق أن يبتدئ بالرمي، ولا أن يبتدئ به من يريد هو أن يبتدئ إن لم يشترط ذلك، فإن شرطه جاز، وإن لم يشترطه ووقعت المشاحة في ذلك بين الرماة، اقرع بينهما فمن أصابه القرعة كان هو المبتدئ بالرمي، مثل العدد (1) الذي رمى البادي به. ولا ينبغي للمسبق أن يقطع الرمي إلا من عذر يمنع من ذلك لعلة تناله في يده أو بصره أو أمر يضر بالرمي، أو غير ذلك مما يكون العذر واضحا فيه. وليس لأحد المتناضلين أن يقول للآخر: اجعل الاختيار إلى فيمن أريد من الرماة أن يكون في حزبي ويكون السبق على، ولا له أيضا أن يقول: ارم (2) أنا وأنت، فأينا نضل صاحبه، سبقه. والسبق يلزم الباذل له، دون من معه في حزبه، فإن دخلوا معه في الضمان لزمهم منه ما يذكره، ويفض ذلك عليهم على الرؤس. فإن قال أحد المتناضلين لصاحبه: سبقتك عشرة على إنك إن نضلتني فلك العشرة، ولا ارمي شهرا أو لا ارمي أبدا لم يجز ذلك، لأنه شرط (3) ما ندب ورغب فيه، فإن قال: إن نضلتني فلك دينار حال وقفيز من بر بعد شهر، صح ذلك. فإن قال: إن نضلتني كان ذلك على عشرة وتعطيني قفيزا من بر، لم يجز ذلك

(1) الظاهر أن المراد: لو وقعت المشاحة في عدد رمي البادي أيضا اقرع فيه كما اقرع فيما إذا تشاحا في تعيين البادي.
(2) الظاهر أنها فعل المتكلم بحذف الياء من آخره.
(3) الظاهر سقط كلمة " ترك " كما في المبسوط.

[ 335 ]

إذ من حق الناضل أن يأخذ ولا يعطي، فإذا اشترط ذلك فقد شرط على الناضل أن يعطيه وذلك فاسد. فإن قال: إن نضلتني فلك عشرة إلا أربعا كان صحيحا لأن قوله " إلا أربعا " استثناء معلوم من جملة معلومة، فإن قال: إن نضلتني فلك عشرة إلا قفيزا من بر، كان ذلك فاسدا، لأن قيمة القفيز مجهولة وإذا حذفت من المعلوم كان مجموعه مجهولا فلم يجز النضال. فإن سبق أحد المتناضلين الآخر وشرط أن يطعم السبق أصحابه، كانت المناضلة صحيحة وكان مخيرا في أخذه وإطعامه، وإذا خرج أحد المتناضلين السبق، كان له أن يبتدئ بالرمي، وقال: بعض الناس ليس له ذلك إلا أن يشترطه، فإن شرطه كان جائزا، وهذا هو الأقوى لأن من النضال أن لا يكون للسبق مزية على الآخر وإن كان هو المخرج للعوض. وينبغي أن لا يقتصر أهل النضال على هدف واحد، بل يرتبوا لهم هدفين يبدؤن بالرمي من أحدهما ويمشون على الآخر، فإذا وصلوا إليه وقفوا عنده، ورموا منه إلى الذي بدءوا بالرمي منه، فإذا بدأ واحد بالرمي من الهدف الأول، فليس له أن يبتدئ بالرمي من الآخر بل يبدء غيره، لأن موضع المناضلة على المساواة بين أهلها واعلم أن من عادة الرماة أن يرمي المتناضلان سهما وسهما (1) حتى ينفد الرشق فينبغي أن يكون رميهما كذلك، فإن شرطا من عشرة وعشرة (2) رشقا ورشقا كان ذلك جائزا، وقد ذكرنا فيما تقدم أنه ليس لأحدهما إذا بدء بالرمي أن يقطعه إلا لعذر واضح، فإن حصل هذا العذر ورمى فأخطأ لم يعد عليه بذلك من الخطاء (3) لأن الخطاء ما كان لسوء منه، وإن أصاب وحاله ما ذكرناه لم يعد له بذلك.

(1) أي يرمي أحدهما سهما ثم يرمي الآخر سهما وهكذا، فإن شرطا أن يرمي أحدهما عشرا ثم يرمي الآخر كذلك كان جائزا.
(2) في نسختين زيادة " أو ".
(3) أي لم يحسب هذا الرمي من الخطأ، لأنه لأجل العذر، لا لسوء حذاقته.

[ 336 ]

وقد ذكرنا فيما تقدم الفرق بين الخاسق والخارق فإذا شرط الاصابة خواسق ورمى فأصاب الغرض، وثقبه وثبت فيه نصله، حسب خاسقا لأن صفته قد حصلت وهي ما ذكرناه. فإن أصاب الغرض خدشه ولم يثقبه وثبت فيه، لم يحسب إصابة لأنه شرط خواسق وهذا خارق ليس بخاسق، فإن ثقب الغرض ثقبا يصلح للخسق، إلا أن السهم لم يثبت فيه وسقط، لم يحسب خاسقا لأن صفة الخاسق لم يحصل فيه، فإن شرط الاصابة مطلقة فأصاب الغرض فإن خرق أو خرم أو خسق، أم مرق، أو حبى (1) كان كل ذلك إصابة ينبغي أن يحتسب بها لأنه شرط الاصابة بالإطلاق. وإذا كانت الاصابة خواسق ورمى أحدهما فأصاب الغرض وسقط السهم، ثم ادعى الرامي أنه خسق إلا أنه سقط ولم يثبت في الغرض لبعض علل فيه، من حصاة أو غلظ أو ما جرى هذا المجرى، وأنكر الآخر ذلك ولم يعلم موضع الاصابة كان القول قول المصاب عليه بغير يمين، فإن لم يكن فيه مانع يمنع من الثبات فيه كان القول قول المصاب عليه، وإن كان فيه مانع يمنع من ذلك ولم يكن السهم خرق، كان القول قول المصاب عليه أيضا. وإن كان فيه شيئ من ذلك كان القول قوله مع يمينه، لأن ما يدعيه الرامي ممكن. وإذا عرف موضع الاصابة ولم يكن في الغرض ما يمنع السهم من الثبوت كان القول قول المصاب عليه أيضا، وإن كان في الغرض شيئ من ذلك ولم يكن السهم خرق، كان القول قول المصاب (2)، لأن الأمر لو كان على ما ذكر الرامي لكان السهم قد خرق ففتح الموضع، وظهر ما ورائه من المانع. وإن كان السهم قد خرق ما هو في وجه المانع، وبلغ النصل إلى المانع فالأولى أن يعدله فإنه خاسق.

(1) في نسخة جنى " وفي أخرى " جر " والظاهر أنهما تصحيف والصحيح ما أثبتناه (2) أي المصاب عليه.

[ 337 ]

وإذا كانت الاصابة خواسق ورمى أحد المتناضلين، فوقع السهم في ثقب كان في الغرض، أو في موضع خلق منه فثقب الموضع وثبت السهم في الهدف، وكان الغرض ملتصقا بالهدف وكان الهدف قويا لقوة الغرض مثل أن يكون حائطا أو طينا يابسا فهو خاسق، وإن كان الهدف ضعيفا ولم يكن بقوة الغرض مثل الطين الرطب والتراب، لم يحتسب به - لا له ولا عليه -. وإذا شرط الخواسق فخرم - والخرم هو أن يقع السهم في حاشية الغرض فخرمه - وثبت فيه مثل أن يقطع من حاشيته قطعة، وثبت فيه، أو يسبق (1) الحاشية وثبت فيه وكان الغرض محيطا ببعض السهم وغير محيط ببعض آخر منه، لم يحسب خاسقا لأن الخاسق ما ثبت فيه، ويكون الغرض محيطا يدور السهم وليس ما ذكر في هذا الخرم كذلك. وإن شرط الخواسق ورمى أحدهما فمرق سهمه - والمارق هو أن يصيب الغرض ويثقبه وينفذ السهم من ورائه - حسب خاسقا. وإذا شرط إصابة الغرض فأصاب الشن (2) أو السير المحيط به، أو العرى (3) حسب ذلك إصابة، لأنه غرض كله، فإن أصاب العلاقة لم يكن ذلك إصابة لأن العلاقة غير الغرض. وإذا تناضلا وعقدا ذلك على أن الرشق عشرون والإصابة خمسة، ثم أراد أحدهما الزيادة في عدد الرشق أو عدد الاصابة ولم يجبه الآخر إلى ذلك وكان بعد الابتداء بالرمي، لم يجز ذلك وإن كان قبل ذلك جاز إذا اتفقا عليه. وإذا قال أحدهما لصاحبه ارم عشرين فإن كان إصابتك أكثر من خطاك، فلك على

(1) كذا في بعض النسخ ولعلها تصحيف والصحيح " يثقب ".
(2) الشن: الجلد اليابس البالي، والسير قطعة من الجلد ولعلها تصحيف وأصلها " الشنبر ".
(3) العرى معناها: الناحية وهي التي حول الشن والعلاقة هي التي يعلق عليها الشن

[ 338 ]

دينار صح ذلك، فإن قال له ارم عشرين وناضل نفسك فإن كانت إصابتك أكثر فلك على دينار، لم يجز ذلك لأن الانسان إنما يناضل غيره فأما أن يناضل نفسه فلا يصح. فإذا رمى أحدهما فأصاب فوق سهم في الغرض وكان السهم الذي في الغرض قد ثبت نصله فيه وثقبه بطوله إلى جانب الرمي لم يحتسب له ولا عليه، لأن بينه وبين الغرض مقدار طول السهم فليس يعلم، ما يكون منه لو لم يقع، في فوق السهم فإن كان السهم الذي في الغرض قد انفذ الغرض إلى فوقه، فوقع الثاني في فوقه فإن كان الشرط في الاصابة حسب ذلك إصابة، لأنا نعلم أنه لولا الأول أصاب الغرض، فإن كان خواسق لم يحتسب ذلك له ولا عليه، لأنا لا نعلم هل يخسق أم لا. فإن كان نصل الأول ثبت في الغرض وبقية طوله خارجا منه فأصاب فوقه وسبح (1) عليه فأصاب الغرض حسب ذلك إصابة لأنه إنما أصاب بجودة رميه. إذا شرطا حوالى (2) على أن ما كان منها إلى الشن أقرب، أسقط الذي كان منه أبعد، صح ذلك، فإذا رمى أحدهما سهما، فوقع في الهدف ويقرب الغرض ورمى الآخر خمسة أسهم، فوقعت أبعد، ورمى الأول سهما فوقع أبعد من الخمسة، سقطت الخمسة بالأول الذي هو أقرب، وسقط الذي بعد الخمسة، لأن الخمسة أقرب إلى الغرض، فإن رمى أحدهما خمسة إلى الهدف بعضها أقرب إلى الغرض من بعض ثم رمى الثاني كلها أبعد من الخمسة الأول، سقطت الخمسة الثانية بالأول لأنها أقرب إلى الغرض وبقيت الخمسة الأول لا يسقط (3) ما هو أقرب منها إلى الغرض ما كان منها من الغرض أبعد. فإن رمى أحدهما الغرض، والآخر الهدف فالذي في الغرض يسقط الذي في الهدف. فإن أصاب أحدهما الغرض وأصاب الآخر العظم وهو الذي في وسط الغرض

(1) سبح عليه: أي مر عليه مماسا به نظير السباحة على الماء.
(2) كذا في نسخة ولعلها تصحيف والصحيح " حوابي ".
(3) في نسخة " يسقط " بدل " لا يسقط " والمتن موافق للمبسوط.

[ 339 ]

لم يسقط الذي في العظم ما هو أبعد منه لأن جميع الشن موضع إصابة وقد ذكر بعض الناس أنه يسقط بذلك. وقد بينا فيما سلف معنى المبادرة والمحاطة. فإذا اشترطا الرشق عشرين، والإصابة خمسا، فرمى كل واحد منهما عشرة وأصاب كل واحد منهما خمسة فقد تساويا في عدد الرمي والإصابة، فلم يفضل أحدهما عن صاحبه ولا يرميان الباقي من الرشق لأنه يخرج عن المبادرة. فإن رمى أحدهما عشرة فأصاب خمسة، ورمى الآخر أربعة فقد فضل صاحب الخمسة. فإن رمى كل واحد منهما خمسة عشر، فأصاب كل واحد منهما خمسة فما فضل أحدهما الآخر ولا يرميان ما بقي، وإن أصاب أحدهما خمسة وصاحبه أربعة فقد فضل صاحب الخمسة وعلى هذا أبدا. وأما المحاطة فإن يكون الرشق عشرين والإصابة خمسة، ورمى أحدهما عشرة فأصاب خمسة، ورمى الآخر عشرة فأصاب خمسة فتحاطا خمسة بخمسة ونضل (1) الآخر بكمال الرشق وعلى هذا أبدا. فإن بادر أحدهما إلى الاصابة مع تساويهما في عدد الرمي بعد اسقاط ما تساويا فيه من الاصابة، لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون هذا بإكمال الرشق فقد فضل المنفرد بالاصابة. مثال ذلك: رمى كل واحد منهما العشرين فأصاب الواحد كلها، وأصاب الآخر خمسة عشر تحاطا خمسة عشر وانفرد الواحد بخمسة فقد فضله، فأما إن حصل ذلك قبل إكمال العشرين بأن يبادر أحدهما إلى الاصابة مع تساويهما في عدد الرمي بعد اسقاط ما تساويا فيه من الاصابة، فطالب صاحب الأقل صاحب الأكثر بتكميل الرشق فليس يخلو صاحب الأقل من أن يكون له فائدة في تكميل الرشق، أو لا فائدة له فيه، فإن لم يكن له في ذلك فائدة فقد فضله صاحب الأكثر ولا يجب إكمال الرشق، وإن كان له فائدة فقد ذكر جواز ذلك، وذكر أنه لا فائدة فيه. " تم كتاب السبق والرماية "

(1) أي ناضل.

[ 340 ]

" كتاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر " واعلم أن من جملة فرائض الاسلام الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وربما كان ذلك فرضا على الكفاية، وربما تعلق بالاعيان، فأما كونه فرضا على الكفاية فمثل أن يأمر بعض المكلفين بمعروف، أو ينهى عن منكر فيؤثر أمره، أو نهيه في ذلك فيقع المعروف، أو يرتفع المنكر فسقط الوجوب عن الباقين. فأما ما يتعلق بالاعيان فأن يأمر بمعروف، أو ينهى عن المنكر، فلا يؤثر أمره ولا نهيه فيما أمر به ونهى عنه ولا غيره على الوجه الانفراد والوحدة دون الباقين فيكون فرضا على الأعيان فيجب على كل واحد من المكلفين كما يجب على غيره منهم إلى أن يحصل المعروف، أو يرتفع المنكر، فإذا كان كذلك، سقط الفرض عن الجميع هذا مع تمكن الجماعة من ذلك إن اختص التمكن ببعض المكلفين دون بعض آخر منهم، فإن فرض ذلك لازم للمتمكنين دون من ليس بمتمكن. والامر بالمعروف يصح أن يكون واجبا، ويكون ندبا، فأما الواجب فبان يكون أمر المعروف واجبا، وأما الندب فبأن يكون أمر بالمعروف ندبا، لأن كل واحد منهما يتبع في كونه ندبا أو واجبا حكم ما هو أمر به منهما. فإن كان واجبا كان الأمر به واجبا، وإن كان ندبا كان الأمر به ندبا كما ذكرنا. وأما النهي عن المنكر فجميعه واجب لأن المنكر كله قبيح والنهى عن القبيح

[ 341 ]

واجب، وليس ينقسم النهي عن المنكر، انقسام الأمر بالمعروف لما ذكرناه من قبح المنكر. واعلم أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يكون باليد واللسان والقلب، فأما وجوب ذلك على المكلف باليد واللسان فإنما يصح إذا كان متمكنا منهما، ويعلم أو يغلب في ظنه أنه لا ضرر يلحقه في ذلك ولا غيره من الناس، لا في حال الأمر والنهى، ولا فيما بعد هذه الحال من مستقبل الأوقات. فإن علم أو غلب في ظنه لحوق الضرر به أو بغيره سقط وجوب ذلك عنه باليد واللسان، ووجب ذلك بالقلب وحده، فيعتقد وجوب الأمر بالمعروف، أو وجوب الانكار للمنكر، وأما الأمر بالمعروف باليد فإنما يكون بأن يفعل المعروف ويجتنب المنكر على وجه يتأسى الناس به، وأما باللسان فان يكون بالدعاء إلى ذلك، وتعريف من يؤمر وينهى ماله على ذلك من مدح وثواب، وماله على تركه والاخلال به إن كان واجبا من ذم وعقاب. وقد يكون الأمر بالمعروف باليد أيضا على وجه آخر وهو أن يحمل الناس بالقتل والردع والتأديب والجراح والآلام على فعله إلا أن هذا الوجه لا يجوز للمكلف الإقدام عليه إلا بأمر الإمام العادل وإذنه له في ذلك أو من نصبه الإمام، فإن لم يأذن له الإمام أو من نصبه في ذلك فلا يجوز له فعله. ويجب عليه حينئذ الاقتصار على الوجه الذي قدمنا ذكره. وهذا الوجه أيضا لا يجوز فعله في إنكار المنكر إلا بإذن الإمام أو من نصبه. فإن لم يحصل ذلك وجب عليه أن يقتصر على الانكار باللسان والقلب. فأما باللسان فبالوعظ أو الإنذار والزجر والتعريف لفاعل المنكر ما يستحقه على فعله من ذم وعقاب، وماله على الاخلال به من مدح وثواب. وقد يكون إنكار المنكر على وجه آخر بضرب من الفعل وهو الاعراض عن الفاعل له، وعن تعظيمه وإن يتعمد هجره والاستخفاف به ويستمر على ذلك، ويفعل منه ما يرتدع به عن المنكر. ولا يجوز لأحد من الناس إقامة حد على من وجب عليه إلا الإمام العادل أو من

[ 342 ]

ينصبه لذلك، وقد رخص في إقامة حد لذلك على ولده وأهله دون غيرهم إذا لم يخف من وصول المضرة إليه من ظالم، فمتى خاف ذلك، وعلمه أو غلب في ظنه لم يجز له فعله. إذا استخلف السلطان الجائر انسانا من المسلمين، وجعل إليه إقامة الحدود جاز أن يقيمها بعد أن يعتقد (1) أنه من قبل الإمام العادل في ذلك وانه يفعل ذلك بإذنه لا بإذن السلطان الجائر، ويجب على المؤمنين مساعدته وتمكينه من ذلك ومعاضدته عليه، هذا إذا لم يتعدى الواجب، فإن كان في ذلك تعد له لم يجز فعله، ولا مساعدته عليه، ولا تمكينه منه. فإن حمله هذا السلطان على ذلك جاز له فعله إن لم يبلغ ذلك قتل النفس، فإن بلغ ذلك لم يجز له فعله وإن قتل بامتناعه من ذلك. فأما تولي القضاء والأحكام فسنورده فيما يتعلق بذلك في موضعه ما يكتفى به، إن شاء الله، " تم كتاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر "

(1) في نسخة " يعتذر " بدل " يعتقد ".

[ 343 ]

" كتاب المكاسب " قال الله عزوجل: " يا أيها الذين آمنوا إذا نودي لصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر إله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكر الله كثيرا لعلكم تفلحون " (1). وقال سبحانه: " والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي، وأنبتنا فيها من كل شيئ موزون وجعلنا لكم فيها معايش " الآية (2). وأمر الله تعالى بالاكتساب من فضله، وبين إنه قد جعل لعباده (3) من المعيشة ما يتمكنون به من التصرف فيه بما يقوم بهم ويستعينون به على صلاح أحوالهم. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " إذا أعسر أحدكم فليخرج يضرب في الأرض يبتغى من فضل الله ولا يغم نفسه وأهله " (4) وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال لأصحابه في حجة الوداع: " إني والله لا أعلم عملا يقربكم من الجنة إلا وقد نبأتكم به، ولا أعلم عملا يقربكم من النار إلا وقد نهيتكم عنه وإن الروح الامين

(1) الجمعة، الآية (9 - 10).
(2) الحجر، الآية (19) (3) في نسخة " العبادة ".
(4) دعائم الاسلام، ج 2، ص 13، الحديث 1.

[ 344 ]

نفث في روعى: إن نفسا لا تموت حتى تستكمل رزقها فأجملوا في الطلب " (1). وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: " ما غدوة أحدكم في سبيل الله بأعظم من غدوته يطلب لولده وعياله ما يصلحهم (2). " باب ضروب المكاسب " المكاسب على ثلاثة أضرب، محظور على كل حال، ومكروه، ومباح على كل حال فأما المحظور على كل حال فهو كل محرم من المآكل والمشارب - وسنورد ذلك في موضعه من هذا الكتاب بمشيئة الله سبحانه وتعالى - وخدمة السلطان الجائر ومعونته وتولى الأمور من جهته، واتباعه في فعل القبيح وأمره (3) بذلك والرضا بشئ منه مع التمكن من ترك ذلك وارتفاع التقية فيه والالجاء إليه، والتعرض لبيع الأحرار، وأكل أثمانهم، وكذلك مملوك الغير بغير إذن مالكه، وألات الملاهي والزمر مثل الناي وجميع ما جرى مجراه، والقصيب (4). والشين (5) وما جرى مجرى ذلك والحبال (6) على اختلاف وجوهه وضروبه وآلاته والغناء وسائر التماثيل مجسمة كانت أو غير مجسمة، والشطرنج والنرد وجميع ما خالف ذلك من سائر آلات القمار كالأربعة عشر، وبيوت الروعات وما جرى مجرى ذلك واللعب باللوز والجوز وما جرى مجرى ذلك وأحاديث القصاص وأسباب (7)

(1) الوسائل، ج 12 الباب 12 من أبواب مقدمات التجارة، الحديث 1، والمستدرك، ج 2، ص 418، الحديث 1.
(2) المصدر، ص 15، الحديث 9، والمستدرك، ج 2، ص 415. الحديث 7.
(3) في نسختين زيادة " ونهيه " ولعلها تصحيف.
(4) قصب السكر معروف ويعمل منه المزامير، وفي نسخة بالضاد المعجمة ولعل المراد منهما واحد.
(5) كذا في نسخة وفي نسخة " الستير " والظاهر أنهما تصحيف ولعل أصلها " الميسر " (6) كذا في نسخة ولعل معناها: السحر.
(7) في نسخة " والأسمار والفرح.. ".

[ 345 ]

الفرح بالاباطيل والنميمة (1) والكذب والسعي في القبيح، ومدح من يستحق الذم، وذم من يستحق المدح، وغيبة المؤمنين، والتعرض لهجوهم، والأمر بشئ من ذلك والنهى عن مدح من يستحق المدح، أو عن الحسن، والأمر بمدح من يستحق الذم، أو بشئ من القبائح، والحضور في مجالس المنكر ومواضعه إلا للانكار وما جرى مجرى ذلك. واقتناء السباع والحيات وما خالف ذلك من الموذيات وخصى الحيوان، وبناء الكنائس والبيع وكل ما يكون معبدا لأهل الضلال والصلبان. والتطفيف في الوزن والكيل، والغش في جميع الأشياء وعمل المواشط بالتدليس بأن يسمن الخدود ويصلن شعر النساء بشعر غيرهن من النساء وما جرى مجرى ذلك مما يلتبس به على الرجال في ذلك. وعمل السلاح مساعدة ومعونة لاعداء الدين وبيعه (2) لهم والجمع بينهم وبين أهل الفسق والفجور، والفتيا بالباطل والحكم به ولو مع العلم، والارتشاء على ذلك، أو ما يجرى مجرى الارتشاء والأذان والإقامة لأجل الأجرة عليهما، والصلاة بالناس لمثل ذلك، وتغسيل الموتى وتكفينهم وحملهم والصلاة عليهم ودفنهم والكهانة والشعبدة وما أشبه ذلك من القيافة والسحر والزنا والتلوط. ونسخ كتب الضلال وحفظه وايراد الشبهة القادحة وتخليدها في الكتب من غير نقض لها، وتزويق المساجد وزخرفة المساجد، وجمع تراب الصياغة لبيعه، فإن جمعه إنسان فعليه أن يتصدق به. وإيجار العقارات والمساكن لعمل المنكر فيها مع القصد وإيجار السفن وغيرها مما يحمل عليها المحرمات مع العلم بذلك والقصد إليه أيضا.

(1) في نسخة " والتهمة " بدل " والنميمة ".
(2) وفي نسخة " وبيعه والجمع لهم، والجمع بين أهل الفسق والفجور ".

[ 346 ]

واحتكار الغلات عند عدم الناس لها وحاجتهم الشديدة إليها وبيع المصاحف إذا كان ذلك في المكتوب وبيع السرقة وابتياعها مع العلم بها، ونثار الأعراس إذا لم يعلم من صاحبه الإباحة له وسلوك طريق يظهر منها إمارة الخوف مع ترك التحرز والكسب من ذلك. وأما المكروه فجميع ما كره من المآكل والمشارب وسنورد ذلك في موضعه أيضا من هذا الكتاب بعون الله سبحانه وتعالى ومشيئته وكسب الحجام والأجر على القضاء وتنفيذ الأحكام من قبل الإمام العادل، والأجر على تعليم القرآن، ونسخ المصاحف مع الشرط في ذلك وأجر المغنيات في الاعراس إذا لم يغنين بالاباطيل والضرب، وبيع الرقيق والطعام وعظام الفيل وعملها، والأكفان والحياكة والنساجة والذباحة وكسب الصبيان وركوب البحر للتجارة. وأما المباح على كل حال فهو كل مباح من المآكل والمشارب وكل ما لم يكن من جملة ما ذكرناه في كونه محظورا ومكروها. " باب خدمة السلطان وأخذ جوائزه " السلطان على ضربين: أحدهما سلطان الاسلام العادل والآخر السلطان الجائر، فأما سلطان الاسلام العادل فهو مندوب إلى خدمته، ومرغب فيها، وربما وجب ذلك على المكلف طائفة لما فيه من وجوب اتباعه وطاعته في أمره ونهيه. فإذا ولى السلطان انسانا إمارة وحكما أو غير ذلك من الولاة عليه وجب عليه طاعته في ذلك وترك الخلاف له فيه، وجاز قبول جوائزه وصلاته والتصرف في الجميع على كل حال. وأما السلطان الجائر فلا يجوز لأحد أن يتولى شيئا من الأمور من قبله إلا أن يعلم أو يغلب على ظنه أنه إذا تولى ولاية من جهته، تمكن من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وقسمة الأخماس والصدقات على مستحقها، وصلة الاخوان، ولا يكون في شئ من ذلك تاركا لواجب ولا مخلا به ولا فاعلا بشئ من القبائح فإنه حينئذ

[ 347 ]

مستحب له التعرض لتولي الأمور من جهته وإن علم أو غلب على ظنه أنه لا يتمكن من ذلك وأنه لا يخلو من تفريط يلحقه في الواجبات، ويحتاج إلى ارتكاب بعض المقبحات، لم يجز له تولى ذلك. فإن ألزمه السلطان الجائر بالولاية الزاما لا يبلغ تركه الاجابة إلى ذلك الخوف على النفس وسلب المال وإن كان ربما لحقه بعض الضرر، أو لحقه في ذلك مشقة فالأولى أن يتحمل تلك المشقة ويتكلف مضرتها، ولا يتعرض للولاية من جهته. وإن خاف على نفسه أو على أحد من أهله، أو بعض المؤمنين، أو على ماله جاز له أن يتولى ذلك، ويجرى على وضع الأمور في مواضعها، وإن لم يتمكن من فعل ذلك، اجتهد فيما يتمكن منه وإن لم يتمكن من فعل ذلك ظاهرا فعله سرا لاسيما حقوق الاخوان والتخفيف عنهم من جور السلاطين الجور من خراج أو غيره. وإذا لم يتمكن من القيام بحق من الحقوق والحال في التقية على ما ذكرناه جاز له أن يتقي في سائر الأمور والأحكام التي لا يبلغ إلى سفك دم محرم، لأن هذا الدم ليس في سفكه تقية. وإذا تولى إنسان من قبل السلطان الجائر ولاية، جاز له على جهة الرخصة قبول الارزاق والجوائز منه، لأن له قسطا من بيت مال المسلمين. وينبغي له أن يجتهد ويحرص في إخراج الخمس من كل ما يحصل له من ذلك ويوصله إلى مستحقه، ويصل اخوانه من الباقي. ويتصرف هو في منافعه بالبعض الذي يبقى من ذلك وليس يجوز لأحد أن يقبل صلات سلاطين الجور وجوائزهم ما يعلم إنه بعينه غصب وظلم، فإن لم يتعين جاز له قبوله وإن علم أن السلطان المجيز له بذلك، ظالم ويكون الإثم على الظالم دونه. وإذا تمكن الانسان من ترك معاملة الظالمين بالبيع والشراء وغير ذلك فالأولى تركها ولا يتعرض لشيئ منها جملة وإن لم يتمكن من ترك ذلك معهم كانت معاملته له في ذلك جائزة إلا أنه لا يشترى منه شيئا يعلم أنه مغصوب، ولا يقبل منهم ما هو محرم في الشرع.

[ 348 ]

فإن خاف من رد جوائزهم وصلاتهم على نفسه وماله، جاز له قبولها، ثم يردها على أصحابها. ويجوز للانسان أن يبتاع ما يأخذه السلطان الجور من الصدقات والخراج وإن كانوا غير مستحقين لأخذ شيئ من ذلك، إلا أن يتعين له في شيئ منه معين أنه غصب فإنه لا يجوز له أن يبتاعه. وكذلك يجوز له أن يبتاع منهم ما أراد من الغلات على اختلافها وإن كان يعلم إنهم يغصبون أموال الناس ويأخذون ما لا يستحقون، إلا أن يعلم أيضا في شيئ منه معين أنه غصب فلا يجوز له أن يبتاعه منهم. وإذا غصب الظالم انسانا وتمكن المظلوم من أخذه أو أخذ عوضه، كان ذلك جائزا له، وتركه أفضل. فإن أودعه الظالم وديعة لم يجز له أن يأخذ منها عوض ماله ولا يتعرض لها بذلك ولغيره، بل يردها عليه على حالها ولا يخونه فيها. فإن أودعه وديعة يعلم أنها بعينها غصب وعرف صاحبها فلا يجوز له ردها على الغاصب لها، بل يعيدها على صاحبها. فإن علم أنها غصب ولم يعرف لها صاحبا أبقاها عنده، إلى أن يعرفه فإذا عرفه ردها عليه، وإن لم يعرفه لم يجز ردها على غاصبها بل ينبغي أن يتصدق بها عمن هي له. " باب ما يجوز للوالد أخذه من مال ولده " " والولد من مال والده والمرأة من مال زوجها " إذا كان الوالد مستغنيا عن مال ولده بأن يكون له مال ينفق منه على نفسه أو يكون ولده ينفق عليه، لم يجز له أخذ شيئ من مال ولده إلا برضاء الولد. فإن احتاج الوالد إلى أخذ شيئ من مال ولده أخذ منه مقدار حاجته على وجه القصد (1) من غير إسراف في الأخذ.

(1) أي الاقتصاد والتوسط.

[ 349 ]

وإذا لم يكن للوالد مال، جاز أن يأخذ من مال ولده ما ينفقه على نفسه في حجة الاسلام، ولا يجوز له أن يأخذ ذلك في حجة التطوع وكذلك إن كان على الوالد دين لم يجز له أن يأخذ من مال ولده ما يقضي به ذلك الدين. وإذا كان للوالد أولاد صغار، لم يجز له أخذ شيئ من مالهم إلا على جهة القرض على نفسه دون غيره. وإن كان لولده جارية ولم يكن ولده وطأها أو لامسها بشهوة فإنه يجوز له أخذها ووطأها بعد أن يقومها على نفسه، ويضمن القيمة لولده. وإذا كان الولد في منزل أبيه، وتنازعا في شيئ من متاع البيت لم يكن للولد إلا ببينة، لأن الظاهر أنه للأب، لأنه في منزله ويده عليه فإن ثبت للابن ببينة فإنه سلم إليه ولم يسلم إلى الأب. ولا يجوز للوالدة أخذ شيئ من مال ولدها إلا على جهة القرض لا غير. ولا يجوز للولد أن يأخذ من مال والده شيئا إلا بإذنه، أو من ضرورة شديدة يخاف على تلف النفس معها، فإنه إذا كان ذلك، جاز أن يأخذ ما يمسك به رمقه كما يتناول من الدم والميتة عند الضرورة التي يخاف فيها من تلف النفس. ولا يجوز للزوجة أن تأخذ من مال زوجها ولا من بيته شيئا إلا ما يكون أدما، فإن لها أن تأخذ منه وتطعم من غير إسراف في ذلك أو إضرار بالزوج، فإن أدى إلى ذلك لم يجز لها أخذ شيئ منه إلا ما تأكله هي، دون غيرها. وإن وهبت الزوجة شيئا لزوجها كانت الهبة ماضية فإن دفعت إليه شيئا وشرطت له الانتفاع به كان جائزا. وإن ربح كان الربح له، ويكره له أن يشتري بذلك جارية يطأها لأنها يعود بالغم على الزوجة. فإن فعل ذلك بإذنها كان جائزا على كل حال. " تم كتاب المكاسب "

[ 350 ]

" كتاب البيوع وعقودها وأحكامها " عقد البيع لا تصح إلا بشرط وهي ثبوت الولاية في المبيعين إما بملك، أو إذن، أو ما يقوم مقامه، وامكان التسليم ورفع الحظر، وتعيين الأجل فيما يكون مؤجلا والتعيين بالمبلغ، أو الصفة، أو هما جميعا. والقول المقتضي للايجاب من البايع والقبول من المبتاع. والافتراق بالأبدان من مجلس البيع، ووقوع ذلك على إيثار واختيار المتبايعين، وحصول ذلك منها أيضا على وجه يحل. وإذا باع إنسان ما ليس بملك له من غير إذن أو ما يقوم مقام الإذن، أو ما لا يمكن تسليمه ولا رفع الحظر عنه، أو باع شيئا إلى أجل ولم يعين الأجل، أو باعه ولم يعينه بالمبلغ، أو الصفة، أو بهما جميعا كان جميع ذلك باطلا والبيع فاسدا. فإن باع من غيره شيئا ولم يجر بينهما من القول ما يقتضي الايجاب والقبول، " مثل أن يقول البايع للمشتري قد بعتك هذا ويقول المشتري قد اشتريته أو قد قبلت ذلك أو أوجبت على نفسي، أو يقول المشتري بعتني هذا فيقول البايع قد بعتك إياه " لم يصح البيع وكان فاسدا. وإذا باع من غيره شيئا ولم يفترقا من المجلس على وجه التراضي لم ينعقد البيع، لأن الخيار بينهما لم يرتفع بكونهما مغيبين عن مجلس العقد، فإنما يرتفع إذا افترقا على ما ذكرناه، ومتى لم يفترقا كان لكل واحد منهما الرجوع في البيع. وإذا باع، من غيره شيئا على وجه الاكراه لم يصح البيع وكان البيع مفسوخا

[ 351 ]

لأنه لا بد فيه من الرضا. ولا يحل لأحد أخذ مال مسلم من غير إيثاره واختياره وإذا باع شيئا على وجه حرام لم يصح ذلك. والبيع على ثلاثة أقسام. أولها بيع عين مرئية، وثانيها بيع عين موصوفة في الذمة وثالثها بيع خيار الرؤية. فأما بيع الأعيان المرئية فمثل أن يبيع إنسان عبدا حاضرا أو غير ذلك من الأعيان الحاضرة، فيشاهد البائع والمشتري ذلك فيكون بيعا صحيحا لا شبهة في صحته. وأما بيع الموصوف في الذمة مثل أن يسلم في شيئ موصوف إلى أجل معلوم ويذكر الصفات المقصودة وهذا أيضا بيع صحيح. وأما بيع خيار الرؤية فهو بيع الأعيان الغائبة، وهو أن يبيع شيئا لم يره، مثل أن يقول بعتك هذا الثوب الذي في الصندوق أو في كمى أو ما جرى مجرى ذلك، فيذكر جنس المبيع، ويذكر الصفة، ولا فرق بين أن يكون البائع رآه والمشتري لم يره، أو يكون المشتري رآه والبائع لم يره، أو لم يره، هذا ولا هذا. فإذا عقد البيع فرأى المبيع بعد ذلك فوجده على ما وصفه كان البيع ماضيا، وإن وجده بخلاف ذلك. كان له رده وفسخ العقد ولابد من ذكر الجنس والصفة، وإذا لم يذكرهما، أو واحدا منهما كان البيع باطلا. وإذا شرط البائع خيار الرؤية لنفسه كان ذلك جائزا، فإذا رآه على الصفة لم يكن له الخيار، وإن كان على غير الصفة كان الخيار له، هذا إن لم يكن رآه، فإن كان قد رآه لم يكن لشرط الرؤية وجه لأنه عالم قبل ذلك. وإذا باع عينا بصفة مضمونة مثل أن يقول بعتك هذا الثوب على أن طوله كذا وعرضه كذا، أو غيره من العقار على أنه متى كان بهذه الصفة، وإلا فعلى بدله

[ 352 ]

على هذه الصفة لم يصح البيع لأن العقد وقع على شئ بعينه فإذا لم يصح فيه كان ثبوته في بدله يفتقر إلى استئناف عقد مجدد. ويجوز أن يبتاع الانسان شيئا ويشترط تسليمه إلى المشتري بعد مدة مثل شهر، أو أكثر منه. وإذا باع إنسان عينا حاضرة بعين حاضرة أو بدين في الذمة كان البيع صحيحا وإذا كان الثوب على آلة النساج وقد نسج بعضه فباعه على أن ينسج ما بقي منه ويدفعه إليه لم يصح بيعه، لأن ما شاهده من المنسوج، البيع فيه لازم من غير خيار الرؤية، وما لم يشاهده مما لم (1) يتمم نسجه يقف الأمر فيه على خيار الرؤية وهذا فاسد لأنه شيئ واحد يجتمع فيه خيار الرؤية وانتفائها وذلك باطل لا شبهة فيه. وإذا ابتاع إنسان شيئا قد شاهده قبل العقد ولم يره في حال العقد كان ذلك جائزا، فإن كان هذا المبيع من الأشياء التي لا يسرع التلف والهلاك إليها ولا يتغير في العادة مثل النحاس والصفر والأراضي وما جرى مجرى ذلك كان البيع صحيحا إذا شاهده على صفة لم يتغير عنها، وإن وجده قد تغير عن صفته كان له رده على البائع. وإن اختلفا في ذلك كان القول قول المبتاع مع يمينه. وإن كان مما يسرع إليه التلف مثل الفاكهة والبقول والخضر وما جرى مجرى ذلك فإنه إن كان ابتاعه بعده بزمان يعلم إنه قد تلف فيه، مثل أن يراه ويبتاعه بعد ذلك بشهرين أو ثلاثة، كان البيع فاسدا، وإن كان ابتاعه بعد مدة - يجوز أن يكون تالفا فيها وغير تالف - كان البيع صحيحا إذا رآه على الصفة لم يتغير عنها، وكذلك الحكم فيما قد يتلف ولا يتلف مثل الحيوان وما جرى مجرى ذلك. " باب خيار المتبائعين وما يدخل فيه الخيار وما لا يدخل من العقود " بيع الخيار ينقسم إلى ثلاثة أقسام، أولها خيار المجلس وهو أن ينعقد بين

(1) في نسخة " يتمم " بدون حرف الجزم، وكلاهما صحيح.

[ 353 ]

المتبائعين العقد بالايجاب والقبول فيثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا من المكان بأبدانهما فإذا ثبت العقد بينهما وأرادا أن يوجباه ويبطل الخيار، جاز لهما أن يقول أحدهما ويرضى الآخر به، أو يتولاه معا: " قد أوجبنا العقد وأبطلنا خيار المجلس " فإذا فعل ذلك بطل هذا الخيار. وثانيها: إن يشترطا في حال العقد أن لا يثبت بينهما خيار المجلس فيكون ذلك جائزا. وثالثها: أن يشترطه مدة معينة، قليلة كانت أو كثيرة (1)، هذا فيما عدا الحيوان وأما الحيوان فيثبت الخيار فيه ثلاثا للمشتري دون البائع اشترط المشتري ذلك، أو لم يشترطه، وإن زاد الشرط على ذلك كان بحسب ما يستقر بينهما للواحد منهما أو لجميعهما. ومتى أوجب البيع بعد أن يشترطا مدة معينة، ثبت العقد وبطل الشرط الذي تقدم على هذا في العقد. ومن أراد أن يبتاع من نفسه لولده وأراد الانعقاد، فينبغي له أن يختار لزوم العقد عند انعقاد العقد، أو يختار بشرط بطلان الخيار. وقد ذكر أنه إذا أراد ذلك انتقل من الموضع الذي ينعقد، العقد فيه إلى غيره، فيجرى ذلك مجرى افتراق المتبائعين ونحن بعد هذا نذكر فيما يدخله الخيار وما لا يدخله فيه من العقود. إذا كان عقد البيع على عين حاضرة مشاهدة دخله خيار المجلس بحصول العقد مطلقا، ويدخله خيار المدة بحسب ما استقر الشرط عليه. وإذا كانت العين حيوانا، دخل فيه خيار المجلس، وخيار الثلاث فإن زاد على هذه المدة شيئا، كان بحسب ما استقر الشرط أيضا عليه، وإن كان بيع فيه خيار الرؤية، دخله خيار المجلس وخيار الشرط وخيار الرؤية إذا رآه، وإن كان

(1) في النسختين تشويش من حيث السقط في إحداهما والتكرار في الأخرى، والصحيح المستفاد منهما ما أثبتناه.

[ 354 ]

الصرف، دخله خيار المجلس فقط، لأن خيار الشرط لا يدخله من حيث أن القبض من شرط صحة هذا العقد. وإن كان مع السلم دخله خيار المجلس، وخيار الشرط. وأما الرهن: فإن كان رهنا بدين ويقول هذا المملوك أو هذا الشيئ رهن به، ويقبل ذلك، صح العقد ويكون الخيار إلى الراهن بين أن يقبض أو لا يقبض، فإن قبض لزم من جهته وكان جائزا من جهة المرتهن إن أراد الامساك أمسك وإن أراد الفسخ فسخ. وإن كان رهنا في بيع مثل أن يقول البائع للمشتري بعتك هذا الدار بمأة دينار على أن ترهن عندي هذا الشيئ، فإن استقر بينهما البيع على هذا الشرط وكان ذلك في مدة خيار المجلس أو الشرط، فالراهن مخير بين قبض الرهن أو تركه. فإن قبضه لزم من جهة كونه رهنا، ويكون البيع على حاله في مدة الخيار، لكل واحد من المتبائعين الفسخ. فإن لزم بالافتراق، أو ينقضي خيار الشرط، فالرهن على ما هو عليه من اللزوم وإن فسخ البيع أحدهما أو هما جميعا، بطل الرهن وإن لم يقبض الرهن إلى أن لزم البيع بالافتراق، أو تنقضي مدة الخيار، كان الراهن مخيرا بين أن يقبض، أو لا يقبض، وإن قبض لزم الرهن من جهة الراهن، وإن لم يقبض لم يجبر عليه، ويكون البائع المرتهن حينئذ مخيرا بين أن يقيم على البيع ويمضيه بغير رهن وبين فسخه. وأما الصلح فإن كان إبراء أو حطيطة (1) مثل أن يقول أحدهما للآخر " لي عندك مأة دينار وقد أبرأتك من خمسين دينارا أو حططتها عندك وادفع لي الباقي " فليس له الخيار فيما أبرأه منه، أو حطه عنه من ذلك وله المطالبة بالباقي. وإن كان معاوضة مثل أن يقول " أقر له بدين أو عين " ثم يصالحه على ذلك فليس له الرجوع فيما وقع الصلح عليه. وأما الضمان فإنه إن كان له دين على غيره فبدل له ضمان غيره له فهو مخير بين أن يضمن أو لا يضمن، فإن ضمن لزم من جهته دون المضمون عنه.

(1) أي اسقاط بعض الدين.

[ 355 ]

وإن كان في بيع - مثل أن يقول بعتك على أن يضمن لي زيد، أو تقيم لي ضامنا، فإن استقر ذلك بينهما وكان في مدة الخيار في البيع لزم من جهة الضمان، فإن فسخه أحدهما، أو جميعهما زال الضمان. وإن لم يضمن حتى لزم البيع كان مخيرا بين أن يضمن أو لا يضمن، فإن ضمن صح على كل حال، وإن لم يضمن كان البائع مخيرا بين إمضائه بغير ضمان وبين فسخه. وإذا حال الواجد غيره بمال على غيره وقبل الحوالة، صح دخول خيار الشرط فيه، فأما خيار المجلس فلا يدخله لأنه مخصوص بالبيع. وأما خيار الشفيع على الفور فإن بادر إلى الأخذ لم يكن للمشتري خيار لأن المبيع يؤخذ منه بالقهر، فلا خيار له مع ذلك، وأما الشفيع فقد ملك البيع بالثمن وليس له خيار المجلس لأن هذا الخيار كما قدمناه مخصوص بالبيع وهذا إنما يؤخذ ذلك بالشفعة لا بغيرها. وأما الإجارة فقد تكون في معين مثل أن يقول المؤجر أجرتك داري هذه أو دابتي هذه أو مملوكي هذا شهرا أو سنة أو من وقتي هذا أو يومي هذا، وإذا ذكر هذه المدة المعينة لم يدخل عقد هذه الإجارة خيار المجلس، فأما خيار الشرط فيجوز فيه. وإن كانت الإجارة، إجارة في الذمة مثل أن يقول المستأجر لغيره " استأجرتك لتبني لي حائطا أو تخيط لي ثوبا أو ما أشبه ذلك " فيصح دخول خيار الشرط فيه، فأما خيار المجلس فلا يصح دخوله فيه لأنه ليس ببيع، لأنه مخصوص بالبيع كما قدمناه وأما المساقاة فيصح دخول خيار الشرط فيها لقول النبي صلى الله عليه وآله: المؤمنون عند شروطهم (1)، فأما خيار المجلس فلا يدخل في ذلك. وأما الوقف فلا يدخله خيار المجلس، ولا خيار الشرط جملة فأما خيار المجلس لأنه ليس بيعا كما قدمناه، وأما الشرط فلأنه متى دخل فيه بطل الوقف، وأيضا فإن

(1) مستدرك الوسائل ج 2، كتاب التجارة، ص 474 باب الشروط.

[ 356 ]

هذين الخيارين خيار مجلس أو خيار شرط لا يدخلان فيه لأن دخول الخيار فيه يبطل كونه وقفا سواء كان الخيار خيار المجلس أو خيار الشرط. وأما عقد النكاح فلا يدخل فيه الخيار جميعا لمثل ما قدمناه ولأن الاجماع حاصل، (1) فإذا دخل فيه كان على حسب ما يستقر الشرط فيه، ولا يبطل به عقد النكاح فإن تعلق الشرط بالعقد وبالصداق بطل النكاح. وأما الهبة فيدخلها الخيار إن كانت بغير عوض، أو لم يتصرف الموهوب له فيها، أو لا يكون لولده الاصاغر، فإن لم يكن لشئ من ذلك صح دخوله فيها قبل القبض وبعده. وأما الخلع فمثل أن تقول له طلقني طلقة بمأة فيقول لها طلقتك بها طلقة فلا يكون له خيار في قبض المأة ليكون الطلاق رجعيا. وأما الطلاق والعتق فلا يدخل في واحد منهما الخيار. وأما السبق والنضال (2) فيصح دخول خيار الشرط فيهما فأما خيار المجلس فلا يدخلهما على ما قدمناه. وأما القراض فيصح دخول خيارين فيه. وأما العارية والوديعة فيصح دخول ذلك أيضا فيهما. وأما الوكالة والجعالة فيصح أيضا دخوله فيهما. وأما القسمة فيصح دخول خيار الشرط فيها سواء كانت القسمة فيها رد (3)، أو كانت لا رد فيها، وسواء كان القاسم الحاكم (4) الشريكين أو غيرهما، وأما خيار المجلس فلا يدخل فيها على جميع الوجوه التي ذكرناها.

(1) الظاهر سقط نحو " أما في الصداق وحده ".
(2) النضال الغلبة في الرمي، وفي نسخة " النصال " بالصاد المهملة والمراد واحد (3) بأن لا ينقسم المال متساويين بل متفاضلين فيرد إلى صاحب المفضول ما يتساوى معه سهمهما.
(4) لعل كلمة " أو " ساقطة.

[ 357 ]

وأما الكتابة إذا كانت مشروطة لم يكن للسيد فيها خيار المجلس، فأما خيار الشرط فيصح في ذلك، وأما العبد فله الخيار إن شاء لأنه متى عجز نفسه كان الفسخ حاصلا. وإن كانت الكتابة مطلقة وأدى شيئا من مكاتبته انعتق منه بحساب ذلك ولا خيار لواحد منهما فيها لأنه لا يرد حر في الرق. وإذا كنا قد بينا صحة ثبوت خيار المجلس فليس ينقطع إلا بتفرق أو خيار (1) فأما التفرق الذي يلزم البيع به، وينقطع عنده الخيار فهو مفارقة المجلس بخطوة أو أكثر منها. فإن أقام المتبائعان في مكانهما وثبتا فيه ولو كان زمانا طويلا وبنى بينهما حائط فإن ذلك لا يبطل به خيار المجلس (2). فإن كان بعد العقد فمثل أن يقول أحدهما للآخر بعد العقد وقبل أن يفترقا: اختر الامضاء به، وإن قال الآخر: اخترت إمضاء البيع لزم العقد وانقطع الخيار، فإن سكت ولم يختر الفسخ ولا الامضاء فخيار الساكت باق بحاله ولم يبطل خيار الأول، لأنه إذا ثبت الخيار للواحد منهما ثبت الخيار للآخر لأن رسول الله صلى الله عليه وآله جعل الخيار لهما جميعا (3). وإن كان في نفس العقد فمثل أن يقول: بعتك بشرط أن لا يثبت خيار المجلس بيننا فإذا قال المشتري قبلت ثبت العقد ولم يكن لهما خيار على وجه. فإن قال بعتك بشرط ولم يعين مقدار الشرط كان البيع فاسدا. وإذا ثبت لزوم البيع إما بوقوعه مطلقا أو تنقضي المدة إن كان مشروطا، أو تصرف المشتري فيه بتمليك أو عتق أو هبة، أو ما أشبه ذلك، لزم العقد من جهته ونفذ تصرفه وبطل اختياره ولم يبطل خيار البائع بل هو باق بحاله.

(1) أي تخاير.
(2) الظاهر سقوط نحو " وإما الخيار ".
(3) الوسائل، ج 12، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 2 و 1، ص 345.

[ 358 ]

فإن تصرف البائع فيه بتمليك أو عتق أو هبة أو ما أشبه ذلك كان هذا التصرف منه فسخا للعقد. وإذا كان المبيع في يد البائع وهلك في مدة الخيار كان من ماله دون مال المشتري إذا لم يكن المشتري تصرف فيه، وإذا اختلف البائع والمشتري في حصول إيجاده (1) كان على المشتري البينة بأنها حدثت في مدة الخيار، وهكذا يلزمه إذا اختلفا في حصول إيجاده في العيب الموجب للرد. فإن وطأ المشتري في مدة الخيار لزم البيع ولم يجب عليه (2) فإن أتت الموطوئة بولد لحق به (3) إن لم يفسخ البائع العقد، فإن فسخه كان عليه قيمته ويلحق به، وإن لم تأت هذه الموطوئة بولد وكانت بكرا وجب عليه عشر قيمتها، وإن لم تكن بكرا فنصف عشر قيمتها ويبطل مع ذلك خياره. وأما خيار البيع فليس يبطل بوطء المشتري كان ذلك بعلمه أو بغير علمه إلا أن يثبت رضاه به، وإذا ثبت ذلك وعلم بطل خياره. وإن وطئ البائع في مدة الخيار كان ذلك فسخا للبيع، وقد ذكرنا فيما تقدم أن ما يقع من البائع من التصرف في مدة الخيار، يكون فسخا للعقد، وما يقع منه من المشتري يلزم العقد به من جهته ويبطل خياره، فإن رضيا على إمضاء شيئ من ذلك، أو اتفقا عليه في مدة الخيار مثل بيع المشتري ما اشتراه أو عتقه إن كان مما يصح عتقه، أو ما جرى مجرى ذلك بطل خيارهما جميعا ومضى البيع والعتق أو ما أشبه ذلك مما يتفقان عليه، أو يتراضيان به أو يأذن البيع للمشتري فيه. " في إرث خياري المجلس والشرط " واعلم: إن خيار المجلس أو الشرط يصح كونهما موروثين، فإن مات المتبائعان

(1) أي حدوث الحادثة (2) شيئ، وفي نسخة " لم يحسب عليه ".
(3) في نسختين زيادة كلمة " الواو " هنا والظاهر أنها تصحيف

[ 359 ]

أو واحد منهما كان (1) يتعلق بهما من ذلك موروثا عنه، ولا فرق في ذلك بين أن يكونان حرين، أو مملوكين مأذونا لهما في التجارة، أو أحدهما حرا والآخر مملوكا أو مكاتبا فإن وليه أو سيده يقوم مقامه فيه. فإن عرض له جنون أو إغماء أو خرس في مدة الخيار، وكان الأخرس مما لا يعرف إشارته ولا يحسن شيئا من الكتابة، قام وليه مقامه وفعل ما يكون له فيه الحظ (2) والصلاح في ذلك. وإن كان ممن يفهم إشارته، أو يحسن شيئا من الكتابة كان خياره باقيا، وفعل في ذلك بحسب ما يشير إليه أو يكتب به وإذا تصرف ولي هؤلاء القوم فيما ذكرنا عنهم، ثم زال المرض العارض لهم عنهم، لم يجز لهم الاعتراض عليه، ولا خيار لهم فيه بحال. وإذا أكره المتبائعان على الافتراق من المجلس، ومنعا من الخيار والفسخ لم يؤثر ذلك في خيارهما، ولا يبطله بل يكون ثابتا بحاله، وإذا زال ذلك عنهما كان الخيار لهما في مجلس زواله إذا لم يفترقا منه. وإن لم يمنعا من ذلك ووقع التفرق من غير أن يختار شيئا فقد بطل خيارهما. وإذا كان الوارث لخيار الشرط حاضرا عند موت صاحبه، قام مقامه كما قدمناه، فإن كان قد مضى بعض ذلك (3) كان الباقي له. وإن كان ولده غائبا وبلغه موت صاحبه بعد انقضاء مدة الخيار بطل خياره. ومن باع شيئا بشرط الخيار متى أراد، كان فاسدا، لأنه كان مجهولا. إذا تقابض المتبائعان الثمن والمبيع في مدة خيار المجلس وخيار الشرط وخيار الرؤية كان ذلك جائزا، ويكون الخيار باقيا على حاله.

(1) الظاهر أن كلمة " ما " الموصولة ساقطة هنا.
(2) في نسخة " الخبط " والظاهر أنها تصحيف.
(3) أي بعض زمان الشرط.

[ 360 ]

وإذا باع شيئا معينا وهلك بعد العقد، فإن كان ذلك قبل القبض بطل البيع، ولا فرق في ذلك بين أن يكون هلاكه في مدة الخيار، أو بعد تقضيها، وإن كان البائع قد قبض الثمن كان عليه رده، وإن لم يكن قبضه فقد سقط ذلك عن المشتري. وإن كان هلاكه بعد القبض لم يبطل البيع في يد المشتري أو البائع مثل أن يكون قبضه المشتري ورده إلى البائع وديعة أو عارية. وإذا لم يبطل البيع بما ذكرناه وكان هلاكه في مدة الخيار لم ينقطع الخيار، وإذا لم ينقطع الخيار فلا يخلو من أن يكون المتبائعان يجيزان البيع أو يفسخان أو أحدهما، فإن فسخا سقط الثمن ووجب القيمة على المشتري، وإن أختار (1) إمضاء البيع أو سكتا حتى انقضت مدة الخيار لزمه الثمن دون القيمة، لأن الثمن المسمى، لا يسقط مع بقاء العقد. وإن كان هلاكه بعد تقضي مدة الخيار كان ماضيا على المشتري وعقد النكاح ينعقد ويصح بالايجاب والقبول، ولا اعتبار في ذلك بتقدم الايجاب ولا تأخره فأما البيعان فتصح عقودهما بتقدم الايجاب، فلو قال البائع: قد بعتك هذا الشئ وقال المشتري: قد قبلت. لصح ذلك بغير خلاف، فأما في التأخير فإذا قال المشتري: يعني هذا الشيئ بمأة وقال البائع: قد بعتك، فلا يتم انعقاد العقد حتى يقول المشتري بعد ذلك: اشتريت. فإذا علم بما ذكرنا كيفية انعقاد العقد في البيوع، فجميع ما يقع من الناس على غير هذا الوجه فليس ببيع في الحقيقة، ويجوز الرجوع في كل ما وقع منه كذلك، وإنما يكون واقعا منهم على وجه الإباحة والتراضي، لا على أنه بيع في الحقيقة، ومثال ما ذكرنا أن يدفع الانسان قطعه إلى بقلي فيعطيه بها بقلا، أو على سقاء فيدفع بها إليه شربة من ماء، أو يدفع درهما أو أقل منه أو أكثر إلى خباز فيعطيه

(1) كذا في نسختين ولعل أصلها بصيغة التثنية.

[ 361 ]

بذلك خبزا، ولا يجزي (1) من واحد منهما قول في ايجاب ولا قبول، وكل ما جرى هذا المجرى. ولو إن واحدا منهم أراد الرجوع في ذلك لكان له الرجوع فيه، لأن ذلك ليس ببيع، وقع على عقد صحيح كما ذكرناه. " في خيار الغبن " ومن ابتاع شيئا وظهر له فيه غبن فلا يخلو أن يكون من أهل الخبرة أو لا يكون كذلك، فإن كان من أهل الخبرة لم يكن له رده، وإن لم يكن من أهل الخبرة وكان مثله (2) لم تجر العادة، فسخ العقد إن أراد، وإن كانت العادة جرت بمثله لم يكن له خيار. وإذا قال البائع للمشتري بعتك هذا على أن تنقدني الثمن إلى ثلاثة، فإن نقدتني وإلا فلا بيع لك ثم جاء بالثمن في الثلاث كان البيع له وإن لم يجئ فيها كان البيع باطلا، وروى أصحابنا أنه إذا ابتاع شيئا معينا بثمن معلوم وقال إجيئك بالثمن فإن جاء به مدة الثلاث كان البيع له، وإن لم يأت به في ذلك بطل البيع (3). " باب الربا وما يصح فيه ذلك وما لا يصح ". قال الله تعالى " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " (4) وقال تعالى " يمحق الله الربا ويربى الصدقات ".
(5) وقال الله جل اسمه " وأحل الله البيع وحرم الربا " (6). وروي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال " طرق طائفة من بني إسرائيل عذاب

(1) أي لا يكفي ايجاب البائع فقط أو قبول المشتري كذلك، ويحتمل أن تكون الكلمة " ولا يجرى " بالمهملة، فتكون من تتمة المثال.
(2) أي هذا الغبن.
(3) الوسائل، ج 12، الباب 9 من أبواب الخيار، الحديث 1، ص 356.
(4) و (6) البقرة، الآية 275.
(5) البقرة، الآية 276.

[ 362 ]

فأصبحوا وقد فقدوا أربعة أصناف من الناس الكيالين، والمغنين، والمحتكرين وآكلي الربا (1). وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال " درهم ربا أعظم عند الله من سبعين زنية كلها بذات محرم " (2) والربا محرم في شرع الاسلام، وهو الفاضل من الشيئين إذا كانا من جنس واحد من المكيلات أو الموزونات، وليس يصح الربا إلا فيما كان مكيلا أو موزونا فأما ما كان من غير ذلك فلا يدخل فيه، ومثال ما ذكرنا دخول الربا فيه من المكيلات والموزونات إذا كان الجنس واحدا هو: بيع مثقال من الذهب بمثقال منه وزيادة عليه، ومثل بيع درهم من فضة بدرهم منها وزيادة عليه، وقفيز من حنطة بقفيز منها وزيادة عليه. وكذلك الحنطة مع الشعير لأن جنسهما في الربا عندنا واحد. وفي الزكاة جنسان، فإذا بيع قفيز من حنطة بقفيزين من شعير أو بالعكس كان ربا لما ذكرناه. وما ذكرنا دخول الربا فيه مما يكال أو يوزن، فإن ما كان منه رطبا فإنه يجوز بيعه مثلا بمثل والجنس واحد يدا بيد (3)، ولا يجوز ذلك متفاضلا، وما كان منه يابسا، جاز أيضا بيع بعضه ببعض والجنس واحد متماثلا يدا بيد، ولا يجوز متفاضلا. وأما الإهليلج والبليلج والأملج والسقمونيا وما جرى مجرى ذلك مما يدخل في الأدوية من العقاقير فإن الربا يدخل فيه، لأنه من الموزونات. وأما ما يدخل في الأدوية من الطين (4) الأرمني والخراساني فلا يجوز بيعه لأنه حرام، فلا معنى

(1) المستدرك، ج 2، كتاب التجارة، باب الربا، ص 479 عن دعائم الاسلام.
(2) الوسائل ج 12، الباب 8 من أبواب الريا، الحديث 19، ص 427.
(3) أي نقدا.
(4) في نسخة زيادة " الانى و " ولم يتحقق معناها، ولعلها تصحيف.

[ 363 ]

لذكر دخول الربا. وأما الماء فلا يدخل فيه الربا، لأنه مما لا يكال ولا يوزن. واعلم إن المماثلة شرط في الربا، والمعتبر فيها بعرف العادة فيها بالحجاز على عهد النبي صلى الله عليه وآله، فإن كانت العادة فيه الكيل لم يجز له إلا كيلا في جميع البلاد وما كان في العرف فيه الوزن لم يجز له إلا وزنا في جميع البلاد. فأما المكيال فمكيال أهل المدينة، والميزان فميزان أهل مكة بغير خلاف في ذلك، وما كان مما لا يعرف فيه عادة على عهد النبي صلى الله عليه وآله فإنه يحل على عادة البلد الذي هو فيه، فما عرف منه بالكيل فلا يباع إلا كيلا، وما كان العرف فيه بالوزن فلا يباع إلا وزنا. وأما الخبر فيجوز بيع اللين منه باللين، واليابس باليابس متماثلا غير متفاضل، فأما بيع لينه بيابسه فلا يجوز لا متماثلا ولا متفاضلا فإن كانا من جنسين مثل خبز الحنطة أو الشعير بخبز الارز (1) فيجوز بيعه متماثلا فيه ومتفاضلا. وأما بيع الحنطة بدقيقها فيجوز متماثلا يدا بيد، ولا يجوز نسيئة. وقد ذكر أن الإحتياط يقتضي أن يباع بعض ذلك ببعض وزنا مثلا بمثل، لأن الكيل يقتضي التفاضل من حيث أن الدقيق أخف في الوزن من الحنطة، وهو الصحيح. وإذا كان الواحد منهما يباع كيلا، والآخر وزنا مثل الحنطة والخبز فلا يباع أحدهما بالآخر إلا وزنا، ليرتفع التفاضل بينهما، ويجوز بيع دقيق الحنطة بدقيق الحنطة، ودقيق الشعير بدقيق الشعير والسويق بالسويق، ودقيق الحنطة بالسويق، وخل العنب بخل العنب وخل التمر وخل الزبيب بخل الزبيب وكل ذلك مثلا بمثل ولا يجوز بيعه متفاضلا يدا بيد، ولا نسيئة، ويجوز بيع الحنطة بالسويق وبالخبز وبالفالوذق المتخذ من النشا مثلا بمثل لا متفاضلا يدا بيد، ولا يجوز نسيئة، ويجوز بيع خل العنب والزبيب بخل التمر متفاضلا لأن أصله مختلف. وأما العصير فيجوز بيع بعضه ببعض مثلا بمثل، ولا يجوز متفاضلا هذا إذا

(1) في نسخة " الارزن " بزيادة النون، ولعلها تصحيف.

[ 364 ]

لم يغل الغليان المحرم، فأما إذا بلغ ذلك حرم بيعه جملة، ولم يكن لذكر الربا فيه معنى. وحد الغليان الذي ذكرناه أن يصير أسفله أعلاه. وأما عصير التفاح والسفرجل والعناب والغضب والرمان فأجناس مختلفة لأن أصولها مختلفة. فإن بيع بعض جنس ببعض منه جاز متماثلا ولم يجز متفاضلا، مطبوخا كان أو غير مطبوخ، فإن بيع بعض من ذلك ببعض جنس آخر، جاز ذلك متماثلا ومتفاضلا، مطبوخا كان أو غير مطبوخ. فأما الزيت والشيرج ودهن اللوز الحلو ودهن الجوز والفجل وما أشبه ذلك فيدخل فيه الربا - لأنه إما أن يكون مكيلا أو موزونا - إذا كان الجنس واحدا، فإن بيع بعض جنس ببعض جنس منه، جاز ذلك مثلا بمثل يدا بيد، ولا يجوز التفاضل فيه، فإن بيع بعض منه ببعض جنس آخر مخالف له، جاز ذلك مماثلا ومتفاضلا يدا بيد ولا يجوز نسيئة، وأما دهن البزر والسمك وما أشبههما مما لا يعمل للأكل ولا الطيب يدخل فيه الربا لأنه أيضا إما أن يكون مكيلا، أو موزونا وأما دهن الجوز ودهن اللوز المر، فيدخل فيه الربا لأنه إما أن يكون مكيلا أو موزونا. واسم العسل إذا أطلق كان المراد به عسل النحل، ويجوز بيع بعضه ببعض منه متماثلا يدا بيد، ولا يجوز التفاضل فيه سواء كان فيه شمع أو كان مصفى، وأما ما يتخذ من العنب والسكر وإن سمي بعسل فيجوز بيع الجنس منه بعسل النحل أو بغير جنسه متماثلا، أو متفاضلا يدا بيد. وأما الألبان فهي أجناس مختلفة، فألبان الغنم الاهلي: الضأن منه والمعز منه - فهو جنس واحد، وأما جنس لبن البرى مثل الظبا فهو جنس آخر. وأما البان البقر الاهلي جاموسيا كان أو غير جاموسي فهو جنس واحد وأما لبن البقر الوحشي فهو جنس آخر.

[ 365 ]

وأما لبن الإبل بخاتيا كان أو غير ذلك فهو جنس واحد. فما كان من هذه الالبان جنسه واحدا جاز بيع بعضه ببعض آخر منه مثلا بمثل يدا بيد وإن كان الجنس مختلفا جاز التفاضل فيه يدا بيد، ولا يجوز نسيئة، سواء كان رطبا أو يابسا. وجميع ما يعمل من الالبان مثل السمن والزبد والمصل (1) والأقط وغير ذلك فالحكم فيه كما ذكرنا في اللبن. ويجوز بيع مد، من حنطة ودرهم بمدين من حنطة، أو مدين من شعير ودرهم بمدين من شعير، ومد من تمر أو مدين من تمر. ويجوز بيع درهم وثوب بدرهمين، وبيع دينار وثوب بدرهمين، وبيع دينار وثوب بدينارين وكل ما جرى هذا المجرى يجوز بيعه على ما ذكرناه. والحنطة إذا كانت مبلولة لم يجز بيعها بالجائف منها وزنا مثلا بمثل، لأنه يؤدي إلى الربا من حيث أن المبلول ينقص إذا جف فلا سبيل إلى معرفة مقدار ما فيها من الماء. والفواكه والبقول التي تباع مكيلة أو موزونة يجوز بيع بعضها ببعض ويجوز بيع الرطب بالرطب سواء كان مما يصير تمرا أو لا يصير كذلك. والشلجم والفجل المغروس في الأرض والجزر، يجوز بيع ورقة واصله بشرط التبقية والقطع، ومن اشترى من غيره سلعة بدنانير معينة أو دراهم معينة لم يجز أن يدفع غير ذلك إلا برضاه. " في خيار العيب " فإن اشترى دنانير بدراهم معينة، ودراهم بدنانير أعيانهما، ووجد أحدهما الذي قبضه من جنس غير الجنس المعقود عليه، كان البيع فاسدا مثال ذلك: أن يباع دنانير فتخرج نحاسا، أو يبتاع دراهم فتخرج رصاصا. وعلى هذا لو قال بعتك هذا الثوب على أنه قز فخرج كتانا، أو كتانا فخرج

(1) المصل من اللبن: ما يستخرج منه من الماء والأقط: اللبن اليابس.

[ 366 ]

قزا، أو قال بعتك هذا البغل فخرج حمارا، أو الفرس فخرج بغلا، فإنه إذا كان من الجنس الآخر بطل البيع، فإن كان الكل من غير جنسه، بطل البيع في الجميع وإن كان البعض من غير جنسه بطل البيع فيه ولا يبطل في الباقي كما ذكرناه في تبعيض الصفقة، ويأخذ من الثمن بحصته ويكون مخيرا بين رده وفسخ البيع وبين أن يرضى بحصته من الثمن. هذا إذا كان العيب من غير جنسه، فإذا كان العيب من جنسه مثل أن يكون فضة خشنة أو ذهبا خشنا، أو يكون السكة فيه مضطربة مخالفة لسكة السلطان فذلك عيب وهو مخير بين الرد واسترجاع الثمن وبين الرضا به، وليس له المطالبة ببدل، لأن العقد تناول عينه ووقع عليها ولا يجوز له ابداله، وإن كان العيب في الجميع كان مخيرا بين رد الجميع وبين الرضا به. وإن كان العيب في البعض كان له رد الجميع لوجود العيب في الصفقة و ليس له رد البعض المعيب وأخذ البعض الآخر. وإذا باع دنانير بدنانير أو دراهم بدراهم ووجد عيبا في بعضها من جنسها كان للمشتري رد المعيب بالعيب أو يفسخ العقد، وكل هذا إذا كان قد تبايعا دراهم معينه بدنانير معينة، فإن لم يكونا تبايعا كذلك بل تبايعا في الذمة، فإنه إذا كان تبايعهما كذلك فإما أن تقع مطلقا مثل أن يبيع دينارا بعشر دراهم، أو يقع موصوفا مثل أن يبيع دينارا قاسانيا، بعشر دراهم راضية فإن كانا تبايعا على الوجه الأول المطلق فإما أن يكون نقد البلد الذي تبايعا فيه واحدا غير مختلف، أو يكون مختلفا، فإن كان واحدا غير مختلف يرجع الإطلاق إليه دون غيره ووجب فيه ذلك، وإن كان النقد مختلفا وليس البعض منه بأغلب من بعض، كان البيع فاسدا. وإن كان تبايعا على الوجه الثاني الموصوف كان البيع صحيحا. وإذا كان كما ذكرناه صحيحا لم يجز أن يفترقا حتى يتقابضا، فإن تقابضا ووجد أحدهما فيما قبضه عيبا وكان وجوده لذلك قبل التفرق من المجلس، كان له ابداله سواء كان العيب من جنسه أو من غير جنسه، لأن العقد وقع في الذمة صحيحا بلا عيب فإذا دفع إليه معيبا كان له مطالبته بما في ذمته مما تناوله العقد.

[ 367 ]

وإن كان وجوده لذلك بعد التفرق فإما أن يكون العيب من جنسه أو من غير جنسه فإن كانت من غير جنسه كان الصرف باطلا لأن المتبائعين تفرقا من غير قبض فيما تناوله العقد ثم ينظر فيه، فإن كان ذلك في الجميع بطل عقد الصرف رأسا، وإن كان في البعض بطل في ذلك البعض دون الباقي كما ذكرناه في تبعض الصفقة. وإن كان العيب من جنسه فإما أن يكون في الجميع أو في البعض، فإن كان في الجميع كان له الرد واسترجاع الثمن، والرضا لأنه من جنس ما تناوله العقد وإن أختار أن يبدله بغير معيب كان له ذلك. وإن كان في البعض فله إبدال ذلك البعض، أو فسخ العقد في الكل. يجوز للانسان أن يبيع عشرين دينارا: عشرة منها جيدة وعشرة ردية بعشرين دينارا وسطا من غير تداخل (1) في ذلك:: وكذلك يجوز بيع دينارين أحدهما صحيح والآخر قراضة بدينارين صحيحين أو رديين. ويجوز أيضا بيع درهمين أحدهما صحيح والآخر مكسور بدرهمين صحيحين أو معا مكسورين، فإن باع دينارا جيدا بدينار ردى، كان ذلك جائزا بغير خلاف. ولا يجوز بيع السيوف المحلاة واللجم المحلاة وما جرى مجرى ذلك بما يخالطه فيه الفضة من العروض وبالذهب نسيئة. فإن اشترى شيئا من ذلك بالدراهم نقدا (2) استحب له أن يجعل فيها عرضا فإن كان المتبائعان عالمين بمقدار الفضة التي فيه وكانت الدراهم أكثر منها لم يكن بذلك بأس. فإن جعل المشتري ثمن ما كانت حلية فضة (3) ذهبا، وما كانت حلية ذهب فضة كان جيدا.

(1) كذا في نسختين ولعل المراد: من غير دخول شيئ على أحد العوضين، ويحتمل التصحيف وأن يكون أصلها " من غير تفاضل " كما في المبسوط.
(2) في نسخة " فقد استحب " بدل " نقدا استحب ".
(3) الاضافة بيانية وكذا ما بعدها.

[ 368 ]

فإن كان الشيئ من جنسه وكان أكثر من الحلية، كان الذهب بالذهب الذي في الحلية والفضة بالفضة سواء والفاضل عن ذلك من الثمن يكون ثمنا للعروض. وكذلك إن جعل في الثمن عروضا وكان ما في الحلية من الفضة أكثر من الثمن كان الفضة بالفضة والفاضل من الحلية من العروض (1) التي مع الدراهم. ويجوز أن يبتاع الانسان (2) فضة بيضاء جيدة بفضة سوداء أكثر منها إذا كان مع السوداء (3) شيئ من الفلوس وما جرى مجراها. وكذلك الذهب بالذهب ومع أقلها شئ آخر. وإذا كان الشيئ من الحلي المذهب فيه لؤلؤ وشيئ من الجوهر ولا يمكن تخليصه إلا بضرر يلحق ماله في ذلك، فاشتراه إنسان آخر منه بدينار وهو لا يعلم أن الدينار أكثر من الذهب، لم يصح بيعه، ولا يجوز بيعه بالدراهم نسيئة. ولا يجوز ابتياع الذهب بالذهب، ولا الفضة بالفضة مجازفا يدا بيد ولا نسيئة. ومن اشترى خاتما فضة بفضة وكان الثمن أكثر مما فيه من الفضة كان البيع صحيحا، فإن كان مثله أو أقل كان باطلا. وإذا كان مع إنسان ألف درهم صحاحا يريد أن يشتري بها أكثر منها مكسرة وزنا فاشترى بالصحاح ذهبا ثم اشترى بالذهب مكسرة أكثر من الصحاح كان جائزا إذا تقابضا وافترقا بالأبدان، ولا فرق بين أن يكون ذلك مرة أو أكثر منها. والتفرق بالأبدان لا بد منه، فإن لم يفترقا وخير أحدهما الآخر في إمضاء البيع أو فسخه، فإن أختار الامضاء لزم البيع وبطل الخيار، وقام التخاير مقام التفرق إلا أنه ينبغي أن يكون التخاير بعد التقابض، فإن افترقا قبل التقابض بطل الصرف وإن تقابضا ولم يفترقا ولم يتخايرا ثم اشترى منه بالذهب الذي قبضه، دراهم مكسرة

(1) أي الفاضل من الحلية كان مقابل العروض.
(2) في نسختين " الالبان " بدل " الانسان " والظاهر أنها تصحيف.
(3) كذا في نسختين، والظاهر أنها تصحيف والصحيح " البيضاء " بدل " السوداء ".

[ 369 ]

كان الشراء صحيحا، لأنهما إنما شرعا في البيع فانقطع خيارهما، ألا ترى إنا قد بينا أنه إذا تصرف فيه أو أحدث المشتري فيه حدثا، فقد بطل خياره، وقد حصل التصرف هاهنا فيها فبطل خيارهما وكان الشراء الثاني صحيحا. وإذا باعه قبل التخاير أو التصرف من غير بائعه لم يصح ذلك، لأن حق الخيار للبائع، هذا إذا كان المشتري قد اشترى من البائع دراهم. فأما إذا لم يكن ذلك، وأقرضه الصحاح التي معه واقترض (1) منه مكسرة أكثر منهما، ثم أبرء كل منهما صاحبه كان ذلك جائزا. وهكذا إذا وهب كل واحد منهما لصاحبه ما معه واقبضه، فإنه أيضا يكون جائزا، وهكذا إذا باع الصحاح بوزنها مكسرة ووهب له الفضل من المكسرة كان جائزا. وإذا كان للانسان على غيره خمسة دنانير، فدفع إليه خمسة عددا فوزنها القابض لها فكانت ستة دنانير، فإن الدينار الزائد للقابض مشاعا فيها، ولا يكون مغصوبا على القابض من أجل أنه أخذه عوضا، بل يكون بمنزلة الأمانة في يده، فإذا كان كذلك فإن أراد، استرجع منه دينارا وإن أراد هبة وهبها له، وإن أراد اشترى منه عوضا به، وإن أراد أخذ به دراهم ويكون ذلك صرفا. ولا يجوز أن يفارقه قبل أن يقبض الدراهم، فإن أراد، جعله ثمنا لموصوف في ذمته إلى أجل سلما اثنان، مع أحدهما دينار قيمته عشرون درهما، والآخر معه عشرة دراهم، فإن أراد أن يشتري الدينار منه بعشرين درهما، فاشترى نصف دينار بعشرة وسلم العشرة إليه وقبض الدينار منه فيكون نصفه عن بيع ونصفه وديعة في يده، إن تلف لم يضمن. ثم استقرض منه العشرة التي سلمها إليه واشترى منه بها النصف الباقي من الدينار صح ذلك، ويصير جميع الدينار للمشتري، والبائع قد استوفى جميع الثمن وله على المشتري عشرة دراهم قرضا.

(1) في نسختين " اقرض " ولعلها تصحيف.

[ 370 ]

فإن لم يفعل ما ذكرنا واشترى جميع الدينار بعشرين درهما ودفع إليه العشرة التي معه ثم استقرضها منه وقضاه بها (1) له من العشرة في ذلك المجلس كان ذلك أيضا جائزا. إذا كان مع إنسان تسعة عشر درهما واشترى دينارا بعشرين درهما ولم يقرضه الآخر فالعمل في ذلك أن يفاسخه الصرف ثم يشتري منه بقدرها (2) فيكون جزء من عشرين جزئا من الدينار في يده مقبوضا عن وديعة، والباقي عن الصرف وإذا كان هذا، عمل في الجزء الزائد بمثل ما قدمناه من العمل في الدينار (3) في المسألة المتقدمة سواء. فإن لم يفاسخه غير أنه قبض الدينار ثم فارقه ليوفيه الدرهم الباقي من التسعة عشر، فإن الصرف ينفسخ في قدر الدرهم ولا ينفسخ في الباقي. وإذا اشترى إنسان من غيره عشرين درهما نقرة بدينار فقال له إنسان آخر: ولنى نصفها بنصف الثمن صح ذلك والتولية بيع. ولو قال له: اشتر عشرين درهما نقرة بدينار لنفسك وولني نصفها بنصف الثمن لما جاز ذلك لأنه إذا ابتاعها لنفسه وولاه ذلك، كانت التولية بيعا من الغائب وذلك فاسد. إذا قال إنسان لصائغ صغ لي خاتما من فضة، وأنا أعطيك وزنه فضة، وأجرة صياغتك وعمل الصائغ الخاتم لم يجز أن يفعلا ذلك، وكان الخاتم باقيا على ملك الصائغ لأنه شراء فضة مجهولة بفضة مجهولة، وافترقا قبل التقابض وذلك مفسد للبيع، وإذا أراد بعد صياغة الخاتم أن يشتري اشتراه شراء مستأنفا بغير جنسه كيف أراد، أو بجنسه مثل وزنه. فعلى هذا لا يصح إذا اشترى ثوبا أو ما جرى مجراه بمأة دينار إلا درهما، أو

(1) كذا في النسختين ولعلها تصحيف والصحيح " بماله ".
(2) في نسخة " بغيرها " وفي أخرى " بعشرين " بدل " بقدرها " والظاهر تصحيفهما والصحيح ما أثبتناه كما في المبسوط.
(3) في نسخة زيادة " الزائدة ".

[ 371 ]

بمأة درهم إلا دينارا وكان باطلا، لأن الثمن مجهول من حيث أنه لا يعلم كم الدرهم من الدنانير ولا حصة الدينار من الدراهم إلا بالتقويم والرجوع إلى أهل الخبرة. فإن استثنى من الجنس فباع بمأة دينار إلا دينارا أو مأة درهم إلا درهما كان البيع صحيحا، لأن الثمن حينئذ يكون معلوما وهو الباقي بعد الاستثناء إذا باع ثوبا بمأة درهم صرف عشرين درهما بدينار كان الشراء باطلا لأن الثمن غير معين ولا موصوف بصفة يصير معلوما بها. وإذا اشترى إنسان من غيره ثوبا بنصف دينار وجب عليه شق دينار، ولا يلزمه ذلك من دينار صحيح. وهكذا إذا اشترى منه ثوبا آخر بنصف دينار لزمه نصف آخر مكسور ولا يلزمه دينار صحيح لأن نصف دينار يقتضي ذلك مفردا فإن دفع إليه دينارا صحيحا كان جائزا لأنه يكون قد زاده جزاء. فإن شرط في البيع الثاني أن يدفع إليه عن البيع الأول والثاني دينارا صحيحا حتى يزيد في ثمن الثوب الأول فيجعل المكسور من دينار صحيح فهذه الزيادة لا تلحق بالأول لثبوته وإبرامه، ولأن الزيادة مجهولة وإذا لم تلحق بالأول لم تثبت في الثوب الثاني لأن ذلك مجهول فكان باطلا. وإن لم يكن البيع الأول قد لزمه ولا انقطع الخيار، فالخيار باق بينهما فقد بطل الأول، ولم يصح الثاني لأن زيادة الصفة منفردة عن العين مجهولة لم يصح ولا يلحق بالثمن فلم يثبت وإذا لم يثبت هذه الزيادة معه ولم يرض بأن يكون نصف دينار ثمنا للواحد، حتى يكون هذه الزيادة معه في ثمن الثوب الآخر فكان الثمن مجهولا فلا يصح. وإذا ابتاع إنسان من غيره ثوبا بعشرين درهما واحضره عشرين درهما صحاحا وزنها عشرون درهما ونصف، فقبض وأخذ بنصف درهم فضة، كان جائزا. فإن كان قد شرط ذلك في أصل بيع الثوب كان البيع فاسدا، لأنه شرط عليه

[ 372 ]

بيع نصف درهم وهذه بيعتان (1) وذلك غير صحيح. واعلم أن الربا لا ينعقد بين الوالد وولده، والسيد وعبده، والحربي والمسلم، والمرأة وزوجها. وينعقد بين من خالف هؤلاء، وعلى ما ذكرنا يجوز أن يعطى كل من ذكرنا من صاحبه الدرهم بدرهمين والدينار بدينارين وكذلك في كل موزون ومكيل. واللحوم فيها أجناس مختلفة فلحم الغنم - الضأن منها والماعز، - فهو جنس واحد، ولحم البقر الإنسي - جواميسها وغير جواميسها - جنس واحد، ولحم البقر الوحشي جنس واحد. ولحم الإبل - عرابها وبخاتيها وغير ذلك منها - فهو جنس ولحم القطا جنس واحد، ولحم الكراكي (2) جنس واحد ولحم الحبارى (3) جنس واحد. ولحم الحمام جنس واحد، ولحم القماري (4) جنس واحد. ولحم الحجل (5) جنس واحد، ولحم الدراج جنس واحد، ولحم الطيهوج (6) جنس واحد، ولحم الدجاج الحبشي وغير الحبشي جنس واحد، ولحم العصافير جنس واحد. وأما السمك فكل ما اختص منه باسم فهو جنس واحد. وكل جنس مما ذكرنا من اللحوم فإنه يجوز بيعه بجنس آخر مثلا بمثل ومتفاضلا رطبين كانا، أو يابسين، أو كان أحدهما رطبا والآخر يابسا.

(1) أي صار هذا البيع بيعين، وقد نهي عن بيعين في بيع راجع الوسائل، ج 12، الباب 2 من أبواب أحكام العقود، الحديث 4 و 5.
(2) الكراكي: طائر كبير من فصيلة الكركيات قليل اللحم طويل العنق والرجلين (3) الحبارى: طائر أكبر من الدجاج الأهلي يضرب به المثل في البلاهة.
(4) القماري بالفتح ضرب من الحمام حسن الصوت.
(5) الحجل بالفتحتين طائر في حجم الحمام أحمر المنقار والرجلين، يستطاب لحمه (6) الطيهوج: طائر أخضر، طويل الرجلين والرقبة، ابيض البطن والصدر، من طيور الماء.

[ 373 ]

فأما بيع بعض جنس الواحد ببعض الآخر منه فيجوز مثلا بمثل. ويجوز بيع المطبوخ بعضه ببعض، وكذلك ما كان مشويا. ويجوز بيع المشوى بالمطبوخ، والمطبوخ بالنيئ (1)، والنيئ بالمشوي. ولا يجوز بيع اللحم بالحيوان إذا كان الجنس واحدا، مثل أن باع شاة بلحم شاة، أو بقرة بلحم بقرة، أو جملا بلحم جمل أو لحم جمل (2) بلحم شاة أو لحم شاة بلحم غنم وهكذا جميع ما يجرى هذا المجرى لأنه لا يؤمن الربا فيه. ويجوز بيع دجاجة فيها بيض ببيض، وبيع سمكة حية بلحم بقرة أو شاة، أو ما أشبه ذلك. " باب أحكام العقود " كل عقد انعقد في نخل من بيع أو إجارة أو نكاح أو مخالعة أو مصالحة وكان النخل قد ابر (3) فإن الثمرة تكون للمالك الأول دون الذي انتقل ملك النخل إليه وإن لم يكن أبره كانت الثمرة للذى انتقل ملك النخل إليه دون المالك. فإن انتقل ملك النخل من غير عقد معاوضة ومثاله أن يبتاع الانسان من غيره نخلة حائلا (4) فتطلع في ملك المشتري ثم تفلس (5) بالثمن ويرجع البائع بالنخلة فليس له الرجوع عليه بالطلع. وإذا طلعت النخلة في يد زوجة رجل وطلقها قبل الدخول بها رجع إليها بنصف النخلة دون الطلع.

(1) النيئ من اللحم: الذي لم تمسه النار أو لم ينضج.
(2) كذا في نسختين والظاهر أنها تصحيف، ولعل أصلها " حمل " بالإهمال والتحريك وهو الخروف إذا بلغ ستة أشهر.
(3) تأبير النخل هو تلقيحه.
(4) في نسختين " حاملا " والظاهر أنها تصحيف والصحيح ما أثبتناه كما في المبسوط وكذا فيما تأتي بعد أسطر. وتطلع النخلة: أي صارت ذات طلع.
(5) أي صار المشتري مفلسا في أداء الثمن.

[ 374 ]

فإن رهن إنسان نخلة (1) قبل التأبير لم يدخل الطلع في الرهن لأن عقد الرهن لم يتناول الطلع، وإنما يتناول غيره ومن وهب نخلة مطلعة قبل تأبيرها، وسلمها لم يدخل الطلع في الهبة. وإن وهب نخلة حائلة وكان ممن له الرجوع في هذه الهبة، واطلعت في يد الموهوب له ورجع الواهب فيها لم يكن له الرجوع في الطلع لأنه حصل في يد الموهوب له. والنخل إذا كان في بستان وفيه ما قد ابر وفيه ما لم يؤبر وباع المؤبر لانسان، والثاني لغير ذلك الانسان، كانت ثمرة المؤبر للبائع، وثمرة ما لم يؤبر للمشتري. فإذا طلع نخل البستان وابر منه نخلة واحدة فليس يصير الباقي بذلك في معنى المؤبر، فإن باع هذه النخلة الموبرة، كانت ثمرتها للبائع، فإن باع غير الموبرة كانت ثمرتها للمشتري، ولم يتعد حكم الموبر إلى ما لم يوبر. وإذا تشقق طلع النخلة وظهرت الثمرة بالرياح الواقح، وهو أن يكون فحول النخلة في جهة الصبا في وقت الأيار (2) فإن الاناث تتأبر بذلك (3). وإذا باع نخلة من الفحول مطلعه كان طلعها للبائع دون المشتري سواء تشقق أو لم يتشقق. واعلم أن القطن يختلف ففيه ما يكون له أصل يبقى سنين يحمل في كل سنة، وذلك يكون بارض الحجاز والبصرة، وفيه ما لا يكون كذلك، فإذا باع إنسان شيئا مما ذكرنا أن أصله يكون ثابتا وكانت جوزقة (4) قد خرجت وتشققت كان القطن للبائع

(1) في نسخة زيادة " مطلعة ".
(2) أيار بفتح الهمزة والتشديد: شهر قبل حزيران وهو أحد فصول السنة بعد نيسان. والصبا هو الريح.
(3) الظاهر سقوط الجواب وهو كما في المبسوط: " فإن كان فيها فحول نخل بعد أن تؤبر الاناث منها فثمرتها للبائع ".
(4) المراد بها حمل القطن الشبيه بالجوز.

[ 375 ]

إلا أن يشترط المبتاع ذلك لنفسه، فإن لم يكن جوزقة خرجت، أو خرجت ولم تتشقق فأنه يكون للمشتري. وإما يكون من القطن زرعا وهو الذي لا يكون له أصل ثابت مثل ما يكون منه بخراسان والعراق وغير ذلك من البلدان المخالفة للحجاز والبصرة، فإنه إذا باع الأرض وفيها شيئ من هذا القطن وكان زرعا أو جوزقا لم يشد فهو للبائع إلا أن يشترطه، وإن كان قد قوى وتشقق وظهر القطن كان للبائع أيضا إلا أن يشترطه المشتري فيكون له، وإن كان جوزقا قد قوى واشتد ولم يتشقق ولم يظهر القطن كان للبائع. وكانت الأرض للمشتري. فإن شرط المشتري أن يكون القطن له كان هذا الشرط باطلا. وكذلك إذا باع أرضا وفيها حنطة قد أخرجت سنابل واشتدت وشرط السنابل للمشتري كان هذا الشرط في الحنطة باطلا، وغير باطل فيما عداه (1) من الأرض. فأما ما يخالف النخل والقطن من الأشجار الثابتة التي تحمل في كل سنة، فمنها ما يخرج ثمرته في غير ورود وأكمام، وفيها ما يخرج في ذلك، فأما الأول فهو مثل التين والعنب فإن باع إنسان أصل شيئ من ذلك وكانت الثمرة قد خرجت فهي للبائع إلا أن يشترطها المشتري فإنها تكون للمشتري فيكون له بالشرط فإن كانت لم تخرج وقد خرج في ملك المشتري فإنها تكون للمشتري دون البائع. فأما ما يخرج ثمرته في ورد، فإن كان باع شيئا من أصول ذلك وقد خرج الورد وتناثر وظهرت الثمرة كانت للبائع إلا أن يشترطها. فإن لم يتناثر وردها ولم تظهر الثمرة ولا بعضها فهي للمشتري وأما ما يخرج في كمام مثل الجوز وغيره مما دونه قشر يستره إذا ظهرت ثمرته، فإن الثمرة للبائع إلا أن يشترطها المشتري. فأما ما يكون وردا بغير ثمرة مثل شجر الياسمين والنسترن والبنفسج والورد والنرجس وما جرى مجرى ذلك مما يبقى أصله في الأرض ويحمل حملا بعد حمل فإنه إذا باع شيئا من أصله وكان ورده قد تفتح كان للبائع، وإن لم يكن قد تفتح فهو للمشتري.

(1) الظاهر أن الضمير يرجع إلى الشرط أي أن البيع في نفس الأرض صحيح.

[ 376 ]

وإذا باع شيئا من شجر التوت وكان ورقه قد خرج فهو للمشتري ولا شيئ للبائع لأن الورق يجرى مجرى الاغصان. ومن باع أرضا وكان فيها زرع له عروق يبقى، ويجز مرة بعد مرة، نظر فيه فإن كان مجزوزا كان للمشتري وما ينبت (1) في ملكه، وإن لم يكن مجزوزا وكان ظاهر كانت الجزة الأولى للبائع والثانية للمشتري لأنها نبتت في ملكه. وإذا عطشت أصول الشجرة كان للمشتري سقيها ومؤنة السقى عليه ولا يجوز للبائع لهذه الشجرة منعه من ذلك. فإن عطشت الثمرة على ملك البائع كان له سقيها، ومؤنة السقى عليه دون المشتري وليس للمشتري منعه من ذلك. فإن كان سقى الأصول يضر بالثمرة، أو سقى الثمرة يضر بالاصول ووقعت المشاحة بينهما في ذلك، فسخ العقد بينهما وقد ذكر أن الممتنع من ذلك يجبر عليه. ومن باع أرضا وفيها شجر وبناء وقال للمشتري بعتك هذه الأرض بحقوقها دخل البناء والشجر في البيع. وإن لم يقل بحقوقها لم يدخل ذلك في البيع. وقولنا " بستان " بالإطلاق اسم للارض والشجر، فإن قال بعتك هذا البستان دخل في ذلك الشجر مع الأرض. وقولنا " قرية " اسم يقع على البيوت دون مزارعها. فإن قال بعتك هذه القرية بحقوقها لم يدخل المزارع في البيع إلا بالتسمية مثل أن يقول: ومزارعها، فإن لم يقل ذلك لم يدخل المزارع في البيع. فإن كان في بيوت القرية شجر وقال بعتك هذه القرية بحقوقها دخلت الأشجار التي من البيوت في البيع لأنها من حقوق القرية.

(1) أي ما ينبت فيما بعد يكون في ملكه، وفي نسختين " ما يثبت " ولعلها تصحيف، أو يكون " ما " نافية، فيكون المراد أن المجزوز لا يثبت ولا يبقى في ملك البائع بعد أن كان في ملكه قبل البيع.

[ 377 ]

وقولنا " دار " اسم للارض والبنيان، فمن باع دارا قال بعتك هذه الدار بحقوقها وكان فيها شجر، كان الشجر داخلا في البيع لأن الشجر من حقوقها. فأما البنيان فيدخل في البيع جميع ما كان من الحيطان والسقوف والدرج المعقودة والأبواب المنصوبة. وما كان فيها من سلم ينقل من مكان إلى آخر لم يدخل في البيع وإن كان مسمرا (1) دخل فيه. وإذا كان فيها خوابي (2) مدفونة دخلت في البيع لأنها تجري مجرى الخزائن فإن كان فيها من الحجارة أو الاجر أو اللبن ما هو مدفون ويخرج للبناء لم يدخل في البيع، والاغلاق والمفاتيح والبئر وما فيها من الحجر والآجر (3) يدخلا في البيع والبئر والماء الذي فيها مملوكان إلا أن هذا الماء وإن كان مملوكا فإنه لا يصح بيعه، وإذا لم يصح بيعه لم يدخل في البيع وإن كان مملوكا. والمياه التي تجري في الانهار مثل النيل والفرات والدجلة وما جرى مجرى ذلك غير مملوكة ولا يصح بيع شيئ منها إلا بالحيازة فإذا حاز الانسان منها شيئا جاز وصح بيعه، وأما قبل الحيازة فلا يصح ذلك وهكذا الحكم فيما يجرى منها إلى ملك الانسان في أنه لا يملكه إلا بالحيازة. وما كان من معادن الذهب، أو الفضة أو ما جرى مجرى ذلك فإن الجامد من أجزاء الأرض المملوكة، مملوك ويصح بيعه معها، والنخل إذا لم يؤبر وباع مالكه منه شيئا فقد قلنا فيما تقدم إن ثمرته للمشتري، فإن هلكت هذه في يد البائع قبل التسليم كان المشتري مخيرا بين فسخ البيع لهلاك المبيع وبين إمضائه في الأصول

(1) بالمسمار.
(2) الخابية جمعها الخوابي: الجرة وهي إناء من خزف له بطن كبير وعروتان وفم واسع.
(3) في نسخة زيادة " لم " الجازمة.

[ 378 ]

بجميع الثمن أو بجنسه (1). وإذا باع السيد عبده وقطعت يد العبد قبل تسليمه وقبض المشتري له، كان المشتري مخيرا بين فسخ البيع لنقصان المبيع وبين إمضائه بجميع الثمن لأن الثمن لا يصح انقسامه على هذه الأطراف. وإذا باع إنسان أرضا وفيها زرع ظاهر بيعا مطلقا وكان الزرع مما يحصد مرة واحدة مثل الحنطة والشعير وما جرى مجرى ذلك فقد ذكرنا أن الزرع يكون للبائع، فإذا كان كذلك فله أن يبقيه في الأرض إلى أوان الحصاد، ولا يلزمه أجرة المثل للمشتري، فإن حصده قصيلا (2) وأراد أن ينتفع بالأرض إلى أوان الحصاد لم يكن له ذلك. فإن كان له فيها زرع من غير الحنطة وحصده في أوان الحصاد وكان له عروق يضر بقائها بالأرض، وجب عليه نقلها، فإن نقلها صارت الأرض بذلك حفرا وجب عليه إصلاحها وتعديلها، وإن لم يبق له عروق يضر بها لم يلزمه ذلك. ومن باع دارا وله فيها رحل أو متاع أو قماش وجب عليه نقله منها وتفريغها له من ذلك، فإن كان فيها ما لا يخرج من بابها مثل الخابية والحب وما أشبه ذلك فإنه يجب عليه هدم الباب واخراجه وبناء الباب كما كان، ولا يلزم المشتري في ذلك شيئ. فإن غصب غيره بهيمة صغيرا أو فصيلا (3) وأدخله داره وبقي فيها حتى كبر وطلبه مالكه ولم يخرج من بابها وجب عليه هدم الباب واخراجه، ولم يلزم مالك البهيمة ولا الفصيل في ذلك شيئ لأنه متعد. فإن لم يكن البيع مطلقا أو باع الأرض مع الزرع وكان الزرع لم يسنبل، ويشتد، فهما في المبيع سواء، والشرط في ذلك صحيح، ويكون الأرض والزرع جميعا للمشتري.

(1) كذا في نسختين ولعلها تصحيف وأصلها " بحصته " كما في المبسوط.
(2) القصيل: ما يجز أخضر لعلف الدواب.
(3) الفصيل: ولد الناقة أو البقرة إذا فصل عن أمه.

[ 379 ]

وإن كان الزرع قد سنبل واشتد الحب جاز بيعه منفردا. وإذا كان الزرع مما لا يحصد مرة واحدة، بل هو مما يحصد مرة بعد أخرى مثل الكرفس (1) والهندباء (2) والنعناع وما أشبه ذلك من البقول وكان قد جز جزة أولى، كانت العروق داخلة في بيع الأرض لأنها من حقوقها، وإن كانت لم تجز الجزة الأولى كانت هذه الجزة للبائع، والباقي للمشتري. وإذا كانت الجزة الأولى للبائع وجب عليه جزها في وقت البيع، وليس له تركها إلى أن يبلغ أوان الجزاز لأن ذلك يؤدي إلى اختلاط حق البائع بحق المشتري لأن الزيادة التي تحصل للمشتري تنبت مع أصوله التي ملكها بالبيع. فإن باع أرضا قد غرس فيها غرسا، أو بذر فيها بذرا لما يبقي أصوله حملا بعد حمل - مثل نوى الشجر وبذر القت، (3) وما جرى مجرى ذلك مما يجز دفعة بعد أخرى كان ذلك داخلا في البيع لأنه من حقوقه. فإن باع الأرض بيعا مطلقا وفيها بذر لما يحصد مرة واحدة مثل الحنطة والشعير لم يدخل ذلك في البيع وإذا لم يدخل في البيع وكان المشتري عالما بهذا البذر، كان البيع ماضيا عليه ولم يكن له خيار فيه لأنه قد رضي بضرره، ووجب عليه تركه إلى وقت الحصاد، وإذا لم يكن عالما به كان مخيرا بين فسخ البيع وبين إمضائه بجميع الثمن لأن النقص الذي في الأرض - بترك الزرع إلى أوان الحصاد - ليس مما يتقسط الثمن عليه، وإنما هو عيب محض فله الخيار فيما ذكرناه. وإن شرط البائع نقل ذلك في مدة يسيرة لم يكن للمشتري خيار في ذلك لزوال العيب بهذا النقل. وإن لم يبع الأرض بيعا صحيحا مطلقا وباعها مع البذر كان البيع صحيحا.

(1) بفتحتين فالسكون.
(2) الهندباء يقال بالفارسي كأسني.
(3) القت: الرطب من علف الدواب.

[ 380 ]

" باب بيع الثمار " بيع الثمرة على ضربين، إما أن يكون بيعا لسنة واحدة، أو سنتين فصاعدا، فإن كان لسنة واحدة فهو على ثلاثة أضرب، إما أن يكون لما بدا صلاحه، أو لما بدا صلاح بعضه، أو لما لم يبد صلاح شيئ منه جملة، فإن كان لما بدا (1) بعضه أيضا كان البيع صحيحا، وإن كان لما لم يبد صلاح شيئ منه جملة فإما أن يكون المبيع يضم مع الثمرة غيرها من الخضر من تلك الأرض أو غيرها، أو لا يكون يضم مع ذلك شيئ فإن كان يضم معها غيرها كان البيع صحيحا فإن كان لم يضم مع ذلك شيئا كان البيع فاسدا. وإن كان البيع لسنتين أو أكثر فهو على ثلاثة أضرب إما أن يكون بدا صلاح ذلك، أو بدا صلاح بعضه، أو لم يبد صلاح شيئ منه وعلى الثلاثة الأضرب يكون البيع صحيحا. بخلاف البيع في السنة الواحدة لأنها إن خاست (2) في سنة زكت في الأخرى على الأكثر في مجرى العادة. وحد بدو صلاح الثمرة في النخل احمرار (3) البسر، أو تغيره وفي الفاكهة انعقادها بعد شموط (4) وردها عنه.

(1) الظاهر أن في العبارة سقطا والصحيح " صلاح جميعه كان البيع صحيحا، وكذا إذا كان لما بدا صلاح ".
(2) خاست: أي فسدت وتغيرت.
(3) في نسخة " اصفرار ".
(4) شمط الشجر: انتثر ورقه: وفي نسخة " سقوط " بدل " شمول "

[ 381 ]

وفي الكرم (1) انعقاد الحصرم، وفي البطيخ حصول النضج فيه. وفي القثاء والخيار أن ينتهي كبر بعضه. وإن كانت الثمار مختلفة أو غير مختلفة وهي في بستان واحد وبدا صلاح بعضها يصح بيع الجميع. وإن كانت أجناسا مختلفة. وإذا كانت في بساتين وظهر صلاحها في البستان الواحد ولم يظهر في الآخر لم يصح بيع شيئ من ثمار البستان الذي لم يبد صلاح شيئ من ثمرته، ولا يضم مع ثمار البستان الآخر لأن لكل بستان حكم نفسه. والأرض إذا كان فيها أصول القثاء والبطيخ والخيار والباذنجان وقد حملت وباع شيئا من ذلك فعلى ضربين إما أن يكون باع الحمل الظاهر منفردا أو يكون باعه مع الأصول، وإن كان باع الحمل الظاهر دون الأصول وكان قبل بدو صلاحه لم يجز بيعه إلا بشرط القطع فإما مطلقا، أو بشرط التبقية إلى أوان اللقاط والبلوغ فلا يصح، فإن كان قد بدا صلاحه جاز بيعه بشرط القطع والتبقية إلى أوان اللقاط والبلوغ ويجوز أيضا بيعه مطلقا من غير شرط. وإذا كان قد اشتراه ولقطه فقد استوفى حقه، فإن تركه حتى اختلط بحمل حادث بعده وكان الحملان يتميزان، كان الأول للمشتري والثاني للبايع. وإن لم يكن ذلك متميزا قيل للبائع: سلم الجميع إلى المشتري، فإن فعل أجبر المشتري على قبوله ومضى البيع لأنه زيادة، وإن امتنع البائع من ذلك وفسخ البائع (2) من ذلك فسخ البيع. وإذا باع إنسان ثمرة بستان واستثنى من ذلك نخلات معينة، أو أرطالا معلومة كان البيع صحيحا وإن استثنى ما لم يعينه لم يصح البيع: فإن قال للمشتري: بعتك هذه الصبرة إلا مكوكا (3) كان البيع صحيحا لأن ذلك معلوم وإن قال بعتك هذا

(1) الكرم: العنب، والحصرم أول العنب.
(2) في المبسوط: فسخ الحاكم البيع.
(3) المكوك كرسول: المد وقيل: الصاع.

[ 382 ]

الثوب بدينار إلا درهما لم يصح البيع لأن الدرهم ليس من جنس الدينار ولا معلوم كم هو منه في حال انعقاد البيع فإن قال بعتك هذه الثمرة بأربعة آلاف إلا (1) ما يخص ألفا منها كان البيع صحيحا، ويكون المبيع منها نصفها وربعها لأن الذي يخص ألفا منها ربعها. وإن قال بعتكها بأربعة آلاف إلا ما يساوي ألفا منها بسعر اليوم لم يصح ذلك، لأن ما يساوي ألف درهم من الثمرة لا يعلم قدره فيكون مجهولا. فإن باع ثمرتها على رؤس النخل بعد بدو الصلاح بشرط القطع ولم يقطعها وأصابتها جائحة (2) نظر فيها، فإن كان قبل التسليم فإن هلك الجميع بطل البيع ووجب على البائع رد الثمن على المشتري، فإن هلك البعض انفسخ البيع في الهالك دون الباقي ويأخذ بحصته من الثمرة. وإن كانت الهلاكة بعد التسليم لم ينفسخ البيع. وإذا باع شاة واستثنى جلدها أو رأسها أو كارعها (3) في سفر كان أو حضر لم يصح البيع وإن فعل ذلك كان له مقدار الجلد والرأس وما يستثنيه من اطرافها. وإذا هلك المبيع قبل القبض وكان ثمرة مجذوذة مقطوعة على الأرض - فإن القبض فيها، النقل لأنها مما ينقل ويحول - فإن فيها الأربعة الأقسام التي سلف ذكرها. وإن كانت على رؤس الشجرة - والقبض فيها التخلية بينها وبين المشتري - فإذا هلك قبل ذلك، فيها أيضا الأربعة الأقسام السالف ذكرها وإن كان هلاكه بعد التخلية قبل الحصاد كانت من مال المشتري لأن بالتخلية تكون مقبوضة وهلاك المبيع بعد القبض غير مؤثر في صحة البيع بغير خلاف في ذلك. وإن كان المبيع غير ثمرة مثل الحيوان، أو العقار والعروض وما جرى

(1) الاستثناء راجع إلى المبيع.
(2) الجائحة: الآفة التي تهلك الثمار.
(3) الكراع من الدواب: ما دون الكعب، أي الساقي والذراع.

[ 383 ]

مجرى ذلك فهلاكه لا يخلو من أن يكون بأمر سماوي أو بإهلاك البائع، أو أجنبي، أو المشتري. فإن كان سماويا انفسخ البيع لأن الاقباض فيه غير متمكن، فإن كان المشتري قد سلم الثمن إلى البائع وجب رده عليه وإن لم يكن سلمه إليه فقد برء منه ولم يلزمه منه شيئ على كل حال. وإن كان البائع اهلكه انفسخ البيع أيضا لمثل ما قدمناه من أن الاقباض فيه غير ممكن. وإن كان الأجنبي اهلكه كان المشتري مخيرا بين فسخه واسترجاع الثمن إن كان قد سلمه وبين إمضاء البيع والرجوع عليه بالقيمة، لأن الأجنبي يصح الرجوع بذلك عليه. فإن كان المشتري اهلكه لم ينفسخ البيع وكان ماضيا ولازما له ويكون إهلاكه كذلك بمنزلة قبضه له. " بيع المحاقلة والمزابنة " ولا يجوز بيع المحاقلة - وهو بيع السنابل التي قد انعقد الحب فيها واشتد، بحب من ذلك السنبل وقد ورد في بعض الأخبار جواز بيعه بحب من جنسه (1) والأحوط ما ذكرناه لأنه إن بيع بحب من جنسه كان مؤديا إلى الربا وذلك باطل. ولا يجوز بيع المزابنة وهو بيع الثمرة على رؤس الشجر بثمر منه، وقد ذكر جواز بيعه بثمر موضوع على الأرض، والأحوط ما ذكرناه لمثل ما تقدم ذكره في السنبل من كونه مؤديا إلى الربا. وإذا تبايع اثنان بطيخا أو قثاء مجموعا فقال أحدهما للآخر: عد بطيخك

(1) الوسائل، ج 13 الباب 12 من أبواب بيع الثمار، الحديث 1 و 2، ولعل الأول دل بإطلاقه.

[ 384 ]

أو قثائك المجموع فإن نقص عن مأة كان على تمامه، وإن زاد فهو لي، أو قال له: اطحن حنطتك هذا فما زاد على كذا، فلى وما نقص كان على تمامه لم يجز ذلك وكان باطلا. وإذا قال له: أنا أضمن لك صبرتك هذه بخمسين صاعا فما زاد على ذلك فلى، وما نقص فعلى إتمامها، لم يجز ذلك. " بيع العرية ". ويجوز بيع العرايا بخرصها تمرا، والعرايا جمع عرية وهي النخلة تكون للرجل في بستان غيره يشق عليه الدخول إليها فإن كان له نخل متفرق، في كل بستان منه نخلة جاز بيعها واحدة واحدة بخرصها تمرا سواء بلغ الاوساق أو لم يبلغ، فإن كان له نخلتان عليهما ثمرة فخرصاهما تمرا، فإن كانا عريتين صح بيعهما وإن لم يكونا عريتين لم يجز ذلك. ولا يجوز بيع الرطب في رؤس النخل خرصا برطب على الأرض كيلا لأنه من المزابنة. والتقابض قبل التفرق من شرط صحة البيع لأن ما فيه الربا لا يجوز التفرق فيه قبل التقابض. والقبض في التمر الموضوع على الأرض، النقل، وفي الرطب التخلية بين المشتري وبينه كما قدمناه، و (1) من شرطه أن يحضره التمر موضع النخل، لأن المتبائعين إذا تعاقدا وخلى البائع بين الثمرة وبين المشتري، جاز أن يمضيا إلى موضع التمر ويستوفى لأن التفرق إنما هو بالبدن وذلك لا يحصل (2) إذا انتقلا جميعا من مجلس البيع إلى مكان آخر، وبالجملة: فإن المراعى شرطان أحدهما المماثلة من طريق الخرص، والآخر التقابض قبل التفرق بالبدن. والعرية لا تكون إلا في النخل دون غيرها من الشجر.

(1) الظاهر سقط كلمة " ليس " فإن التعليل يناسب وجودها، كما في المبسوط.
(2) وفي نسختين زيادة " إلا " والظاهر أنها سهو.

[ 385 ]

ومن باع غيره صبرة من طعام بصبرة من جنسها وكانا قد اكتالا ذلك، وعرفا تساويهما في المقدار كان البيع جائزا وإن جهلا تساويهما ولم يشترطا التساوي لم يجز ذلك لأن ما يجرى فيه الربا، لا يجوز بيعه (1) ببعض جزافا ولو قال: بعتك هذه الصبرة بهذه الصبرة كيلا بكيل سواء بسواء فقال المشتري اشتريت، فإنهما يكالان، فإن كانا متساويين كان البيع صحيحا، وإن كان أحدهما أكثر من الآخر كان البيع فاسدا لأنه ربا. فإن كانت الصبرتان من جنسين مختلفين فإن لم يشترطا كيلا بكيل سواء بسواء كان البيع صحيحا لأن الجنسين المختلفين يجوز التفاضل فيهما فإن شرطا كيلا بكيل، وخرجا متساويين في ذلك كان البيع جائزا، وإن خرجت الواحدة أكثر من الأخرى وتبرع صاحب الصبرة الزائدة، بالزيادة كان جائزا، وإن لم يتبرع صاحب الصبرة بذلك ورضي صاحب الصبرة الناقصة بأخذها بقدرها من الصبرة الزائدة، كان البيع أيضا جائزا، وإن لم يتبرع صاحب الزيادة بها ولا رضي المشتري بأخذ الأخرى (2) وتمانعا في ذلك كان البيع مفسوخا، ولم يكن فسخه لأجل الربا لكن لأن كل واحد منهما باع صبرته بجميع صبرة الآخر (3) على أنهما متساويان في المقدار فإذا تفاضلا وتمانعا كان فسخ البيع بينهما هو الواجب. " باب بيع ما لم يقبض " من اشترى طعاما وأراد بيعه قبل القبض، لم يجز ذلك. فأما ما عدا الطعام من الأموال فإنه يجوز بيعه قبل القبض. فأما بيان كيفية القبض: فهو إن كان المبيع من الدنانير والدراهم والجواهر وما جرى مجرى ذلك مما ينقل ويحول ويتناول باليد، فقبضه هو التناول.

(1) أي لا يجوز بيع بعضه ببعض..
(2) أي بأخذ المقدار منها.
(3) في نسختين زيادة " الواو ".

[ 386 ]

وإن كان من الأرضين والعقارات وما جرى مجرى ذلك مما لا ينقل ولا يحول فقبضه التخلية بينه وبين المشتري، وإن كان من الحيوان كالعبيد والمماليك فقبضهم أن يقيمهم من مكانهم إلى موضع آخر وإن كان من البهائم فقبضه منه أن يمشي به من موضعه إلى موضع آخر فإن كان اشتراه جزافا، فقبضه نقله من موضعه فإن كان اشتراه مكائلة فقبضه أن يكيله. فأما القبض الصحيح فعلى وجهين: أحدهما أن يسلم المبيع باختيار، فيصح قبضه. والآخر أن يكون الثمن حالا أو مؤجلا. فإن قبضه المشتري من غير اختيار البائع لم يصح القبض، وكان البائع مطالبا برد المبيع إلى يده، لأن له حبس الحق والتوثق به حتى يستوفي الثمن. فأما إجارته قبل القبض فإنه يصح إلا فيما لا يصح بيعه قبل القبض، لأن الإجارة ضرب من البيوع. وكذا الكتابة يصح أيضا فيها لأنها ضرب من البيع إلا فيما استثناه. وأما الرهن فيصح على كل حال لأنه ملكه فيصح منه التصرف. ويجوز تزويج الأمة قبل قبضها أيضا، ويكون وطأ المشتري (1)، أو الزوج قبضا صحيحا. وأما الصداق فيجوز من المرأة المستحقة له بيعه قبل قبضه. وكذلك يجوز للرجل بيع مال المخالعة قبل القبض أيضا. وأما الثمن فإذا كان معينا، جاز بيعه قبل قبضه، وكذلك إن كان في الذمة. فأما إن كان صرفا فليس يجوز بيعه قبل القبض. فإذا ورث إنسان طعاما، أو وصى له به، ومات الموصى وقبل الوصية، أو اغتنمه، أو تعين عليه ملكه، فإنه يجوز بيعه قبل قبضه. فإن أسلم في طعام معلوم واستسلف من آخر مثله، فلما حل الطعام عليه قال لمن أسلم إليه: احضر لي عند من أسلمت إليه فإن لي قفيزا من الطعام حل عليه حتى اكتاله

(1) في صورة بيعها قبل القبض.

[ 387 ]

لك فإنه يجوز أن يكتاله لنفسه ويقبضه إياه بكليه إذا شاهده. وإن أمره أن يكال له عن ذلك الغير ووكله فيه فإذا قبضه احتسب به عنه، كان جائزا. فإن أسلم في طعام وباعه من آخر، لم يصح ذلك إلا أن يجعله وكيله في قبضه وإذا قبض عنه كان القبض حينئذ قبضا فإن اكتال هو لنفسه منه ووثق به ذلك الغير الذي له عليه، كان جائزا. وإن قال له: امض إليه واكتل لنفسك، لم يكن صحيحا لأنه يكون باع طعاما قبل أن يكتاله، ويحتاج أن يرد من أخذه على صاحبه ثم يكتاله إما عن الذي أمره بقبضه، أو يكتاله الآمر فيصح له قبضه منه إما بكيل مجدد، أو يصدقه فيه، فإن كاله الآمر ثم كاله المشتري منه كان صحيحا والأول (1) أحوط إذا حل على إنسان طعام لعقد السلم فدفع إلى المسلم دراهم وقال له: خذها بدل الطعام لم يصح ذلك لأن بيع المسلم قبل قبضه لا يصح سواء، باعه من المسلم إليه، أو من أجنبي بغير خلاف. فإن دفع إليه الدراهم وقال له: اشتر الطعام بها لنفسك لم يصح أيضا لأن الدراهم باقية على ملك المسلم فلا يصح أن يبتاع بها لنفسه طعاما. فإن ابتاع الطعام وكان ابتياعه له بعينها لم يصح البيع، وإن كان ابتياعه في الذمة، ملك الطعام وضمن الدراهم التي عليه لأنها مضمونة عليه فيكون للمسلم إليه في ذمته دراهم، وعليه له الطعام الذي كان له في ذمته. وإن قال له: اشتر لي الطعام ثم اقبضه لنفسك صح الابتياع، لأنه وكله في ابتياع الطعام، وإذا قبضه لنفسه فهل يصح أم لا فهو على ما تقدم ذكره في المسألة المتقدمة. وإذا قال: اشتر لي بها طعاما واقبضه لي ثم اقبضه لنفسك من نفسك لم يجز قبضه من نفسه لنفسه، لأنه لا يجوز أن يكون وكيلا لغيره في قبض حق نفسه من نفسه. وإذا كان للانسان قفيز من الطعام على غيره مسلما، والذي عليه هذا الطعام له على غيره طعام قرضا، فأحاله على من له عليه من جهة القرض كان جائزا.

(1) الأول هو القبض من البائع بكيل مجدد والثاني هو القبض منه بتصديقه فيه.

[ 388 ]

فإن كان الطعام الذي له (1) قرضا والذي عليه (2) سلما جاز أيضا، فإن كان هذان الطعامان سلمين لم يجز ذلك لأن بيع السلم (3) قبل القبض لا يجوز بغير خلاف. وإن كان هذان الطعامان قرضين كان جائزا بغير خلاف أيضا ومن كان له على إنسان طعام بكيل معين منه فقبضه من غير كيل، كان هذا القبض فاسدا، فإن قال الانسان الذي عليه هذا الطعام: قد كلته وهو كذا وكذا وذكر قفيزة معلومة فقبل صاحب الحق قوله صح القبض. فإن كاله بعد ذلك فوجده ناقصا عن حقه كان له مطالبته بإتمامه، وإن كان أكثر من حقه، اعاد الزيادة إليه، وإن كان قد استهلكه، كان القول قوله مع يمينه في مقداره. فإن باع الطعام - الذي قبضه من غير كيل - مضى البيع فيما تحقق إنه حقه، ولم يمض في الزيادة، وإن كان أقل من حقه أو هو حقه كان البيع صحيحا. ومن كان له على غيره طعاما قرضا فدفع إليه طعاما من جنسه كان جائزا. فإن كان الذي دفعه إليه من غير جنسه، فإما أن يكون ما دفعه إليه طعاما مثل الارز والذرة وما جرى مجرى ذلك، وإما أن يكون من غير هذا الطعام مثل الدنانير أو الدراهم، أو غيرهما من العروض أو الحيوان، فإن كان طعاما مثل الارز والذرة وما جرى مجرى ذلك فإما أن يكون في الذمة أو عينا، فإن كان في الذمة وعينه قبل التفرق وقبضه، كان جائزا. وإن فارقه قبل القبض وتعيينه لم يجز لأنه يكون حينئذ بيع دين بدين وقد نهي (4)

(1) أي للانسان المذكور في المسألة المتقدمة.
(2) أي على المحتال عليه، فتكون عكس المسألة المتقدمة.
(3) أي المسلم فيه.
(4) الوسائل، ج 13، الباب 15 من أبواب الدين والقرض، الحديث 1.

[ 389 ]

عن بيع الكالي بالكالي (1) وهو الدين بالدين، وإن كان مثل الدنانير والدراهم وغيرهما من العروض أو الحيوان، كان جائزا. فإن كان في الذمة ثم قبضه جاز في المجلس، فإن كان في الذمة وفارقه قبل القبض، لم يجز لأنه يكون بيع دين بدين، وإن كان معينا ثم فارقه قبل القبض، كان جائزا وجرى مجرى بيع طعام ضمن في الذمة، ويفترق قبل القبض فإنه يصح. ومن كان له في ذمة غيره طعام فباع منه طعاما معينا ليقبضه من الطعام الذي له في ذمته لم يصح، لأنه شرط أن يقبض الدين الذي في ذمته من هذا الطعام بعينه وهذا غير لازم له، ولا يجوز أن يجب عليه. وإذا كان كذلك كان الشرط فاسدا وفسد البيع لأن الشرط إذا كان فاسدا واقترن بالبيع فسد البيع. وقد ذكر جواز ذلك، والأحوط ما ذكرناه. وإن اشترى إنسان من غيره نخلة حائلة، وتركها في يد البائع حتى أبرت، كانت الثمرة للمشتري. فإن هلكت الثمرة في يد البائع وسلمت الأصول لم يجب عليه ضمان في هلاكها. وإن هلكت النخيل دون الثمرة انفسخ البيع، وسقط الثمن عن المشتري، وكانت الثمرة له، لأنه ملكها بغير عوض. وهكذا إذا كان المبيع في يد البائع واستفاد مالا، أو وجد كنزا، أو لقطة، أو وهب له، أو أوصى له بشئ (2) فإن ذلك كله للمشتري. ومن ابتاع شقصا من أرض أو دار بمملوك وقبض الشقص ولم يسلم المملوك كان للشفيع (3) أن يأخذ منه بقيمة المملوك، وإن قبض وهلك المملوك في يده بطل البيع ولم تبطل الشفعة في الشقص، ووجب عليه أن يدفع إلى البائع قيمة الشقص حين قبضه ووجب على الشفيع للمشتري

(1) من كلأ مهموزة اللام بمعنى تأخر.
(2) فرض المسألة فيما إذا كان المبيع عبدا.
(3) الذي له حق الشفعة.

[ 390 ]

قيمة المملوك حين وقع البيع عليه لأن ثمن الشقص إذا كان لا مثل له، وجبت قيمته حين البيع. ومن ابتاع من غيره عبدا بثوب وقبض العبد ولم يسلم الثوب، وباع العبد صح بيعه لأنه قبضه وانتقل ضمانه إليه وإن اشترى (1) العبد وتسلمه (2) ثم هلك الثوب الذي في يد البائع (3) انفسخ البيع (4) ولزمه قيمة العبد لبائعه لأنه غير قادر على رده بعينه فهو بمنزلة المستهلك. فإن اشترى العبد ولم يسلمه البائع حتى هلك العبد والثوب جميعا في يده لم يصح واحد من البيعين وبطلا جميعا. فإذا اشترى إنسان من غيره صبرة من طعام فوجدها مصبوبة على نشو (5) من الأرض، أو ربوة (6) أو صخرة، أو دكة كان البيع باطلا لأن بيع ما يكال أو يوزن جزافا لا يصح. ومن اقرض غيره بمصر طعاما ثم اجتمعا بمكة وطالبه المقرض بالطعام لم يلزمه دفعه إليه، ولا أن يجبره الحاكم على ذلك لأن قيمته تختلف. فإن طالبه المقترض بقبضه لم يجبر المقرض أيضا على ذلك لأنه يلزمه في حمله مؤنة. فإن تراضيا على ذلك كان جائزا، وإن طالبه المقرض بقيمة الطعام، جاز ذلك وصح أن يجبر على دفعها إليه. ومن غصب من غيره طعاما وأتلفه كان الحكم فيه مثل ما ذكرنا.

(1) بصيغة المجهول.
(2) أي تسلمه المشتري الثاني الذي اشتراه من المشتري الأول.
(3) أي البائع الثاني الذي هو المشتري الأول.
(4) أي البيع الأول.
(5) كذا في نسخة ولعل أصلها النشأة وهي ما ارتفع أو ظهر من النبات ولم يغلظ بعد وفي نسخة أخرى " نشر " (6) الربوة: ما ارتفع من الأرض.

[ 391 ]

فإن أسلم إلى غيره كان الحكم فيه أيضا مثل ذلك القرض (1) لأن بيع المسلم فيه قبل قبضه لا يجوز. ومن كان له على غيره طعام فباعه طعاما بخمسة دراهم على أن يقبضه الطعام الذي له عليه أجود منه، لم يجز ذلك، لأن الجودة بانفرادها لا يجوز أن يكون ثمنا. وإن قضاه أجود منه ليبيعه طعاما بخمسة دراهم لم يجز أيضا. إذا باع طعاما بخمسة دراهم مؤجل وحل الأجل فأخذ بها (2) طعاما مثل ما أعطاه كان جائزا، وإن أخذ أكثر من ذلك لم يجز. " باب بيع المصراة وأحكامها " المصراة هي الناقة، أو البقرة، أو الشاة يجمع لبنها في ضرعها يوما، أو أكثر من ذلك. فإذا عرضت للبيع رآها من يريد ابتياعه كبيرة الضرع يوما، فظن أنها تحلب في كل يوم مثل ما هو في ضرعها من اللبن، فإذا حلبت نقص لبنها ورجعت إلى عادتها فقد دلس بجمع اللبن في ضرعها على من يريد ابتياعها، وذلك لا يجوز. وإنما سمي بهذا الاسم لجمع اللبن في ضرعها، ولا فرق في تناول ذلك بما ذكرناه بين ناقة أو بقرة أو شاة، فأما ما عدا ذلك من الحيوان فمختلف فيه، وليس في صحة أجرته عليه دليل فيقال به. ومدة الخيار في بيع ذلك ثلاثة أيام كسائر الحيوان فمن ابتاع مصراة وهو عالم بالتصرية لم يكن له خيار في ردها، فإن ابتاعها وهو غير عالم بذلك من حالها فدر لبنها وصار لبن العادة بتغيير المرعى ثم علم بأنها كانت وقت البيع مصراة، وأراد ردها لم يكن له ذلك لأن العيب قد زال عنها. فإن حلبها ورضي بها ثم وجد بها عيبا جاز له الرد بالعيب لا بالتصرية. وإذا ابتاعها وأراد ردها وكان قد حلبها ردها مع صاع من تمر أو صاع من بر

(1) الظاهر أن في العبارة سقطا والصحيح " إلا في أخذ البدل، فإنه لا يجوز " كما في المبسوط.
(2) يعني بدلها أي الدراهم.

[ 392 ]

فإن كان لبنها باقيا وأراد رده معها، لم يجبر البائع لها على أخذه، فإن لم يرض بأخذ اللبن كان له الصاع الذي ذكرناه من التمر، أو البر. فإن لم يجد ذلك كان عليه القيمة ولو بلغت فيه القيمة قيمة الشاة. وإذا اشتراها غير مصراة ثم حلبها يوما، أو أكثر منه ووجد بها عيبا وأراد ردها وكانت وقت ابتياعها محلوبة ليس في ضرعها لبن، كان له ردها، وكان ما في ضرعها من اللبن له، ولم يلزمه شيئ لأن ذلك حدث في ملكه، وإن كانت وقت ابتياعها غير محلوبة وفي ضرعها لبن فإن استهلك لم يكن له الرد لأن بعض المبيع قد هلك ولم يكن له المطالبة بالأرش، وإن كان قائما لم يستهلك كان له الرد. " باب بيع المعيوب " لا يجوز لأحد أن يبع غيره شيئا معيبا حتى يبين العيب للمشتري، ويطلعه عليه وقد ذكرنا في كتابنا " الكامل " إنه إذا تبرء البائع إلى المشتري من جميع العيوب لم يكن له الرد، فكان ذلك كافيا ومغنيا عن ذكر العيوب على التفصيل، والذي ذكرناه هاهنا من تبيين العيب للمشتري واطلاعه عليه على التفصيل أحوط والذي ينبغي أن يكون العمل عليه. وعلى هذا إذا باع إنسان غيره سلعة أو بهيمة وقال له: برأت إليك من جميع العيوب لم يبرأ من ذلك حتى يخبر بالعيب الذي تبرء منه، ولا تصح البرائة من عيب غير معلوم للمشتري. والتبري من العيب إنما يكون عند عقد البيع، وما كان قبل ذلك فإن علم المشتري بالعيب ثم اشترى واحدث في المبيع حدثا لزمه البيع، و (1) إن لم يحدث شيئا ثم وجد به عيبا لم يخبر به البائع كان مخيرا بين الرضا به وبين رده واسترجاع الثمن إن كان قد قبضه.

(1) في نسخة " من اشترى شيئا ثم وجد به عيبا لم ينبه له البائع كان مخيرا.. "

[ 393 ]

فإن اختلفا فقال البائع للمشتري: هذا العيب حدث عندك وقال المشتري للبائع: لم يحدث عندي بل بعتنيه معيبا ولم يكن لواحد منهما بينة كان على البائع اليمين بأنه باعه سالما. فإن حلف لم يكن للمشتري عليه سبيل. وإن لم يحلف كان الدرك عليه في ذلك. ومن اشترى جارية ووطأها ووجد بها عيبا لزمته وله قيمة العيب، وكذلك الحكم لو زوجها. فإن كان لها زوج عند البائع وأقره المشتري على النكاح، ووطأها زوجها عند المشتري كان له ردها بالعيب، وإن كانت بكرا ولم يكن دخل بها عند البائع ودخل بها عند المشتري ثم وجد بها عيبا لم يكن له ردها. فإن اشترى بهيمة حائلا ثم حملت عند المشتري وولدت، ووجد بها عيبا - كان عند البائع - لم يكن له ردها، وكان له أرش العيب فإن ابتاعها حاملا ثم ولدت ووجد بها عيبا - كان عند البائع - فله ردها ويرد الولد معها لأن الولد له قسطا من الثمن. فإن اشترى جارية ووطأها ثم بان له فيها بعد وطئه لها عيب لم يكن له ردها وكان له الأرش سواء كان ثيبا، أو بكرا فإن غصب جارية وافتضها، كان عليه ما نقص من قيمتها. إذا عفى الشفيع عند الشفعة بعوض يشترط على المشتري كان جائزا، وقد ذكر أنه لا يملك العوض وإن قبضه، والأولى ما قلناه لأن الشفعة حق الشفيع وإذا عفى عن حقه وأسقطه سقط. وإذا اشترى اثنان مملوكا صفقة واحدة، ووجدا به عيبا كانا مخيرين بين رده وبين إمساكه، فإن أراد أحدهما رده وأراد الآخر إمساكه، لم يكن للذى أراد الرد أن يرده حتى يتفقا. فإن كان أحدهما اشترى نصفه بعقد، واشترى الآخر النصف الآخر بعقد، ووجدا به عيبا كان لكل واحد منهما رد نصيبه بالعيب بغير خلاف. فإن ابتاع عبدين صفقة واحدة ووجد فيهما عيبا وأراد الرد، ردهما جميعا، وليس له رد المعيب وإمساك الصحيح. وإذا قال رجل لرجلين: بعتكما هذا العبد، فقال الواحد منهما قبلت نصفه

[ 394 ]

بنصف ما قال من الثمن لم ينعقد البيع لأنه ليس مطابقا لإيجابه، فإن قال: بعتكما هذين العبدين بألف فقبل (1) أحد العبدين بخمس مأة لم يجز بغير خلاف وفي الناس من خالف في المسألة الأولى، والفرق بينهما أنه إذا قال بعتكما هذين العبدين فإنما أوجب لكل واحد منها نصف كل واحد من العبدين، وإذا قبل أحد العبدين فقد قبل ما لم يوجبه وبثمن لا يقتضيه إيجابه لأن الثمن ينقسم على قدر قيمة العبدين، ولا يقابل بنصف الثمن أحدهما (2). فإن قال قبلت نصف كل واحد منهما بنصف الثمن كان مثل المسألة الأولى فإن قال قبلت نصف أحد العبدين بحصة من الثمن لم يصح أيضا لأن حصته مجهولة وإذا قال واحد لإثنين: بعتكما هذين العبدين بألف درهم، هذا العبد منك وهذا العبد منك فقبله أحدهما بخمس مأة لم يصح لأنه قبله بالثمن الذي لم يوجب لأن الألف مقسومة على قدر القيمتين لا على عددهما إجماعا. وإن قال لرجل: بعتك هذين بألف درهم فقال قبلت البيع صح وإن جهل ما يقابل كل واحد من العبدين من الألف لأن ذلك صفقة واحدة والثمن معلوم في الجملة فإن باعهما لإثنين كان ذلك صفقتين ويجب أن يكون الثمن معلوما في كل واحد منهما. فإن قال: بعتكما هذين العبدين هذا العبد منك بخمس مأة وهذا الآخر منك بخمس مأة كان البيع صحيحا لأن الثمن على كل واحد منهما قد حصل معلوما، فإن قال: بعتك هذين العبدين بألف فقال: قبلت نصفى هذين العبدين بخمس مأة لم يصح ذلك لمثل ما قدمناه. وإذا وكل اثنان انسانا في ابتياع عبد فاشتراه من رجل وكان هذا المشتري قد بين للبائع أنه يشتري العبد لموكليه، صح الشراء لهما، وانتقل الملك إليهما ولم يجز

(1) أي الواحد منهما.
(2) لإمكان عدم تساوى قيمة العبدين بخلاف المسألة الأولى.

[ 395 ]

للواحد منهما رد نصيبه منه كما قدمناه في الإثنين إذا ابتاعا عبدا. وإن كان اشترى العبد مطلقا ولم يبين للبائع ما ذكرناه ووجد به عيبا وأراد واحد منهما رد نصيبه، لم يجز له ذلك بغير خلاف لأن الظاهر إنه اشتراه له صفقة واحدة، وقوله لا يقبل بعد البيع بأنه اشتراه لهما. وإذا ابتاع إنسان جارية جعدة (1) فخرجت سبطة كان له الرد إذا أختار ذلك فإذا ابتاعها سبطة وخرجت جعدة لم يكن له الرد لأنها خير مما شرط، وقد ذكر أنه له الرد لأنها خلاف ما شرط والأول أقوى لما ذكرناه. وإن اشتراها وقد بيض وجهها بطلاء (2) ثم اسمر، أو أحمر خدها بالكلكون ثم أصفر، كان مخيرا بين ردها وإمساكها. فإن أسلم في جارية سبطة فسلم إليه جعدة فعلى ما قدمناه. وإذا اشترى جارية ولم يشترط أنها بكرا وثيب فخرجت ثيبا أو بكرا لم يكن له خيار، (3) وكان له الأرش ومن ابتاع عبدا مطلقا فخرج مسلما، أو كافرا لم يكن له خيار، لأنه لم يشترط واحدا من الأمرين، فإن شرط كونه مسلما فخرج كافرا كان له الخيار لأنه بخلاف ما شرط. وإن شرط كافرا فخرج مسلما لم يكن له خيار، وقال بعض الناس له الخيار لأنه بخلاف ما شرط. والذي ذكرناه أصح لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: الاسلام يعلو ولا يعلى عليه. فإن ابتاع عبدا مطلقا فخرج فحلا (4) لم يكن له خيار، وإن خرج خصيا كان له الخيار لأن مطلق العبد يتضمن سلامة الأعضاء، وإن شرط كونه خصيا فخرج فحلا

(1) الجعود هي الالتواء في الشعر، ضد السبوطة.
(2) الطلاء: ما يطلى به الشيئ كالدهن.
(3) الظاهر سقط العبارة بنحو " وإن اشترط أنها بكر فخرجت ثيبا لم يكن له خيار " كما في المبسوط.
(4) في نسخة " صحيحا " بدل " فحلا " وكذا فيما بعدها " مريضا " بدل " خصيا ".

[ 396 ]

كان له الخيار فإن خرج العبد مخنثا كان له الخيار، وكذلك له الخيار إذا خرج آبقا، أو سارقا. وإذا اشترى عبدا وجارية مطلقا فخرجا غير مختونين لم يكن له خيار، فإن شرط كونهما مختونين فلم يكونا كذلك كان له الخيار. فإن اشترى عبدا أو جارية فظهر بهما جذام أو برص أو جنون، كان مخيرا في الرد إلى سنة. ومن اشترى من غيره وباعه ثم وجد به عيبا فإن كان عالما بالعيب قبل بيعه، كان ذلك رضي منه بالعيب لأنه تصرف فيه، والعلقة فيه بينه وبين من ابتاعه منه منقطعة لا سبيل له عليه بوجه من الوجوه، وإن كان المشتري الثاني علم بالعيب ورده عليه لم يكن له رده على الذي اشتراه فإن حدث عنده عيب ورجع بأرش المعيب عليه لم يكن له رجوع على بائعه بأرش العيب لأنه قد رضي به. فإن كان لم يعلم بالعيب إلا بعد بيعه له، لم يكن له رده لأن ملكه قد زال ولم يجب له الأرش أيضا لأنه لم ييأس من الرد (1) على البائع. فإن كان كذلك لم يخل المشتري الثاني من أن يرده بالعيب على المشتري الأول، أو يجد من عنده عيب ويرجع بأرشه على المشتري الأول فإن رده، رده هذا أيضا (2) على الذي ابتاعه منه ويسترجع منه الثمن، وإن رجع عليه بأرش العيب رجع هذا على بائعه بأرش العيب، وإن رضي بالعيب سقط رده والرجوع بأرش. وأما المشتري الأول فإنه لا يرجع بأرش العيب إجماعا (3) ثم لا يخلو المبيع من أن يرجع إلى المشتري الأول بإرث أو بيع أو هبة أو لا يرجع إليه بذلك بل يعرض فيه ما يسقط الرد بالعيب فإن رجع إليه بأحد الوجوه التي ذكرناه كان له الرد على بائعه. فإن عرض ما يسقط الرد وهو أن يهلك في يد المشتري الثاني أو يحدث به

(1) فإن من المحتمل رد المشتري الثاني إليه.
(2) في العبارة سقط ولكن أضفنا إليها ما يكملها.
(3) في الفرض الأخير.

[ 397 ]

عيب، أو يعتقه إن كان مملوكا، أو يوقفه إن كان مما يصح أن يوقف، فإنه يرجع بأرش العيب لأنه آيس من الرد، هذا إذا باعه. فأما إن وهبه ثم علم بالعيب فليس له الرجوع (1) لأنه مما لم ييأس من الرد لأنه يمكن رجوعه فيه فيرده على بائعه. وإذا ابتاع إنسان من غيره عبدا، فأبق منه، فإن كان الاباق كان به قبل البيع فهو عيب يوجب الرد إلا أن يكون المشتري لا يمكنه رد العبد ما دام آبقا، وليس له الرجوع أيضا مع هذه الحال بأرش العيب لأنه لم ييأس من الرد، فإن رجع الآبق رده على بائعه. وإن لم يرجع وهلك في الاباق كان له الرجوع عليه بأرش العيب. وإذا لم يكن الاباق ثابتا قبل البيع فهو حادث عند المشتري فلا يجب له الرد، ولا الرجوع بالأرش. وإن اشترى عبدا ثم وجد به عيبا مثل برص، أو جذام أو غير ذلك ثم ابق العبد قبل أن يرده، فإن كان الاباق عند البائع فرده غير ممكن في الحال، ولا يرجع بأرش العيب، وإن كان الاباق حادثا فقد حدث به عيب عنده فلا يجوز له رده، وله أن يرجع بأرش العيب في الحال. ومن اشترى شيئا وقبضه ثم وجد به عيبا كان عند البائع، وحدث به عنده عيب آخر، لم يجز له الرد إلا برضاء البائع، فإن رضي ورده لم يكن له مطالبته بالأرش. فإن ابتاع عبدا واعتقه أو قتله أو مات حتف أنفه أو وقف ثم وجد به عيبا كان له الرجوع بأرش العيب على البائع وكذلك الحكم إذا ابتاع طعاما فأكله ثم علم إنه كان به عيب في أن له الرجوع بالأرش. وكذلك الحكم إذا ابتاع ثوبا فصبغه، أو قطعه ثم وجد به عيبا فإن له الرجوع بالأرش. فإن اشترى دابة، أو ثوبا فركب الدابة. أو لبس الثوب بعد علمه بالعيب لزمه فإن ركب الدابة لسقيها أو ليردها لم يلزمه على ذلك الركوب شيئ.

(1) أي بالأرش.

[ 398 ]

وإذا اشترى إنسان جارية وولدت عنده، أو وطأها وباعها ولم يعلم ي اشتراه منه بذلك، لم يكن عيبا إلا أن تنقصها الولادة أو الوطأ. ومن ابتاع نعلين، أو زوجي خف، أو مصراعي باب ثم وجد بأحدهما عيبا، فله ردهما جميعا، لأنهما يجريان مجرى الشيئ الواحد، وليس له رد المعيب منهما وإمساك ما لا عيب فيه منهما. فإن كان قد باع السالم من العيب لم يكن له رد الباقي، ولا الرجوع بشئ من الأرش. وكذلك إذا اشترى كرين (1) من طعام، وسائر ما يتساوى. وإذا ابتاع عبدا ورده على بائعه بعيب من غير حكم الحاكم لم يكن له رده على الأول لأن ذلك بمنزلة الصلح. ومن اشترى ناقة أو بقرة أو شاة فحلبها وشرب لبنها لم يكن له ردها بعيب يظهر فيها وله الأرش إلا بالتصرية وقد تقدم ذكرها. فإن اشترى عبدا فوجده مخنثا أو كافرا أو سارقا كان ذلك عيبا وله الرد به، فإن وجده ولد الزنا، أو شارب خمر لم يكن ذلك عيبا يوجب ردا ولا غيره. فإن اشترى جارية فوجدها زانية كانت ذلك عيبا، وله أن يردها بذلك. وإذا اشترى جارية، أو عبدا ووجد بأحدهما من الثئاليل (2) ما ينقص الثمن كان ذلك عيبا، وإن كان لا ينقص الثمن فليس بعيب. والأدرة (3) عيب والسمط والبخر والعشا (4) والسن السوداء والسن الساقطة والضرس الساقط كل ذلك عيب.

(1) الكر جمعه أكرار: ستون قفيزا، والقفيز ثمانية مكاليل، والمكول صاع ونصف (2) الثؤلول جمعه ثئاليل: ما يخرج على البدن كالدمل، ويكون صلبا مستديرا.
(3) الادرة: انتفاخ البيضة، أي الفتق.
(4) السمط: الخفة في الجسم والبخر: نتن ريح الفم. والعشا: سوء البصر بالليل والنهار أو عدم البصر بالليل دون النهار.

[ 399 ]

والظفر الأسود القبيح إذا كان ينقص الثمن عيب، وكذلك القرن وكل ما ينقص من الرقيق فهو عيب، والسلع (1) والفتق عيب، والكي (2) والقروح والقرع (3) والفحج والقدم (4) عيوب كلها، وكذلك الشتر (5) في الرقيق والحول والخرس والظفر والشعرة في العين والجرب (6) فيها وفي غيرها من الجسم، والماء في العين والسبل (7) والاستحاضة والسعال القديم، وكل ما ينقص الايمان من العيوب، والعيوب التي في الدواب والإبل والبقر والغنم تجري مجرى العيوب التي في الرقيق، والحبل في الجارية عيب. وليس كذلك في البهائم وعيوب البهائم مثل الخنف (8) والصدف (9) والصكك (10) والشدق (11) والدحس (12) والجرد والنطح والزوائد

(1) السلع آثار النار في الجلد.
(2) كوى، يكوى، كيا: أحرق ووسم جلده بحديدة ونحوها.
(3) القرع: مرض جلدى يسقط شعر الرأس، والفحج: تدانى صدور القدمين وتباعد عقبيهما.
(4) يحتمل أن يكون معناه: القدمة وبالفارسي " فرسودگى " ويحتمل زيادة الواو ويكون القدم مضافا إليه.
(5) الشتر: انقلاب جفن العين من أعلى وأسفل، وقيل انشقاقه.
(6) الجرب: داء يحدث في الجلد بثورا صغارا لها حكة شديدة.
(7) السبل: شبه غشاوة تعرض في العين.
(8) الخنف: إمالة الفرس وشبهه رأسه إلى راكبه في عدوه، وفي نسخة " الحنف " بالمهملة وهو اعوجاج الرجل إلى داخله.
(9) الصدف في الخيل: هو تدانى الفخذين وتباعد الحافرين.
(10) الصكك: اضطراب الركبتين والعرقوبين عند المشي.
(11) الشدق بالتحريك: سعة الشدق وهو جانب الفم.
(12) الدحس: ورم حار في طرف الإصبع، والجرد: عدم الشعر على البدن. والنطح: الضرب بالقرن والمراد اعتياده.

[ 400 ]

والمشش (1) والقمع والجمح والخرق ومنع السرج واللجام، وحل الرسن وبل (2) المخلاة والقعاص (3) والانتشار (4)، وما يعرفه النخاسون (5) عيبا زائدة على ما ذكرناه وينقص من أثمان البهائم، فإن اشترى جارية محرمة لم يكن ذلك عيبا لأن له أن يحللها. فإن اشترى عبدا وعليه دين لم يعلم به ثم علم كان له رده إلا أن يقضي عنه بائعه الدين. وإذا ابتاع عبدا وقطع عنده طرف من بعض أطرافه وظهر له فيه عيب - كان عند البائع - سقط حكم الرد وكان له الأرش. وإذا اشترى إنسان بيضا أو جوزا، أو بطيخا، أو ما جرى مجرى ذلك من الفواكه فوجد جميعه فاسدا وقد كسره، كان له رده، وأخذ جميع الثمن، ولم يكن للبائع مطالبة المشتري برد ذلك كما كان لأنه سلطه على ذلك فإن اشترى عبدا قد حل دمه لقصاص أو ردة وهو غير عالم بذلك فقتل عند المشتري كان له الرجوع على البائع بجميع الثمن. وإذا اشترى إنسان من غيره إبريق فضة بمأة درهم فوزنه بمأة درهم فظهر به عيب ثم حدث به عنده عيب آخر لم يجز له رده لحدوث العيب عنده، ولم يجز له أيضا الرجوع بالأرش لأنه ينقص الثمن عند وزنه فيصير ربا (6) واسقاط حكم العيب لا يجوز، وإذا كان كذلك فقد ذكر أن البيع ينفسخ، ويغرم المشتري قيمة الابريق

(1) المشش: بياض يعتري الإبل في عيونها والقمع: غلظ في ركبة الفرس أو في رأس عرقوبه. والجمح: غلبة الدابة وتمرده على راكبه. والحزق: ضرطة الدابة أي اعتيادها.
(2) بله: أي نداه والمخلاة: ما يجعل فيه العلف ويعلق على عنق الدابة.
(3) القعاص: داء يأخذ الغنم لا يلبثها أن تموت، وداء في الصدر كانه يكسر العنق.
(4) الانتشار: هو انتفاخ في عصب الدابة يكون من التعب ونشر المتاع وغيره.
(5) النخاس: دلال الدابة والرقيق وبائعهما.
(6) في العبارة تصحيف والصحيح ما أثبتناه.

[ 401 ]

من الذهب (1)، ولا يجوز رده على البائع لحدوث العيب عنده، ويكون جاريا مجرى التالف، وذكر أيضا أن البيع ينفسخ ورد الابريق على البائع مع أرش النقصان الذي حصل في يد المبتاع، ويكون ذلك جاريا مجرى المأخوذ على طريق السوم وإذا حدث النقص فيه فإنه يجب رده مع أرش النقصان وإن كان الابريق تالفا فسخ البيع، ورد قيمته من الذهب وتلفه غير مانع من فسخ البيع. وإذا اختلف المتبائعان في العيب وكان مما يمكن حدوثه عند البائع وعند المشتري، كان على المشتري البينة، فإن لم يكن بينة كان القول قول البائع مع يمينه لأن الأصل السلامة، من العيب، والأصل لزوم العقد، والمشتري يدعي حدوث العيب في يد البائع، ويدعى ما يفسخ البيع به فيكون البينة عليه. وإن كان العيب مما لا يجوز أن يكون حادثا في يد المشتري مثل أن يكون اصبعا زائدة، أو قطع إصبع قد اندمل موضعه وقد ابتاعه من يومه أو من أمسه (2) ولا يكون الجراحة تبرء في مثله فيكون القول قول المشتري من غير يمين، فإن كانت الجراحة طرية وقد اشتراه من سنة ولا يجوز أن تكون الجراحة من سنة فإن القول قول البائع من غير يمين. وإذا ابتاع ثوبا فنشره فظهر له فيه عيب وكان النشر لا ينقصه من الثمن كان له رده بالعيب، وإن كان ينقصه مثل ما ينطوي على طاقين ويلتصق أحدهما بالآخر فيكسره بالنشر فيه الأرش ولا يجوز رده بالعيب. وإذا جنى العبد جناية توجب القصاص وباعه سيده من غير إذن المجني عليه كان البيع باطلا، وإن كانت الجناية توجب الأرش كان البيع صحيحا إذا تطوع السيد بالتزام أمر الجناية فإن كان العبد مرهونا وجنى العبد بيع في الجناية فإن كانت موجبة للإرش يبطل الرهن وينتقل ما على الرهن إلى الذمة وإذا بطل بيعه في القصاص على ما ذكرناه فإنه يرد، ويسترجع الثمن ويصير الحكومة بين سيده وبين المجني عليه

(1) لئلا يتحقق الربا.
(2) في النسختين " فأما إن " بدل " ولا " والظاهر أنها تصحيف.

[ 402 ]

وإن كانت الجناية عمدا توجب القصاص اقتص منه وقد استوفى حقه، وإن عفى على مال، أو كانت الجناية توجب مالا كان المال متعلقا برقبة العبد، ويكون السيد مخيرا بين أن يسلمه وأن يفديه من ماله، فإن سلمه فبيع وكان الثمن مثل أرش الجناية دفع إلى المجني عليه، وإن كان أقل منه لم يلزم سيده غيره لأن الأرش لم يثبت في ذمة السيد ولا يتعلق بماله، ولو كان أكثر من الأرش كان الفاضل مردود إلى السيد، وإن أراد يفديه فإن كانت الجناية أقل من قيمته لزمه أرش الجناية، وإن كانت أكثر من رقبته لم يلزمه الزائد على ذلك. فإن غصب غيره عبدا فجنى العبد في يد الغاصب جناية توجب قصاصا، ثم رد الغاصب العبد على سيده فقتل قصاصا كان لسيده الرجوع بقيمة العبد على الغاصب لأنه قتل بجناية حدثت في يده. وإذا ابتاع جارية حاملا ولم يعلم بذلك وكان بها عيب فماتت في الطلق (1) كان له الرجوع بأرش العيب على البائع لأنها ماتت من آلام الطلق وهي حادثة في يد المشتري. والعبد إذا كان مرتدا فقتل بردته رجع على البائع لأنه قتل بردة كانت عند البائع هذا إذا كان غير عالم بالخيار بعد الشراء، فإن كان عالما قبل الشراء لم يكن له رده لأن ذلك رضا منه. وإذا ابتاع عبدا وقد استحق قطع يده - في يد البائع - كان، بالخيار، إن شاء رده وفسخ البيع لأن القطع وجب في ملكه، فإن علم بذلك قبل الشراء لم يكن له الرجوع على البائع بشئ لأنه رضا بالعيب. والعبد لا يملك شيئا فإن ملكه سيده مالا لم يملك رقبته وإنما يملك التصرف فيه فإن باعه وله مال والسيد عالم به كان المال للمشتري وإن لم يكن عالما به كان المال للسيد.

(1) الطلق: وضع الحمل.

[ 403 ]

فإن شرط المشتري أن يكون المال له كان له، فإن لم يشترط ذلك كان للسيد. وإذا ابتاع إنسان عبدا له مال بشرط أن يكون المال للمبتاع فقبضه وظهر به عيب فإن كان علم بالعيب بعد أن حدث به عنده نقص وعيب لم يكن له الرد وكان له الأرش الذي يرجع به هاهنا وهو أن يقوم عبد ذو مال لا عيب فيه وعبد ذو مال به العيب الأول (1) " تم كتاب المكاسب "

(1) وفي حواشى نسخة مكتبة آية الله البروجردي (رحمه الله) في المقام هكذا: وقد سقطت من هذه النسخة، الكتب التالية: التفليس، الحجر، الصلح، الديون، الحوالة، الضمان، الكفالة، الشركة والوكالة أقول: ليس في ما بايدينا من النسخ من هذه الكتب أثر ولا عين عسى الله أن يوفق أصحاب الهمم العالية للعثور عليها وطبعها منضمة إلى هذه النسخة.

[ 404 ]

" كتاب الاقرار " إذا أقر الحر البالغ الكامل العقل الذي ليس بمولى عليه، المطلق التصرف على نفسه بشئ، كان إقراره ماضيا وحكم عليه به فإن لم يكن مطلق التصرف كالمحجور عليه فنحن نبين حكمه: إن أقر وهو محجور عليه لسفه بمال لم يصح وإن أقر بحد صح وإن أقر بخلع أو طلاق صح وإن كان محجورا عليه للرق وأقر على نفسه بشئ كان حكمه حكم المحجور عليه للسفه إلا في موضع واحد وهو إن إقرار العبد لازم له في ذمته، فإذا أعتق صحت مطالبته بما أقر به فإن أقر بحد لم يقبل إقراره به، لأن في ذلك اتلاف مال الغير الذي هو مولاه. وإن كان محجورا عليه لتفليس كان إقراره مقبولا عليه على كل حال وإن كان محجورا عليه لمرض كان إقراره مقبولا على ما نبينه في موضعه في ما بعد بمشيئة الله تعالى فهذه جملة القول في من كان تصرفه غير مطلق " في الاقرار المصرح والمبهم وتفسيره " وإذا أقر إنسان لغيره بشئ إقرارا مصرحا غير مبهم مثل أن يقول " له على مأة دينار أو مأة درهم أو دينار أو درهم أو ما أشبه ذلك " كان إقراره بذلك صحيحا وحكم عليه للمقر له بما أقر له به

[ 405 ]

فإن أقر به إقرارا مبهما مثل أن يقول: " له على (1) شيئ " كان إقراره أيضا بذلك صحيحا ثم يرجع في تفسير الذي أقر به إليه دون المقر له. فإن فسره بما يصح تملكه ويتمول في العادة مثل دينار أو درهم أو أقل من ذلك أو أكثر أو بجنس غير ذلك مما يتمول، كان تفسيره مقبولا فإن صدقه المقر له على تفسيره وجب عليه الخروج إليه منه، وإن كذبه وكان تكذيبه له في الجنس مثل أن يكون المقر قد فسر ما أقر به بثوب أو كتاب أو درهم أو دراهم فيقول المقر له: " لي عليه دنانير " فإذا جرى الأمر بينهما على هذا بطل إقرار المقر بالثياب أو الدراهم لأنه يكون قد أقر بما لم يدعه عليه خصمه وهو مدع للدنانير عليه فيكون القول قوله مع يمينه فإن حلف سقطت الدعوى وإن نكل ردت اليمين على المدعي فإذا حلف استحق ما ادعاه وإن كان تكذيبه له في المقدار مثل أن يفسر بدرهم فيقول المقر له: " لي عليه درهمان أو أكثر من ذلك " فيكون مدعيا لما زاد على الدرهم، فإذا كان ذلك كان القول قول المقر مع يمينه فإذا حلف سقطت دعوى خصمه وإن لم يحلف ردت اليمين على المقر له، فإذا حلف وجب له ما ادعاه. فإن فسر المقر إقراره بما لا يتملك مثل الخمر أو لحم الخنزير أو ما أشبه ذلك لم يقبل منه هذا التفسير لأنه مما لا يتملك ولا ينتفع به، ولفظ الاقرار لفظ الالتزام والخمر وما أشبهه غير لازم لأحد وإذا أقر إنسان لغيره فقال: " له على مال " قبل إقراره ورجع إليه في التفسير لذلك فإن فسره بقليل من المال أو كثير سمع منه ذلك وإن فسره بجلد ميتة أو سرجين أو ما جرى مجرى ذلك لم يلتفت إلى هذا التفسير ولم يقبل منه شيئ من ذلك، لأنه لا يسمى مالا ولا يجرى مجرى ذلك الاقرار بشئ لأن الشيئ يتناول المال وغيره والمال اسم لما يتمول دون ما لا يتمول. فإن أقر لغيره فقال: " له على مال كثير " حكم عليه بثمانين فإن قال: " له على

(1) في نسختين زيادة " كل والظاهر أنها سهو، كما في المبسوط.

[ 406 ]

مال خطير أو عظيم أو ما جرى مجرى ذلك " لم يكن لذلك مقدار يقال به فأي شئ فسره به قبل ذلك منه. فإن قال: " له علي مال أكثر من مال زيد " لزمه مثل مال زيد " ويرجع إليه في تفسير الزائد على ذلك فما فسره به قبل ذلك منه قليلا كان أو كثيرا وإذا أقر بأنه غصب زيدا شيئا وفسره بما يتمول، لزمه ذلك وإن فسره بما لا يتمول، لم يقبل ذلك منه. فإن أقر بمأة وخمسين درهما لزمه، لأن قوله " درهما " يميز العددين جميعا (1) فإن قال: " له على ألف دينار أو درهم أو ما أشبه ذلك " لزمه القيام بما أقر به. فإن قال: " له علي ألف (1) ودينار " وجب عليه دينار ورجع إليه في تفسير الألف فبأي شيئ فسره سمع ذلك منه وهكذا الحكم سواء إذا قال: " له على ألف ودرهم أو ألف وثوب أو ألف ودابة، أو ألف ودور، أو ألف وعبد، وما أشبه ذلك " " الاستثناء من الجمل وأقسامه " وإذا (2) حملنا الاستثناء على حقيقته وأقر بأن لزيد عنده مأة درهم إلا درهما، كان صحيحا ويكون مقرا بتسعة وتسعين درهما ويلزمه ذلك فإن استثنى مجهولا من معلوم مثل أن يقول: " له عندي مأة درهم إلا ثوبا " أو يقول: " له عندي مأة دينار إلا سيفا " فإنه تلزم المأة درهم أو المأة دينار وعليه تفسير الثوب والسيف بالقيمة فإن قوم ذلك بما يبقى بعده من المأة شيئ قبل ذلك منه وأن قومه بما يستغرق المأة لم يقبل منه ذلك، لأنه يكون كمن أقر بشئ واستثنى جميعه وذلك لا يصح

(1) قال الشيخ ره في المبسوط: وفي الناس من قال إنه تفسير للخمسين والمأة على إبهامها والصحيح الأول لأنا لو جعلناه تفسيرا للثاني بقي الأول بلا تفسير وذلك لا يجوز (1) في نسختين زيادة " درهم " والظاهر أنها سهو (2) في نسخة " فإذن حملنا الاستثناء على حقيقته، وإذا أقر بأن لزيد الخ وعليه يكون في الكلام قبل هذا سقط وهو جواز الاستثناء في الاقرار وإن حقيقته أن يكون من جنس المستثنى منه وغير ذلك من أحكامه كما صرح بذلك كله في المبسوط.

[ 407 ]

" الاستثناء من الاستثناء " فإن استثنى مرتين وعطف الثاني على الأول بواو العطف فإنهما يكونان جميعا من الجملة الأولى المستثنى منها وإن لم يعطف الثاني على الأول بواو العطف كان الاستثناء الثاني عائدا إلى ما يليه من الاستثناء. فأما ما يكون بينهما واو العطف فمثل أن يقول: " له على عشرة إلا ثلاثة وإلا اثنين " فيكون ذلك استثناء الخمسة من العشرة، فإن لم يعطف الثاني على الأول فمثل أن يقول " له على عشرة إلا خمسة إلا اثنين " فإنه يكون استثناء الإثنين من الخمسة فبقى ثلاثة فيكون قد استثنى ثلاثة من العشرة فيلزمه سبعة. فإذا أقر فقال: " لزيد هذه الدار إلا هذا البيت منها " كان ذلك استثناء البيت وكذلك استثناء الفص من الخاتم، وذلك صحيح فإن قال: هذه الدار لزيد وهذا البيت منها لي " أو قال: " هذا الخاتم له والفص منه لي " فإن ذلك يكون بمنزلة الاستثناء، لأنه في معناه وأوضح منه لأنه صرح بمعنى الاستثناء هذا إذا وصل الاستثناء. فأما إن فصل بينهما بسكتة طويلة فإن الاستثناء لا يصح ويكون جميع الدار والخاتم مع فصه للمقر له. وإذا قال: " له علي مأة إلا درهمين " كان مقرا بثمانية وتسعين درهما. فإن قال: " عندي مأة إلا درهمان " كان مقرا بمأة، لأن المعنى عندي مأة غير درهمين. وهكذا لو قال: " له على مأة مثل درهمين " جاز أن يكون المعنى المأة مثل درهمين. وهكذا " له على مأة مثل ألف " كان عليه ألف لأن غيرا نقض (1) مثلا. وإذا قلت: " ماله عندي مأة إلا درهمين " وأردت أن تقر بما بعد إلا، رفعته لانك إذا قلت: ماله عندي مأة إلا درهمان، فإنما رفعت درهمين بأن جعلته بدلا من مأة فكأنك قلت: " ما له عندي إلا درهمان ". وإذا نصبت فقلت: " ماله عندي مأة إلا درهمين " فما أقررت بشئ لأن " عندي " لم ترفع شيئا فثبت له عندك، وكأنك

(1) في نسخة " نقص " والظاهر أنها تصحيف.

[ 408 ]

قلت ماله عندي ثمانية وتسعون درهما. " الاقرار بالمظروف ليس إقرار بالظرف " وإذا قال: " له ثوب في منديل " أو قال: " له عندي تمر في جراب (1) أو حنطة في غرارة (2)، أو عسل في عكة " (3) أو ما أشبه ذلك، لم يلزمه إلا اليقين وهو الثوب أو التمر أو الحنطة أو العسل فأما المنديل أو الجراب أو الغرارة أو العكة فلا يلزمه شيئ من ذلك لما قلناه من أنه لما يلزمه (4) اليقين، ويطرح الشك لأن الأصل برائة الذمة. وإذا قال: " له عندي عبد عليه عمامة دخلت العمامة في الاقرار. ولو قال: له عندي دابة عليها سرج " لم يدخل السرج في الاقرار، والفرق بين ذلك إن يد العبد تثبت على ما هو عليه فيكون لسيده المقر له، والدابة لا يثبت لها يد على ما عليها فلا يكون ما عليها لصاحبها إلا بالاقرار، وقوله عليها سرج ليس إقرارا بالسرج. ومن كان صحيحا من المرض وأقر بدين آخر، نظر في ماله، فإن كان فيه وفاء بجميع الدينين استوفا منه (5)، وإن لم يكن فيه وفاء لجميعهما قسم الحاصل منه على قدر الدينين. " الاقرار بالحمل " وإذا كان لرجل جارية ولها ولد، فأقر بأن ذلك الولد، ولده منها كان إقراره صحيحا بين كيفية الاستيلاء منها أو لم يبين ذلك. وإذا أقر الانسان لحمل بدين في ذمته أو غيره في يده وبين لذلك سببا صحيحا

(1) الجراب: وعاء من جلد (2) الغرارة: الجوالق.
(3) العكة: زقيق المسمن أصغر من القربة.
(4) كلمة " ل " جارة و " ما " موصولة.
(5) كذا في نسخة: وفي أخرى: استوفى. والصحيح " استوفيا "

[ 409 ]

مثل أن يقول: " لحمل هذه المرئة علي دين من جهة وصية أو ميراث " كان إقراره صحيحا. وإن بين له سببا غير صحيح، فغير صحيح مثل أن يقول: " له ذلك علي من جناية جنيتها عليه من قلع عين أو ما جرى مجراها، أو " هو له علي من معاملته " كان ذلك باطلا. فإن أطلق الاقرار ولم يبين شيئا مما ذكرناه كان صحيحا فإن بينه بعد ذلك بشئ مما ذكرناه فالقول فيه على ما تقدم. وإن كان حكم الاقرار للحمل صحيحا على ما قدمناه فيجب أن ينظر فيه، فإن انفصل من حين الاقرار حيا لأقل من ستة أشهر كان الاقرار صحيحا، لأن وجوده حين الاقرار كان متيقنا، فصح بذلك إنه إقرار لموجود وإن انفصل لأكثر من تسعة أشهر لم يصح الاقرار لأنا نتيقن بذلك إنه لم يكن موجودا والاقرار إنما يصح لموجود فأما المعدوم فلا يصح الاقرار له. فإن انفصل لستة أشهر وأكثر وتسعة أشهر وأقل نظر في حال المرئة فإن كان لها زوج يطؤها أو مولى كان الاقرار باطلا، لأنه يجوز أن يكون حدث بعد الاقرار له فلا يلزمه الاقرار وإذا احتمل لم يلزمه شيئ بالشك. وإن لم يكن لها زوج يطؤها ولا مولى كان الاقرار صحيحا لأنا نعلم بذلك أن الولد من ذلك الوقت. ثم ينظر في الحمل فإن كان واحدا وانفصل حيا فالاقرار له صحيح كما قدمناه وإن كان اثنين أحدهما ذكر والآخر أنثى وكان الاقرار عن وصية تساويا في قسمته بينهما وإن كان عن ميراث كان للذكر مثل حظ الأنثيين وإن كان الحمل الذكرين أو الأنثيين كان ذلك بينهما بالسوية. فإن كان ذكرا وأنثى ولدي أم (1) كان بينهما أيضا بالسوية لأن كلالة الأم تساوى في الميراث. وهذا الحكم في الحمل إذا انفصل حيا، فإن انفصل ميتا كان الاقرار له باطلا لأنه إنما يكون له حكم إذا انفصل حيا، فإن انفصل ميتا فإنه يكون في معنى المعدوم وذلك مما لا يصح الاقرار له.

(1) أي أخ الميت وأخته لامه لا لأبيه.

[ 410 ]

وإذا كان عند إنسان عشرة من العبيد فأقر لغيره بهم فقال: " هؤلاء العبيد لزيد إلا واحدا " كان الاقرار صحيحا ويرجع في تبين الواحد إليه. فإن بين التسعة المقر بهم كان كافيا في بيان الواحد، وإن بين الواحد كان كافيا في ذلك لأنه إذا بين أحد الوجهين وعينه تبين الآخر وتعين. فإذا اختلفا في الواحد فكذب المقر له للمقر كان القول قول المقر مع يمينه، لأنه أعلم بما أقر به وبما استثناه، ولأنه أيضا في يده. وإذا أقر إنسان بغصب فقال: (غصبت هذه الدار من زيد وملكها لعمرو) لزمه الاقرار وكان عليه تسليم الدار إلى زيد الذي إقرانه غصبه إياها، لأنه أقر له باليد وقد تكون في يده بإجارة أو رهن. فأما إقراره بأنها ملك لعمرو فلا يصح الاقرار بما هو في يد غيره، ويجرى ذلك مجرى قوله: " الدار التي في يد فلان لفلان " فإن ذلك لا يصح وشهادته بذلك لا يقبل، لأنه غاصب، وإذا كان كذلك وجب عليه تسليم الدار إلى زيد وتكون الخصومة فيها بين زيد وبين عمرو الذي أقر بأنها ملكه، وليس على هذا الغاصب ضمان في الدار لعمرو بإقراره بأنها ملكه، لأنه ما أقر له بشئ ثم حال بينه وبينه وإنما أقر لواحد منهما باليد وللآخر بالملك، وقد يجوز أن يكون في يد أحدهما بإجارة أو رهن كما قدمناه ويكون ملكا للآخر. " الاعراض بعد الاقرار " وإذا قال إنسان: " هذه الدار لزيد، لا بل لعمر " أو قال: " غصبتها من زيد لا بل من عمرو " فإن إقراره بها للأول لازم وعليه غرامتها للثاني، لأنه حال بينه وبين ما أقر به له ويجرى ذلك مجرى أن يتلف له مالا ثم يقر به لغيره في لزوم غرامته له. وإذا كان العبد مأذونا له في التجارة وأقر بما يوجب حقا على سيده (1) لم يقبل إقراره وإن أقر بما يوجب مالا وكان ذلك لا تعلق له بما أذن له فيه من التجارة مثل أن يقول: " أهلكت مال زيد " أو " غصبته مالا " لم يقبل إقراره بذلك.

(1) في نسخة " على بدنه " بدل " على سيده ".

[ 411 ]

فإن قال: " اقترضت منه مالا " كان ذلك في ذمته إلى أن يعتق ويطالب به. وإن كان إقراره بما يتعلق بمال التجارة مثل أرش المعيب أو ثمن مبيع أو ما جرى مجرى ذلك فإن إقراره بذلك مقبول، لأن المالك لشئ يملك الاقرار به فإن كان الاقرار بقدر ما في يده من مال التجارة قبل وقضى منه، وإن كان أكثر من ذلك كان الفاضل (1) في يده يطالب به إذا أعتق. وإذا قال رجل: " لزيد عندي ألف درهم وديعة شرط علي ضمانها " ثبت إقراره بالوديعة ولم يجب عليه ضمانها (2). وإذا قال: " لزيد علي ألف درهم في ذمتي " ثم جاء بألف وقال: " كان الألف الذي أقررت به لك وديعة عندي وهذا بدلها " كان ذلك جائزا لأنه يجوز أن يكون قد هلكت بتفريط منه فأحضرا العوض عنها. وإذا قال زيد لعمرو: لك على ألف درهم " ثم قال: " كانت لك عندي وديعة وكان عندي أنها باقية فأقررت بها لك فإذا بها تالفة في ذلك الوقت (2) لم يقبل ذلك منه، لأنه تكذيب إقراره بعده، ولو ادعى هلاكها بعد الاقرار قبل منه لأنه ما فسره إقرار بوديعة ولم يكذب إقراره وإنما ادعى هلاك ما أقر به بعد ثبوته بإقراره. فإذا كان في يد إنسان عبد فأقر أنه لزيد وصدقه العبد وعلى ذلك صح إقرار السيد ولم يصح إقرار العبد، لأن يد السيد ثابتة على العبد لأنه يملكه ويد العبد غير ثابتة على نفسه لأنه لا يملكها، ولأن إقرار العبد أيضا إقرار بمال السيد عليه وإنما يقبل إقراره في الجنايات التي تتعلق برقبته أو اتلاف المال فإن كذب (3) السيد في إقراره فالصحيح أن العبد ينعتق، لأن الذي كان في يده أقر بأنه ليس له والذي أقر له به

(1) الظاهر سقوط " مما " أو تكون " في يده " تصحيف ويكون الصحيح " في ذمته ".
(2) لأن شرط الضمان في الوديعة باطل.
(3) أي وقت الاقرار (4) أي كذب زيد المقر له

[ 412 ]

انكره واقرار العبد لم يصح فلم يثبت (1) عليه لأحد ملك فينبغي أن ينعتق كما قدمناه وإذا التقط إنسان لقيطا ورباه ثم أقر الملتقط بأنه عبد لزيد لم يقبل إقراره، لأن الظاهر في اللقيط الحرية. وإذا ادعى إنسان على غيره أنه مملوكه وأنكر العبد ذلك كان القول قول المدعى عليه مع يمينه لأن الظاهر من الحال، الحرية. فإن لم ينكر دعواه وأقر بما ادعاه من الرق ثم ادعى إنه أعتقه وأنكر سيده ذلك كان القول قول السيد. لأن الأصل هي نفى العتق. وإذا أقر فقال: " لزيد عندي درهم ودرهم " لزمه درهمان وكذلك لو قال: " لزيد عندي درهم ودرهم ودرهم " لزمه ثلاثة دراهم، وكذلك إذا عطف درهما على درهم بلفظ " ثم " فإن قال: " له عندي درهم فدرهم " لزمه درهمان، لأن الفاء من حروف العطف فهي وإن أفادت التعقيب فليس له هاهنا فائدة. وإذا أقر فقال: " لفلان عندي قفيز لا بل قفيزان " لزمه قفيزان وكذلك لو قال: " درهم لا بل درهمان " لأن " بل " للاضراب عن الأول والاقتصار على الثاني. فإن قال: درهم لا بل أكثر منه لزمه درهم وزيادة عليه فإن قال " له على قفيز حنطة لا بل قفيز شعير " لزمه قفيز حنطة وقفيز شعير لأنه أقر بجنس آخر فلا يقبل منه النفى للأول وإذا قال إنسان يوم الخميس: " لزيد على درهم " ثم قال يوم الجمعة: " له على درهم " وجب عليه درهم واحد ويرجع في التفسير إليه. فإن قال يوم الخميس: " لزيد على درهم من ثمن مملوك " وقال يوم الجمعة: " له على درهم من ثمن ثوب " وجب عليه درهمان، لأن ثمن المملوك غير ثمن الثوب وكذلك الحكم في كل إقرارين أضيف كل واحد منهما إلى سبب غير السبب الذي يضاف الآخر إليه. وإذا قال: " لزيد على درهم لا بل درهم " وجب عليه درهم واحد، لأنه أمسك ليستدرك ولم يذكر فليس عليه غير ذلك. ولو قال: " لزيد على عشرة لا بل تسعة "

(1) في نسختين " فلو ثبت " والظاهر أنها تصحيف.

[ 413 ]

وجب عليه عشرة لأنه نفى درهما من العشرة على غير وجه الاستثناء فلم يقبل منه ولا يجرى ذلك مجرى قوله: " له على عشرة إلا درهم " في أنه يقبل ذلك منه، لأن للتسعة عبارتين: الواحدة بلفظ التسعة، والأخرى بلفظ العشرة واستثناء الواحد فبأيهما أتى فقد أتى بعبارة التسعة، فليس كذلك قوله: " على عشرة لا بل تسعة " لأنه أقر بالعشرة ورجع عن بعضها فلم يصح رجوعه. وإذا أقر رجل لميت بحق وقال: " هذه امرأته وهذا ابنه ولا وارث له غيرهما " وجب عليه دفع المال إليهما، لأنه أقر بأنه لا يستحق المال غيرهما. فان قال: " هذا المال لزيد الميت " أو قال: " لزيد الميت على مال وهذا الصبي ولده وهذا وصيه " لم يجب عليه دفع المال إلى الوصي: لأنه لا يأمن من أن يبلغ الصبي فينكر وصية الوصي وإذا أنكر سمع ذلك منه ويجوز تسليم المال إلى الحاكم، لأن له على الصبي ولاية ولا يتمكن من إنكارها ولا تثبت ولاية للطفل إلا ببينة. وإذا ادعى إنسان على غيره مالا في مجلس الحاكم فقال المدعى عليه: لا أقر ولا أنكر " ألزمه الحاكم أن يأتي بجواب صحيح ويقول: " هذا ليس بجواب صحيح، فإن أجبت بصحيح وإلا جعلتك ناكلا ورددت اليمين على خصمك " فإن لم يأت بجواب صحيح استحب للحاكم أن يكرر ذلك عليه ثلاث مرات فإن لم يجب بجواب صحيح جعله ناكلا ورد اليمين على خصمه. فإن قال: " لا أدري ما يقول " لم يكن جوابا صحيحا مع علمه بما يقول. فإن قال: " أنا مقر أو منكر " لم يكن أيضا جوابا صحيحا. فإذا قال: " أنا مقر بما يدعيه ومنكر لما يدعيه " كان ذلك جوابا صحيحا وحكم الحاكم عليه (1). وإذا قال إنسان: " لزيد على ألف درهم " وسكت ثم قال: " من ثمن مبيع لم اقبضه " وجب عليه الألف ولم يسمع منه ما ادعاه من المبيع، لأنه أقر بالالف ثم فسره بما يسقط ولا يقبل إقراره به. فإن قال: لزيد على ألف درهم وسكت ثم قال قد قبضها كان جاريا مجرى

(1) في نسخة زيادة " بحبسه "

[ 414 ]

الأول، فإن قال " لزيد على ألف درهم من ثمن مبيع " وسكت ثم قال: " لم اقبضه " سمع منه ذلك لأن قوله بعد سكوته لم اقبضه غير مناف لاقراره المتقدم لأنه يجوز أن يكون عليه ألف درهم ثمنا ولا يجب عليه تسليمها حتى يقبض المبيع، وأيضا فإن الأصل أن لا قبض. فإن قال " لزيد على ألف درهم مؤجلا إلى الوقت الفلاني " وجب عليه ذلك في الأجل المذكور. وإذا شهد شهود على إنسان بإقراره ولم يقولوا " وهو صحيح العقل " كانت الشهادة صحيحة بذلك الاقرار، لأن الظاهر أن الشهود لا يتحملون الشهادة على من ليس بعاقل ولأن الظاهر صحة إقراره أيضا. فإن شهدوا وقالوا: " وهو صحيح العقل " كان ذلك منهم تأكيدا وإذا كان الأمر في الشهادة بالاقرار على ما ذكرناه وادعى المشهود عليه إنه أقر وهو مجنون وأنكر المقر له ذلك كان القول قوله مع يمينه، لأن الأصل فقد الجنون وعدمه. فإن ادعى أنه أكره على الاقرار لم يسمع منه ذلك لأن الأصل فقد الاكراه. فإن أتيت بينة على أنه كان مقيدا أو محبوسا وادعى الاكراه قبل ذلك منه، لأن الظاهر من حال المقيد والمحبوس إنه كان مكرها على التصرف والاقرار. وإذا قال إنسان: " لزيد على دينار في عشرة، أو درهم في عشرة " وكان يريد بذلك ضرب الحساب، وجب عليه عشرة دنانير أو عشرة دراهم، لأن الواحد في عشرة، عشرة. وإن لم يرد ضرب الحساب وجب عليه دينار واحد أو درهم واحد، لأنه يكون المعنى فيه " له دينار في عشرة لي " ويجرى ذلك مجرى القول بأن له علي عمامة في صندوق، أو قميص في منديل، وما أشبه ذلك. وإذا ادعى إنسان على صبي البلوغ وقال الصبي: " لم أبلغ " كان على المدعي البينة فيما ادعاه من بلوغ الصبي: إما بأن (1) شهد شهود بأنه ولد في سنة معينة ثم

(1) في نسخة " فإن " وفي أخرى " وإن " والظاهر إنهما تصحيف

[ 415 ]

ينظر فيه من هذه السنة إلى السنة التي ادعى عليه فيها البلوغ فيكون خمسة عشرة سنة أو يقر الصبي بالبلوغ، أو شاهد (1) منه الانزال، فإن عدم المدعي البينة على ما ادعاه من ذلك وطلب يمين الصبي على أنه لم يبلغ، لم يجب له ذلك، وكان القول قول الصبي بغير يمين، لأن إثبات يمينه يقتضي إبطالها ونفيها، لأن الصبي إذا حلف على أنه صبي وحكمنا بصباه أبطلنا يمينه لأن يمين الصبي غير صحيحة. فإن أقر الصبي بالبلوغ ووجد لم يبلغ القدر الذي يمكن البلوغ فيه لم يلتفت إلى إقراره. وإن كان قد بلغ ذلك القدر كان إقراره صحيحا وحكم عليه بالبلوغ، لأنه أقر بما يمكن كونه صادقا فيه ولا يجوز المطالبة له بيمين على ما أقر به، لأنه لا يتعلق بذلك حق لغيره وإنما يتعلق به حق لنفسه. والصبية إذا أقرت بأنها قد حاضت كان الحكم فيما أقرت به من ذلك كالحكم الذي ذكرناه في إقرار الصبي بالبلوغ. وإذا قال إنسان: " لزيد على درهم ودرهمان، أو دينار وديناران " وجب عليه ثلاثة دراهم أو ثلاثة دنانير لأنه عطف الدرهمين على الدرهم، وكذلك الدينارين على الدينار والمعطوف غير المعطوف عليه. وإذا قال الانسان: " تملكت هذه الدار من زيد " كان ذلك إقرارا منه بالدار لزيد وفيه الدعوى منه بأن ملك زيد قد زال عنها وملكها هو، فإذا كان كذلك وخالفه زيد في ذلك كان القول قول زيد المقر له مع يمينه. فإن قال: " هذه الدار قبضتها من يد زيد فإنه يكون مقرا لزيد باليد ويجب عليه تسليم الدار إليه وعليه البينة فيما ادعاه من سقوط حق اليد وانتقاله إليه، فأن لم يكن له بينة كان القول قول المقر له مع يمينه. فإن قال: " هذه الدار قبضتها على يد زيد، أو ملكتها على يد زيد " لم يكن ذلك إقرارا بيده ولا ملكه لأن ظاهر هذا اللفظ أنه قبضها أو ابتاعها بوساطته أو معونته.

(1) لعلها تصحيف، والصحيح " شاهدوا " أو يكون هو الحاكم.

[ 416 ]

وإذا قال إنسان: " على لبهيمة زيد مأة درهم، أو عشرة دنانير، أو ما أشبه ذلك كان هذا الاقرار باطلا، لأن البهيمة لا يثبت لها مال. ولو قال: " على بسبب هذه البهيمة مأة درهم " وما أشبه ذلك كان هذا الاقرار صحيحا لأن معنى السبب أن يكون ذلك المال ثبت عليه من أجرة منافعها أو من جناية عليها أو ما جرى مجرى ذلك. فإن قال: " لعبد زيد على مال " كان ذلك صحيحا ويكون إقرارا لسيد العبد لأن العبد يصح له أن يثبت له مال من اكتساب أو غيره فإذا ثبت له ذلك ثبت لسيده. وإذا أقر إنسان بأن غيره والده أو والدته وصدقه ذلك الغير فيما أقر به كان إقراره مقبولا وتوارثا، فإن لم يصدقه في ذلك كان إقراره باطلا. فإن أقر بأن غيره ولده وكان المقر به مشهورا بالنسبة إلى غير المقر به كان إقراره أيضا باطلا وإن لم يكن مشهورا بذلك قبل إقراره والحق الوالد (1) به سواء صدقه الولد في ذلك أو لم يصدقه وتوارث (2). فإن أقر بزوجة وصدقته في ذلك قبل إقراره وتوارث، وإن لم تصدقه كان إقراره باطلا فإن أثبت بينة بما أقر به حكم له بها، وإن لم يثبت له بينة بذلك لم يلتفت إلى إقراره فإن أقرت المرأة بزوج كان الحكم فيها كالحكم في الرجل سواء. فإن أقر بولد أو أخ أو أخت أو غير ذلك من ذوي الأرحام قريبا كان أو بعيدا وكان للمقر ورثة مشهوري النسب لم يقبل إقراره إلا ببينة ولم يتوارثا، سواء صدقه المقر به أو لم يصدقه. وإن لم يكن له ورثة غير الذي أقر به وصدقه في ذلك، قبل إقراره وتوارثا. وإن لم يصدقه كان إقراره باطلا. فإن هلك إنسان وخلف وارثا فأقر بعضهم بوارث آخر وكان المقر به أولى من المقر بالميراث سلم إليه المقر جميع ما حصل في يده من الميراث. وإن كان مثله دفع

(1) لعلها تصحيف والصحيح " الولد " (2) لعل أصلها " توارثا ".

[ 417 ]

إليه مقدار ما كان نصيبه من سهمه بغير زيادة ولا نقص. فإن أقر بوارث جماعة كان الحكم فيهم مثل ما تقدم. فإن أقر بوارثين هما جميعا أولى منه بالميراث والواحد منهما أولى من الآخر بذلك، دفع المقر إلى الأولى منهما ما في يده من الميراث ولم يكن للآخر شئ. فإن أقر بأكثر من وارث وكان المقر لهم متساوين في الميراث وتناكروهم فيما بينهم ذلك النسب لم يلتفت إلى إنكارهم وقبل إقراره لهم، فإذا انكروا إقراره لم يكن لهم من الميراث شئ وإن أقروا له بمثل ما أقر لهم به توارثوا (1) بينهم إن كان المقر له (2) والدا أو ولدا فإن كان غيرهما من ذوي الأرحام لم يتوارثوهم وإن صدق بعضهم بعضا ولا يتعدى الحكم (3) فيه إلى مال الميت. فإن أقر بوارث هو أولى منه بالميراث كان عليه أن يدفع المال إليه كما قدمناه. فإن أقر بوارث - بعد ذلك - هو أولى منهما كان عليه أن يغرم للثاني مثل الذي دفعه إلى الأول وهكذا يجب عليه إن أقر بوارث ثالث أو رابع أو خامس أو أكثر من ذلك بالغا ما بلغ إقراره به. فإن أقر بوارث أولى منه بالميراث وسلم إليه ما في يده منه (4) ثم أقر بعد ذلك بوارث مساو للمقر له في الميراث كان عليه أن يغرم له مثل ما كان يستحقه من أصل الميراث. فإن أقر بوارث يساويه في الميراث وقاسمه إياه ثم أقر بوارث هو أولى منهما وجب عليه أن يغرم له مثل جميع المال. فإن كانت الميت امرأة وأقر هذا المقر بزوج لها، وجب عليه أن يدفع إلى الزوج ما كان نصيبه من سهمه وإن أقر بزوج آخر كان إقراره باطلا. فإن أكذب نفسه في الاقرار بالزوج الأول وجب عليه أن يغرم للزوج الثاني ما يستحقه من الميراث، ولم يكن له على الأول سبيل.

(1) أي الذين يقر لهم أولا وكانوا أكثر من وارث (2) أي الذي أقر أولا (3) أي عدم التوارث (4) أي من الميراث، وكلمة " من " بيانية

[ 418 ]

فإن كان المقر ولدا فأقر بزوجة للميت وجب عليه أن يدفع إلى الزوجة ثمن ما كان في يده من الميراث فإن أقر بزوجة ثالثة دفع إليها ثلث ثمن ما في يده من الميراث أيضا. فإن أقر برابعة دفع إليها (1) ثمن ذلك، فإن أقر بخامسة، وقال بأن واحدة ممن كان أقر منهن ليست زوجة، لم يلتفت إلى نفيه لها ووجب عليه أن يغرم للتي أقر بها قبل ذلك (2) فإن لم ينكر واحدة من الأربع لم يلتفت إلى إقراره بالخامسة. فإن أقر في دفعة واحدة نسوة لم يكن لهن أكثر من الثمن يقسم بينهن بالسوية. فإن أقر اثنان من الوراث بوارث وكانا مرضيي العدالة قبلت شهادتهما للمقر له والحق بنسب الميت وقاسم (3) الوارث إلا أن يكون مشهورا بالنسب للآخر فإنه حينئذ لا يلتفت إلى شهادتهما. فإن لم يكونا مرضيي العدالة لم يثبت له النسب ولم يلحق بالميت ولزمهما في نصيبهما مقدار ما كان نصيبه من سهمهما من غير زيادة ولا نقص في ذلك. فإن خلف الميت زوجة وأخا وأقرت الزوجة بابن للأخ (4) وانكره الأخ لم يثبت نسبه إلا أنه يقاسمها والمرأة تدعي أن لها الثمن، لأن لمورثها إبنا فإن كان في يدها لم يأخذ الأخ إلا ثلاثة أرباعه لأنه هو القدر الذي يدعيه فيقول " لها الربع " لأنه ليس لمورثها ابن فبقى في يدها الربع وهي تدعى نصفه فيكون لها والباقي ترده على الإبن. فإن ترك الميت ابنين أحدهما عاقل، والآخر مجنون فإن أقر العاقل بنسب أخ لم يثبت النسب بإقراره، لأنه واحد فإن أفاق المجنون ووافق أخاه على إقراره بالاخ الآخر ثبت النسب والميراث وإن خالفه في ذلك لم يثبت نسبه وشاركه في مقدار ما يخصه فإن مات وهو مجنون فإن ورثه المقر جميع ماله قاسم المقر به فإن ترك الميت ابنين أحدهما كافر والآخر مسلم فأقر أحدهما باخ وكان الميت كافرا، فميراثه للمسلم

(1) الظاهر سقوط كلمة " ربع " (2) أي قبل الانكار والنفي (3) أي صار قسيما للوارث (4) أي الميت

[ 419 ]

فإن أقر بنسب قاسم المقر به إن كان مسلما وإن لم يكن مسلما أخذ بجميع الميراث ولم يكن لجحود الكافر لذلك اعتبار، لأنه لا يرث شيئا وجميع المال للمسلم. وإذا خلف الميت ابنين أحدهما قاتل كان المال كله للذى ليس بقاتل وإن أقر بنسب أخ شاركه في الميراث وإن أقر القاتل لم يثبت له لأنه ليس يستحق شيئا من الميراث. وإذا أقر الانسان وهو مريض - وكان في حال إقراره كامل العقل موثقا بعدالته مأمونا غير متهم - للوارث أو الأجنبي بشئ، كان إقراره ماضيا ويكون ما أقر به من أصل ماله فإن كان متهما وغير موثق به، طولب للمقر له ببينة تشهد له بذلك فإن اثبت بينة به سلم إليه ذلك من أصل المال وإن لم تكن له بينة دفع ذلك إليه من الثلث إن بلغ ذلك، فإن لم يبلغه لم يدفع إليه أكثر منه وإذا كان على إنسان دين فأقر بأن جميع ما يملكه لبعض وراثه لم يقبل منه ذلك إلا ببينة تثبت للمقر له بذلك فإن لم تكن له بينة به دفع إلى صاحب الدين ماله وكان الباقي ميراثا بين وارثه. وإذا أقر بشئ وقال لوصيه ادفعه إلى زيد فهو له، وطالب الوارث الوصي بذلك فإن كان المقر عنده مرضيا مأمونا جاز له أن ينكر ذلك ويحلف عليه ويسلمه إلى المقر له وإن كان عنده غير مرضى ولا مأمون لم يجز له ذلك ويجب عليه إظهاره ويلزم المقر له إثباته ببينة فإن اثبت له بينة سلم إليه، وإن لم تثبت له بينة كان ميراثا وإذا قال " لفلان ولفلان أحدهما على مأة دينار " طولبا بالبينة على ذلك فمن ثبت له البينة سلمت المأة إليه وإن لم تثبت لأحدهما بينة قسمت بينهما نصفين وإذا أقر بعض الوارث على الميت بدين كان إقراره جائزا على نفسه ولزمه من ذلك بمقدار ما يخصه من الميراث بغير زيادة على ذلك. فإن أقر بالدين اثنان من الوارث وكانا مرضيي العدالة موثوقا بهما قبلت شهادتهما وأمضيت على باقي الوراث وإن لم يكونا مرضيين وجب عليهما من الدين الذي أقرا به بمقدار ما يصيبهما من الميراث.

[ 420 ]

فإن كان على الميت دين وترك مالا دون الدين قضى به الدين ولم يكن هناك وصية ولا ميراث وتقسم ما تركه على أصحاب الدين بحسب حصصهم إن كانوا أكثر من واحد وإن كان واحدا سلم إليه ذلك فإن وجد متاع بعض أصحاب الدين بعينه وكان فيما بقي من التركة وفاء لدين الباقي من الديان سلم المتاع إلى صاحبه وقضى دين الباقين مما بقي من التركة. وإن لم يترك الميت غير ذلك المتاع كان صاحبه وغيره من الديان فيه سواء، يقتسمونه فيما بينهم على حسب حصصهم. وإذا أقر المريض بأن بعض مماليكه ولده ولم يعينه ولا ميزه من غيره بصفة ومات أخرج منهم واحد بالقرعة والحق به وورث ماله. وإذا أقر إنسان بأن عليه زكاة لعدة سنين وأمر بإخراجها عنه، وجب إخراجها من أصل المال لأنها بمنزلة الدين ويكون الباقي ميراثا. فإن كان عليه شيئ من الزكاة وكانت حجة الاسلام قد وجبت عليه وفرط فيها وخلف دون ما يقضي به الحجة والزكاة حج عنه من أقرب المواضع وصرف ما بقي في أرباب الزكاة. ومن قتل وعليه دين وجب على وليه أن يقضي دينه من ديته سواء كان قتله عمدا أو خطأ فإن كان قتله عمدا وأراد أوليائه القود أو العفو، لم يجز لهم ذلك إلا بعد أن يرضوا أصحاب الدين فإن أرضوهم كان لهم بعد ذلك القود أو العفو. " في منجزات المريض " وإذا وهب المريض في حال مرضه شيئا واقبضه كانت الهبة صحيحة ولم يكن للوارث الرجوع فيها. وإن لم يكن قبضها ومات، كانت ميراثا وكذلك حكم ما يتصدق به في حال حياته. وبيعه في حال مرضه صحيح إذا كان ثابت العقل مالكا لرأيه فإن كان المرض قد غلب على عقله كان ذلك باطلا. وإذا تلفظ الموصى بالوصية وكان ثابت العقل كانت وصيته ماضية فإن اعتقل

[ 421 ]

لسانه وكان ممن يحسن الكتابة كتبها وأمضيت بحسب ذلك فإن لم يقدر على الكتابة وأومى بها وفهم مراده من ذلك، أمضيت أيضا على حسب ما يؤمي به ويفهم منه. فإن قال له إنسان " تقول كذا وكذا وتأمر بكذا وكذا " فأشار برأسه كما يفيد إشارته به " نعم " كان ذلك جائزا بشرط ثبوت عقله كما قدمناه. واول ما يبدء به من التركة الكفن ثم الدين ثم الوصية ثم الميراث وإذا لم يترك الميت إلا مقدار الكفن كفن به ولم يقض به دين فإن تبرع إنسان بتكفينه صرف ما تركه في الدين. وإذا غاب رجل عن أهله وترك لهم نفقة سنة ومات بعد شهر وجب على أهله رد ما فضل عن نفقة الشهر إلى الميراث وكان من جملته. " تم كتاب الاقرار "

[ 422 ]

" كتاب الوديعة " قال الله سبحانه: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها " (1) وقال الله تعالى: " فإن امن بعضكم بعضا فليؤد الذي ائتمن أمانته " (2) وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: " اد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " (3) وروي أنه صلى الله عليه وآله لما أراد الهجرة كانت عنده ودائع أودعها أم أيمن وأمر أمير المؤمنين عليه السلام بردها على مستحقها (4) فجواز الوديعة لا خلاف في صحتها وهي أمانة، فمن كانت عنده وديعة فطلبها صاحبها وجب ردها عليه وليس عليه فيها ضمان إلا بتفريط وإذا أراد المقيم أن يؤدي الوديعة ردها على صاحبها أو وكيله فإذا فعل ذلك لم يكن عليه شيئ فإن كان متمكنا من ردها على صاحبها أو وكيله ثم ردها على الحاكم أو ثقة الحاكم كان ضامنا لها وإذا لم يقدر على المودع (5) ولا وكيله وردها على الحاكم أو ثقة من غير عذر كان

(1) النساء، الآية 58 (2) البقرة، الآية 283 (3) المستدرك - كتاب الوديعة - باب وجوب أداء الأمانة - الحديث 12 (4) المصدر السابق.
(5) مبنى للفاعل

[ 423 ]

عليه ضمانها فإن كان ذلك عن عذر مثل حريق أو نهب لم يكن عليه ضمان. ولا يجوز للمودع (1) السفر بالوديعة على حال إلا أن يكون في البلد الذي هو فيه خوف من نهب أو حريق ويخاف من ذلك فيجوز له حينئذ السفر بها ومتى أراد السفر ردها على صاحبها أو وكيله، فإن لم يتمكن منهما وردها إلى الحاكم أو ثقته فلا ضمان عليه فيها، فإن كان متمكنا من ردها إلى صاحبها أو وكيله فردها إلى الحاكم أو ثقته كان عليه ضمانها. فإن أراد المودع السفر فدفنها كان عليه أيضا ضمانها، لأنه تعدى بها وإذا تعدى المودع في الوديعة كان عليه ضمانها، فإن أعادها إلى حرزها لم يزل ضمانها عنه إلا أن يردها على صاحبها أو وكيله. وإذا طولب المودع برد الوديعة فلم يردها مع تمكنه من الرد كان عليه ضمانها وكذلك إن جحدها فإن اعترف بها بعد ذلك لم يزل الضمان، وكذلك خلطها بغيرها وإذا أودع إنسان غيره وديعة وشرط عليه ضمانها لم يصح الشرط وكانت غير مضمونة. وإذا تعدى المودع في الوديعة فأخرجها من حرزها فقد قلنا أن عليه ضمانها. فإن ردها إلى صاحبها ثم أعادها صاحبها إليه على وجه الوديعة فقد زال ضمانها عنه فإن عزم المودع على التعدي في الوديعة ولم يتعد فيها فلا ضمان عليه بذلك العزم، لأن الضمان يلزم بالتعدي لا بالعزم عليه والتعدي في ذلك لم يحصل. وإذا كان عنده وديعة مشدود عليها في خرقة أو ما جرى مجراها أو كانت في كيس مختوم عليها فقطع خيطه أو حله أو كسر الختم كان عليه ضمانها لأنه قد هتك الحرز وإن خرق الكيس فوق الشد والختم لم يكن عليه ضمان وعليه أرش ما نقص بالتخريق من الكيس وإن كان التخريق - شق أو بط - (2) من تحت الشد أو من تحت الكيس فإن عليه

(1) مبنى للمفعول وكذا ما يأتي بعده (2) بط بطا الصرة: شقها والظاهر أنه أخص من الشق

[ 424 ]

ضمانها سواء أخذها أو لم يأخذها فإن كانت الوديعة في غير حرز مثل أن يكون دنانير أو دراهم مصبوبة في شيئ فيأخذ المودع منها دينارا أو درهما لم يكن عليه إلا ضمان ما أخذه دون الباقي لأنه هو الذي تعدى فيه، وغيره على ما كان عليه فإن رد ما أخذه بعينه سواء تميز من الباقي أو لم يتميز منه فإنه لا ضمان عليه. فإن لم يرد ذلك بعينه بل رد بدله فإن كان هذا البدل يتميز من الباقي كان عليه ضمان ما أخذه دون الباقي، وإن كان لا يتميز من ذلك كان عليه ضمان الجميع، لأنه خلط مال صاحب الوديعة بمال غيره من غير إذن مالكه له في ذلك وإذا كانت الوديعة حيوانا وأمره صاحبها بعلفها وسقيها لزمه ذلك فإن لم يفعل حتى هلكت من تركه لذلك كان عليه ضمانها. فإن سقاها بنفسه في بيته كان ذلك منه غاية في حفظه لها ولا ضمان عليه وكذلك إذا أمر غلامه بسقيها في بيته لأن العادة جارية بأن يأمر الانسان غلامه بذلك ولا يتولاه بنفسه. فإن كان في داره نهر أو بئر تسقى دوابه منه ويمكنه سقى الوديعة منه فأخرجها إلى بئر ليسقيها كان عليه الضمان لأنه أخرجها من غير حاجة إلى إخراجها ولا عذر له في ذلك وإن لم يكن في داره بئر ولا نهر فأخرجها إلى موضع جرت العادة في بلده بإخراج الدواب إليه ليسقي منه من بئر أو نهر فحدث بها حادث لم يكن عليه ضمان فإن كان المودع أطلق الأمر ولم يذكر للمودع سقيا ولا علفا لزمه ذلك، لأن العادة جارية بأن السقى والعلف لا بد منه. فإن أمره بأن لا يعلفها ولا يسقيها فهلكت من تركه لذلك لم يكن عليه ضمانها، وإن كان هو آثما في تركه القيام بها وقبول أمر صاحبها بترك ذلك، ويجرى ذلك مجرى أمره له بأن يقتل عبده فقتله في أنه يكون آثما بقبول أمره بقتله وسقوط ضمانه له. وإذا كانت الوديعة من الإبل والبقر والغنم أو غير ذلك من الحيوان وصاحبها غائب، فأنفق المستودع بغير أمر الحاكم كان، متطوعا فإن رفع أمره إلى الحاكم وأثبت عنده أن الوديعة لزيد الغائب، أمره الحاكم بالنفقة عليها فتكون هذه

[ 425 ]

النفقة دينا له على صاحب الوديعة ويجوز له مطالبته، فإذا حضر وطالب، الزمه الحاكم الخروج إليه منها. فإن اجتمع عنده من البانها شيئ وخاف فساده، أو كانت نخلا فاجتمع عنده من ثمرها شيئ فباع ذلك بغير أمر صاحب الوديعة وهو في البلد كان ذلك ضامنا لذلك وإن باع بأمر الحاكم وهلك الثمن لم يكن عليه ضمان وإذا ادعى المستودع أنه انفق الوديعة على أهل المودع بأمره وصدقه أهله في ذلك وأنكر صاحب الوديعة ذلك وقال: " لم آمرك بإنفاقها على عيالي " كان القول قول صاحب الوديعة مع يمينه. وكذلك الحكم إذا ادعى المستودع أن صاحب الوديعة أمره بالصدقة. وإذا أودع إنسان عند غيره وديعة وشرط عليه أن لا يخرجها من موضع عينه، ولا فرق في أن يكون الموضع مكانا أو بلدا أو قرية، فنقلها من ذلك الموضع فإن كان نقلها لضرورة مثل الخوف عليها من حريق أو نهب أو غرق، لم يكن عليه ضمانها. وإن كان نقلها لغير ضرورة كان عليه ضمانها. فإن نقلها وادعى إنه لم ينقلها إلا لأجل الخوف من النهب والحريق لم يقبل قوله إلا ببينة تشهد له بذلك فإن ادعى هلاكها - بسرقة أو غصب أو اتلاف - من يده كان القول قوله مع يمينه من غير بينة والفرق بين الموضعين أن الحريق والنهب والغرق لا يخفى ويمكن إقامة البينة عليها. وإذا أودع وديعة وادعى المودع ردها على صاحبها وأنكر المودع ذلك كان القول قول المودع مع يمينه لأنه أمينه. وإذا ادعى إنسان وديعة فقال المودع " ما أودعتني " كان القول قول المودع مع يمينه، لأن اليمين على المنكر والبينة على المدعي. وإذا قال: " أمرتني بأن أدفعها إلى زيد ودفعتها إليه " فأنكر وقال: " ما أمرتك بذلك " كان القول قول صاحبها مع يمينه لأن الأصل أن لا دفع.

[ 426 ]

وإذا أودعها في كيس فأخرجها منه كان ضامنا لها لأنه هتك حرز صاحبها، ويجرى ذلك مجرى ايداعها في صندوق فيخرجها منه، في إنه يلزمه ضمانها لأنه هتك الحرز. وإذا أودعها صاحبها وهي في كيس فتركها المودع مع مال له في صندوق فيحرق الكيس لم يلزمه ضمان فإن هلك منه شئ هلك من مالهما جميعا على مقدار ما كان لكل واحد منهما وإذا أودعه صندوقا وشرط أن لا يرقد عليه فرقد أو نام أو زاده قفلا آخر لم يكن عليه ضمان ويجرى ذلك مجرى أن يقول له: " أتركها في صحن دارك " فيدخلها بيتا ويغلقه عليها في إنه لا ضمان عليه لأنه زاده حرزا، ولا يصح قول من يقول بأنه بالزيادة قد نبه على أن فيه مالا وبضاعة فيلزم لذلك الضمان، لأنه لو قال بأن فيه مالا لا يضمن فبالتنبيه أولى. وإذا أودعه خاتما وأمره أن يجعله في اصبعه البنصر (1) فجعله في الخنصر كان عليه ضمانه لأن البنصر أقوى في الحرز من الخنصر. فإن أمره بأن يجعله في الخنصر فجعله في البنصر لم يكن عليه ضمان لأنه بجعله في زاده حرزا فإن أمره بأن يجعله في الخنصر فجعله في البنصر فانكسر كان عليه ضمان الأرش، لأنه تحامل عليه وتعدى فيه فيلزمه ضمان الأرش لذلك. وإذا أودع إنسان وديعة وقال للمودع: اجعلها في كمك فجعلها في يده كان ضامنا لها لأنه خالف صاحبها فيما شرط عليه وليس لأحد أن يسقط ضمانه لها بأن اليد أحرز من الكم لأنه يعلم ذلك ومع علمه به فقد شرط عليه جعلها في كمه ولا يمتنع أن يكون له غرض في ذلك ليس بحاصل في جعلها في اليد. وإذا أودعه شيئا وقال له اجعله في جيبك فطرحه في كمه كان عليه الضمان فإن قال له: " اربطه في كمك " فطرحه في جيبه لم يكن عليه ضمان لأن الجيب أحرز من الكم فإن قال له " اجعله في جيبك " فجعله في فمه كان عليه الضمان، لأنه جعله فيما هو دون ما

(1) البنصر بالكسر: الإصبع بين الوسطى والخنصر

[ 427 ]

أمره بأن يجعله فيه لأنه ربما سقط من فيه أو بلعه لأن الجيب لا يسقط منه شيئ إلا أن يبط (1). وإذا أودعه شيئا وهو في طريق أو سوق وقال له: " اجعله في بيتك " وجب عليه حمله إلى بيته في الحال فإن أخر ذلك لغير ضرورة كان عليه الضمان ولذلك يلزمه أن يمضي في الحال إلى بيته فقصر في المشى (2) عادته فإن مشى على عادته ووصل إلى بابه ووقف يدق مقدار ما جرت العادة بأنه يفتح فيه فهلكت الوديعة لم يكن عليه شيئ وإذا أودع رجل عند صبي وديعة فهلكت لم يلزم فيها ضمان فإن أودع صبي عند رجل وديعة وجب على الرجل ضمانها لأن إيداع الصبي وإن لم يكن له حكم فقد أخذها الرجل ممن ليس له الأخذ منه فإن ردها على الصبي لم يزل الضمان، لأن بالأخذ لها قد وجب عليه ذلك فليس يسقط بهذا الرد، لأنه رد على من ليس له أن يرد عليه فإن ردها على ولي الصبي زال الضمان عنه بذلك. وإذا مات إنسان ووجد في " روزنامجه " مكتوب " لزيد عندي كذا وكذا " أو وجد في خزانته شيئ مكتوب عليه " لفلان بن فلان " لم يجب على الورثة رد ذلك إلى من وجد اسمه مكتوبا عليه لأنه يجوز أن يكون الميت رد عليه ذلك ولم تزل الكتابة التي باسمه ولا ضرب عليها ويجوز أن يكون (3) عنده وديعة فابتاعها من صاحبها ولم يزل اسمه ولا ضرب عليه. " الخلط في الوديعة " وإذا كان عنده دراهم جيادا فخلطها بدراهم سود أو كان عنده دنانير فخلطها

(1) يبط أي يشق وتستعمل في الصرة ونحوها (2) في نسخة زيادة " بخلاف " وعلى هذا فكلمة " أن " شرطية وفاعل " يلزمه " هو " الضمان " (3) في نسخة زيادة " كان "

[ 428 ]

بدراهم فخلص بعضها من بعض واحتفظ (1) به لم يكن عيه ضمان فإن كانت الوديعة التي خلطها مما لا يتميز بعد الخلط بعض ذلك من بعض كان عليه الضمان. وإذا كانت الوديعة دنانير أو دراهم فأنفقها ثم ورد (2) في موضعها غيرها لم يزل الضمان عنه بذلك " دعوى الشخصين في الوديعة " وإذا كانت الوديعة عند إنسان فادعاها اثنان كل واحد منهما يدعيها لنفسه فقال المودع " هي لأحد كما ولست أدري أيكما هو " طولبا بالبينة فإن أثبتا بينة أو لم يثبتاها (3) استحلفا، فإن حلفا اقرع بينهما فيها، فمن خرجت القرعة له دفعت إليه وإن اصطلحا عليها كان جائزا وإن أراد استحلاف المودع على إنه لا يدري من صاحب الوديعة منهما كان لهما ذلك فإن اثبت أحدهما البينة بأنها له دون الآخر دفعت إليه، وكذلك إن حلف أحدهما على إنها له ونكل الآخر عن اليمين كانت للذى حلف عليها ولم يكن للناكل عن اليمين فيها شيئ. وإذا اختلف اثنان في مال فقال أحدهما: " هو وديعة لك عندي " وقال الآخر " هو دين لي عليك " كان القول في ذلك قول صاحب المال مع يمينه، وكان على الذي عنده المال البينة بأنه وديعة، فإن لم يكن له بينة وجب عليه إعادة المال إلى صاحبه فإن أراد اليمين من صاحب المال بأنه لم يودعه ذلك المال كان له ذلك. " إيداع الوديعة عند الغير " وإذا كانت عند إنسان وديعة فأودعها الذي هي عنده عند آخر بغير أمر صاحبها كان عليه ضمانها. وإذا كانت عنده وديعة وغاب صاحبها ولم يعلم هل هو حي أو ميت وجب عليه إمساكها وحفظها أبدا حتى يحقق حاله فإن كان مفقودا كان سبيلها كسبيل سائر أمواله. " تم كتاب الوديعة "

(1) في نسخته اختفض بدل " اختفظ " يقال: اختفض السعر: أي انحط، ولعلها أصح (2) كذا في النسخة ولعل أصلها " رد " (3) في نسخة " هما " بدل " ها "

[ 429 ]

" كتاب العارية " قال الله تعالى: " وتعاونوا على البر والتقوى " (1) والعارية من البر ولا خلاف بين الأمة في جوازها. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال في خطبة حجة الوداع: العارية مؤداة والمنحة (2) مردودة، والدين مقضي والزعيم غارم (3) وروي أنه صلى الله عليه وآله استعار من صفوان بن أمية يوم خيبر درعا، فقال أغصبا يا محمد فقال بل عارية مضمونة مؤداة (4) فإذا كان جوازها في الشريعة ثابتا فهي أمانة غير مضمونة مؤداة، إلا أن يشترط صاحبها ضمانها، فإن شرط ذلك ثبت ضمانها وإن لم يشترط ذلك كانت غير مضمونة على ما ذكرناه.

(1) المائدة، الآية.
(2) المنحة بالكسر: في الأصل شاة أو ناقة يعطيها صاحبها رجلا يشرب لبنها ثم يردها إذا انقطع اللبن، ثم استعملت في مطلق العطية والمراد هنا معناها الأصلي وفي نسخة " منحة " ولعلها تصحيف.
(3) المستدرك ج 2، ص 479، الباب 4 من أبواب الدين، الحديث 4 على اختلاف مع المتن.
(4) الوسائل، ج 13، الباب 1 من أبواب العارية، الحديث 4 و 5، ص 236، على اختلاف مع المتن.

[ 430 ]

فإذا استعار إنسان شيئا وقبضه كان له الانتفاع به بمقدار ما أباحه المعير الانتفاع به، فإن تعدى أو شرط عليه الضمان لما ينقص من الأجزاء، لزمه ذلك. ومن استعار منشفة (1) فذهب خملها باستعماله لها لم يكن عليه في ذلك ضمان لأن إذن المعير للمستعير في استعمالها أذن في ذلك بمجرى العادة، وكذلك حكم جميع الثياب التي تذهب جدتها (2) بالاستعمال في إنه ليس على مستعيرها في ذلك ضمان إلا أن يكون متعديا في ذلك فيلزمه الضمان والعارية على ضربين: مضمونة وغير مضمونة فأما المضمونة فهي ما كانت ذهبا أو فضة وأما التي ليست مضمونة فكل ما عدا ذلك، إلا أن يشترط الضمان فيها على قدمناه. وإذا كان عند إنسان عارية وردها إلى صاحبها أو وكيله برأ من ضمانها، فإن ردها إلى ملكه مثل أن يكون دابة فيردها إلى اصطبل صاحبها ويشدها فيه لم يبرأ من ضمانها. وإذا اختلف صاحب دابة وراكبها فقال صاحبها " اكريتكها " وقال الراكب " أعرتنيها مضمونة " كان القول قول الراكب مع يمينه وعلى صاحبها البينة لأنه يدعي أجرة الركوب. وكذلك الحكم في الأرض المستعارة للزراعة إذا اختلف صاحبها والزارع، فادعى الزارع العارية وادعى صاحب الأرض الايجار، فإن القول قول الزارع مع يمينه. " التعدي في العارية " وإذا استعار دابة إلى موضع معين فجاوزه كان عليه الضمان وكذلك إذا استعارها يوما أو شهرا فزاد على ذلك. وإذا استعار إنسان من غيره أرضا لبناء أو غرس وأذن له في ذلك كان جائزا

(1) منديل يتمسح به والخمل أي الوبر (2) أي جودتها وحسنها.

[ 431 ]

فإذا كان المعير أذن له في البناء والغرس فزرع كان جائزا، لأن ضرر الزرع أقل من ضرر البناء والغرس، فإن أذن له في الزرع فبنى أو غرس لم يجز ذلك، لأن ضرر البناء والغرس أعظم، وليس يكون الإذن في القليل أذنا في الكثير، فإن أذن له في زرع الحنطة فزرع ذرة (1) أو ما جرى مجراها لم يجز ذلك، لأن ضرر الذرة أعظم من ضرر الحنطة. فإن أذن له في البناء فغرس أو في الغرس فبنى لم يجز له ذلك لأن ضرر أحدهما مخالف لضرر الآخر واعلم أنه ليس من شرط العارية تقدير المدة. فإن قدر ذلك كان جائزا فإن أطلق له وأذن في البناء والغرس كان له ذلك ما لم يمنعه فإن منعه لم يكن له بعد المنع فعل شيئ من ذلك فإذا منعه سقط الإذن فإن كانت المدة مقدرة كان له البناء والغرس ما لم ينقض المدة، فإذا انقضت لم يكن له احداث شيئ بعد ذلك فإن غرس أو بنى أو انتفع بشئ من وجوه الانتفاع الذي ليس له، كان متعديا وله المطالبة بقلعه من غير شيئ يضمنه فإذا كان له (2) قلعها فإن عليه (3) أجرة المثل إن كان تعدى بذلك فإذا قلعها كان عليه تعديل الأرض وتسوية الحفر وطمها، لأنه أحدثها من غير إذن صاحب الأرض ولا رضاه. " فروع في إعارة الأرض " وإذا استعار إنسان من غيره أرضا على أن يبني فيها دارا أو يغرس فيها نخلا فأذن له في ذلك ثم بدا له في اخراجه كان عليه للمستعير قيمة البناء، والغرس بعد ذلك (4) فإن قال له أعيرك هذه الأرض عشر سنين تبنى فيها وتغرس وعليك عند انقضاء المدة أن تقلع بناك وغرسك وتسلم إلى أرضي كما أخذتها، فأجابها إلى ذلك، وجب عليه

(1) الذرة بضم المعجمة: حب معروف (2) أي لصاحب الأرض (3) أي على المستعير (4) في نسختين زيادة " للمعير " هنا

[ 432 ]

عند انقضاء المدة رد ارضه إليه ونقض ما بناه وقلع ما غرسه. فإن أعاره الأرض وقتا معلوما للزرع فزرعها فلما قارب حصاده أراد اخراجه وقد انقضى الأجل، لم يخرج حتى يستحصد الزرع ويكون له اجر مثل الأرض في زيادة الأجل. فإن أعاره أرضا على أن يبني فيها ويسكن ما بدا له فإذا أراد أن يخرج كان البناء لصاحب الأرض، لم يجز ذلك وهذا يجرى مجرى الإجارة الفاسدة وعلى الساكن أجرة مثل الأرض فيما سكن له والبناء له. " عارية الدابة " وإذا انفذ إنسان رسولا إلى غيره يستعير منه دابة يركبها إلى قرية - سماها له شرقي البلد فمضى الرسول إلى صاحب الدابة فقال: له " فلان يقول لك أعرني دابتك اركبها إلى قرية " - سماها غربي البلد بموضع غير الذي ذكره المرسل له - فدفع الدابة إليه فركبها المستعير إلى الموضع الذي ذكره الرسول لأمر عرض له وليس يعلم بما كان من رسوله فهلكت الدابة لم يكن عليه ضمان، لأن صاحبها أعاره إلى ذلك المكان ولو ركبها إلى المكان الذي ذكره لرسوله فهلكت، كان عليه ضمانها، لأن صاحبها لم يعرها إلى ذلك المكان ولا يرجع على الرسول في ذلك شيئ. وإذا استعار إنسان دابة واستأجرها أيضا فنزل عنها في بعض السكك في المدينة ودخل مسجدا يصلي فيه وخلى عنها فهلكت كان ضامنا لها وإذا استعار من غيره سلاحا ليجاهد به عارية غير مضمونة فضرب بالسيف أو طعن بالرمح فانكسر السيف واو الرمح لم يكن عليه شيئ. وإذا استعار أرضا من غيره وأذن له المعير في غرس شجرة فيها فغرسها ثم قلعها كان له أن يعيد غيرها إن كان الإذن من المعير قائما، فإن رجع عن ذلك لم يكن له إعادة غيرها وكذلك الحكم إذا أعاره حائطا يضع عيه جذعا فوضعه عليه ثم انكسر، فإنه ليس له إعادة غيره إلا أن يكون الإذن في المعير قائما فإن رجع عن ذلك لم يجز له إعادة مكانه وإذا كان لانسان حبوب فجرها السيل إلى أرض إنسان آخر ونبتت فيها، كان

[ 433 ]

الزرع لصاحب الحب، لأنه عين ماله فإذا كان كذلك لم يجز لصاحب الأرض مطالبته بقلعه، لأنه لم يتعد في ذلك. ويجوز إعارة الفحل، وإعارة المملوك للخدمة، فإن كان امرأة لها هيئة كره ذلك فيها، وإن كانت عجوزا لم يكن فيه كراهة ولا تجوز إعارتها للاستمتاع بها، لأن البضع لا يستباح بالعارية. ويكره استعارة الأبوين للخدمة لأن استخدامهما من ولديهما مكروه له. فإن استعارهما ليخفف عنهما ويرفههما من خدمتهما سيدهما كان ذلك حسنا وفيه فضل. " إجارة العارية وإعارتها " والعارية لا تجوز إعارتها ولا إجارتها أيضا، لأن المستعير لها لا يملك منافعها فلا يصح منه إعارتها ولا عقد إجارتها. وإذا كان مع رجل محل، صيد لم يجز للمحرم أن يستعيره منه، لأنه لا يجوز له إمساكه. فإن استعاره منه بشرط الضمان ضمنه. فإن تلف في يده لزمه قيمته لصاحبه والجزاء لله سبحانه. وإذا استعار المحل من المحرم مثل ذلك مثل أن يحرم وفي يده صيد فإذا أخذه منه كان ذلك له. فإن تلف لم يلزمه ضمانه، لأن ملك المحرم له قد زال عنه وتخليته له عند إحرامه واجبة عليه فإذا أخذه المحل وتلف من يده لم يلزمه شيئ، لأنه ليس بملك له أخذه منه ولا استعارة.

[ 434 ]

" كتاب حظر الغصب والتعدي " وتحريم ذلك معلوم من جهة العقل والشرع. فأما من جهة العقل فهو معلوم من استحقاق الذم لمن غصب مال غيره وتصرف فيه بغير إذنه وتعدى عليه فيه. وهذا (1) وغيره مما يدل على ذلك، قد تضمنه كتب الأصول ولا معنى لايراد كل ذلك هاهنا، لأن ذكره في كتب الأصول أولى من ذكره في كتاب من كتب الفروع وأما من جهة الشرع فاجماع المسلمين منعقد على حظره وتحريمه. وقول الله سبحانه: " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " (2) والغصب لا يكون عن تراض من صاحب المال المغصوب منه والغاصب له. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه (3) وروي أيضا عنه صلى الله عليه وآله قال: حرمة مال المسلم كحرمة دمه (4) وروي

(1) في نسخة " وهكذا غيره " بدل " وهذا وغيره " (2) النساء، الآية 28 (3) المبسوط، ج 3، ص 59، وروي مضمونه في الوسائل، ج 19، الباب 1 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.
(4) المبسوط، ج 3، ص 59، وفي الوسائل، ج 8، الباب 158، من أبواب العشرة، الحديث 3، إلا أن فيه: حرمة ماله.. ومرجع الضمير هو المؤمن.

[ 435 ]

أيضا عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه، طوقه الله يوم القيمة من سبع أرضين. (1) فإذا كان حظر ذلك وتحريمه ثابتا بما ذكرناه فكل من كان له مال فهو أحق به وبالتصرف فيه من غيره، ولا يحل لغيره أن يأخذ منه إلا ما أعطاه صاحبه عن طيب نفس منه ومن أخذ مال غيره بغير طيب نفس منه وجب رده عليه إن كان باقيا. فإن كان تالفا كان عليه عوضه أو قيمته على ما يأتي تفصيله. فإن لم يعرف صاحبه أودعه في بيت مال المسلمين إلى أن يحضر صاحبه أو وارثه ويأخذه. فإن كان زمانه زمان سلاطين الجور وولاته، تصدق به عنه، وكان عليه القيام لصاحبه بالعوض إن حضر ولم يرض بالصدقة، وعليه مع ذلك النقل إليه من جنسه لذلك عنه (2) والتوبة إلى الله سبحانه منه. فأما تفصيل أحكام ذلك فعلى ما نذكره: إذا غصب إنسان غيره شيئا من الادهان والأقطان والتمور والحبوب والثمار والجلود التي ليس فيها ماء وما يجرى مجرى ذلك وجب عليه رده على صاحبه إن كان باقيا على ما قدمناه. وإن كان تالفا وجب عليه المثل لأن ذلك مما له مثال. فإن أعوز المثل ولم يقدر عليه كان عليه القيمة، فإن لم يقبض القيمة حتى مضت مدة اختلف القيمة فيها - كان له القيمة في وقت القبض لا وقت الاعواز. فإن لم تكن العين تالفة - فيحكم فيها بما ذكرناه وكانت موجودة - فجنى عليها جناية نقصت منها شيئا، أو غصب تمرا أو طعاما فتسوس (3) وجب عليه أرش ما نقص، وليس يجب عليه هاهنا مثل. لأن ما نقص ليس له مثل وكان الضمان عليه بالأرش دون غيره فإن غصب ما لا مثل له وكان من جنس الأثمان ولا صنعة فيه، مثل

(1) المستدرك، ج 3، الباب 3 من أبواب الغصب، ص 416، الحديث 2 (2) كذا في نسخة ولعل معناها: إن عليه من جنس المغضوب، والنقل إلى المغصوب منه لأجل أنه غاصب عنه وفي بعض النسخ " التفصيل " بدل " النقل " وفي أخرى " التصل ".
(3) أي وقع فيه السوس، وهو الدود الذي يأكل الحب وشبهه.

[ 436 ]

النقرة (1) كان عليه قيمة ما أتلف من غالب نقد المصر، ثم نقد المصر إما أن يكون من جنسه أو غير جنسه وإن كان من غير جنسه وذلك مثل أن يتلف فضة وغالب نقد المصر دنانير أو يتلف ذهبا وغالب النقد دراهم، فعليه قيمته من غالب النقد، فإن كان غالب النقد من جنسه، وذلك مثل أن يتلف فضة وغالب النقد دراهم فإن كان الوزن والقيمة سواء، أخذ وزنها من غالب. وإن اختلفا وكانت القيمة أكثر من وزنها من غالب نقد المصر أو أقل من وزنها كان له قيمتها، إلا أنه لا يتمكن من أخذ ذلك من غالب نقد المصر، لأنه ربا، لكن يقوم بغير جنسه ويأخذ قيمته ليسلم من ذلك ويأخذ تمام حقه. وإن كان فيه صنعة وكان مما استعماله مباح مثل حلى النساء والخواتيم الفضة لرجال، وما أشبه ذلك وكان وزنها مثلا مأة وقيمتها لأجل الصنعة مأة وعشرون فإن كان نقد المصر من غير جنسها قومت به لأنه لا ربا فيه. وإن كان غالب هذا النقد من جنسها مثل أن يكون ذهبا وغالب النقد نصف قيمتها، قومت بغير جنسها ليسلم من الربا فيكون الوزن بحد الوزن والفضل في مقابلة الصنعة لأن للصنعة قيمة ألا ترى إنه يصح الاستئجار على تحصيلها، ولأنه لو كسره إنسان فعادت قيمته إلى مأة كان عليه أرش النقص. وإن كان مما استعماله حرام مثل أواني الذهب والفضة، فإن الصنعة تسقط وتكون كالتي لا صنعة فيها وقد تقدم ذكر ذلك. وإن كان من غير جنس الأثمان كالثياب والحديد والرصاص والخشب والعقار وما جرى مجرى ذلك من الأواني كالصحاف (2) وغيرها كان ذلك مضمونا بالقيمة. فإن أتلف شيئا من ذلك كان عليه قيمته. فإن تراخى وقت القبض لم يجب عليه إلا القيمة

(1) في النسخ " البقرة " والظاهر أنها تصحيف والصحيح ما في المتن كما في المبسوط ج 3، ص 61، والنقرة: هي القطعة المذابة من الذهب والفضة.
(2) الصحاف جمع صحفة: إناء كالقصعة.

[ 437 ]

التي تثبت في ذمته في حال الاتلاف اختلف القيمة أم لم تختلف، سواء كان اختلافها متساويا (1) أو متبائنا، فإن جنى على شيئ من ذلك جناية أتلفت بعضه مثل أن يكون آنية كسرها أو ثوبا خرقه كان عليه القيمة فيما نقص لا غير. وإذا غصب حيوانا فإما أن يكون آدميا أو غير آدمي، فإن كان غير آدمي فهو كالدواب وما لا مثل له. فإن أتلفها فكمال القيمة. وإن جنى عليها ففيه قيمة ما نقص بعد اندمالها فيكون عليه قيمة ما بين قيمته صحيحا قبل الاندمال وجريحا بعد الاندمال. وهو جار مجرى الثياب سواء إلا في أن الجناية على الثوب لا تسرى إلى ما فيه والجناية على البهيمة تسرى إلى نفسها. وإن كان الحيوان آدميا وكان حرا فقتله كان عليه ديته. وإن جنى عليه جناية وكان فيها مقدر فذلك المقدر. وإن لم يكن فيها مقدر كان فيها حكومة وهي أن يقوم لو كان عبدا ليس به جناية. ثم يقوم وبه جناية فيلزمه بحساب ذلك. وإن كان عبدا فقتله كان عليه قيمته. فإن زادت هذه القيمة على دية الحر لم يجب عليه هذه الزيادة. فإن مثل به كان عليه قيمته وانعتق عليه. وإن جنى عليه جناية دون التمثيل وكان لهذه الجناية في الحر أرش مقدر كالأطراف والعينين والموضحة (2) وما أشبه ذلك ففيه مقدار أيضا من أصل قيمته بحساب قيمته كما تضمن من الحر ديته. فأما الحارصة (3) والباضعة (4) ففيها بحساب ذلك من دية الحر أيضا، لأن هذه عندنا في الحر مقدرة. وإن لم يكن لها في الحر أرش مقدر كان فيه أرش غير مقدر، وهو الفصل بين قيمته صحيحا من غير جناية وقيمته بعد الجناية واندمالها.

(1) لعل المراد بالمتساوي هو المتقارب وبالمتبائن هو المتباعد.
(2) الموضحة: من باب وضح فيقال: أوضحت الشجة بالرأس كشف العظم.
(3) الحارصة: من حرص أي شق الجلد.
(4) الباضغة: الشجة التي تشق اللحم ولا تبلغ العظم ولا يسيل منها دم فإن سال فهي دامية.

[ 438 ]

وإذا جنى إنسان على عبد غيره جناية يحيط أرشها بقيمته مثل أن يقطع يديه أو رجليه أو يقلع عينيه أو ما جرى مجرى ذلك كان سيده مخيرا بين أن يمسكه ولا شيئ له، وبين أن يسلمه ويأخذ قيمته على كمالها فإن جنى عليه جناية لا تبلغ قيمته كان لسيده المطالبة بالأرش مقدرا كان أو غير مقدر - وقد تقدم ذكر ذلك - وتمسكه (1) فإن غصب جارية وزادت في يده بصنعة أو قرآن أو علم أو سمن أو ما أشبه ذلك وزاد لذلك ثمنها ثم ذهب ذلك عنها في يده وعادت إلى صفتها التي كانت عليها في وقت غصبها، وجب عليه ضمان ما نقص في يده. وكذلك عليه ضمان ما ينقص منها لو غصبها وهي حامل، أو هي غير حامل ثم حملت في يده، أو أسقطت فنقص بذلك ثمنها. وإذا غصب جارية قيمتها مأة فزادت زيادة السوق وبلغت ألفا ثم رجعت إلى مأة لم يكن عليه ضمان هذا النقص، لأن زيادة السوق غير مضمونة بلا خلاف. وإذا غصبها وقيمتها مأة فسمنت وبلغت ألفا ثم هزلت حتى رجعت إلى المأة كان عليه ردها مع ما نقصت وهو تسع مأة، لأن الزيادة حدثت مضمونة. وكذلك لو غصبها وقيمتها مأة فتعلمت القرآن وبلغت ألفا ثم نسيته ورجعت إلى مأة كان عليه ردها وتسع مأة، لأن لزيادة حصلت مضمونة. فإن هلكت في يده كان عليه ضمانها. وإذا غصب جارية سمينة مفرطة السمن، قيمتها لذلك مأة فهزلت وحسنت فصارت قيمتها ألفا أو لم ينقص من قيمتها شيئ كان عليه ردها ولا شيئ عليه وكذلك لو غصبها وقيمتها ألف فسمنت وعادت إلى مأة ثم هزلت فرجعت إلى ألف ردها ولم يكن عليه شيئ لأنه ما نقص منها ماله قيمة فلم يلزمه ضمان. فإذا غصب عبدا قيمته مأة فخصاه فبلغ مأتين كان عليه رده وقيمة الخصيتين، لأن ضمان ذلك مقدر وإذا غصب إنسان غيره جارية وباعها من آخر فحدث بها عند المشتري لها عيب وحضر المغصوب فاستحقها (2) أخذها وكان بالخيار في أخذ ما نقصها من

(1) أي إمساكه، وفي بعض النسخ " وتمثيله " بدل " وتمسكه ".
(2) وفي نسخة: " وشخصها " يعني عرفها بشخصها.

[ 439 ]

العيب الحادث في يد المشتري، من الغاصب، فإن أخذه منه لم يرجع على المشتري بشئ إذا كان ذلك العيب ليس من فعله. وإن رجع على المشتري بالعيب وأخذ ما نقصها منه رجع المشتري بذلك على الغاصب. فإن كان العيب بجناية المشتري عليها كان ما نقصها عليه. وإن كان بجناية أجنبي كان ذلك على الجاني، وإن شاء، على الغاصب فإن رجع على الغاصب رجع الغاصب على الجاني، وإن شاء رجع على المشتري ويرجع المشتري على الجاني. وإذا غصب غيره جارية وباعها من آخر ثم حضر سيد الجارية فأجاز بيعها بالثمن كان ذلك جائزا وهو بمنزلة بيع مجدد ويستحق سيد الجارية الثمن. فإن كان الغاصب قبضه رجع به عليه. وإن كان لم يقبضه كان لمالك الجارية في ذمة المشتري وكل ما حدث - بعد إجازة البيع - عند المشتري للجارية من ولد أو أرش جناية أو كسب، كان ذلك للمشتري. لأن صاحبها قد سلم المبيع إليه. وإن كان لم يسلم ذلك كان جميع ما حدث بها - من ولد، أو كسب، أو أرش، أو وهب لها أو تصدق عليها به - للمغصوب منه. فإن كانت الجارية ماتت ثم سلم مالكها المبيع لم يجز. فإن لم تمت ولم يسلم مالكها المبيع، إلا أن الغاصب اشتراها منه، لم يجز البيع الأول (1) وهكذا لو وهبها سيدها له، أو تصدق عليه بها أو مات فورثها منه. وكل منفعة تضمن بعقد الإجارة فإنها تضمن بالغصب مثل منافع الثياب والعبيد والدور والدواب. وكل مقبوض عن بيع فاسد لا يملك بالبيع الفاسد ولا ينقل به الملك بالعقد فإن وقع القبض لم يملك أيضا به، وإذا لم يملك كان مضمونا فإذا كان كذلك وكان المبيع قائما وجب رده. فإن كان تالفا رد بدله إن كان له مثل، وإن لم يكن له مثل رد قيمته إلى البائع، لأن البائع دخل على أن سلم له الثمن المسمى في مقابله ملكه،

(1) في نسخة " للأول " بدل " الأول ".

[ 440 ]

فإذا لم يسلم له المسمى وجب الرجوع إلى عين ماله، فإن هلكت كان له بدلها. وهكذا عقد النكاح إذا كان فاسدا يضمن مع الدخول المهر. وكذلك إجارة الفاسدة. فإذا كان الأمر على ما ذكرناه فالكلام في الأجرة والزيادة في العين. فأما الأجرة، فإن المبيع إذا لم يكن له منافع تستباح بالاجارة مثل الأشجار والطيور والغنم، لم يضمن الأجرة، لأنه ليس لها منافع. وإن كان له منافع تستباح بالاجارة مثل الثياب والعقار والحيوان وما أشبه ذلك كان عليه أجرة المثل مدة بقائها عنده، لأن المشتري دخل على أن يكون له ملك الرقبة، والمنافع حادثة في ملكه بغير عوض. فإذا كان العقد فاسدا كانت المنافع حادثة في ملك البائع، لأن المشتري لم يملك الرقبة فإذا كانت في ملك البائع والمشتري فقد استوفاها بغير إذن المالك لها بغير حق، كان ضامنا لها. وأما الزيادة فمثل تعليم القرآن والصنعة والسمن، وتلك يضمنها القابض. والحكم فيها كالحكم في الغصب وقد تقدم ذكر جملة منه كافية في هذا الباب. من غصب جارية حاملا كان ضامنا لها ولحملها وكذلك الحكم في ولد المشتراة شراء فاسدا، فإذا غصب جارية ووطأها وهما جميعا غير عالمين بالتحريم إما لبعد دارهما من دار الاسلام، أو لأن عهدهما بالاسلام قريب وهما يعتقدان الملك بالغصب فإن الوطأ ليس حراما ولا يجب عليهما فيه حد، لأنه وطأ شبهة. فإن كانت الموطوئة ثيبا لم يلزمه شيئ غير المهر، وإن كانت بكرا كان عليه عشر قيمتها وهو أرش البكارة عندنا. وكذلك يلزمه إن أذهب بكارتها بإصبعه. فإن جمع بينهما وجبا معا وعليه أجرة مثلها من حين القبض إلى حين الرد، لأن المنافع كما قدمناه تضمن بالغصب. فأن كان الحكم في المهر والحد والأرش على ما سلف ذكره. فأما الولد فهو حر ولاحق بالواطئ لأنه أحبلها بوطئ شبهة. فإن وضعت كان ضامنا لما نقصت بالوضع، لأنها مضمونة باليد الغاصبة، ولأن سبب النقص منه فوجب عليه لذلك الضمان. فإن وضعته حيا كان عليه قيمته، لأن من حقه أن يكون مملوكا لمولاها فإن حررناه لزمه قيمته. ووقت التقويم يوم وضعته حيا

[ 441 ]

لأنه الوقت الذي حال بين سيدها وبين التصرف فيه، لأنه قبل ذلك غير مالك للتصرف فيه. وإن وضعته ميتا لم يلزمه ضمان له، لأنه لم يثبت لنا حياة (1) ولا علمناها قبل ذلك وأيضا فإنه ما حال بينه وبين السيد في وقت التصرف. فإن كانا عالمين بالتحريم كان الحد عليهما واجبا، لأن الوطء منهما زنا. فإن كانت الموطوءة بكرا كان عليه أرش البكارة وقد ذكرناه فيما تقدم. وعليه أجرة مثلها من وقت القبض إلى وقت الرد. وعليه المهر إذا كان أكرهها. وإن لم يكن أكرهها لم يلزمه ذلك، لأنها إذا طاوعته في ذلك كانت زانية والزانية لا مهر لها. فإن أحبلها لم يلحق النسب به لأنه عاهر ويكون الحمل مملوكا، لأنها علقت من الزنا فإذا وضعته كان عليه ما نقصت بالولادة. فإن وضعته حيا فهو مملوك مغصوب في يده مضمون عليه. فإن كان قائما رده وإن كان تالفا عليه قيمته أكثر ما كانت قيمته من وقت الوضع إلى وقت التلف. وإن وضعته ميتا لم يلزمه قيمته ولا غيرها لأنا لا نعلم له حياة كما قدمناه. فإن كانت المرأة عالمة بالتحريم والرجل غير عالم به وكانت مكرهة فالحكم فيها كالحكم فيما ذكرناه إذا كانا غير عالمين بالتحريم. وإن كانت مطاوعة له في ذلك، فالحكم فيهما أيضا كالحكم فيهما إذا كانا غير عالمين إلا في الحد عليها. فإن كان الرجل عالما والمرأة غير عالمة بذلك فالحكم فيه كالحكم إذا كانا عالمين إلا في وجوب المهر عليه وسقوط الحد عنها. أما (2) وجوب الحد عليها فلأنها عالمة بالتحريم وأما سقوط المهر عنه فلأنها زانية ولا مهر لزانية. وإذا غصب إنسان من غيره دارا وسكنها أو لم يسكنها ومضت مدة يستحق لمثلها الأجرة كان ذلك واجبا عليه. وإذا غصبه دابة وركبها أو لم يركبها حمل عليها

(1) في بعض النسخ " لها جناية ".
(2) تعليل لحكم ما إذا كانا عالمين حتى يتبين الفرق بين المسألتين.

[ 442 ]

أو لم يحمل كان الحكم في أجرتها كما ذكرناه في الدار سواء وإذا غصب خفين قيمتهما عشرة دراهم فتلف أحدهما وكانت قيمة الباقي ثلاثة فعليه رد الباقي ويرد معه بسبعة: خمسة منها قيمة التالف ودرهمان للنقص بالتفرقة، لأن التفرقة جناية منه فوجب لذلك ما ذكرناه. وإذا غصب غيره حملا فصار كبشا رده بعينه ولا يجب عليه بدل الحمل. وإذا غصب عصيرا فصار خمرا كان عليه قيمة العصير. فإن بقي الخمر عنده حتى صار خلا رد الخل ولم يجب عليه بدل العصير لأن هذا الخل عين ماله. ومن غصب عقارا، كان بيع المالك له لا يصح، لأن يده ليست عليه. فإن كان مالكه محبوسا وباعه كان البيع صحيحا لأن حبسه لا يزيل يده عنه، وإذا هجم على دار غيره وليس فيها صاحبها كان غاصبا وعليه الضمان. وإن كان صاحبها فيها كان عليه ضمان نصفها ولا يملك شيئا منها، لأن يد صاحبها لم تزل عنها. وإذا مد إنسان زمام ناقة من موضع إلى موضع ولم يكن صاحبها عليها كان عليه ضمانها. وإن كان صاحبها عليها لم يلزمه ضمانها. لأن يد مالكها لم تزل عنها. وإذا غصب إنسان دارا فزوقها (1) أو جصصها كان لصاحبها نقله منها لأنه شغل ملك غيره بملكه. وإن لم يطالب بذلك فاراد هذا الغاصب النقل كان ذلك له، لأن ذلك عين ماله وضعها في ملك غيره فجاز له نقلها منه فإن قلع الغاصب ذلك بمطالبته أو غير مطالبة ولم تنقص الدار عما كانت قبل التزويق والتجصيص عليها كان عليه أجرة المثل من وقت الغصب إلى وقت الرد. وإن نقصت وجب عليه أرش النقص والأجرة جميعا فإن طالب مالك الدار بالنقل فقال الغاصب قد وهبت مالي فيها - من تزويق وما أشبه ذلك - لك لم يلزم صاحبها قبول ذلك منه لأن الأصل برائة الذمة من وجوب قبوله. وإذا اختلف اثنان فقال أحدهما غصبتني عبدا وقال الآخر غصبتك ثوبا كان

(1) زوق البيت: نقشه وزينه.

[ 443 ]

القول قول الغاصب لأن الغاصب معترف بثوب، والمدعي لا يدعيه بل يدعي عبدا والمدعى عليه ينكر ذلك فكان القول قول المدعى عليه مع يمينه. وإذا اختلف اثنان في جارية فقال الغاصب: كانت برصاء، أو جذماء، أو ما أشبه ذلك وأنكر الآخر ذلك، كان القول قول صاحبها مع يمينه، لأن الأصل السلامة والغاصب يدعي خلاف الأصل. وإن اختلفا فقال صاحبها: كانت تقرء القرآن أو هي صانعة فأنكر الغاصب ذلك كان القول قول الغاصب، لأن الأصل أن لا قراءة ولا صنعة. وإذا غصب إنسان من غيره مالا بمصر، فاجتمع به في مكة فطالبه به ولم يكن في نقله مؤنة مثل الأثمان كان له المطالبة سواء كان الصرف في البلدين متفقا أو مختلفا لأنه لا مؤنة في نقله في العادة. وأن كان لنقله مؤنة وكان له مثل كالادهان والحبوب فإن كانت القيمتان في البلدين متساوية كان له المطالبة بالنقل لأنه لا مضرة في ذلك عليه. وإن كانت القيمتان مختلفين فالحكم له فيما له مثل وفيما لا مثل له سواء فللمغصوب منه، إما أن يأخذ من الغاصب بمكة، القيمة بمصر، وإما أن يترك حتى يقبض منه بمصر لأن في النقل مؤنة والقيمة مختلفة. فإن كان الحق وجب له عن سلم (1) لم يجز له مطالبته به بمكة، لأن عليه أن يوفيه في مكان العقد، ولا له مطالبته بالبدل سواء كان لنقله مؤنة أو لا يكون لنقله ذلك. وإذا ادعى اثنان على ميت ثوبا فأقام أحدهما بينة بأنه ثوبه اغتصبه الميت إياه وأقام الآخر بينة بأنه له استودعه الميت وعدلت البينتان، أحلفا فإن حلفا جميعا اقرع بينهما فيه فمن خرجت له القرعة دفع الثوب إليه. وإذا اختلف اثنان في جبة، فقال أحدهما للآخر: غصبتني هذه الجبة المحشوة فقال الغاصب: إنما غصبتك الظهارة (2) لا غير، كان القول قول الغاصب مع يمينه

(1) أي بيع السلم.
(2) في بعض النسخ " البطانة " بدل " الظهارة "

[ 444 ]

فإن قال غصبتك الجبة ثم قال بعد ذلك: الباطنة والحشو لي، لم يلتفت إلى قوله. وكذلك لو قال: غصبتك هذه الدار وهذه الأرض ثم قال بعد ذلك: لي فيها جدار أو باب أو في الأرض شجر أو نهر، لم يلتفت إلى قوله. فإن غصب نصراني من نصراني خمرا واستهلكها كان عليه مثلها. فإن أسلما جميعا لم يجب عليه شيئ. فإذا أسلم أحدهما بعد الحكم له بخمر مثلها أو قبل أن يحكم له بها فإن كان الذي أسلم هو الغاصب كان عليه قيمتها. وإن كان المغصوب هو الذي أسلم بطلت فإن استهلك مسلم خمر ذمى كان عليه قيمة ذلك عند أهل الذمة. وإذا غصب إنسان غيره ثوبا وصبغه فإن كان الصبغ لصاحب الثوب ولم يزد ولم ينقص، أخذ صاحب الثوب ثوبه. فإن زاد بالصبغ كانت الزيادة له وإن نقص كان ضمان ما نقص على الغاصب، لأنه نقص بجنايته، وإن كان الثوب لواحد والصبغ للآخر لم يزد ولم ينقص كانا فيه شريكين، وإن زاد كانت الزيادة لهما وإن نقص وكان النقص من ناحية الصبغ كان لصاحب الصبغ مطالبة الغاصب بما نقص دون صاحب الثوب وإن كان النقص من ناحية الثوب كان لصاحبه المطالبة بالنقص دون صاحب الصبغ وإن كان صاحب الصبغ الغاصب ولم يزد ولم ينقص مثل أن تكون قيمته عشرة وقيمة الصبغ عشرة وهو بعد الصبغ تساوى عشرين فإنهما يكونان شريكين فيه، لأن لكل واحد منهما عينا قائمة. وإن زاد مثل أن يكون قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ عشرة ويساوي بعد الصبغ ثلاثين فإن كانت الزيادة لزيادة الثوب والصبغ، كان الحكم في ذلك مثل الحكم فيما لو كانت قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ عشرة فصبغه لم يزد ولم ينقص وإن يكونا شريكين فيه فإن كانت الزيادة لزيادة السوق مثل إن غلت الثياب فبلغت قيمة الثوب عشرين وبقي الصبغ بحاله، أو غلا الصبغ فبلغ عشرين وقيمة الثوب بحالها كانت الزيادة لمن غلت عين ماله وحده لا يشاركه الآخر فيه فإن نقص فصار بعد الصبغ يساوي خمسة عشر قد نقص خمسة فتكون من صاحب الصبغ وحده، لأنه إن كان النقص عاد إلى الثوب فقد حدث بجنايته عليه.

[ 445 ]

وإن كان النقص عاد إلى الصبغ فهو الجاني على صبغ نفسه فيكونان شريكين فيه، لصاحب الثوب ثلثاه، ولصاحب الصبغ الثلث. فإن نقص فصار يساوي عشرة فالنقص أيضا على صاحب الصبغ ولا شركة له فيه. وإذا غصب إنسان غيره طعاما ثم أطعمه إياه والمغصوب منه عالم بأنه طعامه لم يكن على الغاصب شيئ، وإن كان لا يعلم أنه طعامه كان عليه مثل الطعام أو قيمته لأنه بإطعامه له متطوع بذلك. فإن اختلفا فقال المغصوب منه أكلته وأنا غير عالم بأنه طعامي فلى عليك مثله أو قيمته وقال الغاصب: بل أكلته وأنت عالم بأنه طعامك فلا شيئ لك على فيه، كان القول قول المغصوب منه مع يمينه. وإذا غصب إنسان غيره دابة وشعيرا واطعم الدابة الشعير كان عليه رد الدابة ومثل الشعير، لأنه متطوع بما فعله. وإذا غصب غيره زيتا فخلطه بزيت هو أجود منه أو مثله قيل للغاصب: إن شئت فادفع إليه زيتا مثل زيته أو ادفع إليه من هذا الزيت مقدار حقه. وإن كان خلطه بزيت هو شر منه، ضمن الغاصب له مثل زيته لأنه قد أتلفه بخلطه له بما هو شر منه. فإن خلطه بغير زيت مثل أن يكون خلطه بسمن أو عسل أو غير ذلك من الادهان المخالفة للزيت، كان ضامنا له مثل زيته. فإن غصبه زيتا وأغلاه على النار فنقص بذلك شيئا كان ضامنا لما نقص بذلك. وإذا غصب من إنسان حنطة ومن آخر شعيرا وخلطهما ضمن لكل واحد منهما مثل ماله من ذلك. وإذا كان عند إنسان كر (1) حنطة لرجل وكر شعير لآخر وكان جميع ذلك وديعة فعدا عليها إنسان فخلطهما وهرب فلم يقدر عليه فإن ذلك يباع ويقسم الثمن على قيمة الحنطة والشعير ويدفع إلى صاحب الحنطة قسط الحنطة وإلى صاحب الشعير قسط الشعير. فإن كان يمكن تميز أحدهما من الآخر ميز ذلك وأخذ كل واحد

(1) كيل معروف والجمع أكرار مثل قفل وأقفال وهو ستون قفيزا.

[ 446 ]

منهما ماله. فإن عرض في ذلك نقص لم يكن على المستودع منه شيئ. فإن باعا الحنطة والشعير مجازفة واختلفا في كل (1) ذلك وكان المشتري لهما قد استهلكهما كان القول في الحنطة قول صاحب الشعير مع يمينه وفي الشعير قول صاحب الحنطة مع يمينه (2) ويقسم الثمن بينهما. وإذا غصب غيره دقيقا فخلطه بدقيق آخر فالحكم فيه كما ذكرناه في الزيت. وإذا غصب غيره " عسلا " و " شيرجا (3) أو سمنا " و " دقيقا " ثم عصده (4) كان المغصوب منه مخيرا بين أن يأخذه بحاله من غير أن يعتبر التقويم، فليأخذه، فإن زاد أو نقص كان له. وإن أختار التقويم قوم كل واحد من الثلاثة منفردا. فإن لم تزد القيمة بالعمل أخذه ولا شيئ له، وإن كان أقل كان له أرش ما نقص. وإن زاد بالعمل كان له وإذا غصب إنسان حنطة فطحنها أو نقرة فضربها دراهم كان عليه رد ذلك. فإن نقصت النقرة حين ضربها دراهم وكان النقص نقصا في الوزن دون القيمة كان ضامنا لما نقص من الوزن، لأنه أتلف جزء منها. وليس عليه شيئ مما زاد بالضرب لأنها آثار (5) وإن كان النقص في القيمة دون الوزن مثل إن ضربها ضربا وحشا (6) كان عليه ما بين قيمتها غير مضروبة وبينها مضروبة. فإن نقص الأمران جميعا كان عليه ضمانها. وإذا غصب غيره خشبة ونشرها ألواحا كان عليه ردها إلى صاحبها. فإن زادت كان ذلك للمالك، وإن نقصت كان ضامنا لما نقص. فإن ألف الألواح أبوابا وسمرها بمسامير للمالك، أو من نفس (7) الخشب، أو جعل منها. أواني قصاعا وما أشبهها كان عليه رد ما عمل منها وإن كان قد زاد في قيمته - لأن الزيادة آثار - فإن كان سمرها

(1) أي في مقدار كل واحد منهما، ويحتمل التصحيف وأن يكون أصلها " كيل ذلك " (2) لأن كل منهما مدع بالنسبة إلى ماله والآخر ينكره.
(3) الشيرج: معرب شيره وهو دهن السمسم.
(4) عصده: لواه ويقبله، العصيدة: دقيق يلت بالسمن.
(5) وفي نسخة " طار " بدل " آثار ".
(6) الوحش: الرذل والردئ.
(7) في بعض النسخ " نقش " بدل " من نفس " والمناسب ما في المتن كما في المبسوط.

[ 447 ]

بمسامير من عنده كان له قلعها لأنها عين ماله وكان عليه رد الأبواب. فإن نقصت بقلع المسامير كان ضامنا لذلك النقص. وإذا غصب ساجة (1) فبنا عليها، أو لوحا فأدخله في سفينة كان عليه رده سواء كان فيه قلع ما بنى عليه في ملكه أو لم يكن فيه قلع ذلك. فإن خاف على حائط من السقوط فلا خلاف في إنه يجوز أن يأخذ جذع غيره بغير أمره فيسده به. وإذا كان عليه رد ذلك كما قدمناه كان عليه أجرة مثلها من حين الغصب إلى حين الرد. فإن كانت الساجة قد نقصت كان عليه أرش النقص، لأنه أدخل النقص بفعله فإن عطفت (2) في البناء وإذا أخرجها لم ينتفع بها كان عليه قيمتها ولم يجب عليه ردها، لأنها بذلك مستهلكة. وأما اللوح إذا ادخله في السفينة في البر أو في البحر قريبة من البر كان الحكم فيه كالحكم الذي ذكرناه في الساجة والبناء سواء وإن كانت السفينة في لجة البحر وكان اللوح في أعلاها، أو في مكان لا يخاف عليها من الغرق بقلعه كان عليه قلعه ورده إلى صاحبه. وإن كان في مكان منها إذا قلع غرقت وكان فيها حيوان له حرمة وإن كان قويا (3) لم يقلع لأنه إن كانت حرمته سقطت في حقه فلم تسقط حرمة الحيوان في نفسه. وإن رضي بإتلاف نفسه لم يقلع، لأنه لا يملك إدخال الضرر على نفسه. وإن لم يكن فيها حيوان وكان فيها مال لغيره لم يقلع أيضا لأنه لا يملك إدخال الضرر على غير الغاصب. وإن كان المال للغاصب أو لم يكن له فيها متاع إلا إنه يخاف إن قلع غرقت السفينة، لم يقلع لأنه يمكن إزالة الضرر عن كل واحد منهما: عن الغاصب بالتأخير حتى تقرب من البر، وعن المالك بأن يصبر حتى يصل إليه عين

(1) الساجة: واحدة الساج وهو ضرب عظيم من الشجر.
(2) عطف: أي اعوج ومال.
(3) يعني يقدر على خلاص نفسه من الغرق.

[ 448 ]

ماله فلا وجه لاسقاط أحدهما مع القدرة على حفظهما وإذا غصب غيره حطبا وقال لصاحبه: أسجر (1) به التنور واخبز كان ضامنا له ولم يزل عنه الضمان بأمره له، أو فعله هو بالحطب (2) ما أمره الغاصب به. وإذا فتح قفصا فيه طيور، أو حل دابة من مربطها ونفر كل واحد منهما حتى ذهب كان عليه ضمانه بغير خلاف. وأيضا فإنه سبب يلزم الضمان به ويجرى مجرى أن يحفر بئرا ثم يدفع فيها بهيمة أو انسانا في إنه يكون عليه عندنا ضمانه على كل حال وإذا احبس إنسان عبده في بيت وأغلقه عليه وجاء إنسان ففتح الباب وذهب العبد عقيب الفتح كان عليه ضمانه. وإذا فتح مراح (3) الغنم فخرجت فدخلت زرع إنسان فأفسدته كان ضامنا للزرع. وإذا حل رأس راوية أو زق (4) فخرج ما في ذلك وكان مائعا مثل الادهان أو الخل أو ما أشبه ذلك وكان خروجه لحله مثل إن كان مطروحا على الأرض ليس يمسكه غير شد رأسه كان عليه الضمان، لأنه خرج بفعله. وإن جرى بعد حله بسبب كان منه مثل أن يكون مستندا فلما حله جرى بعضه وخف جانب وثقل آخر فدفع واندفق، أو نزل ما جرى أولا إلى تحته وبل الأرض فلانت (5) ومال الزق، فوقع واندفق ما كان فيه، كان عليه الضمان لأن ذلك كان بسبب منه. فإن اندفق ما فيه بفعل، حدث بعد حله مثل إن كان مستندا فحله وبقي مستندا محلولا على ما هو عليه ثم حدث بعد ذلك ما حركه من زلزلة أو ريح أو ما جرى مجرى ذلك

(1) سجر التنور. أوقده، وفي النسخ " أشجر " بالمعجمة والظاهر أنها تصحيف (2) أي بغير التسجير.
(3) المراح بالضم: مأوى الغنم والبقر والإبل، من الراحة.
(4) الراوية: هي المزادة من جلد فيه الماء وكذا الزق، مع تفاوت بينهما (5) لأن: ضد غلظ

[ 449 ]

فسقط واندفق، فإن السبب يسقط حكمه لأنه قد حصلت (1) مباشرة وسبب غير ملج (2) فسقط حكمه بغير خلاف. فإن كان ما في الزق جامدا كالسمن أو العسل أو الدقيق أو ما أشبه ذلك وكان على صفة لو كان ما فيها مائعا لم يخرج وبقي بحاله، ثم ذاب فاندفع بسبب آخر فلا ضمان عليه. وإن كان على صفة لو كان ما فيها مائعا خرج ثم ذاب بحر الشمس أو الضرب وخرج، كان عليه الضمان لأن خروجه بسبب كان عنه، لأنه حل الزق ولم يحدث بعد حله مباشرة من غيره، وإنما ذاب بحر الشمس فإذا لم يحدث بعد الحل فعل كان ذهابه بسراية فعله. وإذا غصب شاة (3) عليها فحلا لنفسه فاتت بولد، كان الولد لصاحب الشاة دون الغاصب، لأن الولد يتبع الأم. فإن كان الفحل قد نقص بذلك، لم يكن على صاحب الشاة ضمان، لأن التعدي من صاحبه فلا يرجع به على غيره. فإن كان غصب فحلا فأنزاه على شاة نفسه كان الولد لصاحب الشاة. وأما أجرة الفحل فلا تلزم الغاصب لأن كسب الفحل منهي عنه. وإن كان الفحل قد نقص بالضراب (4) كان على الغاصب الضمان لأنه متعد فيه وإذا غصب أرضا فزرعها بحب نفسه كان الزرع له دون مالك الأرض، لأنه عين ماله زاد ونما وعليه أجرة مثلها من وقت الغصب إلى وقت الرد، لأن هذه المنافع مضمونة على الغاصب كما هي مضمونة بالبيع. فإن نقصت الأرض كان عليه أرش النقص. وإن لم يزرعها كان عليه أجرة المثل من وقت الغصب إلى وقت الرد وإذا غصب شجرة فأثمرت كالنخل وما أشبهها كان الثمر لمالك الشجر، لأنه عين ماله زاد ونما. فإن كان رطبا رده بحاله وإن تلف رطبا فعليه قيمته لأن كل رطب

(1) أي منه (2) مخفف ملجئ، والسبب الملجئ ما يترتب عليه المسبب لا محالة (3) نزى نزوا الفحل: وثب (4) أي النزو والوثوب

[ 450 ]

من الثمار كالرطب والعنب والتفاح وما جرى مجرى ذلك إنما يضمن بالقيمة. فإن كان رطبا فشمسه كان عليه رده إن كان قائما، ومثله إن كان تالفا لأن الثمر له مثل، فإذا رد مثله إن كان تالفا، أو رد المشمس بحاله إن كان قائما، وكانت قيمته زادت بالشمس أو لم تزد ولم تنقص عن قيمة الرطب، لم يكن على الغاصب شيئ. وإن نقصت بالتشميس كان ضامنا لما نقص. فأما الشجر فإن كان نقص عنده كان عليه أرش النقص. وأما الأجرة فليس عليه ضمانها. والفرق بين الأرض والشجر أن منافع الشجر ثمرها وتربيتها (1) إلى وقت إدراكها وهذه المنافع قد رجعت إلى مالكها بكون نماها له، فلهذا لم يضمنها الغاصب كمنافع الغنم، ومنافع الأرض عادت إلى الغاصب، فلهذا كان عليه ضمان أجرتها. فإن كان الغصب ماشية فنتجت نتاجا كان النتاج لمالكها مثل الثمرة سواء. فإن كان النتاج قائما كان عليه رده وإن كان تالفا كان عليه رد قيمته، وأما اللبن فعليه مثله، لأنه يضمن بالمثلية كالادهان والحبوب. وأما الشعر والوبر والصوف فعليه مثلها إن كان لها مثل أو القيمة إن لم يكن لها مثل. وإذا كان الخمر والخنزير في يد مسلم فأتلفه متلف لم يكن عليه ضمان، مسلما كان المتلف أو كافرا. فإن كان ذلك في يد ذمي فأتلفه متلف كان عليه الضمان عندنا، مسلما كان المتلف أو كافرا. والضمان هو قيمة الخمر والخنزير عند مستحليه ولا يضمن ذلك بالمثلية على حال. وإذا غصب إنسان بمصر طعاما ونقله إلى مكة فاجتمع به صاحبه بمكة كان له مطالبته برده إلى مصر، لأنه نقله بغير حق، ولأن رده يجرى مجرى ضمان

(1) أي تربية الشجر لثمرها حتى أدرك الثمر، وفي بعض النسخ " ترسها " وفي واحدة منها " بنفسها " بدل " تربيتها " والظاهر أنها تصحيف والصحيح ما في المتن كما في المبسوط (ج 3، ص 100)

[ 451 ]

المثل (1) فإن قال له صاحبه: اتركه بمكة ولا ترده، لم يجز للغاصب رده لأنه قد خفف عنه مؤنة نقله. فإن قال للغاصب: عليك الرد إلا إنني لا أكلفك ذلك أعطني أجرة رده إلى مصر، لم يلزم الغاصب ذلك لأن الواجب عليه هو المنفعة فلا يملك مطالبته بالبدن، لأن مع القدرة على المثل لا يضمن القيمة. وإذا غصب إنسان شيئا من الفواكه التي لا تبقى، مثل الموز والتفاح والكمثرى (2) وما أشبه ذلك، فتلف ذلك في يده وتأخرت المطالبة بقيمته، كان عليه أكثر ما كانت قيمته من وقت الغصب إلى وقت التلف. فإذا كان الغصب مما يجرى فيه الربا كالاثمان والمكيل والموزون فجنى عليه جناية، استقر أرشها، مثل إن كان الغصب دنانير ثم سبكها أو طعاما فبله فاستقر نقصه كان عليه رده بعينه وعليه ضمان ما نقص. وإذا غصب إنسان عبدا فرده وهو اعور، واختلفا فقال سيده: عور عندك، وقال الغاصب: بل عندك، كان القول قول الغاصب مع يمينه، لأنه غارم. فإن اختلفا في ذلك بعد موت العبد ودفنه كان القول قول السيد: بأنه ما كان أعور. والفرق بينهما إنه إذا مات ودفن فالأصل السلامة حتى يعرف عيب فكان القول قول سيده، وليس كذلك إذا كان حيا لأن العور موجود مشاهد والظاهر أنه لم يزل (3) حتى يعلم أنه حدث عند الغاصب. وإذا غصب إنسان جارية فولدت ولدا مملوكا كان عليه رده. فإن كانت قيمتها نقصت بالولادة كان عليه مع رد الولد أرش ما نقصت. فإن كان الولد قائما رده وإن كان تالفا رد قيمته.

(1) لأن المالك يملك " عمل الرد إلى مصر " على ذمة الغاصب، فالغاصب ضامن بهذا العمل وهو يجرى ضمان المثل، وفي ذيل المسألة ما يوضحه.
(2) الكمثرى: الإجاص (ويقال: بالفارسية گلابي) (3) لعل معناها: لم يزل موجودا قبل الغصب

[ 452 ]

فإن غصب مملوكا أمرد فنبت لحيته ونقص ثمنه. أو جارية ناهدا (1) فسقطت ثدياها، أو رجلا شابا فابيضت لحيته كان عليه ما نقص من ذلك. وإذا غصب حبا فزرعه، أو بيضة فأحضنها (2) دجاجة، كان الزرع والفرخ للغاصب وعليه قيمة الحب والبيض، لأن عين الغصب تالفة لم يجب إلا القيمة. وإذا تعدى إنسان على ما لا يحل كسبه فأتلفه، لم يكن عليه شيئ. ومن كسر شيئا من الملاهي كالبربط (3) والطنابير (4) أو آلات الزمر (5) أو ما جرى مجرى ذلك لم يكن عليه شيئ. ونهى (6) عن القمار والنثار (7) الذي يؤخذ اختطافا (8) وانتهابا ويأخذه من لم يدع إليه ولا أبيح له أخذه. ونهى (9) عن أن يأكل الانسان طعاما لم يدع إليه ونهى (10) عن إخراج الجدران في طريق المسلمين، فمن فعل شيئا من ذلك كان عليه رده إلى موضعه (11). " تم كتاب الغصب "

(1) نهدت الجارية: أي ارتفع وكعب ثدياها.
(2) في بعض النسخ " فأفرخها " بدل " فأحضنها " (3) البربط: المزهر - وهو العود، آلة الطرب المعهودة وهو من آلات لهو العجمي (4) الطنبور: آلة طرب ذات عنق طويل لها أوتار من نحاس (فارسية) (5) الزمر: الصوت - وآلات الزمر: التي ينفخ فيها الصوت مثل القصب (6) دعائم الاسلام - ج 2 ص 486، الحديث 1739 (7) النثار: ما ينثر في العرس على الحاضرين (8) اختطف الشيئ. اجتذبه وانتزعه بسرعة. الخطفة: الاختلاس (9) النهب: الغارة (10) دعائم الاسلام - ج 2 - ص 108 الحديث 349 (11) دعائم الاسلام - ج 2 - ص 487، الحديث 1740

[ 453 ]

" كتاب الشفعة " روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: " الشفعة فيما لم تقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة " (1). وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: " الشفعة في كل مشترك، ربع (2) أو حائط، ولا يحل له أن يبيعه حتى يعرضه على شريكه، فإن باعه فشريكه أحق به " (3). وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال. " لا شفعة فيما وقعت عليه الحدود (4) وليس للجار شفعة وله حق وحرمة " (5) واعلم أن الشفعة لا تثبت إلا لشريك مخالط، وتثبت للغائب كما تثبت للحاضر وإذا كان اثنان شريكين في دار وليس فيها شريك غيرهما وباع أحدهما نصيبه منها كان لشريكه الشفعة. وفي أصحابنا من ذهب إلى أن الاشتراك معها إذا زادوا على اثنين كانت الشفعة بينهم بالحصص، والذي ذكرنا هو الظاهر من مذهبنا. وإذا اقتسما الشريكان الدار وتميز نصيب كل واحد منهما من نصيب الآخر

(1) مستدرك الوسائل ج 3 - كتاب الشفعة الباب 3 - الحديث 7، ص 147 (2) الربع: محلة القوم ومنزلهم، والدار، وما حول الدار (3) مستدرك الوسائل ج 3 - كتاب الشفعة الباب 1 - الحديث 1، ص 147 (4) المستدرك، ج 3، الباب 3 من أبواب الشفعة، الحديث 1 (5) المصدر، الباب 2، الحديث 1، وهذا من تتمة ما قبله كما في دعائم الاسلام

[ 454 ]

لم يثبت لأحدهما في ذلك شفعة. والشفعة تثبت بالاشتراك في الطريق، مثال ذلك: زقاق (1) مشترك بين اثنين دارا هما فيه، فإذا باع أحدهما داره كانت الشفعة له في ذلك فإن أفرد بيع الدار عن الممر المشترك بأن يحول الباب إلى زقاق آخر أو دار أخرى بطلت الشفعة. وإن كانت الدور أكثر من دارين والشركاء أكثر من اثنين بطلت الشفعة عند أكثر أصحابنا على ما قدمناه. وإذا اشترى إنسان دارا والطريق إليها من شارع أو درب (2) نافذ، لم يكن في الطريق شفعة لأنه غير مملوك، وأما الدار فليس فيها شفعة لأن الشفعة لا تثبت بالجوار كما قدمناه. فإن كان الطريق مملوكا مثل الدرب - الذي لا ينفذ - المشترك بين أهله وطريقهم إلى دورهم فمتى اشترى إنسان منه دارا وكان الشركاء أكثر من واحد لم يثبت فيها شفعة وإن كان واحدا فله شفعة، إلا أن يكون المشتري يحول باب الدار إلى درب آخر فلا يثبت الشفعة حينئذ في الدار، وهذا الدرب يثبت به الشفعة عندنا. والشفعة واجبة للمولى عليه. ولوليه أخذ ذلك له. والمولى عليه: المجنون والصبي، والمحجور عليه لسفه والولي لهؤلاء: الأب، والجد أو الوصي من قبل واحد منهما، أو أمين القاضي إن لم يكن هناك أب، ولا جد. ولوليه أن يأخذ ذلك له من غير انتظار لبلوغه ورشاده إذا كان له غبطة (3) في ذلك، فإذا أخذ له لذلك لم يكن للصبي - إذا بلغ أو غيره إذا علم رشده - رد ذلك على المشتري. فإن ترك الأخذ له لم تبطل حق الصبي فإذا بلغ ورشد كان مخيرا بين المطالبة بذلك وأخذه، وبين تركه.

(1) الزقاق: الطريق الضيق (2) الدرب: الطريق.
(3) في بعض النسخ " حظ " بدل " الغبطة "

[ 455 ]

وإذا باع إنسان شقصا بشرط الخيار وكان الخيار للبائع، أو للبائع والمشتري لم يكن للشفيع شفعة، لأن الشفعة إنما تجب إذا انتقل الملك إليه. وإن كان الخيار للمشتري وجبت الشفعة للشفيع، لأن الملك ثبت للمشتري بنفس العقد. وإذا باع شقصا بشرط الخيار فعلم الشفيع بذلك فباع نصيبه بعد العلم بذلك بطلت شفعته لأنه إنما يستحق الشفعة بالملك وملكه الذي يستحق الشفعة به قد زال فبطلت شفعته. وإذا استحق الشفيع الشفعة ووجبت له على المشتري وكان المشتري قد قبض الشقص، قبضه الشفيع منه ودفع الثمن إليه وكان ضمان الدرك على المشتري لا على البائع. وإن كان قبل أن يقبضه المشتري كان الشفيع يستحقها على المشتري أيضا ويدفع إليه الثمن ويقبض الشفيع الشقص من يد البائع ويكون هذا القبض بمنزلة قبض المشتري من البائع ثم قبض المشتري من المشتري. فإن أراد الشفيع فسخ البيع والأخذ من البائع لم يكن له ذلك. وإذا أخذها من يد البائع لم يكن الأخذ منه فسخا للبيع. فإن باع المشتري الشقص كان الشفيع مخيرا بين أن يفسخ العقد الثاني ويأخذ بالشفعة في العقد الأول وبين أن يطالب بالشفعة في الأخذ (1) الثاني. وإن تقابل البيعان كان للشفيع دفع الاقالة ورد الملك إلى المشتري والأخذ منه. فإن ادعى البائع البيع وانكره المشتري وحلف، كان للشفيع أن يأخذ من البايع وتكون العهدة عليه. وإذا كان الشفيع وكيلا في بيع الشقص الذي يستحقه بالشفعة لم تسقط بذلك شفعته ولا فرق في ذلك بين أن يكون وكيلا للبائع في البيع أو المشتري في الشرى لأنه لا مانع من وكالته لهما، ولا دليل يدل على سقوط حقه من الشفعة بذلك. وبيع الشقص من الدار والأرض بالبرائة من العيوب جائز علم المشتري بالعيب أو لم يعلم. فإذا بيع الشقص كذلك وأخذه الشفيع بالشفعة وظهر به عيب، لم

(1) أي في العقد والقبض الثانيين الذي فعله المشتري الثاني.

[ 456 ]

يخل من أن يكون المشتري والشفيع غير عالمين بالعيب، أو يكونا عالمين به، أو يكون المشتري غير عالم والشفيع عالما، أو يكون الشفيع غير عالم والمشتري عالما فإن كانا غير عالمين كان للشفيع رده على المشتري. وإن كانا عالمين به استقر الشراء والأخذ بالشفعة معا، لأن كل واحد منهما دخل مع العلم بالعيب. وإن كان المشتري غير عالم والشفيع عالما سقط رد البيع، لأنه دخل مع العلم بالعيب. وإن كان الشفيع غير عالم والمشتري عالما كان للشفيع رده على المشتري لأنه اشتراه مع العلم بالعيب فلم يكن له رده. وإذا كانت يد اثنين على دار فادعى أحدهما على شريكه فقال: ملكي فيها قديم وقد اشتريت ما في يديك الان وأنا أستحقه عليك بالشفعة، فأنكر المدعى عليه كان القول قوله مع يمينه، لأنه مدعى عليه. فإن حلف (1) على إنه لا يستحقه عليه بالشفعة حلف على ما أجاب ولم يكلف أن يحلف على إنه ما اشترى، لأنه قد يكون اشتراه ثم سقطت الشفعة بعد الشراء بعقد أو غير عقد. فإن نكل عن اليمين رددناها على الشفيع فإن حلف حكمنا له بالشقص ويكون الشفيع معترفا بالثمن للمشتري والمشتري لا يدعيه فإذا كان كذلك قيل له إما أن يقبض أو يتبرع، فإن لم يفعل وضع في بيت المال حتى إذا اعترف المشتري به سلم إليه، لأنه حكم عليه بتسليم الشقص، والاعتراف قد حصل بأن الثمن بدل عنه فمتى طلبه دفع إليه. وإذا كانت دار بين اثنين نصفين، فادعى كل واحد منهما على الآخر أن النصف الذي في يده يستحقه عليه بالشفعة، رجعنا إليهما في وقت الملك فإن قالا جميعا، ملكناها جميعا في وقت واحد بالشراء من رجل واحد، أو من رجلين لم يكن لأحدهما على الآخر شفعة، لأن ملك كل واحد منهما لم يتقدم ملك الآخر. وإن قال كل واحد منهما: ملكي متقدم وأنت ملكت بعدى فلى الشفعة فإن لم يكن مع أحدهما بينة في ذلك فكل واحد منهما مدع ومدعى عليه. فإن سبق أحدهما بالدعوى على الآخر

(1) كذا في النسخ ولعل أصلها " فإن أجاب "

[ 457 ]

قلنا له: أجب عن الدعوى. فإن قال: ملكي هو المتقدم، قلنا له: ليس هذا جواب الدعوى، بل ادعيت كما ادعى، فأجب عن الدعوى. فإن قال: لا يستحق الشفعة على، كان القول قوله مع يمينه. وإن نكل عن اليمين رددناها على المدعي فإذا حلف حكم له بالشفعة وسقطت دعوى الآخر، لأنه لم يبق له ملك يدعي الشفعة به بعد ذلك. وإن حلف سقطت دعوى صاحبه وقبل له الدعوى بعد هذا، فإذا ادعى بعد ذلك على صاحبه فإن نكل حلف هو واستحق الشفعة. وإن لم ينكل وحلف سقطت الدعوى وبقيت الدار بينهما جميعا كما كانت قبل المنازعة. فإن كان مع أحدهما بينة وشهدت له بالتاريخ فقالت: نشهد إنه ملكها منذ سنة أو في الشهر الفلاني، قلنا ليس في هذا التاريخ فائدة لأنا لا نعلم وقت ملك الآخر. فإن قالت: نشهد بأنه ملك قبل الآخر حكم له بالبينة والشفعة، لأن البينة متقدمة على دعوى صاحبه. فإن كان مع كل واحد منهما بينة وكانتا غير متعارضتين وهو أن تكونا مؤرختين بتاريخين مختلفين حكمنا بالشفعة للذى تقدم ملكه. فإن كانتا مؤرختين تاريخا واحدا لم يكن لواحد منهما شفعة وإن كانتا متعارضتين وهو أن يشهد كل واحدة منهما إن هذا سبق الآخر بالملك، استعملنا القرعة فمن خرج اسمه حكمنا له به مع يمينه. وإذا اشترى إنسان شقصا ثم وجد به عيبا كان له رده فإن منعه الشفيع من رده كان ذلك له، لأن حق الشفيع أسبق لأنه وجب العقد، وحق الرد بالعيب بعده، لأنه وجب حين العلم. فإن لم يعلم الشفيع بذلك حتى رد بالعيب كان له دفع الفسخ وابطال الرد، لأنه تصرف فيما فيه إبطال الشفعة كما لو تقايلا ثم علم بالعيب كان له رد الاقالة واعادته إلى المشتري. وإذا كانت الدار بين شريكين نصفين فوكل أحدهما شريكه فيها في بيع نصف نصيبه وهو الربع وقال له: إن شئت أن تبيع نصف نصيبك مع نصيبي صفقة واحدة

[ 458 ]

فافعل، فباع الوكيل نصفها: الربع بحق الوكالة والربع بحق الملك، كان البيع في الكل صحيحا لأن حصة كل واحد منهما من الثمن معلومة وقت العقد، فإذا كان كذلك فقد صح البيع في نصف (1) الوكيل وهو الربع وفي نصف الموكل فهو الربع فأما الموكل فله أن يأخذ نصيب الوكيل بالشفعة، لأنه ليس فيه أكثر من رضا الموكل بالبيع واسقاط شفعته قبل البيع، وهذا لا يسقط به الشفعة، ولأنه لا شفيع سواه. وأما الوكيل فليس له الأخذ بها لأنه لو أراد أن يشتري من نفسه هذا (2) المبيع لما صح ذلك له وأيضا فلو جعل له أخذه بالشفعة لكان متهما في تقليل الثمن. وإذا كانت الدار بين شريكين فباع أحدهما منها نصيبه، ولم يعلم الشفيع بذلك حتى باع هو ملكه منها ثم علم بعد ذلك، كانت الشفعة واجبة له، لأنها وجبت له بالملك الموجود حين الوجوب، وكان مالكا له وقت الوجوب والرد.
(3) وجميع ما هو من ضياع أو متاع أو عقار أو حيوان فإن الشفعة تصح فيه وهو الأظهر في المذهب. وإذا تميزت الحقوق وتحددت بالقسمة لم يصح فيها شفعة. وكذلك لا شفعة في الارحية ولا الحمامات ولا ما لا تصح فيه القسمة، ولا شفعة للكافر على المسلم. وتثبت الشفعة للمسلم على الكافر. وإذا طالب إنسان بشفعة فوجبت له، كان عليه من الثمن للمشتري مثل ما وزنه كما قدمناه. فإن كان البيع بالنقد وجب عليه نقدا، وإن كان بنسيئة كان عليه نسيئة إن كان مليا (4) به. فإن يكن مليا به كان عليه أن يقيم به كفيلا. ومن وجبت له الشفعة فطولب باحضار المال، فمطل به ودافع أو كان عاجزا

(1) في بعض النسخ " نصيب " بدل " نصف " وكذا بدل " نصف الموكل " بعدها.
(2) في نسخة زيادة " لا يشتري " هنا.
(3) لعل كلمة " الرد " زائدة (4) الملى والمليئ مهموز اللام: الغنى والمقتدر.

[ 459 ]

عنه، بطلت شفعته، فإن ادعى غيبة المال ضرب له أجل ثلاثة أيام، فإن أحضره وإلا بطلت شفعته، فإن ذكر أن المال في بلد آخر ضرب له أجل بمقدار ما يصح وصوله إليه فيه، إذا لم يكن ذلك مؤديا إلى دخوله ضررا على البائع (1) فإن أدى إلى ذلك بطلت شفعته. والشفعة لا تكون موروثة كما تورث الأموال. فمن كانت له المطالبة بشفعة فمات قبل المطالبة بها، ثم حضر وارثه ليطالب بما كان يستحقه الميت من المطالبة بها، لم يكن له ذلك وكذلك إن طالب بها ولم يحضر المال ومات، ثم حضر وارثه ليطالب بها عن الميت ويحضر المال لم يجز له أيضا ذلك. وإذا اختلف البائع والمشتري والشفيع في ثمن المبيع الذي وجبت فيه الشفعة كان القول قول المشتري مع يمينه في ذلك. والشفعة لا تثبت في معاوضة ولا هبة ولا إقرار بتمليك ولا صدقة ولا ما يكون مهرا وإنما تثبت فيما يكون مبيعا بثمن معين. ومن باع شيئا تجب فيه الشفعة نسيئة، واحضر صاحب الشفعة المال في الحال كان الذي وجبت عليه الشفعة مخيرا بين قبضه وبين تأخيره إلى حلول الأجل. تم كتاب الشفعة

(1) أي البائع في الشفعة وهو المشتري من البائع الأول.

[ 460 ]

" كتاب المضاربة " المضاربة والمقارضة بمعنى واحد. وهو أن يدفع إنسان إلى غيره مالا ليتجر فيه، على أن ما رزق الله سبحانه كان ما بينهما على ما يشترطانه. وهما لغتان: فالمضاربة لغة أهل العراق، والقراض لغة أهل الحجاز. والقراض من العقود الجائزة في الشريعة بغير خلاف، وليس يجوز القراض إلا بالأثمان من الدنانير والدراهم ولا يجوز بغيرهما. ولا يصح بالنقرة لأنها معتبرة (1) بالقيمة كالحيوان والثياب. وإن دفع إنسان إلى حائك (2) غزلا وأمره بأن ينسجه ثوبا، على أن يكون الفضل بينهما كان ذلك قراضا باطلا، لأن القراض إنما يصح، بأن يتصرف العامل في رقبة المال ويقلبها ويتجر فيها فإذا كان غزلا كان ذلك نفس المال وعينه، ويكون ذلك لصاحب المال وللعامل أجرة مثله. وإذا دفع إنسان إلى غيره ثوبا وقال له بعه فإذا حصل ثمنه فقد قارضتك عليه

(1) النقرة: هي القطعة المذابة من الذهب والفضة، ومعنى العبارة: إن النقرة لا اعتبار لها بنفسها بل بقيمتها من النقدين، بخلاف النقدين فإن اعتبارهما بنفسهما، وفي بعض النسخ " مغيرة " بدل " معتبرة " ومعناها: إن النقرة لا ثبات لها من حيث القيمة فإن قيمتها متغيرة مثل سائر العروض، راجع التذكرة، كتاب القراض، البحث الثالث، الشرط الأول.
(2) من الحياكة وهي النسج.

[ 461 ]

كان باطلا، لأن القراض لا يصح بمال مجهول وهذا قراض بمال مجهول لا تعرف قيمته وقت العقد، وللعامل أجرة مثله. وإذا دفع إنسان إلى صياد شبكة وقال له اصطد بها فما رزق الله سبحانه من صيد فهو بيننا، كان باطلا. فإن اصطاد شيئا كان له، دون صاحب الشبكة، لأنه صيده ويكون لصاحب الشبكة أجرة مثله. وإذا قال: قارضتك على ألف سنة، فإن انتهت فلا تبع ولا تشتر، كان باطلا لأن من مقتضى القراض تصرف العامل في المال إلى أن يؤخذ منه نضا (1). وإذا قال له: قارضتك سنة على أن البيع والشراء لك ولا املك منعك منهما كان باطلا، لأنه من العقود الجائزة كما قدمناه، فإذا شرط فيه اللزوم بطل كالوكالة والشركة. وإذا قال له قارضتك سنة على إنه إذا انقضت امتنع من الشراء، دون البيع كان صحيحا. لأنه شرط هو من موجب العقد ومقتضاه، لأن لصاحب المال منه العامل من الشراء أي وقت أراد. فإذا عقد على ذلك كان شرطا من مقتضى العقد وموجبه فلم يبطل ذلك. فإذا دفع إليه ألفا مضاربة وقال له: على أن ما رزق الله سبحانه من ربح، كان لي الثلث ولك الثلث ولغلامي الثلث، والغلام مملوك لصاحب المال كان صحيحا، ولا فرق في ذلك بين أن يشترط عملا للغلام أو لا يشترط ذلك، لأنه إذا شرط ما ذكرناه فقد شرط ضم مال إلى ماله وعبده ماله فصح ذلك. وإذا شرط الثلث لغير الغلام المملوك ولم يشترط عمله لم يصح القراض، فإن شرط ذلك كان صحيحا. وإذا دفع إنسان إلى غيره الفين منفردين قراضا وقال له: خذها على أن يكون الربح من هذا الألف لي والربح من الآخر لك، كان باطلا، لأن موضع القراض على أن يكون ربح كل جزء من المال بينهما، فإن خلطهما وقال: ما رزق الله سبحانه

(1) نض المال: أي صار دراهم ودنانير.

[ 462 ]

من فضل كان لي ربح ألف ولك ربح ألف كان صحيحا، لأنه شرط له نصف الربح ولأن الألف الذي شرط ربحها غير متميزة. وإذا دفع إنسان إلى غيره مالا قراضا على أن ما رزق الله سبحانه من الربح كان بينهما نصفين، فقارض هذا العامل عاملا آخر. فإن كان فعل ذلك بإذن صاحب المال كان ذلك صحيحا، ويكون وكيلا في عقد القراض عنه. فإن كان العامل الأول قال للثاني: على أن ما رزق الله سبحانه من ربح كان بينك وبين صاحب المال نصفين صح ذلك، ولا يكون للعامل الأول في ذلك شيئ. وإن قال له: على أن يكون الربح بيننا أثلاثا: ثلث لك، وثلث لي، وثلث لصاحب المال. كان ذلك فاسدا لأن العامل الأول شرط لنفسه قسطا من الربح بغير زيادة ولا عمل، والربح في المضاربة لا يستحق إلا بمال أو عمل وليس للعامل الأول واحد منهما، فإذا كان كذلك كان جميع الربح لصاحب المال، ويكون للعامل الثاني أجرة المثل، لأنه عمل في مضاربة فاسدة. وإن كان العامل الأول قارض عاملا آخر بغير إذن صاحب المال، وقال له: خذه قراضا على أن ما رزق الله سبحانه من ربح كان بيننا نصفين، كان ذلك فاسدا، لأنه تصرف في مال الغير بغير إذنه. فإذا دفع إلى غيره مالا قراضا وقال له: خذه على أن ما رزق الله سبحانه من ربح كان لك منه قدر ما شرطه زيد لعامله، فإن كانا عالمين بمبلغ ذلك كان صحيحا، وإن لم يكونا عالمين به أو أحدهما، كان فاسدا، لأنه لا يصح حتى يكون نصيب كل واحد منهما من الربح معلوما عندهما. وإذا اشترى العامل عبدا واختلف هو وصاحب المال، فقال العامل: اشتريته لنفسي، وقال صاحب المال: بل للقراض، - والعادة أن هذا الاختلاف يقع بينهما إذا كان في العبد رغبة وفيه ربح - كان القول قول العامل لأن العبد في يده، وظاهر ما في يده أنه ملكه فلا يقبل في إزالة ملكه عنه قول غيره. فإن اختلفا فقال صاحب المال: اشتريته لنفسك، وقال العامل: للقراض،

[ 463 ]

والعادة في هذا إذا لم تكن في العبد رغبة، كان القول قول العامل أيضا لأنه أمين. وإذا دفع إليه ألفا للقراض بالنصف، فذكر العامل أنه ربح ألفا ثم قال بعد ذلك غلطت، لأني رجعت إلى حسابي فلم اجد ربحا، أو قال: خفت أن ينتزع مني فرجوت فيه الربح، كان إقراره لازما له لأنه إذا اعتراف بربح فقد اعترف بخمس مأة وإذا ثبت حق الآدمي بالاقرار لم يسقط بالرجوع كسائر الاقرارات. فإن قال خسرت وتلف الربح كان القول قوله مع يمينه، لأنه لم يكذب نفسه ولا رجع فيما أقر به وإنما أخبر بتلف الأمانة في يده. وإذا دفع إنسان إلى اثنين ألفا وقال لهما: على أن لكما من الربح النصف وسكت (1) كان لهما النصف والباقي لصاحب المال، لأن عقد الواحد مع الإثنين في حكم العقدين المنفردين، فكأن صاحب المال عقد مع الواحد منهما قراضا بخمس مأة على أن له من الربح النصف، ومع الآخر على خمس مأة أيضا على أن له من ربحها النصف وذلك جائز. فإن قال لهما: على أن لكما نصف الربح: الثلثان منه لهذا والثلث منه لهذا كان صحيحا أيضا، لأنه يكون أحد العاملين كان عقد معه على الانفراد على خمس مأة على أن له من الربح الثلث، وعقد مع الآخر على الانفراد على خمس مأة على أن له من الربح السدس. ولو عقدا منفردين كذلك لكان جائزا. وإذا دفع اثنان إلى رجل ألفا قراضا، وشرط أن ماله من الربح النصف، وسكتا ولم يذكرا مالهما من ذلك، كان صحيحا، لأنهما إذا سكتا عن ذكر مالهما من ذلك كان الباقي وهو النصف بينهما نصفين، لأنهما مستحقان وهما في المال متساويان، فوجب أن يكون في الربح متساويين. فإن قالا له: على أن لك النصف ولنا النصف، والثلث من النصف لي، والثلثين

(1) في أكثر النسخ " سكتا " بدل " سكت "

[ 464 ]

لشريكي كان فاسدا، لأنهما شرطا التفاضل في الربح مع التساوي في المال وذلك لا يجوز. وإذا كان له عند إنسان ألف وديعة، فقال له: قارضتك على الألف التي في يدك، كان القراض صحيحا لأن يد المودع (1) كيد المودع. وإن كان له في يد غيره ألف غصبا، فقارض به صاحب المال الغاصب عليه كان صحيحا، لأن المال وإن كان قبل أن يتقارضا غصبا ومضمونا وغير أمانة، فقد صار بالقراض أمانة فأما الضمان فليس يزول عنه إلا بأن يدفع المال في ثمن مبيع القراض، لأنه يكون قد صرف المال في دين صاحبه بإذنه، فبرئت ذمته منه بذلك. وإذا دفع إلى غيره ألفا مضاربة بالنصف، واشترى بها شيئا للتجارة، ثم هلك الألف قبل أن ينقده المضارب للبائع، كان للمضارب أن يرجع على صاحب المال بمثله فيدفعه إلى البائع، فإن قبض الثاني من صاحب المال، وضاع قبل دفعه أيضا إلى البائع، رجع أيضا على صاحب المال بمثله كذلك، إلى أن يدفع إلى البائع الألف التي له. وإذا دفع إنسان إلى غيره ألف درهم مضاربة بالنصف، فاشترى بها عبدا يساوي الفين وقبضه وباعه بألفين، ثم اشترى بألفين جارية ولم ينقد الألفين حتى ضاعا، رجع المضارب على صاحب المال بألف وخمس مأة، وكان عليه في ماله الباقي يدفعه إلى البائع مع الألف وخمس مأة التي رجع بها على صاحب المال وإذا قبض الجارية وباعها بخمسة آلاف، أخذ المضارب ربعها له، والثلاثة أرباع، لمال المضاربة يأخذ منه صاحب المال رأس ماله الفين وخمس مأة، والباقي ربح بينهما على ما اشترطا. وإذا دفع إنسان إلى غيره مالا قراضا بالنصف أو بأكثر أو أقل: فعمل به في مصره أو في أهله، لم يكن له على صاحب المال ولا في مال المضاربة نفقة. فإن سافر به إلى بلد آخر ليتجر فيه. كانت نفقته في طريقه وفي البلد الذي خرج إليه

(1) أحدهما بالفتح والآخر بالكسر

[ 465 ]

في طعامه وكسوته وغسل ثيابه وركوبه في سفره، ولما لا بد له منه، من مال القراض بالمعروف على قد نفقة مثله، فإن زاد على ذلك، حسب له منه قدر نفقة مثله، وكان الباقي عليه في ماله. وإذا رجع إلى بلده وقد بقي معه من النفقة طعام أو ثياب أو غير ذلك كان عليه رده إلى المضاربة. وإذا استأجر أجيرا يطبخ له ويخبز ويغسل ثيابه ويعمل ما لا بد له منه احتسب ذلك من مال القراض، وما كان من جارية لوطء أو خدمة أو دواء أو كحل أو ما أشبه ذلك، كان جميعه من مال المضارب خاصة. وإذا كان معه غلمان يعملون في المال جروا مجراه، ونفقتهم على مال القراض وكذلك إن كان معه دواب تحمل أمتعة المضاربة إلى بعض البلدان كان علفها على مال المضاربة ما دامت في المعاملة. وإذا دفع إليه مالا قراضا فخرج به إلى السواد (1) يشتري به غلات، ومسيرة ذلك يوم أو يومان فأقام في ذلك الموضع يشتري ويبيع كانت نفقته في طريقه ومقامه من مال المضاربة. ولو إنه في بلد فيه أهله إلا أن ذلك البلد عظيم، أهله في ناحية منه وهو مقيم في ناحية أخرى، يتجر وبينه وبين أهله بعد، وكان يقيم بحيث يتجر ولا يرجع إلى أهله لم يكن له نفقة في المضاربة. ولو كان له أهل بالبصرة وأهل بالكوفة ووطنه فيهما جميعا، فخرج بالمال من أحد البلدين إلى الآخر ليتجر فيه، كانت نفقته في طريقه من مال المضاربة، فإذا دخل البلد كانت نفقته على نفسه ما دام به، فإذا خرج منه عائدا إلى البلد الآخر، انفق في طريقه من مال المضاربة. فإن كان أهل المضارب بالكوفة وأهل صاحب المال بالبصرة فخرج بالمال إلى البصرة مع صاحب المال ليتجر به، كانت نفقته في طريقه بالبصرة وفي عوده إلى بلده من مال المضاربة. وإذا دفع إنسان إلى غيره مالا فضاربه بمصر وليس لهما موطن (2)، لم ينفق

(1) سواد البلدة: ما حولها من القرى (2) كذا في النسخ والظاهر أنها تصحيف والصحيح " موطنا " وضمير ليس يرجع " إلى مصر "

[ 466 ]

المضارب على نفسه من مال المضاربة شيئا ما دام بمصر، فإن خرج منها إلى وطنه أو إلى بعض الاسفار في متجره وعاد إليها في تجارته في المضاربة، انفق في مقامه فيها من باب المضاربة. وإذا انفق المضارب في المضاربة الصحيحة في سفره من مال المضاربة، فلما انتهى إلى البلد الذي قصد إليه لم يتمكن من ابتياع شيئ ثم عاد بالباقي من المال، كان لصاحب المال أخذه ولم يكن على المضارب ضمان ما انفقه وإذا مات صاحب المال ومال المضاربة في يد المضارب وهو معه في بلده، فسافر به المضارب بعد موته، كان عليه ضمانه علم بموته أو لم يعلم. وإن كان صاحب المال مات والمضارب في بلد غير بلد صاحب المال، لم يكن عليه ضمان وكانت النفقة له إلى أن يبلغ بلد صاحب المال. وهكذا لو خرج المضارب بالمتاع من ذلك البلد قبل موت صاحب المال فسافر به ثم مات صاحب المال، لم يكن عليه ضمان وكانت نفقته في سفره من مال المضاربة إلى أن يصل إلى البلد. وإذا دفع إلى غيره ألفا مضاربة بالنصف (1) بأن يأخذ منه ألفا بضاعة وإن يتجر له فيها بغير جعل ولا قسط من الربح، لم يصح ذلك وكان الشرط فاسدا، لأن العامل في المضاربة لا يعمل عملا لا يستحق في مقابله عوضا فبطل الشرط، فإذا بطل الشرط بطلت المضاربة، لأن قسط العامل يكون مجهولا فيه من حيث أن صاحب المال ما قارض بالنصف حتى شرط العامل له عملا بغير جعل، والشرط قد بطل، فإذا بطل ذهب من نصيب العامل وهو النصف قدر ما زيد لأجل البضاعة، وذلك القدر مجهول وإذا ذهب من المعلوم مجهول كان الباقي مجهولا فبطلت المضاربة لذلك. فإن دفع إليه ألفا مضاربة بالنصف وقال له أريد أن تأخذ ألفا بضاعة تعاونني فيه كان ذلك جائزا، لأن البضاعة ما أخذت بشرط وإنما تطوع بالعمل له فيها من غير

(1) في جميع النسخ " بألف " بدل " بالنصف " والظاهر أنه تصحيف والصحيح ما في المتن بقرينة ما سيأتي وكما في المبسوط ج 3، ص 197، والبضاعة أن يدفع الانسان إلى غيره مالا ليتجر فيه ويكون الربح كله للمالك دون العامل.

[ 467 ]

شرط فلم تفسد المضاربة لذلك. وهذه المسألة مفارقة للأولى لأنه شرط أخذ البضاعة وفرق بين الارتفاق (1) بالشرط وبين الشرط، بيان ذلك: إنه لو باع دار بشرط أن يدفع إليه المشتري عبدا يخدمه شهرا، كان البيع باطلا ولو قال له: ادفع إلى عبدك أيها المشتري يخدمني شهرا من غير شرط كان البيع صحيحا والفرق بينهما ما قدمناه. وإذا أعطاه ألفا مضاربة وقال له: أضف إلى هذا الألف من عندك ألفا آخر واتجر بهما، على أن الربح بيننا، لك منه الثلثان ولي الثلث، أو قال: لك منه الثلث والثلثان لي، كان ذلك فاسدا سواء كان الفضل لصاحب المال أو العامل، لأنه إن كان لصاحب المال كان ظاهر الفساد، لأن له نصف المال من غير عمل، وللعامل بهذا المال (2) والعمل معا، فإذا شرط الثلثين لنفسه من الربح، أخذ من ربح ألف العامل قسطا بغير مال فيه ولا عمل وذلك لا يجوز. فإن شرط لنفسه الأقل كان فاسدا أيضا، لأن المال شركة بينهما والربح في الشركة يكون على قدر المالين ولا يفضل أحدهما فيه على الآخر فإذا شرط الفضل لأحدهما بطل، وإذا بطل كان العقد مضاربة فاسدا لأنه دفعه إليه بلفظ المضاربة. فإذا دفع إليه الفين وقال له: أضف إليهما من عندك ألفا يكون الفان من كل المال شركة بيننا والألف الثالث قراضا بالنصف كان صحيحا، لأن المال إذا خلط فهو شركة مشاع كله، فقد أقر الفين على الشركة وقارضه على ألف مشاع فكان صحيحا لأن القراض على المشاع جائز. وإذا خلط العامل مال المضاربة بمال نفسه خلطا لا يتميز معه كان عليه ضمانه، لأنه جعله كالتالف، ألا ترى إنه لا يقدر على رده بعينه على صاحبه، وإذا لم يقدر على ذلك كان ضامنا له.

(1) أي المرافقة (2) أي نصفه كما في المبسوط

[ 468 ]

وإذا أعطاه غيره ثوبا وقال له: بعه فإذا قبضت ثمنه فقد قارضتك عليه لم يصح ذلك، لأنه قراض بصفة (1) ولأن رأس المال مجهول، والعامل له أجرة مثله، فله أجرة المثل على بيع الثوب، وأجرة مثله على عمل القراض، وأجرة بيعه لازم على بيع الثوب سواء كان في المال ربح أو لم يكن فيه ذلك، وسواء تصرف فيه بعد بيعه أو لم يتصرف. وإذا كان المضارب واحدا وصاحب المال اثنين، فدفع كل واحد منهما إليه ألفا قراضا بالنصف، فاشترى العامل لأحدهما جارية بألف، وللآخر جارية أخرى بألف، ثم اختلطا فلم يعلم جارية أحدهما من الآخر، فينبغي أن يباعا في القراض ويدفع إلى كل واحد منهما نصف المال إذا لم يكن فيه فضل، وإن كان فيه فضل، أخذ كل واحد منهما رأس ماله واقتسما (2) الربح على الشرط. وإن كان في المال خسران كان الضمان على البائع لأنه فرط في اختلاط (3) المال وقد قال الشيخ أبو جعفر الطوسي (ره): لو استعملنا القرعة في ذلك لكان أقوى من هذا، وذلك غير صحيح، لأن القرعة إنما تستعمل فيما يلتبس مما ليس عليه نص، وهذا الموضع منصوص (4) عليه عند أصحابنا فلا وجه مع ذلك لاستعمال القرعة فيه. وإذا دفع إلى غيره مالا قراضا فأخذه، وهو يعلم من نفسه أنه لا يقدر على أن يتجر بمثله، لكثرته أو لضعفه عن ذلك مع قلته، كان عليه الضمان، لأنه يكون مفرطا بقبضه له مع علمه من نفسه بما ذكرناه. وإذا اشترى العامل جارية من مال المضاربة لم يجز له وطؤها، لأنه إن كان

(1) أي معلقا على صفة، وهي ما قطع بحصوله عادة، بخلاف الشرط وهو ما أمكن وقوعه وعدمه (2) أي العامل مع كل واحد منهما (3) في بعض النسخ " إخلال " بدل " اختلاط " (4) الوسائل، ج 13، الباب 11 من أبواب الصلح، الحديث 1، ص 170

[ 469 ]

في المال فضل فهو شريك، وإن لم يكن فيه فضل كان الكل لصاحب المال. وكذلك لا يجوز لصاحب المال وطؤها، لأنه إن كان في المال فضل فهو شريك، وإن لم يكن فيه فضل لم يجز له أن يتصرف في السلعة المشتراة للقراض بما يضر بها، فإن أراد أحدهما أن يزوجها واتفقا على ذلك كان جائزا، لأن الحق لهما جميعا. وإذا اشترى العامل عبدا من مال المضاربة وأراد أن يكاتبه لم يجز له ولا لصاحب المال أيضا (1) أن يكاتبه لأنه نقصان. فإن اتفقا على ذلك كان جائزا لأنه حقهما وليس لغيرهما فيه حق يمنع من ذلك. فإن اتفقا وكاتباه وأدركه، عتق وكان المال ليس فيه فضل كان الولاء لصاحب المال. وإن كان فيه فضل كان الولاء بينهما على ما شرطاه بالحصة إن كانا شرطا عليه الولاء. فإن لم يكونا شرطا عليه ذلك لم يكن لواحد منهما عليه ولاء. وإذا احضر صاحب المال لغيره ألف دينار والف درهم، وقال له: خذ أيهما شئت قراضا بالنصف، لم يصح ذلك لأنه لم يعين رأس المال. تم كتاب المضاربة

(1) وفي نسخة زيادة لفظ " ذلك "

[ 470 ]

" كتاب الاجارات " روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال " ملعون من منع أجيرا أجرته " (1) وعنه عليه السلام أنه زوج امرأة رجلا من أصحابه على تعليم سورة من القرآن (2) وبالجملة فلا خلاف بين المسلمين في جواز الإجارة وإذا كان كذلك فإن آجر الانسان نفسه، أو بعض ما يملكه، أو يلى عليه، من عبد أو دابة أو سفينة أو آلة أو دار أو أرض أو ما خالف ذلك، مما يحل كسبه ويجوز استعماله والانتفاع به كان ذلك جائزا إذا عقدها بمدة معلومة أو أجل مفهوم يعرفه المتواجرون (3) ولا يجوز ذلك فيما لا يحل كسبه ولا العمل فيه ولا الانتفاع به مثل أن يغتصب عبدا فيؤجره، أو يستأجر عبدا يعلمه مغصوبا أو دابة أو غيرها، أو يتخذ شيئا من الملاهي، أو ما لا يحل تملكه فإنه لا يجوز إيجاره ولا استئجاره. وكذلك لا يجوز أن يؤجر نفسه ولا دابته ولا عبده ولا سفينته ولا آلته ولا داره ولا شيئا مما يجوز له إجارته ممن يستعمل ذلك فيما لا يجوز ولا يحل مثل أن يؤجر

(1) دعائم الاسلام، ج 2، ص 74 الحديث 206، إلا أن فيه " ظلم " بدل " منع " وورد مضمونه في الوسائل، ج 13، الباب 5 من كتاب الإجارة الحديث 2 (2) دعائم الاسلام، ج 2، ص 74، الحديث 207 والوسائل، ج 15، الباب 2 من أبواب المهور، الحديث 1 (3) في نسخة، " المؤجران "

[ 471 ]

شيئا من ذلك في حمل خمر، أو عملها أو يؤجر داره لمن يبيع الخمر فيها أو يفعل فيها أو يؤدي إليها منكرا مع علمه من المستأجر بذلك. وهي على ضربين: أحدهما: أن تكون المدة معلومة والعمل مجهولا، والآخر أن تكون المدة مجهولة والعمل معلوما. فالذي تكون المدة معلومة والعمل مجهولا فهو مثل أن يقول زيد، لعمرو آجرتك شهرا لتبني أو تخيط فهذه مدة معلومة والعمل مجهول. وما تكون المدة مجهولة والعمل معلوما فمثل أن يقول آجرتك لتخيط ثوبي أو تبنى هذه الدار فالمدة مجهولة والعمل معلوم فإذا كانت المدة معلومة والعمل معلوما لم يصح، لأنه إذا قال استأجرتك اليوم لتخيط ثوبي هذا، كانت الإجارة فاسدة لأنه ربما يخيطه قبل مضى النهار بعض المدة بلا عمل وربما لا يفرغ منه في يوم ويحتاج إلى مدة أخرى ويحصل العمل بغير مدة. وهي من جملة عقود المعاوضات فإذا آجر الانسان ما يجوز إيجاره لزم العقد واستحق المستأجر المنفعة والمؤجر الأجرة ولم يكن لأحدهما فسخ هذا العقد على حال وهي كالبيع في باب الفسخ لأن من ابتاع شيئا ملك البائع الفسخ إذا وجد عيبا في الثمن وكذلك المشتري إذا وجد عيبا في المبيع ولا يملك بغير العيب. وكذلك المؤجر إنما يملك الفسخ إذا تعذر استيفاء الأجرة منه إما لإفلاس أو غيره (1) وكذلك المستأجر إنما يملك ذلك إذا وجد عيبا بالمنافع مثل غرق الدار واستهدامها وما أشبه ذلك. وليس لواحد منهما الفسخ لغير عذر وإذا استأجر إنسان غيره ليقلع ضرسه ثم رجع عن ذلك فإن كان رجوعه عن ذلك مع بقاء الألم لم يكن له فسخ الإجارة لأنه قد استأجره لاستيفاء منفعة وهو متمكن مع بقاء الألم من استيفائها فإما أن يستوفيها وإلا لزمته الأجرة إذا مضى من المدة ما يمكنه قلع الضرس فيه.

(1) في بعض النسخ " عسرة " بدل " غيره ".

[ 472 ]

وكذلك إذا استأجر دابة ليركبها إلى بعض المواضع ويسلمها إليه ولم يركبها وهو متمكن من استيفاء المنفعة التي هي الركوب فإذا لم يفعل ذلك ومضى من الزمان مدة يمكنه فيها استيفائها كانت الأجرة مستقرة عليه. وهكذا إذا استأجر دارا وتسلمها ولم يسكنها ومضى من الزمان مدة يمكنه فيها استيفاء المنفعة بالسكنى فإن الأجرة مستقرة عليه. فإن كان ألم صاحب الضرس قد زال فإن استيفاء المنفعة قد تعذر من جهة الله تعالى شرعا لأنه لو أراد أن يقلع الضرس لما جاز ذلك لأن الشرع يمنع من قلع الضرس الصحيح فإذا رجع عن ذلك وبدا له في الاستئجار كان له ذلك وانفسخت الإجارة بذلك كالدار إذا غرقت أو احترقت أو استهدمت نعني بذلك أن وجع الضرس لو عاد بعد ذلك الدفعة لافتقر في قلعه إلى استئناف عقد لتلك الإجارة. فما ملك الفسخ إلا لتعذر المعقود عليه. فإن استأجر عبدا فأبق انفسخت الإجارة لتعذر استيفاء المنفعة المعقود عليها مثل الدار إذا انهدمت والقول في العبد إذا رجع قبل انقضاء المدة كالقول في الدار إذا انعمرت قبل ذلك وسيأتي ذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى. والمستأجر يملك من المستأجر (1) المنفعة التي في العبد والدار والدابة إلى المدة - التي استقر الشرط عليها، حتى يكون أولى وأحق بها من المالك لها، والمؤجر يملك الأجرة بنفس عقد الإجارة، فإن استقر الشرط في تأجيل الأجرة إلى شهر 0 أو سنة وما أشبه ذلك، لم يلزم تسليمها إلا عند حضور الأجل، وإن اشترط فيها التعجيل أو لم يشترط فيها تأجيلا ولا تعجيلا استحقت عاجلة. وإذا عقد إنسان إجارة ثم أسقط المؤجر مال الإجارة وأبرء صاحبه منها سقط ذلك فإن أسقط المستأجر المنافع المعقود عليها لم يسقط. وإذا استأجر إنسان دارا وشرط أن لا يسكنها غيره لم يجز له أن يسكن فيها غيره

(1) في بعض النسخ " المؤجر " بدل " المستأجر " والمعنى واحد.

[ 473 ]

فإن شرط أن لا يسكنها إلا هو وعياله لم يجز أن يسكنها غيرهم، فإن أطلق ذلك ولم يشترط شيئا جاز له أن يسكنها هو، وأن يسكنها غيره، ويفعل فيه ما يراه من ترك البضائع (1) والأمتعة فيها وأن يعمل ما شاء من الأعمال إلا أن يكون محرما أو عائدا على الدار بالفساد والمضرة كالقصار والحداد والطواحين وما جرى مجرى ذلك وأن يوقد فيها نارا دائمة يسودها، أو لا يؤمن احتراقها معها، أو يجعل فيها من المياه الكثيرة ما يضر بأساسها وحيطانها، ومتى فعل شيئا من ذلك جاز لمالكها نقله منها، فإن تلف منها شيئ بفعله كان ضامنا لذلك. وإذا استأجر دارا وقال " كل شهر بكذا " أو " كل يوم بكذا " أو ذكر سنة أو عشرة أو أقل أو أكثر من ذلك كان جائزا. فإن استأجرها ليسكنها شهرا بكذا كان لكل واحد من المتواجرين ترك الإجارة عند انسلاخ الشهر. فإن كان عقد الإجارة مشاهرة (2) فيسكن المستأجر من الشهر يوما أو يومين أو أياما لم يكن لواحد منهما ترك الإجارة إلى أن يكمل الشهر إلا لعذر أو يتفقا عليه ويجوز حينئذ ذلك لهما. وإذا استأجر إنسان بيتا ليجلس فيه قصارا فاراد أن يجلس فيه حدادا كان ذلك جائزا إلا أن يكون المضرة بالحداد أكثر من القصار فلا يجوز ذلك وكذلك الطواحين وما أشبهها وإذا استأجر دارا سنة على أنه إن سكن يوما لزمته أجرة السنة كان ذلك جائزا ولزمته أجرة السنة فإن لم يسكنها في السنة وأراد أن يسكنها غيره جاز له ذلك. وإذا استأجر دارا على أن يجعل أجرتها سكنى دار أخرى كان ذلك جائزا ويجوز استئجار الدار بالعين والعروض، فإذا استأجر دارا فانهدمت أو بعضها وتعطلت بيوتها، أو رث (3) بعضها فأراد المستأجر من مالكها عمارتها لم يجبر على ذلك،

(1) في بعض النسخ " الصنائع " بدل " البضائع ".
(2) بأن يقال: كل شهر بكذا، راجع النهاية، ص 444.
(3) رث الشئ: بلى وخلق.

[ 474 ]

وللمستأجر إذا كان ذلك يضر به فسخ الإجارة على ما قدمناه، وعليه الأجرة لما سكن قبل انهدامها: وإن لم يكن عليه في ذلك ضرر لم يجز له الفسخ. وإذا اختلف المتواجران في مبلغ الأجرة فادعى المستأجر الأقل، وادعى المؤجر الأكثر، وكان مع أحدهما بينة حكم له بها، فإن لم يكن معه بينة تحالفا فإن نكل أحدهما عن اليمين، كان القول قول الآخر مع يمينه، فإن حلفا جميعا أو نكلا جميعا عن اليمين انفسخ العقد في المستقبل، وكان القول قول مالك الدار مع يمينه فيما مضى: فإن لم يحلف كان له أجرة مثلها عن ما سكنه المستأجر. وإذا سكن إنسان دار غيره واختلفا، وقال الساكن سكنتها بغير أجرة وقال المالك بل استأجرتها مني، ولم يكن لأحدهما بينة على ما ادعاه كان القول قول صاحبها مع يمينه. وإذا استأجر إنسان دارا وانفق فيها نفقة، وادعى أن مالكها أمره بذلك فأنكر المالك لها ذلك كانت البينة على المدعي وعلى صاحب الدار اليمين بأنه لم يأمره بذلك، فإذا حلف كان للمستأجر أخذ النقض (1). وإذا استأجر دارا وفعل فيها فعلا من غير إذن مالكها له في ذلك، فعطب كان عليه ضمان ما عطب منها، فإن كان ما فعله كفعل غيره من السكان لم يكن عليه ضمان فإن آجر بعضها بمثل ما استأجرها به وسكن في البعض كان جائزا. وإذا استأجرها وفيها متاع لصاحبها، وضمن له صاحبها تفريغها وتثاقل عن ذلك فلم يفرغها لم يكن له من الأجرة إلا بمقدار ما سكن المستأجر فيها. وإذا استأجرها بدينار ثم آجرها بعشرين درهما أو أكثر من ذلك من الدراهم كان جائزا وكذلك حكم ما يستأجره من عبد أو بعير أو سفينة، أو ما جرى مجرى ذلك

(1) النقض: هي الآلات والمصالح المستعملة في الدار، وفي أكثر النسخ " النقض " بالصاد المهملة وفي نسخة " البعض " ولعل المراد بعض الآلات التي يستعملها المستأجر في الدار.

[ 475 ]

إذا كان لعمل معروف أو حمل معروف. ولو استأجر أرضا بدينار جاز له أن يزارعها بالنصف أو بأكثر أو أقل. وإذا استأجر دارا فأظهر فيها فسقا أو اجتماعا على خمر، أو دعارة (1) نهي عن ذلك فإن انتهى وإلا نقل منها. وإذا استأجر دارا سنة ولم يسلمها مالكها إليه إلى أن مضى شهر فطلب المستأجر منه تسليمها أو لم يطلب ذلك، ثم تحاكما لم يكن للمستأجر الامتناع من قبضها في باقي السنة ولا للمؤجر المنع من تسليمها. فإن سلمها إليه إلا بيتا واحدا مشغولا له بمتاع فيه واتفقا على بقاء المتاع فيه حط عنه من الأجرة بحساب ذلك. وإذا استأجر دارا بعبد معين فأعتقه مالك الدار قبل أن يتقابضا لم يصح عتقه فإن أعتقه بعد تسليمه المستأجر إليه وقبل أن يتسلم الدار كان العتق جائزا. فإن احترقت الدار أو انهدمت، أو غرقت، أو استحقت، أو مات أحد هذين المتواجرين كان على المعتق قيمة العبد، فإن لم يقبض العبد حتى سكن شهرا واحدا ثم أعتقا جميعا العبد وهو بيد المستأجر فإنه يجوز فيه عتق صاحب الدار بقدر أجرة شهر ويجوز عتق المستأجر فيما بقي منه وينفسخ الإجارة. وإذا استأجر دارا بثوب معين وقبضه، ثم حضر صاحب الدار مريدا لرده بعيب، فقال المستأجر لم يكن هذا العيب فيه كان القول قول المستأجر مع يمينه في ذلك، فإن أثبت صاحب الدار بينة بالعيب حكم له بها، وكان على المستأجر أجرة مثل الدار. وإذا استأجر إنسان دارا، فانسدت البالوعة، وامتلأ الخلاء، كان عليه تنظيفه دون صاحبها، لأن ذلك حصل بسبب من جهته. وإذا خرج المستأجر من الدار وفيها شئ من تراب، أو رماد أو كناسة كان على المستأجر إزالته منها، وتنظيفها منه.

(1) الدعارة بفتح الدال: الفساد والشر، وفي بعض النسخ " دعاوة فساد ".

[ 476 ]

فإن اختلف المتواجران في التراب والرماد والكناسة وما أشبهها كان القول قول المستأجر مع يمينه في أنه استأجرها وهو فيها. وإذا استأجر دارا فقال المؤجر وهو مثلا في رجب آجرتك هذه الدار في شهر رمضان، أو كان في مثل هذه السنة، وهي سنة سبع وستين وأربع مأة فقال: آجرتك هذه الدار سنة ثمان وستين واربع مأة، قال بعض الناس لا يجوز، وعندنا هو جائز لأنه ليس عندنا: إن من شرط صحة الإجارة تسليم المعقود عليه في حال عقد الإجارة، ولا كون المنفعة متصلة به، وإنما يلزم التسليم في أول المدة التي انعقدت عليها الإجارة. وكذلك المنفعة أن تكون متصلة بهذا الوقت. وإذا استأجر إنسان من غيره حانوتا فباع فيها مدة ما، ثم خرج منها، واختلفا فيما فيها من الدفوف (1) والخشب التي بني عليها، فقال المستأجر أنا أحدثتها وهي لي، وقال مالك الحانوت، كانت في حانوتي حين آجرتك إياها، كان القول قول المستأجر مع يمينه وكذلك الحكم في الطحان وآلاته والقصار والحداد وآلاتهما وما يجرى مجرى ذلك من الأدوات والأوعية التي تكون للصناع. وإذا استأجر إنسان أرضا ليطبخ الاجر والفخار فيها بأجرة مسمى كان جائزا فإن اختلفا في الاتون (2) فقال صاحب الأرض أنا بنيته وقال الآخر بل أنا بنيته كان القول قول المستأجر مع يمينه لأن العادة جارية بأن المستأجر هو الذي يبني ذلك. وقد يجوز أن يكون في بعض البلدان من شأن أصحاب الأملاك اتخاذ شئ من الالات التي للصناع في أملاكهم وفي غيره من البلدان لم تجر العادة بذلك، فإذا كان كذلك كان القول فيما يدعيه مدع من ذلك قول من جرى الرسم باتخاذه (3) له، دون

(1) بالدال المهملة جمع الدف وهو ما ارتفع من جانب الشئ وبالراء ما جعل في أطراف داخل البيت ليوضع عليها الطرائف كما في التاج. (2) الاتون كتنور: محل وقود النار.
(3) في نسخة " بإيجاده " وكذا بعدها.

[ 477 ]

من لم تجر العادة في تلك البلدة باتخاذه إياه والبينة فيه بينة المدعي وإذا استأجر إنسان من غيره دارا على أن يجعل أجرتها أن يكسوه ثلاثة أثواب كان ذلك فاسدا، وعليه أجرة مثلها فيما سكن. وإذا استأجر دارا من غيره واختلفا، فقال صاحبها استأجرتها سنة، وقال المستأجر استأجرتها شهرا واحدا، كان القول قوله مع يمينه، وعلى صاحب الدار البينة. فإن استأجرها شهرا وأقام صاحبها معه فيها إلى آخر الشهر، وقال المستأجر لست أدفع إليك أجرة لانك لم تخل بيني وبين الدار، كان عليه من الأجرة بحساب ما كان في يده من الدار. وإذا استأجر إنسان دارا من اثنين شريكين فيها، ثم مات أحد الشريكين انفسخت الإجارة في حصته، فإن رضي الوارث - وهو كبير - أن يكون حصته على الإجارة ورضي المستأجر بذلك كان جائزا. وإذا استأجر أرضا فأصابتها آفة من غرق أو جفاف عين أو انقطاع نهر كان يسقيها، فإن أراد المستأجر أن ينفق على ذلك من أجرة سنته انفق ويلزم النفقة مالك الأرض وإلا كان عليه بقدر ما انتفع بالأرض من الأجرة وينفسخ الإجارة فيما بعد ذلك وإذا استأجر إنسان دارا بثوب معين وكفل به رجل فهو ضامن، فإذا استكمل السكنى وتلف الثوب عند صاحبه برأ الكفيل لأنه ليس على المستأجر قيمة الثوب وإنما عليه أجرة مثل الدار. وإذا استأجر إنسان من غيره محملا أو زاملة (1) وكفل له رجل بالحمولة (2) كان ضامنا ويؤخذ بالحمولة كما يؤخذ المؤجر بها، وهكذا القول إذا استأجر إبلا غير معينة يحمل عليها متاعا إلى بلد معين وكفل له رجل بالحمولة، فإن استأجر إبلا

(1) الزاملة: الدابة التي يحمل عليها المتاع من الإبل وغيرها. وفي بعض النسخ زيادة " إلى مكة " هنا.
(2) الحمولة: ما يحمل عليه من الإبل والحمار وغيرهما.

[ 478 ]

معينة يحمل عليها متاعا وكفل له رجل بالحمولة لم تصح الكفالة، وكذلك لو استأجر دارا ليسكنها أو أرضا ليزرعها فكفل له رجل بالسكنى والوفاء والزراعة لم يصح ذلك لأنه لا يمكن الاستيفاء من الكفيل وكذلك أن استأجر انسانا للخدمة وكفل رجل بخدمته. وإذا عجل الأجر (1) في الإجارة الصحيحة وكفل له إنسان بالأجر إن لم يوفه الخدمة أو السكنى كان جائزا. وإذا دفع إنسان ثوبا إلى خياط يخيطه له باجر مسمى، وأخذ منه كفيلا بالخياطة كان ذلك جائزا، ويكون الكفيل ضامنا لخياطة الثوب فإن خاطه الكفيل رجع على المكفول عنه بأجرة مثل ذلك الثوب بالغا ما بلغ فإن كان صاحب الثوب اشترط على الخياط أن يخيطه هو بيده دون غيره كانت الكفالة باطلة، وهكذا جميع الأعمال. وإذا استأجر إنسان من غيره حماما مدة معلومة بأجرة مسماة كان جائزا وكانت عمارة الحمام، ومسيل مائه، واصلاح قدوره وصار وجه على مالك الحمام، ومتى اشترط مالك الحمام على المستأجر ذلك، كانت الإجارة فاسدة لأن ذلك مجهول وإذا شرط صاحب الحمام على المستأجر عشرة دراهم كل شهر للمرمة زائدة على الأجرة وأمره بأن ينفقها عليه كان جائزا. وإذا قال المستأجر قد أنفقتها لم يصدق وكان القول قول صاحب الحمام مع يمينه. وإذا أراد مالك الحمام أن ينصب له أمينا مع المستأجر لقبض الغلة في كل يوم لم تكن له ذلك لأنه لا شئ له في الغلة، إذا انقضت مدة إجارة الحمام وفيه رماد وسرقين وادعاه كل واحد منهما كان للمستأجر وعليه نقله فإن أنكر المستأجر أن يكون الرماد من عمله كان القول قوله مع يمينه. وإذا استأجر حمامين صفقة واحدة وانهدم أحدهما قبل قبضهما كان له ترك

(1) أي عجل المستأجر بدفع الأجرة

[ 479 ]

الباقي، وإن كان انهدامه بعد القبض كان الباقي لازما له بحصته من الأجرة. فإن استأجر حماما واحدا فانهدم منه بيت واحد كان له تركه ولا فرق بين أن يكون ذلك قبل القبض أو بعده. فإن استأجر حماما وعبدا وقبضهما ثم مات العبد لزمه الحمام بحصته. فإذا استأجر إنسان راعيا يرعى له غنما بأجرة معلومة كان جائزا فإن شرط عليه أن لا يرعى مع غنمه غنما لغيره صح ذلك ولم يجز للراعي رعى غنم لغيره مع غنمه. وإذا مات من جملة الغنم شاة لم يلزم الراعي ضمانها إلا أن يكون موتها بتعد منه عليها، ولا يجوز لصاحب الغنم أن ينقص الراعي شيئا من أجرته لأجل موت الشاة. وإذا ضرب الراعي شاة فقلع عينها كان ضامنا لذلك فإن سقى الغنم من نهر فغرق منها شئ لم يكن عليه ضمان لذلك وكذلك الحكم لو عطب منها شاة في الرعى أو أكله الذئب. والقول فيما يهلك من الغنم قول الراعي مع يمينه فإذا هلك نصف الغنم أو أكثر كان للراعي أجرته على كمالها ولا ينقص منها شئ. لأجل ذلك ما دام يرعاها وحدها (1). وإذا أراد صاحب الغنم أن يزيد في عدد الغنم وكان قد شرط على الراعي أنه إذا شاء زاد وإن شاء نقص كان له ذلك. وإذا استأجره ليرعى له عدة معينة، لم يكن له أن يدفع إليه أكثر منها، إلا أن يدفع إليه بحساب ذلك (2) أجرة الزائد، وكذلك لو شارطه أن ما ينقص منها نقصه من الأجرة بحساب ذلك، ثم هلك منها شئ كان له أن ينقصه بحساب ذلك وإذا شرط مالك الغنم على الراعي ضمان ما يموت منها لم يصح ذلك، وكانت الإجارة فاسدة. فإن شرط عليه ضمان ما يهلك من فعله لم يفسد الإجارة بذلك. وإذا استأجر راعيا يرعى له غنما شهرا، ولم يذكر شيئا غير ذلك، ثم

(1) أي لا يشرك معها غيرها.
(2) في نسخة بزيادة " إلى ".

[ 480 ]

أراد الراعي أن يرعى لغيره بأجرة كان للذى استأجره شهرا، أن يمنعه من ذلك لأنه استأجره لنفسه شهرا، فإن لم يعلم حتى رعى لغيره لم ينقصه من الأجرة شيئا إذا كان قد قام ما شرط عليه من رعى غنمه. وإذا كان الراعي مشتركا في رعى الغنم، واتى بها إلى أهلها، واكل السبع منها شيئا وهي في مرابضها عند أهلها لم يلزمه ضمان ذلك، وكذلك ليس عليه ضمان لو سرق منها شئ. وإذا سلم إنسان غنمه إلى راع ليرعاها له بدرهم في الشهر كان ذلك جائزا وله أن يرعى لغيره، وهذا أجير مشترك إن رعى لغيره أو لم يرع، وإذا دفع إنسان غنمه إلى راع على أن أجرتها أصوافها وألبانها واشترط عليه مع ذلك سمنا معينا وجبنا معروفا، كانت الإجارة فاسدة، والراعي ضامن لما أصاب من ذلك وله أجرة مثله. وإذا كان الراعي مشتركا فخلط غنم الناس بعضها ببعض فلم يعرفها أهلها ما لكل واحد؟ كان القول قوله مع يمينه، فإن قال لا أعرفها، كان ضامنا لقيمتها كلها لاهلها ويكون جميع الغنم له، القول في قيمتها يوم خلطها قوله، فإن ادعى واحد منهم غنما معينة، كان القول قول الراعي أيضا مع يمينه، فإن نكل عن اليمين سلم ذلك، وإذا كان الراعي يرعى في الجبال وشرط عليه صاحب الغنم أنه إذا مات منها شئ كان عليه أن يأتي بسمته وإلا كان عليه الضمان لم يلزمه هذا الضمان، وإذا لم يأت بالسمة لم يفسد شرط الإجارة، ويكون البينة فيما يهلك عليه، ولا يجوز للراعي أن يسقي أحدا شيئا من البان الغنم، ولا يبيعه ولا يقرضه ولا يأكل هو منه، فإن فعل شيئا من ذلك كان عليه ضمانه. وإذا اختلف الراعي وصاحب الغنم في العدد الذي تسلمه الراعي منه، كان على صاحبها البينة، وكان القول قول الراعي مع يمينه في ذلك. ولا يجوز للراعي أن ينزي بعض فحول الغنم على شئ منها بغير أمر صاحبها

[ 481 ]

فإن فعل ذلك وعطب منها شئ كان على ضمانه، وإن كان بأمر صاحبها لم يكن عليه ضمان. وأذانه (1) من الغنم رأس، وخاف الراعي إن تبعه ليرده ضاع الباقي، كان عليه البينة بذلك، فإن لم يكن له بينة، كان عليه الضمان. فإن استأجر من يجيئ بالواحد الذي نه من الغنم، لم يلزم صاحبها من ذلك شئ به، وكان الراعي بذلك متطوعا. " الاستيجار للرضاع " وإذا استأجر إنسان ظئرا لترضع له طفلا سنتين باجر معلوم كان جائزا ويكون طعامها وكسوتها على نفسها، وإن شرطت طعامها وكسوتها ودراهم عند فطام الصبي كان جائزا، وإذا استأجرها بما ذكرناه لم يجز لها أن تواجر نفسها لرضاع صبي غير هذا، ولا تسقى من لبنها إلا له، أو لولدها. وإذا شرط المستأجر عليها أن ترضع الصبي في منزله لزمها ذلك، وإن شرط رضاعه في منزلها جاز ذلك، ولا يجوز لها أن ترضعه من غير لبنها على حال إلا أن ينقص لبنها فتدفعه بأمر أهله إلى خادمها، أو تستأجر له ظئرا أخرى فيكون ذلك جائزا. وإذا وقع الصبي فمات، أو ضاع من يدها، أو سرق شئ من حليه أو ثيابه بغير تفريط منها، لم تضمنه، وإن كان بتفريط منها، كان عليها الضمان. وإذا شرط عليها رضاع الطفل فقط لم يلزمها غيره، وإن شرط عليها مع ذلك تمريخه (2) وغسل ثيابه وما جرى مجرى ذلك، كان عليها القيام بذلك، ولا يجوز لأهل الطفل إخراج الظئر قبل الأجل إلا لعذر مثل أن يكون الطفل لا يقبل لبنها، أو تحمل فيخافوا عليه من ذلك أو تكون فاجرة أو سارقة أو ما أشبه ذلك ولا يجوز لها أيضا أن تخرج من عندهم إلا لعذر، مثل أن يكون زوجها لم يرض بالاجارة، أو يكون أهل

(1) أي نفر وذهب (2) أي تدهينه

[ 482 ]

الطفل يعتمدون أذيتها (1) أو ما أشبه ذلك. وإذ كان العبد تاجرا، جاز أن يستأجر ظئرا لصبي له وكذلك الأمة التاجرة يجوز لها أن تواجر نفسها ظئرا، وكذلك المكاتب يجوز أن يستأجر ظئرا لصبي له. وإذا استأجر إنسان لرضاع ولده ظئرين فماتت واحدة بقيت الأخرى على الرضاع بحصتها. فإن استأجر ظئرا واحدة لرضاع طفلين ومات أحدهما جاز أن ينقص من الأجرة بحساب ذلك. وإذا استأجر الرجل امرئته لترضع ولده منها لم يصح ذلك ولم يكن لها أجرة عليه وكذلك لو استأجر خادمها. فإن كان له ولد من غيرها جاز له أن يستأجرها على رضاعه وتستحق عليه الأجر بذلك. وإذا استأجر مطلقته البائنة في ذلك كان جائزا ولها الأجرة عليه، وكذلك إن استأجر خادمها، ولا فرق في ذلك بين أن يكون هذا الولد ولد هذا المستأجر من هذه المطلقة أو يكون من غيرها. وإذا استأجر ظئرا وكانت تسقي الطفل وتغذوه بلبن الغنم، وأهله لا يعلمون ذلك لم تستحق عليهم أجرة، فإن قالت قد أرضعته كان القول قولها مع يمينها، فإن أقام أهل الصبي بينة بأنها تغذوه بلبن الغنم حكم لهم ببينتهم ولم يكن لها عليهم أجرة. وإذا استأجر إنسان ثوبا ليلبسه يوما كاملا من أوله إلى آخره بأجرة معينة كان جائزا فإذا استأجره على هذا الوجه لم يجز له أن يدفعه إلى غيره ليلبسه فإن فعل ذلك كان ضامنا لما ينقص منه، فإن لم ينقص منه شيئا كان الأجر مستحقا. فإن استأجره للبس يوم كامل ولم يعين الذي يلبسه جاز أن يلبسه المستأجر أو غيره فإن لبسه هو أو غيره ثم هلك لم يكن عليه ضمان. فإن اختصما قبل أن يلبسه أحد فسدت الإجارة وكذلك الحكم في سائر الثياب. وإذا استأجر قميصا ليلبسه يوما كاملا فلم يلبسه ذلك اليوم كانت الأجرة مستحقة

(1) أي يقصدون أذيتها.

[ 483 ]

عليه ولم يجز له أن يلبسه يوما بدل ذلك اليوم فإن لم يلبسه واتزر به فخرق كان ضامنا له، وإن لم يخرق وجبت الأجرة عليه كاملا. وإذا استأجر خيمة يستظل بها، جاز له أن يدخلها غيره، فإن اتخذها مطبخا وصارت سوداء من الدخان، كان عليه الضمان. وإذا استأجر إنسان دابة معينة ليركبها إلى موضع معين باجر مسمى كان جائزا، وإذا استأجرها كذلك لم يجز أن يحمل عليها سواه، فإن فعل ذلك وعطبت كان عليه ضمانها، وإذا استأجر دابة ليتلقى عليها إنسانا، أو ليشيعه لم يصح ذلك، فإن عين موضعا ينتهى إليه كان جائزا. وإذا استأجر سفينة معينة، أو دابة معلومة إلى مكان معين، فعطبت في بعض الطريق، انفسخت الإجارة فيما بقي من الطريق وكان عليه الأجر. بما قطعه من طريقه وإذا استأجر على الابلاغ ولم يذكر سفينة بعينها ولا دابة بعينها، كان على المكارى البلاغ به وله الأجر على كماله. وإذا استأجر دابة ليطحن عليها، أو يعمل عملا، أو يسافر سفرا، ولم يبين مقدار ما يطحنه عليها، أو يسير عليها كل يوم كان جائزا، وله أن يستعمل الدابة فيما استأجرها بقدر ما يستعمل فيه مثلها، فإن تعدى في ذلك كان عليه ضمانها وكذلك الحكم في السفينة إذا استأجرها على ذلك الوجه. وإذا استأجر شيئا من ذلك فاتفق هو والمكاري على أن يحمل عليها خمرا، أو خنزيرا، أو غير ذلك من المحرمات كان ذلك باطلا، فإن استأجرها لذلك ولم يعلم المكارى به كان له الأجرة والإثم على المستأجر، فإن كان المتواجران ذميين جاز ذلك بينهما. وإذا استأجر دابة إلى مكان عينه، ثم تجاوزه فهلكت الدابة، كان ضامنا لها ولا أجرة عليه فيما زاد بعد المكان الذي عينه، فإن تجاوز بالدابة المكان الذي حده وسلمت كان صاحبها مخيرا بين أن يأخذ منه أجرة المثل، وبين أن يضمنه قيمة ما نقص وإذا استأجر دابة يوما واحدا ثم أمسكها عنده أياما كان صاحبها مخيرا بين أن يأخذ قيمة ما نقصت، وبين أن يأخذ أجرة المثل فيما زاد على اليوم.

[ 484 ]

وإذا اختلف المتوجران في المسافة فادعى المستأجر موضعا بعيدا وادعى صاحب الدابة أقرب منه وهما يتفقان على مبلغ الأجرة كانت البينة على المستأجر لأنه يدعي الأكثر وعلى المؤجر اليمين. وكذلك إن اتفقا على الموضع واختلفا في الطريق فإن البينة على المدعي بما يدعيه من زيادة المسافة من الطريق واليمين على المنكر لذلك. فإن تساوى الطريقان واختلفا في العقد على أيهما كان وأراد كل واحد منهما القصد إلى المكان الذي ذكره فإن كان ذلك منهما قبل أن يركب أو كان ركب شيئا يسيرا، تحالفا وتفاسخا إن لم يكن لهما بينة ومن نكل منهما عن اليمين لزمته دعوى الآخر. فإن كان قد ركب ونقد المكارى الأجر كان القول قول المكارى مع يمينه والمكتري مدع. وإذا استأجر إلى خراسان أو العراق أو الشام أو ما جرى مجرى ذلك وأراد المكارى إنزال المكترى في أول عمل ذلك البلد (1)، وأراد المكترى الوصول إلى آخره، ولم يسميا مكانا معينا وقت عقد الإجارة كان على المكارى أن يوصله إلى أشهر المواضع المعروفة من تلك البلاد والمدينة التي هي أم تلك الكورة، المقصود إليها والمشهور ذكرها واسمها فيها. فإذا وصل المكارى إلى مكان فادعى إنه قد زاد على الموضع الذي كان هو والمكتري اتفقا عليه، فطلب بذلك فضل الأجر ما بين الموضعين، كان القول قول المكترى مع يمينه، وعلى المكارى البينة بما يدعيه من ذلك الفضل والزيادة. وإذا استأجر دابة على حمل معين فحمل عليها حملا أخف منه وعطبت لم يلزمه ضمانها. ولا يجوز الإجارة على الأعيان المحمولة إلا بأن يشاهدها المكارى أو يوصف

(1) أعمال الكورة أو البلد: نواحيها وقراها المتعلقة بها.

[ 485 ]

له أو برأها (1) لأن ضرب (2) المحمولات مختلف على الدابة وإن كان وزنها متفقا مثل القطن والحديد والرصاص والصوف والنحاس. فإذا هرب المكارى واحتاج المكترى إلى النفقة على الدابة فينبغي أن يرفع خبره بذلك إلى الحاكم في ذلك الموضع أو القافلة، وينفق بعد إعلامه ذلك. وإن دفع النفقة إلى بعض الثقات وانفق على الدابة كان جائزا. وإذا أراد الانفاق عليها بنفسه وأنفق كان القول في ذلك قوله مع يمينه إذا أتى بما يشتبه (3)، ويرجع به على المكارى، وكذلك القول في أجرته على القيام بذلك إذا طلبها. وإذا مات البعير أو الدابة فاستأجر المكترى لذلك - مكان الذي مات - غيره كانت هذه الإجارة لازمة للمكاري الأول فيما بقي من المسافة التي اشترطا البلوغ إليها وقت العقد. فإن اشترى دابة أو بعيرا لم يلزم المكارى ذلك وكان عليه أجر الحمل من موضع الشرى إلى المكان الذي اتفقا على البلوغ إليه. ويجوز للاثنين أن يستأجرا ما يتعاقبان عليه فإذا اتفقا فيما بينهما على كيفية التعاقب من ليل أو نهار أو ما أشبه ذلك كان جائزا. فإذا استأجر دابة ليركبها إلى موضع معلوم فتجاوزه بها ورجع، فعطبت في رجوعه كان عليه ضمانها، فإن لم يتجاوز بها الموضع الذي عينه إلا أنه ضربها، أو فعل بها ما لم تجر به عادة الناس في حثهم الدواب على المشى من ضرب أو كبح (4) لجام كان ضامنا لها. وإذا استأجر دابة إلى مكان على أن يركبها بسرج فحمل عليها عوضا من

(1) في بعض النسخ " يريها " بدل " برأها ".
(2) في بعض النسخ " ضرر المحمولات " بدل " ضرب المحمولات ".
(3) أي بما يحتمله، وفي بعض النسخ " بما نسبه " أي بما ناسبه.
(4) كبح الدابة باللجام: جذبها إليه باللجام، وضرب فاها به لتقف ولا تجري.

[ 486 ]

السرج اكافا (1) كان عليه ضمانها، فإن كان حمارا فنزع عنه سرجه أو أسرجه بسرج فرس أو برذون لا يسرج بمثله الحمر كان ضامنا له. فإن أسرجه بسرج أخف من سرجه لم يلزمه ضمان. وإذا استأجر دابة بدينار وآجرها بقفيز حنطة وعشرين درهما كان جائزا. وإذا استأجرها إلى مكان معين فآجرها لمثل ذلك كان أيضا جائزا. وإذا حدثت حادثة في البحر واحتاج الملاح معها إلى طرح بعض المتاع في البحر أو إلى فعل ما يتلف به بعض ذلك، كان عليه ضمان ذلك إلا أن يأمره صاحب المتاع بطرحه في البحر فلا يلزمه شئ. وإذا استأجر دابة فقال له صاحبها استأجر على غلاما يتبعك ويتبع الدابة وأجره على وأدفع إليه نفقة ينفقها على الدابة ففعل المستأجر ذلك وسرقت النفقة من الغلام أقام المستأجر البينة بأنه استأجر الغلام ودفع النفقة إليه أو أقر الغلام بقبضها منه كانت لازمة للمكاري. وكذلك الحكم لو لم يسرق ولم يضع (2). وإذا استأجر إنسان دابة إلى بلد معين بدراهم مسماة فرده عليه المكارى عند البلوغ إلى ذلك البلد بعض تلك الدراهم وذكر أنها زيوف أو ستوق (3) كان القول قول صاحب الدابة مع يمينه في ذلك. وإذا استأجر دابة إلى موضع معين، وأراد صاحب الدابة أن يحمل على الدابة رحل إنسان آخر بأجرة، كان للمستأجر منعه من ذلك، فإن حمله عليها، ووصل إلى الموضع المعين، لم يكن للمستأجر أن يمنعه شيئا من الأجر، لأجل (4) ما حمله عليها لغيره.

(1) الاكاف: البردعة، والبردعة: كساء يلقى على ظهر الدابة.
(2) من " ضاع " بمعنى تلف.
(3) درهم ستوق كتنور: مغشوش بصفر أو نحاس، والزيوف من الزيف أي الردئ (4) في بعض النسخ: " لإجر " بدل " لأجل ".

[ 487 ]

وإذا استأجر دابة، ومات صاحب الدابة في الطريق، ثم استأجر المستأجر انسانا يقوم على الدابة كان بذلك متطوعا ولا شئ له من ذلك، على المستحق للدابة. وإذا اختلف المتكاريان في مبلغ الأجر، كان القول في ذلك قول المستأجر مع يمينه، فإن كان لأحدهما بينة على ما يدعيه حكم له بها. وإذا استأجر دابة معينة إلى بلد معين فوجدها عثورا (1) أو جموحا (2) أو لا يبصر بالليل، كان له الخيار منها ويدفع إلى صاحبها من الأجر بحساب ما قطعه من الطريق في سفره. وإن كانت الدابة غير معينة، كان على صاحبها إيصاله إلى البلد المعين على دابة غيرها. وإذا استأجر دابة إلى قرية، فسمى قرية أخرى باسمها وبينهما مسافة ما، ولم يبين (3) إلى أي القريتين يقصد، فركب الدابة إلى أحدهما، كان عليه أجرة مثل ذلك. وإذا استأجر دابة إلى موضع معين على أنه إن بلغه في يومين، كان لصاحب الدابة أجرة عشرة دراهم، وإن زاد على ذلك كان له خمسة، كان له اجر مثلها فإن قال له إن زدت على اليومين، لم يكن لك اجر، لم يجز ذلك وكان له اجر مثلها لا يجاوز به عشرة دراهم. وإذا استأجر دابة من بلد إلى بلد آخر بدينار أو درهم كان عليه نقد البلد الذي استأجر منه. وإذا استأجر دابة إلى موضع معين على أنه إذا بلغه كان عليه رضا المكارى فلما بلغه، قال المكارى رضاي عشرون درهما، كان له اجر مثلها، إلا أن يكون أكثر من عشرين درهما، فلا يزاد على ذلك، فإن استأجر الدابة بمثل ما استأجر أصحابه

(1) العثور: أي كثير السقوط.
(2) جمع الفرس براكبه: استعصى حتى غلبه.
(3) في نسخة " أو لم يبين " بدل " ولم يبين ".

[ 488 ]

أو بمثل ما يستأجر الناس، كان عليه أجر مثلها. وإذا استأجر دابة معينة إلى بلد، فمرض أو خاف في طريقه من لصوص أو ما أشبه ذلك، أو تغيرت الدابة أو لحقها ما لا يستطيع معه أن يركبها، أو لا تحمل، انفسخت الإجارة. وإذا استأجر إنسان حانوتا في سوق يبيع فيها ويشترى فلحقه فيها دين أو أفلس فقام من سوق، انتقضت الإجارة، وإذا استأجر دابة وعرض لصاحبها أمر لا يستطيع معه النهوض معها، لم يكن له نقض الإجارة وعليه أن يبعث معها من يتبعها ويقوم عليها. وإن عطبت الدابة انتقضت الإجارة إن كانت معينة، فإن لم تكن معينة، كان على المؤجر أن يحمله على دابة غيرها. وإذا استأجر إنسان شيئا من الإبل إلى مكة، ومات في بعض الطريق، كان عليه من الأجر بحساب ما سار، وتنفسخ الإجارة عنه فيما بقي، فإن مات صاحب الإبل في بعض الطريق، كان المستأجر ركوبها. على، حاله (1) والمسير بها إلى أن يصل مكة ولا ضمان عليه، وعليه الأجر إليها. وإذا استأجر إنسان أرضا، فلحقها أمر لا يقدر معه على زرعها، أو غلب الماء عليها، كان ذلك عذرا في نقض الإجارة. وكذلك لو افتقر الزارع حتى لا يقدر على الزرع، أو مرض مرضا لا يتمكن معه من ذلك وكان المستأجر هو الذي يعمل بنفسه، فإن كان لا يعمل بنفسه وله إجراء يعملون، أو يكون هو قادرا على استئجار

(1) يأتي من المصنف أن الموت يبطل الإجارة سواء فيه موت المستأجر أو المؤجر فما ذكر هنا مبني إما على ما حكاه فيما يأتي عن أكثر الأصحاب من أن الذي يفسخها موت المستأجر لا المؤجر أو على أن هذا ليس لبقاء الإجارة بل لاضطرار المستأجر وإعانة الميت بإيصال ماله إلى أهله ونحو ذلك من وجوه الحسبة فعليه يكون عدم ضمانه لكونه محسنا، قال الله تعالى: ما على المحسنين من سبيل، فعليه يكون المراد بالأجر أجرة المثل، ويحتمل أن يكون المراد بصاحب الإبل هو المصاحب له لا مالكه فلا يحتاج إلى هذا التوجيه والله العالم.

[ 489 ]

إجراء يعملون عنه، فإن الإجارة لا تنتقض، بل هي بحالها. وإذا كان ليتيم أرض، فآجرها وصيه قبل بلوغه، ثم بلغ اليتيم قبل انقضاء مدة الإجارة لم يكن له فسخها. وإذا استأجر عبدا ليخدمه، أو ليعمل له عملا، فمرض، كان للمستأجر فسخ الإجارة، ولو أراد سيد العبد فسخها لم يكن له ذلك، فإن لم يفسخها واحد منهما حتى عوفي العبد، كانت الإجارة باقية على حالها، ويطرح من الأجر بحساب ما بطل فيه بالمرض وكذلك القول فيه لو أبق. وإذا كان المستأجر اثنين ومات أحدهما، انفسخت الإجارة في حصته، وكذلك إن كان المؤجر اثنين، فمات منهما واحد أو ارتد ولحق بدار الحرب انفسخت الإجارة فإن لم يختصما (1) حتى عاد المرتد إلى الاسلام، كانت الإجارة لازمة بحالها إن كان قد بقي من مدتها شئ. وإذا دفع إنسان إلى قصار ثوبا، أو متاعا ليقصره (2) بأجرة، فجعل عليه النورة، فاحترق، أو دقه أو عصره، أو شمسه فزاد عليه، (3) فتخرق أو تمزق (4) شئ من ذلك، كان عليه ضمانه، لأن ذلك من جناية يده، ولا فرق في ذلك بين أن يكون متعمدا لها، أو غير متعمد، إذا كان باجر كما قدمناه (5). فإن ادعى القصار أنه عمل بغير اجر وقال صاحب الثوب أو المتاع بل عمل باجر، كان القول، قول صاحب الثوب أو المتاع مع يمينه وعلى القصار البينة. فإن

(1) لعل المراد لم يختصم المستأجر والمؤجر الحي ولم يفسخا الإجارة، وذلك لأن للمستأجر فسخ الإجارة لتبعض المال.
(2) قصر الثوب وتقصيره غسله وتبييضه والقصار من حرفته ذلك.
(3) أي أفرط عليه في الدق و..
(4) أي تشقق (5) أي كما فرضنا

[ 490 ]

سرق المتاع، أو هلك بغير تفريط منه، لم يلزمه شئ بعد أن يحلف في ذلك، وكذلك القول في سائر أصحاب الأعمال. وإذا كان عند القصار ثوب وديعة، فوطأه (1) فتخرق وكان مما يوطى. كان عليه ضمانه إن لم يكن صاحبه أمره ببسطه (2)، وكذلك غير القصار. وإذا دفع إنسان ثوبا إلى صباغ ليصبغه أصفر، فصبغه أحمر أو غير ذلك، واختلفا كان القول، قول صاحب الثوب مع يمينه. فإن نقص بالصبغ شيئا، كان له مطالبته بقيمة ما نقص، إن شاء ذلك، وإن شاء أخذ الثوب من غير المطالبة له بذلك. وإذا أخذ الملاح اجر السفينة وغرقت بشئ ليس من فعله ولا جناية يده، لم يكن عليه شئ، فإن كان بتفريط من قبله (3) كان ضامنا لما يهلك فيها. والختان والبيطار (4) والحجام (5) إذا فعلوا بإنسان شيئا من غير أمر وليه وأخذ البرائة كان عليهم الضمان، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المجني عيه حرا أو عبدا، وإذا حمل أجير القصار الثياب فعثر أو سقط فيخرق منها شئ، كان على القصار ضمان ذلك. وإذا أمر إنسان حجاما بقلع سن له فقلعها واختلفا فقال: صاحب السن ليست هذه هي التي أمرتك بقلعها، وقال الحجام: بل هي التي أمرتني بقلعها كان القول، قول صاحب السن وعلى الحجام الضمان. وإذا استؤجر إنسان على عمل شئ فأفسده كان عليه ضمانه.

(1) في بعض النسخ " فبسطه " وفي بعضها " فرطبه ".
(2) لعل الأنسب " بوطئه " بقرينة ما تقدم، والمراد واضح (3) في بعض النسخ " وإن كان الغرق بشئ من فعله أو جناية يده كان ضامنا لما هلك فيها ".
(4) البيطار معالج الدواب ومسمر نعالها لكن المراد هنا الجراح فإنه يبطر موضع الجرح أي يشقه.
(5) في بعض النسخ " الجراح " بدل " الحجام ".

[ 491 ]

وإذا دفع إنسان إلى حائك غزلا، وأمره بأن ينسجه طول ثماني أذرع في أربع، فنسجه أكثر من ذلك أو أقل، كان صاحبه مخيرا بين أخذه ودفع الأجر إليه، إلا في وجه النقصان فإنه يعطيه الأجر بحساب ذلك، ولا يتجاوز به ما سمي له، وبين أن يضمنه مثل غزله، ويدفع الثوب إليه، فإن شرط عليه أن ينسجه صفيقا (1) فنسجه رقيقا، أو رقيقا فنسجه صفيقا، كان له مثل أجره، ولا يتجاوز به ما سمي له. فإن أمر بأن يزيد في الغزل رطلا واختلفا فقال النساج قد زدته وقال: صاحب الغزل لم تزده، كان على النساج البينة، فإن لم تكن له بينة كان القول قول صاحب الغزل مع يمينه، فإن أقام النساج البينة كان له أخذ مثل غزله (2) من من صاحب الغزل. وإذا دفع إنسان إلى طحان حنطة، وشرط عليه أن يعطي من الدقيق زيادة معينة على كيل الحنطة لم يجز ذلك، وإنما له الأجر وعليه أداء الأمانة. وإذا دفع إنسان إلى غيره سمسما، وقال له قشره وربه بالبنفسج، ولك اجر درهم، كان ذلك فاسدا، لأنه لا يعرف ما شرط من البنفسج فإن قال على أن تربيه بمد من بنفسج، كان جائزا، وإن كان البنفسج الذي يدخل في مثل ذلك السمسم معروفا عند التجار. كان جائزا، وكذلك الحكم في جميع الادهان. والاستئجار جائز في أواني الخشب والزجاج والحديد وكذلك السكاكين (3) والقسي (4) والجعاب والنبل ونصول السيف والدرق (5) والرماح وأوعية الادم والجرب (6) وحمائل السيوف وما أشبه ذلك، فإن ضرب لذلك (7) أجلا كان

(1) ثوب صفيق: كثيف نسجه بخلاف السخيف (2) أي مقدار الرطل الذي أمره صاحب الغزل بأن يزيد في غزله (3) السكاكين جمع السكين وهو آلة يذبح بها (4) القسي جمع القوس: آلة يرمى بها، والجعاب أي النشاب وهي السهام التركية والنبل هي السهام العربية كما في أقرب الموارد.
(5) الدرق بالتحريك: الترس (6) الجراب جمعه الجرب: وعاء من جلد الشاة، وأيضا قراب السيف أي غمده (7) أي لأداء مال الإجارة

[ 492 ]

جائزا وإن قدم الثمن كان سلفا. وإذا دفع إنسان إلى إسكاف (1) خفا ينعله فأنعله بنعل لا ينعل الخفاف بمثله كان صاحب الخف مخيرا بين أن يضمنه قيمة خفه بغير نعله، وبين أخذه وأن يدفع إليه اجر مثله وقيمة النعل، لا يجاوز به ما سماه. وإن كان النعل مما ينعل الخفاف بمثله كان جائزا وإن لم يكن جيدا في الغاية. فإن شرطه عليه أن يكون النعل جيدا، فأنعله بغير جيد، كان مخيرا بين أن يضمنه قيمة الخف، وبين أخذه وأن يعطيه اجر مثله. وإذا قال صاحب الخف لهذا العامل عملته لي بغير شئ، وقال العامل عملته بدرهم، ولم يكن لأحدهما بينة، كان على صاحب الخف اليمين بأنه ما شارطه على درهم، ويغرم قيمة النعل (2). وإذا عمل الخف على ما وصف له صاحبه، واختلفا في الأجرة. وأقاما البينة، كان البينة بينة العامل دون المستعمل. وإذا دفع إنسان، إلى صباغ ثوبا ليصبغه أحمر، فصبغه كذلك واختلفا، فقال صاحب الثوب، صبغته بنصف درهم، وقال الصباغ بل صبغته بدرهم، فإن كان الثوب قد زاد بالصبغ وكانت الزيادة درهما أو أكثر، كان للصباغ درهم - بعد يمينه على أنه ما صبغه بنصف درهم -، وإن كان الزيادة أقل من نصف درهم دفع اليد نصف درهم، فإن كان الصبغ نقص الثوب ولم يزد فيه شيئا، كان للصباغ قيمة صبغه. وإذا دفع إنسان إلى صباغ ثوبا على أن يصبغه بنصف رطل عصفر (3) فصبغه برطل، وصاحب الثوب مقر له بذلك، كان مخيرا إن شاء ضمنه قيمة الثوب، وإن

(1) الاسكاف: كل صانع بحديدة.
(2) في بعض النسخ " يقوم " بدل " يغرم " (3) " العصفر " هو صبغ أصفر اللون

[ 493 ]

شاء أخذه ودفع إليه قيمة زيادة العصفر في الثوب مع الأجر. فإن اختلفا، فقال صاحب الثوب ما صبغته إلا بنصف رطل عصفر، وكان مثل ذلك الصبغ يكون بنصف رطل عصفر، كان القول قوله مع يمينه إلا أن يقوم للآخر بينة، وإن كان مثل ذلك الصبغ لا يكون بنصف رطل عصفر، كان القول قول الصباغ مع يمينه. وإذا شارط إنسان قصارا على أن يقصر له خمسة أثواب بدرهم، ولم يشاهد الثياب ولا عرفها كان فاسدا: وكذلك إذا شارطه في الغسل لها على هذا الوجه، لأن الثياب تتفاضل وتختلف: وكذلك ما جرى هذا المجرى. فإن شاهد القصار، أو الغسال الثياب، أو سمى صاحبها له جنسها ووصفها كان ذلك جائزا. وإذا رد القصار على صاحب الثوب غير ثوبه عمدا أو خطأ وقطعه وخاطه وحضر صاحبه كان مخيرا بين أن يضمن القصار قيمة ثوبه، ويرجع القصار بتلك القيمة على القاطع للثوب، وبين أن يضمن القاطع ويرجع القاطع بثوبه على القصار وهكذا يجرى الأمر في كل صانع. وإذا دفع إنسان إلى خياط ثوبا على أن يخيطه قميصا بدرهم، فخاطه قباءا، فكان لصاحب الثوب أن يضمنه قيمته، فإن أراد أخذ القباء وأن يدفع إليه أجر مثله كان له ذلك، ولا يتجاوز ما سمي له. فإن اختلفا فقال صاحب الثوب أمرتك بأن تقطعه قميصا، وقال الخياط بل أمرتني بأن أقطعه قباءا، فإن كان لأحدهما بينة حكم له بها وإلا كان القول قول صاحب الثوب مع يمينه لأن الثوب له، والخياط مدع للاذن في قطعه قباءا فعليه البينة وإذا سلم إنسان إلى خياط ثوبا، وأمره بأن يقطعه قباءا وقال له بطنه من عندك واحشه ولك من الأجر كذا وكذا كان باطلا (1)، وكان البطانة والحشو للخياط

(1) لجهالة البطانة والحشو قدرا ووصفا كما يظهر من المسألة التالية.

[ 494 ]

وله أجرة مثله. فإن قال بطنه بثوب فلاني وسط واحشه برطل قطن وسط وخطه (1) فلك من الأجر كذا وكذا، كان ذلك صحيحا وإذا سلم إليه ثوبا وقطنا وبطانة وأمره بأن يقطعه جبة ويحشوها ويندف القطن عليها، وسمى له أجرا معينا كان جائزا. وإذا شرط إنسان على خياط خياطة خمسة أثواب أو عشرة بخمسة دراهم أو عشرة دراهم، ولا يذكر قدرها ولا جنسها لم يصح ذلك، فإن وصفها فقال هي مروية (2) ومقدارها مقدار هذا الشئ أو مقدار كذا عن شئ معروفا كان صحيحا. وإذا استأجر إنسان بناءا ليبني داره وشرط أن يكون الآجر والجص من عند البناء كان فاسدا وكذلك كل ما جرى هذا المجرى، فإن عمله على هذا الوجه كان العمل للمستأجر وكان للعامل أجر مثله مع قيمة ما زاد في ذلك. وإذا استأجر إنسان غيره ليحمل له شيئا على ظهره، أو في سفينة، أو على دابة بدراهم وسار، كان كل ما سار شيئا من طريقه استحق من الأجر بقسط ذلك فإن عجل له الأجر كان جائزا، فإن باعه بالأجر متاعا ودفعه إليه كان جائزا، فإن لم يوفه العمل كان له الرجوع عليه بالدراهم دون المتاع، لأنه باع ذلك بشئ عليه، فإن باعه بالدراهم دينارا، ودفعه إليه قبل أن يحمل له ذلك ثم حمله ووفاه ما شرطه كان جائزا (3). فإن مات قبل أن يوفيه العمل، وقد حمله بعض الطريق رد عليه من الدراهم بمقدار ما بقي من العمل، فإن كان هذا المستأجر، استأجر على البلاغ إلى مكان معين لم يجب له من الأجر حتى يبلغ المكان فإذا بلغه استحق الأجر تاما.

(1) من الخياطة.
(2) أي منسوبة إلى مرو.
(3) كان مراده عدم الفرق فيما ذكر من الصحة والرد بين أن يبيعه بالدراهم متاعا أو دينارا.

[ 495 ]

إذا استأجر إنسان طاحون ماء مع البيت الذي هي فيه وآلتها باجر معين كان جائزا، فإن انقطع عنها الماء فلم يعمل، وضع عنه من الأجر بحساب ما تعطلت وله أيضا نقض الإجارة، فإن لم ينقضها حتى عاد الماء إلى ما كان عليه، كانت الإجارة لازمة له فيما بقي من المدة. فإن استأجرها يوما واحدا وانقطع عنها الماء في ذلك اليوم (1)، لم يكن له نقضها، بل يرفع عنه من الأجر بحساب ذلك. فإن اختلفا في ذلك كان القول، قول المستأجر مع يمينه، فإن قال المؤجر لم ينقطع الماء وكان الماء منقطعا يوم اختصما، كان القول قول المستأجر مع يمينه وإن كان جاريا كان القول قول المؤجر مع يمينه. وإذا استأجر من غيره مكانا على نهر، ليبني عليه بيتا، ويعمل فيه طاحونا ويكون البناء والحجارة والحديد والخشب من عند هذا المستأجر كان جائزا، فإن انقطع ماء النهر وبطلت الرحى، فلم يعمل، كانت الإجارة لازمة للمستأجر ولم يكن له على المؤجر شئ. وإذا استأجر إنسان رحى بآلتها ومتاعها وقل الماء إلى أن أضر ذلك بالطحن وهو يطحن على ذلك نظرت في الضرر، فإن كان ضررا فاحشا كان له ترك الإجارة وإن كان غير فاحش كانت الإجارة لازمة له. وإذا خشى صاحب الرحى من انقطاع الماء ففسخ الإجارة، وآجر البيت والحجر والآلات، كان جائزا. فإن انقطع الماء كان للمستأجر ترك إجارة. وجرى هذا مجرى طحان استأجر رحى يطحن عليها بدابته فنفقت (2) الدابة ولم يكن معه ما يبتاع به دابة أخرى في أن له ترك الإجارة.

(1) كأن المراد ما إذا انقطع الماء في بعض ذلك اليوم.
(2) أي هلكت.

[ 496 ]

وإذا استأجر إنسان رحى للماء بآلتها، فانكسر أحد الحجرين أو الدوارة، كان له فسخ الإجارة. فإن عمل (1) صاحب الرحى ما انكسر من ذلك أو فسد قبل الفسخ، لم يكن له بعد ذلك، الفسخ. ولكن يرفع عنه من الأجر بحساب ذلك، فإن اختلفا في مبلغ العطلة (2)، كان القول قول المستأجر، إلا أن يذكر المؤجر ذلك وإذا استأجر إنسان جملين من بلد معين إلى مكة يحمل على أحدهما محملا (3) يكون فيه اثنان، وما يحتاجان إليه من الرحل وغيره، وشاهد الجمال هذا والرحل الذي يحتاجان إليه والآخر يكون زاملة يحمل عليه الدقيق، وما يحتاج إليه أيضا، من قوت (4) وأدم وما أشبه ذلك، كان جائزا. ولهذين الرجلين أن يحملا على الجملين مثل ما يحمل الناس في هذا الطريق فإن اشترطا في ذلك وزنا معلوما في الذهاب والعودة، كان أحوط. وإذا استأجر من غيره محملا وزاملة وشرط عليه حملا معلوما على الزاملة، فما أكل من ذلك الحمل، أو نقص من الوزن أو الكيل، كان له أن يتم ذلك في كل منزل ذاهبا وعائدا، فإن خرج بهما يقودهما ولم يحمل عليهما شيئا ماضيا وراجعا، كان عليه الأجر تاما ولا يلزم الجمال نقص شئ من الأجر لذلك، فإن مات المستأجر بعد أن قضى المناسك، وعاد إلى مكة، كان عليه من الأجر، بحساب ذلك، وهكذا إن كان مسيره في البدأة على مدينة النبي صلى الله عليه وآله أو في الرجعة، حوسب بقدر ما قطع من الطريق وبقي بمقامه (5) معه في أيام المناسك، وكذلك أيضا لو مات في بعض الطريق ماضيا أو عائدا.

(1) أي أصلح ما انكسر أو فسد.
(2) العطلة كظلمة: البقاء بلا عمل.
(3) محمل كمجلس شقان على البعير يحمل فيهما العديلان والزاملة التي يحمل عليها من الإبل وغيرها كذا في القاموس وغيره.
(4) في بعض النسخ " ثوب " بدل " قوت ".
(5) أي بمقدار مقام الجمال معه أيام المناسك.

[ 497 ]

وإذا استأجر جمل كنيسة (1) فأراد أن يحمل أكبر من ذلك، لم يجز له، وإن أراد أن يجعل أصغر منها كان جائزا. وإن استأجر جمل محمل وأراد أن يبدله بمحمل غيره ولم يكن فيه ضرر، كان جائزا وإن كان فيه ضرر، لم يجز له ذلك. وإذا استأجر من جمال محملا من بلد معين إلى مكة، وشرط عليه سيرا معينا في كل يوم، كان جائزا إن لم يعقه عائق، فإن لم يشترط له فالمراحل المعلومة أو سار بسير الرفقة. إن كان مع رفقة، أو بسير السلطان إن كان معه سلطان يسير بالناس، فإن لم يكن معه رفقة، ولا سلطان وأراد المستأجر مجاوزة (2) المراحل، وأراد الجمال التقصير، أو أراد التقصير وأراد الجمال مجاوزتها، لم يكن لهما ذلك، إلا أن يتراضيا عليه. وإذا استأجر جماعة مشاة بعيرا وشرطوا على الجمال أن يحمل من أعيا (3) منهم، أو مرض كان فاسدا، فإن شرطوا عليه لكل واحد منهم عقبة (4) كان صحيحا. وإذا استأجر لغلامه عقبة وأراد الجمال من الغلام أن يركب النهار ويمشي الليل، أو يركب الليل ويمشي النهار لم يكن له ذلك، وكذلك لو أراد المستأجر ذلك لم يجز، وإنما له من العقب ما يتعارفه الناس لا توالى المشى فيستضر الركوب فيضر بالبعير، فإن تشارطا على أن يكون الركوب ليلا دون النهار وفي النهار دون الليل كان ذلك

(1) الكنيسة شبه هودج: يغرز في المحمل أو في الرجل قضبان ويلقى عليه ثوب يستظل به الراكب ويستتر به. وفي أكثر النسخ زيادة " أوقية " وفي بعض النسخ " حمل كيسة " بدل " جمل كنيسة ".
(2) في جميع النسخ " مجاورة " بالراء المهملة هنا وفيما بعده والظاهر أنها تصحيف والصحيح ما أثبتناه.
(3) أي اتعب.
(4) العقبة بضم العين: النوبة.

[ 498 ]

على ما استقر الشرط عليه. وإذا استأجر إنسان خبازا ليخبز له في بيته خبزا معلوما فخبزه، ثم سرق بعد ذلك كان الخباز، الأجر كاملا، وإن سرق قبل فراغه منه كان له من الأجر بقدر ما عمل منه، وإن خبزه في بيت الخباز لم يكن له من الأجر شئ ولا يلزم ضمان ما سرق، وإذا احترق الخبز في التنور قبل اخراجه منه كان الخباز ضامنا له. لأنه من عمله وتفريطه فإن ضمنه قيمته مخبوزا كان له الأجر كاملا، وإن ضمنه الدقيق لم يكن له اجر. وإذا عمل الصانع - من صباغ أو خياط أو ما جرى مجراهما من الصناع - في بيت المستأجر لهم كانوا ضامنين لما جنته أيديهم كما يضمنون ذلك إذا عملوا في بيوتهم. وإذا استأجر إنسان خياطا ليخيط له في بيته قميصا فخاط بعضه وسرق القميص، كان للخياط من الأجر بقدر ما خاط منه، وإن استأجره ليخيط له ذلك في بيت الاجير فسرق لم يكن للخياط من الأجر شئ. وإذا استأجر انسانا يحمل له شيئا على ظهره أو يعمل له عملا في بيته أو غير بيته وهو أو وكيله حاضر لماله حافظ له فهلك من غير جناية من الصانع أو الاجير لم يكن على الصانع ضمانه وإن جنى عليه غيره كان الضمان على الجاني. وإذا استأجر إنسان طباخا يطبخ له طعاما في وليمة فأفسده كان عليه ضمانه فإن تلف بجناية غيره لم يلزمه ضمانه. وإذا جنى إنسان على ما في يد الصانع كان صاحبه مخيرا بين أن يضمنه الصانع ويرجع الصانع على الجاني وبين أن يضمنه الجاني وللصانع الرجوع على الجاني (1)، كما ذكرناه، وليس للجاني الرجوع على الصانع. وإذا استأجر إنسان ألف درهم كل شهر بدرهم يعمل بها، كان ذلك فاسدا

(1) يعني في أجرة عمله بمقدار ما عمل.

[ 499 ]

وليس له اجر على ذلك (1)، وعليه ضمان الدراهم. فإن استأجرها ليزن (2) بها يوما إلى الليل باجر مسمى كان مكروها، وإذا استأجر حنطة مسماة يعتبر (3) بها المكائيل يوما إلى الليل، كان ضامنا لذلك، لأنه عمل يعمله في غير العين المستأجرة. وإذا استأجر إنسان انسانا ليقتل رجلا لم يجز له ذلك ولا اجر له، وكذلك كل إجارة في ظلم أو تعد. وإذا استأجر إنسان كحا لا يكحل عينه شهرا بدراهم مسماة كان جائزا وكذلك المعالجة في جميع الادواء. وإذا استأجر فحلا ينزيه لم يجز، وقد ذكر أنه مكروه والاحتياط يقتضي ما ذكرناه. وإذا استأجر دابة معينة على أنه إن بلغه موضع كذا، كان له عشرة دراهم، وإن لم يبلغه ولم يكن له شئ كان فاسدا وعليه أجرة المثل. وإذا استأجر دابة إلى بلد معلوم، على أنه، إن رزقه الله تعالى من زيد شيئا، دفع إليه من ذلك كذا، كان فاسدا وله اجر مثلها. وإذا دفع إنسان إلى عصار سمسما أو إلى طحان حنطة وشرط في ذلك كيلا

(1) لكونه من الربا.
(2) من الوزن وأما الكراهة فلتشبهه بالربا ويحتمل أن تكون العبارة " ليتزين بها " كما صرح في المبسوط في هذه المسألة بلفظ الزينة فعليه يمكن وجه الكراهة ما ورد إن زكاة الحلي إعارته.
(3) لعل معناه: إذا استأجر حنطة وزنها معلوم، ليختبر بها المكائيل والموازين حتى يعلم أنها صحيحة أم فاسدة، فالاجارة باطلة فعليه ضمان الحنطة لأنه تصرف فيها والحال إنها ليست عينا مستأجرة وأما البطلان فلعل وجهه عدم ترقب هذه المنفعة وعدم تعارفها من الحنطة والله العالم، وفي بعض النسخ " يعير " بدل " يعتبر " والله العالم.

[ 500 ]

معينا يؤديه إليه على اجر يجعله له لم يجز ذلك وكان للعصار والطحان مثل اجر عملهما ولصاحب السمسم والحنطة ما أخرجا. وإذا استأجر إنسان رجلا ليحفر له بئرا، ولم يصفها له، ولا عين كم يكون عمقها ذراعا، ولا دورها، لم يجز ذلك. فإن قال عشرة أذرع عمقا، وكذا وكذا ذراعا دورها باجر مسمى كان صحيحا. فإن حفر منه ثلاث أذرع فخرج عليه جبلا داهية (1) أشد عملا، فأراد تركه لم يكن له ذلك، إذا كان يطيق عمله. فإن شرط عليه كل ذراع في طين، أو سهل، بأجرة معينة، وكل ذراع في جبل، بأجرة معينة، وكل ذراع في الماء بأجرة معينة، وسمى طولها ودورها، كان جائزا على ما اشترطاه. وإذا استأجره ليحفر له نهرا في جبل عين له طوله عشرة أذرع في عرض عينه، فحفير منه شيئا ثم ظهر عليه جبل اصم، فإن كان يطيق حفره كان حفره لازما له، وإن كان مثله لا يطاق كان له ترك الإجارة ويكون له من الأجر بحساب ما حفر منه. وإذا استأجر انسانا ليحفر له قبرا فحفره ثم دفن إنسان آخر قبل أن يأتي المستأجر بميته لم يكن على المستأجر اجر، فإن حفر المستأجر وخلى الاجير بينه وبين القبر ثم انهار (2) بعد ذلك أو دفن فيه إنسان آخر، كان للأجير عليه الأجر تاما وإذا أمر إنسان حفارا بأن يحفر له قبرا وكان هذا المستأجر في ناحية من نواحى البلد الذي هو فيه ولم يبين له المكان وحفر له في الناحية التي جرت عادة أهل تلك القبيلة بدفن موتاهم فيها من تلك المدينة كان له الأجر على الذي استأجره، وإن حفر في غير تلك الناحية لم يكن له اجر، إلا أن يدفنوا ميتهم في حفرته، فإن فعلوا ذلك كان له الأجر. وإذا استأجره على أن يحفر له قبرا ولم يسم له لحدا ولا شقا كان الاعتبار في ذلك

(1) كانه " ره " يريد بالجبل الحجر العظيم، والداهية أي الشديدة.
(2) الانهار: الإسالة والصب بكثرة، " لسان العرب ".

[ 501 ]

بعادة أهل الموضع فإن كان معظم عملهم في ذلك اللحد كان عليه حفره بلحد، وإن كان شقا كان عليه حفره كذلك. وإذا استأجر انسانا على أن يحفر له بئرا عشرة أذرع طولا في دور معين بدينار وسلمه إليه، وقال له الحفار: إنما دفعت إلي الدينار على أن احفر به خمسة أذرع طولا ولم يكن عمل بعد شيئا، أنكر المستأجر ذلك، تحالفا وتفاسخا الإجارة، وإن كان قد حفر خمس أذرع طولا كان القول، قول المستأجر مع يمينه ويدفع إليه من الأجر بحساب ذلك ويحلف. وإذا استأجر إنسان غيره على أن يبني له بالجص والآجر يوما كاملا، كان عليه أن يبني له من حين صلاة الفجر إلى حين غروب الشمس، لأنه استأجره يوما، واليوم هو ما ذكرناه، فأما الذين يعملون إلى العصر وينصرفون فليس لهم ذلك إلا أن يشترطوه أو يكون عادتهم جارية بذلك وهو معلوم من حالهم، وأنه رسم لهم فإن كان كذلك كان بمنزلة الشرط. وإذا استأجر إنسان عبدا شهرين، شهرا بخمسة، وشهرا بستة، كان الشهر الأول بخمسة والشهر الثاني بستة، فإن شرط الأول بستة كان جائزا، وإذا استأجره ليخدمه في بلده لم يجز له السفر به، فإن سافر به كان ضامنا له ولا يكون عليه اجر إلا أن يسلم (1)، وليس له أن يضرب العبد إلا بإذن سيده، فإن ضربه فعطب كان عليه الضمان وإذا دفع الأجر عند انسلاخ الشهر إلى العبد وكان السيد هو الذي آجره لم تبرء ذمته من الأجر، وإن كان العبد هو الذي آجر نفسه فقد برئ من ذلك. والموت يفسخ الإجارة ولا فرق في ذلك بين أن يكون الميت هو المستأجر أو المؤجر، وعمل الأكثر من أصحابنا على أن موت المستأجر هو الذي يفسخها،

(1) تقدم الكلام في ذلك في بعض التعاليق 31.

[ 502 ]

لا موت المؤجر. وقد كان شيخنا المرتضى رضي الله عنه سوى بينهما في ذلك، فإنه بين أن الوجه فيهما واحد وليس هذا موضع ذكر ذلك فنذكره. وإذا كان للانسان صبرة واحدة مشاهدة، يتيقن المستأجر أن فيها عشرة أقفزة وشك في الزيادة، فقال لغيره استأجرتك لحمل عشرة أقفزة من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم وما زاد فبحسابه صح العقد في عشرة أقفزة، لأنها معلومة، وبطل فيما زاد، لأن وجود ذلك مشكوك فيه لأنه لا يعلم هل يزيد على عشرة أقفزة أو لا يزيد على ذلك، والعقد على ما لا يتحقق وجوده، عقد على غرر، وذلك لا يجوز. وإذا استأجر من غيره كلبا لحراسة الماشية، أو الزرع، أو استأجره للصيد، كان جائزا، لأنه لا مانع يمنع من ذلك، ولأن بيع هذه الكلاب يصح وما صح بيعه صح الاستئجار له. وإذا استأجر من غيره سنورا لصيد الفأر كان جائزا. وإذا استأجر غيره ليسلخ له ذكيا، على أن يكون جلده له، كان جائزا. وإذا استأجر على أن ينقل له ميتة، على أن يكون جلدها له، لم يجز ذلك، لأن بيع جلود الميتة لا يجوز. وإذا تقبل إنسان من غيره عملا باجر معين، وأراد أن يقبله غيره بأقل من ذلك، فإن كان قد أحدث فيه حدثا كان جائزا، وإن لم يكن أحدث فيه شيئا لم يجز ذلك له. وإذا استأجر دارا بأجر معين، وأجرها بأكثر من ذلك، وكان قد أحدث فيها حدثا، كان ذلك جائزا والزيادة له، وإن كان لم يحدث فيها حدثا، لم يجز له ذلك، وكانت الزيادة لمالكها إذا كان قد آجرها بذلك. وإذا دفع إنسان إلى الاجير قبل فراقه من العمل طعاما، أو متاعا على أجرته ولم يعين (1) سعره كان عليه سعر الوقت الذي

(1) في بعض النسخ " تغير " بدل " لم يعين ".

[ 503 ]

دفع إليه فيه ذلك، والأجر يستحقه المستأجر (1) عند الفراغ من العمل ولا يجوز تأخيره عنه في هذه الحال، ويجوز تقديمه له. تم كتاب الإجارة تم تصحيح وتحقيق الجزء الأول من كتاب (المهذب) للشيخ الأقدم عبد العزيز بن البراج في صبيحة يوم الرابع عشر (يوم الاربعاء) من شهر ربيع الأول من شهور عام ألف واربع مأة وست من الهجرة النبوية على هاجرها آلاف الثناء والتحية ويليه الجزء الثاني يبتدأ بكتاب المزارعة لجنة التصحيح والتحقيق

(1) بفتح الجيم أي الاجير.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية