الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المبسوط- الشيخ الطوسي ج 7

المبسوط

الشيخ الطوسي ج 7


[ 1 ]

المبسوط في فقه الإمامية تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفي 460 هجري صححه وعلق عليه محمد الباقر البهبودي عنيت بنشره - المكتبة المرتضوية الجزء السابع لإحياء الآثار الجعفرية رقم تلفن (532138)

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (كتاب الجراح) (فصل) (في تحريم القتل ومن يجب عليه القصاص ومن لا يجب عليه) قال الله تعالى " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق (1) " يعني إلا بالقود أو ما يقوم مقامه، وقال تعالى " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق (2) " وقال " وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت (3) " وقال تعالى " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا (4) " وقال " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (5) ". وتمسك ابن عباس بظاهر هذه الآية فقال: لا توبة لقاتل العمد. وقال نسخت هذه الآية قوله " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله " إلى قوله " إلا من تاب " لأن هذه الآية نزلت قبل قوله " ومن يقتل مؤمنا متعمدا " بستة أشهر، واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ما نازلت ربي في شئ كما نازلته في توبة قاتل العمد فأبى علي.

(1) الأنعام: 151.
(2) أسرى: 31.
(3) التكوير: 9.
(4) أسرى: 33.
(5) النساء: 93.

[ 4 ]

والصحيح أن له التوبة لقوله تعالى " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده (1) ". وروى عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله عليه السلام أي الكبائر أكبر؟ قال: أن تجعل لله ندا، وقد خلقك، قلت: ثم أي؟ قال أن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك، وفي بعضها قلت ثم أي قال أن تزني بحليلة جارك. وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله قال أول ما ينظر الله بين الناس في الدماء وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من أعان على قتل حر مسلم بشطر كلمة لقي الله مكتوبا بين عينيه: آيس من رحمة الله. وروى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وآله مر بقتيل فقال: من لهذا؟ فلم يذكر له أحد، فغضب ثم قال: والذي نفسي بيده لو اشترك فيه أهل السماء والأرض لأكبهم الله في النار، وهو أيضا معلوم خطره بدلالة العقل وإجماع الأمة. فأما القصاص ووجوبه فدليله قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى (2) " وقال تعالى " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل " وقال تعالى " ولكم في القصاص حيوة " (3) وهذه أخصر كلمة وأعم فايدة، لأن معناها إذا علم القاتل أنه إذا قتل قتل كف عن القتل، فلم يقتل فلا يقتل، فصار حيوة للجميع، وهو أخصر من قول العرب القتل أنفي للقتل، لأن قولهم أربعة عشر حرفا وكلمة القرآن عشرة أحرف، ثم لفظ القتل متكرر وعذوبة اللفظ بينهما ما بين السماء والأرض. وقال تعالى " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس إلى قوله " والجروح قصاص " (4) فإن قيل هذا إخبار عن شرع من تقدم فالجواب عنه أن ذلك وإن كان شرعا لمن تقدم فقد صار شرعا لنا بدليل الإجماع، على أنه قرئ النفس بالنفس نصبا والعين بالعين رفعا

(1) الشورى: 25.
(2) البقرة: 178.
(3) البقرة: 179.
(4) المائدة: 45.

[ 5 ]

فالنصب إخبار عن شرع من قبلنا، والرفع استيناف حكم لنا، وقرء أبو عمرو " والجروح قصاص " والمعنى ما قلناه. وروى أنس قال كسرت الربيع بنت معوذ وهي عمة أنس ثنية جارية من الأنصار فطلب القوم القصاص فأتوا النبي عليه السلام فأمر صلى الله عليه وآله بالقصاص فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: لا والله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله فقال: يا أنس كتاب الله القصاص فرضي القوم وقبلوا الأرش فقال رسول الله صلى الله عليه وآله إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره. فموضع الدلالة أن النبي صلى الله عليه وآله قال " كتاب الله القصاص " وليس في الكتاب السن بالسن إلا هذا فثبت بالدليل بذلك أنه شرع لنا. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس. وروي عن أبو شريح الكعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله.. ثم أنتم يا خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا قبلوا الدية. كل شخصين تكافأ دماهما، واستوت حرمتهما، جرى القصاص بينهما، والتكافي في الدماء والتساوي في الحرمة أن يحد كل واحد منهما بقذف صاحبه، فإذا تكافأ الدمان قتل كل واحد منهما بصاحبه، فيقتل الحر بالحر والحرة بالحرة، إذا ردوا فاضل الدية عندنا، وعندهم لا يرد، والحرة بالحر بلا خلاف، والعبد بالعبد، والأمة بالأمة، والأمة بالعبد، والعبد بالأمة، واليهودي بالنصراني، والمجوسي باليهودي والنصراني بالمجوسي، فالشرك كله ملة واحدة، ولهذا توارثوا كلهم بعضهم من بعض. إذا قتل مسلم كافرا لم يقتل به، سواء كان معاهدا أو مستأمنا أو حربيا، فالمعاهد هو الذمي، والمستأمن من دخل إلينا بأمان في رسالة أو حاجة من تجارة ونحوها، والحربي من كان مباينا مقاطعا في دار الحرب وفيه خلاف.

[ 6 ]

فإذا ثبت أنه لا قود عليه فعليه التعزير، وعليه الدية والكفارة، فأما إن قتل كافر كافرا ثم أسلم القاتل قبل القود، أو جرح كافر كافرا ثم أسلم الجارح ومات المجروح فإنه يستوفي منه حال إسلامه ما وجب عليه حال كفره عند الجماعة وقال الأوزاعي لا يقتل به وهو الصحيح عندي لعموم الأخبار. حكى الساجي حكاية في قتل المؤمن بالكافر، فقال حدثنا موسى بن إسحق الأنصاري قال حدثنا علي بن عمروس الأنصاري قال تقدم إلى أبي يوسف في مسلم قتل كافرا فأراد أن يقيده به، وكان على رأس أبي يوسف رجل في يده رقاع فناوله الرقاع وحبس منها رقعة، فقال: ما تلك الرقعة؟ فقال فيها شعر، فقال هاتها فأعطاه فإذا فيها شعر لشاعر بغدادي كان يكنى أبا المصرخي يقول: يا قاتل المسلم بالكافر * جرت وما العادل كالجائر يا من ببغداد وأطرافها * من فقهاء الناس أو شاعر جار على الدين أبو يوسف * بقتله المسلم بالكافر فاسترجعوا وابكوا على دينكم * واصطبروا فالأجر للصابر فأخذ أبو يوسف الرقعة ودخل على الرشيد فأخبره، فقال له احتل فيها، فلما كان المجلس الثاني قال أبو يوسف لأولياء القتيل إيتوني بشاهدين عدلين يشهدان عندي أنه كان يؤدي الجزية عن يد، فتعذر ذلك فأهدر دمه وأخذوا الدية. إذا قتل الحر عبدا لم يقتل به، سواء كان عبد نفسه أو عبد غيره، فإن كان عبد نفسه عزرناه، وعليه الكفارة، وإن كان عبد غيره عزر وعليه الكفارة والقيمة و فيه خلاف إذا قتل عبد عبدا عمدا محضا قتل به فيقتل العبد بالعبد، والأمة بالأمة، والعبد بالأمة، والأمة بالعبد، لقوله " والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى " ولم يفصل. فإذا ثبت أن القود يجب على القاتل، فإن القود لسيده لأن العبد ملكه، و هذا بدل ملكه فكان بدل الملك للمالك وهو بالخيار بين القتل والعفو، فإن قتل فلا كلام وإن عفا على مال تعلقت قيمة المقتول برقبة القاتل، ولم تخل قيمة القاتل من ثلاثة

[ 7 ]

أحوال إما أن تكون وفق قيمة المقتول أو أكثر أو أقل. فإن كانت قيمته وفق قيمة المقتول فسيده بالخيار بين أن يفديه أو يسلمه للبيع فإن فداه زال الأرش عن رقبة عبده، ولا كلام، وإن سلمه للبيع نظرت، فإن بيع بوفق القيمة فلا كلام، وإن بيع بأكثر كان الفضل لسيده، وإن بيع بأقل فلا شئ على السيد لأنه ليس عليه أكثر من تسليم عبده وقد فعل. وإن كانت قيمته أكثر فسيده بالخيار أيضا بين أن يفديه أو يسلمه للبيع، فإن فداه فلا كلام، وإن سلمه للبيع نظرت، فإن أمكن أن يباع منه ما تعلق برقبته كان الباقي لسيده، وإن لم يمكن إلا بيع الكل بيع وأخذ من قيمته بحسب أرش جنايته والباقي لسيده. وإن كانت قيمته دون قيمة المقتول فالسيد أيضا بالخيار بين أن يسلمه للبيع أو يفديه، فإن سلم للبيع نظرت فإن بيع بما تعلق برقبته مثل أن اشتراه راغب فزاد فيه فلا كلام، وإن اشترى بقيمته فذاك الفضل يسقط، ولم يكن على سيده شئ، وإن أراد السيد أن يفديه فبكم يفديه؟ قال قوم يفديه بقيمته لا غير، لأنه لا يجب عليه أكثر من قيمة عبده وقال آخرون يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغت والأول أقوى، والثاني أظهر في رواياتنا. وهذه مسألة تتكرر فنقول إذا جنى العبد تعلق أرش الجناية برقبته، فإن أراد السيد أن يفديه فبكم يفديه؟ عند قوم بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية، لأنه إن كانت قيمته أقل فليس عليه غير قيمة عبده، وإن كانت الجناية أقل فليس عليه غيرها، وعند آخرين بالخيار بين أن يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ، أو يسلمه للبيع، لأنه قد يرغب فيه راغب فيشتريه بذلك القدر أو أكثر، وهذا أظهر في رواياتنا على ما بيناه. فإن قتل عشرة أعبد عبدا لرجل دفعة واحدة، فالقود عليهم كلهم مثل الأحرار، فإذا ثبت هذا فسيد العبد المقتول بالخيار بين القصاص والعفو، فإن اقتص فلا كلام غير أن عندنا إن زادت أثمانهم على قيمة عبده وجب عليه رد ما فضل، وإن كان ثمنهم وفقا لقيمتهم

[ 8 ]

أو دونها فلا شئ عليه، ولم يعتبر ذلك أحد. وإن اختار العفو فإن عفا عن الكل تعلقت قيمة عبده برقابهم، فيكون في رقبة كل واحد منهم عشر قيمته، وكان ذلك القدر ككل القيمة على ما فصلناه إذا قتل عبد عبدا، ويكون سيده على ما شرحناه حرفا بحرف، فإن عفا عن خمسة وقتل خمسة كان له لأنه لو اختار قتل الكل أو العفو عن الكل كان له، وإذا قتل خمسة وعفا عن خمسة تعلق برقبة كل واحد منهم عشر قيمته، فيلزم الخمسة نصف قيمته. فأما إن قتل عبد واحد عبدين لرجلين لكل واحد منهما عبد ينفرد به، فإن عفوا على مال تعلق برقبته قيمة كل واحد منهما، ويكون سيده بالخيار على ما فصلناه إذا قتل عبدا واحدا، فإن اختار القود قدمنا الأول لأن حقه أسبق، فإذا قتله سقط حق الثاني لأن حقه متعلق برقبته، فإذا هلك سقط حقه كما لو مات. وإن اختار الأول العفو على مال تعلقت قيمة عبده برقبته، وكان سيد الثاني بالخيار فإن عفا على مال تعلقت قيمته أيضا برقبته فصارت القيمتان في رقبته، ويكون لسيده الخيار على ما فصلناه في الواحد، وإن اختار الثاني القصاص فعل فإذا قتله سقط حق الأول عن رقبته، لأنه تعلق بها لا غير، فإذا هلك تلف حقه كما لو مات. فإن قتل عبدا بين شريكين، كانا بالخيار بين القود والعفو، فإن عفوا تعلقت القيمة برقبته، ويكون سيده بالخيار على ما فصلناه إذا كان العبد المقتول لواحد، و إن قتلاه فلا كلام، وإن عفا أحدهما على مال ثبت نصف قيمة عبده برقبة القاتل، وإن عفا مطلقا فعلى قولين، فإذا سقط القود سقط حق السيد الآخر من القود لأن القود لا يتبعض وعندنا لا يسقط حق الآخر من القود إذا رد مقدار ما عفا عنه الأول، وكذلك القول في وليي الحر إذا عفا أحدهما لم يسقط حق الآخر من القود. فمن قال يسقط حق الآخر يقول ثبت قيمة نصيبه برقبة القاتل فقد تعلق برقبته كل قيمته العبد المقتول، فيكون الحكم فيه كما لو عفوا، وإن أعتقاه بعد الوفاة لم ينفذ العتق لأن الميت لا يلحقه العتق، وإن أعتقاه قبل أن يقتل ثم قتله عبد كان القصاص والعفو إلى وارثه دون المعتق، فإن لم يكن له وارث مناسب كان القصاص لمولاه فيكون

[ 9 ]

بالخيار بين القود والعفو على فصلناه في السيد سواء. دية العبد إذا قتل ما لم يزد قيمته على دية الحر فإن زاد عليه لم يكن فيه إلا دية الحر وكذلك في الأمة قيمتها ما لم تزد على دية الحرة وفيه خلاف. فإذا ثبت هذا فالكلام في فصلين في قيمته وضمان أطرافه، أما قيمته فما ذكرناه سواء قتله عمدا أو خطأ، وأما أطرافه فإن ذهبت بالجناية مثل أن يقطع يده قاطع ففيها نصف قيمته، وإن غصبه فذهبت يده عند الغاصب فعليه قيمة ما نقص، وإن كان ذلك ثلثي قيمته. وإن توالت عليه جناية وضمان يد، مثل أن غصبه فضمنه باليد ثم قطع يده فضمنها بالجناية، فعليه أكثر الأمرين من ضمانه الجناية أو اليد، فإن كان ضمان الجناية أقل فعليه ضمان اليد، وإن كان ضمان اليد أقل كان ضمانه نصف القيمة أرش الجناية لأنه قد ضمنه بكل واحد منهما. إذا قتل الرجل ولده لم يقتل به بحال سواء قتله حذفا بالسيف، أو ذبحا وعلى أي وجه قتله عندنا وعند أكثرهم، وقال بعضهم يقتل به على تفصيل له، فإذا ثبت أنه لا يقاد به فعليه التعزير والكفارة، وإذا قتله جده فلا قود أيضا وكذلك كل جد وإن علا فأما الأم وأمهاتها وأمهات الأب، يقدن عندنا بالولد، وعندهم لا يقدن كالآباء. إذا تداعا رجلان لقيطا لم نلحقه بهما معا حلافا لمن ألحقه بهما، وبالمرأتين فإذا لم نلحقه بهما أقرعنا بينهما، فمن خرج اسمه ألحقناه به، وعندهم بالقافة أو يترك حتى يبلغ فينتسب إلى من شاء منهما. فإن بادرا فقتلاه قبل أن يلحق بواحد منهما، فلا قود على واحد منهما لأن كل واحد منهما يجوز أن يكون هو الأب، فإن رجعا عن الاعتراف به معا لم يقبل رجوعهما لأنه قد حكم بأن أحدهما أبوه فلا يقبل رجوعه عنه، كرجل ادعى لقيطا ثم قال ليس مني لم يقبل منه، فإذا لم نقبل رجوعهما معا لم يقتل واحد منهما، فإن رجع أحدهما وأقام الآخر على اعترافه، ثبت نسبه من المعترف، وانتفى عن المنكر،

[ 10 ]

لأنهما قد اتفقا على أن هذا أبوه، فحكمنا بقولهما أن أحدهما أبوه باعترافهما و إقرارهما وسقط الآخر. فأما أبوه فلا قود عليه وعليه نصف الدية لوارث الولد، وأما الآخر فهو أجنبي شارك الأب في قتل ولده فعليه القود، وعندنا يجب أن يرد على ورثته نصف الدية، فإن عفا عنه سقط عنه القود ووجب عليه نصف الدية، وعلى كل واحد منهما الكفارة لأنهما اشتركا في دمه. فأما إن أتت امرأة بولد على فراشي رجلين مثل أن طلقها ثلاثا فنكحت في عدتها ثم أتت بولد لتمام أكثر مدة الحمل من طلاق الأول ولستة أشهر من وطي الثاني، فإنا نقرع بينهما، فمن خرجت القرعة عليه ألحقناه به، وانتفى عن الآخر، فإن بادرا فقتلاه قبل ثبوت نسبه منهما فلا قود على واحد منهما، لجواز أن يكون هو الأب فإن جحداه لم يقبل منهما ولم يقتل واحد منهما أيضا. وإن جحد أحدهما ولم يجحده الآخر، لم ينتف عن الجاحد أيضا ولم نقتل واحدا منهما، ويفارق إذا اعترفا به ثم اتفقا على أنه لأحدهما لأن الثبوت كان بالاعتراف فسقط بالاعتراف أنه لأحدهما، وههنا ثبوته بالفراش، فإذا جحد أحدهما أنه أبوه لم يزل الفراش بجحوده، فلهذا لم يقبل منه فلا يقتل واحد منهما به أيضا. رجل له زوجة وله منها ولد فقتل هذا الرجل زوجته، لم يرثها وورثها ولده ولم يرث القصاص من أبيه، لأنه لو قتله أبوه لم يملك القصاص عليه، وإن لم يقتلها لكن قذفها كان لها عليه حد القذف، فإن ماتت سقطت الحد عنه، لأن وارثها ولده منها، ولا يرث الحد على أبيه كما لا يحد بقذف ابنه. فإن كانت بحالها ولم يكن هكذا لكن لها ولد من غيره، فقتلها الزوج لم يرثها وورثها ولدها من غيره، وورث القصاص على زوج أمه لأن زوج أمه لو قتله قتل به وهكذا إن قذفها ورث الحد ولدها من غيره، لأنه لو قذفه يحد له. فإن كان له زوجة له منها ولد ولها ولد من غيره فقتلها ورث ولدها منه وولدها من غيره التركة دون الزوج، والقصاص يسقط عن الزوج لأن أحد ورثتها ولده، و

[ 11 ]

ولده لا يرث عليه القصاص فيسقط ما قابل نصيب ولده ويسقط نصيب الآخر لأن القصاص لا يتبعض. ويقتضي مذهبنا أن نقول إن له القصاص بشرط أن يرد نصيب ولدها منه فأما الدية يجب عليه لهما لولده منها النصف وللآخر النصف. فإن كانت بحالها لكن قذفها وجب لها الحد فإن لم يستوف حتى ماتت لم يرث ولده عليه الحد وكان للآخر أن يحده كاملا بلا خلاف. وفصلوا بين القصاص والحد بأن القصاص لا يتبعض والحد يرثه الكل وكل واحد منهم، فلو كانوا عشرة فعفا تسعة كان للعاشر أن يحد وليس كذلك القصاص، لأنهم إذا كانوا عشرة فعفا واحد سقط القود، وقد قلنا إن عندنا لا فرق بينهما، وأنه لا يسقط القصاص غير أنه يحتاج في القصاص أن يرد حق الغير، وليس كذلك الحد فإنه لا يسقط منه شئ، وله الاستيفاء على الكمال. رجل له زوجة له منها ولدان أحدهما قتل أباه ثم قتل الآخر أمه فإن القصاص على الثاني وهو قاتل الأم دون قاتل الأب، فيكون القود على الثاني لكن فرضوا إذا كان الأول قتل أباه، وإنما قيل القصاص على الثاني، لأن الأول لما قتل أباه لم يرث منه شيئا لأنه قاتل وورثه زوجته وولده فورث ولده سبعة أثمان ماله وسبعة أثمان القصاص على أخيه وورثت الزوجة ثمن المال وثمن القصاص على ولدها، فلما قتل الآخر أمه لم يرث منها شيئا وورث قاتل الأب ما خلفت وهو ثمن تركتها وثمن ما ورثته من زوجها من المال، وثمن ما ورثته من القصاص عليه، فلما ملك بعض قصاص نفسه سقط عنه القصاص وكان له قتل أخيه بأمه، فلقاتل الأم على قاتل الأب سبعة أثمان دية أبيه، ولقاتل الأب على قاتل الأم القود. فإن قتله فلا كلام وإن عفا عنه ثبت له عليه دية أمه وله عليه سبعة أثمان دية أبيه وهذه المسألة لا يصح على أصلنا لأن عندنا أن المرأة لا ترث من القصاص شيئا بحال، وإنما ترث من الدية فإذا ثبت ذلك، فلقاتل الأب القود على قاتل الأم

[ 12 ]

بالأم، ولقاتل الأم على قاتل الأب القود، لأنه المختص بوارثية قصاصه وحده. فأما إذا كانوا أربعة إخوة فقتل الثاني الكبير، ثم قتل الثالث الصغير، فعلى الثالث القود دون الثاني لأن الثاني لما قتل الكبير لم يرث منه شيئا وورثه الثالث والصغير نصفين بينهما، وورثا القود على أخيهما نصفين، فلما قتل الثالث الرابع لم يرث منه شيئا وورثه قاتل الكبير، فورث منه تركته من مال نفسه وما ورثة من مال الكبير وما ورثه من القود، وهو النصف، وورث جميع القود على أخيه الثالث، فسقط عنه القود، ووجب عليه نصف الدية لأخيه الثالث، وكان له قتل أخيه الثالث بالصغير، فإن قتله فذاك، وإن عفا عنه ثبت له عليه كمال دية أخيه، وثبت لقاتل الصغير على قاتل الكبير نصف دية الكبير. فإن كانت بحالها ولم يكونوا أربعة بل كانوا ثلاثة فقتل أحدهم واحدا منهم لم يرثه وورثه غير قاتله، وورث القصاص على أخيه القاتل، فإن قتله فبأخيه وإن عفا عنه وجب له عليه دية أخيه. إن كان له زوجة وله ابنان فأبانها ثم إن أحدهما قتل أباه، وقتل الآخر منهما أمه، فعلى كل واحد منهما القود ههنا بلا خلاف، لأن الزوجة باين منه لا ترث، والأول لما قتل أباه لم يرثه وورثه أخوه ماله وورث القصاص على أخيه، فلما قتل الآخر أمه لم يرث منها شيئا وورثها قاتل الأب وورث على أخيه القصاص بأمه فثبت لكل واحد منهما على أخيه القود، فإن بادر أحدهما فقتل صاحبه كان لورثة المقتول قتل القاتل المستقيد. فإن لم يبادر أحدهما بذلك، ولكنهما تشاحا، فليس لواحد منهما مزية على صاحبه، فيقرع بينهما، فأيهما خرجت قرعته كان له أن يتقدم بالقصاص، فإذا اقتص منه كان لورثة المقتول قتل القاتل قودا، فإن وكل من خرجت القرعة له صحت الوكالة لأنه يستوفي حقه من القود في حياته، وإن وكل من خرجت عليه القرعة فالوكالة صحيحة، لكنه إذا قتل بطلت وكالته، وإن عفى كل واحد منهما عن صاحبه على مال وجب له عليه دية قتيله، فيكون لقاتل الأم على قاتل الأب دية أبيه ولقاتل

[ 13 ]

الأب على قاتل الأم دية الأم. لا يقتل الكامل بالناقص، ويقتل الناقص بالكامل، ويقتل الكافر بالمسلم، والعبد بالحر. والولد بالولد إجماعا. كل نفسين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في الأطراف سواء اتفقا في الدية أو اختلفا فيها كالحرين والحرتين والحر والحرة، والعبدين والأمتين والأمة والعبد والكافرين والكافرتين والكافر والكافرة، ويقطع الناقص بالكامل، ولا يقطع الكامل بالناقص كما قلناه في النفس سواء. وكل شخصين لا يجري القصاص بينهما في الأنفس كذلك لا يجري في الأطراف كالحر والعبد والكافر والمسلم هذا قولنا طردا وعكسا، وعند جماعة، غير أن عندنا إذا اقتص للمرأة من الرجل في بعض أطرافها ردت فاضل الدية إذا كان ذلك فوق ثلث الدية كما قلناه في النفس سواء. إذا قتل جماعة واحدا قتلوا به أجمعين بشرطين أحدهما أن يكون كل واحد منهم مكافئا له أعني لو تفرد بقتله قتل به وهو ألا يكون فيهم مسلم يشارك الكفار في قتل كافر ولا والد يشارك غيره في قتل ولده، والثاني أن يكون جناية كل واحد منهم لو انفرد بها كان منها التلف، غير أن عندنا أنهم متى قتلوا الجماعة ردوا فاضل الدية ومتى أراد أولياء المقتول قتل واحد كان لهم، ورد الباقون على أولياء المقاد منه ما يصيبهم من الدية، لو كانت دية، ولم يعتبر ذلك أحد وفيها خلاف من وجه آخر. إذا جرحه أحدهما مائة جراحة والآخر جراحة واحدة فمات فهما قاتلان و عليهما القود. فإذا تقرر هذا فالولي بالخيار بين أن يقتلهما معا، وبين أن يعفو عنهما ويأخذ من كل واحد منهما نصف الدية، وبين أن يقتل أحدهما ويعفو عن الآخر فيأخذ منه نصف الدية عندهم، وعندنا يؤخذ منه نصف الدية فيرده على أولياء المقاد منه. وجملته أن الحكم فيه كما لو جرحه كل واحد منهما جرحا واحدا فإن أجافه أحدهما وجرحه الآخر غير جايفة فمات منهما فهما قاتلان، وأولياء المقتول مخيرون

[ 14 ]

على ما قلناه. إذا قطع واحد يده وآخر رجله، وأوضحه الثالث فسرى إلى نفسه فهم قتلة كلهم وولي المقتول مخير بين أن يقتص أو يعفو، فإن اقتص كان له أن يقتص في الجراح فيقطع القاطع ثم يقتله ويوضح الذي أوضحه ثم يقتله لأن القصاص هذا، وإن عفا نظرت فإن عفا عن الكل أخذ الدية أثلاثا وإن عفا عن واحد على ثلث الدية كان له قتل الآخرين، غير أن عندنا أنه يحتاج أن يرد فاضل الدية. إذا قطع واحد يده وآخر رجله وأوضحه الثالث ثم اندملت الموضحة وسرى القطعان إلى نفسه، فمات، فلوليه مع صاحب الموضحة الخيار بين أن يقتص منه موضحة وبين أن يعفو على مال، وأما الآخران فهما قاتلان، لأن التي اندملت لا سراية لها بعد الاندمال، فلا قود على صاحبها، ويكون الآخران كأنه لا ثالث معهما، و الحكم على ما مضى. فإن كانت بحالها فادعى صاحب الموضحة أن الموضحة اندملت، والسراية من القطعين فصدقه الولي وكذبه القاطعان، نظرت في ما يختار الولي فإن اختار القصاص بعد تصديقه على القاطعين، كان له، لأنه لا ضرر عليهما في نفوذ تصديقه فإن للولي القصاص منهما، وله العفو كيف اختار، لأنها لو كانت اندملت أو عفا على مال فالقود على هذين، وإن لم يكن اندملت فلوليه أن يقتلهما ويعفو عن الثالث. فإن اختار الولي العفو على مال لم يقبل منه ولم ينفذ تصديقه على القاطعين و كان القول قولهما أنها ما اندملت، لأنه يجر إلى نفسه وعليهما ضرر فيما يذكره أما الجر فإنه يأخذ من هذين كمال الدية ومن الذي صدقه أرش جنايته، ولو لم يندمل لم يكن له أكثر من الدية وأما الضرر عليهما فإنهما إذا لم يندمل كان عليهما ثلثا الدية، وإذا اندملت فعليهما كمال الدية، فكان عليهما ضرر في تصديقه، ولهذا لم ينفذ تصديقه عليهما. إذا اشترك جماعة في جرح يوجب القود على الواحد كقلع العين وقطع اليد، فعليهم القود عندنا وعند جماعة وفيه خلاف.

[ 15 ]

فإذا ثبت هذا فإنا نقطع الجماعة بالواحد إذا اشتركوا في الجراح معا ولم ينفرد أحدهم ببعضه، ومعناه أن يضعوا السكين على موضع واحد ويمرها الكل على المكان حتى لا يتميز فعل أحدهم عن فعل الثاني، فههنا نقطعهم لأن كل واحد منهم قاطع غير أن عندنا أنه إذا قطعهم رد فاضل الدية كما قلناه في النفس سواء، وإن اختار قطع واحد قطعه ورد الباقون على المقطوع قود ما لزمهم من ذلك، وأما إن قطع واحد البعض والآخر ما بقي أو وضع أحدهما سكينا من فوق والآخر سكينا من أسفل و غمزا حتى التقيا السكينان، فلا قود ههنا، لأن كل واحد منهما جارح يد، وليس بقاطع، وفعلهم لا يتجزى، فلأجل هذا يبطل القود. لا قصاص على الصبي والمجنون إذا قتلا لما رواه على عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: رفع القلم عن ثلثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى ينتبه، وعن المجنون حتى يفيق، وروي عن علي عليه السلام أنه قال: لا قصاص على من لم يبلغ، ولا مخالف له. فإذا ثبت هذا فإن اختلف الصبي وولي القتيل بعد بلوغ الصبي فقال وليه قتلته وأنت بالغ فعليك القود، وقال بل وأنا صبي فلا قود علي فالقول قول الجاني لأن الأصل الصغر حتى يعلم زواله. وإن اختلف هو والمجنون فقال: قتلته وأنت عاقل فقال: بل وأنا مجنون، نظرت فإن كان يعرف له حال جنون وإفاقة، فالقول قول الجاني لأنه أعرف بوقته، وإن لم يعرف له حال جنون فالقول قول الولي، لأن الأصل صحته وسلامته حتى يعلم أنه مجنون. فإذا ثبت هذا، فإن كان القتل خطأ فالدية على العاقلة بلا خلاف، وإن كان عمدا فلا قود عليه وكان خطأ الدية على العاقلة على مقتضى إطلاق أخبارنا، وقال بعضهم هو عمد الخطأ الدية في ماله خاصة مغلظة، وأما الكفارة ففي ماله خاصة.

[ 16 ]

(فصل) * (في صفة قتل العمد وجراح العمد) * إذا جرحه بماله حد يجرح ويفسح ويبضع اللحم كالسيف والسكين والخنجر وما في معناه مما يحدد فيجرح كالرصاص والنحاس والذهب والفضة والخشب و القصب والليطة (1) والزجاج، فكل هذا فيه القود إذا مات منه، صغيرا كان الجرح أو كبيرا صغيرة كانت الآلة أو كبيرة لقوله تعالى: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا " وهذا قد قتل مظلوما وأما إن جرحه بما يثقب البدن ولا يجرح كالمسلة والمخيط وهو شئ عريض رأسه حاد ولا يحدد غير رأسه، فمات فعليه القود للآية، وأما إن كان صغيرا كالأبرة ونحوها فغزره فيه فمات، فإن كان غرزه في مقتل كالعين وأصول الأذنين، والخاصرة والخصيتين فعليه القود لأنه مقتل، وإن كان في غير مقتل كالرأس والفخذ والصلب والعضد، فإن كان لم يزل زمنا حتى مات فعليه القود للآية، ولأن الظاهر أنه منه وأما إن مات من ساعته قال قوم عليه القود لأن له سراية في البدن كالمسلة وقال آخرون لا قود في هذا لأن هذا لا يقتل غالبا كالعصا الصغير والأول أقوى للآية. إذا ضربه بمثقل يقصد به القتل غالبا كاللت والدبوس (2) والخشبة الثقيلة والحجر فقتله فعليه القود، وكذلك إذا قتله يكل ما يقصد به القتل غالبا، مثل أن حرقه أو غرقه أو غمه حتى تلف أو هدم عليه بيتا، أو طينه عليه بغير طعام حتى مات أو والى عليه بالخنق، ففي كل هذا القود. فأما إن قتله بعصا خفيفة صقيلة نظرت فإن كان نضو الخلقة ضعيف القوة والبطش يموت مثله منه، فهو عمد محض، وإن كان قوي الخلقة والبطش لم يكن عمدا عند

(1) الليطة: قشر القصبة.
(2) اللت: القدوم، والفأس العظيمة، والدبوس المقمعة من الحديد.

[ 17 ]

قوم، وكذلك عندنا، وفي جملة ما ذكرناه خلاف ونحن نشرح هذه الجملة. أما المثقل فمعروف فمتى قتله به فعليه القود، وأما الخنق فإن خنقه بيده أو بيديه أولف على حلقه حبلا أو منديلا ولم يزل يوالي حتى مات فعليه القود، وهكذا إن جعل على نفسه شيئا منع خروج نفسه مثل مخدة أو ثوب أو سده بيده مدة يموت في مثلها، فمات، فعليه القود، وإن مات في مدة لا يموت في مثلها غالبا فهو عمد الخطأ فيه الدية مغلظة على العاقلة. هذا إذا لم يرسله حتى مات، فأما إن خنقه مدة يموت في مثلها غالبا فلم يمت فأرسله، ثم مات نظرت، فإن كان منقطع النفس ولم يتردد نفسه فعليه القود، لأنه أرسله وهو في حكم المذبوح، وإن تردد نفسه ولم يزل زمنا منه حتى مات، فعليه أيضا القود، لأن الظاهر أنه مات من ذلك الخنق، فإن برئ وزال الألم بعد ذلك فلا ضمان عليه، لأنه مات من غير الخنق، مثل الجراحة إذا اندملت ثم مات. فأما إن خنقه بحبل جعل له خراطة فأدخلها في حلقه ثم جعله على كرسي أو شئ عال وشد الحبل من فوقه بشئ ثم رفع ذلك الكرسي من تحته فتعلق بنفسه فعليه القود، وإن مات من ساعته لأنه لا قتل بالخنق أعجل ولا أوحى منه. وإذا ضربه بسوط أو عصا ضعيفة فإن وإلا عليه العدد الذي يموت منه غالبا فعليه القود، وهذا يختلف باختلاف الانسان، فإن كان نضو الخلقة ضعيف الجسم مات غالبا من العدد القليل، وإن كان قوي الخلقة والجسم، لم يمت غالبا إلا من العدد الكثير فإن كان عددا لا يموت منه غالبا لكنه مات لشدة حر أو برد لأن مثل هذا العدد يقتل في هذا الزمان، فعليه القود، وإن كان الزمان معتدلا فلا قود، لأن هذا العدد لا يقتل في هذا الزمان غالبا. وجملته أن هذا يختلف باختلاف حال الانسان في نفسه، وباختلاف الزمان، فإن كان مثله يموت من هذا العدد في هذا الزمان، فعليه القود، وإن كان مثله لا يموت من هذا العدد في هذا الزمان فلا قود لكنه عمد الخطأ ففيه الدية مغلظة في ماله عندنا خاصة.

[ 18 ]

وإذا أخذ حرا فحبسه فمات في حبسه فإن كان يراعيه بالطعام والشراب فمات في الحبس فلا ضمان بوجه، صغيرا كان أو كبيرا، وقال بعضهم إن كان كبيرا مثل هذا، و كان صغيرا فإن مات حتف أنفه فلا ضمان، وإن مات بسبب مثل أن لدغته حية أو عقرب أو قتله سبع أو وقع عليه حائط أو سقف فقتله فعليه الضمان، وهذا الذي يقتضيه مذهبنا وأخبارنا. فأما إن منعه الطعام أو الشراب أو هما أو طين عليه البيت فمات، فإن مات في مدة يموت فيها غالبا فعليه القود، وإن كان لا يموت فيها غالبا فلا قود، وفيه الدية وهذا يختلف باختلاف حال الانسان والزمان، فإن كان جايعا أو عطشانا والزمان شديد الحر، مات في الزمان القليل وإن كان شبعان وريان والزمان معتدل أو شديد البرد لم يمت في الزمان الطويل، فيعتبر هذا فيه، فإن كان في مدة يموت مثله فيها فعليه القود وإن كان لا يموت غالبا فيها فعليه الدية. وإذا طرحه في النار نظرت فإن أسعر له نارا في حفيرة حتى إذا تجحمت ألقاه فيها فلم يمكنه الخروج منها حتى مات، فعليه القود، وإن كانت النار على بسيط الأرض فمات فإن لم يمكنه التخلص منها مثل أن كان ضعيف الخلقة أو كبيرا أو مكتوفا أو غير مكتوف لكن النار قهرته ومنعته من الخروج فعليه القود. وأما إن أمكنه الخروج منها فلم يفعل حتى مات، وإنما يعلم هذا منه بأن يقول أنا قادر على الخروج ولست أخرج أو كان بقرب البئر، ومعلوم أنه لو انقلب حصل خارجا عنها فلا قود، لأنه أعان على قتل نفسه، وأما الدية قال قوم: فيه الدية لأنه هو الجاني بإلقائه في النار وترك التخلص مع القدرة لا يسقط الضمان عن الجاني كما لو جرحه فترك المجروح مداواة نفسه حتى مات فإنه ضامن. وقال آخرون لا دية، وإنما عليه ضمان ما شيطته النار، لأنه لما قدر على الخلاص فلم يفعل، كان هو الذي أهلك نفسه وأتلفها، فهو كما لو خرج منها ثم عاد فيها، ويفارق الجراح إذا لم يداو نفسه لأن السراية عنه حصلت، ولم يزد ذلك بترك التداوي، وليس كذلك النار لأنها تستأنف إحراقا وإتلافا غير الأول، فلهذا

[ 19 ]

لم يكن عليه الدية، وهذا أقوى لأن الأصل براءة الذمة. وأما إذا ألقاه في الماء فغرق وهلك نظرت، فإن ألقاه في لجة البحر فعليه القود سواء كان يحسن السباحة أو لا يحسنها، لأن البحر مهلك على كل حال، وإن كان بقرب الساحل، فإن لم يكن يحسن السباحة أو كان يحسنها غير أنه كان مكتوفا لم يمكنه الخروج منه، فعليه القود، لأنه يقتل غالبا وإن كان يحسن السباحة ولم يكن مكتوفا وعلم من حاله أنه أمكنه الخروج فلم يفعل حتى هلك فلا قود وفي الدية قولان مثل النار سواء. فأما إن طرحه في الماء بقرب الساحل وكان ممن يمكنه الخروج منه فلم يخرج حتى ابتلعه الحوت، فلا قود وفيه الدية، لأنه السبب في هلاك نفسه، وإن ألقاه في لجة البحر فقبل وصوله إلى الماء التقمه الحوت، قال قوم عليه القود لأنه أهلكه بنفس الإلقاء، بدليل أنه لو لم يأخذه الحوت كان هلاكه فيه، فكأن الحوت أتلفه بعد أن حصل منه ما فيه هلاكه كما لو قتله ثم ألقاه وقال آخرون: لا قود، لأنه ما هلك بنفس الإلقاء ولا قصد هلاكه به، وإنما هلك بشئ آخر كما لو رمى به من شاهق فاستقبله غيره بالسيف فقده بنصفين، فإن القود على الثاني لأن هلاكه به، ولا قود على الدافع، والقولان قويان غير أن الأول أقواهما. إذا جنى عليه رجل جناية صيره بها في حكم المذبوح ثم وجأه الآخر مثل أن قطع الأول حلقومه ومريه ثم جاءه الآخر فقده باثنين أو أبان الأول حشوته و أمعاءه ثم ذبحه الآخر فالأول قاتل عليه القود، والثاني ليس بقاتل ولا شئ عليه، غير التعزير، لأن الأول صيره في حكم المذبوح، لأن الحيوة التي فيه غير مستقرة والثاني عليه التعزير لأنه أتلف ميتا ولو قلنا يلزمه دية الميت لكان قويا، ولأن الفعل الأول سقط حكم جنايته بدليل أنه لا يصح توبته ولا وصيته ولا إسلامه ولا كفره فصار كالمذبوح ولم يكن الثاني قاتلا. هذا إذا صيره الأول في حكم المذبوح، وإن كانت بالعكس من هذا فجرحه الأول جرحا يبقى معه حيوة مستقرة ثم وجأه الآخر مثل أن جرحه الأول في

[ 20 ]

حلقه، فوسطه الثاني (1) أو شق الأول بطنه، ثم ذبحه الثاني، فلا فصل بين أن يكون جرح الأول يكون معه حيوة أو لا يكون هناك حيوة مستقرة وحركة غير حركة المذبوح، فالباب واحد، فالأول جارح، والثاني قاتل، بعكس ما قلناه. ولأن فيه حيوة مستقرة عقيب جرح الأول بدليل أن حركته يزيد على حركة المذبوح، فإذا قتله الثاني فقد قتل من فيه حيوة مستقرة فكان هو القاتل كما لو قتل عليلا قد أشرف على الموت وفيه حيوة مستقرة ولأنه أحكام الحيوة ثابتة فيه إجماعا من الوصية وغيرها. ويروى أن عمر بن الخطاب لما جرح كان فيه جرحان، فدخل الطبيب فسقاه لبنا فخرج من الجرح، فقال اعهد إلى الناس فعهد وأوصى وأجمعوا على تنفيذ عهده و وصاياه. فإذا كان حكم الحيوة قائما فيه كان القاتل هو الثاني، وإذا ثبت أن القاتل هو الثاني والأول هو الجارح، كان لكل واحد منهما حكم نفسه أما الأول فالولي ينظر في جرحه، فإن كان لا قود فيه كان له المال وكان في الثاني بالخيار بين العفو والقتل، و إن كان جرح الأول فيه القود مثل أن قطع يده ثم قتله الثاني، كان في الأول بالخيار بين القطع والعفو على مال، وهكذا في الثاني بالخيار بين القتل والعفو على مال، فيأخذ كل الدية. وهكذا حكم الحيوان في إباحة أكله، فإن قطع الذئب الحلقوم والمري أو شق جوفها وأبان حشوتها فأدركها صاحبها وفيها حياة، لم يحل له ذبحها وأكلها لأن حركتها حركة المذبوح، فهي كالميتة، وإن كان الذئب إنما عقرها عقرا لم يصيرها في حكم المذبوح، مثل أن شق جوفها أو حلقها فأدركها صاحبها وفيها حياة مستقرة فذبحها جاز أكلها، لأن فيها حياة مستقرة. إذا جرح رجلا جرحا ثم جاء آخر فوجأه بذبح أو بغيره لم يخل من أحد أمرين إما أن يذبحه الثاني بعد اندمال الأول أو قبله، فإن ذبحه بعد الاندمال، فالأول جارح

(1) أي قطعه بنصفين.

[ 21 ]

والثاني قاتل لأنه قتله بعد استقرار الجرح الأول، فينظر فيه، فإن كان جرحا لا قود فيه فلوليه أرشه، وهو في الثاني بالخيار بين العفو والقتل، وإن كان الأول فيه القصاص مثل أن قطع يده فهو في الأول بالخيار بين القطع والعفو، وفي الثاني بالخيار بين العفو والقتل. هذا إذا كان بعد اندمال الأول فأما إن كان الثاني قبل اندمال الأول، فالأول جارح والثاني قاتل، كالمسألة قبلها سواء، لأن قتل الثاني قطع سراية الأول، فهو كما لو اندملت الأولى. قالوا أليس لو جرحاه معا فسرى إلى نفسه فهما قاتلان؟ هلا قلتم ههنا مثله، قيل: الفصل بينهما إذا جرحاه أن كل واحد من الجرحين سواء، ولم يقطع الثاني سراية الأول، فكان تلفه بهما، فلهذا كانا قاتلين، وليس هكذا ههنا، لأن قتل الثاني قطع سراية الأول، فكان القتل من فعل الثاني وحده، فلهذا كان الثاني هو القاتل وحده وكان الحكم فيه كما لو قتله الثاني بعد اندمال الأول، وقد مضى حكمه. فأما إذا كان القاتل هو الجارح وهو إذا جرحه ثم عاد فقتله لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون بعد اندمال الأول أو قبله، فإن كان بعد الاندمال فلكل واحد منهما حكم نفسه، كما لو كانا جارحين سواء، لأن القتل حصل بعد استقرار الجرح الأول، فكان لكل واحد منهما حكم نفسه، فالولي ينظر في الأول، فإن كان مما لا قود فيه ففيه الأرش ثم هو بالخيار بعد هذا بين القتل، والعفو على كمال الدية. وإن كان الأول فيه القصاص، مثل أن قطع يده ثم عاد فقتله، فهو في الأول بالخيار بين القطع والعفو على مال: فله نصف الدية، ثم هو بالخيار بين القتل والعفو على مال: فيكون له كل الدية. هذا إذا عاد فقتله بعد اندمال الأول فأما إن قتله قبل الاندمال مثل أن قطع يده ثم قتله، فالولي بالخيار بين القصاص والعفو، فإن اختار القصاص كان له القطع، والعفو والقتل بعده، ولا يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس، وإن اختار العفو دخل أرش

[ 22 ]

الطرف في دية النفس، فلا يكون له غير الدية. وأرش الطرف يدخل في دية النفس، وقود الطرف لا يدخل في قود النفس، و قال بعضهم لا فصل بينهما، فلا يدخل أرش الطرف في دية النفس كما لا يدخل قصاصه في قصاص النفس. والذي يقتضيه مذهبنا أنه يدخل كل واحد منهما في بدل النفس، أما الأول فلا إشكال فيه، وأما القصاص فلأن أصحابنا رووا أنه إذا مثل إنسان بغيره فقتله فلم يكن له غير القتل، وليس له التمثيل بصاحبه، وقال بعضهم له أن يقطع يده ثم يقتله ولا يكون ذلك قصاصا بل يكون للمماثلة كما لو أجافه ثم قتله كان للولي أن يجيفه ثم يقتله، وإن كان لا قصاص في الجائفة. إذا جرح رجلا جرحا يكون منه التلف، فالكلام في فصلين: إذا داوى المجروح نفسه، وإذا خاط جرح نفسه: فأما إن داوى جرحه بسم فهو على ثلثة أضرب سم يقتل في الحال، وسم يقتل ولا يقتل، والغالب أنه لا يقتل، وسم يقتل ولا يقتل، والغالب أنه يقتل. فإن كان السم سم ساعة، وكان مجهزا منفردا في الحال فداوى به نفسه، إما بأن يشربه متداويا أو وضعه على الجرح، فمات، فلا فصل بين أن يعلمه قاتلا أو لا يعلمه، الباب واحد، فإنه لا قود على الجارح في النفس لأن المجروح هو الذي قتل نفسه. فإذا قتلها قطع سراية الجرح، ومات من فعل نفسه، فهو كما لو جرحه ثم ذبح هو نفسه، فإنه لا قود على الجارح، ويكون كأنه اندمل ذلك الجرح، فإن لم يكن فيه قصاص فعليه الأرش، وإن كان فيه القصاص فولي القتيل بالخيار بين أن يقتص وبين أن يعفو على مال، هذا إذا كان السم موجبا. وأما إن كان السم لا يقتل غالبا فلا قود في النفس على الجارح، لأن القتل حصل بفعلين أحدهما عمد محض وهو فعل الجارح، والآخر عمد الخطأ وهو فعل المجروح، لأنه عمد في فعله وأخطأ في قصده، فهو كما لو جرحه جارح ثم جرح نفسه

[ 23 ]

عمد الخطأ فإنه لا قود على الجارح. فإذا ثبت أنه لا قود عليه، فما قابل فعل المجروح هدر، وما قابل فعل الجاني مضمون، وعليه الكفارة، لأنه شاركه في قتل نفسه، وعليه نصف الدية مغلظة حالة في ماله، لأنها وجبت عن عمد محض. وأما إن كان السم يقتل غالبا قال قوم على الجارح القود لأنه مات عن عمدين محضين، فإن المجروح داوى نفسه بما يقتل غالبا فهو كما لو جرح نفسه فمات من الجرحين معا، وسقط القود بفعل المجروح، لا لمعنى في فعله، فكان على شريكه القود كما لو شارك الأب في قتل ولده فإن عليه القود. وقال آخرون لا قود على الجارح، لأنهما وإن كانا عمدين محضين فأحدهما غير مضمون بحال، قال هذا القائل وهكذا كل من هلك بعمدين محضين أحدهما لا يضمن شيئا بحال، فهذا حكمه، كما لو شارك الأسد في قتل إنسان أو شارك الغير في قتل نفسه، فالكل على قولين. وفيهم من قال: على الجارح ههنا القود وفي شريك الأسد قولان، والفصل بينهما أن شريك الأسد شارك غيره في عمد محض، فلهذا كان عليه القود، وليس كذلك ههنا لأنه شارك غيره وذلك الغير مثل عمد الخطأ فإنه إنما داوى نفسه طلبا للمصلحة، فبان مفسدة، فإذا كان شريكه جنى عمد الخطأ لم يكن عليه القود. فكان تحقيق الخلاف، هل فعل المجروح عمد محض أو عمد الخطأ فمن قال عمد محض فالشريك على قولين، ومن قال عمد الخطأ قال لا قود على شريكه. والذي يقتضيه مذهبنا أن فعل المجروح عمد الخطأ لا يجب به قود، وفعل الجاني عمد محض يجب فيه القود بشرط رد فاضل الدية، على ما بيناه. فمن قال عليه القود فالولي بالخيار بين القصاص والعفو على مال، فإن قتل فلا كلام غير أن عندنا يرد نصف الدية، وإن عفا على مال فله نصف الدية مغلظة في ماله وهكذا من قال لا قود عليه، قال: عليه نصف الدية مغلظة حالة في ماله لأنها وجبت عن عمد محض.

[ 24 ]

فأما إذا خيط جرحه بالأبرة لم يخل من أحد أمرين إما أن يخاط في لحم ميت أو حي، فإن كان في لحم ميت فوجود الخياطة وعدمها سواء، فإنه لا سراية منه بحال والقاتل الجارح، والولي بالخيار بين القصاص والعفو على كل الدية. وإن خيط في لحم حي لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يكون المجروح هو الذي خاط نفسه أو بعض العوام، أو الإمام، فإن كان هو الذي خاط نفسه أو غيره بأمره الباب واحد، فإذا سرى إلى نفسه فمات فالحكم فيه كالقسم الثالث من السم منهم من قال ليس على الجارح القود، ومنهم من قال عليه القود كما لو شارك سبعا، وقد مضى قولنا أنه لا يسقط عنه القود. فإن كان الذي خاطه بعض العوام كأنه حضر بعض العوام وقهره فخاطه فالأول جارح، والخياط جارح، فإذا سرى إلى نفسه فمات فهو كما لو جرحاه معا، سواء فسرى إلى نفسه فمات فعليهما القود معا، والولي بالخيار بين القتل والعفو على ما قلناه في غير موضع. وإن كان الذي خاطه له هو الإمام، لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون المجروح مولى عليه أو غير مولى عليه، فإن كان غير مولى عليه فإن كان بالغا عاقلا فالإمام عندهم كأحد العوام، وعليهما القود. وإن كان المجروح مولى عليه كالصبي والمجنون فخاطه فمات، فمنهم من قال على الإمام القود والجارح معا ومنهم من قال لا قود عليهما لأنه إذا سقط عن الإمام سقط عن الجارح، وعلى كل واحد منهما نصف الدية مغلظة، ومن قال يجب على الإمام نصف الدية، قال بعضهم يجب في بيت المال، وقال آخرون على عاقلته، وخطأ الإمام وعمد الخطأ سواء. وعندنا لا يتقدر ذلك في الإمام لأنه لا يفعل إلا ما له فعله لعصمته فإن فعل ما له فعله من مصلحته، فأدى ذلك إلى موته كانت الدية في بيت المال. إذا قطع مسلم يد نصراني له عهد وذمة مؤبدة أو إلى مدة فأسلم وسرت الجناية إلى نفسه وهو مسلم ثم مات فلا قود على القاطع، وهكذا لو قطع حر يد عبد فأعتق فسرت إلى

[ 25 ]

نفسه، فلا قود على القاطع، لأن التكافي إذا كان معدوما حال القطع موجودا حال السراية، فلا قود في القطع ولا في السراية، كالصبي إذا قطع يد بالغ ثم بلغ الصبي وسرى القطع، فلا قود على الصبي. فإذا ثبت أنه لا قصاص ففيه دية حر مسلم، لأن الجناية إذا وقعت مضمونة كان الاعتبار بأرشها حال الاستقرار، بدليل أنه لو قطع يدي مسلم ورجليه ففيه ديتان، فإن سرى إلى نفسه ففيه دية واحدة ولو قطع إصبعا ففيه عشر الدية، فإن صارت نفسا ففيه الدية اعتبارا بحال الاستقرار. فأما إن قطع يد مرتد ثم أسلم ثم مات أو يد حربي ثم أسلم ثم مات، فكان القطع حال كفره والسراية حال إسلامه، فلا قود لما مضى، والدية لا تجب ههنا لأن الجناية إذا لم تكن مضمونة لم يكن سرايتها مضمونة كما لو قطع الإمام سارقا فسرى إلى نفسه، أو قطع رجلا قصاصا فسرى إلى نفسه، فلا ضمان في السراية. إذا أرسل على نصراني سهما فأسلم ثم وقع فيه السهم أو على عبد فأعتق ثم وقع فيه السهم أو على مرتد فأسلم ثم وقع فيه السهم، فقتله، فلا قود في هذه الثلاث مسائل لما مضى، لأن الاعتبار بالقصد إلى تناول نفس مكافئة حين الجناية، وحين الجناية هو الإرسال، والتكافئ غير موجود حينئذ، فلا قصاص، وفيه دية مسلم لأن الإصابة حصلت وهو محقون الدم فكان مضمونا بالدية. فأما إذا أرسل إلى حربي سهما فأسلم ثم وقع فيه فقتله فلا قود، وقال قوم فيه الدية، وقال بعضهم لا دية فيه، لأنه أرسل السهم وكان له الإرسال، فلما أسلم لم يمكنه تداركه فهو غير مفرط في الرمي ولا في الإصابة، فلهذا لا دية فيه، ويفارق المرتد لأنه أرسل إليه السهم وهو مفرط حين الإرسال، لأن قتل المرتد إلى الإمام لا إلى آحاد الناس، وقتله بالسيف لا بالسهم، فلما كان مفرطا كان عليه الضمان. قال وإن لحق المرتد بدار الحرب فلم يقدر عليه الإمام فلا ضمان عليه، إذا قتله، والأول أقوى عندنا، لأن الإصابة صادفت مسلما محقون الدم، فكان عليه الضمان كما لو أرسله إلى مرتد فأصابه وهو مسلم.

[ 26 ]

فقد حصل من هذه الجملة في القطع والسراية أنه إذا قطع يد نصراني ثم أسلم ومات أو يد عبد فأعتق ثم مات، لا قود عليه، وعليه الدية، وإن قطع يد حربي أو مرتد ثم أسلم ثم مات لا قود، ولا دية، وحصل في الرمي إذا رمى في هذه المسائل الأربع أن لا قود فيها، وفيها الدية اعتبارا بحال الإصابة، فاعتبرنا القصاص بحال الجناية، والمال بحال الإصابة إذا قطع مسلم يد مسلم فارتد المقطوع ثم سرى إلى نفسه فمات، فيه مسئلتان إحداهما إذا ارتد ثم أسلم ثم مات مسلما، والثانية إذا ارتد ثم مات في الردة. فالأولى إذا ارتد ثم أسلم ثم مات مسلما فالكلام فيها في ثلاثة أحكام: الكفارة والقود، والدية، فأما الكفارة فواجبة بكل حال سواء مكث مرتدا زمانا سرت فيه الجناية إلى نفسه أو لم يمكث، لأن الكفارة يجب بقتل نفس لها حرمة، وقد قتل نفسا لها حرمة، لأن الحرمة موجودة في الطرفين حال الجناية وحال السراية، فأوجبنا عليه الكفارة. وأما القود فلا يخلو المقطوع من أحد أمرين إما أن يقيم على الردة مدة يسري فيها الجراح أو لا يقيم، فإن أقام مدة يسري الجرح فيها ثم عاد إلى الاسلام فلا قود، لأن القصاص إنما يجب بالقطع، وكل السراية، بدلالة أنه لو قطع مسلم يد مسلم فارتد المقطوع ومات على ردته لا قود عليه ولو قطع يد مرتد فأسلم المرتد ومات مسلما لا قود فيه. فإذا كان وجوبه بالقطع وكل السراية، فإن بعض السراية ههنا هدر، لأنها حال الردة، فقد مات من أمرين مضمون وغير مضمون، فسقط القود، لأن القصاص لا يتبعض. وأما إن عاد إلى الاسلام قبل أن يكون لها سراية حال الردة ثم مات، قال قوم لا قود لأنه حصل حال السراية حال لو مات فيها لا قود، فوجب أن يسقط القود رأسا، وقال آخرون عليه القود لأن الجناية وكل السراية حصلت حال التكافئ، فكان عليه القود وهو الأقوى عندي.

[ 27 ]

وأما الدية فتصور المسألة إذا كان القطع خطأ أو عفا على مال، فإذا قطع يده ثم ارتد ثم عاد إلى الاسلام ومات لم يخل من أحد أمرين إما أن يسلم قبل أن يكون لها سراية أو بعد أن يكون لها سراية. فإن أسلم قبل أن حصل فيها سراية حال الردة وجبت الدية كاملة، لأنها جناية مضمونة سرت إلى النفس وهي مضمونة واعتبار الدية بحال الاستقرار، وهو حال الاستقرار مسلم، فأوجبنا فيه كمال الدية. وإن ثبت في الردة مدة يكون فيها سراية ثم أسلم، قال قوم: فيه نصف الدية لأن التلف حصل من أمرين مضمون وغير مضمون، فالمضمون القطع وبعض السراية وغير المضمون بعض السراية، فكان فيه نصف الدية، كما لو قطع يده ثم ارتد المقطوع فقطع آخر يده وهو مرتد فمات ففيه نصف الدية على القاطع الأول. وقال آخرون فيه كمال الدية لأن الجناية إذا كانت مضمونة كان الاعتبار فيها بحال الاستقرار، وحال الاستقرار هو حر مسلم، فكان فيه كمال الدية، لأنه قد وجد الكمال في الطرفين، وهذا الأقوى. هذا إذا ارتد بعد أن جرح ثم عاد إلى الاسلام فمات، فأما إن كان المجني عليه مرتدا أو قتل في الردة فلا قود في النفس ولا دية، ولا كفارة. لأن هذه الأحكام تجب لحرمة النفس، بدليل أنه لو قتل مرتدا أو حربيا لا ضمان عليه، فإذا كان وجوبها لحرمة النفس، فإذا ارتد سقطت حرمته، فوجب أن لا يجب فيه دية ولا قود ولا كفارة. وأما القصاص في اليد المقطوعة في حال الاسلام قال قوم لا قصاص فيها، وقال الآخرون فيها القصاص، وهو الأقوى، لظاهر الآية. فمن قال فيه القود، فالمجني عليه قد مات مرتدا، من الذي يستوفي القصاص؟ قال قوم يستوفيه وليه المسلم، وهو الذي يقتضيه مذهبنا، لأن عندنا يرث المسلم الكافر ومن قال لا يرث المسلم الكافر قال قوم منهم يستوفيه الإمام، وقال آخرون يستوفيه وليه المناسب دون كل أحد، لأن القصاص يجب للتشفي والمناسب هو صاحب التشفي

[ 28 ]

فإن اقتص فلا كلام وإن عفى على مال عندنا يكون لورثته المسلمين، وعندهم يكون لبيت المال فيئا. قالوا ولا يمتنع أن يكون القصاص له، وإذا حصل العفو على المال كان لغيره، ألا ترى أنه لو كان عليه ديون وله ابن فقتل كان القصاص لولده ولو عفا ثبت المال لغرمائه ومتى عفا فهل يثبت المال أم لا؟ وإذا ثبت فما قدره؟ يأتي في التفريع على قول من قال لا قود في الطرف. فإذا قال لا قصاص في الطرف قال قوم لا يجب المال أيضا لأن حكم الطرف تابع للنفس، وقال آخرون يثبت أرش الطرف لأن الطرف إذا كان مضمونا حين القطع، لم يسقط حكمه بسقوط حكم السراية. ألا ترى أنه لو قطع يد رجل ثم جاء آخر فقتله في الحال فقد قطع الثاني حكم سراية القطع، ولم يغير حكم القطع، فكذلك إذا كان القاطع لحكم السراية هو الردة وجب أن لا يغير حكم السراية. فمن قال لا ضمان في الطرف فلا كلام، ومن قال يضمن فما الذي يضمن؟ قالوا يجب عليه أقل الأمرين من أرشه أو الدية، فإن كان الأرش أقل من الدية مثل أن قطع يده فعليه أرش الطرف لا غير، لا ن السراية كانت حال الردة والسراية غير مضمونة، فلا يزيد أرش الطرف على السراية، وإن كان الأرش أكثر من الدية مثل أن قطع يديه ورجليه وأذنيه، ففيه الدية لا غير، لأنه لو فعل هذا بمسلم فسرت إلى نفسه وهو مسلم كان فيه الدية فقط وقال بعضهم يجب أرش الجناية بالغا ما بلغ ولو كان ديات. والذي يقوى في نفسي ويقتضيه مذهبنا أنه لا قود عليه في قطع الطرف، ولا دية لأنا قد بينا أن الطرف يدخل قصاصه في قصاص النفس، وكذلك ديته، وههنا النفس غير مضمونة ويجب أن لا يجب فيها القصاص ولا الدية بحال. إذا فقأ عيني عبد أو قطع يديه أو قطع رجليه، وقيمته ألفا دينار لم يخل من أحد أمرين إما أن يندمل أو يسري إلى نفسه، فإن اندمل وهو رقيق وجب على الجاني

[ 29 ]

ألفا دينار، لأن الجناية متى اندملت فما وجب بالجناية يستقر بالاندمال والذي وجب بها ألفا دينار. وعندنا لا يجب أكثر من ألف دينار لأنه لا يزاد في ضمان أطرافه على أطراف الحر كالنفس عندنا سواء، وأما إن أعتق ثم اندملت حال الحرية استقر أيضا على الجاني ألفا دينار، وعندنا ألف دينار، لما مضى، ويكون جميعه لسيده، لأنه ملك السيد حال الجناية، فكان ما استقر بالاندمال له. وإن سرت إلى نفسه فمات، نظرت، فإن مات قبل العتق، فالواجب عندنا ألف دينار لأنه لا يزاد قيمته في باب الضمان على دية الحر، وعند بعضهم يجب ألفا دينار، ويكون ما يستقر على المتلف لسيده بلا خلاف، لأنه تلف على ملكه. وإن أعتق ثم سرت إلى نفسه فمات وهو حر فإنه يجب فيه دية الحر عندنا وعند جماعة ممن خالف فيما تقدم. وقال بعضهم يستقر لموته ألفا دينار لأن أرش الجناية يستقر بالاندمال مرة وبالسراية أخرى ولو استقرت بالاندمال لوجب ألفا دينار فكذلك إذا استقر بالسراية إلى النفس. قال من خالف: هذا غلط لأنها جناية مضمونة سرت إلى النفس وهي مضمونة، فوجب أن يعتبر بدل النفس بحال الاستقرار، ألا ترى أنه لو قطع يدي حر ورجليه و أذنيه وقلع عينيه ففيه أربع ديات، فإن سرت إلى نفسه وجب فيه دية واحدة اعتبارا بحال الاستقرار. وهكذا لو قطع أنملة وجب فيها أرشها، فإن سرت إلى النفس كان فيها الدية اعتبارا بحال الاستقرار. وهكذا لو قطع يدي نصراني ثم أسلم وجب فيه دية مسلم اعتبارا بحال الاستقرار وهكذا لو قلع عين عبد قيمته ألف درهم فأعتق ثم سرت إلى نفسه كان فيه دية حر مسلم اعتبارا بحال الاستقرار. وعلى هذا لو قطع يدي نصراني ثم تمجس وسرى إلى نفسه، وقيل إنه يقر على دينه وجب فيه دية مجوسي ثمان مائة درهم اعتبارا بحال الاستقرار، ومن قال لا يقر

[ 30 ]

عليه، فهو مرتد والواجب فيه أقل الأمرين من أرش الجناية أو دية نصراني، وعلى قول بعضهم أرش الجناية بالغا ما بلغت. وأما الكلام فيمن يستحقه: فإن الذي يستحقه ههنا هو السيد وحده، لأن الجناية أوجبت ألفي دينار كلها للسيد، وإذا أعتق وسرت إلى نفسه وهو حر نقص السراية نصف ما قد كان ملكه السيد حين الجناية، وأقل أحواله أن يكون ذلك دون غيره. قالوا هلا قلتم لوارثه أعني العبد اعتبارا بوارثه حال الوفاة، دون من كان يملكه حين الجناية، كما قلتم فيمن قطع يد نصراني فأسلم ثم سرت إلى نفسه كانت الدية لورثته المسلمين دون من كان وليه حين الجناية. قلنا الفصل بينهما إذا قطعت يد النصراني كان الواجب فيها له، فإذا أسلم فسرت كان المالك لها هو، فمات عنها وهي له، فكانت لوارثه حين الوفاة، وفي مسئلتنا كان المالك للأرش حين الجناية هو السيد، فإذا أعتق العبد لم يتحول ملك عبده لعقبه، فلهذا كان لسيده دون ورثة العبد. قالوا فهلا جعلتم الدية بين السيد وورثة العبد، لأن الجناية كانت حال الرق والسراية حال الحرية، كما قلتم إذا قلع عين عبد قيمته ألف دينار فأعتق فسرى إلى نفسه فمات، ففيه دية مسلم حر نصفها لورثته ونصفها لسيده. قلنا الفصل بينهما أنه إذا كانت قيمته ألف دينار كان في يده نصف قيمته خمس مائة دينار فإذا أعتق فمات كان الواجب ألف دينار، زاد بالسراية حال الحرية خمس مائة دينار، فكانت الزيادة حال الحرية لوارثه، والواجب حال الرق لسيده وليس كذلك في مسئلتنا لأنه لما سرت حال الحرية نقص الأرش بها، فكان للصاحب ألفا دينار فنقص ألف دينار بالسراية، ولم يزد حال الحرية شئ، فلهذا لم يكن لوارثه شئ بحال فأقل أحواله يتفرد بما بقي له. فوزان هذا من مسئلتنا أن يكون قيمته ألفي دينار فقطع قاطع يده، ففيه ألف دينار، ثم أعتق ثم مات ففيه دية حر مسلم كلها للسيد لأنه ما زاد بالسراية شئ،

[ 31 ]

فبان الفصل بينهما، وعندنا أنها مثل الأولى، لأنه لا يضمن يده بأكثر مما يضمن به يد الحر سواء وهذا أصل في باب الجنايات متى اندمل الجرح فذاك الواجب بالجرح يستقر بالاندمال، وإن صار الجرح نفسا استقر بالسراية بدل النفس، ثم ينظر فيه، فإن زاد بالسراية حال الحرية كان بدل النفس بين السيد والورثة، وإن نقص بالسراية أو لم يزد ولم ينقص، كان كله للسيد. إذا قطع يد عبد ثم أعتق العبد ثم سرى إلى نفسه فمات فالكلام في ثلاثة فصول في القود وقدر الواجب وفيمن يستحق ذلك الواجب: أما القود فلا يجب عليه لأن القود إنما يجب بالقصد إلى تناول نفس مكافئة حال الجناية، وهذا لا يكافيه حال الجناية، فلا قود فيه ألا ترى أن عبدا لو قطع يد عبد واعتق القاطع ثم مات المقطوع، كان على القاطع القود اعتبارا بحال الجناية، وهكذا لو قطع يد هذا العبد حر نصراني أو حر مستأمن ثم أعتق ثم سرى إلى نفسه ومات، فلا قود على القاطع، لأنه حر فلا يقتل بالعبد. فإذا ثبت أنه لا يقتل به وجب عليه دية حر مسلم، لأن الجناية إذا كانت مضمونة فسرت إلى النفس وهي مضمونة كان الاعتبار ببدل النفس حال الاستقرار، وهو حين الاستقرار حر مسلم، فلهذا كان فيه كمال الدية. ولا يدخل على هذا إذا قطع يدي عبد قيمته ألف دينار، فلم يزل يتناقص حتى صار يساوي عشرة دراهم، ثم مات، فإن عليه أكثر ما كانت قيمته إلى حين الوفاة، لأنا قلنا الجناية إذا سرت إلى ضمان النفس كان الاعتبار بحال الاستقرار، وضمان العبد ضمان الأموال، وليس بضمان النفوس، فبان الفصل بينهما. فإذا ثبت أن الواجب دية حر مسلم فللسيد أقل الأمرين من نصف قيمته أو كمال ديته، فإن كان نصف القيمة أقل فليس له الزيادة عليها، لأن الزيادة على ذلك حدث بالسراية حال الحرية، ولا حق له فيما زاد بالسراية حال الحرية.

[ 32 ]

وإن كان نصف القيمة أكثر من الدية، فله كمال الدية، لأن الواجب بالجناية نقص بالسراية حال الحرية، فكان النقص من حق السيد، فكان الباقي له بعد النقصان بدلالة أن الباقي بقية ملكه. وهكذا الحكم فيه إذا كان نصف القيمة وفق الدية فإن له كمال الدية، لأن السراية حال الحرية لم يزد بها شئ، فلهذا كان كله له. فأما إذا حصلت له عليه جناية حال الرق وجناية حال الحرية، ففيه مسئلتان إحداهما إذا جنى عليه جان حال الرق فقطع يده وجان حال الحرية فقطع رجله، والثانية إذا جنى عليه جان حال الرق فقطع يده وجانيان حال الحرية أحدهما قطع يده الأخرى والآخر رجله، والأولى أسهل من الثانية، وإنما يتبين الكلام في الثانية إذا تكلم على الأولى. وجملته إذا قطع حر يد عبد فأعتق العبد ثم قطع آخر رجله ثم سرى إلى نفسه فمات فالكلام فيها في أربعة فصول في القود وقدر الواجب، ومن عليه، وله. أما القود فلا يجب على الأول في الطرف، لأنه ليس بكفؤ له حال الجناية، ولا القود في النفس لأن القطع إذا لم يضمن بالقود، لم يضمن سرايته بالقود. وأما الجاني حال الحرية فعليه القود في الطرف والنفس معا، لأنه قصد إلى تناول نفس مكافية له حال الجناية، فأوجبنا عليه القود، وذلك أن النفس إذا خرجت عن عمدين محضين، فإذا سقط عن أحدهما وهو الأول لا لمعنى في فعله، لكن لكمال فيه، لم يسقط عن الثاني، كما لو شارك الأجنبي الأب في قتل ولده، والحر العبد في قتل عبد، والمسلم الكافر في قتل كافر، فالقود يجب على الأجنبي، وعلى العبد، وعلى الكافر، دون من شاركه لأن القود يسقط عمن شاركه لا لمعنى في فعله، بل لكمال في نفسه، فلهذا كان عليه القود. وقال بعضهم عليه القود في الطرف لما مضى، وأما في النفس فلا قود عليه فيها، لأنها تلفت عن سراية جرحين: أحدهما حال الرق، والآخر حال الحرية، فامتزجت السراية عن جرحين أحدهما يوجب القود دون الآخر فسقط القود في النفس كما لو قتل حران من نصفه حر ونصفه عبد، فإنه لا قود على واحد منهما، والأول أصح عندنا

[ 33 ]

لما مضى. والفرق بين المسئلتين أنهما إذا قتلا من نصفه حر فكل واحد قصد إلى تناول نفس غير مكافية له حال الحيوة، فلهذا لم يجب القود على واحد منهما. يؤيد هذا أن القود في الطرف لم يجب وليس كذلك في مسئلتنا لأنه قصد إلى تناول نفس مكافية حال الجناية، فلهذا كان عليه القود. يؤيد هذا أن القود في الطرف وجب، وإذا سرت إلى نفسه فقطعه بعد العتق، كان كأنه قتله بعد العتق ولو قتله بعد العتق كان عليه القود في النفس، كذلك إذا سرت جنايته حال الحرية، فدل على ما قلناه. فأما قدر الواجب، فإنه دية حر مسلم لأن الجناية كانت مضمونة فسرت إلى نفس مضمونة، كان فيها الدية اعتبارا ببدل النفس حال الاستقرار. فإذا ثبت أن الدية دية حر مسلم، فإن وجوبها على الجارحين معا نصفين، لأن الجنايات إذا صارت نفسا كانت تنقسط على عدد الجناة، لا الجنايات، ولا تفاضل بينهما، وإن كان أحدهما أكثر، بدليل أنه لو جرحه أحدهما جرحا واحدا والآخر مائة جرح، فمات فكانت الدية نصفين على عدد الجناة، لا عدد الجنايات. قالوا هلا جعلتموها على المفاضلة كما قلتم لو قطع حر يد عبد ثم قطع آخر يده الأخرى، ثم سرى إلى نفسه، كانت عليهما قيمته، وعلى الأول منهما أكثر مما على الثاني. قلنا الفصل بينهما أن الواجب في العبد قيمته واعتبار القيمة فيه بحال الجناية لأنه إتلاف مال، فكان الأول أكثر من الثاني، لأن الثاني جنى عليه وقد نقصت قيمته بالجرح الأول، فلا يجب عليه كما يجب على الأول. وليس كذلك ههنا، لأن الجناية صارت نفسا وكان الاعتبار ببدل النفس حال الاستقرار، وهما حال الاستقرار متفقان فيما يجب على كل واحد منهما، فإن الحر لا ينتقص بدل نفسه بالجناية عليه، فلهذا كانا سواء فأما مسألة العبد التي فيها ست طرق فهي نشرح فيما بعد إن شاء الله تعالى.

[ 34 ]

فإذا ثبت أن الواجب عليهما الدية نصفين، فالكلام في المستحق لذلك، يكون للسيد منها أقل الأمرين من نصف قيمة العبد أو نصف الدية، فإن كان نصف قيمته أقل من نصف الدية فلا شئ له غير أرش الجناية، لأن الزيادة حصلت بالسراية حال الحرية، فلا حق له فيها، وإن كان نصف القيمة أكثر من نصف الدية، فليس له إلا نصف الدية، لأن نصف القيمة نقصت بالجناية حال الحرية، فليس له إلا نصف الدية. قالوا كيف قلتم في هذه المسألة للسيد أقل الأمرين من نصف القيمة أو نصف الدية، وقلتم في المسألة قبلها عليه أقل الأمرين من نصف قيمته أو كمال الدية. قلنا الفصل واضح وذلك أن الجاني في الأولى واحد لا غير، فكان عليه بدل النفس كله، وكانت جنايته على ملك السيد، فلهذا كان له أقل الأمرين من نصف قيمته أو كمال الدية. وليس كذلك في مسئلتنا لأن فيها جانيين: جان حال الرق، وجان حال الحرية، فعلى كل واحد منهما نصف الدية، فلو أوجبنا له أكثر من نصف الدية جعلنا بعض ذلك على الجاني حال الحرية، ولا شئ له على من جنى حال الحرية، فلهذا كان له أقل الأمرين من نصف قيمته أو نصف الدية. والكلام بعده في جنس الدية وجنسها مائة من الإبل لأنها دية حر مسلم، و كانت من الإبل لأن الاعتبار بحال الاستقرار، وهو حال الاستقرار حر مسلم، فلهذا كانت الدية من الإبل فيكون للسيد منها أقل الأمرين من نصف قيمته أو نصف الدية فيكون للوارث النصف والباقي للسيد، فإن أراد وارث المجني عليه أن يعطي السيد نصف قيمة العبد ويستبقي الإبل لنفسه لم يكن له ذلك إلا برضى السيد، لأن حق السيد نفس الإبل، فلا يدفع عن حقه بغير رضاه. وأما الكلام في التفريع عليها: إذا قطع حر يد عبد ثم أعتق ثم عاد فقطع يده الأخرى ثم اندمل الجرحان معا فلكل واحد حكم نفسه أما القطع حال الرق فلا قود عليه، لأنه حر قطع يد عبد، وعليه نصف قيمة العبد بالاندمال، لأن كل قطع اندمل

[ 35 ]

فالواجب به يستقر بالاندمال، ويكون للسيد لأنه جناية على مملوكه. وأما القطع حال الحرية فعليه القود، لأنه حر قطع يد حر فديته له فالمقطوع بالخيار بين القصاص والعفو، فإن اقتص فلا كلام فيه، وإن عفا على مال كان له نصف الدية، لأن في اليد نصف الدية، ويكون له لا حق للسيد فيها لأنها دية يد حر فكانت له دون من كان بيده. فإن قطع يده حال الرق ثم قطع رجله حال الحرية ثم سرى إلى نفسه ومات فأما القطع حال الرق فلا قود عليه فيه، لأنه حر قطع يد عبد، وأما القطع حال الحرية فعليه القطع لأنه يكافيه وأما النفس فلا قود فيها لأن السراية كانت عن قطعين أحدهما حال الرق والآخر حال الحرية أحدهما مضمون، والآخر غير مضمون فلا قود فيه كما لو قطع يده عمد الخطأ، والأخرى عمدا محضا فلا قصاص في النفس. فإذا ثبت هذا فإن مات عن هذه السراية ففيه دية حر مسلم، لأن الجناية إذا صارت نفسا كان الاعتبار فيها بحال الاستقرار، وهو حين الاستقرار حر مسلم فأما المستحق فللسيد منها أقل الأمرين من نصف قيمته أو نصف الدية، لأنه إن كانت قيمته أقل من نصف الدية فما زاد فبالسراية حال الحرية، فلا شئ له فيها، والباقي للوارث. وإن كان نصف القيمة أكثر من نصف الدية فللسيد نصف الدية عندنا، لأن دية العبد لا يزاد على دية الحر، وعندهم لأن ما وجب له بالجناية حال الرق نقص بالسراية حال الحرية، فكان الباقي بعد النقصان له، والباقي للوارث، وأما الوارث فهو بالخيار بين القصاص وبين العفو، فإن عفا على مال كان له ما زاد على حق السيد وإن اختار القصاص قطع يده. فإن كان حق السيد نصف الدية فقد استوفى حقه فلا شئ له، مع القطع، وإن كان حق السيد أقل من نصف الدية، كان قطع الوارث هذه اليد بنصف الدية، وما فضل على ما كان للسيد يكون للوارث، فهذا الوارث يجتمع له القصاص في اليد والمال، فما زاد على نصيب السيد إذا كان نصيبه دون نصف الدية.

[ 36 ]

فإن قطع حر يده حال الرق وحر آخر يده حال الحرية ثم ذبح المقطوع لم يخل من ثلثة أحوال إما أن يذبحه القاطع الأول أو الثاني أو أجنبي. فإن ذبحه القاطع الأول، وهو الذي قطع يده حال الرق، وذبحه حال الحرية استقر حكم القاطع حال الحرية، سواء اندمل قطعه أو لم يندمل، لأن الأول لما ذبحه حال الحرية قطع سراية القطع حال الحرية، فالوارث بالخيار بين أن يقتص من القاطع حال الحرية وبين أن يعفو على مال. فإن قطع فلا كلام، وإن عفا على مال كان له نصف دية الحر لأنها يد حر يكون كلها للوارث لا حق للسيد فيها، لأنه حق وجب بالجناية عليه حال الحرية. وأما القطع الذي كان حال الرق فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون القاطع ذبحه بعد الاندمال أو قبله، فإن كان ذبحه بعد الاندمال، فقد استقر القطع حال الرق واستقر به نصف القيمة يكون للسيد، لأنه أرش وجب بالجناية على ملكه، وأما الوراث فهو بالخيار بين قتله والعفو، لأنه ذبحه وهو حر فإن قتل فلا كلام، وإن عفا على مال، كان له كمال الدية لأنه ذبح حرا مسلما. فأما إن ذبحه قبل الاندمال، دخل أرش الطرف في بدل النفس، لأن الذبح بعد القطع بمنزلة السراية بعد القطع، فأما القصاص في الطرف فلا يدخل في قصاص النفس عند قوم، وعندنا يدخل. فمن قال لا يدخل، سقط ههنا لعدم التكافؤ حال القطع، فيكون عليه القود في النفس، فإن اختار الوارث القود سقط حق السيد لأنه لا يجتمع القصاص وأخذ دية اليد قبل الاندمال بحال، وإن عفا على مال وجبت دية حر مسلم اعتبار بحال الاستقرار ويكون للسيد منها أقل الأمرين من نصف قيمته أو نصف الدية مما لو جني عليه جان حال الرق، وجان حال الحرية، ويكون الباقي للوارث. هذا إذا ذبحه الأول، فأما إن ذبحه الثاني، فإذا فعل الثاني هذا فقد قطع يده حال الحرية، وذبحه حال الحرية، واستقر حكم القطع في حال الرق، و صار كالمندمل، لأن ذبح الثاني قطع سراية القطع الموجود حال الرق فلا فصل بين

[ 37 ]

أن يكون الثاني ذبحه بعد اندمال القطع حال الرق أو قبل الاندمال الباب وأحد، و يكون على القاطع حال الرق نصف قيمته بالغا ما بلغ، ما لم يزد على نصف دية الحر عندنا كما لو اندمل، ويكون ذلك للسيد لأنه أنما جنى على مملوكه. وأما القاطع حال الحرية فقد قطع يد حر ثم ذبحه، فلا يخلو إما أن يكون الذبح بعد اندمال القطع أو قبله، فإن كان بعد اندماله فلكل واحد منهما حكم نفسه فالولي بالخيار بين أربعة أشياء: من قطع، وقتل، وله العفو عنهما، فيكون له الدية في النفس، ونصف الدية في اليد، وله أن يعفو عن اليد، فيكون له الدية و يقتص من النفس، وله أن يقتص في اليد ويأخذ الدية للنفس. هذا إذا قتله بعد الاندمال فأما إن ذبحه قبل الاندمال، فالولي بالخيار بين العفو والقود، فإن اختار القود قطع وقتل، وإن اختار العفو كان دية واحدة لا غير لأنه قطع صار نفسا فدخل بدله في بدل النفس. وإن كان الذابح أجنبيا فقد قطع سراية القطعين معا، فكأنه ذبحه بعد اندمال كل وأحد من القطعين فلا قود على القاطع حال الرق، وعليه نصف قيمة العبد لسيده، وعلى القاطع حال الحرية القود في الطرف، والوراث بالخيار بين القصاص والعفو. وأما الثالث فقد ذبح حرا مسلما فوارثه بالخيار بين أن يقتص في النفس، و بين أن يعفو فيكون له كمال الدية لأن دية النفس لا ينقص بقطع أطرافها. فأما (1) إذا جنا عليه جان حال الرق، فقطع يده ثم أعتق فجني عليه آخران حال الحرية، فقطع أحدهما يده والآخر رجله، فالكلام فيها في أربعة فصول: في القود، وقدر الواجب من المال، وفيمن يجب ذلك عليه وله. فأما القود، فلا يجب على القاطع حال الرق قود في الطرف ولا في النفس، لأنه غير مكاف حال الجناية، ولا في السراية، لأن القود إذا لم يجب في القطع لم يجب في سرايته. وأما القاطعان حال الحرية فعلى كل واحد منهما القود في القطع، وأما

(1) الثانية خ ل.

[ 38 ]

القود في النفس فالأصح عندنا وعندهم أن عليهما القود في النفس، وحكي عن بعضهم أن القطع في الطرف عليهما دون القود في النفس وأما الواجب فهو الدية دية حر مسلم لأن الجناية إذا كانت مضمونة، فإذا سرت إلى النفس وهي مضمونة كان الاعتبار بحال الاستقرار، فهو حال الاستقرار حر مسلم، فكان فيه كمال الدية. فإذا ثبت أن الواجب هو الدية، فعلى كل واحد من الجناة ثلثها، لأن النفس هلكت بجنايتهم، وقد وجب فيها الدية، فكانت عليهم أثلاثا: ثلثها على الجاني حال الرق، والثلثان على من جنى حال الحرية. وأما من يجب ذلك له، فإن الواجب على من جنا حال الحرية لورثته لا يستحق السيد شيئا منه بحال، لأنهما جنيا على مال غيره، ولا يستحق على من جنا على غير ملكه شيئا بوجه، وأما الجاني حال الرق فقد جنا على ملك السيد وقد استقر عليه بهذه الجناية ثلث الدية. وما للسيد من هذا الواجب؟ قال قوم له أقل الأمرين من أرش الجناية أو ثلث الدية، وقال آخرون له أقل الأمرين من ثلث القيمة أو ثلث الدية، والأول أصح عندنا لأن الأول لما جنا عليه هو ملك للسيد، فلما جنى عليه آخران بعد العتق وليس بملك للسيد، فكانت جنايتهما حال الحرية في حكم المعدومة في حق السيد إذ لا فرق بين عدمها وبين وجودها، ولا حق له فيها، وإذا كانت كالمعدومة كان الجاني حال الرق كالمنفرد بالجناية. ولو انفرد بها ثم أعتق العبد ثم سرى إلى نفسه كان على الجاني أقل الأمرين من أرش الجناية أو كمال الدية، فإذا شارك من لا حق للسيد فيه صار عليه الثلث، وكان هذا الثلث مع الآخرين ككل الدية معه وحده فأوجبنا عليه أقل الأمرين من أرش الجناية أو ثلث الدية، لأنه إن كان الأرش بأقل من ثلثها فلا شئ له في الزيادة وإن كان أكثر من ثلثها فما وجب على الجاني في ملكه إلا ثلثها فلا يستحق عليه أكثر منها. فإذا أردت التفريع على هذا القول قابلت بين أرش الجناية وقدر ما يجب على

[ 39 ]

هذا الجاني من الدية، فجعلت للسيد الأقل منها، بيانه قطع الجاني حال الرق أصبعه وأرشها عشر الدية ثم أعتق فجنا آخران عليه حال الحرية ثم سرى إلى نفسه للسيد أقل الأمرين من أرش الجناية أو ثلث الدية. فإن كان أرش الجناية حال القطع نصف القيمة مثل أن قطع يده فللسيد أقل الأمرين من أرش الجناية وهو نصف القيمة أو ثلث الدية، وإن كان أرش الجناية حال الرق كل قيمته مثل أن قطع يديه فللسيد أقل الأمرين من أرش الجناية وهو كمال قيمته أو ثلث الدية. فإن كان أرش الجناية حال الرق أكثر من قيمته مثل أن قطع يديه ورجليه و أذنيه، فللسيد أقل الأمرين من أرش الجناية، وهو كل القيمة أو ثلث الدية، لأن الجناية متى وجب بها قيم كثيرة فإنها إذا صارت نفسا كان الواجب فيها بدل النفس لا غير، ويدخل أرش الجناية في بدل النفس، فلهذا كان الواجب قيمة واحدة. ومعنى ما قلناه من أن الاعتبار بأرش الجناية لا بعدد الجناة إنما قصد به أنه يقابل بين أرش الجناية وما لزمه من الدية، فيكون للسيد الأقل منهما، وإلا فلا بد من معرفة عدد الجناة لمعنى آخر، وهو أن يعلم بذلك حصة الجاني حال الرق، فإن ذلك لا يعلم إلا بعد معرفة عدد الجناة. فأما من قال عليه أقل الأمرين من ثلث القيمة أو ثلث الدية قال لأنه لو جنا عليه جان وهو ملك للسيد، فلما أعتق جنا عليه آخران في غير ملكه كان كما ولو جنا عليه جان في ملكه وآخران في غير ملكه ثم مات عبدا مثل أن باعه السيد بعد جناية الأول فجنا الآخران عليه في ملك المشتري ثم مات كان عليهم قيمته على كل واحد ثلثها. وهكذا لو جنا عليه الأول ثم ارتد ثم جنا عليه آخران وهو مرتد ثم مات كان على الجاني قبل الردة ثلث قيمته كما أن على الجاني حال الرق ثلث قيمته إذا مات عبدا. فلو أعتق العبد بعد جناية الأول وجنى عليه آخران حال الحرية كان الواجب على الجاني حال الرق ثلث الدية فكان عليه ثلث القيمة إذا مات عبدا، وثلث الدية

[ 40 ]

إذا مات حرا ووجب للسيد من ذلك أقل الأمرين من ثلث قيمته وثلث الدية، لأنه إن كان ثلث القيمة أقل من ثلث الدية فلا شئ للسيد فيما زاد على ثلثه بالسراية حال الحرية، وإن كان ثلث الدية أقل مما وجب عليه بالجناية في ملكه فله ثلث الدية، فلا يلزمه أكثر مما وجب عليه بالجناية في ملكه. فعلى هذا القول إذا أردت التفريع فلا تنظر إلى أرش الجناية قل أو كثر، و انظر إلى عدد الجناة، ثم انظر ما الذي يجب عليه إذا مات عبدا، فقابل بينه وبين ما يجب عليه إذا مات حرا، واجعل للسيد الأقل منهما. بيانه جنى جان حال الرق وآخران حال الحرية، للسيد أقل الأمرين من ثلث قيمته أو ثلث الدية جنا جان حال الرق وثلثة حال الحرية للسيد أقل الأمرين من ربع قيمته أو ربع الدية. جان جنا حال الرق وتسعة حال الحرية للسيد أقل الأمرين من عشر قيمته أو عشر الدية فإذا ثبت هذا فعلى هذين القولين أجر المسائل كلها. فأما إن كان بالضد من هذا، فكان عدد الجناة حال الرق أكثر: جانيان حال الرق وجان حال الحرية قال قوم للسيد أقل الأمرين من أرش الجناية أو ثلثي الدية وقال آخرون له أقل الأمرين من ثلثي القيمة أو ثلثي الدية. ثلثة حال الرق وواحد حال الحرية قولان أحدهما للسيد أقل الأمرين من أرش الجناية أو ثلثة أرباع الدية، والثاني له أقل الأمرين من ثلثة أرباع القيمة أو ثلثة أرباع الدية. تسعة حال الرق وجان حال الحرية قولان أحدهما للسيد أقل الأمرين من أرش الجناية أو تسعة أعشار الدية، والثاني له أقل الأمرين من تسعة أعشار القيمة أو تسعة أعشار الدية. فإن اتفق العددان خمسة حال الرق وخمسة حال الحرية قولان أحدهما له أقل الأمرين من أرش الجناية أو نصف الدية، والثاني له أقل الأمرين من نصف القيمة أو نصف الدية، وهكذا لو جنا عليه جان حال الرق وجان حال الحرية

[ 41 ]

الباب واحد. وقد يتيسر واحد القولين، وهو إذا اتفق أرش الجناية وقدر ما لزمه من الدية على وجه واحد، مثل أن كان أرش الجناية وما وجب عليه من الدية نصف الدية فههنا لا تظهر الفائدة لأنك إن راعيت أرش الجناية كان ونصف الدية سواء، وإن راعيت نصف القيمة كان ونصف الدية سواء، بلى متى اختلفا ظهرت الفائدة. الإمام عندنا لا يأمر بقتل من لا يستحق القتل لعصمته، وأجاز الفقهاء ذلك بناء على مذهبهم، فأما خليفة الإمام فيجوز فيه ذلك، والحكم فيهما سواء بلا خلاف، فيفرض في خليفة الإمام. فإذا أمر خليفة الإمام رجلا بقتل رجل بغير حق نظرت، فإن كان المأمور عالما بذلك لم يجز له قتله، ولا يحل له أن يطيعه لقوله عليه السلام " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " فإن خالف وقبل منه وأطاعه في قتله فعلى القاتل القود والكفارة، لأنه قد قتله جبرا، والآمر لا قود عليه ولا كفارة، لكنه آثم بما فعل وعصا بلا خلاف. وإن كان المأمور يعتقد أن قتله حق وأن الإمام أو خليفته لا يقتل إلا بحق و أن طاعته فيما أمر به من هذا واجبة، فلا قود على المأمور عندهم، لأنه فعل ما هو عنده فرض وطاعة وعلى الآمر القود، لأن المأمور كالآلة، فإذا أمر بقتله فكأنه استعمل آلته في قتله، فكان عليه القود، والولي بالخيار بين القصاص والعفو، ولم يذكر فيه خلاف، والذي يقتضيه مذهبنا أن على المأمور القتل لأنه المباشر، للظواهر كلها. فأما إن أكرهه على قتله فقال إن قتلته وإلا قتلتك لم يحل له قتله، وإن كان خائفا على نفسه، لأن قتل المؤمن لا يستباح بالاكراه على قتله، فإن خالف وقتل فقد أتى كبيرة بقتل نفس محترمة، فأما الضمان فعندنا أن القود على القاتل وعند قوم منهم، وقال بعضهم: عليه وعلى الآمر القود، كأنهما باشرا قتله واشتركا فيه. فإن اختار الولي قتلهما معا كان له، وإن عفا عنهما فعلى كل واحد منهما نصف الدية، والكفارة، وقال آخرون على الآمر القود وحده، وعلى المكره نصف

[ 42 ]

الدية، فإن عفى الولي عن الإمام فعليه نصف الدية، وعلى كل واحد منهما الكفارة فلا يختلف قول الفريقين أن الدية عليهما نصفين، وأن على كل واحد منهما الكفارة وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. فأما الكلام فيمن خرج على الإمام ودعا إلى نفسه وانفرد في منعة كالخوارج والغلاة والبغاة، فالحكم فيه كالحكم في خليفة الإمام سواء حرفا بحرف وأما المتغلب باللصوصية، وهو من خرج متغلبا على موضع لقطع الطريق و اللصوصية، فإذا أمر غيره بقتل رجل ظلما فقتله المأمور، فإن علم المأمور أنه ظلم فالقود عليه بلا خلاف، وإن كان جاهلا أنه بغير حق، فالقود عليه أيضا دون الآمر بلا خلاف، لأن مخالفة طاعته والهرب منه قربة، وإن أكرهه هذا اللص على قتل رجل فقتله فعندنا أن القود على القاتل مثل غيره، وقال قوم القود عليهما، وفيهم من قال: حكمه حكم الإمام إذا أكره غيره على قتل غيره بغير حق، وقد مضى، وفيهم من قال على قولين. إذا كان عبد صغير لا يعقل، ويعتقد أن كل ما يأمره سيده فعليه فعله، أو كان كبيرا أعجميا يعتقد طاعة مولاه واجبة وحتما في كل ما يأمره، ولا يعلم أنه لا طاعة في معصية الله. فإذا كان كذلك فإذا أمره بقتل رجل فقتله فعلى السيد القود، لأن العبد يتصرف عن رأي مولاه، فكان كالآلة له بمنزلة السكين والسيف، وكان على السيد القود وحده. قالوا: أليس لو أمره بسرقة فسرق لا قطع على السيد؟ هلا قلتم مثله ههنا؟ قلنا الفصل بينهما من وجهين أحدهما أن القود يجب بالقتل بالمباشرة وبالسبب فجاز أن يجب القود بالأمر لأنه من الأسباب، وليس كذلك القطع في السرقة لأنه لا يجب إلا عن مباشرة، ولا يجب بالسبب، فلهذا لم يكن هذا السبب مما يجب به القطع عليه. والثاني أن القود لما دخلت النيابة في استيفائه جاز أن يجب القود بالاستنابة

[ 43 ]

فيه، والقطع في السرقة لما لم يدخل الاستنابة فيه لأن المسروق منه لا يستنيب في قطع اللص بحال، فكذلك لم يجب القطع به بالاستنابة فيه، فبان الفصل بينهما. هذا فصل الفقهاء، والذي رواه أصحابنا أن العبد آلته كالسيف والسكين مطلقا، فلا يحتاج إلى ما ذكروه. فأما إن كان هذا العبد بهذه الصفة مملوكا لغيره، ويعتقد أن أمر هذا الآمر طاعة في كل ما يأمره، فأمره بقتل غيره فقتله فالحكم فيه كما لو كان عبد نفسه، والقود على الآمر عندهم، ويقتضي مذهبنا أن القود على القاتل إن كان بالغا. وأما إن أمره بقتله فقال اقتلني فقتله هدر دمه، لأنه كالآلة له قتل نفسه بها، وإن قال له اقتل نفسك أيها العبد فقتل العبد نفسه، فإن كان العبد كبيرا فلا ضمان على الآمر، لأن كل عبد وإن كان جاهلا يعلم أنه لا يجب عليه قتل نفسه بأمر غيره. فإن كان العبد صغيرا أو مجنونا لا يعقل، فقال له اقتل نفسك فقتلها، كان الضمان على الآمر لأن الصغير قد يعتقد هذا حقا، فكان الصغير كالآلة للآمر، فكان عليه الضمان. فأما إن كان المأمور حرا صغيرا يعقل أو كبيرا جاهلا، فأمره بقتل رجل فالقود على الآمر، لأنه كالآلة له، وإن قال له اقتل نفسك فإن كان كبيرا فلا شئ على الآمر لما مضى، وإن كان صغيرا لا تمييز له فعلى الآمر القود، لأنه كالآلة في قتل نفسه. هذا إذا كان المأمور لا يعقل لصغر أو جهالة مع الكبر فأما إن كان المأمور عاقلا مميزا إما بالغا أو صبيا مراهقا فأمره بقتل رجل فقتله فالحكم يتعلق بالمأمور، ويسقط الأمر وحكمه، لأنه إذا كان عاقلا مميزا فقد أقدم على ما يعلم أنه لا يجوز باختياره فإن كان عبدا كبيرا فعليه القود، وإن كان صغيرا فلا قود، ولكن يجب الدية متعلقة برقبته. وما تلك الدية؟ فمن قال إن عمده في حكم العمد، فالدية مغلظة حالة في رقبته، ومن قال عمده في حكم الخطأ فالدية مخففة مؤجلة في رقبته، وعندنا أن

[ 44 ]

خطأه وعمده سواء. وإن كان المأمور حرا فإن كان بالغا فالقود عليه، وإن كان غير بالغ فلا قود، ووجبت الدية، فمن قال عمده عمد، قال: الدية مغلظة حالة في ماله، ومن قال عمده خطأ، فالدية مخففة مؤجلة على العاقلة وهو مذهبنا. فأما إن كان مراهقا عاقلا مميزا فأكرهه خليفة الإمام على قتل رجل فقتله، فلا قود عندهم على المكره قولا واحدا، وهل على المكره؟ على قولين: فمن قال عمد الصبي عمد فعلى المكره القود لأنه قتل عمد، فالمكره كأجنبي شارك الأب في قتل ولده، فعلى الأجنبي القود، وكذلك ههنا على المكره القود، وعلى المكره نصف الدية مغلظة حالة في ماله. ومن قال عمده في حكم الخطأ قال لا قود على المكره لأنه شارك الخاطئ لكن عليه نصف الدية حالة مغلظة، وعلى المكره نصف الدية مخففة مؤجلة على العاقلة. والذي يقتضيه عموم أخبارنا أن المراهق إذا كان جاز عشر سنين فإنه يجب عليه القود، وإن عمده عمد، وقد بينا أن الاكراه لا يصح في القتل فالقود ههنا عليه خاصة. وأما إذا لم يكن عاقلا ولا مميزا فعمده وخطأه سواء في الدية -: فإذا انفرد بالقتل كانت على عاقلته الدية، وإن أكرهه غيره على ذلك ينبغي أن نقول إن الدية بينهما نصفان ولا قود، لأن فعل المكره كأنه فعل المكره ولا عقل له ولا تميز يمنعه منه، غير أنه لا يجب عليه القود لأنه شاركه فعل الخاطئ. إذا سقاه سما يقتل غالبا فإن أكرهه على ذلك مثل أن أوجره إياه وصبه في خلقه، وذكر أنه يقتل غالبا، فعليه القود، لأنه قتله بما يقتل به غالبا كالسيف و السكين والمثقل، وإن قال الساقي لا يقتل غالبا فإن صدقه الولي فلا قود، وإن كذبه وأقام الولي البينة أنه يقتل غالبا فعليه القود، كما لو ثبت ذلك باعترافه، وإن لم يكن معه بينة ومع الساقي بينة أنه سم لا يقتل غالبا فلا قود عليه، وعليه الدية، لأن البينة إذا ثبتت لم يلتفت إلى قول الولي.

[ 45 ]

فإن لم يكن مع واحد منهما بينة فقال الولي يقتل غالبا وقال الساقي لا يقتل غالبا، فالقول قول الساقي، لأنه اعترف بصفة ما سقاه، ولأن الأصل براءة ذمته، فإن قالت البينة هذا السم يقتل النضو النحيف والضعيف الخلقة، ولا يقتل القوي الشديد، فإن كان المقتول نضوا فعليه القود، وإن كان قويا فلا قود وعليه الدية. وإن كان السم يقتل غالبا وقال الساقي لم أعلم أنه يقتل غالبا قال قوم: لا قود عليه لأنه ذكر شبهة، والقود يسقط بالشبهة، وعليه الدية، وقال آخرون لا يقبل قوله وعليه القود وهو الأقوى عندي، لأنه قد فعل فعلا يقتل غالبا وقوله لم أعلم أنه يقتل غالبا لا يقبل قوله فيه. فإن كان السم يقتل غالبا فجعله في طعام، فإن لم يكسر الطعام حدته ولم يعد له فهو كالسم البحت، وإن عدله وأخرجه عن القتل غالبا فلا قود. هذا كله إذا أكرهه على أكله أو شربه، فأما إن لم يكرهه فإن ناوله فشرب فإن كان الشارب صبيا لا يعقل أو مجنونا أو أعجميا لا يعقل فناوله فشرب فمات فعليه القود. فأما إن جعل السم في الطعام فأكله الغير لم يخل من أحد أمرين إما أن يجعله في طعام نفسه أو طعام غيره، فإن جعله في طعام نفسه وأطعمه إياه، فإن قال هذا سم فأخذه وأكل، فلا ضمان على المطعم، سواء قال له فيه سم يقتل غالبا أو لم يقل لأنه هو المختار لقتل نفسه، فهو كما لو ناوله سيفا فقتل به نفسه. وأما إن لم يعلمه فقدمه إليه أو ناوله فأكل منه، قال قوم عليه القود وهو الأقوى عندي، لأنه لم يختر شرب ذلك بدليل أنه لو علم به لم يأكله، وقال آخرون لا قود عليه، لأنه الذي أكله باختياره، فكان شبهة في سقوط القود عنه. فمن قال عليه القود، فلا كلام، ومن قال لا قود، قال عليه الدية بلا شبهة، لأنه مات بسبب كان منه بغير علمه، فأقل الأحوال وجوب الدية. فأما إن جعل هذا الطعام المسموم في دار نفسه فدخل الغير فأكله، فلا ضمان على صاحب الطعام، لأن الآكل هو الذي تعدى بدخول دار غيره بغير أمره، فإذا هلك فلا ضمان على صاحب الدار كما لو دخل إليها فسقط في بئر فمات فلا ضمان.

[ 46 ]

فأما إن خلطه بطعام غيره ضمن صاحب الطعام لأنه أتلفه على مالكه، فإن جعله في بيت مالكه ولا علم له بالسم فدخل بيت نفسه فوجد طعامه فأكله، فالأقوى عندي أن عليه القود، وقال قوم لا ضمان عليه بحال، وقال قوم لا قود وعليه الدية. إذا كتفه وقيده وطرحه في أرض مسبعة فافترسه السبع فأكله، فلا ضمان عليه لأنه بمنزلة الممسك والذابح غيره، ولو أمسكه على غيره فقتله الغير فلا ضمان على الممسك. وإذا رماه بين يدي السبع في فضاء أو رمى السبع بالقرب منه، فقتله السبع، قالوا لا ضمان عليه لأن السبع يفر مما جرى هذا المجرى. ويقوى في نفسي أن عليه الضمان في المسئلتين وإذا حبسه مع السبع في موضع من بيت أو بئر فقتله السبع فعليه القود، لأنه اضطره إلى قتله. هذا إذا بقر بطنه أو قتله فأما إن جرحه جرحا فسرى إلى نفسه نظرت، فإن كان جرحا يقتل غالبا فعليه القود، وإلا فلا قود عليه، وعليه الدية، لأنه بمنزلة الآلة، فهو كما لو تلبس هو بالجناية فإنه هكذا. وأما الحية فإن كتفه وألقاه في أرض ذات حيات فقتلته فلا ضمان لما مضى، و إن ألقاه إلى حية أو ألقى الحية عليه فلا ضمان أيضا، وإن حاصره معها في مضيق فقتله قالوا لا قود، لأن الحية تهرب من الانسان في مضيق غالبا، ويفارق الأسد، لأنه يقتل في المضايق غالبا، فبان الفصل بينهما، فأما إن أمسك حية فأنهشه إياها فلا فرق بين أن يضغطها أو لا يضغطها الحكم واحد، لأنها تعض سواء ضغطها أو لم يفعل ذلك. فإن قتله الحية فإن كانت تقتل غالبا مثل حيات السراة والأصحر قرب الطايف أفاعي مكة، وثعبان مصر، وعقارب نصيبين، فعليه القود لأنها تقتل غالبا وإن كان لا يقتل غالبا مثل ثعبان الحجاز، وعقرب صغيرة، قال قوم لا قود لأنه لا يقتل غالبا وعليه الدية، وقال آخرون عليه القود لأنه من جنس ما يقتل غالبا وهكذا الحكم فيه إذا ألقمه أو أعضه إياه فجرحه الأسد فالحكم فيه كالحية سواء، لأنه جعله كالآلة.

[ 47 ]

إذا قتل مرتد نصرانيا له ذمة ببذل أو جزية أو عهد، قال قوم: عليه القود، و قال آخرون لا قود عليه، سواء رجع إلى الاسلام أو أقام على الكفر، ويقوى في نفسي أنه إن أقام على الكفر أنه يجب عليه القود، وإن رجع فلا قود عليه فمن قال لا قود عليه قال عليه دية نصراني فإن رجع كانت في ذمته، وإن مات أو قتل في ردته تعلقت بتركته يستوفي منها، والباقي لبيت المال عندهم، وعندنا لورثته المسلمين. ومن قال عليه القود، فإن رجع إلى الاسلام فالقود بحاله، وولي القتيل بالخيار بين القود والعفو، وأخذ الدية، فإن اختار القود قتله قودا، وكان مقدما على القتل بالردة، لأنه حق لآدمي، وإن اختار العفو قتل بالردة وكانت الدية في تركته و الباقي لمن ذكرناه. فإن جرح مسلم نصرانيا ثم ارتد الجارح ثم سرى إلى نفسه فمات، فليس على المرتد قود، لعدم التكافؤ حال الجناية، ويفارق هذا إذا قتله وهو مرتد لوجود التكافؤ حال القتل. فرع: فأما إن قتل نصراني مرتدا ففيها ثلثة أوجه: قال قوم لا قود عليه ولا دية وقال آخرون عليه القود، فإن عفا عنه فعليه الدية وهو الأقوى عندي، لأن المرتد وإن وجب قتله فإنما قتله إلى أهل ملته، والإمام، فإذا قتله غيره كان القود عليه، كمن وجب عليه القصاص، فإن قتله غير ولي المقتول كان عليه القود. وقال بعضهم عليه القود فإذا عفا عنه فلا دية أما القود فلأنه قتل من يعتقد مكافيا له، لأنه عاد عنده إلى دين حق فقد قتل من لا يجوز له قتله، فكان عليه القود وأما الدية فإنما يجب عليه بقتل نفس لها حرمة، وهذه لا حرمة لها، والصحيح عندهم الأول، لأنه لا ضمان عليه بحال، لأنه مباح الدم لكفره، فإذا قتله نصراني فلا قود عليه كالحربي، وقد بينا أن الأقوى عندنا الثاني لقوله " النفس بالنفس " و لقوله تعالى: " الحر بالحر " وذلك على عمومه إلا ما خصه الدليل. فأما من زنا وهو محصن فقد وجب قتله، وصار مباح الدم، وعلى الإمام قتله فإن قتله رجل من المسلمين قال قوم عليه القود لأنه قتله من ليس إليه القتل، كما لو

[ 48 ]

وجب عليه القود فقتله غير الولي، وقال آخرون لا قود عليه وهو الأقوى عندي، لما روي أن رجلا قتل رجلا فادعى أنه وجده مع امرأته، فقال أمير المؤمنين عليه السلام عليه القود، إلا أن يأتي ببينة، فأوجب عليه القود مع عدم البينة ونفاه مع قيام البينة. وروي أن سعدا قال: يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: نعم، فدل على أنه إذا أتى بأربعة شهداء لم يمهله. وفي بعضها قال: يا رسول الله أقتله؟ قال: كفى بالسيف شا، أراد أن يقول شاهدا ثم وقف فقال: لا. وروى علي بن أبي طالب عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال لأبي بكر لو وجدت مع امرأتك رجلا ما كنت صانعا به؟ قال أقتله وقال لعمر: لو وجدت مع امرأتك رجلا ما كنت صانعا به قال أقتله، فقال لسهيل بن بيضاء لو وجدت مع امرأتك رجلا ما كنت صانعا به؟ قال أقول لها لعنك الله يا خبيثة، وأقول له لعنك الله يا خبيث، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: سهيل أراد التأول. فموضع الدلالة أن النبي صلى الله عليه وآله أقر أبا بكر وعمر على ما قالا. وروى سعيد بن المسيب أن رجلا من أهل الشام يقال له ابن خيبري وجد مع امرأته رجلا فقتله وقتلها فأشكل على معوية القضاء فيه، فكتب معوية إلى أبي موسى الأشعري يسئل له عن ذلك علي بن أبي طالب فقال علي عليه السلام: إن هذا الشئ ما هو بأرضنا، عزمت عليك لتخبرني، فقال أبو موسى الأشعري كتب إلى في ذلك معوية، فقال عل أنا أبو حسن وفي بعضها: القود إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته. وروى الشعبي قال غزا معنا رجل فاستخلف أخاه على امرأته فأتته امرأة فقالت له: هل لك في امرأة أخيك عندها رجل يحدثها؟ فنصب السلم فعلا على السطح واطلع عليهما فإذا هي تنتف له دجاجة وهو يرتجز ويقول: وأشعث غره الاسلام مني * خلوت بعرسه ليل التمام أبيت على ترائبها ويمشي * على جرداء لاحقة الحزام كأن مواضع الربلات منها * فيام ينظرون إلى فيام

[ 49 ]

قال فنزل فقتله ورمى بجيفته إلى الطريق، فبلغ ذلك عمر فقال انشد الله عبدا عنده علم هذا القتيل إلا أخبرني، فقام الرجل فأخبره بما كان فأهدر عمر دمه، وقال أبعده الله، وأسحقه الله، قالوا إنما أهدر دمه لأنه علم صحته. إذا أمسك رجلا فجاء آخر فقتله فعلى القاتل القود بلا خلاف، وأما الممسك فإن كان مازحا متلاعبا فلا شئ عليه، وإن كان أمسكه للقتل أو ليضربه ولم يعلم أنه يقتله فقد عصى ربه. وروى أصحابنا أنه يحبس حتى يموت، وقال بعضهم يعزر ولا شئ عليه غيره وقال بعضهم إن كان مازحا عزر، وإن كان للقتل فعليهما القود. وأما الرائي فلا يجب عليه القود عندنا وعند جماعة، وروى أصحابنا أنه يسمل عينه، وقال قوم يجب عليه القتل. إذا جنى عليه جناية أتلف بها عضوا مثل إيضاح رأس أو قطع طرف، فإن كان بآلة يكون فيها تلف هذا العضو غالبا فعليه القود، وإن كان بآلة لا يقطع غالبا فهو عمد الخطأ، فلا قود، لأن الأطراف يجري مجرى النفس، بدليل أنا نقطع الجماعة بالواحد كما نقتل الجماعة بالواحد. ثم ثبت أنه لو قتله بآلة يقصد بها القتل غالبا فعليه القود، وإن لم يكن القتل بها غالبا فلا قود فكذلك الأعضاء، وذلك مثل أن رماه بحجر صغير فأوضحه، وكان هذا مما يوضح غالبا ولا يقتل غالبا، فإن مات منه فالقصاص واجب في الموضحة، دون النفس، لأنا نعتبر كل واحد من الأمرين على طبقه. إذا جنى على عين الرجل فإن قلع الحدقة وأبانها وجعله نحيفا فعليه القود لقوله " والعين والعين " وليس للمجني عليه أن يليه بنفسه، لأنه أعمى لا يرى كيف يصنع، فربما جنى فأخذ أكثر من حقه، لكنه يوكل فإذا وكل قال قوم له أن يقتص بأصبعه فإنه إذا لوى أصبعه ومكنها من الحدقة تناولها من محلها بسرعة، لأنه أقرب إلى المماثلة ومنهم من قال لا يقتص بالأصبع، لكن بالحديد، لأن الحديد إذا عوج رأسه كان أعجل وأوحى من الإصبع، وهو الأقوى عندي.

[ 50 ]

وأما إن جنى عليها فذهب بضوئها، والحدقة باقية بحالها، مثل أن لكمه أو لطمه أو دق رأسه بشئ فنزل الماء في عينيه، فعليه القود في الضوء لأن ضوء العين كالنفس، ويصنع بالجاني مثل ما صنع من لكمة أو لطمة أو ما فعل به عندهم، لا لأن هذا فيه القصاص، لكنه به يستوفي القصاص. فإن ذهب البصر بذلك فلا كلام، وإن لم يذهب فإن أمكن أن يذهب به بعلاج كدواء يذر فيها، أو شئ يوضع عليها، فيذهب البصر دون الحدقة، فعل، فإن لم يمكن ذلك قرب إليها حديدة محمية حتى يذهب بصره، فإن لم يذهب وخيف أن يذهب الحدقة، ترك وأخذت دية العين لئلا يأخذ المجني عليه أكثر من حقه. والذي رواه أصحابنا في هذه القضية أن يحمي حديدة ويبل قطن يوضع على الأجفان لئلا يحترق، وتقرب منه الحديدة حتى تذوب الناظرة وتبقى الحدقة. إذا قتل الصبي أو المجنون رجلا فلا قصاص على واحد منهما لقوله عليه السلام " رفع القلم عن ثلثة عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى ينتبه، وعن المجنون حتى يفيق، ويجب فيها الدية وما تلك الدية؟ قال قوم: هو في حكم العمد، وقال آخرون هو في حكم الخطاء، وهو مذهبنا. فمن قال في حكم العمد، قال الدية مغلظة حالة في ماله، ومن قال في حكم الخطأ على ما نذهب إليه، قال الدية مخففة مؤجلة على العاقلة. وأما السكران فالحكم فيه كالصاحي، وأما من جن بسبب هو غير معذور فيه مثل أن يشرب الأدوية المجننة، فذهب عقله فهو كالسكران. إذا قطع ذكر رجل وأنثييه فعليه القود فيهما، لأن كل واحد منهما عضو له حد ينتهي إليه يقتص عليهما ويقطعهما مع تلك الجلدة، وأما الشفران فهما الأسكتان المحيطان بالفرج بمنزلة الشفتين من الفم، وهو للنساء خاصة، فظاهر مذهبنا يقتضي أن فيهما القصاص، ولا قود فيهما بحال عند قوم، لأنه لحم ليس له حد ينتهي إليه فهو كالأليتين ولحم العضد والفخذ، وعضلة الساق، فكل هذا لا قصاص فيه، ففي الشفرين الدية، وفي الذكر والأنثيين القصاص، فإن عفي ففي كل واحد منهما

[ 51 ]

كمال الدية في الذكر الدية، وفي الأنثيين كمال الدية. فإن كان المجني عليه خنثى مشكل له ذكر الرجال وفرج النساء، فقطع قاطع ذكره وأنثييه وشفريه، لم يخل حاله من أحد أمرين إما أن يصبر حتى يتبين أمره أو لا يصبر، فإن صبر حتى بان أمره لم يخل من أحد أمرين إما أن يتبين ذكرا أو أنثى. فإن بان ذكرا نظرت في الجاني فإن كان رجلا فعليه القود في الذكر والأنثيين وحكومة في الشفرين، لأنهما من الرجل خلقة زايدة، وإن كان الجاني امرأة فلا قود عليها في شئ ولكن عليها في الذكر والأنثيين ديتان، لأن هذا خلقة أصلية، وعليها حكومة في الشفرين لأنهما من الرجل خلقة زايدة. هذا إذا بان رجلا فأما إن بان امرأة نظرت في الجاني، فإن كان رجلا فلا قود، لأن الذكر والأنثيين منها خلقة زائدة، وهي من الرجل خلقة أصلية، وعليه فيهما حكومة وعليه في الشفرين الدية. وإن كان الجاني امرأة فلا قصاص ههنا، لأنه لا قصاص في الشفرين، لكن عليها في الشفرين الدية، وفي الذكر والأنثيين حكومة. هذا إذا صبر حتى بان أمره، فإن لم يصبر لم يخل من أحد أمرين إما أن يطالب بالقصاص أو بالدية، فإن طالب بالقصاص فلا قصاص له، لأنا لا نعلم فيما وجب له القصاص، فإنه يحتمل أن يكون له القصاص في الذكر والأنثيين، ويحتمل أن يكون أنثى فلا قصاص له بحال. وإن قال أطالب بالدية لم يخل من أحد أمرين إما أن يطالب بالدية ويعفو عن القصاص، أو لا يعفو، فإن طالب بها وعفا عن القصاص صح عفوه عن القصاص و أعطي من الدية اليقين: وهو دية الشفرين، لأنا نقطع أن حقه لا يقصر عنهما، ويعطيه حكومة في الذكر والأنثيين، لأنه اليقين، فإن بان امرأة فقد استوفى حقه وإن بان رجلا بان أنه يستحق دية في الذكر، ودية في الأنثيين، وحكومة في الشفرين فيكمل ذلك له مع الذي استوفاه. وأما إن قال أطالب بالدية ولا أعفو عن القصاص حتى يتبين الأمر، قلنا له لا دية لك مع بقاء القصاص، لأنه إن كان كل القصاص في الذكر والأنثيين، فلا دية

[ 52 ]

لك في الشفرين فمن المحال أن يكون لك الدية مع بقاء القصاص. فإن قال إذا لم يكن لي دية فهل أستحق أن آخذ حكومة ما أم لا؟ قال بعضهم لا يعطى شيئا بحال لأنا نجهل حكومة ماذا تستحق لأنه إن كان ذكرا فله حكومة الشفرين، وإن كان أنثى فله حكومة الذكر والأنثيين، فإذا جهلنا الحكومة في ذلك فلا حكومة لك. وقال آخرون وهو الأصح: إن له حكومة، لأن الجهل بعين الحكومة ليس جهلا بأن له حكومة، وأن حقه لا ينفك عن حكومة، سواء بان امرأة أو رجلا فعلى هذا يجب أن يدفع إليه حكومة. فمن قال لا يدفع إليه فلا كلام، ومن قال له حكومة فما هي؟ قال بعضهم: له حكومة ما قطع منه آخرا لأنه يكون تقويما بعد الجناية والتقويم بعد الجناية دون التقويم قبلها، وليس بشئ والصحيح أن يعطى حكومة الشفرين، لأنه أقل ما يأخذ حكومته، فإنها دون ذكر الرجل وأنثييه. إذا قتل عمدا محضا ما الذي يجب عليه؟ قال قوم القتل أوجب أحد شيئين: القود أو الدية، فكل واحد منهما أصل في نفسه، فإن اختار أحدهما ثبت وسقط الآخر وإن عفى عن أحدهما سقط الآخر فعلى هذا موجب القتل القود أو الدية. وقال آخرون القتل أوجب القود فقط، والولي بالخيار بين أن يقتل أو يعفو فإن قتل فلا كلام، وإن عفا على مال سقط القود، وثبتت الدية، بدلا عن القود، فيكون الدية على هذا بدلا عن بدل وعلى المذهبين معا يثبت الدية بالعفو سواء رضي الجاني ذلك أو لم يرض، وفيه خلاف. والذي نص أصحابنا عليه واقتضته أخبارهم أن القتل يوجب القود والولي بالخيار بين أن يقتل أو يعفو فإن قتل فلا كلام وإن عفا لم يثبت الدية إلا برضى الجاني وإن بذل القود ولم يقبل الدية لم يكن للولي عليه غيره فإن طلب الولي الدية وبذلها الجاني، كانت فيه الدية مقدرة على ما نذكره في الديات، فإن لم يرض بها الولي جاز أن يفادي نفسه بالزيادة عليها على ما يتراضيان عليه.

[ 53 ]

وإذا قلنا إن القتل يوجب القود فقط، فإن عفا عن الدية لم يسقط، لأنه عفا عما لم يجب له كما لو عفا عن الشفعة قبل البيع وإن عفا عن القود فإما أن يعفو على مال أو على غير مال أو يطلق، فإن عفى على مال ثبت المال، وإن عفى على غير مال سقط القود. ولم يجب المال. وإن أطلق قال قوم يسقط القود إلى غير مال، وهو الذي يقتضيه مذهبنا، لأن الذي وجب له هو القود، فإذا عفى عنه فقد عفى عن كل ما وجب له، ومنهم من قال يجب المال بمجرد العفو. ومن قال يوجب أحد شيئين القود أو الدية فالكلام في فصلين إذا اختار وإذا عفا، فإن اختار الدية تعينت وسقط القود لأنه إذا كان مخيرا فيهما فإذا اختار أحدهما تعين وسقط الآخر، فإن أراد العدول بعد هذا إلى القود لم يكن له، لأنه يعدل عن الأدنى إلى ما هو أعلى، وإن اختار القصاص تعين وسقطت الدية فإن أراد ههنا أن يعفو على مال قال قوم ليس له ذلك، وقال آخرون: يجوز أن يعدل عنه إلى الدية فإنه لا يمتنع أن يعود إلى ما كان له بعد تركه. فأما العفو فإن عفا عن الدية ثبت القصاص، وإن عفا عن القصاص أولا فأما أن يعفو على مال أو غير مال أو يطلق فإن عفا على غير مال سقط المال، لأنه قد وجب له أحد شيئين، فإذا عفا عن أحدهما ثبت الآخر، وقوله على غير مال إسقاط بعد ثبوته، وإن عفا على مال ثبت المال لأنه وجب له أحدهما لا بعينه، فإذا عفا عن أحدهما على ثبوت الآخر ثبت وإن عفا مطلقا ثبت المال. والفرق بين هذا وبين القول الأول أن ههنا أوجب أحد شيئين القود أو المال فإذا عفا عن أحدهما مطلقا علم أنه أراد استبقاء الآخر، وليس كذلك إذا قيل أوجب القود فقط، لأن الواجب هناك القود لا غير، فإذا أطلق العفو لم يجب شئ لأنه قد عفا عن كل ما وجب له، فلهذا لم يجب له شئ. إذا كان القتل قتلا يجب به الدية وهو الخطأ المحض، وعمد الخطأ، وعمد لا يجب به القود: مثل أن قتل الوالد ولده، أو قتل المسلم كافرا وجبت الدية، وكانت

[ 54 ]

ميراثا لجميع ورثته ممن يرث تركته من المال الذكور منهم والإناث، وسواء كان الميراث بنسب أو سبب وهي الزوجية أو ولاء، ولم يختلفوا أن العقل موروث كالمال لقوله تعالى " ومن يقتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله " والأهل عبارة عن جميع هؤلاء. وأما الكلام في القصاص وهو إذا قتل عمدا محضا فإنه كالدية في الميراث، يرثه من يرثها، فالدية يرثها من يرث المال، والقود يرثه من يرث الدية والمال معا. هذا مذهب الأكثر وقال قوم يرثه العصبات من الرجال دون النساء، وفيه خلاف، والأقوى عندي الأول. وإن كان الثاني قد ذهب إليه جماعة من أصحابنا، وذكرناه نحن في النهاية ومختصر الفرائض، فأما الزوج والزوجة فلا خلاف بين أصحابنا أنه لا حظ لهما في القصاص، ولهما نصيبهما من الميراث من الدية. فإذا ورثه ورثته فإن كانوا أهل رشد لا يولى عليهم فليس لبعضهم أن يستوفيه بغير إذن شريكه، فإن كان شريكه حاضرا فحتى يستأذنه وإن كان غائبا فحتى يحضر الغائب ولا خلاف في هذين الفصلين عندهم، وعندنا له أن يستوفيه بشرط أن يضمن للباقين ما يخصهم من الدية. وأما إن كان بعضهم رشيدا لا يولى عليه وبعضهم يولى عليه، مثل أن كانوا إخوة بعضهم صغارا ومجانين، وبعضهم عقلاء بالغون، لم يكن للكبير أن يستوفي حق الصغير بل يصبر حتى يبلغ الطفل ويفيق المجنون، أو يموت، فيقوم وارثه مقامه، وفيه خلاف. وعندنا أن للرشيد أن يستوفي حق نفسه من الدية والقصاص، فإن اقتص ضمن للباقين نصيبهم من الدية، وإن أخذ الدية كان للصغار إذا بلغوا القصاص بشرط أن يرد على أولياء القاتل ما غرمه من الدية، أو عفا عنه بعضهم، فإن لم يرد لم يكن له غير استيفاء حقه من الدية، ويبطل القصاص. فإن كان الوارث واحدا يولى عليه مجنون أو صغير وله أب أو جد مثل أن قتلت أمه وقد طلقها أبوه فالقود له وحده، وليس لأبيه أن يستوفيه بل يصبر حتى إذا بلغ

[ 55 ]

كان ذلك إليه، وسواء كان القصاص طرفا أو نفسا، وسواء كان الولي أبا أو جدا أو الوصي الباب واحد، وفيه خلاف. فإذا ثبت أنه ليس للوالد أن يقتص لولده الطفل أو المجنون، فإن القاتل يحبس حتى يبلغ الصبي ويفيق المجنون، لأن في الحبس منفعتهما معا: للقاتل بالعيش ولهذا بالاستيثاق، فإذا ثبت هذا فأراد الولي أن يعفو على مال، فإن كان الطفل في كفاية لم يكن ذلك له لأنه يفوت عليه التشفي، وعندنا له ذلك، لأن له القصاص على ما قلناه إذا بلغ، فلا يبطل التشفي. وإن كان فقيرا لا مال له، قال قوم له العفو على مال، لأن المال خير من التشفي وقال آخرون ليس له العفو على مال، لأنه إذا لم يكن له مال كانت نفقته في بيت المال، قالوا والأول أصح، وعندنا له ذلك لما بيناه إذا وجب القصاص لاثنين فعفى أحدهما عن القصاص لم يسقط حق أخيه عندنا، وله أن يقتص إذا رد على أولياء القاتل قدر ما عفا عنه، ويسقط حقه فقط، وقال بعضهم يسقط حقه وحق أخيه وادعوا أنه إجماع الصحابة، وقد بينا أنا نخالف فيه قالوا إذا ثبت ذلك فإن حق الذي لم يعف ثبت في الدية، وأما حق العافي سقط من القصاص، ويثبت له المال إن عفا على مال أو مطلقا، وإن عفا على غير مال سقط المال. إذا وجب القصاص لمفلس لم يخل من أحد أمرين إما أن يجب له قبل الحجر عليه أو بعده فإن كان قبل الحجر فهو كالموسر، وفيه المسائل الثلاث، إن عفا على مال ثبت المال، وإن عفا على غير مال سقط، وإن عفا مطلقا عندنا يسقط، وقال بعضهم لا يسقط المال، وأما إن كان بعد الحجر عليه، فالحكم فيه وفيمن مات وعليه دين و خلف قودا وفي المحجور عليه لسفه وفي المريض سواء، والكلام في هؤلاء الأربعة يتكلم عليهم في الجملة. فلهم العفو عن القود، فإذا عفوا ففيه المسائل الثلاث إن عفوا على مال ثبت المال وإذا وجب صرف في حقه، أما المفلس فيقسم الدية بين الغرماء، وكذلك وارث الميت والمحجور عليه لسفه يستوفيه له وليه، والمريض يستوفيه لنفسه كسائر الأموال، و

[ 56 ]

إن عفوا مطلقا فمن قال أوجب أحد شيئين ثبت المال وصرف في حقوقه على ما مضى، ومن قال يوجب القود فقد سقط حق القود، ولم يجب المال. وليس للغرماء إجباره على العفو على مال لأنه إنما يجب بالاختيار والاختيار اكتساب، فليس لهم إجباره على اكتساب المال، فإن عفوا على غير مال فإن المفلس و وارث الميت الذي عليه الدين والمحجور عليه لسفه الحكم فيهم واحد، وهو كما لو عفوا مطلقا وقد مضى شرحه. والذي رواه أصحابنا أنه إذا كان عليه دين لم يكن لوليه العفو على غير مال، ولا القود إلا أن يضمن حق الغرماء، وأما المريض فإنه يعتبر ذلك في حقه من الثلث. إذا وجب له على غيره قصاص لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون نفسا أو طرفا فإن كان نفسا فلولي الدم أن يقتص بنفسه لقوله تعالى " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا " وليس له أن يضرب رقبته إلا بسيف غير مسموم، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إن الله كتب عليكم الاحسان، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته، فإذا أمر بذل في البهايم ففي الآدميين أولى. فإن كان معه سيف كال غير مسموم أو صارم مسموم لم يكن له، لأن في الكال تعذيبه، والمسموم لا يمكن غسله لأنه يهريه، ويقتضي مذهبنا جوازه لأنه يغتسل أولا ويتكفن ثم يقام عليه القود، ولا يغسل بعد موته فإن حصرت الآلة في سيف صارم غير مسموم مكن من الاستيفاء بضرب الرقبة فإن ضرب الرقبة وقطع الرأس فقد استوفا حقه، وإن ضرب على غير الرقبة سألناه فإن قال عمدت إليه قال قوم يعزر لأنه جنى عليه بأن جرحه في غير موضع الجرح، وإن قال أخطأت نظرت، فإن كان مما لا يخطى فيه في العادة مثل أن ضرب رجله أو فخذه أو وسطه لم يقبل قوله أنه أخطأ وإن كان قد يخطي ولا يخطي والغالب أنه لا يخطي، كما لو ضربه في حرف رأسه لم يقبل قوله وعزر، وإن كان مثله يخطي به مثل أن ضربه على رأسه بالقرب من الرقبة أو على أكتافه بالقرب من الرقبة، فالقول قوله مع يمينه أنه أخطأ، فإن حلف وإلا عزر. فإذا ثبت هذا فهل له أن يكمل الاستيفاء أم لا؟ قال بعضهم: ليس له ذلك، و

[ 57 ]

يقال: له وكل من يحسن الاستيفاء، وقال آخرون يمكن ثانيا ليستوفيه. والذي نقوله أنه إن كان لا يحسن وكل وإن كان يحسن استوفاه، وأما إن كان القصاص في الطرف، لم يمكن ولي القطع من قطعه بنفسه، لأنه لا يؤمن أن يكون من حرصه على التشفي أن يقطع منه في غير موضع القطع، فيجني عليه، ويفارق النفس، لأنه قد استحق إتلاف جملتها. التوكيل في إثبات القصاص جايز فإن استوفاه الوكيل بمشهد منه جاز لأنه ليس فيه تغرير بهدر الدماء، وإن أراد الاستيفاء بغيبة من الموكل، منهم من قال يجوز، و منهم من قال لا يجوز إلا بمشهد منه، والذي يقتضيه مذهبنا أنه يجوز. وأما التوكيل بالاستيفاء بغيبة منه، منهم من قال العقد باطل إذا قيل لا يستوفيه إلا بمشهد منه، وقال آخرون يصح التوكيل. إذا قال يستوفيه بغيبة منه وهو الصحيح عندنا، فمتى اقتص الوكيل قبل عفو الموكل وقع الاقتصاص موقعه، سواء قيل يصح التوكيل أو لا يصح لأنه إن كان صحيحا فلا إشكال فيه، وإن كان فاسدا فهو استيفاء بإذن فلا يضر فساد العقد. فأما إن عفا الموكل عن القود، فإن حكم العفو وتصرف الوكيل لا يختلف، سواء قيل الوكالة صحيحة أو فاسدة، فإذا عفا الموكل عن القود، ففيها ثلاث مسائل: إحداها عفا بعد أن قتل الوكيل كان عفوه باطلا لأنه عفا لا عن حق. الثانية عفا عن القود، وعلم به الوكيل فلم يلتفت إلى هذا، وقتل القاتل فالحكم متعلق بالوكيل وحده، وكان عليه القود لأنه قتله بعد علمه بالعفو، فهو كما لو قتله ابتداء. الثالثة قتله الوكيل بعد العفو، وقبل العلم بالعفو، قال قوم لا ضمان عليه، و قال آخرون عليه الدية، وذلك أنه مبني على أنه هل يصح عفوه أم لا؟ فقال بعضهم صح، وقال آخرون لم يصح، وهذه أصل المسألة. الموكل إذا فسخ الوكالة بغير علم الوكيل هل ينفسخ الوكالة أم لا، على وجهين بناء على هذه المسألة أحدهما يصح وهو الصحيح عندهم، والآخر لا يصح، وقد روى

[ 58 ]

أصحابنا القولين والأظهر أنه لا يصح، فمن قال لا يصح عفوه كان وجود العفو وعدمه سواء إذا قتله قصاصا، ولا ضمان على أحد بقتله، ومنهم من قال على الوكيل الكفارة. ومن قال عفوه صحيح، قال: قتل نفسا محقونة الدم غير أنه لا قود عليه، لأنه قتل بسبب سائغ غير مفرط فيه، كالقاتل بتأويل سائغ جايز لا قود عليه، غير أن عليه الدية، لأن عفوه قد صح. فإذا ثبت أن عليه الدية فإنها دية مغلظة يجب في ذمته عند قوم، وقال آخرون مؤجلة على العاقلة، لأنه إنما قتله معتقدا أنه مباح الدم وأخطأ ظنه فيه، فكان بمنزلة الخطأ، والأول عندهم أصح. فمن قال على العاقلة فلا تفريع، ومن قال عليه، فهل يرجع بها على موكله أم لا؟ الصحيح عندهم أنه لا يرجع عليه بشئ، لأنه قد عفا عن القود وقد أحسن في فعله، وقال بعضهم يرجع عليه به، لأنه غره بالعفو من غير علمه، والذي يقتضيه أظهر رواياتنا أن عليه الدية، ويرجع بها على الذي عفا لأنه لم يعلمه العفو. فمن قال يرجع فلا تفريع، ومن قال لا يرجع فقد استقرت الدية عليه، وأما الموكل فهل يستحق بالعفو شيئا أم لا؟ نظرت، فإن عفا على غير مال لم يجب المال، وإن عفا مطلقا فعلى قولين: فمن قال أوجب القتل القود على ما نقوله، قال لا يثبت المال، ومن قال أحد شيئين قال وجبت الدية في تركة المقتول. وهكذا إذا عفى على مال وجبت الدية في تركة المقتول، ولورثة هذا الجاني الذي قتله الوكيل الدية على الوكيل، وللموكل عليهم الدية يرجع الموكل عليهم، ويرجعون هم على الوكيل، ويرجع الوكيل على الموكل على ما قلناه، ولا يرجع الموكل على الوكيل بشئ. إذا وجب القصاص على حامل أو على حايل فلم يقتص منها حتى حملت فإنه لا يستقاد منها وهي حامل لقوله " والأنثى بالأنثى " ولم يقل الأنثى وحملها بالأنثى وقال " فلا يسرف في القتل " وقال " فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " وهذا يزيد على المثل.

[ 59 ]

فإذا وضعته فعليها أن ترضعه اللبأ الذي لا يقوم بدنه إلا به، لأنه يقال المولود به يعيش، فإذا شرب اللبأ، فإن كان هناك امرأة راتبة ترضعه بأجرة أو غير أجرة قتلت لأن له من يعيش به، وإن لم يكن هناك من ترضعه بوجه بهيمة ولا إنسان لم يجز قتلها. وأما إن وجد بهيمة يشرب لبنها أو امرأة مترددة غير راتبة أو نساء كذلك بهذه الصورة، فالمستحب لولي الدم التأني والصبر حتى يستقل بنفسه عن اللبن، لأن عليه في اختلاف الألبان مشقة، فإن لم يفعل وأبى إلا اختيار القصاص كان له ذلك، لأن لهذا الطفل ما يعيش به ويستقل. هذا إذا ثبت أنها حامل بقول القوابل أو باعتراف ولي الدم، فأما إن ادعت أنها حامل وأنكر الولي ولم يكن هناك قوابل، قال قوم لا يؤخذ بقولها حتى يشهد أربع قوابل عدول بذلك، ومنهم من قال يؤخر ذلك حتى يتبين أمرها، والأول أقوى، والثاني أحوط. إذا حكم الحاكم بقتل الحامل قصاصا فقتلها الولي ففيها ثلث فصول في الإثم، و الضمان، ومن عليه الضمان أما المأثم فإن كانا عالمين بأنها حامل أثما معا بقتل الجنين: الحاكم بتمكينه، والولي بالمباشرة، وإن كانا جاهلين فلا إثم عليهما، وإن كان أحدهما عالما والآخر جاهلا، فالعالم مأثوم والآخر معذور. فأما الكلام في الضمان، فإن الحامل غير مضمونة لأن قتلها مستحق. وأما الجنين فينظر فيه، فإن لم تلقه فلا ضمان عندهم، لأنه لا يقطع بوجوده فلا يضمن بالشك وإن ألقت الحمل نظرت فإن ألقته ميتا ففيه الغرة والكفارة، و الغرة رقبة جيدة قيمتها عشر دية أمه أو نصف عشر دية أبيه عند قوم، وعندنا عشر دية أمه وإن ألقته حيا ضمنا من قتلها فمات، ففيه دية كاملة والكفارة. فإذا ثبت أنه مضمون فالضمان على من؟ لا يخلو من أربعة أحوال إما أن يكونا

[ 60 ]

عالمين، أو الحاكم عالما والولي جاهلا، أو يكون الولي عالما والحاكم جاهلا، أو جاهلين. فإن كانا عالمين: فالضمان على الحاكم لأن الولي طلب بحقه وهو لا يعلم حقه فقضى له بذلك وفوضه إليه، فكان الضمان عليه، وإن كان الحاكم عالما والولي جاهلا فمثل ذلك. وإن كان الحاكم جاهلا والولي عالما، فالضمان على الولي دون الحاكم لأنه قتل الجنين مع العلم بحاله، فكان التفريط منه، وإن كانا جاهلين قال قوم على الحاكم الضمان لأنهما تساويا في الجهالة، وانفرد بالتمكين، وقال آخرون على الولي لأنهما تساويا في الجهالة، وانفرد بالمباشرة، وقال قوم الضمان على الولي بكل حال دون الحاكم لأن الحاكم مكنه من قتل واحد فقتل هو اثنين، ولأنه هو المباشر، وهذا هو الأقوى عندي. فكل موضع قلنا الضمان على الولي فالدية على عاقلته، والكفارة في ماله، لأنه قتل خطأ، وكل موضع قيل على الحاكم، فهذا من خطأ الحاكم، فقال قوم على عاقلته كغير الإمام، وقال آخرون في بيت المال لأن خطأ الحاكم يكثر، وكذلك الإمام عندهم، فلو جعل على عاقلته بادوا بالديات. فمن قال: الدية على عاقلته، قال: الكفارة في ماله، ومن قال في بيت المال فالكفارة على قولين أحدهما في ماله، والثاني في بيت المال. والذي نقول إن خطأ الحاكم على بيت المال، فأما الإمام فلا يخطئ عندنا، و إنما قلنا ذلك، لما رواه أصحابنا من أن ما أخطأت الحكام فهو في بيت المال. إذا قتل واحد جماعة كأنه قتل في التقدير عشرة واحدا بعد واحد، وجب لولي كل قتيل عليه القود، لا يتعلق حقه بحق غيره فإن قتل بالأول سقط حق الباقين إلى بدل النفس، فيكون لكل واحد في تركته كمال الدية، وإن قام واحد فقتله سقط حق كل واحد من الباقين إلى كمال الدية. وقال بعضهم يتداخل حقوقهم من القصاص، فليس لواحد منهم أن ينفرد بقتله

[ 61 ]

بل يقتل بجماعتهم، فإن قتلوه فقد استوفوا حقوقهم، وإن بادر واحد فقتله فقد استوفا حقه وسقط حق الباقين، وهكذا نقول غير أنا نقول إن لكل واحد أن ينفرد بقتله ولا يتداخل حقوقهم. فإذا ثبت ذلك فقتل واحد جماعة لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يقتلهم واحدا بعد واحد، أو دفعة واحدة، أو أشكل الأمر، فإن قتلهم واحدا بعد واحد قدمنا الأول فالأول، فيقال له اختر فإن اختار القصاص استوفى حقه وسقط حق الباقين عندنا، لا إلى مال، وعند بعضهم إلى الديات، وإن اختار الدية وبذلها الجاني عندنا يقال للثاني اختر على ما قلناه للأول كذلك، حتى نأتي على آخرهم. فإن سبق الأوسط أو الأخير فثبت القتل استحب للإمام أن يبعث إلى الأول فيعرفه ذلك، فإن لم يفعل ومكن هذا من قتله فقد أساء، وسقط حق الباقين عندنا لا إلى مال، وعندهم إلى الديات والترتيب مستحق فإن جاء رجل فثبت عنده القصاص فقضى له ثم وافى آخر فثبت القصاص لنفسه، وكان قبل الأول، قدمنا حق من قتله أولا. وإن كان ولي أحدهم غايبا أو صغيرا وولي الآخر كبيرا لكنه قد قتل ولي الصغير أو الغايب أولا صبرنا حتى يكبر الصغير ويقدم الغايب، فإن قتله الحاضر البالغ فقد أساء وسقط حق الصغير والغايب عندنا لا إلى مال وعندهم إلى الدية. وإن كان قد قتلهم دفعة واحدة مثل أن أمر السيف على حلوقهم أو جرحهم فماتوا في وقت واحد، أو حرقهم أو غرقهم أو هدم عليهم بيتا فليس بعضهم أولى من صاحبه فيقرع بينهم فكل من خرج اسمه كان التخيير إليه، ثم يقرع بين الباقين أبدا، وإن أشكل الأمر قلنا للقاتل من قتلته أولا؟ فإن أخبرنا عملنا على قوله، وإن لم يخبرنا أقرعنا بينهم، كما لو كان دفعة واحدة. إذا قطع يد رجل وقتل آخر قطعناه باليد، وقتلناه بالآخر عندنا، وقال بعضهم يقتل ولا يقطع، فإن قتل أولا ثم قطع آخر قطعناه أيضا بالثاني وقتلناه بالأول، لأنه يمكن استيفاء الحقين معا.

[ 62 ]

فأما إن كان هذا في الأطراف: قطع إصبع رجل ويد آخر وجب عليه القصاص في الإصبع للأول، وللآخر في اليد، فيكون لمن قطعت أصبعه الخيار بين القصاص والعفو، فإن عفا وجب له دية أصبع عشر من الإبل، غير أنا نراعي رضى القاطع بذلك ويكون الثاني بالخيار بين القطع والعفو. فإن اختار الأول القصاص قطعنا له الإصبع، وتكون من قطعت يده بالخيار بين قطعه وبين العفو، فإن عفا كان له كمال الدية وإن اقتص كان له دية أصبع عشر من الإبل. فإن كانت بالضد من هذا قطع أولا يد رجل ثم قطع أصبعا من آخر، وجب لكل واحد منهما القصاص على الترتيب، يقطع يده أولا باليد، ويكون للثاني دية أصبع، وإن عفا الأول على مال كان الثاني بالخيار بين قطع أصبعه وبين العفو عنها، ولا يقدم قطع الإصبع على قطع اليد، لأن فيه نقصان حق الأول لأنه وجب له قطع يد كاملة. فرع على هذه المسألة: إذا قطع يد واحد وقتل آخر، قلنا: يقطع ويقتل، يقطع بالأول، ويقتل بالثاني، فإن سرى القطع إلى من قطعت يده فمات فلوليه أن يأخذ من تركة الجاني نصف الدية لأن يد المجني عليه صارت نفسا، والقطع إذا صار نفسا دخل أرشه في بدلها، وصار الواجب فيها الدية، فاقتضى أن يرجع وليه في تركة القاتل بكمال الدية لكن المجني عليه قد قطع يده أولا، فقد استوفى ما قام مقام نصف الدية فكأنه استوفى نصف الدية وبقي له نصفها يستوفيه. فرع هذه: رجل قطع يدي رجل قطعنا يديه بيديه، ثم سرى إلى نفس المجني عليه فمات، وجب القود على الجاني، لأن جرحه صار نفسا فلولي القتيل الخيار بين العفو والقتل، فإن قتل فلا كلام، وإن عفا على مال لم يثبت له لأنه قد استوفا فيه ما قام مقام الدية، وهما يداه، فلهذا لم يكن له العفو على مال، وليس هيهنا قتل أوجب قودا ولا يعفى فيه على مال إلا هذه المسألة. فإذا قطع يد رجل وقتل آخر ففيه ثلاث مسائل إحداها ما تقدم أنه قطع بالأول

[ 63 ]

وقتل بالثاني ثم سرى القطع إلى المجني عليه فمات، وقد قلنا يرجع ولي المقطوع في تركة القاتل بنصف الدية على ما قلناه. الثانية قطع واحدا وقتل آخر ثم مات الجاني ثم سرى القطع إلى المجني عليه فقد مات الجاني وعليه قطع وقتل في حق الأول، وفي حق الثاني القتل وقد فات القود بوفاته، فلولي القتيل الثاني كمال الدية في تركته، وأما ولي الأول فكان له القطع والقتل فينظر فيه فإن مات الجاني قبل أن يقتص من يده ففي تركته كمال الدية وإن مات بعد أن أخذت يده قودا أخذ من تركته نصف الدية، لأنه بقطع اليد قبض ما قام مقام نصف الدية والذي يقتضيه مذهبنا أنه متى مات لا يجب في تركته الدية في المسائل كلها لأنها تثبت برضى القاتل وقد مات. الثالثة قطع يد واحد وقتل آخر ثم سرى القطع إلى المجني عليه فمات والجاني بحاله، فإنه قد وجب عليه القود بالقتل والقطع، والقود بقطع اليد، إلا أنه يقتل بمن قتله آخرا لأنه وإن كان قطع الأول سبق فقد وجب قتله بالثاني قبل وجوب القتل عليه بالمقطوع، لأن المقطوع مات بعد أن باشر قتل الثاني، فإن قتله بالثاني كان للأول الدية، وإن عفا الثاني كان للأول قطعه وقتله، والعفو على ما يرى. فرع رجل قطع أنملة العليا من أصبع رجل وجب القصاص فيها، لأن لها مفصلا معينا فهو كاليد، فإن مكن المجني عليه من القصاص فقطع أنملتين العليا والوسطى سألناه، فإن قال عمدت إليه فعليه القصاص في الوسطى قودا، وإن قال أخطأت فالقول قوله، لأن هذا مما يتم فيه الخطأ، ووجب عليه دية أنملة ثلثة أبعرة وثلث، لأن في كل أصبع عشرا من الإبل وفي كل أصبع ثلاث أنامل، وفي الابهام عشرة، وفي أنملة منها خمس، لأن الابهام له أنملتان لا غير. وأما الدية قال قوم في ماله لأنه ثبت باعترافه وهو مذهبنا، وقال آخرون على العاقلة. فرع: يهودي قطع يد مسلم فقطع المسلم يده قصاصا فاندمل اليهودي وسرى القطع إلى نفس المسلم، فلولي المسلم الخيار في قتل اليهودي والعفو، فإن قتله فلا

[ 64 ]

كلام، وإن عفا على مال ثبت المال وكم الذي يجب؟ قال قوم يثبت له دية مسلم إلا سدسا، لأن المسلم قد أخذ يد اليهودي وقيمتها ألفان، لأن ديته أربعة ألف عندهم، وذلك سدس دية المسلم، فقد أخذ ما قام سدس ديته، فكان له أخذ ما بقي. وقال آخرون يرجع عليه بنصف دية مسلم، لأن المسلم لما قطع يد اليهودي بيده فقد رضي أن يأخذ منه بدل يده يدا هي دون يده، وإذا رضي بهذا فكأنه كان مسلما قطع يده فأخذ يده بيده، ثم سرى إلى نفسه، فليس لوليه إلا نصف ديته، فكذلك ههنا. وهذا هو الأصح عندهم، ويقوى عندي الأول، غير أن دية اليهودي عندنا ثمان مائة فيرجع عليه بدية المسلم إلا أربع مائة درهم. فإن كانت بحالها فقطع اليهودي يدي مسلم فقطع المسلم يدي اليهودي، وسرى إلى نفس المسلم واندمل اليهودي، فلولي المسلم القود في النفس، فإن قتل فلا كلام، وإن عفا على مال قال قوم يستحق ثلثي دية مسلم لأن في يدي اليهودي دية اليهودي وديته أربعة آلاف، فقد أخذ ما قام مقام ثلث دية المسلم، فيكون له ما بقي. وقال آخرون لا يستحق شيئا لأنه قد رضي أن يأخذ يدي اليهودي بيديه، فقد استوفا بيديه ما قام مقام دية نفسه، كما لو كان الجاني مسلما، وعلى ما قلناه يقتضي أن له أن يرجع عليه بدية المسلم إلا دية اليهودي، وهي ثمان مائة. وعلى هذا لو قطعت امرأة يد رجل فقطع يدها بيده ثم اندملت يدها وسرى القطع إلى نفس الرجل فلوليه القصاص في نفس المرأة، وله العفو، فإن اقتص فلا كلام فإن عفا قال قوم يرجع بثلثة أرباع دية الرجل لأن في يدها نصف ديتها، وديتها نصف دية الرجل، فقد أخذ منها ما قام مقام ربع دية الرجل، فيرجع بما بقي وكذلك نقول وقال آخرون يرجع عليها بنصف دية الرجل لأنه قد رضي أن يأخذ يدها بيده. فإن كانت بحالها فقطعت يدي رجل فقطع يديها بيديه ثم اندملت يداها وسرى القطع إلى نفس الرجل، فلولي الرجل القصاص والعفو، فإن اقتص فلا كلام، وإن عفا فعلى الوجهين أحدهما يأخذ نصف دية الرجل لأنه قد استوفى يديها، وهي

[ 65 ]

تقوم مقام نصف دية الرجل، فكان له ما بقي، والثاني: لا يرجع بشئ لأنه قد رضي يديها بيديه والأول أصح عندنا. فإن قطعت يدي الرجل ورجليه فقطع يديها ورجليها، واندملت فسرى القطع إلى الرجل تطرق أحد الوجهين ههنا وليس لولي الرجل إلا القصاص أو العفو، ولا مال له، لأنا إن اعتبرنا قيمة ما أخذ منها فقد أخذ ما قام مقام ديتها، وهي دية الرجل فلا يرجع وإن قلنا الاعتبار به، فإن رضي ذلك بيديه ورجليه فلا يرجع أيضا بشئ. إن قطع رجل يد رجل فقطع المجني عليه يد الجاني ثم اندمل المجني عليه وسرى القطع إلى نفس الجاني كان هذا هدرا عندنا، وعند جماعة، وقال قوم على المجني عليه الضمان فيكون عليه كمال دية الجاني. إذا قتل رجل رجلا ووجب القود عليه فهلك القاتل قبل أن يستقاد منه، سقط القصاص إلى الدية عند قوم، وقال آخرون يسقط القود إلى غير مال، وهو الذي يقتضيه مذهبنا. إذا قطع رجل يد رجل فاقتص منه ثم سرى إلى نفس المقتص فمات ثم سرى إلى نفس المقتص منه، فمات، كانت نفس المقتص منه قصاصا عن نفس المقتص، لأنه استوفى منه قطعا بقطع، فلما سرى القطع إلى نفس المقتص وهو المجني عليه استحقت نفس الجاني قصاصا، فلما سرى إلى نفسه القطع كانت السراية عن قصاص اليد إلى نفس مستحقه قودا، فوقع القصاص موقعه كما لو قتل قصاصا بعد أن أخذت يده قصاصا. ومثل هذا ما نقول فيه إذا قطع يد رجل ثم عاد القاطع فقتله وجب على الجاني قصاص في الطرف وقصاص في النفس، فلو أن ولي المجني عليه قطع يد الجاني فمات بالسراية عن هذا القطع، كان فيه استيفاء ما وجب عليه من القصاص في النفس بالسراية الحادثة عن قطعه، فكذلك هيهنا. فإن كانت بحالها فقطع المجني عليه يد الجاني، ثم سرى القطع إلى الجاني، ثم سرى القطع إلى المجني عليه، فقد هلك الجاني قبل موت المجني عليه، فهل يكون نفسه قصاصا عن نفس المجني عليه أم لا؟ قال قوم يكون قصاص لأن السراية

[ 66 ]

إلى نفسه، وجبت عن قصاص، فوجب أن يكون قصاصا كما لو سرى إلى نفسه بعد أن سرى إلى نفس المجني عليه. وقال آخرون وهو الأصح عندنا أن نفسه هدر، ولا يكون قصاصا لأن السراية حصلت قبل وجوب القصاص عليها، فلو قلنا يكون قصاصا عن نفسه كان هذا سلفا في القصاص، وذلك لا يجوز. إذا جنى رجل على رجل جناية فقطع يده أو رجله في الجملة جناية يجب فيها القود، ثم عفا المجني عليه عن الجاني، ثم سرى القطع إلى المجني عليه فمات، فالذي رواه أصحابنا أن لوليه القصاص إذا رد على ولي المعفو عنه دية ما عفا له عنه وكذلك إن أخذ الدية إلا القدر المعفو عنه. وقال المخالف: لا قصاص لوليه على الجاني، لأن الجناية إذا صارت نفسا كانت بمنزلة الجناية الواحدة، ولو كانت واحدة تقتل بها فعفا عن بعضها سقط القود في الكل، فكذلك ههنا، ولأن المجني عليه إذا عفا ثم سرى إلى نفسه كانت السراية عن جناية لا قصاص فيها، وهذه لا يوجب القصاص كما لو كانت خطأ، أو جنى والد على ولده. فإذا ثبت أنه لا قصاص على الجاني كان لولي المجني عليه أن يرجع على الجاني فينظر فيه، فإن كان المجني عليه عفا على مال كان لوليه أن يرجع بكمال الدية، و إن كان عفوه على غير مال كان لوليه أن يرجع بنصف الدية لأن المجني عليه قد عفا عن نصفها. هذا إذا كانت الجناية يوجب القود فأما إن كانت عمدا لا يوجب القود مثل أن يقطع يده من نصف الساعد أو جرحه في عضده أو ظهره، ثم عفا المجني عليه عن القصاص ثم مات العافي فلوليه القصاص ههنا، لأن عفوه عن القصاص كلا عفو، فإنه عفا عن القصاص فيما لم يجب له فيه القصاص، ويكون وليه بالخيار بين القصاص والعفو، فإن قتل فلا كلام وإن عفا على مال وجب له كمال الدية. فإن قطع يد رجل ثم إن المجني عليه عفى عن القاطع فعاد القاطع فقتل العافي

[ 67 ]

قال قوم لولي المقتول القصاص والعفو على مال، فيكون له كمال الدية، لأن القتل عنده بعد الجرح بمنزلة قتله بعد اندمال الجرح، فكأنه قتله قبل أن قطع يده، وإن قتله قبل القطع كان وليه بالخيار كذلك ههنا، وقال بعضهم لا قصاص عليه في النفس، لكن لوليه نصف الدية أما القصاص يسقط لأن القتل بعد القطع بمنزلة السراية فهو كالجناية الواحدة عفا عن بعضها فسقط القصاص عن جميعها، وأما الدية فله نصف الدية لأنه بالعفو قد استوفا نصف الدية. والصحيح عندهم غير هذين، وهو أن لوليه القصاص أو العفو على نصف الدية وهو مذهبنا، أما القصاص فلأن القصاص في الطرف لا يدخل في قصاص النفس، بدليل أنه لو قطع يده فسرى إلى نفسه كان لوليه القطع والقتل معا، فلما عفا عن القصاص في الطرف لم يدخل في قصاص النفس، فكان له القصاص فيها. ويفارق الدية لأن أرش الطرف يدخل في بدل النفس، بدليل أنه لو قطع يده فسرى إلى نفسه كان فيه دية النفس لا غير، ولم يستحق دية اليد ودية النفس أيضا فلهذا دخل أرش الطرف في دية النفس، فأوجبنا عليه نصف الدية فبان الفصل بينهما. إذا اشترك نفسان في قتل نفس لم يخل من ثلثة أحوال إما أن يكونا ممن لو قتله كل واحد منهما قتل به، أو لا يقتل به واحد منهما، أو يقتل به أحدهما دون الآخر: فإن كان كل واحد منهما ممن يقتل به مثل حرين قتلا حرا أو عبدين قتلا عبدا أو مشركين قتل مشركا قتلا معا به، وإن كان كل واحد منهما ممن لا يقتل به مثل حرين قتلا عبدا أو مسلمين قتلا مشركا أو أب وجد قتلا ولدا، فلا قصاص على واحد منهما، وهكذا لو كانا ممن يقتلان به فقتلا خطأ أو عمد الخطأ فلا قصاص. وإن كان أحدهما لو انفرد بقتله قتل به دون الآخر لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون القود لم يجب على أحدهما لمعنى فيه أو في فعله، فإن كان لمعنى فيه مثل أن شارك أجنبيا في قتل ولده أو نصرانيا في قتل نصراني أو عبدا في قتل عبد، فعلى شريكه القود دونه. وإن كان القود لم يجب عليه لمعنى في فعله مثل أن كان عمدا محضا شارك من

[ 68 ]

قتله خطأ أو عمد الخطأ فلا قود على واحد منهما، وقال بعضهم على العامد القود، سواء سقط عن شريكه لمعنى فيه أو في فعله وهو الأقوى عندي. فأما إذا قتله ومعه صبي أو مجنون وكان القتل عمدا منهما، فالكلام أولا في حكم قتل الصبي والمجنون، هل له عمد أم لا؟ أما قتله عمدا فهو مشاهد، لكن الكلام في حكمه، وقال قوم عمده عمد وقال آخرون عمده في حكم الخطأ وهو مذهبنا لقوله عليه السلام رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق و عن النائم حتى ينتبه وعلى القولين معا لا قود عليه. وأما الدية فمن قال عمده عمد، فالدية مغلظة حالة في ماله، ومن قال خطأ على ما قلناه، فالدية مخففة مؤجلة على عاقلته. فإذا شارك العامد صبيا في قتل العمد، فمن قال عمده عمد فعلى الشريك القود، ومن قال خطأ قال لا قود على شريكه، لأنه شارك من لا قود عليه في فعله، والأول شارك من لا قود عليه لا لمعنى في فعله، وعلى ما قلناه على العامد القود وإن قلنا أن عمد الصبي خطأ، لكن يجب القود بشرط أن يرد على أوليائه فاضل الدية كما قلناه في البالغين. فإذا ثبت هذا فإن كان فعل شريكه غير مضمون، مثل أن شارك سبعا في قتل إنسان أو شارك رجلا في قتل نفسه مثل أن جرحه وجرح نفسه أو جرحه مرتدا ثم أسلم فجرحه آخر في حال إسلامه فإنه لا ضمان على أحدهما بحال. وهل على شريكه القود؟ قال قوم لا قود عليه لأنه أحسن حالا من شريك الخاطي، فإن الخاطي يضمن بوجه، والسبع لا ضمان في فعل بوجه، وقال آخرون عليه القود، وهو مذهبنا، لأنهما عامدان لا قود على أحدهما لا لمعنى في فعله، فهو كشريك الأب في قتل ولده، وهذا أصل في كل نفسين قتلا رجلا. فعلى ما فصلناه إذا قتل الرجل عمدا وله وليان ابنان أو أخوان أو عمان الباب واحد ونفرض في الابنين لأنه أوضح: قتل أبوهما عمدا فهما بالخيار بين القتل والعفو فإن عفوا على مال ثبت لهما الدية على القاتل، وإن عفوا على غير مال سقط القود إلى

[ 69 ]

غير مال، وإن عفوا مطلقا قال قوم ثبت المال، وقال آخرون لا يثبت، وهو مذهبنا. وإن عفا أحدهما سقط القود عندهم، وعندنا لا يسقط القود إذا رد بمقدار ما عفا الآخر، وإن اختارا القود كان ذلك لهما، غير أنه لا يمكنهما استيفاؤه معا، فإما أن يوكلا غيرهما أو يوكل أحدهما أخاه في استيفائه، فإن أراد أحدهما أن يقتص لم يكن ذلك له إلا بإذن أخيه عندهم، لأن القصاص لهما فلا يستوفيه أحدهما، وعندنا له ذلك بالشرط الذي تقدم. فإن بادر أحدهما فقتله عندنا لا قود عليه، وقالوا لا يخلو من أحد أمرين إما أن يقتله قبل عفو أخيه أو بعد عفوه، فإن قتله قبل عفوه فهل عليه القود أم لا على قولين. وإن قتله بعد عفوه لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون بعد حكم الحاكم بسقوط القود عن القاتل أو قبل حكمه فإن كان قبل حكمه فإن قتله قبل العلم بالعفو فهل عليه القود أم لا على القولين غير أن الصحيح ههنا أن عليه القود، والصحيح في التي قبلها أنه لا قود عليه. وأما إن قتله بعد العفو قبل العلم بالعفو، فإنها مبنية على التي قبلها، فمن قال عليه القود إذا قتله قبل العلم بالعفو فههنا أولى، ومن قال لا قود عليه إذا قتل قبل العلم بالعفو فهل عليه القود أم لا؟ على قولين. هذه الثلاث مسائل على قولين إذا قتله قبل حكم الحاكم فأما إن قتله بعد حكم الحاكم بسقوط القود عن القاتل فعليه القود قولا واحدا، سواء علم بحكمه أو لم يعلم وإن عفا أحدهما ثم عاد فقتله فعليه القود قولا واحدا، وكذلك عندنا، وإن عفوا معا ثم عادا أو أحدهما فقتله فعلى من قتله القود. هذه ثلاث مسائل عليه القود فيها قولا واحدا، وعندنا يجب في الأخيرتين القود وهما القتل بعد العفو منهما، أو من أحدهما، فأما المتقدمة فلا توجب القود بحال بل لكل واحد منهم القود بعد عفو صاحبه، بشرط أن يرد دية ما قد عفا عنه، وكذلك لو كانوا مائة فعفى تسعة وتسعون، كان للباقي القود بالشرط الذي ذكرناه.

[ 70 ]

وأما التفريع على كل واحد من القولين على مذهبهم: فإذا قال على الولي القاتل القود، حكم بأن قاتل الأب قتل ظلما لا على وجه القصاص، وفات أن يستقاد منه بمنزلة أن قتله أجنبي أو مات حتف أنفه، فتعلقت الدية بتركته، ويقتل به الولي القاتل قصاص فإذا ثبت أن الدية تعلقت بتركته، فهي في تركته نصفها للولي الذي لم يقتل، ونصفها لورثة الولي القاتل. وإذا قيل لا قود على الولي القاتل لم يخل الولي الذي لم يقتل من أحد أمرين إما أن يكون قد عفا عن القود أو لم يعف عنه، فإن لم يكن عفا عنه فعلى الولي القاتل نصف دية قاتل الأب، لأنه قتله وهو يستحق نصفه، فقد أتلف حقه وحق أخيه، وأوجبنا عليه حق أخيه. فإذا ثبت أن عليه الدية، فإن للولي الذي لم يعف نصف الدية لأن حقه سقط عن القود بغير اختيار، فانتقل نصيبه إلى الدية، فكان له نصفه، فقد تقرر أن على الولي القاتل نصف دية قاتل الأب، وللولي الذي لم يقتل نصف دية أبيه، وعلى من يستحقها؟ قال قوم يستحقه على أخيه، وقال آخرون يجب هذا النصف للولي الذي لم يقتل في تركة قاتل الأب. فمن قال وجب للولي الذي لم يقتل نصف الدية على أخيه دون تركة قاتل أبيه نظرت فإن أبرأ الورثة عن هذا النصف الذي وجب له على أخيه لم يصح، لأنه أبرأ غير محل حقه وإن أبرأ أخاه عنه صح الابراء لأنه أبرا محل حقه، وليس لورثة قاتل الأب حق بحال، فلا يرجعون على الولي القاتل بشئ، لأن الحق سقط عنه بكل حال، وأنه لما قتل قاتل أبيه استوفى نصيبه منه، ووجب عليه بذلك نصف الدية لأخيه وقد أبرأه عنه أخوه فلم يبق عليه حق. ومن قال نصف الدية له في تركة قاتل أبيه، فعلى هذا له ذلك في تركة قاتل أبيه ولورثة قاتل الأب نصف الدية على أخيه، فإن أبرء الذي لم يقتل أخاه عن نصف الدية لم يبرأ لأن حقه على غير أخيه، وإن أبرأ ورثة قاتل أخيه عن نصف الدية صح الابراء، وسقط حقه الذي وجب له عليهم، ولورثة قاتل الأب نصف الدية على الولي

[ 71 ]

القاتل، يرجعون بها عليه كما لو كان عليه ألف دينار لرجل، ولهم ألف دينار على رجل، ثم أبرأهم من له الدين برأوا منه، وكان لهم أن يطالبوا بحقهم على الغير، كذلك ههنا. هذا إذا كان قبل عفو أحدهما، وأما إن كان بعد العفو لم يخل من أحد أمرين إما أن يعفو على مال أو غير مال، فإن عفا على مال أو مطلقا، وقيل إن إطلاقه يجب به المال، فالحكم فيه كما لو كان هذا قبل أن عفا أخوه، إذ لا فصل بين أن يثبت المال في ذمته بالعفو، أو القود، ويكون الحكم على ما قلناه حرفا بحرف. وأما إن عفا على غير مال أو مطلقا وقيل إطلاقه لا يجب به المال، سقط حق العافي عن القصاص، ويجب الدية معا، ويثبت لغير العافي نصف الدية في ذمة قاتل الأب، فإذا قتله فقد قتل من له في ذمته نصف الدية، ووجب بقتله عليه كمال الدية ويسقط عن الدية نصفها في مقابلة ماله في ذمته، ويجب عليه لورثة قاتل الأب نصف الدية. إذا قطع يد رجل من الكوع، ثم قطع آخر تلك اليد من المرفق قبل اندمال الأول، ثم سرى إلى نفسه فمات، فهما قاتلان عندنا وعند جماعة، وقال قوم الأول قاطع والثاني هو القاتل، يقطع الأول ولا يقتل، ويقتل الثاني به. فإذا ثبت أن عليهما القتل فولي القتيل بالخيار إن اختار القود قطع الأول ثم قتله، وإن قطعه ثم أراد العفو على مال لم يكن له، لأنه لو عفا ثبت له نصف الدية، لأنهما قاتلان، وقد أخذ اليد منه، وهي يقوم مقام نصف الدية، وليس له المال. وأما الثاني فقد قطع ذراعا لا كف عليه، ينظر فيه فإن كان للقاطع مثله قطعت به، فإن قتله بعد ذلك فلا كلام، وإن اختار العفو على مال كان له نصف الدية إلا قدر حكومة ذراع لا كف له، وإن كان القاطع كاملا وليس له ذراع لا كف عليه، فهل للولي قطعه من المرفق أم لا؟ قال قوم: له ذلك، وهو مذهبنا، وقال آخرون لا يقطع من المرفق، لئلا يعفو الولي بعد قطعه، فيكون قد ظلمه بأن أخذ منه يدا كاملة

[ 72 ]

وهو ذراع عليه كف بذراع لا كف عليها، وهذا لا يجوز. وأصل هذه المسألة إذا أجافه وأراد المجني عليه القود من الجائفة، نظرت فإن كان بعد الاندمال لم يكن له، وإن كان قبل الاندمال وبعد السراية منها، فله قتله، وقال قوم له أن يجيفه ثم يقتله، وقال آخرون ليس له ذلك، وهكذا كل جرح لا قصاص فيه، إذا صارت نفسا. وعندنا ليس له في جميع ذلك إلا القتل فقط فأما قطع اليد من المرفق بقطع اليد من المرفق المقطوعة من الكوع، فعندنا وإن جاز ذلك، فإنما يجوز إذا رد دية اليد إلى الكوع، ومن أجاز ذلك لم يوجب رد شئ أصلا. إذا وجب قتله لجماعة من الأولياء كالأخوة والأعمام، فقد قلنا إن على مذهبنا أن لكل واحد أن ينفرد بقتله، بشرط أن يضمن حصة الباقين، وعندهم ليس له ذلك، بل يوكلون من يستوفي لهم، فإن تشاحوا ولم يفعلوا، وقال كل واحد أنا أتولى قتله، أقرع بينهم، فمن خرج اسمه كان ذلك إليه لكن ليس له الآن قتله إلا بإذنهم، لأن حقوقهم قائمة وإنما ثبت له حق التقديم والقتل. إذا قتل رجل رجلا يجب به القود، استقيد منه بالسيف لا غير أو ما جرى مجراه وعندهم يقتل بمثل ما قتل به، فإن قتله بالسيف أو حرقه أو غرقه أو خنقه أو منعه الطعام والشراب حتى مات قتل بمثله، وقال بعضهم لا قود عليه فيما قتله به غير مثقلة الحديد، والنار، وما عدا هذين من الأشياء لا يجب به القتل، فالكلام معه في ما عدا الحديد والنار، هل يجب به القود أم لا؟ وفي القتل بالنار والحديد هل يقتل بمثل ما قتله به أم لا؟ فعند قوم يقتل بمثل ما قتل ومن قال لا يجب القود إلا في المثقلة أو النار، قال: لا يستقاد إلا بالسيف، فمن قال لا يقتل بمثل ما قتل قال: كل آلة قتل بها فإنه يقتل بها إلا ثلثة: السحر، واللواط، وإذا أوجره الخمر. فإذا قتله بالسحر فلا يقتل بلا خلاف، لأن إتيان السحر معصية وأما إذا لاط بغلام أو جارية فقتلهما أو أوجره الخمر حتى مات، قال قوم يفعل به من جنس ما فعل، إن

[ 73 ]

لاط فإنه يتخذ آلة شبه آلة اللواط فيصنع به مثل ما صنع، وأما في الخمر فإنه يوجر الماء مكان الخمر حتى يموت لأنه أشبه بما فعل. وقال الأكثر أنه يقتل بالسيف، كما لو قتله بالسحر، وهو مذهبنا فأما ما عدا هذه الأشياء، فإن حرقه بالنار حرق بمثلها عندهم، وكذلك الماء والحبس. فإذا فعل به مثل ما فعل فإن مات فذاك وإن لم يمت فماذا يصنع به؟ قال قوم يوالي عليه بذلك حتى يموت، إلا إذا قتله بقطع اليدين، والجايفة، فإنه يصنع به مثل ما صنع، فإن مات وإلا فقد تعذرت الموالاة فيما كان منه، لأنه لا محل لها سوى هذا فيقتل بالسيف وقال آخرون يفعل به مثل ذلك فإن مات وإلا قتل بالسيف وقد بينا أن عندنا في جميع ذلك لا يقتل إلا بالسيف. إذا جرحه فسرى إلى نفسه ومات، ووجب القصاص في النفس، فهل يجب القصاص في الجرح أم لا؟ لم يخل الجرح من أحد أمرين إما أن يكون جرحا لو انفرد وجب فيه القصاص أو لا قصاص فيه لو انفرد فإن كان لو انفرد فيه القصاص إذا سرى إلى النفس كان وليه بالخيار بين أن يقتل وبين أن يقتص في الجرح، ثم يقتل، وقال قوم: ليس له غير القتل، وهو مذهبنا. وإن كان مما لو انفرد واندمل لا قصاص فيه مثل الهاشمة والمنقلة والمأمومة و الجائفة، وقطع اليدين من بعض الذراع، والرجل من نصف الساق، فهذه إذا صارت نفسا قال قوم ليس له القصاص، وقال قوم آخرون له ذلك، وعلى ما قلناه ليس له ذلك

[ 74 ]

(فصل) * (في القصاص والشجاج وغير ذلك) قد مضى الكلام في القصاص في النفس، وهيهنا القصاص فيما دون النفس، قال الله تعالى: " النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف " إلى قوله " والجروح قصاص " ففصل الأعضاء وعم في آخر الآية. في القصاص فيما دون النفس شيئان جرح يشق، وعضو يقطع، فأما العضو الذي يقطع فكل عضو ينتهي إلى مفصل كاليد والرجل والعين والأنف واللسان والأذن و الذكر، ففي كلها قصاص لأن لها حدا ينتهي إليه. وإنما يجب القصاص فيها بثلاثة شرايط التساوي في الحرية، وهي أن يكونا حرين مسلمين، أو يكون المجني عليه أكمل، والثاني الاشتراك في الاسم الخاص يمين بيمين، ويسار بيسار فإنه لا يقطع يمين بيسار ولا يسار بيمين، والثالث السلامة فإنا لا نقطع اليد الصحيحة باليد الشلاء فأما غير الأطراف من الجراح التي فيها القصاص وهو ما كان في الرأس والوجه لا غير، فإن القصاص يجب فيها بشرط واحد، وهو التكافئ في الحرية أو يكون المجني عليه أكمل. وأما التساوي في الاسم الخاص فهذا لا يوجد في الرأس، لأنه ليس له رأسان ولا السلامة من الشلل، فإن الشلل لا يكون في الرأس. والقصاص في الأطراف والجراح في باب الوجوب سواء، وإنما يختلفان من وجه آخر، وهو أنا لا نعتبر المماثلة في الأطراف بالقدر من حيث الكبر والصغر، ونعتبره في الجراح بالمساحة على ما نبينه فيما بعد. والفصل بينهما أنا لو اعتبرنا المماثلة في الأطراف في القدر والمساحة أفضي إلى سقوط القصاص فيها، لأنه لا يكاد يدان يتفقان في القدر، وليس كذلك الجراح

[ 75 ]

لأنه يعرف عرضه وطوله وعمقه، فيستوفيه بالمساحة، فلهذا اعتبرناها بالمساحة. فبان الفصل بينهما. قد ذكرنا في الخلاف الشجاج وأن الذي يقتص منها الموضحة فحسب وحدها وما عداها فيه الدية، أو الحكومة على الخلاف فيها، والكلام في كيفية القصاص و جملته أنا نعتبر في القصاص المماثلة، وينظر إلى طول الشجة وعرضها، لأن عرضها يختلف باختلاف الحديدة فإن كانت الحديدة غليظة كانت الشجة عريضة، وإن كانت دقيقة كانت الشجة دقيقة، فاعتبرنا مساحة طولها وعرضها فأما الأطراف فلا يعتبر فيها الكبر والصغر، بل يؤخذ اليد الغليظة بالدقيقة، والسمينة بالهزيلة، ولا نعتبر المساحة لما تقدم. وإنما نعتبر الاستواء في السلامة مع التكافي الحرية، قال الله تعالى " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن " فاعتبر الاسم فقط، فلهذا راعيناه. وليس كذلك الشجاج لأنا إذا اعتبرنا المساحة طولا وعرضا لم يسقط القصاص. فأما عمق الشجة فلا نراعيه وإنما نراعي إيضاح العظم فقط، لأنا لو اعتبرنا العمق لم يمكن أخذ القصاص فإن أحد الرأسين قد يكون أغلظ من الآخر وأسمن و أكثر لحما منه، فلا يمكن اعتبار المماثلة، فالعمق في الشجة كالمساحة في الأطراف، والمساحة في الشجاج كالاسم في الأطراف. فإذا ثبت ذلك، فالقصاص يجوز من الموضحة قبل الاندمال عند قوم، وقال قوم لا يجوز إلا بعد الاندمال، وهو الأحوط عندنا، لأنها ربما صارت نفسا. وأول ما يعمل أن يجعل على موضع الشجة مقياسا من خيط أو خشبة، فإذا عرف قدرها حلق مثل ذلك المكان بعينه من رأس الشاج، ليكون أسهل على المقتص منه، لأنه لو كان الشعر قائما ربما جنى فأخذ أكثر من حقه، فإن لم يحلقه فقد ترك الاحتياط وكان جايزا، لأن استيفاء القصاص ممكن. فإذا حلق المكان جعل ذلك المقياس عليه، وخط على الطرفين خطا بسواد أو

[ 76 ]

حمرة حتى لا يزيد على قدر حقه ثم يضبط المقتص منه لئلا يتحرك فيجني عليه أكثر من ذلك، ويكون الزيادة هدرا، لأنه هو الذي يجني على نفسه. فإذا ضبط وضع الحديد من عند العلامة، وأوضحه إلى العلامة الثانية، فإن قيل هذا سهل استوفاه دفعة واحدة، وإن قيل هذا يشق عليه استوفا بعضها اليوم وبعضها غدا كما نقول في القصاص في الأطراف، يؤخر عن شدة الحر والبرد إلى اعتدال الزمان. ولا يخلو رأس الجاني والمجني عليه من ثلثة أحوال إما أن يتفقا في القدر و المساحة، أو يكون رأس المجني عليه أكبر أو أصغر، فإن كانا سواء نظرت، فإن كانت الشجة في بعض الرأس أو في كله استوفى الكل على ما فصلناه. وإن كان رأس المجني عليه أكبر مثل أن يكون من جبهته إلى قفاه شبرا ونصف شبر، والجاني شبر فقط نظرت، فإن كانت الموضحة في بعض رأس المجني عليه، و ذلك القدر جميع رأس الجاني، فإنه يستوفي جميع رأسه، لأنه مثله في المساحة، و إن كانت الشجة في جميع رأس المجني عليه كأن ثلثيها كل رأس الجاني، فإنه يستوفي جميع رأسه من أوله إلى آخره، ولا ينزل عن الرأس إلى جبهة، لأن الجبهة عضو آخر، ولا عن رأسه إلى قفاه، لأن القفا عضو آخر، ولا يوضح موضع آخر لئلا يصير موضحتين بموضحة واحدة. فإذا لم يأخذ إلا ذلك القدر نظرنا تاما قدر ما بقي، فأخذنا منه مالا بقدر ما بقي، فإن كان الباقي هو الثلث أخذ منه أرش ثلث موضحته كما قلنا إذا قطع يدا كاملة ويده ناقصة أصبع، فالمجني عليه يقطع اليد ويأخذ دية أصبع كذلك هيهنا. فأما إن كان رأس المجني عليه أصغر من رأس الجاني أخذنا قدر مساحتها من رأس الجاني إن شاء بدء من الجبهة إلى حيث ينتهي المساحة، وإن شاء بدأ من القفا إلى حيث ينتهي المسافة فإن هذا السمت محل للاقتصاص، لكنه بقدر طول الجناية لا يزداد عليها، وكذلك لو اختار أن يأخذ من وسط الرأس بقدر المساحة لأن هذا السمت محل للقصاص.

[ 77 ]

فإذا ثبت أنه يستوفي قدر المساحة، نظرت، فإن لم يزد عليها فلا كلام، وإن زاد عليها فإن كان عامدا فالزيادة موضحة يجب فيها القود، لأنه ابتداء إيضاح على وجه العمد، فإذا ثبت أنها موضحة منفردة لم يمكن أخذ القصاص فيها من رأسه لأن محلها ما اندمل ولكنه يصبر حتى إذا اندمل أخذ القصاص في محل الاندمال. هذا إذا قال عمدت، فإن قال أخطأت فالقول قوله لأنه الجاني، فكان أعرف بصفة الجناية، فإذا حلف كان عليه أرش موضحة كاملة لما مضى. ما كان في الرأس يسمى شجاجا، فإذا كان مثله في البدن يسمى جرحا، فكل جرح على البدن ينتهي إلى عظم كالعضد والساعد والكف والفخذ والساق والقدم فالقصاص فيه واجب، والكلام في كيفيته على ما شرحناه سواء، وإن عفا كان فيه حكومة دون المقدر عندهم، وعندنا فيه مقدر شرحناه في النهاية وتهذيب الأحكام وقال بعضهم لا قصاص في الجراح في البدن وفيه حكومة. إذا شجه دون الموضحة مثل أن شجه متلاحمة قال قوم فيه القود، وقال آخرون لا قود فيها، والأول أقوى للظاهر، ومن قال لا قصاص فيها، قال لأنه يفضي إلى أخذ موضحة بمتلاحمة وذلك أنه قد يكون رأس المشجوج غليظ الجلد كثير اللحم فيكون سمك المتلاحمة فيها نصف أنملة، ويكون رأس الشاج رقيق الجلد قليل اللحم فيكون سمك الموضحة فيه نصف أنملة أو أقل فإذا أقدنا منه شجة سمكها نصف أنملة أوضحناه بمتلاحمة وهذا لا سبيل إليه. فإذا ثبت أنه لا قصاص فيها فإن لم يعلم قدرها من الموضحة، ففيها الحكومة، وهو أن يصبر حتى يندمل ثم يقومه عبدا وحرا على ما يأتي ذكره، ويأخذ منه الحكومة. وإن علمت قدرها من الموضحة وإنما يعلم ذلك بأن يكون برأس المشجوج موضحة بقرب هذه المتلاحمة فيدخل الميل في الموضحة فيعرف قدر سمكها ثم يدخل الميل في المتلاحمة فيعرف قدر سمكها ثم يعتبر السمكين بحساب ذلك، فيعرف قدرها، فإن كان نصف موضحة أخذ منه نصف دية موضحة، وما زاد أو نقص فبحسابه.

[ 78 ]

وإن أشكل الأمر قال قوم ينظر فإن تحققنا النصف وشككنا في الزيادة رجعنا إلى التقويم، فإن بانت القيمة نصف موضحة علمنا أنها نصف موضحة والشك مطروح وإن بانت القيمة أقل من نصف موضحة تبينا الغلط في التقويم، لأنا قد تحققنا النصف فلا نتركه بغير يقين. وإن بان التقويم أكثر من نصف موضحة تبينا أن الزيادة على النصف كانت موجودة وصار ما شككنا فيه من الزيادة معلوما، وأخذنا القيمة كما لو قطع بعض لسانه فتحققنا الثلث، وشككنا في الزيادة، فاعتبرناه بالحروف، فبان نقصان النصف زال الشك باليقين، وأوجبنا النصف. ومنهم من قال إذا شككنا في الزيادة أوجبنا أكثر الأمرين كما قلنا فيمن غصب عبدا فقطع يده، فإنا نوجب أكثر الأمرين من نصف قيمته أو ما نقص. قال بعضهم هذا غلط لأنه إذا غصبه فقطع يده فقد ضمنه باليد وبالجناية فأوجبنا عليه أكثر الأمرين، وههنا إنما ضمنه بالجناية فقط، فلهذا لم نوجب أكثر الأمرين. قال هذا: ويمكن عندي أخذ القصاص فيما دون الموضحة، بأن يكون بالقرب من المتلاحمة موضحة، فيعرف قدر سمكها، فإذا عرف أنها نصف موضحة ووجدنا في رأس الشاج موضحة بالقرب في ذاك المكان فيعرف سمكها، فيعلم كم عمق نصف موضحة في رأسه، فيدخل الحديد بقدر ذلك ويشق قدر طولها وعرضها، وهذا مذهبنا. فأما إن أخذ أرشها، ففيها مقدر عندنا، ولا يحتاج إلى تكلف ما قالوه من الحكومة. قد ذكرنا أن القصاص يجري في الأطراف من المفاصل في اليدين، والرجلين، والأذنين، والعينين، والأنف، والأسنان، واللسان، والذكر لقوله " النفس بالنفس والعين بالعين " الآية فنص على ما نص، ونبه على اليدين والرجلين إذا كان لها حد ينتهي إليه أمكن اعتباره بغير زيادة. وإنما يجب بثلاثة شروط: الاتفاق في الحرية والسلامة والاشتراك في الاسم الخاص، يمين بيمين، ويسار بيسار، ولا يعتبر القدر والمساحة بل تؤخذ اليد الغليظة

[ 79 ]

السمينة باليد الدقيقة الهزيلة الضعيفة، لظاهر الآية، ولما تقدم من أن اعتبار المساحة يؤدي إلى سقوط القصاص، لتعذر الاتفاق بين الأيادي على صورة واحدة كبرا وصغرا. فإذا ثبت ذلك، ففي اليد أربع مسائل إحداها قطع يده من مفصل الكوع، فيقطع بها يده من مفصل الكوع، ويكون المجني عليه بالخيار بين أخذ القصاص والعفو على مال، وإذا عفا، كان فيها نصف الدية خمسون من الإبل. الثانية إن قطع يده من بعض الذراع فلا قصاص فيها من بعض الذراع، لأن نصف الذراع لا يمكن قبول قطعه خوفا على إتلافه أو أخذ أكثر من حقه، فيكون المجني عليه بالخيار بين العفو على مال، وله دية يد وحكومة فيما زاد عليها من الذراع وبين القصاص فيقتص اليد من الكوع، ويأخذ حكومة فيما بقي من الذراع. الثالثة قطع من مفصل المرفق فله القصاص من المرفق، لأنه مفصل، والمجني عليه بالخيار بين أن يعفو فيأخذ دية اليد خمسين من الإبل، وحكومة في الساعدين، و بين أن يقتص من المرفق. فإن قال أنا اقتص من الكوع وآخذ منه حكومة في الذراع لم يكن له، لأنه إذا أمكنه استيفاء حقه أجمع قودا فلا معنى لاستيفاء بعض وأخذ الحكومة فيما بقي. ويفارق المسألة قبلها حيث كان له القصاص في الكوع وأخذ الحكومة فيما بقي من الذراع، لأنه لا يمكنه استيفاء جميع حقه قصاصا، لأن نصف الذراع لا مفصل له، وهكذا إذا قطع يده من مفصل المنكب على هذا التفصيل. الرابعة خلع كتفه واقتلع العظم الذي هو المشط من ظهره، سئل أهل الخبرة فإن قالوا يمكن استيفاء ذلك قصاصا ولا يخاف عليه الجائفة استوفاه قصاصا لأن له حدا ينتهي إليه، وإن قالوا لا نأمن عليه الجائفة فالمجني عليه بالخيار بين العفو وأخذ دية اليد خمسون من الإبل وفيما زاد على ذلك حكومة، وبين أن يأخذ القصاص من المنكب وفيما زاد عليه حكومة. إذا قطع يدا كاملة الأصابع، ويده ناقصة أصبع، فالمجني عليه بالخيار بين العفو على مال، وله دية خمسون من الإبل، وبين أن يقتص فيأخذ يدا ناقصة أصبع

[ 80 ]

قصاصا ويأخذ دية الإصبع المفقودة، وفيه خلاف، ويقوى في نفسي أن ليس له دية الإصبع إلا أن يكون قد أخذ ديتها، فيلزمه ذلك. وكل عضو يؤخذ قودا إذا كن موجودا وجب أن يؤخذ ديته إذا كان مفقودا، مثل أن قطع أصبعين وله أصبع واحدة. فإن كانت يده شلاء فقطع صحيحة فالمجني عليه بالخيار بين أخذ الدية وبين أخذ الشلاء بالصحيحة، ويرجع فيه إلى أهل الخبرة، فإن قالوا متى قطعت الشلاء بقيت أفواه العروق مفتحة ولا ينحسم ولا ينضم بشئ، ولا يؤمن التلف بقطعها، لم يقطعها، لأنا لا نأخذ نفسا بيد، وإن قالوا ينحسم ويبرأ في العادة أخذنا بها، لأنه قد رضي بأخذ ما هو أنقص من حقه، فهو كالضعيفة بالقوية. إذا قطع يدا شلاء ويده صحيحة لا شلل فيها، فلا قود عليه عندنا وعند جميعهم، وقال داود يقطع الصحيحة، غير أن عندنا أن فيها ثلث اليد الصحيحة، وعندهم فيها الحكومة. إذا قطع أصبع رجل فسرت إلى كفه فذهب كفه ثم اندملت فعليه في الإصبع التي باشر قطعها دون السراية القصاص، ولا يجب القصاص في السراية، وقال بعضهم لا قصاص فيها أصلا، والذي يقتضيه مذهبنا أن فيهما معا القصاص. ومن قال لا قصاص في الكف قال ضمان بدلها على الجاني دون العاقلة، وكان المجني عليه بالخيار بين العفو عن القصاص وأخذ الدية وبين القصاص في الإصبع، و أخذ الدية فيما بقي، فإن عفا عن القود كان له دية يد كاملة خمسون من الإبل، وإن اختار القطع قطع الإصبع بأصبعه، وأخذ منه دية أربع أصابع، أربعين من الإبل، مع الكف التي تحتها، فدخل ما تحت الأصابع التي لا قصاص فيها في حكمها في باب الدية. فأما ما تحت الإصبع التي باشر قطعها وذهب ما تحتها بالسراية، قال بعضهم ليس له المطالبة بأرشها، لأنه لما دخل ما تحت الأصابع في حكم الأصابع في الدية دخل ما تحت هذه الإصبع في حكم الإصبع في القود، وقال آخرون لا يدخل ما تحتها في حكمها، وله المطالبة بأرشها، لأنها تلفت عن جناية مضمونة، فكانت السراية مضمونة وهو الأقوى.

[ 81 ]

إذا اختار المجني عليه أن يأخذ قود الإصبع فأخذه كان له المطالبة بدية ما بقي في الحال، وليس عليه أن يصبر حتى ينظر ما يكون من الكف بعد القطع، لأن القصاص وجب في أصبعه ودية الباقي واجبة في ذمته لا يؤثر فيها اندمال القصاص ولا سرايته إلى الكف ولا إلى النفس، فإذا لم يؤثر فيما عليه من الدية فلا معنى لتأخير استيفاء دية ما بقي، ولو قطع يده فسرى إلى نفسه كان للولي قطع يد الجاني، فلو أراد أخذ الدية فيما بقي لم يكن له. والفصل بينهما أن هذا القصاص لو سرى إلى نفس الجاني، فقد استوفى حقه فلهذا صبرنا بعد القطع لننظر ما يكون فيه، وليس كذلك هيهنا، لأن هذا القصاص لو سرى إلى الكف كان هدرا وهكذا قلنا لو أوضحه فذهب ضوء عينه، كان فيها القصاص، فلو اقتص المجني عليه من الموضحة لم يكن له أخذ دية العين لننظر ما يكون من السراية، لأنها لو سرت إلى ضوء العين فقد استوفا حقه، فلهذا انتظرناه وأمهلنا. فقد ثبت أن القصاص فيما باشر قطعه ثابت بلا شك وإنما الكلام في أخذ الدية فيما بعد القصاص، فإن كانت سراية الجاني إلى ما لا يستحق أخذه قودا، فله أخذ الدية في الحال، وإن كانت إلى ما يستحق أخذه قودا بالسراية إلى ضوء العين، لم يكن له أخذ الدية قبل أن ينظر ما يكون من حديث هذا القصاص. ومن لم يثبت له القصاص في الإصبع إذا سرى إلى الكف اختلفوا في الموضحة إذا سرت إلى ضوء العين، فقال بعضهم: لا قصاص في الموضحة مثل الإصبع سواء، وقال قوم منهم لا يسقط القصاص في الموضحة بالسراية إلى ضوء العين، وهو الأقوى للآية. إذا قطع يد رجل كان للمجني عليه أن يقتص من الجاني في الحال، والدم جار، لكن يستحب له أن يصبر لينظر ما يكون فيها من اندمال أو سراية، وفيه خلاف، ويقتضي مذهبنا التوقف لأنه إن سرى إلى نفس دخل قصاص الطرف في النفس عندنا على ما بيناه. إذا قطع أطراف غيره يديه ورجليه وأراد أن يأخذ الدية قال قوم له أن يأخذ

[ 82 ]

دية الأطراف ولو بلغت ديات، مثل أن قطع يديه ورجليه وأذنيه، فله أن يستوفي ثلاث ديات قبل الاندمال، كما له أن يستوفي القصاص قبل الاندمال. وقال بعضهم له أن يستوفي دية النفس ولا يزيد عليها، وإن كانت الجنايات أوجبت ديات كثيرة وهو الذي يقتضيه مذهبنا وقال قوم ليس له أخذ دية الطرف قبل الاستقرار، وله أخذ القود في الطرف في الحال. [ القصاص في الموضحة ] إذا شجه موضحة ففيها القصاص، والشعر النابت في محلها لا قصاص فيه، لأنه تبع الموضحة، والشعر الذي حول الموضحة فإن نبت بحاله فلا كلام، وإن لم ينبت ففيه حكومة ولا قصاص فيها، وأما ضوء العينين، فإن كن ذهب بالسراية، قال قوم: فيه القصاص، وهو مذهبنا، وقال قوم لا قصاص فيه. فإذا ثبت أن فيهما القصاص فالمجني عليه بالخيار بين العفو وبين استيفاء القود فإن عفا وجبت له دية موضحة، وحكومة في الشعر الذي لم ينبت حولها، وفي الضوء الدية، وإن اختار القصاص اقتص في الموضحة ثم يصبر، فإن سرى القصاص إلى ضوء العين وقع القصاص موقعه، وإن لم يسر إلى ضوء العين، ففيه القصاص. فإن أمكن الاستيفاء بأن يقرب إليها حديدة محماة يؤمن معها على الحدقة فعل حتى يذهب الضوء، وإن لم يمكن داواها بدواء يذهب بالضوء من غير خوف على الحدقة من كافور أو غيره، فإن لم يمكن إذهاب الضوء إلا بذهاب الحدقة لم يكن القصاص فيه، لأنه استحق الضوء فلا يجوز أن يأخذ معه عضوا آخر، وأما الشعر الذي على نفس الموضحة فلا شئ فيه وإن لم ينبت لأنه تبع للموضحة، والشعر الذي حولها فإن نبت فلا شئ فيه، وإن لم ينبت فلا قصاص فيه، وفيه حكومة، لأنه يمكن أخذه بنفسه، سواء نبت مثله في رأس الجاني أو لم ينبت، لأنه وإن ذهب ذلك من رأس الجاني فلا ضمان فيه، لأنها سراية عن قصاص إلى ما لا يجب فيه القصاص.

[ 83 ]

إذا لطمه فذهب ضوء عينيه لطم مثلها فإن ذهب ضوء عينيه استوفى القصاص، و إن لم يذهب الضوء يستوفي بما يمكن من حديدة حارة أو دواء يذر فيها من كافور وغيره على ما بيناه. فإن كانت بحالها فذهب ضوء عينيه وابيضت وشخصت لطم مثلها، فإن ذهب الضوء وحصل فيها البياض وشخصت، فقد استوفى حقه وإن ذهب الضوء لكنها لم تبيض ولم يشخص فإن أمكن أن يعالج بما تبيض وتشخص فعل ذلك بهما، وإن لم يمكن فلا شئ فيه، لأنه إنما اندمل قبيحا بشين، كما لو شجه موضحة فاقتص منه واندملت موضحة الجاني حسنة جميلة واندملت موضحة المجني عليه وحشة قبيحة لم يجب لأجل الشين شئ. فإن كانت اللطمة ضعيفة لا يذهب بها ضوء العين فذهب به، فلا قصاص هيهنا في العين لأنا إنما نوجب القود في النفس والجرح معا إذا كان ذلك بآلة تقتل غالبا، وإن لم تقتل غالبا فلا قود فيها، وقد قيل في الموضحة إن كانت بحجر يوضح مثله ففيها القصاص وإن كانت بحجر لا يوضح مثله، فلا قصاص، وفيها الدية كاملة كما نقول في النفس سواء إن قتله غالبا قتل به، وإن كان مما لا يقتل غالبا لم يقتل به، إلا أنه قد يوضح غالبا ما لا يقتل غالبا، وإلا فلا فصل بينهما من جهة المعنى. الشعر لا يضمن بالدية عند قوم، وإن أزال شعر جميع بدنه، وإنما يجب فيه الحكومة إذا أعدم الانبات وفيه خلاف، وعندنا فيه ما يضمن. فمن قال لا يضمن قال فيها الحكومة فمتى أزال فإن لم يعد فالحكم على ما مضى وإن عاد ونبت كالذي كان، فلا شئ فيه، وإن كانت اللحية كثيفة فعادت خفيفة، ففيها حكومة، سواء عادت قبيحة أو أحسن منها، وإن كانت خفيفة فعادت كثيفة، فإن عادت قبيحة ففيها حكومة الشين والقباحة، وإن عادت أحسن فلا شئ عليه. وعندنا يضمن شعر الرأس إذا لم يعد بكمال الدية، وكذلك شعر اللحية وشعر الحاجبين بنصف الدية وشعر الأشفار مثله، وإن عاد ففي شعر اللحية ثلث الدية، و

[ 84 ]

في الباقي حكومة، وكذلك ما عدا هذا الشعر فيه الحكومة. إذا جرح رجل رجلا ثم إن المجروح قطع من موضع الجرح لحما ثم سرى إلى نفسه فمات، لم يخل من أحد أمرين إما أن يقطع لحما ميتا أو لحما حيا، فإن قطع لحما ميتا كان وجود هذا القطع وعدمه سواء، وعلى الجاني القود، لأن قطع اللحم الميت لا سراية فيه. وإن قطع لحما حيا قال قوم لا قود على الجاني، وقال آخرون عليه القود، وهو الذي يقتضيه مذهبنا لأنه هلك من عمدين: أحدهما مضمون والآخر هدر، فهو كما لو شارك السبع في قتل غيره أو جرحه غيره وجرح نفسه، ومن قال لا قود عليه قال عليه نصف الدية. [ القصاص في الأصابع ] إذا قطع الأنملة العليا من أصبع رجل ثم قطع المجني عليه الأنملة التي تحتها ثم سرى إلى نفسه، فإن قطع لحما ميتا فعلى القاطع القود، وإن كان القطع من لحم حي فعلى ما مضى، منهم من قال لا قود، ومنهم من قال عليه القود وهو الأقوى عندنا. إذا قطع أصبع رجل فأصابه فيها الآكلة فقطع الكف كله خوفا على الجملة لكنه سرى إلى نفسه فمات، فهذا القطع خوف الآكلة لا يكون إلا في لحم حي، وقد سرى من فعلين أحدهما مضمون والآخر غير مضمون فالحكم على ما مضى، فهذه الثلث مسائل الحكم فيها واحد، والخلاف واحد. إذا قطع يد رجل فيها ثلاث أصابع سليمة وإصبعان شلاوان، ويد القاطع لا شلل بها، فلا قود على القاطع، لأنا نعتبر التكافؤ في الأطراف، والشلاء لا تكافي الصحيحة، فإذا ثبت أنه لا قود عليه، فإن رضي الجاني أن يقطع يده بتلك اليد لم يجز قطعها بها، لأن القود إذا لم يجب في الأصل لم يجز استيفاؤه بالبدل، كالحر إذا قتل عبدا ثم قال القاتل قد رضيت أن يقتلني السيد به لم يجز قتله، وللمجني

[ 85 ]

عليه القصاص في الأصابع الثلاث السليمة، وهو بالخيار بين العفو والاستيفاء. فإن عفا عن القصاص أخذ في السليمة ثلاثين من الإبل، ويأخذ حكومة في الشلاوين يتبعهما ما تحتهما من الكف، وكذلك الأصابع الصحيحة يتبعها ما تحتها، وعندنا في الشلاوين ثلث ديتهما صحيحتين وإن اختار القصاص في السليمة كان له ذلك، فيأخذ ما ذكرناه في الشلاوين يتبعهما ما تحتهما ويأخذ القصاص في السليمة وقال قوم يتبعها ما تحتها في القصاص كما يتبعها في الدية وقال بعضهم لا يتبعها هو الأقوى. فمن قال الكف يتبع الأصابع في القصاص، فإذا قطع الأصابع فقد استوفى حقه وإذا قيل لا يتبع الأصابع في القصاص، كان للمجني عليه أخذ الحكومة فيما تحتها، وتلك الحكومة لا يبلغ بهادية أصبع واحدة. إذا قطع يدا كاملة الأصابع ويده ينقص أصبعين، كان المجني عليه بالخيار بين القود والعفو على مال بغير رضى الجاني، بلا خلاف عندهم، وهذا أصل عليهم في ثبوت الدية بغير رضى الجاني، وعندنا لا يثبت الدية في موضع لا في النفس ولا في الأطراف إلا برضى الجاني. فإذا كان بالخيار فإن اختار العفو عفا وأخذ كمال الدية لأنه إنما يأخذ دية يده ويده كاملة، وإن اختار القصاص أخذ الموجود ودية المفقود، فيأخذ دية أصبعين عشرين من الإبل. وقال بعضهم إن أخذ القصاص لم يكن له أخذ المال معه، وكذلك يقول إذا كان ذلك خلقة أو ذهبت بآفة من الله، وإن كان قد أخذ ديتها أو استحقها على غيره وجب عليه رد المال. وأما إن قطع يدا تامة كاملة سليمة وفي يده إصبعان شلاوان، فالمجني عليه بالخيار بين القصاص والعفو، فإن اختار العفو أخذ دية كاملة، وإن اختار القصاص أخذ التي فيها إصبعان شلاوان، ولا شئ له سوى ذلك. والفصل بينهما أنها إذا كانت ناقصة أصبعين فهناك فقد منفعة ونقصان عدد،

[ 86 ]

فلهذا أخذ معها دية المفقود، وليس كذلك ههنا، لأن ههنا فقد منفعة وكمال عدد وجمال، فلهذا لم يأخذ مع القصاص شيئا كمن رضي أن يقتل العبد بالحر، والكافر بالمسلم، فإنه يأخذه قصاصا ولا شئ له، كذلك ههنا. إذا كانت له أصبع زائدة فقطع يدا نظرت فإن كانت مثل يده في الزيادة، وكانت الزيادة من المقطوع في محل الزايدة من القاطع، مثل أن كانت مع الخنصرين منهما أو مع الابهامين منهما قطعنا يده بيده، لأنهما في الخلقة سواء وفي الزيادة. وإن كانت المقطوعة ذات خمس أصابع وللقاطع أصبع زايدة، لم يخل الزيادة من أحد أمرين إما أن يكون على ساعد القاطع أو على كفه، فإن كانت على ساعد القاطع مثل أن كانت على آخر الذراع منه عند الكوع أو أعلى منه، قطعنا يده بتلك لأنا نأخذ له مثل يده، والزيادة تسلم للقاطع، وإن كانت الزيادة على كف القاطع لم يقطع يده بيده، لأنها تزيد أصبعا فلا يقطعها بما هي ناقصة أصبع كما لو كانت يده ذات خمس أصابع والمقطوعة أربع أصابع، فإذا تقرر أنا لا نقطع التي فيها أصبع زايدة بتلك، لم تخل الزايدة من ثلاثة أحوال إما أن يكون منفردة كإحدى الأصابع، أو ملتصقة بواحدة منها، أو يكون على أصبع من الأصابع. فإن كانت منفردة كإحدى الأصابع مثل أن كانت إلى جنب الخنصر أو الابهام، كان المجني عليه بالخيار بين أن يعفو فيأخذ دية كاملة، وبين أن يقتص فيأخذ خمس أصابع قصاصا ويترك الزايدة لا يأخذها ولا يأخذ الكف وهل يتبع الكف الأصابع في القصاص فلا يأخذ لأجل تركها حكومة؟ على ما مضى، منهم من قال: يأخذ أرش الكف، ومنهم من قال يتبع الكف والأول أقوى. وإن كانت الزائدة ملتصقة بإحدى الأصابع، كان المجني عليه بالخيار بين أن يعفو فيأخذ دية كاملة، وبين أن يقتص فيأخذ أربع أصابع قودا، وهل يتبعها ما تحتها؟ على ما مضى من الوجهين. وليس له أخذ الخامسة لأنها ملتصقة بالزيادة، فمتى فتق ما بينهما أدخل الألم

[ 87 ]

على الزائدة التي لا حق له فيها، فلهذا لم يكن له أخذها قصاصا، وله ديتها عشر من الإبل، ويتبعها ما تحتها في الدية وجها واحدا. وإن كانت الزايدة نابتة على إصبع نظرت، فإن كانت نابتة على الأنملة العلياء فالحكم فيه كما لو كانت الزايدة ملتصقة، وقد مضى، وإن كانت نابتة على الأنملة الثانية كان له القصاص في ثلاث أصابع وفي الأنملة العليا، ودية الأنملتين الباقيتين، وإن كانت نابتة على السفلى، كان له القصاص في أربع أصابع والأنملتين العليا والوسطى ودية الأنملة السفلى التي عليها الإصبع الزايدة يتبعها ما تحتها في الدية وأما الكف التي تحت الأصابع فعلى ما مضى من الوجهين. وجملته أن كل أصبع أخذت قصاصا من أصلها ففي المحل الذي كانت عليه من الكف وجهان، وكل موضع أخذنا الدية في أصبع أو أنملة منها، كان ما تحتها من الكف تبعا لها وجها واحدا. قد مضى الكلام إذا كانت يد القاطع أكمل من يد المجني عليه فأما إن كانت يد القاطع ذات خمس أصابع، ويد المقطوع ذات ست أصابع، فللمقطوع القصاص لأنا نأخذ ناقصا بكامل، ويكون بالخيار بين العفو والاستيفاء، فإن عفا على مال ثبت له دية كاملة وحكومة في الإصبع الزايدة، وإن اختار القصاص اقتص وكان له حكومة في الإصبع الزايدة فلا يبلغ تلك الحكومة دية أصبع أصلية بحال، لأنا لا نأخذ في الخلقة الزائدة ما نأخذ في الأصلية. فإذا ثبت ذلك وفرضنا أنه قطعت الزائدة وحدها، لأنها أوضح، إذ لا فرق بين قطعها وحدها أو مع اليد فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون لها شين بعد الاندمال أو لا شين لها، فإن كان لها شين فالأرش عندنا على كل حال ثلث الإصبع الصحيحة. وعندهم أن يقال: هذا الحر لو كان عبدا فلا شين فيه كم كان قيمته؟ قالوا مائة وإذا كان به شين؟ قالوا خمسة وتسعون، قلنا فقد بان أن النقص نصف العشر من القيمة، فيؤخذ منه نصف عشر دية الحر وهذا أصل في التقويم، وهو أن العبد أصل

[ 88 ]

للحر فيما لا مقدر فيه، والحر أصل للعبد فيما فيه مقدر. وأما إن لم يكن لها شين بحال أو اندملت وأحدثت جمالا، فعندنا مثل ذلك لعموم الأخبار، وعندهم الحكم فيها وفيمن شج في وجهه دون الموضحة فاندملت و أحدثت جمالا واحد. قال قوم لا شئ له فيها، لأنه لا نقص ههنا، وقال بعضهم عليه الضمان، لأنه أصبع على كف مضمونة، فكانت مضمونة كالأصلية. وكيفية التقويم أن يقوم والدم جار، لأنه إن قوم بعد الاندمال لم يظهر هناك نقص، فإذا قوم والدم جار فلا بد من ظهور النقص. فقيل لهذا القائل إذا قومته والدم جار أفضي إلى أن يوجب الأرش الكثير مع الشين اليسير، والأرش اليسير مع الشين الكثير، فإن هذا يوجب قدر حكومة، والدم جار، وقد يندمل مع يسير من الشين فأوجب الأرش الكثير مع الشين اليسير. فقال لا يمتنع هذا، لأنه قد يوضح موضحة واحدة من جبهته إلى قفاه فيكون فيها خمس من الإبل، وقد يوضح أربع مواضع في هذا السمت من رأسه فيوجب عشرين من الإبل، وهذه أقل شيئا. وحكي عن هذا القائل أنه قال أقومه عند أقرب أحوال الاندمال، ولا أقومه والدم جار، وهذا أجود عندهم لأنه أقرب إلى الاندمال، ولا يؤدي إلى ما الزم في الأول. إذا قطع يدا عليها أربع أصابع أصلية وإصبع زايدة، مثل أن كان له البنصر والوسطى والسبابة والابهام أصلية ليس له خنصر أصلية وفي محلها أصبع زايدة، وإنما يعلم ذلك بضعفها ودقتها وميلها عن الأصابع، ولهذا القاطع يد كاملة ليس فيها أصبع زايدة، فليس للمجني عليه القصاص في كف الجاني لأن يده كاملة فلا يأخذها بناقصة، والناقصة الإصبع الزائدة فلا يأخذ بها أصبعا أصلية كما لا يأخذ ذكر الفحل بذكر الخنثى، وله القصاص في الأربع الأصابع وهو بالخيار. فإن اختار الدية أخذ أربعين من الإبل في الأربع الأصلية، وحكومة في

[ 89 ]

الزائدة، ويكون الكف تبعا للأصلية الزائدة، وإن اختار القصاص أخذه من الأصلية، وهل يتبعها ما تحتها من الكف؟ على ما مضى، وأخذ حكومة في الزائدة يتبعها ما تحتها من الكف. فإن كانت بالضد منها كانت المقطوعة كاملة ويد القاطع فيها أربع أصابع أصلية وإصبع زائدة، وكان الخنصر على ما فصلناه فللمجني عليه القصاص في الكف لأنه يأخذ ناقصا بكامل. فإن اختار الدية فله دية كاملة خمسون من الإبل، وإن اختار القصاص قطع الكف ولا شئ له سواها، لأن الزايدة بمنزلة الشلاء الأصلية، ولو كانت شلاء أصلية فأخذ القصاص لم يكن له معها سواها، وإنما يأخذ القصاص في الكف إذا كانت الزائدة مكان الخنصر في محل الأصلية فأما إن كانت في محل آخر، غير محل المفقودة فلا يأخذ القصاص في الكف ههنا، لأنا لا نأخذ أصبعا في محل بأصبع في محل آخر. وأما إن كان في يد كل واحد منهما إصبع زائدة فإن اختلفا في المحل فلا قصاص وإن كانا في المحل سواء وكانتا في الخلقة سواء أخذنا القصاص وإن اختلفا في الخلقة فكانت إحداهما أكثر أنامل لم يأخذ الكاملة بالناقصة. [ القصاص في الأنملة ] إذا قطع من رجل أنملة لها طرفان فإن كان للقاطع مثلها في تلك الإصبع، كان عليه القصاص، لأنهما قد تساويا، وإن لم يكن له مثلها أخذنا القصاص في الموجودة وحكومة في المفقودة، وإن كانت أنملة القاطع لها طرفان، والمقطوعة لها طرف واحد فلا قصاص على الجاني، لأنا لا نأخذ زائدة بناقصة، وله دية أنملة ثلث دية أصبع ثلاث من الإبل وثلث. إذا قطع الأنملة العليا من سبابة رجل ثم قطع الأنملة الوسطى من سبابة آخر لم يكن له العليا، والجاني له الأعليان معا، وجب القصاص عليه في أنملتيه لهما،

[ 90 ]

ثم ينظر فيه فإن جاءا معا قطعنا العليا لصاحب العليا، ثم الوسطى لصاحب الوسطى، و إن جاء صاحب العليا أولا قطعنا له العليا فإن جاء صاحب الوسطى قطعنا له الوسطى. فأما إن جاء صاحب الوسطى أولا قلنا لا قصاص لك في الوسطى الآن، لأن عليه عليا، فلا نأخذ أعليين بواحدة وأنت بالخيار بين العفو عن الوسطى وأخذ الدية وبين أن تصبر حتى تنظر ما يكون من صاحب العليا. ثم ينظر، فإن عفا أخذ الدية وإن صبر نظرت فإن حضر صاحب العليا فأخذ القصاص فيها، كان لصاحب الوسطى أخذ القصاص في الوسطى، فإن حضر وعفا ولم يقتص العليا قيل لصاحب الوسطى أنت بالخيار بين العفو على مال فيأخذ دية أنملة، وبين أن يصبر فلعل العليا من الجاني تذهب فيما بعد ثم تستوفي الوسطى منه، هذا قولهم. وكذلك قالوا فيمن قطع كفا لرجل لا أصابع عليها، وكف القاطع لها أصابع قيل له ليس لك القصاص في كفه، وإن اختار أخذت الحكومة، وإلا فاصبر حتى لعل أصابع القاطع يذهب قصاصا أو لغيره، ويبقى له كف لا أصابع لها، فتأخذها قصاصا. فإن صبر فلا كلام، فإن بادر فأخذ الوسطى والعليا معا من الجاني قبل عفو صاحب العليا، قلنا له قد أخذت زيادة أنملة لا حق لك فيها، وليس لك مثلها فعليك ديتها، وسقط قصاص العليا لفوات محلها، ووجبت له الدية على الجاني. فالجاني له دية أنملة على صاحب الوسطى، وعليه دية أنملة لصاحب العليا، فيأخذ الجاني من صاحب الوسطى ويدفعها إلى صاحب العليا. وقد روى أصحابنا فيمن قطع كفا لا أصابع لها أن للمقطوع قطع يد الجاني الكاملة إذا رد دية الأصابع، فعلى هذا إذا عفا صاحب العليا جاز لصاحب الوسطى أن يقتص منه ويرد دية الأنملة العليا على الذي عفي عنه. فإن قطع العليا من سبابة رجل، والعليا والوسطى من سبابة آخر، وللقاطع

[ 91 ]

ذلك من سبابته، فعليه القصاص لهما، فإذا جاءا معا قلنا لصاحب العليا أنت بالخيار، فإن اختار العفو على مال فله ديتها، ولصاحب العليا والوسطى القصاص منه فيهما، و إن اختار صاحب العليا القصاص اقتص منهما، وكان لصاحب الوسطى الخيار فإن اختار عفا وأخذت دية أنملتين، وإن اختار اقتص وأخذ دية أنملة واحدة. فأما إن جاء صاحب العليا أولا فالحكم فيه كما لو جاءا معا وقد مضى، وإن جاء صاحب الوسطى أولا قيل له ليس لك القصاص لأن حق صاحب العليا أولا أسبق فإما أن يعفو أو يصبر، فإن عفا أخذ دية أنملتين وإن صبر فحضر صاحب العليا فالحكم فيه كما لو حضرا معا، ينظر ما يكون من صاحب العليا على ما فصلناه. وإن كانت بحالها ولم يكن هكذا ولكن قطع الوسطى والعليا من رجل، و العليا من آخر، ففيها المسائل الثلاث أيضا، إن حضرا معا نظرت، فإن اقتص صاحب العليا والوسطى سقط قصاص صاحب العليا إلى دية أنملة، وإن عفا صاحب العليا و الوسطى على مال فله دية أنملتين، ولصاحب العليا القصاص، وإن حضر صاحب العليا والوسطى أولا فالحكم كما لو حضرا معا وقد مضى، وإن حضر صاحب العليا أولا قلنا ليس لك القصاص لأن حق الآخر أسبق، فإن صبر وإلا عفا وأخذ الدية، فإن أخذ فلا كلام، وإن صبر حتى حضر الآخر فالحكم فيه كما لو حضرا معا، وإن بادر صاحب العليا فقطع العليا فقد أساء بالتقدم واستوفى حقه، ولصاحب الوسطى والعليا أن يقتص الوسطى ويأخذ دية العليا أو يعفو على مال، ويأخذ دية أنملتين. إذا قطع يمين رجل، فإن كان للقاطع يمين قطعت بها، وإن لم يكن له يمين وله يسار لم يقطع يسار بيمين، وهكذا لو قطع يسار رجل، فإن كان له يسار قطعت بها، وإن لم يكن له يسار لم يقطع يمينه بها، فلا يقطع يمنى بيسرى، ولا يسرى بيمنى عند جميعهم. وقال شريك أقطع اليمنى باليمنى، فإن لم يكن يمنى قطعت اليسرى، وأقطع اليسرى باليسرى، فإن لم يكن قطعت اليمنى وهو مذهبنا.

[ 92 ]

إذا قطع أذن رجل فأبانها ثم ألصقها المجني عليه في الحال فالتصقت، كان على الجاني القصاص لأن القصاص عليه بالإبانة وقد أبانها، فإن قال الجاني أزيلوا أذنه ثم اقتصوا مني، قال قوم يزال لأنه ألصق بنفسه ميتة فإزالتها إلى الحاكم والإمام، فإذا ثبت هذا وقطع بها أذن الجاني ثم ألصقها الجاني فالتصقت فقد وقع القصاص موقعه لأن القصاص بالإبانة وقد أبينت. فإن قال المجني عليه قد التصق أذنه بعد أن أبنتها أزيلوها عنه روى أصحابنا أنها تزال ولم يعللوا، وقال من تقدم إنها تزال لما تقدم لأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يستقيم أيضا على مذهبنا. فأما الصلوة في هذا الأذن الملتصقة فلا يصح عندهم، لأنه حامل نجاسة في غير موضعها لغير ضرورة، فلم يصح بها الصلوة، وهكذا يقتضيه مذهبنا، وهكذا قالوا إذا جبر عظمه بعظم ميتة، فإن لم يخف عليه التلف أزيل عنه، فإن لم يفعل لم يصح صلوته، وإن خاف التلف أقر عليه لأن النجاسة يزول حكمها، وعندنا الصلوة تصح في هذه، لأن العظم لا ينجس عندنا بالموت إلا إذا كان عظم ما هو نجس العين كالكلب والخنزير. فإن قطع النصف من أذن الجاني قصاصا فألصقها فالتصقت كان للمجني عليه إبانتها بعد الاندمال، فيقطع الأصل والذي اندمل منها، لأن القصاص لا يحصل له إلا بالإبانة. فأما إن قطع أذن رجل فلم يبنها بل تعلقت بجلده كان عليه القصاص لأنها قد انتهت إلى حد يمكن فيه المماثلة، وكذلك لو قطع يمين رجل فتعلقت بالجلدة كان له القصاص، لأنها قد انتهت إلى حد يمكن فيه المماثلة. فإذا ثبت هذا اقتص منه إلى الجلدة ثم يسئل أهل الطب فإن قالوا المصلحة في تركها تركت وإن قالوا: المصلحة في قطعها قطعت.

[ 93 ]

[ القصاص في الذكر ] القصاص واجب في الذكر لقوله تعالى " والجروح قصاص " ولأن له حدا ينتهي إليه مثل اليد فإذا ثبت ذلك، فإنا نقطع ذكر الشاب القوي بذكر الشاب وذكر الشيخ، سواء كان ممن ينتشر عليه أو لا ينتشر وبذكر الصبي الذي يقوم عليه أو لا يقوم لصغره، للظاهر، والمراعى الاشتراك في الاسم الخاص، مع تمام الخلقة، والسلامة من الشلل، ويقطع ذكر الفحل القوي بذكر الخصي الذي سلت بيضتاه وبقي ذكره، وقال بعضهم لا قود عليه لأنه لا منفعة فيه، والأول أقوى للظاهر. وأما إن قطع ذكر أشل وبه شلل وهو الذي قد استرسل فلا ينتشر ولا يقوم ولا ينقبض ولا ينبسط، كالخرقة فلا قود بقطعه كاليد السليمة بالشلاء لا يقطع بها. والأغلف يقطع بالمختون للآية. إذا كان له خصيتان فقطعهما قاطع وللقاطع ذكر وهو فحل، فعلى القاطع القود للآية، وإن قطع إحداهما قال قوم يسئل أهل الخبرة، فإن زعموا أن الباقية لا يخاف عليها في هذا الموضع قطعنا بها كما قلنا بالأصابع سواء، وإن زعموا أن الباقية لا يؤمن عليها ذهاب منافعها، فلا قود ههنا، لأنه يفضي إلى أخذ عضوين بعضو واحد. فإذا قيل يستقاد أخذ ولا كلام، وإذا قيل لا قود أو قيل له القود فعفا على مال فله نصف الدية، لأن كل عضوين فيهما الدية ففي كل واحد منهما نصف الدية كاليدين والرجلين، وروى أصحابنا أن في اليسرى ثلثي الدية لأن منها يكون الولد. إذا قطع طرف الرجل ثم اختلفا فقال الجاني كان أشل فلا قود على ولا دية، و إنما علي حكومة، عندهم وعندنا ثلث ديته صحيحا، وقال المجني عليه بل كان صحيحا سليما فعليك القود، فإذا عفوت فلي الدية، لم يخل الطرف من أحد أمرين إما أن يكون من الأعضاء الظاهرة كاليدين والرجلين والعينين والأنف والأذنين، أو من الباطنة كالذكر والخصيتين ونحو ذلك مما لا يظهر.

[ 94 ]

فإن كان في الظاهر، قال قوم القول قول الجاني إلا أن يقيم عليه البينة، وإن كان من الباطن فالقول قول المجني عليه، لأنه مغيب عن أبصار الناس ولا يجوز كشفه لهم. فالتفريع على هذه الطريقة أن نقول: هذا إذا لم يسلم الجاني أن هذا العضو الظاهر كان سليما في الأصل، فالقول قوله على ما قلناه، فأما إن سلم الجاني أن هذا العضو الظاهر كان صحيحا في الأصل لكنه كان أشل حين القطع، فعلى هذا قال قوم القول قول المجني عليه، وهو الصحيح عندنا وعندهم، لأنه سلم الجاني سلامة العضو وادعى حدوث الشلل فيما بعد فعليه البينة، وقال آخرون القول قول الجاني أيضا. فأما إن منع الجاني من سلامة العضو وهي المسألة الأولى، فقد قلنا القول قول الجاني إلا أن يقيم المجني عليه البينة، فإن أقام البينة فأي بينة تقبل منه؟ فمن قال القول قول الجاني مع تسليم السلامة لم يقبل من المجني عليه البينة، حتى يشهد بأن العضو كان سليما حين الجناية، لأن الجاني قد سلم السلامة في الأصل، وإنما يدعى الشلل حين الجناية، فلا فائدة في البينة حتى يشهد بالسلامة حين الجناية. ومن قال القول قول المجني عليه، إذا سلم الجاني سلامة العضو فالمجني عليه هيهنا بالخيار بين أن يقيم البينة على السلامة حين القطع أو على سلامته في أصل الخلقة لأنه متى ثبت سلامته سقط قول الجاني، فإنا إنما جعلنا القول قوله إذا منع السلامة فمتى ثبت السلامة بطل أن يكون القول قوله. فينظر في البينة التي أقامها المجني عليه، فإن أقامها على السلامة حين الجناية فلا حاجة إلى يمينه مع بينته وإن أقامها على السلامة في أصل الخلقة فعليه أن يحلف أنه لم يزل سليما إلى حين القطع، لجواز أن تكون الشلل حدث بعد ذلك فلا يقطع. وفي الناس من قال القول قول الجاني في الظاهرة والباطنة، وفيهم من قال القول

[ 95 ]

قول المجني عليه فيهما معا، والصحيح عندي أن القول قول الجاني في الظاهرة، وقول المجني عليه في الباطنة. [ القصاص في الأنف ] القصاص يجري في الأنف لقوله تعالى " والأنف بالأنف " وقوله " والجروح قصاص " ويؤخذ الأنف الكبير بالصغير، والدقيق بالغليظ، والأقنى بالأفطس، لتساويهما في الاسم. فإن كان المقطوع مجذوما نظرت، فإن لم يكن سقط منه شئ قطع به الأنف الصحيح، لأن الجذام علة، ونحن نأخذ الصحيح بالعليل، وإن كان قد تناثر بعضه بالجذام فالمجني عليه بالخيار بين أن يأخذ بقدره من الدية فيما بقي، وبين أن يقتص فيما بقي. وإن كان الذاهب مما يمكن القصاص فيه، وهو إن ذهب بالجذام جانبه فأما إن ذهب طرفه فلا، وليس له إلا الدية فيما بقي، وكيف تؤخذ الدية والقصاص في بعضه؟ على ما يأتي فيما بعد. ويؤخذ أنف الشام بالأخشم وهو الذي لا يشم به، لأن عدم الشم علة، و ذلك غير مانع من القصاص كما نأخذ الأذن الصحيحة بالصماء، فالذي يريد أن يؤخذ قودا ويجب فيه كمال الدية هو المارن من الأنف، والمارن ما لان منه، وهو ما نزل عن قصبة الخياشيم التي هي العظم لأن له حدا ينتهي إليه، فهو من قصبة الأنف كاليد من الساعد والرجل من الساق. ثم ينظر، فإن قطعت كله فالمجني عليه بالخيار بين القود أو كمال الدية، لأن في الأنف الدية، وإن قطعه مع قصبة الأنف فهو كما لو قطع اليد من بعض الساعد، المجني عليه بالخيار بين أن يعفو وله كمال الدية في المارن، وحكومة في القصبة كما لو قطع يده من نصف الساعد، فإن له أن يعفو، أو يأخذ كمال الدية و

[ 96 ]

حكومة في الساعد وإن اختار أخذ القصاص في المارن، وحكومة في القصبة كالساعد سواء. وأما إن قطع بعض المارن نظرنا إلى قدره بالأجزاء، فإن كان ثلثا أو عشرا عرفنا ثم يأخذ بحسابه من أنف القاطع، ولا يأخذ بالمساحة لأنه قد يكون نصف المقطوع ككل أنف القاطع فيفضي إلى أن يأخذ أنفا بنصف أنف، وهذا لا سبيل إليه، فإن قطع أحد المنخرين كان له القصاص فيه، لأن له حدا ينتهي إليه، فهو كإحدى الاصبعين لأن بينهما حاجزا. [ القصاص في الأذن ] في الأذن القصاص لقوله " والأذن بالأذن " ولقوله تعالى " والجروح قصاص " وتقطع الكبيرة بالصغيرة، والثخينة بالرقيقة، والسمينة بالهزيلة، للاتفاق في الاسم الخاص والتمام في الخلقة، ويأخذ السميعة بالصماء لما مضى، لأن الصم آفة في غير إشراف الأذن، والأذن سليمة كذكر الخصي الذي لا ينزل. فإن قطع الأذن كلها كان بالخيار بين القطع وبين كمال دية الأذن فإن قطع البعض منها مسحناه ليعلم قدره بالأجزاء ثلثا أو ربعا أو عشرا ثم يأخذ ذلك الجزء من أذن القاطع، فلا يعتبر المساحة لأنا لو اعتبرناها ربما كان نصف المقطوعة ككل أذن القاطع، فيأخذ أذنا كاملة بنصف أذن، وهذا لا سبيل إليه. وتقطع الأذن التي لا ثقبة فيه بالمثقوبة لأن الثقب ليس بنقص، وإنما يراد للزينة والجمال، فإن انخرم الثقب فلا قصاص، لأنا لا نأخذ الكامل بالناقص، ويقال للمجني عليه أنت بالخيار بين أن تأخذ الدية فيها وتترك بقدر النقصان فيها من الدية أو تأخذ القصاص إلى حد الحزم، وحكومة فيما بقي. فإن قطع يدا أظافيرها خضر أو مستخبثة أو محنية قطعنا يده، وإن كان لا علة بأظافيره، فإن لم يكن له أظافير أصلا فلا قود على القاطع، لأنها نقصان خلقة، ولا نأخذ الكامل بالناقص، وله دية كاملة.

[ 97 ]

[ القصاص في الأسنان ] ويجري القصاص في الأسنان لقوله تعالى " والسن بالسن " ومتى قلع سنا لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون سن مثغر أو غير مثغر، فإن كان سن غير مثغر فلا قصاص في الحال ولا دية، لأنه يرجى عودها، فهو كما لو نتف شعره، فإنه لا شئ فيه في الحال، لأنه يرجى عوده، ويصبر المجني عليه حتى يساقط أسنانه التي هي أسنان اللبن وتعود. فإذا سقطت وعادت لم يخل المقلوعة من أحد أمرين إما أن تعود أو لا تعود فإن لم تعد سئل أهل الخبرة فإن قالوا لا يؤيس من عودها إلى كذا وكذا من الزمان صبر ذلك القدر، فإن لم تعد علم أنه قد أعدم إنباتها وأيس من عودها، فالمجني عليه بالخيار بين القصاص وبين العفو على مال وأخذ دية سن، كما لو قلع سن من قد أثغر والمثغر هو الغلام الذي قد أسقطت سن اللبن، ونبتت مكانها، يقال أثغر الغلام يثغر واثغر يثغر لغتان. وأما إن عادت السن في هذا الوقت أو مع عود الأسنان نظرت، فإن عادت أقصر من غيرها، كان الظاهر أن القصر لأجل القلع، فعليه من الدية بقدر ما نقصت بحساب ذلك، فإن عادت تامة غير قصيرة نظرت، فإن عادت متغيرة صفراء أو خضراء أو سوداء فالظاهر أنه من فعله فعليه حكومة، وإن عادت كالتي كانت من غير تغير ولا نقصان فلا دية فيها ولا قصاص. وأما إسالة الدم، فإن كان عن جرح في غير مغرزها وهو اللحم الذي حول السن ويحيط بها، ففيه حكومة لأنها جناية على محل السن، وإن كان الدم من نفس مغرزها، قال قوم فيها حكومة، وقال آخرون لا حكومة فيها ولا شئ عليه والأول أقوى ومن قال بالثاني قال لأنه لم يجرح محل الدم، فهو كما لو لطمه فرعف فإنه لا حكومة عليه. هذا إذا عاش المجني عليه فأما إن مات نظرت فإن مات بعد أن آيس من عودها

[ 98 ]

فقد استقر الضمان عليه، ووليه بالخيار بين القصاص والدية، وإن مات قبل الإياس من عودها فلا قصاص لأن الحدود تدرأ بالشبهات، والشبهة أنا لا نعلم عودها. وأما الدية قال قوم لا دية، لأنا لا نعلم أنه أعدم إنباتها كما لو نتف شعره، ثم مات قبل أن يعود الشعر، وقال آخرون: عليه الدية لأن القلع متحقق والعود متوهم، فلا يسقط حقه بأمر متوهم وهو الأقوى. وأما إن قلع سن مثغر نظرت، فإن قال أهل الخبرة هذه لا تعود أبدا فالمجني عليه بالخيار بين القصاص والعفو، وإن قالوا لا يرجى عودها إلى كذا وكذا، فإن عادت وإلا فلا تعود، لم يكن للمجني عليه قصاص ولا دية كما قلنا في سن غير المثغر. ثم ينظر فيه، فإن لم تعد إلى ذلك الوقت كان المجني عليه بالخيار بين القصاص أو الدية، وأما إن عادت هذه السن نظرت، فإن عادت قبل الإياس من عودها فهي كسن غير المثغر وقد مضى، وإن عادت بعد الإياس من عودها إما بعد المدة المحدودة أو قبل المدة وقد قالوا أنها لا تعود أبدا، فهل هذه العايدة هي الأولى أو هبة مجددة من عند الله؟ قال قوم هي تلك المقلوعة كما قلنا في سن غير المثغر أو إذا لطمه أو جنى على رأسه فذهب ضوء عينيه ثم عاد: إن هذا هو الأول. وقال آخرون هذه هبة مجددة من عند الله تعالى، لأن العادة ما جرت بعود سن المثغر بعد قلعها، والإياس من عودها، فإذا عادت علمنا أنه هبة مجددة من عند الله ويفارق الذي لم يثغر، لأن العادة قد جرت بالعود، ويفارق ضوء العين لأن الضوء لا يعود بعد ذهابه، وإنما يحول دونه حائل فإذا زال الحائل أبصر بالضوء الأول لا بضوء مجدد. فإذا تقرر ذلك لم يخل المجني عليه من أحد أمرين: إما أن يكون أخذ القصاص من الجاني أو الدية، فإن كان أخذ الدية، فمن قال إن عودها هبة مجددة، قال لا يرد شيئا لأنه أخذ دية سنه، وقد وهب الله له سنا آخر، ومن قال هذه تلك

[ 99 ]

قال عليه رد الدية، لأنه إنما أخذ الدية بدلا عن سنه، وقد عادت، فكان عليه رد بدلها. وإن كان المجني عليه أخذ القصاص فمن قال هذه هبة مجددة، قال لا شئ عليه، لأنه أخذ القصاص في سنه، وقد وهب الله له سنا، ومن قال هذه تلك قال عليه رد دية سن الجاني لأنا بينا أنه أخذ القصاص بغير حق، ولا قصاص عليه، لأنه إنما أخذ سن الجاني قصاصا ولا قصاص عليه فيما أخذه قصاصا فيكون عليه الدية. فإن كانت المسألة بحالها، فأخذ المجني عليه القصاص في سنه، ثم عادت سن الجاني ولم يعد سن المجني عليه، فمن قال هذه هبة مجددة قال لا شئ للمجني عليه لأنه أخذ سن الجاني قصاصا، وقد وهب الله له سنا، ومن قال هذه تلك فهل للمجني عليه قلعها ثانيا؟ قال قوم له ذلك لأنه أعدم سن المجني عليه، فله قلعها أبدا حتى يعدم إنباتها، وهو الذي يقتضيه مذهبنا، وقال آخرون ليس له قلعها لجواز أن يكون هبة مجددة فلا يقلع، ويكون ذلك فيقلع، فلا نوجب القصاص بالشك. فحصل من هذا: إذا عادت ثلاثة أقوال أحدها لا شئ للمجني عليه، والثاني له قلعها أبدا، والثالث ليس له قلعها وله الدية، فإن قلع سنه وأخذ سن الجاني قصاصا ثم عادت سن المجني عليه فعدا الجاني فقلع هذه الثانية أيضا فما الذي يجب على الجاني؟ فمن قال هذه هبة مجددة كان كأنه قلع غير ذلك السن، وليس للجاني مثلها فيسقط القصاص وله الدية، ومن قال هذه تلك، قال: قد كان وجب للجاني عليه بعودها دية سنه، فلما عدا الجاني فقلعها وجب عليه بقلعها ديتها للمجني عليه، فقد وجب لكل واحد منهما على صاحبه دية سن فيتقاصان. فإن كانت بحالها فعادت سن الجاني بعد القصاص دون سن المجني عليه، فعدا المجني عليه فقلعها بعد العود، فمن قال: هذه هبة مجددة فقد قلع المجني عليه سنا بغير حقها فعليه ديتها، ومن قال هذه تلك فمن قال له قلعها كلما نبت، قال: قد استوفا

[ 100 ]

حقه، ومن قال ليس له قلعها وإنما له الدية وكان على الجاني دية سنه فلما قلع سن الجاني وجب للجاني عليه دية سنه فيه فتقاصا. السن الزائدة ما خرجت عن سمت الأسنان وصف الأسنان إما خارجة عن الصف أو داخلة في جوف الفم، فإذا قلعها قالع لم يخل من أخد أمرين إما أن يكون للجاني سن زايدة أو لا يكون، فإن لم يكن له سن زايدة فلا قصاص، وعليه حكومة لا يبلغ بهادية سن، وعندنا يجب فيها ثلث دية السن الأصلي، وإن كان للجاني سن زايدة، فإن كانت في غير محل المقلوعة فلا قصاص أيضا لأنا لا نأخذ عضوا في محل بعضو في محل آخر كما لا نأخذ السبابة بالوسطى، ويكون عليه ثلث دية السن الأصلي عندنا، وعندهم الحكومة. وإن كان للجاني سن زائدة في محلها كان المجني عليه بالخيار بين أن يقتص منه، وبين أن يعفو على مال وله ما ذكرناه، فإن اختار القصاص فلا فصل بين أن يكونا سواء أو أحدهما أكبر من الآخر لاشتراكهما في الاسم. إذا وجب لرجل على غيره قود في نفس أو طرف لم يكن له أن يستوفيه منه بنفسه بغير سلطان، لأنه من فروض الأئمة، فإن خالف وبادر واستوفى حقه وقع موقعه ولا ضمان عليه، وعليه التعزير، وقال بعضهم لا تعزير عليه، والأول أصح لأن للإمام حقا في استيفائه. إذا وجب القصاص في يمين رجل فقال المجني عليه أخرج يمينك أقتصها فأخرج يساره فقطعها المجني عليه، فهل عليه القود والضمان بقطع يساره؟ نظرت، فإن كان الجاني أخرجها وقد سمع من المجني عليه أخرج يمينك فأخرج يساره مع العلم بأنها يساره، والعلم بأن القود لا يسقط عن يمينه بقطع يساره، فإذا اجتمعت في الجاني هذه الأوصاف الثلاثة، فلا ضمان على المجني عليه بقطع هذه اليد من قود ولا دية، لأنه بذل يده للقطع عمدا بغير عوض.

[ 101 ]

فإذا ثبت أنها قد ذهبت هدرا، فهل على القاطع التعزير أم لا؟ فإن كان جاهلا بأنها يساره فلا تعزير عليه لأنه ما قصد قطعها بغير حق، وإن قطعها مع العلم بحاله فعليه التعزير، لأنه قطع يدا عمدا بغير حق، وليس إذا سقط حق الآدمي بالبذل سقط حق الله تعالى، كما لو قال له اقتل عبدي فقتله، سقط عنه الضمان الذي هو للسيد، ولم يسقط حق الله من الكفارة. فإذا ثبت أن يساره هدر، فالقود باق في يمينه، لأنه وجب عليه حق فبذل غيره لا على سبيل العوض، فلم يسقط عنه الحق، كما لو وجب عليه قطع يمينه، فأهدى إلى المجني عليه مالا وثيابا لا على سبيل العوض عن اليمين، فقبل ذلك المجني عليه لم يسقط القصاص به عن اليمين. والذي يقتضيه مذهبنا أنه يسقط عنه القود، لأنا قد بينا فيما تقدم أن اليسار يقطع باليمين إذا لم يكن يمين، وما ذكروه قوي. وأما من وجب عليه قطع اليمين في السرقة فأخرج يساره فقطعت سقط القطع عنه في اليمين بلا خلاف، لأنه من حقوق الله وهي مبنية على التسهيل والتخفيف. فإذا ثبت أن القصاص باق في يمينه، فإن له قطع اليمين قصاصا، لكن ليس له قطعها حتى يندمل يساره، لأنا لو قطعنا يمينه قبل اندمال اليسار، ربما سرى إلى نفسه عن القطعين فتلف بسراية قطعين أحدهما بحق والآخر بغير حق. فإذا اندملت يساره قطع يمينه، وإن سرت إلى نفسه كانت نفسه هدرا لأن القطع إذا لم يكن مضمونا كانت السراية غير مضمونة، وسقط القصاص عن يمينه بفواته، و يكون فواته إلى دية اليد يجب للمجني عليه في تركته، لأن القصاص سقط بغير اختيار المستقيد فكان سقوطه إلى مال. فأما إن اختل شرط من هذه الشروط الثلاثة، فقال: ما سمعت منه أخرج يمينك بل طرق سمعي أخرج يسارك، أو قال سمعته يقول أخرج يمينك وكنت على إخراجها فدهشت فأخرجت يساري معتقدا أنها يميني، أو قال: سمعته وعلمت أنها يساري

[ 102 ]

لكني ظننت أن قطعها يسقط القود عن يميني. فمتى قطعها على هذا فهل استوفى حقه أم لا؟ لم يخل المقتص من أحد أمرين إما أن يكون جاهلا بأنه قطع اليسار أو عالما بها، فإن كان جاهلا بذلك فلا قود عليه بقطع يسار الجاني، لأنه قطعها معتقدا أنه يستوفي حقه بها، فكان شبهة في سقوط القود فيها، ولأنه قطعها ببذل مالكها فلا قود عليه، وقال قوم لا دية عليه أيضا لأنه قطعها ببذل صاحبها كالتي قبلها والصحيح أن عليه ديتها، لأنه بذلها عن يمينه، فكان البذل على سبيل المعاوضة، فإذا لم يصح كان على القابض الرد، فإذا عدمت كان عليه رد بدلها كما لو قبض المشتري سلعة عن بيع فاسد فعليه ردها، وإن كان مفقودا كان عليه رد بدلها. فأما إن كان المقتص عالما بأنها يساره فقطعها فهذا القطع مضمون لأنه إنما بذلها بعوض، فلم يسلم له، فكان على القابض الضمان لما قدمناه. فإذا ثبت أنه مضمون فما ذلك الضمان؟ قال قوم: مضمون بالقود لأنه قطع يد غيره بغير حق مع العلم بالتحريم، وقال آخرون وهو الصحيح أنه لا قصاص، لأنه مضمون بالدية لأنه قد بذلها للقطع، فكان شبهة في سقوط القود عنه. فإذا ثبت أن على المقتص دية اليسار، فإن القود باق له في يمين الجاني لأن يساره لم يصر بدلا عن يمينه، ولا عوضا عنها، فكان القصاص باقيا في يمينه فعليه القصاص في يمينه، وله دية يساره، غير أن المقتص ليس له قطع اليمين في الحال حتى ينظر ما يكون من قطع اليسار لما قلناه في المسألة قبلها. فإذا توقف فإما أن يندمل أو يسري، فإن اندملت اليسار فقد استقر على المقتص دية اليسار، وله قطع اليمين، فإن استوفاها قصاصا فعليه أن يدفع دية اليسار، وإن عفا عن اليمين وجب له دية اليمين، وعليه دية اليسار فيتقاصان. وإن سرى قطع اليسار إلى النفس فعليه ضمان النفس، لأنها سراية عن قطع مضمون سرى إلى النفس وهي مضمونة، فكان عليه ديتها، فعليه دية نفس يدخل فيها

[ 103 ]

ضمان الطرف، وله من هذه النفس قطع يمينها، وقد فات بغير اختياره فيكون له دية اليمين، وهو نصف الدية، وعليه دية النفس فيتقاصان بالنصف، ويفضل له عليه نصف الدية يستوفي منه. وقال بعضهم إذا قطع يساره فسرى إلى نفسه كان المستوفى ليمينه قصاصا فيسقط حقه منها، ويكون عليه كمال الدية، كمن وجب له قطع يد رجل فقطعه ثم عاد فقتله، فإن عليه كمال الدية كذلك ههنا. هذا إذا اتفقا من غير اختلاف، فأما إن قطع يساره ثم اختلفا فقال الباذل بذلتها لتكون بدلا عن يميني، فلي ديتها، وقال القاطع المقتص بل بذلتها مع العلم بأنها لا تكون بدلا عن يمينك فهدرت، فالقول قول الباذل لأن الاختلاف في نيته وإرادته وهو أعلم بها. فإن حلف ثبت أنه بذلها على سبيل العوض، فيكون الحكم على ما مضى، فإن نكل رددنا اليمين على المقتص يحلف ما بذلها إلا وهو يعلم أنها لا يكون بدلا عن اليمين، فإذا حلف كانت هدرا، وبقي له القصاص في يمينه. هذا إذا اختلفا فأما إن اتفقا على قطعها باليمين، مثل أن تراضيا به فقطعت على هذا لم يكن بدلا عن يمينه، لأن ما لا يقع قصاصا عن الشئ، لم يقع قصاصا عنه بالتراضي، كما لو قتل عبده عبدا لرجل فقال له السيد اقتلني بعبدك أو اقتل عبدي الآخر بعبدك ففعل لم يقع القصاص موقعه. فإذا تقرر هذا فلا قود على المقتص في اليسار، لأنه بذلها لتكون بدلا عن اليمين، وكان شبهة في سقوط القصاص عنه، وعليه دية هذه اليسار لأنه بذلها على سبيل العوض، فإذا لم يسلم ما في مقابلها رجع إلى بدلها كما قلنا في المبيع والثمن. فإذا ثبت أن على المقتص دية يساره فهل له قطع يمين الباذل أم لا؟ قال بعضهم: ليس له قطعها لأن رضاه بقطع اليسار مكان اليمين عفو منه عن اليمين، فلهذا سقط القصاص عنها. وقال آخرون: لا يسقط، وله قطع يمينه، لأنه أخذ اليسار بدلا عن

[ 104 ]

اليمين، فإذا لم يصح أخذها عن اليمين واليمين قائمة، كان له الرجوع إلى عين ماله كرجل باع عبدا بثمن معين فتلف الثمن قبل القبض، رجع سيد العبد إلى عين ماله حين لم يسلم له الثمن، كذلك ههنا يرجع المقتص إلى ما وجب له، وهو قطع اليمين. فمن قال لا يسقط القصاص عن يمينه قال له على المقتص دية يساره، وللمقتص قطع اليمين، فإن سرى قطع اليسار إلى النفس أو اندملت كان الحكم على ما مضى، ومن قال ليس له قطع يمينه فله ديتها، وعليه دية يسار الباذل، فإن كانت الديتان سواء تقاصا، وإن اختلفا مثل أن كان أحدهما رجلا والآخر امرأة تقاصا فيما اتفقا، و رجع صاحب الفضل بالفضل. هذا الكلام فيه إذا كانا عاقلين فأما إن كان أحدهما مجنونا نظرت، فإن كان الجاني عاقلا ثم جن قبل القصاص عنه، والمجني عليه المقتص عاقل، فقال له العاقل أخرج يمينك لأقطعها فأخرجها فقطعها فقد استوفى حقه من المجنون، لأنه قبض ما كان واجبا عليه، فوقع الاستيفاء موقعه لا ببذل المجنون، فهو كما لو وثب على حقه من القصاص واستوفاه وقع موقعه، ولا يراعى جهة المقتص منه كذلك ههنا. وإن قال لهذا المجنون أخرج يمينك فأخرج يساره فقطعها نظرت في المقتص فإن كان جاهلا بأنها يسار المجنون فلا قود عليه شبهة، وعليه دية يسار المجنون، وإن كان عالما بأنها يساره فعليه القود في يساره، لأن المجنون لا يصح منه البذل، فهو كما لو قطع يساره كرها، فقد وجب عليه للمجنون قطع اليسار، وله قطع يمين المجنون. فإن كانت بالضد وهو أن جن المجني عليه والجاني عاقل، فقال له المجنون أخرج يسارك فأخرجها له فقطعها المجنون هدرت، ولا ضمان عليه، سواء اعتقد أنه يستوفيها بدلا عن يمينه أو لم يعتقد ذلك، لأن من بذل يده للمجنون يقطعها فقطعها فهو الذي أبطل حق نفسه، كما لو بذل له ثوبا فخرقه، وإن قال له المجنون أخرج يمينك فأخرجها فقطعها المجنون ذهبت هدرا أيضا لأنه لا استيفاء للمجنون، فيكون كأنها سقطت بآكلة، فيكون للمجنون ديتها.

[ 105 ]

فأما إن وثب المجنون فقطع يمين الجاني فهل يكون قصاصا أم لا؟ قال بعضهم: يكون قصاص لأن المجنون إذا كان له حق معين فأتلفه كان بمنزلة الاستيفاء، كما لو كان له وديعة عند غيره فهجم عليها فأتلفها، فلا ضمان على المودع، وقال بعضهم و هو الأقوى: إنه لا يكون ما فعله استيفاء لحقه ولا يكون قصاصا، لأن المجنون لا يصح منه استيفاء حقه بحال. ويفارق الوديعة لأنه إذا أتلفها فلا ضمان على المودع، لأنها تلفت بغير جناية ولا تفريط كان منه، فهو كما لو أتلفها غير المجنون، فلهذا سقط عنه الضمان وليس كذلك ههنا لأن الضمان لا يسقط عنه بذهاب يمينه، وإن كان هلاكها بغير تفريط كان منه. فبان الفصل بينهما. فمن قال قد استوفا حقه فلا كلام ومن قال ما استوفا حقه كان حقه مضمونا لأن إتلاف المجنون يقع مضمونا فقد ذهبت يمين الجاني بقطع المجنون، فوجبت ديتها بقطعه، وللمجنون دية هذه اليمين. ومن قال عمد المجنون عمد، فدية اليمين عنده عليه، وله ديتها يتقاصان، ومن قال عمده في حكم الخطأ قال دية يمين الجاني على عاقلة المجنون، ولهذا المجنون دية هذه اليمين على الجاني يستوفي المجنون دية يمينه من الجاني، ويستوفي الجاني دية يمينه من عاقلة المجنون. إذا قطع يدي رجل ورجليه فالظاهر أن عليه ديتين دية في اليدين، ودية في الرجلين، فإن مات بعد الاندمال استقرت الديتان على الجاني، وإن سرى القطع إلى نفسه فعليه دية واحدة، لأن أرش الجناية يدخل في بدل النفس. فإذا ثبت هذا فقطع يدي رجل ورجليه، ثم مات المجني عليه ثم اختلفا فقال الولي مات بعد الاندمال فعليك أيها الجاني كمال الديتين، وقال الجاني مات بالسراية من القطع، وليس علي إلا دية واحدة، قال بعضهم القول قول الولي. وصورة المسألة أن المجني عليه مات بعد القطع بمدة يمكن اندمال القطع فيها، فعلى هذا يكون القول قول الولي لأن الظاهر أنه قد وجب على الجاني ديتان

[ 106 ]

بدليل أن للولي المطالبة بهما قبل الاندمال على قول بعضهم، فإذا كان الظاهر هذا احتمل أن يكون القول قول الجاني أنه ما اندمل، واحتمال أن يكون القول قول الولي أنه قد اندمل، فتقابلا، وكان الظاهر وجوب الديتين، فلا نسقطهما بأمر محتمل. وإن كان بين الموت والقطع مدة لا يمكن الاندمال فيها، مثل أن يكون مات بعد يوم أو خمسة، فالقول قول الجاني ههنا، لأن الظاهر معه، لأنه لا يمكن الاندمال في هذه المدة، ويكون القول قوله مع يمينه أنه مات من سراية القطع، لجواز أن يكون الموت بحادث غير القطع، مثل أن لدغته حية أو عقرب. هذا إذا اتفقا على المدة، فأما إن اختلفا فيها، فقال الجاني مات قبل أن تمضي مدة يندمل في مثلها، وقال الولي بل مضت مدة يندمل في مثلها، فالقول قول الجاني لأن الأصل بقاء المدة حتى يعلم انقضاؤها، وبقاء الجناية والسراية حتى يعلم برؤها. فإن كانت المسألة بالضد من هذا، فقطع يد رجل فمات المقطوع ثم اختلفا فقال الجاني مات بعد الاندمال فعلي نصف الدية، وقال الولي بل قبل الاندمال فعليك كمال الدية، لم يخل من أحد أمرين إما أن تمضي مدة يندمل في مثلها، أو لا تمضي، فإن كان هذا بعد مضي مدة يندمل في مثلها، فالقول قول الجاني لأن الظاهر معه، وهو أن الواجب نصف الدية، والولي يدعي دية كاملة، والأصل براءة ذمته، فكان القول قوله. وإن كان قبل أن تمضي مدة يمكن الاندمال فيها، فالقول قول الولي لأن الظاهر معه، وأن الاندمال لم يحصل، فكان القول قول الولي. وإن اختلفا في المدة فقال الجاني قد مضت مدة يندمل في مثلها، وقال الولي ما مضت، فالقول قول الولي لأن الأصل أنها ما مضت فالولي في هذه كالجاني في تلك. فرع: رجل قطع يدي رجل ورجليه واختلفا فقال القاطع: مات من السراية فعلي دية واحدة، وقال الولي مات من غير السراية وهو أنه شرب سما فمات أو قال قتل

[ 107 ]

فعليك كمال الديتين، فليس بينهما ههنا خلاف في مدة، وإنما الخلاف فيما مات المجني عليه منه، فمع كل واحد منهما ظاهر يدل على ما يدعيه: مع المجني عليه ظاهر لأن الأصل أنه ما شرب السم، ومع الولي ظاهر وهو أن الأصل وجوب الديتين على القاطع. وقال بعضهم يحتمل وجهين أحدهما أن القول قول الولي لأن الظاهر وجوب الديتين وهو يدعي ما يسقطهما، فكان القول قول الولي كما إذا أوضحه موضحتين ثم انخرق ما بينهما وصارت واحدة، ثم اختلفا، فقال الجاني انخرق ما بينهما بالسراية فعلي دية موضحة واحدة، وقال المجني عليه أنا خرقت بينهما فعليك دية موضحتين، فالقول قول المجني عليه ولا فصل بينهما. ويحتمل أن يكون القول قول الجاني لأن الأصل أن المجني عليه ما شرب السم، فقد ثبت أن كل واحد منهما معه ظاهر يدل على ما يدعيه ويجري مجرى مسألة الملفوف في الكساء: إذا قطعه قاطع بنصفين ثم اختلفا فقال القاطع كان ميتا حين القطع، وقال الولي كان حيا حين القطع، فإنه يقول بعضهم: القول قول القاطع لأن الأصل براءة ذمته، وقال غيره القول قول الولي لأن الأصل بقاء الحيوة كذلك ههنا. إذا وجب القصاص على إنسان وأراد أن يقتص منه، فإن الإمام يحضر عند الاستيفاء عدلين متيقظين فطنين احتياطا للمقتص منه، لئلا يدعي من له الحق أنه ما استوفاه، وأنه هلك بغير قصاص، وليتأمل الآلة، فيكون صارما غير مسموم، لأنه إن كان مسموما هراه. فإن حضر العدلان واستوفى بحضرتهما فلا كلام، وإن استوفى حقه بغير محضر منهما، فإن استوفاه بصارم غير مسموم فقد استوفى حقه، ولا شئ عليه، لأنه استوفى حقه على واجبه، وإن استوفى بسيف كال فقد أساء لأنه عذبه ولا شئ عليه، لأنه ما استوفى أكثر من حقه، وإن استوفاه بصارم مسموم فقد استوفا حقه، وعليه التعزير

[ 108 ]

لأنه بمنزلة جناية عليه حينئذ بعد استيفاء القصاص، فهو كما لو قتله ثم عاد فقطعه أو حرقه فإنا نعزره كذلك ههنا. فأما إن كان في طرف فالحكم على ما مضى فإن استوفي القطع بصارم غير مسموم فلا كلام، وإن كان بسيف كال فقد أساء ولا شئ عليه، وإن كان بسيف مسموم فمات فقد مات عن سراية مضمونة، فهو كما لو قطع يد مرتد ثم أسلم فجرحه مسلم ثم مات أو قطع يد رجل ثم قطع آخر رجله ظلما ثم سرى إلى نفسه فكل هذا سواء، فما قابل المضمون ضمن، وما قابل غيره هدر، فيكون عليه نصف الدية وعليه التعزير. يعطى الذي يقيم الحدود ويقتص للناس من بيت المال أرزاقهم، عندنا وعند جماعة، وإن لم يكن بيت مال أو كان موجودا لكن هناك ما هو أهم منه كسد الثغور وتقوية المقاتلة كانت الأجرة على المقتص منه عند قوم، وقال آخرون أجرة القصاص على المقتص المستوفي دون المستوفى منه وهو الأقوى. إذا قطع يد عبد ففيه نصف قيمته ويستوفيها ويمسك العبد مولاه، وقال بعضهم على الجاني نصف قيمته، ويكون السيد بالخيار بين إمساكه ويستوفي نصف قيمته، وبين أن يسلم العبد إلى الجاني ويطالبه بكمال قيمته، وإن قطع يدي عبد أو رجليه كان عليه كمال قيمته، ويسلم العبد عندنا وعند جماعة يمسكه مولاه. إذا قطع رجل يد عبد والآخر يده الأخرى كان عليهما كمال قيمته، على كل واحد منهما نصفه، وتمسك المولى العبد ههنا بلا خلاف وفي الأول خلاف، وفيهم من سوى بين المسئلتين فجعل العبد بين الجانبين وهو الأقوى.

[ 109 ]

(فصل) * (في عفو المجني عليه بموت) * يمكن فرض المسألة إذا قطع يده أو رجله أو قلع عينه ثم عفا عنه، لكنا نفرضها فيما إذا قطع أصبعه عمدا فإنه أوضح وأوسع للتفريع، فإذا قطع أصبعه عمدا ثم عفا المجني عليه لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يندمل الإصبع، أو يسري إلى الكف أو إلى النفس. فإن اندملت وقد قال عفوت عن عقلها وقودها فلا قصاص عليه في الإصبع، لأنه عفا عنه، وكان واجبا حين العفو، وأما دية الإصبع فقد صح العفو عنها أيضا، وقال بعضهم لا يصح العفو، والأول هو الصحيح. ولا فصل فيه إذا اندملت بين أن يقول عفوت عن عقلها أو قودها، أو يزيد فيقول وما يحدث فيها، أو لا يزبد عليه، لأنه لا زيادة بعد الاندمال. وإن قال: عفوت عن الجناية ولم يزد على هذا، كان عفوا عن القود دون العقل لأنه ما عفى عن المال. فإن اختلفا فقال المجني عليه عفوت عن الجناية فقط وقال الجاني عفوت عن القود والعقل، فالقول قول المجني عليه، لأنهما يختلفان في إرادته فكان صاحبها أعلم بذلك. هذا إذا اندملت، وأما إذا سرت إلى الكف واندملت فلا قود في الإصبع الذي باشر قطعها لأنه قد عفا عنه، ولا عقل في الإصبع، ولأنه قد عفى عنه أيضا وأما الكف بعد الإصبع فلا قود فيها لأنه لا قصاص في الأطراف بالسراية ويجب على الجاني دية ما بعد الإصبع، وهو أربع أصابع أربعون من الإبل، ويكون الكف تبعا للأصابع وسواء قال عفوت عن عقلها وقودها وما يحدث فيها، أو لم يقل: وما يحدث منها،

[ 110 ]

لأن الحادث ههنا وجوب دية ما بعد الإصبع فهو عفو وإبراء عما لم يجب فلا يصح العفو عنه. فأما إذا سرا إلى نفسه فالقود في النفس لا يجب لأنه عفا عن القود في الإصبع، وإذا سقط فيها سقط في الكل لأن القصاص لا يتبعض، وهذا القصاص يسقط عن النفس سواء قلنا تصح الوصية من القاتل أو لا نقول، لأن القولين معا فيما كان مالا. فأما القصاص فإنه يصح لأنه ليس بمال بدليل أنه قد يعفو عن القود من لا يصح أن يعفو عن المال، وهو المحجور عليه لسفه، فلو كان القصاص مالا ما صح عفو السفيه عنه والذي رواه أصحابنا أنه إذا جنى عليه فعفى المجني عليه عنها ثم سرا إلى نفسه كان لأوليائه القود إذا ردوا دية ما عفى عنه على أولياء المقتص منه، فإن لم يردوا لم يكن لهم القود. فأما دية النفس فلا يخلو إما أن يقول عفوت عنها وما يحدث من عقلها أو لا يقول عما يحدث من عقلها، فإن قال وما يحدث منها من عقلها، لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون بلفظ الوصية أو بلفظ العفو والابراء. فإن كان بلفظ الوصية فهذه وصية لقاتل، وهل يصح الوصية له أم لا؟ قال قوم: لا يصح لقوله عليه السلام ليس لقاتل شئ، وقال آخرون يصح الوصية له لقوله صلى الله عليه وآله إن الله أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث، دل على أنها لغير وارث، وهذا غير وارث، والذي يقتضيه مذهبنا أنها تصح للقاتل لأنه لا مانع منه. فمن قال لا يصح الوصية للقاتل، قال: تكون الدية ميراثا، ومن قال يصح كانت الدية كلها له، إن خرجت من الثلث، وإن لم يخرج منه كان له منها بقدر الثلث. وأما إن كان بلفظ العفو والابراء فهل الابراء والعفو من المريض وصية أم لا؟ قال قوم هو وصية لأنه يعتبر من الثلث، وقال آخرون هو إسقاط وإبراء، وليس بوصية لأن الوصية نقل ملك فيما يأتي، والابراء والعفو إسقاط في الحال، فلهذا لم يكن العفو كالوصية، وعندنا أنه ليس بوصية وهل يعتبر من الثلث؟ لأصحابنا فيه روايتان قد مضتا.

[ 111 ]

فمن قال عفوه كالوصية فالحكم فيه كما لو كان بلفظ الوصية، وقد مضى، و من قال هو إبراء وليس بوصية فعلى هذا صح الابراء عما وجب له، وهو دية الأصابع ولم يصح فيما عداه، ولأنه إبراء عما لم يجب والابراء عما لم يجب لا يصح. فأما إن قال عفوت عن الجناية وقودها وعقلها، ولم يقل وما يحدث منها، قال بعضهم لا قصاص في النفس لأنه عفا عن البعض فيسقط، وأما دية النفس فباقية بحالها لأنه ما أوصى بها ولا عفا. وأما دية الإصبع وحدها ينظر فيه فإن كانت بلفظ الوصية فهل يصح أم لا؟ فمن قال الوصية للقاتل يصح، صح له دية الإصبع، ومن قال لا يصح له لم يصح دية الإصبع، فإن كان ذلك بلفظ العفو والابراء فمن قال هو كالوصية فالحكم على ما مضى، ومن قال إسقاط صح الابراء عن عقل الإصبع بكل حال، لأنه عفى عما وجب له عليه. إذا جنى عبد على حر جناية يتعلق أرشها برقبته، كأنها موضحة فتعلق برقبته أرش موضحة، ثم إن المجني عليه أبرء، ففيه ثلاث مسائل إن أبرء العبد فقال أبرأتك أيها العبد عنها لم يصح، لأنه إبراء من لا حق له عليه، وإن أبرء السيد برأ وسقط عن رقبة العبد، لأنها وإن كانت متعلقة برقبة العبد، فالعبد يعود على السيد فلهذا صح، وإن عفا مطلقا فقال عفوت عن أرش هذه الجنابة صح، وكان راجعا إلى سيده، وهذه وصية لغير القاتل فصحت. وإذا قتل حر حرا خطأ لم يخل من أمرين إما أن يثبت هذا عليه بالبينة أو باعترافه، فإن كان ثبوتها عليه بالبينة، فالدية على عاقلته، وفيه المسائل الثلاث إن أبرء الجاني لم يصح الابراء، لأنه إبراء من لا حق له عليه، وإن أبرء العاقلة صح، وإن أطلق فقال عفوت عن أرش هذه الجناية وأبرأت عن أرشها صح، وإن كان راجعا إلى العاقلة وهي وصية لغير القاتل فيصح. وإن كان ثبوت القتل باعترافه فالدية في ذمته، وفيها ثلاث مسائل:

[ 112 ]

إن أبرء العاقلة لم يصح لأنه لا حق له عليهم، وإن أبرء القاتل فقال أبرأتك عنها أو أطلق فقال أسقطت عقل هذه الجناية، كانت هذه وصية للقاتل، وهل يصح؟ على قولين، وقلنا إن عندنا يصح. ذمي قتل مسلما خطأ فإن كان ثبوته بالبينة كانت الدية على عاقلته وفيه المسائل الثلاث وروى أصحابنا أن عاقلته الإمام، وإن كان باعترافه فالدية في ذمته، وفيه المسائل الثلاث، فإن كانت أبرء له فهي وصية للقاتل، فيكون على ما مضى من الخلاف. ولا فصل بين الذمي والمسلم في هذا، لكن هناك فصل يخالف المسلم فيه، وهو أن المسلم إن كان له عاقلة فالدية على عاقلته، وإن لم يكن له عاقلة ففي بيت المال، والذمي إذا لم يكن له عاقلة فالدية في ذمته دون بيت المال عندهم، وقد قلنا ما عندنا فيه. وفصلوا بينهما بأن المسلم عصبة المسلم، بدليل أنهم يرثونه إذا لم يكن له وارث، فلهذا عقلوا عنه، وليس كذلك الذمي لأنه إذا لم يكن له وارث نقل ما له إلى بيت المال فيئا لا ميراثا، وعندنا لا فرق بينهما في أن كل واحد منهما إذا لم يكن له وارث كان ميراثه للإمام، فلهذا عقل عنه. إذا جنى عبد على حر جناية لها أرش مقدر، ونفرضها في الموضحة لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون عمدا أو خطأ، فإن كانت خطأ تعلق برقبة العبد خمس من الإبل أخماسا، فإن اشتراه المجني عليه من سيده بما تعلق له برقبته من الإبل فهل يصح أو لا؟ قال قوم يصح، وقال بعضهم لا يصح، لأن الثمن مجهول بدليل أن الإبل وإن كانت معلومة العدد والسن فإنها مجهولة النوع واللون، بدلالة أنه لو أسلم إليه في خمس من الإبل على هذا القدر من الصفة لم يصح، فإذا كان مجهولا كان باطلا، ومن قال يصح وهو الأقوى، قال: لأنه حق وهو مال مستقر يملك المطالبة به، فيصح أن يكون ثمنا في البيع كالدين المعلوم. فمن قال البيع باطل فلا كلام، ومن قال: صحيح ملك المجني عليه العبد،

[ 113 ]

وسقط الأرش عن رقبته، فإن أصاب المشتري بالعبد عيبا كان له رده، فإذا رده عاد الأرش إلى رقبته، فإن كانت الجناية عمدا تعلق برقبته القود في الموضحة، فإن قال المجني عليه لسيده بعني هذا العبد بأرش هذه الجناية كان يجب هذا عفوا عن القصاص وثبوت الأرش في رقبته، وجعله ثمنا له، فيسقط القصاص ويثبت الأرش في رقبته وهل يصح أن يكون ثمنا يملكه به من سيده؟ على ما مضى إذا كانت خطأ. كل جرح إذا اندمل وجب فيه القصاص إذا سرى إلى النفس وجب فيه القصاص عند بعضهم، مثل أن قطع يده أو رجله أو قلع عينه أو أوضحه فله القطع في الجرح و القتل وفيه خلاف، وقد بينا فيما مضى أن الذي يقتضيه مذهبنا أنه ليس له إلا القتل وأما قصاص الطرف، فإنه يدخل في قصاص البدن. فأما إن قطع يده ثم قتله فكذلك، له القصاص في الطرف والنفس، وهو الأقوى عندي، وقال بعضهم لا قصاص في الطرف هيهنا أيضا. فمن قال له القطع والقتل بعده قال هو بالخيار بين أن يقتل ولا يقطع، وقد ترك بعض حقه، وبين أن يقطع ويعفو عن القتل، فإذا فعل هذا لم يجب عليه دية اليد التي قطعها، وقال بعضهم إذا عفا بعد قطع اليد فعليه دية اليد التي قطعها.

[ 114 ]

* (كتاب الديات) * قال الله تعالى " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا، فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة " (1). فذكر الله تعالى في الآية ديتين وثلاث كفارات، ذكر الدية والكفارة بقتل المؤمن في دار الاسلام فقال: " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ". وذكر الكفارة دون الدية بقتل المؤمن في دار الحرب في صف المشركين إذا حضر معهم الصف فقتله مسلم ففيه الكفارة دون الدية، فقال " وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة " لأن قوله " وإن كان " كناية عن المؤمن الذي تقدم ذكره، وقوله " من قوم " معناه في قوم لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض. ثم ذكر الدية والكفارة بقتل المؤمن في دار المعاهدين فقال " وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة " وعند المخالف أن ذلك كناية عن الذمي في دار الاسلام، وما قلنا أليق بسياق الآية، لأن الكنايات في " كان " كلها عن المؤمن، فلا ينبغي أن يصرفها إلى غيره بلا دليل. وروى مالك عن عبد الله ابن أبي بكر بن أبي حزم عن أبيه عن جده أنه قال: كان في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وآله لعمرو بن حزم إلى أهل اليمن: وفي النفس مائة من الإبل، وعليه أيضا إجماع الأمة وإن اختلفوا في تفصيلها.

(1) النساء. 92.

[ 115 ]

(فصل) * (في أقسام القتل وما يجب به من الديات) * القتل على ثلاثة أضرب: عمد محض، وهو أن يكون عامدا إلى قتله بآلة يقتل غالبا كالسيف والسكين واللت والحجر الثقيل عامدا في قصده، وهو أن يقصد قتله بذلك، فمتى كان عامدا في قصده عامدا في فعله فهو العمد المحض، والثاني خطأ محض وهو ما لم يشبه شيئا من العمد، بأن يكون مخطئا في فعله مخطئا في قصده، مثل أن رمى طايرا فأصاب إنسانا فقد أخطأ في الأمرين معا. الثالث عمد الخطأ أو شبه العمد، والمعنى واحد، وهو أن يكون عامدا في فعله مخطئا في قصده، فأما عامدا في فعله: فهو أن يعمد إلى ضربه لكنه بآلة لا يقتل غالبا كالسوط والعصا الخفيفة، والخطأ في القصد أن يكون قصده تأديبه وزجره وتعليمه لكنه مات منه، فهو عامد في فعله مخطئ في قصده. وأما الديات فتنقسم ثلاثة أقسام أيضا بانقسام القتل: مغلظة في السن والصفة والاستيفاء: فالسن ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، و أربعون خلفة، والصفة أن يكون الأربعون حوامل، والاستيفاء أن يكون حالة في مال القاتل، وهي كل دية وجبت بالعمد المحض، غير أن عندنا أنها كلها مسان من الإبل وتؤخذ من ماله خاصة في سنة، وقال بعضهم تؤخذ في ثلث سنين. الثانية مخففة من ثلاثة أوجه: السن والصفة والاستيفاء فالسن عشرون بنت مخاض وعشرون ابن لبون ذكرا، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة وعشرون جذعة، والصفة لا يطلب منه حوامل، والاستيفاء أن يكون مؤجلة ثلاث سنين على العاقلة، و هي كل دية وجبت بالخطأ المحض. الثالثة مغلظة من وجه مخففة من وجه فالتغليظ بالسن والصفة على ما قلناه في العمد والتخفيف في الأجل عندنا تؤخذ في سنتين من ماله خاصة، وعند بعضهم على العاقلة

[ 116 ]

في ثلاث سنين، مثل الخطأ المحض وفيه خلاف. وقال بعضهم: القتل ضربان عمد محض، وخطأ محض، وعمد الخطأ لا يعرفه وقال شبه العمد عمد يوجب القود، وقسم الدية ثلاثة أقسام: مغلظة وهو ما وجب بالعمد إلا أنه قسمها أرباعا، وقد روي ذلك في أخبارنا، ومخففة وهي الواجبة بالخطأ والثالث ما وجب بقتل الوالد ولده حذفا بالسيف، وفيه دية مغلظة ثلثون حقة وثلثون جذعة وأربعون خلفة: الخلفة هي الحامل وقيل إن التي يتبعها ولدها، والمعتبر الحامل في الدية ولا يختص بسن، وقال بعضهم يكون ثنايا. ومتى أحضر الإبل واختلف ولي الدم وصاحب الإبل في كونها حوامل رجع إلى أهل الخبرة فعمل على ما يقولونه ومتى أحضرها حوامل فأزلقت يعني أسقطت قبل الاقباض، كان عليه بدلها حوامل، وإن أزلقت بعد الاقباض فلا شئ عليه. قد ذكرنا أن القتل ثلاثة أقسام: عمد محض، وخطأ محض، وخطأ شبه العمد، فهكذا الجناية على الأطراف ينقسم هذه الأقسام إذا جنى على رأسه أو على طرفه فأوضحه فإن كان عامدا في فعله وقصده، وهو أن ضربه عمدا بآلة يوضح غالبا فهو عمد محض، وإن كان مخطئا في فعله وقصده فهو خطأ محض، وإن كان عامدا في فعله مخطئا في قصده، مثل أن عمد بحجر لا يوضح غالبا فكان موضحة فهو عمد الخطأ. فلا تفترق النفس والأطراف في أقسام الجناية عليهما، وإنما يفترقان في فصل وهو أنه قد يكون في الأطراف عمدا، وفي النفس عمد الخطأ، وهو إذا ضربه بحجر يوضح غالبا ولا يقتل غالبا فيكون في الموضحة عمدا محضا، وفي النفس عمد الخطأ. قد ذكرنا أن الدية تغلظ في العمد المحض وعمد الخطأ، وتخفف في الخطأ المحض، فهذه مخففة أبدا إلا في ثلثة مواضع: المكان والزمان والرحم. أما المكان فالحرم، والزمان فالأشهر الحرم، والرحم بأن يقتل ذا رحم بالنسب كالأبوين والأخوة والأخوات وأولادهم وفيه خلاف.

[ 117 ]

وفيمن غلظ من لا يغلظ بالزيادة في الدية، وإنما يغلظ بأسنان الإبل، وعندنا أنها تغلظ بأن يوجب دية وثلث، وقطع الأطراف يغلظ أيضا بالزمان والمكان و الرحم عنده، ولم يذكر أصحابنا التغليظ إلا في النفس. إذا قتل أو قطع طرفا في الحرم استقيد منه بلا خلاف، وإن قطع في الحل أو قتل ثم لجأ إلى الحرم، فقال بعضهم: يستقاد فيه، وعندنا لا يستقاد فيه، بل يضيق عليه في المطعم والمشرب حتى يخرج فيستقاد منه، وبه قال قوم في النفس دون الطرف فأما إذا دخل الكعبة أو المسجد الحرام فلا خلاف أنه لا يقتل فيهما حتى يخرج. الدية إذا كانت على العاقلة لم يخل العاقلة من أحد أمرين إما أن يكون من أهل الإبل أو من غير أهلها، فإن كان من أهل الإبل كالعرب وغيرهم ممن يقتنون الإبل ويتمولونها كلفناهم الواجب عليهم من إبلهم، ولا ننظر إلى إبل البلد، فإن كانت إبلهم عرابا كلفناهم فيها، وإن كانت إبل البلد بخاتيا، وإن كانت إبلهم بخاتيا كان لهم أن يعطوا منها وإن كانت إبل البلد عرابا، فإن كانت إبلهم أدون من إبل البلد وأعطوا من إبل البلد قبل منهم. فإذا تقرر هذا نظرت، فإن كانت إبل العاقلة كلها نوعا واحدا كان الواجب عليهم منه، وإن اختلفت أنواعه أخذنا من كل واحد منهم من نوع إبله لأنها بمنزلة الزكاة. فأما أن يكون العاقلة من غير أهل الإبل، لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون بالبلد إبل أو لا يكون، فإن كان في البلد إبل كلفوا من إبل البلد، فإن لم يكن في البلد إبل كلفوا من إبل أقرب البلدان إلى هذا البلد، كما نقول في زكوة الفطرة يخرج من غالب قوت البلد، فإن لم يكن فيه غالب قوت كلف من قوت أقرب البلدان بهذا المكان. وعندنا، إن كانت العاقلة من غير أهل البلد أخذ منهم ما هم من أهله، لأن الدية عندنا إما مائة من الإبل أخماسا أو أرباعا، وروي ذلك أجمع، أو مائتان من

[ 118 ]

البقر، أو ألف من الغنم، أو ألف دينار أو عشرة ألف درهم، أو مائتا حلة. وكل واحد من هذه الأجناس الستة أصل في نفسه، وليس بعضها بدلا عن بعض. هذا إذا كانت على العاقلة فأما إن كانت على القاتل، وهو إذا قتل عمدا أو اعترف بالخطأ أو كان شبيه العمد فالحكم فيه كالحكم في العاقلة سواء عندنا وعندهم وقد مضى شرحه، وإن كانت إبله نوعا واحدا أخذنا وإن كانت أنواعا إن شاء أعطى نوعا واحدا، وإن شاء من كلها بالحصة. وإن كانت له إبل من غير إبل البلد، فأراد أن يعدل عن إبله إلى إبل البلد، فإن كانت دون إبله لم يكن له، وإن كانت فوقها فقد تطوع بالفضل، وهكذا لو طلب الولي غير إبله، وكانت أعلى من إبله لم يكن له، وهكذا في القيمة إن طلب الولي القيمة وأبى القاتل إلا الإبل أو بذل القاتل القيمة فأبى الولي إلا الإبل لم يكن له عندهم، لأن الواجب الإبل فلا يعدل عن الواجب بغير تراض، كما لو أتلف على رجل طعاما فعليه مثله، ولا يعدل عن المثل بغير تراض. والذي يقتضيه مذهبنا أنه إذا كان من أهل الإبل فبذل القيمة قيمة مثله كان له ذلك، وإن قلنا ليس له ذلك كان أحوط، فأما إن كان من أهلها فطلب الولي منه القيمة، لم يكن له ذلك، فأما إن كانت إبله مراضا أو نحافا أو جربة لم يقبل منه إلا السمينة. قد قلنا إنه إذا كان من أهل الإبل فالأحوط أن لا يعدل عنها مع وجودها لقوله عليه السلام وفي النفس مائة من الإبل فإن أعوزت الإبل بأن لا توجد إبل أو توجد بأكثر من ثمن مثلها، قال قوم ينتقل إلى قيمة الإبل حين القبض ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم، فالدية على هذا الإبل، والقيمة بدل عنها لا عن النفس. وقال بعضهم ينتقل إلى أحد أصلين ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم كل واحد منهما بدل عن النفس لا عن الإبل، فيكون الدية ثلثة أصول: مائة من الإبل أو ألف - دينار أو اثني عشر ألف درهم، كل واحد منها بدل عن النفس إلا أن للإبل مزية وهو

[ 119 ]

أنها متى وجدت لم يعدل عنها. وقد قلنا إن عندنا ستة أصول كل واحد أصل في نفسه، وليس بعضها بدلا عن بعض، بل كل واحد منها بدل عن النفس، وهي مائة من الإبل أو ألف دينار أو عشرة ألف درهم أو مائتا بقرة، أو ألف شاة من الغنم، أو مائتا حلة، وكل من كان من أهل واحد من ذلك أخذ ذلك منه مع الوجود، فإذا لم يوجد أخذ أحد الأجناس الأخر وسواء كانت بقيمة الإبل أو دونها أو فوقها. [ دية الموضحة ] في الموضحة خمس من الإبل سواء كانت في الرأس أو على الوجه أو على الأنف وفيه خلاف، والمعتبر الاسم صغرت الموضحة أو كبرت، لأنها لو كانت مثل غرز إبرة أو نقر في طول الرأس كله فالمقدر لا يختلف بالصغر والكبر، لظاهر الخبر، لأنه عليه السلام قال في الموضحة خمس من الإبل، ولم يفصل. ولا فصل بين أن يكثر شينها أو يقل لما مضى ولا فرق بين أن يكون في مؤخر رأسه أو مقدمه، لظاهر الخبر، ولا فرق بين أن يكون على الجبهة أو على الجبين أو تحت الشعر لا يرى أو يكون مشاهدا، الباب واحد. إذا أوضحه موضحتين ففي كل واحد منهما خمس من الإبل، لقوله في الموضحة خمس من الإبل، ولقوله وفي المواضح خمس خمس. فإن عاد الجاني فخرق ما بينهما حتى صارتا واحدة ففيها أرش واحد لأنه صيرهما واحدة بفعله كما لو أوضحه ابتداء منه لأن فعل الواحد يبنى بعضه على بعض بدليل أنه لو قطع يده ورجله ثم عاد فقتله فالدية واحدة لأن الجاني واحد. فإن كانت بحالها ولم يخرق بينهما، لكن سرت الموضحة فذهب ما بينهما، ففي الكل أرش موضحة واحدة، لأن السراية من فعل الجاني سرت.

[ 120 ]

فأما إن جنى أجنبي فشق ما بينهما ففي الكل أرش ثلاث مواضح: اثنتان من الأول، والثالثة من الثاني، لأن فعل الاثنين لا يبنى بعضه على بعض، فأما إن شق ما بينهما المجني عليه فالفعل هدر، وعلى الجاني أرش موضحتين، كما لو قطع رجل يديه ثم قتل هو نفسه، فإن فعله هدر وعلى الجاني دية اليدين. فإن اختلفا فقال الجاني أنا شققت ما بينهما فعلي موضحة واحدة، وقال المجني عليه بل أنا فعلت ذلك، فعليك أرش موضحتين، فالقول قول المجني عليه، لأن الظاهر أرش موضحتين، فلا يقبل قول الجاني في إسقاط ذلك، وهذا يدل على أنه إذا قطع يدي رجل ورجليه ومضت مدة يندمل فيها ثم مات فقال الجاني مات بالسراية فعلي دية واحدة، وقال الولي مات بغير سراية، وجب أن يكون القول قول الولي لأن الظاهر وجوب ديتين حتى يعلم غيره. فإن شجه فكان بعضها موضحة وبعضها سمحاقا وبعضها متلاحمة، وبعضها خارصة فالكل موضحة واحدة لأنها لو كانت كلها موضحة لم تزد على أرش موضحة. فإن مد السكين إلى قفاه فأوضح الرأس والقفا، ففي موضحة الرأس مقدر، و في الزيادة إلى القفا حكومة، لأنهما عضوان محلهما مختلف، فإن مد السكين إلى جبهته فأوضح الرأس والجبهة معا قال قوم هما موضحتان، لأنهما عضوان، وقال آخرون موضحة واحدة لأنه إيضاح واحد في محل الايضاح، وهو الأقوى، والأول قوي. فإن أوضحه موضحتين فعليه أرشهما، فإن عاد الجاني فأخذ السكين فنقب من أحدهما إلى الأخرى فجعلهما واحدة في الباطن اثنتين في الظاهر، قال قوم هما موضحتان اعتبارا بالظاهر، كما لو شجه هاشمتين في الظاهر دون الباطن، فإنهما هاشمتان، و قال آخرون موضحة واحدة اعتبارا بالباطن. هذا كله في الشجاج في الرأس والوجه فأما إذا جرحه على الأعضاء في محل ينتهي إلى عظم كالساعد والعضد والساق والفخذ ففيها القصاص، وأما الأرش ففيها

[ 121 ]

حكومة عندهم، وليس فيها مقدر وعندنا فيها مقدر وهو نصف عشر دية ذلك العضو. [ دية الهاشمة ] الهاشمة هي التي تزيد على الايضاح حتى تهشم العظم، وفيها عشر من الإبل عندنا وعند جماعة، ثم ينظر فإن كانت خطأ فهي أخماس عندهم، وعندنا أرباع، كما قلنا في دية النفس، وإن كانت عمد الخطأ ففيها عشر أثلاثا بلا خلاف، وفي عمد الخطأ عليه فيما له وفي الخطأ على العاقلة وعندهم الجميع على العاقلة. وإن كانت عمدا محضا ففي الايضاح القصاص، ولا قصاص فيما زاد عليه من الهشم وغيره بلا خلاف، ويكون المجني عليه بالخيار بين أن يعفو عن القصاص على مال، فيكون له على الجاني عشر مغلظة حالة، وبين أن يقتص من الموضحة ويأخذ لأجل الهشم خمسا. فإن كان بعضها هشما وبعضها إيضاحا وبعضها سمحاقا وبعضها متلاحمة، وبعضها باضعة، فالكل هاشمة واحدة، لأنها لو كانت بطونها هشما كان الكل هاشمة كما قلنا في الموضحة. فإن كان هناك هشم من غير شق لحم ولا جرح، قال قوم فيها حكومة لأنه كسر عظم فأشبه عظم الساعد والساق. وقال قوم فيها خمس من الإبل لأنه لو أوضح من غير كسر كان فيها خمس ولو أوضح وكسر كان فيها عشر فوجب إذا كان هناك هشم من غير إيضاح أن يكون فيها خمس، ويفارق كسر الساعد والساق، لأنه لو كان هناك إيضاح من غير كسر لم يكن فيها مقدر، فكذلك في كسر العظم من هذا المكان، والذي يقتضي مذهبنا أن نقول إن فيها عشرا من الإبل لتناول الاسم له. فإن أوضحه في موضعين وهشم العظم في كل واحدة منهما، غير أنه اتصل الهشم في الباطن فصارت هاشمة واحدة، وظاهرهما بينهما لحم وجلد قائم فهما هاشمتان.

[ 122 ]

[ دية المنقلة ] فأما المنقلة ويقال لها المنقولة، ففيها خمس عشرة من الإبل بلا خلاف لأن النبي صلى الله عليه وآله قال وفي المنقلة خمس عشرة، ولا قصاص فيها بلا خلاف، والمجني عليه بالخيار بين أن يعفو عن قود الايضاح منها ويأخذ كمال ديتها خمس عشرة، وبين أن يقتص في الموضحة ويأخذ منه ما زاد عليها عشرا من الإبل على ما قلناه في الهاشمة. [ دية المأمومة والدامغة ] فأما المأمومة فهي التي تبلغ أم الرأس، وأم الرأس الخريطة التي فيها الدماغ لأن الدماغ في خريطة من جلد رقيق، والدامغة تزيد على المأمومة بأن يخرق الخريطة واتصل إلى جوف الدماغ، والواجب فيهما سواء ثلث الدية بلا خلاف، لقوله عليه السلام في المأمومة ثلث الدية، والمجني عليه بالخيار بين أن يعفو عن قود الموضحة ويأخذ كمال ديتها ثلث الدية، وبين أن يقتص من الجاني موضحة ويأخذ ما بقي إلى المأمومة ثمانية وعشرين بعيرا وثلث بعير. فإن أوضحه واحد ثم زاد آخر هشما ثم زاد آخر فجعلها منقلة ثم زاد آخر فجعلها مأمومه، فعلى الأول ما بين الموضحة والهاشمة خمس، وعلى الثاني ما بين الهاشمة والمنقلة خمس، وعلى الثالث ما بين المنقلة والمأمومة ثمانية عشر وثلث. [ دية الخارصة والباضعة.. ] ما دون الموضحة عندنا فيه مقدر: الخارصة، وهي الدامية فيها بعير وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلثة أبعرة، وفي السمحاق أربعة أبعر، ومن خالف جعلوها خمسة: جعلوا الدامية غير الخارصة، وفيهم من جعلها ستة زاد بعد الدامية الدامغة

[ 123 ]

وأيها كان فلا قصاص في شئ منها عندهم وفيها حكومة لا يبلغ أرش المقدر في الموضحة والاعتبار فيها بالشين فكلما كان الشين أكثر كانت الحكومة أكثر. وقال بعضهم هذا إذا لم يعلم قدرها من الموضحة، فأما إن علم قدرها منها وذلك يعلم بأحد أمرين: إما أن يكون إلى جنب موضحة فيعرف عمقها وعمق الموضحة فيعلم قدرها أو يكون هذه الشجة في شق الموضحة يمد حد السكين في اللحم فيبضعه فيعرف قدر ذلك. فإذا علمنا بالمساحة نصفا أوجبنا فيه ذلك أو ما زاد أو نقص بحسابه، فإن تحقق النصف وشك في الزيادة رجع إلى التقويم، فإن بان بالتقويم النصف فلا كلام وإن بان دون النصف أخذ النصف وعلم غلط المقوم، وإن كان أكثر من النصف بالتقويم أوجب الأكثر، لأن ذلك الشك في الزيادة قد ظهر بالتقويم. كما يقال فيه إذا قطع لسانه اعتبر بالمساحة، فإن كان قطع نصفه أوجب نصف الدية، وما زاد أو نقص بحسابه، فإن علم النصف وشك في الزيادة اعتبر بالحروف، فإن بان أنه قد ذهب نصفها فلا كلام، وإن كان قد ذهب دون النصف أخذ نصف الدية وتركت الحروف، وإن كان قد ذهب من الحروف أكثر أوجب بقدر الحروف، لأنا تبينا به أن الزيادة على النصف التي شككنا فيها قد ذهب بالشك، فلهذا أوجبنا أكثر من النصف. قد قلنا ما عندنا في الجراح وأما اللسان فالاعتبار عندنا بالحروف لا غير على ما سيجئ بيانه. وكل شجة فيما عدا الرأس والوجه ففيها الحكومة، وإذا انتهت الشجة إلى العظم في عضو كالعضد والساعد والفخذ ففيه القود، وفي الموضحة فيها عندنا نصف عشر دية ذلك العضو، وعندهم فيه حكومة، وفيما عداه مقدر ذكرنا شرحه في تهذيب الأحكام.

[ 124 ]

[ دية الجائفة ] وأما الجايفة ففيها ثلث الدية بلا خلاف، لقوله عليه السلام: في الجايفة ثلث الدية، والجايفة هي التي تخرق إلى الجوف من بطن أو ظهر أو صدر أو ثغرة نحر أو من جنب أو من غيره، فكل هذا جائفة، فأما إن جرح موضعا ثم مده إلى محل الجائفة فأجافه مثل أن يجرح فخذه ولم يزل يمد السكين حتى وصلت إلى محل الجائفة فأجافه أو قطع كتفه ولم يزل حتى مد السكين فأجافه، فعليه ثلث الدية، وحكومة فيما جنى على غير محلها كما لو أوضحه ثم مد السكين إلى قفاه، فعليه دية موضحة وحكومة في الزيادة إلى القفا. فإن أجافه رجل وجاء آخر فأدخل السكين في نفس هذه الجائفة، ففيها خمس مسائل: إحداها إن لم يجرح شيئا ولم يحصل بها جناية فعليه التعزير، لأنه آذاه ولا أرش، لأنه ما جرحه. الثانية وسعها من باطن دون الظاهر، أو من ظاهر دون الباطن فعليه حكومة لأنها جراحة هي دون الجائفة. الثالثة وسعها من ظاهر وباطن معا، فهذه جائفة لأنه لو انفرد بهذا القدر كان جائفة. الرابعة أدخل السكين فلم يؤثر في الثقب شيئا لكنه طعن عضوا من الأعضاء الشريفة كالكبد والطحال فعليه حكومة لأنه لا مقدر فيها. الخامسة كانت الجائفة واسعة، فأبان حشوته، فالأول جارح عليه ثلث الدية والثاني قاتل عليه كمال الدية. فإن خيط جائفته ثم جاء آخر ففتقها ففيه ثلاث مسائل نظرت، فإن كان قبل الاندمال فلا ضمان عليه، وعليه التعزير لأنه ما جرحه وإنما آذاه، وإن كان قد التحم بعضها من داخل أو خارج ففتق ما التحم، ففيها حكومة لأنه بعض جائفة.

[ 125 ]

الثالثة اندملت ثم جاء ففتقها فهي جائفة فعليه ثلث الدية، فإن أجافه جائفتين جميعا من ظاهر إلى داخل فعليه ثلثا الدية. فأما إن جرحه فأجافه وأطلعها من ظهره، قال قوم هما جائفتان، ومنهم من قال: جائفة واحدة، وهو الأقوى، لأن الجائفة ما نفذت إلى الجوف من ظاهر. فإن جرحه في وجنتيه فشق الجلد واللحم وكسر العظم، ودخل إلى جوف الفم، قال قوم هي جائفة فيها ثلث الدية، لأنها وصلت إلى جوف الفم، وقال آخرون ليست جائفة لأن الجائفة أن يصل إلى جوف يكون منه التلف غالبا، وهذا معدوم فعلى هذا تكون هاشمة، وما زاد عليها إلى الفم حكومة، وعندنا فيه مقدر ذكرناه في النهاية وغيره. [ دية الأذنين ] الأذنان فيهما الدية ويجب بقطع أشرافهما وهو الأذن والمعروف الجلد القائم بين العذار والبياض التي حولها، وفي كل واحدة منهما نصف الدية لقوله عليه السلام في كتاب عمرو بن حزم وفي الأذنين الدية. فإن قطع بعض الأذن ففيها بحساب ذلك من الدية سواء قطع من أعلاها أو من أسفلها، فإن جنى عليهما فشلتا واستحشفتا، قال قوم فيهما الدية، وقال آخرون: فيهما حكومة، وعندنا فيهما ثلثا الدية. فإن قطعهما قاطع بعد الشلل فمن قال إذا شلتا فيهما الدية، قال إذا قطعتا بعد هذا ففيها حكومة، ومن قال ففي شللهما حكومة، قال ففي قطعهما بعد الشلل الدية كما لو جنى على عضو فيها حكومة ثم قطعه قاطع، فعلى القاطع القود، وعندنا يجب على من قطعهما بعد الشلل ثلث الدية لا تمام الدية. [ دية السمع ] وفي السمع الدية بلا خلاف لقوله عليه السلام وفي السمع الدية، فإذا ثبت ذلك فقال المجني عليه ذهب سمعي بفعل الجاني فإن صدقه، قال قوم يسئل أهل الخبرة، فإن قالوا قد أسند الصمم وأيس منه أخذ منه الدية في الحال، وإن قالوا إنه يصبر

[ 126 ]

إلى مدة فإن عاد سمعه وإلا فقد استقر صبرنا إلى ذلك الوقت، فإن لم يعد فقد استقرت الدية وإن كذبه الجاني فقال ما ذهب سمعه صيح به عند غفلاته وتأمل عند صوت الرعد، فإن ظهر أنه قد سمع فالقول قول الجاني، لأن الظاهر معه، ويلزمه اليمين لجواز أن يكون ما شوهد منه اتفاقا، فيحلف ليزول الاحتمال، وإن لم يحس بشئ أصلا فالقول قول المجني عليه، لأن الجناية قد حصلت والظاهر أنه صادق لأنه لو لم يفزع عند الصوت ولا يمكن إقامة البينة عليه، فالقول قوله مع يمينه، لجواز أن يكون ما سمع على سبيل الاحتراز والتجلد فحلفناه ليزول الاشكال. فأما إن ذهب سمع إحداهما ففيها نصف الدية، فإن ذكر أنه قد نقص سمعه فلا سبيل إلى معرفة صدقه بحال ويكون المرجع فيه إليه أن يحلف أنه قد نقص ثم الحاكم يجتهد في إيجاب حكومة فيه بقدر ما نقص، فإن ذكر أنه نقص سمع إحداهما سددناها وأطلقنا الصحيحة وأقمنا رجلا يكلمه ويحدثه وهو يتباعد عنه إلى حيث يقول إنه لا يسمع ما يقول، فإذا قال هذا أعيد عليه الصوت والكلام، فإنه يبين كذبه. فإذا عرفنا مدى صوته سددنا الصحيحة وأطلقنا العليلة، ولا يزال يكلمه حتى ينتهي إلى حيث يقول إنه لا يسمع، فإذا قال هذا أعيد عليه الكلام ليظهر صدقه، فإذا عرفنا هذا مسحنا المسافتين معا، ونظرنا ما بينهما، فأوجبنا عليه بالحصة من الدية وهذا مثل ما رواه أصحابنا من اعتبار الخرس من أربع جوانب. فأما إن قطع أذنيه فذهب سمعه كله فعليه ديتان: دية في الأذنين، ودية في السمع. [ دية العقل ] في العقل الدية بلا خلاف لقوله عليه السلام في كتاب عمرو بن حزم وفي العقل الدية وروى جابر عنه عليه السلام مثله، فإذا ثبت ذلك، فإن ذهب عقله كله ففيه الدية وإن ذهب بعضه: فإن كان مقدرا وإنما يعرف هذا بأن يجن يوما ويفيق يوما فيعلم أن نصفه قد ذهب أو يجن يوما ويفيق يومين، أو يجن يومين ويفيق يوما، فإذا كان معروفا بالزمان أوجبنا من الدية بحسابه، وإن كان الذاهب من عقله غير مقدر،

[ 127 ]

مثل أن صار يخاف من غير خوف، ويفزع من الصياح، ويستوحش في غير موضعه، فهذا مدهوش لا يعلم قدر ما زال من عقله، فالواجب فيه أرش الجناية على ما يراه الحاكم ومتى جنى عليه جناية ذهب بها عقله لم يخل الجناية من أحد أمرين إما أن يكون فيها أرش أو لا أرش فيها، فإن لم يكن فيها أرش كاللطمة واللكمة ودق الرأس بما لا يشج ولا يكسر شيئا فليس في شئ من هذا أرش، وإنما عليه التعزير فيعزر وعليه دية العقل كاملة. وإن كانت الجناية لها أرش قال قوم لا يدخل أرشها في دية العقل، سواء كان أرشها دون دية العقل، كالموضحة والمنقلة والمأمومة وغيرها، أو كان مثل دية العقل أو أكثر، كما لو قطع يديه ورجليه وقلع عينيه، فإنه يجب عليه في الجناية ما يجب فيها لو انفردت، ودية العقل واجبة مع ذلك وهذا هو مذهبنا. وقال بعضهم إن كان أرش الجناية دون دية العقل، دخل في دية العقل كالموضحة والجائفة والمأمومة، وكسر الساعد والعضد ونحو هذا، وإن كان أرش الجناية أكثر من دية العقل دخل دية العقل فيه كما لو قطع يديه ورجليه فذهب عقله، وجملته أن الأقل منها يدخل في الأكثر وإذا ثبت أن دية الأطراف لا يدخل في ديته، فإنه لا قصاص فيه لأن محله مختلف فيه، منهم من قال محله الدماغ، ومنهم من قال القلب، ومنهم من قال بينهما، فإذا كان كذلك لا يمكن القود. [ دية العينين ] وفي العينين الدية لقوله عليه السلام وفي العينين الدية وفي إحداهما نصف الدية بلا خلاف، وإذا جنى عليه جناية فذهب بها ضوء عينيه فعليه الدية لما رواه معاذ أن النبي صلى الله عليه وآله قال: وفي البصر الدية فإذا ثبت أن فيهما وفي ضوئهما الدية فلا فصل بين أن يكونا صغيرتين أو كبيرتين، مليحتين أو قبيحتين، عمشاوين أو صحيحتين. ومتى جنى عليه جناية فادعى المجني عليه أنه قد ذهب ضوؤه مثل أن لطمه أو أوضحه أو دق رأسه، فذكر أن ضوءه ذهب أريتاه رجلين عدلين من أهل الخبرة بذلك إن كانت الجناية عمدا أو رجلا وامرأتين إذا كانت خطأ، فإن زعموا أن البصر بحاله سقط قوله، وإن قالوا قد ذهب بصره قيل فهل يرجى عوده؟ نظرت، فإن قالوا

[ 128 ]

لا يرجى فقد استقر القصاص أو الدية. وإن قالوا يرجى عوده لكنه لا نحده غير أنا لا نايس من عوده إلا بموته فعليه القود أو الدية، لأنه قد علق بمدة يفضي إلى سقوط الضمان وإن قالوا يرجى إلى سنة ولا يرجى بعدها، أمهلناه لأنه لا يموت بالتأخير إلى مدة معلومة، فإن انتهت المدة ولم يعد استقر القصاص أو الدية. فإن مات قبل انتهاء المدة استقر القصاص أو الدية لأنه قد تحقق عدم البصر فإن اختلفا فقال الجاني بصره عاد قبل وفاته، وقال وليه لم يعد، فالقول قول الولي لأن الأصل أنه ما عاد حتى يعلم عوده. فإن كانت بحالها ولم يمت في المدة لكن جاء أجنبي فقلع العين كان على الأول القود أو الدية، وعلى الثاني حكومة، وعندنا عليه ثلث دية العين لأن الأول ذهب بالضوء، والثاني قلع عينا لا ضوء لها فهي كعين الأعمى، فإن اختلف الجانيان فقال الأول عاد ضوؤهما فلا شئ على لأنك قلعتها بعد عوده، وقال الثاني ما كان عاد فلا قود علي ولا دية، فالقول قول الثاني مع يمينه. فإن قال المجني عليه صدق الأول قد كان عاد بصري، قلنا له فقد أبرأت الأول عن الضمان، وشهادتك لا يقبل على الثاني، لأنك تريد أن يلزمه القود لك أو الدية بقولك، فلهذا لم يقبل قوله. إذا جنا عليه فنقص بصره، فإن ذكر أنه قد نقص بصره في العينين معا لم يمكن معرفة قدره ولا سبيل إلى معرفة ذلك إلا من جهته، فكان القول قوله مع يمينه، فإذا حلف قضى له الحاكم بقدر ما يؤدي اجتهاده إليه، وروي في أخبارنا أن عينيه تقاسان إلى عين من هو في سنه ويستظهر عليه بالأيمان. فأما إذا نقص ضوء إحداهما أمكن اعتباره بالمسافة، وهو أن يعصب العليلة و يطلق الصحيحة وينصب له شخص على نشز أو تل أو ربوة أو في مستو من الأرض فكلما ذكر أنه يبصره فلا يزال يباعد عليه حتى ينتهي مدى بصره فإذا قال: قد انتهى، غير ما عليه لون الشخص حتى يعلم صدقه من كذبه، لأن قصده أن يبعد المدى فإنه

[ 129 ]

كلما بعد وقصر مدى البصر العليلة، كان أكثر لحقه، فلهذا غيرنا الشخص. فإذا عرفنا قدر المسافة ذرعا عصبنا الصحيحة، وأطلقنا العليلة ونصبنا له شخصا ولا يزال يتباعد عنه حتى يقول لا أبصره بعد هذا، وقصده ههنا تقليل المسافة ليكثر حقه فإذا فعل هذا أدرنا بالشخص من ناحية إلى ناحية وكلفناه أن ينظر إليه، فإن اتفقت المسافتان علم صدقه، وإن اختلفتا علم كذبه، فلا يزال معه حتى يسكن النفس إلى صدقه، فيمسح المسافة ههنا، وينظر ما بين المسافتين، فيؤخذ بالحصة من الدية مثل السمع سواء. وإن زعم أهل الخبرة والطب أن بصره يقل إذا بعدت المسافة، ويكثر إذا قربت، وأمكن هذا في المذارعة عملت عليه، بيانه أن يقال الرجل يبصر إلى مائة ذراع، وهذا منتهى بصره، فإذا أراد أن يبصر على مائتي ذراع احتاج إلى ضعفى ذلك البصر لبعده، فعلى هذا إذا أبصر بالصحيحة إلى مائتي ذراع والبصر بالعليلة إلى مائة علمنا أنه قد نقص ثلثا ضوئها لأنها لا يستدرك المائة التي بعد هذه المائة إلا بضعفي بصره، فيعلم أنه قد نقص ثلثا ضوئها، فنوجب ثلثي الدية، وهذا عندي أنه لا يضبط. فإن قلع عينا فيها بياض على بياضها أو سوادها أو على الناظر غير أنه لا يحجز البصر، وعين الجاني ليس ذلك عليها قلعناها بها لأن هذا لا يغير حكمها، فهو كالثؤلول على اليد، ويد الجاني لا شئ عليها فإنها يقطع بها، فإن نقص بصره بهذا البياض وضوؤهما فإن عرف لذلك قدر أوجبت الدية بالحصة فيها، وأما القصاص فلا يجب لأنه لا يؤخذ السليمة الصحيحة بالناقصة وإن لم يعرف قدر نقصان الضوء ففيها حكومة وإن جنا عليها فبدرت أو شخصت أو احولت ففيها حكومة لأنه شين. إذا قلع عينه فقال المجني عليه كانت بصيرة وقال الجاني كانت عمياء، فإن لم يسلم له الجاني ذلك، بل قال ولد أعمى فالقول قول الجاني مع يمينه، لأن هذا مما لا يتعذر على المجني عليه إقامة البينة به، فإن هذا لا يخفى على أهله وعشيرته وجيرانه ومعامليه.

[ 130 ]

وإن سلم أنه كان يبصر بها لكنه خالفه فقال ذهبت ثم جنيت عليها قال قوم القول قول المجني عليه لأن الأصل السلامة حتى يعلم غيرها وقال آخرون الأصل براءة ذمة الجاني فالقول قوله مع يمينه وهما جميعا قويان والأول أقوى فأما الكلام فيما يصح تحمل الشهادة عليه أنه كان يبصر فهو أن يتبع الشخص بصره، ويتوقى بعينه ما يتوقى البصير في طرفه ونحوه، ويشاهد بتجنب البئر في طرفه وغيرها، ويعدل في العطفات خلف من يطلبه فإذا شاهدوه هكذا فقد تحملوا الشهادة على أنه بصير لأن هذه أفعال البصير، وهكذا الشهادة على صحة اليدين فهو أن يشاهد ببطش بهما بصنعة يعلمها أو كتابة ونحو ذلك. فإذا عرف هذا عرف السلامة ويصح أن يشهد لليدين بالصحة وكذلك الصبي والمعتوه متى علم أنه صحيح فهو على الصحة حتى يعلم غيرها، ولا فرق بين الصغير والكبير في هذا الباب أكثر من المنازعة بين الجاني وبين وليه إذا كان مولى عليه، وبينه وبين المجني عليه إذا كان رشيدا وإذا توجهت اليمين على الرشيد حلف، وإذا توجهت على المولى عليه لم يحلف ولا وليه وترك حتى إذا بلغ الصبي وعقل المجنون حلف. [ دية الأجفان ] في الأربعة أجفان الدية كاملة وفي كل واحدة منهما مائتان وخمسون دينارا و روى أصحابنا أن في السفلى ثلث ديتها، وفي العليا ثلثاها وقال بعضهم فيها الحكومة ومتى قلعت الأجفان والعينان معا ففي الكل ديتان، فإن جنى على إحداهما فأعدم إنباتها ففيها حكومة عند بعضهم وقال قوم فيها الدية وهو الذي يقتضيه مذهبنا. فإن أتلف الشعر والأجفان، قال قوم فيه دية فقط والشعر تبع، كما لو قطع اليد وعليها شعر، وقال آخرون في الأجفان دية وحكومة في الشعر لأن شعر العينين فيها جمال ومنفعة، وشعر اليد لا جمال فيه ولا منفعة، ويقتضي مذهبنا أن فيها ديتين.

[ 131 ]

[ دية الأنف ] وفي الأنف الدية بلا خلاف لقوله عليه السلام وفي الأنف الدية وفي الأنف إذا أوعى جذعا مائة من الإبل، ومعنى أوعى استوعب وعن علي عليه السلام في الأنف مائة من الإبل، فإذا ثبت أن فيه الدية فإنما الدية في المارن وهو ما لان منه وهو دون قصبة الأنف وذلك المنخران والحاجز إلى القصبة. فإن كان قطع كل المارن ففيه الدية كاملة وإن قطع بعضه ففيه بالحصة مساحة كما قلنا في الأذن فإن شق الحاجز بين المنخرين ففيه حكومة سواء اندمل أو بقي منفرجا غير أنه إذا كان منفرجا فالحكومة فيه أكثر منه إذا كان ملتحما. فإن قطع إحدى المنخرين قال قوم فيه ثلث الدية لأن هناك حاجزا ومنخرين فإذا قطع منخرا واحدا ففيه ثلث الدية وقال بعضهم فيه نصف الدية وهو مذهبنا لأنه ذهب بنصف المنفعة ونصف الجمال. فإن قطع المارن وأبانه فأعاده المجني عليه والدم جار فالتزق والتحم فعلى الجاني كمال الدية، لأنه لا يقر على هذا فالإمام يجبره على قلعه لأنه ميتة لا يصح صلوته معه. فأما إن لم يبن المارن لكنه تعلق بجلده، فأعاده والدم جار فالتزق فلا دية لأنه ما أبانه وعليه حكومة لأنها جناية اندملت ولا مقدر فيها فإن قطع الأنف و القصب معا فعليه دية وحكومة في القصبة وهكذا لو قطع المارن وألحم الذي تحته إلى الشفة ففيه دية وحكومة في الزيادة. فإن جنى على أنفه فصار أشل قال قوم فيه الدية كاملة، وقال آخرون: فيه حكومة وعندنا فيه ثلثا الدية، فأما إن جنى على أنفه فصار معوجا ففيه حكومة كما لو جنا على أصبعه فاعوجت. إذا جنى على أنفه فذهب شمه ففيه الدية بلا خلاف لقوله عليه السلام في الشم الدية فإن اختلف هو والجاني فقال ذهب شمي وقال الجاني ما ذهب وهو بحاله اغتفل

[ 132 ]

بالروايح الطيبة والمنتنة من خلفه فإن هش الطيب وتنكر المنتنة علمنا أنه كذب، و كان القول قول الجاني، وإن لم يتغير لذلك فالقول قوله مع يمينه، وله الدية. فإن ادعى نقص شمه كان القول قوله لأنه لا يتوصل إليه إلا من جهته، فالجناية قد حصلت فالقول قوله، والحاكم يوجب فيه بقدر ما يؤدي إليه اجتهاده من الحكومة فإن أخذ دية الشم ثم عاد شمه رد الدية لأنا تبينا أنه ما زال شمه وإنما حال دونه حائل ثم ذهب الحايل. فإن قطع أنفه فذهب شمه ففيه ديتان كما لو قطع أذنه فذهب سمعه، فإذا أخذنا دية الشم ثم إن المجني عليه وضع يده على أنفه فستره فقال الجاني قد عاد شمه ولولا هذا ما وضع يده على أنفه فالقول قول المجني عليه لأنه قد يضع يده على أنفه حكا وعبثا وامتخاطا وسترا من الحر والبرد وغير ذلك وقد يضع لما قال الجاني فإذا احتمل هذا سقط قول الجاني، وكان القول قول المجني عليه إنه ما عاد. [ دية الشفتين ] في الشفتين الدية كاملة وفي السفلى عندنا ثلثا الدية وفي العليا ثلث الدية، و وبه قال بعض الصحابة، وقال المخالف بينهما نصفين، وسواء كانتا غليظتين أو دقيقتين أو طويلتين أو قصيرتين لا يختلف الحكم فيه. فأما إن جنا عليها جان فيبستا حتى صارتا مقلصتين لا تنطبقان على الأسنان أو استرختا فصارتا لا يتقلصان عن الأسنان إذا كشر أو ضحك ففيهما الدية لأنهما في حكم المتلفتين، ولا يبقى فيهما منفعة بجمال، فإن لم تيبسا بكل حال لكن تقلصتا بعض التقلص ففيه الحكومة وقال بعضهم فيه الدية بالحصة والأول أقوى لأن هذا يتعذر الوصول إليه. فإن شق الشفة فاندمل ملتأما أو غير ملتأم ففيه حكومة إلا أنه إذا لم يندمل ملتأما كانت الحكومة أكثر، وقد روى أصحابنا فيه المقدر في الحالين، وفي كل جرح في

[ 133 ]

ساير الأعضاء سواء اندمل على صحة أو على فساد وشرحه طويل ذكرناه في تهذيب الأحكام. وحد الشفة السفلى عرضا ما تجافى عن الأسنان واللثة فيما ارتفع عن جلد الذقن وحد عرض العليا ما تجافى عن الأسنان واللثة إلى اتصاله بالمنخرين والحاجز بينهما والطول حد طول الفم إلى جانبيه، وليست حاشية الشدقين منهما، فإن قطع بعضهما ففيها الدية بحسابه على ما قلناه في الأذنين يعتبر بالمساحة. وفي الشفتين القود إذا قطعهما متعمدا بلا خلاف لأن لهما حدا ينتهي إليه وقال بعضهم لا قصاص فيهما لأنه قطع لحم من لحم من غير مفصل. [ دية اللسان ] في اللسان الدية كاملة بلا خلاف لقوله عليه السلام وفي اللسان الدية، فإن جنى على لسانه فذهب نطقه ففيه كمال الدية فإن ذهب ذوقه ففيه الدية، وإذا جنى على لسانه فذهب بعض كلامه فالصحيح عندنا وعندهم أنه يعتبر بحروف المعجم كلها وهي ثمانية وعشرون حرفا، ولم يعد لا فيها لأنه قد ذكر فيها بالألف واللام، فإن كان النصف منها ففيه نصف الدية وما زاد أو نقص فبحسابه. وقال بعضهم الاعتبار بالحروف اللثية دون الحلقية والشفوية، فإن الحاء والخاء من حروف الحلق، والبا والواو والفاء من الحروف الشفوية لا حظ للسان فيها فلا يعتد عليه بما لم يذهب به والأول أصح لأن هذه الحروف وإن لم يكن من حروف اللسان فإنه لا ينتفع بها إلا مع وجود اللسان. فعلى قول من اعتبر حروف اللسان فقط إن كان نصفها ففيها كمال الدية، وعلى قول من اعتبر الكل نصف الدية، فإذا ذهب بحرف واحد فمن اعتبر الكل قال فيه جزء من ثمانية وعشرين جزءا من الدية، سواء كان حرفا خف على اللسان وقل هجاؤه، أو ثقل على اللسان وكثر هجاؤه كالسين والشين، والصاد والتاء والثاء لأن كل ما فيه مقدر لم يختلف المقدر باختلاف قدره كالأصابع.

[ 134 ]

وإذا جنا عليه فذهب من الحروف حرف يزول معه الكلمة بزواله مثل أن أعدم الحاء فصار محمد ممد، ومكان أحمد أمد، فعليه دية الحاء وحدها ولا دية عليه في حروف باقي الكلمة وإن كان قد ذهب معناها لأنه ما أتلفها وإن كان قد ذهب منفعة غيره. ألا ترى أنه لو قصم ظهره فشلت رجلاه فعليه ديتان دية في الظهر ودية في الرجلين، وعندنا ثلثاهما ولو ذهب مشيه مع سلامة الرجلين لم يكن عليه إلا دية الظهر وحده. وإذا ذهب من كل كلمة حرف فقام غيره مقامه فصار يقول مكان محمد مخمد، فجعل مكان الحاء خاء فعليه دية الحاء وحدها، لأنها ما أذهب غيرها فإن جنى عليه بعد الأول جان آخر فذهبت الخاء التي كان يأتي بها مكان الحاء لم يجب عليه إلا دية الخاء وحدها، لأنها أصلية في نفسها، وإن وقعت مكان غيرها. فإن جنا عليه وكان سريع الكلام فزادت السرعة أو ثقيل الكلام فزاد ثقلا أو كان لا يفصح بقلب الراء عينا لكنه يأتي بها مضطربة، فزاد الاضطراب حتى صارت عينا صحيحة أو كان يأتي بالراء صحيحة فغيرها تغييرا ولم يذهب بها جملة، ففي كل هذا حكومة لأنه أدخل نقصا فيها ولم يذهب بأصلها. فإن قطع بعض اللسان نظرت فإن قطع ربعه فذهب ربع الكلام أو نصفه فذهب نصف الكلام، ففيه من الدية بحساب ذلك لأنه وافق القطع والكلام معا فإذا قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام أو نصف اللسان فذهب ربع الكلام كان فيه نصف الدية بلا خلاف واختلفوا في تعليله منهم من قال الجناية إذا كانت على عضو ذي منفعة أوجبت الدية في أغلظ الأمرين، فإن كانت دية المنفعة أكثر أوجبتها وإن كانت دية ما أتلف أكثر أوجبتها: فإن قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام أوجبت نصف الدية لأن دية المنفعة أكثر. ولو قطع نصف لسانه فذهب ربع كلامه أوجبت نصف الدية اعتبار بالقدر المقطوع لأن المنافع أقل. وقال بعضهم إن قطع ربع لسانه وذهب نصف كلامه أوجبت

[ 135 ]

نصف الدية اعتبارا باللسان، وذلك أنه قد قطع الربع وشل ربع آخر بعد قطعه، لأنا اعتبرنا ذلك بالحروف، فوجدناها نصف الكلام، فعلمنا أنه قطع الربع وشل الربع الآخر، فأوجبنا نصف الدية ربعها بقطع ربعه، وربعها بشلل ربعه، فإذا ثبت هذا بانت فائدة الخلاف في التفريع. وإذا قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام أخذ منه نصف الدية، فإن جاء آخر فقطع ما بقي منه وهو ثلاثة أرباعه فمن قال الاعتبار بأغلظ الأمرين، قال عليه ثلثة أرباع الدية، ومن قال: الاعتبار بالمساحة، قال عليه نصف الدية في النصف الصحيح وحكومة فيما بقي وهو ربع لسانه، فإنا حكمنا بأن ربعه أشل. وأما إن قطع نصف لسانه فذهب ربع كلامه ثم جاء آخر فقطع ما بقي، فمن قال بأغلظ الأمرين قال عليه ثلثة أرباع الدية لأنه قد ذهب ثلثة أرباع الكلام، ومن قال بالقول الآخر قال: عليه نصف الدية. إذا قطع لسان صبي فإن كان قد بلغ حدا ينطق كلمة بعد كلمة، مثل قوله بابا وماما ونحوه، فقد علم أنه لسان ناطق، فإن قطع قاطع فعليه الدية كلها كلسان الكبير الناطق، وإن كان طفلا لا نطق له بحال كمن له شهر وشهران فكان يحرك لسانه لبكاء أو لغيره فما تغير باللسان ففيه الدية، لأن الظاهر أنه لسان ناطق فإن أماراته لا يخفى. فإن بلغ حدا ينطق فلم ينطق فقطع لسانه ففيه حكومة لأن الظاهر أنه لا نطق له، فهو كلسان الأخرس غير أن عندنا فيه ثلث دية اللسان الصحيحة كالأخرس، فإن ترعرع الغلام واشتد فتكلم ببعض الكلام، بان لنا أنه لسان ناطق، وإن تأخر نطقه لعلة نعتبره بالحروف، فينظر كم قدر ما ذهب منها، فإن كان الذاهب ثلثها فله ثلث الدية، وقد قبض الحكومة من هذا الثلث، فيعطى معه كمال ثلث الدية. في لسان الأخرس عندنا ثلث الدية، وعندهم فيه حكومة: إذا قطع لسانه ثم اختلفا فقال الجاني لم يزل أبكم لا يقدر على الكلام، وقال المجني عليه بل كنت ناطقا، فلم يسلم أصل السلامة فالقول قول الجاني مع يمينه،

[ 136 ]

لأنه لا يتعذر إقامة البينة عليه، لأنه من الأعضاء الظاهرة، وإن سلم له السلامة في الأصل فادعى أنه أخرس حين القطع، قال قوم القول قول المجني عليه لأن الأصل السلامة، وقال آخرون القول قول الجاني، لأن الأصل براءة ذمته، والأول أقوى. فإن قطع لسان ناطق فأخذت منه الدية، ثم نبت وتكلم به، فهل عليه رد الدية أم لا؟ قال قوم يرد، وقال آخرون لا يرد كاختلافهم في سن المثغر والأقوى ههنا أنه لا يرد، لأن عود اللسان بعيد في العادة، فإذا عاد علمنا أنه هبة من الله مجددة، وليس كذلك السن لأن الظاهر في العادة أنها يعود، ألا ترى أن الشيخ قد يذهب أسنانه فإذا كبر فضلا ينبت أسنانه. فأما إن جنا على لسانه فذهب كلامه واللسان صحيح بحاله، أخذنا الدية منه فإن عاد وتكلم رد الدية لأنه لما نطق بعد أن لم ينطق، علمنا أن كلامه ما كان ذهب إذ لو كان ذاهبا ما عاد، لأن انقطاعه بالشلل والشلل لا يزول، وليس كذلك إذا نبت لسانه لأنا نعلم أنه هبة مجددة من الله تعالى، فلهذا لم يرد الدية. إذا خلق للسان طرفان فقطع أحدهما، فإن ذهب كل الكلام ففيه كمال الدية وإن ذهب نصف الكلام ففيه نصف الدية، لأن الظاهر أن هذا هو اللسان، فإن قطع أحدهما فلم يذهب من الكلام شئ نظرت، فإن كان مخرج الطرفين سواء، لا يرجح أحدهما على الآخر أوجبنا فيه ما يخصه من الدية من كل اللسان لأن الكل لسان واحد غير أنه مشقوق، وإن كان مخرجهما مختلفا كان أحد الطرفين كان في جانب، ففيه حكومة كالاصبع الواحدة إلا أنه لا يبلغ بهذه الحكومة بقدر قياس اللسان لأنها زيادة فلا يوجب فيها ما يوجب في الأصل فإن كان قطع الطرفين معا فذهب الكلام، فإن كان الطرفان سواء فلا كلام، وإن كان أحدهما في حكم الزايد أوجبت الحكومة في الزايد والدية جميعا، كما لو قطع أصبعا عليها أصبع زايدة.

[ 137 ]

[ دية الأسنان ] الأسنان والأضراس كلها سواء، والثنايا والرباعيات في كل واحدة خمس من الإبل عند بعضهم وفيه خلاف، وعندنا في جميعها الدية كاملة، في اثني عشر المقاديم ستمائة دينار خمسون خمسون، وفي ستة عشر في مواخير الفم أربعمائة في كل واحدة خمسة وعشرون دينارا. فإذا قطع السن بسنخها، فالسن ما شاهدته زايدا عن اللثة، والسنخ أصلها المدفون في اللثة، فإذا قلعها من أصلها ففيها خمس من الإبل، لأن أصلها كأصل الإصبع، فإن قطع منها ظاهرها كله دون سخنها، ففيها دية سن كما لو قطع أصبعا من أصلها الذي هو الكف، وإن جاء آخر فقطع سنخها كان فيه حكومة كما لو قطع رجل أصبع رجل ثم جاء آخر فقطع أصلها إلى الكوع، كان على قاطعها دية أصبع و على قاطع ما تحتها حكومة. فإن قطع بعض الظاهر منها ففيه الدية بالحصة فإن كان النصف فنصف دية السن وما زاد أو نقص بحسابه، فإن جاء آخر، فقلع ما بقي من الظاهر وكل سنخها قال قوم يجب من الدية بقدر ما بقي من الظاهر، وحكومة في سنخها، لأن ما بقي من الظاهر ليس فيه كمال دية السن. وقال بعضهم لهذا تفصيل إن قطع نصف الظاهر منها طولا وبقي نصف الظاهر و كل سنخها، فإذا قلعها قالع بسنخها بعد هذا كان عليه نصف الدية، يتبعه ما تحته من السنخ وحكومة فيما بقي من السنخ وهو القدر الذي ما كان عليه شئ من الظاهر كما لو قطع رجل أصبع رجل فجاء الآخر فقطع الأخرى مع ما تحتها من الكف ما كان تحت تلك المقطوعتين، فإنه يجب فيه دية أصبع يتبعها ما تحتها وحكومة في أصل الأخرى. فأما إن كان قطع نصفها عرضا كأنه قطعها فذهب نصفها مع كمال العرض، ففيها نصف

[ 138 ]

الدية فإن جاء آخر فقلع ما بقي مع السنخ كان عليه بالحصة مما بقي من الظاهر من الدية يتبعها ما تحتها من السنخ كما لو قطع من أصبع أنملتين فجاء آخر فقطع ما بقي منها وهو أنملة مع سنخ الإصبع، فإن الباقي يتبع تلك الأنملة. إذا اختلف المجني عليه والجاني الثاني، فقال الجاني قطع الأول نصفها وقال المجني عليه بل قطع الأول ربعها، فالقول قول المجني عليه، لأن الأصل أنه لا قطع حتى يعلم ما قدر القطع. إذا انكشف اللثة عن سنخ السن لعلة ثم جنا عليها جان فقطع بعضها نظرت إلى ما كان ظاهرا منها قبل زوال اللثة فاعتبرته وأوجبت فيه بالحصة من الدية، فإن اختلفا في قدر الظاهر ولم يعلم قدره، فالقول قول الجاني لأن الأصل براءة ذمته، فأما سن المثغر يقال في اللغة ثغر الغلام فهو مثغور إذ أسقطت سن اللبن منه وأثغر واثغر إذا نبت بعد سقوطها، ويقال ثغرت الرجل إذا كسرت سنه. فإذا ثبت هذا فإذا قلع سن إنسان لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون سن صغير لم يسقط بعد أو سن كبير، فإن كان سن صغير لم يسقط بعد وهو سن اللبن فالذي رواه أصحابنا أن في كل سن بعيرا ولم يفصلوا، وقال المخالف لا تؤخذ الدية في الحال لأن الغالب أنها تعود، فإذا وقعت لم يخل من أحد أمرين إما أن لا يعود أو يعود، فإن لم يعد وهو أن سقطت أخواتها ونبتت ولم تعد هي، أخذنا الدية لأنا تحققنا أنه قد أعدم إنباتها، فهو كما لو قلع سن الكبير فلم يعد. وأما إن عادت مع أخواتها نظرت، فإن عادت مثل أخواتها في القدر والقوة و النقاء فلا دية عليه، لأن هذه تلك، لكن عليه حكومة أم لا، قال بعضهم لا حكومة عليه لأنه ما جرحه، وقال آخرون فيه حكومة وهو الأقوى، لأنه لا ينفك قلعها عن جرح. فإن عادت ناقصة القدر فكانت أقصر من أخواتها فعليه بقدر ما قصرت عن أخواتها بالحصة من الدية، لأن هذا النقصان في الظاهر من ذلك القلع، فهو كما لو كسر

[ 139 ]

هذا القدر منها. فإن عادت بطول أخواتها إلا أنها عادت شاختين مثل أن حصل فيها ثلمة في الوسط فعليه بقدر تلك الثلمة من الدية، كما لو كسر من سنه ذلك القدر. فإن عادت في قدر أخواتها وقوتهن لكنها متغيرة إلى خضرة أو سواد ففيها حكومة لأجل الشين، فإن عادت مثل أخواتها بكل حال إلا أنها لم تعد في صف الأسنان بل مالت إلى داخل الفم أو خارجه، ففيها حكومة لأجل الشين. فإن عادت مثل أخواتها بكل حال إلا أنه نبت معها سن زايدة من داخل الفم أو خارجه فلا شئ عليه، لأن تلك الزيادة لم تنبت من قلع السن. فأما الكبير وهو المثغر. وهو من سقطت عنه سن اللبن وعادت سن الكبر، فقلعها قالع فعليه الدية في الحال، لأن الغالب أنها لا تعود فإذا أخذت منه الدية لم يخل من أحد أمرين إما أن لا تعود أو تعود، فإن لم تعد فقد استقرت له الدية، وإن عادت السن فهل ترد الدية أم لا؟ قال قوم ترد لأنها سن عادت بعد أن تلفت كالصغر، وقال آخرون لا ترد وهو الأقوى، لأن الغالب أنها لا تعود، فإن عادت علمنا أنها هبة مجددة إذا اضطربت سنه لمرض أو كبر فقلعها قالع قال قوم فيها حكومة لأنها نقصت عن الأسنان في المنافع، وقال آخرون وهو الصحيح عندنا فيها دية سن كاملة، ولا فصل بين أن يكون ربطها بالذهب أو الفضة أو لم يربطها الباب واحد. إذا جنا عليها جان فنفضت يعني تحركت من أصلها فطالت عن الأسنان مضطربة سئل أهل الخبرة، فإن قالوا إنها يستقر أمرها بذهاب أو ثبوت إلى سنة صبر سنة فإن ذهبت وسقطت ففيها الدية، لأنها ندرت بجنايته، وإن عادت كالتي كانت فلا دية فيها، فإن قلعها قالع ففيها كمال الدية، وعلى الأول حكومة لأجل تلك الجناية التي نفضت بها. إذا نفضت سنه بالجناية سئل المجني عليه فإن قال عادت كالتي كانت، فإن قلعها

[ 140 ]

قالع بعد هذا كان عليه كمال الدية لأنها سن صحيحة صحت بعد علة وعلى الأول حكومة، وإن قال المجني عليه: عادت ضعيفة فعلى الأول حكومة. والثاني قال قوم عليه دية وقال آخرون عليه حكومة كما لو ضعفت بالكبر والمرض الباب واحد لما مضى وإنما يفترقان في فصل وهو أن الحكومة في هذه أقل من الحكومة في التي اضطربت بالكبر والمرض، لأن هذه قد أخذ فيها حكومة مرة فقلت الحكومة الثانية، وفي المرض لم يأخذ الحكومة. إذا جنا عليها فندرت أعني سقطت ثم أعادها في مغرزها بحرارة دمها فثبتت ثم قلعها بعد هذا قالع فلا شئ عليه، لأنه كان عليه قلعها وإلا أجبره السلطان على قلعها لأنها ميتة ألصقها ببدنه، فلا تصح صلوته معها، مثل الأذن، وعندنا لا يجب ذلك لأن العظم عندنا لا ينجس بالموت، ويفارق الأذن لأنها تنجس لأن الأذن فيها حيوة ولا حيوة في السن، لكن عليه حكومة، والأول عليه ديتها لأنه قلعها. إذا ندرت سنه فغرز في مغرزها عظما ظاهرا قام مقامها كسن الحيوان الذكي الذي يؤكل لحمه أو كانت من ذهب أو فضة فإذا ثبتت ثم قلعها قالع قال قوم لا شئ عليه فيها لأنه ما أعدم سنا، وقال آخرون عليه حكومة لأنه أعدم الجمال والمنفعة بقلع ما هو ظاهر منها، فهو كالسن الأصلي والأول أقوى لأن الأصل براءة الذمة. قد ذكرنا إذا قلع سن الصبي الذي لم يثغر أنه لا دية عليه في الحال، ويصبر إلى وقت عود مثلها، وفرعنا عليها: فإن مات في أثناء المدة نظرت فإن مات قبل أن ينبت شئ منها بحال قال قوم عليه الدية، لأن القلع معلوم متحقق والعود متوهم، وقال آخرون لا تجب الدية وهو الأقوى، لأن العادة أنها تعود لو لم يمت. فأما إن مات بعد أن نبت شئ منها لكنه دون طول الأسنان، قال قوم عليه بقدر ما بقي من تمام طولها، وقال آخرون لا شئ عليه لأن الموت هو الذي قطع الطول والتمام وهو الأقوى، ولأن الأصل براءة الذمة. فإن قلع الأسنان كلها، وعددها التي يقسم عليها الدية عندنا ثمانية وعشرون

[ 141 ]

سنا وعندهم اثنان وثلثون سنا، فإنه يعد الأسنان فيها: فإن قلع واحدة بعد واحدة ففي كل واحدة ما ذكرناه، وعندنا لا فرق بين أن يقلعها واحدة بعد واحدة أو يقلعها موضعا واحدا. وعندهم إذا قلع واحدة بعد واحدة ففي كل واحدة خمس من الإبل للخبر، وإن قلعها دفعة واحدة وإنما يتصور بأن يتساقط بالسراية عن جناية، قال قوم في كل واحدة خمس من الإبل، يكون في الجميع مائة وستون، وقال بعضهم فيها دية واحدة مثل ما قلناه لكنه لا يفضل بعضها على بعض. [ دية اللحيين ] في اللحيين الدية وهو إذا قلعها من صبي قبل نبات الأسنان فيها أو ممن لا أسنان له وهو كبير، وهما اللذان مجتمع رأسهما الذقن والرأسان الآخران في أصول الأذنين، لأنهما من تمام الخلقة وفيهما الجمال والمنفعة، فإن قلعهما مع الأسنان ففي الأسنان ما ذكرناه، وفيهما الدية لا يدخل ما يجب في إحداهما في الأخرى لأن لكل واحد منهما دية تخصه، فالأسنان لا يدخل فيهما اللحيان، واللحيان لا يدخل فيهما الأسنان، وقد يتفرد اللحيان عن الأسنان في الصبي والكبير. إذا ضرب سن الرجل فلم يتغير منها إلا لونها. فإن كان التغير مع بقاء قوتها ومنافعها ففيها حكومة، وقد روى أصحابنا فيها مقدرا ذكرناه في النهاية، فإن كان خضرة دون السواد ففيها حكومة، وإن صارت صفراء ففيها حكومة دون الخضرة، لأن السن يصفر من غير علة، فإن قلعها قالع بعد هذا فعليه الدية لأنها سن بحالها وإنما لحقها شين فهو كالاصبع إذا لحقها شين فقطعت، فإن فيها ديتها. فإن ذهب مع هذا التغيير بعض منافعها كأنها ضعفت عن القوة التي كانت عليها في عض المأكول ونحو ذلك، ففيها حكومة لأجل الشين والضعف معا فإن ذهب مع هذا التغير كل منافعها حتى لا يقوى على أن يعض بها شيئا، فهذه بمنزلة اليد الشلاء

[ 142 ]

فعليه الدية لأن كل ما كان في إتلافه الدية كان في الشلل منه الدية، فإن قلعها قالع بعد ذلك فعليه حكومة، فإن نبت أسنان الصبي سودا ثم ثغر ثم نبتت سوداء فقلعها قالع فعليه الدية لأن هذا السواد ليس بمرض ولا عيب، وإنما هو خلقة. فأما إن نبتت أسنانه بيضا ثم ثغر ثم نبتت سوداء، فإن قال أهل الخبرة ليس هذا السواد لعلة ولا مرض، فمتى قلعها قالع فعليه الدية، وإن قالوا هو لعلة ومرض فعلى قالعها حكومة، لأنها ليست بصحيحة. فإن نبتت الأسنان على قدر واحد وطول واحد العليا والسفلى سواء كانت العليا طوالا والسفلى قصارا، أو كانت السفلى طوالا والعليا قصارا، أو كانتا جميعا قصارا الباب واحد، في الكل الدية، فإن اختلف النوع الواحد وهو الثنايا والرباعيات فكانت إحدى الثنيتين أقصر من الأخرى أو إحدى الرباعيتين أقصر من الأخرى، نقصت عن الجاني من ديتها بقدر ما قصرت عن قرينتها ولأن العادة أن كل نوع منها ينقص طوله، بل تكون الثنايا في العادة أطول من الرباعيات فاعتبرت عادة الباقي منها، فما قصرت عن قريبته في العادة نقصانا ظاهرا نقص عن الجاني بقدر ذلك من الدية، ويقوى في نفسي أنه لا ينقص لأنه لا دليل عليه. ولو ذهبت حدة السن بكلال لا كسر، ففيها ديتها تامة إذا قلعت، لأن هذا الكلل لا يقصر شيئا من طرفها، لأن سن الصبي تنبت حادة وعلى طول الوقت يلحقها كلل، فتذهب حدتها، فهذه التي لا ينقص شئ من أرشها فأما إن ذهب منها ما جاوز حد الكلال، نقص الجاني من ديتها بقدر ما ذهب منها، فإن السن قد يقصر طولها على تطاول الوقت، فيكون كأنه كسر بعضها.

[ 143 ]

[ دية اليدين ] في اليدين الدية بلا خلاف لقوله عليه السلام وفي اليدين الدية ولقوله: وفي اليد خمسون من الإبل، وفي كل واحدة منهما نصف الدية، فإذا ثبت أن فيها نصف الدية فإن اليد التي يجب هذا فيها هي الكف إلى الكوع وهو أن يقلعها من المفصل الذي بينها وبين الذراع، فإن قطع أكثر من ذلك كان فيها دية وحكومة بقدر ما يقطع. فإن كان من نصف الذراع أو المرفق أو العضد أو المنكب ففي الزيادة حكومة، وكلما كانت الزيادة أكثر كانت الحكومة أكثر، وعندنا أن جميع ذلك فيه مقدر ذكرناه في تهذيب الأحكام وقال بعضهم إن اليد التي يجب فيها نصف الدية أن يقطعها من المنكب، ومتى ضرب يده فشلت عندنا فيها ثلثا الدية وعندهم فيه الدية كاملة. وأما الأصابع إذا قطعها وحدها دون الكف فيها نصف الدية، والواجب فيها بالسوية كل أصبع عشر من الإبل، وروى أكثر أصحابنا أن في الابهام ثلث الدية، وفي الأربع ثلثي دية اليد، وروي عن بعض الصحابة المفاضلة بين الأصابع ذكرناه في الخلاف. فأما الأنامل ففي كل أنملة من الأصابع ثلث دية الإصبع إلا الابهام فإن في كل أنملة منها نصف ديتها، لأن لها أنملتين وفيها خلاف. [ دية الرجلين ] والحكم في الرجلين على ما مضى في اليدين، ففيهما الدية بلا خلاف، وفي واحدة منهما نصف الدية، وحد ما يجب فيه نصف الدية أن يقطع من مفصل الساق والقدم وهو الذي يقطع من الساق عندهم، فإن قطعها من نصف الساق ففيها دية رجل وحكومة. فإن قطعها من الركبة فكذلك وإن قطعها من الفخذ كذلك إلا أنه كلما قطع معها أكثر كانت الحكومة أكثر، وعندنا في جميع ذلك مقدر مثل ما قلناه في اليد ذكرناه في الكتاب المقدم ذكره. فإن جنى عليها فشلت ففيها ثلثا ديتها وعندهم كمال الدية، والخلاف في أصابع

[ 144 ]

الرجلين كالخلاف في أصابع اليدين في كل واحدة عشر من الإبل، يتساوى فيه عندهم وعندنا في الابهام ثلث دية الرجل، وفي كل أنملة ثلث دية الإصبع إلا الابهام، فإن لها مفصلين ففي كل واحدة منها نصف ديتها. الأعرج معروف فالأعسم قال قوم هو الأعسر، وقال آخرون هو من في رسغه ميل يعني اعوجاج عند الكوع، فإذا قطع قاطع رجل الأعرج ويد الأعسم ففي كل واحدة منهما نصف الدية، لظاهر الخبر، لأنه لم يفصل. فأما إن جنا على يده فكسرها ثم جبرت فانجبرت مستقيمة فيها حكومة عندهم وعندنا فيه مقدر، وإن انجبرت عثماء فكذلك أيضا إلا أن الحكومة فيه إذا انجبرت عثماء أكثر مما فيها إذا انجبرت مستقيمة. فإن انجبرت عثماء فقال الجاني أنا أكسرها وأجبرها مستقيمة، لم يكن له ذلك لأنها جناية قد استقر أرشها، فعليه حكومة عندهم، وعندنا مقدر، فإن بادر فكسرها ثم جبرها مستقيمة لم يسقط عنه تلك الحكومة، لأنه بمنزلة جرح استقر أرشه فإذا ثبت أنه لا يرد من الحكومة شيئا، فإن عليه في الكسر الثاني حكومة عندهم، و عندنا مقدر آخر. إذا خلق لرجل يدان على كوع أو يدان وذراعان على مرفق أو يدان وذراعان وعضدان على منكب، نظرت، فإن كان يبطش بإحداهما دون الأخرى، فالباطشة هي الأصل، والأخرى زايدة، فإن كانتا باطشتين لكن إحداهما أكثر بطشا فهي الأصل والضعيفة زايدة، وسواء كانت التي هي أبطش على سمت الخلقة أو مايلة عن سمتها. فإن كانتا في البطش سواء وإحداهما على غير سمت الخلقة، فالأصلية هي التي على سمت الخلقة، فإن كانتا سواء وإحداهما ناقصة فالكاملة أصلية والناقصة زايدة، فإن كانتا سواء وإحداهما زايدة أصبع لم يرجح بالزيادة في هذا الفصل، فكل موضع حكمنا بأنها أصلية ففيها القود في العمد، والدية في الخطاء، وفي الأخرى حكومة. فإن كانتا سواء بكل حال في الخلقة وسمت الخلقة والبطش والتمام، فهما يد

[ 145 ]

وزيادة، فإن قطعهما قاطع فعليه القود وحكومة في العمد ودية وحكومة في الخطاء وعندنا في الزائدة ثلث الدية. فإن قطع إحداهما فلا قود، لكن فيها نصف دية وحكومة، لأنه قطع نصف يد وزيادة، قال بعضهم في إحداهما حكومة فإن قطع أصبعا من إحداهما ففيها نصف دية أصبع خمس من الإبل، وحكومة على ما فصلناه إذا قطع إحداهما وفي أناملها كذلك نصف دية أنملة وحكومة. هذا إذا جنى على اليدين، فأما إن جنى ذو اليدين فقطع يدا لرجل، فلا قود عليه في إحداهما لأنا لا نعرف الأصلية ولا قود عليه فيها، لأنها يد وزيادة، فلا يأخذ الفضل قودا. هذا الكلام في اليدين فأما إذا خلق له قدمان على ساق، أو قدمان وساقان على ركبة، أو قدمان وساقان وفخذان على ورك، فالحكم على ما فصلناه في اليدين. وفي الرجلين تفصيل وهو أنك تنظر فإن كانت إحداهما أطول فكان يمشي عليها ولا يمكنه المشي على القصيرة، لأن الطويلة تمنع وصولها إلى الأرض، فإذا قطع قاطع الطويلة نظرت، فإن لم يقدر على المشي على القصيرة فعليه القود أو الدية في التي قطعها، لأنها أصلية وإن قدر أن يمشي على القصيرة، فعليه حكومة في الطويلة، لأنا تبينا أن القصيرة هي الأصلية وإنما لم يقدر أن يمشي عليها لطول الزايدة. فإن قطعت القصيرة بعد الطويلة، ففيها القود أو الدية فإن جنا على الطويلة فشلت فيها الدية في الحال كاملا عندهم، وعندنا ثلثاها، لأن الظاهر أنها أصلية ولا يمكن الصبر ههنا، لينظر هل يمشي على القصيرة أم لا، لأن الشلاء تمنعها أن تصل إلى الأرض. فإن قطع قاطع الطويلة الشلاء فعليه حكومة عندهم وعندنا ثلث الدية، ثم ينظر فيه، فإن لم يقدر على أن يمشي على القصيرة فقد استقر الحكم على ما مضى، وإن قدر أن يمشي على القصيرة تبينا أنها الأصلية والطويلة زايدة، وقد أخذ صاحبها

[ 146 ]

دية الأصلية، إنما له الحكومة فيرد الدية على الجاني إلا قدر ما يجب فيها من الحكومة. [ دية الأليتين ] في الأليتين الدية لأنهما من تمام الخلقة، وفيهما الجمال والمنفعة، وفي إحداهما نصف الدية، فإن جرح إحداهما ولم ينته إلى العظم فلا قود، لأنه شق لحم وفيه حكومة، فأما المرأة ففيهما ديتها لما مضى، والأليتان الماكمتان وهو ما علا وأشرف على الظهر، وعن استواء الفخذين، فإن الظهر مسطوح من الكتفين إلى الأليتين، والفخذان مستويان إلى الأليتين وينبغي أن يكون فيهما القود إذا أخذهما إلى العظم الذي تحتهما لا يفضل يمين على يسار في الدية بلا خلاف، وإن كانت المنفعة باليمين أكثر. ومن قطعت يده في الجهاد فنبتت له أخرى كان فيها نصف الدية عند جميع الفقهاء إلا الأوزاعي فإنه قال: فيها دية اليدين، وإن صح التقدير، فالأول أصح لظاهر الخبر. في عين الأعور إذا كان خلقة الدية كاملة أو يأخذ إحدى عيني الجاني ونصف الدية، وإن كانت قلعت فاستحق ديتها أو اقتص منها كان فيها نصف الدية، وعند المخالف فيها قصاص عين واحدة أو نصف الدية، ولم يفصلوا، ومنهم من قال فيها الدية كاملة. فأما إن قلع الأعور عينا واحدة من عين ذي العينين فذوا العينين عندنا بالخيار بين أن يقلع عين الأعور أو يعفو على مال وله نصف الدية، لأنه دية عينه التي قلعت وقال بعضهم له أن يقلعها أو يعفو وله ألف دينار دية عين الأعور عنده.

[ 147 ]

[ دية الصلب ] إذا كسر صلبه فعليه الدية، ولا تؤخذ الدية في الحال بل يصبر فإن ذهب مشيه ففيه الدية لقوله عليه السلام وفي الصلب الدية فإذا صبرنا وذهب مشيه ففيه الدية فأما إن صار يمشي على عكاظ بيديه أو بإحداهما ففيه الحكومة، وعندنا فيه مقدر ذكرناه في الموضع المقدم ذكره وإن لم يحتج إلى عكاظ لكنه يمشي راكعا ففيه دون ذلك، وعندنا فيه مقدر، فإن اعتدل صلبه ومشى بغير عكاز ففيه حكومة دون ما مضى. فأما إن ذهب جماعه فإن كان معه علامة تدل على صدقه، فالقول قول المجني عليه مع يمينه في ذهاب جماعه، وإن لم يكن معه وشهد بينتان من أهل العلم أن مثل هذا قد يذهب به الجماع، فالقول قول المجني عليه، لأن الظاهر معه، وهذا لا يتوصل إليه إلا من جهته، فإذا حلف فله كمال الدية ولا حكومة لأنه ما جنا على الذكر، وإنما الحاصل من جنايته إعدام منفعة الظهر مع سلامة العضو، فهو كما لو جنا على يده فشلت وحدها أو على عينيه فذهب ضوؤهما ففيهما الدية لأنه أتلف منافعها. فإن شل ذكره بذلك ففيه دية في الذكر وحكومة في كسر الصلب لأنه أبطل منفعة الذكر بمعنى حل في نفس الذكر وذاته، وكسر الصلب، فلهذا كان عليه الحكومة والدية كما لو كسر ظهره فشلت رجلاه، فإن فيه دية وحكومة، ويفارق هذا إذا ذهب جماعه والذكر سليم لأنه ما حل في الذكر فساد وإنما تعطل الجماع لمعنى في غيره فلهذا لم يجب مع الدية حكومة فبان الفصل بينهما. إن كسر صلبه فذهب مشيه وجماعه معا، قال قوم فيه دية واحدة، وقال آخرون فيه ديتان، وهو مذهبنا. إن جنى على رقبته فإن اعوجت حتى صار كالملتفت ولم تعد إلى ما كان، ففيه حكومة، فإن صار بحيث لا يقدر أن يلتفت أصلا أو يلتفت بشدة أو صار يبلع الريق والمأكول بشدة ففي كل هذا حكومة عندهم، وقد روى أصحابنا أنه إذا صار أصور فيه الدية، فإن صيره بحيث لا يزدرد شيئا، فإن مات فعليه القود، وإن عاش قالوا

[ 148 ]

لا شئ عليه، وينبغي أن يقول إن عليه حكومة. [ دية المرأة ] دية المرء على النصف من دية الرجل إجماعا إلا ابن علية والأصم فإنهما قالا هما سواء، فأما أرش الجنايات المقدرة فالمرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية عندنا، وفيه خلاف كثير ذكرناه في الخلاف. [ دية الثديين ] في ثديي المرأة ديتها لأنهما من أصل الخلقة، وفيهما الجمال والمنفعة، وفي كل واحد منهما نصف ديتها، فإن جنا عليهما فشلا ففيهما الدية، فإن لم يشلا لكنهما استرخيا ففيهما حكومة، لإعدام الجمال والاسترخاء. فإن كان فيهما لبن فانقطع فحكومة، وإن لم يكن فيهما لبن فعاد وقت نزول اللبن فيهما ولم ينزل فإن قال أهل الخبرة إنما لا ينزل للجناية ففيها حكومة، وإن قالوا قد ينقطع بجناية وغير جناية فحكومة. ووقت نزوله في العادة الحامل لأربعين يوما فإذا وضعت فشرب اللبأ منها لم يدر منها لبن حتى بمضي ثلاث أو مدة النفاس ثم يدر لبنها، فإذا لم يعاود في وقت عوده في العادة حينئذ سئل أهل الخبرة، ويكون على ما مضى. فإن قطع الثديين مع شئ من جلد الصدر ففيها دية وحكومة في الجلدة، فإن قطعهما مع شئ من جلد الصدر فأجافه فيهما فدية وحكومة في الجلدة، وأرش الجائفتين مع ذلك. إذا قطع من الثديين الحلمتين وهما اللذان كهيئة الذر في رأس الثدي يلتقمهما الطفل، ففيهما الدية، لأنهما من تمام الخلقة، وفيهما الجمال والمنفعة، فأما حلمتا الرجل قال قوم فيهما الحكومة، وقال آخرون فيهما الدية، وهو مذهبنا.

[ 149 ]

[ دية الأسكتين ] الأسكتان والشفران عبارة عن شئ واحد، وهو اللحم المحيط بالفرج إحاطة الشفتين بالفم، وهما عند أهل اللغة عبارة عن شيئين، قال بعضهم: الأسكتان هو اللحم المحيط بشق الفرج، والشفران حاشيتا الأسكتين كما أن للعينين جفنين ينطبقان عليهما، وشفرهما هي الحاشية التي تنبت فيها أهداب العين، فالأسكتان كالأجفان والشفران كشفري العين. فإذا ثبت هذا فمتى جنى عليهما جان فقطع ذلك منها فعليه ديتها، فإن اندمل المكان فخرجت في موضع الاندمال فعلى الجاني الحكومة، لأنه جناية على لحم، فإن جنا عليهما فشلتا ففيهما الدية، وعلى مذهبنا ينبغي أن يكون ثلثا الدية، ولا فصل بين أن يكونا غليظتين أو دقيقتين، قصيرتين أو طويلتين، لأن الاعتبار بالاسم. الرتق انسداد في داخل الفرج، والقرن عظم داخل الفرج يمنع الجماع، فإذا قطع شفرتها ففيها ديتها، لأن العيب داخل الفرج فهما بمنزلة شفتي الأخرس، ولو كان أخرس كان في شفتيه الدية، والمخفوضة وغيرها سواء، فإن قطع الركب معهما ففي الركب حكومة والركب هو الجلد الثاني فوق الفرج، وهو منها بمنزلة شفرة الرجل، وفيه حكومة. [ دية الافضاء ] الافضاء أن يجعل مدخل الذكر وهو مخرج المني والحيض والولد ومخرج البول واحدا، فإن مدخل الذكر ومخرج الولد واحد وهو أسفل الفرج، ومخرج البول من ثقبة كالإحليل في أعلى الفرج، وبين المسلكين حاجز دقيق، والافضاء إزالة ذلك الحاجز، وقال كثير من أهل العلم الافضاء أن يجعل مخرج الغائط ومدخل الذكر واحدا، وهذا غلط، لأن ما بينهما حاجز غليظ قوي. ثم الفقهاء فرعوا على الافضاء إذا كان البول مستمسكا وغير مستمسك وإنما يصح

[ 150 ]

هذا التفريع على ما قلناه من رفع الحاجز الذي بين مخرج البول ومدخل الذكر، و على ما قالوه فلا صنع لمخرج البول ههنا. فإذا تقررت صورة الافضاء فإذا أفضى الرجل امرأة لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن تكون زوجته أو أجنبية مكرهة أو موطوءة بشبهة فإن كانت زوجته استقر المسمى بالتقاء الختانين إن كان لها مهر مسمى، وإن كانت مفوضة استقر لها مهر مثلها، و إذا أفضاها بعد هذا فعليه الدية بالافضاء. ثم ينظر فإن كان البول مستمسكا فلا زيادة على الدية، وإن كان مسترسلا ففيه حكومة بعد الدية، وقال بعضهم الافضاء غير مضمون على زوجها، وإنما يستقر بالوطي المهر فقط، وعندنا أنه إن وطئها قبل تسع سنين كان مضمونا بالدية، ويلزمه مع ذلك النفقة عليها حتى تموت، وإن كان الافضاء بعد تسع سنين لم يكن مضمونا. ولا فصل في ذلك بين أن تكون المرأة بكرا أو ثيبا فإن كانت ثيبا فالمهر والدية والحكومة على ما فصلناه، وكذلك إن كانت بكرا، ويسقط إزالة البكارة لأن إزالتها مستحق وإن كانت مكرهة فعليه الحد لأنه زان ولا حد عليها لأنها مكرهة، ولها المهر وعليه الدية بالافضاء، ثم ينظر فإن كان البول مستمسكا فلا زيادة على الدية، وإن كان مسترسلا ففيه حكومة وعليه الحد وأما المهر فلا يجب لوجوب الحد. وأما الافضاء فينظر فإن كان البول مستمسكا ففيه ثلث الدية، وإن كان مسترسلا فعليه الدية، ولا حكومة، وهو مذهبنا الأول غير أنه لا يجب بها المهر لأنه زنا. فإذا ثبت هذا نظرت فإن كانت ثيبا فلا كلام، وإن كانت بكرا وجب المهر و الدية، وقال قوم لا يجب أرش البكارة فإنه يدخل في دية الافضاء، ومنهم من قال يجب أرش البكارة وهو مذهبنا، لأنه لا دليل على دخوله في أرش الافضاء. فإذا ثبت وجوب الدية بالافضاء، نظرت فإن وجبت عن عمد فهي مغلظة حالة في ماله، وإنما يكون عمدا محضا إذا كانت صغيرة وبدنه كبير، ويعلم أن مثلها لا يطيق ذلك، فمتى فعل ذلك فقد أفضاها عمدا محضا، فالدية مغلظة حالة في ماله وإن وجبت عن عمد الخطاء فالدية مغلظة مؤجلة عندنا في ماله، وعندهم على العاقلة، و

[ 151 ]

عمد الخطاء أن تكون كبيرة قد تفضي مثلها وقد لا تفضي، فإذا وجد الافضاء علمنا أنه عامد في فعله مخطئ في قصده، فلهذا كان عمد الخطاء. وأحال بعضهم أن يتصور في الافضاء خطأ محض وقال بعض المتأخرين و هو جيد أنه قد يتصور الخطاء المحض وهو إذا كان له زوجة قد وطئها، ويعلم أن وطيه لا يفضيها بعد هذا، فأصاب على فراشه امرأة فأفضاها يعتقدها زوجته، فإنه خطأ محض كما لو رمى حربيا فوقع على مسلم فقتله كان خطأ محضا بلا إشكال. فأما إذا وطئها بشبهة فأفضاها مثل أن كان النكاح فاسدا أو وجد على فراشه امرأة يظنها زوجته فوطئها فأفضاها فالحد لا يجب للشبهة، والمهر يجب للدخول، ويجب الدية للافضاء، فإن كان البول مستمسكا فالدية بلا حكومة، وإن كان مسترسلا فعليه حكومة. وقال بعضهم لا حد كما قلنا، وأما المهر فينظر في الافضاء، فإن كان البول مستمسكا ففيه ثلث الدية، ويجب المهر معه، وإن كان مسترسلا وجبت الدية ولم يجب المهر بل يدخل في الدية. [ دية الذكر ] في الذكر بلا خلاف الدية لقوله عليه السلام وفي الذكر الدية، وسواء كان طويلا أو قصيرا، غليظا أو دقيقا، والشاب والشيخ والطفل الصغير سواء في ذلك. فإن جنا عليه فصار أشل ففيه الدية، لأن كل عضو كان في إتلافه الدية كان في شلله الدية، فإن قطعه قاطع بعد هذا ففيه حكومة، وعندنا يلزمه ثلثا الدية، و من قطعه بعد ذلك فعليه ثلث الدية، فإن جنا عليه فعاب وصار به دمل أو برص أو جراح أو تغوص رأسه ففيه حكومة، فإن قطع قاطع هذا المعيب ففيه كمال الدية كما لو قطع اليد العثماء. فإن قطع بعضه طولا مثل أن يشقه باثنين فعليه ما يخصه من الدية، فإن قطع الحشفة وحدها ففيها كمال الدية لأن الجمال والمنفعة بها كالاصبع في اليد، فإن قطع

[ 152 ]

قاطع ما بقي ففيه حكومة، كما لو قطع الكف بلا أصابع عليها. فإن قطع منه قطعة دون الحشفة نظرت، فإن كان البول يخرج من مكان الجرح وجب عليه أكثر الأمرين من الحكومة أو بقدره من الدية، أيهما كان أكثر. فإن جنا عليه فأجافه واندمل ففيه حكومة لأنه جوف لا يخاف منه التلف غالبا وإن قطع بعض الحشفة فعليه ما يخصه من الدية وفي اعتبارها قال قوم من كل الذكر لأنها منه، وقال آخرون من الحشفة، لأن الدية تجب بها، وكان الاعتبار بها دون غيرها وهو الأقوى، فإن قطع قاطع الحشفة وبعض قصبة الذكر ففيه كمال الدية كما لو قطع مع الأصابع شيئا من الكف. فإن جنى على ذكره فذكر أنه قد ذهب جماعه والعضو صحيح بحاله، لم تجب الدية، لأن ذهاب الجماع عيب في غيره، وإلا فإنما هو مجرى وطريق. [ دية الخصيتين ] في الخصيتين الدية لقوله عليه السلام وفي الخصيتين الدية وفي كل واحدة منهما نصف الدية، وفي بعض رواياتنا أن في اليسرى ثلثي الدية وفي اليمنى ثلثه، لأن الولد يكون من اليسرى، فإذا ثبت أن في الذكر الدية، وفي الخصيتين الدية، فإن قطعهما قاطع أو قطع الذكر ثم قطع الخصيتين ففيهما ديتان، وكذلك إن قطع الخصيتين أولا ثم الذكر، عندنا وعند جماعة. وقال بعضهم في الخصيتين الدية وفي الذكر حكومة لأن الخصيتين إذا قطعتا ذهبت منفعة الذكر، فإن الولد لا يخلق من مائه، فهو كالشلل. كل عضو فيه مقدر إذا جنى عليه فذهب منفعته أو لم يكن في الأصل فيه منفعة وإنما فيه جمال الحظوة فقط كالعين القائمة، وهي التي في صورة البصيرة غير أنه لا يبصر بها، واليد الشلا والرجل الشلا كذلك هي في صورة الصحيحة، غير أنه لا يبطش بها، وكذلك لسان الأخرس في صورة لسان الناطق غير أنه لا ينطق به، وكذلك

[ 153 ]

ذكر الأشل كل هذا وما في معناه عندهم فيه حكومة، وعندنا يجب في جميع ذلك ثلث دية العضو. [ دية اللحية ] فأما اللحية وشعر الرأس والحاجبين فإنه يجب فيه عندنا الدية، وعند بعضهم حكومة، فمن قال إن فيها حكومة قال كل عضو جنى عليه فصار أشل نظرت، فإن لم يبق هناك غير الجمال ففيه حكومة كاليدين والرجلين والذكر، وإن كانت المنفعة قائمة كالأنف والأذنين قال بعضهم فيه حكومة لأنه صيره أشل وقال آخرون فيه ديته لأنه قد أذهب منفعته، وعندنا إذا جنى على عضو فصار أشل وجب عليه ثلثا دية ذلك العضو. فإذا ثبت ذلك فالجناية إذا وقعت لم تخل من أحد أمرين إما أن يكون فيها مقدر أو لا مقدر فيها، فإن كان فيها مقدر كالأنف واللسان والعينين والأذنين و اليدين والرجلين ونحو هذا كالموضحة والهاشمة والمنقلة والمأمومة والجائفة، فهي مقدرة في الحر من ديته وفي العبد من قيمته، فالحر أصل للعبد فيما فيه مقدر، فكلما كان مقدرا في الحر من ديته كان مقدرا في العبد من قيمته وهذا يأتي. وما لا مقدر فيه كالباضعة والخارصة والمتلاحمة والسمحاق عندهم، وكسر عظم أو شق لحم في غير الوجه والرأس، عندنا جميع ذلك فيه مقدر، وعندهم حكومة. ولا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون لها شين ونقص بعد الاندمال أو لا يكون ذلك لها، فإن كان لها شين ونقص بعد الاندمال بأن كان المجني عليه عبدا ففيه ما نقص من قيمته، فيقال كم قيمته، وليس هذا الشين به؟ فإذا قالوا مائة، قلنا وكم قيمته وبه هذا الشين؟ قالوا تسعون، قلنا فقد نقص عشر القيمة، فيوجب فيه ما نقص وعلى هذا كل الحكومات في المملوكات أرش الجنايات عليها ما نقصت على ما فصلناه. وإن كان حرا لم يمكن تقويمه لكنه يقدر بالعبد، فيقال ولو كان عبدا وليس به هذا الشين كم قيمته؟ قالوا مائة، قلنا وبه هذا الشين؟ قالوا تسعون، قلنا فقد نقص عشر قيمته، فيجب في الحر عشر ديته، فالعبد أصل للحر فيما ليس فيه مقدر، والحر

[ 154 ]

أصل للعبد فيما فيه أرش مقدر، وهكذا يقوم المبيع إذا كان مبيعا تعتبر قيمته ويوجب بحصة ذلك من ثمنه. بيانه إذا اشترى عبدا فأصاب به عيبا بعد أن حدث به عيب عنده، فامتنع الرد بالعيب ونحوه، فإن المشتري يرجع على البايع بأرش العيب وهو أن يقال كم قيمته ولا عيب به؟ قالوا مائة، قلنا وكم قيمته وهذا العيب به؟ قالوا تسعون، قلنا فالعيب عشر قيمته، فيجب على البايع أن يرد عشر ثمنه. وإنما قلنا يرجع بالحصة من الثمن لا ما بين القيمتين، لأنه قد يشتري بعشرة ما قيمته مائة فإذا قومناه كان النقص عشرة، فإذا رد البايع هذا القدر بقي المبيع بغير ثمن، وإذا كان الاعتبار بالحصة من الثمن لم يعر المبيع عن الثمن بحال وهذا مما يغلط فيه الفقهاء فيوجبون الأرش ما بين القيمتين. وأما إن لم يكن هناك شين ولا نقص كما لو قطع أصبعا زايدة أو نتف لحية امرأة أو قلع سنا زايدة، أو كانت شجة في وجهه فزادته بعد الاندمال حسنا قال قوم لا حكومة فيها لأن الحكومة لأجل النقص، ولا نقص ههنا، وقال قوم فيها الحكومة وهو الأقوى. فمن قال لا ضمان فلا كلام، ومن قال عليه الضمان فالكلام في كيفيته فإن كانت أصبعا زايدة قوم عند أقرب الأحوال إلى الاندمال، فإن لم يكن هناك نقص قوم والدم جار، فيقوم على ما يمكن، وقد روى أصحابنا في الإصبع الزايدة ثلث دية الإصبع الصحيحة فلا يحتاج إلى ما قالوه. وأما إن كان نتف لحية امرأة لم يمكن اعتبارها بالعبد الذي إذا ذهبت لحيته كان أكثر لقيمته لأنه يخرج فيه نقص فيعتبرها بعبد متى ذهبت لحيته نقصت قيمته، كالذي له أربعون سنة وخمسون سنة، فيقال كم يساوي هذا العبد وله لحية؟ قالوا مائة قلنا وكم يساوي ولا لحية له؟ قالوا تسعون، قلنا قد نقص عشر القيمة، فيكون في لحيتها عشر ديتها، وإن كانت الجناية قلع سن زايدة روى أصحابنا أن فيها ثلث دية السن الصحيحة، وعندهم يقال هذه الزايدة خلفها سن أصلية في صف الأسنان

[ 155 ]

لو قلعت وليس خلفها أصلية لأثبت هناك ثلمة، فيقال لو لم يكن هناك ثلمة كم كان يساوي؟ قالوا مائة قلنا وبه هذه الثلمة؟ قالوا تسعون، قلنا قد نقص العشر من قيمته فيوجب العشر من ديتها. فإن كانت الجناية قطع أنملة لها طرفان فقد قلنا إن إحداهما أصلية والأخرى زايدة فيها حكومة، فلا يمكن اعتبار هذه بشئ، فتكون الحكومة بحسب ما يقدره الحاكم باجتهاده ولا يبلغ الحكومة ما يجب في أصل ذلك الشين. كل شئ فيه أرش مقدر يمكن معرفة ما ذهب منه بحسابه إذا قطع بعضه، كالسن الأصلي والأذن والأنف واللسان ويوجب فيه ما يخصه من الدية وقد مضى. [ دية الترقوة ] الترقوة هي العظم المعروف الممتد من عند ثغرة النحر إلى المنكب، ولكل واحد ترقوتان، فإذا كسر الترقوة والضلع فعندنا فيه مقدر ذكرناه في الكتاب المقدم ذكره، وقال بعضهم فيه حكومة، وروي عن بعض الصحابة أن فيه جملا، وبه قال بعضهم. فمن قال فيه مقدر فلا كلام، ومن قال فيه حكومة قال ينظر، فإن جبر مستقيما على ما كان عليه بغير شين بحال ففيه حكومة، وإن جبر مستقيما مع شين ففيه حكومة زايدة على ما مضى، وإن عاد معوجا ففيه حكومة أكثر، وكذلك إن كان بعجر يعني عقد ناتئة فإن العظم قد ينعقد إذا جبر فيظهر فيه كالعقد. وهي العجر والعجر والعجر جمع عجرة، وهي كل ما نتأ وظهر ذلك على البدن وكذلك يقال للعروق إذا ظهرت معقدة في عروقه عجر ولهذا قيل للسرة إذا علت سرة معجرة قال ابن الأعرابي يقال لكل ما كان من هذا على الظهر عجر، وما كان منه على البطن بجر، وهو مأخوذ من العيب ولهذا استعير في الهموم والأحزان قال علي عليه السلام أشكو عجري وبجري أي همومي وأحزاني. فإذا ثبت هذا فمتى عاد بعجر زادت الحكومة لأنه أكثر شينا.

[ 156 ]

فأما إن لكمه أو ضربه بمثقل فلم تقبح أو بحد سيف فلم يجرح، فإن حصل منها شين ففيها حكومة، وإن زال الشين بعد هذا رد الحكومة، وإن لم يحصل شين فلا غرم، لأنه ما جرح ولا كسر عظما ولا أثر شينا. وجملته ثلث مسائل متى انجبر العظم مستقيما بغير شين ففيه حكومة، ومتى ضربه بمثقل فلم يشن المكان فلا حكومة، ومتى جرحه فاندمل بغير شين قال قوم فيه حكومة وهو الصحيح، وقال آخرون لا حكومة. [ دية الكفار ] دية اليهودي والنصراني عندنا مثل دية المجوسي سواء ثمانمائة درهم وقال بعضهم دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثمان مائة درهم مثل ما قلناه، وقال قوم ديته دية المسلم سواء وفيه خلاف. الكفار على خمسة أصناف من له كتاب يتمسك به وهو اليهودي ومن جرى مجراهم من السامرة، والنصارى ومن جرى مجراهم وهم الصابئة عندهم، وعندنا الصابئة ليسوا من أهل الكتاب وعندهم كلهم لهم كتاب، ودماؤهم تحقن بأحد أسباب ثلثة ذمة مؤبدة، أو عهد إلى مدة، أو أمان مطلق، وهو أن يدخل إلينا في تجارة أو رسالة أو حاجة فدية هؤلاء ثلث دية مسلم عندهم، وعندنا ما قلناه. الثاني من لا كتاب له لكن له شبهه كتاب وهم المجوس، فعم يقرون على أديانهم بأحد الأمور الثلثة التي ذكرناها بلا خلاف لقوله عليه السلام سنوا بهم سنة أهل الكتاب، وديتهم ثمانمائة درهم بلا خلاف. الثالث من لا كتاب له ولا شبهة كتاب وهم عبدة الأوثان ومن عبد ما استحسن كالشمس والقمر والشجر والبقر والكواكب ونحو ذلك، فهؤلاء تحقن دماؤهم بأحد أمرين عهد إلى مدة وأمان مطلق فأما ذمة مؤبدة فلا، ودياتهم ديات المجوس ثمانمائة.

[ 157 ]

الرابع من كفر بعد إيمانه وهم المرتدون فهؤلاء لا يقرون على كفرهم بوجه لا بذمة ولا عهد ولا أمان مطلق، ودماؤهم هدر، وفي هذا المعنى أهل الحرب يعني من كان حربا لنا وليس بيننا وبينه عهد ولا عقد، على أي دين كانوا، وبأي دين تمسكوا فالكل على إباحة الدم الخامس من لم تبلغه الدعوة ولم يبلغه أن الله بعث رسولا قال بعضهم لا أظن أحدا لم تبلغه الدعوة إلا أن يكون قوم خلف الترك فهؤلاء المشركون لا يحل قتالهم ابتداء قبل العلم بالدعوة لكن إن بادر مبادر فقتل منهم فلا قود عليه بلا خلاف، والدية تجب عند قوم بقتله، وقال آخرون لا تجب الدية بقتله، وهدر دمه وهو الأقوى عندي لأن الأصل براءة الذمة. كل من جنى عليه جناية فيها أرش مقدر كال المقدر من ديته فدية المسلم مائة من الإبل وفي يده خمسون، وفي أصبعه عشر من الإبل وفي موضحته نصف عشر الدية خمس من الإبل والمرأة خمسون وفي يدها خمس وعشرون، وفي أصبعها عندهم خمس وفي موضحتها اثنان ونصف، وعندنا أنها تعاقل الرجل إلى ثلث الدية فيكون في أصبعها عشر من الإبل وفي ثلاث أصابع ثلثون، وفي أربع عشرون، فإذا فرضنا في المشركين فرضناها في الدراهم، فإنه أسهل، ففي واحد من أهل الكتاب عندنا ثمانمائة درهم، وعند بعضهم أربعة ألف، وفي يده عندنا أربعمائة وفي موضحته أربعون درهما وفي أصبعه ثمانون، والمرأة على النصف من دية المجوسي مثل ذلك وعندهم على هذا التدريج كل مشرك على قدر ديته على ما مضى من الخلاف. كل جناية لها في الحر أرش مقدر من ديته لها من العبد مقدر من قيمته، و ففي أنف الحر ولسانه وذكره ديته، وفي كل واحد منها في العبد قيمته، في يده نصف قيمته، وفي أصبعه عشر قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. فإذا تقرر هذا نظرت في الجناية، فإن كان قدرها قيمته كالأنف واللسان و الذكر واليدين والرجلين، وجب على الجاني ذلك ويتسلم العبد، وفي من وافقنا في

[ 158 ]

ذلك من قال يمسك السيد عبده ويطالب الجاني بكمال القيمة. وقال بعضهم سيده بالخيار بين أن يمسكه ولا شئ له وبين أن يسلمه ويأخذ كمال قيمته، فأما أن يمسكه ويطالب بقيمته فليس له ذلك، لأنه لو كان له ذلك لكنا جمعنا له بين البدل والمبدل، وهذا قريب من مذهبنا. إذا قتل حر عبد فقيمته في ذمته، وكذلك إن قطع أطرافه، وكذلك إن قتله عمد الخطاء عندنا، وإن قتله خطأ محضا فالقيمة على عاقلته عندنا، وكذلك أطرافه وقال قوم عليه في ماله، وكذلك القول في أطرافه سواء. وقال بعضهم بدل النفس على العاقلة، وبدل أطرافه على الجاني في ماله. لا يحمل على العاقلة ما كان عمدا محضا سواء كان عمدا لا قصاص فيه كقطع اليد من نصف الساعد أو المأمومة والجائفة، وكذلك إذا قتل الوالد ولده عمدا، وخالف بعضهم في الدية فيما لا قصاص فيه على العاقلة إلا إذا رمى الوالد ولده حذفا فإنه وفاق والدية عليه. إذا كان إنسان على شفير بئر أو حافة نهر أو جانب سطح أو قلة جبل فصاح به صائح صيحة شديدة فسقط فمات، فإن كان الذي صيح به رجلا عاقلا فلا شئ على الصائح، لأنه ما سقط من صحته وإنما وافقت سقطته صيحة هذا، وإن كان الذي سقط صبيا أو معتوها فعلى الصائح الدية والكفارة، لأن مثل هذا يسقط من شدة الصيحة، والدية على عاقلته، وهكذا لو كان جالسا في غفلة فاغتفله الصايح فصاح به مفزعا له فسقط، فمات فالدية على عاقلته، والكفارة في ماله. فأما إن صاح ببالغ فذهب عقله قال قوم لا شئ عليه، لأن البالغ العاقل لا يذهب عقله بصيحة يصاح به، وإن كان صبيا فذهب عقله فعلى عاقلته الدية، وإن شهر سيفه في وجه رجل فذهب عقله أو مات فلا شئ عليه ولو كان هذا صبيا فذهب عقله أو مات أو كان مجنونا فمات فالدية على عاقلته والكفارة في ماله، لأن مثل هذا يحصل بمثل هذا من هذا الصياح والتخويف.

[ 159 ]

ثم ينظر فإن كان فعله عمدا فالدية مغلظة في ماله عندنا، وعندهم على العاقلة وإن كان إنما صاح به خطأ فالدية مخففة على العاقلة بلا خلاف. فإن ذكرت امرأة عند الإمام بسوء فبعث إليها فماتت فلا شئ عليه، وإن كانت حاملا فأسقطت فالضمان على الإمام لإجماع الصحابة عليه، روي أن امرأة ذكرت عند عمر فأرسل إليها فأجهضت ما في بطنها، فقال للصحابة ما تقولون؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف إنما أنت مؤدب فلا شئ عليك، فقال لعلي عليه السلام ما تقول؟ فقال إن علموا فقد غشوك، وإن اجتهدوا فقد أخطأوا، عليك الدية، فقال لعلي عزمت عليك أن لا تقوم حتى تقسمها على قومك فهم قومي فأضافهم إليه انبساطا إليه وتقربا. إذا شهر سيفه في طلب رجل ففر من بين يديه فألقى نفسه من سطح أو جبل أو في بئر أو نار فهلك فلا ضمان على الطالب، لأنه إنما ألجأه إلى الهرب وما ألجأه إلى الوقوع، بل ألقى نفسه في مهلكة باختياره، فالطالب صاحب سبب والواقع مباشرة و متى اجتمعت مباشرة وسبب غير ملجئ فلا ضمان على صاحب السبب كالحافر والدافع فإن الضمان على الدافع دون الحافر. فإن كانت بحالها وكان المطلوب أعمى فوقع فالضمان على الطالب لأنه سبب ملجئ فإن الأعمى لم يعلم ذلك، ولا اختار إيقاع نفسه في مهلكة، وإذا كان السبب ملجئا تعلق الضمان بصاحب السبب كما لو حفر بئرا فوقع فيها أعمى، فعلى الحافر الضمان لأنه ألجأه إلى الوقوع، ويفارق إذا كان بصيرا لأنه ما ألجأه إلى الوقوع فلهذا لم يضمن. فوزان الأعمى من البصير أن يكون البصير وقع في بئر لم يعرفها أو انخسف السقف من تحته فوقع، كان الضمان على صاحب السبب لأنه ألجأه إليه، فكان كالأعمى سواء. وإذا طلب بصيرا فهرب منه فاعترضه سبع فقتله فلا ضمان على الطالب، سواء كان المطلوب بصيرا أو أعمى لأن السبع له قصد واختيار، فكان من الطالب سبب غير

[ 160 ]

ملجئ، ومن السبع المباشرة، فلا ضمان على سبب كالدافع والحافر سواء، فإن اضطره إلى مضيق مع السبع فعليه الضمان، لأن السبع يفترس في المضيق غالبا. لو رمى به من شاهق والغالب أنه إذا وقع على الأرض هلك، فاعترضه من تحته رجل بالسيف فقده بنصفين فهلك، قال قوم عليهما الضمان سواء لأنه قد حصل من كل واحد منهما ما يكون فيه التلف غالبا، فهو كما لو رمياه معا أو جرحاه معا فهلك، و قال آخرون الضمان على الثاني وحده، لأن الأول جان والثاني موجئ فهو كما لو جرحه الأول وذبحه الثاني، فإن الضمان على الثاني وحده. ويفارق إذا جرحاه معا لأن كل واحد منهما حصل منه سبب متلف واشتركا في الضمان، وههنا المتلف الثاني وحده، فإن الأول دفعه وهو صحيح وكان في سلامة ما لم يعترضه، فلهذا كان على الثاني، وهكذا إذا كان المدفوع ملكا لانسان كالعبد و البهيمة كان على هذين القولين والثاني أقوى. إذا جنت أم الولد كان أرش جنايتها على سيدها بلا خلاف إلا أبا ثور، فإنه قال أرش جنايتها في ذمتها يتبع به بعد العتق، فإذا ثبت أن عليه الضمان فالذي عليه أقل الأمرين من أرش جنايتها أو قيمتها، فإن كان الأرش أقل فليس للمجني عليه أكثر من أرش جنايته، وإن كان الأرش أكثر فليس عليه إلا القيمة لأنه هو القدر الذي هو قيمتها. وإن كانت الجناية من عبد قن فعند الفقهاء تعلق برقبة العبد دون السيد، فإن أراد أن يفديه فداه بأكثر الأمرين، إما أرش الجناية أو قيمته وعندنا مثل ذلك أم الولد سواء ومتى كان الأرش أكثر من قيمة أم الولد لم يلزمه أكثر من القيمة، فإذا غرم القيمة ثم جنت بعد هذا هل عليه الضمان أم لا؟ قال قوم عليه الضمان كلما جنت ولو ألف مرة، وقال آخرون لا يجب على السيد أكثر من قيمتها فإذا غرمها ثم جنت يشارك المجني عليه أولا فيكون قيمتها بينهما والأول هو الذي يقتضيه مذهبنا. ومن قال عليه أقل الأمرين كلما جنت، فلا كلام فتنظر إلى الأرش والقيمة

[ 161 ]

فيوجب على السيد أقل الأمرين، ومن قال لا يجب أكثر من قيمة واحدة، فعلى هذا متى غرم قيمتها فلا شئ عليه بعدها، ويكون المجني عليهم مشتركين في ذلك القدر أبدا وفيه ثلث مسائل: قيمتها ألف جنت جناية أرشها ألف على السيد كلها، فإن جنت مرة أخرى جناية أرشها ألف كان الثاني والأول مشتركين في الألف نصفين، فإن جنت ثالثا جناية أرشها ألف اشترك الثلثة في الألف أثلاثا. الثانية قيمتها ألفان جنت جناية أرشها ألف فأخذ من السيد ألف، فإن جنت ثانيا جناية أرشها ألف فعلى السيد أيضا لأنه ما غرم قيمتها، وهذا الألف تمام قيمتها فلا غرم عليه سواه، فإن جنت ثالثا جناية أرشها ألف اشترك الثلثة في قدر قيمتها، وهي ألفان، لكل واحد منهم ثلث الألفين، وعلى هذا أبدا. الثالث قيمتها ألف وخمسمائة، جنت جناية أرشها ألف فعلى السيد ذلك، فإن جنت ثانيا جناية أرشها ألف فليس على السيد إلا خمسمائة، وهي تمام القيمة ثم يشارك الأول والثاني في الألف وخمسمائة بالسوية، فالأول أخذ ألفا، والثاني خمسمائة فيأخذ الثاني من الأول مأتين وخمسين، ليكون مع كل واحد سبعمائة وخمسون كمال قيمتها نصفين. إذا اصطدم الفارسان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما نصف الدية لصاحبه، و الباقي هدر، وفيه خلاف. وإن كان إنسان جالسا على طريق فعثر به غيره عثرة يقتل مثلها الجالس، فماتا معا كان على عاقلة كل واحد منهما تمام الدية، والفرق بينهما أن كل واحد منهما مات بسبب انفرد به صاحبه، لأن الجالس قتله العاثر مباشرة، والعاثر مات بسبب كان من الجالس، فلهذا كان على عاقلة كل واحد منهما كمال دية صاحبه، فهو كما لو حفر بئرا في غير ملكه ثم جاء رجل فجرح الحافر وسقط الجارح في البئر فإن الجارح قتل الحافر مباشرة، والحافر قتل الجارح بسبب، وهكذا لو نصب سكينا في

[ 162 ]

غير ملكه وحفر آخر بئرا في غير ملكه فوقع الحافر على السكين فمات ووقع الناصب في البئر فمات، فعلى عاقلة كل واحد منهما كمال دية صاحبه، لأنه مات بقتل انفرد صاحبه به، وليس كذلك مسألة الصدمة لأن كل واحد منهما مات بفعل اشتركا فيه، فلهذا لم يكن على عاقلة كل واحد منهما كمال دية صاحبه، كما لو جرح نفسه وجرحه غيره. ولا فصل بين أن يكونا بصيرين أو أعميين أو أحدهما أعمى والآخر بصيرا، لأنه إن كانا أعميين فالقتل خطأ من كل واحد منهما بلا إشكال، فعلى عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه مخففة، وإن كانا بصيرين فإن كان ذلك خطأ فهما كالأعميين وقد مضى. وإن كان من كل واحد منهما على وجه القصد والعمد، قال قوم هو شبه العمد لأن الصدمة لا يكون منها القتل غالبا فيكون على عاقلتهما الدية مغلظة، وقال بعضهم يكون ذلك عمدا محضا فوجب القود، فعلى هذا في تركة كل واحد منهما نصف دية صاحبه حالة مغلظة وهو الصحيح عندنا. فأما إذا مات الفرسان فعلى كل واحد منهما نصف قيمة دابة صاحبه، فإن كانت القيمتان سواء تقاصا، وإن اختلفا فإنهما يتقاصان ويتردان الفضل، ولا يكون ضمان القيمة على العاقلة لأن العاقلة لا يعقل البهايم، وأما الديتان فعليهما إن كان خطأ على ما بيناه، ولا يجئ أن يتقاصوا إلا أن تكون العاقلة ترث كل واحد منهما فإنهما يتقاصان. ولا فرق بين أن يكونا على فرسين أو بغلين أو حمارين، أو أحدهما على فرس و الآخر على بغل أو حمار أو كان أحدهما على فيل والآخر على فرس أو جمل، لأنهما اشتركا في الجناية فكانا في الضمان سواء، كما لو جرح أحدهما رجلا مائة جرح وجرح نفسه أو غيره جرحا واحدا فمات كانا في الضمان سواء، وإن اختلفا في أرش الجناية. ولا فصل بين أن يكونا مقبلين أو مدبرين، أو أحدهما مقبلا والآخر مدبرا، لأن الاعتبار بحصول الاصطدام ولا فصل بين أن يكونا مكبوبين أو مستلقيين أو أحدهما

[ 163 ]

مكبوبا والآخر مستلقيا، وقال بعضهم إن كان أحدهما مكبوبا والآخر مستلقيا فالمكبوب هو القاتل وحده، والمستلقي مقتول فعلى عاقلة المكبوب كمال دية المستلقي. وإذا كانا ماشيين أو أحدهما راكبا والآخر ماشيا فالحكم مثل ذلك، ويتصور المسألة إذا كان الماشي طويلا والراكب على شئ قصير حتى يقع الاصطدام بينهما في أبدانهما والحكم في الضمان على ما مضى. فإذا تقرر هذا لم يخل المصطدمان من ثلثة أحوال إما أن يكونا حرين أو عبدين أو أحدهما حرا والآخر عبدا، فإن كانا حرين فإن كانا كبيرين فقد مضى الحكم فيهما وإن كانا صغيرين، فإن كان الركوب منهما فالحكم فيه كما لو كانا كبيرين على عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه، وإن كان الولي هو الذي أركبهما فالحكم فيه كما لو كانا بأنفسهما، لأن للولي ذلك لأنه من الأدب وله تعليمهما، وإن أركبهما أجنبيان فعلى عاقلة كل واحد من المركبين نصف دية الصغيرين معا، لأنه فعل ما ليس له فعله، فلا يهدر شئ من دم الصغيرين، لأن كل واحد منهما وإن مات بفعله وفعل صاحبه، فما قابل فعل نفسه لا يهدر، لأن سبب ذلك وقع من المركب له، فصار مفرطا فيه، فلذلك كان الضمان عليه. فإذا ثبت ذلك، فإن عاقلة كل واحد من المركبين إنما يضمن مثل ما يضمن عاقلة صاحبه، سواء كان الصغيران مسلمين أو كافرين، أو أحدهما مسلما والآخر كافرا لأنه إن كانت الديتان كاملتين أو ناقصتين فعلى عاقلة كل واحد منهما نصف الديتين، فإن كانت إحداهما ناقصة والأخرى كاملة فكذلك أيضا لأن عاقلة كل واحد منهما يعقل نصف دية كاملة ونصف دية ناقصة، فلهذا قلنا لا يضمن إحدى العاقلتين أكثر من الأخرى. هذا إذا كانا ذكرين فأما إن كان المصطدمان امرأتين نظرت، فإن كانتا حائلتين فهما كالرجلين وإن كانتا حاملتين فأسقطت كل واحدة منهما جنينا ميتا فعلى عاقلة كل واحدة منهما نصف دية الجنينين معا لأن كل واحدة منهما قتلت جنينها هي وصاحبتها والمرأة إذا قتلت جنينها فالدية على عاقلتها فأوجبنا على عاقلة كل واحدة منهما نصف

[ 164 ]

دية الجنين، كالمركبين الصغيرين إذا كان المركبان أجنبيين وعندنا أن دية الجنين عليهما في مالهما خاصة، فعلى هذا يلزم كل واحدة منهما نصف دية الجنين في مالها. وأما إذا كانا عبدين هدرت قيمة كل واحد منهما لأنه مات من فعله وفعل صاحبه، فما قابل فعل نفسه هدر، وما قابل فعل غيره مضمون، وهو نصف القيمة، إلا أن محل تعلق نصف القيمة رقبة العبد الجاني وقد هلكت الرقبة، فبطل محل تعلق القيمة كما لو قتل عبد عبدا تعلقت قيمته برقبته، فإن هلكت سقطت القيمة لفوات محلها. وإن مات أحدهما قبل صاحبه تعلق نصف القيمة برقبة الباقي منهما يباع فيها، فإن كان هلك قبل ذلك سقطت القيمة لفوات محلها وهذا الميت آخرا مات بسبب كان منه ومن الذي مات أولا، فاقتضى أن يتعلق نصف قيمته برقبة الميت أولا، فلما مات بعد ثبوت الأول بطل محل الحق قبل موت الثاني، فلهذا هدرت قيمته. فأما إن كان أحدهما حرا والآخر عبدا قدمنا الكلام فيه إذا مات أحدهما قبل صاحبه، فإنه أوضح ينظر فيه فإن مات العبد أولا وجب نصف قيمته لأنه هلك من فعله وفعل غيره، وكان ما قابل فعل نفسه هدرا وأين يجب نصف القيمة؟ قال قوم على عاقلة الحر وقال آخرون في ذمته، وأين وجب كانت لسيد العبد يستوفيها منه. وأما إن مات الحر أولا وجب بموته نصف ديته لما مضى، وكان هذا النصف متعلقا برقبة العبد يباع فيها، فإن كانت قيمة العبد مثل نصف الدية استوفى ذلك من ثمنه، وإن كانت قيمته أقل من نصف الدية فليس لمن وجبت له نصف الدية إلا قيمة العبد، وما زاد على ذلك هدر، وإن كانت قيمته أكثر من نصف الدية بيع منه بقدر نصف الدية وكان الباقي لسيده. فإن هلك هذا العبد نظرت فإن مات حتف أنفه سقط ما كان متعلقا برقبته إلى غير بدل وإن قتله قاتل وجبت عليه قيمته، ويحول ما كان متعلقا برقبته إلى قيمته، ويستوفى ممن وجبت القيمة عليه.

[ 165 ]

فأما إن ماتا معا منه، وجب بموت العبد نصف قيمته، وهل يجب على عاقلة الحر أو تركته؟ قال قوم على عاقلته وقال آخرون على ماله، ويكون ذلك لسيده وقد وجب بموت الحر نصف ديته، وكان من سبيلها أن تكون متعلقة برقبة العبد ولكنها تحولت إلى قيمته لأن العبد إذا جنى فتعلق أرش الجناية برقبته فمتى قتله قاتل يحول أرش الجناية إلى قيمته، كذلك هيهنا، قد قتل الحر فوجب تعلق نصف الدية بنصف قيمته لورثة الحر فقد وجب لسيد العبد نصف قيمة عبده، ووجب لورثة الحر نصف الدية متعلقة بنصف قيمة العبد، فينظر فيه. فإن كان نصف الدية ونصف القيمة سواء فمن قال نصف قيمة العبد في تركة الحر فقد وجب ذلك لسيده، ووجب لورثة الحر نصف الدية متعلقة بنصف القيمة فيتقاصان لأنه لا معنى لأن يستوفي السيد من تركة الحر نصف قيمة عبده، ثم يسترده وارث الحر منه، ومن قال نصف قيمة العبد على عاقلة الحر قال إن كان وارث الحر هو العاقلة تقاصا على ما مضى، وإن كان الوارث غيره فالسيد يستوفي نصف القيمة من العاقلة ثم وارثه يستوفي نصف الدية من السيد، ولا يبقى للسيد شئ. فأما إن كان نصف القيمة أقل من نصف الدية فالقدر الذي يقابل من ذلك نصف قيمة العبد، الحكم فيه كما لو كان نصف القيمة ونصف الدية سواء، وما فضل من نصف الدية على نصف القيمة هدر، لأنه لم يبق للفضل محل يتعلق به. وإن كان نصف القيمة أكثر من نصف الدية عندنا لا اعتبار بالزيادة، ولا يلزم الحكم على ما مضى، وفيهم من قال الفضل للسيد فمن قال يتعلق نصف قيمة العبد بتركة الحر استوفاه السيد منها، ومن قال على العاقلة قال يستوفي السيد من العاقلة. إذا كانوا عشرة فرموا حجرا بالمنجنيق فقتل الحجر واحدا لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون واحدا منهم أو من غيرهم، فإن كان من غيرهم فقد اشتركوا في قتله، فهو كما لو جرحه كل واحد منهم جرحا فمات فإن كان الرامي خطأ فعلى عاقلة كل واحد منهم عشر ديته مخففة.

[ 166 ]

وإن كانوا عامدين لقتله وقصدوه بعينه، قالوا يكون عمد الخطاء ولا يكون قتل المنجنيق عمدا بوجه لأنه لا يمكن قصد رجل بعينه بالقتل غالبا وإنما يتفق وقوعه على رجل فلا يكون عمدا محضا فالقود ساقط، والدية مغلظة على عاقلة كل واحد منهم عشرها، ويقوى في نفسي أن يكون ذلك عمدا محضا يوجب القود فإن قلنا عمد الخطاء فالدية في ما لهم خاصة على ما تقرر. فأما إن كان واحدا منهم فقد مات بجنايته على نفسه، وجناية التسعة عليه، فما قابل جنايته على نفسه هدر، وما قابل جناية التسعة مضمون فعلى عاقلة كل واحد من التسعة عشر ديته، فيكون لوارثه تسعة أعشار الدية. وإن قتل الحجر اثنين منهم فعلى عاقلة كل واحد من الميتين عشر دية صاحبه لأنه مات من جنايته على نفسه وجناية التسعة عليه، والميت أحد التسعة وعلى عاقلة كل واحد من الباقين عشر دية كل واحد من الميتين، فيكون عاقلة كل واحد من الثمانية تعقل خمس الدية: العشر لوارث هذا الميت، والعشر لوارث الميت الآخر، فيحصل لورثة كل واحد من الميتين تسعة أعشار الدية، وهكذا على هذا الحساب إن قتل الحجر ثلثة أو أربعة أو سبعة. فأما إن رجع الحجر على العشرة فقتلهم أجمعين، فعلى كل واحد منهم تسعة أعشار الدية لورثة كل ميت العشر، لأن كل واحد منهم مات من جنايته على نفسه وجناية التسعة عليه، فما يقابل جنايته هذر، وما قابل جناية التسعة عليه مضمون فيكون على عاقلة كل واحد من الباقين عشر ديته فيكون لورثة كل واحد منهم تسعة أعشار الدية على تسع عواقل، وهذا الضمان يتعلق بمن مد الحبال ورمى بالحجر دون من وضع الحجر أو أمسك الخشب، لأن المباشرة منهم دون غيرهم كمن جعل سهما في قوس رجل فنزع صاحب القوس ورما به فالضمان على الرامي دون من وضع السهم في القوس، فأما من أمسك الخشب فلا دخل له في الرمي. إذا كان الرجل واقفا فجاء رجل آخر فصدمه فماتا معا فدية المصدوم على عاقلة

[ 167 ]

الصادم، لأنه انفرد بقتله، فهو كما لو جرحه فقتله، وعندنا أن الدية عليه في ماله خاصة وأما دية الصادم فهل هدرت أم لا لم يخل المصدوم من أحد أمرين إما أن يكون واقفا في ملكه أو في غير ملكه: فإن كان واقفا في ملكه فدية الصادم هدر، لأنه فرط بدخول ملك غيره، فهو كما لو حفر ذلك الغير بئرا في ملكه فدخل الصادم فوقع فيها فمات، فلا ضمان على الحافر، وسواء كان المصدوم واقفا في ملكه أو جالسا أو مضطجعا الباب واحد. وإن كان المصدوم واقفا في غير ملكه نظرت، فإن كان في موضع واسع كالصحراء أو الطريق الواسع فالحكم فيهما كما لو كان واقفا في ملكه، وقد مضى، لأن له أن يقف في الموضع الواسع كما يقف في ملكه، فأما إن انحرف المصدوم ههنا واستقر ثم صدمه الآخر فهو كالواقف ودية الصادم هدر، وإن انحرف المصدوم فوافقت الصدمة انحرافه، فوقع الصدم والانحراف معا وماتا معا فعلى كل واحد منهما نصف دية صاحبه، لأنه مات من جنايته على نفسه وجناية الآخر عليه لأن انحرافه فعل منه. فأما إن كان واقفا في موضع ضيق وهو أن وقف في طريق ضيق للمسلمين فصدمه ههنا وماتا معا فدية الصادم مضمونة لأنه تلف بسبب فرط فيه الواقف، وذلك أنه وقف في موضع ليس له أن يقف فيه كما إذا جلس في طريق ضيق فعثر به آخر فماتا فعلى عاقلة الجالس كمال دية العاثر لأنه مات بسبب كان منه وهو جلوسه، ولا فصل بين أن يكون جالسا وبين أن يكون واقفا فصدمه، فإن أحدهما مات بسبب والآخر بالمباشرة. ويفارق هذا إذا اصطدما حيث قلنا على عاقلة كل واحد منهما نصف الدية لأن كل واحد منهما مات بفعله وفعل صاحبه وههنا مات كل واحد منهما بفعل انفرد به صاحبه. ويفارق أيضا إذا كان واقفا في موضع واسع لأنه غير مفرط فهدر دم الصادم وههنا فرط.

[ 168 ]

فإذا تقرر هذا ففي مسألة الجالس قال قوم إنها مضمونة وقال آخرون إنها غير مضمونة، والأول أقوى. إذا اصطدمت السفينتان فتكسرتا وهلكتا وما فيهما، لم يخل من ثلثة أحوال إما أن يكون القائمان بهما مفرطين أو لم يفرطا أو فرط أحدهما دون الآخر فإن كانا مفرطين مثل أن أمكنهما الحبس والامساك بطرح الأنجر وهي الحديدة الثقيلة كأنها صليب أو بالرجال أو أمكن صرفها عن سمت الاصطدام فلم يفعل، أو كان هناك نقصان رجال أو نقصان آلة فكله تفريط. فإذا اصطدمتا لم يخل ما فيهما من أحد أمرين إما أن تكون أموالا أو غيرها، فإن كانت أموالا كالذهب والفضة والعبيد والبهائم والأثاث والمتاع، نظرت فإن كان القايم بهما مالكا كل واحد منهما قائم في ملكه وما فيها ملكه ضمن كل واحد منهما نصف سفينة صاحبه بما فيها، والباقي هدر، كما قلنا في اصطدام الفارسين إذا ماتت الدابتان كل واحد منهما يضمن نصف قيمة دابة صاحبه، وهكذا إذا اصطدم الرجلان و ومع كل واحد منهما زجاج فتكسر أو كان معهما بيض فتكسر. وإن كان القيم بهما غير مالكين مثل أن كانا أجيرين أو استأجرا السفينتين أو استؤجرا للعمل فيها، ضمن ههنا كل واحد منهما نصف السفينتين، لأن التلف منهما والملك للغير. هذا إذا كان فيهما أموال فأما إن كان فيهما أحرار، فلا فصل في هذا بين أن يكون القيم بهما مالكين أو أجيرين الباب واحد، ينظر فيه، فإن كانا عامدين وقيل إن هذا يتلف غالبا فعليهما القود لأنهما قد اشتركا في قتل من كان في السفينتين عمدا، يقرع بينهما فمن خرجت قرعته قتل به، ويكون دية الباقين في تركتهما حالة مغلظة لأنهما عن عمد محض، وعندنا إذا قتل سقط حق الباقين على ما مضى. وإن قيل قد يقتل هذا وقد لا يكون منه التلف فهو شبه العمد، فتجب الدية على عواقلهما مغلظة مؤجلة على عاقلة كل واحد منهما نصف ديات القتلى وعندنا في

[ 169 ]

أموالهما وأما الكفارة في أموالهما على كل واحد منهما بعدد كل القتلى كفارات. هذا إذا كان القيم بهما حرين فأما إن كانا عبدين لغير مالك السفينة، فالحكم في العبدين كالحكم في الحرين حرفا بحرف، في جميع ما قلناه إلا في فصل، وهو محل الضمان، فإن الديات وقيمة المتلف كلها يتعلق برقبة العبد، وفي الحر بخلافه، تكون الدية على عاقلة الحر وفي المملوك رقبة العبد. فأما إن اصطدمتا من غير تفريط وهو أن تسير السفينتان بعدة وافية من رجال وآلة وعدل بهما عن سمت الاصطدام فهاجت الريح وغلب الموج وخرج الأمر عن أيديهم وقهرتهم الريح فاصطدمتا وتكسرتا قال قوم عليهما الضمان وقال آخرون لا ضمان عليهما وهو الأقوى عندي فمن قال عليهما الضمان فالحكم فيه كما لو كانا مفرطين وقد مضى، وتكون الدية ههنا مخففة مؤجلة على عاقلتهما والكفارة في أموالهما، ومن قال لا ضمان فلأن التلف كان من غير تفريط وفيها أربع مسائل. الأولى إذا كانت السفينتان وما فيهما لهما، فلا ضمان على واحد منهما، فإن ما قابل جنايته على ماله هدر، وما قابل جنايته على مال غيره مضمون. الثانية كانت السفينتان معهما بأجرة وكان ما فيهما من الأموال ودائع ومضاربات فلا ضمان أيضا لأن جميع ذلك لا يضمن إلا بالتفريط. الثالثة كانت السفينتان معهما بأجرة، وما كان فيهما من الأموال حملاها بأجرة إلى بلد، فعلى هذا كل واحد منهما أجير مشترك فالسفينتان لا ضمان عليهما لأنهما معهما بأجرة وأما الأموال فإن كانت يد أصحابها عليها فلا ضمان أيضا لأن الأجير المشترك لا يضمن ما يعمل فيه إذا كانت يد صاحبه عليه، وإن لم يكن يد صاحبه عليه قال قوم يضمن وقال آخرون لا يضمن، وهو مذهبنا لأنهما ما فرطا. الرابعة لم تكن السفينتان معهما بأجرة بل جعل المتاع فيهما أصحاب المتاع، واستؤجرا ليسير أنهما من مكان إلى مكان، فكل واحد منهما أجير مشترك في السفينة والمتاع معا فيكون على ما فصلناه.

[ 170 ]

فأما إذا كان أحدهما مفرطا والآخر غير مفرط، فحكم المفرط بمنزلة أن لو كانا مفرطين حرفا بحرف وقد مضى، وحكم غير المفرط بمنزلة أن لو كانا غير مفرطين في جميع ما ذكرناه من المسائل الأربع، وقد مضى، فكل موضع قلنا مفرط فعليه الضمان وكل موضع قلنا غير مفرط فإنه لا ضمان عليه. فإن اختلف قيم السفينة ورب المال، فقال رب المال فرطت وأنكر القيم فالقول قول القيم مع يمينه، لأنه أمين قد ادعى عليه التفريط مثل المودع. وإذا اصطدمتا فانكسرت إحداهما فالحكم كما لو تكسرتا معا في هذه المكسورة على ما فصلناه من التفريط وغيره. وإن شدت سفينة بشاطئ البحر واقفة عن السير فوافت سفينة سايرة فصدمتها وكسرتها وهلك ما فيها، فإنه غير مفرط فينظر فيه، فإن كان فيها ودايع ومضاربات فلا ضمان لأنه غير مفرط وكذلك إن كان فيها رجال فلا ضمان. وأما إن كان فيها أموال فحملها بكري فهذا أجير مشترك، فعلى ما مضى من الخلاف وأما السفينة الصادمة فإن كان القيم بها مفرطا فعليه الضمان، وإن لم يكن مفرطا قال قوم يضمن، وقال آخرون لا يضمن وهو مذهبنا. إذا كانوا في سفينة فثقلت ونزلت في الماء وخافوا الهلاك والغرق فألقى بعض ما فيها لتخف رجاء للسلامة ففيها ثلث مسائل: الأولى إذا ألقى بعضهم متاع نفسه فلا ضمان على أحد سلموا من ذلك أو لم يسلموا لأنه اختار إتلاف ماله لغرض له فيه. الثانية أخذ مال غيره فألقاه في البحر بغير إذن صاحبه، فعليه ضمانه، سلموا أو لم يسلموا، لأنه أتلف مال غيره بغير إذنه من غير أن يلجئه صاحب المال إليه كما لو أتلف غير هذا المال. الثالثة قال واحد منهم لبعض أرباب الأموال ألق متاعك في البحر ليخف عنا ما نحن فيه، فقبل منه فلا ضمان على من سأله، سواء نجوا أو هلكوا لأنه استدعى

[ 171 ]

منه إتلاف ماله من غير عوض ضمنه له، كما لو قال له أعتق عبدك فأعتق أو طلق زوجتك فطلق فلا شئ عليه وإذا قال له ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، فألقاه فإن عليه ضمانه بلا خلاف إلا أبا ثور، فإنه قال لا ضمان عليه، لأنه ضمان ما لم يجب. فأما إذا لم يخافوا الغرق وقال لغيره ألق متاعك في البحر ففعل، لا يلزمه بلا خلاف، وكذلك إذا قال له حرق ثيابك وعلي ضمانه، لا يلزمه بلا خلاف وإنما لزمه في الأول لأن له فيه غرضا من نجاة نفسه وما معه، وإذا قال له ألق متاعك في البحر على أني وركبان السفينة ضمناء فألقاه قال بعضهم ضمنه دونهم، وقال آخرون إنما يضمن ما يخصه، فأما أن يكون عليه ضمان جميع المتاع فلا. والأولى أن يبين أولا الضمان في حق الجماعة، وجملته أنه على ضربين ضمان اشتراك وضمان اشتراك وانفراد. فضمان الاشتراك مثل أن يكون على رجل ألف فقال عشرة أنفس لمن له الألف ضمنا لك الألف التي لك على فلان، فيكون جميعهم ضمناء، وكل واحد منهم ضامن لعشر الألف، فله أن يطالبهم بالألف معا، ويطالب كل واحد بعشر الألف كما لو وكلهم في بيع عبد أو أوصي إليهم في تركته أو باعهم عبدا فقتلوه أجمعون. الضرب الثاني ضمان اشتراك وانفراد مثل أن يقول ضمنا لك وكل واحد منا الألف الذي لك على فلان، فيكون الجميع ضمناء لكله وكل واحد منهم ضامن لكله فأما إن قال واحد من العشرة ضمنت لك أنا وأصحابي مالك على فلان، وسكت أصحابه وما كانوا وكلوه بذلك ضمن هو عشر الألف لأنه لم يضمن الكل، وإنما يضمن بالحصة. فإذا تقرر هذا كان إلقاء المتاع في البحر على هذا، فإن كان الضمان ضمان اشتراك ضمن كل واحد ما يخصه وإن كان ضمان اشتراك وانفراد ضمن كل واحد منهم كل المتاع، وإن كان قال ألقه على أني وركبان السفينة ضمناء، فسكتوا ضمن بالحصة أيضا وإن قال على أني وكل واحد منهم ضامن ضمن الكل، وإن قال

[ 172 ]

على أني وهم ضمناء وقد ضمنت بإذنهم فأنكروه ضمن دونهم، وإن قال على أني أؤديه من مالهم ضمن دونهم. وإن قال أنا ألقيه وأخذه فألقاه قال قوم يضمن الكل وهو الأقوى، وقال غيرهم بالحصة. إذا خرق السفينة فغرق ما فيها نظرت، فإن كان كله مالا متاعا ونحوه فعليه ضمانه، سواء كان ذلك عمدا أو خطأ، أو عمد الخطاء، وإن كان ما فيها أحرارا فإن كان خرقه عمدا محضا، مثل أن قلع منها لوحا وقيل يغرق غالبا وهو إن كانت في لجة البحر بعيدة من الشط فهو عمد محض عليه القود كما لو قتلهم مباشرة أجمعين. وإن كان خطأ محضا مثل أن كان في يده فأس أو حجر فسقط فيها فانخرقت فالدية مخففة مؤجلة على عاقلته، والكفارة في ماله، وإن كان عمد الخطاء مثل أن أخذ الفاس ليصلح موضعا فقلع لوحا ليدخل غيره أو يصلح مسمارا فانخرقت فهو عمد الخطاء لأنه عمد في فعله وأخطأ في قصده، فالدية مغلظة عندنا في ماله، وعندهم على العاقلة مؤجلة والكفارة في ماله بلا خلاف. إذا تجارح رجلان فجرح كل واحد منهما صاحبه فقال أحدهما أنه لا ضمان عليه وادعى أنه جرح صاحبه دفعا عن نفسه، وأنكر الآخر، فالقول قول المنكر، لأن الظاهر حصول الجناية وهو يدعي الاسقاط، فكان القول قوله. إذا سلم ولده إلى السابح ليعلمه السباحة فغرق ضمنه لأنه تلف بالتعليم، فهو كما لو ضرب المعلم الصبي على التعليم فمات، ولأنه فرط فيه لأنه كان من سبيله أن يحتاط في حفظه وإحكام شكوته وملازمة رجله، فإذا لم يفعل فقد فرط فعليه الضمان، وهو عمد الخطاء، يكون الدية مغلظة مؤجلة في ماله عندنا وعندهم على العاقلة والكفارة في ماله. فإن كان المتعلم للسباحة كبيرا فإنه لا ضمان عليه بحال، لأن البالغ العاقل متى غرق في تعلم السباحة فهو الذي ترك الاحتياط في حق نفسه، فلا ضمان على غيره.

[ 173 ]

(فصل) (في العاقلة) اختلفوا في معنى تسمية أهل العقل بأنهم عاقلة، منهم من قال العقل اسم للدية وعبارة عنها، وسمي أهل العقل عاقلة لتحملهم ذلك، يقال عقلت عنه إذا تحملتها عنه، وعقلت له إذا دفعت الدية إليه، ومنهم من قال إنما سميت بالعاقلة لأنها مانعة والعقل المنع، وذلك أن العشيرة كانت تمنع عن القاتل بالسيف في الجاهلية، فلما جاء الاسلام منعت عنه بالمال، فلهذا سميت عاقلة، وقال أهل اللغة العقل الشد، و لهذا يقال عقلت البعير إذا ثنيت ركبته وشددتها، وسمي ذلك الحبل عقالا فسمي أهل العقل عاقلة لأنها تعقل الإبل بفناء ولي المقتول والمستحق للدية، يقال عقل يعقل عقلا فهو عاقل وجمع العاقل عاقلة، وجمع العاقلة عواقل، والمعاقل جمع الديات وأي هذه المعاني كان، فلا يخرج أن معناه هو الذي يضمن الدية وبذلها لولي المقتول وأجمع المسلمون على أن العاقلة تحمل دية الخطأ إلا الأصم فإنه قال على القاتل، وبه قالت الخوارج ودية عمد الخطأ عندنا في مال القاتل مؤجلة سنتين مغلظة، وعند بعضهم على العاقلة مغلظة حالة عنده، ودية القتل إذا كان خطأ مخففة في ثلاث سنين في كل سنة ثلثها بلا خلاف إلا ربيعة، فإنه قال خمس سنين. والعاقلة كل عصبة خرجت عن الوالدين والمولودين، وهم الإخوة وأبناؤهم و الأعمام وأبناؤهم وأعمام الجد وأبناؤهم وأعمام الأب وأبناؤهم والموالي، و قال بعضهم يدخل الوالد والولد فيها، ويعقل للقاتل، والأول أقوى عندي، لما روي من قصة أمير المؤمنين عليه السلام والزبير حيث تنازعا ميراث موالي صفية فقال أمير المؤمنين نحن نعقل ونرث. فإذا ثبت أن الولد لا يعقل فلا فصل بين أن يكون ولدها ابن عمها أو لا يكون ابن عمها، فإنه لا يعقل عنها، وإن قلنا أنه يعقل من حيث إنه ابن عم كان قويا

[ 174 ]

فأما القاتل فلا يدخل في العقل بحال مع وجود من يعقل من العصبات وبيت المال، و قال بعضهم القاتل كأحد العصبات يعقل مثل ما يعقل واحد منهم، والأول أقوى. وقال بعض أصحابنا إن العاقلة ترجع على القاتل بالدية، ولست أعرف به نصا ولا قولا لأحد، فإذا تقرر أن العاقلة من خرج عن الوالدين والمولودين، فإنه يبدأ بالأقرب منهم فالأقرب على ترتيب الميراث، فلا يلزم ولد أب، وهناك من هو أقرب، فالأقرب الإخوة ثم أبناؤهم ثم الأعمام ثم أبناؤهم ثم أعمام الأب ثم أبناؤهم ثم أعمام الجد ثم أبناؤهم، فإذا لم يبق أحد من العصبات فالمولى، فإذا لم يكن مولى فبيت المال، وأكثر ما يحمله كل رجل من العاقلة نصف دينار إن كان موسرا وربع دينار إن كان متجملا لأن هذا القدر لا خلاف فيه وما زاد عليه ليس عليه دليل، والأصل براءة الذمة. فإن كان له أخ والعقل دينار فعليه نصف دينار والباقي في بيت المال فإن كان له أخوان فعلى كل واحد منهما نصفه، فإن كان له أخ وابن أخ فعلى كل واحد منهما نصفه، فإن كان العقل دينارين وله أخ وابن أخ وعم وابن عم فعلى كل واحد منهم نصف دينار، وإن كان العقل خمسة دنانير وله عشرة إخوة فعلى كل واحد نصف دينار، وإن كان له خمسة إخوة وخمسة أعمام فعلى كل واحد منهم نصف دينار، و على هذا أبدا. فإن اجتمع له أخوان فإن كانا لأب أو لأب وأم فهما سواء، وإن كان أحدهما لأب والآخر لأب وأم قال قوم هما سواء لأنهما تساويا في القرابة وانفرد أحدهما بالأم، ولا مدخل لها في العقل، وقال آخرون إن الأخ للأب والأم ثم الأخ للأب لأنه يدلي بأم والادلاء بالأم كالتقدم بدرجة بدلالة أنه أولى بالميراث، و هو الأقوى الذي يليق بمذهبنا. فإذا ثبت أنها على العاقلة فلا فصل بين أن يكون القاتل من أهل الديوان أو لم يكن من أهله، فإن الدية عن عصبته لا تتحول، والديوان أن يدون الإمام

[ 175 ]

الدواوين فيجعل لكل طايفة فرقة، ويجعل على كل فرقة عريفا يقبض لهم العطاء و يفرقه فيهم، ويكون قتالهم في موضع واحد، وقال بعضهم الدية على أهل الديوان دون العصبات، والأول مذهبنا. فإذا ثبت ذلك، فإن كانوا رجالا عقلوا، فأما النساء والصبيان والمجانين فلا عقل عليهم بلا خلاف، وأما الشباب الضعفي والزمني والشيوخ الذين لا قوة لهم ولا نهضة فيهم، فهم من أهل العقل، لأنهم من أهل النصرة بوجه، لأنه وإن لم يكن فيه نصرة بالسيف ففيهم نصرة بالرأي والمشورة. قد قلنا إن الدية مؤجلة على العاقلة في ثلث سنين فأما ابتداء المدة فعند قوم من حين وجوب الدية: حكم الحاكم بابتدائها أو لم يحكم، وقال قوم ابتداء المدة من حين حكم الحاكم، والذي يقتضيه مذهبنا الأول. وأما بيان وقت الابتداء فجملته أن الجناية لا يخلو من أحد أمرين إما أن تكون نفسا أو دون النفس، فإن كانت نفسا لم تخل من أحد أمرين إما أن يكون القتل يوجبه أو بالسراية فإن كان يوجبه مثل أن رماه بسيف فوسطه أو قطع الحلقوم والمري أو رمى سهما إلى طائر، فأصاب إنسانا فقتله في الحال، فالمدة من حين الموت، لأن الابتداء من حين الوجوب، والوجوب بالموت، فكان الابتداء من ذلك الوقت. وإن كان بالسراية مثل أن جرحه فلم يزل زمنا حتى مات فابتداء المدة من حين الموت أيضا لا من حين الجرح، لأن الطرف إذا صار نفسا كان تبعا لها، ودخل أرشه في بدلها، فكان الاستقرار بالموت، والوجوب حينئذ، فلهذا كان الابتداء من حين الموت. وإن كانت دون النفس لم تخل أيضا من أحد أمرين إما أن يندمل بغير سراية أو بعد السراية، فإن اندملت من غير سراية مثل أن قطع أصبعه ثم اندملت بعد شهر فابتداء المدة من حين القطع لا من حين الاندمال، لأن الوجوب حين القطع، وما زاد بالاندمال شئ، وإنما استقر به المقدار فلا يراعى وقته ألا ترى أنه لو قطع يد يهودي

[ 176 ]

ثم أسلم ثم اندملت كان فيها دية يد يهودي اعتبارا بحال الجرح. وإن كان الاندمال بعد السراية مثل أن قطع أصبعه فسرى إلى الكف وسقط واندملت بعد مدة فابتداء المدة من حين الاندمال لا من حين القطع، ولا من حين سقطت اليد لأن الاعتبار فيما يكون منه بالسراية بحال الاستقرار، وحال الاستقرار بعد الاندمال، فهو كالسراية إلى النفس. ويفارق إذا اندملت من غير سراية لأن بالاندمال بان الاستقرار فيما وجب بالقطع، وليس كذلك إذا سرت لكنا لا نعلم الاستقرار ولا أرشه إلا بالاندمال فلهذا روعي الاندمال. فإذا ثبت ابتداء المدة، فالكلام بعد هذا فيما يحل بانقضائها، وجملته أن الأرش لا يخلو من ثلثة أحوال إما أن يكون دية أو دونها أو أكثر منها، فإن كان دية حل عند انقضاء كل حول منها ثلثها لأنا قدرنا أنها في ثلاث سنين، فإذا انقضت السنة الثالثة استوفا الثلث الثالث. وإن كان دون الدية فإن كان ثلث الدية فما دون كالجائفة أو الحارصة كان الاستيفاء عند انقضاء الحول، لأن العاقلة لا تعقل حالا، وإن كان أكثر من الثلث دون الثلثين حل الثلث عند انقضاء السنة الأولى، والباقي عند انقضاء السنة الثانية وإن كان أكثر من الثلثين ودون الدية كان الثلث الأول عند انقضاء الأولى والثلث الثاني عند انقضاء الثانية والباقي عند انقضاء الثالثة، وإن كان أكثر من الدية مثل أن قطع يدين وقلع عينين، فإن كان المستحق له اثنين حل على العاقلة لكل واحد منهما ثلث الدية، وإذا انقضت ثلث سنين استوفي من العاقلة. وإن كان المستحق واحدا لم يجب له على العاقلة في كل سنة أكثر من ثلث الدية، لأن العاقلة لا تعقل لواحد أكثر من هذا في كل حول، فيكون الواجب عليهم له سدس من دية العينين، وسدس من دية اليدين فإذا مضت ست سنين فقد استوفى الديتين معا. من كان من أهل الإبل إذا حال عليهم الحول والإبل موجودة عندهم قبضنا منها

[ 177 ]

وإن لم تكن عندهم وكانت موجودة في البلد فعليهم الإبل يجمعون ما على كل واحد منهم ويشترون به الإبل، فإن أعوزت الإبل فلم تكن موجودة في البلد، أو كانت موجودة لكن بأكثر من ثمن المثل انتقلوا عنها إلى البدل، عندنا إلى أحد الأجناس الستة التي تقدم بيانها. ومن قال انتقل إلى بدل مقدر فذاك ومن قال القيمة اعتبر قيمتها حين قبض البدل لأنه الآن يعدل عن الواجب له إلى بدله فإذا قبض منهم البدل برئت الذمة عن الواجب في هذا الحول، فإذا حال الحول الثاني صنع بهم ما صنع في الأول، فإذا حال الثالث صنع أيضا مثل ذلك. وإن كانت بحالها فحال الحول والإبل معوزة فإن أعطى القيمة برئت الذمة عن الإبل، فإن وجدت الإبل بعد قبض القيمة لم يكن للولي المطالبة بالإبل، لأنه قد قبض بدل ما في ذمته وبرئت ذمته عنها، فإن دافع ومنع ومطل بدفع القيمة حتى مضت مدة والإبل معوزة ثم وجدت طولب بالإبل لأنها باقية في ذمته ما لم يؤخذ البدل عنها. والذي يتحمل العقل عن القاتل من العاقلة من كان منهم غنيا أو متجملا، و أما الفقير فلا يتحمل شيئا منها، ويعتبر الغنى والفقر حين المطالبة والاستيفاء، وهو عند دخول الحول، ولا يعتبر ذلك قبل المطالبة، فمن كان غنيا عند الحول طالبناه و إن كان فقيرا تركناه، وإن كان غنيا قبل ذلك، وهكذا زكوة الفطرة والدين إلى أجل وغير أجل إن كان غنيا وإلا فنظرة إلى ميسرة، وكذلك نصنع عند كل حول إن كان غنيا أو متجملا طالبناه وإن كان فقيرا تركناه وإذا حال الحول على موسر توجهت المطالبة عليه، فإن مات بعد هذا لم يسقط عنه بل يتعلق ما وجب عليه في تركته كالدين وقال بعضهم يسقط بوفاته والأول أقوى. فأما الدية الناقصة وهي دية المرأة وهي نصف دية الرجل ودية اليهودي والنصراني ودية المجوسي ودية الجنين على ما مضى من الخلاف فيه فكيف تحمل العاقلة؟ قال بعضهم في ثلث سنين لأنها دية نفس، وقال آخرون في أول السنة ثلث الكاملة، وما بقي في السنة

[ 178 ]

الثانية، والأول أشبه بمذهبنا. ومن قال ثلث الدية الكاملة فإن كان ما وجب مثل الدية أو دونه وجب في سنة واحدة، وإن كان أكثر أخذ ثلث الدية الكاملة في أول السنة وما يبقى في الثانية. قد مضى أن قدر ما يتحمله الغني كل واحد نصف دينار والمتجمل ربع دينار وقال بعضهم على كل واحد من ثلثة إلى أربعة، والغني والمتوسط سواء. ومن قال بالأول يقسم على الأقرب فالأقرب حتى تنفد العاقلة، ومن قال بالثاني قال يقسم على جميع العاقلة لا يبدأ بالأقرب فالأقرب والذي يقتضيه مذهبنا أن لا يقدر ذلك بل يقسمه الإمام على ما يراه من حاله من الغنى والفقر وأن يفرقه على القريب والبعيد، وإن قلنا يقدم الأولى فالأولى كان قويا لقوله تعالى " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض " وذلك عام. فمن قال يجب على الغني نصف دينار وعلى المتوسط ربع دينار، فهل يجب عليه ذلك في كل سنة حتى يتكامل في ثلث سنين دينار ونصف، أو يكون النصف عليه في ثلاث سنين في كل سنة دانق وعلى المتوسط نصف دانق؟ قال قوم: هذا النصف على كل واحد في ثلث سنين، ومنهم من قال في كل سنة. وسواء قيل يلزمه النصف في كل سنة أو كل ثلث سنين، نظرت فإن كانت الإبل موجودة فعليهم جميع ذلك، ولا يقبل منهم سهم من حيوان، لأنه يشق على الدافع ويضيع على المدفوع إليه، فإن أعوزت الإبل انتقل إلى ما مضى القول فيه من البدل على الخلاف فيه. روى أصحابنا أنه لا يحمل على العاقلة إلا أرش الموضحة فصاعدا، فأما ما دونه ففي مال الجاني، وفي الناس من قال يحمل عليهم قليله وكثيره، وفيه خمس مذاهب ذكرناه في الخلاف. إذا جنى الرجل على نفسه مثل أن قطع يد نفسه أو قتل نفسه فإن كانت الجناية عمدا محضا كانت هدرا، وإن كان قتل نفسه خطأ مثل أن ضرب رجلا بسيف فرجع

[ 179 ]

السيف إليه أو رمى طايرا فعاد السهم إليه كانت أيضا هدرا عندنا، وعند أكثر الفقهاء وفيها خلاف. المولى على ضربين: مولى من فوق وهو المعتق المنعم، ومولى من أسفل وهو المعتق المنعم عليه، فأما المولى من فوق فإنه يعقل عن المولى من أسفل بلا خلاف لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ولا يورث فشبهه بالنسب وبالنسب يتحمل العقل فكذلك بالولاء، فإذا ثبت أنه يعقل فإنما يعقل إذا لم تكن للعاقل عصبة أو كان له عصبة لا يتسع لحمل الدية وفضل فضل فالمولى يتحمل عنه بلا خلاف فيه أيضا. فإذا ثبت أنه يعقل بعد العصبات، فالترتيب فيه إذا وجبت الدية وحال الحول فرقنا الثلث على العصبات على الأخوة وأبنائهم ثم على الأعمام وأبنائهم ثم على أعمام الأب، وأبنائهم، وعلى هذا الترتيب أبدا، فإذا لم يبق له عصبة مناسب يحمل الموالي ما بقي، فإن اتسعوا لما بقي وإلا فعلى عصبة المولى، ثم على مولى المولى، وإن لم يتسعوا فعلى عصبة مولى المولى، فإن لم يتسعوا فعلى مولى مولى المولى، فإن لم يتسعوا فعلى عصبتهم على ترتيب الميراث سواء، فإن لم يتسعوا وفضل فضل ففي بيت المال يؤخر بيت المال عن الموالي كما يؤخر في الميراث عنهم. فإن لم يكن في بيت المال مال فما الذي يصنع بالفضل؟ فالحكم في هذه الفضلة وفي كل الدية إذا لم يكن للقاتل عصبة ولا مولى، ولا في بيت المال مال، واحد، قال قوم يغرمه القاتل إذا قيل الدية تجب في الابتداء عليه، وإنما العاقلة تحملها عنه لأنها عليه وجبت، فإذا لم يكن هناك من ينوب عنه عاد الغرم عليه، ومن قال يجب على العاقلة ابتداء فلا غرم عليه لأنه ما وجب عليه بالقتل غرم، فعلى هذا تتأخر الدية حتى يحدث من يحملها من بيت المال. فأما المولى من أسفل فهل يعقل عن المولى من فوق أم لا؟ قال قوم يعقل، وقال آخرون لا يعقل، وهو الصحيح عندنا، لأنه لا دليل عليه، فمن قال لا يعقل فلا كلام

[ 180 ]

ومن قال يعقل قال يؤخرون عن المولى من فوق، فإذا لم يبق أحد منهم عقل المولى من أسفل، فإن لم تكن فحينئذ في بيت المال. إذا قتل خطأ ووجبت الدية لم تخل العاقلة من ثلثة أحوال إما أن تكون حاضرة في بلد القتل أو غايبة أو بعضها حاضرا وبعضها غايبا، فإن كانت كلها حاضرة مثل أن كانت له إخوة وبنوهم وأعمام وبنوهم في ذلك البلد قسطنا الدية على الأقرب فالأقرب فإن اتسعوا لها وإلا فالباقي على الموالي أو في بيت المال على ما مضى. وإن كانت الدرجة متفقة إخوة كلهم بنوا إخوة كلهم لم تخل الدية من ثلثة أحوال إما أن تكون وفق عددهم أو أكثر من عددهم أو أقل فإن كانت وفق العدد وضعناه على الموسر نصف دينار وعلى المتجمل ربع دينار، فعددنا الموسر والمتجمل فكان وفق الدية ألزمناهم الدية، ولا كلام، فإن كانت الدية أكثر من عددهم وهو إن وزعنا عليهم على ما مضى، وبقي بقية من الدية نقلت الفضلة إلى الموالي أو إلى بيت المال. وإن كانت الدية أقل من عددهم مثل أن ألزمناهم كل غني نصف دينار، و كل متجمل ربع دينار، فقلت الدية وبقي قوم من العاقلة، فما الحكم فيه؟ قال قوم يوزع على الكل بالحصة، فيلزم الغني ما يخصه بالحصة من نصف دينار، و المتجمل ما يخصه من ربع دينار حتى يكونوا في العقل سواء، وقال آخرون للإمام أن يخص بالعقل من شاء منهم على الغني نصف دينار وعلى المتجمل ربع دينار ولا شئ على الباقين لأن في توزيعها على الكل بالحصص مشقة، وربما لزم على جنايتها أكثر منها، وهذا أقوى فمن قال يوزع على الكل فلا كلام، ومن قال يخص الإمام بالعقل من يرى منهم فعل ما يراه. فأما إن كانت العاقلة غائبة مثل أن كان القاتل ببغداد والعاقلة بالشام، فعلى حاكم بغداد أن يكتب إلى حاكم الشام بالحادثة، ويعرفه صورة الحال، فإذا ثبت ذلك عند حاكم الشام وزعها على عاقلة القاتل، كما لو كان القاتل عندهم بالشام وقد فصلناه. وإن كان بعض العاقلة حاضرا وبعضها غايبا لم يخل من أحد أمرين إما أن تكون

[ 181 ]

درجة العاقلة مختلفة أو متفقة، فإن كانت مختلفة إخوة وأعمام نظرت، فإن كان الأقرب هو الحاضر فالحاضر أولى، لأنهم انفردوا بقرب الدرجة والدار معا، و فيهم المسائل الثلاثة، وإن كان الأبعد هو الحاضر، فالغايب أولى، لأن قرب الدرجة مقدم على قرب الدار، وفيهم المسائل الثلاثة. وإن كانت الدرجة سواء كانوا إخوة كلهم وبعضهم حاضر وبعضهم غائب، قال قوم الحاضر أولى لأنهم تساووا في الدرجة وانفرد هؤلاء بقرب الدار، وقال آخرون يقسط على من غاب وحضر، وهو الأقوى عندي، لأنه حق يتعلق بالتعصيب فاستوى فيه الغايب والحاضر كالميراث فمن قال يقسط على الكل ففيها المسائل الثلاثة: إما أن تكون الدية وفق العدد أو تكون الدية أكثر أو أقل من عددهم وقد مضى. ومن قال يوزع على كل من كان حاضرا ففيها المسائل الثلث إن كانت وفق العدد فلا كلام، وإن كانت الدية أكثر نقل الفضل إلى أقربهم إليهم بلدا، فإن فضل منها نقلنا إلى من هو أبعد منهم، فأما إن كانت الدية أقل من عدد الحاضرين فالحكم على ما مضى إذا كانوا كلهم حاضرين، وكل موضع نقلنا الفضل ففي المنقول المسائل الثلاث. الحليف لا يعقل ولا يعقل منه، والحليف أن يتحالف قوم على التناصر والتعاضد ودفع الظلم عنهم، ويكون اليد واحدة وكذلك العريد لا يعقل ولا يعقل عنه، و العريد هو الرجل ينضوي إلى قوم ويختلط بهم فيصير معدودا من جملة القبيلة، وقال بعضهم الحليف يعقل. فأما عقد الموالاة فهو أن يتعاقد الرجلان لا يعرف نسبهما على أن يرث كل واحد منهما صاحبه، ويعقل عنه. عندنا أن ذلك عقد صحيح، وبه قال قوم، غير أنهم قالوا لا يرث أحدهما صاحبه، ما لم يعقل عنه، فإذا عقل أحدهما عن صاحبه لزم وأيهما مات ورثه الآخر، وقال قوم هذا عقد فاسد لا يتعلق به حكم. والعاقلة قد بينا أنها عصبة الرجل، وإنما يعقل عنه من كان مناسبا معروف النسب منه، فأما إذا علم أنه من القوم ولم يعرف وجه النسب، ولا كيفيته فيهم،

[ 182 ]

لم يعقلوا عنه، مثل أن يكون الرجل من النوبة لا يعقل عنه النوبة حتى تعرف كيفية النسب بينهم، لأنا وإن علمنا أن المرجع إلى أب واحد فلا نعلم قبيلته ولا عصبته من ذلك، وكذلك لو كان من قريش أو عقيل لم تعقل عنه قريش ولا عقيل حتى يعلم من أي بطن هو، ومن عاقلته؟ وكذلك كل قبيلة تجري هذا المجرى كالترك والزنج ونحو ذلك، لأنا نعلم أن الناس كلهم يرجعون إلى أب واحد آدم ونوح عليهما السلام، و متى قتل رجل خطأ ولم يعرف كيفية نسبه لم يعقل عنه الناس من حيث النسب، و إن علمنا أن الأب واحد حتى نعلم كيفية النسب، وهكذا اللقيط ومن كان مجهول النسب الباب واحد، لا يعقل منه المسلمون من حيث القرابة والنسب، ولكن يعقل عنه الإمام من بيت المال لأن ميراثه ينقل إلى بيت المال. فإذا ثبت أنه لا عقل له حتى يعرف وجه النسب وكيفيته، فالكلام فيما يثبت به النسب، فمتى كان مجهول النسب فإن كان بالغا عاقلا فانتسب إلى رجل فذكر أنه ولده لم يثبت نسبه حتى يقع الاعتراف به من الطرفين، فيقول أنا ابنك فيدعيه فيقول صدقت أو يبتدئ بالدعوة فيقول أنت ابني فيقول صدقت أنا ابنك فإذا تقارا على هذا ثبت النسب. وإن انتسب إلى ميت فقال أنا ابن فلان الميت، فإن صدقه كل الورثة ثبت نسبه بلا خلاف، وإن أقر اثنان وكانا عدلين مرضيين ثبت بشهادتهما أيضا النسب عندنا، ولا يثبت عند بعضهم إلا باعتراف الكل. فأما إن كان صغيرا فإنه يثبت نسبه بالاعتراف به، ولا يعتبر من جهة الطفل قول لأنه لا حكم لقوله، وإذا ثبت نسبه بذلك لم يزل ولم يسقط بقول الباقين: ليس هذا مناسبا له بالشايع الذايع، خلافا لمالك فإنه يقول متى ادعى نسبا وقد شاع وذاع في الناس أنه غير مناسب له لم يثبت نسبه. فإذا ثبت أنه لا يدفع نسبه بالشياع، فمتى ثبت نسبه فإن لم ينازع فيه أصلا فلا كلام، فإن جاء رجل فادعى أن هذا ولدي وأقام بينة بذلك حكم له بالبينة

[ 183 ]

وأسقط ما كان ثبت بالاعتراف، لأن البينة مقدمة على الاعتراف فإذا حكمنا له بالبينة فجاء آخر فادعاه وأقام البينة أنه ولده: ولد على فراشه، حكمنا له به و أسقطنا غيره، لأن بينته شهدت له بالنسب مضافا إلى سببه فهو كما لو تنازعا فرسا فأقام أحدهما البينة أنه له وأقام الآخر البينة أنه نتج في ملكه كان من شهد بالنتاج أولى لأنه أضاف الملك إلى سببه فمتى استقر سببه منه ثبت النسب، فمتى قتل حكمنا له بأن له عاقلة. إذا قتل الذمي خطأ فالذي رواه أصحابنا أن ديته على الإمام لأنه عاقلتهم من حيث يؤدون إليه الجزية ولا شئ على عاقلته، وقال المخالفون الدية على عاقلته من أهل الذمة، وإنما يعقل عنه منها من كان بينه وبينها النصرة والموالاة في الدية فأما أهل الحرب فلا يعقلون عن أهل الذمة، وإن كانوا عصباتهم لأن النصرة بينهم ساقطة والموالاة منقطعة، بدلالة أنه لا يرث الحربي ولا يرثه، وهكذا إذا كان عصبته مسلمين لم يعقلوا عنه لأن موالاة الدين بينهم منقطعة، وإن لم يكن له عاقلة من أهل الذمة فالدية في ماله ولا يعقل عنه من بيت مال المسلمين. ولو رمى ذمي سهما إلى طاير ثم أسلم ثم وقع السهم في مسلم فقتله لم يعقل عنه أهل الذمة، لأن الإصابة حصلت منه وهو مسلم، ولا يعقل عنه المسلمون، لأن الإرسال حصل منه وهو ذمي، فيكون الدية في ذمته. وهكذا إذا رمى مسلم سهما إلى طاير ثم ارتد ثم وقع السهم في مسلم فقتله فلا يعقل عنه المسلمون لأنه أصابه وهو مرتد ولا يعقل عنه الكفار لأنه أرسله وهو مسلم، فتكون الدية في ماله فأما إن انتقل يهودي إلى نصرانية أو مجوسية فمن قال لا يقر عليه قال هو كالمرتد لا يعقل عنه أهل الذمة الذين انتقل عنهم، ولا أهل الذمة الذين انتقل إليهم، ومن قال يقر عليه، فكأنه نصراني الأصل يقر على نصرانيته فيعقل أهل الذمة من

[ 184 ]

قراباته سواء كانت القرابة من اليهود أو المجوس أو النصارى، لأن الكفر كله ملة واحدة. إذا كان القتل عمدا لا يجب به قود بحال مثل قتل الوالد ولده، وكذلك الأطراف، وكذلك إذا جنا جناية لا يجب بها قود بحال، كالجائفة والمأمومة وما دون الموضحة، فالكل حال عند قوم في مال الجاني، وقال غيرهم كل هذا مؤجل على الجاني في ثلاث سنين، وعندنا كل ذلك في ماله في سنة، لأن دية العمد عندنا تؤدى في سنة.

[ 185 ]

(فصل) (في وضع الحجر وميل الحايط) إذا وضع حجرا في طريق المسلمين أو في ملك غيره فتعقل به رجل فوقع فمات، فالدية على عاقلته، والكفارة في ماله، وعندنا أن الدية في ماله أيضا، لأنه قد تعدى فيه، فكان كالدافع له، وإن نصب مكان الحجر سكينا فوقع عليها إنسان فمات فكذلك لما مضى، وإن وضع حجرا في هذا المكان ونصب بالقرب منه سكينا فتعقل بالحجر فوقع على السكين فمات فكذلك أيضا لأن تعقله بالحجر بمنزلة أن يدفعه الواضع للحجر على السكين. فأما إن كان هذا من رجلين وضع أحدهما حجرا ونصب الآخر بقربه سكينا فتعقل رجل بالحجر فوقع على السكين فمات، فالدية على الواضع وحده لأنه كالدافع له على السكين وهكذا لو وضع أحدهما حجرا وحفر الآخر بقربه بئرا فتعقل رجل بالحجر فوقع في البئر، فالضمان على واضع الحجر كما لو دفعه في البئر، وجملته أن واضع الحجر كالدافع. هذا إذا وضعه في طريق المسلمين أو في ملك غيره، فأما إن كان هذا في ملكه وضع حجرا أو نصب سكينا أو وضع الحجر ونصب السكين فتعقل رجل بالحجر فوقع على السكين أو وقع فمات، فلا ضمان على واضع الحجر بحال، لأنه فعل ماله فعله، و التعدي كان من الهالك لأنه فرط بدخوله ملك الغير فهدر دمه، فأما إن كان هذا من اثنين وضع المالك الحجر ونصب الأجنبي سكينا فتعقل رجل بالحجر فوقع على السكين فمات، فالضمان على صاحب السكين دون واضع الحجر، لأن الناصب هو المتعدي دون صاحب الحجر، وهكذا لو نصب المالك السكين ثم وضع أجنبي الحجر فالضمان على الأجنبي بكل حال لأنه هو المتعدي. إذا حفر الرجل بئرا فوقع فيها إنسان فمات أو وقع فيها بهيمة فهلكت، نظرت

[ 186 ]

فإن حفرها في ملكه فلا ضمان عليه، لأن له أن يصنع في ملكه ما شاء، وإن حفرها في موات ليملكها، فإذا وصل إلى الماء ملكها بالإحياء، فهو كما لو حفرها في ملكه إذ لا فصل بين أن يحفرها في ملكه وبين أن يحفرها حفرا يملكها به، وإن حفرها في موات لينتفع بها ويتصرف ولم يقصد الملك مثل أن نزل بالمكان بدوي أو مار في قافلة فلا ضمان أيضا لأنه ما تعدى بالحفر وهكذا إذا استأجر رجلا فحفر له بئرا في ملكه الباب واحد، لأنه بمنزلة من حفر بئرا في البادية. وأما إن حفرها في غير ملكه بغير إذن مالكها، فالضمان على الحافر لأنه تعدى بحفرها، فإن أبرأه المالك وقال قد برئت ورضيت بحفرك وأقره عليه زال الضمان عنه، كما لو أمره بالحفر ابتداء وقال بعضهم لا يزول الضمان لأنه أبرأه عن ضمان ما لم يجب، والأول أقوى. فأما إن حفرها في طريق المسلمين نظرت، فإن كان الطريق ضيقا فعليه الضمان، سواء حفرها بإذن الإمام أو بغير إذنه، لأنه لا يملك الإذن فيما فيه تضييق على المسلمين وإلحاق الضرر بهم، وإن كان الطريق واسعا لا يضيق على المسلمين حفرها، ويقصد نفع المسلمين بها، فإن كان بإذن الإمام فلا ضمان عليه، لأن للإمام أن يأذن بما فيه منفعة للمسلمين، من غير إضرار بهم ولا تضييق عليهم، وأما إن حفرها بغير إذن الإمام فإن قصد تملكها بالحفر وتكون له ملكا، فعليه الضمان لأنه تعدى بالحفر ولم يملك به لأن أحدا لا يملك أن يتملك طريق المسلمين، فكان عليه الضمان، وإن حفرها طلبا للثواب لمنفعة المسلمين، قال قوم لا ضمان عليه لقوله عليه السلام البئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس، وقال آخرون عليه الضمان لقوله عليه السلام وفي النفس مائة من الإبل، والأول أقوى. وهكذا الحكم في بناء مسجد في طريق المسلمين، إن كان الطريق ضيقا فعليه الضمان، وإن كان واسعا فإن بناه بإذن الإمام فلا ضمان، وإن بناه بغير إذنه فإن كان لنفسه ينتفع هو به فعليه الضمان، وإن كان لمنفعة الناس فعلى ما مضى عند قوم يضمن وعند آخرين لا يضمن وهكذا فيمن فرش البواري في المسجد أو بنا فيه حايطا أو سقف

[ 187 ]

فيه سقفا أو علق فيه قنديلا فوقع على إنسان فمات أو تعقل بالبادية فوقع فمات، فإن كان بإذن الإمام فلا ضمان، وإن كان بغير إذنه فعلى ما مضى من الخلاف، وأصل هذا كله البئر وكل موضع قلنا عليه الضمان معناه الدية عندنا في ماله، وعندهم على عاقلته والكفارة في ماله بلا خلاف. إذا بني حايطا في ملكه فوقع فأتلف أنفسا وأموالا ففيه خمس مسائل: أحدها بناه مستويا في ملكه فسقط دفعة واحدة فلا ضمان لأن له أن يفعل في ملكه ما شاء من غير تفريط، كما لو حفر في ملكه بئرا فوقع فيها إنسان فلا ضمان عليه. الثانية بناه مايلا إلى ملكه فوقع فأتلف فلا ضمان له، لأن له أن يصنع في ملكه ما شاء. الثالثة بناه مايلا إلى الطريق فعليه الضمان لأن الانسان إنما له أن يرتفق بهذا الطريق بشرط السلامة فأما إن أتلف أشياء فعليه الضمان كمن أشرع جناحا إلى طريق المسلمين فوقع على إنسان فقتله فعليه الضمان. الرابعة بناه مستويا في ملكه فمال بنفسه إلى ملكه فلا ضمان لأنه لو بناه مايلا في الأصل إلى ملكه كان لا ضمان. الخامسة بناه مستويا في ملكه فمال إلى الطريق ثم وقع قال قوم لا ضمان عليه، وقال بعضهم عليه الضمان، لأنه يستحق إزالته عليه، بدليل أن للحاكم مطالبته بنقضه، والأول أقوى لأنه بناه في ملكه ومال بغير فعله فوجب ألا يضمن. إذا كان حايط بين دارين تشقق وتقطع وخيف عليه الوقوع غير أنه مستو ما مال إلى دار أحدهما فلا يملك أحدهما مطالبة جاره بنقضه، لأنه ما حصل في ملك واحد منهما في هواء ولا غيره، فإن مال إلى دار أحدهما كان لمن مال إلى داره مطالبة شريكه بنقضه، لأن الحايط إذا مال إلى هواء دار الجار فقد حصل في ملكه، وله مطالبته بإزالته، كما لو عبر غصن من شجرته إلى دار جاره فإنه يطالب بإزالته بتعريج أو قطع. وعندنا أن المسألة الخامسة إذا بناه مستويا في ملكه فمال إلى الطريق أو إلى دار جاره فقد قلنا أنه قال قوم لا ضمان سواء أشهد أو لم يشهد، أو طالبه بنقضه أو لم

[ 188 ]

يطالب، وقال بعضهم إذا وقع وأتلف أنفسا وأموالا فإن كان قبل المطالبة بنقضه وقبل الاشهاد عليه فلا ضمان، وإن كان قد طولب بنقضه وأشهد عليه فوقع بعد القدرة على نقضه فعليه الضمان، وإن كان قبل القدرة على نقضه فلا ضمان، وهذا قوي. وقال ابن أبي ليلى: إن كان الحائط قد انشق بالطول فلا ضمان وإن كان بالعرض فعليه الضمان. إذا أراد أن يشرع جناحا إلى شارع المسلمين أو إلى درب نافذ أو غير نافذ و بابه فيه، أو أراد إصلاح ساباط نظرت، فإن كان على صفة تستضر به المارة والمجتازون منع منه، وإن لم يستضروا به لم يمنع منه. وحد الاستضرار قال قوم أن يكون على صفة لا تناله الأحمال الثقال الجافية، والكنايس والعماريات على الجمال، وقال بعضهم ألا يناله رمح الفارس إذا كان منصوبا والأول أصح لأن الرمح لا حد له ولأنه لا ينصبه وإنما يحطه على كتفه فمتى فعله على حد لا يستضر به أحد، فليس لأحد معارضته فيه، ولا منعه منه، وقال قوم إنما له ذلك ما لم يمنعه مانع، فأما إن اعترض عليه معترض أو منعه مانع كان عليه قلعه وهو الأقوى عندي. فمن قال عليه قلعه فإن سقط على إنسان فقتله أو مال فأتلفه فالضمان على صاحبه لأنه إنما له أن ينتفع بذلك بشرط السلامة، كما لو بل طينا في الطريق أو طرح ترابا فيه، فإنه بشرط السلامة بدليل أنه لو عثر به إنسان فمات كان عليه الضمان، وأما قدر الضمان فإنه إذا سقطت خشبة من هذا الجناح على إنسان فقتله فعليه نصف الدية، لأنه هلك من فعل مباح ومحظور، وذلك أن بعض الخشبة وضعها في ملكه، فما أتلف ذلك القدر لا ضمان، وإنما الضمان بما كان خارجا عنه، ولا فصل بين أن يقع الطرف الخارج عليه وبين أن يقع ما كان في ملكه عليه، لأن الخشبة إنما تقتل بثقلها، فإذا وقع أحد طرفيها عليه ناله ثقل الطرفين، فإن انقصف القدر الخارج منها إلى الشارع فوقع ولم يقع ما كان في ملكه فعليه كمال الدية، لأن الواقع منها في غير ملكه، وذلك القدر يضمن به كل الدية، وأما المرازيب فلكل أحد نصيبها للخبر

[ 189 ]

والاجماع، ولأن به حاجة داعية إلى ذلك إلا أنه لو وقع على إنسان فقتله فالحكم فيه كخشب الجناح سواء وقال بعضهم ههنا لا ضمان عليه، لأنه محتاج إلى فعله مضطر إليه والأول هو الصحيح. إن بالت دابة في الطريق فزلق به إنسان فمات فالدية عليه، سواء كان راكبا أو قائدا أو سايقا لأن يده عليها، كما لو بال هو في هذا المكان، ومثله إذا أكل شيئا فرمى بقشره في الطريق كالبطيخ والخيار والباقلا، وكذلك لو رش في الطريق ماء، الباب واحد في أنه يضمن جميع ذلك، وأما إن وضع جرة على جدار داره فسقطت، وأتلفت فلا ضمان عليه، لأنه إنما وضعها في ملكه، فهو كما لو كان الحايط مستويا فوقع دفعة واحدة فإنه لا ضمان عليه. إذا مر رجل بين الرماة وبين الهدف فأصابه سهم من الرماة فهو قتل خطأ لأن الرامي ما قصده وإنما قصد الهدف، فإن كان مع هذا المار صبي فقر به إلى طريق السهم فوقع فيه السهم فقتله، فعلى من قربه الضمان دون الرامي، لأن الرامي ما قصده، والذي قربة عرضه لذلك، ويفارق الممسك والذابح فإن الضمان على الذابح لأنه قصد القتل وكان منه، وههنا الرامي ما قصد القتل، وإنما الذي قربه هو الذي أتلفه، فلهذا كان عليه الضمان، فالذي قربه ههنا كالذابح، والرامي كالممسك وفيها نظر.

[ 190 ]

(فصل) * (في مسألة الزبية) * إذا كان جماعة على رأس بئر فهوى واحد منهم فجذب ثانيا وجذب الثاني ثالثا قوقعوا فيها وماتوا، فالحكم فيهم يسهل بتقديم كلام عليها، وجملته إذا حصل رجل في بئر مثل أن وقع فيها أو نزل لحاجة فوقع فوقه آخر نظرت، فإن مات الأول فالثاني قاتل كما لو رماه بحجر فقتله، إذ لا فرق بين أن يرميه بحجر فيقتله وبين أن يرمي نفسه عليه فيقتله. وإذا ثبت أن الثاني قاتل نظرت في القتل، فإن كان عمدا محضا مثل أن وقع عمدا فقتله وكان مما يقتل غالبا لثقل الثاني وعمق البئر فعلى الثاني القود، وإن كان لا يقتل غالبا فالقتل عمد الخطاء تجب به الدية مغلظة مؤجلة عندنا عليه، وعندهم على العاقلة، وإن كان وقع الثاني خطأ أو اضطر إلى الوقوع فيها فالقتل خطأ وتجب الدية مخففة على العاقلة. وأما إن مات الثاني دون الأول كان دمه هدرا لأنه رجل وقع في بئر فمات فيها، و الأول لا صنع له في وقوعه، وغير مفرط في حقه، وإن ماتا معا فعلى الثاني الضمان على ما قلناه إذا مات الأول وحده، ودم الثاني هدر كما لو مات الثاني وحده. فإن كانت بحالها وكانوا ثلثة فحصل الأول في البئر ثم وقع الثاني ثم وقع الثالث بعضهم على بعض، فإن مات الأول فقد قتله الثاني والثالث معا لأنه مات بثقلهما فالضمان عليهما نصفين، وإن مات الثاني وحده فلا شئ على الأول، والثالث هو الذي قتل الثاني، فالضمان عليه وحده على ما مضى، وإن مات الثالث كان دمه هدرا لأنه لا صنع لغيره في قتله، فإن ماتوا جميعا ففي الأول كمال الدية على الثاني والثالث، و في الثاني كمال الدية على الثالث وحده ودم الثالث هدر. فإذا ثبت هذا عدنا إلى مسألة الزبية، فإذا كانوا على رأس بئر فهوى واحد فيها

[ 191 ]

فجذب إليه ثانيا فوقعا معا نظرت، فإن مات الأول كان دمه هدرا، لأنه هو الذي طرح الثاني على نفسه، فهو كما لو طرح على نفسه حجرا أو قتلها بسكين وإن مات الثاني فالضمان على الأول لأنه هو الذي قتله بجذبه وطرحه فهو كما لو كان واقفا عند البئر فرمى به فيها فمات إذ لا فرق بين أن يرمي به فيها من فوق وبين أن يجذبه من أسفل يرميه فيها وإن ماتا معا فدم الأول هدر ودم الثاني مضمون على ما فصلناه. فإن كانت بحالها فجذب الأول ثانيا، والثاني ثالثا فوقع بعضهم على بعض و ماتوا، فقد مات الأول بفعله وفعل الثاني: أما فعله فإنه طرح الثاني على نفسه، وأما فعل الثاني فإنه جذب الثالث فوقع هو والثالث عليه، فيكون الثاني والأول كالمصطدمين لأنه قد مات كل واحدة منهما من جناية على نفسه وجناية الآخر عليه، فعلى كل واحد منهما نصف الدية لأن ما قابل فعل نفسه هدر، وما قابل فعل غيره مضمون. وأما الثالث فقد جنى عليه وما جنى هو لأنه جذب وما جذب، ففيه كمال الدية، على من يجب؟ قال قوم على الثاني لأنه هو الذي باشر جذبه وقال آخرون ديته على الثاني والأول معا لأن الثاني باشر جذبه والأول باشر جذب الثاني، فكأنهما قد جذباه معا. فإن كانت بحالها فجذب الأول ثانيا والثاني ثالثا والثالث رابعا فوقعوا فماتوا، ففي الأول ثلثا الدية لأنه مات من فعله وفعل الثاني والثالث، أما فعل الثاني فبأن جذب ثالثا وأما فعل الثالث فلأنه جذب رابعا، وأما فعله فإنه جذب الثاني على نفسه، فما قابل فعل نفسه هدر، وما قابل فعل غيره مضمون، فيكون فيه ثلثا الدية ثلثها على الثاني وثلثها على الثالث، ولا شئ على الرابع، لأنه جذب وما جذب. وأما الثاني ففيه أيضا ثلثا الدية، لأنه مات من فعله وفعل الثالث والأول، لأن الثالث جذب إليه رابعا، والأول جذبه فطرحه في البئر، فما قابل فعل نفسه هدر، وما قابل فعل غيره مضمون، فيكون فيه ثلثا الدية ثلثها على الأول وثلثها على الثالث.

[ 192 ]

وأما الثالث فما الذي يجب بقتله؟ قال قوم نصف الدية لأنه مات من فعله وفعل الثاني، أما الثاني فلأنه باشر جذبه وأما فعل نفسه فلأنه طرح الرابع على نفسه، فيكون على الثاني نصف الدية والنصف هدر، وقال آخرون فيه ثلث الدية، لأنه مات من فعله وفعل الثاني والأول معا، لأن الثاني وإن كان قد باشر جذبه فإن الأول قد جذب الثاني، وقد جذب هو الرابع على نفسه، فما قابل فعل نفسه هدر، وما قابل فعل غيره مضمون، فيكون فيه ثلثا الدية، ثلثها على الثاني وثلثها على الأول. وأما الرابع ففيه كمال الدية لأنه قتل وما قتل، فإنه جذب وما جذب، و على من يجب؟ قال قوم على الثالث وحده، لأنه هو الذي باشر جذبه، وقال آخرون على الثالث والثاني والأول لأنهم كلهم جذبوه، فعلى كل واحد منهم ثلث الدية وعلى هذا أبدا وإن كثروا، وقد روي في هذا أثرا أما أصحابنا فقد رووه من جهات. وروى المخالف عن سماك بن حرب عن حنش الصنعاني أن قوما من اليمن حفروا زبية للأسد فوقع فيها الأسد واجتمع الناس على رأسه، فهوى فيها واحد فجذب ثانيا وجذب الثاني ثالثا ثم جذب الثالث رابعا فقتلهم الأسد فوقع ذلك إلى علي عليه السلام فقال للأول ربع الدية لأنه هلك فوقه ثلثة، والثاني ثلثا الدية، لأنه هلك فوقه اثنان، والثالث نصف الدية لأنه هلك فوقه واحد، والرابع كمال الدية، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال هو كما قال علي، قالوا وهذا حديث ضعيف، والفقه على ما بينا في الأربعة وروايتنا خاصة مطابقة لما بيناه أولا بعينه. والذي رواه أصحابنا في هذه بأن الأول فريسة للأسد وألزمه ثلث الدية للثاني وألزم الثاني ثلثي الدية للثالث، وألزم الثالث الدية كاملة، وفقه هذه الرواية على ما بيناه.

[ 193 ]

(فصل) * (في دية الجنين) * إذا ضرب بطن امرأة فألقت جنينا كاملا وهو الحر المسلم فديته عندنا مائة دينار، وعندهم فيه غرة عبد أو أمة بقيمة نصف عشر الدية، والغرة من كل شئ خياره، فروى أبو هريرة قال اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقضى رسول الله صلى الله عليه وآله في دية جنينها غرة عبد أو أمة، وفي بعضها غرة عبد أو وليدة، فقال جمل بن مالك بن النابغة الهذلي يا رسول الله كيف أغرم دية من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك بطل وفي بعضها مطل، فقال النبي صلى الله عليه وآله إن هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع، وفي بعضها أسجع كسجع الجاهلية، هذا كلام شاعر. ومثل هذا الخبر رواه أصحابنا وبينا الوجه فيه في كتاب الاستبصار وتهذيب الأحكام وهو أنه لا يمتنع أن تكون الغرة قيمتها دية الجنين الذي قدمنا ذكره. فإن ألقت جنينا ميتا بضربة ففيه الدية مائة دينار، وعندهم غرة لما مضى وفيه الكفارة، وإن ألقت جنينين ففيهما ديتان مائتا دينار، وعندهم غرتان، وإن ألقت ثلثة أجنة فثلثمائة دينار وعندهم ثلث غرر وثلاث كفارات، وإن كان الجاني اثنين فعليهما الدية وكفارتان كما لو قتلا رجلا فالدية واحدة، وعلى كل واحدة كفارة، وعلى هذا أبدا. فإذا ثبت هذا فإنما يجب ذلك بالجنين الكامل، وكماله بالاسلام والحرية أما إسلامه فبأبويه أو بأحدهما، وأما الحرية فمن وجوه أن تكون أمه حرة أو تحبل الأمة في ملكه أو يتزوج امرأة على أنها حرة فإذا هي أمة أو يطأ على فراشه امرأة يعتقدها زوجته الحرة فإذا هي أمة، ففي كل هذا يكون حرا بلا خلاف، وعندنا إذا كان أبوه أيضا حرا، وإن كانت الأم مملوكة، فإن الولد يلحق بالحرية عندنا و

[ 194 ]

في كل هذه المواضع ما تقدم ذكره من مائة دينار أو غرة. فإذا ثبت أنها تجب في الجنين الكامل، فإنما تجب بأن يضرب بطنها فيقتله وينفصل عنها، فأما إن كانت هناك حركة فسكتت بضربه فلا ضمان، وقال الزهري إذا سكنت الحركة ففيه الغرة لأنها إذا سكنت فالظاهر أنه قتله في بطن أمه، والأول أصح لأنه يحتمل أن يكون حركة الجنين ويحتمل أن يكون ريحا فيفشى فلا يجب شئ، وإذا احتمل فلا يجب شئ بشك لأن الأصل براءة الذمة. وأما الكلام في بيان ما هو جنين وما ليس بجنين فجملته أربع مسائل إحداها إذا ألقت ما فيه تصوير كالاصبع والعين والظفر فهو كالخلقة التامة فتعلق به أربعة أحكام تصير به أم ولد، وتنقضي به العدة، وتجب فيه الدية أو الغرة والكفارة. الثانية أن تشهد أربع من القوابل أنه قد تصور وتخلق ولكن الرجال لا يعرفون ذلك فإذا شهدن بذلك ثبت ما قلن وتعلقت به الأحكام الأربعة الدية والكفارة وصارت أم ولد وانقضت به العدة. الثالثة شهدن أنه مبتدأ خلق بشر غير أنه ما خلق فيه تصوير ولا تخطيط، فالعدة تنقضي به وأما الأحكام الثلاثة فقال بعضهم يتعلق كل ذلك به كالعدة وقال آخرون لا يتعلق به شئ من هذه الأحكام الثلاثة، والأول تشهد به رواياتنا. الرابعة ألقت مضغة عندنا فيه ثمانون دينارا، وعندهم لا يتعلق به الأحكام الثلثة والعدة على قولين. دية الجنين عندنا تعتبر بنفسه، فإن كان ذكرا فعشر ديته لو كان حيا، وإن كان أنثى فعشر ديتها لو كانت حيا، وقال بعضهم يعتبر بنفسه أيضا لكنه إن كان ذكرا فنصف عشر ديته لو كان حيا وإن كان أنثى فعشر ديتها لو كانت حيا وقال قوم يعتبر بغيره فيجب فيه نصف عشر دية أبيه أو عشر دية أمه. وفايدة الخلاف في ذلك في جنين الأمة، فمن قال لا فرق بين الذكر والأنثى استدل بظاهر الخبر وأن النبي صلى الله عليه وآله قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة ولم يفصل ولأنه

[ 195 ]

لو فرق بينهما أفضى ذلك إلى الخصومة والمجاذبة بين القوابل، هل هو أنثى أم لا؟ لنقصان الخلقة فحسم المادة واعتبر بغيره ليسقط الخلاف والفرق بين الذكر والأنثى. إذا ضرب بطنها فألقت جنينا فإن ألقته قبل وفاتها ثم ماتت ففيها ديتها وفي الجنين الغرة سواء ألقته ميتا أو حيا ثم مات، وإن ألقته بعد وفاتها ففيها ديتها، وفي الجنين الغرة سواء ألقته ميتا أو حيا ثم مات. وفيهم من قال إذا ألقته ميتا بعد وفاتها لا شئ فيه بحال وعندنا إن ألقته ميتا ففيه الدية كاملة سواء ألقته حيا في حيوتها ثم مات أو بعد موتها ثم مات. إذا ثبت أن في الجنين دية أو غرة فإنها موروثة عنه، ولا يكون لأمه بلا خلاف إلا الليث ابن سعد، فإنه قال يكون لأمه ولا يورث عنه، قال لأنه بمنزلة عضو من أعضائها بدليل أنه يحيا بحياتها ويموت بموتها. ويرثها من يرث الدية فإن كان له أبوان مثل أن خرج ميتا قبل وفاتها وله أب كان لأمه الثلث، والباقي للأب، وإن كانت أمه ماتت قبل أن تلقيه فلا شئ لها لأنها ماتت قبل وجوب الدية، فيكون الكل للأب فإن لم يكن أب فلعصبته، فإن كانت الأم هي التي ضربت بطنها فألقته أو فعل ذلك أبوه أو هما فلا شئ لمن فعل ذلك بها لأنه قاتل ولا ميراث لقاتل. وكل موضع تجب فيه الغرة تجب فيه الكفارة عند قوم، وقال قوم لا كفارة وهو الأقوى، لأن الأصل براءة الذمة. إذا قتل الرجل نفسه فلا دية له سواء قتلها عمدا أو خطأ وعليه الكفارة كما لو قتل عبد نفسه لأن الكفارة حق لله، والدية فلا تجب لأنها حق المقتول، ومن قتل نفسه فقد أسقط حق نفسه وبقي حق الله بحاله ويتعلق الكفارة بتركته كما يتعلق حقوق كثيرة بتركته، وإن تجددت بعد موته: مثل أن جرح غيره ثم يموت المجروح فإن ديته يتعلق بتركته، ومثل أن يحفر بئرا ثم يموت فيقع فيها إنسان فيموت فتتعلق ديته بتركته.

[ 196 ]

فإن اصطدمت امرأتان حاملتان فماتتا فألقت كل واحدة منهما جنينا ميتا، فعلى عاقلة كل واحدة منهما نصف دية صاحبتها لأن كل واحدة منهما ماتت بجنايتها على نفسها، وجناية صاحبتها عليها، فما قابل جنايتها هدر وما قابل جناية صاحبتها مضمون. وأما دية الجنين فعلى عاقلة كل واحدة منهما دية جنين كامل نصف دية جنينها ونصف دية جنين صاحبتها، ولا يهدر منها شئ، ويفارق هذا ديتها لأن ذلك حق لهما فهدر بفعلهما، وهذه جناية على الغير فلم يهدر منه شئ، لأنهما اشتركا في قتل كل واحد من الجنين. فإذا تقرر هذا فعلى كل واحدة منهما أربع كفارات، لأن كل واحدة منهما شاركت صاحبتها في قتل أربعة أنفس قتل نفسها وقتل صاحبتها، وقتل جنينها، وجنين صاحبتها، فيكون عليهما ثماني كفارات وعلى مذهبنا لا كفارة أصلا. قد مضى أن الواجب في الجنين الدية إما مائة دينار أو غرة فمن أوجب الغرة احتاج إلى بيان فصلين سنها وصفتها أما سنها فلها سبع أو ثمان، وهو بلوغ حد التخيير بين الأبوين، فإن كان لها أقل من هذا لم يقبل لقوله عليه السلام في الجنين غرة عبد أو أمة. والغرة من كل شئ خياره، ومن كان لها دون هذا السن، فليست من خيار العبد وأما أعلا السن فإن كانت جارية فما بين سبع إلى عشرين، وإن كان غلاما فما بين سبع إلى خمس عشرة سنة، لأن الغرة فيهما إلى هذا السن. وقال بعضهم إن الشاب والكهل والشيخ الجلد كل هؤلاء من الغرر، لأنه قد يكون من خيار العبيد لعقله وفضله وجلده ورأيه، فأما صفتها فأن تكون سالمة من العيوب لأن الغرة غير المعيب وأما الخصي فلا يقبل منه سواء سلت بيضتاه أو قطع ذكره أو سلتا وقطع الذكر، لقوله غرة وهذا ناقص. وأما قيمتها فنصف عشر دية الحر المسلم خمسون دينارا ولا يقبل منه دون هذه القيمة لأنه أدنى مقدر ورد به الشرع، وفي الجنايات نصف عشر الدية أرش موضحة.

[ 197 ]

هذا في جنين المسلم فإن كان الجنين كافرا مضمونا اعتبرنا بأبويه، وأوجبنا عشر دية أبيه، وعندهم عشر دية أمه أو نصف عشر دية أبيه، وتكون غرة عندهم بهذا القدر، وإن كان جنين مجوسي فلا يمكن غرة بنصف عشر ديته لأنه أربعون درهما فأخذ هذا المقدار لأنه موضع ضرورة. هذا إذا كان بين أبوين متفقين في قدر الدية، فإن اختلفا في الدية كالمتولد بين مجوسي ونصرانية أو نصراني ومجوسية، فعندنا لا يختلف الحال فيه لأن عندنا أن دية الجميع سواء، ومن فاضل قال يعتبر بأعلاهما دية إن كانت أمه نصرانية ففيه عشر ديتها وإن كانت مجوسية فنصف عشر دية أبيه النصراني لأنه لو تولد بين مسلم وكافرة اعتبر دية المسلم كذلك ههنا. فأما في الذبيحة فإن كان الأب مجوسيا فلا اعتبار به بكل حال لا تحل ذبيحته ولا مناكحته، وإن كان الأب نصرانيا والأم مجوسية فعلى قولين أحدهما الاعتبار بالأب، لأن الانتساب إلى الآباء، والثاني الاعتبار بأمه لأنه إذا اجتمع التحريم و التحليل غلب التحريم، وعندنا لا فرق بين الجميع في أنه لا يحل مناكحته ولا أكل ذبيحته. وأما إن كان الجنين عبدا ففيه عشر قيمته إن كان ذكرا وكذلك عشر قيمته إن كان أنثى، وعندهم نصف عشر قيمة أمه. إذا ضرب بطن نصرانية ثم أسلمت ثم ألقت جنينا ميتا فكان الضرب وهي نصرانية وهو نصراني، والاسقاط وهي وجنينها مسلمان، أو ضرب بطن أمه ثم أعتقت ثم ألقت جنينا فكان الضرب وهما مملوكان، والاسقاط وهما حران، فالواجب فيه غرة عبد أو أمة قيمتها خمسون دينارا. وعندنا مائة دينار لأن الجناية إذا وقعت مضمونة ثم سرت إلى النفس كان اعتبار الدية بحال الاستقرار، كما لو قطع يدي عبد ثم أعتق ثم سرى إلى نفسه ففيه دية حر وكذلك لو قطع يدي ذمي ثم أسلم ثم سرى إلى نفسه ففيه دية مسلم اعتبارا بحال

[ 198 ]

الاستقرار وإن ضرب بطن حربية ثم أسلمت ثم أسقطت سقط الضمان لأن هذه الجناية ما وقعت مضمونة، فلا تتبع حال الاستقرار، وإن قطع يدي عبد ثم أعتق ثم اندمل حال الحرية وجب قيمة العبد اعتبارا بحال الجناية، لأنها لم تسر إلى النفس ولا إلى غيرها فلهذا لم يعتبر بحال الاندمال، ولأنها إذا اندملت لم يزد شئ على ما وجب بالجناية وإنما يستقر بالاندمال ما وجب بالجناية، فلهذا كان الاعتبار بحال الجناية، وليس كذلك إذا سرت لأنها إذا سرت زاد الضمان فلهذا كان الاعتبار بحال الاستقرار. فإذا تقرر أن الواجب فيه غرة عبد أو أمة أو مائة دينار على مذهبنا كما يجب في المسلم الأصلي والحر الأصلي فإن للسيد من ذلك أقل الأمرين من عشر قيمة أمه أو الغرة، فإن كانت عشر قيمة أمه أقل من الدية فليس له إلا عشر قيمة أمه، لأن الزيادة عليها بالعتق والحرية، ولا حق لها فيما زاد بالحرية لأنها زيادة في غير ملكه، وإن كانت دية الجنين أقل من عشر القيمة كان له الدية كلها لأنه قد نقص حقه بالعتق، فكأنه قد جنا بالعتق على حقه فنقص فلهذا كان له الدية. إذا قطع رجل يدي عبد ثم أعتق ثم سرى إلى نفسه فمات وجبت الدية اعتبارا بحال الاستقرار، ويكون للسيد أقل الأمرين من قيمة العبد أو الدية على ما فصلناه، ومتى كان عشر القيمة أقل كان له عشر القيمة، وما فضل يكون لوارث الجنين. وإذا وجبت الدية في الجنين عندنا أو الغرة عندهم كان ذلك على العاقلة إن كان خطأ، وإن كان عمد الخطاء أو عمدا كان في ماله، وعندهم على العاقلة على كل حال لما رواه المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة على عصبة القاتل، ولأن الجناية على الجنين لا تكون إلا خطأ عندهم أو شبه العمد فأما العمد المحض فلا يتصور. فالخطأ أن يرمي طايرا فيقع على بطنها، والعمد لا يتصور لأن العمد ما كان عامدا في قصده عامدا في فعله وفي الجنين لا يتصور أن يعمد كذلك لأنا لا نتحقق الجنين

[ 199 ]

فإن كبر بطنها قد يكون بالجنين وبالريح والعلة وإذا احتمل الأمرين خرج من أن يكون عمدا محضا فثبت أنه شبه العمد. فإذا ثبت ذلك ثبت أنه على العاقلة عندهم لأنه دية نفس، وإن لم يكن دية كاملة، لأن ما كان دية نفس حملته، وإن لم يكن دية كاملة، كدية المرأة ودية اليهودي و النصراني والمجوسي، ويحملها في ثلث سنين كالكاملة وقال آخرون يعقل منها في أول سنة ثلث الكاملة، فعلى هذا دية الغرة تعقلها في سنة أو ثلث سنين على القولين، وعندنا يحملها في ثلث سنين. إذا ألقت امرأة جنينا فادعت أن هذا ضربها على بطنها فألقته من ضربه فأنكر فالقول قوله لأن الأصل أنه ما ضربها، وإن اعترف بالضرب وأنكر أن تكون أسقطته، وقال التقطته أو استعارته فالقول أيضا قوله لأنه مما لا يتعذر عليها إقامة البينة والأصل برائة الذمة. فأما إن اعترف بالضرب واعترف بالاسقاط ثم اختلفا فقالت أسقطته من الضرب وأنكر وقال من غير الضرب نظرت، فإن أسقطته عقيب الضرب فالقول قولها، وعليه الضمان، لأن الظاهر أنه سقط من ضربه، وإن أسقطته بعد الضرب بأيام يمكن أن يكون سقوطه من غير الضرب، فإن كان معها بينة أنها لم تزل ضمنة وجعة متألمة من الضرب حتى سقط فعليه الضمان، وإن لم تكن بينة فالقول قوله، لأنه يحتمل أن يكون الاسقاط من الضرب ومن غيره، والأصل براءة ذمته. هذا إذا ألقته ميتا وهكذا إذا ألقته حيا ثم مات إن كان الاسقاط عقيب الضرب والموت عند الاسقاط فعليه الضمان، لأن الظاهر أنه من ضربه، ويكون الواجب فيه الدية كاملة، وإن مات بعد أيام فإن كان معها بينة تشهد أنه لم يزل ضمنا وجعا متألما من حين وضعته إلى أن مات فعليه الضمان، وإن لم يكن لها بينة فالقول قوله لأن الأصل براءة ذمة. وأصل هذا إذا قطع رجل إنسان ثم مات ثم اختلف الجاني وولي الميت، فقال الولي مات من القطع وأنكر الجاني، نظرت فإن مات عقيب القطع فالقول قول

[ 200 ]

الولي وإن مات بعد مدة يندمل الجراح في مثلها، فإن كان مع الولي بينة أنه لم يزل ضمنا من الجناية حتى مات فعلى الجاني الضمان، وإن لم يكن له بينة فالقول قول الجاني لأنه يحتمل أن يكون من سراية القطع مات ويحتمل أن يكون من شئ تجدد غير القطع، والأصل براءة ذمته. إذا ضرب بطن امرأة فألقت جنينا حرا مسلما فإن استهل أي صاح وصرخ ثم مات ففيه الدية كاملة، إن كان ذكرا وإن كان أنثى فديتها عندنا في ماله، و عندهم على العاقلة، والكفارة في ماله بلا خلاف، وفي وجوب الدية كله إجماع. وأما إن لم يستهل نظرت فإن كان فيه حيوة مثل أن يتنفس أو شرب اللبن فالحكم فيه كما لو استهل عندنا وعند جماعة، وقال بعضهم فيه الغرة ولا تجب فيه الدية كاملة. فإذا ثبت هذا فإن استهل أو تحقق حياته ومات عقيب الاسقاط فالحكم على ما مضى، وإن مضت مدة ثم مات ثم اختلف وارثه والجاني، فقال الوارث مات من جنايتك، وأنكر الجاني، نظرت فإن كان مع الوارث بينة أنه لم يزل ضمنا وجعا متألما حتى مات فالقول قول الوارث، وإن لم يكن له بينة فالقول قول الجاني، لأن الأمر محتمل، والأصل براءة ذمته. ويقبل ههنا من البينة ما يقبل على الولادة شاهدان أو شاهد وامرأتان أو أربع نسوة، وقال بعضهم لا يقبل إلا قول الرجلين والأول أصح عندنا. هذا إذا خرج وفيه حياة فأما إن خرج يختلج ولم يسمع له نفس، فهذا ميت، لأنه قد يختلج الشئ من غيره ألا ترى أن من أخذ قطعة من لحم فعصرها في يده ثم أرسلها اختلجت فكذلك هذا المولود قد خرج من مكان ضيق في مسلك حرج ضيق فاحتمل أن يكون اختلاجه لذلك لا لأنه حي، فلا توجب فيه الدية بالشك. فإذا ثبت أن فيه الدية الكاملة إذا استهل، والغرة إذا لم تعلم حياته، فقد فرع على هذين الموضعين، فقيل إذا ألقت جنينا ومات، واختلف وارثه والجاني،

[ 201 ]

فقال الوارث استهل ثم مات ففيه كمال الدية، وقال الجاني ما استهل وليس فيه غير الغرة، فالقول قول الجاني، لأن الأصل أنه ما استهل والأصل براءة ذمته، فإن اعترف الجاني بذلك وجبت الدية كاملة تكون في ماله عندنا وعندهم يكون على عاقلته منها بقدر الغرة خمسون دينارا، والباقي عليه لأن العاقلة لا تعقل اعترافا. فإن اختلفا كذلك وأقام الجاني البينة أنه خرج ميتا وأقام الوارث البينة أنه استهل قدمنا بينة الوارث لأنها انفردت بزيادة خفيت على بينة الجاني، كما قلنا متى مات وخلف ولدين مسلما ونصرانيا فأقام المسلم البينة أنه مات مسلما وأقام النصراني البينة أنه مات نصرانيا كانت بينة المسلم أولى لأنها تشهد بزيادة وهو حدوث الاسلام فيه. فإن ضرب بطنها فألقت جنينين نظرت فإن ألقتهما ميتين كان على عاقلة الضارب غرتان، وكفارتان في ماله، سواء كانا ذكرين أو أنثيين أو أحدهما ذكرا والآخر أنثى، وعلى ما بيناه من مذهبنا يلزمه في ماله دية جنينين، إن كانا ذكرين فمائتا دينار، وإن كانا أنثيين فمائة دينار، وإن كان ذكرا وأنثى فمائة وخمسون دينارا لأن المراعى عندنا عشر ديته في نفسه دون غيره، ويلزمه الكفارتان في ماله أيضا. وإن خرجا حيين ثم ماتا في الحال فإن كانا ذكرين فعليه ديتان كاملتان، و كفارتان في ماله، وعندهم ديتان على العاقلة، وإن كانا أنثيين كان عليه عندنا وعندهم على عاقلته ديتا امرأتين، وفي ماله كفارتان، وإن كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى كان على عاقلته أو في ماله عندنا دية الذكر كاملة، ودية الأنثى والكفارتان في ماله و إن خرج أحدهما حيا والآخر ميتا فإن كانا ذكرين ففي الذي خرج ثم مات دية كاملة، وفي الذي خرج ميتا دية الجنين عشر ديته، لو كان حيا، والغرة عندهم، و الجميع عندنا في ماله وعندهم على العاقلة، وفي مال الضارب كفارتان وإن كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى. فإن اتفقا على أن الذكر خرج حيا ثم مات، والأنثى خرجت ميتة ففي

[ 202 ]

الذكر الدية كاملة وفي الأنثى دية الجنين، ويلزمان من ذكرناه عندنا في ماله، وعندهم على العاقلة، والكفارتان على الضارب. فإن كانت بالضد من هذا فاتفقا على أن الذي خرج حيا ثم مات هو الأنثى والذي خرج ميتا هو الذكر، وجبت دية امرأة كاملة، والغرة، والكفارتان على ما مضى ذكره من الخلاف فإن اختلفا فقال الوارث الذي خرج حيا ثم مات هو الذكر، والذي خرج ميتا هو الأنثى، وخالف الضارب في ذلك، فإن كان مع الوارث بينة حكمنا بدية ذكر كاملة وبدية الجنين عن الأنثى وإن لم تكن بينة كان القول قول الجاني، لأن الأصل ألا حياة والأصل براءة ذمة الضارب وذمة عاقلته عما زاد على الغرة، فإذا حلف حكمنا على الضارب بدية امرأة ودية جنين في الذكر. وإن اعترف الجاني فقال الذي خرج حيا ثم مات هو الذكر، وفيه الدية كاملة والأنثى خرجت ميتة ففيها الغرة وأنكرت عاقلته ذلك وقالت بل الذي خرج حيا هو الأنثى، والذي خرج ميتا هو الذكر، ولم يكن مع الوارث بينة وكان الضرب خطأ محضا، عندنا كان القول قولهم مع أيمانهم، فإذا حلفوا لم يجب عليهم إلا دية الأنثى وغرة في الذكر، ووجب على الجاني بقية الدية التي اعترف بها وأنكرها العاقلة لأن العاقلة قد بينا أنها لا تعقل اعترافا، إذا ضرب بطن امرأة فألقت جنينا حيا ممن يعيش مثله، وهو إذا كان له ستة أشهر فصاعدا، فإذا خرج هذا الجنين حيا ثم مات في الحال ففيه الدية كاملة، فإن كان خطأ على العاقلة، والكفارة في ماله، لأنا قد تحققنا جناية عقيب الضرب، والظاهر أنه مات من الضرب كما نقول فيمن ضرب رجلا فمات عقيب الضرب وجب على الضارب القود، لأن الظاهر أنه مات من ضربه. إذا كان الجنين حيا لكنه لا يعيش مثله، وهو إذا كان له أقل من ستة أشهر ثم مات عقيب الاسقاط، فإن فيه الدية كاملة كالتي قبلها سواء، لا فرق بينهما عندنا

[ 203 ]

وعند الأكثر، وقال بعضهم فيه الغرة، والأول هو الصحيح لأنا تحققنا حيوته عقيب الضرب، وأنه مات من ضربه، لأنه لو لم يضربه ربما بقي وعاش فهو كما لو كان له ستة أشهر. إذا ألقت من الضرب جنينا حيا ثم قتله آخر ففيه مسئلتان إن كان فيه حياة مستقرة بعيش اليوم واليومين، فقتله آخر فعليه القصاص، إن كان عمدا، وإن كان خطأ فالدية على العاقلة والكفارة في ماله في الحالين، والضارب لا شئ عليه غير التعزير، لأن الألم لا يضمن بالمال. الثانية كانت فيه حيوة مستقرة وكانت حركته حركة المذبوح، فالأول قاتل عليه الدية والكفارة، والثاني جان لا ضمان عليه، وعليه التعزير. فإن خرج حيا فقتله قاتل قبل العلم بأن الحيوة مستقرة أو غير مستقرة فلا قود عليه لأنا لا نتحقق استقرار الحيوة لكنا نوجب فيه الدية إن كان خطأ مخففة، وإن كان عمد الخطأ فمغلظة. إذا ضرب بطنها فألقت يدا وماتت ولم يخرج الجنين، ففيها الدية الكاملة، وفي الجنين الغرة، لأنها إذا ألقت يدا كان الظاهر أنه جنا عليه فأبان يده وماتت من ذلك، وكان فيه الغرة، وهكذا إذا ألقت يدين أو أربع أيد أو رأسين لا يحتمل أن تكون لحي واحد، فإنه قد يخلق هكذا، ويحتمل أن تكون لأخيه فإذا احتمل الأمرين فالأصل براءة ذمته، فلا يوجب عليه إلا ضمان جنين واحد. فإن ضرب بطنها فألقت يدا ثم ألقت بعدها الجنين، لم يخل من أحد أمرين إما أن لا تزال وجعة ضمنة متألمة حتى ألقته أو برئت ثم ألقته فإن لم تزل ضمنة حتى ألقته ففيه ثلث مسائل. إن ألقته ميتا ففيه الغرة، يدخل أرش اليد فيها، وإن ألقته حيا ثم مات عقيب السقوط ففيه الدية، ويدخل بدل اليد في الدية، وإن ألقته حيا وعاش لم يضمن الجنين، ويكون عليه ضمان اليد وحدها، وكم يضمن؟ تسأل القوابل فإن قلن هذه

[ 204 ]

يد من لم تخلق فيه الحياة والروح، ففيه نصف دية الجنين، وإن قلن هذه يد من خلقت فيه الحياة ففيها نصف الدية، لأنا لو تحققنا حياته كان فيه الدية، وكان في يده نصف الدية. هذا إذا لم تزل ضمنة حتى ألقت فأما إن زال الألم وبرئت ثم ألقته ضمن اليد دون الجنين، لأنه بمنزلة من قطع يد رجل ثم اندملت فإنه يضمن اليد وحدها. فإذا ألقته بعد هذا ففيه المسائل الثلث إن ألقته ميتا ففي اليد نصف دية الجنين، وإن ألقته حيا ثم مات عقيب الاسقاط أو عاش ففي هذين الفصلين أرى عدول القوابل، فإن قلن يد من لم تخلق له حياة، ففيها نصف الغرة، وإن قلن يد من خلقت فيه الحياة فنصف الدية. وإن ضرب بطنها فألقت جنينا وماتا نظرت، فإن مات قبل وفاتها أو خرج ميتا ثم ماتت ورثت نصيبها منه ثم ورثها ورثتها وإن ماتت أولا ثم خرج حيا ثم مات أو خرج قبل موتها ثم ماتت ثم مات هو، ورث نصيبه منها وورثه ورثته. وإن اختلفا فقال وارثها مات الجنين أولا فورثته، وقال ولي الجنين بل ماتت أولا فورثها ثم مات، لم يورث أحدهما من صاحبه إذا لم يعلم كيف وقع ويكون تركة كل واحد منهما لورثته، ولا يرث أحدهما صاحبه. وأما إن ألقت جنينا ميتا أو حيا فمات ثم ماتت ثم ألقت جنينا حيا ثم مات ففي الأول دية الجنين وفيها الدية، وفي الثاني الدية ترث من الأول نصيبها ثم يرث الثاني منها نصيبه، وأما إن خرج رأسه ثم مات ففيها الدية والجنين مضمون ههنا، قال بعضهم غير مضمون لأنه إنما يثبت له أحكام الدنيا إذا انفصل فأما قبل أن ينفصل فلا، والأول أصح لأنا تحققنا كون الجنين حين الضرب وليس كذلك إذا سكن الحركة لأنا لم نتحقق الجنين. فإذا ثبت أنه مضمون فإن كان ميتا ففيه دية الجنين، وإن كان فيه حياة مثل أن خرج رأسه وصرخ أو تنفس ففيه الدية لأنا تحققنا حياته حين الضرب.

[ 205 ]

إذا ضرب بطن أمة فألقت جنينا ميتا مملوكا ففيه عشر قيمة أمه ذكرا كان أو أنثى عند قوم، أو غرة تامة مثل جنين الحرة، وهو الذي رواه أصحابنا وقال قوم فيه عشر قيمته إن كان أنثى وإن كان ذكرا فنصف عشر جنين الحر فالواجب في الجنين الحر لا يختلف ذكرا كان أو أنثى، والواجب في جنين الأمة يختلف بالذكورية والأنوثية. وقد يجب عنده في الذكر دون ما يجب في الأنثى وهو إذا اتفقت القيمتان فكانت قيمة كل أحد منهما عشرين دينارا فيكون في الأنثى ديناران عشر قيمتها، وفي الذكر دينار واحد نصف عشر قيمته. وأما إذا خرج حيا ثم مات عشر قيمته بلا خلاف فمن قال يعتبر بعشر قيمة أمه فمتى يعتبر قيمتها؟ قال يعتبر قيمتها يوم الضرب، وقال بعضهم يعتبر قيمتها يوم الاسقاط والأول أقوى. فإن ضرب بطن مدبرة أو معتقة نصفه عندهم أو مكاتبة أو أم ولد فألقت جنينا ميتا ففيه عشر قيمة أمه، لأنه جنين مملوك، فإن وطئ أمة بشبهة يعتقدها زوجته الحرة أو أمته فأحبلها فالولد حر لاعتقاده أنه حر وإن وضعته حيا فعليه قيمته يوم وضعته حيا، فإن قتله قاتل بعد هذا فعليه القود إن كان عمدا وإن كان خطأ أو شبه العمد فكمال الدية. فإن أحبلها الواطي بحر فضرب رجل بطنها فألفته ميتا ففي دية الجنين الحر لأنه جنين خرج ميتا من ضربه، ويكون عشر قيمة أمه لو كانت حرة، وتكون هذه الدية على الجاني للواطي فإنه أبوه إن لم يكن له وارث سواه. وأما أبوه فعليه لسيد الأمة في الجنين عشر قيمتها لأنه لو خرج ميتا من الضرب كان هذا له على الضارب، فإذا أعتق بسببه فقد حال بين سيدها وبين هذا القدر فألزم هذا السيد الأمة، فيكون لسيد الأمة على الواطي عشر قيمة أمة وللواطي على الجاني الغرة.

[ 206 ]

فإذا ثبت هذا قابلنا بين الغرة وعشر القيمة، فإن كانا سواء أخذ الواطي من الجاني الغرة وأخذ السيد من الواطي عشر القيمة، وإن كانت الغرة أكثر كان الفضل للواطي لأنه أبوه وإن كانت الغرة أقل كان على الواطي تمام عشر القيمة لسيدها. إذا جنى على نصرانية فألقت جنينا ميتا ففيها غرة عبد قيمة عشر دية أمه، و عندنا عشر دية أمه فإن قالت أمه هذا الجنين مسلم لأني حملت به من مسلم بالزنا لم يلتفت إلى قولها لأن المسلم إن كان قد فعل هذا فلا يلتحق النسب به بالزنا. فإن قالت ما زنا لكنه أصابني بشبهة والولد مسلم، نظرت في العاقلة والجاني فإن أنكروا ذلك فالقول قول العاقلة والجاني معا مع اليمين على العلم لأنا لا نعلم أن هذا وطئها لأنها يمين على النفي على فعل الغير فإذا حلفوا فعلى العاقلة غرة جنين نصراني، وإن اعترفت العاقلة والجاني معا بذلك فعليهما دية جنين مسلم وهكذا لو اعترف العاقلة وحدها فإن اعترف الجاني بذلك وأنكرت العاقلة حلفت وكان عليه غرة جنين ذمي قيمته قيمة عشر دية أمه، وكان الفضل إلى غرة هي في جنين الحر المسلم على الجاني، لأنه قد اعترف بذلك، والعاقلة لا تعقل اعترافا. إذا وطئ مسلم وذمي ذمية في طهر واحد فأتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما فضرب بطنها رجل فألقت جنينا ميتا فعلى الضارب الكفارة لأنه لا يخلو من أن يكون مسلما أو ذميا وأيهما كان فعليه الكفارة. وأما الضمان فالذي يوجب في الحال دية جنين ذمية عشر ديتها لأنه يحتمل أن يكون مسلما فوجب عليه الأقل لأن الأصل براءة ذمته، ثم ينظر فيه فإن الحق بالذمي فقد استوفي الحق من الجاني، وإن الحق بالمسلم استوفي من الجاني تمام دية جنين حر مسلم. إذا كانت الجارية بين شريكين فحملت بمملوك فضرب إنسان بطنها فألقته ميتا نظرت، فإن كان أجنبيا فعليه الكفارة وضمان الجنين عشر قيمة أمة يكون ذلك للسيدين لأن الجنين بينهما، وإن كان الضارب أحد الشريكين فعليه الكفارة لأنه

[ 207 ]

لو كان الجنين كله له كان عليه الكفارة. وأما ضمان الجنين فما قابل نصيب نفسه ساقط لأنه لا يضمن لنفسه ملك نفسه، وعليه ضمان نصيب شريكه نصف عشر قيمة أمه. هذا إذا لم يعتق أحد الشريكين نصفه منهما فأما إن حملت بمملوك ثم ضرب أحد الشريكين بطنها ثم أعتق أحد الشريكين نصيبه منها بعد الضرب، ثم أسقطت الجنين ميتا بعد العتق لم يخل المعتق من أحد أمرين إما أن يكون هو الضارب أو غير الضارب. فإن كان المعتق لنصيبه هو الضارب لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون موسرا أو معسرا فإن كان معسرا عتق نصيبه منها ومن الحمل لأن الحامل إذا أعتقت سرى العتق إلى حملها فإذا أعتق نصفها سرى إلى نصف حملها، واستقر الرق في نصيب شريكه منها ومن حملها، فعلى الضارب الكفارة. وأما الجنين فقد وضعته ونصفه مملوك ونصفه حر فأما النصف المملوك فعليه ضمانه لشريكه وهو نصف عشر قيمة الأم، وأما النصف الحر ففيه نصف الغرة اعتبارا بحال الاستقرار. ولمن يكون هذا النصف؟ مبني على من نصفه حر إذا اكتسب مالا بما فيه من الحرية ثم مات فهل يورث عنه أم لا؟ قال قوم لا يورث عنه ويكون للسيد الذي يملك نصفه لأنه ناقص بما فيه من الرق فإذا لم يورث كان أحق الناس بما خلفه سيده الذي يملك نصفه، وقال آخرون يورث عنه لأنه مال ملكه بالحرية فوجب أن يورث عنه، وقال بعضهم يكون ما خلفه لبيت المال. فإذا ثبت هذا كان النصف من الغرة بمنزلة ما خلفه هذا الجنين بما فيه من الحرية، فمن قال يكون لسيده الذي يملك نصفه كان نصف الغرة له على الضارب، ومن قال يورث عنه ورث عنه هذا النصف من الغرة فأما أمه فلا ترث منه شيئا لأن نصفها مملوك ويكون لورثتها بعدها فإن لم يكن له وارث مناسب لم يكن لسيده الذي أعتقه شئ منها لأنه قاتل، ويكون ذلك لعصبة مولاه الذي أعتق، وإن لم يكن

[ 208 ]

عصبة فلبيت مال المسلمين، وعلى قول بعضهم يكون لبيت المال بكل حال. هذا إذا كان المعتق معسرا فأما إن كان موسرا عتق نصيبه منها من جنينها وسرى العتق إلى نصيب شريكه منها ومن جنينها. ومتى سرى قيل فيه ثلثة أقوال أحدها يعتق نصف شريكه باللفظ، الثاني باللفظ ودفع القيمة، الثالث مراعى، فإن دفع القيمة تبينا أنه عتق باللفظ، وإن لم يدفع فنصف شريكه على الرق، فمن قال العتق باللفظ ودفع القيمة أو قال مراعى فلم يدفع القيمة حتى أسقطته فقد أسقطته ميتا ونصفه حر فيكون الحكم فيه كما لو كان المعتق معسرا حرفا بحرف، وقد مضى، لأنه إذا كان معسرا ألقته ميتا ونصفه حر فلهذا كانا في الحكم سواء، ومن قال يعتق باللفظ أو قال مراعا فدفع القيمة قبل أن يسقط ثم أسقطته حرا ميتا فعلى الضارب المعتق نصف قيمة الأم يتبعها جنينها فيه، لأن الجنين يتبع أمه في الابدال، كما لو باعها حاملا فإن جنينها يتبعها وأما الجنين ففيه دية جنين حر وهو الغرة، وأنها تورث كلها لأن كله حر يكون لأمه منها الثلث إن لم يكن له إخوة لأنها حرة حين وضعته والباقي للأب، فإن لم يكن رد عندنا على الأم وعندهم لورثته، فإن لم يكن له ورثة لم يرث مولاه الذي أعتق شيئا لأنه قاتل وإن كان لمولاه عصبة كان لهم وإلا فلبيت المال. هذا إذا كان المعتق هو الضارب وأما إذا كان المعتق هو الذي لم يضربها لم يخل أيضا من أحد أمرين إما أن يكون معسرا أو موسرا، فإن كان معسرا عتق نصيبه من الجنين ومنها، واستقر الرق في نصيب شريكه منها ومن جنينها، فعلى الضارب الكفارة وقد أسقطته ميتا ونصفه حر فأما نصيب الضارب فهدر لأنه مملوك له، وأما نصيب المعتق فقد صار حرا وفيه نصف الغرة، ولمن كان هذا النصف؟ فمن قال لسيده الذي لم يعتق، فالذي لم يعتق هو الضارب، فلا ضمان عليه لأنه لو لم يكن ضاربا انصرف إليه، فإذا كان ضاربا لا يضمن لأنه لو ضمن ضمن لنفسه وإنما عاد هذا الحق إليه لأنه ليس بميراث وإنما هو حق يملك والقتل لا يمنعه.

[ 209 ]

ومن قال يكون نصف الغرة موروثا لم ترث أمه شيئا لأن نصفها رق ويكون لغير أمه من ورثته، فإن لم يكن له وارث مناسب فلمولاه الذي أعتق لأنه ليس بقاتل فإن لم يكن هناك مولى ولا عصبة مولى فلبيت المال. هذا إذا كان المعتق معسرا فأما إن كان موسرا سرى إلى نصيب شريكه منها ومن جنينها، فمن قال يسري باللفظ ودفع القيمة أو قال مراعى فلم يدفع القيمة حتى أسقطت فقد أسقطت ميتا ونصفه حر فيكون الحكم فيه كما لو كان المعتق معسرا وقد مضى ومن قال يعتق باللفظ أو مراعا فدفع القيمة ثم ألقته ميتا فعلى المعتق نصف قيمة الأمة للضارب يتبعها جنينها فيه. وأما الجنين ففيه الغرة على الضارب فتكون الغرة عليه، وله نصف قيمة الأم وهذه الغرة كلها تورث، فلامه الثلث والباقي فلورثته، فإن لم يكن له وارث مناسب فلمولاه الذي أعتقه لأنه ليس بقاتل، فإن لم يكن له عصبة فلعصبة مولاه، وإلا فلبيت المال وعندنا كله للإمام.

[ 210 ]

كتاب القسامة القسامة عند الفقهاء كثرة اليمين، فالقسامة من القسم وسميت قسامة لتكثير اليمين فيها (1). إذا ادعى الرجل دما على قوم لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون معه ما يدل على صدق ما يدعيه أو لا يكون، فإن لم يكن معه ذلك، فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، فإن حلف برئ وإن لم يحلف رددنا اليمين على المدعي فيحلف ويستحق ما ادعاه إن كان قتلا عمدا استحق القود، وإن كان غير العمد استحق الدية. ولا فصل بين هذا وبين سائر الدعاوى إلا في صفة اليمين فإن الدعوى إن كانت قتلا ودما هل يغلظ الأيمان فيه أم لا، قال قوم تغلظ، وقال آخرون لا تغلظ، و سيجيئ الكلام فيه. وإن كان معه ما يدل على دعواه ويشهد القلب بصدق ما يدعيه فهذا يسمى لوثا مثل أن يشهد معه شاهد واحد، أو وجد القتيل في برية وهو طري والدم جار و بالقرب منه رجل معه سكين عليها دم، والرجل ملوث بالدم، أو وجد في قرية لا يدخلها إلا أهلها، فالظاهر أن أهلها قتلوه، وإن كان يخلطهم غيرهم نهارا ويفارقهم ليلا، فإن وجد القتيل نهارا فلا لوث، وإن وجد ليلا فالظاهر أن أهل القرية قتلوه. وحكم المحلة الطارقة من البلد وحكم القرية واحد، وهكذا لو وجد في دار فيها قوم قد اجتمعوا على أمر من طعام أو غيره فوجد قتيل بينهم فهذا لوث فالظاهر أنهم قتلوه. فمتى كان مع المدعي لوث فالقول قوله يبدأ باليمين يحلف خمسين يمينا

(1) وقال أهل اللغة: القسامة عبارة عن أسماء الحالفين من أولياء المقتول فعبر بالمصدر عنهم، وأقيم المصدر مقامهم، يقال: أقسمت أقساما وقسامة فأيهما كان فاشتقاقه من القسم الذي هو اليمين. منه قدس سره

[ 211 ]

ويستحق، فإن كان حلف على قتل عمد محض عندنا يقاد المدعى عليه به وقال قوم لا يقاد وفيه خلاف. وقال قوم لا أحكم باللوث ولا أعده ولا أراعيه ولا أجعل اليمين في جنبة المدعي فإذا وجد قتيل في قرية لا يختلط بهم غيرهم وادعى عليهم الدم كان عليهم خمسون رجلا من صالحي القرية يحلفون ما قتلوه، فإن كان أقل من خمسين رجلا كانت اليمين عليهم بالحصة، فإن كانوا خمسة حلف كل واحد عشرة أيمان، وإذا كان واحدا حلف خمسين يمينا، فإذا حلفوا وجبت الدية على باقي الخطة إن كان موجودا وعلى سكان القرية إن كان مفقودا وقال بعض أصحاب هذا القول على سكانها بكل حال. قال: فإن وجد في مسجد الجامع حلف خمسون رجلا من أهل المسجد خمسين يمينا فإذا حلفوا كانت الدية عليهم لأن الدار قد صارت لهم. وقد بينا أن اليمين في جهة المدعي لكن يحلف خمسون رجلا من أولياء المقتول خمسين يمينا أن المدعى عليه قتله، فإن نقصوا كررت عليهم من الأيمان ما تكون خمسين يمينا، فإن لم يكن إلا واحد حلف خمسين يمينا واستحق القود إن حلف على عمد، فإن أبى أن يحلف حلف من المدعى عليهم خمسون رجلا خمسين يمينا فإن نقصوا حلفوا خمسين يمينا بالتكرار، فإن كان المدعى عليه واحدا، حلف خمسين يمينا، فإذا حلف برئ من ذلك، وكانت الدية على القرية أو المحلة التي وجد فيها فأما إن وجد في الجامع أو الشارع العظيم فديته على بيت المال. وقتل الخطاء فيه خمسة وعشرون يمينا على شرح يمين العمد سواء وما رأيت أحدا من الفقهاء فرق. فإذا ثبت أن البداءة بيمين المدعي لم تخل الدعوى من ثلثة أحوال إما أن يكون قتل خطأ، أو عمد الخطاء أو عمد محض، فإن كان خطأ محضا نظرت فإن كان اللوث شاهدا حلف يمينا واحدة مع بينته واستحق الدية لأنه إثبات مال يثبت بالشاهد و اليمين، وإن كان اللوث غير الشاهد حلف مع اللوث عندنا خمسا وعشرين يمينا وعندهم خمسين يمينا ووجبت الدية على العاقلة، وإن كان عمد الخطاء حلف مع الشاهد يمينا واحدة، ومع عدم الشاهد خمسا وعشرين يمنا عندنا، وخمسين عندهم، وتثبت

[ 212 ]

به دية مغلظة عندنا في مال المدعى عليه وعندهم على العاقلة وإن كانت الدعوى عمدا محضا يوجب القود، حلف المدعي خمسين يمينا مع اللوث، سواء كان اللوث شاهدا أو غير شاهد، فإذا حلف ثبت بيمينه قتل عمد يوجب القود، فإذا ثبت هذا بيمينه قتل المحلوف عليه عندنا وعند جماعة، وقال بعضهم لا يقتل به، فإذا حلف الولي قضى له بالدية المغلظة حالة في مال القاتل، فمن أوجب الدية قال الدية مغلظة حالة في مال القاتل. ومن قال يجب القود نظرت فإن كان المحلوف واحدا قتل ولا كلام، وإن حلف على جماعة فكذلك يقتلون به غير أن على مذهبنا يردون فاضل الدية، وقال بعضهم لا يقتلون لكن يختار الولي واحدا منهم فيقتله به، وهذا عندنا يجوز للولي أن يفعله غير أن على الباقين أن يردوا على أولياء المقتول الثاني ما يخصهم من الدية. فأما صورة اللوث فالأصل فيه قصة الأنصار وقتل عبد الله بن سهل بخيبر و السبب الذي قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله هو أن خيبرا كانت دار يهود محضة لا يخلطهم غيرهم، وكانت العداوة بينهم وبين الأنصار ظاهرة لأن الأنصار كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله لما فتحها فقتلوهم وسبوهم فاجتمع أمران: عداوة معروفة وانفراد اليهود بالقرية، وقد خرج عبد الله بن سهل بعد العصر فوجد قتيلا قبل الليل وقيل بعد المغرب فغلب في ظن كل من عرف الصورة أن بعض اليهود قتله. فإذا ثبت هذا فحكم غيرهم حكمهم، فمتى كان مع المدعي ما يغلب على الظن صدق ما يدعيه من تهمة ظاهرة أو غيرها فهو لوث، فمن ذلك إذا كان البلد صغيرا ينفرد به أهله، أو كانت القرية منفردة، وكذلك إن كانت محلة من محال البلد في بعض أطرافه بهذه الصورة أو حلة من حلل العرب بهذه الصورة، فمتى دخل إليهم من بينهم و بينه عداوة فوجد قتيلا بينهم فهذه وخيبر سواء لا يختلفان فيه. ومتى عدم الشرطان أو أحدهما فلا لوث مثل أن وجد قتيلا في قرية لا ينفرد بها أهلها، وكانت مستطرقة، ولا عداوة بينهم وبين القتيل فلا لوث، أو كانت منفردة لا يخلطهم غيرهم لكنه لا عداوة بينهم وبينه، أو كانت هناك عداوة والقرية مستطرقة فلا لوث

[ 213 ]

فإن جاز أن يقتله أهل القرية يجوز أن يقتله غيرهم فبطل اللوث. فأما إذا اجتمع قوم في بيت أو حجرة أو دار كبيرة أو بستان في دعوة أو مشاورة أو سبب فتفرقوا عن قتيل بينهم، كان هذا لوثا سواء كان بينه وبين القوم عداوة أو لا عداوة بينهم، والفرق بين الدار والقرية أن الدار لا يدخلها أحد إلا بإذن صاحبها، وليس كذلك القرية المستطرقة لأنه يدخلها كل أحد، فلأجل ذلك لم يكن لوثا في القرية، وكان لوثا في الدار. وأما إن وجد قتيل في الصحراء والقتيل طري والدم جار وهناك رجل بالقرب منه ملوث بالدم، ومعه سكين ملوثة بالدم وليس في المكان سواهما ولا أثر، فهو لوث عليه، وإن كان في المكان غيرهما كالسبع والذئب والوحش الذي يقتل الانسان أو يرى رجل آخر يعدو موليا والأثر أن يشاهد الدم مترششا في غير طريق هذا الموجود معه ونحو هذا، فكل ذلك يبطل اللوث في حق هذا لأن هذه الأشياء أحدثت شكا و اشتراكا في قتله فلم يغلب في الظن أن هذا قتله. وإذا وقع قتال بين طائفتين كأهل العدل والبغي أو قتال فتنة بين طائفتين فوجد هناك قتيل بين إحدى الطائفتين لا يدري من قتله نظرت، فإن اختلط القتال بينهم والتحمت الحرب ثم تفرقوا عن قتيل كان اللوث على غير طائفته، فإن كان الصفان متفرقين و كان ما بينهما قرب يصل السهام والنشاب من كل واحد منهما إلى الآخر، فوجد قتيل في أحد الصفين فاللوث على غير طائفته. وإن لم يكن بينهم رمي بالسهام ولا اختلاط بالقتال، فلا فصل بين أن يتقارب الصفان أو يتباعدا فإذا وجد قتيل في أحد الصفين فاللوث على أهل صفه، وهذه صورة طلحة وجد قتيلا في صفه، فقيل إن مروان رماه فقتله. فأما إن ازدحم الناس في موضع وتضايقوا لمعنى كالطواف والصلوة وعند دخول المسجد والكعبة أو عند بئر أو مصنع لأخذ الماء أو قنطرة أو جسر كان لوثا عليهم لأنه يغلب على الظن أنهم قتلوه وروى أصحابنا في مثل هذا أن ديته على بيت المال.

[ 214 ]

فأما ثبوت اللوث بالقول ينظر فيه، فإن كان مع المدعي شاهد عدل كان هذا لوثا فإن ادعى قتله خطأ أو عمد الخطاء حلف مع يمينا واحدة واستحق الدية لأن هذه دعوى مال، والمال يثبت بالشاهد واليمين، وإن كان القتل عمدا محضا يثبت هذا القتل بالقسامة، وهل يثبت القود على ما مضى من الخلاف، عندنا يثبت وعندهم لا يثبت. وأما إن لم يكن المخبر عدلا لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون ممن لقوله حكم في الشرع، أو لا حكم لقوله، فإن كان لقوله حكم في الشرع كالعبيد والنساء، فإن أخبارهم في الدين مقبولة، والنساء في القتل لا يقبلن، نظرت فإن أتت طائفة من نواحي متفرقة ولم يكن هذا عن اجتماع يقع به التواطؤ على ما أخبروا به، وكل واحد منهم يقول قد قتل فلان فلانا فهذا لوث لأنه إذا قبل قولهم في الإخبار ووقع الخبر منهم على وجه متجرد عن التواطؤ عليه غلب على الظن صدق قولهم، وكان لوثا. هذا إذا لم يبلغوا حدا يوجب خبرهم العلم فإن بلغوا ذلك خرج عن حد غلبة الظن. وأما إن كانوا لا حكم لقولهم في الشرع كالصبيان والكفار وأقبلوا متفرقين من كل ناحية على ما صورناه في المسألة قبلها قال قوم لا يكون لوثا لأنه لا حكم لقولهم في الشرع وقال آخرون وهو الأصح عندهم أنه لوث لأنه يوجب غلبة الظن فإنهم أتوا به متفرقين من غير اجتماع ولا تواطؤ، فكان هذا أكثر من تفرق جماعة عن قتيل، وعندنا إن كان هؤلاء بلغوا حد التواتر ولا يجوز منهم التواطؤ ولا اتفاق الكذب، فإن خبرهم يوجب العلم ويخرج من باب الظن، فأما إن لم يبلغوا ذلك الحد فلا حكم لقولهم أصلا. ومتى حصل اللوث على جماعة مثل أن وجد القتيل في قرية أو محلة أو دار و هناك لوث نظرت، فإن عين الولي واحدا منهم فقال هذا قتله، كان له أن يقسم عليه وهكذا لو ادعى على جماعة يتأتى منهم القتل فإن ادعى على جماعة لا يتأتى منهم الاشتراك

[ 215 ]

في قتل واحد مثل أن ادعى على أهل بغداد فقال كلهم قتلوه، ونحو هذا قلنا هذا محال لا يسمع منك، فإن رجعت إلى عدة يصح منهم الاشتراك في قتله وإلا فانصرف لأن النبي صلى الله عليه وآله قال يحلف خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته وإنما قصد عليه السلام أن يبين أنه لا يقبل الدعوى إلا على من يصح منه قتله كالواحد، وما في معناه، فدل على ما قلناه. كل موضع حصل اللوث على ما فسرناه، فللولي أن يقسم سواء كان بالقتيل أثر القتل أو لم يكن أثر القتل، وقال قوم إن كان به أثر القتل مثل هذا، وإن لم يكن أثر فلا قسامة بل إن كان قد خرج الدم من أنفه فلا قسامة لأن يخرج من خنق ويظهر من غير قتل، فإن خرج من أذنه فهذا مقتول لأنه لا يخرج من أذنه إلا بخنق شديد، وسبب عظم يخرج من أذنه وهذا أقوى. إذا وجد قتيل في دار قوم فاللوث على من كان في جوف الدار، وإن ادعى القتل على واحد منهم وأنكر وقال ما كنت في الدار فالقول قوله أنه ما كان في الدار، ولم يكن للولي أن يقسم عليه حتى يثبت أنه كان مع القوم في الدار إما باعترافه أو بالبينة لأن اللوث دليل على من كان في الدار، وليس بدليل على أنه كان في الدار، فيكون القول قول المنكر مع يمينه، فإن حلف برئ وإن لم يحلف حلف الولي أنه كان في الدار فإذا ثبت كونه فيها فله أن يقسم عليه. وهذا كما قلنا إذا أتت امرأة بولد وقالت لزوجها هذا منك فالقول قوله، إلا أن تقيم البينة أنها ولدته على فراشه، فإذا أقامت البينة ثبت وإلا لم يثبت لأن الفراش يلحق به النسب، والفراش لا يثبت به الولادة، فإن أقامت البينة أنها ولدته لحق بالفراش إلا أن ينفيه باللعان، فإن لم يكن بينة وحلف أنها ما ولدته انتفى بغير لعان. قد ذكرنا أقسام اللوث وأصنافه وقال بعضهم لا لوث إلا بأحد أمرين شاهد عدل مع المدعي، فأما ما عداه من الدار والقرية فلا، والثاني أن يقول الرجل عند وفاته دمي عند فلان، معناه قاتلي فلان فهذا لوث، وما عداه فلا لوث، وهذا الأخير عندنا ليس بلوث أصلا.

[ 216 ]

إذا وجد اللوث الذي ذكرناه كان للولي أن يقسم على من يدعي عليه سواء شاهد القاتل أو لم يشاهد أو شاهد هو موضع القتل أو لم يشاهد، لأن القصة كذا جرت لأن عبد الله بن سهل قتل بخيبر فعرض النبي عليه السلام على أخيه وكان بالمدينة لأن اليمين قد يكون تارة على العلم، وتارة على غالب الظن، مثل أن يجد بخطه شيئا وقد نسيه أو يجد بخط أبيه وفي روزنامجه شيئا أو يخبره من هو ثقة عنده ولا تقبل شهادته عند الحكام، فإنه يجوز عندهم أن يحلف على جميع ذلك، وعندنا لا يجوز أن يحلف إلا على العلم. فإن قيل أليس لو اشترى رجل بالمغرب له عشرون سنة عبدا بالمشرق له مائة سنة ثم باعه من ساعته فادعى المشتري أن به عيبا وأنه آبق وقد أبق فيما سلف، حلف البايع أنه ما أبق وإن جاز أن يكون أبق خمسين سنة قبل أن يولد البايع، فإذا جاز ذلك جاز ههنا قيل عندنا أنه لا يجوز له أن يحلف أنه ما أبق، وإنما يحلف أنه لا يعلم أنه أبق لأنه يمين على نفي فعل الغير وعلى من ادعى الإباق البينة. إذا أراد ولي الدم أن يحلف فالمستحب للحاكم أن يستثبته ويعظه ويزجره ويحذره ويعرفه ما في اليمين الكاذبة، ويبين له أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة مثل اللعان، وإن كانت اليمين في الأموال، قال قوم مثل ذلك، يعظه ويخوفه وقال آخرون لا يفعل لأن المال أخفض رتبة من الدم، ويفارق اللعان لأنه إذا ثبت أوجب قتلا أو حدا والأول أحوط لأن فيه تحذيرا من اليمين الكاذبة. إذا كان المقتول مسلما والمدعى عليه مشركا أقسم ولي الدم على ذلك واستحق بلا خلاف فيه، لأن قصة الأنصار كانت مع اليهود، فإن كانت بالضد وكان المقتول مشركا والمدعى عليه القتل مسلما قال قوم مثل ذلك يقسم وليه، ويثبت القتل على المسلم، وقال قوم لا قسامة لمشرك على مسلم، والأول أقوى عندنا لعموم الأخبار، غير أنه لا يثبت به القود وإنما يثبت به المال. إذا قتل عبد لمسلم وهناك لوث على ما فصلناه فهل لسيده القسامة أم لا، قال

[ 217 ]

قوم له ذلك، وقال آخرون ليس له ذلك، والأول أقوى عندي لعموم الأخبار و لأن القسامة لحرمة النفس وهذا موجود ههنا. فمن قال لا قسامة، قال هو كالبهيمة توجد مقتولة في محلة فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، ويحلف ويبرء، ومن قال فيه القسامة على ما قلناه قال إذا حلف المولى نظرت فإن كان القاتل حرا والقتل عمدا، فلا قود، وتكون قيمته حالة في مال القاتل، وإن كان خطأ قال قوم تحمله العاقلة وقال آخرون لا تحمله وهو الأقوى لأن عندنا لا يحمل على العاقلة إلا ما تقوم به البينة، وتكون في مال القاتل خاصة وإن كان القاتل عبدا فإن كان القتل عمدا قيد به العبد عندنا، وقال قوم لا يقاد به وإن كان خطأ تعلقت قيمة المقتول برقبته يباع فيها، والمدبر والمدبرة و المعتق نصفه وأم الولد والمأذون له في التجارة كالعبد القن سواء، لأنه رق والمكاتب كذلك إن كان مشروطا عليه، وإن كان مطلقا وتحرر بعضه انفسخت بقدر ما بقي مملوكا تعلق برقبته يباع فيه، وانفسخت الكتابة وبقدر ما تحرر فيه يكون في ذمته. وإن كان المقتول عبدا لمكاتب فقد قلنا في العبد قسامة، فالمكاتب في عبده كالحر في عبده له القسامة لأن له فيه فائدة، وهو أن يثبت ذلك فيأخذ قيمة عبده يستعين بها على كتابته. إذا وجد الرجل قتيلا في داره وفي الدار عبد المقتول كان لوثا على العبد، و للورثة أن يقسموا ويثبتوا القتل على العبد، ويكون فائدته أن يملكوا قتله عندنا إن كان عمدا وفيه فائدة أخرى وهي أن الجناية إذا ثبتت تعلق أرشها برقبته، فربما كان رهنا فإذا مات كان للوارث أن يقدم حق الجناية على حق الرهن فإذا كانت فيه فائدة كان لهم أن يقسموا. إذا كان لأم الولد عبد فقتل فهل لها القسامة أم لا؟ لا يخلو العبد من أحد أمرين إما أن يكون لخدمتها أو يكون ملكا لها، فإن كان لخدمتها مثل أن أفرد السيد لها عبدا يخدمها ولم يملكها فالقسامة لسيدها لأنه ملكه، فإذا حلف ثبت القتل على المدعى عليه، وقد مضى حكمه، وإن لم يحلف السيد حتى مات قام وارثه مقامه

[ 218 ]

في القسامة، فإن حلف الوارث فالحكم فيه كما لو حلف المورث وقد مضى. فإن أوصى السيد بثمن العبد المقتول لأم الولد قبل القسامة صحت الوصية و الوصية تصح مع الغرر والخطر، لأنها يصح بالموجود والمعدوم والمجهول والمعلوم، ألا ترى يصح أن يوصي بثمرة نخلة سنين فكذلك ههنا وإن كانت القيمة ما وجبت قبل القسامة والوصية تصح لأم الولد لأنها تلزم بوفاة سيدها وهي ينعتق بوفاة سيدها عندهم من أصل المال، وعندنا من نصيب ولدها ولا يصح للعبد القن لأنه لا يصير حرا في الحال. فإذا صحت الوصية فإن حلف الورثة ثبتت القيمة، وكانت وصية لأن الوارث لا يمتنع أن يحلف على إثبات حق إذا ثبت كان لغيره كما لو خلف تركة ودينا له وعليه، فإن وارثه يحلف على الدين، وإن كان إذا ثبت كان لغيره. فإذا ثبت أن القيمة وصية نظرت فإن كانت وفق الثلث أو أقل فالقيمة لها، و إن كانت أكثر من الثلث فالفضل موقوف على الإجازة، فإن أجازه الورثة جاز، وإلا بطل. وإن لم يقسم الوارث فهل ترد القسامة عليها فتحلف؟ قال قوم لا تحلف لأنها أجنبية وهو الصحيح عندي، وقال قوم تحلف لأن لها به تعلقا وهو أنه إذا ثبت القتل كانت القيمة لها، ومثل ذلك إذا خلف دينا عليه ودينا له وله شاهد، حلف وارثه مع شاهده وإن لم يحلف فهل يرد على الغرماء؟ على قولين وهكذا لو كان للمفلس دين له به شاهد واحد حلف مع شاهده، فإن لم يحلف فهل يحلف الغرماء أم لا؟ على قولين وهكذا إذا أحبل الراهن الجارية المرهونة وادعى أنه بإذن المرتهن، فالقول قول المرتهن ولا يخرج من الرهن، فإن لم يحلف ردت اليمين على الراهن فإن حلف خرجت من الرهن، وإن لم يحلف فهل يرد اليمين عليها أم لا؟ على قولين، والصحيح عندي في جميع هذه المواضع أنه لا يرد اليمين على الأجنبي. هذا إذا لم يكن العبد ملكا لها وإنما رتبه السيد لخدمتها فأما إن كان العبد قد ملكها سيدها إياه فهل لها القسامة أم لا؟ فمن قال إن العبد إذا ملك لم يملك و هو الصحيح عندنا فالحكم على هذا كما لو كان لخدمتها وقد مضى، ومن قال إذا

[ 219 ]

ملك العبد ملك فهل لها القسامة أم لا؟ على وجهين. أحدهما لها ذلك لأنه ملك لها وليس هناك أكثر من أنها منقوصة بالرق، وهذا لا يمنع القسامة كالمكاتب إذا كان له عبد، والوجه الثاني ليس لها أن تقسم لأنه وإن كان ملكها فهو غير ثابت ألا ترى أن للسيد أن ينتزعه منها متى شاء، و تصرفها فيه لا يصح إلا بإذن سيدها، فلهذا قلنا لا تقسم، وتفارق المكاتب لأن له فيه تصرفا وتنمية المال، ولهذا كان له القسامة. فمن قال تقسم أقسمت وثبت لها، ومن قال لا تقسم أقسم سيدها، وهكذا الحكم في كل عبد قن إذا دفع سيده إليه عبدا فالحكم فيه مثل ذلك. إذا جرح الرجل وهو مسلم وهناك لوث مثل أن حصلوا في بيت فتفرقوا عن جرح مسلم ثم ارتد المجروح ومات في الردة فلا قسامة عندهم، لأنه إذا ارتد لا يورث فصار ماله فيئا فإذا لم يكن له ولي يقسم سقطت القسامة. ولو كان موروثا لجماعة المسلمين لا قسامة لأن وارثه غير معين، ولأن الجرح في حال الاسلام مضمون، فإذا ارتد فالسراية غير مضمونة، فلو أثبتنا القسامة أثبتناها فيما دون النفس، وهذا لا سبيل إليه، وعندنا أن القسامة تثبت إذا كان له ولي مسلم فإنه يرثه عندنا وإن لم يكن له وارث سقطت القسامة لأن ميراثه للإمام عندنا، ولا يمين عليه والأمر إليه. فإذا أقسم الولي يثبت له أرش الجرح الذي وقع في حال الاسلام، لأن السراية غير مضمونة، والقسامة عندنا تثبت فيما دون النفس على ما سنبينه. فأما إن عاد إلى الاسلام ومات نظرت فإن عاد قبل أن يكون للجرح سراية وجبت الدية كاملة، وهل يسقط القود؟ على قولين عندنا لا يسقط، وإن رجع بعد أن حصل لها سراية حال الردة فلا قود، وهل يجب كمال الدية أم لا قال قوم فيه كمال الدية وقال آخرون نصف الدية والأول أقوى، سواء وجبت الدية أو نصفها فللولي أن يقسم لأن الذي يثبته بدل النفس غير أنه قد يكون ناقصا وقد يكون كاملا.

[ 220 ]

إذا تفرق قوم عن عبد وقد قطعت يده فهو لوث عليهم، فإن أعتق فسرى إلى نفسه فمات ففيه كمال الدية، لأن اعتبار الدية بحال الاستقرار، وهو حين الاستقرار حر ويكون للسيد منها أقل الأمرين أرش الجناية أو الدية، فإن كان أرش الجناية أقل فليس له إلا أرشها، وما زاد عليها زاد حال الحرية، وحال الحرية الحق لغيره، وإن كان أرش الجناية أكثر من الدية فله كمال الدية، لأن الحرية نقص لها، فكان له الدية وحده، فكل موضع كان له وحده فالقسامة عليه وحده، وكل موضع اشترك في البدل هو والوارث فالقسامة عليه وعلى الوارث بالحصة. إذا قطع الطرف أو جرح الرجل وهناك لوث فلا قسامة، ويكون الناظر عن نفسه المجروح، وعندنا في الأطراف قسامة على ما سنبينه. إذا قتل ولد الرجل وهناك لوث ثبت لوالده القسامة فإن أقسم فلا كلام، وإن ارتد والده قبل أن يقسم فالأولى ألا يمكنه الإمام من القسامة وهو مرتد كيلا يقدم على يمين كاذبة، فإن من أقدم على الردة أقدم على اليمين الكاذبة، ثم ينظر فيه فإن عاد إلى الاسلام أقسم، وإن مات في الردة بطلت القسامة لأن ماله ينقل إلى بيت المال ولا يقوم غيره فيها مقامه، لأنه لا يورث عنه، وعندنا أنه يرثه المسلمون من أهله. فإن كان من يرثه يقوم مقامه في الولاية عن المقتول كان له أن يقسم فإن لم يكن له وارث أصلا سقطت القسامة، ومتى خالف حال الردة وأقسم وقعت موقعها عندنا لعموم الأخبار. وقال شاذ منهم لا يقع موقعها، لأنه ليس من أهل القسامة وهذا غلط لأن هذا من أنواع الاكتساب، والمرتد لا يمنع من الاكتساب للمال في مهلة الاستنابة، فإذا أقسم يثبت الدية بالقسامة ووقفت، فإن عاد إلى الاسلام فهي له، وإن مات، أو قتل في ردته كان فيئا عندهم، وعندنا لورثته، فإن لم يكن فللإمام. هذا إذا ارتد بعد موت ولده، فأما إن ارتد قبل موت ولده وهناك وارث فلا قسامة له، فإن لم يكن له قسامة فكأنه ميت، ويكون القسامة لمن هو وارثه لو لم

[ 221 ]

يكن له، يقسم ويستحق الدية. فإن عاد والده إلى الاسلام بعد هذا فلا حق له فيها ولا قسامة، لأن الميراث إذا سقط عن الأقرب باختلاف الدين لم يعد إليه والذي يقتضي مذهبنا أنه إن عاد إلى الاسلام قبل قسمة المال إن كانوا اثنين فصاعدا كان له الدية، وإن كان واحدا أو بعد القسمة فلا شئ له. هذا الكلام في الحر إذا قتل فله قتيل وارتد فأما إذا قتل عبد لرجل وهناك لوث ففيه المسئلتان معا: إذا ارتد سيده بعد القتل لم يمكنه الحاكم من القسامة، فإن حلف صحت القسامة وثبتت القيمة بقسامته ووقفت، فإن مات أو قتل كان لورثته عندنا، وإن لم يكن فللإمام، وعندهم يكون فيئا بكل حال، وإن عاد إلى الاسلام كانت القيمة له. وأما إن ارتد السيد أولا ثم قتل العبد وهناك لوث فللسيد أيضا القسامة، فإذا تصح منه القسامة سواء ارتد قبل قتل العبد أو بعد قتله، والفصل بينه وبين الحر أن الحر يستحق الدية ميراثا واختلاف الدين يمنع من الميراث، فلهذا لا يقسم إذا ارتد قبل قتل ولده وليس كذلك ههنا، لأنه يقسم طلبا لملكه، وطلب الملك لا يمنع الكفر منه، فبان الفصل بينهما. إذا كانت الدعوى قتلا لم تخل من أحد أمرين إما أن يكون قتلا يوجب المال أو القود، فإن كان قتلا يوجب المال وهو الخطاء أو عمد الخطاء نظرت فإن كان مع المدعي شاهد واحد حلف مع شاهده يمينا واحدة، واستحق الدية لأنه إثبات المال، والمال يثبت بالشاهد واليمين، ولا قسامة ههنا. وإن كان معه لوث ولم يكن معه شاهد حلف خمسون رجلا من قومه أو حلف هو خمسين يمينا فغلظت الأيمان مع اللوث دون الشاهد، وعندنا خمس وعشرون يمينا على ما مضى بيانه. فإن كان قتلا يوجب القود وهو العمد المحض، فلا فصل بين أن يكون معه

[ 222 ]

شاهد أو لوث، فإن اليمين مغلظة في جنبه، فإذن في العمد يغلظ الأيمان سواء كان معه شاهد أو لوث، وفي الخطاء وعمد الخطاء يغلظ مع اللوث دون الشاهد. فإذا ثبت أنها مغلظة نظرت فإن كان المدعي واحدا حلف خمسين يمينا وإن كانوا أكثر، قال قوم يحلف كل واحد خمسين يمينا، وقال آخرون يحلف الكل خمسين يمينا بالحصة من الدية، وهو الذي يقتضي مذهبنا. فإن كان الدية بينهما نصفين كأنهما أخوان أو ابنان حلف كل واحد خمسا و عشرين يمينا، وإن كان له ابن وبنت حلف الابن ثلثي الخمسين، وجملته أربعة وثلثون يمينا وتحلف المرأة سبعة عشر يمينا تكمل لأنها لا تتبعض والنقصان لا يجوز، وعلى هذا أبدا. وإن حلف المدعي ثبت ما ادعاه، وإن نكل رددنا اليمين على المدعى عليه تغلظ أيضا لأن النبي صلى الله عليه وآله قال للأنصار أتبرئكم يهود بخمسين يمينا؟ فنقلها إلى جهتهم مغلظة. فإذا ثبت أنها مغلظة فإن كان المدعى عليه واحدا حلف خمسين يمينا وإن كانوا جماعة قال قوم يحلف كل واحد خمسين يمينا، وقال آخرون يحلف الكل خمسين يمينا وهو مذهبنا، ولكن على عدد الرؤس: الذكر والأنثى فيه سواء فإن كانوا خمسة حلف كل واحد عشرة أيمان، وإن كانوا خمسين حلف كل واحد يمينا واحدة. والأقوى في المدعى عليه أن يحلف كل واحد خمسين يمينا وفي المدعي أن على الكل خمسين يمينا، والفرق بينهما أن كل واحد من المدعى عليهم ينفي عن نفسه ما ينفيه الواحد إذا انفرد وهو القود، فلهذا حلف كل واحد ما يحلف الواحد إذا انفرد، وليس كذلك المدعي لأن الكل سواء يثبتون ما يثبته الواحد إذا انفرد. هذا إذا كان هناك لوث وكانت جنبة المدعي أقوى، فأما إن لم يكن لوث ولا شاهد، فاليمين في جنبة المدعي عليه ابتداء، لأن اليمين في الأصول في جنبة أقوى المتداعيين سببا، والأصل براءة ذمة المدعى عليه، فلهذا كان القول قوله.

[ 223 ]

وهل يكون اليمين مغلظة أم لا؟ قال قوم يكون مغلظة، وقال آخرون لا يغلظ وهو مذهبنا فمن قال لا يغلظ كانت كالدعوى في الأموال إن كان المدعى عليه واحدا حلف يمينا واحدة، وإن كانوا جماعة حلف كل واحد يمينا واحدة، وإن حلفوا برؤا وإن نكلوا رددنا اليمين على المدعي فإن كان واحدا حلف يمينا واحدة، وإن كانوا جماعة حلف كل واحد يمينا واحدة كالأموال سواء. ومن قال يغلظ قال إن كان المدعى عليه واحدا حلف خمسين يمينا وإن كانوا جماعة فعلى قولين أحدهما يحلف كل واحد خمسين يمينا والثاني يحلفون خمسين يمينا على عدد الرؤوس. فإن حلفوا برؤا وإن نكلوا عنها ردت على المدعي، فإن كان واحدا حلف خمسين يمينا، وإن كانوا جماعة فعلى قولين أحدهما يحلف كل واحد خمسين يمينا، والثاني يحلف الكل خمسين يمينا بالحصة من الدية، والفصل بين المدعي والمدعى عليه قد مضى. فأما إذا كانت الدعوى دون النفس فعندنا فيه قسامة وعندهم لا قسامة فيها، و لا يراعى أن يكون معه لوث ولا شاهد، لأنه لا يثبت بهما في الأطراف حكم، و لكن إذا ادعى قطع طرف أو جناية في ما دون النفس فيما يوجب القصاص فهل يغلظ لأجل حرمة النفس فيها أم لا؟ على قولين أحدهما لا يغلظ لأن التغليظ لأجل حرمة النفس فإنه يجب بقتلها الكفارة وليس للأطراف هذه الحرمة، والثاني يغلظ وعندنا فيها القسامة غير أنها في أشياء مخصوصة وهي كل عضو يجب فيه الدية كاملة مثل اليدين والرجلين والعينين وما أشبهها ويغلظ الأيمان بعدد ما يجب فيها من القسامة، ويجب القسامة فيها ستة رجال يحلفون، فإن لم يكونوا حلف المدعي ستة أيمان، فإن رد اليمين على المدعى عليه كان مثل ذلك وقد فصلناه في النهاية. فمن قال لا يغلظ فالحكم فيها كما لو كانت الدعوى مالا، والقول قول المدعي

[ 224 ]

عليه مع يمينه، فإن كان واحدا حلف يمينا واحدة، وإن كانوا جماعة حلف كل واحد يمينا واحدة. فإن حلفوا برؤا وإن نكلوا رددنا اليمين على المدعي فإن كان واحدا حلف يمينا واحدة وإن كانوا جماعة حلف كل واحد يمينا واستحق على ما نقوله في الأموال ومن قال يغلظ قال: ينظر، فإن كانت الجناية مما يجب به الدية كقطع اليدين و الرجلين أو قلع العينين والأنف واللسان والذكر، فالحكم فيها كالحكم إذا كانت الدعوى نفسا، وقلنا يغلظ، فإن كان المدعى عليه واحدا حلف خمسين يمينا، وإن كانوا جماعة فعلى قولين أحدهما يحلف كل واحد منهم ما يحلف الواحد، والثاني يحلف الكل خمسين يمينا على عدد الرؤس، وقد مضى مذهبنا وشرحه في ذلك. وإن كانت الجناية ما يجب فيها دون الدية كقطع يد أو رجل، وهذا يجب فيه نصف الدية، وفرض الكلام فيها أوضح، والتغليظ قائم، ولكن ما قدر التغليظ فيها؟ قولان أحدهما خمسون يمينا أيضا لأن الاعتبار بحرمة الدية، ولو كانت أنملة حلف خمسين يمينا والقول الثاني التغليظ مقسوم على قدر الدية، والواجب في النصف نصف الدية فيحلف نصف الخمسين خمسا وعشرين يمينا، وعندنا التغليظ قائم، و القسامة قائمة، غير أنها على النصف مما قد مضى بيانه، وهو ثلثة أيمان لأن كمالها ستة أيمان ثم على حساب ذلك. فإذا تقرر ذلك لم يخل المدعى عليه من أحد أمرين إما أن يكون واحدا أو خمسة وفرضه في الخمسة أوضح، فإن كان واحدا فكم يحلف على قولين أحدهما خمسين يمينا، والثاني خمسة وعشرين يمينا. وإن كانوا خمسة فكم يحلفون؟ فمن قال يحلف كل واحد ما يحلف الواحد إذا انفرد، قال يحلف كل واحد على قولين أحدهما خمسين يمينا والثاني خمسة و عشرين يمينا، لأن الواحد هكذا يحلف، ومن قال يحلف الكل ما يحلف الواحد قال يقسم عليهم ما يحلفه الواحد، فكم يقسمه عليهم على قولين؟ فمن قال الواحد

[ 225 ]

يحلف خمسين يمينا قسم عليهم خمسين يمينا على عدد رؤوسهم، فيحلف كل واحد عشرة أيمان، ومن قال يحلف الواحد خمسا وعشرين يمينا قسم عليهم خمسا وعشرين يمينا فيحلف كل واحد منهم خمسة أيمان. هذا إذا حلفوا، فإن لم يحلفوا رددنا اليمين على المدعي، فإن كان واحدا حلف وكم يحلف؟ على قولين أحدهما خمسين يمينا، والثاني خمسا وعشرين يمينا، وإن كانوا خمسة فكم يحلفون؟ على القولين، من قال يحلف كل واحد ما يحلفه الواحد فالواحد على قولين أحدهما خمسين يمينا والثاني خمسا وعشرين يمينا، وكذلك كل واحد من الخمسة على قولين. ومن قال يحلف الكل ما يحلف الواحد، فكم يحلف الكل؟ على قولين فمن قال يحلف الواحد خمسين يمينا قسم عليهم الخمسين، فيحلف كل واحد عشرة أيمان ومن قال يحلف الواحد خمسا وعشرين يمينا قسم بينهم ذلك فيحلف كل واحد خمسة أيمان، ويكون القسمة بينهم ههنا على قدر استحقاقهم من الدية، لا على عدد الرؤس وفي المدعى عليهم على عدد الرؤس، وقد مضى تفسيره. فيخرج من الجملة إذا كانوا خمسة كم يحلف كل واحد منهم؟ خمسة أقوال إذا كانت الجناية قطع يد أحدهما يحلف كل واحد خمسين يمينا، والثاني خمسا وعشرين والثالث عشرة، والرابع خمسة، والخامس يمينا واحدة على القول الذي يقال لا يغلظ وقد مضى أصولها. إذا ادعى على محجور عليه لسفه لم تخل الدعوى من أحد أمرين إما أن يكون قتل عمد أو غير عمد، فإن كان القتل عمدا لم يخل من أحد أمرين إما أن يقر أو ينكر فإن أقر استوفيناه منه، لأنه أقر فيما لا يلحقه فيه التهمة، وهكذا لو أقر بالزنا أو شرب الخمر حددناه، وإن لم يقر فإن كان مع المدعي لوث أو شاهد حلف خمسين يمينا، فإذا حلف فمن قال يقاد به قال يقتل ومن قال لا يقاد به قال يغرمه الدية مغلظة.

[ 226 ]

وإن لم يكن مع المدعي لوث فالقول قول المدعى عليه، فإن حلف برئ، و إن لم يحلف رددنا اليمين على المدعي فيحلف، فإذا حلف قتلناه لأنها يمين المدعي مع نكول المدعى عليه فقامت مقام البينة أو اعتراف المدعى عليه. ويفارق هذا يمين المدعي مع اللوث لأنها لا يحل محلها، فلهذا لم يقتل من لم يقل بالقود وجملته أن حكم السفيه في هذا الفصل وحكم غير السفيه سواء حرفا بحرف. وإن كانت الدعوى قتل الخطاء أو عمد الخطاء فإن كان مع المدعي لوث حلف خمسين يمينا، وإن كان معه شاهد حلف يمينا واحدة واستحق الدية، وإن لم يكن مع المدعي لوث ولا شاهد لم يخل المدعى عليه من أحد أمرين إما أن يقر أو ينكر فإن أقر لم يلزمه ذلك لأنه أقر بمال، وإقراره بالمال لا يقبل منه، وكذلك ما يقر به من الديون والمعاملات لا يقبل عنه، لأنه يسقط معنى الحجر، فلهذا لم يقبل منه فيما لم يلزمه فأما فيما بينه وبين الله عز وجل ينظر فيه فكلما لو ثبت عليه بالبينة غرمناه في الحكم، فإذا أقر به لزمه فيما بينه وبين الله كإتلاف نفس أو مال، وإن كان مما لو قامت به البينة لم يغرمه فكذلك إذا أقر به لا يلزمه فيما بينه وبين الله كالديون والبيوع والمعاملات. والفصل بينهما أن الحق بالإتلاف يلزمه بغير رضى من له الحق، فلزمه فيما بينه وبين الله، والدين برضى من له الدين فصاحب الحق فرط في حق نفسه، فلهذا لم يلزمه فيما بينه وبين الله. هذا إذا أقر فأما إن أنكر هذا المدعى عليه فإما أن يحلف أو ينكل، فإن حلف سقط حق المدعي وإن نكل فهل يرد اليمين على المدعي أم لا؟ على قولين بناء على يمين المدعي مع نكول المدعى عليه، فإنها على قولين أحدهما كالبينة على المدعى عليه، والثاني كاعترافه: فإذا قلنا يحل محل البينة حلف المدعي وإذا قيل كاعتراف المدعى عليه لم نرد اليمين على المدعي لأنه لو اعترف المدعى عليه لم يلزمه، فلا معنى لردها على المدعي.

[ 227 ]

وإذا ثبت هذا فكلما يسقط عنه حال الحجر عليه، فمتى زال الحجر عنه فهل يغرمه أم لا؟ قال قوم لا يغرم شيئا بحال، لأن الحجر لحفظ ماله فلو غرمناه بعد زوال الحجر سقطت فائدة الحجر، وقال بعضهم ينظر فيه فإن كان ألزمه عن إتلاف غرمه بعد زوال الحجر عنه، وإن كان عن دين أو معاملة لم يلزمه بعد زوال الحجر عنه، والفصل بينهما أن البينة لو قامت بالإتلاف لزمه فألزمناه باعترافه، والبينة لو كانت بالدين لم يلزمه فكذلك باعترافه. فأما المحجور عليه لفلس فمتى ادعي عليه القتل لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون عمدا أو غيره، فإن كان عمدا محضا فالحكم فيه كما لو كان الحجر لسفه وقد مضى إن اعترف قتل، وإن لم يعترف وكان مع المدعي لوث أو شاهد حلف خمسين يمينا، وكان له القود عند قوم، وعند آخرين الدية، وإن لم يكن معه شاهد ولا لوث فالقول قول المدعى عليه، فإن حلف برئ وإن لم يحلف رد اليمين على المدعي فيحلف ويستحق القود. وإن كانت الدعوى قتل الخطأ أو عمد الخطأ فإن اعترف لزمه، وإن لم يعترف وكان مع المدعي شاهد حلف يمينا واحدة، وإن كان معه لوث حلف خمسين يمينا و استحق به الدية، وإن لم يكن هناك شاهد ولا لوث فالقول قول المدعى عليه مع يمينه فإن حلف برئ، وإن لم يحلف رددنا اليمين على المدعي فيحلف ويستحق الدية. فإذا تقرر هذا فكل موضع ثبت المال فهل يشارك من ثبت له المال أم لا؟ نظرت فإن كان ثبوته بسبب قبل الحجر ينظر فيه فإن كان ثبوته بالبينة شارك الغرماء لأن الحجر عليه لأجل من كان له دين قبل الحجر، وقد ثبت لهذا دين قبل الحجر، فإذا كان ثبوته باعترافه فهل يشارك الغرماء؟ على قولين. هذا فيما كان سبب ثبوته قبل الحجر فأما إن كان ثبوته بعد الحجر ثبت المال في ذمته، ولم يشارك من ثبت له ذلك من الغرماء، سواء ثبت بالبينة أو بالاعتراف، إلا في فصل واحد، وهو إذا كان ثبوت ما ثبت عليه عن إتلاف وجناية، فحينئذ يكون أسوة للغرماء.

[ 228 ]

وإن كان ثبوته بعد حصول الحجر عليه، فإن ادعى على رجلين أنهما قتلا رجلا وليا له وله على أحدهما لوث ولا لوث له على الآخر مثل أن كان أحدهما مع القتيل في الدار، والآخر لم يكن في الدار، فإنه يحلف على من عليه اللوث خمسين يمينا ويستحق القود عندنا بشرط أن يرد نصف الدية، وعند قوم نصف الدية، وأما الآخر فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف برئ وإن نكل رددنا اليمين على المدعي فيحلف ويستحق القود، بشرط رد نصف الدية عندنا، لأنه لو كان عليهما لوث حلف عليهما، ولو لم يكن عليهما لوث كان القول قولهما، فكذلك إذا كان على أحدهما لوث ولا لوث على الآخر وجب أن يعطى كل واحد منهما حكم نفسه. فإن ادعى حقا ومعه حجة تثبت بها، مثل أن ادعى مالا وله شاهد واحد أو قتلا ومعه لوث أو شاهد، أو نكاحا ونسبا ومعه شاهدان نظرت، فإن ثبت الحق بحجته استوفا حقه بها، وإن لم يكن له حجة بحال فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، فإن حلف برئ وإن لم يحلف رددنا اليمين على المدعي ولم يحكم بالنكول خلافا لجماعة. فإن كانت اليمين في جنبة المدعي ابتداء مثل أن ادعى قتلا ومعه لوث أو مالا وله به شاهد واحد، فإن حلف مع شاهده استحق وإن لم يحلف رد اليمين على المدعى عليه، فإن حلف برئ وإن لم يحلف ونكل عن اليمين فهل يرد على المدعي بعد أن كانت في جنبته ولم يحلف؟ نظرت. فإن كان استحق بيمين الرد غير ما كان يستحقه بيمين الابتداء، وهو القسامة عند قوم، يستحق بها الدية، فإن ردت إليه استحق القود بها، فإذا كان الاستحقاق بها غير ما كان يستحقه بيمين الابتداء وجب أن يرد عليه. وإن كان ما يستحقه بيمين الرد هو الذي يستحقه بيمين الابتداء مثل القسامة يستحق عندنا بها القود إذا حلف ابتداء، وإذا ردت عليه استحق القود أيضا، و هكذا في الأموال إن حلف مع شاهده استحق المال، وإن حلف يمين الرد استحق

[ 229 ]

المال أيضا فهل يرد عليه اليمين أم لا؟ قال قوم لا يرد لأن اليمين إذا كانت في جنبة أحد المتداعيين فإذا بذلها لخصمه لم ترد عليه إذا كان استحقاقه بها هو الذي استحق بيمين الابتداء، كيمين المدعى عليه ابتداء إذا لم يحلف ردت على المدعي، فإن لم يحلف لم يرد على المدعى عليه بعد أن زالت عنه، ولأن يمينه حجته فإذا قعد عنها فقد أبطلها فلا يسمع منه ثانيا، كما لو ادعى حقا وأقام شاهدين ثم قال هما فاسقان لم يقبلا بعد هذا. وقال آخرون وهو الصحيح عندنا أنها يرد عليه لأمور ثلثة أحدها يمين الابتداء قامت في جنبته بسبب وهو قوة جنبته بالشاهد أو اللوث، وسبب الثانية غير سبب الأولى لأنه يستحقها لنكول خصمه فإذا كانت كل واحدة يصير في جنبته لسبب غير سبب الأخرى، فإذا قعد عن أحدهما لم يكن تركا لهما. كما لو قال من جاء بعبدي فله دينار، ومن جاء بجاريتي فله دينار فجاء رجل بالعبد وأبرأه من الدينار ثم مضى فجاء بالجارية لم يسقط الدينار، لأنه يستحق الثاني بسبب غير سبب الأول فإذا سقط الأول لم يكن إسقاطا للثاني. وهكذا إذا اشترى عبدا فأصاب به عيبا كان له رده، فإن رضي سقط رده، فإن أصاب به عيبا ثانيا كان له رده به، ولم يكن رضاه بالأول رضي منه بالثاني ويفارق هذا يمين المدعى عليه ابتداء لأنها لو ردت إليه عادت بالسبب الذي كانت في جنبته ابتداء، وهو كونه مدعى عليه، والأصل براءة ذمته، فلهذا لم نرده، وههنا يعود لغير السبب الأول. ولأنه إذا كان معه لوث كان له أن يحلف، فإذا لم يحلف فكأنه لا لوث بدليل أن المدعى عليه يحلف، وإذا كان كأنه لا لوث معه صارت اليمين في جنبة المدعى عليه ابتداء، فإذا نكل عنها وجب أن يرد على المدعي، ولأن للمدعي أن يرد اليمين على المدعى عليه غرضا صحيحا وهو إذا كان معه لوث كانت يمينه على غالب الظن والظنة والتهمة ينصرف إليه، فإذا بذلها للمدعي عليه فلم يحلف زالت عنه الظنة وانصرفت عنه التهمة، فلهذا جاز أن يرد عليه.

[ 230 ]

ويفارق قولهم أبطل حجته لأنه إذا قعد عن حجته فإنما أخرها وما أبطلها لغرض له، فوجب أن لا يبطل عنه جملة، ألا ترى أنه لو ادعى حقا وله به بينة فاستحلف المدعى عليه فحلف كان له إقامة البينة وإثبات الحق عندهم وإن كان قد أخرها وقعد عنها. فأما صفة الدعوى وبماذا تكون معلومة؟ فالدعوى يتحرر بثلثة أشياء: بأن يسأل عن القاتل، ونوع القتل، وصفة القتل، فالقاتل يقال وحده أو معه غيره، و النوع أن يقال عمدا أو خطأ أو عمد الخطاء، فإن أنواعه يختلف فإذا قال عمدا قيل صف العمد، فإذا قال ضربه بما يقتل غالبا قاصدا إلى قتله فقد تحررت الدعوى. وإنما اعتبرنا هذا التفصيل لأنه لو لم يفصل لم يمكن الحكم لأنه لا يدري بماذا يحكم، ولأن الحكم يختلف باختلاف عدد القاتلين وبأنواع القتل عمدا أو خطأ أو عمد الخطاء، ويختلف عنده المحض، فإنه قد يعتقد العمد المحض عمد الخطاء ولا يدري فلهذا قلنا لا يتحرر إلا بهذا التفصيل. فإذا ثبت هذا نظرت فإن قال قتله وحده عمدا، ووصف عمدا يوجب القود، حلف المدعي مع اللوث خمسين يمينا، فإذا حلف ثبت عندنا به القود، وعند قوم يثبت الدية دون القود. وأما إن قتله ومعه غيره ففيه أربع مسائل: أحدها قال قتله وآخران عمدا، أو قتله عمدا وآخران خطأ، أو قتله عمدا وآخران لا أعرف صفة قتلهما، أو قتله و عدد لا أعلم مبلغه. فإن قال قتله وآخران معه عمدا محضا ووصف عمدا يوجب القود، فإن كانوا حضورا سئلوا، فإن اعترفوا بذلك قتلوا وإن حضر واحد وغاب الآخران حلف خمسين يمينا، لأنه لو حضر الكل لزم الكل خمسون يمينا فكذلك إذا حضر واحد، ولأن القسامة لا تفتتح بأقل من خمسين يمينا، فإذا حلف، فهل يقتل هذا الحاضر أم لا؟ عند قوم يقتل وعند آخرين لا يقتل، والأول أقوى عندنا. فإذا حضر الثاني سألناه، فإن اعترف بذلك قتل، وإن أنكر حلف الولي، وهل يحلف

[ 231 ]

خمسين يمينا؟ قال بعضهم يحلف خمسين يمينا لأنه لو حضر الكل لزم الكل خمسون يمينا فكذلك إذا حضر واحد بعد واحد، وقال آخرون يحلف خمسا وعشرين يمينا لأنه لو حضر مع الأول حلف عليهما خمسين يمينا فوجب أن يكون حصة كل واحد نصفها، و يفارق الأول لأن القسامة افتتحت به، فلهذا حلف خمسين يمينا، والثاني حكمه على الأول لأن القسامة ما افتتحت به، فلهذا حلف خمسة وعشرين يمينا فإذا حلف ثبت القود عندنا وعند قوم الدية. فإذا حضر الثالث سئل فإن اعترف قتلناه بالشرط الذي قدمناه، وإن أنكر حلف الولي وكم يحلف؟ قال قوم خمسين يمينا وقال آخرون ثلث الخمسين ستة عشر يمينا وثلثي يمين فتكمل سبعة عشر يمينا لما مضى. فإذا حلف فهل يقتل على ما مضى من الخلاف. وإن قال قتله عمدا وآخران خطأ، حلف على الأول خمسين يمينا فإذا حلف فلا قود، لأنه قد اعترف أنه شارك الخاطي، ولا قود على من شارك الخاطي، ويكون عليه ثلث الدية مغلظة حالة في ماله. فإذا حضر الثاني سألناه فإن اعترف فعليه ثلث الدية مخففة في ماله، لأن العاقلة لا يعقل اعترافا، وإن أنكر حلف الولي وكم يحلف؟ عند قوم خمسين يمينا، وعند آخرين نصفها، ويكون ثلث الدية على العاقلة. فإذا حضر الثالث سئل، فإن اعترف فعليه ثلث الدية في ماله، وإن أنكر حلف الولي وكم يحلف؟ قال قوم خمسين يمينا وقال آخرون سبعة عشر يمينا، ويجب ثلث الدية مؤجلة مخففة على العاقلة. الثالث قال قتله عمدا وآخران لا أعرف صفة قتلهما، فإذا حضر الأول حلف خمسين يمينا أنه قتل عمدا لأنه حقق القتل عليه، فله أن يحلف على إثباته، فإذا حلف لا يقتله، ولكن يصبر حتى يحضر الآخران، فإذا حضرا سألناهما عن صفة القتل فإن قالا عمدنا ووصفا عمدا فيه القود، قتلناهما لأنهما اعترفا به، والأول يجب عليه القود عندنا، وعند قوم لا يجب لأنه ثبت بالقسامة. وإن قالا قتلناه خطأ فلا قود على الأول لأنه شارك الخاطئ وعلى الآخرين

[ 232 ]

ثلثا الدية مخففة في مالهما، وإن أنكر الآخران القتل جملة، قال قوم لا يحلف عليهم لأنه لا يدري على ما يحلف، وإذا حلف لا يدري الحاكم بماذا يحكم، وقال آخرون يحلف لأنه ادعى قتلا فيحلف عليه، لأن جهلنا بصفة القتل ليس جهلا بوقوع القتل فلهذا حلفناه، فإذا حلف الولي حبس حتى يصف القتل لأنه قد ثبت عليه القتل فيلزمه أن يصف القتل. الرابع قال قتله عمدا ومعه عدد لا أعرف مبلغهم عمدوا معه وذكر عددا يتأتى منهم الاشتراك في قتله، فهل يقسم على الأول؟ من قال لا يقتل بالقسامة لم يقسم عليه، لأن الواجب بيمينه الدية، وهو لا يدري قدر ما يلزمه منها، ومن قال يقاد بالقسامة، فمنهم من قال يحلفه لأنه إذا كان الواجب القود فلا يضر الجهل بمبلغ العدد، فإن على الكل القود، وقال آخرون لا يقسم لأنه قد يعفو عن القتل ولا يدري ما يخصه من الدية، فلهذا لا يحلف، ويقتضي مذهبنا أن لا يحلف لأنه لا يقاد منه إلا بشرط أن يرد الباقون ما يخصهم من ديته، وهذا مجهول. هذا الكلام فيه إذ فصلناه عليه، فذكر نوع القتل أنه عمد ووصف العمد بما يوجب القود، فأما إن ذكر أنه عمد ثم وصفه بشبه العمد، فقال ضربه بسوط أو لكمه أو بعصا خفيفة فمات، فهل للولي القسامة أم لا؟ قال قوم لا يقسم، لأنه ادعى عمدا وفسره بشبه العمد، فأسقط الدية عن العاقلة بالدعوى وعن نفسه بالتفسير، فلا قسامة وقال آخرون له أن يقسم لأنه قد حقق الدعوى وإنما أخطأ في تفسير العمد فلا يسقط به دعواه، وهو الأقوى عندي. إذا ادعى الولي القتل فاستحلفه الحاكم قبل تحرير الدعوى، وهو أن أخل بذكر القاتل أو نوع القتل أو بصفته أو بالكل، لم يعتد بهذه اليمين، لكنه يفصل عليه القتل وأنواع القتل والصفة فإذا تحررت أعاد اليمين. وإنما قلنا لا نعتد باليمين الأولى، لأنه إذا لم تتحرر الدعوى كانت كلا دعوى ولو استحلفه قبل الدعوى لم يعتد بها، ولأنه إذا حلف لم يمكنه أن يحكم بما استحلفه عليه، ولهذا حلفه بعد التحرير.

[ 233 ]

إذا ادعى الدم وهناك لوث لم يخل الوارث من أحد أمرين إما أن يكون واحدا أو كثيرا فإن كان واحدا حلف خمسين يمينا وإن كانوا جماعة قال قوم يحلف كل واحد خمسين يمينا وقال آخرون يحلف الكل خمسين يمينا على قدر استحقاقهم الدية، وهو الأصح عندنا. فإذا تقررت، فمن قال يحلف كل واحد خمسين يمينا حلف كل واحد خمسين يمينا اختلفوا في قدر الاستحقاق من الدية أو اتفقوا، ومن قال يحلف الكل خمسين يمينا قال يقسط على حصصهم من الدية، فإن كانوا خمسة حلف كل واحد عشرة أيمان وإن كانوا امرأة ورجلين حلفت المرأة عشرة أيمان، وكل واحد من الرجلين عشرين يمينا، وعلى هذا أبدا، ولو كانوا مائة حلف كل واحد يمينا واحدة. إذا قتل رجل وهناك لوث وخلف ابنين كبيرا وصغيرا أو كبيرين حاضرا وغايبا أو كبيرين حاضرين، فادعى القتل أحدهما وكذبه أخوه، فقال: ما قتل هذا أبانا، كان للكبير أن يحلف قبل بلوغ الصغير، وللحاضر أن يحلف قبل قدوم الغايب. وأما المكذب فهل له أن يحلف أم لا؟ اختلفوا في هذا التكذيب، هل يقدح في اللوث أم لا؟ على قولين أحدهما لا يقدح فيه، ويكون تكذيب أخيه ساقطا، وقال آخرون يقدح في اللوث، فعلى هذا يسقط اللوث، ويكون دعوى دم بلا لوث. فمن قال يقدح في اللوث فلا كلام، ومن قال لا يقدح في اللوث، وهو الأقوى عندي قال يكون المكذب كالكبير مع الصغير، والحاضر مع الغايب، فلكل واحد منهما أن يحلف. فإذا ثبت أن له أن يحلف فلا يثبت له حق بأقل من خمسين يمينا لأن القسامة لا يفتتح بأقل من خمسين يمينا وكان الخمسون في القسامة كاليمين الواحدة في الأموال، ثم ثبت أنه لو ادعى مالا حلف يمينا واحدة، فوجب أن يقسم ههنا خمسين يمينا فإذا حلف هذا خمسين يمينا وأخذ نصيبه من الدية ثم كبر الصغير أو قدم الغايب وأراد أن يطالب بحقه حلف واستحق، وكم يحلف؟

[ 234 ]

فمن قال يحلف كل واحد خمسين يمينا حلف هذا خمسين يمينا كما لو كان كبيرا معه، ومن قال يحلف الكل خمسين يمينا حلف هذا خمسا وعشرين يمينا كما لو كان حاضرا معه، وقيل يحلف الكل خمسين يمينا ويفارق الأول حين قلنا يحلف خمسين يمينا لأنه افتتح القسامة، فلهذا لم يقبل منه إلا خمسين يمينا، وإذا قدم ثالث ورابع وأكثر فعلى هذا المنهاج. إذا خلف ثلاث بنين وهناك لوث فمات أحدهم وخلف ابنين لم يخل من أحد أمرين إما أن يموت قبل أن يبتدئ باليمين، أو في أثناء اليمين، فإن مات قبل أن يبتدئ باليمين قام وارثه مقامه، لأن الوارث يقوم مقام مورثه في الحجج والبراهين، بدليل أنه لو مات وخلف دينا له به شاهد واحد كان لوارثه أن يحلف مع الشاهد، ويستحق كما كان يحلف المورث. فإذا ثبت أنه يقوم مقامه فكم يحلف هذا الوارث؟ من قال يحلف كل واحد خمسين يمينا حلف كل واحد خمسين يمينا، لأن أحدا لا يستحق شيئا بأقل من خمسين يمينا على هذا، وقال قوم يحلفان ما كان يحلف أبوهما إذا قيل يحلف الكل خمسين يمينا والأب كان يحلف ثلث الخمسين فيحلف هذان ثلث الخمسين، وثلثها سبعة عشر يمينا لأنه يجبر الكسر فيحلف كل واحد من هذين تسعة أيمان لأنا نجبر الكسر. هذا إذا مات قبل الابتداء بالقسامة فأما إن مات في أثناء القسامة، بطلت قسامته ولم يعتد بها، لأن الخمسين كاليمين الواحدة، ولو كانت يمينا واحدة فشرع فيها ثم مات لم يعتد بها، ولأنا لو قلنا يبنى ولا يستأنف، حكمنا له الدية بيمين غيره وأحد لا يحلف يمينا يستحق بها غيره ابتداء الحق فإن غلب على عقله في أثناء القسامة أو جن لم يبطل ما مضى من يمينه، ويترك، حتى إذا أفاق بنى، لأن الحالف واحد فجاز أن يبني بعض يمينه على بعض ولأنه ليس فيه أكثر من تفريق الصفة في وقتين و هذا لا يمنع صحتها ولا يقطعها كما لو استخلف الحاكم بعضها ثم تشاغل عنه ثم عاد فأكملها كذلك.

[ 235 ]

إذا قال أحد الابنين فلان قتل أبي، فقال الآخر بل قتله هو وفلان رجل آخر، فالثاني يكذب الأول في نصف دعواه لأنه ادعى على واحد، والثاني على اثنين، فالأول يكذب الثاني في القاتل الثاني، فيقول ما قتله، إلا فلان واحدة. فمن قال التكذيب لا يقدح في اللوث حلف الأول على من ادعى عليه واستحق نصف الدية، وحلف الثاني على من ادعى عليه وهو القاتل الأول والثاني، واستحق على كل واحد منهما ربع الدية. ومن قال يقدح التكذيب في اللوث حلف الأول على من ادعى عليه وأخذ منه ربع الدية، لأنه إنما قدح في نصف دعواه، وحلف الابن الآخر عليه أيضا ويستحق ربع الدية، وأما القاتل الثاني فلا يحلف الابن الثاني عليه، لأن الابن الأول قد كذبه فيه، وأسقط اللوث في حقه، فيكون القول قوله للابن الثاني، فإن حلف برئ وإن لم يحلف حلف الابن الثاني عليه، واستحق ربع الدية. إذا قال أحد الابنين قتل أبي عبد الله بن خالد، ورجل آخر لا أعرفه، وقال الابن الآخر: زيد بن عامر ورجل لا أعرفه، فليس ههنا تكذيب لأنه يكون الذي جهله كل واحد منهما هو الذي عرفه الآخر، ويحتمل غيره فلا يقع التكذيب مع الاحتمال فيحلف كل واحد منهما على من عينه بالدعوى ويستحق عليه ربع الدية. فإن عاد بعد هذا فقال كل واحد منهما: قد عرفت الرجل الآخر الذي ما كنت أعرفه وهو الذي عينه أخي، فقال صاحب عبد الله بن خالد: الرجل الآخر هو زيد بن عامر، وقال صاحب زيد بن عامر: الرجل الآخر هو عبد الله بن خالد، قلنا فيحلف كل واحد منهما على من عرفه بعد أن جهله ويستحق ربع الدية وكم يحلف قال قوم خمسين يمينا وقال آخرون خمسا وعشرين يمينا، لأنهما يحلفان على ثان. فإن كانت بحالها فعاد كل واحد منهما فقال الذي كان مع عبد الله بن خالد قد عرفته وليس هو زيد بن عامر، وقال الآخر: الذي كان مع زيد بن عامر قد عرفته وليس هو عبد الله بن خالد، قلنا فقد كذب كل واحد منهما صاحبه في الذي عينه، وكذبه في الذي استدركه.

[ 236 ]

فمن قال لا يقدح التكذيب في اللوث قال فقد استقر ما أقسما عليه أولا و يحلف كل واحد منهما على الذي استدركه ويستحق ربع الدية، وكم يحلف كل واحد منهما؟ قال قوم خمسين يمينا، وقال آخرون خمسا وعشرين يمينا. ومن قال التكذيب يقدح في اللوث، قال بطلت القسامة على عبد الله بن خالد وعلى زيد بن عامر لأنا قد بينا أنهما قد أقسما عليهما بلا لوث ويسترد من كل منهما ما أخذه منه وبطلت القسامة في المستدرك أيضا لأن كل واحد منهما يمنع ما يثبت صاحبه. فيكون تقدير المسألة قال أحدهما قتله الزيدان، وقال الآخر قتله العمران بلا فصل بينهما، فيبطل القسامة في الكل ويكون الدعوى بلا لوث. إذا قال أحدهما قتل أبي زيد بن عامر، وقال الآخر ما قتله زيد وإنما قتله عبد الله بن خالد، فكل واحد منهما يكذب أخاه فيمن عين القتل عليه فمن قال التكذيب لا يقدح في اللوث، حلف كل واحد منهما على من ادعى عليه واستحق عليه نصف الدية، ومن قال يقدح في اللوث قال: يسقط اللوث، وكان القول قول المدعى عليه ابتداء فإن حلف، وإلا حلف المدعي، واستحق عليه نصف الدية. إذا كان الولي واحدا فادعى القتل على رجل ومعه لوث وحلف معه واستحق الدية، ثم قال غلطت عليه ما هذا قتله، لزمه هذا الاقرار وسقطت قسامته، وعليه رد ما أخذه من المدعى عليه لأنه إقرار في حق نفسه. فإن كانت بحالها ولم يكذب نفسه ولكن شهد أن هذا المدعى عليه كان يوم القتل في بلد بعيد يستحيل كونه في موضع القتل سقط اللوث، وحكمنا ببطلان القسامة لأن هذه البينة أقوى من اللوث، فإن كانت بحالها فشهدت البينة بذلك، وزادت فقالت إنما قتله فلان، سقطت القسامة على ما قلنا، وقولهما بل قتله فلان ساقط، لأنهما شهدا على من لا يدعيه الولي. فإن كانت بحالها ولم يكن شاهدان، ولكن جاء رجل فقال هذا الذي ادعى

[ 237 ]

عليه القتل وأخذت منه الدية، ما قتله، أنا قتلته والضمان على دونه، لم يقدح هذا القول في اللوث لأنه أجنبي وليس بشاهد ولا حق عليه، وإن كان أقر به لمن لا يدعيه. فهو كرجل قال هذه الدار التي في يدي لزيد فقال زيد ليست لي لم يلزمه التسليم لأنه يقر بها لمن لا يدعيها، وهكذا لو أصدقها ألفا فأقبضها ثم طلقها وذكر أنه طلقها بعد الدخول فقالت زوجته بل قبل الدخول وعلى رد نصف المهر إليه لم يلزمها الرد لأنها تقربه لمن لا يدعيه. وقد روى أصحابنا مثل هذا، وهي قضية الحسن عليه السلام وهو أن الدية يلزم في بيت المال، ولا يلزم المقر ولا الذي ادعى عليه اللوث، وأمضاه أمير المؤمنين عليه السلام فأما صفة اليمين التي يقسم بها وما يحتاج إليه، يحتاج إلى أربعة أشياء: ذكر القاتل والمقتول ويقول قتله منفردا بقتله لم يشترك معه غيره عمدا أو خطأ، ويحلف باسم من أسماء الله أو بصفة من صفات ذاته يقول: والله أو بالله أو تالله، وصفات الذات مثل وعزة الله وجلال الله وكبرياء الله وعظمة الله وما في معناه من علم الله ونحوه، لأن اليمين بغير الله وبغير صفة من صفات الذات لا يصح. وأما زيادة صفة مع الاسم كقوله الذي لا إله إلا هو، عالم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فليس بشرط وإنما هو تغليظ يقصد به التأكيد، وهذا يأتي والثاني يقول إن فلانا قتل فلانا ويرفع في نسب كل واحد منهما حتى يزول الاشتراك فيه أو يشير إليه فيقول إن هذا قتل فلان بن فلان الفلاني لأنه يدعي عليه القتل، فإذا لم يذكر القاتل والمقتول في يمينه فما حلف على شئ. والثالث يقول قتله منفردا بقتله وإن كان على اثنين قال قتلاه منفردين بقتله، لأنه قد يكون قتله هو وغيره فلا يلزم هذا كل الضمان، ويقول ما شاركه فيه، فإن اقتصر على الأول جاز أعني قوله منفردين بقتله، وإن لم يقل ما شاركه غيره فيه، فإن ذكره كان تأكيدا، وقيل إن في ذكره فائدة، وهو أنه قد يكون هو المكره والمباشر المكره، والمكره شريكه حكما لأن عليهما الدية، فقوله ما شاركه فيه غيره، يعني

[ 238 ]

شريكه حكما، وعندنا لا يحتاج إلى ذلك لأجل هذا، لأن المكره عندنا لا يتعلق به حكم من قود أو دية على ما مضى في الجنايات ومتى كان اثنين أو أكثر ذكرهم على ما شرحناه. والرابع ذكر نوع القتل عمدا أو خطأ لأن ذلك يختلف في القود وقدر الدية فلا يدري الحاكم بماذا يحكم. والنية في اليمين نية الحاكم والفائدة في اعتبار هذه الصفات أن كل أحد لا يعلم أن الأمر هكذا، فربما يعتقد أن النية نية الحالف فيغير اليمين عن جهتها، فلهذا حلف بهذه الأوصاف. وأما إعراب اليمين فالصحيح أن يكون اسم الله مخفوضا بحرف القسم، فيقول والله فإن خالف هذا ولحن فقال والله رفعا أو والله نصبا قال قوم يجزيه لأنه لا يغير معنى والأقوى عندي أنه إن كان من أهل الإعراب والمعرفة أن لا يجزيه، وإن كان لا يعرف ذلك أجزأه. إذا كانوا في بيت فتفرقوا عن جريح ثم مات المجروح، فاللوث قايم عليهم يحلف الولي على ما شرحناه على من يغلب على ظنه أنه هو القاتل، فإن ادعى الجاني على الولي أن المقتول قد برئ من الجراح الذي يدعي أنه مات منه، زاد الولي في يمينه وأنه ما برئ من جراحك حتى مات منها. وهذا غير صحيح لأن الجاني متى ادعى أنه برئ من الجراح كان معترفا بالجناية، فكيف جعل للولي أن يحلف مع اعتراف الجاني؟ قيل قد يقول هذا ولا يكون معترفا بالجراح لأنه يقول اليمين في جنبتك أيها الولي، فاللوث ثابت على لكن الجراح الذي يحلف أنه مات بها ليس كذلك فإني أعلم أنه برئ منها فيلزمه أن يحلف ما برئ من جراحه. فلئن قالوا فلا تصح المسألة من وجه آخر، وهو أنه إن كان بين الجرح وبين الموت مدة يندمل في مثلها فالقول قول الجاني أنه برئ منها، وإن كان بينهما مدة

[ 239 ]

لا يندمل في مثلها، فالقول قول الولي. قيل أجيب عن هذا أربعة أجوبة أحدها المسألة إذا كانت المدة يمكن أن يندمل فيها الجراح لكن الولي أقام البينة أنه لم يزل ضمنا وجعا متألما منها حتى مات، فقال كذا كان لكن أعلم أن الموت بسبب آخر فاليمين على الولي ههنا، لأنه يمكن ما يقوله الجاني. والثاني منهم من قال الخلاف إنما وقع بينهما في قدر المدة، فقال الجاني قد مضت مدة يندمل فيها، وأنكر الولي، فالقول قول الولي أنها ما مضت مدة يندمل فيها. ومنهم من قال المسألة مع عدم اللوث يدعي الولي ذلك، ولا لوث معه، فالقول قول الجاني، فإن حلف برئ، وإن لم يحلف حلف الولي واستحق، فهذه يمين الرد لا يمين الابتداء. ومنهم من قال المسألة إذا مضت مدة يندمل فيها الجراح وادعى الجاني أنه مات بسبب آخر وما برئ منها فإن كان هناك لوث فالقول قول الولي لأجل اللوث فأما مع عدم اللوث، فالقول قول الجاني. وإما الكلام في صفة يمين المدعى عليه فيحتاج أن يذكر فيها ستة أشياء: ما قتل فلان فلانا ولا أعان على قتله ولا ناله من فعله ولا بسبب فعله شئ، ولا وصل إلى شئ من بدنه ولا أحدث شيئا مات منه. أما ذكر القتل فلا بد منه، لأنه هو الذي يدعي عليه، وعنه يبرأ بيمينه ولا بد من قوله ولا أعان على قتله لأنه يكون معينا قاتلا وهو إذا شاركه غيره، ولا ناله من فعله لأنه قد يرميه بسهم أو غيره فيقتله، ولا بسبب فعله لأنه قد يرميه بحجر فيقع على حجر فيطير الثاني عن مكانه فيقع عليه فيقتله، ولا وصل إلى بدنه شئ لأنه قد يسقيه السم فيموت منه، والسادس ولا أحدث شيئا مات منه، لأنه قد ينصب سكينا أو يحفر بئرا فيكون تلفه من ذلك.

[ 240 ]

قالوا إذا كانت الدعوى لا يسمع إلا محررة وهو أن يذكر نوع القتل وصفة القتل فإذا ذكرها حلف ما تحرر عليه فأي حاجة دعت إلى شرط ستة أشياء في يمينه؟ قيل المسألة مقدرة فيمن لا يعبر عن نفسه لصغر أو جنون، فنصب الحاكم له أمينا يستوفي له اليمين فيحتاط له، لأن موضوع أمر الطفل والمجنون على هذا، ألا ترى أن من ادعى حقا على صبي أو مجنون أو غايب أو ميت وأقام به البينة، لم يقض له بها حتى يحلف مع بينته احتياطا لمن لا يعبر عن نفسه، ولو كان ممن يعبر عن نفسه لم يحلف المدعي مع يمينه فلهذا يحتاط في اليمين. وأيضا فإن هذه اليمين مفروضة فيمن أطلق الدعوى وإذا سمعت منه مطلقة غير محررة، حررت على الحالف، وقد يجوز أن يسمع الدعوى غير محررة في الدم، فعلى هذا يحتاج إلى هذا التحرير، ومن قال لا يسمع إلا محررة لا يحتاج إلى هذا التفصيل. قد ذكرنا أنه يحلف والله الذي لا إله إلا هو عالم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وقد قلنا إن هذه الزيادة على سبيل الاحتياط والتغليظ باللفظ، ليقع بها الزجر والردع، وإن اقتصر على قوله والله أجزأه لأن ذلك قدر اليمين بلا خلاف، ولقوله تعالى " أربع شهادات بالله " ولقول النبي صلى الله عليه وآله والله لأغزون قريشا ولقوله للأعرابي الذي طلق زوجته والله ما أردت إلا واحدة، وقوله لابن مسعود حين أخبره بقتل أبي جهل: والله إنك قتلته؟ فقال والله إني قتلته، فاقتصر في جميع ذلك على الحلف بالله وحده. فأما إذا لم يكن له لوث فاليمين في جنبة المدعى عليهم، وإنما يصح الدعوى إذا عين المدعى عليه إن كان واحدا أو جماعة يتأتى منهم الاشتراك في قتله، فأما إن ادعى على خلق لا يتأتى منهم الاشتراك في قتله مثل أن ادعى أن أهل بغداد اشتركوا في قتله لم تقبل منه هذه الدعوى، لأنه يدعي المحال. وكل موضع سمع دعواه فهل يغلظ الأيمان عليه أم لا؟ قيل فيه قولان: فمن

[ 241 ]

قال لا يغلظ حلف كل واحد يمينا ولو كانوا ألفا، وإذا قيل يغلظ فإن كان واحدا حلف خمسين يمينا، وإن كانوا جماعة قال قوم يحلف كل واحد خمسين يمينا وقال آخرون يحلف الكل خمسين يمينا على عدد رؤوسهم. قد مضى أن المحجور عليه إذا أقر بالقتل فإن كان عمدا يوجب القود قتل، وإن كان يوجب المال رددناه، وإذا وجب عليه القتل فعفى الولي على مال فعندنا لا يثبت المال إلا برضى القاتل، والمحجور عليه ممنوع من ذلك، ومن قال يثبت المال بمجرد العفو على مال، قال يثبت المال عليه في ماله لأنه ما أقر بجناية توجب المال ولكن بالعفو لزمه، ومثل هذا لا يكون في البيع والشراء. إذا ادعى على العبد القتل لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون عمدا أو خطأ فإن كان عمدا نظرت، فإن أقر به لزمه القود عندهم، وعندنا لا يقبل إقراره، قالوا فإن عفا عنه على مال صح، وعندنا لا يصح لما مضى. وإن كان القتل خطأ لم يقبل إقرار العبد به بلا خلاف، لأنه متهم على مولاه فيما يباع به ويخرج به عن ملك سيده، فإذا لم يقبل إقراره عدلت الدعوى إلى سيده يحلف على العلم فيحلف لا يعلم أن عبده قتل، وإن أنكر العبد فالقول قوله مع يمينه فإن حلف برئ وإن نكل فهل يرد اليمين على المدعي؟ الحكم فيه وفي المحجور عليه إذا كان القتل يوجب المال واحد، إن قيل يمين المدعى عليه كالبينة ردت، وإن قيل كالاقرار لم يرد. إذا كان المدعى عليه سكران ينبغي أن لا يحلفه الحاكم حتى يفيق، لأن اليمين للزجر والردع، والسكران لا ينزجر بها ولا يرتدع، فإن خالف الحاكم وحلفه قال قوم يقع موقعها، وقال قوم لا يقع موقعها، وهو الأقوى عندي، لأن جميع أحكام السكران عندنا غير معتد بها من طلاق وعتاق وغيره. إذا اعترف رجل أنه قتل فلانا عمدا لزمه إقراره، فإن قامت البينة أن هذا المقر كان يوم القتل في بلد بعيد، لا يمكن كونه قاتلا ولا عند القتيل، سقطت البينة لأنه يكذبها وإذا كذب بينة سقطت.

[ 242 ]

فإن ادعى رجل على رجل أنه قتل وليا له وهناك لوث، فحلف المدعي واستوفي منه الدية، ثم قامت البينة أن هذا المدعى عليه كان غائبا حين القتل على مسافة لا يمكن أن يشاهد موضع القتل حكم ببطلان القسامة واسترجعت الدية، لأن البينة أقوى من يمين المدعي مع اللوث، لأنها تخبر عن إحاطة ويقين، والحالف إنما حلف على غالب ظنه، فقد مناها عليه، فيسترد الدية. وإن كانت بحالها فجاء رجل آخر فقال ما قتله المحلوف عليه وأنا الذي قتلته والضمان على، فهل للحالف أن يدعي على المقر؟ قال قوم ليس له أن يدعي عليه، لأن قول الولي في الابتداء ما قتله إلا فلان وحده، إقرار منه أن هذا المقر ما قتله، فلا يقبل منه دعواه عليه. وقال آخرون له أن يدعي عليه، لأن قول الولي ما قتله فلان وحده، لم يقطع، وإنما قاله بغالب ظنه، وهذا المعترف يخبر عن قطع ويقين، فكان أعرف بما اعترف به، فلهذا كان له مطالبته به. ويفارق هذا إذا قال أنا قتلته ثم قامت البينة أن هذا المعترف كان غائبا عن موضع القتل، حيث قلنا لا يقبل هذه البينة، لأنه مكذب لها، وههنا غير مكذب لهذا المعترف، فبان الفصل بينهما. والأقوى عندي الأول لأنا بينا أنه لا يجوز له أن يحلف إلا على علم وإذا ثبت ذلك فكأنه قال أنا أعلم أن الثاني ما قتله، فيكون مكذبا له، على أنا قد بينا قضية الحسن عليه السلام في مثل هذا وأن الدية من بيت المال. إذا أقسم الولي وأخذ الدية مائة من الإبل، ثم قال هذه الإبل التي أخذتها حرام احتمل هذا ثلثة أشياء أحدها لأني أقسمت كاذبا، وكان القاتل غير هذا، والثاني حلفت مع اللوث واستوفيت، وهذا عندي حرام، فإن مذهبي مذهب أبي حنيفة، والثالث أن الذي سلم هذه الإبل ما كان يملكها، وإنما كانت في يده غصبا. فإن قال لأنه غير قاتل فعليه رد الإبل، وإن قال لأني على مذهب أبي حنيفة

[ 243 ]

قلنا على مذهبنا إن ذلك باطل، فلا يلتفت إليه، وعند من خالفك يقول أنت تقول ذلك باجتهاد والحاكم قد حكم باجتهاد فيقر حكمه، وصار المال لك، وقولك لا يحل لا يؤثر في حكمه. فإن قال لأنه غصبها نظرت فإن عين المغصوب، فقد لزمه ردها لأنه قد اعترف له بها، ولا يرجع على الدافع بشئ لأنه يقبل قوله على نفسه، ولا يقبل قوله على غيره، كرجل اشترى عبدا ثم قال قد كان البايع أعتقه لزمه رفع يده عنه، ولا يرجع على البايع بشئ، وإن لم يعين الغاصب قيل له هذه الإبل لك في الظاهر، لك التصرف فيها كيف شئت، كرجل قال هذه الدار التي في يدي غصب لا حق لي فيها، ولم يعين المغصوب منه، فإنها تقر في يده. وإن اختلفا في الفصل الأول فقال الذي أخذت منه الدية قولك حرام أردت أنك ادعيت دعوى باطلة، وحلفت يمينا كاذبة، وأخذت مني الإبل حراما، فقال الولي ما أردت هذا، فالقول قول الولي لأنه أعرف بما نواه، ولأنه قد حلف يمينا واستحق فلا يقبل قول غيره عليه في نقضها.

[ 244 ]

(كتاب) * (كفارة القتل) * قال الله تعالى: " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة " الآية (1) فذكر في هذه الآية ديتين وثلث كفارات، أوجب الدية والكفارة بقتل المؤمن في دار الاسلام خطأ، فقال تعالى " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله " وأوجب الكفارة بقتل المؤمن في دار الحرب فقال " وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة " وأوجب الدية والكفارة بقتل الكافر إذا كان ذميا عندهم، فقال " وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة " وعندنا أن هذا في المؤمن إذا كان بين المعاهدين وقد بيناه فيما مضى. والقتل على أربعة أضرب واجب ومباح ومحظور يأثم به ومحظور لا يأثم به فالواجب القتل بالردة والزنى واللواط والمحاربة إذا قدر عليه قبل التوبة، والمباح القتل قصاصا أو دفعا عن نفسه، والمحظور الذي يأثم به أن يقتله صبرا مع العلم بحاله، والمحظور الذي لا يأثم به أن يقتله خطأ. وكذلك الوطي على ثلثة أضرب مباح ومحظور يأثم به، ومحظور لا يأثم به فالمباح في زوجته وملك يمينه والمحظور الذي يأثم به هو الزنا مع العلم بحاله، و المحظور الذي لا يأثم به ما كان بشبهة أو نكاح فاسد. وهكذا إتلاف الأموال ضربان محظور يأثم به ومحظور لا يأثم به، فالذي يأثم به أن يتلف مال غيره عمدا بغير حق: والذي لا يأثم به أن يتلف مال غيره خطأ. ومعنى قوله تعالى " إلا خطأ " فيه ثلاث تأويلات أحدها أن معنى إلا لكن إن قتله خطأ فتحرير رقبة وهو استثناء منقطع كقوله " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل

(1) النساء: 92.

[ 245 ]

إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ". والوجه الثاني في المعنى " ولا خطأ " فوضع إلا موضع ولا، مثل قوله تعالى " لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا " ومعناه " ولا الذين ظلموا " ومنهم من قال هذا الاستثناء يرجع إلى مضمر محذوف، فكان تقديره: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا فإن قتله أثم بقتله إلا أن يقتله خطأ فلا يأثم به. والرابع ذكر بعضهم أن قتله متعمدا يزيل اسم الإيمان، فلا يكون مؤمنا إلا إذا قتله خطأ فإنه لا يزول عنه اسم الإيمان. إذا تقرر وجوب الكفارة بالقتل، فإن كان المقتول مسلما في دار الاسلام ففيه الدية والكفارة بلا خلاف، وإن كان معاهدا قتل في دار الاسلام ففيه الدية بلا خلاف، والكفارة عند الفقهاء، وإن كان مؤمنا في دار الحرب نظرت. فإن قتله ولم يقصده بعينه مثل أن يتوهم فقتل فبان مسلما أو قتلوا في غارة فبان فيهم مسلم، أو رمى سهما في صف المشركين لم يقصد رجلا بعينه فأصاب مسلما فقتله فعليه الكفارة دون الدية، سواء أسلم عندهم ولم يخرج إلينا أو أسلم عندهم وخرج إلينا ثم عاد في حاجة، أو كان مسلما في دار الاسلام فخرج في حاجة من تجارة أو رسالة الباب واحد. وأما إن قصده بعينه نظرت، فإن علمه مسلما فقتله عمدا مع العلم بحاله، فعليه القود، وإن قصده بعينه فقتله ولم يعلمه مسلما فعليه الكفارة ولا دية عندنا، وقال قوم عليه الدية إذا كان غير مضطر إلى قتله، فإن كان مضطرا إليه فقد فصل ذلك في كتاب السير وقال قوم على أي وجه قتله ففيه الدية والكفارة. وقال آخرون فإن كان أسلم عندهم ولم يخرج إلينا فعليه الكفارة بقتله فقط فلا قود ولا دية بحال، سواء قتله عمدا أو خطأ، وعلى أي وجه قتله. وإن كان قد حصل له تحرم بدار الاسلام مثل أن أسلم عندهم وخرج إلينا أو كان مسلما من أهل دار السلام فخرج إليهم نظرت فإن قتله في صف المشركين فلا كفارة

[ 246 ]

ولا دية، وإن كان أسيرا في أيديهم فالحكم فيه كما لو لم يخرج إلينا فيه الكفارة ولا قود ولا دية، وقال قوم فيه الدية دون الكفارة، وإن لم يكن أسيرا ولا في الصف وكان مطلقا منصرفا في دار الحرب في تجارة ففيه الدية والكفارة، سواء قصده بعينه أو لم يقصده. والخلاف ههنا في الأسير إذا قصده بعينه لا ضمان، قال قوم فيه الدية وفي المطلق المنصرف عند قوم لا دية إذا لم يقصده بعينه وعند آخرين فيه الدية بكل حال، وقد قلنا إن عندنا لا يجب الدية بقتله على أي وجه كان، وإنما يجب به الكفارة فقط للظاهر، فأما إن كان أسيرا فينبغي أن نقول فيه الدية والكفارة معا لأنه غير مختار في كونه هناك. إذا قتل آدميا محقون الدم بحق الله ففيه الكفارة كبيرا كان أو صغيرا، حرا كان أو عبدا، ذكرا كان أو أنثى، مسلما كان أو كافرا، وقال بعضهم القتل العمد المحض لا كفارة فيه، وعندنا أن قتل الكافر لا كفارة فيه، وفي الناس من قال قاتل العمد إنما يجب عليه الكفارة إذا أخذت منه الدية، وإما إذا قتل قودا فلا كفارة عليه و هو الذي يقتضيه مذهبنا. يجب كفارة القتل في حق الصبي والمجنون والكافر، وقال قوم لا يجب في حق هؤلاء، والأول أقوى لعموم الآية. إذا اشترك جماعة في قتل واحد كان على كل واحد الكفارة إجماعا إلا الشعبي فإنه قال عليهم كفارة واحدة، فكل من أوجبنا عليه الكفارة فهي عتق رقبة مؤمنة لقوله تعالى " فتحرير رقبة مؤمنة " وهو إجماع. فإذا ثبت أنها مؤمنة فإنما تجب عليه مع وجودها في الفاضل عن كفايته على الدوام، فإن لم يجد ففرضه الصيام لقوله تعالى " فتحرير رقبة مؤمنة " فختمها ثم قال " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين " فإن لم يستطع عندنا يلزمه إطعام ستين مسكينا، وقال قوم يكون الصوم في ذمته أبدا حتى يقدر عليه.

[ 247 ]

قالوا إذا فعل شيئا فتلف به آدمي فإذا وجبت الدية وجبت الكفارة فأوجبوا الكفارة بالأسباب مثل أن ينصب سكينا في غير ملكه فوقع عليها إنسان فمات أو وضع حجرا في غير ملكه فتعقل به إنسان فمات أو حفر بئرا في غير ملكه فوقع فيها إنسان فمات ويده عليها أو رش ما في الطريق أو بالت دابته فيها ويده عليها فزلق به إنسان فمات أو شهدا على رجل بالقتل فقتل ثم رجعا فقالا تعمدنا ليقتل فعليهما القود والكفارة و إن قالا أخطأنا فعليهما الكفارة والدية. وأصله أن الكفارة مع الدية يجب متى وجبت وقال قوم: كل هذا يجب به الدية دون الكفارة والكفارة عند هذا لا يجب بالأسباب، وهو الذي يقتضيه مذهبنا والخلاف في فصلين هل يجب به الكفارة أم لا وهل يسمى قاتلا؟ عند الأول يسمى قاتلا ويجب به الكفارة وعند الآخر لا يجب به الكفارة، ولا يسمى قاتلا وهو الصحيح عندنا.

[ 248 ]

(فصل) * (في ذكر الشهادة على الجنايات) * الحقوق على ضربين حق الله، وحق الآدمي، فإن كان حقا لله فلا مدخل للناس فيه، وهي تنقسم ثلثة أقسام: أحدها ما لا يثبت إلا بأربعة رجال عدول وهو الزنا و اللواط فقط، والثاني ما لا يثبت إلا بشاهدين وهو القطع في السرقة والحد في شرب الخمر. والثالث اختلف فيه وهو الاقرار بالزنا قال قوم يثبت بشاهدين لأنه إثبات إقرار كساير الاقرارات، وقال آخرون لا يثبت إلا بأربعة شهود لأنه إقرار بفعل، فوجب أن لا يثبت إلا بما يثبت به ذلك الفعل، كالاقرار بالقتل والأول أقوى. وإنما تتصور هذه المسألة فيه إذا قذف رجل رجلا فوجب عليه حد القذف، فقال قد أقر بالزنا هذا الذي قذفته فأنكر فأقام المدعي البينة على إقراره فهل يثبت ذلك بشاهدين أم لا؟ على ما مضى من القولين، والقصد من هذا أنه إذا ثبت إقراره بالزنا لم يحد قاذفه. فأما إن ادعى رجل على رجل أنه أقر بالزنا فلا يلتفت إلى دعواه لأنه متى ثبت بإقراره سقط برجوعه، فلا يمكن إقامة البينة عليه. وأما حقوق الآدميين فإنها تنقسم أيضا ثلثة أقسام: أحدها ما لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين، ولا يثبت بشاهد وامرأتين ولا بشاهد ويمين، وهو كل ما لم يكن مالا ولا المقصود منه المال وتطلع عليه الرجال كالوكالة والوصية لأنه إثبات نظر وتصرف، وكذلك الوديعة والنكاح والخلع والطلاق والجراح الذي يوجب القصاص والعتق والنسب ونحو هذا. الثاني ما يثبت بشاهدين وشاهد وامرأتين وشاهد ويمين، وهو كل ما كان

[ 249 ]

مالا أو المقصود منه المال، فالمال الدين والقرض والغصب، والمقصود منه المال كل عقد معاوضة محضة كالبيع والصرف والسلم والرهن والصلح والحوالة والضمان و العارية والقراض والمساقات والاجارات والمزارعة والوصية له والجراح الذي لا يوجب القود كالخطاء وشبه العمد والعمد المحض الذي لا يوجب القصاص كالجائفة والمأمومة، ومثل أن كان القاتل صبيا أو مجنونا، ومثل قتل الوالد ولده، والحر العبد والمسلم الكافر ونحو هذا. والثالث ما يثبت بشاهدين وشاد وامرأتين وأربع نسوة، وهو الولادة والاستهلال والرضاع عندهم، والعيوب تحت الثياب وزيد في أقسامه مسألة أخرى، وهو إذا ضرب بطنها فألقت جنينا حيا ثم مات، وادعى الوالد أنه لم يزل ضمنا وجعا حتى مات وأقام أربع نسوة بذلك قبل شهادتهن، وهذا كالذي قبله، وإنما يختلفان في فصل واحد هذا يقبل فيه النساء على الانفراد، ولا يقبل فيه شاهد ويمين، والذي قبله يقبل فيه الشاهد واليمين، ولا يقبل النساء على الانفراد. فإذا ثبت هذا فالذي يتعلق من هذه الأقسام بهذا الباب ما يقبل في الجراح وما لا يقبل، وقد ذكرناه فإن ادعى جناية عمد وأقام شاهدا وامرأتين ثم قال عفوت عن هذه الجناية لم يصح لأنه عفا عما لم يثبت، وقد ذكرنا في النهاية أن الزنا يثبت به الرجم بثلثة شهود وامرأتين، والحد بشاهدين وأربع نسوة، ولا يثبت الحد بدون ذلك. إذا ادعى موضحة عمدا لم يثبت إلا بشاهدين لأنها شهادة على ما يثبت به القصاص، فلا يقبل في إيجاب القصاص وإنما الأرش يثبت عندنا برضى الجاني، ومن قال يوجب العمد أحد أمرين إما القصاص أو المال لم يقبل فيه أيضا لأنه ربما اختار الولي القصاص فيكون أثبت القصاص بشاهد وامرأتين، فلهذا لم يثبت، وليس كذلك السرقة والغرم لأن الغرم قد ينفك عن القطع، فإنه قد يسرق من غير حرز، ومن أبيه ومن ولده، ومن بيت المال، فيغرم ولا يقطع، وقد يبرد السرقة فيقطع.

[ 250 ]

فإذا كان أحدهما ينفرد عن صاحبه صح أن يقبل في أحدهما دون صاحبه، فبان الفصل بينهما. فأما الهاشمة والمنقلة والمأمومة إذا أقام بذلك شاهدا وامرأتين قال قوم لا يثبت، لأنها جناية يتضمن قصاصا فإنها موضحة وزيادة، فلو ثبت كان له القصاص في الموضحة والمال فيما زاد عليها، فلهذا لم يقبل. وقال آخرون يقبل لأنها شهادة على هاشمة، والقصاص لا يجب في الهاشمة و هو الأقوى عندي، فمن قال لا يقبل فلا كلام، ومن قال يقبل قال يؤخذ أرش الهاشمة ولم يقتص في الموضحة. وأما كيفية الشهادة فجملته أنا لا نثبت القصاص بالشهادة، وهناك شبهة واحتمال يسقط معه القصاص، فإذا قالا ضربه بالسيف فمات منه أو قتله به قبلناها، وإن قالا ضربه بالسيف فأنهر دمه فمات مكانه، قبلنا لأنه علم أنه مات منه. هذا في القتل فأما فيما دون النفس إن قالا ضربه بالسيف فأوضح أو ضربه بالسيف فوجدناه موضحا لم يقبل ذلك، لأنه قد يضربه بالسيف والايضاح من غيره ويجداه موضحا من غير الضربة، بلى إن قال ضربه بالسيف فأوضحه أو ضربه بالسيف فوجدناه موضحا بالضربة قبلناها، لأنهما قد أضافا القتل إليه. فإن قالا ضربه بالسيف فسال دمه لم يقبل لجواز أن يكون سيلان دمه من غير الضربة، وإن قالا فأسال دمه قبلناها في الدامية، وهكذا إن قال أسال دمه فمات قبلناها في الدامية فقط، لأنه أقل ما يسيل به الدم وما زاد على هذا محتمل. فإن قالا ضربه بالسيف فأوضحه فوجدنا في رأسه موضحتين فلا قصاص، لأنا لا نعلم أي الموضحتين شهدا بها؟ كما لو شهدا أنه قطع يده فوجدناه مقطوع اليدين فلا قصاص، لأنا لا ندري أي اليدين قطع لكنا نوجب أرش موضحة وأرش اليد، لأن جهلنا بعين الموضحة ليس جهلا بأنه قد أوضحه، فأوجبنا أرش موضحة. فإن قالا ضربه بالسيف فأوضحه فلا قصاص في هذه الموضحة لأنا لا نعلم أنها بحالها

[ 251 ]

من جنايته، وقد يكون صغيرا فزاد غيره فيها، وقد يكون هناك موضحة صغيرة فوقعت هذه مكانها فلا قصاص حتى يقولا فأوضحه هذه الموضحة. فإن جرحه ثم مات بعد ذلك واختلفا فقال الولي مات من الجرح وقال الجاني من غيره لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون الموت بعد مدة لا يندمل في مثلها أو يندمل في مثلها. فإن كان في مدة لا يندمل في مثلها مثل أن جرحه غدوة فمات عشيا نظرت، فإن قال الجاني اندمل الجرح وبرئ منه ومات، فالقول قول الولي بغير يمين، لأن الجاني يقول محالا، وإن قال الجاني ما اندمل ولكن الموت بغير ذلك، فالقول قول الولي لأن الظاهر غير ما قال الجاني، ومع يمينه لأن ما يقول الجاني محتمل. وإن مضت مدة يندمل في مثلها فاختلفا فقال الولي مات منها وما اندملت، و قال الجاني اندملت فالقول قول الجاني مع يمينه لأن الأصل براءة ذمته، وإن صدقه الجاني وقال ما اندملت، ولكن كان الموت من غيرها فالقول قول الولي مع يمينه لأنه يحتمل ما قال الجاني. وإن مضت مدة طويلة فالقول قول الجاني كما قلنا فإن أقام الولي البينة أنه لم يزل ضمنا وجعا متألما منها حتى مات قبلنا هذه الشهادة، وجاز الحكم بها وإن كانت المدة طويلة لموضع الشهادة، كالمدة القصيرة: وهو أنك تنظر في الجاني، فإن قال ما كان وجعا ولا ضمنا منها سقط قوله، والقول قول الولي بغير يمين، لأن الجاني قد كذب الشهود، وإن قال الجاني صدق الشاهدان إنه كذلك لكن الموت كان من غيرها بسبب حدث، فالقول قول الولي مع يمينه، لأن ما قاله الجاني محتمل، وما كذب البينة. إذا شهد شاهدان على رجلين أنهما قتلا زيدا فشهد اللذان شهدا عليهما على الأولين أنهما هما اللذان قتلاه، سئل الولي فإن صدق الأولين قبلناها، وإن صدق الآخرين أو الكل بطلت الشهادة.

[ 252 ]

قالوا هذه المسألة محالة لا يتصور على قول من لا يسمع الدعوى إلا محررة، ولا يسمع الشهادة ممن شهد بها قبل أن يستشهد، والآخران قد شهدا قبل أن يستشهدا، فكيف يسمعها الحاكم، ويرجع إلى المدعي فيسأله عن حال الكل؟ قال قوم إنا لا نسمع الشهادة من الشاهد قبل أن يستشهد، إذا كان المشهود له بالغا عاقلا بالغا رشيدا فأما إن كان ممن لا يعبر عن نفسه لصغر أو جنون أو لميت، فإنها يقبل لأنه لو حضر الشاهدان ابتداء فشهدا عند الحاكم بحق لصبي سمعها و عمل بها، وحكم للصبي بالحق، فإذا كان كذلك فالشهادة ههنا لمن لا يعبر عن نفسه وهو الميت، والدليل على أن الحق له أنه إذا ثبت قضى منه ديونه وتنفذ وصاياه فلهذا قبلت، وعلى هذا كل من شهد لميت بحق سمعت شهادته قبل أن يستشهد. ومنهم من قال الشهادة بالحق على ضربين أحدهما رجل له حق له به شاهدان يعرفهما فشهدا له به قبل أن يستشهدهما، فهذه مردودة، والثاني رجل له شاهدان بحق ولا يعرف الحق فشهدا له به أو عرف الحق ولم يعرف أن له به شهودا فشهد إله به قبل أن يستشهدهما، فقد فعلا خيرا واكتسبا ثوابا وفضلا، لأنهما عرفاه ما لم يعرفه من حقه، وعلى هذا قوله عليه وآله السلام: خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد، فكذلك ههنا ما كان الولي يعلم أن له بحقه هؤلاء الشهود، فشهدوا له به فلهذا سمعها الحاكم وسأل الولي. ومنهم من قال شهد الآخران قبل أن يستشهدا، وقد عرف الحق بذلك وعلمه وكان بالغا عاقلا والحاكم قد سمع ذلك وسأل الولي عنهما، لأن القتل يحتاط له بحفظ الدماء، فإذا قال الآخران القاتلان هما الأولان وأوردا شبهة فلهذا سمع. فإذا ثبت هذا فالمسألة صحيحة من هذه الوجوه، فإذا سأل الحاكم الولي عن ذلك ففيها ثلث مسائل أحدها صدق الولي الأولين، فالحاكم يحكم بشهادتهما ويقتل الآخرين، لأنهما شهدا وهما عدلان على حق لا يجران بشهادتهما خيرا ولا يدفعان ضررا و لا يتهمان على الآخرين.

[ 253 ]

الثانية صدق الولي الأولين والآخرين بطلت الشهادة كلها: بطلت شهادة الأولين لأنه صدق الآخرين، وإذا صدق الآخرين فقد كذب الأولين، وبطلت شهادة الآخرين، لأمرين أحدهما لما صدق الأولين فقد كذب الآخرين، والثاني أن الآخرين متهمان بأنهما يدفعان ضررا. الثالثة صدق الآخرين بطلت شهادة الكل بطلت شهادة الأولين لأنه قد كذبهما وبطلت شهادة الآخرين لأنهما يدفعان عن أنفسهما ضررا. إذا ادعى على رجل أنه أقر بقتل وليه عمدا فأقام شاهدين، فشهد أحدهما أنه أقر بقتله عمدا، وشهد الآخر على إقراره بالقتل فقط، فقد ثبت القتل بشاهدين، وقد شهد بالصفة واحد، قلنا له قد ثبت أنك قتلته، بين صفة القتل، فإن بين نظرت: فإن قال عمدا، قتلناه باعترافه بذلك، وإن قال قتلته خطأ سألنا الولي، فإن قال صدق ثبت عليه دية الخطأ مؤجلة في ماله لأنه قد ثبت باعترافه، وإن كذبه فالقول قول المدعى عليه، لأن صفة القتل لا يثبت بشاهد واحد، فإن حلف ثبتت عليه دية الخطأ وإن نكل حلف الولي وثبت أنه قاتل عمدا، فيكون عليه موجب قتل العمد فإن جحد القتل لم يلتفت إلى جحده، وقيل قد ثبت أنك قاتل فإن وصفت القتل وإلا جعلناك ناكلا، وحلف الولي واستحق. هذا إذا كانت الشهادة على إقراره فأما إن كانت على فعله فادعى على رجل أنه قتل فلانا عمدا وأقام شاهدين شهد أحدهما أنه قتله عمدا وشهد الآخر أنه قتله فقط، فقد ثبت القتل بشاهدين وشهد بصفته واحد يرجع إلى المشهود عليه، فإن قال قتلته عمدا قتلناه، وإن قال خطأ سألنا الولي فإن صدقه فالدية في ماله مؤجلة، وإن كذبه الولي كان للولي أن يحلف القسامة لأنه لوث عليه، وذلك أنه قد شهد شاهدان بالقتل وانفرد أحدهما بالعمد ولو كان له بالقتل شاهد واحد كان لوثا فبأن يكون لوثا إذا كان له شاهدان بالقتل وأحدهما بالصفة أولى وأحرى. فإن حلف الولي استحق القود عندنا وعند بعضهم الدية مغلظة في ماله، فإن لم

[ 254 ]

يحلف الولي مع لوثه فالقول قول المدعى عليه يرد اليمين عليه، فإن حلف ثبت دية الخطاء عليه لأنه قد أثبت صفة القتل باعترافه. وإن لم يحلف قال قوم يرد اليمين على الولي، وقال آخرون لا يرد فمن قال لا يرد أو قال يرد فلم يحلف ألزم المشهود عليه أخف الديات دية الخطاء مؤجلة في ماله أيضا لأنا لا نلزم العاقلة الدية بقتل مبهم حتى يعلم الخطأ، وقد ثبت القتل منه، فالظاهر أن الحق عليه حتى يعلم غيره. إذا ادعى على رجل أنه قتل وليا له وأقام شاهدين فشهد أحدهما أنه قتله غدوة والآخر أنه قتله عشية، أو شهد أحدهما أنه قتله بالسكين والآخر أنه قتله بالسيف لم يثبت القتل بشهادتهما، لأن شهادتهما لم يكمل على فعلة واحدة، فإن قتله بكرة غير قتله عشيا وقتله بالسيف غير قتله بالعصا، فهو كما لو شهد أنه زنا بها في هذا البيت والآخر أنه زنا في بيت آخر لم يثبت الزنا بشهادتهم، لأن شهادتهم لم يكمل على فعل واحد. فإذا ثبت أن القتل لا يثبت بهذه الشهادة، فهل يكون هذا لوثا أم لا؟ قال قوم كل واحد منهما يكذب صاحبه بوجه ومثل هذا يوجب القسامة وقال آخرون لا يوجب القسامة والأول أقوى لأنهما قد اتفقا على القتل، وإن اختلفا في كيفيته. إذا ادعى رجل أنه قتل وليا له فأقام شاهدين فشهد أحدهما أنه قتله وشهد الآخر أنه أقر بقتله لم يثبت القتل بشهادتهما، لأن شهادتهما لم يثبت على أمر واحد، فإن إقراره بالقتل غير قتله مباشرة فلم يثبت القتل بهما، لكنه يكون لوثا لأن كل واحد منهما يقوي ما شهد به صاحبه، فإن من شهد عليه بالاقرار لا يكذب من شهد عليه بالقتل، ومن شهد بالقتل لا يكذب من شهد على إقراره، فلهذا كان لوثا. فإذا ثبت أنه لوث كان له أن يحلف مع أيهما شاء. ثم لا يخلو القتل من أحد أمرين إما أن يكون خطأ أو عمدا، فإن كان خطأ حلف مع أيهما شاء يمينا واحدة، لأنه إثبات مال، فإن حلف مع من شهد بالقتل فالدية

[ 255 ]

على العاقلة، لأنها دية ثبتت بالبينة لا بإقراره، وإن حلف مع من شهد له بالاقرار فالدية في ماله في ثلث سنين لأنها يثبت بإقراره. وإن كان القتل عمدا نظرت فإن كان عمدا لا يوجب القود بحال، مثل أن قتل ولده أو مسلم قتل كافرا، حلف مع أيهما شاء يمينا واحدة، لأنه إثبات مال ومع أيهما حلف فالدية مغلظة في ماله، لأن من قتل عمدا أو أقر بقتل العمد كانت الدية في ماله، و إن كان عمدا يوجب القود حلف مع أيهما شاء خمسين يمينا، لأن القتل إذا كان عمدا يوجب القود، كان الشاهد الواحد لوثا، حلف الولي خمسين يمينا، فإذا حلف مع أيهما شاء وجب القود عندنا وعند قوم الدية مغلظة في ماله. وإن ادعى على رجل أنه قتل وليا له ولم يقل عمدا ولا خطأ وأقام شاهدا واحدا فشهد له بما ادعاه، قال قوم لا يكون لوثا لأنه لو حلف مع شاهده لم يمكن الحكم له بيمينه، لأنا لا نعلم صفة القتل فيستوفي موجبه، فسقطت الشهادة. إذا شهد شاهدان أن أحد هذين قتل هذا كان لوثا يحلف الولي مع من يدعي القتل عليه، لأنه قد ثبت أن القتيل قتله أحدهما فهو كما لو وجد بينهما، وإذا شهد شاهدان أن هذا قتل أحد هذين، لم يكن لوثا لأن اللوث أن يغلب على الظن صدق ما يدعيه الولي ولكل واحد منهما ولي ولا يعلم أن الشاهدين شهدا له، فلا يغلب على الظن صدق ما يدعيه فلم يكن لوثا. إذا شهد شاهد على رجل أنه قتل زيدا وشهد عليه آخر أنه قتل عمرا كان لوثا عليهما في حقهما، لأن لولي كل واحد منهما شاهدا يشهد له بما يدعيه عليه، فكان لوثا عليه في حقهما. إذا كان الرجل ملففا بثوب أو كساء فشهد شاهدان على رجل أنه ضربه فقده باثنين، ولم يثبتا حياته حين الضرب، واختلف الولي والجاني، فقال الولي كان حيا حين الضرب وقد قتلته، وقال الجاني ما كان حيا حين الضرب. قال قوم القول قول الجاني، وقال آخرون القول قول الولي، لأنه قد تحققت

[ 256 ]

حياته قبل الضرب وشككنا في وجودها حين الضرب والأصل الحيوة فوجب أن يبنى على اليقين كمن تيقن الطهر وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في المطهر فإنه يبنى على اليقين، ولأن الأصل حياته والجاني يدعي ما لم يكن، والأول أقوى، وهو أن القول قول الجاني لأن الأصل براءة ذمته. إذا قتل الرجل عمدا محضا فوجب القود وله وارثان ابنان أو أخوان فشهد أحدهما على أخيه أنه عفا عن القود والمال، سقط القود عن القاتل، سواء كان هذا الشاهد عدلا يقبل شهادته أو لا يقبل شهادته، لأن قوله قد عفا عن القصاص اعتراف بسقوط حق نفسه منه، وإذا سقط حق نفسه منه سقط كله لأنه متى أسقط بعض الورثة حقه من القود سقط كله، وعلى مذهبنا لا يسقط القود لكنه إن أراد القود لزمه أن يرد بمقدار ما أقر أن أخاه عفا عنه على ما بيناه. قالوا وهذا مثل ما نقوله إن العبد إذا كان بين شريكين موسرين فأقر أحدهما أن شريكه أعتق نصيبه منه، عتق العبد كله، لأن قوله قد أعتق شريكي نصيبه، اعتراف منه بأن نصيبه قد انعتق فإن الموسر متى أعتق شركا له من عبد عتق نصيبه ونصيب شريكه، فإذا قال أعتق شريكي نصيبه، فقد أقر أنه قد عتق نصيب نفسه منه أيضا، و اعترافه بأن نصيب نفسه قد عتق منه يفيد أن نصيب شريكه قد عتق أيضا لأنه لا يجوز أن يعتق نصفه ويبقى نصفه الآخر على الرق، فلهذا عتق كله. فإذا ثبت أن القود قد سقط بقي الكلام في الدية فأما نصيب الشاهد منها فثابت لأنه ما عفا عنها وإنما اعترف بأن حقه سقط من القود بغير رضاه، فثبت له نصيبه من المال، وقد قلنا إن عندنا لم يسقط نصيبه من القود بشرط رد دية ما أقر بالعفو. فأما نصيب المشهود عليه منها، فينظر إلى الشاهد فإن لم يقبل شهادته حلف المشهود عليه ما عفا عن القصاص والدية، واستحق نصيبه منها، وإن كان الشاهد عدلا مقبول الشهادة حلف القاتل مع شاهده وسقط عنه المال، لأن إسقاط المال يثبت بالشاهد واليمين.

[ 257 ]

فإذا ثبت أن القاتل يحلف مع شاهده فكيف يحلف؟ قيل: إنه يحلف لقد عفى عن القود والدية، قالوا فالقود قد سقط باعتراف الأخ وإنما الكلام في الدية فكيف يحلف القاتل أنه عفى عن القود والمال، وأي فايدة فيه؟ قلنا أما عندنا فلم يسقط حقه من القود أصلا باعتراف أخيه، وإنما هو شاهد واحد، ومن قال سقط، له جوابان أحدهما يحلف القاتل لقد عفا عن المال، ويجزيه ومنهم من قال يحلف مطلقا أنه قد عفى عن المال، والشاهد شهد للقاتل أن أخاه عفى عن القود والمال، ومنهم من قال لا بد أن يحلف القاتل أنه قد عفى عن القود والدية لأنه قد يعفو عن الدية ولا يسقط حقه منها، ولا من القصاص. إذا ادعى رجل على رجل أنه جرحه: قطع يده أو رجله أو قلع عينه، فأنكر و أقام المدعي شاهدين وهما وارثاه: أخواه أو عماه بذلك، لم يخل الجرح من أحد أمرين إما أن يكون قد اندمل أو لم يندمل، فإن شهدا بعد اندمال الجرح قبلنا وحكمنا بها للمشهود له، لأن شهادته للأخ مقبولة، وهذه الشهادة بعد الاندمال لا تجر نفعا ولا يدفع بها ضررا، وإن كانت الشهادة قبل اندمال الجراحة لم تقبل هذه الشهادة لأنها متهمان فإن الجرح قد يصير نفسا فيجب الدية على القاتل ويستحقها الشاهدان فلهذا لم تقبل. فإذا لم تقبل نظرت فإن سرت إلى النفس بطلت الشهادة، وإن اندمل الجرح لم يحكم بتلك الشهادة لأنها وقعت مردودة. فإن أعادا الشهادة بذلك قال قوم لا يقبل لأنها ردت لأجل التهمة والشهادة إذا ردت لأجل التهمة لم يقبل فيما بعد، كما لو ردت لفسقه، وقال قوم إذا أعادها قبلت وهو الصحيح عندنا، لأنهما حين الشهادة كانا متهما لأجل الميراث وقد زال ما يتهم لأجله بالاندمال، فوجب أن تقبل. ويفارق الفاسق لأن التهمة في نفس الإقامة، وههنا التهمة لأجل الميراث وقد زال، فبان الفصل بينهما.

[ 258 ]

فرع إذا ادعى مريض على رجل مالا فأنكر المدعى عليه فأقام المدعي شاهدين بذلك أخويه أو عميه وهما وارثاه، قال قوم لا يقبل لأنهما متهمان، لأن المريض قد يموت فيكون المال لهما، وقال آخرون مقبولة غير مردودة وهو الأصح عندي لأنهما لا يجران منفعة ولا يدفعان مضرة، لأن الحق إذا ثبت ملكه المريض، فإذا مات ورثاه عن المريض لا عن المشهود عليه، وليس كذلك إذا كانت الشهادة بالجناية لأنه متى مات المجني عليه وجبت الدية بموته على القاتل يستحقها الشاهدان على المشهود عليه فلهذا ردت. إذا ادعى على رجل أنه جرحه: قطع يده أو رجله ونحو هذا فأنكر المدعى عليه وأقام المدعي شاهدين بذلك وهما أخواه، وهناك من يحجبهما عن الميراث إن مات مثل أن كان له ابن فشهد له أخواه بالحق قبلناها لأنهما لا يتهمان بذلك ثم ينظر فيه. فإن مات المشهود له من ذلك قبل موت ابنه حكمنا على المشهود عليه بالدية وإن مات من يحجبهما من الميراث وصارا وارثين لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون قبل الحكم بشهادتهما أو بعده، فإن كان بعد ذلك لم يقدح في شهادتهما، لأن حكم الحاكم إذا نفذ بشهادة لم يقدح فيه تغير الشهود، كما لو حكم بشهادة عدلين، ثم فسقا، فإنه لا يغير الحكم، وإن صارا وارثين قبل الحكم بالشهادة طرحت، ولم يحكم بها، لأنهما صارا متهمين بعد الإقامة وقبل الحكم بها، فهو كما لو سمع الحاكم شهادة عدلين، فقبل الحكم بها فسقا لم يحكم. إذا ادعى على رجل أنه قتل وليا له وأقام المدعي شاهدين بذلك، فشهد شاهدان من عاقلة القاتل بفسق الشاهدين، فهل يقبل شهادة العاقلة بما يسقط به شهادة الشاهدين أم لا؟ فإن كان القتل عمدا يوجب القود قبلنا شهادة العاقلة لأنهما لا يدفعان ضررا ولا يجران نفعا وإن كانت الشهادة بالاعتراف قبلت شهادة العاقلة أيضا لأنها لا تعقل للاعتراف وإن كانت الشهادة على فعل الخطأ فهنا متى ثبت القتل فالدية على العاقلة نظرت. فإن كانا غنيين موسرين يصل الضمان إليهما حين حؤول الحول ردت لأنهما يدفعان بها ضرر الضمان عن أنفسهما، وإن كانا فقيرين أو كانا من أباعد العصبات

[ 259 ]

على صفة لا يصل الضمان إليهما حتى يموت من هو أقرب إلى القاتل، قبلها قوم وردها آخرون، والأول أقوى. ومنهم من قال أقبل الأباعد ولا أقبل الأقرب المعسر، والفصل أن الأقرب معدود فيمن يعقل، وإنما خرج بصفة هي الفقر والاعتبار باليسار والاعسار حين حؤول الحول، وقد يكون هذا موسرا حين حؤوله، فلهذا ردت، وليس كذلك الأباعد لأنهم ليسوا من العاقلة التي تضمن ولا يعدان من الجملة فلهذا سمعت فبان الفصل بينهما.

[ 260 ]

(فصل) * (في حكم الساحر إذا قتل بسحره) * السحر له حقيقة عند قوم، وهو أن الساحر يعقد ويرقى ويسحر فيقتل ويمرض ويكوع الأيدي، ويفرق بين الرجل وزوجته، ويتفق له أن يسحر بالعراق رجلا بخراسان فيقتله، وقال قوم لا حقيقة له وإنما هو تخيل وشعبدة، وهو الذي يقوى في نفسي، وفي رواياتنا أن السحر له حقيقة لكن ما ذكروا تفصيله كما ذكره الفقهاء ولا خلاف بينهم أن تعليمه وتعلمه وفعله محرم لقوله تعالى " ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر " فذم على تعليم السحر. وقد روي عن ابن عباس أنه قال ليس منا من سحر أو سحر له، وليس منا من تكهن أو تكهن له، وليس منا من تطير أو تطير له. فإذا ثبت أنه محرم فالسحر عندهم اسم جامع لمعان مختلفة، فإذا قال أنا ساحر قلنا صف السحر، فإن وصفه بما هو كفر فهو مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وإن وصفه بما ليس بكفر لكنه قال أنا أعتقد إباحته، حكمنا بأنه كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل لأنه اعتقد إباحة ما أجمع المسلمون على تحريمه، كما لو اعتقد تحليل الزنا فإنه يكفر. وإن قال أنا ساحر أعمل السحر وأعتقد أنه حرام لكني أعمله، لم يكفر بذلك ولم يجب قتله، وقال بعضهم هو زنديق لا يقبل توبته ويقتل، وقال قوم يقتل الساحر ولم يذكروا هل هو كافر أم لا، وهو الموجود في أخبارنا وقال قوم السحر آلة يقتل به كالسيف والعصا وغير ذلك. فإذا سحر رجلا فمات من سحره سئل، فإن قال سحري يقتل غالبا وقد سحرته وقتلته عمدا فعليه القود، كما لو أقر أنه قتله بالسيف عمدا، وقال قوم لا قود عليه بناء على أصله أنه لا يقتل إلا إذا قتل بالسيف، وأما إذا قتل بالمثقل فلا قود لكنه قال إن

[ 261 ]

تكرر الفعل منه قتلته حدا لأنه بمنزلة الخناق، وهو من السعي في الأرض بالفساد والأول يقتضيه مذهبنا. وإن قال سحري لا يقتل غالبا غير أنه قد يقتل وقد لا يقتل، والغالب أنه لا يقتل، قلنا فهذا عمد الخطاء، فعليك الدية مغلظة حالة في مالك، لأنها يثبت باعترافك. وإن قال أنا أسحر وأقتل به غالبا وقد سحرت جماعة وقتلتهم به، ولم يعين أحدا فلا قود عليه، لأنه إذ لم يعين المقتول لم يكن هناك ولي يطالب به، والقتل بالاقرار إذا عين المقتول وهناك ولي يطالب به، وليس ههنا واحد منهم، وقال قوم أقتله ههنا لأنه تكرر الفعل وأقتله حدا وهو قوي على أصلنا. فإن قال سحري يقتل لكنه لا يقتل غالبا وقد سحرت فلانا فمرض من سحري ولكنه مات بسبب آخر غير سحري، أقسم أولياؤه أنه مات منه، وكانت الدية في ماله إذا كان لازما على فراشه حتى مات، وإن كان يدخل ويخرج، فالقول قول الساحر مع يمينه، ولا دية عليه وهو الأقوى. وجملته أنه إذا سحر رجلا فمرض بسحره ثم مات واختلفا فقال الساحر مات من غير سحري، وقال الولي بل من سحرك، فالحكم، في هذه المسألة كما لو جرح رجلا وبقي مدة يندمل فيها ثم مات، فاختلفا فقال الولي مات من السراية وقال الجاني اندمل ثم مات، فقد قلنا إن كان مع الولي بينة أنه لم يزل ضمنا وجعا متألما من ذلك حتى مات، فالقول قول الولي، وإن لم يكن له بينة فالقول قول الجاني، لأنه يمكن ما يقول كل واحد منهما، والأصل براءة ذمته. فإن قال الساحر: أرقى ولكني لا أوذي به أحدا، نهي فإن عاد عزر، وإن قال أحسن السحر وأعرفه لكني لا أعمل به فلا شئ عليه، وقال قوم قد اعترف أنه زنديق ولا توبة له، والأول أقوى عندي، لأنه لا دليل على وجوب قتله، والأصل براءة الذمة.

[ 262 ]

(كتاب) * (قتال أهل البغي) * قال الله تعالى " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (1) " قيل نزلت في رجلين اقتتلا، وقيل في فئتين، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله كان يخطب فنازعه عبد الله بن أبي بن سلول المنافق فعاونه قوم وأعان عليه آخرون، فأصلح النبي صلى الله عليه وآله بينهم فنزلت هذه الآية، و الطائفتان الأوس والخزرج. قالوا في الآية خمس فوايد أحدها أن البغاة على الإيمان لأن الله سماهم مؤمنين وهذا عندنا باطل لأنه إنما سماهم مؤمنين في الظاهر كما قال " وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (2) " وهذه صفة المنافقين بلا خلاف. الثاني وجوب قتالهم فقال " فقاتلوا التي تبغي " وهذا صحيح عندنا. الثالث القتال إلى غاية وهو أن يفيئوا إلى أمر الله بتوبة أو غيرها، وهذا صحيح لأنه قال " حتى تفيئ إلى أمر الله ". الرابعة أن الصلح إذا وقع بينهم فلا تبعة على أهل البغي في دم ولا مال، لأنه ذكر الصلح أخيرا كما ذكره أولا ولم يذكر تبعة، فلو كانت واجبة ذكرها، وهذا عندنا غير صحيح لأن التبعة على أهل البغي فيما يتلفونه من نفس ومال على ما سيجئ بيانه وإن لم يذكر في الآية فقد علمناه بدليل آخر.

(1) الحجرات: 9.
(2) الأنفال: 6.

[ 263 ]

الخامس قالوا فيها دلالة على أن من كان عليه حق فمنعه بعد المطالبة به حل قتاله، فإن الله تعالى لما أوجب قتال هؤلاء لمنع حق كان كل من منع حقا بمثابتهم، وعلى كل أحد قتالهم، وهذا ليس بصحيح عندي، لأن هذا خطاب للأئمة دون آحاد الأمة وليس من حيث قال " فقاتلوا التي تبغي " فأتى بلفظ الجمع ينبغي أن يتناول الجميع لأن ذلك يجري مجرى قوله " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما (1) " ولا خلاف أن هذا خطاب للأئمة ونحن وإن وجبت علينا طاعة الإمام في قتال هؤلاء، فإن قتالنا تبع لقتال الإمام، وليس لنا الانفراد بقتالهم. وروى ابن عمر وسلمة بن الأكوع وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من حمل علينا السلاح فليس منا، وروي عنه أنه قال: من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فميتته جاهلية، وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الاسلام عن عنقه، وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال من خلع يده من طاعة الإمام جاء يوم القيمة لا حجة له عند الله، ومن مات وليس في عنقه بيعة فقد مات ميتة جاهلية. ولا خلاف أيضا أن قتال أهل البغي واجب جايز وقد قاتل أبو بكر طائفتين قاتل أهل الردة قوما ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وآله، وقاتل مانعي الزكاة وكانوا مؤمنين، وإنما منعوها بتأويل، يدل على ذلك أن أبا بكر لما ثبت على قتالهم قال عمر كيف تقاتلهم وقد قال النبي عليه وآله السلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، فقال أبو بكر والله لا فرقت بين ما جمع الله، هذا من حقها لو منعوني عناقا مما يعطون رسول الله لقاتلتهم عليها. فموضع الدلالة أن عمر توقف عن قتالهم لكونهم مؤمنين، وأيضا فإن القوم لما أسروا، قالوا والله ما كفرنا بعد إسلامنا وإنما شححنا على أموالنا، وقالوا حين منعوا قال الله " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلوتك

(1) المائدة: 38.

[ 264 ]

سكن لهم " جعل الله صلوة النبي سكنا لنا وليس صلوة ابن أبي قحافة سكنا لنا، وكل هذا دليل على إسلامهم. وقد قال شاعرهم: أطعنا رسول الله ما كان بيننا * فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر فأخبروا أنهم أطاعوا رسول الله، ثبت أنهم كانوا مؤمنين، فإذا ثبت قتال مانعي أهل الزكوة كان قتال أهل البغي بذلك أولى. وأيضا فلا أحد من الأمة يفرق بين المسئلتين، وقد قاتل علي عليه السلام ثلث طوايف قاتل أهل البصرة يوم الجمل عايشة وطلحة والزبير وعبد الله بن الزبير وغيرهم. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عليهم السلام قال: دخلت على مروان بن الحكم فقال ما رأيت أحدا أكرم غلبة من أبيك ما هو إلا أن ولينا يوم الجمل فنادى مناديه لا يقتل مدبر ولا يدنف على جريح. وقاتل أهل الشام ومعاوية ومن تابعه وقاتل أهل النهروان والخوارج وهؤلاء كلهم عندهم محكوم بكفرهم، لكن ظاهرهم الاسلام وهم عندهم مسلمون، لكن قاتلوا الإمام العادل، فإن الإمامة كانت بعد عثمان لعلي عليه السلام بلا خلاف، وكل من خالفه فقد بغى عليه وخرج عن قبضة الإمام ووجب قتالهم، وتسميتهم البغاة عندنا ذم لأنه كفر عندنا وقال بعضهم ليس بذم ولا نقصان، وهم أهل الاجتهاد اجتهدوا فأخطأوا بمنزلة طائفة خالفوا من الفقهاء لأنهم مؤمنون عندهم قاتلوا بتأويل سائغ وقد قلنا إن هؤلاء كفار وهذا التأويل خطأ كبير لا يسوغ على حال. ولا يجب قتال أهل البغي ولا تتعلق بهم أحكامهم إلا بثلث شروط: أحدها أن يكونوا في منعة لا يمكن كفهم وتفريق جمعهم إلا بإنفاق وتجهيز جيوش وقتال، فأما إن كانوا طائفة قليلة وكيدها كيد ضعيف، فليسوا بأهل البغي، فأما قتل عبد الرحمن بن ملجم أمير المؤمنين عليه السلام عندنا كفر وتأويله غير نافع له، و عندهم هو وإن تأول فقد أخطأ ووجب قتله قودا.

[ 265 ]

والثاني أن يخرجوا عن قبضة الإمام منفردين عنه في بلد أو بادية فأما إن كانوا معه وفي قبضته فليسوا أهل البغي، وروي أن عليا عليه السلام كان يخطب فقال رجل من باب المسجد لا حكم إلا لله تعريضا بعلي أنه حكم في دين الله، فقال علي عليه السلام كلمة حق يريد بها باطل، لكم علينا ثلاث ألا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ولا نمنعكم الفئ ما دامت أيديكم معنا ولا نبدأكم بقتال، فقال ما دامت أيديكم معنا يعني لستم منفردين. والثالث أن يكونوا على المباينة بتأويل سائغ عندهم، وأما من باين وانفرد بغير تأويل فهؤلاء قطاع الطريق حكمهم حكم المحاربين، وليس من شرط قتالهم أن ينصبوا لأنفسهم إماما لأن الله تعالى لم يذكر ذلك حين أوجب قتالهم، وقال بعضهم نصب الإمام شرط وهو ضعيف عندهم. فكل موضع حكم بأنهم بغاة لم يحل قتالهم حتى يبعث الإمام من يناظرهم ويذكر لهم ما ينقمون منه، فإن كان حقا بذله لهم، وإن كان لهم شبهة حلها، فإذا عرفهم ذلك فإن رجعوا فذاك وإن لم يرجعوا إليه قاتلهم لأن الله تعالى أمر بالصلح قبل الأمر بالقتال، فقال: فأصلحوا بينهم فإن بغت فقاتلوا، ثبت أنهم لا يقاتلون قبل ذلك. وروي عن علي عليه السلام أنه لما أراد قتال الخوارج بعث إليهم عبد الله بن عباس ليناظرهم فلبس حلة حسنة ومضى إليهم فقال هذا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله وزوج ابنته فاطمة وقد عرفتم فضله فما تنقمون منه؟ قالوا قلنا حكم في دين الله و قتل ولم يسب، فإما أن يقتل ويسبي أو لا يقتل ولا يسبي، إذا حرمت أموالهم حرمت دماؤهم والثالث محى اسمه من الخلافة. فقال ابن عباس إن خرج عنها رجعتم إليه؟ قالوا: نعم، قال ابن عباس أما قولكم حكم في دين الله تعنون الحكمين بينه وبين معاوية، وقد حكم الله في الدين قال " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " وقال " يحكم به ذوا عدل

[ 266 ]

منكم " فحكم في أرنب قيمته درهم، فبأن يحكم في هذا الأمر العظيم أولى، فرجعوا عن هذا. قال وأما قولكم كيف قتل ولم يسب فأيكم لو كان معه فوقع في سهمه عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله كيف يصنع؟ وقد قال الله عز وجل " ولا تنكحوا أزواجه من بعده أبدا " قالوا رجعنا عند هذا. قال وقولكم محي اسمه من الخلافة تعنون أنه لما وقعت المواقفة بينه وبين معوية كتب بينهم " هذا ما واقف أمير المؤمنين على معوية " قالوا له لو كنت أمير المؤمنين ما نازعناك فمحى اسمه. فقال ابن عباس إن كان محى اسمه من الخلافة فقد محا رسول الله اسمه من النبوة لما قاضى صلى الله عليه وآله سهيل بن عمرو بالحديبية، كتب الكتاب على " هذا ما قاضى عليه رسول الله سهيل بن عمرو " فقال إنه لو كنت رسول الله ما خالفناك فقال النبي صلى الله عليه وآله لعلي: امحه فلم يفعل فقال لعلي أرنيه فأراه فمحاه النبي عليه وآله السلام بإصبعه؟ فرجع بعضهم، وبقي منهم أربعة ألف لم يرجعوا فقاتلهم علي عليه السلام فقتلهم. فثبت أنهم لا يبدؤن بالقتال حتى يعرض عليهم الاجابة، كمن لم يبلغه الدعوة وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال الخوارج كلاب أهل النار. إذا انقضت الحرب بين أهل العدل والبغي إما بالهزيمة أو بأن عادوا إلى طاعة الإمام، وقد كانوا أخذوا الأموال وأتلفوا وقتلوا، نظرت فكل من وجد عين ماله عند غيره كان أحق به، سواء كان من أهل العدل أو أهل البغي، لما رواه ابن عباس أن النبي عليه السلام قال المسلم أخو المسلم لا يحل دمه وماله إلا بطيبة من نفسه، وروي أن عليا عليه السلام لما هزم الناس يوم الجمل قالوا له: يا أمير المؤمنين ألا تأخذ أموالهم قال لا، لأنهم تحرموا بحرمة الاسلام فلا يحل أموالهم في دار الهجرة. وروى أبو قيس أن عليا عليه السلام نادى من وجد ماله فليأخذه، فمر بنا رجل فعرف قدرا يطبخ فيها فسألناه أن يصبر حتى ينضج فلم يفعل ورمى برجله فأخذها وقد روى أصحابنا أن ما يحويه العسكر من الأموال فإنه يغنم، وهذا يكون إذا لم يرجعوا

[ 267 ]

إلى طاعة الإمام، فأما إن رجعوا إلى طاعته فهم أحق بأموالهم. فأما ما كان قتلا وإتلافا نظرت فإن كان في غير حال القتال مثل أن كان قبل الحرب أو بعدها فالضمان على من أتلف ذلك، دما كان أو مالا، لأنه ليس في تضمينه تنفير أهل البغي عن الدخول في الطاعة. وإن كان هذا الاتلاف والحرب قائمة نظرت فإن كان المتلف من أهل العدل فلا ضمان عليه لأن الله تعالى أوجب على أهل العدل قتالهم فكيف يوجب القتال ويوجب الضمان على القاتل، وأما إن كان المتلف من أهل البغي، فإن كان مالا فعلى من أتلفه الضمان عندنا، وقال بعضهم لا ضمان عليه، وإن كان قتلا يوجب القود فعليه القود عندنا، ومنهم من قال لا قود عليه ويجب الدية، وفيهم من قال لا قود ولا دية. وإذا اقتتلوا فيما بينهم قبل أن يقاتلهم الإمام فلا ضمان عليهم، ومن قال لا ضمان عليهم بحال ادعى الإجماع، وهذا ليس بصحيح، لأنا نحن ننازع فيه، ومالك يخالف فيه، وقد خالف فيه أبو بكر فإنه قال في الذين قاتلهم يدون قتلانا ولا ندين قتلاهم قالوا رجع عنه فإن عمر قال له أصحابنا عملوا لله وأجرهم على الله وإنما الدنيا بلاغ قلنا ليس هذا رجوعا وإنما هو ترك ما لهم في جنب الله. ولا خلاف أن الحربي إذا أتلف شيئا من أموال المسلمين ونفوسهم ثم أسلم فإنه لا يضمن ولا يقاد به والكلام في المرتدين والحكم في تضمينهم على ما فصلناه في أهل البغي سواء أتلفوا قبل القتال أو بعده، فعليهم الضمان، وإن كان الاتلاف حال الحرب فعليهم الضمان عندنا وعند قوم لا ضمان عليهم مثل أهل البغي. أهل الردة بعد رسول الله ضربان منهم قوم كفروا بعد إسلامهم مثل مسيلمة وطليحة والعنسي وأصحابهم وكانوا مرتدين بالخروج من الملة بلا خلاف. والضرب الثاني قوم منعوا الزكوة مع مقامهم على الاسلام وتمسكهم به، فسموا كلهم أهل الردة، وهؤلاء ليسوا أهل ردة عندنا وعند الأكثر. والردة في اللغة ترك حق كانوا مقيمين عليه متمسكين به فكل من فعل هكذا

[ 268 ]

فهو مرتد عنه فذلك الحق الذي ارتدوا عنه ينقسم فمنه خروج عن الملة بالكفر وهو ترك حق، ومنه ترك حق مع المقام على الملة كمنع الزكوة ونحو ذلك، وقد بينا أن ما يجري هذا المجرى لا يسمى به مرتدا كما أن من وجب عليه الدين فمنعه مع المطالبة لا يسمى مرتدا. وقال قوم كانوا مرتدين لأنهم استحلوا منع الزكوة ومن استحل متعمدا منعها كفر، وهذا ليس بصحيح لأنا بينا أنهم ما استحلوها وإنما منعوها لشبهة. قد ذكرنا أن أهل البغي الذين يتعلق بهم أحكام البغاة أن يكونوا في منعة يحتاج في فلهم وتفرقة جمعهم إلى إنفاق الأموال وتجهيز الجيوش، فأما إن كانت الفئة قليلة لا يمنع أخذها عند إرادتها لم يتعلق بهم أحكام أهل البغي، وكانوا كغير المتأولين يقام عليهم الحدود، ويستوفى منهم الحقوق. وروى جعفر بن محمد عليه السلام أن عليا قال في ابن ملجم بعد ما ضربه أطعموه و اسقوه وأحسنوا إساره، فإن عشت فأنا ولي دمي أعفو إن شئت وإن شئت استقدت، وإن مت فقتلتموه فلا تمثلوا، فكان هذا منه عليه السلام عندنا تفضلا وإحسانا، وإلا فقد بينا أنه كافر بما فعله، وعندهم تأويله لم ينفعه أيضا. وأما إن كانت كثيرة ذات منعة لكنهم ما خرجوا عن قبضة الإمام فتأولوا وأتلفوا ضمنوا، وأقيمت عليهم الحدود، لما روي أن عليا عليه السلام استعمل على قوم نابذوه واليا فسمعوا له ما شاء الله، ثم قتلوه فأرسل إليهم أن ادفعوا إلينا قاتله فنقتله به فقالوا: كلنا قاتله، قال: فاستسلموا بحكم الله عليكم، قالوا لا، فسار إليهم فقاتلهم وأصاب أكثرهم فثبت أن الخروج عن قبضة الإمام شرط، ولأنهم إذا كانوا في قبضته وتحت يده وحكمه يجري عليهم، لم يؤد استيفاء الحقوق منهم إلى تنفيرهم ومنعهم من المتابعة، لأن القوم في قبضته. إذا عاد أهل البغي إلى الطاعة وتركوا المباينة حرم قتالهم، وهكذا إن قعدوا فألقوا السلاح، وهكذا إن ولوا منهزمين إلى غير فئة، الحكم في هذه المسائل الثلاث

[ 269 ]

واحد لا يقتلون ولا يتبع مدبرهم، ولا يدنف على جريحهم بلا خلاف فيه، لقوله تعالى " فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " فأوجب القتال إلى غاية وقد وجدت، فوجب أن يحرم قتالهم. فأما إن ولوا منهزمين إلى فئة لهم يلتجئون إليها فلا يتبعون أيضا، وقال قوم يتبعون ويقتلون، وهو مذهبنا، لأنا لو لم نقتلهم ربما عادوا إلى الفئة، واجتمعوا ورجعوا للقتال. آحاد أهل البغي متى أتلفوا ضمنوا، وإن أتلف جماعتهم والحرب قائمة، قال قوم يضمنون وهو مذهبنا، وقال آخرون لا يضمنون. قالوا والفرق بينه وبين الجماعة أن الجماعة متى ضمنت ما أتلفت أدى إلى التنفير عن الرجوع إلى الحق، وهذا ساقط في حق واحد وهذا ينتقض بالواحد، لأنا متى ضمناه أدى إلى تنفيره. الخوارج هم الذين يعتقدون أن من أتى كبيرة شرب الخمر والزنا والقذف فقد كفر، وصار مخلدا في النار، فإذا ظهر قوم رأيهم رأي الخوارج أو مذهبهم و امتنعوا من الجماعات، وقالوا لا نصلي خلف إمام كافر لم يجز قتلهم وقتالهم على هذا ما داموا في قبضة الإمام بلا خلاف، لما رواه ابن عباس أن عليا عليه السلام بينما يخطب إذ سمع تحكيما من ناحية المسجد " لا حكم إلا لله " فقال علي عليه السلام لا حكم إلا لله كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفئ ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدأكم بقتال ولم يزد على هذا. وروي أن ابن ملجم أتى الكوفة لقتل علي عليه السلام ففطن به وأتي به إلى علي فقيل له إنه يريد قتلك، فقال علي عليه السلام لا أقتله قبل أن يقتلني، ولأنهم إذا كانوا مع الإمام وتحت قبضته وأحكامه تجري عليهم، لم يحل قتالهم، وإن كانوا معتقدين خلاف قوله، ألا ترى أن المنافقين كانوا على عهد النبي عليه وآله السلام معروفين مشهورين بأعيانهم وأنسابهم وأسمائهم، وينزل فيهم القرآن، ولم يقتلهم النبي صلى الله عليه وآله

[ 270 ]

وإن كان يعلم منهم ما يعتقدونه، وكف عنهم لإظهار الشهادتين فرفع السيف عنهم بهذا الظاهر، ولم يتعرض لم يستنبطونه. فإذا ثبت هذا نظرت فإن صرحوا بسب الإمام عزروا عندهم لمعنيين: أحدهما لو سب غير الإمام عزر، فبأن يعزر إذا سب الإمام كان أولى، ولأن فيه تقصيرا في حقه، وعندنا يجب قتلهم إذا سبوا الأئمة، وإن لم يصرحوا له بالسب لكنهم عرضوا له به عزروا. وقال قوم لا يعزرون لأن عليا عليه السلام لما سمع قول القائل " لا حكم إلا الله " يعني حكمت في دين الله لم يعزره، والأول مذهبنا لأنه لو عرض بالقذف عزر كذلك إذا عرض بالشتم والسب وجب أن يعزر ولأنه إن لم يعزر أفضى إلى التصريح. فإذا تقرر أنهم لا يقتلون ما داموا في قبضة الإمام فإن بعث الإمام إليهم واليا فقتلوه أو قتلوا صاحبا للإمام غير الوالي، وكان القتل مكابرة ظاهرة في جوف البلد، فعليهم القود، لما روي أن عليا عليه السلام بعث عبد الله بن خباب عاملا على الخوارج بالنهروان فقتلوه، فأرسل إليهم أن ادفعوا إلينا قاتله لنقتله به، فلم يفعلوا، وقالوا كلنا قتله، فقال استسلموا بحكم الله عليكم فأبوا فسار إليهم فقاتلهم وأصاب أكثرهم. وإذا تقرر أنا نقتله قصاصا فهل يتحتم القصاص أم لا؟ قال قوم يتحتم لأنهم و إن كانوا معه في البلد فقد شهروا السلاح معاندين، وقتلوه، فهم كقطاع الطريق سواء وهذا مذهبنا، وقال آخرون لا يتحتم، ولولي القتل أن يعفو عن القتل لأن قطاع الطريق متى شهروا السلاح وأخافوا السبيل لقطع الطريق وأخذ أموال الناس فقتلهم متحتم وهؤلاء قتلوه جهرا لغير هذا فلم يتحتم عليهم القود. إذا حضر النساء والصبيان والعبيد القتال مع أهل البغي، قوتلوا مع الرجال وإن أتى القتل عليهم، لأن العادل يقاتل أهل البغي في حكم الدافع عن نفسه وماله ولو قصدها له وأعانته امرأة له أو عبد له أو غلام مراهق كان له قتله، وإن أتى القتل عليه.

[ 271 ]

إذا وقع أسير من أهل البغي في أيدي أهل العدل، فإن كان من أهل القتال، و هو الشاب والجلد الذي يقاتل، كان له حبسه ولم يكن له قتله، وقال بعضهم له قتله والأول مذهبنا. فإذا ثبت أنه لا يقتل فإنه يحبس، وتعرض عليه المبايعة، فإن بايع على الطاعة والحرب قائمة، قبل ذلك منه وأطلق، وإن لم يبايع ترك في الحبس، فإذا انقضت الحرب فإن أتوا تائبين أو طرحوا السلاح وتركوا القتال أو ولوا مدبرين إلى غير فئة أطلقناه، وإن ولوا مدبرين إلى فئة لا يطلق عندنا في هذه الحالة، وقال بعضهم يطلق لأنه لا يتبع مدبرهم، وقد بينا أنه يتبع مدبرهم إذا ولوا منهزمين إلى فئة. وإن كان الأسير من غير أهل القتال كالنساء والصبيان والمراهقين والعبيد قال قوم لا يحبسون بل يطلقون، لأنهم ليسوا من أهل المبايعة، وقال بعضهم يحبسون كالرجال الشباب سواء، وهو الأقوى عندي، لأن في ذلك كسرا لقلوبهم، وفلا لجمعهم وهكذا الحكم فيمن لا يقاتل كالزمن والشيخ الفاني الحكم فيه كالحكم في النساء و الصبيان سواء. إذا سأل أهل البغي الانظار وتأخير القتال نظرت، فإن سألوا إنظارهم زمانا قليلا كاليوم ونحو ذلك أنظرهم ليدبروا ويتفكروا في الطاعة، لأنه من المصلحة، و إن سألوا الانظار مدة طويلة كالشهر ونصف الشهر ونحو هذا، بحث الإمام عن هذا ونظر فيه، فإن علم أنها مكيدة وتدبير على القتال والتجمع لذلك، عاجلهم بالقتال حذرا أن يتم عليهم منهم ما يتعبه وربما وقع الظفر به، وإن علم أن القصد التكفؤ والتدبير في الطاعة، ورجى دخولهم في طاعته أنظرهم لأنها مصلحة. ومتى قلنا لا يمهلهم فسألوه الانظار ببذل مال بذلوه لم يجز أخذ المال على تأخير قتالهم، وهو لا يأمن قوتهم واشتداد شوكتهم، لأن المال إنما يؤخذ على ترك القتال ذلة وصغارا، ولا صغار على المسلمين ولأنه ربما أنفق أكثر مما يأخذ منهم. فإن سألوا الانظار ببذل الرهاين من أولادهم ونحو هذا لم يجز له تأخير القتال

[ 272 ]

لأنه ربما قويت شوكتهم، فإذا قاتلونا لم يحل لنا قتل الرهاين، لأن الجاني غيرهم فلهذا لم نأخذ الرهاين. وإن كان في أيدي أهل البغي أسير من أهل العدل، فطلبوا الصلح من أهل العدل والحرب قائمة، وضمنوا تخلية من عندهم من الأسرى، وأعطوا بذلك رهائن قبلت الرهاين، واستوثق للمسلمين، ثم ينظر فإن أطلقوا من في أيديهم من الأسارى أطلق أساراهم، وإن قتلوا الأسارى لم يقتل أساراهم لأن القاتل غيرهم، ثم ينظر فيهم فإن كانت الحرب قائمة لم يطلق الأسارى، فإذا انقضت الحرب أطلقوا رهاينهم كما يطلق أسيرهم سواء. إن خاف على الفئة العادلة الضعف لقلتها، وخاف أن تنالهم نكبة من أهل البغي كان له الانظار حتى يشتد شوكته، ويقوي أمره، ويكثر جنده، لأنه لا يأمن إن قاتلهم أن يهزموه وربما استأصلوا شأفئة، فلهذا كان له إنظارهم. إذا استعان أهل البغي على قتال أهل العدل بالمشركين لم يخل من ثلثة أحوال إما أن يستعينوا بأهل الحرب أو بأهل الذمة أو بالمستأمنين. فإن استعانوا بأهل الحرب وعقدوا لهم ذمة أو أمانا على هذا، كان ما فعلوه باطلا لا ينعقد لهم أمان، ولا يثبت لهم ذمة، لأن من شرط صحة عقد الذمة أن يبذلوا الجزية ويجري عليهم أحكامنا، ولا يجتمعوا على قتال المسلمين، فإذا كان هذا شرطا في صحة عقد الذمة، لم يجز الذمة بشرط قتال المسلمين. وأيضا لو كان لهم عهد وذمة مؤبدة فقاتلوا المسلمين انتقض عهدهم، فبأن لا يثبت لهم ذمة بهذا الشرط أولى، وأيضا عقد الأمان يقتضي الكف عنا وأن نكف عنهم وهذا شرط أن لا يكف بعضنا عن بعض، وهذا يبطل العهد. فإذا ثبت أنه لا ينعقد لهم أمان ولا عهد، فإذا أعانوا أهل البغي على قتال أهل العدل، كانوا كالمنفردين عنهم بالقتال، يقاتلون ويقتلون، مقبلين ومدبرين كأهل الحرب سواء، فإن وقعوا في الأسر كان الإمام مخيرا فيهم بين المن والقتل والاسترقاق والفداء.

[ 273 ]

بل ليس لأهل البغي أن يتعرضوا لهم، لا لأن الأمان صح لهم لكن لأنهم قد بذلوا لهم الأمان، وإن كان فاسدا لزمهم الكف عنهم لسكونهم إليهم واعتمادهم على قولهم. قالوا أليس عندكم أن عقد الأمان يصح من آحاد المسلمين كيف لم يصح من أهل البغي؟ قلنا لم يصح لمعنى آخر، وهو أنهم شرطوا ما يبطله. وأما إن استعانوا بأهل الذمة فعاونوهم وقاتلوا معهم فهل ينتقض ذمتهم أو لا؟ نظرت، فإن ادعوا عذرا وذكروا شبهة، فإن قالوا ما قاتلناكم طائعين بل مكرهين مقهورين، فالقول قولهم، وهكذا لو قالوا القتال مع أهل البغي ظننا أن طائفة من المسلمين إذا طلبوا المعونة إعانتهم جائزة، فالقول قولهم، وكان هذا شبهة في بقاء ذمتهم، وثبوت عهدهم. وأما إن قاتلوا عالمين بذلك فإنه ينتقض ذمتهم عندنا، وقال قوم لا ينتقض و الأول أصح لأنهم لو انفردوا بقتال أهل العدل نقضوا العهد، فكذلك إذا قاتلوهم مع أهل البغي. هذا إذا لم يشترط في أصل العهد لهم الكف عن القتال نطقا فأما إن كان مشروطا نطقا وخالفوه نقضوا الذمة، فكل موضع قلنا انتقض العهد فهل يقتلون أو يسبون أو يردون إلى دار الحرب؟ قد بيناه في السير، ومتى قلنا ما انتقض عهدهم فهم كأهل البغي لا يتبع مدبرهم ولا يدفف على جريحهم كأهل البغي سواء. فأما إن أتلفوا نفوسا وأموالا ضمنوها عندنا كما قلنا في أهل البغي، ومن قال لا ضمان على أهل البغي أوجب على أهل الذمة الضمان، والفرق بينهما أن الله أمرنا بالصلح بين الطائفتين ولم يذكر ضمان الدم والمال، والطائفتان مؤمنتان، وليسوا هيهنا كذلك، والفرق الآخر أن الضمان سقط من أهل البغي لأن في تضمينهم تنفيرهم وبقائهم على المخالفة والمباينة ولهذا سقط عنهم الضمان، وليس كذلك أهل الذمة، لأنا قد أمنا هذا فيهم فلا يخاف تنفيرهم ولا مقامهم على المعاندة، فلهذا ضمناهم.

[ 274 ]

وأما إن استعانوا بمن له أمان إلى مدة فقاتلوا معهم انتقض أمانهم، فإن ذكروا أنهم أكرهوا على ذلك وأقاموا البينة على ذلك كانوا على العهد، وإن لم يقيموا بينة انتقض أمانهم. والفرق بينهم وبين أهل الذمة أن عقد الذمة أقوى وأوكد في بابه من عقد الأمان، بدليل أن الأمان إلى مدة والذمة مؤبدة ولأن على الإمام أن يكف عن أهل الذمة من يقصدهم كما يكف عن المسلمين من يقصدهم سواء وليس كذلك المستأمن لأن الإمام يكف عنه من يجري عليه أحكامنا فأما أهل الحرب فلا يكفه عنهم، فلما كانوا أقوى جاز أن تبقى الذمة مع هذه المعاونة، ولا يبقى عقد الأمان مع هذه المعاونة لا يجوز للإمام أن يستعين على قتال أهل البغي بمن يرى قتالهم مدبرين، و يجهز على جريحهم ويقتل أسيرهم، لأن قتلهم مدبرين ظلم وعدوان، فلا يستعين بمن يتعدى ويظلم؟ فإن احتاج إلى الاستعانة بهم لم يجز إلا بشرطين أحدهما ألا يجد من يقوم مقامهم والثاني أن يكون مع الإمام عدة وقوة متى علم منهم قتلهم وقصدهم مدبرين أمكنه كفه عنهم، فإن عدم الشرطان أو أحدهما فلا يستعين بهم. فأما إن استعان عليهم بأهل الذمة فلا يجوز بحال لأنه إذا لم يستعن عليهم بمن يرى قتلهم مدبرين مع اعتقاده الإيمان فبأن لا يستعين عليهم بمن يرى قتلهم مدبرين و هو يخالفهم في الدين ويعتقد قتلهم طاعة أولى، لأنهم يرون قتلهم ديانة وطاعة و قربة فلا يستعين عليهم بمن يرى هذا فيهم، ولأن القصد فلهم وتفريق جمعهم دون قتلهم وإهلاكهم. فلا يستعان عليهم بمن يبلغ غير المقصود فيهم. للإمام أن يستعين على قتال أهل الحرب بالمشركين، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد فعل هذا لأنه استعار من صفوان سبعين درعا عام الفتح وخرج معه إلى هوازن، وكان مشركا، واستعان بغيره من المشركين. ولا يجوز إلا بشرطين: أحدهما أن يكون المستعان به حسن الرأي في الاسلام والثاني أن يكون بالامام من القوة ما لو صار أهل الشرك الذين معه مع أهل الحرب

[ 275 ]

في مكان واحد أمكنه دفع الجميع عن نفسه، لأن النبي صلى الله عليه وآله هكذا فعل: استعان بمن كان حسن الرأي في الاسلام، لأن هوازن غلبت في أول النهار وانهزم أصحاب النبي عليه وآله السلام فقال رجل غلبت هوازن وقتل محمد فقال له صفوان بن أمية بفيك الحجر لرب من قريش أحب إلينا من رب من هوازن؟ ووقف رسول الله صلى الله عليه وآله وتراجع الناس، ثبت بهذا أنه استعان بمن له الرأي الحسن في الاسلام. إذا افترق أهل البغي طائفتين ثم اقتتلت الطائفتان الباغيتان، فإن كان للإمام به قوة ومنة على قهرهما فعل، ولم يكن له معاونة إحداهما على الأخرى، لأن كل واحدة منهما على الخطاء والاعانة على الخطأ من غير حاجة خطأ، ولأن معاونة إحداهما كالأمان لهم مع مقامهم على البغي، ولا يجوز عقد الأمان لأهل البغي. فإذا ثبت أن هذا لا يسوغ، قاتلهما معا حتى يعودا إلى الطاعة، وإن علم من نفسه أنه يضعف عنهما ولا يأمن أن يجتمع الطائفتان معا عليه، كان له أن يضم إحداهما إلى نفسه ويقاتل الأخرى، ينوي بقتالهم كسرها ومنعها عن البغي، ولا ينوي معاونة من يقاتل معها، فإذا ثبت أنه يقاتل مع إحداهما فإنه يقاتل مع التي هي إلى الحق أقرب، فإن كانا في التأويل سواء قاتل مع التي يرى المصلحة له في القتال معها، فإذا انهزمت تلك الطائفة أو أطاعته لم يكن له قتال التي قاتل معها حتى يدعو إلى الاجابة ويعذر إليها، لأن قتاله معها يجري مجرى الأمان لها. لا يسوغ للإمام العادل أن يقاتل أهل البغي بالنار، ولا أن ينصب عليهم المنجنيق لأنه إنما له أن يقاتل من أهل البغي من يقاتله منهم دون من لا يقاتله، فلو حرقهم بالنار ورماهم بحجر المنجنيق، لم يؤمن أن يقتل من لا يحل قتله. وإن اضطر إلى ذلك ساغ ذلك له، وإنما يضطر إليه في موضعين: أحدهما على سبيل المقاتلة، وهو أن يقاتلوه بذلك فيقاتلهم به على سبيل الدفع عن نفسه، والثاني أن يحاصروه من كل جانب فلا يمكنه دفع أحد منهم إلا بهذه الآلة فحينئذ يقاتلهم به ليجعل لنفسه طريقا يخرج به من وسطهم.

[ 276 ]

إذا غلب أهل البغي على بلد فجبوا الصدقات وأخذوا الجزية واستأدوا الخراج وقع ذلك موقعه عند الفقهاء، لأن عليا عليه السلام قد هزم الناس بالبصرة وبصفين ولم ينقل عنه أنه لم يعتد بما فعلوه، ولا استدرك عليهم، وعندنا لا يقع ذلك موقعه، غير أن للإمام أن يجيزه، لأنه إن أخذ منهم مرة أخرى أدى ذلك إلى الاضرار بالناس، فلذلك أجاز علي عليه السلام ذلك. وأما الحدود إذا أقاموها فلا تعاد مرة أخرى لما ذكرناه، فإذا زالت أيديهم عنه وملكه أهل العدل طالبهم العادل بذلك، فإن ذكروا أنه استوفي منهم فإن أقاموا البينة به نفذها، وإن لم يكن به بينة أما الصدقات إذا ادعى رب المال أنها قبضت منه، فالقول قوله مع يمينه لأنه أمين، وهذه اليمين على الوجوب عند قوم وعند آخرين على الاستحباب. وهكذا إذا طالب الساعي رب المال بالزكوة فادعى أنها لا يجب عليه أو قد استوفيت منه، فإن كان قوله لا يخالف الظاهر مثل أن قال قد حال الحول على مالك فقال رب المال ما حال، فالقول قوله مع يمينه استحبابا لأن قوله لا يخالف الظاهر، لأن الأصل أن الحول ما حال، وإن كان قوله مخالفا للظاهر مثل أن قال قد حال الحول على مالك فقال انقطع الحول في أثناء الحول، لأني بعتها ثم اشتريتها أو قال قد حال الحول وقد أخذ الزكوة منمى، ساع قبلك، فالقول قوله لأنه أمين. وهل اليمين واجبة أو مستحبة؟ على ما مضى، فمن قال مستحبة فإن حلف وإلا تركه ومن قال على الوجوب فإن حلف أسقط الدعوى، وإن لم يحلف أخذه بالزكوة لا بالنكول، ولكن بظاهر الوجوب عليه وعندنا أنه لا يمين عليه بحال، وكذلك في هذه المسألة سواء. وأما أهل الذمة إذا ذكروا أنهم أدوا الجزية فلا يقبل قولهم، لأن الجزية بمنزلة الأجرة، فإنها تحقن الدم والمساكنة، ومن سكن الدار وادعى أنه أدى الأجرة لم يقبل قوله، ولأنه لا أمانة لهم، ويفارق أهل الزكوة لأنهم أمناء.

[ 277 ]

وأما الخراج فإن زعموا أنه قد استوفي منهم فهل يقبل قولهم في ذلك أم لا؟ قال قوم يقبل قولهم، لأنهم مسلمون، وعندنا لا يقبل قولهم، لأن الخراج ثمن أو أجرة المثل وأيهما كان لم يقبل قوله في أدائه، ويفارق الزكوة لأنها على سبيل المواساة وأداؤها عبادة فلهذا قبل قولهم، وليس كذلك الجزية والخراج، لأنها معاوضة وهذا بدل في معاوضة فلم يقبل قوله في أدائه فبان الفصل بينهما. إذا نصب أهل البغي قاضيا يقضي بينهم أو بين غيرهم نظرت، فإن كان القاضي ممن يعتقد إباحة أموال أهل العدل ودمائهم، لم ينعقد له قضاء، ولم ينفذ له حكم، سواء وافق الحق أو لم يوافقه، لأن من يستبيح أموال أهل العدل لم يؤمن على القضاء، و عندهم لم يكن من أهل اجتهاد. وإن كان ثقة في دينه لا يستبيح أموال أهل العدل ولا دماءهم عندنا لم ينفذ قضاؤه أيضا لأنه لم يتقلده من قبل من له التولية، وقال قوم ينفد قضاؤه كما ينفذ قضاء غيره، سواء كان القاضي من أهل البغي أو من أهل العدل. وقال بعضهم إن كان من أهل العدل نفذ حكمه، وإن كان من أهل البغي لم ينعقد له قضاء، ولم ينفذ ما كان حكم به، فمن أجاز قضائهم قال: لا يرد من قضاياهم إلا ما يرد من قضايا غيرهم، فإن كان حكمه قد خالف فيه كتابا أو سنة أو إجماعا أو قياسا لا يحتمل إلا معنى واحدا نقضناه، وإن لم يخالف شيئا من هذا أمضيناه ونفذناه. فإن كان حكم بسقوط الضمان عنهم فيما أتلفوه على أهل العدل، نظرت فإن كان حكم بسقوط الضمان عما أتلفوه قبل القتال أو بعده لم ينفذ حكمه، لأنه خالف الإجماع وإن كان حكم بسقوط الضمان عنهم فيما أتلفوه حال القتال، سقط لأنها مسألة خلاف يسوغ فيها الاجتهاد، وقد بينا على مذهبنا أن جميع ذلك لا ينفذ على وجه، لأن ولايته غير منعقدة، ولأن الاجتهاد عندنا باطل، والحق في واحد لا يسوغ خلافه. فأما إذا كتب قاضيهم إلى قاضي أهل العدل بحكم حكم به أو بما ثبت عنده عندنا لا يجوز له أن يحكم به. وعندهم يستحب له أن يرده ولا يقبله استهانة بهم

[ 278 ]

وكسرا لقلوبهم، فإن قبله ونفذه جاز، وقال قوم يرد الكتاب ولا يعمل به على ما قلناه. إذا شهد عدل من أهل البغي لم يقبل شهادته عندنا، وعندهم يقبل غير أن بعضهم يقول إن أهل البغي فساق لكنه فسق على طريق التدين، والفسق على طريق التدين لا ترد به الشهادة عنده لأنه يقبل شهادة أهل الذمة، وقد قلنا إن عندنا أنه لا يقبل لأنهم فساق، ولا يقبل عندنا شهادة الفاسق، سواء كان على طريق التدين أو لا على وجه التدين. وقال بعضهم أقبل شهادته إذا كان ممن لا يرى أنه يشهد لصاحبه بتصديقه مثل الخطابية، فإنهم يعتقدون تحريم الكذب والاقدام على اليمين الكاذبة، فإذا كان لبعضهم حق على من يجحده ولا شاهد له به، يذكر ذلك لأهل دينه وحلف له أنه صادق فيما يدعيه، فإذا حلف ساغ له في دينه أن يشهد له بالحق مطلقا على ما صح عنده باليمين، فمن كان هذا دينه واعتقاده لا يقبل شهادته، لأنه لا يؤمن أن يشهد على هذا المذهب، ولأنه شاهد زور فلا يقبل شهادته بوجه. وقال بعضهم إن شهد بذلك مطلقا لم أقبل شهادته، لئلا يكون على مذهبه، و إن شهد على إقرار من عليه الدين، أو قبض مشاهدة قبلتها، لأنه لا يمكن أن يشهد بأنه شاهد هذا وما شاهده. إذا قتل مسلم في معركة البغاة، فإن كان من أهل البغي غسل وصلي عليه كساير المسلمين، وقال بعضهم يغسل ويصلى عليه لأنه باين الإمام كالحربي، ويقتضي مذهبنا أن لا يغسل ولا يصلي عليه لأنه كافر عندنا كالحربي. وإن كان المقتول من أهل العدل يصلي عليه ولا يغسل عندنا لأنه شهيد، وقال قوم لا يصلى عليه لأنه مقتول في المعركة، وقال آخرون يغسل ويصلى عليه. يكره للعادل قتل ذي رحم له من أهل البغي ويعرض عنه ليلي قتله غيره، لقوله تعالى " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في

[ 279 ]

الدنيا معروفا (1) " وروي أن أبا بكر أراد قتل أبيه يوم أحد فنهاه النبي عليه وآله السلام عنه وقال دعه ليلي قتله غيرك، وكف أبا حذيفة عن قتل أبيه. وإذا نهى عن قتل أبيه الحربي فبأن ينهى عن قتل الباغي أولى. فإن خالف وقتله كان جايزا وروي أن أبا عبيدة قتل أباه فقال له النبي صلى الله عليه وآله لم قتلته؟ فقال سمعته يسبك فسكت ولم ينكر، ويجوز أن يقصد قتل أهل البغي لأنه محكوم بكفره، وقال قوم لا يقصد قتله، بل يقصد دفعهم وتفليل حدهم وتفريق جمعهم، كما يدفع الانسان عن نفسه وماله، وإن أتى على نفسه. إذا قصد رجل رجلا يريد نفسه أو ماله أو حريمه فله أن يقاتله دفعا عن نفسه بأقل ما يمكنه دفعه به، وإن أتى ذلك على نفسه لقوله صلى الله عليه وآله " من قتل دون ماله فهو شهيد " فإذا ثبت أن ذلك له، فهل يجب عليه الدفع عن نفسه أم لا؟ قال قوم يجب عليه لقوله تعالى " ولا تقتلوا أنفسكم " وقوله " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " و لأنه قادر على ما به خلاص نفسه من التلف، فلزمه فعله كالطعام والشراب. وقال آخرون لا يجب عليه وله أن يستسلم للقتل فإن عثمان استسلم للقتل مع القدرة على الدفع، لأنه قيل أنه كان في داره أربع مائة مملوك فقال من ألقى سلاحه فهو حر فلم يقاتل أحد فقتل، والأول أقوى لأن دفع الضرر واجب عن النفس بحكم العقل وكذلك المضطر إلى طعام أو شراب نجس وجب عليه أن يتناوله وقال بعضهم لا يجب لأنه يتوقا نجاسة، فإن قصده قاصد ليقتله وكان قادرا على الهرب منه وجب عليه الهرب وقال قوم لا يجب وقال آخرون إن كان يقدر على دفعه عن نفسه لا يجب فإن لم يقدر على دفعه وقدر على الهرب وجب عليه الهرب. أمان الحر المسلم والمرأة وأمان العبد إذا كن مأذونا له في القتال صحيح بلا خلاف فإذا ثبت أنه جايز فإنما يجوز أن يعقد الأمان لآحاد المشركين، والنفر اليسير، كالقافلة الصغيرة ونحو هذا، فأما إن أراد عقد الأمان لكل المشركين أو لجنس من

(1) لقمان: 15.

[ 280 ]

أجناسهم كالترك والروم والهند فلا يصح لأن فيه افتتانا على الإمام. وأما الإمام فيجوز له أن يعقد الأمان للكل، ولأي جنس شاء إذا كانت المصلحة في ذلك، فأما صاحب الإمام فإنما يعقد الأمان للجنس الذي في موضع نظره منهم، كوالي خراسان يعقد للترك، ووالي مصر يعقد للروم، ووالي عمان يعقد للهند. فأما أمان العبد الذي لم يأذن له مولاه للقتال، فجايز عند قوم، وقال آخرون إذا لم يأذن له مولاه في القتال لم ينعقد أمانه، والأول مذهبنا لقوله عليه وآله السلام " المسلمون تتكافى دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ". يجوز لأهل العدل يستمتعوا بدواب أهل البغي وسلاحهم يركبونها للقتال ويرمون بنشاب لهم حال القتال وفي غير حال القتال متى حصل شئ من ذلك مما يحويه العسكر كان غنيمة، ولا يجب رده على أربابه، وقال قوم لا يجوز شئ من ذلك، و متى حصل شئ منه كان محفوظا لأربابه، فإذا انقضت الحرب رد عليهم. وقال بعضهم يجوز الاستمتاع بدوابهم وسلاحهم والحرب قايمة فإذا انقضت كان ذلك ردا عليهم، ومن منع منه قال لا يجوز ذلك حال الاختيار فأما حال الاضطرار مثل أن وقعت هزيمة واحتاج الرجل إلى دابة ينجو عليها فإذا وجد دابة لهم حل ذلك له، وكذلك إذا لم يجد ما يدفع به عن نفسه إلا سلاحهم جاز ذلك، لما أوجبته الحال لأنها أموال أهل البغي وأموال أهل البغي وغيرهم فيها سواء، كما لو اضطر إلى طعام الغير جاز له أكله. إذا امتنع أهل البغي بدارهم وأتوا ما يوجب عليهم الحد، فمتى ظهرنا عليهم أقيم ذلك عليهم، وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يقام عليهم الحدود، ولا يستوفي منهم الحقوق، بناء على أصله في دار الحرب والأول مذهبنا.

[ 281 ]

(كتاب المرتد) قال الله تعالى " ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين " وقال " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا " وقال تعالى " ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " فدلت هذه الآيات كلها على خطر الارتداد. فإذا ثبت أنها محرمة فمن ارتد عن الاسلام لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون رجلا أو امرأة، فإن كان رجلا قتل لإجماع الأمة، وروي عن النبي عليه و آله السلام أنه قال لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس، وروى عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال من بدل دينه فاقتلوه. وروي أن معاذا قدم اليمن وبها أبو موسى الأشعري، فقيل له إن يهوديا أسلم ثم ارتد منذ شهرين فقال: والله لا جلست وفي بعضها لا نزلت حتى يقتل قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك فقتل وعليه إجماع الأمة. وروي أن قوما قالوا لعلي عليه السلام أنت الله فأجج نارا فحرقهم فيها، فقال ابن عباس: لو كنت أنا لقتلتهم بالسيف، سمعت النبي عليه وآله السلام يقول لا تعذبوا بعذاب الله، من بدل دينه فاقتلوه. وفي هذه القضية قول علي عليه السلام: لما رأيت الأمر أمرا منكرا * أججت ناري ودعوت قنبرا وروي أن شيخا تنصر، فقال له علي عليه السلام ارتددت؟ فقال نعم، فقال له

[ 282 ]

لعلك أردت أن تصيب مالا ثم ترجع؟ قال: لا، قال لعلك ارتددت بسبب امرأة خطبتها فأبت عليك فأردت أن تتزوج بها ثم ترجع؟ قال: لا، قال فارجع قال لا حتى ألقى المسيح فقتله. وإن كان المرتد امرأة حبست عندنا وتستتاب ولا تقتل فإن لحقت بدار الحرب سبيت واسترقت، وقال قوم تقتل مثل الرجل سواء، لأن النبي عليه وآله السلام لما فتحت مكة أمر بقتل المغنيتين كانتا لأبي جهل يغنيان بسب النبي صلى الله عليه وآله فقتلتا وهذا ليس بصحيح لأنه عليه وآله السلام ما أمر بقتلهما للارتداد، لأنهما ما أسلمتا لكن لكفرهما والغناء بسبه عليه وآله السلام. الكفر على ثلثة أضرب أصلي وارتداد وزندقة، فالأصلي ما كان كافرا لم يزل وهو المتولد بين كافرين، فمتى أسلم قبل إسلامه لقوله تعالى " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، وهؤلاء قد قالوها وهذا إجماع أيضا. وأما الردة فأن يكفر بعد الإيمان، سواء كان مؤمنا لم يزل فارتد أو كان كافرا فأسلم ثم ارتد، فمتى أسلم بعد ردته قبل إسلامه، وحقن دمه كإسلام الكافر الأصلي، وفي الناس من قال لا يقبل إسلام المرتد بوجه. وعندنا أن المرتد على ضربين مرتد ولد على فطرة الاسلام، فهذا لا يقبل إسلامه، ومتى ارتد وجب قتله، والآخر كان كافرا فأسلم ثم ارتد فهذا يستتاب فإن رجع وإلا قتل. وأما الزنديق فقال قوم يقبل توبته وقال آخرون لم يقبل توبته، وروى ذلك أصحابنا. من يستتاب فهل الاستتابة واجبة أو مستحبة، قال قوم واجبة، وقال آخرون مستحبة، والأول أقوى، لأن ظاهر الأمر الوجوب، وكم يستتاب؟ قال قوم يستتاب

[ 283 ]

ثلاثا، وقال آخرون يستتاب القدر الذي يمكنه فيه الرجوع وهو الأقوى، والأول أحوط لأنه ربما دخلت عليه شبهة فيتأملها وينبه عليها. فأما إن ارتد وله مال فهل يزول ملكه عن ماله بالردة؟ قال قوم يوقف ماله و يكون مراعا، فإن مات أو قتل تبينا أنه زال عنه بالردة، وإن تاب تبينا أن ملكه باق بحاله، وما زال، فعلى هذا يكون تصرفه في ماله موقوفا، وقال آخرون لا يزول ملكه عن ماله وتصرفه صحيح، وقال آخرون يزول ملكه بنفس الردة وتصرفه باطل. والذي يقتضيه مذهبنا أن المرتد إن كان من فطرة الاسلام فإنه يزول ملكه بنفس الردة وتصرفه باطل، وإن كان عن إسلام قبله كان كافرا فإن ماله موقوف و تصرفه موقوف، وإن قلنا لم تزل كان قويا لأنه لا دليل عليه والأصل بقاء الملك. فإذا ثبت ذلك فإن كان عليه دين أو أرش جناية أو نفقة قرابة وزوجة استوفي كل هذا من ماله على ساير الأقوال، لأن هذه الحقوق لا تعطل أصلا، فلا بد من استيفائها. هذا إذا كان في حياته فأما بعد وفاته فإنه يقضي الديون وأرش الجنايات ونفقة الزوجات وإن كان اجتمعت عليه كل هذا من التركة، فأما نفقة الأقارب فلا يستوفي بعد وفاته. فإذا ثبت أن الكل في تركته نظرت فإن وفت التركة بالدين وهذه الحقوق فلا كلام، وإن فضل منها فضل أو كان له مال ولا دين عليه ولا غيره فمتى مات أو قتل كان ماله عندنا لورثته المسلمين قريبين كانوا أو بعيدين، فإن لم يكن له وارث مسلم كان لبيت المال. وقال قوم يكون لبيت المال فيئا سواء كان مالا اكتسبه حال حقن دمه أو حال إباحة دمه، وقال قوم ما اكتسبه حال حقن دمه وهو حال إسلامه إلى آخر جزء من أجزاء إسلامه لورثته المسلم، وما اكتسبه حال إباحة دمه فيئ ومنهم من قال مثل ما قلناه. إذا ترك الصلوة نظرت فإن كان لا يعتقد وجوبها فهو كافر إجماعا لأنه خالف

[ 284 ]

إجماع الخاصة والعامة، وإن تركها مع اعتقاد وجوبها وقال أنا أكسل عنها أو يضيق صدري منها استتيب، فإن تاب وإلا قتل والاستتابة على ما قلناه في المرتد، فتارك الصلوة يجب قتله عند هذا القائل. وقال قوم لا يقتل، وإنما يحبس حتى يصلي وقال بعضهم يكفر بذلك وعندنا أنه لا يكفر ويعزر دفعة، فإن عاد عزر، فإن عاد عزر، فإن عاد رابعا قتل لما روي عنهم عليهم السلام أن أصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة. إذا ارتد المسلم فبادر رجل فقتله قبل الاستتابة فلا ضمان عليه، لأنه مباح الدم لقوله صلى الله عليه وآله " من بدل دينه فاقتلوه " إلا أنه وإن لم يجب عليه الضمان فعليه التعزير لأنه فعله بغير إذن الإمام، وإن جرحه جارح ثم عاد إلى الاسلام فسرى إلى نفسه فمات، فلا ضمان على الجاني، وقال قوم عليه نصف الدية والأول أصح عندنا. فأما إذا قتل المرتد لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون القتل عمدا أو خطأ فإن كان عمدا محضا يوجب القود، فالولي بالخيار بين القصاص والعفو، سواء تقدم القتل على الردة أو تأخر عنها، فإن القصاص مقدم عليها، فإن اختار القود قتلناه وفات القتل بالردة، كما لو مات المرتد، وإن اختار العفو على مال يثبت الدية مغلظة في ماله ويقتل بالردة. وإن كان القتل خطأ لم يعقل عنه العاقلة ويكون الدية مخففة مؤجلة في ماله يستوفى في ثلث سنين كل سنة ثلثها، فإن مات أو قتل قبل انقضائها حلت بوفاته، لأن الديون المؤجلة يحل بالوفاة ويستوفى من ماله. قد مضى الكلام في ملك المرتد والاختلاف فيه فأما تصرفه، فمن قال ملكه زال فقد انقطع تصرفه فيه، ومن قال ثابت أو مراعى فالحاكم يحجر عليه فيه لئلا يتصرف فيه بالإتلاف، لأن هذا المال محفوظ، فإن عاد إلى الاسلام رد إليه، وإن مات أو قتل كان فيئا أو ميراثا على ما تقدم. فإذا ثبت أنه يحجر عليه فإنه يحفظ كل صنف بما يحفظ مثله به، فإن كان

[ 285 ]

ناضا أو أثاثا دفع إلى عدل، وإن كان عقارا فكذلك ويؤمر بحفظه واستغلاله، وإن كان له رقيق دفع ذكور الرقيق إلى عدل أيضا، ويدفع الإناث إلى عدل من النساء، فمن كان ذا صناعة صنعها ويؤاجر بذلك، وإن لم يكن له صنعة يؤاجر للخدمة و يؤاجر الأمة من النساء، والذكور من الرجال والأمة القن وأم الولد في هذا سواء. وأما المكاتب فيكون على كتابته يؤدي من مال الكتابة إلى الإمام ويعتق لأن الإمام قائم مقامه فيه، ويكون ولاؤه له، إن كان شرط عندنا، وإن عاد إلى الاسلام رد إليه، وإن لحق بدار الحرب لم يغير من ذلك شيئا إلا في فصل وهو أنه يباع عليه الحيوان لأنه لا يدري متى يكون رجوعه إذا كان له الحظ في بيعه، فأما ما كان له الحظ في حفظه وإيقافه حفظ عليه، وقال قوم لحوقه بدار الحرب بمنزلة موته يحل ديونه المؤجلة، ويعتق المدبر وأم الولد، ويقسم ماله بين ورثته على فرايض الله، والأول أقوى لأنه لا دليل على ذلك، ولأنه ربما عاد إلى الاسلام فيضيع ماله. فأما زوجاته فقد بيناه في كتاب النكاح فإن ارتد قبل الدخول بانت منه بنفس الردة، ولها نصف المهر، وإن كان بعد الدخول وقف الفسخ على انقضاء العدة، فإن عاد إلى الاسلام قبل انقضاء العدة فهما على الزوجية وإن انقضت العدة قبل رجوعه بانت منه ونفقتها في ماله قبل انقضاء العدة فأما ولده فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون ولد حال الاسلام أو في حال الردة، فإن ولد حال الاسلام أو خلفه حملا فهو على الاسلام لا يتبع أباه في الدين، و يكون ولده مسلما فإن قتله قاتل قبل البلوغ فعليه القود، وإذا بلغ فإن وصف الاسلام أقر عليه، وإن لم يصف الاسلام ووصف الكفر استتيب، فإن تاب وإلا قتل بمنزلة أبيه سواء. وقال بعضهم إن لم يصف الاسلام أقر على كفره، والصحيح هو الأول، لكن إن قتله قاتل بعد البلوغ قبل أن يصف الاسلام يسقط عنه القود للشبهة، ولو قتله قبل البلوغ لوجب القود، لأنه محكوم بإسلامه، ويقوى في نفسي أنه يجب على قاتله

[ 286 ]

القود على كل حال ما لم يظهر منه كفر. فأما من ولد بعد الردة من كافرة مرتدة أو غيرها فهو كافر لأنه ولد بين كافرين وهل يجوز استرقاقه أم لا؟ قال قوم لا يجوز لأن الولد يلحق بأبيه، فلما ثبت أن أباه لا يسترق لأنه ثبت له حرمة الاسلام فكذلك ولده. وقال آخرون يسترق لأنه كافر بين كافرين، كالكافر الأصلي وهو الأقوى ولا فصل على القولين بين أن يكونوا في دار الاسلام أو في دار الحرب، وقال قوم إن كانوا في دار الاسلام لا يسترقون، وإن لحقوا بدار الحرب جاز استرقاقهم، فمن قال لا يسترق قال هو بمنزلة أبيه يعرض عليه الاسلام فإن رجع وإلا قتل. ومن قال يسترق فمتى لحق بدار الحرب فوقع في الأسر كان كالكافر الأصلي يكون الإمام مخيرا فيه بين القتل والمن والفداء والاسترقاق، غير أنه لا يقر على دينه ببذل الجزية لأنه قد انتقل بعد نزول القرآن. الذمي إذا نقض العهد ولحق بدار الحرب أو المعاهد الباب واحد، وخلف عندنا أموالا وذرية، فأمان ماله باق بحاله، لأنه لما صح أن يعقد الأمان لماله دون نفسه، وهو أن يبعث بماله في بلاد الاسلام بأمان أو يكتب من دار الحرب إلى الإمام أن يعقد له الأمان على ماله ففعل صح، وإن عقد لنفسه دون ماله بأن دخل إلينا بأمان صح، فإذا صح كل واحد على الانفراد، فإذا انتقض أحدهما ثبت الآخر. فإذا ثبت أن أمانه باق بحاله، فإن مات ورثه ورثته من أهل الذمة عندي، و قالوا يرثه ورثته من أهل الحرب دون ورثته من أهل الذمة في دار الاسلام، لأنه لا توارث بين أهل الحرب وأهل الذمة، لانقطاع الولاية بينهما. فإذا صار هذا المال ملكا لحربي فهل يزول أمانه أم لا؟ قال قوم يزول لأنه مال من ليس بيننا وبينه أمان في نفسه ولا ماله، فهو كمال حصل لحربي في دار الاسلام ابتداء بغير أمان، وقال آخرون يكون على ذلك الأمان لمن ورثه لأن كل من ورث شيئا ورثه بحقوقه كمن ورث شقصا قد استحق به الشفعة، فإن الوارث يستحق به الشفعة، وكذلك من

[ 287 ]

ورث دينا به رهن كان بحقوقه، والأول على هذا المذهب أقوى. فمن قال زال أمانه، قال: يغنم ماله فينقل إلى بيت المال فيئا، ومن قال أمانه باق بحاله، فهو كذلك، فإن مات مالكه فورثه عنه آخر كان على الأمان وعلى هذا أبدا فإما أن يعقد الأمان لنفسه ويدخل إلينا فيقبضه أو يبعث إلينا من يقبضه. فأما ولده فهم على الذمة ما داموا صغارا، فإذا بلغوا قيل لهم لكم العهد، فإما أن تعقدوا الذمة ببذل الجزية، وإلا فانصرفوا إلى مأمنكم. حكم السكران عند قوم حكم الصاحي فيما له وفيما عليه، فإن ارتد وهو سكران ثم مات كان ماله فيئا، وإن أسلم وهو سكران حكم بإسلامه، وإن قتله قاتل بعد ارتداده فلا شئ عليه ولا يقتل إن لم يتب حتى يمتنع مفيقا فاستظهر في توبته إلى حال إفاقته، وقال قوم هذا استحباب لأنا قد حكمنا بارتداده، وقررناه كالصاحي، فعلى هذا إن ارتد وهو مفيق ثم سكر وأسلم وهو سكران صح إسلامه ولا يطلق حتى يفيق فيعرض عليه الاسلام، فإن وصفه حكم بإسلامه من حين وصفه حال سكره وإن وصف الكفر حكم بكفره وهو حين امتنع بعد الافاقة، ثم استتيب الآن فإن تاب وإلا قتل فقد حكم بإسلامه حال سكره، وإنما استبقيناه لنعرض عليه الاسلام بعد إفاقته استظهارا. وعندنا أن السكران يختلف حاله فيما له وفيما عليه، فأما طلاقه وعتقه و عقوده كلها فلا يصح عندنا بحال، وأما إذا زنا أو لاط أو جنا أو قذف أو سرق فإنه يتعلق به جميع أحكامه كالصاحي وأما الكفر فينبغي أن نقول يحكم عليه به، ويكون حكمه على ما مضى، وكذلك يحكم بإسلامه، ويكون على ما مضى سواء، وإنما قلنا ذلك، لأن الظواهر التي تتعلق هذه الأحكام بها عامة في السكران والصاحي، و إنما أخرجنا بعضها بدليل. فأما صفة إسلام المرتد والكافر الأصلي سواء، وهي أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويبرء من كل دين خالف الاسلام، فإن قال أشهد أن لا إله إلا

[ 288 ]

الله وأن محمدا رسول الله، كان كافيا، والأولى أنه إذا كان لا يعترف بالنبوات ولا بالكتب، ويكون ممن يعبد الأوثان فأتى بالشهادتين فقد أسلم، لأنه كفر بهذا القدر فإذا اعترف به فقد أسلم. وإذا كان هذا الكافر ممن يعتقد أن محمدا نبي لكنه يقول بعث إلى الأميين وهم عبدة الأوثان من العرب، دون أهل الكتاب، أو يقول إن محمدا نبي حق، ولكنه ما بعث بعد وسيبعث فيما بعد، فإذا اقتصر هذا على الشهادتين لم يكن مسلما، لأنه معترف أن محمدا نبي، فلا يزول هذا التأويل حتى يبرء من كل دين خالف دين الاسلام. إذا جنى في حال ردته فأتلف أنفسا وأموالا نظرت، فإن كان وحده أو في فئة غير ممتنعة فعليه الضمان كالمسلم سواء، لأنه قد التزم حكم الاسلام، ويثبت له حرمته فألزمناه ذلك، ويفارق الحربي لأنه ما التزم حكم الاسلام، فلهذا لم يكن عليه الضمان. فأما إن كان في منعة، وكان الاتلاف حال القتال، فعندنا عليه الضمان، وقال بعضهم لا ضمان عليه، وقد بينا أنه إذا جرح وهو مرتد ثم سرى إلى نفسه فمات فلا ضمان على من جرحه سواء سرى إلى نفسه وهو على الردة أو أسلم ثم سرت إلى نفسه لأن الجرح إذا وقع غير مضمون كانت السراية فيه غير مضمونة. فأما إن جرح وهو مرتد ثم جرح بعد إسلامه ثم سرى إلى نفسه نظرت، فإن كان الذي جرحه حال إسلامه هو الذي جرحه حال كفره فلا قود عليه لأنه مات من جرحين مضمون وغير مضمون وإن كان الذي جرحه حال إسلامه غير الذي جرحه حال كفره، فهل عليه القود أم لا؟ قال قوم عليه القود، وقال آخرون لا قود عليه، و عليه نصف الدية، وعندنا أن عليه القود ويرد عليه نصف الدية. إذا ارتد وهو مفيق ثم جن، لم يقتل حال جنونه، لأن القتل بالردة والمقام فإذا جن لم يكن من أهل الإقامة عليها، فلهذا لم يقتل، فإن ارتد عبد لرجل ثم جن لم يقتل حال جنونه أيضا، وإن قتل ثم جن قتل حال جنونه قصاصا والفصل بينهما أن القصاص يجب بنفس القتل وقد وجد الموجب منه، وليس كذلك الارتداد، لأنه

[ 289 ]

إنما يجب القتل بعد المقام عليه، وهذا لم يوجد. وأما الكلام في نكاحه وطلاقه: إذا تزوج المرتد كان نكاحه باطلا، سواء قلنا ينفذ تصرفه في ماله أو قلنا لا ينفذ، لأنه إن تزوج مسلمة فالمسلمة لا تحل للكافر وإن تزوج وثنية ومجوسية لم يصح لأنه كانت له حرمة الاسلام، وهي ثابتة، و إن تزوج كتابية لم يصح لأنه لا يقر على دينه، ألا ترى أنه لو كانت له زوجة كتابية فارتد انفسخ النكاح بينهما. فأما إنكاحه فلا يصح أن يزوج أمته ولا بنته ولا أخته، أما البنت والأخت فلأنه لا ولاية له عليهما، وأما أمته فقد قلنا إن للكافر أن يزوج أمته المسلمة، و للمسلم أن يزوج أمته الكافرة، لكن لا يصح هيهنا عند من قال زال ملكه أو هو مراعى لأن النكاح لا يكون موقوفا ومن قال ملكه ثابت، فإن زوجها قبل أن يحجر عليه الحاكم قال يصح وإن كان بعد الحجر لا يصح. فأما طلاقه فإن كان قد ارتد قبل الدخول فقد بانت بالردة، فلا يلحقها طلاقه وإن كانت الردة بعد الدخول وقف النكاح على انقضاء العدة، فإن عاد إلى الاسلام قبل انقضاء العدة، تبينا أن الطلاق وقع بها حين الطلاق، وإن لم يعد حتى انقضت عدتها بانت، وتبينا أن الطلاق ما وقع عليها لأن البينونة سبقت الطلاق. فأما الذبيحة فلا تحل ذبيحته، لأنه كافر وعندنا لا يحل ذبيحة الكفار وعندهم لأنه لا كتاب له، فإذا ذبح شاة نظرت، فإن كانت له فهي حرام، وإن كانت لغيره فإن ذبحها بغير إذنه فعليه الضمان، وإن كان بإذنه فلا ضمان عليه، سواء علمه مرتدا أو لم يعلمه، لأنه أتلفها بإذنه. إذا قامت البينة على الأسير أنه قد أكل لحم الخنزير وشرب الخمر في دار الحرب، لم يحكم بكفره، لأنه قد يفعل هذا مع اعتقاد تحريمه كما يفعله المسلم في دار الاسلام، وإن قامت البينة على أنه أكره على الكفر لم يحكم بكفره، وإن مات كان ماله لورثته ميراثا بلا خلاف، فإن عاد إلينا عرضنا عليه الاسلام فإن تاب تبينا أن

[ 290 ]

الذي وصفه ما كان كفرا ولا ارتدادا، وإن وصف الكفر تبينا أنه قد كان كفر من حين ارتد. فإن ارتد باختياره ثم صلى بعد الردة نظرت فإن صلى في دار الحرب قال قوم يحكم له بالاسلام، وإن صلى في دار الاسلام لم يحكم له بالاسلام. والفرق بين الدارين أنه لا يمكنه إظهار الاسلام في دار الحرب بغير الصلوة، فلهذا حكم بإسلامه بصلوته ويمكنه إظهار الاسلام في دار الاسلام بغير الصلوة، وهو الشهادتان، فلهذا لم يحكم بإسلامه بالصلوة، ولأنه إذا صلى في دار الحرب لم يحمل على التقية، فإن التقية في ترك الصلوة، فلهذا حكم له بالاسلام بفعلها، وليس كذلك دار الاسلام، لأنه إذا فعلها احتمل أن يكون تقية، فلهذا لم يحكم له بالاسلام، فبان الفصل بينهما، ويقوى في نفسي أنه لا يحكم له بالاسلام بالصلوة في الموضعين. تم كتاب المرتد ويليه في الجزء الثامن كتاب الحدود

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية