الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الاقتصاد- الشيخ الطوسي

الاقتصاد

الشيخ الطوسي


[ 1 ]

بمناسبة ذكرى احتفالات (بداية القرن الخامس عشر الهجري المبارك) الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد

[ 3 ]

الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد شيخ الطائفة الفقيه الاكبر أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي 385 - 460 منشورات مكتبة جامع چهلستون - طهران

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على نعمة التي لا تحصى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وآله وعترته الذين هم العروة الوثقى في الاخرة والاولى صلى الله عليهم أجمعين، إلى قيام يوم الدين

[ 7 ]

تقديم لم يكن شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي انسانا مغمورا حتى يحتاج إلى التعريف به والاشادة بمآثره، بل هو طود شامخ وعلم معروف انتشرت آثاره العلمية في الاندية الاسلامية وعرفت مآثره الدينية في كافة الاوساط انه لم يمت كما مات ملايين من الذين ساروا أياما في الركب البشري ثم طواهم الاجل فنسي ذكرهم التاريخ كأن لم يكونوا في هذه الدنيا انه حي تتجدد ذكراه على مر العصور والدهور نعم، سيبقى حي الذكر أولئك الذين أدركوا مغزى " خلقتم للحياة لا للفناء " واتجهوا بكنه وجودهم إلى الحي القيوم واستضاؤا في مسيرتهم العملية بأنوار الانبياء وجعلوا سيرة أولياء الحق دستورهم المتبع.. هؤلاء سيبقى ذكرهم حيا خالدا ولا يجد الفناء إليهم سبيلا. انهم أدركوا أن ما في الكون فان زائل، لا يبقى شئ سوى الله تعالى ولا يدوم الا وجهه الكريم، فانقطعوا عما سواه وتوجهوا إليه واكتسبوا منه عز شأنه بقاء الذكر وبدلوا مماتهم بالحياة، لم تستهوهم زخارف الدنيا المادية

[ 8 ]

ومظاهرها الخلابة الكاذبة، فأبدلهم الله جل جلاله بالذكر الطيب على الالسن وفي القلوب. و " الشيخ الطوسي " من النفر المعدودين الذين سلكوا هذا السبيل واتبعوا أئمة الهدى وجدوا واجتهدوا في نشر الاسلام وتركيز المذهب الحق (مذهب التشيع)، فيحق له أن يكون غرة في جبين الدهر ومصباحا مضيئا في صفحات التاريخ البارزة وعلما شامخا " في ميدان العلم والتحقيق. ليس " شيخ الطائفة " مفخرة ايران المسلمة فحسب، بل هو مفخرة العالم الاسلامي بما قدم من الخدمات الكبرى في سائر المجالات العلمية الدينية وليس " شيخ الطائفة " ممن يباهي به الشيعة فقط، بل يباهي به المسلمون لما أحسوا فيه من الشخصية المسهمة في اعلاء كلمة الله تعالى وبذل الجهد لنشر الاسس الاسلامية المتينة ان " شيخ الطائفة " عالم عامل مزج العلم بالعمل والقول بالفعل وأخلص لله تعالى في نيته وجعل خدمة الدين الحنيف همه وجهده، فجزاه الله بالحياة الابدية وصار التاريخ يلهج بذكره ويثني عليه ثناءا عطرا وينظر إليه بنظر الاعظام والاكبار. عند ما يقرأ الانسان ما كتبه المحققون عن " شيخ الطائفة " ويتعمق في النعوت التي أضفوها عليه وجمل الثناء التي أطلقوها فيه.. يشعر بأن هناك سرا في هذه النظرة منهم بالنسبة إليه، وينبعث لكشف هذا السر ومعرفة الرمز المودع في هذا الانسان الذي أصبح عملاقا على صفحات التاريخ أليس هذا السر هو الذي قلناه من اخلاص العمل من الشوائب... * * * ولد شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي في خراسان في شهر شعبان

[ 9 ]

سنة 385، وبعد طي بعض المراحل الدراسية في موطنه هاجر سنة 408 إلى بغداد عاصمة العلم في العراق، فتتلمذ خمس سنوات على الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان البغدادي التلعكبري، وبعد وفاة المفيد في سنة 413 تتلمذ الطوسي على الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي المتوفى سنة 436. وبعد أن توفي السيد المرتضى انتقلت الزعامة الدينية للطائفة إلى الشيخ الطوسي، فأصبح الزعيم الاوحد للشيعة والمرجع الاعلى لهم، وخصص الخليفة العباسي (القائم بأمر الله) كرسي الكلام به إذ عرف بالمقام العلمي الرفيع، فانهالت عليه الاسئلة المذهبية العلمية من كل الاقطار وكان يجيب عليها بكل طلاقة وحرية، مع الاشتغال بالتدريس على المذاهب الاسلامية غير الشيعية، وكان محفل درسه يضم طائفة كبيرة من علماء سائر المذاهب بالاضافة إلى ما يضم من علماء الشيعة. مني المسلمون في ذلك العصر بآل سلجوق الذين كانوا شديدي العصبية في التسنن، وكانوا دائم النشاط في إثارة الضغائن ضد الشيعة والمذهب الشيعي يثيرون الخلافة العباسية بالتوافه ويوجدون الغوغاء في العامة. ومن الضوضاء الذي أحدثوه ضد الشيخ الطوسي أن وجدوا كتابه " مصباح المتهجد " واتهموه بأشياء فيه منها جمع أدعية فيها اللعن والسب ووشوا بذلك عند الخليفة، فدعاه الخليفة إلى الحضور لديه مع كتابه، وبعد الحضور والسؤال عن التهم بين الطوسي ما جرى يوم عاشوراء على العترة الطاهرة وكيف استوجب أعداؤهم اللعن، وكان ايضاح الموضوع لدى الخليفة من القوة بحيث أدى إلى احترام الخليفة للطوسي ورفعة مكانه عنده ولكن أعداء الاسلام لم يقتنعوا بهذا وزادوا في اثارة الفتن والغوغاء، حتى أدى الامر إلى تلاحم الشيعة والسنة في سنة 448 وذهبت نفوس جماعة من الطرفين، واضطر الشيخ الطوسي في سنة 449 إلى ترك بغداد والهجرة عنها،

[ 10 ]

ووجد الاعداء الفرصة في جمع آثاره العلمية وآثار الشيعة في ساحات احراقها بمشهد ومرأى من الناس، وبهذا التصرف الوحشي أضاعوا على المسلمين كثيرا " من منابعهم العلمية والثقافية. هذه الوقائع الاليمة كانت تكفي لتحطيم قوى الشيخ الطوسي وتزعزعه عن السير قدما " في الطريق الذي كان قد شقه لنفسه، ولكن حيث كان يستمد قواه من عالم الغيب ويتعلم الصمود أمام الحوادث من مدرسة أهل البيت عليهم السلام، زادت الاحداث في تقوية روحه وتركيزه في الصمود لنشر الحق والدعوة إلى الدين، فهاجر من بغداد ليلقي رحل اقامته بالنجف الاشرف في جوار أبي الائمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على يد " الشيخ الطوسي " تأسست جامعة النجف الاشرف، وبجهوده المشكورة بنيت الحوزة العلمية في هذه المدينة المقدسة، وباقامته في هذه البلدة المباركة اجتمعت ثلة مختارة من علماء الطائفة حوله كان لهم الاثر البالغ في تنمية العلوم الاسلامية وازدهارها، وبدأت تشع اشعاعها العلمي والديني على المسلمين عامة وعلى الشيعة خاصة. ولانها حوزة أسست على التقوى والصلاح زاولت نشاطها لمدة ألف سنة وستزاول - انشاء الله تعالى - إلى مدى الدهر. خرج الشيخ الطوسي من بغداد خائفا شريدا ودخل النجف مضطرب القلب، وكأن الله تعالى شاء أن يصنع من خوفه عزا " للشيعة ومن اضطرابه عظمة للطائفة، فأنشأ هذه المدرسة العظيمة التي أصبحت غنية بالعطاء الفكري والتثقيفي ولجأ إليها كل متعطش إلى العلم والبحث والتحقيق، وكانت حصيلتها رجالات ممتازة في ميادين العلوم الاسلامية بمختلف الاعصار، يتحدث عنهم التاريخ فيبتهج بمآثرهم الخالدة

[ 11 ]

ان الطواغيت والذين استهوتهم الرئاسة والمال والسيطرة، لا يمكنهم درك هذه الحقائق ولا تدع لهم نفوسهم المتجبرة فرصة الاقتراب من خالقهم، فعاقبتهم الهلاك والبوار. أما المؤمنون ورجال الحق فلو نالتهم المصائب الفادحة في فترات من حياتهم، فمآل أمرهم إلى النصر وجميل الذكر، وهم أحياء بالحياة الدائمة الباقية أفتتحت مدرسة النجف العظيمة على يد " شيخ الطائفة " وتوافد عليها الطلاب من هنا وهناك وجعلوا ينهلون من نميرها العذب ويتعلمون من علومها ويتأدبون بأخلاقها الالهية، ثم انتشر طلابها في البلاد يبثون المعارف التي اكتسبوها ويعلمون الناس الاسس العقائدية والاداب الاسلامية، ولم تمض الا فترة قصيرة أمست النجف منبرا عاليا للدعوة الدينية والتعاليم الاسلامية اثنا عشرة سنة بقي الشيخ الطوسي بالنجف يد أب بجد لا يعرف الكلل والملل حتى وضع أسس هذه المدرسة العلمية، وكانت تحتاج إلى مؤهلات علمية وأساتذة تضمن دوامها وبقاءها بعد مؤسسها العظيم، فهيأ لها المؤهلات العلمية بما ألف من الكتب والرسائل وضمن لها البقاء بما ربى من العلماء الاعلام الكاملين في العلم والعمل اننا في القرن الرابع عشر نقرأ تاريخ القرن الخامس ونلمس عظمة الشيخ الطوسي في المدرسة الكبرى التي أنشأها بجهوده، ونحس بمتانة أسسها وقوتها التي داومت هذه القرون، بالرغم من الزوابع الشديدة التي كادت أن تعصف بها. لقد توالى عليها ضروب من المحن وجد أعداء المذهب في ازالتها، ولكن لم تزل قائمة باذن الله يتخرج منها كل سنة لفيف من خيرة العلماء الدعاة ويعجبني في هذا المجال نقل قصة ذكرها المؤرخون نستدل منها على شدة اخلاص الشيخ الطوسي في عمله وسر خلوده في التاريخ:

[ 12 ]

كان جماعة من المشايخ في بغداد يتذاكرون كتاب (النهاية) وترتيب أبوابه وفصوله، فكان كل واحد منهم يعارض مؤلفه في مسائل ويذكر أنه لا يخلو من خلل، ثم اتفق انهم خرجوا لزيارة الامام امير المؤمنين عليه السلام - وذلك على عهد الشيخ نفسه - فأجمع رأيهم على أن يصوموا ثلاثا ويغتسلوا ليلة الجمعة ويصلوا ويدعوا بحضرة مولانا امير المؤمنين فلعله يتضح لهم ما اختلفوا فيه، فسنح لهم أمير المؤمنين عليه السلام في النوم وقال لهم: لم يصنف مصنف في فقه آل محمد " ص " كتابا أولى بأن يعتمد عليه ويتخذ قدوة ويرجع إليه أولى من كتاب (النهاية) الذي تنازعتم فيه، وانما كان ذلك لان مصنفه اعتمد في تصنيفه على خلوص النية لله والتقرب والزلفى لديه، فلا ترتابوا في صحة ما ضمنه مصنفه واعملوا به وأقيموا مسائله، فقد تعنى في ترتيبه وتهذيبه والتحري بالمسائل الصحيحة بجميع أطرافها. فلما انتبهوا أقبل كل واحد منهم على صاحبه فقال: رأيت الليلة رؤيا تدل على صحة (النهاية) والاعتماد على مصنفها، فأجمعوا على أن يكتب كل واحد منهم رؤياه على بياض قبل التلفظ، فوافقت الرؤيا لفظا " ومعنى وقاموا متفرقين مغتبطين بذلك، فدخلوا على شيخهم أبي جعفر الطوسي، فحين وقعت عيناه عليهم قال لهم: لم تسكنوا إلى ما كنت أوقفتكم عليه في كتاب (النهاية) حتى سمعتم من لفظ مولانا امير المؤمنين عليه السلام. فتعجبوا من قوله وسألوه عما استقبلهم من ذلك فقال: سنح لي أمير المؤمنين عليه السلام كما سنح لكم، وحكى رؤياه على وجهها. هذا هو الطوسي، وهذه هي مدرسته العظيمة، وهذا هو سر خلوده... * * * من نعم الله تعالى على كاتب هذه السطور أن وفق للدراسة في هذه الحوزة

[ 13 ]

العلمية المباركة لمدة خمس عشرة سنة وتتلمذ على أساتذتها من أساطين العلم ومراجع الشيعة وعمد الدين، ويخص بالذكر منهم الفقيه الجليل آية الله العظمى الشيخ حسن الحلي تغمده الله برحمته ورضوانه. ويحمده تعالى على أن وفقه لتأليف كيف عديدة في علمي الفقه والاصول، طبع منها مجلدان بعنوان (دليل العروة الوثقى). وشكرا لما أنعم عز شأنه علي من النعم العلمية الجسام، سألته التوفيق في طبع كتاب (الاقتصاد) الذي ألفه زعيم الطائفة ومؤسس مدرسة النجف الاشرف، وذلك عند ما رأيته لاول مرة ووجدت فيه ضالتي المنشودة من عرض عقائد الشيعة الامامية باختصار ومسائل من أبواب الفقه لا يستغني عنها طلاب الفقه الجعفري. كانت فكرة طبع هذا الكتاب النفيس تراودني بين آونة وأخرى ولكن الشواغل تمنع عن انجازها، وكاد اليأس يدب في النفس إذ فجعنا باستشهاد العالم العامل التقي الورع سماحة آية الله الحاج ميرزا أبو الحسن الشمس آبادي (آل رسول) فتألمت لهذه الفاجعة الجلل قلوب الشيعة وخاصة العلماء الاعلام فاقترحت على جماعة من اخواني العلماء أن يطبع الكتاب احياءا لذكرى هذا العالم الديني الذي أفنى عمره في علوم أهل البيت عليهم السلام ولم يزل داعية لولاء علي عليه السلام حتى بذل نفسه الزكية في هذا السبيل، لكي يستفيد من الكتاب المحققون المشتغلون بالمباحث الكلامية والفقهية ويهدى ثوابه إلى روحه الطاهرة أحمد الله تعالى على أن لقي هذا الاقتراح التحبيذ من الاخوان، بل حثوني على الطبع بالسرعة الممكنة، فطبع الكتاب كما يراه القارئ الكريم، ويعود

[ 14 ]

الفضل الاكبر في نشره وطبعه إلى أخ المغفور له الشمس آبادي سماحة حجة الاسلام السيد (آل رسول) والوجيه الكبير الحاج آقا رضا (عماد زاده) وجماعة آخرين من المؤمنين الذي بذلوا تكاليف الطبع. فالى هؤلاء والى كل من آزرني في مشاريعي الاسلامية أقدم شكري وثنائي وأسأل الله تعالى لهم ولي التوفيق والسداد طهران حسن السعيد الطهراني

[ 15 ]

كلمة المصحح كتاب " الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد " من عيون مؤلفات الفقيه الاكبر المحدث المفسر الجليل شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460 وهو مع صغر حجمه يستعرض أمهات المسائل الكلامية في التوحيد والعدل والنبوة والامامة والمعاد، كما يتعرض لاهم الفروع الفقهية من أبواب الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد، بانيا القسم الاول منه على الادلة العقلية الفلسفية وربما يستشهد في بعضها بالادلة النقلية من الكتاب الكريم والسنة الطاهرة، وأما القسم الثاني فيرتكز على فتاواه الفقهية وما توصل إليه بآرائه الاجتهادية والكتاب - بقسميه - خلاصة جيدة من عقائد الشيعة الامامية في الكلام والفقه، وهو بعباراته الميسرة خير معين لمن أراد الوقوف على آراء الامامية في هذين الفرعين من فروع الثقافة الاسلامية.

[ 16 ]

وقد أشار الطوسي في أول الكتاب وآخر القسم الاول والثاني، أنه ألفه بطلب من (الشيخ الاجل)، ويبدو من الاحالات على مؤلفاته الاستدلالية في الكلام والفقه أن هذا الشيخ من العلماء المتمكنين من الاسس العلمية، فمن هو هذا الشيخ الاجل؟! هل هو أحد تلاميذه الذين يعتز بهم أو هو من بعض العلماء المنتشرين في البلاد الاسلامية؟! هذا سؤال لم نقف على جوابه.... * * * أشير في بعض المؤلفات إلى نسخ مخطوطة من هذا الكتاب في المكتبات العامة والخاصة، أما نحن فقد استفدنا من نسختين اليك وصفهما باختصار: 1 - نسخة (مكتبة جامع چهلستون العامة) بطهران، نسخها عبد المجيد ابن مظفر بن حسن بن مخزوم التوبلي الكوري، وأتمها عشية الخميس 14 جمادى الاولى سنة 1044، وقد قوبلت وصححت حسب الجهد والطاقة، وهي التي نرمز إليها بحرف " ج " 2 - نسخة (مكتبة سماحة العلامة الحجة المحقق السيد محمد علي الروضاتي) باصبهان، وهي في مجموعة فيها عدة كتب كتبها السيد محمد بن زيد العابدين الموسوي، وفرغ من نسخ كتاب الاقتصاد في يوم الاربعاء 15 جمادى الاولى سنة 1267 وقوبلت على نسخة سقيمة كثيرة الاغلاط، وهي التي نرمز إليها بحرف " ر ". والنسختان بالرغم من أن عليهما آثار المقابلة والتصحيح، كثيرة السقط والخطأ والتحريف، ومع الجهد المبذول في المقابلة بقيت عبارات كثيرة لم نتوصل إلى صحيحها، بل هناك عبارات لم نتمكن من قراءتها، وكان من

[ 17 ]

المستحسن أن نشير في الهوامش إلى ما قلنا ولكن رأينا أن الكتاب يتضخم والقارئ يمل فاكتفينا بالضروري الذي لا بد من الاشارة إليه وأرجأنا التحقيق الكامل إلى طبعة قادمة انشاء الله والايات الكريمة مخرجة في الهوامش، وأما الاحاديث فلم نجد الفرصة الكافية لتخريجها من مظانها فخرج منها ما تيسر وبقي بعضها غير مخرجة. هذا ونرجو من الله تعالى التوفيق والعون في خدمة التراث الاسلامي واحياء جهود علمائنا الماضين، انه تعالى هو الموفق إلى ما فيه الرشاد.

[ 19 ]

الصفحة الاولى من نسخة " ج

[ 20 ]

آخر صفحة من نسخة " ج "

[ 21 ]

الصفحة الاولى من نسخة " ر "

[ 22 ]

آخر صفحة من نسخة " ر "

[ 1 ]

الاقتصاد الهادى إلى طريق الرشاد شيخ الطائفة الفقيه الاكبر أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي 385 - 460

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على سوابغ نعمه، وتتابع مننه، وترادف أنعامه، وتوالي أفضاله. وله الشكر على جزيل فواضله، وكريم مواهبه. وصلى الله على سيد أنبيائه وخاتم أصفيائه محمد النبي المنتجب من أشرف العناصر وأكرم المناصب، وعلى آله الطيبين الائمة الراشدين، النجوم الزاهرة والغرر الباهرة، وسلم تسليما. وبعد: فاني ممتثل ما رسمه الشيخ الاجل، أطال الله بقاءه، وعضد كافة أوليائه بطول أيامه وامتداد زمانه، وجعل ما خوله من محبة العلم وأهله وايثار الدين وصرف الهمة إليه، وحبب إليه ما يكسبه الجمال عاجلا ويثمر الخلاص آجلا. من املاء مختصر يشتمل على بيان ما يجب اعتقاده ومعرفته، ويلزم العمل به والمصير إليه، مما لا يخلو منه مكلف في حال من الاحوال، وأن أقرب ذلك

[ 4 ]

بأدلة واضحة وبراهين نيرة، لا أطول القول فيها فيمله ولا أقصر على الاتيان على الغرض فيحصر دونه. وأتبع ذلك بما يجب العمل به من العبادات على وجه الاختصار مما لا يستغنى عنه، فان الكتب المعمولة في الاصول والفروع كثيرة، غير أنها مبسوطة جدا أو مختصرة لا تأتي على الغرض. وأنا ممتثل ما رسمه ومجيب إلى ما دعا إليه. ومن الله الكريم أستمد المعونة، واياه اسأل التوفيق لاتمامه. وقد رتبته على فصول:

[ 5 ]

فصل (فيما يلزم المكلف) الذي يلزم المكلف أمران: علم، وعمل. فالعمل تابع للعلم ومبني عليه. والذي يلزم العلم به أمران: التوحيد، والعدل. فالعلم بالتوحيد لا يتكامل الا بمعرفة خمسة أشياء: أحدها معرفة ما توصل به إلى معرفة الله تعالى، والثاني معرفة الله على جميع صفاته، والثالث معرفة كيفية استحقاقه لتلك الصفات، الرابع معرفة ما يجوز عليه وما لا يجوز، الخامس معرفته بأنه واحد لا ثاني له في القدم. والعدل لا يتم العلم به الا بعد العلم بأن أفعاله كلها حكمة وصواب، وأنه ليس في أفعاله قبيح ولا اخلال بواجب. ويتفرع من ذلك وجوب معرفة خمس أشياء: أحدها معرفة حسن التكليف وبيان شروطه وما يتعلق به، والثاني معرفة النبوة وبيان شروطها، والثالث معرفة الوعد والوعيد وما يتعلق بهما،

[ 6 ]

والرابع معرفة الامامة وشروطها، والخامس معرفة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. فأنا انشاء الله أبين فصلا فصلا من ذلك على أخصر ما يمكن وأوجزه، وأردف ذلك بما يجب العمل به من الشرعيات على هذا المنهاج انشاء الله. ومن جهته التوفيق والتسديد.

[ 7 ]

القسم الاول الاصول الاعتقادية

[ 9 ]

فصل (في ذكر بيان ما يتوصل به إلى ما ذكرناه) لا طريق إلى معرفة هذه الاصول التي ذكرناها الا بالنظر في طرقها، ولا يمكن الوصول إلى معرفتها من دون النظر. وانما قلنا ذلك لان الطريق إلى معرفة الاشياء أربعة لا خامس لها: (أولها) أن يعلم الشئ ضرورة لكونه مركوزا في العقول، كالعلم بأن الاثنين أكثر من واحد، وأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في حالة واحدة، وان الجسمين لا يكونان في مكان واحد في حالة واحدة، والشئ لا يخلو من أن يكون ثابتا أو منفيا، وغير ذلك مما هو مركوز في العقول. (والثاني) أن يعلم من جهة الادراك إذا أدرك وارتفع اللبس، كالعلم بالمشاهدات والمدركات بسائر الحواس (1). (والثالث) أن يعلم بالاخبار، كالعلم بالبلدان والوقائع وأخبار الملوك وغير ذلك.

(1) في ر (والذي كان لسائر الحواس).

[ 10 ]

(والرابع) أن يعلم بالنظر والاستدلال. والعلم بالله تعالى ليس بحاصل من الوجه الاول، لان ما يعلم ضرورة لا يختلف العقلاء فيه بل يتفقون عليه، ولذلك لا يختلفون في أن الواحد لا يكون أكثر من اثنين وان الشبر لا يطابق الذراع. والعلم بالله فيه خلاف بين العقلاء فكيف يجوز أن يكون ضروريا. وليس الادراك أيضا طريق إلى العلم بمعرفة الله تعالى، لانه تعالى ليس بمدرك بشئ من الحواس على ما سنبينه فيما بعد، ولو كان مدركا محسوسا لادركناه مع صحة حواسنا وارتفاع الموانع المعقولة. والخبر أيضا لا يمكن أن يكون طريقا إلى معرفته، لان الخبر الذي يوجب العلم هو ما كان مستندا إلى مشاهدة وادراك، كالبلدان والوقائع وغير ذلك، وقد بينا أنه ليس بمدرك، والخبر الذي لا يستند إلى الادراك لا يوجب العلم. ألا ترى أن جميع المسلمين يخبرون من خالفهم بصدق محمد صلى الله عليه وآله فلا يحصل لمخالفيهم العلم به لان ذلك طريقه الدليل، وكذلك جميع الموحدين يخبرون الملحدة بحدوث العالم فلا يحصل لهم العلم به لان ذلك طريقه الدليل. فإذا بطل أن يكون طريق معرفته الضرورة أو المشاهدة أو الخبر، لم يبق الا أن يكون طريقه النظر. فان قيل: أين أنتم عن تقليد [ الاباء و ] (1) المتقدمين؟ قلنا: التقليد ان اريد به قبول قول الغير من غير حجة - وهو حقيقة التقليد - فذلك قبيح في العقول، لان فيه اقداما على ما لا يأمن كون ما يعتقده عند التقليد جهلا لتعريه من الدليل، والاقدام على ذلك قبيح في العقول. ولانه ليس في العقول تقليد الموحد أولى من تقليد الملحد إذا رفعنا النظر والبحث عن أوهامنا

(1) الزيادة من ر.

[ 11 ]

ولا يجوز أن يتساوى الحق والباطل. فان قيل: نقلد المحق دون المبطل. قلنا: العلم بكونه محقا لا يمكن حصوله الا بالنظر، لانا ان علمناه بتقليد آخر أدى إلى التسلسل، وان علمناه بدليل فالدليل الدال على وجوب القبول منه يخرجه من باب التقليد، ولذلك لم يكن أحدنا مقلدا للنبي أو المعصوم فيما نقبله منه، لقيام الدليل على صحة ما يقوله. وليس يمكن أن يقال: نقلد الاكثر ونرجع إليهم. وذلك لان الاكثر قد يكونون على ضلال، بل ذلك هو المعتاد المعروف. ألا ترى أن الفرق المبطلة بالاضافة إلى الفرق المحقة جزء من كل وقليل من كثير. ولا يمكن أن يعتبر أيضا بالزهد والورع، لان مثل ذلك يتفق في المبطلين فلذلك ترى رهبان النصارى على غاية العبادة ورفض الدنيا مع أنهم على باطل فعلم بذلك أجمع فساد التقليد. فان قيل: هذا القول يؤدي إلى تضليل اكثر الخلق وتكفيرهم، لان اكثر من تعنون من العقلاء لا يعرفون ما يقولونه من الفقهاء والادباء والرؤساء والتجار وجمهور العوام ولا يهتدون إلى ما يقولونه، وانما يختص بذلك طائفة يسيرة من المتكلمين، وجميع من خالفهم يبدعهم في ذلك، ويؤدي إلى تكفير الصحابة والتابعين [ وأهل الامصار، لانه معلوم أن أحدا من الصحابة والتابعين ] (1) لم يتكلم فيما تكلم فيه المتكلمون ولا سمع منه حرف واحد ولا نقل عنهم شئ منه، فكيف يقال بمذهب يؤدي إلى تكفير اكثر الامة وتضليلها، وهذا باب ينبغي أن يزهد فيه ويرغب عنه. قيل: هذا غلط فاحش وظن بعيد، وسوء ظن بمن أوجب النظر المؤدي

(1) الزيادة ليست في ر.

[ 12 ]

إلى معرفة الله، ولسنا نريد بالنظر المناظرة والمحاجة والمخاصمة والمحاورة التي يتداولها المتكلمون ويجري بينهم، فان جميع ذلك صناعة فيها فضيلة وان لم تكن واجبة، وانما أوجبنا النظر الذي هو الفكر في الادلة الموصلة إلى توحيد الله تعالى وعدله ومعرفة نبيه وصحة ما جاء به، وكيف يكون ذلك منهيا عنه أو غير واجب والنبي عليه السلام لم يوجب القبول منه على أحد الا بعد اظهار الاعلام والمعجزة من القرآن وغيره، ولم يقل لاحد أنه يجب عليك القبول من غير آية ولا دلالة. وكذلك تضمن القرآن من أوله إلى آخره التنبيه على الادلة ووجوب النظر (1. قال الله تعالى: " أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والارض وما خلق الله من شئ " (2. وقال: " أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت * والى السماء كيف رفعت * والى الجبال كيف نصبت * والى الارض كيف سطحت " (3. وقال: " وفي أنفسكم أفلا تبصرون " (4. وقال: " قتل الانسان ما أكفره * من أي شئ خلقه * من نطفة خلقه " (5 الاية. وقال: " ان في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار لايات

1) في نسخة ج " النظم ".
2) سورة الاعراف: 185.
3) سورة الغاشية: 17 20.
4) سورة الذاريات: 21. 5) سورة عبس: 17 19.

[ 13 ]

لاولي الالباب " إلى قوله " انك لا تخلف الميعاد " 1). وقال: " فلينظر الانسان إلى طعامه * أنا صببنا الماء صبا * ثم شققنا الارض شقا " إلى قوله " متاعا لكم ولانعامكم " 2). وقال: " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرا ر مكين " إلى قوله " فتبارك الله أحسن الخالقين " 3). وقال: " ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون " 4) و " لقوم يعقلون " 5) و " لاولي الالباب " 6) و " لمن كان له قلب " 7) يعنى عقل. وغير ذلك من الايات التي تعدادها يطول. وكيف يحث تعالى على النظر وينبه على الادلة وينصبها ويدعو إلى النظر فيها، ومع ذلك يحرمها. ان هذا لا يتصوره الا غبي جاهل. فأما من أومى إليه من الصحابة والتابعين وأهل الاعصار من الفقهاء والفضلاء والتجار والعوام، فأول ما فيه أنه غير مسلم، بل كلام الصحابة والتابعين مملو من ذلك، وهو شائع ذائع في خطب أمير المؤمنين عليه السلام في الاستدلال على الصانع والحث على النظر والفكر في اثبات الله تعالى معروف مشهور، وكذلك كلام الائمة عليهم السلام من أولاده، وعلماء المتكلمين في كل عصر معروفون مشهورون.

1) سورة آل عمران: 190 - 194.
2) سورة عبس: 24 - 32.
3) سورة المؤمنون: 12 - 14.
4) سورة الرعد: 3.
5) سورة الرعد: 4.
6) سورة الرمز: 21.
7) سورة ق: 37.

[ 14 ]

وكيف يجحد ذلك وينكر وجوده، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال " أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه " وقال امير المؤمنين عليه السلام في خطبته المعروفة " أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفته توحيده، ونظام توحيده نفي الصفات عنه، لشهادة العقول أن من حلته الصفات فهو مخلوق، وشهادتها أنه خالق ليس بمخلوق " ثم قال " بصنع الله يستدل عليه، وبالعقول يعتقد معرفته، وبالنظر يثبت حجته، معلوم بالدلالات، مشهور بالبينات " 1) إلى آخر الخطبة. وخطبه في هذا المعنى اكثر من أن تحصى. وقال الحسن (الحسين خ ل) عليه السلام: " والله ما يعبد الله الا من عرفه فأما من لم يعرفه فانما يعبده هكذا ضلالا " وأشار بيده. وقال الصادق عليه السلام: " وجدت علم الناس في أربع: أولها أن تعرف ربك، والثاني أن تعرف ما صنع بك، والثالث أن تعرف ما أراد منك، والرابع أن تعرف ما يخرجك من دينك " 2). ثم انه يلزم مثل ذلك الفقهاء، فانا نعلم ما فرعه الفقهاء 3) من المسائل ودونوه في كتبهم ودارت بينهم من العلل والاقيسة لم يخطر لاحد من الصحابة والتابعين ببال ولا نقل شئ منه عن واحد منهم. فينبغي أن يكون ذلك كله باطلا، أو يقولوا ان الصحابة لم يكونوا عالمين عارفين بالشرع، فأي شئ أجابوا عن ذلك في الفروع فهو جوابنا في الاصول بعينه، وهو أن يقال انهم كانوا عالمين بأصول الشريعة فلما حدثت حوادث في الشرع لم يكن استخرجوا أدلتها من الاصول قلنا مثل ذلك فانهم كانوا عارفين بالاصول من التوحيد والعدل مجملا، فلما

1) تحف العقول ص 43 مع اختلاف في بعض الالفاظ.
2) الخصال ص 239.
3) في ر " ما ودعه الفقهاء ".

[ 15 ]

حدثت شبهات لم تسبقهم استخرجوا أجوبتها من الاصول. ولو سلمنا أنهم كانوا غير عارفين بما يعرفه المتكلمون لم يدل على ما قالوه لانه لا يجوز أن يكونوا عالمين بالله تعالى على وجه الجملة وخرجوا بذلك عن حد التقليد وتشاغلوا بالعبادة أو الفقه أو التجارة، ولم ينقدح لهم فيما اعتقدوه شك ولا خطرت لهم شبهة يحتاجون إلى حلها، فاقتنعوا بذلك وكانوا بذلك قد أدوا ما وجب عليهم. والمتكلمون لما أفرغوا وسعهم لعلم هذه الصناعة خطرت لهم شبهات ووردت علهيم خواطر لزمهم حل ذلك والتفتيش عنه حتى لا يعود ذلك بالنقض على ما علموه. وكل من يجري مجراهم ممن تخطر له هذه الشبهات فانه يلزمه حلها ولا يجوز له الاقتصار على علم الجملة، فانه لا يسلم له ذلك مع هذه الشبهة. ومن لا يخطر له ذلك لبلادته أو لعدوله عنه أو تشاغله بعبادة أو فقه أو دين، فانه لا يلزمه التغلغل فيه ولا البحث عن الشبهات حتى يلهه ويلزمه التفتيش عنها والاجوبة عنها. وان فرضنا في آحاد الناس من لم يحصل له علم الجملة ولا علم التفصيل وانما هو على تقليد محض، فانه مخطئ ضال عن طريق الحق وليس يتميز له ذلك. فان قالو: أكثر من أو مأتم إليه إذا سألته عن ذلك لا يحسن الجواب عنه. قلنا: وذلك أيضا لا يلزم، لانه لا يمتنع أن يكون عارفا على الجملة وان تعذرت عليه العبارة عما يعتقده، فتعذر العبارة عما في النفس لا يدل على بطلان ذلك ولا ارتفاعه. فان قيل: قد ذكرتم أنه يخرج الانسان عن حد التقليد بعلم الجملة، ما

[ 16 ]

حد ذلك بينوه لنقف عليه؟ قلنا: أحوال الناس تختلف في ذلك: فمنهم من يكفيه الشئ اليسير، ومنهم من يحتاج إلى أكثر منه بحسب ذكائه وفطنته وخاطره حتى يزيد بعضهم على بعض إلى أن يبلغ إلى حد لا يجوز له الاقتصار على علم الجملة بل يلزمه على التفصيل لكثرة خواطره وتواتر شبهاته. وليس يمكن حصر ذلك لشئ لا يمكن الزيادة عليه ولا النقصان عنه. فان قيل: فعلى كل حال بينوا لذلك مثالا على وجه التقريب. قلنا: أما على وجه التقريب فانا نقول: من فكر في نفسه فعلم أنه لم يكن موجودا ثم وجد نطفة ثم صار علقة ثم مضغة ثم عظما ثم جنينا في بطن أمه ميتا ثم صار حيا فبقي مدة ثم ولد صغيرا فتتقلب به الاحوال من صغر إلى كبر ومن طفولة إلى رجلة ومن عدم عقل إلى عقل كامل ثم إلى الشيخوخة والى الهرم ثم الموت، وغير ذلك من أحواله، علم أن هنا من يصرفه هذا التصريف ويفعل به هذا الفعل، لانه يعجز عن فعل ذلك بنفسه، وحال غيره من أمثاله حاله من العجز عن مثل ذلك. فعلم بذلك أنه لابد من أن يكون هناك من هو قادر على ذلك مخالف له، لانه لو كان مثله لكان حكمه حكمه. ويعلم أنه لابد أن يكون عالما من حيث أن ذلك في غاية الحكمة والاتساق، مع علمه الحاصل بأن بعض ذلك لا يصدر ممن ليس بعالم، وبهذا القدر يكون عالما بالله تعالى على الجملة. وهكذا إذا نظر في بذر يبذر فينبت منه أنواع الزرع والغرس ويصعد إلى منتهاه، فمنه ما يصير شجرا عظيما يخرج منه أنواع الفواكه والملاذ، ومنه ما يصير زرعا يخرج منه أنواع الاقوات، ومنه ما يخرج منه أنواع المشمومات الطيبة الروائح، ومنه ما يكون خشبه في غاية الطيب كالعود الرطب وغير ذلك،

[ 17 ]

وكالمسك الذي يخرج من بعض الظباء والعنبر الذي يخرج من البحر، فيعلم بذلك أن مصرف ذلك وصانعه قادر عالم لتأتي ذلك واتساقه ولعجزه وعجز أمثاله عن ذلك، فيعلم بذلك أنه مخالف لجميع أمثاله، فيكون عارفا بالله على الجملة. وكذلك إذا نظر إلى السماء صاحية فتهب الرياح وينشأ السحاب ويصعد ولا يزال يتكاثف ويظهر فيه الرعد والبرق والصواعق، ثم ينزل منه من المياه والبحار العظيمة التي تجري منها الانهار العظيمة والاودية الوسيعة، وربما كان فيه من البرد مثل الجبال، كل ذلك في ساعة واحدة ثم تنقشع السماء وتبدو الكواكب وتطلع الشمس أو القمر كأن ما كان لم يكن من غير تراخ ولا زمان بعيد، فيعلم ببديهة أنه لابد أن يكون من صح ذلك منه قادرا عليه ممكن منه 1) وأنه مخالف له ولامثاله، فيكون عند ذلك عارفا بالله. وأمثال ذلك كثيرة لا نطول بذكره، فمتى عرف الانسان هذه الجملة وفكر فيها هذا الفكر واعتقد هذا الاعتقاد، فان مضى على ذلك ولم يشعثه خاطر ولا طرقته شبهة فهو ناج متخلص. واكثر من أشرتم إليه يجوز أن يكون هذه صفته، وان بحث عن ذلك وعن علل ذلك فطرقته شبهات وخطرت له خطرات وأدخل عليه قوم ملحدون ما حيره وبلبله، فحينئذ يلزمه التفتيش ولا تكفيه هذه الجملة، ويجب عليه أن يتكلف البحث والنظر، على ما سنبينه ليسلم من ذلك ويحصل له العلم على التفصيل. ونحن نبين ذلك في الفصل الذي يلي هذا الفصل على ما وعدنا به انشاء الله. فان قيل: أصحاب الجمل على ما ذكرتم لا يمكنهم أن يعرفوا صفات الله تعالى وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه منها على طريق الجملة، وإذا لم

1) في ج " على كل ممكن فيه ".

[ 18 ]

يمكنهم ذلك لم يمكنهم أن يعلموا أن أفعاله كلها حكمة ولا حسن التكليف ولا النبوات ولا الشرعيات، لان معرفة هذه الاشياء لا يمكن الا بعد معرفة الله تعالى على طريق التفصيل. قلنا: يمكن معرفة جميع ذلك على وجه الجملة، لانه إذا علم بما قدمناه من الافعال ووجوب كونه قادرا عالما وعلم أنه لا يجوز أن يكون قادرا بقدرة محدثة لانها كانت تجب ان تكون من فعله، وقد تقرر أن المحدث لا بد له من محدث، وفاعلها يجب أن يكون قادرا أولا، فلولا تقدم كونه قادرا قبل ذلك لما صح منه تعالى فعل القدرة، فيعلم أنه لم يكن قادرا بقدرة محدثة، ولاجله علم أنه كذلك لامر لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، فيعلم أنه يجب أن يكون قادرا على جميع الاجناس ومن كل جنس على ما لا يتناهى لفقد التخصيص. وكذلك إذا علم بالمحكم من أفعاله كونه عالما علم أن ما لاجله علم ما علمه لا اختصاص له بمعلوم [ دون معلوم ] 1)، إذ المخصص هو العلم المحدث والعلم لا يقع الا من عالم، فلا بد أن يتقدم كونه عالما لا بعلم محدث، وما لاجله علم لا اختصاص له بمعلوم دون معلوم، فيعلم أنه عالم بما لا يتناهى وبكل ما يصح أن يكون معلوما لفقد الاختصاص. فيعلم أنه لا يشبه الاشياء، لانه لو أشبهها لكان مثلها في كونها محدثة، لان المثلين لا يكون أحدهما قديما والاخر محدثا. ويعلم أنه غير محتاج، لان الحاجة من صفات الاجسام، لانها تكون إلى جلب المنافع أو دفع المضار وهما من صفات الاجسام، فيعلم عند ذلك أنه غني. ويعلم أنه لا تجوز عليه الرؤية والادراكات، لانه لا يصح أن يدرك الا ما

1) الزيادة من ج.

[ 19 ]

يكون هو أو محله في جهة، وذلك يقتضي كونه جسما أو حالا في جسم، وهكذا يقتضي حدوثه وقد علم أنه قديم. وإذا علم أنه عالم بجميع المعلومات، وعلم كونه غنيا، علم أن جميع أفعاله حكمة وصواب ولها وجه حسن وان لم نعلمه مفصلا، لان القبيح لا يفعله الا من هو جاهل بقبحه أو محتاج إليه وكلاهما منتفيان عنه، فيقطع عند ذلك على حسن جميع أفعاله من خلق الخلق والتكليف وفعل الالام وخلق المؤذيات من الهوام والسباع وغير ذلك. ويعلم أيضا عند ذلك صحة النبوات، لان النبي إذا أدعى النبوة وظهر على يده علم معجز يعجز عن فعله جميع المحدثين علم أنه من فعل الله ولو لا صدقه لما فعله، لان تصديق الكذاب لا يحسن، وقد أمن ذلك بكونه عالما غنيا. فإذا علم صدق الانبياء بذلك علم صحة ما أتوا به من الشرعيات والعبادات، لكونهم صادقين على الله وأنه لا يتعبد الخلق الا بما فيه مصلحتهم. وإذا ثبت له هذه العلوم فتشاغل بالعبادة أو بالمعيشة ولم تخطر له شبهة ولا أورد عليه ما يقدح فيما علمه ولا فكر هو في فروع ذلك لم يلزمه أكثر من ذلك. ومتى أورد عليه شبهة فان تصورها قادحة فيما علمه يلزمه حينئذ النظر فيها حتى يحلها ليسلم له ما علمه، وان لم يتصورها قادحة ولا اعتقد أنها تؤثر فيما علمه لم يلزمه النظر فيها ولا التشاغل بها. وهذه أحوال اكثر العوام وأصحاب المعايش والمترفين، فانهم ليس يكادون يلتفتون إلى شبهة تورد عليهم ولا يقبلونها ولا يتصورونها قادحة فيما اعتقدوه بل ربما أعرضوا عنها واستغفوا عن سماعها وايرادها وقالوا: لا تفسدوا علينا ما علمناه. وقد شاهدت جماعة هذه صورتهم.

[ 20 ]

فبان بهذه الجملة ما أشرنا إليه من أحوال أصحاب الجمل. ونحن نبين في الفصل الذي يلي هذا ما يلزم من هو فوق هؤلاء ممن ينظر ويبحث وتطرقه الشبهات وان لم يبالغ في استيفاء ذلك، ليكون قد ذكرنا أمر الفريقين وبينا أحوال الفئتين. والله تعالى الموفق للصواب. فصل (في ذكر بيان ما يؤدى النظر فيه إلى معرفة الله تعالى) لا يمكن الوصول إلى معرفة الله تعالى الا بالنظر في حدوث ما لا يدخل تحت مقدور المخلوقين، وهو الاجسام والاعراض المخصوصة، كالالوان والطعوم والاراييح والقدرة والحياة والشهوة والنفار وما جرى مجرى ذلك. فأما ما يدخل جنسه تحت مقدور القدر 1) كالحركات والسكنات والاعتمادات والاصوات، فلا يمكن بالنظر فيها الوصول إلى معرفة الله تعالى. والكلام في حدوث الاجسام أظهر، لانها معلومة ضرورة لا يحتاج فيها في العلم بوجودها إلى الدليل بل انما يحتاج إلى الكلام في حدوثها، ثم بيان أن لها محدثا يخالفها فيكون ذلك علما بالله، ثم الكلام في صفته. ولنا في الكلام في حدوث الاجسام طريقان: أحدهما: أن ندل على أنها ليست قديمة، فيعلم حينئذ أنها محدثة، لانه لا واسطة بين القدم والحدوث. والطريق الثاني: أن نبين أنها لم تسبق المعاني المحدثة، فيعلم أن حكمها حكمها في الحدوث. (وبيان الطريق الاول) هو أن الاجسام لو كانت قديمة لوجب أن تكون في

1) في ج: القدرة (المخلوقين خ ل).

[ 21 ]

الازل في جهة [ من جها ت ] 1) العالم، لان ما هي عليه من الحجم والجثة يوجب ذلك. ثم لا يخلو كونها في تلك الجهة اما أن تكون للنفس أو لمعنى قديم أو لمعنى محدث أو الفاعل. فإذا بين فساد جميع ذلك علم أنها لم تكن قديمة ولا يجوز أن تكون في الازل في جهة الفاعل، لان من شأن الفاعل أن يتقدم على فعله، ولو تقدم فاعلها عليها لكانت محدثة، لان القديم لا يمكن أن يتقدم عليه غيره، والمعنى المحدث لا يوجب صفة في الازل. وكونها في الجهة للنفس يوجب استحالة انتقالها، لان صفات النفس لا يجوز تغيرها وزوالها، والمعلوم ضرورة صحة انتقالها، فبطل أن يكون كذلك للنفس. ولا يجوز أن تكون كذلك لمعنى قديم، لانها لو كانت كذلك لوجب إذا انتقل الجسم أن يبطل ذلك المعنى، لان وجوده فيه على ما كان يوجب كونه في الجهتين، وذلك محال. والانتقال لا يجوز على المعنى، لانه من صفات الجسم. فقد بطل جميع الاقسام، وفي بطلان جميعها بطلان كونها قديمة وثبوت كونها محدثة، لانه لا واسطة بين الامرين على ما بيناه. (وبيان الطريقة الثانية) أن نبين أربعة فصول: أحدها أن في الاجسام معان غيرها، والثاني أن نبين أن تلك المعاني محدثة، والثالث أن نبين أن الجسم لم يسبقها في الوجود، والرابع أن ما لم يسبق المحدث يجب أن يكون محدثا. والذي يدل على الفصل الاول: انا نعلم أن الجسم يكون على صفات من

1) الزيادة من ج.

[ 22 ]

اجتماع وحركة فتتغير إلى أن يصير مفترقا وساكنا، فلابد من أمر غيره، لانه لو لم يكن أمر لبقي على ما كان عليه. ولا يجوز أن يكون ذلك الامر نفس الجسم، ولا ما يرجع إليه من وجود أو حدوث أو جسمية، لان جميع ذلك يكون حاصلا مع انتقاله من جهة إلى غيرها، فكيف يكون هو المؤثر في تغير الصفات. ولا يجوز أن يكون ذلك لعدم معنى، لان عدم معنى لا اختصاص له بجسم دون جسم ولا بجهة دون غيرها، وكان يجب أن تتغير الاجسام كلها وتنتقل إلى جهة تغيرها، وذلك باطل. ولا يجوز أن يكون كذلك بالفاعل، لانه: ان أريد بذلك أنه فعل فيه معنى أوجب تغيره وانتقاله، فذلك وفاق وهو المطلوب. وان أرادوا أن الفاعل جعله على هذه الصفات ولم يفعل معنى فذلك باطل، لان من شأن ما يتعلق بالفاعل من غير توسط معنى أن يكون القادر عليه قادرا على احداث تلك الذات. ألا ترى أن من قدر على احداث كلامه قدر على أن يجعله على جميع أوصافه من أمر ونهي وخبر وغير ذلك، وكلام الغير لما لم يكن قادرا على احداثه لم يكن قادرا على جعله أمرا ونهيا وخبرا. والواحد منا يقدر على أن يجعل الجسم متحركا أو ساكنا أو مجتمعا أو متفرقا ولا يقدر على احداثه، فدل ذلك على أن هذه الصفات غير متعلقة بالفاعل، فلم يبق بعد ذلك شئ يعقل الا أنه صار كذلك لمعنى. والذي يدل على حدوث ذلك المعنى أن المجتمع إذا فرق أو المتحرك إذا سكن لا يخلوا أن يكون ذلك المعنى الذي كان فيه باقيا كما كان أو انتقل عنه أو عدم. ولا يجوز أن يكون موجودا كما كان، لان ذلك يوجب كونه مجتمعا متفرقا متحركا ساكنا، لوجود المعنيين معافيه في حالة واحدة، وذلك محال

[ 23 ]

ولا يجوز أن يكون انتقل عنه، لان الانتقال من صفات الجسم دون العرض، ولانه لو انتقل لم يخلو اما أن يكون انتقل مع جواز ألا ينتقل أو وجب انتقاله. ولو كان انتقاله جائزا لاحتاج إلى معنى كالجسم، وذلك يؤدي إلى اثبات معان لا نهاية لها، ولو وجب انتقاله لادى إلى وجوب انتقال الجسم، والمعلوم أن الجسم لا يجب انتقاله ان لم ينقله ناقل، فلم يبق من الاقسام الا أنه عدم. ولو كان قديما لما جاز عدمه، لانه قديم لنفسه، وصفات النفس لا يجوز خروج الموصوف عنها. ألا ترى أن السواد لا يجوز بياضا ولا الجوهر عرضا ولا الحركة اعتمادا وغير ذلك، لان هذه الاشياء على ما هي عليه لنفسها فلا يجوز عليها التغيير. فلما ثبت عدمها على أنها لم تكن قديمة، وإذا لم تكن قديمة وجب كونها محدثة. والذي يدل على الفصل الثالث - وهو أن الجسم لم يخل منها هو أنه معلوم ضرورة أن الاجسام للعالم لا تخلو من أن تكون مجتمعة أو مفترقة أو متحركة أو ساكنة، فثبت بذلك أنها لا تخلو من الاجتماع والافتراق. ومن قال ان الاجسام كانت هيولى لا مجتمعة ولا مفترقة. ربما أشار بذلك إلى أنها كانت معدومة فسماها موجودة، كما يقولون موجود بالقوة وموجود في العلم، وذلك عندنا ليس بوجود في الحقيقة. ومتى أرادوا ذلك كان خلافا في العبارة لا يعتد به. وأما الفصل الرابع فالعلم به ضرورة، لان من المعلوم ان كل ذاتين وجدا معا ولم تسبق احداهما الاخرى، فان حكمهما حكم واحد [ في الوجود ] 1) ألا ترى انا إذا فرضنا ميلاد زيد وعمرو في وقت واحد فلا يجوز مع ذلك أن يكون أحدهما أسبق من الاخر لان ذلك متناقض، وكذلك إذا فرضنا أن الجسم

1) الزيادة من ر.

[ 24 ]

لم يسبق المحدث ولم يخل منه علمنا أن حكمه حكمه في الحدوث. وقول من قال: ان فيها معان لا نهاية له 1) شيئا قبل شئ لا إلى أول. باطل لان وجود ما لا نهاية له محال، لانه كان يصير من شروط وجود كل واحد منها أن يتقدم قبله ما لا نهاية له، فلا يصح وجود شئ منها البتة، والمعلوم خلافه. على أن القائل بذلك قد ناقض، لانه إذا قال انها محدثة اقتضى أن لها أولا، فإذا قال بعد ذلك لا أول لها اقتضى ذلك قدمها، وذلك متناقض. وأيضا فإذا قال الجسم قديم أفاد ذلك وجوده في الازل، [ فإذا سلم أنه لا يخلو من معنى فقد أثبت فيه معنى في الازل ] 2)، والمعنى الموجود في الازل يكون قديما، فيكون في ذلك رجوع عن كونها محدثة. أو يقول فيما لم يزل لم يكن فيها معنى فيكون فيها رجوع في أن الجسم لم يخل من معنى، وذلك فاسد. فقد بان بهذه الجملة حدوث الاجسام، ثم تدل فيما بعد على ان لها صانعا يخالفها. وأما الطريقة الثانية فهو أن نبين أن ههنا معان كالالوان والطعوم والقدرة والحياة والشهوة والنفار وكمال العقل، ونبين أن أحدا من المخلوقين لا يقدر على شئ منها، فيعلم عند ذلك أن صانعها مخالف لها. وبيان ذلك: أن الواحد منا قد يدعوه الداعي إلى تبيض الاسود أو تسود الابيض أو يحيى ميتا أو يقدر عاجزا أو يكمل عقل من لا عقل له، وهو قادر متصرف غير ممنوع والدواعي متوفرة، ويبالغ في ذلك ويجتهد في تحصيله مع احتمال المحل لذلك فيتعذر ولا يتحصل لا لوجه معقول الا أنه ليس بمقدور له، فيعلم عند ذلك أن صانعها مخالف لها ومباين لنا، فيكون ذلك علما بالله

1) كذا في النسختين ولعله " لا نهاية لها ".
2) الزيادة ليست في ر.

[ 25 ]

على الجملة. فإذا عرف بعد ذلك صفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه وما لا يجوز حصل علمه به على طريق التفصيل. فصل (في اثبات صانع العالم وبيان صفاته) إذا ثبت حدوث الاجسام بما قدمنا، فالذي يدل على أن لها محدثا هو ما ثبت في الشاهد من أن الكتاب لا بد لها من كاتب والبناء لا بد له من بان والنساجة لا بد لها من ناسج وغير ذلك من الصنائع. وانما وجب ذلك فيها لحدوثها، فيجب أن تكون الاجسام إذا شاركتها في الحدوث أن تكون محتاجة إلى محدث. فان قيل: كيف تدعون العلم بذلك وههنا من يخالف في ذلك ويقول الكتابة لا تعلق لها بالكاتب ولا البناء بالباني ولا غير ذلك من الصنائع، وهو الاشعري وأصحابه، لان عندهم أن هذه الصنائع لا كسب للعبد فيها وانما هي من فعل الله وحده. قلنا: الاشعري لم يدفع حاجة البناء إلى بان ولا الكتابة إلى كاتب، وانما قال فاعلها هو الله تعالى دون العبد. ونحن لم ندع العلم بحاجة هذه الافعال إلى فاعل معين بل ادعينا حاجتها إلى صانع ما في الجملة. ثم هل هو القديم أو الواحد منا؟ موقوف على الدليل، ودليله هو أنه يجب وقوع هذه الافعال بحسب دواعينا وأفعالنا ويجب انتفاؤها بحسب صوارفنا وكراهتنا، فلو كانت متعلقة بغيرنا لما وجب ذلك، كما لا يجب ذلك في طولنا وقصرنا وخلقنا وهيأتنا لم لما تكن متعلقة بنا، فالوجوب الذي اعتبرناه يبطل تعلقها بغيرنا.

[ 26 ]

فان قيل: ما أنكرتم أن يكون ذلك [ بالعادة دون أن يكون ] 1) واجبا. قلنا: ذلك فاسد من وجهين: أحدهما: ان ذلك يبطل الفرق بين الواجب والمعتادة، فيؤدي إلى أنه لا فرق بينهما، وان يقول قائل انتفاء السواد بالبياض بالعادة وحاجة العلم إلى الحياة بالعادة وغير ذلك من الواجبات، فبأي شئ فرقوا بينهما فهو فرقنا بين أن يكون ذلك واجبا أو معتادا. الثاني: أنه لو كان ذلك بالعادة لوجب أن يكون من لا يعرف العادات ولا نشأ بين أهلها أن يجوز أن تبنى دار من قبل نفسها أو تنكتب كتابة طويلة بلا كاتب أو أن تنسج نساجة عجيبة من غير ناسج وغير ذلك. والمعلوم خلاف ذلك، لانه لا يجوز مثل ذلك الا مؤف العقل فاسد التصور. فان قيل: لو خلق الله تعالى عاقلا ابتداءا، فشاهد قصرا مبنيا وكتابة هل كان يعلم أن لها بانيا وكاتبا أم لا، فان قلتم يعلم قلنا وأي طريق له إلى ذلك، وان قلتم لا يعلم بذلك فقد بطل ادعاؤكم العلم. قلنا: من خلقه الله وحده ابتداءا وشاهد الكتابة أو القصر فهو لا يعلمهما محدثين متجددين [ فلذلك لا يعلم لهما بانيا وكاتبا، فيحتاج أن يتأمل حالهما حتى يعلمهما محدثين متجددين ] 1)، فإذا علمهما متجددة الوجود علم تعلقهما بفاعل. ونظير ذلك أن من شاهد الاجسام قبل النظر في حدوثها، فانه لا يعلم أن لها محدثا، فإذا تأمل وعلم حدوثها علم عند ذلك ان لها محدثا. وانما قلنا ان علة حاجة هذه الحوادث الينا حدوثها لا غير لامرين: أحدهما: أن الذي يتجدد عند دواعينا حدوث هذه الصنائع وينتفى عند

1) الزيادة ليست في ر.

[ 27 ]

صوارفنا حدوثها أيضا، فعلمنا أن علة حاجتها الينا حدوثها. والثاني: أن هذه الاشياء لها ثلاثة أحوال: حال عدم، وحال حدوث، وحال بقاء. فهي لا تحتاج الينا في حال عدمها، لكونها معدومة في الازل، وهي تستغني عني في حال بقائها، وانما تتعلق بنا وتحتاج الينا في حال حدوثها، فعلمنا بذلك أن علة حاجتها الينا الحدوث، فعند ذلك نحكم بحاجة الاجسام، إذا ثبت حاجة حدوثها إلى محدث للاشتراك في علة الحاجة. وهذه الجملة كافية في هذا الباب، فان استيفاء ذلك ذكرناه في شرح الجمل، وفي هذا القدر كفاية انشاء الله تعالى. وأما ما يجب أن يكون عليه من الصفات: فأول ذلك أنه يجب أن يكون قادرا، لان الفعل لا يصح أن يصدر الا من قادر. ألا ترى أنا نجد فرقا بين من يصح منه الفعل وبين من يتعذر عليه ذلك، فلابد من أن يكون من صح منه الفعل مختصا بأمر ليس عليه من تعذر عليه ذلك والا تساويا في الصحة أو التعذر [ وقد علمنا خلافه ] 1). وأهل اللغة من اختص بهذه المفارقة يسمونه قادرا، فأثبتت المفارقة لمقتضى العقل والتسمية لاجل اللغة، فإذا كان صانع العالم صح منه الفعل وجب أن يكون قادرا. على أنا دللنا على أن أفعالنا محتاجة الينا دال على حاجتها إلى من له صفة المختارين، فاسنادها إلى من ليس له صفة المختارين في البطلان كبطلان اسنادها إلى مؤثر، وكلاهما فاسدان. على أن صانع العالم لا يخلو من أن يكون قادرا مختارا أو موجبا هو علة أو سبب، ولا يجوز أن يكون علة ولا سببا، لانهما لا يخلو من أن يكونا قديمين أو محدثين، فلو كانا محدثين لاحتاجا إلى علة أخرى أو سبب آخر، وذلك يؤدي إلى ما لا نهاية له من العلل والاسباب، وان كانا قديمين وجب أن يكون

2) الزيادة من ر.

[ 28 ]

العالم قديما، لان العلة توجب معلولها في الحال والسبب يوجب المسبب اما في الحال أو الثاني، وكلاهما يوجبان قدم الاجسام وقد دللنا على حدوثها، فبطل بذلك أن يكون صانع العالم موجبا ولم يبق بعد ذلك الا أن يكون مختارا له صفة القادرين. وإذا ثبت كونه قادرا وجب أن يكون حيا موجودا، لان من المعلوم أن القادر لا يكون الا كذلك، فثبت أنه تعالى قادر حي موجود. وأما الذي يدل على أنه عالم هو أن الاحكام ظاهر في أفعاله كخلق الانسان وغيره من الحيوان، لان فيه من بديع الصنعة ومنافع الاعضاء وتعديل الامزجة وتركيبها على وجه يصح معه أن يكون حيا لا يقدر عليه الا من هو عالم بما يريد فعله، لانه لو لم يكن عالما لما وقع على هذا الوجه من الاحكام والنظام ولاختلف في بعض الاحوال، ولما كان ذلك واقعا على حد واحد ونظام واحد واتساق واحد دل على أن صانعه عالم. وكذلك خلقه الثمار في أوقات مخصوصة لا تختلف وفي كل شجر ما هو من جنسه وفي كل حيوان من شكله دال على أن خالق ذلك عالم، والا لكان يجوز أن يخلق الفواكه الصيفية في الشتاء والشتوية في الصيف، ويخلق في البهيمة من جنس ابن آدم أو في ابن آدم من جنس البهائم، أو يخلق في النخل نبقا وفي الرمان تفاحا وغير ذلك. وفي علمنا بالمطابقة في هذا الباب دليل على أن صانعها عالم بما صنعه. ألا ترى أن في المشاهد لا تقع الكتابة الا ممن هو عالم بها، ولا النساجة الا ممن هو عالم بترتيبها وكيفية ايقاعها، وغيره وان كان أقدر منه يتعذر عليه مثله لفقد علمه، والضعيف القليل القدر يصح منه ذلك لعلمه بكيفية ايقاعه. وإذا كان القدر اليسير من أفعالنا المحكمة لا تقع الا من عالم، فألا تقع

[ 29 ]

الافعال التي أشرنا إليها الزائدة على احكام كل محكم أولى وأحرى، فثبت بذلك أن صانع العالم عالم. ولا يجوز أن يكون بصفة الظانين ولا المعتقدين، [ لان الصنائع المحكمة تحتاج إلى من له صفة العالمين دون الظانين المعتقدين ] 1)، لانها تحتاج إلى أمر يلزم كمال العقل ولا يخرج عنه من ثبوت عقله، والظن والاعتقاد الذي ليس بعلم لا يوجب لزومه لكمال العقل. فوجب من ذلك أن يكون صانع العالم عالما دون أن يكون ظانا أو معتقدا. ويجب أيضا أن يكون مدركا للمدركات سميعا بصيرا، لان الحي الذي لا آفة به متى وجدت المدركات وارتفعت الموانع واللبس وجب أن يكون مدركا لها. ألا ترى أن من كانت حواسه صحيحة ووجدت المرئيات وارتفعت الموانع واللبس وجب أن يكون رائيا لها، وكذلك إذا وجدت الاصوات وسمعه صحيح وجب أن يدركها ويفصل بين حاله وهو مدرك لها وبين أن لا يدركها. وهذا الفرق لا يستند إلى كونه حيا، لانه كان حيا قبل ذلك ولم يجد نفسه كذلك ولا إلى كونه عالما لانه يكون عالما بها قبل ادراكها 2) ولا يجد نفسه على هذه الحال. ألا ترى أن الانسان يعلم الصوت بعد تقضيه ويعلمه أيضا قبل وجوده ولا يجد نفسه على ما يجد عليه إذا أدركه، وكذلك المتألم يدرك الالام وان لم يعلمها. فثبت بذلك أن الادراك غير العلم والحياة. وإذا كان القديم تعالى حيا والآفات والموانع لا تجوز عليه لانه ليس يرى بحاسة ووجدت المدركات وجب أن يكون مدركا لها. وليس لواحد أن يقول: ان الواحد منا يدرك بمعنى هو ادراك، والمعنى ولا يجوز عليه تعالى، وذلك أن الادراك ليس بمعنى، وانما الواحد منا يدرك

1) الزيادة ليست في ر.
2) أضاف في ر هنا " وبعد انقضائها ".

[ 30 ]

لكونه حيا، بدلالة أنه لو كان معنى لجاز أن يكون حيا وحواسه صحيحة والموانع مرتفعة واللبس زائل ولو وجد المدركات فلا يدركها بأن لا يفعل فيه الادراك، وذلك يؤدي إلى السفسطة والشك في المشاهدات وأن لا يثق بشئ من المدركات، وما أدى إلى ذلك يجب أن يكون باطلا. ويجب أيضا أن يكون سميعا بصيرا، لانه حي لا آفة به. وفائدة السميع البصير أنه على صفة يجب معها أن يسمع المسموعات ويبصر المبصرات، وذلك يرجع إلى كونه حيا لا آفة به. وعلى هذا يوصف تعالى بذلك في الازل ولو كان له بكونه سميعا بصيرا صفة زائدة على ما قلناه لجاز أن يكون الواحد منا حيا لا آفة به ولا يوصف بأنه سميع بصير، والمعلوم خلاف ذلك. وأما سامع مبصر فمعناه أنه مدرك للمسموعات والمبصرات، وذلك يقتضي وجود المسموعات والمبصرات، ولذلك لا يوصف بهما في الازل. وأما شام وذائق فليس المراد بهما كونه مدركا، بل المستفاد بالشام أنه قرب الجسم المشموم إلى حاسة شمه، والذائق أنه قرب الجسم المذوق إلى حاسة ذوقه. ولذلك يقولون شممته فلم أجد له رائحة، وذقته فلم أجد له طعما ولا يقولون أدركته فلم أدركه لانه مناقضة، وجرى مجرى قوله أصغيت إليه فلم أسمعه، فهاتان يكون؟ سبب الادراك على وجه دون أن يكون نفس الادراك. ويجب أيضا أن يكون تعالى مريدا وكارها، لانه ثبت أنه آمر وناه ومخبر والامر لا يقع الا ممن هو مريد للمأمور به، والنهي لا يقع نهيا الا مع كراهية المنهي عنه، والخبر لا يقع خبرا الا بارادة كونه خبرا. بدلالة أن هذه الصيغ كلها توجد فيما ليس بأمر ولا نهي ولا خبر.

[ 31 ]

ألا ترى أن قوله تعالى " واستفزز من استطعت منهم بصوتك " 1) وقوله تعالى " اعملوا ما شئتم " 2) بصورة الامر والمراد به التهديد، وقوله تعالى " فأتوا بسورة من مثله " 3) صورته صورة الامر والمراد به التحدي، وقوله تعالى " وإذا حللتم فاصطادوا " 4) المراد به الاباحة. ونظائر ذلك كثيرة جدا، فلا يمكن مع ذلك أن يكون آمرا لجنسه ولا لصيغته ولا لحدوثه، لان جميع ذلك يوجد فيما ليس بأمر، فلم يبق الا أنه يكون آمرا لارادة المأمور به. والكلام في النهي والخبر مثل ذلك. وأيضا فقد ثبت أنه تعالى خلق الخلق ولا بد أن يكون له فيه غرض، لانه ان لم يكن له فيه غرض كان عبثا، وذلك لا يجوز عليه. ولا يجوز أن يكون خلقهم لنفع نفسه، لان ذلك لا يجوز عليه، لانا سنبين استحالة المنافع عليه. فلم يبق الا أنه خلق الخلق لمنافعهم، ومعناه أنه أراد نفعهم بذلك، فثبت بذلك أنه مريد. ويجب أن يكون تعالى قديما موجودا في الازل، لانه لو كان محدثا لاحتاج إلى محدث، والكلام في محدثه كالكلام فيه، فكان يؤدي إلى محدثين ومحدثي المحدثين إلى ما لا نهاية له، وذلك فاسد. وأيضا فانه فاعل الاجسام والاعراض المخصوصة من الالوان والطعوم وغيرهما، والمحدث لا يصح منه فعل الجسم ولا هذه الاعراض المخصوصة، فوجب أن يكون من صحت فيه قديما. وانما كان كذلك لان المحدث لا يكون

1) سورة الاسراء: 64.
2) سورة فصلت: 40 و 3) سورة البقرة: 23.
4) سورة المائدة: 2.

[ 32 ]

قادرا الا بقدرة، والقدرة لا يصح بها فعل الاجسام. وانما قلنا " ان المحدث لا يصح أن يكون قادرا لنفسه " لانه لو جاز أن يكون الجسم قادرا لنفسه لوجب أن تكون الاجسام كلها قادرة لنفسها لانها متماثلة، والمعلوم خلاف ذلك. وانما قلنا " ان القدرة لا يقع بها فعل جسم " لانا لو اجتهدنا كل الجهد أن نوجد جسما أو جوهرا لتعذر ذلك، ولا وجه لتعذره الا أنه غير مقدور لنا وبذلك نفصل بين ما هو مقدور لنا وبين ما ليس بمقدور لنا. فبان بذلك أن من صح منه الجسم لا يكون الا قديما ولا يكون محدثا. وهو تعالى متكلم. والطريق الذي يعلم كونه متكلما السمع، لان العقل لا يدل عليه، وانما يدل على أنه قادر على الكلام، لانه جنس من الافعال وهو قادر على جميع الاجناس. وقد أجمع المتكلمون على أنه تعالى متكلم لا خلاف بينهم، واجماعهم حجة. ومعلوم أيضا من دين النبي عليه السلام أنه تعالى متكلم، وان هذا القرآن كلام الله تعالى. فان قيل: السمع مستند إلى قول النبي عليه السلام، والنبي بأي شئ يعلم أنه متكلم؟ فان قلتم بسمع آخر أدى إلى ما لا نهاية له من المستمعين، أو ينتهى إلى مسمع علم عقلا أنه متكلم، والا فما الجواب؟ قيل: لا يمتنع أن يعلم النبي كونه متكلما بكلام يسمعه يتضمن بأنه كلام الله، ويقترن بذلك علم معجز، فيقطع على ذلك أنه كلامه وأنه متكلم. ويمكن أيضا أن يخلق الله تعالى فيه العلم الضروري بأنه ليس بكلام أحد من المخلوقين وقد تقرر في عقله أن المحدث لا بد أن يكون له محدث، فيعلم عند ذلك أنه كلامه القديم، لانه لا واسطة بين القديم والمحدث، وإذا بطل انه كلام محدث ثبت أنه كلام قديم.

[ 33 ]

فصل (في كيفية استحقاقه لهذه الصفات) يجب أن يكون تعالى قادرا في الازل، لانه لو تجدد كونه قادرا بعد أن لم يكن كذلك وجب أن يكون قادرا بقدرة، لان شرط صحة كونه قادرا عدم المقدور، وهو حاصل في الازل. ولو كان قادرا بقدرة وجب أن تكون تلك القدرة محدثة، لانها لو كانت قديمة لوجب كونه قادرا في الازل، ولو كانت محدثة لوجب أن يكون من فعله، إذ المحدث لا بد له من محدث، ولو كانت من فعله لوجب أن يكون قادرا قبل ايجادها، لان الفعل لا يصدر الا من قادر. وعلى هذا المذهب هو تعالى لا يكون قادرا الا بعد وجود القدرة، فيتعلق كونه قادرا بوجود القدرة ووجود القدرة بكونه قادر، فلا يصح واحد من الامرين. وذلك باطل، لانا علمنا خلاف ذلك. وإذا ثبت كونه قادرا في الازل وجب أن يكون قادرا لنفسه، لانه لا يمكن استناد ذلك إلى الفاعل والقدرة المحدثة، لان ما يتعلق بالفاعل من شرطه تقدم الفاعل عليه، وذلك لا يصح في الحاصل في الازل. والقدرة المحدثة لا توجب صفة في الازل، لان معلول العلة لا يتقدمها. ولا يجوز أن يكون قادرا بقدرة قديمة، لانه كان يجب أن تكون تلك القدرة مثلا له ومشاركة له في جميع صفاته، وهو تعالى مشارك للقدرة في جميع صفاتها لاشتراكهما في القدم الذي هو صفة النفس، والاشتراك في صفة النفس توجب التماثل، كما أن ما شارك السواد في كونه سوادا كان سوادا،

[ 34 ]

وما شارك الجوهر في كونه جوهرا كان جوهرا. وكان يجب من ذلك أن يكون تعالى بصفة القدرة والقدرة بصفة القادر، وذلك باطل، فلم يبق الا أنه قادر لنفسه. وبمثل ذلك يعلم [ أنه عالم لنفسه، لانه لو تجدد ] 1) كونه عالما بعد أن لم يكن لوجب أن يكون عالما بعلم محدث، إذ لا شرط يقف كونه عالما عليه، لان المعدوم يصح العلم به كما يصح بالموجود، بدلالة أنا نعلم ما كان أمس ونعلم ما يكون في الغد، وكل ذلك معدوم. ولو كان عالما بعلم محدث لوجب أن يكون من فعله، إذ لا أحد يقدر ان يفعل علما لا في محل لو صح وجود غيره، ولو كان هو الفاعل له لوجب ان يتقدم أو لا كونه عالما، لان العلم لا يقع الا من عالم، لان جميع الوجوه التي يقع الاعتقاد عليها فيكون علما يتقدم أو لا كون فاعله عالما، وذلك يؤدي إلى تعلق كونه عالما بوجود العلم ووجود العلم بكونه عالما. وإذا ثبت بذلك كونه قادرا عالما بنفسه لوجب أن يكون قادرا على جميع الاجناس ومن كل جنس على ما لا يتناهى، لانه لا مخصص له بقدر دون قدر. ويجب مثل ذلك في كونه عالما أن يكون عالما بجميع المعلومات، إذ لا مخصص له ببعضها دون بعض، فيجب من ذلك كونه عالما قادرا على ما لا يتناهى. وإذا ثبت كونه قادرا عالما في الازل وجب كونه حيا موجودا في الازل، إذ القادر العالم لا بد أن يكون حيا موجودا. ويجب أن يكون موصوفا بأنه سميع بصير في الازل، لانه يفيد كونه على صفة يجب أن يدرك المسموعات والمبصرات إذا وجدت، وذلك يرجع إلى كونه حيا لا آفة به. ولا يوصف بأنه سامع مبصر في الازل، لانهما يقتضيان وجود المسموعات

1) الزيادة ليست في ر.

[ 35 ]

والمبصرات في الازل، ووجودهما في الازل محال لانهما محدثان، فلا يصح وجودهما في الازل. وأما كونه مدركا فانه يتجدد له بعد أن لم يكن إذا وجدت المدركات، والمقتضي له كونه حيا، لان احدا متى حصل كونه حيا ووجدت المدركات وارتفعت الموانع المعقولة وجب أن يكون مدركا، ولو كان المقتضي غير كونه حيا لما وجب ذلك وقد علمنا وجوبه. فأما كونه مريدا وكارها فيجب ان يحصلا له بارادة محدثة موجودة لا في محل، لانه لا يخلو أن يكون مريدا لنفسه أو بارادة قديمة أو محدثة فيه أو في غيره من جماد أو حيوان، أو موجودة لا في محل. ولا يجوز أن يكون مريدا لنفسه، لانه كان يؤدي إلى أن يكون مريدا للشئ كارها له على وجه واحد في وقت واحد، لوجوب سماع صفات النفس. وما به علمنا كونه مريدا علمنا كونه كارها، واجتماع الصفتين محال، لتضادهما ولانه كان يجب أن يكون مريدا لكل ما يصح حدوثه، فيجب من ذلك أن يكون مريدا للقبائح، وذلك صفة نقص يتعالى الله عن ذلك. ولا يجوز أن يكون مريدا بارادة قديمة، لانه كان يجب أن تكون تلك الارادة مثلا له لمشاركتها له في القدم على ما بيناه في القدرة والعلم وقد بينا فساده. ولا يجوز أن يكون مريدا بارادة قائمة به، لانه ليس بمتحيز والمعاني لا تقوم الا بالمتحيز. ولو وجدت في غيره من الجماد استحال ذلك، لان الارادة يستحيل وجودها في الجماد. ولو وجدت في حي لوجب أن تكون ارادة لذلك الحي، فلم يبق الا أنه يجب أن يكون مريدا بارادة توجد لا في محل. فأما كونه متكلما فلا يكون الا بكلام محدث، لان حقيقة المتكلم من وقع

[ 36 ]

منه الكلام الذي هو هذا المعقول بحسب دواعيه وأحواله. والكلام المعقول ما انتظم من حرفين فصاعدا من هذه الحروف المعقولة التي هي ثمانية وعشرون حرفا إذا وقع ممن يصح منه أو من قبله للافادة. والدليل على ذلك أنه إذا وجدت هذه الحروف على هذا الوجه سمى كلاما، وإذا اختل واحد من الشروط لا يسمى بذلك، فعلمنا أنه حقيقة الكلام متى وقع ما سميناه كلاما [ بحسب دواعيه ] 1) واحواله سمي متكلما فعرفنا بذلك حقيقة المتكلم. وإذا ثبت حقيقة الكلام والمتكلم ثبت أن كلامه محدث، لان هذه الاضافة تقتضي ذلك. وليس لاحد أن يقول: لو لم يوصف تعالى فيما لم يزل بأنه متكلم يوصف بضده من الخرس والسكوت، وذلك أن الخرس انما هو فساد آلة الكلام [ والسكوت هو تسكين آلة الكلام ] 2)، والله تعالى ليس بمتكلم بآلة فلا يوصف بشئ من ذلك. ثم ذلك ينتقض بالصائح والصارخ، فانه لا يوصف بالخرس ولا بالسكوت ولا بالكلام، فبطل ما قالوه. وينبغي أن يوصف كلام الله [ بما سماه الله ] 3) تعالى به من كونه محدثا، قال الله تعالى " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث الا استمعوه " 4)، والذكر هو القرآن بدلالة قوله " وأنزلنا اليك الذكر " 5) وقوله " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " 6)

1) الزيادة ليست في ر.
2) الزيادة ليست في ر.
3) الزيادة من ر.
4) سورة الانبياء: 2.
5) سورة النحل: 44.
6) سورة الحجر: 9.

[ 37 ]

ولا يجوز أن يكون المراد به الرسول، لقوله " الا استمعوه " والكلام هو الذي يصح استماعه دون الرسو ل، ويصفه بأنه مجعول كما قال " انا جعلناه قرآنا عربيا " 1)، ونعته بأنه منزل قال الله تعالى " انا نحن نزلنا الذكر " وقال " وأنزلنا اليك الذكر "، ويوصف بأنه عربي كما قال " بلسان عربي مبين " 2) والعربية محدثة. ولا يوصف بأنه مخلوق، لانه يوهم أنه مكذوب أو مضاف إلى غير قائله لانه المعتاد من هذه اللفظة، قال الله تعالى " ان هذا الا اختلاق " 3) و " ان هذا الا خلق الاولين " 4) وقال " وتخلقون افكا " 5)، فلم يوصف الكلام بالخلق الا إذا أريد به الكدب أو الانتحال كما يقولون هذه قصيدة مخلوقة ومختلقة إذا كانت منتحلة مضافة إلى غير قائلها. وهذه الجملة تكفي فيما قصدناه، لان شرح جميعه بيناه في شرح الجمل وذكره يطول به ما قصدناه. فصل (فيما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز) لا يجوز أن يكون له تعالى مائية على ما يذهب إليه ضرار بن عمرو الضبي وأبو حنيفة، لان الطريق إلى اثباته تعالى واثبات صفاته أفعاله، فلا يجوز أن يثبت

1) سورة الزخرف: 3.
2) سورة الشعراء: 195.
3) سورة ص: 7.
4) سورة الشعراء: 137.
5) سورة العنكبوت: 17.

[ 38 ]

على صفة لا يدل عليها الفعل اماما بنفسه أو بواسطة، لانا ان لم نراع هذا الاصل لزم أن يكون له كيفية وكمية وغير ذلك من الاقوال الفاسدة، وذلك باطل. والفعل بمجرده يدل على كونه قادرا، وبوقوعه محكما على كونه عالما وبوقوعه على وجه دون وجه على كونه مريدا أو كارها، وكونه قادرا عالما على كونه حيا موجودا، وكونه حيا موجودا على كونه مدركا سميعا بصيرا. ووجوب هذه الصفات له في الازل يدل على صفته الذاتية عند من أثبتها وليس في الفعل ما يدل على أن له مائية، فوجب نفيها. وقول الامة: ان الله تعالى أعلم بنفسه منا. معناه انه يعلم من تفاصيل مقدوراته ومعلوماته ما لا يعلمه أحد، لانه يعلم منها ما لا نهاية له، والواحد منا يعلم ذلك على وجه الجملة، فلا يجوز التوصل بذلك إلى القول بالمائية. ولا يجوز أن يكون تعالى بصفة الجسم أو الجوهر، لان ما دل على كون الجسم محدثا 1) قائم في جميع الاجسام، فلو كان تعالى جسما لادى إلى كونه محدثا أو كون الاجسام قديمة، وكلا الامرين فاسد. وأيضا لو كان جسما لما صح منه فعل الاجسام كما لا يصح منا، على ما مضى القول فيه، والعلة في ذلك كونها أجساما، وقد دللنا على أنه فاعل الاجسام فبطل كونه جسما. ولا يجوز وصفه بأنه جسم مع انتفاء حقيقة الجسم عنه، لان ذلك نقض اللغة، لان أهل اللغة يسمون الجسم ماله طول وعرض وعمق، بدلالة قولهم " هذا أطول من هذا " إذا زاد طولا، و " هذا أعرض من هذا " إذا زاد عرضا و " هذا أعمق من هذا " إذا زاد عمقا، و " هذا أجسم من هذا " إذا جمع الطول والعرض والعمق. فعلم بذلك أن حقيقة الجسم ما قلناه، وذلك يستحيل

في ر " كون الجسم متحركا محدتا ".

[ 39 ]

فيه تعالى، فلا يجوز وصفه بذلك. وقولهم " انه جسم لا كالاجسام " مناقضة، لانه نفي ما أثبت نفيه، لان قولهم " جسم " يقتضي أن له طولا وعرضا وعمقا، فإذا قيل بعد ذلك " لا كالاجسام " اقتضى نفي ذلك نفيه، فيكون مناقضة. وليس قولنا " شئ لا كالاشياء " مناقضة، لان قولنا " شئ " لا يقتضي اكثر من أنه معلوم وليس فيه حس؟، فإذا قلنا " لا كالاشياء المحدثة " لم يكن في ذلك مناقضة. وقوله " الرحمن على العرش استوى " 1) معناه استولى عليه لما خلقه، كما قال الشاعر 2): قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق وقوله " لما خلقت بيدي " 3) معناه انه تولى خلقه بنفسه، كما يقول القائل " هذا ما عملت يداك " أي أنت فعلته. وقيل: معناه لما خلقت لنعمتي الدينية والدنيوية. وقوله " في جنب الله " 4) معناه في ذات الله وفي طاعته. وقوله " والسماوات مطويات بيمينه " 5) أي بقدرته، كما قال الشاعر 6): إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين

1) سورة طه: 50.
2) لسان العرب (سوى).
3) سورة ص: 75.
4) سورة الرمز: 56.
5) سورة الزمر: 67.
6) البيت لشماخ، انظر لسان العرب (يمن).

[ 40 ]

وقوله " تجري بأعيننا " 1) أي ونحن عالمون. ولا يجوز أن يكون تعالى بصفة شئ من الاعراض، لانه قد ثبت حدوث الاعراض أجمع، فلو كان بصفة شئ من الاعراض لكان محدثا، وقد بينا قدمه. ولانه لو كان بصفة شئ من الاعراض لم يخلو من أن يكون بصفة ما يحتاج إلى محل أو بصفة مالا يحتاج إلى المحل كالغناء وارادة القديم تعالى وكراهته فان كان بصفة القسم الاول أدى إلى قدم المحال وقد بينا حدوثها، ولو كان بصفة القسم الثاني لاستحال وجوده وقتين كاستحالة ذلك على هذه الاشياء. وأيضا لو كان بصفة الغناء لاستحال وجود الاجسام معه، وذلك باطل. ولا يجوز عليه تعالى الحلول، لانه لا يخلو أن يكون الحلول واجبا له أو جائزا، ولو كان واجبا لوجب ذلك في الازل، وذلك يوجب وجود ما يحله في الازل، وفي ذلك قدم المحال، وقد بينا فساده. ولو كان وجوده متجددا [ وهو واجب ] 2) لوجب أن يكون له مقتضى، فلا يخلو أن يكون مقتضيه صفته الذاتية أو كونه حيا، ولا يجوز أن تكون صفته الذاتية مقتضية لذلك، لان صفة الذات لا تقتضي صفة اخرى بشرط منفصل، ووجود المحل منفصل. ولو كان كونه حيا مقتضيا لذلك اقتضاه فينا، كما أنه لما اقتضى كونه مدركا اقتضاه فينا، وذلك باطل. وان كان حلوله جائزا احتاج إلى معنى، وذلك المعنى لا بد أن يختص به والاختصاص يكون اما بالحلول أو المجاورة، وكلاهما يقتضيان كونه جوهرا وقد أفسدناه، فبطل بجميع ذلك عليه الحلول. ولا يجوز أن يكون تعالى في جهة من غير أن يكون شاغلا لها، لانه ليس

1) سورة القمر: 14.
2) الزيادة من ر.

[ 41 ]

في الفعل ما يدل على أنه في جهة لا بنفسه ولا بواسطة، وقد بينا أنه لا يجوز وصفه بما يدل عليه الفعل لا بنفسه ولا بواسطة. ولا يجوز عليه تعالى الحاجة، لان الحاجة لا تجوز الا على من يجوز عليه المنافع والمضار، والمنافع والمضار لا يجوزان الا على من تجوز عليه الشهوة والنفار، وهما يستحيلان عليه تعالى. والذي يدل على أنه يستحيل عليه الشهوة والنفار أنه ليس في الفعل لا بنفسه ولا بواسطة ما يدل على كونه مشتهيا ونافرا وقد بينا أنه لا يجوز اثباته على صفة لا يقتضيها الفعل لا بنفسه ولا بواسطة. وأيضا فالشهوة والنفار لا يجوزان الا على الاجسام، لان الشهوة تجوز على من إذا ادرك المشتهي صلح عليه جسمه [ وإذا أدرك ما ينفر عنه فسد عليه جسمه ] 1)، وهما يقتضيان كون من وجدا فيه جسما، وقد بينا أنه ليس بجسم فيجب إذا نفي الشهوة والنفار عنه. وإذا انتفيا عنه انتفت عنه المنافع والمضار، وإذا انتفيا عنه انتفت عنه الحاجة ووجب كونه غنيا، لان الغني هو الحي الذي ليس بمحتاج. ولا يجوز عليه تعالى الرؤية بالبصر، لان من شرط صحة الرؤية أن يكون المرئي نفسه أو محله مقابلا للرائي بحاسة أو في حكم المقابل، والمقابلة يستحيل عليه لانه ليس بجسم، ومقابلة محله أيضا يستحيل عليه لانه ليس بعرض على ما بيناه. ولانه لو كان مرئيا لرأيناه مع صحة حواسنا وارتفاع الموانع المعقولة ووجوده، لان المرئي إذا وجد وارتفعت الموانع المعقولة وجب أن نراه، وانما لا نراه اما لبعد مفرط أو قرب مفرط أو لحائل بيننا وبينه أو للطافة أو صغر، وكل ذلك لا يجوز عليه تعالى لانه من صفات الاجسام والجواهر.

1) الزيادة ليست في ر.

[ 42 ]

وبمثل ذلك بعينه يعلم انه لا يدرك بشئ من الحواس الباقية، فلا وجه للتطويل بذكره. والحاسة السادسة غير معقولة، ولو كانت معقولة لكان حكمها حكم هذه الحواس مع اختلافها واتفاقها في هذا الحكم. وأيضا قوله تعالى " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار " 1) دليل على استحالة رؤيته، لانه تمدح بنفي الادراك عن نفسه، وكل تمدح تعلق بنفي فاثباته لا يكون الا نقصا، كقوله " لا تأخذه سنة ولا نوم " 2) وقوله تعالى " ما اتخذ الله من ولد " 3) وقوله تعالى " ولم تكن له صاحبة ولا ولدا " 4) وقوله تعالى " لا يظلم الناس شيئا " 5) وغير ذلك مما تعلق المدح بالنفي، فكان اثباته نقصا. والاية فيها مدح بلا خلاف وان اختلفوا في جهة المدح، والادراك في الاية بمعنى الرؤية، لانه نفى عن نفسه ما أثبته لنفسه بقوله " وهو يدرك الابصار " 6) وقوله " وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة " 7) لا يعارض هذه الاية، لان النظر المذكور في الاية معناه الانتظار، فكأنه قال: لثواب ربها منتظرة. ومثله قوله " واني مرسلة إليهم بهدية فناظرة " 8) أي منتظرة. وليس النظر بمعنى الرؤية في شئ من كلام العرب، ألا ترى انهم يقولون

1) سورة الانعام: 103.
2) سورة البقرة: 255.
3) سورة المؤمنون: 91.
4) سورة الانعام: 101.
5) سورة يونس: 44.
6) سورة الانعام: 103.
7) سورة القيامة: 22 23.
8) سورة النمل: 35.

[ 43 ]

" نظرت إلى الهلال فلم أره "، فيثبتون النظر وينفون الرؤية، ولو كان معناه الرؤية لكان ذلك مناقضة، ويقولون " ما زالت أنظر إليه حتى رأيته " ولا يقولون " ما زلت أراه حتى رأيته ". ولو سلم أن النظر بمعنى الرؤية لجاز أن يكون معناه: إلى ثواب ربها رائية، وثواب الله يصح رؤيته. ويحتمل أن يكون " إلى " في الاية واحد الالاء، لانه يقال الي والئ والئ والئ والى، وانما لم ينون لمكان الاضافة، فيكون " إلى " في الاية اسما لا حرفا، فيسقط بذلك شبهة المخالف. وقول موسى عليه السلام " رب أرني أنظر اليك " 1) يحتمل أن يكون سأل الرؤية لقومه على ما حكاه الله عزوجل في قوله " فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة " 2)، فسأل الله تعالى ذلك ليرد الجواب من جهته فيكون أبلغ. ويحتمل أن يكون سأل العلم الضروري الذي تزول معه الخواطر والشبهات أو اظهار آية من آيات الساعة التي يحصل عندها العلم الذي لا شك فيه، وللانبياء أن يسألوا تخفيف البلوى في التكليف، كما سأل ابراهيم عليه السلام فقال: " رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " 3) وكل ذلك لا ينافي الاية التي ذكرناها.

1) سورة الاعراف: 143.
2) سورة البقرة: 55.
3) سورة البقرة: 260.

[ 44 ]

فصل (في أنه تعالى واحد لا ثانى له في القدم) لو كان مع الله تعالى قديم ثان لوجب أن يكون مشاركا له في جميع صفاته، لمشاركته له في القدم التي هي صفة ذاته التي باين بها جميع الموجودات لان جميع أوصافه - من كونه عالما وقادرا وحيا وموجودا ومريدا وكارها ومدركا - [ يشاركه غيره من المحدثات قديما ولا يشاركه في القدم، فبان أنه يكون قديما ] 1) يخالف المحدثات. والشئ انما يخالف غيره بصفته الذاتية وبها يتماثل ما تماثله، كما أن ما شارك السواد في كونه سوادا ويخالف غير السواد من أن السواد يخالف البياض 2) والحموضة وغيرهما أيضا بكونه سوادا [ ويشارك سوادا آخر بكونه سوادا ] 3)، فعلم بذلك أن الاشتراك في صفة الذات يوجب التماثل، وكان يجب من ذلك مشاركة القديمين في كونهما قادرين عالمين حيين وفي جميع صفاتهما. ثم لا يخلو أن يكون مقدورهما واحدا أو متغايرا، فان كان واحدا جاز أن يدعو أحدهما الداعي إلى ايجاد مقدوره والثاني يصرفه عن ايجاده، فيؤدي ذلك إلى وجوب وجوده، لدعاء من دعاه الداعي إلى ايجاده ووجوب انتفائه لصارف من صرفه عن ايجاده، وذلك محال. فان كان مقدورهما متغايرا لم يمتنع أن يدعو أحدهما الداعي إلى ايجاد

1) الزيادة ليست في ر.
2) في ج " ويخالف السواد من البياض ".
3) الزيادة من ر.

[ 45 ]

فعل ويدعو الثاني بصرفه عن ايجاده ووجوب صارف صرفه عن ايجاده، وذلك محال. [ وان كان مقدورهما متغايرا لم يمتنع أن يدعو أحدهما الداعي إلى ايجاد فعل ويدعو الاخر إلى ايجاد ضده ] 1). ثم لا يخلو أن يوجدا أو لا يوجدا أو يوجد أحدهما، فان وجدا أدى إلى اجتماع الضدين وذلك محال، وان لم يوجدا أدى إلى ارتفاع الفعل عنهما لا لوجه منع معقول، وان وقع أحدهما أدى إلى ارتفاع الفعل عن أحدهما لا لمنع معقول. لانه لا يمكن أن يقال أن أحدهما أكبر مقدورا، لان كل واحد منهما يجب أن يكون مقدوراته غير متناهية. فإذا ثبت ذلك بطل اثبات قديمين، وإذا بطل وجود قديمين بطل قول الثنوية القائلين بالنور والظلمة، وبطل قول المجوس القائلين بالله والشيطان وبطل قول النصارى القائلين بالتثليث. على أن قول الثنوية يبطل من حيث دللنا على حدوث الاجسام، والنور والظلمة جسمان، ولانهما أثبتوهما من حيث اعتقدوا أن الخير يضاد الشر، ولا يجوز أن يصدرا من فاعل واحد. وذلك باطل، من حيث ان الخير من جنس الشر، لان أخذ مال الغير غصبا هو ظلم وشر وأخذه قضاءا لدين حسن وعدل وهما من جنس واحد، ولطمة اليتيم ظلما شر ولطمته تأديبا حسن، ولو كانا ضدين لجاز أن يصدرا من فاعل واحد، لان القادر يقدر على الشئ وعلى جنس ضده، وهذا بعينه هو شبهة المجوس، والكلام عليهم واحد. على أن قولهم أجمع يبطل المدح والذم، لان المطبوع لا يستحق مدحا ولا ذما، كالنار في الاحراق والثلج في التبريد. ويؤدي إلى قبح الاعتذار لان الاعتذار حسن لا يقع عندهم من الظلمة وما يعتذر منه قبيح لا يقع عندهم

1) الزيادة ليست في ر.

[ 46 ]

من النور، فيكون الاعتذار من غير فاعل الاساءة، وذلك قبيح في العقول. وأما النصارى فمن خالف منهم في نبوة نبينا فالكلام معهم في النبوة سيجئ، ومن قال بقول النصارى من القول بالتثليث والاتحاد والنبوة فقولهم باطل، لان قولهم ثلاثة أقانيم جوهر واحد متناقض، لان في اثباته واحدا نفيا لما زاد عليه وفي اثبات التثليث اثباتا لما نفى بعينه، وذلك محال. وقولهم بالاتحاد وان الثلاثة صارت واحدا محال، وكذلك قولهم صار الناسوت الها والمحدث قديما كل ذلك محال. ولو جاز ذلك لجاز أن يصير الواحد مائة وأن يصير القديم محدثا، وكل ذلك فاسد، فيبطل ما قالوه. وأما قولهم بالبنوة فحقيقة الابن من ولد على فراشه أو خلق من مائه، وكلاهما يستحيلان عليه تعالى، ومجاز ذلك يطلق فيمن يجوز أن يولد على فراشه أو يخلق من مائه. ألا ترى أنهم يقولون " يبنا فلان بفلان " إذا كان أصغر منه، ولا يقولون " يبنا شاب شيخا " ولا " يبنا الانسان بهيمة " لما لم يجز أن يكون مخلوقا من مائه، فمجاز هذه اللفظة يجوز على من يجوز عليه حقيقتها وحقيقتها مستحيل في الله تعالى، فمجازها مثل ذلك. وقولهم " ابن الله " لمشاركته له في المشيئة، يوجب أن يكون الانبياء كلهم أبناء الله، لانهم يوافقونهم في المشيئة وهم لا يقولونه. فبان بذلك فساد هذه المذاهب، وثبت أنه تعالى واحد لا يشاركه أحد في القدم. فأما من عبد الاصنام أو الكواكب فقولهم باطل، لان عبادة من لا يستحقها قبيحة في العقول. والعبادة انما تستحق بأصول النعم التي هي خلق الخلق وجعله حيا وقادرا واكمال عقله وخلق الشهوة فيه التي بها ينتفع وينال الملاذ وخلق المشتهيات وغير ذلك. وكل ذلك لا يقدر عليه غير الله، فيجب أن تقبح عبادته. على أن

[ 47 ]

هذه الاشياء جمادات ومسخرات، وكيف يصح منها فعل ما يستحق به العبادة. وقولهم " ما نعبدهم الا ليقربونا إلى الله زلفى " 1) باطل، لان التقرب إلى الله بالقبائح قبيح في العقول. وليس يجري ذلك مجرى تعظيما للبيت الحرام والحجر وسجودنا إليه، وذلك انا نسجد لله تعالى ونتقرب إليه لا إلى البيت والحجر، وانما تعبدنا الله بذلك ورغبنا فيه. فنظير ذلك أن ثبت بشرع مقطوع به التقرب إلى الله والسجود له بالتوجه إلى هذه الاشياء، والقوم لا يذهبون إليه، فبطل تشبيههم بما قلناه وبان الفرق بينهما. (الكلام في العدل) الغرض بالكلام في العدل الكلام في تنزيه الله تعالى عن فعل القبيح والاخلال بالواجب، فإذا حصل العلم بذلك حصل العلم بالعدل. والطريق الموصل إلى ذلك أن نبين أنه تعالى قادر على القبيح ثم نبين بعد ذلك أنه لا يفعله بعد أن نبين تقدم معنى الفعل وانقسامه ثم نعود إلى الغرض. وحقيقة الفعل ما وجد بعد أن كان معدوما. ولا يخلو الفعل من أن يكون له صفة زائدة على حدوثه أم لا يكون له صفه زائدة، فما ليس له صفة زائدة هو كلام الساهي والنائم وحركات أعضائه التي لا تتعداه، وما له صفة زائدة على حدوثه اما أن يكون حسنا أو قبيحا، فالحسن هو كل فعل إذا فعله العالم به أو المتمكن من العلم به مختارا لا يستحق عليه الذم. وهو على ضربين: أحدهما له صفة زائدة على حسنه، والاخر لا صفة له زائدة على حسنه. فما لا صفة له زائدة على حسنه هو الموصوف بأنه مباح إذا

1) سورة الزمر: 3.

[ 48 ]

علم فعله أو دل عليه، وما له صفة زائدة على حسنه فهو كل فعل يستحق به المدح على بعض الوجوه. وهو على ضربين: أحدهما إذا لم يفعله استحق الذم على بعض الوجوه، والاخر لا يستحق الذم إذا لم يفعله على حال. فالاول موصوف بأنه واجب على ثلاثة أقسام: أحدها واجب مضيق كالصلاة المفروضة وكرد عين الوديعة، والثاني يكون مخيرا فيه كالكفارات الثلاث في اليمين، والثالث من فروض الكفايات إذا قام به بعض سقط عن الباقي كرد السلام والجهاد والصلاة على الاموات. وما هو ندب على ضربين: أحدهما يكون نفعا واصلا إلى الغير فيوصف بأنه انعام واحسان إذا قصد ذلك، والاخر لا يتعداه فلا يوصف بأكثر من أنه ندب. وأمثلة ذلك في أفعالنا وأفعاله قد ذكرناها في شرح الجمل والمقدمة وغير ذلك من كتبنا. والقبيح هو كل فعل إذا وقع من عالم بقبحه أو متمكن من العلم بقبحه استحق عليه الذم على بعض الوجوه. والعلم بقبح القبائح ووجوب الواجبات [ يكون عقليا وشرعيا: فالعقليات كالعلم بقبح الظلم والجهل والكذب العاري من نفع أو ضرر والعبث وغير ذلك، والواجبات ] 1) كالعلم بوجوب رد الوديعة والانصاف وقضاء الدين والعلم بحسن الاحسان وغير ذلك. وأما ما يعلم بالشرع فكلما لا يمكن معرفته بالعقل كالعبادات الشرعية من الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك، وكقبح شرب الخمر والزنا وغير ذلك، فانه لا مجال للعقل في العلم بذلك.

1) الزيادة ليست في ر.

[ 49 ]

والذي يدل على ما قلناه من أن العلم بما تقدم هو العقل دون الشرع، هو أن كل عاقل مفطور العقل يعلم قبح الظلم وقبح الجهل والكذب والعبث، فلو لا أن طريق ذلك العقل لما وجب شمول العلم لجميع العقلاء، ولكان يقف على من علم صحة السمع. وفي علمنا باشتراك جميع العقلاء من موحد وملحد ومقر بالنبوات وجاحد لها في العلم بذلك دليل على أن طريق ذلك العقل. وقولهم " انهم علموا ذلك لمخالطتهم للعقلاء من أهل الشرع " باطل، لانه لو كان كذلك لعلموا قبح كل ما علمه أهل الشرع من قبيح شرب الخمر والزنا وغير ذلك، وفي العلم بالفرق بينهما دليل على فساد ما قالوه. ومتى قالوا: ان العقلاء لا يعلمون ذلك أو يعتقدونه اعتقادا ليس بعلم. لزمهم أن يقولوا لا يعلمون المشاهدات أيضا، لان في الناس من قال طريق ذلك السمع، ولزم عليه قول السوفسطائية وأصحاب العنود في نفيهم العلم بشئ من الاشياء ونسبتهم ذلك كله إلى الظن والحسبان، وذلك باطل بالاتفاق. فأما الذي يدل على أنه تعالى قادر على القبيح، فهو ما ثبت من كونه خالقا لكمال العقل والعلم بالمشاهدات، ومن شأن القادر على الشئ أن يكون قادرا على جنس ضده، فيجب أن يكون قادرا على ضد هذه العلوم من الجهل، والجهل قبيح. وأيضا فالقبيح من جنس الحسن، بدلالة أن قعود الانسان في دار غيره غصبا من جنس قعوده فيها باذن مالكها، وأحدهما قبيح والاخر حسن. والقديم تعالى قادر على الاجناس كلها، ومن كل جنس على ما لا نهاية له، لانه قادر لنفسه على ما مضى، ولا اختصاص له بقدر دون قدر ولا بجنس دون جنس.

[ 50 ]

وأيضا فهو تعالى قادر على تعذيب الكفار بلا خلاف وهو حسن، فإذا أسلم الكافر قبح عقابه ولم يخرج اسلامه اياه تعالى عن كونه قادرا، فبان بذلك أنه قادر على القبيح. فإذا ثبت ذلك فالذي يدل على أنه لا يفعله علمه بقبح القبائح وعلمه بأنه غني عنه، والعالم بقبح القبيح وبأنه غني عنه لا يجوز أن يختاره. ألا ترى أن من خير بين الصدق والكذب في باب الوصول إلى غرضه وهو عالم بقبح الكذب وحسن الصدق لا يجوز أن يختار الكذب على الصدق مع تساويهما في الغرض، ولا علة لذلك الا كونه عالما بقبح الكذب وبأنه غني عنه بالصدق فيجب أن يكون تعالى لا يفعل القبيح لثبوت الامرين. على أنه لو جازت عليه الحاجة لما جاز أن يفعل القبيح، لانه يقدر من جنسه من الحسن على ما لا يتناهى. ألا ترى أن المخير بين الصدق والكذب مع تساوي الغرض قد بينا أنه لا يختار الكذب مع جواز الحاجة إليه، لانه يستغني عنه بالحسن الذي هو الصدق. وكذلك القديم لا قبيح الا وهو يقدر من جنسه من الحسن على ما لا يتناهى، فلا يجوز أن يختاره مع علمه بقبحه. والقديم تعالى لا يريد القبائح على وجه، لانه لا يخلو أن يريده لنفسه أو بارادة قديمة أو محدثة، وقد بينا أنه ليس بمريد لنفسه ولا بارادة قديمة فبطل ذلك. ولو أراده بارادة محدثة لكان هو الفاعل لها، لانه لا يقدر أن يفعل ارادة لا في محل سواه. ولو كان هو الفاعل لها لكان فاعلا للقبيح، لان ارادة القبيح قبيحة، بدلالة أن من علمها ارادة القبيح علم قبحها ومن لم يعلمها كذلك لم يعلم قبحها، وذلك يؤدي إلى أن يكون فاعلا للقبيح، وقد دللنا على أنه لا يجوز أن يكون فاعلا للقبيح على حال. وأيضا فقد ثبت بلا خلاف أنه ناه عن القبيح، وقد بينا أن النهي لا يكون

[ 51 ]

نهيا الا بكراهية المنهي عنه، ولو كان مريدا للقبيح لادى إلى أن يكون مريدا للشئ كارها له، وذلك باطل. وأيضا فلو أراد القبيح لكان محبا له، راضيا به، لان المحبة والرضا هي الارادة إذا وقعت على وجه مخصوص، وأجمعت الامة على خطأ من أطلق ذلك على الله تعالى وقد قال الله تعالى " وما الله يريد ظلما للعباد " 1) و " ما الله يريد ظلما للعالمين " 2) و " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " 3). ومن أعظم العسر الكفر والقبائح المؤدية إلى العقاب، وقد قال الله تعالى " وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون " 4) ومعناه أراد منهم العبادة لان هذه اللام لام الغرض لانها لو كانت لام العاقبة لكان كذبا لوجودنا كثيرا من الجن والانس غير عابدين لله تعالى. وقوله " وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا " إلى قوله " ان أنتم الا تخرصون " 5) واضح في أنه لا يريد القبيح لانه كذب من أضاف ذلك إلى الله، ومن أنه اتباع للظن دون العلم، وآيات القرآن شاهدة بذلك وهي أكثر من أن تحصى. وقوله " ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس " 6) اللام ههنا لام العاقبة

1) سورة غافر: 31.
2) سورة آل عمران: 108.
3) سورة البقرة: 185.
4) سورة الذاريات: 56.
5) سورة النحل: 35.
6) سورة الاعراف: 179

[ 52 ]

كما قال " فالتقطه آل فرعون ليكون عدوا وحزنا " 1) ولم يلتقطوه الا ليكون قرة عين لهم. وقوله " ولو شئنا لاتينا كل نفس هداها " 2) اخبار عن قدرته أنه قادر. على أن يلجئ الخلق إلى الهدى والايمان، لكن لا يفعل ذلك لانه ينافي التكليف وينتقض الغرض به، وجرى ذلك مجرى قوله " ان نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين " 3). وكذلك كل آية يتعلقون بها فالوجه فيها ما قلناه في هذه الاية، نحو قوله " ولو شاء ربك لامن من في الارض كلهم جميعا " 4) وقوله " ولو شاء الله لهدى الناس جميعا " 5) وما يجري مجرى ذلك من الايات، فالوجه فيها ما ذكرناه. فلا نطول بذكرها، وقد بينا الوجه فيها جميعه في تفسير القرآن مستوفى لا يحتمل ذكره ههنا. وقولهم " لو أراد من خلقه الايمان والطاعة وما لا يقع للحقه بذلك وهن وضعف ونقص، لان الملك إذا أراد من رعيته ما لا يقع دل على ضعفه " باطل، لان الامر بخلاف ما قالوه في الشاهد، لان السلطان متى أراد من رعيته ما يعود نفعه عليهم لا عليه فلم يقع أو وقع خلافه لا يلحقه ضعف ولا نقص، وانما يجوز أن يقال ذلك فيما يعود نفعه عليه من نصرته والدفاع عنه مما يستضر بفوته، والقديم تعالى لا يريد الا ما بكون نفعه للخلق دونه تعالى لاستحالة النفع عليه.

1) سورة القصص: 8.
2) سورة السجدة: 13.
3) سورة الشعراء: 4.
4) سورة يونس: 99.
5) سورة الرعد: 31 واول الاية " أن أو يشاء الله ".

[ 53 ]

وكيف يشتبه الحال في ذلك ونحن نعلم أن سلطان الاسلام يكره من اليهودي الزمن المقعد الدخول إلى كنيسة ويريد منه الاسلام والدخول في المساجد ومع ذلك فانما يقع منه دخول الكنيسة دون المسجد، ولا عاقل يقول ان سلطان الاسلام ضعف بذلك. ثم يلزمهم أنه إذا وقع من الكافر خلاف ما أمر الله به أن يلحقه ضعف، لان الشاهد لا يفصل بين الموضعين. ولا خلاف أن الله أمر الكافر بالايمان، ومع هذا فلم يقع ذلك منه، فيجب على أصلهم أن يلحقه ضعف. فبأي شئ فصلوا بين الامرين فهو فصلنا في الارادة. وأيضا فالمعلوم ضرورة أن النبي عليه السلام أراد من الكفار كلهم الايمان ولم يلحقه باستمرارهم على الكفر وهن ولا ضعف ويلزمهم على ذلك أن يكون الله تعالى أمرهم بأن يضعفوه ويوهنوه من حيث أمرهم بما لا يريده منهم على قولهم، وذلك باطل بالاتفاق. وقولهم " لو فعل العبد ما كره الله تعالى لكان قد فعل ما أباه وذلك لا يجوز " باطل، لان الاباء ليس بكراهية، لان الاباء هو المنع والامتناع، ولهذا يتمدحون بأن يقولوا " فلا ن يأبى للضيم " أي يمتنع منه، ولا مدحه في أنه يكره الضيم لان الضعيف أيضا يكرهه. وتعلقهم بأن المسلمين قالوا " ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن " وذلك يمنع من أنه أراد الايمان من الكافر ولم يرد الكفر منه. غير صحيح لان هذا الاطلاق غير مسلم، لان جميع أهل العدل يمتنعون من اطلاقه. ثم ان المسلمين أيضا يقولون " لا مرد لامر الله ولا محيص منه "، وعلى قولهم الكافر قد رد أمر الله، ومتى منعوا من ذلك منعنا مثله وان تأولوا أولنا. ولو سلم ذلك لكان المعنى ما شاء الله من فعل نفسه كان وما لم يشأ من فعل

[ 54 ]

نفسه لم يكن أو ما شاء الله من فعل غيره وألجأ إليه كان. ومتى قالوا لو شاء الله جميع الطاعات لكان القائل إذا حلف أنه يقتضي دينه غدا انشاء الله إذا لم يقضه يحنث، وأجمعوا على خلافه. قيل: في الناس من قال انه يحنث وهو أبو علي ومن قال لا يحنث قال المشيئة دخلت اتفاقا للكلام دون أن تكون شرطا ولاجل ذلك تدخل في الماضي وان كان الشرط لا يدخل في الماضي. فان قيل: هل أفعال العباد بقضاء الله وقدره أم لا؟ قلنا: القضاء في اللغة على أربعة أقسام: أحدها: بمعنى الخلق والاحداث، " فقضاهن سبع سماوات في يومين " 1) أي خلقهن وأحدثهن. والثاني: أن يكون بمعنى الحكم، كقوله " الله يقضي بالحق " 2) ومنه اشتقاق القاضي. والثالث: بمعنى الامر والالزام، كقوله " وقضى ربك ألا تعبدوا الا اياه " 3) أي أمر وألزم. والرابع: بمعنى الاعلام والاخبار، كقوله " وقضينا إلى بني اسرائيل " 4) أي أعلمناهم وأخبرناهم 5). ولا يجوز أن يكون قضى أفعال العباد بمعنى أحدثها، لان فعل العبد لا

1) سورة فصلت: 12.
2) سورة غافر: 20.
3) سورة الاسراء: 23.
4) سورة الاسراء: 4.
5) أصل الكلمة بمعنى احكام الامر واتقانه وانفاذه لجهته، والمعاني التي ذكرها المؤلف تعود إلى ما ذكر انظر معجم مقاييس اللغة 5 / 99.

[ 55 ]

يخلو أن يكون قبيحا أو حسنا، فما هو قبيح لا يجوز أن يكون فعلا له، لانا قد بينا أنه لا يفعل القبيح، وما هو حسن لا يجوز أيضا أن يفعله لانه فعلنا، والفعل الواحد لا يكون من فاعلين على ما نبينه. ولا يجوز أن يكون قضاء أفعالهم بمعنى حكم أو أمر وألزم، لان أحدا من الامة لا يقول ان الله ألزمنا فعل المعاصي أو حكم علينا بأن نفعلها. وأما القضاء بمعنى الاعلام والاخبار فانه يجوز أن يقال على ضرب من التقييد، لان الله تعالى أخبر وأعلم مالنا في فعل الطاعة من الثواب وما علينا بفعل المعاصي من العقاب، فجاز أن يضاف إلى الله تعالى القضاء على هذا الوجه. وأيضا فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: يقول الله تعالى: " من لم يرض بقضائي ولم يشكر نعمائي ولم يصبر على بلائي فليتخذ ربا سواي " فلو كانت المعاصي بقضاء الله واحداثة لوجب الرضا بها، وذلك خلاف الاجماع. والقول في القدر على مثل ذلك، لان القدر يستعمل بمعنى الاحداث والخلق كما قال " وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين " 1) فعلى هذا لا يجوز أن تكون المعاصي بقدر الله، لمثل ما قلناه في القضاء. وقد يستعمل بمعنى التقدير كما قال تعالى " فقدرنا فنعم القادرون " 2) فعلى هذا يجوز أن يقال: أفعالنا بقدر الله، بمعنى أنه قدر ما علينا من الثواب أو العقاب، فينبغي أن يقيد القول في ذلك ولا يطلق به. فان قيل: مضى في الكلام أن الواحد منا محدث لافعاله وموجد لها، فما

1) سورة فصلت: 10.
2) سورة المرسلات: 23.

[ 56 ]

الذي يدل على ذلك. قلنا: الدليل على ذلك وجوب وقوعها بحسب دواعينا وأحوالنا وانتفائها بحسب صوارفنا وكراهتنا، فلو لا أنها فعلنا لما وجب ذلك كما لا يجب ذلك في طولنا وقصرنا وخلقنا وهيأتنا، ولا تجب أيضا في أفعال غيرنا لما لم تكن متعلقة بنا. وانما قلنا بوجوب وقوعها بحسب دواعينا وأحوالنا لان الواحد منا متى دعاه الداعي إلى القيام أو القعود ولا صارف له عن ذلك ولا مانع، فانه لا بد أن يقع ما دعاه الداعي إليه، وليس كذلك ما لا تعلق له به كطوله وقصره. ولا فرق بينهما الا أنها محدثة بنا ومتعلقة بجهتنا. ومتى قيل ان ذلك بالعادة، كان ذلك باطلا بالوجوب الذي اعتبرناه، لان ما يستند إلى العادة لا يجب وقوعه على كل حال. ويلزم على ذلك أن يكون انتفاء السواد بالبياض وحاجة العلم إلى الحياة وما جرى مجراه من الواجبات كله بالعادة، وذلك باطل بالاتفاق. على أن تعلق الفعل بالفاعل لا بد أن يكون معقولا قبل اسناده إلى فاعل معين، ولا يعقل في تعلقه بالفاعل آكد من وجوب تعلقه بدواعيه وأحواله، وهذا حاصل معنى، فينبغي أن يكون كافيا في تعلقه بنا وهو في غيرنا مجوز، ولا يترك المعلوم إلى المجوز على ذلك. ومتى قيل ان أفعالنا تحتاج الينا في كونها كسبا دون الحدوث. قلنا ذلك باطل، لان الذي يتجدد عند دواعينا وأحوالنا هو الحدوث لا غير دون شئ من صفاته، فينبغي أن يكون هو من جهة الحاجة دون غيره هو الذي يتجدد عند وجود الحركة كونه متحركا، وكان كونه متحركا هو المحوج إلى الحركة دون غيره والكسب الذي يدعونه غير معقول، فكيف تعلق الحاجة به ويترك الحدوث

[ 57 ]

الذي هو أمر معقول معلوم، والكسب ليس بمعقول ولا معلوم. فان قيل: كيف لا يكون معقولا والانسان يفصل بين أن يمشي مختارا وبين أن يسحب على وجهه. قلنا: الفرق يرجع إلى ما قلناه من أن مشيه مختارا متعلق به وبايثاره، وإذا سحب على وجهه كانت الحركة فيه ضرورية فلذلك فرق بينهما. فان قيل: يتجدد عند دواعينا صفات من حسن وقبح وحلول في محل وكونه غرضا وغير ذلك، فلم قلتم ان الذي يتعلق بنا الحدوث دون شئ من ذلك؟ قلنا: أما الحسن والقبح فقد يخلو كثير من الافعال منهما، نحو كلام الساهي والنائم وحركة أعضائه التي لا يتعداه وحلوله في المحل ليس له به صفة، وانما يفيد أنه من قبيل ما لا يجب بقاؤه كبقاء المحل. ثم كثير من الافعال يخلو من محل كالجوهر والغناء وارادة القديم وكراهته ولا يخلو فعل من حدوث فينبغي أن يكون جهة الحاجة الامر الشائع في سائر الافعال وسائر القادرين. واستقصاء ما يورد على هذا الدليل وشعبه قد استوفيناه في شرح الجمل، وفيما ذكرناه كفاية انشاء الله. وانما قلنا: انما هو مقدور لنا لا يجوز أن يكون مقدورا له لان ذلك يؤدي إلى كونه موجودا معدوما، لانا لو فرضنا أن الواحد منا دعته الدواعي إلى ايجاده وجب حدوثه من جهته وإذا لم يرده الله تعالى يجب أن لا يوجد، مجتمع في فعل واحد وجوب حدوثه ووجوب انتفائه، وذلك محال فوجب بطلانه على كل حال. ومما يدل أيضا على أن الواحد منا محدث لافعاله، أنه يحسن مدحنا على بعض الافعال وذمنا على بعض، لان من فعل الطاعة يحسن مدحه ومن فعل

[ 58 ]

الظلم يحسن ذمه، ولا يحسن مدحه ولا ذمه على طوله وقصره وحسنه وقبحه، وانما كان كذلك لان الاول متعلق بنا والثاني غير متعلق بنا لا بشئ سواه. وأيضا فانه يحسن ان يأمر بعضنا بالقيام والقعود وينهاه عنه ولا يحسن أن يأمره. بالطول والقصر ولا ينهاه عنهما، وانما كان كذلك لان الاول مقدور له فحسن امره والثاني غير مقدور له فلم يحسن أمره به ولا نهيه عنه. فبان بجميع ذلك أن الواحد فاعل، والقرآن يؤكد ذلك، لانه قال " جزاءا بما كانوا يعملون " 1) و " جزاءا بما كانوا يكسبون " 2) و " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " 3) وقال " ومن يعمل سوءا يجز به " 4) و " من يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا " 5) وغير ذلك من الايات التي أضاف الفعل فيها الينا، [ فمن نفا الفعل عنا فقد خالف العقول والقرآن. ومتى قيل: اضافه الينا ] 6) من حيث كان كسبا لنا قلنا: ان الكسب ليس بمعقول، فلا يجوز له أن يعول عليه. على أن عندهم ان المتولد لا كسب للعبد فيه [ عندهم، والظلم لا كسب للعبد ] 6) فيه لانه متعد عن محل قدرته لانه يوجد في المظلوم، وعندهم انما تعدى محل القدرة عليه لا كسب للعبد فيه فكيف يمكنهم حمل الاية عليه. ومتى قالوا: ان الكسب الذي هو الظالم في الظلم كالقتل الذي ليس بمستحق عليه والضرب الذي ليس بمستحق عليه وانه في القاتل والضارب دون

1) سورة الاحقاف: 14.
2) سورة التوبة: 82.
3) سورة الزلزلة: 7 8.
4) سورة النساء: 123.
5) سورة الفرقان: 19.
6) الزيادة ليست في ر.

[ 59 ]

المقتول والمضروب. كان ذلك مكابرة للعقول، ويلزم على ذلك أن يكون البناء في الباني دون المبني والنساجة في الناسج دون الثوب المنسوج، وذلك تجاهل من بلغ إليه لا يحسن كلامه. وقوله " والله خلقكم وما تعملون " 1) المراد به الاجسام، لان الذي كانوا يعبدون الاصنام دون أفعالهم فيها، فعنفهم الله تعالى بأن قال: " أتعبدون ما تنحتون " من الاجسام " والله خلقكم وما تعملون " [ من الاجسام التي تنحتون منها الاصنام، وتقدير الكلام وما يعملون ] 2) فيه. على أنه يضاف المعمول فيه إلى أنه عمل الصانع، فيقال هذا الباب عمل النجار وهذا البناء عمل الباني وهذا الخاتم عمل فلان، فيضيفون المعمول فيه إلى العامل، وذلك مجاز. فهذا القدر الذي ذكرناه فيه كفاية واستيفاؤه مذكور في الموضع الذي ذكرناه. فصل (في ذكر الكلام في الاستطاعة وبيان أحكامها) الواحد منا قادر على الفعل، بدلالة صحة الفعل منه وتعذره على غيره من الاحياء مع مساواتهما في جميع الصفات، ولا بد من أن يكون من صح منه الفعل مفارقا لمن تعذر عليه 3)، وهذه المفارقة تستند إلى جملة الحي دون أجزائها لان صحة الفعل راجع إليها. فبطل بذلك قول من قال: ان ذلك يرجع إلى الصحة أو الطبع أو اعتدال

1) سورة الصافات: 96.
2) الزيادة ليست في ر.
3) في ر " لمن قدر عليه ".

[ 60 ]

الامزجة على اختلاف أقوالهم. لان جميع ذلك يرجع إلى المحل دون الجملة. وهذه الصفة تستند إلى معنى، لانها تتجدد مع جواز أن لا تتجدد مع تساوي الاحوال والشروط، وبهذه الطريقة أثبتنا المعاني، فيجب من ذلك أن يكون الواحد منا قادرا بقدرة وهذه القدرة تتعلق بالشئ وبمثله وبخلافه وبضده، بدلالة أن الواحد منا متى كان قادرا صح أن يتصرف في جميع ذلك. ألا ترى أن من قدر على أن يتحرك يمنه قدر أن يتحرك يسرة، والحركة في الجهتين متضادين، وكذلك من قدر على الحركة قدر على الاعتماد والصوت والتأليف وهذه الاشياء مختلفة، وكذلك من قدر على الاعتقادات قدر على سائر أجناسها وقدر على الارادة والكراهة وهذه الاشياء مختلفة ومتضادة. فدل ذلك على أن القدرة تتعلق بالشئ وبمثله وبخلافه وضده إذا كان له ضد. وأيضا لو لم تتعلق القدرة بالشئ وبضده وبخلافه لم يقع الفعل بحسب دواعيه وأحواله، بل كان يجب أن يقع بحسب ما يوجد فيه من القدرة، فكان لا يمتنع أن من يدعوه الداعي إلى القيام يقع منه القعود ومن دعاه الداعي إلى الحركة وقع منه الاعتماد، والمعلوم خلاف ذلك. والقدرة ليست موجبة للفعل بل يختار الفاعل بها الفعل، بدلالة أن مقدور القدرة تابع لدواعيه واختياره، فلو كانت موجبة لبطل ذلك. والقدرة قبل الفعل دون أن تكون مصاحبة له، بدلالة أن القدرة يحتاج إليها ليخرج بها الفعل من العدم إلى الوجود، فلو وجد مقدورها لاستغنى عنها. وأيضا فالفعل في حال البقاء يستغني عن القدرة بلا شك، ولا علة لذلك الا وجوده، فينبغي أن يستغني عنها في أول حال وجوده أيضا. وأيضا فقد دللنا على أن القدرة قدرة على الضدين وذلك محال، فإذا ثبت

[ 61 ]

ذلك فالقادر على الكفر قادر على الايمان والقادر على الطاعة قادر على المعصية وانما يختار أحدهما فان اختار الكفر فبسوء اختياره، ولو كان الكافر غير قادر 1) على الايمان لما حسن تكليفه بالايمان، لان تكليف ما لا يطاق قبيح وأجمعت الامة على أنه مكلف بالايمان. وانما قلنا ان تكليف ما لا يطاق قبيح، لانه مركوز في العقل قبح تكليف الاعمى نقط المصاحف والمقعد العدو والعاجز حمل الاجسام الثقال ونقلها والعلم بقبح ذلك ضروري لاجتماع العقلاء على ذلك، ولا علة لذلك الا أنه تكليف بما لا يطاق. ومن ارتكب حسن ذلك لم يحسن منا مكالمته، وانما ينبه على غلطه بضرب الامثال كما تضرب الامثال السوفسطائية واصحاب العنود الذين دفعوا العلم بالمشاهدات والضروريات، والا فالاحتياج لا يمكن معهم لان الاحتجاج انما يصح فيما يغمض ليرد إلى ما يتضح، فمن دفع الضروريات لا يمكن احتجاجه بالرد إلى ما هو أوضح منه، لانه لا شئ أوضح من الضروريات فمن دفعها سد الباب على نفسه. والمراد بقولنا " تكليف ما لا يطاق " هو كلما يتعذر معه الفعل سواء كان ذلك لعدم القدرة أو عدم الالة، فان الكل يتساوى في قبح التكليف وان اختلفت. فصل (في الكلام في التكليف وجمل من احكامه) التكليف عبارة عن ارادة المريد من غيره ما فيه كلفة ومشقة، ويقال في الامر بما فيه كلفة ومشقة انه تكليف من حيث كان الامر لا يكون امرا الا بارادة

1) في ر " قادرا ".

[ 62 ]

المأمور به والرتبة معتبرة في التكليف كاعتبارها في الامر. يدل على ذلك أن من أراد من الغير ما يلحقه فيه مشقة سمى مكلفا له، ومتى أراد من الغير ما لا يلحقه فيه مشقة لم يسم " بذلك، ولذلك لم يكن الواحد منا إذا أراد من الله تعالى الفعل مكلفا له وإذا أراد الله تعالى منا الفعل الذي فيه مشقة كان مكلفا سواء كان ذلك الفعل واجبا أو ندبا. واعلام المكلف وجوب الفعل أو حسنه أو دلالته عليه شرط في حسن التكليف من الله، لانه من جملة ازاحة العلة فيما كلفه. وليس نفس الاعلام هو التكليف، ولهذا كان مكلفا له وان لم يكن معلما له 1). وانما لم يسم الواحد منا إذا أراد من الغير الصوم أو الصلاة مكلفا له، لانه سبق في ذلك تكليف الله وارادته، فلذلك لم يسموه بذلك. فإذا ثبت حقيقة التكليف فيحتاج في العلم بحسنه إلى معرفة أشياء: أولها صفات التكليف، وثانيها صفات المكلف، وثالثها صفات الفعل الذي يتناوله التكليف، ورابعها ما الغرض بالتكليف. ونحن نبين جميع ذلك على أخصر الوجوه، وقبل ذلك نبين أولا ما وجه الحسن في ابتداء الخلق، وبيان ذلك أن نقول: لا يخلو أن يكون في ابتداء الخلق غرض أو لا غرض فيه، فان كان لا غرض فيه فهو عبث، وذلك قبيح لا يجوز عليه تعالى. وان كان فيه غرض لا يخلو أن يكون فيه غرض قبيح أو حسن، فالقبيح هو أن يقصد بخلق الخلق الاضرار بهم، وذلك قبيح لا يجوز على الحكيم، والغرض الحسن لا يكون الا بحصول النفع فيه. وذلك النفع لا يخلو أن يكون راجعا إليه تعالى أو إلى غيره، فما يرجع إليه تعالى مستحيل لاستحالة النفع عليه، وما يرجع إلى الغير هو وجه

1) في ر " وان لم يعلما له ".

[ 63 ]

الحسن في ابتداء الخلق، سواء كان ذلك النفع راجعا إلى نفس المخلوق أو إلى غيره أو اليهما، فان جميع ذلك وجه الحسن إذا تعرى من وجوه القبح. فإذا ثبت ذلك فالمكلف منفوع بالتفضيل ومنفوع بالثواب، وان كان المعلوم أنه يؤلم لمصلحته أو مصلحة غيره فهو منفوع أيضا بالعوض، فتجتمع فيه الوجوه الثلاثة، وغير ذلك المكلف منفوع بالتفضيل قطعا وبالعوض ان كان في ايلامه مصلحة لغيره من المكلفين. وإذا كان وجه الحسن الخلق ما فيه من النفع فينبغي أن يكون أول ما يخلقه الله تعالى حيا، لان النفع لا يصح الا على الحي، ولا بد أن يخلق فيه شهوة لمدرك يدركه فيلتذ به سواء كان هو أو غيره. ويجوز أن يبتدئ الله تعالى بخلق الجماد إذا علم أنه يخلق فيما بعد حيا مكلفا يكون من لطفه اختياره خلق جماد قبله، فان لم يكن ذلك معلوما لم يحسن الابتداء بخلق الجماد. ونحن نعود إلى ما وعدنا به من اعتبار شرائط حسن التكليف. أما صفات المكلف تعالى فيجب أن يكون حكيما مأمونا منه فعل القبيح والاخلال بالواجب ليعلم انتفاء وجه القبح عن هذا التكليف، وقد مضى بيان ذلك في باب العدل. ويجب أن يكون قادرا على الثواب الذي عرض بالتكليف له وعالما بمبلغه، وقد بينا حين بينا أنه قادر لنفسه وعالم لنفسه. ولا بد أن يكون له غرض في التكليف، ويستدل على ذلك فيما بعد. ويجب أن يكون منعما بما يجب له به العبادة، والعبادة لا تستحق الا بأصول النعم من خلق الحياة والشهوة والبقاء والقدرة وكمال العقل وخلق المشتهي وغير ذلك مما لا يدخل نعمة كل منعم في كونها نعمة الا بعد تقدمها،

[ 64 ]

ولذلك لا يستحق بعضنا على بعض العبادة وان استحق عليه الشكر، لانه لا يقدر على ما هو أصول النعم ويختص الله تعالى بالقدرة على ذلك فلذلك اختص تعالى بالعبادة. ويجب أيضا أن يكون عالما بتكامل شرائط التكليف في المكلف من اقداره وسائر ضروب التمكين. فإذا ثبت ذلك فالوجه في حسن التكليف أنه تعريض لمنزلة عظيمة لا يمكن الوصول إليها الا بالتكليف، والتعريض للشئ في حكم ايصاله. فعلى هذا إذا كان التكليف تعريضا للبيع للشئ يجب أن يكون نفعا، لان من حسن منه التوصل إلى نفع حسن من الغير أن يعرضه له. ومعنى التعريض تصيير المعرض بحيث يتمكن من الوصول إلى ما عرض له [ مع ارادة المعرض للفعل الذي عرضه له ] 1) وعرض للمستحق عليه أو التوصل به إليه. ألا ترى أن الانسان انما يكون معرضا لولده للعلم إذا مكنه من التعلم وأزاح علته فيه وأراد منه التعلم، ومتى لم يرد منه ذلك أو لم يزح علته فيه لا يكون معرضا له. ومن شرط المعرض أن يكون عالما أو ظانا بوصول المعرض إلى ما عرضه له متى فعل ما وصله إليه. ألا ترى أن الواحد منا لو عرض ولده للتجارة وأمره بالسفر وغلب في ظنه أنه متى فعل جميع ما رسمه لا يحصل له شئ من الربح لا يكون الوالد معرضا له، فعلى هذا القديم تعالى عالم بأن المكلف متى فعل ما كلفه أنه يثيبه ويوصله إلى مستحقه. واعتبرنا الارادة لان بها يختص بما عرض له دون ما لم يعرض له، والتمكين والاقدار يصلح للامرين. ألا ترى أن من أعطى سيفا لغيره ليجاهد به انما يكون

1) الزيادة ليست في ر.

[ 65 ]

معرضا له بأن يقتل به كافرا دون مؤمن إذا أراد قتل الكافر دون المؤمن، والا فالسيف يصلح للامرين. فعلى هذا إذا أقدر القديم تعالى المكلف ومكنه وخلق فيه الشهوة ويمكنه أن ينال بها المشتهي كما يمكنه أن يختلقه على وجه يشق عليه، فانما يتخصص بأحد الوجهين دون الاخر بالارادة. وانما قلنا في التكليف انه تعريض للثواب لانه لا يخلو أن يكون فيه غرض أو لا غرض فيه، فان لم يكن فيه غرض كان عبثا وذلك لا يجوز عليه تعالى، وان كان فيه غرض لم يخل أن يكون الغرض نفعه أو مضرته، ولا يجوز أن يكون الغرض مضرته لان ذلك قبيح، فلم يبق الا أن يكون غرضه نفعه. وينبغي أن يكون ذلك النفع مما يستحق بالتكليف، ولا يمكن الوصول إليه الا بالافعال التي يتناولها التكليف، لان الابتداء بالثواب لا يحسن لانه يقارنه تعظيم وتبخيل، والمعلوم ضرورة قبح ذلك بمن لا يستحقه، ولا يمكن استحقاق الثواب الا بما تناوله التكليف من واجب أو ندب. فعلى هذا متى حسن التكليف وجب، لان المكلف متى تكاملت شروط تكليفه في وجوه جميع التمكين وجعل الفعل شاقا عليه وكان متردد الدواعي وزال عنه الالجاء وجب تكليفه، ومتى نقص بعض هذه الشروط قبح تكليفه، لانه لو لم يكلفه لكان اما مغريا بالقبيح أو عابثا، وكلاهما لا يجوزان عليه. يبين ذلك انه إذا كان تعالى قادرا على اغنائه بالحسن عن القبيح فلم يفعل وأحوجه بالشهوات المخلوقة فيه والتخلية بينه وبينه فان لم يكن له غرض كان [ عابثا وان كان فيه غرض ] 1) فلا غرض فيه الا التكليف، وان يكون ملزما له بحسب المشتهى وان شق عليه ذلك للمنفعة العظيمة بالثواب، وان لم يكن ذلك فالاغراء بتقوية

1) الزيادة ليست في ر.

[ 66 ]

الدواعي إلى نيله حاصل. ولا يلزم أن تكون البهائم مغراة بالقبح، لان ذلك معتبر فيمن يتصور العواقب وذلك منتف عن البهائم. وأما الفعل الذي يتناوله التكليف فلابد أن يصح ايجاده من المكلف على الوجه الذي كلفه، لان ذلك يمكن لا يحسن التكليف من دونه. ومن شروطه تقوية دواعيه بفعل اللطف مما لا ينافي التكليف، ولا بد أن يكون ما تناوله التكليف مما يستحق به المدح والثواب، لان وجه حسن التكليف إذا كان هو التعريض للثواب لم يجز أن يتناول الا ما يستحق به الثواب، وما يستحق به الثواب هو اما واجب أو ندب فلا يخرج التكليف عنهما. والمباح لا مدخل له في ذلك، لانه لا يستحق به مدح ولا ثواب، وانما حسن التكليف الندب من حيث كان الندب مستهلا للواجب ومقويا له، فلا يصح أن يقتصر بالمكلف على تكليفه، لانه تابع لا يستقل بنفسه. فأما الكلام في صفات المكلف فانه فرع على العلم من المكلف، لان الكلام في صفة الذات فرع على العلم بالذات. فإذا ثبت ذلك فالمكلف هو الحي، لان من ليس بحي لا يحسن تكليفه. ويسمى الحي " انسانا " وفي الملائكة والجن بأسماء أخر، والفلاسفة تسميه " نفسا ". والحي هو هذه الجملة المشاهدة دون أبعاضها، وبها يتعلق جميع الاحكام من الامر والنهي والمدح والذم. وقال معمر وأبناء نوبخت وشيخنا أبو عبد الله: الحي هو غير هذه الجملة وهو ذات ليس بجوهر ولا عرض ولا حال في هذه الجملة. وقال ابن الراوندي وهشام الفوطي: هو جوهر في القلب. وقال الاسواري: هو ما في القلب من الروح.

[ 67 ]

وقال النظام: هو الروح، وهو الحياة الداخلة لهذه الجملة. وقال ابن الاخشيذ: هو جسم رقيق منساب في هذه الجملة. والذي يدل على صحة ما ذكرناه أولا ان الاحكام الراجعة إلى الحي تظهر في هذه الجملة من المدح والذم والنهي وغير ذلك. وأيضا فان الادراك يقع بأعضائها والتألم والتلذذ للادراك، ولو أنها هي الجهة لما وقع الادراك بأبعاضها. وأيضا الفعل المبتدأ يظهر في أطرافنا كحركة أيدينا وأرجلنا وغير ذلك، فلابد من اسناد ذلك إليها أو إلى ماله به تعلق معقول، فإذا أفسدنا جميع ما ادعي من وجوه التعلق لم يبق الا ما ذكرناه. ولا يجوز أن يكون الفاعل في هذه الجملة غيرها، لانه لو كان كذلك لاقتضى أن يخترع الافعال في هذه الجملة، لان القدرة قائمة بذلك الغير على هذا القول. وهذا باطل بما يعلم ضرورة من أن أحدنا إذا تعذر عليه حمل شئ باحدى يديه إذا استعان باليد الاخرى تأتى ذلك أو يسهل، ولا وجه لهذا الحكم المعلوم مع القول بالاختراع، وانما يصح ذلك على قول من يقول القدر في اليد اليمنى مقدار لا يتأتى بها حمل الثقيل، فإذا انضاف إليها القدر الذي في الشمال تأتي ذلك أو سهل، وان الفعل لا يصح الا باستعمال محل القدرة. وبمثل ذلك يبطل قول من قال انه جزء في القلب، لان اليدين على هذا القول ليسا بمحلين للقدرة اصلا، لانها تحل الجزء الذي في القلب. وأيضا فلو كان الفعل يفعل في هذه الجملة اختراعا لم يكن بعض الجملة بذلك أولى من بعض، وكان يجب أن يصح أن يفعل فيها كلها لفقد الاختصاص المعقول. ومما يدل أيضا على أن الفعال هذه الجملة أن الادراك يقع بكل عضو منها، فلو لم يكن في الاعضاء حياة لما أدرك بها كما لا يدرك بالشعر والظفر.

[ 68 ]

فأما من قال الانسان هو الروح، فليس يخلو أن يريد بالروح الحياة التي هي وغرض أو يريد به الهواء المتردد، والاول باطل من حيث أن الحياة يستحيل أن تكون حية قادرة، وان أراد الثاني فذلك أيضا باطل، لانه لا يصح أن تحل الحياة الهواء ولا يدرك الالم واللذة وهو على صفته، وان أراد غيرهما فذلك غير معقول. فأما مذهب ابن الاخشاذ 1) فانه أيضا يبطل بمثل ما أبطلنا به مذهب النظام وكان يجب أن لا تبطل الجملة بقطع وسطها وبقطع رأسها. وإذا قال بالتقلص في قطع اليد أو الرجل فلم لا [ يتقلص في قطع الرأس والوسط ولم ] 2) يتقلص بقطع اليد تارة فيبقى حيا وتارة لا يتقلص فيموت، وما الموجب لذلك الفرق. فإذا ثبت أن الحي هذه الجملة فالصفات التي تجب أن يكون عليها المكلف شيئان: أولهما: أن يكون قادرا ليتمكن من فعل ما كلفه ولا يكون مكلفا لما لا يطيق، وقد بينا فساده. وثانيهما: أن يكون عالما أو متمكنا من العلم به فيما يحتاج إلى العلم به من جملة ما كلفه من أحكام الافعال أو ايقاعه على وجه مخصوص ليستحق به الثواب ولا بد من العلم به، وكذلك يستحق الثواب على ترك القبيح إذا تركه لقبحه، وذلك لا يتم الا مع العلم بقبحه أو التمكن من العلم به بنصب الادلة عليه يقوم مقام خلق العلم الضروري في قلبه. ولذلك قلنا ان الكفار مكلفون للشرائع لتمكنهم من العلم بها بالنظر في معجزات الانبياء.

1) كذا في النسختين يريد " ابن الاخشيذ " الذي مضى ذكره في الصفحة السابقة، وهو احمد بن على بن بيغجور أبو بكر ابن الاخشيذ المعتزلي المتوفى سنة 326.
2) الزيادة ليست في ر.

[ 69 ]

ولما كانت علومه لا يصح حصولها الا مع كمال عقله وجب أن يخلق فيه العقل، والعقل هو مجموع علوم إذا اجتمعت كان الحي عاقلا، وإذا حصل بعضها أو لم يحصل شي اصلا لم يكن عاقلا. والعلوم التي تسمى عقلا تنقسم ثلاثة أقسام: أولها العلم بأصول الادلة، وثانيها ما لا يتم العلم بهذه الاصول الا معه، وثالثها ما لا يتم الغرض المطلوب الا معه. فالاول كالعلم بأحوال الاجسام التي تتغير من حركة وسكون، والعلم باستحالة خلق الذات من النفي والاثبات المتقابلين، والعلم بأحوال الفاعلين وغير ذلك. وليس يصح العلم الا ممن يجب أن يكون عالما بالمدركات إذا أدركها وارتفع اللبس عنها وممن إذا مارس الصنائع بعلمها، والعلم بالعادات من أصول الادلة الشرعية، فلا بد منه، فهو نظير القسم الثاني. والقسم الثالث العلم بجهات المدح والذم والخوف وطرق المضار حتى يصح خوفه من اهمال، النظر، فيجب عليه النظر والتوصل به إلى العلم. والذي يدل على أن ذلك هو العقل لا غير أنه متى تكاملت هذه العلوم كان عاقلا، ولا يكون عاقلا الا وهذه العلوم حاصلة، ولو كان للعقل معنى آخر لجاز حصول هذه العلوم، ولا يحصل ذلك المعنى فلا يكون عاقلا وان لم يكن له هذه العلوم، والمعلوم خلاف ذلك. وسميت عقلا لان لمكانها يمتنع من كثير من المقبحات، فشبهت بعقال الناقة التي تمنعها من السير. ولان العلوم المكتسبة مرتبطة بها ولا يصح حصولها من دونه، فسميت به عقلا تشبيها أيضا بعقال الناقة، ولذلك لا يجوز وصف الله تعالى بأنه عاقل وان كان عالما بجميع المعلومات. ويجب أن يكون المكلف متمكنا من الالات التي يحتاج إليها في الافعال

[ 70 ]

التي تتعلق بتكليفه، لان فقد الادلة كفقد القدرة في قبح التكليف. والالات على ضربين: أحدهما لا يقدر على تحصيلها الا الله تعالى كاليد والرجل، فيجب أن يخلقها له في وقت الحاجة إليها. والثاني يتمكن المكلف من تحصيلها كالعلم في الكتابة والقوس في الرمي وغير ذلك، فالتمكين من تحصيلها له وايجاب تحصيلها عليه يقوم مقام خلقها. ولا بد من تمكينه من الارادة في كل فعل يقع على وجه بالارادة إذا كلف ايقاعه على ذلك الوجه، نحو صيغة الامر والنهي والخبر وايقاع الفعل على وجه العبادة وغير ذلك. وما يقع على وجه لا تؤثر فيه الارادة جاز أن يكلف ذلك وان لم يكن متمكنا من الارادة، وذلك نحو رد عين الوديعة ورد عين المغصوب. ويجب أن يكون المكلف مشتهيا ونافرا، لان الغرض إذا كان التعريض للثواب فلا يصح استحقاق الثواب الا على ما يلحق فيه المشقة، فلا يصح ذلك الا بأن يكون نافر الطبع عما كلف فعله ومشتهيا لما كلف الامتناع منه، ولهذا نقول لا بد أن يكون على المكلف مشقة في نفس الفعل أو شبهه أو امر يتصل به، وأمثلة ذلك معروفة لا نطول بذكرها. ويجب أن تكون الموانع مرتفعة، لان مع المنع يتعذر الفعل كتعذره مع فقد القدرة. ولا فرق بين أن يكون المنع من جهته تعالى أو من جهة غيره في قبح تكليفه إذا لم يكن المكلف قادرا على ازالة المنع عن نفسه. ولا يحسن أن يكلفه تعالى بشرط ارتفاع الموانع، لان ذلك انما يحسن فيمن لا يعرف العواقب. ويجب أيضا أن لا يكون ملجأ فيما كلف، لان الغرض بالتكليف استحقاق المدح والثواب، والالجاء لا يثبت معه استحقاق مدح. ألا ترى أن الانسان لا يمدح

[ 71 ]

على أن لا يقتل نفسه وأولاده ولا يحرق ماله وداره، لانه ملجأ إلى أن لا يفعله مع زوال الشبهة واللبس، لان مع دخول الشبهة يجوز أن يفعل ذلك كما يفعل الهند من قتل نفوسهم واحراقها لما اعتقدوا في ذلك من أنه قربة إلى الله. والالجاء يكون بشيئين: احدهما بأن يخلق الله فيه العلم الضروري بأنه متى رام فعلا منع منه، والثاني أنه متى فعل تخلص من ضرر عظيم أو ينال منافعا عظيمة، كمن يعدو من السبع والنار وغير ذلك. وليس من شرط التكليف أن يعلم المكلف أن مكلفا كلفه إذا علم وجوب الواجب عليه وقبح القبيح منه ويتمكن من أدائه على الوجه الذي وجب عليه وان لم يعلم مكلفه، وكذلك اشتراك العقلاء في العلم بوجوب رد الوديعة والامتناع من الظلم وان اختلفوا في المكلف. وليس من شرط المكلف أن يعلم قبل الفعل أنه مكلف للفعل لا محالة وأنه أوجب عليه قطعا، لانه لو كان كذلك لقطع على بقائه إلى وقت الفعل، وفي ذلك اغراء بالقبيح في ذلك الوقت. وأيضا فلا مكلف الا وهو يجوز احترامه في الثاني فكيف يكون مع ذلك قاطعا على بقائه. ولا يلزم أن يكون الانبياء والمعصومون مغرين بالقبائح إذا قطعوا على بقائهم زمانا طويلا، لان الاغراء لا يصح في المعصوم الموثق بأنه لا يفعل قبيحا ولا يخل بواجب، فعلى هذا لا يقطع على أن المكلف مكلف للصلاة الا بعد أن يفعل الصلاة وقبل ذلك بتجويز الاحترام يجوز أن يكون غير مكلف لها، وانما يقول له يجب عليك التشاغل بالصلاة مع ضيق الوقت لانك لا تأمن أن تبقى على ما أنت عليه، فإذا خرج الوقت تبين أنها كانت واجبة عليك، وانما يحصل التحرز بفعل الصلاة فلذلك يجب عليه فعلها. وتكليف من علم الله أنه يكون، ممكن حسن صحيح، ومن قال ان ذلك

[ 72 ]

غير ممكن لان التكليف هو الارادة على بعض الوجوه وما علم انه لا يكون لا يصح أن يراد. فقوله باطل، لان الارادة تتعلق بما يصح حدوثه في نفسه سواء علم يحدث أو لا يحدث. ألا ترى أن الواحد منا يصح أن يريد من جميع الكفار الايمان وان علم أن جميعهم لا يؤمن. وأيضا فان النبي عليه السلام كان يريد من ابي لهب الايمان وان كان الله تعالى أعلمه أنه لا يؤمن. وأيضا فقد يريد الواحد منا من الغير تناول طعامه وان غلب في ظنه أنه لا يتناوله. وما يستحيل مع العلم يستحيل مع الظن على حد واحد، والمعلوم أن ذلك لا يستحيل مع الظن، فيجب ان لا يستحيل مع العلم. فأما من قال ان ذلك ممكن غير انه لا يحسن، فالذي يدل على بطلان قوله ما قدمناه من أن التكليف تعريض لنفع لا ينال الا به، والتعريض للشئ في حكم ايصاله وان كل من حسن منه التوصل إلى امر من الامور حسن من غيره تعريضه له إذا انتفت عنه وجوه القبح، وعكسه كل شئ يقبح لنا التعرض له يقبح من غيرنا تعريضنا له أيضا، ونحن نعلم انه يحسن من الواحد منا التعرض للثواب والتوصل إليه بفعل ما يستحق به ذلك، فيجب أن يحسن منه تعالى تعريضه له. فإذا حسن منا أن يتعرض لمنافع منقطعة من أرباح التجارات بتكليف المشاق والاسفار وحسن من غيرنا أن يعرضنا لها فيجب أن يحسن التعرض للمنافع الدائمة والتعريض لها. والكافر انما استضر في ذلك بفعل نفسه وسوء اختياره، لانه أقدم على ما يستحق به العقاب وقد نهاه الله وحذره وتوعده عليه ورغبه في خلافه، فهو الذي ضر نفسه دون الذي كلفه، بل مكلفه نفعه بغاية النفع، من حيث عرضه

[ 73 ]

لمنافع لا تنال الا بفعل ما كلفه وحثه على ذلك. ويدل على حسن ذلك أيضا أنه قد ثبت حسن تكليف من علم الله أنه يؤمن، وقد فعل الله تعالى بالكافر جميع ما فعله بالمؤمن من اقداره وخلق الشهوة فيه والنفار ونصب الادلة وخلق العلم والتمكين وغير ذلك من الشرائط التي تقدم ذكرها، فينبغي أن يكون تكليفهما جميعا حسنا أو قبيحا. فإذا حكمنا بحسن تكليف من علم الله انه يؤمن وجب مثل ذلك في تكليف من علم أنه يكفر، وأما من منع من حسن التكليف اصلا فلا تكلم في هذه المسألة بل تكلم بما تقدم من الكلام في حسن التكليف. والفرق بين التكليفين لا يرجع إلى اختيار الله بل إلى اختيار المؤمن للايمان فيحصل نفعه، واختيار الكافر الكفر فاستضربه، فأتى في ذلك من قبل نفسه. (دليل آخر) ويدل أيضا على حسن تكليف من علم الله أنه يكفر ويموت على كفره أنه لو لم يحسن ذلك لوجب أن يكون للمكلف طريق إلى العلم بقبح ذلك، ولو علم قبحه لوجب أن يكون قاطعا على أنه لا يخرج من دار الدنيا الا وهو يستحق الثواب، ولا يتم ذلك الا بأمرين: أحدهما أن يعلم أنه متى رام القبيح منع منه وذلك الجاؤنا في التكليف، أو يعلم أنه سيتوب في المستقبل وذلك ويؤدي إلى الاغراء وكلاهما فاسدان، فإذا يجب ان يكون ممن يجوز الخروج من الدنيا وهو مستحق للعقاب وهو ما أردناه. ومتى ادعي في ذلك وجه قبح فالكلام عليه قد استوفيناه في شرح الجمل يرجع إليه انشاء الله. ومما يدل على حسن تكليف من علم الله أنه يكفر أنه ثبت انه تعالى كلف من هذه صورته، لانا نعلم أن كثيرا من العقلاء المكلفين يموتون على كفرهم، ولو لم يكن الا ما علمناه من حال فرعون وهامان وابي جهل وأبي لهب وغيرهم لكفى، ولو كان ذلك قبيحا لما فعله الله تعالى، لانا قد دللنا على أنه تعالى لا يفعل القبيح على حال.

[ 74 ]

ولا يلزم على ذلك بعثة نبي يعلم انه لا يؤدي ما حمله، لان بعثة نبي لا يؤدي الينا مالنا فيه مصلحة يمنع من ازاحة علتنا في التكليف ويوجب منع اللطف والتمكين، فلهذا لم يجز، لا لانه تكليف من علم الله أنه يكفر. ولسنا ننكر أيضا أن يعرض في تكليف من علم الله أنه [ يكفر وجه قبح يقبح تكليفه، بل لا ينكر ذلك في تكليف من علم الله أنه ] 1) يؤمن، لانه لو عرض فيه وجه المفسدة لقبح تكليفه وان آمن. فإذا ثبت حسن التكليف بمن علم أنه يؤمن ومن علم أنه يكفر وجب أن يكون منقطعا، لان الغرض بالتكليف إذا كان هو الثواب فلو لم يكن التكليف منقطعا لانتقض الغرض بالتكليف، لان الثواب بالتكليف لا يمكن أن يكون مقترفا، لان من شأنه أن يكون خالصا صافيا من الشوب والتكدير حتى يحسن الزام المشاق. وذلك لا يصح مع التكليف، لان التكليف لا يعرى من مشقة، وذلك يؤدي إلى حصول الثواب على خلاف الوجه المستحق ويصرف به الغموم والمضار. وأيضا لو اقترن الثواب بالتكليف لادى إلى أن يكون المكلف ملجأ، لان المنافع العظيمة تلجئ إلى فعل ما ضمنت عليه، ولذلك قلنا لابد أن يكون بين زمان التكليف وبين حال الثواب زمان متراخ يخرج المكلف من حد الالجاء. وانما كانت المنافع العظيمة العاجلة ملجئة لانه يقتضي أن يفعل الطاعة لاجلها دون الوجوه التي يستحق عليها الثواب، وذلك يخرجها من أن يستحق لها الثواب أصلا، وذلك ينقض الغرض. وأما القدر الذي يكون بين زمان التكليف وبين الثواب فليس بمحصور عقلا بل بحسب ما يعلمه الله تعالى، وانما يعلم على طريق الجملة انه لا بد من تراخ ومهلة.

1) الزيادة ليست في ر.

[ 75 ]

فإذا ثبت وجوب انقطاع التكليف فليس الوقت وقت انقطاعه بزمان بعينه بل نوجبه على سبيل الجملة. ولا يمتنع أن يحسن الشئ أو يقبح على طريق الجملة. ولا يعلم عقلا انقطاع التكليف عن جميع المكلفين بل انما يعلم ذلك سمعا والاجماع حاصل على ذلك. وكان يجوز عقلا انقطاع التكليف عن بعضهم وبقاؤه على بعض، لكن الاجماع مانع منه. ومتى حصل انقطاع التكليف بفعل غير الله فقد حصل الغرض، ومتى لم يحصل فانه تعالى يزيله. ويجوز انقطاع التكليف بازالة العقل أو الموت أو الفناء، وأما فناء الجواهر فليس في العقل ما يدل على جوازه ولا على احالته، والمرجع في ذلك إلى السمع، فإذا علم بالسمع أنه تفنى الجواهر ثم علمنا أن الباقي لا ينتفي الا بضد يطرأ عليه علمنا ان الفناء (مغني يغنى)؟ الجواهر. وما يسأل على ذلك من الشبهات فقد بينا الجواب عنه في شرح الجمل. والطريق الذي به يعلم فناء الجواهر هو السمع، وقد أجمعوا على أن الله تعالى يفنى الاجسام والجواهر ويعيدها، فلا نعتد بخلاف من خالف فيه. ويدل عليه أيضا قوله " هو الاول والاخر " 1) فكما أنه كان أولا ولا شئ معه موجود فكذلك يجب أن يكون آخرا ولا شئ معه موجود. وقد استدل بغير ذلك من الايات عليها اعتراضات والمعتمد ما ذكرناه. وإذا ثبت أن الجواهر تفنى فالله تعالى يعيدها اجماعا. وأيضا فلو لم يعدها لما أمكن ايصال المستحق إليها من الثواب، وقد علمنا وجوب ذلك، فإذا لا بد من اعادتها.

1) سورة الحديد: 3.

[ 76 ]

[ وكل من مات وله حق لم يستوفه في دار الدنيا فانه يجب اعادته على كل حال، لان الثواب دائم لا يمكن توفيره في دار الدنيا ] 1). وأما من يستحق العوض فانه يجوز أن يوفر عليه في الدنيا ولا يجب اعادته، لان الغرض منقطع. وأما من يستحق العقاب فلا يجب اعادته، لان العقاب يحسن اسقاطه عقلا فإذا سقط لم يحسن استيفاؤه فيما بعد فلم يجب اعادته. فإذا علمنا أنه يعاقب الكافر لا محالة علمنا أنه يعيد المستحق للعقاب، ومن كان عقابه منقطعا فلا يكون كذلك الا وهو مستحق الثواب الدائم بطاعاته، وإذا أعيد ربما استوفى عقابه ثم نقل إلى الثواب، وربما عفي عن عقابه وفعل به الثواب، فاعادته واجبة عقلا لما يرجع إلى استحقاق الثواب دون العقاب. وقد أجمعت الامة على أن الله تعالى يعيد أطفال المكلفين والمجانين وان كان ذلك غير واجب عقلا، والقدر الذي يجب اعادته هو بنية الحياة التي متى انتقصت خرج الحي من كونه حيا. ولا معتبر بالاطراف واجزاء السمن لان الحي لا يخرج بمفارقتها من كونه حيا. ألا ترى ان أحدنا قد يستحق المدح والذم ثم يسمن فلا يتغير حاله فيما يستحقه وكذلك يهزل واستحقاقه للمدح أو الذم كما كان، فعلم بذلك أنه لا اعتبار بهذه الاجزاء. ومن قال يجب اعادة الحياة دون الجواهر فقوله باطل، لان المستحق للثواب والعقاب هي الجملة التي تركبت من الجواهر وكيف يجوز التبدل بها فيؤدي إلى ايصال الثواب والعقاب إلى غير المستحق، والصحيح ما قلناه أولا.

1) الزيادة ليست في ر.

[ 77 ]

واما الكلام في اللطف (فيحتاج أن نبين أولا ما اللطف وما حقيقته) واللطف في عرف المتكلمين عبارة عما يدعو إلى فعل واجب أو يصرف عن قبيح، وهو على ضربين: أحدهما أن يقع عنده الواجب ولولاه لم يقع فيسمى توفيقا، والاخر ما يكون عنده أقرب إلى فعل الواجب أو ترك القبيح وان لم يقع عنده الواجب ولا أن يقع القبيح فلا يوصف بأكثر من أنه لطف لا غير، وما كان المعلوم أنه يرتفع عنده القبيح ولولاه لم يرتفع يسمى عصمة، وان كان عنده أقرب إلى ان لا يقع عنده القبيح سمي لطفا لا غير، واللطف منفصل من التمكين، ويوصف اللطف بأنه صلاح في الدين 1) وأما ما يدعو إلى فعل قبيح فيقع عنده الصحيح قبيح ولولاه لما يقع يسمى مفسدة واستفساد. واللطف إذا كان داعيا إلى الفعل أو صارفا فلابد أن يكون بينه وبين ما هو لطف فيه مناسبة، ولا يلزم أن تكون تلك المناسبة معلومة تفصيلا. ويجب أن يكون اللطف معلوما على الوجه الذي هو لطف فيه، لانه داع إلى الفعل، فهو كسائر الدواعي. والمعتبر في الدواعي حال الداعي من علم أو ظن أو اعتقاد، ولذلك قد يعتقد أن في الشئ نفعا فيكون ذلك داعيا له إلى فعله وان لم يكن فيه نفع. وإذا ثبت ذلك فلا يمتنع أن يدعوه إلى الفعل ما ليس بمدرك بعد أن يكون معلوما. ويجب أن يكون اللطف متقدما للملطوف فيه ليصح أن يكون داعيا إليه وباعثا عليه، والداعي لا يكون الا متقدما، وأقل ما يجب تقدمه وقت واحد،

1) في ج " بأنه صلاح واصلاح في الدين ".

[ 78 ]

ويجوز تقدمه بأوقات بعد أن لا يكون منسيا قديما. وربما كان في تقديمه فضل مزية، لان رفق الوالد بولده في طلب العلم وحثه عليه بأوقات كثيرة ربما كان أدعى له إلى التعليم. واللطف على ثلاثة اقسام: احدها من فعل الله تعالى، والثاني من فعل من هو لطف له، والثالث من فعل غيرهما. فما هو من فعل الله تعالى على ضربين: أحدهما يقع بعد التكليف للفعل الذي هو لطف له فيوصف بأنه واجب، والثاني ما يقع مع التكليف للفعل الذي هو لطف فيه فلا يوصف بأنه واجب، لان التكليف ما اوجبه ولم يتقدم له سبب وجوب لكن لا بد أن يفعل به لانه كالوجه في حسن التكليف. وأما ما كان من فعل المكلف فهو تابع لما هو لطف فيه، فان كان واجبا فاللطف واجب وان كان لطفا في فعل نفل فهو نفل. وإذا كان اللطف من فعل غيرهما فلا بد من أن يكون المعلوم من حاله انه يفعل ذلك الفعل على الوجه الذي هو لطف في الوقت الذي هو لطف فيه ومتى لم يعلم ذلك لم يحسن التكليف الذي هذا الفعل لطف فيه. هذا إذا لم يكن له بدل من فعل الله يقوم مقامه، فان كان له بدل من فعل الله تعالى جاز التكليف لذلك الفعل إذا فعل الله تعالى ما يقوم مقامه. ولا يجب على الغير أن يفعل ما هو لطف للغير الا إذا كان له في ذلك لطف، كما نقول في الانبياء عليهم السلام أنه يجب عليهم تحمل الرسالة لما لهم في ذلك من اللطف دون مجرد ما يرجع إلى أممهم ولولا ذلك لما وجب عليهم الاداء. واللطف على ثلاثة أقسام: أحدها: من فعل الله، فيجوز أن يكون له بدل، ولا مانع يمنع منه، فيكون مخيرا في ذلك.

[ 79 ]

والثاني: أن يكون من فعل المكلف نفسه، فان كان له بدل وجب اعلامه ذلك، فيكون من باب التخيير كالكفارات الثلاث، ومتى لم يعلمه ذلك قطعنا على أنه لا بدل له من فعله ولا من فعل الله تعالى، لانه لو كان له بدل من فعل الله لما وجب عليه الفعل على كل حال. والثالث: ما كان من فعل غير الله وغير المكلف، فان كان مع كونه لطفا لغيره لطفا له جاز أن يكون واجبا أو ندبا، وان لم يكن فيه له لطف أصلا وانما هو لطف للغير كان مباحا الا انه لا يحسن تكليف هذا الا بعد أن يعلم أنه فعله. فعلى هذا ذبح البهائم التي ليست نسكا ولا ندبا 1) وانما هو مباح فوجه حسنه أنه لطف لغير الذابح، وقيل وجه حسنه أن فيه عوضا للمذبوح ونفعا لغيره بأكله، وكلاهما جائزان. فعلى هذا الافعال الشرعية ما هو واجب منها فوجه وجوبها كونها مصالح في الواجبات العقلية ويقبح تركها لانها ترك لواجب، وما هو قبيح فوجه قبحها كونها مفسدة في الواجبات العقلية أو داعية إلى القبائح العقلية، ويجب تركها لانه ترك لقبيح، وما هو مباح فلانها مصالح لغير فاعلها على ما مضى القول فيه. ومتى كانت المفسدة من فعله تعالى لم يحسن فعلها وان كانت من فعل المكلف نفسه، ويجب أن يعلمه وجوب ترك ما هو مفسدة له، وان كانت من فعل غيرهما لا يخلو المكلف من أن يكون قادرا على منعها أو لا يكون كذلك، فان كان قادرا جاز أن نوجب عليه المنع منها وحسن تكليفه، [ وان لم يكن في مقدوره المنع منها ] 2) فان كان المعلوم ان ذلك الغير لا يختارها حسن أيضا تكليفه، وان لم يكن ذلك معلوما وجب عليه تعالى المنع منها أو اسقاط

1) في ج " ولا نذرا ".
2) الزيادة ليست في ر.

[ 80 ]

تكليف ما تلك المفسدة مفسدة فيه والا ادى إلى أن علة المكلف غير مزاحة. فعلى هذا دعاء إبليس واغواه الخلق هل هو مفسدة أم لا؟ قيل فيه شيئان: احدهما ان كل من فسد بدعاء ابليس كان يفسد ولم ان يدعه فلم يكن حد المفسدة قائمة فيه، والثاني أن التكليف مع دعاء ابليس أشق والتعريض للثواب 1) أكثر، فدخل ذلك في باب التمكين وخرج من باب المفسدة. وكلاهما جائزان. والذي يدل على وجوب فعل اللطف هو أن أحدنا لو دعا غيره إلى طعامه وأحضر الطعام وغرضه نفع المدعو دون ما يعود إليه من مسرة أو غيرها، وعلم أو غلب على ظنه أنه متى تبسم في وجهة أو كلمه بكلام لطيف أو كتب إليه رقعة أو انفذ غلامه إليه وما أشبه ذلك مما لا مشقة عليه ولا حط له عن مرتبته حضر ومتى لم يفعل ذلك لم يحضر، وجب عليه أن يفعل ذلك ما لم يتغير داعيه عن حضور طعامه، ومتى لم يفعله استحق الذم من العقلاء كما يستحق لو غلق بابه في وجهة، فلهذا صار منع اللطف كمنع التمكين في القبح. وهذا يقتضي وجوب فعل اللطف عليه تعالى، ولان العلة واحدة. فان قيل: كيف يجب على من دعا غيره إلى طعامه أن يلطف له واصل دعائه له ليس بواجب وانما هو تفضل. قيل: الاصل وان كان تفضلا فهو سبب لوجوب التمكين ورفع الموانع كالاقدار والتمكين وغير ذلك، وإذا كان سبب وجوب اللطف يختص بالداعي إلى طعامه دون غيره فكذلك يجب أن يكون فعل المكلف يختص بالداعي إلى طعامه دون غيره، كما لا يجب على غير الداعي إلى طعامه التبسم في وجهه ولا غير ذلك من الافعال المقوية لداعيه كما لا يجب تمكينه واقداره. وانما شرطنا استمرار الارادة لانه يجوز على الواحد منا أن يبدو له من

1) في ر " للسواد ".

[ 81 ]

ذلك فيتغير داعيه، والقديم تعالى لا يجوز عليه البداء على حال. والعلم باستحقاق من منع اللطف الذم ضروري كالعلم باستحقاق من منع التمكين مثل ذلك. فان قيل: ما قولكم في الداعي إلى طعامه لو غلب في ظنه أنه لا يحضر طعامه الا بعد أن يبذل له شطر ماله أو يقتل بعض أولاده وغير ذلك مما عليه فيه ضرر عظيم. قلنا: هذا أولا لا يطعن على ما نريده من وجوب اللطف على الله تعالى، لان جميع ذلك لا يليق به، لان كل ما يفعله تعالى يجري مجرى ما لا مشقة عليه فيه من التبسم وغيره، وإذا وجب التبسم وما جرى مجراه من فعلنا وجب جميع الالطاف من فعله، لانها جارية مجراه من فعلنا لانه لا مشقة عليه فيها. ثم نقول: الواحد منا إذا كلف غيره حضور طعامه لا يخلو أن يكون غرضه نفع المدعو أو نفع نفسه وما يرجع إليه، فان كان الاول وجب عليه من اللطف ما لا مشقة عليه فيه أو ما لا يعتد به من المشقة اليسيرة، ومتى كانت فيه مشقة عظيمة لم يجب. والمشاق معتبرة في وجوب الفعل أو حسنه فان كان غرضه نفع نفسه وما يعود إليه وجب أن يقابل بين الضرر الداخل وبين الضرر عليه فيما يفعله لنفع ذلك الفعل ويدفع الاكثر بالاقل. وأما المفسدة فهي ما يقع عندها الفساد ولولاه لم يقع، أو يكون أقرب إلى لفساد ولولاه لم يكن أقرب أو ينصرف عنده من الواجب أو يكون إلى الانصراف أقرب ولا يكون له حظ في التمكين. والعلم بقبح ما هذه صفته ضروري لا يلتفت إلى خلاف من يخالفه فيه. فاما من لا لطف له - بأن يكون المعلوم من حاله أنه يطيع على حال أو يعصي - فانه يحسن تكليفه لانه متمكن من الفعل بسائر ضروب التمكنات، وليس في المعلوم ما يقوي داعيه فيجب فعله به، فينبغي أن يحسن تكليفه.

[ 82 ]

غير أنا علمنا بوجوب المعرفة ووجوب الرئاسة لجميع الخلق انهما لطفان لجميعهم، ولولا السمع لكان يجوز أن يكون في المكلفين من يختار فعل الواجب والامتناع من القبح وان لم تجب عليه المعرفة ولا نصيب له، لكن الاجماع مانع منه ومن تعلق لطفه بفعل قبيح في مقدوره تعالى. [ والصحيح انه لا يحسن تكليفه، لان هذا له لطف مراحم به علته، وانما لم يحسن أن يفعله تعالى لامر يرجع إلى حكمه، وفي الناس من اجازه وأجراه مجرى من لا لطف له ] 1)، والصحيح الاول. ومتى تعلق لطفه بفعل قبيح من مقدور غير الله فلا يحسن تكليفه أيضا، لانه لا يحسن تكليف الغير ذلك الفعل لقبحه. وأما الاصلح في باب الدنيا فهو الانفع الا الذي لا يتعلق به لطف فانه لا يجب على الله تعالى، لانه لو وجب ذلك لادى إلى وجوب ما لا يتناهى وذلك محال. أو إلى أن لا ينفك القديم تعالى من الاخلال بالواجب وذلك فاسد. وانما قلنا ذلك لان النفع اللذة وهو تعالى يقدر من جنسهما على ما لا يتناهى فلو كان ذلك واجبا لادى إلى ما قلناه، ولو قلنا هربا من ذلك أنه لا يقدر الا على متناه أدى إلى القول بتناهي مقدورات الله، وذلك كفر. ولا يلزم على ذلك أن يكون اللطف في باب الدين مثل ذلك، لان اللطف في باب الدين بحسب المعلوم، وليس يجب أن يكون المقدور منه ما لا نهاية له. ولو فرضنا ذلك لقبح المكلف وان كان ذلك بعيدا. وليس كذلك اللذة والنفع، لانه يرجع إلى جنس المقدور فيجب أن يكون قادرا منه على ما لا نهاية له. ويدل ايضا على أن الاصلح في باب الدنيا غير واجب أنه لو كان واجبا

1) الزيادة ليست في ر.

[ 83 ]

لما استحق تعالى الشكر بفعلها، لان من فعل واجبا كقضاء الدين ورد الوديعة لا يستحق الشكر وانما يستحق الشكر بالتفضل المحض، ولو لم يستحق الشكر لما استحق العبادة لانها كيفية في الشكر، وذلك خلاف الاجماع. وهو تعالى وان استحق الشكر على الثواب والعوض الواجبين، فلان سبب الثواب التكليف وهو تفضل، وكذلك الالام التي يستحق بها العوض تابعة للتكليف الذي هو تفضل. واما الكلام في الالام فيقع من وجوه: احدها في اثباتها: والكلام في ذلك ظاهر لا نتشاغل به، لان المعلوم ضرورة الامر الذي يتألم به الحي ويدركه مع نفار طبعه عنه، فدفع ذلك مكابرة. وانما الكلام يقع في حسنه أو قبحه، لان في الناس من قال الالام كلها قبيحة وهم الثنوية والمجوس، ومن قال ان فيها ما هو حسن اختلفوا فمنهم من قال لا وجه لحسنها الا الاستحقاق وهم التناسخية والبكرية. والصحيح أن في الالام ما هو حسن وفيها ما هو قبيح، فما يقبح منها يقبح لوجوه ثلاثة: أحدها لكونه ظلما، وثانيها أن يكون مفسدة، وثالثها أن يكون عبثا. وما عداه يكون حسنا. وان شئت قلت: الالام لم تحسن الا لنفع يوفى عليه أو دفع ضرر أعظم منه أو الاستحقاق أو يكون واقعا على وجه المدافعة، فمتى خلا من ذلك أجمع كان قبيحا. فأما الظلم فهو الضرر الذي لا يقع فيه وفاء عليه ولا دفع ضرر اعظم منه

[ 84 ]

ولا يكون مستحقا ولا حاصلا على وجه المدافعة سواء كانت هذه الوجوه معلومة أو مظنونة. والذي يدل على أن الالم يحسن إذا كان فيه نفع يوفى عليه ما نعلمه ضرورة من حسن اخراج ما يملكه من المتاع والعقار بعوض إذا غلب في ظنونا أن النفع بالعوض اكثر منه، وانما حسن تفويت المنافع بما يخرجه لاجل النفع الذي يحصل بالعوض لا يختلف العقلاء في حسن ذلك. ووجه حسن هذا الالم هو علمه بماله فيه من النفع أو ظنه دون حصول النفع فيه، بدلالة أنه لو كان فيه نفع ولم يعلم أن فيه نفعا ولا ظنه لما حسن منه تحمل هذا الالم، وإذا علم ذلك أو ظنه حسن، فعلم أن وجه حسنه ما قلناه. ولا يلزم أن يكون الظلم حسنا لما فيه من العوض، لانا نعتبر أن يكون النفع موفيا عليه ويكون مقصودا، أو ما هو في مقابلة الظلم انما يفعله الله ويأخذه من الظالم على وجه الانتصاف لا يكون موفيا عليه بل بحسب الالم. وأيضا فالظالم لم يقصد نفع المظلوم، فلم يحصل القصد أيضا. وأيضا فالمعلوم ضرورة حسن تحمل ألم الاسفار طلبا للارباح وتحمل المشاق في طلب العلم لمكان حصول العلم، فعلم أن تحمل الالم يحسن للنفع. وأما الذي يدل على أن الالم يحسن لدفع ضرر أعظم منه ما نعلمه ضرورة من حسن عدونا على الشوك هربا من السبع أو النار أو خوفا من وقوع حائط وما أشبه ذلك، ويحسن منا شرب الدواء الكريه دفعا للامراض والخلاص منها، ويحسن الفصد وقطع الاعضاء خوفا من السراية إلى النفس. ووجه حسن جميع ذلك ظن دفع الضرر الموفي عليه، لان العلم باندفاع الضرر ليس يكاد يحصل في موضع، لكن إذا حصل الحسن مع الظن فمع العلم أولى وأحسن.

[ 85 ]

واما الذي يدل على ان الالم يحسن الاستحقاق فهو ما نعلمه ضرورة من حسن ذم المسئ على اساءته وان غمه ذلك وآلمه واستضر به، والعلم بحسن ذلك مع تعريه من نفع أو دفع ضرر يوجب أنه حسن للاستحقاق لا غير. وقد قيل في ذلك أيضا أنه يحسن المطالبة بتقضي الدين وان أضر ذلك بمن عليه الدين وغمه، وانما حسن ذلك للاستحقاق. ولقائل ان يجعل وجه ذلك ما يقدمه من الانتفاع بالدين، فجرى ذلك مجرى تقدم الاجرة على الاعمال الشاقة. وأيضا فلو كان حسن الاستحقاق لما حسن أن يبتدئ الانسان بايصاله إلى نفسه، كما لا يحسن أن يعاقب نفسه. وأيضا فانه خال من استحقاق واهانة، وذلك واجب في العقاب. وانما قلنا انه متى وقع على وجه المدافعة كان حسنا، لانه معلوم أن من دافع غيره عن نفسه فوقع به من جهته ضرر لم يقصده بل قصد المدافعة فقط لا يستحق به عوضها على المؤلم ولا يكون بذلك ظالما. ولا يمكن أن يقال: ان ذلك مستحق، لان من قصد ايلام غيره ولم يؤلمه لا يستحق العقاب عليه. وأيضا فلو كان مستحقا لقارنه استحقاق واهانة وجاز أن يقصده، وكل ذلك يدل على أنه لم يكن مستحقا. ولا يمكن أن يقال: وجه حسنه ما فيه من العوض، لانه تعالى لما حسن ذلك في عقولنا ضمن العوض كما ضمن لما أباح لنا ذبح البهائم بالشرع، لانه لو كان الامر على ما قالوه لوجب أن يكون من لا يعرف أن الله ضمن العوض لا يعرف حسن المدافعة، كما أن من لا يعرف الشرع لم يعرف حسن ذبح البهائم. والمعلوم خلافة.

[ 86 ]

وأيضا كان يجب أن يحسن أن يقصد ايلامه ولا يقصد دفعه، كما يجوز ان [ يقصد ذبح البهيمة، وقد علمنا أنه لا يحسن أن ] 1) يقصده. وانما قلنا ان الالم يقبح لكونه عبثا، لان العبث ما لا غرض فيه أو لا غرض مثله فيه، والالم يكون عبثا إذا فعل لنفع يمكن الوصول إليه من دون الالم ولا غرض له فيه زائدا على ذلك بدل على قبح ذلك انا نعلم أنه يقبح من أحدنا أن يواطئ غيره ويوافقه على أن يضربه لعوض يدفعه إليه يرضى بمثله في تحمل ذلك الضرب، لانه بالعوض خرج من كونه ظلما، وانما قبح لانه لا غرض فيه حكمي. وأما الالم إذا كان فيه مفسدة فمعلوم قبحه ضرورة لا شبهة فيه، ولا يجوز أن يكون الالم قبيحا لكونه ألما على ما قالت الثنوية، لما بيناه من أن ههنا آلاما حسنة للنفع ولدفع الضرر والاستحقاق، فبطل قولهم. ولا يجوز أن يقبح الالم لكونه ضررا، لانه لو كان كذلك لقبح العقاب لان فيه ضررا لقبح العقاب، وقد علمنا حسنه لكونه مستحقا. ومن قال العقاب ليس بضرر كان مكابرا. والالم إذا كان فيه نفع يوفى عليه أو دفع ضرر أعظم منه لا يكون ضررا، ومن قال انه ضرر فقد أخطأ، لانه يلزم أن يكون من خدش جلد غيره باخراجه من العرق وتخليصه من الهلاك أن يكون مضرا به، وهذا معلوم خلافه. ولو كان العقاب لا يسمى ضررا لما جاز أن يقال في الله تعالى انه ضار، وأجمع المسلمون على اطلاق ذلك، والقديم تعالى لا يحسن أن يفعل الالم الا للنفع أو الاستحقاق لا غير، فأما لدفع الضرر فلا يجوز. والظن لا يجوز عليه لانه عالم لنفسه. وانما قلنا ذلك لان من شرط حسن الالم لدفع الضرر أن يكون ذلك الضرر

1) الزيادة من ج.

[ 87 ]

لا يمكنه دفعه الا بادخال بعض الالام عليه، والقديم تعالى يقدر على دفع كل ضرر من غير أن يدخل عليه الما، فلم يحسن لذلك. والصحيح أن القديم تعالى لا يفعل ألما لا في المكلفين ولا في غيرهم في دار التكليف الا إذا كان فيه غرض يخرجه من كونه ظلما أو عوض يخرجه من كونه عبثا، ولا يجوز أن يفعل الالم لمجرد العوض، لان مثل العوض يحسن الابتداء به ولا يجوز أن يفعله لاجل العوض. ويفارق ذلك الثواب، لان الثواب يستحق على وجه من التعظيم والاجلال ولا يحسن الابتداء بمثله، وليس كذلك العوض لانه مجرد المنافع. ولذلك لا يحسن منا أن نستأجر غيرنا لينقل الماء من نهر إلى نهر ولا عوض لنا فيه غير ايصال الاجرة إليه، وكذلك لا يحسن أن يوافقه على أن يضربه [ ويعطيه عوضا من ضربه ] 1) لا لغرض غير ايصال العوض إليه، ومعلوم ضرورة قبح ذلك. وليس لاحد أن يقول: الاستحقاق له مزية على التفضل في الشاهد فجاز أن يفعل لذلك الالم، لان الاستحقاق انما يكون له مزية في الشاهد لما يلحق المتفضل عليه من الانفة وان تميز المتفضل عليه بذلك أو يلحقه بعض الغضاضة، ولذلك يختلف باختلاف أحوال المتفضل من جلاله وعظم قدره، وكل ذلك مفقود مع الله تعالى، فلا مزية للاستحقاق على التفضل من جهته. فأما من قال الالم لا يحسن الا للاستحقاق من البكرية والتناسخية، حتى قالت البكرية ان الاطفال والبهائم لا تألم أصلا لما رأت انها غير مكلفة، وقالت التناسخية انه قد كان لهم فيما مضى زمان تكليف، فما ينالهم من الالام في هذا الوقت فباستحقاقهم لما عصوا في ذلك الوقت. والذي يدل على فساد قول الفريقين ما قدمناه من أنه يحسن الالام للمنافع الموفية عليها ولدفع ضرر أعظم منها،

1) الزيادة من ر.

[ 88 ]

وذلك يبطل قول الفريقين على كل حال. ويبطل قول البكرية أيضا ما نعلمه ضرورة انا كنا نتألم في حال الطفولة بالامراض والجراحات والدماميل التي لا يقدر عليها غير الله تعالى، فمن دفع ذلك كان مكابرا. وأيضا فانا نعلم أن البهيمة تجوع وتعطش فتتألم بذلك، وذلك من فعل الله تعالى. على أن ما نعلمه ضرورة من هرب البهيمة من الالام والضرب، يبطل قول من قال انهم لا يألمون. ومما يبطل مذهب التناسخية أن من شرط ما نفعل من الالام المستحقة أن يقارنها استخفاف واهانة، ومعلوم قبح ذلك بالبهائم والاطفال، ومن استحسن ذلك كان جاهلا مكابرا للعقول. وأيضا فالانبياء تألم بالالام، ولا يجوز أن يكونوا مستحقين للعقاب لا قبل النبوة ولا بعدها، لقيام الدليل على عصمتهم. وأيضا فلو كان ذلك مستحقا لوجب أن يذكر تلك الاحوال مع التذكر الشديد وانهم عصوا فيها، لان العاقل لا يجوز أن ينسى مثل ذلك مع قوة التذكر، وان نسي بعضه فلا يجوز أن ينسى جميعه، ولو جاز أن ينسى بعض العقلاء ذلك لم يجز أن ينساه جميعهم، ولو جاز أن ينسى كذلك لجاز أن ينسى أحدنا انه ولي ولاية في بلد بعينه سنين كثيرة وكثر فيه أعوانه وأتباعه ورزق فيه أولادا لكنه نسي، وذلك تجاهل وطول المدة كقصرها، ولهذا نقول: ان أهل الجنة لا بد أن يذكروا أحوال الدنيا أو أكثرها، وما يتخلل بين ذلك من زوال العقل ليس بأكثر مما يتخلل بين ذلك بالنوم المزيل للعقل وأنواع الامراض المزيلة للعقل، والزمان الطويل في هذا الباب كالزمان القصير. وليس لهم أن يقولوا كان زمان التكليف يسيرا. ألا ترى أن من دخل ساعة

[ 89 ]

من النهار بلدا لا فيلة ورأى أفيلة 1) وخرج منها وطالت مدته لا يجوز أن ينسى ذلك ولا يذكره مع شدة تذكره. على أن هذا المذهب يؤدي إلى قبح التكليف الذي لم يتقدمه تكليف آخر لا بد أن يكون فيه مشقة والا لم يصح التكليف، فبأي شئ استحقت تلك المشقة فلا بد من المناقضة أو القول بتكليفات لا نهاية لها، وكل ذلك باطل. فأما الكلام في العوض فأول ما نقول: ان العوض هو النفع [ المستحق ] 2) الخالي من تعظيم وتبجيل. فبكونه نفعا يتميز مما ليس بنفع، وبكونه مستحقا يتميز من التفضل وبخلوه من تعظيم وتبجيل يتميز من الثواب. فإذا ثبت ذلك فكل ألم يفعله الله تعالى أو يفعل بأمره كالهدايا والاضاحي وغير ذلك أو فعل باباحة كاباحة ذبح البهائم فان عوض ذلك أجمع على الله تعالى، لانه لو لم يكن فيه عوض لكان ظلما وذلك لا يجوز عليه تعالى، ولو كان على المؤلم منا لما حسن الالم، لان ما في مقابلته من الانتصاف لا يحسن الالم وانما تحسنه المنافع العظيمة الموفية عليه، وفي علمنا بحسن ذلك أجمع دليل على أن عوضه عليه، وما يفعله الله تعالى من الالام ويأمر به وجوبا أو ندبا فلابد فيه من العوض، والاعتبار على ما بيناه. فأما ما يبيحه فوجه حسنه أنه لطف لغير الذابح، لان الواحد منا لا يجب عليه لطف الغير على ما بيناه، فإذا كان في ذلك لطف لغير الذابح فان علم الله

1) كذا في ج وفى ر " بلدا لا قبله ورأى البلد وخرج منها ".
2) الزيادة ليست في ر.

[ 90 ]

تعالى أنه يفعل حصل الغرض وان علم أنه لا يفعل فعل ما يقوم مقامه في باب اللطف. وقيل وجه الحسن في ذلك ما فيه من العوض والانتفاع به بالاكل، لان الغرض الديني والدنياوي يخرج ذلك من كونه عبثا، ومتى الجأ الله تعالى غيره، إلى الاضرار بحي فعوضه عليه تعالى، لان الالجاء آكد من الامر والاباحة. فعلى هذا متى ألجأ بالبرد الشديد إلى العدو على الشوك طلبا للخلاص كان العوض عليه تعالى فيما يناله من الالم بالشوك، وأما إذا ألجأه إلى الهرب من السبع أو اللص أو العدو على الشوك فالعوض على الملجئ دون الله تعالى، لانه فعل السبب الموجب للهرب دون علمه بوجوب الهرب، لان علمه بوجوب ذلك كان حاصلا ولما الجأه، فعلم أن السبب الملجئ هو وقوف السبع أو اللص أو العدو دون الله تعالى الخالق للعلم بوجوب التحرز. فركوب البهائم والحمل عليها طريق حسنه السمع والعوض عليه تعالى، لانه المبيح لذلك، وفي الناس من قال طريق حسن ذلك العقل، لما في مقابلة ذلك من التكفل بمؤنتها من العلف وغيره. ولا يلزم القديم تعالى العوض من حيث مكن من الالم، لانه لو لزمه للزمنا إذا دفعنا سيفا إلى غيرنا ليجاهد به العدو متى قتل مؤمنا، لانه لولا دفع السيف لما تمكن منه وكان يلزم الحدادين وصناع السيوف العوض، وكل ذلك باطل. وكان يجب أن يقبح منا استرجاع ما غصبه الغاصب، لانه بالتمكن قد ضمن العوض وذلك باطل. والعوض على الواحد منا إذا فعله على وجه الظلم ويجب أن يكون المعلوم من حاله أنه يستحق في الحال كمثل ما يستحق عليه لمكن الانتصاف منه والانتصاف واجب. وفي الناس من قال يجوز أن يتفضل الله عليه بذلك ويتقل عنه. وهذا غير

[ 91 ]

صحيح، لان التفضل غير واجب والانتصاف واجب فكيف تعلق بما ليس بواجب، وعلى هذا يجب أن يكون مستحقا في الحال لمثل ما يستحق عليه دون أن يكون المعلوم من حاله أنه لا يخرج من دار الدنيا الا وهو مستحق له على ما ذهب إليه أبو هاشم، لمثل ما قلناه من أن الانتصاف واجب والتقية ليست واجبة. وأما ما يفعله الواحد منا بنفسه من الالام فانه لا يستحق عليها العوض، لان من شرط المستحق أن يكون غير المستحق عليه، وذلك لا يصح فيما بين الانسان ونفسه، غير أنه يستحق ذما ان كان قبيحا ومدحا ان كان حسنا له مدخل في استحقاق المدح. وليس من شرط من يستحق عليه العوض أن يكون عاقلا، لان البهائم تستحق عليها الاعواض، لانا بينا أن العوض على المؤلم دون الممكن، ومن ألجأ غيره إلى الاضرار استحق عليه العوض سواء أضر بنفسه أو بغيره، لانه في حكم ما فعله الملجئ بنفسه. ومن وضع طفلا تحت البرد حتى هلك فالعوض على الواضع دونه تعالى لانه بتعريضه للهلاك كأنه فعل نفس الهلاك، ولذلك يذمه العقلاء على هلاك الصبي وان كان ذلك من فعل الله، لانه بتعريضه للهلاك كأنه فعل نفس الهلاك وقد ورد الخبر بأن الله تعالى ينتصف للشاة الجماء من الشاة القرناء 1)، فدل ذلك على أن العوض على المؤلم وان لم يكن عاقلا. والعوض يستحق منقطعا، لانه لو استحق دائما لما حسن تحمل ألم في الشاهد لمنافع منقطعة كما لا يحسن منها تحمله من غير عوض وقد علمنا حسنه،

1) ورد في بحار الانوار 7 / 245 حديث عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال " ينتصف للجماء من القرناء ".

[ 92 ]

فدل على أن ما يستحق من العوض منقطع. ثم انه ينظر فان أمكن توفيته في دار الدنيا توفت عليه كما توفت على الكفار، وان تأخر إلى الاخرة فعل به مفرقا على وجه إذا انقطع لا يحس بفقده فيغتم له. وأيضا فلو كان المستحق دائما لما صح فعله بالكفار، والاحباط لا يدخل فيه عندنا وعند أكثرهم في العوض، فدل على أنه منقطع. ويجوز أن يوصل العوض إلى مستحقه وان لم يعلم أنه مستحق لذلك، [ بخلاف الثواب الذي من شرطه أن يعلم المستحق أنه مستحق لذلك ] 1). وكل عوض يستحقه الواحد منا على غيره مما له المطالبة به في الدنيا وله استيفاؤه، فانه متى أسقطه بهبة أو ابراء فانه يسقط كسائر حقوقه. فأما العوض الذي يستحق على الله تعالى أو بعضنا على بعض على وجه يتأخر استيفاؤه إلى الاخرة فليس يسقط باسقاطه، لان الله تعالى هو المستوفى له وهو كالمحجور عليه، فالاسقاط تابع للمطالبة، فمن ليس له المطالبة ليس له الاسقاط. فعلى هذا يؤثر التحليل والابراء في الحقوق التي لها المطالبة بها دون ما ليس لها المطالبة به. ولما كان اللطف واجبا في التكليف على ما مضى القول فيه وكان من جملة الالطاف معرفة الله على صفاته وجب أن نبين الكلام في المعارف على وجه الاختصار، وانا أذكر من ذلك جملة مقنعة في هذا الباب. واعلم أن المعرفة هي العلم بعينه، والعلم هو ما اقتضى سكون النفس إلى ما يتناوله، ولا يكون كذلك الا وهو اعتقاد للشئ على ما هو به مع سكون النفس، غير أنه لا يجب ذكره في الحد كما لا يجب ذكر كونه عرضا ومحدثا وحالا في محل وغير ذلك، لان الذي يتميز به سكون النفس فيجب أن يقتصر عليه. والعلم على ضربين: ضروري، ومكتسب. فالضروري ما كان من فعل

1) الزيادة ليست في ر.

[ 93 ]

غيرنا فينا على وجه لا يمكننا دفعه عن نفوسنا. والعلم الضروري على ضربين: أحدهما يحصل في العاقل ابتداء، والثاني يحصل عند سبب. فالاول كالعلم بأن الموجود لا يخلو من أن يكون له أول أو لا أول له، والمعلوم لا يخلو من أن يكون ثابتا أو منتفيا، وما شاكل ذلك مما هو مذكور في أول العقل وقد بيناه. وما يحصل عند السبب على ضربين: أحدهما يحصل وجوبا كالعلم بالمشاهدات مع ارتفاع اللبس، والثاني يحصل عند سببه بالعادة. وهو على ضربين: أحدهما العادة فيه مستمرة غير مختلفة كالعلم بالبلدان والوقائع عند من قال هو ضروري، والثاني العادة فيه مختلفة كالعلم بالصنائع عند الممارسة والعلم بالحفظ عند تكرار الدرس. والمكتسب هو كل ما كان من فعلنا من العلوم، وهو على ضربين: احدهما يحصل متولدا عن نظر، والاخر يحصل من غير نظر. فما يحصل عن نظر فسنذكر أوصافه، والثاني فنحو ما يفعله المنتبه من نومه وقد كان عالما بالله وصفاته، فإذا انتبه وتذكر نظره فعل اعتقادا لما كان له معتقدا فيكون ذلك الاعتقاد علما. ولا بد أن يفعل هذا الاعتقاد عند التذكر لانه ملجأ إلى فعله، ولا يمكن أن يكون واقعا عن نظر، لانه لو كان كذلك لترتبت فحسن ترتب النظر في زمان متراخ، والمعلوم خلافه. والعلوم الكسبية من فعلنا، لوجوب وقوعها بحسب دواعينا وأحوالنا، ففارقت بذلك العلوم الضرورية التي تحصل من فعل الله تعالى. وسكون النفس الذي اعتبرناه هو ما يجده الانسان من نفسه عند العلم بالمشاهدات وأنه لا يضطرب عليه ولا يشك فيه، وان كان طريقة الاستدلال أمكنه حل كل شبهة تدخل عليه. فأما ما يحكى عن السوفسطائية من الخلاف فيه فلا اعتبار

[ 94 ]

به، لان المعلوم ضرورة خلاف قولهم. على أن القوم انما خالفوا في صفة العلم وظنوا أن ذلك ظن وحسبان دون أن يكون ذلك علما يقينا. والعلم بالفرق بين العلم والظن طريقه الدليل وان كان في العلوم ما يقع عن نظر فيحتاج أن نبين حقيقة النظر. والنظر هو الفكر، ويجد الواحد منا نفسه كذلك ضرورة، ويفصل بين كونه مفكرا وبين كونه مريدا أو كارها. والفكر هو التأمل في الشئ المفكر فيه والتمثيل بينه وبين غيره، وبهذا يتميز من سائر الاعراض من الارادة والاعتقاد. وليس في المتعلقات بأغيارها شئ يتعلق بكون الشئ على صفة أو ليس عليها غير النظر. والناظر من كان على صفة مثل ما قلناه في كونه عالما ومريدا، وليس الناظر من فعل النظر، بدلالة أنه يجد نفسه ناظرة ولا يجد نفسه فاعلة. ومن شأن الناظر أن لا يكون ساهيا ويكون اما عالما أو ظانا أو معتقدا. ومن شرط الناظر أن يجوز كون المنظور فيه على ما ظنه وأنه ليس عليه. وهذا التحرير يحصل مع الشك والظن واعتقاد ليس بعلم، وانما يرتفع مع العلم أو الجهل الواقع عن شبهة، لان الجاهل يتصور نفسه تصور العالم، فلا يجوز كون ما اعتقده على خلاف ما اعتقده، وان كان السكون لا يكون معه وانما يكون مع العلم. ومن شأن النظر إذا كان مولدا للعلم أن يكون واقعا في دليل، وإذا كان مقتضيا للظن أن يكون واقعا في أمارة ومتعلقا بها. ومن حق النظر المولد للعلم أن يكون الناظر عالما بالدليل على الوجه الذي يدل ليصح أن يولد نظره العلم. ومتى كان معتقدا للدليل غير عالم به صح أن يقع منه النظر، غير أنه لا يولد نظره العلم، لانه لو لم يكن عالما بالدليل لم يمتنع أن يكون عالما بأن زيدا قادر

[ 95 ]

من حيث صح منه الفعل مع ظنه أن الفعل يصح منه وهو غير عالم ومع الظن تجويز كونه على خلاف ما ظنه، فلا يصح أن يكون قاطعا على كونه قادرا مع تجويز أن يتعذر منه الفعل. ومتى ولد النظر العلم وانما يولده في الثاني ولا يصح ان يولده في الحال، لانه لا يجوز أن يكون في حال كونه ناظرا عالما بالمدلول على ما بيناه، فجرى مجرى الاعتماد سواء. والذي يدل على أنه يولد العلم، ما علمناه من أنه متى نظر في الدليل من الوجه الذي يدل وتكاملت شروطه وجب حصول العلم، فلو لم يكن مولدا له لما وجب ذلك. وانما قلنا ان ذلك واجب، لانه محال أن ينظر في صحة الفعل من زيد وتعذره على عمرو ولا يعلم أنه مفارق له، وفي وجوب حصول ذلك دليل على أنه متولد. ويدل أيضا على أنه مولد للعلم أنه يقع العلم بحسنه، لان من نظر في حدوث الاجسام علم حدوثها دون الطب والهندسة، وكذلك إذا نظر في صحة الفعل من زيد علمه قادرا دون أن يعلم أن عمرا بتلك الصفة. ولا يلزم على ذلك الادراك وانه يحصل العلم بحسنه، لان الادراك ليس معنى. وأيضا فلو كان معنى فانه يحصل في البهيمة والعلم مرتفع، فلو كان مولدا لحصل على كل حال. وأيضا فانا نعلم أن العلم يكثر بكثرة النظر ويقل بقلته، فجرى مجرى الصوت والالم، فكلما أن الضرب مولد للالم فكذلك النظر. فان قيل: لو ولد النظر العلم لولده لمخالفيكم مع أنهم ينظرون كنظركم. قلنا: لو نظروا كنظرنا لولد لهم العلم كما ولدنا، فإذا لم يحصل لهم العلم

[ 96 ]

علمنا أنهم أخلو بشرط من شرائطه، ومتى فرضنا أنهم لم يخلوا بشئ من ذلك فهم عالمون الا أنهم مكابرون. والنظر لا يولد الجهل، لانه لو ولده لقبح النظر كله، لان ما يؤدي إلى القبيح قبيح، وقد علمنا حسن كثير من الانظار. وانما قلنا يؤدي إلى ذلك لان الناظر لا يفصل بين النظر المؤدي إلى العلم وبين النظر المؤدي إلى الجهل، وكان ينبغي أن يقبح كله. والتقليد قبيح في العقل، لانه لو كان صحيحا لم يكن تقليد الموحد أولى من تقليد الملحد مع ارتفاع النظر. ولا يمكن أن يرجح قول الاكثر أو قول من يظهر الورع والزهد، لان جميع ذلك يتفق في المحق والمبطل، وقد استوفينا ذلك في أول الكتاب. وأيضا فلو حسن التقليد لقبح اظهار المعجزات على أيدي الانبياء، لانها كانت تكون عبثا، لان التقليد على هذا المذهب جائز من دونها. فان قيل: كيف يكلف الله المعرفة وهي تجري مجرى الحدس والتخمين لان الناظر لا يدري أن نظره يولد علما أو غيره وانما يعلم ذلك بعد حصول العلم. قيل له: إذا علمنا حسن النظر بل وجوبه علمنا أنه لا يثمر جهلا ولا قبيحا فيأمن من عاقبته أن تكون غير محمودة، ولو قدح ذلك في وجوب المعرفة لقدح في كل نظر، والمعلوم خلافه. وبمثله نجيب من قال: كيف يجب علينا مالا نعرفه ولا نميزه. بأن نقول: تميز السبب ومعرفته تغني عن تميز المسبب على التفصيل، والعاقل يميز النظر فكأنه ميز المعرفة. ووجه وجوب النظر خوف المضرة من تركه وتأميل زوالها بفعله، فيجب

[ 97 ]

النظر تحرزا من الضرر كسائر الافعال التي تجري هذا المجرى. ولا فرق بين أن تكون المضرة معلومة أو مظنونة في وجوب التحرز منها، لان جميع المضار في الشاهد مظنونة ومع هذا يجب التحرز منها. ولا يبلغ الخوف من ترك النظر إلى حد الالجاء المسقط للوجوب، لان المضرة انما تلجئ إذا كانت عاجلة كبيرة والمضرة المخوفة بترك النظر دينية آجلة فلا تكون ملجئة، فعلى هذا المحرك على النظر والمخوف من تركه بينه على جهة الخوف وأمارته على ما سنذكره، فإذا خاف العقاب بتركه وامل زواله بالنظر وجب النظر وان كثر وشق، لان الذي يأمل زواله بالنظر أعظم وأغلظ. والعلم بوجوب النظر عند الخوف بالخاطر وغيره ضروري عام للعقلا، وكل عاقل يعلم ذلك من نفسه. ولا يلزم على ذلك ما تقوله المقلدة وأصحاب المعارف من أنا لا نخاف من ترك النظر على ما يدعونه، وذلك أن أول ما فيه انا لا نعرف من اصحاب المعارف من لا يجوز على مثل ادعاء ما يعلم من نفسه خلافه. فأما من ذهب إلى التقليد فانما ينكر المناظرة دون النظر، والمناظرة غير النظر، ومع هذا ربما التجؤا إلى المناظرة في كثير من الاحوال. على أنا نقول العلم بوجوب النظر للفصل في طريق المعرفة انما يحصل عند الخوف في ابتداء التكليف ويحصل لبعض العقلاء في حال لا يحصل فيها لجميعهم لاختلاف أحوالهم فلا يمتنع أن يدخل بعضهم على نفسه شبهة فيزول هذا الخوف. فلا يعلم وجوب النظر عليه، لان العلم بوجوب هذا النظر انما هو علم بوجوب ما له صفة مخصوصة يجوز أن يعترض شبهة فيها. وجرى ذلك مجرى ادخال الخوارج شبهة على نفوسهم في قتل مخالفهم الذي هو ظلم على الحقيقة حتى اعتقدوا حسنه لما جهلوا صفته المخصوصة.

[ 98 ]

وقيل أيضا: ان الخوف إذا كان مغمورا ببعض الامور فلا يجده الانسان من نفسه، كما ان من أشرف على الموت وعليه حقوق ومظالم لابد أن يخاف من ترك الوصية واهمالها، ومع هذا ربما ذهب عنها لبعض ما يغمره من الامراض. فإذا ثبت ذلك فأول فعل يجب على المكلف مما لا يخلو مع كمال عقله منه النظر في طريق معرفة الله، فقلنا " اول " لئلا يلزم ما يتقدمه أو يقارنه: وقلنا " فعل " تحرزا من الامتناع من القبائح، لان ذلك ليس بفعل. ولا يحتاج أن يقال " مقصودا " تحرزا من ارادة النظر، لان العاقل عند الخوف ملجأ إلى فعل الارادة كما هو ملجأ إلى الخوف عند التنبيه على الامارة وذلك خارج عن التكليف. وقلنا " مما لا يخلو مع كمال عقله " لان جميع الواجبات العقلية التي هي وجوب رد الوديعة والانصاف وقضاء الدين وشكر النعمة قد يخلو العاقل من جميع ذلك وان لم يخل من وجوب النظر. وأما الواجبات الشرعية فانها فرع على معرفة الله تعالى ومعرفة رسوله، فهي متأخرة لا محالة. والخوف الذي يقف وجوب النظر عليه يحصل بأشياء: (أحدها) ان ينشأ بين العقلاء ويسمع اختلافهم وتخويف بعضهم لبعض فلا بد أن يخاف من ترك النظر في أقوالهم إذا ترك حب الشوق التقليد وأنصف من نفسه وعمل بموجب عقله، أو يتنبه على ذلك من قبل نفسه إذا رأى امارات لائحة وجهات الخوف معترضة فلا بد أن يخاف. وهذا يجوز أن يكون حكم الذي خلقه الله وحده، فان لم يتفق ذلك أخطر الله تعالى ما يتضمن جهة الخوف وامارته والتنبيه عليها اما بكلام يسمعه داخل أذنه أو يفعله في الهواء أو يبعث إليه من يخوفه، وكل ذلك جائز. فإذا حصل الخوف وجب النظر.

[ 99 ]

والذي يتضمن الخاطر هو التخويف من اهمال النظر، ولا بد أن يتنبه على امارة الخوف، لان الخوف الذي لا أمارة له لا حكم له، غير أنه يجب تنبيهه على جهة وجوب المعرفة ليعلم الحسن بهذا التخويف، لان من هدد غيره على أكل طعام بعينه بالقتل يجب عليه الامتناع من اكله ولا يعلم قبح الامتناع ولا حسنه فإذا قال لا تأكله فان فيه سما وينبهه على جهة امارة كون السم فيه علم حسن ايجاب الامتناع من الاكل. فعلى هذا يجب أن يتضمن الخاطر انك تجد في نفسك آثار الصنعة، فلا تأمن أن يكون لك صانع صنعك ودبرك أراد منك معرفته لتفعل الواجب عليك في عقلك وتنهى عن القبيح وأنت تجد في عقلك قبح أفعال فيها لك نفع عاجل ووجوب أفعال عليك فيها مشقة عاجلة، وتعلم استحقاق الذم على القبيح فان الذم مما يضرك ويغمك فلا تأمن من أن تستحق مع الذم زائدا على العقاب والالم، ومعلوم أن استحقاق أحدهما أمارة لاستحقاق الاخر. ثم نقول: متى لم تعرف الله بصفاته وأنه قادر على مجازاتك على القبيح بالعقاب كنت إلى فعل القبيح أقرب ومن تركه أبعد، وإذا عرفته تكون من فعل القبيح أبعد والى فعل الواجب أقرب، فيجب عليك حينئذ النظر مع هذا التنبيه على ما ذكرناه. وكل خاطر يعارض هذا الخاطر ويؤثر فلابد أن يمنع الله منه وما لا يعارضه ولا يؤثر فيه لا يجب المنع منه، لان للعاقل طريقا إلى دفعه بعقله. ومعرفة الله تعالى واجبة على كل مكلف، لان ما هو لطف للمكلف من العلم باستحقاق الثواب والعقاب لا يتم الا بها، وذلك عام في جميع المكلفين، فيجب أن يكون معرفته واجبة على كل مكلف. وانما قلنا ان اللطف في التكلف لا يتم الا معها لان من المعلوم ضرورة أن من

[ 100 ]

علم استحقاق العقاب على المعاصي زائدا على استحقاق الذم كان ذلك صارفا له عن فعل القبيح، وكذلك من علم استحقاق الثواب على الطاعة زائدا على المدح كان ذلك داعيا إلى فعله، وإذا كان العلم باستحقاق الثواب والعقاب لا يتم الا بعد العلم بالله تعالى على صفاته من كونه قادرا عالما وجبت معرفته بهذه الصفة. فيعلم كونه قادرا ليعلم أنه قادر على عقابه وثوابه، ويعلم أنه عالم ليعلم بمبلغ المستحق، ويعلمه حكيما ليعلم أنه لا يخل بواجب من الثواب ولا يفعل القبيح من عقاب غير مستحق. فاللطف في الحقيقة هو العلم باستحقاق الثواب والعقاب. ألا أنه لا يتم ذلك الا بعد معرفته تعالى على صفاته وجبت معرفته على صفاته، ولما كانت معرفته لا يوصل إليها الا بالنظر وجب النظر. والمعرفة الضرورية لا تقوم في ذلك مقام الكسيبة، لانها لو قامت مقامها لفعلها في الكافر، ونحن نعلم أن كثيرا من الكفار يموت على كفره، فعلم أن الضرورية ليست لطفا. ومن ادعى أن الكفار عارفون كابر، لان المعلوم ضرورة موت كثير من الخلق كأبي جهل وأبي لهب على كفرهم. وأيضا كان يجب أن يفعل فينا ونحن نعلم من أنفسنا انا لسنا مضطرين إلى معرفة الله، فبطل أن تكون الضرورية لطفا. وقيل انها لو كانت لطفا لكانت الكسبية آكد، لان من تكلف مشقة ليبلغ بها غرضا لا يكون تمسكه بذلك الشئ إذا وصل إليه كتمسكه إذا حصل له الشئ من غير مشقة، وشبه ذلك بمن تكلف بناء دار وأنفق عليها ماله وأفنى زمانه لا يكون في تمسكه بها كمن وهبت له تلك الدار، وكذلك من سافر في طلب العلم وتحمل المشاق لا يكون حكمه في التعليم حكم من يقصده العلماء ويقعدون قدامه، والعلم بذلك ضروري. وإذا كانت المكتسبة آكد وجبت دون الضرورية.

[ 101 ]

فان قيل: لو كانت المعرفة لطفا لما عصى أحد. قلنا: اللطف لا يوجب الفعل وانما يدعو إليه ويقوى الداعي إليه ويسهله فربما وقع عنده الفعل وربما يكون معه أقرب وان لم يقع، والنوافل انما لم تكن واجبة لانها مسهلة للواجبات مؤكدة للداعي. وعندي انها انما لم تجب لانها لطف في المندوبات العقلية، فهي تابعة لما هي لطف فيه. ويجب أن يبقي الله تعالى المكلف قدرا من الزمان يتمكن فيه من تحصيل كمال المعارف به وصفاته وتوحيده وعدله وبعده زمانا يمكنه فعل واجب أو ترك قبيح، لان الغرض بايجاب المعرفة كونها لطفا في الواجبات العقلية فلا بد من ذلك. فصل (في الكلام في الاجال والارزاق والاسعار) الاجل والوقت عبارتان عن معنى واحد، والوقت هو الحادث أو ما تقديره تقدير الحادث الذي تعلق حدوث غيره به. لانا نجعل طلوع الهلال وقتا لقدوم زيد فان كان عالما بطلوع الهلال وغير عالم بقدوم زيد فان كان عالما بقدوم زيد وغير عالم بطلوع الهلال جاز أن يوقت طلوع الهلال بقدوم زيد. وما تقديره تقدير الحادث هو أن يقال قدم زيد حين قضى عمرو نحبه، لان " قضى نحبه " أمر متجدد فجرى مجرى حادث. وعلى هذا لا يجوز التوقيت بالقديم والباقيات، لانها لا حادثة ولا جارية مجرى الحادث. فإذا ثبت ذلك فأجل الدين هو وقت حلوله واستحقاقه وأجل الاجارة عند انقضاء المدة المعقود عليها، وأجل الموت هو وقت حصول الموت فيه، وأجل القتل هو وقت حصول القتل، فإذا كان لا وقت لموته وقتله الا واحدا وهو الذي

[ 102 ]

حدث فيه موته أو قتله وكذلك الاجل. فعلى هذا إذا علم الله تعالى أنه لو لم يقتل فيه لعاش إليه لا يسمى أجلا، لان الموت أو القتل لم يقع فيه وبالتقدير لا يسمى أجلا كما لا يسمى بالتقدير وقتا إذا لم يقع فيه الموت أو القتل. فعلى هذا لا يكون للانسان أجلان واكثر، ولا يسمى بذلك الا مجازا كما لا يسمى بالتقدير شئ رزقا ولا ملكا إذا لم يرزق ولم يملك. ألا ترى أنه إذا علم الله من حال زيد أنه لو بقاه لرزقه أولادا وأموالا وولي ولايات لا يقال ان له أولادا وأموالا وولايات وان كان لو وصل إليها لوصف بذلك. وقوله " وهو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده " 1). لا يدل على اثبات أجلين، لانه تعالى لم يصرح بأنهما أجلان لامر واحد. ويحتمل أن يكون اراد بالاجل الاول أجل الموت في الدنيا والاجل الاخر حياتهم في الاخرة، والحياة لها أجل كأجل الموت. وهذا يكون عاما في جميع الخلق وما قالوه لا يكون إلا خاصا لانه ليس لكل احد أجلان عند المخالف بل ذلك لبعضهم دون بعض. وقوله تعالى " لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين " 2) وقوله " يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى " 3) لا حجة فيه لانه لا يمتنع أن يسمى المقدور بأنه أجل مجازا، وانما منعنا منه حقيقة بدلالة ما قدمناه. فأما من قتل فالصحيح انه لو لم يقتل لكان يجوز أن يعيش ولا يقطع على بقائه ولا على موته على ما يذهب إليه طائفتان مختلفتان. وانما قلنا ذلك لان الله تعالى قادر على احيائه واماتته، ولا دليل على القطع على أحدهما، فيجب

1) سورة الانعام: 2.
2) سورة النساء: 77.
3) سورة نوح: 4.

[ 103 ]

أن يجوز كلا الامرين ويشك فيه، لانه لا يمتنع أن تتعلق المصلحة بكل واحد من الامرين. ويلزم من قال بوجوب الموت لو لم يقتل ان كل من مات بسبب من جهة الله من غرق أو هدم وما أشبههما، انه لو لم يكن ذلك لمات لا محالة. ويلزم أن يكون من ذبح غنم غيره بغير اذنه محسنا إليه ولا يكون مسيئا لانه بالذبح قد جعله بحيث ينتفع بها ولو لم يذبحها لماتت ولم ينتفع بها فكان ينبغي أن يمدحه ولا يذمه، ولا يقبل العقلاء عذره إذا قال لو لم أذبحها لماتت فما أسأت إليه، بل كلهم يذمونه ويقولون أسأت إليه. ولا يلزمنا إذا جوزنا موتها مثل ذلك، لان بالتجويز لا يخرج عن كونه مسيئا وانما بالقطع يخرج. ويجري ذلك مجرى تجويزنا فيمن سلب مال غيره وغصبه اياه أن يكون الفقر اصلح له في دينه من الغنى، ولا يقتضي تجويزنا ذلك حين سلب المال لاجل التجويز، وكذلك لا ينبغي أن يقطع على أنه لو لم يقتل لعاش لا محالة، لانه لولا يمتنع انه لو لم يقتل لاقتضت المصلحة اماتته، فالشك هو العرض. ولا يخرج هذا التجويز القاتل من كونه ظالما، لانه أدخل ضررا غير مستحق على غيره لا لدفع ضرر ولا اجتلاب نفع، وهذا حقيقة الظلم. والقديم تعالى إذا أماته لا يقطع على أنه أدخل عليه ألما، ومتى أدخله عوضه عوضا يخرجه من كونه ظلما. وليس كذلك إذا قلناه، لان ذلك الالم قبيح لا محالة. والعوض الذي ينتصف الله منه في مقابلته يعذر ولا يخرجه من كونه ظلما. فان قيل: فيمن قتل خلقا عظيما أو ذبح غنما كثيرة في حالة واحدة فهل تجوزون موتهم في حالة واحدة أو بقاءهم، فان أجزتم موتهم في حالة واحدة فالعادة بخلاف ذلك وان لم تجيزوه بطل قولكم في التجويز.

[ 104 ]

قلنا: لا يجوز أن يتفق قتل الخلق العظيم في وقت يعلم الله تعالى أن الصلاح احترام جميعهم لولا القتل، وليس ذلك بمبطل لما قلناه، لان الكلام في كل مقتول معين أن يجوز بقاؤه وموته على حد واحد، لان الواحد ومن يجري مجراه يجوز أن يتفق مثله في وقت كان يجوز أن تقتضي المصلحة اماتته لولا القتل كما يجوز اتفاق الصدق من الواحد والاثنين في خبر بعينه وان لم يكن ذلك في الجماعة جائزا. واما الرزق فهو ما صح الانتفاع به للمرزوق على وجه ليس لاحد منعه أو ما هو بالانتفاع به أولى. والدليل على ذلك: ان ما اختص بهذه الصفة سمي رزقا وما لا يكن كذلك لا يسمى رزقا. ولا يصح الرزق عليه تعالى، لاستحالة المنافع عليه. والبهائم مرزوقة لجواز الانتفاع عليها، وكل شئ ليس لنا منعها منه فهو رزقها نحو شرب الماء من النهر الكبير أو ما تأخذ بفيها من الكلا المباح. وقيل ذلك لا يسمى زرقا لها، لان لنا منعها منه بالسبق لها إليه، ومتى سمي الكلا والماء قبل التناول بأنه رزق لانسان أو بهيمة كان مجازا، ومعناه أنه يصير رزقا له إذا تناوله. والملك والرزق يتداخلان في الشاهد ولا ينفصلان، والقديم يوصف بأنه مالك ولا يوصف بأنه مرزوق، لما قلناه من استحالة المنافع عليه، فصار من شرط تسميته رزقا صحة الانتفاع به، وليس ذلك من شرط تسميته بالملك. وفي الناس من قال الملك منفصل من الرزق لانهم يقولون في الكلا والماء انه رزق للبهائم ولا يسمونه بأنه ملك لها.

[ 105 ]

والصحيح الاول، وانما لا يسمى رزق البهيمة ملكا لان من شرط تسميته بالملك أن يكون عاقلا أو في حكم العاقل من الاطفال والمجانين. وقالوا أيضا: من أباح طعامه لغيره يوصف بأنه رزق له ولا يقال أنه ملكه قبل تناوله. قلنا: لا فرق بينهما، لان قبل تناوله فهو رزقه وملكه وليس له منعه منه كالكلأ والماء، ويجوز تسمية الولد بأنه رزق، وكذلك العقل لا يمتنع أيضا تسميته بأنه ملك والمعنى ان له الانتفاع بولده وبعقله، فلا فرق بينهما. وحقيقة الملك أن من يقدر على التصرف في شئ ليس للاخر منعه منه فهو مالك له، ويسمى الله تعالى بأنه مالك يوم الدين لهذا المعنى، ولذلك يوصف الانسان بأنه يملك داره وعبده لانه يقدر على التصرف فيهما وليس لاحد منعه فيه، ولذلك لا تسمى دار غيره بأنها ملكه وان كان قادرا على التصرف فيها لان للغير منعه منها. فإذا ثبت ذلك فالحرام ليس برزق لنا، لان الله تعالى منع عنه بالحظر ويجب علينا المنع منه مع الامكان، ولو كان الحرام رزقا للزم أن يكون أموال الناس رزقا للغاصبين والظالمين ويلزم فيمن وطئ زوجة غيره أن يكون ذلك رزقا له كما أنه إذا وطئ زوجة نفسه يكون كذلك. وقد أمر الله تعالى بالاتفاق من الرزق في قوله " وأنفقوا مما رزقناكم " 1) ومدح عليه بقوله " ومما رزقناهم ينفقون " 2) ولا خلاف في أنه ليس له أن ينفق من الحرام، وإذا أنفق لا يستحق المدح بل يستحق الذم. ويصح أن يأكل الانسان رزق غيره كما يصح أن يأكل مال غيره.

1) سورة المنافقون: 10.
2) سورة البقرة: 3.

[ 106 ]

والرزق يضاف إلى الله تعالى تارة وأخرى إلى العباد، فإذا أريد بالرزق الجسم الذي يصح الانتفاع به أو بطعمه أو رائحته فمعلوم أن ذلك من خلق الله تعالى فيضاف إليه لا محالة، ومتى عبر به عن تصرفنا فيه على الوجه الذي ينتفع به فانه أيضا يضاف إليه تعالى، لانه لولاه لما صح منا التصرف والانتفاع به، لانه مكن منه بالقدرة والالات، ولو لم يكن الا خلق الحياة والشهوة لكفى لانهما الاصل في المنافع، فاضافته إليه تعالى من هذا الوجه واجبة. وأما ما يضاف إلى الواحد منا فيجوز أن يهبه له أو يوصى له وما يجري مجراه، فانه يقال رزقه. ومن ذلك قولهم ان رزق السلطان جنده ولا يقال فيما يملك بالمعاوضة بالبيع انه رزق من البائع، لانه قد أخذ عوضه، ولا يقال في الميراث انه رزق من الميت لان سبب ذلك من غير جهته وبغير اختياره، وكذلك لا يقال ان الغنائم رزق من الكفار لانها بغير اختيارهم، بل كل ذلك رزق من الله تعالى الذي حكم به. واما السعر فانه عبارة عن تقدير البدل فيما يباع به الاشياء، ولا يسمى نفس البدل بأنه سعر، فلا يقولون فيمن معه دراهم ودنانير ان معه أسعارا وان كانت اثمانا للمبيعات وبوصف تقديرها بذلك فيقال هذا المتاع بكذا وكذا درهما. ولا يلزم على ذلك قيم المتلفات أن يسمى سعرا، لانا تحرزنا منه بقولنا " فيما يباع به الاشياء ". وفي الناس من شرط في حد السعر أن يكون ذلك على جهة التراضي، احترازا من قيم المتلفات. وذكر البيع على ما قلناه يغني عن ذلك. والسعر يكون غالبا ويكون رخيصا، فالرخص هو انحطاط السعر عما جرت

[ 107 ]

به العادة في وقت ومكان مخصوص، لان انحطاط سعر الثلج في الجبال الباردة لا يسمى رخيصا وكذلك في زمان الشتاء، فلذلك اعتبرنا الوقت والمكان. والغلاء هو زيادة السعر على ما جرت به العادة والوقت والمكان واحد لمثل ما قلناه في الرخص. ويضاف الرخص والغلاء إلى من فعل سببهما، فان كان سببهما من جهة الله أضفنا إليه، وان كان سببهما من جهة العباد أضيفا إليهم، فما يكون سببه من الله تعالى في الرخص فهو تكثير الحبوب وتقليل الناس وتنقيص شهواتهم للاقوات فيرخص عند ذلك فيضاف إلى الله تعالى، وسبب الغلاء عكس ذلك من تقليل الحبوب وتكثير الناس وتقوية شهواتهم للاقوات، فيغلو فيضاف عند ذلك إلى الله. وما يكون سببه من العباد في الرخص فنحو جلب الغلات وبيعها أو حمل الناس على ذلك والزامهم اياهم بنقصان من السعر، وعكس ذلك الغلاء بأن يحتكروا الغلات ويمنعوا من جلبها ويسعروها بأثمان غالية على العباد، فتنسب عند ذلك الغلاء والرخص إلى العباد الذين سببوا ذلك. فصل (في الكلام في الوعد والوعيد وما يتصل بهما) الوعد عبارة عن الاخبار بوصول نفع إلى الموعود له، والوعيد عبارة عن الاخبار بوصول ضرر إليه. والمستحق بالافعال ستة أشياء مدح وذم وثواب وعقاب وشكر وعوض: فالمدح عبارة عن القول المتضمن لعظم حال الممدوح، ولا يصير مدحا الا بثلاثة شروط: أحدها أن يقصد به التعظيم، وثانيها أن يكون اللفظ موضوعا للتعظيم في تلك اللغة، وثالثها أن يكون عالما بعظم حال الممدوح.

[ 108 ]

والظن والاعتقاد لا يقوم [ مقام العلم في ذلك، لان المدح لا يكون الا مستحقا ولا يصح ] 1) ذلك الا مع العلم بالاعظام، اما بأن يكون ثابتا نحو من يمدحه ويعلم من حاله ما يقتضي تعظيمه نحو الانبياء والمعصومين، أو يكون مشروطا كمدح من غاب عنا بشرط بقائه على الحال الموجبة لتعظيمه. والفعل لا يسمى مدحا حقيقة ويجوز أن يسمى بذلك مجازا. والتعظيم يدخل في القول والفعل حقيقة كقيام الانسان لغيره مع القصد إلى تعظيمه أو تقبيل رأسه. والمدح لا يكون الا خبرا يحتمل الصدق أو الكذب: كقولك فلان عالم فاضل مع القصد إلى تعظيمه. والذم هو القول المنبي عن اتضاع حال المذموم وشروط كونه ذما مثل شروط المدح سواء من القصد إلى ذلك والعلم بحاله وان كان اللفظ موضوعا له، وما يرجع إلى الفعل يسمى ذما مجازا. والاستخفاف والاهانة يكونان بالقول والفعل، لان من لا يقوم لمن يجب أن يقام له يسمى مستخفا به. والثواب هو النفع المستحق المقارن للتعظيم والاجلال، فبكونه نفعا يتميز مما ليس بنفع، وبكونه مستحقا يتميز من التفضل، وبمقارنة التعظيم والتبجيل يتميز من العوض. والعقاب هو الضرر المستحق، ومن شروطه أن يقارنه استخفاف واهانة، فبكونه ضررا يتميز من النفع، وكونه مستحقا يتميز من الالم الذي يفعل لمصلحة، ويتميز أيضا بمقارنة الاستخفاف له والاهانة له. والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم، ولا يكون كذلك الا بالقصد. والشكر حقيقة ما يرجع إلى اللسان، وقد يسمى ما يرجع إلى القلب

1) الزيادة من ج.

[ 109 ]

من التفرقة بين المحسن والمسئ شكرا، وهو مجاز. والعوض هو النفع المستحق الخالي من تعظيم وتبجيل، فبكونه نفعا يتميز من الالم، وبكونه مستحقا من النفع المتفضل به، وبكونه خاليا من تعظيم وتبجيل يتميز من الثواب على ما بيناه. ويستحق المدح بفعل الواجب والندب وبالامتناع من القبيح وباسقاط الحقوق المستحقة كاسقاط العقاب من الله تعالى، وكذلك من أسقط دينه عن غيره استحق المدح. ولا يستحق المدح الا بهذه الاربعة أشياء، لان فعل المباح والقبيح لا مدخل له في استحقاق المدح. ولا يستحق المدح بفعل الواجب الا إذا فعل لوجه وجوبه أو لوجوبه، لانه لو فعله ساهيا لما استحق المدح، ولو فعله اتباعا للشهوة لما استحق عليه المدح أيضا. والندب لا يستحق به المدح الا إذا فعل لكونه ندبا، ومتى فعل لنفع عاجل أو شهوة لم يستحق المدح. فعلى هذا لا يصح فعل الواجب والندب على الوجه الذي يستحق به المدح الا ممن كان عالما بوجوبه أو وجه وجوبه وبكونه ندبا أو وجه كونه ندبا. والقبيح لا يستحق المدح بتركه الا إذا كان تركه لكونه قبيحا، ولا بد من أن يكون عالما بالقبيح أو وجه القبيح حتى يصح منه تركه لذلك. وكلما يستحق به المدح يستحق به الثواب، بشرط حصول المشقة فيه أو في سببه أو ما يتصل به، لان الواطي لزوجته يستحق المدح والثواب، وان كان فعل لذة لكن قصر النفس عليه والتزام النفقة والمؤنة عليه فيه مشقة. ولولا المشقة لجاز أن يستحق المدح والثواب على فعل اللذات والمنافع، والمعلوم خلافه. وأيضا لو لم يعتبر حصول المشقة في استحقاق الثواب للزم أن يستحق القديم تعالى الثواب إذا فعل الواجب أو التفضل ولم يفعل القبيح، وذلك باطل.

[ 110 ]

والدليل على أن الفعل الشاق من الواجب والندب يستحق به الثواب هو أنه لا فرق في العقول بين الالزام المشاق وبين ادخال المضار، فلما كان الزام المضار لم يحسن الا للنفع - ولا بد في ذلك النفع من أن يكون عظيما وافرا حتى يحسن الزام المشاق لاجله ولا يجوز أن يكون ذلك النفع مدحا ولا عوضا لان نفس المدح ليس بنفع وانما ينتفع بالسرور الذي يتبعه، وما يتبعه من السرور لا يبلغ الحد الذي مقابل ما في فعل الواجب والامتناع من القبح من المشاق العظيمة، وذلك معلوم ضرورة. على أن السرور هو اعتقاد وصول المنافع إليه في المستقبل، سواء كان علما أو ظنا أو اعتقادا، ومتى رفعنا المنافع عن أوهامنا فلا سرور يعقل. وأما العوض هو خال من تعظيم وتبجيل، ويحسن الابتداء بمثله، ومن حق ما يستحق على الطاعة أو يقارنه التعظيم، على أن من حق العوض أن يستحق بفعله من يستحق عليه العوض. وهذا لا يصح ههنا، لان الطاعة من فعلنا والثواب يستحق عليه تعالى. ولا يجوز أن يكون المستحق عوضا، وإذا كان الملزم للواجب وجاعله شاقا هو الله تعالى وجب أن يستحق الثواب عليه دون غيره. وإذا ثبت استحقاق الثواب فليس في العقل ما يدل على أنه يستحق دائما، وانما يرجع في ذلك إلى السمع، وأجمعت الامة على أن الثواب يستحق دائما لا خلاف بينهم فيه. وكل دليل يستدل به على دوام الثواب عقلا فهو معترض، قد ذكرنا الاعتراض عليه في شرح الجمل لا نطول بذكره ههنا. وجملته أنهم قالوا الثواب يستحق بما يستحق به المدح، وإذا كان المدح يستحق دائما وجب في الثواب مثله. وقوى ذلك بأن قالوا ما أزال المدح أزال الثواب، فدل على أن جهة الاستحقاق واحدة، فإذا كان أحدهما دائما وجب أن يكون الاخر مثله. وهذا غير صحيح، لانا لا نسلم أن جهة الاستحقاقين واحدة. ألا ترى

[ 111 ]

أن القديم يستحق المدح بفعل الواجب والتفضل وان لم يستحق الثواب، ولو فعل أحدنا الواجب على وجه لا يشق عليه لاستحق المدح وان لم يستحق الثواب، ان الثواب يستحق بالمشقة والمدح يستحق بوجه الوجوب، فكيف يستحقان على وجه واحد. ومتى قيل المشقة شرط والوجه هو كونه واجبا أو ندبا، قيل بعكس ذلك ولقائل أن يقول: الوجه هو المشقة وكونه واجبا شرط. ثم يقال: ولم إذا تساويا في الشرط والوجه وجب أن يتساويا في الدوام، لانه إذا جاز أن يتساويا في هذين مع اختلافهما في الجنس جاز أن يختلفا أيضا في الدوام والانقطاع. وقولهم " ما أزال أحدهما أزال الاخر " لا نسلمه، لان عندنا لا يزيل ما يستحق منها شئ على وجه على ما نبينه في بطلان التحابط. وهذا أقوى دليل استدلوا به، وما عداه من أدلتهم ذكرناها بحيث أومأنا إليه لا نطول بذكره ههنا. وأما الذم فانه يستحق بفعل القبيح والاخلال بالواجب، لان ما عدا ذلك من أفعال المكلف من الواجب والندب والمباح لا يستحق به ذم على حال. ولا يستحق فاعل القبيح والمخل بالواجب الذم الا بعد أن يكون متمكنا من التحرز منه، بأن يكون عالما بقبح القبيح ووجوب الواجب، أو متمكنا من العلم بقبحه. وفي الناس من قال لا يستحق الذم الا على فعل، وادعوا أن من أخل بواجب لابد أن يكون فاعلا لترك قبيح يستحق به الذم، لانهم حدوا الواجب بأنه ماله ترك قبيح. وهذا غير صحيح، لان حد الواجب هو ما يستحق بالاخلال به الذم على بعض الوجوه، لان قبح الترك تابع لوجوب الوجوب فوجوب الواجب هو الاصل. وما ذكروه يؤدي إلى أن يتعلق وجوبه بقبح تركه وقبح تركه يتعلق بوجوبه

[ 112 ]

وفي ذلك تعلق كل واحد منهما بصاحبه. على أن في الواجبات ما لا ترك له أصلا. ولا يدخل الترك أيضا في فعل الله تعالى وان كان الوجوب يدخلها. على أنه قد يعلم الواجب واجبا من لا يعلم أن له تركا قبيحا، لانا نعلم وجوب رد الوديعة على من طولب بها ومتى لم يردها استحق الذم مع التمكن وان لم يعلم أنه فعل تركا، وان علمناه أنه فاعل ترك علمناه بدليل وكان يجب أن من لا يعلم أنه فعل الترك أن لا يذمه، والمعلوم خلافه. وللترك والمتروك له شروط: منها أن يكون القادر عليها واحدا والوقت الذي يفعلان فيه واحدا، أو يكونا مفعولين بالقدرة ويكونا ضدين مبتدأين. وذلك أن تقول حد الترك ما ابتدئ بالقدرة بدلا من ضد له يصح ابتداؤه على هذا الوجه. فيكون قولنا " بدلا من ضده " مغنيا عن أن نشرط فيه كون الوقت واحدا لان مع تغاير الوقت لا يوصف بالبدل، لان الفعل الواقع في وقت لا يمنع من وقوع فعل في وقت آخر وان تضادا، ومن شأن الترك والمتروك أن لا يدخلا 1) في الوجود. وقولنا " ابتدئ بالقدرة " يغني عن شرط أن يكون مباشرا، لانه لا يبتدئ بالقدرة الا المباشر، وأغنانا عن أن نقول ما ابتدئ بالقدرة في محلها، لان القدرة لا يبتدئ بها الفعل الا في محلها، وأغنى ذلك عن أن نقول والمحل واحد، لان قولنا بدل لا يصح الا والمحل واحد والجملة واحدة، فما يتضاد على المحل فكالأكوان والالوان، وما يتضاد على الحي فكالارادة والكراهة، لان أحدنا لو فعل إرادة في جزء من قلبه لكانت بدلا من ضدها من الكراهة

1) كذا في ج، وفى ر " ان يدخلا ".

[ 113 ]

وتركا لها وان كانت في محل آخر من أخرى القلب. ولا اعتبار بأن تكون القدرة واحدة على الترك والمتروك، لانا قلنا ما ابتدئ بالقدرة ولم نقل بقدرة واحدة، لان القدرة التي يفعل بها الارادة في جزء [ من قلبه غير القدرة التي يفعل بها الكراهة في جزء آخر ] 1) من القلب وان كانت الارادة تركا للكراهة. وعلى هذا التقدير لا يدخل الترك في أفعال الله تعالى، لانا شرطنا فيه الابتداء بالقدرة. ولا يدخل أيضا فيه المتولدات، لانا شرطنا في الترك والمتروك أن يكونا مبتدأين. ويدل أيضا على أن الاخلال بالواجب يستحق به الذم أن العقلاء يذمون من لم يفعل الواجب مع التمكن وان لم يعلموا أنه فعل تركا له، فيجب أن يكون ذلك كافيا في حسن الذم، لان العلم بحسن الشئ أو قبحه تابع للعلم بماله حسن أو قبح جملة أو تفصيلا فلولا أن كونه غير راد الوديعة جهة يستحق بها الذم لما حسن ذمه عند العلم بما ذكرناه، ولو وجب أن يكونا عالمين بحسن الذم وان لم يعلم جهته، وذلك باطل نبين ذلك أنا إذا علمناه فاعلا لقبيح وجه يستحق به الذم وكذلك في كونه مخلا بواجب سواء. ويدل أيضا على ذلك أنه يحسن من كل عاقل أن يعلق الذم بأن القادر لم يفعل ما وجب عليه، لان من لم يرد الوديعة مع حصول شروط وجوبها يذمونه ويقولون انه لم يرد الوديعة، فلولا أن كونه غير راد لها جهة يستحق بها الذم لما قالوا ذلك، كما لا يحسن أن يعلقوا الذم بوجه لا يستحق به ذلك من كونه عرضا وحالا في محل وغير ذلك. ويدل أيضا على ذلك أنا لو فرضنا أن القديم تعالى لم يفعل الواجب من

1) الزيادة ليست في ر.

[ 114 ]

الثواب والعوض واللطف لا يستحق به الذم، يتعالى عن ذلك. ولا يجوز الترك عليه على ما مضى، فيجب أن يكون الاخلال بالواجب جهة يستحق بها الذم كفعل القبيح، لان جهات استحقاق القبح لا تختلف باختلاف الفاعلين على ما يقوله المجبرة من نسبتهم القبائح إلى الله تعالى مع نفيهم عنه استحقاق الذم، ومتى لم يراعى هذا الاصل أدى إلى الفساد. وأما العقاب فيستحق بما يستحق به الذم من فعل القبيح والاخلال بالواجب بشرط أن يكون فاعل القبيح أو المخل بالواجب اختاره على ما فيه منفعته ومصلحته من فعل الواجب أو الاخلال بالقبيح. واعتبرنا هذا الشرط لئلا يلزم أن يستحق القديم تعالى العقاب ان فرضناه فاعلا للقبيح أو مخلا بالواجب، يتعالى الله عن ذلك. ومن شرط من يستحق منه العقاب أن يكون عالما بقبح القبيح ووجوب الواجب أو متمكنا من العلم بذلك، لان مع كل واحد من الامرين يمكنه التحرز منه، والعقل لا يدل عندنا على استحقاق العقاب وانما نعلم ذلك سمعا، وأجمع المسلمون على أن القبيح يستحق به العقاب وان اختلفوا في دوامه وانقطاعه. وقال أكثر أهل العدل ان العقل دال على استحقاق فاعل القبيح والاخلال بالواجب العقاب، قالو: لان الله تعالى أوجب علينا الواجبات على وجه يشق علينا مع امكان تعديه من المشقة وغرضنا للمشقة للثواب العظيم، ومجرد النفع لا يحسن له ايجاب الفعل وانما يؤثر في ايجابه حصول الضرر في الاخلال به فيجب من ذلك أن يكون فاعلا لقبيح، والاخلال بالواجب مستحقا لضرر عليه وهو العقاب. وانما قلنا ان مجرد النفع لا يكفى في ايجاب الفعل، لان النوافل لا يحسن ايجابها وان كان في فعلها ثواب لانه لم يكن في الاخلال بها ضرر، وكذلك

[ 115 ]

المكاسب والتجارات لا يحسن ايجابها لمجرد النفع ويحسن ذلك إذا كان في تركها ضرر. وهذا ليس بجيد، لان لقائل أن يقول: انه يكفى في حسن الايجاب وجه وجوب الافعال، لانه تعالى بالايجاب فعلمنا وجوب الافعال علينا وانما يجب علينا لوجه وجوبها، فالايجاب انما حسن لهذه الوجوه بأعيانها، فأما جعل الفعل شاقا فبإزائه الثواب والايجاب انما حسن لوجه الوجوب. والنوافل انما لم يحسن ايجابها لانه ليس لها وجه وجوب كما أن للواجبات وجه وجوب معقول يجب لاجلها، نحو كونها ردا للوديعة وقضاء الدين وما أشبه ذلك. والتجارات مثل النوافل لا وجه لوجوبها فلذلك لم يحسن ايجابها. والواحد منا وان أوجب على غيره ما ليس له وجه وجوب نحو أن يهدده بالقتل ان لم يدفع ماله إليه، فيجب عليه الدفع وان لم يكن له وجه وجوب انما كان كذلك لانه لم تثبت حكمته، والحكيم تعالى لا يحسن منه ايجاب ما ليس له وجه وجوب، فبان الفرق بينهما. فان قيل: لو لم يستحق العقاب لكان مغرى بالقبيح مع حصول شهوته، وانما ينزجر لمكان العقاب، والذم لا ينزجر به العقلاء حتى يتركوا له المشتهيات العاجلة. قلنا: يخرج من الاغراء بتجويزه استحقاق العقاب على فعل القبيح والاخلال بالواجب دون القطع عليه، كما يخرج بالتجويز عن الاغراء في زمان مهلة النظر، لانه لا طريق له هناك إلى القطع على استحقاق العقاب. وقيل أيضا انه يخرج عن الاغراء بفوت المنافع إذا فعل القبيح، لانه يعلم أنه يفوته الثواب بفعل القبيح والاخلال بالواجب، وفوت المنافع يجري مجرى حصول المضار في باب الزجر.

[ 116 ]

والمستحق للعقاب هو الله تعالى دون العباد، لاجماع الامة على أن الله تعالى هو المستحق، مع انا بينا أن نفس استحقاق العقاب لا يعلم عقلا وكيف يعلم من المستحق له، ولو استحق بعضنا على بعض العقاب لكان ذلك عاما في العقلاء وكان يجب أن يستحق عقاب فاعل القبيح جميع العقلاء وكل من يمكن خلقه حتى لا يستقر على قدر. وليس لاحد أن يقول يختص الاستحقاق بالمساء إليه، وذلك أن العقاب انما يستحق لكونه قبيحا كما يستحق الذم لذلك، وإذا كان استحقاق الذم شائعا وجب أن يكون استحقاق العقاب شائعا، وقد بينا فساده. على أن العقاب يستحق بما ليس باساءة من القبائح كالجهل والعبث والكذب وغير ذلك، فلا يمكن في ذلك الاختصاص. واعتماد المخالف في ذلك على أن ولي الدم يستحق القود وهو عقاب، باطل لان طريق ذلك الشرع، واستيفاء الولي لذلك بمنزلة استيفاء الامام وان لم يكن الامام مستحقا لعقابه بلا خلاف. ثم كيف يستحق الولي العقاب والجناية إلى غيره، واسقاط ولي الدم حقه من القود لا يدل على أنه حقه لان طريق ذلك أيضا السمع. وإذا بينا أن استحقاق العقاب لا يعلم عقلا فما لا يعلم دوامه عقلا أولى وأحرى لان الدوام كيفية، وإذا كان نفس الاستحقاق لا يعلم فكيفيته أولى بذلك. ومتى حملوا العقاب على الذم في دوامه فالكلام عليه مثل الكلام على دوام الثواب حين حملوه على استحقاق المدح سواء، وقد تكلمنا عليه فالطريقة واحدة. ومتى قالوا لو جاز انقطاع العقاب للحق المعاقب راحة إذا تصور ذلك، ومثل ذلك قالوا في الثواب انه يتبعض على المثاب إذا تصور انقطاعه، وانا

[ 117 ]

نتكلم عليه عند الكلام في الاحباط انشاء الله. والمعاصي على ضربين كفر وغير كفر، فالكفر يستحق به العقاب الدائم اجماعا لا خلاف بين الامة فيه، وما ليس بكفر ليس على دوامه دليل بل دل الدليل على انقطاعه على ما سنبينه انشاء الله. ولا تحابط عندنا بين الطاعة والمعصية ولا بين المستحق عليها من ثواب وعقاب، ومتى ثبت استحقاق الثواب فانه لا يزيله شئ من الاشياء، والعقاب إذا ثبت استحقاقه فلا يزيله شئ من الاشياء عندنا الا التفضل. ومن خالفنا يقول الثواب يزول بالندم على الطاعة والعقاب كثيرة يوفي على الثواب. والعقاب يزول بالتفضل وبالندم الذي هو التوبة، وتكثر الطاعة إذا زاد ثوابها على العقاب الحاصل. والذي يدل على بطلان التحابط أنه لا تنافي بين الطاعة والمعصية ولا بين المستحق عليهما من الثواب والعقاب ولا ما يجري مجراه التنافي، والشئ ينافي غيره لتضاد بينهما أو ما يجري مجرى التضاد. وانما قلنا لا تضاد بين الطاعة والمعصية لانهما قد ثبت أنهما من جنس واحد، بل نفس ما يقع طاعة كان يجوز أن يقع معصية. ألا ترى أن قعود الانسان في دار غيره غصبا معصية، وهو من جنس قعوده فيها باذنه، وهو جنس مباح، وهما من جنس واحد. وكذلك لا تضاد بين المستحق عليهما لمثل ذلك بعينه، لان الثواب من جنس العقاب، بل نفس ما يقع ثوابا كان يجوز أن يقع عقابا، لان الثواب هو النفع الواقع على بعض الوجوه، ولا شئ يقع نفعا الا وكان يجوز أن يقع ضررا وعقابا، بأن يصادف نفارا. ولو كان بينهما تضاد على تسليمه لما تنافى الثواب والعقاب وهما معدومان، لان الضد الحقيقي لا ينافي ضده في حال عدمه، لان السواد والبياض قد يجتمعان في العدم.

[ 118 ]

والتحابط عندهم بين المستحقين من الثواب والعقاب، وهما لا يكونان الا وهما معدومان، لانهما إذا وجدا خرجا عن كونهما مستحقين. وان شئت قلت: قد ثبت استحقاق الثواب على الطاعة، فلا وجه يقتضي ازالته، فيجب أن يكون ثابتا على ما كان، فان ادعوا أن بينهما تنافيا تكلمنا عليه فيما بعد. وايضا فالقول بالاحباط يؤدي إلى من جمع بين الاحسان والاساءة أن يكون عند العقلاء بمنزلة من لم يحسن ولم يسئ إذا تساوى المستحقان من المدح والذم أو يكون بمنزلة من لم يحسن إذا كان المستحق علي الاساءة اكثر أو بمنزلة من لم يسئ ان كان المستحق على الطاعة اكثر، والمعلوم خلافه. وقولهم " ان من شأن الثواب أن يقارنه تعظيم واجلال ومن شأن العقاب أن يقارنه استخفاف واهانة، ومعلوم ضرورة استحالة تعظيم أحدنا لغيره مع استحقاقه به في حالة واحدة إذا كان الذام والمادح واحدا والمذموم والممدوح واحدا والوقت واحدا، وإذا تعذر فعله تعذر استحقاقه لان الاستحقاق تابع لصحة الفعل " باطل، لانا نخالف في استحالة ذلك، فلا يمكن ادعاء الضرورة فيه. وان ادعوا أنه معلوم بدليل فينبغي أن يذكروه. ثم لا يخلو ما ادعوا تنافيه من المدح والذم والتعظيم والاستحقاق أن يريدوا ما يرجع إلى اللسان أو ما يعتقد بالقلب، فان كان الاول فمعلوم أنه جائز، لانه لا يمتنع أن يمدح أحدنا غيره بلسانه على فعل ويذمه على فعل آخر بما يكتب بيده، ولو خلق له لسانان لتأتي أن يمدح بأحدهما ويذم بالاخر. فعلم أنه متى تعذر فلفقد آلة الكلام، ولذلك لا يصح أن يمدح زيدا أو يذم عمرا في حالة واحدة وان جاز اجتماع ذلك في الاستحقاق لما قلناه من فقد الالة. وان أرادوا ما يرجع إلى القلب ففيه الخلاف. والمعلوم عندنا خلافه،

[ 119 ]

لانا نجد من نفوسنا صحة اجتماع اعتقاد المدح على فعل مع استحقاقه الذم على فعل آخر ولا تعذر في ذلك. اللهم الا أن يريدوا أنه لا يصح اجتماع الاستحقاقين على فعل واحد بوجه واحد، فيكون ذلك صحيحا لكنا لا نقول ذلك. وكل ما يسأل على هذا ويفرع عليه فقد استوفيناه في شرح الجمل، وهو مستقصى أيضا في مسألة الوعيد للمرتضى رحمة الله عليه. واعتمادهم أيضا على ان من حق الثواب والعقاب أن يكونا صافيين من كل شوب فلو استحقا في حالة واحدة وفعلا في حالة واحدة خرجا عن الصفة اللازمة لهما وان فعلا على البدل فمثل ذلك، لان أيهما قدم على الاخر فالمفعول به منتظر لوقوع الاخر، وذلك يوجب نفي الخلوص ويقتضي الشوب، لانه ان كان في عقاب وعلم انقطاعه استراح إلى ذلك، وان كان في ثواب وتصور انقطاعه تنغص عليه، وإذا امتنع فعلهما امتنع استحقاقهما أيضا. باطل، لان أول ما نقوله انا لا نعلم بالعقل أن من شرط الثواب أو العقاب أن يكون خالصا صافيا، وانما علمنا ذلك بالسمع، وقد علمنا بالاجماع أنه لا يمتزج الثواب والعقاب، وعلمنا بالاجماع ان الثواب لا يتعقبه عقاب. فأما العقاب فلا دلالة على أنه لا يتلوه ثواب الا في الكفار، فانهم أجمعوا على انه لا يتلو عقابهم ثواب، وأما فساق أهل الصلاة فليس على ذلك دلالة. ثم ليس الامر على ما قالوه من أنه إذا تلا العقاب الثواب أن تلحقه راحة لانه يجوز أن يلهيه الله عن ذلك ويشغله عن الفكر فيه، لان ما هو فيه من أليم العقاب وعظيم موقعه يشغل بعضه عن الفكر في العاقبة، ولو علم انقطاعه لما اعتد بذلك مع ما فيه من أنواع العقاب، وجرى ذلك مجرى ما يقوله من أن أهل النار يعرفون الله ضرورة ويسقط عنهم مشاق النظر لكن لا يعتد به، وكذلك يعلمون أولادهم وأعزاهم في الثواب وحصول أعدائهم في النار ومع ذلك لا

[ 120 ]

يعتد بسرورهم في ذلك. وكل شئ يقولون في ذلك فهو قولنا فيما قالوه بعينه. وقولهم " ما استحال فعله استحال استحقاقه " ان أرادوا استحال استحقاقه على الوجه الذي يستحيل فعله كان صحيحا، وانما يستحيل فعل الثواب والعقاب على وجه الجمع، ونحن لا نقول ذلك ولا يستحقان كذلك. وان أرادوا أن ما يصح فعله على البدل يستحيل استحقاقه على الجمع. فباطل، لانه لا يصح أن يكون القادر قادرا على الضدين وان كان يستحيل فعلهما على الجمع وانما يصح فعل كل واحد منهما بدلا من صاحبه. وليس لهم أن يقولوا: كيف يكون معاقبا في حال هو فيها يستحق الثواب. لان ذلك ليس بأبعد من أن يكون مستحقا للثواب في حال هو فيها مكلف وميت وتراب وفي القبر والى أن يحييه الله، لان الثواب يستحق عقيب الطاعة وان تأخر إلى زمان الفعل بأوقات كثيرة. وقولهم " معلوم ضرورة قبح الذم على الاساءة الصغيرة نحو كسر قلم لمن له احسان عظيم وانعام جليل نحو تخليص النفس من الهلاك والاغناء بعد الفقر والاعزاز بعد الذل، ولم يقبح ذلك الا لبطلانها في جنب ذلك الاحسان، بدلالة أنها لو انفردت عنه لحسن ذمه على كسر القلم، وإذا ثبت ذلك في المدح والذم ثبت مثله في الثواب والعقاب ". غير مسلم، لان عندنا يجوز أن يذم بالاساءة الصغيرة وان استحق المدح بالاحسان الكثير. ألا ترى أنه لو ندم هذا المسئ بالاساءة الصغيرة على احسانه الكثير لحسن ذمه على الاساءة الصغيرة فلو كان الحبط لما حسن ذلك، لان ما انحبط لا يرجع عند المخالف. وإذا قالوا " معلوم ضرورة أن حال هذا المسئ منفردا من الاحسان بخلاف حاله إذا قارنه الاحسان العظيم ". قلنا: ذلك صحيح، لانه إذا انفرد بالاساءة استحق الذم لا غير وإذا جمع بينهما استحق المدح والذم، فافترق الحالتان.

[ 121 ]

على أنه يحسن ممن أحسن إليه بعض الناس واساء إليه بالاساءة، لا يظهر مزية احداهما على الاخرى أن يمدحه على احداهما ويذمه على الاخرى، بأن يقول أحسنت الي بكذا وكذا ويمدحه ويشكره ثم يقول لكنك أسأت الي بكذا وكذا ويعنفه ويبكته. وذلك يدل على اجتماع الاستحقاقين. وإذا اجتمعا في بعض المواضع علم فساد القول بالاحباط وحمل عليه المواضع المشتبهة. على أنا نعلم أنه يحسن فعل الثواب عقيب الطاعة، ولا يدل ذلك على سقوطه. ومتى قالوا ان ذلك لا يحسن لما قلنا، وكذلك كثير استحقاق المدح مانع من نفي استيفاء القليل من الذم وان لم يسقط. وكذلك نعلم أن من كان له على غيره مائة ألف دينار وله عليه ربع شعير يحسن منه أن يطالبه بالربع من الشعير مع كون المال العظيم عليه ولا أحد يقول ان ذلك يسقط. ألا ترى انه لو وفاه ماله حسن منه أن يطالب بالربع من الشعير فعلم أنه ثابت. وكذلك لو كافأه هذا المحسن على احسانه وقام بشكره حق القيام حسن أن يذمه على كسر قلمه، فدل على أنه لم يسقط. وتعلقهم بالظواهر نحو قوله تعالى " ان الحسنات يذهبن السيئات " 1) وقوله " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى " 2) وقوله " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " 3) إلى قوله " أن تحبط أعمالكم " 4) وقوله " لئن أشركت ليحبطن عملك " 5) لا يصح لان الظواهر يجب أن تبنى على أدلة العقول، وقد بينا بطلان التحابط. فلو كان لهذه الايات ظواهر لوجب

1) سورة هود: 114.
2) سورة البقرة: 264.
3) سورة الحجرات: 2.
4) سورة الحجرات: 2.
5) سورة الزمر: 65.

[ 122 ]

حملها على ما يطابق ذلك، وكيف ولا ظاهر لشئ منها بل هي شاهدة لمذهبنا، لان الاحباط والبطلان في جميعها يتعلق بالاعمال دون المستحق عليها، والمخالف يقول التحابط بين المستحق عليها. ونحن يمكننا حملها على ظاهرها، لان معنى قوله تعالى " ان الحسنات يذهبن السيئات " ان من استكثر من فعل الحسنات دعاه ذلك إلى الامتناع من القبائح وكانت لطفا له، وهذا يوافق الظاهر لا يحتاج معه إلى تقدير الحرى فيه. وأما باقي الايات فالوجه فيها أن نقول: ابطال العمل واحباطه عبارة عن ايقاعه على خلاف الوجه الذي يستحق به الثواب، ألا ترى أن أحدنا لو ضمن لغيره عوضا على نقل شئ من موضع إلى موضع بعينه فنقله إلى موضع غيره فأنه لا يستحق الاجرة وجاز أن يقال: أحبطت عملك وأبطلته لانك أوقعته على خلاف الوجه المأمور به به ولم توقعه على الوجه الذي تستحق عليه الاجرة. وليس أحد يقول انه يستحق أجرة فأبطلها، بل المراد ما ذكرناه. ولما كانت الصدقة متى قصد بها وجه الله تعالى استحق بها الثواب، ومتى فعلها لوجه المن والاذى لم يستحق جاز أن يقال انه أبطلها، وكذلك من رفع صوته اجابة للنبي عليه السلام ومسارعة إلى اجابته استحق به الثواب ومتى رفعه استخفافا به وعصيانا منه جاز أن يقال انك أبطلته، وكذلك من عبد الله مخلصا استحق الثواب فمتى أضاف إلى ذلك عبادة غيره جاز أن يقال أبطلت عملك. فبان بجميع ذلك أنه لا متعلق للقوم في الايات في صحة التحابط والعقاب متى استحق، فانه يحسن التفضل باسقاط من غير توبة. يدل على ذلك أنه قد ثبت بأوائل العقول حسن الاحسان وايصال المنافع إلى الغير، ومن أحسن الاحسان اسقاط المضار المستحقة، بل ربما كان اسقاط المضمرة أعظم من ايصال المنفعة، فدافع حسن أحدهما كدافع الاخر.

[ 123 ]

وأيضا فقد ثبت أن العقاب حق لله تعالى إليه قبضه واستيفاؤه، لا يتعلق باسقاطه اسقاط حق لغيره منفصل منه، فوجب أن يسقط [ باسقاطه كالدين فانه يسقط ] باسقاط صاحبه لاختصاصه بهذه الاوصاف. وانما قلنا " حق لله " لئلا يلزم حق عليه من الثواب والعوض. وقلنا " إليه قبضه واستيفاؤه " لان كل حق ليس لصاحبه قبضه ليس له اسقاطه كالطفل والمجنون لما لم يكن لهما استيفاؤه لم يكن لهما اسقاطه، والواحد منا لم يكن له استيفاء ثوابه وعوضه في الاخرة لم يسقطا باسقاطه، فعلم بذلك أن الاسقاط تابع للاستيفاء، فمن لم يملك أحدهما لم يملك الاخر. وقلنا " لا يتعلق باسقاطه اسقاط حق لغيره منفصل عنه " احترازا من سقوط الدم المستحق على القبيح لقبحه باسقاطنا، لان هذا الذم تابع للعقاب، فلا يجوز زواله مع ثبوت العقاب، فلو سقط باسقاطنا لسقط العقاب [ وهو حق لغيرنا. وراعينا الانفصال لان الذم يسقط باسقاط العقاب ] 2) لانه تابع له، فهو كالحقوق المتعلقة بالدين من الاجل والخيار وغيرهما عند سقوط الدين، ولا يسقط العقاب باسقاط الذم، لان العقاب ليس بتابع للذم. على أن الذم ليس بحق خالص لنا، بل هو حق علينا، لما فيه من المصلحة في الدين ونحن متعبدون به، ولانه يردع المفعول به عن القبيح فكأنه حق له فلم يخلص كونه حقا لنا. فان اختصرت ذلك فقلت العقاب حق لله إليه قبضه واستيفاؤه يتعلق باستيفائه ضرر فوجب أن يسقط باسقاطه كالدين، ولا يلزم على ذلك الثواب والعوض

1) الزيادة من ر.
2) الزيادة ليست في ر.

[ 124 ]

والمدح والشكر، لانه لا ضرر في جميع ذلك باستيفائه. ولا يلزم الذم لانه ليس بضرر حقيقي، ولانه حق للفاعل والمفعول به على ما مضى بيانه. فان قيل: لم لا يجوز أن يكون فيه وجه من وجوه القبح، فلا يحسن باسقاطه؟ قلنا: وجوه القبح معقولة، اما الظلم أو الكذب أو العبث أو المفسدة أو الاغراء بالقبيح، وكل ذلك منتف ههنا، فوجب أن يكون حسنا. وانما قلنا " ليس بمفسدة ولا اغراء بالقبيح " لان العفو انما يقع في الاخرة ولا تكليف هناك ولا مفسدة فيه. وليس لاحد أن يقول: في الاطماع به اغراء. وذلك ان هذا باطل، لان في المكلفين من إذا ارتفع طمعه في العفو كان أقرب إلى ارتكاب القبائح وفيهم من يكون بخلافه، فالاحوال مختلفة. ومتى قالوا: انه متى طمع خرج من كونه مزجورا. قيل: هذا لا يجوز، لان الزجر حاصل بتجويز عقابه، وكيف لا يكون مزجورا. ولو أخرجه ذلك عن كونه مزجورا لكان في زمان مهلة النظر وتجويزه أن لا يستحق العقاب أصلا مغرى بالقبائح ولا يكون مزجورا والمعلوم خلافه، ويلزم أن يكون غير مزجور إذا طمع في العفو بالتوبة، وكل ذلك باطل. فإذا ثبت أن العقاب يسقط بالعفو فالعفو أن يقول: أسقطت عقاب زيد وسمحت بعقابه. فيسقط ويقبح مؤاخذته بعد ذلك ويجري مجرى المطالبة بالدين بعد الابراء والاسقاط. وأما التوبة فانها تسقط العقاب عندها تفضلا من الله تعالى، وأجمع المسلمون على سقوط العقاب عند التوبة، ولولا السمع لما علمنا ذلك، [ وانما نعلم

[ 125 ]

بالعقاب أن التوبة يستحق بها الثواب لانها طاعة والطاعة يستحق بها الثواب ] 1). وانما قلنا انها لا تسقط العقاب عقلا أنها لو أسقطت لم يخلو أن يسقط بكثرة المستحق عليها من الثواب أو لوجه آخر، فان كان الاول فقد أفسدناه من حيث أفسدنا القول بالاحباط، وان كان اسقاطها من حيث كانت بدلا للجهود - على ما يقولونه - فما الدليل على ذلك، لانا لا نسلم. ومتى حملوا التوبة على الاعتذار وان الاعتذار يقبح معه المؤاخذة فنحن نخالف في الاعتذار كما نخالف في التوبة. ومتى قيل: لو لم يسقط العقاب لقبح تكليف الفاسق المستحق للعقاب، لان التكليف انما يحسن تعريضا. والفاسق مع استحقاقه للعقاب لا يجوز أن يستحق الثواب، فيجب له أن يكون له طريق إلى اسقاط عقابه لينتفع بالثواب الذي عرض له، فليس ذلك الا التوبة. وإذا فعلها اجتمع له استحقاقان معا، والعقل غير مانع منه، وقد بيناه فيما مضى. ولو صح لكم أنهما لا يجتمعان لصح ما قلتم، ولو صح لكم في التوبة فلا ينبغي أن يبنى الشئ على نفسه. ولو سلمنا أنه لابد أن يكون له طريق إلى الانتفاع بما كلف فعله فقد فعل الله له ذلك، بأن بين بالسمع أنه يعفو عند التوبة، فمن أين أن ذلك بحكم العقل. ولو خلينا والعقل لما أوجبنا التوبة ولكن لما اجمعت الامة على وجوب التوبة قلنا بوجوبها وعلمنا أن لنا فيها مصلحة ولطفا، ولولا السمع لما علمناه. فإذا ثبت أن بالسمع يعلم زوال العقاب عند التوبة فيجب أن نقول التوبة التي يسقط العقاب بها ما أجمعت الامة على سقوط العقاب عندها دون المختلف فيه، والذي أجمعت عليه هو أنه إذا ندم على القبيح لكونه قبيحا وعزم على

1) الزيادة ليست في ر.

[ 126 ]

أن لا يعود إلى مثله في القبح فانه لا خلاف بين الامة أن هذه التوبة يسقط العقاب عندها. وأما غيرها ففيه خلاف، لان التوبة من القبيح لوجه القبح أو عظم المستحق عليه فيه خلاف بين الامة، والخلاف في ذلك فرع على وجوب سقوط العقاب عندها عقلا، وقد بينا ما في ذلك. فأما من جمع بين الايمان والفسق فانا لا نقطع على عقابه بل يجوز العفو عنه وأن يسقط الله عقابه تفضلا. وانما قلنا ذلك لانا دللنا على حسن العفو عنه من حيث عدمنا الدليل المانع منه، وليس في السمع ما يمنع أيضا منه، لانا سبرنا أدلة السمع أيضا فلم نجد فيها ما يمنع منه، فيجب أن يكون التجويز باقيا على ما علمناه بالعقل، ولا يلزم على ذلك الشك في عقاب الكفار، لان السمع منع منه. والمسلمون أجمعوا على أن الكفار معاقبون لا محالة، ومعلوم ذلك من دينه عليه السلام، فلذلك قلنا به. وأيضا فلا خلاف بين الامه أن للنبي عليه السلام شفاعة وأنه يشفع، والشفاعة حقيقتها في اسقاط المضار المستحقة، فوجب من ذلك القطع على جواز العفو عن مستحق العقاب من أهل الضلالة، بل على وقوع ذلك بجماعة غير معينين من حيث علمنا وقوع شفاعته وأنها حقيقة في اسقاط المضار دون زيادة المنافع. والذي يدل على حقيقتها ما قلناه أنها لو كانت حقيقة في زيادة المنافع لكان الواحد منا إذا سأل الله تعالى أن يزيد في كمالات النبي 1) عليه السلام ورفع درجاته أن يكون شافعا فيه، وأحد من المسلمين لا يطلق ذلك لا لفظا ولا معنى. وليس لاحد أن يقول: انما لم يطلق ذلك لان الشفاعة يراعى فيها الرتبة كما يراعى في الامر والنهي، وذلك أن الخطاب على ضربين: أحدهما يعتبر

1) في ر " كرامات النبي ".

[ 127 ]

فيه الرتبة، والاخر لا يعتبر فيه الرتبة. فما يعتبر فيه الرتبة يعتبر بين المخاطب والمخاطب دون ما يتعلق به الخطاب، لان الواحد منا يقول لغلامه الق الامير والق الحارس ويكون أمرا في الحالين، وان كان من يتعلق به الامر أحدهما عال الرتبة والاخر دني الرتبة، وكذلك لو اعتبر في الشفاعة الرتبة لوجب اعتبارها بين السائل والمسؤول دون من تناوله الشفاعة. وليس لهم أيضا أن يقولوا: انما لم يطلق ذلك لانا لا نعلم أن سؤالنا فيه مجاب على كل حال. وذلك أن هذا باطل بقولهم " شفاعة مقبولة " و " شفاعة مردودة "، [ فيسمونها شفاعة سواء قبلت أو ردت. وأيضا وكل خطاب يعتبر فيه الرتبة ] 1) لا يدخل بين الانسان وبين نفسه كالامر والنهي، ويصح أن يكون الانسان شافعا لنفسه كما قال الشاعر: * فهل لا نفس ليلى شفيعها * وانما يدخل بين الانسان وبين نفسه مالا يعتبر فيه الرتبة أصلا، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله حين قال لبريرة: تصالحي زوجك وارجعي إليه. فقالت له: أتأمرني يا رسول الله. فقال: لا وانما أنا شافع 2). فبين أنه شافع إلى بريرة 3) وان كانت دونه، فدل على أن الشفاعة لا يعتبر فيها الرتبة أصلا. وأما تناولها لاسقاط المضار فلا خلاف أنها حقيقة في ذلك، ولو سلمنا أنها حقيقة في الامرين فخصصناهما باسقاط الضرر بقوله: أدخرت شفاعتي لاهل الكبائر من أمتي. وفي خبر آخر: اعددت شفاعتي لاهل الكبائر من أمتي 4).

1) الزيادة من ر.
2) انظر القصة في أسد الغابة 5 / 409.
3) في ر " إلى بريدة " وهو خطأ.
4) البحار 8 / 34، ولفظه فيه " انما شفاعتي لاهل الكبائر من أمتي ".

[ 128 ]

وهذا خبر تلقته الامة بالقبول، فلا يمكن ان يقال انه خبر واحد. وليس لهم أن يحملوا الخبر على زيادة المنافع لمن تاب لامرين: أحدهما أنا بينا أن حقيقة الشفاعة في اسقاط المضار، الثاني أنه لا يخلو أن يشفع فيهم بعد التوبة، فلا يمكنهم الانتفاع بالمنافع مع أنهم في النار. وان كان بعد التوبة فلا يسمون أهل الكبائر كمال ا يسمى من تاب من كفره كافرا، فعلم أن المراد ما قلناه في اسقاط الضرر. ولا يعارض ذلك قوله تعالى " ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع " 1) وقوله " وما للظالمين من أنصار " 2) وقوله " ولا يشفعون الا لمن ارتضى " 3) وقوله " ولا تقبل لهم شفاعة " 4) من وجوه: أحدها أن العموم لا صيغة له على مذهب كثير من أصحابنا، فمن أين انه أراد العموم دون الخصوص، والكلام في ذلك مذكور في مواضع كثيرة لا نطول بذكره ههنا. فعلى هذا تكون الايات مختصة بالكفار، وقد سمى الله تعالى الشرك ظلما في قوله " ان الشرك لظلم عظيم " 5). على أنه نفى في الاية الاولى شفيعا مطاعا، ونحن لا نقول ذلك ولم ينف شفيعا مجازا. ولا يمكن الوقف على قوله " ولا شفيع يطاع "، لان ذلك خلاف جميع القراء. ثم لا يمكن البدأة بقوله " يطاع " لان الفعل لا يدخل على الفعل بعده قوله " يعلم "، وان قدر يطاع الذي يعلم كان ذلك تركا للظاهر، وعلى ما قلناه لا يحتاج إلى تقدير.

1) سورة غافر: 18.
2) سورة البقرة: 270.
3) سورة الانبياء: 28.
4) الصحيح في الاية " ولا يقبل منها شفاعة " سورة البقرة: 48.
5) سورة لقمان: 13.

[ 129 ]

والاية الثانية انما نفي فيها أن يكون للظالمين أنصار، والنصرة غير الشفاعة، لان النصرة هي الدفع عن الغير على وجه الغلبة، والشفاعة هي مسألة يقترن بها خضوع وخشوع. وقوله " لا يشفعون الا لمن ارتضى " 1) فمعناه ارتضى أن يشفع فيه، ونظيره قوله " من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه " 2) وقوله " لا تغني شفاعتهم شيئا الا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى " 3)، وليس هذا تركا للظاهر، لان المرتضى محذوف بلا خلاف، فهم يقدرون الا لمن ارتضى أفعاله ونحن نقدر الا لمن ارتضى أن يشفع فيه، واستوى التقدير ان وسقطت المعارضة بها. على أن الفاسق الملي يجوز أن يكون مرتضى، بمعنى ارتضى ايمانه وكثير من طاعاته، كما يقول " هذا البناء مرتضى عندي " يريدون في البناء دون غيره من أفعاله. وقوله " ولا تنفعها شفاعة " 4) متروك الظاهر، لان عند الجميع ههنا شفاعة نافعة مقبولة، فان منعوا من نفعها في اسقاط الضرر منعنا نفعها في زيادة المنافع. أو نقول: لا تقبل الشفاعة ولا تنفع الشفاعة للنفس الكافرة. فأما حسن رغبتنا في أن يجعلنا الله تعالى من أهل شفاعة النبي عليه السلام فهو كرغبتنا في أن يجعلنا من التوابين والمستغفرين، فكما لا تكون الرغبة في التوبة والاستغفار رغبة في فعل الكبائر [ فكذلك الرغبة في الشفاعة لا تكون رغبة في الكبائر ] 5)، ولا فرق بينهما. والوجه في الامرين هو الرغبة في

1) سورة الانبياء: 28.
2) سورة البقرة: 255.
3) سورة النجم: 26.
4) سورة البقرة: 123.
5) الزيادة ليست في ر.

[ 130 ]

الشفاعة والتوبة. والاستغفار ان اتفق منا أو وقع ما يحتاج معه إلى التوبة والشفاعة فذلك جائز مشروط. ومتى قالوا: السمع منع من جواز العفو في آي كثيرة من القرآن نحو قوله تعالى " ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها " 1) وقوله " ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا " 2) و " من يعمل سوءا يجز به " 3) و " ان الفجار لفي جحيم " 4) وما أشبه ذلك من الايات. قلنا: لنا في ذلك ثلاثة أوجه من الكلام: (أحدها) أن نبين أن العموم لا صيغة له، بل الظاهر أنه يحتمل الخصوص والعموم، فإذا احتمل ذلك جاز أن يراد بها الكفار دون فساق أهل الصلاة، والكلام في ذلك ذكرناه في شرح الجمل وغير ذلك لا نطول بذكره ههنا. (والثاني) ان يعارض هذه الايات بآيات مثلها تتضمن القطع على الغفران، كقوله تعالى " ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " 5) وقوله " ان ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم " 6) وقوله " ان الله يغفر الذنوب جميعا " 7) وغير ذلك. (وثالثها) أن نبين أن الايات متروكة الظاهر وانهم شرطوا فيها كبير المعصية وعدم التوبة، فإذا شرطوا هذين الشرطين شرطنا شرطا ثالثا، وهو من لا يعفو عنه ابتداءا أو بالشفاعة ويسلم باقي عمومها.

1) سورة النساء: 14.
2) سورة الفرقان: 15.
3) سورة النساء: 123.
4) سورة الانفطار: 14.
5) سورة النساء: 48.
6) سورة الرعد: 6.
7) سورة الزمر: 53.

[ 131 ]

ووجه المعارضة بقوله " ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " أنه تعالى لم ينف غفران الشرك على كل حال، بل نفى أن يغفره تفضلا، فكأنه قال لا يغفر أن يشرك به تفضلا بل استحقاقا، فيجب أن يكون المراد بقوله " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " أي يغفره بغير استحقاق بل تفضلا، لان موقع الكلام الذي يدخله النفي والاثبات وينظم إليه التعظيم والدون أن يخالف الثاني الاول. ألا ترى أنه لا يحسن ان يقول القائل " أنا لا أركب إلى الامير الا إذا ركب الي وأركب الي من هو دونه وان لم يركب الي " وكذلك إذا قال " لا أتفضل بالكثير من مالي وأعطي اليسير إذا استحق علي " وانما يحسن أن يقول " وأعطي اليسير تفضلا من غير استحقاق ". على أن قوله " ويغفر ما دون ذلك " يقتضي عمومه أنه يغفر كل ما دون الشرك صغيرا كان أو كبيرا تاب منه أو لم يتب، لان عموم ما يقتضي ذلك على مدعاهم وليس لهم أن يخصوا عموم هذه الاية لتسلم عموم آياتهم، لانا نعكس ذلك فنخص عموم آيات الوعيد بالكفار لتسلم آيات العفو. والشبهة انما دخلت في الاية في أعيان المغفور لهم دون الغفران، وانما كانت تكون في الغفران لو قال يغفر ما دون ذلك ان شاء، والامر بخلافه. ونحن لا نقطع على أنه يغفر لكل أحد بل ذلك متعلق بمشيئته. على أنه تعالى علق الغفران في الاية بالمشيئة، وظاهر ذلك أنه تفضلا، لان الواجب لا يتعلق بالمشيئة، لانه لا يجوز أن يقول القائل: أنا أرد الوديعة ان شئت. ويجوز أن يقول: أنا أتفضل ان شئت. والاية الثانية الوجه فيها أنه تعالى أخبر أنه يغفر الذنوب على ظلمهم، ومعناه في حال كونهم ظالمين. ويجري ذلك مجرى قولهم: لقيت فلانا على اكله وأوده على عذره. ومتى شرطوا فيها التوبة كان ذلك تركا للظاهر.

[ 132 ]

والاية الثالثة تقتضي أنه يغفر جميع الذنوب الا ما أخرجه الدليل من الكفر والتوبة ليس لها ذكر في الاية، فمن شرطها فقد ترك الظاهر. وقوله " وأنيبوا إلى ربكم " 1) كلام مستأنف لا يجب أن يشرط ذلك في الاية الاولى، لان عطف المشروط على المطلق لا يقتضي أن يصير مشروطا. وأما الطريقة الثالثة فهي أن يقال: انما شرطتم التوبة وكبر المعصية، لان التوبة تسقط العقاب وعظم الطاعة أيضا يسقط صغير المعصية، فما اقتضى هذين الشرطين اقتضى شرط العفو، وكلامنا مع من يحسن العفو عقلا فأما من منع منه وقال لا يحسن العفو عقلا فقد مضى الكلام عليه، وإذا كان العفو جائزا عقلا مسقطا للعقاب وجب أن يشرط أيضا كما شرطنا الشرطين الاخرين. وليس لهم أن يقولوا: العقل يقتضي اسقاط العقاب بالتوبة وزيادة الثواب، وليس في العقل ما يدل على حصول العفو، وذلك ان العقل كما اقتضى سقوط العقاب بالثواب وزيادة الثواب كذلك يقتضي سقوطه عند العفو، كما يجوز أن يعفو مالك العقاب [ يجوز أن لا يعفو، وكذلك يجوز أن يختار العاصي التوبة و ] 2) يجوز أن لا يختارها. وكذلك القول في عظم الطاعة، فينبغي أن يقابل بين وقوع التوبة ووقوع العفو وبين الجواب في حصولها وحصول العفو، فانهما سواء لا ترجيح لاحدهما على الاخر. ومتى قالوا عموم آيات الوعيد يدل على أنه تعالى لا يختار العفو. قلنا: هلا منع ذلك من اختيار العاصي التوبة المسقط للعقاب أو عظيم الطاعة، لانكم انما تمنعون بالظاهر اختيار العفو ليسلم وقوع العقاب، وهذا بعينه قائم في التوبة وزيادة الثواب، فيبغي أن تقولوا الظواهر تمنع من وقوعها. وقد فرغنا

1) سورة الزمر: 54.
2) الزيادة من ر.

[ 133 ]

ما يسأل على ذلك في شرح الجمل، وفيما قلناه ههنا كفاية انشاء الله. فان قيل: القول بجواز العفو يؤدي إلى أن لا يقام حد لا في السرقة ولا في الزنا على وجه العقوبة. وذلك ينافي قوله " جزاءا بما كسبا نكالا من الله " 1) وقوله " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " 2) فبين أنه عذاب ونكال، ولو كان عقابا لبطل ذلك. قلنا: لا يقطع أحد من السراق نكالا على وجه القطع والثبات، بل انما يقطعه بشرط كونه مستحقا للعقاب، ومتى فرضنا العفو عنه قطعناه امتحانا ولابد لكل أحد من ذلك، لان شروط استحقاق العقاب ليست معلومة بالظاهر، لانه يحتاج أن يكون السارق عاقلا والشبهة مرتفعة ولا أن يكون ثابتا فيما بينه وبين الله تعالى وأن يكون الشهود صادقين أو اقراره صحيحا، لانه متى لم يحصل له ذلك أو بعضه فانما يقطعه امتحانا وكذلك إذا فرضنا حصول العفو فانما يقطعه امتحانا، ومتى فرضنا حصول جميع الشرائط وارتفاع العفو قطعناه عقوبة فلا بد من الشرط. ولا يمكن القطع على اقامة الحد عقوبة على القطع والثبات الا في الكفار وعلى ما بيناه من بطلان التحابط من كفره بعد ايمانه فانه يدل على أن ما كان أظهره لم يكن ايمانا، لانه لو كان ايمانا لاستحق عليه الثواب الدائم، وإذا كفر استحق على كفره العقاب الدائم بالاجماع وكان يجتمع الاستحقاقان، وذلك خلاف الاجماع. فإذا علم بذلك أن ما أظهره لم يكن ايمانا ولا يمكن أن يقال لم لا يجوز أن يقال انما أظهره من الكفر لم يكن كفرا ليسلم له الايمان، لان اظهار الايمان ليس

1) سورة المائدة: 38.
2) سورة النور: 2.

[ 134 ]

بايمان بلا خلاف واظهار الكفر اختيار كفر بلا خلاف. وفي أصحابنا من أجاز أن يكفر المؤمن كفرا لا يوافي به. وهذا ليس بصحيح لان هذا يؤدي إلى تجويز أن يكون من الكفار المرتدين من يستحق نهاية التعظيم والتبجيل بما كان أظهره من الايمان، وذلك خلاف الاجماع. فإذا الصحيح أن المؤمن لا يكفر أصلا بل لا كفر يوافي به ولا بكفر لا يوافي به. فأما الكافر فانه يجوز أن يؤمن، لان الايمان يسقط عقاب الكفر اجماعا سواء قلنا انه دائم أو منقطع. ولا يحتاج أن يقسم بأن يقول: الكفر الذي يوافي به يستحق عليه العقاب الدائم المنقطع، لان مع حصول الاجماع على سقوط عقابه بالايمان والتوبة من الكفر لا يحتاج إلى ذلك. فإذا ثبت فقوله " ان الذين آمنوا ثم كفروا " 1) معناه ان الذين أظهروا الايمان ثم كفروا. وجاز أن يسمى من أظهر الايمان مؤمنا كما قال " فان علمتموهن مؤمنات " 2) يعني من أظهر الايمان منهن، وقوله " فتحرير رقبة مؤمنة " 3) يعني على الظاهر. فعلى هذا من أظهر الكفر أو الفسق مختارا بلا تقية ولا أمر يحتمل التأويل قطعنا على كونه كافرا وفاسقا، وليس كذلك من أظهر الايمان أو الطاعة، لانه يجوز أن يكون في باطنه بخلافه. وإذا ثبت ذلك فكل من كان مظهرا للكفر قطعنا على ثبوت عقابه وان كان فاسقا مصرا قطعنا على ارتفاع التوبة عنه وجوزنا أن يكون الله تعالى أسقط عقابه تفضلا وان لم نقطع به ونذمه عليه بشرط عدم العفو. ومتى غاب عنا من

1) سورة النساء: 137.
2) سورة الممتحنة: 10.
3) سورة النساء: 92.

[ 135 ]

قطعنا على عقابه وذمه من الكفار والفساق فانا نذمه بشرط عدم التوبة وعدم العفو، ومن غاب من الفساق نذمه بشرط عدم التوبة وعدم العفو، ويشترط الامرين في خبره. وليس ههنا من يقطع على ثبوت ثوابه باظهار الايمان والطاعة الا من أدل دليل على عصمته وأمنا فعل القبيح والاخلال بالواجب من جهته. فصل (في ذكر أحكام المكلفين في القبر والموقف والحساب) (وغير ذلك مما يتعلق بالوعيد) أجمعت الامة على عذاب القبر لا يختلفون فيه، وما يحكى عن ضرار بن عمرو من الخلاف فيه لا يعتد به لانه سبقه الاجماع وتأخر عنه وان اختلفوا في وقت عذاب القبر: فقال جمهور الامة من أصحاب الحديث أنه حين الدفن، وقال قوم يجوز أن يكون عند قيام الساعة. والظواهر لا يمكن الاستدلال بها على ثبوت عذاب القبر، لانها مجملة نحو قوله " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين " 1) وغير ذلك، وقد بينا القول فيها في شرح الجمل. وأنكر قوم عذاب القبر، فقالوا هو محال، ومنهم من قال هو قبيح. وقولهما يبطل بحصول الاجماع على ثبوته وانه واقع، وذلك يدل على جوازه وحسنه أيضا، فالميت إذا أعيد حيا جاز أن يعاقب، فلا وجه لاحالته. فأما من أحاله ربما ظن أنه يعاقب وهو ميت، وهذا لا يقوله أحد.

1) سورة غافر: 11.

[ 136 ]

وأما ضيق القبر عن العقاب فانه يجوز أن يوسعه الله تعالى حتى يمكن ذلك، وان كان المتولي لذلك الملائكة فلا يحتاجون إلى سعة موضع. وإذا كان العقاب مستحقا فانه يجوز أن يكون في تقديم بعضه مصلحة للمكلفين من البشر والملائكة، فيقدم منه بعضه في الدنيا كالحدود وبعضه في القبر، لما في الاخبار به من المصلحة في دار التكليف. ومتى قال لا حال ينبش فيها الميت الا ويوجد على ما هو عليه، فأما من قال ليس لعذاب القبر وقت لا يلزمه ذلك، ومن قال هو عقيب الدفن يقول لا يمتنع أن لا يعقل إذا أردنا نبش القبر لما فيه من المصلحة. ومتى قيل: لو عوقب لوجب أن يكون عاقلا قادرا على الكلام فكان يسمع كلامه. قلنا: كمال العقل لا بد منه، فلا يجب أن يكون قادرا على الكلام اما بأن لا يكون فيه قدرة أصلا أو يكون ممنوعا منه. وأما الملكان النازلان عليه فانما سميا منكرا ونكيرا اشتقاقا من استنكار المعاقب لفعلهما أو نفوره عنهما، وليس بمشتق من الانكار. وأما المحاسبة والمسألة في الموقف - وان كان الله تعالى عالما بأحوالهم لانه عالم لنفسه - لا يمتنع أن يكون في تقديمه غرض، لان بالمحاسبة والمسألة وشهادة الجوارح يظهر الفرق بين أهل الجنة والنار ويتميز بعضهم من بعض فيسر بذلك أهل الجنة ويكثر بذلك نفعهم، ويكون لنا في العلم به مصلحة في دارا التكليف. والاجماع حاصل على المحاسبة والقرآن يشهد به لقوله تعالى " وكفى بنا حاسبين " 1). وكذلك شهادة الجوارح ونشر الصحف مجمع عليه، والقرآن شاهد به،

1) سورة الانبياء: 47.

[ 137 ]

لكن المسألة وان كانت عامة فهي على المؤمنين سهلة وعلى الكافرين صعبة، لما فيها من التبكيت والمناقشة. وأما كيفية شهادة الجوارح فقال قوم بينها الله تعالى متى يشهد، وقيل ان الله تعالى يفعل فيها الشهادة وأضافها إلى الجوارح مجازا، وكلا الامرين مجاز. وقيل ان الشاهد هو العاصي نفسه يشهد على نفسه بما فعله ويقربه ويكون ذلك حقيقة، وقيل انه تظهر فيه أمارة تدل على الفرق بين العاصي والمطيع. وكل ذلك جائز. فأما الميزان فقال قوم انه عبارة عن العدل والتسوية والقسمة الصحيحة كما يقولون كلام فلان موزون وأفعاله موزونة. وهذا وجه حسن يليق بفصاحة الكلام. وقال قوم: المراد به الميزان والكفتين، وان الاعمال وان لم يصح وزنها والصحف التي فيها هذه الاعمال يصح وزنها. وقيل: انه يجعل النور في احدى الكفتين والظلمة في الاخرى، ويكون لنا في الاخبار عن ذلك مصلحة في التكليف. وأما الصراط فقد قال قوم انه طريق أهل الجنة والنار، وانه يمهد لاهل الجنة ويتسهل لهم سلوكه ويضيق على أهل النار ويشق عليهم سلوكه. وقال آخرون المراد به الحجج والادلة المفرقة بين أهل الجنة والنار المميزة بينهم. فأما اهل الاخرة فالتكليف عن جميعهم زائل مثابين كانوا أو معاقبين، وانما كان كذلك لانهم لو كانوا مكلفين لجاز منهم وقوع التوبة فيسقط عقابهم، وذلك يمنع منه الاجماع. ويمنع أيضا من استحقاق ثواب أو عقاب لاجماعهم على أنه ليس بدار استحقاق، ولان من شأن الثواب أن يكون خالصا صافيا من أنواع الشوب والكدر، والتكليف ينافي ذلك، فعلى هذا قوله " كلوا واشربوا " 1) صورته

1) سورة البقرة: 60.

[ 138 ]

صورة الامر والمراد به الاباحة المحضة. وقال قوم: انه أمر لا يزيد في سرورهم إذا علموا أن الله يريد منهم ذلك، الا أنهم لا يختلفون ان ذلك ليس على وجه التكليف وانه لا مشقة عليهم في ذلك. وأما شكرهم لنعم الله تعالى فما يرجع إلى الاعتقاد فهم مضطرون إليه، لان معارفهم ضرورية فهي خارجة عن التكليف، وما يرجع إلى اللسان فيجوز ان يكون لاهل الجنة فيه سرور، ومعارف أهل الاخرة ضرورة، وهم ملجأون إلى أن لا يفعلوا القبيح، ولا بد أن يعرفوا الله تعالى، لان المثاب لا بد أن يعلم ان الثواب واصل إليه على الوجه الذي يستحقه، ولا يصح ذلك الا مع كمال العقل والمعرفة بالله تعالى وحكمته، ليعلم أن ما فعله به هو الذي استحقه. والقول في المعاقب مثله، لان من شرط الثواب أن يصل إلى مستحقه مع الاعظام والاكرام من فاعل الثواب [ لان الاعظام من غير فاعل الثواب ] 1) لا يؤثر فيه، والاعظام لا يعلم الا مع القصد إلى التعظيم، ولا يجوز أن يعلم قصده من لا يعلمه. وكذلك القول في العقاب، ووصوله على سبيل الاستخفاف والاهانة. ولان المثاب يجب ان يعلم أن ما فعل به يستحقه، ومتى لم يعلم ذلك جوز أن يكون تفضلا فيعتقده فيكون معرضا لجهل، وكذلك لا يتم الا بعد معرفة الله تعالى. وكذلك أهل النار متى لم يعلموا أن ما يصل إليهم يستحقونه جوزوا أن يكون ظلما، وربما اعتقدوه كذلك، فيكونون معرضون للجهل، وذلك لا يجوز ولقائل أن يقول: العاقل يعلم قبح اعتقاد لا يأمن كونه جهلا فهو إذا لم يعلم الثواب مستحقا أو العقاب وجب عليه التوقف ولا يقدم.

1) الزيادة من ر.

[ 139 ]

فإذا وجبت معرفة الله تعالى فلا يخلو أن يعرفه ضرورة، أو يكون عن نظر مختار، [ أو ملجأ إلى فعله، أ وتذكر نظر، أو بأن يلجأ الفاعل إلى نفس المعرفة من غير تقدم نظر ] 1). ولا يجوز أن تكون واقعة عن نظر مبتدأ، لان ذلك تكليف ومشقة، وقد بينا أنه ليس هناك تكليف. ولا يجوز أن يكونوا ملجئين إلى النظر، لان الالجاء إلى النظر مع امكان الالجاء إلى المعرفة عبث، ولان ذلك أيضا فيه مشقة. وما يمنع من الالجاء إلى نفس المعرفة يمنع من الالجاء إلى سبب المعرفة. ولا يجوز أن يقع عن تذكر نظر، لان المتذكر يجوز ان يدخل عليه شبهة فيلزمه حلها، وفي ذلك رجوع إلى التكليف الذي بينا فساده. وليس لاحد أن يقول: لا تعترض الشبهات في الاخرة مع مشاهدة تلك الايات والاحوال، وذلك أن جميع ذلك لا يمنع من دخول الشبهة وان تكون المعرفة مكتسبة، كما أن من شاهد المعجزات لم يمنع من ذلك في دار الدنيا. ولا يجوز أن يقع الالجاء إلى نفس المعرفة، لان الالجاء إلى افعال القلوب التي لا يعلمها الا الله لا يجوز أن تقع الا من الله. وإذا وجب أن يكون الملجأ إلى العلم عارفا بالله فقد استعصى بتقدم المعرفة عن الالجاء إليها. وقد قيل: ان الالجاء إلى العلم انما يكون بأن يعلم أنه متى خاف اعتقادا غيره منع منه، فاقدامه على الاعتقاد الذي وصفنا حاله لا يكون لاجله الاعتقاد علما، فلم يبق من الاقسام الا أن تكون المعرفة ضرورية. ولا يجوز أن يكون أهل الاخرة مضطرين إلى أفعالهم على ما حكي عن أبي الهذيل، لان الاضطرار إلى الافعال ينقص من لذتها، لان التخير في الافعال أبلغ في باب اللذة والسرور. وأيضا فان الترغيب في الثواب هو على الوجه المألوف

الزيادة ليست في ر.

[ 140 ]

وذلك يكون مع التخير في الافعال. وإذا ثبت ذلك في المثاب وجب مثله في المعاقب، لان أحدا لا يفرق بينهما. على أن الله تعالى أخبر بأنهم يأكلون ويشربون ويفعلون، فأضاف الفعل إليهم، وذلك يوجب اختيارهم. وقال " وفاكهة مما يتخيرون " 1)، وذلك صريح بما قلناه. فإذا ثبت أنهم مخيرون ولم يجز أن يكونوا مكلفين لما مضى فيهم، فهم ملجأون إلى ترك القبيح، بأن يخلق الله فيهم العلم بأنهم متى راموا القبيح منعوا منه. ويمكن أن يقع الالجاء بأن يعلمهم الله بأنهم مستغنون بالحسن عن القبيح فلا يكون لهم داع له إلى فعل القبيح ملجأ، وذلك ان الالجاء لا يجوز الا على من يجوز عليه المنافع والمضار، وإذا لم يجز على القديم لم يصح فيه معنى الالجاء. فصل (في الايمان والاحكام) الايمان هو التصديق بالقلب، ولا اعتبار بما يجري على اللسان، وكل من كان عارفا بالله وبنبيه وبكل ما أوجب الله عليه معرفته مقرا بذلك مصدقا به فهو مؤمن. والكفر نقيض ذلك، وهو الجحود بالقلب دون اللسان مما أوجب الله تعالى عليه المعرفة به، ويعلم بدليل شرعي أنه يستحق العقاب الدائم الكثير. وفي المرجئة من قال: الايمان هو التصديق باللسان خاصة وكذلك الكفر هو الجحود باللسان، والفسق هو كل ما خرج به عن طاعة الله تعالى إلى

سورة الواقعة: 20.

[ 141 ]

معصيته، سواء كان صغيرا أو كبيرا. وفيهم من ذهب إلى أن الايمان هو التصديق بالقلب واللسان معا، والكفر هو الجحود بهما. وفي أصحابنا من قال: الايمان هو التصديق بالقلب واللسان والعمل بالجوارح، وعليه دلت كثير من الاخبار المروية عن الائمة عليهم السلام. وقالت المعتزلة: الايمان اسم للطاعات، ومنهم من جعل النوافل والفرائض من الايمان، ومنهم من قال النوافل خارجة عن الايمان. والاسلام والدين عندهم شئ واحد، والفسق عندهم عبارة عن كل معصية يستحق بها العقاب، والصغائر التي تقع عندهم مكفرة لا تسمى فسقا. والكفر عندهم هو ما يستحق به عقاب عظيم، وأجريت على فاعله أحكام مخصوصة، فمرتكب الكبيرة عندهم ليس بمؤمن ولا كافر بل هو فاسق. وقالت الخوارج تقريب من قول المعتزلة الا أنهم لا يسمون الكبائر كلها كفرا 1)، وفيهم من يسميها شركا. والفضيلية منهم يسمي كل معصية كفرا صغيرة كانت أو كبيرة. والزيدية من كان منهم على مذهب الناصر يسمون الكبائر كفر نعمة، والباقون يذهبون مذهب المعتزلة. والذي يدل على ما قلناه أولا هو أن الايمان في اللغة هو التصديق، ولا يسمون أفعال الجوارح ايمانا، ولا خلاف بينهم فيه. ويدل عليه أيضا قولهم " فلان يؤمن بكذا وكذا وفلان لا يؤمن بكذا " وقال تعالى " يؤمنون بالجبت والطاغوت 2) " قال " وما أنت بمؤمن لنا " 3) أي بمصدق، وإذا كان فائدة هذه

1) في ر " اللهم الا أنهم يسمون الكبائر كلها كفرا ".
2) سورة النساء: 51.
3) سورة يوسف: 17.

[ 142 ]

اللفظة في اللغة ما قلناه وجب اطلاق ذلك عليها الا أن يمنع مانع، ومن ادعى الانتقال فعليه الدلالة، وقد قال الله تعالى " بلسان عربي مبين " 1) وقال " وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه " 2) وقال " انا أنزلناه قرآنا عربيا " 3) وكل ذلك يقتضي حمل هذه اللفظة على مقتضى اللغة. وليس إذا كان ههنا ألفاظ منتقلة وجب أن يحكم في جميع الالفاظ بذلك وانما ينتقل عما ينتقل بدليل يوجب ذلك. وان كان في المرجئة من قال ليس ههنا لفظ منتقل ولا يحتاج إلى ذلك. ولا يلزمنا أن نسمي كل مصدق مؤمنا، لانا انما نطلق ذلك على من صدق بجميع ما أوجبه الله عليه. والاجماع مانع من تسمية من صدق بالجبت والطاغوت مؤمنا، فمنعنا ذلك بدليل وخصصنا موجب اللغة، وجرى ذلك مجرى تخصيص العرف لفظ " الدابة " ببهيمة مخصوصة وان كان موجب اللغة يقتضي تسمية كل ما دب دابة، ويكون ذلك تخصيصا لا نقلا. فعلى موجب هذا يلزم من ادعى انتقال هذه اللفظة إلى أفعال الجوارح أن يدل عليه. وليس لاحد أن يقول: ان العرف لا يعرف التصديق فيه الا بالقول، فكيف حملتموه على ما يختص القلب؟ قلنا: العرف يعرف بالتصديق باللسان والقلب، لانهم يصفون الاخرس بأنه مؤمن، وكذلك الساكت، ويقولون " فلان يصدق بكذا وكذا وفلان لا يصدق " ويريدون ما يرجع إلى القلب، فلم يخرج بما قلناه عن موجب اللغة. وانما منعنا اطلاقه في المصدق باللسان أنه لو جاز ذلك لوجب تسميته بالايمان وان علم جحوده بالقلب، والاجماع مانع من ذلك.

1) سورة الشعراء: 195. 2) سورة ابراهيم: 4.
3) سورة يوسف: 2.

[ 143 ]

فأما السجود للشمس فعندنا وان لم يكن كفرا فهو دلالة على الكفر وان فاعله ليس بمصدق في القلب، لحصول الاجماع على أن فاعله كافر ولم يجمعوا على أن نفس السجود كفر لان فيه الخلاف. وكلما يسأل من نظائر ذلك فالجواب عنه ما قلناه. واستدلت المرجئة على أن الطاعات ليست ايمانا، أنه لو كانت طاعة ايمانا لكانت كل معصية كفرا أو بعض كفر، ولو جاز أن يكون في الايمان ما ليس تركه كفرا جاز أن يكون في الايمان الكفر ما ليس تركه ايمانا. وأيضا لو كانت كل طاعة ايمانا لم يكن أحد كامل الايمان لا الانبياء ولا غيرهم لانهم يتركون كثيرا من النوافل بلا خلاف، وعندهم يتركون من الواجب أيضا ما يكون صغيرا. وأيضا قال الله تعالى " الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم " 1) وقال " والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ " 2) وقال " ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات " 3) [ وذلك يدل على أنه يكون مؤمنا وان يعمل الصالحات ] 4) من أفعال الجوارح. والمعتمد ما قدمناه، وما يتعلق به المخالف قد بيناه في شرح الجمل لا نطول بذكره ههنا. وأما الكفر فقد قلنا انه عند المرجئة من أفعال القلوب، وهو جحد ما أوجب الله تعالى معرفته مما عليه دليل قاطع كالتوحيد والعدل والنبوة وغير ذلك، وأما في اللغة فهو الستر أو الجحود، وفي الشرع عبارة عما يستحق به العقاب الدائم الكثير، ويلحق بفاعله أحكام شرعية كمنع التوارث والتناكح.

1) سورة الانعام: 82.
2) سورة الانفال: 72.
3) سورة طه: 75.
4) الزيادة ليست في ر.

[ 144 ]

والعلم بكون المعصية كفرا طريقه السمع لا مجال للعقل فيه، لان مقادير العقاب لا تعلم عقلا، وقد أجمعت الامة على أن الاخلال بمعرفة الله تعالى و توحيده وعدله وجحد نبوة رسله كفر، لا يخالف فيه الا أصحاب المعارف الذين بينا فساد قولهم. ولا فرق بين أن يكون شاكا في هذه الاشياء أو يكون معتقدا لما يقدح في حصولها، لان الاخلال بالواجب يعم الكل. فعلى هذا المجبرة والمشبهة كفار، وكذلك من قال بالصفات القديمة، لان اعتقادهم الفاسد في هذه الاشياء ينافي الاعتقاد الصحيح من المعرفة بالله تعالى وعدله وحكمته. وأما الفسق فهو في اللغة عبارة عن خروج الشئ إلى غيره، ولذلك يقولون " فسقت الرطبة " إذا خرجت عن قشرها، وسميت الفارة فويسقة من ذلك لخروجها من نقبها، الا أن بالعرف صار متخصصا بالخروج من حسن إلى قبح. وأما في عرف الشرع فهو عندنا عبارة عن كل معصية سواء كانت صغيرة أو كبيرة، ولان معاصي الله تعالى كلها كبائر وانما نسميها صغائر بالاضافة إلى ما هو اكبر منها، وهي كبيرة بالاضافة إلى ما هو أصغر منها. وشبهة المعتزلة في أن المؤمن لا يسمى به المصدق وان قالوا كان ينبغي أن لا يسمى بعد ايمانه بزمان أنه مؤمن كما لا يسمى بأنه ضارب لما تقدم من الضرب لان الاسماء المشتقة انما تطلق في حال وقوع على ما اشتقت منه. باطلة، لانا نقول ان الاعتقاد بالقلب الذي هو الايمان يتجدد حالا فحالا، لئلا يبقى فيما خرجنا عن طريقة الاشتقاق. وقولهم: انه لو كان كذلك لوجب أن لا يسمى من هو في مهلة النظر بأنه مؤمن، لانه ما صدق بالله ولا بصفاته. فاسد، لان من هو في مهلة النظر قد صدق بجميع ما تجب عليه في تلك الحال فلذلك يسمى مؤمنا.

[ 145 ]

ومتى قالوا: يلزم من كل من صدق ما قلتموه يسمى مؤمنا وان لم يترك شيئا من القبائح الا ارتكبه ولا شيئا من الواجبات الا تركه، وهذا شنيع من المقال. قلنا: ذلك يقوله المرجئة، غير أن الذي نختاره أن يعتقد ذلك لئلا يوهم فيقول هو مؤمن بتصديقه بجميع ما وجب عليه فاسق بتركه ما يجب عليه من أفعال الجوارح فيعتد له الامرين لئلا يوهم ارتفاع أحدهما إذا أطلقنا الاخر. وما يتعلقون به من الظواهر تكلمنا عليه في شرح الجمل لا نطول بذكره ههنا. وقول من قال من الزيدية انه كافر نعمة. باطل، لانه معترف بنعمة الله تعالى معتقد لها، فكيف يكون جاحدا. وأما قول الحسن انه منافق. باطل، لان المنافق هو من أظهر خلاف ما في باطنه، ومن كان مظهرا للمعصية التي يستحق بها العقاب لا يكون منافقا. وقول الخوارج واحتجاجهم على أن من يرتكب الكبيرة كافر بقوله " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " 1) مبني على القول بالعموم والذي بينا فساده. [ ولنا أن نخص ذلك بما تقدم من الادلة الموثقة ] 2). وقوله " فأنذرتكم نارا تلظى * لا يصلاها إلا الأشقى * الذي كذب وتولى " 3) يفيد نارا مخصوصة، ولذلك خص بها الذي كذب وتولى وهم المرتدون، فأما من كان كافرا ابتداءا فلا يدخل فيها. وقوله " وجوه يومئذ مسفرة " إلى قوله " وجوه يومئذ عليها غبرة " 4) لا يمنع أن يكون هناك قسم ثالث وان لم يكن منطوقا به ويكون عليها سمة أخرى.

1) سورة المائدة: 44.
2) الزيادة من ر.
3) سورة الليل: 14 16.
4) سورة عبس: 38 40.

[ 146 ]

وقوله " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه " 1) لا يمنع من أن يكون وجوه أخر لا سوداء خالصة ولا بيضاء خالصة. على أن هذه الاية مخصوصة بالمرتدين، لقوله " أكفرتم بعد ايمانكم ". وقوله " وان جهنم لمحيطة بالكافرين " 2) لا يمتنع من احاطتها بالفساق كما لا يمتنع من احاطتها بالزبانية وخزنة النيران. وقوله " وهل نجازي الا الكفور " 3) لو حمل على عمومه لوجب الاثبات المؤمن بحال على ذلك مخصوص بعقاب الاستيصال في دار الدنيا، وذلك مختص بالكفار بدلالة أول الاية وسياقها إلى آخرها. واستقصاء القول في ذلك مذكور حيث أشرنا إليه 4) وفي مسألة الوعيد للمرتضى رحمه الله. فصل (في الامر بالمعروف والنهى عن المنكر) الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان بلا خلاف بقول الامة، وان اختلفوا في أنه هل يجبان عقلا أو سمعا: فقال الجمهور من المتكلمين والفقهاء وغيرهم انهما يجبان سمعا وانه ليس في العقل ما يدل على وجوبه وانما علمناه بدليل الاجماع من الامة وبآي من القرآن وكثير من الاخبار المتواترة، وهو الصحيح.

1) سورة آل عمران: 106.
2) سورة التوبة: 49.
3) سورة سبأ: 17.
4) من شرح الجمل للمؤلف نفسه.

[ 147 ]

وقيل: طريق وجوبهما هو العقل. والذي يدل على الاول أنه لو وجبا عقلا لكان في العقل دليل على وجوبهما وقد سبرنا أدلة العقل فلم نجد فيها ما يدل على وجوبهما، ولا يمكن ادعاء العلم الضروري في ذلك لوجود الخلاف. وأما ما يقع على وجه المدافعة فانه يعلم وجوبه عقلا، [ لما علمنا بالعقل وجوب دفع المضار عن النفس، وذلك لا خلاف فيه، وانما الخلاف فيما عداه. وكل وجه يدعى في وجوبه عقلا ] 1) قد بينا فساده في شرح الجمل، وفيما ذكرناه كفاية. ويقوى في نفسي انهما يجبان عقلا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لما فيه من اللطف، ولا يكفي فيه العلم باستحقاق الثواب والعقاب، لانا متى قلنا ذلك لزمنا أن تكون الامامة ليست واجبة، بأن يقال: يكفي في العلم باستحقاق الثواب والعقاب وما زاد عليه في حكم الندب وليس بواجب فالاليق بذلك أنه واجب. واختلفوا في كيفية وجوبه: فقال الاكثر انهما من فروض الكفايات إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وقال قوم هما من فروض الاعيان. وهو الاقوى عندي، لعموم آي القرآن والاخبار، كقوله تعالى " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " 2) وقوله " كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر " 3) وقوله في لقمان

1) الزيادة ليست في ر.
2) سورة آل عمران: 104.
3) سورة آل عمران: 110.

[ 148 ]

" أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر " 1) في حكاية عن لقمان حين أوصى ابنه. والاخبار اكثر من أن تحصى ويطول بذكرها الكتاب. والمعروف على ضربين: واجب، وندب. فالامر بالواجب واجب و المندوب مندوب، لان الامر لا يزيد على المأمور به نفسه. والمنكر لا ينقسم بل كله قبيح فالنهي عنه كله واجب. والنهي عن المنكر له شروط ستة: أحدها أن يعلمه منكرا، وثانيها أن يكون هناك أمارة الاستمرار عليه، وثالثها أن يظن أن انكاره مؤثر أو يجوزه، ورابعها ألا يخاف على نفسه، وخامسها ألا يخاف على ماله، وسادسها ألا يكون فيه مفسدة. [ وان اقتصرت على أربع شروط كان كافيا، لانك إذا قلت لا يكون فيه مفسدة ] 2) دخل فيه الخوف على النفس والمال لان ذلك مفسدة. وانما اعتبرنا العلم بكونه منكرا لانه ان لم يعلمه منكرا جوز أن يكون غير منكر، فيكون انكاره قبيحا، فجرى مجرى الخبر في أنه لا يحسن الا مع العلم بالمخبر، ومتى لم يعلم المخبر جوز أن يكون خبره كذبا، فلا يحسن منه الاخبار بذلك، وكذلك انكار المنكر. واعتبرنا الشرط الثاني لان العرض بانكار المنكر أن لا يقع في المستقبل فلا يجوز أن يتناول الماضي الذي وقع، لان ذلك لا يصح ارتفاعه بعد وقوعه وانما يصح أن يمنع مما لم يقع، فلا بد من أمارة على استمراره على فعل المنكر يغلب على ظنه معها وقوعه واقدامه عليه، فيحصل الانكار للمنع من وقوعه. وإمارات الاستمرار معروفة بالعادة، ولا يجوز الانكار لتجويز وقوعه بلا أمارة، لان ذلك

1) سورة لقمان: 17.
2) الزيادة ليست في ر.

[ 149 ]

يؤدي إلى تجويز الانكار على كل قادر، والمعلوم خلافه. واعتبرنا الشرط الثالث من تجويز تأثير انكاره لان المنكر له ثلاثة أحوال: حال يكون ظنه فيها بأن انكاره يؤثر فانه يجب عليه انكاره بلا خلاف والثاني يغلب على ظنه أنه لا يؤثر انكاره، والثالث يتساوى ظنه في وقوعه وارتفاعه. فعند هذين قال قوم يرتفع وجوبه، وقال قوم لا يسقط وجوبه. وهو الذي اختاره المرتضى رحمه الله، وهو الاقوى، لان عموم الايات والاخبار الدالة على وجوبه لم يخصه بحال دون حال. فأما إذا خاف على نفسه أو ماله أو كان فيه مفسدة له أو لغيره فهو قبيح، لان المفسدة قبيحة. وفي الناس من قال: مع الخوف على النفس انما يسقط الوجوب ولا يخرج عن الحسن إذا كان فيه اعزازا للدين. وهذا غير صحيح، لما قلناه من أنه مفسدة. والخوف على المال يسقط أيضا الوجوب والحسن، لما قلناه من كونه مفسدة، وفي الناس من قال هو مندوب إليه، وقد بينا فساده. وجملته انه متى غلب على ظنه أن انكاره يؤدي إلى وقوع قبيح لولاه لم يقع فانه يقبح لا لانه مفسدة، سواء كان ما يقع عنده من القبيح صغيرا أو كبيرا، من قتل نفس أو قطع عضو أو أخذ مال كثير أو يسير، فان الكل مفسدة. ولا يلزم على ذلك سقوط فرض الصلاة والصوم عند الخوف على المال كما يسقط عند الخوف على النفس، لان الله تعالى لو علم أن في العبادات الشرعية مفسدة في بعض الاحوال لاسقطها عنا، ولما علمنا وجوبها على كل حال علمنا أن المفسدة لا تحصل في فعلها على حال. ولا يلزم مثل ذلك في انكار المنكر، لانه لا خلاف أن وجوبه مشروط بأن لا يكون فيه مفسدة، وليس كذلك العبادات الشرعية، لان الامة مجتمعة على وجوبها من غير شرط.

[ 150 ]

وأما المفسدة فانما اعتبرت لان كونه مفسدة وجه قبح، فلا يجوز أن يثبت معه وجوب ولا حسن بلا خلاف. والغرض بانكار المنكر أن لا يقع، فإذا أثر القول والوعظ في ارتفاعه اقتصر عليه، وان لم يؤثر [ جاز أن يغلظ في القول ويشدد، فان أثر اقتصر عليه، وان لم يؤثر ] 1) وجب أن يمنع منه ويدفع عنه وان أدى ذلك إلى ايلام المنكر عليه والاضرار به واتلاف نفسه بعد أن يكون القصد ارتفاع المنكر أن لا يقع من فاعله ولا يقصد ايقاع الضرر به. ويجري ذلك مجرى دفع الضرر عن النفس في انه يحسن وان أدى إلى الاضرار بغيره. غير أن الظاهر من مذهب شيوخنا الامامية أن هذا الضرب من الانكار لا يكون الا للائمة أو لمن يأذن له الامام فيه، وكان المرتضى رضي الله عنه يخالف في ذلك ويجوز فعل ذلك بغير اذنه، قال: لان ما يفعل باذنهم يكون مقصودا، وهذا يخالف ذلك لانه غير مقصود، وانما القصد المدافعة والممانعة فان وقع ضرر فهو غير مقصود. ويمكن أن ينصر الاول بأن يقال: إذا كان طريق حسن المدافعة بالالم السمع فينبغي أن يدفعه على الوجه الذي قرره الشرع، وهو أن يقصد المدافعة دون نفس ايقاع الالم والقصد إلى ايقاع الالم بأذن الشرع فيه، فلا يجئ منه ما قاله. ومن قال ان انكار المنكر غير متعين، قال: يتعين في بعض الاحوال، لان المقصود أن لا يقع هذا المنكر، فإذا تساوى الكل في حكم هذا الانكار فلا يكون الوجوب عاما لهم، فإذا قام به بعضهم سقط عن الباقين. هذا إذا كان التمكن عاما في الجميع، فان تعين الانكار في جماعة أو في

1) الزيادة ليست في ر.

[ 151 ]

شخص تعين عليه الوجوب. وعلى ما قلناه لا يحتاج إلى هذا التفصيل غير أن من لا يتمكن سقط عنه الوجوب. فصل (في الكلام في النبوة) النبي في العرف هو المؤدي عن الله تعالى بلا واسطة من البشر ومعنى النبي في اللغة يحتمل أمرين: أحدهما - المخبر، واشتقاقه يكون من " الانباء " الذي هو الاخبار، ويكون على هذا مهموزا. والثاني - أن يكون مفيدا للرفعة وعلو المنزلة، واشتقاقه يكون من " النباوة " التي هي الارتفاع. ومتى أريد بهذا اللفظ علو المنزلة فلا يجوز الا بالتشديد بلا همز. وعلى هذا يحمل ما روي عنه صلى الله عليه وآله انه قال " لا تبروا باسمي " 1) أي لا تهمزوه، لانه أراد علو المنزلة. ولا يلزم أن يكون كل عال المنزلة نبيا، لان بالعرف صارت هذه اللفظة مختصة بمن علت منزلته، لتحمله أعباء الرسالة والقيام بأدائها إذا كان من البشر ولذلك لا توصف الملائكة بأنهم أنبياء وان كان فيهم رسل من قبل الله تعالى. ولا يمتنع أن يقال أيضا: يراد به الاخبار، الا أنه مكروه لما ورد به الخبر. وقولنا رسول يفيد في أصل اللغة أن من أرسله بشرط تحمله الرسالة، لانه لا يسمى بذلك من لا يعلم منه القبول لذلك. والعرف خصص هذا اللفظ بمن كان

1) كذا في النسختين، وهو غير صحيح، وأصله النبر بمعنى ادخال الهمز في الكلمة فقوله صلى الله عليه وآله " لا تنبر باسمي " أي لا تجعل لفظة " النبي " مهمزة انظر النهاية لابن الاثير (نبر).

[ 152 ]

رسولا من قبل الله، ولذلك إذا قيل " قال الرسول " لا يفهم الا رسول الله وفي غيره يكون مقيدا بأن يقال رسول فلان. والمخالف في بعثة الرسل طوائف: منهم البراهمة الذين خالفوا في حسن بعثة الرسل، ومنهم اليهود وهم فرق: منهم من خالف في جواز النسخ عقلا، ومنهم من خالف في النسخ سمعا، ومنهم من أجاز النسخ وخالف في نبوة نبينا عليه السلام. ولنا في الكلام على هؤلاء طريقان: أحدهما - أن يدل على أن الله تعالى بعث أنبياء وصحت نبوتهم، فلو لا أنه كان حسنا لما ثبت ذلك لانه تعالى لا يفعل القبيح. ومتى تكلمنا على هذا الفصل فينبغي أن نتكلم في صحة نبوة نبينا عليه السلام، لانه المهم الذي نحتاج إليه لتعلق مصالحنا بشرعه دون من بعدوا من الرسل الذين نسخ شرعهم. ومتى ثبت لنا نبوته عليه السلام بطلت جميع الاقوال، قول من خالف في حسن البعثة أو خالف في جواز النسخ عقلا أو شرعا أو خالف في نبوة نبينا، فصار الكلام في ذلك أولى من غيره. والطريقة الثانية - أن نتكلم على فرقة فرقة بكلام يخصهم، فنتكلم أولا في حسن البعثة ليبطل مذهب البراهمة ثم نتكلم في نبوة نبينا عليه السلام. والذي يدل على الفصل الاول من هذه الاقسام - وهو الكلام في حسن البعثة هو أنهم يؤدون الينا ما هو مصلحة لنا في التكليف العقلي، ولا يمكننا معرفة ذلك بالعقل. ولا يمتنع أن يعلم الله أن في أفعال المكلف ما إذا فعله دعاه إلى فعل الواجب العقلي أو صرفه عن القبيح العقلي، أو ما إذا فعله دعاه إلى فعل القبيح أو الاخلال بالواجب، فيجب أن يعلمنا ذلك، لان الاول لطف لنا والثاني مفسدة، ويجب

[ 153 ]

عليه تعالى ازاحة علة المكلف في فعل اللطف على ما مضى القول فيه. ولا يمكن اعلام ذلك الا ببعثة الرسل الذين يعلمونا ذلك، لانه لا يمكننا الوصول إليه بضرورة العقل ولا باستدلال، ولا يحسن خلق العلم الضروري بذلك لانه ينافي التكليف، فلم يبق بعد ذلك الا بعثة الرسل ليعرفونا ذلك. وعلى هذا الوجه متى حسنت البعثة وجبت، ولا ينفصل الحسن من الوجوب. وانما قلنا " لا يحسن خلق العلم الضروري بذلك " لانا بينا أن معرفة الله تعالى انما تكون لطفا إذا كانت كسبية، والعلم بالشرائع فرع على العلم بالله، فلا يجوز أن يكون الفرع ضروريا والاصل كسبيا، فيكون الفرع أقوى من الاصل. ويجوز أن يبعث الله تعالى نبيا ليؤكد ما في العقول وان لم يكن معه شرع، ولا يكون ذلك عبثا، لانه لا يمنع أن يكون نفس بعثته لطفا للمكلفين. فعلى هذا يجب اظهار المعجزات على يده، لانا فرضنا أن في بعثته لطفا ولو لم يكن في بعثته لطف لما كان أيضا عبثا، كما لا يكون نصب أدلة كثيرة على شئ واحد عبثا وان كان الدليل الواحد كافيا في هذا الباب. وأما النظر في معجزة فان كان معه شرع أو كان نفس بعثته لطفا فانه يجب علينا، وان لم يكن كذلك بل بمجرد ما في العقل فانه يحسن النظر في معجزه وان لم يجب. ومتى التزمنا على ذلك جواز اظهار المعجزات على يدي الائمة والصالحين فانا نلتزمه، وسنتكلم عليه فيما بعد انشاء الله. ويحسن بعثة الانبياء لامور أخر، نحو تعريفنا القطع على عقاب الكفار، وليعرفونا بعض اللغات، وليعرفونا الفرق بين السموم القاتلة والاغذية، وكثيرا من مصالح الدنيا على ما بيناه وفرعناه في شرح الجمل. وان لم يكن جميع ذلك واجبا، لامكان الوصول إلى هذه الاشياء من غير جهة الانبياء، على ما بيناه في الشرح.

[ 154 ]

وقول البراهمة: ان النبي لا يخلو أن يأتي بما يوافق العقل أو بما يخالفه فان أتى بما يوافقه فالعقل فيه كفاية، وان أتى بما يخالفه فما يخالف العقل [ لا يلتفت إليه لانه قبيح بالاتفاق. باطل، لانا نقول: الشرع لا يأتي الا بما يوافق العقل ] 1) على طريق الجملة لا على طريق التفصيل، وتفصيله لا يمكن معرفته بالعقل، فيبعث الله تعالى نبيا ليعرفنا تفصيل ذلك. فأما ما يعلم مفصلا بالعقل فلا يحتاج إلى بعثة الانبياء فيه، وانما قلنا ذلك لان العقل دال على وجه الجملة على أن ما دعا إلى فعل واجب مثله وما صرف عن قبيح يجب فعله، وما يدعوا إلى قبيح أو اخلال بواجب يجب تجنبه. وإذا كان هذا معلوما جملة ويحصل ذلك في بعض الافعال التي لا نعلم بالعقل كونه كذلك ويجب اعلامنا ذلك ولا يتم ذلك الا ببعثة رسول على ما بيناه. وانما يكون منافيا لما في العقل أو نفي السمع ما أثبته العقل أو أثبت ما نفاه والامر بخلافه. ومثل ذلك ما نعلمه عقلا وجوب دفع المضار عن النفس وقبح الظلم على طريق الجملة، ثم يرجع في حصول بعض المضار في كثير من الافعال إلى التجربة والعادات أو إلى الخبر، فلا نكون بذلك مخالفين لما في العقل. وكذلك القول في السمع. وقولهم: ان الصلاة والصوم والطواف قبائح في العقل، لا يجوز أن يتغير كما لا يجوز أن يتغير قبح الظلم والكذب وغير ذلك. باطل، لان القبائح في العقل على ضربين: أحدهما لا يجوز تغييره كالظلم والكذب والمفسدة والجهل وغير ذلك، ولا يجوز أن يرد السمع بخلافه. والثاني ما يجوز أن يتغير من حسن إلى قبح ومن قبح إلى حسن كالضرر الذي متى عري من استحقاق نفع أو دفع ضرر كان قبيحا ومتى حصل

1) الزيادة ليست في ر.

[ 155 ]

بعض هذه الامور كان حسنا. والصلاة والصوم وجميع العبادات انما يقبح في العقل متى خلت من فائدة ومنفعة وغرض، فإذا عرض فيها نفع وغرض صحيح فانما يخرج من القبح إلى الحسن وإذا كان السمع ورد بأن لنا في هذه العبادات منافع وجب أن يحسن، لانا لو علمنا ذلك بالعقل لعلمنا حسنه. ولا طريق إلى معرفة النبي الا بالمعجز، والمعجز في اللغة عبارة عمن جعل غيره عاجزا، مثل المقدور الذي يجعل غيره قادرا الا أنه صار بالعرف عبارة عما يدل على صدق من ظهر على يده واختص به، والمعتمد على ما في العرف دون مجرد اللغة. والمعجز يدل على ما قلناه بشروط: أولها أن يكون خارقا للعادة، والثاني أن يكون من فعل الله أو جاريا مجرى فعله، والثالث أن يتعذر على الخلق جنسه أو صفته المخصوصة، والرابع أن يتعلق بالمدعي على وجه التصديق لدعواه. وانما اعتبرنا كونه خارقا للعادة لانه لو لم يكن كذلك لم يعلم أنه فعل للتصديق دون أن يكون فعل بمجرى العادة. ألا ترى انه لا يمكن أن يستدل بطلوع الشمس من مشرقها على صدق الصادق ويمكن بطلوعها من مغربها، وذلك لما فيه من خارق العادة. واعتبرنا كونه من فعل الله لان المدعي إذا ادعى أن الله تعالى يصدقه بما يفعله فيجب أن يكون الفعل الذي قام مقام التصديق من فعل من طلب منه التصديق والا لم يكن دالا عليه، وفعل المدعي كفعل غيره من العباد لانه لا يدل على التصديق، وانما يدل فعل من ادعى عليه التصديق. فان قالوا: ليس لو كان القرآن من فعل النبي عليه السلام لدل على صدقه وكذلك نقل الجبال وطفر البحار يكون معجزا، وان كان جميع ذلك من فعل المدعي للنبوة.

[ 156 ]

قلنا: لو كان القرآن من فعله وخرق العادة بفصاحته لكان المعجز في الحقيقة اختصاصه بالعلوم التي يأتي منه بها هذه الفصاحة وتلك العلوم من فعل الله، وكذلك طفر البحار ونقل الجبال انما يكون المعجز اختصاصه بالقدر الذي خلقها الله تعالى فيه التي يمكن بها من ذلك، وتلك من فعله تعالى ولم يخرج عما قلناه. هذا على مذهب من يقول بالصرفة، وأما من يعتبر مجرد خرق العادة فقط فانه يقول: ان ذلك الكلام الخارق للعادة أو حمل الجبال هو المعجز، لانه لو لم يكن كذلك لما مكن الله تعالى منه. وانما اعتبرنا أن يكون متعذرا في جنسه أو صفته لانا متى لم نعلمه كذلك لم نأمن أن يكون من فعل غير الله، وقد بينا أنه لا بد أن يكون من فعله وسوينا بين تعذره في جنسه وصفته، لان تعذر الجنس انما دل من حيث كان ناقصا للعادة لا من حيث كان مختصا به تعالى، وكذلك إذا كان متعذرا [ في صفته ] 1) وان كان جنسه مقدورا تصديقا لهذا المدعى. وانما يعلم كونه خارقا للعادة بالرجوع إلى العادات المستقرة المستمرة، وذلك معلوم عند العقلاء، فإذا انتقضت بذلك لم يخف على أحد. ألا ترى أن احدنا لا يشك في طلوع الشمس من مشرقها ولا يعرفون خلقا ولد الا من وطي، فإذا شاهدوا طلوعها من مغربها أو خلق حي من غير ذكر أو أنثى علموا أنه خارق للعادة. وعلى هذا افتتاح العادات لا تكون عادة. ومتى خلق الله تعالى خلقا ابتداءا من مصلحته معرفة الشرائع ولم تعرف العادة لم يحسن أن يكلف حتى يبقيه غير مكلف زمانا يعرف فيه العادات، فإذا عرفها حينئذ كلفه وبعث إليه من يمكنه أن يستدل على صدقه بانتقاض ما عرف من العادات قبل تكليفه.

1) الزيادة من ر.

[ 157 ]

والعادة قد تكون عامة، وقد تكون خاصة، وقد تكون في بعض البلاد دون بعض. فعلى هذا الاعتبار بانتقاض من تلك العادة عادة له، وانما نعلم أنه من فعله إذا عرفنا تعذره علينا على كل حال مع ارتفاع الموانع المعقولة كالحياة والقدرة وخلق الجسم، أو يقع على وجه مخصوص لا يقدر عليه أحد من الخلق كنقل الجبال وفلق البحر. والكلام الخارق للعادة بفصاحته، انما نعلم اختصاصه بالمدعي بأن نعلمه مطابقا لدعواه، فان ادعى الدلالة على تصديقه طلوع الشمس من مغربها فطلعت فذلك غاية المطابقة، ويجري مجرى أن يصدقه بكلام يتضمن تصديقه فعلم أنه بكلامه، لانه لا فرق في الشاهد. فمن ادعى على غيره أنه رسوله بين أن يقول ذلك الغير صدقت وبين أن يقول المدعي الدليل على صدقي أنه يفعل فعلا من الافعال لم تجر عادته بذلك، ثم يفعل ذلك الغير ما اقترحه، فانا نعلم أنه صدقه. وليس لاحد أن يقول في التصديق بالقول مواضعة متقدمة وهو صريح في التصديق، وليس في الفعل الذي التمسه مواضعة، فكيف يعلم أنه قصد التصديق وذلك الكلام وان كان فيه مواضعة متقدمة ففي الفعل ما يجري مجرى المواضعة وهو طلب شئ مخصوص، فهذا يجري مجرى مواضعة متقدمة في ذلك على التصديق. لانا قد بينا أنه لا يكون دالا لمساواته له في كونه خارقا للعادة. وانما قلنا انه لابد أن يختص بالمدعي، لانا ان لم نراع ذلك لم يعلم اختصاصه به ولا تعلقه. وجوزنا مع هذه المطابقة أن لا يكون فرقا بين التصديق بالقول وبين فعل ما يلتمسه المدعي إذا لم تجربه عادة، والعقلاء لا يفرقون بينهما. ومتى قيل: ان أحدنا يعلم قصده ضرورة بفعله، فيعلم أنه صدقه إذا فعل عقيب الدعوى، وليس كذلك القديم تعالى، لانه لا يعلم قصده ضرورة.

[ 158 ]

قلنا: لا نعلم قصد أحدنا ضرورة بالتصديق بفعل ما يطابق الدعوى من تصديق بكلام أو فعل ملتمس به على وجه مخصوص، ومع هذا يعلم أنه صدقه ولو لم يكن صدقه لكان قبيحا، فقد ساوى القديم في هذا الباب. فان قيل: لم لا يجوز أن يفعل تعالى ما يخرق العادة للمصلحة دون التصديق فلا يمكنهم أن يعلموا أنه فعل للتصديق. قلنا: لا يجوز أن يفعل تعالى ما يخرق العادة الا للتصديق، كما لا يجوز أن يقول قولا يتضمن التصديق ولا يقصد التصديق بل يفعله للمصلحة. ولا فرق بين القول والفعل في ذلك، ولذلك لو قال الواحد منا لمن ادعى عليه أنه أرسله صدقت ولا يقصد تصديقه كان مقبحا وان قصد إلى وجه آخر. ألا ترى أنه لو قال عقيب ذلك أردت بذلك تصديق الله لم يعذره العقلاء في ذلك بل يستقبحون منه ما فعله ويذمونه عليه. ولا يجب في مدع النبوة أن يعين ما يلتمسه من المعجز وان كان لو عين لكان أبلغ، بل يكفي أن يلتمس ما يدل على صدقه على الجملة، فإذا فعل الله تعالى عقيب ذلك ما يكون خارقا للعادة دل على صدقه كدلالة ما عينه، لان المعين انما دل على صدقه من حيث كان خارقا للعادة ومطابقا للدعوى ومختصا به ومفعولا عقيب الدعوى، وكل ذلك حاصل فيما ليس بمعين، فيجب أن يكون دالا على صدقه. ولا يلزم في مدعي النبوة ان يطلب المعجز بلسانه، لان ادعاء النبوة يتضمن وجوب تصديقه بالمعجز على مجرى العادة، فان ادعى لفظا جاز كما لو عين المعجز جاز وان لم يكن ذلك واجبا على ما بيناه. وإذا كان فائدة المعجز تصديق من ظهر على يده فيجب جواز ظهوره على يد بعض الائمة والصالحين إذا ادعوا الامامة والصلاح وكانوا صادقين، فانه

[ 159 ]

إذا كان مقتضاه تصديق من ظهر على يده فان كان ذلك مدعيا للنبوة علمنا نبوته وان كان مدعيا للامامة علمنا بها صدقه وان ادعى صلاحا فمثل ذلك، لانه لا بد من دعوى يقترن بها. وأيضا فلا وجه لقبح ظهور المعجز على يدي من ليس بنبي إذا كان صادقا من كونه كاذبا أو ظلما أو عبثا أو مفسدة. وهذه هي وجوه القبح المعقولة في العقل، فان ادعوا وجها غير ذلك فليبينوه لنتكلم عليه. وليس يمتنع أيضا أن يعترض في ظهور المعجز على يدي من ليس بنبي وجه من وجوه المصلحة واللطف، فيجب اظهار ذلك. ومتى قيل: ان المعجز يدل على النبوة على طريق الابانة بخلاف سائر الادلة. قلنا: المعجز يدل على ابانة الصادق ممن ليس بصادق، فان كان مدعيا للنبوة علمناه نبيا، وان ادعى امامة أو صلاحا علمنا صدقة فيه وعلمناه كذلك. هذا إذا سلمنا انه يدل من جهة الابانة، وقد بيناه في شرح الجمل، لانه ليس كذلك وأجبنا على كل ما يسأل عن ذلك لا نطول بذكره الكتاب. ويجوز من اظهار المعجزات ما لا يؤدي إلى كونها معتادة، فينتقض وجه دلالتها. فلا يلزم على ذلك اظهارها على كل صالح وكل صادق. ولا يلزم أن نقول في من لم يظهر على يده معجز أنه ليس بامام ولا صالح كما يجب أن نقطع على أنه ليس بنبي، لان المعجز انما يبين مدعيا صادقا من مدع غير صادق. والامام إذا لم يدع الامامة والصالح إذا لم يدع الصلاح لا يجب اظهار المعجز على يده، وإذا لم يظهر لا يجب نفي الصلاح عنه ولا نفي الامامة، بل لا يمتنع أن نعلمه اماما أو صالحا بغير المعجز. وليس كذلك النبي، لانه لا طريق لنا إلى معرفته الا بالمعجز، فإذا لم يظهر على يده المعجز قطعنا على كذبه ان كان

[ 160 ]

مدعيا، وان لم يدع علمنا أنه ليس بنبي، لانه لو كان نبيا لوجب بعثته ووجب عليه ادعاؤه ولوجب ظهور المعجز عليه. فبان الفرق بين النبي والامام والصالح. فعلى هذا لا يلزم أن يظهر الله على يد كل امام معجزا، لانه يجوز أن يعلم امامته بنص أو طريق آخر، ومتى فرضنا أنه لا طريق إلى معرفة امامته الا المعجز وجب اظهار ذلك عليه وجرى مجرى النبي سواء، لانه لا بد لنا من معرفته كما لابد لنا من معرفة النبي المتحمل لمصالحنا. ولو فرضنا في نبي علمنا نبوته بالمعجز أنه نص على نبي آخر لاغنى ذلك عن ظهور المعجز على يد النبي الثاني، بأن نقول: النبي الاول أعلمنا أنه نبي كما يعلم بنص امام على امامته ولا يحتاج إلى معجز. وليس لاحد أن يقول: تجويز اظهار المعجز على يد من ليس بنبي ينفر عن النظر في معجز النبي. وذلك أن المعجز لا يكون الا عقيب الدعوى، فان كانت الدعوى للنبوة وجب النظر فيما يدعيه من المعجز، فان كان صحيحا قطعنا [ على صدقه وان لم يكن صحيحا قطعنا ] 1) على كذبه. ولا يجوز أن يكون نبيا ولا اماما إذا ادعى الامامة فمثل ذلك وليس ههنا موضع يظهر المعجز مع ادعائه النبوة ويجوز كونه اماما، فيكون فيه تنفير. على أن تجويزنا كونه اماما ليس بأكثر من تجويزنا كونه محرفا كذابا، ومع ذلك يلزمنا النظر في معجزه فكيف يقال ان ذلك منفرا عنه. فأما وجوب النظر في معجزه فان كان مدعيا للنبوة فانه يلزمنا ذلك لانا لا نأمن كونه صادقا، وكذلك ان ادعى كونه اماما يلزمنا مثل ذلك، لان لنا في معرفة الامام مصالح وربما لا نعلم كثيرا من الشريعة الا بقوله، وان كان مدعيا للصلاح لا يجب علينا النظر في معجزه وان كان لا يحسن ذلك، لان وجه وجب النظر في

1) الزيادة في ر.

[ 161 ]

معجزه ولانه لا يلزمنا معرفة كونه صالحا. ولا يلزمنا جواز اظهار المعجز على يد الفساق المتهتكين والكفار إذا كانوا صادقين، لان المعجز عند اكثر أصحابنا يدل على عصمة من ظهر على يده، ومن لم يعتبر العصمة جوز اظهارها على مؤمن يستحق الثواب بايمانه وان كان فاسقا بجوارحه بعد أن لا يكون سخيف المنزلة دني الرتبة، من حيث أن المعجز يقتضي علو المنزلة وعظم الرتبة، وذلك لا يوجد في هؤلاء وان كانوا مؤمنين. ويجب أن يكون النبي معصوما من القبائح صغيرها وكبيرها قبل النبوة وبعدها على طريق العمد والنسيان وعلى كل حال. يدل على ذلك أن القبيح لا يخلو أن يكون كذبا فيما يؤديه عن الله أو غيره من أنواع القبائح، فان كان الاول فلا يجوز عليه، لان المعجز يمنع من ذلك، لانه ادعى النبوة على الله وصدقه بالعلم المعجز جرى ذلك مجرى أن يقول له صدقت، فلو لم يكن صادقا لكان قبيحا، لان تصديق الكذاب قبيح لا يجوز عليه تعالى. وأما الكذب في غير ما يؤديه وجميع القبائح الاخر فانا ننزههم عنها لان تجويز ذلك ينفر عن قبول قولهم. ولا يجوز أن يبعث الله نبيا ويوجب علينا اتباعه وهو على صفة تنفر عنه، ولهذا جنب الله تعالى الانبياء الفظاظة والغلظة والخلق المشينة والامراض المنفرة لما كانت هذه الاشياء منفرة في العادة. ومرادنا بالتنفير هو أن يكون معه أقرب إلى أن لا يقع منه القبول ويصرف عنه وان جاز أن يقع على بعض الاحوال، كما أن ما يدعو إلى الفعل قد لا يقع معه الفعل. ألا ترى ان التبشير إلى وجه الضيف داع إلى حضور طعامه وربما لم يقع معه الحضور، والعبوس ينفر وربما وقع منه الحضور وان كان ذلك لا يقدح في كون أحدهما داعيا والاخر صارفا، ولا يقع القبول من الواعظ الزاهد ويقع من الماجن السخيف ولا يخرج ذلك السخف من كونه صارفا والزهد من كونه داعيا.

[ 162 ]

ودليل التنفير يقتضي نفي جميع القبائح عنهم صغيرها وكبيرها، والفرق بينهما مناقضة. وقولهم " حط الصغائر بتنقيص الثواب " ليس بصحيح إذا سلمنا الاحباط لانها وان نقصت الثواب فهي فعل قبيح واقدام عليه ومع ذلك يزيل ثوابا حاصلا وفي ذلك من مرتبة عالية إلى ما دونها، وذلك لا يجوز على الانبياء كما لا يجوز أن يعزلوا عن النبوة بعد حصولها. ثم يلزم عليه تجويز الكبائر قبل النبوة، لان حطها نقصان الثواب، لان عقابها قد زال بالتوبة والنبوة، وذلك لا يقوله اكثر من خالفنا. وأما ما يستدل من الظواهر التي يقتضي ظاهرها وقوع المعصية من الانبياء نحو قوله تعالى " وعصى آدم ربه فغوى " 1) فقد بينا الوجه فيه في التفسير واستوفاه المرتضى في التنزيه لا يحتمل ذكر ذلك ههنا. بل نقول: الظواهر تبنى على أدلة العقول ولا تبنى أدلة العقول على الظواهر، وإذا علمنا بدليل العقل أن القبيح لا يجوز عليهم تأولنا الايات ان كانت لها ظواهر وان كان اكثرها لا ظاهر له على ما بين هناك. وأما الذي به يعلم أنه لا يجوز عليه الكتمان مما بعث لادائه فهو أنا لو جوزنا ذلك أدى إلى نقض الغرض في ارساله، فنؤل ما حمله وكلف أداه إلى من هو مصلحة له حتى يكون مزيحا لعلتهم، فإذا علم أنه لا يؤدي انتقض الغرض ولم تحصل ازاحة العلة في معرفة المكلفين. وليس ذلك بمنزلة تكليف من علم الله أنه يكفر، لان الغرض بتكليفه لا يتعداه. ثم الغرض تعريضه لمنافع الثواب، فإذا لم يفعل أتي من قبل نفسه. وتكليف النبوة الغرض فيه متعلق بغير النبي، وان كان فيه غرض يرجع إليه

1) سورة طه: 121.

[ 163 ]

فعلى وجه التبع، فلا يجوز أن يكون الامر على هذا ومع هذا فلا يؤديه، لان ذلك يخل بازاحة علة المكلفين في تكليفهم، وذلك لا يجوز. وأما الكلام في النسخ فقد حكينا أن الخلاف المشهور فيه مع اليهود الذين منعوا النسخ، وهم ثلاث فرق: منهم من منع النسخ عقلا، ومنهم من منعه سمعا، ومنهم من اجازه ومنع من صحة نبوة نبينا عليه السلام. ونحن نتكلم عليهم واحدا بعد أن نبين حقيقة النسخ. والنسخ في الشريعة عبارة عن كل دليل شرعي دل على أن مثل الحكم الثابت بالنص الاول زائل في المستقبل على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الاول مع تراخيه عنه. وذكرنا " المثل " دون " العين " لانه لو نهاه عن نفس ما أمره به لكان ذلك قبيحا اما بأن يكون بداء أو فيه وجه آخر من وجوه القبح. وخصصنا أدلة الشرع بذلك لان ما يزيل وجوب الفعل في المستقبل من العجز أو فقد الالة أو ما يجري مجرى ذلك لا يوصف بأنه نسخ وان كان مزيلا لوجوب الفعل من حيث اختص هذا الوجه بأدلة الشرع. وشرطنا التراخي لان ما يقترن باللفظ من ذكر الغاية الدالة على زوال الوجوب عندها لا يوصف بأنه ناسخ. ألا ترى أن قوله " ثم أتموا الصيام إلى الليل " 1) لا يقال " إلى الليل " ناسخ لصوم النهار، وكذلك لو قال الزموا السبت إلى وقت كذا لم يكن ما بعد ذلك الوقت ناسخا لما قبله وان سقط الغرض فيه، ولو قال ذلك مطلقا ثم دل بعد ذلك على سقوط لزومه سمي ذلك نسخا للتراخي الذي قدمناه. فإذا ثبت حقيقة النسخ في الشرع فالدليل على جوازه هو أن كل دليل

1) سورة البقرة: 187.

[ 164 ]

على حسن التعبد بالشرع فهو بعينه دال على جواز النسخ، لان ما دل على جواز التعبد بالشرع ما قدمناه من المصلحة المتعلقة بالعبادة واللطف فيها. وهذا بعينه قائم في النسخ، لانه لا يمتنع أن يصير ما كان مصلحة في وقت مفسدة في وقت آخر وما هو مفسدة في وقت يصير مصلحة في غيره، وما هو مصلحة لزيد يصير مفسدة لعمرو وما يكون مصلحة لعمرو يصير مفسدة لزيد. فإذا كان ذلك غير ممتنع فلو فرضنا حصوله لمن هو عالم بالعواقب وجب أن يعلمنا ذلك وينسخ عنا ما تغير الحال فيه، كما وجب أن يعلمنا ذلك في ابتداء العبادة. وأي فرق بين أن يقول افعلوا هذه العبادة إلى وقت كذا واتركوا بعدها وبين أن يقول افعلوا مطلقا ثم يعلمنا بعد ذلك الوقت الذي تغيرت المصلحة فيه، وهل تجويز أحدهما الا كتجويز الاخر. ومتى قالوا: ان ذلك يؤدي إلى البداء. قلنا: ليس ذلك بداء، لان البداء ما جمع شروطا أربعة: أحدها أن يكون المأمور به هو المنهي عنه بعينه، وثانيها أن يكون الوجه واحدا، وثالثها أن يكون الوقت واحدا، ورابعها أن يكون المكلف واحدا. والنسخ بخلاف ذلك لان الفعل المأمور به غير المنهي عنه، لان امساك السبت في زمن موسى عليه السلام هو غير ما تناوله النهي عن امساكه في زمن نبينا صلى الله عليه وآله، وإذا تغاير الفعلان لم تتكامل شروط البداء. وكذلك إذا كان الوقتين متغايرين. ولو كان ذلك بداءا لوجب أن يكون اماتة الله الخلق بعد احيائهم واغناؤهم بعد فقرهم وصحتهم بعد مرضهم يكون بداءا، فإذا لم يكن كذلك لتغير المصلحة فيه فالنسخ مثله. ويلزم عليه أيضا أن لا تختلف شرائع الانبياء وقد علمنا اختلافها ولم يكن ذلك بداء، لانه كان في شرع آدم جواز تزويج الاخت من الاخ وفي شرع

[ 165 ]

ابراهيم اباحة تأخير الختان إلى وقت الكبر وفي شريعة اسرائيل جواز الجمع بين الاختين، وكل ذلك مخالف لشرع موسى عليه السلام. وقولهم " ان ذلك يؤدي إلى كون الشئ حسنا قبيحا " ليس بصحيح، لانه انما يقتضي مثل الحسن قبيحا ولا يمتنع في المثلين ذلك، وذلك اكثر من أن يحصى. وأما من أجاز النسخ عقلا ومنع منه سمعا فالكلام عليه من وجهين: أحدهما - أن نقول: ما الذي يدل على صحة هذه الدعوى وأن موسى عليه السلام قال شريعتي لا تنسخ، فان رجعوا إلى نقلهم الذي هو خبر الاحاد فان ذلك لا يقبل فيه خبر واحد، وان ادعوا التواتر فالتواتر يوجب العلم الضروري فكان ينبغي أن نعلم مع اختلاطنا بهم أن موسى عليه السلام قال ذلك، كما أنا لما نقلنا عن نبينا عليه السلام أن شريعته لا تنسخ علم ذلك المخالف والموافق، فان اليهود لا يدفعون أن من دين محمد أن شرعه لا ينسخ وانما خالفوا في صدق قوله. على أنه ذكر الشيوخ أن نقل اليهود غير متصل بموسى، لانهم انقرضوا وقتلهم بخت نصر حتى لم يبق منهم الا نفر لا يقطع بنقلهم العدد ولا يؤمن عليهم الكذب. ولو سلمنا أن موسى عليه السلام قال شريعتي لا تنسخ لا بد أن يكون ذلك مشروطا إذا لم تعتبر المصلحة أو ينسخها من ثبتت نبوته، وأما مع تغير المصلحة وثبوت نبوته فهي صادقة فلا بد من نسخها. والطريقة الثانية - أن يدل على نبوة نبينا عليه السلام، فإذا ثبتت نبوته علمنا بطلان دعواهم ان موسى قال شرعي لا ينسخ، لانه لو كان صحيحا لما ثبتت نبوة من ينسخها. فان قيل: لم صرتم بأن تدلوا على نبوة نبيكم فيعلموا بطلان دعوانا فأولى منا إذا دللنا على صحة خبرنا فيعلم بطلان دعواكم في صحة نبوة نبيكم.

[ 166 ]

قلنا: نحن أولى بذلك، لان النظر في معجز النبي عليه السلام يبنى على أمور عقلية لا يدخلها احتمال الاشتباه، لانه مبني على ظهور القرآن وتحدي العرب وانهم لم يعارضوه، وذلك كله معلوم ضرورة. والعلم بأن هذه صورته يكون معجزا ودالا على النبوة طريقه اعتبار العقل الذي لا يدخله الاحتمال، وليس كذلك الكلام في الخبر، لان الخبر كلام والكلام لا تدخله الحقيقة والمجاز والعمل بظاهره تركه. والخبر الذي يدعونه مبني على صحته، وصحته لا تعلم الا بعد العلم بأن صفة التواتر فيه ثابتة في جميع أسلاف اليهود وكل زمان. ثم إذا ثبت فهو كلام تدخله الحقيقة والمجاز والخصوص والعموم والشروط والعدول عن ظاهره. فعلم بذلك أن النظر في معجز النبي عليه السلام أولى، لان في العلم بصحته بطلان ما سواه، وان لم يعلم صحة تكليف النظر في تصحيح خبرهم. وأما من أجاز النسخ عقلا وشرعا ومنع من صحة نبوة نبينا عليه السلام فالوجه فيه أن يدل على صحة نبوة نبينا لبطل قوله، ولنا في الكلام في ثبوته طريقان: أحدهما الاستدلال بالقرآن على صحة نبوته، والاخر الاستدلال بباقي معجزاته عليه السلام. والاستدلال بالقرآن لا يتم الا بعد بيان خمسة أشياء: أحدها ظهوره عليه السلام بمكة وادعاؤه النبوة، وثانيها تحديه العرب بهذا القرآن وادعاؤه أن الله أنزل عليه وخصه به، وثالثها أنه لم يعارضوه في وقت من الاوقات، ورابعها أنهم لم يعارضوه للعجز، وخامسها أن هذا لتعذر خرق العادة. فإذا ثبت ذلك دل على أن القرآن معجز، سواء كان معجزا خارقا للعادة بفصاحته فلذلك لم يعارضوه أو لان الله تعالى صرفهم عن معارضته ولولا الصرف لعارضوا، وأي الامرين ثبت ثبتت صحة نبوته عليه السلام، لانه تعالى

[ 167 ]

لا يصدق كذابا ولا يخرق العادة لبطل. فأما الفصل الاول - وهو ظهوره صلى الله عليه وآله بمكة وادعاؤه النبوة - فمعلوم ضرورة لا ينكره عاقل سمع الاخبار. وظهور هذا القرآن على يده أيضا معلوم مثل ذلك ضرورة، فالشك في أحدهما كالشك في الاخر. وأما الذي يدل على أنه تحدى بهذا القرآن، فهو أن معنى التحدي انه عليه السلام كان يدعي أن الله تعالى خصه بهذا القرآن وآياته وان جبريل كان يهبط عليه فيه، وذلك معلوم ضرورة ولا يمكن أحد دفعه. وهذا غاية التحدي في المعنى والبعث على اظهار معارضته ان كان مقدورا. وأيضا فمعلوم أنه عليه السلام ادعى النبوة ودعا الناس كافة إلى الاقرار بنبوته والعمل بشرعه، ومن ادعى هذه المنزلة لا بد أن يحتج بأمر يجعله حجة على دعواه صحيحا كان أو فاسدا، لانه لو عري دعواه من حجة أو شبهة لسارع الناس إلى تكذيبه وطالبوه بما يدل على صدق قوله، فلما لم يكن ذلك منهم دل على أنه احتج بهذا القرآن أو بما هذا القرآن أظهر منه. وأيضا فآيات التحدي في القرآن ظاهرة، نحو قوله تعالى " فأتوا بعشر سور مثله مفتريات " 1) وقوله " فأتوا بسورة من مثله " 2) وفي موضع آخر " بسورة مثله " 3) وقوله " قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " 4) وهذا صريح بالتحدي. وأما الذي يعلم به أنه لم يعارض فهو أنه لو كان عورض لوجب أن ينقل،

1) سورة هود: 13.
2) سورة البقرة: 23.
3) سورة يونس: 38.
4) سورة الاسراء: 88.

[ 168 ]

ولو نقل لعلم كما علم نفس القرآن، فلما لم يعلم دل على أنها لم تكن. وانما قلنا ذلك لان كل أمر لو كان لوجب أن ينقل فإذا لم ينقل قطعنا على أنه لم يكن. وبهذا يعلم أنه ليس بين بغداد والبصرة بلد اكبر منهما وانه ليس في الشريعة صلاة سادسة ولا حج إلى بيت بخراسان، لانها لو كانت لوجب نقلها مع سلامة الاحوال. وانما قلنا كان يجب نقل المعارضة لو كانت لان الدواعي كانت تتوفر إلى نقلها، لانها لو كانت تكون هي الحجة دون القرآن، ونقل الحجة أولى من نقل الشبهة. على ان الذي دعى إلى المعارضة داع إلى نقلها واظهارها، والداعي لهم إلى ذلك طلب التخليص مما ألزموه من ترك أديانهم ومفارقة عاداتهم وبطلان الرياسات التي ألفوها، ولذلك نقلوا كلام مسيلمة والاسود العنسي وطليحة مع ركاكته وسخافته وبعده عن دخول الشبهة فيه، وكيف لم ينقل ما هو حجة في نفسه إذ فيه شبهة قوية. ولا يمكن أن يدعى فيه الخوف فيه من أنصاره واتباعه فمنع ذلك من معارضته، لان الخوف لا يقتضي انقطاع النقل بالكلية وانما يمنع من المظاهرة به والمجاهرة، فكان يجب أن ينقل على وجه الاستسرار كما نقل ما يدعيه من النص الجلي وغيره. على أن كثرة المسلمين وكثرة أنصاره كانوا بعد الهجرة، فهلا عارضوه قبل ذلك بمكة. ثم لم لم يعارضوه ويظهروه في بلاد الكفر كالروم وبلاد الفرس والهند وغيرها، فان الكفر فيها إلى يومنا هذا، وكيف لم يمنع الخوف من نقل هجائه وسبه ومنع نقل معارضته، والكلام في ذلك استوفيناه في شرح الجمل. ولا يمكن أن يدعى وقوع المعارضة من واحد أو اثنين وأنه قيل فلم يسمع

[ 169 ]

وذلك انه إذا كانت المعارضة متعذرة على الفصحاء المعروفين والشعراء والخطباء المبرزين كفى ذلك في باب خرق العادة وثبوت كونه معجزا، اما بأن يكونوا مصروفين على مذهب من قال بالصرفة أو لان القرآن فقط فصاحته خرق العادة. وأيهما كان وجب تساوي الكل فيه وان أحدا لم يتمكن من المعارضة، وذلك يمنع من التجويز الذي سألوا عنه. وإذا ثبت أنهم لم يعارضوه [ فانما يعلم أنهم لم يعارضوه ] 1) للعجز - لان كل فعل لم يقع مع توفر الدواعي لفاعله وشدة تداعيه عليه - قطعنا على أنه لم يفعل للتعذر، ولذلك قطعنا على أن الجواهر والالوان ليست في مقدورنا مع علمنا بتوفر الدواعي إلى فعلها وانتفاء الموانع المعقولة، فيخرج من هذا أن نقطع على أن جهة ارتفاع ذلك للتعذر لا غير. [ لانا علمنا أن العرب تحدوا بالقرآن وتوفرت دواعيهم إلى معارضته ولم يكن هناك مانع فوجب القطع على أن ذلك للتعذر لا غير ] 2). وكيف وقد علمناهم تكلفوا المشاق من بذل النفوس والاموال والحروب العظيمة التي أفنتهم طلبا لابطال أمره، فلو كانت المعارضة مباينة لما تكلفوا ذلك لان العاقل لا يترك الامر السهل الذي يبلغ به الغرض ويفعل الامر الشاق الذي لا يبلغ مع الغرض، ومتى فعل ذلك دل على أنه مختل العقل سفيه الرأي، والقوم لم يكونوا بهذه الصفة. وليس لاحد أن يقول: انهم اعتقدوا أن الحرب انجع من المعارضة فلذلك عدلوا إليها. وذلك أن النبي عليه السلام لم يدع النبوة فيهم بالغلبة والقهر وانما ادعى معارضة مثل القرآن تتعذر عليهم وانه المختص بذلك ولا

1) الزيادة من ر.
2) الزيادة ليست في ر.

[ 170 ]

ينفع مع ذلك الحرب لو غلبوا فكيف وهم كانوا اكثر الاوقات مغلوبين مقتولين مغلوبين وكان يجب مع هذا أن يقدموا المعارضة فان أنجعت والا عدلوا إلى الحرب أو كان يجب أن يجمع بينهما فيكون أبلغ وأنجع، وفى عدولهم عنها دليل على أنهم كانوا عاجزين. وليس لهم أيضا أن يدعوا أنهم التبس عليهم الحال فلم يعرفوا ما اراد بالتحدي من المعارضة بالمثلية، وذلك أنه لو كان كذلك لاستفهموه وقالوا له ما الذي تريد بذلك، فكيف وهم كانوا عارفين في تحدي بعضهم بعضا بالشعر والخطب وكيف التبس عليهم الامر ههنا. فان قالوا: خافوا أن يلتبس الامر فيظن قوم أنه ليس مثله. قيل: هذا هو المطلوب لن يختلف العقلاء فيه وطائفة يقولون انه مثله وطائفة يقولون انه ليس مثله، فيحصل الخلاف وتقع الشبهة، وذلك أولى من ترك المعارضة التي تقوى معها الشبهة بالعجز. وليس لهم أن يقولوا: انه لم تتوفر دواعيهم إلى ذلك. وذلك أن هذا باطل، وكيف لم تتوفر دواعيهم وهم تكلفوا من المشاق العظيمة من القتال وانفاق الاموال ما هو معروف، والعاقل لا يتكلف ذلك فيما لا تتوفر دواعيه إلى ابطاله. فان قالوا: انما لم يعارضوه لان في كلامهم ما هو مثله أو مقارنة. قلنا: هذا غير مسلم، ولو سلم لما يقع، لان التحدي انما وقع لعجزهم عن معارضته في المستقبل لا بأنه ليس في كلامهم مثله، ولو كان في كلامهم مثله لكان ترك المعارضة في المستقبل أبلغ وأعظم في باب العجز. فان قيل: واطأه قوم من الفصحاء. قيل: هذا باطل، لانه كان ينبغي أن يعارضه من لم يواطئه، فانهم وان كانوا أدون منهم في الفصاحة كانوا يقدرون

[ 171 ]

على ما يقاربه، لان التفات بين الفصحاء لا ينتهي إلى حد يخرق العادة. على أن الفصحاء المعروفين والبلغاء المشتهرين في وقته كلهم كانوا منحرفين عنه، كالاعشى الكبير الذي هو في الطبقة الاولى ومن أشبهه مات على كفره، وكعب بن زهير أسلم في آخر الامر وهو في الطبقة الثانية وكان من أعدى الناس له عليه السلام، ولبيد بن ربيعة والنابغة الجعدي من الطبقة الثالثة أسلما بعد زمان طويل، ومع هذا لم يحظيا في الاسلام بطائل. على أنه لو كان ينبغي أن يوافقوه على ذلك ويقولون له الفصحاء المبرزون واطأوك ووافقوك، فان الفصحاء في كل وقت لا يخفون على أهل الصناعة. فان قيل: لم لا يكون النبي عليه السلام أفصح العرب فلذلك تأتى منه القرآن وتعذر على غيره، أو تعمل ذلك في زمان طويل فلم يتمكنوا من معارضته في زمان قصير. قيل: هذا لا يتوجه على من يقول بالصرفة، لان القائلون بها يقولون ان مثل ذلك كان في كلامهم وخطبهم وانما صرفوا عن معارضته في المستقبل، فلا معنى لكونه أفصح. ومن قال جهة الاعجاز الفصاحة يقول كونه أفصح لا يمنع من أن يقارنوه أو يدانوه، وذلك هو المطلوب المعتاد بينهم في المعارضة، فان جعلوه أفصح وانه خرق العادة بفصاحته كفى ذلك لاهل الاعجاز. على أن كونه أفصح لا يمنع من مساواته ومقارنته في قليل من الكلام الذي يتأتى به سورة قصيرة بذلك خرق العادة. ألا ترى أن المتقدمين من الشعراء وان كانوا أفصح من المتأخرين لا يمنع أن يقع منهم البيت والبيتان من مثل فصاحة أولئك. ثم لو كان الامر على ما قالوه لوافقوه على ذلك وقالوا له أنت أفصحنا فلذلك تأتى منك ما تعذر علينا، فيكون في ذلك ابطال أمره وان كان فيه اعتراف له بفضل لا يضرهم وانما يضرهم السكوت عنه.

[ 172 ]

وقولهم: انه تعمل. باطل، لانه كان يجب أن يتعملوا مثله وانما بقي ثلاثة وعشرين سنة بينهم يتحداهم وفي ذلك تكثير يمكن التعمل. وإذا ثبت بهذه الجملة أن القرآن معجز لم يضرنا أن لا نعلم من أي جهة كان معجزا، لانا إذا علمناه معجزا خارقا للعادة علمنا ثبوته ولو شككنا في جهة اعجازه لم يضرنا ذلك، غير أنا نومي إلى جملة من الكلام فيه: كان المرتضى علي بن الحسين الموسوي رحمة الله عليه يختار أن جهة اعجازه الصرفة، وهي أن الله تعالى سلب العرب العلوم التي كانت تتأتى منهم بها الفصاحة التي هي مثل القرآن متى راموا المعارضة، ولو لم يسلبهم ذلك لكان يتأتى منهم. وبذلك قال النظام وابو اسحاق النصيبي أخيرا. وقال قوم: جهة الاعجاز الفصاحة المفرطة التي خرقت العادة من غير اعتبار النظم. ومنهم من اعتبر النظم والاسلوب مع الفصاحة، وهو الاقوى. قال الفريقان: إذا ثبت أنه خارق للعادة بفصاحته دل على نبوته، لانه ان كان فعل الله فهو دال على نبوته وان كان من فعل النبي عليه السلام لم يتمكن من ذلك الا بعلوم فيه خارق للعادة يدل على نبوته، فإذا قال انه من فعل الله دون فعلي قطعنا على أنه من فعل الله لثبوت صدقه. وقال قوم: هو معجز لاختصاصه بأسلوب مخصوص ليس في شئ من كلام العرب. وقال قوم: تأليف القرآن ونظمه مستحيل من العباد كاستحالة الجواهر والالوان. وقال قوم: كان معجزا لما فيه من العلم بالغائبات. وقال آخرون: كان معجزا لارتفاع الخلاف والتناقض فيه مع جريان العادة بأنه لا يخلو كلام طويل من ذلك.

[ 173 ]

وأقوى الاقوال عندي قول من قال انما كان معجزا خارقا للعادة لاختصاصه بالفصاحة المفرطة في هذا النظم المخصوص دون الفصاحة بانفرادها ودون النظم بانفراده ودون الصرفة، وان كنت نصرت في شرح الجمل القول بالصرفة على ما كان يذهب إليه المرتضى رحمه الله من حيث شرحت كتابه فلم يحسن خلاف مذهبه. والذي يدل على ما قلناه واخترناه أن التحدي معروف بين العرب بعضهم بعضا ويعتبرون في التحدي معارضة الكلام بمثله في نظمه ووصفه لانهم لا يعارضون الخطب بالشعر ولا الشعر بالخطب والشعر لا يعارضه أيضا الا بما كان يوافقه في الوزن والروي والقافية فلا يعارضون الطويل بالرجز ولا الرجز بالكامل ولا السريع بالمتقارب، وانما يعارضون جميع اوصافه. فإذا كان كذلك فقد ثبت ان القرآن جمع الفصاحة المفرطة والنظم الذي ليس في كلام العرب مثله، فإذا عجزوا عن معارضته فيجب أن يكون الاعتبار بهما. فأما الذي يدل على اختصاصها بالفصاحة المفرطة فهو أن كل عاقل عرف شيئا من الفصاحة يعلم ذلك وانما في القرآن من الفصاحة ما يزيد على كل فصيح وكيف لا يكون كذلك وقد وجدنا الطبقة الاولة قد شهدوا بذلك وطربوا له كالوليد ابن المغيرة والاعشى الكبير وكعب بن زهير ولبيد بن ربيعه والنابغة الجعدي، ودخل كثير منهم في الاسلام ككعب والنابغة ولبيد، وهم الاعشى بالدخول في الاسلام فمنعه من ذلك أبو جهل وفزعه وقال انه يحرم عليك الاطيبين الزنا والخمر، فقال له: اما الزنا فلا حاجة لي فيه لاني كبرت واما الخمر فلا صبر لي عنه وأنظر، فأتته المنية واخترم دون الاسلام. والوليد بن المغيرة تحير حين سمعه فقال: سمعت الشعر وليس بشعر والرجز وليس برجز والخطب وليس بخطب وليس له اختلاج الكهنة فقالوا له: أنت شيخنا فإذا قلت هذا ضعف قلوبنا، ففكر وقال قولوا هو سحر معاندة وحسدا للنبي عليه

[ 174 ]

السلام فأنزل الله تعالى هذه الاية " ثم فكر وقدر * فقتل كيف قدر " إلى قوله " ان هذا الا سحر يؤثر ". فمن دفع فصاحة القرآن لم يكن في حيز من يكلم. وأما اختصاصه بالنظم معلوم ضرورة لانه مدرك مسموع وليس في شئ من كلام العرب ما يشبه نظمه من خطب ولا شعر على اختلاف انواعه وصفاته، فاجتماع الامرين منه لا يمكن دفعهما. فان قيل: لو كان القرآن خارقا للعادة بفصاحته لوجدنا الفرق بين كلام أفصح العرب وبينه كما وجدنا الفرق بين كلام شعراء المتقدمين وبين شعراء المحدثين الركيك وهما معتادان وكان ذلك أولى من حيث كان أحدهما معتادا والاخر خارقا للعادة. وإذا لم نجد ذلك دل على أنه ليس بخارق للعادة بفصاحته. قلنا: هذا السؤال انما يلزم من ادعى خرق العادة بفصاحته فقط دون من اعتبر الفصاحة والنظم وليس يمكن اجتماعهما في شئ من كلام العرب فيعلم كيفية الفصاحة والفرق بينهما. فان قيل: النظم مقدور لكل أحد وانما الفصاحة هي المعتبرة. قلنا: أول ما نقول ان النظم أيضا يحتاج إلى علم مخصوص ولذلك تختلف الاحوال فيه، فيتأتى من بعضهم الخطب ولا يتأتى منه الشعر والاخرون يتأتى منهم الشعر ولا يتأتى منهم الخطب، ولا يكفي في النظم مجرد القدرة ولم نجدهم نظموا شيئا مثل هذا القرآن، فمن أين لنا أنه كان يتأتى منهم. على أنه لو كان النظم مقدورا لم يمتنع أن يكونوا متى أرادوا الفصاحة المفرطة في هذا النظم لم يتأت منهم وان تأتت منهم في الشعر والخطب. ألا ترى أن في الناس من يكون أخطب الناس وأبلغهم فيها فإذا نظم الشعر كان ركيكا، وكذلك من قال الشعر البليغ الذي فيه الغاية لا يحسن أن يكتب كتابا

[ 175 ]

فإذا تكلفه رك كلامه، ولذلك تفاضل الشعراء في أوزان الشعر: فمنهم من يقوى على الطويل دون الرجز، ومنهم من لا يتأتى منه غير الرجز ولو تكلف الطويل لرك كلامه. والرجال المفرطون في الفصاحة معروفون كالعجاج ورؤبة وغيرهما وان لم يكن لهما قصيد، وان كان فلم يشبه الرجز ولا قاربه. وإذا ثبت ذلك فليس في وجود كثير من كلام العرب ما يدل على أنهم لو تكلفوه بهذا النظم لكان مثله، لما عدلوا عن المعارضة وتعذرت عليهم اما لفقد علمهم بالنظم وان كان فصيحا أو لعلمهم بأنهم لو تكلفوا ذلك لوقعوا دونه دل ذلك على أن القرآن خارق للعادة بمجموع الامرين. على أن اشتباه كثير من كلام العرب على الفصحاء لا يدل على أنه مثله، لانه قد يشتبه الشيئان على أصحاب الصنائع وان كان بينهما بون بعيد، كاللؤلئين الغاليين في الثمن والمشتبهين المنهرجين حتى انه لا يدخل الشبه بينهما ويتم الاغلاط، وان كان لا يشتبه عندهم لؤلؤة حقيرة مع مختلفة. ومن الناس من قال: ان المطبوعين على الفصاحة الذين هم في الطبقة الاولى وجدوا الفرق بين فصيح كلام العرب وبين القرآن وانما كابروا في ذلك، وكل من يجري مجراهم فهو مثلهم. فأما من لم يبلغ تلك المنزلة فهو لا يعلم الفرق فربما قلد وأحسن الظن أو اعتقد اعتقادا ليس بعلم، فلا يمكن ادعاء العلم الضروري في ذلك، وعلم أنه لو كان وجه الاعجاز سلب العلوم لكانت العرب إذا سلبوا هذه العلوم خرجوا عن كمال العقل. وبهذا أجبنا من قال لم لا يجوز أن يكون من تأتى منه الفعل المحكم معتقدا أو ظانا دون أن يكون عالما. بأن قلنا: ما لاجله تأتى الفعل المحكم هو أمر يلزم مع كمال العقل، فلا يخرج عنه الا باختلال عقله. والعلم بالفصاحة

[ 176 ]

من هذا الباب، فلو سلبهم الله هذه العلوم لكانوا خرجوا من كمال العقل، ولو كان كذلك لظهر واشتهر وكان يكون أبلغ في باب الاعجاز من غيره. ولما لم يعلم كونهم كذلك وان العرب لم يتغير حالهم في حال من الاحوال دل ذلك على أنهم لم يسلبوا العلوم، وإذا لم يسلبوها وهم متمكنون من مثل هذا القرآن كان يجب أن يعارضوا، وقد بينا أن ذلك كان متعذرا منهم، فبطل هذا القول. فان قيل: هل لا جعل القرآن في غاية الفصاحة التي لا تشتبه على أحد ممن سمع. قلنا: المصلحة معتبرة في ذلك، ولو لزم ذلك للزم أن يقال المعتبر هو الصرف لم لم يجعل القرآن من أرك الكلام وأقله فصاحة فكان يكون أبلغ في باب الاعجاز. وليس يلزم في المعجز أن يبلغ الغاية القصوى. ألا ترى أن الله تعالى لم يجب قريشا إلى جعل الصفا ذهبا والى احياء عبد المطلب ونقل جبال تهامة من مواضعها والى تفجير الارض لهم ينبوعا، لان المصلحة معتبرة مع كونها خارقة للعادة وليس تكون المعجزات على قدر الاماني والشهوات. فان قيل: لم لا يجوز ان يكون القرآن من فعل بعض الجن ألقوه إلى النبي صلى الله عليه وآله ليضل به الخلق، يمكنهم أن يدعوا أن فصاحة الجن ليس فصاحة العرب ولا أنه ليس لهم علم بكيفية هذا النظم المخصوص، لانه لا طريق لكم إلى ذلك بل يكفي التجويز في هذا الباب، لان معه لا يمكن القطع على أنه من فعل الله تعالى. وأيضا فان النبي يدعي أن ملكا نزل عليه بهذا القرآن، فلم لا يجوز أن يكون ذلك الملك كاذبا ولا يمكنهم ادعاء عصمة الملائكة، لان ذلك معلوم بالسمع الذي لم يثبت بعد صحته، وعادة الملائكة أيضا في الفصاحة غير معلومة. قلنا: الجواب على هذا السؤال من وجوه:

[ 177 ]

أحدها - أنه لو طعن هذا السؤال في اعجاز القرآن لطعن في سائر المعجزات ولا يكون لنا طريق إلى العلم بصدق الصادق، لانا متى قلنا ان ما يختص القديم بالقدرة عليه متى فعله على وجه يخرق العادة يكون دالا وكان لقائل أن يقول: لم لا يكون في عادة الجن انه إذا قرب جسم من جسم ميت عاش، كما أجري العادة في الانس إذا قربنا الحجر المغناطيس إلى الحديد جذبه، ومتى جوزنا ذلك لم يكن في احياء الميت على مدعي النبوة دليل على صدقه، لانه لا يأمن أن يكون بعض الجن نقل إليه ذلك الجسم واحياء الله تعالى ذلك لمكان عادتهم. فان قيل: احياء الله تعالى الميت عند تقريب الجسم بيننا وفي عادتنا خرق منه تعالى لعادتنا، فجرى مجرى تصديق الكذاب، وذلك لا يجوز عليه، وليس إذا جاز أن يفعل ذلك في عادة الجن بحيث لا نعلمه جاز أن يفعله في عادتنا، لان فعله في عادتهم لا وجه لقبحه وفعله في عادتنا فيه وجه قبح لانه استفساد. وليس كذلك نقل الكلام، لان الجني إذا نقل الكلام الذي لم تجر عادتنا بمثل فصاحته فنفس نقله خرق عادتنا وليس له تعالى في ذلك صنع، وإذا نقل الجسم المشار إليه فنفس نقله للجسم لم يخرق عادتنا، وانما الخارق لها احياء الميت عند تقريب الجسم، فالفرق بين الامرين واضح. قيل: السؤال لا يلزم من وجهين، وهذا الانفصال ليس بصحيح: أحدهما - ان الجني إذا أحضر الجسم الذي أجرى الله عادتهم باحياء الميت عنده فلا يخلو أن يحي الميت عنده أو لا يحييه، فان أحياه فهذا تجويز كونه كاذبا وانه انما احياه لمكان عادتهم، وان لم يحيه كان في ذلك خرق عادة الجن بفعل المعجز خرق عادتهم في رفع الاحياء عند هذا الجسم الذي

[ 178 ]

كان يحييه عندهم بمجرى عادتهم، وفي ذلك تصديق الكذاب. ولا جواب عن ذلك الا بأن يقال: انه استفساد يجب المنع منه كما نقوله في الجواب الاخر. والوجه الثاني - ان القرآن إذا كان خارقا للعادة بفصاحته فانما تأتى من الجني ذلك بأن يجدد الله تعالى له العلوم بالفصاحة حالا بعد حال، لان العلوم لا تبقى، فيصير خلق هذه العلوم هو الخارق للعادة، وجرى ذلك مجرى ما يقول صاحب الصرفة في مواضع ان ثبت لو ادعى النبوة وجعل معجزه نقل الجبال أو طفر البحار لكان خلق القدر التي يتمكن من ذلك هو الخارق للعادة، وهو المعجز لانفس النقل، لان فعلنا لا يكون عنده دليلا على التصديق، وانما يدل على التصديق ما يختص تعالى بالقدرة عليه. ومتى رجع إلى أن قال: القرآن لم يخرق العادة بفصاحته. سقطت معارضته بسؤال الجن وصار الكلام في هل هو خرق العادة أو ليس بخارق لها، وقد مضى الكلام على صحة ذلك. والجواب الثاني عن سؤال الجن انه لو كان القرآن من فعل الجن لمنع الله تعالى منه، لان ذلك مفسدة ولا يجوز التمكين من ذلك على الله تعالى. فان قيل: انما لا يجوز عليه تعالى أن يفعل نفس الاستفساد، وأما المنع من الاستفساد فلا يجب، ولو وجب ذلك لوجب أن يمنع تعالى كل شبهة من الممخرقين والمشعبذين من كل ما يدخل فيه الشبهة على الخلق، فالمنع من الشبهات وفعل القبائح مع التكليف لا يجب، وليس إذا لم يجز عليه تعالى الاستفساد لم يجز عليه التمكين منه، [ كما إذا لم يجز عليه القبيح لم يجب عليه المنع منه ] 1)، وكان يلزم أن يمنع الله تعالى زرداشت وماني والحلاج وغيرهم من الممخرقين الذين فسد بهم خلق من الناس ولولا هم لما فسدوا ان وجب المنع من الاستفساد.

1) الزيادة ليست في ر.

[ 179 ]

قلنا: الجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: أن تمكين هؤلاء المذكورين من الفساد ليس باستفساد لانه تمكين وتعريض الثواب أعظم من الثواب الذي عرضوا له مع عدم هؤلاء، فصار خلق هؤلاء وتمكينهم من الشبهات من تكليف أشق وتعريضا لثواب أعظم، فخرج بذلك من الاستفساد، لان حد الاستفساد ما يقع عنده الفساد ولولاه لم يقع من غير أن يكون تمكينا، وهذا تمكين فخرج من الاستفساد. وليس لاحد أن يقول: تمكين الجن من القاء القرآن الينا تمكين وليس باستفساد. لانا بينا أن ذلك يسد علينا الباب الموصل إلى الفرق بين الصادق والكاذب، وذلك باطل بالاتفاق. والثاني: ان كل من فسد بدعاء ابليس وهؤلاء الممخرقين كان يفسد وان لم يكن ابليس ولا أحد من هؤلاء، فلم يكن ذلك استفساد، كما يقول فيمن بطل عند متشابه القرآن وخلق ابليس وغيره. ولا يمكن ادعاء العلم الضروري في خلافه لان ذلك غير معلوم، ولا يمكن مثل ذلك في القاء الجن القرآن، لما بيناه من أن ذلك يؤدي إلى سد الطريق في الفرق بين الصادق والكاذب. وهذا القدر كاف ههنا، فان استيفاءه يطول به الكتاب، وقد أجبت عن سؤال الجن بأن قلت: بأن ذلك يؤدي إلى أن انشقاق القمر وطلوع الشمس من مغربها وقلع الجبال من أماكنها وطفر البحار العظام وفلق البحر لا يكون شئ من ذلك معجزا، لان جنسه داخل تحت مقدور القدر، ولا يمتنع أن يكون جميع ذلك من فعل بعض الجن. ومن ارتكب فقال جميع ذلك لا يدل على النبوة، كفاه ما فيه من الشناعة. ومتى قالوا: حمل الاجسام العظيمة وقلع الجبال تحتاج إلى أن يكون من حمل ذلك على بنية كثيفة تحتمل القدر الكثير، لان الاجسام المتخلخلة لا يحملها مثل قدر الفيل ولا تحمل النملة من القدر ما تحمل الجبال، ولو حصل من له بنية

[ 180 ]

كثيفة لوجب أن يرى ولو رأي لعلم أنه ليس من فعل الله، فلا يكون [ فيه ] دلالة. قيل: هذا أصل فيه نزاع، ففي الناس من قال يكفي في احتمال المحل القدرة أن يكون محل الحياة فقط، ومتى حصلت بنية الحياة جاز أن يوجد في البنية القدرة العظيمة، وليس ذلك بأبعد من جواز حلول الاعتمادات بقدر ما يوازى به الجبال في الذرة، فان استبعاد أحدهما كاستبعاد الاخر، ولذلك تقلع الريح مع تخلخلها الاجسام الثقال وتقصم الاشجار الصلبة، وقد أهلك الله تعالى الامم بالريح. فإذا جاز ذلك في الاعتماد لم لا يجوز مثله في القدر، وإذا كان ذلك جائزا فسؤال الجن متوجه في هذه الاشياء، ولا مخلص من ذلك الا بأن يقال: ان ذلك استفساد والله تعالى لا يمكن منه. فأما من قال: ان القرآن جنسه ليس بمقدور كالجواهر والالوان. فقوله باطل، لان جنس القرآن الحروف والاصوات، وذلك من مقدورنا، والكلام يكون كلاما بأن يوجد بعضها في أثر بعض، فالجنس مقدور وانما يتعذر لفقد العلم في بعض المواضع. فأما من قال: مجرد النظم هو المعجز. فقوله باطل، لانا لو فرضنا وقوع مثل هذا الاسلوب - وهو في غاية السخف والركاكة - لما كان ذلك معارضة عند أحد من العقلاء. والسبق إلى الاسلوب أيضا لا يكون معجزا كما لا يكون السبق إلى نظم الشعر وقول الخطب وغير ذلك من العلوم معجزا. ومن قال: جهة اعجازه ما تضمنه من الاخبار بالغايبات. ليس بصحيح، لان التحدي وقع بسورة غير معينة، واكثر السور وخاصة القصار ليس فيها أخبار بالغايبات، فلو كان ذلك مراعى لعارضوا بما ليس فيها ذلك وكانوا معارضين وذلك باطل. ومن قال: جهة الاعجاز ارتفاع الاختلاف والتناقض. فبعيد، لان لقائل

[ 181 ]

أن يقول: ان العاقل إذا تحفظ وتيقظ حتى لا يقع في كلامه تناقض لم يقع، فمن أين انه خارق للعادة. ولو جعل ذلك من فضائل القرآن ومراتبه لكان جيدا. فأما معجزاته التي هي سوى القرآن 1) كمجئ الشجرة حين قال لها أقبلي فأقبلت تخد الارض خدا 2) ثم قال لها ارجعي فرجعت، ومثل الميضاة وانه وضع يده في الاناء فغار الماء من بين أصابعه حتى شربوا ورووا، ومثل اطعام الخلق الكثير من الطعام اليسير، ومنها حنين الجذع الذي كان يستند إليه إذا خطب لما تحول إلى المنبر فلما جاء إليه والتزمه سكن، ومنها تسبيح الحصى في كفه وكلام الذراع وقولها له لا تأكلني فاني مسمومة، ومنها انه لما استسقى فجاء المطر فشكوا إليه تهدم المنازل فقال حوالينا ولا علينا واشار إلى السحاب فصار كالاكليل حول المدينة والشمس طالعة في المدينة، [ ومنها انشقاق القمر وقد نطق القرآن به، ومنها شكوى البعير ] 3) ومنها قوله لامير المؤمنين عليه السلام " تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين " وقوله له " انك تقتل ذا الثدية " وقوله لعمار " تقتلك الفئة الباغية ". وغير ذلك من الايات الباهرات التي هي معروفة مذكورة. وليس يمكن أن يقال: هذه الاخبار آحاد لا يعول على مثلها. لان المسلمين تواتروها وأجمعوا على صحتها، ونحن وان قلنا انها لا تعلم ضرورة فهي معلومة بالاستدلال بالتواتر على ما يذهب إليه. ولا يمكن أيضا ادعاء الحيل في ذلك، لان كثيرا منها يستحيل ذلك فيه، كانشقاق القمر والاستسقاء واطعام الخلق الكثير من الطعام اليسير وخروج الماء من بين أصابعه واخباره بالغائبات ومجئ الشجرة إليه ورجوعها عنه،

1) انظر تفاصيل هذه المعجزات في بحار الانوار. 2) تخد الارض: تشقها.
3) الزيادة من ر.

[ 182 ]

لان جميع ذلك لا تتم فيه الحيلة، وانما يمكن الحيلة في الاجسام الخفيفة التي تحدث بالناقل ولا تتم في الشجرة العظيمة، وحنين الجذع لا يمكن أن يدعى كان لتجويف فيه دخله الريح، لان مثل ذلك لا يخفى وكان لا يستكن بمجئ النبي إليه ويحن إذا فارقه بل كان يكون ذلك بحسب الريح. فأما كلام الذراع قيل فيه وجهان: أحدهما ان الله تعالى نبأها تنبيه الحي وجعل له آلة النطق فتكلم بما سمع وكان ذلك خارقا للعادة، والاخر ان الله تعالى فعل فيه الكلام وأضافه إلى الذراع مجازا. ومن قال: لو انشق القمر لرآه جميع الخلق. ليس بصحيح، لانه لا يمتنع أن يكون الناس في تلك الحال مشاغيل بالنوم وغيره، فانه كان بالليل فلم يتفق لهم مراعاته، فانه بقي ساعة ثم التأم. وأيضا فلا يمتنع أن يكون هناك غيم حال بينه وبين جميع من لم يره ولا شاهده فلذلك لم يره الجميع. والله أعلم بذلك. (الكلام في الامامة) الكلام في الامامة في خمس فصول: أولها - الكلام في وجوب الامامة. والثاني - الكلام في صفات الامام. والثالث - الكلام في أعيان الائمة. والرابع - الكلام في أحكام البغاة. والخامس - الكلام في الغيبة. ونحن نبين فصلا فصلا من ذلك على وجه الايجاز انشاء الله.

[ 183 ]

فصل (في الكلام في وجوب الامامة) المخالف في وجوب الامامة طائفتان: احداهما تخالف في وجوبها عقلا، والاخرى تخالف في وجوبها سمعا. فالمخالف في وجوبها سمعا شاذ لا يعتد به لشذوذه لانه لا يعرف قائلا به. وعلماء الامة المعروفون مجموعون على وجوب الامامة سمعا، والخلاف القوي في وجوب الامامة عقلا، فانه لا يقول بوجوبها عقلا غير الامامية والبغداديين من المعتزلة وجماعة من المتأخرين، والباقون يخالفون في ذلك ويقولون المرجع فيه إلى السمع. ولنا في الكلام في وجوب الامامة عقلا طريقان: احداهما أن نبين وجوبها عقلا سواء كان هناك سمع أو لم يكن، والثانية أن نبين أن مع وجود الشرع لا بد من امام له صفة مخصوصة لحفظ الشرع باعتبار عقلي. والذي يدل على الطريقة الاولى: انه قد ثبت أن الناس متى كانوا غير معصومين ويجوز منهم الخطأ وترك الواجب إذا كان لهم رئيس مطاع منبسط اليد يردع المعاند ويؤدب الجاني ويأخذ على يد السفيه والجاهل وينتصف للمظلوم من الظالم كانوا إلى وقوع الصلاح وقلة الفساد أقرب، ومتى خلوا من رئيس على ما وصفناه وقع الفساد وقل الصلاح ووقع الهرج والمرج وفسدت المعايش. بهذا جرت العادة وحكم الاعتبار، ومن خالف في ذلك لا يحسن مكالمته لكونه مركوزا في أوائل العقول. بل المعلوم أن مع وجود الرؤساء وانقباض أيديهم وضعف سلطانهم يكثر الفساد ويقل الصلاح، فكيف يمكن الخلاف فيه.

[ 184 ]

وليس لاحد أن يقول: انما يحصل من الصلاح عند الرؤساء أمور دنياوية ولا يجب اللطف لاجلها وليس فيها أمر ديني يجب اللطف لاجله، وذلك انما يحصل عند الرؤساء أمر ديني، وهو قلة الظلم ووقوع الفساد ومن تغلب القوي على الضعيف، وهذه أمور دينية يجب اللطف لاجلها وان حصل فيها أمر دنياوي فعلى وجه التبع. ولا يبلغ الخوف من الرؤساء إلى حد الالجاء، لانه لو بلغ حد الالجاء لما وقع شئ من الفساد، لان مع الالجاء لا يقع فعل ما ألجئ إليه، وكان يجب أن لا يستحق [ تارك القبيح وفاعل الواجب مدحا لان ما يقع على وجه الالجاء لا يستحق به ] 1) مدحا، والمعلوم أن العقلاء يستحقون المدح بفعل الواجب وترك القبيح مع وجود الرؤساء. ولا يقدح فيما قلنا وقوع كثير من الفساد عند نصب رئيس بعينه، لانه انما يقع الفساد لكراهتهم رئيسا بعينه، ولو نصب لهم من يؤثرونه ويميلون إليه لرضوا به وانقادوا له، وذلك لا يقدح في وجوب جنس الرئاسة. ولا يلزم أيضا نصب رؤساء جماعة، لان بهذه الطريقة انما يعلم وجوب جنس الرئاسة، فأما عددهم وصفاتهم فانا نرجع إلى طريقة أخرى غير اعتبار وجوب الرئاسة في الجملة. والعقل كان يجوز نصب أئمة كثيرين في كل زمان، وانما منع السمع والاجماع من أنه لا ينصب من يسمى اماما في كل زمان الا واحدا ويكون باقي الرؤساء من قبله. والذي يقطع به ان الرئاسة لطف في أفعال الجوارح التي يظهر قلتها بوجود الرؤساء وكثرتها بعدمهم، وأما أفعال القلوب فلا طريق لنا إلى كون الرئيس

1) الزيادة من ر.

[ 185 ]

لطفا فيها، ولا يلزم إذا كان الامام لطفا في بعض التكاليف أن لا يكون لطفا أصلا لان احكام الالطاف تختلف فبعضها عام من كل وجه وبعضها خاص وبعضها عام من وجه وخاص من وجه آخر، فلا ينبغي أن يقاس بعضها على بعض. ألا ترى أن المعرفة عامة في جميع التكاليف الا ما تقدمها في زمان مهلة النظر. وأما العبادات الشرعية فليس يخفى الاختصاص فيها، لان الصلاة تجب على قوم دون قوم فان الحائض لا تجب عليها، والزكاة لا تجب على من لا يملك النصاب والصوم لا يجب الا على من يطيقه فأما من به عطاش أو قلة صبر عن الطعام لفساد مزاج فلا يجب عليه، وكذلك جميع العبادات فلا يجب قياس بعضها على بعض فأما خلق الاولاد والصحة والسقم والغنى والفقر فالامر في اختصاصه ظاهر. ومن هو معصوم مأمون منه القبيح وترك الواجب لا يحتاج إلى امام يكون لطفا له في ذلك وان احتاج إليه من وجوه أخر، نحو أخذ معالم الدين عنه وغير ذلك. واللطف في الحقيقة هو تصرف الامام وأمره ونهيه وتأديبه، فان حصل انزاحت به العلة. وحسن التكليف وان لم يحصل بأمر يرجع إلى المكلفين لا يجب سقوط التكليف عنهم، لانهم يؤتون في ذلك. من قبل نفوسهم لا من قبل خالقهم. وانما يجب على الله تعالى خلق الامام وايجابه علينا طاعته ليتمكن من التصرف، فإذا لم يمكنه لم يجب سقوط التكليف عنا، لانا نكون أتينا من قبل نفوسنا. فإذا ثبتت هذه الجملة فلا يلزم إذا كان الامام غائبا أن يسقط التكليف عنا لانا أتينا من قبل نفوسنا بأن أخفناه وأحوجناه إلى الاستتار، ولو أطعناه ومكناه لظهر وتصرف فحصل اللطف. وكل من لم يظهر له الامام فلا بد أن تكون العلة ترجع إليه، لانه لو رجع

[ 186 ]

إلى غيره لاسقط الله تكليفه، وفي بقاء التكليف عليه دليل على أن الله تعالى أزاح علته وبين له ما هو لطف له فعل هو أم لم يفعل، كما نقول: ان الصلاة لطف لكل مكلف فمن لم يصل لم يجب سقوط تكليفه لانه أتي من قبل نفسه، وكذلك ههنا. ولا يلزم على جواز الغيبة جواز عدمه، لانه لو كان معدوما لما أمكننا طاعته ولا تمكينه فلا تكون علتنا مزاحة وإذا كان موجودا أمكن ذلك فإذا لم يظهر تكون الحجة علينا وإذا كان معدوما تكون الحجة على الله تعالى، فبان الفرق بين وجوده غائبا وبين عدمه، فالوجود أصل لتمكيننا اياه ولا يمكن حصول الفرع بلا حصول الاصل. وأولياء الامام ومن يعتقد طاعته فاللطف بمكانه حاصل لهم في كل وقت عند كثير من أصحابنا، لانهم يرتدعون بوجوده من كثير من القبائح، ولانهم لا يأمنون كل ساعة من ظهوره وتمكينه فيخافون تأديبه كما يخافونه وان لم يكن معهم في بلدهم بينهم وبينه بعد، بل ربما كانت الغيبة أبلغ، لان معها يجوز أن يكون حاضرا فيهم مشاهدا لهم وان لم يعرفوه بعينه. وفيهم من قال: انه إذا لم يظهر لهم فالتقصير يرجع إليهم أو لما يعلم الله تعالى من حالهم أنه لو ظهر لهم لاشاعوا خبره أو شكوا في معجزه بشبهة تدخل عليهم فيكفرون به فلذلك لم يظهر لهم. ولا يجوز أن تكون للامامة بدل يقوم مقامها في باب اللطف كما لا يجوز مثله في المعرفة، وان جاز كثير من الالطاف أن يكون له بدل. وانما قلنا ذلك لانه لو كان بدل لم يمتنع أن يفعل الله ذلك البدل فيمن ليس بمعصوم، فيكون حاله مع فقد الرئيس كحاله مع وجوده في باب الانزجار عن القبيح والتوفر على فعل الواجب، والمعلوم ضرورة خلافه على ما بيناه. والكلام في تفريع هذا الباب استوفيناه في تلخيص الشافي وشرح الجمل وفيما ذكرناه ههنا كفاية.

[ 187 ]

(وأما الطريقة الثانية) وهو أنه لا بد من امام بعد ورود الشرع أنه إذا ثبت أن شريعة نبينا عليه السلام مؤبدة إلى يوم القيامة وان من يأتي فيما بعد يلزمه العمل بها كما لزم من كان في عصر النبي عليه السلام فلا بد من أن تكون علتهم مزاحة [ كما كانت علة من شاهد النبي مزاحة في زمانه، ولا تكون العلة مزاحة ] 1) الا بأن تكون الشريعة محفوظة، فلا تخلو من أن تكون محفوظة بالتواتر أو الاجماع أو الرجوع إلى أخبار الاحاد والقياس أو بوجود معصوم عالم بجميع الاحكام في كل عصر يجري قوله مثل قول النبي عليه السلام، فإذا أفسدنا الاقسام كلها الا وجود معصوم ثبت أنه لابد من وجوده في كل وقت ولا يجوز أن تكون محفوظة بالتواتر، لانه ليس جميع الشريعة متواتر بها بل التواتر موجود في مسائل قليلة نزرة، فكيف يعمل بها في باقي الشريعة. على أن ما هو متواتر يجوز أن يصير غير متواتر، بأن يترك في كل وقت جماعة من الناقلين نقله إلى أن يصير آحادا، أما لشبهة تدخل عليهم أو اشتغال بمعاش وغير ذلك من القواطع ولا مانع من ذلك أو يعتمدوا تركه لانهم ليسوا معصومين لا يجوز عليهم ذلك. ولا يجوز أن تكون محفوظة بالاجماع، لان الاجماع ليس بحاصل في أكثر الاحكام بل هو حاصل في مسائل قليلة والباقي كله فيه خلاف فكيف يعول عليه. على أن الاجماع ان فرضنا أنه ليس فيهم معصوم - على ما يقولونه - فليس بحجة، لان حكم اجتماعهم حكم انفرادهم، فإذا كان كل واحد منهم ليس بمعصوم فكيف يصيرون باجتماعهم معصومين، ولو جاز ذلك جاز أن يكون كل واحد منهم لا يكون مؤمنا فإذا اجتمعوا صاروا مؤمنين، أو يكون كل واحد منهم يهوديا فإذا اجتمعوا صاروا مؤمنين، أو يكون كل واحد منهم يهوديا فإذا اجتمعوا صاروا مسلمين، وذلك باطل.

1) الزيادة من ر.

[ 188 ]

ومتى قيل: في العقل وان كان الامر على ما قلتموه، فان أدلة الشرع لزمتنا من جواز اجتماعهم على خطاء من آيات وأخبار. قلنا: لا دلالة في شئ من الايات والاخبار على ما تدعونه وبيننا وبينكم السير والاعتبار، وقد استوفينا الكلام في ذلك في أصول الفقه وتلخيص الشافي وشرح الجمل لا نطول بذكره ههنا. فأما أخبار الاحاد والقياس فلا يجوز أن يعمل عليهما عندنا، وقد بينا ذلك في أصول الفقه وغيره من كتبنا، فلم يبق من الاقسام الا وجود معصوم يجري قوله كقول النبي عليه السلام. فان قيل: يلزم على هذا أن يكون من لا يعرف الامام لا يعرف أحكام الشرع، والمعلوم خلافه. قلنا: من لا يعرف الامام لا يجوز أن يعرف من الشريعة الا ما تواتر النقل به أو دل دليل قاطع عليه من ظاهر قرآن أو اجتمعت الامة عليه، فأما ما عدا ذلك فانه لا يعلمه وان اعتقده فانما يعتقده اعتمادا ليس بعلم، فلم يخرج من موجب الدلالة. والشرع يصل إلى من هو في البلاد البعيدة وفي زمن النبي أو الامام بالنقل المتواتر الذي من ورائه حافظ معصوم، ومتى انقطع دونهم أو وقع فيه تفريط تلافاه حتى يصل إليهم وينقطع عذرهم. فأما إذا فرضنا النقل بلا حافظ معصوم من وراء الناقلين فانا لا نثق بأنه وصل جميعه، وجوزنا أن يكون وقع فيه تقصير أو كتمان لشبهة أو تعمد، وانما نأمن وقوع شئ منه لعلمنا أن من ورائه معصوما متى وقع خلل تلافاه. وهذه حالنا في زمن الغيبة، فانا متى علمنا بقاء التكليف وعلمنا استمرار الغيبة علمنا أن عذرنا منقطع ولطفنا حاصل. لانه لو لم يكن حاصلا لسقط التكليف أو اظهر الله تعالى الامام ليبين لنا ما وقع فيه من الخلل فلا يمكن التسوية بين نقل من وراءه معصوم وبين نقل ليس من وراءه ذلك، فيسقط الاعتراض.

[ 189 ]

فصل (في صفات الامام) يجب أن يكون الامام معصوما من القبائح والاخلال بالواجبات، لانه لو لم يكن كذلك لكانت علة الحاجة قائمة فيه إلى امام آخر، لان الناس انما احتاجوا إلى امام لكونهم غير معصومين، ومحال أن تكون العلة حاصلة والحاجة مرتفعة، لان ذلك نقص العلة. ولو احتاج إلى امام لكان الكلام فيه كالكلام في الامام الاول، وذلك يؤدي إلى وجود ائمة لا نهاية لهم أو الانتهاء إلى امام معصوم ليس من ورائه امام، وهو المطلوب. وانما قلنا " ان علة الحاجة هي ارتفاع العصمة " لان الذي دلنا على الحاجة [ دلنا على جهة الحاجة. ألا ترى أن دليلنا ] 1) في وجوب الرئاسة هو أن الفساد تقل عند وجوده وانبساط سلطانه وتكثر الصلاح، وذلك لا يكون الا ممن ليس بمعصوم لانهم لو كانوا معصومين لكان الصلاح شاملا أبدا والفساد مرتفعا، فلم يحتج إلى رئيس يعلل ذلك. فبان أن علة الحاجة هي ارتفاع العصمة ويجب أن تكون مرتفعة عن الامام والا أدى إلى ما بينا فساده. وليس يلزم على ذلك عصمة الامراء والحكام وان كانوا رؤساء، لانهم إذا لم يكونوا معصومين فلهم رئيس معصوم، وقد أشرنا إليه فلم ينتقض علينا. والامام لا امام له ولا رئيس فوق رياسته، فلذلك وجب أن يكون معصوما. فان قالوا: الامة أيضا من وراء الامام متى أخطأ عزلته وأقامت غيره مقامه.

1) الزيادة ليست في ر.

[ 190 ]

قلنا: هذا باطل، لان علة الحاجة إلى الرئيس ليست هي وقوع الخطأ بل هي جواز الخطأ عليهم، ولو كان العلة وقوع الخطأ لكان من لم يقع منه الخطأ لا يحتاج إلى امام، وذلك خلاف الاجماع. ثم على ما قالوه كان يجب أن تكون الامة امام الامام، وذلك خلاف الاجماع. ومع هذا فلا يجوز أن يكون الشئ يحتاج إلى غيره في وقت يحتاج ذلك الغير إليه بعينه، لان ذلك يؤدي إلى حاجة الشئ إلى نفسه، وذلك لا يجوز. وكل علة تدعى في الحاجة إلى الامام من قيامه بأمر الامة وتولية الامراء والقضاة والجهاد وقبض الاخماس والزكوات وغير ذلك، فان جميع ذلك تابع للشرع وكان يجوز ان يخلو التكليف العقلي من جميع ذلك مع ثبوت الحاجة إلى امام، للعلة التي قدمناها. فان قيل: لو كانت علة الحاجة ارتفاع العصمة وجب أن يكون من هو معصوم لا يحتاج إلى امام يكون لطفا له في ارتفاع القبيح من جهة وان احتاج إليه لعلة اخرى غيرها من أخذ معالم الدين عنه وغير ذلك، كما نقوله في من هو أهل للامامة في زمن امام قبله أنه يجب أن يكون معصوما وله امام، لما قلناه من العلة لا لتقليل القبيح أو ارتفاعه من جهته. ويجب أن يكون الامام أفضل من كل واحد من رعيته في كونه اكثر ثوابا عند الله وفي الفضل الظاهر، يدل على كونه اكثر ثوابا ما بيناه من وجوب عصمته وإذا ثبتت عصمته فكل من أوجب العصمة له قطع على كونه اكثر ثوابا، لان أحدا لا يفرق بين المسلمين. وأيضا فالامام يستحق من التعظيم والتبجيل وعلو المنزلة في الدين مالا يستحقه أحد من رعيته، وهذا الضرب من التعظيم والتبجيل لا يجوز أن تفضلا، بدلالة أنه لا يجوز فعله بالبهائم والاطفال، وإذا وجب أن يكون مستحقا دل على أنه اكثر

[ 191 ]

ثوابا لان التعظيم ينبي عنه. فإذا ثبتت عصمته على ما قدمناه قطعنا على حصول هذه المنزلة عند الله من غير شرط، بخلاف ما شرطه في تعظيم بعضنا لبعض. وأيضا فقد دللنا على أن الامام حجة في الشرع، فوجب أن يكون اكثر رعيته ثوابا كالنبي صلى الله عليه وآله، فانه انما وجب ذلك فيه لكونه حجة في الشرع. وأما الذي يدل على أنه يجب أن يكون أفضل في الظاهر ما نعلمه ضرورة من قبح تقديم المفضول على الفاضل. ألا ترى أنه يقبح من ملك حكيم أن يجعل رئيسا في الخط على مثل ابن مقلة ونظرائه من يكتب خطوط الصبيان والبقالين ويجعل رئيسا في الفقه على مثل أبي حنيفة والشافعي وغيرهما. والعلم بقبح ذلك ضروري لا يختلف العقلاء فيه، ولا علة لذلك الا أنه تقديم المفضول على الفاضل فيما كان أفضل منه فيه. وإذا كان الله تعالى هو الناصب للامام يجب أن لا ينصب الا من هو أفضل في ظننا وعلمنا. وانما قلنا " انه يجب أن يكون أفضل فيما هو امام فيه " لانه يجوز أن يكون في رعيته من هو أفضل منه فيما ليس هو امام فيه ككثير من الصنائع والمهن وغير ذلك، والمعتبر كونه أفضل فيما هو امام فيه. وبذلك نجيب من قال: ان النبي صلى الله عليه وآله قدم عمرو بن العاص على فضلاء الصحابة وقدم زيدا على جعفر [ وهو أفضل منه وقدم خالدا أيضا على جعفر ] 1). وذلك أن كل هؤلاء انما قدموا في سياسة الحرب وتدبير الجيوش وهم أفضل في ذلك ممن قدموا عليه، وان كانوا أولئك أفضل في خصال دينية أو دنياوية، فسقط الاعتراض. ولا يجوز تقديم المفضول على الفاضل لعلة وعارض، لان تقديمه عليه وجه قبح، ومع حصول وجه القبح لا يحسن ذلك كما لا يحسن الظلم، وان عرض فيه وجه من وجوه الحسن - ككونه نفعا للغير - لان مع كونه ظلما - وهو

1) الزيادة ليست في ر.

[ 192 ]

وجه القبح - لا يحسن على حال. ولو جاز أن يحسن ذلك لعلة لجاز أن يحسن تقديم الفاسق المتهتك على أهل الستر والصلاح، وتقديم الكافر على المؤمن لمثل ما قالوه، وذلك باطل. ويجب أن يكون الامام عالما بتدبير ما هو امام فيه من سياسة رعيته والنظر في مصالحهم وغير ذلك بحكم العقل. ويجب أن يكون أيضا بعد الشرع عالما بجميع الشريعة، لكونه حاكما في جميعها. يدل على ذلك أنه لا يحسن من حكيم من حكماء الملوك أن يولي وزارته والنظر في مملكته من لا يحسنها أو لا يحسن اكثر من ذلك، ومتى فعل ذلك كان مضيعا لمملكته واستحق الذم من العقلاء. وكذلك لا يحسن من أحدنا أن يوكل انسانا على النظر في أمر ضيعته وأهله وولده وتدبير أموره من لا يعرف شيئا منها أو اكثرها، ومتى فعل ذلك ذموه العقلاء وقالوا له: ضيعت امر أهلك وضيعتك والتولية في هذا الباب. بخلاف التكليف، لان أحدا يحسن منه أن يعرض ولده ليعلم العلوم وان لم يحسنها ولا يحسن منه أن يجعله رئيسا فيها وهو لا يحسنها. فبان الفرق بينهما. ولا يلزم إذا قلنا انه يجب أن يكون عالما بما أسند إليه، أن يكون عالما بما ليس هو اماما فيه كالصنائع وغير ذلك، لانه ليس هو رئيسا فيها. ومتى وقع فيها تنازع من أهلها ففرضه الرجوع إلى أهل الخبرة والحكم بما يقولونه. وكل من ولي ولاية صغرت أو كبرت كالقضاء والامارة والجباية وغير ذلك فانه يجب أن يكون عالما فيما أسند إليه ولا يجب أن يكون عالما بما ليس بمستند إليه، لان من ولي القضاء لا يلزم أن يكون عالما بسياسة الجند، ومن ولي الامارة لا يلزم أن يكون عالما بالاحكام، وهكذا جميع الولايات، ولا يلزم أيضا أن يكون عالما بصدق الشهود والمقرين على أنفسهم، لانه انما جعل اماما

[ 193 ]

في الحكم بالظاهر دون الباطن. وانما يجب أن يكون الامام عالما بما أسند إليه في حال كونه اماما، فأما قبل ذلك فلا يجب أن يكون عالما. ولا يلزم أن يكون امير المؤمنين عليه السلام عالما بجميع الشرع في حياة النبي صلى الله عليه وآله، أو الحسن والحسين عليهما السلام عالمين بجميع ذلك في حياة أبيهما، بل انما يأخذ المؤهل للامامة العلم ممن قبله شيئا بعد شئ ليتكامل عند آخر نفس من الامام المتقدم عليه بما أسند إليه. ولو جاز أن يعلم الامام كثيرا من الاحكام ويستفتي العلماء لجاز أن لا يعلم شيئا منها ويستفتيهم، والا فما الفرق. والمخالف يعتبر أن يكون من أهل الاجتهاد. ويدل أيضا على كونه عالما بجيمع الشرع، أنا قد دللنا على كونه حافظا للشرع، فلو لم يكن عالما بجميعه لجوزنا أن يكون وقع فيه خلل من الناقلين أو تركوا بعض ما ليس الامام عالما به، فيؤدي إلى ان لا يتصل بنا ما هو مصلحة، ولا تنزاح علتنا في التكليف لذلك، وذلك باطل بالاتفاق. ويجب أن يكون الامام أشجع رعيته، لانه فيهم والمنظور إليه، فلو لم يكن أشجع لجاز أن ينهزم فينهزم بانهزامه المسلمون، فيكون فيه بوار المسلمين والاسلام، فإذا يجب أن يكون أشجعهم وأربطهم جأشا وأثبتهم قلبا. غير أن هذا يجب مع فرض العباد بالجهاد، فأما ان لم يكن متعبدا بالجهاد فلا يجب مع فرض ذلك. ويجب أن يكون الامام أعقل رعيته، والمراد بالاعقل أجودهم رأيا و أعلمهم بالسياسة. ويجب أن يكون على صورة غير منهرة ولا مشينة، ولا يلزم أن يكون أحسن الناس وجها.

[ 194 ]

ويجب أن يكون منصوصا عليه، لما قدمناه من وجوب عصمته. ولما كانت العصمة لا تدرك حسا ولا مشاهدة ولا استدلالا ولا تجربة ولا يعلمها الا الله تعالى، وجب أن ينص عليه ويبينه من غيره على لسان نبي، ان المعجز لابد أن يظهر على يده علما معجزا عليه بينة من غيره. غير أن المعجز لابد أن يستند إلى نص متقدم، لان الامام لا يعلم أنه امام الا ينص عليه نبي، فإذا نص عليه النبي أو ادعى هو الامامة جاز أن يظهر الله تعالى على يده علما معجزا، كما نقوله في صاحب الزمان إذا ظهر، فصار النص هو الاصل. فان قيل: هلا جاز أن يكلف الله تعالى الامة اختيار الامام إذا علم الله تعالى أن اختيارهم لا يقع الا على معصوم، فيحسن تكليفهم ذلك. قلنا: لا يعتبر بالعلم في ذلك، لان علمه تعالى بأنهم لا يختارون الا المعصوم لا يكفي في حسن هذا التكليف، لانه إذا لم يكن طريقا إلى الفرق بين المعصوم وغيره وكلفوا اختيار المعصوم كان في ذلك تكليف لما لا دليل عليه، وهو تكليف ما لا يطاق الذي بينا قبحه. ويلزم على ذلك اختيار الانبياء واختيار الشرائع إذا علم الله تعالى أنه لا يقع اختيارهم الا على نبي وعلى ما وهو مصلحة لهم، ويلزم حسن تكليف الاخبار عن الغائبات إذا علم أنهم يخبرون بالصدق، وذلك باطل. ومن ارتكب حسن ذلك كموسى بن عمران عليه السلام، قيل له: لم لا يكلف الله تعالى اعتقاد معرفته ولم ينصب عليه دليلا إذا علم أنه يتفق لهم معرفته من غير دليل. ويلزم حسن تكليف الاخبار عن المستقبل وان لم يتعلق بالشرائع، ومعلوم قبح ذلك ضرورة. فان قيل: لو نص الله تعالى على صفة وقال من كان عليها فاعلموا أنه معصوم لكان يجوز أن يكلف الاختيار لمن تلك صفته. قلنا: يجوز ذلك إذا كان هناك طريق إلى معرفة تلك الصفة، لان هذا نص

[ 195 ]

على الجملة، والنص على الصفة يجري مجرى النص على الغير، ولاجل هذا نص الله تعالى في الشرعيات على صفات الافعال دون أعيان الافعال، وكان ذلك جائزا لان العلة تنزاح به. فعلى هذا لو كلف الله تعالى الامة أن يختاروا من ظاهره العدالة ثم قال لهم ان كان كذلك كان معصوما، والامارات على العدالة ظاهرة منصوبة معلومة بالعادة، فان ذلك جائز، كما جاز تكليفنا تنفيذ الحكم عند شهادة الشهادتين إذا ظننا عدالتهم ويكون تنفيذ الحكم معلوما وان كانت العدالة مظنونة، وكذلك كون المختار معصوما يكون معلوما إذا اخترنا من ظاهره العدالة، وذلك لا ينافي النص والمعجز. ويمكن مثل هذا الترتيب في اعتبار كثرة الثواب وكونه أفضل عند الله تعالى، لانه لا يعلم ذلك الا الله كالعصمة فلابد أن ينص عليه أو يظهر معجزا. ويمكن أن يعرف أعيان الائمة بضرب من التقسيم، بأن يقول إذا ثبت وجوب الامامة والامة في ذلك بين أقوال ثلاثة مثلا فيفسد القسمين منها فيعلم صحة القسم الاخر على ما سنبينه في أمير المؤمنين عليه السلام والائمة من بعده، ولا يحتاج مع ذلك إلى نص ولا معجز. غير أن هذا انما إذا كانت الاحوال على ما هي عليه في شرعنا، ويمكن أن يقال قول من قال بامامة من ثبتت امامته لا بد أن يستند إلى دليل، لانه لا بد أن يكون صادرا عن دليل، فهو اما أن يكون نصا أو معجزا، فقد عاد الامر إلى ما قلناه. فان قيل: كيف تدعون وجوب النص أو المعجز، ومعلوم أن الصحابة لما حاجوا في الامامة فكل طلبه من جهة الاختيار ولم يقل أحد أنه لا تثبت الامامة الا بالنص أو المعجز.

[ 196 ]

قيل: لم نسلم ذلك بل نحن نبين أنهم اختلفوا في نفس الاختيار أيضا فيما بعد، ولو سلمنا لكان انكارهم واختلافهم في غير المختار، ويحتمل أن يكون انكارا لنفس الاختيار ويحتمل أن يكون لغيره، وإذا احتمل أمرين سقط السؤال. الكلام في ذكر أعيان الائمة (عليهم السلام) الامام بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. يدل على ذلك أنه إذا ثبت بما قدمناه من الدلالة أن من شرط الامام أن يكون مقطوعا على عصمته فالامة بين قائلين: فكل من قال شرط الامام العصمة قطع على أن الامام بعد النبي علي عليهما السلام، ومن خالف في امامته خالف في أن من شرط الامام أن يكون معصوما، وليس فيهم من قال الامام يجب أن يكون معصوما وقال الامام غيره، فالقول بذلك خروج عن الاجماع، ومتى نازعوا في أن من شرط الامام العصمة كلموا بما تقدم. فان قيل: ومن أين تعلمون أن عليا عليه السلام معصوم. قلنا: إذا ثبت أنه الامام بالاعتبار الذي ذكرناه قطعنا على عصمته، لما ثبت من أن الامام يجب أن يكون معصوما. فان قيل: فقد صرتم لا تعلمون عصمته الا بعد أن تعلموا امامته، ولا تعلموا امامته الا بعد أن تعلموا عصمته، فقد بنيتم كل واحد منهما على صاحبه، فلا يصح أن تعلموا واحدا منهما. قلنا: ليس الامر على ذلك، لانا انما علمنا امامته بطريقة القسمة، إذ بنينا على أن من شرط الامام أن يكون معصوما على الجملة - أي امام كان ولم نعينه - فإذا علمنا بذلك امامته علمنا عصمته على التعيين، والكلام في الجملة

[ 197 ]

غير الكلام في التعيين. ومثل ذلك إذا علمنا أن من شرط النبي أن يكون معصوما في الجملة ثم علمنا نبوة نبي بعينه قطعنا على عصمته. ولك أن ترتب على وجه آخر فنقول: إذا ثبت أن من شرط الامام أن يكون معصوما ووجدنا الامة بعد النبي صلى الله عليه وآله بين ثلاثة أقوال: [ قائل يقول بامامة أبي بكر ] 1)، وقائل يقول بامامة العباس، وقائل يقول بامامة على عليه السلام. ولا قول رابع يعرف، وكل من قال بامامة أبي بكر أو بامامة العباس لم يجعل من شرط الامامة العصمة، فينبغي أن نسقط قول الفريقين ويبقي قول القائلين بامامة علي، والا خرج الحق عن الامة وذلك لا يجوز. ولك أن ترتب مثل هذا في كونه اكثر ثوابا عند الله، ولا أحد من الامة يقطع على أن أبا بكر أو العباس اكثر ثوابا عند الله، لان القائلين بكون ابي بكر أفضل يقولون انه أفضل في الظاهر وعلى غالب الظن، فأما على القطع والثبات عند الله فليس بقول لاحد، ومتى نازع فيه منازع دللنا على أن عليا عليه السلام أفضل الصحابة ليسقط خلافه. ولك أن ترتب مثل ذلك في كونه أعلم الامة بالشرع وتقول: إذا ثبت أن من شرط الامام العلم بجميع أحكام الشريعة فليس في الامة من يذهب إلى امامة من هو أعم الامة وأنه عالم بجميع أحكام الشرع الا القائلون بامامة علي عليه السلام، لان القائلين بامامة ابى بكر لا يدعون فيه ذلك وانما يقولون هو من أهل الاجتهاد، وكذلك القائلون بامامة العباس، بل ليس عندهم من شرط الامام أن يكون أعلم الامة. وهذه طرق عقلية اعتبارية لا يمكن افسادها الا بالمنازعة في الاصل الذي بني عليه، والخلاف في ذلك يكون كلاما في مسألة أخرى.

1) الزيادة من ج.

[ 198 ]

دليل من القرآن على امامته (عليه السلام) ويدل أيضا على الامام بعد النبي عليه السلام قوله تعالى " انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " 1). ووجه الاستدلال من الاية أن معنى " وليكم " في الاية من كان مستحقا للامر وأولى القيام به وتجب طاعته، وثبت أيضا أن المراد ب‍ " الذين آمنوا " أمير المؤمنين عليه السلام، وإذا ثبت الامران ثبتت امامته عليه السلام. وهذه الجملة تحتاج إلى بيان أشياء: أولها ان لفظة " ولي " تفيد الاولى في اللغة. وثانيها أن المراد بها في الاية ذلك. وثالثها أن المراد ب‍ " الذين آمنوا " أمير المؤمنين دون غيره. والدليل على الاول - استعمال هذه اللفظة في اللغة، لانهم يقولون " فلان ولي المرأة " إذا كان أولى بالعقد عليها، و " فلان ولي الدم " إذا كان له المطالبة بالقود والدية أو العفو ويقولون " فلان ولي عهد المسلمين " للمرشح للخلافة. وقال الكميت: ونعم ولي الامر بعد وليه * ومنتج التقوى ونعم المؤدب ويعني بالولي الاولى بالقيام بالامر وتدبيره. وقال المبرد: الولي هو الاحق، والمولى والاولى عبارة عن شئ واحد. والدليل على أن المراد في الاية ذلك أنه إذا ثبت أن المراد ب‍ " الذين آمنوا " من كان مؤتيا للزكاة في حال الركوع، لانه تعالى لما وصفه بالايمان وصفه بايتاء الزكاة في حال الركوع، فيجب أن يراعى ثبوت الصفتين، وقد علمنا أن أحدا لم يعط الزكاة في حال الركوع غير علي عليه السلام، فوجب

1) سورة المائدة: 55.

[ 199 ]

أن يكون هو المعني بها دون غيره. وأيضا فانه تعالى نفى أن يكون وليا غير الله ورسوله والذين آمنوا بلفظة " انما "، وهي تفيد تحقيق ما ذكر ونفي الصفة عمن لم يذكر، بدلالة قولهم. " انما لك عندي درهم " يريدون ليس لك عندي الا درهم، ويقولون " انما النحويون المدققون البصريون " يريدون نفي التدقيق عن غيرهم، ويقولون " انما الفصاحة في الجاهلية " يريدون نفي الفصاحة عن غيرهم. وقال الاعشى: ولست بالاكثر منهم حصى * وانما العبرة للاكاثر وانما أراد نفي العبرة عمن ليس بكاثر. وإذا ثبت [ أن المراد بالولاية التخصيص ثبت ] 1) ما أردناه من معنى الامامة والتحقيق بالامر، لان ولاية المحبة والموالاة الدينية عامة في جميع الامة للاجماع عليه، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض. والذي يدل على أن المراد ب‍ " الذين آمنوا " علي عليه السلام أمران: أحدهما - أنه إذا ثبت أن المراد بالولي الاولى والاحق، فكل من قال بذلك قال هي متوجهة إليه عليه السلام، لان من خالف في ذلك حملها على الموالاة في الدين لجميع المؤمنين. والثاني - أنه قد ورد الخبر من طريق العام والخاص بنزول الاية فيه عليه السلام عند تصدقه بخاتمه في حال الركوع، والقصة في ذلك مشهورة 2). فإذا ثبت أنه المختص بالاية ثبتت امامته دون غيره، [ لان كل من قال ان الاية تفيد الامامة قال هو المخصوص دون غيره ] 3)، ومن قال الاية نزلت في

1) الزيادة ليست في ر.
2) راجع تلخيص الشافي 2 / 11.
3) الزيادة من ج.

[ 200 ]

عبادة بن الصامت فالكلام عليه من وجهين: أحدهما: ان هذه رواية شاذة أكثر الامة يدفعها، وما قلناه في نزولها فيه مجمع عليه. والثاني: انه روي أن عبادة كان محالفا لليهود، فلما أسلم قطعت اليهود محالفته، فاشتد ذلك عليه فأنزل الله تعالى فيه الاية تسلية له وتقوية لقلبه. ومن قال: ان الاية نزلت في أقوام كانوا في الصلاة في الركوع وأرادوهم راكعون في الحال لا أنهم آتوا الزكاة في حلال الركوع وانما أراد أن ذلك طريقتهم وهم في الحال راكعون. فقوله باطل، لانه ذلك يخالف العربية ووجه الكلام، لان المفهوم من قول القائل " يستحق المدح من جاد بماله وهو ضاحك " و " فلان يغشى لاخوانه وهو راكب " معنى الحال، وكذلك لو قال " لقيت فلانا وهو يأكل " لم يعقل منه الا لقاؤه في حال الاكل. على أنه لو حمل على ما قالوه لكان ذلك تكرارا، لان قوله " ويقيمون الصلاة " دخل فيه الركوع فلا معنى لتكرير قوله " وهم راكعون "، لانه عبث. على أن هذا القول لم يقله أحد غير الجبائي ولا ذكره أحد من أصحاب الاخبار، لان الاية لو كانت في قوم معينين لنقل وسطر، وفي تعري الاخبار من ذلك دليل على أن ذلك لا أصل له. فان قيل: حمل لفظ " الذين " على الواحد مجاز، وحمل قوله " ويؤتون الزكاة " في الحال مجاز آخر لان حقيقتها الاستقبال، فلم لا يجوز أن يحمل على مجاز واحد. فنقول: المراد من صفتهم ايتاء الزكاة ومن صفتهم أنهم راكعون، ولا يجعل احدى الصفتين حالا للاخرى. قلنا: أما لفظ " الذين " وان كان لفظ جمع فقد صار بعرف الاستعمال

[ 201 ]

يعبر به عن واحد معظم له، ولذلك نظائر كقوله " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " 1) وقوله " انا أرسلنا " 2) و " لقد أرسلنا " 3) وغير ذلك من الالفاظ. وقال أهل التفسير: ان قوله تعالى " الذين قال لهم الناس " 4) المراد به واحد معروف. وأما لفظ " يؤتون " فمشترك بين الحال والاستقبال، وانما يختص بالاستقبال بدخول السين أو سوف عليه، وهي بالحال أشبه، لانهم يقولون " مررت برجل " يقوم " كما يقولون " مررت برجل قائم "، ولو تساويا لكان الحمل على كل واحد منهما حقيقة ولم يكن مجازا. على أن من مذهب من خالفنا من أهل العدل أن الله كان ولا شئ ثم أحدث الذكر، فعلى هذا حمل الاية على الاستقبال حقيقة. على أن مجازنا له شاهد في الاستعمال ومجازهم لا شاهد له في عرف ولا لغة، يؤدي ايضا إلى ان لا نستفيد بالاية شيئا، لان الموالاة الدينية معلومة بغيرها. على أن الخصوص في قوله تعالى " والذين آمنوا " لا بد منه، لانه لو حمل على العموم لادى إلى أن يكون كل واحد من المؤمنين ولي نفسه، فإذا لا بد أن يكون المراد بقوله " وليكم " غير المراد بقوله " والذين آمنوا " ليستقيم الكلام. وإذا وجب تخصيص الاية فكل من خصصها حملها على من قلناه دون غيره. وليس لاحد أن يقول: المراد بالركوع في الاية الخشوع والخضوع

1) سورة الحجر: 9.
2) سورة المزمل: 15.
3) سورة الحديد: 25.
4) سورة آل عمران: 173.

[ 202 ]

دون الركوع في الصلاة، وذلك أن المعروف في اللغة من معنى الركوع هو التطأطؤ المخصوص وشبه به الخضوع والخشوع، وقد نص على ذلك أهل اللغة، أنشد صاحب كتاب العين للبيد: أخبر أخبار القرون التي مضت * أدر كأني كلما قمت راكع وقال صاحب الجمهرة: الراكع الذي يكبو لوجهه، ومنه الركوع في الصلاة. فإذا كانت الحقيقة ما قلناه فلا يجوز حملها على المجاز. وليس اعطاء الخاتم في الصلاة فعلا يفسد الصلاة، لانه لا خلاف ان الفعل اليسير مباح. وأيضا فقد مدح الله تعالى والنبي " ص " على ذلك، فلو كان نقصا لما مدحاه بذلك. وقول من قال: أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يجب عليه زكاة لقلة ذات يده فكيف يحمل على ذلك. باطل، لانه لا يمتنع أن يملك عليه السلام أول نصاب من المال نحو مائتي درهم، لان من ملك ذلك لا يسمى غنيا، فلا وجه لاستبعاد ذلك. ويجوز أن يكون المراد زكاه التطوع، وليس في الاية انه زكاة فرض دون التطوع. والنية بدفع الزكاة لابد منها، وهي لا تنافي الصلاة، لانها من أفعال القلوب لا تؤثر في الصلاة. وليس لاحد أن يقول: لو اقتضت الاية الامامة لوجب أن يكون اماما في الحال. وذلك أنا قد بينا أن المراد بالاية فرض الطاعة وقد كان له ذلك في الحال، [ فلا يمكن ادعاء الاجماع على خلافه. ولو اقتضى الامامة في الحال ] 1) لاقتضاها فيما بعد إلى حين وفاته، فإذا قام الدليل على أنه لم يكن اماما في الحال ثبت ما بعد النبي صلى الله عليه وآله.

1) الزيادة من ج.

[ 203 ]

وليس لاحد أن يقول: هل حملتموها على بعد عثمان. وذلك أن هذا يسقط بالاجماع، لان أحدا لم يثبت له الامامة بعد عثمان من دون ما قبلها بالاية بل أثبتوا الامامة بالاختيار، ومن أثبت امامته في تلك الحال بالنص في الاية وغيرها أثبتها له أيضا بعد النبي بلا فصل، فالفرق بين الامرين خلاف الاجماع. دليل آخر على امامته (عليه السلام) ومما يدل على امامته عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل ما تواترت به الشيعة ونقلته مع كثرتها وانتشارها في البلاد واختلاف آرائها ومذاهبها وتباعد ديارها واختلاف هممها خلفا عن سلف إلى أن تصل بالنبي عليه السلام أنه قال: " علي إمامكم " و " خليفتي عليكم من بعدي " 1) و " سلموا عليه بإمرة المؤمنين " 2). وغير ذلك من الالفاظ الصريحة التي لا تحمل التأويل وانهم علموا من قصده ضرورة انه أراد استخلافه من بعده بلا فصل. فلا يخلو أن يكونوا صادقين أو كاذبين، فان كانوا صادقين فقد ثبتت امامته على ما قلناه، وان كانوا كاذبين لم يخل كذبهم من أمور: اما أن يكون اتفق لهم الكذب فوضعوه أو تواطؤا عليه اما باجتماع وموافقة أو بمكاتبة ومراسلة، أو حصل فيه ما يجري مجرى التواطؤ، أو حصل أحد هذه الاسباب في الوسائط التي بيننا وبين النبي عليه السلام، أو كان القائل به في الاصل واحدا ثم انتشر القول وكثر معتقدوه، فإذا ثبت جميع ذلك دل على أن الخبر متصل. ولا يجوز أن يكون اتفق لهم الكذب فوضعوه، لان ما هم عليه من الكثرة

1) تلخيص الشافي 2 / 57.
2) بحار الانوار 35 / 290.

[ 204 ]

يمنع من جواز ذلك عليهم، لان العلم باستحالة خبر واحد عن شئ واحد من الخلق الكثير على وجه احد من غير تواطئ مستحيل في العادة. ألا ترى أنه يستحيل من جماعة من الشعراء ان يتواردوا في قصيدة واحدة في معنى واحد وغرض واحد وقافية واحدة وروي واحد، ويجري ذلك مجرى استحالة اجتماعهم على طعام واحد وزي واحد. وإذا كان ذلك مستحيلا في العادة وجب المنع منه. وليس الكذب في هذا الباب يجري مجرى الصدق، لان الصدق يجوز أن يتفق من الخلق الكثير من غير تواطئ، لان العلم بكونه صدقا داع إلى نقله، وليس كذلك الكذب، لان العلم بكونه كذبا صارف عن نقله، فيحتاج إلى داع غير ذلك يحمل على نقله. ولا يجوز أن يكونوا تواطؤا عليه، لان ذلك مستحيل منهم، لتباعد ديارهم وانتشارهم في الارض، ولو تواطؤا بالاجتماع لما خفي ولعلم في أوجز مدة. وكذلك يستحيل منهم المراسلة والمكاتبة لان اكثرهم لا يتعارفون وصحة المراسلة فرع على التعارف، وإذا كانوا لا يتعارفون فكيف يصح منهم المكاتبة ولو صح أيضا لكان يجب أن يظهر في اوجز مدة، بذلك قضت العادات وحكم الاعتبار ولو ظهر لعلم. وأما ما يجري مجرى التواطؤ فهو اما رغبة في الدنيا أو رهبة، وكلاهما منفيان عمن ادعى له النصر، لانه لو لم يكن له دينا فيطمع فيها فيكذب له بالنص ولم يبسط يده فيخاف منه فيدعو ذلك إلى وضع النص، بل الدواعي كلها إلى كتمانه وجحده والصوارف عن نقله واظهاره، فكيف يكون هناك ما يجري مجرى التواطؤ. ولو كان ذلك ممكنا لما دعاهم إلى وضع فضيلة بعينها، بل كان يدعو

[ 205 ]

الناس إلى وضع فضيلة غير الذي يدعو عليها الاخر، لان الاتفاق في مثل ذلك مستحيل في العادة على ما بيناه. ولو كان أحد هذه الاشياء حصل في الوسائط الذين بيننا وبين النبي عليه السلام لعلم ذلك، كما لو كان في الطرف الذي بيننا لعلم. ولو كان الاصل فيهم واحدا ثم انتشر لعلم الوقت الذي حدث فيه ومن المحدث له وما الذي دعاه إليه، كما علم سائر المذاهب الحادثة بعد استقرار الشرع، كمذهب الخوارج والمعتزلة والجهمية والكلابية والنجارية وغير ذلك من الفرق، وكما علم فقه أبي حنيفة ومالك والشافعي وأنه لم يتقدمهم أحد قال به على ما ذهبوا إليه وجمعوه، فكان يجب أن يعلم النص مثل ذلك ومن القائل به، وإذا لم يعلم ذلك دل على أنه متصل. وقولهم: انه علم ذلك وانه وضعه في هشام بن الحكم وابن الراوندي. باطل، لان القائلين بالنص كانوا قبل هشام وكتبهم معروفة في ذلك، وأما ابن الراوندي فهو متأخر كثيرا وشيوخ الامامية قبله معروفون، ولو كان الامر على ما قالوه لما حسن مكالمتهم كما لا يحسن مكالمة من يحدث مقالة فيقول بامامة ابن مسعود وأبي هريرة أو غير ذلك، لان الاجماع سبقهم فلا يلتفت إليه، وفي حسن مكالمتهم لنا ووضعهم الكتب علينا دليل على فساد قولهم هذا فان قيل: لو كان هذا النص صحيحا لعلم صحته ضرورة كما علمت هجرة النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة، وكما علم أن في الدنيا مكة وبلد الروم وغير ذلك من أخبار البلدان. قلنا: ليس العلم بمجرد الاخبار عندنا ضرورة، بل هو مكتسب عند اكثر أصحابنا، وعند قوم انه مشكوك فيه. فأما العلم بالنص فمستدل عليه قطعا ويجري العلم به كالعلم بمعجزات النبي عليه السلام التي هي سوى القرآن، وليس إذا

[ 206 ]

إذا لم يعلم باقي المعجزات - كما علمنا البلدان والوقائع - وجب القطع على بطلانها لكونها معلومة بالاستدلال، وكذلك النص إذا لم يكن معلوما بالضرورة وكان معلوما بالاستدلال لم يجب القطع على بطلانه. على أن العلم بالبلدان والوقائع لم يمتنع أن يكون حصل لما لم يقابل وأتوا به بالتكذيب ولم يعرض فيه ما عرض في النص، فسلم نقله فحصل العلم به. والنص بخلاف ذلك، لانه عرض في نقله وانتهازه موانع ولقي راويه بالتكذيب واعتقد ضلالته وخطأوه ويدعي في روايته، فكيف يحصل العلم مع هذه الموانع. وهكذا الجواب إذا قالوا: لم لا يعلم النص كما علمنا الصلوات الخمس والحج إلى الكعبة وصوم شهر رمضان وغير ذلك من أركان الشرائع. لان الاسباب التي عرضت في الامامة لم تعرض في شئ من العبادات، فسلم نقله فحصل العلم به، ولما عرض ما قلناه في النص غمض طريق العلم به. وليس لاحد أن يقول: قد ادعيتم حصول موانع من نقل النص فما دليلكم عليها؟. قلنا: لا خلاف أن النص عقد الامر على خلاف متضمنه وان اعتقد في ناقله أنه ضال مبتدع ولقوا بالتكذيب، ويزيد المخالف على ذلك ويقول: هذا هو الواجب فكيف يمكن أن يدعى انه لم يكن هناك صارف. على أن ههنا أمورا كثيرة في الشرع منصوصا عليها وليس العلم بها كالعلم بما ذكروه من العبادات. ألا ترى أن صفات الامام وعدد العاقدين وكونه من قريش، كل ذلك طريقه النص ومع هذا العلم به كالعلم بما قالوه، وكذلك العلم بمعجزات النبي صلى الله عليه وآله التي هي سوى القرآن ليست مثل العلم بالقرآن وبأصول الشريعة، فكيف تسوى بين المنصوصات

[ 207 ]

عليها في الشرع على اختلاف طرقها وغموض بعضها وظهور بعض، وهل يكون من سوى بين الكل في كيفية العلم الا غير منصف متحامل متعصب، وذلك لا يليق بالعلماء. فان قيل: يلزم على هذه الطريقة قول البكرية والعباسية إذا ادعوا النص لاصحابهما وادعوا مثل ما ادعيتم بعينه، والا فما الفرق؟ قلنا: الفرق بيننا وبين هؤلاء: ان الشيعة معروفون وعلماءهم كثيرون ولهم كتب مصنفة ومقالات ظاهرة، وليس كذلك البكرية، لانا لم نشاهد قط بكريا ولا عباسيا، ولسنا نعني بالبكرية من ذهب إلى امامة ابي بكر بل نريد من ادعى النص عليه. وأيضا هذا حكاية عن بعض من تقدم يعرف ببكر بن أخت عبد الواحد، فنسبوا إليه ولم ينسبوا إلى ابي بكر، والقائلون بامامة أبي بكر من علماء الامة يذهبون إلى امامته بالاختيار والاجماع الذي يدعونه، وليس منهم من يقول كان منصوصا عليه كما يقوله الشيعة في علي عليه السلام. وأما القائلون بامامة العباس فلا يعرف واحد منهم أصلا، ولولا أن الجاحظ حكى هذه المقالة وصنف فيهم كتابا والا ما كان يعرف هذا القول لا قبله ولا بعده. على أن ما دللنا به على أن من شرط الامام أن يكون مقطوعا على عصمته، يبطل هذين القولين، لانهما لا يدعيان ذلك لاصحابهما على ما بيناه. على أنه قد ظهر منهما ومن غيرهما من الصحابة ما يدل على أنهما لم يكونا منصوصا عليهما، فروي عن أبي بكر لما احتج على الانصار يوم السقيفة قال " الائمة من قريش " ولو كان منصوصا عليه لقال أنا منصوص علي فأين يذهب بكم. ولا يلزمنا مثله في أمير المؤمنين عليه السلام، لانه أولا لم يحضر الموضع فيحتج وثانيا ان الفريقين قصدوا إلى ان يدفعوا الامر عنه فكيف يحتج عليهم، وربما

[ 208 ]

ادعوا نسخ الخبر أو جحدوه وكانت تكون البلية العظمى. وليس يدعي المخالف مثل ذلك، لانهم يقولون كان الموضع موضع بحث واحتجاج. فعلى قولهم كان يجب أن يذكر النص على نفسه. ومنها أنه قال للانصار " بايعوا " أي أحد هذين شئتم يعني أبا عبيدة الجراح وعمر، ولو كان منصوصا عليه لما جاز ذلك. ومنها قوله " أقيلوني " ولو كان منصوصا عليه لما جاز منه استقالتهم. ومنها ما روي أنه قال عند موته: ليتني كنت سألت رسول الله هل للانصار في هذا الامر نصيب فكنا لا ننازعهم. ولا يتمنى مثل هذا من يعلم أنه منصوص عليه. ومنها قول عمر لابي عبيدة " أمدد يدك أبايعك "، ولو كان أبو بكر منصوصا عليه لما قال ذلك. ومنها قوله " كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه ". ومنها قوله حين قيل له: استخلف، قال: ان استخلف فقد استخلف من هو خير مني - يعني ابا بكر - وان أترك فقد ترك من هو خير مني - يعني رسول الله. ومنها ان جميع ما يدعى من النص عليه لا دلالة فيه لكونه خبر واحد وانه ليس في تصريحه ولا فحواه دلالة النص، وقد ذكرنا الوجه في جميع ذلك في تلخيص الشافي وشرح الجمل لا نطول بذكره ههنا. وكذلك ما تتعلق به العباسية قد بينا الوجه فيه. على أن العباس دعا أمير المؤمنين عليه السلام إلى مبايعته وقال له: أمدد يدك أبايعك فيقول الناس بايع عم رسول الله ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان. ولو كان منصوصا عليه لما قال ذلك.

[ 209 ]

فان قيل: إذا كان هو عالما بأن عليا منصوص عليه فلم أراد مبايعته؟ قلنا: أراد أن يحتج عليهم من الطريق الذي سلكوه، لانهم طلبوا الامامة من جهة الاختيار والبيعة دون النص فأراد أن يحتج عليهم بما أقروا به وعلموه دون ما لم يذكروه. ومتى قال: انه أولى بالمقام لانه عمه والعم وارث. باطل، لان الامامة ليست مورثة بلا خلاف لانها تابعة للمصالح كما أن البيعة مثل ذلك. فان قيل: لو كان أمير المؤمنين منصوصا عليه لوجب أن يحتج به وينكر على من دفعه بيده ولسانه، ولما جاز أن يصلي معهم ولا أن ينكح سبيهم ولا يأخذ فيئهم ولا يجاهد معهم، وفي ثبوت جميع ذلك دليل على بطلان ما قلتموه. قلنا: المانع لامير المؤمنين عليه السلام من الاحتجاج بالنص عليه الخوف بما ظهر له من الامارات التي بانت له من اقدام القوم على طلب الامر والاستبداد به واطراح عهد الرسول مع قرب عهدهم به وعزمهم على اخراج الامر عن مستحقه، فأيسه ذلك من الانتفاع بالحجة وخاف أن يدعو النسخ لوقوع النص، فتكون البلية به أعظم والمحنة به أشد، ولا يتبين لكل أحد أن نسخ الشئ قبل فعله لا يجوز. وربما ادعوا أيضا أن ما ذكروا من النص لا أصل له فتعظم البلية، لان النص الجلي لم يكن بمحضر الجمهور بل كان بمحضر جماعة لو نقلوه لا نقطع بنقلهم الحجة، فلو جحدوه لدخلت الشبهة على الباقين. وأما ترك النكير عليهم باليد فلانه لم يجد ناصرا ولا معينا، ولو تولاه بنفسه وخواصه لربما أدى إلى قتله وقتل أهله وخاصته، فلذلك عدل عنه، وقد بين عليه السلام ذلك بقوله: أما والله لو وجدت أعوانا لقاتلتهم. وقوله بعد بيعة

[ 210 ]

الناس له ونكث أهل البصرة بيعته: والله لولا حضور الناصر ولزوم الحجة وما أخذ الله على أوليائه أن لا يقروا على كظة ظالم أو شغب مظلوم لا لقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولا لفيتم دنياكم عندي أهون على من عفطة عنز. فبين أصحابه عليه السلام قابل من قابل أهل البصرة وغيرهم لقيام الحجة عليه بحضور الناصر، وكان في ذلك بيان أنه لم يقاتل الاولين لعدم الناصر، فلو قاتلهم لربما ادى إلى ارتداد اكثرهم وفي ذلك بوار الاسلام، وقد بين ذلك في خطبته بقوله: لولا قرب عهد الناس بالكفر لقاتلتهم. فأما الانكار باللسان فقد أنكره في مقام بعد مقام بحسب الحال من القوة والضعف، نحو قوله عليه السلام: لم أزل مظلوما منذ قبض رسول الله " ص ". وقوله: اللهم اني أستعديك على قريش فانهم ظلموني حقي ومنعوني ارثي. وقوله: اللهم اني أستعديك على قريش فانهم ظلموني في الحجر والمدر. وقوله: والله لقد تقمصها ابن ابي قحافة وانه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل ولا يرقى الي الطير - إلى آخر الخطبة. وذلك صريح بالانكار والتظلم على من منعه حقه. فأما الصلاة خلفهم فانه عليه السلام كان يصلي معهم في مسجد رسول الله لا مقتديا بهم بل لنفسه وان كان يركع بركوعهم ويسجد بسجودهم، وذلك ليس بدليل الاقتداء بلا خلاف. فأما الجهاد مع القوم فلا يمكن أحد يدعي أنه جاهد معهم أو سار تحت رايتهم وانما روي أنه قاتل أهل الردة دفاعا عن المدينة وعن حرم رسول الله صلى الله عليه وآله لما دنوا منها، وان كان ذلك أيضا شاذا لا يعرف في السير، ولو صح لكان ذلك واجبا عليه وعلى كل أحد بحكم العقل والشرع وان لم يكن هناك من يقتدى به.

[ 211 ]

فأما أخذه من فيئهم فانما كان يأخذ بعض حقه، ومن له حق له أن يتوصل إلى أخذه بجميع الوجوه، ولم يكن يأخذ من أموالهم ولا من أموال المسلمين. وأما نكاح سبيهم فقد اختلف في ذلك، فروى قوم أن النبي عليه السلام كان وهب له الحنفية فاستحل فرجها بقوله، وقال آخرون أسلمت فتزوجها أمير المؤمنين " ع " وقال قوم اشتراها فأعتقها ثم تزوجها. فكل ذلك ممكن. على أن سبي أهل الضلال يجوز أن يشترى ويحل وطؤ الفرج بذلك، لان المراعى استحقاق المسبي بالسبي ولا اعتبار بالسابي، ولذلك يجوز شراء ما يسبيه الكفار من دار الحرب وان أغار بعضهم على بعض أو يسرقونه، وهذا يسقط السؤال. فان قيل: لو كان النص عليه صحيحا لما جاز له الدخول في الشورى ولا الرضا به، لانها باطلة على مذهبكم. قيل: لاصحابنا على ذلك أجوبة: أحدها: انه انما دخل فيها تقية وخوفا، ولو لم يدخلها لقتل، انما يمتنع ذلك لتوهم أن الحق لك فحمله على الدخول فيها ما حمله على البيعة للمتقدمين. والثاني: انه انما دخلها ليتمكن من ايراد حججه وفضائله ونصوصه، لانه أورد في ذلك اليوم جل مناقبه، ولو لم يدخلها لما أمكنه ذلك، فدخلها ليؤكد الحجة عليهم. والثالث: انه انما دخلها تجويزا لان يختارونه فيتمكن من القيام بالامر، ومن له حق له أن يتوصل إليه بجميع الوجوه. فان قيل: لو كان منصوصا عليه لكان دافعه ضالا مخطئا، وفي ذلك تضليل اكثر الامة ونسبتهم إلى معاندة الرسول واطراح أمره، وذلك منفي عن الصحابة

[ 212 ]

قلنا: لا نقول ان جميع الصحابة دفعوا النص مع علمهم بذلك، وانما كانوا بين طبقات: منهم من دفعه حسدا وطلبا للامر، ومنهم من دخلت عليه الشبهة فظن أن الذي دفعوه لم يدفعوه الا بعهد عهد الرسول " ع " وأمر عرفوه ومنها أنه لما روي لهم قوله " الائمة من قريش " ظنوا أن الاخذ باللفظ العام أولى من الخاص فتركوا الخاص وعملوا بالعام، وبقي قوم على الحق متمسكين بما هم عليه [ فلم يمكنهم مخاصمة الجمهور ولا مخالفة الكل فبقوا متمسكين بما هم عليه ] 1)، قصاراهم أن ينقلوا ما علموه إلى أخلاقهم، فلا يجب من ذلك نسبة الاكثر إلى الضلال. على أن الله تعالى أخبر عن أمة موسى وهم أضعاف امة النبي عليه السلام انهم ارتدوا حتى مضى موسى إلى ميقات ربه وعبدوا العجل مع مشاهدتهم لفلق البحر وقلب العصا حية واليد البيضاء وغير ذلك من المعجزات الباهرات، وما غاب عنهم موسى الا أياما قلائل، فكيف يتعجب من طائفة قليلة تدخل عليهم الشبهة ويندفع قوم منهم لدفع الحق، وقد قال الله تعالى " ومن آمن وما آمن معه الا قليل " 2) وقال " ولكن اكثرهم لا يعلمون " 3)، " ولكن اكثرهم للحق كارهون " 4)، وقال " وقليل من عبادي الشكور " 5)، فلم يذكر الكثير الا ذمه ولم يذكر القليل الا مدحه. فأين التعجب من ذلك وقد قال الله تعالى " وما محمد الا رسول قد خلت

1) الزيادة من ج.
2) سورة هود: 40.
3) سورة الانعام: 37.
4) سورة المؤمنون: 70.
5) سورة سبأ: 13.

[ 213 ]

من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " 1) وقال النبي " ص ": لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، حتى أنه لو دخل أحدهم جحر ضب لدخلتموه. فقالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى، فقال عليه السلام: فمن إذا. وقال صلى الله عليه وآله بينا أنا على الحوض عرضه ما بين بصرى إلى العدن إذ يجاء بقوم من أصحابي فيجلسون دوني، فأقول: يا رب أصحابي. فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك، انهم لا يزالوا على أعقابهم القهقرى. والاخبار في ذلك اكثر من أن تحصى، فأين التعجب من وقوع الخطأ من القوم، وقال: ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة فرقة ناجية والباقون في النار. فان قيل: لو كان الامر على ما ذكرتموه من النص لما زوج أمير المؤمنين عليه السلام بنته من عمر، وفي تزويجه اياها دليل على أن الحال بينهم كانت عامرة بخلاف ما تدعونه ويدعي كثير منكم أن دافعه كافر. قلنا: في أصحابنا من أنكر هذا التزويج، وفيهم من أجازه وقال فعل ذلك لعلمه بأنه يقتل دونها، والصحيح غير ذلك وأنه زوجها منه تقية، لانه جرت ممانعة إلى أن لقي عمر العباس وقال له ما هو معروف، فجاء العباس إلى أمير المؤمنين " ع " فقال: ترد أمرها الي. ففعل فزوجها منه حين ظهر له أن الامر يؤول إلى الوحشة. وروي عن الصادق " ع " في ذلك ما هو معروف. على أن من أظهر الشهادتين وتمسك بظاهر الاسلام يجوز مناكحته، و ههنا أمور متعلقة في الشرع باظهار كلمة الاسلام كالمناكحة والموارثة والمدافنة والصلاة على الاموات وغير ذلك من أحكام أخر، فعلى هذا يسقط السؤال. فان قيل: كيف يكون النص صحيحا ويقول العباس له: تعال حتى نسال

1) سورة آل عمران: 144.

[ 214 ]

النبي عليه السلام عن هذا الامر، فان كان فينا عرفناه وان كان في غيره أوصاه بنا. ويقول له في دفعة أخرى: أمدد يدك أبايعك فيقول الناس عم رسول الله بايع ابن عمه فلا يختلف علين اثنان ولو كان منصوصا عليه لما احتاج إلى ذلك وكان لا يخفى على العباس. قلنا: أما رغبته إلى سؤال النبي لم يكن لشك في مستحق الامر، وانما قال ذلك ليعلم هل يثبت ذلك فيهم ويسلم لهم أم لا، فلذلك أراد مسألته لا عن موضع الاستحقاق. وأما مبايعته فقد بينا أنه انما طلب ذلك رأى أن القوم يتحادثون الامر من جهة الاختيار وتركوا النص ودخلت إليه شبهة بين الاكثر أراد أن يحتج عليهم بمثل ما هم يطلبون، فلم يجبه أمير المؤمنين عليه السلام لما علمه من جهة النبي وما يؤول الامر إليه فلذلك لم يجب العباس إلى ما دعاه إليه. فان قالوا: كيف يكون منصوصا عليه وهو يعينهم في كثير من الاحكام مستفهما ومستفتيا، فكان يجب أن ينقض أحكامهم لما أفضى إليه الامر وكان ينبغي أن يسترد فدكا إلى أربابها، وفي عدوله عن ذلك دليل على بطلان ما تدعونه. قلنا: أما فتياه لهم فمما لا يسوغ له الامتناع منه، لان عليه اظهار الحق والفتوى إذا لم يخف وآمن الضرر، ولا سؤال على من أظهر الحق وانما السؤال فيمن أبطن. وأما اقراره أحكام القوم فانه لم يمكن خلاف ذلك وانما أفضي الامر إليه بالاسم دون المعنى، واكثر من بايعه كان معتقدا لامامة القوم، فكيف يتمكن من نقض أحكامهم، ولذلك قال لقضاته وقد سألوه: بم نحكم؟ فقال: اقضوا بما كنتم تقضون حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي - يعني من مات من شيعته - وخالف في مسائل علم شاهد الحال بأن الخلاف فيها لا يوحش وامسك عما يورث الوحشة. وأما فدك فانما لم يردها لما قلناه من التقية وان ردها يؤدي إلى تظلم القوم

[ 215 ]

وتخطئتهم فعدل عن ذلك. على أن فدكا كانت حقا له ولمن له عليه ولاية، ومن له حق له أن يترك المطالبة به لبعض الاغراض. وفي أصحابنا من قال: الخصم في فدك كانت فاطمة عليها السلام وأوصت إليه بأن لا يتكلم فيها لتكون هي المخاصمة يوم القيامة لما جرى بينها وبين من دفعها من الكلام المعروف حتى قالت له: ستجمعني واياك يوم يكون فيه فصل الخطاب. فأما الكلام في استحقاق فاطمة عليها السلام فدك بالنحلة أو الميراث فقد استوفيناه في تلخيص الشافي وطرف منه في شرح الجمل لا نطول بذكره ههنا. وأما ما يعارضون به ويذكرونه من الايات نحو قوله تعالى " والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار " 1) وقوله " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة " 2) وغير ذلك من الايات، وان ذلك يمنع من وقوع خطأ منهم يدفع النص. فقد بينا الوجه فيها مستوفى في تلخيص الشافي وطرفا منه في شرح الجمل والمفصح في الامامة وغير ذلك من كتبنا لا نطول بذكره ههنا، وفيما ذكرناه كفاية انشاء الله. دليل آخر على امامته (عليه السلام) ومما يدل على امامته عليه السلام الخبر المعروف الذي لم يدفعه أحد من أهل العلم يعتد بقوله، ان النبي " ص " حين انصرف من حجة الوداع وبلغ الموضع المعروف بغدير خم نزل ونادى في الناس الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فلما رآهم رقى الرحال وخطب خطبة معروفة ثم أقبل على الناس فقال: ألست

1) سورة التوبة: 101.
2) سورة الفتح. 18.

[ 216 ]

أولى منكم بأنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. فقال عاطفا على ذلك: فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله 1). فأتى بلفظ " أولى " وقررهم بها على فرض طاعته ثم عطف بجملة أخرى عليها محتملة لها ولغيرها، فوجب حملها على مقدميها بموجب استعمال أهل اللغة، فوجب بذلك أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام مفترض الطاعة كما كان النبي " ص " كذلك، وفرض الطاعة يفيد الامامة فوجب أن يكون اماما. وهذه الجملة تحتاج إلى بيان أشياء: أحدها أن نبين صحة الخبر، والثاني أن نبين أن لفظة " المولى " تفيد أولى في اللغة، ثم نبين انها أرادت ذلك في الخبر دون غيره من الاقسام. والذي يدل على صحة الخبر تواتر الشيعة به خلفا عن سلف على ما بيناه في التواتر بالنص الجلي، وكلما يسأل عليه من الاسئلة فالجواب عنه ما تقدم. وأيضا فقد رواه أصحاب الحديث من طرق كثيرة لم يرد في الشريعة خبر متواتر اكثر طرقا منه، فانه روى الطبري من نيف وسبعين طريقا وابن عقدة من ماءة وخمس وعشرين طريقا. فان لم يثبت بذلك صحته فليس في الشرع خبر صحيح. [ وايضا فأمير المؤمنين عليه السلام احتج به يوم الشورى فلم ينكره احد ولا دفعه، فدل على صحته ] 2). وأيضا أجمعت الامة على صحته وان اختلفوا في معناه، وما يحكى عن ابن ابي داود من جحده له ليس بصحيح، لانه انما أنكر المسجد المعروف

1) انظر تفصيل قصة الغدير ورواتها كتاب الغدير الجزء الاول.
2) الزيادة ليست في ر. 0

[ 217 ]

بغدير خم ولم يجحد نفس الخبر، وخلافه أيضا لا يعتد به لانه سبقه الاجماع وتأخر عنه. وأيضا إذا ثبت ان مقتضاه الامامة على ما ثبت ثبتت صحته، لان الامة بين قائلين: قائل يقول مقتضاه الامامة فهو يقطع على صحته، وقائل يقول ليس مقتضاه الامامة فيقول هو خبر واحد. وأما الذي يدل على أن " مولى " يفيد الاولى قول أهل اللغة: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى في قوله تعالى " النار مولاهم " 1) قال: معناه أولى بهم، واستشهد ببيت لبيد: قعدت كلى الفرجين يحسب أنه * مولى المخافة خلفها وامامها وقول ابي عبيدة حجة في اللغة، وقال الاخطل يمدح عبد الملك بن مروان: فأصبحت مولاهم من الناس كلهم * وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا أي أولى الناس بها. وروي عن النبي " ص " أنه قال " ايما امرأة نكحت بغير اذن مولاها فنكاحها باطل " 2) وفي خبر آخر " بغير اذن وليها "، وأراد بذلك من هو أولى بالعقد عليها. وقد حكينا عن المبرد أنه قال: مولى وولي وأولى وأحق بمعنى واحد فمن عرف عادة أهل اللغة عرف صحة ما قلناه. وإذا ثبت ذلك فالذي يدل على أن المراد به في الخبر الاولى ما قلناه من أن النبي عليه السلام قدم جملة ثم عطف عليها بأخرى محتملة لها ولغيرها فوجب حملها على مقدمتها والا أدى إلى أن يكون عليه السلام ملغوا في كلامه واضعا له في غير موضعه، وذلك لا يليق به عليه السلام.

1) الحديد: 15، والاية صحيحها " مأواكم النار هي مولاكم ".
2) مسند أحمد بن حنبل 6 / 44.

[ 218 ]

ألا ترى أن القائل إذا أقبل على جماعة فقال: ألستم تعرفون عبدي سالما، فإذا قالوا بلى، قال فاشهدوا أن عبدي حر. لم يفهم من كلامه الا عتق العبد الذي تقدم تقريرهم على معرفته، ولو أراد غيره لكان ملغوا، وإذا قال لهم: ألستم تعرفون ضيعتي الفلانية، فإذا قالوا بلى قال لهم فاشهدوا أن ضيعتي وقف لم يحمل ذلك الا على الضيعة التي قررهم على معرفتها. هذا هو المعهود من الكلام الفصيح. وليس لاحد أن يقول: أليس لو قال مصرحا بعد تقريرهم على فرض طاعته " فمن يجب عليه طاعتي فيحب عليا " كان جائزا، فهلا جاز ذلك في غير المصرح، وذلك أنه ليس كلما حسن في التصريح حسن في الاحتمال. ألا ترى أنه لو قال: ألستم تعرفون ضيعتي الفلانية، فإذا قالوا بلى، قال بعد ذلك فاشهدوا أن ضيعتي التي تحتها وقف. مصرحا بها كان ذلك جائزا مفيدا، أو لا يجوز ذلك مثل ذلك إذا قال كلاما محتملا على ما مضى بيانه، والفرق بين المصرح به والمكنى عنه واضح. والذي يدل على أن لفظة " أولى " تفيد الامامة وفرض الطاعة استعمال أهل اللغة، لانهم يقولون " السلطان أولى بتدبير رعيته من غيره " و " ولد الميت أولى بميراثه من غيره ممن ليس بولد " و " المولى أولى بعبده من غيره " يعني بفرض طاعته عليه، ولا خلاف بين المفسرين أن قول النبي صلى الله عليه وآله " أولى بالمؤمنين من أنفسهم " 1) المراد به ومعناه أولى بتدبيرهم وفرض طاعتهم ولا يكون أحد أولى بتدبير الامة الا من كان نبيا أو اماما، وإذا لم يكن نبيا وجب أن يكون اماما. وأيضا فلا خاف أن النبي عليه السلام كان أولى بنا من حيث فرض الطاعة،

1) سورة الاحزاب: 46.

[ 219 ]

وإذا حصل له هذه المنزلة وجب أن يكون مفترض الطاعة علينا، وانما يعلم وجوب فرض طاعته على جميع الامة في جميع الاشياء من حيث أن النبي عليه السلام كان كذلك وقد جعله بمنزلته فوجب أن يثبت له ذلك. وأيضا فكل من أوجب لامير المؤمنين عليه السلام بهذا الخبر فرض الطاعة في شئ من الاشياء أثبته في جميع الاشياء، والتفرقة بينهما خلاف الاجماع. وليس لاحد أن يقول: كيف يكون المراد به الامامة وهي لم تثبت في الحال، والخبر يوجب ثبوت المنزلة في الحال، فلا دلالة لكم في الخبر. وذلك انا إذا قلنا المراد به فرض الطاعة واستحقاق لها فذلك كان حاصلا له في الحال، فسقط السؤال. فإذا قلنا المراد به الامامة فانه وان اقتضاها في الحال فهو يقتضيها في الحال وفيما بعده إلى وقت خروجه من الدنيا، فإذا علمنا أنه لم يكن مع النبي عليه السلام في حال حياته امام بالاجماع بقي ما بعده على جملته. ولا يمكن حمله على بعد عثمان، لان أحدا لم يثبت له الامامة بعد عثمان بهذا الخبر الا وأثبتها قبله بعد النبي، ومن خصصه ببعد عثمان أثبت امامته بالاختيار لا بهذا الخبر، واستحقاقه عليه السلام، الامامة بهذا الخبر مثل استحقاق الوصي الوصية بقول الموصي " فلان وصيي "، فانه تثبت له الوصية في الحال وانا كان التصرف ليس له الا بعد الوفاة. وكذلك استحقاق الامامة كان حاصلا في الحال وان وقف التصرف على بعد الوفاة، لان وجود النبي " ص " كالمانع من التصرف في حال وجوده، مثل قول المستخلف " فلان ولي عهدي " فانه يثبت استحقاقه في الحال وان كان التصرف واقعا على بعد الوفاة.

[ 220 ]

(طريقة اخرى) وهي أن نقول: إذا بينا أقسام المولى كلها وأفسدناها عدا الاول دل على أنه المراد والا بطلت فائدة الخبر وذلك لا يجوز. من أقسامه المعتق والمعتق والحليف والجار والصهر والامام والخلف، وهذا كله معلوم بطلانه، فلا يحتاج إلى افساده. ومن أقسامه ابن العم، ولا يجوز أن يكون ذلك مرادا، لانه معلوم ضرورة أنه ابن عمه ولا فائدة في ذلك. ومن أقسامه الموالاة في الدين، ولا يجوز أن يكون ذلك مرادا، لانه ليس فيه تخصيص له، لانها واجبة لجميع المؤمنين بالاجماع وبقوله تعالى " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض " 1). ومن أقسامه ولاء العتق، فلا يجوز أن يكون مرادا، لان ذلك معلوم من دينه، وكان قبل الشرع أيضا معلوما أن ولاء العتق يستحقه ابن العم، وبذلك ورد الشرع. ولا يليق ذلك لمثل ذلك الوقت والمكان، وقول عمر " بخ بخ يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة " ولا يليق شئ من ذلك. وليس لاحد أن يقول: احملوه على الموالاة ظاهرا وباطنا. وذلك أن هذا ليس بمستعمل في اللغة ولا يفهم من كلامهم، ولا يجوز أن يحمل اللفظ على ما لم يوضع له في اللغة. ومتى قيل: يحمل على ذلك، لانه أثبت الموالاة كما أثبتها لنفسه. قيل: انما وجب الموالاة للنبي عليه السلام ظاهرا وباطنا من حيث كان نبيا، وإذا كانت

1) سورة التوبة: 17.

[ 221 ]

النبوة مرتفعة عنه لم تجب الموالاة له باطنا. على أنه انما يجب حمله على ما قالوه إذا لم يمكن حمله على ما تقتضيه اللغة، وقد بينا انه إذا حمل على أنه مفترض الطاعة وأولى بتدبير الامة كان محمولا على ما تشهد له اللغة ولا يحتاج إلى هذا التمحل. فإذا فسدت الاقسام كلها لم يبق الا أنه أراد فرض الطاعة والاستحقاق للامامة. وقد قيل: انه إذا كان من أقسامه فرض الطاعة والاولى بتدبير الامة وجب حمل ذلك على جميعه الا ما أخرجه الدليل. وأيضا فقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم فهموا من الخبر فرض الطاعة والامامة، منها قول عمر الذي قدمناه وذلك لا يليق الا بما قلناه، ومنها قول حسان بن ثابت: يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالرسول مناديا يقول ومن مولاكم ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاديا الهك مولانا وأنت ولينا * ولن تجدن منا لك اليوم عاصيا فقال له قم يا علي فانني * رضيتك من بعدي اماما وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليا هناك دعا اللهم وال وليه * وكن للذي عادى عليا معاديا وقال قيس بن سعد بن عبادة: قلت لما بغى العدو علينا * حسبنا ربنا ونعم الوكيل حسبنا ربنا الذي فتح البصرة * بالامس والحديث طويل وعلي امامنا وامام نسواننا أتى به التنزيل يوم قال النبي من كنت مولاه فهذا مولاه خطب جليل وقول حسان كان بمرأى من النبي صلى الله عليه وآله ومستمع منه، فلو لم يرد به الامامة لانكر عليه وقال له غلطت ما أردت ذلك وأردت به كيت وكيت،

[ 222 ]

فلما لم ينكر ذلك دل على ما قلناه. واستقصاء الكلام على هذا الخبر ذكرناه في كتاب تلخيص الشافي وشرح الجمل وغير ذلك، فلا نطول به ههنا. (دليل آخر على امامته عليه السلام) ومما يدل على امامته عليه السلام ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله " أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي " فأثبت له جميع منازل هارون من موسى الا ما استثناه لفظا من النبوة، وعرفنا بالعرف أنه لم يكن أخاه لابيه وأمه، وقد علمنا أن من منازل هارون من موسى أنه كان مفترض الطاعة على قومه وأفضل رعيته ممن شد الله به أزره، فيجب أن تكون هذه المنازل ثابتة له، وفي ثبوت فرض طاعته ثبوت امامته. وقد نطق القرآن ببعض منازل هارون من موسى، قال الله تعالى حكاية عن موسى أنه سأله تعالى فقال " اجعل لي وزيرا من أهلي * هارون اخي * أشدد به أزري * وأشركه في أمري " 1) وفي آية أخرى " أخلفني في قومي وأصلح " 2) وقال الله تعالى " قد أوتيت سؤلك يا موسى " 3)، فوجب بتلك ثبوت هذه المنازل لامير المؤمنين عليه السلام. والطريق الذي به صح هذا الخبر هو ما قدمناه في خبر الغدير من تواتر الشيعة به ونقل المخالفين له على وجه التواتر والاجماع على نقله وان اختلفوا في تأويله، واحتجاجه به في يوم الدار والاجماع على نقله، وكل ذلك موجود ههنا.

1) سورة طه: 29 32.
2) سورة الاعراف: 142.
3) سورة طه: 36.

[ 223 ]

وأيضا فقد ذكره البخاري ومسلم بن الحجاج في صحيحيهما، 1) والطريق إلى تصحيح الاخبار هو ما قلناه. وأيضا فإذا ثبت أن مقتضاه ما قلناه قطع على صحته، ومن لم يقطع لم يقل أن مقتضاه فرض الطاعة، والفرق بين القولين خروج عن الاجماع. وهارون وان مات في حياة موسى عليه السلام فكان ممن لو عاش لبقي على ما كان عليه من استحقاق فرض الطاعة على قومه، وإذا جعل النبي عليه السلام منزلة علي مثل منزلته سواء وبقي عليه السلام إلى بعد وفاته، وجب أن تثبت له هذه المنزلة. وليس لاحد أن يقول: لو بقى هارون إلى بعد وفاته لكان مفترض الطاعة لمكان نبوته لا بهذا القول، وإذا كان علي عليه السلام لم يكن نبيا فكيف يثبت له فرض الطاعة، وذلك أن فرض الطاعة ثبت في النبي والامام، وهي منفصلة من النبوة فلا تجب بانتفاء النبوة انتفاؤها، بل لا يمتنع أن تنتفي النبوة ويثبت فرض الطاعة، [ وإذا كان النبي عليه السلام قد أثبت له هذه المنزلة وانتفت النبوة لم يجب انتفاء فرض الطاعة ] 2). ألا ترى أن القائل لو قال لوكيله: اعط فلانا كذا لانه استحق علي من ثمن مبيع، ثم قال: وأنزل فلانا آخر بمنزلته. فانه يجب أن يعطيه مثل ذلك وان لم يكن استحق من ثمن مبيع، بأن يكون استحقه عليه من وجه آخر أو ابتداءا هبة منه، وليس للوكيل منعه وأن يقول: ذلك استحقه من ثمن المبيع وأنت فما بعته شيئا فلا تستحق، لان العقلاء يوجبون على الوكيل العطية ولا يلتفتون إلى هذا الاعتذار ولا هذا القول. فان قيل: تقديره أن هارون لو بقي لاستحق فرض الطاعة، والخلافة

1) صحيح البخاري 5 / 19، صحيح مسلم 4 / 1871.
2) الزيادة من ج.

[ 224 ]

منزلة مفردة لا توصف بأنها منزلة، كما لا توصف صلاة سادسة بأنها من الشرع على تقدير أنه لو تعبدنا بها لكانت من الشرع. قلنا: المقدر إذا كان له سبب استحقاق يوصف بأنه منزلة. ألا ترى أن الدين المؤجل يوصف بأنه يستحق كما يوصف الدين الحال بذلك، ولا توصف الصلاة السادسة بأنها من الشرع لان ليس بها سبب وجوب، ولو قال إذا كان بعد سنة فصلوا صلاة سادسة لوصفت بأنها من الشرع، وفرض الطاعة بعد الوفاة له سبب وجوب في الحال فجاز أن يوصف بأنه منزلة. ونظير ذلك أن يستخلف الخليفة ولي عهد بعده جاز أن يوصف بأن ذلك منزلة لولي العهد وكذلك من أوصى إلى غيره جاز أن يوصف بأنه يستحق الوصية ان كان التصرف واقفا إلى بعد الوفاة. وأيضا فان النبي صلى الله عليه وآله جعل هذه المنازل لامير المؤمنين بعده بقوله " لا نبي بعدي "، وكما أن من حق الاستثناء أن يخرج الكلام ما لولاه لكان ثابتا. ألا ترى ان القائل إذا قال " ضربت غلماني كلهم الا زيدا في الدار " أفاد ضرب من ضربه في الدار وترك من تركه مثل ذلك، وإذا كان النبي عليه السلام جعل استثناء هذه المنازل بعده فيجب أن يثبت له ما عدا الاستثناء بعده. والمعتاد من لفظة " بعدي " في العرف بعد الموت، كما يقولون: هذا وصيي بعدي وولي عهدي بعدي وأنت حر بعدي. فليس لاحد أن يقول: ان المراد ب‍ " بعدي " بعد نبوتي، لما لو سلمنا أنه لو أراد بعد نبوتي لدخل فيه الاحوال كلها ومن جملتها بعد وفاته. فإذا قيل: يلزم أن يكون مفترض الطاعة في الحال وأن يكون اماما. قلنا: أما فرض الطاعة قد كان حاصلا له في الحال، وانما لم يأمر لوجود النبي عليه السلام، وكونه اماما وان اقتضاه في الحال فانه يقتضيه أيضا بعد الوفاة

[ 225 ]

فأخرجنا حال الحياة منها لمكان الاجماع على أنه لم يكن مع النبي عليه السلام امام وبقي الباقي على عمومه. وليس لاحد أن يحمله على بعد عثمان، لان ذلك خلاف الاجماع، فان أحدا من الامة لم يثبت امامته بهذا الخبر بعد عثمان دون ما قبله، ومن أثبت ذلك أثبته بالاختيار، ومن أثبت امامته بهذا الخبر أثبتها بعد النبي إلى آخر عمره، فالفرق بين الامرين خلاف الاجماع. وليس لاحد أن يقول: قوله " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " يقتضي اثبات منزلة واحدة، لانه لو أراد اكثر من ذلك لقال أنت مني بمنازل. وذلك أن هذا يفسد من وجهين: أحدهما أنه لو أراد منزلة واحدة فدخول الاستثناء عليه دليل على أنه أراد اكثر من منزلة واحدة. والثاني أن الامة بين قائلين: قائل يقول ان الخبر خرج على سبب فهو يقصره عليه، وقائل يقول المراد جميع المنازل. وإذا بينا فساد خروج الخبر على سبب ثبت القول الاخر. والذي يدل على فساد ذلك أن رواية ما يذكره من السبب طريقه الاحاد، والخبر معلوم، ولو صح السبب لما وجب قصر الخبر على سببه عند اكثر المحققين. وأيضا فقد روي هذا الخبر وأن النبي صلى الله عليه وآله قاله في مقام بعد مقام وفي أوقات لم يكن فيها السبب المدعي. فان قيل: لو أراد الخلافة لقال " أنت مني بمنزلة يوشع بن نون "، لان هذه المنزلة كانت حاصلة ليوشع من موسى بعد وفاته. قلنا هذا فاسد من وجوه: أحدها: إذا كان الخبر دالا على ما قلناه على المراد فتمني أن يكون على وجه آخر اقتراح في الادلة، وذلك لا يجوز وكان ذلك يلزم في اكثر الادلة

[ 226 ]

وأكثر الظواهر، وذلك باطل بالاتفاق. ومنها: أن خلافة يوشع ليست معلومة وانما يذكرها قوم من اليهود، وخلافة هارون من موسى نطق بها القرآن. وقيل: ان يوشع كان نبيا موحى إليه لم يعترف موسى بعد بخلافته بالوحي والخلافة كانت في ولد هارون. ومنها: أن النبي عليه السلام جمع له المنازل زيادة على الاستخلاف، فلم يجز أن يشبه ذلك بيوشع. وقد تكلمنا على ما يتفرع على هذه الجملة في هذا الخبر والذي قبله في تلخيص الشافي وشرح الجمل، فلا نطول بذكره ههنا لان فيما ذكرناه كفاية انشاء الله. فصل (في أحكام البغاة على أمير المؤمنين عليه السلام) ظاهر مذهب الامامية أن الخارج على أمير المؤمنين عليه السلام والمقاتل له كافر، بدليل اجماع الفرقة المحقة على ذلك، واجماعهم حجة لكون المعصوم الذي لا يجوز عليه الخطأ داخلا فيهم، وان المحاربين له كانوا منكرين لامامته ودافعين لها، ودفع الامامة عندهم وجحدها كدفع النبوة وجحدها سواء، بدلالة قوله صلى الله عليه وآله " من مات وهو لا يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية ". وروي عنه عليه السلام أنه قال لعلي: حربك يا علي حربى وسلمك سلمي وحرب النبي كفر بلا خلاف، فينبغي أن يكون حرب علي مثله، لانه عليه السلام أراد حكم حربى، والا فمحال أن يريد أن نفس حربك حربى لان المعلوم خلافه. فان قيل: لو كان ذلك كفر لا جري عليهم أحكام الكفر من منع الموارثة

[ 227 ]

والمدافنة والصلاة عليهم وأخذ الغنيمة واتباع المدبر والاجازة على المجروح والمعلوم أنه عليه السلام لم يجر ذلك عليهم، فكيف يكون كفرا. قلنا: أحكام الكفر مختلفة كحكم الحربى والمعاهد والذمي والوثني، فمنهم من تقبل منهم الجزية ويقرون على دينهم، ومنهم من لا يقبل، ومنهم من يناكح وتؤكل ذبيحته ومنهم من لا تؤكل عند المخالف. ولا يمتنع أن يكون من كان متظاهرا بالشهادتين وان حكم بكفره حكمه مخالف لاحكام الكفار، كما تقول المعتزلة في المجبرة والمشبهة وغيرهم من الفرق الذين يحكمون بكفرهم وان لم تجر هذه الاحكام عليهم، فبطل ما قالوه. فأما من خالف الامامة فمنهم: من يحكم عليهم بالفسق، ومنهم من يقول هو خطأ مغفور، ومنهم من يقول انهم مجتهدون وكل مجتهد مصيب. فمن حكم بفسقهم من المعتزلة وغيرهم منهم من يدعي توبة القوم ورجوعهم. ونحن نبين فساد قولهم. والذي يدل على بطلان ما يدعونه من التوبة أن الفسق معلوم ضرورة، وما يدعونه من التوبة طريقه الاحاد، ولا نرجع عن المعلوم إلى المظنون. وأيضا فكتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى أهل الكوفة والمدينة بالفتح يتضمن فسق القوم وأنهم قتلوا على خطاياهم وانهم قتلوا على النكث والبغي، ومن مات تائبا لا يوصف بذلك، والكتب معروفة في كتب السير. وروي أيضا أنه لما جاءه ابن جرموز برأس الزبير وسيفه تناول سيفه وقال عليه السلام: سيف طال ما جلى به الكرب عن وجه رسول الله ولكن الحين ومصارع السوء 1). ومن كان تائبا لا يوصف مصرعه بأنه مصرع سوء. وروى حبة العرني قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: والله لقد علمت

1) مروج الذهب 3 / 373.

[ 228 ]

صاحبة الهودج أن اصحاب الجمل ملعونون على لسان النبي الامي وقد خاب من افترى. وروى البلاذري باسناده إلى جويرة بن اسماء قال بلغني ان الزبير لما ولى اعترضه عمار بن ياسر وقال: أبا عبد الله والله ما أنت بجبان ولكني أحسبك شككت. فقال: هو ذاك. والشك خلاف التوبة، لانه لو كان تائبا لقال تحققت أن صاحبك على الحق وأنا على الباطل، وأي توبة لشاك. وأما طلحة فقتل بين الصفين، متى تاب، وكتاب أمير المؤمنين عليه السلام يدل على اصراره. وروي عنه أنه قال حين يجود بنفسه. ما رأيت مصرع شيخ أضيع من مصرعي 1) وذلك دليل الاصرار. وروي عن علي عليه السلام أنه مر عليه وهو مقتول فقال: أقعدوه، فأقعدوه فقال: كانت سابقة ولكن الشيطان دخل منخرك وأوردك النار 2). وأما اصرار عائشة فكتاب امير المؤمنين عليه السلام وما روي من المحاورة بين عبد الله بن العباس وبينها وامتناعها من تسميته بأمرة المؤمنين 3) دليل واضح على الاصرار. وروى الواقدي أن عمارا دخل عليها وقال: كيف رأيت ضرب بنيك على الحق. فقالت: استبصرت من أجل انك غلبت. فقال: أنا أشد استبصارا من ذلك، والله لو ضربتمونا حتى تبلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنكم على الباطل. فقالت عائشة: هكذا يخيل اليك، اتق الله يا عمار أذهبت دينك لابن ابي طالب. وروى الطبري في تاريخه أنه لما انتهى قتل امير المؤمنين عليه السلام إلى

1) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد 9 / 113.
2) شرح نهج البلاغة 1 / 248.
3) تاريخ اليعقوبي 2 / 159.

[ 229 ]

عائشة قالت: فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عينا بالاياب المسافر ثم قالت: من قتله؟ فقيل: رجل من مراد. فقالت: فان يك تائبا فلقد نعاه * غلام ليس في فيه تراب وهذا كله صريح بالاصرار وفقد التوبة. وروي عن ابن عباس انه قال لامير المؤمنين عليه السلام حين أبت عائشة الرجوع إلى المدينة: دعها في البصرة ولا ترحلها. فقال عليه السلام: انها لا تألو شرا ولكني أردها إلى بيتها. وروى محمد بن اسحاق أنها وصلت إلى المدينة راجعة من البصرة لم تزل تحرض الناس على أمير المؤمنين عليه السلام، وكتبت إلى معاوية وأهل الشام مع الاسود بن البحتري تحرضهم عليه. ونظائر ذلك كثيرة ذكرنا منها في كتاب تلخيص الشافي لا نطول بذكره ههنا، فأي توبة مع ما ذكرناه. وأما من نفى عنهم الفسق فما قدمناه من الادلة يفسد قولهم. وما تدعيه المعتزلة من الاخبار في توبة طلحة والزبير وعائشة فهي كلها أخبار آحاد لا يلتفت إليها، وليس أيضا فيها تصريح بالتوبة. وأدل الدليل على عدم التوبة أنهم لو تابوا لسارعوا إلى امير المؤمنين عليه السلام والدخول في عسكره والجهاد معه. فمما تعلقوا به رجوع الزبير عن الحرب، ونفس الرجوع ليس بدليل التوبة لانه يحتمل غير التوبة، وقد قيل انه لما لاحت له أمارات الظفر لامير المؤمنين عليه السلام وأيس من الظفر رجع، وقال قوم انه رجع ليتوجه إلى معاوية.

[ 230 ]

وقيل: انه لما انصرف وبخه ابنه فقال: حلفت ألا أقاتله. فقال: كفر عن يمينك، فأعتق مملوكا له ورجع إلى القتال. وما روي من قوله " ما كان من أمر قط الا عرفت أين أضع قدمي الا هذا الامر فاني لا أدري أمقبل أنا أم مدبر " فليس فيه دليل التوبة، بل هو صريح في الشك المنافي للتوبة. وما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال " بشر قاتل ابن صفية بالنار " لا يدل على توبته أيضا، لانه يجوز أن يستحق قاتله النار لامر سوى قتله، كما قال النبي صلى الله عليه وآله لقرمان رجل قاتل الكفار يوم أحد وأبلي معه صلى الله عليه وآله " قرمان رجل من أهل النار " لعله أحرى. وقيل السبب في ذلك ان ابن جرموز خرج مع الخوارج يوم النهروان فقتل في جملتهم. وما روي عن طلحة أنه قال حين أصابه السهم: ندمت ندامة الكسعى لما * رأت عيناه ما فعلت يداه 1) لا يدل أيضا على التوبة بل يدل على عدمها، لانه جعل ندامته غير نافعة له كما أن ندامة الكسعى لم تنفعه، وقصته في ذلك مشهورة. وقوله حين يجود بنفسه " اللهم خذ لعثمان مني حتى ترضى " دليل الاصرار أيضا، لانه أقر بأنه سبب قتل عثمان وكان ينسبه إلى علي عليه السلام، وذلك خلاف ما أقربه على نفسه. وما يروى من حديث البشارة أن النبي صلى الله عليه وآله قال " عشرة من أصحابي في الجنة وطلحة والزبير منهم " 2) لا يدل على توبتهم أيضا، لانه خبر واحد ضعيف مقدح في سنده. وأدل دليل على فساده أن النبي عليه

1) صحاح اللغة (كسع).
2) ذكره جماعة فكذبوه انظر ميزان الاعتدال 1 / 467، تاريخ بغداد 9 / 339.

[ 231 ]

السلام لا يجوز أن يقول لمن ليس بمعصوم " أنت في الجنة لا محالة " لان في ذلك اغراء بالقبيح. وقيل: ان راويه سعيد بن زيد، وهو أحد العشرة، فلا يقبل خبره لانه يشهد لنفسه. فأما ما روي من بكاء عائشة وتلهفها وتمنيها أنها كانت مدرة أو شجرة وقولها " لئلا اكون شهدت ذلك اليوم أحب الي من أن يكون لي من رسول الله صلى الله عليه وآله عشرة أولاد كعبد الرحمن بن الحارث بن هشام " لا يدل على التوبة، لان مثل ذلك قد يقوله من ليس بتائب كما حكى الله عن مريم " يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا " 1). وقد يقول مثل هذا من أراد أمرا لم يبلغه وفاته غرضه ويتحسر عليه فيتمنى الموت عند ذلك ويود أنه لم يتعرض له لئلا يشمت به، ولا يدل جميع ذلك على التوبة. واستيفاء ذلك ذكرناه في غير موضع. فصل (في تثبيت امامة الاثنى عشر عليهم السلام) إذا ثبت بما قدمناه أن الزمان لا يخلو من امام وأن من شرطه أن يكون مقطوعا على عصمته أو يكون اكثر ثوابا عند الله أو أعلمهم بجميع أحكام الشريعة، سهل الكلام على امامة امام بعد امير المؤمنين عليه السلام، لانه نعتبر أقوال الامة في عصر كل امام فنجدها بين أقوال: قائل يقول لا امام، وما دللنا به من أن الزمان لا يخلو من امام يفسد قوله. وقائل يقول بامامة من لا يقطع على عصمته بل لا يجعلها من شرط الامامة، وذلك يبطل بما قدمناه من وجوب القطع على عصمة الامام.

1) سورة مريم: 23.

[ 232 ]

وقائل يقول بامامة من يدعى عصمته لكنه يذهب إلى امامة من لا يدعى النص عليه ولا المعجز، وقد بينا أنه لا طريق إلى معرفة المعصوم الا بأحد هذين، فقوله يفسد أيضا بذلك. ومن ادعى النص إما صريحا أو محتملا فانه يذهب إلى امامة من علمنا موته كالكيسانية القائلين بامامة ابن الحنفية والناووسية والواقفة على جعفر بن محمد والفطحية القائلين بامامة عبد الله بن جعفر الصادق وكالواقفة القائلين بامامة موسى بن جعفر وانه لم يمت. وأقوال هؤلاء تبطل بما علمنا من موت هؤلاء ظاهرا مكشوفا. وأيضا فأدل دليل على فساد هذه الفرق انقراضهم وأنه لم يبق لهم باقية ولو كانوا على حق ما انقرضوا. وهذه الجملة إذا اعتبرتها في امام امام من عهد الحسين بن علي عليهما السلام والى عهد القائم ابن الحسن عليه السلام وجدتها صحيحة لا يمكن الطعن عليها الا بالمنازعة في بعض الاصول التي ذكرناها، ومتى نازعوا في شئ من ذلك كان الكلام في تصحيح ذلك الاصل أولا ثم في فرعه. والكلام على الزيدية داخل في جملة ذلك، لانهم لا يقطعون على عصمة زيد، ولا يدعون أن من شرط الامام أن يكون مقطوعا على عصمته، ومن حمل نفسه على ادعاء ذلك أخيرا مخالف للاجماع، ومع ذلك يفسد قوله لانه لا يدعي نصا عليه ولا ظهور معجز. وشرح هذه الجملة والكلام على فريق فريق بيناه في تلخيص الشافي وجملته ما قلناه فلا نطول بذكره الكتاب. فأما الكلام في الغيبة وسببها فهو أنه إذا ثبتت هذه الاصول التي قدمناها وأن كل زمان لا يخلو من امام وأن من شرطه القطع على عصمته ووجود النص عليه

[ 233 ]

فوجب امامة من يدعى امامته، لان الناس في عصرنا بين أقوال، منهم من يدعى امامة من لا يدعى القطع على عصمته فقوله يبطل لما قدمناه، فلم يبق بعد ذلك الا القول بامامته والا خرج الحق عن الامة. فإذا ثبتت امامته ووجدناه لم يظهر علمنا أن لاستتاره سببا مبيحا له ذلك ولولاه لم يجز له الاستتار لكونه معصوما. ولا يلزم أن يعلم ذلك السبب مفصلا كما نقول لمن طعن في اثبات الصانع بخلق المؤذيات وفعل الالام وغير ذلك بأن نقول: إذا ثبتت حكمته تعالى علمنا أن هذه الاشياء لها وجه حكمة وان لم نعلمه مفصلا. وبذلك نجيب من طعن في متشابه القرآن، وان تكلفنا الكلام في تفصيل ذلك فللاستظهار والقوة والا فالقدر الذي ذكرناه كاف في الحجة. وإذا ثبتت ووجدنا التكليف دائما على المكلف كان علمنا أن استتاره لشئ يرجع إليهم، لانه لو لم يكن يرجع إليهم لما حسن تكليفهم. ولا يلزم أن نعلم ذلك الامر مفصلا، كما نقول لمن أخل بشرط من شروط النظر فلم يحصل له العلم بالله: انك قد أخللت بشرط من شروط النظر فتحتاج إلى أن تراجع وتعود فيه أبدا حتى يحصل لك العلم. وكذلك من لم يظهر له الامام ينبغي أن يراجع نفسه ويصلح سيرته، فإذا علم الله تعالى منه صدق النية في نصرة الامام وأنه لا يتغير عن ذلك ظهر له الامام. وقيل في ذلك: انه لا يمتنع أن يكون من لم يظهر له الامام المعلوم من حاله أنه إذا ظهر له سيرته وألقى خبره إلى غيره من أوليائه واخوانه فربما انتهى إلى شياع خبره وفساد أمره. وقيل ايضا: انه لا يمتنع إذا ظهر وظهر على يده علم معجز فانه لا بد من ذلك لان غيبته غير معلومة، وإذا كان كذلك دخلت عليه شبهة فيعتقد أنه مدع لما لا

[ 234 ]

أصل له فيشيع خبره ويؤدي إلى الاغراء به. وغير ذلك من العلل. فهذه العلة نطلبها فيمن لم يظهر له من شيعته وان كانت علته مزاحة من حيث أن لطفه حاصل له لانه يعتقد وجوده ويجوز تمكينه في كل حال فهو يخافه، واللطف به حاصل له وبمكانه ايضا يثق بوصول جميع الشرع إليه، لانه لو لم يصل إليه ذلك ساغ له الاستتار الا بسقوط التكليف عنهم، فإذا وجدنا التكليف باقيا والغيبة مستمرة علمنا أن جميع الشرع واصلا إليه. فأما المخالف فسبب استتاره عنه اعتقاده بطلان امامته. وان من ادعى هذا المنصب ممن أشرنا إليه ضال مضل ولا يحتاج ان يخرج علة في الاستتار عنه. والفرق بين الاستتار وظهور آبائه عليهم السلام لم يكن المعلوم من حالهم أنهم يقومون بالامر ويزيلون الدول ويظهرون بالسيف ويقومون بالعدل ويميتون الجور، وصاحب الزمان بالعكس من ذلك، ولهذا يكون مطلوبا مرموقا، والاولون ليسوا كذلك. على أن آباءه ظهروا لانه كان المعلوم انهم لو قتلوا لكان هناك من يقوم مقامهم ويسد مسدهم، وليس كذلك صاحب الزمان، لان المعلوم أنه لو هلك لم يكن هناك من يقوم مقامه ولا يسد مسده. فبان الفرق بينهما. وطول غيبة الامام كقصرها، فانه ما دامت العلة الموجبة حاصلة فانه مستتر إلى أن يعلم الله تعالى زوال العلة، فيعلم ذلك بما وقفه عليه آباؤه من الوقت المعلوم. وبالامارات اللائحة للنصر وغلبة الظن يقوم مقام العلم في ذلك، وخاصة إذا قيل لك: إذا ظهرت لك امارات النصر فاعلم انه وقت الخروج. وكل ذلك جائز. وطول عمر صاحب الزمان - وان كان خارقا للعادة - فالله تعالى قادر عليه بلا خلاف بيننا وبين من خالفنا من الامة، وخرق العادات على من ليس بنبي قد بينا جوازه، فلا وجه لاستبعاد ذلك وقد استتر النبي عليه السلام في

[ 235 ]

الشعب تارة وفي الغار أخرى، فلا ينبغي أن يتعجب من ذلك. وليس لهم أن يقولوا ان استتار النبي عليه السلام كان مدة يسيرة. وذلك أن استتاره في الشعب كان ثلاث سنين، وإذا جاز الاستتار ولو يوما واحدا لعلة جاز الاستتار الطويل مع استمرار العلة، فلا فرق بين الطول والقصر، بل المراعى حصول العلة وزوالها. وليس لهم أيضا أن يقولوا: ان النبي صلى الله عليه وآله استتر بعد أداء الشرع. وذلك أن وقت استتاره في الشعب لم يكن إذا حل الشريعة، لان معظم الشريعة نزل بالمدينة، على أن في كون النبي عليه السلام بين الخلق لطفا ومصلحة فأي شئ قالوه في ذلك فهو قولنا بعينه. والحدود المستحقة في حال الغيبة في جواب اصحابها والذم لا حق بمن أحوج الامام إلى الغيبة. ومثل ذلك يلزم المعتزلة الذين يقولون أهل الحل والعقد ممنوعون من اختيار الامام، فما لهم الا مثل ما عليهم. ويدل على امامة الاثني عشر - على ما نذهب إليه - ما تواترت به الشيعة من نص النبي صلى الله عليه وآله على الاثني عشر في الجملة، ورووه أيضا عن امام امام على من يقوم مقامه. وترتيب ذلك كترتيب النص على أمير المؤمنين عليه السلام، والاسئلة على ذلك قد مضى الجواب عنها. وأيضا فقد روى المخالف عن النبي عليه السلام أخبارا كثيرة ذكرناها في المفصح وغيره من كتبنا أن الائمة بعده اثنا عشر. فإذا ثبت العدد فالامة بين قائلين: قائل يقول بالاثني عشر فهو يقطع على أنهم هؤلاء بأعيانهم، ومن لم يقل بامامتهم لم يقصرها على عدد مخصوص. فإذا ثبت العدد بما رووه ثبت الاعيان بهذا الاعتبار.

[ 236 ]

والكلام في فروع الغيبة واسئلتها استوفيناه في تلخيص الشافي لا نطول بذكره ههنا، وهذا القدر كاف ههنا انشاء الله. * * * قد امتثلت ما رسم الشيخ الاجل - أطال الله بقاه - وسلكت الطريق الذي طلبه من الاختصار والايجاز، وأرجو أن يكون موافقا لغرضه ملائما لارادته. وأنا الان أذكر جملة من العبادات لا يستغنى عنها، وأجري على هذا المنهاج في الاختصار والايجاز انشاء الله.

[ 237 ]

القسم الثاني العبادات الشرعية

[ 239 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الكلام في العبادات الشرعية عبادات الشرع خمس: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد. وآكدها وأعمها فرض الصلاة، لانها لا تسقط في حال من الاحوال مع ثبات العقل وان تغيرت أوصافها من قيام إلى قعود إلى غير ذلك، وباقي العبادات قد تسقط على بعض الوجوه عن قوم دون قوم، فلذلك نبدأ به في كتب العبادات ثم نعقبه بباقي العبادات. ونحن نذكر واحدا واحدا منها على وجه الاختصار، فان استيفاء ما يتعلق بكل واحد منها قد بسطناه في النهاية والمبسوط، والغرض ههنا ذكر ما لا بد منه على كل حال. والله الموفق للصواب. فصل (في ذكر أفعال الصلاة) أفعال الصلاة على ضربين: أحدهما يتقدم الصلاة، والثاني يقارنها.

[ 240 ]

فما يتقدمها على ضربين: مفروض، ومسنون. فالمفروض: الطهارة، والوقت، والقبلة، ومعرفة أعداد الصلاة، وستر العورة، ومعرفة ما يجوز الصلاة فيه [ من اللباس والمكان، ومعرفة ما يجوز السجود عليه ] 1) وما لا يجوز، وتطهير الثياب والمكان من النجاسات. والمسنون: الاذان، والاقامة. ونحن نذكر لكل ذلك فصلا انشاء الله تعالى. فصل (في ذكر حقيقة الطهارة وبيان أفعالها) الطهارة في الشرع عبارة عن ايقاع أفعال مخصوصة على وجه مخصوص في البدن يستباح به الدخول في الصلاة. وهي على ضربين: طهارة بالماء، وطهارة بالتراب. فالطهارة بالماء هي الاصل، وانما يعدل إلى التراب عند عدم الماء أو تعذر استعماله. وهي على ضربين: أحدهما وضوء، والاخر غسل. ونحن نبين كل واحد منهما على حدته ونذكر ما ينبغى أن يعمل فيه انشاء الله. فصل (في ذكر الوضوء وأحكامه) الوضوء عبارة عن ايقاع أفعال في أعضاء مخصوصة من البدن على وجه

1) الزيادة من ج.

[ 241 ]

مخصوص يستباح به الدخول في الصلاة. وله مقدمات مفروضة ومسنونة. فمقدماته: إذا أراد الانسان قضاء حاجته ينبغي أن يتخلى بحيث لا يراه أحد فيطلع على سوءته، فإذا أراد الدخول إلى الموضع الذي يتخلى فيه فليغط رأسه ويدخل رجله اليسرى قبل اليمنى ويقول " بسم الله وبالله وأعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم ". فإذا قعد لحاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ببول أو غائط الا أن يكون الموضع مبنيا على وجه لا يتمكن فيه من الانحراف، وهذا واجب. ولا يستقبل الشمس ولا الريح ولا القمر بالبول، ولا يحدث في الماء الجاري ولا الراكد، ولا الشوارع، ولا تحت الاشجار المثمرة، ولا فئ النزال ولا أفنية الدور، ولا المشارع، ولا المواضع التي يتأذى المسلمون بحصول نجاسة فيها، ولا يبولن في حجرة الحيوان، ولا يطمح 1) ببوله في الهواء ولا يبولن في الارض الصلبة، ولا يتكلم في حال الخلاء، ولا يستاك ولا يأكل ولا يشرب. فإذا فرغ حاجته فليستنج. والاستنجاء فرض، ويجوز بالاحجار والماء، والجمع بينهما أفضل، والاقتصار على الماء أفضل من الاقتصار على الحجارة، والاقتصار على الحجارة مجز أيضا ولا يستنج بأقل من ثلاثة أحجار، فان نقى بواحدة استعمل الثلاثة سنة مؤكدة. ولا يستنج بالعظم ولا الروث، ويجوز أن يستنجى بالخرق والمدر وغير ذلك، ولا يستنج باليمين الا عند الضرورة، ولا يستنج وفي يده خاتم عليه اسم من اسماء الله مكتوب بل يحوله. وإذا استنجى قال " اللهم حصن فرجى واستر عورتي ووفقني لما يرضيك عني يا ذا الجلال والاكرام ". فإذا فرغ من الاستنجاء قام من موضعه ومسح على بطنه وقال " الحمد لله الذي أماط عنى الاذى وهنأني طعامي وعافاني من

1) أي لا يرش.

[ 242 ]

البلوى " فإذا أراد الخروج أخرج رجله اليمنى وقال " الحمد لله الذي عرفني لذته وأبقى في جسدي قوته وأخرج عني أذاه، يالها نعمة، يالها نعمة، يالها نعمة ". ثم يقعد في موضع نظيف للوضوء و يجعل الاناء على يمينه ويقول إذا أراد الوضوء " الحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا ". ثم يغسل يده من البول أو النوم مرة قبل ادخالها الاناء سنة، ومن الغائط مرتين ومن الجنابة ثلاث مرات إذا كانت نظيفة وان كانت نجسة وجب غسلها والا فسد الماء، ثم يأخذ كفا من الماء فيتمضمض به ثلاثا سنة ويقول " اللهم لقني حجتي يوم ألقاك وأطلق لساني بذكرك " ويستنشق ثلاثا ويقول " اللهم لا تحرمني طيبات الجنان واجعلني ممن يشم ريحها وروحها وريحانها ". ثم يأخذ كفا من الماء فيغسل به وجهه من قصاص شعر الرأس إلى محادر 1) شعر ذقنه طولا وما دارت عليه الابهام والوسطى عرضا دفعة واحدة فريضة ودفعتين سنة وفضيلة ولا يجوز الثالثة مع الاختيار 2)، ويقول إذا غسل وجهه " اللهم بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه ولا تسود وجهي يوم تبيض فيه الوجوه ". ثم يأخذ كفا من الماء فيديره إلى يساره ويغسل به يده اليمنى من المرفق إلى أطراف الاصابع مرة فريضة ودفعتين فضيلة ولا تجوز الثالثة، ويقول " اللهم اعطني كتابي بيميني والخلد في الجنان بشمالي وحاسبني حسابا يسيرا ". ثم يغسل يده اليسرى مثل ذلك من المرفق إلى أطراف الاصابع مرة فريضة ومرتين سنة، ولا يستقبل الشعر في غسل اليدين بل يبتدئ من المرفق إلى أطراف الاصابع، ويقول إذا غسل يده اليسرى " اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي ".

1) قصاص الشعر: مكان قصه. والمحادر: الانحدار.
2) فان الثالثة بدعة.

[ 243 ]

ثم يمسح بما يبقى في يده من النداوة رأسه من مقدم الرأس مقدار ثلاث أصابع مضمومة ويقول " اللهم غشني رحمتك وبركاتك " ولا يستقبل بشعر الرأس أيضا في المسح عليه. ثم يمسح بما بقي في يديه من النداوة رجليه من رؤوس الاصابع إلى الكعبين - وهما الناتئان في وسط القدم - ويقول " اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه الاقدام " فإذا فرغ من ذلك قال " الحمد لله رب العالمين ". والنية في الطهارة فرض إذا أراد الشروع في غسل الاعضاء، وهي بالقلب ينوي القربة إلى الله واستباحة الصلاة. والترتيب أيضا واجب في الوضوء، يبدأ اولا بغسل وجهه ثم بيده اليمنى ثم اليسرى ثم يمسح برأسه ثم برجليه، فان خالفه لم يجزه. والموالاة أيضا واجبة فيه، لا ينقضها الا لعذر، فان نقضها لعذر أو لانقطاع الماء ينظر فان نشف ما تقدم غسله أعاد وان كانت فيه نداوة بنى عليه. فصل (في ذكر نواقض الوضوء) نواقض الوضوء على ثلاثة أقسام: أحدها يوجب اعادة الوضوء، وثانيها يوجب الغسل، وثالثها تارة يوجب الوضوء وأخرى يوجب الغسل. فالذي يوجب الوضوء البول والغائط والريح والنوم الغالب على السمع والبصر وكل ما يزيل العقل من اغماء أو جنون أو سكر. وما يوجب الغسل فالجنابة والحيض ومس الاموات من الناس بعد بردهم بالموت وقبل تطهيرهم، فان هذه الاشياء توجب الغسل على كل حال.

[ 244 ]

وما يوجب الوضوء تارة وأخرى الغسل فالاستحاضة، فانها إذا كانت قليلة أوجبت الوضوء وان كانت كثيرة أوجبت الغسل، على ما نبينه انشاء الله. فصل (في ذكر الجنابة) الجنابة تكون بشيئين: احدهما انزال الماء الدافق الذي هو المني على كل حال سواء كان بجماع أو غيره أو احتلام وسواء كان بشهوة أو غير شهوة وعلى كل حال، والاخر بالتقاء الختانين أنزل أو لم ينزل. فإذا صار جنبا فلا يدخل شيئا من المساجد الا عابر سبيل الا عند الضرورة ولا يضع فيها شيئا، ولا يقرأ من القرآن سور العزائم 1) ويجوز قراءة ما سواها ولا يمس كتابة المصحف، ولا بأس أن يمس أطراف الاوراق، ولا يمس أيضا شيئا فيها اسم من أسماء الله مكتوب في لوح أو فضة أو قرطاس. ويكره له الاكل والشرب الا عند الضرورة، وإذا أرادهما تمضمض ويستنشق. ويكره له النوم والخضاب الا عند الضرورة، وإذا أرادهما تمضمض ويستنشق 2). فإذا أراد الاغتسال فليستبرئ نفسه بالبول، فان لم يفعل ورأى بعد الغسل بللا أعاد الغسل. وأن يغسل جميع جسده ابتداءا، أولا يغسل رأسه ثم جانبها الايمن ثم الايسر، يرتب هكذا، فان خالف لم يجزه، ويوصل الماء إلى جميع بدنه

1) سور العزائم هي السور التي فيها سجدة واجبة، وهي سورة السجدة وفصلت والنجم والعلق.
2) أعبد في النسختين هنا " ويكره له النوم والخضاب ".

[ 245 ]

والى أصول شعره، ويميز الشعر بأنامله. وان ارتمس في الماء ارتماسة أو وقف تحت الميزاب أو النزال 1) أو المطر اجزأه. والنية لا بد منها، ينوي بالغسل استباحة الصلاة أو استباحة ما لا يجوز للجنب من دخول المساجد وقراءة العزائم ومس كتابة المصحف وغير ذلك. والمضمضة والاستنشاق سنتان فيه وليسا بفرضين. ويقول إذا أراد الاغتسال " اللهم طهرني وطهر قلبي واشرح لي صدري وأجر الخير على لساني يا ذا الجلال والاكرام يا أرحم الراحمين ". فصل (في ذكر الحيض والاستحاضة والنفاس) الحيض عبارة عن الدم الخارج من فرج المرأة بحرارة على وجه يتعلق به أحكام مخصوصة، ولقليله حد. فإذا رأت هذا الدم حرم عليها جميع ما يحرم على الجنب ويحل لها ما يحل له سواء. ويحرم عليه وطؤها في الفرج، ومتى وطئها وجب عليه التعزير ولزمه الكفارة: دينارا ان كان في أوله، وان كان في وسطه نصف دينار، وان كان في آخره ربع دينار. ويسقط عنها فرض الصلاة، ولا يصح منها الصوم، ويلزمها قضاء الصوم دون الصلاة، ولا يصح طلاقها ولا اعتكافها. وأقل الحيض ثلاثة أيام، واكثره عشرة ايام، وفيما بين ذلك بحسب العادة.

1) هو الماء الذي ينزل من الاعلى إلى الاسفل.

[ 246 ]

فإذا انقطع عنها الدم ورأت نقاءا صحيحا وجب عليها الغسل، وكيفيته مثل كيفية غسل الجنابة، الا أن غسل الجنابة يسقط فيه الوضوء وهذه لا بد لها من وضوء إذا ارادت الصلاة. وينبغي ان تستبرئ نفسها قبل الغسل، فان رأت دما يسيرا فليست تعد طاهرا. هذا إذا كان انقطاع الدم دون العشرة، فان استوفت العشرة فما زاد. يكون دم استحاضة على كل حال. والمستحاضة هي التي ترى الدم الاصفر البارد ولا تحس بخروجه منها، أو تراه بعد العشرة ايام من الحيض أو النفاس، فانه يكون أيضا دم استحاضة على أي وصف كان. وحكم المستحاضة حكم الطاهر، ولا يحرم عليها شئ مما يحرم على الحائض ويصح منها الصوم والصلاة، ويحل لزوجها وطؤها إذا فعلت ما تفعله المستحاضة. ولها ثلاثة احوال: " احدها " ترى الدم القليل، فعليها تجديد الوضوء عند كل صلاة وتغيير القطنة والخرقة، وحد القليل إذا لم يظهر على القطنة. [ " والثاني " أن يظهر على القطنة ولا يسيل ] 1)، فعليها غسل لصلاة الفجر وتجديد الوضوء لباقي الصلوات مع تغيير القطنة والخرقة. " والثالث " أن ترى الدم اكثر من ذلك، وهو ان يظهر ويسيل، فعليها ثلاثة أغسال في اليوم والليلة: غسل لصلاة الظهر والعصر، وغسل للمغرب والعشاء الاخرة، وغسل لصلاة الفجر. ولا تخلو المستحاضة من أن تكون مبتدأة اولها عادة، فان كانت لها عادة فلترجع إلى عادتها وتعمل عليه، فان تغيرت عادتها واضطربت رجعت إلى صفة الدم، فإذا رأته بصفة دم الحيض كانت حائضا، وإذا رأته بصفة دم الاستحاضة

1) الزيادة ليست في ر.

[ 247 ]

كانت مستحاضة، فان لم يتميز لها الدم تركت الصلاة والصوم في كل شهر سبعة أيام، أو تترك في الشهر الاول اكثر أيام الحيض عشرة أيام وفي الثاني ثلاثة أيام أقل أيام الحيض إلى أن يزول عنها ذلك. وان كانت مبتدأة تعود إلى صفة الدم، فان لم يتميز لها بالصفة رجعت إلى نساء أهلها، فا ن لم يكن لها نساء رجعت إلى أقرانها، فان لم يكن هناك نساء أو كن مختلفات تركت الصلاة والصوم في كل شهر سبعة أيام مثل الاول سواء. والنفساء هي التي ترى الدم عند الولادة، فإذا كانت كذلك فحكمها حكم الحائض سواء في جميع الاحكام في اكثر أيام النفاس وغيره من الاحكام، وتفارقها في اقل النفاس، فانه ليس لقليله حد، ويجوز ان يكون ساعة واحدة. فصل (في ذكر غسل الاموات) غسل الاموات فرض واجب، وهو فرض على الكفاية. وينبغي إذا حضر الانسان الوفاة أن يوجه إلى القبلة ويلقن الشهادتين والاقرار بالنبي والائمة عليهم السلام، ويلقن أيضا كلمات الفرج " لا اله الا الله الحليم الكريم، لا اله الا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السماوات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن وما تحتهن ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين ". فإذا قضى نحبه غمض عيناه ويطبق فوه ويمد يداه ورجلاه ويكون عنده من يذكر الله تعالى ويقرأ القرآن. ويؤخذ في أمره، فيحصل أولا اكفانه، والمفروض منها ثلاثة أثواب

[ 248 ]

مئزر وقميص وإزار، والمسنون خمسة يزاد لفافة أخرى إما حبرة 1) أو ما يقوم مقامها، وخرقة يشد بها فخذاه. ويستحب أن يزاد أيضا عمامة، وان كان امرأة زيدت لفافة أخرى، وروي أيضا نمط 2). ويحصل الكافور وزن ثلاثة عشر درهما وثلث مما لم تمسه النار، فان لم يمكن فأربعة مثاقيل، فان لم يمكن فمثقال أو ما يتمكن منه. ويحصل أيضا شيئا من السدر للغسلة الاولى وقليل كافور للغسلة الثانية. وشئ من القطن ليحشى به دبره والمواضع التي يخاف خروج شئ منها، وشئ من الذريرة المعروفة بالقمحة فينثر بين الاكفان. ويكتب على الاكفان " فلان يشهد أن لا اله الا الله وان محمدا رسول الله وأن عليا امير المؤمنين والحسن والحسين وعلي بن الحسين - ويذكر الائمة إلى آخرهم - أئمته أئمة الهدى الابرار " بتربة الحسين أو بالاصبع، ولا يكتب بالسواد. ويستحب أن يكون الكفن قطنا محضا، والكتان مكروه، والابريسم أو ما خالطه الابريسم لا يجوز. وإذا أراد غسله ترك على سرير متوجها إلى القبلة، فيغسله ثلاث غسلات: الاولى بماء السدر، والثاني بماء حلال الكافور 3)، والثالث بالماء القراح. وكيفية غسله مثل غسل الجنابة سواء، يغسل الغاسل يدي الميت ثلاث مرات، ثم ينجيه بقليل اشنان وآخر يقلب عليه الماء، وإذا نجاه بدأ فغسل رأسه ولحيته ثلاث مرات، ثم يغسل جانبه الايمن ثلاث مرات، ثم الايسر ثلاث

1) نوع خاص من الاثواب اليمنية.
2) ثوب من صوف فيه خطط تخالف لونه شامل لجميع البدن.
3) أي بماء يحل ويجعل فيه الكافور.

[ 249 ]

مرات. وآخر يقلب عليه الماء، ثم يقلب بقية ماء السدر ويغسل الاواني ويطرح ماءا آخر ويطرح القليل من الكافور ويضربه ثم يغسله الغسلة الثانية مثل ذلك، ثم يقلب بقية ماء الكافور ويغسل الاواني ويطرح فيها الماء القراح، ويغسله الغسلة الثالثة مثل ذلك بالماء القراح. ويمسح الغاسل يده على بطنه في الغسلتين الاوليين، ولا يمسح في الغسلة الثالثة، وكلما قلبه استغفر الله وسأله العفو ثم ينشفه بثوب نظيف. ويغتسل الغاسل فرضا واجبا، اما في الحال أو فيما بعد. ثم يكفنه، فيأخذ الخرقة التي هي الخامسة ويترك عليها شيئا من القطن وينثر عليها شيئا من الذريرة ويشد بها فخذيه ويضمها ضما شديدا، ويحشو القطن في دبره ويستوثق من الخرقة، ثم يؤزره ويلبسه القميص وفوق القميص الازار. ويترك معه جريدتين اما من النخل أو شجر آخر رطب، ويكتب عليهما ما كتب على الاكفان، ويضع احداهما عند حقوه من جانبه الايمن يلصقها بجلده والاخرى من الجانب الايسر بين القميص والازار. ويضع الكافور على مساجده جبهته ويديه وعيني ركبتيه وطرف أصابع الرجلين، فان فضل منه شئ تركه على صدره، ولا يجعل في عينيه ولا في أنفه شيئا من الكافور. ثم يحمل إلى المصلى فيصلى عليه على ما نذكره في كتاب الصلاة. وأفضل ما يمشي المشيع للجنازة خلفها وعن جنبيها، ولا يتقدمها مع الاختيار. فإذا صلي عليه حمل إلى قبره، فيترك عند رجلي القبر ان كان رجلا وقدام القبر ان كانت امرأة، ثم ينزل إلى القبر من يأمره الولي بحسب الحاجة، فيؤخذ الميت من عند رجلي القبر والمرأة من قدامه فيسل سلا ويوضع في لحده ويحل عنه عقد كفنه، ويلقنه الذي يدفنه الشهادتين والاقرار بالنبي والائمة

[ 250 ]

عليهم السلام ثلاث مرات، ثم يضع معه شيئا من تربة الحسين عليه السلام في وجهه ويضع خده على التراب، ثم يشرج اللبن عليه 1) ويخرج من عند رجلي القبر ويطم القبر ويرفع من الارض مقدار أربع أصابع مفرجات ولا يعلي أكثر من ذلك ولا يطرح فيه من غير ترابه. ويستحب لمن حضره أن يطرح بظهر كفه ثلاث مرات التراب ويترحم عليه، فإذا فرغ من تسوية القبر رش الماء على القبر من جوانبه ويترحم عليه من حضر وينصرف ويتأخر الولي أو من يأمره الولي فيعيد عليه التلقين فانه يكفى مسألة القبر انشاء الله. فصل (في ذكر الاغسال المسنونة) المسنونات من الاغسال يوم الجمعة، وليلة النصف من رجب، ويوم السابع والعشرين منه، وليلة النصف من شعبان، وأول ليلة من شهر رمضان، وليلة النصف وليلة سبع عشرة وليلة تسع عشرة وليلة احدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين وليلة الفطر، ويوم الفطر، ويوم الاضحى. وغسل الاحرام، وعند دخول الحرم، وعند دخول مسجد النبي عليه وآله السلام، وعند زيارة النبي، وعند زيارة الائمة عليهم السلام، ويوم الغدير ويوم المباهلة، وغسل التوبة، وغسل المولود، وغسل قاضي صلاة الكسوف إذا احترق القرص كله وتركها متعمدا، وعند صلاة الحاجة، وعند صلاة الاستخارة.

1) أي ينضد اللبن تنضيدا حتى لا يصل التراب إليه لو أهالوه عليه.

[ 251 ]

فصل (في ذكر التيمم وأحكامه) التيمم طهارة ضرورة ولا يجوز فعله الا عند عدم الماء أو عدم ما يتوصل به إلى الماء من آلة ذلك أو ثمنه أو المرض المانع من استعماله أو عند الخوف من استعماله من البرد أو العدو، اما على النفس أو المال. فإذا حصل شئ من هذه الاشياء جاز التيمم، غير أنه لا يجوز التيمم قبل دخول الوقت ولا بعد دخول الوقت الا في آخر الوقت، وحين الخوف من فوت الصلاة. ولا بد من طلب الماء يمينا وشمالا وحيث يغلب في الظن وجود الماء فيه مع زوال الخوف ويصح التمكن. ولا يصح التيمم الا بما يسمى أرضا بالاطلاق من الحجر والمدر والتراب. وإذا أراد التيمم فليضرب بيده جميعا على الارض، سواء كان عليها تراب أو لم يكن، مفرجا أصابعه، وينفضهما ويمسح بهما وجهه من قصاص شعر الرأس إلى طرف أنفه، ويمسح بباطن كفه اليسرى ظهر يده اليمنى من الزند إلى أطراف الاصابع. هذا إذا كان عليه وضوء، وإذا كان عليه غسل فليضرب بيديه دفعتين، دفعة يمسح بهما وجهه على ما قلناه، وثانية يمسح بهما يديه على ما وصفناه. والترتيب واجب فيه أيضا، وكذلك النية، غير أنه لا ينوي رفع الحدث فان الحدث باق وانما ينوي استباحة الدخول في الصلاة. ويستبيح بالتيمم كلما يستبيح بالوضوء أو الغسل من صلوات الليل والنهار

[ 252 ]

ما لم يحدث، وكلما ينقض الوضوء ينقض التيمم، وينقضه زائدا عليه التمكن من استعمال الماء. فصل (في ذكر المياه وأحكامها) الماء على ضربين: مطلق، ومضاف. فالمضاف كلما استخرج من جسم أو كان مرقة، نحو ماء الباقلى وماء الاس وماء الخلاف وغير ذلك. وما كان مرقة - نحو ماء الباقلى - فالمضاف لا يجوز استعماله في ازالة حدث ولا ازالة خبث ويجوز استعماله فيما عدا ذلك ما لم ينجس، فإذا نجس فلا يجوز استعماله قليلا كان أو كثيرا. والمطلق هو ما يسمى ماءا بالاطلاق، سواء كان عذبا أو ملحا وعلى كل حال. وهو على ضربين: جار، وراكد. فالجاري بنفسه طاهر مطهر لا ينجسه شئ الا نجاسة تغير لونه أو طعمه أو رائحته، فإذا تغير شئ من ذلك فلا يجوز استعماله. والواقف على ضربين: ماء البئر المعينة، وماء غير البئر. فماء غير البئر على ضربين: قليل وكثير. فالقليل ما نقص عن كر، والكثير ما بلغه أو زاد عليه. والقليل ينجس بأي نجاسة تحصل فيه، ولا يجوز استعماله بحال، سواء تغير أحد أوصافه أو لم يتغير. والكثير لا ينجس بنجاسة تحصل فيه الا إذا غيرت أحد أوصافه، فإذا تغير أحد أوصافه فلا يجوز استعماله بحال.

[ 253 ]

والكر ألف ومائتا رطل بالعراقي 1)، أو ما كان قدره ثلاثة أشبار ونصف طولا في عرض في عمق. وفى أصحابنا من اعتبر أرطال المدينة، وبالاول تشهد الروايات. وماء البئر المعينة فانها تنجس بما يحصل من النجاسة فيها تغير ماؤها أو لم يتغير، غير أنه يمكن تطهيرها بنزح بعضها. وما يقع فيها على ضربين: أحدهما يوجب نزح جميعها، نحو الخمر وكل شراب مسكر والفقاع والمني ودم الحيض والاستحاضة والنفاس والبعير إذا مات فيه وكل نجاسة تغير أحد أوصاف الماء. وما يوجب نزح بعضه. وكل شئ له مقدار معين قد ذكرناه في النهاية وغير ذلك من كتبنا لا نطول بذكره ههنا. فصل (في ذكر النجاسات ووجوب ازالتها عن الثياب والابدان) النجاسة على ثلاثة أضرب: أحدها يجب ازالة قليلها وكثيرها، والثاني لا يجب ازالة قليلها ولا كثيرها، والثالث يجب ازالتها على وجه دون وجه. فما يجب ازالة القليل والكثير فالبول والغائط والمني من كل حيوان وكل شراب مسكر خمرا كان أو نبيذا والفقاع ودم الحيض والنفاس والاستحاضة. ومالا يجب ازالة قليله ولا كثيره نحو دم السمك ودم البق والبراغيث ودم القروح الدامية والجراح اللازمة.

1) ثلاثمائة وثلاث وثمانين كيلو وتسعمائة وست غرامات.

[ 254 ]

وما يجب ازالته على وجه دون وجه هو باقي الدماء من الرعاف والفصد وسائر دماء الحيوان. وكل مالا يؤكل لحمه وما أكل لحمه من البهائم والطيور، لا بأس ببوله وذرقه الاذرق الدجاجة خاصة فانه يجب ازالته. ويجب غسل الاناء من سائر النجاسات ثلاث مرات، ومن ولوغ الكلب مثل ذلك، غير أن احداها - وهي الاولى - بالتراب. وتغسل أواني الخمر سبع مرات، وروي مثل ذلك في الفأرة إذا ماتت في الاناء، وما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه. والحيوان على ضربين: ابن آدم، وغير ابن آدم. فابن آدم طاهر السؤر الا من كان محكوما بكفره فانه نجس السؤر، سواء كان كافر أصل أو كافر ملة. وغير ابن آدم على ضربين: طير، وغير طير. فسؤر الطير كله طاهر الا ما أكل الجيف أو كان في منقاره أثر دم. وغير الطير على ضربين: نجس العين، ونجس الحكم. فنجس العين هو الكلب والخنزير، فانه نجس العين نجس السؤر نجس اللعاب. وما عداه على ضربين: مأكول، وغير مأكول. فما ليس بمأكول كالسباع وغيرها من المسوخات مباح السؤر وهو نجس الحكم، وهو مباح الاكل فهو طاهر مباح السؤر مباح اللعاب طاهر الروث والبول، وما هو مكروه الاكل فهو مكروه السؤر مكروه البول والروث. وتفصيل ذلك ذكرناه في كتبنا.

[ 255 ]

كتاب الصلاة فصل (في ذكر أعداد الصلاة) الصلوات المفروضات في اليوم والليلة خمس صلوات سبع عشرة ركعة في الحضر وفى السفر احدى عشرة ركعة: الظهر أربع ركعات بتشهدين وتسليمة في الرابعة، وفى السفر ركعتان بتشهد وتسليم بعده، وكذلك العصر والعشاء الاخرة، والمغرب ثلاث ركعات بتشهدين وتسليم في الثالثة، والغداة ركعتان بتشهد وتسليمة بعده في السفر والحضر لا يقصران على الحال. والنوافل في الحضر أربع وثلاثون ركعة، وفي السفر سبع عشرة ركعة فنوافل الظهر والعصر ست عشرة ركعة ثمان قبل الفرض وثمان بعد الفرض كل ركعتين بتشهد وتسليم بعده، ويسقط جميعه في السفر. ونوافل المغرب أربع ركعات بتشهدين بعده في السفر والحضر، وركعتان من جلوس بعد

[ 256 ]

العشاء الاخرة تعدان بركعة يسقطان في السفر، واحدى عشرة ركعة صلاة الليل كل ركعتين بتشهد بعده، والمفردة من الوتر بتشهد وتسليم بعده، وركعتان نوافل الفجر يثبت جميع ذلك في الحضر والسفر. فصل (في ذكر المواقيت) لكل صلاة من الفرائض الخمس وقتان أول وآخر: فأول الوقت هو الافضل، وهو وقت من لا عذر له. والاخر وقت من له عذر. فأول وقت الظهر إذا زالت الشمس، وآخره إذا زاد الفئ أربعة أسباع الشخص أو يصير ظل كل شئ مثله. وأول وقت العصر عند الفراغ من فريضة الظهر، وآخره إذا صار ظل كل شئ مثليه، وعند العذر إلى أن يبقى من النهار مقدار ما يصلي أربع ركعات. وأول وقت المغرب إذا غابت الشمس، وعلامة غروبها زوال الحمرة من ناحية المشرق، وآخره إذا غاب الشفق، وهو زوال الحمرة من المغرب وعند الضرورة إلى ربع الليل. وأول وقت العشاء الاخرة ذهاب الشفق الذي وصفناه، وآخره ثلث الليل وروي نصف الليل. وأول وقت فريضة الغداة عند طلوع الفجر الثاني، وآخره طلوع الشمس. خمس صلوات تصلى على كل حال ما لم يتضيق وقت فريضة حاضرة، ومن فاتته صلاة فريضة فوقتها حين يذكرها ما لم يدخل وقت فريضة والصلاة الكسوف وصلاة الجنازة وركعتا الاحرام وركعتا الطواف. ويكره ابتداء النافلة في خمسة أوقات: بعد فريضة الغداة عند طلوع

[ 257 ]

الشمس، وعند وقوف الشمس في وسط السماء الا يوم الجمعة، وبعد العصر وعند غروب الشمس. وأما صلاة لها سبب كتحية المسجد أو زيارة مسجد أو قضاء نافلة فلا بأس بها في هذه الاوقات. فصل (في ذكر القبلة وأحكامها) الكعبة قبلة من كان في المسجد الحرام، والمسجد قبلة من كان في الحرم، والحرم قبلة من كان في الافاق. فأهل العراق ومن يصلي إلى قبلتهم يتوجهون إلى الركن العراقي، وعليهم التياسر قليلا، وليس على من يتوجه إلى غير هذا الركن ذلك، فان أهل اليمن يتوجهون إلى الركن اليماني، واهل المغرب إلى الركن المغربي، وأهل الشام إلى الركن الشامي. ويمكن أهل العراق أن يعرفوا قبلتهم بكون الجدي خلف منكبهم الايمن أو كون الشفق محاذيا للمنكب الايمن، أو الفجر محاذيا للمنكب الايسر، أو عين الشمس عند الزوال بلا فصل على حاجبه الايمن. فإذا فقدت هذه الامارات صلى صلاة واحدة أربع مرات إلى أربع جهات فان لم يقدر صلى إلى أي جهة شاء. ومن صلى على الراحلة نافلة استقبل بتكبيرة الاحرام القبلة. ثم يصلي إلى رأس الراحلة. ومن صلى في السفينة ودارت صلى مثل ذلك، ومن صلى صلاة شدة الخوف صلى مثل ذلك.

[ 258 ]

فصل (في ستر العورة) العورة عورتان: مغلظة، ومخففة. فالمغلظة السوءتان، فمن شرط صحة الصلاة سترهما على الرجال. والمخففة ما بين السرة إلى الركبة فانه مستحب ستر جميع ذلك. وأما المرأه الحرة فان جميع بدنها عورة يجب عليها ستره في الصلاة، ولا تكشف غير الوجه فقط. فان كانت مملوكة جاز أن تصلي مكشوفة الرأس. وان صلى الرجل في ثوب صفيق 1) فهو أفضل. فصل (في ذكر ما تجوز الصلاة فيه من المكان واللباس) الارض كلها مسجد تجوز الصلاة فيها الا ما كان مغصوبا أو نجسا، فان كان موضع السجود طاهرا جازت الصلاة فيها ما لم تتعد النجاسة إلى بدنه لكونه رطبة. وتكره الصلاة بين المقابر وفى أرض الرمل والسبخة 2) ومعاطن الابل 3) وقرى النمل وجوف الوادي وجواد الطريق 4) والحمامات، وفى طريق مكة بوادي ضجنان ووادي الشقرة والبيداء وذات الصلاصل.

1) هو خلاف السخيف.
2) التي يعلوها الملح وامثال ذلك مما لم يستقر عليه مسجد الانسان.
3) من العطن، بمعنى محل بروك الابل.
4) جمع الجادة، الشارع العام.

[ 259 ]

وتكره الفريضة جوف الكعبة، والنوافل تستحب فيها. وينبغي أن يجعل الانسان بينه وبين ما يمر به ساترا ولو عنزة 1). ولا يجوز السجود الا على الارض أو ما أنبتته الارض مما ليس بمأكول ولا ملبوس لبني آدم بمجرى العادة. ومن شرطه أن يكون مباح التصرف فيه، وان يكون خاليا من نجاسة. وتجوز الصلاة في اللباس ما كان من قطن أو كتان وجميع ما ينبت في الارض، وفي الخز الخالص وفي الصوف والشعر والوبر مما يؤكل لحمه. وفي جلد ما يؤكل لحمه إذا كان مذكى، وان كان ميتا فلا يجوز، وان دبغ فانه لا يطهر بالدباغ. وينبغي أن يكون ملكا أو في حكم الملك، ويكون خاليا من نجاسة مانعة من الصلاة فيها مما قدمنا ذكره. وما لا تتم الصلاة فيه منفردا كالتكة والجوراب والقلنسوة والخف جاز أن يكون فيها نجاسة، والتنزه عن ذلك أفضل. فصل (في الاذان والاقامة) هما مسنونان مؤكدان في الصلوات الخمس، واجبان في صلاة الجماعة لا تنعقد الجماعة الا بهما، ولا يفعلان لشئ من النوافل. وهما خمس وثلاثون فصلا: الاذان ثمانية عشر فصلا، والاقامة سبعة عشر فصلا. فالاذان أربع تكبيرات في أوله، والاقرار بالتوحيد مرتين، والاقرار بالنبي مرتين، والدعاء إلى الصلاة مرتين، والى الفلاح مرتين، والى خير العمل مرتين، وتكبيرتان في آخره، والتهليل مرتين. والاقامة مثل ذلك،

1) العصا التي يأخذها الانسان بيده.

[ 260 ]

وتسقط تكبيرتان من أوله، ويردد بدلهما " قد قامت الصلاة " مرتين، ويسقط التهليل مرة. والترتيب فيهما واجب. ويستحب أن يكون المؤذن على طهارة، ويستقبل القبلة، ولا يتكلم في خلاله مع الاختيار، ولا يكون ماشيا ولا راكبا، ويرتل الاذان ويحدر الاقامة 1)، ولا يعرب أواخر الفصول، ويفصل بين الاذان والاقامة بجلسة أو سجدة أو خطوة. وكل هذه سنة غير واجبة، وأشدها تأكيدا في الاقامة. ومن شرط صحتها دخول الوقت. فصل (فيما يقارن حال الصلاة) أول ما يجب من أفعال الصلاة المقارنة لها النية، ووقتها حين يريد استفتاح الصلاة. وكيفيتها أن ينوي الصلاة التي يريد أن يصليها - فرضا كان أو نفلا - ويعين الفرض أيضا فرض الوقت أو القضاء. مثاله: أن يريد صلاة الظهر فينبغي أن ينوي صلاة الظهر على وجه الاداء دون القضاء متقربا بها إلى الله، وكذلك باقي الصلوات. وينبغي ان يستديم حكم هذه النية إلى وقت الفراغ من الصلاة، ولا يعقد في خلال الصلاة نية تخالفها فانه يفسد ذلك صلاته. ويستفتح الصلاة بقوله " الله اكبر "، ولا تنعقد الصلاة الا بهذا اللفظ المخصوص، ولا تنعقد بغيره من الالفاظ وان كان بمعناه. وتكبيرة الاحرام فريضة بها تنعقد الصلاة، فان أراد السنة في الفضيلة كبر ثلاث مرات، ويرفع عند كل تكبيرة

1) الترتيل: اطالة الوقوف على أواخر الفصول. والتحدير: الاسراع وتقصير الوقوف على الفصول.

[ 261 ]

يديه إلى حد شحمتي أذنيه، ويقول بعد الثلاث تكبيرات " اللهم أنت الملك الحق لا اله الا أنت، عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي انه لا يغفر الذنوب الا أنت ". ثم يكبر تكبيرتين أخريين مثل ما قدمناه ويقول " لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس اليك لا ملجأ ولا منجا ولا مفر الا اليك، سبحانك وحنانيك سبحانك رب البيت ". ثم يكبر تكبيرتين أخريين ويقول بعدهما " وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض على ملة ابراهيم ودين محمد وولاية امير المؤمنين وما أنا من المشركين، قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ". والفرض من ذلك تكبيرة واحدة، وهي التي ينوي بها الدخول في الصلاة، والاولى أن تكون الاخيرة، ثم يتعوذ فيقول " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "، ثم يستفتح الحمد فيقول " بسم الله الرحمن الرحيم " يرفع بها صوته سواء كانت الصلاة يجهر فيها أو لم يجهر، فان ثلاث صلوات يجب فيها الجهر بالقراءة المغرب وعشاء الاخرة وصلاة الغداة، وصلاتان لا يجهر فيهما بالقراءة وهما الظهر والعصر، فما يجهر فيها وجوبا يجب فيها الجهر ب‍ " بسم الله الرحمن الرحيم " وما لا يجهر يستحب فيها ذلك. ثم يقرأ الحمد، لابد منها في كل صلاة فرضنا كانت أو نفلا، لا تصح الصلاة الا بقراءتها. وفي الفرض يجب قراءة الحمد وسورة لا أقل منها ولا اكثر في الركعتين الاوليين والاخيرتين، والثالثة من المغرب هو مخير بين قرائة. الحمد وبين قول " سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر " ثلاث مرات أيها فعل فقد أجزأه.

[ 262 ]

والسورة التي يقرأه مع الحمد ليست معينة، بل يقرأ ما شاء من السور، الا أربع سور، وهي: الم تنزيل، وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك. فان فيها سجودا فرضا لا يقر أن في الفرائض. ولا يقرأ أيضا سورة طويلة يخرج الوقت بقراءتها، بل يقرأ سورة وسطا من المفصل، وأفضل ما يقرأ " الحمد " و " انا أنزلناه " وفي الثانية " قل هو الله أحد ". وقد خص غداة الاثنين والخميس بهل أتى على الانسان، وفي ليلة الجمعة في المغرب بسورة الجمعة وقل هو الله أحد، وفي العشاء الاخرة الحمد وسورة الاعلى، وفى غداة يوم الجمعة قل هو الله أحد، وفي الظهر والعصر بالجمعة والمنافقين، وفي باقى الصلوات ما شاء من السور الا أنه يكون في صلاة الغداة وفي العشاء الاخرة أدون منها، وفي المغرب سوره خفيفة، ومثل ذلك في الظهر والعصر والغداة لا تصح الصلاة الا معها مع الاختيار والامكان. وينبغي أن يكون في حال قيامه ناظرا إلى موضع سجوده ولا يلتفت يمينا ولا شمالا فان ذلك نقصان في الصلاة، ولا يلتفت إلى ما وراءه فانه يفسدها، ولا يتمط في صلاته ولا يتثأب ولا يفرقع أصابعه ولا يعبث بلحيته ولا بشئ من جوارحه، ولا يفعل فعلا كثيرا ينافي الصلاة. فإذا فرغ من القراءة فليركع بالتكبير، والركوع ركن في الصلاة، ويطأطئ رأسه ويسوي ظهره ويمد عنقه ويكون نظره إلى ما بين رجليه ويسبح فيقول " سبحان ربى العظيم وبحمده " ثلاث مرات، وان قالها خمسا أو سبعا كان أفضل وواحدة تجزي، ولا يجوز تركها، ومن لم يذكر شيئا أصلا مع الامكان فسدت صلاته. ثم يرفع رأسه فيقول " سمع الله لمن حمده " وينتصب قائما فيقول " الحمد لله رب العالمين ".

[ 263 ]

ثم يرفع يده بالتكبير ويهوي بها إلى السجود ويتلقى الارض بيديه مع الاختيار، ويسجد على سبعة أعظم فريضة الجبهة واليدين والركبتين وأطراف أصابع رجليه، ويرغم بأنفه سنة، ويقول في سجوده " سبحان ربى الاعلى وبحمده " ثلاث مرات أو خمسا أو سبعا، وواحدة تجزي، وان لم يقل شيئا فسدت صلاته. وان جمع بين دعاء الركوع ودعاء السجود في الركوع والسجود وبين التسبيح كان أفضل. ثم يرفع رأسه بالتكبير ويستوي جالسا ويقول " اللهم اغفر لي وارحمني وأجرني واهدني وارزقني فاني لما أنزلت الي من خير فقير ". ثم يرفع يديه بالتكبير ويعود إلى السجدة الثانية ويفعل فيها ما فعل في الاولى سواء. ثم يرفع رأسه بالتكبير ويجلس ثم يقوم، وان قام من السجود إلى الركعة الثانية كان جائزا، فإذا استوى قائما قرأ الحمد وسورة. ثم يرفع يده بالتكبير للقنوت ويدعو بما أراد في قنوته، وأفضل ما يقول فيه كلمات الفرج، وهي " لا اله الا الله الحليم الكريم، لا اله الا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السماوات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن وما تحتهن ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين "، وان قال غير ذلك كان جائزا. ثم يكبر للركوع ويصلي الركعة الثانية كما وصفناه للركعة الاولى. ثم يجلس للتشهد، وينبغي أن يكون جلوسه متوركا على وركه الايسر ويجعل ظاهر قدم رجله اليمنى على باطن رجله اليسرى، ثم يتشهد. والتشهد فرض الاول والثاني، وأقل ما يجزي فيه الشهادتان والصلاة على النبي وآله عليهم السلام، وان قال " بسم وبالله، والاسماء الحسنى كلها لله، أشهد ألا اله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على

[ 264 ]

محمد وآل محمد، وتقبل شفاعته في أمته وارفع درجته " كان أفضل. ثم يسلم ان كانت الصلاة ثنائية كالغداة، وان كانت ثلاثية كالمغرب أو رباعية كالظهر والعصر والعشاء الاخرة قام إليها فيتم صلاته. فإذا جلس في التشهد الثاني قال ما ذكرناه، وان زاد فيه التحيات كان فيه فضل. ثم يسلم ان كان اماما تسليمة واحدة تجاه القبلة ويومي بطرف أنفه إلى يمينه وان كان منفردا مثل ذلك، وان كان مأموما سلم يمينا وشمالا ان كان على يساره انسان، وان لم يكن على يساره أحد أجزأه التسليم عن يمينه، وان كانت الصلاة نافلة يسلم في كل ركعتين، ولا يصل أكثر منهما بتشهد ولا بتسليم على حال. فإذا سلم في الفرائض عقب بعد التسليم بما أراد من الدعاء لنفسه ولاخوانه ولدينه ودنياه، ولا يترك تسبيح الزهراء عليها السلام، وهو أربع وثلاثون تكبيرة وثلاث وثلاثون تسبيحة وثلاث وثلاثون تحميدة تمام المائة. فإذا فرغ من التعقيب سجد سجدتي الشكر، ويقول فيها ثلاث مرات " شكرا لله شكرا لله "، فان قال مائة مرة كان أفضل. وعلى هذا الشرح يصلي الخمس صلوات فرائضها ونوافلها، لا نطول بذكر صلاة صلاة، فان فيما ذكرناه كفاية انشاء الله. فصل (في ذكر قواطع الصلاة) كل شئ ينقض الوضوء متى عرض في خلال الصلاة فانه يقطعها ويجب منها استينافا، وقد قدمنا ذكر ما ينقض الطهارة فلا وجه لاعادته. ويقطع الصلاة الكلام متعمدا، والفعل الكثير الذي ليس من أفعال الصلاة

[ 265 ]

والتكتف يقطع الصلاة من غير تقية ولا خوف وهو وضع اليمين على الشمال وقول " آمين " آخر الحمد مثل ذلك، والالتفات بالكلية مثل ذلك، والقهقهة مثل ذلك، والتأفيف والتأنين مثل ذلك. كل هذه الاشياء يفسد الصلاة. وأما الالتفات يمينا وشمالا والتثاءب والتمطي والعبث باللحية أو بشئ من جوارحه وفرقعة الاصابع والاقعاء بين السجدتين والتبصق والتنخم ونفخ موضع السجود ومدافعة الاخبثين، فان جميع ذلك نقصان في الصلاة وان لم يفسدها. فصل (في حكم السهو) غلبة الظن لفعل الصلاة يقوم مقام العلم فيبنى عليه، ولا حكم للسهو عليه معه فانما يكون السهو حكم تساوي الظن أو الشك المحض، وعند ذلك فهو على خمسة أقسام: أحدها يوجب الاعادة، والثاني يوجب التلافي، والثالث لا حكم له، والرابع يوجب الاحتياط، والخامس يوجب سجدتي السهو. والذي يوجب الاعادة على كل حال من صلى بغير طهارة، أو صلى قبل دخول الوقت، أو صلى مستدبر القبلة، أو صلى إلى يمينها أو شمالها مع بقاء الوقت. ومن صلى في مكان مغصوب مع العلم به مختارا، ومن صلى في ثوب نجس مع تقدم علمه بذلك، ومن ترك النية أو تكبيرة الاحرام أو ترك الركوع حتى يسجد، ومن ترك سجدتين في ركعة حتى يركع فيما بعدهما في الاوليين، ومن زاد ركوعا أو زاد سجدتين في الاولتين، ومن زاد ركعة ومن شك في الاولتين من الرباعية فلا يدري كم صلى أو شك في الغداة أو المغرب أو صلاة السفر أو صلاة الجمعة مثل ذلك. ومن نقص ركعة فصاعدا

[ 266 ]

حتى يتكلم أو استدبر القبلة، ومن شك فلا يدري كم صلى فهؤلاء يجب عليهم الاستيناف. وأما ما يوجب التلافي - اما في الحال أو فيما بعد - من سها عن قراءة الحمد حتى قرأ سورة أخرى قرأ الحمد وأعاد سورة، ومن سها عن قراءة سورة بعد الحمد قبل أن يركع قرأ ثم ركع، ومن شك في القراءة وهو قائم قرأ، ومن سها في تسبيح الركوع وهو راكع سبح، ومن شك في الركوع وهو قائم ركع، فان ذكر أنه كان ركع أرسل نفسه ولا يرفع رأسه، ومن شك في السجدتين أو واحدة منهما قبل أن يقوم سجدهما أو واحدة، ومن ترك التشهد الاول وذكر وهو قائم رجع فتشهد، فان لم يذكر حتى ركع مضى في صلاته ثم قضاه بعد التسليم، ومن نسي التشهد الاخير حتى يسلم قضاه بعد التسليم. وأما ما لا حكم له يبني على ما شاء، والبناء على الاقل أفضل. ومن سها في سهو فلا حكم له، ومن سها في صلاة خلف امام يقتدى به لا سهو عليه، وكذلك لا سهو على الامام إذا حفظ عليه من خلفه، ومن شك في شئ وقد انتقل إلى غيره فلا حكم له، نحو من شك في تكبيرة الاحرام في حال القراءة أو في القراءة في حال الركوع أو في الركوع في حال السجود أو في السجود وقد قام إلى الثانية أو شك في تسبيح الركوع أو السجود وقد رفع رأسه منهما أو شك في التشهد الاول وقد قام إلى الثالثة، ومن سها عن ركوع الاخيرتين وسجد بعده ثم ذكر حذف السجود وأعاد الركوع، وكذلك من ترك السجدتين في واحدة منهما بنى على الركوع في الاولى وسجد السجدتين. وأما ما يوجب الاحتياط فمثل من شك فلا يدري صلى ركعتين أو أربعا بنى على الاربع وسلم ثم صلى ركعتين من قيام، ان كان صلى أربعا كانت

[ 267 ]

هاتان نافلة وان كان صلى اثنتين كانت هاتان تمام الصلاة. وكذلك ان شك بين الثلاث والاربع أو بين الثنتين والثلاث بنى على الاكثر، فإذا سلم قام فصلى ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس لمثل ما ذكرناه. وان شك بين الثنتين والثلاث والاربع بنى على الاربع وصلى ركعتين من قيام وركعتين من جلوس لمثل ما قلناه. وأما ما يوجب سجدتي السهو فمثل من تكلم في الصلاة ساهيا أو سلم في التشهد الاول من الرباعيات أو المغرب، ومن ترك واحدة من السجدتين حتى يركع فيما بعد قضاها بعد التسليم وسجد سجدتي السهو، ومن شك بين الاربع والخمس بنى على الاربع وسجد سجدتي السهو في هذه المواضع. وموضع سجدتي السهو بعد التسليم، يقول فيهما " بسم الله وبالله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته "، ويتشهد بعدهما تشهدا خفيفا يقتصر على الشهادتين والصلاة على النبي وآله ويسلم. وفي أصحابنا من يقول: سجدتي السهو في كل زيادة أو نقصان على وجه السهو. فصل (في حكم الجمعة) صلاة الجمعة فريضة بلا خلاف، الا أن لها شروطا منها: حضور السلطان العادل أو من نصبه السلطان العادل للصلاة بالناس، ويجتمع العدد سبعة وجوبا أو خمسة ندبا، وأن يكون بين الجمعتين ثلاثة أميال فصاعدا، وأن يخطب خطبتين. وأقل ما يخطب به أربعة أشياء: الحمد لله، والصلاة على النبي وآله والوعظ، وقراءة سورة خفيفة من القرآن بين الخطبتين.

[ 268 ]

ويسقط فرض الجمعة عن المرأة، ومن ليس بكامل العقل من الصبيان والمجانين، وعن المملوك، وعن المريض، وعن الاعمى، وعن الاعرج الذي لا يقدر على المشي، وعن الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الحضور، وعن المسافر، وعمن بينه وبين الموضع أكثر من فرسخين. فصل (في ذكر الجماعة) صلاة الجماعة فيها فضل كثير وثواب جزيل، وروي أنها تفضل على صلاة المنفرد بخمس وعشرين صلاة، الا أنها ليست بفريضة بلا خلاف الا في الجمعة على ما بيناه. ولا تنعقد الجماعة الا بشرطين: أحدهما الاذان والاقامة، الثاني أن يكونا اثنين فصاعدا. فإذا أرادوا صلاة الجماعة فليس يخلو أن يكونا اثنين أو ما زاد عليهما، فان كانا اثنين لم يخلو أن يكونا رجلين أو امرأتين أو رجلا وامرأة، فان كان رجلين مستوري العورة قام المأموم عن يمين الامام، وان كان رجلا وامرأة قامت المرأة خلف الامام، وإن كانا امرأتين قامت المأمومة عن يمين الامامة. وان كانوا جماعة ليس يخلو أن يكونوا رجالا بلا نساء أو نساءا بلا رجال أو رجالا ونساءا، فان كانوا رجالا بلا نساء لا يخلو أن يكونوا عراة أو مستوري العورة فان كانوا مستوري العورة أو فيهم من هو مستور العورة تقدم فصلى بهم وصلى الباقون خلفه من جلوس ان كان يصلح للامامة، وان كانوا كلهم عراة صلوا من جلوس ووقف الامام في وسطهم ويبرز عنهم بمقدار ركبتيه ويصلون كلهم من جلوس يركعون ويومون إلى السجود، وان كانوا رجالا ونساءا قام النساء خلف الرجال، وان

[ 269 ]

كن نساءا بلا رجال قامت الامامة في الوسط ولا تتقدمهن بحال. وينبغي أن يكون الامام مؤمنا عدلا مرضيا اقرأ الجماعة، فان كانوا سواء في القراءة فافقههم، فان كانوا في الفقه سواء فأقدمهم هجرة، فان كانوا فقهاء سواء فأسنهم، فان كانوا في السن سواء فأصبحهم وجها. ولا يؤم بالناس ولد الزنا، ولا المحدود، ولا المفلوج بالاصحاء، ولا المقيد بالمطلقين، ولا القاعد بالقيام، ولا المجذوم بالاصحاء، ولا الابرص بمن ليس بأبرص، والاعرابي بالمهاجرين، ولا المتيمم بالمتوضين، ولا المسافر بالحاضرين. فصل (في صلاة الخوف) صلاة الخوف على ضربين: أحدهما صلاة شدة الخوف، والاخر صلاة الخوف. فصلاة شدة الخوف هو إذا كان في المسلمين قلة لا يمكنهم أن ينقسموا قسمين، فعند ذلك يصلون فرادى ايماءا ويكون سجودهم على قربوس سرجهم فان لم يتمكنوا من ذلك ركعوا وسجدوا بالايماء ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم، فان زاد على ذلك أجزأهم عن كل ركعة تسبيحة واحدة " سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر ". وان لم يبلغ الخوف إلى ذلك الحد وأرادوا أن يصلوا فرادى صلى كل واحد منهم صلاة تامة الركوع والسجود. وان أرادوا أن يصلوا جماعة نظروا فان كان العدو في جهة القبلة وأمكنهم أن يصلوا موضعا واحدا عليهم أسلحتهم، فإذا ركع الامام بقوم وقف قوم،

[ 270 ]

وإذا وقف بقوم وقفت طائفة، فإذا قاموا من السجود سجد من خلفهم ولحقوهم فيصلي بهم الامام واحدة على هذا الوصف. وان كان العدو في خلاف وجه القبلة فان كان في المسلمين كثرة يمكنهم أن ينقسموا قسمين انقسموا كذلك على كل فرقة سلاحهم، فتقف فرقة بأزاء العدو والاخرى خلف الامام، فيستفتح بهم الامام ويصلي بهم ركعة، فإذا قام في الثانية طول في قراءته وخفف من خلفه الركعة الثانية وتشهدوا وسلموا وقاموا إلى موقف أصحابهم ويجئ أولئك فيستفتحون الصلاة، فيصلي بهم الامام الركعة الثانية له وهي أولة لهم، فإذا جلس للتشهد طول وقام من خلفه وصلوا ركعة أخرى، فإذا جلسوا سلم بهم الامام. فتكون للفرقة الاولى تكبيرة الاحرام وركعة وللاخرى الركعة الثانية مع التسليم. هذا إذا كانت الصلاة الرباعية فانها تقتصر بنفس الخوف من غير سفر وكذلك صلاة الغداة، وان كانت صلاة المغرب صلى بالفرقة الاولى ركعة وبالاخرى ركعتين، وان صلى بالاولى ركعتين وبالفرقة الثانية ركعة كان جائزا والاول احوط. وان كان فيهم قلة صلى كل واحد منهم على الانفراد. فصل (في ذكر صلاة العيد والاستسقاء) صلاة العيد عندنا واجبة عند تكامل شروطها، وشروطها شروط الجمعة سواء، وكل موضع تجب فيه الجمعة تجب فيه صلاة العيد، وكل موضع تسقط الجمعة تسقط صلاة العيد لا فرق بينهما. وهي مستحبة على الانفراد، وإذا كانت لا يجب قضاؤها ولا بدل لها. ووقتها من انبساط الشمس إلى زوال الشمس، فإذا زالت فقد فات وقتها.

[ 271 ]

ليس لها أذان ولا اقامة، بل يقول المؤذن ثلاث مرات " الصلاة الصلاة الصلاة "، وهما ركعتان باثنتي عشرة تكبيرة: سبع في الاولى منها تكبيرة الاحرام وتكبيرة الركوع، وفي الثانية خمس منها تكبيرة الركوع. يستفتح الصلاة بتكبيرة الاحرام، ويقرأ الحمد وسورة الاعلى أو غيرها من السور، ثم يكبر ويقنت بعدها بما شاء، ثم يكبر ثانية وثالثة ورابعة وخامسة مثل ذلك، ثم يكبر تمام السابعة ويركع بها. فإذا قام إلى الثانية قرأ الحمد والشمس وضحاها أو غير ذلك، ثم يكبر أربع تكبيرات يقنت بعد كل تكبيرة ويكبر الخامسة ويركع بعدها. والخطبتان فيها بعد الفراغ من الصلاة، ويستحب استماعهما وان لم يكن ذلك واجبا، وهي مثل خطبة الجمعة سواء. وتصلى هذه الصلاة في الصحراء في سائر البلاد، الا بمكة فانها تصلى في المسجد الحرام. وصلاة الاستسقاء سنة مؤكدة، وهي مثل صلاة العيد في العدد والصفة والكيفية سواء، والخطبة فيها أيضا بعد الصلاة، فإذا سلم كبر الله مائة مرة تجاه القبلة، ويحمده مائة مرة عن يمينه، ويسبح الله مائة مرة عن يساره، ويستقبل الناس ويهلل الله مائة مرة، ويفعل ذلك معه كل من حضر، ثم يخطب حسب ما قدمناه. ويستحب أن يخرج الصبيان والبله والشيوخ الكبار والبهائم فيستسقى بهم، ولا يخرج اليهود والنصارى، فانهم مسخوط عليهم وكتابهم منسوخ بالقرآن.

[ 272 ]

فصل (في صلاة الكسوف) صلاة الكسوف واجبة عند كسوف الشمس وخسوف القمر والزلازل المتواترة والظلمة الشديدة. ومتى احترق القرص كله، فمن تركها متعمدا كان عليه القضاء مع الغسل وان تركها ناسيا [ أعادها بلا غسل، وان احترق بعض القرص وتركها متعمدا قضاها بلا غسل وان تركها ناسيا ] 1) لا يجب عليه قضاؤها. ووقت هذه الصلاة إذا ابتدأ في الاحتراق، وآخر الوقت إذا ابتدأ في الانجلاء. وينبغي أن يكون مقدار زمان الصلاة مقدار زمان الكسوف، فإذا فرغ منها قبل الانجلاء أعادها استحبابا، والا جلس في موضعه يحمد الله ويسبحه. وهي عشر ركعات بأربع سجدات، يستفتح الصلاة بتكبيرة الاحرام ويقرأ الحمد وسورة، ويستحب أن تكون من السور الطوال كالانعام والكهف والانبياء، فإذا ركع طول ركوعه بمقدار قراءته، ثم يرفع رأسه بتكبيرة ويعود إلى القراءة، ان كان ختم السورة قرأ الحمد وسورة أخرى، وان لم يختمها قرأ من الموضع الذي انتهى إليه وهكذا خمس ركعات، ويقول في الخامسة " سمع الله لمن حمده "، ثم يسجد سجدتين ثم يقوم إلى الاخرى فيصلي خمس ركعات مثل ذلك ويقول في العاشرة " سمع الله لمن حمده ". ويقنت في كل ركعتين بعد القراءة قبل الركوع مثل سائر الصلوات.

1) الزيادة من ج.

[ 273 ]

فصل (في ذكر نوافل شهر رمضان) (وجملة من الصلوات المرغبة فيها) يستحب أن يزاد في نوافل شهر رمضان زيادة على سائر الشهور ألف ركعة فيصلي من أول ليلة إلى عشرين ليلة كل ليلة عشرين ركعة، ثمان بعد الفراغ من فريضة المغرب ونافلتها كل ركعتين بتشهد وتسليم، واثنتي عشرة ركعة بعد العشاء الاخرة، ويزيد في ليلة تسع عشرة مائة ركعة بعد الفراغ من جميع صلاته ويختم صلاته بالركعتين من جلوس، ويصلي في العشر الاواخر كل ليلة ثلاثين ركعة ثمان بعد المغرب واثنتين وعشرين ركعة بعد العشاء الاخرة ويصلي في ليلة احدى وعشرين وثلاث وعشرين - زيادة على ما فيها - مائة ركعة كل ليلة، فيكون تمام الالف ركعة. ويستحب أن يزيد في ليلة النصف مائة ركعة زيادة على الالف. ويصلي ليلة الفطر بعد الفراغ من صلاته كلها ركعتين، يقرأ في الاولى الحمد مرة واحدة وقل هو الله أحد ألف مرة، وفى الثانية الحمد مرة ومرة واحدة قل هو الله أحد. ويستحب أن يصلي في الجمعات أوقات النشاط صلاة أمير المؤمنين عليه السلام، وهي أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة الحمد مرة وقل هو الله أحد خمسين مرة. ويستحب أيضا صلاة فاطمة عليها السلام، وهما ركعتان، يقرأ في الاولى منهما الحمد مرة ومائة مرة انا أنزلناه، وفي الثانية الحمد مرة وقل هو الله أحد مائة مرة. ويستحب صلاة التسبيح، وهي صلاة جعفر بن أبي طالب عليه السلام،

[ 274 ]

وهي أربع ركعات بثلاثمائة مرة " سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر "، وترتيبها أن يستفتح الصلاة ويقرأ الحمد وإذا زلزلت ويقول ذلك خمس عشرة مرة، ثم يركع ويقول عشر مرات، ويرفع رأسه فيقول عشر مرات، ويسجد فيقول عشر مرات، ويرفع رأسه فيقول عشر مرات، ويسجد ثانيا فيقول عشر مرات، ويرفع رأسه فيقول عشر مرات. فذلك خمس وسبعون مرة في هذه الركعة، ثم يقوم فيصلي أربع ركعات بتشهدين وتسليمين على هذا الترتيب، ويقرأ في الثانية والعاديات بعد الحمد، وفي الثالثة إذا جاء نصر الله، وفي الرابعة الحمد وقل هو الله أحد. ويستحب أن يصلي ليلة النصف من شعبان أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة الحمد مرة ومائة مرة قل هو الله أحد. وإذا أراد أمرا من الامور لدينه أو دنياه ينبغي أن يستخير الله فيغتسل فيصلى ركعتين يقرأ فيهما ما شاء، فإذا فرغ دعا الله وسأله أن يخير له فيما يريد، ويسجد فيقول في سجوده مائة مرة " أستخير الله تعالى في جميع أموري خيرة في عافية " ثم يفعل ما يقع في قلبه. وإذا كان ليلة المبعث أو يومه - وهو السابع والعشرين من رجب يوم مبعث النبي صلى الله عليه وآله - صلى ضحوة اثنتي عشرة ركعة، فإذا فرغ عقب بما أراد وقرأ سبع مرات المعوذتين والاخلاص وقل يا أيها الكافرون وانا أنزلناه وآية الكرسي، ثم يقول " الله الله ربي لا أشرك به شيئا " ويسأله ما أراد. وإذا كان يوم الغدير - وهو الثامن عشر من ذي الحجة - وبقي بينه وبين الزوال نصف ساعة اغتسل وصلى ركعتين، يقرأ في كل ركعة الحمد مرة وعشر مرات قل هو الله أحد وعشر مرات انا أنزلناه وعشر مرات آية الكرسي، فإذا سلم عقب ودعا بدعاء يوم الغدير.

[ 275 ]

وإذا كانت له حاجة إلى الله صام يوم الاربعاء والخميس والجمعة، ثم يغتسل يوم الجمعة ويخرج إلى موضع خال ويصلي ركعتين على ترتيب صلاة التسبيح غير أنه يجعل بدل التسبيح قراءة قل هو الله أحد خمس عشرة مرة في حال القيام والركوع ورفع الرأس والسجود وفي جميع الاحوال، فإذا سلم سأل الله تعالى حاجته، فإذا قضيت حاجته صلى ركعتين شكرا لله تعالى على ما أنعم به عليه. والصلوات المرغبة فيها كثيرة جدا ذكرناها في مصباح المتهجد في عمل السنة، وفيما ذكرناه ههنا كفاية انشاء الله. فصل (في ذكر الصلاة على الميت) كل ميت مسلم أو بحكم الاسلام ممن كان له ست سنين فصاعدا فانه تجب الصلاة عليه ولا يترك بلا صلاة. وهي فرض على الكفاية، فإذا قام به قوم سقط عن الباقين. وأقل من يسقط به الفرض واحدا فصاعدا. ومن لم يبلغ ست سنين صلى عليه استحبابا. وأحق الناس بالصلاة على الميت أولاهم بميراثه من الرجال أو من يقدمه الولي، والزوج أحق بالصلاة على المرأة من جميع قرابتها عصبة كانوا أو غير ذلك. وإذا حضر رجل من بني هاشم كان أولى بالتقدم وعلى الولي تقديمه فان لم يفعل كان الولي أحق. ولا يجوز التقدم على الامام العادل، ويقف الامام من الجنازة ان كانت لامرأة عند صدرها وان كانت لرجل في وسطه.

[ 276 ]

وان كان عليه حذاء نزعه، وان كان خف أو شمشك صلى فيها. ويكبر على الميت خمس تكبيرات بعدد الخمس صلوات، يكبر أولا ويشهد أن لا اله الا الله، ثم يكبر ثانية ويصلي على النبي عليه السلام، ثم يكبر ثالثة ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويكبر الرابعة فيدعو بعدها للميت ان كان مؤمنا وعليه ان كان منافقا، وان كان طفلا سأل الله أن يجعله له ولابويه فرطا، وان كان مستضعفا دعا له بدعاء المستضعفين، فيقول " ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان " إلى آخرها، وان كان لا يعرفه سأل الله أن يحشره مع من كان يتولاه. ويستحب أن يكون على طهارة، وان فاجأته تيمم وصلى عليها. وليس في هذا الصلاة قراءة ولا تسليم، بل هي دعاء على ما قدمناه 1).

1) ولذا يقال انها ليست بصلاة حقيقية وانما يطلق عليها هذا الاسم مسامحة.

[ 277 ]

كتاب الزكاة الزكاة المفروضة في شرع الاسلام في تسعة أشياء: في الدراهم، والدنانير، والابل، والبقر، والغنم، والحنطة، والشعير، والتمر، الزبيب. ولا تجب الزكاة في شئ سوى هذه الاجناس، ولا تجب الزكاة في هذه الاجناس - سوى الغلات - الا إذا حال عليها الحول في الملك وتكون نصابا 1) كاملا من أول الحول إلى آخره، وأما الغلات فانه تجب الزكاة فيها حين حصولها ولا يراعى فيها الحول. ولا تجب في شئ من الغلات سوى الاجناس الاربعة التي ذكرناها زكاة وجوبا، ويستحب اخراج الزكاة في جميع ما يدخل تحت الكيل. ولا تجب في شئ من الحيوان سوى الاجناس الثلاثة المقدم ذكرها، وانما تستحب الزكاة في الخيل في كل سنة في العتاق 2) منها ديناران إذا كانت انثى مرسلة للنتاج، وفي البراذين 3) دينار واحد مثل ذلك، وليس ذلك بواجب.

1) النصاب هو القدر المعين في ما يؤخذ منه الزكاة.
2) هو النجيب النفيس من الخيل.
3) جمع البرذون بكسر الباء وفتح الذال هو التركي من الخيل، وخلافها العراب.

[ 278 ]

فأما الاموال فكل ما لم يكن دراهم أو دنانير لا يجب فيها زكاة وجوبا وان كان ذلك فيها ندبا واستحبابا، فمال التجارة على هذا إذا حال عليه الحول أخرجت الزكاة عن قيمتها دراهم أو دنانير. والذهب والفضة إذا كان مصاغا أو حليا لا زكاة فيها الا إذا فر بها من الزكاة، وانما تجب الزكاة فيما كان دنانير أو دراهم مضروبة أو منقوشة، وما كان بخلاف ذلك استحب فيها الزكاة. والزكاة من الدراهم والدنانير تجب على كل حر مالك للنصاب إذا كان كامل العقل، فأما من ليس بكامل العقل من الاطفال والمجانين فلا يجب في مالهم الصامت زكاة. وما عداهما من الغلات والمواشي يجب على كل مالك، فان كان عاقلا وجب عليه اخراجه، وان لم يكن عاقلا كان على وليه الاخراج من ماله. ومال الدين والقرض ان كان على ملي باذل أي وقت طلبه منه فان فيه الزكاة، وان كان على ملي مطول أو غير ملي لا يجب فيه الزكاة حتى يرجع إلى ملكه، فان عاد إليه وحال عليه الحول وجب عليه فيه الزكاة. ومتى وجبت الزكاة في مال وجب اخراجها على الفور، فان أخره مع وجود المستحق كان ضامنا له ان هلك المال، سواء كان من وجب عليه في ماله أو وليا يجب عليه الاخراج من مال من له عليه ولاية، الباب واحد. فصل (في زكاة الذهب والفضة) إذا ملك الحر العاقل عشرين دينارا مضروبة منقوشة وحال عليها الحول بكمالها وجب عليه فيها نصف دينار، وليس فيما زاد على العشرين شئ حتى

[ 279 ]

يصير أربعة دنانير، فإذا زادت أربعة دنانير كان فيها عشر دينار، ثم على هذا الحساب كلما زادت أربعة دنانير كان فيها عشر دينار بالغا ما بلغ، وما بين النصابين عفو لا يتعلق به شئ. وأما الدراهم فإذا ملك مائتي درهم وجب فيها خمسة دراهم، ثم ليس فيها شئ حتى تزيد أربعين درهما، فإذا زادت ذلك وجب فيها درهم آخر، ثم هكذا كلما زادت أربعون درهما كان فيها زيادة درهم بالغا ما بلغ، وما بين النصابين عفو. وإذا رأى هلال الثاني عشر وجب في المال الزكاة، وان قدم على ذلك لمستحق جعل قرضا عليه يحتسب به من الزكاة إذا تكامل الحول. والمعطى على حال يجب معه عليه الزكاة، ومن أعطاه على صفة يجوز له أخذ الزكاة فان تغير احدهما عن ذلك لم يجز ذلك عن الزكاة. وان أخر انتظارا للمستحق لم يكن عليه ضمان، وان كان المستحق حاضرا وأخره في ذمته إلى أن يخرج منه وحمل الزكاة من بلد إلى بلد مع وجود المستحق يجوز بشرط الضمان، ومع عدم المستحق يجوز على كل حال. فصل (في زكاة الابل والبقر والغنم) لا زكاة في شئ من هذه الاجناس حتى يملكها الانسان نصابا كاملا ويحول عليها الحول وهي مرسلة سائمة، وأما المعلوفة منها فلا يتعلق بها زكاة، وما لم يحل عليها الحول لا يعد فيما تجب فيه الزكاة لا بانفرادها ولا مع أمهاتها. فأول نصاب في الابل خمس يجب فيها شاة، وليس فيها بعد ذلك شئ حتى تصير عشرا ففيها شاتان، إلى خمس عشرة ففيها ثلاث شياة، إلى عشرين

[ 280 ]

ففيها أربع شياة، إلى خمس وعشرين ففيها خمس شياة، فإذا صارت ستا وعشرين كان فيها بنت مخاض وهي التي حملت أمها بالبطن الثاني وضربها الطلق، أو ابن لبون ذكر وهو الذي ولدت أمه وصار بها لبن. ثم ليس فيها شئ إلى ست وثلاثين ففيها بنت لبون ذكر وهو الذي ولدت أمه وصار بها لبن، ثم ليس فيها شئ حتى تصير ستا وأربعين ففيها حقة وهي التي دخلت في السنة الرابعة فاستحقت الركوب أو أن يطرقها الفحل. وليس فيها بعد ذلك شئ حتى تصير احدى وستين ففيها جذعة وهي التي دخلت في السادسة، إلى ست وسبعين ففيها ابنتا لبون، إلى احدى وتسعين ففيها حقتان، إلى مائة واحدى وعشرين فيسقط هذا الاعتبار ويخرج من كل أربعين بنت لبون ومن كل خمسين حقة بالغا ما بلغت. فإذا وجبت بنت مخاض وعنده بنت لبون أخذت منه وردت عليه شاتان أو عشرين درهما، وان وجبت عليه بنت لبون وعنده بنت مخاض أخذ منه وأخذ منه أيضا عشرون درهما أو شاتان، وما بين بنت لبون والحقة مثل ذلك، وبين الحقة والجذعة مثل ذلك. وأما غير ذلك من الاسنان فليس بمنصوص عليه، ويجوز أن يؤخذ بالقيمة لان القيمة يجوز أخذها في سائر أجناس الزكاة عندنا. وأما البقر فليس فيها زكاة حتى يصير ثلاثين ففيها تبيع أو تبيعة وهو الذي تم له سنة ويتبع أمه، بعد إلى أن يصير أربعين ففيها مسنة وهي التي دخلت في السنة الثانية، وعلى هذا الحساب في كل أربعين مسنة بالغا ما بلغ وفي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة. وما بين النصابين عفو. وأما الغنم فليس فيها زكاة حتى يصير أربعين ففيها شاة، إلى مائة واحدى وعشرين ففيها شاتان، إلى مأتين وواحدة ففيها ثلاث شياة، إلى ثلاثمائة

[ 281 ]

وواحدة ففيها أربع شيات، إلى أربعمائة فسقط هذا الاعتبار وأخرج من كل مائة شاة بالغا ما نقص عن النصاب. وما بين النصابين كله عفو. ولا يعد في الزكاة الا ما حال عليه الحول بانفراده ولا مع الامهات، ولا يؤخذ في الزكات ذات عوار ولا المهزولة ولا السمينة في الغاية بل وسطا من جميع الاجناس. والمال وان كان نصابا إذا كانا من خليطين لا تجب فيه الزكاة حتى يكون لكل واحد نصاب، ولو كان في ملك واحد نصاب في مواضع متفرقة كان عليه زكاة على كل حال. فصل (في زكاة الغلات) قد بينا أنه لا زكاة واجبة في الغلات الا في الاجناس الاربعة التي قدمنا ذكرها، وليس فيها زكاة حتى تبلغ نصابا، وهو خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا، والصاع تسعة أرطال بالعراقي بعد اخراج المؤن كلها من الخراج وحق الاكرة والثلث وغيره، فإذا فضل بعد ذلك القدر الذي ذكر أخرج منه الزكاة وفيما زاد على الخمسة تخرج منه الزكاة قليلا كان أو كثيرا لانه ليس يراعى نصاب آخر بعد النصاب الاول. ثم ينظر في صفة الارض: فان كانت تسقى سيحا 1) أو كان عذيا 2) أو كان الشجر بعلا يشرب بعرقه فلا يلزم على شئ من ذلك مؤنة مجحفة كان فيها العشر، فان كانت تسقى بالدوالي والنواضح والدواب والغنم وما يلزم عليه المؤن الثقيلة ففيه نصف العشر.

1) ما شرب بالماء الجاري.
2) العذى ما سقته السماء.

[ 282 ]

وما عدا الاجناس الاربعة من المكيلات الزكاة فيها مستحبة على هذا الحساب، وما نقص عن الخمسة أوسق لا تتعلق به الزكاة [ إذا كان كل جنس بحاله نصاب كامل وان كان لو جمع كان نصابا واكثر ] 1)، الا إذا قصد الفرار بذلك من الزكاة ففرقه كذلك فحينئذ تلزمه الزكاة. فصل (في مستحق الزكاة ومقدار ما يعطى منه) مستحق الزكاة هم الثمانية الاصناف الذين ذكرهم الله تعالى في آية الزكاة في قوله " انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل " 2). فالفقير هو الذي لا شئ له، والمسكين هو الذي له بلغة من العيش لا تكفيه، وقيل بالعكس من ذلك، غير أنهما يستحقان جميعا سهما من الزكاة. والعاملين عليها هم السعاة الذين يجمعون الزكاة ويجبونها، والمؤلفة قلوبهم قوم كفار انهم جميل في الاسلام يستعان بهم على قتال أهل الحرب ويعطون سهما من الصدقة، والرقاب هم المكاتبون وعندنا يدخل فيه المملوك الذي يكون في شدة يشترى من مال الزكاة ويعتق ويكون ولاؤه لارباب الزكاة لانه اشتري بمالهم، والغارمين هم الذين ركبتهم الديون في غير معصية ولا سرف، وفي سبيل الله هو الجهاد ويدخل فيه جميع مصالح المسلمين، وابن السبيل هو المنقطع به وان كان في بلده ذا يسار. ويراعى فيهم أجمع - الا المؤلفة - الايمان والعدالة، ولا يكونون من بني هاشم في حال تمكنهم من الخمس، ولا يكونون ممن يلزمه نفقته من ولد أو

1) الزيادة ليست في ر.
2) سورة التوبة: 60.

[ 283 ]

والدين نزلا أو صعدا ولا زوجة ولا مملوك. ويجوز وضع الزكاة في فرقة من هذه الفرق، وان كان الافضل أن يجعل لكل صنف منهم جزءا ولو قليلا، ويجوز أيضا أن يفضل بعضهم على بعض. وأقل ما يعطى الفقير ما يجب في نصاب من الدراهم خمسة دراهم، وبعد ذلك عشر دينار. وليس لكثيره حد، بل يجوز أن يعطي زكاة ماله كله لواحد يغنيه. فصل (في ذكر ما يجب فيه الخمس وبيان مستحقه وقسمته) يجب الخمس في الغنائم التي تؤخذ من دار الحرب، وفي المعادن كلها الذهب والفضة والحديد والصفر والنحاس والرصاص والزيبق والكحل والزرنيخ والنفط والقير والكبريت والموميا والغوص والياقوت والزبرجد والبلخش والفيروزج والعقيق والعنبر، وفي الكنوز من الذهب والفضة وغير ذلك، وفي أرباح التجارات والمكاسب، وفيما يفضل من الغلات عن قوت السنة لصاحبه ولعياله، وفي المال الذي يختلط حلاله بحرامه ولم يتميز، وفي أرض الذمي إذا اشتراها من مسلم. ويجب الخمس في هذه الاجناس عند حصولها، ولا يراعى فيه نصاب الا الكنوز، فانه يراعى فيها نصاب زكاة المال، والغوص يراعى فيه مقدار دينار وما عدا ذلك يخرج من قليله وكثيره. والمستحق له من ذكره الله تعالى في قوله " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل " 1)، فسهم الله لرسوله إذا كان باقيا، وإذا مضى رسول الله فهذان السهمان مع سهم ذوي القربى لمن قام مقام الرسول من الائمة يصرفه في مؤنته ومؤنة

1) سورة الانفال: 40.

[ 284 ]

من يلزمه نفقته، وسهم اليتامى والمساكين وابن السبيل مصروف إلى من كان بهذه الصفات من أهل بيت رسول الله " ص " خاصة دون سائر الناس، فان لاولئك الزكاة التي تحرم على هؤلاء على ما بيناه. فصل (في ذكر الانفال) الانفال كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله، وهي لمن قام مقامه من الائمة، وهي كل أرض خربة باد أهلها، وكل أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وكل أرض أسلمها أهلها طوعا، ورؤوس الجبال وبطون الاودية والموات التي لا مالك لها، والاجام، وصواف الملوك وقطائعهم إذا لم تكن غصبا، وميراث من لا وارث له. ومن الغنائم الجارية الحسناء والفرس الفاره والثوب المرتفع وما لا نظير له من رقيق أو متاع، ما لم يستغرق الغنيمة أو يجحف بالغانمين. ومتى قاتل قوم أهل حرب من غير اذن الامام فغنموا، كل ذلك للامام خاصة. فصل (في ذكر زكاة الفطرة) تجب زكاة الفطرة على كل حر بالغ ملك النصاب تجب فيه الزكاة، يخرجه عن نفسه وجميع من يعوله من والد وولد وزوجة ومملوك مسلما كان أو كافرا. ومن لا يملك النصاب لا تجب عليه وان كان مستحقا له، حتى لو أخذ زكاة الفطرة لفقره استحب له اخراجه عن نفسه وعن جميع من يعوله. ووقت وجوب هذه الزكاة إذا طلع هلال شوال، وآخرها عند صلاة العيد

[ 285 ]

فان قدم في أول الشهر - على ما قلناه في تقديم زكاة المال أيضا - كان جائزا وان أخره كان قضاءا. والقدر الذي يجب صاع، وهو تسعة أرطال بالعراقي، من حنطة أو شعير أو تمر أو زبيب أو أرز أو اقط أو لبن، غير أنه ينبغي أن يخرج كل أحد مما يغلب قوته، وأفضله التمر واللبن أربعة أرطال بالمدني وستة بالعراقي. ويجوز أن يخرج قيمة ما يريد اخراجه بسعر الوقت. ومستحق زكاة الفطرة هو مستحق زكاة المال من المؤمنين الفقراء العدول أو أطفالهم، ومن كان بحكم المؤمنين من البله والمجانين. ومن لا يجوز أن يعطى زكاة المال لا يجوز أيضا أن يعطى زكاة الفطرة ممن يجب عليه نفقته أو كان من بني هاشم. ولا يعطى الفقير أقل من صاع، ويجوز أن يعطى أصواعا.

[ 286 ]

كتاب الصوم الصوم في اللغة عبارة عن الامساك والوقوف 1)، وفي الشريعة عبارة عن الامساك عن أشياء مخصوصة في زمان مخصوص على وجه مخصوص ممن هو على صفات مخصوصة. ولا ينعقد إلا بالنية. والصوم على ضربين: شهر رمضان، وغيره. فصوم شهر رمضان لا بد فيه من نية القربة، وان ضم إليها نية التعيين كان أفضل. ووقت النية ليلة الصوم من أولها إلى طلوع الفجر، فأي وقت نوى الصوم فقد انعقد صومه، ومتى لم ينو متعمدا مع العلم بأنه شهر حتى يصبح فقد فسد صومه وعليه القضاء، وان لم يعلم أنه شهر رمضان لعدم رؤيته أو لشبهة ثم علم بعد أن أصبح جاز له أن يجدد النية إلى الزوال وصح صومه

1) ومنه قوله تعالى حكاية عن مريم عليها السلام " اني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم انسيا " [ سورة مريم: 26 ].

[ 287 ]

ولا إعادة عليه، وان فاتت إلى بعد الزوال أمسك بقية النهار وكان عليه القضاء وان صام عند الشبهة أو الشك منه للتطوع ثم انكشف أنه كان من شهر رمضان فقد أجزأ عنه ولا قضاء عليه. ويكفي الشهر كله نية واحدة، وان جدد النية كل ليلة كان أفضل. وأما صوم غير شهر رمضان فلا بد فيه من نية التعيين ونية القربة معا، سواء كان فرضا كالنذر والقضاء وغير ذلك من أنواع الواجبات أن نفلا كصوم التطوع على اختلاف أنواعه. ومتى فاتت النية جاز تجديدها إلى عند الزوال، فإذا زالت الشمس فقد فاتت النية. (فصل فيما يجب على الصائم اجتنابه) ما يجب على الصائم اجتنابه على ضربين: أحدهما فعله يفسده، والاخر ينقضه. فما يفسده على ضربين: أحدهما يوجب القضاء والكفارة إذا كان صوم شهر رمضان أو نذر معين، والاخر يوجب القضاء بلا كفارة. فالاول وهو الذي يوجب القضاء والكفارة: الاكل، والشرب، والجماع في الفرج، وانزل الماء الدافق عامدا، والكذب على الله وعلى رسوله وعلى الائمة متعمدا مع العلم بأنه كذب، والارتماس في الماء، وايصال الغبار الغليظ إلى الحلق مثل غبار النفض وما جرى مجراه، والمقام على الجنابة متعمدا مع امكان الغسل وعدم المشقة حتى يطلع الفجر. فمتى صادف شيئا مما ذكرناه فسد الصوم ووجب منه القضاء والكفارة.

[ 288 ]

والكفارة عتق رقبة أو صيام شهرين أو اطعام ستين مسكينا مخير في ذلك، وفي أصحابنا من قال هو مرتب كصوم الظهار. وما يجوب القضاء دون الكفارة فالاقدام على الاكل والشرب أو الجماع قبل أن يرصد الفجر مع القدرة عليه ويكون طالعا، وترك القبول عمن قال قد طلع الفجر، والاقدام على ما يفطر ويكون قد طلع، وتقليد الغير [ في أن الفجر لم يطلع، مع تمكنه من مراعاته ويكون قد طلع، وتقليده الغير ] 1) في دخول الليل مع تمكنه من مراعاته والاقدام على الافطار ولا يكون قد دخل. وكذلك الاقدام على الافطار لعارض يعرض في السماء من ظلمة وريح ثم تبين أن الليل ما كان دخل، ومعاودة النوم بعد انتباهة واحدة قبل الغسل من الجنابة ولم ينتبه إلى أن يطلع الفجر، ودخول الماء إلى الحلق لمن يتبرد بالماء أو يتمضمض لغير الصلاة، والحقنة بالمايعات. ومتى صادف شئ مما ذكرناه ما لا يتعين صومه فسد صومه وصام يوما بدله. فأما ما يجب اجتنابه وان لم يفسد الصوم فكل القبائح، فانه يجب تجنبها على كل حال ويترك لمكان الصوم. ويستحب اجتناب أشياء وان لم يكن واجبا: كالسعوط والكحل الذي فيه شئ من الصبر أو المسك، واخراج الدم على وجه يضعفه مع الاختيار، ودخول الحمام المضعف، وشم النرجس والرياحين، واستدخال الاشياف الجامدة، وتقطير الدهن في أذنه، وبل الثوب على الجسد، والقبلة وملاعبة النساء ومباشرتهن، فان جميع ذلك مكروه وان لم يفسد الصوم بفعله.

1) الزيادة من ج.

[ 289 ]

فصل (في ذكر أقسام الصوم) الصوم على خمسة أقسام: واجب، وندب، وقبيح، وصوم تأديب، وصوم اذن. فالواجب على ضربين: مطلق من غير سبب يوجبه، والاخر ما يجب عند سبب يوجبه. فالمطلق من غير سبب صوم شهر رمضان، ولوجوبه ستة شروط: البلوغ، وكمال العقل، والصحة من المرض، وأن لا يكون مسافرا سفرا يوجب الافطار، ومن كان حكمه حكم المقيمين من المسافرين وان كانت امرأة بأن تكون طاهرا من الحيض. فهذه شروط صحة الاداء. وأما إذا فات الصوم فلو جوب القضاء عليه ثلاث شروط: الاسلام لان من كان كافرا وان وجب عليه الصوم فإذا لم يصمه وأسلم لم يلزمه القضاء، والثاني البلوغ، والثالث كمال العقل. وأما من كان حكمه حكم الحاضرين من المسافرين ويجب عليهم الصوم فهم عشرة: أولها من نقص سفره عن ثمانية فراسخ، ومن كان سفره معصية لله تعالى، ومن كان سفره للصيد لهوا وبطرا، ومن كان سفره أكثر من حضره وحده ان لا يقيم بلدة عشرة أيام والمكاري والملاح والراعي، والذي يدور في امارته، والذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق، والبريد. فهؤلاء كلهم يجب عليهم الصوم في السفر ولا يجوز لهم الافطار. والواجب عند سبب أحد عشر قسما: أحدهما: قضاء ما يفوت من شهر رمضان لعذر من مرض أو سفر أو غيره،

[ 290 ]

قال الله تعالى: " ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " 1). وصوم النذر، لاجماع الامة على ذلك، ولقوله " أوفوا بالعهود " 2). وصوم كفارة قتل الخطأ إذا لم يقدر على العتق، قال الله تعالى " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة " إلى قوله " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين " 3). وصوم كفارة الظهار لمن لا يقدر على العتق والاطعام والكسوة، قال الله تعالى " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام " 4). وصوم كفارة إذا حلق الرأس إذا لم يختر النسك والصدقة، قال الله تعالى " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " 5). وصوم جزاء الصيد بحسب جزائه، قال الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما " 6). وصوم دم المتعة إذا لم يقدر على الهدي، قال الله تعالى: " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم " 7).

1) سورة البقرة: 184.
2) سورة المائدة: 1. ولفظة الاية " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ".
3) سورة النساء: 92.
4) سورة البقرة: 196.
5) سورة البقرة: 196.
6) سورة المائدة: 95.
7) سورة البقرة: 196.

[ 291 ]

وصوم كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا من غير عذر، لقول النبي عليه السلام: من أفطر يوما من شهر رمضان فعليه ما على المظاهر. وصوم كفارة من أفطر يوما يقضيه من شهر رمضان بعد الزوال إذا لم يطعم ولم يكس، فان أطعم كان ذلك لعشرة مساكين أو كسوتهم. وصوم الاعتكاف، لما روي عنه عليه السلام انه قال: لا اعتكاف الا بصوم. وكفارة من أفطر يوما من شهر رمضان. وتنقسم واجبات الصوم قسمين: أحدهما يراعى فيه التتابع، والاخر لا يراعى فيه ذلك. فما يراعى فيه التتابع على ضربين: أحدهما متى أفطر فيه أستأنف، والاخر لا يوجب ذلك. فما يوجب الاستيناف على كل حال: فصوم كفارة اليمين، وصوم الاعتكاف، وصوم كفارة من أفطر يوما يقضيه من شهر رمضان بعد الزوال. وما لا يوجب الاستيناف على كل حال على ضربين: أحدهما يوجب البناء، والاخر يوجب الاستيناف. فما يوجب البناء: فكل من وجب عليه صوم شهرين متتابعين اما في قتل خطأ أو كفارة ظهار أو كفارة افطار يوم من شهر رمضان، أو وجب عليه صوم شهرين متتابعين بنذر، فمتى صام شهرا ومن الثاني شيئا فانه يبني، وان كان قد ترك الافضل، وان لم يكن صام شهرا ولم يزد عليه فانه يستأنف على كل حال، وكذلك من وجب عليه صوم شهر متتابع اما بنذر أو يكون مملوكا ولزمه ذلك في قتل الخطأ أو غير ذلك، فانه ان صام خمسة عشر يوما ثم أفطر بنا وان كان دون ذلك استأنف الا أن يكون لمرض أو حيض، وصوم ثلاثة ايام في دم المتعة ان صام يوما ثم أفطر بنا، وان صام يوما واحدا استأنف. هذا إذا أفطر من غير عذر، فأما ان أفطر لمرض أو حيض أو عذر فانه يبني كل حال. وما لا يراعى فيه التتابع: فمثل قضاء رمضان، وصوم جزاء الصيد، وصوم

[ 292 ]

النذر إذا لم يشترط التتابع، وصوم السبعة أيام في دم المتعة. وفي الصوم ما يجب بافطاره متعمدا من غير عذر قضاء وكفارة، ومنه ما لا يجب ذلك فيه: فالاول صوم شهر رمضان إذا أفطر بعد الزوال، وصوم الاعتكاف. وما عدا ذلك من الانواع متى أفطر لا تلزمه كفارة. وينقسم صوم الواجب ثلاثة أقسام: أحدها مرتب، والاخر مخير، والثالث مضيق. فالمرتب: كفارة اليمين لانه لا يجوز الا بعد العجز عن العتق والاطعام والكسوة، وصوم كفارة قتل الخطأ والظهار فانه لا يجوز الا بعد العجز عن العتق، وصوم دم الهدي فانه لا يجوز الا بعد العجز عن الهدي. والمخير: كفارة أذى حلق الرأس فانه مخير بين النسك والصدقة والصوم، وكفارة من أفطر يوما من شهر رمضان بلا عذر على خلاف بين الطائفة في تخييره، وصوم كفارة من أفطر يوما يقضيه من شهر رمضان بعد الزوال، وكذلك صوم جزاء الصيد فانه مخير في جميع ذلك. والمضيق: صوم شهر رمضان، وصوم قضاء شهر رمضان، وصوم النذر، وصوم الاعتكاف. وأما المندوب من الصوم فجميع أيام السنة الا العيدين وأيام التشريق لمن كان بمنى، الا أن بعضه أفضل من بعض: منها: صوم ثلاثة أيام في كل شهر: أول خميس في العشر الاول، وأول أربعاء في العشر الثاني، وآخر خميس في العشر الاخير. وصوم الاربعة أيام في السنة، مثل يوم الغدير وهو الثامن عشر من ذي الحجة، ويوم السابع عشر من ربيع الاول فيه مولد النبي صلى الله عليه وآله، ويوم السابع والعشرين من رجب فيه مبعث النبي " ص "، ويوم الخامس والعشرين

[ 293 ]

من ذي القعدة فيه دحيت الارض من تحت الكعبة، وأول يوم من رجب، ورجب كله، وشعبان، وأيام البيض من كل شهر وهو الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. وصوم يوم عرفة لمن لا يضعفه عن الدعاء، وصوم يوم عاشورا على وجه الحزن والمصيبة لما حل بأهل بيت الرسول عليه السلام وعليهم. وأما الصوم القبيح: فهو يوم العيدين، ويوم الشك على أنه من شهر رمضان، وأيام التشريق لمن كان بمنى ومن كان بالامصار جاز له صومهن، وصوم الصمت وهو أن لا يتكلم، وصوم الوصال كذلك يجعل عشاءه وسحوره أو يطوي يومين، وصوم نذر المعصية، وصوم الدهر لانه يدخل فيه العيدان. وأما صوم التأديب: فمثل المسافر إذا قدم على أهله في بعض النهار أمسك بقية نهاره تأديبا، وكذلك الحائض إذا طهرت في وسط النهار، والمريض إذا برأ، والصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم. فان هؤلاء كلهم يمسكون بقية نهارهم تأديبا وكان عليهم القضاء لذلك اليوم. وأما صوم الاذن: فالمرأة لا تصوم الا باذن زوجها، وكذلك المملوك لا يصوم تطوعا الا باذن سيده، وكذلك الضيف الا باذن مضيفه. فصل (في حكم المريض والعاجز عن الصيام) كل مرض يغلب معه الظن أنه إذا صام أدى إلى تلف النفس أو زاد في المرض زيادة بينة فلا يجوز معه الصوم، وان صامه لم يجزه وكان عليه القضاء. والمريض لا يخلو من ثلاثة أحوال: اما أن يموت من مرضه، أو يبرأ، أو يستمر به المرض إلى رمضان آخر.

[ 294 ]

فان مات من مرضه يستحب لوليه القضاء عنه، وليس ذلك بواجب. وان برأ وجب عليه القضاء بنفسه، فان لم يقض ومات وجب على وليه القضاء عنه. والولي هو اكبر أولاده الذكور دون الاناث، فان كانوا جماعة في سن واحد كان عليهم القضاء بالحصص أو يكفل به بعضهم ويقوم به فيسقط عن الباقين. وإذا لم يمت وكان في عزمه القضاء من غير توان ولحقه رمضان آخر صام الثاني وقضى الاول ولا كفارة عليه، وإذا أخره توانيا صام الحاضر وقضى الاول وتصدق عن كل يوم بمدين من طعام، فان لم يقدر فبمد واحد. وان لم يبرأ حتى لحقه رمضان آخر صام الحاضر وتصدق عن الاول ولا قضاء عليه. وحكم ما زاد على رمضانين حكمهما سواء، وكل صوم وجب عليه فتوانى عنه ومات تصدق عنه وليه أو يصوم عنه كذلك. والعاجز عن الصيام نوعان: أحدهما يكفر [ مع القضاء ] 1)، والاخر يكفر بلا قضاء. فالاول: الحامل المقرب التي تخاف على الولد، والمرضعة القلية اللبن مثل ذلك، ومن به عطاش يرجى زواله. فهؤلاء يكفرون ويفطرون وعليهم القضاء. والثاني: الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، ومن به عطاش لا يرجى زواله. فهؤلاء عليهم كفارة بلا قضاء. فصل (في حكم المسافر في الصوم والصلاة) قد بينا أن فرض المسافر بخلاف فرض الحاضر في الصلاة، وأما في الصوم

1) الزيادة ليست في النسختين ويستوجبها السياق فلاحظ.

[ 295 ]

فلا يجوز له أيضا في السفر، ومتى صام لم يجزه وكان عليه القضاء، سواء كان الصوم شهر رمضان أو واجبا آخر بأحد الاسباب الموجبة لذلك على ما مضى، الا ما يكون نذر فيه أن يصوم مسافرا كان أو حاضرا فانه يلزمه الوفاء به. وصوم الثلاثة أيام لدم المتعة، لانها تصام في ذي الحجة. وما عدا ذلك من أنواع الصوم فلا يجوز في السفر، وان صامه كان عليه القضاء. هذا إذا جمع السفر شروطا ثلاثة: أحدها لا يكون قبيحا، والثاني أن يكون يريد ثمانية فراسخ أربعة وعشرين ميلا، والثالث أن لا يكون ممن ذكرنا أنه يجب عليه الصوم والتمام في السفر. ومن شرط الافطار تبييت النية للسفر من الليل، فان لم يبيتها وحدث له رأي في السفر صام ذلك اليوم ولا قضاء عليه. وان بيت النية من الليل ولم يتفق له الخروج إلى بعد الزوال تمم وقضى ذلك اليوم. ومن خرج إلى السفر لا يفطر حتى تتوارى عنه جدران بلده أو يخفى عليه أذان مصره. فصل (في حكم الاعتكاف) الاعتكاف في الشرع عبارة عن اللبث في مكان مخصوص للعبادة والمواضع التي يصح الاعتكاف فيها أربعة: المسجد الحرام، ومسجد النبي عليه السلام، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة. ولا يصح الاعتكاف الا بصوم ولا يكون أقل من ثلاثة أيام. فإذا اعتكف فلا يجوز له أن يقرب النساء بجماع أو قبلة أو مباشرة بشهوة، ويجتنب الطيب والجدال والمماراة، ويجتنب البيع والشراء ولا يخرج

[ 296 ]

من المسجد الا لضرورة، ولا يمشي تحت الظلال مختارا، ولا يقعد في غير المسجد الذي اعتكف فيه الا بمكة فانه يصلي أي موضع شاء منها. وإذا مرض المعتكف أو حاضت المرأة خرجا من المسجد الذي اعتكفا فيه، فإذا برء أعادا الاعتكاف والصوم. ومتى جامع المعتكف نهارا لزمته كفارتان مثل ما يلزم المفطر في شهر رمضان: احداهما لاجل الصوم، والثانية لاجل الاعتكاف. وان وطئ ليلا كان عليه كفارة واحدة لحرمة الاعتكاف.

[ 297 ]

كتاب الحج الحج في الشريعة عبارة عن قصد البيت الحرام لاداء مناسك مخصوصة على وجه مخصوص في أزمان مخصوصة ممن كان على صفة مخصوصة. وهو على ضربين: مفروض، ومسنون والمفروض على ضربين: أحدهما يجب بأصل الشرع، وهي حجة الاسلام، وهي واجبة على كل حر بالغ كامل العقل صحيح الجسم متمكن من الاستمساك على الراحلة مخلى السرب من الموانع يمكنه المسير واجد الزاد و الراحلة ولما يتركه من نفقة من يجب عليه نفقته على الاقتصاد ولما ينفقه على نفسه ذاهبا وجائيا بالاقتصاد، ويبقى بعد ذلك ما يرجع إلى كفاية في معيشة أو صناعة أو حرفة يرجع إليها. ومتى اختل شئ من هذه الشروط فانه لا يجب عليه الحج وان كان مستحبا له تكلفه والقيام به، غير أنه إذا فعله ثم تكاملت شروط وجوبه فلا بد له من اعادة الحج. ومن شرط صحة أدائها الاسلام وكمال العقل. ومتى تكاملت هذه الشروط تجب في العمر مرة واحدة، وما زاد عليها فمستحب مندوب إليه. وعند تكامل شروط الوجوب يجب على الفور والبدار دون

[ 298 ]

التراخي، غير أنه متى أخره ثم فعله كان مؤديا وان فرط في التأخير. وما يجب بالنذر أو العهد فهو بحسبهما ان كان واحدا فواحدا وان كان اكثر كان مثل ذلك، وإذا اجتمعت حجة الاسلام وحجة النذر فلا تجزي احداهما عن الاخرى إذا نذر حجة زائدة على حجة الاسلام، وان نذر مطلقا أجزأ عنهما حجة واحدة. ولا يراعى في حجة المندوب الشروط التي راعيناها في حجة الاسلام، وانما يراعى الحرية وكمال العقل، وما عداه فبحسب شروطه. فصل (في ذكر أقسام الحج) الحج على ثلاثة أقسام: تمتع بالعمرة إلى الحج، وقران، وافراد. فالتمتع هو فرض من نآ عن المسجد الحرام، وحده من كان بينه وبين المسجد من كل جانب اثنا عشر ميلا، فلا يجوز لهؤلاء التمتع مع الامكان، فإذا لم يمكنهم التمتع اجزأتهم الحجة المفردة أو القارنة. ومن كان من أهل حاضري المسجد الحرام - وهو من كان بينه وبين المسجد أقل من اثني عشر ميلا من أربع جوانبه - ففرضه القران والافراد ولا يجزيه التمتع بحال. فسياقة أفعال التمتع الاحرام من الميقات مع الحج والتلبيات الاربع، ويكون على تلبيته حتى يشاهد بيوت مكة، فإذا شاهدها قطع التلبية ودخل إليها ودخل المسجد الحرام، فطاف بالبيت سبعا وصلى عند المقام ركعتين، ثم يخرج إلى الصفا فيسعى بينهما سبعة أشواط. ثم يقصر من شعر رأسه، وقد أحل من كل شئ أحرم منه. ثم ينشئ احراما آخر بالحج يوم التروية، ويمضي إلى منى فيبيت بها ليلة

[ 299 ]

عرفة، ويغدو منها إلى عرفات فيقف هناك إلى غروب الشمس، ويفيض منها إلى المشعر الحرام فيصلي بها المغرب والعشاء الاخرة ويبيت بها إلى طلوع الشمس أو الفجر، ويتوجه إلى منى ويقضي مناسكه يوم النحر بها على ما نبينه، ويمضي إلى مكة فيطوف بالبيت طواف الزيارة ويصلي عند المقام ركعتين ويسعى بين الصفا والمروة ثم يطوف طواف النساء، وقد أحل من كل شئ أحرم منه وقد قضى مناسكه كلها للعمرة والحج وكان متمتعا، ثم يعود إلى منى فيقضي بقية مناسكه من الرمي وغير ذلك انشاء الله تعالى. وأما القارن فهو الذي يحرم من الميقات ويقرن باحرامه سياق الهدي ويمضي إلى عرفات ويقف بها ويعود إلى المشعر فيقف بها [ ويجئ منها يوم النحر فيقضي مناسكه بها ] 1) ثم يجئ إلى مكة فيطوف بالبيت ويصلي عند المقام ويسعى بين الصفا والمروة ويطوف طواف النساء، وقد قضى مناسكه كلها الحج فحسب دون العمرة. والمفرد مثل ذلك الا أنه لا يقرن باحرامه سياق الهدي، وباقي المناسك مما فيهما سواء، ويجددان التلبية عند كل طواف، ثم يخرج إلى التنعيم أو أحد المواضع التي يحرم منها، فيحرم من هناك بالعمرة ويرجع إلى مكة فيطوف بالبيت ويصلي عند المقام ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يطوف طواف النساء ويقصر من شعر رأسه وقد أدى عمرته، فتكون عمرته مفردة. ونحن نبين فصلا فصلا من ذلك انشاء الله تعالى. فصل (في ذكر المواقيت) المواقيت التي يحرم منها ثلاثة:

1) الزيادة من ج.

[ 300 ]

منها: لاهل العراق يجمعها اسم العقيق، أولها المسلخ وأوسطها غمرة وآخرها ذات عرق. وأفضلها الاول ودونها الاوسط وأدونها الاخير. ولا يتجاوز ذات عرق الا محرما، فان تجاوز متعمدا لزمه الرجوع إليها، فان لم يمكنه بطل حجه، وان تجاوزه ناسيا أو لعذر رجع مع الامكان، فان لم يمكنه أحرم من موضعه وقد أجزأه. وميقات أهل المدينة ذو الحليفة، وهو مسجد الشجرة، وعند الضرورة الجحفة، ولاهل الشام الجحفة وهي المهيعة، ولاهل الطائف قرن المنازل، ولاهل اليمن يلملم. ومن كان منزله وراء الميقات فميقاته منزله، ولا يجوز الاحرام قبل الميقات وان أحرم قبله لم ينعقد احرامه. فصل (في الاحرام وكيفيته وشروطه) الاحرام شرط في صحة الحج على ما قلناه، من تركه متعمدا فلا حج له، ولا يصح الاحرام بالحج على اختلاف أنواعه الا في أشهر الحج، وهي شوال وذو القعدة وتسعة من ذي الحجة. وأما الاحرام بالعمرة المفردة فيصح في سائر السنة أي وقت شاء. والاحرام لا ينعقد الا بالنية أولا والاستمرار عليها حكما. ويستحب الغسل عند الاحرام، وازالة الشعر والوسخ من بدنه الا شعر رأسه فانه لا يمسه من أول ذي القعدة، ثم يصلي ويلبس ثوبي احرامه، يأتزر بأحدهما ويتردى بالاخر، ويصلي ركعتي الاحرام، وان صلى ست ركعات كان أفضل، وان كان عقيب فريضة كان أفضل.

[ 301 ]

ثم يحرم عقيب الصلاة فيقول " اللهم اني أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج على لسان نبيك ". وان كان مفردا أو قارنا ذكر ذلك في دعائه " أحرم لك شعري وبشري وجلدي وعظامي من النساء والطيب وجميع ما نهيتني عنه في حال الاحرام ابتغي بذلك وجهك والدار الاخرة، اللهم ان لم تكن حجة فعمرة ". وإن أضاف إلى ذلك غيره من الدعاء كان أفضل. ثم يلبي فرضا واجبا، فيقول " لبيك اللهم لبيك، لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك، لبيك بحجة وعمرة أو حجة مفردة تمامها عليك لبيك ". وان أضاف إلى ذلك ألفاظا مروية من التلبيات كان أفضل. والتلبية بها ينعقد الاحرام، ويقوم مقامها اشعار الهدي وتقليدها لمن كان معه هدي، وهو أن يشعر سنامها ويلطخه بالدم ويعلق في رقبتها نعلا كان يصلي فيه. والاخرس ينعقد احرامه بالايماء. وإذا عقد احرامه ومشى خطوات رفع صوته بالتلبية، ويكون على التلبية في كل وقت إلى أن يشاهد بيوت مكة ان كان متمتعا فعند ذلك يقطع التلبية وان كان معتمرا عمرة مفردة فحين تضع الابل أخفافها في الحرم. وينبغي أن يجتنب في احرامه الطيب كله، وأكل طعام يكون فيه طيب، ولا يلبس مخيطا، وان يكشف رأسه ومحمله، ولا يتزين بزينة، ولا يصيد ولا يأكل لحم صيد، ولا يقتل صيدا، ولا يدل على صيد، ولا يدهن بشئ من الادهان طيبا وغير طيب، ولا يتزوج ولا يزوج ولا يجامع ولا يباشر النساء بشهوة ولا يلمسهن ولا يقبلهن، ويكون ثيابه مما تجوز الصلاة فيها وأفضلها القطن المحض ولا يقتل الجراد، ولا يرتمس في الماء. والمرأة تسفر عن وجهها، ويجوز لها لبس المخيط.

[ 302 ]

ولا يقطع شجرا نبت في الحرم، ولا يكسر بيض صيد، ولا يأكل منه، ولا يذبح فرخا، ولا يلبس الخفين، ولا ما يستر القدم، ويجتنب الفسوق وهو الكذب، والجدال وهو قول " لا والله " و " بلى والله "، والرفث وهو الجماع، ولا ينحي عن نفسه شيئا من القمل، ولا يقبض على أنفه من رائحة كريهة، ولا يقص شيئا من شعره ولا أظفاره، ولا يلبس سلاحا الا عند الضرورة. ويكره له لبس الثياب المصبوغة المشبعة والنوم عليها، ولبس الثياب المعلمة ولبس حلي لم تجر عادته بلبسه، ولا للمرأة لبسه. ويكره استعمال الحلي والكحل، ولا تلتفت المرأة، ولا ينظر في المرآة، ولا يحك جسمه حكا يدميه ويكره له دخول الحمام. وما يلزم من الكفارة لمخالفة ذلك قد بيناه في النهاية وغيره من كتبنا لا نطول بذكره. فما يلزمه من الكفارات في احرامه بالحج على اختلاف ضروبه فلا ينحره الا بمنى، وما يلزمه في احرام العمرة المفردة لا ينحره الا بمكة قبالة البيت بالحزورة. ويلزم المحل في الحرم القيمة، والمحرم في الحل الجزاء، والمحرم في الحرم الجزاء والقيمة، حسب ما بيناه في النهاية. والجماع ان كان بالفرج قبل الوقوف بالمشعر فانه يفسد الحج ويجب عليه اتمامه والحج من قابل، وان كان بعد الوقوف بالمشعر أو كان فيما دون الفرج كان عليه الكفارة ولا يلزمه الحج من قابل. ومن فعل ذلك في العمرة المفردة تممها وكان عليه قضاؤها من الشهر الداخل.

[ 303 ]

فصل (في دخول مكة والطواف بالبيت) يستحب الغسل عند دخول الحرم، وتطييب الفم بمضغ شئ من الاذخر أو غيره. وإذا أراد دخول مكة اغتسل أيضا منه، ويكون دخوله من أعلاها، ويمشي حافيا على سكينة ووقار. ويستحب أيضا الغسل عند دخول المسجد الحرام، وأن يدخل من باب بني شيبة، ويصلي على النبي عليه السلام عند الباب ويدعو بما أراد، وان دعا بما روي فيه كان أفضل، ويكون حافيا. فإذا أراد الطواف فينبغي أن يبتدئ أولا بالحجر الاسود، ويطوف سبعة أشواط ويكون على طهر، ويستحب أن يستلم الحجر في كل شوط ويقبله ان أمكنه، والا مسه بيده وقبل يده، وان لم يمكنه أومأ بيده إليه، ويدعو عند الاستلام، ويدعو عند الطواف، ويقرأ القرآن، ويلزم المستجار، ويضع خده وبطنه عليه ويدعو عنده. ويستحب أيضا استلام الاركان كلها وخاصة الركن اليماني. ومتى فرغ من الطواف على ما قدمناه صلى عند المقام ركعتين أو حيث يقرب منه. ومن زاد في طواف الفريضة عامدا أعاد، وإذا شك فلا يدري كم طاف أعاد، وان شك بين الستة والسبعة والثمانية أعاد، ومن نقص طوافه ثم ذكر أتمه ولا شئ عليه، فان رجع إلى بلده أمر من يطوف عنه ذلك، ومن شك بين السبعة والثمانية قطع الطواف ولا شئ عليه، ومن شك فيما دون السبعة في النافلة بنى على الاقل، ومن زاد في النافلة أتم أسبوعين.

[ 304 ]

ويكره الجمع بين طوافين في الفريضة، ويجوز ذلك في النوافل. والافضل كلما طاف سبعا أن يصلي عند المقام ركعتين ثم يطوف كذلك على ما شاء على هذا الترتيب. فصل (في السعي وأحكامه) إذا فرغ من طوافه ينبغي أن يخرج إلى الصفا. فإذا اراد الخروج إلى السعي بين الصفا والمروة فينبغي أولا أن يستلم الحجر ويقبله وينصرف فيأتي زمزم ويشرب من مائه ويصب شيئا منه على بدنه ويجتهد أن يكون ذلك من الدلو المقابل للحجر، وليخرج من الباب المقابل للحجر، ثم ليصعد إلى الصفا ويستقبل الكعبة ويقول " لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شئ قدير "، ويدعو الله ويحمده ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله. ثم يطوف بين الصفا والمروة سبع مرات، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، فإذا بلغ إلى المسعى فليسع فيه مهرولا راكبا كان أو ماشيا، وذلك على الرجال دون النساء، والمشي أفضل من الركوب. وكلما جاء إلى المروة وقف عندها ويدعو الله، وكذلك إذا عاد إلى الصفا مثل ذلك، ويدعو فيما بينهما ويقرأ القرآن، والافضل أن يكون على طهر وليس ذلك من شرطه. ومن زاد في السعي شوطا متعمدا أعاد، ومن سعى ثمان مرات ناسيا وهو عند المروة أعاد لانه بدأ بالمروة، ومن لا يدري كم سعى أعاد، ومن زاد شوطا

[ 305 ]

وقد بدأ بالصفا طرح الزيادة، وان أتم أسبوعين كان جائزا، ومن سعى تسع مرات وهو عند المروة لم يعد، ومن نقص شوطا أو ما زاد عليه ثم ذكر تمم ولم يعد. فإذا فرغ من السعي قصر من شعر رأسه ولحيته أو يقص أظفاره ولا يحلق رأسه في هذا الاحلال فان حلقه كان عليه دم ويمر الموسى على رأسه يوم النحر، وان نسي التقصير حتى يحرم بالحج كان عليه دم. فإذا فعل ذلك فقد أحل من كل شيئ أحرم منه الا الصيد لكونه في الحرم ويستحب له أن يتشبه بالمحرمين ولا يلبس المخيط. فصل (في ذكر الاحرام بالحج) إذا أراد الاحرام بالحج فينبغي أن يكون ذلك يوم التروية عند الزوال، فان لم يمكنه أحرم في الوقت الذي يعلم أنه يلحق الوقوف بعرفات. وكيفية الاحرام وشروطه وأفعاله مثل ما قدمناه في احرام العمرة سواء، غير أنه يذكر في دعائه الحج فقط فان العمرة قد مضت. ويقطع التلبية يوم عرفة عند الزوال، فان سها أحرم بالعمرة أجزأه ذلك بالنية إذا أتى بأفعال الحج، فان نسي الاحرام حتى يحصل بعرفات أحرم بها، فان لم يذكر حتى يقضي المناسك كلها لم يكن عليه شئ. فصل (في نزول منى وعرفات والمشعر) يستحب للامام أن يصلي الظهر والعصر يوم التروية بمنى، ومن عداه لا

[ 306 ]

يخرج من مكة حتى يصلي الظهر والعصر بها. وينبغي للامام أن لا يخرج من منى الا بعد طلوع الشمس من يوم عرفة، وغير الامام يجوز له الخروج بعد طلوع الفجر، ويجوز للعليل والكبير الخروج قبل ذلك. ويستحب الدعاء في طريق عرفات، وينبغي أن يصلي الظهر والعصر بعرفات يجمع بينهما بأذان واحد واقامتين، ويقف إلى غروب الشمس يدعو الله ويثني عليه و يصلي على النبي صلى الله عليه وآله ويدعو لنفسه ولاخوانه المؤمنين. وينبغي أن يكون نزوله ببطن عرفة ولا يقف تحت الاراك. فإذا غابت الشمس أفاض منها إلى المشعر، فان أفاض قبل ذلك متعمدا لزمه دم بدنة، ولا يصلي المغرب والعشاء الاخرة الا بالمشعر الحرام، ويبيت بها تلك الليلة في الدعاء وقراءة القرآن. ويستحب للصرورة أن يطأ المشعر. ولا يجوز للامام أن يخرج من المشعر الحرام الا بعد طلوع الشمس، وغير الامام يجوز له بعد طلوع الفجر، غير أنه لا يجوز وادي محسر الا بعد طلوع الشمس. ومن خرج قبل طلوع الفجر مختارا لزمه دم شاة، ورخص في ذلك للمرأة والخائف والمضطر الخروج قبل طلوع الفجر. ويستحب السعي في وادي محسر. فصل (في نزول منى والمناسك بها) أول ما يبدأ الحاج بمنى يوم النحر أن يرمي جمرة العليا بسبع حصيات،

[ 307 ]

يرميهن حذفا يضع كل حصاة على باطن ابهامه ويدفعها بظفر سبابته. وينبغي أن يلتقط الحصى ولا يكسرها، ويستحب أن تكون برشا، ولا يرمي بغير حصاة، وان كان على طهارة فهو أفضل، ويجوز الرمي على غير وضوء. ويرمي الجمرة من قبل وجهها، وينبغي أن يكون بينه وبين الجمرة عشرة أذرع إلى خمسة عشر ذراعا، ويدعو عند الرمي فيقول " اللهم هذه حصياتي فاحصهن لي وزدهن في عملي "، ولا يجوز أقل من سبع. فإذا فرغ من ذلك ذبح الهدي ان كان متمتعا وهو واجب عليه، وان كان قارنا أو مفردا استحب له أن يضحي. ومن شرط الهدي ان كان من البدن ان يكون اناثا، ويكون ثنيا فما فوقه، وهو ما تم له خمس سنين ودخل في السادسة، وان كان من البقر يكون أنثى ويكون ثنيا وهو الذي دخل في السنة الثانية، وان كان من الغنم يكون فحلا من الضأن يمشي في سواد وينظر في سواد ويبرك في سواد، فان لم يجد من الضأن جاز التيس من المعزى. ولا يجوز ناقص الخلقة، ومع الاختيار لا يجزي واحد الا عن واحد، وعند الضرورة يجزي واحد عن خمسة وعن سبعة وعن سبعين، وينبغي أن يكون مما قد عرف به. ولا يجوز ذبحه الا بمنى، ويستحب أن يتولى ذبحه بيده، والا جعل يده مع يد الذابح ويقول " وجهت وجهي " 1) إلى آخر الاية، ويقسمه ثلاثة أقسام: قسم يأكله، وقسم يهديه، وقسم يتصدق به. وان كان نائبا عن غيره ذكره عند الذبح، وان نوى عنه ولم يذكره أجزأه. وان لم يجد الهدي ووجد ثمنه خلف ثمنه عند الثقات ليشتريه ويذبح عنه

1) سورة الانعام: 84.

[ 308 ]

في بقية ذي الحجة، ومتى عجز عن ثمنه صام بدله ثلا ث أيام [ في الحج يوم التروية ويوم عرفة، فان فاته صام ثلاثة أيام ] 1) بعد انقضاء أيام التشريق، وان خرج من مكة صام ثلاثة أيام في الطريق في ذي الحجة والسبعة إذا وصل إلى أهله، فان أقام بمكة صبر شهرا ثم صام السبعة أيام. والاضحية قد ذكرنا أنه مسنونة شديدة الاستحباب، وشروطها شروط الهدي سواء. ويجوز ذبح الهدي طول ذي الحجة، والاضحية يجوز ذبحها بمنى يوم النحر وثلاثة أيام بعده، فإذا مضت فقد فات وقت الاضحية، وفي الامصار يوم النحر ويومان بعده فإذا خرجت فقد فات وقتها. وان كان وجب عليه هدي في كفارة أو نذر وكان حاجا ذبحه بمنى وان كان معتمرا ذبحه بمكة، ولا يأكل من هدي الكفارة ولا يخرجه من مكة ولا يدخره الا أن يقيم عوضه فيتصدق به، ويجوز ذلك في هدي التمتع والاضحية. فإذا فرغ من الذبح حلق رأسه، وان كان صرورة لا يجوز غير الحلق، وغير الصرورة يجزيه التقصير والحلق افضل، فان نسي حتى خرج من منى رجع إليها وحلق بها، فان لم يمكنه حلق موضعه وبعث شعره إلى منى ليدفن هناك فان لم يمكنه دفن مكانه. وليس على النساء حلق ويجزيهن التقصير. ويأمر الحلاق ليبدأ بناصيته فيحلق رأسه إلى الاذنين، ويدعو عند الحلق فيقول " اللهم اعطني بكل شعرة نورا يوم القيامة ". فإذا فرغ من الحلق مضى من يومه إلى مكة لزيارة البيت وطواف الحج. فان لم يفعل مضى من الغد ولا يؤخر اكثر من ذلك مع الاختيار، وان كان مفردا أو قارنا جاز له تأخيره إلى بعد انقضاء ايام التشريق. فإذا جاء إلى مكة فعل عند دخول المسجد والطواف مثل ما فعله يوم قدم مكة سواء، ويطوف أسبوعا ويصلي ركعتين عند المقام، ثم يخرج إلى الصفا

1) الزيادة ليست في ر.

[ 309 ]

فيسعى بينه وبين المروة سبع مرات كما فعل أول مرة سواء، فإذا فعل ذلك فقد أحل من كل شئ أحرم منه الا النساء، ثم يطوف طواف النساء أسبوعا آخر ويصلي ركعتين عند المقام، وقد حلت له أيضا النساء. فإذا فرغ من ذلك عاد إلى منى وأقام بها ايام التشريق ولا يبيت ليالي منى الا بها، فان بات بغيرها كان عليه عن كل ليلة شاة، ويرمي كل يوم من أيام التشريق ثلاث جمار باحدى وعشرين حصاة كل جمرة بسبع حصيات على ما وصفناه سواء، يبدأ بالجمرة الاولى ويرميها عن يسارها ويكبر ويدعو عندها، ثم الجمرة الثانية ثم الثالثة مثل ذلك سواء، ولا يقف عندها. ويجوز أن ينفر في النفر الاول وهو اليوم الثاني من أيام التشريق، فإذا أراد ذلك دفن حصاه يوم الثالث، ومن فاته رمي يوم قضاه من الغد بكرة ويرمي ما لذلك اليوم عند الزوال. ومن نسي رمي الجمار حتى جاء إلى مكة عاد إلى منى ورماها، فان لم يذكر فلا شئ عليه. وينبغي أن يرتب الرمي، يبدأ بالجمرة العظمى أولا ثم بالوسطى ثم بجمرة العقبة، فان رماها منكوسة أعاد. ويجوز الرمي عن العليل وعن المغمى عليه عن الصبي. وينبغي أن يكبر عقيب خمس عشرة صلاة بمنى، أولها صلاة الظهر يوم النحر وآخرها الفجر من اليوم الثالث من أيام التشريق، وفي الامصار عقيب عشر صلوات، أولها الظهر من يوم النحر وآخرها صلاة الفجر من اليوم الثاني من أيام التشريق. ولا ينفر في النفر الاول الا بعد الزوال، وفى الثانية يجوز قبل الزوال، ولا يجوز للامام أن ينفر في النفر الاول. ويستحب أن يعود إلى مكة لوداع البيت وطواف الوداع، ويدخل في

[ 310 ]

طريقه مسجد الحصبة ويستلقي فيه على قفاه ويصلي فيه، وكذلك مسجد الخيف وهو مسجد منى. ويستحب للصرورة 1) دخول الكعبة، والصلاة في أربع زواياها وبين الاسطوانتين وعلى الرخامة الحمراء، وغير الصرورة يجوز له أن لا يدخلها. ولا يبصق ولا يتمخط إذا دخلها. فإذا أراد الخروج من مكة ودع البيت وخرج من باب الحناطين، ويسجد في باب المسجد، ويدعو مستقبل الكعبة. وينبغي أن يشتري بدرهم تمرا ويتصدق به ليكون جبرانا لما لعله دخل عليه من تقصير في احرامه. فصل (في العمرة المفردة) العمرة فريضة مثل الحج، وشرائط وجوب الحج. وعمرة الاسلام مرة واحدة، وما يجب بالنذر والعهد فبحسبهما. ومتى تمتع بالحج سقط عنه فرضها، وان حج قارنا أو مفردا أتى بالعمرة بعد الفراغ من مناسك الحج إلى التنعيم أو مسجد علي بن الحسين أو مسجد عائشة، يحرم من هناك ويعود إلى مكة فيطوف بالبيت ويصلي عند المقام ويسعى بين الصفا والمروة ويقصر من شعر رأسه ثم يطوف طواف النساء، وقد أحل من كل شئ أحرم منه. وتجوز العمرة في كل شهر، وأقله في كل عشرة أيام.

1) وهو الذي يحج لاول مرة.

[ 311 ]

فصل (في ذكر مناسك النساء) الحج واجب على النساء كوجوبه على الرجال، وشروط وجوبه عليهن مثل شروط وجوبه على الرجال سواء بلا زيادة ولا نقصان. وليس من شرط وجوبه عليهن وجود محرم، ولا طاعة للزوج على المرأة في حجة الاسلام، ويجوز لها خلافه. ولا يجوز لها حج التطوع الا باذنه. وكلما يلزم الرجال بالنذر من الحج والعمرة يلزم مثله النساء. ويستحب أن لا تخرج الا مع محرم أو زوج، فان لم تجد خرجت مع ثقات المؤمنين. وان حاضت وقت الاحرام فعلت ما يفعله المحرم وتؤخر الصلاة والغسل ومتى حاضت قبل طواف العمرة وفاتها ذلك بطلت متعتها وجعلت حجة مفردة وتقضي العمرة فيما بعد، فان حاضت في حال الطواف وكانت طافت أربعة أشواط تركت بقية الطواف وقضتها بعد ذلك وتسعى وتقصر وقد تم متعتها، وان طافت ثلاثة أشواط أو أقل فقد بطلت متعتها فتجعلها حجة مفردة. ومتى خافت من الحيض عند عودها جاز لها تقديم طواف الحج وطواف النساء قبل الخروج إلى عرفات. والمستحاضة يجوز لها الطواف بالبيت إذا فعلت ما تفعله المستحاضة وتصلي عند المقام. والحائض إذا أرادت وداع البيت ودعت من باب المسجد ولا تدخله على حال.

[ 312 ]

كتاب الجهاد جهاد الكفار فرض في شرع الاسلام، وهو فرض على الكفاية إذا قام من في قيامه كفاية سقط عن الباقين. ولوجوبه شروط: أولها وجود امام عادل أو من نصبه امام عادل للجهاد ويكون من وجب عليه ذكرا بالغا كامل العقل صحيح الجسم حرا، ولا يجوز أن يكون شيخا ليس به نهضة ولا له قدر للجهاد. ومتى اختل شرط من ذلك سقط فرضه، الا ما كان على وجه دفع العدو عن النفس أو الاسلام. والمرابطة مستحبة، وحدها ثلاثة أيام إلى أربعين يوما، فإذا زاد على ذلك كان جهادا. وتصير المرابطة واجبة بالنذر. فصل (فيمن يجاهد من الكفار) كل من خالف الاسلام وأنكر الشهادتين وجب جهاده وقتاله.

[ 313 ]

ثم هم ينقسمون قسمين: أحدهما لا يرجع عنهم الا أن يسلموا أو يقبلوا الجزية ويلتزموا شرائط الذمة، وهم اليهود والنصارى والمجوس، وإذا قبلوا الجزية وضعها الامام على حسب ما يراه مصلحة في الحال ويراه أيضا في حالهم من الغني والفقير، وليس لها حد محدود لا تجوز الزيادة عليه ولا النقصان منه. وهو مخير بين أن يضعها على رؤوسهم أو على أرضيهم، فان وضعها على رؤوسهم لم يتعرض لارضيهم، وان وضعها على أرضيهم لم يتعرض لرؤوسهم الا أن يقع الشرط أن يضع بعضها على أرضهم وبعضها على رؤوسهم. ومتى وضعها على أرضهم فأسلموا سقطت عنهم الجزية وكانوا مثل المسلمين لزمهم العشر أو نصف العشر وتكون أملاكا في أيديهم. ومن وجبت عليه الجزية فأسلم سقطت عنه. ولا تؤخذ الجزية من الصبيان والمجانين والبله والنساء وتؤخذ من الباقين. وشرائط الذمة قبول الجزية، وترك التظاهر بأكل لحم الخنزير وشرب الخمر والزنا ونكاح المحرمات، ومتى خالفوا شيئا من ذلك فقد خرجوا من الذمة. ومن عدا الثلاث فرق يجب قتالهم إلى أن يسلموا أو يقتلوا وتسبى ذراريهم وتؤخذ أموالهم، ولا تؤخذ منهم الجزية بحال. ولا يبدأ الكفار بالقتال حتى يدعوا إلى الاسلام من التوحيد والعدل واظهار الشهادتين والقيام بأركان الشريعة، فان أبوا ذلك كله أو بعضه وجب قتالهم. وينبغي أن يكون الداعي الامام أو من يأمره الامام. ويجوز قتال الكفار بسائر أنواع القتال الا القاء السم في بلادهم فان ذلك

[ 314 ]

مكروه لان فيه هلاك من لا يجوز قتله من الصبيان والنساء والمجانين. ومن أسلم في دار الحرب كان اسلامه حقنا لدمه وجميع ماله الذي يمكن نقله إلى دار الاسلام، فأما ما لا يمكن نقله إلى دار الاسلام من العقارات والارضين فهو فئ للمسلمين. ويحكم على أولاده الصغار بالاسلام ولا يسترقون، فأما البالغون فلهم حكم نفوسهم. فصل (في ذكر قسمة الغنيمة والفئ وكيفيتها) (وحكم الاسرى) كلما يؤخذ في دار الحرب يخرج منه الخمس فيكون لاربابه، والباقي على ضربين: ما يمكن نقله إلى دار الاسلام فهو للقائم خاصة، وما لا يمكن نقله فهو لجميع المسلمين. والذراري والسبايا للمقاتلة أيضا خاصة، ويلحق بالذراري من لم ينبت، ومن أنبت أو علم بلوغه ألحق بالرجال، والاربعة أخماس بين المقاتلة وكل من حضر القتال قاتل أو لم يقاتل. ويقسم الصبيان معهم، ومن يولد في تلك الحال قبل القسمة ومن لحق بهم معينا لهم قسم لهم، فان لحقوهم بعد القسمة فلا شئ لهم. وليس للاعراب والعبيد شئ من الغنيمة. وتقسم الغنيمة بين المقاتلة بالسوية لا يفضل بعضهم على بعض للشرف أو العلم أو الزهد الا الفارس على الراجل، فان للفارس سهمين وللراجل سهما، فان كان معه أفراس جماعة فلم يسهم الا لفرسين فقط. وما يغنم منهم في المراكب قسم أيضا مثل ذلك للفارس سهمان وللراجل سهم.

[ 315 ]

والاسارى على ضربين: أحدهما يؤخذون والحرب قائمة، فهؤلاء الامام مخير فيهم بين أن يضرب رقابهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم ويتركهم حتى ينزفوا. والقسم الثاني يؤخذون بعد تقضي القتال، فالامام مخير فيهم بين أن يمن عليهم فيطلقهم أو يفاديهم اما بمال أو نفس أو يستعبدهم. ومن أسلم من الفريقين كان حكمهم حكم المسلمين، غير أن من استرق منهم لا يصير حرا. فصل (في أحكام البغي) الباغي هو كل من خرج على امام عادل وشق عصاه، فان على الامام أن يقاتلهم. ويجب على كل من يستنهضه الامام أن ينهض معه ويعاونه على قتالهم، ولا يجوز لغير الامام قتالهم بغير اذنه. فإذا قوتلوا لا يرجع عنهم الا أن يفيئوا إلى الحق أو يقتلوا، ولا يقبل منهم عوض ولا جزية. والبغاة على ضربين: أحدهما من له رئيس يرجعون إليه، فهؤلاء يجوز أن يجتاز على جراحاتهم ويتبع مدبرهم ويقتل أسيرهم. والاخر لا يكون لهم فيه رئيس، فهولاء لا يجاز على جريحهم ولا يقتل أسيرهم. ولا يجوز سبي ذراري الفريقين، ويغنم من أموالهم ما حواه العسكر، وما لم يحوه فلا يتعرض له بحال. والمحارب كل من أظهر السلاح وأخاف الناس، سواء كانوا في بر أو بحر أو سفر أو حضر، فهؤلاء يجب قتالهم على وجه الدفع عن النفس والمال فان أدى إلى قتلهم لم يكن على القاتل شئ.

[ 316 ]

واللص محارب، وتفصيل ذلك بيناه في النهاية والمبسوط لا نطول بذكره ههنا. * * * قد امتثلت ما رسمه الشيخ الاجل أطال الله بقاه من ذكر جل في كل باب ولم أطول القول فيه فيمله ويشق عليه، ولا قصرت في الاتيان بما يجب معرفته. وذكرت جملة من العبادات لا بد معرفتها ليقع العمل بحسبها، ولم أطنب القول فيه، فان كتبي في الفقه مشروحة كالنهاية وغيرها، ومتى وقع نشاط لما زاد على القدر رجع إليها. وأرجو أن يكون ذلك موافقا لغرضه ملائما لايثاره، والله تعالى المشكور على ما وفق من خدمته والمسارعة على امتثال مرسومه، وهو حسبي ونعم الوكيل. والحمد لله رب العالمين، وصلاته على محمد وآله الطاهرين.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية