الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المبسوط- الشيخ الطوسي ج 6

المبسوط

الشيخ الطوسي ج 6


[ 1 ]

المبسوط في فقه الامامية تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفي 460 هجري صححه وعلق عليه محمد الباقر البهبودي الجزء السادس عنيت بنشره - المكتبة المرتضوية لاحياء الاثار الجعفرية حقوق طبع محفوظ رقم تلفن 532138

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب النفقات قال الله تعالى " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا " بمعنى لا يكثر من تمونون فلولا أن النفقة واجبة والمؤنة عليه، ما حذره من كثرتها عليه، وقيل إن معنى " ألا تعولوا " ألا تجوروا، يقال عال يعول إذا جار، وأعال إذا كثر عياله وقد قيل إن عال يعول مشترك بين جار وبين كثر عياله ذكره الفرا، وعال يعيل إذا افتقر ومنه قوله " ووجدك عائلا فأغنى (2) " قال تعالى " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم " (3). ومنه دليلان أحدهما قوله تعالى " قوامون " والقوام على الغير هو المتكفل بأمره من نفقة وكسوة وغير ذلك، والثاني قوله " وبما أنفقوا من أموالهم " يعني عليهن من أموالهم، وقال " قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم " (4) وهذا دليل على وجوب النفقة، وقال الله تعالى " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " (5) والمولود له الزوج وقد أخبر أن عليه رزقها وكسوتها. وروى سفيان ابن عيينة عن محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله معي دينار، قال أنفقه على نفسك، قال معي آخر، قال: أنفقه على ولدك، قال: معي آخر، قال أنفقه على أهلك

(1) النساء: 3.
(2) الضحى: 7.
(3) النساء: 34.
(4) الاحزاب: 50.
(5) البقرة: 233.

[ 3 ]

قال معي آخر، قال أنفقه على خادمك قال معي آخر، قال أنت أبصر. وفي رواية أخرى أنه قال بعد أهلك قال معي آخر قال أنفقه على والدك، قال معي آخر قال أنفقه على خادمك، قال معي آخر قال أنفقه في سبيل الله، وذاك أيسر. وقد جمع هذا الخبر جهات النفقات كلها فانها تستحق بالقرابة والزوجية و الملك، وروي عنه عليه السلام أنه قال كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول، وعنه عليه السلام أنه قال ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وروى أن هندا جائت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني وولدي إلا ما آخذ منه سرا وهو لا يعلم، فهل على فيه شئ؟ فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف. وفي الخبر فوائد منها أن للمرأة أن تبرز في حوايجها عند الحاجة وتستفتي العلماء فيما يحدث لها، وأن صوتها ليس بعورة لان النبي صلى الله عليه وآله سمع صوتها فلم ينكره. ومنها أن للانسان أن يذكر غيره بما فيه لموضع الحاجة، وإن كان ذما، ويشكوه أذا منعه حقه. ومنها أن للحاكم أن يحكم بعلمه وعلى غائب فان النبي صلى الله عليه وآله ما طلب البينة فعلم أنه قضى بعلمه، وعلى غائب لان أبا سفيان لم يكن حاضرا. ومنها أن للمرأة أن تلي النفقة على ولدها، وأن لها النفقة، ولولدها النفقة، وأن النفقة قدر الكفاية، وأن الكفاية بالمعروف، فانه قال " خذي " فولاها ذلك " ما يكفيك " فأوجب لها النفقة " وولدك " فأوجبه للولد، والكفاية لانه قال " ما يكفيك " ثم قال " بالمعروف ". ومنها أن الانسان إذا منع حقه له أن يأخذ حقه ممن له عليه سرا الانه قال " خذي ". ومنها أن له الاخذ من جنس حقه ومن غير جنسه، لانه أطلقها في الاذن. ومنها أن له بيع المأخوذ وصرفه إلى جنسه، فانه عليه وآله السلام أطلق أخذ ذلك لها، وكانت تأخذ ما لا يؤكل، وكان لها بيعه.

[ 4 ]

يجوز للرجل أن يتزوج أربعا بلا خلاف، والمستحب أن يقتصر على واحدة، وقال داود المستحب أن لا يقتصر على واحدة، لان النبي صلى الله عليه وآله قبض عن تسع. قد ذكرنا أن على الزوج نفقة زوجته، فأما وجوب الخادم لها، والانفاق عليه، فان كان مثلها مخدوما فعليه إخدامها، ونفقة خادمها لقوله تعالى " وعاشروهن بالمعروف " (1) وهذا معتاد معروف. هذا إذا كانت ممن يخدم مثلها وإن كانت ممن لا يخدم مثلها لم يكن عليه إخدامها لقوله: " وعاشروهن بالمعروف " ومن المعروف أن لا يخدم مثلها، والمرجع في من يخدم و من لا يخدم إلى العادة والعرف، فان كانت من أهل بيت كبير ولها شرف ونسب و مال وثروة، ومثلها لا يعجن ويطبخ ويكنس الدار ويغسل الثياب، فعليه إخدامها، وإن كانت من أفناء الناس كنساء الاكرة والحمالين ونحو هؤلاء، فليس عليه إخدامها. وهكذا نقول فيمن وجب عليها حكم وكانت مخدرة لا تبرز في حوائجها بعث إليها من يحكم بينها وبين خصمها في بيتها، فان كانت ممن تبرز وتخرج وتدخل في حوائج نفسها وتبايع الرجال وأهل الاسواق، فعليها حضور مجلس الحكم لان الغامدية أتت النبي صلى الله عليه وآله فذكرت أنها زنت فأمر برجمها ظاهرا وقال في المرأة الاخرى: واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها فأمر برجمها في بيتها وكان الفصل بينهما أن الغامدية كانت ممن تبرز في حوائجها، والاخرى مخدرة في بيتها لا تبرز للناس. فاذا ثبت أن المرجع في هذا إلى العرف، فانما يرجع إلى العرف في مثلها، ولا يرجع إلى ما تزيت هي به نفسها. فان كانت من ذوي الاقدار فتواضعت وانبسطت في الخدمة وجب عليه إخدامها وإن كانت بالضد من هذا فتكبرت وتعظمت وترفعت عن الخدمة لم تستحق بذلك الخدمة لان المرجع فيه إلى قدرها، لا إلى الموجود منها في الحال. هذا إذا كانت صحيحة فاما إن مرضت واحتاجت إلى من يخدمها كان عليه أن

(1) النساء: 19.

[ 5 ]

يخدمها، وإن كان مثلها لا يخدم في حال الصحة، لان الاعتبار في كل هذا بالعرف ومن العرف أن يحتاج إلى خادم كما أن العرف في الجليلة أنها تفتقر إلى خادم فجعلت هذه في حال المرض كالجليلة النسيبة حال الصحة. وكل من قلنا لها الخدمة فليس على زوجها أن يزيدها على خادم واحد بحال، ولو كانت أجل الناس، ومن الناس من قال على الزوج أن يخدمها بقدر جمالها و مالها والاول أصح لان الذي عليه من الخدمة الكفاية، والكفاية تحصل بواحد فان كان لها مال وجهاز تحتاج إلى خدمة ومراعات فليس عليه، والذي عليه إخدامها هي. فاذا تقرر أنها لا تزاد على خادم واحد، فالكلام في صفة الخادم، فقال بعضهم الزوج مخير بين أربعة أشياء: بين أن يشتري خادما أو يكتري أو يكون لها خادم ينفق عليه بأذنها، أو يخدمها بنفسه فيكفيها ما يكفيه الخادم، لان الذي عليه تحصيل الخدمة لها وليس لها أن تتخير الجهات التي يحصل ذلك منها. وقال بعضهم هو مخير بين ثلاثة أشياء بين أن يشتري أو يكتري أو ينفق على خادمها، والاول أقوى لما تقدم. فان قالت لست أختار أن يخدمني أحد، وإني أخدم نفسي، واخذها ما كان يأخذه خادمي، لم يكن ذلك لها، لان الخذمة لاجل الترفة والدعة، فاذا لم تختر ذلك وطلبت الخدمة لم يكن لها عوض. ومتى كان الخادم مشترى أو كان لها وأنفق عليه كانت النفقة عليه في ماله، وكذلك الفطرة لانها تتبع النفقة، وإن كان مكترى فلا نفقة له ولا فطرة، لان الذي له أجرة عمله لا نفقة له على المكترى ولا زكاة عليه. إذا كاتب الرجل عبده فله أن يشتري الرقيق لان له تنمية المال بكل ما يمكنه فاذا اشترى جارية لم يكن له وطيها لان فيه تغريرا بمال سيده، فان أذن له في ذلك جاز عندنا، وقال بعضهم ليس له وإن أذن، فان وطئها باذن سيده أو بغير إذنه فلا حد عليه، لان هناك شبهة والنسب لاحق لانه وطي سقط الحد فيه عن الواطي. فاذا لحق نسبه فانه مملوك لانه من بين مملوكين، ويكون مملوكا لابيه لانه

[ 6 ]

ولد مملوكه، ولا يعتق عليه لانه ناقص الملك، ولا يجوز له بيعه، لان الشرع منع من بيع الابناء، ولا يملك عتقه لان فيه إتلاف مال سيده لكن عليه النفقة على ولده. فأما نفقة ولده من زوجته فلا يجب عليه، سواء كانت حرة أو أمة أو أم ولد لغيره أو مكاتبة، لانها إن كانت حرة فلا نفقة عليه، لانها تجب باليسار وهو غير موسر، لان ما في يده لمولاه. وإن كانت أمة لم يجب عليه نفقته، لانه مملوك لسيد الامة، ولا يجب عليه نفقة مملوك غيره، ويفارق ولده من أمة لانه مملوكه فلهذا أنفق عليه كسائر مماليكه، وإن كانت أم ولد للغير فلا نفقة عليه لما مضى وإن كانت مكاتبة للغير فكذلك. فاذا ثبت أنه لا نفقة عليه فعلى من يجب نفقة ولده من زوجته؟ نظرت، فان كانت زوجته حرة فالنفقة على الزوجة، لانه إذا لم يكن الاب من أهل الانفاق أنفقت الام، وإن كانت مملوكة للغير فعلى سيدها نفقة هذا الطفل، لانه مملوك لسيدها، وإن كانت ام ولد الغير فنفقته على سيدها، لانه مملوكه. وإن كانت مكاتبة فان ولدها لا يكون مكاتبا، لكن قال بعضهم يكون مملوكا قنا لسيدها، فعلى هذا النفقة على سيدها وقال آخرون هو موقوف مع امة يعتق بعتقها، فعلى هذا نفقته على أمه كما تنفق على نفسها مما في يدها، وهذا أليق بمذهبنا. وكل موضع قلنا لا يجب عليه أن ينفق فلا يجوز له أيضا ذلك، لان فيه تضييعا لمال سيده، فاما إذا كانت زوجته مكاتبة لسيده فلا نفقة عليه، وتكون نفقته على ما فصلناه. فان اختار هذا المكاتب أن ينفق على ولده منها ههنا جاز، لانه لا يغرر بمال سيده، فان عجز فرق فالنفقة كانت على مملوك لسيده وإن أدى وعتق فقد أنفق على مال سيده: والحكم في ولد العبد من زوجته كالحكم في ولد المكاتب من زوجته لا يجب عليه الانفاق ولا يجوز لما مضى. نفقة الزوجات معتبرة بحال الزوج لا بحالها فان كان موسرا فعليه مدان في كل يوم وان كان متوسطا متجملا فعليه مد ونصف وإن كان معسرا فقدر المد فالنفقات

[ 7 ]

ثلاثه: نفقة الموسر والمتوسط والمعسر وفيه خلاف ويعتبر بغالب قوت أهل البلد وينظر إلى غالب قوته فاوجب عليه كالاطعام في الكفارات وعليه أن يعطيها الحب لانه أكمل منفعة فان طلبت منه غيره لم يجب عليه لانها يطالب بغير حقها وإن أراد أن يعطيها غيره لم تجبر على قبوله لانه يدفع غير حقها وإن اتفقا على أخذ البدل منها دراهم أو دنانير جاز عندنا، وقال بعضهم لا يجوز. فأما الكلام في الخادم فقد ذكرنا أنها إن كانت ممن يخدم فعليه إخدامها، و أنه مخير بين أربعة أشياء تقدم ذكرها، وبينا أنه يجب عليه نفقة خادمها، إما بأن يشتري أو ينفق على خادمها فقط، ويختلف ذلك باختلاف حال الخادم على ما فصلناه في نفقتها. فان كان موسرا أو جبنا له مدا وثلثا لانه أقل من نفقة الموسر والمتوسط، وأرفع من نفقة المعسر، وإن كان معسرا لزم نفقة مد لانه لا يمكن أقل منه، لان البدن لا يقوم بأقل منه، والذي يقتضيه مذهبنا أنه يرجع إلى اعتبار العادة في ذلك. وأما الجنس والصفة وأخذ البدل على ما فصلناه في نفقة الزوجة. وأما الادم فعليه أن يعطيها مع الطعام ما تأتدم به لقوله عزوجل " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " (1) وذلك من المعروف، والمرجع في جنسه إلى غالب أدم بلدها من الزيت أو الشيرج أو السمن ومقداره يرجع فيه إلى العادة، فما كان أدما للمد في العادة وجب، ويفرض لخادمها الادم كما يفرض لها ويرجع في جنسه ومقداره إلى العرف كالزوجة نفسها. وأما الجودة فمنهم من قال يكون مثل أدم الزوجة، ومنهم من قال دونه، فأما اللحم فانه يفرض لها كل إسبوع مرة، لانه هو العرف، ويكون يوم الجمعة لانه عرف عام، ومقداره يرجع فيه إلى العرف، ومنهم من قدره برطل، ومنهم من زاد عليه بيسير، وكذلك القول في أدم الخادم، فمن قال إنه مثل أدمها في الجودة، قال هي مثلها في اللحم، ومن قال دون ذلك قال في اللحم مثل ذلك.

(1) البقرة: 233.

[ 8 ]

وأما الدهن الذي تدهن به شعرها وترجله والمشط، فالكل معروف على زوجها لانه من كمال النفقة، وليس عليه أجرة طبيب ولا فصاد ولا حجام ولا ثمن دواء. وشبه الفقهاء الزوج بالمكتري والزوجة بالمكري دارا، فما كان من تنظيف كالرش والكنس وتنقية الابار والخلاء، فعلى المكترى، لانه يراد للتنظيف، وما كان من حفظ البنية كبناء الحائط وتغيير جذع انكسر فعلى المكرى، لانه الاصل. وكذلك الزوج ما يحتاج إليه للنظافة وترجيل الشعر فعليه، وما كان من الاشياء التي تراد لحفظ الاصل والبنية كالفصد والحجامة فعليها، وإنما يختلفان في شئ واحد، وهو أن ما يحفظ البنية على الدوام وهو الاطعام فعليه دونها ففي هذا يفترقان، وفيما عداه يتفقان. وليس لخادمها دهن ولا مشط، لانه إنما يراد لازالة الشعث والترجيل و التحسين، ولاحظ للخادم في هذا، فانما عمله الخدمة، فلا معنى لجميع ذلك. فأما الكلام في الكسوة فان كسوة الزوجة على الزوج لقوله تعالى " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " والمرجع في عددها وقدرها وجنسها إلى عرف العادة، لما ذكرناه من الاية. وأما العدد فللزوجة أربعة أشياء: قميص، وسراويل، ومقنعة، وشئ تلبسه في رجلها من نعل أو غيره، لانه أقل ما يمكن أن يقتصر عليه في العادة، وأما خادمها فثلاثة أشياء: قميص، ومقنعة، وخف. ولا سراويل لها. وإنما وجب لها الخف، لانها يحتاج إلى الدخول والخروج في حوايج الزوجة فلا بد لها من خف، ويفارق الزوجة لانه ليس لها دخول ولا خروج، والسراويل يراد للزينة وذلك للزوجة دونها، ولها المقنعة لانها تقيها من البرد والحر لا للزينة. فهذه كسوة الصيف فأما كسوة الشتاء فانه يزيدها على هذا جبة محشوة بقطن، لان بدنها لا يقوم إلا بها، وأما الخادمة فانه يزيدها على كسوة الصيف جبة من لباس مثلها، ومنهم من قال تكون صوفا ولا تكون محشوة، لانها يحتاج أن يتصرف في

[ 9 ]

الخدمة وذلك تثقلها. فأما الكلام في قدرها من الكبر والصغر فانه يكون معتبرا بها من طول أو قصر ودقة وغلظة، فيكون الكسوة على ذلك لانه هو المتعارف، وأما جنسها فقال قوم لامرأة الموسر من لين الكوفي والبصري ووسط البغدادي، ولخادمها من غليظ الكوفي والبصري وأما امرأة المقتر فلها من غليظ الكوفي والبصري، ولخادمها كرباس، وهو كتان أغلظ من غليظ الكوفي والبصري، والمعتمد في ذلك الرجوع إلى عرف الناس فيه، وقد صار العرف في أزواج الموسر الخز والابريشم والكتان، فتكسى على عرف العادة لمثلها في بلدها، ولا يفرض لها من الكسوة ما لا يسترها، فيجوز لها الصلاة فيه مثل القصب وما أشبهه ويجوز مثل الصقلي والدبيقي كسوة مثلها. قد بينا أن نفقة الزوجة مقدرة ويجوز لها أن يتصرف في ذلك كيف شاءت لانها تملكه سواء أضر بها أو لم يضر بها، أهزلها أو لم يهزلها. ومنهم من قال: إن ما أضر بها يمنع منه لانه يؤدي إلى العلة والتلف، ويؤثر في قلة الاستمتاع وهو الاقوى. فأما الفراش والوسادة واللحاف وما ينام فيه قال قوم يجعل لها فراش ووسادة من غليظ البصري ولحاف منه، وقال قوم الفراش الذي تجلس عليه نهارا هو الذي ينام عليه ليلا مثل لبد أو زلية فأما مضربة محشوة فلا، لان العرف هذا، والاول أقوى لانه العرف والعادة، ويكون لها لحاف محشوة وقطيفة أو كساء فأما خادمها فلها وسادة وكساء تغطى به دون الفراش. هذا في امرأة الموسر: فأما امرأة المعسر فدون هذا، ويعطيها كساء تغطى به ولخادمها عباءة أو كساء غليظ تنام فيه أو فروة. إذا أعطى الكسوة لمدة تلبس في مثلها ستة أشهر تقديرا، فاختلقت وبليت لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن تبلي في وقتها أو بعده أو قبله، فان أخلقت في وقتها فعليه مكانها، لانه هو العرف، وإن أخلقت قبل ذلك بشهرين أو ثلاثة لم يكن عليه البدل، كما لو سرقت كسوتها قبل انقضاء المدة وكذلك إذا أعطاها قوت يومها فتلف قبل أن

[ 10 ]

تأكله لم يكن عليه بدله. ومتى جائت المدة والثياب جيدة لم تبل ولم تخلق، قال قوم ليس عليه تجديد الكسوة، لان ما عليها فيه كفاية، ولا يلزمه أكثر من الكفاية، وقال آخرون إن عليه تجديدها، كما لو أخلقت قبل وقتها لم يكن عليه تجديدها، وهو الاقوى. وكذلك أذا أعطاها قوت يومها فلم تأكله إلى الغد، وجب عليه في الغد القوت بلا خلاف. والكلام في النفقة في فصلين وقت الوجوب ووقت وجوب التسليم: فأما وقت الوجوب فالكلام عليه يأتي وأما وقت وجوب التسليم فعليه تسليمها في أول النهار من كل يوم، لئلا يضربها التأخير، وربما تجوع. فان اتفقا على أن يسلفها نفقة أكثر من ذلك بشهر أو شهرين جاز، لانه عجل الحق قبل محله كالدين، فاذا حصل ذلك نظرت فان أقامت معه حتى انقضت المدة فلا كلام، وإن بانت منه بموت أو طلاق أو غيره في التقدير في اليوم الاول لم يسترد ما قبضت ليومها لانها قبضت ما وجب لها، بلى عليها رد ما قبضت لما بعد اليوم، لانها قبضت ما لم تستحقه على أن يقع موقعها، فاذا لم يقع موقعها كان عليها الرد كما لو عجل الزكاة، فبان كافرا فانه يرد. وأما الكسوة فلا يمكنه أن يعطيها يوما بيوم، فاذا أعطاها لمدة ثم بانت بموت أو غيره قال قوم عليها رد الكسوة، وقال آخرون لا يسترد لانها أخذته باستحقاق بدليل أنه لو امتنع منها طولب بها، فعلم أنه باستحقاق، والاول أقوى. حكم البدوية في جميع ما ذكرناه من تقدير النفقة على حسب صفة الزوج من يسار وإعسار وتوسط، وكذلك الادام والخادم والكسوة والفراش على ما وصفناه في حكم الحضرية سواء. وإنما يفترقان من وجه وهو أن قوت البادية يخالف قوت الحاضرة، فانهم يقتاتون الاقط والبلوط، فعليه نفقتها من غالب قوت البادية كما قلناه في غالب قوت البلدان سواء. ولا يجب على الزوج أن يضحي عن زوجته، ولو نذرت أن تضحي لم يجب

[ 11 ]

عليه أيضا التضحية عنها وكذلك كفارة اليمين لا يلزمه عنها، وتجب عليه زكاة فطرتها. فأما الكلام في وقت وجوب النفقة والسبب الذي به يجب فلا يخلو الزوجان من أربعة أحوال إما أن يكونا كبيرين، أو الزوج كبيرا وهي صغيرة، أو هي كبيرة و هو صغير، أو يكونان صغيرين. فان كانا كبيرين كل واحد منهما يصلح للاستمتاع، فالنفقة يجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع لانه لو وجد العقد دون التمكين فلا نفقة، ولو وجد التمكين وجبت وإن نشزت سقطت. والتمكين الذي يجب في مقابلته هو التمكين المستحق بالعقد المستند إليه، ولا نقول به وبالعقد، بل نقول بالتمكين المستند إلى العقد، بدليل أنه لو وجد التمكين من غير عقد أو عن عقد فاسد لم يستحق شيئا، وذلك التمكين هو التخلية التامة. والتمكين الكامل هو أن تمكنه من نفسها على الاطلاق من غير اعتراض عليه في موضع مثلها ونقلها إليه، بدليل أن الرجل يزوج أمته ثم يرسلها إلى زوجها ليلا فأمسكها لخدمة نفسه نهارا لا نفقة لعدم التمكين الكامل، وإنا وجد ما يجب به النفقة، وجب تسليمها إليه في كل يوم في أوله. فان فعل فلا كلام، وإن توانى ولم يدفع إليها حتى مضت مدة استقرت النفقة عليها وقال بعضهم تسقط بمضي الوقت مالم يفرضها الحاكم، فمتى فرضها استقرت. فأما إن لم تمكنه التمكين الكامل مثل أن قالت أسلم نفسي إليك في بيت أبي أو في بيت أمي أو في محلة دون محلة أو بلد دون بلد، فلا نفقة لها، لان التمكين الكامل ما وجد كما قلناه في الامة إذا أسلمت نفسها ليلا وانصرفت نهارا. هذا الكلام في التمكين التام والناقص، فأما إن لم يوجد واحد منهما مثل أن عقد النكاح وتساكتا من غير مطالبة بتمكين ولا إنفاق، فان النفقة لا تجب ولو بقيا سنين على هذه الصورة، سواء كان كل واحد منهما على صفة متى طولب بما يجب من جهته بادر به، أو لم يكن كذالك، لان النفقة إنما يجب بوجود التمكين لا بامكان التمكين.

[ 12 ]

فان وجد منها التمكين الكامل على ما وصفناه لم يخل الزوج من أحد أمرين إما أن يكون حاضرا أو غايبا، فان كان حاضرا وجب عليه النفقة لانه قد وجد سبب الاستحقاق. وإن كان غائبا، فحضرت عند الحاكم وذكرت أنها مسلمة نفسها إلى زوجها على الاطلاق، لم يحكم لها بالنفقة بهذا القدر لكنه يكتب إلى حاكم البلد الذي فيه الزوج يعرفه ذلك ثم ذلك الحاكم يحضره ويقول له فلانة زوجتك قد بذلت التمكين الكامل، فاما أن يسير للتسليم أولا يسير، فان سار لوقته أو وكل من ينوب عنه في القبض والتسليم، فحضر وقبض كان ابتداء النفقة من حين القبض، وإن لم يسر ولا وكل ضرب المدة التي لو سافر فيها وصل إليها لم يكون عليه نفقتها عند انتهاء هذه المدة، لانه وجد منها التمكين الكامل، وقدر هو على القبض فلم يفعل، فعليه نفقتها. هذا إذا كانا كبيرين وهكذا إذا كان كبيرا وهي مراهقة تصلح للوطي، فالحكم فيهما سواء وإنما يفترقان في فصل واحد، وهو أنها كانت كبيرة فالخطاب معها في موضع السكنى والتمكين الكامل، وإذا كانت صغيرة قام وليها مقامها فيه لو كانت كبيرة على ما شرحناه. فان لم يكن ولي أو كان لكنه غائب أو كان حاضرا فمنعها، فسلمت هي نفسها منه وجبت النفقة، وإن كانت ممن ليس من أهل الاقباض ولا يصح تصرفها، لان الشئ إذا كان استحق قبضه فمتى قبضه المستحق صح وإن كان المقبوض منه ليس من أهل الاقباض. ألا ترى: من اشترى عبدا ودفع الثمن إلى بايعه، استحق المشتري قبض العبد فلو قبضه من صبى أو مجنون أو وجده في الطريق فأخذه وقع القبض موقعه اعتبارا بالقابض المستحق للقبض، ولا يراعى جهة المقبض لما بيناه. وأما القسم الثاني وهو إذا كان الزوج كبيرا والزوجة صغيرة، لا يجامع مثلها لصغرها، فلا نفقة لها، وقال آخرون لها النفقة والاول أصح عندنا وأما القسم الثالث، وهو إذا كان الزوج صغيرا وهي كبيرة، قال قوم لها النفقة

[ 13 ]

وقال آخرون لا نفقة لها، وهو الاقوى عندي، والاول أصح عند المخالفين. وأما إذا كانا صغيرين فلا نفقة لها عندنا وقال آخرون لها النفقة. إذا مرضت زوجته لم تسقط نفقتها بمرضها، لانها من أهل الاستمتاع، ولانها قد يألفها ويسكن إليها وتفارق الصغيرة بهذين المعنيين، وإذا كان الزوج عظيم الخلقة، كبير البدن، غليظ الذكر، وكانت ضعيفة نحيفة نضو الخلق، عليها في جماعه شدة ضرر ولا تأمن الجناية عليها بافضاء أو غيره، منع من جماعها لقوله تعالى و " عاشروهن بالمعروف " ومن المعروف أن يكون الجماع على صفة يلتذان به، وليس له الخيار في فسخ النكاح لانه إنما يثبت بعيب يجد بها وليس ها هنا عيب، بدليل أنه لو كان زوجها مثلها لم يلحقها شدة في جماعه. فاذا ثبت أنه لا خيار له قلنا لك الخيار من وجه آخر إما أن تصبر على الاستمتاع بها دون الفرج، أو تطلق، فان صبر فعليه المهر والنفقة، وإن طلق رجع عليه نصف الصداق لانه ما دخل بها. ويتوصل إلى معرفة ذلك من وجهين إما أن يعترف هو فتمنع منه، أولا يعترف فلا يثبت إلا من جهة المشاهدة بأن تشاهده النساء حين الايلاج من غير حايل دون فرجها لانه موضع ضرورة كالعيوب تحت الثياب، فمنهم من قال يقبل قول امرأة واحده فانه على طريق الاخبار، ومنهم من قال لا يقبل إلا قول أربع نسوة كالشهادة على الولادة. الرتق هو انسداد فرج المرأة على وجه لا يطاق جماعه، القرن عظم في باطن الفرج يمنع دخول الذكر فيه، وقيل إنه لحم نابت في الفرج يمنع الجماع. فاذا كان بالمرأة ذلك، أو كان بها جنون أو جذام أو برص أو عيب من العيوب التي توجب الرد يثبت له الخيار، فاذا اختار الامساك فعليه النفقة، وله أن يستمتع منها دون الفرج كيف شاء. إذا أحرمت ففي إحرامها ثلاث مسائل إحداها أحرمت باذنه وأحرم معها وهي معه، فلها النفقة لانها ما خرجت من يده وقبضه.

[ 14 ]

والثانية أحرمت بغير إذنه فان كان إحرامها بحجة الاسلام أو كان تطوعا فأذن لها فيه لم تسقط نفقتها عندنا، وإن كان تطوعا بغير إذنه فلا ينعقد عندنا إحرامها ولا تسقط نفقتها. وعند المخالف إذا أحرمت بغير إذنه فلا نفقة لها، لانه إذا كان تطوعا فحقه واجب، وهو مقدم على التطوع، وإن كان واجبا فحقه أسبق، والحج على التراخي فلا نفقة. الثالثة أحرمت وحدها باذنه، فعندنا لها النفقة، وبه قال قوم، وقال آخرون لا نفقة لها، لانها سافرت وحدها، فكل موضع قلنا لا نفقة لها، فلا فرق بين أن يكون مالها فيه عذر وما لا عذر لها فيه كما لو تعذر تسليم المبيع على البايع. فأما الاعتكاف ففيه ثلاث مسائل مثل الحج إن اعتكفت باذنه وهو معها، فالنفقة لها، وإن اعتكفت بغير إذنه فعندنا لا يصح اعتكافها، ولا تسقط نفقتها، وعندهم يصح الاعتكاف وتسقط النفقة، لانها ناشزة، وإن اعتكفت بإذنه وحدها فلها النفقة عندنا و قال بعضهم لا نفقة لها. وأما الصوم فضربان تطوع وواجب، فان كان تطوعا فله منعها منه، لان النبي صلى الله عليه وآله قال: لا تصوم المرأة تطوعا إلا باذنه إذا كان زوجها حاضرا، فان صامت نظرت فان طالبها بالفطر فأفطرت فلا كلام، وإن امتنعت كان نشوزا وتسقط نفقتها و قال بعضهم لا تسقط لانها ما خرجت عن قبضه. وإن كان واجبا فعل ضربين نذرا وشرعا، فان كان نذرا لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون في الذمة أو متعلقا بزمان، فان كان في الذمة فلا فصل بين أن يكون باذنه أو بغير إذنه، فله منعها، لانه على التراخي عندهم، وإن كان معينا بزمان نظرت فان كان بغير إذنه فله منعها أيضا لانه تعين عليها من جهتها بغير إذنه، وإن كان باذنه فليس له المنع لانه تعين عليها باذنه. فأما إن كان شرعيا نظرت فان كان في شهر رمضان، فليس له منعها، لان هذا يقع مستثنى بعقد النكاح لان عقد النكاح يعم كل الازمان إلا ما وقع مستثنى، و

[ 15 ]

هو زمان العبادات، وزمان الاكل، فأما قضاء رمضان، فله منعها منه إن لم يضق الوقت لانه على التراخي، فان ضاق الوقت وهو أن يبقى إلى رمضان السنة القابلة بقدر ما عليها من الصيام، لم يكن له منعها، لانه متى أخرته عن وقته كان عليها القضاء و الكفارة، وقد مضى الكلام فيه. هذا إذا نذرت صوما بعد عقد النكاح وأما إن وجب عليها الصيام بالنذر ثم تزوج بها فان كان النذر صوما في الذمة، كان له منعها منه، لان حقه على الفور وما في ذمتها على التراخي، وإن كان النذر زمانا بعينه لم يكن له منعها، لان هذا الزمان قد استحق عليها قبل عقد النكاح، فاذا وقع العقد وقع ذلك الزمان مستثنى بأصل العقد، فلهذا لم يكن له منعها منه. وأما الصلوة فليس له منعها منها لانها عبادة تعلقت بزمان بعينه، ولها أن تصلى في أول الوقت، وليس له منعها منها، لانه يفوتها فضيلة أول الوقت، وإن كانت الصلوة في الذمة كان له منعها، وإن كان قضاء أو نذرا كالصوم في الذمة سواء. وضوم الكفارات لا يكون أبدا إلا في الذمة فهو كالنذر في الذمة. إذا تزوج امرأة لم تخل من أحد أمرين إما أن تكون حرة أو أمة، فان كانت حرة فلها أن تمنع نفسها حتى تقبض المهر، فاذا قبضت فلا نفقة لها حتى تمكن من الاستمتاع الكامل، فاذا حصل التمكين من الاستمتاع الكامل، وجبت النفقة، وإن نشزت سقطت نفقتها بلا خلاف إلا الحكم فانه لا يسقط نفقتها. وأما إذا كانت أمة فلسيدها المنع حتى يقبض المهر، فاذا قبضه وجب التسليم، فاذا سلم فهو بالخيار بين أن يمكن منها التمكين الكامل، وبين أن لا يمكن: وله أن يرسلها ليلا ويمسكها عنه نهارا للخدمة، لان السيد يملك من أمته منفعتين استخداما واستمتاعا، فاذا عقد على إحداهما كان له استيفاء الاخرى، كما لو آجرها من ذي محرم لها أو امرأة ثقة، فله أن يمسكها للاستمتاع ليلا ويرسلها للخدمة نهارا. فاذا ثبت ذلك نظرت فان أطلقها إليه ومكنه من الاستمتاع الكامل، وجبت النفقة كالحرة سواء، اعتبارا بحال الزوج موسرا كان أو معسرا أو متوسطا.

[ 16 ]

فأما الخدمة فلا يجب إخدامها عندنا، لان العرف أن يخدم الامة نفسها، و يخدم مولاها، فلا يجب على مولاها إخدامها، وقال بعضهم يجب، لان منهم من لها المنزلة والفضل، وليس بشئ، لان فضيلتها إنما هو للسيد، فان أراد استخدامها لم يكن لها الامتناع. فأما إن مكنته ليلا وأمسكها عنه نهارا فلا نفقة لها، لان النفقة بالتمكين الكامل، وليس هذا بحاصل، ألا ترى أن الحرة إذا قالت أنا أسلم نفسي ليلا وأنصرف إلى بيتي نهارا فلا نفقة لها؟ إذا اختلف الزوجان في قبض المهر والنفقة لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون قبل الزفاف أو بعده، فان كان قبل الزفاف وقبل تسليم نفسها إليه فانما يتصور الخلاف في قبض المهر وأما النفقة فلا، لانها ما وجبت لعدم التمكين. فاذا قال قد قبضت المهر و أنكرت، فالقول قولها، لان الاصل أنها ما قبضت كالمتبايعين إذا اختلفا في قبض الثمن فالقول قول البايع، هذا بلا خلاف. وإن كان الخلاف بعد أن أسلمت نفسها وحصلت في منزله وتحت قبضه، فانه يتصور هيهنا اختلافهما في الامرين جميعا. فاذا اختلفا فالقول قولها فيهما عند بعضهم، وقال بعضهم القول قول الزوج، لان الظاهر يشهد له، فان العرف أنها ما سلمت نفسها حتى قبضت المهر، وبهذا تشهد روايات أصحابنا، فلو غاب عنها ثم عاد وادعى أنه كان خلف لها نفقة كان عليه البينة، وإلا عليها اليمين بلا خلاف. فمن قال القول قولها قال إن الاختلاف في قبض المهر نظرت، فان كانت الزوجة حرة فلا خلاف بينهم أن القول قولها، إلا أن يقيم الزوج البينة بقبضها وإن كانت الزوجة أمة فالخلاف بينه وبين سيدها دونها، ويكون القول قوله لان المهر له دونها فالسيد في المهر كالحرة فيه. وإن كان الخلاف في قبض النفقة، فان كانت حرة فالخلاف معها، لان النفقة لها كالصداق، وإن كانت أمة فالخلاف معها أيضا دون سيدها، لان النفقة لها دون

[ 17 ]

سيدها وما كان حقا لها فلا مدخل لسيدها فيه وكذلك لو أصابت بزوجها عيبا كالجنون والجذام والبرص كان لها الخيار في فسخ النكاح دون سيدها عندهم، لانه حق لها. هذا إذا اختلفا في أصل النفقة، فأما إذا اختلفا في قدرها فقالت كنت طول هذه المدة موسرا فأعطيتني نفقة المعسر، وقد بقي عليك مد عن كل يوم ما أقبضتنيه، فقال ما زلت معسرا وقد قبضت جميع نفقتك، فهذا اختلاف في حق وجب عليه لم يقبض بدله مالا، فالقول قوله مع يمينه، لان الاصل أنه لا مال له والحق ما يجب عليه في مقابلة مال قبضه، فوجب أن يكون القول قوله ولا شئ لها. إذا كان الزوجان وثنيين أو مجوسيين وأسلم أحدهما نظرت، فان أسلمت الزوجة لم تخل من أحد أمرين إما أن يكون قبل الدخول أو بعده، فان كان قبل الدخول انفسخ النكاح ولا مهر لها، لان الفسخ جاء من قبلها قبل الدخول، وإن كان إسلامها بعد الدخول لم يسقط المهر، ووقف النكاح على انقضاء العدة، فأن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة كانا على النكاح، وإن لم يسلم حتى انقضت العدة تبينا أن الفسخ وقع باختلاف الدين. وأما النفقة فلها عليه ما لم تنقض عدتها لانه زوجة مسلمة فاذا كان لها النفقة وهي مشركة فبأن تكون لها وهي مسلمة أولى. فاذا ثبت أن لها النفقة، فان أسلم قبل انقضاء العدة فلها النفقة، لما مضى، و إن أسلم بعد انقضائها انفسخ النكاح، وكان لها النفقة مدة العدة، لانها محسوبة عليه وهكذا الحكم إذا كانا كتابيين فأسلمت هي، لانها مسلمة تحت كافر. فأما إذا أسلم الزوج وكانا مجوسيين أو وثنيين لم يخل أيضا من أحد أمرين: إما أن يسلم قبل الدخول أو بعده، فان كان قبل الدخول وقع الفسخ في الحال، وعليه نصف المهر لان الفسخ جاء من قبله قبل الدخول، وإن كان إسلامه بعد الدخول فالمهر بحاله ووقف النكاح على انقضاء العدة، فان أسلمت قبل انقضائها فهما على النكاح وإن لم يسلم حتى انقضت العدة تبينا أن الفسخ وقع باسلامه. فاذا ثبت هذا فمتى أسلم وأقامت على الشرك فلا نفقة لها عليه، لان التحريم

[ 18 ]

وإن جاء من قبله، فان استدامته من جهتها، لانه يمكنها تلافيه بأن تسلم فاذا لم تفعل كان التفريط من جهتها، فلهذا لا نفقة لها. فاذا تقرر أنه لا نفقة لها ما دامت على الشرك نظرت، فان لم تسلم حتى انقضت عدتها فلا شئ لها من النفقة، وإن أسلمت قبل انقضاء عدتها كان لها النفقة في المستأنف، لانهما اجتمعا على النكاح، وهل لها النفقة لما مضى مدة مقامها على الكفر؟ قال قوم لها النفقة، وقال آخرون وهو الصحيح عندنا أنه لا نفقة لها، لان مقامها على الشرك أعظم من النشوز وهي مسلمة، فان الناشز لا يحرم على زوجها و هذه تحرم، ومع هذا فالناشز لا نفقة لها فهذه أولى. إذا كانا مسلمين فارتدت الزوجة، فان كان قبل الدخول سقط مهرها لان الفسخ جاء من قبلها قبل الدخول بها، وإن كان بعد الدخول وقف على انقضاء العدة ولا نفقة لها عليه ما دامت في العدة، لان الردة آكد في بابها من النشوز لما مضى. فان عادت إلى الاسلام بعد انقضاء العدة فلا شئ لها، وإن كان قبل انقضائها اجتمعا على النكاح ولها النفقة في المستقبل، ولا نفقة لما مضى، ومن قال في المسألة الاولى أن لها النفقة قال ههنا مثله. إذا ارتدت زوجته سقطت نفقتها على ما بينا، فان غاب زوجها قبل أن عادت إلى الاسلام ثم أسلمت وهو غائب عادت نفقتها، لان علة سقوطها هي الردة، وقد زالت، فأما إن نشزت امرأته سقط نفقتها، فان غاب قبل أن أطاعته وعادت إلى بيته وهو غائب لم تعد نفقتها، حتى تكتب إليه بذلك، ليعود هو أو وكيله بقبضها. والفصل بينهما أن علة سقوط نفقة المرتدة الردة، فاذا زالت زالت العلة، و العلة في الناشز خروجها عن قبضته وامتناعها عليه، فلا يعود النفقة حتى يعود إلى قبضته أو بان تمكنه ردها إلى قبضته فلا يفعل، فلهذا لم تعد نفقتها. إذا تزوج مشرك وثنية أو مجوسية فدفع إليها مثلا نفقة شهر، ثم أسلم الزوج بعد الدخول بها وقف النكاح على انقضاء العدة، فان أقامت على الشرك حتى انقضت

[ 19 ]

العدة تبينا أن الفسخ وقع يوم أسلم الزوج، وإذا أسلمت قبل انقضائها اجتمعا على النكاح. وأما النفقة فلا نفقة لها مدة مقامها على الشرك، لانها أسوء حالا من الناشز وأما الرجوع فيما عجله لها من النفقة ينظر فيه، فان كان سلم إليها مطلقا من غير شرط أنها نفقتها في المستقبل، لم يكن له الرجوع، لان الظاهر أنه تطوع، فان كان شرط أنه نفقتها في المستقبل كان له الرجوع فيها. وجرى مجرى من عجل زكاته إلى فقير فحال الحول وقد هلك ماله، فهل له أن يرجع؟ فينظر فيه، فان كان قد أطلق لم يرجع، وإن قال هذه زكاتي عجلتها رجع ومنهم من قال إن له أن يرجع وإن دفعه مطلقا كما لو شرط. والفصل بينه وبين الزكاة أنه إذا لم يكن شرط، فان قال هذه زكاتي، فالظاهر أنه دفع إليه ما قد كان وجب عليه، وإن قال صدقتي فالصدقة تنقسم إلى فرض ونفل فان كان فرضا لم يرجع، وإن كان تطوعا فهي صلة وهبة ليس له الرجوع فيها، فلهذا لم يكن له الرجوع في الزكاة إذا كانت مطلقة بكل حال. وليس كذلك النفقة لانه إن كان هذا نفقة فالظاهر أنها لما يأتي، وإنما سكت حين الدفع، فالقول قوله في حكم الدفع كمن دفع إلى رجل مالا ثم اختلفا فقال هو وديعة وقال المدفوع إليه هبة، فالقول قول الدافع، فثبت أن له الرجوع بكل حال، والذي يقتضي مذهبنا أن له الرجوع بكل حال، لانه إن كان هبة كان له الرجوع فيها. فاذا تقرر هذا فان أسلمت بعد انقضاء العدة رجع عليها بجميع ما سلم إليها بلا إشكال، وإن أسلمت قبل انقضاء العدة فلها النفقة من حين أسلمت لما يأتي، فله أن يرجع بما قابل مدة مقامها على الشرك إلى حين أسلمت، ومنم قال ليس له. إذا تزوج العبد القن والمدبر والمكاتب فعلى كل واحد منهم نفقة زوجته للاية، ويجب عليه ذلك إذا وجد التمكين التام منها والتخلية الكاملة فان كانت حرة بأن تسلم نفسها إليه على الاطلاق وإن كانت أمة بأن يؤويها سيدها معه ليلا ونهارا.

[ 20 ]

فاذا وجد هذا وجبت النفقة كالحرة تحت الحرة سواء، ولا يلزمه إلا نفقة المعسر سواء كانت موسرة أو معسرة، حرة كانت أو أمة، مسلمة كانت أو كافرة، لان الاعتبار بزوجها وزوجها أسواء حالا من المعسر لان المعسر قد يملك شيئا ويصح أن يملك شيئا، والعبد لا يملك شيئا بوجه. وأما أين تجب؟ فلا يخلو العبد من أحد أمرين إما أن يكون مكتسبا أو غير مكتسب، فان كان مكتسبا فالنفقة في كسبه، ويكون إذن السيد في التزويج إذنا في تعلق نفقة الزوجة بكسبه. ثم ينظر فان كان كسبه وفق ما عليه، فلا كلام، وإن كان أكثر كان الفاضل لسيده، وإن كان دونه أنفق قدر كسبه، وما الذي يصنع بالتمام؟ يأتي الكلام عليه. هذا إذا كان مكتسبا فأما إذا لم يكن مكتسبا فالحكم في كل النفقة ههنا وفيما ذكرناه واحد، وقال قوم يتعلق برقبته لان الوطي في النكاح بمنزلة الجناية، ومنهم من قال يتعلق بذمته لانه حق ذمته باختياره من له الحق، فكان في ذمته كالقرض، و الاول أليق بمذهبنا. فمن قال يتعلق برقبته على ما اخترناه قال إن أمكن أن يباع منه كل يوم بقدر ما يجب عليه من النفقة فعل، فان لم يمكن بيع كله كما قيل في الجناية ووقف ثمنه ينفق عليها فيه، وقد انتقل بذلك سيده عنه إلى سيد آخر. ومن قال: يتعلق بذمته، قال: قيل لها زوجك فقير لا مال له، فان اخترت أن تقيمي معه حتى يجد، وإلا فاذهبي إلى الحاكم ليفسخ النكاح، فان العسرة يفسخ بها النكاح عندهم، وعندنا لا يفسخ غير أن هذا تسقط عنا. ومتى أراد السيد أن يسافر به ويستخدمه لم يكن له ذلك، لانه يقطعه عن كسبه، ويضر به وبزوجته، وإن قال السيد أنا أضمن ما عليه، فان كان كسبه وفق ما عليه فعلى سيده القيام به لها، وإن كان أكثر من النفقة ضمن قدر النفقة، وكان الفاضل له، وإن كان كسب دون النفقة لزمه تمام النفقة عندنا، وقال بعضهم ليس يلزمه ذلك، لانه إنما عطل عليه قدر الكسب فليس عليه أكثر منه.

[ 21 ]

إذا تزوج العبد بحرة ملك ثلاث تطليقات، وإن تزوج بأمة ملك تطليقتين عندنا، وقال قوم يملك طلقتين فان طلقها طلقة بعد الدخول فلها النفقة، لانها رجعية وهي في معنى الزوجات، فان طلقها اخرى كان مثل ذلك عندنا، فان طلقها ثالثة فقد بانت منه، وعند المخالف تبين بالثانية على كل حال. فاذا بانت فان كانت حايلا فلا نفقة لها، وإن كانت حاملا، فمن قال إن النفقة لاجل الحمل لها، قال هي لها عليه، لان العبد ينفق على زوجته، ومن قال للحمل قال لا نفقة عليه، لان العبد لا يجب عليه نفقة ذوى أرحامه، وقد مضى أن على مذهبنا أن النفقة للحمل، فعلى هذا لا نفقة عليه، وإن قلنا إن عليه النفقة لعموم الاخبار في أن الحامل لها النفقة، كان قويا. فأما من كان نصفه حرا ونصفه عبدا فنصف كسبه له بما فيه من الحرية، ونصفه لسيده بما فيه من الرق، ونصف نفقته على نفسه، ونصفها على سيده، فاذا تزوج فعليه نفقة زوجته، فيكون ما وجب عليه منها لما فيه الحرية في ذمته، وما وجب عليه منها بما فيه من الرق في كسبه. فعلى هذا فان عليه بما فيه من الرق نصف نفقة المعسر، وبما فيه من الحرية ينظر فيه، فان كان معسرا أنفق نفقة المعسر، وإن كان موسرا بما فيه من الحرية كأن ملك مالا باكتساب أو غيره، فانه ينفق بما فيه من الرق نصف نفقة المعسر، وبما فيه من الحرية نصف نفقة الموسر، وقال قوم ينفق نفقة المعسر على كل حال، ولو ملك ألف دينار، والاول أقوى. إذا أعسر الرجل بنفقة زوجته فلم يقدر عليها بوجه، كان على المرأة الصبر إلى أن يوسع الله تعالى عليه لقوله تعالى " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " (1) وذلك عام ولا يفسخ عليه الحاكم، وإن طالبته المرأة بذلك، هذا عندنا منصوص. وقال المخالف هي بالخيار بين أن تصبر حتى إذا أيسر استوفت منه ما اجتمع لها، وبين أن يختار الفسخ فيفسخ الحاكم بينهما، وهكذا إذا اعتبرنا بالصداق قبل

(1) البقرة: 280.

[ 22 ]

الدخول، فالاعسار عيب، لزوجته الفسخ، وعندنا ليس هذا كذلك على ما قلناه و فيه خلاف. والكلام في الكسوة مثل الكلام في النفقة، وكذلك الادم، وعندهم يفسخ به وعندنا لا يفسخ، فأما نفقة الخادم بلا خلاف أنه لا ينفسخ به. إذا كان يقدر على نفقتها يوما بيوم، وهذا الكسب قدر الواجب لها فلا خيار لها، لان القدر الواجب قادر عليه وإن قدر على نفقة يوم ويوم لا، فلها الخيار وهذا يسقط عنا. فأما إن كان موسرا بالنفقة، فمنعها مع القدرة، كلفه الحاكم الانفاق عليها فان لم يفعل أجبره على ذلك، فان أبى حبسه أبدا حتى ينفق عليها، ولا خيار لها، وإن غاب عنها وهو موسر غيبة معروفة أو منقطعة فلا خيار، وإن بقيت بلا نفقة فلا خلاف لاجل الاعسار وهذا غير معلوم. وتعذر النفقة يكون لامرين أحدهما إعسار عدم، والثاني تعذر تأخير مثل أن كان صانعا لعمل لا يفرغ منه إلا في كل ثلاث، كصنعة التكك وغيرها، ويكون قدر نفقته في الثلاث فانه لا خيار لها بلا خلاف، لانه ليس عليها كبير ضرر، ولانه غير معسر وإنما يتأخر عنها إلى وقت فان كان التعذر لعدم لا يقدر على نفقتها بحال فلها الخيار عندهم، وهل هو على الفور أو على التراخي؟ على قولين أحدهما يؤجل ثلاثا، والثاني لا يؤجل، بل لها الفسخ في الحال: فمن قال لها الفسخ في الحال فلا كلام ومن قال يمهل ثلاثا قال: لها أن تبرز في حوائجها مدة المهلة، لان النفقة في مقابلة التمكين، فاذا أعوزت كان لها أن تظهر في حوائجها، هذا إذا فعل مرة أو مرتين، فاذا تكرر منه ذلك ثلاث مرات كلف الفسخ بكل حال. وأما إذا أعسر عن نفقة خادمها لم يكن لها خيار الفسخ بحال. وأما إذا أعسر بالصداق لم يخل من أحد أمرين، إما أن يعسر قبل الدخول أو بعده فان كان قبل الدخول كان لها الخيار عندهم، وقد قلنا إنه ليس لها ذلك بحال، وإن

[ 23 ]

كان بعد الدخول عندنا كذلك، ومن قال لا خيار لها مثل ما قلناه وهو الاقوى عندهم والثاني لها الخيار. فمن قال لا خيار فلا كلام، ومن قال لها ذلك في موضع قال: إن اختارت الفسخ فذلك وإن اختارت المقام معه سقط خيارها، فان رجعت في الخيار لم يكن ذلك لها لان الصداق لا يجب إلا دفعة واحدة، فاذا رضيت باعوازه بعد البينة سقط خيارها و ليس كذلك النفقة لانها تجب يوما فيوما فاذا رضيت باعساره يوما لم يسقط فيما يجب في يوم آخر. وإذا أعسر الرجل بنفقة زوجته كان لها الخيار عندهم على ما مضى فان اختارت فراقه فلا كلام، وإن اختارت المقام لم يسقط خيارها مع بقاء إعساره. إذا تزوجت وكان معسرا لا شئ معه مع العلم بحاله، فوجدته على الوجه الذي عرفته كان لها الخيار عندهم، وعندنا لا خيار لها. إذا تزوج بامرأة على صداق معلوم سماه لها لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون موسرا أو معسرا، فان كان معسرا به كان لها الخيار عندهم، فان اختارت فراقه فلا كلام وإن اختارت المقام معه سقط خيار الفسخ، لكن لها أن تمنع من تسليم نفسها إليه حتى يسلم الصداق، لان إسقاط الخيار ليس بالرضا بتسليم نفسها إليه. وإن كان موسرا بالصداق وقال لست أدفع الصداق، قلنا له ولا تدفع نفسها. فان قال كل واحد منهما لست اسلم ما على حتى أتسلم ما أستحقه قال قوم يوقف، وأيهما سلم ما عليه أجبر الاخر على تسليم ما عليه، وقال آخرون يجبر الزوج على تسليم المهر فاذا حصل عند عدل أجبرت هي على تسليم نفسها، فاذا دخل بها سلم العدل إليها وهذا هو الاقوى عندي. ولا يمكن أن يقال تجبر على تسليم نفسها أولا لانا متى فعلنا هذا ربما هلك البدل، ويفارق البيع لانا يمكننا أن نحجر عليه في هذا وفي كل ماله وههنا قبضه هو الاتلاف، فلهذا لم يصح هذا. إذا أعسر بكسوتها لم يكن لها الخيار عندنا مثل ما قلناه في النفقة، ومن قال

[ 24 ]

هناك لها الخيار قال هيهنا الخيار، لانه لا يقوم البدن إلا بها كالنفقة، وإن أعسر بالادم فعندنا مثل ذلك، وقال بعضهم لها الخيار، وقال آخرون ليس لها ذلك، وأما السكنى فلا خيار لها بلا خلاف، لانه غير مقصود في النكاح وإنما يقصد المهر والنفقة وإنه يقوم بدنها بلا سكنى. المطلقة ضربان رجعية وباين، فالرجعية لها النفقة لانها في معنى الزوجات وإن كانت باينا فلا نفقة لها ولا سكنى عندنا، وقال بعضهم لها سكنى بلا نفقة، وقال بعضهم لها النفقة. وأما النكاح المفسوخ فعلى ضربين: نكاح وقع مفسوخا، ونكاح وقع صحيحا ثم فسخ، فأما ما كان مفسوخا مثل نكاح الشغار عندنا، وعندهم مثل المتعة والنكاح بلا ولى وشاهدين، فلها بالعقد مهر المثل، لانها معاوضة فاسدة فلم يجب فيها المسمى كالبيع الفاسد، وأما النفقة فلا يجب لها، وإن مكنت من نفسها التمكين الكامل، لانها في مقابلة التمكين المستحق الواجب عليها، ويفرق بينهما ولا يقر ان على فرج حرام. فاذا فرق بينهما لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون قبل الدخول أو بعده، فان كان قبله انصرفت ولا شئ لها بوجه، وإن كان بعد الدخول فعليها العدة من حين فرق بينهما في المكان، ولها المهر، ويكون مهر المثل عند المخالف، لانه وجب عن نكاح فاسد. وعندنا أنه إن لم يسم فمهر المثل، فان كان مسمى لزمه ما سمى، وأما السكنى فلا يجب لها لانها لحرمة النكاح ولا نكاح ههنا وكذلك لا نفقة لها بعد الفرقة إذا كانت حايلا وإن كانت حاملا فلها النفقة عندنا لعموم الاخبار، ومن قال إن النفقة للحمل قال: فههنا النفقة، لانه ولده، ومن قال النفقة للحامل، قال لا نفقة ههنا، لان النفقة يستند إلى نكاح له حرمة ولا حرمة هيهنا، إذا وقع فاسدا. فأما إن وقع صحيحا ثم فسخ بالعيب لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون قبل الدخول أو بعده فإن كان قبله فلا نفقة ولا سكنى ولا مهر، ولا فرق بين أن يكون العيب موجودا حال العقد أو حدث بعده وأما إن كان قبله فلها مهر مثلها، وسقط المسمى

[ 25 ]

عندهم وعندنا يثبت المسمى ويكون الحكم في العدة والسكنى والنفقة على ما فصلناه في النكاح المفسوخ من أصله. وإن كان لعيب حدث بعد الدخول، فان المسمى يستقر لها عندنا وعندهم لان الفسخ يستند إلى حال حدوث العيب وحدوثه بعد الوطي، فالوطي حصل في نكاح صحيح، و الحكم في السكنى والنفقة على ما فصلناه في النكاح المفسوخ. وإذا بانت عن نكاح صحيح وكانت حاملا فلها النفقة لقوله تعالى " وأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن " وقال عليه وآله السلام لفاطمة بنت قيس وكانت مبتوتة لا نفقة إلا أن تكوني حاملا. وهل يجب لها أو للحمل؟ على ما مضى. وهل تحل لها يوم بيوم أو تصبر حتى تصنع قيل فيه قولان أحدهما يدفع إليها نفقة يوم بيوم وهو الاقوى عندي، والثاني لا يدفع إليها شئ حتى تضع، فمن قال لا تعطى شيئا قال يراعى فان بانت حائلا فقد أصبت في المنع، وإن بانت حاملا أعطيت النفقة لما مضى. ومن قال يدفع إليها يوما بيوم على ما قلناه قال أريت القوابل فاذا شهدن بأنها حامل أطلق النفقة من حين الطلاق إلى حين الشهادة، ثم لها يوما بيوم حتى يتبين أمرها، فان بانت حاملا فقد استوفت حقها وإن بانت حايلا فعليها رد ما أخذت سواء قيل النفقة للحمل أو لها لاجل الحمل. إذا قذف زوجته وهي حامل فعليها الحد إلا أن ينفيه باللعان، فاذا لاعنها و نفى النسب سقط الحد وانتفى النسب، وزالت الزوجية، وحرمت على التأبيد، و هذه أحكام اللعان، وعليها العدة، وتنقضي عدتها بالوضع، ولا سكنى لها، وعندهم لها ذلك نفقة لها عندنا وعند بعضهم، سواء قيل إن الحمل له النفقة أو لها بسببه لان الحمل قد انتفى. فان أكذب نفسه لحق النسب به ووجب الحد وعادت نفقتها في المستقبل حتى تضع ولها أن ترجع ما انقطعت النفقة عنها لانها إنما انقطعت لانقطاع النسب

(1) الطلاق: 6

[ 26 ]

فان عاد النسب عادت النفقة. هذا إذا قذف زوجته ولاعنها فأما إن طلقها وأبانها ثم ظهر بها حمل فقذفها ونفاه فهل يصح اللعان على نفى الحمل بعد البينونة؟ قيل فيه قولان: أحدهما يصح وهو الصحيح عندنا، والاخر لا يصح. فمن قال يصح فنفاه وقع التحريم المؤبد، وسقطت نفقتها لانتفاء الحمل، فان أكذب نفسه ههنا عاد النسب وعادت النفقة التي قطعها عن نفسه من حين اللعان إلى حين التكذيب وهكذا إن وضعته ثم أكذب نفسه، فعليه نفقتها زمان العدة، واجرة حضانتها لانه قد بان أنه كان واجبا عليه، وجملته أن كل ما سقط باللعان يعود باكذاب نفسه. إذا أبانها بالخلع أو الطلقة الثالثة، فقد قلنا لا نفقة لها فان ظهر بها حمل فلها النفقة سواء قيل إن النفقة لها أو للحمل، وعليه أن ينفق يوما بيوم. وفي الناس من قال يصبر حتى تضع، فان أنفق عليها ثم بان أنها حائل أو أتت بولد لا يمكن أن يكون منه، بأن أتت به لاكثر من أقصى مدة الحمل من حين الطلاق رجع عليها بما أنفق، وفيهم من قال لا يرجع. إذا كان الطلاق رجعيا أنفق عليها، وإن كانت حايلا، لانها في معنى الزوجات، فان ظهرت أمارات الحمل لكنها كانت تحيض وتطهر، وقيل إنه حيض أو دم فساد فاذا أنفق عليها ههنا على الظاهر فان عدتها منه بوضع الحمل ولا يخلو من أحد أمرين إما أن تبين حايلا أو حاملا: فان بانت حايلا فان كانت رجعيا فلم تقر بثلاث حيض أو كان حيضا فيطول و يقصر، لم يجعل لها إلا الاقصر لانه اليقين، ويطرح الشك فيقال لها إذا بانت حايلا إنما لك من النفقة مدة العدة، وهي ثلاثة أقراء، أخبرينا عن المدة التي انقضت الاقراء فيها: فاذا كلفت هذا ففيه اربع مسائل: إحداها قالت أنا أعرف العادة في الطهر والحيض، وأعرف المدة، وهي كذا وكذا، فالقول قولها، ولها النفقة طول هذه المدة، وترد ما بعد ذلك.

[ 27 ]

الثانية قالت أعرف العادة وهي التقدير أحيض سبعا فأطهر ثلاثا وعشرين يوما ولست أعرف مدة الانقضاء قلنا، فلا يضرنا ذلك، ويرجع إلى العادة فيحسبها، فاذا انقضت ثلاثة أقراء فلك النفقة فيها، وعليك رد ما بعدها. الثالثة قالت عادتي يختلف: يطول الحيض تارة ويقصر اخرى، وكذلك الطهر غير أني لا أعرف الاقراء بأي العادتين انقضت فهاهنا يجعل العدة على الاقصر، لانه اليقين ويطرح الشك. الرابعة قالت عادتي يختلف ولست أعرف صورة الاختلاف ولا أعرف مدة الانقضاء، يجعل عدتها هاهنا أقل ما يمكن أن تنقضي فيه ثلاثة أقراء، لانه اليقين ويطرح الشك. هذا الكلام إذا بانت حائلا فأما إذا بانت حاملا فان أتت به لمدة يمكن أن يكون منه، فالولد يلحق به والنفقة ثابتة لها إلى حين الوضع، وإن أتت به لاكثر من أقصى مدة الحمل من حين الطلاق قيل فيه قولان: أحدهما يلحق به هذه المدة وقدر العدة وهو الصحيح عندنا، لان الطلاق رجعى فعلى هذا إنفاقه بحق لها ولا يرجع بشئ، وعليه اجرة حضانتها من حين الوضع. والقول الثاني لا يلحق به، ويكون منتفيا عنه بلا لعان، ولا ينقضي عدتها به عنه لانه لا يمكن أن يكون منه، فعلى هذا تكون عدتها بالاقراء. فيقال هذا الولد ممن؟ فان قالت عن وطي شبهة نظرت، فان قالت وطئني غير الزوج بشبهة قيل متى كان الوطي؟ فان قالت بعد انقضاء الاقراء، قلنا فلك النفقة إلى حين انقضائها وعليك رد الفضل. وإن قالت الوطي بعد مضى قرءين قلنا فلك نفقة القرءين، ولا شئ لك لمدة الحمل، وعليك أن تأتى بالقرء الثالث بعد الوضع، ولك نفقته. فان قالت الوطي عقيب الطلاق قلنا فعدتك منه ثلاثة أقراء بعد الوضع فلا نفقة لك مدة الحمل فعليك ردها ولك النفقة مدة الاقراء بعد الوضع. هذا إذا كان الواطي غير الزوج، فأما إن قالت: الزوج هو الواطي وطئني في

[ 28 ]

العدة، أو قالت راجعني، فالقول قوله مع يمينه، فاذا حلف قلنا لها عليك أن تبيني متى وطئت؟ فان قالت: وطئت بعد انقضاء العدة، فقد اعترفت بأن العدة ثلاثة أقراء متصلة بالطلاق، قلنا فقد ثبت لها النفقة هذه المدة، وعليها رد ما بعدها، وإن قالت وطئت عقيب الطلاق قلنا له فالاقراء بعد الوضع فلها النفقة مدة الاقراء وترد ما أنفق عليها حال الحمل. وقال بعضهم إن عدتها ينقضي بالوضع من هذا الحمل، لانه ولد يمكن أن يكون منه فانقضت به عدتها كولده الذي ينفيه باللعان، هذا في حقها وأما في حقه فان عدتها تنقضي في أقل ما يمكن أن يمضي فيه ثلاثة أقراء لانه اليقين فلا يجب عليه نفقة أكثر من ذلك، فقبلنا قولها في حقها وأنها بعد في العدة، ولم يقبل قولها في وجوب النفقة عليه وهذا هو الاقوى. قد ثبت أنه إذا طلقها طلاقا باينا فان كانت حايلا فلا نفقة لها، وإن كانت حاملا فلها النفقة، ولمن تجب النفقة؟ قيل فيه قولان: أحدهما النفقة لها لاجل الحمل وهو أصحهما عند المخالف. والثاني النفقة للحمل وهو أقواهما عندي، بدليل أنها لو كانت حائلا لا نفقة لها، وإذا كانت حاملا وجبت النفقة، فلما وجبت بوجوده وسقطت بعدمه، ثبت أن النفقة له كالزوجة لها النفقة مادامت زوجة، فاذا زالت الزوجية فلا نفقة لها، فكانت النفقة لاجل الزوجية. ولانه لما كانت النفقة له إذا كان منفصلا فكذلك إذا كان متصلا ولان أصحابنا رووا أنه ينفق عليها من مال الحمل، فدل على أنه لا يجب لها. ومن خالف قال: لو كانت النفقة لاجل الحمل لوجب نفقته دون نفقتها (1) ولما كان نفقتها مقدرة بحال الزوج فيجب عليه بقدره، ونفقة الاقارب غير مقدرة، دل

(1) وهذا لا يرد، فان رزق الولد انما هو دم أمها يجري عليه من سرته، وهذا الدم انما يتولد بالنفقة عليها، فكأن بطن أمها مكينة أو مطبخ لرزق الولد.

[ 29 ]

على أنه لها، لان نفقة الاقارب على الكفاية. وأيضا فلو كان لاجل الحمل لوجبت على الجد كما لو كان منفصلا، فلما ثبت أنها تجب عليه، ثبت ما قلناه. وأيضا فلو كانت نفقة الولد لوجب أن يسقط بيسار الولد، وهو إذا ورث أو أوصى له بشئ فقبله أبوه، فلما لم تسقط بيساره ثبت أنها ليست نفقة الولد. وعندنا تسقط بيساره ويقتضى المذهب أنها يجب على الجد فيخالف في جميع ما قالوه وفايدة الخلاف أشياء: منها إذا تزوج حر بأمة فأبانها وهي حامل، فمن قال للحمل لم تجب على والده، بل تجب على سيده وهو سيد الامة ومن قال لها لاجله كانت على زوجها. ومنها إذا تزوج عبد بأمة فأبانها وهي حامل فمن قال النفقة للحمل، كان على سيد الولد، دون والده، لان العبد لا يجب عليه نفقة أقاربه، ومن قال لها لاجله قال النفقة عليه في كسبه. ومنها إذا تزوج عبد بحرة فأبانها وكانت حاملا فمن قال النفقة للحمل، قال تجب على الزوجة لانه ولد حرة وأبوه مملوك، ومن قال لها لاجله قال لا يكون في كسبه. ومنها إذا كان النكاح فاسدا والزوج حر فمن قال لها قال لا نفقة لان النفقة لمن كانت معتدة عن نكاح له حرمة، ولا حرمة له، ومن قال للحمل فعليه النفقة لانها نفقة ولده، ولا فصل بين النكاح الصحيح والفاسد في لحوق النسب وثبوته.

[ 30 ]

* (فصل) * * (في النفقة على الاقارب) * الذي ثبت له النفقة بنص الكتاب الولد لقوله تعالى " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق " (1) يعني خشية الفقر، فلولا أن عليه نفقته ما قتله خشية الفقر، وقال تعالى: " لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده " (2) فمنع من الاضرار به، وقال تعالى " فان أرضعن لكم فاتوهن أجورهن " (3) وأراد به المطلقات دون الزوجات، بدلالة أنه أوجب الاجرة بشرط الرضاع وهذه صفة المطلقة، لان الزوجة لا يستحق الاجرة بشرط الرضاع، ولانه سماه اجرة، والنفقة لا تسمى بذلك. وروي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال له: معي دينار، فقال أنفقه على نفسك، قال معي آخر قال أنفقه على ولدك، فأمره بالانفاق على الولد، وحديث هند يدل على ذلك لانه قال لها " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ". فاذا ثبت ذلك فالكلام في فصلين في صفة الولد الذي يستحق النفقة، وصفة الوالد الذي يجب عليه الانفاق. فأما صفة الولد فأن يكون أولا معسرا ثم يكون ناقص الخلق أو ناقص الاحكام أو ناقص الاحكام والخلقة. فأما ناقص الخلقة، فالضرير أو المعضوب (4) الزمن، وأما ناقص الاحكام فالولد الصغير لانه لا حكم لكلامه، و القلم لا يجرى عليه، وأما ناقص الاحكام والخلقة

(1) أسرى: 31.
(2) البقرة: 233.
(3) الطلاق: 6.
(4) المعضوب الضعيف، والمخبول الزمن الذي لا حراك به، كأن الزمانة عضبته و منعته عن الحركة.

[ 31 ]

معا فالكبير الضرير المجنون فانه ناقص الامرين معا فهذه صفة الولد الذي يجب على والده النفقة عليه. وأما صفة الوالد الذي يجب عليه النفقة على ولده، فهو الذي يقدر على نفقة ولده في الفاضل عن قوت يومه، فاذا قدر على ذلك المال في يده أو قدر على كسب فعليه الانفاق. وإنما قلنا إنه في الفاضل عن كفاية يومه، لان النبي صلى الله عليه وآله قال للسايل أنفقه على نفسك، فقدمه على ولده، وقال عليه السلام ابدا بنفسك ثم بمن تعول. وإنما قلنا إنه إذا كان قادرا على الكسب يلزمه أن يكتسب وينفق عليه، هو أن القدرة على الكسب بمنزلة المال في يده، لما روى أن رجلين أتيا النبي صلى الله عليه وآله فسألاه من الصدقة، فقال اعطيكما بعد أن اعلكما أن لاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب، فأجراه مجرى الغنى في المنع من أخذ الزكاة. فاذا ثبت من يجب له وعليه، فالكلام بعد هذا في الترتيب وجملته أن نفقته على والده إن كان موسرا، وإن لم يكن له والد أو كان وكان معسرا فعلى جده، فان لم يكن جد أو كان معسرا فعلى أبي الجد، وعلى هذا أبدا. وقال بعضهم لا يجب على الجد. فان لم يكن له أب ولا جد، أو كانا وكانا معسرين فنفقته على أمه، وقال بعضهم لا يجب عليها. وكل جدة وإن علت، فكالام إذا لم يكن دونها جدة، أو كانت لكنها معسرة مثل ما قلناه في الاب. هذا إذا لم يكن من شق الام إلا هؤلاء فأما إن كان في شق الام غير هؤلاء و هو أبو الام، وأم أبي الام، ومن جرى هذا المجرى فهم من أهل الانفاق في الجملة لان النفقة تجب بالقرابة فقط على من وقع اسم الاب عليه حقيقة أو مجازا أو على من وقع عليه اسم الجد حقيقة أو مجازا كالعتق بالملك بلا خلاف، وكالشهادة والقصاص على خلاف فيه، فاما ترتيب المستحقين فالكلام عليه يأتي. إذا كان له أب وام فالنفقة على الاب دون الام، فان كان له ام وجد أبو أب

[ 32 ]

وإن علا، فالنفقة على الجد دون الام، وقال بعضهم النفقة بينهما على الام الثلث و على الجد الثلثان كالميراث عنده. فاذا اجتمع أبوام وام ام فهما سواء، لانهما تساويا في الدرجة، وكذلك إذا كان له ام ام ام وأبو أم ام فهما سواء. فان اجتمع ام ام وام أب، أو أبوام وأم أب فهما سواء عندنا لتساويهما في الدرجة، وقال بعضهم ام الاب أولى، لانها تدلى بعصبته. وجملته أنه متى اجتمع اثنان ينفق كل واحد منهما إذا تفرد، لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يكونا من قبل الاب أو من قبل الام أو منهما. فان كانا من قبل الاب نظرت، فان اشتركا في التعصيب فلا يكونان أبدا على درجة ولابد أن يكون أحدهما أقرب والاقرب أولى. وإن تساويا في القرب وانفرد أحدهما بالتعصيب، مثل أم أب وأبى أب فالعصبة أولى فان كان الذي له العصبة أبعدهما فهو أولى عندهم، ولو بعد بمائة درجة وعندنا أن الاقرب أولى. وإن لم يكن لاحدهما تعصيب ولا يدلي بعصبته، فان كانا على درجه واحدة فهما سواء وإن كان أحدهما أقرب فالاقرب أولى بلا خلاف، وإن لم يكن أحدهما عصبة لكن أحدهما يدلي بعصبة، مثل أم ام أب وأم أبي أبي أب فهما سواء عندنا و قال بعضهم من يدلي بعصبته أولى. فان كانا من قبل الام معا نظرت، فان كانا على درجة فهما سواء، وإن كان أحدهما أقرب فالاقرب أولى سواء كانا ذكرين أو انثيين أو ذكرا وانثى لان الكل من ذوى الارحام. وإن كانا من الشقين معا فان كان أحدهما عصبة فهو أولى عندهم، وإن بعد. وعندنا هما سواء والاقرب أولى. وإن لم يكن أحدهما عصبة ولا يدلي بعصبة فان كانا على درجة فهما سواء، و إن كان أحدهما أقرب فالاقرب أولى، مثل ام ام ام، وام ام أب، فان كان أحدهما

[ 33 ]

يدلي بعصبته فان كانا على درجة واحدة مثل ام ام وام أب فهما سواء عندنا، وقال بعضهم ام الاب أولى، وإن اختلفا في الدرجة فالاقرب أولى مثل ام وام أب أو ام ام وام أبي أب فالاقرب أولى. هذا إذا لم يكن للولد مال فأما إذا كان له مال فنفقتهم من أموالهم، ولا يجب نفقتهم على الغير. وأما وجوب نفقة الوالد على ولده فعلى الولد أن ينفق على والده في الجملة لقوله تعالى " وصاحبهما في الدنيا معروفا " (1) ولقوله عليه السلام أنفقه على والدك في الخبر الذي تقدم. وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن لي مالا وعيالا، ولابي مال وعيال ويريد أن يأخذ مالي، فقال: أنت ومالك لابيك. وروى أن النبي صلى الله عليه وآله قال إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه. وروى عنه عليه السلام أن أولادكم هبة من الله لكم " يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور " (2) وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها. فاذا ثبت هذا فعليه أن ينفق على والده وعلى جده وإن علا، وقال بعضهم لا ينفق على جده، وعليه أن ينفق على أمه وامهاتها، وإن علون، وقال بعضهم لا يجب عليه أن ينفق على أمه. فاذا ثبت فالكلام في صفة من يجب له وعليه، فأما من يجب عليه، فانها يجب في الفاضل عن قوت يومه وليلته، وصفة من يجب له فأن يكون فقيرا ناقص الاحكام أو الخلقة أو هما. فناقص الاحكام: المجنون. والخلقة: الزمانة، وهما: أن يكون مجنونا زمنا، فمتى حصل هذه الصفة وجبت نفقته على ولده، وإن كان كامل الاحكام والخلقة معا لكنه

(1) لقمان: 15.
(2) الشورى: 50.

[ 34 ]

فقير قيل فيه قولان: قال قوم لا ينفق، والثاني يجب عليه أن ينفق وهو الصحيح عندنا. وأما الولد إذا كان كامل الاحكام والخلقة وكان معسرا قال قوم يجب عليه نفقته، وهو الاقوى عندي، وقال آخرون لا يجب. فأما إعفافه فلا يجب عندنا، سواء كان ناقص الاحكام أو الخلقة معسرا كان أو موسرا، وقال بعضهم إن كان معسرا ناقص الاحكام والخلقة، فعليه أن يعفه بعقد نكاح أو ملك يمين، لقوله " وصاحبهما في الدنيا معروفا " وإن كان معسرا كامل الاحكام و الخلقة قال بعضهم يجب عليه إعفافه، وقال آخرون لا يجب. إذا كان موسرا و أبواه معسرين، فان كان معه ما ينفق عليهما فعليه ذلك، وإن لم يفضل عن كفايته إلا نفقة أحدهما قال بعضهم الام أولى لقول النبي صلى الله عليه وآله للسايل: امك ثلاث مرات، وقال في الرابعة أباك، ولانهما تساويا في الدرجة، ولها مزية الحضانة والحمل والوضع. وقال آخرون الاب أولى لانه انفرد بالتعصيب، وقال قوم هما سواء وهو الصحيح عندنا، فيكون الفاضل بينهما. إن كان موسرا وله أب وابن معسرين، فان فضل ما يكفيهما أنفق عليهما، وإن لم يفضل إلا ما يكفى أحدهما، فان كان الابن ناقص الاحكام والخلقة (1) ولا حركة به لتحصيل شئ كان أحق من الاب، لان الاب يحتال، وهذا طفل لا حيلة له. فان كان الابن مراهقا كامل الخلقة ناقص الاحكام، والاب كامل الاحكام ناقص الخلقة، قال قوم الولد أحق به، لان نفقته تثبت بالنص ونفقة الاب بالاجتهاد، وقال آخرون الاب أحق بها لان حرمته أقوى، بدلالة أنه لا يقاد به ويقوى في نفسي أنهما سواء. وإن كان موسرا وله أب وجد: أبو أب معسرين، أو ابن وابن ابن معسرين فان فضل ما يكفى الكل أنفق عليهم، وإن فضل ما يكفى واحدا منهم قال قوم الابن أولى

(1) في النسخ: ناقص الاحكام والحكم بصفة نصفه.

[ 35 ]

من ابن الابن لانه أقرب، وهكذا الاب والجد وهو الصحيح عندي وقال آخرون هما سواء. فأما إذا كان معسرا وله ابن وأب موسران، قال قوم نفقته على أبيه دون ابنه لانه إنفاق على ولد، وقال آخرون هما سواء لانهما تساويا في القرابة والتعصيب والرحم وهو الصحيح عندي. إذا كان موسرا وله زوجة ومن ذوي الارحام من تجب عليه نفقته، فان فضل ما يكفى الكل أنفق على الكل، وإن فضل ما يكفى أحدهم فالزوجة أحق، لان نفقتها على سبيل المعاوضة، ونفقة ذوي الارحام مواساة، والمعاوضة أقوى بدلالة أنها تستحق مع يسارها وإعسارها، والوالد أذا كان موسرا لا نفقة له، وتستحق مع يسار الزوج وإعساره والولد لا نفقة له على أب معسر. وجملته أن كل سبب يجب به الانفاق من زوجية ونسب وملك يمين، فانا نوجبها مع اختلاف الدين كما نوجبها مع اتفاقه، لان وجوبها بالقرابة والرحم و يفارق الميراث لانه استحق بالقرابة والموالاة، واختلاف الدين يقطع الموالاة. نفقة الغير على الغير بحق النسب عندنا مقصورة على الاب وإن علا، والام وإن علت اجتمعا أو انفردا، وكذلك على الولد وولد الولد وإن نزلوا، فالنفقة تقف على هذين العمودين وفيه خلاف ذكرناه وروى في بعض أخبارنا أنه ينفق على من يرثه إذا لم يكن غيره وذلك على الاستحباب. ونفقة الاقارب تجب يوما بيوم، فان فات ذلك اليوم قبل الدفع سقطت ونفقة الزوج يستحق أيضا يوم بيوم فان مضى الزمان استقرت لما مضى. والفصل بينهما أن نفقة الزوجات تجب على وجه المعاوضة، ونفقة الاقارب على وجه المواساة. فاذا ثبت هذا فاستقر عليه نفقتها أو كان لها عليه دين أو وجبت نفقة يومها ونفقة القرابة يومه يقال له أنفق، فان أنفق وإلا كلفه السلطان فان أبي حبسه، فان أبي عزره فان أبى فالحكم فيه في هذه المسألة وفيه إن كان غايبا هاربا سواء.

[ 36 ]

فالسلطان ينظر فيما عليه وفيما هو ماله الآن، فان كان من جنس الدين قضاه منه، وإن كان من غير جنسه، فان كان له عقار وغيره باع عليه غير العقار في دينه، فان لم يكن له غير العقار باع فيه العقار، وصرف ثمنه إلى ما هو عليه وفيه خلاف. وإذا كان عليه نفقة زوجة من الطعام و الادام والكسوة، وكان له عليها دين من جنس ما لها عليه، فأراد أن يحتسب ما وجب لها عليه بما وجب له عليها لم يخل من أحد أمرين: إما أن تكون موسرة أو معسرة. فان كانت موسرة كان ذلك له، لان من عليه الدين كان له أن يقضي دينه من أي أمواله شاء، وهذا له مال في ذمتها، فوجب أن يملك قضاء دينه منه. وإن كانت معسرة لم يكن ذلك له، لانه إنما يجب قضاء الدين في الفاضل عن قوته، وهذا لا يفضل لها عن قوتها، فليس عليها أن يجعله في الدين، فاذا لم يكن عليها لم يكن له ذلك. ولانها إذا كانت معسرة فعليه أن تؤخرها إلى اليسار، وإذا وجب الانظار كان بمنزلة الدين المؤجل، ومن له دين إلى أجل ووجب عليه دين حال لم يكن له جعل الحال عليه بالمؤجل به. ليس للرجل أن يجبر زوجته على إرضاع ولدها منه، شريفة كانت أو مشروفة موسرة كانت أو معسرة، دنية كانت أو نبيلة، وفيه خلاف. إذا ثبت أنها لا تجبر على ذلك فان تطوعت به كره له منعها منه، لانها أشفق عليه وأحنى وأرفق، وتدر عليه مالا تدر عليه غيرها ويستمرئ لبنها ما لا يستمرئ لبن غيرها وقال بعضهم له منعها منه لان له منعها من كل ما يشغلها عنه وأثر في الاستمتاع بها من وطي ولمس ونظر إلا في أوقات العبادات، وهو الاقوى عندي. فأما إن امتنعت إلا باجرة فاستأجرها لذلك كان الاجارة باطلة وهكذا إن استأجرها لخدمته. وإن آجرت نفسها لرضاع أو لخدمة بغير إذنه كانت باطلة وإنما لم يصح أن تؤاجر نفسها من غيره لانها عقدت على منافع لا يقدر على إيفائها، فان زوجها

[ 37 ]

قد ملك الاستمتاع بها في كل وقت وفي جميع الازمان إلا ما وقع مستثنى بالعقد من أوقات الصيام والصلوة، فاذا لم تقدر على إيفاء ما عقدت عليه كان العقد باطلا. وإنما قلنا إنها إذا آجرت نفسها من زوجها لم يصح هو أنه يملك منعها من إيفاء ما وجب عليها بعقد ثان ليستوفي ما وجب له عليها بعقد النكاح، وكذلك من استأجر إنسانا شهرا بعينه لم يجز من ذلك الانسان أن يؤاجر نفسه ذلك الشهر بعينه لا له ولا لغيره وأما إن تطوعت بارضاعه ورضى زوجها بذلك فلا يلزمه أن يزيد في نفقتها، وقال قوم عليه ذلك والاول أقوى عندي لانه لا دليل عليه. إذا بانت زوجته منه وله منها ولد لم يكن له إجبارها على إرضاعه ولا على حضانته إذا كان له دون سبع سنين، لقوله تعالى " فان أرضعن لكم فآتوهن اجورهن " (1) فرد الرضاع إليها، وعلق الاجرة بشرط يوجب من جهتها، وما عليها لا يكون لها، وقال تعالى " وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى " (2) فلو لا أن لها الامتناع ما وصفها بهذه الصفة. فاذا ثبت أنها بالخيار نظرت، فان امتنعت عليه، فعليه أن يكتري من ترضعه لقوله تعالى " وإن تعاسرتم فسترضع له اخرى " وإن أجابت إلى إرضاعه وطلبت الاجرة ففيه ثلث مسائل: إما أن تطلب اجرة المثل ولا يجد غيرها، أو يجد غيرها بهذه الاجرة، وتطلب أكثر، أو تطلب اجرة مثلها ويجد غيرها متطوعة. فان طلبت اجرة مثلها وليس هناك غيرها، أو هناك غيرها بهذه الاجرة فهي أحق لقوله تعالى " فان أرضعن لكم فآتوهن اجورهن ". فان طلبت أكثر من اجرة مثلها والزوج يجد باجرة المثل، كان له نقله عنها، لقوله تعالى " وإن تعاسرتم فسترضع له اخرى " ولقوله " وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف " (3) فأباح تعالى نقل الولد عنها إذا

(1 و 2) الطلاق: 6.
(3) البقرة: 233.

[ 38 ]

سلم الاجرة بالمعروف ولا موضع يجوز نقله إلى اجرة المثل إلا إذا طلبت أكثر من اجرة مثلها. وأما إن رضيت باجرة مثلها، وهو يجد متطوعة أو بدون هذه الاجرة قال قوم له ذلك، ومنهم من قال ليس له ذلك، والاول أقوى عندي. فمن قال ليس له نقله سلم إليها ولها اجرة المثل ومن قال له نقله عنها إلى من يتطوع بذلك على ما قلناه نظرت فان صدقته في أنه يجد متطوعة نقله ولا كلام، وإن كذبته فالقول قوله لانها تريد شغل ذمته بايجاب الاجرة لها عليه والاصل براءة الذمة.

[ 39 ]

* (فصل) * * (في أن الابوين أحق بالولد) * إذا بانت امرأة الرجل منه بطلاق أو فسخ أو خلع أو غير ذلك وهناك ولد فتنازعاه لم يخل الولد من ثلاثة أحوال إما أن يكون طفلا لا يميز أو بالغا أو طفلا يميز ويعقل. فان كان طفلا لا يميز ولا يعقل، فالام أحق به من أبيه تربيه وتحضنه والنفقة على أبيه لما روى أن امرأة قالت يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء وحجري له وطاء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله " أنت أحق به ما لم تنكحي ". فان كان الولد بالغا رشيدا فلا حق لاحد الوالدين فيه، والخيار إليه في المقام عند من شاء منهما، والانتقال عنهما، ذكرا كان أو انثى، غير أنه يكره للبنت أن تفارق أمها حتى تتزوج وقال بعضهم ليس لها أن تفارق أمها حتى تتزوج ويدخل بها الزوج. وأما إن كان طفلا بلغ حدا يميز بين ضره ونفعه وهو إذا بلغ سبع سنين أو ثمانى سنين فما فوقها إلى البلوغ، فالذي رواه أصحابنا أنه إن كان ذكرا فالاب أحق به، وإن كانت انثى فالام أحق بها إلى أن تبلغ ما لم تتزوج وقال قوم تخير بين أبويه فمن اختار سلم إليه. وقال آخرون الام أحق به، حتى يبلغ إن كان ذكرا، وإن كان انثى حتى يتزوج ويدخل بها الزوج. وقال قوم إن كانت جارية فأمها أحق بها ما لم تتزوج، وإن غلاما فامه أحق به حتى يبلغ حدا يأكل ويشرب ويلبس بنفسه، فتكون أحق به. ومن قال بالتخيير قال لا تخير إلا بأربع شرائط وهو أن يكونا حرين مسلمين مأمونين مقيمين، فأما إن كان أحدهما حرا والاخر مملوكا نظرت فان كانت أمه حرة فهي أحق به بغير تخيير، وهكذا نقول لانه مشغول بخدمة سيده، وإن كان أبوه

[ 40 ]

حرا والام مملوكة فان كان الولد حرا فأبوه أحق به، لان أمه مشغولة بخدمة سيدها وإن كان مملوكا فسيده أحق به، وإن كان أحدهما مسلما فالمسلم أحق به عندنا و عند أكثرهم وقال بعضهم يخير. وإن كان أحدهما عدلا والآخر فاسقا فالعدل أحق به بكل حال، لان الفاسق ربما فتنه عن دينه، وإن كان أحدهما مقيما والاخر منتقلا فلا يخلو المسافة من أحد أمرين إما أن يقصر فيها الصلوة أو لا يقصر، فان لم يقصر فالحكم فيها كالاقامة، وإن كان يقصر فيها فالاب أحق به بكل حال. وقال قوم إن كان المنتقل هو الاب فالام أحق به، وإن كانت الام منتقلة فان انتقلت من قرية إلى بلد فهي أحق به، وإن انتقلت من بلد إلى قرية فالاب أحق به لانه في السواد يسقط تعليمه وتخريجه وهو قوى. ومن قال بالتخيير فبلغ حد التخيير فخير لم يخل من أحد أمرين إما أن يختار أمه أو أباه، فان اختار أمه نظرت، فان كان الولد جارية كانت عندها ليلا ونهارا ولا يخرج نهارا لان تأديبها وتخريجها جوف البيت، وإن كان غلاما فأمه أحق به ليلا لانها تحفظه وتحضنه وأبوه أحق به نهارا ليخرجه ويؤدبه ويعلمه. وإن اختار أباه فهو أحق به ليلا ونهارا لانه لو كان جارية فلا حاجة بها إلى الخروج، وإن كان غلاما فعنده يأوى ليلا ويخرج إليه نهارا ولا يمنع من الاجتماع مع أمه، لان في ذلك قطع الرحم وذلك لا يجوز. ثم ينظر فان كان ذكرا ذهب هو إلى أهله وزارها في كل أيام حتى لا ينقطع الرحم بينهما، وإن كان جارية فان أمها تأتيها زائرة لان الجارية لم تخرج، و الام قد اعتادت الخروج، وإذا زارتها أمها فلا تطيل عندها، بل تخفف وتنصرف ولا تنبسط في بيت مطلقا. هذا في حال الصحة. فأما في حال المرض فأيهما مرض قصده الصحيح فان كان المريض هو الولد فلا تمنع أمه أن تجيئه وتراعيه وتمرضه وتقيم عنده، لانها أشفق عليه وأحنى وارأف وأعطف وأرفق من غيرها، وإن مرضت الام فان ولدها يزورها ويتردد إليها ذكرا

[ 41 ]

كان أو أنثى. فأما إن مات أحدهما نظرت، فان مات الولد فان أمه تحضره وتجهزه وتتولى أمر غسله وتكفينه وإخراجه، فان ماتت الام فالولد يحضرها ويجهزها ويتولى أمرها من تكفين وغيره فاذا فرغت الام من تجهيز الابن لا يجوز أن تتبع الجنازة إلى المقبرة، لان النساء قد نهين عن زيارة القبور روى عنه عليه وآله السلام أنه قال لعن الله زائرات القبور. فاذا بلغ سن التخيير فكان مجنونا أو عاقلا فخبل فامه أحق به، ويسقط التخيير لانه في معنى الطفولة ومتى اختار أحدهما سلم إليه، فاذا أراد الآخر بعده حول إليه، فان أراد رده إلى الاول رد وعلى هذا أبدا، لانه تخيير إيثار وشهوة، وليس تخيير إلزام وحتم. إذا تزوجت المرأة سقط حقها من الحضانة وزال التخيير، وإن كان له ام ام لا زوج لها قامت مقامها، وإن كان لامها زوج هو جد هذا الطفل قامت مقامها، وإن كان أجنبيا فالاب أحق به وقال الحسن البصري لا يسقط حقها بالنكاح. ومتى طلقها زوجها عاد حقها على ما كانت وقال بعضهم لا يعود، والاول أصح عندي وإذا ثبت أنه يعود فلا فرق بين أن يكون الطلاق باينا أو رجعيا وقال بعضهم إن كان باينا عاد، وإن كان رجعيا لم يعد، لانها في حكم الزوجات، فهو كما لو لم يطلقها وهو الصحيح عندي. إذا اجتمع نساء القرابة فتنازعن المولود ففيها مسئلتان إحداهما إذا لم يكن معهن رجل، والثانية إذا كان معهن رجل، فاذا كان معهن رجل فالكلام في ترتيب الاولى والاحق. قال قوم الام أولى ثم امهاتها ثم ام الاب وامهاتها، ثم ام الجد وامهاتها، ثم ام أبي الجد وامهاتها فان لم تكن فلاخت للاب والام ثم الاخت للاب، ثم الاخت للام ثم الخالة، ثم العمة، وفيه خلاف طويل وشرح على مذهب القوم. والذي عندي أن الام أولى من كل أحد، فان لم تكن فكل امرأة كان أولى

[ 42 ]

بميراثها فهي أولى به، فان اجتمعا في درجة واحدة ولا مزية فهو بينهما لقوله تعالى " واولو الارحام بعضهم أولى ببعض " (1) وذلك عام في كل شيئ وعلى هذا الاخت للاب والام أولى من الاخت للاب ومن الاخت من الام لانها تدلي بسببين فاذا لم تكن فالاخت للاب أولى وقال بعضهم الاخت للام أولى والاول أقوى، فان لم تكن اخت من أب فالاخت للام أولى، والخالة والعمة عندنا في درجة، وعندهم الخالة مقدمة، وعندنا إذا اجتمعا اقرع بينهما. فاذا ثبت هذا فالخلاف في ثلاثة مواضع: فيمن هو أولى بعد امهات الام؟ الاخوات أو الجدات؟ فعندي أنهما سواء، ويقرع بينهما فمن خرج اسمه سلم إليه لانه لا يمكن قسمته مثل الميراث، وعندهم على قولين. الثاني هل الخالة أولى من ام الاب؟ فعندهم على قولين، وعندي أن ام الاب أولى. والثالث في الاخت للاب مع الاخت للام عندهم على قولين وعندي أن الاخت من قبل الاب أولى وإن قلنا إنهما سواء ويقرع بينهما كان قويا والعمة مؤخرة عن هؤلاء كلهن، وكل موضع قلنا إنها أحق فانها مع الولد كالام هي أحق حتى يبلغ. فاذا بلغت نظرت فان كان ذكرا فالمستحب له أن يفارقها، وإن كان انثى فان كانت ثيبا فكالذكر، وإن كانت بكرا كره لها مفارقتها حتى تتزوج ويدخل بها، و كل موضع اجتمع اثنتان اختان أو خالتان، وكان المولود طفلا لا يعقل اقرع بينهما فاذا بلغ حد التخيير خيرناه بينهما. ام الاب له حق في الحضانة بوجه، وكذلك ام أبي الام لانهما يرثان عندنا، و عندهم لا حظ لهما وفيه خلاف فأما إذا كان هناك رجال ونساء فالام أولى من الاب ومن كل أحد على ما بيناه ما لم تتزوج، أو يكون الولد ذكر أو يبلغ سنتين فيكون الاب أولى فأما غير الاب فهي أولى به على كل حال. فان لم تكن ام فالاب أولى من امهات الام، وإن علون، وعندهم امهات

(1) الانفال: 75.

[ 43 ]

الام وإن علون أولى، فان لم يكن أحد من امهات الام فالاب أولى من كل من يتقرب به من الاخوة والاخوات والجد والجدة بلا خلاف. وإن كان معه من يدلي بالام أخت لام أو خالة وليس معه غيرهما فالاب أولى عندنا. وعندهم على وجهين أحدهما مثل ما قلناه والاخر الاب يسقط بها لقول النبي صلى الله عليه وآله الخالة ام. وإذا ثبت أن الاب أولى منهما، فما دام هو باقيا فهو أولى، ثم أمه وأبوه في درجة، ثم جده وجدته في درجة مثل الميراث عندنا سواء، للاية وعلى مذهب القوم إذا قالوا بما قلناه وفيه خلاف. هذا إذا كان الاب موجودا فاما إن كان مفقودا ميتا أو هالكا فعندنا أن كل من كان أولى بميراثه فهو أولى به، فان تساووا اقرع بينهم، فمن خرج اسمه سلم إليه وفيه خلاف وكل أب خرج من أهل الحضانة بفسق أو كفر أورق فهو بمنزلة الميت سواء ويكون الجد أولى فان كان الاب غائبا انتقلت حضانته إلى الجد، لان القصد حفظه وصيانته، فكان أحق به من غيره، وكل من عدا الاب والجد ممن يتقرب بهما من الذكور، له حظ في الحضانة عندنا ويقومون مقام الاب والجد إذا كانو أولى بميراثه فان تساووا فالقرعة، وفيه خلاف بينهم. إذا كان الابوان مملوكين فلا حضانة لهما إذا كان الولد حرا، وإن كان أحدهما حرا فهو أحق من المملوك، وإن كان الولد مملوكا فالاولى لسيده أن يقره مع أمه، فان أراد أن ينقله عنها إلى غيرها لتحضنه كان له ذلك عندنا، ومنهم من قال ليس له ذلك، ومن لم يكمل فيه الحرية فهو كالعبد القن سواء.

[ 44 ]

* (فصل) * * (في نفقة المماليك) * قد ذكرنا أن النفقة تستحق بأحد أسباب ثلاثة: زوجية وقرابة وملك يمين وقد مضى الكلام في نفقة الزوجة والاقارب، والكلام هيهنا في نفقة المماليك، و إنما قلنا يجب نفقته لا جماع الفرقة على ذلك، ولقوله عليه السلام للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل مالا يطيق. فأخبر أن طعامه وكسوته ونفقته على سيده لانه لا أحد أولى به منه، وهو إجماع لا خلاف فيه. فاذا ثبت وجوبها لم يخل العبد من أحد أمرين: إما أن يكون مكتسبا أو غير مكتسب فان لم يكن مكتسبا لصغر أو كبر أو زمانة أو مرض فنفقته على سيده، وإن كان مكتسبا فسيده بالخيار إن شاء جعلها في كسبه، وإن شاء أنفق عليه من عنده، لان كسبه له وماله له، فان أنفق عليه من ماله كان له جميع كسبه وإن جعل بعضه في كسبه، فان كان وفق نفقته فلا كلام وإن زاد عليه كان لسيده الفاضل، وإن كان دون ذلك فعلى السيد إتمامه. فاذا ثبت الوجوب وكيفية الوجوب فالكلام بعده في فصلين في قدر النفقة و في جنسها. فأما قدر كفايته في العرف وهو قوت مثله فيجعل له، ولا ينظر إلى النادر في كفاية الناس، فان فيهم من يكفيه القليل وهو نادر، وفيهم من لا يكفيه إلا الكثير وهو نادر، ولا ينظر إليهما بل ينظر إلى كفاية مثله في العادة لقوله عليه السلام للمملوك طعامه و كسوته بالمعروف. فأما جنسها فمن غالب قوت البلد، أي قوت كان هو الغالب عليه كان قوت المماليك منه، ولا يعتبر قوت سيده، فانه قد يكون منعما لا يرضى بغالب قوت البلد، وهكذا الاسوة بكسوة من غالب كسوة البلد، لا من كسوة سيده فان سيده قد يزيد وينقص

[ 45 ]

على ما قلناه للخبر من قوله بالمعروف. فاذا ثبت أن الذي على السيد أن يطعمه من غالب قوت البلد، فان كان منهم من يلى إصلاح الطعام وتقديمه إليه فالمستحب للسيد أن يدعوه فيجلسه معه ليأكل معه فان أبى فلقمة أو لقمتين لما روى عن النبى صلى الله عليه وآله أنه إذا كفى أحدكم خادمه طعامه حره ودخانه فليدع فليجلسه معه فان أبى فليروع له اللقمة واللقمتين والترويع أن يرويه من الدسم، والخادم الذى لا يراه فالمستحب له أيضا أن يطعمه لقمة لانه لا يكاد يخفى عليه ما صنع، والاول أشد استحبابا. فأما السكوة فمن غالب كسوة البلد أيضا من كتان أو قطن وغير ذلك، للخبر فان كان المملوك غلاما فالكسوة واحدة، لا يخص بعضهم بأجود من بعض، لانهم يرادون للخدمة، وهم يتساوون فيه، وإن كانت أمة فان كانت للخدمة دون التسري فكذلك وإن كانت للتسري فينبغي أن يخصها بالاجود، ويفرق بينها وبين الخادمة لان هذا هو الفرق، ومنهم من قال لا فرق بينهما. فأما استعمال الغلام فانه يكلفه من العمل ما يطيق ولا يكلفه ما لا يطيق للخبر ومعناه ما يطيق الدوام عليه، فأما ما يقدر عليه يوما أو يومين ثم يعجز عنه في الثالث فليس له ذلك، للخبر. ومتى تعطل العبد الكسوب عن الكسب، كانت نفقته على مولاه في غير كسبه وأما ولدها فاذا كان منه فهو حر فعليه أن ينفق على ولده، وإن كان من غيره من زوج حر شرط عليه أو زنا فهو ملكه ويجوز له بيعه وعليه نفقته. فان كان لها ولد طفل يحتاج إلى رضاع وكانت الامة قنا فأراد أن يؤجرها للرضاع أو يلزمها الرضاع لغير ولدها نظرت، فان كان لبنها وفق كفايته لم يكن ذلك له، لانه يضر بولدها فهو كالكبير إذا أراد أن ينقصه بعض قوته لم يكن له. وإن كان في لبنها فضل على الكفاية كان له أن يسترضعها في الفاضل من لبنها عن ولدها لانه لا ضرر على ولدها، ويؤجرها ذلك القدر إن أمكن، فان استغنى ولدها عن اللبن بالطعام كان له أن يستوفى جميع لبنها.

[ 46 ]

وإن كان ولدها من زوج حر كان حرا عندنا، وكان للسيد أن يمنعها من إرضاعه لانها ملكه، وليس يجب عليه إرضاع ولد الغير، وكان على أبيه أن يسترضع له من يرضعه، فان أجبرها السيد لارضاع ولدها الحر كان له ذلك. إذا أراد السيد أن يخارج عبده فأبى العبد لم يجبر عليه وإن طلب العبد من سيده المخارجة لم يجبر عليه. والمخارجة أن يضرب على عبده خراجا في كل يوم شيئا معلوما يطلبه من كسبه فان اتفقا عليه نظرت: فان كان كسبه يفي بقدر النفقة وقدر الخراج مثل أن يكون كسبه ثلاثة دراهم ونفقته درهما وخراجه درهمين، فانه جائز بذلك إن أبا طيبة حجم رسول الله صلى الله عليه وآله فأعطاه أجره وسأل مواليه أن يخففوا عنه خراجه، فثبت أن الخراج جائز، وما يفضل عن قدر الخراج له أن يتوسع به في النفقة. فأما إن خارجه ما يتهم به قالوا لا تكلفوا الصغير الكسب، فانكم متى كلفتموه الكسب سرق، ولا تكلفوا الامة غير الصغيرة الكسب فانكم متى كلفتموها الكسب كسبت بفرجها، وروي ذلك أيضا عن بعض أصحابه.

[ 47 ]

* (فصل) * * (في نفقة الدواب) * إذا ملك بهيمة فعليه نفقتها، سواء كانت مما يؤكل لحمها أو لا يؤكل لحمها، و الطير وغير الطير سواء، لان لها حرمة. روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال اطلعت ليلة اسرى بي على النار فرأيت امرأة تعذب فسألت عنها فقيل إنها ربطت هرة ولم تطعمها ولم تسقها ولم تدعها تأكل من حشاش الارض حتى ماتت فعذبها الله بذلك. قال صلى الله عليه وآله: واطلعت على الجنة فرأيت امرأة مومسة يعني زانية فسألت عنها فقيل إنها مرت بكلب يلهث من العطش فأرسلت إزارها في بئر فعصرته في حلقه حتى روي فغفر الله لها. فاذا ثبت أنه ينفق عليها لم يخل البهيمة من أحد أمرين إما أن يكون في البلد أو البادية فان كانت في جوف البلد فعليه إن ينفق عليها بأن يعلفها لانه ليس في البلد رعى. فان كانت مما يؤكل لحمها فهو مخير بين ثلثة أشياء بين أن يعلفه أو يذبح أو يبيع وإن كانت مما لا يؤكل لحمها فهو مخير بين شيئين بين أن يعلف أو يبيع، فان امتنع أجبره السلطان على النفقة أو البيع فيبيع منها بقدر علفها، أو يبيع الكل. فأما إن كانت في الصحراء فان كان لها من العلف والكلا ما يقوم بدنها به أطلقها للرعي وإن أجدبت الارض فلم يبق فيها معتلف، أو كان بها من المعتلف مالا يكفيها فالحكم فيه على ما فصلناه في الامة إن كان وفق حاجة لم يتعرض للبنها، وإن كان أكثر كان له أخذ الفضل، وإن استغنى ولدها بالعلف كان له أخذه كله.

[ 48 ]

إذا كان له ولد من كافرة فطلقها فالمسلم أحق به خلافا لبعض الشذاذ، فان أسلم الكافر منهما كان كما لو كان في الاصل مسلما على ما مضى وهكذا إذا كان أحد الابوين مملوكا فلا حق له في الحضانة، فان اعتق ثبت حقه، فتكون أمه أحق به صغيرا، فان بلغ سبع سنين وكان ذكرا مميزا فالاب أولى به وإن كان انثى فالام أولى به إلى أن تبلغ. إذا فسقت الام أو تزوجت سقطت حضانتها باختيارها، أو قالت لست أحضنه فالاب أولى به عندنا، وكذلك إذا فسقت، وقال قوم الجدة ام الام أولى. قد مضى اختلاف الناس في نفقة الزوجة متى يجب؟ فانه قال بعضهم لا يجب بالعقد إلا المهر، وهو الصحيح عندنا، وأما النفقة فانه يجب يوما بيوم في مقابلة التمكين من الاستمتاع، وقال بعضهم تجب بالعقد مع المهر ويجب تسليمها يوما بيوم في مقابلة التمكين من الاستمتاع. وفائدة الخلاف أن من قال تجب بالعقد قال يجوز ضمانه عنه لزوجته عشر سنين أو ما زاد عليه أو أقل منه، ومن قال تجب يوما بيوم على ما قلناه لم يجز إلا ضمان نفقة يوم واحد صلوة الغداة، لا أنها الآن وجبت، ولا يصح على هذا أن يضمن نفقة يومين. ومن قال تجب بالعقد فان تسليمها يوما بيوم في مقابلة التمكين، فان امتنعت أياما سقطت منها بقدر ما منعت، ومن قال تجب يوما بيوم فوقت وجوبها غداة كل يوم يجب تسليمها، ويكون وقت الدخول والتسليم واحدا. وعلى القولين إذا مضى يوم وهي ممكنة من الاستمتاع، فان كانت استوفت نفقة هذا اليوم فلا كلام، وإن لم يكن استوفت استقرت في ذمته عندنا وقال بعضهم تسقط كلما مضى يوم قبل أن تستوفيه إلا أن يفرض القاضي فتستقر في ذمته. إذا رزقت زوجته وأقامت في يده فينفق عليها الطعام والشراب وأنواع المأكولات سنين كان ذلك نفقتها، ولا يلزمها فيما بعد شئ سواء كان ذلك مطلقا أو مقيدا، وقال بعضهم إن أنفقه مطلقا استقرت نفقتها لمضي الوقت ولم تسقط، ولم

[ 49 ]

يكن ما أنفق عليها نفقتها، لان الذي يجب لها الحب، وما وافقها على أن هذا في مقابلته، وإن كان الانفاق بشرط أن هذا نفقة عليها بدلا عن الواجب لها، فعلى هذا هذه معاوضة فاسدة، ولكل واحد منهما على صاحبه ما وجب له عليه: له عليها قيمة ما أنفقه، ولها عليه ما استقر في ذمته. إذا تزوج رجل أمة فأحبلها ثم ملكها نظرت فان كانت حاملا ملكها وعتق حملها بالملك، ولم تصر هي ام ولد، وإن ملكها بعد الوضع لم تصر أم ولد عندهم، وعندنا تصير ام ولد، والولد حر على كل حال. رجل فقير لا مال له، وله زوجة فقيرة، وأولاد صغار لا مال لهم، وله ابن غنى فعلى الغنى نفقة والده، ونفقة زوجة والده لانها من مؤنة والده، ونفقتها يجب عليه مع إعسار والده وأما ولده الصغار فلا يجب عليه نفقتهم، لانه لا يجب على أبيه فيلزمه التحمل ولا عليه ابتداء لانهم إخوته ونفقة الاخ لا يجب على أخيه. فان كانت بحالها، ولم يكن له ابن موسر، لكن له والد موسر، فعلى والده نفقته لانه ولده وهو فقير، وعليه نفقة زوجته لان عليه كفاية ولده ولانها نفقة يلزم ولده مع الاعسار، وعليه فطرتها لانها بمنزلة النفقة، وعليه أن ينفق على ولد ولده الصغار الفقراء ابتداء لانه جد وولد ولده فقير، وعلى الجد أن ينفق على ولد ولده مع إعسار ولده من ابتداء. رجل طلق زوجته طلقة رجعية ووضعت ثم اختلفا فقالت طلقتني بعد الوضع و عدتي بالاقراء، ولي النفقة إلى انقضائها، وقال بل قبل الوضع وقد بنيت بالوضع، وانقضت عدتك به، ولا رجعة لي ولا نفقة، فالقول قولها فيما تعتد به لانه إقرار على نفسها، والقول قوله في أنها باين، لانه إقرار على نفسه في سقوط الرجعة، وأما النفقة فلها إلى انقضاء الاقراء لانهما أجمعا على ثبوتها عقيب الطلاق، واختلفا هلى هي مستدامة أم لا، والاصل الدوام حتى تثبت الانقطاع. إذا أسلف زوجته نفقة شهر ثم مات أو طلقها فلها نفقة يومها، وعليها رد ما زاد على اليوم، وقال بعضهم إن مات بعد الاقباض لم يكن عليها رد شئ، وإن كان بعد

[ 50 ]

أن حكم الحاكم وقبل الاقباض سقط بوفاته والاول هو الصحيح عندنا. إذا دفع إلى زوجته الكسوة التي تلبسها إلى مدة لم يكن لها أن يستبدل بها غيرها لانها لو أتلفتها كان عليها قيمتها، وقال قوم وهو الصحيح عندنا أن هذا غلط لانه إذا أسلم إليها الكسوة فقد ملكتها على الاطلاق تتصرف فيها كيف شاءت، فان أهلكتها لم يكن عليه البدل حتى يبلغ الوقت، ومثلها سائر النفقات فان أهلكتها لم يكن عليها البدل فيه، ولا يلزمها قيمتها لانها أتلفت ملكها. إذا تزوج عبد بحرة فأولدها، كان ولده حرا، ولها الحضانة، وعليها النفقة دونه، لان النفقة مع الوجود، وهذا غير واجد، فان أعتق العبد وأيسر وجب عليه النفقة وقد مضى أن الامة إذا أصابت بزوجها عيبا يفسخ النكاح كان الخيار إليها في الفسخ دون سيدها فأما إن اعتبر بالنفقة فقد قلنا إنه لا خيار لها عندنا وعندهم أن الخيار من الفسخ إلى السيد دونها. والقصد أن العيب نقص يتعلق بحقها، ويؤثر في الاستمتاع، فلهذا كان إليها دون سيدها، وليس كذلك النفقة والصداق لانه حق يعود إليه بدليل أنه إذا لم يخرج الزوج كان على السيد فلهذا كان له الفسخ، فان بادر السيد فأعتقها صار الحقان لها معا لاحق لسيدها فيه، ويكون بالخيار بين الفسخ بالاعسار وبين الصبر معه.

[ 51 ]

* (كتاب العتق) * قال الله تعالى " وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه " (1) قيل في التفسير نزلت في زيد بن حارثة وكان النبي صلى الله عليه وآله أعتقه وتبنى به فحرم الله التبني، وإنعام الله تعالى عنى به الاسلام، وإنعام النبي صلى الله عليه وآله العتق، وقال الله تعالى: " ومن قتل مؤمنا خطاء فتحرير رقبة مؤمنة " (2) فذكر التحرير في ثلاثة مواضع في هذه الآية، و ذكر أيضا في آية الظهار (3)، وكفارة اليمين (4). وروى عمر بن عبسة أن النبي صلى الله عليه وآله قال من أعتق رقبة مؤمنة كانت فداه من النار، وروى واثلة بن الاسقع وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار ولا خلاف أيضا بين الامة في جواز العتق، والفضل فيه. فاذا أعتق شركا له من عبد لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون موسرا أو معسرا. فان كان معسرا عتق نصفه، واستقر الرق في نصف شريكه، وروى أصحابنا أنه إن قصد بذلك الاضرار بشريكه أنه يبطل عتقه، فان اختار شريكه أن يعتق نصيبه منه فعل، وإلا أقره على ملكه. وإن كان موسرا قوم عليه نصيب شريكه، ومتى يعتق نصيب شريكه؟ قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه يعتق كله باللفظ وكانت القيمة في ذمته، وعليه تسليمها إلى شريكه.

(1) الاحزاب: 37.
(2) النساء: 92.
(3) المجادلة: 3.
(4) المائدة: 89.

[ 52 ]

والثاني أنه يعتق نصيبه باللفظ ودفع القيمة فان دفع القيمة إلى شريكه عتق نصيب شريكه، وإن لم يدفع إليه القيمة لم يعتق. والثالث أن يكون مراعى، فان دفع القيمة شريكه، عتق نصيب شريكه وإن لم يدفع إليه القيمة لم يعتق، فان أدى إليه تبينا أنه عتق وقت العتق، وإن لم يؤد تبينا أن العتق في نصيب شريكه لم يقع، وهذا هو الاقوى عندي وفيه اختلاف. فمن قال يقع بنفس اللفظ قال يعتق أولا نصيبه، فاذا أعتق سرى إلى نصيب شريكه بلا فصل، ومنهم من قال يعتق كله دفعة واحدة، ولا يعتق منه شئ بعد شئ. ومتى وقع العتق في جميعه كان الولاء للمعتق، والعتق واقعا عنه، فاستقرت الحرية وعلى المعتق قيمة نصيب شريكه بمنزلة المتلف، فان كان موسرا بذلك اخذ منه، فان هرب صبرنا حتى يعود، فان أعسر بعد ذلك انظر إلى اليسار، ويعتبر القيمة حين العتق لا حال الاتلاف، فان اختلفا في قدر قيمته فالقول قول المعتق لانه غارم. فان اختلفا فقال الشريك قد أعتقته فالعبد كله حر ولي عليك قيمة نصيبي منه، فأنكر ذلك المعتق، فالقول قوله، لان الاصل أن لا عتق. فاذا حلف حكمنا بأن نصيبه منه رقيق، ونصيب المدعي حر لانه قد اعترف بأنه حر فلا يقبل قوله بعده أنه رقيق، ثم نقول له إن كنت تعلم أنه أعتق نصيبه منه، فلك قيمة نصيبك عليه في ذمته، فمتى ظفرت بشئ من ماله، كان لك أخذ حقك منه. ومن قال يعتق بشرطين اللفظ ودفع القيمة فقد وجب على المعتق قيمة نصيب شريكه بدليل أنه يملك المطالبة به فان كان موسرا استوفى ذلك منه، فان هرب أو فلس أخرناه حتى إذا وجد أدى ما عليه، وعتق العبد بوجود الاداء، فان جحد العتق فالقول قوله مع يمينه، وإن حلف أنه ما أعتق نصيبه كان نصيب شريكه على الرق لان شرط وقوع العتق ما وجد وإن اختلفا في قدر قيمته - ويفارق الاولى لانه الاولى غارم. فاما إن تصرف الشريك في نصيبه منه قبل أن يأخذ القيمة بأن أعتق أو باع نصيبه منه، فان التصرف يكون باطلا، وقال بعضهم ينفذ عتقه، وهو الاقوى عندي، لان

[ 53 ]

عتقه صادف ملكه. ومن قال مراعى قال: إن دفع القيمة بان أن العبد عتق باللفظ وكان الحكم فيه كما إذا قلنا يعتق باللفظ، وقد مضى حكمه، وإن لم يدفع فالحكم فيه كما لو قلنا لا يعتق إلا باللفظ ودفع القيمة، لانا تبينا أن العتق لم يعمل في نصيب شريكه وقد مضى. فرع: إذا أعتق شركا له من عبد وهو موسر، فمات العبد قبل أن يدفع قيمة نصيب شريكه، فمن قال عتق كله بنفس اللفظ، قال عليه قيمة نصيبه لان نصيب شريكه قد نفذ العتق فيه باعتاقه ووجبت قيمته في ذمته، فلا يسقط بوفاته، ومن قال يعتق باللفظ ودفع القيمة فهل عليه قيمة نصيب شريكه أم لا؟ قيل فيه وجهان: قال قوم لا يلزمه، لان القيمة يجب عليه في مقابلة ما يحصل له من عتق نصيب شريكه في حقه، وثبوت الولاية عليه، فاذا مات قبل دفع القيمة له لم يسلم ماله فلم يلزمه ما عليه وقال آخرون يلزمه القيمة لانها قد وجبت عليه قبل موت العبد والاول أقوى. إذا كان العبد بين شريكين فادعى أحدهما على شريكه أنه قد أعتق نصيبه من العبد، وكان المدعى عليه موسرا، فمعنى هذا الكلام قد أعتقت نصيبك منه، ووجب عليك قيمة نصيبي منه، فاذا ادعى هذا لم يخل المدعى عليه من أحد أمرين إما أن يقر أو ينكر: فان أنكر لم يخل المدعي من أحد أمرين إما أن يكون معه بينة أو لا بينة معه فان كان معه بينة فلا تقبل إلا بشاهدين ذكرين، لانه إثبات عتق، فاذا شهدا بذلك حكمنا بأنه أعتق نصيبه وعليه قيمة نصيب شريكه، ومتى أعتق نصيب المدعي؟ على ما مضى من الاقوال. وإن لم يكن معه بينة فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، لان الاصل أن لا عتق، والاصل بقاء الرق، فاذا حلف استقر الرق في نصيبه. فأما نصيب المدعي فانه مبني على الاقوال، فمن قال باللفظ فنصيب المدعي حر لانه أقر بما يضره ويضر غيره، فيقبل قوله فيما يضره دون ما يضر غيره، فاذا

[ 54 ]

ثبت أن نصيبه حر فانه لا يقوم عليه نصيب شريكه، لان العتق في نصيب نفسه بغير اختياره لا يقوم عليه نصيب شريكه. فاذا ثبت أن نصيبه حر فان ولاء هذا القدر موقوف، لان أحدا لا يدعيه كما لو شهد نفسان على رجل أنه أعتق عبده فردت شهادتهما ثم ملكا العبد، فانا نحكم بأنه حر في حقهما، والولاء موقوف لان أحدا لا يدعيه. فاذا ثبت أن الولاء موقوف فان كان المدعي يعلم أن المدعى عليه أعتق نصيب نفسه، فقد وجب للمدعى عليه قيمة نصيبه من العبد، لانه أتلفه عليه، فمتى ظفر بمال المدعى عليه حل له أن يأخذ منه بقدر قيمة نصيبه منه، لانه واجب عليه ولا يقدر على أخذه. ومن قال لا يعتق إلا باللفظ ودفع القيمة أو قال بدفع القيمة فعلم أن العتق قد وقع باللفظ، فعلى هذين القولين لم يعتق نصيبه، لان دفع القيمة ما حصل منه ونصيبه على الرق، لانه أقر بحق في مقابلة حق له فاذا لم يسلم له ماله لم يلزمه ما عليه. هذا إذا أنكر المدعى عليه فأما إن اعترف فقال صدق عتق نصيبه ونصيب المدعي على الاقوال كلها، وكان ولاء جميعه للمقر فأما إن ادعى كل واحد منهما على صاحبه أنه أعتق نصيبه وكلاهما موسر فكل واحد منهما مدع ومدعى عليه، يحلف كل واحد منهما لصاحبه لما مضى. فاذا حلف بني على الاقوال الثلاثة: فمن قال بنفس اللفظ عتق نصيب كل واحد منهما منه، فيكون كل العبد حرا لان كل واحد أقر بما يضره ويضر غيره، فقبلنا قوله فيما يضره دون ما يضر غيره، فأعتقنا نصيبه منه، ولم نوجب لاحدهما على صاحبه قيمة نصيبه منه، فالولاء موقوف لان أحدا لا يدعيه، لان كل واحد منهما يقول لصاحبه: ولاء جميعه لك. ومن قال يعتق بشرطين أو قال مراعى فالعبد رق بحاله لان نصيب كل واحد منهما إنما يعتق بدفع القيمة، فاذا لم يسلم له ماله، لم يلزمه ما عليه. إذا كان العبد بين شريكين موسرين فأعتق أحدهما نصيبه ذكرنا ثلاثة أقوال: سواء

[ 55 ]

كانا مسلمين أو مشركين، أو كان المعتق مسلما، فان كان المعتق مشركا وشريكه مسلما كذلك يقوم على الكافر نصيب المسلم، ويعتق عليه لعموم الاخبار. إذا أعتق شركا له من عبد وكان موسرا فمن قال عتق باللفظ عتق كله، والولاء للمعتق، ومن قال بشرطين أو مراعى، بدفع القيمة عتق كله، والولاء للمعتق، وكيف يعتق عليه نصيب شريكه مع الملك أو بعده؟ قيل فيه قولان: وهكذا إذا اشترى أباه عتق عليه، ومتى يقع؟ على وجهين: أحدهما يقع العتق والملك معا في زمان واحد، الثاني أن العتق بعد الملك وهو الاقوى عندي، لان الولاء له عن عتق، والعتق لا يقع إلا في ملك يحتاج إلى تملك ثم يعتق. وحد اليسار الذي يقوم العبد لاجله عليه أن يكون للمعتق غير هذا النصيب قدر قيمة نصيب شريكه في الفاضل عن قوت يوم وليلة لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله قال من أعتق شركا له من عبد وكان له مال يبلغ ثمنه، قوم عليه نصيب شريكه عليه فان كان معه أقل من ذلك قوم عليه بقدر ما يملك في الفاضل عن قوت يوم وليلة. فأما إن كان معسرا فأعتق نصيبه منه أعتق منه ما أعتق، ورق الباقي عندنا، و قال بعضهم يعتق كله ويكون قيمة نصيب شريكه في ذمته يتبع به إذا أيسر، وقال بعضهم شريكه بالخيار بين أن يعتق نصيبه وبين أن يستسعيه في قيمته ليؤدي فينعتق وروي في أخبارنا ذلك. قد ذكرنا أن العبد إذا كان بين شريكين فأعتق أحدهما نصيبه منه وكان معسرا عتق نصيبه، واستقر الرق في نصيب شريكه، والكلام في فصلين في حياته وبعد وفاته فأما في حياته فكسبه ونفقته وزكاة فطرته بينه وبين الذي يملك النفقة، والفطرة عليهما والكسب لهما. فاذا اكتسب لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون بينهما مهاياة أو لا مهاياة بينهما فان لم يكن بينهما مهاياة كان الكسب بينهما وسواء كان نادرا أو معتادا فان كان بينهما موايمة أو مشاهدة أو ما يتفقان عليه صح ذلك، ثم ينظر فيه فان كان الكسب معتادا كالخياط والنجار والحائك دخل كل الكسب في المهاياة، فما كان في يومه فله، وما كان في

[ 56 ]

يوم سيده فلسيده. فأما الاكتساب النادر كالصيد واللقطة والكنز والهبات والوصايا، قال قوم يدخل في المهاياة، وقال آخرون لا يدخل، بل يكون النادر بينهما لان المهاياة معاوضة، بدليل أنه يترك حقه اليوم بما يأخذه من حق الغير غدا، فاذا كانت معاوضة فالنادر مجهول، والاول أقوى لعموم الاخبار. فاذا ثبت هذا فكل الاكتساب وجهات الملك التي يملك بها كالبيع والشراء وغير ذلك إلا الميراث، فانه لا يرث بحال عندهم، لانه منقوص بالرق، وعندنا يرث بما فيه من الحرية. فأما حكمه بعد وفاته فاذا ملك مالا ومات، قال قوم لا يورث، ويكون لسيده الذي يملك نصفه، لانه منقوص بالرق، وقال آخرون يورث عنه وهو الصحيح عندنا وعندهم، فمن قال لا يورث قال ما يخلفه لسيده الذي يملك نصفه، ومن قال يورث على ما اخترناه قال يورث كما لو كان كله معتقا، فان لم يكن له وارث مناسب فلمولاه الذي أعتق نصفه، فان لم يكن فلبيت المال، وقال بعضهم ما خلف لبيت المال والاول أصح عندنا. إذا كان العبد بين ثلاثة: لواحد النصف، ولاخر الثلث، وللاخر السدس، فأعتق صاحب النصف وصاحب السدس ملكهما معا في زمان واحد أو وكلا وكيلا فأعتق ملكهما معا سرى إلى نصيب شريكهما ويكون عليهما قيمة الثلث بينهما نصفين وإن اختلف ملك المعتقين، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال من أعتق شركا له في عبد وكان له مال بلغ ثمن العبد قوم قيمة العدل فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق العبد، فعلق الضمان بأن أعتق شركا له من عبد وقد اشتركا في هذا المعنى، فكانا سواء في الضمان. إذا أعتق شركا له من عبد وهو موسر قوم عليه نصيب شريكه، واعتبار القيمة حين العتق سواء قيل بنفس اللفظ أو بشرطين، أو مراعى، ثم ينظر فان اتفقا على القيمة فلا كلام، وإن اختلفا فان كان العبد حاضرا عقيب العتق فلا نزاع، لان قيمته تعرف

[ 57 ]

في الحال. فأما إذا غاب أو مات أو مضت مدة بين العتق والاختلاف يتغير قيمته فيها، قال قوم: القول قول المعتق، وقال آخرون القول قول الشريك. فمن قال يعتق باللفظ قال القول قول المعتق، لانه غارم ومن قال بشرطين أو قال مراعى قال القول قول الشريك لان ملكه ينتزع عنه بعوض كالشفعة إذا اختلفا في قدر الثمن كان القول قول المشتري لان الشفيع ينتزع الملك بعوض. إذا اختلف المعتق والشريك فقال الشريك كان صانعا خبازا أو خياطا أو كاتبا يريد زيادة قيمته فأنكر المعتق فالقول قول المعتق، فان الاصل أن لا صنعة، والشريك يدعيها، وهذا هو الاقوى عندي، وقال قوم على قولين. هذا إذا كان ميتا أو غايبا فأما إن كان حاضرا نظرت، فان لم يكن بين العتق والاختلاف مدة يتعلم الصنعة فيها، فالقول قول الشريك أنه صانع بغير يمين، لانه يقطع أنه كان صانعا حين العتق، فان كان بينهما مدة يتعلم الصنعة في مثلها، فالقول قول المعتق عندنا، لما مضى، وعندهم على قولين. إذا اختلفا فيما ينقص به القيمة فقال المعتق كان معيبا آبقا أو سارقا وأنكر الشريك ذلك، فالقول قول الشريك عندنا، ومنهم من قال على قولين، فانما قلنا بالاول لان الاصل عدم العيب، والمعتق يدعى حدوثه. العتق في المرض المخوف يعتبر عند أصحابنا من الاصل، وعند الباقين من الثلث وهو مذهب المخالفين، فاذا ثبت ذلك واعتق شقصا من عبد نظرت، فان كان وفق الثلث نفذ فيه وحده، ولم يقوم عليه نصيب شريكه، وإن كان الشقص أقل من الثلث قوم عليه تمام الثلث وإن استغرق جميع ثلثه، فاما إذا اعتبرناه من أصل المال فحكمه حكم أن لو كان صحيحا وقد مضى. إذا أوصى بعتق شقص له من عبد ثم مات، أعتق عنه ذلك الشقص، ولم يقوم عليه نصيب شريكه، وإن كان غنيا، لان ملكه زال عن ماله بالموت، إلا العقد الذي أثبتناه.

[ 58 ]

إذا أعتق مماليكه في مرضه فلا فصل بين أن يكون ثلاثة أو ستة أو عشرة أو أكثر من ذلك، فاذا أعتقهم في مرضه المخوف نظرت، فان كانوا يخرجون من الثلث عتقوا كلهم فان لم يكن له مال سواهم جزأهم ثلاثة أجزاء إن كانت القيمة متساوية، وإن اختلفت القيمة ضممنا قليل القيمة إلى كثيرها، وجعلناهم ثلاثه أجزاء، واقرع بينهم. فان كان الثلث اثنين اعتقا وأرقنا أربعة وتصح المسألة بأربع شرائط أن يكون في مرضه المخوف ومات منه، وأن لا يكون له مال سواهم، وأن يكون العتق دفعة واحدة، وأن لا يموت بعض العبيد قبل وفاة المعتق، فان اختل واحد من ذلك لم تصح المسألة. فان كان في مرض غير مخوف ثم صار مخوفا ومات عتق الكل وإن كان في مرض مخوف ثم برئ عتقوا كلهم. وتكون العبيد كلهم ماله، فان كان ماله أكثر، و خرجوا من الثلث عتقوا أجمعين، ويكون العتق في صفقة واحدة، فان كان واحد بعد واحد عتق الاول بعد الاول. هذا إذا لم يمت بعضهم قبل وفاة الموصى، فاذا مات قبل وفاته اقرع بين الحى والميت عندنا، وقال بعضهم يعتق عن كل واحد منهم ثلثه ويستسعى كل واحد في ثلثي قيمته ليؤدي ويعتق، والكلام في ثلاثة فصول في الاستسعاء عندنا اقرع وعندهم يستسعى وقد مضى الكلام في الاقراع وكيفيته، وجملته أنه إذا أعتق مماليك يقرع له من مرضه ولا مال له سواهم، ففيها ستة أقسام: أحدها إذا كانوا على صفة يمكن تعديلهم أثلاثا بالقيمة والعدل معا، وهو إذا كانوا ستة قيمة كل واحد ألف فيكون كل العبدين ثلث ماله، فانا نجزأهم ثلاثة أجزاء عند كل عبدين جزء فيقرع بينهم بأن يكتب الرقاع وتساهم على ما بيناه في باب القسمة، ويمكن إخراج الاسماء على الرق والحرية والرق والحرية على الاسماء. فان أردت أن تخرج الاسماء على الرق والحرية كتبت في كل رقعة اسم اثنين

[ 59 ]

فيكون ثلاثة رقاع يقول أخرج رقعة على الحرية فاذا أخرجها قضيت بعتق من اسمه فيها، ورق الباقون، وقد اكتفيت باخراج الرقعة دفعة واحدة. فان قلت أخرج رقعة على الرق، فاذا أخرجها قضيت برق من اسمه فيها، ولا بد من إخراج اخرى، فيقول أخرج اخرى على الرق، فاذا خرج رق من فيها و عتق الآخر، فمتى أخرج القرعة على الحرية أجزأه دفعة، ومتى أخرجها على الرق فلابد من مرتين. القسم الثاني أمكن تعديلهم بالعدد والقيمة لكن اختلفت قيمتهم اختلافا لا يمنع من ذلك، مثل أن كانوا ستة قيمة اثنين ألفان، وقيمة اثنين أربعة آلاف، وقيمة اثنين ستة آلاف، فتكون التركة اثنى عشر ألفا، ويمكن أن يجعل كل عبدين ثلث التركة بالقيمة، وهو أن يضم من قيمته ألف إلى من قيمته ثلاثة آلاف فيصير كل عبدين بأربعة آلاف ويقرع بينهم على ما قلناه. الثالث ما يمكن التعديل بالعدد دون القيمة، أو بالقيمة دون العدد، مثل أن كانوا ستة قيمة عبد ألف وقيمة عبدين ألف، وقيمة ثلاثة ألف، فاذا اعتبرت القيمة كانت التركة أثلاثا لكن العدد يختلف، ومتى اعتبرت العدد وجعلت كل عبدين سهما صح لكن اختلفت القيمة، وما الذي يصنع به؟ قال قوم يعتبر القيمة ويترك العدد، كما أن قيمة الدار إذا لم تمكن بالمساحة والاجزاء عدلت بالقيمة وقال آخرون اعتبر العدد وترك القيمة فيضم إلى كل من قيمته ألف واحدا من الثلاثة الذين قيمتهم ألف فيكون عبدان بأكثر من ألف، وعبدان بأقل من ألف [ وعبدان بألف ] ظ لان النبي صلى الله عليه وآله جعل كل عبدين جزءا. والاول أصح عندنا وإنما اعتبر النبي صلى الله عليه وآله العدد لتساوي القيمة، فعلى هذا يقرع بينهم على ما مضى. وعلى قول من قال اعتبر العدد يقرع، فان خرج قرعة الحرية على اللذين قيمتهما ألف عتقا ورق الباقون، وإن خرجت قرعة الحرية على اللذين قيمتهما أكثر من ألف لم يكن عتقهما معا فتعيد القرعة بينهما، فان خرجت الحرية لمن قيمته ألف عتق ورق

[ 60 ]

الاخر والباقون، وإن خرجت الحرية على من قيمته أقل من ألف عتق، وعتق من الذي قيمته ألف تمام الثلث ورق بقيته، والباقون. وأما إن خرجت الحرية على اللذين قيمتهما أقل من ألف عتقا ثم يخرج القرعة بين الباقين حتى يستوفى الثلث. القسم الرابع أن يمكن التعديل بالقيمة دون العدد مثل أن كانوا خمسة قيمة عبد ألف، وقيمة آخرين ألف، وقيمة الآخرين ألف، فالتعديل ههنا بالقيمة، ومن خالف في الاولى وافق ههنا، لان التعديل بالعدد لا يمكن، فلابد من اعتبار القيمة. الخامس إذا لم يمكن التعديل لا بالقيمة ولا بالعدد، مثل أن كانوا خمسة قيمة واحد أربعة ألف، وقيمة اثنين ألفان، وقيمة اثنين ألف قيل فيهما قولان أحدهما لا يراعى قيمة ولا عدد، لكن يكتب اسم كل واحد في رقعة ويخرج على الرق والحرية حتى يستوفى الثلث، لانه إذا لم يمكن واحد منهما استوفينا الثلث على ما يمكن والقول الثاني يجعل الاثنين سهما والاثنين سهما والخامس سهما لانه أقرب إلى ما فعله النبي صلى الله عليه وآله من التعديل بالعدد وسهم بينهم حتى يستوفي من الثلث على ما فصلناه والقولان معا قريبان. السادس أن يكون كل ماله عبدين، فانا نقرع بينهما، فان خرجت قرعة الحرية على أحدهما نظرت في قيمته، فان كانت وفق الثلث عتق ورق الآخر، وإن كانت أقل من الثلث عتق كله وتمام الثلث من الآخر، وإن كانت أكثر من الثلث عتق منه بقدر الثلث ورق باقيه وكل الآخر. إذا أعتق ستة مملوكين له في مرضه المخوف فمات منه، وكان عليه دين لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون ظاهرا أو غير ظاهر فان كان الدين ظاهرا معروفا لم يخل من أحد أمرين إما أن يحيط الدين بها أو ببعضها. فان كان يحيط بكل التركة فالعتق باطل، لان العتق وصية يعتبر من الثلث. والدين مقدم عليها وإن كان الدين محيطا ببعضها نظرت فان كان نصف التركة أقرعنا

[ 61 ]

بين التركة والدين، فتكتب رقعتين تركة ودين، فاذا خرجت قرعة الدين أفردناه للدين، فلو كان الدين ثلث التركة كتبنا ثلاث رقاع: رقعة دين، وفي رقعتين تركة، فان كان الدين ربع التركة كتبنا أربع رقاع في رقعة دين، وفي ثلاث تركة ويقرع فنفرد الذي لاجل الدين فيقبض الدين منه، ويكون ما بقى بعد الدين وراثة كل التركة فيعتق في الباقي قدر الثلث على ما فصلناه إذا لم يكن عليه دين وقد مضى. وإنما أقرعنا لان التركة قد تعلق بها ثلاثة حقوق الدين والعتق وحق الورثة ولو كان العتق وحده متعلقا بالتركة أقرعنا لنميزه عليها. هذا إذا كان الدين ظاهرا فأما إن كان الدين خفيا فلم يعلم به أحد أقرع بينهم الحاكم، فأعتق اثنين وأرث أربعة للوارث، فانه يمكن أن يتصرف الوارث بالقسمة قبل ظهور الدين، ولو كان الدين ظاهرا لم يمكن ذلك للعلم بالدين. فإذا ثبت هذا لم يخل الدين من أحد أمرين إما أن يحيط بكل التركة أو ببعضها، فان أحاط بكلها بان فساد القسمة، وبطلان القرعة لان الدين مقدم على الوصية. فان قال الوارث ههنا أنا أمضى ما صنع أبي وما صنعت أنا من القسمة والقرعة وأقضى الدين من غير التركة، قال قوم لا يصح هذا حتى يكون بعد قضاء الدين، لان كل ما وقع فاسدا لم يصح حتى يبتدأ بما يصح، كالراهن إذا أعتق العبد المرهون قيل لا ينفذ عتقه، وقال آخرون ينفذ وهو الاقوى عندي لان المنع لاجل الدين وقد زال المنع، والحكم إذا تعلق بعلة زال بزوالها كالرجل إذا مات وخلف تركة فتصرف وراثه فيها ثم بان أن الدين كان متعلقا بها هل ينفذ تصرفه على وجهين أحدهما يصح فعلى هذا ينفذ عتقه، والثاني لا يصح ولا ينفذ عتقه. وإن كان محيطا ببعضها ففي القرعة والقسمة قولان أحدهما باطل، لانهم أقرعوا وأخلوا بحق الثالث فبطلت، كأخوين اقتسما تركة ثم بان آخر، فان القسمة تبطل، فعلى هذا يكون الحكم كما لو كان الدين ظاهرا معروفا محيطا بالتركة. والوجه الثاني يبطل منها بقدر الدين لان المانع هو الدين، فكان الباطل

[ 62 ]

بقدر قيمة الدين. فعلى هذا يقال للوارث: الدين محيط بنصف التركة، وفي أيديكم أربعة أعبد، النصف منهم مشاعا للدين، فيكون الوارث بالخيار بين أن يقضي الدين من العبيد أو غيرهم وأما الحر ان فيقال نصفكما حر ونصفكما رق الدين، ولا يمكن أن يعتق من كل واحد منهما بعضه، لانا لا نبعض الحرية، فيقرع بينهما فمن خرجت عليه قرعة الحرية نظرت فان كانت قيمته ثلث التركة بعد الدين عتق كله، وإن كانت أقل من الثلث عتق كله، وكملنا بالثلث من الباقي، وإن كانت قيمته أكثر من الثلث عتق منه بقدر الثلث ورق باقيه وكل الآخر. إذا اعتق مملوكين له في مرضه ولا مال له في الظاهر غيرهم وأقرعنا بينهم فأعتقنا اثنين وأرققنا أربعة ثم ظهر له مال سواهم، لم يخل من أحد أمرين إما أن يبين أنهم يخرجون من الثلث أو لا يخرجون منه. فان بان أنهم يخرجون من الثلث، مثل أن كان قيمتهم ستة آلاف، فظهرت ستة آلاف وكانت التركة اثنى عشر ألفا، وقد أعتقنا اثنين، فقد بان أنا نحتاج أن نعتق آخرين ليكون ثلث التركة فنقول قد أعتقنا عبدين فنقرع بين الاربعة الباقية تركة وحرية. فاذا أقرعنا فخرجت قرعة الحرية على الاثنين عتقا مع الاولين، ونكون قد استوفينا ثلث التركة. من حكمنا بحريته منهم فان كسبه له دون سيده من حين لفظ الاعتاق لان العتق ينجز حين الاعتاق، فكان كسبه بعد ذاك لنفسه، وإنما قلنا ينجز عتقه بالاعتاق، لان المريض في ثلث ماله كالصحيح في كل ماله، وكما نفذ عتق الصحيح في كل ماله حين العتق، كذلك المريض في ثلثه. هذا الكلام في كسبه وكذلك تصرفه بين عقود وغيرها نافذة كما ينفذ تصرف الحر المطلق. فان أوصى بعتق عبد يخرج من الثلث ثم مات كان على الوارث أن يعتقه

[ 63 ]

كما لو أوصى بتفرقة ثلثه، فان فعل الوارث ذلك وإلا أعتقه السلطان، لانه حق لله تعلق بماله، فاذا أعتقه السلطان أو الوارث كان حرا من حين الاعتاق لا حين الوفاة. فان كان له كسب فكل ما كسبه قبل وفاة الموصي فهو للموصى في حياته، ولورثته بعد وفاته، وكل ما اكتسبه بعد الوفاة وبعد العتق فهو له، لانه حر اكتسب مالا، و كل ما اكتسبه بعد الوفاة وقبل العتق فهو له أيضا لانه مال اكتسبه بعد استقرار سبب العتق بالوفاة، وكان أحق به. فاذا ثبت أنه يرجع إليه فانما يملكه بعد العتق لانه قبل العتق رقيق لا يملك وإنما كان أحق به لما مضى، وأما تصرفه قبل العتق فيما يتعلق بعياله ونحو ذلك، فان حكمه حكم العبيد لانه رقيق.

[ 64 ]

(فصل) * (في اعتبار قيمة من اعتقه قبل وفاته ومن اوصى بعتقه ووقت) * * (اعتبار قيمة التركة على الورثة) * أما قيمة من أعتقه في مرضه فالاعتبار بها حين الاعتاق، لانه وقت إتلافه، فأما من أوصى بعتقه فانه يعتبر قيمته حين الوفاة، لانه وقت استحقاق العتق، وأما قيمة التركة فأقل ما كانت من حين الوفاة إلى حين القبض، لان الوارث ملك التركة بالوفاة فما زاد فيها فهو زيادة ماله وفائدة ملكه، فلا يقوم عليه، وإن نقص منها شئ فهو تلف قبل القبض، فلا يعتبر عليه تلف ما لم يحصل في يده، كما لا يحتسب عليه العبد الآبق والجمل الشارد والمغصوب، لانه لا نفع له فيه. فاذا تقرر وقت اعتبار القيمة في الفصول الثلاثة عندنا أن التفريع عليها فاذا أعتق عبدا في حال مرضه وأوصى بعتق عبد آخر لم يخل من أحد أمرين إما أن يعينهما أو يبهم، فان عين العبدين، اعتبرنا قيمة من أعتقه حين الاعتاق، واعتبرنا قيمة من أوصى بعتقه عقيب الوفاة، واعتبرنا قيمة التركة أقل ما كانت من حين الوفاة إلى حين القبض. فاذا عرف هذا نظرت فان خرج العبدان من الثلث عتق من أعتقه مباشرا فأعتقنا من أوصى بعتقه، وبقية التركة للوارث، وإن خرج أحدهما من الثلث أعتقنا من أعتقه في حال مرضه دون الذي أوصى بعتقه، لانها عطية منجزة، وهذه مؤخرة. ثم ينظر في الذي أعتقه، فان كان وفق الثلث فلا كلام، وإن كان أقل من الثلث عتق كله، وعتق من الثاني بقية الثلث، فان كان أكثر من الثلث عتق منه بقدر الثلث ورق باقيه وكل الثاني. هذا إذا عين من أعتقه ومن أوصى بعتقه، فأما إن أبهم ذلك فقال: عبد من عبيدي حر وأعتقوا بعد وفاتي عبدا من عبيدي، فهاهنا لا يمكن اعتبار القيمة قبل الاقراع لانك لا تعرف من أعتقه في حياته، ولا من أوصى بعتقه بعد وفاته، فتقوم التركة كلها

[ 65 ]

في الحال ثلثها للعتق وثلثين تركة، فاذا تعين الثلث الذي فيه العتق أقرعت بعد هذا لتعلم من أعتقه ومن أوصى بعتقه؟ فاذا كان كذلك ألغيت التقويم، وعدت إلى اعتبار قيمة من أعتقه في حال حياته حين الاعتاق، ومن أوصى بعتقه حين الوفاة؟ فاذا عرف هذا كان ذلك بمنزلة أن لو كان في الاصل معتقين، إن خرجا من الثلث عتقا، وإلا فعلى ما مضى. فان أعتق ثلاث إماء في مرضه ولا مال له غيرهن، أقرعنا بينهن فمن خرجت قرعة الحرية لها عتقت ورقت الآخرتان، فاذا حكمت بعتقها وكان ههنا حمل نظرت فان كان حملت به بعد الاعتاق فهو حر الاصل لا ولاء عليه لانه حملت به وهي حرة فان كانت حاملا حين الاعتاق عتقت، وعتق حملها تبعا لها وكان عليه الولاء، لانه قد مسه دم. إذا أعتق ثلاثة مملوكين له في مرضه لا مال له غيرهم نظرت، فان عاشوا حتى مات المعتق أقرعنا بينهم على ما مضى، فان مات واحد منهم أقرعنا أيضا بين الميت والاحياء ثم لا يخلوا من ثلاثة أحوال إما أن يموت قبل وفاة المعتق أو بعد وفاته وقبل قبض الوارث. فان مات قبل الوفاة نظرت فان خرجت قرعة الحرية على أحد الحيين حكمنا فأن الميت مات رقيقا وأنه هلك من التركة، فكأنه ما كان له إلا هذان العبدان، فاذا كان القرعة على أحدهما نظرت، فان كان وفق الثلث عتق ورق الآخر، وإن كان أقل من الثلث عتق كله، وتمام الثلث من الآخر، وإن كان له أكثر من الثلث عتق منه قدر الثلث، ورق باقيه وكل الآخر. وجملته أنه بمنزلة من لم يكن له إلا هذان العبدان. فأما إن مات بعد وفاة المعتق وبعد قبض الوارث نظرت، فان خرجت قرعة الحرية على أحد الحيين حكمنا بأن الميت مات رقيقا من مال الوارث، لا من التركة، لانه حصل في قبضته وتصير قيمة الميت أقل الامرين من حين الوفاة إلى حين القبض. فاذا عرفت هذا اعتبرت من عتق من ثلث جميع التركة فالميت من التركة لما مضى

[ 66 ]

فان كان من خرجت قرعة الحرية عليه من الميت أو أحد الحيين قدر الثلث عتق كله ورق الاخران، وإن كانت قيمته أقل من الثلث عتق كله واستوفينا الثلث من الآخرين وإن كانت قيمته أكثر من الثلث عتق منه قدر الثلث، ورق باقيه وكل الآخرين، فجعل الميت منهم بمنزلة الحي لانه مات بعد قبض الوارث وتفارق إذا مات قبل القبض لانه من أصل التركة، وكانت التركة ما عدا الميت. إذا تصرف المريض في مرضه بالعطايا فقد بينا في كتاب الوصايا، وذكرنا اختلاف أصحابنا في المنجزة منها فاذا ثبت ذلك فالعطايا ضربان إما أن تكون جنسا واحدا أو أجناسا. فان كان الجنس واحدا لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون منجزة أو مؤخرة فان كانت منجزة مثل أن أعتق ثم أعتق أو وهب وأقبض [ ثم وهب وأقبض ] ظ أو باع وحابا ثم باع وحابا ونحو هذا فالكل من أصل المال عند بعض أصحابنا وعند الباقين من الثلث، فاذا اعتبرناه من الثلث، لزم الاول فالاول، لان المنجزة لازمة في حقه بكل حال، ولازمة في حق الوارث من الثلث فاذا كان الاول يخرج من الثلث وحده عتق ورق الباقون فان كان أقل من الثلث عتق الذي بعده، وإن احتمل الثلث من ذلك عتق تمام الثلث واحدا بعد واحد أبدا. وأما إن كانت العطايا مؤخرة أو أوصى بذلك مثل أن أوصى بعتق سالم ثم غانم أو أوصى بهبة ثم بهبة أو محاباة ثم محاباة فلا يراعى حال الايصاء، وإنما يراعى حال الوفاة فان احتمل ذلك الثلث نفذ كله. وإن لم يحتمل فعندنا ينفذ الاول فالاول، وبطل الآخر مثل المنجزة سواء وعند المخالف الكل بالسوية في العتق يقرع بينهم قالوا وإنما اعتبرنا حال الوفاة لان حال الوفاة حين الاستحقاق، فلهذا كانوا بالسوية. هذا إذا كان التصرف جنسا واحدا فأما إذا كانت أجناسا عتقا وهبة ومحاباة لم يخل من أحد أمرين إما أن تكون منجزة أو مؤخرة، فان كانت منجزة قدمنا الاول فالاول مثل الاولى سواء، وقال بعضهم إن كانت فيها محاباة قدمت على غيرها سواء

[ 67 ]

تقدمت أو تأخرت. وأما إن كانت مؤخرة مثل أن أوصى بكل هذا نظرت، فان لم يكن فيها عتق قالوا الكل بالسوية، وإن كان فيها عتق قال بعضهم قدم العتق على غيره وهكذا رواه أصحابنا، وقال آخرون هو وغيره سواء لان وقت الاستحقاق واحد. إذا كان له عبيد فأعتق واحدا منهم نظرت، فان أبهم فقال عبد من عبيدي حر، كان عليه أن يعين واحدا منهم وهو إلى إيثاره واختياره، فان عينه في واحد منهم عتق ورق الآخر. فان عينه في واحد منهم ثم قال لابل عينته في هذا الآخر، تعين في الاول دون الثاني، لان الذي كان عليه تعيين العتق في واحد وقد فعل فلم يبق وتعين عينه فان لم يعينه حتى مات قال بعضهم: قام وارثه مقامه في التعيين، ومنهم من قال لا يقوم، وهو الصحيح عندنا، ويقرع بينهم، لانه لا يهتدى إلى غرضه. فأما إن أعتق واحدا منهم فقال أنت حر ثم أشكل عليه في الذي باشره العتق قلنا له تذكره وانظر فيمن أعتقته منهم، وليس لك أن تعرض بالعتق فيمن ثبت، لان العتق قد وقع على معين، ثم اشتبه، فعليك أن تتركه لعلك تذكره. فان ذكره وقال هذا هو المعتق، حكمنا بعتقه، ورق الباقون، فان ادعى عليه عبد غير هذا أنه هو الذي باشره بالعتق، فالقول قول المعتق، فان حلف برئ، وإن نكل حلف العبد وأعتق. وأما إن قال أعتقت هذا لا بل هذا، أعتق الثاني والاول معا، لانه قد أقر بعتق الاول، ورجع عنه، فلا يقبل رجوعه، ثم أقر أن الذي أعتقه هو الثاني فلزمه إقراره، فلهذا عتقا معا، فان لم يذكر ذلك لم يجز الاقراع هيهنا، لانه ربما تذكر فعرفه بعينه. فان مات قبل أن يبينه فان عرف الوارث عينه قبل قوله فيه، لانه قد يعرفه بأن شاهد عتقه أو تقوم البينة عنده، فان كان عند الوارث علم به فالحكم فيه كالحكم في المعتق حرفا بحرف، فان لم يكن عند الوارث علم بذلك أقرع بينهم لانه لا مزية

[ 68 ]

لبعضهم على بعض عندنا، وقال بعضهم لا يقرع، لانه يفضى إلى استرقاق الحر، و إعتاق العبد، بل يوقف حتى ينكشف. (فصل) * (فيمن يعتق على من يملكه) * عندنا أن هذا الحكم يجرى مع العمودين الآباء وإن علوا، والامهات وإن علون، والمولودين ولد البنين والبنات، وإن سفلوا، سواء كانوا من جهة النسب أو الرضاع، وكذلك يتعلق بكل من يحرم عليه العقد عليهن بالنسب والرضاع مثل الاخت وبنتها، وبنت الاخ والعمة والخالة، وقال بعضهم لا يتعلق بغير هذين العمودين، وفيه خلاف. وكلما قلنا إذا ملكه عتق عليه بالملك، فاذا ملك بعضه عتق ذلك البعض عليه لان المعنى الذي يقتضي عتق الكل اقتضى عتق البعض. فاذا ثبت أنه يعتق عليه فهل يقوم عليه ما بقى أم لا؟ نظرت، فان كان معسرا لم يقوم عليه كما لو باشر عتقه، وإن كان موسرا لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون ملكه باختياره أو بغير اختياره: فان كان ملكه باختياره قوم عليه نصيب شريكه، لان تمليكه مع العلم بأنه يعتق عليه بمنزلة مباشرته بالعتق، وسواء ملكه بعوض كالشراء والصلح أو بغير عوض كالهبة والوصية قومناه على شريكه إزالة الضرر. فأما إن ملكه بغير اختياره مثل أن ورث بعضه، فانه لا يقوم عليه باقيه، لان القدر الذي عتق عليه لم يعتق عن الميت فانا نعتبر عتقه بعد وفاته، ولا يقوم على الوارث ما بقى من الرق، لانه لا صنع له في عتق ما قد عتق منه. فاذا أوصى لمن يولى عليه ممن إذا ملكه عتق عليه مثل الصبي والمجنون فوصى لواحد منهما بأحد آبائه أو أوصى للمجنون بواحد من أولاده، وله ولى كالاب والجد

[ 69 ]

والحاكم والامين والوصى، فعلى وليه أن يقبل ذلك أم لا؟ لا يخلوا من أحد أمرين: إما أن يوصى له بكله أو ببعضه، فان أوصى له بكله نظرت، فان كان المولى عليه موسرا فالقبول مبني على النفقة: فان كان أبوه زمنا كانت نفقته على ولده، وإن كان صحيحا ولا يكون أبدا إلا فقيرا لانه مملوك نظرت فان كان مكتسبا لم يجب نفقته وإن كان صحيحا غير مكتسب فعلى قولين عندنا [ يجب، وعند قوم لا يجب: فكل موضع قلنا لا يجب نفقته على ولده كما إذا كان المولى عليه معسرا فعلى وليه أن يقبله له لان ] (1) له به جمالا، وربما كان له به منفعة ولا ضرر عليه، وكل موضع قلنا يجب نفقته على ولده فليس على وليه أن يقبله له، لان عليه فيه ضررا وهو إيجاب النفقة عليه. هذا إذا أوصى له بكله فان أوصى له ببعضه فان كان المولى عليه معسرا كان على وليه القبول، لان للمولى عليه جمالا بلا مؤنة، ولا يقوم عليه. وإن كان موسرا فهل على وليه أن يقبله؟ مبني على النفقة: فكل موضع قلنا يجب نفقته على ولده، لم يكن لوليه أن يقبله وكل موضع قلنا لا يجب فهل على وليه أن يقبله قيل فيه قولان أحدهما ليس عليه أن يقبله، لان فيه مضرة، وهو أن يقوم عليه نصيب شريكه، وقال آخرون عليه أن يقبله، ولا يقوم عليه نصيب شريكه، لانه ملكه إرثا. وتحقيق القولين هل يقوم عليه نصيب شريكه أم لا؟ وهو على قولين أحدهما يقوم عليه، فعلى هذا لا يقبله، والثاني لا يقوم عليه فعليه قبوله، ولا ضرر عليه وهذا أقوى عندي.

(1) ما بين العلامتين ساقط من النسخ أضفناه بالقرينة.

[ 70 ]

{ فصل } * (في الولاء) * الاصل في ثبوت الولاء بالعتق والارث به قد مضى في الفرايض، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن بيع الولاء، وهذا أقوى عن هبته. وروى عنه عليه السلام أنه قال الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب. وروى عن عائشة أن بريرة أتتها تستعينها في مال الكتابة، فقالت إن باعوك على أن الولاء في صببت لهم المال صبا فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فأخبرت بذلك النبي صلى الله عليه واله فقال: اشتري واشترطي لهم الولاء، ففعلت فصعد النبي صلى الله عليه وآله المنبر فخطب فقال ما بال أقوام يشترطون شروطا ليس في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله باطل، كتاب الله حق وشرطه أوثق، الولاء لمن أعتق. إذا أسلم الرجل على يدى رجل فلا ولاء عليه، وأيهما مات لم يرثه الآخر بذلك إجماعا إلا إسحاق، فانه قال تثبت له عليه الولاء ويرثه به. إذا تعاقد الرجلان على التعاضد، ويقول عاقدتك على أن تنصرني وأنصرك، و تدفع عنى وأدفع عنك، وتعقل عنى وأعقل عنك، وترثني وأرثك، فاذا فعلا لم يتعلق بهذا حكم عند بعضهم. وعندنا إن كان له وارث لم يتعلق به حكم قريبا كان أو بعيدا، وإن لم يكن له وارث وشرط أن يعقل كل واحد منهما عن صاحبه دون غيره، ثبت بينهما ولاء، وورث كل واحد منهما عن صاحبه بحكم الولاء. إذا التقط له لقيطا لم تثبت له عليه الولاء بالالتقاط إجماعا إلا عمر بن الخطاب فانه قال يثبت عليه الولاء. إذا أعتق المسلم عبدا كافرا عتق وثبت له عليه الولاء، ويرثه به في حال كفره، وعندهم لا يرث وإن أسلم ورثه بلا خلاف فأما إن أعتق الكافر عبدا مسلما يثبت له عليه

[ 71 ]

الولاء، فان أسلم الكافر فعلى مذهبنا ورثه. إذا أعتق عبده سائبة ومعناه عتقا لا ولاء لي عليك، فعندنا وعند بعضهم يكون على ما أعتق، وقال الاكثر سقط قوله سائبة والولاء له. إن قال لعبده أنت سائبة عندنا لا يكون شيئا، وعند بعضهم يكون كناية في العتق لقوله لا سبيل لي عليك، فان نوى العتق عتق، وإن لم يكن له نية لم يتعلق به حكم وعندنا لا يقع العتق إلا بقوله أنت معتق أو حر، ويقصد ذلك، فأما بغيره فلا يقع به عتق وإن قصد، وفيه خلاف مضى في كتاب الطلاق. إذا ملك من يعتق عليه بعوض أو بغير عوض عتق عليه وكان ولاؤه له لعموم الخبر فأما المكاتب إذا عتق بالاداء أو اشترى العبد نفسه من مولاه وعتق لم يثبت عليه الولاء عندنا، إلا أن يشترط عليه وعندهم يثبت وأما المدبر فانه يثبت عليه الولاء بلا خلاف وكذلك أم الولد. إذا أعتق عبد نفسه عن الغير لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون في حال حياته أو بعد وفاته فان كان في حال حياته فان كان باذن الغير وقع العتق عن الآذن والولاء له أيضا، كان بعوض أو بغير عوض، وقال بعضهم إن كان بجعل كما قلنا، فان كان بغير جعل كان العتق عن من باشر العتق دون الآذن وقد مضت في الظهار. فأما إن أعتق عنه بغير أمره فالعتق عن الذي باشره دون المعتق عنه، وقال بعضهم عن المعتق عنه وهو قوى، والاول أقوى لقوله عليه السلام الولاء لمن أعتق. فأما إن كان بعد وفاته نظرت، فان كان باذنه وقع عن الآذن، وإن كان بغير إذنه فان كان تطوعا وقع عن المعتق وإن كان عن كفارة فعندنا يكون سائبة لا ولاء لاحد عليه، وعندهم يقع عن المعتق عنه. فأما ثبوت الميراث بالولاء بعد النسب فان الجد في الولاء مع الاخوة بمنزلة وإن النساء لا يرثن بالولاء إلا من أعتقن أو أعتق من أعتقن فكل ذلك مضى في الفرائض والخلاف فيه، وأما المعتق بصفة فعندنا لا يصح على وجه، وعندهم يصح.

[ 72 ]

(كتاب المكاتب) الكتابة مشتقة من الكتب فالكتب هو الضم والجمع، يقال كتبت البغلة إذا ضممت أحد شفريها بحلقة أو سير، ويقال كتبت القربة إذا ضممت فاها بعضه إلى بعض لتوكي عليه، ومنه قيل للجيش والناس المجتمعين كتيبة، وكذلك الكتابة اشتقاقها من هذا لانه ضم أجل إلى أجل، وعقد المعاوضة على ذلك. فاذا ثبت ذلك فدليل جوازها قوله تعالى (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) (1) فأمر بالكتابة، وروي عن النبي صلى عليه واله أنه قال: المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم. وروى سهل بن حنيف أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من أعان عاتقا أو غازيا أو مكاتبا في كتابته أظله الله يوم لا ظل إلا ظله. وروت أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان لاحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فليحتجب عنه. فاذا ثبت هذا فمتى دعا العبد سيده إلى مكاتبته فالمستحب له أن يجيبه إلى ذلك وليس بواجب، سواء دعاه إلى ذلك بقيمة مثله أو أقل أو أكثر، وذهب قوم إلى أنها واجبة: ولا يجوز للسيد أن يكاتب عبده حتى يكون عاقلا بالغا، فان كان مجنونا لم يجز مكاتبته، لقوله تعالى (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) والخير الكسب والامانة ولانه قال (والذين يبتغون الكتاب) والمجنون لا ابتغاء له. فان خالف السيد وكاتب واحدا منهما لم يكن هناك عقد صحيح ولا فاسد، لان الفاسد إذا كان بين المتعاقدين من أهل العقد وعقداه على فساد، لان قوله كاتبتك

(1) النور: 33.

[ 73 ]

إيجاب عقد، ويفتقر إلى القبول ولا قابل له، ومن أجاز العتق بصفة قال: هذا عتق بصفة، والصفة قائمة فان أدى ما شرط عتق، الصفة قد وجدت. فان فضل فضل كان لسيده أن يأخده منه، لان العبد قبل الاداء كان فيئا، و ما حصل في يديه كان ملكا لسيده، فلما عتق بالصفة كان ما في يده لسيده كالعبد القن إذا علق حريته بصفة فحصلت الصفة وليس كذلك الكتابة فانه متى أدى مال الكتابة وحصل فضل كان له، لان الكتابة متى حصلت منعت أن يكون الكسب للسيد وإنما عليه دين في ذمته فاذا أدى ما عليه عتق، فاذا ثبت أنه يأخده منه، فانه لا تراجع بينهما بحال، والتراجع في الكتابة الفاسدة أن ينظر إلى قيمته وقدر الاداء فيجمع بينهما ويتراد أن الفضل، وليس ههنا شئ من هذا. فاذا ثبت أنهما لا يترادان فان السيد يمسك ما قبضه منه، ولا يرد عليه شيئا لانه قبضه من غير مالك، وكان المقبوض ملك نفسه، فلهذا لم يرد عليه شيئا. قد أمر الله تعالى بمكاتبة العبيد بشرط أن يعلم فيهم خيرا فقال (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) واختلف في الخير المراد في الاية، فقال ابن عباس هو الثقة والامانة، و قال آخرون هو الاكتساب فقط، وقال آخرون هو الامانة والاكتساب وهو مذهبنا. قاذا ثبت ذلك فان وجد الامران في عبد فالمستحب أن يكاتبه وإن عدم الامران ان كانت مكتبته مباحة غير مستحبة ولا مكروهة وقال قوم إن عدم الامران كرهت مكاتبته وهو قوي، وقال بعضهم إن كان أمينا غير مكتسب يستحب مكاتبته، فان لم يكن أمينا لم يستحب المكاتبة. ويفارق البيع من وجوه أحدها أن الكتابة لابد فيها من أجل والبيع لا يفتقر إليه، ومنها أن المكاتبة يمتد فيها خيار العبد، والبيع لا يمتد فيه خيار الشرط، ومنها أن البايع يشترط لنفسه الخيار، والسيد لا يشترطه في عقد الكتابة ويتفقان في أن الاجل منهما لا يكون إلا معلوما ولا يصح كل واحد منهما إلا بعوض معلوم و عندنا أن المكاتبة لا ينعقد إلا بأجل، ومتى كانت بغير أجل كانت باطلة. إذا ثبت أن الاجل شرط فاقل ما يجزي فيه أجل واحد عندنا، وعند بعضهم

[ 74 ]

اجلان، ولا يكون الاجال إلا معلومة بلا خلاف والعوض معلوما. فأما الاجال فان كثرت وزادت فقال: كاتبتك إلى عشرة آجال كل أجل سنة جاز، ولو كاتبه إلى أجلين هما سنتان كل أجل سنة، فلابد أن يكونا معلومين وان يكون انتهاء كل واحد معلوما فاما إن قال كاتبتك إلى عشر سنين فانه يصح عندنا، و إن كان أجلا واحدا، وعند من اعتبر الزيادة لا تصح. فان قال يؤدي إلى في هذه العشر سنين قالوا لا يصح لانه أجل واحد، ولانه مجهول لانه لا يعرف وقت الاداء كما لو قال بعتك بمائة تحل عليك في رجب لم يصح لان كل شهر (رجب) ط جعله وقت محله، وهذا غير صحيح عندنا أيضا من حيث كان مجهولا لا من حيث كان أجلا واحدا. فاما البدل فلا يصح حتى يكون معلوما باحد أمرين معاينة أو صفة، والمعاينة لا تكون ههنا فلابد أن يكون معلوما بالصفة ثم لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون من جنس الاثمان أو من غير جنسها. فان كانت من غير جنس الاثمان كالحبوب والادهان والثياب والحيوان فلا بد أن يصفها بالصفات المعتبرة في السلم، وإن كانت من جنس الاثمان فان كان للبلد غالب فقد انصرف الاطلاق اليه، وإن لم يكن له غالب نقد فلا بد من ضبطه ومعرفته. فان أطلق البدل هيهنا بطل العقد، لان بعض النقود ليس بأولى من بعض. وليس من شرط الاجال الاتفاق في المدة، فلو كان احدهما إلى سنة والاخر إلى عشر سنين على ما يقع الاتفاق عليه جاز، هكذا نجم كل أجل يصح التساوي فيه والتفاضل على ما يتفقان عليه. إذا كاتبه على مال معلوم وذكر الاجل والنجوم فهو كناية ولا يعتق بالاداء عند بعضهم حتى يقول: فاذا أديت إلى هذا فانت حر، وينوي هذا، فان عدما أو احدهما لم يعتق أصلا، وقال آخرون هو صريح فيه، ولا يفتقر إلى نية ولا قول، والذي يقتضيه مذهبنا انه لابد من نية ولا يحتاج إلى قول. إذا كاتبه على خدمة شهر لا يصح حتى يتصل المدة بالعقد، فيقول من وقتي

[ 75 ]

هذا، فان قال ودينار بعد الشهر، ويكون الدينار معلوما أو كان مطلقا وكان غالب نقد البلد صح فان كانت فيه نقود مختلفة لم يصح، حت يكون الدينار موصوفا، و يجوز ان يكون محل الدينار عقيب الشهر. وقال قوم لابد من أجل معلوم بعده إما يوم أو يومان أو ما يتفقان عليه يحل بانقضائه، والاول أقوى عندنا، لانا قد بينا انا لا نعتبر أجلين فعلى هذا إذا كاتبه على ذلك فمرض المكاتب شهر الخدمة بطلت الكتابة، وكذلك إذا مرض بعضه. إذا كاتبه على خدمة شهر عقيب هذا الشهر، ودينار عقيب شهر الخدمة، فالكتابة باطلة كما لو آجره دابة شهرا عقيب هذا الشهر، فان قال كاتبتك على خدمة شهر عقيب هذا الشهر ودينار حال، كان أيضا باطلا لما مضى. واما إذا كاتبه على خياطة كذا وكذا ثوبا في الذمة يصفها يحل عليك العمل حين انقضاء هذا الشهر ودينار عقيب شهر كذا وكذا، صح، لان المنافع إذا كانت موصوفة في الذمة صحت حالة ومؤجلة، فاذا قال كاتبتك على أن تخدمني سنة من وقتي هذا، صح عندنا وعندهم يبطل لانها على نجم واحد. وإن قال على ان تخدمني من وقتي هذا ثم شهرا عقيب هذا الشهر بطل عندهم لانه شرط التأخير في الشهر الثاني، وهي منفعة معينة، فان قال على أن تخدمني شهرا وخياطة كذا وكذا ثوبا عقيب الشهر، صح عندهم وعندي أنه في الموضعين معا يصح. إذا اشتملت الصفقة على عقدين مختلفي الاحكام فان اشتملت على بيع وإجارة بأن يقول بعتك دارى هذه وآجرتك هذا الاخرى شهرا من وقتي هذا جميعا بألف، فهما عقدان احكامهما مختلفة، لان الاجارة لا يدخلها خيار الشرط، والبيع يدخله ذلك فاذا فعل هذا قال قوم باطل منهما لانهما عقد ان احكامهما مختلفة، وقال آخرون يصح وهو الذي يقوى عندي، لان اختلاف الاحكام لا يمنع صحة العقد كما لو باعه سيفا وشقصا فانه يصح وإن كان حكمهما مختلفا فأما إن باعه دارا وآجره إياها فالعقد باطل.

[ 76 ]

فاما بيع وصرف فاذا اختلف الاثمان ومع احدهما سلعة مثل ان يقول بعتك هذا الثوب وهذا الدرهم بدينار، فهذا ببع وصرف، عندنا يصحان، وقال بعضهم يبطل العقدان معا. فان كان الجنس واحدا فقال بعتك هذا الدينار وهذا الثوب معا بدينارين عندنا البيع صحيح وقال بعضهم باطل. فاما بيع ونكاح بأن يقول زوجتك بنتي وبعتك دارها هذه بالف، عندنا يصح وقال بعضهم لا يصح البيع ويصح النكاح. فاما بيع وكتابة بان يقول لعبده بعتك هذا العبد وكاتبتك على الفين إلى شهرين يحل عليك انقضاء كل شهر الف فعندنا يصح، وقال بعضهم يبطل البيع، لان أحكامهما مختلفة، وفي بطلان الكتابة قولان فاذا قلنا يصح فبكم يكون مكاتبا؟ فعندنا يكون بحصته من الثمن الذي هو البدل، وقال بعضهم بكل البدل. إذا قال لعبده كاتبتك على ألفين إلى شهرين يحل عند انقضاء كل شهر ألف، على أنك إذا أديت الالف الاول فانت حر، فعندنا يصحان، لانه كتابة وبيع العبد من نفسه بقوله (على انك إذا أديت الالف الاول فأنت حر) وهذا يصح حالا و مؤجلا فاذا أدى الالف الاول عتق. وكذلك لو كاتب عبده إلى شهرين على ألفين يحل كل ألف عند انقضاء شهر صح، فان قال العبد بعد هذا عجل عتقي الان على ان اؤدي كل ألف محله صح، ولو ادى ألفا عند محله ثم قال لسيده عجل عتقي الآن حتى اؤدي الالف الآخر في محله صح ولا فرق بين ان يبيعه من نفسه في أصل العقد وبين أن يبيعه من نفسه بعد عقد الكتابة. إذا كاتب ثلاثة اعبد له صفقة واحدة على نجمين إلى أجلين، وقال إذا أديتم ذلك فأنتم أحرار، صحت الكتابة، وقال آخرون هي فاسدة. فاذا ثبت صحة ذلك كان كل واحد منهم مكاتبا بحصة قيمته من المسمى، و الاعتبار بالقيمة حين عقد الكتابة لانه الوقت الذي زال ملك السيد عنه، وكان حكم

[ 77 ]

كل واحد كأنه أفرده بعقد الكتابة بهذا القدر من البدل، لا يتعلق حكمه بحكم غيره فاذا ثبت هذا فأيهم أدى ما يخصه في حقه عتق، لا يتعلق عتقه باداء غيره، وأيهم عجز عن ذلك رق وفيه خلاف. ومتى أدى واحد منهم ما عليه عتق، فان فضل معه فضل كان له، ولا تراجع بينه وبين سيده، لان الذي وجب منها هو المسمى وقد استوفى. ومن قال الكتابة فاسدة قال فسد البدل، وصفة العتق قائمة بحالها، لان الكتابة يشتمل على عقد وصفة، فاذا بطل العقد كانت الصفة بحالها، فمتى وجدت وقع العتق غير أن للسيد إبطال هذه الصفة ورفعها بان يقول أبطلتها ورجعت فيها، وإذا قال هذا بطلت، فهو بالخيار بين رفعها وإقرارها، فان اختار رفعها وإزالتها فعل، واشهد على نفسه به، لانه أحوط وأقطع للخصومة منه، وأبعد من التهمة. وإن اختار إقرارها على ما هي عليه نظرت، فان أرادوا أجمعون ذلك عتقوا، و جعل التراجع بين كل واحد منهم وبين سيده، فتعتبر قيمته وقدر ما أداه إلى سيده فان كانت القيمة والاداء سواء فلا تراجع، وإن كانت القيمة أكثر فعلى العبد لسيده تمام قيمته. واعتبار القيمة حين الاداء لا حين عقد الكتابة، لانه هو الوقت الذي يزول سلطان سيده عنه، ويفارق الكتابة الصحيحة حيث قلنا اعتبار القيمة بحال الكتابة لانه الوقت الذي زال سلطان السيد فيه من عبده. هذا إذا أدوا أجمعون فأما إن أدى واحد منهم قدر حصته من الالف فهل يعتق أم لا؟ قال بعضهم يعتق، وقال آخرون لا يعتق، وهو الاقيس عندهم، ومن وافقنا في صحة الكتابة قال يلزمهم البدل، ويكون كل واحد منهم كفيلا عن صاحبه بما عليه فان أدوا واعتقوا وإن أدى واحد منهم كل مال الكتابة عتق وعتقوا، وكان له الرجوع على أصحابه بما أدى عنهم. فان أدى اثنان منهم لم يعتقا، حتى يؤدي الثالث، ولهما إجباره على الكسب والاداء ليعتقوا بأدائه، فان أديا عنه عتق وعتقا وكان لهما الرجوع عليه، والكلام

[ 78 ]

عليه يأتي. وإذا قلنا يصح على ما تقدم، فمات واحد منهم مات عبدا قنا سواء خلف وفاء أو لم يخلف، وقال بعضهم يؤدي عنه بعد وفاته ويعتق، وإن لم يخلف وفاء مات رقيقا، وعندنا إن كانت الكتابة مطلقة أدى عنه ما بقى ويعتق، وإن كان مشروطا عليه لم يؤد عنه ومات قنا. إذا كاتب ثلاثة أعبد له صفقة واحدة، فمن قال باطل فلا تفريع، ومن قال صحيحة على ما اخترناه فاذا أدوا إلى سيدهم مالا ثم اختلفوا فقال من قلت قيمته أدينا على العدد، وقال من كثرت قيمته أدينا على القيمة: فالخلاف يقع في موضعين، إذا أدوا جميع ما عليهم، وإذا أدوا أقل من ذلك. فاذا أدوا الكل وهو ما يعتقون به، ثم اختلفوا فقال من كثرت قيمته أدينا على القيمة، فكل واحد منا أدى ما عليه، وقال من قلت قيمته بل أدينا على العدد وأدى كل واحد منا ثلث المال ليكون الفضل الذي أعطيناه وديعة عند سيدنا أو قرضا عليك لنرجع به عليك. الخلاف الثاني إذا أدوا بعض ما يعتقون كأنهم أدوا ستين من جمله المائة التي هي قيمتهم، وقيمة واحد خمسون، وقيمة واحد خمسون، وقيمة كل واحد خمسة وعشرون، فقال من كثرت قيمته لي منها ثلاثون وهو النصف، ولكل واحد منكما خمسة عشر، وقال الاخران إن كل واحد منا ادى عشرين، وكان الواجب خمسة عشر فأدينا الفضل، فقال بعضهم القول قول من كثرت قيمته، لان الظاهر معه، لانا إذا قبلنا قوله فقد أدى كل واحد منهم وفق ما عليه بغير زيادة ولا نقصان، وهذا هو الظاهر، ومن قال أديت أكثر مما على فقد ادعى خلاف الظاهر. وقال بعضهم القول قول من قلت قيمته، وأن الاداء على العدد، لان المال المؤدي كانت أيديهم عليه بالسوية وكان بينهم بالسوية وهو أقوى عندي من الاول وقال قوم القول قول من كثرت قيمته إذا كان المؤدي جميع الحق لان العرف معه، والقول قول من قلت قيمته إن كان المؤدي أقل من كمال الدين، فان العرف معه، والقول

[ 79 ]

قوله، وهو مليح. إذا كاتب عبدين صفقة واحدة أو كاتب كل واحد منهما بعقد مفرد ثم إن أحدهما أدى عن رفيقه مالا من عنده لم يخل من أحد أمرين إما أن فعل أن اعتق، أو بعد أن اعتق: فان كان قبل أن اعتق، لم يخل السيد فيما قبضه من أحد أمرين: إما أن يكون عالما بما قبضه أو جاهلا، فان كان جاهلا كان الاداء باطلا بلا خلاف، لانه إن كان أدى عن رفيقه من متبرعا فهو هبة وهبة المكاتب باطلة، وإن كان باذنه فهو قرض وقرض المكاتب باطل. فاذا ثبت أن الاداء باطل نظرت، فان كان على المؤدي شئ من مال الكتابة قد حل عليه، صرف الاداء إلى نفسه، وإن لم يحل على شئ فهو بالخيار بين أن يسترده وبين أن يفرده عند سيده قبل محل الكتابة عليه. هذا إذا كان سيده جاهلا بذلك فأما إن كان سيده عالما بذلك مثل أن قال لسيده حين الاداء اؤدي هذا عن رفيقي فقبل السيد ذلك وقبض، قال قوم يصح مثل هبة المكاتب باذن سيده شيئا من ماله، وقال آخرون لا يصح، وكذلك قالوا في الهبة، و الاول هو الصحيح عندي. فمن قال فاسد، قال له أن يرتجع ذلك من سيده إلا أن يكون حل شئ عليه من مال الكتابة فيكون عن نفسه، فان لم يرتجعه منه حتى أدى هذا المؤدي عن نفسه ما كان عليه، قال قوم لا يرجع به على سيده ويقع صحيحا عن رفيقه، لانه إنما ملك أن يرجع ما دام ناقص التصرف باطل الهبة بالرق، فاذا عتق كمل وكمل تصرفه ومنهم من قال له الرجوع فيه، لانه وقع في الاصل فاسدا فلا يصح حتى يبدأ بما يصح. وإذا قيل الهبة صحيحة على ما اخترناه إذا كانت باذنه سيده، فان كان هذا بغير إذن رفيقه فهو هبة وهدية لرفيقه، ولا يرجع فيها، وإن كان باذن رفيقه فهو قرض على رفيقه له مطالبة رفيقه به على ما نذكره فيما بعد.

[ 80 ]

هذا إذا كان الاداء عن رفيقه قبل العتق فأما إذا كان بعد العتق فالاداء صحيح بكل حال، لانه حر قد أدى عن مكاتب ما عليه من مال مكاتبته، فاذا ثبت أنه صحيح لم يخل من احد أمرين إما أن يكون قد أدى عنه ما عتق به أو ما لم يعتق به. فان كان قد أدى عنه ما عتق به نظرت، فان كان أدى عنه بغير إذنه لم يرجع به، لانه قد قضى دين غيره بغير أمره فهو هبة لا يرجع بها عليه، وإن كان باذنه فهو فرض عليه، فان كان المؤدى عليه واحدا استوفاه منه فان كان معسرا أنظره إلى اليسار. فأما إن كان أدى عنه ما لم يعتق به نظرت فان كان بغير إذنه فهو هبة لا يرجع بها عليه، وقد قضى دين غيره بغير إذنه، وإن كان باذنه فهو قرض له على المكاتب و على المكاتب أن يؤدي مال الكتابة وعليه أن يقضي القرض. وإن كان معه ما يقضي به مال الكتابة ويقضي الذي هو القرض فعل وعتق، و إن لم يكن معه إلا بقدر ما لاحدهما عليه، قلنا لمن له الدين أتسمح أن تؤخر بالقرض فيؤدي ما عليه بالذي معه ويعتق ويكون القرض عليه حتى يجد، ويؤدي اليك؟ فان فعل فلا كلام، وإن أبى قلنا للسيد فتصبر أنت عليه حتى يقضي دينه ثم يؤدي مالك عليه من مال الكتابة، فان صبر قضى المكاتب دينه، ويكون مال الكتابة عليه حتى يؤدي ويعتق. وإن قال كل واحد منهما لا أصبر وأريد حقي عاجلا، قدم الدين على مال الكتابة لان في تقديمه حفظا للحقين، حق صاحب الدين باستيفاء، وحق السيد لانه إذا عجز عنه كان له فسخ الكتابة ورد المكاتب رقيقا، فكان حفظ الحقين أولى وأيضا فالدين مستقر في ذمته ومال الكتابة غير مستقر في ذمته، فتقديم المستقر أولى. هذا إذا كان السيد واحدا فأما إن كانا لسيدين فادى أحدهما عن رفيقه لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون قبل العتق أو بعده، فان كان بعد العتق فالاداء صحيح بكل حال، لانه حر بتصرف في ماله بغير اعتراض عليه، ثم ينظر فان كان بغير إذنه لم يرجع لانها هبة، وإن كان باذنه فهو قرض يرجع عليه، والحكم فيه على ما مضى حرفا بحرف.

[ 81 ]

فان كان العتق فهو باطل بكل حال، سواء على القابض بذلك أو لم يعلم لان القابض ليس سيد الدافع، فلا يكون قبضه منه رضا نم سيد الدافع، فاذا كان بغير إذن سيده كان باطلا قرضا كان أو هبة وله الرجوع على القابض، فان لم يفعل حتى عتق الدافع فهل له الرجوع على القابض بذلك؟ على ما مضى. إذا كاتب الرجل ثلاثة أعبد له صفقة واحدة فقد قلنا إن الكتابة صحيحة، و كل واحد منهم مكاتب بحصة قيمته من المسمى، كأنه كاتبه بذلك مفردا دون غيره لا يتعلق به حكم غيره، فان أدى ما عليه من مال الكتابة عتق سواء أدى صاحباه وعتقا أو عجزا وفيه خلاف. هذا إذا أوقع العقد مطلقا فأما إذا وقع بشرط أن كل واحد منهم كفيل ضامن عن صاحبه، فان الشرط باطل، وقال بعضهم صحيح، فاذا ثبت أن الشرط باطل بطلت الكتابة أيضا وعندي أن الشرط صحيح والكتابة صحيحة. العتق المعلق بصفة على ثلاثة أضرب صفة محضة، وصفة جمعت معاوضة وصفة و المغلب حكم العوض [ وصفة جمعت معاوضة وصفة والمغلب حكم الصفة ] ظ. فالصفة المحضة كقوله إن دخلت الدار فأنت حر، ومتى أعطيتني ألفا فأنت حر فالكل فعندنا أنه لا يتعلق به حكم أصلا، وعند المخالف صحيح فعلى هذا إذا قال إن أعطيتني ألفا فأنت حر فالكلام في ستة أحكام: أحدهما أن الصفة تقع لازما لا سبيل إلى إبطالها ورفعها، مع بقاء ملك العبد ولا للعبد أيضا ذلك، وإن اتفقا على إبطالها مع بقاء الملك لم يصح، لان الصفة المحضة لا يلحقها الفسخ. الثاني إن أبرأه السيد عن هذا الالف لم يبرء لانه لا حق له في ذمته كما لو قال لزوجته إن أعطيتني ألفا فأنت طالق، ثم قال أبرأتك عن هذا الالف لم يبرأ منه لانه لا دين له في ذمتها. الثالث إذا مات السيد انفسخت الصفة المطلقة لان الصفة المطلقة تنفسخ وتزول بموت عاقدها لانه إذا زالت الحياة زال الملك وإذا زال الملك بطلت الصفة.

[ 82 ]

الرابع ما يكسبه هذا العبد لسيده لا حق للعبد فيه، لانه لم يحصل بينهما عقد يمنع رجوع كسبه إليه. الخامس إذا أدى إلى سيده عتق، لان الصفة قد وجدت، فان فضل معه كان لسيده لا حق له فيه. السادس لا تراجع بينه وبين سيده، لانه عتق بصفة محضة ولم يجب قيمته على نفسه، وإذا لم يجب قيمته على نفسه لم يكن بينهما تراجع، وهذه الفروع كلها تسقط عنا لما بيناه من أن العتق بصفة لا يصح. الضرب الثاني صفة جمعت معاوضة وصفة، والمغلب حكم المعاوضة وهي الكتابة وعندنا لا تأثير للصفة في هذا العقد، بل هو عقد معاوضة محضة، ويتعلق به الاحكام الستة فالكتابة لازمة من جهة السيد لا يملك فسخها، وجائزة من جهة المكاتب متى شاء فسخ، كان معه وفاء أو لم يكن، فان اتفقا على الفسخ صح لان المغلب حكم العوض كالبيع. الثاني إن أبرأه سيده برئ وعتق، لان ذمته مشغولة بالدين، فلهذا برئت بالابراء كالاثمان في البيع. الثالث إن مات السيد لم ينفسخ الكتابة، لانه عقد لازم من جهة السيد، فلا ينفسخ بوفاته كالبيع، فيؤدي إلى وارثه ويعتق. الرابع كسبه قبل الاداء له، لان سلطان سيده زال بعقد الكتابة، بدليل أنه لا يتصرف به وأرش الجناية عليه لا يعود إليه. الخامس إذا أدى مال كتابته وفضل معه، كان له دون سيده. السادس لا تراجع بينهما لانه عتق بالمسمى لم يجب عليه قيمة نفسه. الضرب الثالث ما تضمن عوضا وصفة المغلب حكم الصفة، وهي الكتابة الفاسدة فعندنا لا يتعلق به حكم أصلا كالصفة المحضة، وعندهم هذا العقد يجمع عوضا وصفة فاذا بطل العوض ثبتت الصفة، وتثبت به الاحكام الستة. فالصفة لا تكون لازمة، والسيد بالخيار إن شاء أبطلها، وإن شاء أقرها مع

[ 83 ]

بقاء ملك العبد، لان الصفة حق ألزمه نفسه في مقابلة حق له وهو البذل، فاذا لم يسلم له ماله لم يلزمه ما عليه كالبيع الفاسد، فانه إذا لم يسلم البايع الثمن له يلزمه ما عليه من المبيع، وعكسه الكتابة الصحيحة، لما سلم له ماله المسمى لزمه ما عليه وهو أن لا يملك رفع الصفة. وإذا ثبت أنه بالخيار نظرت فان رفعها صح ذلك مع بقاء ملكه، فان شاء رفعها بنفسه، وإن شاء بحاكم، فهو كالوكالة له، لانه جائز من جهته، والاحوط الاشهاد فان لم يبطل الصفة كانت بحالها. الثاني أن أبرأه عن المال لم يبرء، لانه ما ثبت له في ذمته مال كما لو اشترى عبدا بألف شراء فاسدا فأبرأه البايع عنه لم يبرء، لانه ما ثبت له في ذمته شئ، و عكسه الكتابة الصحيحة لما ثبت له في ذمته المال صح الابراء. الثالث متى مات السيد بطلت الصفة، وقال بعضهم لا تبطل الصفة بل يؤدي المكاتب مال الكتابة إلى الوراث، ويعتق كالكتابة الصحيحة. الرابع التكسب هيهنا للعبد، لان الكتابة الفاسدة محمولة على الصحيحة. الخامس إن فضل فضل بعد الاداء كان له دون سيده كالكتابة الصحيحة. السادس التراجع ومعناه أنه إذا أدى وعتق لزمته قيمة نفسه في ذمته، لانه تلف في يد نفسه عن عقد فاسد، ويكون اعتبار قيمته حين العتق، لانه هو الوقت الذي تلف فيه، وتكون من غالب نقد البلد، لان قيمة المتلفات كذلك. فاذا ثبت أن لسيده في ذمته قيمته من غالب نقد البلد لم يخل مال الكتابة من أحد أمرين إما أن يكون من غالب نقد البلد أو من غيره: فان كان من غير نقد البلد مثل أن، كاتبه على دراهم ونقد البلد دنانير، أو عكس ذلك، أو كان مال الكتابة من غير جنس الاثمان كالثوب والحيوان لم يقع القصاص بينهما كالحوالة، وعلى كل واحد منهما أن يسلم إلى صاحبه ماله في ذمته، والثياب والحيوان لا مثل له. وأما إن كان مال الكتابة من غالب نقد البلد فقد وجب لكل منها على صاحبه.

[ 84 ]

من جنس ما لصاحبه عليه، فهل يقع القصاص بينهما أم لا؟ فيه أربعة أقوال أحدها يقع القصاص بغير تراض منهما وتبرأ ذمة كل واحد منهما عن حق صاحبه، لانه لا فائدة في بقاء الحقين، لان أحدهما ماله على صاحبه، ثم يرده عليه. والثاني متى رضى بذلك أحدهما برئا معا لان من عليه دين كان له أن يقضيه من أي أمواله شاء وليس لمن له الدين أن يتخير عليه جهة القضاء، فاذا رضى أحدهما أن يقضي دينه من الذي في ذمة صاحبه لم يكن له أن يعترض عليه، فلهذا وقع القصاص. الثالث لا يقع القصاص إلا بتراضيهما كالحوالة. الرابع لا يقع القصاص بينهما وإن تراضيا، لانه دين بدين، وقد نهى رسول الله عن الدين بالدين. فأما إذا كان الحقان من جنس واحد من غير الاثمان كالثياب والحيوان لم يقع القصاص بينهما والفصل بينهما أن القصد غير الاثمان المغابنة والمكاسبة وهذا يختلف فلهذا كان لكل واحد منهما قبض ماله في ذمة صاحبه، وليس كذلك الاثمان لانها إذا كانت من غالب نقد البلد لم يقع المغابنة فيها، فلذا وقع القصاص. فاذا ثبت هذا نظرت، فان كان قدر الحقين سواء وقيل يقع القصاص برئا معا فان كان مال أحدهما أكثر وقع القصاص بقدر ما تقابلا فيه، ورجع من له الفضل بالفضل فان كانت قيمة العبد أكثر من مال الكتابة رجع سيده عليه به، وإن كانت القيمة أقل رجع هو على سيده بالفضل. وكل موضع قيل لا يقع القصاص بينهما، فاذا قبض أحدهما ماله في ذمة صاحبه أجزءه، ولا حاجة به أن يقبض الاخر شيئا من صاحبه، لانه إذا قبض أحدهما برئت ذمة المقبوض منه، وكانت ذمة القابض مشغولة بدين المقبوض منه، وكان للقابض أن يقضي دينه من أين شاء من ماله فاذا كان كذلك، فلا معنى لقبض كل واحد منهما ما على الآخر، وأيهما تطوع بالاقباض، فان القابض يقضيه [ دينه ] على ما يراه. فان امتنع كل واحد منهما من الاقباض حبس كل واحد منهما لصاحبه بماله عليه، فأيهما قضى فالحكم على ما قضى.

[ 85 ]

وحكم مال الكتابة وغيرها من الحقوق واحد، وهو أن القصاص لا يقع في الجنسين ولا في غير الاثمان فيما لا مثل له، ولا في غير ما في الذمة. فأما الجنس الواحد من الاثمان وفيما له مثل من غيرها فعلى ما مضى وعندنا إذا قلنا إن الكتابة الفاسدة لا حكم لها سقطت هذه الفروع، والعبد باق على رقه، و جميع كسبه لسيده. فأما الحقوق الباقية فالذي يقتضيه مذهبنا أن الحقين إذا كانا من جنس واحد من الاثمان، وفيما له مثل من غيرها، يقع القصاص بينهما من غير تراض، وإن كانا من جنسين أو فيما المثل له من غير الاثمان لا يقع إلا بالتراضي، ومتى كانت الكتابة فاسدة ومات السيد فقد مضى أنها تبطل الصفة. فان لم يمت لكن جن أو حجر عليه لسفه بطلت الصفة أيضا، لانه عقد جائز كالوكالة والقراض، فان كانت الكتابة صحيحة لم تبطل بالجنون، لانها واجبة لازمة من جهة السيد. فاذا ثبت أن الصفة تزول بجنون سيده أو بالحجر عليه، فان أدى العبد إلى سيده بعد هذا ما شرط في مال الكتابة، لم يعتق العبد، لان الصفة زالت، وإن جن العبد أو خبل فالصفة بحالها لا تبطل بجنونه، لانه قبل الحقوق محجوز عليه لنقصه بالرق، وإذا كان ثبوت الحجر لا يمنع عليه ابتداء الكتابة فكذلك لا يمنع استدامتها مع حدوث ما يوجب الحجر. ويفارق السيد، لان ثبوت الحجر عليه يمنع عقد الكتابة، فحدوث الحجر عليه يزيلها ويرفعها، وهذا سقط عنا لما مضى من القول بفساد تعليق العتق بالصفة. ومن قال إن الصفة لا تفسخ بجنونه قال إن أدى إلى سيده عتق، وإن كان حال جنونه، لان الاعتبار بقبض السيد لا باقباضه، فاذا عتق فهو عتق في كتابة فاسدة يتراجعان على ما مضى، ويأتي في المسألة بعدها. إذا أدى المكاتب في حال جنونه فيها ثلاث مسائل: إحداها كاتبه سيده كتابة صحيحة ثم جن المكاتب، وأدى مال المكاتب وهو مجنون، عتق لانه وإن لم يكن

[ 86 ]

من أهل الاقباض كان سيده من أهل القبض، ولا تراجع بينه وبين سيده لانه عتق بالمسمى. الثانية كاتبه كتابة فاسدة والعبد عاقل ثم جن والعبد عاقل ثم جن العبد فأداها في حال جنونه عندنا لا يتعلق به حكم ولا يعتق لما مضى، وعندهم يعتق لان الصفة وجدت وكان التراجع بينه وبين سيده على ما مضى. الثالثة إذا كاتب السيد عبده والعبد مجنون، فأدى ذلك في حال جنونه فعندنا لا يعتق به، لان الكتابة ما صحت، والعتق بصفة لا يقع، وعندهم يعتق، لان الصفة قد وجدت، كما لو علق عتقه بدخول الدار فدخلها عتق، وهل بينه وبين سيده تراجع؟ منهم من قال يرجع، ومنهم؟ من قال لا تراجع بينهما. إذا مات الرجل وخلف ابنين عندا فادعى العبد أن أباهما كان كاتبه، قيل فيه مسئلتان: إحداهما إذا أنكر الابنان ذلك فالقول قولهما لان الاصل أن لا كتابة وعليهما اليمن، لجواز أن يكون العبد صادقا ويكون اليمين على العلم (لا نعلم أن أبانا فعل ذلك). الثانية إذا أقر أحدهما بذلك وأنكر ألآخر، فان نصيب المقر يكون مكاتبا لانه أقر بما يضره. ثم ينظر فان كان المقر عدلا ومعه شاهد آخر عدل بما يدعيه العبد حكمنا له بذلك على المنكر، وإن لم يكن عدلا أو كان عدلا ولم يكن معه غيره، لم يحكم للعبد بالشاهد واليمين فيما يدعيه، لانه ليس بمال ولا المقصود منه المال، بل المقصود منه العتق، فلا يثبت بالشاهد واليمين، كما لو ادعى على سيده أنه دبره، فان حلف المنكر استقر الرق في نصيبه وإن لم يحلف رددناها على العبد فان حلف حكمنا بأن نصفه مكاتب ونصفه قن للمنكر. فأما كسبه فكلما اكتسبه في حيات سيده قبل عقد الكتابة فهو ملك لسيده في حياته ولورثته بعد وفاته، وأما ما يتجدد من كسبه بعد الحكم بأن نصفه مكاتب، فنصفه

[ 87 ]

له ونصف للمنكر، وما بعد هذا فانه يفرد في كل يوم من كسبه نفقته، وما فضل كان بينهما، لان نفقته على نفسه وعلى المنكر، فيكون من كسبه، لان كسبه له وللمنكر. فان اتفقا على المهاياة مياومة أو مشاهرة كانت على ما اتفقا عليه، فان طلب المهاياة أحدهما فأبى الآخر لم يجبر الممتنع منهما عليها، وقال بعضهم يجبر. فاذا ثبت أن الكسب بينهما لم يخل من أحد أمرين إما أن يؤدي ما عليه أو يعجز عنه، فان عجز عن الاداء أو امتنع منه مع القدرة كان المقر بالخيار بين إقراره وبين الفسخ. فان أقره عليها فلا كلام، وإن اختار الفسخ ففسخ الكتابة عادا قنا لهما ويكون ما كان في يده للمقر وحده لا حق للمنكر فيه، لان المنكر قد استوفى حقه أولا فأولا، وهذا الذي جمعه في يده بحق الكتابة، فاذا زالت كان المال للمقر كما لو كاتب كل عبده فعجز ورق فان ما كان في يده لسيده. فان اختلف الابنان في الكسب فقال المقر أكتسبه بعد عقد الكتابة فهو لي وحدي وقال المنكر قبل الكتابة فهو بينا من تركه والدنا، فالقول قول المقر لان الاصل أن لا كسب، فالمنكر يدعي حدوثه قبل الوفاة، فكان القول قول المقر. هذا إذا عجز ورق فأما إن أدى ما عليه وعتق لم يقوم على المقر نصيب شريكه لان التقويم على الشريك بان يباشر العتق لنصيبه أو يكون سبب عتقه، وليس ههنا واحد منهما، لانه إنما حكى عن غيره، فهو كالشاهد ولا يقوم على الميت أيضا وإن كان هو السبب في عتقه، لانه عتق بعد زوال ملك السيد عن ماله، ويكون الكلام بعد هذا في فصلين: الولاء والميراث. أما الولاء فثابت على نصفه عندنا بالشرط، وعندهم على كل حال، لانه قد عتق، ولمن يكون الولاء؟ قال قوم بين الابنين، لان العتق ثبت بما كان من أبيهما فكان الولاء لهما. وقال آخرون إن الولاء كله للمقر وحده، لا حق للمنكر فيه، وهو الاقوى

[ 88 ]

عندي، لان المقر منهما أقر بأن العبد مكاتب كله، فانه متى عتق كان ولاء كله بيننا نصفين، فلما جحد أخوه ذلك وأنكره، فقد رد حق نفسه من الولاء، وكان الباقي لاخيه، وهذا كمن خلف دينا له به شاهد واحد وخلف ابنين فحلف أحدهما مع الشاهد استحق الدين وحده دون أخيه، لانه حلف وأبى أخوه أن يحلف. فأما الميراث فاذا مات هذا المكاتب وخلف مالا كان ماله بما فيه من الحرية وعندنا يورث عنه ذلك القدر، وقال قوم لا يورث ويكون لسيده الذي ملك نصفه. ومتى قلنا إنه يورث فان كان له مناسب ورثه، فان لم يكن فلمولاه، ويكون لمن حكمنا بأن الولاء له، وهو المقر وحده عندنا لما مضى، ومن قال بينهما قال يأخذ المقر نصف الميراث، والباقي يكون موقوفا لانا حكمنا بأنه للمنكر، والمكر يجحده نقف الولاء حتى يعرف أو ينكشف أمر الولاء. إذا خلف عبدا وأبنين فادعى العبد أن أباهما كان كاتبه، فيها ثلاث مسائل: إذا كذباه معا، وإذا صدقه أحدهما وكذبه الآخر وقد مضيا. الثالثة إذا صدقاه معا، فالحكم فيه إذا صدقاه وإذا قامت البينة أن أباهما كان كاتبه فان الكتابة قد ثبت من الاب، فاذا مات الاب لم ينفسخ الكتابة لانه عقد لازم من جهته، فلا ينفسخ بوفاته، وقام وارثه مقامه، والولدان يقومان مقامه، ويرثان ماله، ويستوفيان حقوقه، وقد خلف مالا في ذمة هذا المكاتب، وكان القبض إليهما فان أدى إليهما مال الكتابة عتق. فاذا عتق كان الولاء للاب لانه عتق بسبب من جهته، وهو عقد الكتابة ويكون لوارثه بعده كما لو باشر عتقه، وهكذا لو أبرأه من مال الكتابة أو أعتقاه الباب واحد. والولاء للاب إذا شرط عندنا، وعندهم على كل حال، ويكون لهما بعده وحكم الولاء على ما مضى، لانهما أنفذا ما عقده الاب وأمضياه. هذا إذا أدى وعتق، وأما إن عجز عن الاداء، كان لهما الفسخ وترك الفسخ فان فسخا عقد الكتابة عاد عبدا قنا، فان كان في يده مال كان لهما كالتركة من أبيهما لهما وإن لم يختار الفسخ لكنهما أقراه على الكتابة. ورفقا فهي ليؤدي على مهل جاز.

[ 89 ]

فاذا فعلا هذا فان أراد الاداء إلى أحدهما دون الآخر قدر ما عليه منع منه، فان خالف وفعل فهل يعتق نصيب من أدى اليه أم لا؟ قيل فيه وجهان والكلام عليهما يأتي. فأما إن اعتق أحدهما نصيبه منه أو أبرأه أحدهما عن جميع ماله في ذمته سواء عنى الابراء أو العتق قال قوم يعتق منه نصيبه، وقال آخرون لا يعتق لانهما قاما مقام الاب ولو أن الاب أبرأه عن نصف مال الكتابة لم يعتق، كذلك إذا أبرأه غير من نصفه. والاول أقوى عندي، لانه أبرأه عن جميع ما استحقه عليه من مال الكتابة فوجب أن يعتق، كما لو كان كله له فأبرأه عن مال الكتابة، وعكسه الاب لانه أبرأه عن نصف ما استحقه عليه فلهذا لم يعتق. فاذا ثبت أنه يعتق نصيبه وحده فهل يقوم عليه نصيب أخيه؟ قال قوم يقوم عليه [ وقال آخرون لا يقوم ] ظ وهو الاقوى عندي، لان التقويم يكون على من باشر العتق أو كان سببا فيه، والابن ما باشر العتق ولا كان سببا فيه، وإنما أنفذ ما كان عقده له أبوه، وكان المعتق هو الاب بدليل أن ولاءه للاب. ومن قال يقوم عليه قال لانه استأنف عقدا غير الذي عقده الاب لانه عجل ما كان أخره أبوه، فهو غير الاول. فمن قال لا يقوم عليه على ما اخترناه كان نصيبه منه حرا ونصيبه أخيه مكاتبا لاخيه، فان أدى إلى أخيه وعتق كان ولاؤه كله للاب وانتقل منه إليهما، فان عجز ورق كان نصفه رقيقا لاخيه، وباقيه حرا، وعلى الحر الولاء، ولمن يكون الولاء؟ قال قوم بينهما نصفين، لانه عتق بعقد الاب، وقال آخرون وهو الصحيح عندنا أن ولاءه للذي أعتقه منفرد به دون أخيه، لانه لما امتنع من إعتاق نصيبه فقد أسقط حقه من الولاء. ووفرة على أخيه. ومن قال يقوم عليه نصيب أخيه، فمتى يقوم عليه؟ هذه المسألة مبنية على مسألة الشريكين بينهما عبد فكاتباه ثم أعتق أحدهما نصيبه منه، عتق وقوم عليه نصيب شريكه، لانه أوقع العتق ابتداء في نصيب نفسه وهل يقوم عليه في الحال أو عند عجز

[ 90 ]

المكاتب عن الاداء؟ على قولين أحدهما يقوم في الحال، والثاني يؤخر التقويم إلى حين العجز عن الاداء. ثم عدنا إلى مسألة الابنين: منهم من قال يؤخر التقويم في مسألة الابنين قولا واحدا، ومنهم من قال على قولين كمسألة الشريكين سواء، وهو أصح عندهم. فاذا قوم في الحال فمتى يعتق نصيب الشريك؟ فيه الاقوال الثلاثة أحدها باللفظ و الثاني باللفظ ودفع القيمة، والثالث مراعى على ما مضى. فمن قال باللفظ عتق كله وقوم وهو حر، وأخذ له القيمة. ومن قال باللفظ و الدفع قوم وهو مكاتب، فأفاد هذا التقويم زوال عقد الكتابة، وعو الرق والعتق بعد الرق، فاذا عتق كله كان ولاء ما أخذت منه قيمته له وحده، وولاء ما باشر عتقه على ما مضى من الوجهين أحدهما لهما، والثاني للذي باشر العتق. ومن قال يؤخر التقويم إلى حين العجز أخره، فان أدى وعتق عتق كله، و كان الولاء للاب وانتقل إليهما، وإن عجز عن الاداء قومه. هذا إذا قيل يعتق باللفظ ودفع القيمة، ولا يجئ بأنه يعتق باللفظ، لانه لو عتق باللفظ لم يقع فيه التأخير إلى هذا الوقت، وكل موضع عتق بالاداء كله والابراء والعتق، فالولاء للاب ينتقل إليهما نصفين، وكل موضع عتق بعضه بالعتق أو الابراء وبعضه بالتقويم، فان ولاء ما أخذت قيمته لمن أخذت القيمة منه وحده، لا يشركه أخوه فيه، وولاء النصف الآخر الذي عتق بالمباشرة فعلى الوجهين أحدهما بينهما، و الثاني للمباشر وحده. إذا كاتب عبده فان أدى جميع ما عليه عتق جميعه بلا خلاف، وإن أدى البعض لا يخلو عندنا من أحد أمرين إما أن يكون مشروطا عليه أو مطلقا. فان كان مشروطا عليه، بأن قيل له متى عجزت عن الاداء فأنت رد في الرق فانه لا ينعتق حتى يؤدي جميع مال الكتابة، وإن كان قد أطلقت الكتابة ولم يشرط ذلك، فأدى بعضه عتق عندنا بحسب ما أدى، وعند أكثر الفقهاء لا يعتق منه شئ بحال ولم يفصلوا.

[ 91 ]

وقال قوم من المتقدمين: يعتق بحساب ما أدى ولم يفصلوا، وقد ذكرناها في الخلاف. الكتابة لازمة من جهة السيد، جائزة من جهة العبد، ولسنا نريد بقولنا جائزة من جهته أن له الفسخ كالعامل في القراض، بل نريد أن له الامتناع من أداء ما عليه مع القدرة عليه. فاذا امتنع منه كان سيده بالخيار بين البقاء على العقد وبين الفسخ، وقال قوم هي لازمة من الطرفين معا، فان كان معه مال أجبرناه على الاداء ليعتق، فان لم يكن معه مال قال بعضهم أجبره على الكسب، وقال آخرون لا أجبره والذي يقتضيه مذهبنا أن الكتابة إن كانت مطلقة فهي لازمة من الطرفين، و ليس لاحدهما فسخها، وإن كانت مقيدة فهي لازمة من جهة السيد، وجائزة من جهة العبد، فان عجز لم يجبره على الاكتساب، فان لم يعجز وكان معه مال وامتنع اجبر على الاداء كمن عليه دين وهو موسر. فاذا ثبت هذا فمات المكاتب بطلت الكتابة عندهم، ويكون ما خلفه لسيده سواء خلف وفاء أو لم يخلف، وقال بعضهم لا ينفسخ على تفصيل لهم. وعندنا إن كان مشروطا عليه انفسخت المكاتبة وما خلفه لسيده، وإن كانت مطلقة وقد أدى بعضه كان لسيده بحساب ما بقى من الرق، وللورثة بحساب ما تحرر منه وقد روي أنهم يؤدون ما بقى عليه وقد تحرر كله وما يبقى فلهم. إذا كاتب عبده كتابة صحيحة فحل نجم من نجومها فأتى به إلى سيده فقال له سيده هذا حرام، أو قال هذا غصبته من فلان، لم يخل السيد من أحد أمرين إما أن يكون معه بينة أولا بينة معه. فان كان معه بينة أنه غصبه من فلان لم يجب عليه أن يقبله منه، لانه إنما يجب عليه أن يقبل منه ما يملكه بقبوله وقبضه وهذا لا يملك بذلك لانه حرام، و يقال للمكاتب إما أن تأتيه بمال حلال أو يعجزك فترق. وإن لم يكن مع السيد بينة فالقول قول المكاتب لان الظاهر أن ما في يده

[ 92 ]

ملكه حتى يعلم خلافه، ولان السيد متهم عليه فيما يدعيه، لانه يقصد أن يعجزه فيرده في الرق، فلهذا لا يقبل شهادته مع أجنبي بالغصب. فاذا ثبت أن القول قوله فقوله مع يمينه، لانه يمكن صدق السيد فيما يدعيه. فاذا ثبت أن القول قوله لم يخل من أحد أمرين إما أن يحلف أو لا يحلف، فان لم يحلف حلف السيد، ويكون الحكم كما لو قامت البينة أنه حرام، وإن حلف المكاتب قلنا للسيد إما أن تقبل هذا المال أو تبرئه ليعتق، ولا يملك الاضرار به فان أبرأه برئ: فان كان كل مال الكتابة عتق، وإن كان أقل برئ المكاتب عن هذا القدر. وإن قبض السيد المال فان كان قال هذا حرام ولم يقل من المالك أقر المال في يده حتى يظهر مالكه، فان قال غصبته من فلان فعليه أن يدفعه إلى فلان برمته، لانه أقر له، فان لم يقبض منه المال ولم يبرئه دفعه المكاتب إلى الحاكم فيأخذه الحاكم ليحفظه لسيده، ويعتق المكاتب. وليس للمكاتب أن يتزوج بغير إذن سيده لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال أيما عبد نكح بغير إذن مولاه فهو عاهر فان أذن له سيده فيه صح لدليل الخبر. وأما الشرى فللمكاتب أن يتجر في جميع أنواع التجارات، ويشترى الرقيق و غير ذلك. فاذا اشترى جارية لم يكن له وطيها بغير إذن سيده لانه يغرر بها إما بأن تحبل فتهلك، أو ينقص الثمن، فان أذن له حل له وطيها عندنا، وقال قوم لا تحل له. وأما إن كان في يده مال تجب فيه الزكاة فزكاته على سيده وقال بعضهم لا زكوة فيه أصلا وهو قوى، فان باعه وله مال عندنا إن شرط المشتري المال كان له وإن لم يشرط كان للسيد، وقال بعضهم يبطل البيع وقال بعضهم يصح البيع. وكل موضع قلنا لا يطأها فان خالف ووطئ فلا حد عليه لشبهة الملك، ولا مهر عليه لان المهر إذا وجب كان له، فلا يجب له على نفسه، فان حبلت لحق النسب به لسقوط الحد عنه.

[ 93 ]

والولد حكمه عندنا وعندهم مملوك، لانه بين مملوكين، ولا يعتق عليه، لانه ناقص الملك، ولا يجوز له بيعه، لانه ولده، وهكذا إذا أوصى له بولده فقبله فلا يعتق عليه ولا يبيعه، والامة لا تصير ام ولده في الحال، لانها علقت بمملوك عندهم، و عندنا تكون ام ولد. ثم ينظر فان عجز المكاتب ورق كان هو وولده وأمته ملكا لسيده، فان أدى وعتق عتق ولده، لانه قد تم ملكه عليه، وتصير الامة ام ولده عند قوم وعند آخرين لا تصير، وفيها أربع مسائل يتعلق بإحبال الامة: إن أحبلها بحر منه في ملكه صارت ام ولده بلا خلاف، وإن أحبلها بمملوك في غير ملكه ثم ملكها لا تصير ام ولده، وإن أحبلها بحر في غير ملكه ثم ملكها على قولين عندنا تصير ام ولده، وإن أحبلها بمملوك في ملكه وهو المكاتب إذا أحبلها بشبهة فعلى قولين عندنا تصير ام ولده. وأما إذا أحبل الراهن أمته المرهونة فانه يكون الولد حرا وتكون ام ولده ويمنع الاحبال من بيعها لعموم الاخبار عندنا، وعندهم على قولين فمن قال يمنع قال هي ام ولده، ومن قال لا يمنع فاذا بيعت ثم ملكها فهي ام ولده، لانه أحبلها في ملكه. هذا إذا أتت به قبل أن يعتق المكاتب، فأما إن أتت به بعد العتق، فان أتت به لاقل من ستة أشهر من حين العتق فالحكم فيه كما لو أتت قبل العتق، لانا علمنا أنها علقت به وهو مكاتب. فان أتت لشبهة به لستة أشهر فصاعدا من حين العتق، فالولد حر وهي ام ولده ولا ولاء على الولد، لانه أحبلها بحر بعد تمام ملكه عليها، وهكذا الحكم إذا وطئها باذن سيده وطيا مباحا فهما واحد على ما فصلناه. الايتاء واجب عندنا وهو أن يحط السيد عن مكاتبه شيئا من مال الكتابة أو يؤتيه شيئا يستعين به على الاداء لقوله تعالى " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " و

(1) النور: 33.

[ 94 ]

هذا أمر، وقال قوم هو مستحب وبه قال قوم من أصحابنا. فاذا تقرر أن الايتاء واجب فالكلام في ثلاثة فصول: في وقته، وقدره، وجنسه. فأما وقته فله وقتان: وقت جواز ووقت وجوب فأما وقت الجواز فما بين الكتابة والعتق، وأما وقت الوجوب فقال قوم هو إذا بقى عليه القدر الذي عليه أن يؤتيه، فانه يتعين عليه، لانه الوقت الذي يتحقق أنه يستعين، وأما قبل هذا فقد يعجز و يرق. وقال بعضهم وقت الايتاء بعد العتق، لان الايتاء في الكتابة كالمتعة في النكاح والاول أقوى لقوله تعالى " وآتوهم " يعني المكاتبين، فاذا اعتق لا يكون مكاتبا. وأما قدره فعندنا ما يقع عليه الاسم قليلا كان أو كثير، فان كاتبه على دنانير فأقل ما يقع عليه الاسم حبة ذهب، وإن كاتبه على دراهم فدرهم أو أقل، وقال قوم هو على قدر مال الكتابة وبحسبه. وأما الكلام في جنسه فان السيد بالخيار بين أن يحط شيئا من ماله في ذمته وبين أن يدفع إليه مناولة لقوله تعالى " وآتوهم من مال الله " وحقيقة الدفع المناولة ودليل الحط ما رواه علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله في قوله تعالى " وآتوهم من مال الله " وحقيقته أن يحط ربع كتابته، والحط أشبه بالشرع وأحوط. فان حط فلا كلام وإن اختار الايتاء ففيه ثلاث مسائل: إما أن يؤتيه من عين مال الكتابة، أو من غير جنسه، أو من مثل جنسه. فان آتاه من عينه وهو عن ما أدى إليه لزمه القبول، لانه آتاه من المال الذي أمره الله أن يؤتيه، وإن آتاه من غير جنسه مثل أن كانت عليه دنانير فآتاه دراهم لم يجب على المكاتب القبول، لان الله تعالى أوجب حقه في مال الكتابة، فلا يلزمه أن يقبل من غير جنسه، وأما إن آتاه مثل جنسه فقال قوم لا يجب عليه القبول، ومنهم من قال يجب عليه، وهو الاقوى عندي. إذا أدى المكاتب وعتق قبل أن يؤتيه السيد شيئا يتعلق الايتاء بتركته، لانه دين عليه فهو كسائر الديون، فان كان على السيد دين غير هذا وقد أوصى بوصايا

[ 95 ]

فان وفت التركة بالكل استوفي منها، وإن فضل فضل كان ميراثا، وإن ضاقت عن الوصايا ووفت بالدين والايتاء استوفيا منها، فان ضاقت عنهما ضرب صاحب الدين و المكاتب في التركة بالحصص. ليس لولي اليتيم والمولى عليه لسفه أن يكاتب عبدا له، سواء كان الولي هو الاب أو الجد أو الوصي أو الحاكم أو ولي الحاكم، وقيل: له ذلك لانه كالبيع و إذا ثبت هذا وخالفه وكاتبه فالكتابة باطلة، فان أدى المال كان لسيده ولا يعتق العبد به. إذا اختلف السيد والمكاتب في قدر البذل، فقال السيد على ألفين، وقال المكاتب على ألف، وقد يختلفان في الاجل فيقول السيد إلى سنة، ويقول المكاتب إلى سنتين وقد يقول السيد إلى سنتين في نجمين ويقول المكاتب إلى سنتين في ثلاثة نجوم: فاذا اختلفا تحالفا عندهم، لانه عقد معاوضة كالبيع. ثم ينظر فان كان التحالف قبل الاداء وقع الفسخ ثم بماذا يقع؟ قال بعضهم بالتحالف، وقال آخرون بالتحالف وحكم الحاكم معا كالبيع وإذا وقع الفسخ زال العقد وكانا بالخيار في تجديد الكتابة وفي ترك التجديد، لانه عاد عبدا قنا. فان كان التحالف بعد العتق فلا يمكن رد ما وقع من العتق، لكن يكون على المكاتب قيمة نفسه، كالقول في التحالف في البيع وقد تلف المبيع، على المشتري قيمته كذلك هيهنا، وينظر بين قيمته وما أدى، فان تساويا تفاضلا وإن تفاضلا ترادا الفضل فان كانت القيمة أكثر فعلى المكاتب الفضل وإن كان المؤدى أكثر فعلى السيد رد الفضل. وإنما يتصور ذلك إذا اتفقا على أن المؤدى ألفان، فان العتق وقع واختلفا فقال السيد ألفان معا مال الكتابة وقال المكاتب ألف منها مال الكتابة وألف وديعة فاجتمعا على وقوع العتق وعاد الاختلاف إلى أصل العقد. إذا تزوج مكاتب معتقة لقوم فأولدها ولدا فهو تبع لامه وعليه الولاء لمولى أمه لان عليها الولاء، فان أدى المكاتب وعتق جر الولاء الذي على ولده لمولى أمه إلى

[ 96 ]

مولى نفسه، وإن عجز ورق استقر الولاء لمولى أمه. فان مات المكاتب واختلف مولاه ومولى الام فقال سيد المكاتب قد أدى وعتق وجر الولاء الذي على ولده إلى، وقال سيد الام بل مات عبدا فلم يجر شيئا فالقول قول مولى الام لان الاصل بقاء الولاء، والاصل بقاء الكتابة، والاصل أنه لا عتق في المكاتب، فلهذا كان القول قول مولى الام، فأما قبل وفاة المكاتب، فقد اعترف السيد بعتق المكاتب والاداء، فيجر الولاء ويزول الاختلاف. إذا كان له مكاتبان كاتبهما بعقد واحد أو بعقدين كل واحد منهما على ألف فأدى أحدهما ألفا وعتق ثم أشكل عليه عين المؤدى منهما كلف التذكر والتفكر لعله أن يذكر، وذلك طول حياته، وليس له فرض القبض في أحدهما بل عليه التذكر فقط. فان قال قد ذكرت أن هذا هو المؤدي منهما، حكمنا بعتقه وأن الآخر باق على المكاتبة، فان صدقه الآخر على هذا فلا كلام، وإن ادعى عليه أنه هو الذي أدى إليه فالقول قول السيد لان الاصل أن لا قبض، وعليه اليمين، لانه صدق المدعي فيما يدعيه، ويمينه على البت لانها على فعل نفسه، وإن كانت على النفى. فان لم يبين ومات قبل البيان اقرع بينهما عندنا، وقال بعضهم لا يقرع لان أحدهما حر قد نجز العتق فيه فلو أقرعنا ربما رق الحر وعتق العبد. فاذا أقرعنا بينهما فمن خرجت قرعته الحرية أحررناه وكان الآخر على كتابته يؤدي ويعتق، أو يعجز ويرق، ومن قال لا يقرع بينهما قال تقوم الوارث مقام مورثه في البيان لا في التعيين. فان بين وعين حكمنا بعتقه، وكان الآخر على الكتابة، فان صدقه فذلك وإن كذب الوارث فالقول قول الوارث مع يمينه على العلم لا على النفى، لانها على فعل الغير. فان لم يبين وادعى عدم علمه بعين المؤدى منهما، فالقول قوله مع يمينه لا يعلم ذلك، فاذا حلف كانا معا على الكتابة يؤدي كل واحد منهما ألفا ويعتق، وإذا قبض الالفين منهما فهو يقطع أن أحدهما حرام ولا يعرف عينه، فلا يحل له التصرف فيهما

[ 97 ]

ولا في واحد منهما. الكتابة بالعرض كالثياب والطعام والحيوان جائزة، ولابد أن يكون معلوما بضبط صفاته كما يضبط في السلم، وسواء كان على ثوب واحد أو ثوبين عندنا يجوز، و عندهم لا يجوز على أقل من ثوبين في نجمين، ومتى كاتبه على عرضين إلى أجلين كالثوبين ونحوهما، فأدى الثوبين عتق المكاتب في الظاهر، وحكمنا بعتقه، لان الاداء قد وجد. ثم ينظر في العرض الذي قبضه، فان كان سليما من العيوب استقر له ما قبضه واستقر العتق للمكاتب فان أصاب السيد فيما قبضه عيبا كان بالخيار بين إمساكه ورده ثم لا يخلو أن يختار الامساك أو الرد. فان اختار الامساك استقر القبض وبرئت ذمة المكاتب عن مال الكتابة، فاستقر له العتق، وإن اختار الرد فرده حكمنا بارتفاع العتق الواقع في الظاهر، لان العتق الواقع إنما يستقر باستقرار الاداء، وقد ارتفع فارتفع العتق. هذا إذا وجده معيبا ولم يحدث عنده فيه عيب يمنع الرد، فأما إن علم بالعيب وقد نقص العرض عنده بعيب لم يكن له الرد كما لو كان في البيع، واستقر أرش العيب على المكاتب، وارتفع العتق، لان ذمته ما برئت من مال الكتابة، فان كان له ثوب سليم من العيب وإلا كان لسيده تعجيزه ورده في الرق. إذا ادعى المكاتب أنه دفع مال نجومه إلى سيده فأنكر السيد لم يخل المكاتب من أحد أمرين إما أن يكون معه بينة أولا بينة له به، فان كان له بينة سمع شاهدان أو شاهد وامرأتان أو شاهد ويمين، لانه تأدية مال، وإن كان لا يثبت أصل الكتابة بشاهد ويمين، لانه عتق والمقصود منه الحرية وهذا تأدية مال. إذا اجتمع على المكاتب مع مال الكتابة ديون لقوم، وحل مال الكتابة عليه فان كان ما في يده بقدر ما عليه من الدين ومال الكتابة أعطى كل ذى حق حقه وعتق. وإن ضاق المال عن ذلك قدم الدين على مال الكتابة، لان مال الكتابة

[ 98 ]

جائز بدليل أنه لا يجبر على أدائه ولا يصح ضمانه، والدين ثابت مستقر في ذمته بدليل أنه يجبر على أدائه ويصح ضمانه وإذا كان أقوى منه قدمناه. ولان في تقديمه حفظا للحقين لانا إذا قدمنا الدين وفضل شئ كان للسيد وإن لم يفضل رجع السيد عن مال الكتابة إلى رقبة العبد، وفي تقديم السيد متى لم يفضل شئ سقوط حق الغريم أو تأخره، فكان حفظ الحقين أولى من تضييع أحدهما. وهكذا نقول نحن في الكتابة المشروطة فأما إن كانت مطلقه فهم سواء لا ترجيح لتقديم أحدهم على صاحبه فعلى الاول إذا قدم الدين كان السيد بالخيار بين المقام على الكتابة وبين التعجيز والفسخ. وأما إن مات المكاتب وعليه ديون انفسخت الكتابة لموته، وبرئت ذمته عن مال الكتابة وكان الدين باقيا في ذمته يتعلق بالمال الذي في يده كالعبد المأذون إذا مات و عليه دين تعلق بما في يده. ثم ينظر فان كان ماله بقدر ما عليه قضى ديونه، فان فضل فضل كان للسيد بحق الملك لا بحق الكتابة، لان الكتابة قد زالت، فان كان ما في يده دون الدين الذي عليه قسمنا ماله بين غرمائه بالحصص، ولا يجب على السيد شئ لان الدين لم يجب في ذمة السيد وإنما تعلق بذلك المال فقط. إذا كاتب نصف عبد لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يكون باقيه حرا أو ملكا له أو ملكا لغيره: فان كان باقيه حرا فالكتابة صحيحة، لانه كوتب على كل ما فيه من الرق ثم ينظر فان أدى ما عليه عتق، وإن عجز كان السيد بالخيار بين أن يقره على الكتابة أو يفسخ. فأما إذا كان باقيه مملوكا فالصحيح أن الكتابة باطلة، لان المقصود بالكتابة وقوع العتق بالاداء والمقصود ههنا مفقود، لانه لا يتمكن من التصرف، لان السيد يمنعه من السفر بما فيه من الرق ولا يأخذ من الصدقات وإذا أخذ اقتضى أن يقاسمه السيد عليها، وقال بعضهم يصح كما لو كان النصف لغيره فكاتبه باذنه، والاول أقوى

[ 99 ]

عندي وإن كان هذا أيضا قويا. فاذا ثبت أنها باطلة نظرت فان اختار السيد رفعها فعل وزالت الصفة، وإن تركها بطل العوض، وعندنا الصفة لا اعتبار بها، وعندهم الصفة بحالها، فان أدى عتق بوجود الصفة ويكون قد عتق نصفه بأداء عن كتابة فاسدة، فان كانت قيمة نصفه وقدر ما أداه سواء تقاصا، وإن كان فضل مع أحدهما ترادا الفضل، فاذا تم عتق نصفه عتق باقيه، لان باقيه له، وإذا عتق بعضه بسببه عتق الباقي بالسراية، ولا يجب للسيد في مقابلة ما عتق بالسراية شئ لانه ما بذل العوض عن باقيه. فاما إن كان الباقي لغيره وكاتب نصيبه منه لم يخل من أحد أمرين إما أن يكاتبه باذن شريكه أو بغير إذنه، فان كان بغير إذن شريكه فالكتابة فاسدة عندنا وعند جماعة وقال بعضهم يصح. وإنما قلنا لا يصح لانه يؤدي إلى الاضرار بشريكه، ويفارق البيع لانه لا يضر بشريكه، فاذا فسد العوض فسدت الكتابة عندنا، وعندهم يبقى الصفة، و السيد بالخيار بين المقام على الصفة وبين إبطالها وإن رفعها وأبطلها عاد قنا. وإن اختار المقام على الصفة فاكتسب المكاتب وأدى لم يخل من أحد أمرين إما أن يؤدي إلى الذي كاتبه أو بالحصة، فان أدى إليه بالحصة نصف كسبه إليه و نصف كسبه إلى من لم يكاتب حتى وفى مال الكتابة عتق نصفه بالاداء لوجود الصفة ويكون لسيده عليه قيمة نصفه، وله على سيده ما أدى إليه، فان كان المؤدى وقدر القيمة سواء تقاصا، وإن كان أحدهما أفضل فانهما يتردان الفضل على ما قلناه، فاذا عتق نصيبه سرى إلى نصيب شريكه لان نصيب شريكه قد رق ونصيب نفسه قد عتق بسبب كان منه، فاذا عتق نصيب شريكه كان لشريكه أن يرجع عليه بقيمة نصيبه، و ليس للسيد أن يرجع على المكاتب بقيمة ما عتق منه بالسراية، لانه ما بذل العوض عنه. هذا إذا أدى الكسب إلى كل واحد منهما بالحصة، فأما إن أدى جميع كسبه إلى سيده الذي كاتب نصفه، وكان قدر مال الكتابة، قال قوم يعتق لانه أدى إليه

[ 100 ]

بالشرط عليه، وقال آخرون لا يعتق، لانه علقه بأداء ما يملك السيد ويبرأ ذمة العبد به، وهذا ما وجد. فمن قال لا يعتق قال يرجع السيد إلى شريكه فيأخذ منه نصف ما دفعه إليه العبد، ثم إن أدى العبد ما بقي عليه من مال الكتابة عتق، وإلا فالحكم على ما مضى. ومن قال يعتق قال يرجع السيد أيضا على شريكه بنصف ما دفع إليه العبد، لانه بينهما وقد عتق نصفه عن مكاتبة فاسدة، فعليه نصف قيمته لسيده، فان كانت القيمة وقدر ما أدى إليه سواء تقاصا وإلا ترادا الفضل. فاذا عتق نصفه سرى إلى نصيب شريكه إن كان موسرا ويقوم عليه نصيب شريكه لانه عتق بسبب كان منه، فاذا عتق لم يرجع على مكاتبه بشئ لاجل عتق الباقي، لانه ما بذل العوض في مقابله. وأما إن كاتب نصيبه منه باذن شريكه، فعندنا أنه يصح وعند جماعة، وقال بعضهم لا يصح، فمن قال لا يصح مضى حكمه إذا كان بغير إذن شريكه، ومن قال يصح على ما نقوله فيكون نصفه مكاتبا ونصفه قنا. فإما أن يكون بينه وبين الذي لم يكاتب مهاياة أو لا يكون ويكون الكسب بينهما بعد نفقته، وأيهما كان فاذا كسب وأدى إلى سيده الذي كاتب نصفه لم يخل من أحد أمرين إما أن يؤدي إليه ما يخصه من كسبه، أو يجمع الكسب كله ويسلم إليه. فان أعطاه ما يخصه من الكسب عتق ولا تراجع بينه وبين سيده، لانه مؤد عن كتابة صحيحة، وسرى العتق إلى نصيب شريكه، لان نصيب نفسه عتق بسبب كان منه، ونصيب شريكه قن فسرى العتق إليه، ويرجع الشريك على السيد الذي كاتب نصيبه بقدر قيمة نصيبه، ولا يرجع السيد على المكاتب بشئ مما ضمنه لشريكه، لانه ما بذل العوض عن نصيب الشريك. فأما إن جمع الكسب كله فأداه إلى الذي كاتب نصفه وكان وفاء ما عليه من الكتابة فعندنا لا يعتق بهذا الاداء، ومنهم من قال يعتق، وإنما قلنا بالاول لانه إذا قبض

[ 101 ]

الكل لم يملك منه إلا نصفه ولا تبرأ ذمة المكاتب عن جميع مال الكتابة، فلهذا لم يعتق. إذا كاتب عبده لم يكن له منعه من أن يسافر، وقال بعضهم له منعه، والاول أقوى عندنا، لان في السفر الاكتساب، وإن كان له شقص منه فكاتبه عليه باذن سيده الآخر كان لشريكه منعه من السفر لان نصيبه مملوك. ومتى كاتباه معا جاز وإن اختلفا في الثمن مثل أن يكاتب أحدهما نصفه بألف والآخر نصفه بألفين، وقال بعضهم لا يصح والاول أقوى عندي لانه مثل البيع. ومن قال بالثاني قال متى تفاضلا في الثمن مع التساوي في الملك بطلت المكاتبة وهكذا إذا كاتباه إلى أجلين متفقين مع الاختلاف في البذل أو أجلين مختلفين مع الاتفاق في البذل، فالكل جائز عندنا وفيهم من قال لا يجوز. إذا كان العبد بينهما نصفين فكاتباه معا على ألف كل واحد منهما على خمس مائة ثم ادعى أنه دفع إلى كل منهما كمال ما وجب له عليه، فان صدقاه معا عتق، و إن كذباه فالقول قولهما مع يمينهما، لان الاصل أن لا قبض، وإذا حلفا فان أدى إليهما عتق، وإن عجز، كان لهما أن يعجزاه ويرجع رقيقا قنا. فان صدقه أحدهما وكذبه الآخر عتق نصيب المقر لانه قد اعترف بقبض مال الكتابة، ويكون القول قول الآخر مع يمينه، لان الاصل أن لا قبض ولا تقبل شهادة المقر على المنكر لانه متهم بما يأتي ذكره. فأما إذا لم تقبل شهادته وحلف المنكر، كان له المطالبة بحقه من مال الكتابة لانه قد ثبت أنه ما قبض منه شيئا، ويكون بالخيار بين أن يطالب المكاتب بالخمس مائة، كلها، لانه قد حلف أنه ما قبض منه شيئا وبين أن يطالبه بمائتين وخمسين و يطالب شريكه بمائتين وخمسين، لان على المكاتب أن يؤدي مال الكتابة إلى كل واحد منهما بالحصة. فاذا ثبت أن المقر قد قبض منه خمس مائة كان لشريكه نصفها لانه لا يملك أن ينفرد بها، وله مطالبة المكاتب بمائتين وخمسين، لانه إذا كان له مطالبته بالخمس مائة كلها، فبأن يملك المطالبة بنصفها أولى وأحرى، وإنما قلنا ذلك لانه كسب

[ 102 ]

لعبديهما، فكان بينهما. فاذا ثبت أنه بالخيار فان اختار أن يقبض الخمس مائة من العبد فعل، وإن اختار أن يقبض منه نصفها ونصفها من شريكه فعل، فاذا قبض ذلك عتق العبد لان كل واحد منهما قد استوفى جميع ماله على أي وجه كان، فليس لاحد من المقر والمكاتب أن يرجع بما غرم على غيره بشئ لانه إن قبض الكل من المكاتب لم يكن للمكاتب أن يرجع على المقر بشئ من ذلك، لانه يقول ظلمنى بقبضها مني ثانيا، وإن رجع على شريكه بمائتين وخمسين لم يكن لشريكه أن يرجع على المكاتب بشئ من ذلك لانه يقول ظلمنى بذلك، وقد قبض حقه من المكاتب، وهذا المأخوذ مني ظلم. هذا إذا استوفى المنكر حقه فان تعذر عليه ذلك مثل أن قبض من شريكه مائتين وخمسين، ولم يقدر أن يقبض من المكاتب شيئا، أو أراد قبض الكل من المكاتب فلم يقدر على ذلك، كان له تعجيزه وفسخ الكتابة، لانه قد تعذر عليه الوصول إلى مال الكتابة، وكان له الرجوع إلى رقبة العبد. فاذا فسخ عاد نصيبه قنا ونصيب شريكه حرا، فان كان في يده مال فهو بين المكاتب وبين المنكر لا حق للمقر به، وإن اكتسب شيئا بعد هذا فهو بينهما أيضا و إذا ثبت هذا استقر الرق في نصيب المنكر، والحرية في نصيب المقر، ولم يقدم نصيب المنكر على المقر. هذا إذا ادعى على كل واحد منهما أنه أقبضه جميع حقه، فأما إذا ادعى أنه دفع الالف كله إلى أحدهما، ليدفع منه نصيب الشريك خمس مائة، ويمسك لنفسه خمس مائة، فأقر المدعى عليه أن جميع ما قبض منه خمس مائة قدر نصيبه، وأنه إنما دفع الخمس مائة إلى شريكه، حكمنا أن نصيب المقر قد عتق باقراره أنه قبض جميع ماله من مال الكتابة، والقول قول المنكر أنه ما قبضه بغير يمين، لان أحدا لا يدعي عليه القبض: لان المكاتب يقول ما أقبضته أنا شيئا، والقابض لا يقول أنه أقبض المنكر شيئا، فكان القول قوله بلا يمين، ولا يقبل شهادة المقر على المنكر، لانه يدفع عن

[ 103 ]

نفسه ضررا وهو رجوع الشريك عليه بمائتين وخمسين، ولانه لا تقبل شهادته لمن لا يدعي حقا قبل غيره. فاذا ثبت أن القول قوله بلا يمين، فله المطالبة بجميع حقه من مال المكاتبة، وهو خمس مائة، فيكون بالخيار بين أن يرجع بها على المكاتب وبين أن يرجع على الشريك بمائتين وخمسين وعليه بمائتين وخمسين كما قلنا في التي قبلها. فان قبض من المكاتب خمس مائة لم يكن للمكاتب أن يرجع بها على أحد، لانه يقول قد قبضها مني بحق لاني وكلت شريكه في إقباضه، فما ثبت إقباضه، وإن رجع على المقر بمائتين وخمسين لم يرجع المقر بها على أحد، لانه يقول ظلمنى بذلك ولا يرجع على أحد. فاذا ثبت هذا نظرت فان استوفى ماله منهما أو من المكاتب عتق المكاتب، لان جميع مال الكتابة قد استوفى منه، فان لم يستوف لكنه رجع على المقر بمائتين و خمسين، ورجع على المكاتب ليقبض منه فوجده عاجزا كان له تعجيزه، وفسخ الكتابة لتعذر مال الكتابة. فاذا فعل عاد نصيبه قنا ويقوم ههنا على المقر نصيب شريكه، لان العبد معترف أنه مسترق بحق لانه يقول قد قبض أحدهما المال مني، ولم يثبت أنه رجع إلى شريكه حقه منه، وأنا مملوك، فكان له تقويمه عليه. ويفارق الاول لان العبد يقول أنا حر وأنا مغصوب مغلوب على مسترق بغير حق، فلهذا لم يقوم على المقر نصيب المنكر. وإذا قال سلمت الالف إلى هذا ليقبض لنفسه خمس مائة، ويدفع إلى شريكه خمس مائة، فقال المدعى عليه صدقت، قد قبضت ذلك ودفعت إلى شريكى خمس مائة فأنكر الشريك فقال ما أقبضتني شيئا، فان نصيب المقر يعتق، لانه اعترف بقبض. جميع مال الكتابة، ولا يقبل قوله على شريكه ولا شهادته عليه، لانه متهم فيما يشهد به، لانه يسقطه رجوع شريكه عليه، ولانه يشهد على فعل نفسه فلا تقبل شهادته على فعله.

[ 104 ]

فاذا لم تقبل شهادته فالقول قول المنكر مع يمينه، لان الاصل أن لا قبض، وعلى المدعى عليه يمين فلهذا حلفناه، فاذا حلف حكمنا بأن نصيبه مكاتب، وكان له أن يطالب بجميع حقه من شاء من المكاتب والمقر: أما المكاتب فلانه يستحق عليه مال الكتابة، وهو يذكر أنه بعث به إليه مع المقر، وما حصل في يده شئ، وأما رجوعه على شريكه، فلانه قد اعترف بقبض جميع مال الكتابة، وأن نصف ذلك لشريكه المنكر، فكان له الرجوع عليه. فاذا ثبت له الخيار فان رجع على المكاتب كان له الرجوع بخمس مائة، فاذا قبض ذلك عتق المكاتب لانه استوفى مال الكتابة، وللمكاتب أن يرجع على سيده المقر بخمس مائة سواء اعترف المكاتب بأن المقر دفعها إلى المنكر أو لم يعترف، لانه و إن اعترف فعليه الضمان، لانه كان من سبيله أن يدفع إلى المنكر دفعا تبرأ ذمة المكاتب به، فاذا لم يفعل كان عليه الضمان. فاذا رجع بذلك عليه كان له، لانه قد أدى وعتق، وهذا القدر دفعه إلى المقر ليؤديه عنه، ويعتق. فلما لم يثبت هذا كان هذا المال فضل مال في يده للمكاتب يتفرد به. فأما إن رجع المنكر على شريكه المقر فليس للمقر أن يرجع بما غرمه على أحد لانه يقول قد ظلمت بهذا، لاني قد قبضته مرة وقد قبض ثانيا بغير حق، فلا يرجع به على أحد. هذا إذا اختار أن يرجع على من شاء منهما، فأما إن قال لا أرجع على غير المكاتب كان ذلك له، وليس للمكاتب أن يقول أنت تقدر على استيفاء ذلك من المقر لانه يقول أنا وإن كنت أقدر فلست أختار أن آخذ حقي إلا ممن لي عليه أصل الحق، وليس على المكاتب أيضا أن يطالب المقر بماله، لانه يجرى مجرى الاجبار على الكسب والمكاتب لا يجبر على الكسب. فاذا ثبت أن له مطالبة المكاتب مع القدرة على أخذ ذلك من الشريك نظرت فان امتنع المكاتب من ذلك كان له تعجيزه وفسخ الكتابة، فاذا فعل عاد نصيبه عبدا

[ 105 ]

قنا، ونقومه على المقر، لان عتقه بسبب كان منه، فيكون له على المقر قيمة نصيبه من العبد، وله عليه خمس مائة اعترف بقبضها، فلم يثبت إقباضها، لان هذا مال مكاتب قد عجز ورق. فأما إن تمحل المكاتب فأدى الخمس مائة إلى المنكر عتق، فكان له أن يطالب المقر بخمس مائة قبضها منه، لانه مال له عنده وقد عتق فكان له فضل ما حصل في يده. إذا كان العبد بين شريكين فكاتباه صحت الكتابة على ما مضى، فاذا صحت فليس له أن يخص أحدهما بالاداء دون شريكه بغير إذن شريكه لانه يفضى إلى أن ينتفع أحدهما بمال شريكه مدة بغير حق. وذلك أن المكاتب إذا قدم لاحدهما ربما عجز ورق فيرجعان معا في ماله نصفين، فيحتاج أن يرجع على القابض بنصف ما قبضه، بعد أن انتفع به في تلك المدة. هذا إذا كان بغير إذن شريكه، فان أذن له في ذلك ودفع باذنه صح عندنا، و قال بعضهم لا يصح، لان السيد لا يملك عين مال في يد المكاتب، لان حقه في ذمته فاذا أذن له في الاقباض فكأنه أذن له في غير حقه فكان وجوده وعدمه سواء. ولانه لو كان أتاهما بألف ليدفع إلى كل واحد منهما خمس مائة فتشاحا في تقديم أحدهما فقال أحدهما ادفع إلى شريكي خمس مائة ففعل فهلك الخمس مائة الباقية قبل أن يقبضها الآذن، كان للآذن أن يرجع على القابض بنصف ما قبضه، فلو كان الاذن صحيحا ما كان له الرجوع عليه بذلك. والاول أصح عندنا، لان السيد يملك ماله في ذمة المكاتب، ويملك الحجر على ما في يديه، بدليل أنه ممنوع من هبته وإقراضه والتغرير به، فاذا كان كالمحجور عليه فاذا أذن له فيه فقد رفع الحجر باذنه، فوجب أن يصح الاذن، لانه كان له حقان فاسقط أحدهما وبقى الاخر. وقول المخالف إذا دفع إلى أحدهما خمس مائة ثم هلكت الثانية فالجواب أنه إنما أذن له في تسليم ذلك إلى شريكه، ليسلم له خمس مائة قائمة في مقابلة ذلك، فاذا لم يسلم ذلك كان له الرجوع فيما قبضه، وليس كذلك هيهنا لانه أذن له أن

[ 106 ]

يقبض ما في يده ليبقى حقه في ذمة المكاتب. وذمة المكاتب موجودة بعد الاقباض، فلهذا تعلق حقه بها. فاذا تقرر هذا فمن قال القبض لا يصح كما لو دفع إلى القابض بغير إذن الاذن فينظر فيه، فان كان مع المكاتب مال يدفع إلى الآذن بقدر ما دفع إلى القابض فعل وعتق كله، لانه قد أدى جميع مال الكتابة، وإن لم يكن معه شئ غير الذي قبضه القابض، كان المقبوض منه للقابض والآذن نصفين، ويكون ما بقي من مال الكتابة لهما عليه، فان أداه عتق، وإن عجز فسخا عليه الكتابة ورق. هذا إذا قيل لا يصح القبض، ومتى قيل يصح القبض عتق نصيب القابض، لانه قبض جميع ماله من الكتابة قبضا صحيحا، ويكون له الولاء على قدر ما عتق منه وأما نصيب الاذن فهو على الكتابة، يقوم على القابض، لان العتق بسبب كان منه. وهل يقوم عليه نصيب الآذن في الحال أو عند العجز عن الاداء؟ على ما مضى من القولين: أحدهما يقوم في الحال نظرا للعبد، والثاني يؤخر التقويم نظرا للآذن لانه يرجو أن يحصل له ماله من مال الكتابة، ويستفيد الولاء عليه. فمن قال يقوم في الحال قال قوم وهو مكاتب، ويتضمن هذا انفساخ الكتابة، و عود المكاتب إلى الرق، والعتق بعده ويكون ولاء كله للقابض، فان كان في يده مال فهو للآذن، لانه عاد رقيقا، ولا شئ للقابض، لانه قد استوفى حقه، فان كان في يده أكثر مما قبض القابض أخذ الآذن منه بقدر ما قبض القابض، وكان الفضل بين الآذن والمكاتب، لان نصفه حر ونصفه عبد. ومن قال يؤخر تقويمه قال لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يؤدي أو يعجز أو يموت: فان أدى عتق، وكان الفاضل في يده له، ويكون ولاؤه بينهما. وإن عجز قومناه على القابض متى ظهر عجزه سواء فسخ سيده أو لم يفسخ، فاذا قومناه وهو مكاتب زالت الكتابة بالتقويم، وعاد رقيقا، ثم عتق كله على القابض فيكون الولاء كله له، فان كان في يد المكاتب مال كان للاذن نصفه، والباقي للمكاتب لانه مال اكتسبه. ونصفه حر ونصفه مكاتب.

[ 107 ]

وإن مات المكاتب قبل أن يقوم انفسخ عقد الكتابة بموته، ومات ونصفه رقيق فيكون نصف ما في يديه للسيد الآذن، لان نصفه مكاتب له، والنصف الباقي الذي هو له بما فيه من الحرية يرثه وارثه عندنا، فان لم يكن له وارث فلسيده الذي أعتق نصفه بحق الولاء وقال قوم يكون للسيد الآذن الذي يملك نصفه بحق الملك، وقال بعضهم ينتقل إلى بيت المال. إذا كاتب أمته وهي حامل فأتت بولد فإما أن تأتى به من سيدها أو من غيره فان أتت به من سيدها فهو حر لانها علقت به في ملكه، وصارت ام ولده، ويكون عقد الكتابة قائما بحاله، ويثبت لعتقها عند المخالف سببان الصفة وكونها ام ولد فأيهما سبق الآخر وقع به العتق. فان أدت قبل الوفاة عتقت بالاداء عندنا وعندهم، وإن مات سيدها قبل الاداء عتقت عندهم بوفاته، وعندنا أن كان لها ولد جعلت من نصيبه، ويعتق، وإن لم يكن ولد فهي باقية على الكتابة للوارث. وإن أتت به من غير سيدها من زوج أو زنا فالولد مملوك، لان ولد المملوك من زنا مملوك بلا خلاف، ومن زوج حر يكون مملوكا عندهم تابعا لامه، وعندنا يكون مملوكا كذلك إذا شرط استرقاقه. فاذا ثبت أنه مملوك فلا يكون مكاتبا معها بلا خلاف، لان الكتابة عقد معاوضة فلا يسرى إلى الولد، وما الذي يكون حكمه؟ قيل فيه قولان: أحدهما يكون موقوفا معها يعتق بعتقها، لان الولد يتبع أمه في الحرية، وسبب الحرية، فان كانت حرة كان حرا، وإن كان لها سبب الحرية تبعها فيه كام الولد، ولما ثبت لهذه المكاتبة سبب الحرية، ثبت لولدها، لان الولد يتبع أمه في الرق والعتق وسبب العتق وهذا مذهبنا، والقول الآخر عبد قن لسيدها. فاذا ثبت هذا فولد الآدميات على أربعة أضرب: ولد الحرة حر، وولد الامة القن عبد قن، إذا كان من زوج حر عندنا بشرط، وعندهم على كل حال، وإن كان من زنا بلا خلاف وولد المدبرة عندنا كامها، وعندهم على قولين كولد المكاتبة، و

[ 108 ]

ولد المعتقة بصفة عندنا مثل ولد الامة، لان العتق بالصفة لا يجوز، وعندهم على قولين: فمن قال ولدها مملوك سيدها كان للسيد كولد أمته القن يتصرف فيه كيف شاء لا يتعلق به شئ من أحكام الكتابة، ومن قال موقوف مع أمه على ما اخترناه ووقفناه فان عتقت امة عتق، وإن رقت رق معها. والكلام بعد هذا في أربعة فصول في قيمته بقتله وفي كسبه والنفقة والعتق. فأما القتل فمتى قتله قاتل فعليه قيمته، لانه مملوك، ولمن يكون؟ قيل فيه قولان أحدهما لسيده لان أمه لو قتلت كان له قيمتها، فكذلك ولدها، والثاني قيمته لامه تستعين بها على مال الكتابة، وهو الاقوى عندي، لان السيد إنما يملك حقه في ذمتها ولا يتجاوزها، وهذا العبد غير ما في ذمتها. وأما الكلام في كسبه وأرش الجناية، قال قوم إنه لامه لانه منها كبعض أجزائها، وقال آخرون هو موقوف، فان عتق كان كسبه له، وإن رق كان لسيده وهو الاقوى عندي، لان الكسب يتبع الذات، بدليل أن كسب الحر له، وكسب العبد لسيده ومنهم من قال يكون لسيده إذا قال لو قتل كانت قيمته لسيده. فمن قال كسبه لامه استوفته يوما بيوم، ومن قال لسيده استوفاه يوما بيوم، و من قال موقوف على ما اخترناه ووقفناه، فان أدت أمه وعتقت عتق بعتقها، وكان ما وقفناه من الكسب له، وإن استرقت أمه على العجز وهم سيدها بالفسخ كان لها أن تستعين بكسب ولدها على أداء ما عليها عندنا، لان فيه نظرا للكل وأنها يعتق هي وهو، ويملكان ما فضل، وإذا لم يفضل رقت ورق، وكان ما في يده لسيده، وكان الاحتياط هذا. وقال قوم ليس لها ذلك لانه لاحق لها فيه، فان مات هذا الولد قبل أن يعتق أمه أو يرق فمن قال قيمته لامه إذا قتل، قال يكون لها، ومن قال قيمته لسيده إذا قتل فالكسب له. فأما الكلام في نفقته، فمن قال كسبه لسيده فنفقته على سيده ومن قال موقوف

[ 109 ]

قال نفقته من كسبه، فإن كان قدر كفايته فذاك، فان لم يكن قدر الكفاية، قال قوم على سيده، لانه لو رق كان له، وقال آخرون من بيت المال والاول أقوى. فأما الكلام في عتقه، فان أعتقه السيد فمن قال كسبه لسيده أو قال موقوف و ليس لامه أن تستعين به عند إشرافها على العجز والرق، قال ينفذ عتقه، لانه لا مضرة على امه، ومن قال كسبه لامه أو قال موقوف ولها أن تستعين بذلك عند إشرافها على العجز، قال لا ينفذ عتق سيده فيه، لان فيه إضرار بامه. هذا الكلام في ولدها فأما ولد ولدها قال قوم ولد البنات وولد البنين كالامهات وأما ولد بنتها كولدها فقد مضى الكلام في ولدها وأما ولد ابنها فان كان تزوج بحرة فولده حر، وإن كانت أمة فولده منها بمنزلتها. ومن قال ولد المكاتبة من زوج عبد قن لسيدها، قال له أن يتصرف فيه على الاطلاق كولد أمته القن، فان كان الولد ابنة كان للسيد وطؤها على الاطلاق، والتصرف فيها كما يتصرف في الامة القن سواء ومن قال موقوف مع امه قال ليس للسيد وطؤها لان ملكه ناقص، فان خالف ووطئ فلا حد عليه لشبهة الملك. فأما المهر فهو مبنى على كسبها فمن قال كسبها لامها قال المهر لامها، ومن قال توقف معها قال يقف معها، ومن قال لسيدها قال لا مهر له، لانه لا يجب له على نفسه. فان أحبلها لحق بالنسب به، ويكون حرا لان الحد يسقط عنه لاجل الملك ولا يجب عليه قيمة الولد، لان امه صارت ام ولده، ولا يقوم ولدها عليه وأما الامة فقد صارت ام ولد لانه أحبلها بحر في ملكه، ولا يجب عليه قيمتها لانها ليست بملك لامها. فأما إن كانت للمكاتب أمة فليس للسيد وطيها، لنقصان الملك، فان وطئ فلا حد عليه لشبهة الملك، وعليه المهر لانه ككسبها وكسبها لمولاتها، فكذلك مهرها ويفارق هذا إذا وطئ بنت المكاتبة لانها ليست مملوكة لامها، فلهذا لم يجب عليه مهر مثلها.

[ 110 ]

فأن أحبلها فالولد حر لانها علقت بشبهة الملك، ولا يجب عليه قيمة الولد أيضا لانها صارت ام ولده بالاحبال، فلا يقوم عليه ولدها، وصارت ام ولد لانها علقت بحر في ملكه، وعليه قيمتها لمولاتها لانها مملوكة لمولاتها، وقد أتلفها عليها بأن صيرها ام ولد. ويفارق هذا إذا وطئ بنت المكاتبة فأحبلها وصارت ام ولده، حيث قلنا لا يجب عليه قيمتها، لانها ليس ملكا لامها. إذا كات أمته حرم عليه وطيها لانه نقص ملكه عنها، فان خالف ووطئ فلا حد عليه بحال، وقال شاذ عليه الحد وعليها التعزير، إن كانا عالمين، وإن كانا جاهلين عذرا، وإن كن أحدهما عالما عزر العالم. فأما المهر فلها عليه مهر مثلها، لان المهر كالكسب وكسبها لها، فكذلك المهر وسواء طاوعته أو أكرهها، لان الحد يسقط عنهما بسبب الملك. ويفارق الحرة لان الحرة إذا طاوعته كان زنا يجب عليها الحد، فيسقط مهرها، وإن أكرهها يسقط الحد ويجب لها المهر، وسواء وطئها مرة واحدة أو تكرر منه، المهر واحد، لان الاصل في إيجاب مهر المثل الشبهة، ولو تكرر وطيها بالشبهة لم يجب إلا مهر واحد. اللهم إلا أن يغرم المهر ثم يطأها بعد الغرامة، فحينئذ يجب عليه مهر ثان لان غرم المهر قطع حكم الاول، فاذا وطئ كان مستأنفا، فلهذا أوجبنا عليه مهرا ثانيا. فإذا ثبت وجوب المهر فانه من غالب نقد البلد، ويكون مهر المثل ويقدر ذلك الحاكم، فاذا حصل مقدرا في ذمته، فان كان مال الكتابة ما حل عليها، فلها أن يستوفيه منه، وإن كان حل عليها نجم فقد وجب له عليها مال، ولها عليه مال، فان كانا من جنسين استوفى كل واحد منهما ماله، وإن كانا جنسا واحدا عندنا يقع التقاص وعندهم على الاقوال التي مضت. وبقي الكلام في حكمها وحكم ولدها، فاذا أحبلها فالولد حر لانها علقت منه في ملكه وإن كانا ناقصا، وتكون ام ولده وكانت الكتابة بحالها، فاذا ثبت هذا

[ 111 ]

فقد حصل لعتقها سببان أداء في الكتابة، وموت سيدها، عندنا بأن تحصل في نصيب ولدها فتعتق، وعندهم بنفس الموت. وفيها ثلاث مسائل: إن أدت عتقت بالاداء وما في يدها وإن عجزت زال عقد الكتابة، وصارت ام ولد مطلقة، له وطيها بكل حال، وما في يديها لسيدها لان المكاتب إذا عجز ورق كان ما في يده لسيده. فأما إن مات سيدها قبل الاداء وقبل العجز، عتقت بموته، وزالت الكتابة كما لو كان باشر عتقها على ما فصلناه، عندنا بأن تحصل في نصيب ولدها، وعندهم بنفس الموت، فأما ما في يدها فعندهم لها، كما لو أعتقها في حال حياته، وهكذا يقتضيه مذهبنا إذا كان عتقها، بأن حصلت في نصيب ولدها. فأما الكلام في ولدها: إذا أتت به من زوج فهو ولد ام الولد وهو ولد المكاتبة فيكون ابن ام الولد فان كان زوجها حرا فالولد حر على كل حال إلا أن يشرط أن يكون حكم الولد حكمها، فحينئذ عندنا يصح ذلك، ويعتق بعتقها، وعندهم يتبعها من غير شرط ويعتق بعتقها، ومنهم من قال هو عبد قن لسيدها. وفيه المسائل الثلاث: إن أدت امه وعتقت عتق الولد عندنا، ومنهم من قال لا يعتق، فان عجز زال عقد الكتابة واسترق ولدها أيضا عندنا، ومنهم من قال لا يسترق ويعتق بموت سيدها، الثالثة إذا مات السيد قبل الاداء وقبل العجز عندهم يعتق بموت سيدها وولدها معها، وعندنا بأن تحصل في نصيب ولدها ويعتق ولدها تابعا لها. إذا كان للمكاتبة ولد واختلفا في ولدها، فقالت أتيت به بعد الكتابة، فهو موقوف معي، وقال السيد بل قبل الكتابة فهو رقيق لي، فالقول قول السيد، ومن قال ولدها رقيق لسيدها على كل حال لم يتصور عنده هذا الاختلاف. وإنما قلنا القول قول السيد، لان الاصل أن لا عقد حتى يعلم، ويلزمه اليمين، لانه يمكن أن تكون صادقة. إذا اختلفا في ولد المكاتب فقال السيد ملكي، وقال المكاتب بل ملكي، فالقول

[ 112 ]

قول المكاتب، وصورتها أن يتزوج المكاتب أمة سيده ثم يشتريها من سيدها، فاذا ملكها زال النكاح فما أتت به في الزوجية ملك لسيده، وما أتت به في ملكه فهو ملك له، لانه ابن أمته. فاذا اختلفا فيه فالقول قول المكاتب هيهنا لانهما اختلفا في الملك، ويد المكاتب عليه، كما لو تنازعا بهيمة ويد أحدهما عليها، ويفارق ولد المكاتبة وإن كانت يدها عليه، لانها لا تدعى ملكا وإنما تدعى أنه موقوف معها، واليد تدل على الملك ولا تدل على الوقف. إذا كاتبا أمة بينهما لم يكن لواحد منهما وطيها، فان خالفا ووطئا فلا حد عليهما لشبهة الملك، لكن إن كانا عالمين عزرا، وإن كانا جاهلين عذرا وإن كان أحدهما عالما والآخر جاهلا عزر العالم وعذر الجاهل. وأما المهر فواجب على الواطي والمهر لها، لانه من كسبها، ويكون مهر المثل من غالب نقد البلد، ثم ينظر فيه فان لم يكن حل عليها مال الكتابة كان لها أن يستوفيه من الواطي تستعين به في كتابتها، وإن كان قد حل عليها مال الكتابة وكان من غير جنسه لم يقع القصاص بينهما، وقبض كل واحد منهما حقه. وإن كان مال الكتابة من غالب نقد البلد، فان كان في يدها مال يؤديه بقدر مهر المثل إلى غير الواطي فعلت، وكان مالها على الواطي من مهر المثل قصاصا بينهما على ما مضى من الاقوال. وإن لم يكن في يدها مال كان لها أن يقبض من الواطي نصف مهر المثل، ويدفعه إلى غير الواطي، ويكون الباقي من ملكها على الواطي قصاصا بينهما على ما مضى فان كان ما اقتصت كل مال الكتابة عتقت، وإن كان أقل فقد عجزت ولكل واحد منهما الفسخ، فان لم يفسخا حتى أدت وعتقت، كان الفاضل في يدها. فان عجزاها ورقت لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون قبل أن يقبض من سيدها المهر أو بعد القبض، فان كان بعد القبض نظرت، فان كان المهر تالفا فقد تلف منهما، وإن كان قائما اقتسما معا كسائر أكسابها.

[ 113 ]

فان كان هذا قبل القبض نظرت فان كان في يدها مال بقدر مهر مثلها دفعته إلى غير الواطي، وبرئت ذمة الواطي عن المهر، لانه لا يجوز أن يكون لعبده القن مال في ذمة سيده، فان لم يكن معها مال بحال برئت ذمة الواطي عن النصف، وغرم لغير الواطي نصف المهر، كما لو وطئها وهي بينهما أمة قن. فأما الكلام في الولد فاذا أتت بولد نظرت فان أتت بعد الاستبراء من وطي السيد لم يلحق بالسيد، وهو ولد المكاتب من زوج أو زنا على ما مضى حكمه، فان أتت به قبل الاستبراء فالنسب لاحق، وهو حر وصار نصيبه منها ام ولد. فان كان الواطي معسرا لم يقوم عليه نصيب شريكه، وصار نصفها ام ولد، و كلها مكاتبة، فان أدت عتقت بالاداء، وإن عجزت ورقت فنصفها ام ولد، ونصفها قن فان مات الواطي عتق نصفها إما بوفاته أو من نصيب ولدها على ما مضى، ولا يقوم الباقي عليه، ولا على وارثه. وإن كان الواطي موسرا قوم عليه نصيب شريكه، لان الاحبال كالعتق، فاذا قومنا عليه في العتق قومنا في الاحبال. وقال قوم يقوم في الحال وقال آخرون إذا عجزت عن أداء مال الكتابة، كما إذا أعتق نصيبه وهو موسرا قوم عليه نصيب شريكه، ومتى تقوم؟ على القولين. فمن قال يقوم في الحال زالت الكتابة عن نصيب شريكه بالتقويم، وصارت كلها ام ولد ونصفها مكاتبا، فان أدت إلى الواطي ماله عليها من مال الكتابة، عتق نصفها ويسرى إلى باقيها فيعتق كلها، كما لو باشر عتق نصفها، وإن لم يؤد حتى مات السيد الواطي عتق كلها على ما مضى، لان كلها ام ولد. فأما من قال عند العجز قال يؤخر التقويم، فان أدت إليهما عتق كلها، وإن عجزت قومناها حينئذ وزالت الكتابة عن نصفها بالتقويم، وصار نصفها ام ولد للواطي ونصفها مكاتب وقد مضى حكمه إذا أدت أو لم تود مفصلا. وأما الولد فهو حر ونسبه لاحق على ما قلناه وأما قيمته فلا يجب على الواطي نصف قيمته، لان نصف الامة له، وهل يجب عليه لشريكه نصف باقيه؟ لم يخل من

[ 114 ]

أحد أمرين إما أن تضعه قبل التقويم أو بعده فان وضعته بعد التقويم فلا شئ على الواطي لانها وضعته في ملكه، وإن وضعته قبل التقويم فعليه نصف قيمته، لانه كان من سبيل هذا النصف أن يكون مملوكا لشريكه، وقد أتلفه على شريكه بفعله، فكان عليه نصف قيمته. فأما إذا وطئها كل واحد منهما فانه لا يجوز لهما ذلك، وإن خالفا ووطئ كل واحد منهما فلا حد لشبهة الملك، فان كانا عالمين عزرا، وإن كانا جاهلين عذرا وإن كان أحدهما عالما عزر وعذر الجاهل. وأما المهر فانه واجب على كل واحد منهما، والمهران لها لانه من كسبها ثم لا يخلو إما أن تؤدى فتعتق أو تعجز فترق، فان أدت وعتقت كان الفضل في يدها بعد الاداء، فان كانت قبضت المهر وإلا قبضته من كل واحد منهما، وأما إن عجزت ورقت كان ما في يدها بينهما، لانها ملكهما، فان كانت قبضت المهرين فان كان المال قائما فهو بينهما، وإن كان تالفا فبينهما، وبرئت ذمة كل واحد منهما من المهر، لانها قبضته في وقت كان لها القبض. وإن كانت ما قبضت المهرين كان لها على كل واحد منهما مهر مثلها وقد رقت فلا يكون لها في ذمته حق بعد الرق، فان كان المهران سواء سقط عن كل واحد منهما نصفه بحقه، وكان لصاحبه عليه مثل ماله عليه فيتقاصان على ما مضى. وإن كان أحد المهرين أكثر ووجه الفضل في المهر أن يطأها أحدهما وهي بكر ويطأها الآخر وهي ثيب، وكذلك إن وطئها أحدهما وهي جميلة، ويطأها الآخر وهي قبيحة أو مريضة، فما تساويا فيه تقاصا، وما فضل على أحدهما بينهما سقط عنه بقدر ملكه، ويستوفي شريكه منه الباقي، فان أفضاها أحدهما فعليه كمال قيمتها يسقط عنه نصف القيمة بحقه منها، ويكون الباقي عليه لشريكه. فان ادعى كل واحد منهما على شريكه أنه الذي أفضاها وأنه هو الذي وطئها دونه، حلف كل واحد منهما لصاحبه، وسقط حكم الوطي والافضاء ولم يجب على واحد منهما لصاحبه شئ.

[ 115 ]

هذا إذا لم تحمل وأما إن حملت فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون بعد أن استبرأها كل واحد منهما، أو قبل أن استبرأها، فان أتت به لستة أشهر فصاعدا بعد الاستبراء لم يلحق الولد بواحد منهما لان بالاستبراء قد زال حكم الوطي، ويكون هذا ولد مكاتبة، عندنا يتبعها وعند بعضهم يكون رقا لمولاها. وإن أتت به قبل الاستبراء لم يخل من أربعة أحوال أما أن يكون منتفيا عنهما أو ملحقا بالاول دون الثاني، أو الثاني دون الاول، أو يمكن أن يكون من كل واحد منهما. فان كان منتفيا عنهما، مثل أن أتت به لاكثر من أقصى مدة الحمل، من حين وطئها الاول، ولاقل من ستة أشهر من حين وطئها الثاني، لم يلحق بواحد منهما والحكم فيه كما لو أتت به من زوج أو زنا وقد مضى أنه على قولين. وأما إن لحق بالاول دون الثاني، هو إن أتت به لستة أشهر فصاعدا إلى تمام أقصى مدة الحمل من حين وطئها الاول، ولاقل من ستة أشهر من حين وطئها الثاني فهو من الاول دون الثاني. ولا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون موسرا أو معسرا، فان كان موسرا قومنا عليه نصيب الثاني، لان الاحبال كالعتق، وهل تقوم عليه في الحال أو عند العجز؟ على قولين: فمن قال تقوم في الحال قومت عليه، وزالت الكتابة عن نصيب الثاني، وصار كلها ام ولد للاول، ونصفها مكاتبا، والحكم فيما في يدها وفي أدائها وعجزها فقد مضى. ومن قال تقوم عند العجز عن أداء مال الكتابة قال يؤخر، فان أدت عتقت كلها، وما فضل في يدها لها، وإن عجزت واختار الثاني الفسخ دون الاول وفسخ قومناها على الاول، وصارت كلها ام ولد، ونصفها مكاتب. وبقى الكلام فيما لكل واحد منهما على صاحبه أما الثاني فله على الاول نصف المهر لما مضى، وعليه نصف قيمتها بالتقويم.

[ 116 ]

وأما الولد فكل موضع أتت به بعد أن صارت ام ولد للاول، فلا يجب عليه قيمة الولد لانها وضعته في ملكه، وكل موضع أتت به قبل التقويم على الاول فعلى الاول نصف قيمة الولد لانه كان سبيله أن يكون نصفه مملوكا للثاني، وقد أتلف عليه فعليه قيمة للثاني. وأما ما يجب للاول على الثاني، فينظر في الثاني، فان كان قد وطئها بعد أن حكمنا بأنها ام ولد الاول، فعليه كمال مهر مثلها، فان كان الاول قد فسخ الكتابة في حق نفسه، فكل المهر له، لانها ام ولده، وإن كان الاول ما فسخ الكتابة في حقه فنصف المهر لها، لان نصفها مكاتب، ونصفه لسيدها، لان النصف الباقي غير مكاتب. وإن كان الثاني وطئها بعد زوال الكتابة في حقه، وقبل الحكم بكونها ام ولد الاول، فعليه نصف المهر، ويسقط عنه النصف، لان نصفها قن له، وما يصنع بهذا النصف الواجب عليه؟ نظرت. فان كان الاول فسخ الكتابة في نصيبه، فالنصف كله له، وإن كان ما فسخ الكتابة في نصيبه، فكل هذا النصف لها، لان نصفها مكاتب. وأما إذا كان الاول معسرا فان نصيبه منها ام ولد، لانه أحبلها في ملكه، ولا يقوم عليه نصيب شريكه، لان التقويم لاخذ القيمة، فاذا كانت معدومة لم يقع التقويم ويكون نصفها ام ولد، وكلها مكاتبة. ثم لا يخلو حالها من أحد أمرين إما أن تؤدى فتعتق أو تعجز فترق، فان أدت وعتقت فلا كلام، ويكون الفاضل في يدها، فان كانت قد قبضت المهرين كانا لها، و إن لم يكن قبضت كان لها قبضهما، لان المهر كالكسب وكسبها لها، وإن عجزت فرقت، فان كان المال قائما في يدها كان لهما، وإن كان تالفا كان منهما. وإن لم يكن قبضت المهرين برئت ذمة كل واحد منهما عن نصف المهر، لانها لا تستحق في ذمة مولاها بعد الرق حقا، ويكون لكل واحد منهما على صاحبه نصف

[ 117 ]

المهر، فان كان المهر سواء تقاصا، وإن كان أحدهما أكثر ترادا الفضل على ما فصلناه. وأما الكلام في الولد فقال قوم حر كله، لان الاحبال إذا كان في ملكه وكان الواطي حرا لم ينعقد بعضه حرا وبعضه عبدا، وقال بعضهم نصفه حر ونصفه رق لانه لا يمنع أن يحبل من هذه صفته، ألا ترى أن من نصفها حر لو أتت بولد من زوج أو زنا كان نصفه حرا ونصفه عبدا. هذا إذا كان للاول دون الثاني، وأما إذا لحق بالثاني دون الاول، مثل أن أتت به لاكثر من أقصى مدة الحمل من حين وطئ الاول، ولستة أشهر فصاعدا إلى تمام أقصى مدة الحمل من حين وطئ الثاني، فهو للثاني دون الاول، فان كان كذلك كان حكم الثاني كحكم الاول، وحكم الاول كحكم الثاني في الفصل الذي قبله حرفا بحرف، وإنما يختلفان في فصل نذكره فنقول: لا يخلوا الثاني من أحد أمرين إما أن يكون موسرا أو معسرا، فان كان موسرا قومنا عليه نصيب شريكه، وهل تقوم في الحال أو عند العجز؟ على قولين: فمن قال يقوم في الحال قوم ههنا، وصارت كلها ام ولد للثاني، ونصفها مكاتب. ومن قال يقوم عند العجز نظرت، فان رضي الثاني بالمقام على الكتابة قوم عليه نصيب الاول، وصار كلها ام ولد الثاني، ونصفها مكاتب، وإن اختار الثاني الفسخ فسخ وقوم عليه، وصارت كلها ام ولد الثاني، وبماذا يرجع كل واحد منهما على صاحبه؟ أما رجوع الاول على الثاني فنصف المهر، ونصف القيمة، ونصف قيمة الولد على ما فصلناه، وأما رجوع الثاني على الاول فنصف المهر على كل حال، لانه إذا كان هو الواطي أولا، فلا يمكن أن يكون وطيها صادف ام ولد الثاني، فلهذا لم يجب للثاني على الاول إلا نصف المهر، ويفارق التي قبلها، لانه يمكن أن يكون الثاني وطئها بعد أن صارت ام ولد الاول، فلهذا كان على الثاني للاول كمال مهر مثلها.

[ 118 ]

هذا إذا كان الثاني موسرا، فأما إن كان معسرا فعلى ما مضى، والحكم في الولد على ما مضى من الوجهين، وإنما ذكرنا الثاني إذا كان موسرا ليتبين موضع الفصل بين المسئلتين. وأما إن أمكن أن يكون من كل واحد منهما مثل أن أتت به لستة أشهر فصاعدا من وطي كل واحد منهما، وتمام أقصى مدة الحمل من وطي الاول، فاذا أمكن ذلك أقرعنا بينهما، فمن خرج اسمه ألحقناه به وعند بعضهم يرى القافة. ومتى لحق بالاول دون الثاني، فقد مضى حكمه، وإن لحق بالثاني دون الاول فقد مضى حكمه، ولا يتقدر عندنا أن يلحق بكل واحد منهما. ومن قال بالقافة قال إن لحقوه بكل واحد منهما أو أشكل الامر قال قدرنا عليهما نفقته إلى أن يبلغ وينتسب إلى أحدهما فنلحقه به كما لو ألحقته القافة، وهل يرجع بما أنفق على الآخر؟ على قولين، فاذا كان موسرا قوم عليه نصيب شريكه، وهل يقوم عليه في الحال أو عند العجز على ما مضى من القولين. وعلى مذهبنا إذا خرج اسم أحدهما والحق به قوم عليه نصيب شريكه منها إن كان موسرا، وإن كان معسرا لم يقوم عليه، ويكون على ما كانت من الكتابة، والحكم على ما مضى، ومتى قومت عليه صارت كلها ام ولده، ونصفها مكاتب، والحكم فيه على ما مضى. إذا ادعى على سيده أنه قد أعتقه فان أقر له السيد، فلا كلام، وإن أنكر فعلى العبد البينة شاهدان، فان أقامهما وقبلهما الحاكم، حكم بعتقه، فان ردهما لفسق أو لغيره فالعبد على ملك سيده، ويكون الكلام في أربعة فصول في بيعه من الشاهدين وفي عتقه إذا باعه منهما، وفي الولاء والميراث. فأما البيع فان باعه من غير الشاهدين كان بيعا في الطرفين، فان باعه منهما كان بيعا من جهته، واستنقاذا من جهتهما كما يستنقذان الاسير من يد المشركين. وأما العتق فانا نحكم بأنه عتق عليهما، لان الحق صار إليهما، كما لو قال رجل لعبد في يد زيد أنه حر وإنما استرقه ظلما، لم يقبل قوله على زيد، فان ملكه

[ 119 ]

المقر عتق. وأما الولاء فعليه الولاء، لان العتق لا ينفك من الولاء لكنه ولاء موقوف فان المشتري لا يدعيه، والبايع لا يدعيه، فيقف الولاء. وأما الميراث، فاذا مات هذا العبد فقد مات بعد الحكم بحريته، فاذا كان له وارث مناسب كان له تركته، وإن لم يكن هناك مناسب قيل للبايع ما قولك في هذا العبد؟ فان قال: صدق الشاهدان كنت أعتقته ثم بعته، وهو حر، قلنا له: البيع باطل، لان المشتري معترف بذلك، وعليك رد الثمن، ولك الميراث بالولاء، لانك جحدت سبب الارث ثم اعترفت. وإن قال البايع كذب الشاهدان ما بعت إلا عبدا قلنا للشاهدين ما تقولان أنتما؟ فان قالا صدق البايع ما كان أعتقه، وما باع إلا عبدا ولا اشترينا إلا عبدا، قلنا فهو رقيق لكما في الباطن، وهو حر في الظاهر، و التركة لكما بحق الملك في الباطن و حق الولاء في الظاهر. وإن قالا كذب البايع ما باع إلا حرا، وما اشترينا عبدا، وإنما استنقذناه من الرق، وخلصناه من الظلم، قلنا فأحد لا يدعى الولاء: قال قوم يوقف الميراث، و قال آخرون لا يوقف. وللمشتري أقل الامرين من التركة أو الثمن، فان كان التركة أقل من الثمن الذي استنقذاه به، فله التركة كلها، وإن كان الثمن هو الاقل فللمشتري منها قدر الثمن، وما بعده موقوف، لانه إن كذب الشاهدان فالعبد لهما في الباطن، والولاء لهما في الظاهر فكل التركة لهما، وإن صدق الشاهدان فالتركة للبايع، وقد أخذ منهما ثمن الحر ظلما، وقد وجدا له مالا فيأخذان قدره من التركة قدر الثمن، ويقف الباقي، وهذا هو الاقوى عندي. إذا قال لعبده إن ضمنت لي ألفا فأنت حر، فقد علق عتقه بضمانه، فاذا ضمن و وجد الشرط، عندنا لا يقع العتق، لان العتق لا يقع بشرط عندنا، وعندهم يقع، و يلزمه المال.

[ 120 ]

وإن قال له أنت حر على ألف أو على أن عليك ألفا أو بألف فالحكم فيه كمال لو قال إن ضمنت لي ألفا فأنت حر، فان قال إن أعطيتني ألفا فأنت حر فقد علق العتق بالعطية، فاذا وجدت وقع العتق عندهم، وعندنا لا يقع لما مضى. وسواء كان الشرط ضمانا أو عطية، فمن شأنها أن يكون على الفور عقيب الايجاب عندهم، كالبيع، وإن تراخى عن الجواب بطل الايجاب. فان قال أنت حر وعليك ألف عتق ولا شئ لسيده لانه لم يجعل الالف عطية ولا ضمانا وإنما أخبر أن له عليه ألفا بعد العتق، وهكذا الحكم في الطلاق في جميع ما حكمناه. فان قال العبد لسيده قد علقت عتقي بضمان ألف، وقد ضمنتها وهي على وأنا حر، فالقول قول السيد مع يمينه، فاذا حلف فالعبد على الرق. فأما إن باع السيد عبده من نفسه بالف، فقال بعتك نفسك بألف، فقال قبلت صح كالكتابة، وقد قال بعضهم لا يصح بألف، لان الثمن إن كان عينا فالعبد لا يملك وإن كان في الذمة فالسيد لا يملك في ذمة عبده دينا، والاول أقوى عندنا، لانه إنما يملك إذا لم يتعلق بعتقه فأما إذا تعلق بعتقه فانه يملك كالكتابة. فمن قال لا يصح فلا كلام، ومن قال يصح فان وقع البيع مطلقا كان الثمن حالا، ويعتق العبد والولاء لمولاه، فاذا وجد طالبه به، ويليق بمذهبنا أن يكون ولاؤه للامام، وأنه سائبة لا ولاء لمولاه عليه، إلا أن يشترط ذلك كالكتابة عندنا، و إن كان الثمن إلى أجل كان على ما وقع عليه العقد. فان ادعى السيد أنه باع عبده من نفسه بالف وقبل العبد ولزمه الثمن، فان أقر العبد بذلك فهو حر، وولاؤه لمولاه، وعليه الالف، فان كذبه فالقول ما قال العبد أنه ما قبل ذلك، فاذا حلف سقط دعوى السيد من الثمن، والعبد حر لان السيد أقر بزوال ملكه عنه، وتلفه بعد الزوال، فلم يعد إليه كقوله بعتك يا زيد عبدي بألف وقد أعتقته فاذا حلف زيد برئ من الثمن، والعبد حر لا يعود إلى البايع، لانه

[ 121 ]

أقر بزوال ملكه وتلفه بعد الزوال. إذا كاتب رجل عبدا على مال إلى أجلين إن المكاتب عجل للسيد المال قبل محله، فانه ينظر، فان كان من الاشياء التي لا يبقى على الدوام، ويتلف كالطعام والرطب وما أشبهه، لم يجب عليه قبوله بلا خلاف، لانه ربما كان له غرض في حصول المال في الوقت المؤجل. وهكذا إن كان من الاشياء التي تبقى لكن يلزم على حفظه مؤنة كالطعام الكثير والخشب الثقيل، فانه لا يجبر على قبوله، لان عليه في حفظه إلى ذلك الوقت ضررا وإن كان مما قد يتلف ويلزم عليه مؤنة لم يجب عليه قبوله لامرين كل واحد منهما يمنع الاجبار. وإن كان مما لا يتلف ولا يلزم على حفظه مؤنة كالدراهم والدنانير والصفر و النحاس والرصاص نظر فان كان في البلد فتنة، وكان حين عقد العقد البلد مستقيما لم يجبر على قبوله، لان عليه فيه ضرر الخطر، وإن كان وقت العقد مفتنا، قال قوم لا يجبر عليه، وقال آخرون يجبر عليه، والاول مذهبنا. وأما إن كان البلد مستقيم الحال، فعندنا لا يجبر على قبوله، وعندهم يجبر فان امتنع أخذه الحاكم له، وبرئت ذمة العبد، لان الاجل حق من عليه الحق فاذا أسقط حقه وعجل الدين الذي عليه، اجبر من له الدين على قبوله، وعندنا لا يجبر في الدين أيضا. فاذا ثبت هذا فان قبض السيد المال صح قبضه، وعتق العبد، لان ذمته برئت من مال الكتابة. إذا كاتب عبده على ألف درهم إلى أجلين فجاءه بخمس مائة قبل الاجل، وقال خذ هذه على أن تبرئني من الباقي لم يصح فانه مضارع لربا الجاهلية، لانه ينقص من الحق لينقصه من الاجل، وربا الجاهلية كان يزيده في الحق ليزيده في الاجل فان قبض المال لم يصح قبضه، لانه إنما دفعه بشرط أن يبرئ من مال الكتابة. فأما إذا قال له خذ هذه الخمس مائة وأبرئني من الباقي إن شئت، ففعل ذلك

[ 122 ]

وأبرأه، صح القبض، وصح الابراء، لانه دفع مطلقا عن شرط. وإن قال للعبد عجز نفسك وادفع إلى خمس مائة حتى اعتقك لم يصح ذلك لانه ربما أخذ الخمس مائة ولا يعتقه. وإن قال إذا عجزت نفسك وأعطيتني خمس مائة فأنت حر، تعلق العتق بصفة التعجيز ودفع الخمس مائة، عندنا لا يصح، لانه عتق بصفة، وعندهم يصح ومتى دفع الخمس مائة عتق، وثبت بينه وبين السيد التراجع، فيحتسب له بما دفعه، و يحتسب عليه بقيمته، ويتراجعان الفضل، لانه جعل بدل العتق الخمس مائة، والتعجيز لا يصح أن يكون بدلا عن العتق، فكأنه أوقع العتق على بدل فاسد، فيسقط البدل المسمى ويثبت بينهما التراجع.

[ 123 ]

* (فصل) * * (في بيع المكاتب وشرائه وبيع كتابته ورقبته) * المكاتب يصح بيعه وشراؤه من سيده وغيره، لان المقصود من الكتابة حصول العتق وإنما يحصل العتق بالاداء والاكتساب والتصرف، فوجب أن يمكن من الاكتساب فان بيع شقص في شركته كان له أخذه بالشفعة، لانه قد يكون له حظ في الاخذ بالشفعة، ويجوز أن يأخذه من سيده بالشفعة، ولا يأخذ السيد منه بالشفعة، لان السيد ممنوع من التصرف في المال الذي في يده، كمال الاجنبي. وليس للمكاتب أن يهب شيئا من ماله ولا أن يبيعه بالمحاباة، ولا أن يقرضه بغير إذن سيده، لان في هذه الامور إتلاف المال، ولا حظ له فيها. فان فعل ذلك باذن سيده أو اختلعت من زوجها باذن سيدها على عوض بذلته فعندنا يصح جميع ذلك، ومنهم من قال لا يصح جميع ذلك، والاول أصح لان المال لا يخلو من بين السيد والعبد، فاذا وهب أحدهما وأذن الآخر صحت الهبة كالشريكين في المال إذا وهب أحدهما باذن صاحبه. إذا وجبت على المكاتب كفارة في قتل أو ظهار أو جماع ففرضه الصوم بلا خلاف فان كفر بالمال بغير إذن سيده لم يصح لانه مستغن عن التكفير بالمال، لانه يمكنه التكفير بالصوم. فان أذن له السيد في ذلك، فان أراد أن يكفر بالعتق لم يجز بلا خلاف عندنا، لانه فعل ما لم يجب عليه، وعندهم لان العتق يتضمن ثبوت الولاء وليس المكاتب من أهل الولاء، وأما إن أراد أن يكفر بالاطعام أو الكسوة فعندنا لا يجزيه لانه فعل ما لم يجب عليه، ومنهم من قال يجزيه. ومتى باع المكاتب فلم يفترقا حتى مات المكاتب ووجب البيع، فقد مضت في البيوع، ومنهم من قال لا يجب البيع.

[ 124 ]

ولا يجوز أن يبيع شيئا بثمن مؤجل لان فيه تغريرا بالمال، وإن كان بأضعاف ثمنه. وكذلك ليس له أن يبيع بثمن مؤجل على أن يأخذ رهنا أو ضمينا لان الرهن قد يتلف، والغريم قد يجحد، ويفلس، ويموت فلا يخلف شيئا، وإن كان في يد المكاتب شئ تساوى مائة فيبيعه بمائة وعشرين ويقبض المائة، ويبقى العشرين إلى أجل صح لانه لا غرر فيه. فأما إن ابتاع المكاتب بدين فانه جايز لانه ليس فيه تغرير عليه، بل التغرير على البايع، وهكذا أن يستسلف في ذمته، لان فيه حظا له إلا أنه ليس له أن يدفع بذلك رهنا لان الرهن أمانة في يد المرتهن، فربما يتلف في يده فيكون من ضمان المكاتب، ويبقى الدين في ذمته على حالته. وليس له أن يدفع مالا قراضا إلى غيره، وإن كان أمينا لانه ربما أفلس أو جحد أو خان، وليس له أن يهب بغير إذن سيده، سواء كان بثواب أو بغير ثواب لان العوض فيها غير مقصود، ولاجل هذا لا يكون لولي الطفل أن يهب مال الطفل لا بشرط ولا بغيره. وإذا وهب شيئا لسيده فقبله صحت الهبة عندنا، لان الهبة باذن سيده عندنا جايزة، وكان هذا بمنزلة إذنه فأما من قال هبته باذن سيده لا يصح قال لا يصح هذه الهبة. إذا كان للمكاتب على سيده مال وحل للسيد شئ من النجوم فليس يخلو إما أن يكون الحقان من جنس واحد أو من جنسين، فان كانا من جنس واحد من النقود ففيه أربعة أقاويل مضت، أصحها عندنا أن يصير قصاصا. وإن كان احدهما من غير جنس الآخر أو كانا من غير النقود، فأن احدهما لا يصير قصاصا عن الاخر بلا خلاف، ولا يخلو حال الحقين من ثلاثة أحوال: إما أن يكونا نقدين أو عرضين أو نقد وعرض، فان كانا نقدين فلا يحتاج إلى قبض الحقين معا، بل يقبض أحدهما ما عليه من صاحبه ثم يرده عوضا عما له في ذمته لان دفع العرض عن الدراهم والدنانير في الذمة يجوز.

[ 125 ]

وإن كانا عرضين فلابد أن يقبض كل واحد منهما ماله على صاحبه، ولا يجوز أن يقبض أحدهما ثم يرد ما قبضه على الآخر عوضا عما له عليه، لان هذا العرض الذي في الذمة ثابت في أحد الحقين عن سلم، فان المكاتب لا يجوز له أن يعوض ما في يده من المال، وأخذ المال عن العوض الثابت في الذمة عن كتابة أو سلم غير جايز. فأما إذا كان أحدهما نقدا والآخر عرضا فانه إن قبض صاحب النقد حقه لم يجز أن يدفعه عوضا عن العرض الذي في ذمته، بل عليه تسليمه وإقباضه، وإن قبض صاحب العرض حقه جاز أن يدفعه بدلا عن النقد وعوضا عنه، لما ذكرناه من التعليل. وإذا حل على المكاتب دين سيده وكان للمكاتب على إنسان دين فقال له السيد يعني ما لك في ذمة فلان بمالي في ذمتك، ففعل لم يصح البيع، لانه بيع دين بدين وإنما يجوز أن يحيله بالدين على ذلك الغير، فيكون حوالة دين بدين. إذا كاتب عبدا ثم اشترى المكاتب عبدا وأعتقه بغير إذن سيده فالعتق لا ينفذ لان ذلك إتلاف مال وهكذا إن كاتبه بغير إذن السيد لم يصح الكتابة، لانها تجري مجرى العتق. فأما إن أعتق عبدا باذن سيده أو كاتبه باذنه فعندنا يصح، وقال بعضهم لا يصح فمن قال لا يصح قال العتق لا ينفذ، فالكتابة باطلة والعبد باق على ملكه، فان أدى المال إليه لم يعتق، ومن قال العتق ينفذ والكتابة يصح على ما اخترناه، قال إن أدى مال الكتابة عتق. وأما الولاء فعندنا أنه يكون سائبة، وقال بعضهم هو للسيد، وقال آخرون هو موقوف، فمن قال الولاء للسيد قال استقر الولاء له، سواء عجز المكاتب نفسه أو أدى فعتق فان الولاء لا ينفك عن السيد. إذا مات العبد كان المال للسيد، ومن قال الولاء موقوف قال إن أدى المكاتب عتق واستقر الولاء له، فان عجز المكاتب نفسه استرقه السيد فأخذ ماله وكان الولاء له وإن مات قبل أن يعجز أو يؤدي فلمن يكون ماله؟ فيه قولان أحدهما يكون موقوفا على ما بين من أمر المكاتب كالولاء سواء، الثاني أنه للسيد.

[ 126 ]

والفرق بينه وبين الولاء، أنه لما جاز أن ينتقل الولاء من شخص إلى شخص جاز أن يكون موقوفا، والميراث لا يجوز أن ينتقل من شخص إلى شخص، فلم يجز أن يقف. إذا كاتب عبدا على مال ثم إن السيد باع المال الذي في ذمة المكاتب، قال قوم البيع صحيح، وقال آخرون لا يصح، وهو الاقوى عندي، لما روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن بيع ما لم يقبض وهذا بيع ما لم يقبض. فاذا بطل البيع لم يملك المشتري مطالبة المكاتب بشئ، لانه ما ملك عليه شيئا فيطالبه، ولا يجوز للمكاتب أن يدفع إليه شيئا، فان جمع مالا ودفعه إلى المشتري فلا يعتق به عندنا. وقال بعضهم يعتق، لان السيد لما باع المال من المشتري أذن له في قبضه و سلطه عليه، فصار كالوكيل له في قبض المال. والاول أصح، لان المشتري لم يقبض المال للسيد، وإنما قبضه لنفسه، و قبضه لنفسه ما صح، فانه ما استحق شيئا، فاذا لم يصح قبضه لنفسه، صار وجود ذلك القبض منه كعدمه، فلم يبرأ ذمة المكاتب بذلك الدفع، كما لو دفعه إلى أجنبي. ومن قال يعتق، قال: إن ذمته تبرأ من مال الكتابة لانه ما عتق إلا بعد براءة ذمته من المال وتبقى المنازعة بين السيد وبين المبتاع في المال الذي قبضه من المكاتب وفي النجم الذي دفعه المبتاع إليه، فان كان المال الذي قبضه المشتري، والثمن الذي دفعه المبتاع إليه باقيين، رجع المشتري بما دفع، واسترجع منه ما أخذ، فان كانا تالفين حصل التقابض بينهما فيما تساويا فيه، ورجع أحدهما على صاحبه بالفضل الذي بقي له. ومن قال إن المكاتب لا يعتق، فان ذمته لا تبرأ من مال الكتابة، فيستحق السيد أن يطالبه بمال الكتابة، ويستحق هو أن يطالب المشتري بما دفعه إليه، و استحق المشتري مطالبة السيد بالثمن الذي دفعه إليه. إذا كان لرجل في ذمة رجل حر دين عن غير سلم، فباعه من إنسان بعوض إما

[ 127 ]

ثوب أو غيره قال قوم إنه يصح لانه لما جاز أن يبتاع بدين في ذمة نفسه جاز أن يبتاع بدين له في ذمة غيره، لان كل واحد من الدينين مملوك. وقال آخرون إنه لا يصح لان الدين الذي له في ذمة الغير ليس بمقدور على تسليمه، فانه ربما منعه من هو عليه، وربما جحده، وربما أفلس، ومن ابتاع ما لا يقدر على تسليمه بطل بيعه، كما لو ابتاع بعبد مغصوب أو آبق، والاول رواية أصحابنا وقالوا إنما يصح لانه مضمون. إذا اشترى المكاتب من يعتق عليه بحق القرابة كالآباء والامهات وغيرهم، فان اشتراه بغير إذن سيده بطل الشراء، وقال بعضهم يصح الشراء، ولا يصح التصرف فيه استحسانا، والاول أصح عندنا، لان في ابتياعهم إتلاف المال، فانه يخرج من يده شيئا ينتفع به ويمكنه التصرف فيه، ويستبدل مكانه مالا ينتفع به ولا يمكنه التصرف فيه، فهو إتلاف في الحقيقة، فأما إذا اشتراهم باذنه، فعندنا أنه يصح، وقال بعضهم لا يصح. فأما إذا اوصى له به وأراد أن يقبل الوصية، فانه ينظر، فان كان ممن يجب عليه نفقته، بأن يكون زمنا أو شيخا كبيرا أو طفلا صغيرا لم يجز قبول الوصية فيه لانه يستضر بوجوب النفقة عليه، وإن كان جلدا مكتسبا تقوم نفقته بكسبه، فله أن يقبل الوصية منه، بل هو مندوب إليه، لانه إذا ملكه لا يستضر. فاذا ثبت هذا، وقبل الوصية، ملكه ولم يجز له التصرف فيه، لان الابن لا يجوز أن يتصرف في أبيه، لكنه يقف معه، فان أدى وعتق عتق هو أيضا ويكون ولاؤه له، فان عجز عن نفسه واسترقه السيد، استرق الابن معه، وحصلا مملوكين. وإن جنى هذا العبد جناية يتعلق أرشها برقبته لم يكن للسيد أن يفديه، لانه يخرج عن عبده عوضا ينتفع به ويتصرف فيه، ويستبقي مالا ينتفع به ولا يتصرف فيه، فلم يجز له ذلك. لا يجوز [ بيع ] رقبة المكاتب عندنا وقال بعضهم صح وفيه خلاف ذكرناه [ في الخلاف ].

[ 128 ]

* (فصل) * * (في كتابة الذمي) * يجوز كتابة النصراني بما يجوز به كتابة المسلم لعموم الآية، والخبر، وإنما تصح كتابته على الوجه الذي يصح عليه كتابة المسلم، وترد على الوجه الذي ترد عليه كتابة المسلم. فاذا كاتب عبدا ثم ترافعا إلى حاكم المسلمين حكم بينهما بحكم الاسلام، فان كانت الكتابة تجوز بين المسلمين أمضاها، وإن كانت لا تجوز ردها، لان الحاكم إنما يجوز له أن يحكم بما يسوغ في ذمته. فاذا حكم بينهما نظر في الكتابة، فان كانت صحيحة أقرهما عليها وأمضاها، و إن كانت فاسدة بأن يكونا عقداها على خمر أو خنزير أو شرط فاسد ففيه ثلاث مسايل: إحداها أن يتعاقدا الكتابة في حال الشرك، ويتقابضا العوض، ثم أسلما وترافعا فالحاكم يقرهما على ذلك، لا لمعنى أنه يحكم بصحته، لكن لا يتعرض له كما نقول إذا تزوجها على مهر فاسد وتقابضا العوض ثم أسلما. الثانية أن يعقد العقد في الشرك على خمر أو خنزير ثم أسلما وتقابضا العوض بعد الاسلام فالحاكم يبطل ذلك ويرده لان قبض الخمر والخنزير لا يصح في حال الاسلام. ويصح العتق بوجود الصفة عندهم، ويثبت بين السيد والعبد التراجع، فان كان ما دفعه إلى السيد لا قيمة له لم يحتسب له بشئ، وحسبت عليه قيمة رقبته، و يترادان الفضل والذي يقتضيه مذهبنا أنه يلزمه قيمة ما وقع عليه العقد عند مستحليه لا قيمة رقبته، ولا يقع العتق إلا بعد توفيته. المسألة الثالثة إن تعاقدا العقد في حال الكفر ثم أسلما وترافعا قبل التقابض أو بعد قبض البعض وبقاء البعض، فيحكم الحاكم بفسخ الكتابة وإبطالها عندهم، ويقتضى

[ 129 ]

مذهبنا ما قلناه في المسألة أن عليه قيمة ما وقع عليه العقد سواء كان الكل أو البعض ولا تبطل الكتابة. الكافر إذا اشترى عبدا مسلما فالبيع باطل عندنا، وقال بعضهم صحيح، وإنما قلنا بالاول لقوله تعالى " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (1) ". فمن قال صحيح قال يملكه، ويكون الحكم فيه وفي أنه أسلم العبد تحت يده أو ملكه بالارث واحد، وزال ملكه منه فلا يقر عليه، فان أعتقه أو باعه أو وهب جاز فان كاتبه قال بعضهم يصح وقال آخرون لا يصح، لان سلطانه باق عليه، لانه يمنعه من السفر، وكمال التصرف. فمن قال الكتابة صحيحة أقره عليها، فان أدى مال الكتابة عتق، وإن عجز نفسه استرقه السيد وازيل ملكه عنه ببيع أو غيره، ومن قال الكتابة فاسدة قال يباع عليه، فان بادر العبد قبل أن يباع عليه فأدى المال عتق بوجود الصفة، ويراد الفضل لانه عتق بكتابة فاسدة، وهذا يسقط عنا لما قلناه. إذا كان للكافر عبد فكاتبه ثم أسلم فانه لا يباع عليه، لان القصد إزالة سلطانه وقد حصل، فأما إن أسلم ثم كاتبه فعندنا لا يصح وقال بعضهم يصح. أهل الحرب عندنا لهم أملاك تامة صحيحة بدليل قوله " وأورثكم أرضهم و ديارهم (2) " فأضاف ذلك إليهم وحقيقة الاضافة تفيد الملك، فعلى هذا إذا كاتب الحربى عبدا له صحت كتابته، لانه عقد معاوضة، والحربي والمسلم فيه سواء. فاذا كاتب في دار الحرب ثم دخلا في دار الاسلام مستأمنين، أو بأمان ثم كاتبه فانهما ما لم يترافعا إلى الحاكم ويتحاكما إليه فلا يتعرض لهما، بل يقرهما على ما فعلاه. فان ترافعا إليه فانه يحكم بينهما بحكم الاسلام، وينظر في الكتابة، فان كانت صحيحة في شرعنا أعلمهم صحتها، وأقرهما عليها، وإن كانت فاسدة أعلمهم فسادها،

(1) النساء: 141.
(2) الاحزاب: 27.

[ 130 ]

فانه لا يجوز الاقرار عليها. فان قهر سيده على نفسه في دار الحرب، ثم دخل دار الاسلام بأمان ومعه السيد فقد ملك السيد، وانفسخت الكتابة فيه، وملك سيده بقهره إياه، ويقر على ذلك لان دار الحرب دار قهر وغلبة، من قهر فيها على شئ وغلبه ملكه. فأما إذا دخلا دار الاسلام ثم قهر سيده على نفسه، فانه لا يقر على ذلك لان دار الاسلام ليس بدار قهر وغلبة، بل هي دار حق وإنصاف. المسلم إذا كان له عبد كافر فكاتبه يقوى عندي أنه لا يصح الكتابة لقوله تعالى " فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " وهذا لاخير فيه، ولقوله تعالى " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " وهذا ليس من أهله، لان ذلك من الصدقة، وليس الكافر من أهلها وعند المخالف يصح الكتابة كما يصح إعتاقه. فاذا أدى المال عتق، ويثبت للمسلم عليه الولاء، ثم يقال له إلى الآن كنت تابعا لسيدك، وقد صرت حرا فان شئت فاعقد لنفسك عقد الذمة، وإن شئت فالحق بدار الحرب، فتكون حربا لنا. فان لحق بدار الحرب فظهر المسلمون على الدار وأسروه لم يجز استرقاقه لانه قد ثبت للمسلم عليه ولاء في استرقاقه إبطال ذلك الولاء، ولو قلنا إن الكتابة صحيحة لكان يصح استرقاقه، لان عندنا لا ولاء للسيد إلا بالشرط، فان كان شرط لم يصح حينئذ استرقاقه. الكافر الحربي إذا كاتب عبده ثم دخل دار الاسلام بأمان أو دخلا دار الاسلام ثم كاتبه، فقد انقطع سلطانه عنه، فان أراد العبد الرجوع إلى دار الحرب لم يكن للسيد منعه من ذلك، لان تصرفه قد انقطع عنه، وإنما بقي له في ذمته دين، فلم يكن له منعه من السفر، ولا إجباره عليه. فيقال له إن اخترت أن تقيم في دار الاسلام حتى تقبض المال منه، فافعل واعقد لنفسك عقد الذمة، وإن اخترت فالحق بدار الحرب، ووكل من يقبض لك المال، فان لحق السيد بدار الحرب ووكل فأدى المكاتب إلى الوكيل عتق ويكون هذا المال

[ 131 ]

للسيد، والامان ثابت له، فاذا لحق السيد بدار الحرب انتقض أمانه في نفسه، ولا ينتقض في ماله، كما لو عقد له الامان مفردا، فما دام السيد حيا فالامان باق للمال فاذا مات انتقل المال إلى ورثته وهل يكون الامان باقيا أو يجوز استينافه؟ على قولين مضيا في السير (1). إذا خرج السيد إلى قتال المسلمين، فسبي ووقع في الاسر فالامام فيه مخير بين أن يقتله أو يسترقه أو يمن عليه أو يفاديه بمال أو رجال، فان قتله فهو كما لو مات على ما ذكرناه، وإن أطلقه أو فاداه برجال أو بمال، فالمال على حالته، فان ملكه ثابت على أمواله لم يتغير شئ منه بنفس الاسر، وإنما يتغير ذلك بالقتل و الاسترقاق، فان استرقه فبالاسترقاق يزول ملكه عن ماله. فلا يخلو إما أن يكون المكاتب قد أدى المال إلى وكيله أو لم يؤد، فان كان قد أدى فقد عتق، وحصل المال للسيد، والولاء له، فان استرق فان ماله لا ينتقل إلى ورثته بلا خلاف، لانه في ولاء يورث، لكن ما حكمه؟ يبنى على القولين في الموت. فمن قال هناك إن ماله لا يغنم، فهيهنا أولى، لان بالموت يزول ملكه عنه زوالا لا يرجى عوده، وهيهنا يزول زوالا يرجى عوده، ومن قال إن ماله يغنم هناك على ما يختاره قالوا ههنا قولين أحدهما يغنم، لان ملكه يزول بالاسترقاق كزواله بالموت، والثاني لا يغنم بل يكون موقوفا، والاول عندي أقوى. فمن قال يغنم فانه ينقل إلى بيت المال ويستقر حكمه فسواء أعتق بعد ذلك أو مات أو قتل، فانه لا يورث، ومن قال إنه موقوف قال ينظر في ماله، فان عتق عاد الملك إليه، لانه زال المغني الذي زال الملك لاجله، فحكم بعوده. وإن قتل أو مات وهو رقيق فلا يمكن أن يورث، فيكون بمنزلة الذمي إذا مات ولم يعرف له وارث، فينقل ماله إلى بيت المال فهذا حكم المال. فأما الولاء فقال بعضهم الولاء كالمال فاذا قيل المال مال المسلمين، فالولاء لهم، و إذا قيل إنه موقوف فالولاء موقوف، وفيهم من قال الولاء يسقط، ولا يثبت لاحد لا

(1) يعني كتاب الجهاد.

[ 132 ]

للمسلمين ولا للمناسبين، وهو مذهبنا، لان ولاء المكاتب عندنا لا يثبت إلا بالشرط وما يثبت بالشرط لا ينتقل إلى ورثته، لانه إنما ثبت بتضمين الجريرة وقد مضى. فهذا الحكم في المكاتب إذا كان قد أدى المال قبل أن يسترق السيد، فأما إن استرق قبل أن يؤدي فانه ينظر، فان أعتق السيد فقد عاد ملكه على المال الذي في ذمة المكاتب، وإذا أداه إليه عتق وثبت له الولاء عليه، وإن مات السيد أو قتل وهو رقيق فقد انقطع ملكه، وحصل المال الذي في ذمته للمسلمين يؤديه إلى الامام، ويعتق وفي الولاء وجهان، على ما مضى عندنا للامام. ومتى قال المكاتب - قبل أن يعتق السيد أو يموت - للحاكم: أقم لي أمينا اؤدي له المال واعتق، فعل ذلك، فاذا أدا إليه المال عتق. إذا كاتب المسلم عبدا ثم ظهر المشركون على الدار فأسروا المكاتب وحملوه إلى دار الحرب فانهم لا يملكونه بذلك، لان حق المسلم قد تعلق به، فان انفلت المكاتب منهم أو ظهر المسلمون على الدار فأخذوه فهو على كتابته. وهكذا ان دخل الكافر دار الاسلام بأمان فكاتب عبدا له، ثم ظهر المشركون على الدار فقهروا المكاتب على نفسه وأخذوه إلى دار الحرب ثم انفلت منهم، أو غلبهم المسلمون عليه، فانه يكون على كتابته. وهل يجب عليه أن يخليه مثل تلك المدة التي حبسه فيها المشركون ليكتسب فيها أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما يجب، والآخر لا يجب، والاول أقوى. وهكذا لو كاتب عبده ثم حبسه مدة من الزمان، قال قوم يجب عليه أن يتركه مدة مثل تلك المدة، وهو الاقوى عندي، وقال آخرون لا يجب، غير أنه يلزمه ضمان مثل اجرة تلك المدة وهو قوى أيضا. وإذا أسره المشركون فلا يلزم السيد الضمان بلا خلاف، وإذا ثبت هذا فمن قال لا يلزم تخلية المكاتب مثل المدة التي حبسه فيها المشركون، نظر، فان كان حل عليه مال الكتابة طالبه، وإلا كان له أن يعجزه، وإن لم يكن حل عليه المال انتظر إلى وقت حلوله، فان أدى وإلا كان له أن يعجزه.

[ 133 ]

ومن قال عليه تخليته، لزمه أن ينتظر إلى مثل تلك المدة، ثم يطالبه بالمال فان أداه وإلا كان له أن يعجزه، فهذا الحكم فيه إذا انفلت المكاتب من المشركين وعاد إلى دار الاسلام. فأما إذا كان في بلاد الشرك على حكم الاسر، فحل عليه مال الكتابة فأراد السيد تعجيزه فمن قال يلزمه تأجيله قال لم يكن تعجيزه، لانه متى انفلت من المشركين كان عليه أن يخليه مثل تلك المدة ثم يتحقق عجزه، فلم يكن له الفسخ قبل مضى تلك المدة، ومن قال لا يلزمه تخليته، قال له أن يفسخ في الحال لانه قد تعذر عليه حصول مال الكتابة مع استحقاقه له. لكن هل يتولى الفسخ بنفسه أو يرجع إلى الحاكم حتى يفسخ؟ قيل فيه وجهان قال بعضهم له أن يتولاه بنفسه، كما لو كان حاضرا فتعذر عليه المال، وقال آخرون يرفعه إلى الحاكم حتى يفسخ، لانه ما تحقق عجزه، لجواز أن يكون له مال لا يعلم به. فاذا فسخ السيد الكتابة إما بنفسه أو فسخها الحاكم، فان لم يدع لنفسه مالا فقد تحقق عجزه، واستقر حكم الفسخ، وإن ادعى أن له مالا وأقام البينة على أنه كان موجودا حال الفسخ فسخنا ما كنا حكمنا به من العجز، ويدفع المال إلى السيد ويعتق، لانه إنما حكم بعجزه في الظاهر، فاذا بان له مال بان الخطا فيما عمل، وجعل له أن يؤدي ويعتق. ولو كاتب في بلاد الحرب ثم خرج المكاتب إلينا نظر فإن دخل باذن سيده إما في تجارة أو حاجة فهو على حكم الكتابة، وتحت يد السيد، وإن خرج بغير أذن السيد على وجه القهر له على نفسه، فانه ملك نفسه وينفسخ الكتابة، ويعتق، لان الدار دار قهر وغلبه، ثم يقال له أنت بالخيار بين أن تقيم وتعقد لنفسك ذمة أو تلحق بدار الحرب، فتصير حربا لنا.

[ 134 ]

* (فصل) * * (في كتابة المرتد) * إذا ارتد رجل ثم كاتب عبدا قال قوم إنها باطلة، وقال آخرون صحيحة، و منهم من قال إنها موقوفة مراعا مثل التدبير، والاول أقوى عندي. فاذا ثبت هذا فمتى أدى المكاتب المال نظر، فان أداه قبل أن يحجر على المرتد فمن قال الكتابة صحيحة، فانه يعتق بالاداء، ويكون المال والولاء لسيده، لان ملكه ثابت على ماله، ومن قال إنها باطلة قال إذا أدى لم يعتق، لانه محكوم بزوال ملكه عن ماله، ولو أعتق عبدا ابتداء لم ينفذ عتقه، كذلك لم يعتق عليه العبد بالاداء. ومن قال إنها موقوفة نظر فان أسلم السيد كانت الكتابة صحيحة، ويصح الاداء ويعتق، ويكون الولاء للسيد، وإن قتل أو مات على الردة علم أنها باطلة وأن الاداء لم يصح، فيكون العبد فيئا للمسلمين، وكذلك ما في يده من المال. وأما إذا أدى بعد ما حجر الامام على المرتد في ماله، فمن قال الكتابة باطلة وليس بينهما عقد، فالعبد باق على الرق، وأداؤه كلا أداء، ومن قال إنها صحيحة أو قال موقوفة فلا يجوز أن يؤدي المال إلى السيد، لانه محجور عليه لا يصح منه القبض، فان دفع المال إليه لم يصح الدفع، ولا يعتق، وللحاكم، مطالبته بالمال. فان كان ما دفعه باقيا بحاله دفعه إلى الامام وعتق بالدفع، وإن كان تالفا فقد هلك من ضمانه، فان كان معه شئ آخر يدفعه إلى الحاكم وإلا كان له تعجيزه. فان أسلم السيد كان عليه أن يحسب له بما دفعه، ويعتق عليه، لانه إنما لم يصح قبضه لحق المسلمين، فاذا زال حقهم فصار الحق له، صح قبضه ووقع العتق.

[ 135 ]

إذا كان للمسلم عبد فارتد العبد، ثم كاتبه السيد بعد ردته صح لانه عقد معاوضة، والمرتد يصح منه ذلك، ثم ينظر فاذا أدى المال إلى سيده عتق وصار حرا مرتدا يستتاب، فان تاب وإلا قتل، وإن عجز نفسه استرقه السيد وأعاده إلى ملكه فان أسلم وإلا قتل، ويكون ماله لسيده، وإن قتل على الردة قبل أن يؤدي وقبل أن يعجز انفسخت الكتابة، ويكون ما في يده من المال لسيده، لانه عاد إلى ملكه لما انفسخت الكتابة.

[ 136 ]

* (فصل) * * (في جناية المكاتب على سيده وعلى أجنبي) * لا يخلو حال المكاتب إذا جنى من أحد أمرين إما أن يجنى على سيده أو على أجنبي، فان جنى على سيده لم يخل إما أن يجني على طرفه أو على نفسه: فان جنى على طرفه فالخصم فيه السيد، فان كانت الجناية عمدا كان له أن يقتص وإن كانت خطاء فله أخذ الدية، وإن جنا على نفسه فالخصم فيه وارثه، فان كانت الجناية عمدا فلهم المطالبة بالقصاص، وإن كانت خطأ فلهم الدية. فان كانت الجناية عمدا واختار المطالبة بالقصاص واقتص إما في النفس أو في الطرف، فقد استوفى الحق، وإن كانت خطأ أو عمدا فعفا عن القود فيها ووجب الارش فانه يتعلق برقبته، كالعبد القن إذا جنى ووجب الارش، فانه يتعلق برقبته. وللمكاتب أن يفدى نفسه، لان ذلك يتعلق بمصلحته، وبكم يفدي؟ قيل فيه قولان أحدهما بأقل الامرين من الارش أو القيمة، والثاني بالارش بالغا ما بلغ، أو يسلم نفسه للبيع، فربما رغب فيه راغب فزاد في ثمنه. فان اختار الفداء وكان في يده مال كان له الدفع منه، لان ذلك من مصلحته، وله صرف المال الذي في يده فيما يتعلق بمصلحته، فاذا أخذ السيد أو وليه منه أرش الجناية نظر، فان بقي معه ما يؤديه في مال الكتابة أداه وعتق، وإن لم يبق معه شئ كان له أن يعجزه. وأما إذا لم يكن في يده مال فقد اجتمع عليه حقان: أرش الجناية ومال الكتابة، فان كان في يده ما يتم لهما دفعه وعتق وإن لم يكن في يده ما يتم لهما كان للسيد تعجيزه، فاذا فعل انفسخت الكتابة، وعاد إلى ملكه، ويسقط الحقان معه لانه لا يثبت للسيد على عبده مال. فاما إذا جنى على أجنبي فانه إن جنى عليه عمدا وجب القصاص، فان عفا

[ 137 ]

فالدية، وإن جنى خطأ وجب الارش، ثم ينظر، فإن اختار القصاص كان له ذلك وإن عفا تعلق الارش برقبته، والحكم في ذلك وفي جناية الخطأ واحد. وله أن يفدى نفسه من الجناية، لكنه يفدي بأقل الارش من قيمته أو أرش الجناية لا يزيد على ذلك بحال، لانه في الحقيقة يبتاع نفسه، ولا يجوز ابتياعها بأكثر ما يساوي. ويفارق هذا إذا كان ذلك مع السيد حيث أمرنا له بالزيادة، لان ذلك يكون هبة من السيد، وهو يملك أن يهب من السيد، ويكون هيهنا هبة من أجنبي وهو لا يملك ذلك إلا باذن سيده، فان أذن له جاز. ثم ينظر فان دفع الارش إلى الاجنبي برئت ذمته وبقي عليه مال الكتابة فان كان معه ما يدفعه وإلا كان للسيد تعجيزه، وإن لم يكن معه ما يدفع إليه فللاجنبي أن يعجزه ويبيعه في الجناية، لانه قد تعلق له حق برقبته فكان له بيع الرقبة في الجناية إلا أن يختار السيد أن يفديه ويقره على الكتابة، فله ذلك وبكم يفديه؟ على ما ذكرناه. إذا اشترى المكاتب عبدا للتجارة، فجنى العبد على أجنبي إما حر أو عبد، فان كانت الجناية عمدا فعليه القصاص، فان عفا عنه فعليه الدية، وإن كانت خطأ فعليه الارش، فان أراد السيد أن يفديه كان له ذلك، وبكم يفديه؟ فمن قال في العبد القن أنه يفديه بأقل الامرين، قال للمكاتب أن يفدى ذلك لانه لا يزيد عن ثمن المثل، ومن قال إن العبد القن يفدى بأرش الجناية بالغا ما بلغ أو يسلم للبيع، نظر في الارش، فان كان أقل من قدر قيمته كان له أن يفديه به وإن كان أكثر من قيمته لم يكن له أن يفديه، لانه لا يملك ابتياع هذا العبد بأكثر من ثمن مثله، كذلك الفدية وهذا أقوى. إذا كاتب عبدا واجتمعت عليه حقوق من دين اقترضه ومن ثمن مبيع ابتاعه و أرش جناية على نفس أو على طرف، فليس يخلو إما أن يكون في يده مال أو لا يكون فان كان في يده مال لم يخل إما أن يكون قد حجر عليه أو لم يحجر عليه، فان لم يكن

[ 138 ]

حجر عليه لم يخل إما أن يكون الحقوق كلها حالة أو بعضها حال وبعضها مؤجل. فان كان جميعها حالا فله أن يقدم ما شاء منها لانه مطلق التصرف، فكان له أن يفعل ما شاء، وإن كان بعضها حالا وبعضها مؤجلا، كأرش الجناية لا يكون إلا حالا، ومال الكتابة قد يكون حالا وقد يكون مؤجلا، وكذلك ثمن المبيع فان بدء بقضاء الدين الحال جاز ويبقى عليه المؤجل. فان أراد تعجيل المؤجل نظر فان أراد تعجيل دين الاجنبي لم يكن له ذلك لان تعجيل الدين المؤجل يجرى مجرى الزيادة فيه، فهو كالهبة فليس يملك الهبة من الاجنبي، وإن أراد تعجيل مال الكتابة فهذا هبة من سيده، فيكون كالهبة باذنه فعندنا يصح، وقال بعضهم لا يصح. وأما إذا كان قد حجر على المكاتب، فان كان المال الذي في يده يعجز عن ديونه فاجتمع غرماؤه وسألوا الحاكم الحجر عليه، فان تصرفه ينقطع بذلك، ويكون الامر إلى الحاكم ويقسط ماله على ما قدر عليه من الحقوق، فيدفع إلى كل واحد بقسط ما تضمنه. هذا إذا رضوا فان تشاحوا قال بعضهم يقدم صاحب الدين على المجنى عليه وعلى السيد، لان حقه يختص بالمال الذي في يده، فاذا لم يدفع إليه حقه منه لم يرجع منه إلى شئ آخر، والسيد والمجني عليه يرجعان من حقهما إلى الرقبة. فاذا دفع إلى صاحب الدين حقه نظر، فان بقى معه شئ دفع إلى المجني عليه وقدم على السيد، لانه يأخذ دينه بحق الجناية، والسيد يأخذ حقه بالملك، و حق الجناية مقدم على حق الملك، فاذا قضى حق المجنى عليه ثم بقى شئ دفعه إلى السيد، فان لم يبق شئ كان له تعجيزه واسترقاقه. فأما إذا لم يبق مع الكتابة بعد قضاء الدين شئ، فلكل واحد من السيد والمجني عليه تعجيزه، لان حق كل واحد منهما يتعلق بالرقبة، وقد تعذر ذلك.

[ 139 ]

ثم ينظر فان اختار التعجيز انفسخت الكتابة، وبرئت ذمة المكاتب مما عليه من المال، وبقي حق المجنى عليه متعلقا برقبته، وله بيعه في الجناية إلا أن يفديه السيد وبكم يفديه؟ على قولين كالعبد القن سواء. فان لم يختر السيد تعجيزه واختار المجنى عليه ذلك، قيل للسيد لك الخيار أن تفديه، فان اختار ذلك جاز، ويكون باقيا على الكتابة، وبكم يفديه؟ على قولين فان لم يفده كان للاجنبي أن يرجع إلى الحاكم حتى يفسخ الكتابة ويبيعه في الجناية فاذا حصل معه شئ نظر، فان كان قدر الارش أقل دفعه إلى المجنى عليه، وإن كان أكثر منه كان الفضل للسيد. إذا مات المكاتب وفي يده مال لا يفي بالحقوق التي عليه، فان الكتابة تنفسخ بموته، وتسقط حق السيد من المال، وتعود رقبته إلى ملكه، وحق المجنى عليه من الارش يسقط أيضا، لانه كان متعلقا بالرقبة وقد ماتت، فيبقى الدين للقرض والبائع، فيدفع ذلك من المال الذي كان في يده، فان فضل شئ كان للسيد لانه كسب عبده. هذا إذا كان في يده مال، فان لم يكن في يده مال بحال، فلا يخلو إما أن ينظره أصحاب الحقوق بحقوقهم، أو لا ينظرونه، فان أنظروه حتى يكتسب ويدفع إليهم جاز، إلا أن هذا الانظار لا يلزمهم، بل لهم الرجوع فيه متى شاؤوا، وفيه خلاف. فأما إذا لم ينظروه بل طالبوه بحقوقهم فصاحب الدين ليس له تعجيزه، لانه قبل التعجيز حقه ثابت في ذمته وبعد التعجيز يثبت في ذمته أيضا، فلم يكن له في تعجيزه فائدة. فأما السيد والمجني عليه فلهما أن يعجزاه لانهما يستفيدان بذلك فائدة، وهو أن المجنى عليه يبيع الرقبة في حقه، والسيد يستردها إلى ملكه، ثم ينظر فان عجزاه انفسخت الكتابة ويباع في الجناية، ويقدم حق المجني عليه على حق السيد حسب ما ذكرناه، وأما الدين فانه ثابت في ذمته على ما كان، لا يتعلق برقبته

[ 140 ]

وقال بعضهم يتعلق بالرقبة وكذلك الخلاف في العبد المأذون له في التجارة إذا ركبته ديون فهل يتعلق برقبته أو بذمته؟ فعندنا أن كان مأذونا له في الاستدانة، تعلق بذمة سيده وإن كان مأذونا له في التجارة دون الاستدانة تعلق بكسبه وإن لم يكن مأذونا له في التجارة تعلق بذمته وفيه خلاف. إذا جنى المكاتب جنايات على جماعة فلزمه بها أرش فليس يخلو إما أن يكون في يده مال أو لم يكن، فان كان في يده مال يفي بالارش دفع الارش منه، ويبقى الحكم بينه وبين السيد: إن أدى إليه مال الكتابة عتق، وإن لم يؤد كان له استرقاقه. فان لم يكن في يده مال، فللمجني عليهم أن يعجزوه، ويفسخوا الكتابة ليعيدوه إلى الرق ويباع في حقوقهم، فان كان ثمنه يفي بحقوقهم دفع إلى كل واحد قدر ما يصيبه منه، سواء كان قد جنى على جماعتهم دفعة أو على بعضهم بعد البعض أو بعضهم قبل التعجيز وبعضهم بعده، لان محل هذه كلها الرقبة، فان تعلق أرش الجناية بالرقبة لا يمنع تعلق أرش آخر بها. فاذا تساوت الحقوق في محلها واستحقاقها سوى بين جميعها وإن أبرأه [ بعضهم ] عما وجب له من الارش رجع حقه إلى الباقين، ويقسط عليهم ويتوفر ذلك في حقوقهم لان المزاحمة قد سقطت، فان اختار السيد أن يفديه ويبقيه على الكتابة كان له ذلك، و بكم يفديه؟ على ما ذكرناه فيما تقدم. هذا عندنا إذا كانت جناية لا يستغرق جميع رقبته، فأما إذا كانت الجناية ما يوجب القصاص في النفس، فمتى جنى عليهم دفعة واحدة كان مثل ذلك، وإن جنى على واحد بعد واحد، كان للاخير. إذا قطع المكاتب يد سيده عمدا وجب عليه القصاص، فان اختار ذلك كان له استيفاؤه في الحال وإن عفا على أرش أو كانت الجناية خطأ فوجب بها أرش في الاصل فهل له أن يطالبه بالارش في الحال، أو ينتظر إلى حالة الاندمال؟ قيل فيه قولان، مثل الحر. فمن قال له المطالبة في الحال نظر، فان كان معه قدر الارش دفعه إليه، ثم إن كان معه وفا مال الكتابة، فاذا فعل ذلك عتق وإن لم يكن معه وعجزه السيد كان

[ 141 ]

له، فاذا فعل ذلك عاد إلى ملكه، وسقط مال الكتابة وأرش الجناية. ومن قال ليس له المطالبة بالارش إلى حال اندمال الجرح وهو منصوص أصحابنا نظر فان اندمل قبل أداء مال الكتابة والعتق فله المطالبة بالارش، والحكم فيه كما لو قلنا إن له المطالبة في الحال يطالب، وإن أدى وعتق قبل الاندمال، فانه يؤدي الارش في حال الحرية، ويلزمه أرش الطرف وهو نصف الدية، وقال بعضهم يلزمه أقل الامرين من أرش الجناية أو نصف قيمته. فهذا الحكم فيه إذا أدى المكاتب المال وعتق، فأما إذا أعتقه السيد قبل اندمال الجرح ثم اندمل فانه ينظر، فان لم يكن في يده مال سقط حقه من الارش بكل حال لانه ليس هناك مال يستوفي منه، والرقبة فقد أتلفها باختياره بالاعتاق. وإن كان في يده مال فهل له أن يستوفي الارش؟ قيل فيه وجهان أحدهما له ذلك، لانه لما كان له الاستيفاء قبل العتق، كان له الاستيفاء بعده، فان العتق ليس بابراء عن المال، والثاني ليس له لان الاصل في محل الارش هي الرقبة، والمال تابع لها، فاذا تلفت الرقبة باختياره سقط حقه بذلك. الرجل إذا كاتب عبيدا له في عقد واحد، فان كل واحد منهم يكون مكاتبا على ما يخصه من العوض، ولا يتحمل بعضهم ما يلزم البعض وفيه خلاف. فاذا جنى بعضهم لزمه حكم جنايته، ولا يلزم غيره شئ من ذلك، وقال بعضهم يلزم بعضهم جناية البعض، لان كل واحد منهم كفيل عن صاحبه، والاول أصح عندنا. إذا كان للمكاتب ولد وهو يملكه أو اوصى له به فقبل أو اشترى أمة فوطئها فأتت بولد ثم جنى ذلك الولد على إنسان جناية وجب بها أرش لم يكن للمكاتب أن يفديه، لانه يخرج من يده ما يمكنه التصرف فيه، ويستبقي ما لا يمكنه التصرف فيه. ثم ينظر فان كان للولد كسب يمكن دفع الارش منه فعل ذلك، وإن لم يكن له كسب يمكن دفع الارش منه بيع في الجناية، فاذا بيع نظر في ثمنه، فان كان بقدر

[ 142 ]

الارش أخذه المجنى عليه، وإن كان أكثر فان أمكن أن يباع منه بقدر الارش و يكون الباقي على حكم الكتابة فعل، وإن لم يمكن، بيع جميعه ليدفع إلى المجنى عليه قدر الارش، ويكون الباقي للمكاتب، لانه ثمن عبده. وهكذا الحكم في المكاتبة إذا أتت بولد وقيل إنه يكون موقوفا معها، فلا يجوز لها أن يفديه، فان كان للولد كسب دفع الارش منه، وإن لم يكن كسب سلم للبيع في الجناية، وفيه ثلاث مسايل على ما ذكرناه في ولد المكاتب. إذا كان له عبيد فجنى بعضهم على بعض نظر في الجناية، فان كانت موجبة للمال بأن تكون خطا محضا أو شبه عمد فانها تهدر، وإن كانت موجبة للقصاص فله أن يقتص من الجاني، لان في ذلك مصلحة لملكه، وهو أن [ لا ] يتوثب بعض عبيده على البعض ثم ينظر فان اقتص جاز، وإن عفا سقط القصاص، لكن لا يجب له مال، فان السيد لا يستحق على عبده مالا. فان كان في عبيد المكاتب أب للمكاتب فقتل واحدا من عبيده، لم يكن له أن يقتص منه لانه لو قتل المكاتب لم يقتل به فاذا قتل عبده كان أولى أن لا يقتص منه فأما إن كان فيهم ابن له فقتل عبدا له فانه يقتص منه، لانه لو قتل السيد لاقتص منه. وإن كان للعبد أب وابن فقتل أحدهما الآخر عمدا فانه إن قتل الاب الابن لم يقتص منه لان الاب لا يقتل بابنه. إذا كاتب عبدا ثم جنى المكاتب جناية خطأ وجناية عمدا وعفى عن القصاص فيها فان الارش يتعلق برقبته، لانه بمنزلة العبد القن في حكم الجناية. فان كان في يده مال جاز أن يدفع منه الارش الذي عليه، ويفدى نفسه لان ذلك مرصد لمصلحته، ومن أعظم المصلحة أن يفدى نفسه، إلا أنه لا يجوز أن يفدى إلا بأقل الامرين من أرش الجناية أو القيمة، ولا يجوز أن يزيد على ذلك، لان الافتداء يجرى مجرى الابتياع بأكثر من ثمن المثل. فان أعتقه سيده نفذ عتقه، ولزمه ضمان أرش الجناية، لانه أتلف محل

[ 143 ]

الارش، ومنع بيعه من الجناية، فلزمه ضمان الارش كما لو قتله، وإن بادر العبد فأدى مال الكتابة وعتق فعليه ضمان الارش، لانه أوقع العتق باختياره وإيثاره، فانه كان يتمكن من تعجيز نفسه، والامتناع من الاداء، ويلزم أقل الامرين من أرش الجناية أو القيمة. إذا جنى جنايات تعلق أرشها برقبته، ثم أعتقه السيد فلزمه ضمان تلك الجنايات، أو أدى المكاتب المال فعتق فلزمه ضمانها، فكم القدر الذي يضمن؟ قيل فيه قولان: أحدهما أنه يضمن أقل الامرين من أرش كل الجناية أو القيمة والثاني وهو الاصح أنه يلزمه الاقل من أروش الجنايات كلها أو القيمة، لان الاروش كلها تعلقت برقبته، فلما أعتقه السيد منع من بيعه في الجنايات كلها بالاعتاق الذي وجد منه، وذلك أن الاعتاق حصل دفعة واحدة، فكان عليه الاقل من أرش الجنايات كلها أو القيمة، كما لو كان عبد فجنى جنايات كثيرة ثم أعتقه السيد أو قتله فانه يلزمه الاقل من أروش الجنايات كلها أو قيمة واحدة. إذا جنى المكاتب جنايات خطأ فعجزه السيد ورده في الرق، فهو بمنزلة العبد القن، فالسيد بالخيار بين أن يسلمه ليباع في الجنايات، أو يفديه، فان اختار الفداء فبكم يفدى؟ قال قوم يفديه بالاقل من قيمته أو أرش الجناية، والثاني يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ، أو يسلمه للبيع كالعبد القن سواء، والاول أصح عندي. فأما إذا جنى جنايات وهو مكاتب فاختار أن يفدى نفسه، فانه يفدي نفسه بأقل الامرين، من أرش كل جناية أو القيمة، وقال آخرون يفديه بأقل الامرين أرش جميع الجنايات أو القيمة مثل المسألة الاولى وهو الاقوى عندي. إذا اشترى المكاتب عبدا للتجارة فجنى ذلك العبد على المكاتب جناية خطأ أو عمدا وعفا عن القصاص، فان الجناية تهدر، ولا يجب له على العبد الارش، لان العبد ملكه، والسيد لا يستحق في رقبة مملوكه مالا بحال كالحر إذا كان له عبد وأتلف عليه مالا فانه لا يثبت ضمانه في ذمته.

[ 144 ]

إذا أوصى له بمن يعتق عنه، فقبل الوصية ثم جنى عليه واحد منهم جناية خطأ أو عمدا وأراد العفو على مال، فهل يتعلق الارش برقبته ويملك بيعه في الجناية؟ قيل فيه وجهان أحدهما له ذلك، لانه لما لم يملك بيعه من غير صاحبه ملك بيعه في الجناية، والوجه الثاني وهو الصحيح أنه لا يملك لان هذا العبد مملوك للسيد، فلا يجوز أن يثبت له مال على ملكه. إذا اوصى للمكاتب بابنه فقبل الوصية ثم إن الابن جنى على أبيه جناية عمدا فللاب أن يقتص منه وإن كان سيده، لان الاب قد ثبت له حكم الحرية، ألا ترى أنه لا يجوز للابن بيعه، والابن قد ثبت له حكم الحرية بعقد الكتابة، فهما كالمتساويين في الحرية فصار بمنزلة الابن الحر إذا جنى على أبيه، فان لابيه أن يقتص منه. إذا كان للمكاتب عبيد ففعل بعضهم شيئا يستحق به التعزير فله أن يعزره لانه مملوك له، فان فعل شيئا يجب فيه الحد روى أصحابنا أن له إقامة الحد عليه، وقال المخالف ليس له، لان طريقه الولاية، وليس هو من أهل الولايات.

[ 145 ]

* (فصل) * * (فيما جنى على المكاتب) * إذا جني على المكاتب فلا يخلو إما أن يجنى على نفسه أو على طرفه، فان جنى على نفسه فقد انفسخت الكتابة، سواء قتله سيده، أو أجنبي كما لو مات. ثم ينظر فان كان القاتل أجنبيا فعليه القيمة للسيد، والكفارة لله تعالى، وإن كان السيد فلا قيمة له عليه، لانه قد عاد إلى ملكه بانفساخ الكتابة، لكن يجب عليه الكفارة، ويكون ما في يده من مال لسيده في الموضعين معا لانه ملكه، فكان ماله له بحق الملك لا للارث. وأما إذا جنى على طرفه فان كان الجاني السيد فلا تقاص عليه لان له عليه ملكا، وإن كان ضعيفا، لكن يلزمه الارش، وإن كان الجاني أجنبيا فان كان حرا لم يلزمه القصاص، لان الحر لا يقتل بالعبد، وإن كان عبدا لزمه القصاص. فاذا وجب الارش في جناية الخطأ أو في جناية العمد إذا عفى عن القصاص فيها فان الارش يكون للمكاتب، لانه من جملة الكسب والكسب له، وهل له أن يطالب به قبل اندمال الجرح؟ فيه قولان مضيا. فمن قال لا يملك المطالبة به إلا بعد الاندمال نظر، فان سرت الجناية إلى نفسه انفسخت الكتابة، ويعود إلى ملك السيد وما في يده من مال له، ثم ينظر في الجاني فان كان أجنبيا لزمه قيمة العبد للسيد، والكفارة لله تعالى، وإن كان السيد فلا قيمة عليه، ويلزمه الكفارة. وأما إذا اندمل الجرح فله المطالبة بأرشه، ويفرض المسألة فيه إذا كان قد قطع يده فوجب فيه نصف القيمة، فان كان الجاني أجنبيا فان المكاتب يأخذ منه الارش ويتصرف فيه أو يؤدي مال الكتابة، وإن كان السيد فانه يستحق عليه أرش الطرف والسيد يستحق عليه مال الكتابة، ويجب الارش من غالب نقد البلد لانه بدل عن متلف.

[ 146 ]

ثم ينظر فان كان أحد الحقين من غير جنس الآخر لم يصر أحدهما قصاصا عن الآخر، بل يطالب كل واحد منهما بحقه، ويستوفيه، وإن كانا من جنس واحد، نظر فان كان قد حل مال الكتابة فقد تساوى الحقان في الحلول وفي الجنس، فهل يصير أحدهما قصاصا عن الآخر؟ فيه أربعة أقوال: فمن قال لا يصير قصاصا استوفى كل واحد منهما حقه من صاحبه، ومن قال يصير قصاصا إما بتراضيهما أو بغير تراضيهما أو رضا أحدهما، فان تساوى الحقان برئت ذمة كل واحد منهما مما عليه، وإن كان الارش أكثر من مال الكتابة برئت ذمة المكاتب من مال الكتابة وعتق، ويكون له مطالبة السيد بفاضل الارش، وإن كان مال الكتابة أكثر برئت ذمة المكاتب من قدر الارش، ويبقى عليه الباقي، فان أداه وإلا للسيد تعجيزه. وأما إذا لم يكن قد حل على المكاتب مال الكتابة فانه لا يجبر على أن يجعل ما عليه قصاصا مما له إلا أن يختار ذلك، فيصير كما لو عجل مال الكتابة. هذا إذا قيل ليس له المطالبة بالارش قبل اندمال الجرح، فأما إذا قيل له ذلك فالحكم فيه كما إذا اندمل ويطالب به على ما ذكرناه في المقاصة وغيرها. إلا أنه ينظر في الارش، فان كان مثل ديته أو أقل منها كان له المطالبة بجميعه وإن كان أكثر لم يكن له أن يأخذ أكثر من الدية، لانه لما سرت الجناية إلى نفسه يعود الواجب إلى قدر الدية، فاذا أخذ المكاتب من السيد الارش فأداه وعتق أو تقاصا وعتق، لم يخل إما أن يندمل الجناية أو تسري إلى النفس: فان اندملت استقر حكم ما أخذه من الارش إلا أن يكون الارش زائدا على قدر الدية، فيقتص منه، فيكون للمكاتب أن يرجع عليه فيطالبه بتمامه. وإن سرت الجناية إلى نفسه فقد مات حرا وصار الواجب فيه الدية، فان كان أخذ من السيد قدر الدية فقد استوفى حقه، وإن كان أقل وجب على السيد تمامه ويكون الفضل موروثا عن المكاتب، لانه مات حرا: فان كان له مناسب استحق ذلك وإن لم يكن له مناسب نقل المال إلى بيت المال، ولا يورث السيد شيئا لانه قاتل

[ 147 ]

إذا كاتب عبدا كتابة صحيحة، ثم جنى عبد السيد على المكاتب عمدا فقطع طرفا من أطرافه، فان القصاص يجب عليهما لتساويهما في الرق فان أراد المكاتب أن يقتص ومنعه السيد وأراد إجباره على العفو على مال، لم يكن له ذلك، وقال بعضهم لا يملك الاقتصاص إلا باذن السيد وهو الاقوى عندي. فان أراد المكاتب أن يعفو على مال فمنعه السيد، وأراد إجباره على الاقتصاص لم يكن له ذلك، لان هذا بمنزلة الاكتساب وليس له منعه من الكسب، ثم ينظر فان اقتص فقد استوفى، وإن عفا ففيه ثلاث مسائل: إحداها أن يقول عفوت عن القصاص على مال، فسقط القصاص ووجب المال. الثانية أن يقول عفوت عن القصاص ويطلق، فمن قال إن قتل العمد يوجب القول لا غير، قال لا يجب المال لان وجوب هذا المال يفتقر إلى اختيار الدية ولم يوجد ذلك، ومن قال يجب أحد الامرين إما القصاص أو الدية، قال بنفس العفو عن القصاص تجب الدية وتتعين، والاول مذهبنا. الثالثة أن يقول عفوت على غير مال، فهو كما لو عفا مطلقا، فمن قال الواجب الدية فحسب قال الدية لا يجب لان اختيارها لم يوجد، ومن قال أحد أمرين قال على هذا يجب الدية فاذا قال على غير مال فهو إبراء والمكاتب لا يملك الابراء عن المال فتجب الدية، ولا تسقط بعفوه. وهكذا إذا صالح عن القود على نصف الارش، يبنى على قولين، فمن قال الواجب هو القود فحسب قال الدية لا يجب، لان الاختيار ما وجد إلا النصف، فيجب النصف، ويسقط النصف، ومن قال الواجب أحد أمرين فقد وجب الارش لقوله عفوت، وقوله نصف الارش إبراء عن النصف الآخر فلا يصح.

[ 148 ]

* (فصل) * * (في عتق السيد المكاتب في مرض وغيره) * إذ كاتب عبدا في صحته كتابة صحيحة ثم مرض السيد فأعتق المكاتب أو أبرأه. عن مال الكتابة، أو قال وضعت عنك مال كتابتك، فالحكم واحد، نظر فان برأ من مرضه لزمه ذلك من رأس المال، فيعتق المكاتب ويبرأ ذمته مما عليه، كما لو وهب في مرضه ثم برئ. وإن مات فمن قال من أصحابنا إن عطية المريض المنجز من أصل المال، قال مثل ما لو برأ، ومن قال من الثلث، قال أعتق ذلك في حق ورثته من الثلث، لانه وصية يعتبر خروجها من الثلث. ثم ينظر في قيمة العبد وفي قدر المال الذي كاتب عليه فان كان كل واحد منهما يخرج من الثلث إذا عتق على الانفراد مثل أن كانت قيمته مائة والمال مائة وخمسون فالثلث أكثر من مائة وخمسين، فانه يحكم بعتق العبد، وتبرأ ذمته من مال الكتابة لانه أيهما اعتبر خرج من الثلث. وإن كان أحد الامرين يخرج من الثلث والآخر لا يخرج، فانه يعتبر أقلهما فيعتق به ويلغى حكم الآخر: فان كان المال الذي كوتب عليه مائة درهم وقيمته مائة وخمسون وثلثه مائة، اعتبر المال الذي كاتبه عليه فيخرج من الثلث ويعتق، ولا يعتبر القيمة، لان السيد إنما يملك في ذمة مكاتبه المال الذي عليه، ولا حق له في الرقبة فهو إنما أوصى بالمال الذي له فحسب، فلم يعتبر حكم غيره. وإن كانت قيمته مائة والمال الذي عليه مائة وخمسين وثلثه مائة، فانه يعتبر خروج قيمته، فيعتق ويلغى حكم المال لان المكاتب له أن يعجز نفسه متى شاء فليس يملك السيد على المال الذي عليه مستقرا وإنما جعله مستقرا في الرقبة، فاعتبرت قيمتها، واطرح حكم المال.

[ 149 ]

وأما إذا كان كل واحد من قيمة المكاتب والمال الذي عليه لا يخرج من الثلث فان كانت قيمته مائة وخمسين، والمال مائة، والثلث خمسين، فانه يعتبر أقلهما فتنفذ الوصية فيه، لان في ذلك مصلحة للعبد، وحظا له، والمطلوب بالكتابة حظه فالمال أقل من القيمة، فتنفذ الوصية فيما يحتمله الثلث منه، وهو قدر نصفه، ويبقى النصف، فان أداه إلى الورثة عتق، وإن عجز كان لهم استرقاقه. وإنما اعتبرنا الاقل منهما لانه لو كان اعتبر كل واحد منهما بكماله كان الاعتبار بخروج أقلهما من الثلث، كذلك إذا اعتبر خروج البعض منهما وجب أن يعتبر الاقل. إذا كاتب عبدا في صحته ثم أوصى بعتقه أو أوصى بأن يبرأ من الكتابة أو يوضع عنه مال الكتابة، فانه إذا مات يعتبر: فان كان الثلث يحتمل قدر قيمته ويحتمل المال الذي وجب عليه، على الورثة تنفيذ الوصية. وإن كان الثلث يحتمل أحدهما دون الآخر اعتبر الاقل منهما، ويعتق به، ويلغى حكم الاكثر، وإن كان الثلث لا يحتمل واحدا منهما اعتبر الاقل منهما، فنفذت الوصية فيما يحتمله الثلث منه كما قلنا في المسألة قبلها سواء إلا أن في تلك المسألة إذا احتمل الثلث أحدهما حكم بنفوذ الوصية بفعل الموصى، في هذا الموضع لابد أن تنفذ الورثة ذلك. فاذا ثبت ذلك فانه إذا احتمل ثلث المال الذي عليه، فان ذمته تبرأ من ذلك القدر، ويبقى عليه ثلثا المال ثم لا يخلو إما أن يكون قد حل مال الكتابة أو لم يحل. فان كان قد حل عتق ثلثه ويبقى ثلثاه مكاتبا، فان كان معه مال يؤدي عنه عتق وإن لم يكن معه شئ كان للورثة أن يعجزوا ثلثيه، ويسترقوه. وإن لم يكن قد حل عليه مال الكتابة فقال قوم إن العتق ينجز للمكاتب في ثلثه، ويبقى الكتابة في ثلثيه إلى وقت حؤول الحول، وقال بعضهم لا يعتق منه شئ حتى يؤدي إلى الورثة مال الكتابة، ثم يعتق ثلثه، لان الوصية لا تتنجز للموصى له إلا بعد أن يحصل للورثة مثلاها، فلو قلنا إنه يعتق ثلثه قبل أن يؤدي

[ 150 ]

باقي المال إلى الورثة كنا قد عجلنا الوصية في الثلث من غير أن يحصل للورثة شئ في مقابلة ذلك. والاول أصح عندي، لانه لا يجوز أن يعجل للموصى له حقه إذا كان لا يتحقق حصول الثلثين للورثة كالمال الغايب، فانه ربما سلم وربما تلف، فأما ههنا فانه يتحقق حصول الثلثين للورثة لان المكاتب إذا أدى حصل لهم المال، وإن عجز حصل لهم ثلثا الرقبة فوجب أن ينفذ العتق. المريض إذا كان له عبد فكاتبه صحت كتابته، لانه ملكه، ثم ينظر فان برئ من مرضه لزمته الكتابة في جميع العبد لان الكتابة تصرف منجز، فاذا تصرف فيه المريض ثم برئ لزمته وكذلك الهبة المقبوضة. وإن مات من مرضه فمن قال من أصحابنا إن عطيته المنجزة من أصل المال اعتبرها من أصل التركة، ومن قال من الثلث اعتبرها من الثلث لانها هبة في الحقيقة لان الرقبة ملك السيد والكسب له، فاذا كاتبه فانه يبيع ماله بماله وصار كما لو وهبه. ثم ينظر فان احتمل ثلثه قيمة جميع العبد نفذت الكتابة في جميعه فاذا أدى المال إلى الورثة عتق. وإن لم يحتمل الثلث جميعه: فان لم يخلف الميت شيئا غيره، فان الكتابة يلزم في ثلثه، ويبقى ثلثاه موقوفا على إجازة الورثة، فان أجازوه نفذت الكتابة في جميعه، فان ردوه بطلت ثلثيه وبقيت في الثلث، فاذا أدى إليهم ثلث المال عتق. إذا كاتب عبدا في صحته ثم مرض وأقر أنه قبض مال كتابته صح إقراره و عتق العبد، لان المريض يملك القبض، ويملك الاقرار به كالصحيح. إذا كاتب عبدا له على دراهم ثم أبرأه على دنانير أو كاتبه على دنانير ثم أبرأه على دراهم لم يصح الابراء بهذا الاطلاق، لان الذي يستحق عليه الدراهم، فاذا أبرأه عن دنانير فقد أبرأه عما لا يستحق عليه فصار كما لو كان له حق على عمرو فأبرأ زيدا منه. فأما إذا أبرأه عن ألف درهم وله عليه دنانير ثم قال أردت بذلك دنانير قيمتها ألف درهم قبل ذلك وبرئت ذمته عن القدر الذي أراده، لانه إبراء عما يستحقه فصح الابراء كما قلنا فيه أنه إذا قال لفلان ألف درهم إلا قفيز حنطة ثم قال أردت إلا دراهم

[ 151 ]

بقيمة قفيز حنطة، فان ذلك يقبل، ويكون مستثنيا لقيمة القفيز من الالف. فأما إذا أبرأه عن الدراهم وله عليه دنانير، ثم اختلفا فقال السيد أردت به الدراهم على الاطلاق، وقال المكاتب بل أردت به عن قيمة الدراهم من الدنانير، فالقول قول السيد لانه اختلاف في نيته وإرادته، وهو أعلم بذلك، وهكذا إذا مات السيد فاختلف المكاتب وورثته فيما ذكرناه، فالقول قول الورثة لانهم يقومون مقامه. إذا قال السيد استوفيت أجر كتابة هذا العبد، فان المكاتب لا يبرأ بهذا الاقرار على الاطلاق، لانه يحتمل استوفيت أجر ما بقى من مال الكتابة، ويحتمل أجر ما حل عليه، ويحتمل أجر نجومه، فاذا كان محتملا لم يقع البراءة بالشك، لكن يرجع إلى السيد فيقال ما أردت؟ فبأي شئ فسره قبل منه. فان اختلف السيد والمكاتب فقال السيد أردت أنني استوفيت أجر ما حل عليك وقال المكاتب بل أجر مال الكتابة، فالقول قول السيد، لانه أعلم بما نواه، وهكذا إن مات السيد واختلف المكاتب وورثته فالقول قول الورثة. فاما إذا قال قد استوفيت أجر كتابتك إن شاء الله، فلا يلزمه بهذا الاقرار شئ لانه أوقفه بالاستثناء، وهو يدخل في الطلاق والعتاق والاقرار وغيرها. فأما إذا قال قد استوفيت أجر كتابتك إن شاء زيد، فليس هذا باقرار ولا يتعلق به حكم، لانه علقه بصفة والاقرار لا يتعلق بالصفات كما لو قال لفلان على ألف درهم إن شاء زيد، فانه لا يتعلق به حكم.

[ 152 ]

* (فصل) * * (في الوصية للعبد ان يكاتب) * إذا أوصى رجل بكتابة عبد له فالوصية تصح لانها تتضمن قربة، وهي العتق ويعتبر قيمة العبد الموصى بكتابته من الثلث، لان الكتابة تجري مجرى الهبة، فانها إخراج الرقبة بغير عوض على ما بيناه. ثم ينظر فان لم يكن أوصى إلا بالكتابة وحدها فالثلث مصروف إليها، وإن كان أوصى بالكتابة وبأشياء اخر من هبة ووصية بمال ومحاباة، فهل تقدم الكتابة على غيرها أو يسوى بين الجميع؟ فهذه المسألة مبنية على أنه إذا أوصى بوصايا في جملتها عتق فهل يسوى بين الكل أو يقدم العتق، فعندنا أن العتق يقدم وقال بعضهم يسوى. فأما إذا أوصى بالكتابة وغيرها فعندنا أنها تقدم، وقال بعضهم يسوى، لان الكتابة معاوضة فجرت مجرى المعاوضات، ولو أوصى ببيع فيه محاباة تسوى بينه وبين غيره، كذلك الكتابة، ويفارق العتق لان له فدية وهي السراية فلهذا قدم والكتابة لا تسرى. فاذا ثبت هذا فانه إذا أوصى بالكتابة وحدها أو بها وبغيرها وقلنا إنها تقدم فان الثلث كله يتوفر على الكتابة، فان احتمل قيمة العبد كوتب ويجبر الورثة على ذلك، ثم ينظر في العبد فان لم يختر الكتابة لم يجبر عليها، فان رجع فطلب الكتابة لم يجب إليها، لان حقه قد سقط بامتناعه. وإن اختار الكتابة وطلبها فبكم يكاتب؟ لا يخلو إما أن يكون الموصى أطلق الوصية ولم يقدر ما يكاتب عليه أو قدر ذلك، فان أطلق فانه يكاتبه على ما جرت به العادة بكتابة مثله عليه وإن قدر ما يكاتبه عليه كوتب على ذلك القدر، ولا يزاد عليه.

[ 153 ]

فاذا كوتب وأدى المال لا يحتسب من جملة التركة، بل يكون حقا خالصا للورثة لان ذلك نماء الرقبة ليس بملك للموصى، إنما كان ملكه على الرقبة فحسب فكان ذلك للورثة خالصا كما لو أوصى بنخل فأثمرت أو ماشية فنتجت. ثم ينظر فإن لم يؤد تمام المال وعجز نفسه، فان الورثة يسترقونه وإن أدى وعتق وثبت الولاء عليه لسيد المكاتب، ينتقل إلى العصبات من ورثته، لانه عتق بسبب كان منه وهو وصيته بكتابته. فهذا الحكم فيه إذا كان قيمة العبد يخرج من الثلث فأما إذا لم يخرج من الثلث فانه يكاتب القدر الذي يحتمله الثلث كما إذا أوصى بعتق عبد، فان الثلث إن احتمل جميعه عتق، وإن لم يحتمل إلا بعضه عتق ما يحتمله الثلث. إذا أوصى وقال كاتبوا عبدا من عبيدي، فان الورثة يكاتبون أي عبد من عبيده شاؤوا، ولا يجوز أن يكاتبوا أمة لان اسم العبد لا يقع عليها، وكذلك إن قال كاتبوا أمة من إمائي فلهم أن يكاتبوا أي أمة شاؤوا، ولا يجوز أن يكاتبوا عبدا لان الاسم لا يقع عليه، والاقوى عندي أن يستعمل القرعة في ذلك. إذا قال كاتبوا عبدا من عبيدي، وكان له خنثى قد حكم بأنه رجل أو قال كاتبوا أمة من إمائي وكان له خنثى بان أنها امرأة، فهل يجوز كتابته؟ قال قوم يجوز، و هو الصحيح عندنا، لانه محكوم بأنه عبد، وقال آخرون لا يجوز، لان إطلاق اسم العبد لا ينصرف إلى الخنثى. فأما إن قال كاتبوا أحد رقيقي، فيجوز أن يكاتبوا عبدا أو أمة، وهل يجوز أن يكاتبوا خنثى مشكلا؟ قال بعضهم يجوز، وهو الاقوى عندي، وقال قوم لا يجوز.

[ 154 ]

* (فصل) * * (في موت السيد) * إذا كاتب عبدا وكان له بنت فزوجها منه برضاهما وإنما يتصور هذا في البالغة التي يعتبر رضاها، ويجوز أن تزوج من غير كفو برضا منها. فأما إذا كانت صغيرة فانه لا يعتبر رضاها عندنا ويجوز تزويجها عندنا من عبد أو مكاتب. فاذا زوجها ثم مات لم ينفسخ الكتابة بموته، لانه عقد لازم من جهته. ثم ينظر في البنت، فان لم ترث أباها بأن كان بينهما اختلاف دين أو كانت قاتلة، فالنكاح على حالته، لانها لم تملك من زوجها شيئا، وإنما انتقل ملكه من مالك إلى مالك. فلم يؤثر ذلك في النكاح، فان ورثته فانها تملك جزءا منه فينفسخ النكاح بينهما، وقال بعضهم لا ينفسخ، والاول أقوى عندنا. إذا كاتب عبدا ثم مات السيد فكانت الكتابة غير منفسخة بموته لانها لازمة من جهته ثم لا يخلو إما أن يكون المال الذي على المكاتب ينصرف إلى وارث أو موصى له أو إلى الغرماء، فان كان منصرفا إلى الورثة، فانهم إن كانوا رشيدين عقلاء بالغين فالمال لهم. ثم ينظر فان كان الوارث واحدا دفع المكاتب إليه المال، وإن كانوا جماعة دفع إلى كل واحد حقه، فإن دفع إلى بعض وأخل بالبعض لم يعتق، كما إذا كان العبد بين شريكين فكاتباه ثم دفع المال إلى أحدهما، فانه لا يعتق ولا يجوز في هذا الموضع أن يوصي السيد بالنظر في مال ولده، ولا بقبض مال الكتابة، فان فعل ذلك لم تصح الوصية، وإن دفع المكاتب المال إلى الوصي لم يعتق، لان الورثة ذو رشد لا يولى عليهم، ولا تصح الوصية في حقهم. وأما إذا كانت الورثة غير رشيدين أو كانوا أطفالا أو مجانين، فانه إن كان لهم

[ 155 ]

جد فهو الناظر في امورهم ولا تصح الوصية معه، فاذا دفع المال إليه عتق، فان لم يكن له جد ووصى الاب إلى من ينظر في امورهم صحت، ويجب على المكاتب الدفع إلى الوصي. فان كان واحدا دفع إليه، وإن كانا اثنين نظر فان أوصى إليهما أو إلى كل واحد منهما على الانفراد كان للمكاتب أن يدفع إليهما وإلى كل واحد منهما، فاذا أوصى إليهما ولم يوص إلى كل واحد منهما على الانفراد، لم يجز أن يدفع إلى أحد منهما بل يجب الدفع إليهما، فان دفع إلى أحدهما لم يعتق، لان الموصي إنما رضى باجتهادهما ولم يرض باجتهاد أحدهما وحده، فلم يجز إفراده بالدفع إليه. وإذا لم يكن الميت قد وصى بالنظر في مال الاولاد فان الناظر في امورهم الحاكم فيرفع المكاتب الامر إليه لينصب أمينا فيدفع المال إليه ويعتق، فان كان بعض الورثة صغارا وبعضهم كبارا فالكبار يقبضون حقوقهم، والحكم في حقوق الصغار على ما ذكرناه إذا كان الميت قد وصى أو لم يوص. فأما إذا كان مال الكتابة ينصرف إلى موصى له به، فانه إن أوصى به لواحد بعينه فالحق له وللموصى، فان دفعه إليه جاز، وإن دفعه إلى الموصى ليدفعه إليه جاز أيضا. وإن كان أوصى به لاقوام غير معينين كالفقراء والمساكين، فلا يجوز للمكاتب أن يوصل المال إليهم بنفسه، بل عليه أن يدفعه إلى الوصي، لان الميت لم يرض باجتهاد المكاتب، وإنما رضى باجتهاد الوصي. فأما إذا كان مال الكتابة ينصرف إلى الغرماء وقضاء الديون فانه ينظر فان كان السيد وصى بأن يقضي من مال الكتابة ديونه فالحكم فيه كما لو أوصى لرجل بعينه فيجوز للمكاتب دفعه إلى أصحاب الديون، ويجوز أن يدفعه إلى الوصي وليس للورثة هيهنا حق، وإن لم يكن وصى، فالحق للورثة والوصى معا، فلا يجوز للمكاتب أن يدفعه إلا بحضرتهما ورضاهما، لان للورثة في ذلك حقا وهو أن لهم أن يأخذوا المال إليهم ويقضوا الديون من عندهم.

[ 156 ]

* (فصل) * * (في عجز المكاتب) * إذا كاتب عبدا على مال وكان مشروطا عليه عندنا، ثم أراد السيد فسخ الكتابة نظر، فان لم يكن قد حل على المكاتب نجم لم يكن له الفسخ، وكذلك إذا كان قد حل عليه نجم وكان معه ما يؤدي ولم يمتنع من الاداء، لانه لا ضرر على السيد، ولا يتعذر عليه حقه. وأما إذا كان قد حل عليه المال وليس معه ما يؤدي، أو كان معه لكن امتنع من الاداء، للسيد أن يفسخ لان الكتابة عقد معاوضة، فاذا تعذر العوض فيها كان للعاقد الفسخ كالبيع، ولا فرق بين أن يتعذر عليه جميع المال أو بعضه فان للسيد أن يفسخ. ثم ينظر فان كان العبد حاضرا فللسيد أن يفسخ الكتابة بنفسه، لان هذا فسخ مجمع عليه، وإن كان العبد غايبا فليس للسيد أن يفسخ الكتابة بنفسه، بل يحتاج إلى حاكم يرفعه إليه ويثبت عنده أن له على المكاتب مالا وأنه قد تعذر عليه الاداء فاذا فعل ذلك استحلفه الحاكم مع البينة، وقضى له بالفسخ، ويكون هذا قضاء على الغائب. إذا كاتب عبدا فحل عليه نجم من كتابته فأظهر أنه عاجز عن أدائه، فأنظره السيد بما عليه، فان الانظار يصح ولا يجبر على اختيار الفسخ، فان رجع بعد ذلك فطالب بالمال صح رجوعه، ولا يلزمه التأجيل الذي بذله، لان من كان عليه حق معجل فأجله، لم يلزمه ذلك، وقال بعضهم يلزمه والاول أقوى عندي، لانه لا دليل على لزومه. ثم لا يخلو حال العبد من أحد أمرين إما أن يكون حاضرا أو غائبا فان كان حاضرا عند رجوع السيد في التأجيل، والمطالبة بالمال، فانه ينظر فان أظهر العجز وقال ليس لي مال كان للسيد أن يفسخ الكتابة ويرده إلى الرق وإن كان معه المال فأداه إلى السيد عتق.

[ 157 ]

فان قال: لي مال أحضره من البيت، أو من موضع قريب لا يمضي في الذهاب إليه زمان كثير اجبر السيد على إنظاره حتى يمضي ويجئ بالمال، وهكذا إن كان معه مال من غير الجنس الذي عليه، فانه ينظر إلى أن يفعل ذلك. فاذا كان المال على موضع بعيد وكان يمضي في الذهاب إليه مدة طويلة فان السيد لا يجبر على تأخيره إلى ذلك الوقت، لان عليه ضررا كثيرا فيه. وأما إذا كان العبد غايبا فليس للسيد أن يعجزه بفسخ في الحال، بل يرفع الامر إلى الحاكم ويثبت عنده الكتابة، وحلول المال على المكاتب، وأنه لم يؤد إليه شيئا ويحلفه الحاكم على ذلك، فان هذا قضاء على الغائب فاحتاج إلى اليمين، فاذا فعل الحاكم هذا [ كتب إلى حاكم بلد المكاتب حتى يطالبه بمال الكتابة، فان عجز نفسه ] ظ يكتب إلى حاكم ذلك البلد حتى يخبر السيد بعجز المكاتب، فيفسخ الكتابة. فان ذكر أن له مالا فان لم يكن له وكيل، فان الحاكم يكلف المكاتب أن يوصل المال إلى السيد إما بنفسه أو ينفذه مع أمين له، فاذا فعل ذلك ووصل المال إلى السيد عتق فان أخر الانفاذ حتى مضت مدة لو أنفذ المال لكان قد وصله كان للسيد أن يفسخ الكتابة. وإن كان للسيد وكيل بذلك البلد كلفه الحاكم دفع المال إليه، فاذا فعل عتق العبد. فان لم يفعل كان للسيد أن يفسخ في الحال، وكذلك الوكيل إذا كان السيد قد جعل إليه الفسخ، فله أن يفسخ في الحال. إذا كاتب عبدا ثم جن المكاتب فان الكتابة لا ينفسخ بجنونه لانها عقد لازم من أحد الطرفين، فلم ينفسخ الكتابة بالجنون، كالرهن، ويفارق الشركة وغيرها من العقود الجايزة لانها جايزة من الطرفين معا فلذلك انفسخت بالجنون. فأما إذا ثبت أنها لا ينفسخ، فالسيد لا يمكنه أن يطالب العبد بمال الكتابة لان الدفع متعذر من جهته، لكن يرفع الامر إلى الحاكم، ويثبت عنده الكتابة والعجز عن أداء المال، ويستحلفه على ذلك، لانه قضاء على من لا يعبر عن نفسه، فافتقر إلى الاستحلاف.

[ 158 ]

فاذا فعل ذلك فانه يبحث عن مال المكاتب، فان وجد له مال دفعه إلى السيد وعتق، فان لم يجد له مالا فقد ثبت عجزه، وللسيد أن يفسخ، فاذا فسخ عاد العبد إلى ملكه، ويجبر على الانفاق عليه. فاذا ظهر له مال بعد ذلك دفعه الحاكم إلى السيد، ونقض ما كان منه من الحكم برقه، وعتق، لانه بان بخلاف ما ظنه كالحاكم إذا اجتهد في شئ ثم بان أنه أخطأ النص، ويرجع السيد بما أنفقه على المكاتب، لانه إنما أنفق عليه بشرط أنه عبده فاذا بان أنه ليس بعبد استحق الرجوع، فان لم يكن هكذا لكن أفاق المجنون وأقام البينة بأنه أدى المال إلى السيد قبل جنونه وعتق، فانه يحكم بعتقه، ولا يرجع السيد بما أنفقه لانه تطوع بما أنفقه مع علمه بحريته، فلم يستحق الرجوع. المكاتب إذا ادعى على سيده أنه أدى إليه مال الكتابة، وأنكر السيد ذلك فشهد للمكاتب شاهد واحد، فانه يحلفه معه، ويقضى له بتأدية المال، لان الذي يثبت بهذه الشهادة قضاء المال، ودفعه ذلك يثبت بشاهد ويمين. فان قيل: أليس يثبت بهذا الاداء، والعتق لا يثبت بشاهد؟ قيل ليس يمتنع أن يقبل البينة في شئ إذا ثبت جر ثبوته ما لا تقبل البينة فيه، ألا ترى أن شهادة النساء لا يقبل على إثبات النسب منفردات ثم لو شهدن بالولادة قبل، وإن كانت الولادة إذا ثبتت جرت ثبوت النسب. إذا ادعى المكاتب على سيده الاداء وقال: لي بينة اقيمها فانتظروا، انظر يومين وثلثة أيام، لا يزاد على ذلك، لان الثلثة أول حد الكثرة، وآخر حد القلة، وهكذا إذا جاء بشاهد واحد ولم يثبت عدالته، فقال لي شاهد آخر، فانتظروا على حتى أجئ به، انتظر عليه ثلثة أيام ولا يزاد عليها. إذا كاتب عبده على عرض صحت الكتابة، لان العرض يصح أن يكون في الذمة عن سلم فصح أن يكون ثمنا، ثم ينظر فان أدى العرض على الصفة التي شرط عليه وقع العتق في الظاهر، ثم ينظر فان استحق العرض السيد، استقر العتق للعبد وإن خرج العرض مستحقا سلم إلى صاحبه، ويرتفع العتق، لان الكتابة عقد معاوضة

[ 159 ]

فاذا دفع عرضا مستحقا كان ذلك الدفع كلا دفع كالبيع. ثم يقال للمكاتب أن جئت بعرض آخر على الصفة التي شرط عليك عتقت، وإلا فقد ظهر عجزك، فللسيد أن يفسخ الكتابة ويردك إلى ملكه. وأما إذا قال لعبده إذا أعطيتني ثوبا من صفته كذا وكذا فأنت حر فدفع إليه ثوبا على تلك الصفة إلا أنه كان مستحقا فانه لا يعتق لان تقدير قوله إن أعطيتني ثوبا من صفته كذا وكذا، يعني ثوبا أملكه وأنتفع به، والمستحق لا يملكه ولا ينتفع به، وكذلك إن قال: إن أعطيتني هذا الثوب فأنت حر فغصبه وأعطاه، فانه لا يعتق لمثل ذلك، و عندنا لا يعتق في المسئلتين لما مضى ولانه تعليق العتق بصفة، وعندنا لا يصح ذلك. إذا دفع المكاتب عرضا وكان مستحقا فقال له السيد أنت حر ثم بان أن العرض كان مستحقا لم يقع العتق ولم يتعلق بقوله أنت حر حكم، لان قوله أنت حر الظاهر أنه أخبر به عن الحرية التي وقعت بالاداء، وتلك الحرية قد ارتفعت و بطل حكمها. فان اختلف السيد والمكاتب، فقال المكاتب أردت بقولك أنت حر ابتداء عتق وقال السيد بل أردت الاخبار عن الحرية الواقعة بالاداء، فالقول قول السيد، لانه اختلاف في نيته فأما إذا قال السيد للمكاتب أنت حر قبل أن أدى العرض أو بعد ما علم أنه مستحق فانه يكون ذلك ابتداء عتق بلا خلاف، لانه لا يمكن أن يكون إخبارا عن العتق الواقع بالاداء، غير أنه لابد فيه من النية عندنا خاصة.

[ 160 ]

* (فصل) * * (في الوصية بالمكاتب والوصية له) * إذا كاتب عبدا كتابة صحيحة وأوصى برقبته، فان الوصية لا تصح لان السيد وإن كان يملك المكاتب، فإنه يملكه ملكا ناقصا فانه يحول بينه وبين التصرف في رقبته، فهو كعبد غيره، اللهم إلا أن يقول إذا عجز المكاتب فقد أوصيت لك برقبته، فيضيف الوصية إلى حال العجز وعوده إلى ملكه، فحينئذ يصح الوصية. إذا كاتب عبدا كتابة صحيحة ثم أوصى بالمال الذي في ذمته فالوصية تصح لانه مالك لذلك المال، فهو كما لو أوصى بدين له في ذمة غيره. فأما إذا مات الموصي لم تبطل الوصية بموته ثم ينظر في المكاتب فان أدى المال إلى الموصى له عتق وثبت عليه الولاء للموصي، عندنا بالشرط، وعندهم من غير شرط لانه عتق بسبب كان منه وينتقل إلى العصبات من ورثته، وإن أظهر العجز فللورثة أن يعجزوه وتبطل الوصية. فان قال الموصى له أنا انظره بالمال، فاذا أراد الورثة تعجيزه لم يكن له منعهم لانه قد تعلق لهم حق برقبته ثبت بالتعجيز، فلم يكن له منعهم من حقهم. وإذا أوصى لرجل بما في ذمة مكاتبه، ولآخر برقبته إذا عجز صحت الوصيتان معا. ثم ينظر في العبد، فان أدى مال الكتابة عتق، ويكون ذلك المال للموصى له به وتبطل وصية الآخر، وإن عجز نفسه واسترق سلمت الرقبة إلى الموصى له بها، وبطلت وصية الآخر بالمال. إذا قال لرجل أوصيت لك بما يعجله مكاتبي من مال الكتابة صحت الوصية ثم ينظر فان عجل شيئا مما عليه دفع ذلك إلى الموصى له، وإن لم يعجل بل أدى المال كرة بطلت الوصية. إذا كاتب العبد كتابة فاسدة ثم أوصى بما في ذمته بطلت الوصية، لانه لا يملك

[ 161 ]

في ذمته شيئا، فاذا قال: إذا قبضت مال الكتابة فقد أوصيت لك به، صحت الوصية، لانه إذا قبض المال كله ملكه وإن كان قبضه عن كتابة فاسدة، لانه أضاف الوصية إلى ملكه، وعندنا أنه يصح هذه الوصية، لانا قد بينا أن الكتابة الفاسدة لا يصح بها عتق، لكن ما يأخذه يملكه لانه كسب عبده. إذا كاتب عبدا كتابة فاسدة ثم أوصى برقبته، قال قوم يصح الوصية، وهو الاصح عندي، لان ملكه لم يزل عن رقبة العبد بالكتابة الفاسدة، وقال الآخرون الوصية باطلة، لانه وإن كان ملكه لم يزل، فانه يعتقد أنه قد زال وصار محالا بينه وبينه فلا يصح. وأما إذا باع بيعا فاسدا ثم باع الآخر صح البيع الثاني، سواء علم فساد الاول أو لم يعلم، وقال بعضهم إن علم كما قلناه وإن لم يعلم فان البيع يبطل. إذا أوصى رجل فقال ضعوا عن مكاتبي أكثر ما بقى عليه من مال الكتابة، فقد أوصى بأن يضع عنه نصف ما عليه وزيادة، لان أكثر الشئ ما زاد على نصفه، فيضع عنه الورثة نصف مال الكتابة، وزيادة عليها ما شاؤا، من غير تحديد ومقدار. وإذا قال ضعوا عنه أكثر ما بقى عليه من مال الكتابة ومثل نصفها، فقد أوصى بأن يوضع عنه ثلاثة أرباع مال الكتابة وزيادة عليه، لان أكثر ما بقى عليه هو النصف وزيادة عليه، فنصف ذلك يكون الربع وزيادة. فاذا قال ضعوا عنه أكثر ما بقى عليه ومثله، فقد أوصى بأن توضع عنه زيادة على مال الكتابة، لان أكثر ما بقى هو النصف وزيادة، وزيادة مثل ذلك نصف وزيادة، فيكون الجميع أكثر من مال الكتابة فتصح الوصية بمال الكتابة وتبطل في الزيادة لانها وصية بما لا يملك. إذا قال ضعوا عن مكاتبي ما شاء قال قوم لا يجوز أن يشاء جميع ما عليه، بل يبقي منه جزءا وقال بعضهم لو شاء الكل يوضع عنه، والاول أقوى عندي، لانه لو أراد وضع جميع مال الكتابة لكان يقول ضعوا عنه مال الكتابة، فلما قال ضعوا عنه ما شاء كان معناه ما شاء من كتابته، فحمل ذلك عليه.

[ 162 ]

فأما إن قال ضعوا عنه من كتابته ما شاء، فشاء كلها لم يوضع حتى يبقى منها شيئا بلا خلاف، لان " من " تقتضي التبعيض. إذا قال ضعوا عنه نجما من نجومه، كان للورثة أن يضعوا عنه أي نجم شاؤوا قليلا كان أو كثيرا، لان اسم النجم يقع على الكثير والقليل، وهكذا إذا قال ضعوا عنه أي نجم شئتم، فان المشية إلى الورثة يضعون عنه ما شاؤوا. وأما إذا قال ضعوا عنه أي نجم شاء فالمشية ههنا للعبد، فأي نجم شاء وضع عنه ومثل هذه المسائل في الوصية سواء. إذا قال ضعوا عنه أوسط نجومه فالاوسط يقع على أوسط في العدد، وأوسط في الاجل، وأوسط في القدر: فالاوسط في العدد أن يكون النجم ثلاثا يكون الثاني أوسطها وفي الاجل أن يكاتبه على نجم إلى شهر ونجم إلى شهرين ونجم إلى ثلاثة فيكون الذي إلى شهرين أوسطها، والاوسط في القدر أن يكاتبه على نجم إلى مائة، ونجم إلى مائتين، ونجم إلى ثلاثمائة، فالذي إلى مائتين أوسطها. فاذا ثبت هذا فانه ينظر، فان كان في نجومه أوسط في القدر، وأوسط في الاجل وأوسط في العدد، كان الخيار إلى الورثة، يدفعون إليه ما شاءوا من ذلك، وإن قلنا تستعمل القرعة على مذهبنا كان قويا، وإن لم يكن له أوسط في القدر ولا في الاجل بل كانت الآجال متساوية، والقدر متساويا، فانه يعتبر الاوسط في العدد، فان كانت النجوم ثلاثة فالثاني هو الاوسط، وإن كانت خمسة فالثالث هو الاوسط، وعلى هذا أبدا. فأما إذا كانت أربعة فالثاني والثالث هو الاوسط، وإن كان ستة فالثالث والرابع هو الاوسط، وعلى هذا أبدا. ولو قال ضعوا عنه أكثر نجومه، وضعوا عنه أكثر النجوم قدرا، لان الاكثر في النجوم لا يكون إلا من ناحية القدر، أما في الاجل فانه يقول أطول النجوم وأقصرها فحمل الكلام على الاول.

[ 163 ]

ولو قال: ضعوا عنه ما خف أو ما ثقل أو ما قل أو ما كثر، فان ذلك يتحدد بتحديد الورثة أن يضعوا عنه ما شاءوا، لان كل نجم باضافته إلى ما دونه ثقيل، و باضافته إلى ما فوقه خفيف، وكذلك الاقل والاكثر. ولو قال للمكاتب إذا عجزت بعد موتى فأنت حر، كان تعليقا لعتقه بصفة توجد بعد الموت، وعندنا لا يصح تعليق العتق بصفة، وعندهم يصح، سواء كان صفة في حال الحياة، أو بعد الموت. فاذا ثبت هذا فان السيد إذا مات نظر في العبد، فان أدى المال إلى الورثة عتق بالاداء، وبطل حكم الصفة، وإن أظهر العجز ففيه ثلاث مسائل: إحداها أن لا يكون قد حل عليه شئ من مال الكتابة، فيقول قد عجزت ولا يعتق لانه إنما يعجز عن المال بعد حلوله عليه، فاذا أظهر العجز قبل الحلول علم كذبه في ذلك. الثانية أن يحل المال عليه، وكان في يده ما يؤدي، فأظهر، العجز، فلا يعتق أيضا لانه إنما يكون عاجزا إذا لم يكن معه ما يؤدي، فاذا أظهر ذلك ومعه ما يؤدي علم كذبه فلا يعتق. الثالثة أن لا يكون في يده مال فأظهر العجز وادعى الورثة عليه أن معه مالا فالقول قوله فيحلف بالله الذي لا إله إلا هو أنه عاجز ويعتق، لان هذا اختلاف في أمر يتعلق به وهو أعلم به من غيره، فيرجع إليه في ذلك. فقد بينا فيما مضى أن الكتابة عندنا على ضربين: مطلقة ومشروطة عليه، فالمشروطة عليه أن يقول في عقد الكتابة: متى عجزت عن أداء نجم أو النجوم فأنت رد في الرق، ولي جميع مالك، فانه يثبت الشرط، ومتى عجز رد في الرق، وكان له جميع ما أخذه منه، وجميع ما تقدم من الفروع ففرعه على هذا، لان هذا حقيقة الكتابة عند المخالف من غير شرط. والمطلقة هو أن يكاتبه على نجوم مخصوصة في أوقات مخصوصة ويطلق، فمتى

[ 164 ]

أدى شيئا من النجوم عتق بحسابه، ولا سبيل إلى رده في الرق بحال. فان عجز فيما بعد عن مال الكتابة، كان على الامام أن يؤدي ما بقى عليه من سهم الرقاب، فان لم يكن أو كان ما هو أهم منه كان لسيده منه بقدر ما بقى، وله من نفسه بمقدار ما تحرر منه فان كان بينهما مهاياة صح: فما يكسبه في يومه يكون له، وما يكسبه في أيام سيده يكون لسيده. ومتى مات هذا المكاتب وترك مالا وترك أولادا ورثه مولاه بقدر ما بقى من العبودية، وكان الباقي لولده إذا كانوا أحرارا فان كان المكاتب رزق الولد بعد الكتابة من أمة له كان حكم ولده حكمه في أنه يسترقه مولى أبيه بقدر ما بقي على أبيه. فان أدى الابن ما كان بقى على أبيه صار حرا لا سبيل لمولاه عليه، وإن لم يكن له مال استسعاه مولى الاب فيما بقى على أبيه فمتى أداه صار حرا، وهذا المكاتب إذا أدى بعض مال الكتابة يرث ويورث بحساب ما عتق منه، ويمنع الميراث بقدر ما بقى من الرق وكذلك إن أوصى له كانت الوصية ماضية له بقدر ما عتق، ويحرم بقدر ما بقى من رقه. فاذا أتى هذا المكاتب ما يجب عليه فيه الحد اقيم عليه بقدر ما عتق حد الحرية وما بقى منه رقا حد العبودية ومتى جنا على غيره جناية عمدا فان كان المجنى عليه حرا اقتص منه على كل حال، وإن كان عبدا لا يقتص منه، لان بعضه حر ولا قصاص بين الحر والعبد. وإن كان مكاتبا مثله فان كان تحرر منه مثل ما تحرر من هذا أو أكثر فانه [ يقتص منه، وإن كان تحرر منه أقل مما تحرر منه ] ظ لا يقتص منه لما ذكرناه، وإن كانت الجناية خطاء فانه يتعلق الارش بمقدار ما تحرر منه بذمته إن كان المجنى عليه حرا أو عبدا وبمقدار ما بقى منه رقا يتعلق برقبته، ولمولاه أن يفديه على ما تقدم وسواءا كانت الجناية في النفس أو الطرف، فان الحكم على ما قلناه. ومتى جني على هذا المكاتب، فان كانت الجناية عمدا فلا يخلو الجاني من أن

[ 165 ]

يكون حرا أو عبدا، فان كان حرا فانه لا يقتص منه، لان بعضه رق ولا يقتص لعبد من حر، وإن كان الجاني عبدا اقتص منه على كل حال. وإن كان مكاتبا مثله، فان كان تحرر منه مثل ما تحرر من هذا أو دونه اقتص منه، وإن كان قد تحرر من الجاني أكثر من ذلك، فانه لا يقتص منه لما ذكرناه. ومتى كانت الجناية خطأ وجب فيها الارش بمقدار ما تحرر منه من دية الحر و بمقدار ما بقي رقا دية العبد، فان كان الجاني حرا لزمه ذلك أو عاقلته، وإن كان عبدا تعلق ذلك برقبته، ولمولاه أن يفديه على ما تقدم ذكره وإن كان مكاتبا قد تحرر بعضه تعلق بذمته مقدار ما تحرر منه وبمقدار ما بقى رقا يتعلق برقبته، ولمولاه أن يفديه. وكل موضع قلنا يتعلق بذمته فان كان في جناية عمد، فانه يكون في ذمته يطالب من كسبه الذي نصيبه، وإن كان عن جناية خطاء فانه يجب على الامام ذلك لانه عاقلته، اللهم إلا أن يكون شرط عليه سيده أن يكون ولاؤه له، فيلزم السيد حينئذ ما يتعلق بذمته. ومتى وصى هذا المكاتب كانت وصيته نافذة بمقدار ما تحرر منه في ثلثه، وباقي ذلك لورثته، ومردودة بمقدار ما بقي منه رقا، ومتى ركبه دين فانه يتعلق بذمته بمقدار ما تحرر منه يطالب به إذا عتق، أو من الذي يكسبه في اليوم الذي يخصه بمقدار ما تحرر منه. وأما مقدار ما بقي منه رقا فان كان استدانه باذن مولاه، فعلى مولاه قضاؤه عنه وله أن يقضيه من كسبه الذي نصيبه بمقدار الرق، وإن كان استدانه بغير إذن مولاه فانه يتعلق بكسبه جميعه ويقضى منه دين الغرماء، وما يبقى فيكون بينه وبين السيد على حساب الحرية والرق. ومتى كاتب مكاتبة وتحرر منها بعضها لم يجز لمولاها وطؤها، فان وطئها لزمه الحد بمقدار ما تحرر منها، وادرئ عنه بمقدار ما بقى، ويجب عليها مثل ذلك ما لم

[ 166 ]

يستكرهها، فان استكرهها لم يكن عليها شئ وكان عليه على ما قلناه. وهذا المكاتب لا يلزم مولاه فطرته وإن كان مشروطا عليه لزمته. والمكاتبة إذا تحرر منها البعض لم يجز لها أن يتزوج إلا باذن مولاها، فان تزوجت بغير إذنه كان نكاحها باطلا، وإن كان نكاحها باذن مولاها وقد أدت بعض مكاتبتها، ورزقت أولادا، فان حكم أولادها حكمها، يسترق منهم بحساب ما بقى من ثمنها، ويعتق بحساب ما انعتق إذا كان تزويجها بعبد مملوك أو حر شرط عليه استرقاق الولد، وإن كان تزويجها بحر كان الولد أحرارا. والحكم في المهر على ما تقدم بيانه، ولا يجوز له أن يتصرف في نفسه بالتزويج ولا بهبة المال ولا بالعتق، وإنما يجوز له التصرف في ماله بالبيع والشراء، فسحب.

[ 167 ]

* (كتاب التدبير (1)) * التدبير هو أن يعلق عبده بوفاته، فيقول متى مت أو إذا مت فأنت حر، وسمي مدبرا لان العتق عن دبر حياة سيده يقال دابر الرجل يدابر مدابرة إذا مات ودبر عبده يدبره تدبيرا إذا علق عتقه بوفاته. فالتدبير ضربان: مطلق ومقيد، فالمطلق أن يعلقه بموت مطلق، فيقول إذا مت فأنت حر، والمقيد أن يقيد الموت بشئ يخرج به عن الاطلاق فيقول إن مت من مرضى هذا أو في سفري هذا فأنت حر، وأي التدبير كان فاذا مات السيد نظرت، فان احتمله الثلث عتق كله وإن لم يكن له عبد سواه عتق ثلثه، فان كان عليه دين بيع في الدين وبطل التدبير. وصريح التدبير أن يقول إذا مت فأنت حر أو محرر أو عتيق أو معتق غير أنه لابد من النية عندنا، فأما إن قال أنت مدبر فقال بعضهم هو كناية، وكذلك القول إذا قال كاتبتك على كذا قال قوم هو صريح وقال آخرون هو كناية والاول أقوى و إن كان عندنا يحتاج إلى نية. ولو قال ولدك ولد مدبر، لم يكن هذا تدبيرا، وقال بعضهم إن كان أراد به التدبير كان تدبيرا. والتدبير لا يعلق عندنا بصفة، ولا العتق، وعندهم يعلق، وإطلاق الصفة إذا علق العتق بها اقتضى أن يتعلق الحكم بها إذا وجدت حال حيوة العاقد، فان مات العاقد قبل وجودها بطلت، فان قيدها وكان علق العتق بها إذا وجدت بعد وفاته كانت على ما قيد. بيانه إذا قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر نظرت، فان دخل قبل وفاة سيده عتق، وإن مات سيده قبل دخوله بطلت الصفة، وإن قال إن دخلت الدار بعد موتى

(1) كتاب المدبر خ.

[ 168 ]

فأنت حر، فان دخلها في حياة سيده لم يعتق، وإن دخلها بعد وفاة سيده عتق: فان قال لعبده إن دخلت الدار فأنت مدبر أو فأنت حر بعد وفاتي، فقد علق تدبيره بالصفة فان وجدت الصفة قبل وفاة سيده كان مدبرا، وإن مات سيده قبل وجودها بطلت ولم يتعلق بها حكم. فان قال لعبده إذا دخلت الدار بعد وفاتي فأنت حر لم يكن مدبرا لان التدبير أن يعلق عتقه بموته. فان قال لعبده إذا قرأت القرآن فأنت مدبر أو فأنت حر بعد وفاتي أو فأنت حر متى مت نظرت فان قرأ القرآن كله قبل وفاة سيده صار مدبرا، وإن قرأ بعضه لم يكن مدبرا. فان قال إن قرأت قرآنا فأنت مدبر، فان قرأ شيئا من القرآن ما يقع عليه الاسم صار مدبرا. فان قال له أنت مدبر أو لست بمدبر؟ لم يكن مدبرا، وكذلك لو قال أنت مدبر أولا؟ لان معناه أنت مدبر أو غير مدبر؟ وكذلك إذا قال لزوجته أنت طالق أولا؟ لا يكون طالقا لان معناه أنت بين مطلقة وغيره مطلقة. فان قال أنت مدبر إن شئت فان شاء جوابا لكلامه صار مدبرا، وإن شاء قبل أن يفترقا ولكن لم يكن المشية جوابا لكلامه، فهل تصح المشية أم لا؟ قال بعضهم لا تصح، ولا يكون جوابا لكلامه، وقال آخرون وقت المشية ما لم يتفرقا، وإن تراخت عن الجواب. فأما إن قال أنت مدبر متى شئت، أو أي وقت شئت، أو أي زمان شئت، فالمشية على التراخي، أي وقت شاء صار مدبرا مادام سيده حيا، وهذا أصل يحال ما يأتي من المسائل عليه. فاذا قال لعبده أنت حر بعد وفاتي إن شئت، أو أنت حر إن شئت بعد وفاتي سواء قدم المشية على الوفاة أو أخرها عن الوفاة، فالحكم فيهما سواء إذا ابتدأ بذكر

[ 169 ]

الحرية، ويكون تعليق تدبير بمشية عبده حال حياته، فان شاء العبد ذلك في حال حياة سيده فالحكم في وقت المشية قد مضى: إن كانت المشية جوابا لكلامه صار مدبرا وإن كانت بعد التفرق لم يتعلق بها حكم، وإن كانت قبل التفرق فعلى ما فصلناه من الوجهين. وعندنا أن جميع هذه المسائل لا تصح، لانها تعليق التدبير بالصفة، وقد بينا أن ذك لا يصح عندنا كالعتق. إذا قال أنت حر متى شئت بعد وفاتي أو أنت حر بعد وفاتي متى شئت، فالحكم على ما مضى، من أنه تعليق تدبير بصفة في حال الحيوة، والمشية ههنا على التراخي على ما فصلناه. فان قال إن شئت فأنت حر متى مت كان كقوله أنت حر إن شئت بعد وفاتي وقد مضى. هذا إذا قدم الحرية على الوفاة فأما إن قدم الوفاة وابتدأ بها، فقال إذا مت فشئت فأنت حر، أو إذا مت فأنت حر إن شئت، فليس هذا تدبيرا، بل تعليق عتق بصفة توجد بعد الوفاة، فان شاء العبد ذلك عقيب وفاته عتق، وإن شاء بعد أن قام من مجلسه حين بلغته وفاته فعلى الوجهين. إذا قال إذا مت فأنت حر متى شئت، فالحكم أنه تعليق عتق بصفة بعد الوفاة غير أن المشية على التراخي، فان قال متى شاء فلان وفلان فأنت مدبر أو فأنت حر بعد وفاتي، فان شاءا معا صار مدبرا، وإن شاء أحدهما لم يكن مدبرا. فان قال لعبده متى دخلت الدار فأنت مدبر أو فأنت حر متى مت، فذهب عقل سيده ثم دخل العبد الدار صار مدبرا، ومتى مات سيده عتق سواء مات قبل إفاقته أو بعد الافاقة. فان قال السيد هذا وهو زائل العقل فدخل العبد الدار وقد رجع عقل سيده لم يصر مدبرا، إنما ينظر إلى حال العقد لا إلى حال وجود الصفة.

[ 170 ]

فان قال متى مت فأنت حر إن شاء ابني فلان، فان شاء ابنه فلان فهو حر، و إن لم يشأ فليس بحر فان مات ابنه أو جن أو خرس لم يكن حرا، فان برئ من جنونه أو زال خرسه فشاء صار حرا من الثلث. فان قال إن مت من مرضي هذا أو في سفري هذا أو إن مت وأنا بمكة فأنت حر فان وجدت الصفة عتق بوفاته، وإن مات في غير ذلك المرض أو بغير مكة أو في غير ذلك السفر لم يعتق بوفاته، لان الشرط لم يوجد. وأصل هذا أنه إذا أعتقه على شرط أو اثنين أو أكثر لم يعتق إلا بأن يكمل الشروط التي أعتقه عليها، أو الصفات التي علق عتقه بها، وقد بينا أن هذه المسائل يسقط عندنا لما مضى. وإن قال: عبد من عبيدي حر بعد وفاتي، فاذا مات قبل التعيين أقرعنا بينهم، فأيهم خرج سهمه أعتقناه.

[ 171 ]

* (فصل) * * (في الرجوع في التدبير) * إذا دبر عبده كان له الرجوع باخراجه عن ملكه ببيع أو هبة وإقباض أو وقف أو عتق، وسواء كان عليه دين أو لا دين عليه، فان أراد الرجوع فيه بقول لا يزول به الملك، كقوله رجعت في تدبيرك أو رفعته أو أزلته أو فسخته صح ذلك، وقال قوم لا يصح الرجوع بذلك، والاول مذهبنا، لان التدبير عندنا وصية وليس بعتق بصفة ومن منع منه قال لانه عتق بصفة. ومتى دبره ثم قال إن أديت إلى وارثي بعد وفاتي كذا وكذا فأنت حر، و قصد بذلك الرجوع من التدبير، صح عندنا، ولم ينعقد تعليق العتق بالصفة لما مضى. فمن قال هو وصية قال هذا رجوع عنها، وتعليق للعتق بصفة هي الاداء إلى وارثه، ومن قال التدبير تعليق عتق بصفة، قال ههنا علق عتقه بصفتين الاداء والوفاة غير أنه لا يضر وجود الصفة الثانية في عتقه، لانه إن خرج من الثلث عتق بالصفة الاولى التي هي الوفاة، وإن لم يخرج من الثلث لم يعتق بالوفاة، فلا يتصور وجود الصفة الثانية، لانه إنما علق عتقه بصفتين يعتق بكل واحد منهما، والموت سابق أبدا. فإن دبره ثم وهبه وأقبضه كان رجوعا وإن لم يقبضه قال قوم يكون رجوعا لانه شرع فيما يزول به الملك، وفيهم من قال لا يكون رجوعا، والاول أقوى عندنا. فان دبره ثم أوصى به لرجل قال قوم يكون رجوعا وهو مذهبنا، ومن قال عتق بصفة قال لا يكون رجوعا، فمن قال لا يكون رجوعا فلا كلام، ومن قال يكون رجوعا كان رجوعا سواء رد الموصى له الوصية أو لم يردها. ولو دبر عبده وهو ناطق ثم خرس فرجع في التدبير نظرت، فان كان مفهوم الاشارة صح رجوعه، وإن لم يكن مفهوم الاشارة لم يصح رجوعه، ومتى مات عتق بوفاته.

[ 172 ]

وله الرجوع في بعضه كماله الرجوع في كله، فان رجع في تدبير نصفه أو ثلثه بطل التدبير فيما رجع فيه، وكان الباقي مدبرا يعتق بوفاته، ولا يقوم باقيه عليه ولا على وارثه، ولا يفتقر رجوعه فيه إلى إذن المدبر، فان قال المدبر قد رددت التدبير لم يتعلق بكلامه حكم سواء رد التدبير في حياة سيده أو بعد وفاته. إذا جنى المدبر تعلق أرش الجناية برقبته، كالعبد القن سواء، ويكون سيده بالخيار بين أن يسلمه أو يفديه، فان اختار أن يفديه فبكم يفديه؟ قال قوم بأقل الامرين من قيمته أو أرش الجناية، وقال آخرون يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ أو يسلمه للبيع. فان فداه فالتدبير بحاله، وإن اختار بيعه نظرت، فان كان الارش يستغرق قيمته بيع فيها وبطل التدبير، وإن كان الارش لا يستغرق قيمته نظرت، فان لم يمكن بيع بعضه، بيع كله ودفع من ثمنه أرش الجناية، وما فضل كان لسيده، وإن لم يمكن بيع بعضه فالسيد بالخيار بين بيع كله أو بيع بعضه. فان باع الكل كان الفضل لسيده، وإن باع بعضه كان الباقي مدبرا، وكل موضع زال ملكه عنه زال التدبير. وروى أصحابنا أن التدبير باق وإذا مات السيد يعتق في ملك المشتري وينبغي أن يبيعه بهذا الشرط. ومتى عاد إليه ملكه بعد ذلك بميراث أو غيره فهل يعود حكم التدبير أولا؟ قال قوم يعود، وقال آخرون لا يعود. والذي نقوله إن كان حين باعه نقض تدبيره، فانه لا يعود تدبيره، وإن كان لم ينقض تدبيره فالتدبير باق، لان عندنا يصح بيع خدمته دون رقبته مدة حياته، و متى مات السيد قبل أن يفديه فهل يعتق بوفاته أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما يعتق، و الآخر لا يعتق. فمن قال يعتق بوفاته وهو الاقوى عندنا، قال تعلق أرش جنايته بالتركة لكن يتعلق بها أقل الامرين من قيمته أو أرش جنايته، لانه لا يمكن تسليمه للبيع، ومن قال لا يعتق كان وارثه بمنزلة سيده، على ما فصلناه حرفا بحرف.

[ 173 ]

هذا الكلام في جنايته فأما الكلام في الجناية عليه، فان كانت دون النفس مثل أن قطعت يده أو رجله، كان أرشها لسيده، والتدبير بحاله، وإن قتل بطل التدبير فكانت قيمته لسيده، ولا يشتري بها عبدا يكون مدبرا مكانه، وإن أخذ بقيمته عبدا لم يكن العبد مدبرا مكان المقتول، لان العبد بدل القيمة لا بدل المدبر. إذا ارتد المدبر فالتدبير بحاله، فان مات أو قتل بطل التدبير، وإن لحق بدار الحرب بطل تدبيره عندنا، لما رواه أصحابنا من أن إباق المدبر يبطل تدبيره. ثم لم يخل من أحد أمرين إما أن يلحق بها قبل وفاة سيده أو بعد وفاته، فان لحق قبل وفاة سيده لم يملكه أهل الحرب، فان سبي هذا المدبر كان لسيده بكل حال، ويكون على تدبيره عندنا، فان كان قبل القسمة أخذه سيده، وإن كان بعد القسمة نظرت: فان لم يكن في بيت المال مال أخذه سيده ونقضت القسمة، واستونفت، وإن كان في بيت المال مال دفع قيمته إلى من حصل في سهمه، ورد العبد على سيده والقسمة بحالها، وإن مات السيد أو لا عتق وهو حر مدبر، عليه الولاء فاذا لحق بدار الحرب لم يسترق لان عليه ولاء المسلمين. فان كان المدبر ذميا دبر ذميا ثم مات، وعتق العبد ولحق بدار الحرب، فانه يسبى ويسترق لانه لما جاز أن يسبى مولاه ويسترق فكذلك المعتق، وإذا كان مسلما لم يجز أن يسبي مولاه لما لم يجز أن يسبى ويسترق. فأما إن دبر عبده ثم ارتد مولاه ومات، قال قوم يعتق، ومنهم من قال لا يعتق لان العتق وصية فلا ينفذ منها شئ حتى يحصل للوارث مثلاه، وما حصل للوارث. ومنهم من قال على قولين إذا قيل إن ملكه زال بالردة أو قيل مراعا حتى إذا مات أو قتل بأنه إن زال بالردة لم يعتق، وإن قيل إن ملكه ثابت عتق بوفاته، وهذا أقوى عندي. فأما إن ارتد أولا ثم دبر عبده، فالكلام أولا في ملكه ثم في تصرفه وفيهما ثلاثة أقوال: أحدها باطل، والثاني صحيح، والثالث مراعي، ويقوى في نفسي أن ملكه

[ 174 ]

باق، لانه لا دليل على زواله، وأما تصرفه فانه باطل، لانه محجور عليه بالردة فعلى هذا تدبيره باطل. يعتبر المدبر من الثلث فان احتمله الثلث عتق، وإن لم يكن له مال سواه عتق ثلثه ورق باقيه، ولا يقوم عليه ولا على وارثه، وإن كان عليه دين فان أبرأه صاحب الدين عتق كله، وإن امتنع من ذلك بيع في الدين ويبطل التدبير. إذا مات سيده فأفاد المدبر مالا بعد موت سيده، فان خرج المدبر من الثلث سلم إليه، وإن لم يخرج من الثلث سلم إليه من ماله الذي اكتسبه بعد موت سيده بمقدار ما خرج من الثلث، وسلمت البقية إلى الورثة. فان كان لسيده مال غائب مثل أن كانت قيمة المدبر مائة، والغائب مائتان، لا مال له غير ذلك، لم يعتق المدبر كله، ويعتق ثلثه، وقال بعضهم لا يعتق منه شئ والاقوى الاول عندي، لان ثلثه حر بكل حال سواء سلم الغائب أو هلك. ثم ينظر فان عاد المال عتق كله، وإن هلك عتق ثلثه، وإن عاد منه مائة عتق ثلث آخر من العبد، فيكون ثلثاه حرا، وينظر في المائة الباقية، فان عادت عتق كله وإن هلكت فقد عتق الثلثان. إذا ادعى على سيده أنه قد دبره فأنكر السيد ذلك، فهل يكون إنكاره رجوعا في التدبير أولا؟ فمن قال هو عتق بصفة، قال لا يكون رجوعا، وكان القول قول السيد مع يمينه، فاذا حلف سقطت الدعوى، فان نكل حلف العبد وحكم بأنه مدبر، فان كان مع العبد بينة لم يقبل إلا ما يقبل في العتق والكتابة، لان المقصود ليس بمال، وتطلع عليه الرجال. ومن قال التدبير هو وصيه على ما نذهب إليه، هل يكون الانكار رجوعا أم لا؟ قال بعضهم يكون رجوعا، وقال آخرون لا يكون رجوعا، وهذا هو الاقوى. ويقال له إن شئت فارجع وأسقط عن نفسك اليمين، فان رجع أسقط اليمين عن نفسه، وإن لم يرجع حلف وكان له الرجوع بعد يمينه. فان مات السيد قبل التداعي، فادعى العبد على وليه أن أباه كان دبره، فالقول

[ 175 ]

قول الوارث، سواء قيل هو وصية أو عتق بصفة، لان الوارث لا يملك الرجوع، فان حلف أسقط الدعوى، واليمين على العلم لانها على النفي على فعل الغير، وإن لم يحلف حلف العبد وعتق من الثلث، وإن كان مع العبد بينة لم تقبل إلا من ذكرناه. فان ادعى على الوارث أنه مدبر فاعترف الوارث بذلك له أو أقام العبد بذلك بينة فادعى الوارث أن أباه كان رجع في التدبير قبل الوفاة، فالقول قول المدبر، فان أقام الوارث بينة على الرجوع لم يقبل إلا ذكرين. إذا كاتب الرجل عبده ثم دبره صح التدبير، والكتابة بحالها، ويكون مكاتبا مدبرا: فان أدى ما عليه عتق بالاداء، وبطل التدبير، وإن مات قبل الاداء عتق من الثلث، فان خرج من الثلث عتق كله وبطلت كتابته، وإن خرج بعضه من الثلث عتق منه بقدر الثلث، وسقط من مال الكتابة بقدره، وكان الباقي منه مكاتبا فان أدى ما عليه عتق، وإن عجز رق باقية للوارث. وإن دبره أولا ثم كاتبه فمن قال التدبير وصية قال يكون رجوعا فيه، لانه وصية فهو كما لو أوصى بعبده ثم كاتبه، ومن قال هو عتق بصفة قال يصير مكاتبا مدبرا والحكم فيه كما لو كاتبه أولا ثم دبره، وقد مضى حرفا بحرف. للسيد وطي مدبرته كالامة القن، فان لم تحبل فهي على التدبير، وإن حبلت بطل التدبير بينهم، لان سبب عتقها أقوى من سبب عتق المدبرة، وعندنا أنه لا تبطل التدبير لانها مملوكة بعد، ولا سبب للعتق فيها، فاذا مات سيدها عتقت بوفاته من الثلث بالتدبير، وعندهم من صلب ماله. فان دبرها ثم أتت بولد من زوج أو زنا فانه يكون الولد مدبرا عندنا معها وقال بعضهم هو عبد قن، فمن قال عبد قن فلا كلام، ومن قال مدبر على ما قلناه: فانه يكون له حكم نفسه، فان ماتت الام أو رجع في تدبيرها أو باعها كان تدبير ولدها بحاله، متى مات السيد عتق الولد من الثلث وجملته أنه يكون كأنه دبر كل واحد منهما بلفظ مفرد. فأما ولد المعتقة بصفة عند من قال به، فلا يكون معتقا بالصفة، فاذا قال لامته

[ 176 ]

إن دخلت الدار فأنت حرة، فأتت بعد هذا بولد لم يتعلق عتقه بدخول الدار دون أمه ولكن هل يكون تبعا لامه في العتق أم لا؟ على قولين أحدهما لا يتبعها وهو عبد قن والثاني يتبعها. فان دخلت الدار عتقت وهل يعتق ولدها أم لا؟ على قولين وإن دخل الدار ولدها لم يعتق الولد، وهذا هو الفرق بين ولدها وولد المدبرة، وهكذا ولد المكاتبة لا يكون مكاتبا كأمه ولكن هل يعتق بعتق امه أم لا؟ على قولين. وسواء ولدت ذكرا أو انثى، فان ولدت ذكرا أو انثى فولد الانثى بمنزلة ولد المدبرة، وقد مضى حرفا بحرف، وولد الذكر تابع لامه إن كانت حرة فهو حر و إن كانت أمة قنا فهي أمة قن لسيد أمها، فان دبر امه ثم رجع في تدبيرها بالقول حكمنا بأنها أمة قن. فان أتت بولد بعد الرجوع لاقل من ستة أشهر فانه يكون عندنا مدبرا، و فيهم من قال لا يكون كذلك، وعلى ما قلناه يكون هي والولد مدبرين، فاذا رجع في الام لم يصح رجوعه في الولد، وإن ولدت لستة أشهر فصاعدا من حين الرجوع فالولد مملوك، لانا علمنا أنه ما كان الحمل موجودا حين الرجوع في تدبيرها. هذا إذا دبرها حائلا فأتت بولد، فأما إن دبرها وهي حامل بولد مملوك، فهي مدبرة وحملها مدبرة معها عند المخالف، وروى أصحابنا أن الولد لا يكون مدبرا. ومن قال هما مدبران قال كان له المقام على تدبيرهما، وله الرجوع فيهما وله أن يرجع في أحدهما دون الآخر، كالمنفصل منها، فان رجع فيها كان حملها مدبرا دونها، وإن رجع في حملها كانت مدبرة دون حملها، وكذلك قالوا في المسألة الاولى إن له الرجوع في تدبيرها دون ولدها وهذا أصل عندهم إن دبرها كان حملها مدبرا معها تبعا لها، فان رجع في تدبيرها لم يكن حملها تبعا لها في الرجوع منه تغليبا للحرية، فان دبرها ومات عنها عتقت بوفاته. وإن كان لها ولد فقالت قد عتق بعتقي لاني حملت به وأنا مدبرة، فمن قال لا يكون ولدها مدبرا معها، قال لا يلتفت إلى هذا القول منها.

[ 177 ]

ومن قال يكون مدبرا معها نظرت في الوارث، فان صدقها فالولد مدبر معها وقد عتق بالوفاة، وإن كذبها فالقول قول الوارث، لان الاصل الملك حتى يعلم زواله. إذا دبر الرجل عبده ثم ملكه أمة فوطئها العبد فلا حد عليه، فان أتت بولد فهو مملوك تبعا لامه، ويكون مدبرا كأمه عندنا. ومن قال المملوك إذا ملك ملك، قال الولد ولده، وهو مملوك له وإن كان ولده ولا يعتق عليه لنقصان الملك. وهل يكون الولد مدبرا تبعا لابيه أم لا؟ على وجهين: أحدهما عبد قن تبعا لامه، والثاني مدبر تبع لابيه لانه أحبلها في ملكه، فكان حكم ولده حكمه كالحر إذا أحبل أمة بملك اليمين. إذا قال لامته أنت حر بعد سنة إذا مت، عندنا لا يتعلق به حكم، لانه علق تدبيرها بصفة، وذلك لا تصح عندنا، وعندهم يصح، فاذا أتت سنة صارت مدبرة فان أتت بولد قبل السنة لم يكن مدبرا لانها ليست مدبرة، وإن أتت بعد سنة فعلى القولين. فان قال لها أنت حرة بعد وفاتي بسنة، عندنا لا يتعلق به حكم لما مضى، و عندهم يصح، ويكون علق عتقها بشرطين: الوفاة وانقضاء المدة. فاذا مات: فان خرجت من الثلث بقي الشرط الآخر، وهو مضي المدة، فان كسبت مالا قبل انقضاء المدة فهو للوارث، وإن أتت بولد قبل انقضاء المدة كان مدبرا وفيهم من قال لا يكون، وهذا يسقط عنا لما قلناه.

[ 178 ]

* (فصل) * * (في تدبير الحمل) * إذا دبر حمل جارية صح ويكون مدبرا دون امه، ولو دبرها كانت مدبرة هي وولدها عندهم، فالولد يتبعها ولا تتبع ولدها، كالعتق إذا أعتقها عتقا مع، وإن أعتق الحمل وحده عتق دونها، وقد بينا أن عندنا في الطرفين على حد واحد لا يتبعها ولا تتبعه. فاذا ثبت أنه مدبر فله الرجوع في التدبير، وله المقام عليه، فان أقام عليه حتى مات عتق من الثلث وامه قن، وإن رجع فيه صح وعاد قنا. ومن قال لا يصح الرجوع إلا بالفعل وهو الاخراج من الملك، فلا يمكنه إخراجه من ملكه إلا بالبيع وحده والوجه أن يبيع الام فاذا باعها مطلقا زال ملكه عنها وعن حملها وزال التدبير. ومتى باعها فان قصد بالبيع الرجوع في التدبير صح البيع، وإن لم يقصد بطل البيع، عند بعضهم، وقال بعضهم لا يبطل، وعندنا إن شرط أنه يبيع مدبرا صح فاذا مات السيد عتق وإن باعه عبدا قنا ولم يقصد الرجوع بطل البيع. ولو دبر حملها فأتت بولد لاقل من ستة أشهر من حين التدبير فالولد مدبر وإن أتت به لستة أشهر فصاعدا من حين التدبير، لم يكن مدبرا لجواز حدوثه بعد التدبير والاصل أن لا حمل: فإن ولدت ولدين أحدهما لاقل من ستة والآخر لاكثر من ستة أشهر، ولم يكن بينهما ستة أشهر، فالحمل واحد، وهما معا مدبران، ولو دبر ما في بطنها أو أعتقه ثم باعها فولدت قبل ستة أشهر من حين التدبير، فالبيع باطل، والولد حر أو مدبر، وإن ولدت بعد ستة أشهر ففيها قولان أحدهما البيع مردود لانه باع في وقت هو ممنوع من بيعها فيه ليعرف حال الحمل، فوقع باطلا، والثاني جايز، و الاول أصح عندنا.

[ 179 ]

* (فصل) * * (في العبد بين الشريكين) * إذا كان العبد بين شريكين فقال كل واحد منهما له: إذا متنا فأنت حر، لم يكن مدبرا، لان كل واحد منهما علق عتق نصيبه منه بموته وموت شريكه، فان ماتا معا عتق العبد كله من الثلث، فان مات أحدهما لم يعتق نصيبه منه وصار عتق نصيبه منه معتقا بصفة، تلك الصفة موت شريكه، وصار نصيب الثاني منها مدبرا لانه قد تعلق عتق نصيبه منه بموته وحده، فنصف هذا العبد بعد موت الاول، وقبل موت الثاني مملوك لوارث الاول، وكسبه له، فان قتل قبل موت الثاني كانت قيمته بين وارث الاول وبين السيد الثاني. والذي يقوى في نفسي أن هذا التدبير صحيح، ويكون كل واحد منهما دبر نصيبه، فان ماتا معا عتق كله من ثلثهما، وإن مات أحدهما عتق نصيبه من ثلثه، ويبقى النصف الآخر مدبرا إلى أن يموت الثاني، فاذا مات الثاني تكامل الحرية فيه، وما بكسبه بعد موت الاول يكون نصفه للثاني إلى أن يموت. فان كان العبد بين شريكين فقال كل واحد منهما: أنت حبيس على آخرنا موتا فالحكم في هذه وفي التي قبلها عندهم سواء إلا في فصل: وهو أن ما اكتسبه بعد موت الاول وقبل موت الثاني يكون للثاني دون وارث الاول لان كل واحد منهما قد أوصى بنصيبه فيه لشريكه ثم يكون حرا بعد وفاة شريكه، فيكون قد عبر عن الوصية بالتحبيس، فيكون الوصية من الثلث، والعتق بموت الآخر منهما، وعندنا أن هذه لا تصح لانها تعليق عتق بصفة لا غير. فان كان بين شريكين فدبراه معا وهو أن علق كل واحد منهما عتق نصيبه بموت نفسه، فقال: إذا مت فنصيبي حر، صار مدبرا، فان رجعا في التدبير عاد عبدا قنا وإن أقاما عليه نظرت:

[ 180 ]

فان ماتا معا عتق نصيب كل واحد منهما منه من الثلث، وإن أعتق أحدهما نصيبه قال قوم يسري إلى نصيب شريكه، ويقوم عليه ويكون الكل حرا، وقال بعضهم لا يقوم عليه لان لنصيب شريكه جهة يعتق بها. فمن قال يقوم عليه فلا كلام، ومن قال لا يقوم عليه فنصفه حر ونصفه مدبر فان مات سيد المدبر منه عتق من الثلث، فان لم يخرج من الثلث عتق منه بقدر الثلث. وإن كان العبد بين شريكين فدبر أحدهما نصيبه منه، حكمنا بأنه مدبر وهل يسري التدبير إلى نصيب شريكه فيصير كله مدبرا؟ قال قوم إنه لا يسرى إلى نصيبه، وقال آخرون يقوم عليه نصيب شريكه، ويصير كله مدبرا. فمن قال يقوم عليه ويصير الكل مدبرا فالحكم فيه كما لو كان كله له فدبره وقد مضى حكمه ومن قال لا يقوم فنصفه مدبر ونصفه قن. فان أعتق سيد المدبر نصيبه منه قوم عليه نصيب شريكه لان نصيب شريكه قن وإن أعتق سيد القن نصيبه فيه، قال قوم يقوم عليه النصف الذي هو مدبر، وقال آخرون لا يقوم، وهو الاقوى عندي. فان مات سيد المدبر منه عتق نصيبه من الثلث، ولا يقوم عليه الباقي، ولا على وارثه. وإن كان العبد كله له، فدبر نصفه صح التدبير فيه، وقال قوم لا يسرى إلى باقيه، وقال آخرون يسري، والاول أقوى عندي لانه لا دليل عليه. فمن قال يسرى قال: الكل مدبر وإن رجع فيه عاد عبدا قنا وإن لم يرجع حتى مات عتق من الثلث، ومن قال نصفه مدبر ونصفه قن، فان دبر الباقي فالكل مدبر، وإن لم يدبر الباقي كان نصفه قنا ونصفه مدبرا. فان مات مولاه عتق منه ما كان مدبرا من الثلث، فان خرج من الثلث عتق كل النصف، وإن لم يخرج عتق منه بقدر الثلث، والباقي رقيق لا يقوم على الوارث، لانه ما أعتقه ولا على المورث لانه لا مال له بعد وفاته، فان دبر العبد كله فرجع في بعضه كان ما رجع فيه عبدا قنا، و الباقي مدبر.

[ 181 ]

* (فصل) * * (في مال المدبر) * كل مال اكتسبه المدبر قبل وفاة سيده فهو ملك لسيده في حياته، ولورثته بعد وفاته، لا شئ للمدبر فيه، سواء اكتسبه بغير إذن منه أو إذن منه أو أرش جناية أو أي وجه من وجوه المكاسب كان، فالكل واحد، فاذا مات سيده وعتق بوفاته، فكل ما اكتسبه بعد هذا فهو له لا حق لغيره فيه. فان مات السيد ووجد في يد المدبر مال لا يعرف سببه، فاختلف هو ووارث سيده: فقال الوارث اكتسبته قبل الوفاة فهو لي، وقال المدبر بعد الوفاة فهو لي قال قوم القول قول المدبر. وسواء اختلفوا بعد وفاة سيده بساعة أو بسنة، لانه قد يستفاد المال الكثير في الزمان القليل، ولا يستفاد القليل في الزمان الطويل فان أقام كل واحد منهما بينة بما يدعيه فالبينة بينة المدبر لانها بينة الداخل، ويقتضى مذهبنا أن البينة بينة الوارث لانها بينة الخارج، وهو مذهبنا. فان كان مع الوارث بينة أنه قد كان في يده وسيده حى، فقال المدبر كان في يدى لغيري وأنا ملكته بعد وفاة سيدي، فالقول قول المدبر مع يمينه، ولا يخرج من يده حتى يقول الشهود كان في يده بملكه، فاذا شهدوا على هذا حكم به للوارث.

[ 182 ]

* (فصل) * * (في تدبير الرقيق بعضهم على بعض) * إذا دبر الرجل في صحته رقيقا في دفعة واحدة، أو بعضهم قبل بعض، وفي مرضه آخرين كذلك، وأوصى بعتق آخرين بأعيانهم، فالذي يقتضيه مذهبنا أنه يحكم بصحة الوصية إلى أن يستوفي الثلث، فان نسى أو اشتبه الامر فيه استخرج بالقرعة. وقال المخالف لا يبدأ بواحد منهم قبل واحد كما لو أوصى بوصية صحيحا والآخر مريضا لم يقدم إحداهما على الاخرى، لان وقت الاستحقاق واحد، فان خرجوا من الثلث عتقوا كلهم، وإن لم يخرجوا من الثلث، اقرع بينهم على ما مضى في القرعة بين العبيد إذا أعتقهم في مرضه. * (فصل) * * (في تدبير المشركين غير المرتدين) * تدبير الكفار جايز ذميا كان السيد أو حربيا كتابيا كان أو وثنيا، فاذا دبره فهو بالخيار بين المقام على التدبير أو الرجوع منه، كالمسلم سواء فان كان رجوعه باخراجه من ملكه كان رجوعا، وإن كان بقول لا يخرج به من ملكه كقوله أبطلت التدبير أو رجعت فيه، فعلى قولين: عندنا يصح. فان رجع في التدبير فهو عبد قن، وإن أقام على ذلك حتى مات عتق من الثلث فان احتمله الثلث عتق كله، وإلا عتق منه قدر الثلث، ورق الباقي للوارث. فان دخل حربى إلينا بأمان ومعه مدبر له أو معه عبد قن فدبره عندنا، أو اشترى من عندنا عبدا فدبره، ثم أراد إخراج المدبر إلى دار الحرب كان له، لانه

[ 183 ]

مطلق التصرف، ويفارق هذا إذا كاتبه، لانه عقد عليه عقدا يمنع من بيعه وتصرفه فيه، فلهذا لم يكن له إخراجه والمدبر بخلافه. فان دبر الكافر عبده ثم أسلم المدبر نظرت، فان رجع السيد في تدبيره بعناه عليه، وإن أقام على التدبير، قال قوم يباع عليه، وهو الصحيح عندنا وقال آخرون لا يباع. فمن قال يباع عليه، بيع ولا كلام، ومن قال لا يباع عليه، قال أزيلت يده عنه، ومنع منه، ويكون على يدي عدل ينفق عليه من كسبه، فان فضل فهو لسيده وإن كان هناك عجز فعلى سيده. وإن اختار أن يخارجه: وهو أن يوافقه على ما يؤديه بعد نفقته يوما بيوم فعل، فاذا فعل هذا نظرت فان رجع فيه بعناه عليه، وإن مات قبل الرجوع فان احتمله الثلث عتق كله، وإن لم يكن له سواه عتق ثلثه، ورق الباقي لوارثه، ويباع الباقي على الوارث، لانه عاد رقيقا لا يتوقع له جهة يعتق بها، وهو مسلم في يد كافر وهكذا يحول بينه وبين ام ولده ومكاتبه إذا أسلما، يفرق بينه وبينهما والحكم على ما مضى.

[ 184 ]

* (فصل) * * (في تدبير الصبي والسفيه) * إذا دبر الصبي عبده نظرت، فان كان مميزا عاقلا قال قوم يصح، وقال آخرون لا يصح، وروى أصحابنا إن كان له عشر سنين فصاعدا، كان عتقه وتدبيره صحيحين وإن كان دون ذلك كان باطلا، وإن كان الصبي غير مميز كان التدبير باطلا وتدبير المحجور عليه لسفه جايز على كل حال. فمن قال التدبير باطل فلا كلام، ومن قال صحيح نظرت، فان مات عتق من الثلث وإن لم يمت فأراد الرجوع فيه صح رجوعه عندنا سواء كان بالقول أو بالفعل وعندهم لا يصح إلا بالفعل، فمن قال لا يصح إلا بالفعل: وهو إخراجه من ملكه أمر وليه أن يخرجه عن ملكه بعوض ليزول التدبير. إذا دبر عبده ثم قال له اخدم فلانا ثلاث سنين وأنت حر، فقد علق عتقه بشرطين يعتق بهما ولا يعتق بواحد منهما، فان غاب المدبر أو خرس أو ذهب عقله قبل ذلك لم يعتق العبد أبدا، إلا أن يموت السيد ويخرج المدبر من الثلث، ويخدم فلانا ثلاث سنين. فان مات فلان قبل موت السيد أو بعده ولم يخدمه ثلاث سنين لم يعتق أبدا عندهم، لانه أعتقه بشرطين فبطل أحدهما، وعندنا يعتق بموت السيد على كل حال، وإن سئل السيد فقال أردت إبطال التدبير وأن يخدم فلانا ثلث سنين، ثم هو حر، فالتدبير باطل، فان خدم فلانا ثلاث سنين فهو حر عندهم، وعندنا لا يكون لانه عتق بصفة. وإن مات فلان قبل أن يخدمه أو لم يخدمه العبد لم يعتق أبدا، فاذا أراد السيد الرجوع في الاخدام رجع فيه، ولم يكن العبد حرا، ومن قال إن التدبير تعليق عتق بصفة أو وصية لا يصح الرجوع فيها بالقول، لم يكن هذا رجوعا عنده. ولو دبر عبده ثم قاطعه على شئ وتعجل له العتق، فليس هذا بنقض التدبير و المقاطعة على ما تقاطعا عليه، فان أداه عتق، وإن مات السيد قبل أن يؤديه المدبر عتق بالتدبير.

[ 185 ]

* (كتاب) * * (امهات الاولاد) * إذا وطئ الرجل أمة فأتت منه بولد، فان الولد يكون حرا لانها علقت به في ملكه، وتسرى حرية الولد إلى الام عندهم، وعندنا لا تسري وهي ام ولد ما دامت حاملا، فلا يجوز بيعها عندنا، وإن ولدت فما دام ولدها باقيا لا يجوز بيعها إلا في ثمنها إذا كان دينا على مولاها ولم يكن له غيرها، وإذا مات الولد جاز بيعها وهبتها والتصرف فيها بساير أنواع التصرف. وقال المخالف لا يجوز بيعها ولا التصرف في رقبتها بشئ من أنواع التصرف لكن يجوز التصرف في منافعها بالوطي والاستخدام، فاذا مات السيد عتقت عندهم بموته، وعندنا تجعل من نصيب ولدها وتنعتق عليه، فان لم يكن هناك غيرها انعتق نصيب ولدها واستسعيت في الباقي، وإن كان لولدها مال أدى بقية ثمنها منه، فان لم يكن ولدها باقيا جاز للورثة بيعها، وفيها خلاف ذكرناه في الخلاف. وفي الاستيلاد ثلاث مسائل إحداها أن تعلق الجارية بولد في ملك الواطي فتصير ام ولده بلا خلاف، فأما إذا رهن جارية ثم وطئها الراهن وأحبلها فان الولد يكون حرا ويصير الجارية ام ولد في حق الراهن بلا خلاف، ولا يجوز عندهم له التصرف فيها، وعندنا يجوز على ما مضى، وهل تصير ام ولد في حق المرتهن؟ حين يخرج من الرهن أو لا تصير ام ولد في حقه فتباع في الرهن. على قولين عندهم. المسألة الثانية أن تعلق بمملوك في غير ملكه بأن تزوج أمة فأحبلها فأتت بولد فانه مملوك عندنا بشرط، وعندهم بلا شرط، ولا يثبت للام حكم الحرية لا في الحال ولا إذا ملكها فيما بعد، سواء ملكها بعد انفصال الولد أو قبله عندنا وعند جماعة وفيها خلاف. وليس على أصله أنها تعلق بمملوك فيثبت لها حكم الاحبال إلا في مسألة واحدة

[ 186 ]

وهو المكاتب إذا اشترى أمة للتجارة فأحبلها فالولد مملوك، ويكون موقوفا معه وفي الام قولان أحدهما يكون مملوكة يتصرف فيها كيف يشاء، والثاني يكون معه موقوفة على حكمه إن عتق عتقت وإن رق رقت كالولد. المسألة الثالثة أن تعلق الامة بحر في غير ملكه بأن يطأ أمة غيره بشبهة فتعلق منه بولد حر، فلا تصير ام ولد في الحال، فان ملكها قال قوم لا تصير ام ولده، وقال بعضهم تصير ام ولده وهو الاقوى عندي. فأما بيان الحالة التي تصير بها ام ولد ففيه أربع مسائل إحداها أن يأتي بولد تام الخلقة إما حيا أو ميتا، فيتعلق بولادته أربعة أحكام تصير به ام ولد، وإذا ضرب ضارب بطنها فألقت الجنين ميتا وجب فيه الغرة إما عبد أو أمة إن كان حرا أو عشر قيمة امه إن كان عبدا وتجب فيه الكفارة، وينقضي بوضعه العدة، وهذا لا خلاف فيه. المسألة الثانية أن تضع شيئا من خلقة آدمي أما يدا أو رجلا أو جسدا قد بان فيه شئ من خلقة الآدمي فتتعلق به الاحكام التي ذكرناها لانه محكوم بأنه ولد. الثالثة أن تضع جسدا ليس فيه تخطيط ظاهر، لكن قال القوابل إن فيه تخطيطا باطنا خفيا فيتعلق به الاحكام أيضا لان المرجع في ذلك إلى القوابل الذين هم أهل الخبرة والمعرفة، وقد شهدن بأنه ولد. الرابعة أن يلقى جسدا ليس فيه تخطيط لا ظاهر ولا باطن، لكن قال القوابل إن هذا مبتدأ خلق آدمي، وأنه لو بقي لتخلق وتصور، قال قوم لا تصير ام ولد، و قال قوم تصير ام ولد، وهو مذهبنا، ويتعلق به الاحكام على ما مضى، ومن قال لا يصير ام ولد لم يعلق عليه الاحكام، وفيهم من قال تنقضي العدة به على كل حال. إذا أتت ام الولد بولد فلا يخلو إما أن يأتي به من سيدها أو من غيره، فان أتت به من سيدها فانه حر مثل الولد الاول بلا خلاف، فاذا ثبت هذا فانه ينظر: فان مات السيد عتقت عندنا من نصيب ولدها إما جميعها أو بعضها، فان لم يكن ولدها باقيا كانت مملوكة للوارث، وعندهم يعتق على كل حال من رأس المال، وإن ماتت الام في حياة السيد وبقي الولد، كان حرا بلا خلاف.

[ 187 ]

ولو تزوج أمة وهي حائل فأولدها ولد، فان الولد يكون مملوكا لسيد الامة عندنا بالشرط، وعندهم مع عدمه، فان ملك الزوج زوجته وولدها فالولد يعتق عليه، والام تصير عندنا ام ولد، لان الاشتقاق يقتضي ذلك، وعندهم لا تصير ام ولد، بل يكون مملوكة على ما كانت يتصرف فيها كيف شاء، سواء ملكها قبل انفصال الولد أو بعده وفيه خلاف. المكاتب إذا اشترى أمة للتجارة فوطئها وأحبلها فأتت بولد، فان الولد يكون مملوكا له لانه من أمته، لكن لا يجوز له التصرف فيه، وأما الام فقال قوم لا يثبت لها حكم الاستيلاد، بل تكون أمته يتصرف فيها كيف شاء، وقال آخرون يثبت لها حرمة الاستيلاد، فتكون موقوفة كالولد، وعندنا يكون ام ولد. ولو أوصى لام ولده أو لمدبرة يخرج من الثلث فهي جايزة أما ام الولد فالوصية لها تصح، لان الوصية لام الولد بعد الموت وهي حرة في تلك الحال، فتصح فيها تلك الوصية، وعندنا أيضا يصح لانها إن عتقت على ولدها أعطيت ما وصى لها به وإن لم يكن ولد احتسب بما أوصى لها من قيمتها وتنعتق. وأما المدبرة فانه يعتبر قيمتها وقيمة ما اوصى لها به من الثلث، فان احتمل الثلث جميع ذلك نفذت الوصية، وإن لم يحتمل الثلث بدئ باعتبار قيمة المدبرة فاذا خرجت نظر حينئذ فيما أوصى له به، فان بقى من الثلث شئ نفذت بقدره، وإلا بطلت، وإن لم يحتمل الثلث جميع قيمة المدبرة عتق منه قدر ما يحتمله الثلث، و بطلت الوصية؟ ام الولد إذا جنت جناية وجب بها أرش، فان الارش يتعلق برقبتها بلا خلاف وهو بالخيار بين أن يفديها أو يبيعها عندنا، وعندهم على السيد أن يفديها ويخلصها من الجناية، لانه منع من بيعها باحباله، ولم يبلغ بها حالة يتعلق الارش بذمتها فصار كالمتلف لمحل الارش فلزمه ضمان الجناية كما لو كان له عبد فجنا فقتله. ويفارق إذا كان له عبد فأعتقه ثم جنى، حيث لم يلزمه ضمان ذلك، لان هناك بلغ به حالة يتعلق الارش بذمته.

[ 188 ]

ويضمن أقل الامرين من أرش الجناية أو قيمتها لا يفاد على ذلك، وكذلك عندنا إذا أراد أن يفديها لانه إن كان الارش أقل فالذي يستحقه المجنى عليه الارش فحسب، فلم يضمن أكثر منه، وإن كانت القيمة أقل فهو إنما يفدي رقبة ام الولد فلم يلزمه أكثر من قيمة الرقبة. فأما إذا جنت ففداها السيد ثم جنت دفعة ثانية، فهل يلزمه أن يفديها ثانيا كما فداها أولا، ولا يشرك المجنى عليها في الفداء الاول؟ فيه قولان أحدهما أنه يلزمه أن يفديها ثانيا، والثاني لا يلزمه. فمن قال يلزمه فوجهه هو أنه إنما فداها في الدفعة الاولى لامر منع من بيعها، ولم تبلغ بها حالة يتعلق الارش بذمتها، وهذا موجود في الدفعة الثانية و الثالثة، فلزمته الفدية. فمن قال يلزمه الفداء كل دفعة، قال بأنه يفديها في الدفعة الثانية والثالثة كما فداها في الاولة، وإن قلنا لا يلزمه أكثر من فدية واحدة، فانه ينظر فان دفع المجنى عليه قدر ام الولد، فليس يجب عليه شئ آخر، لكن يرجع الثاني على الاول و يشاركه فيما حصل معه، ويقتسمانه على قدر جنايتها، وإن كان قد دفع إليه أقل من قيمة ام الولد، فانه يلزمه أن يرجع تمام القيمة، ثم يضم ذلك إلى ما حصل الاول ليشترك هو والثاني فيه. على هذا إذا جنت دفعة ثانية وثالثة ورابعة فالذي يقتضيه مذهبنا أنه إذا جنت جناية بعد جناية أن مولاه بالخيار بين أن يسلمها إليهم فيبيعونها بأجمعهم، ويقتسمون الثمن على قدر الجنايات بينهم، وبين أن يفدي الجنايات من أقل اروشها أو ثمنها لا يلزمه أكثر من ذلك، فأيهما اختار كان له ذلك، لانها مملوكة عندنا. إذا كان لذمي ام ولد منه، فأسلمت فانها لا يعتق عليه، وتباع عندنا، لانها مملوكة، وعندهم لا تباع ولا يستعار، لكن يحال بينها وبينة ويجعل في يد امرأة ثقة تنفق عليها من كسبها، فان فضل شئ من كسبها كان لسيدها، وإن عجز عن نفقتها كان على السيد تمامه، وقال بعضهم يعتق باسلامها ولا يلزمها شئ.

[ 189 ]

وقال آخرون تستسعي في قدر قيمتها، فاذا أدت عتقت، وقال بعضهم تعتق ثم تستسعى في قيمتها، وقال آخرون تعتق ويلزمها نصف قيمتها. إذا كان لرجل ام ولد فمات عنها، أو أعتقها في حال حياته، فانه لا يجب عليها أن يعتد لكن يجب عليها الاستبراء. فان كانت من ذوات الاقراء استبرأت بثلاثة أقراء عند أصحابنا إذا أعتقها، و أربعة أشهر وعشر عن الوفاة، وقال المخالف بقرء واحد، وقال بعضهم بقرئين، وقال بعضهم بثلاثة أقراء كالحرة المطلقة. وأما إذا كانت من ذوات الشهور فعندنا بثلاثة أشهر من العتق، وأربعة أشهر و عشر من الوفاة، وقال بعضهم يستبرأ بشهر واحد، لان كل شهر في مقابلة قرء، وقال آخرون إنها تستبرأ بثلاثة أشهر، لان براءة الرحم لا تعلم في أقل من ذلك. إذا كان له ام ولد فأراد تزويجها فانه يملك إجبارها على ذلك، لانها مملوكته عندنا، وقال بعضهم يملك تزويجها برضاها، ولا يملك إجبارها على النكاح، لانه ثبت لها سبب الحرية، وقال قوم إنه لا يملك تزويجها بحال، وإن رضيت، لان ملك السيد عليها ناقص، وهي بنفسها ناقصة، فلم يصح للتزويج وإن اتفقا عليه. فعلى هذا هل يجوز للحاكم تزويجها؟ فيه وجهان أحدهما أنه يملك ذلك و يزوجها حكما لا بولاية كما يزوج الكافر حكما لا بولاية والوجه الثاني أنه لا يملك تزويجها لان الحاكم يقوم مقامهما، فلما ثبت أنهما إذا اتفقا على التزويج لم يصح فالذي يقوم مقامهما أولى أن لا يملك ذلك. فكل موضع قيل إن النكاح جايز برضاها أو بغير رضاها أو زوجها الحاكم، فان حكم السيد يزول عن استمتاعها، ويحرم عليه وطؤها، وعلى ذلك الزوج [ نفقتها ] ظ و يلزمه المهر المسمى، ويكون ذلك للسيد لانه من جملة الكسب وكسبها له. إذا ملك امه أو اخته من الرضاع أو عمته من النسب لم يحل له وطؤها بلا خلاف، فاذا وطئها لم يخل إما أن يكون عالما بالتحريم أو جاهلا فان كان جاهلا فلا حد عليه للشبهة، ويلحقه النسب وتصير الجارية ام ولد، لانها علقت بحر في

[ 190 ]

ملكه، وعندنا لا يلحقه النسب لان هؤلاء لا ينعتقن عليه، فاذا وطئهن فقد وطئ أجنبية ولا يلحق به النسب. وإن كان عالما بالتحريم وجب عليه الحد عندنا، وقال بعضهم لا يجب لشبهة الملك، فمن قال عليه الحد فلا تعزير، ومن قال لا حد قال عليه التعزير، وألحقوا الولد به على كل حال، وتصير الجارية ام ولده، وليس على أصله وطي يجب به الحد وتصير الجارية ام ولد، غير هذا الوطي. وهكذا الحكم في الكافر إذا ملك مسلمة بأن يرثها أو كانت كافرة فأسلمت، فلا يجوز له وطيها، ولا يقر على ملكه، بل يزال ملكه عنها، فان بادر ووطئها فهل يجب عليه الحد؟ فيه قولان، وهكذا كل وطي محرم صادف ملكا، وهل يجب به الحد؟ على قولين أصحهما عندنا أنه لا حد عليه للشبهة وسواء قيل إن الكافر يلزمه الحد أو لا يلزمه، فان النسب يلحقه، وتصير الجارية ام ولده، لانها علقت بحر في ملكه، كالمسلم سواء إلا أن الكافر يخالف المسلم في أن ام ولده تقر تحت يده والكافر لا تقر تحت يده المسلمة بل تسلم إلى امرأة ثقة مسلمة تكون في يدها ويلزمه الانفاق عليها.

[ 191 ]

* (كتاب الايمان) * قال الله تعالى " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان " (1) فأخبر أنه لا يؤاخذ بلغو اليمين، ولغو اليمين أن يسبق لسانه بغير عقيدة بقلبه، كأنه أراد أن يقول لا والله، فقال بلى والله، وأخبر أنه يؤاخذ بما اعتقده وحلف به معتقدا له. وقال تعالى " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا اولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيمة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم " (2) فتواعد من اشترى بيمينه ثمنا قليلا. وروى عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال والله لاغزون قريشا، والله لاغزون قريشا، والله لاغزون قريشا وفي بعضها ثم قال إن شاء الله. وروى أنه عليه السلام كان كثيرا ما يحلف بهذه اليمين: لا ومقلب القلوب. وروى أبو سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا اجتهد في اليمين قال: لا والذي نفس أبي القاسم بيده، وفي بعضها نفس محمد بيده. وروى أبو أمامة المازني واسمه أبان بن ثعلبة أن النبي عليه السلام قال من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه حرم عليه الجنة، وأوجب له النار، قيل وإن كان شيئا يسيرا؟ قال وإن كان سواكا. تكره اليمين بغير الله كاليمين بالمخلوقات: النبي والكعبة ونحوها وكذلك بالآباء كقوله وحق أبي وحق آبائي ونحو ذلك كل ذلك مكروه. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله قال لا تحلفوا بآبائكم ولا بالانداد، ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله سمع عمر بن الخطاب يحلف بأبيه، فقال النبي صلى الله عليه وآله

(1) المائدة: 89.
(2) آل عمران: 77.

[ 192 ]

إن الله ينهكم أن تحلفوا بآبائكم قال عمر فوالله ما حلفت بها بعد ذاكرا ولا آثرا يعني ولا رواية عن غيري ولا حكاية عنه. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله قال، من حلف بغير الله فقد أشرك وفي بعضها فقد كفر بالله. وقيل في قوله " فقد أشرك " تأويلان أحدهما الشرك الحقيقي، وهو أن يعتقد تعظيم ما يحلف به، ويعتقده لازما كاليمين بالله، فمن اعتقد هذا فقد كفر والتأويل الثاني لا يكفر به، وهو أن يشارك في اليمين فيحلف بغير الله كما يحلف بالله. وقوله فقد كفر لا تأويل له غير الكفر الحقيقي، وهو أن يعتقد تعظيم ما يحلف به كما يعتقده في الله تعالى ذكره. فاذا ثبت هذا فمتى خالف وحلف بها وحنث فلا كفارة عليه بلا خلاف. وفي اليمين مكروه وغير مكروه بلا خلاف، وروى عن بعضهم كراهتها كلها: فاذا ثبت هذا، فاليمين على المستقبل على خمسة أقسام يمين عقدها طاعة والمقام عليها طاعة وحلها معصية، وهي اليمين على الواجبات، واجتناب المعاصي، كما لو حلف ليصلين الخمس ويزكين ماله ويصومن شهر رمضان، ويحجن البيت، ولا يسرق ولا يزنى ولا يقتل ولا يغصب فكل هذا طاعة والمقام عليها طاعة وحلها معصية، وكذلك لا هجرت أبوى ولا هجرت المسلمين. الثانية عقدها معصية والمقام عليها معصية وحلها طاعة، وهو ضد الاول يحلف لا صليت الفرض، ولا صمت رمضان ولاقتلن ولاشربن الخمر، ولاهجرن الوالدين والمسلمين، فكل هذه معصية والمقام عليها معصية وحلها طاعة. الثالث يمين عقدها طاعة والمقام عليها طاعة وحلها مكروه، وهو أن يحلف ليفعلن النوافل والطاعات ولاصلين النوافل والحج تطوعا، والصدقة ولابرن الوالدين. الرابع بالضد من هذا وهو أن يكون عقدها مكروها والمقام عليها مكروها و حلها طاعة، وهو أن يحلف لا صليت النوافل ولا صمت تطوعا ولا حججت تطوعا

[ 193 ]

ولا بررت الوالدين، فالعقد مكروه والمقام عليه مكروه وحلها طاعة، ومن هذا الضرب إذا حلف: لا آكل الطيب، ولا ألبس الناعم، فعقدها مكروه والمقام عليها مكروه وحلها طاعة وقال بعضهم هذا مباح والاول أصح لقوله تعالى: " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده (1) " وقال بعضهم المقام عليها طاعة ولازم. الخامس يمين عقدها مباح والمقام عليها مباح وفي حلها خلاف، وهو أن يحلف لا دخلت بلدا فيه من يجور على الناس ويظلمهم، ولا سلكت طريقا مخوفا، كل هذا مباح، وإذا حلف قال قوم المقام عليها أفضل لقوله " لا تنقضوا الايمان بعد توكيدها " (2) ولقوله " واحفظوا أيمانكم " (3) والثاني حلها مباح والاول أصح للاية. فأما الايمان على الماضي فعلى ضربين محرمة ومباحة، فالمحرمة المحظورة أن يكون فيها كاذبا وهو أن يحلف ما فعلت وقد فعل، أو فعلت وما فعل، والمباحة أن يكون صادقا فيما يحلف، وأن كانت عند الحاكم. إذا ادعى عليه دعوى فأنكرها وكان صادقا فالافضل أن لا يحلف وإن كان مباحا وروى أن ابن عمر ادعى على عثمان مالا فوزنه عثمان ولم يحلف، فقال له عمر لم لم تحلف؟ والله أن هذه أرض، والله إن هذه سماء ما ضرت يمين برت. فقال عثمان خشيت أن يصادف بلاء قدر فيقال بيمينه وروى مثل ذلك عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه وزن ما ادعى عليه ولم يحلف، وقال مثل ذلك. فاذا تقررت أقسامها فمتى حلف وحنث فلا يلزمه في جميع ذلك كفارة عندنا إلا ما كان يمينا على مستقبل، ويكون فعله وتركه سواء، فحينئذ تلزمه كفارة ولا كفارة فيما عداها، وما كان حله طاعة وعبادة أوله مصلحة يستضر بتركها فانه يحلها ولا كفارة عليه، وإن كان حلها معصية فمتى حلها فعليه الكفارة، وعند المخالف يلزمه بحنث جميع ذلك كفارة.

(1) الاعراف: 32.
(2) النحل: 91.
(3) المائدة: 89.

[ 194 ]

إذا قال: أنا يهودي أو نصراني أو مجوسي أو برئت من الله أو من القرآن أو من الاسلام لو فعلت كذا ففعل لم يكن يمينا ولا يحنث بخلافه، ولا يلزمه كفارة و فيه خلاف. الايمان ضربان على مستقبل وعلى ماض، فان كانت على مستقبل انقسمت قسمين نفيا وأثباتا، فالنفي والله لا فعلت كذا، لا أكلت لا شربت لا كلمت زيدا، و الاثبات والله لافعلن كذا لآكلن لاشربن لاكلمن اليوم زيدا. فاذا حلف على نفى أو على إثبات نظرت فان أقام على يمينه فلا كلام، وإن خالف فان كان عالما بذلك فعليه الكفارة، وإن كان ناسيا فلا كفارة عليه عندنا، وقال بعضهم تلزمه. وإن كانت على ماض فعلى ضربين أيضا على نفى وإثبات فالنفي يحلف ما فعلت كذا ما أكلت ما شربت ما لبست، والاثبات أن يحلف لقد فعلت كذا أو أكلت أو شربت أو لبست نظر فيه، فان كان صادقا بما حلف فهو بار فيها ولا شئ عليه وإن كان كاذبا فان كان مع العلم بحاله أثم، ولا كفارة عندنا عليه، وقال بعضهم تلزمه الكفارة، وإن كان ناسيا فكذلك عندنا لا كفارة عليه ولا إثم أيضا، وقال بعضهم عليه الكفارة. قالوا: ولا فصل بين الماضي والمستقبل إلا في فصل واحد، وهو أنها إذا كانت. على المستقبل انعقدت على بر أو حنث وإن كانت على ماض عقدها ولم تنعقد، فان كان صادقا لم يحنث وإن كاذبا عالما بذلك قارن الحنث العقد، وعليه الكفارة وفيه خلاف. إذا قال والله لاصعدن السماء أو لاقتلن زيدا، وزيد مات، لم يحنث عندنا ولا كفارة عليه، وعندهم يحنث وتلزمه الكفارة. الكافر يصح يمينه بالله في حال كفره، فان حنث فعليه الكفارة سواء حنث في حال كفره أو بعد أن يسلم، وقال بعضهم لا تنعقد يمينه بالله، ولا تجب عليه الكفارة ولا يصح منه التكفير، والاقوى عندي الاول، إلا أنه لا تصح منه الكفارة في حال

[ 195 ]

كفره لانها يحتاج إلى نية القربة، وهي لا تصح من كافر لانه غير عارف بالله. إذا حلف لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يحلف بالله أو بأسمائه أو بصفاته، فان حلف به كان يمينا بكل حال، والحلف به أن يقول " ومقلب القلوب " لما تقدم من الخبر، وكقوله والذي نفسي بيده للخبر أيضا وروى عن علي عليه السلام أنه قال " والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ونودي بالعظمة " ونحو ذلك كقوله والذي أحج له و اصلي له، كان هذا يمينا به بلا خلاف، ومتى حنث وجبت عليه الكفارة. وأما الحلف بأسمائه، فأسماؤه على ثلثة أضرب، اسم لا يشركه غيره فيه، و اسم يشاركه فيه غيره لكن إطلاقه ينصرف إليه، واسم يشاركه فيه غيره وإطلاقه لا ينصرف إليه. فأما ما لا يشاركه غيره فيه فانه يكون يمينا بكل حال كقوله، والله، فانه يبدأ به ويعطف عليه غيره، فيقول والله الرحمن الرحيم الطالب الغالب، وكذلك الرحمن له خاصة، وهكذا الاول الذي ليس قبله شئ، والآخر الذي ليس بعده شئ، والواحد الذي ليس كمثله شئ، كل هذا لا يصلح لغيره بوجه، والحكم فيه كما لو حلف به وقد مضى. والثاني ما يشاركه فيه غيره وإطلاقه ينصرف إليه كالرب والرازق والخالق فيه يقال رب العالمين ورب الدار لغيره ورازق الخلق ورازق الجند لغيره وخالق الاشياء له وخالق الافك لغيره. وما كان من هذا وإطلاقه ينصرف إليه فان أطلق وأراد يمينا كان يمينا، وإن لم يرد يمينا فقيد بالنية أو بالنطق وأراد غير الله بذلك، لم يكن يمينا. الثالث ما يشاركه فيه غيره وأطلاقه لا ينصرف إليه كالموجود والحي والناطق ونحو هذا، كل هذا لا يكون يمينا بوجه، وإن أرادها وقصدها، لانه مشترك لا ينصرف إطلاقه إليه، فاذا كان كذلك لم يكن له في نفسه حرمة. فأما الكلام في صفاته فصفاته ضربان صفات ذات وصفات فعل فصفات ذاته مثل قوله وعظمة الله، وجلال الله، ونوره، وعلم الله، وكبرياء الله، وعزة الله، وقال

[ 196 ]

قوم إذا قال وعلم الله وقدرة الله لا يكون يمينا لان الله عالم لذاته، فاذا قال وعلم الله كان معناه ومعلوم الله، فلا يكون يمينا بالله، والذي نقوله أنه إن قصد به المعنى الذي يكون به عالما وقادرا على ما يذهب إليه الاشعري لم يكن يمينا بالله، وإن قصد به كونه عالما وقادرا كان يمينا، فان ذلك قد يعبر به عن كونه عالما وقادرا. إن حلف بالقرآن أو سورة منه أو بآية منه لم يكن عندنا يمينا، ولا يكفر، و قال بعضهم يكون يمينا وفيه خلاف. وأما صفات فعله كقوله وخلق الله، ورزق الله، ومعلوم الله، كل هذا وما في معناه ليس بيمين بحال. إذا قال أقسمت بالله احتمل أمرين أحدهما يمينا في الحال والآخر إخبارا عن يمين ماضية، وكذلك قوله اقسم بالله احتمل أمرين يمينا في الحال ووعدا بها أنه سيحلف بها في المستقبل، ولا خلاف أنها سواء في الاحتمال. فمتى قال أقسمت بالله أو اقسم بالله نظرت، فان أطلق، ولا نية له، عندنا لا تكون يمينا وعندهم تكون يمينا لانها لفظة ثبت لها العرفان معا: عرف العادة و عرف الشرع، فعرف الشرع قوله " وقاسمهما أني لكما من الناصحين " (1) وقوله " أقسموا ليصرمنها مصبحين " (2) وقوله " فيقسمان بالله " (3) وأما عرف العادة وهو عرف سائر الناس فانهم يقولون أقسمت بالله وأقسمت عليك وهو مشهور في اللغة. فاذا ثبت العرفان كان يمينا مع الاطلاق، وإن أراد بها اليمين كانت النية تاكيدا عندهم وعندنا بها تصير يمينا لان اليمين عندنا لا تنعقد إلا بالنية في ساير الالفاظ. فأما إن لم يرد يمينا وقال أردت بقولي أقسمت إخبارا عن يمين قديمة، و اقسم بالله أني سأحلف به، فعندنا يقبل قوله، وقال بعضهم لا يقبل. فمن قال بهذا قبله

(1) الاعراف: 21.
(2) القلم: 17.
(3) المائدة: 106 و 107.

[ 197 ]

فيما بينه وبين الله لا في الظاهر، لانه محتمل، وهو أعرف بما أراد. إذا قال اقسم لا فعلت كذا لاكلمت زيدا، ولم ينطق بما حلف به، لم يكن يمينا أرادها أو لم يردها عندنا وعند كثير منهم وفيه خلاف. إذا قال لعمر والله روى أصحابنا أنه يكون يمينا وبه قال جماعة غير أنهم لم يشترطوا النية وقال بعضهم لا يكون يمينا إذا أطلق أو لم يرد يمينا، وإن أراد يمينا كان يمينا وهذا هو مذهبنا بعينه. وإذا قال وحق الله كانت يمينا إذا أراد يمينا، وإن لم يرد لم تكن يمينا و قال بعضهم وإن أطلق أيضا يكون يمينا وفيه خلاف، فأما إن قال لم أرد يمينا لم تكن يمينا بلا خلاف. وقوله وقدرة الله كقوله وحق الله وكذلك قوله وعلم الله إن قصد به ما ذكرناه وقصد به اليمين كان يمينا، وعندهم إن قصد اليمين أو أطلق كان يمينا فان لم يرد يمينا فليست يمينا بلا خلاف. فأما قوله وعظمة الله وجلال الله وكبرياء الله فكلها يمين إذا نوى بها اليمين عندنا، وعندهم يمين على كل حال إذا أطلق وإذا قصد، وإن قال لم أرد يمينا قبل عندنا منه، وعندهم لا يقبل لانها من صفات ذاته. وأما إذا قال تالله فان قصد يمينا كان يمينا، وإن لم يقصد لم يكن يمينا وعندهم مثل قوله وحق الله إن أطلق أو أراد يمينا كان كذلك، وإن لم يرد لم يكن يمينا. لا فرق بين قوله بالله وتالله في أنه إذا قصد به اليمين كان يمينا في كل موضع في الايلاء والقسامة وغيرهما، وفيهم من فرق. إذا قال الله لافعلن كذا وكذا، فان أطلق أو لم يرد يمينا لم يكن يمينا عندنا وعندهم: عندنا لان اليمين يحتاج إلى نية، وعندهم لان حرف القسم ليس فيه وقال بعضهم يكون يمينا. إذا قال أشهد بالله، إن أراد يمينا كان يمينا وإن أطلق أو لم يرد يمينا لم يكن يمينا وفيه خلاف.

[ 198 ]

إذا قال أعزم بالله لم يكن يمينا إذا أطلق أو لم يرد يمينا بلا خلاف، وإن أراد يمينا كان يمينا عند بعضهم، ويقوى في نفسي أنه لا يكون يمينا لانه ليس من ألفاظ اليمين. إذا قال أسئلك بالله، لم يكن يمينا بحال عندنا، وعندهم إذا أطلق أو لم يرد يمينا لم يكن يمينا لانه يحتمل غير اليمين، فيكون معناه أتوسل إليك بالله. فأما إذا قال: اقسم عليك بالله لتفعلن لم يكن عندنا يمينا بحال، وعندهم هو كقوله أسئلك بالله، لانه يحتمل اقسم بمعنى سأقسم أو اقسم عليك بمعنى أستقسمك بالله أي احلف أنت واقسم. ويحتمل يمينا من جهته على فعل الغير بمعنى اقسم أنا بالله لتفعلن كذا، فان أراد يمينا فهي يمين ويكون معناه والله لتفعلن كذا وكذا، فتعقد على فعل غيره كما يعقدها على فعل نفسه، وعندنا لا تنعقد اليمين على فعل الغير، وعندهم إذا انعقدت على فعل الغير فان أقام الغير عليها لم يحنث الحالف، فان خالف الغير حنث فلزمته الكفارة، دون الذي حنثه، وقال بعضهم الكفارة على الذي حنثه دون الحالف، لانه وقع الحنث بفعله، وعلى ما قلناه لا يتعلق به كفارة لا الحالف ولا غيره. إذا قال عهد الله على وميثاقه وكفالته وأمانته، فعندنا لا تكون يمينا بحال وعلى وجه إلا ما رواه أصحابنا في العهد، فانه ينعقد به النذر، فأما اليمين فلا، وفيهم من قال إذا أطلق ولم يرد يمينا لم يكن يمينا وقال بعضهم يكون يمينا باطلاقه يمينا للعرف ومتى أراد يمينا فهي يمين عندهم بكل حال. فكل موضع أراد يمينا فحنث، فان كان حلفه بواحدة منها فعليه كفارة واحدة بلا خلاف، وإن حلف بها كلها فقال عهد الله على وميثاقه وكفالته وأمانته لافعلن كذا ثم حنث، قال بعضهم يلزمه كفارة واحدة، وقال آخرون بكل لفظة كفارة. وأن قال أستعين بالله أو أعتصم بالله أو أتوكل على الله لم يكن يمينا بحال، أرادها أو لم يردها بلا خلاف، لانها لا تصلح للايمان، ولا تثبت بها عرف. وعقد الباب في هذا أن الالفاظ التي يحلف بها على ثلاثة أضرب فما ثبتت له

[ 199 ]

العرفان معا كقوله " والله " فانها تكون يمينا عندنا إذا نوى فحسب، وعندهم على كل حال في ثلاث جهات: مع الارادة، ومع الاطلاق، وإن لم يرد يمينا. فانها تكون يمينا ولا يقبل قوله عندهم، وعندنا يقبل. وفي هذا المعنى ما لم يثبت فيه عرف شرع ولا عادة لكنه لا يصلح لغير الحلف وهو إذا قال والذي نفسي بيده أو بأسمائه كقوله والرحمن أو بصفات ذاته الخاصة كقوله وعزة الله، وجلال الله، وعظمة الله، وكبرياء الله، لان هذه الالفاظ لا تصلح إلا لليمين. الثاني ما يثبت له أحد العرفين عرف الشرع كقوله بالله وتالله واقسم بالله و أحلف بالله واولى بالله ولعمرو الله، وما ثبت له عرف العادة كقوله وحق الله، وعهد الله عند بعضهم، فكل هذا يكون يمينا إذا نوى، وإن لم ينو لم يكن يمينا، وعندهم يكون يمينا مع النية ومع الاطلاق، ولا يكون يمينا إذا لم يردها. الثالث ما لم يثبت له عرف بحال فهذا على ضربين: أحدهما ما يصلح لليمين وغيرها كقوله أعزم بالله لافعلن، وكذلك عهد الله وميثاقه وأمانته وكفالته، كل هذا لا يكون يمينا عندنا بحال وعندهم إذا أراد بها اليمين كانت يمينا فأما إذا أطلق أو أراد غير اليمين فلا يكون يمينا، وما لا يصلح لليمين فلا يكون يمينا بحال بلا خلاف، كقوله أعتصم بالله، أستعين بالله، أتوكل على الله. إذا حلف لا تحلى ولا لبس الحلى، فلبس الخاتم حنث، وقال بعضهم لا يحنث وإذا حلفت المرأة لا لبست حليا فلبست الجوهر وحده حنثت، وقال بعضهم لا تحنث وعندنا تحنث في الموضعين لقوله تعالى " وتستخرجون حلية تلبسونها " (1). الاستثناء في اليمين بالله يصح، نفيا كانت أو إثباتا، فالنفي أن يقول والله لاكلمت زيدا إن شاء الله، والاثبات والله لاكلمن زيدا اليوم إن شاء الله، فاذا استثنى يسقط حكمها ولم يحنث بالمخالفة، ولسنا نقول الاستثناء ترفع ما حلف به، لكنها قد رفعت ومنع من الانعقاد.

(1) فاطر: 12.

[ 200 ]

وروى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال من حلف على يمين فقال إن شاء الله فقد استثنى وروى عنه عليه السلام أنه قال من حلف على يمين فقال إنشاء الله لم يحنث، وتدخل في الطلاق كقوله أنت طالق إن شاء الله وكذلك في اليمين بالعتق والطلاق عند المخالف ويدخل أيضا في العتق والنذر وفي الاقرار عندنا وعند الاكثر وقال بعضهم لا تدخل في غير اليمين بالله. فاذا ثبت أنها تدخل في كل هذا فهو غير واجب، بل هو بالخيار إن شاء استثنى وإن شاء ترك عندنا وعند الاكثر، وقال بعض الشواذ هو واجب لقوله " ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله " (1). فاذا ثبت ذلك فان ترك فلا كلام، وإن استثنى فانما يعمل إذا كان موصولا ولا يعمل مفصولا، وينبغي أن يأتي به نسقا من غير قطع الكلام، أو يأتي به في معنى الموصول، وهو أن يكون الكلام انقطع لانقطاع صوت أو نفس أوعى أو تذكر فمتى أتى به على هذا صح، وإن فصل بينه وبين اليمين فصلا طويلا ثم استثنى أو حين فرغ من اليمين تشاغل بحديث آخر، يسقط الاستثناء، وفيه خلاف. فاذا ثبت أنها لا تصح إلا موصولا، فانما يصح قولا ونطقا، ولا تصح اعتقادا ونية وإذا أتى به نطقا فانما يصح إذا قصد به الاستثناء ونواه واعتقده، فاذا لم يكن كذلك فلا يصح، مثل أن يقول والله لا دخلت الدار إن شاء الله، يعني أنا على هذا و أن الامتناع من دخولي لمشية الله. وإذا حلف ليدخلن الدار اليوم إلا أن يشاء فلان، فقد ألزم نفسه دخولها اليوم وجعل الاستثناء مشية فلان، ومشية فلان أن يقول قد شئت أن لا تدخل، فاذا قال هذا صح الاستثناء، وزالت اليمين، لان الاستثناء ضد المستثنى منه، فلما كانت اليمين إيجابا كان الاستثناء نفيا. فإذا تقررت الصورة فانه يتخلص منها بأحد أمرين: البر وهو الدخول، أو وجود الاستثناء (2) فاذا لم يوجد واحد منهما حنث في يمينه، فان قال فلان قد شئت أن تدخل

(1) الكهف: 23.
(2) وهو أن يشاء فلان أن لا يدخل.

[ 201 ]

أو قال أنا لا أشاء أن لا تدخل، لم يوجد الاستثناء لانه لم يأت بمشية هي ضد ما حلف به، فان خالف ولم يدخل أو غاب عنا حتى مضى الوقت حنث. وجملته أذا حلف لا دخلت الدار إلا أن يشاء فلان، فقد منع نفسه من الدخول وجعل الاستثناء مشية فلان، والمشية التي يقع الاستثناء أن يشاء أن يدخل، فاذا ثبت هذا فانه يتخلص منها بأحد أمرين البر وهو أن يدخل أو الاستثناء وهو أن يشاء فلان أن يدخل، فمتى وجد أحدهما سقط حكم اليمين. فان قال فلان قد شئت أن لا يدخلها، أو قال أنا لا أشاء أن تدخل، لم يوجد الاستثناء لانه ما أتى بالمشية التي هي ضد اليمين، فان دخل الدار وخالف فخفي علينا خبر فلان فلم تعلم شاء أم لم يشأ لم يحنث من قبل أن يكون فلان شاء، وعندي أنه لا فرق بين المسئلتين، وهو أنه متى خالف حنث، ومتى شك في حصول المشية فانه لا يحنث لان الاصل براءة الذمة وفيها خلاف. فأما إذا حلف ليضربنه مائة فأخذ عرجونا فيه مائة شمراخ فضربه ضربة واحدة فقد روى أصحابنا أنه يبر في يمينه وفي الناس من قال لا يبر إلا إذا قطع أنه قد وصل إليه المائة بأجمعها، ومتى لم يعلم ذلك فانه يحنث. إذا حلف لا أدخل الدار إن شاء فلان، فليس هذا من الاستثناء بل علق انعقاد يمينه بشرط مشية فلان، فالشرط ما كان في وفق يمينه، فاذا قال قد شئت أن لا يفعل انعقدت يمينه، لان شرط الانعقاد قد وجد، فاذا انعقدت فلا يخلصه منها غير البر. فان قال فلان قد شئت أن تدخلها لم يوجد الشرط، لانه في ضد اليمين، و كذلك لو قال لا أشاء أن لا تدخل لم يوجد الشرط، لان الشرط أن يشاء أن لا يدخلها وما شاء هذا، فلا ينعقد يمينه، فان غاب فلان ولم يعلم هل شاء أم لا؟ لم ينعقد يمينه لانه لا يعلم الشرط، والاصل أن لا يمين.

[ 202 ]

* (فصل) * * (في لغو اليمين) * لغو اليمين أن يسبق اليمين إلى لسانه لم يعقدها بقلبه، كأنه أراد أن يقول بلى والله، فسبق لسانه لا والله، ثم استدرك فقال بلى والله، فالاول لغو ولا كفارة و فيه خلاف. فاذا ثبت هذا فالايمان ضربان: لغو وغير لغو، فان وقعت لغوا نظرت، فان كانت بالله قبل منه، لانه من حقوق الله يقبل منه فيما بينه وبين الله، لانه لا مطالب بموجبها، وأن كانت بالطلاق أو العتاق فعندنا لا تنعقد اليمين بهما أصلا، وإن قصد وعندهم تقبل فيما بينه وبين الله ولم تقبل منه في الحكم، لان الظاهر أنها معقودة فلا تقبل منه في الحكم. وأما المعقودة فعلى ضربين على مستقبل وعلى ماض، فان كانت على مستقبل فقد تكون نفيا كقوله والله لا دخلت في الدار، وتكون إثباتا كقوله والله لادخلن الدار اليوم، فان خالف نظرت، فان كان عامدا حنث وعليه الكفارة، وإن كان ناسيا فعندنا لا كفارة عليه، وقال بعضهم عليه الكفارة. وإن كانت على ماض فقد يكون أيضا نفيا كقولهم ما فعلت، وتكون إثباتا كقوله والله فعلت فتنظر فيه فان كان صادقا فيما حلف عليه فقد بر فيها، وإن كان كاذبا لم تلزمه كفارة، سواء كان عامدا أو ناسيا عندنا، وقال بعضهم إن كان عامدا فهي بمنزلة الغموس وعليه الكفارة، وإن كان ناسيا أو على ظنه، وبان خلافه فعلى قولين.

[ 203 ]

* (فصل) * * (في الكفارة في الحنث) * كفارة اليمين لا يتعلق عندنا إلا بالحنث ولا يجوز تقديمها على الحنث فان قدمها ثم حنث لم يجزه، وعليه إعادتها، وقال بعضهم يتعلق الكفارة بشيئين عقد وحنث فان كانت على ماض وجد العقد وقارنه الحنث فلم يسبق العقد ويتأخر الحنث، وإن كان على مستقبل وجد العقد وتأخر عنه الحنث. فاذا ثبت ذلك فيجوز عندهم تقديمها بعد وجود العقد وقبل الحنث، والمستحب أن يؤخرها حتى يحنث ثم يكفر ليخرج من الخلاف، ولا يخلو الحنث عندهم من أحد أمرين إما أن يكون غير معصية أو يكون معصية فان كان غير معصية جاز تقديمها وقد يكون غير المعصية طاعة كقوله: والله لا صليت، ويكون ندبا كقوله: والله لا سلمت على فلان، ويكون مباحا كقوله والله لا أكلت الخبز الطيب، فاذا كان كذلك جاز تقديمها. وقد بينا أن عندنا أن اليمين بهذه الاشياء لا يتعلق بها كفارة، وإنما يتعلق بما يتساوى فعله وتركه على واحد، أو يكون قد حلف على أن يفعل طاعة أو يترك قبيحا ثم خالفه، فانه يجب عليه الكفارة. وعلى جميع الاحوال فلا يجوز تقديم الكفارة عندنا على الحنث وإن كان الحنث معصية، كما لو حلف لا شربت الخمر، ولاصلين الفرض، فهذا يمين صحيحة عندنا ويحنث بمخالفتها، ويلزمه كفارة، ولا يجوز تقديمها على الحنث، وفيهم من قال مثل ذلك قال: لانه يستبيح بالكفارة محظورا ويستعين بها عليه، وقال بعضهم إنه يجوز تقديمها، لانه لا يستبيح بالتكفير محظورا بحال، فان اليمين لا تغير حكمها فانه إذا كفر لا تحل له شرب الخمر، ولا ترك الصلوة، ولكنه يفعل معصية سواء كفر أو لم يكفر.

[ 204 ]

فأما كفارة الظهار فانها يجب بظهار وعود، والعود هو أن يعزم على وطيها بعد الظهار عندنا، وقد مضى الخلاف فيه، وهيهنا يصح تقديم الكفارة قبل الوطي بل هو الواجب عندنا، لانه لو وطئ قبل أن يكفر [ لزمته كفارتان، وكلما وطئ لزمته كفارة. ولا يجوز تقديم ] ظ كفارة القتل، فان فعل ثم سرت الجراحة إلى النفس فلا يجزي عندنا، وقال بعضهم يجزي، وكذلك إذا جرح صيدا فأخرج الجزاء قبل موته لم يجزه عندنا، وإنما يجزيه كفارة الجراح فقط وقال بعضهم يجزيه. اليمين بالطلاق عندنا باطلة وغير منعقدة بحال فعلى هذا يسقط عنا جميع الفروع التي تتفرع على من أجاز ذلك، لكنا نذكرها لانها ربما تعلق بذلك نذر فان الحكم يجرى عليه على ما يقولونه في اليمين بها سواء. إذا قال لزوجته أنت طالق إن تزوجت عليك، فقد علق طلاق زوجته بصفة أن يتزوج عليها، فان تزوج نظرت، فان لم تكن مطلقة طلقت عندهم لوجود الصفة وإن كانت مطلقة رجعية فكمثل، لانها في معاني الزوجات، وإن كانت باينا لم يقع، لانها باين لا يلحقها الطلاق. وهل تنحل اليمين أم لا؟ قال بعضهم تنحل للصفة كما لو قال إن كلمت زيدا فأنت طالق فأبانها ثم كلمه انحلت الصفة وقال بعضهم هذا غلط فان الصفة لا تنحل لانه قال إن تزوجت عليك، والتزويج عليها أنما يكون أذا كانت زوجة فأما إذا بانت فلا يكون تزوج عليها، بلى إن قال إن تزوجت فأنت طالق فتزوج بعد أن أبانها انحلت اليمين لانه طلقها، ولم يقل عليك. وعندنا إن علق بذلك نذرا بأن يقول إن تزوجت عليك فلله على كذا فتزوج عليها قبل أن يطلقها أو في طلاق رجعى قبل الخروج من العدة لزمه، وإن تزوج بعد البينونة فلا يلزمه بحال، وإن أطلق فقال إن تزوجت ولم يقل عليك لزمه متى تزوج ما نذر. أذا قال لزوجته إن لم أتزوج عليك فأنت طالق، فقد علق طلاقها بصفة، وهو ترك التزوج عليها، وهذه ضد التي قبلها، فانه علق طلاقها في هذه بترك التزوج، وفي التي قبلها بفعل التزوج.

[ 205 ]

فاذا ثبت هذا وعلق طلاقها بترك التزوج عليها لم يخل من أحد أمرين إما أن يقيده بوقت أو يطلق، فان قيده بوقت فقال إن لم أتزوج عليك في هذا اليوم أو في هذا الشهر أو في هذا العام فأنت طالق، كان له فسخه في هذا المدة، لان معناه إن فاتني ذلك في هذه المدة، فأنت طالق. فاذا ثبت هذا فعلقه بيوم نظرت فان تزوج قبل الغروب فقد بر في يمينه، لانه ما فاته، وإن لم يفعل حتى غربت الشمس طلقت قبل الغروب في وقت الفوات، ووقت الفوات أذا بقي من النهار مالا يتسع لعقد النكاح، وهذا يبين فيما بعد. وأما إن أطلق ولم يقيده بزمان فهو على التراخي ووقت التزويج واسع، ما لم يموتا أو يموت أحدهما، لان معنى إن لم أفعل - إن فاتني هذا الفعل - فأنت طالق، و ما دام حيا فما فاته. فان قيل أليس لو قال إذا لم أتزوج عليك فأنت طالق كانت على الفور؟ هلا قلتم إن إن لم كذلك، قيل الفصل بينهما أن إذا لم أفعل للزمان معناها أي زمان لم أفعل فأنت طالق، فاذا مضى من الزمان ما أمكنه الفعل فلم يفعل حنث، وليس كذلك إن لم أفعل لانها تفيد أن فاتني الفعل، فهذا كانت على التراخي. فاذا ثبت أنها على التراخي لم يخل الزوج من أحد أمرين إما أن يتزوج عليها أو لا يفعل، فان تزوج عليها بر في يمينه سواء تزوج بنظيرها أو بمن فوقها أو دونها وقال بعضهم إن تزوج بمثلها أو فوقها بر في يمينه، وإن تزوج بمن هو دونها في المنزلة والوحشة لم يبر في يمينه، لانه قصد مغايظتها بذلك، وأنما يغتاظ بالنظر إلى من فوقها أو مثلها، فأما من هو دونها فهذه شماتة، والاول أصح على هذا المذهب. والبر يقع بنفس العقد، دخل بها أو لم يدخل، وقال بعضهم إن دخل بها بر وإن لم يدخل لم يبر، لان النكاح يقع على العقد والوطي في الشرع معا، فوجب حمله عليهما. فاذا ثبت هذا نظرت فان تزوج فقد بر، وإن لم يتزوج بها حتى ماتا أو أحدهما طلقت قبل وفاته في الزمان الذي فات فيه التزويج عليها، وهو إذا بقى منه ما لا يتسع

[ 206 ]

الزمان لعقد النكاح فيه، لان الفوات فيه وقع. فاذا وقع الطلاق فان كانت رجعية ورث أحدهما صاحبه، سواء مات هو أو هي وإن كانت باينا فان ماتت هي لم يرثها، لانه لا يتهم على نفسه في أسقاط إرثه منها وإن مات هو قالوا على القولين كالمبتوتة في حال المرض، لانه إذا أبانها وهو مريض كان متهما عليها في إسقاط إرثها، فكانت على قولين فكذلك إذا أخر البر هيهنا كان متهما فكانت على قولين. وهذه المسألة مثل الاولى في أنها تسقط على مذهبنا من حيث لا نقول بجواز اليمين بالطلاق، فأما إن علق به نذرا بإن يقول إن لم أتزوج عليك فلله على كذا فانه ينعقد النذر، فان كان قيده بوقت فمتى فاته التزويج في ذلك الوقت لزمه ما نذره، ويكون زمان الفوات على ما مضى شرحه. وإن كان مطلقا فلا يفوت إلا بالموت منهما أو من أحدهما على ما مضى، وإن قلنا إنه على الفور كان قويا بدليل الاحتياط، وإن قلنا بالتراخي فهو أقوى، لان الاصل براءة الذمة.

[ 207 ]

* (فصل) * * (في الكفارات) * الكفارات على ثلاثة أضرب: مرتبة من غير تخيير، ومخير فيها من غير ترتيب وما فيها ترتيب وتخيير. فالتي على الترتيب كفارة الظهار بلا خلاف وكفارة الجماع على الخلاف وكفارة القتل بلا حلاف. فأما الظهار فعليه رقبة فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فان لم يستطع فاطعام ستين مسكينا، وكذلك الجماع في رمضان إذا قلنا إنه مرتب، وأما كفارة القتل فعتق رقبة فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فان لم يستطع فاطعام ستين مسكينا عندنا، وعندهم على قولين. والتي على التخيير بكل حال فدية الاذى ما يختار من ذبح الشاة أو صيام ثلثة أيام أو إطعام ثلثة أصواع على ستة مساكين، وكذلك كفارات الحج كلها على التخيير وقد روى في أخبارنا ما يدل على أنها مرتبة. والتي تجمع الامرين كفارة الايمان على ما فصلناه، مثله كفارة النذور، و قوله أنت على حرام عند المخالف، وأما عندنا فان كفارة النذور مثل كفارة إفطار شهر رمضان سواء. ومتى أراد التكفير بالاطعام فعليه أن يطعم عشرة مساكين لكل مسكين مدين وروي مد، والمد رطلان وربع بالعراقي، وقال بعضهم مد وهو رطل وثلث، و كذلك في ساير الكفارات: الظهار، والوطي، والقتل، وفداء الاذى وفيه خلاف. وعندنا يجوز أن يخرج حبا ودقيقا وخبزا وعند بعضهم لا يجوز إلا الحب، و يخرج من غالب قوت أهل بلده، وروى أصحابنا أن أرفعه الخبز واللحم وأوسطه الخبز والزيت وأدونه الخبز والملح فان كان في موضع قوت البلد اللبن أو الاقط أو اللحم أخرج منه وفيه خلاف.

[ 208 ]

كل من تلزمه نفقته لا يجوز صرف الكفارة إليه ومن لا يلزمه نفقته يجوز صرف الكفارة إليه وقد مضى ذكرهم في النفقات، وأما الزوجة فلها صرف كفارتها إلى زوجها وفيه خلاف، والزوج لا يجوز له صرف كفارته إليها سواء كانت غنية أو معسرة. وجملته أن كل من يجوز صرف زكاة الفطرة إليه يجوز صرف الكفارة إليه، و من لا يجوز هناك لا يجوز هاهنا، ومن يأخذ الزكاة مع الغنى والفقر مثل الغازي والغارم وابن السبيل، فلا يجوز عندنا صرف الكفارة إليه إلا مع الفقر وفيه خلاف. ولا يجوز صرف الكفارة إلى العبد لانه غنى بسيده، والمدبر مثل ذلك، و المعتق بصفة وام الولد مثل ذلك سواء، والمكاتب مثل ذلك. ولا يجوز صرفها إلى كافر وقال بعضهم يجوز صرف الكفارة إليهم، ولا خلاف في زكاة المال، فان صرفها إلى واحد من هؤلاء مع العلم بحاله لم يجزه عندنا وعليه إعادته وإن أعطاه مع الجهل بحاله لم يخل المعطي من أحد أمرين إما أن يكون إماما أو غير إمام: فان كان غير إمام فأعطى كفارة نفسه نظرت، فان أخطأ في الكفر والحرية مثل أن أعطى من ظاهره الاسلام فبان كافرا أو من ظاهره الحرية فبان عبدا فعليه الاعادة عندهم ويقوى في نفسي أن لا إعادة عليه، وهكذا إن أعطى من ظاهره أنه أجنبي منه، فبان ممن يجب عليه نفقته، فعليه الاعادة عندهم لانه فرط، وعندي مثل الاول. وإن كان أخطأ في الفقر مثل أن أعطى من ظاهره الفقر فبان غنيا، قال قوم عليه القضاء وقال آخرون لا قضاء عليه وهو الاقوى عندي، لانه لا يمكنه الاحتراز منه. وإن كان الدافع الامام نظرت، فان كان الخطأ في الفقر فلا إعادة عليه، وإن كان في الكفر والرق فعلى قولين، ويقوى في نفسي أن لا ضمان عليه. وعليه أن يعطى عشرة مساكين يعتبر العدد فيهم، فان لم يجد العدد كرر عليهم حتى يستوفي العدد: عندنا يوما بعد يوم حتى يستوفى العدد، وفيهم من قال لا يجزيه. إن أطعم خمسا وكسا خمسا لم يجزه عندنا، وقال بعضم يجزي لانه لو أطعمهم أجزأه، ولو كساهم أجزأه، وقال بعضهم إن أطعم خمسا وكسا خمسا بقيمة إطعام خمسة

[ 209 ]

خمسه لم يجزه، وإن كسا خمسة وأطعم خمسة بقدر كسوة خمسة أجزأه، فأجاز إخراج قيمة الكسوة طعاما ولم يجز إخراج قيمة الطعام كسوة، والاول أقوى، لان ما عداه خلاف الظاهر. إذا اجتمع عليه كفارات لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون جنسا واحدا أو أجناسا، فان كانت جنسا واحدا مثل أن يكون يمينا أو ظهارا أو قتلا فنفرضها في كفارة الايمان فانه أوضح، فاذا كان عليه كفارات عن يمين: فان أطعم عن الكل، أو كسا عن الكل أو أعتق عن الكل أجزأه، وإن أطعم عشرة وكسا عشرة وأعتق رقبة أجزأه عن الثلاث، فاذا ثبت أنه جايز نظرت، فان أبهم النية ولم يعين، بل نوى كفارة مطلقة أجزأه لقوله " فكفارته إطعام عشرة مساكين " ولم يفرق. فاذا ثبت هذا نظرت، فان عين حين التكفير أجزأه، وإن أبهم من غير تعيين أجزأه، فان عين بعد الابهام فقال العتق عن الحنث الفلاني، والكسوة عن الفلاني والطعام عن الفلاني أجزأه. هذا إذا كان الجنس واحدا فأما إن كانت أجناسا مثل أن حنث وقتل وظاهر عن زوجته ووطئ في رمضان، فالحكم فيها كلها كما لو كان الجنس واحدا، وأنه لا يفتقر إلى تعيين النية، وقال بعضهم التعيين شرط، والاول أقوى عندنا. إذا ثبت أن النية شرط، فالكلام في وقت النية، فعندنا لا يجزيه حتى تكون النية مع التكفير، وقال بعضهم يجوز أن تكون قبله. إذا كانت عليه كفارة فكفر عنه غيره لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكفر عنه في حال حياته أو بعد وفاته، فان أعتق عنه في حال حياته، فان كان باذنه صح ذلك، سواء كان بجعل أو بغير جعل، واجبا كان العتق أو تطوعا، وقال بعضهم لا يجوز ذلك بحال، وقال بعضهم إن كان بجعل جاز، وإن كان بغير جعل لم يجز، والاول أصح عندنا. فاذا ثبت هذا وقع العتق عن المعتق عنه، والولاء له دون المباشر، وعندنا يكون سائبة، وإن كفر عنه بغير أمره لم تقع عمن نواها، لانها تحتاج إلى نية من

[ 210 ]

تجب عليه، ويقع العتق عن المباشر له والولاء له. وإن أعتق عنه بعد وفاته، فان كان باذنه بأن أوصى إليه صح سواء كان العتق واجبا أو تطوعا وإن أعتق عنه بغير إذنه بأن مات من غير وصية، فان أعتق عنه تطوعا لم يقع عن المعتق عنه، لان العتق عنه إحداث إلحاق ولائه بعد وفاته، والولاء لحمة كلحمة النسب لقوله عليه السلام، فلما لم يجز إلحاق نسب به كذلك الولاء. وإن كانت الكفارة واجبة لم يخل من أحد أمرين: إما أن تكون على الترتيب أو على التخيير: فان كانت على الترتيب نظرت، فان خلف تركة تعلقت بتركته كالدين يعتق عنه منها، ويلحقه الولاء، وإن لم يكن له تركة سقط العتق عنه، كما لو مات وعليه دين ولا تركة له، فان اختار ولي الميت أن يعتق عنه كمال الواجب عليه أجزأ عنه، لانه يقوم مقام مورثه في قضاء ديونه وغير ذلك. وإن لم يكن على الترتيب مثل كفارة اليمين نظرت، فان كفر عنه وليه بالكسوة أو الاطعام صح عمن أخرجه عنه، وإن أعتق عنه قال بعضهم أجزأ عنه، وعند بعضهم لا يجزي، والاول أصح عندنا لان الثلاثة عندنا واجبة مخير فيها، وليس الواجب واحدا لا بعينه. لا يجوز النيابة في الصيام في حال الحيوة بحال، وإن مات وعليه الصيام وجب على وليه أن يصوم عنه عندنا، وقال بعضهم لا يصام عنه وفيه خلاف. إذا أعطى مسكينا من كفارته أو زكاة ماله أو فطرته فالمستحب أن لا يشتري ذلك ممن أعطاه، وقال بعضهم لا يصح الشراء والاول أقوى عندنا. إذا كان له خادم يخدمه ومسكن يسكنه وهو مسكن مثله وخادم مثله، كان كالغارم له في جواز أخذ الزكاة والكفارة، وإن كان فيهما فضل مثل أن كانت الدار تساوى أكثر من دار مثله، وخادم ثمين يبتاع ببعض ثمنه خادم يكفيه كان الفضل في هذا مانعا من جواز أخذ الصدقة. قد ذكرنا في الكفارات المرتبة أنه إذا قدر على العتق لم يجز له الصيام فان

[ 211 ]

لم يجد رقبة صام، والاعتبار بحال الاخراج أو الوجوب، قال قوم يعتبر حال الوجوب فعلى هذا إذا كان موسرا حال الوجوب فوجب عليه العتق ثم أعسر، لم يجز له الصوم وإن كان معسرا ففرضه الصوم وإن أيسر كان فرضه الصوم. وقال قوم يعتبر حال الاخراج فان كان في هذه الحال موسرا وجب عليه العتق وإن كان معسرا فعليه الصيام، ولا اعتبار بما تقدم وهو الاقوى عندي. الناس ضربان من تحل له الكفارة، ومن لا تحل له: فمن تحل له الكفارة فالزكاة تحل له من سهم الفقراء والمساكين، ومن لا تحل له الكفارة لا تحل له الزكاة، ومن كان في الكفارات من أهل الصيام لا يجب عليه أن يكفر بالمال لانه إنما يصوم الفقير الذي لا يجد، وهذا لا يجد. وأما من لا تحل له ذلك لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون له فضل عن كفايته على الدوام أو وفق الكفاية، فان كان له فضل لم يكن من أهل الصيام، لانه واجد وإن كان له وفق كفاية على الدوام لا يزيد عليه شيئا كان فرضه الصيام. الحقوق على ثلاثة أضرب ما يفوت بتأخره، وما لا يفوت به ولا ضرر عليه بتأخره وما لا يفوت وعليه ضرر بتأخره: فما يفوت بتأخره كالصلوة لعدم الماء، وهو قادر على ثمنه في بلده فلا يجوز تأخيره، وكذلك المتمتع إذا لم يجد الهدى صام ثلثة أيام في الحج، ولم يؤخر إلى أن يصل ماله إليه لانه يفوت بتأخره. وأما ما لا يفوت ولا ضرر في تأخره، فعليه تأخيره حتى يجد المال فيكفر به وهو كفارة الايمان والقتل والوطي. وأما ما لا يفوت بتأخره وفي تأخره ضرر كفارة الظهار فهل له الصيام أم لا؟ قال قوم لا يجوز لانه لا يفوت بتأخره ككفارة القتل، وقال آخرون يجوز لان عليه ضررا في تأخره، فانه لا يقدر على الجماع حتى يكفر وهو الاقوى عندي. إذا اختار أن يكفر بكسوة فعليه أن يكسو عشرة مساكين، وأقل الكسوة ثوب واحد، وقد روى أصحابنا ثوبين، فمن قال ثوب واحد قال للرجل منديل أو قميص أو سراويل

[ 212 ]

أو ميزر، والمرأة كذلك مقنعة أو قميص أو سراويل أو ميزر، وقال بعضهم السراويل لا يجزي. وقال بعضهم: لا يجزي المرأة غير ما يجوز لها الصلوة فيه من ثوبين قميص ومقنعة وهو ما رواه أصحابنا مع الاختيار، فان لم يجد فثوب واحد على ما ذكرناه. ومتى أعطى قلنسوة أو خفا قال بعضهم يجزي لتناول الاسم له، وقال آخرون لا يجزي وهو الاظهر عندنا، لان اسم الكسوة لا يقع على هذا. وأما صفته فالمستحب أن يكون جديدا فان لم يكن فغسيلا قد بقيت منافعه أو معظمها، فان لم يفعل وأعطى سحيقا لم يجزه، لان منافعها قد بطلت. لا يعتبر الايمان في العتق في جميع أنواع الكفارات إلا في كفارة القتل خاصة وجوبا، وما عداه جاز أن يعتق من ليس بمؤمن وإن كان المؤمن أفضل وقال بعضهم يعتبر الايمان في جميعها. والايمان أن يصف الشهادتين فيقول لا إله إلا الله، محمد رسول الله، سواء قال بالعربية أو بالعجمية، أو بأي لغة كان، فان كانت صغيرة ولو ابن يوم أجزأه للآية وأما ولد الزنا فيجزي للآية وغيره أفضل. والمعيبة على ضربين عيب يضر بالعمل الضرر البين، فهذا لا يجزي، وإن كان عيبا لا يضر بالعمل الضرر البين أجزأه، فمن ذلك الاعمى والمقعد، فان عندنا لا يجزي لانهما ينعتقان بهذه الآفات. وأما الاعور فانه يجزي، وإن كان أصم لا يسمع لكنه ينطق ويتكلم جاز وإن كان أخرس فانه يجزي عندنا وقال بعضهم لا يجزي، وإن كان مريضا فان كان مرضا يسيرا كالصداع والحمى الخفيفة وغيره يجزي، وإن كان مدنفا قال قوم لا يجزي ويقوى في نفسي أنه يجزي للآية. وأما الاعرج فانه يجزي عندنا، وقال بعضهم إن كان عرجا خفيفا يجزي، و إن كان ثقيلا يضعفه عن العمل لا يجزي. وأما الاقطع فان كان أقطع اليدين أو أحدهما أو أقطع الرجلين أو أحدهما لم

[ 213 ]

يجزه عند قوم، ولو قلنا إنه يجزي للآية لكان قويا. وإن كان مقطوع الاصابع. فان كان مقطوع الابهام أو السبابة أو الوسطى قال قوم لا يجزي، وإن كان مقطوع الخنصر والبنصر، فان كان هذا من يد واحدة قد قطعا معا لم يجز، وإن كان من اليدين أجزأه. وأما الانامل فان كان المقطوع أحدا من الانملتين من الابهام لم يجزه، وإن ذهبت أنملة من غير الابهام أجزأه، ويقوى في نفسي أن جميع ذلك يجزي للآية. وأما المجبوب فانه يجزي بلا خلاف لانه أكثر ثمنا وأكثر عملا. وإن اشترى من يعتق عليه بنية الكفارة لم يجزه عندنا، وقال بعضهم يجزيه. إذا اشترى عبدا بشرط العتق فالشراء صحيح عندنا وهو منصوص لنا وقال بعضهم الشراء باطل، فاذا ثبت أنه صحيح فان أعتق صح. العتق، وإن امتنع منه فهل يجبر عليه أم لا؟ قال قوم يجبر عليه، فعلى هذا لا خيار للبايع، والثاني لا يجبر عليه فعلى هذا البايع بالخيار، والاول أقوى، وأى الاحوال كان فمتى أعتقه عن كفارته لم يجزه لانه إن قلنا يجبر عليه فقد وجب العتق عن غير الكفارة فلا يجزيه، وإن قلنا للبايع الخيار لم يجزه إيضا لانه عتق مستحق بسبب متقدم. وأما المدبر والمعتق بصفة فانه يجزي بلا خلاف لانه عبد قن وام الولد يجزي عندنا وعندهم لا يجزي، لان [ عندنا مملوكة يجوز بيعها و ] عندهم تستحق بحرمة الولادة (1) ولا يجزي المكاتب عندنا بحال، وقال قوم إن أدى من مكاتبته شيئا لم يجزه، وإن لم يكن أدى أجزأ. قد ذكرنا أن كفارة اليمين يجمع تخييرا وترتيبا، وأن التخيير في أولها بين ثلثه: إطعام وكسوة وعتق، فان لم يقدر على واحد منها انتقل إلى الصيام وهو ثلاثة أيام ومن شرط الصيام التتابع عندنا وقال بعضهم يجوز التفريق. إذا تلبس بصوم التتابع في الشهرين ثم أفطر فان كان من عذر من قبل الله مثل

(1) بجهة الولادة خ.

[ 214 ]

المرض والحيض فانه يبني على كل حال، وإن كان لغير عذر أو عذر يرجع إليه من سفر وغيره، فان كان في الشهر الاول أعاد، وإن كان في الشهر الثاني قبل أن يصوم منه شيئا فمثل ذلك وإن كان صام من الثاني ولو يوما واحدا أخطأ لكن يجوز له البناء. وإن كان الصوم شهرا فان أفطر قبل خمسة عشر يوما أعاد، وإن كان بعدها بني وإن كان صوم ثلثة أيام وصام يومين بني، وإن صام يوما أعاد، وإن اعترض الصيام زمان لا يصح فيه الصيام أفطر وكان حكمه حكم من أفطر من غير عذر على ما بيناه من التفصيل وكذلك لو تلبس به في شعبان ثم أهل شهر رمضان قبل الفراغ منه ترك الصيام للكفارة، وكان حكمه ما قلناه من التفصيل. وقال المخالف: متى أفطر في جميع ذلك لغير عذر أعاد على كل حال وإن كان لعذر هو حيض بنت في الشهرين المتتابعين وتعيد في صوم الثلثة الايام، وإن كان العذر مرضا فعلى قولين وإن كان العذر سفرا فعلى قولين في جميع ذلك وإن اعترض زمان لا يصح فيه الصيام أفطر واستأنف، وكذلك لو دخل عليه في خلال ذلك شهر رمضان قطع الكفارة واستأنف. وأما صوم يوم الفطر فلا يتخلل ذلك لان ما قبله ليس منه وأيام التشريق لا يتخلل أيضا فيه لان قبلها يوم النحر فلا يصل الفطر إليها، لانه قد أفطر قبلها لكن إن اتفق هذه الايام في الشهر الاول أعاد لما تقدم عندنا وإن اتفق في الشهر الثاني بعد أن صام يوما أفطر يوم النحر ويجوز له أن يصوم أيام التشريق في البلاد وإنما لا يصومها من كان بمنى، ومن تصوم الثلثة أيام بدلا من الهدى وإن أفطرها جاز له البناء لما تقدم وفيه خلاف. إذا كان عليه حق هو مال لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون لله أو للآدميين: فان كان للآدميين وهي الديون ونحوها لم يسقط بوفاته، بل كانت في ذمته على ما كانت عليه في حال حياته، وتعلقت بتركته بعد وفاته. وإن كانت حقوق الله وحده كالزكاة والكفارات والنذور ونحوها، فالحكم كذلك أيضا لا تسقط بوفاته، بل يكون في ذمته ويتعلق بالتركة عندنا، وقال بعضهم يسقط بوفاته.

[ 215 ]

فاذا تقرر أنها لا تسقط بوفاته، فانها من صلب ماله لقوله تعالى " أو دين " فان كانت التركة وفقا لما عليه من الدين والحق، قسمت في الحقوق والديون، وإن كانت التركة أكثر كان الفاضل للوارث، وإن كانت التركة دون الحقوق لم تخل الحقوق من ثلثة أحوال إما أن يكون للآدميين أو لله أو لهما، فان كانت للآدميين وحدهم لم تخل من ثلثة أحوال إما أن يكون كلها في الذمة أو متعلقة بالعين أو في الذمة والعين. فان كانت كلها في الذمة أخذوا التركة بالحصص، وإن كانت كلها متعلقة بالعين مثل أن خلف عبيدا قد جنوا، أو كانت التركة كلها رهنا كانت لهم أيضا يستوفي كل واحد حقه من العين التي تعلق حقه بها فان فضل فضل يوفر على غيره وإن كان بعضها في الذمة وبعضها في العين قدمنا حق العين لاختصاصه بها. هذا إذا كانت للادميين وحدهم، فأما إن كانت لله وحده نظرت أيضا فان كانت كلها في الذمة انقسمت التركة عليها فان كانت هناك حج أفرد له حصته فان وفت حصته بأن يحج بها عنه، وإلا سقط وتوفر على الباقين، وإن كانت كلها متعلقة بالعين فكذلك أيضا وإن كانت بعضها بالعين وبعضها في الذمة قدمنا حق العين لاختصاصه بها. وأما إن كانت للآدميين ولله نظرت، فان كان بعضها في الذمة وبعضها متعلقا بالعين كان المتعلق بالعين مقدما سواء كان لله أو للآدميين، وسواء كان الباقي لله أو للآدميين لاختصاصه بالعين. وأما إن كانت كلها في الذمة أو كلها متعلقة بالعين، قيل فيه ثلثة أقوال أحدها حق الله مقدم لقوله عليه السلام " دين الله أحق " والثاني حقوق الآدميين مقدمة و الثالث هما سواء، وهو الاقوى عندي لفقد الترجيح. إذا مات وعليه كفارة لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون على الترتيب أو على التخيير: فان كانت على الترتيب مثل كفارة الظهار وغيرها لم يخل من أحد أمرين إما أن يموت عن وصية أو غير وصية فان مات من غير وصية تعلقت بتركته و كانت من صلب ماله يعتق عنه أقل رقبة يجزي عنه. وإن أوصى بها فلا يخلو أن يقول من صلب مالي أو من الثلث أو يطلق فان قال من صلب

[ 216 ]

مالي كانت الوصية تأكيدا لانه لو مات من غير وصية كانت من صلب ماله وإن قال من الثلث كانت من الثلث فان وفى بها الثلث وإلا تممت من صلب المال، وإن أطلق فعلى وجهين أحدهما من صلب ماله، والثاني من الثلث، فان وفى بها وإلا كملت من صلب ماله والاول أقوى عندي. وإن كانت الكفارة على التخيير مثل كفارة الايمان وغيرها نظرت فان مات من غير وصية فالواجب الاطعام لانه أقل ما يكفر به عن نفسه حال حيوته فان أطعموا أو كسوا جاز. وإن أرادوا العتق قال قوم لا يجوز لانها ما وجبت عليه، والثاني يصح وهو الصحيح عندي، لانها واجب مخير فيها. وأما إن مات عن وصية فلا فصل بين أن يقول أعتقوا من صلب مالي أو من الثلث أو يطلق، فانها من الثلث، لان الواجب الاطعام، فاذا عدل إلى غيره علم أنه أراد أن يكون من الثلث: فان خرجت من الثلث اعتق عنه، وإن كان الثلث لا يفي افرد من التركة قدر الاطعام واخرج ثلث ما بقى، وضم الثلث إلى قيمة الاطعام ونظرت فان لم يف ذلك برقبة يجزي عنه سقطت الرقبة واطعم عنه، وإن كان يفي برقبة تجزي عنه قال قوم يعتق عنه الرقبة، وقال بعضهم الوصية تسقط ويطعم عنه والاول أصح عندي (1).

(1) قد مر في ج 5 ذيل كتاب الظهار ص 158 - 180 ما يتعلق بهذا الفصل راجعه.

[ 217 ]

* (فصل) * * (في كفارة يمين العبد) * فرض العبد في الكفارات الصوم، سواء كانت الكفارة مرتبة مثل كفارة الظهار والوطي والقتل، أو كانت مخيرة ككفارة اليمين: لان العبد لا يملك فهو غير واجد فان أراد أن يكفر بالمال نظرت، فان كفر بغير إذن سيده لم يكن له، لانه لا ملك له، ولا إذن منه، وإن ملكه سيده مالا فأراد التكفير بالمال فالكلام في فصلين في العتق وغير العتق. فأما غير العتق من الاطعام والكسوة فعندنا إن أذن له فكفر عن نفسه أو كفر عنه سيده فانه يجزيه، وقال بعضهم لا يجزيه في الحالين وهو قوى، لانه وإن ملكه مولاه لا يملك عندنا، والاول أظهر في رواياتنا. وعلى ذلك إذا اشترى العبد باذن مولاه عندنا يصح فأما المال الذي ملكه فلا زكاة على أحد فيه، لا المولى ولا المملوك. فأما التكفير بالعتق فان أذن له المولى فيه وملكه ذلك أو أعتق عنه سيده باذنه صح، وقال قوم لا يصح بحال، لان العتق يقتضي الولاء والولاء يقتضي الولاية و الارث، وليس العبد من أهل الولاية ولا الارث، وعندنا أن ذلك يصح لانه لا يقتضي الولاء لانا قد بينا أن العتق في الكفارات والواجبات لا ولاء لاحد عليه بسبب العتق بل هو سائبة. فاذا ثبت أن العبد من أهل الصوم فأراد الصوم، فهل لسيده منعه أم لا؟ نظرت فان حلف وحنث باذن سيده لم يكن له منعه منه، لانه صوم لزمه باذنه فهو كما لو أذن في النكاح فنكح، كان له الانفاق من كسبه بغير إذنه، لان سبب وجوبه عليه باذنه وإن كان الحلف بغير إذنه والحنث باذنه فكذلك أيضا لان التكفير بالحنث والوجوب عقيب الحنث. وإن كان العقد والحنث معا بغير إذنه لم يكن له الصيام بغير إذنه لانه ألزم نفسه صوما بغير إذنه، وأما إن كان العقد باذنه والحنث بغير إذنه قال قوم له الصيام

[ 218 ]

لان سبب الوجوب كان باذنه، وقال آخرون وهو الصحيح عندنا أنه ليس له الصيام بغير إذنه، لانه إذا أذن في اليمين فقد منعه من الحنث بها. وكل موضع قلنا له منعه منه، فان أراد أن يصوم في وقت يضعف فيه في بدنه وعمله وهو نهار الصيف كان له منعه منه، فان خالفه وصام وقع موقعه ويقوى في نفسي أنه لا يقع موقعه، وكذلك نقول إذا حج بغير إذنه لا يقع موقعها. وإن كان الزمان معتدلا لا يضر به الصيام كزمان الشتاء وما جاوره فليس له منعه منه، لانه لا ضرر على سيده فيه، قال قوم: وعلى هذا لو صام العبد تطوعا في هذه الاوقات لم يكن لمولاه منعه، لانه لا ضرر عليه وعموم أخبارنا يمنع منه. إذا حلف العبد لم يخل من أحد أمرين إما أن يحنث وهو حر أو يحنث وهو عبد: فان حنث وهو حر فان أعتقه سيده بعد عقد اليمين وقبل الحنث ثم خالف و حنث فهو في الكفارة كالحر، وإن حنث وهو عبد ففرضه الصيام، فان أعتق نظرت فان كان بعد أن كفر بالصيام فلا كلام، وإن كان قبل أن يكفر بالصيام، فهو حين الوجوب عبد وحين الاداء حر بنينا على الاقوال: فمن قال الاعتبار بحال الاداء فهو حال الاداء حر فان كان موسرا كفر بالمال، وإن كان معسرا كان فرضه الصيام، ومن قال الاعتبار بأغلظ الاحوال اعتبر أغلظ الاحوال من حين العتق إلى حين الاداء، ولا يعتبر من حال الوجوب إلى حين العتق لانه قبل العتق لا يملك. ومن قال: الاعتبار بحال الوجوب ففرضه الصيام، فان أراد أن يكفر بالمال فالصحيح أن ذلك له إن شاء كفر بالعتق أو بالكسوة أو بالاطعام كالحر المعسر حين الوجوب فرضه الصيام، فان كفر بالمال فقد عدل إلى ما هو أولى. ومن الناس من قال إن أراد أن يكفر بالعتق لم يكن له، وإن أراد أن يكفر بالكسوة أو الاطعام فعلى قولين اعتبارا بحال الوجوب وحين الاخراج، وقد قلنا في ما تقدم أن المراعى عندنا حال الاخراج، فعلى هذا يعتبر حال الاخراج فان كان موسرا فعليه التكفير بالمال، وإن كان معسرا فعليه الصيام.

[ 219 ]

أذا حلف وحنث من نصفه حر ونصفه عبد، لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون موسرا بما فيه من الحرية أو معسرا، فان كان معسرا ففرضه الصيام، لانه أسوء حالا من الحر المعسر، وإن كان موسرا بما فيه من الحرية صح منه العتق عندنا، لانه لا يقتضي الولاء عندنا، وعندهم لا يصح لانه يقتضي الولاء، وأما الاطعام و الكسوة فانهما يصحان منه، ولا يصح منه الصيام بلا خلاف، وقال بعض الشواذ فرضه الصيام. * * * كل من منع نفسه فعلا من الافعال بعقد يمين فاستدام ذلك الفعل فهل يحنث باستدامته، اعتبرت ذلك بمدة من الزمان، فان صح أضافة ذلك الفعل إلى جميعها كانت الاستدامة كالابتداء، كما لو حلف لا لبست، لا ركبت هذه الدابة، لا سكنت هذه الدار لا أقمت فيها، لا ساكنت فلانا، فانه يحنث بالاستدامة كما يحنث بالابتداء لانه يصح أن يقول لالبستها شهرا ولا ركبتها شهرا وكذلك السكنى والمساكنة والاقامة. وإن لم يصح إضافته إلى جميع المدة بل يصح إضافته إلى ابتدائها تعلق الحنث بالابتداء دون الاستدامة كقوله لا تزوجت، ولا تطهرت، ولا بعته هذا الثوب ولا وهبت له هذه الناقة، لا يصح إضافته إلى جميع المدة فلا يقال تزوجتها شهرا، ولا تطهرت شهرا، ولا بعته هذا الثوب شهرا، بل يقال بعته منذ شهر وتطهرت منذ الغداة. وأما إذا حلف فقال والله لا دخلت هذه الدار، وهو في جوفها، فاستدام الكون فيها، فانه لا يحنث فيه وقال بعضهم يحنث. إذا كان ساكنا في دار فحلف لاسكن فيها فمتى استدام السكنى حنث لان السكنى يقع على الابتداء والاستدامة، ألا ترى أنه يقول سكنتها شهرا ولم يرد قد ابتدأت سكناها شهرا، وإنما أراد ابتدأت بالسكنى واستدمته شهرا. فاذا تقرر هذا نظرت فان كان فيها فأقام عقيب يمينه مدة يمكنه الخروج منها فلم يفعل، حنث عند بعضهم وقال قوم، إن أقام يوما وليلة حنث وإن أقام أقل من ذلك لم يحنث، والاول أقوى. فأما إن خرج عقيب يمينه من غير وقفة لم يحنث في

[ 220 ]

جميعه بلا خلاف إلا شاذا منهم، فانه قال يحنث ولا سبيل له إلى البر، لانه يحنث باستدامة السكنى، وخروجه منها عقيب يمينه سكون فيها، فوجب أن يحنث، و الاول أصح. فاذا ثبت أنه لا يحنث، فان عاد بعد أن خرج منها لنقل رحله أو عيادة مريض أو لغير سكنى لم يحنث، لان اليمين قد انقطعت بالخروج فاذا عاد إليها لم يحنث. هذا إذا أقام عقيب يمينه للسكنى أو لم يقم، فأما إن أقام عقيب يمينه لا للسكنى ولكن لنقل الرحل والمال، قال بعضهم يحنث، وقال آخرون إن أقام عقيب يمينه لجمع الرحل والمال ونقل العيال لم يحنث: بناه على أصله أن السكنى ما كان بالبدن والمال والعيال معا، فاذا أقام لنقل هذا لم يكن ساكنا، وهو الذي يقوى في نفسي. فاذا ثبت أنه لا يحنث بترك السكنى ويحنث به، فالكلام في ثبات السكنى ما هو؟ فقال قوم السكنى بالبدن دون المال والعيال، فمن سكن ببدنه حنث وإن نقل العيال والمال، وإن انتقل بنفسه بر في يمينه وإن لم ينقل العيال والمال. وقال بعضهم: السكنى بنفسه وبالعيال دون المال، وقال آخرون ببدنه وبالعيال والمال، وقال بعضهم إن بقى من ماله ما يمكن سكنى الدار معه فما نقل المال، وإن بقى مالا يمكن سكنى الدار معه فقد نقل المال وبر في يمينه فكأنه فسر المذهب و الاول أقوى عندي. إذا كان مساكنا لغيره في مسكن فحلف وهما في المسكن لا ساكنته، فان أقام بعد يمينه بمدة يمكنه الخروج فلم يفعل حنث، لان الاستدامة كالابتداء، وإن خرجا أو خرج أحدهما عقيب يمينه من غير فصل لم يحنث، لانه بالخروج قد ترك المساكنة ولا فرق بين السكنى والمساكنة أكثر من أنه إذا حلف لا سكنت تعلق اليمين بفعله وحده، وإذا حلف لا ساكنته تعلق به وبمن ساكنه. إذا حلف لا ساكنته وكان مساكنا له في مكان واحد قال بعضهم إن حصل بينهما حاجز من جدار ونحوه لم يحنث، هذا إذا خرج عقيب اليمين وبنى بينهما حاجز ثم سكناها فأما إن أقام في الموضع حتى يبنى بينهما حاجز، فانه يحنث.

[ 221 ]

فاذا ثبت هذا فالكلام في بيان ما هو موضع المساكنة وما ليس بموضع لها، و جملته إذا كانا في حجرتين لكل واحدة منهما باب مفرد، والحجرتان في درب واحد نافذ أو غير نافذ، أو كانتا في دار كبيرة لكل واحدة منهما باب مفرد أو كانا في بيتين في هذه الخانات المعدة للمساكين فكل هذا ليس بمساكنة، لانه لا يقال مسكنهما ولكنه يقال مسكن كل واحد منهما في الخان ولا يقال هو مساكنه في الخان وهكذا لو كان كل واحد منهما في بيت مفرد له باب مغلق في دار كبيرة فالحكم فيه كالخان. فأما إن كانا في بيت واحد أو في بيتين لا باب لواحد منهما أو في صفتين أو كانا في حجرة صغيرة كل واحد منهما في بيت له باب مفرد يغلق، فكل هذا مساكنة لان الحجرة الصغيرة إنما يبنى لواحد ومسكن يتفرد به أحدهما، ويفارق الخان الصغير لانها وإن صغرت فانها تبنى مساكن، فهذا كله مساكنة على ما فصلناه. إذا حلف لا دخلت هذه الدار فان دخلها أو بيتا منها أو غرفة منها حنث، سواء دخل من الباب أو نزل من السطح لانه يقال دخلها، فأما إن رقا على سطحها لم يحنث سواء كانت محجرة أو غير محجرة، وقال بعضهم يحنث بكل حال، وقال آخرون إن كانت محجرة حنث، وإن لم تكن محجرة لم يحنث، والاول أقوى عندي فأما إذا وقف على بدن الحايط فانه لا يحنث بلا خلاف. ولو حلف لا دخل بيتا فدخل غرفة فوق البيت لم يحنث بلا خلاف فان حلف لا دخلتها فقعد في سفينة أو على شئ فحمله الماء فأدخله إليها أو طرح نفسه في الماء فحمله الماء فأدخله إليها حنث لانه دخلها باختياره فهو كما لو ركب فدخلها راكبا أو محمولا فان كان فيها شجرة عالية عن سورها فتعلق بغصن منها من خارج الدار وحصل في الشجرة نظرت، فان كان أعلا من السطح لم يحنث بلا خلاف، لانه لا يحيط به سورها لان هواء الدار ليس فيها، وإن حصل بحيث يحيط به سور الدار حنث، لانه في جوف الدار، وإن حصل بحيث يكون موازيا لارض السطح فالحكم فيه كما لو كان واقفا على نفس السطح وقد مضى. إذا حلف لا لبس ثوبا فالاسم يقع على الابتداء والاستدامة معا وكذلك إذا حلف

[ 222 ]

لا ركبت، فالاسم يقع على الابتداء والاستدامة معا، وإن حلف لا ركبت وهو راكب فان نزل عقيب يمينه وإلا حنث كما لو كان نازلا فحلف لا ركبت فركب، وكذلك اللباس مثله سواء، وكذلك السكنى والمساكنة، فهذه الاربعة الحكم فيها واحد، و هو أن الاسم يتعلق بالابتداء والاستدامة على ما فصلناه. فأما الطهارة والطيب والنكاح، فهذه الثلاثة متى حلف لا فعل واحدا منها حنث بالابتداء دون الاستدامة، والفصل بينهما وبين الاربع من وجهين: أحدهما الاسم في تلك الاربع يطلق على الابتداء والاستدامة، بدليل أنه يقول سكنت وساكنت ولبست وركبت شهرا وليس كذلك الطيب والطهارة والنكاح لان الاسم يقع على الابتداء دون الاستدامة بدليل أنه يقول تطيبت منذ أمس، ونكحت منذ سنة، وتطهرت منذ صلاة الغداة، ولا يقول: تطهرت شهرا وكذلك الطيب و النكاح. والثاني أن الشرع قد جعل استدامة اللباس كابتدائه، ولم يجعل استدامة الطيب والنكاح كابتدائه، بدليل أنه لو أحرم لابسا فاستدامه فعليه الفدية كما لو ابتدأه بعد إحرامه، ولو أحرم متطيبا أو متزوجا فلا شئ عليه، وهو ممنوع من الابتداء به وهو محرم، وعندنا في الاحرام مثل ذلك غير أنه يجب عليه إزالة الطيب عنه. فأما إذا حلف لا دخلت هذه الدار، فان كان خارجا عنها فابتدء فدخلها حنث ولو كان فيها فاستدام لم يحنث عندنا، وقال قوم يحنث. إذا حلف لا دخلت بيتا فدخل بيتا من شعر أو أدم أو وبر أو من حجر أو طين أو مدر، قال قوم يحنث على كل حال بدويا كان أو قرويا إذا كان يعرف عادة البادية و الحاضرة، وقال قوم إن كان بدويا لا يعرف بيوت الحاضرة، فمتى دخل بيوت الحاضرة لا يحنث، وإن كان قرويا لا يعرف بيوت البادية فمتى دخل بيوت البادية من الشعر فانه لا يحنث. والذي يقوى في نفسي أن يرجع في ذلك إلى العادة، فان كان بدويا حنث سواء دخل بيت البادية أو الحاضرة، وإن كان قرويا فدخل بيوت البلدان حنث، وإن

[ 223 ]

دخل بيوت البادية فان كان يعرفها حنث بدخولها، وإن لم يعرفها لا يحنث. إذا حلف لا يأكل من طعام اشتراه زيد، فاشترى زيد وعمرو طعاما صفقة واحدة فأكل منه لم يحنث. وقال قوم يحنث وجميعا قويان. فاذا ثبت أنه لا يحنث إذا كان مشاعا بينهما، فان اقتسماه وأفرد كل واحد منهما نصيبه منه فان أكل من نصيب زيد أو نصيب عمرو لم يحنث أيضا، وقال بعضهم إن أكل من نصيب زيد حنث، وإن أكل من نصيب عمرو لم يحنث، وهما قويان. فان حلف لا يأكل من طعام اشتراه زيد فاشترى زيد طعاما وحده، واشترى عمرو طعاما وخلطاه معا فأكل الحالف منه، قال قوم إذا أكل النصف فما دونه لم يحنث وإن زاد على النصف حنث لانه لا يقطع أنه أكل من طعام انفرد زيد بشرائه حتى يزيد على النصف، وإذا لم يتحقق لم يحنث. فان حلف لا يأكل هذه التمرة، فوقعت في تمر ولم يعلم عينها، فأكله إلا تمرة لم يحنث، لانه لا يقطع على أكل التي حلف عليها، وقال بعضهم لا يحنث وإن أكله كله لانه إذا اختلط فليس هناك حبة يشار إليها أنها من شراء زيد أو عمرو فهو كما لو اشترياه معا. وقال بعضهم إن أكل منه الحبة والحبتين ونحو هذا لم يحنث وإن أكل منه كفا حنث، لان الطعامين إذا اختلطا فلا يكاد كف ينفرد من أحدهما، فيعلم قطعا أنه قد أكل منهما فاذا أكل منهما فقد أكل من طعام انفرد زيد بشرائه، ويفارق التمرة إذا وقعت في تمر، لانه متى بقيت واحدة لم يقطع أنه أكل التي حلف عليها، لجواز أن تكون هذه الباقية فلهذا لم يحنث، والاول أقوى عندي ثم الثالث، فأما الثاني فبعيد جدا. إذا حلف لا دخلت دار زيد هذه، أو لا كلمت عبد عمرو هذا، أو لا كلمت زوجة زيد هذه، تعلقت اليمين بعين ما علق اليمين به، فان دخلها وملكها لزيد حنث بلا خلاف وإن زال ملك زيد عنها فدخلها بعد ذلك حنث عند بعضهم، ولا تنحل اليمين بزوال المضاف إليه، وقال بعضهم إذا زال ملكه عنها انحلت اليمين، فان دخلها بعد ذلك لم

[ 224 ]

يحنث، وهذا الذي يدل عليه أخبار أصحابنا والاول أقوى. فاذا تقرر هذا فالتفريع عليها: إذا حلف لادخل دار زيد ولم يعينها، فان دخل دارا ملكها لزيد حنث وإن كان له دار فزال ملكه عنها ثم دخلها لم يحنث، لانها صفة علقت بمبهم غير معين، فكانت الصفة شرطا فتنحل اليمين بزوالها لعدم الصفة، و ليس كذلك إذا قال دار زيد هذه، لان الصفة تعلقت بشئ بعينه، فلهذا لم تنحل اليمين به عند من قال به. وفرق بين صفة العين ونفس العين ألا ترى أنه لو قال أسلمت إليه في ثوب هروي، كانت الصفة شرطا، ولو قال بعتك الثوب الهروي فبان مرويا لم يبطل، و صح العقد مع عدم الصفة، لان الشراء تعلق بشئ بعينه، فلم يضر زوال الصفة عنه كذلك في اليمين مثله. إذا حلف لا دخلت هذه الدار، فانهدمت حتى صارت طريقا وبراحا فسلك عرصتها لم يحنث عندنا، وقال قوم يحنث، ووافقوا إذا أطلق فقال لا دخلت دارا، فسلك براحا كان دارا في أنه لا يحنث. إذا حلف لا دخلت هذه الدار، ففيها ثلاث مسائل: إحداها حلف لا يدخلها مطلقا، فمتى حصل فيها فقد دخلها، سواء دخلها من بابها هذا أو من باب غيره، أو نزل إليها من السطح، أو عبر إليها من الطريق كيف كان حنث. الثانية حلف لا دخلها من هذا الباب، فان دخلها منه حنث، وإن حول هذا الباب فدخلها من الباب المحدث لم يحنث لانه غير الباب. فرع: قال بعضهم فان دخلها من الاول والباب المنصوب باق بحاله حنث وإن حول المنصوب إلى مكان آخر فدخلها من الاول لم يحنث لان هذا غير الباب الذي حلف عليه، وهذا غلط عندي لان الدخول إليها إنما هو في هذا الباب الذي هو فتح موجود وعقد معقود، فأما الخشب فليس بباب، ألا تراه لا يدخل في الخشب، وإنما الخشب الذي هو الباب المنصوب للمنع من دخولها إذا اغلق، فبطل أن يدخل في الباب المنصوب. الثالثة إذا حلف لا دخلت هذه الدار من بابها فان دخل من هذا الباب الموجود

[ 225 ]

حين اليمين حنث، وإن حول هذا وفتح بابا آخر غيره فدخلها من المحدث، قال قوم لا يحنث، لانه أضافه، والاضافة يقتضي التعيين، فكأنه قال من هذا الباب ولو عين لم يحنث. وقال قوم وهو الصحيح أنه يحنث، لان هذا المحدث بابها، فوجب أن يحنث بدخولها منه، وإن لم يكن موجودا حين اليمين كما لو حلف لا دخلت دار زيد فمتى دخل دارا لزيد حنث، وإن لم يكن داره حين عقد اليمين. إذا كان الثوب رداء فحلف لا يلبسه نظرت، فان حلف لا لبسته وهو رداء، فان لبسه على صورته حنث، وإن غيره ثم لبسه لم يحنث بلا خلاف، وإن حلف لا لبست هذا الثوب، ولا يقول وهو رداء، فان لبسه على صورته حنث، وإن غيره عن صورته ولبسه قال قوم يحنث، وهو الاقوى عندي، وقال آخرون لا يحنث. إذا حلف لا لبست ثوبا من به عليه فلان، فوهب له فلان ثوبا فان لبسه حنث وإن استبدل به فباعه أو بادله فلبس لم يحنث، وهكذا لو حلف لا لبس من غزل امرأته فان لبس منه حنث، وإن باعه واشترى بثمنه ثوبا أو اشترى به ثوبا فلبسه لم يحنث. وهكذا لو جعل يذكر أياديه عليه فقال أحسنت إليك، وأعتقتك بمالي، و وهبت كذا وأعطيت كذا فقال جوابا لهذا والله لا شربت لك ماء من عطش، تعلق الحكم بشرب مائه من عطش، فان انتفع بغير الماء من ماله فأكل طعامه ولبس ثيابه وركب دوابه لم يحنث، لانه إنما ينظر إلى مخرج اليمين ويحنث صاحبها ويبر على مخرجها دون أسبابها. وقال بعضهم يحنث بكل حال فان لبس بدل ذلك الثوب أو بدل ذلك الغزل أو انتفع بماله بغير شرب الماء حنث، والاول أقوى عندي، لان الاصل براءة الذمة والثاني قوى لفحوى الخطاب. إذا حلف لا دخلت دار زيد نظرت، فان دخل دارا هي ملك لزيد حنث بلا خلاف وإن دخل دارا يسكنها باجرة لم يحنث وقال قوم حنث لقوله " لا تخرجوهن

[ 226 ]

من بيوتهن ولا يخرجن " (1) يعني بيوت أزواجهن، والاول أقوى عندي، لان حقيقة الاضافة الملك وما عداه مجاز. هذا أذا أطلق فأما إن نوى بدار زيد مسكنه باجرة، كان على ما نواه، لانه يعدل عن ظاهره بالنية. إذا حلف لا دخلت مسكن زيد، فدخل دارا يسكنها زيد باجرة أو عارية أو ملكا حنث لان السكنى يقع على ما هو ملك وغير ملك لانه لا يصح نفيه عنه، فلهذا حنث، وليس كذلك دار زيد لانه ينطبق على ما هو ملك لزيد. إذا حلف لا دخلت دار زيد ففيها ثلث مسايل: إحداها دخلها باختياره ماشيا أو راكبا أو محمولا بأمره، فانه يحنث بكل هذا لانه يقال دخلها. الثانية دخلها ناسيا لليمين أو مكرها ماشيا، قال قوم يحنث، وقال آخرون لا يحنث وهو الاقوى عندي. الثالثة ادخل مكروها محمولا فالصحيح أنه لا يحنث عندنا وفي الناس من قال يحنث. إذا حلف لا دخلت هذا الدار اقتضى التأبيد، فان قال نويت شهرا بر فيما بينه وبين الله سواء كانت اليمين بالله أو بالطلاق أو العتاق وعندنا لا ينعقد يمينه إلا بالله. ومتى كانت في حق آدمي كاليمين بالطلاق أو العتاق أو بالله في الايلاء لم يقبل منه في الظاهر، لانه يدعى خلافه، وإن كانت اليمين بالله لا في حق آدمي مثل أن حلف لا دخلت هذه الدار، ثم قال نويت شهرا قبلنا منه في الحكم لان حقوق الله وحدة موكولة إلى أمانته. إذا حلف لا دخل على زيد بيتا، فدخل على عمرو بيتا وزيد في ذلك البيت لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يدخل مع العلم بحالته أو مع الجهل به أو مع العلم بحاله واستثناه بقلبه.

(1) الطلاق: 1

[ 227 ]

فان دخل مع العلم بحاله حنث، لان المخالفة وجدت عامدا، وإن كان مع الجهل بحاله مثل أن دخل وهو لا يعلم أن زيدا هناك فاذا هو هناك، قال قوم يحنث وقال آخرون لا يحنث، وهو الاقوى عندي. فان علمه هناك فدخله واستثناه بقلبه فدخله معتقدا أنه داخل على عمرو دون زيد فهل يحنث أم لا؟ مبنية على أصل. وهو إذا حلف لا كلم زيدا فسلم على قوم فيهم زيد فان كان مع العلم بحاله من غير استثناء حنث، وإن كان جاهلا أو ناسيا فعلى قولين أصحهما عندنا أنه لا يحنث وإن كان عالما فاستثناه بقلبه واعتقد أن السلام عليهم دونه، فهل يصح هذا الاستثناء فلا يحنث قال قوم يصح، وهو الاقوى عندي، ومنهم من قال لا يصح. فأما إذا كان الحالف في بيت فدخل زيد عليه فيه، فان خرج الحالف من البيت من غير وقفة لم يحنث، وإن استدام المقام فيه فلا يكون مع زيد فهل يحنث أم لا؟ مبنية على أن استدامة اللبث فيها هذا هل يكون كابتداء الدخول، وهي على قولين وقد مضى، والاقوى عندي هيهنا أنه لا يحنث بالاستدامة. فأما إذا حلف لا دخلت هذا الدار وهو فيها، فاستدام المقام هل يحنث أم لا؟ قال قوم يحنث، وقال آخرون لا يحنث وهو الاقوى عندي، وكذلك هيهنا إذا لم يخرج الحالف واستدام الكون معه، هل يحنث أم لا؟ على قولين أصحهما عندي أنه لا يحنث. فان دخل على زيد وهو في المسجد قال قوم لا يحنث وهو الاقوى عندي لان إطلاق البيت يقتضي بيتا يسكن فيه، فأما المسجد وبيت الله الحرام فليس بيت يسكن فيه. ومتى حلف الرجل لا دخلت هذه الدار، فدخلها مكرها أو ناسيا أو جاهلا بأنها التي حلف عليها هل يحنث أم لا؟ على قولين أصحهما عندي أنه لا يحنث، و هكذا في الكلام إذا حلف لا كلمت زيدا فكلمه ناسيا أو جاهلا بأنه زيد أو مكرها فهل يحنث أم لا؟ قال قوم يحنث وقال آخرون لا يحنث، وهو الاصح عندي لقوله

[ 228 ]

تعالى " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " (1). إذا حلف ليأكلن هذا الطعام غدا، فقد جعل وقت البر زمانا بعينه وهو غدا وجعل كل وقت من غد وقتا للبر فاذا ثبت هذا ففيه ست مسائل: إن أكله غدا بر، وإن لم يأكله حتى غربت الشمس غدا حنث، وإن أكله اليوم حنث، وقال بعضهم لا يحنث، لان معناه لا يؤخر أكله غدا وما تأخر، والاول أصح لان معناه يؤخر أكله غدا والاكل في غد، فان أكل بعضه اليوم وبعضه غدا حنث، لانه ما أكله في غد، وإن هلك اليوم بغير اختياره، فقد فاته أكله غدا مكرها فعندنا لا يحنث وقال بعضهم يحنث. السادسة هلك في غد بعد أن قدر على أكله، منهم من قال يحنث لانه ترك البر مع القدرة عليه، ومنهم من قال لا يحنث كما لو هلك اليوم، لانه فاته البر بغير اختياره وهو الاقوى عندي. فأما إن حلف ليأكلنه اليوم ففيها ست مسائل أيضا إن أكل اليوم بر، وإن لم يأكل حتى غربت الشمس حنث، وإن أتلفه قبل أن يأكله حنث، وإن أكل بعضه ولم يأكل البعض حتى غربت الشمس حنث، وإن هلك قبل القدرة على أكله فعلى قولين أصحهما أنه لا يحنث، وإن هلك بعد القدرة على أكله فعلى قولين أيضا أصحهما أنه يحنث، والثاني لا يحنث وهو قوى. إذا حلف ليقضينه حقه غدا فيه ثلاث مسائل: الاولى إذا حلف ليقضينه حقه غدا ففيه المسائل الست: إن قضاه غدا بر، و إن لم يقضه حتى غربت الشمس حنث، وإن قضاه اليوم حنث، وإن قضى بعضه اليوم وبعضه غدا حنث، وإن مات من له الدين اليوم فهل يحنث الحالف أم لا؟ على قولين لانه مكره على ترك القضاء في غد وإن مات في الغد بعد القدرة على القضاء منهم من قال يحنث، ومنهم من قال لا يحنث وهو الاقوى على ما مضى. الثانية إذا حلف لاقضين حقك غدا إلا أن تشاء أنت، فقد عقد اليمين وجعل

(1) البقرة: 225

[ 229 ]

المخلص لنفسه فيها بشيئين: أحدهما البر في غد، والثاني الاستثناء وهو أن يشاء صاحب الحق التأخير، فاذا قال قد شئت التأخير انحلت اليمين، وإن فرضت عليه إلا أن أشاء أنا التأخير فالباب واحد غير أنا نفرضها إذا قال إلا أن تشاء أنت التأخير. فاذا ثبت هذا ففيها سبع مسائل: الست ما ذكرناه، وزيادة واحدة: إن قضاه في غد بر، وإن لم يقضه حتى غربت الشمس في غد حنث، وإن قضاه من يومه قبل غده حنث، وإن قضى بعضه في يومه وبعضه في غده حنث، وإن مات من له الحق في يومه فهل يحنث أم لا؟ على قولين لانه مكره، وإن مات في غد بعد القدرة على القضاء على قولين أصحهما عندنا أنه لا يحنث في الموضعين، وتنحل اليمين، السابعة مثله الاستثناء وقد مضت. الثالثة إذا حلف لاقضين حقه إلا أن يشاء زيد ففيها ثمان مسائل: سبع قد مضى، وزيادة اخرى: إن قضاه غدا بر، وإن لم يقضه حتى غربت الشمس حنث، وإن قضاه اليوم حنث، وإن قضى بعضه اليوم وبعضه غدا حنث، وإن مات اليوم فهل يحنث أم لا على قولين؟ وإن مات في غد بعد القدرة فعلى قولين، وإن قال زيد قد شئت التأخير انحلت اليمين بوجود الاستثناء، الثامنة مات زيد اليوم قبل أن يشاء شيئا و تعذر الاستثناء وكان البر ممكنا، فان قضاه في غد بر فيها، وإن غربت الشمس قبل أن يقضيه حنث. إذا حلف ليقضين حقه عند رأس الهلال أو إلى رأس الهلال أو كان عند الاستهلال أو إلى استهلال الهلال ففيه مسئلتان أحداهما أن يقول ليقضين حقه عند رأس الهلال، أو مع رأس الهلال، أو عند الاستهلال أو مع استهلال الهلال وجب عليه حين إهلال الهلال وأن يقضيه عند أول جزء من أول ليلة من الشهر لا قبله ولا بعده ولا فرق بين هذه الالفاظ وأن الحكم فيها واحد، ومتى قضاه بعده أو قبله حنث لان " عند " وضع في الكلام العربي للمقارنة لا غير وإذا كانت كذلك، وجب أن يكون القضاء مقارنا لاول الشهر. فاذا ثبت هذا فان كان الحق مما يقبض في زمان واحد كالذهب والفضة ونحو

[ 230 ]

ذلك وقع القضاء في زمان واحد وإن كان حقا يقبض في زمان طويل كالمكيل والمعدود ونحو ذلك، فاذا ابتدأ بالقضاء مع رأس الهلال بر، وإن تطاول الايفاء. الثانية إذا قال إلى رأس الهلال أو إلى استهلال الهلال، فهل يكون إلى حذاء أو بمعنى مع، قال قوم يقتضي المقارنة وهي بمعنى مع، وقال آخرون ينبغى أن يكون إلى حذاء فان قضاه قبله بر في يمينه، وهو الاقوى. واستعمالها بمعنى مع أيضا كثير قال الله تعالى " من أنصاري إلى الله " (1) أي مع الله، وقال " ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم " (2) بمعنى مع، غير أن الحقيقة الاول. ومن قال إنها مشتركة قال لا يحنثه إلا بيقين فمن قال إن إلى تفيد حذاء فمتى قضى قبله أو بعده حنث، ومن قال إنها بمعنى مع فمتى قضاه قبله أو معه لم يحنث وإن قضاه بعده حنث. إذا حلف ليقضين حقه إلى حين أو إلى زمان أو إلى دهر فلا حد لهذه الالفاظ كلها، ويكون كقوله والله لاقضينه حقه، فيكون على مدة حياته، فان لم يفعل حتى مات حنث بوفاته عند بعضهم، وفيه خلاف. والذي يقتضيه مذهبنا أنه إذا حلف إلى حين كان ذلك إلى ستة أشهر وإذا حلف إلى زمان كان ذلك إلى خمسة أشهر، ونص عليه أصحابنا فيمن نذر أن يصوم حينا أو زمانا. فأما إذا حلف إلى وقت فليس له حد على وجه بلا خلاف، فان قال قريبا أو بعيدا فليس له حد عند بعضهم، وفيه خلاف، وإن قال إلى حقب لم يكن له حد و فيه خلاف. إذا حلف لا يفعل فعلا فأمر غيره بفعله عنه بأمره مثلا أن يحلف لا تزوجت ولا طلقت، لا بعت ولا اشتريت، ولا ضربت عبدي، فاذا فعله غيره بأمره لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون الحالف ممن يلي أموره بنفسه أو يليها عنه غيره.

(1) آل عمران: 52، الصف: 14.
(2) النساء: 2.

[ 231 ]

فان كان ممن يليها بنفسه كأفناء الناس لم يحنث لانه ما فعله وإنما فعله غيره و الايمان يتعلق بحقايق الاسماء والافعال، فاذا فعله عنه غيره بأمره فهو وإن أضيف إليه فما فعله هو حقيقة، بدليل أنه يصح نفي الفعل عنه، فلو قيل قد باع الحالف هذا قيل لا إنما باعه وكيله وناب عنه وكيله فيه. وإن كان الحالف ممن لا يلي هذه الاشياء بنفسه كالخليفة والسلطان العظيم فوكل غيره بفعله عنه، نظرت فان حلف لا تزوجت ولا طلقت لم يحنث، لان هذا مما يليه بنفسه فهو فيها كالعامة وساير الناس، وإن كان حلف لا بعت ولا اشتريت، ولا ضربت عبدي، ففعله عنه غيره بأمره، قال قوم إنه لا يحنث، وقال آخرون في الضرب إنه يحنث لانه يقال باع الخليفة، وإن كان البايع وكيله، كما روى زنا ماعز فرجمه رسول الله و إنما أمر برجمه وهذا الاقوى عندي ومن قال لا يحنث قال هذا مجاز والايمان يتعلق بالحقايق، وهو قوى أيضا ويقويه أن الاصل براءة الذمة. إذا علق يمينه بأمرين لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون نفيا أو إثباتا، فان كان إثباتا كقوله والله لآكلن هذين الرغيفين أو لالبسن هذين الثوبين، فاذا لبسهما بر وإن لبس أحدهما لم يبر في يمينه بلا خلاف. وإن كان هذا على النفى فحلف لا أكلت هذين الرغيفين، ولا لبست هذين الثوبين لم يحنث حتى يأكلهما، فان أكل أحدهما لم يحنث، وقال بعضهم يحنث إذا أكل أحدهما لان أصله، أن القرب من الحنث حنث، والاول أصح عندنا. فان حلف لا كلمت زيدا وعمرو افكلم أحدهما حنث، والفرق بينهما أنهما يمينان لانه حلف لا كلم زيدا ولا كلم عمروا، وإنما دخلت الواو نايبة مناب تكرير الفعل كأنه أراد أن يقول والله لا كلمت زيدا ولا كلمت عمروا فقال وعمرو، فلهذا حنث وليس كذلك في الاول لانها يمين واحدة. ولو حلف لا شربت ماء هذه الاداوة صار بالاضافة إليها معرفة، فلا يحنث حتى يشربه كله، ولو كان هذا على الاثبات فقال لاشربن ماء هذه الاداوة لم يبر حتى يشربه كله لما مضى.

[ 232 ]

فأما لو حلف لا شربت من ماء هذه الاداوة فشرب منه قطرة حنث لانه قد شرب منه، ولو حلف لاشربن من ماء هذه الاداوة فاذا شرب منه ولو قطرة، بر في يمينه لانه شرب منه. وهكذا كل إناء فيه ما يمكن أن يشربه كله كالحب والبركة والمصنع العظيم فشربه والحكم فيه كالاداوة سواء. فأما دجلة والنهر فاذا حلف لا شرب من ماء دجلة أو من ماء هذا النهر، فمتى شرب منه قطرة حنث، لانه قد شرب منه، وكذلك الاثبات إذا قال لاشربن منه فشرب قطرة بر، فأما إن أطلق فقال لا شربت ماء دجلة فشرب منه، قال بعضهم متى شرب منه حنث، لانه إذا قال لا شربت ماء دجلة فمعلوم أنه لا يمكنه شربه كله، ثبت أنه أراد لا شربت منه فيحنث إذا شربه، كما حلف لا أكلت خبز الحواري فانه يحنث بأكل لقمة كذلك هيهنا وجب أن يحنث بشرب جرعة منه. وقال آخرون إنه لا يحنث وهو الاقوى عندي لان قوله " ماء " نكرة وقوله " دجلة " للتعريف وكانت الحقيقة كله كماء الاداوة سواء وكان كقوله والله لا صعدت السماء فانه لا يحنث فيه بحال، وما قالوه من خبز الحوارى فلان الحواري صفة الخبز فكأنه قال الخبز الحوارى الابيض ولو قال الخبز الابيض تعلق بكل لقمة منه، كقوله الماء العذب فتعلق بكل شربة منه، وليس كذلك في مسئلتنا لانها نكرة اضيفت إلى معرفة فكانت معرفة وتعلقت اليمين بالكل. فان حلف لا شربت من النهر لا شربت من دجلة، فمتى شرب من مائها حنث سواء غرف بيده أو في كوز أو غيره على أي وجه، شرب منها أو كرع فيها كالبهيمة، و قال بعضهم لا يحنث حتى يكرع منها كالبهيمة لانه إذا شرب غرفا بيده فما شرب منها وإنما شرب من يده وهو الاقوى عندي. كل من حلف يمينا على فعل فاعل تعلقت اليمين بفعل ذلك الفاعل في باب البر والحنث، ولا يتعلق بفعل غيره. من ذلك: إذا حلف لا فارقتك حتى أستوفي حقي منك، فقد علق اليمين بفعل نفسه وحده

[ 233 ]

فان استوفى حقه قبل المفارقة بر في يمينه، وإن فارقه قبل الاستيفاء باختياره حنث وإن فارقه ناسيا أو مكرها فعلى وجهين أصحهما عندي أنه لا يحنث. فان فر الذي عليه الحق لم يحنث الحالف، سواء فر باختيار الحالف أو بغير اختياره لان الايمان ما تعلقت بفعل من عليه الحق وإنما تعلقت بفعل الحالف، و الحالف ما فارقه. فان حلف لا فارقتني حتى أستوفي حقي منك، فاليمين تعلقت بفعل الغريم وحده فان قضاه الحق قبل المفارقة بر وإن انصرف الغريم باختيار نفسه حنث الحالف، وإن انصرف الغريم مكرها أو ناسيا فهل يحنث الحالف أم لا؟ على قولين: عندنا أنه لا يحنث، وإن انصرف الحالف على أي وجه كان لم يحنث، لان الغريم ما فارقه، و إنما فارق هو الغريم. وإن حلف لا افترقت أنا وأنت حتى أستوفي حقي كان معناه لا فارقتني ولا فارقتك، فقد تعلقت اليمين بفعل كل واحد منهما، فان قبض حقه قبل المفارقة بر، و أن فارق أحدهما صاحبه باختياره حنث، وإن فارقه ناسيا أو مكرها فعندنا لا يحنث و قال بعضهم يحنث. ولو حلف لا افترقت أنا وهو ففر منه لم يحنث عندنا، وقال قوم يحنث لان فراره منه باختيار نفسه، وكذلك لو حلف لا أفترق أنا وهو، ولا فصل بينهما، ولو حلف لا افترقنا حتى أستوفي حقي منك لم يحنث حتى يكون من كل واحد منهما فراق لصاحبه: يذهب هذا كذا، وهذا كذا، لانه قد علق اليمين بمفارقة كل واحد منهما. إذا حلف لا فارقتك حتى أستوفي حقي منك فقد فرع على هذا ثلاث مسائل: الاولى فلس من عليه الحق وحجر الحاكم عليه لزمه مفارقته شرعا، فكان فرارا على إكراه بحكم الشرع، فهل يحنث؟ على قولين قد مضى. الثانية أخذ حقه معتقدا أنه نفس حقه، فبان غيره مثل أن كان حقه دنانير فبانت نحاسا، وفضة فبانت رصاصا، قال قوم يحنث، وقال قوم لا يحنث وهو الاقوى عندي.

[ 234 ]

الثالثة إذا أحاله بالحق فقبل الحالف الحوالة وانصرف حنث، لان الحوالة وإن كانت فانما هي قبض حكما فأما مشاهدة وفعلا فلا. إن حلف لا فارقتك حتى أستوفي حقي نظرت، فان استوفى نفس حقه بر وإن استوفى بدل حقه مثل أن كانت دنانير فأخذ دراهم أو ثيابا أو غير ذلك حنث في يمينه، سواء كان البدل وفاء حقه أو أقل لانه ما استوفى حقه وإنما استوفى بدل حقه فان أبرأه وانصرف حنث أيضا لانه ما استوفاه. فان قال حتى أستوفي نظرت، فان استوفى حق نفسه بر، وإن أخذ البدل عنه وكان وفاء حقه بر، وإن كان دون ذلك حنث، لانه ما استوفاه. فان قال لا افارقك ولي قبلك حق، فان أخذ نفس حقه أو بدل حقه بر، سواء كان في البدل وفاء أو لم يكن، لانه فارقه ولا حق له قبله، وكذلك إن أبرأه وانصرف. كل موضع حكمنا بوقوع الفراق فالفراق هو افتراق المتبايعين عن محلهما الذي تبايعا، وقد فسرناه في البيوع، وبينا أنه مأخوذ من العرف فما يسمى في العرف افتراق حكم بذلك، وما لم يسم بذلك لم يحكم به. إذا حلف من عليه الحق لا فارقتك حتى أقبضك حقك، فان قضاه نفس حقه بر، وإن أعطاه بدل حقه حنث، فان كان الحق عينا فوهبها مالكها منه فقبلها حنث لانه ما اقتضاه. وإن أبرأه من الحق فمن قال الابراء يحتاج إلى القبول، فقبل حنث كالهبة، و من قال يبرء من غير قبول فهل يحنث أم لا؟ على قولين أقواهما عندي أنه يحنث لانه ما أقبضه. فان حلف عمرو لا بعت لزيد ثوبا فأعطى زيد وكيله ثوبا وقال له بعه، وإن شئت فادفعه إلى من ترى ليبيعه فأتى وكيل زيد عمرا فأعطاه فباعه وهو لا يعلم أنه لزيد صح البيع، وهل يحنث؟ على قولين أقواهما عندي أنه لا يحنث، لانه جاهل بذلك، وهو كالمكره والناسي، وإن قال زيد لوكيله بعه أنت فأعطى الوكيل هذا الثوب لعمرو وقال بعه فباعه فالبيع باطل، ولا يحنث عمرو لانه ما باع، وسواء

[ 235 ]

قال لا باع له ثوبا ملكه أو أطلق فلا فرق بينهما. إذا قال لامرأته إن خرجت من الدار حتى آذن لك فأنت طالق، فقد علق طلاقها بصفة وهو خروجها بغير إذنه، فعندنا أن هذه يمين باطلة، وعندهم صحيحة، فان خرجت بغير إذنه طلقت، فان عادت فخرجت ثانيا لم تطلق لانه اليمين انحلت بالحنث فيها، فان أذن لها فخرجت لم تطلق، لانها خرجت باذنه، وانحلت اليمين أيضا بذلك فان خرجت ثانيا بغير إذنه لم يحنث. هذا إذا قال لها حتى آذن لك، فان قال إن خرجت من الدار إلا بإذني فهو كقوله حتى آذن لك، فان خرجت بغير إذنه طلقت وانحلت اليمين، لان " إن " لفعل مرة واحده، فان أذن لها فخرجت بر في يمينه، فان خرجت بعد هذا لم تطلق، وإن كان بغير إذنه. وقال بعضهم إذا قال إن خرجت من الدار إلا بأذني فأنت طالق، فان خرجت بغير إذنه طلقت وانحلت اليمين، وأن خرجت مرة اخرى لم تطلق مرة اخرى مثل ما قال الاول، وإن أذن لها فخرجت لم تطلق فان خرجت مرة اخرى بغير إذنه طلقت، فجعل هذا القائل يمينه على التكرار على كل مرة. ولو قال متى خرجت إلا بأذني فأنت طالق، كان على مرة واحدة، ولا فصل بينهما أكثر من أن قوله إن خرجت كان للفعل، ومتى خرجت للزمان، وكذلك أي وقت وأى حين وأى زمان وأية ساعة الباب واحد. فأما إن قال كلما خرجت بغير إذني فأنت طالق فهو على التكرار على كل مرة تخرج، فان أذن فيها مرة فخرجت لم تطلق، فان خرجت بعده مرة اخرى بغير إذنه طلقت حتى تقول كلما خرجت فقد أذنت لك فيه فحينئذ تزول اليمين لان لفظة كل للتكرار. إن قال إن دخلت دار زيد إلا باذنه فامرأتي طالق، فان دخلها بغير إذنه طلقت وإن أذن له بالدخول ارتفعت اليمين، دخلها بعد أو لم يدخلها واحد، فان دخلها لم يحنث بعد هذا، وإن منعه زيد من الدخول بعد الاذن لم يقدح في ذلك، بل تكون

[ 236 ]

اليمين منحلة بوقوع الاذن، وإن لم يوجد المأذون فيه، وعندنا أن هذه مثل الاولى لا يقع بها طلاق بحال. فان قال إن خرجت من الدار إلا بإذني إلا لعيادة مريض فأنت طالق، فقد علق طلاقها بصفة وهو خروجها بغير إذنه، واستثنى ما يمنع وقوع الطلاق بشيئين: أحدهما وجود إذنه، والثاني خروجها لعيادة مريض، فان خرجت في غير هذين فقد طلقت. فاذا تقرر هذا نظرت فان خرجت لعيادة مريض لم تطلق فان تشاغلت بعد خروجها بغير العيادة كزيارة الوالدين وقضاء الحوائج ودخول الحمام لم تطلق، لانها ما خرجت إلا لعيادة المريض وفلا يقدح في خروجها حدوث نية غير ما خرجت له. فان خرجت لغير عيادة المريض طلقت وإن تشاغلت بعد خروجها بعيادة المريض لم ينفعها ذلك، لانها ما خرجت له. فان خرجت لعيادة المريض ولغير عيادة كأنها اعتقدت الخروج لاشياء منها عيادة المريض لم تطلق، لانها قد خرجت لعيادة المريض فلا يضر أن يعتقد غيره، وعندنا هذه مثل الاولى سواء لا تطلق بحال. إذا حلف بالطلاق لا خرجت إلا بإذني فاذن لها فخرجت بعد الاذن وقبل العلم به لم يحنث، وقال بعضهم يحنث، وهذا يسقط عنا لما مضى. إذا قال رقيقي أحرار أو مماليكي ابتداء عندنا أو حلف على ذلك عندهم، نظرت فان كان له عبيد قن وإماء قن عتقوا بلا إشكال لان الاسم تناولهم على الاطلاق فان كان فيهم مدبر عتق أيضا كالعبد القن لانه عبد، وكذلك المكاتب وام الولد لان الاسم يتناولهم. فان كان له أشقاص عبيد، مثل أن كان له نصف عشرة أعبد مشاعا عتقوا كالمنفرد فاذا كان له نصف عشرة أعبد فله خمسة، فانهم يعتقون فان كان فيهم مكاتب ففي الناس من قال المكاتب لا يدخل في ذلك، ومنهم من قال: يدخل أيضا، والاقوى عندي أنه يدخل إن كان مشروطا عليه لما روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال المكاتب عبد ما بقى عليه درهم.

[ 237 ]

إذا قال لزوجته إن كلمت أباك فأنت طالق، عندنا لا يتعلق به حكم لان اليمين ما انعقدت، وعندهم ينعقد وفيها ثلث مسائل: إن كلمت أباها وقع الطلاق لان الصفة وجدت، وهكذا إذا كلمت أباها و هي رجعية لانها في معنى الزوجات. الثانية أبانها بالخلع أو طلقها قبل الدخول طلقة أو طلقة بعد الدخول وتركها حتى انقضت عدتها ثم كلمت أباها انحلت اليمين، لان الصفة وجدت وهي باين فان نكحها بعد هذا ثم كلمت أباها لم تطلق، لان اليمين انحلت بوجود الصفة بين النكاحين. الثالثة أبانها ولم تكلم أباها ثم تزوجها ثم كلمت أباها فقد وجد عقد اليمين في ذلك والصفة في نكاح آخر ولم توجد الصفة بين النكاحين فهل يعود حكم اليمين أم لا؟ نظرت فيما وقعت به البينونة فان أبانها بأقل من ثلاث عاد حكم اليمين وقال بعضهم لا يعود، وإن أبانها بالثلاث لم يعد، وقال بعضهم يعود. فاذا ثبت هذا فاذا قال لعبده إن لم أضربك غدا فأنت حر ففيه ثلث مسائل أيضا: الاولى: إن لم يضر به غدا حتى غربت الشمس عتق لان الصفة وجدت والعبد في ملكه. الثانية باعه اليوم ولم يضربه غدا حتى غربت الشمس فانه لا يعتق لان الصفة وجدت والعبد في غير ملكه فانحلت اليمين. فرع هذا المسألة: إذا لم يبعه اليوم، وجاء غد ولم يضربه مع القدرة على ضربه ثم باعه وغربت الشمس ولم يضربه لم يعتق أيضا لان الصفة وجدت والعبد ليس في ملكه. الثالثة باعه اليوم واشتراه غدا وخرج اليوم ولم يضربه، فقد وجد عقد اليمين في ملك، وزال الملك ثم ملكه ووجدت الصفة في ملك ثان، ولم يوجد الصفة بين الملكين، فهل يعتق أم لا؟ منهم من قال لا يعود، ومنهم من قال يعود، لان البيع بمنزلة الطلاق الثلاث، ومن قال يعود قال لان بيع العبد مثل البينونة بأقل من ثلاث، هذا

[ 238 ]

إذا كانت اليمين بالعتق، وهذا كله يسقط عنا لان اليمين بالطلاق والعتاق لا تنعقد أصلا. فأما إذا كانت اليمين بالله فقال والله لاضربنك غدا ثم باعه اليوم وخرج غدو لم يضربه حنث ووجبت الكفارة وقد روى أصحابنا أنه إذا حلف ليضربن عبده ولم يضربه وعفا عنه لم تلزمه كفارة لقوله " وأن تعفو أقرب للتقوى " (1). إذا قال لعبده إن بعتك فأنت حر نظرت، فان باعه مطلقا عتق عند بعضهم، لان الصفة وجدت والعبد ممن تلحقه العتق بالمباشرة فلحقه العتق بالصفة لان البيع إذا انعقد ثبت بينهما خيار المجلس ما لم يتفرقا ولو أعتق عبده في مدة خيار المجلس عتق فكذلك إذا وجدت صفة العتق، ومن لم يقل بخيار المجلس قال لا ينعتق، لان بنفس العقد لزم البيع بغير خيار، فان باعه بشرط الخيار لهما أو للبايع عتق بلا خلاف بينهم لما مضى، وعندنا لا ينعتق لما مضى، وإن كنا نقول بخيار المجلس. فأما إذا باعه بشرط أن لا خيار بينهما خيار المجلس فعندنا ذلك صحيح ولا يتعلق به العتق لما مضى، ولهم فيه ثلثة أوجه أحدها يصح البيع والشرط معا والثاني يبطلان معا والثالث يصح البيع ويبطل الشرط. فاذا ثبت هذا رجعنا إلى العتق فاذا قيل يصح البيع والشرط لم يعتق لم يعتق العبد لان الصفة وجدت وهو على صفة لا يلحقه العتق بالمباشرة، فلا يلحقه بالصفة، وإذا قيل يبطلان لم يعتق العبد لان العقد لم يوجد، وإذا قيل يصح البيع ويبطل الشرط عتق كالبيع المطلق. وقال لعبده إن بعتك فأنت حر فباعه بيعا فاسدا لم يعتق بلا خلاف، وهكذا لو قال إن زوجتك فأنت حر فزوجه تزويجا فاسدا لم يعتق، لان إطلاق البيع يقتضي بيعا شرعيا فاذا كان فاسدا لم توجد الصفة. إذا حلف لا يأكل الرؤوس حنث بأكل رؤس النعم: الابل والبقر والغنم ولا يحنث بأكل رؤس سواها كرؤوس الحيتان والعصافير والطيور والجراد، وإن كان بلد له صيد كثير وتكون رؤس الصيد يؤكل مفردة عندنا حنث فيها وإن حلف لا يأكل الرؤس و

(1) البقرة: 237.

[ 239 ]

هو في غيرها من البلاد، فأكل منها هل يحنث أم لا قال قوم يحنث لانه إذا ثبت عرف في مكان تعلق بها حكم اليمين في كل مكان كخبز الارز له عرف بطبرستان فيتعلق به الايمان في كل مكان. وقال آخرون لا يحنث لان هذا الحالف لا علم له بذلك ولا عرف له بهذا البلد وهكذا القول في رؤس الحيتان إذا ثبت لها من العرف ما ثبت لرؤوس الصيود. هذا إذا يكن له نية فأما إذا كان له نية حنث وبر على نيته، والورع أن يحنث بأى رأس كان ليخرج من الخلاف، لان فيه خلافا، والاقوى عندي أن لا يحنث بما لا يعرفه، لان الاصل براءة الذمة. إذا حلف لا يأكل البيض انطلق على كل بيض يزائل بائضه، وهو بيض الدجاج، و الوز والنعام، والعصافير، والطيور ونحوها، فأما ما عداها مما لا يزايل بايضه حيا وهو بيض الحيتان والجراد فلا يحنث، لان إطلاق الايمان يتعلق بما يقصد ويفرد للاكل وحده دون بايضه كرؤوس النعم وأما مالا يفرد عن اصولها فلا يحنث به كرؤوس العصافير والطيور. إذا حلف لا يأكل لحما فأكل لحم النعم وغيرها من الصيود والطيور، حنث لان اسم اللحم يطلق على هذا كله، فان أكل لحم الحيتان لا يحنث وقال بعضهم يحنث والاول أقوى. إذا حلف لا يشرب سويقا فان صب عليه ماء وشربه حنث، وإن استفه لم يحنث ولو حلف لا يأكل خبزا فان أكله وهو أن يلوكه بفيه ويزدرده حنث، فان ماثه بالماء وشربه كالسويق لم يحنث، لان الاسم الحقيقي لا يتناوله. فاذا تقرر هذا فان حلف لا أكل السويق فذاقه لم يحنث لان الاكل أن يلوكه ويزدرده، والذوق أن يعرف طعمه ازدرده أو لم يزدرده، بلى إن حلف لا ذاقه فأكله حنث، لان الاكل ذوق وزيادة، لانه لا يصح أن يقال كله ولا تذقه، ويقال ذقه ولا تأكله، فلهذا حنث. وإن حلف لا ذاقه فأخذه بفيه ومضغه ورمى به ولم يزدرد شيئا منه قال بعضهم

[ 240 ]

يحنث وهو الاقوى لان الذوق عبارة عن معرفة طعم الشئ وقد عرف طعمه قبل أن يزدرده، وقال بعضهم لا يحنث ما لم يزدرد شيئا منه، لانه لا يقال ذاقه ما لم ينزل شئ منه في حلقه والاول أصح لان بالذوق لا يفطر الصايم وبالازدراد يفطر. إذا حلف لا يأكل سمنا فالسمن ضربان: جامد ومايع، فان كان جامدا نظرت فان أكله على جهته وحده حنث وإن أكله بالخبز حنث أيضا عندنا، وقال بعضهم لا يحنث، لانه ما أكل السمن على جهته، فأما إذا كان مايعا نظرت فان شربه لم يحنث لانه حلف لا يأكل فلا يحنث بشربه، وإن أكله بالخبز حنث عندنا، ومن قال هناك لا يحنث قال هيهنا مثله. فان أكل خبيصا معمولا بالسمن حنث إذا كان السمن ظاهرا فيه، وإن كان مستهلكا فيه لم يحنث وكذلك إذا حلف لا يأكل خلا فأكل مرقة فيها خل فان كان ظاهرا حنث وإن كان مستهلكا لم يحنث. إذا حلف لا يأكل هذه التمرة فوقعت في تمر فأكله كله إلا واحدة نظرت فان تيقن أنه أكل التي حلف عليها حنث، وإن تيقن أنه ما أكلها لم يحنث، وإن أشكل الامر لم يحنث أيضا لان الاصل أنه ما حنث فلا يحنث بالشك وهكذا لو هلكت منه تمرة فأكل ما بقى كله، فان علم أنه أكلها حنث وإن علم أنه ما أكلها وأنها التي هلكت لم يحنث، وإن أشكل الامر لم يحنث أيضا لما مضى. إذا حلف لا يأكل هذه الحنطة أو من هذه الحنطة الباب واحد غير أنا نفرضها فيه إذا قال هذه الحنطة فان أكلها على جهتها حنث وإن غيرها بأن طحنها وجعلها دقيقا أو قلاها فجعلها سويقا فأكل منه لم يحنث عندنا وقال بعضهم يحنث لانه علق الحكم بهذه العين والعين تلك. فأما إذا حلف لا كلمت هذا الصبي فصار شابا وهذا الشاب فصار شيخا فكلمه أو لا أكلت من لحم هذا الحمل فصار كبشا فأكل، أولا أكلت من هذا البسر فصار رطبا فأكل، ففي الكل قال قوم يحنث، وقال آخرون لا يحنث وهو الاقوى عندي. وإن حلف لا يأكل من هذا الدقيق فخبزه وأكل منه لم يحنث، وقال قوم يحنث

[ 241 ]

لان الدقيق هكذا يؤكل، والاول أقوى لان الاصل براءة الذمة. إذا حلف لا يأكل شحما فالشحم هو الذي يكون في الجوف من شحم الكلى أو غيره، فان أكل منه حنث، وإن أكل غيره من كل شئ في الشاة من لحمها الاحمر والابيض و الالية والكبد والطحال والقلب لم يحنث بشئ من هذا لان اسم الشحم لا يقع عليه وقال بعضهم إن أكل من لحم الظهر حنث والاول أقوى عندي وإن حلف لا يأكل لحما نظرت فان أكل من اللحم الاحمر أو من الابيض الذي يكون على الظهر حنث، وإن أكل من القلب لم يحنث لان اسم اللحم لا يقع عليه، ولا يقال لمن أكله أكل لحما، و إن أكل من شحم البطن لم يحنث عندنا، وقال بعضهم يحنث، فان أكل الكبد والطحال لم يحنث، وقال بعضهم يحنث، والاول أقوى، لانها لا يسمى لحما، فان أكل الالية لم يحنث عندنا لما مضى، وقال بعضهم يحنث لانه بمنزلة اللحم. فان حلف لا أكل تمرا فأكل رطبا أو رطبا فأكل بسرا أو بسرا فأكل بلحا، أو بلحا فأكل طلعا لم يحنث، وكذلك لو حلف لا يأكل طلعا فأكل بلحا أو بلحا فأكل بسرا أو بسرا فأكل رطبا أو رطبا فأكل تمرا لم يحنث، لان كل واحد منهما غير صاحبه. فان حلف لا يأكل رطبا فأكل من المصنف وهو ما نصفه رطب ونصفه بسر نظرت فان أكل منه الرطب حنث، وإن أكل منه البسر لم يحنث، وإن أكله على ما هو به حنث لانه قد أكل الرطب، وقال بعضهم لا يحنث والاول أصح عندنا، وهكذا إذا حلف لا يأكل بسرا فأكل المصنف فعلى ما فصلناه. فان حلف لا يأكل زبدا فأكل لبنا لم يحنث، لان الاسم لا يقع عليه وكذلك من حلف لا يأكل دبسا فأكل تمرا أو شيرقا فأكل سمسما لم يحنث أيضا لانه غيره، وكذلك إن حلف لا يأكل تمرا أو سمسما فأكل دبسا أو شيرقا لم يحنث. فان حلف لا يأكل لبنا فأكل سمنا لم يحنث، لانه غيره، وإن أكل زبدا فالزبد لا ينفك من اللبن فينظر فيه، فان كان اللبن مستهلكا فيه لم يحنث، وإن كان قائما فيه حنث، وقال بعضهم إذا حلف لا يأكل اللبن حنث بأكل كل ما عمل منه من زبد

[ 242 ]

وسمن وجبن وغير ذلك، لان الكل لبن، والاول أصح لان الصورة بطلت، و الاسم قد زال. إذا حلف لا كلمت فلانا فسلم عليه وحده، وهو يعرفه، مع ذكره ليمينه حنث لان السلام كلام، وإن كان جاهلا به أو عالما لكنه نسى فلا يحنث عندنا، وقال بعضهم يحنث. فان سلم على جماعة وفلان فيهم ففيه ثلث مسائل: إما أن يقصده بالنية أو يعزله بالنية أو يطلق، فان قصده وأراده مع القوم حنث، وإن عزله بالنية ونوى السلام عليهم دونه لم يحنث عندنا، وقال بعضهم يحنث، وإن أطلق من غير نية فالاقوى أن يقال إنه يحنث لان ظاهر القول العموم، وقال بعضهم لا يحنث، وإن كان جاهلا بأنه في القوم ثم بان فيهم لم يحنث عندنا وقال بعضهم يحنث. إذا حلف لا كلمت زيدا فكتب إليه كتابا أو أرسل رسولا أو أومأ إليه برأسه أو بيده أو بعينه لم يحنث عندنا، وقال بعضهم يحنث. إذا حلف لا رأى منكرا إلا رفعه ففيه ثلاث مسائل إما أن يقول إلا رفعته إلى القاضي أبي فلان أو إلى قاض أو إلى القاضي. فان قال إلى القاضي أبى فلان، فقد عين وسمى، فاذا رأى منكرا نظرت فان رفعه إليه بر، وإن لم يرفعه مع القدرة عليه حتى ماتا أو أحدهما حنث لانه ترك البر مع القدرة عليه حتى فاته، وإن فاته بغير تفريط مثل أن سار ليرفعه فماتا أو أحدهما قبل أن يصل إليه فلا يحنث عندنا، وقال بعضهم يحنث، وكذلك لو حجب عنه أو منع في الطريق مكرها لم يحنث عندنا، وقال بعضهم يحنث، فان عزل القاضي نظرت، فان كانت نيته أن يرفعه إليه وهو قاض فالعزل هيهنا كالموت وقد مضى، وإن لم يكن له نية فهل فات رفعه بعزله؟ قال قوم إنه فات، وهو الاقوى عندي، وقال بعضهم ما فات. الثانية إذا قال إلا رفعته إلى قاض فقد نكر القاضي، فان مات أو عزل لم يحنث لانه يمكنه رفعه إلى غيره، فأي قاض رفعه إليه بر في يمينه، ولا يحنث هيهنا بموت قاض ولا بعزله.

[ 243 ]

الثالثة إذا قال إلى القاضي، قال قوم يرجع هذا إلى قاضي البلد، من كان قاضيه لانه عرفه ولم يعينه، فان كان له قاض رفعه إليه، وإن مات أو عزل لم يفت رفعه لان كل من ولي بعده مكانه فهو قاضي البلد وهذا قريب. إذا حلف ماله مال، وله مال يتمول في العادة حنث، سواء كان زكاتيا كالاثمان والثمار والماشية والزرع، أو كانت غير زكاتية كالعقار والاثاث والبغال والحمير، وهكذا إن قال إن شفى الله مريضي فلله على أن أتصدق بمالي، تناول كل ما يتمول كالاثمان، وقال قوم لا يعلق ذلك إلا بالزكاتية، والاول أقوى عندي، وقد رواه أصحابنا في النذر فيمن نذر أن يتصدق بجميع ماله. فأما إن كان له مال في الذمة نظرت، فان كان حالا حنث لان اسم الملك يقع عليه، وإن كان إلى أجل قال قوم لا يحنث لانه لا مال في ذمته في الآجل وقال قوم وهو الصحيح إنه يحنث لان ذمته مشغولة به بدليل أنه لو أبرأه برئ، وإن كان قبل المحل، فلو لم يكن له لما برئ. إذا حلف ليضربن عبده مائة سوط أو قال مائة فأخذ ضغثا فيه مائة شمراخ فضربه به دفعة واحدة، أو شد مائة سوط فضربه بها دفعة واحده ففيه ثلث مسائل إن علم أنه ما وصل بعضها إلى بدنه لم يبر في يمينه، وإن علم أنها وقعت كلها على بدنه فقد بر في يمينه عندنا، وقال بعضهم لا يعتد له إلا بواحدة. وأما إذا قال ليضربنه مائة مرة فلا يعتد إلا بضربة واحدة بلا خلاف. وإن حلف ليضربنه مائة ضربة قال بعضهم لا يبر حتى يضرب مائة مرة لانه يجرى مجرى قوله مائة مرة، ولهذا قلنا في الرمي بسبع حصيات دفعة واحدة لم يعتد إلا بواحدة، وقال بعضهم يبر بضرب مرة واحدة لان الضربة إيصال ضربة إلى بدنه فاذا وقعت الشماريخ عليه دفعة واحدة فقد أوصل إلى بدنه مائة ضربة وهذا الاقوى عندي. فلا فصل في جميع ذلك بين أن يؤلمه بالضرب أولا يؤلمه، بعد أن يفعل ما يقع عليه اسم الضرب: وهو أن يرفع يده أولا ثم يوقع الضرب به، فأما أذا وضعه على كتفه وضعا

[ 244 ]

فلا يقال له ضرب، وقال بعضهم الضرب ما آلمه به، فاذا لم يؤلمه فليس بضرب، والاول أقوى. الثالثة إذا ضربه دفعة واحدة، ولم يعلم هل وصلت إلى بدنه، لكنه غلب على ظنه أن الكل قد أصابه بر في يمينه، وقال بعضهم لا يبر في يمينه، لانه ما قطع أن الكل وصل إليه، والاصل أنه ما وصل، فلا يحكم بالبر، والاول أقوى لعموم أخبارنا فيه، ولقوله تعالى " وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث " (1) ولم يفصل. إذا حلف لا وهبت له، فالهبة عبارة عن كل عين يملكه إياها تبرعا بغير عوض فان وهب له أو أهدى إليه أو نحله أو أعمره أو تصدق عليه صدقة تطوع حنث بذلك كله، وأبعدها العمرى، وقد سماها رسول الله صلى الله عليه وآله هبة، فقال: العمرى لمن وهبت له وقال بعضهم في صدقة التطوع أنه لا يحنث بها، فان حلف لا أعمرته فتصدق عليه، أو لا أتصدق عليه فأهدى له لم يحنث، لان اليمين تعلقت بنوع فلا يحنث بنوع آخر، كما لو حلف لا أكلت المعقلى فأكل البرنى لم يحنث. فان حلف لا وهبت له فأعاره لم يحنث، لان الهبة تمليك الاعيان، والعارية لا يملك بها العين، فان وقف عليه فمن قال إنه ينتقل إلى الله لا إلى مالك لم يحنث لانه ما ملكه، ومن قال إنه ينتقل إلى الموقوف عليه حنث، والثاني أقوى. فان أوصى له بشئ وقبله لم يحنث لانه سبب تمليك وليس بتمليك. إذا حلف لا ركبت دابة العبد، وللعبد دابة جعلها سيده في رسمه يركبها لم يحنث، وقال بعضهم يحنث لانها تضاف إليه، والاول أقوى لانه الحقيقة والثاني مجاز، فأما إن ملكه سيده الدابة، فمن قال إنه لا يملك لا يحنث، ومن قال يملك حنث لانها ملك العبد والاقوى الاول. فأما إن حلف لا ركبت دابة السيد فركب دابة المكاتب لم يحنث، لان الدابة منقطعة عن السيد لاحق للسيد فيها، والمكاتب هو المتصرف فيها فلا يحنث، بلى إن

(1) ص: 44.

[ 245 ]

حلف لا ركب دابة المكاتب فركب له دابة، قال قوم يحنث وقال آخرون لا يحنث، و الاول أقوى، لانها في حكم ملكه، بدليل أنه هو المتصرف فيها دون سيده، والسيد لا يملك بيعها ولا هبتها ولا التصرف فيها. إذا حلف لا ضربت عبد زيد فوهبه زيدا، أو جنى العبد جناية تعلق أرشها برقبته فضربه حنث، لان العبد ملكه، وإنما تعلق برقبته حق الغير، وهذا لا يخرجه من أن يكون ملكه.

[ 246 ]

[ كتاب النذر (1) ] النذر ضربان نذر تبرر وطاعة، ونذر لجاج وغضب، فالتبرر أن يعلقه باسداء نعمة أو دفع بلية ونقمة، فاسداء النعمة أن يقول إن رزقني الله ولدا أو عبدا فمالي صدقة، وإن رزقني الحج فعلى صوم شهر، ودفع النقمة قوله إن شفى الله مريضي أو خلصني من هذا الكرب، أو دفع عنى شر هذا الظالم فعلي صدقة مالي أو صوم شهر. فاذا وجد شرط نذره لزمه الوفاء به بلا خلاف، لقوله عليه السلام من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه، غير أنا نراعي أن نقول ذلك بلفظ " لله على كذا " لان ما عدا ذلك لا ينعقد به نذر، ولا بخلفه كفارة. وأما نذر اللجاج والغضب فالذي معناه معنى اليمين أن يمنع نفسه به من شئ

(1) كذا في بعض النسخ، مفصولا بين الكتابين، والعنوان مكتوب بالحمرة وذكر في انتهاء الكتاب " تم كتاب النذر ويتلوه كتاب الصيد والذبائح " وفي سائر النسخ التي عندنا، لا يوجد عنوان كتاب النذر، وذكرت في انتهاء الكتاب " هذا آخر كتاب الايمان من كتاب المبسوط ويتلوه في الجزء الرابع كتاب النذور انشاء الله " كما في الطبعة الاولى، ولكن كل النسخ خال من كتاب يعرف بكتاب النذور وتشرع بعده بكتاب الصيد والذبائح. لكن الفروع المذكورة بعد ذلك قد جعلها مع تغيير ما في كتاب الخلاف تتمة لكتاب الايمان، ثم عنون كتاب النذر وبحث عن النذر الابتدائي الذي لا شرط فيه فقط وفيه عشرون مسألة، مع أنه قدس سره قد خلط بين المبحثين: النذر الابتدائي، والنذر مع الشرط في عنوان كتابه التهذيب، والظاهر أن عنوان كتاب النذر هذا هو الصحيح تبعا لكتب الاصحاب، من دون فرق بين النذر الابتدائي والشرطي، والشيخ قدس سره جمع بين المسائل هنا كما فعل في التهذيب. والسر في اختلاط البابين أن الفروع المذكورة في كتاب الايمان والنذور لايتمان على مذهبنا الا إذا علقت باليمين أو النذر، فسواء قال: والله ان شفى الله مريضي اعتق رقبة، أو قال لله على أن اعتق رقبة أن شفى الله مريضي، ولذلك ترى بعض الاصحاب يعنون كتاب الايمان والنذور مجتمعا ولا يفرد لكل واحد بابا ولا كتابا.

[ 247 ]

أو يوجب عليها فعل شئ، فالمنع أن يقول إن دخلت الدار فمالي صدقة أو فعلى صوم شعبان، والايجاب أن يقول إن لم أدخل الدار وإن لم اكلم فلانا فمالي صدقة، أو فعلى صوم سنة. فاذا وجد شرط نذره فما الذي يلزمه؟ اختلف الناس فيها على ستة مذاهب ذكرناها في الخلاف (1) فعندنا أنه متى قال ذلك بلفظ " لله على " فانه يلزمه الوفاء به، وإن خالفه لزمته كفارة النذر على ما نبينه، وقال بعضهم هو بالخيار بين الوفاء بنذره وبين أن يكفر كفارة يمين، وقال بعضهم كفارة يمين لا غير. فاذا تقرر ذلك لم يخل ما تعلقه به من ثلثة أحوال إما أن يعلقه بصدقة مال، أو عبادة غير الحج أو بالعتق والطلاق، أو بالحج، فان علقه بصدقة مال كقوله لله على أن أتصدق بمالي، أو بعبادة غير الحج كقوله فعلى ألف ركعة أو صوم شهر فهو بالخيار عندهم بين الوفاء وبين كفارة يمين، وعندنا يلزمه الوفاء به، فان خالفه لزمته كفارة النذر على ما سنبينه، وإن علقه بالطلاق والعتق فعندنا لا يقعان، وإن حصل الشرط وعندهم يقع. وإن علقه بالحج فقال لله على حجة، عندنا يلزمه الوفاء به، فان عينه في سنة بعينها وخالف وجب عليه كفارة النذر، وانحل النذر، وإن أطلقه لا ينحل ووجب عليه الوفاء به. وعندهم مثل ساير العبادات يكون مخيرا بين الوفاء وكفارة اليمين، وقال بعضهم يلزمه الوفاء به ولا يجزيه الكفارة، لان الحج يجب بالدخول فيه، فلزم الوفاء به، إذا علقه بالنذر، وليس كذلك سائر العبادات عند هذا القائل. * * * إذا حلف لا أستخدم عبدا فخدمه عبد من قبل نفسه لم يحنث، سواء كان عبد نفسه أو عبد غيره، وقال بعضهم إن كان عبد نفسه يحنث والاول أقوى عندي. إن حلف لا يأكل فاكهة، فالفاكهة العنب والرطب والرمان والتين ونحوها

(1) راجع المسألة 93 من كتاب الايمان.

[ 248 ]

وقال بعضهم العنب والرطب والرمان ليس بفاكهة، والاول أقوى عندي، وإنما أفرده الله تعالى ذكره تعظيما له، فان حلف لا يأكل فاكهة فأكل القثاء والخيار لم يحنث لانها من الخضر، فان أكل بطيخا حنث لان له نضجا كنضج الرطب يحلو إذا نضج ويؤكل كالعنب والرطب، فلهذا كانت من الفاكهة. فان حلف لا يشم الريحان انطلق على هذا بالفارسي الذي هو الشاشبرم (1) دون المرزنجوش ونحو ذلك من الورد والياسمين، لان الاسم لا يتناول هذه، فان حلف لا يشم الورد فشم نفس الورد حنث، وإن شم دهن الورد لم يحنث، فان حلف لا يشم. البنفسج فان شم ورده حنث، وإن شم دهنه لا يحنث، وقال بعضهم يحنث لانه يقال لدهنه بنفسج، والاول أقوى لانه الحقيقة وما قالوه مجاز. فان حلف لا ضرب زوجته، فعضها أو خنقها أو نتف شعرها لم يحنث، وقال بعضهم يحنث بكل ذلك، لانه ضرب وزيادة، والاول أصح. إذا قال من بشرني بقدوم زيد فهو حر، وعلى مذهبنا قال فلله على أن اعتقه فان بشره واحد أو جماعة دفعة واحدة وجب عليه أن يعتقهم، وعندهم يعتقون، لان البشارة عبارة عن أول خبر يبشر به، فان بشره بعد الاول غيره لم يلزمه ذلك، لان البشارة قد وقعت فلا تقع به مرة اخرى. فان قال من أخبرني بقدوم زيد فهو حر فان أخبره واحد أو جماعة عتقوا، وإن أخبره بعدهم آخر عتق أيضا، وعندنا إن كان ذلك بلفظ النذر وجب عليه الوفاء به لان الاول والثاني والثالث خبر كله، وليس كذلك البشارة لانها عبارة عن أول خبر يبلغه، فان قال أول من يدخل الدار من عبيدي أحرار، فدخل اثنان معا ودخل ثالث لم يعتق الاثنان، لانه لا أول منهما، ولا الثالث لانه ليس بأول. فان قال أول من يدخلها من عبيدي وحده فهو حر، فدخلها اثنان معا وثالث بعدهما عتق الثالث وحده، لانه أول داخل وحده، وقد روى في أحاديثنا أن الاثنين يعتقان لانهم رووا أنه إذا قال القايل أول ما تلده الجارية فهو حر فولدت توأما اثنين

(1) معرب شاه اسپرغم نوع من الريحان.

[ 249 ]

أنهما يعتقان وإن كنا نراعي في جميع ذلك لفظ النذر. فان قال أول من يدخلها حر فدخلها واحد، وما دخل بعده غيره فانه يعتق لانه ما دخل قبله غيره، فهو الاول، وقال بعضهم لا يعتق لانه لا أول إذا لم يدخل بعده غيره، والاول أصح. فان قال: آخر من يدخل الدار حر عتق آخر من دخلها قبل وفاته لانه لا يعلم الآخر قبل وفاته إلا بموته لان إطلاق الصفة يقتضي وجودها حال الحيوة، فكأنه قال آخر من دخلها في حياتي حر اقتضى هذا كذلك [ إذا أطلق ]. فان حلف لا يأكل أدما فان أكل الخبز بالملح حنث لانه هو الادم، فان أكل لحما مشويا أو مطبوخا أو أكل الجبن حنث وقال بعضهم لا يحنث، وقال بعضهم الادم ما يصطبغ به، والاول أقوى عندي. إذا حلف لا دخل بيتا فان دخل الكعبة أو المسجد أو البيعة أو الكنيسة لم يحنث عند قوم، لان البيت إذا اطلق يتناول ما بني للايواء والسكنى، وكل هذا بني للعبادة والصلوة، وعلى هذا إذا دخل الحمام لم يحنث لانه يبنى للاغتسال والتنظيف فان دخل دهليز دار لم يحنث، لانه بني للدخول منه إلى الدار والاستطراق، لا للايواء والسكنى فلم يحنث. فان دخل بيتا في جوف الدار حنث لانه بني للايواء والسكنى، فان دخل صفة في الدار لم يحنث، وقال بعضهم يحنث، والاول أقوى لان الصفة لا تسمى بيتا. إذا حلف لا صلى لا يحنث عندنا، وإن صلى، وعندهم لا يحنث حتى يكبر ويقرأ ويركع، وقال بعضهم حتى يسجد، وقال قوم إذا أحرم بها حنث قرأ أو لم يقرء ركع أو لم يركع، لانه يقال لمن أحرم بالصلوة هو مصل، وقوله صليت غير قوله اصلي، لان اصلي عبارة عن كل الصلوة، وصليت عبارة عن التلبس بها، فهو كالاكل لانه إذا قال لا أكلت حنث بأول لقمة. إن قال لعبده إن لم أحج العام فأنت حر، وعلى مذهبنا قال لله على أن اعتقك فمضى وقت الحج ثم اختلفا فقال السيد قد حججت العام، وقال العبد ما حججت فأقام

[ 250 ]

العبد البينة أن مولاه نحر يوم الاضحى بالكوفة، قال بعضهم عتق العبد وقال بعضهم لا يعتق، والاول أصح عندنا، لانه إذا ثبت أنه كان يوم النحر بالكوفة بطل أن يكون يوم عرفة بمكة. إن حلف لا يتكلم فقرأ لم يحنث، سواء كان في الصلوة أو غيرها، وقال بعضهم إن قرأ في الصلوة لم يحنث، وإن قرء في غيرها حنث، والاول أقوى، لانه لو كان كلاما خارج الصلوة لكان كلاما داخل الصلوة. فان حلف لا كلمت عبد زيد، فان كلمه وهو لزيد حنث وإن كلمه بعد زوال ملكه عنه لم يحنث وكذلك زوجة زيد كعبد زيد إن كلمها وهي زوجته حنث وإن كلمها بعد طلاقها لم يحنث، لانه ما كلم عبد زيد ولا زوجته. فان كانت بحالها فحلف لا كلمت زوجة زيد هذه، فطلقها ثم كلمها حنث، وكذلك إذا كلم عبد زيد بعد أن باعه حنث وقال بعضهم في الزوجة مثل الاول، وخالف في العبد والاول أقوى، ولو قلنا في الموضعين لا يحنث كان قويا. إذا حلف لا وهبت عبدي هذا، أو قال له إن وهبتك فأنت حر وجعله نذرا عندنا فان وهبه من رجل حنث بوجود الايجاب، قبل الموهوب له، أو لم يقبل عند قوم، و قال آخرون - وهو الاقوى - إنه لا يحنث حتى يحصل القبول، لان الهبة عبارة عن الايجاب والقبول معا كالبيع بدليل أنه لو حلف لا بعت لم يحنث بالايجاب فالهبة مثله والاول أيضا قوى. إذا قال إن شفى الله مريضي فلله على أن أمشي إلى بيت الله الحرام، انعقد نذره فاذا وجد شرطه لزمه أن يمشى إليه حاجا أو معتمرا لانه المشى إليه شرعا لا يكون إلا لاحد هذين، فانعقد نذره بما هو من موجب الشرع، فأما إن قال إن شفى الله مريضي فلله على أن أمضى إلى بيت الله الحرام، فهو كقوله أن أمشى، وقال بعضهم لا ينعقد نذره، ولا يلزمه شئ، ومتى خرج راكبا وقد نذر المشي مع القدرة لزمه دم لانه ترك المشي، وروى أصحابنا أنه يعيد الحج ويمشي ما ركب. ورووا مثل الاول وإن قال أذهب أو أمضى، فعلى أي وجه ذهب ماشيا أو راكبا جاز.

[ 251 ]

إذا قال كل جارية تسريت بها فهي حرة، نظرت، فان لم يكن له جارية لم يتعلق به حكم، فان ملك جارية بعد هذا فتسري بها لم يحنث بلا خلاف بيننا وبين جماعة، لانه عقد اليمين قبل وجود الملك، وإن كانت له جارية فتسري بها حنث، لان العقد والصفة وجدا معا في ملكه كالطلاق. فاذا ثبت أنه يحنث فالكلام في التسري ما هو؟ قال قوم التسري الوطي أو التخدير أنزل أو لم ينزل، لان الجارية ضربان سرية وخادمة، فاذا خدرها ووطئ فقد تسرى وترك الاستخدام، وقال آخرون التسري مجرد الوطي أنزل أو لم ينزل، حصنها و خدرها أو لم يحصنها، لان السيد إذا جامع فقد تسرى، وقال آخرون إذا جامع وأنزل فقد تسرى سواء حصنها أو لم يحصنها، وهذا هو الاقوى، وبعده الاول. واختلف في اشتقاق التسري، منهم من قال من السرور ومنهم من قال من السر والسر الجماع، ومنهم من قال من السرا وهو الظهر، فكأنها مركوبة على ظهرها. إذا كان له عبدان فقال إذا جاء غد فأحدكما حر، فان جاء غد وهما في ملكه [ لم يعتق، وقيل: (1) ] عتق أحدهما لا بعينه، كقوله أحدكما حر، وقيل له عين المعتق منهما، فاذا عينه عتق ورق الآخر، وكذلك الطلاق، وكذلك إن باع أحدهما اليوم وجاء غدو الآخر وحده في ملكه لم يعتق، وقال بعضهم يعتق. وإذا قال لعبده وعبد غيره: أحدكما حر لم يعتق عبده بلا خلاف، وعلى هذا لو قال لزوجته وزوجة غيره إحداكما طالق لم يطلق زوجته. فان كانت بحالها فباع أحدهما اليوم ثم اشتراه ثم جاء غدوهما في ملكه، فمن قال يعود حكم اليمين قال كالمسألة الاولى، ومن قال لا يعود حكمها قال هو كالثانية فان كانت بحالها فباع نصف عبد فجاء غد وعنده عبد ونصف، كان له فرض العتق في أيهما شاء منهما. فان فرض العتق في الكامل عتق واستقر الرق في النصف، وإن عين العتق في النصف عتق، واستقر الرق في الكامل فاذا عتق النصف نظرت، فان كان موسرا قوم عليه

(1) هذا هو الظاهر الموافق لنسخة الخلاف وهي المسألة الاخيرة من كتاب الايمان.

[ 252 ]

نصيب شريكه وإن كان معسرا استقر الرق في النصف. فان قال إذا جاء غد وأحدكما في ملكي فهو حر فباع أحدهما أو مات، ثم جاء غد، عتق الباقي منهما، لان أحدهما في ملكه، ولو جاء غد ونصف أحدهما في ملكه لم يعتق النصف، لان نصف أحدهما في ملكه، فلم توجد الصفة كما لو قال إذا جاء غد وأنت في ملكي فأنت حر فجاء غد ونصفه في ملكه لم يعتق، لان الصفة لم توجد بوجود بعضه. إذا قال: يا طالق أنت طالق ثلاثا إنشاء الله وقع الطلاق بقوله يا طالق عندنا إذا نوى ذلك، وعندهم بلا نية، وعاد الاستثناء إلى قوله أنت طالق ثلاثا، وهكذا لو قال أنت طالق ثلاثا يا طالق إن شاء الله طلقت واحدة عندنا، وعندهم عاد الاستثناء إلى قوله أنت طالق ثلاثا، وقال بعضهم إن قدم قوله يا طالق فكما مضى، وإن أخر قوله يا طالق عاد الاستثناء إليهما. والاول أقوى، لان قوله يا طالق اسم، وأنت طالق إيقاع فوجب أن يعود الاستثناء إلى الايقاع لا إلى الاسماء كما لو قدم الاسم فقال يا طالق أنت طالق ثلاثا إنشاء الله. إذا قال لزوجته إن دخلت الدار أنت طالق ظاهره الشرط والجزاء، وهو تعليق طلاقها بصفة، فيكون معناه إن دخلت الدار فأنت طالق، فان قال نويت إيقاع الطلاق في الحال، وألغيت قولي إن دخلت الدار، كان على ما نواه، وقال بعضهم بل ظاهره إيقاع في الحال، فان نوى به تعليق طلاقها بصفة بمعنى إن دخلت الدار، فأنت طالق قبل منه. قال الاول: وهذا غلط لان قوله إن دخلت الدار وحده شرط يقتضي الجزاء و إذا قال أنت طالق كان في الظاهر جوابا لانك إذا جعلت أنت طالق جوابا وجزاء لم يلغ قوله إن دخلت الدار، وإن جعلت إيقاعا في الحال ألغيت قوله إن دخلت الدار. والذي يقتضيه مذهبنا أن يرجع إليه فان قال نويت الايقاع في الحال قبل منه وإن قال أردت تعليق الطلاق بشرط كان باطلا لا حكم له.

[ 253 ]

وإذا قال إن دخلت الدار وأنت طالق، فانه يحتمل ثلاثة معاني أحدها أنهما شرطان يقتضيان جوابا فكأنه أراد إن دخلت وأنت طالق فعبدي حر كقوله إن دخلت الدار وأنت طاهر أو وأنت حايض يقتضيان جوابا كذلك هيهنا. الثاني معناه فأنت طالق لكنه أقام الواو مقام الفاء، فإن حروف العطف يخلف بعضها بعضا، ويحتمل إيقاعا في الحال ويلغى إن دخلت الدار، وقال بعضهم ظاهره إيقاع كله في الحال، والذي نقوله مثل ما بيناه في المسألة الاولى سواء. ومن قال بالاول قال رجع إليه: فان قال أردت الاحتمال الاول أن والثاني فالقول قوله مع يمينه، لانه يحتمل غيره، وإن قال أردت الثالث قبل بغير يمين، لانه قد أوقع طلاقا في الحال. هذا إذا أقر فان امتنع من التفسير، قيل لها ما الذي أراد؟ فان قالت الاحتمال الاول قلنا فلا فائدة لك، لانه علق طلاق غيرك بصفة هي دخولك الدار وأنت طالق فالخطاب مع غيرك لا معك، وإن ادعت الاحتمال الثاني أو الثالث، فالقول قوله مع يمينه، لانه يحتمل غيرهما، فان حلف برئ، وإن لم يحلف رددنا اليمين عليها فتحلف ويحكم لها بما حلفت عليه. ومتى قال وإن دخلت الدار فأنت طالق احتمل أمرين أحدهما عطفا على كلام ماض، فكأنها خالفته في حال وقالت لا تطلقني فاني أدخل الدار، فقال وإن دخلت الدار فأنت طالق، فيكون تعليق طلاقها بصفة، ويحتمل إيقاعا في الحال، وقال بعضهم إيقاع في الحال على كل حال بغير يمين، فمن قال محتمل فلا يحمل على أحدهما بغير قرينة. فاذا ثبت هذا فان قال أردت الاحتمال الاول، فالقول قوله مع يمينه وإن قال أردت الثاني فالقول قوله بغير يمين، والذي نقوله أن يقبل قوله على كل حال بغير يمين فان قال أردت الايقاع في الحال قبلنا منه، وإن قال أردت تعليقه بصفة قبلنا قوله ولا حكم له. إذا قال أنت طالق وإن دخلت الدار، فهذا إيقاع في الحال لا يحتمل سواه يوجب حمله عليه، لانه أوقع الطلاق دخلت الدار أو لم تدخل، فلا يتعلق بذكر الدار حكم

[ 254 ]

فان قال أردت الشرط والجزاء قبل منه فيما بينه وبين الله، ولم يقبل في الحكم عند المخالف. وعندنا أن القول قوله مثل المسائل الاول ولا يمين عليه إلا أن تكون التطليقة ثالثة، فيجب عليه حينئذ اليمين أنه ما أراد الايقاع في الحال. وإنما قلنا ذلك لانه لو قال أردت الشرط لكان لا حكم له فتبقى على الزوجية وظاهره الايقاع، ولا يمكننا أن نقول ما نقوله في الثانية والاولة لانه إذا أنكر الايقاع كان عندنا رجعة قبلنا قوله فيه بغير يمين، وقد بطلت ههنا الرجعة. * * * قد مضى الكلام في مسائل الايمان ونذكر هيهنا تفصيلا يشتمل على بيان ما مضى منها. وجملته إذا علق يمينه باسم لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون باسم خاص أو عام فان كان خاصا نظرت، فان كان حقيقة فيه لا مجاز له في غيره تعلق بالحقيقة ولم يتعلق بغيرها، وإن قصد الغير ونواه وأراده كقوله لا شربت لك ماء من عطش، هذا حقيقة غير مجاز في الشراب ومجاز في الطعام، وفي الناس من قال حقيقة فيها والاول أوضح. فاما إن علقها بالعموم حملت على العموم إلا أن يدخلها التخصيص، ويكون ذلك بأحد ثلاثة أشياء نية أو عرف قائم في الاسم أو عرف الشرع. فالنية إذا علقها بعموم الاعيان كقوله لا كلمت أحدا تعلق بكل أحد فان قال نويت إلا زيدا كان على ما نوى أو يعلقها بعموم الزمان فحلف لا كلمت زيدا أبدا اقتضى أبد الدهر. فان قال نويت شهرا أو نويت ما لم يدخل الدار صح، لان دخول التخصيص في مثل هذا صحيح، وفي هذا المعنى إذا علقها باسم خاص لشئ حقيقة فيه، وقد استعمل في غيره مجازا كقوله لا دخلت دار زيد، ومجازه دار يسكنها زيد باجرة، فاذا نوى المجاز قبل منه كما يعدل بالحقيقة إلى المجاز بدليل.

[ 255 ]

فاذا ثبت أنها يخص بالنية نظرت، فان كان يمينا بالله قبلنا منه في الحكم و فيما بينه وبين الله، لانه أعرف بما نواه، وإن كانت بالعتق أو بالطلاق لم ينعقد عندنا أصلا وعندهم يقبل فيما بينه وبين الله دون الحكم، لانه يدعي خلاف الظاهر. وأما التخصيص بالعرف القائم في الاسم كقوله لا أكلت البيض، حقيقة هذا كل بيض سواء زايل بائضه وهو حى، كبيض الدجاج والنعام والاوز والعصافير، أو لا يزايل بائضه وهو حي، كبيض السمك والجراد، والبيض الموجود في جوفه يطبخ ويشوى معها، غير أنا نحمله على ما يزايل بايضه حيا بالعرف القائم في الاسم، ألا تراه إذا قال أكلت البيض لم يفهم منه بيض السمك والجراد، وكذلك إذا حلف لا أكلت الرؤس فهذا حقيقته كل رأس وحملناه على النعم بالعرف القائم في الاسم. وأما ما يخص بعرف الشرع فكلما كان له اسم في اللغة ونقل في الشرع إلى غير ما وضع له في اللغة، حمل إطلاقه على الشرعي كالصيام هو في اللغة عام في الامساك عن كل شئ وهو في الشرع إمساك لشئ مخصوص، فحملنا المطلق على الشرعي وفي هذا المعنى الصلوة في اللغة دعاء وفي الشرع لهذه الافعال فانطلقت على الشرعية، و كذلك الحج القصد وفي الشرع لهذه الافعال، فحملنا المطلق على عرف الشرع. وإذا حلف لا كلمت الناس، [ فهو ] ظ عام في كل أحد، فان كلم واحدا حنث لانه بالجنس.

[ 256 ]

* (كتاب) * * (الصيد والذباح) * قال الله تعالى " احل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " (1) فأباح صيد البحر مطلقا لكل واحد وأباح صيد البر إلا في حال الاحرام، وقال تعالى " أحلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم " (2) وقال تعالى " وإذا حللتم فاصطادوا " (3) وقال " يسئلونك ماذا احل لهم قل احل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين " إلى قوله " فكلوا مما أمسكن عليكم (4) ". وهذه أبين آية في كتاب الله تعالى في الاصطياد وأكل الصيد، لانها أفادت جواز تعليم الجوارح للاصطياد، وأكل ما يصيد ويقتل، إذا كان معلما، لانه لو لم يقتل لما جاز أكله حتى يذكى معلما كان أو غير معلم. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله قال من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط، فلما حرم اقتناء الكلب إلا ما كان للصيد، دل على جواز الصيد وأيضا عليه إجماع الامة. فاما ما يجوز الاصطياد به فلا يجوز الاصطياد بشئ من الجوارح إلا الكلب المعلم فقط دون ما عداه، سواء كان من جوارح السباع أو جوارح الطير، وقال المخالف كل ما أمكن تعليمه للصيد جاز أن يصطاد به إذا تعلم، سواء كان من جوارح الطير كالصقر والبازي والباشق والعقاب أو من سباع البهائم كالكلب والفهد والنمر، وقال بعض من تقدم مثل ما قلناه.

(1) المائدة: 96.
(2) المائدة: 1.
(3) المائدة: 2.
(4) المائدة: 4.

[ 257 ]

وإذا أرسل شيئا منها على صيد لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون معلما أو غير معلم، فان كان معلما نظرت، فان لم يقتل وأدركه وفيه حياة مستقرة لم يحل حتى يذكيه، وإن قتله حل أكله عندهم على كل حال، وعندنا إذا قتله الكلب المعلم فقط، فأما إذا كان غيره قتله فلا يحل بحال. وإن كان غير معلم فان أدركه وفيه حياة مستقرة لم يحل حتى يذكيه، فان وجده وقد قتله لم يحل أكله بلا خلاف. وأما إذا استرسل بنفسه، فان وجده وفيه حياة مستقرة لم يحل حتى يذكيه معلما كان أو غير معلم، وإن قتله فلا يحل أيضا، فكأنه إنما يحل في موضع واحد، و هو إذا أرسله فقتله وهو معلم لدليل الآية وروى أبو ثعلبة الخشني قال قلت يا رسول الله إنى أصيد بكلبي المعلم، وبكلبي الذي ليس بمعلم، فقال صلى الله عليه وآله: ما أخذت بكلبك المعلم فاذكر اسم الله تعالى عليه وكله، وما أخذت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكله. والكلب إنما يكون معلما بثلاث شرايط أحدها إذا أرسله استرسل وإذا زجره انزجر، وإذا أمسك لم يأكل، ويتكرر هذا منه مرة بعد اخرى حتى يقال في العادة إنه معلم، وقال بعضهم إذا فعل ذلك مرتين فقد صار معلما والاول أحوط. إذا أرسل كلبا غير معلم فأخذ وقتل ولم يأخذ منه شيئا فهو مباح، وعند المخالف حكم سائر الجوارح مثل ذلك، وإن أكل منه الكلب، فان كان شاذا نادرا جاز أكله وإن كان معتادا للاكل لم يجز عندنا، وعندهم متى كان سبعا من البهائم فأخذ وقتل وأكل واتصل أكله بالقتل قال بعضهم لم يحل، وقال آخرون يحل، ولم يفصلوا، وما قتل قبل هذا ولم يأكل منه شيئا فهو مباح عندنا وعند جماعة وفيه خلاف. وحكم جوارح الطير حكم سباع البهائم سواء عند بعضهم لا يجوز وقال آخرون يجوز أكل ما أكل منه بكل حال، وعندنا لا يجوز أكل ما قتله بحال، وإن لم يأكله. فمن فصل بين سباع الطير والبهائم قال لان البهائم تعلم على ترك الاكل والطير يعلم على الاكل فلهذا جاز أكل ما أكل منه، وهذا لا يحتاج إليه أصلا على ما بيناه.

[ 258 ]

وقال بعضهم لو اصطادت سباع البهايم ثلاثين سنة كان مباحا فاذا أكلت بعد هذا مرة واحدة حرم أكل ما اصطاده طول عمره وعندنا لا يحرم ذلك ما لم يأكل منه. فاذا تقرر أنه لا يحرم ذلك ما لم يأكل منه، فان جرحه وشرب دمه لم يحرم أكله بلا خلاف إلا بعض من تقدم، فانه قال لا تحل. التسمية عند إرسال السهم بذكر الله وعند أرسال السلاح والجارح واجب عندنا وعند بعضهم، وقال قوم هو مستحب غير واجب. إذا أرسل المسلم آلته على صيد وأرسل المجوسي آلته أيضا على ذلك الصيد مثل أن أرسلا كلبين أو سهمين أو أحدهما كلبا والآخر سهما فأصاباه وقتلاه حرم أكله بلا خلاف، ولا فصل بين أن يقع السهمان دفعة واحدة أو واحد بعد واحد إذا كان القتل منهما. فأما إن صيره الاول في حكم المذبوح، ثم رماه الآخر مثل أن قطع الاول الحلقوم والمرئ والودجين ثم رماه الآخر فالاول ذابح، والآخر جارح، فيكون الحكم للاول، فان كان الاول مجوسيا والثاني مسلما لم يحل أكله وإن كان الاول مسلما والثاني مجوسيا حل أكله لان الحكم للاول. فأما إن أرسلا معا فوجدا الصيد قتيلا ولم يعلم أي الكلبين قتله حرم أكله فان أرسلا معا كلبا واحدا فقتل حرم أكله. وإن كان مع مسلم كلبان فأرسلهما وإحدهما معلم والآخر غير معلم، لم يحل أكله. وإن كان معه كلبان أرسل أحدهما ولم يرسل الآخر واسترسل الآخر بنفسه حرم أكل ما قتلاه. فان أرسل مسلم كلبه ومجوسي كلبه، فأدركه كلب المجوسي فرده إلى كلب المسلم فقتله كلب المسلم وحده حل أكله وقال بعضهم لا يحل والاول أصح عندنا. فان غصب رجل آلة فاصطاد بها كالسهم أو الكلب كان الصيد للصياد دون صاحب الآلة، وعلى الغاصب اجرة المثل في تلك الآلة إن كان غير الكلب في المدة التي بقيت

[ 259 ]

عنده فان كانت كلبا فلا اجرة له عند بعضهم، لان منفعة الكلب مباحة غير مملوكة، يقوى في نفسي أنه يلزمه ذلك لان كلب الصيد مملوك عندنا. فان اصطاد بالكلب صيدا فعضه الكلب وجرح موضعا منه، كان موضع العضة نجسا وقال قوم لا يجب غسله لقوله تعالى " فكلوا مما أمسكن عليكم " ولم يأمر بالغسل وقال قوم يجب غسله لانه نجسه والاول أقوى والثاني أحوط. إذا أرسل إليه من سلاح أو جارحة أو كلب على صيد فغاب الصيد والكلب معا [ ففيه أربع مسائل: إحداها أن يغيب الصيد والكلب معا ] ظ قبل أن يعقره الكلب فوجده قتيلا وليس الكلب عليه لم يحل أكله، لانه لا يدري كيف هلك. الثانية غاب الصيد والكلب معا قبل أن يعقره فوجده ميتا والكلب عليه فلا يحل أكله أيضا لما مضى غير أن هذا أظهر، والحكم فيهما سواء. الثالثة عقره قبل أن يغيب عنه عقرا صيره في حكم المذبوح مثل أن قطع حلقومه ومريه أو أبان حشوته أو شق قلبه، ثم تحامل على نفسه فغاب فوجده ميتا حل أكله لانه غاب بعد أن حصل مذكى. الرابعة عقره الكلب قبل أن يغيب عنه عقرا لم يصيره في حكم المذبوح ثم غاب عنه فوجده ميتا قال بعضهم يحل أكله، وقال آخرون لا يحل، وهو الاقوى عندنا. إذا أرسل إليه كلبا أو سلاحا فعقره الصيد ثم أدركه وفيه حياة مستقرة ففيه ثلاث مسائل: إحداها أن يكون العقر قد صيره في حكم المذبوح مثل أن أبان حشوته أو قطع الحلقوم والمري أو أصابه في مقتل كالقلب وكانت الحيوة غير مستقرة والحركة حركة المذبوح حل أكله: ذبحه بعد هذا أو لم يذبحه لان هذا العقر ذكاته، وإن أمر السكين على حلقه فذبحه كان أحوط، وإن لم يفعل أجزأه هذا العقر. وهكذا لو ذبح دجاجة فجعلت تعدو فانه إذا ترك ذبحها بعد هذا لم يضره وحل أكلها لانها حياة غير مستقرة وهكذا لو شق ذئب بطن شاة فأبان حشوتها فأدركها صاحبها لم يحل أكلها ذبحها أو لم يذبحها، لانه أدركها مقتولة، لان الحيوة فيها غير مستقرة، فلم يؤثر فيها الذبح، وهكذا لو جرح رجلا فأبان حشوته ثم جاء آخر

[ 260 ]

فقتله وفيه حيوة فالاول قاتل والثاني لا شئ عليه، لان حركته حركة المذبوح. الثانية كان العقر عقرا لم يصيره في حكم المذبوح، بل وجده وفيه حياة مستقرة يعيش اليوم ونصف اليوم وكان الزمان متسعا لذكاته لم يحل سواء ترك الذكاة عامدا أو لعدم الآلة التي يذبح بها. الثالثة أدركه وفيه حياة مستقرة لكنه في زمان لم يتسع لذبحه، فانه يحل أكله، وهكذا لو أدركه ممتنعا فجعل يعدو خلفه فوقف له، وقد بقى من حيوته زمان لا يتسع لذبحه حل أكله وإن لم يذبحه وقال بعضهم لا يحل أكله، والاول أقوى. وقال أصحابنا إن أقل ما يلحق معه الذكاة أن يجده تطرف عينه أو تركض رجله أو يحرك ذنبه، فانه إذا وجده كذلك ولم يذكه لم يحل أكله، وهذا ينبغي أن يكون محمولا على أنه إذا كان الزمان يتسع لتذكيته. إذا أرسل كلبه على صيد بعينه فقتل غيره جاز أكله إذا سمى عند إرساله، وقال بعضهم لا يحل أكله، والاول أقوى عندنا. وإما إن أرسل كلبه على صيود كبار فتفرقت عن صغار فقتل الكلب الصغار حل أكله بلا خلاف. فأما إن عدلت آلته عن سمتها فقتلت نظرت، فان كانت الآلة سلاحا حربة أو نشابة حل أكله، وإن كانت آلته كلبا قال بعضهم لا يحل، وقال آخرون يحل أكله وهو الاقوى عندنا، لان قصد الكلب أن يصطاد ما هو أهون عليه وأقرب. إذا أرسل آلته وهو لا يرى شيئا فأصابت صيدا فقتله نظرت، فان كانت آلته كلبا أو فهدا أو صقرا لم يحل أكله، لانه أرسله لا على صيد، فاذا قتل صيدا فقد قتل بغير إرسال على صيد، كما لو استرسل بنفسه. وإن كانت الآلة سلاحا: حربة أو سهما فأصاب صيدا فقتله مثل أن كان يرمي في الغرض فأصاب في طريقه صيدا أو أرسله إلى فوق فوقع على صيد قال بعضهم يحل أكله وقال آخرون لا يحل، وهو الاقوى عندنا لانه ما قصد شيئا بعينه، كما لو نصب سكينا

[ 261 ]

فانذبحت بها شاة لم يحل أكلها وعلى مذهبنا خاصة التسمية مراعاة وذلك لا يصح مع ارتفاع القصد. إذا استرسل الكلب بنفسه من غير أرسال صاحبه وقتله لم يحل أكله بلا خلاف إلا الاصم فانه قال: يحل أكله. إذا استرسل بنفسه فصاح به صاحبه فوقف ثم أرسل فاسترسل فأخذ وقتل حل أكله بلا خلاف، لانه لما وقف قطع قصده وفعله، وزال حكم الاسترسال. وإذا استرسل بنفسه ثم رآه صاحبه قاصدا نحو الصيد فأضراه وأغراه فازداد عدوه وحقق قصده، وصار عدوه أسرع من الاول، لم يحل أكله عندنا، وقال بعضهم يحل. إذا أرسل سهمه في ريح عاصفة في نحو الصيد فأطارت الريح السهم فوقع في الصيد فقتله، ولو لا الريح ما وصل إليه حل أكله لان الارسال الاول له حكم الاباحة فلا تغير الريح حكمه لانه لا يمكن الاحتراز منه، فأما إن وقع السهم على الارض ثم وثب فأصاب الصيد فقتله قال قوم يحل لان الحكم للاول، والثاني لا يحل لان وقوعه على الارض ووثوبه عنها بقوته والاول أصح عندنا. إذا رمى صيدا [ فعقره فيه خمس مسائل: إحداها عقره ] ظ فقطعه بنصفين فيه ثلاث مسائل إحداها إن قطعه باثنين نصفين حل أكل الكل بلا خلاف، وإن كان الذي مع الرأس أكثر حل أكل الكل عند قوم، وقال بعضهم حل ما مع الرأس دون ما عداه وهو مذهبنا. الثانية عقره ولم يبن منه شيئا فمات قبل أن يدركه حل أكله. الثالثة أبان بعضه وكان الباقي على الامتناع فرماه ثانيا فقتله حل أكله دون ما بان منه بالاول. الرابعة أبان بعضه فأدركه وفيه حيوة مستقرة فذكاه أو تركه حتى مات لم يحل أكل ما بان منه، الخامسة عقره فأثبته وقد أبان بعضه، ثم رماه فقتله لم يحل أكل شئ منه لان الذي مع الرأس غير ممتنع فلا يكون عقره ذكاته، والباين بذلك العقر لما لم يحل به ما بقى مع الرأس فكذلك ما بقى. إذا اصطاد مجوسي بكلب علمه مسلم لم يحل أكله لانه إرسال مجوسي، والاعتبار

[ 262 ]

بالمرسل، وإن علمه مجوسي فاستعاره المسلم أو غصبه فاصطاد به حل أكله، وقال بعضهم لا يحل وهو الاقوى عندي. إذا كان المرسل كتابيا لم يحل أكله عندنا وعندهم يحل، وإن كان مجوسيا أو وثنيا لم يحل بلا خلاف، وإن كان أحد أبويه مجوسيا والآخر كتابيا نظرت فإن كان الاب مجوسيا لم يحل أكله وإن كان الام مجوسية فعلى قولين، وقال بعضهم يحل بكل حال، وعندنا لا يحل على كل حال، سواء كان الاب مجوسيا أو الام، لانهما لو كانا كتابيين لم يحل. الاحبولة شئ ينصب للصيد يتعلق به من حبل أو شبكة أو شرك ونحو هذا فاذا وقع فيه فقتله لم يحل أكله سواء كان فيها سلاح فجرحه وقتله أو لم يكن فيها سلاح بلا خلاف. الحيوانات في باب الذكاة ضربان مقدور عليه، وغير مقدور عليه، فالمقدور عليه مثل الانسي كله الابل والبقر والغنم، وكذلك الوحشي إذا تأنس كبقر الوحش وحمار الوحش والظبى والغزلان، وكذلك ما كان من الصيود ممتنعا فوجدته نائما أو رميته فأثبته فوجدته وفيه حياة مستقرة، كل هذا مقدور عليه وذكاته في الحلق واللبة، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: الذكاة في اللبة والحلق. وأما غير المقدور عليه، فعلى ضربين: وحشي وإنسي، فان كان وحشيا وهو كل صيد ممتنع من بهيمة أو طائر فعقره في أي موضع عقرته ذكاته بلا خلاف لخبر يحيى بن عدى. الضرب الثاني من غير المقدور عليه وهو الانسي إذا توحش كالابل والبقر والغنم إذا لم يقدر على شئ من هذا، وصار كالصيد الممتنع فعقره ذكاته كالصيد الممتنع، سواء وهكذا ما تردى في بئر فلم يقدر على الحلق واللبة، فان عقره ذكاته. وجملته متى لم يقدر على ذكاته كان عقره ذكاته، وبهذا قال أكثر أهل العلم وفيه خلاف شاذ.

[ 263 ]

* (فصل) * * (فيما يجوز الذكاة به وما لا يجوز) * كل محدد يتأتى الذبح به ينظر فيه، فان كان من حديد أو صفر أو خشب أو ليطة وهو القصب أو مروة وهي الحجارة الحادة حلت الذكاة بكل هذا إلا ما كان من سن أو ظفر، فانه لا يحل الذكاة بواحد منهما، فان خالف وفعل به لم يحل أكلهما سواء كان متصلا أو منفصلا، وقال بعضهم في السن والظفر المنفصلين إن خالف وفعل حل أكله، وإن كان متصلا لم يحل، والاول مذهبنا غير انه لا يجوز عندنا أن يعدل عن الحديد إلى غيره مع القدرة عليه. إذا توالى على الصيد رميان من اثنين أحدهما بعد الآخر لم يخل الاول من ثلاثة أحوال إما أن لا يحطه عن الامتناع، أو يحطه عنه ويصيره في حكم المذبوح أو يحطه عنه ولا يصيره في حكم المذبوح. فان لم يحط الاول عن الامتناع مثل أن جرحه وهو على الامتناع ثم رماه الثاني فقتله ملكه وحل أكله، لان العقر الاول ما غير له حكم ملك. وإن رماه الاول فصيره في حكم المذبوح، مثل أن قطع الحلقوم والمرئ، أو وقع السهم في ثغرة النحر أو أصابه في مقتل كالقلب والخاصرة فقد ملكه، وحل أكله فإذا رماه الثاني فقد جنى على ملك غيره، ولم يغير له حكما، فيكون عليه ضمان ما نقص إن كان العقر الثاني أفسد لحما أو شق جلدا كرجل ذبح شاة ثم جاء آخر فجرحها فلا ضمان عليه، إلا أن يكون أفسد بالجرح. فان رماه الاول فأثبته ولم يصيره في حكم المذبوح بل بقيت فيه الحياة مستقرة مثل أن كسر ساقه إن كان يمتنع برجله كالظبي أو جناحه إن كان يمتنع به كالحمام، أو رجله وجناحه إن كان يمتنع بهما كالقبج والدراج، والحيوة مستقرة فيه، فقد ملكه لما روى أن النبي صلى الله عليه وآله مر بطير حاقف أي مثخن بالجرح فهم أصحابه به فقال

[ 264 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله دعوه حتى يجيئ صاحبه، فأثبت له بالاثخان صاحبا ومنع أصحابه منه ثبت أنه كان ملكه به. فاذا ثبت ملك الاول فاذا رماه الثاني لم يخل من أحد أمرين إما أن يوجئه أولا يوجئه فان وجأه نظرت، فان كان أصابه في الحلق حل أكله، لانه مقدور عليه وعليه ما نقص بالذبح كرجل ذبح شاة الغير حل أكلها وعليه ما نقصت في الذبح وأما إن كان وجأه في غير الحلق مثل أن رماه في قلبه أو في خاصرته حرم أكله لانه مقدور عليه، فاذا وجأه في غير الحلق حرم أكله، وعليه كمال قيمته وبه الجرح الاول، لانه قد أتلفه على مالكه. وأما إن لم يوجئه الثاني مثل أن رماه فعقره عقرا قد تسرى إلى نفسه، وصار مجروحا جرحين، لم يخل الاول من أحد أمرين إما أن يقدر على ذكاته أو لا يقدر فان لم يقدر على ذكاته مثل أن أدركه وقد مات أو أدركه وقد بقى من حيوته ما لا يتسع الزمان لذبحه حرم أكله، لانه مات من جرحين: حاظر وهو الثاني، ومبيح وهو الاول، بدليل أن الاول لو انفرد وحده فمات قبل القدرة على ذكاته حل أكله، فاذا مات منهما حرم أكله، كما لو رمى مجوسي ومسلم فأصاباه فمات حرم أكله، وعلى الثاني كمال قيمته لانه أتلفه على صاحبه بجنايته عليه. وإما إن قدر الاول على ذكاته لم يخل من أحد أمرين إما أن يذكيه أو لا يذكيه فان ذكاه في الحلق واللبة حل أكله، لانه مقدور على ذكاته وذكاته في الحلق، وقد فعل، وعلى الثاني أرش الجرح فقط لانه جرح ملك الغير كرجل جرح شاة غيره ثم ذبحها مالكها حل أكلها، وكان على الجارح أرش الجرح، وإن تركه الاول ولم يذكه حتى مات من الجرحين معا حرم أكله، لانه مات من جرحين حاظرين. فاذا ثبت أنه حرام فقال قوم يجب على الثاني كمال قيمته، لان الاول ملكه باثباته، فصار ملكه، وإذا عقره الثاني فقد جنى على مقدور عليه لغيره، وليس فيه أكثر من أن الاول ترك ذكاته، وهذا لا يقدح في ضمان الثاني، كما لو جرح الرجل شاة لغيره فتركها صاحبها ولم يذبحها حتى ماتت حرم أكلها، وعلى الجارح كمال قيمتها. وقال آخرون هذا غلط، لا يجب على الثاني كمال قيمته لان عقر الاول كان

[ 265 ]

مبيحا والثاني حاضرا فلما ترك الاول ذكاته مع القدرة بان أن الاول كان حاظر فقد مات من جرحين حاظرين، فلم يجب على أحدهما كمال القيمة كما لو جرح شاة نفسه ثم جاء آخر فجرحها ثم ماتت لم يكن على الثاني كمال قيمتها، لانها ماتت من جرحين حاظرين. فاذا ثبت هذا فمن قال بالاول فلا كلام، فان على الثاني كمال القيمة وبه جرح الاول، ومن قال بالثاني وهو الاقوى عندنا، قال ليس على الثاني كمال قيمته وكم الذي يجب عليه؟ يحتاج أن يفرض مسألة فيه كان الجرحان معا مضمونين، ليعلم ما يجب على كل واحد منهما، فاذا فرغنا منه عدنا إلى مسئلتنا فطرحنا عن الاول الضمان، وبقينا على الثاني ما يجب عليه، فعبد الغير وشاته والصيد المملوك سواء فنفرضها في صيد مملوك قيمته عشرة جنى الاول جناية أرشها درهم، وجنى الثاني جناية أرشها درهم ثم سرى إلى نفسه ومات. قال قوم فيه ستة أوجه: أحدها أن لا يدخل أرش كل واحد في دية النفس، و على كل واحد منهما أرش جنايته ونصف قيمته بعد الجنايتين: لان الاول جنى عليه وحده جناية أرشها درهم، فلزمه درهم، فعادت قيمته إلى تسعة ثم جنى الثاني عليه جناية أرشها درهم فلزمه الدرهم كالاول وصار قيمتها ثمانية، ثم سرتا إلى نفسه وقيمته ثمانية فوجب على كل واحد منهما نصف قيمته بعد الجنايتين أربعة، فيكون على كل واحد منهما خمسة. فان كانت بحالها وكان أرش جناية الاول ثلاثة وأرش جناية الثاني درهما، عادت قيمته بعد الجنايتين إلى ستة، فعلى كل واحد منهما كمال أرش جنايته ونصف قيمته بعد الجنايتين، فيكون على الاول ستة، وعلى الثاني أربعة. فان كانت بحالها وكان أرش جناية الاول درهما وأرش جناية الثاني ثلاثة كانت بالعكس فيكون على الاول أربعة، وعلى الثاني ستة، وعلى هذا أبدا. والثاني فيهم من قال لا يدخل أرش جناية الاول في بدل النفس، ويدخل أرش جناية الثاني في بدلها، وعلى كل واحد منهما نصف قيمته بعد إحدى الجنايتين

[ 266 ]

وهو بعد جناية الاول عليه، لان الاول جنى على صيد ما جنى عليه غيره فأوجبنا عليه الارش فعادت قيمته إلى تسعة، ثم جنى الثاني عليه جناية أرشها درهم فدخلت في بدل النفس لانه قد جنى على صيد قد جنى عليه غيره، ثم سرت الجنايتان وقيمته تسعة فأوجبنا على كل واحد بعد قيمته، فيكون على الاول خمسة ونصف، وعلى الثاني أربعة ونصف والثالث قال بعضهم يدخل نصف أرش جناية كل واحد منهما في بدل النفس وعلى كل واحد منهما نصف قيمته يوم جنايته، لانه لو انفرد بالجناية عليه فسرت إلى نفسه دخل كلا الارشين في بدل النفس، فاذا شاركه في الجناية سرت جنايته إلى نصف النفس فدخل نصف الارش في بدل نصفها، ولم يدخل النصف الباقي، لان ذلك النصف ضمنه غيره، فلا يدخل أرش جنايته في بدل نفس ضمنه غيره بدليل أنه لو قطع يد رجل فقتله غيره، لم يدخل أرش اليد في بدلها، ثبت أن نصف الارش ما دخل ويكون عليه نصف قيمته يوم جنى عليه خمسة، لان قيمته يومئذ عشرة، ثم مات من جنايته وجناية الآخر عليه، فكان عليه خمسة ونصف: نصف القيمة ونصف الارش، وأما الثاني فيدخل نصف أرش جنايته في بدل النفس، ولا يدخل كله لما مضى، وعليه نصف قيمته يوم جنايته، عليه أربعة ونصف، لانه جنى عليه وقيمته تسعة، ومات من جنايته وجناية الاول. فعلى الاول خمسة ونصف، وعلى الثاني خمسة، ويرجع الاول على الثاني بنصف أرش جناية الثاني، وهو النصف الذي دخل في نصف بدل النفس، لانه جنى على ما دخل في ضمان الاول لان من جنى على ما ضمنه غيره ضمنه له كرجل غصب عبدا فجنى عليه جان في يد الغاصب، فان الجاني يضمن أرش الجناية للغاصب لانه جنى على ما دخل في ضمانه فاذا ضمن الغاصب لرب المال كمال القيمة، رجع الغاصب على الجاني بأرش الجناية. فاذا ثبت هذا فلرب المال أن يرجع على كل واحد منهما، فان رجع على الاول بخمسة ونصف رجع على الثاني بأربعة ونصف ويرجع الاول على الثاني بنصف

[ 267 ]

لان ضمان النصف استقر عليه. وإن رجع رب المال على الاول بخمسة ورجع على الثاني بخمسة برئت ذمة الاول عن نصف درهم، ولم يرجع الثاني على الاول بشئ، فيكون بقدر ما يستقر على كل واحد منهما خمسة. التفريع على هذه الطريقة. جنى الاول عليه جناية أرشها ثلثة، وقيمتها عشرة، فعليه نصف أرش الجناية درهم ونصف، ونصف قيمته يوم جنى عليه خمسة يكون عليه ستة ونصف، وجنى الثاني عليه جناية أرشها درهم وقيمتها سبعة، فأوجبنا أربعة ونصف: نصف أرش الجناية ونصف قيمته يوم جنى عليه، وعلى الاول ستة ونصف يرجع الاول على الثاني بنصف درهم لانه هو القدر الذي دخل في ضمان الاول يكون على الاول ستة وعلى الثاني أربعة، يستقر على الثاني أربعة. فان كانت بحالها وأرش جناية الاول درهم ثم أوجبنا عليه نصف أرش الجناية ونصف قيمته يوم جنى عليه خمسة ونصف، ثم جنى الثاني عليه جناية أرشها ثلثة، وقيمته تسعة فأوجبنا نصف أرش الجناية ونصف القيمة يكون ستة، يرجع الاول على الثاني بدرهم ونصف، فيكون على الاول أربعة وعلى الثاني ستة، وعلى هذا أبدا. هذه الطريقة والطريقة الاولى سواء في قدر الضمان وأنما يختلفان في التعليل. الرابع قال بعضهم يدخل نصف أرش جناية كل واحد منهما في بدل النفس وعلى كل واحد منهما نصف قيمته يوم جنايته عليه، ولا يرجع الاول على الثاني بشئ لانه إنما يضمن للاول لو ضمن الاول قيمته كله فأما ههنا فقد ضمن الاول قيمة نصفه، فما جنى على ما دخل في ضمان الاول، وإنما جنى على ما دخل في ضمان نفسه. فيكون على الاول خمسة ونصف، وعلى الثاني خمسة، ثم أضم خمسة ونصف إلى خمسة فيصير عشرة ونصف، وأقسط العشرة على عشرة ونصف، فيكون على الاول خمسة ونصف من عشرة ونصف من عشرة، وعلى الثاني خمسة من عشرة ونصف من عشرة، وهذه الطريقة

[ 268 ]

قريبة من الطريقة التي قبلها غير أنه لم يجعل للاول أن يرجع على الثاني بشئ. وإن اخترت أن تجعل لهذا أصلا يعمل عليه فالوجه أن تجعل العشرة والنصف أصل المال، والعشرة التي هي قيمة الصيد كالفائدة، فمن كان له في العشرة والنصف شئ ضرب في فائدة المال، فما اجتمع قسمته على جمل سهام الملك وهو عشرة ونصف فتأخذ من كل عشرة ونصف واحدا، فتضرب خمسة ونصف في عشرة، يصير خمسة وخمسين فتأخذ من كل عشرة ونصف واحدا يكون من اثنين وخمسين سهما ونصف: خمسة دراهم ويبقى سهمان ونصف وذلك من مأخذ عشر ونصف سبع وثلثا سبع، وإن اخترت فعلى خمسة من عشرة ونصف سدس وسبع درهم، وللثاني من عشرة ونصف خمسه مضروبة في عشرة، فيصير خمسين يكون من تسعة وأربعين أربعة دراهم وثلثا درهم وثلثا سبع درهم، فاذا جمعت ما اجتمع لهما معا يكون عشرة دراهم وعلى هذا أبدا. الخامس منهم من قال يدخل أرش جناية كل واحد منهما في بدل النفس، و على كل واحد منهما نصف قيمته يوم جنايته، فاذا كان كذلك فعلى كل واحد منهما نصف قيمته يوم الجناية، فيكون على الاول خمسة، لان قيمته يوم جنى عليه عشرة، وعلى الثاني أربعة ونصف لان قيمته يوم جنى عليه تسع، ويضيع نصف درهم لاني لا أجد من اوجبه عليه. السادس قال بعضهم يدخل أرش جناية كل واحد منها في بدل النفس، وأجعل كل واحد منهما كأنه انفرد بقتله، فاوجب عليه كمال قيمته يوم جنى عليه، وأضم إحدى القيمتين إلى الاخرى، واقسم ما اجتمع على عشرة، فالاول قتله وقيمته عشرة، والثاني قتله وقيمته تسعة أضم إحداهما إلى الاخرى يكون الكل تسعة عشر اقسم العشرة عليهما، فيكون على الاول عشرة أسهم من تسعة عشر سهما من عشرة، وعلى الثاني تسعة أسهم من تسعة عشر من عشرة. فان كان أرش الاول خمسه دخلت في بدل النفس وأوجب عليه قيمته يوم جنى عليه عشرة، وكان أرش جناية الثاني درهما دخل في بدل النفس، واوجب عليه قيمته يوم جنى عليه خمسة وأضم إحداهما إلى الاخرى يصير خمسة عشر، ثم اقسم العشرة عليها

[ 269 ]

فيكون على الاول عشرة من خمسة عشر من عشرة: ثلثا العشرة ستة وأربعة دوانيق، وعلى الثاني خمسة من خمسة عشرة من عشرة، وهو ثلث العشرة ثلاثة وثلث، وعلى هذا أبدا. وهذه الطريقة أصحها، لان الطريقة الاولى تبطل من وجهين أحدهما لم يدخل أرش الجناية في بدل النفس، والثاني يفضي قوله إلى أن يجب على الثاني أكثر مما يجب على الاول، وقيمته يوم جنى الثاني عليه أقل من قيمته يوم جنى الاول عليه. وتبطل الطريقة الثالثة بالوجهين: أحدهما لم يدخل نصف أرش الجناية في بدل النفس، ويفضي قوله إلى أن يجب على الثاني وقد جنى عليه وقيمته دون قيمته يوم جنى الاول عليه، أكثر مما يجب على الاول. وتبطل الطريقة الرابعة لانه لم يدخل نصف أرش الجناية في بدل النفس، و تبطل الطريقة الخامسة لانه أوجب في صيد قيمته عشرة تسعة ونصف فيضيع من قيمته نصف درهم، ويصح الطريقة السادسة لانها سلمت من جميع ذلك. فرع يتوطأ به ما ذكرناه من الطرق. المسألة بحالها لكنه جنى عليه ثلاثة كل واحد جناية أرشها درهمان: جنى الاول جناية أرشها درهمان وقيمته عشرة، والثاني جناية أرشها درهمان وقيمته ثمانية، والثالث جناية أرشها درهمان وقيمته ستة عادت قيمته بعد الجنايات إلى أربعة فعلى الطريقة الاولى على كل واحد ثلاثة وثلث: كمال أرش الجناية، وثلث قيمته بعد الجنايات. وعلى الطريقة الثانية كمال أرش جنايته، وعلى كل واحد ثلث قيمته بعد جناية الاول عليه، يكون على الاول أربعة وأربعة دوانيق، وعلى كل واحد من الآخرين درهمان وأربعة دوانيق. وعلى الطريقة الثالثة يدخل ثلث جناية كل واحد منهم في بدل النفس، وعلى كل واحد منهم ثلث قيمته يوم جنى عليه، فيكون على الاول أربعة وأربعة دوانيق و على الثاني أربعة، وعلى الثالث ثلاثة وثلث، ويرجع الاول على الثاني بأربعة

[ 270 ]

دوانق، ويكون قدر ما ضمته من عنده ثلاثة وثلث ويرجع الثاني على الثالث بأربعة دوانيق يكون قدرها وهو جناية على ما دخل في ضمان الاول، ويرجع على الثالث بأربعة دوانيق، و يكون قدر ما ضمن الاول ما ضمنه الثاني من عنده ثلثة وثلث، ويكون قدر ما ضمنه الثالث من عنده ثلثة وثلث مثل الطريقة الاولى، وإن اختلفا في التعليل. وعلى الطريقة الرابعة على الاول أربعة وأربعة دوانيق، وعلى الثاني أربعة، وعلى الثالث ثلثة وثلث يصير المجموع اثنى عشر، فيكون على الاول أربعة وأربعة دوانيق من اثنى عشر من عشرة، وعلى الثاني أربعة من اثنى عشر من عشرة، وعلى الثالث ثلاثة وثلث من اثني عشر من عشرة، وهذه قريبة من الطريقة التي قبلها،، إلا أنه خالفه في فصل وهو أن الاول لا يرجع على غيره بشئ. وعلى الطريقة الخامسة يدخل أرش جناية كل واحد في بدل النفس وعلى كل واحد ثلث قيمته يوم جنايته عليه، فعلى الاول ثلثة وثلث، وعلى الثاني درهمان و أربعة دوانيق، وعلى الثالث درهمان يصير ثمانية، وضاع درهمان. وعلى الطريقة السادسة يدخل أرش جناية كل واحد في بدل النفس، وعلى كل واحد كمال قيمته يوم جنايته عليه، وضم الكل بعضها إلى بعض، فعلى الاول عشرة وعلى الثاني ثمانية، وعلى الثالث ستة يصير الجمع أربعة وعشرين، يقسم العشرة عليها: يكون على الاول عشرة من أربعة وعشرين من عشرة: ربعها وسدسها يكون من العشرة أربعة دوانيق، وعلى الثاني ثمانية من أربعة وعشرين: ثلثها يكون من العشرة ثلثة وثلث، وعلى الثالث ستة من أربعة وعشرين يكون من العشرة ربعها درهمان ونصف يصير الجميع عشرة، وعلى هذا أبدا وقد بينا أن هذه الطريقة أصحها عندنا. إذا لم تحط الرمية عن حد الامتناع، وأمكنه أن يتحامل طائرا أو عاديا فدخل دار قوم، فأخذه صاحب الدار ملكه، لان الاول ما ملكه برميه، لانه ما حطه عن الامتناع، فما ملكه، فاذا حصل في الدار لم يملكه صاحب الدار بحصوله فيها، حتى إذا أخذه ملكه بالاخذ، وكذلك السمكة إذا وثبت من الماء إلى السفينة

[ 271 ]

لا يملكها صاحبها، ويكون لمن أخذها، وكذلك إذا توحل ظبي في ضيعة رجل لم يملكه صاحب الضيعة بل يملكه الآخذ. إذا رماه الاول فعقره ولم يحطه عن الامتناع، ثم رماه الثاني فأثبته ملكه، كأن ابتدأه بالرمي، فان رماه الاول بعد ذلك فوجأه نظرت، فان كان في المذبح كالحلق حل أكله، لانه ذبح مقدورا عليه وعلى الاول للثاني ما نقص بالذبح، فيكون عليه نقصان الذبح مجروحا جرحين. وإن كان الاول وجأه في غير محل الذكاة، مثل أن أصابه في قلبه أو كبده فقتله حرم أكله لانه قتل مقدورا عليه، فيكون عليه كمال قيمته للثاني، لانه قتله، وهو ملك للثاني فيكون عليه قيمته مجروحا جرحين. إذا رميا صيدا معا وأصاباه وأثبتاه معا، كان لهما نصفين لانهما أثبتاه معا، و يحل أكله لانهما قتلاه معا فهو كما لو ذبحا شاة معا سواء كان الجراحات سواء أو أحدهما أكثر من الآخر، لان القتل بهما معا. فأما إن رماه أحدهما فأثبته ثم رماه الثاني فهو للاول دون الثاني، وإن رماه الاول فلم يثبته ثم رماه الثاني فأثبته فهو للثاني دون الاول. وإن كان الصيد يمتنع لامرين رجل وجناح كالقبج والدراج، فرماه أحدهما فكسر رجليه، ثم رماه الثاني فسكر جناحه، فقال قوم هو بينهما لانهما قد عطلاه معا عن الامتناع، [ وقال آخرون بل لما رماه الاول وكسر رجله لم يثبته ] فكان بعده على الامتناع، فلما رماه الثاني كان الاثبات به، فوجب أن يكون الملك له وحده، والاول أقوى عندي وإن كان الثاني قويا. إذا ترادف على الصيد رميان من اثنين: رماه أحدهما فعقره، ثم رماه الثاني فعقره، فوجداه ميتا ولم يعلم القاتل منهما؟ قال قوم: حل أكله وهو ملكهما إذا علم ذكاته قطعا، ويعلم ذلك من ثلثة أوجه: أحدها أن أحدهما عقره والآخر ذبحه فيحل أكله بكل حال، لانه إن كان الاول ذبحه لم يضره عقر الثاني، وإن كان الثاني ذبحه لم يضره عقر الاول، و

[ 272 ]

إن كانا عقراه وأثبتاه معا ولم يصيراه في حكم المذبوح فأدركه أحدهما فذبحه حل أكله وإن علم أن الثاني ذبحه والاول عقره فأكله حلال. وإن لم يعلم ذكاته قطعا بل وجداه ميتا من الجرحين فلا يحل أكله لانه يحتمل أن يكون الاول أثبته ثم جرحه الثاني فمات منهما فلا يحل أكله، ويحتمل أن يكون الثاني ذبحه وقتله دون الاول فيحل أكله، وإذا احتمل الامران قدم التحريم ويكون بينهما لان يدهما عليه. فأما إذا كان صيدا يمتنع برجله وجناحه فكسر أحدهما رجله، والآخر جناحه فقد مضى القول فيه، وجملة ذلك: إن قتلاه معا كان بينهما، وإن أثبت أحدهما كان له دون الآخر، سواء أثبته الاول أو الثاني، وإن كان صيدا يمتنع برجله وجناحه فكسر أحدهما رجله والآخر جناحه فعلى ما مضى، ومتى لم يعلم أنهما أو واحد منهما قتله لم يحل أكله بحال. فان رميا صيدا فوجداه قتيلا واختلفا فقال أحدهما أنا أثبته أولا وأنت رميته ثانيا فقتلته فعليك قيمته، وقال الآخر بل أنا أثبته وملكته، وأنت رميته فقتلته فعليك الضمان تحالفا، ولا يحل أكله لانهما قد اتفقا على أنه حرام. ويتحالفان لاجل الضمان: يحلف كل واحد منهما لصاحبه ما أتلفه، ولا ضمان على واحد منهما، فان حلف أحدهما ما أتلفه ولم يحلف الآخر رددنا اليمين على الحالف فيحلف أنه أثبته ويكون له. فان رماه كل واحد منهما فوجد ميتا فقال أحدهما أنا أثبته وأنت قتلته فعليك الضمان، وقال الآخر أنت ما أثبته لكنك جرحته وما عطلته عن الامتناع، فرميته أنا فعطلته وأثبته، فالقول قول الثاني لان الاصل الامتناع، فلا يزول بجرح الاول فكان القول قول الثاني مع يمينه. إذا رمى طائرا فجرحه فسقط على الارض فوجد ميتا حل أكله، سواء مات قبل أن يسقط أو بعد ما يسقط أو لم يعلم وقت موته قبل سقوطه أو بعده، وقال بعضهم إذا مات بعد ما سقط لم يحل أكله لان سقوطه على الارض قبل موته، فقد أعانت السقطة على

[ 273 ]

قتله، فقد مات من مبيح وحاظر، فغلبنا حكم الحظر كما لو سقط في الماء وهذا أليق بمذهبنا فأما إن سقط عن الاصابة في ماء أو تردى من جبل أو وقع على شجرة فتردى منها إلى الارض لم يحل أكله لقوله تعالى " والمنخنقة والموقوذة والمتردية " (1) فما وقع في الماء فالماء يخنقه وما وقع عن الجبل ثم تردى فهي المتردية. هذا إذا كان الجرح غير موجئ فأما إن كان الجرح قاتلا موجئا مثل أن وقع السلاح في حلقه فذبحه، أو في قلبه أو كبده فقتله، حل أكله بكل حال، لانه صار مذكى، فلا يقدح فيه ما وراء ذلك، كما لو ذبح شاة ثم وقعت في الماء فماتت فيه فانه يحل أكلها. الثاني إذا رمى صيدا فقتله أو جرحه، فمات من ذلك نظرت، فان كان مما يجرح بحدته كالحربة والسكين والمروة وهي الحجر الحاد أو كان الحاد خشبة أو ليطة و نحو هذا حل أكله، فأما ما قتله بثقله كالحجارة والبندقة فلا يحل أكله سواء قتله بجرح أو بغير جرح وسواء كان الجرح ذبحا أو غير ذبح، فلو وقعت البندقة في حلقه فقطعت الحلقوم والمري لم يحل أكله لقوله تعالى " والموقوذة " وهي المضروبة بالحجارة أو بالعصا حتى تموت. وروى عدى بن حاتم قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله عن المعراض (2) فقال إن قتل بحده فكله، وإن قتله بثقله فانه وقيذ. وإن رما بالبندقة فوقع نظرت، فان أدركه ميتا أو في حكم المذبوح فقد حرم أكله، وإن كان فيه حياة مستقرة وذكاه حل أكله، وروى أصحابنا أن ما يقتله المعراض لا يؤكل ولم يفصلوا. وأما الآلة إذا كانت جارحة من الطير أو سبعا من البهائم كالكلب والفهد والنمر والبازي والعقاب، فان قتلت نظرت، فان كان بالعقر حل أكل ما أكله الكلب خاصة عندنا دون ما سواه، وعندهم يحل أكل الكل، وإن قتلته من غير عقر مثل أن صدمته

(1) المائدة: 3.
(2) المعراض سهم بلا ريش دقيق الطرفين غليظ الوسط يصيب بعرضه دون حده.

[ 274 ]

فقتلته أو غمته حتى مات فلا يحل أكله عندنا وعند جماعة، وقال قوم يؤكل وأما إن أكده وأتعبه ولم يزل كذلك حتى مات تعبا وضعفا فلا يحل أكله بلا خلاف. إذا رأى شخصا فظنه حجرا فرماه فبان صيدا قد قتله فان كان قد سمى وقصد حل أكله عندنا، وإن لم يسم ولم يقصد لم يحل وعندهم يحل على كل حال، وهكذا لو اعتقد آدميا أو صيدا لا يؤكل كالكلب والخنزير والدب ونحو هذا فبان صيدا عندنا لا يؤكل، وقال قوم يؤكل، وقال بعضهم لا يحل كل ذلك مثل ما قلناه. وإذا رمى سهما إلى فوق فأصاب طائرا فقتله، قال قوم يحل أكله، وقال آخرون لا يحل وهو مذهبنا، ولو كانت في يده سكين فسقطت على حلق دجاجة لا تحل أكلها عندنا، وقال بعضهم يحل. فأما إذا رأى سوادا فاعتقده حجرا لا من حيث الظن لكن مر به نهارا ثم رآه ليلا واعتقد أنه حجر فرماه فاذا صيد قتله عندنا لا يحل وعندهم يحل. وإن أرسل كلبا في ظلمة الليل لا على شئ فقتل صيدا لم يحل أكله، وإن رأى سوادا فظنه حجرا أو خنزيرا أو كلبا أو آدميا فبان صيدا يؤكل، وقد قتله الكلب، لا يحل أكله عندنا، وقال بعضهم يؤكل، والاول أقوى لانه ما أرسله على صيد. إذا ملك صيدا وأفلت منه، لم يزل ملكه عنه دابة كانت أو طائرا سواء لحق بالصحاري والبراري أو لم يلحق بذلك عندنا وعند جماعة وقال بعضهم إن كان يطير في البلد وحوله فهو ملكه، وإن لحق بالبراري وعاد إلى أصل التوحش، زال ملكه لانه إن لم نقل ذلك أدى إلى أن لا يحل الاصطياد لانه لا يؤمن أن يكون ملكا للغير قد انفلت. وهذا ليس بصحيح، لانه لا يمكن الاحتراز منه كما لو اختلطت اخته بنساء بلد لم يحرم عليه أن يتزوج من ذلك البلد، لانه لا يمكن الاحتراز منه، وكذلك لو كان له عصير فصبه في دجلة، لم يحرم أخذ الماء منها، لان الاحتراز منه لا يمكن وفيهم من قال يزول ملكه بالانفلات وكذلك إذا صب الماء في دجلة لانه اختار إزالة ملكه وليس بشئ.

[ 275 ]

إذا قتل المحل صيدا في الحل فلا جزاء عليه، سواء [ دخل الحرم أو لم يدخل وقال آخرون: إذا ] ظ كان منشأه في الحرم ثم خرج منه، ففيه الجزاء، وإن كان المنشأ في الحل والقتل في الحل فلا جزاء، دخل الحرم أو لم يدخل، والاول مذهبنا. إذا كان له حمام فتحول من برجه إلى برج غيره كان للاول ولم يملكه الثاني لانه لا يزول ملكه بتحوله من مكان إلى مكان. وإن كان من الطيور الجبلية المباحة التي لا مالك لها، فان ملكها صاحب البرج بشبكة أو بيد فالحكم فيها كالمملوك الاصلي سواء، وإن لم يملكه بل نزل البرج وطار فهو على ما كان من الاباحة قبل ذلك، فمن أخذه ملكه، لان الصيد المباح لا يصير مملوكا بدخوله ملك الغير. إذا كان الصيد مقرضا أو موسوما أو به أثر ملك لآدمي لم يجز أن يصطاد، لان عليه أثر ملك، لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله مر بطير (1) حاقف فهم أصحابه به، فقال: دعوه حتى يجئ صاحبه، ولهذا إذا دخل المسلمون دار حرب فما أخذوه من متاع كان غنيمة وما أصابوه من صيد فان لم يكن مقرضا كان لمن أخذه، وإن كان مقرضا كان غنيمة لان الظاهر أنه ملكهم. الشاة إذا عقرها سبع فيها ثلاث مسائل إحداها جرحها جرحا قد تموت منه وقد لا تموت فأدركها صاحبها وفيها حياة مستقرة فذبحها حل أكلها لقوله تعالى " وما أكل السبع إلا ما ذكيتم ". الثانية جرحها جرحا تموت منه لا محالة، لكن فيها حياة مستقرة تعيش اليوم والايام، مثل أن يشق جوفها وظهرت الامعاء ولم ينفصل، فاذا أدركها فذكاها حل أكلها أيضا بلا خلاف. الثالثة جرحها جرحا لا تبقى معه حياة مستقرة مثل أن شق الجوف، وأبان الحشوة، وانفصلت عن الحيوان أو كان الجرح في اللبة فاذا أدركه وفيه حياة فذكاه لم يحل أكله وإن خرج الدم بالذبح، لان الحركة حركة المذبوح، فلا يراعى ما وراء ذلك.

(1) بظبى خ ل.

[ 276 ]

الحيوان على ثلاثة أضرب ما لا يعيش إلا في البر وما يعيش في البر والبحر معا وما لا يعيش إلا في البحر: فأما ما لا يعيش إلا في البر فالابل والبقر والغنم وغير ذلك من المأكول أو غيره، فمتى مات حتف أنفه لم يحل أكله سواء مات في البر أو في البحر بلا خلاف. وأما ما يعيش فيهما كالبط والاوز وطير الماء والضفدع والسرطان فمتى مات شئ من هذا حتف أنفه يؤكل، سواء مات في البر أو في البحر لقوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة ". وأما الضفدع والسرطان فلا يحل أكلهما بكل حال، بلا خلاف. وأما ما لا يعيش إلا في الماء فعلى ضربين: سمك وغير سمك، فأما السمك فمتى مات بعد أن اخرج من الماء حيا حل أكله عندنا، وإن مات في الماء لم يحل، وقال بعضهم يحل أكله بكل حال ولو وجد ميتا وفي جوفه سمكة أو حيوان غيره وعلى كل حال. وأما ما عدا السمك مثل خنزير الماء وكلب الماء، وإنسان الماء، وفأر الماء وحيات الماء وغير ذلك، لانه قيل ما من صورة في البر إلا وفي البحر مثله، فعندنا أن جميع ذلك محرم، و قال قوم إن جميعه مباح وفيه خلاف، والسمك عندنا لا يؤكل منه إلا ما كان له فلس فأما ما ليس له فلس مثل المارماهى والجرى وغير ذلك فلا يحل أكله، وعندهم يحل جميعه، فان اصطاد سمكة فانفلتت من يده وبقي في يده منها قطعة وذهب الباقي حيا حل أكله فان اصطاد سمكة وفي جوفها سمكة اخرى حل أكلهما معا، وإن وجدت في جوف حية فان كان ما تسلخت جاز أكلها، وإن تسلخت لم يجز، ولم أجد لهم نصا فيها وأما دم السمك فانه طاهر عندنا، وقال بعضهم نجس. إذا اصطاد السمك من لا يحل ذبيحته كالمجوسي والوثني حل أكله بلا خلاف غير أنه نعتبر أن نشاهده وقد أخرجه حيا ولا يصدق على ذلك، لانه يجوز أن يكون مات في الماء، وعندنا لا يجوز أكل ذلك وكذلك ما اصطاده اليهودي. والنصراني من السمك.

[ 277 ]

والفرق بين صيد السمك والذبيحة على مذهبنا أن صيد السمك لا يراعى فيه التسمية، والذباحة يجب فيها التسمية، فلاجل ذلك لم يصح منهما. كل سمك قلنا يجوز أكله فلا يجوز أكله إلا إذا اخرج من الماء حيا ومات بعد ذلك، فأما ما مات فيه أو نضب عنه الماء أو حصل في ماء حار أو بارد فمات فيه لم يحل أكله، وقال بعضهم يحل أكل جميع ذلك، وقال آخرون إن مات حتف أنفه لم يؤكل وإن مات بسبب مثل أن ضربه بشئ أو أحسر عنه الماء ونحوه يؤكل إلا ما مات بحرارة الماء أو برودته ويفرضون المسألة في الطافي، فعندنا لا يجوز أكله إذا كان مات في الماء وقال بعضهم يجوز بكل حال طفا أو لم يطف وإذا مات بسبب عند آخرين حل أكله طفا أو لم يطف وإذا مات حتف أنفه لم يؤكل طفا أو لم يطف. وإما الجراد كالسمك فانه يحل أكله إذا مات حتف أنفه، وقال بعضهم لا يحل حتى يقطع رأسه والاول أقوى. ابتلاع السمك الصغار قبل أن يموت لا يحل عندنا وعند جماعة، وقال بعضهم يحل، وهكذا لا يجوز أن يطرحه وهو حى في زيت يغلى على النار لانه تعذيب له وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن تعذيب الحيوان فأما الهازبي وهو السمك الصغار الذي يغلى ما في جوفه من الرجيع، فعندنا يجوز أكله، لان رجيع ما يؤكل ليس بنجس عندنا، وقال بعضهم لا يحل أكله برجيعه.

[ 278 ]

* (كتاب الاطعمة) * الترتيب في معرفة ما يحل أكله من الحيوان وما لا يحل أن يرجع إلى الشرع: فما أباحه الشرع فهو مباح، وما حظره فهو محظور، وما لم يكن له في الشرع ذكر كان المرجع فيه إلى عرف العادة عادة العرب عندهم، فما استطابته فهو حلال، وما استخبثته فهو حرام، وإن يكن له في العرف والشرع ذكر فعند الفقهاء أنه يرد إلى أشبه الاشياء به، فيحكم بحكمه من تحليل أو تحريم. والذي نقوله إنه ما ليس له ذكر في الشرع أصلا فلا يخلو أن يكون حيوانا في حال حيوته أو بعد أن تفارقه الحيوة، فان كان في حال الحيوة فهو محظور لان ذبح الحيوان محظور إلا بالشرع، وإن لم يكن حيوانا كان مباحا لان الاشياء على الاباحة. هذا على مذهب من قال من أصحابنا بأن الاصل الاباحة، فأما من قال الاصل الحظر والوقف، فان الجميع يحرم، وقد قال الله تعالى " يسئلونك ماذا احل لهم قل احل لكم الطيبات " (1) وقال تعالى " الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه " إلى قوله " ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث " (2). ومن اعتبر العرف والعادة استدل بهذه الايات فقال وجه الدلالة أن القوم سألوه عما يحل لهم، فقال احل لكم الطيبات، والطيب يقع على أربعة أشياء: فالطيب الحلال قال تعالى " كلوا من الطيبات " (3) يعني من الحلال، ويقع على الطاهر قال تعالى " فتيمموا صعيدا طيبا " (4) يعني طاهرا، ويقع على مالا أذى فيه وهو الزمان الذي لا حر فيه ولا برد، فيقال هذا زمان طيب ومكان طيب، ويقع على ما يستطاب من المأكول

(1) المائدة: 4.
(2) الاعراف: 157.
(3) المؤمنون: 51.
(4) النساء: 43، المائدة: 6.

[ 279 ]

يقال هذا طعام طيب لما تستطيبه النفس، ولا تنفر منه. ولا يجوز أن يكون المراد به الحلال لانهم سألوه عن الحلال ليبين لهم فلا يصح أن يقول لهم الحلال هو الحلال وبطل أن يكون المراد مالا أذى فيه لان المأكول لا يوصف به، ولا يجوز أن يكون المراد به الطاهر، لان الطاهر إنما يعرف شرعا فلم يبق إلا أن المراد به ردهم إلى ما يستطيبونه ولا يستخبثونه، فثبت أنه ردهم إلى عادتهم. وهذا قريب غير أنه لا يمتنع أن يقال المراد به مالا أذى فيه من المباح الذي ليس بمحرم، فكأنهم لما سألوه عن الحلال فقال: ما لا يستحق تناوله العقاب وذلك عام في جميع المباحات، سواء علمت كذلك عقلا أو شرعا. ومن اعتبر العرف والعادة اعتبر أهل الريف والغنى والمكنة الذين كانوا في القرى والامصار على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله حال الاختيار، دون من كان من أهل البوادي من جفاة العرب التي تأكل ما دب ودرج لان هؤلاء أهل حاجة إلى ذلك، فسئل بعض العرب عما يأكلون فقال كل ما دب ودرج إلا ام حبين (1) وقال بعضهم لتهن ام حبين العافية تأمن أن تطلب وتذبح وتؤكل. فاذا قيل عادة العرب وعرفهم مختلفة قالوا اعتبرنا عرف أهل الريف والقرى والبلدان، وأهل الغنا والمكنة بحال الاختيار، واعتبر العام الشائع دون النادر. فأما ما حرم شرعا فجملته أن الحيوان ضربان: طاهر ونجس، فالنجس الكلب والخنزير وما توالد منهما أو من أحدهما وما عداهما كله طاهر في حال حيوته وقال بعضهم الحيوان كله طاهر في حال حيوته ولم يستثن الكلب والخنزير، قال إنما ينجس الخنزير والكلب بالقتل والموت. وقال بعضهم الحيوان على أربعة أضرب: طاهر مطلق، وهو النعم، وما في معناها ونجس العين وهو الخنزير، ونجس نجاسة تجري مجرى ما ينجس بالمجاورة وهو الكلب والذئب والسباع كلها، ومشكوك فيه وهو الحمار والبغل.

(1) هي العظاية سميت أم حبين لعظم بطنها.

[ 280 ]

والاول أليق بمذهبنا غير أن أخبارنا تدل على أن السباع كلها نجسة، وكل مسخ حكمه حكمها، غير أنها ليست نجسة العين، بدلالة أنهم أجازوا شرب سؤرها والتوضي بها، ولم يجيزوا في الكلب والخنزير، وأجازوا استعمال جلودها بعد التذكية والدباغ، ولم يجيزوا في الكلب والخنزير بحال، فأما الصلوة فيها فلا يجوز بحال. فاذا ثبت هذا فكل ما كان نجسا في حال الحيوة لم يحل أكله بلا خلاف وما كان طاهرا في حال الحيوة أو نجس الحكم على ما بيناه فعلى ضربين مأكول وغير مأكول، فالسباع كلها محرمة سواء كانت من البهائم أو من الطير بلا خلاف، لما رواه علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن كل ذى ناب من السبع، وكل ذى مخلب من الطير، و روى أبو ثعلبة الخشني أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع. وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال أكل كل ذي ناب من السباع حرام، وهذا لا خلاف فيه أيضا. وكذلك حشرات الارض كلها حرام مثل الحية والعقرب والفأرة والديدان والجعلان والذباب والخنافس والبق والزنابير والنحل ونحو هذا عندنا نصا وعندهم لانها مستخبثة. السباع على ضربين ذي ناب قوى يعدو على الناس كالاسد والنمر والذئب والفهد كل هذا لا يؤكل بلا خلاف للخبر المتقدم، والضرب الثاني ما كان ذا ناب ضعيف لا يعدو على الناس مثل الضبع والثعلب، فعندنا أن جميعه حرام وقال بعضهم الكل حلال، وقال بعضهم الضبع حرام، وقال آخرون مكروه. اليربوع عندنا محرم، وعند بعضهم مباح، وابن آوى حرام عندنا وفيهم من قال مباح، والسنور محرم عندنا بريا كان أو أهليا وقال بعضهم الاهلي لا يؤكل والوحشي يؤكل وأما الوبر والقنفذ والضب فعندنا محرم وقال بعضهم يؤكل. الارنب حرام عندنا وعندهم مباح وأكل لحم الخيل مباح عندنا على كراهية فيه، وفيه خلاف. لحوم الحمر الاهلية مكروهة عندنا غير محرمة، وهو قول ابن عباس، وقال

[ 281 ]

المخالف محرمة، ولحم البغال أشد كراهية من لحم الحمير عندنا، وليس بمحرم وحرموا كلهم إلا الحسن البصري. حمار الوحش مباح عندنا وفيه خلاف، المجثمة كلها حرام، وهي التي تجعل غرضا ولا تزال ترمى بالنشاب حتى تموت (1) بلا خلاف، و المصبورة هي التي تخرج وتحبس حتى تموت، أكلها حرام بلا خلاف، لان النبي صلى الله عليه وآله نهى عن تصبير البهائم، وعن أكلها بلا خلاف. قد بينا أن حشرات الارض كلها حرام كالحية والعقرب والفأرة والخنافس والجعلان والصراصر وبنات وردان والبراغيث والقمل والذباب والزنبور والنحل. وما جرى مجراها، وكذلك اللحكا وقيل اللحكة وهي دويبة كالسمكة تسكن الرمل وإذا رأت الانسان غاصت وتغيبت فيه، وهي صقيلة، ولهذا تشبه أنامل العذارى بها فهو حرام عندنا، وقال بعضهم أكره الحية والفأرة والغراب ولا احرمها فاذا أراد أكلها ذبح وأكل. فأما الطائر فعلى ضربين ذي مخلب وغير ذي مخلب فأما ذو المخلب هو الذي يقتل بمخاليبه ويعدو على الطائر والحمام، كالبازي والصقر والعقاب والباشق والشاهين و نحوها، فكله حرام عندنا، وعند الاكثر، وقال بعضهم الطائر كله حلال للآية، فأما ما لا مخلب له فعلى ضربين مستخبث وغير مستخبث، فالمستخبث ما يأكل الخبائث كالميتة و نحوها فكلها حرام وهي النسر والزحم والبغاث والغراب ونحو ذلك عندنا وعند جماعة فروى أن النبي صلى الله عليه وآله أتي بغراب فسماه فاسقا فقال: ما هو والله من الطيبات. والغراب على أربعة أضرب الكبير الاسود الذي يسكن الجبال ويأكل الجيف والثاني الابقع فهذان حرام، والثالث الزاغ وهو غراب الزرع، والرابع الغداف وهو أصغر منه أغبر اللون كالرماد، قال قوم: هو حرام لظاهر الاخبار، وقال آخرون هو مباح، وهو الذي ورد في رواياتنا. وأما المستطاب من الطائر كالحمام إنسية ووحشية والفواخت وهو مطوق كالقماري

(1) الا أن المجثمة تقال في الطير والمصبورة في البهائم.

[ 282 ]

والدباسي والورشان والدراج والدجاج والقباج والطيهوج والكراكي والكروان والحبارى ونحو ذلك كله حلال، وروى في بعض أخبارنا كراهة الفاختة. الجلالة البهيمة التي تأكل العذرة اليابسة أو الرطبة كالناقة والبقرة والشاة والدجاجة فان كان هذا أكثر علفها كره لحمها بلا خلاف بين الفقهاء، وقال قوم من الحديث هو حرام والاول مذهبنا. وإنما تزول الكراهة عندنا بأن تمنع النجاسة ويعلف الطاهر، فان كان بدنة أو بقرة أربعين يوما وإن كانت شاة فسبعة أيام، وإن كانت دجاجة ثلاثة أيام وقيل سبعة، وفي البقرة عشرين يوما، وبه قال قوم، والصحيح عندهم أنه لا يحد بل يرجع إلى العادة، وما تزول به هذه العادة من يوم أو شهر أو أقل أو أكثر، فأما إذا كان أكثر علفها الطاهر، وإنما العذرة في وقت دون وقت فأكلها مباح بلا خلاف، والحكم في لبنها كالحكم في لحمها حرفا بحرف. أكل كسب الحجام مكروه للحر، مباح للعبد، سواء كسبه حر أو عبد عندنا و عند جماعة، وفيه خلاف. كل عمل فيه مباشرة نجاسة كالكناس والقصاب والجزار وكل ما في عمله استخراج نجاسة كره ولم يحرم. * * * إذا نحرت الناقة وذبحت البقرة أو الشاة وكان في بطنها جنين نظرت، فان خرج ميتا فهو حلال إن كان شعر أو أوبر عندنا، وإن لم يكن كذلك فلا يجوز، ولم يفصل المخالف، وإن خرج حيا نظرت فان عاش بقدر ما لا يتسع الزمان لذبحه فهو حلال وإن عاش ما يتسع الزمان لذبحه ثم مات قبل الذبح فهو حرام، سواه تعذر ذبحه لتعذر الآلة أو لغيرها وفيه خلاف. الفارة والعصفور والدجاجة والسنور متى مات شئ منها في سمن أو زيت نظرت فان كان جامدا ألقيت ما حولها وكان الباقي طاهرا مأمولا بلا خلاف.

[ 283 ]

وروى عن ميمونة قال سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن سمن جامد وقعت فيه فأرة فقال ألقوها وما حولها وكلوه. وأما إن كان مايعا فالكلام في السمن والزيت والشيرج والبزر وهذه الادهان كلها واحد فمتى وقعت الفأرة وماتت فيه نجس كله، ويجوز عندنا وعند جماعة الاستصباح به في السراج، ولا يؤكل ولا ينتفع به في غير الاستصباح وفيه خلاف، ورووا أصحابنا أنه يستصبح به تحت السماء دون السقف، وهذا يدل على أن دخانه نجس غير أن عندي أن هذا مكروه. فأما دخانه ودخان كل نجس من العذرة وجلود الميتة كالسرجين والبعر وعظام الميتة عندنا ليس بنجس، فأما ما يقطع بنجاسته قال قوم دخانه نجس وهو الذي دل عليه الخبر الذي قدمناه من رواية أصحابنا، وقال آخرون وهو الاقوى عندي أنه ليس بنجس. فأما رماد النجس فعندنا طاهر وعندهم نجس وإنما قلنا ذلك لما رواه أصحابنا من جواز السجود على جص أوقد عليه بالنجاسات، فاذا ثبت هذا فمن قال الدخان ليس بنجس فلا كلام، ومن قال نجس فان علق بالثوب منه شئ، فان كان يسيرا كان معفوا عنه كدم البراغيث، وإن كان كثيرا وجب غسله. فأما إذا سجر التنور بالاعيان النجسة وتعلق بوجه التنور دخانه، فان كان نجسا فلا يخبز عليه حتى يزال بمسح أو غيره، فان خبز عليه قبل المسح كان ظهر الرغيف نجسا ووجهه طاهرا فلا يحل أكله حتى يغسل ظهره، وعلى ما قلناه يسقط عنا جميع ذلك ولا نحتاج إلى ما قالوه. فأما إذا نجس شئ من هذه الادهان فهل يجوز غسله أم لا؟ فعندنا لا يجوز غسله ولا يطهر به على حال، وعندهم إن كان مما يختلط بالماء ولا يتميز عنه ولا يعلو عليه لم يجز غسله، وهو السمن، لانه لا يتأتى فيه الغسل، كاللبن والخل وما أشبهما وإن أمكن غسله بأن يصب الماء فيه فيعلو عليه ويتميز عنه وهو الشيرج والزيت قال قوم يجوز غسله لانه ينفصل عن الماء كالثوب فعلى هذا إذا كان في إناء فكاثره

[ 284 ]

بالماء طهر، وكان الماء طاهرا لكنه ماء أزيل به النجاسة. وقال آخرون لا يجوز غسله لانه إنما يطهر ما يعصر منه الماء وتزال النجاسة به عنه، وهما مايعان فلا يتأتى فيه وهو الذي اخترناه، فمن قال لا يطهر، قال لا يجوز بيعه، ومن قال يطهر، فيهم من قال يجوز بيعه لانه نجس بالمجاورة كالثوب النجس سواء، وقال آخرون لا يجوز بيعه لانه مائع نجس. وجملته أن الاعيان النجسة على أربعة أضرب: نجس العين، وهو الكلب والخنزير وما توالد منهما أو من أحدهما، وما في معناهما وهما ما استحال نجسا كالخمر والبول والعذرة وجلد الميتة فكل هذا نجس العين لا ينتفع به ولا يجوز بيعه. الثاني ما ينجس بالمجاورة ولا يمكن غسله، وهو اللبن والخل والدبس ونحو ذلك، فلا ينتفع به ولا يجوز بيعه حال. والثالث ما ينجس بالمجاورة وينتفع بمقاصده ويمكن غسله وهو الثوب فهذا يجوز بيعه والبزر مثله. والرابع ما اختلف في جواز غسله وهو الزيت والشيرج فمن قال لا يجوز غسله لم يجز ومن قال يجوز غسله فالبيع على وجهين: فعندنا وإن لم يجز غسله فيجوز الانتفاع به بالاستصباح، فينبغي أن يقول إنه يجوز بيعه بهذا الشرط. قد بينا في كتاب الطهارة أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، وأما أكله حال الضرورة فجملته أن المضطر يحل له الميتة، والمضطر إليها هو الذي يخاف التلف إن لم يأكل، فأما من لا يخاف التلف فهو غير محتاج ولا يحل له لقوله تعالى: " إنما حرم عليكم الميتة والدم " إلى قوله " فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم " (1) يعني فمن اضطر في مجاعة غير مرتكب لاثم وقال تعالى " وفصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه " (2). فاذا ثبت أنها حلال للمضطر فانها حلال له ولمن هو في معناه، وهو من يخاف

(1) المائدة: 3.
(2) الانعام: 119.

[ 285 ]

المرض إن ترك أكلها أو كان ماشيا في سفر متى لم يأكل ضعف وانقطع عن الرفقة، أو كان راكبا متى لم يأكل ضعف عن الركوب فانه يحل أكلها، ومن حلت له الميتة حل له الدم ولحم الخنزير والكلب والانسان وغيرها من المحرمات، فيحل له كل ما حرم من ميتة ودم ولحم خنزير. فاذا تقرر هذا ففي المضطر ثلاث مسائل له سد الرمق بلا خلاف، ولا يزيد على الشبع بلا خلاف وهل له الشبع بعد سد الرمق أم لا؟ قال قوم لا يزيد وهو مذهبنا وقال قوم قوم له الشبع ولا يزيد، فمن قال له الشبع فاذا شبع لا يزيد بحال، ومن قال لا يزيد على سد الرمق فمتى زاد كان حراما. وإما وجوب الاكل خوفا على نفسه، قال قوم يجب عليه، وهو الصحيح عندنا لان دفع المضار واجب عقلا، ولقوله تعالى " ولا تقتلوا أنفسكم " (1) وقال " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " (2). وقال بعضهم لا يجب عليه الاكل، وله تركه وإن مات، لان له غرضا في الامتناع وهو أن لا يباشر النجاسة. إذا اضطر الانسان إلى طعام الغير وقد ذكرنا صفة المضطر كان على صاحب الطعام بذله، لقوله عليه السلام من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيمة مكتوب بين عينيه " آيس من رحمة الله " وقالوا هذا أولى؟ فإذا ثبت هذا لم يخل المضطر من أحد أمرين أن يكون واجدا للثمن أو لا يكون واجدا له، فان كان واجدا لم يكن عليه بذله إلا ببدل لانا ألزمناه البذل لازالة الضرر عنه، فلا ندخل الضرر على غيره، وإن كان المضطر غير قادر على ثمنه لعدمه بكل حال أو لعدمه في ذلك المكان، فإن كان قادرا عليه في بلده لم يجب على صاحبه بذله بغير بدله، وفيهم من قال يجب عليه البذل بغير بدل، لان المنافع كالاعيان.

(1) النساء: 29.
(2) البقرة: 195.

[ 286 ]

فاذا تقرر أن عليه البذل لم يخل من أحد أمرين إما أن يبذل أو يمنع، فان بذله له بثمن مثله كان عليه الشراء للآية التي قدمناها ولان الواجد بالثمن كالواجد لعينه بدليل أن من وجد الماء بثمن كان كالواجد له في المنع من التيمم، وكذلك القدرة على ثمن الرقبة كالقدرة على الرقبة في الكفارات هذا إذا بذل، وأما إذا منع وقال لا أدفع إليه أو يبذل أكثر من ثمن مثله لم يخل المضطر من أحد أمرين إما أن يكون قادرا على قتاله ومكابرته عليه أو غير قادر فان كان قادرا على قتاله ومكابرته كان عليه لانه كالمستحق له في يديه، ولو كان له مال في يد غيره فمنعه إياه كان له قتاله على منعه. فاذا ثبت أنه يقاتله عليه فكم القدر الذي يحل له أن يقاتله عليه؟ فمن قال لا يزيد على سد الرمق قاتله عليه، ومن قال له الشبع قاتله عليه. فاذا قاتله نظرت، فان قتل صاحب الطعام كان هدرا لانه قتله بحق وإن قتل المضطر كان قتله مضمونا لانه مقتول ظلما. فأما إن لم يكن قادرا على قتاله أو قدر عليه فتركه حذرا على إراقة الدماء نظرت فان قدر أن يحتال عليه ويشتريه منه بعقد فاسد، حتى لا يلزمه إلا ثمن مثله فعل وإن لم يقدر إلا على العقد الصحيح فاشتراه بأكثر من ثمن مثله، قال قوم يلزمه الكل لانه باختياره بذل، وقال آخرون لا يلزمه الزيادة على ثمن المثل لانه مضطر إلى بذلها فكان كالمكره عليها، وهو الاقوى عندنا. هذا كله إن وجد الطعام ولم يجد الميتة، فأما إن وجد ميتة وطعام الغير، لم يخل صاحب الطعام من أحد أمرين إما أن يكون حاضرا أو غائبا فان كان حاضرا نظرت، فان بذله بثمن مثله لم يحل أكل الميتة، فان قاتله ومنعه لم يكن له قتاله و يعدل إلى أكل الميتة، لانه إنما يطلب طعام الغير خوفا على الهلاك وفي قتاله غرور بما أراق دما وكان له ترك هذا إلى أكل الميتة. وإن كان صاحب الطعام غايبا أو حاضرا ضعيفا لا نهضة به إلى منع المضطر من طعامه قال قوم: ليس له أكل الميتة، لانه قادر على طعام الغير بثمن مثله، وقال

[ 287 ]

آخرون يأكل الميتة والاول أقوى عندنا. إذا وجد المضطر ميتة وصيدا حيا وهو محرم، فعندنا يأكل الميتة لانه إن ذبح الصيد كان حكمه حكم الميتة، وإن وجده مذبوحا أكل الصيد وفداه ولا يأكل الميتة، وقال بعضهم يأكل الميتة بكل حال، وقال آخرون يأكل الصيد ويذبحه ويفديه. وأما ذكاة المحرم فعندنا وعند جماعة لا تبيح كذكاة المجوسي وقال آخرون ذكاته تبيح لغيره ولا تبيح لنفسه، فاذا قلنا ذكاته لا تبيح فالميتة أولى، لان الصيد حرام من وجهين، ومن قال يحرم عليه وحده فالصيد أولى عنده، لان الصيد على هذا طاهر والميتة نجس. فأما إذا وجد صيدا مذبوحا وميتة نظرت، فان كان ذبحه حلال في حل فقد وجد ميتة وطعام الغير وقد مضى الحكم فيه، وإن كان هو الذي ذبح الصيد فان كان ذبحه قبل إحرامه فقد وجد ميتة وطعاما طاهرا لنفسه، فهو غير مضطر إليها يأكل ويفدي عندنا وإن كان هو الذي ذبحه حال إحرامه فقد مضى القول فيه. فان وجد المضطر آدميا ميتا حل له أكله، كما لو كانت الميتة بهيمة للآيات وعمومها. وعندنا وعند جماعة لا تحل الميتة للباغي وإن كان مضطرا، وهو الخارج على الامام، ولا للعادي وهو قاطع الطريق. وفي الناس من يقول لا يجوز أكل لحم الآدمي بحال للمضطر لانه يؤدي إلى أكل لحوم الانبياء، وهذا ليس بصحيح، لان المنع من ذلك يؤدي إلى أن الانبياء يقتلون أنفسهم بترك لحم الآدمي عند الضرورة، فكان من حفظ النبي في حال حيوته أولى من الذي لم يحفظ بعد وفاته، بدليل أن من قتل نبيا حيا ليس كمن أتلف آدميا ميتا. وأما إن وجد آدميا حيا نظرت فان كان محقون الدم كالمسلم والذمى لم يحل قتله لاكله، لانه محقون الدم على التأبيد وأن كان مباح الدم كالكافر الاصلي والمرتد والزاني المحصن، والمقدور عليه في المحاربة قبل التوبة، كان كالميتة ويؤكل لانه مباح الدم، فلا إثم عليه في قتله، وهو ميتة بعد قتله، وهو مضطر قد وجد ميتة.

[ 288 ]

فان لم يجد المضطر شيئا بحال. قال قوم: له أن يقطع من بدنه المواضع الجسمة كالفخذ ونحوها فيأكله خوفا على نفسه، لانه لا يمنع إتلاف البعض لاستبقاء الكل. كما لو كان به آكلة أو خبيثة يقطعها، والصحيح عندنا أنه لا يفعل ذلك، لانه إنما يأكل خوفا على نفسه، وفي القطع منه خوف على نفسه، فلا يزال الخوف بالخوف، ويفارق الخبيثة لان في قطعها قطع السراية، وليس كذلك قطع موضع من بدنه، لان في قطعه إحداث سراية. فأما إن وجد المضطر بولا وخمرا يشرب البول دون الخمر لان البول لا يسكر ولاحد في شربه، فان لم يجد إلا خمرا فالمنصوص لاصحابنا أنه لا سبيل لاحد إلى شربها سواء كان مضطرا إلى الاكل والشرب أو التداوي، وبه قال جماعة، وقال بعضهم إن كان الضرورة العطش حل له شربها ليدفع العطش عن نفسه، وقال بعضهم يحل للمضطر إلى الطعام والشراب ويحل تداوى العين به دون الشراب. إذا مر الرجل بحائط غيره حل له الاكل من غير ضرورة، ولا يجوز له حمله وعند المخالف لا يجوز من غير ضرورة، وقال بعض أصحاب الحديث ينادى ثلاثا فان أجابوه، وإلا دخل وأكل، ولم يتخذ جنبة وهذا قريب مما قلناه. روى أبو واقد الليثي أن رجلا قال يا رسول الله إنا نكون بالارض فتصيبنا بها المخمصة، فمتى تحل لنا الميتة؟ فقال: ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا أو تحتفئوا بها بقلا شأنكم بها (1). قال سألت أبا عمرو بن العلا وأبا عبيدة فقالا: لا نعرف تحتفئوا، ثم بلغني بعد عن أبي عبيدة أنه قال: هو من الحفاء مهموز مقصور، وهو أصل البردي الابيض الرطب منه، وهو يؤكل فتأوله في تحتفئوا يعني ما لم تقتلعوا هذا بعينه فتأكلوه.

(1) رواه الدارمي على ما في مشكاة المصابيح ص 370.

[ 289 ]

* (كتاب السبق والرماية) * قال الله تعالى " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم (1) " وروى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ووجه الدلالة أن الله تعالى أمر بإعداد الرمي ورباط الخيل للحرب، ولقاء العدو والاعداد، وذلك لا يكون إلا بالتعلم والنهاية في التعلم المسابقة بذلك، ليكد كل واحد نفسه في بلوغ النهاية والحذق فيه فكان في ضمن الآية دليل على ما قلناه. وقال تعالى " يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا (2) " فأخبر بالمسابقة. وروى ابن أبي ذويب عن نافع عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر، وروى لا سبق بسكون الباء، وروى بفتح الباء فالسكون مصدر مشتق من فعل سبق يسبق سبقا، والسبق بالفتح العوض المخرج في المسابقة فأثبت النبي صلى الله عليه وآله السبق في هذه الثلثة. وروى أبو لبيد قال سئل أنس بن مالك هل كنتم تراهنون على عهدا رسول الله؟ فقال: نعم راهن رسول الله صلى الله عليه وآله على فرس له فسبق، فسر بذلك وأعجبه. وروى عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله سابق بين الخيل المضمرة من الحفيا إلى ثنية الوداع خمسة أميال إلى ستة ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل، والمشهور في الخبر الخيل المضمرة بتخفيف الميم، وروى الساجى المضمرة بفتح الضاد وتشديد الميم. وروى عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وآله ناقة يقال لها العضبا إذا تسابقت سبقت فجاء اعرابي على بكر فسبقها

(1) الانفال: 60.
(2) يوسف: 17.

[ 290 ]

فاغتم المسلمون فقيل: يا رسول الله سبقت العضبا؟ فقال: حق على الله أن لا يرفع شيئا في الناس إلا وضعه وفي بعضها ألا يرفع شيئا في الناس إلا وضعه (1). وروى عن عايشة قالت كنت مع رسول الله في غزاة فقال للقوم تقدموا فتقدموا، فقال لي تعالي اسابقك فسابقته برجلي فسبقته، فلما كان في غزاة اخرى قال للقوم تقدموا فتقدموا، وقال تعالى اسابقك فسابقته فسبقني، وكنت قد نسيت، فقال: يا عايشة هذه بتلك وكنت بدنت. وروى أن النبي صلى الله عليه وآله مر بقوم من الانصار يترامون، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا مع الحزب الذي فيه ابن الادرع، فأمسك الحزب الآخر، وقالوا: لن يغلب حزب فيه رسول الله، فقال ارموا فاني أرمي معكم فرمى مع كل واحد منهم رشقا فلم يسبق بعضهم بعضا، فلم يزالوا يترامون وأولادهم وأودلاد أولادهم لا يسبق بعضهم بعضا. وروى عن بعضهم أنه قال: تناضلوا واحتفئوا واخشوشنوا وتمعددوا. قوله " تناضلوا " يعني تراموا، والنضال الرمي، " واحتفئوا " يعني امشوا حفاة " واخشوشنوا " يعني البسوا الخشن من الثياب، وأراد أن يعتادوا الحفا " وتمعددوا " يعني تكلموا بلغة معد بن عدنان، فانها أفصح اللغات وأيسرها. وعليه إجماع الامة لانه لا خلاف بينهم في جوازه، وإنما الخلاف في أعيان المسائل. فاذا تقرر جواز ذلك في الجملة، فالكلام فيما يجوز المسابقة عليه، وما لا يجوز، وما تضمنه الخبر من النصل والحافر والخف. فالنصل ضربان: أحدهما نشابة وهي للعجم، والآخر السهم وهي للعرب والمزاريق وهي الردينيات والرماح والسيوف كل ذلك من النصل ويجوز المسابقة عليه بعوض لقوله تعالى " وأعدوا لهم ما استطعتم " الآية ولقوله لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر، وكل ذلك يتناوله اسم النصل.

(1) وفي بعضها كما في مشكاة المصابيح: 336 أن لا يرتفع شئ من الدنيا الا وضعه.

[ 291 ]

وأما الخف فضربان إبل وفيلة، فأما الابل فيجوز المسابقة عليه، لقوله تعالى " فما أو جفتم عليه من خيل ولا ركاب " (1) وللخبر أيضا والركاب الابل ولان النبي صلى الله عليه وآله سابق بناقته العضباء، وأما الفيل فقال قوم لا يجوز، لانه ليس مما يكر ويفر، وقال آخرون يجوز وهو الاظهر والاقوى عندنا لعموم الخبر. وأما المسابقة على الخيل فجائز لقوله " ولا حافر " ولقوله تعالى " ومن رباط الخيل " وقوله " من خيل ولا ركاب " وعليه الاجماع. وإما البغال والحمير فقال قوم لا يجوز المسابقة عليها، لانها لا تكر ولا تفر كالبقر، وقال آخرون جائز، وهو الاقوى لعموم الخبر. فأما ما لم يرد فيه الخبر فمذهبنا أنه لا يجوز المسابقة عليه، لان النبي صلى الله عليه وآله نفى أن تكون المسابقة إلا في الثلثة الاشياء، فمن ذلك المسابقة بالاقدام أو إلى حبل (2) أو على أن يدحو حجرا أو على المصارعة أو الطير خمس مسائل. فالمسابقة بالاقدام يكون على ضربين: إما أن يتعاديا فأيهما سبق صاحبه فهو السابق أو يكون للمدى شيئا معلوما فهو جائز بلا عوض بلا خلاف وفي كونه بعوض فيه خلاف، وقد بينا أن عندنا لا يجوز بحال، فمن أجازه استدل بما روي أن النبي صلى الله عليه وآله سابق عائشة. وأما المسابقة على أن يدحو حجرا يدفعه من مكان إلى مكان ليعرف به الاشد فلا يجوز بعوض وبغير عوض لانه لا يقاتل بها. والمسابقة بالمصارعة بغير عوض [ تجوزو ] ظ أجازه قوم بعوض وفيه خلاف فمن أجازه قال: لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله خرج إلى الابطح فرأى يزيد بن ركانة يرعى أعنزا له، فقال للنبي: هل لك في أن تصارعني؟ فقال له النبي صلى الله عليه وآله ما تسبق لي؟ فقال شاة، فصارعه فصرعه النبي عليه وآله السلام فقال للنبي هل لك في العود؟ فقال النبي ما تسبق لي فقال: شاة فصارعه فصرعه، فقال للنبي صلى الله عليه وآله هل لك في العود؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله ما تسبق لي فقال شاة فصارعه فصرعه، فقال للنبي أعرض على الاسلام، فما أحد وضع

(1) الحشر: 6 (2) يعني إلى أكمة أو ربوة أو جبل.

[ 292 ]

جنبى على الارض، فعرض عليه الاسلام فأسلم ورد عليه غنمه والاقوى أنه لا يجوز لعموم الخبر. وأما المسابقة بالطيور، فان كان بغير عوض جاز عندهم، وإن كان بعوض فعلى قولين، وعندنا لا يجوز للخبر وأما المسابقة بالسفن والزيارق، فقال قوم يجوز، وقال آخرون لا يجوز، و هو الصحيح عندنا للخبر. * * * الاسباق جمع سبق، وهو المخرج للسبق، ولا يخلو ذلك من ثلاثة أحوال إما أن يخرجه غيرهما، أو أحدهما، أو هما، فان كان الذي يخرج غيرهما، فان كان الامام نظرت، فان أخرجه من ماله جاز، لما روى أن النبي صلى الله عليه وآله سابق بين الخيل وجعل بينهما سبقا، وفي بعضها سابق بين الخيل وراهن، وإن أراد إخراجه من بيت المال جاز أيضا للخبر ولان فيه مصلحة للمسلمين وعدة، وإن كان المخرج لذلك غير الامام جاز أيضا عندنا، وقال بعضهم لا يجوز لانه من المعاونة على الجهاد وليس ذلك إلا للامام والاول أقوى، لان فيه نفعا للمسلمين. فالتفريع على هذا: إن قال لاثنين أيكما سبق إلى كذا فله عشرة دراهم صح لان كل واحد منهما يجتهد أن يسبق وحده فأما إن قال لاثنين من سبق فله عشرة، ومن صلى فله عشرة، و قوله صلى يعني حاذى رأس فرسه صلوى فرس السابق، والصلوان الحقوان. فاذا سوى بينهما في العطية: فان لم يدخل بينهما ثالثا كان خائبة لان كل واحد منهما لا يكد ولا يجهد لانه إن سبق فله العشرة وإن صلى فله العشرة. وإن أدخل بينهما ثالثا وقال أي الثلاثة سبق أو صلى فله العشرون صح لان كل واحد منهم يكد ويجهد خوفا أن يكون ثالثا غير سابق ولا مصلى. هذا إذا سوى بينهما فأما إن فاضل في العطية فقال للسابق عشرة، وللمصلي

[ 293 ]

خمسة، فان أدخل بينهما ثالثا صح لان كل واحد يخاف أن يكون ثالثا لا يأخذ شيئا، وإن لم يدخل بينهما ثالثا قال قوم لا يصح لان كل واحد منهما لا يخلو من جعل، وقال آخرون يصح وهو الاقوى عندي، لان كل واحد منهما يكد ويحرص على تحصيل الاكثر. هذا إذا كان المسبق غيرهما. فأما إذا كان المسبق أحدهما، فقال أينا يسبق فله عشرة، إن سبقت أنت فلك العشرة، وإن سبقت أنا فلا شئ عليك، جاز هذا عند قوم ولا يجوز عند آخرين والاول أقوى، لان الاصل جوازه. الثالث أن يسبق كل واحد منهما صاحبه، فيخرج كل واحد منهما عشرة ويقول من سبق فله العشرون معا، فان لم يدخلا بينهما محللا فهو القمار بعينه، لما روى أن النبي صلى الله عليه وآله قال من أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار، وإن لم يأمن فليس بقمار. والدلالة من أول الخبر، وهو إنهما لو تسابقا وأدخلا بينهما ثالثا قد أمن أن يسبق معناه أي قد أيس أن يسبق، لضعف فرسه وقوة الآخرين، فهو قمار لانه قد علم وعرف أنه لا يسبق ولا يأخذ شيئا، فاذا لم يجز هذا ومعهما ثالث قد أيس أن يسبق فبأن لا يجوز إذا لم يكن معهما ثالث بحال أولى. فهذا دلالة الفقهاء وعندي أنه لا يمنع جوازه، لان الاصل الاباحة، فأما إن أدخلا بينهما ثالثا لا يخرج شيئا، وقالا إن سبقت أنت فلك السبقان معا، فهذا جائز عند قوم، وعند آخرين لا يجوز، والاول أقوى، لان الاصل جوازه. فعلى هذا إذا أدخلا بينهما محللا نظرت فان لم يكن فرسه كفوا لفرسيهما، و هو أن كان على برذون وكل واحد منهما على عربي جواد، فالمسابقة قمار للخبر الذي قدمناه وإن كان فرسه كفوا لفرسيهما، فهذا هو الجائز لقوله عليه السلام من أدخل فرسا بين فرسين ولا يأمن أن يسبق فليس بقمار. إذا أسبق كل واحد منهما عشرة وأدخلا بينهما محللا لا يخرج شيئا وقالا: أي الثلثة سبق فله السبقان معا فان تسابقوا على هذا فسبق أحد المسبقين وتأخر المحلل

[ 294 ]

والآخر معا كان السبقان معا للسابق، يمسك سبق نفسه ويستحق سبق غيره، وقال بعضهم يمسك سبق نفسه، ولا يستحق سبق غيره، والاول أصح، للخبر المتقدم. ويتفرع على هذا سبع مسائل ثلاث لا خلاف فيها مع هذا القائل وأربع فيها خلاف. فالتي لا خلاف فيها: إذا سبق الثلاث كلهم أتوا الغاية معا فههنا يحوز كل واحد منهما مال نفسه، ولا شئ للمحلل، لانه ما سبق، الثانية سبق المسبقان معا وتأخر المحلل فكل واحد منهما يحوز مال نفسه، ولا شئ للمحلل لانه ما سبق، الثالثة سبق المحلل وحده، وتأخرا، أخذ المحلل السبقين لانه قد سبقهما. وأما الاربعة التي فيها خلاف فترتيبها أن يبنى على المحلل. الاولى سبق أحد المسبقين والمحلل معا فتأخر الآخر فالمسبق يحوز مال نفسه ويكون العشرة بينه وبين المحلل نصفين، لانهما سبقا المسبق الآخر، وقال المخالف يحوز المسبق السابق سبق نفسه، وتكون العشرة للمحلل لانه لو شاركه المسابق السابق كان قمارا لانه يحصل في القوم من يغنم تارة ويغرم اخرى وهذا لا سبيل إليه، وقد سبق المسبق المتأخر فكان العشرة له وحده. الثانية سبق أحد المسبقين وصلى المحلل، وتأخر الآخر، فالسابق يحوز مال نفسه وسبق الآخر، لانه قد سبق الكل، وعلى قول المخالف تكون العشرة التي للمتأخر للمحلل، لانه قد سبق المتأخر. الثالثة سبق أحد المسبقين وتأخر المحلل والمسبق الآخر معا، فالسابق يحوز مال نفسه، وسبق المتأخر، وعلى قول المخالف يحوز السابق مال نفسه، والمسبق الثاني يحوز مال نفسه ولا شئ للمحلل لانه ما سبق أحدا. الرابعة سبق أحد المسبقين وصلى المسبق الآخر وتأخر المحلل عنهما، فالسابق يحوز السبقين معا، وعلى قول المخالف للسابق سبق نفسه وللمسبق الثاني سبق نفسه ولا شئ للمحلل لانه تأخر عنهما. إذا قال أجنبي أو إمام أو غيره لعشرة أنفس: من سبق فله عشرة، فان وافى القوم معا

[ 295 ]

فلا شئ لواحد منهم، لانه ما سبق أحدا فلم يوجد الشرط، فان وافى منهم واحد و تأخر الباقون كان له العشرة، وإن وافى تسعة وتأخر العاشر كان العشرة للتسعة. وإذا قال من سبق فله عشرة، ومن صلى فله خمسة، فان سبق خمسة وصلى أربعة، وتأخر العاشر، كان لمن سبق عشرة وهم خمسة، ولمن صلى خمسة وهم أربعة ولا شئ للآخر. فان سبق واحد وصلى ثمانية، وتأخر العاشر، فلمن سبق عشرة، ولمن صلى خمسة ولا شئ للعاشر، فان سبق ثلاثة وصلى أربعة وتأخر الباقون فلمن سبق عشرة ولمن صلى أربعة، ولا شئ للباقين، وعلى هذا أبدا. الهادي العنق، والكتد الكاهل وهو العالي ما بين أصل العنق والظهر، وهو من الخيل مكان السنام، ومن البقر هو مجتمع الكتفين. فإذا ثبت هذا فمتى تسابقا لم يخل الفرسان من أحد أمرين إما أن يكونا في الخلقة متساويين أو مختلفين، فإن كانا متساويين في القد وطول العنق، فمتى سبق أحدهما الآخر بالهادي أو ببعضه أو بالكتد فقد سبق. وأما إن كانا مختلفين في الخلقة مثل أن يكون طول عنق أحدهما ذراعا وطول عنق الآخر ذراعا وشبرا، فان سبق القصير الطويل بالهادي أو ببعضه فقد سبق، وكذلك. إذا كان الرأسان سواء وإن سبق الطويل القصير فان كان بقدر الزيادة في الخلقة لم يكن سابقا لان ذلك لطول خلقته لا لسرعة عدوه، وإن كان السبق بأكثر من الزيادة في الخلقة كان سابقا. والاعتبار في السبق بالكتد أو الهادى عند الاكثر، وقال شاذ الاعتبار بالاذن فاذا سبق بها فقد سبق، لقوله صلى الله عليه و آله بعثت والساعة كفرسي رهان كاد أحدهما أن يسبق الآخر باذنه، والاول أقوى، لان أحد الفرسين متى رفع عنقه قليلا كان هو السابق وإن كان اذن الاخر أسبق، والخبر المراد به ضرب المثل على سبيل المبالغة كما قال من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة، وإنما أراد المبالغة في الكل بضرب المثل.

[ 296 ]

لا يجوز المسابقة حتى يكون ابتداء الغاية التي يجريان منها والانتهاء التي يجريان إليها معلوما ولما روي أن النبي صلى الله عليه وآله سابق بين الخيل المضمرة من الحفيا إلى ثنية الوداع وبين التي لم يضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق. ومن شرطه أن تكون الغاية التي يجريان إليها واحدة، ولا تختلف الغايتان فتكون إحداهما أبعد من الاخرى. وإما المناضلة إذا تناضلا على الاصابة جاز، وإن تناضلا على أيهما أبعد رميا قال قوم يجوز وقال آخرون لا يجوز، والاول أقوى. النضال اسم يشتمل على المسابقة بالخيل والرمي معا ولكل واحد منهما اسم ينفرد به، فالمناضلة في الرمي والرهان في الخيل فأما قولهم سبق فهو من الاضداد سبقه بمعنى أخرج السبق وسبقه أحرز السبق. وجميع أحكام الرهان معتبرة في النضال إلا من واحد وهو أن المسابقة لا تصح حتى تعين الفرس ومتى نفق لم يستبدل صاحبه غيره، وفي النضال لا يحتاج إلى تعيين القوس، وإن عينها لم يتعين، ومتى انكسرت كان له أن يستبدل، لان المقصود من النضال الاصابة، ومعرفة حذق الرامي، وهذا لا يختلف لاجل القوس، والقصد في المسابقة معرفة السابق، فلهذا اختلف باختلاف الفرس وإذا نفق لم يقم غيره مقامه، لانه قد يكون دون الاول أو خيرا منه، وليس كذلك القوس لان المقصود معرفة حذقه فكل قوس يذهب يقوم غيرها مقامها. لا تصح المناضلة إلا بسبع شرايط: وهو أن يكون الرشق معلوما، وعدد الاصابة معلوما، وصفة الاصابة معلومة، والمسافة معلومة، وقد الغرض معلوما، والسبق معلوما وأن يشترط مبادرة أو محاطة. أما الرشق بكسر الراء فعبارة عن عدد الرمي، يقال رشق ووجه ويد واليد بالفارسية دست، وقوله " وجه " معناه أن يقفوا عند أحد الغرضين يرمون رشقهم إلى الآخر فقالوا وجه، وأما الرشق بفتح الراء فعبارة عن الرمي، يقال فرس رشيق وغلام رشيق إذا كان دقيقا وليس للرشق عدد معلوم عند الفقهاء، بل على أي عدد يتفقان عليه، و

[ 297 ]

عند أهل اللغة عبارة عما بين عشرين إلى ثلاثين. وأما عدد الاصابة فأن يقال الرشق عشرون والاصابة خمسة، ونحو هذا. وصفة الاصابة معلومة، وهو أن يقال حوابي أو خواصر أو خوارق أو خواسق وقيل خواصل ومنه يقال خصلت مناضلي أي سبقته. فالحوابي ما وقع بين يدي الغرض، وحبا إليه أي سبق إليه، ومنه قال حبا الصبي يحبو إذا حبا من مكان إلى مكان، والخواصر ما كان في جانبي الغرض ومنه قيل الخاصرة لانها من جانبي الرجل، والخوارق ما خدش الغرض ولم يثبت فيه، والخواسق ما فتح الغرض وثبت فيه والخواصل اسم للاصابة أي إصابة كانت. وللاصابة غير هذه الاسماء لكنها ليست من شرايط المناضلة، وهو المارق والخارق والخازم والمزدلف، فالمارق هو الذي يقع في الغرض وينفذ فيه، ويقع في الجانب الآخر والخازم والخارق معا عبارة عن الذي يخزم حاشية الغرض ثبت فيه أو لم يثبت والمزدلف هو الذي يقع في الارض قبل الغرض ثم يثبت إلى الغرض. وأما المسافة وهو ما بين الهدفين لابد أن يكون معلومة، فيقال مائتا ذراع أو ثلثمائة ونحوه، وأما الغرض فنذكر أولا الهدف ثم الغرض، فالهدف هو التراب المجموع الذي ينصب فيه الغرض أو حائط أو غير ذلك، والغرض هو الذي ينصب في الهدف و يقصد إصابته، ويكون من رق أو جلد أو خشب أو ورق أو قرطاس، والغرض الرقعة من الشن البالي، والرقعة ما نصبت من التراب. وقال بعض أهل اللغة الغرض هو المعلق غير منصوب في التراب. وقد الغرض يكون معلوما، يقال شبر أو أربع أصابع في أربع أصابع وأما السبق والقرع فعبارة عن المال المخرج في المناضلة، وقال ابن الاعرابي السبق و الخطر والندب والقرع والوجب عبارة عن المال المخرج، وأما المبادرة فأن يبادر أحدهما إلى الاصابة مع تساويهما في عدد الرمي المجموع والمحاطة أن يبادر أحدهما إلى الاصابة مع تساويهما في عدد الرمي بعد إسقاط ما تساويا في الاصابة. فالست الاولة شرط، وأما ذكر المبادرة والمحاطة، قال قوم هو شرط، وقال آخرون ليس بشرط،

[ 298 ]

والتفريع على المبادرة والمحاطة فقد قلنا إن المبادرة أن يبادر أحدهما إلى الاصابة مع تساويهما في عدد الرمي، فاذا وجد هذا أحدهما فقد فضله. بيانه شرطا الرشق عشرين والاصابة خمسة، وعلى هذه الصورة جميع ما نذكره من المسائل فيما بعد، فرمى كل واحد منهما عشرة وأصاب كل واحد منهما خمسة، فقد تساويا في عدد الرمي والاصابة فما فضل أحدهما صاحبه، ولا يرميان ما بقي من الرشق لانه يخرج عن المبادرة. فان كانت لحالها، فرمى كل واحد منهما عشرة، فأصاب أحدهما خمسة، والآخر أربعة، فقد فضله صاحب الخمسة فأما إن رمى كل واحد منهما خمسة عشر، فان أصاب كل واحد منهما خمسة فما فضل أحدهما صاحبه ولا يرميان ما بقى وإن أصاب أحدهما خمسة والآخر أربعة فقد فضل صاحب الخمسة، وعلى هذا أبدا. فان رمى كل واحد منهما عشرين فأصاب كل واحد منهما خمسة فما فضل أحدهما صاحبه ولا يرميان ما بقى، وإن أصاب أحدهما أربعة والآخر خمسة فقد فضله صاحب الخمسة، وهذا أصل متى تساويا في عدد الرمي والاصابة معا قبل إكمال الرشق لم يكملاه، ومتى بادر أحدهما إلى الاصابة مع تساويهما في عدد الرمي فقد فضل و على هذا أبدا. وأما المحاطة فقد قلنا هو أن يبادر أحدهما إلى عدد الاصابة مع تساويهما في عدد الرمي، بعد أسقاط ما تساويا فيه من الاصابة، فان عدم هذا لم يفضل أحدهما صاحبه. بيانه الرشق عشرون والاصابة خمسة، على ما صورناها، رمى أحدهما عشرة فأصاب خمسة، ورمى الآخر عشرة فأصاب خمسة، تحاطا ذلك وأكملا الرشق، فان كانت بحالها فرمى أحدهما عشرة فأصاب تسعة، ورمى الآخر عشرة فأصاب خمسة تحاطا خمسة بخمسة، وفضل الآخر يكملان الرشق، وعلى هذا أبدا. فان بادر أحدهما إلى الاصابة مع تساويهما في عدد الرمي بعد إسقاط ما تساويا فيه من الاصابة لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون هذا بإكمال الرشق، أو قبل إكماله، فان كان هذا بإكمال الرشق، فقد فضل المنفرد بالاصابة.

[ 299 ]

بيانه رمى كل واحد منهما العشرين، فأصاب أحدهما كلها، وأصاب الآخر خمسة عشر فخمسة عشر بخمسة عشر، وانفرد أحدهما بخمسة، فقد فضله، هذا إذا حصل كذلك بإكمال الرشق. فأما إن حصل هذا قبل إكمال العشرين، وهو أن يبادر أحدهما إلى الاصابة مع تساويهما في عدد الرمي، بعد إسقاط ما تساويا فيه من الاصابة، فطالب صاحب الاقل الاكثر بإكمال الرشق، فقال صاحب الاكثر قد فضلتك لا أرمى ما بقى من الرشق، فهل عليه الرمي أم لا؟ لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون له فائدة في إكمال الرشق، أو لا فائدة: فان لم يكن له فائدة فقد فضله صاحب الاكثر، ولا يجب إكمال الرشق، مثل أن رمى أحدهما خمسة عشر فأصابها، ورمى الآخر خمسة عشر فأصابها خمسة، فلا يجب الاكمال، لان أكثر ما فيه أن يرمي صاحب الاقل ما بقى من الرشق، وهو خمسة فيصيبها فيضمها إلى الخمسة التي له، فتصير عشرة، ويرمى صاحب الاكثر ما بقى و يخطئها كلها وله خمسة عشرة تحاطا عشرة بعشرة وفضل صاحب الاكثر بخمسة وهو عدد الاصابة فلهذا قلنا لا يرمي ما بقى. وأما إن كان لصاحب الاقل فائدة بإكمال الرشق، فقد يكون الفائدة رجاء أن ينضل صاحب الاكثر، وقد يكون أن يساوي صاحب الاكثر في الاصابة، وقد يكون أن يمنع صاحب الاكثر أن ينفرد بعدد الاصابة. بيان ذلك أنه ينضل صاحب الاقل صاحب الاكثر، بأن يرمي أحدهما عشرة فيصيب ستة، ويرمى الآخر عشرة فيصيب واحدا وبقى من الرشق عشرة، فيصيبها صاحب الواحد فيصير له أحد عشر، ويخطئها صاحب الستة فيكون له ستة، ولهذا أحد عشر فيتحاطا ستة بستة وتبقى لصاحب الاحد عشر خمسة، فيفضله بذلك. وأما المساواة فبأن يرمي أحدهما خمسة عشر [ فيصيب عشره ] ظ ويرمى الآخر خمسة عشر فيصيب خمسة، فاذا أكملا الرشق أصاب صاحب الخمسة ما بقى فيصير له عشر إصابات ويخطئها صاحب العشرة فيكون لكل واحد منهما عشرة وتساويا وسقطا.

[ 300 ]

وأما أن يمنع صاحب الاكثر أن ينفرد بالاصابة، مثل أن يرمي أحدهما خمسة عشرة، فاصاب إحدى عشر، ورمى الآخر خمسة عشر فأصاب اثنين، فاذا أكمل الرشق أصاب صاحب الاثنين ما بقى وهو خمسة صار له سبعة، وأخطأ صاحب الاحد عشر ما بقى فاستقر له أحد عشر، ثم تحاطا ما تساويا فيه من الاصابة سبعة بسبعة، وفضل لصاحب الاحد عشر أربعة. فالحكم في كل هذا واحد: متى كان لصاحب الاقل فائدة إما أن يرجع إلى أن يفضل صاحبه، أو يساويه في عدد الاصابة أو يمنعه عن الانفراد بعدد الاصابة، فهل له المطالبة بإكمال الرشق أم لا؟ قال قوم: ليس له ذلك، لان صاحب الاكثر قد بادر إلى الاصابة مع تساويهما في عدد الرمي بعد إسقاط ما تساويا فيه من الاصابة، فوجب أن يكون ناضلا، كما لو تناضلا مبادرة وبادر أحدهما إلى الاصابة مع تساويهما في عدد الرمي فانه قد فضل أحدهما صاحبه، وقال آخرون وهو الاقوى عندي: له مطالبته بإكمال الرشق، لان له فائدة، لانه ربما فضل أو أسقط ما له من الفضل أو يساوى فلهذا كان له المطالبة بإكمال الرشق. ويفارق المبادرة لان موضوعها على أن لا يحط ما تساويا فيه من الاصابة، فان بادر أحدهما إلى الاصابة مع تساويهما في عدد الرمي فلا معنى لاكمال الرشق، فبان الفصل بينهما. إذا تسابقا أو تناضلا، وأخرج كل واحد منهما سبقا وأدخلا بينهما محللا فهل ذلك من العقود الجائزة أو اللازمة؟ قال قوم من العقود الجائزة كالجعالة، وقال آخرون من العقود اللازمة كالاجارة، والاقوى الاول. فمن قال من العقود اللازمة، قال لزم، ويلزم الوفاء به، ومتى أراد أحدهما أن يخرج منه نفسه بعد التلبس بالمناضلة أو قبل التلبس وبعد العقد، لم يكن له ذلك ومن قال من الجائزة، قال هو كالجعالة وأيهما أراد إخراج نفسه من السباق، كان له ذلك، وعلى القولين يصح أن يكون العوض فيه عينا ودينا. فاذا تم النضال بينهما سواء قيل إنه جائز أو لازم فقد استحق السبق بذلك.

[ 301 ]

فان كان عينا كان الناضل يستحقها كسائر أمواله، فان اختار تملكها وأحرزها وإن شاء أطعمها أصحابه، وإن كان العوض دينا طالبه، فان منعه حكم الحاكم عليه به، كما يقضي عليه في سائر الديون، وإن كان موسرا استوفاه وصنع به ما شاء على ما ذكرناه وإن كان معسرا كان الناضل أحد الغرماء، فان كان مفلسا ضرب به معهم. وهل يجوز أخذ الرهن والضمين بالسبق أم لا؟ لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون السبق عينا أو دينا فان كان عينا لم يجز أخذ الرهن به، سواء كان قبل النضال أو بعد الفراغ منه، لانه لا يجوز أخذ الرهن والضمين بالاعيان، وإن كان السبق دينا فان كان بعد الفراغ من النضال جاز، لانه لزم على القولين، لان العمل قد وجد وإن كان بعد العقد قبل النضال، فمن قال هو عقد إجارة قال يصح، لانه رهن أو ضمين بالاجرة في الاجارة، وهو جائز، ومن قال جعالة منهم من قال يجوز لقوله تعالى: " ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " (1) ولم يعقبه بنكير، وقال آخرون لا يصح لان الرهن والضمين كل واحد منهما عقد لازم، ومال الجعالة جائز، فلا يستوثق للجائز باللازم كمال الكتابة وهو الاقوى. لا يصح المناضلة حتى يكون السبق معلوما، لانه يكون في معاوضة كالثمن في البيع فاذا ثبت ذلك ففيه أربع مسائل: إن قال أسبقتك عشرة على أنك إن نضلتني فلك عشرة ولا أرمي أبدا، أو لا أرمى شهرا - يعني أنفة كان هذا باطلا لانه شرط ترك ما هو مندوب إليه مرغب فيه فكان فاسدا فاذا فسد الشرط فسد النضال. الثانية قال إن نضلتني فلك دينار حال وقفيز حنطة بعد شهر صح النضال. الثالثة قال على أنك إن نضلتني فلك عشرة، وتعطيني قفيز حنطة، كان فاسدا لان موضوع النضال على أن الناضل يأخذ ولا يعطى، وهذا قد شرط عليه إذا نضل أن يعطى وهذا فاسد، ولان كل واحد منهما قد أسبق صاحبه، ولا محلل بينهما، وهذا فاسد. الرابعة قال إن نضلتني فلك عشرة إلا دانقا صح لانه استثناء معلوم من معلوم يصح وإن قال على أن على عشرة إلا قفيز حنطة، كان باطلا لان قيمة القفيز مجهول

(1) يوسف: 72.

[ 302 ]

فاذا حذف من المعلوم مجهولا كان مجهولا فلهذا بطل النضال. إذا تناضلا فسبق أحدهما صاحبه، فقال إن نضلتني فلك عشرة، بشرط أن تطعم السبق أصحابك فالنضال باطل، وقال قوم الشرط باطل، والنضال صحيح، وهذا أقوى. فمن قال المناضلة صحيحة، قال يستحق الناضل المسمى وهو بالخيار، إن شاء أطعم السبق أصحابه، وإن شاء منع، ومن قال المناضلة باطلة، فتناضلا فان كان الناضل هو المسبق فلا كلام يمسك مال نفسه، وإن كان الناضل هو المسبق لم يستحق المسمى لان المسمى سقط في العقد الفاسد. وقال قوم يستحق اجرة المثل كالبيع والصلح والاجارة، وقال آخرون لا يستحق شيئا لانه إنما يجب اجرة المثل في الموضع الذي يفوت على العامل عمله، وعاد به نفعه إلى الناضل، كالقراض الفاسد يجب عليه اجرة مثل العامل لانه فوت عليه عمله فيما عاد نفعه إليه. إذا تسابقا نظرت، فان كان السبق بالخيل، فانهما يجريان معا في زمان واحد لا يسبق أحدهما صاحبه، لان السابق من سبق، إلى الغاية، وإن كان السباق بالمناضلة فلابد أن يبدأ أحدهما قبل صاحبه، لانهما لو بدءا معا لم يعرف المصيب منهما، ولم يستفد بالمناضلة حذقا. ثم لا يخلو من أحد أمرين إما أن تكون المناضلة بشرط أن يبدأ فلان، فاذا فعلا هذا كان على ما شرط، وإن أطلقاها من غير شرط فمن الذي يبدأ؟ لا يخلو النضال من أحد أمرين، إما أن يكون كل واحد منهما سبق صاحبه أو لم يسبق. فان كان كل واحد منهما سبق صاحبه، قال قوم يقرع بينهما، لانه لا مزية لاحدهما، وقال آخرون النضال فاسد، والاول أقوى عندي، وإن لم يكن كل واحد منهما أخرج السبق بل أخرج أحدهما أو غيرهما، قال قوم إن كان المسبق أحدهما بدأ هو لان له مزية، وإن كان غيرهما كان له الخيار إليه في تقديم أيهما شاء وقال قوم النضال باطل، لان موضع النضال على أن يكون للمسبق مزية. وإن كان إخراج العوض منه فالسنة في النضال أن يكون لاهله غرضان وهدفان

[ 303 ]

يرمون من عند أحدهما إلى الآخر ثم يمشون إلى الذي رموا إليه فيأخذون سهامهم ويقفون عنده، فيرمون إلى الذي ابتدؤوا منه، لما روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة. فاذا ثبت هذا ورتبوا غرضين ووقفوا فرموا أولا من عند واحد إلى الآخر فبدأ أحد الرماة إما بالشرط أو بالقرعة أو بالتسبيق على ما فصلناه، فاذا مشوا إلى الآخر وجمعوا سهامهم للرمي لم يكن للذي بدء من عند الاول أن يبدء من عند الآخر، بل يبدأ غيره على ما يرتبونه، لان موضوع المناضلة على المساواة بين المتناضلين، بدليل أن المسافة في الكل واحد. فأما الكلام في كيفية الرمي، فان إطلاق المناضلة يقتضي المراسلة أن يرمي سهما وسهما كذلك حتى ينفد الرشق، لانها عادة الرماة، فان شرطا غير ما يقتضيه الاطلاق مثل أن يرمي عشرة وعشرة رشقا ورشقا جاز. وإذا عرض لاحد المناضلين عارض فاضطرب رميه لاجله، مثل أن أغرق النزع فخرج السهم من اليمين إلى اليسار، وذلك أن من شأن السهم أن يسترسل على إبهام بالغ صاحبه، فزاد في النزع فعبر القوس فمر على أصل سبابة يساره، وإن انكسر قوسه أو انقطع وتره أو عرض في الطريق عارض غير سوق استرساله مثل أن وقع في بهيمة أو غيرها ونفذ عنها أو طائر أو إنسان أو استلبه ريح في أحد كتفيه فتغير نزعه. وجملته متى عرض عارض اضطرب رميه لاجله لم يعتد بذلك السهم عليه من الخطاء، إن هو أخطأ، لان الخطأ ما كان لسوء رميه، فأما إذا كان لعارض فلا يكون لسوء رميه، فيرد إليه ليعيد رميه، ومتى حصلت الاصابة مع العارض، قال قوم يعتد عليه خطأ، وقال آخرون لا يعتد وهو الاقوى. إذا تجاوز السهم الهدف مع العارض، قال قوم يعتد عليه، وقال آخرون لا يعتد عليه. قد قلنا إن الخاسق ما ثقب الغرض وثبت نصله فيه، والخارق ما خدشه ولم يثقبه، فاذا شرطا الاصابة خواسق ورمى فأصاب الغرض ثلاث مسائل: إحداها ثقبه

[ 304 ]

وثبت نصله فيه، حسب له إصابة لانه خسق. الثانية خدش الغرض، ولم يثقبه، لم يعتد له إصابة، فكان خطاء لانه شرط الخواسق، وهذا خارق. الثالثة ثقب الغرض ثقبا يصلح للخسق، غير أن السهم سقط ولم يثبت فيه، قال قوم يحسب خاسقا لانه ثقب الغرض، وإنما لم يثبت لمانع، وهو أن اتسع الثقب أكثر من الحاجة، أو لثقبه غلظ منعه البقاء فيه، وقال آخرون وهو الاقوى إنه لا يعتد به خاسقا لان الخاسق ما ثبت فيه نصله، وهذا ما ثبت. إذا شرطا الاصابة مطلقة، وهي الخواصل، فمتى أصاب الغرض بوجه مثل أن خرق أو خسق أو خرم أو مرق فالكل إصابة يعتد له بها، لانهما شرطا هذا. إذا كانت الاصابة بينهما خواسق، فرمى أحدهما فأصاب الغرض ثم سقط السهم فادعى الرامي أنه خسق، وإنما سقط ولم يثبت في الغرض لغلظ ثقبه من حصاة أو نواة أو غيرهما، وأنكر صاحبه، لم يخل من أحد أمرين إما أن يعلم موضع الاصابة أو لا يعلم. فان لم يعلم موضع الاصابة، فالقول قول المصاب عليه، لان الاصل أن لا خسق وهل القول قوله مع يمينه؟ نظر فان لم يكن فيه غلظ ولا حصاة ولا ما يرد السهم عن الثبات فيه، فالقول قوله بلا يمين، لان الظاهر أن سقوطه لسوء رميه، وإن كان فيه شئ من هذا فالقول قوله مع يمينه لان ما يدعيه الرامي ممكن. فأما إن عرف موضع الاصابة نظرت في الموضع، فان لم يكن فيه ما يرد السهم عن الثبوت، فالقول قول المصاب عليه، أيضا لما مضى، وإن كان هناك ما يرد السهم من حصاة أو نواة، فان لم يكن السهم خرق وجه الحصاة، فالقول قول المصاب عليه أيضا لانه لو كان الامر على ما ادعاه الرامي لكان السهم قد فتح المكان، وبان أن المانع ما كان وراءه من الحصاة، وإن كان السهم قد خرق ما في وجه الحصاة وبلغ النصل إلى الحصاة فمن قال في المسألة الاولى يعتد له به خاسق، قال هاهنا مثله، ومن قال لا يعتد له قال لا يعتد هاهنا له ولا عليه، حتى يرمي ثانيا لانا لا نعلم هل خسق أم لا.

[ 305 ]

إذا كانت الاصابة خواسق، فرمى أحدهما فوقع سهمه في ثقبة كانت في الغرض أو في مكان خلق بال، فثقب الموضع وثبت السهم في الهدف، وكان الغرض ملصقا بالهدف، فهل يعتد به خاسقا أم لا؟ قال قوم ينظر في الهدف، فان كان قويا كقوة الغرض، مثل أن كان الهدف حائطا أو طينا جامدا قويا فهو خاسق، وإن كان الهدف ضعيفا ولم يكن بقوة الغرض، كالتراب والطين الرطب لم يعتد به له، ولا عليه، لان أمره مشكل. قد ذكرنا الخرم، وهو أن يقع السهم في حاشية الغرض فخرمه، وثبت فيه مثل أن قطع من حاشيته قطعة وثبت فيه، أو شق الحاشية فثبت فيه، وكان الغرض محيطا ببعض السهم، وبعض السهم لا يحيط به الغرض، فاذا كان كذلك فشرط الخواسق فخرم، قال قوم لا يعتد به خاسقا، لان الخاسق ما ثبت فيه ويحيط الغرض بجميع دور السهم، وهذا ليس كذلك، وقال آخرون إنه خاسق، لان الخاسق ما ثقب الغرض وثبت فيه، وهذا موجود، لانه إذا خرم فقد خسق وزيادة، لانه قد قطع منه قطعة ورماه وثبت السهم في مكان القطعة، فبأن يحسب خاسقا أولى. هذا إذا ثلم الحاشية وثبت فيه وكان بعض دور السهم خارج الحاشية، فأما إذا كانت الثلمة على صفة إذا كان حاشية الغرض ذهب، كان الغرض محيطا بكل السهم كان خاسقا بلا خلاف. إذا شرط الخواسق فرمى أحدهما سهم فمرق، فقد وصفنا المارق، وهو أن يصيب الغرض ويثقبه فينفذ السهم من ورائه، فاذا كان كذلك، قال قوم هو خاسق ومن الرماة من لم يجعله خاسقا وجعله خطاء اعتد به عليه. إذا كان الخواسق فرمى أحدهما فوقع السهم في الغرض، فوجد في ثقبة منه، و السهم ثابت في الغرض مع جليدة، فاختلفا فقال الرامي خسقت بقطع السهم هذه الجليدة من الغرض لشدة رميي، فأنكر المصاب عليه ذلك، قال قوم القول قول المصاب عليه لان الاصل ألاخسق حتى يعلم. هذا إذا كان صلابة الهدف كصلابة الغرض، وإن لم يكن صلابة الهدف كصلابة

[ 306 ]

الغرض، لم يعتد به له ولا عليه. القدح الفوق، والفوق الثلمة التي يقع فيها الوتر من السهم، فاذا تناضلا و الشرط الاصابة المطلقة، فعلى أي وجه أصاب حسب له إذا أصاب بنصله، فأما إن أصاب بعرض السهم، أو أصاب بالقدح، وهو أن وقع السهم بين يدي الغرض، ثم انقلب فوقع فوقه على الغرض، فهذا عليه لانه أسوأ ما يكون من الخطاء. فأما إن تناضلا فازدلف، وهو أن يقع بين يدى الغرض، ثم يثب إلى جهة الغرض فان أخطأ كان عليه، لانه من سوء رميه، وإن أصاب قال قوم يعتد به له إصابة وفيهم من قال لا يعتد له ولا عليه، والاول أقوى. إذا تناضلا وفي الجو ريح لينة، فرمى وميل رميه إلى جهة الريح بحيث يكون قدر ما يميله يوافق الاصابة فأصاب حسب له، وهكذا لو كانت الريح في وجه الغرض فنزع نزعا بقدر ما يكون قوة رميه مع معاونة الريح يصل إلى الغرض ويصيب، فأصاب كان له، لانه هو النهاية في الحذق أن يكون رماه مع معاونة الريح يوافق المراد فأما إن كانت الريح عاصفة لم يعتد عليه الخطأ خطأ، ولا الاصابة إصابة. فان هبت الريح فحولت الغرض فوقع السهم في مكانه الذي تحول منه نظرت فان كان الشرط إصابة مطلقة كانت إصابة، وإن كان الشرط خواسق نظرت، فان كانت صلابته مثل صلابة الغرض فانه يعتد به خاسقا، وإن كانت صلابة الهدف دون صلابة الغرض، لا يعتد به له ولا عليه، لانا لا نعلمه خاسقا ولا غير خاسق. وإن وقع السهم فوق المكان الذي تحول إليه لم يعتد به له، وكان عليه، لانه لو كان الغرض في مكانه الاول لم يكن مصيبا له اللهم إلا أن يتفقا بعد تحوله أن يكون الاصابة بحيث تحول إليه، فيصح ذلك كما لو حولاه إليه تحويلا من غير ريح. إذا كانت الاصابة خواسق فرمى فثبت في الغرض، ثم سقط عنه كان خاسقا لانه فعل الخسق، وسقوطه يحتمل أن يكون لثقله أو لريح حركته فسقط. إذا عقدا نضالا مطلقا، ولم يشترطا قوسا معروفة، اقتضى إطلاقه أن يكون الرمي منهما بنوع واحد، يرميان معا بالعربية أو معا بالعجمية، فان أراد أحدهما الرمي

[ 307 ]

بالعربية، والآخر بالعجمية لم يكن له، فان شرطا أن يرمي أحدهما بالعربية و الآخر بالعجمية، لزم ما شرطا، وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه رأى رجلا معه قوس عجمية فقال: ملعون حاملها عليكم بالقسى العربية وسهامها، فانه سيفتح عليكم بها، فمنسوخ بالاجماع. إذا تناضلا فلا يجوز حتى يكون الاصابة على السواء، وإن شرطا أن يحسب خاسق أحدهما بخاسق واحد، والآخر كل خاسق بخاسقين، أو يكون لاحدهما خاسق واحد بخاسقين أو يحط من خواسق أحدهما خاسق واحد، فالكل باطل، لان موضع النضال على المساواة، ليعرف حذق الناضل فيها، فاذا فضل أحدهما فضل صاحبه بما فضل به، لا بحذقه، وإن نقص أحدهما نقص بما حط من إصابته لا بحذق صاحبه، فلهذا قلنا لا يجوز. إذا عقدا النضال على نوع من القسى تعين ما عقداه، مثل أن قالا نرمي معا بالعربية دون العجمية، أو قالا نرمي معا بالعجمية دون العربية، تعين ما شرطاه ولم يكن لاحدهما أن يعدل عنه بعد الشرط. فأما إن وقع على قوس معينة من النوع فقالا يكون الرمي بهذه لم يتعين، و كان له أن يعدل إلى غيرها، سواء كان لحاجة أو لغير حاجة، لان الاصل والمقصود في النضال الرمي والقوس تبع، فكان له أن يستبدل إليه من نوعها كيف شاء. فان كان هذا في الرهان لم يجز حتى يعين الفرس، فاذا تعين بعين لا يعدل عنه إلى غيره، لان الاصل هو والفارس تبع له، فالرجل في النضال كالفرس في الرهان والقوس في النضال كالرجل في الرهان: فان أراد في الرهان أن يستبدل بالدابة لعذر أو لغير عذر لم يجز، وإن أراد أن يستبدل بالرجل جاز، وإن أراد أن يستبدل في النضال بالرجل لم يجز، وإن أراد أن يستبدل بالقوس جاز. فان نفق الفرس لم يقم غيره مقامه، وإن مات الفارس قام وارثه مقامه، كذلك في النضال، إن مات الرامي لم يقم غيره مقامه، وإن انكسر القوس قام غيرها مقامها فان شرطا في النضال قوسا معينة على أن لا يرمي بغيرها كان النضال فاسدا لانه شرط

[ 308 ]

ما ليس من مصلحة النضال. الشن هو الجلد، والجريد هو الشنبر المحيط بالشن كشنبر المنخل، والعرى المخدمة هي التي حول الشن، والمعاليق الخيوط التي يعلق بها والغرض ما دار عليه الشنبر فان شرطا إصابة الشن فأصابه كان إصابة، وإن أصاب العرى أو الشنبر لم يكن إصابة، لانه ليس من الشن. وإن شرطا إصابة الغرض فأصاب الشن أو الشنبر أو العرى كان إصابة، لانه غرض كله، وإن أصاب العلاقة قال قوم يعتد به، لانها من جملة الغرض، وقال آخرون لا يعتد به، وهو الاقوى، لان العلاقة غير الغرض. * * * إذا عقدا بينهما نضالا على أن الرشق عشرون، والاصابة خمسة، وأراد أحدهما الزيادة في عدد الرشق وفي عدد الاصابة، وامتنع الآخر عليه: فمن قال إنه عقد لازم، لم يجز أن يزيدا ولا أن ينقصا مع بقاء العقد، كالاجارة والبيع، وإن تفاسخا العقد واستأنفا ما يتفقان عليه جاز. ومن قال هو عقد جائز على ما اخترناه، قال إن كانت المطالبة قبل التلبس بالرمي أو بعد التلبس ولم يكن لاحدهما على صاحبه مزية، مثل أن كانا في عدد الرمي والاصابة سواء، فأيهما طلب فصاحبه بالخيار، إن شاء أجابه وإن شاء انصرف، أو جلس لانه عقد جائز. وإن كان لاحدهما مزية على صاحبه مثل أن رمى أحدهما عشرة، فأصاب أربعة، ورمى الآخر عشرة فأصاب سهمين، فان طالب بذلك من له الاكثر كان بالخيار وإن كان المطالب من له الاقل قال قوم صاحبه بالخيار، لانه عقد جائز، وقال آخرون ليس له المطالبة بذلك، لانا لو أجزنا ذلك أدى إلى أن لا ينضل أحد أحدا إلا ومتى أشرف على أنه مغلوب طالب بالزيادة وجلس، فأمن أن ينضل وهذا أقوى. * * * إذا كان الرشق عشرين، والاصابة خمسة، فرمى أحدهما عشرة فأصاب سهمين

[ 309 ]

ورمى الآخر عشرة فأصاب سهمين، فقال أحدهما لصاحبه ارم سهمك، فان أصبت فقد. نضلتني لم يجز، لان موضوع النضال أن يعرف الاحذق منهما، فاذا فعلا هذا ربما فضل لا بحذقه، وأيضا فان هذا يؤدي إلى أن يكون الناضل منضولا، والمنضول ناضلا و ذلك لا يجوز. بيانه أن يكون لاحدهما إصابة أربعة، ولصاحبه إصابة واحدة، فقال صاحب الاكثر لصاحب الاقل ارم سهمك، فان أصبت فقد نضلتني، فرمي فأصاب، فنضله و المنضول إصابته أكثر وهذا لا يجوز. فان كان هذا قبل التلبس بالعقد أو بعد ذلك لكن تفاسخا ثم قال ارم سهمك هذا، فان أصبت فلك دينار صح، لانها جعالة فيما له فيه غرض صحيح. إذا قال له ارم عشرين سهما فان كان صوابك أكثر من خطائك فلك دينار، قال قوم يصح لانها جعالة صحيحة كرجل له عشرون عبدا فقال إن جئتني بأكثر فلك دينار صح، وقال بعضهم لا يصح لان العوض في مقابلة عمل مجهول، والاول أصح. وإن قال له ارم عشرين وناضل نفسك، فان كان الصواب أكثر فلك كذا، كان باطلا، لانه لا يصح أن يناضل نفسه. * * * إذا تناضلا فرمى أحدهما فأصاب بالنصل فهي أصابة، فان انقطع السهم باثنين وأصاب بالسهم فهي إصابة، لانه أجود رمى وأحسنه، فان أصاب بالقدح وهو الفوق لم يكن إصابة وكان عليه، وإن أصاب بهما اعتد له بإصابة النصل ولم يعتد بالقدح لا له ولا عليه. إذا رمى سهمه فأصاب فوق سهم في الغرض نظرت، فان كان الذي في الغرض قد ثبت نصله فيه وبقيته بطوله إلى جانب الرامي لم يعتد به ولا عليه، لان بينه وبين الغرض قدر طول السهم الذي في الغرض، ولا يعلم ما يكون منه لو لم يقع في فوق السهم. وإن كان السهم الذي في الغرض قد نفذ في الغرض إلى فوقه، فوقع هذا الثاني في فوق الاول، فان كان الشرط الاصابة اعتد له إصابة، لانا نعلم قطعا أنه لولا الاولة

[ 310 ]

أصاب الغرض وإن كان الشرط الخواسق لم يعتد به له ولا عليه، لانا لا نعلم هل يخسق أم لا. فأما إن ثبت الاول نصله في الغرض وبقية طوله خارج منه، فأصاب فوقه وشج علبه وأصاب الغرض اعتد له إصابة، لانه إنما أصاب بحذقه وجودة رميه. إذا شرطا أن كل من أراد الجلوس والترك فعل، لم يخل أن يكون الشرط مقارنا للعقد أو بعده، فان كان بعد العقد فمن قال هو لازم، قال وجوده وعدمه سواء ومن قال جائز قال لا يؤثر في العقد، لانهما شرطا مقتضى العقد. وإن كان الشرط مقارنا للعقد فمن قال هو لازم أبطل العقد، ومن قال جائز، فمن قال لكل واحد الترك، لم يقدح في العقد، ومن قال لمن عليه الفضل أن يجلس كان عقد النضال باطلا لانه يخالف موجب العقد. إذا تناضلا على رشق معلوم وإصابة معلومة، على أنه يسقط عنه واحدا من الخطاء لا يعتد به له ولا عليه، كان النضال باطلا. إذا شرطا نوعا من القسى تعين ذلك النوع إما العربية أو العجمية، ولم يكن لاحدهما العدول عنه، فأما إن عين قوسا من النوع لم تتعين، وكان له أن يعدل إلى غيرها. إذا عقدا نضالا ولم يذكرا قدر المسافة من موقف الرماية وبين الغرض، كان النضال باطلا، فاذا ذكراها فمن قال بلزوم العقد لم يجز الزيادة فيها ولا النقصان، و من قال هو جائز أجازه، وإن لم يذكرا قدر الغرض في الصغر أو الكبر فالنضال باطل. وإذا تناضلا ولم يذكرا قدر ارتفاع الغرض عن وجه الارض، كان مكروها لما يقع فيه من النزاع، وإن تركه جاز، لان ارتفاعه معروف وينصرف إطلاقه إلى العرف بين أهله، والمسافة لا عرف فيها، ومتى شرطا قدر ارتفاعه من وجه الارض لم يجز خفضه ولا رفعه عند من قال هو عقد لازم. إذا كانت المسافة مائتين وخمسين جاز، لما روي أنه سئل بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله كيف كنتم تقاتلون العدو؟ فقال إذا كانوا على مائتي وخمسين

[ 311 ]

ذراعا قاتلناهم بالنبل وإن كانوا على أقل قاتلناهم بالحجارة، فاذا كانوا على أقل من ذلك قاتلناهم بالرماح، فاذا كانوا على أقل من ذلك قاتلناهم بالسيوف. ولانه العرف في البلاد: فعرف بغداد مائتان وخمسون، وعرف مصر مائتان وإن كانت المسافة ثلاث مائة وخمسين لم يجز، لانه عقد لا يمكن الوفاء به، لان الاصابة تقل وتتعذر وقيل أنه ما كان يرمي أحد على أربع مائة ذراع ويصيب إلا عقبة بن عامر الجهني. فأما إذا كانت المسافة ما بين مائتين وخمسين وثلاث مائة وخمسين قال قوم يجوز لان الاصابة مع هذه المسافة معتادة، وقال آخرون لا يجوز، لان الاصابة تقل غالبا. إذا كان الرشق عشرة، والاصابة ثمانية فما دونها جاز، وإن كانت الاصابة تسعة ولا يعتبر العاشر لم يصح، وإن كانت الاصابة من العشرة تسعة أو عشرة قال قوم يجوز لانه يمكن الوفاء به، وقال آخرون لا يجوز، لانه يتعذر في العادة، و الاول أقوى. يجوز عقد النضال على أرشاق كثيرة، فان عقداه على أن يرميا مائة رشق جاز كما يجوز على رشق واحد، فاذا صح لم يخل من أحد أمرين إما أن يشترطا قدرا ما يرميان في كل يوم أو يطلقا: فان اشترطا أن يكون الرمي سهما في كل يوم كذا وكذا رشقا صح ما شرطا لان الاغراض يختلف، فان رميا ما اشترطا عليه فلا كلام، وإن أرادا الزيادة في ذلك أو النقصان فعلى ما مضى، وإن وقع العقد مطلقا اقتضى إطلاقه التعجيل، والرمى في كل يوم من برد الغداة إلى الليل. وكان الرمي طول النهار إلا من عذر، وما لابد منه من الاكل والشرب و حاجة الانسان والطهارة والصلوة، وكذلك ما كان عذرا يقطع الرمي كالريح العاصفة وكذلك المطر لانه يبل الوتر ويفسد الريش، وكذلك المرض فيؤخر حتى يزول العارض.

[ 312 ]

وإذا جاء الليل انقطع الرمي لان العادة ما جرت به ليلا، إلا أن يشترطا الرمي ليلا ونهارا، فحينئذ يرميان ليلا، فان كان القمر منيرا فذاك، وإن لم يكن القمر منيرا فالضوء من شمع ومشعل ونحو ذلك، فيكون على ما شرطاه. إذا رمى أحدهما فأصاب، فان المرمى عليه يرمي بعده، ولا يكلف المبادرة فيدهش، ولا له أن يطول الارسال بأن يمسح قدميه أو يقوم سهمه أو يفوق النبل ويديره طلبا للتطويل حتى تبرد يد صاحبه فينسي الطريقة التي يسلكها في الاصابة، ومتى أطال الرامي الكلام عند الرمي وهو إذا أصاب افتخر وتبجح وطول الكلام نهى عنه، لان لا يغتاظ صاحبه فيتشوش رميه، وكذلك الشاهد ينبغي أن يقل الكلام ولا يزهره المصيب لئلا يكسر قلب صاحبه. إذا اختلفا في موضع النضال فقال بعضهم عن يمين الغرض، وقال آخرون عن شماله، كان للذى له البدأة أن يقف حيث شاء، فاذا رميا من هذا المكان ومضيا إلى الهدف الاخر كان البادي منه المناضل الآخر ولا يرمي أحدهما ابتداء من الغرضين لانه هو التسوية بين المناضلين، فاذا بدأ الآخر من الآخر وقف أيضا حيث شاء، لان البدأة له كالاول. هذا إذا كانا اثنين، فان زادوا على هذا فكانوا ثلاثة، فرمى أحدهم ابتداء من غرض ثم صاروا إلى الثاني أقرعنا بين الآخرين، فاذا خرجت القرعة لاحدهما وقف حيث شاء، فاذا عادوا إلى الاول رمى الثالث ابتداء بلا قرعة. إذا عقدا نضالا واختلفا، فقال أحدهما مستقبل الشمس، وقال آخرون مستدبرها قدم قول من طلب الاستدبار لان ذلك هو العرف، فان اشترطا أن يكون الرمي في وجه الشمس كان على ما شرطاه لانهما على هذا دخلا، كما لو شرطا الرمي ليلا. يجوز للجماعة عقد النضال ليتناضلوا حزبين كما يجوز في رجلين أن يرمي كل واحد رشقا. فاذا ثبت أنه جائز فانهم يقتسمون الرجال بالاختيار لا بالقرعة، لانه لو كان عقد إجارة أو جعالة فان القرعة لا يدخلهما، فاذا صاروا حزبين بالقسمة، فان أرادوا

[ 313 ]

القرعة ليعين كل فريق بالقرعة لم يجز لمثل ما ذكرناه عند من خالفه، ويقوى في نفسي أنه لا مانع منه. ثم ينظر فان اتفقا على أن البادي بالاختيار فلان جاز، وإن اختلفوا و قالوا لا نرضى إلا بالقرعة جاز الاقراع هيهنا، فمن خرجت قرعته بدأ فاختار رجلا فاذا اختار رجلا بدأ الآخر فاختار رجلا، وكذلك رجلا رجلا حتى يقسم الجماعة. فاذا صاروا حزبين كان تدبير كل حزب إلى أحذق أهل حزبه، فان جعلوا تدبير الحزبين معا إلى واحد من أحد الحزبين لم يجز، لانه متهم في ذلك، لانه يقدم الحذاق من حزبه، ويؤخر الحذاق من الحزب الآخر. إذا تناضلوا حزبين فقال أحدهما أنا أختار الرجال على أن اسبق لم يجز، لان موضوع النضال على أن لا يكون لاحدهما فضل، لاجل إخراجه السبق، ولو قال أنا أختار الرجال على أن من اخترته أخرج هو السبق ولا اخرج شيئا لم يجز، لما مضى. ولو قال أختار أنا على أن اخرج أنا السبق، وإن اخترت أنت عليك إخراج السبق، كل هذا لا يجوز، ولو قال نقترع فأينا خرجت قرعته كان هو المسبق لم يجز ولا يجوز أن يقولا نرمي معا على أن من أصاب منا فعلى الآخر إخراج السبق، لانه عوض في جعالة أو إجارة وأيهما كان فلا يجوز بالقرعة، ولا بالاصابة. إذا وقفوا لقسمة الرجال للمناضلة فحضر غريب فذكر أنه رام فقسموه وهم لا يعرفونه، لم يخل من أحد أمرين إما أن يبين راميا أو غير رام، فان بان ممن لا يحسن الرمي كان العقد فيه باطلا، لانه ليس من أهله، فاذا بطل فيه بطل في الذي كان في مقابلته لان القسمة رجل ورجل، فاذا بطل فيهما لم يبطل في الباقين، وقال قوم يبطل في الكل بناء على تفريق الصفقة، فمن قال لا يبطل قال أهل كل حزب بالخيار بين الفسخ والامضاء لان الصفقة تفرقت. وأما إن بان راميا فان كان كأحدهم فلا كلام، وإن كانت أصابته أكثر، فقال غير أهل حزبه ظنناه كأحدنا فقد كثرت أصابته فلا نرضى فلا خيار لهم، وكذلك لو قلت أصابته لا خيار لحزبه، لان الشرط أن يكون من أهل الصنعة ولا يعتبر الاحذق فيه.

[ 314 ]

إذا تلبسا بالنضال ففضل لاحدهما إصابة، فقال المفضول اطرح الفضل بدينار حتى نكون في عدد الاصابة سواء لم يجز، لان موضوع النضال على أن ينضل أحدهما صاحبه بحذقه، فاذا طرح ربما فضله لما طرح من عدد الاصابة لا لحذقه وإذا لم يصح فعليه رد ما بذله، ويعود إلى عدد إصابته، ويكون الرمي على إكمال الرشق ليبين الناضل منهما. إذا تعاقدا نضالا وتعين البادي منهما بالشرط أو بالقرعة أو بالسبق، فبادر الآخر فرمى فأصاب أو أخطأ لم يعتد له ولا عليه، لانه رمى قبل وقت الرمي كما لو رمى قبل عقد النضال. المضربة ما يلبسه الرامي من جلد في يده اليسرى يستر به ظهر إبهامه خوفا أن يمر الرشق به فيعقره، والاصابع ما يلبسه في اليمنى لانه يعقد بابهامه وسبابته على فوق السهم والوتر، فاذا كان عليها جلد لم يعقر نفسه حين الرمي. فاذا ثبت هذا وأراد الصلوة وهذا في يده لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون الجلد نجسا أو طاهرا، فاذا كان نجسا كجلد الكلب والخنزير قبل الدباغ أو بعده. أو كان جلد ميتة مما يوكل لحمه أو مما لا يؤكل لحمه فلا يجوز الصلوة فيه، سواء كان قبل الدباغ أو بعده، وإن كان الجلد طاهرا وهو جلد ما يؤكل لحمه مدبوغا أو قبل الدباغ [ فالصلاة فيه جائزة ] ظ وإن كان مذكى من جلد ما لا يؤكل لحمه مدبوغا أو قبل الدباغ فالصلوة فيه عندنا غير جائزة وعندهم يجوز لانه طاهر ولكن إذا صلى وهو في يديه يمنع أن يصل بطون أصابعه إلى الارض حين السجود، قال قوم يجزيه، و كذلك عندنا إذا كان الجلد يجوز الصلوة فيه. وجملته أنه لابد من كشف الجبهة في الصلوة، ولابد من ستر الركبتين لئلا ينكشف شئ من العورة، ويجوز كشف الرجلين وسترها، واليدان مثل ذلك، و قال قوم لابد من كشفهما. الصلوة في السلاح جائز لقوله تعالى " وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلوة (1) "

(1) النساء: 102.

[ 315 ]

الآية وروى سلمة بن الاكوع قال: قلت يا رسول الله اصلي على القوس والقرن؟ فقال اطرح القرن وصل بالقوس، والقرن الجعبة التي يكون فيه النشاب، فان كانت كالحقة بالغطاء فهي الجعبة وإن كان رأس السهام مكشوفا فذاك القرن. فاذا ثبت أنه جائز فالسلاح على ثلاثة أضرب محرم، ومكروه، ومباح، فالمحرم ما كان نجسا مثل أن يكون من جلد نجس أو ريش ما لا يؤكل لحمه، أو عليه نجاسة من دم ونحوه، والمكروه الطاهر مما يشغله عن الصلوة كالقرن والرمح، و المباح ما كان طاهرا لا يشغله كالسيف والخنجر والسكين. أذا قال لرجل: ارم هذا السهم فان أصبت فلك عشرة صح لانها جعالة، وإن قال ارم به، فان أصبت فلك عشرة، وإن أخطأت فعليك عشرة، فهذا باطل. إذا اختلفا فقال أحدهما نصف ذات اليمين أو ذات الشمال، وقال الآخر بين يدي الغرض على ذراع أو ذراعين، فان كانا شرطا ذلك بالشرط أملك وإن كان مطلقا حملا على العرف، فان كان العرف ذات اليمين أو ذات الشمال أو بين يديه حملا عليه، وقد قدمنا أن في الناس من قال الخيار إلى الذي له البدأة وهو الاولى. إذا سبق أحدهما صاحبه عشرة، فقال إن نضلتني فهي لك، وإلا فلا شئ لك فقال الثالث للمسبق أنا شريكك في الغنم والغرم فان نضلك فعلى نصف العشرة، وإن نضلته فلي نصف ما سبقته كان باطلا. وكذلك لو سبق كل واحد منهما عشرة، وأدخلا بينهما محللا، فقال رابع لكل واحد من المسبقين أنا شريكك في الغرم والغنم، فان نضلك فالعشرة علينا، و إن نضلته فالعشرة لنا، لانه إنما يغنم أو يغرم من تناضل فينضل أو ينضل فأما من كان ناحية فلا شئ له ولا عليه. إذا سبق أحدهما صاحبه على أن يكون البادي من الوجهين أبدا كان باطلا، لان النضال موضوع على المساواة، وإن قالا أنا أبتدئ من الوجهين ثم أنت من الوجهين جاز، لانه لا تفاضل فيه. إذا عقدا نضالا على أن كل واحد منهم معه ثلاثة رجال لم يجز حتى يكون

[ 316 ]

الرجال معلومين بالمشاهدة أو بالصفة، فأما مطلقا فلا يجوز لانه غرر. إذا شرطا الاصابة حوابي على أن من خسق منهما كان كحابيين، قال قوم يجوز لان موضوعه أن ينضل أحدهما صاحبه بحذقه، ومن خسق كان أحذق من الذي حبا فكان أنضل منه وبان حذقه. إذا تناضلا على أن الاصابة حوابي، على أن ما كان إلى الشن أقرب أسقط الذي منه أبعد صح ذلك لانه لما جاز أن يناضلا محاطة فيسقطا ما تساويا فيه من الاصابة كذلك هيهنا. فاذا ثبت أنه جائز فقد فرع على هذا ست مسائل، والظاهر أن الاصابة إصابة الهدف: فاذا رمى أحدهما سهما فوقع في الهدف بقرب الغرض، ثم رمى الآخر خمسة أسهم فوقعت أبعد من هذا الواحد، ثم رمى الاول سهما فوقع أبعد من الخمسة سقطت الخمسة بالاول الذي هو أقرب، وسقط الذي بعد الخمسة بالخمسة، لان الخمسة إلى الغرض أقرب. الثانية رمى أحدهما خمسة إلى الهدف بعضها إلى الغرض أقرب من بعض، ثم رمى الثاني خمسة كلها أبعد من الخمسة الاولى سقطت الخمسة الثانية بالاولة لانها إلى الغرض أقرب، وبقيت الخمسة الاولى لا يسقط ما قرب منها إلى الغرض ما كان منها إلى الغرض أبعد، لان الاقرب يسقط أبعد من سهام غيره، لا من سهام نفسه. الثالثة أصاب أحدهما الغرض والآخر الهدف، فالذي في الغرض يسقط الذي في الهدف لانه لما أسقط الاقرب إلى الغرض ما كان منه أبعد فبأن يسقط إصابة الغرض ما كان في الهدف أولى. الرابعة أصاب أحدهما الغرض ورمى الآخر فأصاب العظم، وهو الذي في وسط الغرض: من الرماة من قال يسقط الذي في العظم ما كان أبعد منه، وقال قوم لا يسقط لان الشن كله موضع إصابة وليس فيه أقرب وأبعد. الخامسة رمى أحدهما فأصاب الهدف ثم رمى الآخر فأصاب الهدف أيضا وكان

[ 317 ]

في القرب إلى الغرض سواء، قال قوم تناضلا، لان أحدهما ليس بأقرب. السادسة الساقط ما وقع بين يدى الغرض، والقاسط ما وقع من أحد الجانبين، و الخارج ما جاوز الغرض من فوق، وينبغي أن ينظر إلى الاقرب إلى الغرض ويسقط به ما كان أبعد من أي جانب كان من جميع جهاته، لانه إذا كان الساقط ما يقرب فالخارج كذلك.

[ 318 ]

تم كتاب الصيد والذبائح ويتلوه في الجزء السابع كتاب الجراح.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية