الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المبسوط- الشيخ الطوسي ج 8

المبسوط

الشيخ الطوسي ج 8


[ 1 ]

المبسوط في فقه الإمامية تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى 460 هجري صححه وعلق عليه محمد الباقر البهبودي الجزء الثامن عنيت بنشره - المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية رقم التليفن - 21404 چاپ حيدري 1351 ش

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (كتاب الحدود) شرع في صدر الاسلام: إذا زنت الثيب أن تحبس حتى تموت، والبكر أن تؤذى وتوبخ حتى تتوب، قال الله تعالى " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم " إلى قوله " فأعرضوا عنهما " (1) ثم نسخ هذا الحكم فأوجب على الثيب الرجم وعلى البكر جلد مائة وتغريب عام. روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وآله قال: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم. وقد قيل: إن المراد بالآية الأولى الثيب وبالثانية البكر، بدلالة أنه أضاف النساء إلينا في الأولى فقال " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم " فكانت إضافة زوجية لأنه لو أراد غير الزوجات لقال من النساء ولا فائدة للزوجية في هذا المكان إلا أنها ثيب. الثيب يجب عليه الرجم بلا خلاف إلا الخوارج، فإنهم قالوا: لا رجم في الشرع. والكلام في حد الزاني في فصلين: حد الثيب، وحد البكر، فأما حد البكر فسيأتي بيانه، وأما حد الثيب وهو المحصن. من أصحابنا من قال: يجب عليه الجلد ثم الرجم ومنهم من قال: إنما يجب ذلك إذا كانا شيخين، فإن كانا شابين فعليهما الرجم لا غير، وعند المخالف يجب الرجم بلا تفصيل وقال بعضهم: يجمع بينهما بلا تفصيل. والبكر هو الذي ليس بمحصن، فإنه إذا زنا وجب عليه جلد مائة ونفي سنه إلى بلد آخر إذا كان رجلا، ولا نفي عندنا على المرأة، وفيهم من قال: يجب عليها

(1) النساء: 15.

[ 3 ]

النفي أيضا والنفي واجب عندنا وليس بمستحب وقال بعضهم: هو مستحب موكول إلى اختيار الإمام إن رأى نفى وإن رأى حبس. وحد التغريب أن يخرجه من بلده أو قريته إلى بلد آخر، وليس ذلك بمحدود بل على حسب ما يراه الإمام، وقال قوم: ينفيه إلى موضع يقصر فيه الصلوة حتى يكون في حكم المسافر عن البلد، فإن كان الزاني غريبا نفاه إلى بلد آخر غير البلد الذي زنا فيه. والبكر من لم يحصن، والثيب من أحصن، وحد الاحصان عندنا هو كل حر بالغ كامل العقل كان له فرج يغدو إليه ويروح على جهة الدوام، متمكنا من وطئه سواء كان ذلك بعقد الزوجية، أو بملك اليمين ويكون قد وطئ وقال بعضهم: شروط الاحصان أربعة الحرية والبلوغ والعقل والوطي في نكاح صحيح بعد وجود هذه الشرائط، وفيهم من قال: شرط الاحصان واحد، وهو الوطي في نكاح صحيح، سواء كان من عبد أو صبي أو مجنون، فأما البلوغ والعقل والحرية فإنها من شرائط وجوب الرجم. وفائدة هذا الخلاف هو إذا وطئ في نكاح صحيح وهو صغير ثم بلغ أو أعتق و هو عاقل ثم زنى فلا رجم عليه على القول الأول، وعلى القول الثاني يجب عليه الرجم وعلى مذهبنا لا يحتاج إليه لأنا لا نراعي الشروط حين الزنا، والاعتبار بما قبل ذلك وأصحابنا يراعون كمال العقل لأنهم رووا أن المجنون إذا زنا وجب عليه الرجم أو الجلد. فمن قال بمذهب المخالف قال: إذا وجد الوطي في نكاح صحيح فإن كانا كاملين بأن يكونا حرين عاقلين فقد أحصنا، وإن كانا ناقصين بأن يفقد فيهما أحد الشرائط التي ذكرناها لم يحصنا، وإن كان أحدهما كاملا والآخر ناقصا فإن كان النقص بالرق فالكامل قد أحصن دون الناقص، وإن كان النقص بالصغر قال قوم: الكامل منهما محصن، وقال آخرون: لا يثبت الاحصان لأحدهما في الموضعين، وقال بعضهم: إن كان النقص رقا لم يثبت الاحصان لأحدهما، وإن كان صغيرا أحصن الكامل

[ 4 ]

وعلى ما عقدناه لا يحتاج إلى هذا الشرط والتفصيل. إذا زنى عاقل بمجنونة فعليه الحد دونها، وإن كان الرجل مجنونا وهي عاقلة فمكنته عن نفسها، فعليها الحد عند قوم دونه، وقال قوم: لا حد على واحد منهما وعندنا يجب عليهما الحد على ما مضى شرحه. إذا رجم غسل وصلي عليه، وحكمه بعد الرجم حكم المسلم إذا مات، وحكم من يقتل قصاصا يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين بلا خلاف. وروى أصحابنا أنه يؤمر بالاغتسال قبل الرجم والتحنيط وكذلك من وجب عليه القصاص، فإذا قتل صلى عليه ودفن. يجوز للإمام أن يحضر عند من وجب عليه الحد وليس من شرط استيفائه حضور شاهد الإمام، ولا الإمام، لأن النبي صلى الله عليه وآله رجم ماعزا واليهوديين ولم يحضرهم. هذا إذا ثبت باعترافه، وأما إذا ثبت بالبينة فليس من شرطه حضور الشهود وروى أصحابنا أنه يبدء الشهود بالرجم إن ثبت بالبينة ثم الإمام ثم الناس، وإن ثبت باعترافه بدء برجمه الإمام ثم الناس، وهذا يدل على أن من شرطه حضور الإمام والشهود، وبه قال جماعة. لا يثبت حد الزنا إلا بالاقرار أربع مرات من الزاني في أربع مجالس متفرقة وبه قال جماعة. وقال قوم: يثبت بإقراره دفعة واحدة كسائر الاقرارات، واعتبر قوم أربع مرات، سواء كان في مجلس واحد أو مجالس متفرقة. إذا اعترف الرجل بالزنا فلزمه الحد ثم رجع بعد ذلك وقال: ما كنت زنيت فإنه يسقط الحد عنه، وكذلك كل حق لله خالص، كحد الخمر والقتل بالردة والقطع في السرقة، والذي رواه أصحابنا في الاعتراف الذي يوجب الرجم إذا رجع عنه فإنه يسقط فأما فيما عدا ذلك أو الزنا الذي يوجب الحد فلا يسقط بالرجوع. فأما ما كان حقا لآدمي كحد القذف وغيره فلا يسقط بالرجوع وقال جماعة إنه يسقط، ومذهبنا الأول.

[ 5 ]

ومن وجب عليه الحد لا يخلو من أن يكون بكرا أو محصنا، فإن كان بكرا وكان سليما لا مرض به ولا ضعف خلقة، فإن كان الهواء معتدلا لا حر شديد ولا برد شديد جلد، رجلا كان أو امرأة وأما إن كان الهواء غير معتدل إما لشدة حر أو برد أخر الجلد إلى اعتدال الهواء، فإذا أقيم الحد في شدة الحر أو البرد، ربما أدى إلى تلفه. وأما إذا كان عليلا لم يخل أن يكون العلة مما يرجى زوالها أو لا يرجى، فإن كان يرجى ذلك كالمرض الخفيف والصداع لم يقم عليه الحد حتى يبرء من مرضه وكذلك إن كان عليه حدان لا يوالي بينهما بل يقام أحدهما ويترك الآخر حتى يبرأ. ثم يقام عليه. فأما إذا كان مرضه مما لا يرجى زواله كالسل والزمانة وكان نضو الخلقة فإنه يضرب بأطراف الثياب وأنكال النخل وقال بعضهم يضرب بالسياط ويجلد، وروى أصحابنا أنه يضرب بضغث فيه مائة شمراخ. فإن وجب على امرأة حامل الحد فإنه لا يقام عليها حتى تضع لأنها ربما أسقطت فإذا رضعت فإن لم يكن بها ضعف أقيم عليها الحد في نفاسها وإن كانت ضعيفة لم تقم عليها حتى تبرأ كالمريض وكل موضع قلنا لا يقام عليها الحد لعذر من شدة حر أو برد فهلك فلا ضمان وقال قوم يضمن، وإن كان حملا فعليه ضمان الحمل. وإن كان أغلف فختنه الإمام في شدة حر أو برد فتلف! قال قوم هو ضامن، و قال آخرون لا ضمان عليه والأقوى عندي أنه لا ضمان عليه في الموضعين، لأنه لا دلالة عليه والأصل براءة الذمة. فأما المحصن إذا وجب عليه الرجم، فإن كان امرأة حائلا أو رجلا صحيحا والزمان معتدل فإنه يرجم في الحال وإن كان هناك مرض أو كان الزمان غير معتدل فإن كان الرجم ثبت بالبينة أقيم في الحال ولم يؤخر لأن القصد قتله، وإن كان ثبت بالاعتراف أخر إلى اعتدال الزمان لأنه ربما مسته الحجارة فيرجع، فيعين الزمان على قتله، وفيهم من قال يقام عليه الحد لأن القصد القتل وروى أصحابنا

[ 6 ]

أن الرجم يقام عليه ولم يفصلوا فأما إن كانت امرأة حاملا فإنها لا ترجم حتى تضع لئلا يتلف الولد. إذا وجب على الزاني الرجم فلما أخذوا رجم هرب، فإن كان ثبت باعترافه ترك وإن كان ثبت عليه بالبينة رد وأقيم عليه، هذا عندنا وقال المخالف: يترك ولم يفصلوا لما روي أن ماعزا لما مسمه حر الحجارة أخذ يشتد فلقيه عبد الله بن أنس وقد عجز أصحابه فرماه بطرف بعير فقتله، فذكروا ذلك لرسول الله فقال هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه وهذا عندنا لأنه كان اعترف به. فإذا ثبت أنه لا يتبع فإن هرب ثم قدر عليه من بعد، فإن كان مقيما على الاعتراف رجم وإن رجع عنه ترك. فأما الحفر فإنه إن ثبت الحد بالاعتراف لم يحفر له لأن النبي صلى الله عليه وآله لم يحفر لماعز، وإن ثبت بالبينة، فإن كان رجلا لم يحفر له لأنه ليس بعورة، وإن كانت امرأة حفر لها لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حفر للعامرية إلى الصدر، وروى أصحابنا أنه يحفر لمن يجب عليه الرجم ولم يفصلوا. حكي عن بعضهم أنه قال إذا شهد أربعة من الشهود على رجل بالزنا فإن كذبهم أقيم عليه الحد، وإن صدقهم لم يقم عليه لأنه إذا صدقهم سقط حكم الشهادة و صار الحد ثابتا باعترافه، وباعترافه مرة لا يثبت الحد على قوله. ونحن وإن وافقناه في أن الزنا باعترافه مرة لا يثبت، لا نقول إن حكم البينة يسقط ههنا لأنه لا دليل عليه. إذا وجد على فراشه امرأة فوطئها يعتقدها زوجته أو أمته فبانت أجنبية فلا حد عليه، وقال قوم عليه الحد وروى أصحابنا أنه يقام عليه الحد سرا وعليها جهرا إن تعمدت ذلك، فأما الموطوءة فإن كانت معتقدة أنه زوجها فلا حد عليها وإن علمت أنه أجنبي فسكتت فعليها الحد. الأخرس إذا كان له إشارة مفهومة أو كناية معلومة فأقر بالزنا لزمه الحد، و قال قوم لا حد عليه والأول يقتضيه مذهبنا.

[ 7 ]

الزنا واللواط وإتيان البهايم يثبت بأقل من أربعة شهود ذكور وقد حكينا أن أصحابنا رووا أنه يثبت بثلثة رجال وامرأتين. المتلوط بالذكران أو بالمرأة الأجنبية، إن أوقبه يجب عليه القتل عندنا والإمام مخير بين أن يضرب رقبته أو يرمي به من حائط عال أو يرمي عليه جدارا أو يرجمه أو يحرقه وإن كان الفجور بالذكور وكان دون الايقاب فإن كان محصنا رجم وإن كان بكرا جلد الحد وقال بعض المخالفين متى وطئ في الدبر ذكرا أو أجنبية رجم كان محصنا أو بكرا وقال بعضهم هو كالزنى يرجم إن كان ثيبا ويجلد إن كان بكرا وقال بعضهم لا حد عليه، لكن يعزر ويحبس حتى يتوب. من أتى بهيمة كان عليه التعزير عندنا بما دون الحد وقال بعضهم هو كاللواط وفيه قولان أحدهما يقتل، والآخر هو كالزنا، وقال بعضهم يعزر وهو مثل ما قلناه. فأما البهيمة فإن كانت مأكولة اللحم وجب ذبحها عندنا وعند جماعة لئلا يغتر بها أصحابها وقال بعضهم لئلا يأتي بخلقة مشوهة، وهذا غير بين لأنه ما جرت العادة بهذا، وينبغي أن يقول هذا عادة، فإذا ذبحت فلا يحل أكلها عندنا بل يحرق بالنار، وقال بعضهم لا يؤكل ولم يذكر الاحراق، وقال غيره يؤكل. وإن كانت غير مأكولة فلا يذبح عندنا بل يخرج من ذلك البلد إلى بلد آخر، وقال بعضهم يذبح وإن كانت البهيمة لغيره غرم ثمنها عندنا. فأما الشهادة عليه فلا يقبل إلا أربعة رجال وكذلك اللواط والزنا، وقال بعضهم مثل ذلك، ومن قال يوجب التعزير: منهم من قال مثل ما قلناه ومنهم من قال يثبت بشهادة رجلين وكذلك اللواط. إذا وجد رجل مع امرأة في فراش واحد يقبلها أو يعانقها فلا حد عليه وعليه التعزير وروي في بعض أخبارنا أنه يجلد كل واحد منهما مائة جلدة، وكذلك روى المخالف ذلك عن علي عليه السلام، وقال بعضهم خمسين وقال الباقون يعزر. إذا وجدت امرأة حامل ولا زوج لها فإنها تسئل عن ذلك، فإن قالت من زنا فعليها

[ 8 ]

الحد وإن قالت من غير زنا فلا حد عليها، وقال بعضهم: عليها الحد والأول أقوى لأن الأصل براءة الذمة لأنه يحتمل أن يكون من زنا أو من وطي بشبهة أو مكرهة والحد يدرأ بالشبهة. إذا وجب الحد على الزاني يستحب أن يحضر اقامته طائفة لقوله تعالى: " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " وقال ابن عباس الطائفة يكون واحدا وقال عكرمة اثنان، وقال الزهري ثلثة، وقال بعضهم عشرة. إذا أقيم الحد على الزاني فرق الضرب على بدنه ويتقى الوجه والفرج وقال بعضهم إلا الوجه والفرج والرأس. إذا شهد اثنان أنه أكرهها وقال آخرون أنها طاوعته فلا حد عليها، لأن الشهادة لم تكمل والرجل لا حد عليه أيضا، وقال بعضهم: إن عليه الحد، وهو الأقوى عندي لأن الشهادة قد كملت في حقه على الزنا لأنه زان في الحالين، ومن قال، لأول قال لأن الشهادة لم تكمل على فعل واحد فإن الاكراه غير المطاوعة. إذا ابتاع رجل ذات محرم له كالأخت والخالة والعمة من نسب أو رضاع أو الأم والبنت من الرضاع فإنه يحرم عليه وطيها، فإن خالف ووطئ مع العلم بالتحريم وجب عليه القتل عندنا وكذلك إذا وطي ذات محرم له وإن لم يشترها، سواء كان محصنا أو غير محصن، وقال قوم عليه الحد. وقال آخرون: لا حد عليه لأنه وطي صادف مملوكته فلم يجب عليه الحد كما لو كانت زوجته أو أمته حايضا. ويلحقه النسب عندهم لأن الحد إذا سقط صار شبهة يلحق به النسب، وعندنا لا يلحقه النسب، على أنه عندنا إذا اشترى واحدة منهن فإنهن ينعتقن عليه فلا يصادف الوطي الملك بحال. إذا استأجر امرأة للخدمة فوطئها فعليه الحد بلا خلاف، وإن استأجرها للزنا فزنا بها فعليه أيضا الحد وقال بعضهم لا حد عليه لشبهة العقد.

[ 9 ]

إذا عقد على ذات محرم كأمه وبنته وعمته أو امرأة أبيه أو ابنه أو تزوج بامرأة لها زوج أو وطئ امرأة بعد أن بانت باللعان أو بالطلاق الثلاث مع العلم بالتحريم فعليه الحد عندنا، وقال قوم لا حد عليه في شئ من هذا. إذا تكامل شهود الزنا أربعة ثم شهدوا به ثم ماتوا أو غابوا جاز للحاكم أن يحكم بشهادتهم ويقيم الحد على المشهود عليه وقال قوم لا يجوز وهذا هو الذي يقتضيه مذهبنا لأنا قد بينا أن البينة تبدء برجمه، وإن كان ما يوجب الحد فالأول أقوى. إذا كمل شهود الزنا أربعة ثبت الحد بشهادتهم سواء شهدوا في مجلس واحد أو في مجالس وتفريقهم أحوط عندنا، وقال بعضهم: إن شهدوا في مجلس واحد ثبت الحد وإن كانوا في مجالس فهم قذفة يحدون. إذا حضر أربعة ليشهدوا بالزنا فشهد واحد أو ثلثة الباب واحد لم يثبت الزنا على المشهود عليه لأن الشهادة ما تكاملت، أما من لم يشهد فلا شئ عليه، وأما الذين شهدوا فهل عليهم الحد أم لا؟ قال قوم: عليهم الحد، وقال بعضهم لا حد عليهم، والأول أظهر عندهم، والثاني أقيس، والذي يقتضيه مذهبنا أن عليهم الحد، وعلى ما يحكون أصحابنا في قضية المغيرة لا حد عليهم. فأما إن شهد الأربعة لكن ردت شهادة واحد منهم لم يخل من أحد أمرين إما أن يرد بأمر ظاهر أو خفى فإن ردت بأمر ظاهر مثل أن كان مملوكا أو امرأة أو كافرا أو ظاهر الفسق فإن حكم المردود شهادته قال قوم يجب عليه الحد، وقال آخرون لا يجب وكذلك اختلفوا في الثلاثة إذ لا فصل بين أن لا يشهد الرابع وبين أن ترد شهادته بأمر ظاهر لا يخفى على الثلاثة، والأقوى عندي أن عليهم الحد وإن كان الرد بأمر خفى قبل أن بحث الحاكم عن حاله، فوقف على باطن يرد به الشهادة فالمردود الشهادة قال قوم لا حد عليه وهو الأقوى، والثلاثة قال قوم لا حد عليهم أيضا وهو الأقوى عندي و منهم من قال عليهم الحد لأن نقصان العدالة كنقصان العدد والأول أقوى، لأنهم غير مفرطين في إقامتها فإن أحدا لا يقف على بواطن الناس، فكان عذرا في إقامتها فلهذا لا حد. ويفارق هذا إذا كان الرد بأمر ظاهر لأن التفريط كان منهم فلهذا حدوا عند

[ 10 ]

من قال بذلك على ما اخترناه، فبان الفصل بينهما. إذا شهد الأربعة أجمع على رجل بالزنى ثم رجع واحد منهم فلا حد على المشهود عليه، وعلى الراجع الحد لأنه إما أن يقول عمدت أو أخطأت، وأيهما كان فهو قاذف وأما الثلاثة فإنه لا حد عليهم عندنا، وقال بعضهم عليهم الحد. إذا رجم المشهود عليه بشهادتهم ثم رجعوا فإن قالوا أخطأنا في ذلك فعليهم الحد بالرجوع والدية مخففة، وإن قالوا عمدنا غير أنا ما علمنا أن شهادتنا تقبل أو قالوا علمنا أن شهادتنا تقبل وما علمنا أنه يقتل بذلك، فهذا القتل عمد الخطاء فعليهم الدية أرباعا على كل واحد ربع الدية. وإن قالوا عمدنا وقصدنا قتله فعليهم الحد والقود عندنا، لما روي أن شاهدين شهدا عند علي عليه السلام على رجل سرق فقطعه فأتياه بآخر وقالا هذا الذي سرق وأخطأنا على الأول فقال علي عليه السلام: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما، وروايات أصحابنا في ذلك مصرحة وقال قوم لا قود عليهم. وإذا رجع واحد منهم وقال عمدت وعمد أصحابي فعليه الحد والقصاص معا وإن قال عمدت وأخطأ أصحابي فلا قود عليه وعليه ربع الدية مغلظة، وإن قال أخطأت و أخطأ أصحابي أو أخطأت وعمد أصحابي فلا قود عليه وعليه الحد وربع الدية مخففة. إذا شهد عليها أربعة بالزنا وشهد أربع نسوة عدول أنها عذراء فلا حد عليها لأن الظاهر أنها ما زنت لبقاء العذرة ووجود البكارة، وإن احتمل أن يكون العذرة عادت بعد زوالها عند الفقهاء فلا يوجب الحد عليها بالشك، وأما الشهود فلا حد عليهم لأن الظاهر أن شهادتهم صحيحة ويحتمل أن يكون العذرة عادت بعد زوالها فلا يوجب الحد عليهم بالشك كما لا يوجب عليها بالشك. إذا استكره امرأة على الزنا فلا حد عليها لأنها ليست بزانية وعليه الحد لأنه زان فأما المهر فلها مهر مثلها عند قوم، وقال آخرون لا مهر لها وهو مذهبنا لأن الأصل براءة الذمة.

[ 11 ]

والأحكام التي يتعلق بالوطي على ثلثة أضرب أحدها معتبر بهما وهو الغسل، فالغسل يجب على كل واحد منهما، والحد بكل واحد منهما فإن كانا زانيين فعلى كل واحد وإن كان أحدهما زانيا فعليه الحد دون الآخر، وأما المهر فمعتبر بها فمتى حدت فلا مهر وإذا سقط الحد وجب لها المهر، وأما النسب فمعتبر به فمتى سقط عنه، الحد لحقه النسب، والعدة تتبع النسب متى لحق النسب تثبت العدة، وليس ههنا نسب مع حد إلا في مسألة وهي إذا وطئ أخته من رضاع أو نسب في ملك يمين، قال قوم يجب الحد ويلحق النسب، وعندنا لا يلحق النسب ههنا و يجب الحد. إذا زنا العبد بالأمة فعلى كل واحد منهما نصف الحد خمسين جلدة أحصنا أولم يحصنا ونريد بذلك التزويج وفيه خلاف وأما التغريب قال قوم يغربان، وقال قوم لا تغريب عليهما وهو مذهبنا. فمن قال لا تغريب فلا كلام، ومن قال عليهما التغريب منهم من قال سنة ومنهم من قال نصف سنة. من أقيم عليه حد الزنا ثلث مرات قتل في الرابعة إن كان حرا وإن كان مملوكا قتل في الثامنة ولم يقل بذلك أحد منهم. للسيد أن يقيم الحد على ما ملكت يمينه بغير إذن الإمام عبدا كان أو أمة مزوجة كانت الأمة أو غير مزوجة عندنا وعند جماعة، وقال قوم ليس له ذلك ومن قال له ذلك فمنهم من قال له التغريب أيضا وهو الأصح، ومنهم من قال ليس له ذلك. وأما الحد لشرب الخمر فله أيضا إقامته عليهم عندنا لما رواه علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم وهذا عام وأما القطع بالسرقة فالأولى أن نقول له ذلك لعموم الأخبار، وقال بعضهم: ليس له ذلك فأما القتل بالردة فله أيضا ذلك لما قدمناه، ومنهم من قال ليس له ذلك، والقول الأول أصح عندنا.

[ 12 ]

ومن قال للسيد اقامته عليهم أجراه مجرى الحاكم والإمام، وكل شئ للإمام أو الحاكم إقامة الحد به من إقرار وبينة وعلم فللسيد مثله، ومنهم من قال ليس له أن يسمع البينة لأن ذلك يتعلق به الجرح والتعديل، وذلك من فروض الأئمة والأول أصح عندنا. فإذا ثبت أنه يسمع البينة وإليه الجرح والتعديل كالإمام فمتى ثبت عنده ذلك عمل به، ومن قال ليس له ذلك قال الإمام يسمع البينة ويبحث عنها فإذا صحت عنده حكم بها وكان الإقامة إلى السيد وكان للإمام ما إليه وللسيد ما إليه. وأما اقامته بعلمه فقد ثبت عندنا أن للحاكم أن يحكم بعلمه فيما عدا الحدود وفي أصحابنا من قال: وكذلك في الحدود، وفي الناس من قال مثل ذلك على قولين. فأما الكلام في صفة السيد الذي له إقامة الحدود فجملته أنه لا بد أن يكون ثقة من أهل العلم بقدر الحدود باطشا في نفسه، فإذا كان كذلك فله اقامته بنفسه، و إن كان ضعيفا في نفسه وكل من يقيمه عليه، وإن كان فاسقا أو مكاتبا قال بعضهم ليس له ذلك لأنها ولاية والفسق والرق ينافيان الولاية وقال آخرون له ذلك لأنه يستحق ذلك بحق الملك فلا يؤثر الفسق كالتزويج فإن للسيد أن يزوج أمته وإن كان فاسقا وهذا هو الأقوى عندي لعموم الأخبار التي وردت لنا في ذلك. فإن كان السيد امرأة قال قوم لها ذلك وهو الأصح عندي وقال آخرون ليس لها ذلك كالفاسق والمكاتب فمن قال لها ذلك أقامته بنفسها، ومن قال ليس لها ذلك منهم من قال يقيمه الإمام، وقال بعضهم يقيمه وليها الذي يزوجها كما أن إليه تزويج رقيقها. إذا وجد الرجل قتيلا في دار رجل وادعى أنه قتله لأنه وجده يزني بامرأته فإن كان مع القاتل بينة بذلك فلا قود عليه وإن لم يكن معه بينة فالقول قول ولي المقتول ويقتل القاتل سواء كان المقتول معروفا بالتخطي إلى منازل الناس لهذا الشأن أو غير معروف به.

[ 13 ]

وإن قال صاحب الدار قتلته دفعا عن نفسي ومالي فإنه دخل لصا يسرق المتاع فإن كان معه بينة وإلا فالقول قول ولي المقتول أيضا، سواء كان المقتول معروفا باللصوصية أو غير معروف بها وقال بعضهم إن كان معروفا باللصوصية فالقول قول القاتل لأن الظاهر معه. إذا شهد اثنان أنه زنا بها بالبصرة، والآخران أنه زنا بها بالكوفة، فلا حد على المشهود عليه لأن الشهادة لم يكمل على فعل واحد، وأما الشهود قال قوم يحدون وهو مذهبنا وقال آخرون لا يحدون. إذا شهد أربعة على رجل بالزنا بها في هذا البيت، وأضاف كل واحد منهم شهادته إلى زاوية منه مخالف للزاوية الأخرى، فلا حد على المشهود عليه، لأن الشهادة لم تكمل وقال بعضهم يحد الشهود وقال بعضهم لا يحدون والأول أقوى. إذا شهد اثنان أنه زنا في هذه الزاوية وآخران في زاوية أخرى، كان مثل الأول سواء، وقال قوم القياس أنه لا حد على المشهود عليه، لكن أجلده إن كان بكرا و أرجمه إن كان ثيبا استحسانا والأول مذهبنا لأن الأصل براءة الذمة. إذا شهد أربعة بالزنا قبلت شهادتهم، سواء تقادم الزنا أو لم يتقادم وفيه خلاف وروي في بعض أخبارنا أنهم إن شهدوا بعد ستة أشهر لم يسمع، وإن كان لأقل قبلت. إذا تحاكم أهل الذمة إلى حاكم المسلمين، قال قوم هو بالخيار بين أن يحكم بينهم أو يدع، وهو الظاهر في رواياتنا ولقوله تعالى " فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " (1) وقال آخرون عليه أن يحكم بينهم لقوله تعالى " وأن احكم بينهم بما أنزل الله (2) " قد بينا شرايط الاحصان عندنا، وأنها أربعة أشياء أن يكون بالغا عاقلا حرا له فرج يغدو إليه ويروح، ويكون قد دخل بها، وعندهم أن يطأ وهو حر بالغ في نكاح صحيح، ولا يعتبر الاسلام عندنا وعندهم، فإذا وجدت هذه الشرايط من مشرك فقد

(1) المائدة: 42.
(2) المائدة: 49.

[ 14 ]

أحصن إحصان رجم، وهكذا إذا وطئ المسلم امرأته الكافرة فقد أحصنها. وقال بعضهم إن كانا كافرين لم يحصن واحد منهما صاحبه وإن كان مسلما وهي كافرة فقد أحصنا معا، لأن عنده أن أنكحة المشركين فاسدة، وعندنا أن أنكحتهم صحيحة وبه قال الأكثر، والوطي في النكاح الفاسد لا يحصن، فأما وطي المسلم زوجته المشركة فهو إحصان لهما، وقال بعضهم من شرط الاحصان والرجم الاسلام.

[ 15 ]

فصل * (في حد القذف) * قال الله تعالى " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم " (1) وروى حذيفة أن النبي عليه وآله السلام قال: قذف محصنة يحبط عمل مائة سنة، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من أقام الصلواة الخمس و اجتنب الكبائر السبع نودي يوم القيمة: يدخل الجنة من أي باب شاء، فقال رجل للراوي: الكبائر سمعتهن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: نعم، الشرك بالله، وعقوق الوالدين وقذف المحصنات، والقتل، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والربا ولا خلاف بين الأمة أن القذف محرم. فإن قذف وجب عليه الجلد لقوله تعالى " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة (2) " وروي أن النبي صلى الله عليه وآله لما نزل براءة ساحة عايشة صعد المنبر وتلا الآيات ثم نزل فأمر بجلد الرجلين والمرأة فالرجلان حسان ابن ثابت ومسطح بن أثاثة والمرأة حمنة بنت جحش، وروي عن علي عليه السلام أنه قال لا أوتي برجل يذكر أن داود صادف المرأة إلا جلدته مائة وستين، فإن جلد الناس ثمانون وجلد الأنبياء مائة وستون. فإذا ثبت أن موجب القذف الجلد فإنما يجب لقذف محصنة أو محصن لقوله تعالى " والذين يرمون المحصنات " وشرايط الاحصان خمسة: أن يكون المقذوف حرا بالغا عاقلا مسلما عفيفا عن الزنا فإذا وجدت هذه الخصال فهو المحصن الذي

(1) النور: 24.
(2) النور: 24.

[ 16 ]

يجلد قاذفه وهذه الشروط معتبرة بالمقذوف لا بالقاذف لقوله تعالى " والذين يرمون المحصنات " فوصف المقذوف بالاحصان فمتى وجدت هذه الشرايط وجب له الجلد على قاذفه فمتى اختلت أو واحدة منها فلا حد على قاذفه واختلالها بالزنا أو بالوطي الحرام على ما يأتي شرحه. وأما القاذف فلا يعتبر فيه الحصانة وإنما الاعتبار بأن يكون حرا بالغا عاقلا فإذا كان بهذه الصفة فعليه بالقذف جلد كامل، فإن كان عبدا فنصف الجلد وفيه خلاف وقد روى أصحابنا أن عليه الجلد كاملا هيهنا وفي شرب الخمر. إذا قذف جماعة نظرت، فإن قذف واحدا بعد واحد بكلمة مفردة، فعليه لكل واحدة منهم حد وإن قذفهم بكلمة واحدة فقال زنيتم أنتم زناة قال قوم عليه حد واحد لجماعتهم، وقال آخرون عليه لكل واحد منهم حد كامل وقال بعضهم عليه لجماعتهم حد واحد، سواء قذفهم بلفظ واحد أو أفرد كل واحد منهم بلفظ القذف، وروى أصحابنا أنهم إن جاؤا متفرقين كان لكل واحد منهم حد وإن جاؤا مجتمعين كان عليه حد واحد. إذا قال زنيت بفلانة أو قال لها زنا بك فلان، كان عليه حدان حد له وحد لها وقال بعضهم عليه حد واحد، والفرق بين هذا وبين أن يقول لهما زنيتما أن هذا خبر واحد متى صدق في أحدهما صدق في الآخر، وإن كذب في أحدهما كذب في الآخر، و ليس إذا قال زنيتما كذلك لأنه أضاف إليهما فعلين يجوز أن يكون صادقا فيهما، أو كاذبا فيهما أو صادقا في أحدهما كاذبا في الآخر. إذا قال لرجل يا بن الزانيين، فقد قذف أباه وأمه لأنه ابنهما فإذا ثبت أنه قذفهما نظرت، فإن لم يكونا محصنين فلا حد عليه وعليه التعزير، وإن كانا محصنين فعليه حدان إن أتيا به متفرقين، وإن أتيا به مجتمعين فعليه حد واحد، هذا إذا كان بلفظ واحد وإن كان بلفظين فعليه حدان. ثم ينظر فإن كانا حيين استوفيا لأنفسهما وإن كان ميتين وجب لوارثهما وإن كانا حيين فماتا قبل الاستيفاء فإنه يورث عنهما، وقال بعضهم حد القذف لا يورث، فإذا ثبت أنه يورث فمن الذي يرثه؟ قيل فيه ثلثة أوجه أحدها وهو الصحيح

[ 17 ]

أنه يرثه من يرث المال الرجال والنساء من ذوي الأنساب، فأما ذوو الأسباب فلا يرثون، وقال قوم يرث أيضا ذوو الأسباب من الزوج والزوجة والثالث يرثه عصبات القرابة ومذهبنا الأول. فإذا ثبت ذلك فإنهم يستوجبونه ويستحقونه وكل واحد منهم حتى لو عفا الكل أو ماتوا إلا واحدا كان لذلك الواحد أن يستوفيه فهو بمنزلة الولاية في النكاح عنهم فهو لكل الأولياء ولكل واحد منهم. إذا قذف رجلا ثم اختلفا فقال القاذف أنت عبد فلا حد على وقال المقذوف أنا حر فعليك الحد، فلم يخل المقذوف من ثلثة أحوال إما أن يعلم أنه حر أو عبد أو يشك فيه، فإن عرف أنه حر مثل أن عرف أن أحد أبويه حر عندنا أو يعلم أن أمه حرة عندهم، أو كان عبدا فأعتق فعلى القاذف الحد وإن عرف أنه مملوك فلا حد على القاذف وعليه التعزير، وأن أشكل الأمر كالرجل الغريب لا يعرف ولا يخبر و كاللقيط قال قوم القول القاذف. وكذلك إذا جنا عليه ثم اختلفا فقال الجاني أنت عبد فعلى القيمة، وقال المجني عليه: أنا حر فعليك القصاص لأن الأصل براءة ذمتها وقال آخرون القول قول المقذوف والمجني عليه لأن الأصل الحرية فيهما حتى يعلم غيرهما وجميعا قويان. وقال قوم القول قول القاذف في القذف والقول قول المجني عليه في الجناية وفصل بينهما بأن القصد من الجلد الزجر والردع، فإذا لم نجلده عزرناه فكان فيه زجر وردع، وليس كذلك القصاص، لأنه وإن كان يراد الزجر فإذا عدلنا عنه إلى المال زال معناه، فإن الزجر لا يعفى لغرامة المال، ولأنا إذا جعلنا القول قول القاذف عدلنا عن ظاهر الحد إلى اليقين وهو التعزير، وإقامته بيقين إما أن يكون تعزيرا أو بعض الحد وأيهما كان فقد أقيم على يقين، وليس كذلك القصاص، لأن الظاهر وجوبه، فإذا عدلنا عنه إلى المال تركنا الظاهر إلى مشكوك فيه وهو تلك القيمة

[ 18 ]

التي لا يدري هل هي الواجبة أم لا، فبان الفصل بينهما. إذا قال لعربي يا نبطي لم يجب عليه الحد بهذا الإطلاق لأنه يحتمل النفي فيكون قذفا، ويحتمل أن يريد نبطي الدار واللسان، فلا يكون قذفا، لكن يرجع إليه فإن قال ما نفيته عن العرب، وإنما أردت نبطي اللسان لأنه يتكلم بلغة النبط أو قال نبطي الدار لأنه ولد في بلاد النبط، فالقول قوله مع يمينه، ولا حد عليه، لأنه ما قذفه، وعليه التعزير، لأنه آذاه بالكلام. وإن قال أردت به أن جدته أم أبيه زنت بنبطي وأنت ولد ذلك النبطي من الزنا، فقد قذف جدته لأنه أضاف الزنا إليها، فإن كانت جاهلية فلا حد عليه، لأنها كافرة وعليه التعزير، وإن قال أردت أنك نبطي فإن أمك زنت بنبطي وأنت ولد ذلك الزاني فقد قذف أمه، فإن كانت أمة محصنة فعليه لها الحد. إذا قذف امرأة وطئت وطيا حراما وقد قسمناه على أربعة أضرب في اللعان. من لم تكمل فيه الحرية حكمه حكم العبد القن فلا حد على قاذفه، وعليه التعزير كالقن سواء، وعندنا يحد قاذفه بحساب ما تحرر منه حد الحر ويعزر فيما عداه. التعريض بالقذف ليس بقذف، مثل أن يقول: لست بزان ولا أمي زانية وكقوله يا حلال بن الحلال ونحو هذا كله، ليس بقذف، سواء كان هذا في حال الرضا أو في حال الغضب، وحكي عن بعضهم أنه قال ذلك قذف حال الغضب وليس بقذف حال الرضا.

[ 19 ]

(كتاب السرقة) قال الله تعالى " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " (1) وروي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ " فاقطعوا أيمانهما " وروى الزهري عن صفوان بن عبد الله بن صفوان أن صفوان بن أمية قيل له إنه من لم يهاجر هلك، فقدم صفوان المدينة فنام في المسجد وتوسد رداءه فجاء سارق فأخذ رداءه من تحت رأسه فأخذ صفوان السارق فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأمر به أن يقطع يده فقال صفوان لم أرد هذا، هو عليه صدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فهلا قبل أن تأتيني به، ومع هذا فلا خلاف فيه. القدر الذي يقطع به السارق عندنا ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار، من أي جنس كان، فإن كان من هذا المضروب المنقوش قطعناه به، وإن كان تبرا من ذهب المعادن الذي يحتاج إلى علاج وسبك فلا قطع عندنا وعند قوم، وإن كان ذهبا خالصا غير مضروب فالأقوى عندي أنه يقطع به للخبر، وقال بعضهم لا يقطع، لأن إطلاق الدينار لا ينصرف إليه حتى يكون مضروبا ألا ترى أن التقويم لا يقع إلا به. فإذا ثبت أن النصاب ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار، فالكلام بعد هذا في الأشياء التي يقطع بها ولا يقطع، وجملته متى سرق ما قيمته ربع دينار فعليه القطع سواء سرق ما هو محرز بنفسه كالثياب والأثمار والحبوب اليابسة ونحوها أو غير محرز بنفسه وهو ما إذا ترك فسد كالفواكه الرطبة كلها من الثمار والخضراوات كالقثاء والبطيخ والبقل والباذنجان ونحو ذلك أو كان من الطبيخ كالهريسة وساير الطبايخ أو كان لحما طريا أو مشويا الباب واحد. هذا عندنا وعند جماعة وقال قوم إنما يجب القطع فيما كان محرزا بنفسه فأما ما لم يكن محرزا بنفسه وهو الأشياء الرطبة والطبيخ فلا قطع به بحال.

(1) المائدة: 38.

[ 20 ]

وأما الكلام فيما كان أصله الإباحة أو غير الإباحة فجملته أن كل جنس يتمول في العادة ففيه القطع، سواء كان أصله الإباحة أو غير الإباحة، فما لم يكن على الإباحة كالثياب والأثاث والحبوب ففي كل هذا القطع. وأما ما أصله الإباحة فكذلك أيضا عندنا، فمن ذلك الصيود كلها الظباء وحمر الوحش وبقر الوحش، وكذلك الجوارح المعلمة، كالبازي والصقر والباشق والعقاب والشاهين، وكذلك الخشب كله والحطب وغير الحطب والساج وغيره وكذلك الطين ومنه جميع ما يعمل من الخزوف والفخار والقدور والغضار وجميع الأواني وكذلك الزجاج وجميع ما يعمل منه، وكذلك الحجر وجميع ما يعمل منه من القدور والبرام وكذلك كل ما يستخرج من المعادن كالقير والنفط والموميائي والملح وجميع الجواهر من اليواقيت وغيرها وكذلك الذهب والفضة كل هذا فيه القطع عندنا وعند جماعة. وقال بعضهم ما لم يكن أصله الإباحة كالثياب والأثاث والحبوب مثل قولنا، وما كان أصله الإباحة في دار الاسلام فلا قطع فيه بحال، فقال: لا قطع في الصيود كلها و جوارح الطير المعلمة وغير المعلمة وكذلك الخشب إلا أن يعمل منه آنية كالجفان والقصاع والأبواب، فيكون في معموله القطع إلا الساج، فإن في معموله وغير معموله القطع، لأنه ليس من دار الاسلام وفي الرماح روايتان أحدهما لا قطع كالخشب والقصب والثاني فيها القطع كالساج، وهكذا كل ما كان من المعادن كالملح والكحل والزرنيخ وكذلك القير والنفط والموميائي كله فلا قطع فيه إلا الذهب والفضة والياقوت والفيروزج فإن فيه القطع قال لأن جميع هذه الأشياء على الإباحة في دار الاسلام فلا قطع فيه كالماء. قد ذكرنا أن النصاب الذي يتعلق به القطع ربع دينار، والمراد بالدينار هو المثقال الذي في أيدي الناس، وهو الذي كل سبعة منها عشرة دراهم من دراهم الاسلام، لأن كل موضع أطلق الدينار في الشرع فالمراد به المثقال بدلالة ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال إذا بلغ الذهب عشرين دينارا ففيه نصف دينار، وأراد

[ 21 ]

عشرين مثقالا، وقد روي في بعضها عشرون مثقالا ففيه نصف مثقال، فإذا ثبت هذا فإن المثقال لم يزل على ما هو عليه على آباد الدهر قبل الاسلام وبعده، وإنما الدراهم كانت مختلفة، وكانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ضربين الدرهم الأسود البغلي وهو الكبير الذي كان فيه درهم ودانقان، والآخر درهم صغير طبري من طبرية الشام كان فيه أربعة دوانيق فكانت الزكوة تؤخذ من كل مأتين منهما، فلما كانت أيام بني أمية أطرحوا الصغير على الكبير وقسموا ذلك نصفين فكان كل نصف ستة دوانيق وهو الذي في أيدي الناس. فإذا ثبت هذا فمتى سرق ربع دينار وهو خمسة قراريط أو ما قيمته هذا القدر فهو الذي قال عليه السلام القطع في ربع دينار. لا قطع إلا على مكلف، وهو البالغ العاقل، فأما غير المكلف وهو الصبي أو المجنون فلا قطع على واحد منهما لقوله تعالى: " فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله " وإنما يعاقب من كان عاقلا. وروي عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه، وهو إجماع فإن كان السارق مجنونا فلا قطع، وإن كان غير بالغ فلا قطع. وبما ذا يكون بالغا قد ذكرناه في الصلوة والحجر، وجملته متى بلغ الغلام أو الجارية خمس عشرة سنة فقد بلغ سواء أنزل أو لم ينزل وأيهما أنزل الماء الدافق بجماع أو احتلام أو بغير ذلك وظهر منهما المني فقد بلغا وأما الانبات فهو أن ينبت الغلام أو الجارية الشعر الخشن حول الفرج، فإن كان مشركا حكمنا أنه بالغ وعندنا أنه بلوغ وقال قوم دلالة على البلوغ. فمن قال بلوغ في المشركين، قال هو بلوغ في المسلمين لأن البلوغ لا يختلف كالسن ومن قال دلالة على البلوغ فهل يكون دلالة على البلوغ في المسلمين أم لا؟ قال بعضهم يكون دلالة، وقال غيره لا يكون دلالة.

[ 22 ]

هذا ما يشترك فيه الجارية والغلام، وأما ما يختص به الجارية، فالحيض فمتى حاضت فقد بلغت، وإن حملت لم يكن الحمل بلوغا لكنه دلالة على البلوغ فإن الحمل لا يكون إلا عن إنزال الماء الدافق، وهو بلوغ. ولا قطع إلا على من سرق من حرز فالسرقة أخذ الشئ على سبيل الاستخفاء فأما المنتهب والمختلس والخاين في عارية أو وديعة فلا قطع عليه. وأما الحرز فأن يأخذه من حرز مثله، فإن من سرق من غير حرز أو انتهب من حرز فلا قطع عليه فلا بد من شرطين: سرقة ومن حرز وفيه خلاف. فإذا ثبت أنه لا قطع إلا على من سرق من حرز احتجنا إلى تبيين الحرز ومعرفته مأخوذة من العرف، فما كان حرزا لمثله في العرف ففيه القطع، وما لم يكن حرزا لمثله في العرف فلا قطع، لأنه ليس بحرز. فحرز البقل والخضراوات في دكاكين من وراء شريجة (1) يغلق أو يقفل عليها، و حرز الذهب والفضة والجوهر والثياب في الأماكن الحريزة في الدور الحريزة وتحت الاغلاق الوثيقة، وكذلك الدكاكين والخانات الحريز، فمن جعل الجوهر في دكاكين البقل تحت شريجة قصب فقد ضيع ماله، والحرز يختلف باختلاف المحرز فيه. وقال قوم إذا كان الموضع حرزا لشئ فهو حرز لساير الأشياء، ولا يكون المكان حرزا لشئ دون شئ وهو الذي يقوى في نفسي، لأن أصحابنا قالوا إن الحرز هو كل موضع ليس لغير المالك أو المتصرف فيه دخوله إلا بإذنه. فإذا ثبت هذا فالمتاع ضربان خفيف وثقيل فالخفيف كالأثمان والثياب والصفر والنحاس والرصاص ونحو هذا فحرز هذا في الحرائز الوثيقة والاغلاق الوثيقة و الأبواب الجيدة في الدور والدكاكين والخانات، وأما الثقيل كالخشب والحطب و الطعام فإن حرز الحطب أن يعبأ بعضه على بعض ويشد من فوقه بحبل حتى إذا أراد أن يأخذ منها خشبة يعسر ذلك عليه، وفيهم من قال هذا حرزها نهارا فأما

(1) باب من القصب يعمل للدكاكين، وجديلة من القصب تتخذ للحمام، وجوالق كالخرج ينسخ من سعف النحل يحمل فيه البطيخ.

[ 23 ]

ليلا فلا بد من باب تغلق دونها وليس بجيد عندهم. وأما الطعام فحرزها أن يجعل في غرائر ويخيط ويجمع ويشد بعضها إلى بعض فإذا كان كذلك فهو حرز له، وقال بعضهم لا بد أن يكون من وراء باب تغلق ويقفل عليه، وهو الأقوى عندي. والإبل على ثلثة أضرب راعية وباركة ومقطرة، فإن كانت راعية فحرزها أن ينظر الراعي إليها مراعيا لها فإن كان ينظر إلى جميعها مثل أن كان على نشز أو مستوى من الأرض فهي في حرز، لأن الناس هكذا يحرزون أموالهم عند الراعي، وإن كان لا ينظر إليها مثل أن كان خلف جبل أو نشز من الأرض، أو كانت في وهدة من الأرض لا ينظر إليها، أو كان ينظر إليها فنام عنها فليست في حرز، وإن كان ينظر إلى بعضها دون بعض فالتي ينظر إليها في حرز والتي لا ينظر إليها في غير حرز. وأما إن كانت باركة، فإن كان ينظر إليها فهي في حرز، وإن كان لا ينظر إليها فإنما تكون في حرز بشرطين أحدهما أن تكون معقولة، والثاني أن يكون معها نائما أو غير نائم، لأن الإبل الباركة هكذا حرزها، فإن اختل الشرطان أو أحدهما مثل أن لم تكن معقولة، أو كانت معقولة ولم يكن معها، أو نام عندها ولم يكن معقولة، فكل هذا ليس بحرز. وأما إن كانت مقطرة فإن كان سائقا ينظر إليها فهي في حرز، وإن كان قائدا فإنما يكون في حرز بشرطين أحدهما أن يكون بحيث إذا التفت إليها شاهدها كلها و الثاني أن يكثر الالتفات إليها مراعيا لها فكلها في حرز فإن كان عليها متاع فهي و المتاع في حرز. فإذا ثبت ذلك فكل موضع قلنا هي في حرز: فإن سرق سارق حملا منها مع المتاع قطع. وإن كان صاحبها قايما عليها فلا قطع عليه، لأنه لم يخرج المتاع عن يد صاحبه، وما كانت يد صاحبه عليه. وأما الكلام في البغال والحمير والخيل والغنم والبقر، فإذا كانت راعية فالحكم

[ 24 ]

فيها كالإبل سواء، وقد فصلناه، وأما باركة فلا يكون، وإن كان يسوقها أو يقودها فالحكم على ما مضى، فإذا آوت إلى حظيرة كالمراح والمربد والاصطبل، فإن كان هذا في البر دون البلد، فما لم يكن صاحبها معها في المكان ليس بحرز، وإن كان صاحبها معها فيه فهو حرز إلا أنه إن كان الباب مفتوحا لم يكن حرزا حتى يكون الذي معها مراعيا لها غير نائم، وإن كان الباب مغلقا فهو حرز نائما كان أو غير نائم فإن كانت الحظيرة في جوف البلد فالحرز أن يغلق الباب سواء كان صاحبها معها أو لم يكن معها. وإن كان معه ثوب ففرشه ونام عليه، أو اتكأ عليه أو نام وتوسده فهو في حرز في أي موضع كان في البلد أو البادية لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قطع سارق رداء صفوان وكان سرقه من تحت رأسه في المسجد لأنه كان متوسدا له فإن تدحرج عن الثوب زال الحرز. فإن كان بين يديه متاع كالميزان بين يدي الخبازين، والثياب بين يدي البزازين، فحرز ذلك نظره إليه، فإن سرق من بين يديه وهو ينظر إليه ففيه القطع وإن سها أو نام عنه زال الحرز وسقط القطع. إذا ضرب فسطاطا أو خيمة وشد الاطناب ونصبها وجعل متاعه فيها، نظرت فإن لم يكن معها فليست في حرز، وإن كان معها نائما أو غير نائم فهو وما فيها في حرز فإن سرق سارق قطعه منها فبلغ نصابا أو من جوفها ففيه القطع، لأن الخيمة حرز لما فيها، وكل ما كان حرزا لما فيه فهو حرز في نفسه. لا يخلو البيوت من أحد أمرين إما أن يكون في البلد أو في البر فإن كانت في برية أو كانت في البساتين أو الرباطات في الطرق فليست بحرز ما لم يكن صاحبها فيها سواء أغلقت أبوابها أو لم يغلق، لأن من جعل متاعه في مثل هذه المواضع وغاب عنه فكل أحد يقول هو الذي ضيع متاعه، وإن كان صاحبها فيها وأغلق الباب فهي حرز نام فيها أو كان منتبها. وإن كانت في جوف البلد فالحكم في البلدان والقرى واحد متى جعل متاعه فيها

[ 25 ]

وأغلق الباب كهذه الدكاكين التي في الأسواق والخانات والمنازل فهو حرز لما فيها سواء كان صاحبها فيها أو لم يكن، لأن عادة إحراز الناس هكذا، فإن أحدا لا يقول إني أنام في الدكان ولا إذا غاب عن داره رتب فيها حافظا لها، فلهذا كانت حرزا. فأما الدور والمنازل التي للناس، فإن كان باب الدار مغلقا فكل ما فيها وفي خزاينها في حرز، وإن كان باب الدار مفتوحا وأبواب الخزاين مفتوحة، فليس شئ منها في حرز، فإن كان باب الدار مفتوحا وأبواب الخزاين مغلقة، فما في الخزاين في حرز وما في جوف الدار في غير حرز. هذا كله إذا لم يكن صاحبها فيها وإن كان صاحبها فيها والأبواب مفتحة فليس شئ في حرز إلا ما يراعيه ببصره، فيكون الحكم فيه كما قلنا في الحكم فيما بين يديه، فما ينظر إليه في حرز وما لا ينظر إليه فليس في حرز. فأما حايط الدار فالآجر الذي فيه في حرز، لأن كل ما كان حرزا لغيره فهو في نفسه حرز، فإن هدم هادم من آجر الحايط ما قيمته نصاب فعليه القطع، وأما باب الدار فمتى نصب وكان في مكانه فهو في حرز سواء كانت مغلقا أو مفتوحا، هذا الحكم في باب الدار. فأما أبواب الخزاين التي فيها فهي كالمتاع في الدار، فإن كانت هذه الأبواب مغلقة فهي في حرز، وإن كانت غير مغلقة فإن كان باب الدار مفتوحا فهي في غير حرز وإن كان باب الدار مغلقا فهي في حرز فأما حلقة باب الدار فهي في حرز لأن الحلقة هكذا تحرز: بأن تسمر في الباب على ما جرت به العادة، فإن قلعها قالع وبلغت نصابا ففيه القطع. إذا أخرج السارق المتاع من البيت إلى صحن الدار لم تخل الدار من أحد أمرين إما أن يكون من هذه الخانات أو من دار ينفرد بها ساكنها، فإن كانت من هذه الخانات التي لكل واحد من الجماعة بيت مقفل فيها والصحن مشترك يدخله كل أحد فكل بيت فيها حرز لما فيه فإن نقب أو نفش القفل فأخرج منه نصابا إلى جوف

[ 26 ]

الصحن فعليه القطع لأنه أخرجه من حرزه إلى غير حرزه وذلك أن هذه الخانات تجري مجرى الدرب الذي فيه حجر، فإن الحجر منه حرز لما فيها فمتى أخرج من الحجر شيئا إلى الدرب فقد أخرجه من حرزه إلى غير حرزه، فكان عليه القطع كذلك ههنا، وسواء كان باب الخان مغلقا أو مفتوحا، لأن هذا الصحن مشترك بين الناس فلا فرق بين أن يكون باب الخان مغلقا أو مفتوحا. وإن كانت الدار دارا ينفرد بها ساكنها مثل هذه الدور التي ليست بخانات فإذا أخرج السارق من بيت فيها شيئا إلى صحنها فهل عليه القطع أم لا؟ فيها أربع مسائل: إما أن يكون باب البيت مفتوحا وباب الدار مفتوحا، أو باب الدار مغلقا وباب البيت مفتوحا، أو باب البيت مغلقا وباب الدار مفتوحا أو مغلقين. فإن كانا مفتوحين فلا قطع على السارق لأن الأبواب إذا كانت مفتحة فليست الدار ولا بيت منها حرزا وإن كان باب الدار مفتوحا وباب البيت مغلقا فالبيت حرز لما فيه، فإذا أخرجه إلى صحن الدار فعليه القطع، لأنه أخرجه من حرز إلى غير حرز، فإن الصحن ليس بحرز إذا كان باب الدار مفتوحا. وإن كان باب الدار مغلقا وباب البيت مفتوحا فإذا أخرجه إلى الصحن فلا قطع لأن البيت إذا كان مفتوحا لم يكن حرزا فإذا أخرجه إلى الصحن فقد أخرجه من غير حرز إلى ما هو حرز فلهذا لا قطع عليه. فأما إذا كانا مغلقين فإذا أخرجه من البيت إلى الصحن قال قوم عليه القطع لأنه أخرجه من حرزه فإن البيت إذا كان مغلقا كان حرزا لما فيه، فإذا أخرجه من حرزه فعليه القطع، كما لو أخرجه إلى خارج الدار، وقال آخرون ليس عليه القطع وهو الصحيح عندي، لأنه أخرجه من حرز إلى ما هو حرز، فإن البيت حرز في حرز فلا قطع عليه كما لو كان في البيت صندوق مقفل فأخرجه من الصندوق إلى البيت فإنه لا قطع كذلك البيت مثله وما قالوه باطل تمثله الصندوق. وإذا نقبا معا ودخل أحدهما فوضع السرقة في بعض النقب فأخذها الخارج

[ 27 ]

قال قوم لا قطع على واحد منهما، وقال آخرون عليهما القطع، لأنهما اشتركا في النقب والإخراج معا، فكانا كالواحد المنفرد بذلك، بدليل أنهما لو نقبا معا ودخلا فأخرجا معا كان عليهما الحد كالواحد، ولأنا لو قلنا لا قطع كان ذريعة إلى سقوط القطع بالسرقة، لأنه لا يشاء شيئا إلا شارك غيره فسرقا هكذا فلا قطع، والأول أصح لأن كل واحد منهما لم يخرجه من كمال الحرز، فهو كما لو وضعه الداخل في بعض النقب، واجتاز مجتاز فأخذه من النقب فإنه لا قطع على واحد منهما. فأما إن نقب أحدهما ودخل الآخر فأخرج نصابا، منهم من قال لا قطع عليهما وهو الأصح، وقال قوم عليهما القطع. إذا نقب واحد وحده فدخل الحرز فأخذ المتاع فرمى به من جوف الحرز إلى خارج الحرز أو رمى به من فوق الحرز أو شده بحبل ثم خرج عن الحرز فجره وأخرجه أو أدخل خشبة معوجة من خارج الحرز فأخرج المتاع فعليه القطع في كل هذا لأنه أخرجه من الحرز وإن كان بآلة. فإن كان في الحرز ماء يجري فجعله في الماء فخرج مع الماء، فعليه القطع لأنه قد أخرجه بآلة فهو كما لو رمى به، وإن كان معه دابة فوضع المتاع عليها وساقها أو قادها فأخرجها فعليه القطع لأنه أخرجه بآلة، فإن وضعه على الدابة فسارت بنفسها من غير أن يسوقها ولا يقودها قال قوم لا قطع وقال آخرون عليه القطع وهو الأقوى، لأنها خرجت بفعله وهو نقل المتاع عليها، ومن قال لا قطع قال لأن للدابة قصدا وإرادة واختيارا فإذا خرجت كان خروجها بغير فعله فلا قطع، وهذا كما يقول إذا فتح قفصا عن طاير فإن هيجه حتى طار فعليه الضمان، وإن طار بنفسه عقيب الفتح من غير تهييج فعلى قولين كذلك هيهنا. وإن كان في الحرز ماء راكد فجعل المتاع فيه فانفجر وخرج الماء فخرج المتاع معه، قال قوم عليه القطع لأنه بسبب كان منه، وقال آخرون لا قطع لأنه خرج بغير قصده، فهو كالدابة سواء، وهو الأقوى في نفسي. فأما إن أخذه فرمى به إلى خارج الحرز فطيرته الريح وأعانته حتى خرج

[ 28 ]

ولولا الريح ما كان يخرج فعليه القطع، لأن الاعتبار بابتداء فعله ولا اعتبار بمعاونة الريح على فعله كما قلنا إذا رمى سهما في الغرض فأطارته الريح فأصاب الغرض كانت له إصابة اعتبارا بابتداء فعله ولا اعتبار بمعاونة الريح. فأما إن دخل فأخذ جوهرة فابتلعها ثم خرج وهي في جوفه، فإن لم تخرج منه فعليه ضمانها ولا قطع عليه لأنه أتلفها في جوف الحرز بدليل أن عليه ضمانها كما لو كان شيئا فأكله وخرج فإنه لا قطع، كذلك هيهنا، وإن خرجت الجوهرة قال قوم عليه القطع لأنه أخرجها في وعاء فهو كما لو جعلها في جراب أو جيب. وقال آخرون لا قطع عليه لأنه قد ضمنها بقيمتها بابتلاعها، فهو كما لو أتلف شيئا في جوف الحرز ثم خرج ولأنه أخرجها معه مكرها بدليل أنه ما كان يمكنه تركها والخروج دونها، فهو كما لو نقب وأكره على إخراج المتاع، فإنه لا قطع عليه كذلك ههنا، والأول أقوى وإن كان الثاني قويا أيضا. فإن كان في الحرز شاة قيمتها ربع دينار فذبحها فنقصت قيمتها ثم أخرجها فلا قطع عليه لأن القطع على من يخرج من الحرز نصابا كاملا وهذا ما أخرج النصاب فلهذا لم نقطعه. إذا كانوا ثلثة نفر فنقبوا معا ودخلوا الحرز ففيه ثلاث مسايل إحداها إذا أخرجوا كلهم مشتركين الثانية إذا انفرد كل واحد بإخراج شئ منه، الثالثة إذا كوروا و انفرد واحد بإخراجه دون الباقيين. فأما الأولى إذا اشتركوا في إخراجه مثل أن حملوه معا فأخرجوه نظرت فإن بلغت حصة كل واحد نصابا قطعناهم، وإن كانت أقل من نصاب فلا قطع، سواء كانت السرقة من الأشياء الثقيلة كالخشب والحديد أو الخفيفة كالحبل والتكة و الثوب. وقال بعضهم إن كانت السرقة من الأشياء الثقيلة فبلغت قيمته نصابا قطعوا وإن كان نصيب كل واحد منهم أقل من نصاب، وإن كان من الأشياء الخفيفة

[ 29 ]

فعن هذا القائل روايتان إحداهما مثل قول من تقدم والثانية كقوله في الثقيل وقال قوم من أصحابنا: إذا اشترك جماعة في سرقة نصاب قطعوا كلهم. الثانية إذا انفرد كل واحد منهم بإخراج شئ اعتبر ما انفرد بإخراجه، فإن كان نصابا قطع، وإن كان أقل من نصاب لم يقطع، وقال قوم أجمع ما أخرجوه وأفضه على الجماعة فإن خص كل واحد نصابا قطعناه، وإن نقص لم نقطع. الثالثة إذ نقبوا بأجمعهم ودخلوا وكوروا وأخرج واحد منهم دون الباقين، فالقطع على من أخرجه دون من لم يخرجه إذا بلغ نصابا وقال بعضهم أقومه وأفضه على الجميع فإن بلغت حصة كل واحد نصابا قطعت الكل، وإن نقص لم أقطع واحدا منهم، وهكذا قوله في قطاع الطريق يوجب العقوبة على من باشر القتل وأخذ المال، وعلى من كان ردءا ومعاونا بالسوية. فإن نقبا معا فدخل أحدهما فأخذ نصابا فأخرجه بيده إلى رفيقه وأخذه رفيقه ولم يخرج هو من الحرز، كان القطع على الداخل دون الخارج، وهكذا إذا رمى به من داخل فأخذه رفيقه من خارج، وهكذا لو أخرج يده إلى خارج الحرز و السرقة فيها ثم رده إلى الحرز فالقطع في هذه المسائل الثلاث على الداخل دون الخارج، وقال قوم لا قطع على واحد منهما: والأول أصح. إذا نقبا معا ودخل أحدهما فقرب المتاع إلى باب النقب من داخل، فأدخل الخارج يده فأخذه من جوف الحرز، فعليه القطع دون الداخل عندنا، وقال قوم لا قطع على واحد منهما، فإن نقب واحد وانصرف وهتك واجتاز رجل فأصاب الحرز مهتوكا فدخل وأخذ، فلا قطع على واحد منهما، لأن الأول نقب ولم يأخذ، و الثاني أخذ من حرز مهتوك. فإن نقب وحده ودخل فأخرج ثمن دينار وانصرف ثم عاد من ليلته فأخرج ثمن دينار فتكاملت نصابا قال بعضهم: لا قطع عليه لأنه لم يخرج في المرة الأولى نصابا وأخذ الثاني من حرز مهتوك، وقال بعضهم عليه القطع لأنه سرق نصابا من حرز هتكه وهو الأقوى.

[ 30 ]

فإن كانت بحالها فأخذ أولا ثمن دينار ثم عاد في الليلة الثانية فأخذ ثمن دينار فتكامل نصابا قال قوم لا قطع لأنه لو عاد من ليلته لا قطع عليه، وقال قوم عليه القطع كما لو عاد من ليلته، وهو الأقوى عندي، وقال قوم فإن عاد قبل أن يشتهر في الناس هتك الحرز فعليه القطع، وإن عاد بعد اشتهاره في الناس هتكه فلا قطع عليه لأنه إنما يهتك بأن يشتهر هتكه ثم يترك على حالته. إذا نقب ودخل الحرز فذبح شاة فعليه ما بين قيمتها حية ومذبوحة فإن أخرجها بعد الذبح فإن كانت نصابا قيمتها فعليه القطع، وإن كان أقل من نصاب فلا قطع، وقال قوم لا قطع عليه بناء على أصله في الأشياء الرطبة أنه لا قطع فيها، والأول مذهبنا. فإن كانت بحالها فأخذ ثوبا فشققه فعليه ما نقص بالخرق فإذا أخرجه فإن بلغت قيمته نصابا فعليه القطع وإلا فلا قطع، وقال قوم لا قطع عليه، والأول مذهبنا. إذا سرق ما قيمته نصاب فلم يقطع حتى نقصت قيمته لنقصان السوق فصارت السوق أقل من النصاب قطع، وقال أبو حنيفة لا يقطع إذا نقص لنقصان السوق. إذا سرق عينا يجب فيها القطع فلم يقطع حتى ملك السرقة بهبة أو شراء لم يسقط القطع عنه، سواء ملكها قبل الرفع إلى الحاكم أو بعده إلا أنه إن ملكها قبل الترافع لم يقطع، لا لأن القطع يسقط لكن لأنه لا مطالب له بها ولا قطع بغير مطالبة بالسرقة وفيه خلاف. إذا كان العبد صغيرا لا يعقل ومعنا لا يعقل أنه لا يقبل إلا من سيده، ولسنا نريد به المجنون، فإذا كان كذلك فسرقه سارق قطعناه، وقال بعضهم لا يقطع لأنه لما لم يقطع بسرقته إذا كان كبيرا فكذلك إذا كان صغيرا كالحر والأول مذهبنا وأما الكبير فينظر فيه فإن كان مجنونا أو نائما أو أعجميا لا يعقل الأشياء وأنه يقبل من كل حد فمثل الصغير، فمن سرقه فعليه القطع، وإن كان مميزا عاقلا فلا قطع. والفصل بينهما أن الصغير يسرق والكبير يخدع والخداع ليس بسرقة فلا يجب به القطع فإن نقب ومعه صبي صغير لا تمييز له فأمره أن يدخل الحرز ويخرج المتاع فقبل فالقطع على الآمر لأنه كالآلة فهو كما لو أدخل خشبة أو شيئا فأخذ به المتاع

[ 31 ]

فإن عليه القطع ولهذا المعنى قلنا لو أمره بقتل رجل فقتله كان القود على الآمر لأنه كالآلة كذلك ههنا. إن سرق حرا صغيرا روى أصحابنا أن عليه القطع وبه قال قوم، وقال أكثرهم لا يقطع ونصرة الأول قوله " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " ولم يفرق فإن سرق حرا صغيرا وعليه ثياب وحلي ثقيل، والكل للصبي فلا قطع على من سرقه لأن يد الصبي على ملكه، ولهذا المعنى قلنا في اللقيط إذا وجد ومعه مال كان المال له لأن يده عليه فإذا كانت يده على ملكه فلا قطع لأنه لم يخرج عن ملكه. هذا عند من قال إذا سرقه لا يقطع، فأما على ما قلناه فعليه القطع. وإن كان نائما على متاع فسرق هو والمتاع معا فلا قطع لأن يد مالكه عليه وقد ذكرنا أنه إذا كان نايما على جمل فسرق الجمل وهو عليه أنه لا قطع لهذا المعنى فإن كان النائم على المتاع عبدا فسرقه والمتاع معا فعليه القطع لأن العبد مال، وهو لو سرق العبد وحده قطعناه فبأن نقطعه هيهنا أولى. فإن كان لرجل عند رجل مال وديعة أو قراض أو عارية فجعلها من هي في يده في حرز فجاء أجنبي فهتك الحرز وسرق هذا المتاع فعليه القطع لأن صاحبه قد رضي بهذا المكان لما له حرزا، وهكذا لو كان لرجل في يد وكيله مال فنقب وسرقه من الوكيل كان عليه القطع. فإن كان له قبل رجل دين فنقب صاحب الدين وسرق من مال من عليه الدين قدر دينه، فإن كان من عليه مانعا له من ذلك فلا قطع عليه، وإن كان باذلا له غير مانع فعليه القطع. فإن قامت البينة على رجل أنه قد سرق من حرز رجل نصابا فقال السارق المال لي وملكي فيكون القول قول رب الحرز إن المال له لأنه قد ثبت أنه أخذه منه وإذا حلف فلا قطع على السارق لأنه صار خصما وصار شبهة لوقوع التنازع في المال، والحد لا يجب مع الشبهة، وهكذا لو وجد مع امرأة فادعى أنه زوجها

[ 32 ]

فأنكرت وحلفت لا حد عليه لأنه صار منازعا فيه فكان شبهة في سقوط الحد فلهذا لم يقطع. فإن غصب من رجل مالا فجعله في حرز فنقب المغصوب عنه الحرز وأخذ مالا فإن لم يأخذ غير ماله فلا شئ عليه لأنه أخذ مال نفسه فإذا أخذ معه غيره من مال الغاصب، فإن لم يكن متميزا كالطعام والشراب والادهان فلا قطع أيضا بوجه لأنه مال مشترك فهو كالمال بين شريكين ولا قطع في مال الشركة. وإن كان مال الغاصب متميزا عن الغصب فإن كان مال الغاصب أقل من نصاب فلا قطع على السارق لأنه ما سرق نصابا وإن كان مال الغاصب نصابا قال قوم لا قطع عليه لأنه إنما هتك الحرز لأخذ ماله لا لسرقة مال الغاصب فإذا سرق بعد هتك الحرز فقد سرق من حرز هتكه لغير السرقة، فلا قطع، وقال آخرون عليه القطع لأنه لما سرق مال الغاصب مع مال نفسه كان الظاهر أنه نقب للسرقة، فلهذا قطعناه. وهذا الذي يقتضيه رواياتنا. فإن سرق رجل نصابا من حرز لرجل ثم أحرزه في حرز آخر فنقب سارق آخر الحرز فسرق تلك السرقة، فعلى السارق الأول القطع لأنه سرق نصابا من حرز مثله لا شبهة له فيه، وأما السارق الثاني فقال قوم لا قطع عليه لأن صاحب المال لم يرض بأن يكون هذا الحرز حرزا لماله، فكأنه سرقه من غير حرز، وقال آخرون عليه القطع لأنه سرق من حرز مثله. فأما إن غصب من رجل مالا وأحرزه ثم سرق سارق تلك العين المغصوبة، قال قوم عليه القطع، وقال آخرون لا قطع مثل المسألة الأولى سواء والخصم في المسئلتين معا مالك الشئ دون غاصبه وسارقه، وقال قوم في السرقة مثل قولنا وفي الغاصب إن الخصم فيه الغاصب. قد ذكرنا أن القطع يجب بكل ما يتمول في العادة، فمن ذلك الدفاتر بأسرها والمصاحف وكتب الفقه والأدب والأشعار والأسمار ونحو ذلك، كل هذا يجب فيه القطع عندنا وقال قوم: لا قطع في شئ من هذه الدفاتر.

[ 33 ]

إذا سرق ما يجب فيه القطع مع ما لا يجب فيه القطع وجب قطعه عندنا إذا كان نصابا مثل أن يسرق إبريقا من ذهب فيه ماء أو قدر ثمينة فيها طبيخ وما أشبه ذلك، وقال قوم لا قطع عليه والأول الصحيح للآية والخبر. من سرق من ستارة الكعبة ما قيمته ربع دينار كان عليه القطع عندنا إذا كانت مخيطة على الكعبة، وقال قوم لا قطع في ستارة الكعبة. وروى أصحابنا أن القايم عليه السلام إذا قام قطع بني شيبة، وقال هؤلاء سراق الله فدل ذلك على أن فيه القطع. إذا استعار بيتا وجعل متاعه فيه، ثم إن المعير نقب البيت وسرق المتاع قطعناه وقال قوم لا قطع عليه والأول أصح. إذا اكترى دارا وجعل متاعه فيها فنقب المكري وسرق فعليه القطع عندنا وعند الأكثر وقال قوم لا قطع فإن غصب بيتا من رجل وجعل متاعه فيه فنقبه أجنبي وسرق منه نصابا لا قطع عليه لأنه في يده بغير حق فلا يكون حرزا كالطريق فإن نقب المراح ودخل فحلب من الغنم ما فيه نصاب وأخرجه قطعناه، وقال قوم: لا قطع بناء على أصله في الأشياء الرطبة. فإن نزل برجل ضيف فسرق الضيف شيئا من مال صاحب المنزل فإن كان من البيت الذي نزل فيه فلا قطع، وإن كان من بيت غيره من دون غلق وقفل ونحو ذلك فعليه القطع وقال قوم: لا قطع على هذا الضيف. وروى أصحابنا أنه لا قطع على الضيف ولم يفصلوا وينبغي أن يفصل مثل هذا فإن أضاف هذا الضيف ضيفا آخر بغير إذن صاحب الدار، فسرق الثاني كان عليه القطع على كل حال ولم يذكر هذه أحد من الفقهاء. إذا سرق العبد فعليه القطع كالحر سواء كان آبقا أو غير آبق عندنا، وقال قوم إن كان آبقا لا قطع عليه. إن سرق في عام مجاعة وقحط فإن كان الطعام موجودا والقوت مقدور

[ 34 ]

عليه لكن بالأثمان الغالية فعليه القطع، وإن كان القوت متعذرا لا يقدر عليه فسرق سارق فأخذ الطعام فلا قطع عليه وروي عن علي عليه السلام أنه قال: لا قطع في عام المجاعة و روي لا قطع في عام السنة. النباش يقطع عندنا إذا أخرج الكفن عن جميع القبر إلى وجه الأرض فأما إن أخرجه من اللحد إلى بعض القبر فلا قطع كما لو أخذ المتاع من جوف الحرز فنقله من مكان إلى مكان فالقبر كالبيت إن أخرجه من جميع البيت قطع وإلا لم يقطع قال وقال قوم لا قطع على النباش والأول مذهبنا. ومن المطالب بهذا القطع؟ مبني على أمر المالك للكفن وقيل فيه ثلثة أقوال أحدها للوارث والثاني في حكم ملك الميت، والثالث لا مالك له كستارة الكعبة فمن قال للورثة أو في حكم الملك للميت، قال المطالب بالقطع الوارث، وهو الذي يقتضيه مذهبنا و من قال لا مالك له: قال المطالب بالقطع الحاكم وإن كان الميت عبدا كان الكفن عند الأولين للسيد وعند الباقين لا مالك له والقطع على ما مضى ولا يجئ أنه على حكم ملك العبد لأنه لا يملك به. فإن كان الميت لم يخلف شيئا وكفنه الإمام من بيت المال، يقطع بلا خلاف لأن لكل أحد في بيت المال حقا مشتركا فإذا حضر الإمام كان أحق به من غيره وزال الاشتراك فيه فلو سرق سارق منه في حياته قطع كذلك الكفن مثله. فإذا ثبت أنه يقطع النباش إنما يقطع بالكفن الذي هو السنة وهو خمسة أثواب فإن زاد عليها شيئا أو دفن في تابوت فالقبر حرز للكفن دون ما عداه.

[ 35 ]

(فصل) في قطع اليد والرجل في السرقة إذا سرق السارق وجب قطعه بالسرقة لقوله تعالى: " فاقطعوا أيديهما " ويجب قطع اليمنى، وفي قراءة ابن مسعود " فاقطعوا أيمانهما " ولا خلاف في ذلك أيضا فإذا سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى إجماعا إلا عطا فإنه قال: يقطع يده اليسرى وإن سرق ثالثا قطعت يده اليسرى عند قوم، وعندنا يخلد الحبس وإن سرق رابعا قتل عندنا و عندهم قطعت رجله اليمنى وفيه خلاف. فإذا تقرر وجوب القطع فإن القطع عندنا من أصول الأصابع في اليد وفي الرجل من عند معقد الشراك من عند الناتئ على ظهر القدم ويترك له ما يمشي عليه، وعندهم من الكوع وهو المفصل الذي بين الكف والذراع والمفصل الذي بين الساق والقدم وقالت الخوارج يقطع من المنكب. إذا سرق رابعا وقد بينا أنه يقتل فلا يتقدر الخامسة ومن قال لا يقتل قال يعزر وقال قوم يقتل في الخامسة. فإذا قدم السارق للقطع اجلس ولا يقطع قائما لأنه أمكن له وضبط حتى لا يتحرك فيجني على نفسه، وتشد يده بحبل وتمد حتى يتبين المفصل وتوضع على شئ لوح أو نحوه فإنه أسهل وأعجل لقطعه ثم يوضع على المفصل سكين حادة ويدق من فوقه دقة واحدة حتى تنقطع اليد بأعجل ما يمكن، وعندنا يفعل مثل ذلك بأصول الأصابع إن أمكن أو يوضع على الموضع شئ حاد ويمد عليه مدة واحدة ولا يكرر القطع فيعذبه لأن الغرض إقامة الحد من غير تعذيب، فإن علم قطع أعجل من هذا قطع به. فإذا قطعت اليد حسمت والحسم أن يغلى الزيت حتى إذا قطعت اليد جعل موضع القطع في الزيت المغلي حتى ينسد أفواه العروق وينحسم خروج الدم منها لما روي أن

[ 36 ]

النبي عليه وآله السلام أتي برجل قد سرق فقال اذهبوا فاقطعوه ثم احسموه وكان علي إذا قطع سارقا حسمه بالزيت وأجرة القاطع من بيت المال وإن لم يفعل الإمام ذلك لم يكن عليه شئ لأن الذي عليه إقامة الحد لا مداواة المحدود، فإن لم يفعل فالمستحب للمقطوع أن يفعل فإن لم يفعل فلا شئ عليه كالمريض إن داوا فذاك وإلا فلا شئ عليه فإذا حسمت يده فالسنة أن تعلق التي قطعت في عنقه ساعة، لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتي بسارق فقطعه ثم أمر بها فعلقت في عنقه، ولأن هذا أردع وأزجر. (فصل) فيمن لا يقام عليه الحد منهم الحامل فلا يقام عليها حد قذف ولا حد زنا ولا حد سرقة لأنه لا سبيل على ما في بطنها فإذا وضعت فلا يقام عليها وهي نفساء حتى يخرج من النفاس ولا يقام في شدة برد لأنه يؤدي إلى التلف ولا على مريض بين المرض لأن المرض الظاهر أشد من الحر والبرد، ولا يقام أيضا على من به سبب من أسباب التلف كقطع اليد في قصاص أو سرقة لأنه لا يؤمن التلف. إذا دخل الرجل الحمام ونزع ثيابه فسرقت فإن سلمها إلى الحمامي أو استحفظه إياها فقال احفظ ثيابي فالحمامي مودع فينظر فيه، فإن راعاها حق مراعاتها وهو أنه لا يزال ينظر إليها محتاطا في حفظها فسرقت بحيث لا يعلم فلا شئ عليه وعلى السارق القطع والغرم، وإن توانا في بابها فإن نام عن حفظها أو أعرض عنها متشاغلا بحديث أو غيره أو جعل الثياب خلفه فسرقت فعلى الحمامي الضمان لأنه فرط في حفظها وعلى السارق الغرم دون القطع لأنه ما سرقها من حرزها وهكذا حكم أصحاب الباعة على الطريق: حرز ما بين أيديهم المراعاة والنظر إليها فإن سرق منهم شئ مع وجود المراعاة فعلى من سرق القطع، وإن توانا عنها وتغافل أو نام عنها أو سها لم يكن ما بين

[ 37 ]

يديه في حرز فإن سرقه سارق فعليه الضمان دون القطع. فأما إن دخل الحمام فنزع ثيابه على حصير أو وتد على ما جرت به العادة ولم يسلمها إلى الحمامي ولا استحفظه إياها فالحمامي غير مودع، وثياب هذا في غير حرز، فإن سرقت فلا قطع على سارقها، لأنه تناولها من غير حرز، فإن المكان مأذون في استطراقه والدخول إليه، فما وضع فيه هكذا فليس في حرز. المقيم في دار الاسلام على ثلثة أضرب: مسلم وذمي ومستأمن فأما المسلم فعلى الإمام نصرته والذب عنه كل من يقصده بغير حق مسلما كان أو مشركا، ومتى وجب له حق استوفاه له منه سواء كان من حقوق الله أو حقوق الآدميين. وإن كان من أهل الذمة كان حكمه في هذا كله حكم المسلم في نصرته والذب عنه غير أنه إن شرب الخمر فلا حد عليه، وإن كان مجوسيا فنكح أمه فلا حد عليه عندهم على كل حال وعندنا ما لم يتظاهر، لأنه بذل الجزية على مقامه في دينه واعتقاده، فإذا كان هذا من دينه فلا اعتراض عليه فيه. فأما المستأمن فعلى الإمام أن يذب عنه من للإمام به علقة وهم المسلمون وأهل الذمة فأما إن قصدهم أهل الحرب أو اقتتلوا بعضهم في بعض لم يتعرض الإمام لهم ولا عليهم بمعونة. وإما استيفاء الحقوق منهم فالحقوق على ثلثة أضرب: حق لله محض، وحق لآدمي وحق لله ويتعلق بحق الآدميين. فأما حقوق الله كحد الخمر والزنا وهو إذا زنا بمشركة فلا يستوفي منه عندهم لأنه دخل على هذا فلا يعترض عليه وعندنا ما لم يتظاهر به كذلك، فإن تظاهر به استوفي منه الحد فأما إن زنا بمسلمة فله حكم آخر نذكره، وعندنا عليه القتل على كل حال. وأما حق الآدميين كالأموال وحد القذف فهذه تستوفى منه لأنه على الكف عن أموالنا وأنفسنا وأعراضنا فإذا لم نكن منه في أمان كان عليه الضمان. وأما حق الله الذي يتعلق بحق الآدمي، فهو القطع في السرقة فمن فعل هذا

[ 38 ]

فعليه الغرم، وأما القطع فإنه يجب عليه عندنا وقال قوم لا يجب. إذا وقف الانسان شيئا ينقل ويحول كالثياب والسلاح والحيوان، فسرقه سارق وكان نصابا من حرزه، فمن قال الوقف ينتقل إلى الله لا إلى مالك سواه، قال لا قطع عليه، ومنهم من قال عليه القطع، ومن قال ينتقل إلى الموقوف عليه فمنهم من قال لا قطع عليه، ومنهم من قال عليه القطع وهو أصح عندي. فأما أم الولد إذا كانت نائمة فسرقها إنسان فعليه القطع عندنا وقال قوم لا قطع عليه. هذا الكلام في رقبة الوقف فأما الكلام في النماء كالثمرة والزرع ونحو ذلك فإذا سرق منه سارق فإن كان من أهل الوقف فلا قطع، لأن له فيه حقا كما لو سرق من بيت المال، وإن كان السارق أجنبيا فعليه القطع لأنه لا شبهة فيه. إذا تكررت منه السرقة فسرق مرارا من واحد ومن جماعة ولما قطع، فالقطع مرة واحدة لأنه حد من حدود الله فإذا ترادفت تداخلت كحد الزنا وشرب الخمر، فإذا ثبت أن القطع واحد نظرت، فإن اجتمع المسروق منهم وطالبوه بأجمعهم قطعناه وغرم لهم، وإن سبق واحد منهم فطالب بما سرق منه وكان نصابا غرم وقطع، ثم كل من جاء بعده من القوم فطالب بما سرق منه غرمناه ولم نقطعه لأنا قد قطعناه بالسرقة فلا يقطع مثل أن يسرق مرة أخرى. إذا سرق وله يمين كاملة أو ناقصة وقد ذهبت أصابعها إلا واحدة قطعنا يمينه الكاملة أو الناقصة للآية والخبر وإن لم يكن فيها إصبع، وإنما بقي منها الكف وحدها أو بعض الكف: قال قوم يقطع وقال آخرون لا يقطع، وتكون كالمعدومة فيحول القطع إلى رجله اليسرى لأنه لا منفعة فيما بقي منها ولا جمال، ومن قال يقطع قال للآية والخبر، وعندنا لا يقطع لأن عندنا القطع لا يتعلق إلا بالأصابع، فمن ليس له أصابع لم يجب قطع غيرها إلا بدليل. فأما إن كانت شلاء فإن قال أهل العلم بالطب إن الشلاء متى قطعت بقيت أفواه العروق مفتحة كانت كالمعدومة وإن قالوا يندمل قطعت الشلاء، فإن سرق ويمينه

[ 39 ]

كاملة تامة فذهبت يمينه قبل أن يقطع بالسرقة بمرض أو آكلة أو آفة أو سبب سقط القطع عنه، لأن القطع تعلق بها واختص بها، فإذا ذهبت سقط القطع كالعبد إذا جنى فتعلقت الجناية برقبته فهلك سقط أرشها. وإن سرق وليس له يمين قطعت يساره عندهم، وعندنا ينقل القطع إلى الرجل وإن كان الأول قد روي أيضا. إذا سرق ويساره مفقودة أو ناقصة قطعت يمينه، وقال قوم إن كانت اليسار مفقودة أو ناقصة نقصانا ذهب به معظم المنفعة كنقصان إبهام أو اصبعين لم يقطع، وإن كانت ناقصة أصبع واحدة قطعنا يمينه، وهكذا قوله إذا كانت رجله اليمنى لا يطيق المشي عليها لم يقطع رجله اليسرى. إذا وجب قطع يمين السارق فأخرج إلى القاطع يساره فقطعها قال قوم إن قطعها القاطع مع العلم بأنها يساره وأنه لا يجوز قطعها مكان يمينه، فإن القطع عن يمينه لا يسقط بقطعها وعلى القاطع القود، ويقطع يمين السارق لأن يساره قد ذهبت في غير القطع بالسرقة. فإن قال القاطع دهشت وما علمت أنها يساره أو علمتها يساره لكني ظننت أن قطعها يقوم مقام اليمين، فلا قود على القاطع، وعليه الدية، ويقطع يمين السارق، وقال قوم لا يقطع، والأول أقوى لأن يساره ذهبت بعد وجوب القطع في يمينه كما لو ذهبت قصاصا ومن قال يسقط القطع عن يمينه قال: لأن اعتقاد القاطع أنه يقطعها بالسرقة مكان يمينه شبهة يسقط القطع عن يمينه. فأما إن ذهبت يساره بغير القطع في السرقة كالآكلة ونحو ذلك، قال قوم يسقط القطع عن يمينه، وقال آخرون لا يسقط وهو الأقوى، لأن الآكلة والعلة ما قطعت يساره بالشبهة عن السرقة. كل عين قطع السارق بها مرة فإذا سرقها مرة أخرى قطعناه حتى لو تكررت منه أربع مرات قطعناه أربع مرات، سواء سرقها من الأول أو من الثاني وقال قوم إذا قطع بالعين مرة لم يقطع بسرقتها مرة أخرى إلا في الغزل إذا سرقه فقطع به ثم

[ 40 ]

نسجه ثوبا فسرق فإنه يقطع ثانيا وعندنا يقطع ثانيا به، وثالثا يحبس ورابعا يقتل على ما بيناه لأن عموم الآية والأخبار يقتضيه. إذا ادعى على رجل أنه سرق منه نصابا من حرز مثله، وذكر النصاب لم يخل من أحد أمرين إما أن يعترف أو ينكر فإن اعترف المدعى عليه بذلك مرتين عندنا ثبت إقراره وقطع. وعند قوم لو أقر مرة ثبت وقطع، ومتى رجع من اعترافه سقط برجوعه عندهم إلا ابن أبي ليلى فإنه قال لا يسقط برجوعه وهو الذي يقتضيه مذهبنا وحمله على الزنا قياس لا نقول به. فمن قال سقط برجوعه فإن لم يرجع حتى قطع لم ينفعه رجوعه وإن رجع قبل الأخذ في القطع لم يقطع، وإن كان بعد أن حصل هناك قطع، فإن لم يفصل اليد عن الزند ترك حتى يداوي نفسه وإن كان بعد أن فصل بين الكف والزند وبقي هناك جليد فقد رجع بعد وقوع القطع. فإن قال المقطوع للقاطع: أبنها! لم يجب عليه أن يفعل لأن الرجوع قد حصل وقطع ما بقي مداواة والقاطع بالخيار بين المداواة وتركها، فإن قطعها فلا كلام وإن لم يقطع كان ذلك إلى المقطوع إن شاء داواه، وإنشاء تركه. وإن كان المقر اثنين فأقام أحدهما على الاقرار ورجع الآخر عنه، أقمنا الحد على من لم يرجع ولم نقمه على من قد رجع. فإذا ثبت هذا فمتى أتى ما يوجب حد الله كالقطع في السرقة والحد بالزنا وشرب الخمر، فإن كان من وجب عليه الحد غير معروف به ولا معلوم منه، لكنه يسره ويخفيه فالمستحب له أن يتوب عنه ولا يقربه، وعليه رد السرقة لقوله عليه وآله السلام " من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستره بستر الله فإن من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه حد الله ". وإن كان قد اشتهر بذلك وشاع وذاع عنه، فالمستحب له أن يحضر عند الحاكم فيعترف به لأنه إذا كان مشهورا بذلك واعترف به أقمنا عليه الحد وكان كفارة

[ 41 ]

له لأن الحدود كفارات لأهلها، ويقوى في نفسي أن يتوب سرا ولا يعترف أصلا لعموم الخبر. فأما إن جحد وأنكر فأقام المدعي بينة لم يقبل منه إلا شاهدين ذكرين لأنه كالقصاص وكيفية إقامتها هو أن يقول الشاهدان بمحضر من السارق والمسروق منه: هذا سرق من هذا نصابا ولا بد من صفة الحرز، وذكر جنس النصاب وقدره، لأن النصاب مختلف فيه، فلم يكن بد من ذكر النصاب بعينه كيلا يقطع بما يعتقد مذهبا له ثم يبين غيره، وكذلك الحرز لأنه مختلف فيه فإذا قامت البينة هكذا قطع. وإن كان المسروق منه غايبا وله وكيل حاضر يطالب له بماله لم يقبل الشهادة حتى يقول هذا سرق من حرز فلان بن فلان، ويرفع في نسبه إلى حيث لا يشاركه غيره فيه، وإن هذا وكيل الغايب، فإذا قامت هكذا وطالب الوكيل بالسرقة قطع واغرم. فأما إن قامت البينة ابتداء عليه وليس للغايب وكيل بذلك، وقامت على ما فصلناه بالسرقة أو بأنه زنا بأخته، قال قوم لا يقطع ولا يحد معا، وقال آخرون يحد ويقطع، وقال قوم: يحد الزاني ولا يقطع السارق، والأقوى عندي أنه لا يحد في الزنا ولا يقطع في السرقة إن كان المسروق منه غايبا أو صاحب الأمة لأن السلعة تستباح بالإباحة فيمكن أن يكون أباحها، وكذلك الجارية عندنا يجوز أن يكون أحلها له. هذا إذا كان ثبوته بالبينة فأما إن كان ثبوته بالاعتراف، فأقر بسرقة نصاب من الغايب من الحرز، أو زنا بجاريته، ففيه الثلاث أقاويل بأعيانها، والأقوى عندي. ههنا أن يقام عليه الحد فيهما للآية والخبر. فمن قال يقطع فلا كلام، ومن قال لا يقطع: منهم من قال يحبس حتى يحضر الغايب بكل حال، سواء كانت العين التي سرقها موجودة أو مفقودة، فإن كانت مفقودة ففي ذمته حق قد ثبت لغايب، فيحبس حتى يحضر، وإن كانت العين قايمة أخذت منه وحبس في القطع.

[ 42 ]

ومنهم من قال إن كانت العين تالفة حبس لأجل ما في ذمته، وإن كانت قايمة أخذت منه ونظرت في مسافة الغايب، فإن كانت قريبة حبس، وإن كانت بعيدة أطلق لئلا يطول حبسه فيعظم الاضرار به. إذا ادعى رجل أنه سرق من حرزه نصابا ربع دينار فصاعدا وأقام بذلك شاهدين عدلين، فإن قال المشهود عليه: ما سرقت لم يلتفت إلى قوله لأنه يكذب الشهود، وإذا كذبهم سقط تكذيبه، واستوفى الحق منه. فإن قال فاحلفوا لي المدعي أني سرقت منه لم يلتفت إليه، لأن الشهود قد شهدوا للمدعي بأنه سرق، وقوله احلفوا لي مع شهوده قدح في الشهود، وطعن فيهم فلا يلتفت إليه. فإن قال: قد صدق الشهود في السرقة، وقد أخذت هذا من حرزه على سبيل الاستخفاء غير أني أخذته بحق لي، فإن هذه العين غصبنيها أو باعنيها وسلمت ثمنها فمنعني، أو وهبها مني وأذن لي في قبضها فسرقتها منه، قلنا هذه دعوى مستأنفة على المسروق منه، فيكون القول قول المسروق منه مع يمينه، لأن السارق قد اعترف له باليد وأنه أخذ المال من حرزه، فإذا اعترف له باليد فالظاهر أنه ملكه فيكون القول قول صاحب اليد، وإنما لزمه اليمين لأن السارق ما كذب الشهود ولا قدح في شهادتهم. فإذا ثبت أن القول قول المسروق منه، لم يخل من أحد أمرين إما أن يحلف أو ينكل، فإن حلف فعلى السارق الضمان، إن كانت العين قائمة ردها، وإن كانت تالفة فعليه بدلها مثلها إن كان لها مثل، أو قيمتها إن لم يكن لها مثل. وأما القطع فلا يجب عليه لأنه صار خصما، وقال بعضهم: يقطع لأنا حكمنا بتكذيبه وأغرمناه فوجب أن نقطعه ولأنا لو قلنا لا نقطعه أفضى إلى سقوط القطع في السرقة أصلا، فإنه ما من لص إلا ويدعي هذه الدعوى، فيسقط القطع عنه، وما أفضى إلى سقوط حد من حدود الله يسقط في نفسه. والأول أقوى عندي، لأنه إذا ادعى العين لنفسه، أوقع شبهة ملك له فيها

[ 43 ]

بدليل أنا نستحلف له المسروق منه، فإذا أوقع فيها شبهة ملك سقط الحد بالشبهة لقوله عليه وآله السلام: ادرؤا الحدود بالشبهات. هذا إذا حلف المسروق منه، فإن لم يحلف رددنا اليمين على السارق، فإذا حلف سقط الضمان عنه، فإن كانت العين قائمة حكمنا له بها، وإن كانت تالفة حكمنا بسقوط الغرم عنه، لأن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه يحل محل الاقرار من المدعى عليه أو قيام البينة عليه، وأيهما كان قضينا به للسارق. قالوا هذا يصح فيه إذا ادعى المدعي على المسروق منه أن العين له غصبه عليها أو باعها إياه، فأما إذا قال وهبنيها وأذن لي في قبضها لا يصح لا أنه إذا قال العين لي فقد رجع في إذنه بقبضها قلنا هذا الاختلاف وقع بعد حصول القبض من السارق، والعين إذا كانت في يده لم يصح الرجوع منه في المنع من قبضها فسقط. هذا إذا ادعى أنه سرق من حرز له نصابا وأقام بذلك [ شاهدين وأما إذا أقام بذلك ] ظ شاهدا وامرأتين أو شاهدا واحدا وحلف معه، حكمنا له بذلك وقضينا على السارق بالضمان، فإن كانت العين قائمة ردها وإن كانت تالفة رد بدلها ولم يقطع لأن هذه البينة ثبت بها الغرم دون الحد فاستوفينا بها ما يثبت بها. إذا سرق عينا يقطع في مثلها وقطع، فإن كانت العين قايمة ردها بلا خلاف وإن كانت تالفة غرمها عندنا وقال قوم لا غرم عليه إذا قطع.

[ 44 ]

(فصل) * (فيما لا قطع فيه) * لا قطع على من سرق من غير حرز، خلافا لداود، ومن أخذ شيئا على وجه الخلسة أو النهبة أو خان في وديعة أو أمانة فلا قطع. روي عن جابر عن النبي عليه وآله السلام أنه قال لا قطع على المختلس، ولا على المنتهب، ولا على الخائن. وإذا سرق العبد من متاع مولاه فلا قطع عليه بلا خلاف، إلا حكاية عن داود روي أن النبي عليه وآله السلام قال إذا سرق المملوك فبعه، ولو بنش والنش نصف أوقية: عشرون درهما وهو إجماع. إذا سرق أحد الزوجين من صاحبه، فإن سرقه من غير حرز فلا قطع عليه بلا خلاف، وإن سرقه من حرز فعليه القطع عندنا وقال قوم لا قطع عليه، وهكذا الخلاف فيه إذا سرق عبد كل واحد من الزوجين من مال مولى الآخر، فكل عبد منهما بمنزلة سيده، والخلاف فيهما واحد، وعندنا عليه القطع. إذا سرق من مال أبيه أو مال جده وأجداده وإن علوا، أو من مال أمه وجدته وجداتها وإن علون، فلا قطع عليه عند الفقهاء، وعندنا عليه القطع إذا كان نصابا من حرز. وإن سرق من مال ابنه أو ابنته أو أولادهما وإن نزلوا لم يكن عليه القطع بلا خلاف إلا داود، فإنه قال عليه القطع. فأما من خرج عن العمودين من العمومة والعمات والخؤولة والخالات، فهم كالأجانب سواء عندنا وعند جماعة، وقال قوم كل شخصين بينهما رحم محرم بالنسب فالقطع ساقط بينهم كما يسقط بين الوالد والولد، مثل الأخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات. وإذا سرق من بيت المال أو الغنيمة فلا قطع عليه عند الفقهاء وعندنا إن كان

[ 45 ]

ما سرقه يزيد على ماله فيه من العطاء والاستحقاق بنصاب وجب عليه القطع، وكذلك نقول في المال المشترك. الكلب والخنزير لا قطع في شئ منهما، لأنهما حرام وحرام ثمنهما. وإذا سرق شيئا من هذه الملاهي كالمزامير والأوتار والطنبور والعود وغير ذلك فإن كان عليه حلية قيمتها ربع دينار فصاعدا قطع، وقال بعضهم لا قطع عليه بناء على أصله إذا سرق ما فيه القطع مع ما لا قطع فيه يسقط القطع، والأول مذهبنا. وأما إن كان بغير حلية فإن كان إذا فصل تفصيلا لا يصلح للضرب يساوي ربع دينار قطعناه، وإن كان أقل من ذلك لم يقطع، وقال قوم لست افصل شيئا منه عليه ولا قطع فيه بحال لأنه ممنوع من إمساكه ولا يقر عليه فهو كالعين المغصوبة، والأول أقوى عندنا، لأنه سرق نصابا من حرز مثله لا شبهة له فيه. جيب الانسان إن كان باطنا فهو حرز لما فيه، وكذلك الكم عندنا وإن كان ظاهرا فليس بحرز، وقال قوم الجيب حرز لما يوضع فيه في العادة، ولم يفصلوا، فإذا أدخل الطرار يده في جيبه فأخذه أو بط الجيب أو بط الجيب والصرة معا فأخذه فعليه في كل هذا القطع، والكم مثله على ما قلناه إن أدخل يده فيه فأخذه، أو خرق الكم أو بطه فأخذه أو بط الكم والخرقة فأخذه فعليه القطع. وأما إن شده في كمه كالصرة ففيه القطع عند قوم، سواء جعله في جوف كمه وشده كالصرة من خارج الكم، أو جعله من خارج الكم وشده من داخل حتى صارت الصرة في جوف كمه. وقال قوم إن جعلها في جوف الكم وشدها من خارج فعليه القطع وإن جعلها من خارج وشدها من داخل فلا قطع، وهو الذي يقتضيه مذهبنا. وإن كان يسوق قطارا من الإبل أو يقودها ويكثر الالتفات إليها فكلها في حرز وقال قوم إن الذي زمامه في يده في حرز دون الذي بعده، والأول أصح عندنا. فأما إن ترك الجمال والأحمال في مكان وانصرف لحاجة كانت وكل ما معها من متاع وغيره في غير حرز فلا قطع فيها، ولا في شئ منها، وقال قوم إن أخذ اللص

[ 46 ]

الزاملة بما فيها فلا قطع عليه لأنه أخذ الحرز، وإن شق الزاملة وأخذ المتاع من جوفها فعليه القطع، لأنه إذا أخذها بما فيها فما سرقه من حرز، وإنما سرق الحرز والأول أقوى عندي، والثاني أيضا قوي للآية. من سرق باب دار رجل قلعه وأخذه أو هدم من حايط آجرا قيمته نصاب وأخذ فعليه القطع، وقال قوم لا قطع لأنه ما سرق وإنما هدم من الحايط والأول أقوى. إذا شهد رجلان على رجلين أنهما سرقا دينارا من حرز قطعناهما، فإن كان أحدهما غايبا قطعنا الحاضر وانتظرنا الغايب، وإن كانا حاضرين وادعى أحدهما أنه إنما أخذ مال نفسه فحكمه ما تقدم لم يقطع وقطع الآخر وإن كان أحدهما أبا المسروق منه قطعنا الأجنبي دون الأب، وعندهم لو كان بدله الابن كان مثل ذلك. وإن أقرا بالسرقة قطعناهما، فإن رجع أحدهما وأقام الآخر على إقراره قطعنا الاثنين، وعندهم يقطع الذي لم يرجع دون الراجع، لأن كل واحد منهما يعتبر بنفسه دون غيره. وإن قصده رجل فدفعه عن نفسه فقتله فلا ضمان عليه، سواء قتله بالسيف أو بالمثقل ليلا كان أو نهارا، وقال قوم إن كان القتل بالسيف كما قلنا، وإن كان بالمثقل فإن كان ليلا فكما قلنا، وإن كان نهارا فعليه الضمان، والأول مذهبنا.

[ 47 ]

(كتاب) * (قطاع الطريق) * قال الله تعالى " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض " (1) واختلف الناس في المراد بهذه الآية، فقال قوم المراد بها أهل الذمة إذا نقضوا العهد ولحقوا بدار الحرب وحاربوا المسلمين، فهؤلاء المحاربون الذين ذكرهم الله في هذه الآية، وحكمهم فيما ارتكبوه من المعصية هذه العقوبة التي ذكرها الله. وقال قوم المراد بها المرتدون عن الاسلام إذا ظفر بهم الإمام عاقبهم بهذه العقوبة، لأن الآية نزلت في العرينيين، لأنهم دخلوا المدينة فاستوخموها فانتفخت أجوافهم واصفرت ألوانهم، فأمرهم النبي عليه وآله السلام أن يخرجوا إلى لقاح إبل الصدقة فيشربوا من البانها وأبوالها، ففعلوا ذلك فصحوا فقتلوا الراعي وارتدوا واستاقوا الإبل فبعث النبي عليه وآله السلام في طلبهم فأخذهم وقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وطرحهم في الحرة حتى ماتوا فالآية نزلت فيهم. وقال جميع الفقهاء إن المراد بها قطاع الطريق وهو من شهر السلاح وأخاف السبيل لقطع الطريق، والذي رواه أصحابنا أن المراد بها كل من شهر السلاح وأخاف الناس في بر كانوا أو في بحر، وفي البنيان أو في الصحراء، ورووا أن اللص أيضا محارب، وفي بعض رواياتنا أن المراد بها قطاع الطريق كما قال الفقهاء. فمن قال المراد بها قطاع الطريق اختلفوا في أحكامهم وكيفية عقوبتهم، فقال قوم إذا شهر السلاح وأخاف السبيل لقطع الطريق، كان حكمه متى ظفر به الإمام التغرير، وهو أن ينفي عن بلده ويحبس في غيره، وفيهم من قال يحبس في غيره

[ 48 ]

وهذا مذهبنا غير أن أصحابنا رووا أنه لا يقر في بلده، وينفى عن بلاد الاسلام كلها فإن قصد بلاد الشرك قيل لهم لا تمكنوه، فإن مكنوه قوتلوا عليه حتى يستوحش فيتوب. وإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا، والقتل ينحتم عليهم، ولا يجوز العفو عنهم وإنما يكون منحتما إذا كان قصده من القتل أخذ المال وأما إن قتل رجلا لغير هذا فالقود واجب غير منحتم، وإن قتل وأخذ المال قتل وصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف فمتى ارتكبوا شيئا من هذا نفوا من الأرض، ونفيهم أن يتبعهم أينما حلوا كان في طلبهم، فإذا قدر عليهم أقام عليهم الحدود التي ذكرناها. وقال قوم الإمام مخير فيه بين أربعة أشياء بين أن يقطع يده ورجله من خلاف، ويقتل أو يقطع من خلاف ويصلب، وإن شاء قتل ولم يقطع، وإن شاء صلب ولم يقطع، والأول مذهبنا، ونشرحه فضل شرح: وجملته أن من شهر السلاح وأخاف السبيل لقطع الطريق، فإنه يعزر لذلك على ما قلناه، وإذا قتل غسل وكفن وصلي عليه كساير الأموات فأما الصلب فإنه يضرب رقبته أولا ثم يصلب ثلاثا لا أكثر منه، وينزل ويغسل ويكفن و يصلى عليه، وقال بعض الصحابة لا ينزل ويترك حتى يسيل صديدا وقال بعضهم يصلب حيا ويترك حتى يموت، ومنهم من قال يصلب حيا ويبعج بطنه برمح، وهذا أغلظ في الزجر. وأما قطع يديه ورجليه من خلاف يقطع يده اليمنى أولا ويحسم بالنار، ثم يقطع الرجل بعدها، ويوالي بين القطعين، ولا يؤخر ذلك، لأنه حد واحد، فلا يفرق في وقتين كحد الزنا. وأما قوله " أو ينفوا من الأرض " معناه إذا وقع منهم في المحاربة ما يوجب شيئا من هذه العقوبات يتبعهم الإمام أبدا حتى يجده، ولا يدعه يقر في مكان، هذا هو النفي من الأرض عندنا، وعند قوم المنفي من قدر عليه بعد أن يشهر السلاح وقبل أن يعمل شيئا، والنفي عنده الحبس، والأول مذهبنا.

[ 49 ]

قد ذكرنا أن من قتل في المحاربة ولم يأخذ المال انحتم قتله، فإذا ثبت هذا فإنما يتحتم قتله إذا كان المقتول مكافيا لدم القاتل، فإن لم يكن مكافيا مثل أن يكون حرا قتل عبدا أو مسلما قتل ذميا أو والدا قتل ولدا، قال قوم يقتل به، ولا يعتبر التكافؤ، وقال آخرون لا يقتل، والأول يقتضيه عموم الأخبار في ذلك، وعموم الآية، ومن منع فلقوله عليه وآله السلام: لا يقتل والد بولده، ولا يقتل مؤمن بكافر. وأما إذا أخذوا المال ولم يقتلوا، فقد قلنا يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وهو أنا نقطع يده اليمنى ورجله اليسرى للآية، وذكرنا أنه يقطع الرجل عقيب اليد، ويوالي بينهما بعد أن يحسم الأول وقال قوم لا يقطع حتى يأخذ نصابا يقطع به السارق، وقال بعضهم يقطع في القليل والكثير، وهو الأقوى عندي، وقال بعضهم يعتبر فيه الحرز ولا يقطع حتى يأخذ المال من الحرز، وحرزه يد صاحبه ومحافظة صاحبه. وأما إن ساق قطارا وأصحابه ركابه، أو ساق قطارا ليس صاحبه معه فلا قطع عليه عندهم، كالسارق سواء، ويقوى في نفسي أنه لا يعتبر ذلك، ويعتبر في المحاربة أخذ المال على وجه لا يتمكن المالك من الاحتراز منه، مجاهرة بالسيف على وجه لا يلحقه الغوث كالسرقة، ويعتبر فيها الأخذ على سبيل الاستخفاء، ويقوى في نفسي أنه لا يعتبر ذلك لأنه لا دليل عليه. فإذا تقرر اعتبار النصاب فإذا أخذه نظرت، فإن كانت الأطراف كاملة قطعنا يده اليمنى ورجله اليسرى، وإن كان هذان الطرفان معدومين قطعنا يده اليسرى ورجله اليمنى، وإن كان أحدهما معدوما والآخر موجودا مثل أن كانت يده اليمنى موجودة ورجله اليسرى مفقودة، أو رجله اليسرى موجودة ويده اليمنى مفقودة قطعنا الموجودة منهما وحدها، ولم ينتقل إلى غيرها لأن العضوين كالواحد بدليل أنهما يقطعان معا بأخذ المال. حكم قطاع الطريق في البلد والبادية سواء، وقد قلنا إذا كانوا في البادية فقهروا قافلة وأخذوا مالها، وكان أهل القافلة على صفة لا يلحقهم الغوث فهم قطاع

[ 50 ]

الطريق، فمتى وجد هذا منهم في الحضر كان الحكم فيهم واحدا مثل أن حاصروا قرية وفتحوها وغلبوا أهلها وسبوهم، أو فعلوا هذا في بلد صغير أو في طرف من أطراف البلد كقطيعة الدقيق من بغداد، وكانوا على صفة لا يلحقهم الغوث، أو كان بهم كثرة فأحاطوا ببلد كبير فاستولوا عليه هكذا، فالحكم واحد وهكذا لو فعل هذا دعار البلد استولوا على أهله وغلبوهم وأخذوا أموالهم على صفة لا غوث لهم الباب واحد. فأما إن كبسوا دارا في جوف البلد، وقهروا أهلها، ومنعهم الصياح ولو صاحوا لحقهم الغوث، فليسوا قطاع الطريق ولا يتعلق بهم حكم قطاع الطريق وقال قوم: قطاع الطريق من كان من البلد على مسافة ثلاثة أميال. وقال آخرون إذا كانوا في البلد أو بالقرب منه، مثل أن كانوا ما بين الحيرة والكوفة، أو بين قريتين لم يكونوا قطاع الطريق، وإنما يكونون قطاع الطريق إذا كانوا في موضع لا يلحقهم الغوث. وقد بينا أن عموم أخبارنا أن من أشهر السلاح وأخاف الناس في بلد كانوا أو في بر وعلى أي وجه كانوا فهم محاربون، حتى رووا أن اللص محارب فلا اعتبار بما قالوه. من أتى من المحاربين ما يوجب حدا حددناه بحسب جرمه، فمن قتل قتل،، ومن أخذ المال وقتل صلب، ومن أخذ المال ولم يقتل يقطع من خلاف، ومن شهر السلاح لقطع الطريق وخوف وهيب ولم يفعل غير هذا عزر به. فإذا ثبت أنا نقيم على كل واحد منهم الحد الذي وجد سببه، فإنما يقام ذلك على من باشر الفعل فقتل، أو قتل وأخذ المال أو أخذ المال ولم يقتل، وأما من لم يباشر شيئا من هذا، مثل أن كثر أو هيب أو كان ردءا أو معاونا فإنما يعزر ويحبس، ولا يقام عليه الحدود، وقال قوم الحكم يتعلق بالمباشرة وبغيره، فمن كان عونا أو ردءا أو طليعة على حد واحد، فلو أخذ واحد المال قطعوا كلهم، ولو قتل واحد قتلوا كلهم، والأول يقتضيه مذهبنا. قد ذكرنا أن من قتل في المحاربة قتل قصاصا، وكان القتل منحتما، وقال

[ 51 ]

بعضهم إن قتل وأخذ المال انحتم قتله، وإن لم يأخذ المال كان القتل على التخيير ولا ينحتم قتله، والأول يقتضيه مذهبنا. فأما إن كان الجرح دون النفس نظرت، فإن كان مما لا يوجب القود في غير المحاربة لم يجب به في المحاربة وإن كان مما يوجب القصاص في غير المحاربة كاليد والرجل والأذن والعين وجب القصاص في المحاربة، لكن هل ينحتم أم لا؟ قال قوم لا ينحتم، وقال آخرون ينحتم وهو الأقوى. هذا إذا قطع ولم يقتل أو قتل ولم يقطع، فأما إن جمع بين الأمرين معا قطع يد واحد وقتل آخر، فإنه يستوفى منه الأمران وخالف فيه بعضهم، فإذا ثبت هذا في المحاربة فالذي يقتضيه شرح المذهب فإذا قطع يدا في غير المحاربة، وقتل في المحاربة كان المقطوع بالخيار بين القصاص والعفو، فإن عفى على مال ثبت له، وقتل في المحاربة، وإن اختار القصاص قطع يده قصاصا وقتل في المحاربة هذا إذا كان القطع في غير المحاربة والقتل في المحاربة فأما إن كانا في المحاربة فإذا قيل لا ينحتم القصاص فيما دون النفس، فالحكم كما لو قطع في غير المحاربة وقتل في المحاربة، وقد مضى وإذا قيل ينحتم فالحكم فيه كما لو كان القطع في غير المحاربة، والقتل في المحاربة و اختار المقطوع القصاص وقد مضى، وعلى كل حال فإنا نقطع ثم نقتل، سواء تقدم القطع منه أو القتل. فأما الكلام في القطع إذا وجب من وجهين قصاصا وبأخذ المال في المحاربة، فإن قطع في غير المحاربة وأخذ المال في المحاربة فالمجني عليه بالخيار بين أن يعفو أو يقطع، فإن عفى على مال ثبت له، وكان كأنه لم يفعل غير أخذ المال في المحاربة فيقطع من خلاف. وإن اختار المجني عليه القصاص لم يخل من أحد أمرين إما أن يجب عليه القصاص في يساره أو في يمينه، فإن وجب القصاص في يساره قطع يساره. ولم يقطع يمينه ورجله اليسرى بأخذ المال في المحاربة، حتى يندمل اليسار لأنهما حدان فلا يوالي بينهما بين القطعين فإذا اندمل قطعنا يمينه ورجله اليسرى بالمحاربة، وإن

[ 52 ]

كان القصاص وجب على يمينه قطعنا يمينه قصاصا، وسقط قطعها بالمحاربة، وقطعنا رجله اليسرى كما لو ذهبت يده بآكلة سقط قطعها بالمحاربة وقطعنا رجله اليسرى، وكذلك إذا قطعت يده قصاصا. هذا إذا كان القطع في غير المحاربة فأما إن كان القطع في المحاربة وأخذ المال فيها فمن قال لا ينحتم الجراح فيما دون النفس في المحاربة، قال الحكم فيه كما لو كان القطع في غير المحاربة وقد مضى، ومن قال ينحتم القطع، فالحكم فيه كما لو قطع في غير المحاربة وأختار المجني عليه القصاص، إذ لا فرق بين أن ينحتم القطع حكما وبين أن ينحتم لأن الولي اختار ذلك، فيقدم القطع في حق الآدميين أبدا كرجل قطع يد رجل وسرق، فإنا نقدم القصاص على القطع في السرقة كذلك هيهنا. إذا قطع يد رجل وقتله في المحاربة، قطع ثم قتل، وهكذا لو وجب عليه قصاص فيما دون النفس ثم أخذ المال، اقتص منه ثم قطع من خلاف بأخذ المال و قال قوم إذا قطع ثم قتل، قتل ولم يقطع، وإن قطع يسار رجل ثم أخذ المال في المحاربة سقط القطع قصاصا وقطع بأخذ المال والصحيح الأول. إذا مات قطاع الطريق قبل إقامة الحد عليهم لا يصلبون لأنه قد فات بالموت و لله فيه المشية في الآخرة إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، وقيل إن الذي فعله النبي عليه وآله السلام بالعرنيين من قطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا منسوخ، وأن الآية نزلت بعد قصة العرنيين، فحكم الله في قطاع الطريق بما ذكرناه، فبطل قول من قال المراد بها المرتدون. الحقوق التي تجب على المحارب على ثلاثة أضرب حق يختص بالمحاربة، و حق لا يختص بها، ومختلف فيها، فأما ما يختص به انحتام القتل والصلب، وقطع الرجل، وما لا يختص به فعلى ضربين حق لله تعالى كحد الشراب واللواط والزنا وحق الآدمي كالقصاص وحد القذف وإتلاف الأموال. وما اختلف فيه فهو قطع اليد قيل فيه قطعها من الأحكام المختصة بالمحاربة

[ 53 ]

لقوله تعالى " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله " إلى قوله " من خلاف " (1) فوصفهم بالمحاربة وأمر بقطعهم من خلاف، وقال بعضهم إن قطع اليد من الحدود التي لا تجب لأجل المحاربة، والأولى أقوى عندي لظاهر الآية. فإذا تقررت أقسام الحقوق فالكلام بعد هذا فيما يسقط منها، وما لا يسقط، و جملته أنه لا يخلو من أحد أمرين إما أن يقدر عليه قبل التوبة أو بعدها، فإن قدر عليه قبل التوبة لم يسقط شئ منها بحال، لقوله " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم " فجعل من شرط سقوطها التوبة قبل القدرة، فلم يوجد الشرط. وأما إن قدر عليه بعد التوبة فكل حق وجب لأجل المحاربة سقط بمجرد التوبة وهو انحتام القتل والصلب وقطع الرجل لقوله " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم " وهؤلاء تابوا قبل القدرة وأما حقوق الآدميين فلا تسقط وضمان الأموال ليست بآثام. وأما الحدود الواجبة عليه لا لأجل المحاربة كحد الزنا والشرب واللواط، فهل يسقط بمجرد التوبة أم لا؟ قال قوم تسقط بمجرد التوبة، كانحتام القتل والصلب وقطع الرجل، وقال آخرون لا تسقط بمجرد التوبة كالقصاص وحد القذف والأول يقتضيه مذهبنا. وأما قطع اليد فمن قال من حدود المحاربة، قال يسقط بمجرد التوبة وهو الذي اخترناه، ومن قال هو كالقطع بالسرقة فهل يسقط بمجرد التوبة على ما مضى قال قوم يسقط وقال آخرون لا يسقط، فأما غيرهم فكل من أتى ما يوجب الحد تم تاب و صلح عمله، فظاهر رواياتنا تدل على أنه يسقط، وقال قوم لا يسقط. إذا شهد شاهدان أن هؤلاء قطعوا الطريق علينا وعلى القافلة قاتلونا وأخذوا متاعنا لم تقبل هذه الشهادة في حق أنفسهما لأنهما شهدا لأنفسهما، ولا تقبل شهادة الانسان لنفسه، ولا تقبل شهادتهما للقافلة أيضا لأنهما قد أبانا عن العداوة، وشهادة العدو لا يقبل على عدوه.

(1) المائدة: 33.

[ 54 ]

وهكذا لو شهدا على رجل فقالا هذا قذفنا وقذف زيدا، لم يقبل شهادتهما لأنفسهما، ولا لزيد لما مضى، فإن شهدا بأن هؤلاء قطعوا الطريق على هؤلاء و هذا قذف زيدا قبلت الشهادة لأنهما شهدا بالحق مطلقا على وجه لا ترد به شهادتهما. وليس للحاكم أن يسئل الشهود هل قطعوا الطريق عليكم مع هؤلاء أم لا؟ و هل قذفكما هذا مع قذفه زيدا أم لا؟ لأن الحاكم لا يبحث عن شئ مما يشهد به الشهود، فلم يكن له المسألة عن هذا. فإن شهدا بأن هذا قذف أمنا وزيدا، لم تقبل شهادتهما لأمهما، لأجل التهمة لأنهما يجران بها إلى أمهما، وهل تقبل لزيد أم لا؟ قال قوم تقبل، وقال آخرون لا تقبل لأنها شهادة ردت في بعض ما شهدت به. وجملته أن كل شهادة كان بأمرين فردت في أحدهما هل ترد في الآخر، أم لا؟ نظرت فإن كان الرد لأجل العداوة ردت في الآخر، وإن كانت لأجل التهمة فهل ترد في الآخر؟ قال قوم ترد، وقال آخرون لا ترد، وهو الأقوى عندنا، لأن التهمة موجودة في حق نفسه دون حق غيره. والعداوة في الشهادتين حاصلة، فبان الفصل بينهما. فإن شهدا فقالا هؤلاء عرضوا لنا، وقطعوا الطريق على غيرنا، قبلت الشهادة لأن العداوة ما ظهرت بالتعرض لهم، فلهذا سمعت وعمل بها. إذا اجتمعت أجناس من حدود مثل حد القذف وحد الزنا وحد القطع في السرقة وقطع اليد والرجل في المحاربة بأخذ المال، ووجب عليه القتل في غير المحاربة فوجب قتله قودا، حدان وقطعان وقتل في غير المحاربة، فإن هذه الحدود تستوفى كلها منه ثم يقتل عندنا وعند جماعة وقال قوم يسقط كلها منه ويقتل، فإن القتل يأتي على الكل. فإذا ثبت أنها لا تتداخل فكيفية استيفائها جملتها أنه يبدء بالأخف فالأخف فيستوفي، ولا ينظر إلى السابق منها، يبدأ بحد القذف، فإذا برء جلده حد الزنا

[ 55 ]

فإذا برء قطعت يمينه بالسرقة وأخذ المال في المحاربة معا، وقطعت رجله اليسرى لأخذ المال في المحاربة، ويوالي بين القطعين، لأنهما حد واحد، فإذا قطعناه قتلناه قودا إن اختار الولي القصاص، وإن اختار العفو كانت له الدية. فإن انضاف إليها شرب الخمر، قال قوم يقدم عليه حد القذف لأنه من حقوق الآدميين ولأنه أخف، وهو الأقوى، وقال قوم يقدم حد الشرب لأنه أخف فإنه أربعون عنده، والأول مذهبنا ولا يوالي بين الحدين على ما فصلناه. فإن كانت بحالها، وكان مكان القتل في غير المحاربة، قتل في المحاربة، انحتم قتله، والكلام في التقديم والتأخير على ما فصلناه، وهل يوالي بين الحدين؟ قيل فيه وجهان أحدهما يوالا بينهما، ولا يؤخر حتى يبرء ثم يقام ما بعده، لأنه لا فائدة فيه فإن قتله منحتم، فلا فايدة في تأخيره، وهو الأقوى عندي، وقال بعضهم لا يوالي، كما لو كان القتل في غير المحاربة. وأما إن اجتمع مع هذه الحدود قتلان قتل في غير المحاربة، وقتل في المحاربة، فالحكم فيما عدا القتل على ما فصلناه هل يوالي أم لا؟ على وجهين، وبقي الكلام في القتلين والحكم فيهما أنا نقدم السابق منهما فإن كان قتل غير المحاربة فالولي بالخيار بين العفو والقتل فإن عفا قتل في المحاربة، وصلب، وإن اختار القود قتلناه له، ولم يصلب كما لو مات، ويكون لولي القتل في غير المحاربة الدية لأنه إذا هلك القاتل سقط حق الله وهو انحتام القتل، وبقي حق الولي كما لو مات قبل القدرة عليه سقط الانحتام عليه والولي بالخيار بين القود والعفو، وإن سبق القتل في المحاربة قتل وصلب، وكان لولي القتل في غير المحاربة الدية، فإذا ثبت أنا نستوفي منه الحدود، فإن لم يمت استوفيت كلها وإن مات قبل استيفائها كلها أو بعضها، فما كان لله سقط، وحسابه على الله وما كان للآدميين فما يوجب المال سقط إلى مال، وهو القتل في غير المحاربة، أو فيها على ما مضى وسواء كان القتال مع قاطع الطريق بمثقل أو بغيره الباب واحد، ومن قال: لا قود في القتل بالمثقل، قال هيهنا يقتل، واعتذر بأن هذا حد، وليس بقود، وهذا ليس بشئ لأن هذا القتل يستوفي قودا والانحتام بحق الله ألا تراه لو تاب

[ 56 ]

قبل القدرة عليه سقط الانحتام، وكان لولي القتل القصاص فإذا كان له القصاص ثبت أنه قود. النساء والرجال في أحكام المحاربين سواء على ما فصلناه في العقوبة وقال بعضهم لا يتعلق أحكام المحاربين بالنساء وقال قوم إن كان معهم نساء فإن كن ردءا والمباشر للقتل الرجال لم تقتل النساء ههنا وهل يقتل الرجال إذا كانوا ردءا؟ قال: وإن كان المباشر للقتل النساء دون الرجال فظاهر قوله أنه لا قتل على الرجال ولا على النساء والأول مذهبنا لعموم الآية، والأخبار الواردة في هذا المعنى.

[ 57 ]

كتاب الأشربة الخمر محرمة بالكتاب والسنة والاجماع، قال الله تعالى " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما (1) " فأخبر أن في الخمر إثما كبيرا وأخبر أن فيها منافع للناس، ثم قال: وإثمهما أكبر من نفعهما، فثبت أنهما محرمان. وقال تعالى " قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم " (2) والإثم المراد به الخمر قال الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي * كذلك الإثم يذهب بالعقول وقال تعالى " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " (3) إلى آخر الآيتين وفيهما أدلة أولها أن الله تعالى افتتح الأشياء المحرمات فذكر الخمر والميسر، وهو القمار والأنصاب وهي الأصنام والأزلام وهي القداح التي كانوا يجيلونها بين يدي الأصنام، فلما ذكرها مع المحرمات وافتتح المحرمات بها ثبت أنها آكد المحرمات ثم قال " رجس من عمل الشيطان " فسماها رجسا والرجس الخبيث والرجس النجس والحرام ثبت أن الكل حرام قال " من عمل الشيطان " وعمل الشيطان حرام ثم قال " فاجتنبوه " فأمر باجتنابه والأمر يقتضي الوجوب ثم قال: " لعلكم تفلحون " يعني باجتنابها وضد الفلاح الفساد. ثم قال: " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر و

(1) البقرة: 219.
(2) الأعراف: 33.
(3) المائدة: 90.

[ 58 ]

الميسر " وما يوقع العداوة والبغضاء حرام، ثم قال " ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة " وما يصد عنهما أو عن أحدهما حرام " ثم قال فهل أنتم منتهون " وهذا نهي ومنع منها لأنه يقال أبلغ كلمة في النهي أن يقول هل أنت منته لأنه يضمن معنى التهديد إن لم ينته عنه، ففي الآية عشرة أدلة على ما ترى. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: كل شراب أسكر فهو حرام. وروي عنه عليه وآله السلام أنه قال: الخمر شر الخبائث من شربها لم يقبل الله له صلوة أربعين يوما، فإن مات وهي في بطنه مات ميتة جاهلية. وروي عنه عليه وآله السلام أنه قال لعن الله الخمر وعاصرها ومعتصرها وبايعها ومشتريها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وشاربها وآكل ثمنها. واختلف في سبب تحريمها فقيل إن رجلا دعا سعد بن أبي وقاص وشوى له رأس بعير فأكل وشرب ورمى بلحى بعير فشج أنفه فنزل تحريم الخمر. وقيل السبب فيه أن عمر بن الخطاب قال لا ننتهي عن الخمر حتى يأتي أحدنا وقد ضرب أو كلم أو شج فنزل قوله تعالى " يسئلونك عن الخمر والميسر " الآية. فقرئت عليه فقال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل قوله " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون " (1) فقرئت عليه فقال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر إلى قوله " فهل أنتم منتهون " فقرئت عليه فقال نعم انتهينا. وقد روى أصحابنا في سبب تحريمها خبرا معروفا لا أحتاج إلى ذكره، وعليه إجماع الأمة. وروي عن عمرو بن معد يكرب في قوله " فهل أنتم منتهون " قلنا لا فسكت و سكتنا فأنكر عليه فرجع عنه. وروي عن قدامة بن مظعون أنه قال قال الله تعالى " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات " قال فأنا أطعمها

(1) النساء: 43.

[ 59 ]

وأعمل صالحا فأنكر عليه فرجع عنه. وقيل في قوله " فيما طعموا " تأويلان أحدهما أراد الخمر لكنه رفع تلك الإباحة ونسخت، وقيل طعموا يعني الطيبات من الرزق الحلال. فإذا ثبت تحريمها فمن شربها كان عليه الحد قليلا شرب أو كثيرا لقوله عليه السلام إذا شرب الخمر فاجلدوه. فإذا ثبت هذا فإن شرب ثم شرب فتكرر هذا منه، وكثر قبل أن يقام عليه الحد، حد للكل حدا واحدا لأن حدود الله إذا توالفت تداخلت، وإن شرب فحد ثم شرب فحد ثم شرب فحد ثم شرب رابعا قتل في الرابعة عندنا، وعندهم يضرب أبدا الحد. فأما بيان الأشربة المسكرة وأنواعها، فالخمر مجمع على تحريمها، وهو عصير العنب الذي اشتد ومنهم من قال: إذا اشتد وأسكر وأزبد، فاعتبر أن يزبد، والأول مذهبنا فهذا حرام نجس يحد شاربها سكر أم لم يسكر بلا خلاف، وأما ما عداها من الأشربة وهو ما عمل من العنب فمسته النار والطبخ أو من غير العنب مسه طبخ أم لم يمسه، فكل شراب أسكر كثيره فقليله وكثيره حرام، وكل عندنا خمر حرام نجس يحد شاربه سكر أو لم يسكر، كالخمر سواء، وسواء عمل من تمر أو زبيب أو عسل أو حنطة أو شعير أو ذرة، فالكل واحد نقيعه ومطبوخه هذا عندنا وعند جماعة وفيه خلاف. فإذا ثبت أن كل مسكر حرام فإنها غير معللة عندنا بل محرمة بالنص لأن التعليل للقياس عليه، وذلك عندنا باطل، ومن وافقنا في تحريمها عللها فقال قوم العلة هي الشدة المطربة، ومعناه شراب مسكر، وقال قوم حرمت بعينها لا لعلة فالتحريم تعلق عنده بالتسمية لا لمعنى سواه. وفايدة الخلاف أنه إذا عرف معناها قيس عليها سائر المسكرات ومن لا يعللها لم يقس عليها، غير أنهم قالوا نقيع التمر والزبيب حرام لعلة أخرى عندهم، وقد بينا أنا لا نحتاج إلى ذلك لأنا نحرم الجميع بالنص.

[ 60 ]

ونهي رسول الله صلى الله عليه وآله عن الخليطين، والخليطان نبيذ يعمل من لونين تمر و زبيب تمر وبسر ونحو هذا فكل ما يعمل من شيئين يسمى خليطين، والنهي عن ذلك نهي كراهة إذا كان حلوا عند قوم، وعند آخرين لا بأس بشرب الخليطين وهو الصحيح عندنا إذا كان حلوا. وأما النبيذ في الأوعية فجايز في أي وعاء كان إذا كان زمانا لا تظهر الشدة فيه. ونهي رسول الله صلى الله عليه وآله عن الدبا والحنتم والنقير والمزفت، وقال انبذوا في الأدم فإنها توكأ وتعلق أما الدباء فالقرع متى قطع رأسها بقيت كالجرة ينبذ فيها وأما الحنتم فالجرة الصغيرة، والنقير خشبة تنقر وتخرط كالبرنية والمزفت ما قير بالزفت، كل هذا النهي عنه لأجل الظروف، فإنها يكون في الأرض وتسرع الشدة إليها. ثم أباح هذا كله بما روي عن أبي بريدة عن أبيه أن النبي عليه وآله السلام قال: نهيتكم عن ثلث وأنا آمركم بهن نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن زيارتها تذكرة، ونهيتكم عن الأشربة أن تشربوا إلا في ظرف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تأكلوها بعد ثلاث فكلوا و استمتعوا. وهذا الخبر يستدل به من يقول بتحليل النبيذ، ويقول نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها ومعلوم ما نهى وهي حلوة، ثبت أنه إنما نهى وهي شديدة، ثم أباح بعد ذلك، والجواب أنه عليه وآله السلام إنما نهى عن الظروف دون ما فيها، لأنه قال: الأوعية لا تحرم شيئا، وكان المعنى أن هذه الأوعية متى نبذ فيها لسارعت الشدة إليه، ثم أذن في ذلك لأن الزمان الذي يبقى فيها النبيذ لا يتغير ولا يشتد لقلته على أنه بين في آخر ذلك بقوله " غير أن لا تشربوا مسكرا ". حد الخمر عندنا ثمانون وقال بعضهم أربعون فإن رأى الإمام أن يضيف إليه

[ 61 ]

أربعين تعزيرا جاز، والذي يثبت به الشرب الموجب للحد وجوه: أحدها أن يقر بذلك، والثاني أن يقوم عليه به بينة أو يشرب شرابا فسكر غيره منه إن اعترف بذلك ثبت عليه بالاعتراف غير أن عندنا يحتاج أن يعترف دفعتين، وإن شهد شاهدان عليه ثبت بشهادتهما. وإذا شهد أنه شرب مسكرا سمعها الحاكم وحكم بها ولم يستفسرهما عما شرب وإذا شرب شرابا يسكر غيره منه ثبت أيضا وحد فأما إن لم يثبت شئ من هذا لكنه وجد وهو سكران أو تقيأ خمرا أو شم منه رائحة الخمر، فلا حد عليه عندهم، وعندنا إذا تقيأ ذلك أقيم عليه الحد به، لأنه روي عنهم عليهم السلام أنهم قالوا ما تقيأها حتى شربها. إذا ثبت عليه الحد وجب على الإمام إقامته ثمانون على ما بيناه، فإن مات من ذلك لم يلزم الإمام ضمانه. ومن قال الحد أربعون، فإن جلده فمات من الأربعين لم يضمن، وإن أراد الزيادة زاد إلى الثمانين ولا يزيد عليها، فإن مات من الزيادة ولو من واحد فإنه مضمون عندهم، ولم يجب فيه كمال الدية، قالوا لأنه مات من فعل مضمون وغير مضمون فلم يجب منه كمال الدية، كما لو جرح نفسه وجرحه غيره أو جرح وهو مرتد فأسلم ثم جرح وهو مسلم، فإنه لا يجب فيه كمال الدية. وكم الواجب؟ قال قوم فيه نصف الدية لأنه مات مع ضربين مضمون وغير مضمون، وقال آخرون يجب عليه بالحصة على العدد، فإن مات من واحد وأربعين لزمه جزء من أحد وأربعين جزءا من الدية، وسواء وجب نصف الدية أو جزء فأين يجب؟ قال قوم على عاقلة الإمام وقال آخرون في بيت المال. فأما الجلاد فلا شئ عليه لأنه آلة الإمام، هذا إذا أمره أن يجلد واحدا و أربعين جلدة. فأما إن قال له إجلد وأنا أعد فلم يزل يضرب حتى ضرب واحدا وأربعين،

[ 62 ]

فقال حسبك، فمات المجلود فالحكم كما لو أمره بذلك، وقد مضى. فأما إن أمره أن يضرب أربعين فقط فضربه الجلاد واحدا وأربعين كان الضمان على الجلاد، وكم يضمن عند قوم نصف الدية، وعند آخرين على العدد، ويجب على عاقلته لأنه هو الجاني. وأما إن قال له اضربه ثمانين أربعين حدا وأربعين تعزيرا فجلده الجلاد واحدا وثمانين، فمن قال الدية تقسط على الضرب، فما زاد على الجناية على الإمام أربعون سهما من واحد وثمانين سهما، وعلى الجلاد سهم واحد من واحد وثمانين سهما من الدية ويسقط منها أربعون سهما في مقابلة الجلد الذي هو قدر الحد. ومن قال الاعتبار بعدد الجناية لا بالضرب، فعلى هذا منهم من قال يجب نصف الدية، ويسقط نصفها في مقابلة الحد، وإذا سقط النصف بقي نصف يقسط على الإمام والجلاد نصفين، لأنه مات من ضربين مباح ومحظور فيكون على الإمام الربع و على الجلاد الربع. وفيهم من قال يقسط الدية أثلاثا لأن الموت كان من ثلاثة أنواع: من ضرب الحد، ومباح، ومحظور، فيسقط الثلث منها بالحد ويبقى ثلثان، الثلث على الإمام والثلث على الجلاد، ومن يتحمل؟ على ما مضى. فأما إن قال له اضربه ثمانين فضربه ثمانين، فمات فعلى الإمام نصف الدية هيهنا لأنه إن قيل الاعتبار بعدد الضرب ففيه النصف لأن نصف الضرب مضمون و إن قيل الاعتبار بأنواع الضرب فالضرب نوعان، فيلزم نصف الدية، والذي يقتضيه مذهبنا أنه إن مات من الثمانين فلا ضمان أصلا. وإن كان المقيم للحد الحاكم فأمر بضرب أكثر من ثمانين كان ضامنا، ويلزمه نصف الدية في ماله خاصة دون بيت المال، لأنه شبه العمد، وإن كان الجلاد فعل ذلك عمدا لزمه ذلك في ماله خاصة وإن فعله خطأ بأن غلط في العدد كان الضمان على عاقلته وقد روي في أحاديثنا أن ما أخطأت القضاة ففي بيت المال، فعلى هذا الدية من بيت المال

[ 63 ]

إذا عزر الإمام رجلا فمات من الضرب ففيه كمال الدية، لأنه ضرب تأديب وأين يجب الدية؟ قال قوم في بيت المال، وهو الذي يقتضيه مذهبنا، وقال قوم هو على عاقلته وهو أصحهما عندهم، وإن قلنا نحن لا ضمان عليه أصلا كان قويا لما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال من أقمنا عليه حدا من حدود الله فمات فلا ضمان، و هذا حد وإن كان غير معين والذي قلناه أحوط. فمن قال الدية على العاقلة قال الكفارة في ماله، ومن قال في بيت المال منهم من قال في ماله لأنه قاتل خطأ، وقال آخرون على بيت المال، لأن خطأه يكثر فيذهب ماله بالكفارات وهو الذي يقتضيه مذهبنا. إذا وجب الحد على حامل لم يكن للإمام إقامته عليها، لأنها الجانية دون ولدها، فلو أقيم عليها ربما تلف، فإن خالف وفعل فألقته ميتا فعليه الضمان وهو ما بيناه من دية الجنين، وإن ألقته حيا فلم يزل ضمنا حتى مات فالضمان هيهنا دية كاملة، وأين يجب؟ فإن كان الإمام جاهلا بالحمل فهذا من خطأ الإمام، وأين تجب الدية أو الغرة، منهم من قال في بيت المال، وقال آخرون على عاقلته، والكفارة على ما مضى. وأما الأم فإن ماتت قبل الوضع والاسقاط، فالحد قتلها فلا شئ فيها، وإن ماتت بعد الاسقاط نظرت، فإن قيل الحد قتلها فلا شئ فيها وإن قيل الاسقاط قتلها فالدية واجبة هيهنا، وأين يجب؟ على ما مضى من الخلاف، لأنه من خطأ الإمام، وإن قيل ماتت من الحد والاسقاط معا فالواجب نصف الدية، لأنها تلفت من حد وغيره، فكان فيها نصف الدية، وأين يجب؟ على ما مضى، وإن كان عالما به فعندنا لا يقع منه، ولكن نفرضها في الحاكم فإن الخلاف واحد ويكون عمد الخطأ، و يكون على الحاكم في ماله، وقال قوم على عاقلته، وقال قوم في بيت المال، والأول أقوى عندنا. فإن قالوا العمد لا يتصور في الجنين، قلنا يتصور عندنا فسقط ما قالوه، على

[ 64 ]

أن عمد الخطاء عندنا يلزم في ماله فأما إن وجب الحد على شخص فأقامه الإمام أو الحاكم في شدة حر أو برد، قال قوم الدية على الإمام، وقال قوم لا ضمان عليه بحال وهو مذهبنا لأن ذلك مستحب دون أن يكون ممنوعا منه بكل حال. إذا أقام الحد عليه بشاهدين فمات وبان أنهما عبدان أو كافران أو فاسقان، فالضمان على الحاكم، لأن عليه البحث عن حال الشهود، فإذا لم يفعل فقط فرط فعليه الضمان، وأين يضمن؟ على ما مضى، لأنه من خطائه، عندنا في بيت المال و قال قوم على عاقلته. وكذلك إن شهدا على رجل بالقذف فحده الإمام ثم بان أنهما كافران أو فاسقان، ومات المجلود كان على الإمام الضمان دون المقذوف، لأن الإمام أو الحاكم هو المفرط في ترك البحث عنهما. إذا ذكرت عند الإمام امرأة فأرسل إليها فأسقطت أي أجهضت ما في بطنها فزعا منه، فخرج الجنين ميتا فعلى الإمام الضمان، لما روي من قصة المجهضة وأين يكون على ما مضى. وأما إن أرسل إليها فماتت هي حائلا كانت أو حاملا ولم يسقط فلا ضمان عليه، لأن الكبير لا يموت من مثل هذا في العادة، والاسقاط يكون من الفزع، و لهذا قلنا إذا صاح على صبي على طرف سطح ففزع فمات كان الضمان على الصايح، ولو كان الذي صيح به كبيرا فوقع فلا ضمان لأن الصبي يفزع من مثل هذا والكبير لا يفزع. وأما إن أرسل إليها رجل من قبل نفسه وقال لها الإمام يدعوك، ففزعت فأسقطت، فالضمان على الرسول لأن الاسقاط بسبب كان منه لا صنع للإمام فيه، فيكون الدية على عاقلته. إذا أمره الإمام بقتل رجل لا يجوز قتله عند المأمور، ويجوز عند الإمام، مثل أن كان الإمام حنفيا فأمر شافعيا بقتل مؤمن بكافر أو حر بعبد أو زان بشهادة

[ 65 ]

الزوايا فقتله، يعتقد أن الإمام يذهب إلى جواز قتله وإن كنت أنا لا أجيزه، فإذا أقدم على هذا فقتله بغير إكراه فالضمان على المأمور لأنه إنما يلزمه القبول من إمامه فيما عرف أنه حق أو خفي سببه عليه، فأما ما يعتقده حراما فلا يسوغ له قبوله منه، فإذا فعل فعليه الضمان. وعندنا وإن لم تتقدر هذه المسألة فقد تتقدر في غيرها مثل أن يأمره الإمام بقتل من زنا بذي محرم له ولا يكون محصنا أو بقتل ذمي إذا فجر بمسلمة، وإن لم يكن محصنا، ويكون المأمور لا يعتقد ذلك، فالحكم فيه أنه مخطئ في الاعتقاد عندنا، لأنا لا نقول كل مجتهد مصيب، لكنه لا يلزمه الضمان لأن القتل وقع موقعه. إذا أمره الإمام بجلد القاذف ثمانين فزاد الجلاد سوطا فمات المحدود، فعلى الجلاد الضمان، وكم يضمن؟ قال قوم نصف الدية وهو الذي يقوى في نفسي، وقال آخرون جزء واحد من واحد وثمانين جزءا من الدية، لأنها تقسط على عدد الضرب. فإن أمر الإمام الجلاد أن يضرب ثمانين، فقال إضرب وأنا أعد فضربه والإمام يعد، فغلط الإمام فزاد واحدا على ثمانين، فالضمان على الإمام لأنه زاد واحدا، وأين يضمن؟ على ما مضى. وإن قال إضرب ما شئت فليس له الزيادة على الحد، فإن زاد فالضمان عليه وحده دون الإمام. فإن أمر الإمام رجلا بصعود نخل أو نزول بئر فوقع فمات فالضمان على الإمام لأنه ألجأه إليه لأنه قبل منه معتقدا أنه يطيع إمامه، ثم ينظر فيه، فإن أمره بذلك في خاص نفسه فالدية على العاقلة، وإن كان أمره للمسلمين فهو من خطأ الإمام والضمان على ما مضى من القولين، ويقوى في نفسي أن لا ضمان أصلا إذا لم يكرهه على الصعود والنزول، فإن أكرهه على ذلك فالحكم على ما مضى. وأما إذا أمره بذلك بعض الرعية ففعل فوقع فهلك فلا ضمان على من أمره لأنه متبرع بذلك فإنه لا طاعة لأحد عليه، ويفارق الإمام لأنه يطيعه فيما يأمره به شرعا.

[ 66 ]

إذا نشزت امرأة الرجل وأقامت على النشوز كان له ضربها على ذلك ضربا لا يبلغ به أدنى الحدود تأديبا لها وزجرا لها عما هي عليه وعندنا يضربها ضربا خفيفا حتى روى أصحابنا أنه يضربها بالسواك فإذا فعل بها هذا فماتت منه فالدية عليه في ماله وعندهم على عاقلته. إذا فعل إنسان ما يستحق به التعزير مثل أن قبل امرأة حراما أو أتاها فيما دون الفرج، أو أتى غلاما بين فخذيه عندهم، لأن عندنا ذلك لواط، أو ضرب انسانا أو شتمه بغير حق فللإمام تأديبه، فإن رأى أن يوبخه على ذلك ويبكته أو يحبسه فعل. وإن رأى أن يعزره فيضربه ضربا لا يبلغ به أدنى الحدود، وأدناها أربعون جلدة، فعل، فإذا فعل فإن سلم منه فلا كلام، وإن تلف منه كان مضمونا عند قوم. وقال قوم إن علم الإمام أنه لا يردعه إلا التعزير وجب عليه أن يعزره، وإن رأى أنه يرتدع بغيره كان التعزير إليه إن شاء عزره، وإن شاء تركه، فإن فعل ذلك فلا ضمان على الإمام، سواء عزره تعزيرا واجبا أو مباحا، وهو الذي يقتضيه مذهبنا، فمن قال مضمون أين يضمنه؟ على ما مضى، عند قوم في بيت المال، وعند آخرين على عاقلته، وفيه الكفارة على ما مضى القول فيه. فأما إن ضرب الأب أو الجد الصبي تأديبا فهلك أو ضربه الإمام أو الحاكم أو أمين الحاكم أو الوصي أو ضربه المعلم تأديبا فهلك منه فهو مضمون، لأنه إنما أبيح بشرط السلامة ويلزم عندنا في ماله، وعندهم على عاقلته. السلعة بكسر السين هي العقدة تكون في الرأس كالجوزة، وقد تكون في البدن والسلعة بفتح السين الشجة فإذا كانت بالانسان فقطعت لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون مولى عليه أو لا مولى عليه، فإن كان ممن لا يولى عليه، نظرت، فإن قطعت بإذنه فمات فلا ضمان على أحد، لأن له التصرف في نفسه، فإذا قطعت بإذنه فلا ضمان. وإن قطعها الإمام أو غيره بغير إذنه، فمات، فعلى من قطعها القود، لأن في قطعها

[ 67 ]

غررا ولا غرر في تبقيتها، فإذا قطع فقد جنى عليه بالجرح فعليه القود إذا هلك. وإن كانت السلعة بمن يولى عليه كالصبي والمجنون نظرت في القاطع، فإن كان هو الأب أو الجد فلا قود، لأنه لا يجب عليه بقتله القود، وأما الدية فإنها تجب مغلظة، وأما إن قطعها السلطان أو غيره من قرابته أو أجنبي فهل عليه قود أم لا؟ قال قوم: يجب عليه القود، وقال آخرون لا يجب، وهكذا لو كان به آكلة أو خبيثة فهلك فعلى القولين كالسلعة سواء ويقوى في نفسي أن لا قود في ذلك. الختان فرض عند جماعة في حق الرجال والنساء وقال قوم هو سنة يأثم بتركها وقال بعضهم واجب وليس بفرض وعندنا أنه واجب في الرجال، ومكرمة في النساء. فإذا ثبت أنه واجب فالكلام في قدر الواجب منه فالواجب في الرجال أن يقطع الجلدة التي تستر الحشفة حتى تنكشف الحشفة فلا يبقى منها ما كان مستورا، ويقال لمن لم يختتن الأغلف والأعذر والأرغل والأغرم، ويقال عذر الرجل فهو معذر وأعذر فهو معذور. وأما المرأة فيقال خفضت فهي مخفوضة والخافضة الخاتنة والخفض الختان والمرأة لها عذرتان، والرجل له عذرة واحدة، فعذرة الرجل الغلفة التي على الحشفة وعذرة المرأة البكارة، والجلدة التي يقطع في الختان، وهي تلك الجلدة التي كعرف الديك بين الشفرين في أعلى الفرج فوق مدخل الذكر وفوق مخرج البول أيضا وتلك الجلدة إذا قطعت يبقى أصلها كالنواة ترى ويشاهد إذا هزلت المرأة ويسترها اللحم إذا سمنت. فإذا ثبت ذلك فيجب على الانسان أن يفعله بنفسه بعد بلوغه إن لم يكن قد ختن فإن لم يفعل أمره السلطان به فإن فعل وإلا أجبره على فعله وفعله السلطان، فإن فعل ذلك به فمات نظرت. فإن كان الزمان معتدلا فلا ضمان على السلطان، لأنه مات من قطع واجب كقطع السرقة، وإن كان في شدة حر أو برد مفرط قال قوم يكون مضمونا وقال قوم لا يكون مضمونا والأول أقوى عندي وكذلك الخلاف في نضو الخلقة إذا أقيم عليه

[ 68 ]

الحد بأنكال النخل وكذلك إن قطع بالسرقة في شدة حر أو برد، وكذلك في حد الزنا، والأقوى عندي في الجميع أن لا ضمان. فمن قال لا ضمان فلا كلام، ومن قال مضمون بكم يضمن؟ قال قوم: كمال الدية ومنهم من قال نصف الدية وأين يضمن؟ قال بعضهم في بيت المال، وقال آخرون على عاقلته. فأما صفة السوط الذي يقام به الحدود فالحد الذي يقام بالسوط حد الزنا وحد القذف، وكذلك حد الخمر عندنا وقال بعضهم بالأيدي والنعال وأطراف الثياب لا بالسوط. فإذا ثبت هذا فجلده الإمام فمات من الجلد فإن كان جلده بالسوط في الزنا أو القذف أو شرب الخمر فلا ضمان عليه، ومن قال حد الخمر بالأيدي والنعال فحده بالسوط: منهم من قال عليه الضمان، ومنهم من قال لا ضمان عليه، فمن قال لا ضمان فلا كلام ومن قال يضمن فكم يضمن؟ منهم من قال كمال الدية ومنهم من قال نصف الدية وأين يضمنها؟ على ما مضى عند قوم في بيت المال وعند آخرين على عاقلته. فإذا تقرر ما يقام بالسوط فالكلام في ثلثة فصول: صفة السوط، وصفة الضرب وصفة المضروب أما صفة السوط فسوط بين السوطين لا جديد فيجرح ولا خلق فلا يؤلم. روي عن زيد بن أسلم أن رجلا أعترف عند النبي عليه وآله السلام بالزنا فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله بسوط فأتي بسوط مكسور فقال غير هذا فأتي بسوط جديد لم يقطع ثمرته فقال بين هذين، فأتي بسوط قد ركب به ولان قال: فأمر به فجلد، هذا لفظ الحديث. وعن علي عليه السلام أنه قال ضرب بين ضربين، وسوط بين سوطين. وأما صفة الضرب فإنه ضرب بين ضربين لا شديدا فيقتل ولا ضعيفا فلا يردع ولا يرفع له باعه فينزل من عل ولا يخفض له ذراعه حتى لا يكون له ألم لقول علي عليه السلام ضرب بين ضربين وسوط بين سوطين. وروي عن علي عليه السلام وابن مسعود وغيرهما أنهم قالوا: لا يرفع يده في الضرب

[ 69 ]

حتى يرى بياض أبطه. وأما صفة المضروب، فإن كان رجلا ضرب قائما ويفرق الضرب على جميع بدنه ولا يجرد عن ثيابه، لأن النبي عليه وآله السلام أمر بالضرب ولم يأمر بالتجريد. وروى أصحابنا أن في الزنا يقام عليه الحد على الصفة التي وجد عليها إن كان عريانا فعريانا وإن كان عليه ثيابه ضرب وعليه ثيابه، فإن كان عليه ما يمنع ألم الضرب كالفروة والجبة المحشوة نزعها وترك بقميصين، ولا يشد ولا يمد ولا يقيد ويترك يداه يتقي بهما لأن النبي عليه وآله السلام لم يأمر بذلك. وأما جلد المرأة فإنها تجلد جالسة لأنها عورة ويشد عليها ثيابها جيدا لئلا تنكشف، ويلي شد الثياب عليها امرأة، وتضرب ضربا رفيقا لا يجرح ولا ينهر الدم، ويفرق الضرب على بدنها ويتقي الوجه والفرج لقوله عليه السلام: إذا جلد أحدكم فليتق الوجه والفرج. وعن علي عليه السلام أنه قال للجلاد: إضرب وأوجع واتق الرأس والفرج. كل من أتى معصية لا يجب بها الحد فإنه يعزر مثل أن سرق نصابا من غير حرز أو أقل من نصاب من حرز أو وطئ أجنبية فيما دون الفرج أو قبلها أو شتم إنسانا أو ضربه فإن الإمام يعزره. وهكذا إذا نشزت امرأة فله ضربها تأديبا لا تعزيرا وهكذا يضرب الرجل ولده وكذلك الجد وأمين الحاكم والوصي يؤدب اليتيم، وكذلك المعلم يؤدب الصبيان إجماعا ويكون التعزير بما دون الحد. وروى أبو بردة بن نهار أن النبي عليه وآله السلام قال لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله والتعزير موكول إلى الإمام لا يجب عليه ذلك فإن رأى التعزير فعل وإن رأى تركه فعل سواء كان عنده أنه لا يردعه غير التعزير أو كان يرتدع بغير تعزير وقال بعضهم متى كان عنده أنه يرتدع بغيره فهو بالخيار بين اقامته وتركه، وإن كان عنده أنه لا يردعه إلا التعزير فعليه التعزير، وهو الأحوط. التعزير لا يبلغ به أدنى الحدود عندنا وعند جماعة وأدناها تسعة وسبعون في حق

[ 70 ]

الأحرار وعند قوم تسعة وثلاثون لأن حد الشرب أربعون عنده وأدناها في حق العبد عندنا خمسون إلا واحدا وهو حد الزاني فأما الشرب والقذف فقد روى أصحابنا أن حد العبد مثل حد الحر سواء، وروي أنه على النصف، فعلى هذا يكون تعزيره تسعة وثلاثين، وقال بعضهم أدنى حد العبد عشرون في الشرب فعلى هذا يضرب في التعزير إلى تسعة عشر سوطا، وفيه خلاف كثير ذكرناه في الخلاف. ولا يجوز إقامة الحدود في المساجد إعظاما لها وتنزيها لما روي أن النبي عليه وآله السلام نهى أن يستقاد في المساجد وأن ينشد فيها الأشعار، وأن يقام فيها الحدود. وروي عنه عليه وآله السلام أنه قال لا يقام الحدود في المساجد ولا يقاد بالولد الوالد. وقال علي عليه السلام جنبوا مساجدكم الصبيان والمجانين. وروي أنه سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فقال لا وجدتها إنما بنيت المساجد لذكر الله والصلوة على النبي صلى الله عليه وآله.

[ 71 ]

كتاب * (قتال أهل الردة) * إذا ارتد المسلم عن الاسلام إلى أي كفر كان، من يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو زندقة أو جحد أو تعطيل أو عبادة الأوثان وإلى أي كفر كان لم يقر على دينه بوجه بل يجب قتله لقوله تعالى " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه " (1) وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: من بدل دينه فاقتلوه، وروي عنه عليه السلام أنه قال الاسلام يعلو ولا يعلى عليه. إذا ثبت هذا فإذا كان المرتدون في منعة فعلى الإمام أن يبدأ بقتالهم قبل قتال أهل الكفر الأصلي من أهل الحرب لإجماع الصحابة على ذلك، وإذا قوتل أهل الردة فمن وقع منهم في الأسر فإن كان عن فطرة الاسلام قتلناه على كل حال وإن لم يكن كذلك استتبناه وعندهم يستتاب على كل حال، فإن تاب وإلا قتلناه. وأما الذراري نظرت، فإن ارتد وله ولد غير بالغ لم يتبع أباه في الكفر لقوله عليه السلام الاسلام يعلو ولا يعلى عليه، وإن كان الولد ولد بعد الردة، فإن كانت أمة مسلمة مثل أن ارتد وحده ولم تعلم فوطئها أو علمت فقهرها فحملت فالولد مسلم لقوله " يعلو ولا يعلى عليه " وإن ولد بين كافرين بأن ارتدا جميعا فأحبلها وهما مرتدان فالولد يلحقه. وهل يسترق أم لا؟ قال قوم يسترق لأنه كافر ووالداه كافران كالكافر الأصلي وقال آخرون لا يسترق لأن الولد يتبع أباه وإذا لم يسترق أبوه فكذلك الابن وهو الأقوى عندي وسواء ولد في دار الاسلام أو في دار الحرب وقال بعضهم إن كان ولد في دار الاسلام لم يسترق وإن ولد في دار الحرب استرق.

(1) آل عمران: 85.

[ 72 ]

فأما المرأة فمتى ارتدت فالحكم فيها كالرجل عندهم تقتل بالردة وعندنا لا تقتل بل تحبس أبدا حتى تموت، وفيه خلاف. إذا أتلف أهل الردة أنفسا وأموالا كان عليهم عندنا القود في النفوس، والضمان في الأموال سواء كانوا في منعة أو غير منعة، وقال قوم إن لم يكونوا في منعة كما قلناه، وإن كانوا في منعة والمنعة أن لا يقدر الإمام عليهم حتى يستعد لقتالهم فعلى هذا قال قوم عليهم الضمان، وقال قوم لا ضمان عليهم. إذا ارتد رجل ثم رآه رجل من المسلمين مخلى فقتله يعتقد أنه على الردة فبان أنه قد كان أسلم، فإن علمه أسلم فعليه القود، وإن لم يعلمه أسلم قال قوم عليه القود وقال آخرون لا قود عليه، والأول أقوى. وهكذا لو رأى ذميا فقتله يعتقد أنه على الكفر فبان مسلما، عند قوم يجب القود، وعند آخرين لا يجب وهكذا لو قتل من كان عبدا فبان أنه قتله وقد أعتق. فعلى هذين القولين أقواهما عندي أن عليه القود، وإنما قلنا عليه القود لظاهر القرآن، ولأن الظاهر من حال المرتد إذا أطلق أنه أطلق بعد توبة وإسلام فمن قال عليه القود قال وليه بالخيار إن أحب قتل، وإن أحب أخذ الدية، ومن قال لا قود عليه قال عليه الدية مغلظة حالة في ماله لأنه قتل عمدا وإنما يسقط القود للشبهة. إذا أكره المسلم على كلمة الكفر فقالها لم يحكم بكفره بلا خلاف، غير أن بعضهم قال القياس أن لا تبين امرأته لكن نبينها استحسانا، وقال بعضهم تبين امرأته والأول مذهبنا وهو أن لا تبين امرأته. ولا فرق بين أن يكره على كلمة الكفر في دار الاسلام أو دار الحرب، غير أنه إن كان ذلك في دار الحرب وعاد إلى دار الاسلام يعرض عليه الاسلام، لأنه لا يعلم إكراهه على ذلك، فإن أتى حكم بأنه كان مسلما وإن أبى حكم بردته من حين قالها. وإن كان في دار الحرب مقيدا أو محبوسا أو موكلا به، فأتى بكلمة الكفر

[ 73 ]

لم يحكم بكفره، ومتى قال كنت مكرها قبل قوله لأن التوكيل والقيد والحبس إكراه له في الظاهر، كما قلنا فيمن شهد على نفسه في عقد بيع وهو مقيد أو محبوس أو موكل به كان القول قوله أنه مكره. وإن كان مخيرا في دار الحرب يذهب ويجيئ ويتصرف في أشغاله بغير قيد ولا توكيل، فأتى بكلمة الكفر حكم بكفره لأن الظاهر أنه قالها باختياره وإيثاره لأن كونه في دار الكفر ليس بإكراه. فأما الاكراه على الاسلام فعلى ضربين إكراه بحق وبغير حق، فإن كان بغير حق كإكراه الذمي عليه والمستأمن، فإنه لا يكون به مؤمنا لأنه إكراه بخير حق لأنه لا يحل قتله. وإن كان الاكراه بحق كإكراه المرتد والكافر الأصلي إذا وقع في الأسر فالإمام مخير فيه بين القتل والمن والفداء والاسترقاق، فإن قال له إن أسلمت وإلا قتلتك، فأسلم حكم بإسلامه، وكذلك المرتد لأنه إكراه بحق. فأما إن ثبت أنه يأكل لحم الخنزير ويشرب الخمر في دار الحرب لم يحكم بكفره، لأنه يحتمل أن يكون فعله مع اعتقاده إباحته ويحتمل مع اعتقاده تحريمه فلا يكفر بأمر محتمل فإن مات ورثه ورثته المسلمون بلا خلاف ههنا. فإن خلف ابنين فقال أحدهما مات مسلما فلي نصف التركة ولأخي النصف، وقال الآخر مات مرتدا فالمال فئ، فعندنا أن هذا القول لا يقبل منه لأنه إن مات مسلما فالمال بينهما، وإن كان مرتدا فالمال أيضا بينهما لأن المسلم عندنا يرث الكافر غير أنه يسلم إلى المنكر نصف التركة لأنه القدر الذي يستحقها على قوله، ويوقف الباقي إلى أن يقبله الآخر لأنه له على كل حال. وعلى مذهب المخالف يعطى من قال كان مسلما حقه ولم يعط الباقي شيئا لأنه لا يدعيه، وما الذي يعمل به؟ قال قوم: يوقف لأنه لا يمكن تسليمه إلى أخيه لأنه يقول ليس لي وإنما هو لأخي، والآخر يقول ليس لي فلا يدفع إليه ولا يحمل إلى بيت المال لأنه حكم بأن له وارثا، فلم يبق غير الوقف ليرتفع الشبهة.

[ 74 ]

وقال آخرون يحمل إلى بيت المال فيئا لأن الظاهر أنه ملكه وارثه، فإذا أقر بأنه لغيره قبل قوله على نفسه، لأنه إقرار في حق نفسه، كمن قال هذه الدار التي في يدي لزيد، سلمناها إليه لأنه إقرار في حق نفسه. السكران متى ارتد أو أسلم حكم بإسلامه وارتداده، وهو الذي يقتضيه مذهبنا وأما عقوده الباقية فلا يصح، ولا طلاقه ولا عتاقه، وقال قوم كل ذلك صحيح كالصاحي غير أنه إذا ارتد وهو سكران استتيب إذا صحا، فإن قتله قاتل حال سكره فلا شئ عليه، لأنه مرتد وقال قوم لا يصح إسلامه ولا كفره. إذا أسلم ثم كفر ثم أسلم ثم كفر وتكرر هذا منه قتلناه في الرابعة وقال قوم يقبل منه أبدا وإن كثر غير أنه يعزر كل دفعة، وقال قوم يحبسه في الثالثة والحبس عنده تعزير، وقد روى أصحابنا أنه يقتل في الثالثة أيضا.

[ 75 ]

كتاب * (الدفع عن النفس [ وصول البهيمة والفحل ]) * إذا قصد رجل دم رجل أو ماله أو حريمه فله أن يدفعه بأيسر ما يمكن دفعه به، فإن كان في موضع يلحقه الغوث إذا صاح دفعه عن نفسه بالصياح، وإن كان في موضع لا يلحقه الغوث دفعه باليد، فإن لم يندفع باليد دفعه بالعصا، فإن لم يندفع بالعصا دفعه بالسلاح. فإذا فعل ذلك فأتى الدفع على نفس المدفوع كان دمه هدرا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من قتل دون ماله فهو شهيد، وسواء كان القاصد ذكرا أو أنثى صغيرا أو كبيرا عاقلا أو مجنونا، فالحكم سواء. وأما المواضع التي له أن يدفع فيها عن نفسه والذي ليس له: إذا قصده من وراء حائل من نهر أو حايط أو حصن، لم يكن له دفعه إلا أن يكون نهرا صغيرا يخاف المقصود على نفسه أن يرميه فيه وغلب على ظنه أنه يرميه، فله أن يبدأه بالرمي ليدفعه عن نفسه، فإن قصده فله دفعه ما دام مقبلا نحوه فإن ولى عنه مدبرا لم يكن له ضربه. وكذلك إذا دخل لص داره فله دفعه عنها ما دام على قصد ما فيها وأخذه، فإن ولى وانصرف وجب الكف عنه وكذلك قطاع الطريق إذا ولوا عن القتال وجب الكف عنهم، لأن الضرب إنما يجوز على طريق الدفع، فإذا ولى فقد زال ذلك، ولم يكن له الضرب، وهكذا إذا قصده فضربه فأثخنه وعطله لم يكن له أن يجهز عليه لأنه في معنى المولي وأكثر. فأما إن ضربه فقطع يده وهو مقبل إليه فسرى القطع إلى نفسه، فإن ذلك هدر لأنها سراية عن مباح. فإن قصده فضربه دفعا فقطع يده فولى المقطوع فضربه ضربة أخرى وهو مولي

[ 76 ]

فقطع يده الأخرى فالأولة هدر، والثانية مضمونة، فإن اندملت كان له الخيار بين أن يقتص في اليد أو يعفو ويأخذ نصف الدية، وإن سرت إلى النفس فلا قصاص في النفس، لكن يجب القصاص في اليد أو نصف دية النفس. فإن قصده فقطع يده فولى فقطع رجله ثم أقبل عليه فقطع يده الأخرى وسرى ذلك إلى نفسه فمات، كان عليه ثلث الدية لأن الروح خرجت عن جرحين مباح و محظور. فإن قطع يده مقبلا وأقام على إقباله فقطع الأخرى ثم ولى فقطع رجله ثم سرى إلى نفسه فمات كان عليه نصف الدية. والفصل بينهما أن القطعين المباحين تواليا فصارا كالقطع الواحد فلم يضمن، وفي المسألة قبلها قطع يده قطعا مباحا فلما ولى لزمه الكف، فإذا قطع يده كان ذلك قطعا محظورا، فلما أقبل بعد ذلك فقطع يده حصل بين القطعين ما ليس من جنسهما فلم يبتن أحدهما على الآخر. إذا صال حر على إنسان فقتله دفعا عن نفسه فلا ضمان عليه وكذلك إن صال عليه عبد فقتله، فلا ضمان عليه أيضا كالحر، وأما إن صالت بهيمة على آدمي فله أن يدفعها عن نفسه، فإذا دفعها عن نفسه وأتلفها بالدفع فلا ضمان عليه عندنا وفيه خلاف، ولو عض يده إنسان فانتزع يده من فيه فبدرت ثنيتا العاض كانت هدرا عندنا وعند جميع الفقهاء إلا ابن أبي ليلى فإنه قال عليه ضمانهما. ولو عضه كان له فك لحييه بيده الأخرى ليخلص يده، فإن لم يقدر كان له أن يلكم فكه لأنه موضع حاجة، فإن لم يقدر كان له أن يبعج بطنه، وإن كان قد عض قفاه كان له أن يتحامل عليه برأسه مصعدا أو منحدرا، فإن لم يقدر بعج بطنه فإن قدر على خلاص نفسه بغير بعج البطن فبعج كان عليه الضمان، وقال بعضهم لا يضمن والأول أصح لأنه لا حاجة به إلى ذلك. إذا وجد الرجل مع امرأته رجلا يفجر بها وهم محصنان كان له قتلهما، و كذلك إذا وجده مع جاريته أو غلامه وإن وجده ينال منها دون الفرج كان له منعه ودفعه عنها، فإن أبى الدفع عليه فهو هدر فيما بينه وبين الله تعالى.

[ 77 ]

فأما في الحكم فإن أقام البينة على ذلك فلا شئ عليه وإن لم يكن له بينة فالقول قول ولي المقتول إنهم لا يعلمون ذلك منه، ولهم القود لما روي أن سعدا قال: يا رسول الله أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: نعم. ولو اطلع عليه رجل من ثقب فطعنه بعود أو رماه بحصاة وما أشبههما فذهبت عينه لم يضمن. وقال قوم ليس له أن يفعل هذا، فإن فعل ضمن والأول مذهبنا، ولا فرق بين أن يكون الموضع الذي يطلع عنه واسعا أو ضيقا، أو كيف ما كان، ولا فرق بين أن يطلع عليه من ملكه أو من غير ملكه أو من طريق أو من غيره بعد أن يطلع على حريمه فالحكم فيه سواء. فإن اطلع عليه فحذفه بحصاة أو بعود فذهبت عينه فلا شئ عليه، فإن مات من ذلك لم يكن عليه كفارة ولا إثم لأنه مات من جرح مباح. فإن ارتدع عن الاطلاع لم يكن له أن يناله بشئ ومتى ناله به كان عليه القود أو العقل إذا كان مما لا قود فيه، فإن طعنه في أول اطلاعه فجرحه جرحا أو رماه بحجر يقتل مثله كان عليه القود، لأنه إنما أذن له أن يناله بالشئ الخفيف الذي يردع البصر ولا يقتل النفس. فإن رماه بالشئ الخفيف فلم يرتدع استغاث عليه إن كان في موضع يلحقه الغوث فإن لم يكن استحب أن ينشده فإن لم يمتنع فله أن يضربه بالسلاح أو يناله بما يردعه فإن أتى على نفسه وجرحه فلا عقل ولا قود. وإن أخطأ في الاطلاع لم يكن له أن يناله بشئ لأنه لم يقصد الاطلاع، فإن ناله قبل أن يرتدع بشئ فقال ما عمدت ولا رأيت شيئا لم يكن على الرامي شئ، لأن الاطلاع ظاهر ولا يعلم ما في قبله ولو كان أعمى فناله بشئ ضمنه لأن الأعمى لا يبصر بالاطلاع. فأما إذا اطلع عليه ذو رحم محرم لنسائه لم يكن له رميه لأن له النظر إليهن

[ 78 ]

فإن رماه فجنى عليه كان عليه الضمان، وإن كانت فيهن امرأة متجردة لم يكن له أن يطلع عليها، لأنه لا يجوز أن ينظر إليها على هذا الوجه، فإن لم يرتدع كان له رميه وإن جني عليه لم يلزمه الضمان كالأجنبي سواء. إذا دخل رجل منزل رجل ليلا أو نهارا بسلاح فأمره بالخروج فلم يفعل فله ضربه وإن أتى بالضرب على نفسه، فإن قتله وادعى أنه قتله دفعا عن داره لا يصدق القاتل أو الجارح إلا ببينة، فإن لم يقم البينة لزمه الضمان. وإن أقام بينة فشهدت أنهم رأوا هذا مقبلا إليه بسلاح شاهر فضربه فقتله أهدر لأن الظاهر أنه قصده، وأن القاتل دفعه عن نفسه ولو أنهم رأوه داخلا داره ولم يذكروا معه سلاحا أو ذكروا معه سلاحا غير شاهر فقتله قيد منه، ولا يطرح القود إلا بمكابرة على دخول الدار، فإن شهر عليه السلاح وتقوم البينة بذلك وأتى بسلاح شهدوا أنه أقبل عليه به من عصا أو قوس أو سيف أو غيره فقتله أهدر. إذا التقى الرجلان وهما ظالمان بأن يقتتلا على عصبية أو نهب أو غشي بعضهم بعضا في هزيمة لم يسقط عن واحد من الفريقين مما أصاب من صاحبه عقل ولا قود لأن كل واحد منهما ظالم فيما فعله، لما روي عن النبي عليه وآله السلام أنه قال إذا اقتتل المسلمان بسيفيهما فهما في النار. فأما إن وقف أحدهما عن القتل فقصده صاحبه، كان له دفعه عن نفسه، وإن أتى عليه، لأنه ترك قصده وكان القاصد ظالما فله أن يدفعه عن نفسه.

[ 79 ]

فصل * (في الضمان على البهائم) * الماشية إذا أفسدت زرعا لقوم فليس يخلو إما أن يكون يد صاحبها عليها أو لا يكون فإن كانت يده عليها فعليه ضمان ما أتلفت لأن جنايتها كجنايته، وفعلها كفعله، وإن لم يكن يد صاحبها عليها لم يخل إما أن يكون ذلك ليلا أو نهارا فإن كان نهارا فلا ضمان على مالكها إجماعا لقوله عليه السلام جرح العجماء جبار. وقال بعضهم إن هذا فيما كانت عادة الناس فيه هذا، فأما هذه القرى العامرة التي يتقارب العرجان فيها وبينها علف وكلاء يرعى فالعادة أن رب الدابة يرعاها فيه ويحفظها ولا يحفظ رب الزرع زرعه فإذا أفسدت زرعا لزمه ضمانه لمالكه، لأن التفريط كان منه والأول مذهبنا. وإن أفسدت ليلا فإن لم يكن من صاحب البهيمة تفريط في حفظها، بأن آواها إلى مبيتها وأغلق عليه الباب، فوقع الحايط أو نقب لص نقبا فخرجت و أفسدت فلا ضمان على مالكها، لأنه غير مفرط، وإن كان التفريط منه بأن أرسلها نهارا وواصله بالليل أو أطلقها ابتداء ليلا فأفسدت الزرع فعلى مالكها الضمان عندنا وعند جماعة، وقال قوم لا ضمان عليه. إذا كان لرجل كلب عقور فلم يحفظه فأتلف شيئا كان عليه ضمانه، لأنه مفرط في حفظه، وكذلك لو كان له سنور معروفة بأكل الطيور وغير ذلك من أموال الناس فعليه حفظها، فإن لم يفعل وأتلف شيئا فعليه ضمانه. وأما إن كان في دار رجل كلب عقور فدخل رجل داره بغير إذنه فعقره فلا ضمان عليه لأن الرجل مفرط في دخول داره بغير إذنه وأما إن دخلها بإذنه فعقره الكلب فعليه ضمانه، وقال قوم لا ضمان عليه، والأول مذهبنا نصا. إذا كان راكبا دابة فعليه ضمان ما يتلف بيديها أو بفيها أو برجلها أو بذنبها

[ 80 ]

وكذلك إن كان قايدا أو سائقا فحكمه كما لو كان راكبا عليه ضمان ما يتلفه، وكذلك إن كان سائقا قطارا من الإبل أو جماعة من البقر أو الغنم فإن يده على الجميع وعليه ضمان ما يتلفه. وقال قوم في التي يسوقها مثل ذلك، فأما التي هو راكبها أو قايدها فإنها إن أتلفت بيديها أو بفيها فعليه الضمان، وإن أتلفت برجلها أو ذنبها فلا ضمان وهذا مذهبنا. إذا وقف بهيمة في طريق المسلمين فعليه ضمان جنايتها، سواء كان الطريق واسعا أو ضيقا، لأنه إنما جوز له الانتفاع بهذه المرافق بشرط السلامة، فلزمه ضمان ما يحدث من ذلك، كما لو قام فعثر به إنسان فمات، فأما إن حفر بئرا في غير ملكه فوقع فيها إنسان وتلف فعليه ضمانه، وكذلك إن نصب غرضا في غير ملكه فرمى إليه فأصاب إنسانا فعليه الضمان، ولو كان الغرض في ملكه لم يكن عليه الضمان. وأما إن حفر بئرا في ملكه فدخل عليه غيره بغيره إذنه فوقع فيها فمات، فلا ضمان عليه، وإن استدعاه فأدخله أو غطى رأس البئر ولم يعلمها فوقع فيها فعليه الضمان، وقال قوم لا ضمان عليه والأول أصح عندنا. ولو كان المأذون له ضريرا فوقع قال قوم عليه الضمان وقال آخرون لا ضمان عليه، والأول أصح. إذا كان في داره كلب عقور فدخل عليه إنسان بغير إذنه فعقره كلبه فلا ضمان عليه وقال بعضهم عليه ضمانه كالبئر سواء، وسواء أشلاه عليه أو لم يشله وقال بعضهم عليه الضمان بكل حال وهو مذهبنا.

[ 81 ]

كتاب * (آداب القضاء) * القضاء جايز بين المسلمين، وربما كان واجبا، فإن لم يكن واجبا كان مستحبا قال الله تبارك وتعالى " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق " (1) وقال " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (2) " وقال تعالى " وداود وسليمن إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (3) " وقال تعالى " وأن احكم بينهم بما أنزل الله (4) " وقال تعالى " فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم.
(5) " وقد ذم الله من دعي إلى الحكم فأعرض عنه فقال: " وإذا دعوا إلى الله و رسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معروضون (6) " ومدح قوما دعوا إليه فأجابوا فقال: " إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون " (7) وقال " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " (8).

(1) ص: 26. (2) النساء: 65.
(3) الأنبياء: 78.
(4) المائدة: 49.
(5) المائدة: 42.
(6) النور: 48.
(7) النور: 51.
(8) النساء: 58.

[ 82 ]

وروي عن علي عليه السلام أنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله إلى اليمن قاضيا وبعث علي عليه السلام عبد الله بن العباس قاضيا إلى البصرة، وروى ابن مسعود أنه قال لأن أجلس يوما فأقضي بين الناس أحب إلي من عبادة سنة. وعليه إجماع الأمة إلا أبا قلابة فإنه طلب للقضاء فلحق بالشام، وأقام زمانا ثم جاء فلقيه أيوب السجستاني وقال له: لو أنك وليت القضاء وعدلت بين الناس رجوت لك في ذلك أجرا فقال يا أيوب السابح إذا وقع في البحر كم عسى أن يسبح إلا أن أبا قلابة رجل من التابعين لا يقدح خلافه في إجماع الصحابة وقد بينا أنهم أجمعوا ولا يمن أن يكون امتناعه كان لأجل أنه أحس من نفسه بالعجز لأنه كان من أصحاب الحديث ولم يكن فقيها. وهو من فروض الكفايات إذا قام به قوم سقط عن الباقين فإن أطبق أهل بلد على تركه وامتنعوا منه، فقد خرجوا وأثموا، وكان للإمام قتالهم عليه، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال إن الله لا يقدس أمة ليس فيهم من يأخذ للضعيف حقه، ولأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإن وجد الإمام ثقة من أهل العلم يرضاه للقضاء وهناك مثله استحب له أن يطيعه، فإن لم يفعل قال قوم: للإمام إجباره عليه، لأنه يدعوه إلى طاعة، وقال آخرون ليس له إجباره وهو الأقوى عندي لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال إنا لا نجبر على القضاء أحدا وقد روي كراهة تولي القضاء والامتناع لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين. وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين، قيل يا رسول الله وما الذبح؟ قال: نار جهنم. وروي عنه عليه السلام أنه قال يؤتى بالقاضي العدل يوم القيمة فمن شدة ما يلقاه من الحساب يود أن لم يكن قضى بين اثنين في تمرة. والوجه في الجمع بين هذه الأخبار أن من كان من أهل العلم بالقضاء ويقضي بالحق فهو مثاب ومن كان من أهل العلم لكنه لا يقضي بالحق أو كان جاهلا لم

[ 83 ]

يحل له أن يليه وكان مأثوما فيه، لما روى ابن بريدة عن أبيه أن النبي عليه السلام قال القضاة ثلثة واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق وعدل، ورجل عرف فحكم فجار فذاك في النار، ورجل قضى بين الناس على جهل فذاك في النار. وروي عنه عليه السلام أنه قال إذا جلس القاضي للحكم بعث الله إليه ملكين يسددانه فإن عدل أقاما وإن جار عرجا وتركاه. وروي عنه عليه السلام أنه قال: من طلب القضاء حتى يناله فإن غلب عدله جوره فله الجنة، وإن غلب جوره عدله فله النار. وروي عنه عليه السلام أنه قال إن الله مع الحاكم ما لم يجر، فإذا جار برئ منه ولزمه الشيطان. والناس في القضاء على ثلثة أضرب: من يجب عليه، ومن يحرم عليه، ومن يجوز له، فأما من يجب عليه أن يليه فكل من تعين ذلك فيه وجب عليه أن يليه وهو إذا كان ثقة من أهل العلم ولا يجد الإمام غيره، فعلى الإمام أن يوليه، وعليه أن يلي ذلك. فإن لم يعلم الإمام به فعليه أن يأتي الإمام فيعرفه نفسه ليوليه القضاء لأن القضاء من فرايض الكفايات كالصلوة على الميت وتكفينه ودفنه، وإذا مات ميت ولم يكن هناك من يصلي عليه إلا واحد تعين عليه أن يصلي عليه وأن يكفنه ويدفنه ولأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لم يكن هناك من يقوم به إلا واحد تعين ذلك عليه. وأما من يحرم عليه أن يلي القضاء فأن يكون جاهلا ثقة كان أو غير ثقة أو يكون فاسقا من أهل العلم، وقال بعضهم إذا كان ثقة جاز أن يليه وإن لم يكن من أهل العلم يستفتي ويقضي، والأول مذهبنا لقوله عليه السلام رجل قضى بين الناس على جهل فذاك في النار. ومن يجوز له ولا يحرم عليه مثل أن يكون في المكان جماعة من أهل الفقه

[ 84 ]

والعلم فههنا لكل واحد منهم أن يلي القضاء، فإن دعا الإمام واحدا منهم إليه، قال بعضهم يجب عليه، وقال آخرون لا يجب عليه، وهو الصحيح. فعلى هذا هل يستحب له أم لا؟ لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون له كفاية أو لا كفاية له فإن لم يكن له كفاية استحب له أن يليه لأنه إذا فعل ذلك كان مطيعا لله في النظر بين الناس، ويكون له في مقابلة عمله رزق يكفيه، وإذا لم يل القضاء طلب الكفاية من المباح من تجارة وغيرها فكان حصول الرزق له في طاعة أولى من حصوله من مباح. وإن كانت له كفاية لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون معروفا أو خامل الذكر، فإن كان مشهورا بالعلم معروفا يقصده الناس يستفتونه ويتعلمون منه، فالمستحب له أن لا يلي القضاء لأن التدريس والتعليم طاعة وعبادة مع السلامة والأمن من الغرر، والقضاء وإن كان طاعة فإنه في غرر لقوله عليه السلام: من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين، فكانت السلامة أسلم لدينه وأمانته. فأما إن كان خامل الذكر لا يعرف علمه ولا يعلم فضله ولا ينتفع الناس بعلمه فالمستحب أن يليه ليدل على نفسه، ويظهر فضله، وينتفع الناس بعلمه، حتى قال بعضهم المستحب له أن يبذل المال على ذلك حتى يظهر ويعرف ويعلم فضله وينتفع، والأول أصح لأن بذل المال على ذلك لا يجوز، ولا للإمام أن يأخذ على ذلك عوضا. وأما من يحل له أخذ الرزق عليه ومن لا يحل: فجملته أن القاضي لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون ممن تعين عليه القضاء أو لم يتعين عليه، وهو القسم الأول والأخير، فإن كان ممن يجوز له القضاء ولم يتعين عليه لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون له كفاية أو لا كفاية له، فإن لم يكن له كفاية جاز له أخذ الرزق وإن كانت له كفاية فالمستحب أن لا يأخذ فإن أخذ جاز ولم يحرم عليه، بل كان مباحا وجواز إعطاء الرزق للقضاء إجماع: ولأن بيت المال للمصالح، وهذا منها بل أكثرها حاجة إليه، لما فيه من قطع الخصومات، واستيفاء الحقوق، ونصرة المظلوم ومنع الظالم.

[ 85 ]

هذا إذا لم يتعين عليه القضاء فأما إن تعين عليه القضاء لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون له كفاية أو لا كفاية له، فإن كانت له كفاية حرم عليه أخذ الرزق لأنه يؤدي فرضا قد تعين عليه، ومن أدى فرضا لم يحل له أخذ الرزق عليه مع الاستغناء عنه وإن لم يكن له كفاية حل ذلك له لأن عليه فرض النفقة على عياله وفرضا آخر وهو القضاء وإذا أخذ الرزق جمع بين الفرضين، لأن الرزق يقوم مقام الكسب، فكان الجمع بين الفرضين أولى من إسقاط أحدهما. هذا عندنا وعندهم. وحكم الشهادة في أخذ الجعل عليها عندنا لا يجوز بحال، وقالوا لا يخلو الشاهد من أحد أمرين إما أن يكون قد تعينت عليه أو لم تتعين فإن لم يكن تعين عليه الأداء والتحمل نظرت، فإن لم يكن له كفاية جاز له، وإن كانت له كفاية فالمستحب له أن لا يفعل، وإن فعل جاز. وإن كان قد تعين عليه الأداء والتحمل نظرت، فإن كانت له كفاية لم يجز له الأخذ وإن لم يكن له كفاية جاز له الأخذ، كالقضاء سواء، وهكذا قالوا في الإمامة العظمى والأذان والإقامة، يؤخذ الرزق على ذلك ولا يكون أجرة لأنه عمل لا يفعله عن الغير، وإذا فعله عن نفسه عاد نفعه إلى الغير وعندنا أن جميع ذلك لا يجوز أخذ الجعل عليه، فإن كان الشاهد أو المؤذن أو المقيم محتاجا جعل له من بيت المال سهم من المصالح، فأما الإمامة العظمى فلها أشياء تخصها من الأنفال وغير ذلك، فلا حاجة مع ذلك إلى أخذ الرزق عليه. إذا علم الإمام أن بلدا من البلاد لا قاضي له لزمه أن يبعث إليه، روي أن النبي صلى الله عليه وآله بعث عليا عليه السلام إلى اليمن وبعث علي عليه السلام ابن عباس إلى البصرة قاضيا وعليه إجماع. فإذا ثبت هذا نظرت فإن كان الإمام يعرف من يصلح له ولاه ذلك، وإن لم يعرف استدعا أهل العلم وتناظروا بين يديه واختبرهم فإذا عرف من كان من أهل العلم بعث به إلى جيران بيته ومسجده وجيران سوقه ومن يعرفه، فيبحث عن عدالته كما

[ 86 ]

يبحث الحاكم عن عدالة الشهود، فإذا حصل عنده أنه من أهل القضاء ولاه وكتب له كتابا يعهد إليه فيه بتقوى الله وطاعته في نفسه وفي نظره له، ويأمره أن يتأمل أحوال الشهود ويتعاهد الأطفال والوقوف وغير ذلك مما يليه القضاة. فإذا كتب له وولاه لم يخل البلد الذي ولاه من أحد أمرين إما أن يكون بعيدا أو قريبا فإن كان بعيدا منقطعا لا يكاد يستفيض الخبر بالولاة أحضر الإمام شاهدين وأشهدهما على نفسه بتوليته، وبما عهده إليه عليهما، فإن كان القاري هو الإمام لم يفتقر إلى مطالعتهما، وإن كان القاري غيره فلا بد أن ينظرا فيه ويقول الإمام قد عهدت بذلك إليه، ثم يبعث بالحاكم ومعه الشاهدان إلى بلد الولاية ليشهدا بذلك للحاكم عند أهله، لا يثبت ولايته إلا بذلك. وإن كان البلد قريبا من بلد الإمام كالبصرة والكوفة وواسط والموصل من بغداد، وما كان في معناها بحيث تتواتر الأخبار إليه بالتولية، قال قوم اقتصر عليه ويثبت بالاستفاضة كالنسب والموت والملك المطلق وقال آخرون لا يثبت بالاستفاضة كالبلد البعيد والذي أقوله إن الاستفاضة إن بلغت إلى حد يوجب العلم، فإنه يثبت الولاية بها وإن لم يبلغ ذلك لم يثبت. وأصل هذه ثلث مسائل اختلفوا فيها: النكاح، والوقف، والعتق فالكل على هذين الوجهين قال قوم تثبت بالاستفاضة، وقال آخرون لا تثبت، ويقوى في نفسي في هذه المسائل أنها تثبت بالاستفاضة، وعليه تدل أخبارنا. فإذا ثبت هذا وأراد المسير إلى بلد ولايته، فإنه يطلب من أهل ولايته في هذا المكان من يسأله عما يحتاج إليه من حال بلد ولايته، فإن لم يجد ففي طريقه فإن لم يجد أخر ذلك حتى يسأل عما يحتاج إليه في بلد ولايته. فإذا دخل البلد نزل في وسطه دون طرفه لأنه أقرب للتسوية بين أهله في قصده كما يقال في الخطيب يقبل بوجهه قصد وجهه، ولا يلتفت يمينا ولا شمالا لأنه أقرب إلى التسوية بينهم، فإذا حصل في بلد الولاية نادى فيه وأعلم أهله بقدومه فإن كان

[ 87 ]

كبيرا نادى حتى يعلم كل أحد، وإن كان صغيرا ينتشر خبره في يوم لم يزد على يوم. وإن كانت قرية يعرف أهله من ساعته استغنى عن النداء والنداء أن يقول ألا إن فلان بن فلان قد أتى قاضيا فاجتمعوا لقراءة عهده يوم كذا في وقت كذا، فإن حضروا قرء العهد عليهم، وانصرف إلى منزله ليدبر أمر القضاء من بعد، وأول ما يبدأ بالنظر فيه سنذكره فيما بعد. وإذا أراد القاضي أن يقضي بين الناس فالمستحب أن يقضي في موضع بارز للناس مثل رحبة أو فضاء ليصل كل ذي حاجة إليه من غير مزاحمة، فيكون أرفق بهم، و يستحب أن يكون في وسط البلد لأنه أقرب ما يكون إلى المساواة بين الناس، فإن نزل في طرف البلد أو قضى في بيته أو موضع ضيق جاز. وروت أم سلمة قالت اختصم رجلان من الأنصار في مواريث فقضى رسوله الله صلى الله عليه وآله بينهما في بيتي. ويستحب أن يصل إليه في مجلس حكمه كل أحد ولا يتخذ حاجبا يحجب الناس عن الوصول إليه، بلى إن كان له حاجب لغير هذا اليوم جاز، روى أبو مريم صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال من ولي شيئا من أمور الناس فاحتجب دون حاجتهم وفاقتهم احتجب الله دون حاجته وفاقته وفقره. وأما الحكم في المساجد فقد كرهه قوم إذا قصد الجلوس فيه للحكم، فإن كان جالسا واتفقت حكومة جاز أن يقضي بينهما، سواء كان المسجد صغيرا أو كبيرا، لما روي أن النبي عليه السلام سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فقال لا وجدتها إنما بنيت المساجد لذكر الله والصلوة. وروي عنه عليه السلام أنه قال جنبوا المساجد صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم والحكومة، وهذا موجود في أحاديثنا أيضا مثله. وقد روي أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقضي في المسجد ودكة القضاء معروفة إلى يومنا هذا، فالأولى جوازه وفيه خلاف.

[ 88 ]

فأما إقامة الحدود فمكروه عند الكل فيها، وحكي عن بعضهم جوازه، وقال يفترش له نطع ويحد عليه، فإن بدرت منه بادرة كانت على النطع. ويكره للقاضي أن يقضي وهو غضبان، ويستحب له إذا غضب أن يدع القضاء حتى إذا زال غضبه قضى بين الناس، لما روي عنه عليه السلام أنه قال لا يقضي القاضي ولا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان. وروت أم سلمة أن النبي عليه السلام قال من ابتلى بالقضاء بين المسلمين فلا يقضين وهو غضبان. وكل معنى يكون به في معنى الغضبان كان حكمه حكم الغضبان كالجوع الشديد، والعطش الشديد والغم الشديد والفرح الشديد، والوجع الشديد، و مدافعة الأخبثين، والنعاس الذي يغمر القلب كل ذلك سواء. روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان. وروى عبد الرحمن بن أبي كرة أن النبي صلوات الله عليه وآله قال: لا يقضي القاضي وهو غضبان مهموم، ولا مصاب محزون، ولا يقضي هو جايع. فإن خالف وقضى بين الناس على الصفة التي ذكرناها فوافق الحق نفذ ولا ينقض حكمه لما روي أن الزبير بن العوام ورجلا من الأنصار اختصما إلى رسول الله في شراج الحرة فقال النبي عليه السلام اسق زرعك يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك فقال الأنصاري أن كان ابن عمتك؟ فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال اسق زرعك يا زبير ثم احبس الماء حتى يبلغ أصول الجدر. فوجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استنزل الزبير عن كمال حقه فقال اسق زرعك فلما كلمه الأنصاري غضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم حكم للزبير بكل حقه فقال واحبس المال حتى يبلغ أصول الجدر، فثبت أن حكم الحاكم وهو غضبان ماض إذا كان حقا. ويكره له أن يتولى البيع والشراء فيما يخصه بنفسه، لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله

[ 89 ]

قال ما عدل وال أتجر في رعيته أبدا. ولا ينظر في أمر ضيعته ونفقة عياله بل يوكل من ينظر له فيه لأن هذا كله مما يشغله عن الحكم. ويستحب أن يكون وكيله مجهولا لأنه إذا عرف حوبي لأجل القاضي، فكان وكيله كهو، فإن خالف في هذا فباع واشترى بنفسه فالتصرف صحيح نافذ، لأنه ليس بمحرم، وإنما هو مكروه لأجل الحكم. فإذا دعي القاضي إلى وليمة استحب له أن يحضرها لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لو دعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي كراع لقبلت. وروي عنه عليه السلام أنه قال: من دعي إلى وليمة فلم يجب فقد عصى الله ورسوله وعند قوم إجابتها من فروض الكفايات، وعندنا مستحب وليس بفرض، فإن كثرت الولايم وازدحمت تخلف عن الكل لأن القضاء قد تعين عليه، والاجابة أما من فروض الكفايات وقد قام بها غيره، أو هو مستحب فالاشتغال بالقضاء مقدم عليها. ويعود المرضي ويشهد الجنايز ويأتي مقدم الغايب لأنها قربة وطاعة، فإن كثر هذا وازدحم عليه حضر الكل لأنه حق يسهل قضاؤه ويحضر لحظة وينصرف. * * * فإذا حضر القاضي بلد ولايته فأول ما يبدء به أن يبعث إلى الحاكم المعزول فيأخذ ديوان الحكم إليه نعني بذلك ما عنده من وثايق الناس، وحججهم من المحاضر والسجلات فإن من عادة القضاة إذا حكموا بشئ أن يكون ذلك في سجل على نسختين، نسخة في يد المحكوم له، ونسخة في ديوان الحاكم احتياطا، فمتى ضاعت حجته سكن إلى ما في ديوان الحكم. ويكون فيه كتب الوقف فإن العادة أن القضاة يجددون كتب الوقف كلما اختلقت أو مات شهودها، ويكون فيه ودايع الناس أيضا، فإن من الناس من يودع كتبه ووثايقه ديوان الحاكم احتياطا، فإن ديوان الحكم أحفظ لها. وإنما قلنا يأخذ الديوان إليه لأن من كانت في يده قد عزل عن النظر وصار

[ 90 ]

النظر إليه، فيدفع ما في يديه إليه فإذا حصل الديوان عنده خرج إلى المجلس الذي يجلس فيه للقضاء راكبا إن كان له مركوب أو ماشيا إن لم يكن له مركوب. وكلما مر بقوم سلم عليهم من على يمينه وشماله، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال يسلم الراكب على الماشي والقايم على القاعد، والقليل على الكثير، فإذا وصل إلى مجلسه سلم إلى من سبق إليه من الوكلاء والخصوم. فإن كان مجلسه في المسجد صلى حين يدخله ركعتين تحية المسجد، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، و إن لم يكن المكان مسجدا كان بالخيار بين أن يصلي ركعتين إن كان وقتا يجوز النافلة فيه وبين أن يترك. ويفرش له ما يجلس عليه وحده من حصير أو بساط أو غيره ولا يجلس على التراب ولا على بارية المسجد لأنه أهيب له في عين الخصوم وأنفذ لأمره، ويجلس عليه وحده ليتميز من غيره عند تقدم الخصم إليه ويكون متوجها إلى القبلة لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال خير المجالس ما استقبل به القبلة فإذا جلس يكون على رأسه ثقة يرتب الناس يقدم السابق فالسابق والأول فالأول، ولا يقدم من تأخر و يؤخر من تقدم لأن السابق أحق من غيره. ثم ينظر فيه فإن كان يكتب لنفسه كتب ما يحتاج إليه وإن لم يكن يكتب لنفسه اتخذ كاتبا ثقة حافظا، ويجلسه بين يديه بالقرب منه، بحيث يشاهد ما يكتبه، وسنبين صفة الكتاب فيما بعد. وينبغي أن يكون في مجلسه أهل العلم من أهل الحق، وعند المخالف من أهل كل مذهب واحد حتى إن حدثت حادثة يفتقر فيها إلى أن يسألهم عنها ليتذكر جوابه فيها، ودليله عليها، فإن كانوا بالقرب ذاكرهم، وإن كانوا بالبعد استدعاهم إليه وإذا حكم بحكم فإن وافق الحق لم يكن لأحد أن يعارضه فيه وإن أخطأ وجب عليهم أن ينبهوه عليه. وقال المخالف ليس لأحد أن يرد عليه وإن حكم بالباطل عنده، لأنه إذا كان

[ 91 ]

حكمه باجتهاده وجب عليه العمل به، فلا يعترض عليه بما هو فرضه، إلا أن يخالف نص الكتاب أو سنة أو إجماعا أو قياسا لا يحتمل إلا معنى واحدا فإن ذلك ينكر عليه، وقد قلنا إنه إن أصاب الحق نفذ حكمه، ولا يعترض عليه، وإن أخطأ وجب على كل من حضره أن ينبهه على خطائه، ولا قياس عندنا في الشرع ولا اجتهاد، وليس كل مجتهد مصيبا. وينبغي أن يحضر عنده شهود البلد، فإن كان ذا جانب واحد أحضرهم، وإن كان ذا جانبين أحضرهم عنده ليستوفي بهم في الحقوق ويثبت بهم الحجج والمحاضر و السجلات. فأما موضع جلوسهم فإن كان الحاكم يحكم بعلمه، فإن شاء استدناهم وإن شاء باعدهم لأنه إذا كان يقضي بعلمه فمتى أقر عنده مقر بحق ثم رجع عنه حكم عليه بعلمه، ولا يحتاج إلى الشهادة على إقراره، وإن كان ممن لا يقضي بعلمه استدناهم إليه بحيث يسمعون كلام الخصمين كيلا يقر منهم مقر ثم يرجع عنه فإذا رجع عنه شهد به عنده شاهدان وحكم عليه بالبينة لا بعلمه. * * * فإذا جلس للقضاء فأول شئ ينظر فيه حال المحبسين في حبس المعزول لأن الحبس عذاب فيخلصهم منه، ولأنه قد يكون منهم من تم عليه الحبس بغير حق. فإذا ثبت هذا فترتيب ذلك أن يبعث إلى الحبس ثقة يكتب اسم كل واحد منهم في رقعة مفردة، ويكتب اسم من حبسه وبماذا حبسه، فإذا فرغ من هذا نادى في البلد إلى ثلثة أيام ألا إن القاضي فلان ينظر في أمر المحبسين، فمن كان له على محبوس حق فليحضر يوم كذا ويأخذ الوعد اليوم الرابع، فيخرج في الرابع إلى مجلسه على الوجه الذي ذكرناه، فيخرج رقعة فينادي مناديه: هذه رقعة فلان بن فلان المحبوس فمن كان خصمه فليحضر، فإذا حضر خصمه بعث إليه فأخرجه ثم يخرج رقعة أخرى

[ 92 ]

ويصنع مثل ذلك حتى يحضر عنده العدد الذي يتمكن أن يفصل بينهم وبين خصومهم فإذا اجتمعوا أخرج الرقعة الأولى فيقول أين خصمه فإذا حضرا عنده لم يسأل الحابس لم حبسته لأنه ما حبسه إلا بحق لكنه يسئل المحبوس فيقول له هذا خصمك فإذا قال نعم، قال له بماذا حبسك؟ فالجواب ينقسم خمسة أقسام أحدها يقول حبسني بدين وأنابه ملي وفي غني قيل له فاقض دينك، فإن النبي صلى الله عليه وآله قال: مطل الغني ظلم فإن فعلت وإلا حبسناك حتى تقضيه. وإن قال الدين على وأنا معسر لا أقدر على قضائه نظرت في سبب الدين فإن كان مال حصل في يديه كالقرض والشراء والصلح والغصب ونحو ذلك لم يقبل قوله بالاعسار، لأن الأصل الغنا وحصول المال حتى يثبت زواله. فإن كان سبب ثبوته من غير مال حصل في يديه كالمهر وأرش الجناية وإتلاف مال الغير ونحو ذلك، نظرت، فإن عرف له مال غير هذا كالميراث والغنيمة ونحو ذلك لم يقبل قوله أيضا في الاعسار لأن الأصل المال فإن أقام البينة بهلاك المال وأنه معسر فالقول قوله بغير يمين، لأن الظاهر ما قامت به البينة. وأما إن كان سببه غير مال حصل في يديه ولم يعرف له مال أصلا فالقول قوله لأن الأصل أن لا مال - ومع يمينه، لجواز أن يكون له مال. فإذا ثبت أن القول قوله مع يمينه إذا كان الأصل الفقر والعدم نظرت، فإن لم يكن مع المدعي بينة بالمال حلف المدعى عليه أن لا مال له، فإذا حلف نادى منادي القاضي ثلاثا إن فلانا قد فصل بينه وبين خصمه فهل له من خصم؟ فإن حضر نظر بينهما و إن لم يظهر له خصم أطلقه بغير يمين أنه لا خصم له، لأن الظاهر أنه حبس لخصم واحد حتى يعلم غيره. وأما إن كان مع المدعي بينة بأن له مالا نظرت فإن أبهمت البينة الشهادة و لم يعين المال، لم يسمع شهادته، لأنها بمجهول، وإن عينت المال فقال له الدار الفلانية والعقار الفلاني سألناه عنه فإن قال صدقت البينة المال لي وقد ذهب على أنه كان لي،

[ 93 ]

صدقناه وكلفناه قضاء الدين منه. فإن قال ما هو لي ولا حق لي فيه، فإما أن يقر به لزيد أو لا يقر به لأحد، فإن لم يقر به لأحد فالظاهر أنه ملكه وماله، وكلفناه القضاء، وإن قال هو لزيد سألنا زيدا فإن رد الاقرار وقال مالي قبله مال، قلنا قد ثبت بالبينة أن المال لك فاقض منه دينك، لأن أحدا لا يدعيه. وإن قال زيد صدق هو لي لم يخل زيد من أحد أمرين إما أن يكون معه بينة أو لا بينة معه فإن كانت له بينة أن المال له، كانت بينته أولى من بينة المدعي لأن له اليد بإقرار المحبوس، وبينته بينة الداخل فقضينا بها، وأسقطنا الخارجة، وإن لم يكن معه بينة فقد حصل له إقرار المحبوس بأن الدار له، ومع الحالتين البينة أن الدار للمحبوس فهل يقضي بها لزيد أم لا؟ قال قوم يقضي بها له، لأن البينة يشهد بها للمحبوس وهو مكذب، ومن كذب بينة فيما شهدت به له سقطت، ويكون الدار لزيد، وقال آخرون إنا نقضي بالدار أن يباع في الدين لأن البينة شهدت بشيئين أحدهما المال للمحبوس، والثاني يقضي دينه منها، فإذا قال ليست لي صدق في حق نفسه ولم يصدق في حق الغرماء فيباع في الدين. فإذا فرغ منه ولم يبق له مال نادى منادي القاضي ثلاثا إن فلانا قضي بينه و بين خصمه، فإن كان له خصم فليحضر، فإن حضر حكم بينهما، وإن لم يحضر له خصم أطلقه بغير يمين. الجواب الثاني يقول: حبست في حد قذف أو قصاص فإذا قال هذا وسئل الحابس الاستيفاء له استوفاه في الحال، فإذا قضى بينهما نادى على ما مضى. الجواب الثالث يقول: حبست على تعديل البينة لأن المدعي أقام شاهدين فلم يعرف الحاكم عدالتهما فحبسني حتى يعرف ذلك من حالهما فالكلام في أصل المسألة هل يحبس لهذا أم لا؟ قال قوم يحبس لأن الذي عليه أن يقيم البينة والذي بقي على الحاكم من معرفة العدالة، ولأن الأصل العدالة حتى يعرف غيرها، وقال بعضهم لا

[ 94 ]

يحبس لجواز أن يكون فاسقا وحبسه بغير حق أو يكون عادلة وحبسه بحق، وإذا انقسم إلى هذا لم يحبسه بالشك، والأول أصح عندنا فعلى هذا لم يطلقه ومن قال بالثاني أطلقه حتى يعرف العدالة. هذا إذا كان الحاكم حبسه من غير أن يقول حكمت بذلك، وإن كان حبسه و حكم بحبسه فليس لهذا تخلية لأن ذلك ينقض اجتهاد الحاكم الأول والذي يقتضيه مذهبنا أن له أن يبحث عن الشهود، فإن لم يكونوا عدولا نقض ما حكم الأول به من حبسه. الجواب الرابع قال: حبسني ظلما فإني أرقت على نصراني خمرا فقضى علي بالضمان وحبسني، أو قتلت كلبا فقضى علي بقيمته، فعندنا أنه ليس له أن ينقضه لأنه حبسه بحق لأن ذلك عندنا مضمون. وقال بعضهم ينظر في الحاكم الجديد، فإن وافق اجتهاده اجتهاد الأول أعاده إلى الحبس، وإن أدى اجتهاده أنه لا ضمان عليه فهذه مسألة مشهورة إذا حكم باجتهاده ثم ولي غيره هل ينقض بالاجتهاد ما حكم فيه بالاجتهاد؟ على قولين: أحدهما لا ينقضه بل عليه أن يقره ويمضيه، لأنه ثبت بالاجتهاد فلا ينقض بالاجتهاد حكما ثبت بالاجتهاد كاجتهاد نفسه بعد الاجتهاد والقول الثاني لا ينقضه لأنه ثبت بالاجتهاد، ولا يمضيه لأنه باطل عنده، فيرده إلى الحبس حتى يصطلحوا، و يكون الحاكم في مهلة النظر، وهذا لا يصح على مذهبنا لأن الحكم بالاجتهاد لا يصح وإنما يحكم الحاكم بما يدل الدليل عليه، فإن كان الحاكم الأول حبسه بحق أقره عليه وإن حبسه بغير حق خلاه. الجواب الخامس قال: مالي خصم وحبست بغير حق فإذا قال هذا نادى منادي القاضي بذلك فينظر فيه، فإن حضر خصمه وادعى أنه خصمه وهو الذي حبسه، قلنا له هذا خصمك، فإن قال نعم حبسني بسببه، فالحكم على ما مضى، وإن قال مالي خصم ولا أعرف هذا نظرت، فإن كان للمدعي بينة أنه خصمه وأنه حبسه حكم بها عليه، وإن لم يكن معه بينة بحال نادى منادي الحاكم بذلك، فإن لم يظهر له خصم فالقول

[ 95 ]

قوله مع يمينه أنه لا خصم له، ويطلقه، لأن الظاهر أنه ما حبسه محالا وأنه حبسه بخصم له عليه حق. * * * فإذا فرغ من النظر في أمر المحبسين نظر بعد ذلك في أمر الأوصياء، وقد يكون الوصي في أمر الأطفال والمجانين من أولاده وأموالهم، وقد يكون وصيا بتفرقة الثلث أو وصيا منهما، وإنما قلنا يقدم النظر في أمر الأطفال والمجانين، لأن هؤلاء لا يعبرون عن نفوسهم، ولا يمكنهم المطالبة بحقوقهم، وتفرقة الثلث إذا كان على أقوام غير معينين لم يمكنهم المطالبة بحقوقهم فكان النظر في أمر من لا يمكنه المطالبة بحقه أولى، فإذا ثبت هذا نظر في وصي وصي. فإذا نظر في ذلك لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون الحاكم الذي قبله قد أنفذ الوصية إليه وقضى بصحتها أو لم يفعل ذلك، فإذا كان قد أنفذ الوصية إليه نظر في أمره، فإن وجده ثقة قويا أقر على نظره، لأن الثقة لا يجوز، والقوي لا يضعف عن النظر فيها، وإن وجده فاسقا عزله لأنه موضع ولاية وأمانة والفسق ينافي ذلك وإن وجده ضعيفا ثقة أقره على النظر لأنه أمين، وضم إليه غيره لضعفه عن النظر. وإن كان الحاكم الأول لم ينفذ الوصية إليه لم يخل الوصي من أحد أمرين إما أن يكون قد تصرف أو لم يكن تصرف، فإن لم يكن تصرف في شئ نظر فيه، فإن كان ثقة قويا أقره عليها وأمضاها له، وإن كان فاسقا عزله، وإن كان ثقة ضعيفا أقره على النظر لأن الموصي رضي به، وضم إليه غيره لعجزه عن النظر. وإن كان الوصي قد تصرف بأن فرق الثلث نظرت، فإن كان ثقة نفذ تصرفه وإن كان فاسقا نظرت في أهل الثلث، فإن كانوا معينين فقد وقعت التفرقة موقعها لا لأن الوصي تصرف بحق، لكن لأنه قد وصل كل ذي حق إلى حقه، ولو وصل حقه إليه بغير تسليم الوصي إليه صح، كذلك هيهنا. وإن كان أهل الثلث غير معينين مثل أن أوصى به للفقراء والمساكين، فعلى

[ 96 ]

الوصي الضمان، لأنه تعدى فيه، لأنه غير وصي فلا فصل بينه وبين الأجنبي فيضمنه القاضي ذلك المال، ويقيم أمينا يفرقه في أهله. فإذا فرغ من الأوصياء نظر في أمر الأمناء، وقد يكون أمينا في مواضع، منها أن يموت الرجل ويخلف مالا وأطفالا ومجانين، ويكون موته من غير وصية فينصب الحاكم أمينا ينظر لهم، وقد يكون أوصى بتفرقة ثلثه مطلقا ولم يسند ذلك إلى وصي، فالحاكم ينصب أمينا لتفرقة ثلثه أو يكون الوصي يفسق فينصب الحاكم مكانه أمينا وقد يضعف الوصي فيضم إليه أمينا، فينظر في أمر أمين أمين كالأوصياء سواء فإن وجد الأمين ثقة قويا أقره، وإن وجده فاسقا عزله ونصب غيره، وإن وجده ثقة ضعيفا أقره وضم إليه أمينا آخر ليعينه على النظر، وجملته أن أمين الحاكم كوصي الوالد وقد فسرناه. فإذا فرغ من الأمناء نظر في الضوال واللقطة أما الضوال فما كان من البهائم التي لا يلتقط بل يحفظ لصاحبها، وهو ما امتنع من صغار السباع لقوته كالإبل والبقر والحمير والبغال، أو امتنع لخفته كالظباء والطيور، فهذه يحفظ لأربابها يجعلها الإمام في الحمى ترعى فيه. وأما اللقطة فكل مال إذا لم يحفظ هلك كالغنم والثياب والأثمار والحبوب، فإذا وجد الرجل شيئا من هذا فهو لقطة لا نظر للحاكم فيها ما لم يحل الحول عليها فإذا حال الحول فللملتقط أن يتملكها ولا اعتراض عليه فيها، وقد يكون في الناس من لا يرى التملك فيدفعها إلى القاضي ليحفظها على مالكها. فإذا كان عنده شئ من اللقطة فالحاكم يصنع ما يراه مصلحة، فإن كان مما يخاف هلاكه كالغنم والحيوان، أو لا يخاف لكن في حفظه مؤنة كالأموال الجافية باعها وحفظ ثمنها، وإن لم يكن في حفظها مؤونة ولا غرر كالأثمان والجواهر حفظها على ربها، فإذا جاء طالبها دفعها إليه على شرايطها المذكورة في اللقطة. * * *

[ 97 ]

اللدد والالتواء مصدران يقال فلان يتلدد إذا كان يلتفت يمينا وشمالا ويلتوي، ومنه قيل لديد الوادي لجانبيه، لأنها مايلة، ومنه قيل اللدود وهو الوجور لأنه في أحد شدقيه، وخصم ألد إذا كان شديد الخصام، وجمعه لد قال تعالى " وهو ألد الخصام " " وتنذر به قوما لدا ". فإذا تقرر هذا، وبان للقاضي من أحد الخصمين لدد أي التواء وعنت وقد يكون هذا من وجوه: أحدها أن يتقدم خصمه إلى الحاكم فيدعي عليه ويتوجه اليمين ويسأل الحاكم أن يستحلفه له، فإذا بدأ باليمين قطعها عليه، وقال عليه بينة فإذا فعل هذا أول مرة نهاه عنه ومنعه منه، وعرفه أن هذا لا يحل إن لم يكن لك بينة، فإن عاد كذلك زبره وأغلظ له في النهي عنه، وصاح عليه ولا يعجل عليه بالتعزير، لئلا يكون جاهلا بذلك، فإن عاد ثالثا إلى مثلها فقد فعل ما يستحق به التأديب والتعزير، فينظر الحاكم فيه باجتهاده، فإن كان قويا لا يكفه عنه إلا التعزير عزره، وإن كان ضعيفا لا يطيق الضرب حبسه وأدبه بالحبس لا بالضرب، وإن كان المصلحة في ترك ذلك كله فعل. وهكذا إذا أغلظ للحاكم في القول فقال حكمت علي بغير حق، نهاه فإن عاد زبره، فإن عاد فقد استوجب التعزير بالضرب أو الحبس أو بالعفو، وجملته أنه إليه ففعله بحسب ما يقتضيه المصلحة. المستحب أن لا يكون الحاكم جبارا متكبرا عسوفا لأنه إذا عظمت هيبته لم يلحن ذو الحجة بحجته هيبة له، ولا يكون ضعيفا مهينا لأنه لا يهاب، فربما فرق بمجلسه بالمشاتمة، ويكون فيه شدة من غير عنف ولين من غير ضعف فإنه أولى بالمقصود. ومتى حدثت حادثة فأراد أن يحكم فيها، فإن كان عليها دليل من نص كتاب أو سنة أو إجماع عمل عليه وكذلك عندهم إن كان عليه قياس لا يحتمل إلا معنى واحدا كالشفعة للشريك، وخيار الأمة إذا أعتقت تحت عبد، ونحو هذا، حكم به من غير مشورة، وعندنا أن جميع الحوادث هذا حكمها، فلا يخرج عنها شئ، فإن اشتبهت

[ 98 ]

كانت مبقاة على الأصل. وعندهم إن كانت مسألة اجتهاد استحب له أن يشاور فيها لقوله تعالى: " وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله " ولم يرد تعالى المشاورة في أحكام الدين وما يتعلق بالشريعة، وإنما أراد ما يتعلق بتدبير الحرب ونحوه بلا خلاف، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله غنيا عن مشاورتهم لكن أراد أن يستن به الحاكم بعده، وقال تعالى " وأمرهم شورى بينهم " وشاور النبي عليه السلام أصحابه في قصة أهل بدر وأساراه وشاور أهل المدينة يوم الخندق وعليه الإجماع عندهم، وقد قلنا ما عندنا. وعندهم إذا شاور فينبغي أن يشاور الموافق والمخالف من أهل العلم ليذكر كل واحد منهما مذهبه وحجته، لينكشف الحجاج، ولا يشاور إلا من كان ثقة أمينا عالما بالكتاب والسنة، وأقاويل الناس، ولسان العرب، والقياس، فإذا شاورهم في ذلك واجتهد فيها وغلب على ظنه الحكم فيها فذاك فرضه لا يرجع فيه إلى قول غيره وإن كان غيره أعلم منه، حتى يعلم كعلمه، لأنه لا يصح أن يلي الحاكم حتى يكون ثقة من أهل الاجتهاد، فإن لم يكن كذلك لم يكن حاكما ولم ينفذ له حكم، وكل ما حكم به باطل، وكذلك لا يجوز أن يقلد ويفتي، وقد قلنا إن عندنا أنه لا يتولى الحكم إلا من كان عالما بما وليه، ولا يجوز أن يقلد غيره ولا يستفتيه فيحكم به، فإن اشتبه عليه بعض الأحكام ذاكر أهل العلم لينبهوه على دليله، فإذا علم صحته حكم به وإلا فلا. وقال قوم في المفتي مثل ما قلناه وقال في القضاء: يجوز أن يكون عاميا يقلد و يقضي، فإذا كان من أهل العلم والاجتهاد لم يكن له تقليد غيره عن قوم وقال آخرون له أن يقلد من هو أعلم منه ويعمل بقوله. فأما إذا نزلت بالعالم نازلة يفتقر إلى اجتهاد، مثل أن خفيت عليه جهة القبلة وقد دخل وقت الصلوة، نظرت، فإن كان الوقت واسعا لم يكن له التقليد بل يستدل على جهتها لأنه لا يخاف فوات الحادثة. وإن كان الوقت ضيقا فخاف إن تشاغل بالدلايل والاجتهاد أن تفوته الصلوة قال

[ 99 ]

قوم له تقليد غيره، وقد حكي عن هذا القائل أنه كان يقلد الملاحين في جهة القبلة وقال إذا ضاق الوقت جرى مجرى الأعمى والعامي، وقال غيره: ليس له التقليد و هو الأقوى عندي، لأنه متمكن من الوصول إلى العلم بما كلفه. فعلى هذا هل يتصور ضيق الوقت وخوف الفوات في حق الحاكم أم لا؟ قال قوم: يتصور وهو إذا ترافع إليه مسافران والقافلة سائرة، ومتى تشاغل بالاجتهاد فاتهما السفر، فعلى هذا يجوز عند قوم أن يقلد غيره ويحكم به، وقال آخرون لا يجوز، وهو الصحيح عندنا. * * * القضاء لا ينعقد لأحد إلا بثلاث شرايط أن يكون من أهل العلم والعدالة والكمال وعند قوم بدل كونه عالما أن يكون من أهل الاجتهاد، ولا يكون عالما حتى يكون عارفا بالكتاب والسنة والاجماع، والاختلاف ولسان العرب، وعندهم والقياس. فأما الكتاب فيحتاج أن يعرف من علومه خمسة أصناف العام والخاص، والمحكم والمتشابه، والمجمل والمفسر والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ: أما العموم والخصوص لئلا يتعلق بعموم قد دخله التخصيص كقوله تعالى " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " هذا عام في كل مشركة حرة كانت أو أمة وقوله " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " خاص في الحرائر فقط فلو تمسك بالعموم غلط وكذلك قوله " اقتلوا المشركين " عام وقوله " من الذين أتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية " خاص في أهل الكتاب. وأما المحكم والمتشابه ليقضى بالمحكم دون المتشابه، والمجمل والمفسر ليعمل بالمفسر كقوله " أقيموا الصلوة " وهذا غير مفسر وقوله " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون " الآية مفسر لأنه فسر الصلواة الخمس لأن قوله " حين تمسون " يعني المغرب

[ 100 ]

والعشاء الآخرة " وحين تصبحون " يعني الصبح " وعشيا " يعني العصر " وحين تظهرون " يعني الظهر. وأما المطلق والمقيد ليبني المطلق على المقيد كقوله " واستشهدوا شهيدين من رجالكم " فهذا مطلق في العدل والفاسق، وقوله " وأشهدوا ذوي عدل منكم " مقيد بالعدالة فيبنى المطلق عليه. وأما الناسخ والمنسوخ ليقضي بالناسخ دون المنسوخ، كآية العدة بالحول والآية التي تضمنت العدة بالأشهر. وأما السنة فيحتاج أيضا إلى أن يعرف منها خمسة أصناف: المتواتر والآحاد والمرسل والمتصل، والمسند والمنقطع، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ. أما المتواتر والآحاد ليعمل بالمتواتر دون الآحاد، وبالمتصل دون المرسل، و المسند ما كان مرفوعا إلى رسول الله، والمنقطع ما كان موقوفا على صحابي، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ لما تقدم في نص القرآن وفي السنة مجمل ومفسر و مطلق ومقيد كما في الكتاب فيحتاج أن يعرف كل ذلك لما مضى. ويعرف الإجماع والاختلاف لأن الإجماع حجة لئلا يقضي بخلافه ويعرف الاختلاف ليعلم هل قوله موافق لقول بعض الفقهاء أم لا، ويحتاج أن يعرف لسان العرب لأن صاحب الشريعة خاطبنا به، ومن راعى القياس قال لا بد من أن يعرف كيفية وجوه الاستنباط. وقال قوم لا يلزمه أن يكون عارفا بجميع الكتاب بل يكفي أن يعرف من ذلك الآيات المحكمة، وقيل إن جميع ذلك خمسمائة آية، وذلك يمكن معرفته، والسنة يكفي أن يعرف ما يتعلق بالأحكام من سنته عليه السلام دون آثاره وأخباره فإن جميع ذلك لا يحيط به أحد علما، وما قلناه مدون في الكتب في أحاديث محصورة. وأما الخلاف فهو متداول بين الفقهاء يعرفونه حتى أصاغرهم، وأما لغة العرب فيكفي أن يعرف به ما ذكرناه دون أن يكون عالما بجميع اللغات، وفي الناس من

[ 101 ]

أجاز أن يكون القاضي عاميا ويستفتي العلماء ويقضي به، والأول هو الصحيح عندنا. الشرط الثاني أن يكون ثقة عدلا فإن كان فاسقا لم ينعقد له القضاء إجماعا إلا الأصم فإنه أجاز أن يكون فاسقا. الشرط الثالث أن يكون كاملا في أمرين كامل الخلقة والأحكام أما كمال الخلقة فأن يكون بصيرا فإن كان أعمى لم ينعقد له القضاء لأنه يحتاج أن يعرف المقر من المنكر، والمدعي من المدعى عليه، وما يكتبه كاتبه بين يديه، وإذا كان ضريرا لم يعرف شيئا من ذلك، وإذا لم يعرف لم ينعقد له القضاء. وأما كمال الأحكام فأن يكون بالغا عاقلا حرا ذكرا فإن المرأة لا ينعقد لها القضاء بحال، وقال بعضهم يجوز أن تكون المرأة قاضية والأول أصح ومن أجاز قضاءها قال يجوز في كل ما يقبل شهادتها فيه، وشهادتها تقبل في كل شئ إلا في الحدود والقصاص. لا يجوز القضاء بالاستحسان عندنا ولا بالقياس ومن أوجب القياس حكما لم يجز له بالاستحسان، وقال قوم يجوز الاستحسان وقد ذكرناه في الأصول. إذا قضى الحاكم بحكم ثم بان له أنه أخطأ أو بان له أن حاكما كان قبله قد أخطأ فيما حكم به وجب عليه أن ينقض حكمه عندنا، ويستأنف الحكم بما علمه حقا لا يسوغ له غير ذلك، وقال قوم إن بان أنه أخطأ فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد مثل أن خالف نص كتاب أو سنة أو إجماعا أو دليلا لا يحتمل إلا معنى واحدا فإنه ينقض حكمه ويبطله وقال آخرون إن خالف نص كتاب أو سنة لم ينقض حكمه وإن خالف الإجماع نقض حكمه. ثم ناقضوا فقال بعضهم: إن حكم بالشفعة لجار نقضت حكمه، وهذه مسألة خلاف وقال محمد إن حكم بالشاهد مع اليمين نقضت حكمه، وقال أبو حنيفة إن حكم بالقرعة بين العبيد أو بجواز بيع ما ترك التسمية على ذبحه عامدا نقضت حكمه لأنه حكم

[ 102 ]

بجواز بيع الميتة وإن كان الخطأ فيما لا يسوغ الاجتهاد فيه فإنه لا ينقض حكمه عندهم. فأما إن تغير حكمه قبل أن يحكم باجتهاده الأول فإنه يحكم بالثاني و يدع الأول، لأن الأول عند خطأ فلا يحكم بما يعتقده خطأ، وهكذا قالوا فيمن أشكل عليه جهة القبلة واجتهد ثم تغير اجتهاده نظرت، فإن كان بعد الصلوة لم ينقض الأول، وإن كان قبل الصلوة عمل على الثاني، وهكذا لو سمع شهادة شاهدين ثم فسقا فإن كان بعد الحكم بشهادتهما لم ينقض حكمه، وإن كان قبل الحكم بشهادتهما لم يحكم بشهادتهما. وقد قلنا ما عندنا في ذلك وهو أنه متى بان له الخطأ فيما حكم به أو فعله و علم أن الحق في غيره نقض الأول واستأنف الحكم بما علمه حقا، وكذلك في جميع المسائل التي تقدم ذكرها وأشباهها. إذا ولي القضاء لم يلزمه أن يتبع حكم من كان قبله عندنا وإن تبعه جاز، فإن بان أنه حكم بالحق أقره عليه، وإن بان أنه حكم بالباطل نقضه، وإن تحاكم المحكوم عليه وادعى أنه حكم عليه بالجور لزمه النظر فيه على ما بيناه. وقال المخالف ليس عليه أن يتبع حكم من كان قبله لأن الظاهر من حكمه وقضائه أنه وقع موقع الصحة فإن اختار أن يتبعه وينظر فيه لم يمنع منه، فإن كان صوابا لم يعرض له، وإن كان خطأ فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد نظرت، فإن كان حقا لله كالعتق والطلاق نقضه وأبطله، لأن له في حق الله نظرا وإن كان ذلك في حق آدمي لم يكن النظر فيه من غير المطالبة. فإن استعدى إليه على حاكم كان قبله لم يحضره حتى يبين ما يستعدي عليه لأجله احتياطا للمعزول وخوفا عليه من الامتهان والابتذال، وإن ذكر ما يستعدي عليه لأجله نظرت فإن قال لي عنده حق من دين ومعاملة وغصب أحضره وسأله، فإن اعترف ألزمه وإن أنكر قضى بينهما، كما يقضي بينه وبين غيره.

[ 103 ]

وإن قال ارتشى مني على الأحكام أحضره أيضا لأن الرشوة غصب، وإن قال قضى علي وجار في الحكم فإنه قضى بفاسقين، نظرت، فإن كان مع المدعي بينة أنه قضى عليه بذلك قضاء ما أحضره وإن لم يكن معه بينة بذلك قال قوم لا يحضره حتى يقيم البينة أنه حكم عليه حكما ما، لأن هذا مما لا يتعذر إقامة البينة عليه لأن الحاكم لا يكاد يحكم إلا وعنده قوم وقال قوم يحضره بغير بينة لأن الحاكم قد يحكم ولا يحضره أحد وهو الأقوى عندي. فإذا أحضره سأله عن ذلك فإن قال صدق فعليه الضمان لأنه قد اعترف أنه دفع ماله إلى الغير بغير حق، وإن أنكر فقال: ما قضيت إلا بعدلين فالقول قوله ولا يجب عليه إقامة البينة على صفة الحكم، وقال بعضهم يجب عليه إقامة البينة أنه حكم بعدلين وهو الأقوى عندي لأنه إذا اعترف بالحكم ونقل المال عنه إلى غيره وهو يدعي ما يزيل الضمان عنه فلا يقبل منه. ومن قال إن القول قوله، منهم من قال مع اليمين وهو الأقوى عندهم، لأن ما يدعيه المدعي ممكن، وقال بعضهم القول قوله بغير يمين. إذا تحاكم إليه خصمان لا يعرف لسانهما أو شهد عنده شاهد بشئ فلا يعرف لسانه فلا بد من مترجم يترجم عنه ليعرف الحاكم ما يقوله، والترجمة عند قوم شهادة ويفتقر إلى العدد والعدالة والحرية ولفظ الشهادة، وقال قوم يقبل في الترجمة واحد لأنه خبر وليس بشهادة بدليل أنه لا يفتقر إلى لفظ الشهادة والأول أحوط عندنا لأنه مجمع على العمل به. فمن قال: الترجمة شهادة قال ينظر فيما يترجم عنه، فإن كان مالا أو ما في معناه ثبت بشهادة شاهدين، وشاهد وامرأتين، وإن كان مما لا يثبت إلا بشاهدين كالنكاح والنسب والعتق وغير ذلك، لم يثبت إلا بشاهدين عدلين، وإن كان حد الزنا فأصل الزنا لا يثبت إلا بأربعة. والاقرار، قال قوم يثبت بشاهدين، لأنه إقرار، وقال آخرون لا يثبت إلا بأربعة لأنه إقرار بفعل، فوجب أن لا يثبت إلا بما ثبت به ذلك الفعل كالاقرار بالقتل.

[ 104 ]

* * * إذا شهد عند الحاكم شاهدان بحق يكتب حلية كل واحد منهما واسمه ونسبه ويرفع فيه إلى موضع لا يشاركه فيه غيره وهو كلام في كيفية البحث عن حال الشهود وينبغي أن يبين أولا وجوب البحث ثم يبين كيفيته. وجملته أنه إذا ادعى عند الحاكم دعوى على رجل فأنكر المدعي على الحق فأتى المدعي بشاهدين لم يخل الحاكم من ثلثة أحوال، إما أن يعرف عدالتهما أو فسقهما أو لا يعرف منهما عدالة ولا فسقا. فإن عرف عدالتهما بأن شهدا عنده قبل هذا فعرف عدالتهما بالبحث عنهما، أو عرفهما لكونهما في جواره أو نحو هذا، حكم بشهادتهما على ما يعرفه من عدالتهما ولم يبحث عن حالهما، لأنه قد عرفهما عدلين. وإن عرفهما فاسقين في الظاهر أو فاسقين في الباطن دون الظاهر لم يحكم بشهادتهما لأنه لا يجوز أن يحكم بشهادة فاسقين. وإن لم يعرفهما بل جهل حالهما والجهل على ضربين أحدهما ألا يعرفهما أصلا والثاني أن يعرف إسلامهما دون عدالتهما لم يحكم بشهادتهما حتى يبحث عن عدالتهما وسواء كان ذلك في حد أو قصاص أو غير ذلك من الحقوق. وقال قوم إن كان ذلك في قصاص أو حد كما قلنا وإن كان غير ذلك كالأموال والنكاح والطلاق والنسب، حكم بشهادتهما بظاهر الحال، ولم يبحث عن عدالتهما بعد أن يعرف إسلامهما، ولا يكتفى بمعرفة إسلامهما بظاهر الدار كما يحكم بإسلام اللقيط بل على تعرف السبب وهو أن أسلما بأنفسهما أو بإسلام أبويهما أو بإسلام الثاني فإذا عرفهما مسلمين حكم إلا أن يقول المحكوم عليه هما فاسقان فحينئذ لا يحكم حتى يبحث عن حال الشهود، فإذا عرف العدالة حكم، وإذا حكم بشهادتهما بظاهر العدالة عنده نفذ حكمه فلو ثبت أنهما كانا فاسقين حين الحكم بشهادتهما لم ينقض

[ 105 ]

الحكم والأول أحوط عندنا، والثاني يدل عليه رواياتنا، غير أنه إذا علم أنهما كانا فاسقين حين الشهادة نقض حكمه. * * * وأما كيفية البحث فنقدم أولا من الذي يبحث عنه ومتى يبحث عنه، وجملته أن الشهود ضربان من له شدة عقول يعني وفور عقل وضبط وحزم وجودة تحصيل، ومن ليس لهم شدة عقول، يعني هو عاقل إلا أنه ليس بكامل العقل: فإذا لم يكن لهم شدة عقول، فإذا شهد عنده منهم اثنان في غير الحدود وأربعة في الحدود، فينبغي أن يفرقهم ويسئل كل واحد على حدته، متى شهد، وكيف شهد، وأين شهد، ومن كتب أولا؟ وبالمداد كتب أو الحبر؟ وفي أي شهر وفي أي يوم؟ وفي أي وقت منه؟ وفي أي محلة؟ وفي أي دار وأي مكان من الدار: في الصفة أو في البيت أو في الصحن؟ فإذا سمع ذلك منه يستدعي الآخر ويسأله كما سأل الأول، فإن اختلفا سقطت الشهادة وإن اتفقا على ذلك يعظهم. وروي في تفرقة الشهود خبر داود النبي صلى الله عليه وآله وخبر دانيال، وقد رواه الخاص والعام. وروي أن سبعة خرجوا في سفر ففقد واحد منهم فجائت امرأته إلى علي عليه السلام وذكرت ذلك له، فاستدعاهم وسألهم فأنكروا ففرقهم وأقام كل واحد إلى سارية، و وكل به من يحفظه ثم استدعا واحدا فسأله فأنكر فقال علي الله أكبر فسمعه الباقون فظنوا أنه قد اعترف، واستدعى واحدا واحدا بعد هذا فاعترفوا، فقال الأول قد أنكرت، فقال: قد شهد هؤلاء عليك، فاعترف فقتلهم علي عليه السلام به. فإذا ثبت أن التفرقة مستحبة، فإذا ثبتوا مع ذلك على أمر واحد ولم يختلفوا وعظهم، فقال: شهادة الزور معصية تواعد النبي صلى الله عليه وآله عليها، وأن شاهد الزور لا يزول قدماه حتى يتبوء مقعده من النار.

[ 106 ]

وروي أن رجلين شهدا عند علي عليه السلام على رجل أنه سرق، فقال المشهود عليه: والله ما سرقت، والله إنهما كذبا على لتقطع يدي. فوعظهما عليه السلام واجتمع الناس فذهبا في الزحام، فطلبا فلم يوجدا، فقال علي عليه السلام لو صدقا لثبتا. فإذا وعظهما فإن رجعا فلا كلام، وإن أقاما على الشهادة وقد اتفقا على الشهادة ولم يختلفا ووعظا فثبتا، فعند ذلك يبحث عن عدالتهما. هذا إذا لم يكن لهم شدة عقول، فأما إن كان لهم شدة عقول ووفور ضبط وجودة تحصيل، لم يفرقهم ولم يعظهم، لأن في ذلك نقيصة عليهم وغضاضة منهم، غير أنه يبحث عنهم، والبحث عن هؤلاء من غير تفريق ولا عن موعظة، والبحث عن القسم الأول بعد التفريق والموعظة. فأما الكلام في كيفية البحث أن يكتب اسم كل واحد منهم، وكنيته إن كانت له كنية، ويرفع في نسبه إلى الموضع الذي لا يشاركه فيه غيره، ويكتب حليته من لون وقد وطول وقصر، ويذكر منزله الذي يسكنه في محلة كذا، ويذكر موضع مصلاه وسوقه ودكانه ومعاشه من تجارة أو صنعة، لئلا يقع اسم على اسم، فيعدل الفاسق و يفسق المعدل. فإذا ضبط هذا نظرت، فإن أراد الحاكم الشرح والتطويل كتب: حضر القاضي فلان بن فلان فلان بن فلان المدعي وأحضر معه فلانا المدعى عليه، فادعى عليه كذا وكذا، فأنكر، فأحضر المدعي شاهدين... وذكر ما قلنا من ضبطهما بالصفات وإن أحب الاختصار والايجاز اقتصر على ذكر المدعي والمدعى عليه، وذكر قدر الحق و الشهود. أما معرفة المدعي لئلا يكون ممن لا يقبل شهادة المزكى له، لكونه أباه أو ولده على الاختلاف فيه، وأما المدعى عليه لئلا يكون عدوه، وأما قدر الحق فلأن في الناس من يرى قبول شهادة الشاهد في القليل دون الكثير، وأما المشهود، فلما مضى ولينظر من الذي يزكيهم؟ فإذا ضبط كل هذا كتبه في رقاع ودفعها إلى أصحاب

[ 107 ]

مسائله أن يسألوا عنه جيران بيته ودكانه وأهل سوقه ومسجده، ويكون المسألة عنه سرا لأنه ليس المقصود هتك الشهود، فإذا كان جهرا ربما انكشف عليه ما يفتضح به ولأنه إذا كان جهرا ربما توقف المزكي عن ذكر ما يعرفه فيه حياء، ومراعاة حق، ولأنه قد يخاف المشهود عليه فيبقى سرهما. فإذا ثبت أن المسألة يكون سرا، فإنه يعطي كل ذلك إلى صاحب مسائله، ويكتم من كل واحد منه ما دفعه إلى الآخر لئلا يتواطئا على تزكية أو جرح بما لا أصل له. فإذا ثبت هذا فالحاكم بالخيار بين أن يطلق هذا إلى أصحاب مسائله ويفوض المسألة إليهم، وبين أن يبعث كل واحد إلى رجل يعرفه الحاكم من جيرانه ومخالطيه وأهل الخبرة والمعرفة به، فإذا ثبت هذا فالكلام في كيفية المسألة يأتي إن شاء الله. وينبغي أن يحرص الحاكم إذا بعث بصاحب مسألة ألا يعرف ويكون مجهولا عند المدعي والمدعى عليه والشاهد، لأن المدعي ربما رشاه ليزكي المجروح والمدعى عليه يرشوه ليجرح المزكى، والشاهد يرشوه ليثني عليه ويزكيه. والمستحب أن يكون صاحب مسائله جامعا للعفاف في طعمه، لأن من لم يتق أكل الحرام لا يتق الكذب وترك الصدق، ويكون جامعا للعفاف في نفسه من ترك وفعل كالغضب والمعاصي، لأن من لم يصبر نفسه عن المعاصي لا يوثق بتزكيته ويكون وافر العقل لئلا يخدع، بريئا من الشحناء والميل إلى قوم دون قوم لأنه يخفي من عدوه حسنا ويذكر قبيحا، ولا يكون من أهل الأهواء فيميل على من خالفه، ويخفف عمن وافقه، ولا يكون من أهل اللجاج، ويكون ثقة أمينا في دينه لأنه موضع أمانة. ولا يستعمل فيه أهل الخيانة ولا يقبل التعديل والجرح إلا من اثنين وهو أحوط عندنا، وقال بعضهم يجوز أن يقتصر على واحد لأنه إخبار، وقال بعضهم العدد معتبر فيمن يزكي الشاهدين، ولا يعتبر في أصحاب مسائله، فإذا عاد إليه صاحب مسئلته فإن جرح توقف في الشهادة، وإن زكاه بعث الحاكم إلى المسئول عنه، فإذا

[ 108 ]

زكاه اثنان عمل على ذلك، ومن أجاز تزكية واحد قال هذا خبر لأنه لا يعتبر فيه لفظ الشهادة، وقال من خالفهم يعتبر لفظ الشهادة ولا يقبل فيه الرسالة ولا يقبل والدا لولده ولا ولدا لوالده وقد قلنا إن عندنا يعتبر لفظ الشهادة لأنه شهادة، و يقبل كل موضع يقبل فيه الشهادة. وإذا رجع أصحاب مسائله فشهدا عنده بشئ نظرت فإن عدلا حكم وأن جرحا وقف وإن اختلفا فجرح أحدهما وعدل الآخر بعث بهما ثانيا وبعث مع كل واحد منهما غيره، فإذا عادوا إليه نظرت فإن تمت شهادة العدالة حكم بها، وإن تمت شهادة الجرح وقف. وإن جرحه اثنان وزكاه اثنان قدم الجرح على التعديل لأمرين أحدهما أن من شهد بالجرح معه زيادة لأن الانسان يظهر الطاعات ويستر المعاصي، فمن شهد بالعدالة شهد بالظاهر، ومن جرح عرف الباطن، فكان معه زيادة على الظاهر، كما قلنا فيمن مات فشهد اثنان أن أخاه وارثه وحده، وشهد آخران أن له أخوين كان الزايد أولى. وهكذا لو شهد اثنان أنه مات وخلف هذه الدار على ورثته، وشهد آخران أنه باعها قبل وفاته، كان من شهد بالبيع قبل الموت أولى. أو شهد شاهدان أن له عليه ألفا وشهد آخران أنه قضاها كان من شهد بالقضاء أولى لأنه زايد. فرع: على هذا لو كانت الزيادة مع المزكى قدم على الجرح وهو إذا انتقل عن بلده إلى غيره فشهد اثنان من بلده بالجرح، واثنان من البلد الذي انتقل إليه بالعدالة كانت العدالة أولى لأنه قد يترك المعاصي ويستعمل الطاعات، فيعرف هذان ما خفى على الأولين، وكذلك لو كان البلد واحدا فسافر فزكاه أهل سفره وجرحه أهل بلده كان التزكية أولى وأصله أنا ننظر إلى الزيادة فنعمل عليها. والمعنى الآخر أن من شهد بالجرح فهو ناقل، ومن شهد بالعدالة أقره على الأصل كما لو شهد اثنان بألف وآخران بالقضاء كان القضاء أولى لأنه ناقل.

[ 109 ]

فإذا ثبت أن الجرح مقدم على التزكية، فإنه لا يقبل الجرح إلا مفسرا و يقبل التزكية من غير تفسير وقال قوم يقبل الأمران معا مطلقا، والأول أقوى عندنا لأن الناس يختلفون فيما هو جرح وما ليس بجرح، فإن أصحاب الشافعي لا يفسقون من شرب النبيذ، ومالك يفسقه، ومن نكح المتعة في الناس من فسقه وعندنا أن ذلك لا يوجب التفسيق بل هو مباح مطلق، فإذا كان كذلك لم يقبل الجرح إلا مفسرا لئلا يجرحه بما هو جرح عنده، وليس بجرح عند القاضي، ويفارق الجرح التزكية لأن التزكية إقرار صفة على الأصل، فلهذا قبلت من غير تفسير، والجرح إخبار عما حدث من عيوبه وتجدد من معاصيه فبان الفصل بينهما. حكي أن بعض أهل العراق كان يتبع على إسماعيل بن إسحاق القاضي حكوماته فشهد عنده يوما مع آخر، فقال القاضي للمشهود له: زدني في شهودك، فقال العراقي: بدلا عمن؟ قال: منك، قال: ولم؟ قال لأنك تشرب المسكر قال: فأنا أعتقد إباحته واعتقادي إباحته أعظم من شربي له، ثم قال: قبلت شهادتي أمس وأنا أشربه وتردها اليوم؟ فقبل شهادته. شرب النبيذ واعتقاد إباحته عندنا فسق يوجب رد الشهادة، وإنما حكينا الحكاية لنبين الفرض. ولا يقبل صاحب المسألة جرح الشاهد إلا بالسماع أو المشاهدة، وذلك أن شهود القاضي بالجرح والتعديل أصحاب مسائله يبعث كل واحد منهم ليعرف صفة الشاهد، فإذا عرفها على صفة تسوغ له الشهادة بها حينئذ يرجع إلى الحاكم ويشهد به عنده فإذا شهد عنده بذلك سمع شهادته وعمل عليها ولا يسأله من أين تشهد بما شهدت، كما يشهد عنده بالطلاق والعتق، فيعمل على ما شهد به عنده، فلا يسأله من أين علمت هذا. فالمشاهدة أن يشاهده على ما يفسق به من غصب وزنا ولواط وقتل ونحو ذلك. والسماع على ضربين أحدهما بتواتر الخبر عنده بذلك والثاني يشيع ذلك في الناس فيصير عالما بذلك، ويسوغ له أن يؤدي الشهادة مطلقا كما يستفيض في الناس

[ 110 ]

النسب والموت والملك المطلق فيصير شاهدا به. فأما إن كان السماع خبر الواحد والعشرة فلا يصير عالما بذلك، لكنه يشهد عند الحاكم بما سمعه، ويكون ههنا شاهد الفرع والذي سمع منه شاهد الأصل فيكون حكمه حكم شاهد الفرع والأصل، فلا يثبت عندنا ما قال الأصل إلا بشاهدين. فإذا ثبت هذا فإن صاحب المسألة إذا علم الصفة فشهد بها عند الحاكم، فقال زنا فلان ولاط إذا استفسره عن الذي جرحه به، لا يكون قاذفا، سواء أضاف إليه هذا بلفظ القذف أو بلفظ الشهادة، لأنه لا يقصد إدخال المضرة عليه بإضافة الزنا إليه وإنما قصد إثبات صفته عند الحاكم ليبني الحاكم حكمه عليها. قال قوم إذا قال المزكي هو عدل كفى ذلك في التزكية لقوله " وأشهدوا ذوي عدل منكم " فاقتصر على العدالة فقط، ومنهم من قال لا بد أن يقول عدل علي ولي لأنه بقوله عدل لا يفيد العدالة في كل شئ، وإنما يفيد أنه غلب، كقوله صادق لا يفيد الصدق في كل شئ فافتقر إلى قرينة يزيل الاحتمال ويجعله مطلق العدالة مقبول الشهادة في كل شئ، فيقول عدل علي ولي فلا تبقى هناك ما لا يقبل شهادته فيه والأول أقوى وهذا أحوط. ولا يقبل هذا منه حتى يكون من أهل الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة أما الخبرة الباطنة فبشيئين أحدهما أن عادة الانسان أن يستر المعاصي فإذا لم يكن بباطنه خبيرا ربما كان فاسقا في الباطن، والثاني إن كان لا يعرف الباطن من حاله كانت معرفته ومعرفة الحاكم سواء، لأن كل واحد منهما يعرف الظاهر، فلما قلنا لا بد للحاكم من البحث ثبت أنه يبحث لمعرفة الباطن. وأما المعرفة المتقادمة، لأن الانسان ينتقل من حال إلى حال: يتوب مدة فيعدل، وينقض التوبة أخرى فيفسق، فإذا لم يتقادم معرفته لم يعرف بنقل حاله، فلهذا قلنا لا بد من ذلك. فإن قالوا هلا قلتم لا يفتقر إلى ذلك كما لم يفتقر الجرح إليه؟ قلنا الفصل

[ 111 ]

بينهما أن الجرح يعرف في لحظة وهو أن يرتكب ما يفسق به فيسقط شهادته، ولو كان قبل ذلك أعدل الناس، فلهذا لم يفتقر إلى الخبرة المتقدمة، وليس كذلك التزكية لأنه لا يكون عدلا بأن يراه في يومه عدلا لأن العدل من تاب عن المعاصي فطالت مدته في الطاعات، فإذا لم يكن خبيرا به، فربما لم يسغ أن يشهد بعدالته وهذا إلى صاحب المسألة أن لا يشهد بالتزكية حتى يثبت عنده ذلك لمن هو من أهل الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة. قد ذكرنا أن أصحاب مسائله يسألون عن صفة الشاهد سرا، فإذا سأل عنه سرا فزكوه فإذا حضرا للحكم بشهادتهما لم يسألهما عن عدالتهما، لأنه قد سألهما عنها وشهدا عنده بذلك، لكنه يسألهما فيقول: هذان هما اللذان زكيتماهما وسألتكما عنهما؟ فإذا قالا نعم، حكم بشهادتهما، وإنما قلنا يسئل جهرا بعد السر احتياطا لئلا يقع اسم على اسم فيكون المزكى غير المسئول عنه. لا يجوز للحاكم أن يرتب شهودا يسمع شهادتهم دون غيرهم، بل يدع الناس فكل من شهد عنده فإن عرفه وإلا سأل عنه، على ما قلناه، وقيل أول من رتب شهودا لا يقبل غيرهم إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي. والصحيح ما قلناه، لأن الحاكم إذا رتب قوما فإنما يفعل هذا بمن هو عدل عنده، وغير من رتبه كذلك مثله أو أعدل منه، فإذا كان الكل سواء لم يجز أن يخص بعضهم بالقبول دون بعض، ولأنه فيه مشقة على الناس لحاجتهم إلى الشهادة بالحقوق في كل وقت من نكاح وغصب وقتل وغير ذلك. فإذا لم يقبل إلا قوما دون قوم شق على الناس [ ولأن فيه ضررا على الناس ] فإن الشاهد إذا علم أنه لا يقبل قول غيره ربما تقاعد فيها حتى يأخذ الرشوة عليها ولأن فيه إبطال الحقوق، فإن كل من له حق لا يقدر على إقامة البينة به من كان مقبول الشهادة راتبا لها دون غيره، فإذا كان كذلك لم يجز ترتيبهم. وإنما نمنع أن يقبل قوما دون غيرهم فأما إن رتب قوما قد عرف عدالتهم و

[ 112 ]

سكن إليهم يسمع قولهم ويقبل شهادتهم، فإذا شهد بالحق عنده غيرهم يبحث عنهم فإذا زكوا حكم بذلك فلا بأس به. فإذا ثبت عنده اثنان بحق نظرت، فإن عرف الفسق وقف، وإن عرف العدالة حكم، وإن خفى الأمر عنده سأل وبحث، فإذا ثبت العدالة حكم، ومتى عرف العدالة حكم فيها بعلمه بهما، فإذا لا خلاف أن له أن يقضي بعلمه بالجرح والتعديل وإنما الخلاف في القضاء بعلمه في غير ذلك. فإذا ثبت عنده العدالة، قال قوم لا يعود إلى البحث ويبنى الأمر على ما ثبت عنده، لأن الأصل العدالة حتى يظهر الجرح، وقال بعضهم عليه أن يعيد البحث كلما مضت مدة أمكن تغير الحال فيها، لأن العيب يحدث والأمور تتغير ولم يحده بحد، وقال بعضهم كلما مضت ستة أشهر، وقيل: هو غير محدود، وإنما هو على ما يراه الحاكم وهو الأحوط. إذا حضر الغرباء في بلد عند حاكم فشهد عنده اثنان، فإن عرف العدالة حكم وإن عرف الفسق وقف، وإن لم يعرف عدالة ولا فسقا بحث، وسواء كان لهما السيماء الحسنة والمنظر الجميل وظاهر الصدق أو لم يكن. هذا عندنا وعند جماعة، وقال بعضهم إذا توسم فيهما العدالة بالمنظر الحسن حكم بشهادتهما من غير بحث، لأن في التوقف تعطيل الحقوق. * * * وينبغي للقاضي أن يتخذ كاتبا يكتب بين يديه يكتب عنده الاقرار والانكار وغير ذلك. روي عن النبي عليه السلام أنه قال لزيد بن ثابت تعرف السريانية؟ قال: لا، قال فإنهم يكتبون لي ولا أحب أن يقرأ كتبي كل واحد، فتعلم السريانية، قال زيد: فتعلمتها في نصف شهر، فكنت أقرء بما يرد عليه وأكتب الجواب عنه.

[ 113 ]

وروي عن ابن عباس أنه قال كان للنبي عليه السلام كاتب يقال له السجل. وصفة الكاتب أن يكون عدلا عاقلا ويجتهد أن يكون فقيها نزها عن الطمع واعتبرنا العدالة لأنه موضع عدالة، واعتبرنا العقل كيلا يخدع، ويكون فقيها ليعرف الألفاظ التي يتعلق الأحكام بها فلا يغيرها، لأن غير الفقيه لا يفرق بين واجب وجائز، وليكون أخف على الحاكم، لأنه يفوض ذلك إليه ولا يحتاج أن يراعيه فيما يكتبه، ويكون نزها بريئا من الطمع كيلا يرتشي فيغير، وأقل أحوال العدالة أن يكون حرا مسلما فلا يتخذ عبدا لأنه ليس بعدل، وعندنا يجوز أن يكون عبدا لأنه قد يكون عدلا، ولا يتخذ كافرا بلا خلاف لقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا " وكاتب الرجل بطانته. وروى أبو سعيد الخدري عن النبي عليه السلام أنه قال ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كان له بطانتان: بطانة يدعوه إلى الخير ويحضه عليه، وبطانة يدعوه إلى الشر ويحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله. وقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة " وكاتب الرجل وليه وصاحب سره وعليه إجماع الصحابة أنه لا يجوز أن يكون كاتب الحاكم والإمام كافرا. ولا ينبغي لقاض ولا وال من ولاة المسلمين أن يتخذ كاتبا ذميا ولا يضع الذمي في موضع يفضل به مسلما، وينبغي أن يعز المسلمين لئلا يكون لهم حاجة إلى غير أهل دينهم، والقاضي أقل الخلق في هذا عذرا، فإن كتب له عبده أو فاسق في حاجة نفسه وضيعته دون أمر المسلمين فلا بأس. فإذا ثبت صفة الكاتب، فالحاكم بالخيار بين أن يجلسه بين يديه ليكتب ما يكتب وهو ينظر إليه وبين أن يجلسه ناحية عنه، فإن أجلسه بين يديه فكتب وهو ينظر إليه فلا يكاد يقع فيه سهو، ولا غلط، وإن أجلسه ناحية منه عرفه ما يجري بخطابه ليكتب ذلك.

[ 114 ]

فإن ترافع إليه نفسان فأقر أحدهما لصاحبه كتب الحاكم المقر منهما، وأشهد على المقر منهما ثم بعث بهما إلى كاتبه، وإنما قلنا يكتب المقر أو يشهد عليه لأنهما إذا قاما إلى الكاتب لا يؤمن أن يختلط المقر منهما فيقول كل واحد منهما أنا المقر له، فإذا خيف هذا احتيط بالكتابة والاشهاد. وينبغي أن يكون القاسم بين الناس أموالهم في صفة الكاتب عدلا عاقلا ويجتهد أن يكون فقيها نزها عن الطمع، ويكون عدلا كيلا يجور، وعاقلا مستيقظا كيلا ينخدع، ويكون حاسبا لأنه عمله، وبه يقسم، فهو كالفقه للحاكم ويفارق الكاتب لأنه لا حاجة به إلى الحساب. وينبغي أن يكون عارفا بالقيم فإن لم يعرف القيم عمل على قول مقومين يقومان له، فيقسم على ما يقولان. إذا ترافع إلى الحاكم خصمان فادعى أحدهما على صاحبه حقا لم يخل المدعي عليه من أحد أمرين إما أن يقر أو ينكر، فإن أقر ثبت الحق عليه بإقراره، لأن الاقرار أقوى من البينة، وبالبينة يثبت الحق فالاقرار به أولى. فإن قال المقر له: أشهد لي أيها الحاكم بما أقر لي به شاهدين، لزم الحاكم أن يشهد له به، سواء قيل إن الحاكم يقضي بعلمه أو قيل لا يقضي بعلمه، لأنه إن قيل لا يقضي بعلمه فلا بد منه لأن علمه لا يقضي له به، وإذا قيل يقضي له بعلمه فلا بد أيضا منه لأنه قد يعلم ثم ينسى، ويعزل فلا يحكم بقوله بعد عزله، أو يموت فيبطل حقه. فإن سئل المقر له أن يكتب له بذلك محضرا قال قوم يجب، وقال آخرون لا يجب عليه ذلك، فمن قال يجب أو قال لا يجب وأجابه إلى الكتاب فصفته. بسم الله الرحمن الرحيم حضر القاضي فلان بن فلان، وإن كان قاضي الإمام قال قاضي عبد الله الإمام وإن كان خليفة قاض قال خليفة القاضي فلان بن فلان والقاضي فلان قاضي عبد الله الإمام على كذا وكذا، فإذا فرغ من صفة القاضي ذكر المدعي والمدعي عليه.

[ 115 ]

ولا يخلو القاضي من أحد أمرين إما أن يعرفهما أو لا يعرفهما فإن كان يعرفهما بأنسابهما وأسمائهما بدأ بالمدعي فقال فلان بن فلان وأحضر معه فلان بن فلان الفلاني والأولى أن يضبط حليتهما، فإن أخل بها جاز لأن الاعتماد على النسب. فادعى عليه كذا وكذا فاعترف له فسأله أن يكتب له محضرا فكتب له في وقت كذا وكذا. ويعلم الحاكم على رأس المحضر بعلامته التي يعلم بها " الحمد لله رب العالمين " " الحمد لله على مننه " ونحو هذا. ولا يحتاج أن يقول في هذا المحضر في مجلس حكمه وقضائه لأن الحق يثبت باعترافه والاعتراف يصح منه في مجلس الحكم وفي غيره، ولا يحتاج أن يقول بشهادة فلان وفلان ولا في آخر المحضر شهدا عندي بذلك لأن الحق يثبت بالاعتراف عنده لا بالشهادة، فإن كتب فيه أقر وشهد على إقراره شاهدان كان أوكد. هذا إذا كان الحاكم يعرفهما فأما إن لم يكن يعرفهما كتب على ما قلناه، غير أنه يقول في المدعي حضر رجل ذكر أنه فلان بن فلان الفلاني وأحضر معه رجلا ذكر أنه فلان بن فلان الفلاني ويكون الاعتماد ههنا على الحلية، فيذكر الطول والقصر، ويضبط حلية الوجه من سمرة وشقرة، وصفة الأنف والفم والحاجبين والشعر سبطا أو جعدا وقال ابن جرير إذا لم يعرفهما الحاكم لم يكتب محضرا لأنه قد يستعير النسب وبه قال بعض أصحابنا، والأول أقوى، لأن المعول على الحلية ولا يمكن استعارتها. فأما إن أنكر، لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون مع المدعي بينة أو لا بينة معه، فإن كان له بينة فالحاكم أولا يسأله ألك بينة ولا يقول أحضر بينتك بل يسأله، فإذا قال نعم، يقول له إن شئت أقمتها، ولا يقول له أقمها، لأنه أمر، فإذا أقامها لم يلزم الحاكم أن يسمعها حتى يسأله المدعي أن يسمعها، لأنها قد يحضر ولا يرى أن يشهد له، فإذا سأل الحاكم استماعها قال الحاكم: من كان عنده شئ فليذكر

[ 116 ]

ولا يقول الحاكم اشهدا عليه، لأنه أمر بذلك، فإذا شهدا عنده بذلك وسمعها ثبت الحق بشهادتهما عنده. فإن سأله أن يكتب له محضرا بما جرى كتب له على ما بيناه: بسم الله الرحمن الرحيم حضر القاضي فلان بن فلان قاضي عبد الله الإمام على كذا وكذا في مجلس حكمه وقضائه فلان بن فلان الفلاني وأحضر معه فلان بن فلان الفلاني فادعى عليه كذا، فأنكر فسأل الحاكم المدعي ألك بينة فأحضرها وسأله سماع شهادتها ففعل فسأله أن يكتب له محضرا بما جرى، فأجابه إلى ذلك في وقت كذا ويكتب العلامة في رأس المحضر. ولا بد في هذا المحضر من ذكر مجلس حكمه وقضائه، ولا بد من ذكر ثبوته بالبينة لأن فيه سماع البينة والبينة لا يسمع إلا في مجلس الحكم، ويفارق الأول لأن الحق ثبت بالاقرار، ولا يفتقر إلى مجلس الحكم، ولا يكتب في آخر المحضر شهدوا عندي بذلك، لأن ثبوته عنده بالشهادة يفارق الاقرار، لأنه ثبت به، فلهذا لم يكتب شهدوا عندي بذلك. هذا إذا لم يكن مع المدعي كتاب بحقه، فأما إن كان معه كتاب بحقه والبينة شهدت له بما في كتابه، فإن اختار الحاكم أن يكتب له محضرا فعل، وإن اختار أن يقصر على كتابه علم في أوله وكتب تحت شهادة كل شاهد شهد عندي بذلك في مجلس حكمي وقضائي، لأن الشهادة لا تسمع إلا فيه. هذا إذا كانت معه بينة فأما إن لم يكن معه بينة فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، وليس له أن يستحلفه لخصمه حتى يسأله أن يستحلفه، لأن اليمين حق له، فليس له أن يستوفيها له كالدين، فإن استحلفه من غير مسألة الخصم لم يعتد بها بل يعيدها عليه إذا سأله الخصم. وحكي في هذا أن أبا الحسين بن أبي عمر القاضي أول ما جلس للقضاء ارتفع إليه خصمان فادعى أحدهما على صاحبه دنانير وأنكر الآخر، فقال القاضي للمدعي

[ 117 ]

ألك بينة قال: لا، فاستحلفه القاضي من غير مسألة المدعي، فلما فرغ قال له المدعي ما سألتك أن تستحلفه لي فأمر أبو الحسين أن يعطي الدنانير من خزانته، لأنه استحيا أن يستحلفه ثانيا. فإذا ثبت أن القول قوله مع يمينه، فإما أن يحلف أو ينكل، فإن حلف انفصلت الخصومة، فإن سأل الحالف الحاكم أن يكتب له محضرا بما جرى كيلا يدعى عليه هذا الحق مرة أخرى فعل، وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم حضر القاضي فلان بن فلان الفلاني قاضي عبد الله الإمام على كذا وكذا في مجلس حكمه وقضائه فلان بن فلان الفلاني وأحضر معه فلان بن فلان، وادعى عليه كذا وأنكر، فسأل القاضي المدعي ألك بينة فلم يكن له بينة، فقال لك يمينه فسأله أن يستحلفه ففعل، وذلك في وقت كذا. ولا بد " في مجلس حكمه " لأن فيه استحلافا، ويعلم في أوله ولا يعلم في آخره، لأنه لا شهادة ههنا. هذا إذا حلف وإن نكل رد اليمين على المدعي فإن حلف ثبت الحق بيمينه مع نكول المدعى عليه، فإن سأله أن يكتب له محضرا بحقه فعل على ما بيناه وزاد فيه: فعرض اليمين على المدعى عليه فأنكر ونكل عنها فرد اليمين على المدعي فحلف وثبت له الحق في وقت كذا ويعلم في أوله. ولا بد فيه " من مجلس الحكم " لأجل الاستحلاف، ولا يعلم في آخره، لأنه ما ثبت له الحق بالشهود. هذه صفة المحاضر وليس في شئ منها حكم بحق وإنما هي حجة بثبوت الحق، فما افتقر منها إلى ذكر مجلس الحكم والشهادة فعل، وما لم يفتقر إلى ذلك ترك على ما ذكرناه. وإن سأل صاحب الحق الحاكم أن يحكم له بما ثبت له عنده فعل ذلك، وقال حكمت لك به. ألزمته الحق. أنفذت لك الحكم به، فأما السجل فهو لإنفاذ ما ثبت

[ 118 ]

له في المحضر والحكم به له، وهذا هو الفصل بين المحضر والسجل إن المحضر لثبوت الحق، والسجل لإنفاذ ما فيه والقضاء له به. وصفته بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أشهد القاضي فلان بن فلان قاضي عبد الله الإمام على كذا في مجلس حكمه وقضائه بموضع كذا أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان وقد عرفهما بما ساغ له قبول شهادتهما عنده على ما في كتاب نسخته بسم الله الرحمن الرحيم وينسخ الكتاب أو المحضر في أي حكم كان. فإذا فرغ منه قال بعد ذلك فحكم به وأنفذه وأمضاه بعد أن سأله فلان بن فلان أن يحكم له به، ولا يحتاج أن يذكر: ذلك بمحضر المدعي والمدعى عليه، لأن القضاء على الغايب جايز عندنا، لكنه إن اختار الاحتراز عن مذهب من منع منه، قال فيه: بعد أن حضر من ساغ له الدعوى عليه. فإذا ثبت صفة المحضر والسجل فمتى طولب الحاكم أن يكتب محضرا وسجلا نظرت، فإن لم يكن في بيت المال كاغذ ولم يحمل له صاحب الحق كاغذا لم يجب عليه أن يكتب له، لأنه لا يجب على الحاكم أن يحتمل من ماله لأحد الخصمين. فإن كان في بيت المال كاغذ أو حمل إليه صاحب الحق الكاغذ قال قوم عليه ذلك لأنها حجة له، فكان عليه إقامتها له كما لو أقر له بالحق فسأله الاشهاد على إقراره فعل، وقال آخرون لا يجب عليه لأن له بحقه حجة فلا يلزمه أكثر منها، ويفارق الاقرار لأنه لا حجة بحقه له فلهذا كان عليه إقامتها له. فمن قال: يكتب وجوبا أو استحبابا قال: يكتب نسختين أحدهما يكون في يديه والأخرى يجلد في ديوان الحكم وأيتهما هلكت بانت الأخرى عنها، فمن ههنا يجتمع عنده الحجج والوثايق وقد يجتمع عنده ودايع للناس، فإن ديوان الحكم أحرز لها، وكل من حصل له محضر أو سجل كتب عليه محضر فلان، سجل فلان، وثيقة فلان، بكذا وكذا ينجزها فلان.

[ 119 ]

فإن كان عمله واسعا جمع ما اجتمع عنده منها، وشدها في إصارة واحدة، وكتب عليها قضاء يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا، وكذلك يصنع في كل يوم؟ فإذا مضى أسبوع جمع ما اجتمع عنده، فجعله في مكان واحد، وإذا مضى شهر جمع كل ذلك وكتب قضاء أسبوع كذا من قضاء شهر كذا، فإذا مضت سنة جمع الكل في مكان واحد، وكتب على الجملة قضاء سنة كذا. هذا إذا كان العمل كثيرا فأما إن كان قليلا نظر إلى ما حكم به كل يوم فجعله في قمطر بين يديه، وختم عليه بخاتمه ورفعه، وإذا كان من الغد أحضره وجعل فيه ما حصل عنده، فإذا اجتمع قضاء أسبوع أو قضاء شهر جمعه وكتب عليه أسبوع كذا أو شهر كذا، على ما فصلناه، وإنما قلنا يفعل هذا لأنه متى احتاج إلى إخراج شئ لم يتعب فيه، وأخرجه أسرع ما يكون، ولو لم يفعل هذا التفصيل اختلطت الوثايق، وتعذر إخراجها، فلهذا قلنا يحصلها هذا التحصيل. قد ذكرنا أن أحدا لا ينعقد له القضاء حتى يجمع فيه ثلاثة أوصاف: أن يكون ثقة من أهل العلم، وأن يكون كامل الأحكام والخلقة، فإذا ثبت هذا فإن كان يحسن الكتابة انعقد له القضاء وإن كان لا يحسن الكتابة: قال قوم انعقد له القضاء، لأنه ثقة من أهل الاجتهاد، وكونه لا يكتب لا يقدح فيه، لأن النبي عليه السلام إمام الأئمة ما كان يكتب، ولم يؤثر ذلك فيه. وقال آخرون الكتابة شرط لأنه يحتاج أن يكتب إلى غيره، وأن يكتب غيره إليه، فإذا كتب بحضرته شاهد ما يكتبه فلا يخفى عليه، ولا يمكنه أن يحرف ما يكتبه، فإذا لم يعرف الكتابة، فأملى عليه ربما كتب ما لا يمليه عليه، ويقرء ما لا يكتب، فلهذا كانت الكتابة شرطا فهو كالأعمى. ويفارق النبي عليه وآله السلام من وجهين أحدهما أنه كان مخصوصا بصحابة لا تخونونه وغيره بخلافه والثاني أن الأمية في النبي عليه السلام فضيلة وفي غيره نقيصة لأن النبي عليه السلام كان يخبر عن الله أخبار الأنبياء، فإذا كان أميا كان أبلغ لمعجزته، وأدل على نبوته، لأنه يخبر عن الله تعالى قال الله " وما كنت تتلو من قبله من

[ 120 ]

كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون " يعني أن المبطل يرتاب لو كان يكتب فلهذا كان فضيلة، وليس كذلك غيره، لأنه إذا لم يكتب كان نقصا فيه فبان الفصل بينهما. والذي يقتضيه مذهبنا أن الحاكم يجب أن يكون عالما بالكتابة والنبي عليه وآله السلام عندنا كان يحس الكتابة بعد النبوة، وإنما لم يحسنها قبل البعثة. إذا ارتفع إليه خصمان فذكر المدعي أن حجته في ديوان الحكم فأخرجها الحاكم من ديوان الحكم مختومة بخاتمه مكتوبا بخطه نظرت، فإن ذكر أنه حكم بذلك حكم له، وإن لم يذكر ذلك لم يحكم به عندنا وعند جماعة، وقال قوم يعمل عليه ويحكم به وإن لم يذكره لأنه إذا كان بخطه مختوما بخاتمه فلا يكون إلا حكمه وإنما قلنا بالأول لقوله تعالى " ولا تقف ما ليس لك به علم "، ولأن الخط يشبه الخط، وقد يحتال عليه، فيكتب مثل خطه ويوضع في ديوانه، فربما قضى بغير حق. قالوا: أليس لو وجد في روزنامج أبيه بخط أبيه دينا على غيره كان له أن يعمل على خطه ويحلف على استحقاقه بالخط، هلا قلتم في الحكم مثله؟ قيل الفصل بينهما أن الشهادة والحكم لا بد فيهما من علم يعمل عليه، فلهذا لم يعمل على الخط، وليس كذلك في الدين والمعاملة، لأنها مبنية على ما يغلب على ظنه وبالخط يغلب على ظنه، على أن عندنا أنه لا يجوز للورثة أن يحلف على ما يجد خط أبيه به. إن ادعى عنده مدع حقا على غيره فأنكر، فقال المدعي لي بما ادعيته حجة عليه، لم يخل من ثلثة أحوال: إما أن يقول أقر لي بالحق، أو حكم لي به عليه حاكم، أو أنت حكمت لي به. فإن قال أقر لي به نظرت، فإن أقام البينة أنه أقر عندك بالحق قضى به عليه، لأن البينة لو شهدت على إقراره به في غير مجلس الحكم قضى عليه بها، فكذلك إذا كان في مجلس الحكم. وإن لم يكن له بينة لكن الحاكم ذكر أنه أقر له به، فهل يقضي بعلمه؟ قال

[ 121 ]

قوم يقضي بعلمه وقال آخرون لا يقضي، وعندنا أن الحاكم إذا كان مأمونا قضى بعلمه، وإن لم يكن كذلك لم يحكم به. وإن قال: الحجة حكم حاكم به عليه، فالحكم به كالاقرار به، إن أقامت البينة عنده بأن حاكما حكم به عليه أمضاه، وحكم به عليه، لأنها شهادة عنده على فعل غيره، وإن لم يكن له بينة لكنه علم أن حاكما غيره حكم به عليه فهل يقضي بعلمه بذلك أم لا؟ على قولين. وإن قال أنت حكمت به لي عليه، فإن ذكر الحاكم ذلك أمضاه، وليس هذا من القضاء بعلمه لكنه إمضاء قضاء قضى به بعلمه، وحكم قد كان حكم به قبل هذا، فذكره الآن فأمضاه وإن لم يذكره فقامت البينة عنده أنه قد كان حكم به لم يقبل الشهادة على فعل نفسه عندنا وعند جماعة، وقال قوم يسمع الشهادة على فعل نفسه ويمضيه، والأول أقوى لأنه لو شهد بشئ ثم نسيه فقامت البينة عنده أنه شهد به لم يشهد بذلك ما لم يذكره، ولا يرجع إلى قول غيره في شهادة نفسه، كذلك في الحكم. فإذا ثبت هذا فالحاكم إذا لحقه مثل هذا لا يمضيه لأنه لا يعلمه، ولا ينقضه لجواز أن يكون حكم به، بل يؤخره حتى يذكر، فإن مات أو عزل فقامت البينة عند غيره بأنه حكم به أمضاه الغير لأنها شهادة على حكم غيره، وأما إن علم أنهما شهدا بالزور قطعا إن أمكن ذلك أبطله ونقضه، فإن كان مات أو عزل فشهد به شاهدان عند حاكم غيره لم يكن له أن يمضيه، وقال بعضهم بل يقبله ويعمل عليه والأول أقوى لأن الحاكم كشاهد الأصل، والشهادة بحكمه كشاهد الفرع، ثم ثبت أن شاهد الفرع لا يقبل شهادته على شهادة الأصل، إذا كان الأصل منكرا للشهادة فكذلك ههنا.

[ 122 ]

فصل * (في كتاب قاض إلى قاض) * روى أصحابنا أنه لا يقبل كتاب قاض إلى قاض ولا يعمل به، وأجاز المخالفون ذلك، قالوا يقبل كتاب قاض إلى قاض وإلى الأمين وكتاب الأمين إلى القاضي والأمين لقوله تعالى في قصة سليمان وبلقيس " قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمن وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " فكتب إليها سليمان وكانت كافرة يدعوها إلى الإيمان. قال بعض أهل التفسير: البدأة ببسم الله الرحمن الرحيم، لا يقدم عليه غيره فقدم سليمان ههنا ذكره على التسمية، فقال " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " لأن المكتوب إليها كانت كافرة، فخاف سليمن أن تتكلم بما لا ينبغي فيعود إليه لا إلى الله. وروى الضحاك بن سفيان قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله على قوم من العرب وكتب معي كتابا فأمرني فيه أن أورث امرأة أشيم الضبائي من دية زوجها فعمل به عمر، وكان لا يورث المرأة من دية زوجها حتى روى له الضحاك بن سفيان ذلك، فصار إليه وعمل به، وكان يورثها فيما بعد. وروى عبد الله بن حكيم قال: أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله قبل وفاته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب. وروي أن النبي عليه وآله السلام جهز جيشا وأمر عليهم عبد الله بن رواحة وأعطاه كتابا مختوما وقال لا تفضه حتى تبلغ موضع كذا وكذا، فإذا بلغت ففضه واعمل بما فيه، ففضضته وعملت بما فيه. وكتب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى القياصرة والأكاسرة: كتب إلى قيصر ملك الروم بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله إلى عظيم الروم يا أهل الكتاب تعالوا إلى

[ 123 ]

كلمة سواء بيننا وبينكم " الآية فلما وصل الكتاب إليه قام قايما ووضعه على رأسه واستدعى مسكا فوضعه فيه، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك فقال: اللهم ثبت ملكه. وكتب إلى ملك الفرس كتابا " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله إلى كسرى بن هرمز أن أسلموا تسلموا والسلام " فلما وصل الكتاب إليه أخذه ومزقه وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال تمزق ملكه. قال الشعبي نقلت كتب رسول الله صلى الله عليه وآله على أربعة أضرب واستقرت على الرابعة كان يكتب في أول كتابه بسمك اللهم ثم يكتب بعده ما أراد على عادة الجاهلية، ثم نزل قوله تعالى " بسم الله مجريها ومرسيها " فكتب بسم الله، فلما نزل قوله " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا " كتب " بسم الله الرحمن " فلما نزل قوله إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، كتب بسم الله الرحمن الرحيم، فاستقر الأمر عليه إلى اليوم. وذكروا أن عليه إجماع الأعصار لأنه لم يزل الصحابة والتابعون ومن بعدهم عصرا بعد عصر يكتب بعضهم إلى بعض ولأن بالناس حاجة إليه. وهذا كله ليس فيه دلالة: أما كتب النبي عليه وآله السلام فإنما عمل عليها لأنها كانت معلومة وهي حجة لأن قوله حجة، وإنما الخلاف فيمن ليس بمعصوم ولا يدري هل هو كتابه أم لا، هل يعمل به أم لا؟ فأما كتبه إلى كسرى وقيصر فإنه دعاهم فيها إلى الله والاقرار بنبوته، وذلك عليه دليل غير الكتاب، ولا خلاف عندنا أنه لا يقبل فيه كتاب قاض إلى قاض، والاجماع غير مسلم لأنا نخالف فيه. فمن أجاز ذلك أجاز كتاب قاضي مصر إلى قاضي مصر، وقاضي قرية إلى قاضي قرية، وقاضي مصر إلى قاضي قرية، وقاضي قرية إلى قاضي مصر، لأن أحدا لا يولي القضاء إلا وهو ثقة مأمون، وإذا كان كذلك لم يختلف باختلاف موضع ولايته، فإذا ثبت فكتب قاض إلى قاض كتابا لم يجز أن يحكم بما فيه ولا يمضيه حتى يثبت عنده بالبينات أنه كتاب فلان إليه، سواء وصل مختوما أو غير مختوم، وقال قوم إذا وصل مختوما حكم به وأمضاه.

[ 124 ]

فإذا ثبت أنه لا يقبل ولا يعمل عليه إلا بالشهادة، فالكلام في فصلين في كيفية التحمل وكيفية الأداء: أما التحمل فإذا كتب القاضي كتابه استدعى بالشهود وقرأه هو عليهم أو دفعه إلى ثقة يقرأه عليهم، فإذا قرأه الغير عليهما فالأولى أن يطلعا فيما يقرأه لئلا يقع فيه تصحيف أو غلط وتغيير، وليس بشرط لأنه لا يقرأه إلا ثقة، فإذا قرأه عليهما أو قرءه الآخر فعليه أن يقول لهما: هذا كتابي إلى فلان والاحتياط أن يقول لهما هذا كتابي إلى فلان، وقد أشهدتكما على ما فيه. فإذا تحملا عليه الشهادة نظرت، فإن كان قليلا يضبطانه اعتمدا على الحفظ والضبط وإن كان كثيرا لا يمكنهما ضبطه كتب كل واحد منهما نسخة منه يتذكر بها ما شهد به، وقبضا الكتاب قبل أن يغيبا عنه، فإذا وصل الكتاب معهما إليه قرأه الحاكم أو غيره على الحاكم وعليهما، فإذا سمعاه قالا هذا كتاب فلان إليك ولا بد أن يقولا: قد أشهدنا على نفسه بما فيه لأنه قد يكون كتابة إليه ولكن غير الذي أشهدهما على نفسه بما فيه، وسواء وصل الكتاب مختوما أو غير مختوم معنونا أو غير معنون الباب واحد فإن الاعتماد على شهادتهما لا على الخط والختم. فإن امتحا الكتاب نظرت فإن ضبطا ما فيه لم يضر وإن لم يضبطا ما فيه لم يعمل عليه، فقد ثبت أنه لا بد من تحمل الشهادة وأدائها على ما فصلناه. فأما إن كتب الكتاب فأدرجه وختمه ثم استدعا بهما فقال هذا كتابي قد أشهدتكما على نفسي بما فيه لم يجز، ولا يصح هذا التحمل ولا يعمل عليه ما لم يقرأ عليهما، وقال بعضهم إذا ختمه بختمه وعنونه جاز أن يتحمل الشهادة عليه مدرجا يشهدهما أنه كتابه إلى فلان، فإذا وصل الكتاب شهدا عنده أنه كتاب فلان إليه فيقرأه ويعمل بما فيه. قالوا وهذا غلط لأنه تحمل شهادة على ما في كتاب مدرج، فإذا لم يعلما ما فيه لم يصح التحمل كالشهادة في الأملاك وفي الوصايا، فإنه لو أوصى بوصية وأدرج

[ 125 ]

الكتاب وأظهر الشهود مكان الشهادة وقال قد أوصيت بما أردته في هذا الكتاب، ولست أختار أن يقف أحد على حالي وتركتي قد أشهدتكما على ما فيه، لم يصح هذا التحمل بلا خلاف، فكذلك ههنا. هذا الكلام في التحمل والأداء، فأما الكلام فيما يكتب الحكم به نظرت فإن حضره خصمان فحكم على أحدهما بحق في ذمته ففر المحكوم عليه، فسأل المحكوم له أن يكتب له بذلك كتابا كتب له بلا خلاف، لأنه قضاء على حاضر، وقد أقر بعد أن قضى به عليه، فيكتب بذلك. وإن أقامت البينة عليه بالحق فهرب قبل أن يحكم عليه أو حضر فادعى حقا على غائب وأقام به بينة كان له أن يقضي عليه وهو غائب، وهذا قضاء على غائب وفيه خلاف. فإذا قضى عليه فسأله أن يكتب له بذلك كتابا إلى قاض آخر جاز ولا فصل في هذا الفصل وفي الذي قبله بين أن يكون بين الكاتب والمكتوب إليه مسافة بعيدة أو قريبة في بلد كانا أو في بلدين، لأنه نقل حكم إلى حاكم بما حكم به. فأما إن قامت البينة عنده بالحق وثبت عنده ولم يحكم به، فقال له اكتب لي بما حصل عندك، كتب له شهدا عندي له بكذا وكذا ليكون المكتوب إليه هو الذي يقضي به الحق، ولا يكتب: ثبت عندي بشهادتهما، لأن قوله ثبت عندي حكم بشهادتهما فيكتب بالقدر الذي حصل عنده. ولا يجوز أن يكتب في هذا الفصل حتى يكون بينه وبين المكتوب إليه مسافة يجوز قبول الشهادة فيها على الشهادة لأنها شهادة على شهادة، فاعتبرنا في ذلك ما نعتبره في الشهادة على الشهادة، ويفارق الفصلين قبله لأنه نقل حكم قد حكم به إلى حاكم فلا يعتبر فيه المسافة. فإذا ثبت هذا نظرت فيما شهدا به، فإن كان الحق دينا كتب به إليه وإذا وصل الكتاب إليه عمل به وقضى عليه وألزمه الخروج من حقه وإن كان الحق عينا نظرت فإن كان عينا لا تختلط بغيرها كعبد مشهور للسلطان أو فرس مشهور أو ثوب

[ 126 ]

مشهور لا نظير له أو ضيعة أو دار كتب إليه بذلك، وإذا وصل الكتاب عمل به وحكم له. وإن كان عينا تختلط بغيرها كثوب له مثل لكنه ضبط بالصفات فهل يكتب به أم لا؟ قال قوم لا يكتب وهو أصحهما عندهم لأنه قد يشبه الثوب الثوب فلا يدري هل هو الذي شهد به عنده أم لا، وقال بعضهم يكتب به إليه ويضبط العين بصفاتها فإذا كان عبدا فوصل إليه الكتاب دفع العبد إلى المدعي وختم في رقبته بالرصاص، وبعث به إلى الكاتب وكفله من الذي دفعه إليه. فإذا وصل إليه نظرت فإن كان هو الثوب بعينه سلمه إليه وأقر يده عليه، وإن لم يكن هو الثوب كان على الكفالة به، وعليه رده إلى المكتوب إليه، وعليه جميع مؤنته ولا يزول الضمان حتى يرده إلى من قبضه منه، وعليه أجرة مثله مدة كونه عنده لأنه قبضه بغير حق. ولا يقبل شهادة النساء في كتاب قاض إلى قاض لأن شهادة النساء يقبلن فيما كان مالا أو المقصود به المال، ولا يطلع عليه الرجال كالولادة والاستهلال والعيوب تحت الثياب والرضاع عندهم، وليس ههنا واحد منها، ولأنها بمنزلة شهادة على شهادة، و لا مدخل لهن في الشهادة على الشهادة. إذا كتب قاض إلى قاض كتابا وأشهد على نفسه بذلك فتغيرت حال الكاتب لم يخل من أحد أمرين إما أن يتغير حاله بموت أو عزل أو بفسق، فإن كان تغير حاله بموت أو بعزل لم يقدح ذلك في كتابه، سواء تغير ذلك قبل خروج الكتاب من يده أو بعده. وقال قوم إذا تغير حاله سقط حكم كتابه إلى المكتوب إليه وقال بعضهم إن تغيرت حاله قبل خروجه من يده سقط حكمه، وإن كان بعد خروجه من يده لم يسقط حكم كتابه. وأما إن تغيرت حاله بفسق نظرت فإن كان الفسق بعد أن وصل كتابه وقبله المكتوب إليه وعمل به وحكم فلا يقدح ذلك فيه، لأنه فسق بعد حصول الحكم وإن كان الفسق قبل أن يحكم المكتوب إليه به لم يقبله ولم يحكم به، لأنه بمنزلة شاهد

[ 127 ]

الأصل إذا فسق قبل أن يقيم شاهد الفرع الشهادة فإنهما لا يقيمان كذلك ههنا. هذا إذا تغيرت حال الكاتب فأما إذا تغيرت حال المكتوب إليه بموت أو بفسق أو عزل وقام غيره مقامه، فوصل الكتاب إلى من قد قام مقامه فإنه يقبله ويعمل به، وقال قوم لا يعمل به غير المكتوب إليه لأن المكتوب إليه غيره. وجملته وهو الأصل فيه أن الكاتب إذا كتب وأشهد على نفسه بما كتب فهو أصل، والذي تحمل الشهادة على كتابه فرع له، فهو كالأصل وإن لم يكن أصلا في الحقيقة، وقال من خالف: الحاكم فرع والأصل من شهد عنده هذا الكلام إذا كان كل واحد منهما قاضيا من قبل الإمام، أو من قبل قاض من قبل الإمام، وإن لم يكن أحدهما من قبل الآخر. فأما إن كان الكاتب قد كتب إلى من هو من قبله لم يخل الكاتب من أحد أمرين إما أن يكون هو الإمام أو غيره، فإن كان الكاتب هو الإمام فتغيرت حال الإمام بموت أو عزل فإذا وصل كتابه إلى خليفته عمل به وحكم بما فيه، لأن من ولاه الإمام لا ينعزل بموت الإمام ولا يتغير حاله لأنه إذا ولاه فإنما ولاه ناظرا للمسلمين فينعقد له القضاء ولا يملك الإمام عزله ما دام ناظرا على السداد، وإذا كان ناظرا للمسلمين لم ينعزل بموت الإمام، لأنه ليس من قبل الإمام. والذي يقتضيه مذهبنا أن الإمام إذا مات ينعزل النائبون عنه إلا أن يقرهم الإمام القايم مقامه فأما بالعزل أو الفسق فلا يصح على مذهبنا لكونه معصوما، و إن كانت هذه الفروع ساقطة عنا لما بيناه من أنه لا يجوز كتاب قاض إلى قاض. وإن كان الكاتب غير الإمام وهو قاض كتب إلى خليفته كتابا ثم مات الكاتب أو عزل ثم وصل الكتاب إلى خليفته قال قوم يعمل به كما لو كان الكاتب هو الإمام، وقال آخرون لا يعمل به وهو الأقوى عندهم لأنه إذا مات انعزل بموته بدليل أن له عزله متى شاء، ويفارق الإمام لأنه لو أراد عزله لم يكن له فكذلك لا ينعزل بموته، والقاضي لو أراد عزل من هو من قبله كان له، فكذلك إذا مات انعزل بموته.

[ 128 ]

هذا إذا كان المكتوب إليه في موضع ولايته، وأما إن لم يكن في موضع ولايته، مثل أن كان قاضي الكوفة بالبصرة فوصل إليه كتاب بالبصرة، لم يعمل به لأنه في غير موضع الولاية كالعامي بدليل أنه لا يصح أن يكتب كتابا من ذلك المكان بحكم ولا بشهادته ولو ترافع إليه خصمان من أهل ولايته لم يكن له النظر بينهما ولو ترافعا إلى حاكم في موضع ولايته حكم بينهما وإن كانا من أهل ولاية غيره، فالاعتبار بمكان الولاية لا بأهل الولاية. وجملته أن الحاكم إذا كان في موضع ولايته فكل من ترافع إليه حكم بينهما من أي موضع كانوا، وإذا لم يكن في موضع ولايته حيث حصل كان حينئذ على ما جعل إليه وكذلك لو أراد أن يولي حاكما من قبله لم ينعقد له القضاء إلا أن يوليه في موضع ولايته وجملته أنه في غير موضع ولايته كالعامي لا يتصرف تصرف القضاة بوجه. فإن اجتمع قاضيان في غير بلد ولايتهما مثل أن اجتمع قاضي بغداد وقاضي الكوفة بالبصرة، فهما كالعاميين، فإذا أخبر أحدهما صاحبه بحكم حكم به أو بشهادة ثبت عنده، كان وجود هذا وعدمه سواء لا يعمل أحدهما على قول غيره، بل يكونان كشاهدين أخبر أحدهما صاحبه بما عنده. فإن اجتمعا في ولاية أحدهما مثل أن اجتمع قاضي الكوفة وقاضي البصرة بالبصرة وأخبر كل واحد منهما صاحبه بخبر فما أخبر به قاضي الكوفة لا يعمل به قاضي البصرة لأن الإخبار منه في غير موضع ولايته، وإن كان المخبر قاضي البصرة صار قاضي الكوفة عالما بذلك لأنه قد أخبره به قاض في موضع ولايته، وكأنه قد علم بالشئ بعد التولية في غير موضع ولايته، فإذا عاد قاضي الكوفة إلى الكوفة صار عالما بذلك، فهل له أن يقضي بعلمه؟ فيه قولان. إذا كتب الحاكم كتابا إلى حاكم فنسي اسم نفسه أو نسي العنوان لم يضر ذلك إذا كان الشهود يضبطون ما شهدوا به لأن المعول على ما يشهدون به دون الكتاب، فلو ضاع الكتاب فأقاموا الشهادة حكم بها من غير كتاب.

[ 129 ]

إذا حضر عند الحاكم رجل فادعى على غايب حقا سمع الحاكم دعواه لأنه يحتمل ما يدعيه، فإن أقام بينة سمعها الحاكم وكتب بما سمع بلا خلاف، لأن بالناس حاجة إلى ذلك لأنه يتعذر عليه أن يسافر بالبينة لتشهد له في ذلك البلد، وإن خرج وحده لم يقبل منه. فإذا سمعها فسأل المدعي القاضي أن يقضي له على الغايب بما ثبت عنده، كان له أن يقضي عليه خلافا لمن خالف فيه، وإنما يقضي بشرطين عدالة الشهود مع يمين المدعي، أما العدالة فلا بد منها فإن عرفهما عدلين وإلا بحث، فإذا عرفهما عمل عليها. فإذا شهد له عدلان استحلفه لجواز أن يكون قد قبض الحق ولا علم بذلك الشهود، فلهذا يستحلف مع بينته، وهكذا كل من أقام البينة على من لا يعبر عن نفسه لم يحكم الحاكم حتى يستحلفه مع بينته، وهو القضاء على الصبي والميت والغائب. وصفة اليمين أن يحلف ما قبضت هذا الحق، ولا شيئا منه، ولا برئ لي منه، ولا من شئ منه، وإن حقي لثابت عليه إلى اليوم، هذا هو الأحوط، فإن اقتصر على أن يحلف أن حقه لثابت أجزأه. فإذا حلفه وحكم له على الغائب لم يخل من أحد أمرين إما أن يقدر الحاكم على استيفاء الحق أو لا يقدر، فإن قدر نظرت فإن كان الحق عينا قايمة كالدار والدابة والثوب أعطاه حقه، وإن دينا نظرت فإن كان في ماله من جنس الدين قضاه منه وإن لم يكن من جنسه باعه الحاكم بجنس الدين وأعطاه من جنس حقه كما يفعل في الحاضر إذا ثبت الحق عليه، إن أعطاه، وإلا كلفه البيع، فإن لم يفعل عزره فإن لم يفعل باع القاضي عليه ماله في ذمته، كذلك ههنا. فإن لم يقدر الحاكم أن يعطيه حقه وسأل المحكوم له القاضي أن يكتب له كتابا بما حكم له، فقدم المحكوم عليه قبل كتب الكتاب عليه أو بعده، الباب واحد فالحاكم يحضره ويعرفه أن فلانا ادعى عليك كذا وكذا، وأقام البينة به وحلفته وحكمت له عليك بالحق فإن اعترف به فلا كلام غير أنه يكلفه الاقباض، وإن أنكر الحق لم يلتفت إليه.

[ 130 ]

فإن قال قد قبضه حقه قال له أقم البينة فإن لم يأت بها كلفناه الخروج منه فإن قال فاستحلفوه لي أنه ما قبضه مني قلنا قد استحلفناه لك، فإن قال فلي بينة بالقضاء أو بجرح الشهود شهود، أجل ثلاثا فإن أتى بذلك وإلا كلف القضاء. هذا إذا قدم فأما إن لم يقدم وسأله كتب الكتاب بما ثبت عنده إلى الحاكم كتب له كتابا وصفة الكتاب أن يقول: حضرني فلان بن فلان فادعى على فلان بن فلان ويرفع في نسبه إلى الموضع الذي لا يشاركه غيره فيه، ويذكر القبيلة والصناعة، فإنه أقوى في بابه، وأبعد في الاحتياط والاشتراك، فسمعت دعواه وأتى ببينة فشهدت له بما يدعيه فلان وفلان، واستحلفته وحكمت له بالحق، ويعطيه الكتاب ويشهد على نفسه على ما فصلناه. فإذا قدم إلى ذلك البلد سلم الكتاب إلى الحاكم فإذا ثبت عنده استدعاه الحاكم فإن اعترف بالحق كلفه الخروج منه، وإن أنكر عرفه الحاكم أنه قد حكم عليه به فإن قال قضيته لم يقبل منه إلا بالبينة وإن قال فاحلفوه لي أنه ما قبض، قلنا قد استحلفناه فإن قال فلي بينة بالقضاء أو بجرح الشهود أجل ثلثا فإن أتى بذلك وإلا كلف الخروج من الحق. هذا كله إذا أقر المدعى عليه بأنه هو المكتوب عليه، فأما إن أنكر أن يكون هو وقال لست هذا المذكور، فالقول قوله مع يمينه إلا أن يقيم المحكوم له البينة أنه هو. فإن أقام البينة أنه هو أو قال ابتداء أنا هو، الباب واحد، ولكنا فرضنا أنه قال أنا هو، غير أن المحكوم عليه غيري، وهو فلان، فإنه سميي وبهذه الصفات نظرت في البلد فإن لم يكن سواه بهذه الصفات قلنا له الظاهر أنه أنت ولا أحد حكم به عليه غيرك فيحكم به عليه. وإن وجد في البلد بهذه الصفة لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون ذلك الغير حيا أو ميتا، فإن كان حيا أحضره وعرفه القصة، فإن قال صدق، وأنا الذي عليه الحق كلف الخروج منه، وإن قال الآخر: لا حق علي قلنا للمحكوم له ألك بينة

[ 131 ]

تفرق بين الرجلين؟ فإن أقام البينة حكمنا له، وإن لم يقم كتب المكتوب إليه إلى الكاتب كتابا وعرفه ما وقع من الاشكال ليحضر شهوده ويذكر مزية لأحدهما يتميز بها عن صاحبه، فإن وجد الحاكم مزية كتب بها إليه وحكم عليه وإن لم يجد مزية لأحدهما وقف الأمر حتى ينكشف. هذا إذا كان حيا وأما إن كان من هو بهذه الصفة ميتا لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون قد عاصر المحكوم له أو لم يعاصر، فإن لم يكن عاصره قلنا للمحكوم عليه: ليس ههنا سواك من عليه الحق، وإن كان قد عاصره ويمكن أن يكون عامله نظرت، فإن كان الحكم وقع قبل وفات الميت فالحكم كما لو لم يكن ميتا فالاشكال قائم وإن كان الحكم بعد وفاة الميت فعلى وجهين أحدهما يقف الحكم لوقوع الاشكال فيه حتى يزول، والثاني يكون الحي هو المحكوم عليه، لأن الظاهر أن الحكم انصرف إلى الحي منهما. فإذا ثبت هذا فكل موضع كلف الخروج من الحق فقال المحكوم عليه للحاكم اكتب لي محضرا بما جرى حذرا أن يلقاني هذا المحكوم له في تلك البلدة فيطالبني بالحق مرة أخرى قال قوم عليه أن يكتب له حذرا مما قاله ويستوفي منه الحق ثانيا وقال آخرون ليس عليه أن يكتب له لأن الحاكم إنما يكتب بتثبيت حكم أو بحكم حكم به، ولم يفعل شيئا من هذا، وقولهم لا يأمن غلط، بل يأمن فيه [ لأنه ] إذا قضاه الحق كان على القابض أن يشهد على نفسه بقبضه، لأنه حق يثبت له بالبينة، وليس له قبضه حتى يشهد على نفسه. وجملته أن كل من كان عليه حق فامتنع من إقباضه حتى يشهد القابض على نفسه بالقبض، فهل يجب ذلك عليه أم لا؟ قد ذكرناه في الوكالة ونذكره ههنا وهو أنك تنظر فيه، فإن كان الحق ثبت عليه بغير بينة لم يجب على القابض الاشهاد، لأن الأصل براءة ذمته ومتى طولب بالحق حلف وكان بارا، وإن كان الحق ثبت عليه بالبينة لم يجب عليه إقباضه حتى يشهد القابض على نفسه بقبضه حذرا أن يطلبه مرة أخرى.

[ 132 ]

وكل موضع قضى الحق وكان عليه به كتاب عند القابض بحقه لم يجب على القابض تسليم الكتاب إليه لأنه ملكه، ولأنه لا يأمن أن يخرج ما قبضه مستحقا فيحتاج أن يرجع بالبدل على الأصل، فإن لم يكن معه حجة وقف حقه وهكذا قولنا في المشتري للعقار إذا شهد على البايع بالبيع وطالبه بكتاب الأصل لم يجب عليه أن يعطيه، لأنه حجته عند الدرك على ما فصلناه.

[ 133 ]

(فصل) * (في ذكر القاسم) * روي مجمع بن حارثة أن النبي صلى الله عليه وآله قسم خيبر على ثمانية عشر سهما وقد روى أنه قسمها على ستة وثلثين سهما ولا تناقض فيه لأن النبي عليه السلام فتح نصف خيبر عنوة ونصفها صلحا فما فتحه عنوة فخمسه لأهل الخمس وأربعة أخماسه للغانمين عندهم، وعندنا لجميع المسلمين، وما فتحه صلحا فعندنا هو لرسول الله خاصة وعندهم هو فيئ يكون لرسول الله صلى الله عليه وآله ينفق منه على نفسه وعياله وهذا مثل ما عندنا فمن روى قسمها على ثمانية عشر سهما أراد ما فتحه عنوة ومن روى على ستة وثلثين سهما أراد الكل نصفها فيئ ونصفها غنيمة. وروي أن النبي عليه السلام قسم غنايم بدر بشعب من شعاب الصفراء قرية من بدر، وروت أم سلمة قالت: اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله رجلان في مواريث وذكر الحديث إلى أن قال كل واحد منهما لصاحبه قد وهبت حقي منك، فقال النبي اقتسما و أسهما، وليحل كل واحد منكما صاحبه، فدل ذلك على جواز القسمة وعليه إجماع الأمة. وروي أنه كان لعلي عليه السلام قاسم يقال له عبد الله بن يحيى، وكان رزقه من بيت المال. إذا ثبت جواز القسمة فالقاسم يفتقر إلى الصفات التي يفتقر إليها كاتب الحاكم، وهو أن يكون عدلا والعدل هو البالغ العاقل الحر الثقة، فإن كان عبدا أو مدبرا قال قوم لم يجز، لأنه ليس بعدل، وعندنا هو عدل فلا يمتنع أن يكون قاسما، ولا بد أن يكون حاسبا لأن عمله بالحساب، فهو في القاسم كالفقه في الحاكم. فإذا ثبت هذا نظرت فإن نصبه الحاكم للقسمة فإذا عدل السهام وأقرع كانت القرعة حكما يلزم القسمة به، هذا إذا نصبه الحاكم فأما إن تراضيا الشريكان برجل

[ 134 ]

فقسم بينهما، جاز أن يكون عدلا وفاسقا وعبدا وحرا لأنهما لو تراضيا بأنفسهما صح ذلك، فبأن يصح أن تراضيا بغيرهما أولى، وذلك أن الاعتماد عليهما لا عليه. فأما إن تحاكما إلى رجل فقالا قد جعلناك حكما علينا فاقسم، فلا بد أن يكون عدلا على ما بيناه، فإذا قسم بينهما فبماذا يلزم قسمته؟ يبنى عليه: إذا تراضيا بثقة من أهل العلم حكما بينهما فحكم بينهما فبما يلزم الحكم؟ قال قوم يلزم بنفس الحكم كالحاكم سواء، وقال آخرون بالحكم والرضا به بعده كذلك القاسم مثله. وهل يجزي قاسم واحد بينهما أم لا؟ جملته أنه يجوز الاقتصار على قاض واحد ولا بد في التقويم من مقومين، وأما الخرص فقال قوم يجزي خارص واحد، وقال آخرون لا بد من خارصين وهو الأحوط. وأما القاسم فينظر فيه، فإن كانت القسمة لا يفتقر إلى تقويم بل يجزي تعديل السهام، أجزء قاسم واحد، وإن كان فيها تقويم ورد فلا بد من قاسمين لأنه تقويم فافتقر إلى مقومين، هذا الكلام في صفة القسام والعدد. وأما الأجرة فله أن يأخذ الأجرة على القسمة لما روينا عن علي عليه السلام أنه كان له قاسم يقال له عبد الله بن يحيى وكان رزقه من بيت المال، وكل عمل جاز أن يفعله الغير عن الغير تبرعا جاز بعقد إجارة كالخياطة والبناء وكل ما لا يجوز أن يفعله الغير عن الغير ولكنه إذا فعله عن نفسه عاد نفعه إلى الغير، جاز أخذ الرزق عليه ولا يجوز أخذ الأجرة كالآذان والإقامة والامامة والقضاء والخلافة وكل ما لا يجوز أن يفعل الغير عن الغير وإذا فعله من نفسه لم يعد نفعه إلى الغير لم يجز أخذ الرزق عليه، ولا أخذ الأجرة كصلوة الفرض، وصلوة التطوع، وحجة الفرض. فإذا ثبت هذا فإن على الإمام أن يرزقه من بيت المال لأنه من المصالح، فإن كان في بيت المال مال استأجره أو رزقه ليقسم على المسلمين، وإن لم يكن في بيت

[ 135 ]

المال مال أو كان وكان هناك ما هو أهم كسد الثغور وتجهيز الجيوش ونحو هذا، فإن أهل الملك يستأجرونه. ثم ينظر فيه فإن استأجره كل واحد منهما بما ينفقان عليه جاز قليلا كان أو كثيرا، وإن استأجراه بعقد واحد وأجرة واحدة، كانت الأجرة عند قوم مقسطة على الانصباء، فإذا كان لأحدهما السدس والباقي للآخر كانت الأجرة كذلك، وقال آخرون الأجرة على عدد الرؤس لا على الانصباء، والأول أقوى عندنا. وإذا كان الملك بين اثنين أو بين جماعة فدعا بعضهم إلى القسمة وامتنع الآخرون فلا يخلو من ثلثة أحوال إما أن لا يستضر بها واحد منهم، أو يستضر بها كل واحد منهم، أو يستضر بها بعضهم دون بعض. فإن لم يستضر بها واحد منهم، وهذا إنما يكون في الضياع لأن ضيعة هي مائة جريب إذا أفرز كل عشرة منها كان المفرز والمشاع سواء، فمتى دعا واحد منهم إلى القسمة وأبى الباقون أجبر الممتنع منهم عليها، لأن من كان له ملك كان له أن يتسبب إلى ما يفيده الانتفاع الكامل والتصرف التام فيه فإذا أفرزه ملك الانتفاع بغراس وزرع وبناء وما شاء من غير توقف ولا منازع، وإن كان حقه مشاعا لم يملك هذا، فلذلك كان له المطالبة بها واجبر الممتنع عليها. وأما إن كان فيها ضرر على الكل، وهذا إنما يكون في الدور والعقار و الدكاكين الضيقة، ونحو هذا، فإن القسمة فيها ضرر، والضرر عند قوم أن لا ينتفع بما أفرز له، ولا يراعى نقصان قيمته وهو قول الأكثر وهو الأقوى عندي، وقال بعض المتأخرين إن الضرر نقصان قيمة سهمه بالقسمة فمتى نقص بالقسمة فهو الضرر وهو قوي أيضا. وإذا استضر الكل بها لم يجبر الممتنع عليها، وقال قوم يجبر والأول مذهبنا. وأما إن كان يستضر بها بعضهم دون بعض مثل أن كانت الدار بين اثنين لواحد العشر وللآخر الباقي واستضر بها صاحب القليل دون صاحب الكثير، لم يخل المطالب من أحد أمرين إما أن يكون هو المنتفع أو المستضر، فإن كان هو المنتفع، قالوا

[ 136 ]

أجبرنا الممتنع عليه، وقال بعضهم يباع لهما ويعطى كل واحد منهما بحصة نصيبه وقال بعضهم لا يقسم كالجوهرة، وهو الأقوى عندي، لأنها قسمة ضرر فوجب أن لا يجبر عليها، كما لو استضر الكل. فإذا تقرر هذا نظرت فإن كانت بين اثنين والشقص واحد، أجبرناه عليها لأنه لا حيلة في القسمة من غير ضرر، وإن كانت بين أربعة لواحد النصف، ولكل واحد من الثلاثة السدس، فإذا أفرزنا لهم النصف شركة بينهم فلا ضرر عليهم، و إن أفرز لكل منهم سهمه كان عليه فيه ضرر، قلنا لهم أنتم بالخيار بين أن تفرزوا نصيبكم مشاعا من غير ضرر وبين أن يفرز كل واحد منكم سهمه، لأن المطالب بها لا يستضر فإن أفرزنا للثلاثة النصف مشاعا بينهم فطالب بعضهم بالقسمة لم يجبر الباقون عليها، لأن الكل يستضرون بها. هذا إذا كان المطالب لا يستضر بها وأما إذا كان المطالب هو الذي يستضر بها قال قوم يجبر عليها، لأنها قسمة فيها من لا يستضر بها فوجب أن يجبر الممتنع عليها كما لو كان المطالب هو الذي لا يستضر بها وقال آخرون لا يجبر لأنها قسمة يستضر بها طالبها كما لو استضر بها الكل وهو الصحيح عندنا. إذا كان ملك بين قوم فطلبوا القسمة لم يخل القسمة من أحد أمرين إما أن يكون قسمة لا رد فيها أو قسمة فيها رد فالتي لا رد فيها ما أمكن أن يفرز لكل واحد منهم حقه من المقسوم، وتسمى قسمة الاجبار ومعناه من امتنع منها أجبر عليها والتي فيها ردما لم يمكن أن يفرز لأحدهم حقه من المقسوم حتى يرد عليه شئ من غيره، وقسمتها قسمة تراض. فأما إن لم يكن فيها رد لم يخل من أربعة أحوال إما أن يتفق السهام والقسمة مثل أن كانت بين اثنين نصفين أو بين أربعة أرباعا وقيمة الأرض متساوية ليس بعضها خيرا من بعض فالقسمة هيهنا أن يعدلها بالقسمة، فتجعل نصفها سهما والسهم الآخر نصفا بالمساحة. ولا تراعى القيمة لأنك إذا أفردت نصفها بالقسمة أفاد ذلك معرفة القيمة، فإذا

[ 137 ]

عدلها سهمين أمكن إخراج الأسماء على السهام وإخراج السهام على الأسماء. أما إخراج الأسماء على السهام فأن يكتب اسم كل واحد منهم في رقعة ويدرج كل رقعة في بندقة من طين أو شمع ويكون البندقتان متساويتين وزنا وقدرا، و يطرحان في حجر من لم يحضر الكتب والإدراج، لأنه أبعد من التهمة وأسكن لنفس المتقاسمين، ثم يعين سهما من السهمين فيقال له أخرج بندقة على هذا الاسم فإذا أخرجها دفع السهم إلى صاحبها، وكان السهم الثاني للآخر. وأما إخراج السهام على الأسماء فأن يكتب في كل رقعة اسم سهم من السهام ويصفه بما يتميز به عن غيره من السهام، بعلامة أو بحد ويدرج كل رقعة في بندقة على ما وصفناه، ويجعل في حجر من لم يحضر الكتب والإدراج، ويقال له أخرج على اسم فلان، فإذا أخرجها ثبت ذلك السهم له، والآخر للآخر. وإذا وقعت القرعة لزمه القسمة لأن إقراع القسام بمنزلة حكم الحاكم، و الحاكم إذا حكم بشئ لزمه حكمه، وكذلك إذا أقرع القسام لزم، فقد أمكن إخراج الأسماء على السهام، وإخراج السهام على الأسماء، والكل واحد. هذا إذا اتفقت السهام والقيمة فأما إذا اتفقت السهام واختلفت القيمة، مثل أن كانت الأرض بينهما نصفين، وقيمتها مختلفة: كلها ثلثمائة جريب قيمة مائة جريب منها مائة، وقيمة مأتين منها مائة فيعدلها بالقيمة، فيجعل المائة سهما والمأتين سهما، فإذا عدلهما فالحكم في إخراج القرعة منها على ما بيناه في إخراج الأسماء على السهام أو إخراج السهام على الأسماء على ما فصلناه، ولا فصل بينهما أكثر من أن التعديل ههنا بالقيمة وفي التي قبلها بالمساحة. الثالث يختلف السهام ويتفق القيمة، مثل أن كان لأحدهما السدس، وللآخر الثلث، ولآخر النصف، والأرض ستمائة جريب كل جريب بدرهم فيعدلها على ستة أسهم على سهم أقلهم نصيبا، فيجعل كل مائة جريب سهما بالذرع دون القيمة، فإذا عدلها كذلك كتب الأسماء في الرقاع، كم رقعة يكتب؟ قال قوم يكتب ست رقاع لصاحب السدس رقعة، ولصاحب الثلث رقعتين، ولصاحب النصف ثلاث رقاع، ثم

[ 138 ]

تعين السهم الأول يقال: أخرج على هذا السهم فإن خرجت رقعة صاحب السدس سلم إليه السهم، ثم يقال له أخرج أخرى، فإذا أخرجها نظرت فإن كان لصاحب الثلث سلم إليه السهم الثاني والثالث، وسلم إلى صاحب النصف الرابع والخامس والسادس، ولا يحتاج إلى إخراج بندقة بعد الثانية، لأنه لم يبق إلا صاحب النصف. هذا إذا كانت الثانية لصاحب الثلث، فإن كانت الثانية لصاحب النصف سلم إليه الثاني والثالث والرابع، وبقي سهمان لصاحب الثلث، على ما بيناه. هذا إذا خرجت الأولى لصاحب السدس، فأما إن خرجت الأولى لصاحب الثلث أخذ السهم الأول والثاني، وقلنا أخرج أخرى، فإن خرجت لصاحب السدس أخذ السهم الثالث، وبقيت ثلثة أسهم لصاحب النصف، وإن خرجت الثانية لصاحب النصف أخذ الثالث والرابع والخامس وبقي سهم لصاحب السدس. هذا إذا خرجت الأولى لصاحب الثلث فأما إذا خرجت الأولى لصاحب النصف أخذ الأول والثاني والثالث، ونظرت في الأخرى، فإن خرجت لصاحب السدس أخذ الرابع وبقي سهمان لصاحب الثلث، وإن خرجت لصاحب الثلث أخذ الرابع والخامس، وبقي السادس لصاحب السدس. وقال بعضهم يجزي ثلث رقاع لأنه إنما تخرج القرعة مرتين ويكتفي بها عن الثالث، فإذا أمكن الاقتصار فلا معنى للتطويل والأول أقوى لأن كل من كان سهمه أكثر كان حظه أوفر، وله مزية على صاحب الأقل، فإذا كتب لصاحب النصف ثلاث رقاع كان خروج قرعته أسرع وأقرب، فإذا كتب له واحدة كان خروج قرعته وقرعة صاحب السدس سواء، فلهذا قيل يكون له أكثر من رقاع غيره والثاني أيضا قوي لأنا فرضنا أن القيمة متساوية، فلا فايدة في ذلك غير التقديم والتأخير، وذلك لا فائدة فيه. فهذا إخراج الأسماء على السهام فأما إخراج السهام على الأسماء، فلا يجوز ههنا لأمرين أحدهما: إذا كتبت السهام، وأخرجت سهما على اسم أحدهم، ربما خرج الثاني والخامس لصاحب السدس، فيفرق نصيب شريكه في موضعين، لأنك تضم

[ 139 ]

الأول إلى ما بعد الثاني، وتضم الرابع إلى ما بعد الخامس، فإذا أفضى إلى أن يتفرق سهم بعضهم في موضعين لم يجز إخراج السهام على الأسماء، والثاني إذا أخرج قرعة ربما خرجت قرعة صاحب النصف على السهم الثالث والرابع فيكون له معه سهمان آخران، فلو قال لي السهمان بعد الثالث، قال شريكاه بل هما قبل الثالث، فيفضي إلى الخصومة، وموضع القسمة لرفع الخصومة، فلا يجوز أن يوضع على ما يفضي إلى الخصومة. فأما القسم الرابع وهو إذا اختلفت السهام والقيمة، مثل أن كان لأحدهما السدس، وللآخر الثلث وللآخر النصف، والأرض ستمائة جريب، وقيمتها يختلف، فإنه يعدل ههنا ستة أسهم على ما فصلناه بالقيمة، فيجعل قيمة كل سهم مائة، ثم يخرج الأسماء على السهام على فصلناه في التي قبلها بلا فصل بينهما أكثر من كيفية التعديل فإن التعديل في التي قبلها بالمساحة، وتعديل هذه بالقيمة. هذا الكلام في القسم الأول فأما القسم الثاني وهي التي فيها رد ومعناها ما قلناه، وهو أن بعضهم لا يستوفي حقه من المقسوم حتى يعطى شيئا يرد عليه من غيره، مثل أن كانت أرض قيمتها مائة وفيها شجرة أو بئر قيمتها مائتان، فإذا جعلت الأرض بينهما كانت ثلث المقسوم فيضم إليها خمسين يردها من يخرج البئر له لتكون بينهما نصفين، وهذه قسمة التراضي، ومعناه لا يقسم إلا بتراضيهما، فأما الاجبار فإن فيها بيعا وشراء فإن الذي يأخذ الخمسين قد باع نصيبه من الشجرة، واشتراه من يحصل له الشجرة، فلا يجبر البايع على البيع ولا المشتري على الشراء. ويفارق هذه التي لا رد فيها، لأنها لا بيع فيه ولا شراء، وإنما هو تعديل السهام، فلهذا وقع الاجبار عليها. فإذا عدلها بسهم أمكن إخراج الأسماء على السهام وإخراج السهام على الأسماء فإذا تراضيا به وأخرجت القرعة فهل يلزم بخروج القرعة أم لا؟ قال بعضهم يلزم، وقال قوم لا يلزم بخروج القرعة، وهو الأقوى لأن القرعة يفيد معرفة البايع منهما من المشتري وقبل القرعة لا يعلم هذا. فإذا علم بها البايع من المشتري وعلمناه من الذي يأخذ البئر ويرد خمسين قلنا الآن قد بان ذلك الرجل، فلا يلزم القسمة إلا بتراضيهما

[ 140 ]

ويفارق هذا قسمة الاجبار لأنه لا بيع فيها ولا شراء، فلهذا لزمت بالقرعة، وهذه فيها بيع وشراء يلزم بها، وأيضا لما لم يعتبر التراضي فيها في الابتداء فكذلك في الانتهاء، وليس كذلك ههنا، لأنه اعتبر التراضي في ابتدائها، وكذلك في انتهائها. إذا كانت دار بينهما لها علو وسفل، فدعا أحدهما صاحبه إلى القسمة نظرت، فإن دعا إلى قسمة العلو والسفل ليكون لكل واحد منهما بعض السفل وبعض العلو أجبر الآخر عليه لأن البناء في الأراضي كالغراس فيها، ولو طلب أحدهما قسمة الأرض بغراسها أجبر الآخر عليها، فأما إن طلب أحدهما أن يجعل السفل سهما و العلو سهما ويقرع بينهما ليكون لأحدهما السفل وللآخر العلو، لم يجبر الممتنع عليها، لأن العلو مع السفل، بدليل أنه يتبع الأرض في الأخذ بالشفعة، ولو أفرز بعضه بالبيع فلا شفعة، ولأنه لو طلب أحدهما قسمة البناء دون العرصة لم يجبر الآخر عليه، ولو طلب أحدهما قسمة العرصة التي لا بناء فيها أجبر الآخر عليها، فإذا كان العلو تبعا لم يجز أن يجعل التابع سهما والمتبوع سهما لأنا نجعل التابع متبوعا، وهذا لا سبيل إليه. ولأن السفل والعلو كالدارين المتلاصقتين، وإن كان بينهما داران متلاصقتان فطلب أحدهما أن يجعل إحديهما سهما والأخرى سهما ويقرع بينهما، لم يجبر الممتنع عليها. ولأن من ملك شيئا ملك قراره أبدا وملك هواء الملك أبدا، بدليل أن له أن يحفر القرار كما يحب ويختار وله أن يبني في الهواء أبدا إلى السماء، فلو جعلنا لأحدهما العلو قطعنا السفل عن الهواء، وقطعنا العلو عن القرار، والقسمة إفراز حق، وليس هذا إفراز حق وإنما هو نقل حق بحق. فإذا ثبت أنه لا إجبار، فإن تراضيا جاز، لأن السفل والعلو بمنزلة دارين متجاورتين، ولو تراضيا في المتجاورتين على هذا جاز كذلك العلو والسفل.

[ 141 ]

فأما إن طلب أحدهما أن يقسم السفل بينهما على الانفراد، ثم العلو بينهما على الانفراد يجبر الممتنع عليها. وإن كان بينهما أرض فيها زرع فطلب أحدهما القسمة فإما أن يطالب بقسمة الأرض أو الزرع أو قسمتهما معا فإن طلب قسمة الأرض دون غيرها أجبرنا الآخر عليها على أي صفة كان الزرع حبا أو قصيلا أو سنبلا قد اشتد، لأن الزرع في الأرض كالمتاع في الدار، وكون المتاع في الدار لا يمنع القسمة فالزرع مثله، وأما إن طالب قسمة الزرع وحده لم يجبر الآخر عليه، لأن تعديل الزرع بالسهام لا يمكن. وأما إن طلب قسمتها مع زرعها لم يخل الزرع من ثلثة أحوال إما أن يكون بذرا أو حبا مستترا أو قصيلا، فإن كان حبا مدفونا لم تجز القسمة، لأنا إن قلنا القسمة إفراز حق فهو قسمة مجهول ومعلوم فلا يصح، وإذا قلنا بيع لم يجز مثل هذا، وإن كان الزرع قد اشتد سنبله وقوي حبه فالحكم فيه كما لو كان بذرا وقد ذكرنا، وإن كان قصيلا أجبرنا الممتنع عليها، لأن القصيل فيها كالشجر فيها، ولو كان فيها شجر قسمت شجرها كذلك ههنا. إذا ادعى أحد المتقاسمين أنه غلط عليه في القسمة، وأعطي دون حقه، لم يخل القسمة من أحد أمرين إما أن يكون قسمة إجبار أو تراض، فإن كانت قسمة إجبار وهو أن يكون الحاكم نصب قاسما يقسم بينهما، لم يقبل دعواه لأن القاسم أمين، فلا يقبل قوله عليه فيما طريقه الخيانة، ولأن الظاهر أنها وقعت على الصحة فلا يقبل قول من ادعى الفساد. فإن قال فاحلفوه لي أني لا أستحق في يده فضل كذا، حلفناه، لأنه يحتمل ما يدعيه، وإن أتى بالبينة من أهل الخبرة بالقسمة بما يدعيه سمعها الحاكم، لأن البينة أولى من قوله، فإذا ثبت ما يدعيه حكمنا بالبطلان، لأنه إفراز حق وقد بان أنه خالف النص.

[ 142 ]

وإن كان القسمة تراضيا كالعلو لأحدهما والسفل للآخر، أو كان فيها رد لم يخل من أحد أمرين إما أن اقتسما بأنفسهما أو يقسم بينهما قاسم الحاكم. فإن اقتسما بأنفسهما لا يلتفت إلى قول المدعي لأنه إن كان مبطلا سقط قوله وإن كان محقا فقد رضي بترك هذه الفضلة له، فلا معنى لرجوعه فيها. وإن كان القاسم بينهما قاسم الحاكم، فمن قال يلزم بالقرعة قال الحكم فيها كقسمة الاجبار، وقد مضى، ومن قال لا يلزم إلا بتراضيهما بعد القرعة فالحكم كما لو تراضيا من غير حاكم. إذا كانت يدهما على ضيعة ثلثين جريبا فاقتسماها نصفين فبان ثلثها مستحقا فإن المستحق يتسلم حقه. وأما القسمة فلا يخلو المستحق من أحد أمرين إما أن يكون معينا أو مشاعا فإن كان معينا نظرت فإن حصل في سهم أحدهما بطلت القسمة لأن الاشاعة عادت إلى حق شريكه، وذلك أن القسمة تراد لإفراز حقه عن حق شريكه، فإذا كان بعض ما حصل له مستحقا كان حقه باقيا في حق شريكه. فأما إن وقع المستحق في نصيبهما معا، نظرت، فإن وقع منه مع أحدهما أكثر مما وقع مع الآخر بطلت القسمة أيضا لما مضى، وإن كانا فيها سواء من غير فضل، أخذ المستحق حقه وينصرف وكانت القسمة في قدر الملك الصحيح صحيحة، لأن القسمة لإفراز الحق، وقد أفرز كل واحد منهما حقه عن حق شريكه. هذا إذا كان المستحق معينا وأما إن كان مشاعا في الكل بطلت في قدر المستحق ولم تبطل فيما بقي، وقال قوم تبطل فيما بقي أيضا والأول مذهبنا، والثاني أيضا قوي، لأن القسمة تميز حق كل واحد منهما عن صاحبه، وقد بان أنه على الاشاعة. والعلة الجيدة في ذلك أنهما اقتسماها نصفين، وثلثها لثالث غايب، ومن قسم ما هو شركة بينه وبين غيره بغير حضوره كانت القسمة باطلة، ويفارق هذا البيع

[ 143 ]

لأن لكل واحد من الشريكين أن يبيع نصيبه بغير إذن شريكه. هذا إذا بان البعض مستحقا أو وديعة أو عارية أو بإجارة، فأما إن مات وخلف على ولديه ضيعة فاقتسماها نصفين، وكان على الميت دين قد تعلق بتركته، فهذه مبنية على أصل: وهو إذا تعلق الدين بالتركة فباعها الوارث هل يصح البيع أم لا؟ قال قوم باطل، لأنه باع ما تعلق حق الغير به كما لو رهنه ثم باعه، وقال آخرون لا يبطل لأن الحق الذي تعلق بالتركة بغير اختيار، فلهذا صح البيع. وهذا أصل إذا تعلق الحق بعين ماله ثم باعه، فإن كان تعلقه باختيار المالك بطل البيع، وإن كان بغير إختياره فعلى قولين مثل مسئلتنا، وكذلك إذا باع ماله وقد وجبت فيه الزكوة وكذلك إذا جنى عبده ثم باعه فالكل على قولين والأقوى عندي أنه لا يصح البيع، لأن التركة لا تستحق إلا بعد أن يقضي الدين لقوله تعالى " من بعد وصية توصون بها أو دين " فيكون باع ما لا يملك. فإذا ثبت هذا فمن قال القسمة إفراز حق كانت صحيحة، وإذا قيل بيع فعلى قولين، ومذهبنا أن القسمة إفراز حق وليست ببيع، فعلى هذا يصح القسمة. فمن قال القسمة باطلة فلا كلام ومن قال صحيحة قال: قيل للوارث إن قضيتم الحق من غير التركة استقر القسمة، وإن لم تقضوه من غيرها نقضنا القسمة، وقضينا الدين منها. هذا إذا كان عليه دين فأما إن اقتسماها وهناك وصية نظرت، فإن كانت الوصية بشئ بعينه فالحكم فيه كما لو بان فيها مستحق بعينه، وإن كانت الوصية بشئ مشاع فهو كما لو بان المستحق مشاعا وقد مضى، فإن لم يكن في شئ بعينه ولا مشاعا كقوله اعطوا فلانا مائة، وتصدقوا على فلان بألف، فالحكم فيه كما لو مات وعليه دين وقد مضى. إذا كان بينهما أنواع من الحبوب حنطة وشعير وذرة ودخن وباقلا ونحو ذلك، فطلب أحدهما أن يقسم كل صنف على حدته، وقال الآخر: بل يقسم بعضها

[ 144 ]

في بعض بالقيمة يجعل الحنطة والذرة سهما، والدخن والعدس سهما بالقيمة، قدمنا قول من طلب أن يقسم كل صنف على حدته، وأجبرنا الآخر عليها، لأن القسمة إفراز حق لإزالة الضرر، وذلك حاصل إذا قسم كل صنف على حدته، فأما إذا جعل الكل واحدا وقسم لم يحصل المقصود له في كل صنف من ملكه، وكان هذا بيع حنطة بشعير فلا يجبر عليه، فإن تراضيا به جاز لكن من يقول إن القسمة بيع يقول لا بد من التقابض قبل التفرق. ومتى كان لهما ملك أقرحة كل قراح منفرد عن صاحبه ولكل واحد منهما طريق ينفرد به، فطلب أحدهما قسمة كل قراح على حدته، وقال الآخر لا بل بعضها في بعض كالقراح الواحد، قسمنا كل قراح على حدته ولم يقسم بعضها في بعض، سواء كان الجنس واحدا مثل أن كان الكل نخلا أو الكل كرما، أو أجناسا مختلفة الباب واحد وسواء كانت متجاورة أو متفرقة وكذلك الدور والمنازل. هذا عندنا وعند جماعة، وقال بعضهم إن كانت متجاورة قسم بعضها في بعض، وإن كانت متفرقة كقولنا وقال قوم إن كان الجنس واحدا قسم بعضه في بعض، و إن كان أجناسا كقولنا، فإن تراضيا عليه جاز لأنه بمنزلة البيع. وكل قسمة افتقرت إلى التراضي ابتداء فهل تفتقر إلى التراضي انتهاء أو هو بعد القرعة؟ قال بعضهم تفتقر، وقال غيره لا تفتقر، والأول أقوى، سواء كان فيها رد أو لا رد فيها. هذا إذا كانت الأقرحة متفرقة فينفرد كل واحد منهما بطريق، فأما إن كان القراح واحدا وهو ما كان طريقه واحدا، فإنه يقسم بعضه في بعض وإن كثر و عظم واختلف أجناسه بالشجر وغيرها، لأنه ليس فيه أكثر من أن بعضه أعلى ثمنا وأجل قيمة من بعض. وهذا الاختلاف لا يمنع الاجبار كالدار إذا كانت بينهما وبعضها أكثر قيمة من بعض وكذلك القرية تختلف قيمة أقرحتها وتقسم كلها كالقراح الواحد.

[ 145 ]

ويفارق هذا إذا كانت الأقرحة متجاورة ولكل قراح طريق ينفرد به، لأنها أملاك متميزة، بدليل أنه إذا بيع سهم من قراح لم يجب الشفعة فيه بالقراح المجاورة له. وليس كذلك إذا كان القراح واحدا، وله طريق واحدة، لأنه ملك مجتمع بدليل أنه لو بيع بعضه وجب الشفعة فيه بما بقي، وأصل هذا وجوازه على الشفعة فكلما بيع بعضه يوجب فيه الشفعة فهو الملك المجتمع وكلما إذا بيع بعضه لم يجب الشفعة لمجاوره كانت أملاكا متفرقة. فإن كان بينهما عضايد متصلة صفا واحدا وهي الدكاكين الضيقة التي لا يمكن قسمة كل واحد منها، فطلب أحدهما قسمة بعضها في بعض، قال قوم يجبر الآخر عليه، لأنها مجتمعة في مكان واحد، فهي كالدار الواحدة ذات بيوت، وكالخان ذات البيوت فإنها يقسم قسمة إجبار. وقال قوم لا يجبر على ذلك، لأن كل واحد منها منفرد ويقصد بالسكنى و لكل واحد منها طريق مفرد لها، فجرت مجرى الدور المتجاورة، وتفارق الدار الواحدة لأن جميعها يقصد بالسكنى والطريق إليها واحد، فلهذا قسمت قسمة إجبار والعضايد بخلافه وهذا القول أقوى عندنا. المطعومات ضربان جامد ومايع، فالجامد ضربان ما بلغ حد الادخار و ما لم يبلغ فما بلغ حد الادخار الحبوب والتمور ونحو هذا فكل هذا يجوز بيع بعضه ببعض إذا كان الجنس واحدا مثلا وقسمته جايزة، ومتى طلبها أحدهما أجبر الآخر عليها، لأنه إذا قسم بينهما تحقق كل واحد منهما وصوله إلى حقه قدرا وقيمة. ومن قال القسمة إفراز حق، قال جازت قسمة هذا كيلا ووزنا، ومن قال القسمة بيع قال لم يجز إلا كيلا لأن بيع بعضه ببعض لا يجوز إلا كيلا كذلك القسمة، ومن قال بيع قال لا يجوز التفرق قبل القبض.

[ 146 ]

هذا فيما بلغ حد الادخار فأما إذا لم يبلغ حد الادخار فهو على ضربين ماله حال يدخر عليها وما ليس له حال يدخر عليها، فالرطب الذي يجئ منه تمر والعنب الذي يجئ منه زبيب لا يجوز بيع بعضه ببعض رطبا إذا كان الجنس واحدا، وأما قسمته فعلى القولين فمن قال إفراز حق أجاز، ومن قال بيع لم يجز. وأما ما ليس له حال ادخار وهو العنب الذي لا يجئ منه زبيب والرطب الذي لا يجئ منه تمر، فهل يجوز بيع الجنس بعضه ببعض أم لا؟ فعلى القولين، وكذلك السفرجل والرمان والتفاح ونحو ذلك كله على القولين أحدهما يجوز لأن معظم منفعته حال رطوبته كاللبن والثاني لا يجوز لأنها فاكهة رطبة كالرطب الذي يجئ منه تمر. فمن قال لا يجوز بيع بعضه ببعض قال الحكم فيه كالرطب الذي يجئ منه تمر وقد مضى، ومن قال يجوز بيع بعضه فالحكم فيه كالمطعوم الذي بلغ حال الادخار وقد مضى، وعندنا أن بيع جميعه بعضه ببعض جايز، وكذلك قسمته، لأن المنع منه يحتاج إلى دليل. وأما المايع فعلى ضربين ما مسته النار فما لم تمسه النار فما لم تمسه النار فهو كالعصير وخل العنب واللبن الحليب، فكل هذا يجوز بيع بعضه ببعض مثلا بمثل، إذا كان الجنس واحدا. وأما ما مسته النار فعلى ضربين ما قصد به التصفية وما به عقد فأما ما قصد به التصفية كالعسل والسمن فالحكم فيه كالحكم في الذي لم تمسه النار، وكل ما أجزنا بيعه أجزنا قسمته، وأما ما مسته النار لعقد أجزائه كالدبس والرب ونحو هذا، فلا يجوز بيع بعضه ببعض إذا كان الجنس واحدا، وأما القسمة فمن قال بيع لم يجز أيضا ومن قال إفراز حق أجازه، وعندنا يجوز بيع بعضه ببعض مثلا بمثل، وكذلك قسمته لأن الأصل جوازه. فأما الثياب فإن كان بينهما ثوب واحد لم يخل من أحد أمرين إما أن ينقص

[ 147 ]

بالتخريق والقطع أو لا ينقص، فإن كان مما لا ينقص إذا قطع بعضه كالثوب الغليظ الذي كان الذرع منه منفصلا ومتصلا سواء، فالحكم فيه كالأرض يجوز قسمته إن تساوت أجزاؤه وكان بينهما نصفين، قسمناه نصفين، وإن اختلف أجزاؤه قسمناه بالقيمة كالأرض سواء. فأما إن كان مما ينقص إذا قطع كالدبيقي والقصب ونحو هذا فإنه لا يقسم بينهما، لأنه ينقص بالقسمة، وهذا يدل على أن الضرر هو نقصان القيمة دون عدم الانتفاع، وأما إن كان بينهما ثياب كثيرة فالحكم فيها وفي الأواني والخشب و الأبواب والأساطين والعبيد واحد. وكل عينين يضمن كل واحدة بالقيمة، فإذا طلب أحدهما قسمته قال قوم يجبر الآخر عليه، وهو الأقوى، وقال بعضهم لا يجبر الممتنع عليها، لأنهما عينان يضمنان بالقيمة كالدارين المتلاصقين. والأول أصح لأن اختلاف قيمة هذا الجنس الواحد ليس بأكثر من اختلاف قيمة الدار الكبيرة والقرية، وهذا الاختلاف لا يمنع من الاجبار على القسمة، و يفارق الدارين، لأن كل واحدة منهما يمكن إفرادها بالقسمة وليس كذلك ههنا لأنه لا يمكن قسمة كل واحد على الانفراد فلهذا قسم بعضه في بعض. وأصل هذه المسألة ما رواه عمران بن حصين أن رجلا أعتق في مرضه ستة مماليك له ولا مال له غيرهم فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله فجزأهم ثلثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال قوم العبيد تساوت أجزاؤها فلهذا عدلهم بالسهام، فعلى هذا يجبر الممتنع في مسئلتنا وهو الأقوى عندنا. وقال من منع منه إنما فعل النبي عليه السلام ذلك لمزية الحرية، فعلى هذا لا مزية في مسئلتنا، فلا يجبر أحدهما على القسمة. إذا كانت يد رجلين على ملك فسألا الحاكم أن يقسمه بينهما نظرت، فإن أقاما البينة عنده أنه ملكهما قسمه بينهما وإن لم يكن لهما بينة غير اليد ولا منازع

[ 148 ]

هناك قال قوم يقسمه بينهما، وقال آخرون لا يقسمه، وسواء كان ذلك مما ينقل ويحول أو لا ينقل ولا يحول، وسواء قالا ملكنا إرثا أو بغير إرث. وقال بعضهم إن كان مما ينقل ويحول قسمه بينهما، وإن كان مما لا ينقل فإن قالا بالميراث بيننا لم يقسم، وإن قالا غير ميراث قسمه بينهما، والأول أقوى عندنا. القسمة ضربان قسمة إجبار وقسمة تراض، فإن كانت قسمة إجبار نظرت في القاسم، فإن كان قاسم الإمام لزمت بالقرعة، لأن قرعة القاسم كحكم الحاكم لأنه يجتهد في تعديل السهام كما يجتهد الحاكم في إطلاق الحق، وإن كان القاسم رجلا ارتضوا به حكما وقاسما فالحكم فيه كالتراضي بحاكم يحكم بينهما، ولو تراضيا بحاكم يحكم بينهما بماذا يلزم الحكم؟ قال قوم بمجرد الحكم، وقال آخرون بالتراضي بعد الحكم كذلك هيهنا: قال بعضهم يلزم بالقرعة وقال غيره بالتراضي بعد القرعة، وهو الأقوى عندنا في الموضعين. وإن كانا هما اللذان توليا ذلك بينهما من غير قاسم، فعدلا وأقرعا فإنها لا يلزم إلا بالتراضي بعد القرعة، لأنهما تقاسما من غير قاسم. هذا الكلام في قسمة الاجبار فأما قسمة التراضي وهي التي فيها رد أو لا رد فيها مثل أن تراضيا أن يكون السفل لأحدهما والعلو للآخر، فهل يلزم بالقرعة أم لا؟ قال بعضهم يلزم كقسمة الاجبار، وقال آخرون لا يلزم بالقرعة، لأن القرعة هيهنا ليعرف البايع الذي يأخذ الرد، والمشتري الذي يدفع الرد، لأنا نجهل هذا قبل القرعة، فإذا تميز هذا بالقرعة حينئذ اعتبرنا التراضي بعد القرعة على البيع والشراء وهذا هو الأقوى وإن نصبا حكما فالحكم على ما مضى، وإن كان بأنفسهما فالحكم على ما مضى.

[ 149 ]

(فصل) * (فيما على القاضي في الخصوم والشهود) * على الحاكم أن يسوي بين الخصمين في الدخول عليه، والجلوس بين يديه، والنظر إليهما، والانصات إليهما والاستماع منهما والعدل في الحكم بينهما. روت أم سلمة أن النبي عليه وآله السلام قال: من ابتلى بالقضاء بين الناس فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده فلا يرفعن صوته على أحدهما بما لا يرفع على الآخر، وكتب بعض الصحابة إلى قاضيه كتابا طويلا فقال فيه: واس بين الناس في وجهك ومجلسك، وعدلك، حتى لا ييأس ضعيف من عدلك ولا يطمع شريف في حيفك. وإنما عليه أن يسوي بينهما في الأفعال الظاهرة فأما التسوية بينهما بقلبه من حيث لا يميل إلى أحدهما، ولا يرى الحظ له دون غيره، فغير مؤاخذ به ولا محاسب عليه لقوله تعالى " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ". وأما موضع الجلوس فإنه يجلسهما بين يديه ولا يكون أحدهما أقرب إليه من الآخر، روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قضى أن يجلس الخصمان بين يدي القاضي. هذا كله إذا استويا في الدين مسلمين أو مشركين فأما أن يكون أحدهما مسلما والآخر مشركا، قال بعضهم: يرفع المسلم على المشرك في المكان، لما روي أن عليا عليه السلام رأى درعا مع يهودي فعرفها وقال هذه درعي ضاعت مني يوم الجمل، فقال اليهودي درعي ومالي وفي يدي، فترافعا إلى شريح وكان قاضي علي عليه السلام فلما دخلا عليه قام شريح من موضعه وجلس على في موضعه وجلس شريح واليهودي بين يديه فقال علي عليه السلام لولا أنه ذمي لجلست معه بين يديك، غير أني سمعت النبي عليه السلام يقول: لا تساووهم في المجالس. وهذا هو الأولى.

[ 150 ]

إذا جلس الخصمان بين يديه فلا ينهرهما يعني لا يصيح عليهما في غير موضعه فلا يتمكن ذو الحجة من إيراد حجته على وجهها، ولا يتعنت شاهدا ولا يتعقبه والتعنت أن يفرق الشاهدين وهما من أهل السر والضبط والقول السديد، فلا يفعل هذا بهما، لأن فيه منقصة عليهما وقدحا في رأيهما. ومعنى لا يتعقبه أي لا يداخله في الشهادة ولا يتعقبه في الألفاظ عند إقامة الشهادة بل يدعه حتى ينتهي ما عنده على ما شهد به. إذا جلس الخصمان بين يديه لم يكن له أن يلقن أحدهما ما فيه ضرر على خصمه، ولا يهديه إليه، مثل أن يقصد الاقرار فيلقنه الانكار، أو يقصد اليمين فيلقنه ألا يحلف، وكذلك في الشهادة إذا أحس منه التوقف في شهادته لم يكن له أن يشير عليه بالاقدام عليها، وإذا أحس منه الإقدام عليها لا يلقنه التوقف عنها، لأن عليه أن يسوي بينهما فيما يجد السبيل إليه فإذا لقن واحدا منهما فقد ظلم الآخر وأفضى إلى إيقاف حقه. هذا فيما يتعلق بحقوق الآدميين فأما ما يتعلق بحقوق الله، فإنه يجوز التلقين فيها والتنبيه على ما يسقطها، لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقن ماعز بن مالك حين اعترف بالزنا، فقال لعلك قبلتها لعلك لمستها، ولأن هذه الحقوق إذا ثبت باعترافه سقطت بإنكاره. وإذا جلسا بين يديه جاز أن يقول تكلما بمعنى يتكلم المدعي منكما أو يصرح بهذا فيقول يتكلم المدعي منكما، أو يسكت الحاكم ليقول القايم على رأسه لهما ذلك، لأنهما قد نهيا عن الابتداء بالكلام حتى يأذن لهما فيه وإن سكت ولم يقل شيئا حتى يكون الابتداء منهما بالكلام جاز لأنهما للكلام حضرا. ولا يقول لواحد منهما تكلم لأنه إذا أفرده بالخطاب كسر قلب الآخر، ومتى بدأ أحدهما بالكلام بإذن أو بغير إذن وجعل يدعي على صاحبه، منع صاحبه عن مداخلته لأنه يفسد عليه نظام الدعوى. وأقل ما على الحاكم أن يمنع كل واحد منهما أن ينال من عرض صاحبه لأنه

[ 151 ]

جلس للفصل بين الناس والانصاف وأقل ما عليه أن لا يمكن أحدهما من الظلم والحيف. ولا يجوز له أن يضيف أحد الخصمين دون صاحبه إما أن يضيفهما معا أو يدعهما معا، لما روي أن رجلا نزل بعلي عليه السلام فأدلى بخصومته فقال له على ألك خصم فقال نعم، قال تحول عنا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لا تضيفوا أحد الخصمين إلا ومعه خصمه. والقاضي بين المسلمين والعامل عليهم يحرم على كل واحد منهم الرشوة لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم، وهو حرام على المرتشي بكل حال وأما الراشي فإن كان قد رشاه على تغيير حكم أو إيقافه فهو حرام، وإن كان لإجرائه على واجبه لم يحرم عليه أن يرشوه كذلك لأنه يستنقذ ماله فيحل ذلك له، ويحرم على آخذه لأنه يأخذ الرزق من بيت المال، وإن لم يكن له رزق قال لهما لست أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقا عليه حل ذلك له حينئذ عند قوم وعندنا لا يجوز بحال. فأما الهدية فإن لم يكن بمهاداته عادة حرم عليه قبولها، والعامل على الصدقات كذلك لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال هدية العمال غلول وفي بعضها هدية العمال سحت. وروى أبو حميد الساعدي قال استعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا من الأسد يقال له أبو البنية وفي بعضها أبو الأبنية على الصدقة فلما قدم قال هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبي عليه السلام على المنبر فقال: ما بال العامل نبعثه على أعمالنا يقول هذا لكم وهذا أهدي لي، فهلا جلس في بيت أبيه أو في بيت أمه ينظر يهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيدي لا يأخذ أحد منها شيئا إلا جاء يوم القيمة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة له خوار أو شاة لها تنعر ثم رفع يده حتى رأينا عقرة إبطيه ثم قال اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت.

[ 152 ]

فإن قيل أليس قد قال النبي عليه السلام لو دعيت إلى ذراع لأجبت ولو أهدي إلى كراع لقبلت؟ قلنا الفصل بينه وبين أمته أنه معصوم عن تغيير حكم بهدية، وهذا معدوم في غيره. هذا إذا أهدي له من لم يجر له بمهاداته عادة، فأما إن كان ممن جرت عادته بذلك، كالقريب والصديق الملاطف نظرت، فإن كان في حال حكومة بينه وبين غيره أو أحس بأنه يقدمها لحكومة بين يديه حرم عليه الأخذ كالرشوة سواء وإن لم يكن هناك شئ من هذا فالمستحب أن يتنزه عنها. هذا كله إذا كان الحاكم في موضع ولايته فأما إن حصل في غير موضع ولايته فأهدي له هدية فالمستحب له أن لا يقبلها، وقال بعضهم يحرم عليه، فكل موضع قلنا لا يحرم عليه قبولها، فلا كلام، وكل موضع قلنا يحرم عليه، فإن خالف وقبل فما الذي يصنع؟ فإن كان عامل الصدقات، قال قوم يجب عليه ردها، وقال آخرون يجوز أن يتصدق عليه بها، والأول أحوط. وأما هدية القاضي قال قوم يضعها في بيت المال ليصرف في المصالح، وقال آخرون يردها على أصحابها وهو الأحوط عندنا. إذا حضره مسافرون ومقيمون نظرت، فإن سبق المسافرون قدمهم لأنه لما قدم السابق فالسابق من أهل البلد فكذلك المسافر بل هو أولى، وإن وافوا معا أو تأخر المسافرون، فإن كان بهم قلة من حيث لا يضر تقديمهم بأهل البلد، فهو بالخيار بين أن يقدمهم أو يفرد لهم يوما يفرغ من حكوماتهم فيه، لأن المسافر على جناح السفر وشرف الرحيل، يكثر شغله ويزدحم حوائجه، فلهذا قدم، فأما إن كانوا مثل المقيمين أو أكثر كأيام الموسم بمكة والمدينة كانوا والمقيمون سواء، لأن في تقديمهم إضرارا بأهل البلد، وفي تأخيرهم إضرارا بهم، فكانوا سواء فصاروا كما لو كانوا كلهم مقيمين. قد ذكرنا أن الحاكم يجلس للقضاء في موضع بارز للناس في رحبة أو صحراء أو موضع واسع إلا من ضرورة من مطر أو غيره، فيجلس في بيته أو في المسجد. وذكرنا أنه إذا أراد أن يجلس في مجلسه للقضاء قدم إليه ثقة من عنده ليحفظ

[ 153 ]

من جاء أولا ويضبط: قد جاء فلان أولا ثم فلان ثم فلان، وعلى هذا أبدا، فإذا حضر الحاكم قدم الأول فالأول لأنه لا يمكنه أن يحكم بين الكل دفعة واحدة ولا بد أن يقدم واحدا واحدا، ولا يمكن أن يقدم واحدا لموضعه في نفسه، ولا لأجل حكومته، فلم يبق إلا أنه يعتبر السابق فيكون الحق له، كما قلنا في مقاعد الطرقات والأسواق والماء والمصانع والمعادن ونحوها، فإنه يقدم السابق منهم إليها فالسابق. قال صلى الله عليه وآله مني مباح من سبق، فجعل السابق أحق. هذا إذا جاؤا واحدا بعد واحد، فأما إن جاؤا معا نظرت فإن كان العدد قليلا يمكن الاقراع بينهم أقرع بينهم، فمن خرجت قرعته قدمناه، وإن كثروا أو تعذرت القرعة، كتب الحاكم أسماءهم في رقاع وجعلها بين يديه ومد يده فأخذ رقعة بعد رقعة كما يتفق لأن القرعة قد تعذرت. فإذا قدم رجلا بالسبق أو القرعة أو بالرقعة حكم بينه وبين خصمه، فإذا فرغ صرفه فقال قم حتى يتقدم من بعدك، فإن قال الأول فلي حكومة أخرى لم يلتفت إليه وقال قد حكمت بينك وبين خصمك بحكومة فإما أن تنصرف أو تصبر حتى أفرغ من الناس لأنه لو قضى بينه وبين كل من يخاصمه أفضى إلى أن يستغرق المجلس لنفسه، فلهذا لا يزاد على واحدة. فإذا تقدم غيره فادعى فإن شاء ادعى على المدعى عليه أولا، وإن شاء على المدعي الأول وإن شاء ادعى المدعى عليه أولا على المدعي الأول فإنه يحكم بينهما، لأنا إنما نعتبر الأول فالأول في المدعي وأما في المدعى عليه فلا. فإذا فرغ وبقي هناك واحد نظر بينه وبين خصمه، فإن كان له حكومات كثيرة نظر فيها كلها لأنه لا مزاحم له فيها، اللهم إلا أن يكون الأول قد جلس صابرا حتى يفرغ من الناس، فحينئذ إذا حكم بين الأخير وبين خصمه حكومة واحدة، قدم الأول لأنه لهذا جلس. فإن حضر نفسان فادعى أحدهما على صاحبه، فقال المدعي عليه أنا المدعي وهو المدعى عليه، لم يلتفت الحاكم إليه، وقال له أجب عن دعواه، فإذا فرغ من

[ 154 ]

حكومتك وكان لك كلام أو دعوى فأذكر، فإن حضرا معا وادعيا معا كل واحد على صاحبه من غير أن يسبق أحدهما، فالذي رواه أصحابنا أنه يقدم من يكون على يمين صاحبه، وقال قوم يقرع بينهما، ومنهم من قال يقدم الحاكم من شاء، ومنهم من قال يصرفهما حتى يصطلحا، ومنهم من قال يستحلف كل واحد منهما لصاحبه وبعد ما رويناه القرعة أولى. وإن كان لجماعة على رجل حقوق من جنس واحد أو أجناس فوكلوا من ينوب عنهم في الخصومة فادعى الوكيل عليه الحقوق، فإن اعترف فلا كلام، وإن أنكر وكانت هناك بينة حكم عليه بها، وإن لم يكن بينة فالقول قوله مع يمينه. فإن أراد كل واحد من الجماعة أن يستحلفه على الانفراد كان له لأن اليمين حق له، فكان له أن ينفرد باستيفائه، وإن قالت الجماعة قد رضينا عنه بيمين واحدة عن الكل لكلنا، قال قوم يستحلفه لأنه لما صح أن تثبت الحقوق عليه بالبينة الواحدة صح أن يسقط الدعوى باليمين الواحدة. وقال آخرون لا يجوز أن يقصر الحاكم منه على يمين واحدة، بل يستحلفه لكل واحد منهم يمينا لأنها حقوق الآدميين ولأنها تراد للزجر والردع فكان اليمين لكل واحد أبلغ في الزجر والردع، والأول أقوى عندنا لأن اليمين حق لهم فإذا رضوا بيمين واحدة فينبغي أن يكتفي بها. إذا استعدى رجل عند الحاكم على رجل لم يخل المستعدى عليه من أحد أمرين إما أن يكون حاضرا أو غايبا، فإن كان حاضرا اعتدى عليه وأحضره، سواء علم بينهما معاملة أو لم يعلم، وهو الأقوى عندنا. وليس في ذلك ابتذال لأهل الصيانات والمروات فإن عليا عليه السلام حضر مع يهودي عند شريح وحضر عمر مع أبي عند زيد بن ثابت ليحكم بينهما في داره وحج المنصور فحضر مع جمالين مجلس الحكم لحلف كان بينهما. وقال بعضهم إذا كان من أهل الصيانات لم يحضره الحاكم إلى مجلس الحكم

[ 155 ]

بل يستدعيه إلى منزله ويقضي بينه وبين خصمه فيه وإن لم يكن من أهل الصيانات أحضره مجلس الحكم. فإذا ثبت أنه تعدى عليه فالكلام فيما تعدى به: جملته أنه ينبغي أن يكون عند القاضي في ديوان حكمه ختوم من طين قد طبعها بخاتمه يبعث مع الخصم إليه فإن حضر وإلا بعث بعض أعوانه ليحضر، فإن حضر وإلا بعث بشاهدين يشهدان على امتناعه، فإن حضر وإلا استعان بصاحب الحرب وهو صاحب الشرطة. هذا إذا كان المستعدى عليه حاضرا فأما إن كان غائبا لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون غائبا في ولاية هذا الحاكم أو في غير ولايته، فإن كان غائبا في غير ولايته مثل أن كان الحاكم ببغداد فغاب إلى البصرة، والبصرة في غير ولايته، فإنه يقضي على غايب وفيه خلاف. وإن كان غايبا في ولايته، مثل أن غاب إلى موضع نظر هذا القاضي وولايته نظرت، فإن كان له في موضع غيبته خليفة كتب إليه وبعث بخصمه إليه ليحكم بينهما، وإن لم يكن له خليفة نظرت، فإن كان هناك من يصلح أن يحكم بينهما كتب إليه وجعل النظر إليه بينهما، وإن لم يكن له في موضع نظره خليفة ولا كان هناك من يصلح أن يقضي بينهما، قال لخصمه حرر دعواك عليه، فإذا حررها أعدى عليه. والفرق بين أن يكون المستعدى عليه حاضرا فيحضره الحاكم وإن لم يحرر الدعوى عليه، وبين أن يكون غايبا فيكلفه تحرير الدعوى واضح، وهو أنه إذا كان حاضرا لم يكن عليه كثير مشقة بالحضور، فلهذا أحضره، وليس كذلك إذا كان غايبا لأن عليه مشقة في حضوره فربما حضر وليس مع المدعي دعوى صحيحة فلهذا قلنا لا يحضره حتى يحرر الدعوى. فإذا ثبت هذا فمتى حرر الدعوى أحضره وإن بعدت المسافة، وقال بعضهم إن كان من مسافة يرجع فيها إلى وطنه ليلا أحضره وإلا لم يحضره، وقال قوم إن كان على مسيرة يوم وليلة أحضره وإلا تركه، وقال قوم إن كان على مسافة لا يقصر فيها الصلوة

[ 156 ]

أحضره وإلا لم يحضره والأول أقوى. هذا إذا كان المستعدى عليه رجلا فأما إن كان امرأة نظرت فإن كانت برزة فهي كالرجل، وإن كانت مخدرة بعث إليها من يقضي بينها وبين خصمها في دارها، والبرزة هي التي تبرز لقضاء حوائجها بنفسها، والمخدرة التي لا تخرج كذلك والأصل في البرزة والمخدرة في الشرع أن العامرية اعترفت عند النبي عليه السلام بالزنا فرجمها وقال في الأخرى " واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها " فاعترفت فرجمها، فكانت العامرية برزة والأخرى مخدرة. فإذا ثبت هذا فمتى حضر قيل له ادع الآن، فإذا ادعى عليه لم تسمع الدعوى إلا محررة فأما إن قال لي عنده ثوب أو فرس أو حق لم تسمع دعواه، لأن دعواه لها جواب، فربما كان بنعم فلا يمكن الحاكم أن يقضي به عليه، لأنه مجهول. قالوا أليس الاقرار بالمجهول يصح؟ هلا قلتم أن الدعوى المجهولة يصح، قلنا الفصل بينهما أنه إذا أقر بمجهول لو كلفناه تحرير الاقرار ربما رجع عن إقراره، فلهذا ألزمناه المجهول به، وليس كذلك مسئلتنا لأنه إذا رددت الدعوى عليه ليحررها لم يرجع، فلهذا لم يسمع إلا معلومة. هذا كله ما لم يكن وصية، فأما إن كانت وصية سمع الدعوى فيها، وإن كانت مجهولة والفصل بينها وبين ساير الحقوق، أن تمليك المجهول بها يصح فصح أن يدعي مجهولة، وليس كذلك غيرها، لأن تمليك المجهول به لا يصح، فلهذا لم تقبل الدعوى به إلا معلومة. فإذا ثبت هذا نظرت فإن حرر الدعوى فلا كلام، وإن لم يحررها ولم يحسن ذلك، قال بعضهم: للحاكم أن يلقنه بكيفيتها لأنه لا ضرر على صاحبه في تلقينه، وقال آخرون ليس له ذلك، لأنه حق له وهو الأقوى عندي لأنه يكسر قلب خصمه بذلك. فإذا ثبت أن الدعوى لا يكون إلا محررة فالكلام في تحريرها ولم يخل ما يدعيه من أحد أمرين إما أن يكون أثمانا أو غيرها، فإن كانت أثمانا فلا بد من ثلثة أشياء

[ 157 ]

يكون بها معلومة، وهو أن يذكر القدر والجنس والنوع، فالقدر ألف، والجنس دراهم، والنوع راضية أو عزية. فإن كان هناك خلاف في صحاح أو مكسرة فلا بد من أن يقول صحاحا أو مكسرة، لأن التفاوت كثير في كل هذا. قالوا أليس لو باع ثوبا بألف مطلقا انصرف إلى نقد البلد؟ هلا قلتم يسمع الدعوى مطلقا وينصرف إلى نقد البلد. قلنا الفصل بينهما أن الدعوى إخبار عما كان واجبا عليه، وذلك يختلف في وقت وجوبه باختلاف الأزمان والبلدان، فلهذا لم يسمع منه إلا محررة وليس كذلك الشراء لأنه إيجاب في الحال، فلهذا انصرف إلى نقد البلد كقيم المتلفات، فوزان الدعوى من الشراء أن يكون في البلد نقود مختلفة فحينئذ لا يصح أن يطلق الثمن ولا بد أن يكون موصوفا. هذا إذا كانت أثمانا فأما إن كانت من غير الأثمان لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون عينا قائمة أو تالفة فإن كانت عينا قائمة نظرت، فإن كانت مما يمكن ضبطها بالصفات كالحبوب والثياب ضبطها وطالب بها، وإن ذكر القيمة كان تأكيدا، وإن لم يذكرها جاز لأن الاعتماد على ضبط الصفات وإن كانت العين مما لا يمكن ضبط صفاتها كالجواهر ونحوها ذكر قيمتها. وأما إن كانت تالفة نظرت فإن كان لها مثل كالحبوب والادهان والأقطان وصفها وطالب بها، لأنها يضمن بالمثل، وإن لم يكن لها مثل كالعبيد والثياب، فلا بد من ذكر القيمة، وإن كان التالف سيفا محلى فإن كان بالذهب قومه بالفضة، و إن كان بالفضة قومه بالذهب، وإن كان محلى بهما قومه بما شاء منهما، لأنه موضع حاجة. كل موضع تحررت الدعوى هل للحاكم مطالبة المدعى عليه بالجواب من غير مسألة المدعي أم لا؟ قال قوم لا يطالبه بالجواب بغير مسألة المدعي، لأن الجواب حق المدعي، فليس للحاكم المطالبة به من غير مسئلته، كنفس الحق، وهو الصحيح عندنا، وقال قوم له مطالبته به من غير مسألة المدعي لأن شاهد الحال يدل عليه،

[ 158 ]

لأن الانسان لا يحضر خصمه إلى الحاكم ليدعي عليه وينصرف من غير جواب وهو قوي أيضا. فإذا طالب بالجواب بمسألة أو غير مسألة فالمطالبة أن يقول له ما تقول فيما يدعيه؟ فإذا قال ذلك له لم يخل المدعى عليه من ثلثة أحوال إما أن يقر أو ينكر أو لا يقر ولا ينكر، فإن أقر بالحق لزمه، لأنه لو قامت عليه به البينة لزمه فبأن يلزمه باعترافه أولى. فإذا ثبت أنه يلزمه لم يكن للحاكم أن يحكم عليه به، إلا بمسألة المقر له به لأن الحكم عليه به حق له، فلا يستوفيه إلا بأمره كنفس الحق، والحكم أن يقول ألزمتك ذلك أو قضيت عليك به، أو يقول أخرج له منه، فمتى قال إحدى الثلثة كان حكما بالحق فإذا حكم به لزمه فإن سأله المدعي أن يكتب له به محضرا حجة له في يده بحقه فعل ذلك على ما فصلناه في المحاضر. وأما إن أنكر فقال لا حق لك قبلي، فهذا موضع البينة، فإن كان المدعي لا يعرف أنه موضع البينة كان للحاكم أن يقول له ألك بينة، فإن كان عارفا بأنه وقت البينة فالحاكم بالخيار بين أن يسكت أو يقول له ألك بينة. فإذا قال ألك بينة لم يخل من أحد أمرين إما أن لا يكون له بينة أوله بينة، فإن لم يكن له بينة عرفه الحاكم أن لك يمينه، فإذا عرف ذلك لم يكن للحاكم أن يستحلفه بغير مسألة المدعي، لأن اليمين حق له، فليس له أن يستوفيه إلا بمطالبته كنفس الحق، فإن لم يسأله فاستحلفه من غير مسألة لم يعتد باليمين لأنه أتى بها في غير وقتها، فإذا لم يعتد بها أعادها عليه بمسألة المدعي. فإذا عرض اليمين عليه لم يخل من أحد أمرين إما أن يحلف أو ينكل، فإن حلف أسقط الدعوى، وليس للمدعي أن يستحلفه به مرة أخرى في هذا المجلس و لا في غيره، اللهم إلا أن يكون له بينة عليه فحينئذ يأتي بالبينة. فإذا ثبت أنه يسقط الدعوى فإن سأله الحالف أن يكتب له محضرا بما جرى عليه كيلا يدعي عليه مرة أخرى فعليه أن يكتب له ذلك حجة في يديه.

[ 159 ]

وإن لم يحلف ونكل عن اليمين قال له الحاكم إن حلفت وإلا جعلتك ناكلا، ورددت اليمين على خصمك فيحلف ويستحق عليك، يقول هذا له ثلاثا فإن حلف فقد مضى، وإن لم يحلف رددنا اليمين على المدعي فيحلف ويثبت له الحق فإن سأل الحاكم أن يكتب له بحقه محضرا بما جرى فعل ذلك. هذا إذا لم يكن بينة فإن كانت له بينة لم يخل من أحد أمرين إما أن تكون حاضرة أو غائبة، فإن كانت حاضرة لم يقل له الحاكم أحضرها لأنه حق له فله أن يفعل ما يرى، فإذا حضرا لم يسألهما الحاكم عما عندهما حتى يسأله المدعي ذلك، لأنه حق له، لئلا يتصرف فيه بغير أمره، فإذا ثبت أنه لا بد من سؤال المدعي للاستماع منهما، فإن الحاكم لا يقول لهما اشهدا، لأنه أمر وهو لا يأمرهما، ولكنه يقول تكلما إن شئتما، من كان عنده كلام فليذكر إن شاء. فإذا قالا ما عندهما لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون ما أقاماه من الشهادة فاسدا أو صحيحا، فإن كان فاسدا مثل أن قالا بلغنا أن له عليه ألفا أو قالا سمعنا بذلك، قال له زدني في شهودك فيرد شهادتهما بذلك، وإن شهدا عنده بالحق شهادة صحيحة لم يحكم الحاكم له بها حتى يسأله الحكم بها. فإذا سأله بحث عن حال الشهود، فإن كانوا فساقا وقف الأمر حتى يأتي بالبينة، وإن كانوا عدولا قال الحاكم للمدعى عليه قد عدلا عندي هل عندك جرح فإن قال نعم أنظره لجرح الشهود ثلثا، فإن لم يأت بجرح أو قال لا جرح عندي لم يحكم حتى يسأل المدعي أن يحكم له بذلك. فإذا سأله استحب للحاكم أن يقول للمدعى عليه قد ادعى عليك كذا وشهد عليك به كذا وكذا، وأنظرتك جرح الشهود فلم يفعل، وهو ذا حكم عليك، ليبين له أنه حكم بحق فإذا قال هذا حكم عليه بالبينة ولم يستحلف المدعي مع بينته و قال بعض من تقدم لا يحكم له بالبينة حتى يستحلفه معها، لأنها لو كانت على صبي أو مجنون أو ميت أو غايب استحلف معها كذلك ههنا والأول أصح. هذا إذا كانت البينة حاضرة، فأما إن كانت البينة غايبة قال له الحاكم ليس

[ 160 ]

لك ملازمته ولا مطالبته بالكفيل، ولك يمينه أو يرسل حتى تحضر البينة، و قال قوم له ملازمته ومطالبته بالكفيل حتى يحضر البينة والأول أصح والثاني أحوط لصاحب الحق. فأما القسم الثالث وهو إذا سكت أو قال لا أقر ولا أنكر، قال له الحاكم ثلاثا إما أجبت عن الدعوى وإلا جعلناك ناكلا ورددنا اليمين على خصمك، وقال قوم يحبسه حتى يجيبه بإقرار أو بإنكار، ولا يجعله ناكلا فيقضى بالنكول والسكوت وقوله لا أقر ليس بنكول، والأول يقتضيه مذهبنا، والثاني أيضا قوي. * * * إذا أراد الإمام أن يولي قاضيا نظرت، فإن وجد متطوعا ولاه ولا يولي من يطلب عليه رزقا، روى عثمان بن أبي العاص قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله حين أمرني على الطايف أن لا أتخذ مؤذنا يأخذ على الأذان أجرا. فإن لم يجد متطوعا كان له أن يولي القاضي ويرزقه من بيت المال. وروي أن عليا عليه السلام ولى شريحا وجعل له كل سنة خمسمائة درهم، وكان عمر قبله قد جعل له كل شهر مائة درهم. وروي أن الصحابة أجروا لأبي بكر كل يوم درهمين. وروي كل يوم شاتين شاة بالغداة وشاة بالعشي، وألف درهم في كل سنة، فلما ولي عمر قال لا يكفيني ذلك فأضعفوه له فجعلوا له في كل يوم أربع شياة وفي كل سنة ألفي درهم. فعلى هذا يجوز للقاضي والقاسم وكاتب القاضي وصاحب الديوان وصاحب بيت المال والمؤذنين أن يأخذوا رزقا من بيت المال، وإن فعلوا ذلك احتسابا كان أفضل وأفضل من ترك ذلك المؤذن. ويجوز أن يأخذ الجعل من يكيل للناس ويزن لهم ويعلمهم القرآن والنحو وما يتأدبون به من الشعر، وما ليس فيه مكروه، وأما ما يجوز أن يستأجر عليه وما لا يجوز فقد ذكرناه في غير موضع.

[ 161 ]

وجملته أن كل عمل جاز أن يفعله الغير عن الغير تبرعا جاز أن يفعله بعقد إجارة كالخياطة والبناء، وكل عمل لا يفعله الغير عن الغير وإذا فعله عن نفسه عاد نفعه إلى الغير جاز أخذ الرزق عليه دون الأجرة كالقضاء والخلافة والامامة والإقامة و الأذان والجهاد. وقالوا لا يجوز أخذ الأجرة عليه وأجاز أصحابنا ذلك، وأجاز قوم أخذ الأجرة على القضاء وهو فاسد عندنا. وكل ما لا يفعله الغير عن الغير وإذا فعله عن نفسه لم يعد نفعه إلى الغير لم يجز أخذ الأجرة عليه ولا أخذ الرزق كالصلوة المفروضات والتطوع وكذلك الصيام. فإذا ثبت أنه يأخذ الرزق فإنه يأخذه من بيت المال لأنه معد للمصالح، وهذا منها، ويجعل له مع الرزق شيئا لقراطيسه التي يكتب فيها المحاضر والسجلات، لأن ذلك من المصالح، وفيه فوايد يحفظ به الوثايق ويتذكر به الشاهد شهادته، والحاكم حكمه، ويرجع بالدرك على من يرجع بالدرك عليه. وإن لم يكن في بيت المال مال أو كان هناك ما هو أهم منه قال الحاكم لمن ثبت له الحق إن اخترت أن تأتي بكاغذ أكتب فيه المحضر أو السجل والشهادة فافعل ولا أكرهك عليه لأنه وثيقة لك، فإن أراد ذلك كان الكاغذ على من له الحجة من المدعي والمدعى عليه، كما قلنا في كتاب الشراء يكون على المشتري لأنه حجة على البايع، فكان عليه دون البايع كذلك ههنا. * * *

[ 162 ]

[ القضاء على الغائب ] إذا حضر رجل عند الحاكم فادعى على غايب حقا سمع الحاكم دعواه لجواز صدقه في ما يدعيه، كما لو كان حاضرا، فإن أقام البينة بما يدعيه سمعها الحاكم، فإذا سمعها لم يخل المدعي من أحد أمرين إما أن يسأله القضاء بما ثبت عنده أو لا يسأله. فإن لم يسأله وقال قد اقتصرت على هذا القدر اكتب به إلى حاكم البلد الذي فيه الغايب كتابا، كتب له، فإن عرف عدالتهما كتب بعدالتهما، وإن لم يعرف كتب وقال: حضرني فلان بن فلان فادعى على فلان بن فلان كذا وكذا، وأقام به شاهدين فلانا وفلانا، ليكون المكتوب إليه هو الباحث عن عدالتهما فيفعل هذا كل ذلك بلا خلاف. وأما إن سأله أن يقضي له على هذا الغايب بما ثبت عنده أجابه إلى ذلك بعد أن يستحلفه عن حقه الذي شهد الشاهدان أنه ثابت إلى وقتنا هذا، فإذا حلف حكم عليه وكتب به كتابا، وهكذا قولهم في القضاء على الصبي والمجنون والميت الكل واحد، لأن كل واحد لا يعبر عن نفسه، فلو كان الغايب حاضرا أكثر ما يفعله أن يدعي ما يسقط الحق وقد استحلفناه له أن حقه باق، وهكذا لو لم يكن غايبا لكنه هرب من مجلس الحكم، فإنه يحكم عليه لأنه غير مقدور عليه كالغايب. فأما إن كان حاضرا في مجلس الحكم فليس له أن يقضي عليه بغير علمه، لأنه إذا ادعى عليه يقدر أن يسأله عن الجواب، فإن أقام البينة يمكن من الجرح المطلق فيقف الحكم به فلهذا لم يقض عليه. وأما إن كان حاضرا في البلد غير ممتنع من الحضور فهل له أن يقضي عليه وهو غايب عن مجلس الحكم أم لا؟ قال قوم له ذلك، لأنه غايب عن مجلس الحكم، والصحيح أنه لا يقضي عليه لأنه مقدور على إحضاره، والقضاء على الغايب إنما جاز لموضع الحاجة وتعذر إحضاره، فالقضاء على الغايب يجوز عندنا في الجملة و عند جماعة.

[ 163 ]

وقال بعضهم أقضي عليه ولو كان خلف حايط وقال جماعة: لا يجوز القضاء على الغايب حتى يتعلق الحكم بخصم حاضر شريك أو وكيل له، والحاكم عندهم يقول حكمت عليه بعد أن ادعى على خصم ساغ له الدعوى عليه، على موافقة منهم، فالحاكم يضع هذه الدعوى ولا أصل لها ليصح الحكم عليه بأنه فاسد في الأصل. وتحقيق هذا أن القضاء على الغايب جايز بلا خلاف لكن هل يصح مطلقا من غير أن يتعلق على حاضر أم لا عندنا وعند جماعة يجوز مطلقا وعندهم لا يجوز. فإذا ثبت أن القضاء على الغايب جايز، فإذا سمع الحاكم البينة عليه ثم حضر نظرت فإن كان حضوره قبل الحكم بها عليه، قال له الحاكم ما جرى، وهو أن فلان بن فلان ادعى عليك كذا وأقام به البينة فلانا وفلانا وسمعتها، وعرفت عدالتهما فما قولك؟ فإن اعترف فلا كلام، وإن أقام البينة على القضاء والابراء ثبت وبرئ، وإن جرح الشهود لم يحكم عليه بفاسقين، وإن سأل أن يؤخره في الجرح ويؤجله به أجله ثلاثا فإن أتى بجرح وإلا حكم عليه. وأما إن حضر وقد حكم عليه، عرفه ذاك أيضا فإن قال حكمت بالحق فلا كلام وإن أتى ببينة بالقضاء والابراء سمعت وبرئ، وإن جرح الشهود لم يقبل منه حتى يكون مقيدا، وهو أن الفسق كان موجودا حين الحكم أو قبله، ولا يقبل مطلقا لجواز أن يكون الفسق بعد الحكم فلا يقدح فيه. ويفارق هذا قبل الحكم حين قبلنا الجرح مطلقا لأنه متى ثبت الفسق وقف الحكم بشهادتهما، وإن قال أجلوني في جرحهم أجلناه فإن أتى بالجرح وإلا فقد نفذ الحكم. فإذا ثبت هذا فالكلام في الحقوق التي يقضي بها على غايب وما لا يقضي، وجملته أن الحقوق على ثلثة أضرب حق للآدميين محض، وحق لله محض وحق لله يتعلق به حق لآدمي فإن كان لآدمي كالدين ونحو ذلك قضى به عليه، وإن كان لله كالزنا واللواط وشرب الخمر لا يقضي عليه بها، لأن القضاء على الغايب احتياط وحقوق الله لا يحتاط لها لأنها مبنية على الاسقاط والتخفيف، وحقوق الآدميين بخلاف ذلك، وأما ما كان حقا لله يتعلق به حق لآدمي، فهو السرقة يقضي عليه بالغرم دون القطع.

[ 164 ]

شهادة الزور معصية كبيرة من أعظم الكباير روى خريم بن فاتك قال: صلى رسول الله صلوة الصبح فلما انصرف قام قايما فقال: عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله ثلث مرات ثم تلا قوله تعالى: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور. وروي عنه عليه السلام أنه قال إن شاهد الزور لا يزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار. ويجب بها التعزير والشهرة إذا تحقق ذلك وإنما يعلم ذلك قطعا بإقراره بذلك أو بأن يشهد شاهدان عند الحاكم أن فلانا فجر بفلانة مع الزوال يوم الفطر بالكوفة أو قتل فلانا في هذا الوقت بالكوفة وكان المشهود عليه في هذا الوقت بحضرة الحاكم ببغداد فيعلم القاضي قطعا أنهما كذبا عليه، وإنما شهدا بالزور فأما فيما تعارضت به البينتان مثل أن شهدا عنده بذلك، وشهد آخران أن المشهود عليه كان في ذلك الوقت بالبصرة أو بخراسان، فلا يعلم الصادق منهما، أو كان الشاهدان فاسقين أو كافرين أو عبدين فردت شهادتهما لذلك، ولم يعلم كذبهما، فكل هذا لا يوجب تعزيرا ولا عقوبة لجواز أن يكونا صادقين فيما شهدا به، لكنها ردت لمعنى في الشاهد. فإذا ثبت ذلك قطعا فالعقوبة التعزير والشهرة والتعزير يكون بما دون الحد. روي عنه عليه السلام أنه قال لا يبلغ بالحد في غير حد، وهو إلى اجتهاد الإمام يعزره بحسب ما يراه ممن وجب عليه من القوة والضعف فإن كان ممن لا يحتمل الضرب أصلا حبسه أو وبخه وقرعه وينبغي أن يشهر ويظهر للناس ليشيع فيهم ويعرف به في الموضع الذي يعرف فيه، فينادى عليه فيه إما في سوقه أو محلته أو مسجده أو قبيلته بحسب ما يكون معروفا في هذه المواضع. فإذا أتى به رسول الحاكم إلى هذا المكان قال: أنا رسول الحاكم إليكم ويقول وجدنا هذا شاهد زور فاعرفوه، فهذا قدر شهرته، ولا يحلق رأسه ولا يركب ولا يطاف به ولا ينادي هو على نفسه وفيه خلاف وقد روي في أخبارنا أنه يركب وينادى عليه. إذا ترافع نفسان إلى رجل من الرعية فرضيا به حكما بينهما وسألاه أن يحكم لهما بينهما جاز وإنما يجوز أن يرضيا بمن يصلح أن يلي القضاء وهو أن يكون من أهل العدالة والكمال والاجتهاد، على ما شرحناه من صفة القاضي، لأنه رضي به

[ 165 ]

قاضيا فأشبه قاضي الإمام، ولا فصل بين أن يرضيا به في بلد فيه حاكم سواه أو لا حاكم فيه الباب واحد لأنه إذا كان ذلك إليهما في بلد لا قاضي به كذلك في بلد به قاض. فإذا ثبت أنه جايز فإذا نظر بينهما فمتى يلزم حكمه في حقهما؟ قال قوم: بالرضا بما حكم به بعد حكمه وقال آخرون يلزم حكمه بما يلزم به حكم الحاكم وهو إذا أمضاه هو عليهما لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما فعليه لعنة الله فلولا أن حكمه بينهما يلزم، ما تواعده باللعن عند الجور. وفي هذا المعنى قوله تعالى " ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه " فلولا أنه مما إذا أظهره لزم، لما لحقه الوعيد بكتمانه. وقال عليه السلام من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيمة بلجام من نار، فلو لا أن علمه يلزم إذا أظهره ما لحقه الوعيد إذا كتمه. فمن قال لا يلزم بمجرد الحكم كان لكل واحد منهما الخيار ما لم تراضيا به بعد حكمه فإذا تراضيا في ذلك الوقت لزم حكمه وهو الأقوى عندي، لأن عليه إجماعا. ومن قال يلزم بمجرد حكمه فعلى هذا إذا شرع فيه وقبل أن يكمله فهل لأحدهما الامتناع منه قبل اكماله؟ قال بعضهم له الامتناع، لأنه امتنع قبل حكمه وقال آخرون ليس له الامتناع كالحاكم، ولأنه يفضي إلى أن لا يصح هذا، فإنه متى علم أحدهما أنه يحكم بما لا يؤثره امتنع وانصرف. فإذا ثبت أنه سائغ جايز ففي الناس من قال يجوز في كل الأحكام إلا أربعة النكاح والقذف واللعان والقصاص، لأن لهذه الأحكام مزية على غيرها فلم يملك النظر فيها إلا الإمام أو من إليه النظر، وقال آخرون يصح في الكل لأن كل من كان له أن يحكم في غير الأربعة جاز فيها كالمولى وعموم الأخبار يقتضي ذلك. إذا ترافع إلى القاضي خصمان فادعى أحدهما على صاحبه حقا فأنكر، وعلم الحاكم صدق ما يدعيه المدعي، مثل أن كان عليه دين يعلمه الحاكم أو قصاص ونحو

[ 166 ]

ذلك فهل له أن يقضي بعلمه أم لا؟ قال قوم لا يقضي بعلمه، وقال آخرون له أن يحكم بعلمه، وفيه خلاف. ولا خلاف أنه يقضي بعلمه في الجرح والتعديل بدليل أنه لو علم الجرح وشهدوا عنده، ترك الشهادة وعمل بعلمه، ولأنه لو لم يقض بعلمه أفضى إلى إيقاف الأحكام أو فسق الحكام. لأنه إذا طلق الرجل زوجته بحضرته ثلاثا ثم جحد الطلاق كان القول قوله مع يمينه، فإن حكم بغير علمه وهو استحلاف الزوج وتسليمها إليه فسق، وإن لم يحكم له وقف الحكم وهكذا إذا أعتق الرجل عبده بحضرته ثم جحد وإذا غصب من رجل ماله ثم جحد يفضي إلى ما قلناه. والذي يقتضيه مذهبنا ورواياتنا أن للإمام أن يحكم بعلمه، وأما من عداه من الحكام فالأظهر أن لهم أن يحكموا بعلمهم، وقد روي في بعضها أنه ليس له أن يحكم بعلمه لما فيه من التهمة. للإمام أن يولى القضاء في الموضع الذي هو فيه وفي غيره، سواء أطاق النظر فيه بنفسه أو لم يطقه، بلا خلاف. روي أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لبعض أصحابه اقض بينهما قال: أقضي بينهما وأنت ههنا؟ فقال: اقض بينهما! تمام الخبر. وروي أن رجلين كانا يختصمان عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتى علي عليه السلام فقاما إليه فأعرض عنهما لمكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال النبي لعلي أيسرك أن تقضي بينهما فقضى بينهما. وروي أن رجلين أتيا النبي صلى الله عليه وآله فقال أحدهما: إن لي حمارا ولهذا بقرة وإن بقرته قتلت حماري، فقال لأبي بكر: اقض بينهما، فقال أبو بكر لا ضمان على البهايم، فقال لعمر اقض بينهما، فقال مثل ذلك، فقال لعلي عليه السلام اقض بينهما فقال على: أكانا مرسلين؟ قالا لا؟ قال أكانت البقرة مشدودة والحمار مرسلا؟ قالا لا قال أكان الحمار مشدودا والبقرة مرسلة قالا نعم قال: على صاحب البقرة الضمان.

[ 167 ]

قال المخالف إنما قضى علي عليه السلام بذلك لأن يد صاحبها عليها فلهذا ضمنه وعلى ما قضى به أبو بكر وعمر لم يكن يد صاحبها عليها فلا ضمان، وعليه الإجماع لأن شريحا تولى القضاء من قبل عمر وبعده لعثمان، وبعده لعلي عليه السلام وتولى بعده أيضا وقيل إنه بقي في القضاء سبعين سنة. فأما من ولاه الإمام القضاء فهل لهذا القاضي أن يولي من قبله من يقوم مقامه جملته أنه إذا ولى الإمام قاضيا فالمستحب له أن يجعل إليه أن يولي من يرى من قبله لأنه قد لا يطيق النظر بنفسه فيكون له فسحة فيه، فإذا ثبت هذا نظرت: فإن ولاه وجعل إليه أن يولي فذلك، وإن منعه من ذلك لم يكن له التولية. وإن أطلق نظرت فيما ولاه، فإن كان موضعا يقدر أن ينظر فيه بنفسه، مثل أن ولاه بلدا من البلاد كالكوفة وواسط والبصرة، قال قوم ليس له أن يستخلف من ينوب عنه، لأنه ينظر عن إذن فوجب أن لا يستخلف فيما ينظر فيه بنفسه كالوكيل ليس له أن يوكل فيما ينظر فيه بنفسه وقال آخرون له ذلك لأن الإمام إذا ولاه صار ناظرا للمسلمين لا عن الإمام، ولكن على سبيل المصلحة، فيكون في هذا البلد في حكم الإمام في كل بلد، فإذا كان كالإمام وحب أن يولي من ينوب عنه في موضع نظره. ويفارق الوكيل لأنه ينظر في حق موكله بدليل أن له عزله متى شاء، و ليس كذلك في مسئلتنا لأنه ينظر للمسلمين على سبيل المصلحة لا عن الإمام، بدليل أنه ليس للإمام عزله ما كان على الثقة والاجتهاد، والأول عندي أقوى. هذا إذا كانت ولايته قدرا يمكنه أن ينظر فيها بنفسه، فأما إن كانت ولايته قدرا لا يمكنه أن ينظر فيها بنفسه فله أن يولي من ينوب عنه في الجملة، لأنه إذا كان مما لا ينهض فيه بنفسه فقد أذن له في الاستخلاف عرفا وعادة، فهو كالوكيل إذا وكل فيما لا يطيق النظر فيه بنفسه، أو فيما لا يعمل بنفسه في العرف والعادة، كالنداء على الثوب وحمل المتاع من مكان إلى مكان فإنه يستخلفه فيه، كذلك ههنا. فإذا ثبت أن له ذلك، فكم القدر الذي له أن يستخلف فيه؟ فعلى مذهب من أجاز الاستخلاف قال: له أن يستخلف فيه في كل ما إليه، ومن لم يجز الاستخلاف

[ 168 ]

فيما يطيقه قال يستخلف في القدر الذي لا يقدر أن ينظر فيه بنفسه. فإذا ثبت ذلك فكل موضع قلنا له ذلك فإذا فعل وحكم خليفته بشئ فكتب إليه لزمه العمل به لأنه كتاب قاض إلى قاض، وكل موضع قلنا ليس له أن يستخلف فإن خالف واستخلف فإذا ترافع إليه نفسان فقضى بينهما فالحكم فيه كما لو تراضى به نفسان فحكم بينهما وليس بحاكم، فإنه جايز، وبماذا يلزم؟ على ما مضى. فمن قال ينفذ حكمه فهو كالحاكم إذا كتب بما حكم به عمل على كتابه وقبل حكمه، ومن قال لا ينفذ حكمه لم يلتفت إلى كتابه ولم يعمل عليه. والقاسم والحاكم فيما يخبران به سواء لكن نفرضها في الحاكم فإذا أخبر الحاكم بحكم قد حكم به لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون قبل العزل أو بعده، فإن كان قبل العزل فقال حكمت لفلان بكذا أو أقر فلان عندي لفلان بكذا أو شهد عندي شاهدان لفلان بكذا، فحكمت بذلك، كان قوله مقبولا فيما أخبر به فإن أخبر به حاكما ثبت عند الحاكم بقوله ما أخبره به وإن شهد شاهدان عند حاكم بما قال، ثبت عنده ذلك وعمل عليه وأنفذه وأمضاه إن كان ثبت عنده بالبينة، وإن كان الحاكم أخبر به حاكما غيره، فمن قال الحاكم يحكم بعلمه أمضاه، ومن قال لا يقضي بعلمه لم يمضه، وجملته أن مسموع القول مقبول الخبر فيما قال وأخبر به، وفيه خلاف. فإذا ثبت هذا فإن الحاكم فيما يخبر به غيره بمنزلة المفتي والمستفتي إذا أفتى عالم عاميا بشئ كان فرضه ما أفتاه يعمل به ويعتمد عليه، كذلك هاهنا. هذا فيما يخبر به قبل عزله، والذي يقتضيه مذهبنا أنه لا يجب على القاضي الأخير أن يعمل بقوله أصلا لأنه لا دليل عليه. فأما إن أخبره به بعد عزله وعزاه إلى حال ولايته لم يقبل ذلك منه، ولا يحكم بقوله وحده، لأن كل من لم يملك الشئ لم يملك الاقرار به، كمن باع عبده ثم أقر أنه أعتقه أو باعه بعد أن باعه فالكل لا يقبل منه، لأنه لا يملكه فلا يملك الاقرار به.

[ 169 ]

فإذا ثبت أنه لا يقبل قوله وحده فيه، فهل يكون قوله بمنزلة شاهد واحد شهد به حتى إذا شهد به معه غيره عند حاكم آخر ثبت شهادتهما، قال قوم لا يقبل أصلا وقال بعضهم يكون كالشاهد الواحد وإن كان على فعله كشهادة المرضعة، والأول أصح عندنا لأنها شهادة على فعله كما لو قال بعته من زيد لم يقبل منه. ويفارق المرضعة، لأنه ليس فيما تذكره تزكية نفسها، بدليل أن ما ذكرته يصح من فاسقة وعدل وحرة ومملوكة، فلهذا قبل قولها، وليس كذلك في مسئلتنا لأن فيما أخبر به تزكية نفسه، لأن تحت قوله أنا حكمت أي أنا أمين ثقة فيما أخبرت به. ولأنه ليست شهادتها على فعل نفسها، فإن الحكم الذي يتعلق بالرضاع غير فعلها، وهو حصول اللبن في جوف الصبي بدليل أنه لو شرب منها وهي نائمة لنشر الحرمة وههنا شهادة على فعل نفسه، وعندنا أن شهادة المرضعة لا يقبل أصلا فسقط ما قالوه. هذا إذا قال بعد العزل حكمت بكذا فأما إن قال أقر فلان لفلان بكذا، قبل وكان شاهدا لأنه إخبار عن فعل غيره لا فعل نفسه، فأما إن قال بعد العزل حكم حاكم نافذ الحكم على ذلك بكذا، قال بعضهم يكون شاهدا لأنه شهد على فعل غيره، وقال آخرون لا يقبل لجواز أن يكون إخبارا عن حكم نفسه، لكنه أبهمه ولم يفسره وهو الأقوى. وجملته أن فيما يخبر به بعد عزله ثلث مسائل: إن قال حكمت لم يقبل وهل يكون به شاهدا؟ فعلى وجهين. وإن قال أقر فلان عندي بكذا، كان شاهدا واحدا وإن قال حكم به حاكم فعلى وجهين أقواهما أنه لا يقبل في الموضعين. كل من لا يقبل شهادته لم يصح حكمه له، وهم الوالدون آباؤه وأمهاته و إن علوا وولده وولد ولده ذكرا كان أو أنثى، وإن سفلوا، وقال بعضهم يجوز ذلك ويصح وهو الذي يقتضيه مذهبنا فأما من عدا العمودين من أقاربه فالحكم لهم صحيح كالشهادة.

[ 170 ]

إذا ترافع إليه نفسان وكان الحكم بينهما واضحا لا إشكال فيه، لزمه أن يقضي بينهما ويستحب أن يأمرهما بالمصالحة ويتحللهما التأخير، فإن أخرا فذلك وإن أبيا إلا المناجزة حكم بينهما، وإن كان حكمهما مشكلا أخره إلى البيان، ولا حد له غير ظهور الحكم وبيان الحق وإن قدمه لم يجز، لأن الحكم قبل البيان ظلم والحبس بالحكم بعد البيان ظلم. فإن كان بين القاضي وبين بعض رعيته حكومة نظرت فإن كان الإمام حاضرا ترافعا إليه، وإن كان في غير بلده نظرت، فإن كان البلد ذا جانبين كبغداد ولكل جانب حاكم عبره مع خصمه إلى حاكم الجانب الآخر ليقضي بينهما، لأنه إذا عبر إليه كان كالعامي، فإن لم يكن البلد كذلك نظرت، فإن كان لهذا القاضي مستخلف فيها مضى إليه وإن كان له مستخلف ترافعا إليه قالوا وهذا يدل على أن المستخلف ناظر المسلمين، وليس هو في حقه كالوكيل.

[ 171 ]

* (كتاب الشهادات) * قال الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه " الآية (1) ومعناه إذا تبايعتم بدين لأن المداينة لا يكون إلا في البيع، وقوله " فاكتبوه " أي اشهدوا ثم ذكر الشهادة في ثلثة مواضع فيها فقال " واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان " ثم أمر بالاشهاد على التبايع فقال " وأشهدوا إذا تبايعتم " ثم توعد على كتمانها فقال " ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه " فلولا أنها حجة ما توعد على كتمانها. وفي هذا المعنى ما روي عنه عليه السلام أنه قال من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيمة بلجام من نار. وقال تعالى " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم " (2) فأمر بجلد القاذف ثم رفع عنه الجلد بتحقيق قذفه بالشهادة في ذلك، ثم قال " ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا " دل على أن غير الفاسق مقبول الشهادة ثم قال " إلا الذين تابوا " يعني تقبل شهادتهم. وقال تعالى " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء " إلى قوله " وأشهدوا ذوي عدل منكم " (3) ومعنى قوله " فإذا بلغن أجلهن " يعني قاربن البلوغ لأنه لا رجعة بعد بلوغ الأجل. وروي أن سعدا قال يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال رسول الله نعم وفي بعضها قال كفى بالسيف شا... أراد أن

(1) البقرة: 282.
(2) النور: 4.
(3) الطلاق: 1.

[ 172 ]

يقول شاهدا فلم يقل لئلا يكون ذريعة لقتل الناس بعضهم بعضا. وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الشهادة فقال: ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع. إذا تقرر ذلك، فالكلام في ذكر أقسام الحقوق منها، وجملتها أن الحقوق ضربان حق لله، وحق لآدمي: فأما حق الآدمي فإنه ينقسم في باب الشهادة ثلثة أقسام. أحدها لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين، وهو ما لم يكن مالا ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال، كالنكاح، والخلع، والطلاق، والرجعة، والتوكيل، والوصية إليه، والوديعة، والجناية الموجبة للقود، والعتق، والنسب، والكتابة، وقال بعضهم: يثبت جميع ذلك بشاهد وامرأتين وهو الأقوى إلا القصاص. والثاني ما يثبت بشاهدين وشاهد وامرأتين وشاهد ويمين وهو كل ما كان مالا أو المقصود منه المال، فالمال القرض، والغصب، والمقصود منه المال عقود المعاوضات: البيع والصرف، والسلم، والصلح، والاجارات، والقراض، والمساقاة، والرهن، والوقف، والوصية له، والجناية التي يوجب المال عمدا كانت أو خطأ كالجايفة وقتل الحر عبدا ونحو ذلك. والثالث ما يثبت بشاهدين وشاهد وامرأتين وأربع نسوة وهو الولادة والرضاع والاستهلال والعيوب تحت الثياب وأصحابنا رووا أنه لا يقبل شهادة النساء في الرضاع أصلا وليس ههنا ما يقبل فيه شهادة النساء على الانفراد إلا هذه. فأما حقوق الله فجميعها لا مدخل للنساء ولا للشاهد مع اليمين فيها، وهي على ثلثة أضرب: ما لا يثبت إلا بأربعة وهو الزنا واللواط وإتيان البهايم وروى أصحابنا أن الزنا يثبت بثلثة رجال وامرأتين وبرجلين وأربع نسوة. والثاني ما لا يثبت إلا بشاهدين وهو الردة والسرقة وحد الخمر والقتل في المحاربة. والثالث ما اختلف فيه وهو الاقرار بالزنا فإنه قال قوم لا يثبت إلا بأربعة كالزنا، وقال آخرون يثبت بشاهدين كسائر الاقرارات وهو الأقوى عندي وليس عندنا

[ 173 ]

عقد من العقود من شرطه الشهادة أصلا وعند الفقهاء كذلك إلا النكاح وحده. وقال داود الشهادة واجبة على البيع لقوله تعالى " وأشهدوا إذا تبايعتم " ولقوله عليه السلام ثلثة لا يستجاب لهم دعوة من باع ولم يشهد، ورجل دفع ماله إلى سفيه ورجل له امرأة ويقول اللهم خلصني منها ولا يطلقها، وعندنا الآية والخبر محمولان على الاستحباب. والمندوب إليه ضربان ندب قربة وندب إرشاد، فالقربة صلوة التطوع وصدقة التطوع وصوم التطوع وكل عبادة يتطوع بها، فإنه لا عوض له بتركها وأما الارشاد فالإشهاد على البيع فإنه إذا تركه فقد ترك التحفظ على عقد لا يستدرك فإنه إذا ترك التحفظ بها حين البيع فمتى كان هناك حدث يفقر إلى الشهادة لم يستدرك ما فاته. إذا قال لعبده إن قتلت فأنت حر فهلك السيد واختلف الوارث والعبد، وأقام الوارث البينة أنه مات حتف الأنف وأقام العبد البينة أنه مات بالقتل، قال قوم يتعارضان ويسقطان ويسترق العبد، وقال قوم بينة العبد أولى لأن موته قتلا يزيد على موته حتف أنفه، لأن كل مقتول ميت وليس كل ميت مقتولا فكان الزايد أولى ويعتق العبد وعندنا يستعمل فيه القرعة فمن خرج اسمه حكم ببينته. إذا قال لعبده إن مت في رمضان فأنت حر وقال لآخر إن مت في شوال فأنت حر، فمات السيد واختلف العبدان، فأقام صاحب رمضان البينة أنه مات في رمضان وأقام صاحب شوال البينة أنه مات في شوال قال قوم تعارضا ورق العبدان، لأن موته في رمضان ضد موته في شوال، وقال قوم بينة رمضان أولى لأن معها زيادة وهو أنه يخفى على بينة شوال موته في رمضان، ولا يخفى على بينة رمضان موته في شوال، فكان صاحب رمضان أولى، ويعتق، وعندنا مثل الأول يستعمل القرعة. إذا قال لعبده إن مت من مرضي هذا فأنت حر، ثم قال لآخر إن برئت منه فأنت حر ثم هلك السيد واختلف العبدان فأقام أحدهما البينة أنه برئ من مرضه، وأقام الآخر البينة أنه مات، تعارضتا لأن موته منه ضد برئه منه، لا مزية لأحدهما على

[ 174 ]

الآخر، فتعارضتا، ويفارق البينتين الأوليين لأن مع إحدى البينتين زيادة على ما مضى. وعندنا يستعمل فيه القرعة فإن خرجت بينة من قال إنه مات من مرضه عتق العبد لأنه مدبر وقد عتق بموته وإن خرج اسم من قال إنه برء لم يعتق واحد منهما لأن من خرج اسمه قد علق عتقه بصفة، وذلك لا يصح عندنا فاسترق العبدان. إذا ادعى حقا هو مال أو المقصود منه المال فأنكر المدعى عليه نظرت فإن أتى المدعي بشاهدين أو بشاهد وامرأتين حكم له بذلك، لقوله تعالى " فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان " وأراد بذلك الأموال لأن أول الآية يدل عليه، وإن أتى بأربع نسوة لم يحكم له بذلك إجماعا. إذا شهد امرأتان وأضاف إليهما يمين المدعي في الأموال، حكم به عندنا وعند جماعة مثل الشاهد واليمين، وقال أكثرهم لا يحكم به. إذا ادعى على رجل عند حاكم وأقام المدعي بما يدعيه شاهدين فحكم الحاكم له بشهادتهما، كان حكمه تبعا لشهادتهما، فإن كانا صادقين كان حكمه صحيحا في الظاهر والباطن، سواء كان في عقد أو في رفع عقد أو فسخ عقد أو كان مالا عندنا وعند جماعة وفيه خلاف. فإذا تقرر هذا فادعى زوجية امرأة فقال هذه زوجتي، حكم الحاكم بها بشهادة زور كانت حلالا في الظاهر دون الباطن، ولهذه الزوجة أن تتزوج بغيره في الباطن وتحل للثاني في الباطن، وهي حرام على الأول في الباطن، فإن وطئها الأول مع العلم بذلك كان زانيا وعليه الحد وإن كانت عالمة بذلك فهي كهو. وإن ادعت على زوجها أنه طلقها ثلاثا ولم يكن طلقها، فحكم الحاكم بذلك عليه بشاهدي زور، كانت حلالا له في الباطن دون الظاهر، فمتى ظفر بها حلت له، ويكره أن يتبعها ظاهرا خوفا عليه أن يشاهد معها بعد الطلاق فتحل به العقوبة. يقبل شهادة النساء على الانفراد في الولادة والاستهلال والعيوب تحت الثياب

[ 175 ]

كالرتق والقرن والبرص بلا خلاف، فأما في الرضاع فقد روى أصحابنا أنه لا يقبل شهادتهن، وقال قوم لا تقبل شهادتين في الرضاع منفردا بل يقبل شهادة رجلين أو شاهد وامرأتين، وكذلك قالوا في الاستهلال وقال آخرون يقبل شهادتهن في الرضاع منفردا. فإذا ثبت أنهن يقبلن في هذه المواضع، فعندنا لا يقبل أقل من أربع نسوة في جميع ذلك، وبه قال جماعة، وقال قوم يثبت بشهادة اثنين منهن، وقال بعضهم يثبت الرضاع بشهادة المرضعة، وقال بعضهم يثبت الولادة في الزوجات بامرأة واحدة القابلة أو غيرها ولا يثبت بها ولادة المطلقات وعندنا يقبل شهادة واحدة في ربع الميراث وفي الاستهلال وكذلك في الوصية في ربع الوصية واثنتين في نصف الميراث ونصف الوصية، وثلاث في ثلاث وأربع في الجميع.

[ 176 ]

فصل * (في شهادة القاذف) * إذا قذف الرجل رجلا أو امرأة فقال زنيت أو أنت زان لم يخل من أحد أمرين إما أن يحقق قذفه أو لا يحققه، فإن حققه نظرت، فإن كان المقذوف أجنبيا حققه بأحد أمرين إما أن يقيم البينة أنه زنا أو يعترف المقذوف بالزنا، وإن كان المقذوف زوجته فإنه يحقق قذفه بأحد ثلثة أشياء البينة أو اعترافها أو اللعان. فمتى حقق قذفه وجب على المقذوف الحد، وبان أنه لم يكن قاذفا ولا حد عليه ولا يرد شهادته ولا يفسق، وأما إن لم يحقق قذفه، فقد تعلق بقذفه ثلثة أحكام: وجوب الجلد، ورد الشهادة والتفسيق لقوله " والذين يرمون المحصنات " إلى قوله " وأولئك هم الفاسقون " فإن تاب القاذف لم يسقط الجلد بالتوبة، وزال فسقه بمجرد التوبة بلا خلاف وهل يسقط شهادته فلا يقبل أبدا أم لا؟ فعندنا وعند جماعة لا يسقط بل يقبل بعد ذلك وعند قوم لا يقبل. وأما كيفية التوبة فجملتها أنه إذا قذفه تعلق بقذفه ثلثة أحكام: الجلد، ورد الشهادة، والفسق الذي يزول به ولايته على الأطفال والأموال ويرد به شهادته. ثم لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يحقق قذفه أو لا يحققه، فإن حقق القذف إما بالبينة أو باعتراف المقذوف إن كان غير زوجته أو بهما أو باللعان إن كانت زوجته فمتى حقق القذف فلا جلد عليه، وهو على العدالة والشهادة، لأنه قد صح قذفه وثبت صحة قوله وأما المقذوف فقد ثبت زناه بالبينة أو اللعان أو الاعتراف فيقام عليه الحد وأما إن لم يحققه فالحد واجب عليه، ورد الشهادة قايم، والفسق بحاله. والكلام بعد هذا فيما يزيل ذلك عنه أما الحد فلا يزول عنه إلا بأحد أمرين استيفاء أو إبراء وأما الفسق والشهادة فهما يتعلقان بالتوبة والتوبة باطنة وحكمية والباطنة توبته فيما بينه وبين الله وهي تختلف باختلاف المعصية.

[ 177 ]

وجملته أن المعصية لا يخلو من أحد أمرين إما أن يجب بها حق أو لا يجب، فإن لم يجب بها حق مثل أن قبل أجنبية أو لمسها بشهوة أو وطئها فيما دون الفرج فتوبته ههنا الندم على ما كان والعزم على أن لا يعود، فإذا فعل هذا فقد تاب لقوله تعالى " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله واستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم " فإذا أتى بالاستغفار وترك الاصرار صحت توبته وغفر الله ذنبه. وأما إن كانت المعصية مما يجب بها حق لم يخل من أحد أمرين فإما أن يكون حقا على البدن أو في مال، فإن كانت في مال كالغصب والسرقة والاتلاف، فتوبته الندم على ما كان، والعزم على أن لا يعود، والخروج من المظلمة بحسب الامكان فإن كان موسرا بها متمكنا من دفعها إلى مستحقها خرج إليه منها، فإن كانت قايمة ردها وإن كانت تالفة رد مثلها، إن كان لها مثل، وقيمتها إن لم يكن لها مثل، وإن كان قادرا غير أنه لا يتمكن من المستحق لجهله به أو كان عارفا غير أنه لا يقدر على الخروج إليه منها فالتوبة بحسب القدرة وهو العزم على أنه متى تمكن من ذلك فعل وكذلك إذا منع الزكوة مع القدرة عليها فهي كالدين والمظالم وقد بيناه. هذا إذا كانت المعصية حقا في مال فأما إن كانت المعصية حقا على البدن، لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون لله أو للآدميين، فإن كان للآدميين وهو القصاص وحد القذف فالتوبة الندم على ما كان، والعزم على أن لا يعود، والتمكين من الاستيفاء من حد أو قصاص كالأموال سواء. وأما إن كان حقا لله كحد الزنا والسرقة وشرب الخمر لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون مشتهرا أو مكتوما، فإن كان مكتوما لا يعلم به الناس ولم يشتهر ذلك عليه، فالتوبة الندم على ما كان، والعزم على أن لا يعود، والمستحب له أن يستر على نفسه ويكون على الكتمان لقوله عليه السلام " من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستره بستر الله فإن من أبدا لنا صفحته أقمنا عليه حد الله ".

[ 178 ]

وقال صلى الله عليه وآله لهزال بن شرحبيل حين أشار إلى ماعز بن مالك أن يعترف بالزنا هلا سترته بثوبك يا هزال. فإن خالف وجاء واعترف بذلك لم يحرم ذلك عليه روي أن الغامدية وماعز بن مالك اعترفا عند النبي عليه السلام بالزنا، فلم ينكر ذلك بل رجم كل واحد منهما وأما إن كان مشتهرا شايعا في الناس، فالتوبة الندم على ما كان، والعزم على أن لا يعود، وأن يأتي الإمام ويعترف به عنده ليقيم عليه الحدود. والفصل بينهما أنه إذا لم يكن مشتهرا كان في ستره فايدة وهو ألا يشتهر به ولا يضاف إليه، وليس كذلك ههنا لأنه إذا كان مشتهرا ظاهرا فلا فائدة في ترك إقامته عليه. وعندي أنه يجوز له أن يستتر به ولا يعترف، بل يتوب فيما بينه وبين الله، ويقلع عما كان، ويتوفر على أعمال الصالحات لعموم الخبر الذي تقدم. هذا كله في حدود الله قبل أن يتقادم عهدها أو تقادم عهدها وقيل لا يسقط بتقادم العهد فأما من قال يسقط بتقادم العهد فلا يعترف بذلك بحال، لأنه لا حد عليه فمتى اعترف كان اعترافا بغير حق. هذا الكلام في التوبة الباطنة، وأما الكلام في التوبة الحكمية وهي التي يقضي له بالعدالة وقبول الشهادة، فلا يخلو المعصية من أحد أمرين إما أن يكون فعلا أو قولا، فإن كانت فعلا كالزنا والسرقة واللواط والغصب وشرب الخمر، فالتوبة ههنا أن يأتي بالضد مما كان عليه وهو صلاح عمله لقوله تعالى " إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات " (1) فإذا ثبت أنها صلاح عمله فمدته التي يقبل بها شهادته سنة ومن الناس من قال يصلح عمله ستة أشهر. وأما إن كانت المعصية قولا لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون ردة أو قذفا فإن كان ردة فالتوبة الاسلام وهو أن يأتي بالشهادتين " أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنه برئ من كل دين خالف دين الاسلام " فإذا فعل هذا فقد صحت توبته

(1) الفرقان: 70.

[ 179 ]

وثبتت عدالته، وقبلت شهادته، ولا يعتبر بعد التوبة مدة يصلح فيها عمله، لأنه إذا فعل هذا فقد أتى بضد المعصية. وأما إن كانت المعصية قذفا لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون قذف سب أو قذف شهادة، فإن كانت قذف سب فالتوبة إكذابه نفسه، لما روي عن النبي عليه السلام في قوله تعالى: " وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا " قال النبي صلى الله عليه وآله توبته إكذابه نفسه، فإذا تاب قبلت شهادته. فإذا ثبت أن التوبة إكذابه نفسه، واختلفوا في كيفيته، قال قوم أن يقول القذف باطل حرام ولا أعود إلى ما قلت، وقال بعضهم التوبة إكذابه نفسه وحقيقة ذلك أن يقول كذبت فيما قلت، وروي ذلك في أخبارنا، والأول أقوى لأنه إذا قال كذبت فيما قلت، ربما كان كاذبا في هذا لجواز أن يكون صادقا في الباطن وقد تعذر عليه تحقيقه فإذا قال القذف باطل حرام، فقد أكذب نفسه وقوله لا أعود إلى ما قلت فهو ضد ما كان منه. فإذا ثبت صفة التوبة فهل يفتقر عدالته التي يقبل بها شهادته إلى صلاح العمل أم لا؟ قال قوم مجرد التوبة يجزيه، وقال قوم لا بد من صلاح العمل وهو الأقوى لقوله " إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا " فمن قال لا يفتقر إلى صلاح العمل فلا كلام، ومن قال يفتقر إليه فصلاح العمل مدة سنة على ما مضى. هذا الكلام في قذف السب وأما قذف الشهادة، فهو أن يشهد بالزنا دون الأربعة فإنهم فسقة، وقال قوم يحدون وقال آخرون لا يحدون، فالتوبة ههنا أن يقول قد ندمت على ما كان مني ولا أعود إلى ما أتهم فيه ولا يقول ولا أعود إلى ما قلت، لأن الذي قاله شهادة فيجزيه أن يقول لا أعود إلى ما أتهم فيه، فإذا قال هذا زال فسقه وثبتت عدالته وقبلت شهادته، ولا يراعى صلاح العمل. والفرق بين هذا وبين قذف السب هو أن قذف السب ثبت فسقه بالنص وهذا بالاجتهاد عندهم. ويجوز للإمام عندنا أن يقول تب أقبل شهادتك، وقال بعضهم لا أعرف هذا، وإنما قلنا ذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله أمر بالتوبة.

[ 180 ]

(فصل) * (في التحفظ في الشهادة) * لا يجوز للشاهد أن يشهد حتى يكون عالما بما يشهد به حين التحمل وحين الأداء لقوله تعالى: " ولا تقف ما ليس لك به علم " (1) وقال تعالى: " إلا من شهد بالحق وهم يعلمون " (2). وروى ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الشهادة فقال هل ترى الشمس قال نعم قال على مثلها فاشهد أو دع. فإذا ثبت هذا فالكلام فيما يصير به عالما فيشهد، يقع العلم له من وجوه ثلثة سماعا أو مشاهدة أو بهما، فإذا ثبت ذلك فالكلام في فصل فصل. أما ما يقع له به مشاهدة فالأفعال كالغصب والسرقة والقطع والرضاع والولادة واللواط والزنا وشرب الخمر، فله أن يشهد إذا علم بالمشاهدة ولا يصير عالما بذلك بغير مشاهدة. فأما ما يقع العلم به سماعا فثلثة أشياء النسب والموت والملك المطلق أما النسب فإذا استفاض في الناس أن هذا فلان بن فلان صار متحملا للشهادة له بالنسب لأن الولد يلحق بأبيه استدلالا فصح أن يحتمل الشهادة به استدلالا ولأنه لا يمكنه التوصل إلى معرفته قطعا فصار عالما متحملا للشهادة بالاستفاضة. فإذا ثبت هذا فمتى استفاض في الناس ذلك صار متحملا للشهادة بالنسب، وأقل

(1) الاسراء: 36.
(2) الزخرف: 86.

[ 181 ]

ما يتحمل به الشهادة أن يسمع عدلين فصاعدا يقولون ذلك، فإذا شهدا بذلك فهو شهادة ابتداء، ولا يشهد به من حيث الشهادة على الشهادة، لأنه لا يقول أشهدني فلان بن فلان بكذا وكذا فأما إن سمع الرجل يقول هذا ابني والابن ساكت أو قال رجل هذا أبي والأب ساكت صار متحملا لأن سكوته في العادة سكوت رضى بذلك معترف به. وأما الموت فكذلك يتحملها بالاستفاضة لأن أسباب الموت كثيرة مختلفة، فإذا سمع الناس يقولون قد مات فلان صار شاهدا بموته. فإذا ثبت هذا فأقل ما يستفيض به عنه أن يسمعه من عدلين، فإذا سمع ذلك من عدلين صار محتملا لها يشهد شهادة نفسه، لا أنه يشهد على شهادة غيره. وأما الملك المطلق فكذلك إذا استفاض في الناس أن هذا ملك فلان من دار أو دابة أو عبد أو ثوب صار شاهدا بذلك، لأن أسباب الملك كثيرة مختلفة يملك بالشراء والهبة والغنيمة والإحياء والارث فلهذا صار به شاهدا بالاستفاضة كالموت والنسب سواء، فإذا سمعه من عدلين فصاعدا أجزأه وصار شاهدا بنفسه لأنه يؤديها عن غيره. فإذا ثبت هذا فإنما يشهد بالملك المطلق بالاستفاضة دون سببه، فلا يقول ملكه بالشراء أو بالهبة أو بالإحياء أو غنيمة، لأن هذه الأسباب لا يشهد بها بالاستفاضة، ولهذا لا يصح أن يعزى ذلك إليها إلا الميراث، فإنه يصح أن يعزيه إلى سببه بالاستفاضة لأن سببه الموت، والموت يثبت بالاستفاضة والارث يقع به، فلهذا صح أن يعزيه إليه بالاستفاضة. فأما إن كان في يده دار يتصرف فيها مطلقا من غير منازع بالهدم والبناء والاجارة والاعارة وغير ذلك، فيسوغ للشاهد أن يشهد له باليد بلا إشكال وأما بالملك المطلق فلا تخلو المدة من أحد أمرين إما أن يكون طويلة أو قصيرة، فإن كانت طويلة مرت عليه السنون على صورة واحده من غير منازعة، قال بعضهم يشهد له بذلك لأن عرف العادة قد تقرر أن من تصرف مطلقا من منازع كان متصرفا في ملكه.

[ 182 ]

وقال غيره إن البينة يشهد له باليد والتصرف وأما بالملك مطلقا فلا، لأن اليد يختلف فيكون مستعير أو مستأجر أو مالك أو وكيل أو أمين أو وصي والتصرف واحد فإذا اختلف الأيدي وأحكامها لم يجز أن يشهد بالملك المطلق. ولأن اليد لو كانت ملكا لوجب إذا حضرا عند الحاكم فقال المدعي أدعى دارا في يد هذا، أن لا يسمع دعواه لأنه قد اعترف بالملك له، فلما سمعت دعواه ثبت أن اليد لا تدل على ملك، ولا يكون ملكا. فأما إن كانت المدة قصيرة كالشهر والشهرين ونحو ذلك، فإنه لا يشهد له بالملك لأن الزمان قصير على هذه الصورة يتفق كثيرا، فلا يدل على ملك، ويفارق هذا الزمان الطويل لأنه في العرف أنه في ملك. فأما الشهادة باليد فلا شبهة في جوازها، وقال بعضهم يشهد له بالملك وقال لأنه لما صح أن يشهد على بيع ما في يديه صح أن يشهد له بالملك، وروى أصحابنا أنه يجوز له أن يشهد بالملك كما يجوز له أن يشتريه ثم يدعيه ملكا له. وأما ما يحتاج إلى سماع وإلى مشاهدة فهو كالشهادة على العقود كالبيع والصرف والسلم والصلح والاجارات والنكاح ونحو ذلك، لا بد فيها من مشاهدة المتعاقدين، وسماع كلام العقد منهما، لأنه لا يمكن تحمل الشهادة قطعا إلا كذلك، فإنه يزيد على الأفعال فإنه يفتقر إلى سماع كلام العقد منهما فإن عرفهما بأعيانهما وأسمائهما وأنسابهما أو لا يعرفهما بذلك فاستفاض عنده نسبهما بعدلين وأكثر صح أن يشهد عليهما حاضرين وغايبين: إن حضرا بالمشاهدة وإن غابا بالاسم والنسب وإن عرفهما بأعيانهما دون الاسم والنسب جاز أداؤها حاضرين ولا يجوز إذا كانا غايبين لأنه لا يعرف عين الغير. فأما النكاح والوقف والولاء والعتق فهل يصح تحملها بالاستفاضة كالملك المطلق والنسب؟ قال قوم يثبت كلها بالاستفاضة، لأن في أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم خديجة وعايشة تثبت الزوجية لهما بالاستفاضة فكذلك ههنا ولأن الوقف يبنى على التأبيد فلا يبقى من

[ 183 ]

يشهد به من الواقف، فبنا حاجة إلى الشهادة به بالاستفاضة وإلا بطلت الوقوف وهذا الذي يقتضيه مذهبنا. وقال قوم لا يثبت وقالوا إنما تثبت أزواج النبي صلى الله عليه وآله بالتواتر فأشهدنا بالاستفاضة والتواتر توجب العلم فهو كالشهادة بأن في الدنيا مكة وهذا صحيح، وأما الوقوف فإن الحاكم يجدد كتبها كلما مضت مدة تفانى فيها الشهود، فإنه يثبت بالشهادة على الشهادة فلا يخاف بطلان الواقف، وهذا لا يصح على مذهبنا لأن الشهادة على الشهادة لا تجوز عندنا، وإنما يجوز دفعة واحدة، فعلى هذا يؤدي إلى بطلان الوقف. فمن قال لا يثبت بالاستفاضة فلا كلام ومن قال يثبت بالاستفاضة فإنما يشهد ويقول هذه زوجة فلان ولا يشهد بالعقد، ويقول هذا وقف فلان ولا يشهد بالعقد وكذلك الولاء والعتق على هذا التفصيل، وليس لأحد أن يقول إن الشهادة بالاستفاضة ليست شهادة بعلم، وقد قلتم أنه لا يجوز أن يشهد إلا بما يعلم؟ قلنا إنما أردنا في هذا القسم غالب الظن دون القطع الذي يحصل مع المشاهدة. وأما ما يتحمل الشهادة عليه بالمشاهدة وهي الأفعال فإن الأعمى لا يتحمل الشهادة عليها لأنها تتحمل بالمشاهدة ولا مشاهدة للأعمى وهو إجماع. وأما ما يتحمل الشهادة فيه بالسماع وهو النسب والموت والملك المطلق فإن الأعمى يشهد بها لأنها إنما يفتقر إلى سماع من غير مشاهدة، وقال قوم: لا يقبل شهادته. وأما ما يفتقر إلى سماع ومشاهدة وهي شهادة العقود كلها فإن شهادة الأعمى لا تصح فيها كالبيوع والصرف والسلم والاجارة والهبة والنكاح ونحو ذلك وفي هذا المعنى الشهادة على الاقرار وفيه خلاف والذي يقتضيه مذهبنا أنه يقبل شهادته إذا كانت حاسة سمعه صحيحة وحصل له العلم بغير المشاهدة. وأما الكلام في فروع شهادة الأعمى فجملته أنه إذا تحمل الشهادة على الأفعال أو العقود وهو صحيح ثم عمى، فإن كان تحملها على الأعيان مثل أن شهد على عين

[ 184 ]

إنسان بذلك وهو لا يعرف اسمه ونسبه لم يجز له الأداء لأنه لا يقدر أن يؤديها على تلك العين وإن كان شهد بحملها على الاسم والنسب جاز أن يؤديها على ذلك بعد العمى. وهكذا إذا كانت يده في يدي رجل وهو يبصر فعمى ويده في يده وهو عارف باسمه ونسبه صح أن يتحمل الشهادة عليه وهو أعمى، بأن يقرب فاه من أذن الأعمى فيقر بحق فيتحمل الشهادة عليه وهو أعمى ويؤديها وهو أعمى وكذلك شهادة المضبوط وهو أن يمسك برأس رجل ويقرب فاه إلى أذنه فيقر بحق فلا يفارقه حتى يأتي به الحاكم فيقول له هذا أقر لفلان بكذا وكذا، وكذلك يقبل في الترجمة إذا كان حاضرا عنده فتخاصم إليه نفسان لا يعرف لغتهما فإنه يترجم عند الحاكم والترجمة شهادة فهذه أربع مسائل يقبل شهادته فيها. وأما النسب والموت والملك المطلق، فقال قوم يصح أن يتحمل الشهادة وهو أعمى ويؤديها وهو أعمى: لأن الاعتماد فيها على السماع والأعمى يسمع، وقال بعضهم هذا غلط، لأنه وإن كان التحمل بالاستفاضة والاستفاضة تثبت بالسماع لكنه إذا سمع لا يدري هل سمع من ثقة أو من غير ثقة أو من مسلم أو من غير مسلم، والأول أقوى عندي لأنه قد يعرف الثقة والاسلام من غير مشاهدة. تخرج من هذا أن الأعمى يصح منه التحمل والأداء وهو أعمى، ويصح منه الأداء دون التحمل وهو ما ذكرناه فقد صح شهادة الأعمى في الجملة وقال جماعة لا يصح منه التحمل ولا الأداء بحال. وأما الأخرس فيصح منه التحمل بلا خلاف، لأنه يفتقر إلى العلم دون النطق فأما الأداء فقال قوم لا يصح وقال آخرون يصح شهادته، وهو الذي يقتضيه مذهبنا. فإذا ثبت هذا فكل جهة صح أن يتحمل الشهادة بها صح أن يحلف عليها فإذا

[ 185 ]

شاهد قاتل أبيه صح أن يحلف عليه، وإذا شاهد ولده باع ثم مات الولد صح أن يحلف عليه وكذلك النسب والموت والملك المطلق. وقد يصح أن يحلف فيما لا يسوغ فيه الشهادة وهو إذا وجد بخطه دينا على غيره وقد نسيه وهو يعلم أنه لا يكتب إلا حقا، ساغ له أن يحلف وبمثله لا يسوغ له أن يشهد. وكذلك إذا وجد في روزنامج أبيه دينا على غيره وهو يعلم أنه لا يكتب إلا حقا ساغ له أن يحلف ويستحق، وبمثله لا يشهد، والذي يقتضيه مذهبنا أنه لا يجوز أن يحلف على ذلك.

[ 186 ]

فصل * (فيما يجب على المؤمن من القيام بالشهادة) * الكلام في هذا الباب في فصلين في تحمل الشهادة وفي أدائها. أما التحمل فإنه فرض في الجملة فمن دعي إلى تحملها على نكاح أو بيع أو غيرهما من دين أو عقد لزمه التحمل لقوله تعالى " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " ولم يفرق، ولقوله تعالى " ولا يضار كاتب ولا شهيد ". تأول أهل التفسير لهذا الكلام ثلاث تأويلات: فقال ابن عباس معناه لا يضر الشاهد والكاتب لمن يدعوه إلى تحملها، ولا يحتج عليه بأن لي شغلا أو خاطب غيري فيها، ومنهم من قال معناه لا يضر الشاهد بمن يشهد له فيؤدي غير ما يتحمل ولا يغير الكاتب لمن يكتب له فيكتب غير ما قيل له ومنهم من قال معناه لا يضر بالشاهد والكاتب من يستدعيه فيقول له دع أشغالك واشتغل بحاجتي. فإذا ثبت أن التحمل فرض على الجملة فإنه من فروض الكفايات إذا قام به قوم سقط عن الباقين، كالجهاد والصلوة على الجنايز ورد السلام وقد يتعين التحمل وهو إذا دعي لتحملها على عقد نكاح أو غيره أو على دين، وليس هناك غيره، فحينئذ يتعين التحمل عليه كما يتعين في الصلوة على الجنازة والدفن ورد السلام. فأما الأداء فإنه في الجملة أيضا من الفرايض لقوله تعالى " ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه " وقال " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " وهذه يمكن أن يستدل بها على وجوب التحمل وعلى وجوب الأداء وهي بوجوب الأداء أشبه، فإنه سماهم شهداء ونهاهم عن الآباء إذا دعوا إليها، وإنما يسمى شاهدا بعد تحملها.

[ 187 ]

وهو من فرايض الكفايات إذا كان هناك خلق قد عرفوا الحق وصاروا به شاهدين فإذا قام به اثنان سقط الفرض عن الباقين كالصلوة على الجنايز، وقد يتعين الفرض فيه، وهو إذا لم يتحمل الشهادة إلا اثنان أو تحملها خلق ولم يبق منهم إلا اثنان، تعين عليهما الأداء كما لو لم يبق من فرض الميت إلا من يطيق الدفن، فإنه يتعين الفرض عليهم. فإذا ثبت هذا فالكلام في بيان فرايض الأعيان والكفايات، وجملته أنه لا فصل بين فرايض الأعيان والكفايات ابتداء وأن الفرض يتوجه على الكل في الابتداء لأنه إذا زالت الشمس توجهت الظهر على الكل، وإذا مات في البلد ميت توجه فرض القيام به على الكل، وإنما يفترقان في الثاني، وهو أن ما كان من فرايض الأعيان إذا قام به قوم لم يسقط عن الباقين مثل الظهر، وكذلك الزكاة والصوم وغيرهما من فرايض الأعيان، وفروض الكفايات إذا قام بها قوم سقط الفرض عن الباقين، لأن المقصود دفن الميت، فإذا دفن لم يبق وجوب دفنه بعد دفنه على أحد. يجوز قبول شهادة العبيد عندنا في الجملة على كل أحد، إلا على ساداتهم سواء شهدوا على حر أو عبد، مسلم أو كافر، بقليل أو كثير، وقال قوم لا يقبل بحال وفيه خلاف. لا خلاف أن شهادة أهل الذمة لا تقبل على المسلم، إلا بما يتفرد به أصحابنا في الوصية خاصة في حال السفر عند عدم المسلم، فأما قبول شهادة بعضهم على بعض، فقال قوم لا تقبل بحال لا على مسلم ولا على مشرك، اتفقت ملتهم أو اختلفت، وفيه خلاف، و يقوى في نفسي أنه لا يقبل بحال لأنهم كفار فساق، ومن شرط الشاهد أن يكون عدلا. كل من خالف مذهب الحق من سائر الفرق المخالفة، فإنا لا نقبل شهادتهم، وفي أصحابنا من كفر الجميع، وفيهم من كفر بعضا وفسق بعضا، وليس ههنا موضع تفصيله. وقال بعضهم أهل الأهواء على ثلثة أضرب كفار وفساق وعدول، فالكفار من قال

[ 188 ]

بخلق القرآن وجحد الرؤية وقال بخلق الأفعال، فهؤلاء كفار لا تقبل شهادتهم، ويرثهم المسلمون ولا يرثونهم، وفساق وهم الذين يسبون السلف فلا يقبل شهادتهم، وعدول وهم أهل البغي. فمن كان من الصحابة باغيا فهو على عدالته وقبول شهادته، لكنه اجتهد فأخطأ فله أجر، وأهل العدل على العدالة اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران، وقد قلنا ما عندنا. وأما البغاة فعندنا كفار وقد بيناه في قتال أهل البغي.

[ 189 ]

فصل * (في الحكم بالشاهد الواحد مع اليمين) * عندنا يجوز القضاء بالشاهد الواحد مع يمين المدعي، وبه قال جماعة وأباه آخرون، وقال بعضهم الترتيب ليس شرطا بل هو بالخيار، إن شاء حلف قبل شاهده وإن شاء بعده كالشاهدين من شاء شهد قبل صاحبه والصحيح أنه على الترتيب يشهد له شاهده ثم يحلف. فإذا ثبت جواز ذلك فالكلام بعده فيما يقضي بها فيه وما لا يقضي. وجملته كل ما كان مالا أو المقصود منه المال فإنه يثبت بالشاهد واليمين، فالمال القرض والغصب والدين وقضاء الدين وأداء مال الكتابة، وأما المقصود منه المال فعقود المعاوضات كالبيع والصرف والسلم والصلح والاجارة والقراض والمساقات والهبة والوصية والجناية التي توجب المال كالخطاء وعمد الخطاء وعمد يوجب المال كما لو قتل ولده أو عبد غيره أو أجافه أو قطع يده من وسط الساعد كل هذا يثبت باليمين مع الشاهد. فأما ما لم يكن مالا ولا المقصود منه المال، فإنه لا يثبت بالشاهد واليمين كالنكاح والخلع والطلاق والرجعة والقذف والقصاص والقتل الموجب للقود والنسب والعتق والولاء والتدبير والكتابة والتوكيل والوصية إليه والوديعة عنده، كل هذا لا يثبت بالشاهد واليمين وكذلك الرضاع والولادة والاستهلال والعيوب تحت الثياب لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: استشرت جبرئيل في القضاء باليمين مع الشاهد فأشار على بذلك في الأموال لا يعدو ذلك. فأما الوقف فقال قوم يثبت بالشاهد واليمين، وقال آخرون لا يثبت بناء على من ينتقل الوقف إليه، فمن قال ينتقل إلى الله قال لا يثبت إلا بشاهدين كالعتق، ومن

[ 190 ]

قال ينتقل إلى الموقوف عليه، قال هذا يثبت بشاهدين وشاهد وامرأتين وشاهد ويمين المدعي، وهو الذي يقتضيه مذهبنا. وكل موضع قلنا يقضي بالشاهد مع اليمين فإذا أقام المدعي شاهدا واحدا فهو بالخيار بين أربعة أشياء أن يحلف معه أو يقيم شاهدا آخر أو امرأتين أو يرفض شاهده ويستحلف المدعى عليه. فإن اختار أن يحلف معه لم يحلف حتى يثبت عنده عدالته، وإن اختار أن يأتي بشاهد آخر لم يبحث عن العدالة حتى يكمل عدد شهوده، وكذلك إن أتى بامرأتين وإن قال لست أختار اليمين مع الشاهد، ولا ضم غيره إليه وأختار مطالبة المدعى عليه باليمين، كان له ذلك. فإذا اختار الاستحلاف نظرت فإن اختار أن يسترد ما بذله ويحلف هو لم يكن له لأن من بذل اليمين لخصمه لم يكن له أن يستردها بغير رضاه، كيمين الرد إذا بذلها المدعي عليه للمدعي لم يكن له أن يستردها إلى نفسه بغير رضاه. وإن اختار أن يقيم على ذلك ويستحلف المدعى عليه كان له، فإذا فعل هذا لم يخل المدعى عليه من أحد أمرين إما أن يحلف أو ينكل، فإذا حلف أسقط دعوى المدعي وإن لم يحلف فقد نكل وحصل له مع المدعي نكول وشاهد، وهل يقضي بنكوله مع شاهد المدعي؟ فعندنا أنه لا يحكم به عليه، وبه قال جماعة، وقال بعضهم يحكم عليه بالنكول مع موافقته أن القضاء بالنكول إذا لم يكن مع المدعي شاهد لا يجوز. فإذا تقرر أنه لا يقضى عليه بالنكول، فهل يرد اليمين على المدعي أم لا قال قوم لا يرد عليه لأنها يمين بذلها لخصمه، فإذا عفا عنها لم يعد إلى باذلها كيمين المدعى عليه إذا بذلها للمدعي ثم عفى عنها، فإنها لا تعود إلى باذلها، وقال آخرون يرد إليه وهو الأصح عندنا، لأن هذه غير تلك، فإن هذه يمين الرد يقضى بها في الأموال وغيرها، وتلك يمينه مع الشاهد لا يقضى بها في الأموال، وسببه غير سبب تلك، فإن سببها نكول المدعى عليه.

[ 191 ]

فمن قال لا يرد عليه حبس المدعى عليه حتى يحلف أو يعترف، ومن قال يرد ردها، فإن حلف ثبت حقه، وإن لم يحلف انصرف. إذا ادعى جماعة على رجل أن أبانا مات وخلف دينا عليك ألفا أو ادعوا عليه أن فلانا الميت قد أوصى لنا بوصية وهي ألف درهم في يديك، فهما مسئلتان: الأولى ادعوا دينا لأبيهم عليه، وأنهم قد ورثوه، والثانية ادعوا وصية عنده وأنهم يستحقونها وأقاموا شاهدا واحدا، كان لهم أن يحلفوا معه، لأنه مال. ثم ينظر فيه إن حلف الكل مع شاهد قضى لهم بذلك، وإن كان دينا كان بينهم على فرايض الله، لأنهم ورثوه عن أبيهم، وإن كان الحق وصية كانت بالسوية لأنها عطية والعطايا بالسوية، إلا أن يكون الموصي فاضل بينهم فيكون على تفضيلها. هذا إذا حلف الكل فأما إن حلف بعضهم، مثل أن كانا أخوين فحلف أحدهما فإنه يستحق ما حلف عليه يتفرد به لا يشاركه أخوه فيه، ومن لم يحلف سقط حقه، فهذا الناكل لا يشارك الحالف فيما حلف عليه، لأنه إذا كان لهما بالحق شاهد واحد ملك كل واحد منهما أن يحلف معه ويستحق، فإذا لم يحلف البعض فقد أدحض حجته وأسقط حقه، فلا يشارك الحالف فيما استحقه بيمينه. وإن كان أحدهما معتوها أو صبيا فإن وليه يدعي له ولا يحلف لأنه ليس من أهل اليمين ولا يحلف عنه وليه لأن الأيمان لا يدخلها النيابة، فيتوقف حقه، فإن عقل المعتوه أو بلغ الصبي حلف وثبت حقه، وإن مات قام وارثه مقامه حلف واستحق. إذا مات وخلف وارثا وللميت دين على رجل، ولقوم على الميت دين، وهناك وصية قد أوصى بها يستحق من تركته وأقام وارثه شاهدا واحدا بدين أبيه كان له أن يحلف مع الشاهد، لأنه يقوم مقام أبيه بعد وفاته، ولو كان أبوه حيا حلف مع شاهده وثبت دينه، كذلك وارثه يحلف مع الشاهد ويثبت حقه.

[ 192 ]

فإذا ثبت حقه كان ذلك في تركة الميت وتعلق حق الغرماء بها، فيكون الوارث بالخيار بين أن يقضي دين أبيه من عين التركة أو من غيرها، فإن قضاه من غيرها كانت له، وإن قضى من عينها كان الباقي له، فإن كان هناك وصية كانت من الثلث بعد الدين. فإن لم يحلف الوارث مع الشاهد، قال قوم للغرماء أن يحلفوا، وقال آخرون ليس لهم ذلك، وهو الصحيح عندنا، فمن قال لهم أن يحلفوا قال: لأن كل حق إذا ثبت صار إليه كان له أن يحلف عليه، كالوارث فإنه لو حلف صار له كذلك الغريم مثله. وإنما قلنا إنه ليس لهم أن يحلفوا، لأنه إذا ثبت كان ثبوته للميت يرثه ورثته عنه، بدليل أنه لو كانت التركة عبدا وأهل شوال كانت فطرته على ورثته، وكان لهم أن يقضوا الدين من عين التركة ومن غيرها، وإنما يتعلق حق الغرماء بالتركة كما يتعلق حق المرتهن بالرهن، فإذا كان ثبوته لغيرهم لم يجز أن يحلف يمينا يثبت بها مالا لغيره، فإن الانسان لا يثبت بيمينه مالا لغيره وهذا أصل. إذا تنازع المتداعيان حقا إذا ثبت، تعلق به حق لثالث، فمتى لم يحلف من إليه اليمين، هل للثالث أن يحلف؟ على قولين: أصحهما عندنا ليس له، ولهذا نظاير منها أن الراهن إذا وطئ جاريته المرهونة فأحبلها، فإن كان بإذن المرتهن خرجت من الرهن، ويقتضي مذهبنا أنها لا تخرج من الرهن. وإن كان بغير إذنه فعلى قولين: فمن قال تخرج فلا كلام ومن قال لا تخرج واختلفا، فقال الراهن الوطي بإذنك أيها المرتهن، وقال بغير إذني، فالقول قوله، فإن حلف برئ وكانت على الراهن، وإن نكل رددنا على الراهن يحلف وتخرج من الرهن، فإن لم يحلف الراهن فهل تحلف الجارية أم لا، على قولين، لأن لها به تعلقا وهو ثبوت حرمة الحرية لها بذلك، وهذا على مذهبنا لا يصح لأنها بالوطي لا تخرج من الرهن بحال، لأنها مملوكة ولم يثبت لها حرية بوجه. إذا مات وخلف تركة وعليه دين انتقلت تركته إلى ورثته، سواء كان الدين وفق التركة أو أكثر أو أقل منها، وتعلق حق الغرماء بالتركة والدين باق في

[ 193 ]

ذمة الميت كالرهن يتعلق بالعين والدين في ذمة الراهن، وللوارث أن يقضي الدين من عين التركة ومن غيرهما، كما للراهن ذلك في الرهن. وقال بعضهم إن كان الدين يحيط بالتركة لم ينتقل إلى وارثه، وكانت مبقاة على حكم ملك الميت، فإن قضى الدين من غيرها ملكها الوارث الآن، وإن كان الدين محيطا ببعض التركة لم ينتقل قدر ما أحاط الدين به منها إلى ورثته، وانتقل إليهم ما عداه. وقال قوم إن كان الدين محيطا بالتركة لم ينتقل إلى الورثة، وإن لم يكن محيطا بها انتقلت كلها إلى الورثة. وفايدة الخلاف فوايد المال ونماؤه، فمن قال انتقلت التركة إلى الورثة كان النماء للورثة لا حق للغرماء فيها، كالثمرة والنتاج وكسب العبد ونحو ذلك، ومن قال لا ينتقل التركة إليهم تعلق الحق بالنماء كما هو متعلق بالأصل. وهكذا لو أهل هلال شوال وفي التركة عبد، فمن قال انتقل إليهم فزكوة الفطرة عليهم، ومن قال لم ينتقل إليهم فزكوة الفطرة في التركة. فمن قال ينتقل إلى الوارث قال لأنه لو لم ينتقل إلى الوارث بالموت، لوجب إذا خلف تركة ودينا وابنين فمات أحد الابنين وخلف ابنا ثم قضى الدين بعد موت الابن، أن يكون التركة للابن الموجود دون ولد الابن الميت لأن الانتقال تجدد الآن، فلما لم يختلف أن التركة يكون بين ابن الصلب وابن الابن، ثبت أن ابن الابن ورث حق أبيه، ألا ترى أن الميت لو خلف بنين وبنات كان نصيب أبيهم وهو الابن الميت للذكر مثلا حظ الأنثى فثبت بذلك أن الملك انتقل إلى الورثة، والأقوى عندي أن ينتقل إلى الورثة ما يفضل عن مال الغرماء لقوله " من بعد وصية يوصي بها أو دين ". إذا ادعى على رجل أنه سرق نصابا من حرز مثلا فأقام به شاهدا واحدا حلف مع شاهده ولزم الغرم دون القطع لأن السرقة يوجب شيئين غرما وقطعا والغرم يثبت بالشاهد واليمين دون القطع.

[ 194 ]

ومثال هذا على مذهب الخصم لو ادعى على رجل أنه غصب منه عبدا فأنكر وحلف بطلاق زوجته وعتق عبده ما غصب منه شيئا، فأقام المدعي شاهدا واحدا وحلف مع شاهده، حكم على الغاصب بالغرم دون الطلاق والعتق، وأما القتل فإن كان يوجب مالا فإنه يثبت بالشاهد واليمين عمدا كان أو خطأ وإن كان عمدا يوجب القود فإن كان له شاهد واحد كان لوثا وكان له أن يحلف مع شاهده خمسين يمينا، فإذا حلف ثبت القتل، وعندنا يوجب القود وعند قوم يوجب الدية. إذا رمى رجلا بسهم فأصابه ثم نفذ عنه فأصاب آخر فقتله فالثاني خطأ لأنه أخطأ في فعله وفي قصده، فعلى هذا يثبت بالشاهد مع اليمين لأنه يوجب المال فقط، وأما الأول فهو عمد محض لأنه عمد في فعله وقصده، فينظر فيه فإن كان قتلا يوجب المال مثل أن قتل ولده أو عبدا لغيره أو قتل مسلم كافرا أو قطع يده من نصف الساعد أو كانت الجناية جائفة يثبت باليمين مع الشاهد، لأنه لا يوجب إلا المال ويكون اليمين واحدة كساير الأموال، وإن كان قتلا يوجب القود فهو مدع لقتل العمد، ومعه شاهد واحد، والشاهد في الدم لوث يحلف من شاهده خمسين يمينا، ويجب القود عندنا، وعند قوم تجب الدية على ما بيناه. إذا كان في يد رجل جارية وابنها فادعى عليه رجل فقال هذه الجارية أم ولدي، وهذا ولدي منها استولدتها في ملكي فهو حر الأصل ثابت النسب مني، فقد ادعى هذا الرجل في الجارية أمرين أحدهما أنها مملوكته، والثاني أنها أم ولده، وتعتق بموته، وادعى في ولدها أمرين أحدهما النسب، والثاني الحرية. فأما الجارية فإذا أقام شاهدا واحدا حلف مع شاهده، وقضى له بالجارية لأن أم الولد مملوكته، بدليل أن له استخدامها والاستمتاع بها وإجارتها وتزويجها، وإذا قتلها قاتل كان له قيمتها، فإذا كانت مملوكة قضينا له بها باليمين مع الشاهد كالأمة القن فإذا حكمنا له بها حكمنا بأنها أم ولده تعتق بوفاته باعترافه بذلك لا بالشاهد واليمين، وذلك أنا حكمنا له بها ملكا ثم اعترف بذلك، فكان في ملكه فلهذا نفذ اعترافه فيه.

[ 195 ]

هذا عند المخالف وعندنا يثبت ملكه لها ولا ينعتق بموته، إلا أن تحصل في نصيب ولدها فتنعتق عليه، وأما الولد فهل يقضى له بالشاهد واليمين؟ قال قوم لا يقضى له به، وهو الأولى، وقال آخرون يقضى له به، وإنما قلنا لا يقضى له به، لأنه ادعى نسبا وحرية والنسب والحرية لا يثبت بالشاهد واليمين. فمن قال يقضى له به تسلمه وكان ابنه حر الأصل لا ولاء عليه، وأمه أم ولده، تعتق بوفاته. ومن قال لا يقضى له به، على ما اخترناه، كان في يد من هو في يده، إن ذكر أنه ولده كان على ما قال، وإن قال مملوكي كان على ما قال. من وقف وقفا على قوم انتقل ملكه عن الواقف، وإلى من ينتقل؟ قال قوم إلى الموقوف عليه، وهو الذي يقتضيه مذهبنا، وقال قوم ينتقل إلى الله لا إلى مالك. فإذا ثبت ذلك فادعى على رجل أنه وقف عليه هذه الدار وقفا مؤبدا وأقام به شاهدا واحدا فهل يثبت بالشاهد واليمين أم لا؟ فمن قال ينتقل إلى الموقوف عليه قال يثبت بالشاهد واليمين، لأنه نقل ملك من مالك إلى مالك، ومن قال ينتقل إلى الله لا إلى مالك، قال لا يثبت إلا بشاهدين، لأنه إزالة ملك إلى الله كالعتق. وإنما قلنا أنه ينتقل إلى الموقوف عليه، لأن جميع أحكام الملك باقية عليه بحالها بدليل أنه يضمن باليد وبالقيمة ويتصرف فيه، وعند أصحابنا يجوز بيعه على وجه، ولو أقام شاهدا أن أباه تصدق بهذه الدار صدقة محرمة موقوفة (1) عليه وعلى أخوين له فمن حلف منهم ثبت حقه وصار ما بقي ميراثا. وإنما نفرض المسألة إذا كانت مع البنين غيرهم، لأنه لو لم يكن غيرهم يثبت الدار وقفا عليهم بلا يمين، فإذا تقرر ذلك لم يخل من ثلثة أحوال إما أن يحلف الكل، أو لا يحلفوا، أو يحلف بعضهم دون بعض. فإن حلف الكل حكمنا بأن الدار وقف عليهم من الواقف، وإن لم يحلف واحد منهم، فالظاهر أن الدار ميراث لجماعة ورثتهم، فإن كان عليه دين ولا شئ

(1) مؤبدة خ

[ 196 ]

له غيرها قضى منها وإن كان هناك وصية أخرجت من الثلث بعد الدين، فإن فصل فضل بعدها أو لم يكن هناك دين ولا وصية، فالحكم في الكل وفي الفاضل من الدين و الوصية واحد: إن نصيب البنين يصير وقفا عليهم باعترافهم بذلك، ونصيب بقية الورثة طلق، لأن قول البنين لا يقبل على الميت أنه وقفها عليهم، ولكن إذا صار نصيبهم إليهم حكمنا بأنه وقف عليهم بإقرارهم، وإن حلف واحد وأبى الآخران فنصيب من حلف وقف على ما ادعاه، وما حصل بعده يخرج منه الدين والوصية ثم يكون ما فضل ميراثا فمن ادعى الوقف صار وقفا على ما اعترف به ومن لم يدع الوقف كان نصيبه ميراثا طلقا. وأما إن خلف ثلثة بنين لا وارث له غيرهم، فادعوا أن أباهم وقفها عليهم، حكمنا بأنها وقف لأنه إقرار في حقهم ولا حاجة بهم إلى شهادة. فإن خلف ثلثة بنين وادعوا دارا في يد أجنبي وأنها وقف عليهم وأنها في يده غصب بغير حق غصبها منهم، وأقاموا شاهدا واحدا حلفوا معه، لأنهم ادعوا الغصب وغصب الوقف يصح، والغصب يثبت بالشاهد واليمين، فلهذا حلفوا، فإذا حلفوا سلمت الدار إليهم، فإن قيل يثبت الوقف باليمين والشاهد كانت الدار وقفا عليهم من الواقف، ومن قال لا يثبت بالشاهد واليمين كانت وقفا عليهم بإقرارهم في ملكهم أنه وقف. وهكذا إن ادعى غلاما في يد رجل فقال هذا الغلام كان عبدي فأعتقته وأنت تسترقه بغير حق وهو حر والولاء لي عليه، وأقام بذلك شاهدا واحدا حلف مع شاهده، واستنقذه من يده، فإذا صح أن يستنقذه بالشاهد واليمين حكمنا بأنه حر وأن له عليه الولاء، لأنه معترف في حق نفسه. وأما إن مات وخلف ثلث بنين ومات عمرو وخلف ابنا وفي يده دار فادعى واحد من البنين على ابن عمرو فقال هذه الدار التي في يدك وقفها أبوك على وعلى أخوى، فأنكر ذلك فأقام شاهدا واحدا فإنه يحلف معه ثم لا يخلو من ثلثة أحوال إما أن يحلف الكل أو لا يحلف واحد منهم أو يحلف بعضهم دون بعض.

[ 197 ]

فإن حلف الكل كانت وقفا عليهم من عمرو، وإن لم يحلفوا فهي ميراث لوارث عمرو، وإن حلف واحد منهم كان ثلثها وقفا عليه وحده، والثلثان ميراثا لوارث عمرو. إذا خلف ثلثة بنين وبنات وزوجة وأبوين فادعى أحد البنين أن هذه الدار وقفها أبونا على وعلى أخوى صدقة محرمة، فإذا انقرضوا فعلى أولادهم ثم على الفقراء والمساكين، فصدقه الأخوان وكذبه بقية الورثة، وأقاموا شاهدا واحدا كان لهم أن يحلفوا مع الشاهد على ما اخترناه ولا يخلو من ثلثة أحوال إما أن يحلفوا أو لا يحلفوا أو يحلف بعضهم دون بعض، والتفريع على فصل فصل. فإن حلفوا حكمنا بأن الدار وقف عليهم، وتكون بينهم بالسوية، فإذا انقرض الثلثة لم يخل من أحد أمرين إما أن ينقرضوا دفعة واحدة أو واحدة بعد واحد، فإن انقرضوا دفعة واحدة انتقل الوقف إلى البطن الثاني، لأن الواقف هكذا شرطه، وأنه على الترتيب. وهل يفتقر البطن الثاني إلى اليمين أم لا؟ الصحيح أنه لا يفتقر إليه، وقال بعضهم لا يصير وقفا على البطن الثاني إلا بيمين لأن البطن الثاني يأخذ الوقف من الواقف لا من البطن الأول، فهو كالأول لا بد له من يمين ولأنه لو قال وقفت على أولادي وأولاد أولادي ولم يرتب، لم يدخل ولد الولد بغير يمين، كذلك إذا رتب. والأول أصح لأمرين أحدهما أنه يثبت الوقف بالشاهد واليمين، فإذا ثبت فلا يحتاج إلى بينة مرة أخرى، كما لو ادعى دارا وأقام شاهدا فحلف مع شاهده يثبت الدار له، فإن مات كان لوارثه بغير تجديد يمين. فإذا ثبت هذا وانقرض البطن الثاني أو لم يكن بطن ثان، كان للفقراء والمساكين فلا خلاف أنه لا يمين عليهم، لأنهم لا ينحصرون، ولكن ما حكم الوقف؟ فمن قال تصير وقفا على البطن الثاني بغير يمين، قال كذلك على الفقراء والمساكين، ومن قال يفتقر إلى اليمين، قال في المساكين وجهان أحدهما يبطل الوقف لأنه إنما يثبت بيمين فإذا

[ 198 ]

لم يمكن بطل، والثاني يصير وقفا عليهم بغير يمين، لأنه موضع ضرورة، فإذا تعذرت اليمين سقط حكمها ويثبت الوقف. هذا الكلام إذا انقرضوا دفعة واحدة فأما إذا انقرضوا واحدا بعد واحد، فإذا مات أحد البنين صار نصيبه إلى أخويه، فإذا مات الثاني صار الكل إلى الثالث، ولا يكون للبطن الثاني شئ ما بقي من الأول واحد، لأنه هكذا رتب. وهل يفتقر الأخوان إلى اليمين بعد موت الأول؟ فمن قال يصير وقفا على البطن الثاني بغير يمين قال هذا أولى، لأنهم أثبتوا الوقف بأيمانهم، ومن قال يحلف البطن الثاني فههنا على وجهين أحدهما يحلفان أيضا لأن الوقف صار إليهم من غيرهم، وأشبه البطن الثاني، والوجه الثاني لا يمين، لأنهم قد حلفوا مرة على تثبيته فلا معنى لاحلافهم مرة أخرى، ويفارق البطن الثاني لأنه ما حلف قط، فلهذا استحلفناهم. فإذا انقرض الثالث انتقل إلى البطن الثاني، والحكم في اليمين على ما مضى فإن انقرض البطن الثاني وانتقل إلى المساكين فالحكم على مضى. هذا الكلام إذا حلف الكل فأما إذا لم يحلف واحد منهم، فالدار ميراث على الورثة فإن كان هناك دين بدئ بالدين ثم بالميراث وإن كان هناك وصية فالوصية ثم الميراث، فإن فضل فضل أولم يكن هناك دين ولا وصية فالحكم في الكل وفي الفضل واحد يكون الكل ميراثا. فمن ادعى الوقف صار نصيبه من الميراث وقفا لاعترافه به، ومن لم يدع الوقف فنصيبه طلق يتصرف فيه كيف شاء فإذا انقرض البنون صار نصيبهم من الميراث وقفا على البطن الثاني بغير يمين، لأنه ثبت وقفا على البطن الأول بغير يمين، فلم يفتقر البطن الثاني إلى اليمين. هذا الحكم في نصيب من اعترف بالوقف وادعاه، فأما نصيب من لم يدع ذلك فطلق، فإن قال البطن الثاني نحن نحلف على ما لم يحلف عليه آباؤنا وننتزع بقية الدار من بقية الورثة ليصير الكل وقفا علينا، قال قوم لا يحلفون لأنهم تبع لآبائهم

[ 199 ]

وإذا لم يحلف المتبوع لم يحلف التابع، وقال آخرون يحلفون وينتزع بقية الدار من أيديهم ويبطل تصرفهم فيه، لأن البطن الثاني كالأول لأن الوقف صار إليه عن الواقف ثم كان للأول أن يحلف مع الشاهد، فكذلك لوارثه، ولأنا لو قلنا لا يحلف البطن الثاني جعلنا للبطن الأول إفساد الوقف على البطن الثاني، وهذا لا سبيل إليه وهذا الوجه أقوى عندي. فمن قال لا يحلف كان نصيب البنين ملكا طلقا، ومن قال يحلفون حلفوا وصارت الدار كلها وقفا. فأما إن حلف واحد منهم دون الأخوين، فنصيب من حلف وقف عليه، والباقي ميراث بين الآخرين وبقية الورثة، غير أن نصيب الأخوين وقف باعترافهما، ونصيب من بعدهما طلق على ما قلناه. فإن مات الحالف لم يخل من أحد أمرين إما أن يموت قبل موت أخويه أو بعده، فإن مات بعد موتهما فنصيبهما على البطن الثاني وقف بغير يمين، لأنها ما حلفا، وإنما ثبت باعترافهما، وأما نصيب الحالف فيصير للبطن الثاني وهل يحلف البطن الثاني؟ على ما مضى من الخلاف. وإن مات الحالف قبل موت الأخوين، فإلى من ينتقل نصيبه منها؟ فيه ثلثة أقوال: قال قوم يصير إلى أخويه، لأنه لا يمكن رده إلى البطن الثاني لبقاء الأول ولا إلى أقرب الناس إلى الواقف لأنهما أقرب إلى الواقف، فكان لهما دون الكل، فعلى هذا يحلف الأخوان أم لا؟ على وجهين، ولا شاهد على البطن الثاني كما بينا في المسألة قبلها، لأن الأخوين كانا قد حلفا مرة فلهذا رجع إلينا لما انتقل إليهما وههنا ما حلف الأخوان قط، فلهذا كانت اليمين على الوجهين كالبطن الثاني سواء. وقال بعضهم ينتقل إلى أقرب الناس إلى الواقف، لأنه لا يمكن رده على الأخوين وهو البطن الأول، لأنهما قد رداه، ولا يمكن رده إلى البطن الثاني لبقاء البطن الأول فلم يبق غير أقرب الناس إلى الواقف، فعلى هذا متى انقرض أقربهم إليه انتقل إلى البطن الثاني، وهل يحلف البطن الثاني أم لا؟ على ما مضى من الوجهين.

[ 200 ]

وقال الفرقة الثالثة ينتقل إلى البطن الثاني لأن الأول قد رده ولا يمكن رده إلى أقرب الناس إلى الواقف، لأن البطن الأول باق فلم يبق إلا البطن الثاني، وهذا القول أقوى عندي من غيره. إذا خلف ثلثة بنين وغيرهم من الورثة، فادعى أحد البنين أن أباه وقف هذه الدار عليه وعلى أخويه وعلى أولادهم ما توالدوا وتناسلوا، فشرك بين البطن الأول والثاني ومن بعدهم، ولم يرتب بطنا بعد بطن، والتي قبلها مرتب بطنا بعد بطن، فإذا ادعى ذلك وأقام شاهدا واحدا وصدقه أخواه لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون هناك بطن ثان أو لا يكون. فإن كان هناك بطن ثان مثل أن كان هناك ولد ولد، لم يستحق مع البطن الأول شيئا من الوقف حتى يحلف كأحد البنين، لأن ولد الولد يتلقى الوقف من الواقف بلا واسطة، فلم يكن له شئ من الوقف بغير يمين، كالبطن الأول. وتحقيقه أنا لا نقضي بالدعوى والشاهد الواحد بغير يمين، ولا نعطي بمجرد الدعوى حتى يحلف مع شاهده، ويفارق المسألة قبلها، حيث قلنا يصير إلى البطن الثاني بغير يمين على المذهب الصحيح، لأن بين الواقف وبين الثاني واسطة يثبت الوقف بيمينه، فلهذا لم يفتقر البطن الثاني إلى اليمين وليس كذلك في هذه المسألة، لأنه يتلقى الوقف من الواقف بلا واسطة، فلهذا لم يكن بد من اليمين فإذا ثبت هذا فإن حلف ولد الولد كان كأحد الثلثة يكون له ربع الوقف. هذا إذا كان له حين الوقف ولد ولد بالغ، فأما إن لم يكن له حين الوقف ولد ولد ثم ولد له، أو كان وكان ممن لا يصح أن يحلف لصغر أو جنون الباب واحد، فإنه يعزل لولد الولد ربع الغلة من الوقف، لأنهم قد اعترفوا له بذلك، ويدهم عليه فنفذ إقرارهم فيه، لكن الذي يعزل لا يسلم إلى وليه حتى يبلغ فيحلف لأنه إذا كان الشاهد واحدا لم يأخذ أحد منهم شيئا حتى يحلف مع شاهده. إن قالوا هلا قلتم يسلم ربع الغلة إلى وليه لأنهم قد اعترفوا له بذلك كما لو كانت الدار في يد ثلثة فاعترفوا بربعها لصبي لزم الاقرار ودفع الربع إلى وليه قلنا

[ 201 ]

الفصل بينهما من وجهين أحدهما إذا كانت الدار في أيديهم فاعترفوا بربعها لصبي كان اعترافا في حق أنفسهم فيما هو في الظاهر ملكهم، فلهذا سلم الربع إلى وليه، وليس كذلك في مسئلتنا لأنهم اعترفوا في حق الغير وهو البطن الثالث ومن تولد بعدهم، والثاني إذا أقروا كان إقرارا فيما لزمهم في حق أنفسهم، فلهذا ثبت ولزمهم دفعه إلى وليه، وليس كذلك في مسئلتنا لأنه إقرار على الغير وهو الميت الواقف فلا يثبت ذلك بقولهم. فإذا ثبت أن الربع يعزل فإذا عزلناه فلا يخلو من ثلثة أحوال إما أن يبلغ فيحلف أو يرد أو يموت، فإن حلف مع شاهده أخذ ما وقف له لأنه قد حلف مع شاهده، وإن لم يحلف، رد الربع بين الثلثة بالسوية، وإن مات قام وارثه مقامه وحلف وأخذ المعزول فإذا أخذ المعزول عادت الغلة إلى القسمة على الأخوة الثلثة لأنه ما بقي من يشاركهم فيه والمسألة إذا كان وارث الميت غير ولده لأنه لو كان ولده دخل معهم في الوقف كأحدهم. فإن كانت بحالها فعزلنا الربع ثم مات واحد من الأخوة الثلثة فإنا نعزل له مكان الربع ثلثا لأنهم كانوا أربعة فعادوا إلى ثلثة، فإذا عزل ذلك ففيه ما ذكرناه من المسائل الثلاث إما أن يحلف أو يرد أو يموت. فإن بلغ وحلف أخذ كل الربع المعزول إلى حين وفاة الثالث والثلث من بعد وفاته لأنه قد بان أنه كان الكل له وإن رد ولم يحلف فالكلام في الربع إلى وفاة الثالث والثلث من بعد وفاته أما الربع فينقسم على ورثة الأخ الميت والأخوين الحيين، لأن الميت لو كان باقيا كان الربع بينهم بالسوية فقام وارثه معهما مقامه، فيكون لوارث الميت ثلث الربع ولأخويه ثلثاه وأما الثلث من حين مات الثالث فإنه يرد على الأخوين الحيين وحدهما دون وارث أخيهما، لأنه لو لم يكن هذا الصغير كان نصيب الميت بينهما، فإذا رد الصبي الثلث فكأنه لم يكن فيكون الثلث بينهما. وأما إن مات الصبي وخلف وارثا، حلف وارثه واستحق الكل لأنه يقوم مقامه.

[ 202 ]

فإن قيل الثلثة إذا اعترفوا بالربع للصبي كيف يعود إليهم ما اعترفوا به لغيرهم قلنا الاقرار ضربان مطلق ومعزى إلى سبب، فإذا عزى إلى سبب فلم يثبت السبب عاد إلى المقر به كقولهم مات أبونا وأوصى لزيد بثلث ماله، فرد ذلك زيد فإنه يعود على من اعترف بذلك، وكذلك من اعترف لغيره بدار في يده فلم يقبلها الغير عادت إلى المقر كذلك هيهنا.

[ 203 ]

(فصل) * (في موضع اليمين) * الأيمان تغلظ بالمكان والزمان والعدد واللفظ، ووافقنا فيه قوم وخالفنا آخرون وكذلك فيهم من خالف في المكان والزمان دون العدد واللفظ، فقال يحلفه الحاكم حيث توجهت عليه اليمين ولا يعتبر الزمان ولا المكان، والخلاف معه في هل هو مشروع أم لا؟ فعندنا وعند جماعة هو مشروع، وعنده بدعة. فإذا تقرر هذا فإنه يغلظ في كل بلد بأشرف بقعة فيه، فإن كان بمكة فبين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعلى منبر رسول الله صلى الله عليه وآله، وإن كان في بيت المقدس فعند الصخرة وإن كان بغير هذه البلاد ففي أشرف موضع فيه، وأشرف بقاع البلاد الجوامع والمشاهد عندنا. فأما التغليظ بالزمان فمشروع لقوله تعالى " تحبسونهما من بعد الصلوة فيقسمان بالله " وقيل في التفسير يعني بعد صلوة العصر، وقال صلى الله عليه وآله ثلثة لا ينظر الله إليهم يوم القيمة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل بايع إمامه فإن أعطاه وفي له به، وإن لم يعطه خانه ورجل حلف بعد العصر يمينا فاجرة ليقطع بها مال امرئ مسلم. فإذا ثبت أنها تغلظ بالمكان والزمان نظرت في الحق فإن كان مالا أو المقصود منه المال، فالذي رواه أصحابنا لا تغلظ إلا بالقدر الذي يجب فيه القطع، وقال قوم لا تغلظ إلا بما تجب فيه الزكوة وقال آخرون تغلظ بالقليل والكثير، وإن كان الحق لم يكن مالا ولا المقصود منه المال فإنه يغلظ فيه قليلا كان أو كثيرا. وأما التغليظ بالعدد ففي القسامة يحلف خمسين يمينا ويغلظ بالعدد في اللعان بلا خلاف. وأما اللفظ فيغلظ به أيضا عند الأكثر يقول " والله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية " أو ما يجري مجراه.

[ 204 ]

فالتغليظ بالعدد شرط بلا خلاف وأما بالأزمان فعلى وجه الاستحباب بلا خلاف وأما المكان فقال قوم هو شرط كالعدد وقال آخرون ليس بشرط كالزمان وهو الصحيح عندنا. وأما أصناف الحالفين فينظر، فإن كان الحالف رجلا مسلما فاليمين على ما وصفناه وإن كان الحالف امرأة فهي على ضربين: مخدرة وغير مخدرة فإن لم تكن مخدرة وهي التي تبرز في حوائجها، فإن كانت طاهرة استحلفها في المكان الشريف، كالرجل، وإن كانت حائضا فعلى باب المسجد لأنه لا يجوز للحايض أن تدخل المسجد، وإن كانت مخدرة استخلف الحاكم من يقضي بينها وبين خصمها في بيتها، فإذا توجهت اليمين عليها فهي كالبرزة في التغليظ بالمكان، فإن كانت طاهرا فيستحلفها فيه، وإن كانت حايضا فعلى باب المسجد. فأما المملوك إذا ادعى على سيده أنه أعتقه، فالقول قول السيد مع يمينه، فإن كانت قيمة العبد القدر الذي يغلظ بالمكان غلظ به، وإن كانت أقل لم يغلظ لأنه استحلاف على مال، لأنه يحلف على استيفاء ملكه بالرق وهو مال، فإن حلف السيد فلا كلام وإن نكل ردت على العبد فيغلظ عليه في المكان قلت قيمته أو كثرت، لأنه يحلف على العتق والحرية فهي يمين على ما ليس بمال ولا المقصود منه المال. ولا يجلب رجل إلى مكة والمدينة ليستحلف بل يستحلفه الحاكم في الموضع الشريف في مكانه فإن امتنع بجند أو لعز استحضره الإمام ليستحلفه في المكان الأشرف اللهم إلا أن يكون بالقرب من موضعه، وقيل بلد الإمام، قاض يقدر عليه فيستحضره ذلك القاضي ويستحلفه في المكان الأشرف. وقد قلنا أنه إذا كان بمكة يستحلفه بين الركن والمقام، فإن كانت عليه يمين أنه لا يحلف بين الركن والمقام حلفه في الحجر، فإن الحجر مكان شريف، فإن كان عليه يمين أنه لا يحلف في الحجر حلف عن يمين المقام بين المقام وبين الحجر، وإن كانت عليه يمين أنه لا يحلف في هذا المكان أيضا حلفه بالقرب من البيت في غير هذا المكان، وقال قوم يستحلفه فيه وإن كان في استحلافه حنث في يمينه كما لو حلف أنه

[ 205 ]

لا يحلف فتوجهت عليه اليمين حلف، وإن كان في استحلافه حنث. وهذا إنما يقوله من يقول إن التغليظ بالمكان شرط وأما على ما قلناه من أنه مستحب فلا يلزم ذلك، لأنه لا فائدة في إلزامه ما يحنث. المشرك إذا توجهت عليه اليمين نظرت، فإن كان يهوديا غلظ عليه باللفظ، فيقول " والله الذي أنزل التورية على موسى " لما روي أن النبي عليه السلام حلف يهوديا فقال قل والله الذي أنزل التورية على موسى بن عمران. وأما المكان فإنه يستحلف في المكان الشريف عنده وهو الكنيسة لأنه يعظمها كما يعظم المسلم المسجد. وإن كان نصرانيا حلف " والله الذي أنزل الانجيل على عيسى " لأنك لو اقتصرت على والله، ربما اعتقده عيسى، فإذا قلت الذي أنزل الانجيل على عيسى لم يمكنه ذلك الاعتقاد، وأما المكان ففي البيعة لأنه مكان شريف عنده. وإن كان مجوسيا حلف والله الذي خلقني ورزقني لئلا يتناول بالله وحده النور فإنه يعتقد النور إلها، فإذا قال خلقني ورزقني زال الابهام والاحتمال، وأما المكان فقال قوم لا يغلظ عليه، لأنه لا يعظم بيت النار وإنما يعظم النار دون بيتها، ونقول فإن كانوا يعظمون بيت النار فهو كالكنيسة يغلظ عليهم بها. وإن كان وثنيا معطلا أو كان ملحدا يجحد الوحدانية لم يغلظ عليه باللفظ واقتصر على قوله والله، فإن قيل كيف حلفته بالله وليست عنده يمينا، قلنا ليزداد إثما ويستوجب العقوبة.

[ 206 ]

(فصل آخر) الحالف لا يخلو من أحد أمرين إما أن يحلف على فعل نفسه أو فعل غيره فإن حلف على فعل نفسه كانت على البت والقطع نفيا كانت أو إثباتا، وإن كانت على فعل غيره نظرت فإن كانت على الاثبات كانت على القطع وإن كانت على النفي كانت على العلم، وإن اختصرت ذلك قلت الأيمان كلها على القطع إلا ما كانت على النفي على فعل الغير فإنها على العلم. بيان ذلك أما التي على الاثبات على فعل نفسه، فيمين الرد واليمين مع الشاهد والتي على النفي على فعل نفسه فيمين المدعى عليه فيما يتعلق به، مثل أن يدعي عليه دينا فيحلف على القطع أو يدعي عليه أنك أبرأتني عن الحق الذي لك قبلي فأنكر فإنه يحلف على البت، وإن كان على النفي لأنها على فعل نفسه. وأما الاثبات على فعل الغير مثل أن يدعي أن لأبيه على فلان ألفا فإنه يحلف على النفي على القطع وأما على النفي على فعل الغير مثل أن يدعي أن له على أبيه ألفا فأنكر فيحلف على العلم لا أعلم أن لك على أبي ذلك أو يدعي أن أباه أتلف عليه كذا وكذا يحلف أنه لا يعلم ذلك. هذا عندنا وعند الأكثر، وقال بعض من تقدم: اليمين كلها على العلم، وقال بعضهم كلها على البت فإذا ثبت هذا نظرت فإن استحلفه الحاكم على القطع فيما يجب عليه أن يحلف على العلم، انصرف إلى العلم وأجزأه. إذا ادعى على رجل حقا فقال: لي عليك ألف درهم، فقال قد أبرأتني أو قد برأت إليك منها، فتحت هذا اعتراف بالألف، وادعى البراءة منه، ويكون المدعي مدعا عليه، وكيف يحلف؟ قال قوم يحلف ما اقتضاه ولا شيئا منه ولا اقتضى له ولا شئ منه ولا أحال به ولا بشئ منه ولا أبرأه ولا عن شئ منه، ولا اقتضى له مقتض بغير أمره فأوصله إليه وإن حقه لثابت وإن ادعى أنه قد أبرأ منه أو قد أحال به لم يحلف المدعى عليه على أكثر من الذي ادعاه عليه، لأنه ما أدعى عليه غيره.

[ 207 ]

وإن كانت الدعوى مبهمة فقال ماله قبلي حق أو قد برئت ذمتي من حقه، احتاج إلى هذه الألفاظ كلها حتى يأتي بجميع جهات البراءة، ومن الناس من قال أي شئ أدعى فإن المدعى عليه يحلف ما برئت ذمتك من ديني، فإذا قال هذا أجزاه لأنها لفظة تأتي على كل الجهات، فإن الذمة إذا كانت مشغولة بالدين أجزأه أن يقول ما برئت ذمتك من حقي وهذا القدر عندنا جايز كاف، والأول عندنا أحوط وآكد، وأما قوله إن حقي لثابت فلا خلاف أنه ليس بشرط. إذا ادعى عليه حقا في ذمته أو عينا في يده، فقال أقرضتك أو قال غصبتني، لم يخل الجواب من أحد أمرين إما أن يكون مبهما أو يعين ما ادعاه، فإن كان مبهما مثل أن قال لا تستحق علي شيئا كان الجواب صحيحا ولم يكلف الجواب فيقال له أجب عن الدعوى، لأن قوله لا تستحق علي شيئا يأتي على المراد، ويكون اليمين على ما أجاب يحلف لا تستحق علي شيئا لأنه إذا كانت الدعوى غصبا ربما كانت على ما ادعاه ولكن الغاصب ملك ذلك بشراء أو هبة أو غير ذلك، فإن كلف أن يحلف ما غصبتني فقد ظلمناه، لأنه لا يقدر عليه لأنه قد كان منه الغصب، ومتى اعترف أنه غصب لم يقبل قوله إنه ملك ما غصبه منه، فإن كلفه أن يحلف ما غصبت ظلمه وإن قال غصبته وقد ملكته ظلمته، لأنه لا يقبل منه، فإذا نفى الاستحقاق، ثبت جميع ما طلبه. وإن كان الجواب بعد الدعوى ما غصبته شيئا فكيف يحلف؟ قال قوم يحلف إنك لا تستحق علي شيئا كما لو كان الجواب مبهما لما مضى، وقال قوم يحلف ما غصبت لأنه لو لم يعلم أنه يقدر أن يحلف كذلك من أجاب كذلك، فلهذا استحلفناه على ما أجاب. إذا ادعى رجل حقا على ابن رجل ميت لم يقبل دعواه إلا أن يدعي الحق ويدعي موت الأب وأنه خلف في يديه تركة لأنه إن لم يمت الأب فلا حق له على ابنه، وإن مات ولم يخلف تركة فلا حق له عليه أيضا، فلا بد من دعوى الثلثة أشياء. فإذا ادعى الموت فالقول قول الابن لأن الأصل أن لا موت، وإذا ادعى التركة

[ 208 ]

فلا يقبل دعواه مطلقا حتى يقيد ذلك فيقول خلف في يديك تركة مبلغها كذا وكذا فإذا قدر ذلك وادعى فالقول قول المدعى عليه مع يمينه أنه ما خلف شيئا فإن ثبت الموت وثبت أنه خلف تركة فحينئذ تسمع دعواه بالحق عليه، ويكون القول قول الابن أنه لا يعلم أن له على أبيه حقا. إذا حلف قبل استحلاف الحاكم له لم يعتد باليمين ويعاد عليه بدلالة ما روي أن ركانة أتى النبي عليه السلام فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله طلقت امرأتي بتة فقال ما أردت بالبتة؟ قال واحدة قال: ما أردت بها إلا واحدة؟ فقال والله ما أردت بها إلا واحدة، فقال: والله ما أردت بها إلا واحدة؟ فقال: والله ما أردت بها إلا واحدة فأعاد عليه اليمين حيث حلف قبل أن يستحلف. قالوا في هذا الخبر عشرة فوايد: إحداها يجوز الاقتصار على مجرد الاسم. والثاني يدل على جواز حذف واو القسم لأنه روي في بعضها أن النبي عليه وعلى أولاده السلام قال له قل الله ما أردت بها إلا واحدة. والثالث أن اليمين قبل الاستحلاف لا تصح. والرابع أن الطلاق لا يقع بقوله أنت بتلة خلافا لمالك لأن النبي عليه السلام ردها إليه. والخامس أن الثلاث لو أراده لوقع خلافا لنا، وهذا ليس فيه دلالة عليه لأنه لا يمتنع أن يكون حلفه أنه أراد الطلاق لأن الطلاق لا بد فيه من النية عندنا. والسادس أنه يقع بهذه الكناية طلقة رجعية خلافا لمن قال يقع بائنة لأن النبي عليه السلام ردها عليه في الحال. والسابع أنه يستحلف في الطلاق خلافا لمن قال إنه لا يستحلف. والثامن أن المرجع في الكناية إلى قول المطلق ونيته لأن النبي صلى الله عليه وآله رجع إليه. والتاسع أن الصفات والمصادر إذا أريد بها الطلاق وقع لأن النبي صلى الله عليه وآله قال

[ 209 ]

له ما أردت بالبتة، فلولا أنه إذا أراد بها الطلاق وقع لما سأله ذلك والبتة صفة. والعاشر أن الاشهاد على الرجعة ليس بشرط لأن النبي عليه السلام ردها ولم ينقل أنه أشهد على ذلك، وهذا ليس بشئ لأن النبي عليه السلام من أعظم الشهود فليس في ذلك دلالة عليه، وإن كان مذهبنا أن الشهادة ليست شرطا، وقد ذكرنا هذه الوجوه وإن كانت على مذهبنا غير صحيحة أكثرها، لأن الكنايات لا يقع بها الطلاق أصلا ليعرف ما قالوه. إذا ادعى مالا أو غيره فإنه ينظر، فإن كان مع المدعي بينة فهي مقدمة على يمين المدعي، لأن البينة حجة من غير جهة المدعي فتنتفي التهمة عنها واليمين حجة من جهته فتلحقها التهمة، فإن أقام المدعي البينة حكم له، وإن لم تكن معه بينة حلف المدعى عليه ويقدم يمينه على يمين المدعي لأن جنبته أقوى فإنه مدعى عليه، والأصل براءة ذمته فإن حلف أسقط المطالبة عن نفسه، وإن لم يحلف ونكل عن اليمين لم يحكم عليه بنكوله خلافا لمن قال إنه يحكم عليه، ولا يستثبت أيضا لأجل تركه اليمين بل ترد اليمين على المدعي فيحلف، ويحكم له. ثم ينظر فإن حلف حكم له، وإن نكل استثبت وسئل عن تركه الحلف، فإن قال لأن لي بينة أقيمها أو قال أنظر في حسابي وأتحقق ما أحلف عليه أخر، فإذا حلف بعد ذلك حكم له، وإن قال تركت الحلف ولست أختاره فقد سقطت اليمين عن جنبته، فلا يعود إليه إلا أن يدعي ثانيا في مجلس آخر، وينكل المدعى عليه عن اليمين، فترد اليمين على المدعي. والفرق بينهما أنه إذا قال لست أختار الحلف، فقد أسقط اليمين عن جنبته فلم يعد إليه إلا بسبب آخر، ونكول ثان، وإذا قال أخرتها لأنظر في حسابي وأنتظر إقامة بينتي فلم يسقط اليمين، وإنما أخرها فلم يسقط اليمين عن جنبته، وجاز له الحلف بعد ذلك. والفرق بين المدعى عليه حيث قلنا إذا نكل عن اليمين لا يستثبت، وبين المدعي

[ 210 ]

حيث قلنا إنه إذا ترك اليمين استثبت أن المدعى عليه إذا استثبت وانظر وقف الحكم بذلك، والمدعي إذا استثبت وانظر لم يقف الحكم لأنه ليس هناك حق لغيره من حلف وغيره حتى يقف باستثباته، هذا في دعوى المال والطلاق والنكاح وغير ذلك. المدعى عليه إذا حلف ثم أقام المدعي بعد ذلك بينة بالحق فعندنا لا يحكم له بها ولا تسمع، وبه قال ابن أبي ليلى وأهل الظاهر، وقال الباقون تسمع ويحكم بها، فإذا ثبت هذا، فإن كان قال حين استحلف المدعى عليه حلفوه فإن بينتي غايبة لا يمكن إقامتها ثم حضرت البينة وأقامها حكم له بها بلا خلاف، وإن كان قال: مالي بينة حاضرة ولا أقيمها فحلفوه، فلما حلف أقام البينة حكم له بها أيضا ويكون غرضه ربما ينزجر عن الحلف فيقر بالحق ويستغني عن تكلف إقامة البينة أو يريد أن يحلفه ثم يقيم البينة ليبين كذبه. وإن كان قال ليس لي بينة وكل بينة تشهد لي كاذبة، فحلف المدعى عليه ثم أقام البينة فإنه يحكم له بها عند من قال بذلك، وقال بعضهم لا يحكم له لأنه قد جرح بينته. ومنهم من قال إن كان هو الذي أقام البينة بنفسه والاشهاد عليه لا تسمع بينته لأنه كان يعلم أن له بينة وقد جرحها، وإن كان غيره تولى ذلك سمعت منه، والصحيح عندهم أنه تسمع البينة على كل حال لأنه قد يكون له بينة فنسيها. وقد قلنا إن عندنا أنه لا يحكم له ببينته بحال إذا حلفه إلا أن يكون أقام البينة على حقه غيره، ولم يعلم هو أو يكون نسيها فإنه يقوى في نفسي أنه تقبل بينته، فأما مع علمه ببينته فلا تقبل بحال. وأما إذا أقام شاهدا واحدا وقد حلف المدعى عليه وحلف معه، فإنه يحكم له أيضا عندهم، لأن الشاهد واليمين في المال يجري مجرى شاهدين، وعندنا أنه لا يقبل بينته ولا يحلف مع شاهده، لأنه أضعف من شاهدين. فأما إذا نكل المدعى عليه عن اليمين وثبت للمدعي حق الاستحلاف، فلم

[ 211 ]

يحلف وأسقطه عن جنبته، ثم جاء بعد هذا بشاهد واحد وأراد أن يحلف معه قال قوم له ذلك، وقال آخرون ليس له ذلك كما لو أقام ابتداء شاهدا واحدا ولم يحلف معه، فردت اليمين على المدعى عليه فنكل عنها ولم يحلف، فهل يرد اليمين على المدعي فيحلف مع الشاهد ثانيا؟ على قولين، والأقوى عندي أنه ليس له ذلك لأنه أسقط حق نفسه من الاستحلاف فلا يعود إليه إلا بدليل. المدعى عليه إذا نكل عن اليمين انتقلت اليمين إلى جنبة المدعي، فإن قال المدعى عليه ردوا علي اليمين لأحلف لم يكن له، لأن اليمين كانت في جنبته فأسقطها وانتقلت إلى جنبة غيره، فصارت حقا لغيره فلا يعود إليه، كما أن اليمين لما كانت في جنبته لم يكن للمدعي أن يحلف المدعى عليه. إذا ادعى عليه رجل حقا بجهة خاصة بأن يقول غصبني على كذا، أو اشتريت منه كذا أو أودعته كذا، فإن قال لا حق له علي فإنه يحلف على ذلك، ولا يحلف أنه ما غصب وما أودع، فإن قال ما غصبت ولا أودعت، قال قوم يحلف عليه، وقال آخرون يحلف على أنه لا حق له عليه.

[ 212 ]

(فصل) * (في النكول عن اليمين) * من ادعى مالا أو غيره ولا بينة له فتوجهت اليمين على المدعى عليه، فنكل عنها، فإنه لا يحكم عليه بالنكول، بل يلزم اليمين المدعي فيحلف ويحكم له بما ادعاه وبه قال جماعة. وقال بعضهم إن كان ذلك فيما يحكم فيه بشاهد وامرأتين وبشاهد ويمين يرد فيه اليمين على المدعي وما لا يحكم بذلك فيه، لا يرد اليمين، بل يحبس المدعى عليه حتى يحلف أو يعترف. وقال قوم إن كان ذلك في المال كرر على المدعى عليه ثلاثا ثم يحكم عليه بالمال، وإن كان من القصاص لا يحكم عليه بالنكول، بل يحبس حتى يقر أو يحلف. وقال بعضهم يحكم عليه بالدية دون القود وإن كان ذلك في النكاح والنسب فإنه لا يستحلف في هذه الحقوق فإن كان معه بينة حكم له، وإن لم يكن معه بينة سقطت المطالبة، وقد قلنا إن مذهبنا الأول. ذكر بعضهم أن خمس مسائل يحكم فيها بالنكول الأولة إذا كان للرجل مال فحال عليه الحول فطالبه الساعي بزكوته، فقال قد بعته وانقطع حوله، ثم اشتريت واستأنفت الحول فيه ولم يحل الحول بعد، فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف فلا شئ عليه، وإن لم يحلف يحكم بنكوله والزم الزكوة، وعندنا أن القول قوله ولا يمين عليه ولا يحكم بنكوله. الثانية إذا كان له مال فحال عليه الحول فطالبه الساعي بزكوته فقال قد دفعت الزكوة إلى ساع غيرك، فالقول قوله مع يمينه: فإن حلف فلا شئ عليه وإن لم يحلف لزمته الزكوة وحكم بنكوله، وعندنا أن هذه مثل الأولى والقول قوله ولا يمين عليه.

[ 213 ]

الثالثة إذا كان له ثمار فحرضت عليه وضمن الزكوة ثم ادعى أنها نقصت عما خرصت عليه، فالقول قوله، فإن حلف أخذت الزكوة منه على ما ذكره، وإن نكل أخذت الزكوة منه بالحرض، وعندنا أن هذه مثل الأوليين القول قوله ولا يمين عليه. الرابعة الذمي إذا غاب ثم قدم بعد حلول الحول عليه وقال كنت قد أسلمت قبل حلول الحول فلا جزية علي، فالقول قوله، فإن حلف سقطت الجزية وإن لم يحلف قضى بنكوله ولزمته الجزية، وعندنا أن القول قوله ولا يمين عليه لأنه لو أسلم بعد حلول الحول سقطت عنه الجزية عندنا. الخامسة إذا وقع غلام من المشركين في الأسر فوجد وقد أنبت وادعى أنه عالج نفسه حتى أنبت وأنه لم يبلغ، فالقول قوله، فإن حلف حكم أنه لم يبلغ، ويكون في الذراري وإن نكل حكمنا بنكوله وأنه بالغ فيجعل في المقاتلة وعندنا أن الذي يقتضيه مذهبنا أن يحكم فيه بالبلوغ بلا يمين، لأن عموم الأخبار أن الانبات بلوغ يقتضي ذلك وما ذكروه قوي. وفيهم من قال إن جميع هذه المواضع لا يحكم فيها بالنكول، وإنما يحكم بسبب آخر لأن رب المال إذا ادعى حكما يتعلق بالزكوة، فالقول قوله مع يمينه في ذلك، فإن كانت دعواه لا يخالف الظاهر فاليمين مستحبة إن حلف جاز وإن لم يحلف جاز، وإن كانت الدعوى تخالف الظاهر، منهم من قال اليمين مستحبة فعلى هذا فهو مثل الأول، ومنهم من قال اليمين واجبة وقال إن حلف سقطت الزكوة، وإن لم يحلف لزمته الزكوة، لا بنكوله لكن بالظاهر. ففي المسائل التي ذكرناها الثلثة دعوى رد الظاهر، فإن قيل اليمين واجبة كان الامتناع منها يوجب خلاف الظاهر، يحكم له بالظاهر لا بالنكول، كما قلنا في الرجل إذا قذف زوجته فإن الحد يلزمه، وله إسقاطه باللعان، فإن لاعن سقط الحد عنه، وإن لم يلاعن لزمه الحد بقذفه لا بنكوله، وهكذا في الجزية كانت قد وجبت عليه في الأصل وما ادعى من الاسلام لا يعلم إلا أنه يمكن ما ادعاه، فالقول قوله مع يمينه إما واجبة أو مستحبة، فمن قال واجبة وامتنع وجبت الجزية بالظاهر

[ 214 ]

المتقدم، وهكذا الانبات الظاهر أنه أنبت بغير علاج، وأنه بلوغ أو دلالة على البلوغ فإذا ادعى أنه ليس ببلوغ ولا دلالة عليه، فقد ادعى خلاف الظاهر، فمتى لم يحلف حكم عليه بالظاهر لا بالنكول، وهذا قد سقط عنا لما بيناه. ذكرت ثلاث مسائل لا يمكن رد اليمين فيها: إحداها أن يموت رجل ولا يخلف وارثا مناسبا، فالمسلمون ورثته، فوجد الحاكم في روزنامجه دينا له على رجل أو شهد شاهد واحد بذلك فأنكر من عليه الدين، فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف سقط الحق وإن لم يحلف لم يمكن رد اليمين، لأن الحاكم لا يمكنه أن يحلف عن المسلمين، والمسلمون لا يتأتى منهم الحلف لأنهم لا يتعينون، وقال بعضهم يحكم بالنكول ويلزمه الحق لأنه موضع ضرورة، وقال آخرون وهو الصحيح عندهم أنه يحبس حتى يحلف أو يقر، والذي يقتضيه مذهبنا أنه يسقط هذا لأن ميراثه للإمام، وعندنا أنه لا يجوز أن يحلف أحد عن غيره ولا بما لا يعلمه، فلا يمكنه اليمين مع أن الإمام لا يحلف فيحبس المدين حتى يعترف فيؤدي أو يحلف وينصرف. الثانية إذا مات رجل وأوصى إلى رجل فادعى الوصي على الورثة أن أباهم أوصى بشئ للفقراء والمساكين، فأنكروا ذلك، فالقول قولهم، فإن حلفوا سقطت الدعوى، وإن نكلوا لم يمكن رد اليمين، لأن الوصي لا يجوز أن يحلف عن غيره والفقراء والمساكين لا يتعينون، ولا يتأتى منهم الحلف، فما الذي يفعل؟ قال قوم يحكم بالنكول ويلزم الحق، لأنه موضع ضرورة، وقال آخرون يحبس الورثة حتى يحلفوا أو يعترفوا وهو الذي نقوله. الثالثة إذا مات رجل وخلف طفلا وأوصى إلى رجل بالنظر في أمره فادعى الوصي دينا على رجل فأنكر، فإن حلف سقطت الدعوى، وإن لم يحلف فلا يمكن رد اليمين على الوصي، لأنه لا يجوز أن يحلف عن غيره فيتوقف إلى أن يبلغ الطفل ويحلف، ويحكم له، وهو الذي يقتضيه مذهبنا. كل حق إذا ادعى وجب الجواب عن الدعوى فيه، فإنه يستحلف المدعى عليه فيه ويرد اليمين، سواء كان ذلك في الأموال أو غيرها، فالأموال لا خلاف فيها بين

[ 215 ]

من قال برد اليمين، وأما غيرها من النكاح والطلاق والعتق والنسب فحكمها حكم الأموال عند قوم، وقال بعضهم إن كان مع المدعي شاهد واحد حلف له المدعى عليه، وإن لم يكن معه شاهد لم يحلف، وقال قوم لا يستحلف على هذه الحقوق بحال، فإن كان مع المدعي بينة حكم له بها، وإن لم يكن معه بينة لم يلزم المدعى عليه اليمين. والذي نقوله إن هذه الأشياء على ضربين إما مال أو المقصود منه المال أم لا، فما كان مالا أو المقصود منه المال، فعلى المدعي البينة فإن عدم البينة لزم المدعى عليه اليمين، فإن لم يحلف رد اليمين على المدعي، فإن نكل سقطت الدعوى، وإن كانت الدعوى غير المال ولا المقصود منه المال من الأشياء التي تقدم ذكرها، فإن على المدعي البينة، فإن عدمها فعلى المدعى عليه اليمين، فإن لم يحلف لا يرد اليمين على المدعي، ولا يحلف أيضا مع شاهد واحد، وإن كان له شاهد وامرأتان حكم له بذلك. إذا ادعى على العبد حق فإنه ينظر، فإن كان حقا يتعلق ببدنه كالقصاص وغيره فالحكم فيه مع العبد دون السيد، فإن أقر به لزمه عند المخالف، وعندنا لا يقبل إقراره ولا يقتص منه ما دام مملوكا، فإن أعتق لزمه ذلك، وأما إن أنكر فالقول قوله، فإن حلف سقطت الدعوى، وإن نكل ردت اليمين على المدعي فيحلف ويحكم بالحق. وإن كان حقا يتعلق بالمال كجناية الخطأ وغير ذلك، فالخصم فيه السيد، فإن أقر به لزمه، وإن أنكر فالقول قوله فإن حلف سقطت الدعوى وإن نكل ردت اليمين على المدعي فيحلف ويحكم له بالحق. وأما حقوق الله فعلى ضربين حق لا يتعلق بالمال، وحق يتعلق بالمال فأما ما لا يتعلق بالمال كحد الزنا وشرب الخمر وغير ذلك فلا يسمع فيه الدعوى، ولا يلزم الجواب ولا يستحلف لأن ذلك مبني على الاسقاط إلا أن يتعلق بشئ من هذه الحقوق حق لآدمي، فإنه يسمع الدعوى فيه ويستحلف عليه، مثل أن يقذف رجلا بالزنا

[ 216 ]

فيلزمه الحد وإنما يسقط بتحقيق زنا المقذوف فإن ادعى عليه أنه زنى لزمه الاجابة عن دعواه ويستحلف على ذلك فإن حلف سقطت الدعوى ويلزم القاذف الحد وإن لم يحلف ردت اليمين فيحلف ويثبت الزنا في حقه ويسقط عنه حد القذف، ولا يحكم على المدعى عليه بحد الزنا، لأن ذلك حق لله محض، وحقوق الله المحضة لا يسمع فيها الدعوى. ولا يحكم فيها بالنكول ورد اليمين. وأما حق الله المتعلق بالمال فهو القطع في السرقة فينظر، فإن كان قد وهب المسروق منه إذا كان قد أتلفه وأبراه من قيمته فلا يسمع الدعوى فيه ولا يستحلف عليه لأنه لم يبق لآدمي حق، وإنما بقي القطع وهو حق الله تعالى محض، فلا تسمع الدعوى فيه ولا يستحلف عليه، وإن لم يكن أبرأه من الغرم ولا وهب منه سمعت دعواه، لأجل حقه ويستحلف الخصم عليه، فإن حلف سقطت الدعوى، وإن نكل ردت اليمين على المدعي، فيحلف ويحكم بالغرم ولا يحكم بالقطع لأنه حق لله محض.

[ 217 ]

(فصل) * (فيمن تقبل شهادته ومن لا تقبل) * لا يجوز للحاكم أن يقبل إلا شهادة العدول، فأما من ليس بعدل فلا تقبل شهادته لقوله تعالى " وأشهدوا ذوي عدل منكم " والعدالة في اللغة أن يكون الانسان متعادل الأحوال متساويا وأما في الشريعة هو من كان عدلا في دينه عدلا في مروته عدلا في أحكامه. فالعدل في الدين أن يكون مسلما ولا يعرف منه شئ من أسباب الفسق، وفي المروة أن يكون مجتنبا للأمور التي تسقط المروة مثل الأكل في الطرقات ومد الرجل بين الناس، ولبس الثياب المصبغة وثياب النساء وما أشبه ذلك، والعدل في الأحكام أن يكون بالغا عاقلا عندنا، وعندهم أن يكون حرا، فأما الصبي والمجنون فأحكامهم ناقصة فليسوا بعدول بلا خلاف، والعبد كذلك عندهم، وعندنا رقه لا يؤثر في عدالته. فإذا ثبت هذا فمن كان عدلا في جميع ذلك قبلت شهادته، ومن لم يكن عدلا لم يقبل ذلك، فإن ارتكب شيئا من الكبائر، وهي الشرك والقتل والزنا واللواط والغصب والسرقة وشرب الخمر والقذف وما أشبه ذلك، فإذا فعل واحدة من هذه الأشياء سقطت شهادته، فأما إن كان مجتنبا للكبائر مواقعا للصغاير فإنه يعتبر الأغلب من حاله، فإن كان الأغلب من حاله مجانبته للمعاصي، وكان يواقع ذلك نادرا قبلت شهادته، وإن كان الأغلب مواقعته للمعاصي واجتنابه لذلك نادرا لم تقبل شهادته، وإنما اعتبرنا الأغلب في الصغاير لأنا لو قلنا إنه لا تقبل شهادة من أوقع اليسير من الصغائر، أدى ذلك إلى أن لا يقبل شهادة أحد لأنه لا أحد ينفك من مواقعة بعض المعاصي. فأما أهل الصنايع الدنية كالحارس والحجام والزبال والقيم وما أشبه ذلك فإذا كانوا عدولا في أديانهم، قال قوم: لا تقبل شهادتهم، لأن من استجاز لنفسه هذه

[ 218 ]

الصنايع الدنية سقطت مروته ولم تقبل شهادته، وقال آخرون وهو الأصح عندنا أن شهادتهم تقبل لقوله تعالى " إن أكرمكم عند الله أتقيكم ". وأما الحايك فحاله أحسن من حال هؤلاء، فمن قبل شهادة أولئك قبل شهادته ومن لم يقبل قال بعضهم تقبل شهادته، وهو الأقوى عندي، وقال آخرون لا تقبل. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال أكذب الناس الصباغون والصواغون، واختلفوا في تأويل هذا، فقيل أراد به أنهم أكذب الناس، لأنهم يخلفون المواعيد ويقولون غدا نعطي وبعد غد، فيكذبون في ذلك. وقيل أراد أنهم يقولون ما لا يفعلون، فإن الصباغ يقول أصبغ هذا فاختيا وليس يصبغه كذلك، وإنما يصبغ مثله والصايغ يقول أصوغ هذا طايرا وإنما يصوغ مثله فلا ترد شهادة هؤلاء لأجل صنايعهم، ولكن إن تكرر منهم الكذب وكثر، فسقوا بذلك وسقطت شهادتهم، وإن كان قليلا لم يؤثر في الشهادة. قد ذكرنا أنه لا تقبل إلا شهادة المسلم العدل وإسلامه يثبت بأحد ثلثة أشياء إما أن يعرف ذلك الحاكم منه أو يقوم بينة بذلك أو يقر هو بأنه مسلم، وأما العدالة فيحتاج أن تثبت عنده عدالته في الظاهر والباطن، على ما ذكرناه فيما قبل، ولا يقتصر في معرفة ذلك على الظاهر ومن راعى الحرية، قال يحتاج أن يثبت عنده معرفتها ظاهرا وباطنا، ولا يقتصر في معرفة ذلك على الظاهر، وإن أقر الشاهد أنه حر لم يقبل ذلك ولا يحكم بحريته بإقراره. كل من يجر بشهادته نفعا إلى نفسه أو يدفع ضررا عنها، فإن شهادته لا تقبل، فالجار إلى نفسه هو أن يشهد الغرماء للمفلس المحجور عليه أو يشهد السيد لعبده المأذون له في التجارة، والوصي بمال الموصى، والوكيل بمال الموكل والشريك والدافع عن نفسه هو أن تقوم البينة على رجل بقتل الخطأ فشهد اثنان من عاقلة الجاني فجرح الشهود أو قامت البينة بمال على الموكل وعلى الموصى فشهد الوكيل والوصي

[ 219 ]

بجرح الشهود فلا تقبل الشهادة في هذه المواضع وما شاكلها، لقوله عليه السلام: لا يجوز شهادة خصم ولا ظنين وهو المتهم، وهؤلاء متهمون. لا تقبل شهادة عدو على عدوه، والعداوة ضربان دينية ودنيوية فالدينية لا ترد بها الشهادة مثل عداوة المسلم للمشركين، لا ترد بها شهادتهم، لأنها عداوة في الدين وهي طاعة وقربة بل هي واجبة، وهكذا عداوة الكفار للمسلمين لا ترد شهادتهم بها إنما ترد لفسقهم وكفرهم لا للعداوة، ألا ترى أنا نرد شهادتهم بعضهم على بعض ولبعض وإن لم يكن هناك عداوة، وهكذا شهادة أهل الحق لأهل الأهواء تقبل لأنهم يعادونهم في الدين. وأما العداوة الدنيوية فإنها ترد بها الشهادة عند قوم، مثل أن يقذف رجل رجلا ثم يشهد المقذوف على القاذف أو ادعى رجل أن فلانا قطع عليه وعلى رفيقه الطريق ثم شهد عليه، فإن شهادته لا تقبل، وهكذا إذا شهد الزوج على زوجته بالزنا، فإن شهادته لا تقبل، وما أشبه هذه من المواضع التي تعلم بحكم العادة أنه يحصل فيها تهمة للشاهد. وقال قوم: العداوة لا ترد بها الشهادة بحال، والأول أقوى عندنا. وأما شهادة العدو لعدوه فإنها تقبل لأن التهمة معدومة كما لو شهد الوالد على ولده. شهادة الوالد لولده وولد ولده وإن نزلوا، عندنا تقبل، وعندهم لا تقبل، وكذلك شهادة الولد لوالده وجده وجداته وإن علوا، تقبل عندنا وعندهم لا تقبل لأجل التهمة فأما إن شهد الولد على والده فعندنا لا تقبل بحال وعندهم إن شهد بحق لا يتعلق بالبدن كالمال والنكاح والطلاق وغيره قبل لانتفاء التهمة وإن شهد عليه بحق يتعلق ببدنه كالقصاص وحد الفرية، قال قوم لا يقبل، وقال آخرون وهو الأصح عندهم أنها تقبل. إذا أعتق الرجل عبدا ثم شهد المعتق لمولاه، فإن شهادته تقبل، وقال بعضهم لا تقبل، والأول أصح. من كان الغالب من حاله السلامة والغلط نادر منه، قبلت شهادته، وإن كان

[ 220 ]

الغالب الغلط والغفلة، والسلامة نادرة لم يقبل، لأنا لو قبلنا ذلك أدى إلى قبول شهادة المغفلين ولو لم يقبل إلا ممن لا يغلط، أدى إلى أن لا نقبل شهادة أحد لأن أحدا لا يخلو من ذلك فاعتبرنا الأغلب. تقبل شهادة كل واحد من الزوجين للآخر، وبه قال جماعة، وقال قوم لا يقبل وقال بعضهم نقبل شهادة الزوج لزوجته ولا تقبل شهادة الزوجة لزوجها. تقبل شهادة الصديق لصديقه بكل حال سواء كان بينهما ملاطفة أو لم يكن وقال بعضهم إن كان بينهما ملاطفة وهدية لا تقبل. كل من خالف الحق قد بينا أنه لا تقبل شهادته، سواء كان ممن يكفر أو يفسق وسواء كان فسقه على وجه التدين أو على غير وجه التدين ومن وافق الحق لا تقبل شهادته إلا إذا كان عدلا لا يعرف بشئ من الفسق، وقال قوم من كان فاسقا على وجه التدين به فلا ترد شهادته، وإنما يرد من فسق بأفعال الجوارح من الزنا واللواط وشرب الخمر والقذف وغير ذلك. وقال قوم أهل الأهواء على ثلثة أضرب: من يكفر، ومن يفسق ولا يكفر، ومن يخطأ ولا يفسق، فمن لا يفسق فهو المخالف في الفروع، فهؤلاء لا ترد شهادتهم، لأجل هذا الخلاف ومن يفسق ولا يكفر فهو من يشتم الصحابة كالخوارج والروافض، فهؤلاء لا تقبل شهادتهم ومن يكفر فهو من قال بخلق القرآن والرؤية، ومنهم من قال هؤلاء يستتابون فإن تابوا وإلا ضربت رقابهم. الخطابية لا تقبل شهادتهم عندنا بحال، وقال بعضهم هم يعتقدون أن الكذب حرام لا يجوز، لكن يرون أن إذا حلف لهم أخ لهم في الدين أن له دينا على غيره جاز حينئذ أن يشهد له بذلك، وهذا عندنا لا يجوز بحال. من يرى إباحة دم رجل وماله فإذا شهد عليه لم تقبل شهادته لأنه يشهد بالزور ومن يشتم غيره على سبيل العناد والمعصية، ردت شهادته، وإن كان متدينا به، لم ترد شهادته. قال قوم كل من ذهب إلى شئ بتأويل محتمل لم ترد شهادته به، من ذلك من

[ 221 ]

شرب النبيذ، قال تحد ولا ترد شهادته، وكذلك من استحل سفك الدماء وإتلاف الأموال بتأويل محتمل لا ترد شهادته كالبغاة، وكل من اعتقد شيئا بتأويل باطل ردت شهادته مثل من سب السلف من الخوارج وأمثالهم، وكذلك من كفر، وعندنا أن كل هؤلاء إذا أخطأوا وسلكوا غير طريق الحق فلا يقبل شهادتهم، فأما من يختلف من أصحابنا المعتقدين للحق في شئ من الفروع التي لا دليل عليها موجبا للعلم، فإنا لا نرد شهادتهم بل نقبلها. اللاعب بالشطرنج عندنا تقبل شهادته بحال، وكذلك النرد والأربعة عشر، وغير ذلك من أنواع القمار، سواء كان على وجه المقامرة أو لم يكن. وقال بعضهم من لعب به لا يخلو من أحد أمرين إما أن يلعب بعوض أو بغيره، فإن لعب بعوض نظرت، فإن كان قمارا وهو أن يخرج كل واحد منهما شيئا على أن من غلب كان المخرج كله له، فهو القمار وأكل المال بالباطل، ترد به شهادته وإن كان العوض غير قمار وهو على معنى النضال والمسابقة على الخيل مثل أن يخرج العوض أحدهما فيقول إن غلبتني فهو لك وإن غلبتك فلا شئ لك ولا لي، فهذا لا ترد به شهادته. فأما إن كان بغير عوض فإما أن يترك الصلوة أو لا يترك، فإن ترك الصلوة حتى يخرج وقتها، فإن كان عامدا فقد فسق بترك الصلوة لا باللعب بالشطرنج، لأن فعل هذا فسق وإن كان لتشاغله بصلاة النافلة وإن كان ترك الصلاة بغير عمد مثل أن فاته وقت الصلاة لتشاغله بها ولم يعلم ذلك، فإن كان هذا مرة واحدة لم ترد شهادته وإن كان الخطأ موضوعا عنه، وإن تكرر هذا منه فسق وردت شهادته. وإن كان محافظا على صلاته مداوما عليها في أوقاتها وإنما يتشاغل بها في غير أوقاتها لم يحرم ذلك عليه غير أنه مكروه، وقال بعض التابعين وهو سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير أنه مباح طلق وذكر أنه كان يلعب به استدبارا ومعناه أن يولي ظهره ويقول بما ذا دفع؟ قالوا له دفع بكذا، يقول فادفع أنت بكذا. وأما اللعب بالحمام فإن اقتناها للأنس بها وطلب فائدتها من فراخ ونقل الكتب من بلد إلى بلد لم يكره ذلك، لما روي أن رجلا شكا إلى رسول الله الوحدة فقال اتخذ

[ 222 ]

زوجا من الحمام، وإن اقتناها للعب بها وهو أن يطيرها في السماء ونحو هذا، فإنه مكروه عندنا، وعندهم هو مثل الشطرنج سواء. وقد مضى ذكره. الشراب ضربان خمر وغير خمر فالخمر عصير العنب الذي لم تمسه النار ولا خالطه ماء، وهو إذا اشتد وأسكر، فإذا كان كذلك فمتى شرب منه ولو قطرة واحدة مع العلم بالتحريم حددناه وفسقناه ورددنا شهادته بلا خلاف، وإن باعها وأخذ ثمنها فسق وردت شهادته لقوله عليه السلام لعن الله الخمر ولعن بايعها، فأما إن اتخذ الخمر قال قوم لا ترد شهادته بذلك، لأنه قد يغيرها إلى غير ذلك بأن يخللها أو يقلبها وهذا قوي، وإن كان الأظهر في الروايات يقتضي تفسيقه إذا قصد به اتخاذ الخمر. فأما غيرها من المسكرات وهو ما عمل من تمر أو زبيب أو عسل أو ذرة جملته كل ما مسته نار أو طرح فيها ماء، فإذا اشتد وأسكر فإن شرب منه حتى يسكر، ردت شهادته بلا خلاف، لأنه مجمع على تحريمه، وإن شرب منه اليسير الذي لا يسكر حددناه وفسقناه ورددنا نحن شهادته، وقال من وافقنا في التحريم والتفسيق إنا لا نرد شهادته، وسواء شربه من يعتقد إباحته أو تحريمه، وفيهم من قال مثل ما قلناه. وجملته أن عندنا حكمه حكم الخمر سواء. فأما ما لا يسكر من الأشربة وهو عصير العنب قبل أن يشتد، وكذلك ما عمل من تمر وغيره قبل أن يسكر فكله حلال، ولا يكره شربه، وأما الخليطان والمنصف فقد كره شربهما قوم، والمنصف ما عمل من تمر ورطب، والخليطان ما عمل من بسر ورطب، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن المنصف والخليطين، وعندي لا كراهية في ذلك ما لم يكن مسكرا. قد بينا أن ساير أنواع القمار من النرد والأربعة عشر حكمه حكم الشطرنج يفسق به ويرد به شهادته. والأربعة عشر تسمى الجرة وهي قطعة من خشب يحفر فيها ثلثة أسطر فيجعل في تلك الحفر شئ من الحصى الصغار ونحوها يلعبون بها، والقرق وقال أهل اللغة هي القرقة ويقال لها بالفارسية سدرة وهي دايرة مربعة يخط فيها خطان كالصليب ويجعل على

[ 223 ]

رؤس الخط حصا يلعبون بها. الغناء من الصوت ممدود، ومن المال مقصور كما أن الهواء من الجو ممدود ومن النفس مقصور، فإذا ثبت هذا فالغناء عندنا محرم يفسق فاعله، وترد شهادته، وقال بعضهم هو مكروه، فأما ثمن المغنيات فليس بحرام إجماعا لأنها تصلح لغير الغناء من الاستمتاع بها وخدمتها، ومن قال الغناء مباح استدل بما روي عن عايشة أنها قالت كانت عندي جاريتان تغنيان فدخل أبو بكر فقال من قرر الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال النبي صلى الله عليه وآله دعها فإنها أيام عيد، وقال عمر الغناء زاد الراكب، وكان لعثمان جاريتان تغنيان بالليل، فإذا جاء وقت السحر قال أمسكا، فهذا وقت الاستغفار قالوا وهذا كله محمول على نشيد الأعراب مثل الحدا وغير ذلك، وعندنا أن هذه أخبار آحاد لا يلتفت إليها وفعل من لا يجب اتباعه، وقد قلنا إن عندنا ترد به شهادته. وقال بعضهم هيهنا ثلث مسائل أحدها إذا اتخذ الغنا صناعة يؤتا عليه ويأتي له، ويكون منسوبا إليه مشهورا به، والمرأة كذلك، ردت شهادتهما، لأنه سفه وسقوط مروة، ولو كان لا ينسب نفسه إليه وإنما يعرف أنه يطرب في الحال فيترنم فيها ولا يؤتى لذلك ولا يأتي له ولا يرضى به لم تسقط شهادته وكذلك المرأة. الثانية إذا اتخذ الرجل غلاما أو جارية مغنيين، فإن كان يجتمع عليهما ويغشاهما الناس فهذا سفه ترد به شهادته، وهو في الجارية أكثر، لأن فيه سفها ودناءة وإن كان لا يجتمع عليهما ولا يغشاهما الناس، كره ذلك له، ولم ترد شهادته، لأنه لم يسقط مروته. الثالثة إذا كان يغشى بيوت الغناء ويغشاه المغنون للسماع منه، فإن كان في خفية لم ترد شهادته، وإن كان ذلك منه مستعلنا به ظاهرا، فإن قل ذلك منه لم ترد به شهادته وإن كان ذلك منه كثيرا ردت شهادته، لأنه سفه وترك مروة. وجملته عندهم أن الأصوات على ثلثة أضرب مكروه ومحرم ومباح، فالمكروه صوت المغني والقصب معا، لأنه وإن كان بآلة فهو تابع للصوت والغنا، فلهذا كان

[ 224 ]

مكروها، وهو عندنا حرام من الفاعل والمستمع ترد به شهادتهما. الثاني محرم وهو صوت الأوتار والنايات والمزامير كلها، فالأوتار العود والطنابير والمعزفة والرباب ونحوها، والنايات والمزامير معروفة، وعندنا كذلك محرم ترد شهادة الفاعل والمستمع. روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمرز والكوبة والقنين، فالمرز شراب الذرة، والكوبة الطبل، والقنين البربط، والتفسير في الخبر. وروى محمد بن علي المعروف بابن الحنفية عن علي عليه السلام أن النبي عليه وآله السلام قال إذا كان في أمتي خمس عشر خصلة حل بهم البلاء: إذا اتخذوا الغنيمة دولة والأمانة مغنما، والزكوة مغرما، وأطاع الرجل زوجته، وجفا أباه، وعق أمه، ولبسوا الحرير، وشربوا الخمر، واشتروا المغنيات والمعازف، وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل السوء خوفا منه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وسب آخر هذه الأمة أولها وفي بعضها ولعن آخر هذه الأمة أولها، فعند ذلك يرقبون ثلاثا: ريحا حمراء، وخسفا ومسخا. فإذا ثبت أن استماعه محرم إجماعا فمن استمع إلى ذلك فقد ارتكب معصية مجمعا على تحريمها، فمن فعل ذلك أو استمع إليه عمدا ردت شهادته. وأما المباح فالدف عند النكاح والختان، لما روى ابن مسعود أن النبي عليه السلام قال أعلنوا النكاح، واضربوا عليها بالغربال يعني الدف وروي أنه عليه السلام قال: فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف عند النكاح، وعندنا أن ذلك مكروه غير أنه لا ترد به شهادته فأما في غير الختان والعرس فمحرم. وأما الحداء وهو الشعر الذي تحث به العرب الإبل على الاسراع في السير، فهو مباح وهو ممدود لأنه من الأصوات كالدعاء والنداء والثغاء والرغاء وفيه لغتان حداء وحداء، والضم أقيس لأن أوايل الأصوات مضمومة كالدعاء والثغاء والخوار، و الكسر جائز كالغناء والنداء وإنما قلنا إنه مباح لما رواه ابن مسعود قال: كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة نام في الوادي حاديان.

[ 225 ]

وروي عن عايشة أنها قالت كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في سفر وكان عبد الله بن رواحة جيد الحداء وكان مع الرجال، وكان أنجشة مع النساء فقال النبي صلى الله عليه وآله لعبد الله ابن رواحة حرك بالقوم، فاندفع يرتجز فتبعه أنجشة فاعتنقت الإبل فقال عليه السلام لأنجشة رويدك رفقا بالقوارير، يعني النساء. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله كان في سفر فأدرك ركبا من تميم معهم حاد، فأمرهم بأن يحدو وقال إن حادينا نام آخر الليل، فقالوا يا رسول الله نحن أول العرب حداء بالإبل، قال وكيف؟ قالوا كانت العرب تغير بعضها على بعض فأغار رجل منا على إبل فاستاقها فتبددت الإبل، فغضب على غلامه فضربه بالعصا فأصابت يده، فنادى وايداه فجعلت الإبل تجتمع فقال له هكذا فقل يعني قل وايداه فقال والنبي يضحك: فقال من أنتم قالوا من مضر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن من مضر، فكيف كنتم أول العرب؟ فانتسب رسول الله صلى الله عليه وآله تلك الليلة حتى بلغ بالنسب إلى مضر، وضحك النبي صلى الله عليه وآله من قولهم نحن أول العرب حداء ثم قالوا نحن من مضر، فقال النبي صلى الله عليه وآله ونحن أيضا من مضر فكيف كنتم أول العرب حداء. فأما الكلام في الشعر فهو مباح أيضا، ما لم يكن فيه هجو ولا فحش، ولا تشبيب بامرأة لا يعرفها، ولا كثرة الكذب على كراهية رواها أصحابنا في ذلك. روى عمرو بن الشريد عن أبيه قال أردفني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شئ؟ قال: قلت، نعم، قال: هيه قال، فأنشدته بيتا فقال هيه، فأنشدته حتى بلغت مائة بيت. هيه معناه الحث والاستزادة، وأصله إيه فقلبت الهمزة هاء فقيل هيه، وإذا وقفت قل هيه من غير تنوين، فإذا وصلت قلت إيه حديثا وإذا كففت وزجرت قلت إيها، وإذا تعجبت قلت واها فهي أربع كلمات: إيه استزادة، وإيها كف وزجر، وويها إغراء، وواها تعجب. وروى جابر بن سمرة قال، كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله أكثر من مائة مرة وكان أصحابه ينشدون الأشعار ويذكرون أخبار الجاهلية قديما.

[ 226 ]

وروي أن النبي عليه السلام أنشد بيت طرفة بن العبد: - ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا * ويأتيك من لم تزود بالأخبار فقال بعض الحاضرين، الشعر ويأتيك بالأخبار من لم تزود، فقال، مالي والشعر؟ وما للشعر ولي؟ فالنبي عليه وآله السلام ما أنكر على القائل إنشاد الشعر. فإذا ثبت أنه مباح فقد روي كثير مما سمعه النبي عليه السلام ولم ينكره، فمن ذلك ما روي أن النبي عليه السلام لما هاجر إلى المدينة استقبله فتيان المدينة وأنشدوا: - طلع البدر علينا من ثنيات الوداع - وجب الشكر علينا ما دعا لله داع ومر رسول الله صلى الله عليه وآله ببعض أزقة المدينة فسمع جواري لبني النجار ينشدون نحن جوار من النجار يا حبذا محمد من جار - فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأنا أحبكن. وروي أنه كان في وليمة فسمع عجوزا تنشد: أهدى لنا أكبشا تنيخ في المربد زوجك ذا في الندى يعلم ما في غد فقال النبي صلى الله عليه وآله سبحان الله لا يعلم ما في غد إلا الله. ومر مالك بن أنس بباب قوم فسمع رجلا ينشد. أنت أختي وأنت حرمة جاري وحقيق على حفظ الجوار أنا للجار إذ يغيب عنا حافظ للمغيب في الأسرار ما أبالي أكان للباب ستر مسبل أم بقي بغير ستار فدفع مالك الباب وقال علموا فتيانكم مثل هذا الشعر. وسئل بعضهم هل يجوز للرجل أن يتزوج امرأة ويصدقها شعرا؟ فقال إن كان كقول الشاعر. يود المرء أن يعطى مناه ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفادا جاز. يستحب لمن يقرأ القرآن أن يحسن به صوته قدر الامكان، لما روى

[ 227 ]

البراء بن عازب أن النبي عليه السلام قال حسنوا القرآن بأصواتكم. وروى عنه عليه السلام أنه قال، ما أذن الله بشئ كإذنه لنبي حسن الترنم بالقرآن. وروي أن النبي عليه السلام سمع عبد الله بن قيس يقرأ يعني أبا موسى الأشعري فقال، لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير داود. وقال أبو موسى: وقال لي رسول الله لو رأيتني وأنا أسمع قراءتك، فقلت لو علمت أنك تسمعني لحبرته تحبيرا. وروي عنه عليه السلام أنه قال، ليس منا من لم يتغن بالقرآن، وقيل في أحد تأويلاته يعني يحسن صوته به، وقيل معناه يستغنى به من غنى المال. فإذا ثبت هذا فالمستحب أن يأتي به حدرا بترتيل وحزن فيه لقوله تعالى: " ورتل القرآن ترتيلا " فأما الترنم بأن يزمزم به فهو مباح. فأما من قرأ بالألحان نظرت، فإن كان يبين الحروف ولا يدغم بعضها في بعض فهو مستحب وإن كان يدغم بعض الحروف في بعض ولا يفهم ما يقول، كره ذلك. إذا أحب الرجل قومه وعشيرته فهو من المندوبات إليها والمرغوب فيها، لقوله عليه السلام تهادوا تحابوا فأمر بذلك، وقال عليه السلام لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عبادا الله إخوانا. وروي أنه عليه السلام آخا بين أصحابه، وقوله تعالى " إنما المؤمنون إخوة " دليل عليه. فأما العصبية فإن يبغض الرجل لأنه من بني فلان فهذا ممنوع منه، فإذا حصل هذا في نفسه فإن أبغضه بقلبه وأضمرها ولم يشتهر بها فلا شئ عليه ولا يرد شهادته وإن تظاهر بها ودعا إليها وتألف عليها ولم يكن منه سب ولا قول الفحش فيهم فهو عدو لهم يرد شهادته عليهم، فإن ذكر فحشا ووقع في السب فهو فاسق مردود الشهادة في حق كل أحد، لأنه أتى ما أجمع المسلمون على تحريمه. إذا أنشأ الرجل شعرا وأنشده نظرت، فإن لم يكن فيه هجو ولا فحش ولا كذب كان مباحا على كراهية فيه عندنا، وقد مضى لقوله عليه السلام " إن من الشعر لحكمة

[ 228 ]

وإن من البيان لسحرا " ثبت أنه مباح وقوله تعالى " والشعراء يتبعهم الغاوون " المراد به من يكذب منهم لقوله جلت عظمته " ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون " فأما غيرهم فلا بأس عليهم، لقوله تعالى " إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات ". فإذا ثبت هذا فإن كان كذلك لا ينتقص المسلمون ولا يؤذيهم، وإذا مدح لم يكذب لم ترد شهادته، وإن كان يمدح الناس ويأخذ على المدح ويكثر الكذب فيه، فإذا منعوه ذكر الوقيعة فيهم وكذلك إذا غضب وقع فيهم، وكان ذلك علانية ظاهرا كذبا محضا، ردت شهادته. وإن تشبب بامرأة ووصفها في شعره نظرت، فإن كانت ممن لا يحل له وطيها ردت شهادته، وإن كانت ممن تحل له كالزوجة والأمة كره، ولم ترد شهادته و إن تشبب بامرأة مبهما ولم تعرف كره ولم ترد شهادته لجواز أن يكون ممن تحل له والشاعر المتهتر أن يقذفها بنفسه فيقول فعلت بها كذا، ولم يكن فعل، وإن كان قد فعل فهو الابتهار. فأما هجو المشركين فمباح لأن النبي صلى الله عليه وآله قال لحسان " واهجهم وجبرئيل معك " وقال لحسان اهج قريشا فإن الهجو أشد عليهم من رشق النبل، وقال له اهجهم وشف واشتف فثبت أن هجوهم مباح. شهادة ولد الزنا إذا كان عدلا مقبولة عند قوم في الزنا وفي غيره، وهو قوي لكن أخبار أصحابنا يدل على أنه لا يقبل شهادته وكذلك كل من أتى معصية فحد فيها ثم تاب وأصلح فشهد بها قبلت، وقال بعضهم لا تقبل شهادة ولد الزنا، وكل من حد في معصية لا أقبل شهادته بها كالزاني والقاذف وشارب الخمر، متى حد واحد منهم بشئ من هذا ثم شهد به، لم تقبل شهادته، والأول مذهبنا. شهادة البدوي مقبولة على القروي والبلدي وشهادة القروي مقبولة على البلدي والبدوي وشهادة البلدي مقبولة على البدوي والقروي، كل هؤلاء تقبل

[ 229 ]

شهادة بعضهم على بعض عندنا، وعند الأكثر، وقال بعضهم لا أقبل شهادة البدوي على الحضري إلا في الجراح. إذا شهد صبي أو عبد أو كافر عند الحاكم فردهم ثم بلغ الصبي واعتق العبد وأسلم الكافر، فأعادها قبلت ولو شهد بالغ مسلم بشهادة فبحث عن حاله فبان فاسقا ثم عدل فأقامها بعينها قبلت شهادته عندنا، وعند الأكثر لا يسمع، ولا يحكم بها و فيه خلاف. إذا سمع الشاهد رجلا يقر بدين فيقول لفلان على ألف درهم، صار السامع له شاهدا بالدين سواء قال المقر: أشهد على بذلك أو لم يقل وكذلك إذا شهد رجلين تعاقدا عقدا كالبيع والصلح والاجارة والنكاح وغير ذلك، وسمع كلام العاقد صار شاهدا بذلك، وكذلك الأفعال كالغصب والقتل والاتلاف يصير به شاهدا. وكذلك إذا كان بين رجلين خلف في حساب فحضرا بين يدي شاهدين وقالا لهما قد حضرنا لنتصادق فلا تحفظا علينا ما يقر به كل واحد منا لصاحبه، ثم حصل من كل واحد منهما إقرار لصاحبه بالدين، صارا شاهدين، ولا يلتفت إلى تلك المواعدة. والحكم في الاقرار والعقود والاتلاف واحد بلا خلاف لأن الشاهد بالحق من علم به، فمتى علمه صار شاهدا به. وأما شهادة المختبي فمقبولة عند قوم، وهو إذا كان على رجل دين يعترف به سرا ويجحده جهرا فاحتال صاحب الدين فخبأ له شاهدين يريانه وهو لا يراهما ثم جاراه فاعترف به وسمعا وشهدا به صحت الشهادة، وهو مذهبنا، وخالف فيه شريح فقط. إذا مات رجل وخلف تركة وابنين فادعى أجنبي دينا على الميت، فإن اعترف الابنان به استوفى من حقهما معا، وإن اعترف أحدهما دون الآخر فإن كان المعترف عدلا فهو شاهد للمدعي، وإن كان مع المدعي شاهد آخر شهدا له بالحق وحكم له به، واستوفى الدين من حقهما، وإن لم يكن معه شاهد آخر، نظرت، فإن حلف مع شاهده ثبت الدين، وإن لم يحلف أو لم يكن المعترف عدلا كان له نصف الدين في

[ 230 ]

حصة المقر عندنا وعند جماعة وقال قوم يأخذ جميع الدين من نصيب المقر. فإن خلف ابنين وتركة فادعى أجنبي أن أباهما أوصى له بثلث ماله، فاعترف أحدهما وأنكر الآخر فإن كان المقر عدلا وكان مع المدعي شاهد آخر، شهدا معا له بما ادعاه، وكان له ثلث التركة، وإن لم يكن معه شاهد سواه، فإن حلف مع شاهده ثبت له ثلث التركة أيضا، وإن لم يحلف أو لم يكن المقر عدلا ثبت له نصف الثلث في حصة المقر عندنا وعند الأكثر، ووافق في الوصية من خالف في الدين.

[ 231 ]

(فصل) * (في الشهادة على الشهادة) * الشهادة على الشهادة جائزة لقوله تعالى " واستشهدوا شهيدين من رجالكم " ولم يفصل، فإذا ثبت جوازها لم يخل الحق من أحد أمرين إما أن يكون لله أو للآدميين فإن كان لآدمي ثبت بالشهادة على الشهادة سواء كان الحق مما لا يثبت إلا بشاهدين كالنكاح والخلع والطلاق والرجعة والقذف والنسب والقصاص والكتابة، أو مما يثبت بشاهدين أو شاهد وامرأتين أو شاهد ويمين، وهو ما كان مالا أو المقصود منه المال أو كان مما يثبت بالنساء وحدهن وهو مما لا يطلع عليه الرجال كالولادة والرضاع عندهم والعيوب تحت الثياب والاستهلال، وقال بعضهم لا يثبت بالشهادة على الشهادة. وإن كان حقا لله وهو حد الزنا واللواط والقطع في السرقة وشرب الخمر قال قوم: لا يثبت بالشهادة على الشهادة، وهو مذهبنا، وقال بعضهم يثبت. فإذا ثبت هذا فالكلام في فصلين في كيفية التحمل وكيفية الأداء. أما التحمل وهو أن يصير شاهد الفرع متحملا لشهادة شاهد الأصل فإنه يصح بأحد أسباب ثلثة: أحدها الاسترعاء، وهو أن يقول شاهد الأصل لشاهد الفرع أشهد أن لفلان بن فلان على فلان بن فلان ألف درهم، فأشهد على شهادتي فهذا هو الاسترعاء. الثاني أن يسمع شاهد الفرع شاهد الأصل يشهد بالحق عند الحاكم فإذا سمعه يشهد به عند الحاكم صار متحملا لشهادته. الثالث أن يشهد الأصل بالحق ويعزيه إلى سبب وجوبه، فيقول أشهد أن لفلان بن فلان على فلان بن فلان ألف درهم من ثمن ثواب أو عبد أو دار أو ضمان أو دين أو إتلاف ونحو هذا، فإذا عزاه إلى سبب وجوبه صار متحملا للشهادة. فأما إن لم يكن هناك استرعاء ولا سمعه يشهد به عند الحاكم، ولا عزاه إلى

[ 232 ]

سبب وجوبه مثل أن سمعه يقول أشهد أن لفلان بن فلان على فلان بن فلان ألف درهم، فإنه لا يصير بهذا متحملا للشهادة على شهادته لأن قوله أشهد بذلك ينقسم إلى الشهادة بالحق ويحتمل العلم به على وجه لا يشهد به، وهو أن يسمع الناس يقولون لفلان على فلان كذا وكذا، وقف التحمل بهذا الاحتمال فإذا استرعاه أو شهد به عند الحاكم أو عزاه إلى سبب وجوبه زال الاشكال. فأما الكلام في الأداء فأن يأتي به على صفة التحمل، فإن كان التحمل بالاسترعاء أبانه، فقال أشهد أن فلان بن فلان الشاهد شهد على فلان بن فلان لفلان ابن فلان بكذا، وقال لي: إشهد على شهادتي. وإن كان التحمل بأن سمعه عند الحاكم قال أشهد أن فلان بن فلان الشاهد شهد بكذا وكذا عند الحاكم، فإن كان التحمل بأن عزاه إلى سبب وجوبه أبانه فقال أشهد أن فلان بن فلان الشاهد شهد لفلان بن فلان على فلان بن فلان بألف درهم من جهة كذا وكذا. فإذا أتى بها كذلك سمعها الحاكم وحكم بها، فإن أخل بشئ من هذا لم يحكم بها. إذا قال شاهد الأصل لشاهد الفرع أنا أشهد أن لفلان بن فلان على فلان بن فلان كذا وكذا، فاشهد أنت بها عليه! لم يكن شاهد الفرع شاهدا بالحق، ولا شاهدا على شهادة الأصل، لأن شاهد الأصل ما استرعاه، فإذا لم يكن هناك استرعاء لم يصر شاهدا على شهادة الأصل، ولا يصير شاهدا بالحق لأنه إنما يصير متحملا للشهادة بالحق بأن يعلم به اعتراف من عليه الحق فأما بقول شاهد الأصل له إشهد به، فلا يصير به عالما به، ولهذا لم يكن شاهدا بالحق. فأما بيان الموضع الذي تقبل شهادة الفرع، ويعمل الحاكم بها، فجملته أنه لا يقضي بشهادة الفرع حتى يتعذر على الأصل إقامتها، فأما إن كان شاهد الأصل موجودا قادرا على أداء شهادة نفسه، فالحاكم لا يقضي بشاهد الفرع لأنه إذا كان الأصل حاضرا بحث عن حاله وحده، فلو سمع الفرع افتقر إلى البحث عن حاله وحال الأصل، فلا معنى للبحث عن حال اثنين مع الاقتصار على واحد.

[ 233 ]

فأما إن تعذرت شهادة الأصل بأن مات الأصل سمع من الفرع، وقضى بشهادته وإن مرض الأصل فكذلك أيضا لأن على الأصل مشقة في الحضور. وإن كان غايبا فالقدر من المسافة التي يقبل فيها شهادة الأصل؟ قال قوم ما يقصر فيها الصلوة، فإن كان أقل من ذلك لم يسمع من الفرع، وقال بعضهم إن كان على مسافة يمكنه أن يحضر لإقامتها ثم يعود إلى منزله فيبيت فيه لم يسمع من الفرع وإن كان أكثر من ذلك فالاعتبار عندنا بالمشقة، فإن كان عليه مشقة في الحضور حكم بشهادة الفرع، وإن لم يكن عليه مشقة لم يحكم وهو قريب مما قاله القائل الأخير لأنه إذا لم يبت في منزله شق عليه. فإن سمع الحاكم من الفرع والأصل مريض أو غايب ثم قدم الغايب وبرأ المريض، لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون بعد حكم الحاكم أو قبله، فإن كان بعد حكمه لم يقدح ذلك في حكمه لأن حكمه قد نفذ قبل حضور الأصل وإن كان قبل حكم الحاكم بشهادة الفرع لم يحكم الحاكم بشهادة الفرع، لأنه إنما يحكم بالفرع لتعذر الأصل، فإذا حضر زالت العلة، وإن سمع الحاكم من الفرع في الموضع الذي يسوغ له أن يسمع ويحكم بشهادته، ثم تغيرت حال الأصل، كان الحكم فيه كما لو سمع من الأصل نفسه ثم تغيرت حاله، فإن عمى الأصل أو خرس حكم بشهادة الفرع لأن الأصل لو شهد ثم عمى أو خرس حكم بشهادته وإن فسق الأصل لم يحكم بشهادة الفرع لأنه لو سمع من الأصل ثم فسق لم يحكم بشهادته، لأن الفرع يثبت شهادة الأصل فإذا فسق الأصل لم يبق هناك ما يثبته. قال قوم لا مدخل للنساء في الشهادة على الشهادة سواء كان الحق مما يشهد فيه النساء كالأموال ونحوها أو يثبت بالنساء على الانفراد كالولادة والاستهلال أو لا مدخل للنساء فيه كالنكاح والخلع. وقال آخرون: إن كان الحق مما لشهادة النساء فيه مدخل كالأموال ونحوها كان للنساء مدخل في الشهادة على الشهادة، وإن لم يكن للنساء فيه مدخل وهو القصاص

[ 234 ]

وحد القذف لم يكن لهن فيه مدخل، والأول أحوط عندنا والثاني أقوى. إذا شهد شاهد الفرع على شهادة الأصل لم يخل من ثلثة أحوال إما أن يسميا الأصل ويعدلاه أو يعدلاه ولا يسمياه أو يسمياه ولا يعدلاه، فإن سمياه وعدلاه يثبت عدالته وشهادته، لأنهما عدلان، فإذا ثبتت شهادة الأصل بقولهما ثبتت صفته وتزكيته وعدالته بقولهما، وإن عدلاه ولم يسمياه لم يحكم بقولهما وقال ابن جرير يحكم بذلك، والأول أصح عندنا، وإن سمياه ولم يعدلاه سمع الحاكم هذه الشهادة، وبحث عن عدالة الأصل، فإن ثبتت عدالته حكم، وإلا وقف، وقال قوم لا يسمع هذه الشهادة أصلا لأنهما ما تركا تزكيته إلا لريبة والأول أصح عندنا. إذا ادعى عبدا في يد رجل فشهد له شاهد أنه غصبه وشهد آخر أنه أقر له بالغصب لم يحكم بهذه الشهادة، لأنها لم يتفق على فعل واحد، لأن الشهادة بالغصب غير الشهادة بالاقرار، لكن له أن يحلف مع أيهما شاء ويحكم له، وإن كانت بحالها فشهد أحدهما أنه غصبه، وشهد الآخر أنه ملكه، لم يحكم بها أيضا لما مضى، وله أن يحلف مع أيهما شاء ويحكم بها. فإن كانت بحالها فشهد شاهدان، أنه أخذه من يده، قبلناهما ورددناه إلى يده، لأن الشاهدين أثبتا اليد فحكمنا بما شهدا فإذا صار إلى يده كان كل واحد منهما على حجته إن كانت له. فأما إن كان في يد رجل جارية فوطئها واستولدها فادعى مدع أنها له غصبها منه، وأقام بذلك شاهدين، لم تخل من الجارية في يده من أحد أمرين إما أن يدعي أنه وطئها بحق أو لا يدعي ذلك، فإن لم يدع ذلك بل اعترف بالغصب رددنا الجارية إلى المدعي، وعلى الغاصب أرش ما نقصت في يده بولادة أو غيرها وأجرة مثلها في المدة التي بقيت في يده، وعلى الغاصب الحد، لأنه قد اعترف أنه غاصب فأما المهر فإن كانت مكرهة وجبت مهر مثلها عليه، وإن طاوعته قال قوم يجب المهر، وقال آخرون لا يجب.

[ 235 ]

والذي رواه أصحابنا في مثل هذه أن عليه عشر قيمتها إن كانت بكرا ونصف عشر قيمتها إن كانت ثيبا وأما الولد فمملوك لأنه من زنا ولا يلحق نسبه ويرده إلى المدعي مملوكا. وأما إن ادعى من في يديه أنه وطئها بحق في ملك يمين أو زوجية رددناها إلى المدعي وأرش النقص وأجرة المثل على ما مضى ولا حد عليه، لأنه قد ادعى شبهة وعليه مهر المثل، لأنه قد اعترف أنه وطئ بشبهة، والولد حر الأصل، ونسبه لاحق به وعليه قيمته يوم سقط حيا. فإن شهدا على رجل أنه غصب هذا العبد من زيد فقال: صدقا وقد اشتريته من زيد فالقول قول زيد مع يمينه أنه ما باعه إياه لأنه قد اعترف له به، وقامت البينة به وادعى عليه الشراء، والأصل أنه ما باعه. وإن هلكت جارية في يد رجل فشهد على شاهدان أنها غصب من زيد ووصفاها بما تتصف به، ثبت أنه غاصب وعليه القيمة فيرجع إلى الشاهدين، فإن شهدا بقيمتها حكمنا بذلك عليه، وإن مات الشاهدان قبل الشهادة بالقيمة، فالقول قول الغاصب في قدر قيمتها إذا ذكر ما يمكن أن يكون قيمة جارية لأنه غارم. وإن ذكر ما لا يمكن أن يكون قيمة جارية مثل أن قال قيمتها نصف درهم لم يلتفت إليه لأنه كاذب، ويقال للمدعي كم قيمتها فإن ذكر قلنا للغاصب قد ادعى عليك أن قيمتها كذا وكذا، فإن حلفت وإلا حلف المدعي واستحق. قد ذكرنا أن شهادة العدو على عدوه لا تقبل، فإن شهدا عليه فسمعها الحاكم ثم إن المشهود عليه قذف الشاهدين قبل الحكم بشهادتهما حكم بشهادتهما عليه، لأن الاعتبار بالعداوة حين الشهادة دون حال الحكم به، ولو قلنا: لا نحكم بشهادته أفضى إلى أن لا يحكم على أحد بشهادة غيره، لأنه متى شهد عليه بحق فإن المشهود عليه يقذف الشاهد فتسقط شهادته فإذا أفضى إلى هذا سقط ولم ترد هذه الشهادة. العدد الذي يثبت به شهادة الأصل، جملته أن الحقوق على ضربين: حق لله،

[ 236 ]

وحق لآدمي فحق الآدميين على ثلثة أضرب: ما لا يثبت إلا بشاهدين، وهو كل ما لم يكن مالا ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال، كالنكاح والطلاق والخلع والرجعة والقصاص والقذف والعتق والنسب، وما كان مالا أو المقصود منه المال يثبت بشاهدين وشاهد وامرأتين، وشاهد ويمين، وما لم يكن مالا ولا المقصود منه المال ولا يطلع عليه الرجال يثبت بشهادة شاهدين وشاهد وامرأتين وأربع نسوة عدول، وهو الولادة والاستهلال والعيوب تحت الثياب والرضاع عندهم، وحقوق الله على ثلثة أضرب: ما يثبت بشاهدين كالسرقة وشرب الخمر وما لا يثبت إلا بأربعة الزنا واللواط، وما اختلف فيه فالاقرار بالزنا، قال قوم يثبت بشاهدين، وقال آخرون بأربعة. فإذا ثبت هذا وكان حق للآدميين قد شهد به شاهدان مما لا يثبت إلا بهما كالقصاص أو يثبت بهما وبغيرهما ولكن شهد به اثنان، فإذا شهد شهود الفرع على شهادة شهود الأصل، ففيها ثلاث مسائل: شهد شاهدان على شهادة أحدهما وآخران على شهادة الآخر تثبت شهادة الأصل بذلك بلا خلاف. الثانية شهد شاهد على شهادة أحدهما وآخر على شهادة الآخر يثبت بهذه الشهادة ما شهدا به عندنا، وفيه خلاف. الثالثة شهد شاهدان على شهادة أحدهما ثم شهداهما على شهادة الآخر فأما شهادة الأول فقد ثبت، ويثبت عندنا شهادة الآخر، وقال بعضهم لا تثبت شهادة الآخر وأصل المسألة ما حكم شهود الفرع، قال قوم يقومون مقام الأصل في إثبات الحق فعلى هذا لا تثبت شهادة الآخر إلا بآخرين، وقال آخرون تثبت بشهادتهم شهادة شهود الأصل فعلى هذا تثبت شهادة الآخر بالأولين وكذلك شهادة الآخر يثبت بشهادتهما وهو الصحيح عندنا. وبقي الكلام في التفريع فإذا كان الحق لآدمي وشهد شاهدان، فبكم تثبت شهادتهما؟ فمن قال: شاهد الفرع يثبت بهما شهادة الأصل قال تثبت شهادتهما بشاهدين ومن قال شاهد الفرع يقوم مقام شاهد الأصل، فعلى هذا لا يثبت شهادتهما إلا بأربعة

[ 237 ]

شهود: شاهدان على شهادة أحدهما، وآخران على شهادة الآخر. وإن ثبت الحق بشاهد وامرأتين فبكم تثبت شهادة الثلاثة؟ فعلى قول الأول تثبت شهادتهم بشهادة اثنين، وعلى قول الثاني تثبت شهادة الثلثة بستة شهود، وإن كان شاهد الأصل أربع نسوة فعلى قول الأول تثبت شهادتهن بشهادة اثنين، وعلى قول الآخر بثمانية شهود. فأما حقوق الله فقد قلنا إنها لا تثبت عندنا بالشهادة على الشهادة ومن قال تثبت قال: نظرت فإن كان الحق تثبت بشهادة شاهدين فالحكم على ما مضى في حقوق الآدميين، فما يثبت بشهادة اثنين فعلى قول الأول بشهادة اثنين وعلى قول الآخر بأربعة شهود وإن كان الحق مما لا يثبت إلا بأربعة شهود، فعلى قول الأول تثبت شهادتهم بشهادة اثنين، وعلى قول الآخر بثمانية رجال، وفيهم من قال بستة عشر شهود. فخرج من ذلك في الشهادة على الشهادة في الزنا خمسة أقوال أحدها وهو الصحيح عندنا أنه لا يثبت بالشهادة على الشهادة، والثاني يثبت بشاهدين، والثالث بأربعة والرابع بثمانية، والخامس بستة عشر. وإن كان إقرارا بالزنا تثبت عند قوم بما يثبت به شرب الخمر، وقد مضى، وعند آخرين بما يثبت به الزنا وقد مضى، وعندنا لا يثبت الاقرار بالزنا بالشهادة على الشهادة كالزنا لا يثبت الزنا بالشهادة على الشهادة حتى يشهد أربعة شهود. فإذا ثبت ذلك وشهد أربعة على إقراره بالزنا أو على رجل أو عليهما معا فلا حد عليهم حتى يسألهم الحاكم عن ثلثة أشياء بمن زنى، وكيف زنى، وأين زنى؟ أما المسألة بمن زنى، لأن ما عزا لما اعترف عند النبي صلى الله عليه وآله بالزنا أربعا قال له الآن أقررت به بمن؟ ولأن الشاهد قد يعتقدها محرمة عليه، ويجب عليه الحد بوطئها ويكون بخلاف ذلك بأن تكون زوجته أو تكون جارية بينه وبين شريكه، فلهذا وجبت المسألة وأيضا فقد يعتقد الزنا فيما ليس بزنا، فإن في الناس من يعتقد أن الاستمناء زنا، فإذا سألهم فإن قالوا بأجنبية يحد بوطئها، فقد ثبت الزنا، وإن ذكروا وطي شبهة فلا حد، وإن ذكروا لواطا بغلام أو امرأة قال قوم: هو كالزنا، وقال

[ 238 ]

آخرون يقتل وهو مذهبنا وفيه خلاف. فإن ذكروا أنه أتى بهيمة فعندنا فيه التعزير، وقال قوم هو كاللواط، فمن قال هو كاللواط، لم يثبت إلا بأربعة، ومن قال فيه التعزير منهم من قال: يثبت بشاهدين وهو الذي نقوله، ومنهم من قال بأربعة. وإن ذكروا أنه استمنى فالاستمناء محرم لقوله تعالى " والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم " وهذا ليس بواحد منهما " ثم قال فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون " (1) وهذا من وراء ذلك، وقال عليه السلام: ملعون سبعة: ذكر منهم ناكح نفسه، فإن كان جاهلا بالتحريم عرفناه ونهيناه، فإن عاد عزرناه. فأما مسألة كيف زنى؟ فلأنه مجمع عليه، ولأن من الناس من لا يعرف كيفية الزنا، فإنهم قد يصرحون بالزنا فيما لا يجب به الحد لقوله عليه السلام العينان تزنيان. والرجلان تزنيان والفرج يصدق ذلك ويكذبه، ولأن في الناس من يعد الوطي فيما دون الفرج زنا يوجب الحد. فإذا سأله عن كيفيته فإن صرحوا بالزنا وهو أن يقولوا رأينا منه ذلك يدخل في الفرج مثل الميل في المكحلة، وأثبتوه حتى تغيب الحشفة، فإذا صرحوا بهذا فقد وجب الحد. فإن جاء أربعة ليشهدوا عليه بالزنا فشهد ثلثة وعرض الرابع فقال رأيته على بطنها أو رأيت ذاك منه فوق فرجها، فلا حد على المشهود عليه، لأن العدد ما تكامل ولا حد على من عرض، لأنه ما صرح بالزنا، والثلاثة قال قوم يحدون وقال آخرون لا يحدون، فمن قال لا حد، قبل الشهادة ومن قال عليهم الحد، قال: يقبل أخبارهم دون الشهادة لقصة أبي بكرة لأنه جلد وردت شهادته، وقبل خبره، والأقوى عندنا أنه لا يقبل خبره ولا شهادته. إذا شهد الأربعة بالزنا ثم مات واحد منهم قبل أن يستفسره فلا حد على المشهود

(1) المؤمنون: 5 - 7.

[ 239 ]

عليه، لأن الميت قد كان يجوز أن يفسره بما لا حد فيه ولا على الثلثة [ لأنه قد كان يجوز أن يفسره بما فيه حد ]. ظ وإذا شهدوا كلهم بالزنا ثم فسروا بما لا حد فيه، فلا حد على المشهود عليه و عليهم الحد وإذا حضروا فعرضوا بالزنا ولم يصرحوا به، فلا حد على واحد منهم. وأما المسألة عن المكان الذي زنى فيه، فلأن الشهادة قد يكمل على مكان واحد فيجب الحد ولا تكمل على مكان واحد فلا يجب الحد، فلا بد من المسألة فإذا سأل فإن اتفقوا على مكان واحد، فقالوا في هذا المكان أو قالوا في مكان واحد، وجب الحد، وإن قالوا في مكانين بأن قالوا في بيتين فلا حد بلا خلاف، وإن قالوا في بيت واحد إلا أن بعضهم قال في هذه الزاوية وبعضهم في الأخرى فلا حد أيضا على المشهود عليه، وفيها خلاف وهي مسألة الزوايا. إذا شهد الشهود عند الحاكم بحق حد أو غير حد فسمع الشهادة، ثم ماتوا قبل الحكم بها، ثم ثبت عدالتهم عنده كان له أن يحكم بها، لأن الاعتبار بالعدالة الموجودة حين الأداء، بدليل أنه إذا سمع الشهادة وكان عارفا بالعدالة حكم عقيب استماعها، وهذا موجود بعد الموت. فإن كانت بحالها ولم يموتوا لكن خرسوا حكم بها أيضا، لما مضى بلا خلاف وإن عموا قبل الحكم بها كان مثل ذلك، وقال قوم إذا عموا لم يحكم بشهادتهم لأن العمى عنده كالفسق والأول مذهبنا. إذا أقام المدعي عند الحاكم بينة بما ادعاه، وعرف الحاكم عدالتها، قال الحاكم للمشهود عليه قد ادعى عليك ما ادعاه وأقام البينة به وثبتت العدالة، فإن كان عندك ما يقدح في عدالة الشهود فقد مكنتك منه. لأن ذلك حق له، فإن قال أنظرني، أنظره اليومين والثلاثة ولا يزيد عليه، فإن انقضت ثلاثا ولم يأت بشئ حكم عليه، لأن الحق قد وضح، وإن أتى بالجرح لم يقبله إلا مفسرا لأن الناس يختلفون فيما يوجب التفسيق. الحقوق ضربان حق لآدميين، وحق لله تعالى، فإن ادعى حقا لآدمي كالقصاص

[ 240 ]

وحد القذف، والمال واعترف به أو قامت به البينة، لم يجز للحاكم أن يعرض له بالرجوع عنه، ولا بالجحود، لأنه لا ينفعه ذلك، لأنه إذا ثبت باعترافه لم يسقط برجوعه، وإن كان قد ثبت بالبينة لم يسقط عنه بالرجوع بجحوده. وإن كان حقا لله كحد الزنا والسرقة وشرب الخمر، فإن كان ثبوته عند الحاكم بالبينة لم يعرض له بالرجوع، لأن الرجوع لا ينفعه، وإن كان ثبوته باعترافه، فإن كان المعترف من أهل العلم والمعرفة بأن له الجحود والانكار، وأنه إذا ثبت باعترافه سقط برجوعه، لم يعرض له بالرجوع، لأنه قد اعترف على بصيرة، وإن كان من أهل الجهالة مثل أن كان قريب عهد بالاسلام، أو كان في طرف بادية من جفاة العرب الذين لا يعرفون ذلك، ساغ للحاكم أن يعرض له بما يرجع عن اعترافه، لكنه لا يصرح له بالرجوع، فإن فيه تلقين الكذب، وإنما قلنا بجوازه لأن ما عزا لما اعترف قال له النبي عليه السلام: لعلك قبلتها لعلك لمستها، وروي أن سارقا أقر عنده قال له أسرقت أم لا. فإذا ثبت هذا نظرت فيما اعترف به: فإن كان اعترف بالزنا قال لعلك قبلتها لعلك لمستها، وإن كان بالشرب قال لعله لم يكن خمرا لعله لم يكن مسكرا، وإن كان بالسرقة، قال له: ما إخا لك سرقت، لعلك سرقت من غير حرز، فإذا عرض له بذلك، فإن أقام على الاقرار، استوفى الحق منه. وإن رجع، فإن كان الرجوع عن الزنا وشرب الخمر سقط الحد، وإن كان بالسرقة سقط القطع دون الغرم لأنه حق لآدمي. إذا شهد شاهدان على رجل أنه سرق كبشا فشهد أحدهما أنه سرق غدوة، وشهد الآخر أنه سرق ذلك الكبش عشية، لم تثبت سرقته بهذه الشهادة، لأنها لم تكمل على سرقة واحدة، وله أن يحلف مع أي الشاهدين شاء، ويستحق ولا يجب القطع. وهكذا لو شهد أحدهما أنه سرق مع الزوال كبشا أسود، وشهد الآخر أنه سرق في ذلك الوقت كبشا أبيض لم تثبت هذه الشهادة، لأنها لم تكمل على سرقة واحدة

[ 241 ]

ويحلف مع أيهما شاء ويستحق ولا قطع لما مضى. وإن كانت المسألة بحالها، وكان مكان كل شاهد شاهدان، شهد اثنان أنه سرق كبشا غدوة، وشهد آخران أنه سرق ذلك الكبش عشية، تعارضت البينتان وسقطتا، وعندنا يستعمل القرعة. وهكذا لو شهد اثنان أنه سرق مع الزوال كبشا أسود، وشهد آخران أنه سرق مع الزوال في ذلك الوقت كبشا أبيض، تعارضت البينتان لأنه لا يجوز أن يسرق كبشا أسود وكبشا أبيض كل واحد منهما على الانفراد في زمان واحد، فتعارضت البينتان. وأما إن كان بالضد، وكانت السرقة مطلقة في زمانين أو كان الزمان مطلقا في سرقتين، مثل أن شهد أحدهما أنه سرق كبشا بكرة وشهد آخر أنه سرق كبشا عشية ولم يقل ذلك الكبش أو شهد أحدهما أنه سرق كبشا أسود وشهد آخر أنه سرق كبشا أبيض، ولم يقولا مع الزوال، فهما كبشان في الظاهر، وسرقتان في وقتين فيكون له بكل كبش شاهد، ويحلف مع كل واحد منهما ويستحق ذلك، إن ادعاه، وإن لم يدع إلا واحدا منهما حلف مع أحدهما واستحق ذلك. فإن كانت بحالها فكان مكان كل شاهد شاهدان، فشهد اثنان أنه سرق كبشا بكرة وشهد آخران أنه سرق كبشا عشية، فقد ثبت له بكل كبش شاهدان، وكذلك إن شهد شاهدان أنه سرق كبشا أسود وشهد آخران أنه سرق كبشا أبيض ثبت له بكل كبش شاهدان، مع ذلك، ويقطع لأنه إذا أطلقا فالظاهر أن كل اثنين شهد بكبش مفرد فلما أمكن الاستعمال استعملناه ولم يتعارضا ويفارق التي قبلها، وهي إذا كانت السرقة واحدة في زمانين أو الزمان واحدا في سرقتين، لأن الاستعمال هناك لا يمكن فلهذا تعارضتا. فإن شهد شاهد أنه سرق كبشا، وشهد الآخر أنه سرق كبشين، وكانت الشهادة مطلقة، ثبت له كبش بشاهدين وكبش بشاهد ويحلف معه، ويستحق. فإن كانت بحالها، وكان مكان كل شاهد شاهدان، ثبت له كبش بأربعة شهود، وكبش بشاهدين، ولا تعارض ههنا لأن الشهادة مطلقة يمكن استعمالهما وهكذا في الاقرار.

[ 242 ]

إذا شهد شاهدان على إقراره بألف، وشهد آخر بألف وخمسمائة، يثبت له ألف بشاهدين وخمسمائة بشاهد واحد، يحلف معه ويستحق. فإن كانت بحالها وكان مكان كل شاهد شاهدان، ثبت له ألف بأربعة شهود، و خمسمائة: بشاهدين، فإن كانت في البيع، فإن شهد شاهد أنه باعه هذا العبد بألف، وشهد آخر أنه باعه بألفين في زمان واحد، لم يثبت عقد واحد بشاهدين، لأن العقد الواحد في زمان واحد لا ينعقد بثمنين مختلفين، وله أن يحلف مع أيهما شاء. وإن كانت بحالها، وكان مكان كل شاهد شاهدان: شهد اثنان أنه باعه بألف، وشهد آخران أنه باعه بعينه في ذلك الوقت بألفين، تعارضتا وسقطتا عندهم، وعندنا استعملت القرعة، لأنه لا يصح أن يعقد عقدان في زمان واحد. هذا إذا كانت بينة ببيع واحد فأما إن شهد شاهد أنه باعه عبدا أسود بألف و وشهد آخر أنه باعه عبدا أبيض بألفين، فهما بيعان يحلف مع كل واحد منهما، و يستحق إن ادعاهما، وإن لم يدع إلا واحدا حلف واستحق. وإن كان مكان كل شاهد شاهدان، ثبت له بيعان كل بيع بشاهدين، ولا حاجة إلى اليمين. إذا شهد شاهدان أحدهما أنه سرق ثوبا قيمته ثمن دينار، وشهد الآخر أنه سرق ذلك الثوب بعينه، وقيمته ربع دينار ثبت ثمن الدينار بشاهدين، لأن الذي أثبت الثمن عرفه وشهد به، والذي أثبت الربع شهد مع الأول بالثمن وانفرد بزيادة ثمن آخر، فثبت ثمن بشهادتهما وثمن آخر بشاهد واحد، ويحلف معه و يستحق. فإن شهد اثنان أنه سرق ثوبا قيمته ثمن دينار، وشهد آخران أنه سرق ذلك الثوب بعينه وقيمته ربع دينار، ثبت الثمن بشهادة أربعة، وسقط الثمن الآخر، وقال قوم يثبت عليه ربع دينار وهو الأقوى عندي، فمذهب الأول: أن يأخذ أبدا بالأقل، والآخر بالزايد. إن شهد شاهدان أنه قذف فلانا بكرة، وشهد آخران أنه قذفه عشية أو شهد

[ 243 ]

أحدهما أنه قذفه يوم الخميس، وشهد آخر أنه قذفه يوم الجمعة، أو شهد أحدهما أنه قذفه بالكوفة، وشهد الآخر أنه قذفه بالبصرة، لم يثبت بهما القذف، لأن شهادتهما لم تكمل على قذف واحد، لأنهما قذفان، فإن قذف الغداة غير قذف العشي ولا يتعلق بهذه الشهادة حكم، ولا يجوز أن يحلف مع أحدهما، لأن القذف لا يثبت باليمين مع الشاهد، ويكون القول قول المدعى عليه مع يمينه، فإن حلف برئ. وإن كانت بحالها وكان مكان كل شاهد شاهدان في المسائل الثلاث، فهما قذفان كل قذف بشاهدين، وقد توالى قذفان، قال قوم يحد حدا واحدا وقال آخرون يحد حدين والأول أقوى. فإن شهد أحدهما أنه قتله بكرة وشهد الآخر أنه قتله عشيا أو شهد أحدهما أنه قتله يوم الخميس وشهد الآخر أنه قتله يوم الجمعة أو شهد أحدهما أنه قتله بالكوفة وشهد الآخر أنه قتله بالبصرة، لم يثبت هذا القتل، لأن الشهادة لم تكمل على قتل واحد وليس له أن يحلف مع أحدهما على إثباته، لأن القتل لا يثبت بالشاهد واليمين، فإن كان مكان كل شاهد شاهدان في المسائل الثلاث تعارضتا، والحكم ما تقدم عندهم يسقط وعندنا يستعمل القرعة لأن الانسان لا يقتل مرتين ولا في بلدين. إن شهد شاهد أنه طلقها بكرة وشهد الآخر أنه طلقها عشيا، لم يثبت الطلاق بشهادتهما، لأن شهادتهما لم تكمل على طلاق واحد، فإن كان مكان كل شاهد شاهدان، ثبت طلقتان، كل طلقة بشاهدين إلا أن على مذهبنا لا تقع الثانية لما بينا في الطلاق. وهكذا الحكم إذا كانت الشهادة على تعليق الطلاق بصفة مثل أن يشهد أحدهما أنه قال إن دخلت الدار فأنت طالق وشهد الآخر أنه قال إن أكلت الخبز فأنت طالق، فالحكم على ما مضى، وعندنا لا يقع ذلك أصلا. إذا شهد شاهد وقال أقر عندي بكرة أنه قذفه، وقال الآخر أنه أقر عندي عشيا أنه قذفه، أو قال أحدهما أقر عندي يوم الخميس أنه قذفه، وقال آخر أقر عندي

[ 244 ]

يوم الجمعة أنه قذفه، أو قال أحدهما أقر عندي بالكوفة أنه قذفه وقال آخر أقر عندي بالبصرة أنه قذفه، ثبت القذف بشهادتهما، لأن الاقرار وإن كان في زمانين فالظاهر أنه إخبار عن قذف واحد، ولهذا ثبت بشهادتهما. فإن شهد أحدهما وقال أقر عندي بالفارسية أنه قذفها، وقال الآخر أقر عندي بالعربية أنه قذفها ثبت القذف بشهادتهما على ما مضى، لأن الاقرار بلغتين إخبار عن قذف واحد فهو كالاقرار في زمانين أو في مكانين. إذا شهد عليه شاهد أنه قال القذف الذي كان مني كان بالعربية، وشهد الآخر أنه قال القذف الذي كان مني كان بالعجمية قال قوم لا يثبت القذف، لأنه إخبار عن قذفين، فلم تكمل شهادتهما على قذف واحد، وقال آخرون يثبت القذف عليه لأنه قد أقر بالقذف وقوله بعد هذا كان بالفارسية أو كان بالعربية إسقاط منه لإقراره بالقذف فلا يلتفت إليه وهذا القول أقوى عندي. إذا شهد شاهدان عند الحاكم بحق وكانا عدلين حين الشهادة ثم فسقا لم يخل من أحد أمرين إما أن يفسقا قبل الحكم بشهادتهما أو بعد الحكم بشهادتهما، فإن فسقا قبل الحكم بشهادتهما، لم يحكم بتلك الشهادة، وقال قوم يحكم بشهادتهما وهو الأقوى عندي. فإن كانت بحالها فلم يحكم بشهادتهما حتى مات المشهود له، فورثاه، لم يحكم بشهادتهما، لأنه لو حكم حكم لهما بالمال بشهادتهما ولا يجوز أن يحكم للشاهد بشهادته فأما إن فسقا بعد الحكم وقبل الاستيفاء، نظرت فيما حكم به، فإن كان حقا هو المال أو المقصود منه المال من حقوق الآدميين، لم ينقض حكمه لأن الحكم قد نفذ، و إن كان حقا لله كحد الزنا والسرقة وشرب الخمر، لم يستوفه، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وحدوث الفسق شبهة، ويفارق المال، لأن المال لا يسقط بالشبهة، وإن كان حد قذف أو قصاص استوفي عندنا، لأنه حق لآدمي كالمال وقال قوم لا يستوفي لأنه حد كحد الزنا. إذا صار الرجل ممن تحل له الصدقة، حلت له المسألة وإذا سأل وأخذ لم ترد

[ 245 ]

شهادته، لأنه محتاج، وليس فيه سقوط مروة، فإن كان طول عمره أو أكثره يسئل الناس وهو غني بغير ضرورة ولا معنى من المعاني، ويشكو الحاجة ويأخذ، ردت شهادته لأنه أكثر الكذب وأخذ حراما، ولو كان هذا منه دفعات ردت شهادته. فأما إذا أعطي من غير مسألة نظرت، فإن كان صدقة تطوع حلت له غنيا كان أو فقيرا فلا ترد شهادته، لأنه أخذ حلالا، وإن كانت صدقة فرض فإن كان فقيرا وأخذ قدر ما يجوز له الأخذ لم ترد شهادته، وإن كان غنيا فإن كان جاهلا بتحريمها: مثل أن كان قريب عهد بالاسلام أو من جفاة العرب، لم ترد شهادته، لأنه لم يقدم على معصية مع العلم بها، وإن كان عالما ردت شهادته، لأنه أخذ ما لا يحل له، فهو كالغاصب.

[ 246 ]

(فصل) * (في الرجوع عن الشهادة) * إذا شهد الشهود عند الحاكم بحق فعرف عدالتهم، ثم رجعوا لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يرجعوا قبل الحكم أو بعده وقبل القبض أو بعد الحكم والقبض معا فإن رجعوا قبل الحكم لم يحكم بلا خلاف إلا أبا ثور، فإنه قال يحكم به، والأول أصح، وإن رجعوا بعد الحكم وقبل القبض نظرت، فإن كان الحق حد الله كالزنا والسرقة وشرب الخمر، لم يحكم بها لأنها حدود تدرأ بالشبهات، ورجوعهم شبهة وإن كان حقا لآدمي يسقط بالشبهة، كالقصاص وحد القذف، لم يستوف لمثل ذلك وأما إن رجعوا بعد الحكم وبعد الاستيفاء أيضا لم ينقض حكمه بلا خلاف إلا سعيد بن المسيب والأوزاعي، فإنهما قالا ينقض والأول أصح. فإذا ثبت أن الحكم لا ينقض، فإن المستوفي قد قبض، فلا اعتراض عليه، وما الذي يجب على الشهود؟ لا يخلو المستوفى منه من ثلاثة أحوال إما أن يكون إتلافا مشاهدة، كالقتل والقطع أو حكما كالطلاق والعتق، أو لا مشاهدة ولا حكما كنقل المال من رجل إلى آخر، وإن شئت قلت: لا يخلو أن يكون إتلافا أو في حكم الاتلاف أو خارجا عنهما، فإن كان إتلافا كالقتل والقطع في السرقة وغيرها، ففيها مسائل. إن قالت الشهود أخطأنا كلنا فلا قود ويجب الدية مخففة في أموالهم لأنها لا يثبت إلا بالاعتراف، وإن قالوا عمدنا كلنا وقصدنا أن يقطع أو يقتل، فعليهم القود وفيها خلاف وإن قالوا عمدنا كلنا وقصدنا غير أنا لم نعلم أن الحاكم يقتله بذلك، و كانوا من أهل الجهالة، فهو عمد الخطاء عليهم الدية مغلظة مؤجلة في أموالهم. وإن قال اثنان عمدنا كلنا، وقال الآخران أخطأنا كلنا، فالقود على من قال عمدنا كلنا، لأنهما اعترفا بما يوجب القود، وعلى الآخرين نصف الدية، لأنهما ما اعترفا بما يوجب القود، غير أن عندنا إن قتلهما أولياء المقتول لزمهم أن يردوا

[ 247 ]

دية كاملة على أولياء المقتولين مع نصف الدية المأخوذة يقتسمون ذلك بينهم نصفين وإن قتلوا واحدا منهما ردوا نصف الدية على أوليائه ويلزم المعترف الآخر بالعمد ربع دية أخرى لهم، ولم يقل بذلك أحد. فإن قال اثنان عمدنا كلنا، وقال الآخران عمدنا وأخطأ الآخران، فعلى من قال عمدنا كلنا، القود، ومن قال عمدنا وأخطأ الآخران قال قوم عليهما القود، لأنهما اعترفا بالعمد واعترف الآخران بالعمد، فكان الكل عمدا فلهذا وجب القود، وقال بعضهم لا قود عليهما لأنهما اعترفا بما لا يوجب القود، والأول أصح عندنا، والحكم في القصاص والرد على ما قلناه. وأما إذا شهدوا بما هو في حكم الاتلاف وهو العتق والطلاق ثم رجعوا: أما إذا شهدوا بالعتق فحكم الحاكم بعتق العبد، ثم رجعا فعليهما قيمة العبد لسيده، لأنهما أتلفا ماله بغير حق، فكان عليهما الضمان، كما إذا قتلاه، ولا فصل بين أن يتعمدا بذلك وبين أن يكون منهما على سبيل الخطاء فإن الضمان في الحالين سواء لأن إتلاف الأموال بالعمد والسهو سواء. وأما إن شهدا بالطلاق ثم رجعا لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون قبل الدخول أو بعده، فإن كان بعد الدخول فعليهما مهر مثلها عند قوم، وقال آخرون لا ضمان عليهما، وهو الأقوى عندي، لأن الأصل براءة ذمتهما. وإذا شهدا بالطلاق قبل الدخول ثم رجعا فإن الحكم لا ينقض، وعليهما الضمان عند قوم وكم يضمنان؟ قال قوم كمال المهر مهر المثل، وقال آخرون نصف المهر وهو الأقوى ومن قال بهذا منهم من قال نصف مهر المثل، ومنهم من قال نصف المسمى وهو الأقوى عندنا. ومنهم من قال إن كان المهر مقبوضا لزمهما كمال المهر، وإن لم يكن مقبوضا لزمهما نصف المهر، والفصل بينهما إذا كان مقبوضا غرمه كله لا يسترد شيئا منه لأنه معترف لها به لبقاء الزوجية بينهما فلما حيل بينهما رجع بكله عليهما، وليس كذلك إذا كان قبل القبض، لأنه لا يلزم إلا إقباض نصفه، فلهذا رجع بالنصف عليهما

[ 248 ]

وهذا قوي. فأما إذا لم يكن إتلافا مشاهدة ولا حكما وهو أن يشهدا بدين وحكم بذلك عليه ثم رجعا فهل عليهما الضمان للمشهود عليه أم لا؟ قال قوم لا ضمان عليهما، و قال آخرون: عليهما الضمان. وكذلك قالوا فيمن أعتق عبدا في يده أو وهبه وأقبضه ثم ذكر أنه كان لزيد فهل عليه قيمته لزيد؟ على قولين لأنه أقر به له بعد أن فعل ما حال بينه وبينه بغير حق، والأقوى عندي أن عليهما الضمان للمشهود عليه، وكذلك يلزم القيمة للمعتق لعبده لمن أقر له به. فمن قال لا ضمان فلا كلام، ومن قال عليهما الضمان نظرت، فإن ثبت حق بشاهدين فإن رجعا معا ضمناه نصفين، وإن رجع أحدهما ضمن النصف وإن كان ثبوته بشاهد و امرأتين فرجعوا معا فعليهم الضمان على الرجل النصف وعلى المرأتين النصف لأنهما نصف البينة، فإن رجعت إحداهما فعليهما ربع المال، وإن رجعتا دونه فعليهما نصف المال، وإن رجع دونهما فعليه نصف الدية. وإن كان ثبوته بثلاثة رجال، فإن رجعوا كلهم، فالضمان عليهم أثلاثا، وإن رجع واحد منهم، قال قوم عليه الثلث كما لو رجع الكل فعلى كل واحد الثلث، وقال آخرون لا ضمان عليه، لأنه قد بقي بعد رجوعه من يثبت الحق بقوله، فعلى هذا إن رجع بعده آخر كان عليه وعلى الأول نصف المال على كل واحد منهما الربع فإن رجع الثالث صار على كل واحد منهم الثلث. وإن كان ثبوته برجل وعشر نسوة، فإن رجع الكل فعلى الرجل السدس، وعلى كل واحدة منهن نصف السدس، وقال قوم على الرجل النصف، وعليهن النصف، لأن الرجل نصف البينة فيضمن نصف المال، والأول أقوى. فإذا تقرر هذا فإن رجعت واحدة من النساء، منهم من قال على من رجع نصف السدس، وإن رجع الرجل فعليه سدس المال، كما لو رجعوا كلهم، ومنهم من قال إن رجعت واحدة فلا شئ عليها وكذلك إن رجع منهن إلى ثماني لأنه قد بقي من

[ 249 ]

يثبت الحق بقوله فإن رجعت التاسعة فعليها وعلى من رجع قبلها ربع المال لأنه قد رجع ربع الشهادة، فإن رجعت العاشرة فعليها وعلى من رجع قبلها نصف المال، فإن رجع الرجل فعليه وعليهن كل المال بالسوية عليه السدس، وعلى كل واحدة منهن نصف السدس وعلى هذا أبدا. وكل موضع رجع فيه الشهود نظرت، فإن ذكروا أنهم أخطأوا فلا تعزير على واحد منهم، وكل موضع ذكروا أنهم تعمدوا، فإن كان الواجب قصاصا فلا تعزير، لأنه يدخل في استيفاء القصاص، وإن كان الواجب مالا فعليهم التعزير، لأنهم اعترفوا أنهم شهدوا بالزور وشاهد الزور يعزر. إذا حكم حاكم بشهادة شاهدين، ثم بان له أنه حكم بشهادة من لا يجوز له الحكم بشهادته، نظرت، فإن بان أنه حكم بشهادة كافرين، نقض الحكم بلا خلاف، وكذلك عندهم إن كانا عبدين، وإن بان أنهما فاسقان نظرت، فإن كان الفسق بعد الحكم أو قامت البينة عنده بالجرح مطلقة من غير تاريخ، لم ينقض حكمه، لأنه يحتمل أن يكون الفسق بعد الحكم ويحتمل أن يكون قبله فلا ينقض حكمه بأمر محتمل. وأما إن كانت بينة الجرح مؤرخة، فإن كان الفسق منهما قبل الحكم وقامت البينة عنده أنهما شربا الخمر أو قذفا حرا قبل الحكم بشهادتهما بيوم، قال قوم: ينقض الحكم وهو مذهبنا، وقال آخرون لا ينقضه. فمن قال لا ينقضه فلا كلام، ومن قال ينقضه، فكل موضع قلنا ينقضه فإن بان له الفسق أو الرق عندهم، الباب واحد، فلا يخلو ما حكم به من أحد أمرين إما أن يكون حكم بإتلاف أو في مال، فإن حكم بإتلاف كالقصاص والرجم فلا قود ههنا، لأنه عن خطأ الحاكم، وأما الدية فإنها على الحاكم وقال قوم الضمان على المزكين وروى أصحابنا أن ما أخطأت الحكام فعلى بيت المال. فمن قال الدية على الحاكم، قال: لا فصل بين أن يكون الحاكم مكن المشهود له من القتل فقتل وبين أن يكون تقدم إلى من قتله بأمره، الباب واحد. وقال بعضهم ينظر، فإن كان الذي باشر القتل هو الولي فالضمان على الولي، وإن كان الإمام قتله

[ 250 ]

أو تقدم بقتله فقتله رجل من قبلة، فالضمان على الإمام، والأول أصح ومن قال يلزم الحاكم الدية، منهم من قال يلزم على عاقلته ومنهم من قال يلزم ذلك في بيت المال، وهو مذهبنا. فأما إن حكم بالمال نظرت فإن كانت عين المال باقية استردها، وإن كانت تالفة فإن كان المشهود له هو القابض وكان موسرا غرم ذلك، وإن كان معسرا ضمن الإمام حتى إذا أيسر رجع الإمام عليه والفرق بين هذا وبين الدية أن الحكم إذا كان بالمال حصل في يد المشهود له ما يضمن باليد، لأن ضمان الاتلاف ليس بضمان اليد فلهذا كان الضمان على الإمام، وليس كذلك القتل، لأنه ما حصل في يد المشهود له ما يضمن باليد. إذا شهد أجنبيان أنه أعتق سالما وهو الثلث في مرضه، وشهد وارثان أنه أعتق غانما وهو الثلث في مرضه، قال قوم يعتق من كل واحد منهما نصفه. والذي نقوله أنه ينظر في ذلك، فإن علم السابق منهما أعتق ورق الآخر، و إن لم يعلم السابق أقرع بينهما فمن خرج اسمه أعتق ورق الآخر. هذا إذا كان في مرضه على قول من يقول من أصحابنا إن العتق في المرض من الثلث. أو كانت المسألة مفروضة في الوصية، ومن قال هو من أصل المال عتقا جميعا، وكذلك إن قامت البينة أنه فعل ذلك في حال الصحة، ومتى كان العتق لهما في حال واحدة نفذ العتق فيهما معا، إن كان في حال الصحة أو كان في حال المرض وقلنا إنه من أصل المال، ومتى قلنا إنه من الثلث أقرع بينهما، فمن خرج اسمه أعتق ورق الآخر. هذا إذا كانت قيمة كل واحد منهما ثلث ماله، فأما إن اختلف القيمتان فكانت قيمة أحدهما ثلث ماله وقيمة الآخر سدس ماله، فإذا أقرعنا بينهما مع تساوي القيمة أقرعنا ههنا، فإن خرجت القرعة لمن قيمته الثلث عتق ورق الآخر كله، وإن خرجت القرعة لمن قيمته السدس عتق كله وكملنا الثلث من الآخر فيعتق من الآخر نصفه، ومن قال يعتق من كل واحد نصفه مع تساوي القيمة قال يعتق من كل واحد منهما

[ 251 ]

ههنا ثلثاه، لأن ثلثي الثلث وثلثي السدس وثلث جميع المال يصح من ثمانية عشر. هذا إذا كانت البينتان عادلتين، فأما إن كانت إحداهما عادلة والأخرى فاسقة فإن كانت الأجنبية فاسقة والوارثة عادلة، سقطت الأجنبية، وعتق الذي شهدت له الوارثة، لأنه يخرج من الثلث ولا شاهد غير الوارثة، وإن كانت الأجنبية عادلة والوارثة فاسقة، نظرت في الوارثة، فإن لم تطعن في الأجنبية بحال عتق الذي شهدت له الأجنبية كله، لأنه لا يمكن معارضتها بالوارثة، لكون الوارثة فاسقة، فكأنه لا شاهد غير الأجنبية. وأما الذي شهدت الوارثة بعتقه فلا تقبل شهادتهما به، ولكن شهادتهما بعتقه إقرار على أنفسهما فيعتق منه نصفه، لأن الوارثة تقول البينتان صحيحتان، وكان الواجب أن يعتق من كل واحد منهما نصفه، ولم يقبل قولهما من حيث الشهادة فيه فينفذ في المشهود به بالشهادة، ونفذ في نصف الذي اعترفتا به. هذا على قول الذي يقول يعتق من كل واحد منهما نصفه، ولم تطعن الوارثة في الأجنبية فأما إن طعنت فيها فقالت كذبت الأجنبية ما أعتق غير الذي شهدنا به لم يقبل قول الوارث على الأجنبية لأنها تنفي ما أثبته الأجنبية، فيعتق من شهدت به الأجنبية كلها، ويعتق من شهدت به الوارثة كلها، لأنها تقول ما أعتق غير هذا الواحد وهو ثلث المال، فيعتق كله، والذي شهدت به الأجنبية باطل. والفصل بين هذه وبين التي قبلها أن الوارثة ما طعنت في الأجنبية في الأولى فلهذا عتق من الذي شهدت به نصفه، وليس كذلك ههنا لأن الوارثة طعنت في الأجنبية وذكرت أنه ما أعتق إلا من شهدنا به فلهذا عتق كله. إذا شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق سالم وقيمته ثلث المال، وشهد وارثان، أنه رجع عن هذا وأوصى بعتق غانم وقيمته ثلث المال، وكانت الأجنبية عادلة، لم تخل الوارثة من أحد أمرين إما أن تكون فاسقة أو عادلة فإن كانت فاسقة فلا تزاحم الأجنبية لأنها لا تعارضها، فلا يثبت رجوعه عن الوصية لسالم، فيعتق سالم، كله، والوارثة وإن

[ 252 ]

لم تكن عادلة فقد اعترفت بعتق غانم، ومن أقر بشئ لزمه في نفسه، ويكون سالم كالمغصوب من التركة، ويبقى ثلثاها فيعتق من غانم بقدر ثلث ما بقي، وهو ثلثا غانم لأن ثلثي غانم ثلث جميع ما بقي. بيانه: التركة ثمانية عشر غصب منها سالم، وقيمته ستة بقي اثنا عشر قيمة غانم منها ستة، ثلثاها أربعة فيكون أربعة من اثني عشر، وذلك ثلث الاثني عشر، فيعتق من غانم ثلثاه ورق ثلثه. هذا إذا كانت الوارثة فاسقة، فأما إن كانت عادلة حكمنا بالرجوع عن عتق سالم، لأن الوارثة عادلة فلا تجر نفعا ولا تدفع ضررا، وأرققنا سالما وأعتقنا غانما. هذا إن اتفقت القيمتان فأما إن اختلفت نظرت، فإن كانت قيمة سالم أقل من قيمة غانم، فالحكم فيه كما لو كانت القيمتان متساويتين، لأن الوارثة شهدت ههنا بما يضرها، وهو أنه رجع عن الوصية بالقليل إلى الوصية بالكثير وقد مضى، وأما إن كانت قيمة غانم أقل من قيمة سالم مثل أن كانت قيمة سالم الثلث وقيمة غانم السدس فالوارثة متهمة في رجوعها عن الزيادة على قيمة غانم وهو السدس، لأنها تجر إلى نفسها نفعا بقدر سدس المال، فردت شهادتهما في نصف سالم لأجل التهمة وهل ترد فيما بقي منه أم لا؟ قال قوم ترد، والآخرون قالوا لا ترد. وهذا أصل: كل شهادة ردت في بعض ما شهدت به لأجل التهمة، هل ترد فيما بقي أم لا؟ على قولين، كما لو شهدا أنه قذف أمهما وأجنبية ردت لأمهما، وهل ترد للأجنبية أم لا؟ على قولين كذلك ههنا، ردت شهادتهما في نصف سالم، وهل ترد فيما بقي أم لا؟ على قولين الصحيح عندنا أنها لا ترد ولا في نظايرها. فأما شهادتهما لأمهما فلا ترد عندنا، لكن نفرض المسألة أنها ماتت وورثاها، فإنها ترد حينئذ، فمن قال ترد في الكل، قال فإن كان الوارثة فاسقة فلا يحكم برجوعه عن عتق سالم، فيعتق كله، ويعتق كل غانم، لأن قيمته سدس المال، وسدس كل المال

[ 253 ]

أقل من ثلث ما بقي ونحن نحكم بالوصية بثلث ما بقي، فبأن نحكم بأقل من ثلث ما بقي أولى وأحرى، فيعتق كل سالم وكل غانم. إذا شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق سالم وقيمته ثلث المال، وشهد وارثان أنه أوصى بعتق غانم وقيمته ثلث المال، وفقدنا التاريخ أقرعنا بينهما، فمن خرج قرعته عتق، ورق الآخر، فإن كانت بحالها فشهد أجنبيان أنه أوصى لعمرو بثلث ماله، وشهد وارثان أنه أوصى لزيد بثلث ماله، وفقدنا التاريخ، عندنا مثل الأولى يقرع بينهما وعندهم يقسم المال بينهما نصفين، والفصل بينهما أن القصد من العتق تكميل أحكام المعتق وبعتق بعضه لا يكمل أحكامه، فلهذا أقرع بينهما، وليس كذلك المال لأن القصد منه نفع الموصى له، فإذا قسم بينهما إنتفعا به فلهذا لم يقرع بينهما. فإن شهد أجنبيان أنه أوصى لزيد بثلث ماله وشهد وارثان أنه أوصى بثلث ماله لعمرو ورجع عن الوصية لزيد، وشهد آخران أنه رجع عن الوصية لعمرو وأوصى بثلث ماله لخالد، قبلناها كلها، وصح الرجوع في حق زيد وعمرو، وثبت الثلث لخالد. وإن كانت بحالها فشهد أجنبيان أنه أوصى بثلث ماله لزيد، وشهد وارثان أنه رجع عنها وأوصى بثلث ماله لعمرو، وشهد آخران أنه رجع عن إحدى الوصيتين سقطت الثالثة لأنها لم يعين ما شهدت به، فهو كما لو شهدا أن هذه الدار لأحد هذين لم يحكم بها كذلك ههنا، فإذا سقطت الثالثة حكمنا بالثانية، وأن الثلث لعمرو. إذا شهد شاهدان أنه أوصى بثلث ماله لزيد وشهد آخران أنه أوصى بثلث ماله لعمرو وشهد آخران أنه رجع عن إحدى الوصيتين سقطت الثالثة، لما ذكرناه، وقسمنا الثلث بين زيد وعمرو، ويكون وجود الثالثة وعدمها سواء، وعندنا يقرع بين الأولين. إذا شهد شاهدان أنه أوصى لزيد بثلث ماله، وشهد شاهد واحد أنه أوصى بثلث ماله لعمرو، وقال عمرو: أحلف مع شاهدي ليكون الثلث بيننا فهل يزاحم الشاهدين

[ 254 ]

بشاهد ويمين أم لا؟ قال قوم: يحلف ويزاحم ويساويه، لأن الشاهد واليمين في الأموال بمنزلة الشاهدين، وقال آخرون لا يساويه لأن الشاهد واليمين أضعف من شاهدين، لأن الشاهد وحده لا يقوم بنفسه حتى يضم إليه غيره، والشاهدان قايمان بأنفسهما فلا يعارضهما به. فمن قال لا يعارضهما حكم بالثلث لزيد وحده، ومن قال يعارضهما حلف عمرو مع شاهده وكان الثلث بينهما نصفين، وعلى مذهبنا يقرع بينهما إذا عدم التاريخ، فإن خرج اسم صاحب الشاهدين أعطي الثلث، وإن خرج اسم صاحب الشاهد الواحد حلف معه وأخذ الثلث. إذا شهد شاهدان أنه أوصى لزيد بثلث ماله وشاهد أنه رجع عن الوصية لزيد وأوصى لعمرو بثلث ماله، كان لعمرو أن يحلف مع شاهده ويستحق الثلث وحده دون زيد، بلا خلاف بيننا وبين من خالف في الأول، لأن الشاهد واليمين هاهنا ما زاحم الأولين ولا يعرض لهما، وإنما أثبت رجوع الموصي عن وصيته والرجوع عن الوصية يثبت بالشاهد واليمين، لأن المقصود منه المال وليس كذلك في التي قبلها لأن الشاهد واليمين زاحم الشاهدين وساواهما، فلهذا كان الشاهدان أولى منه على أحد القولين. إذا ادعى عبد على سيده أنه أعتقه فأنكر فأتى العبد بشاهدين فشهدا له عند الحاكم بذلك ولم يعرف الحاكم عدالتهما، فقال له العبد فرق بيننا حتى نبحث عن العدالة، قال قوم يفرق بينهما وقال آخرون لا يفرق، والأول أقوى لأن العبد قد فعل ما يجب عليه، لأنه أتى ببينة كاملة، وإنما بقي ما ليس عليه من البحث عن حال الشهود، ولأن الظاهر العدالة حتى يظهر الجرح، ولأن المدعي قد يكون أمة فإذا لم يفرق بينهما لم يؤمن أن يواقعها، فلهذا فرق بينهما، فإذا فرق بينهما جعل عند ثقة وأوجر وأنفق عليه من كسبه، فإن فضل فضل جمع فإن صحت حريته سلم الفضل إليه، وإن ثبت رقه رد إلى مولاه وسلم الفضل إلى مولاه. هذا إذا أتى بشاهدين فإن أتى بشاهد واحد وقال لي شاهد آخر قريب وأنا آتيك به

[ 255 ]

قال قوم يفرق بينهما، وقال آخرون لا يفرق لأنه لم يأت بالبينة التامة وكذلك كل حق لا يثبت إلا بشاهدين كالنكاح والطلاق والقصاص ونحو ذلك إن أتى بشاهدين حبس له خصمه، وإن أتى بشاهد واحد فهل يحبس خصمه حتى يأتي بآخر؟ على القولين. هذا إذا كان الحق لا يثبت إلا بشاهدين، فأما إن كان مما يثبت بشاهد وامرأتين وبشاهد ويمين، نظرت فإن أتى بشاهدين ولم يعرف عدالتهما، وقال إحبسه لي حتى يعدلا، حبسناه فإن أتى بشاهد واحد، وقال احبسه لي حتى آتي بآخر، منهم من قال على قولين كالقصاص والنكاح، ومنهم من قال يحبس لا محالة وهو الأقوى عندي لأن الشاهد مع اليمين حجة في الأموال، لأنه يحلف ويستحق فلهذا حبسناه وليس كذلك في العتق والقصاص، لأن الشاهد الواحد ليس بحجة، فلهذا لم نحبسه، فكل موضع حبسناه بشاهدين فلا يزال في الحبس حتى يتبين عدالتهما أو جرحهما، وكل موضع حبس بشاهد واحد لم يحبس أبدا، ويقال للمشهود له إن جئت بعد ثلاث وإلا أطلقناه.

[ 256 ]

كتاب * (الدعاوى والبينات) * روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، وروي بمثل ذلك عمر وبن عمر وعبد الله بن عمر. وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. وروت أم سلمة أن النبي عليه وآله السلام قال إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضهم أن يكون ألحق بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار. والمدعي في اللغة من ادعى الشئ لنفسه، سواء ادعى شيئا في يده أو شيئا في يد غيره أو في ذمة غيره، والمدعي في الشرع من ادعى شيئا على غيره في يده أو في ذمته فإن كان الشئ في يده فادعاه فلا يقال له في الشرع مدع وأما المدعى عليه فمن ادعي عليه شئ في يده أو في ذمته فهو المدعى عليه لغة وشرعا. وقد يكون كل واحد منهما مدعيا ومدعى عليه وهو إذا اختلف المتبايعان في قدر الثمن فالبايع يقول بعتكه بألف وما بعتك بخمس مائة، والمشتري يقول بعتني بخمسمائة وما بعتني بألف. فإذا ثبت ذلك فالبينة حجة المدعي يحقق بها ما يدعيه، واليمين حجة المدعى عليه يحقق بها ما ينكره وينفيه للخبر الذي تقدم. وروى الأعمش عن شقيق أبي وائل عن الأشعث قال: كان بيني وبين يهودي أرض فجحدني عليها فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال ألك بينة قال فقلت لا، قال لليهودي أتحلف؟ قلت إذن يحلف ويذهب بمالي، فنزل قوله تعالى " إن الذين يشترون بعهد الله

[ 257 ]

وأيمانهم ثمنا قليلا " الآية فسن (1) رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا حجة كل واحد منهما. وأما الكلام في استعمال الحكم بينهما، فإذا ادعى رجل حقا واستعدى الحاكم عليه أحضره الحاكم، سواء علم بينهما معاملة أو لم يعلم، وقال بعضهم إن علم بينهما معاملة أعدى عليه وأحضره، وإن لم يعلم ذلك فإنه لا يعدي عليه، فإن كان المدعى عليه من أهل الصيانات والمروات صانه الحاكم عن البذلة فلا يحضره مجلس حكمه بل يحضره إلى داره ويجمع بينه وبين خصمه، ويقضي بينهما هناك، وليس فيه ابتذال. فإذا حضر وادعى الحق فإن اعترف به ألزمه وإن أنكر، لم يخل المدعي من أحد أمرين إما أن يكون معه بينة أو لا بينة معه، فإن كان معه بينة فهو أولى من يمين المدعى عليه، ومقدمة عليها، وإن لم يكن معه بينة، فالقول قول المدعى عليه. هذا إذا ادعى عينا في يديه أو دينا في ذمته، فأما إن كانت يدهما معا عليها كالدار هما فيها، والتصرف بينهما عليها ولا بينة لواحد منهما، حلف كل واحد منهما لصاحبه وكانت بينهما لما روي أن رجلين تنازعا دابة ليس لأحدهما بينة فجعلها النبي صلى الله عليه وآله بينهما، والخبر محمول على أنه حلف كل واحد منهما لصاحبه، وإذا تنازعا عينا يد أحدهما عليها، وأقام كل واحد منهما بينة سمعنا بينة كل واحد منهما، وقضينا لصاحب اليد، سواء تنازعا ملكا مطلقا يتكرر أو لا يتكرر. فالمطلق كل ملك كان إذا لم يذكر أحدهما سببه، وما يتكرر كآنية الذهب والفضة والصفر والحديد، يقول كل واحد منهما ملكي صيغ في ملكي، وهذا يمكن أن يصاغ في ملك كل واحد منهما، وكذلك ما يمكن نسجه مرتين كالصوف والخز وما لا يتكرر سببه كثوب قطن وإبريسم، فإنه لا يمكن أن ينسج مرتين وكذلك النتاج لا يمكن أن تولد الدابة مرتين، وكل منهما يقول ملكي نتج في ملكي، فالكل واحد عند هذا القايل وفيه خلاف.

(1) فبين خ.

[ 258 ]

ومذهبنا الذي يدل عليه أخبارنا ما ذكرناه في النهاية، وهو أنه إذا شهدا بالملك المطلق ويد أحدهما عليها، حكم لمن هو في يده لليد، وكذلك إن شهدا بالملك المقيد لكل واحد منهما، ويد أحدهما عليها، حكم لمن هو في يده، وقد روي أنه يحكم لليد الخارجة وإن كانت أيديهما عليها فهو بينهما نصفان وإن كانت أيديهما خارجتين أقرع بينهما فمن خرج اسمه حكم له به مع يمينه، إن كانت الشهادة بالملك مطلقا وإن كان مقيدا قسم بينهما نصفين، وإن كان لأحدهما بالملك المطلق وللآخر بالملك المقيد حكم للذي شهدا له بالمقيد. فإذا ثبت أن بينة الداخل يسمع في الجملة، فالكلام فيه كيف يسمع؟ أما بينة الخارج فإذا شهدت بالملك المطلق سمعت، وإن شهدت بالملك المضاف إلى سببه فأولى أن يقبل، وأما بينة الداخل، فإن كانت بالملك المضاف إلى سببه، قبلناها، وإن كانت بالملك المطلق، قال قوم لا يسمعها، وقال آخرون مسموعة. والأول مذهبنا، لأنه يجوز أن يكون شهدت بالملك لأجل اليد، واليد قد زالت ببينة المدعي. فإذا تقرر هذا، فكل موضع سمعنا بينة الداخل، قضينا للداخل بلا خلاف قال قوم يستحلف مع ذلك، وقال آخرون: لا يستحلف، وهو الأقوى وأصل ذلك تعارض البينتين، فإن منهم من قال يسقطان، ومنهم من قال يستعملان. فمن قال يسقطان لم يحكم له إلا باليمين، لأنهما إذا تعارضتا سقطتا فيكونان كأنه لا بينة لواحد منهما ولأحدهما اليد، فكان القول قوله مع يمينه، ومن قال يستعملان فلا شئ عليه، لأنا نقضي له بالبينة، وذلك لأنهما تعارضتا وانفرد أحدهما باليد، فقدمناها على بينة الخارج باليد، فقضينا له بها، فلهذا قلنا لا شئ عليه. فأما إذا تنازعا عينا لا يد لواحد منهما عليها، وأقام أحدهما شاهدين والآخر أربعة شهود، روى أصحابنا أنه يرجح بكثرة الشهود والتفاضل في العدالة فيقدم، وقال قوم لا ترجيح بالعدد ولا بالتفاضل في العدالة، وأما إن كان لأحدهما شاهدان وللآخر شاهد وامرأتان، فلا ترجيح عندنا وعند الأكثر، وقال من وافقنا في الأولى

[ 259 ]

إنه يرجح به الشاهدان. وأما إن كان لأحدهما شاهدان وللآخر شاهد واحد، وقال أحلف مع شاهدي وأساويه قال قوم يساويه، وقال آخرون لا يساويه، وهو الأصح عندنا، وهكذا لو كان مع أحدهما شاهد وامرأتان، ومع الآخر شاهد، وقال أحلف مع شاهدي الباب واحد، عندنا يرجح الشاهدان، والشاهد والمرأتان على الشاهد واليمين، وقال قوم لا يرجح. إذا شهد له بما يدعيه شاهدان فقال المشهود عليه: إحلفوه لي مع شاهديه، لم يحلفه عندنا وعند الأكثر، وفيه خلاف، فإن كانت بحالها فشهد له شاهدان بالحق فقال المشهود عليه صدقا، غير أني ملكت ذلك منه أو قال أبرأني منه أو قضيته إياه حلفناه له، لأن هذه دعوى أخرى، وهو أنه يدعي أنه برئ من الحق، فيكون القول قول المدعا عليه. هذا كله إذا كان المشهود عليه ممن يعبر عن نفسه، فأما إن كان ممن لا يعبر عن نفسه كالصبي والغايب والميت، فإنا نستحلفه مع شاهديه، لأنه لو عبر عن نفسه أمكن أن يذكر ما يجب به اليمين على المشهود له، فلهذا حلفناه احتياطا. لا تصح الدعوى إلا معلومة في ساير الحقوق إلا الوصية، فإنه يصح أن يدعي مجهولة، فيقول أوصى لي بخاتم أو بثوب أو عبد أو بمال، لأنه لما صح أن يوصي بمجهول ويقبل ويملك المجهول، صح له أن يدعيها مجهولة، ويفارق سائر الحقوق لأنه لما لم يصح العقد على مجهول ولا يملك المجهول لم يصح الدعوى مجهولة. فإذا ثبت أن الدعوى فيما عدى الوصية لا تصح إلا معلومة فإذا ادعى معلوما فهل يفتقر إلى الكشف بعد هذا أم لا؟ ينقسم ثلثة أقسام ما لا يفتقر إلى كشف، وما لا بد فيه من كشف، وما اختلف فيه. فأما ما لا يفتقر إلى كشف فالأملاك المطلقة، مثل أن يدعي الدين والعين مثل الدابة والدار والعبد والثوب، فإذا قال لي كذا وكذا، سمعناها ولم يكلفه الحاكم أن يكشف عن أسباب الملك، لأن جهات الملك وأسبابه تكثر وتتسع من الإرث

[ 260 ]

والهبة والغنيمة والشراء والاحياء وغير ذلك، فإذا كلف الكشف كان عليه فيه المشقة لأنه قد يخفى ذلك السبب. وأما ما لا بد فيه من الكشف، وهو إذا ادعى القتل فقال قتل هذا وليا لنا كلف الكشف: فيقول صف لنا القتل عمدا أو خطأ، فإذا قال عمدا قال صف العمد، فإذا وصفه قال: قتله وحده أو معه غيره، وقد شرحناه في الجنايات، لأنه من الأمور التي لا يتدارك بعد فواتها فلهذا كشف عنها. وأما ما اختلف فيه فهو النكاح، فإذا ادعى نكاحا فهل يفتقر إلى الكشف أم لا؟ قال: قوم لا يقبل، حتى يقول نكحتها بولي وشاهدي عدل، وقال قوم لا يفتقر إلى الكشف، سواء ادعى الزوجية، فقال هذه زوجتي، أو ادعى العقد فقال تزوجت بها، فإذا قال هذا أجزءه، وإن لم يكشف عن هذا القول وهو الأقوى عندنا. وقال قوم إن كانت الدعوى عقد نكاح كان الكشف شرطا، وإن كانت الدعوى الزوجية لم يفتقر إلى الكشف، فإذا ثبت هذا فكل موضع حكمنا بصحة الدعوى لزمها الجواب، فإن أقرت له حكمنا بها له، وإن أنكرت فالقول قولها مع يمينها وقال قوم لا يمين عليها والأول مذهبنا، فإن حلفت فذاك، وإن نكلت رددنا اليمين عليه، فيحلف ويستحقها. هذا إذا ادعى الرجل الزوجية فأما إن ادعت المرأة الزوجية نظرت، فإن ذكرت مع ذلك حقا من حقوق الزوجية كالمهر والنفقة كانت مدعية، وهل يلزمها الكشف؟ على ما مضى من الثلثة الأوجه سواء في الرجال. وإن لم تذكر حقا من حقوق الزوجية وإنما أطلقت فقالت هذا زوجي، أو قالت تزوجني، قال قوم ليست دعوى، ولا يجب الجواب عنها، لأن قولها هذا زوجي إقرار بذلك واعتراف بالزوجية له، ومن أقر بحق لا يلزم المقر له الجواب، وقال آخرون وهو الصحيح عندنا، أن الدعوى صحيحة ويلزمه الجواب، لأن إطلاق قولها هذا زوجي أو هذا تزوجني تحته ادعاء لحقوق الزوجية، فلهذا صحت الدعوى. فمن قال ليست بدعوى فلا كلام، ومن قال الدعوى صحيحة، فهل يفتقر إلى

[ 261 ]

الكشف؟ على ما مضى من الطرق الثلث، فكل موضع حكمنا بصحة الدعوى، فعلى الزوج الجواب، فإن اعترف فلا كلام، وإن أنكر فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف برئ، وقوله ليست زوجتي لا يكون طلاقا، وإن لم يحلف ردت اليمين عليها فتحلف وتثبت الزوجية. وأما الكلام في دعوى ما عداه من العقود كالبيع والصلح والاجارة ونحو ذلك قال قوم لا يفتقر إليه وهو الأصح عندي، وقال آخرون لا بد من الكشف، لأنه لا يملك إلا بجهة واحدة كالنكاح، فمن قال يفتقر إلى الكشف، فالكشف أن يقول تعاقدنا بثمن معلوم جايزي الأمر وتفرقنا بعد القبض عن تراض منا، ومن قال لا يفتقر إليه أجزاه أن يقول بعته هذا العبد بألف أو اشترى مني هذا العبد بألف، و كذلك اشتريت وابتعت واحد، ومن قال البيع لا يفتقر إلى الكشف، قال إن كان البيع غير جارية فالحكم كذلك، وإن كان جارية، منهم من قال لا يفتقر إلى الكشف كساير الأشياء، وهو الصحيح عندنا، ومنهم من قال لا بد من الكشف لأنه عقد يستباح به البضع، فأشبه النكاح. الدعوى في الكفالة بالنفس والنكول ورد اليمين كهي في الأموال وقد بينا أن الكفالة بالنفس قال قوم هي صحيحة، وقال آخرون هي غير صحيحة، والأول مذهبنا.

[ 262 ]

فصل * (في تعارض البينتين) * جملته أن التعارض إنما يكون بأن يشهد كل واحد منهما بضد ما تشهد به الأخرى، لا يرجح إحداهما على الأخرى. من ذلك إذا شهد شاهدان أن هذه الدار لزيد، وشهد آخران أن هذه لعمرو تعارضتا لأن الدار لا يجوز أن يكون كلها ملكا لكل واحد منهما. ومنه إذا شهد شاهدان أنه باع هذا العبد من زيد بألف عند الزوال، وشهد آخران أنه باعه من عمرو بألف في ذلك الوقت، فهما متعارضتان، لأن عقد البيع مع كل واحد منهما في زمان واحد محال، فإذا تعارضتا فمذهبنا أنه يستعمل فيه القرعة، فمن خرج اسمه حكم له به، وقال قوم يسقطان معا، وفيهم من قال يقرع على ما قلناه، وقال قوم يوقف أبدا، وقال فرقة رابعة يقسم بينهما. إذا قال أكريتني هذه الدار شهر رمضان بمائة، وقال المكري: بل أكريتك هذا البيت منها هذا الشهر بمائة، فالمسألة اختلاف المتكاريين في قدر المكرى، وهي مصورة في دار بعينها، لأنه إن أبهم الدار لم يصح الدعوى فإذا ثبت أنه اختلاف المتكاريين فاختلافهما كاختلاف المتبايعين واختلاف المتبايعين يقع من وجوه: يختلفان في قدر الثمن دون المبيع، يقول: بعتني هذا العبد بألف فيقول بل بألفين، ويختلفان في قدر المبيع دون الثمن، فيقول: بعتني هذين العبدين بألف، فيقول بل هذا العبد وحده بألف، ويختلفان في جنس الثمن فيقول بألف درهم، ويقول بل بألف دينار، ويختلفان في الأجل وفي مدة الخيار. وجملته اختلاف المتبايعين واختلاف المتكاريين يقع بأربعة أوجه في قدر المكرى فيقول أكريتني الدار شهر رمضان بمائة، فيقول بل هذا البيت منها بمائة، ويختلفان في قدر الكرا فيقول أكريتها بمائة ويقول بمائتين، ويختلفان في الجنس فيقول بمائة

[ 263 ]

درهم ويقول بمائة دينار، ويختلفان في المدة فيقول في شهرين بمائة فيقول شهرا بمائة. فإذا وقع الاختلاف على ما ذكرناه لم يخل من ثلثة أحوال إما أن لا يكون هناك بينة أو يكون مع أحدهما بينة أو مع كل واحد منهما بينة، فإن لم يكن بينة أصلا فقد اختلفا بغير بينة، فلا يخلو إما أن يتخالفا بعد المدة أو عقيب العقد أو في أثنائها. فإن تخالفا بعد انقضاء المدة فلا يقال في الفسخ شئ لأن المدة قد فنيت، ولكن يسقط المسمى ويجب على المكتري أجرة المثل لأن المعقود عليه هو المنفعة وقد هلك في يديه، وتعذر الرد عليه، فكان عليه رد البدل، وهو أجرة المثل، كما قلناه في المتبايعين. إذا تخالفا والسلعة تالفة، يسقط المسمى وعلى المشتري القيمة وإن تخالفا عقيب العقد، قال قوم ينفسخ العقد بنفس التخالف، وقال آخرون بالتخالف وحكم الحاكم، فمن قال ينفسخ بالتخالف وقع الفسخ ظاهرا وباطنا، ومن قال بحكم الحاكم منهم من قال يقع ظاهرا لا باطنا، وهو الصحيح، لأن حكم الحاكم لا يحيل الشئ عما هو عليه في الباطن، وقال قوم ينفسخ ظاهرا وباطنا، وإذا وقع الفسخ أخذ المكري داره والمكتري أجرته. وإن كان التخالف في أثناء المدة انفسخ فيما بقي من المدة، على ما فصلناه وأخذ المكري ما بقي من المنفعة، ورد على المكتري المسمى، وعليه أجرة المثل للمكري لما مضى من المدة، لأن ذلك القدر هلك في يديه. هذا إذا لم يكن بينة فأما إن كان مع أحدهما بينة حكمنا له على صاحبه لأن بينة المدعي مقدمة على يمين المدعى عليه، وإن كان مع كل واحد منهما بينة فلا يخلو من أربعة أحوال إما أن يكونا مطلقتين، أو إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة أو مؤرختين تاريخا واحدا أو مؤرختين تاريخين مختلفين. فإن كانتا مطلقتين، قالت كل واحدة منهما العقد وقع على شهر رمضان، ولم

[ 264 ]

يذكرا وقت العقد، هذا هو الإطلاق فالحكم في المطلقتين، وإذا كانت إحداهما مؤرخة أو مؤرختين تاريخا واحدا مثل أن شهدت كل واحدة منهما بأن العقد وقع مع غروب الشمس من شعبان فينظر فيما اختلفا فيه، فإن كان الاختلاف في جنس الأجرة فهما متعارضتان، لأنه لا يمكن أن يكتري الدار شهر رمضان عقدين صحيحين أحدهما بدينار والآخر بدرهم، فتعارضتا. وإن كان الاختلاف في قدر المكرى أو الكري أو المدة فالحكم في هذه الأقسام الثلاثة واحد، قال قوم هما متعارضتان، وقال آخرون يكون الأخذ بالزايد أولى، لأنها أثبتت ما شهدت به الأولى وانفردت بالزيادة، فكان الزايد أولى، كما لو شهد شاهدان بألف وآخران بألفين، كان الأخذ بالزايد أولى، والأول أصح لأن الثاني غلط من قائله، لأن التعارض في البيت لا بد منه إذا فرضنا في البيت والدار لأنه إن كان التاريخ واحدا فمحال أن يقع العقد على البيت وحده، وعلى الدار كلها في زمان واحد دفعتين. وإن كان العقد على الكل أولا فإذا أكراه البيت ثانيا فالعقد الثاني على البيت باطل، لأنه قد اكترا ما اكتراه، وإن كان العقد على البيت أولا فإذا عقد على الدار بعده فالبيت دخل في العقد على كلها، فكان العقد الثاني على البيت باطلا فهما في البيت متعارضتان، ويفارق الألف والألفين، لأن من شهد بألف لا يعارض من شهد بألفين لجواز الصدق فيهما، فلهذا لم يقع التعارض، فأثبتنا الألف بأربعة والألف الزايد بشاهدين، وليس كذلك ههنا لأن العقد على البيت مرتين شهرا واحدا محال، فلهذا تعارضتا. فإذا ثبت أنهما متعارضتان قال قوم يسقطان، وقال قوم يستعملان، وهو مذهبنا فمن قال يستعملان، منهم من قال يقرع بينهما، وبه نقول، ومنهم من قال يوقف ومنهم من قال يقسم، فالوقف لا يمكن ههنا لأن العقود لا تقف، ولا يمكن القسمة لأن العقد لا ينقسم، فليس غير القرعة على ما اخترناه، فمن خرجت قرعته حكمنا له. وهل يحلف أم لا قال قوم يحلف، وهو الذي تشهد به رواياتنا، وقال قوم لا

[ 265 ]

يحلف وهو مبني على حكم القرعة فمنهم من قال يقدم بينته بالقرعة، ويحكم له بالبينة، فعلى هذا لا يمين، لأن الحكم بالبينة، وقال آخرون يرجح قوله بالقرعة لأنا قدمنا بينته بالقرعة فكانت القرعة كانفراده باليد، متى تنازعا شيئا يد أحدهما عليه، كان القول قول صاحب اليد مع يمينه، فكذلك صاحب القرعة، فعلى هذا يحلف أن بينتي لصادقة فيما شهدت لي به. وأما القسم الرابع وهو إذا كانتا بتاريخين مختلفين شهدت إحداهما أن العقد مع غروب الشمس من آخر شعبان، وشهد الآخر أن العقد مع غروب الشمس من أول ليلة من رمضان فلا تعارض ههنا، فإن تقدمت بينة المكتري فقد صح العقد على كلها، وعليه الأجرة المسماة، فإن شهدت بينة المكري أنه أكراه هذا البيت منها بعد ذلك، كان العقد الثاني باطلا على البيت، لأنه قد اكتراه مع الدار هذا الشهر، فلا يصح أن يكتريه وحده هذا الشهر، فبطل الثاني وصح الأول. وإن كان السابق العقد على البيت صح وإذا اكترى الدار كلها بعد هذا كان العقد الثاني على البيت باطلا وفيما بقي من الدار يكون صحيحا عندنا وعند قوم، وقال قوم يبطل فيما بقي متنازعا مبنيا على تفريق الصفقة. إذا ادعى دارا في يدي رجل فقال المدعا عليه ليست بملك لي، وإنما هي لفلان فلم يخل فلان من أحد أمرين إما أن يكون مجهولا أو معروفا، فإن كان معروفا لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون حاضرا أو غايبا فإن كان حاضرا لم يخل الحاضر المقر له من أحد أمرين إما أن يقبل الاقرار أو يرده، فإن قبله فقال: صدق الدار لي وملكي، حكمنا له بالملك، لأنه قد أقر له بها من هي في يده والظاهر أن ما في يده ملكه وإقراره في ملكه نافذ صحيح. فإذا حكمنا بها للمقر له، قلنا للمدعي، قد دارت خصومتك إليه، فلا يخلو المدعي من أحد أمرين إما أن يكون معه بينة أو لا بينة له، فإن كانت له بينة بأن الدار له، حكمنا بها له، لأن بينته أولى من يد المدعا عليه، وإن لم يكن معه بينة فالقول قوله مع يمينه، لأن الظاهر أن ما في يده ملكه، فإن لم يحلف ونكل

[ 266 ]

عنها حلف المدعي واستحق، وإن حلف أسقط دعوى المدعي، واستقرت الدار في يديه. فإن قال المدعي فاحلفوا لي المقر الذي ادعيت عليه أولا أنه لا يعلم أنها ملكي قال قوم يجب عليه اليمين، وقال آخرون لا يجب عليه، بناء على مسألة وهي إذا قال هذه الدار لزيد لا بل لعمرو سلمت إلى زيد، وهل يغرمها لعمرو؟ على قولين، كذلك ههنا لو اعترف بها للمدعي بعد أن أقربها لغيره، هل عليه الغرم أم لا؟ على قولين. فمن قال لو اعترف لزمه الضمان، قال عليه اليمين، لأنه لما لزمه الغرم مع الاقرار، لزمته اليمين مع الانكار، وقال قوم لا يحلف، لأنه لا فائدة فيها، لأن أكثر ما فيه أن يعترف خوفا من اليمين، ولو اعترف لا شئ عليه، فلما لم يلزمه الغرم مع الاقرار، لم يلزمه اليمين مع الانكار، وهذا الذي يقوى في نفسي. هذا الكلام إذا قبل ما أقر له به، فأما إن رد الاقرار ولم يقبله، فالمدعى عليه قد أقر بها لغيره، فنفى أن يملكها والمقر له بها قد ردها، والمدعي لا بينة معه، فما الذي يصنع فيها؟ قال قوم يكون بمنزلة اللقطة يحفظها السلطان لصاحبها حتى إذا أقام البينة بأنها له سلمها إليه، لأن المقر لا يدعيها، والمقر له لا يقبلها والمدعي لا بينة له فليس غير أن تحفظ لمالكها، وقال قوم تدفع إلى المدعي لأن المقر لا يدعيها، والمقر له بها قد ردها، فلم يبق من يدعيها غير المدعي، فوجب أن تدفع إليه، وهذا ضعيف، لأنه يفضي إلى تسليمها إليه بمجرد دعواه، وهذا لا سبيل إليه. وقال قوم يقال له نفيت أن يكون لك، وقد ردها المقر له، فإما أن تقر بها لمعروف يكون الخصومة معه، أو تدعيها لنفسك فتكون الخصومة معك، وإلا جعلناك ناكلا، وحلف المدعي واستحق، والأول أصح الأقوال عندنا. فأما إن أقربها لغايب معروف لم يخل المدعي من أحد أمرين إما أن يكون له بينة أو لا بينة له، فإن لم يكن له بينة، لم يقض على الحاضر، لأنه يقول ليست لي، وإنما هي للغايب ولا على الغايب، لأنه لا حجة مع المدعي، فليس غير أن يقف

[ 267 ]

الأمر حتى يقدم الغايب، فتكون الخصومة معه. فأما إن قال المدعي فاحلفوا لي هذا المقر أنه لا يعلم أنها لي، فهل يحلف؟ على ما مضى، وإن كان مع المدعي بينة لم يخل المقر من أحد أمرين إما أن يكون له بينة أو لا بينة له، فإن لم يكن له بينة قضينا بها للمدعي لأن بينته أولى من يد الغايب والحاضر، وهل يحلف مع البينة أم لا؟ قال قوم يحلف معها، لأنه قضاء على الغايب بدلالة أن المقر أقر بها له، والقضاء عليه بعد الاعتراف بها للغايب لا يصح ثبت أنه قضاء على غايب، وقال قوم يقضى له بالبينة بغير يمين لأن هذا قضاء على حاضر لأن الشئ في يده، فالظاهر أنها ملكه وهو الأقوى. هذا إذا لم يكن مع المقر بينة فأما إن كانت معه بينة فإن الحاكم يسمعها منه في حق نفسه، لا في حق الغايب، ويسمع بينة المدعي، ويقضي للمدعي بالبينة، و يستحلفه معها، لأن بينة المقر أنها للغايب أسقطت أن تكون للمقر، فلهذا كان القضاء على الغايب، واستحلفناه. قالوا فإذا كنتم سمعتم بينة الغايب ثبت له يد وبينة، وللمدعي بينة بلا يد، فكيف لم تقضوا ببينة الداخل؟ قلنا إنما نقضي بالبينة إذا شهدت لمن يدعي الحق، فأما إذا شهدت لمن لا يدعي الحق، لم نحكم له بها، وهكذا نصنع بكل بينة شهدت بحق لمن لا يدعيه، كما لو حضر شاهدان قسمة مال للمفلس، فقالا نشهد بأن هذا العبد لفلان، وفلان لا يدعيه، لم يحكم بذلك، وهكذا لو حضرا قسمة التركة بين الورثة وشهدا بأن هذا العبد لفلان وفلان لا يدعيه، لم يحكم بذلك، ولا يقضى له بها. قالوا فإذا لم تحكم بها لم تسمعها، قلنا فيه فوائد منها أن تزول التهمة عن المقر، والثاني أن يسقط اليمين عن المقر إذا قال المدعي احلفوه، والثالث يحلف المدعي مع بينته لأن البينة أخلصت القضاء على الغايب. هذا كله إذا كانت في يد المقر وديعة أو عارية، فأما إن كانت في يده بعقد إجارة ادعاها وأقام البينة بها، فهل نقضي بالإجارة له على الغايب وبالدار للغايب؟ قال

[ 268 ]

بعضهم: نقضي بذلك، لأنا إنما لا نقضي للغايب بهذه البينة إذا لم يكن فيها حق للحاضر على الغايب، فأما إذا كان فيها حق لحاضر قضينا بمقتضاها فيكون الدار إجارة في يده والملك للغايب. وقال آخرون لا نقضي بذلك لأنه إنما يصح الإجارة على الغايب بعد ثبوت الملك، والملك ما ثبت، فكيف تثبت الإجارة. فإذا ثبت هذا فكل موضع قضينا بها للمدعي فقال للقاضي اكتب لي محضرا بما جرى كتب: بسم الله الرحمن الرحيم حضر القاضي فلان بن فلان وأحضر معه فلان بن فلان فادعى دارا في يديه فاعترف بها المدعى عليه لغايب معروف فلان بن فلان، فأقام البينة وأقام المدعي البينة فقضى على الغايب ببينته ويمينه، وجعل كل ذي حجة على حجته. فإذا قدم الغايب نظرت، فإن أقام البينة قضينا له بالدار، وأبطلنا الحكم السابق بها للمدعي، لأن مع الغايب يدا وبينة، فكانت بينة الداخل أولى، وإن لم يقم البينة كان الحكم على ما كان عليه، فإن قال المحكوم له زد في محضري ذلك زاد فيه " وحضر الغايب فلم يأت ببينة ". فهذا إذا كان الاعتراف بها لمعروف، فأما إذا كان الاعتراف بها لمجهول، قال قوم يقال له إقرارك بها لمجهول عدول عن الجواب فإما أن تعترف بها لمعروف تدور الخصومة إليه أو تدعيها لنفسك فتكون الخصومة بينكما، فإن فعلت وإلا جعلناك ناكلا فحلف المدعي واستحق، وقال آخرون يقال له ليس هذا بجواب، فإما أن تعترف بها لمن يقبلها وإلا جعلناك ناكلا، ولا يقال له أو تدعيها لنفسك لأنه قد أقر بها لغيره وأنكر أن تكون لنفسه فلا يقبل قوله إنها لنفسه. إذا كانت الدار في يدي رجل فتداعاها رجلان قال أحدهما الدار التي في يديك لي أودعتكها وأقام البينة، وقال الآخر هذه الدار التي في يديك لي آجرتكها وأقام البينة، قال قوم هما متعارضتان، لأن التنازع في الملك، وقد شهدت كل واحدة

[ 269 ]

منهما بالملك في الحال لكل واحد منهما وهذا محال فتعارضتا، وإذا تعارضتا قال قوم يسقطان، وقال قوم يقرع بينهما وهو مذهبنا، وقال بعضهم يقسم بينهما، وكل ذلك ممكن ههنا، لأن التنازع وقع في الملك. إذا تنازعا دارا أيديهما عليها معا، وأقام كل واحد منهما البينة أنها له، فيد كل واحد منهما على نصفها، وقد ادعاها كلها وأقام البينة فيد أحدهما على نصفه وله بينة بكلها فالبينة تشهد بالنصف ويده عليه، وهي بينة الداخل، وتشهد له بالنصف الآخر ويد صاحبه عليه وهي بينة الخارج. وهكذا حكم صاحبه، فكل واحد منهما له بينة الخارج والداخل فكانت يد كل واحد منهما على نصفها بمنزلة أن تنازعا دارا يد أحدهما عليها، وأقام كل واحد منهما بينة فإنا نقضي لصاحبة اليد بالدار، وهل يحلف أم لا؟ من قال: تعارضتا كذلك ههنا يحلف كل واحد منهما لصاحبه، ويكون الدار بينهما، ومن قال يستعملان: لم يحلف أحدهما لصاحبه، لأنا قدمنا بينته بيده. إذا ادعى دارا في يد رجل فقال: هذه الدار التي في يديك لي وملكي فأنكر المدعي عليه فأقام المدعي البينة أنها كانت في يديه أمس أو منذ سنة سواء، فهل يسمع هذه البينة أم لا؟ قال قوم هي غير مسموعة. وقال آخرون مسموعة ويقضي للمدعي، ولا فصل بين أن تشهد البينة له بالملك أمس، وبين أن تشهد له باليد أمس، والصحيح عندنا أن هذه الدعوى غير مسموعة. فمن قال هي مسموعة حكم بالدار للمدعي، ومن قال: غير مسموعة فلا بينة مع المدعي فيكون القول قول المدعى عليه مع يمينه. هذا إذا لم يعلم سبب يد المدعى عليه، فأما إذا علمت سبب يد المدعى عليه، فقالت البينة نشهد أنه كان في يده، وأن الذي هو في يده أخذه منه أو غصبه إياها أو قهره عليها فحينئذ يقضى للمدعي بالبينة لأنها شهدت له بالملك، وسبب يد الثاني، فلهذا حكمنا عليه بذلك، ويفارق إذا لم يشهد بسبب يد الثاني، لأن اليد إذا لم يعرف سببها دل على الملك، فلا تزال بأمر محتمل، فبان الفصل بينهما.

[ 270 ]

إذا تنازعا دارا في يدي رجل فادعى أحدهما فقال هذه الدار غصبتني عليها وأقام البينة بذلك وقال الآخر الدار لي أقر لي بها وأقام البينة بذلك، حكمنا بها للمغصوب منه لأنها شهدت له بالملك، وأن الدار في يده غصب، والتي شهدت على الاقرار بها كان إقراره بدار مغصوبة، فلا ينفذ إقراره فيها فيدفع الدار إلى المغصوب منه ولا يغرم المدعى عليه شيئا للذي شهد له بالاقرار، لأنه ما حال بينه وبينها، و إنما حالت البينة بينه وبين الدار، فلأجل ذلك لم يلزمه شئ.

[ 271 ]

فصل * (في الدعوى في الميراث) * إذا مات رجل وخلف ابنين مسلما ونصرانيا، فادعى المسلم أن أباه مات مسلما وأن التركة له وحده، وأقام به شاهدين، وادعى النصراني أن أباه مات نصرانيا و أن التركة له، وأقام شاهدين، فعندنا أن التركة للمسلم، سواء مات مسلما أو نصرانيا فلا يتقدر عندنا التعارض في البينتين. وعندهم لا يخلو الميت من أحد أمرين إما أن يعرف له أصل دين أو لا يعرف له ذلك فإن عرف له أصل دين لم يخل البينتان من أحد أمرين إما أن يكونا مطلقتين أو مقيدتين: فإن كانا مطلقتين مثل أن شهدت إحداهما أنه مات على النصرانية، و شهدت الأخرى أنه مات على الاسلام، كانت بينة المسلم أولى، وسقطت الأخرى ويحكم بالتركة للمسلم وحده، لأن أصل دينه النصرانية والاسلام انتقال عن ذلك الأصل، فقد شهدت بزيادة على الأخرى، وإن كانتا مقيدتين مثل أن شهدت إحداهما أنه فارق الدنيا ناطقا بكلمة النصرانية، وشهدت الأخرى أنه فارق الدنيا ناطقا بكلمة الاسلام، فهما متعارضتان، لأنه لا يجوز أن ينطق بكلمة الكفر وكلمة الاسلام في زمان واحد. وفي المتعارضتين قال قوم يسقطان وقال آخرون يستعملان، فمن قال يسقطان قال القول قول النصراني مع يمينه ما مات أبوه مسلما ويكون التركة كلها له، لأن الأصل النصرانية، ومن قال يستعملان إما بالقرعة، أو الإيقاف أو القسمة، فإذا أقرع: من خرج اسمه فهل يحلف؟ على قولين، ومن قال يوقف أوقف حتى ينكشف الأمر، ومن قال يقسم قسم التركة بينهما. وقال بعضهم لا يقسم التركة بحال، لأنه لا يمكن أن يرثاه معا، لأنه إن مات

[ 272 ]

مسلما لا يرثه الكافرون وإن مات كافرا لا يرثه المسلم، وقال بعضهم التي شهدت بالاسلام أولى لأنها شهدت بإسلام عرفته بأمر خفى على الأخرى، وهذا إنما يتم في المطلقتين وأما في المقيدتين فلا يصح. فأما إذا لم يعرف له أصل دين فلا فصل ههنا بين أن يكونا مطلقتين أو مقيدتين في أنهما متعارضتان، لأنه إذا لم يعرف له أصل دين لا تكون التي شهدت بالاسلام انفردت بزيادة بل وقع التساوي بحيث لا ترجيح لأحدهما على الآخر فهما متعارضتان. فإما أن تسقطا ويكون كأنه لا بينة هناك، وينظر في التركة، فإن كانت في يد الغير كان أحق بها، لأنه لا حجة لواحد منهما بها، وإن كان في يد أحدهما فالقول قوله مع يمينه، والآخر مدع، وإن كان يدهما معا عليها حلف كل واحد منهما على إسقاط دعوى صاحبه، ويكون بينهما، ومن أقرع فهل يحلف من خرج اسمه؟ على قولين ومن قال يوقف أوقفها حتى يزول الاشكال، ومن قال يقسم قسمها بينهما. فأما دفنه والصلوة عليه فإنه يصلى عليه وينوي الصلوة عليه إن كان مسلما، سواء عرف له أصل دين أو لم يعرف له مطلقتين كانا أو مقيدتين، لأنه إذا أشكل الاسلام علينا حكم الاسلام في الصلوة عليه كما لو اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين وأما الدفن ففي مقابر المسلمين لما قررناه. إذا ادعيا دارا في يد غيرهما وأقام كل واحد منهما بينة أنها له، تركت في يد الذي هي في يده، والقول قوله مع يمينه. فإن قالوا هلا زالت يده عنها بهذه البينة لأنهما وإن تعارضتا في غير عين الملك فقد أجمعتا على أنها ليست ملكا لمن هي في يده، قلنا إذا لم يعين البينة طالب الحق سقط، كما لو شهدت أن هذه الدار لأحد هذين الرجلين فإنها تسقط لأنها ما عينت المشهود له، فإن أقر بها من هي في يديه، لأحدهما، سلمت إليه، لأن الظاهر أن ما في يده ملكه، وهل يحلف أم لا؟ على قولين، بناء على غرمه، ولو قال هي لهذا لا بل لهذا، فإنه على قولين، فمن قال: يلزم الغرم مع الاقرار، لزمته اليمين مع الانكار ومن قال لا يلزمه الغرم مع الاقرار لم يلزمه اليمين مع الانكار.

[ 273 ]

وأما إن أقر بها لأحدهما ثم رجع، فقال بل لهذا فهل يغرم؟ على قولين كقوله هذه الدار لزيد لا بل لعمرو، هل يغرمها لعمرو؟ على قولين وإن قال هي لهما معا فقد أقر لكل واحد منهما بالنصف وهل يلزمه اليمين لكل واحد منهما في النصف أم لا؟ على ما مضى من القولين، ويقوى في نفسي أنه لا يمين عليه، ولا غرم في المسائل كلها لأن الأصل براءة الذمة. رجل مات مسلما وخلف ابنين وتركة، فقال أحدهما كنت مسلما حين مات أبي فقال له أخوه صدقت وأنا أيضا كنت مسلما حين مات أبي، فقال له أخوه بل أسلمت أنت بعد وفاته فالتركة كلها لي فالقول قول المتفق على إسلامه لأنه قد ثبت إسلامه حين وفات أبيه واختلفا في إسلام الآخر، هل كان قبل وفاته أو بعد وفاته؟ فكان القول قول المتفق على إسلامه لأن الأصل الكفر حتى يعلم زواله، ويكون يمينه لا يعلم أن أخاه أسلم قبل موت أبيه، لأنها على النفي على فعل الغير. فإن كانت بحالها ولم تكن في الكفر، وكان ذلك: في الرق فمات الرجل حرا وخلف ابنين، فقال أحدهما كنت حرا حين مات أبي، فقال له الآخر صدقت وكنت أيضا أنا قد أعتقت قبل موت أبي، فالتركة بيننا، كان القول قول المتفق على حريته لأن الأصل رق الآخر حتى يعلم زوال رقه. هذا إذا اتفقا على إسلامه واختلفا في إسلام أنفسهما، فأما إن اتفقا على وقت إسلامهما واختلفا في وقت موته وهو أن أحدهما أسلم في غرة شعبان وأسلم آخر في غرة رمضان وأسلم الأب ومات، واختلفا، فقال من أسلم في غرة شعبان: مات أبي في شعبان قبل إسلامك أيها الأخ فالميراث كله لي، وقال الآخر بل مات في رمضان فالميراث بيننا، فالقول قول من يدعي موته في رمضان ويكون الميراث بينهما نصفين، لأن الأصل الحيوة حتى يعلم زوالها. ولو هلك رجل وخلف أبوين كافرين وابنين مسلمين، ثم اختلفوا، فقال الأبوان مات ولدنا على الكفر فالتركة لنا، وقال الابنان بل مات مسلما فالميراث لنا. عندنا أن التركة للوالدين المسلمين على كل حال وعندهم فيها قولان أحدهما

[ 274 ]

أن القول قول الأبوين لأن الأبوين إذا كانا كافرين فولدهما كافر قبل بلوغه تبعا لأبويه، فإذا بلغ فالأصل أنه على كفره حتى يعلم إيمانه، والثاني يوقف، فإن الولد إذا بلغ وأبواه كافران احتمل أن يكون على أصل كفره، واحتمل أن يكون جدد إسلاما بنفسه، فإذا احتمل الأمرين معا وقف الأمر حتى زال الاشكال والأول أقوى عندهم. رجل مات وخلف ابنين كافرين وزوجة وأخا مسلما، فقال الابنان مات كافرا فالميراث لنا، وقالت الزوجة والأخ بل مات مسلما فالميراث لنا، عندنا أن الميراث للمسلم منهم، ويسقط الكافر على كل حال، وعندهم أن هذه المسألة مثل التي في أول الباب فلا يخلو إما أن يكون له أصل دين يعرف به أو لا يعرف، فإن عرف أصل دينه وأنه كان كافرا... على شرح ما مضى. إذا ادعى رجل دارا في يدي رجل فقال هذه الدار التي في يديك كانت لأبي وقد ورثتها أنا وأخي الغايب منه، وأقام بذلك بينة لم يخل من أحد أمرين إما أن تكون البينة من أهل الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة أو لا تكون كذلك، فإن كانت من أهل الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة، وقد شرحناه في الاقرار، وهي أن تكون البينة خبيرة بباطن أمره، ولو كان له ولد عرفاه، والخبرة المتقادمة حتى لا يخفى عليها قديم أمره وجديده. فإذا كانت كذلك فقالت نعلم ذلك، وأنهما وارثاه لا نعرف له وارثا سواهما، أو قالا لا وارث له سواهما واحد، فإن القطع يعود إلى العلم كقولهما لا نعرف يعود إلى أن لا نعلم ذلك، فإذا شهدا بذلك انتزعناها ممن هي في يده، وسلمنا إلى الحاضر نصفها، والباقي في يدي أمين الحاكم حتى يعود الغايب. وقال قوم يؤخذ من المدعى عليه نصيب الحاضر ويقر الباقي في يدي من هو في يده حتى يحضر الغايب وهو الأقوى عندي. هذا إذا كانت الدعوى دارا أو عقارا فأما إن كانت هناك عينا ينقل ويحول كالثياب والحيوان، فالحكم فيها كالعقار سواء، وإن كانت الدعوى دينا قضي به

[ 275 ]

للأخوين، ودفع إلى الحاضر حقه منه، والباقي قال قوم يقبض كالعين، وقال آخرون لا يقبض منه، وهو الصحيح عندنا، ومن وافق ههنا وخالف في العين قال لأن الأحوط للغايب تركه في ذمته لأنه لا يتلف، ويفارق العين لأنها أمانة حيث حصلت، فلهذا نقلت عن يده ولا نحتاج نحن إلى هذا على ما قلناه لأنا قد سوينا بين المسئلتين. ومن قال ينزع من يده قال يسلم نصف الغايب إلى أمين، فإن كان له أجرة جعلت أجرته للغايب، وإن لم يكن له حفظ لصاحبه، فإذا ثبت هذا ودفعنا إلى الحاضر نصيبه لم نطالبه بضمين، لأنا قد حكمنا له بالحق ببينة، فلا يؤخذ منه ضمين. فإذا ثبت هذا وقدم الغايب نظرت فإن ادعى ما حكمنا له به تسلمه، وإن ذكر أنه لا حق له فيه، رددنا ما قضينا به له على من قضينا عليه به. هذا إذا كانت البينة من أهل الخبرة فأما إن لم تكن من أهل الخبرة الباطنة ولا المعرفة المتقادمة فقالا هذان وارثاه، لا نعرف له وارثا سواهما. أو كانت من أهل الخبرة لكنها قالت هذان وارثاه أو قالا هما إبناه، ولم يقولا لم نعلم له وارثا سواهما فالحكم في هذه المسائل الثلث واحد، وهو أنا ننتزع الدار ممن هي في يده، لأنه قد ثبت أنها للميت موروثة، ولا نعطي الحاضر منها شيئا لجواز أن يكون هناك وارث سواهما فلا يدفع إليه شئ حتى يبحث الحاكم في البلدان التي طرقها الميت ودخلها وينادي أن فلانا مات هل تعرفون له ولدا، فإذا انتهى إلى حد لو كان له وارث ما خفى أقيم هذا البحث مقام خبرة الشهود، وتقادم معرفتهم به، ويدفع إلى الحاضر حقه ونصيب الغايب على ما بيناه من الخلاف. وإذا دفع إلى الحاضر نصف المشهود به، قال قوم لا يؤخذ منه ضمين، وقال آخرون يؤخذ وهو الأقوى، لأنه ربما ظهر له وارث آخر فعلى هذا يكون ضمان الأعيان جايزا، لأن الضامن يضمن ما في يده من العين، ويكون الضمان بمجهول لا يعرفه الضامن جايزا لأن قدر ما يضمنه لمن يبين مجهول. فإن كان معهما ذو فرض كالزوج والزوجة والأم فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون في المسألة الأولى أو الثانية، فإن كان في الأولى أعطي ذا الفرض فرضه

[ 276 ]

وكان الباقي بعد الفرض على ما مضى، أعطي الحاضر نصف ما بقي، وما بقي للغايب على ما مضى، ولا يؤخذ منه ضمين ههنا، لأن البينة كاملة. وإن كان ذو الفرض في المسألة الثانية أعطيناه اليقين، فأعطينا الزوج الربع والأم السدس والزوجة ربع الثمن لجواز أن يظهر له ثلاث نسوة غيرها، فتعطى هذا القدر ولا يؤخذ به ضمين، لأنها ما أخذت ما يشاركها فيه غيره، ولا يعطى الابن الحاضر شيئا حتى يبحث عنه فإذا بحث عنه أكمل للزوجة الثمن، وأعطي الحاضر نصف ما بقي، وكان الباقي للغايب على ما مضى من الخلاف، وهل يؤخذ من الزوجة ضمين بما كملناه لها من الثمن ومن الابن ضمين بما قبضه؟ على ما مضى من الخلاف. هذا إذا كان المدعي وارثا لا يحجب عن الميراث وهو الابن، وأما إن كان المدعي يحجب عن الميراث ومن يحجب عنه معروف ابن الابن يحجبه الابن، والأخ يحجبه الابن، وابن الأخ يحجبه الأخ، والجد يحجبه الأب، والعم يحجبه الأخ، فنفرض المسألة إذا كان المدعي أخاه وفيه إذا ادعاه وحده فإنه أسهل. فإذا مات رجل فادعى رجل إنه أخي وأنا وارثه لا وارث له غيري، وأقام البينة بذلك لم يخل من أحد أمرين إما أن تكون البينة كاملة أو غير كاملة، فالكاملة إذا كانت عارفة بالباطن والمعرفة المتقادمة، وغير الكاملة إذا كانت غير عالمة بذلك، فإن كانت كاملة فإن لم يكن معه ذو فرض أعطينا الأخ جميع ماله، وإن كان معه ذو فرض أعطي سهمه كاملا فيعطى الزوج النصف، والزوجة الربع، والأم الثلث ولا يأخذ منهم ضمينا كما قلناه في الابن سواء، لأن البينة قد أثبتت أنه لا وارث له سوى هؤلاء. وأما إن لم يكن البينة كاملة، فإن لم يكن معه ذو فرض لم يعط الأخ شيئا حتى يبحث في البلدان التي طرقها على صفة لو كان له وارث ما خفي، فحينئذ يدفع التركة إلى الأخ، وهل يؤخذ منه الضمين أم لا؟ على ما مضى في الابن، فمن قال يؤخذ من الابن الضمين فههنا أولى، ومن قال لا يؤخذ، فعلى وجهين، وعلى ما قلناه يؤخذ على كل حال الضمين. وأما إن كان هناك ذو فرض أعطي اليقين قبل البحث، فيعطى الأم السدس

[ 277 ]

عندنا كاملا، وعندهم معولا، والزوج له الربع كاملا وعندهم معولا والزوجة لها ربع الثمن كاملا، وعندهم معولا، وإنما قلنا نعطيه قبل البحث، لأن هذا القدر يستحقه قطعا وكل من أخذ هذا المقدار لا يؤخذ منه ضمين، لأن أحدا لا يزاحمه فيه، فإذا بحث الحاكم فلم يعرف له وارثا غير هؤلاء أعطى الأم حقها وكمل المقدر وفي كل ذي فرض فرضه، وهل يؤخذ الضمين إذا كمل له من الأخ على ما مضى. ولو كان المدعي هو الابن وأنه وارثه فقامت البينة بأنه ابنه، وما زادت عليه بحث الحاكم عن وارث سواه، فإذا لم يجد ذلك سلم التركة إليه ولو كان مكانه أخ فشهدت البينة بأنه أخوه ولم تزد فبحث الحاكم فلم يقف له على وارث، قال بعضهم لا يعطى شيئا حتى تشهد البينة الكاملة أنه لا وارث له سواه، والفصل بين الأخ والابن أن البنوة إذا حصلت فلا بد من الميراث مع سلامة الحال، والأخ قد يسقط مع سلامة الحال، فلهذا لم يسقط وهذا قوي. إذا كانت امرأة لها ابن وأخ وزوج فماتت وابنها، واختلف الأخ والزوج فقال الزوج ماتت الزوجة أولا فورثتها أنا وابني، ثم مات ابني فصار الكل لي، وقال الأخ بل مات الابن أولا فورثته أنت وأختي ثم ماتت الأخت بعد هذا فتركتها بيننا نصفين، فإن كان مع أحدهما بينة قضينا له بما يدعيه، وإن لم يكن مع أحدهما بينة فإنه لا يورث أحدهما من صاحبه، لأن الوارث لا يرث شيئا حتى يتحقق حياته حين موت مورثه، وههنا ما تحققنا، فلا يرث الابن من أمه، ولا الأم من ولدها، فالوجه أن يقسم تركة الميت كأنه لا ولد لها، فيكون تركتها بينه وبين أخيها نصفين، ويكون تركة الابن كأنه مات ولا أم له، فيكون تركته لأبيه دون غيره. هذا لا خلاف فيه وفي مسألة الغرقى خلاف عندهم، مثل هذا، وعندنا يورث بعضهم من بعض. إذا خلف زوجة وابنا وهناك أمة واختلف الولد والزوجة، فقال الولد الأمة

[ 278 ]

ميراث بيننا وأقام به بينة، وقالت الزوجة الأمة لي أصدقنيها أبوك، وأقامت البينة بذلك، قضينا لها بذلك، وطرحنا بينة الابن، لأن بينة الزوجة انفردت بزيادة خفيت على بينة الابن، وهو أنها أثبتت ما جهلته بينة الابن، فكانت أولى، كرجل خلف دارا فادعى رجل أن الميت باعه إياها وأقام البينة بذلك، وقال ابنه خلفها ميراثا وأقام بذلك بينة كانت بينة المشتري أولى لأنها انفردت بزيادة.

[ 279 ]

(فصل) * (في الدعاوى في وقت قبل وقت) * إذا تنازعا عينا من الأعيان عبدا أو دارا أو دابة فادعى أحدهما أنها له منذ سنتين وادعى الآخر أنها له منذ شهر وأقام كل واحد منهما بينة. أو ادعى أحدهما أنها له منذ سنتين، وقال الآخر هي الآن ملكي، وأقام كل واحد منهما بينة بما يدعيه الباب واحد، ولا فصل بين أن يدعي أحدهما ملكا قديما، والآخر ملكا في الحال، وبين أن يدعي كل واحد منهما قديم الملك وأحدهما أقدم. فإذا ثبت أنه لا فصل بينهما لم يخل العين المتنازع فيها من أحد أمرين إما أن تكون في يد ثالث أو في يد أحدهما، فإن كانت في يد ثالث قال قوم هما سواء، وقال آخرون التي شهدت بقديم الملك أولى وهو الأقوى عندي. فمن قال: التي شهدت أولى حكم بها، وأثبت الملك له منذ أول الوقت، إلى وقت الشهادة، وما كان من فائدة أو نتاج أو ثمرة طول هذه المدة فهو للمشهود له بالملك، لأنا حكمنا بأن الملك له هذه المدة، فكان نماؤه له. ومن قال هما سواء قال هما متعارضتان فإما أن يسقطا أو يستعملا، فإذا سقطتا كان وجودهما وعدمهما سواء، وقد تداعيا دارا في يد ثالث ولا حجة لأحدهما، فإن أنكرها فالقول قوله مع يمينه، وإن أقر بها لأحدهما، ثم قال لا بل للآخر سلمت إلى الأول، وهل يغرم للثاني؟ على قولين وإن أقر بها لأحدهما، فهل يحلف للآخر؟ على قولين، فمن قال يغرم مع الاقرار له قال يحلف مع الانكار، ومن قال لا يغرم مع الاقرار، قال لا يحلف مع الانكار، وإن أقر بها لهما نصفين، فهل يحلف للآخر على النصف الذي أقر به بعده؟ على قولين. ومن قال يستعملان قال إما أن يقرع أو يوقف أو يقسم فإذا أقرع فهل يحلف مع القرعة؟ على قولين، ومن قال يوقف أوقف، ومن قال يقسم قسمت بينهما لأن

[ 280 ]

المتنازع فيه مال. إذا تنازعا دابة فقال أحدهما ملكي وأطلق وأقام بها بينة وقال الآخر ملكي نتجتها وأقام بذلك بينة، منهم من قال على قولين كقديم الملك أحدهما بينة النتاج أولى وهو مروي في أحاديثنا، والثاني هما سواء. وهكذا كل ملك تنازعاه فادعاه أحدهما مطلقا وادعاه الآخر مضافا إلى سببه مثل أن قال: هذه الدار لي، وقال الآخر اشتريتها، أو قال أحدهما هذا الثوب لي، وقال الآخر بل لي نسجته في ملكي، أو هذا العبد لي وقال الآخر بل لي غنمته أو ورثته الباب واحد، والكل كالنتاج، والنتاج أولى وأقوى من قديم الملك، لأن من شهد بالنتاج نفى أن يكون ملكا قبله لأحد، ومن شهد بقديم الملك لم يشهد بنفي الملك قبله عن غيره، فكان أقوى. هذا كله إذا كانت في يد ثالث وأما إن كانت الدار في يد أحدهما وأقام أحدهما بقديم الملك والآخر بحديثه، نظرت فإن كانت الدار في يدي من شهدت له بقديم الملك، فالدار له، لأن معه ترجيحين بينة قديمة ويدا. وإن كانت في يد حديث الملك، قال قوم لصاحب اليد، ولا أنظر إلى قديم الملك وحديثه، وقال آخرون قديم الملك أولى من اليد، وهو الذي يدل عليه أخبارنا لأن البينة أقوى من اليد وكذلك ما رجح بالبينة أقوى مما رجح باليد، ولأن صاحب اليد مدعى عليه، والمدعى من له البينة بقديم الملك فكان أولى للخبر. ومن قال اليد أولى، قال: لأن البينة بقديم الملك لم يسقط بها اليد، كرجل ادعى دارا في يد رجل وأقام البينة أنها كانت له أمس لم يزل اليد بها، كذلك ههنا وقال بعضهم صاحب اليد أولى وإن وافق في أن بينة الخارج أولى، لأنه قال لا أقبل بينة الداخل إذا لم تفد إلا ما يفيد يده، وهذه قد أفادت أكثر مما يفيده وهو إثبات الملك له منذ شهر، واليد لا يفعل ذلك. بايع ومشتريان إذا تنازعا دارا فقال أحدهما هذه الدار لي اشتريتها من خالد

[ 281 ]

ابن عبد الله بمائة، وقال الآخر أنا اشتريتها منه بمائة ونقدته الثمن، وأقام كل واحد منهما بينة بما يدعيه، فهما في الظاهر متعارضتان، لأن كل واحد منهما يدعي في الحال أنها ملكه، وأما في الشراء فلا تعارض بينهما لأنه يحتمل أن يكون أحدهما اشتراها منه ثم ملكها البايع ثم باعها من الآخر، فالتعارض من حيث المنازعة في ملكها في الحال، فأما في سبب الملك فلا تعارض. فإذا ثبت هذا لم يخل البينتان من أحد أمرين إما أن تكونا مورختين بتأريخين مختلفين أو غير ذلك، فإن كانتا بتأريخين مختلفين شهدت إحداهما أنه اشتراها منه في شعبان، وشهدت الأخرى أنها اشتراها في رمضان، كانت بينة شعبان أولى، لأن ملكه قد زال عنها في شعبان، فكان بيعه في رمضان باطلا لأنه باع ملك غيره فيقضى بها له، ويكون للآخر عليه اليمين. وأما إن لم يكونا بتاريخين مختلفين، فلا فصل بين أن يكونا مطلقتين أو إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة أو كانتا بتاريخين متفقين في زمان واحد، فالحكم في هذا الفصل واحد، فلا يخلو الدار من أحد أمرين إما أن يكون في يد أحدهما أو يكون في يد البايع فإن كانت يد أحدهما عليها فصاحب اليد أولى لأنهما متعارضتان، ومع أحدهما يد، كما لو تنازعا دارا مطلقا ويد أحدهما عليها، وأقام كل واحد منهما بينة فإن البينة بينة الداخل. وإن كانت الدار في يد البايع نظرت، فإن اعترف البايع لأحدهما بما يدعيه فقال له بعتك، فهل يقدم بذلك بينة المقر له أم لا؟ قال قوم: يقدم بينته بذلك لأن البايع يقول للمقر له الدار لك ويدي عليها نايبة عنك، فإذا كانت نايبة عنه كان يد المقر له بها عليها فلهذا قدمنا بينته. وقال قوم لا يقدم بذلك بينته لأنه قد ثبت أن يده ليست يد مالك باعترافه لأنه قد باع بثبوت البينة عليه بذلك، بدليل أنا ننتزع الدار من يديه بالقرعة أو الوقف أو القسمة، فإذا لم تكن يده يد مالك لم يؤثر إقراره بالملك لأحدهما، ويفارق إذا

[ 282 ]

كانت يد أحدهما عليها لأن يده يدل على الملك، فلهذا قدمناه، وهذا هو الأقوى عندي. فمن قال يقدم بينة المقر له، قضى بالدار له، ورجع الآخر عليه بالدرك أعني في أخذ الثمن، ومن قال لا يقدم بينته بالاعتراف أو لم يعترف البايع لأحدهما بما يدعيه، بل قال لا أعلم لمن هي منكما، فهما متعارضتان، قال قوم يسقطان، وقال آخرون يستعملان. فمن قال يسقطان قال كأنه لا بينة لواحد منهما، ويد البايع عليها، فإن أنكر ذلك فالقول قوله لأن الأصل أن لا بيع، وإن أقر بذلك لأحدهما ثم أقر للآخر سلمت إلى الأول، وهل يغرم للثاني؟ على قولين، وإن أقر لأحدهما وأنكر للآخر فهل يحلف للآخر؟ على ما مضى من القولين، وإن أقر لهما معا قضينا لكل واحد منهما بنصف، وهل يحلف لكل واحد منهما في النصف أم لا؟ على قولين. ومن قال يستعملان إما أن يقرع أو يوقف أو يقسم، ومن قال يقرع بينهما وهو مذهبنا أقرع، فمن خرجت قرعته فهل يحلف أم لا؟ على قولين أصحهما عندنا أن يحلف، ومن قال يوقف لم يقف ههنا لأنهما تنازعا عقدا، ومن قال يقسم حكم بأنها بينهما نصفين، فيكون لكل واحد منهما الخيار لأنه ادعى الكل وأقام البينة بذلك فلم يسلم له إلا النصف. فإذا ثبت أنه بالخيار لم يخل من ثلثة أحوال إما أن يختار الامساك أو الفسخ أو يختار أحدهما الفسخ، فإن اختار الامساك كانت بينهما نصفين على كل واحد منهما نصف المسمى، ويرجع على البايع بنصف المسمى، وإن اختارا الفسخ رجع كل واحد منهما على البايع بكمال الثمن، وإن اختار أحدهما الفسخ نظرت فإن اختار ذلك قبل أن يختار الآخر الامساك، يوفر كل الدار عليه لأنه يدعي الكل، وإنما زاحمه الآخر على نصفها، فإذا زالت المزاحمة يوفر الكل عليه، وإن كان الفسخ بعد أن اختار الآخر تملك النصف لم يتوفر النصف الآخر عليه، لأن الحاكم قد قضى له بنصفها دون النصف الآخر فلا يعود إليه.

[ 283 ]

بايعان ومشتريان: إذا قال هذه الدار لي اشتريتها من زيد بن عبد الله بمائة ونقدته الثمن، وقال الآخر اشتريتها من عمرو بن خالد بمائة ونقدته الثمن، وأقام كل واحد منهما البينة بما يدعيه، فهما متعارضتان، لأنهما يشهدان بالملك لكل واحد منهما، فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون الدار في يد أحد المشتريين أو لا يكون، فإن كانت في يد أحدهما قضينا له بالدار لأن معه بينة ويدا، فهي بينة الداخل فقضينا له بالدار، وأما إن كانت في يد أحد البايعين فاعترف به، فهل يرجح بينة مشتريه بذلك أم لا؟ قال بعضهم يرجح لأنها يد ثابتة، وقال الأكثر لا يرجح، لأن يده لا توافق البينة، فإن البينة أزالت يده فلا يرجح وهو الصحيح عندنا. فمن قال يرجح قضى له بها ورجع الآخر على بايعه بالدرك لأنه ما سلم له ما ادعاه، ومن قال لا يرجح بقوله فلا فصل بين أن يكون الدار في يد ثالث أو في يد أحد البايعين، فإنهما متعارضتان فإما أن يسقطا أو يستعملا. فمن قال يسقطان قال القول قول من الدار في يده، فإن أنكر حلف لهما وإن أقر لأحدهما ثم للآخر سلمت إلى الأول، وهل يغرم للآخر؟ على قولين. وإن أقر لأحدهما وجحد الآخر، فهل يحلف لمن جحده؟ على قولين، فمن قال يلزمه الغرم مع الاقرار، قال لزمه اليمين مع الانكار، ومن قال لا يلزمه الغرم مع الاقرار، لم يلزمه اليمين مع الانكار، وهو الأقوى عندنا في المسائل كلها لأن الأصل براءة الذمة. وإن أقر بها لهما جعل لكل واحد منهما نصفها، وهل يحلف لكل واحد منهما على غرم النصف الآخر الذي أقر به لصاحبه على قولين. ومن قال يستعملان إما بالقرعة أو بالايقاف أو القسمة، فإذا أقرع بينهما فمن خرجت قرعته فهل يحلف؟ على قولين أحوطهما عندنا أن يحلف، ومن قال يوقف لم يقف ههنا، لأنه عقد، ومن قال يقسم قسم وكان لكل واحد منهما الخيار في المقام

[ 284 ]

على العقد والفسخ، لأن الصفقة تبعضت عليه، لأنه ادعى الكل فحصل في يده النصف. فإن اختارا الامساك أمسكا، وكان لكل واحد منهما أن يرجع على بايعه بنصف الثمن لأن البينة قد قامت عليه بقبض الكل وبنفي الكل وما حصل في يد مشتريه إلا النصف فيرد عليه نصف الثمن. وإن اختارا الفسخ فسخا، ورجع كل واحد منهما على بايعه بكل الثمن لأن المبيع لم يسلم له، ولا حصل له القبض منه وإن فسخ أحدهما دون صاحبه انفسخ في حقه، وعاد ما وقع الفسخ فيه إلى بايعه، ورجع المشتري عليه بكل الثمن، ولا يعود هذا النصف إلى المشتري الآخر، سواء وقع الفسخ قبل اختياره النصف أو بعد اختياره له. لأن الذي وقع فيه الفسخ لم يرجع إلى بائع من لم يفسخ، وإنما رجع إلى من لا يدعيه فلم يتوفر عليه. فإن كانت المسألة بحالها لكن كل واحد منهما ادعى الملك والشراء، ودفع الثمن وقبض الدار، وأقام البينة بذلك، فالحكم فيها على ما مضى حرفا بحرف إلا في فصل واحد وهو الدرك كل موضع قلنا في التي قبلها يرجع بكل الثمن إذا لم يسلم شئ، ويرجع بنصف الثمن إذا سلم له النصف، فإنه في هذه لا يرجع بحال بشئ من الثمن والفصل بينهما أنه إذا لم يعترف بقبض المبيع لم يلزمه من ثمنه إلا بقدر ما حصل مقبوضا وما قبض شيئا فلا يلزمه، وليس كذلك ههنا لأنه قد اعترف بقبض المبيع واستقر الثمن عليه أكثر ما فيه أن يغتصب منه بعد ما قبضها، فلا يرجع على بايعها بدركها فبان الفصل بينهما. مشتر وبايعان: صورتها عبد في يد رجل تنازع فيه نفسان قال أحدهما العبد اشتريته مني بألف، وقال الآخر اشتريته مني بألف وأقام كل واحد منهما البينة بما يدعيه لم يخل البينتان من ثلثة أحوال: إما إن يكونا بتاريخ واحد أو بتاريخين مختلفين أو مطلقتين. فإن كان التاريخ واحدا مثل أن شهد اثنان أنه ابتاعه من زيد مع الزوال بألف

[ 285 ]

وشهد آخران أنه ابتاعه من عمرو مع الزوال من ذلك اليوم بألف فهما متعارضتان لأن العبد الواحد لا يصح أن يكون ملكا لكل واحد منهما، ويبيعه كل واحد منهما من رجل واحد، في زمان واحد بعقد انفرد به، فثبت أنهما متعارضتان فإما أن تسقطا أو تستعملا. فمن قال يسقطان فكأنه لا بينة مع واحد منها، وكل واحد منهما يدعي على المشتري أنه منه اشتراه فإن أنكر فالقول قوله مع يمينه، وسقط دعوى كل واحد منهما وإن أقر لأحدهما فقال صدقت بينتك اشتريته منك لزمه كل الثمن وعليه أن يحلف للبايع الآخر لأنه لو اعترف له أنه منه اشتراه لزمه الثمن فلما لزمه الثمن مع الاقرار لزمته اليمين مع الانكار وإن أقر لهما معا، فقال لقد ابتعته من كل واحد منكما لزمه الثمنان معا لأنه قد اعترف لكل واحد منهما بما يدعيه. ومن قال يستعملان إما بالقرعة أو الإيقاف أو القسمة فإن أقرع فمن خرجت قرعته حكم له بها وهل يحلف؟ على قولين أحوطها عندنا أن يحلف ويحلف الآخر لأن دعواه البيع عليه قايمة، وكان عليه أن يحلف، ومن قال يوقف لم يقف لأن العقود لا توقف، ومن قال يقسم قسم الثمن من البايعين بنصفين فإذا قسم الثمن عليهما فليس للمشتري خيار الفسخ، لأن الصفقة ما تبعضت عليه، لأن العقد سلم له كله ولا فصل بين أن يسلم له من بايع واحد أو بايعين. وإن كان التاريخ مختلفا فأقام أحدهما أنه اشتراه في شعبان، وأقام الآخر أنه اشتراه في رمضان، لزمه الثمنان معا وحكمنا بصحة العقد لأنه يمكن أن يشتريه من أحدهما في شعبان ثم من الآخر في رمضان، لأنه يشتريه من الأول ثم يشتريه البايع الثاني منه ثم يبيعه منه، فلهذا لزمه الثمنان. كما لو ادعت أنه تزوجها يوم الأربعا بألف، ويوم الخميس بألف، وأقامت البينة على كل واحد من العقدين فعليه المهران معا لجواز أن يكونا وقعا معا على الصحة، وهو أنهما نكاحان بينهما خلع.

[ 286 ]

وإن كانتا مطلقتين أو أحدهما مطلقة والأخرى مقيدة فهما سواء قال قوم يصح العقدان ويلزمه الثمنان معا لجواز أن يكونا في وقتين مختلفين فيصح العقدان معا كما لو كان التاريخ مختلفا. وقال آخرون يتعارضان لجواز أن يكونا في وقت واحد فيتعارضان. ويجوز أن يكونا في وقتين فيصحان معا والأصل برائة الذمة فلذا تعارضتا. إذا كان عبد في يد رجل فادعى على مولاه أنه أعتقه وادعى آخر على مولاه أنه باعه منه، وأقام كل واحد منهما البينة بما ادعاه لم يخل البينتان من أحد أمرين إما أن يكونا مورختين بتاريخين مختلفين أو غير ذلك. فإن كانتا بتاريخين مختلفين، مثل أن شهدت إحداهما في شعبان، والأخرى في رمضان من هذه السنة، فالسابقة ثابتة، والمتأخرة ساقطة، لأنه إن كان قد أعتقه في شعبان لم يصح بيعه في رمضان، وإن كان قد باعه في شعبان لم يصح عتقه في رمضان لأنه أعتقه بعد زوال ملكه عنه، وإن كان تاريخهما واحدا أو كانتا مطلقتين أو إحداهما مطلقة والأخرى مقيدة الباب واحد، نظرت في العبد. فإن كان في يد المشتري قدمنا بينته لأنها بينة الداخل، وإن كان العبد في يد البايع فأقر للمشتري فقال منك بعته، فهل تقدم بينة المشتري بقول البايع؟ قال قوم يقدم لأنه قد اعترف أن يده نايبة عن يد المشتري وقال آخرون وهو الأصح عندنا أنها لا يقدم بقول البايع لأن سبب يده معروفة بأنها غير مالكة لأن البينة قد شهدت بأنه لا يملك، فإذا لم يكن له بينة سقط الترجيح، فمن قال يقدم بينة المشتري، قدمها وسقط العتق، ومن قال: لا يقدم على ما اخترناه، أو قال البايع لا أعلم عين السابق منكما، أو كان العبد في يدي ثالث، الحكم فيها كلها أنهما متعارضتان. وقال بعضهم بينة العبد أولى، لأن يده على نفسه، وهذا ليس بصحيح، لأنه لا يكون يده على نفسه، بدليل أنهما لو تنازعا عبدا لا يد لواحد منهما عليه، فأقر بنفسه لأحدهما، لم يرجح ذلك بقوله، فلو كانت يده على نفسه لسمع هذا، وقال

[ 287 ]

بعضهم: يكون يد الحر على نفسه، وقال آخرون لا تكون يد العبد ولا يد الحر على نفسه، لأن اليد إنما تثبت على مال أو ما في معناه والحر ليس كذلك. فإذا ثبت أنهما متعارضتان فإما أن تسقطا أو تستعملا، فمن قال تسقطان، قال كأنه لا بينة ههنا، ويكون القول قول السيد، فإن أنكر حلف لكل واحد منهما للمشتري: ما بعت، وللعبد ما أعتقت، وإن اعترف لأحدهما فكأنه اعترف للمشتري حكمنا بالشراء والملك له، ولم يحلف للعبد، لأنه لا يلزم الغرم للعبد مع الاقرار بدليل أنه لو اعترف فقال قد كنت أعتقتك قبل البيع لم يقبل قوله، ولم يضمن للعبد شيئا، ولو اعترف بعتق العبد أولا لم يضمن للمشتري شيئا، لأنه معترف أن المبيع هلك قبل القبض والبيع بطل بالتلفظ وسقط الثمن عن المشتري، فلا غرم له عليه فلما لم يلزمه الغرم مع الاقرار، لم يلزمه اليمين مع الانكار. وهذه ثلث مسائل هذه وهو إذا تنازعا شراء وعتقا، فأقر لأحدهما لم يحلف للآخر، فإن كان المشتري واحدا والبايع اثنين فأقر أنه اشتراه من أحدهما حلف للبايع الآخر، لأنه لما لزمه الغرم مع الاقرار كذلك اليمين مع الانكار، وإن كان البايع واحدا والمشتري اثنين فأقر لأحدهما هل يحلف للآخر؟ على قولين، كما أنه لو اعترف لأحدهما بعد الأول هل يغرم على قولين. وأصل هذا كلما لزمه الضمان مع الاقرار، لزمه اليمين مع الانكار، وكل من لا ضمان عليه مع الاقرار، فلا يمين عليه مع الانكار. ومن قال يستعملان إما بالقرعة أو الإيقاف أو القسمة، فمن قال بالقرعة أقرع فمن خرج اسمه حكم له به، وهل يحلف؟ على قولين أحوطهما عندنا اليمين، ومن قال يوقف لم يقف لأن العقد لا يوقف. ومن قال يقسم قسمه فجعل نصفه عبدا للمشتري، ونصفه حرا ويكون المشتري بالخيار بين الامساك والفسخ، لأن الصفقة تبعضت عليه، فإن فسخ عتق كله لأنه إنما زاحمنا العبد في حقه وعتقه لحق المشتري، فإذا أسقط المشتري حقه عتق كله، وإن اختار الامساك ثبت له نصفه، وعليه نصف الثمن.

[ 288 ]

وهل يقوم نصيب المشتري على البايع فيعتق كله أم لا؟ نظرت فإن كان البايع معسرا استرق الذي في نصيب المشتري، وإن كان موسرا فعلى قولين، أحدهما لا يقوم عليه، لأن عتق نصفه وقع بغير اختيار البايع لأنه يقول ما أعتقته، والبينة ألزمتني ذلك، كما لو ورث نصف عبده فيعتق عليه لا يقوم عليه الباقي، والثاني يقوم عليه ويعتق كله لأنه قد ثبت بالبينة أنه باشر عتقه كله باختياره، فلهذا قومنا عليه ما بقي. إذا ادعى جارية في يد غيره، فقال هذه لي، وأقام بذلك بينة حكمنا له بها لأنها شهدت له بملك مطلق، وإن ادعى أنها أمته ولدت في ملكه، حكمنا له بها لأنها أقوى، فإنها شهدت بالملك مضافا إلى سببه، فإن شهدت بأن هذه بنت أمته فلانة، ولم تزد على هذا، لم يحكم له بها، لأنها قد تكون بنت أمته، ولا تكون مملوكة له لأنها قد يسبق ملك الأم وهو أنها تلدها ثم تملك الأم دون ولدها، وعلى مذهبنا يحتمل أن يكون تزوجت بحر فيكون الولد حرا. وهكذا لو شهدت بأن هذه الثمرة ثمرة نخلة فلان لم يحكم لفلان بالثمرة لأن وجود الثمرة قد يسبق ملك النخلة، وهو أنها تثمر ثم تملك النخلة وإذا شهدت بأنها بنت أمة فلان ولدتها في ملكه أو هذه الثمرة ثمرة نخلة فلان أثمرت في ملكه حكم له بها. قالوا كيف حكمتم له بهذه الشهادة وهي شهادة في التحقيق بملك سابق، لأنها ما شهدت بالملك في الحال، وإنما شهدت بالملك حال الولادة، وقد قلتم لو شهدت بأن هذا العبد كان له أمس لم يقبل. قيل قد قال بعضهم إذا شهدت بالملك أمس حكمت بها، وقال قوم لا يسمع، ومنهم من قال: لا يسمعها بالملك أمس، ويسمعها إذا شهدت بالولادة. والفصل بينهما أنها إذا شهدت بالملك فهو أصل في نفسه غير تابع لغيره، فإذا لم يشهد بالملك في الحال لم يثبت الملك حين التنازع، فلهذا لم يسمع، وليس كذلك ههنا، لأنها شهدت بنماء ملك، فكان الظاهر أن نماء ملكه له، فهو كما نقول إذا

[ 289 ]

قامت البينة له بأن الملك له منذ عشر سنين كانت فايدته من حين الشهادة، وكان له كذلك ههنا، وإن شهدت أن هذا الغزل من قطن فلان، قال بعضهم قضينا بالغزل له. ويفصل بين هذه المسألة وبينه إذا شهدت بأن هذه الأمة ولد أمة فلان، حيث قلنا لا يقضى له بالولد، لأن قوله هذا الغزل من قطن فلان، معناه المغزول قطن فلان وعينه وذاته كان منفوشا فاجتمع، كقوله هذا الدقيق من حنطة فلان، كان معناه هذا الدقيق حنطة فلان كان مجتمعا فتفرق، فلهذا قضينا بالغزل وليس كذلك إن شهدت بأن هذه الأمة بنت أمة فلان، لأن هذه البنت ليست هي الأم، وإنما هي غيرها، فلهذا لم يحكم له بها، ولأنه إذا قال هذا الغزل من قطن فلان لم يسبق الغزل القطن، فلهذا حكمنا له به، وليس كذلك ههنا، لأن الولد قد يسبق الأم فلهذا لم يحكم له بولدها. إذا كان في يده طفل لا يعبر عن نفسه مجهول النسب، فادعاه مملوكا له حكم له به، لأنه لا يعبر عن نفسه كالبهيمة والثوب، فإن بلغ هذا الطفل في يده فأنكر أن يكون مملوكا له لم يلتفت إليه، لأنا قد حكمنا بأنه عبده. فإن كانت بحالها وكانت يده عليه يتصرف فيه بالاستخدام وغيره، ولم يسمع منه أنه مملوكه، فبلغ هذا الطفل في يده فادعى أنه حر لم يقبل قوله، لأن اليد التي كانت عليه ظاهرها الملك، وهو مستدام مستصحب على ما كان، فلا تزال يده عنه بدعواه. فإذا ثبت أنه مملوكه أقررناه في يديه، فإن جاء رجل فادعى نسب هذا المملوك فقال هذا ابني لم يلحق نسبه به، لأن فيه إضرارا بسيده، وهو أن النسب متى ثبت كان مقدما في الميراث على الولاء، وقد يعتقه السيد، ويكسب مالا فيموت، فيكون ميراثه لمناسبه دون مولاه. فإذا لم يلحق نسبه، فإن أقام المدعي بنسبه بينة حكمنا بأنه ابنه ويكون على ما هو عليه في يد مولاه، لأنه لا يمتنع أن يكون نسبه ثابتا من حر، ويكون مملوكا للغير، لأنه قد يتزوج مملوكة فيكون ولده منها مملوكا، عندنا بالشرط

[ 290 ]

وعندهم بلا شرط، وقد يسبى صغيرا فيقدم والده مسلما فيستلحقه، اللهم إلا أن يكون المدعي عربيا فإنه لا يسترق عند بعضهم العربي، فعلى هذا تزال عنه يد مولاه ويتسلمه أبوه. فإن كان مجهول النسب بالغا فادعاه رجل مملوكا، فإن أجابه إلى ما ادعاه وأقر بذلك له، حكم بأنه مملوكه، وإن أنكر ذلك، فالقول قوله، لأن الأصل الحرية، فإن تنازعه نفسان فادعى كل واحد منهما أنه عبده، وأقاما بذلك بينة فهما متعارضتان، فإن أقر هذا المتنازع فيه لأحدهما بما يدعيه، وقال أنا مملوك هذا، لم يقدم بينته باعترافه، لأنه لا يد له على نفسه، لأنه إن كان حرا لم يصح إقراره بالعبودية، وإن كان مملوكا فلا يد له على نفسه. فأما إن كان مميزا عاقلا لكنه غير بالغ، فادعاه رجل مملوكا وأنكر الصبي ذلك، وامتنع، ولم نعرف سبب يد المدعي، غير أننا رأيناهما الآن يتنازعان ذلك، قال قوم لا يقضى له به، لأنه يعرب عن نفسه كالبالغ، ومنهم من قال يقضى له به، لأنه لا حكم لكلامه، كالطفل الذي لا يتكلم، والأول أقوى عندنا لأن الأصل الحرية. إذا كانت دار في يد رجل لا يدعيها لنفسه، فتنازع فيها نفسان فقال أحدهما كلها لي، وأقام بذلك بينة، وقال الآخر نصفها لي وأقام بذلك بينة، خلص لمن له البينة بكلها نصفها، لأن له بذلك بينة، ولا يدعيه أحد، وتعارضت البينتان في النصف الآخر، فإما أن يسقطا أو يستعملا. فمن قال يسقطان، فكأنه لا بينة لواحد منهما في ذلك، ولكن البينة التي شهدت له بالكل قد سقطت في النصف، وقال قوم يسقط في النصف الآخر كما لو شهدت به، فردت للتهمة في نصفه، فإنه يرد في النصف الآخر، وقال آخرون لا يرد وهو الصحيح عندنا، لأن الشهادة ما ردت ههنا للتهمة، وإنما سقطت للتعارض، وهذا لا يسقطها لأنا إذا قلنا يستعملان قسمنا بينهما فأعطينا كل واحد منهما نصف ما شهدت له به، فلا يقال يسقط البينة لأنا لم نقبلها في الكل مع أنا قد بينا فيما تقدم أن الشهادة إذا ردت في البعض للتهمة لم ترد في البعض الذي لا تهمة فيه عندنا.

[ 291 ]

ومن قال يستعملان إما بالقرعة أو الإيقاف أو القسمة فعندنا أنه يقرع، فمن خرجت قرعته قدمناه، وهل يحلف؟ على قولين أحوطهما عندنا اليمين، ومن قال يوقف وقفها لأنه مال، ومن قال يقسم قسم النصف بينهما نصفين فيصير لمن ادعى الكل ثلثة أرباعها، ولمن ادعى النصف ربعها. إذا كانت الدار في يد ثلثة فادعى أحدهم النصف، والآخر الثلث، والآخر السدس، فإن جحد بعضهم بعضا كانت بينهم أثلاثا عند قوم، وهذا غلط عندنا، لأنه لا يجوز أن يدعي واحد سدسا فيقضي له بثلثها، اللهم إلا أن نفرض أن صاحب النصف يقول لي نصفها ويدي على كلها، النصف منها لي والنصف وديعة لفلان الغايب، وقال صاحب الثلث يدي على كلها، والثلث منها لي، والباقي وديعة لفلان الغايب، وقال صاحب السدس يدي على كلها السدس لي منها، والباقي لفلان الغايب. فحينئذ يقضى بها أثلاثا، لأن صاحب النصف يده على ثلثها، وهو يدعي ما يد صاحبه عليه، فلا يقبل قوله، وصاحب الثلث يده على ثلثها، وهو يدعي ما يد صاحبه عليه فلا يقبل قوله، وصاحب السدس يده على الثلث وهو يدعي السدس ويقر بالباقي للغير فيقبل قوله، لأن من أقر بشئ في يديه قبل قوله وأقر الباقي في يديه، فعلى هذا يصح المسألة. فإن كانت بحالها ولم يجحد بعضهم بعضا، فهي بينهم على ما اتفقوا عليه، وإن كانت بحالها وأقام كل واحد منهم البينة، على قدر ما يدعيه منها ملكا: أقام صاحب النصف البينة أن له نصفها وأقام صاحب الثلث البينة أن له ثلثها وأقام صاحب السدس البينة أن له سدسها، فإنا نعطي صاحب الثلث الثلث، لأن له بذلك بينة ويدا، فكان أولى من بينة من لا يد له، ويعطى صاحب النصف الثلث، لأن له بالثلث يدا وبينة ونعطي صاحب السدس سدسه، لأن له به بينة ويدا، وبقي هناك سدس في يدي صاحب السدس، ولا بينة له به، وصاحب النصف يدعي السدس وله بينة بلا يد، فإنه يدفع ذلك السدس كله إلى صاحب النصف، فيصير له النصف

[ 292 ]

الذي ادعاه، لأن له بينة وصاحب السدس له يد بلا بينة، فكان صاحب النصف أحق به هذا هو الأقوى عندنا. وقال قوم يعطى صاحب النصف منه النصف، فيكون في يديه ثلث ونصف سدس ويقر نصف سدس الباقي في يدي صاحب السدس، فيكون في يديه سدس ونصف سدس، لأن صاحب النصف قضينا له بالثلث، لأن له به يدا وبينة، وبقي الثلثان من الدار في يد صاحب الثلث، وصاحب السدس نصفين، فصار في يد كل واحد منهما ثلثها، وصاحب النصف يدعي السدس عليهما معا بدليل أنه لو أنكره حلف له كل واحد منهما، فإذا كان كذلك فصاحب الثلث يدعي عليه نصف السدس مما في يديه وله به بينة ويد. ولصاحب النصف به بينة بغير يد، فكان صاحب الثلث أحق به، فاستقر لصاحب الثلث الثلث، وقد بقي من دعواه نصف سدس هو في يدي صاحب السدس وله بما يدعيه بينة ولصاحب السدس عليه يد بغير بينة فكانت بينته أولى من يد صاحب السدس، فيقضى به له، ويبقى في يد السدس سدسه الذي هو ملكه، ونصف سدس يده عليه، ولا يدعيه أحد عليه ويده عليه، فيقبل اعترافه به، لمن اعترف له به. دار في يد اثنين فادعى أحدهما الثلث، وأقام بذلك بينة، وادعى الآخر الكل وأقام بذلك بينة، قضينا لمدعي الثلث بما ادعاه لأن له بقدر ما ادعاه بينة ويدا، وقضينا لمدعي الكل بالثلثين، لأن يده على النصف، وله به بينة، ويدعي السدس الذي هو تمام الثلثين في يد صاحب الثلث، وله به بينة، ولصاحب الثلث على السدس يد، فكانت البينة أولى من يده وهو لا يدعيه وإنما يده عليه، فلو كانت يده عليه وهو يدعيه كانت البينة أولى من يده ودعواه، فبأن يكون أولى من يده أولى. دار في يد أربعة أنفس ادعى أحدهم الكل، والآخر الثلثين، والآخر النصف والآخر الثلث، فإن لم يكن هناك بينة بوجه حكمنا لكل واحد منهم بربعها، وهو القدر الذي عليه يده، وما زاد عليه مما يدعيه يد غيره فيكون القول قول

[ 293 ]

المدعى عليه مع يمينه، فيحلف كل واحد منهم لصاحبه بما يدعيه عليه، ويسقط دعواه، ويكون لكل واحد الربع، فإن كان لكل واحد منهم بينة بما يدعيه قضينا لكل واحد منهم بربعها أيضا، لأن لكل واحد منهم يدا على ربعها، وبينة بما عليه يده، وبينته ويده أولى من بينة غيره بلا يد، فالحكم فيه إذا كانت في أيديهم ولا بينة لواحد منهم أو مع كل واحد بينة سواء وقد بيناه. فإن كانت بحالها لكنها في يد خامس، فأقام كل واحد منهم بينة بما يدعيه خلص لمدعي الكل الثلث بلا منازع، لأن له بينة وأحد لا يدعيه عليه، لأن أكثر من يدعي الثلثين، فلهذا كان له الثلث، وبقي الكلام في الثلثين، فيقع التعارض في ثلثة مواضع فيتعارض بينة مدعي الكل ومدعي الثلثين في السدس الذي بين النصف والثلثين، وهو القدر الذي لا يدعيه صاحب الثلث ولا صاحب النصف، ويتعارض مدعي الكل ومدعي الثلثين ومدعي النصف، في السدس الذي بين الثلث والنصف، لأن صاحب الثلث لا يدعيه، ويتعارض كل البينات وهي أربع في الثلث الذي ادعاه صاحب الثلث، فإن كل واحد من الأربعة يدعيه وقد أقام بينة به. وتحقيق هذا أن التعارض فيما يقع الاجتماع على تداعيه، والغير لا يدعيه فإن تعارضت البينتان إما أن يسقطا أو يستعملا، فمن قال يسقطان قال كأنه لا بينة هناك، فيسلم لمدعي الكل الثلث، لأن أحدا لا ينازعه فيه، وبقي الثلثان يقال لمن هو في يده ما تقول؟ فإن ادعاه لنفسه فالقول قوله مع يمينه، وإن أقر بها لواحد منهم، فهل يحلف للباقين على قولين، فإن أقر لكل واحد منهم بما يدعيه، فهل يحلف لصاحبه بقدر ما أقر به؟ على ما مضى من القولين. ومن قال يستعملان إما بالقرعة أو الإيقاف أو القسمة، فمن قال يوقف أوقفه ومن قال يقسم قسم، وتصح القسمة من ستة وثلثين سهما لمدعي الكل الثلث بلا منازع اثني عشر سهما، ويقسم السدس الذي بين النصف والثلثين بين مدعي الكل ومدعي الثلثين نصفين، وهو ستة لصاحب الكل ثلثة، ولصاحب الثلثين ثلثة، يصير مع صاحب الكل خمسة عشر، ثم يقسم السدس الذي بين النصف والثلث بين ثلثة

[ 294 ]

بين مدعي الكل ومدعي الثلثين ومدعي النصف، لكل واحد منهم سهمان، فيكون مع صاحب الكل سبعة عشر سهما ثم يقسم الثلث الباقي وهو اثني عشر سهما بين الأربعة أرباعا لكل واحد منهم ثلثة. فيصير مع مدعي الكل عشرون سهما: ثلث الأصل اثني عشر سهما، ونصف السدس الذي بين النصف والثلثين ثلثة، وثلث السدس الذي بين النصف والثلث سهمان، وربع الثلث الباقي ثلثة، فاستكمل عشرين سهما، ويحصل لصاحب الثلثين ثمانية أسهم: نصف السدس الذي بين النصف والثلثين ثلثة وثلث السدس الذي بين النصف والثلث سهمان، وربع الثلث الباقي ثلثة أسهم يصير معه ثمانية أسهم، ويحصل لمدعي النصف خمسة أسهم: ثلث السدس الذي بين النصف والثلث سهمان، وربع الثلث الباقي ثلثة يصير خمسة، ويحصل لمدعي الثلث ثلاثة أسهم وهو ربع الثلث الباقي يكمل ستة وثلثين سهما. ومن قال بالقرعة على ما نذهب إليه أقرع، ويكون الاقراع في ثلثة مواضع في السدس الذي بين النصف والثلثين، إقراع بين مدعي الكل والثلثين، وإقراع في السدس الذي بين النصف والثلث بين ثلثة بين مدعي الكل والثلثين والنصف، لأن مدعي الثلث لا يدعيه ويكون الاقراع في الثلث الباقي بين الأربعة، لأن الكل يدعيه، فمن خرجت قرعته قدمناه، وهل يحلف مع قرعته أم لا؟ على قولين أصحهما عندنا أن يحلف، وقد يخرج القرعة كلها لصاحب الكل على ما يتفق. إذا شهد شاهدان أن هذه الدار لفلان منذ سنة، وشهد آخران أنها في يد فلان رجل آخر، قال قوم وهو الصحيح بينة الملك أولى من بينة اليد، لأن من شهد له بالملك أثبت ملكا له ومن شهد باليد يحتمل أن يكون يد عارية أو وديعة فكانت التي شهدت بالملك أولى. إذا ادعى رجل دابة في يدي رجل وأقام شاهدين أنها ملكه منذ ثلاث سنين فنظر الحاكم فإذا الدابة ليس لها سنتان سقطت الشهادة لأنه قد عرف كذبها قطعا. إذا شهد شاهدان أن هذه الدار ملك لزيد وشهد آخران أن عمروا اشتراها

[ 295 ]

من زيد، فالدار لعمرو لأن بينة زيد أثبت له ملكا مطلقا وبينة عمرو أخبرت بزيادة خفيت على بينة زيد، وهو الشراء، لأن من شهد بالملك أطلق الشهادة على ظاهر ما عرفه، وخفي عليها البيع. ومثل هذا إذا خلف رجل جارية وزوجة وابنا فتنازع الابن والزوجة في هذه الجارية، فقال الابن إن أباه خلفها تركة وأقام بذلك بينة وأقامت المرأة البينة أن أباه أصدقها إياها، فإن بينة الزوجة أولى، لأنها شهدت بما خفي على بينة الابن، لأنها شهدت على ظاهر الملك وخفي عليهم ما عرفه شهود الزوجة من حدوث البيع فكانوا أولى. إذا ادعى رجل دارا في يد زيد فأنكر زيد ذلك وأقام المدعي البينة أنه اشتراها من عمرو نظرت في البينة فإن شهدت للمدعي أن عمروا باعه إياها وهي ملك عمرو يومئذ أو شهدت بأن عمروا باعها من المدعي وسلمها إليه أو شهدت بأنها ملك المدعي إشتراها من عمرو، قضينا بها للمدعي، وأسقطنا يد زيد من هذه الأقسام الثلاثة لأنها إن شهدت أن عمرا باعها إياه أو هي ملكه، فقد ثبت ملكها للمدعي حتى يعلم زواله. وهكذا لو شهدت بأنه تسلمها منه، لأن الظاهر أنها حصلت في يد المدعي حتى يعلم كيف زالت وهكذا إن شهدت بأنها ملك المدعي اشتراها من عمرو، فهذا أوكد، لأنها شهدت بالملك وسبب الملك. قالوا فهذه الشهادة للمدعي حقيقتها شهادة بأنها كانت ملكه فكيف قبلناها؟ قيل الفصل بينهما أنه إذا قامت البينة أنه ابتاعها من عمرو فكانت ملك عمرو يومئذ ففي ضمن هذا أنه تملكها عنه ولا يعلم زوال ملكه عنها، فهو كما لو قطعت فقالت ولا نعلم زوال ملكه عنها وليس كذلك إذا قال كانت ملكا لفلان لأن هذا اللفظ لا يقتضي استدامة الملك إلى حين ما شهدت فأما إن شهدت بينة المدعي بأن عمرا باعها منه أو وقفها على فلان، لم يحكم له بالملك بذلك، لأن الانسان قد يفعل فيما ليس بملك له، فلا يزيل الملك عن يد المدعى عليه بأمر متوهم مظنون.

[ 296 ]

إذا قال لفلان علي ألف درهم وقد قضيتها فقد اعترف بألف وادعى قضاءها فلا يقبل قوله في القضاء، لأنه قد أقر بألف وادعى قضاءها فقبل قوله فيما عليه دون ماله وقال قوم يقبل منه لأنه لما ثبت بقوله صح أن يسقط بقوله، كقوله له علي مائة إلا تسعين، فإن الاستثناء يقبل منه كذلك والأول أصح عندنا. فإذا تقرر هذا، فإذا ادعى على غيره مائة فقالت قضيتك منها خمسين فقد اعترف بها، لأنه لا يقول قضيتك خمسين إلا عما لزمه، وحصل به في ذمته ولكنه وصل بإقراره القضاء، فهل يقبل منه على قولين أحدهما وهو الصحيح أنه لا يقبل، والثاني يقبل، فأما الكلام في الخمسين الباقية، فلا يكون مقرا بها، لأن قوله قضيتك منها خمسين يحتمل قضيتك مما ادعيت، ويحتمل قضيتك مما علي خمسين، فإذا احتمل الأمرين لا يلزمه، لأنا لا نلزمه حقا بالشك. فإن اختلف المكري والمكتري في شئ من الدار المكراة نظرت، فإن كان متصلا بها كالأبواب والدرجة والأساطين والطوابيق، فالكل للمكري وإن كان مما ينقل ويحول كالأثاث والأواني وما ينقل فالكل للمكتري، لأن العادة أن الانسان إنما يكري داره فارغة عن رحله وقماشه، فأما الرفوف فيها، فإن كانت مسمرة فهي للمكري كالدرجة والسلم المستمرة، وإن لم تكن مستمرة، وإنما وضعت على أوتاد قال قوم حلف كل واحد منهما لصاحبه وكانت بينهما، لأن أحدهما ليس بأولى بها من صاحبه، فإن العادة لم تجر أن المكري يحول مثل هذا عن الدار والعادة جارية أن مثل هذا يفعله المكتري لنفسه، فلا مزية لأحدهما على الآخر فكانت بينهما، كما لو كانت معا في جوف الدار فتنازعاها. فإن تنازعا مسناة بين نهر لرجل وضيعة لآخر، فقال رب النهر: المسناة لي فناء نهري تجمع ماء النهر إليه وتمنعه أن يخرج عنه، وقال رب الضيعة بل المسناة لي، ترد الماء عن ضيعتي وهي حاجز بيني وبين نهرك، حلف كل واحد منهما لصاحبه وكانت بينهما لأن كل واحد منهما ينتفع بها من وجه، وهي تجاور ملكهما، فهو كما لو تنازع صاحب العلو والسفل في السقف الذي هو سماء السفل وأرض العلو

[ 297 ]

فإنه بينهما لأن كل واحد منهما ينتفع به من وجه كذلك ههنا. فإن تنازعا دارا يدهما عليها، فقال كل واحد منهما الدار كلها لي حلف كل واحد منهما لصاحبه على ما يدعيه وجعلت بينهما نصفين. إذا تنازعا دارا يدهما عليها فقال كل واحد منهما كله مالي، وكل واحد إنما يدعي ما يدي صاحبه عليها، فيحلف على ما يدعيه وهو النصف، ولا يحلف على الكل، وإن كان في دعواه الكل لأن مقتضاه دعوى النصف، فهو كرجل ادعى نصف دار في يد رجل، فالقول قول المدعى عليه في نصفها، ولا يحلف على أكثر منه، كذلك ههنا، لا يحلف على ما لا يد له عليه. فإن تنازعا عمامة يد أحدهما على ذراع منها وباقيها في يد الآخر، حلف كل واحد منهما لصاحبه، وكانت بينهما نصفين، لأن لكل واحد منهما عليها يدا بدليل أن من يده على القليل لو كان باقيها مطروحا على الأرض فادعاها غيره، كان القول قوله، ثبت أن لكل واحد منهما يدا عليها بالسوية، وإن كان ما في يد أحدهما أكثر، فهو كما لو تنازعا دارا وهما فيها وأحدهما في صفة كبيرة والآخر في صفة صغيرة كانت بينهما سواء. فإن غصب رجل من رجل دجاجة فباضت بيضتين، واحتضنتها هي أو غيرها بنفسها أو بفعل الغاصب، فخرج منها فرخان، فالكل للمغصوب منه، وقال بعضهم إن باضت عنده بيضتين واحتضنت الدجاجة واحدة منهما، ولم يعرض الغاصب لها كان للمغصوب منه ما يخرج منها، ولو أخذ الأخرى فوضعها هو تحتها أو تحت غيرها ثم خرج منها فروخ كان الفروخ للغاصب وعليه قيمته، والأول أصح عندنا. فإن ادعى على رجل ألفا فأنكر فأقام المدعي بينة فقال المدعى عليه صدقت البينة هي علي إلى أجل لم يقبل قوله، لأنه حق ثبت عليه بالبينة فلا يتغير بقوله ويفارق هذا ما ثبت باعترافه، لأنه ثبت باعترافه فصح أن يسقط بقوله كالاستثناء. وفرق بين ما ثبت بالبينة عليه وبين ما ثبت بقوله، ألا ترى أن البينة لو قامت عليه بألف فقال هي علي إلا تسعمائة لم يقبل منه استثناه ولو ابتدأه بذلك من

[ 298 ]

عنده معترفا فقال علي الألف إلا تسعمائة ثبت ما استثناه وكان فصل ما بينهما الاقرار والبينة. ولو قال لفلان علي ألف درهم قضيتها قد بينا أنها على قولين أصحهما أنه لا يقبل قوله في القضاء، وإن قال له على ألف إلى أجل، منهم من قال على قولين أيضا، ومنهم من قال يقبل منه التأجيل على كل حال. والفصل بينهما أن قوله قضيتها يدفع كل ما أقر به، فلهذا لم يقبل قوله وليس كذلك قوله إلى أجل لأنه ما دفع ما اعترف به، وإنما وصفه بالأجل فقبل قوله، وهو الأقوى عندي. إذا كان في يد رجلين صغير مجهول النسب فادعيا أنه ملكهما حكم لهما به لأن يدهما عليه كالثوب والشاة، وإن كان كبيرا فادعياه مملوكا فالقول قوله لأن الأصل الحرية، وهو ظاهر الدار، فإن حلف برئ، وإن اعترف بأنه مملوك لهما فهو بينهما نصفين، وإن اعترف بأنه مملوك لأحدهما كان مملوكا لمن اعترف له بنفسه، وقال قوم إذا اعترف أنه مملوك لأحدهما كان مملوكا لهما، لأنه ثبت أنه مملوك باعترافه ويدهما عليه فكان بينهما، والأول أصح عندنا. إذا تنازع اثنان دارا في يد ثالث فقال أحدهما ملكي وهي في يديه بعقد إجارة وقال الآخر ملكي وهي في يديه وديعة أو عارية، وأقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه فهما متعارضتان في رقبة الملك والمنافع، فإما أن يسقطا أو يستعملا، فمن قال يستعملان قال إما أن يقرع بينهما أو يوقف أو يقسم بينهما وكل ذلك ممكن ههنا لأنه ملك، ومن قال يسقطان فكأنه لا بينة لواحد منهما، فالقول قول من الدار في يده، فإن حلف أسقط دعواهما. إذا ادعى ثوبا في يد الغير وأقام البينة أن هذا الثوب من غزل غزل من قطن فلان المدعي، حكمنا به له، لأن الثوب عين القطن وذاته، وإنما تغيرت صفته، فهو كما لو شهد له اثنان أن هذا الكبش حمل فلان قبلت لأنه عين الحمل لكنه تغير لكبره، فإذا ثبت أنه له أخذ الثوب ثم ينظر فيه، فإن كان قيمته أكثر من قيمة

[ 299 ]

الغزل فلا شئ له، لأنها آثار زاد بها من فعله، فلا شئ له على فعله، وإن كانت قيمة غزله أكثر من قيمته ثوبا فعليه ما نقص من قيمة الغزل بالنسج لأن على الغاصب ضمنا ما نقص من الغصب بفعله. إذا تنازعا دارا يد أحدهما عليها، فأقام من هي في يديه البينة أنها ملكه وأقام الخارج البينة أنها ملكه وأنه أودعه إياها أو آجرها فالبينة بينة الخارج، لأن اليد له، فإن بينته أثبتت أن يد من هي في يديه نائبة مناب يد الخارج، وقايمة مقامه، فاليد له، فكانت بينة صاحب اليد أولى، كما لو أقام الخارج البينة أنها له وأنه غصبه إياها كان عليه ردها كذلك ههنا. رجل ادعا دارا في يد رجل فأنكر، فأقام المدعي بينة أنها ملكه منذ سنة فجاء آخر فادعى أنه اشتراها من المدعي منذ خمس سنين، حكمنا بزوال يد المدعى عليه ببينة المدعي، لأن بينته أولى من يده، ثم ينظر في بينة المدعي الثاني، وهو المشتري من المدعي الأول كيف شهدت له، فإن شهدت بأنه اشتراها من الأول وهي ملكه، حكم بها للمشتري الثاني، وهو المدعي الثاني، لأن بينة المدعي أسقطت يد المدعى عليه وصارت اليد للمدعي، ولأن المدعي ببينته أثبت ملكه منذ سنة، ولا ينفى أن يكون الدار ملكا له قبل السنة، وقد شهدت بينة المشتري أن المدعي باعها يوم باعها وهي ملكه، فكلا البينتين أثبت الملك للمدعي، ثم نقلته عنه بينة المشتري إلى المشتري، فكانت ملكا للمشتري. فإن كانت بحالها وشهدت بينة المشتري بأن المدعي باعها حين باعها، وكان متصرفا تصرف الملاك، فالحكم على ما مضى في التي قبلها كما لو شهدت بأنه باع ملكه، لأن الظاهر أن ما في يديه له. فإن كانت بحالها ولم يشهد بينة المشتري بملك ولا يد، لكن يشهد بالشراء فقط، فالحكم أيضا على ما مضى، ويحكم بها للمشتري أيضا، وقال قوم يقر في يد المدعي، ولا يقضى بها للمشتري، لأن البينة إذا لم يشهد بغير البيع المطلق، لم يدل على أنه باع ملكه، ولا أنها كانت في يديه حين باع، لأنه قد يبيع ملكه وغير

[ 300 ]

ملكه وهذا قوي أيضا. رجلان تنازعا شاة مسلوخة فقال كل واحد منهما كلها لي وفي يد أحدهما منها الرأس والجلد والسواقط، وفي يد الآخر ما بقي منها، وأقام كل واحد بينة بما يدعيه، حكمنا لكل واحد منها بقدر ما في يديه منها، لأن له بما في يديه منها اليد والبينة، وله بما في يد صاحبه بينة بلا يد، وكانت بينة الداخل في كل واحد منهما أولى، وقال قوم أقضي لكل واحد منهما بما في يد صاحبه، لأنه خارج وبينة الخارج أولى وهو الأليق بمذهبنا. هذا إذا كان التداعي مطلقا، فإن كانت بحالها، وكان التداعي نتاجا فقال كل واحد منهما ملكي نتجت في ملكي وأقام كل واحد بينة بما يدعيه حكمنا لكل واحد منهما بما في يديه، كالتي قبلها سواء، وهذه وفاق. رجلان في يد كل واحد منهما شاة فادعى كل واحد منهما على صاحبه أن الشاة التي في يديك ملكي نتجتها الشاة التي في يدي ولم يدع أحدهما الشاة التي يده عليها، وأقام كل واحد منهما البينة بما يدعيه، فهما متعارضتان في النتاج، لأنه لا يجوز أن يكون كل واحدة من الشاتين نتجت الأخرى، وغير متعارضتين في الملك لأنه لا يمتنع أن يكون الشاة التي يدعيها في يد الآخر ملكه، وأمها غير ملكه، لأنه قد يوصي له بولدها فإذا وضعته كان الولد ملكه وأمه غير ملكه وإذا لم يقع التعارض في الملك حكمنا لكل واحد منهما بما شهدت له بينته، ودفعنا إلى كل واحد منهما الشاة التي في يد صاحبه، كما لو ادعى كل واحد منهما شاة في يدي صاحبه مطلقا، وأقام البينة بما يدعيه، فإنا نقضي لكل واحد منهما بما شهدت له بينته كذلك ههنا. فإن كانت بحالها فقال كل واحد منهما الشاتان لي معا فالتي في يدي ملكي والتي في يديك ملكي نتجتها شاتي هذه، وأقام البينة بذلك، فهما متعارضتان في الملك والنتاج معا، أما النتاج فلأنه لا يجوز أن يكون كل واحدة منهما نتجت الأخرى وأما الملك فلأنه لا يجوز أن يكون الشاتان معا ملكا لكل واحد منهما، فتعارضتا

[ 301 ]

وقد حصل لكل واحد منهما بما يدعيه اليد والبينة معا، فيقضى لكل واحد منهما بالشاة التي في يديه. رجل في يده شاتان سوداء وبيضاء تنازعهما نفسان، فادعى أحدهما أن الشاتين معا لي، وأن البيضاء نتجت السوداء، وادعى الآخر أنهما له وأن السوداء نتجت البيضاء، فهما متعارضتان في الملك، لأنه لا يجوز أن يكون الشاتان معا ملكا لكل واحد منهما في الحال، وفي النتاج لأنه لا يجوز أن يكون كل واحدة منهما نتجت الأخرى، وإذا تعارضتا وفيهما يدان فإما أن يسقطا أو يستعملا. فمن قال يسقطان، فكأنه لا بينة لواحد منهما، فإن أنكر المدعى عليه حلف لهما، وإن اعترف لهما أو لأحدهما وأقر الآخر أو جحد الآخر فالحكم على ما مضى غير مرة. ومن قال يستعملان إما بالقرعة أو الوقف أو القسمة، فمن أقرع وهو مذهبنا فمن خرجت قرعته هل يحلف؟ على قولين أقواهما عندنا أن يحلف، ومن قال يقسم قسم بينهما نصفين، ومن قال يوقف أوقف. إذا ادعى زيد شاة في يدي عمرو فأنكر وأقام زيد البينة أن الشاة له وملكه حكمنا له بها لأن بينته أولى من يد عمرو، فإن أقام عمرو البينة بعد هذا أن الشاة ملكه نقض الحكم وردت الشاة إلى عمرو لأن عمروا كانت له اليد ولزيد بينة بغير يد، وقد ظهر أنه كان لعمرو مع يده بينة، فظهر أن بينة عمرو الداخل، وبينة زيد الخارج، وبينة الداخل أولى، فلهذا قضي بها لعمرو دون زيد. زيد ادعى شاة في يد عمرو فأنكر عمرو، فأقام زيد البينة أنها ملكه، وأقام عمرو البينة أن حاكما من الحكام حكم بها له على زيد وسلمها إليه، قال بعضهم ينظر في حكم ذلك الحاكم الذي حكم بها لعمرو على زيد، كيف وقع؟ فإن قال عمرو: لي وكانت في يد زيد فأقمت البينة أنها ملكي فقضى لي بها عليه، لأنه إنما كان له بها يد دون البينة، نقض حكمه به لعمرو وردت إلى زيد، لأنه قد بان أنه كان لزيد يد وبينة ولعمرو بينة بلا يد فهي كالتي قبلها سواء.

[ 302 ]

وإن قال عمرو أقمت بها بينة وأقام زيد بها بينة، وكانت بينتي عادلة وبينة زيد فاسقة، فردها بالفسق، وقضى بها لي عليه، وقد أعاد زيد تلك الشهادة لم يتغير ينقض الحكم ههنا، لأنه قد حكم بها لعمرو بالبينة العادلة، وقد أعاد زيد شهادة الفاسق، والفاسق إذا ردت شهادته في مكان وفي قضية ثم عدل وشهد وأعاد تلك الشهادة لم يقبل منه للتهمة كذلك ههنا. وإن بان للحاكم أن زيدا أقام البينة العادلة بما في يده وعمرو أقام بما في يد زيد فقضى بها لعمرو على زيد، لأنه كان يذهب مذهب من يحكم لليد الخارجة لم ينقض حكمه بها لعمرو عندنا لأنه هو الحق، وعند بعضهم لأنها مسألة اجتهاد، وما نفذ الحكم فيه بالاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد. وإن بان للحاكم الثاني أن الأول سمع بينة عمرو فلما أتاه زيد بالبينة، قال له الحاكم لا أسمع بينتك لأني قد سمعت بينة عمرو بها، فإذا سمعت البينة لأحد الخصمين لم أسمع من الآخر بينة، فقضى لعمرو على هذا الترتيب، نقض حكمه بها لعمرو، لأنه خالف الإجماع لأن أحدا لا يقول أنا لا أسمع البينة من كل واحد من المتداعيين. فإن كانت بحالها فلم يعلم الثاني على أي وجه حكم الأول بها لعمرو على الفصل الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع، قال بعضهم: ينقض حكمه لأنه يحتمل ما يوجب نقض الحكم، وقال آخرون لا ينقض حكمه، وهو الأقوى لأنه إذا ثبت عند الثاني أن الأول حكم بها لعمرو على زيد، فالظاهر أنه على الصحة حتى يعلم غيره فلا ينقض حكمه بأمر محتمل. ادعى زيد عبدا في يد خالد فأنكر فأقام البينة به وقضى الحاكم له به، فقدم عمرو فأقام البينة أن العبد له فقد حصل لزيد بينة فيما سلف، وبينة لعمرو في الحال، فهل يتعارضان أو يحتاج زيد إلى إعادة بينته لتعارضها، فمن قال بينة قديم الملك أولى، قال؟ فقد تعارضتا ولا يحتاج زيد إلى إعادة بينته لأنا إذا قلنا قديم الملك أولى، حكمنا بأن الملك له في الحال، ولم يزل كذلك منذ سنة، وقد

[ 303 ]

حصلت المقابلة حين التنازع، فلهذا تعارضتا. ومن قال هما سواء قال ههنا على قولين أحدهما تعارضتا من غير أن يعيد زيد بينته وهو الأقوى عندنا، لأن معنى قولنا سواء: تساويا في الشهادة حين التنازع، ولم يعرض لما مضى فلا حاجة بها إلى الإعادة وقال قوم لا يعارضها حتى يعيد الشهادة، لأن المعارضة هي المقابلة حين التنازع ولا مقابلة حين التنازع فلهذا قيل لا بد من الإعادة. إذا ادعى زيد عبدا في يد رجل فأنكر المدعى عليه، فأقام زيد البينة أن هذا العبد كان في يديه بالأمس، أو كان ملكا له بالأمس، فهل يقضى له بهذه البينة أم لا؟ قال قوم لا يقضى بها وقال قوم يقضى بها وهو الأقوى، كما قلناه في قديم الملك سواء، فإذا شهدت أنه كان ملكا له أمس فعلى هذين القولين، وهكذا لو شهدت بأن هذه الشاة ولدتها شاة فلان أو هذا الغزل مغزول من قطن فلان، وهذه التمرة أخرجتها نخل فلان، وهذه الحنطة أنبتتها أرض فلان، كان كله كقولها وهذه الدار كانت لفلان وقد مضى. هذا إذا أقام البينة المدعي أنه كان في يده أمس، فأما إن أقر المدعى عليه أنه كان في يد المدعي أمس، فهل يلزمه هذا الاقرار، وينتزع العبد من يديه إلى يد المقر له أم لا؟ قال بعضهم: يبني على قيام البينة له باليد أمس، فإذا قلنا يقضي بالبينة ألزمناه الاقرار، وانتزعناه من يده إلى المقر له، ومن قال لا يقضى له بهذه البينة قال في الاقرار وجهان أحدهما لا يلزمه إقراره أيضا، لأن إقراره باليد أمس كقيام البينة باليد أمس، وقال آخرون يلزمه الاقرار، وينتزع العبد من يده. فعلى هذا الفصل بين قيام البينة باليد أمس وبين الاقرار باليد واضح وذلك أن قيام البينة بأن له يد أمس دليل على اليد أمس، وكون العبد في يد المدعى عليه يدل الظاهر أنه لم يزل كان في يده فتعارضت اليدان أمس، وبقيت اليد المشاهدة الآن على العبد، فلهذا كان الحكم له، وليس كذلك الاقرار بأن يد المدعي كانت عليه أمس، لأنه إذا اعترف بهذا لا يثبت له يد بالأمس منفردة بالملك، وقطع المقر

[ 304 ]

أن يكون له يد أمس فكانت يد المقر له قائمة غير منازع فيها أمس فيرد الشئ إليها حتى يعلم كيف زال عنها. هذا إذا كان الاقرار له باليد أمس فأما إن كان الاقرار له بالملك أمس، فقال كان هذا العبد الذي في يدي ملكك أمس، لزمه الاقرار، وينتزع العبد من يديه، ويدفع إلى المقر له به، والفصل بين الاقرار بالملك وبين البينة بالملك بالأمس قد مضى بين الاقرار باليد وبين البينة باليد، وبقي الكلام في الفصل بين الاقرار باليد وبين الاقرار بالملك، حيث قلنا يلزم إقراره بالملك وفي الاقرار باليد على وجهين. والفصل بينهما أن الاقرار باليد إثبات يدله عليه بالأمس، واليد على الشئ ينقسم إلى الملك وإلى غيره، كيد وديعة أو عارية أو إجارة أو غصب، فإذا كانت اليد منقسمة ويد المدعى عليه قايمة الآن عليه، فلا يزيل يد المشاهدة على الملك بيد ماضية منقسمة، فلهذا يسقط اليد بالأمس، لأنه إذا اعترف أنه كان ملكا له أمس لم ينقسم الملك إلى غيره، ويده الآن قايمة، واليد منقسمة، فيحكم أنه ملكه أمس وأنه لم يزل فلا يسقط ملك أمس بيد قايمة الآن فيقسم الآن إلى ملك وغير ملك فبان الفصل بينهما.

[ 305 ]

فصل * (في ذكر دعوى الولد) * إذا اشترك اثنان في وطي امرأة في طهر واحد، وكان وطيا يصح أن يلحق به النسب، وأتت به لمدة يمكن أن يكون من كل واحد منهما، فاشتراكهما في هذا الوطي يكون بأحد أسباب ثلثة: أحدهما أن يكون وطي شبهة من كل واحد منهما، وهو أن يكون لكل واحد منهما زوجة فيجد على فراشه امرأة فيطأها معتقدا أنها زوجته. والثاني أن يكون نكاح كل واحد منهما فاسدا: وطئها أحدهما في نكاح فاسد ثم تزوجت بآخر نكاحا فاسدا فوطئها. والثالث أن يكون وطئ أحدهما في نكاح صحيح والآخر في نكاح فاسد، وهو أن يطأ زوجته ثم يطلقها فيتزوج نكاحا فاسدا فيطأها الثاني. فأما مدة الامكان فأن يأتي به من حين وطي كل واحد منهما لمدة يمكن أن يكون منه، وهو أن يكون بين الوطئ والوضع ستة أشهر فصاعدا إلى تمام أكثر مدة الحمل، وهي عندنا تسعة أشهر، وعند قوم أربعة سنين، وعند آخرين سنتان. فإذا تقرر عن المسألة فأتت بالولد فإنه لا يلحق بهما، ويقرع بينهما عندنا فمن خرج اسمه الحق به، وقال قوم يرى القافة، فمن ألحقته به لحق به، وانقطع نسبه عن الآخر، وإن ألحقته القافة بهما أولم تلحقه بواحد منهما أو أشكل الأمر عليها أولم يكن قافة ترك حتى يبلغ فينسب إلى من يميل طبعه إليه منهما، وقال قوم يلحقه بهما معا، ومنهم من قال يلحق بأبين نسبا حتى قالوا إذا تداعى رجلان حر وعبد أو مسلم وكافر أو أب وابن أحدهما بنكاح والآخر بوطي شبهة، فلا يحلق بهما بل بالأكمل منهما دون الأنقص. إذا وطي السيد أمته فباعها قبل أن يستبرئها، فوطئها المشتري قبل أن يستبرئها

[ 306 ]

فأتت بولد، فإنه يلحق بالأخير على ما رواه أصحابنا، وقال قوم هي مثل الأولى، وهما فيه سواء، وقال بعضهم مثل ذلك إلا إذا كان وطي أحدهما في نكاح صحيح والآخر في نكاح فاسد، فإن صحيح النكاح أولى، لأن النكاح مزية على غيره، فكان إلحاقه بصاحبه أولى. فإذا ثبت أنه لا فرق بين الفراشين فلا فصل بين أن يكون المتنازعان حرين مسلمين، أو عبدين، أو كافرين، أو مختلفين، حرا وعبدا أو مسلما وكافرا أو أبا وابنا، فإن جميع هذه المسائل يقتضي مذهبنا القرعة ولا ترجيح ومن قال بالقافة قال مثل ذلك، وقال قوم الحر أولى من العبد، والمسلم أولى من الكافر، فإذا ثبت أنه لا مزية لأحدهما. فإذا تنازعه اثنان يمكن أن يكون من كل واحد منهما، فإن كان مع أحدهما بينة الحق به، لأن بينته أولى من دعوى خصمه، فإذا الحق نسبه به بالبينة ألحقناه دينا، وإن كان كافرا، لأنه قد ثبت أنه ولد على فراش كافر، فإن لم يكن بينة فمن قال بالقافة وألحقته بأحدهما، فإن ألحقته بالمسلم فهو مسلم، وإن ألحقته بالكافر، لحقه نسبا لا دينا. والفصل بين البينة والقافة وهو أن القافة لا مدخل لها في إثبات الأديان فلهذا لم يلحقه بها دينا، فإن ألحقته القافة بهما أو لم تلحقه بواحد منهما أو لم يكن قافة أو أشكل الأمر، ترك حتى يبلغ فينتسب إلى من يميل طبعه إليه منهما فإذا فعل هذا الحق به نسبا. فأما الدين فإن المرجع إلى اللقيط، فإن قال أنا مسلم كان مسلما، وإن قال أنا كافر، قال قوم يقر على كفره، ومتى الحق نسبه بأحدهما بقول القافة أو بالانتساب، ثم رجع القافة أو رجع هو. لم ينقض ما حكم به، والذي يقتضيه مذهبنا أنه يقرع بينهما في ذلك أجمع فإذا خرج اسم أحدهما الحق به دينا ونسبا لأن الدين يتبع النسب، ولا يستأنف القرعة دفعة ثانية، فيختلف الحال.

[ 307 ]

ومن قال بالقائف قال لا بد أن يكون القايف عالما بالقيافة ثقة حرا ذكرا: أما العلم فلان يعمل به، فهو كالفقه للحاكم، والثقة والعدالة، فإنه موضع حكم خوفا من أن يلحقه بغير أبيه، والحرية والذكورة فلأنه حاكم فيه والمرأة والعبد لا يليان الحكم، ويعتبر معرفته بالقيافة باختباره بأن يجعل ولد بين عشرين رجلا ليس فيهم أبوه ثم يريه ذلك فإن لم يلحقه بأحدهما جعلناه في عشرين غيرهم فيهم أبوه، فإذا ألحقه بأبيه وتكرر هذا منه، حكمنا بأنه قايف، وإنما اعتبر التكرار لأن المرة الواحدة قد تكون اتفاقا من غير علم بالشأن. فإن حكم بالشبه فالشبه ضربان جلي وخفي، فإن اتفق لأحدهما الشبهان الجلي والخفي، مثل أن تنازعه أبيض وأسود، وكان المولود أسود، وكان بالأسود أشبه الحق به دون الآخر، وإن كان يشبه أحدهما الشبه الخفي ويشبه الآخر الشبه الجلي قال بعضهم يلحقه بالظاهر الجلي، ويترك الخفي، كالقياس والنص، وقال آخرون يعمل بالخفي دون الجلي كالعموم بالقياس، فالجلي كالعموم والخفي كالقياس. وهذا يتصور في موضعين إذا قال القائف معي شبه جلي وخفي فبأيهما أقضي أو يكون الولد أسود وقد تنازعه أسود وأبيض فعلى ما مضى من الوجهين، وهذا يسقط عنا لما قدمناه. الأسباب التي يلحق بها الأنساب بالرجال والنساء: أما لحوقه بالرجل فإنه يلحق به بفراش منفرد، ودعوة منفردة، وفراش مشترك ودعوة مشتركة، أما الفراش المنفرد فأن ينفرد بوطئها ويكون الوطي وطيا يلحق به النسب، وأما الدعوة المنفردة فإن يدعى مجهول النسب وحده لا ينازعه فيه غيره، وأما الفراش المشترك فقد صورناه في أربع مواضع، فإذا نازعوه هكذا الحق بأحدهم بالبينة أو القرعة عندنا أو بالقيافة والانتساب عندهم، وإن كانت الدعوة مشتركة ألحقنا بأحدهما بالبينة أو القرعة، وعندهم بالقيافة أو الانتساب. هذا الكلام في الرجل فأما المرأة فمن قال لا دعوة لها لم يلحق بها الولد

[ 308 ]

إلا بالبينة فقط، فأما بالانتساب أو بالقافة فلا، ومن قال لها دعوة سواء كان لها زوج أو لا زوج لها، قيل إذا لم يكن لها زوج فالحكم فيها كالرجل سواء من الدعوة المنفردة وغيرها والقافة والبينة والانتساب، سواء كالرجل لا يختلفان حرفا بحرف والذي يقتضيه مذهبنا أن المرأة لها دعوة ويلحق الولد بها بالبينة وبدعواها إذا كان ذلك ممكنا ومتى تداعاه امرأتان أقرع بينهما كالرجل سواء. الناس ضربان عرب وعجم، فالعجم من عدا العرب من أي جيل كانوا كالترك والهند والفرس والأرمن والزنج والحبش، فالكل سواء، فإذا ثبت هذا، فمتى حصل واحد منهم مسلما في دار الاسلام فحصوله على ثلاثة أوجه: أحدها يسلم في بلده ثم يدخل إلينا والثاني يدخل مشركا بأمان ثم يسلم عندنا أو يعقد الذمة ثم يسلم عندنا فإذا ثبت هذا فحصل عندنا مسلما على ما فصلناه فادعى نسب مجهول النسب في دار الاسلام فقال هذا اللقيط نسبه لاحق بي، لم يخل المدعي من أحد أمرين إما أن يكون حرا لا ولاء عليه أو عليه ولاء فإن لم يكن لأحد عليه ولاء لحق نسب الطفل بدعوته، سواء ادعاه ولدا أو أخا أو عما لأنه مجهول النسب استلحقه من يمكن أن يكون منه من غير إلحاق ضرر به فوجب أن يلحق به كالمسلم الأصلي في دار الاسلام. وإن كان على المدعي ولاء مثل أن كان مملوكا فأعتق ونحو هذا لم يخل من أحد أمرين إما أن يستلحق من يلحق نسبه بغيره أو غير ذلك فإن استلحق من يلحق نسبه بغيره مثل أن استلحق أخا أو عما لم يلحق به لأن في الحاقة إدخال ضرر على غيره وهو أن لمولاه عليه ولاء يرثه به، فإذا استلحق أخا حجب مولاه عن الميراث بالولاء فلذا لم يلحق نسبه بدعوته. قالوا: أليس لو استلحق الرجل ولدا وله أخ لحق الولد به، وإن كان بثبوت نسب الولد يحجب أخاه هلا قلتم يثبت نسب أخيه وإن كان فيه حجب مولاه. قلنا الفصل بينهما أن الولاء نتيجة الملك مستفاد به، فلما لم يمكن إسقاط ملك مولاه لم يملك إسقاط نتيجة ملك مولاه، وليس كذلك النسب لأنه ليس بملك ولا نتيجة ملك، فلهذا ثبت نسبه وإن حجب به أخاه.

[ 309 ]

هذا إذا استلحق من يلحق بغيره، فأما إن استلحق من يلحق به وهو أن يستلحق ولدا فقال هذا ابني قال قوم لا يثبت نسبه، لأن فيه إسقاط إرث مولاه بالولاء كالأخ وقال آخرون يثبت نسبه ويسقط إرث مولاه بالولاء ويرثه ابنه بالبنوة، والفصل بينه وبين الأخ أن به ضرورة إلى استلحاق الولد، لأن نسبه منه لا يثبت بغيره وليس كذلك الأخ لأن نسبه قد يثبت بدعوة غيره، وهو الأب ولأنه لما ملك أن يستحدث ولدا ملك أن يستلحق ولدا وليس كذلك الأخ لأنه لما لم يملك أن يستحدث أخا لم يملك أن يستلحق أخا والذي يقتضيه مذهبنا أنه يقبل قوله في الموضعين، ويثبت النسب لعموم ما رووه من أمر الحميل.

[ 310 ]

فصل في متاع البيت إذا اختلف فيه الزوجان إذا اختلف الزوجان في متاع البيت فقال كل واحد منهما كله لي نظرت فإن كان مع أحدهما بينة قضى له بها لأن بينته أولى من يد الآخر وإن لم يكن مع أحدهما بينة فيد كل واحد منهما على نصفه، يحلف كل واحد منهما لصاحبه ويكون بينهما نصفين، وسواء كانت يدهما من حيث المشاهدة، أو من حيث الحكم وسواء كان مما يصلح للرجال دون النساء كالعمايم والطيالسة والدراريع والسلاح أو يصلح للنساء دون الرجال كالحلي والمقانع وقمص النساء أو يصلح لكل واحد منهما كالفرش والأواني وسواء كانت الدار لهما أو لأحدهما أو لغيرهما وسواء كانت الزوجية باقية بينهما أو بعد زوال الزوجية وسواء كانت التنازع بينهما أو بين ورثتهما أو بين أحدهما وورثة الآخر وفيها خلاف. وقد روى أصحابنا أن ما يصلح للرجال للرجل وما يصلح للنساء فللمرأة وما يصلح لهما يجعل بينهما وفي بعض الروايات أن الكل للمرأة وعلى الرجل البينة لأن من المعلوم أن الجهاز ينقل من بيت المرأة إلى بيت الرجل والأول أحوط. إذا كان لرجل على رجل حق فوجد من له الحق مالا لمن عليه الحق فهل له أن يأخذ حقه منه بغير إذن من عليه الحق أم لا؟ لا يخلو من عليه الحق من أحد أمرين إما أن يكون باذلا لما عليه أو مانعا فإن كان معترفا باذلا له لم يكن لمن له الحق الأخذ منه، لأن لمن عليه الحق أن يقضيه من أي ماله شاء فلو أجزنا له أن يأخذ بغير إذنه أسقطنا هذا الخيار، فإن خالف وأخذ كان عليه رده لأنه أخذ مال غيره بغير حق فكان عليه رده كالغاصب. فأما إذا كان مانعا إما بأن يجحد الحق ظاهرا وباطنا أو يعترف به باطنا ويجحده ظاهرا أو يعترف به ظاهرا ويجحده باطنا، ويمنعه لقوته وأنه لا يمكن

[ 311 ]

استيفاء الحق منه فمتى كان بهذه الصفة كان له أن يأخذ من ماله بقدر حقه عندنا وقال بعضهم: ليس له ذلك إلا في النقود مثل الدراهم والدنانير فأما في غير الأثمان فلا. هذا إذا كان من عليه الحق مانعا ولا حجة لمن له الحق فأما إن كان له بحقه حجة وهي البينة عليه ولا يقدر على إثبات ذلك عند الحاكم والاستيفاء منه، فهل له أخذه بنفسه أم لا قال قوم ليس له لأنها جهة تملك استيفاء حقه بها منه فلم يكن له الأخذ بنفسه بغير رضاه كما لو كان باذلا وقال آخرون له ذلك لأن عليه مشقة في إثباته عند الحاكم ومغرمة في استيفائه فكان له الأخذ وهو الذي يقتضيه عموم أخبارنا في جواز ذلك. وكل موضع قلنا له الأخذ فأخذ فإن كان من جنس حقه كالأثمان وماله مثل كالحبوب والادهان أخذ ذلك وملكه بالأخذ كما لو دفعه من عليه الحق إليه بنفسه وإن كان من غير جنسه لم يكن له أن يتملكه بنفسه ولكن يباع بجنس الحق ومن الذي يبيع؟ قال بعضهم الحاكم لأن له الولاية عليه وقال آخرون يحضر عند الحاكم ومعه رجل واطأه على الاعتراف بالدين والامتناع من أدائه، والأقوى عندنا أن له البيع بنفسه لأنه يتعذر عليه إثباته عند الحاكم والذي قالوه كذب يتنزه عنه. فإذا ثبت ذلك فأخذ من له الحق عينا للبيع، فإن باع فلا كلام، وإن هلكت العين في يده قبل البيع قال قوم يكون من ضمان من عليه الدين لأن هذه العين قبضت لاستيفاء الدين من ثمنها وكانت أمانة عنده كالرهن وقال آخرون عليه ضمانه لأنه قبضها بغير إذن مالكها لاستيفاء الحق من ثمنها فهو كما لو قبض الرهن بغير إذن الراهن والأول أليق بمذهبنا فمن قال لا ضمان عليه قال له أن يأخذ غيرها من ماله، ومن قال عليه ضمانها قال صار في ذمته قيمتها، وله في ذمة المانع الدين فإن كان الجنس واحدا كان قصاصا ويترادان الفضل. تم كتاب الدعاوي والبينات وبه تم كتاب المبسوط والحمد لله

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية