الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المبسوط- الشيخ الطوسي ج 5

المبسوط

الشيخ الطوسي ج 5


[ 1 ]

المبسوط في فقه الإمامية تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى 460 هجري صححه وعلق عليه محمد الباقر البهبودي الجزء الخامس عنيت بنشره - المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية حقوق طبع محفوظ رقم تلفن 532138

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (كتاب الطلاق) الطلاق جايز لقوله تعالى: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح (1) بإحسان) فأبان بها عدد الطلاق لأنه كان في صدر الاسلام بغير عدد. روى عروة عن قتادة قال كان الرجل في صدر الاسلام يطلق امرأته ما شاء من واحد إلى عشرة، ويراجعها في العدة، فنزل قوله (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) فبين أن عدد الطلاق ثلاث فقوله مرتان إخبار عن طلقتين بلا خلاف واختلفوا في الثالثة فقال ابن عباس (أو تسريح بإحسان) الثالثة، وقال قوم من التابعين (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) (2) الثالثة، وهو الأقوى. وقال الله تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) (3) معناه لقبل عدتهن في طهر لم يجامعها فيه إذا كانت مدخولا بها، بلا خلاف، وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله) طلق زوجته حفصة ثم راجعها، وقال ابن عمر: كان لي زوجة فأمرني النبي (صلى الله عليه وآله) أن أطلقها فطلقتها. فإذا ثبت جواز الطلاق فإنه يجوز طلاق الصغيرة التي لم تحض، والكبيرة التي يئست من المحيض، والحايل والحامل، والمدخول بها وغير المدخول بها بلا خلاف لعموم الآيات. والطلاق على أربعة أضرب: واجب ومحظور ومندوب ومكروه. فالواجب طلاق المولي بعد التربص، لأن عليه أن يفئ أو يطلق أيهما فعل فهو واجب، وإن امتنع منهما حبسه الإمام وعند بعضهم طلق عنه.

(1) البقرة: 229.
(2) البقرة: 230.
(3) الآية الأولى من سورة الطلاق.

[ 3 ]

والمحظور طلاق الحائض بعد الدخول أو في طهر قربها فيه، قبل أن يظهر بها حمل بلا خلاف، وإنما الخلاف في وقوعه وأما المكروه فهو إذا كانت الحال بينهما عامرة وكل واحد منهما قيم بحق صاحبه. روى ثوبان عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس لم ترح رايحة الجنة. وأما المندوب فإذا كانت الحال بينهما فاسدة بالشقاق، وتعذر الانفاق، وكل واحد منهما يعجز عن القيام بما يجب عليه، فالمستحب الفرقة فهذه أقسام الطلاق. فأما أقسام النكاح فثلاثة: محظور ومستحب ومكروه لأنه لا واجب فيه على ما مضى شرحه، فالمحظور حال العدة والردة والاحرام، والمستحب إذا كان به إليه حاجة، وله ما ينفق عليها، والمكروه إذا لم يكن به إليه حاجة ولا معه ما ينفق عليها خوفا من الإثم. فإذا تقرر أقسام الطلاق، فكل طلاق واقع يوجب تحريما ويزول ذلك التحريم بثلاثة أشياء مراجعة، ونكاح قبل زوج، ونكاح بعد زوج، فالرجعة إذا طلقها بعد الدخول دون الثلاث، بغير عوض، والمراجعة أن يقول راجعتك ولا يفتقر إلى رضاها ولا إلى ولي بلا خلاف، ولا إلى إشهاد عندنا، وفيه خلاف، وزواله بنكاح من غير زوج: فإذا بانت منه بأقل من ثلاث وهو أن يطلقها طلقة أو طلقتين قبل الدخول أو بعده بعوض أو بغير عوض وصبرت حتى انقضت عدتها وكذلك إذا زال النكاح بالفسخ حلت له قبل زوج غيره. وأما التحريم الذي لا يزول إلا بزوج ونكاح جديد، فأن تبين بالثلاث مدخولا بها أو غير مدخول بها، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.

[ 4 ]

(فصل) * (في طلاق المدخول بها) * طلاق المدخول بها إذا كانت من ذوات الأقراء له حالان: محظور ومباح فالمحظور أن يطلقها في حال حيضها أو في طهر جامعها فيه قبل ظهور الحمل، والمباح أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه أو وهي حامل بلا خلاف لقوله تعالى (فطلقوهن لعدتهن) يعني أي لقبل عدتهن بلا خلاف، وقد قرئت كذلك. فإذا ثبت ذلك فالمحرم عندنا غير واقع، وعند المخالف يقع، والطلاق الثلاث بلفظ واحد أو في طهر واحد متفرقا لا يقع عندنا إلا واحدة وعندهم يقع الجميع وقال بعضهم هو بدعة، وقال آخرون ليس ببدعة. كل طلاق لم يحضره شاهدان مسلمان عدلان لا يقع عندنا، وعند المخالف يقع وقد بينا أن الطلاق المحظور لا يقع، وأن عندهم يقع لكنه يستحب فيه المراجعة وقال بعضهم يحب فيه المراجعة، وطلاق الحامل جائز بلا خلاف. النساء ضربان ضرب ليس لطلاقها سنة ولا بدعة، والآخر لطلاقها سنة وبدعة. فالتي لا سنة لطلاقها ولا بدعة، بل يقع مباحا أربعة أصناف من لا تحيض لصغر أو كبر، والحامل، وغير المدخول بها، والتي لطلاقها سنة وبدعة هي المدخول بها لا غير إذا كانت حائلا من ذوات الأقراء فطلاقها للسنة في طهر ما جامعها، والبدعة حال حيضها أو في طهر جامعها فيه بلا خلاف، وعندنا أنها إذا لم يكن زوجها غائبا شهرا فصاعدا. ومن ليس لطلاقها سنة ولا بدعة وهي غير المدخول بها أو المدخول بها إذا كانت حاملا أو لا تحيض لصغر أو كبر، فإذا طلق واحدة منهن طلقة أو ثلاثا الباب واحد عندهم، وعندنا لا يقع إلا واحدة، وعندهم يقع ما أوقع. فإذا طلقها طلقة نظرت فإن أطلق فقال أنت طالق، طلقت في الحال، وهكذا

[ 5 ]

لو قيد فقالت أنت طالق للسنة أو أنت طالق للبدعة، لأن قوله أنت طالق إيقاع وقوله بعد هذا للسنة أو البدعة، وصف للطلقة بما لا يتصف به، فلغت الصفة ووقع الطلاق. فإن قال أنت طالق لا للسنة ولا للبدعة وقع في الحال، لأنه قد وصفها بصفتها. فإذا قال أنت طالق طلقة للسنة وللبدعة معا وقع في الحال ولغت الصفة لما مضى وهكذا لو قال أنت طالق طلقة للسنة أو البدعة وقع في الحال. فإذا ثبت هذا فقال للصغيرة أنت طالق للبدعة، فقد قلنا إنه يقع في الحال، فإن قال نويت بقولي للبدعة زمان طلاق البدعة، وهو أن يقع عليها إذا حاضت، عندنا يقبل منه، لأن نيته معتبرة، ولا طريق إليها إلا من جهته، وعندهم لا يقبل منه لأنه خلاف الظاهر لكنه يدين فيما بينه وبين الله لأنه محتمل، وهذا أصل في الطلاق كقوله أنت طالق، فالظاهر أنه وقع. فإن قال نويت إن دخلت الدار، عندنا يقبل وعندهم لا يقبل منه في ظاهر الحكم وقبل فيما بينه وبين الله فيكون طلاقا في الظاهر زوجته في الباطن، حتى إذا وجدت الصفة طلقت بوجودها عندهم وعندنا لا يقع لأنه طلاق بشرط. فإن كانت الحامل ترى على هيئة الحيض صفة وقدرا فقال لها أنت طالق للسنة في زمان الدم، وقع عندنا، وعندهم إن حكم بأن ذلك دم فساد وقع، وإن قيل إنه دم حيض فعلى وجهين أحدهما لا يقع في الحال، لأنه حيض صحيح في مدخول بها كالحايل، ومنهم من قال يقع في الحال لأنه إنما حرم ذلك في الحايل المدخول بها لئلا تطول العدة. وأما من في طلاقها سنة وبدعة فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يطلقها للسنة أو البدعة فإن طلقها للسنة نظرت، فإن كانت في طهر ما جامعها فيه وقع في الحال لأنه وصفها بصفتها، وإن كانت في طهر قد جامعها فبه لم يقع في الحال، لأن الصفة ما وجدت. فإذا حاضت لم يقع أيضا لأن الصفة ما وجدت، وعندنا لا يقع، لأن

[ 6 ]

الطلاق بشرط لا يقع، والصفة ينبغي أن يكون حاصلة في حال إيقاع الطلاق لا فيما بعد. وإن أولج عند آخر جزء من زمان الحيض واتصل بأول الطهر، أو أولج مع أول الطهر فإن الطلاق لا يقع عندهم أيضا، لأنه طهر جامعها فيه، فإن قال لها وهي حائض أنت طالق للسنة، لم يقع عندنا لا في الحال ولا إذا طهرت لما بيناه، وعندهم يقع إذا طهرت قبل الغسل وبعده سواء. فإن طلقها للبدعة فقال أنت طالق للبدعة فإن كانت في طهر ما جامعها فيه لم يقع الطلاق بلا خلاف، لأن الصفة لم توجد، فإن حاضت من بعد أو نفست، فعندنا لا يقع لأنه معلق بشرط، وعندهم يقع لأن الشرط قد وجد. فإن أولج بعد هذا الطلاق في هذا الطهر وقع الطلاق عندهم بالتقاء الختانين لأنه زمان البدعة، وهو طهر جامعها فيه، فإن نزع نزعة فلا شئ عليه، وإن عزل أو نزع بعد وقوع الطلاق بها ثم أولج فقد وطي غير زوجته بشبهة، أو وطئها رجعية فيكون لها مهر مثلها، وهذا يسقط عنا لما بيناه. إذا قال لها أنت طالق طلقتين طلقة للسنة وطلقة للبدعة، فإن كانت لا سنة في طلاقها ولا بدعة، وهي غير المدخول بها، والحامل والصغيرة التي لا تحيض وكذلك الكبيرة فعندهم طلقت طلقتين في الحال، لأنه وصف الطلقتين بما لا يتصفان به، فلغت الصفة ووقعت الطلقتان، وعندنا يقع واحدة ولغت الصفة إذا نوى الايقاع. وإن كانت ممن لطلاقها سنة وبدعة وهي الحايل المدخول بها من ذوات الأقراء فعندنا إن كانت طاهرا وقعت واحدة ولا يقع فيما بعد شئ، وأن كان حايضا فلا يقع شئ على حال، وعندهم تقع واحدة في الحال، والأخرى في زمانها، وإن كانت طاهرا وقعت للسنة أولا وتأخرت البدعة، وكذلك إن كانت بالعكس. إذا قال لها أنت طالق ثلاثا للسنة وثلاثا للبدعة، فإن كانت طاهرا طهرا لم يقربها فيه بجماع، وقعت واحدة، ولا يقع فيما بعد شئ، وإن كانت حائضا لا يقع شئ على حال، وعندهم يقع الثلاث على كل حال في الحال، لأنه إن كان زمان البدعة

[ 7 ]

وقعت، وإن كان زمان السنة فكذلك، يقع الثلاث عند بعضهم، وعند آخرين في كل طهر واحدة. إذا قال لمن لطلاقها سنة وبدعة أنت طالق ثلاثا للسنة، فإن كان في زمان البدعة لم يقع الطلاق عندنا لا في الحال ولا في المستقبل، وعندهم لا يقع في الحال. فإن قال نويت إيقاع الثلاث في الحال، وقولي للسنة ما قصدته، وإنما سبق لساني إليه، عندنا لا يلزمه شئ، وعندهم يلزمه الثلاث. وإن كان الزمان زمان السنة وقعت عندنا واحدة، وعند بعضهم يقع في الحال الثلاث وعند آخرين في كل طهر. فإن قال أردت في كل طهر، فعند من قال يقع في الحال الثلاث لم يقبل منه في حكم الظاهر، ويقبل فيما بينه وبين الله تعالى، ويقال له منك الطلبة وعليها الهرب وأما فيما بينه وبين الله تعالى فكأنه قال أنت طالق في كل قرء طلقة ويكون وقعت واحدة، وله أن يراجعها فيما بينه وبين الله، ولا يحل له أن يطأها قبل المراجعة. فإن لم يراجع فإذا طهرت من الحيض طلقت أخرى فإذا حاضت الثالثة ثم طهرت طلقت الثالثة وبانت، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة انقضت عدتها لأنها قد اعتدت ثلاثة أقراء، فإن راجعها حل له وطيها فيما بينه وبين الله، وعليها الهرب، ويقع بها في كل طهر طلقة، سواء راجع أو لم يراجع، وقد سقط عنا هذه المسألة لما بيناه من أن الطلاق بشرط لا يقع. وأما الكلام في العدة، فعندنا تعتد من حين حكمنا بوقوع الطلقة، وعندهم إن راجعها ووطئها استأنفت العدة من حين وقعت بها الثالثة، فإن لم يكن وطئها بعد المراجعة فعلى قولين أحدهما تبني، والثاني تستأنف. إذا قال لها أنت طالق في كل قرء طلقة، أو قال ثلاثا في كل قرء طلقة، لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون لطلاقها سنة وبدعة، أو لا يكون ذلك لها، فإن لم يكن ذلك لطلاقها، فإن كانت حاملا وقع بها طلقة واحدة بلا خلاف، لأن زمان الحمل قرء واحد بدليل أن عدتها تنقضي به، وكل طهر يقع الاعتداد به فهو قرء، فإذا ثبت

[ 8 ]

هذا لم يقع إلا طلقة واحدة سواء حاضت على الحمل أو لم تحض، وسواء قيل إنه دم حيض أو دم فساد، لأن الكل قرء واحد بلا خلاف. فرع هذه: إذا قال للحامل أنت طالق في كل طهر طلقة، فههنا تطلق عندنا طلقة واحدة، وعندهم تطلق كلما طهرت، لأن الصفة قد وجدت، لأنه علق الطلاق بالطهر، وكل قرء طهر وليس كل طهر قرءا. فإذا ثبت أنه يقع بها في كل قرء طلقة فهي رجعية، وهو بالخيار بين أن يراجع أو يدع، فإن لم يراجع حتى وضعت بانت بالوضع، لانقضاء عدتها والرجعية تبين بانقضاء عدتها، فإذا بانت ثم طهرت من النفاس لم تطلق أخرى لأن الباين لا يلحقها طلاق، وإن راجعها فهي زوجه، فإذا وضعت لم تطلق لأنها زوجة، لكن إذا طهرت من النفاس طلقت أخرى فإذا حاضت ثم طهرت من الحيض طلقت الثالثة وبانت والعدة على ما مضى إن كان وطئها بعد أن راجعها استأنفت العدة، وإن لم يكن وطئها بعد المراجعة فعلى ما مضى من القولين. فأما الحائل فلا تخلو أن يكون مدخولا بها أو غير مدخول بها، فإن كانت غير مدخول بها، وقع الطلاق بها في الحال، لأن ما قبل الدخول كله قرء واحد، فوقع فيه طلقة فبانت ولا رجعة عليها بلا خلاف، وإن كانت مدخولا بها وكانت لا تحيض لصغر أو كبر فالحكم فيهما واحد، فإن كانت صغيرة فإنها تطلق طلقة واحدة، وعندنا قد بانت منه، وعند بعض أصحابنا يملك رجعتها وهو قول المخالف، فعلى هذا إن راجعها متى حاضت ثم طهرت طلقت طلقة أخرى عند المخالف لأن الصفة وجدت فإن راجعها أيضا ثم حاضت ثم طهرت طلقت الثالثة. هذا إذا راجعها، فإن لم يراجعها لم يخل من أحد أمرين إما أن تحيض قبل انقضاء ثلاثة أشهر أو بعدها، فإن حاضت قبل انقضاء ذلك ثم طهرت طلقت أخرى لأنها رجعية، وإذا حاضت أخرى ثم طهرت طلقت الثالثة وبانت، وانقضت عدتها بالدخول في الحيضة الثالثة، وإن حاضت بعد مضي ثلاثة أشهر ثم طهرت لا يقع بها طلاق، لأنها بانت بعدة الشهور.

[ 9 ]

وهكذا حكم الآيسة هي رجعية فإن راجعها فهي زوجة فإن عاودها حيض صحيح طلقت كل طهر طلقة، وإن لم يراجعها فإما أن يعاودها الحيض قبل مضي ثلاثة أشهر أو بعدها، فإن عاودها قبلها طلقت كل قرء طلقة، وإن عاودها بعد مضي ثلاثة أشهر لم يعتد بذلك، لأنها بانت قبل أن يعاودها الدم. فأما التي لطلاقها سنة وبدعة، فإذا قال لها أنت طالق في كل قرء طلقة فإن كانت حايضا لم يقع الطلاق بها في الحال عندنا وعند من قال القرء هو الطهر فإذا طهرت منه لم تطلق عندنا، وعندهم تطلق طلقة، فإن حاضت ثم طهرت طلقت أخرى، فإذا حاضت ثم طهرت طلقت الثالثة وبانت بها، فإذا دخلت في الحيضة الرابعة انقضت عدتها. هذا إذا لم يراجعها: فإن راجعها ووطئها بعد الرجعة استأنفت العدة، وإن لم يكن وطئها فهل لها أن تبني أو تستأنف؟ على قولين. هذا إذا كانت حايضا فأما إن كانت طاهرا وقع الطلاق في الحال، سواء كانت في طهر جامعها فيه أو لم يجامعها فيه، لأن الصفة وقوع الطلاق في القرء، وهذا قرء وإن كان جامعها فيه بدليل أنها تعتد به قرءا. فإذا ثبت هذا فأما أن يراجع أو لا يراجع، فإن لم يراجع فكلما حاضت ثم طهرت طلقت طلقة، فإذا دخلت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها، وإن كان قد راجعها فإن كان وطئها عقيب كل رجعة استأنف العدة، وإن لم يكن وطئها بعد المراجعة فعلى قولين. ثم ينظر في الطلقة الأولى، فإن كانت في طهر جامعها فيه، وقعت الطلقة للبدعة وإن لم يكن جامعها فيه وقعت للسنة، وعندنا إن كانت طاهرا طهرا لم يقربها فيه وقعت واحدة، ولا يقع فيما بعد شئ، سواء راجعها أو لم يراجعها، فإن كانت حايضا لم يقع بها شئ، لا في الحال ولا فيما بعد، وكذلك إن كانت طاهرا قربها فيه بجماع. إذا قال أنت طالق ثلاثا بعضهن للسنة وبعضهن للبدعة، لم يخل من ثلاثة أحوال

[ 10 ]

إما أن يطلق أو يقيد البعض بلفظ أو نية، فإن أطلق من غير تقييد طلقت في الحال طلقتين وتأخرت الأخرى إلى الحالة الأخرى، فإن كان الزمان زمان السنة طلقت طلقتين للسنة، وتأخرت الأخرى إلى زمان البدعة، وإن كان الزمان زمان البدعة طلقت طلقتين للبدعة، وتأخرت الأخرى إلى زمان السنة، لأن الظاهر أن الثلاث بينهما نصفين، والطلاق لا ينتصف فأوقع الثنتين وتأخرت الأخرى إلى الحالة الأخرى. فأما إن قيد هذا بلفظ، فقال للسنة طلقة ونصف، وللبدعة طلقة ونصف، وقع في الحال طلقتان، وتأخرت الأخرى إلى الحالة الأخرى، لأنه صرح بما اقتضاه اللفظ. وإن قال طلقتان للبدعة وطلقة للسنة، كان على ما قيده، فإن كان التقييد بالنية ففيه ثلاث مسائل: إن قال: نويت طلقة ونصفا للسنة، وطلقة ونصفا للبدعة، كان على ما نواه وإن قال نويت واحدة للسنة وثنتين للبدعة، فإن كان قد غلظ على نفسه وهو إن كان الزمان للبدعة وقع طلقتان في الحال لأنه نوى ما يوجبه ظاهر الحكم، وإن قال نويت طلقة في الحال وطلقتين في زمان البدعة كان على ما نواه، وفيهم من قال لا يقبل منه في الحكم ويقبل منه فيما بينه وبين الله تعالى فأوقع في الحال طلقتين في الحكم، وطلقة فيما بينه وبين الله. والذي نقوله في هذه المسألة أنه إن كانت طاهرا طهرا لم يجامعها فيه وقعت واحدة، ولا يقع فيما بعد شئ على حال، وإن كان قد جامعها فيه أو كانت حائضا لم يقع شئ في الحال ولا في المستقبل. إذا قال أنت طالق أعدل طلاق أو أحسن طلاق أو أكمل طلاق أو أفضل طلاق أو أتم طلاق ونوى الايقاع، وقعت واحدة لا غير، إذا كانت طاهرا طهرا لم يجامعها فيه، ولا يقع فيما بعد شئ على حال، وإن كانت حائضا أو قربها فيه بجماع لم يقع شئ لا في الحال ولا فيما بعد، سواء نوى إيقاع واحدة أو أكثر.

[ 11 ]

وعند المخالف لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون له نية أو لا نية، فإن لم يكن له نية كان عبارة عن طلاق السنة، لأنه هو الأعدل والأحسن، وينظر فيه فإن كان زمان السنة وقع في الحال، وإن كان زمان البدعة لم يقع بها شئ إلى زمان السنة. وإن نوى نظرت فإن نوى مقتضى اللفظ فلا كلام، لأنه أكد المقتضي بالنية وإن نوى خلاف الظاهر، فإما أن يغلظ على نفسه أو يخفف، فإن غلظ عليها مثل أن كان في زمان البدعة فقال نويت البدعة ووقع قولي أعدل طلاق معناه هو أعدله لمثلك أن يقع عليك حال البدعة، لقبح عشرتك وسوء خلقك، فقصدت صفة الطلاق. قبل منه في الحكم، وفيما بينه وبين الله. وإن نوى ما فيه تخفيف على نفسه مثل أن كان زمان السنة فقال نويت بالأعدل أن يقع عليها حال حيضها وفي زمان البدعة لأنه أشبه الطلاق بها لقبح عشرتها ولم أرد الوقت، قبل منه فيما بينه وبين الله، ولم يقبل منه حكما لأنه عدل عن الظاهر. فإن قال أنت طالق أقبح طلاق أو أسمج طلاق أو أفحش طلاق أو أردى طلاق سئل عن نيته، وكان الحكم فيها عكس الحكم في التي قبلها، والفقه واحد: فإن لم يكن له نية فعندنا لا يقع شئ لا في الحال ولا بعد، وعندهم يقع طلاق البدعة، فإن كان زمان البدعة، طلقت في الحال، وإن كان زمان السنة تأخر إلى زمان البدعة. وإن كانت له نية فإن كانت على مقتضى الكلام كانت تأكيدا وإن نوى خلاف ذلك فإما أن يغلظ على نفسه أو يخفف عليها، فإن كان زمان السنة فقال قولي أقبح طلاق معناه الطلاق بها أقبح شئ لحسن عشرتها وأدبها ودينها وقصدت التعجيل ولم أقصد سنة ولا بدعة، وقع في الحال عندهم، وإن كان عدولا عن الظاهر، وعندنا يقبل منه. وإن خفف عن نفسه، فإن كان زمان بدعة فقال ما أردت بقولي أقبح طلاق وقوع طلاق البدعة عليها وإنما قصدت وقوع الطلاق في زمان السنة، وقولي أقبح طلاق معناه الطلاق بمثلها قبيح لحسن عشرتها ودينها قبل منه، فيما بينه وبين الله، ولم يقبل

[ 12 ]

منه في الظاهر. وجملة ما عندنا في هذه المسألة أنه ما لم يكن له نية لم يقع شئ أصلا لا في الحال ولا فيما بعد، وإن كانت له نية وكان الزمان زمان السنة فنوى الايقاع في الحال وقع، وإن قصد في المستقبل أو كان زمان البدعة فأوقع في الحال لم يقع منه شئ على حال. إذا قال أنت طالق طلقة حسنة فاحشة أو جميلة قبيحة أو تامة ناقصة، فعندهم تطلق في الحال، لأنه إذا كان زمان بدعة فقد وصفها بأنها قبيحة، وإن كان زمان سنة فقد وصفها بأنها جميلة، وأيهما كان فقد وجد في وقته، ولأنه وصفها بصفتين متضادتين لا يجتمعان فسقطتا وكان كأنه قال أنت طالق ولم يزد فيها. والذي نقوله في هذه المسألة هو أنه إن كانت له نية مطابقة بأن تكون طاهرا طهرا لم يقر بها فيه بجماع ونوى الايقاع، وقعت واحدة في الحال ولم يقع فيما بعد شئ، وإن كانت النية بخلاف ذلك على كل حال أو كان الزمان زمان حيض لم يقع شئ على حال. إذا قال أنت طالق الآن أو في هذا الحين أو في هذا الوقت أو في هذه الساعة، إن كان الطلاق يقع عليك للسنة، نظرت فإن كان الحال زمان السنة وقع الطلاق. ويقوى في نفسي أنه لا يقع لأنه معلق بشرط، وإن كان الزمان زمان البدعة لم يقع الطلاق عندنا، وعندهم لأن الشرط ما وجد، وإذا لم يقع الطلاق انحلت اليمين، ولا يقع بعد هذا وإن طهرت، لأنه شرط أن يقع الآن على صفة، فإذا لم يقع انحلت اليمين. وإذا كانت بالضد من هذه فقال لها أنت طالق الآن أو في هذا الحين أو في هذا الوقت أو في هذه الساعة إن كان الطلاق يقع عليك للبدعة، فعندنا لا يقع أصلا وعندهم إن كان الزمان زمان البدعة وقع، وإن كان زمان السنة لم يقع في الحال ولا فيما بعد من زمان البدعة لما مضى من التعليل. إذا قال إحدى هاتين المسئلتين لمن ليس لطلاقها سنة ولا بدعة، فعندنا لا يقع

[ 13 ]

شئ لما قلناه من أنه معلق بشرط، وعندهم يقع في الحال، لأنه وصفها بصفة محال لأنها ليست بواحدة من السنة والبدعة، فكان الصفة لغوا ووقع الطلاق. وقال بعضهم لا يقع لأن الصفة لم توجد كما لو قال إن كنت علوية أو هاشمية فأنت طالق، فلم يكن واحدة منهما لم يقع الطلاق. إذا قال: أنت طالق مل ء مكة أو المدينة أو الحجاز أو الدنيا، وكانت له نية إما إيقاع واحدة أو ما زاد عليها وقعت واحدة عندنا، لا غير، إذا كانت على صفة يقع الطلاق وإن لم تكن له نية لم يقع شئ أصلا. وعندهم يقع واحدة، لأن الطلاق لا يشغل حيزا من المكان، لأنه حكم وليس بجسم، وإنما قصد أنها بملأ مكة بالذكر ويشيع فيها ما وقع، فوقع الطلاق، ويكون طلقة رجعية. ولو قال أنت طالق أكثر الطلاق عددا أو أكثر الطلاق: كان عندنا مثل الأولى سواء، وعندهم تطلق بالثلاث لأن أقله واحدة وأكثره ثلاث فإن قال أكمل الطلاق وقعت واحدة عندنا وعندهم، لأنه لا يتضمن عددا، وهكذا لو قال أتم طلاق وأكبر طلاق، وتكون رجعية وقال بعضهم تكون باينا في أكمل وأكبر ورجعية في أتم. فإن قال أقصر طلاق أو أطول طلاق أو أعرض طلاق، طلقت واحدة بلا خلاف لأنها صفة لا يتضمن عددا وتكون رجعية عندنا، وعند بعضهم يكون باينا. فإن قال لها يا مائة طالق، أو أنت مائة طالق، طلقت عندنا بواحدة مع النية وعندهم بالثلاث كما لو قال أنت طالق مائة طلقة. فإن قال لها إن بدأتك بالكلام فأنت طالق فقالت له إن بدأتك بالكلام فعبدي حر، فإن كلمها بعد هذه الجملة لم تطلق زوجته، لأن يمينه انحلت بقولها له إن بدأتك بالكلام فعبدي حر، لأنه صار بحيث لا يمكنه أن يبدأها بالكلام، وعندنا أيضا كذلك لهذا، ولأنه طلاق بشرط، وأما يمينها فقائمة ما انحلت، لأنه يمكنها أن يبدأه بالكلام، فمتى بدأته به عتق عبدها، فإن كلمها بعد قولها فعبدي حر انحلت يمينها أيضا لأنه منعها أن تبدأه بالكلام، وعندنا لا ينعتق العبد على حال لأنه عتق بشرط.

[ 14 ]

فإن كانت واقفة في ماء جار فقال لها إن خرجت من هذا الماء فأنت طالق، وإن أقمت فيه فأنت طالق، لم تطلق سواء خرجت أو أقامت لا عندنا ولا عندهم، فعندنا لأنه طلاق بشرط، وعندهم لأن ذلك الماء الذي كانت فيه قد جرى وزال عنها، فما وقفت في ذلك الماء الذي حلف عليه ولا خرجت منه. ولو كان في فمها تمرة فقال لها إن أكلتها فأنت طالق، وإن لم تأكليها فأنت طالق، فعندنا لا حكم له، لأنه طلاق بشرط، وعندهم الوجه فيه أن تأكل البعض وتدع الباقي، ولا تطلق، لأنها ما أكلتها ولا تركتها. إذا قال إذا قدم فلان فأنت طالق، فإذا قدم فلان لا يقع الطلاق، لأنه طلاق بشرط. وإذا ثبت هذا سقط جميع فروع الطلاق المعلق بالشرط عنا، وإنما نذكر أعيان المسائل ليعرف مذهب المخالف فيه، ولأنا لو نقلنا أحكام ذلك إلى النذور لكانت لازمة بحسب ما يوجبونه من الطلاق، فلهذا نذكره. وقال المخالف في المسألة التي ذكرناها إذا قدم وقعت الطلقة حائضا كانت أو طاهرا لأن الصفة وجدت، ثم ينظر في زمان قدومه، فإن كان زمان السنة وقع طلاق السنة وإن كان زمان البدعة وقع بها طلاق البدعة ولا إثم عليه، لأنه لم يقصده كمن وطي بشبهة من كان حراما ولا إثم عليه، لأنه لم يقصده. وإذا قال أنت طالق للسنة إذا قدم فلان، فإذا قدم فلان فإن كانت من أهل السنة وقع في الحال، وإن كان زمان البدعة لم يقع في الحال، وتأخر إلى زمان السنة. ولو قال لها أنت طالق إن كان طلاقي الآن يقع عليك للسنة، فإن كانت من أهل السنة طلقت، وإن لم تكن من أهل السنة انحلت اليمين، ولم يقع الطلاق بعد هذا في زمان السنة، لأنه علق طلاقها بصفة أن تكون من أهل السنة فإذا لم تكن انحلت كقوله إن كنت طاهرا فأنت طالق، فكانت حائضا انحلت اليمين. إذا قال لغير المدخول بها أنت طالق إذا قدم فلان للسنة ثم دخل بها ثم قدم فقد علق الطلاق حين عقده عليها وليس لطلاقها سنة، فصار له سنة ثم وجدت الصفة

[ 15 ]

فينظر فيها حين قدم، فإن كان زمان السنة وقع الطلاق، وإن كان زمان البدعة لم يقع في الحال، وتأخر إلى زمان السنة. فإن قال لم أرد بقولي للسنة زمان وإنما أردت به سنة طلاقها قبل الدخول بها، قلنا إذا أردت هذا فليس لها زمان سنة ولا بدعة، فإذا قدم فلان وقع الطلاق بها طاهرا كانت أو حائضا لأنه نوى أن يقع عليها الطلاق بكل حال، وهو طلاق من ليس في طلاقها سنة ولا بدعة، وهي صفتها حين عقده عليها. إذا قال أنت طالق لفلان أو لرضا فلان، لم يخل من أحد أمرين إما أن تكون له نية أو لا نية له، فإن لم يكن له نية فعندنا لا يقع، وعندهم يقع في الحال لأن ظاهر الأمر أنه طلقه بهذه العلة كقوله أنت حرة لوجه الله. وإن كانت له نية فقال نويت أنت طالق إن رضي فلان، فقد عدل بالعلة إلى الشرط، فهل يقبل منه أم لا؟ على وجهين أحدهما يقبل منه فيما بينه وبين الله دون الظاهر لأن الظاهر التعليل، ومنهم من قال يقبل منه في الحكم وفيما بينه وبين الله وهو الصحيح عندنا لأن قوله لرضا فلان يحتمل العلة والشرط، فإن كانت العلة أظهر فالشرط محتمل وعندنا إنما قبل لأن المراعى نيته. هذا إذا قال وفسر قبل خروجها من العدة فإن خرجت من العدة وقال أردت الشرط ليبطل الطلاق على مذهبنا لم يقبل منه في الظاهر لأن الظاهر التعليل. إذا قال لها أنت طالق طلاق الحرج، قال قوم هو عبارة عن طلاق البدعة، ومضى طلاق البدعة، وحكي عن بعض الصحابة أنه قال يقع الثلاث، وعندنا إن كانت له نية حكم بها، وإن لم تكن له نية لم يكن له حكم أصلا. فإن قال أنت طالق طلاق الحرج والسنة، فعندنا مثل الأولى سواء، وعندهم تطلق بواحدة على كل حال. فإن قال أنت طالق إن شئت فقال شئت إن شئت فقال قد شئت، لا يقع الطلاق عندنا وعندهم لأمرين: أحدهما علق طلاقها بصفة وهي مشيتها، فعلقت هي مشيتها بالصفة، وتلك

[ 16 ]

الصفة مشيته، والمشية إضمار في القلب واعتقاد فلا يتعلق بالصفات كقوله إذا طلعت الشمس قد شئت لم يصح، لأن طلوعها لا يكون صفة للمشية، فإذا ثبت هذا فلم توجد مشيتها فلم يقع الطلاق. والثاني إذا علق الكلام بالمشية اقتضى أن يكون المشية جوابا لكلامه، فإذا تراخى عن هذه الحال بطل، فإذا لم تشأ وعلقت مشيتها بصفة تأخرت مشيتها فانحلت اليمين، ولم يقع الطلاق. فإن قال أنت طالق إن شئت وشاء أبوك، فإن شاءا معا بحيث كان جوابا لكلامه طلقت، وإن لم يشأ واحد منهما انحلت اليمين، وإن شاء أحدهما دون الآخر فكذلك أيضا انحلت اليمين، وإن شاء أحدهما على الفور والآخر على التراخي أو بعد ساعة انحلت اليمين أيضا. وإن قالت قد شئت إن شاء أبي فقال أبوها قد شئت لم يقع الطلاق، لأنه ما شاء واحد منهما، أما هي فعلقت مشيئتها، وأما هو فتراخت مشيئته عن زمان الجواب فبطلت. فإن قال أنت طالق واحدة إلا أن يشاء أبوك ثلاثا فقال أبوها قد شئت ثلاثا لم يقع بها طلاق أصلا لأنه إنما أوقع الطلقة بشرط أن لا يشاء أبوها ثلاثا، فإذا شاء أبوها ثلاثا لم يوجد شرط الوقوع فلم يقع. ولو قال أنت طالق ثلاثا إلا أن يشاء أبوك واحدة فإذا شاء أبوها واحدة لم يقع الطلاق لأن الصفة ما وجدت. إذا قال لزوجته إن لم تكوني حاملا فأنت طالق، معناه إن كنت حائلا فأنت طالق، فعبر عن الحائل بقوله (إن لم تكوني حاملا) فإن كانت حاملا لم يقع الطلاق وإن كانت حايلا وقع الطلاق لوجود الصفة، وإنما يعلم كونها حاملا أو حايلا بالاستبراء. ثم لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون استبرأها قبل يمينه أو لم يستبرئها فإن لم يكن استبرأها مثل أن وطيها ثم حلف، فعليه أن يستبرئها في المستقبل، ليعلم

[ 17 ]

حائل أو حامل، ولا يحل له وطيها حتى يستبرئها، لأن الظاهر وقوع الطلاق لأن الأصل أنها حايل، ولأنه محتمل لكونها حايلا وحاملا فغلب حكم التحريم. وبماذا يستبرئها؟ على وجهين: أحدهما ثلاثة أقراء، والثاني بقرء واحد والأول أحوط. فمن قال بثلاثة أقراء قال بثلاثة أطهار، ومن قال بقرء واحد فما هو؟ على وجهين أحدهما طهر، والثاني حيضة، وهكذا الوجهان في الأمة المشتراة والمسبية وكلاهما رواه أصحابنا. فمن قال القرء طهر فإن كانت حائضا وقت اليمين لم يعتد ببقية الحيضة، حتى تطهر، فإذا طهرت دخلت في القرء، فإذا رأت الدم من الحيض بعده وقع الاستبراء وإن كانت حين اليمين طاهرا لم يعتد ببقية هذا الطهر قرءا حتى تحيض بعده حيضة فإذا طهرت منها فقد استبرأت. ومن قال القرء حيضة، فإن كانت طاهرا حين يمينه فالقرء هو الحيضة بعده وإن كانت حايضا حين يمينه لم يعتد ببقية هذه الحيضة، ولا بالطهر بعدها، فإذا دخلت في الحيضة الثانية دخلت في القرء، فإذا طهرت وقع الاستبراء. فإذا وقع الاستبراء بما قلناه لم يخل من أحد أمرين إما أن تظهر أمارات الحمل أو لا تظهر فإن لم تظهر حكمنا بوقوع الطلاق لأنها كانت حائلا حين اليمين، فإن كان الاستبراء بالأقراء فقد انقضت عدتها، وإن كان بقرء واحد أضافت إليه قرءين آخرين. فإن ظهرت أماراته، وعلاماته في مدة الاستبراء أو بعده وقبل حكم الحاكم بطلاقها، توقفنا في طلاقها حتى يتبين الأمر. فإن كانت حائلا حكمنا بوقوع الطلاق، وإن وضعت نظرت، فإن كان لأقل من ستة أشهر من حين اليمين لم يقع الطلاق، لأنها بانت حاملا حين يمينه، وإن وضعت لأكثر من تسعة أشهر عندنا، وعند قوم أربع سنين من حين يمينه وقع الطلاق لأنه أكثر مدة الحمل، وبان أنها حملت بعد اليمين فوقع الطلاق. وإن أتت به لتمام أكثر. المدة من حين اليمين، نظرت، فإن لم يكن وطئها بعد

[ 18 ]

اليمين فلا طلاق، لأن الظاهر أنها حامل حين اليمين، وإن كان وطئها فأتت بولد بعد الوطي، فإن كان لأقل من ستة أشهر من حين الوطي، فالحكم كما لو لم يطأها لأنه لا يمكن حدوثه من هذا الوطي، وإن كان لستة أشهر من حين الوطي ففيها وجهان: أحدهما يقع الطلاق لأن الظاهر حدوثه من الوطي، والثاني لا يقع لأنه يحتمل حدوثه فيقع الطلاق، ويحتمل كونه حين اليمين فلا يقع، ولا يوقع الطلاق بالشك. هذا إذا حلف قبل أن يستبرئها فأما إن كانت يمينه بعد أن يستبرئها، أو لم يكن وطئها فهل يعتد بما سلف من الاستبراء؟ فيه وجهان: أحدهما يعتد به وهو الأقوى والثاني لا يعتد به. فإذا قيل لا يعتد به، فهو كما لو حلف قبل أن يستبرئها وقد مضى، وإذا قيل يعتد بذلك الاستبراء فالحكم فيما بعد يمينه كالحكم في المسألة الأولى بعد حصول الاستبراء حرفا بحرف. وإن قال عكس ذلك إن كنت حاملا فأنت طالق، فإن كانت حاملا وقع الطلاق وإن كانت حائلا لم يقع ويعلم ذلك بالاستبراء، فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يحلف قبل أن يستبرئها أو بعده، فإن حلف قبل الاستبراء فإنه يستبرئها، وبماذا يستبرئها؟ على ما مضى من ثلاثة أقراء أو قرء واحد فيه قولان أحدهما حيض، والآخر طهر على ما مضى. وأما الوطي بعد اليمين وقبل الاستبراء فإنه يحرم لتجويز الأمرين. فإذا استبرأها وكانت حائلا لم يقع الطلاق، وإن بانت حاملا صبر حتى تضع، فإن وضعت لأقل من ستة أشهر من حين اليمين وقع الطلاق لأنها حامل حين اليمين، وإن وضعت لأكثر من تسعة أشهر أو أكثر من أربع سنين من حين اليمين على الخلاف، لم يقع لأنها حائل حين اليمين. وإن وضعت لستة أشهر إلى تمام تسعة أشهر أو أربع سنين، فالظاهر أنها حامل حين عقد اليمين، فهل يقع أم لا؟ لا يخلو الزوج من أحد أمرين: إما أن يكون وطئها أو لم يطأها، فإن لم يكن وطئها فهل يقع الطلاق أم لا؟

[ 19 ]

على وجهين أحدهما يقع، لأن الظاهر أنها حايل، والثاني لا يقع لاحتمال الأمرين. وإن كان وطئها فإن أتت به لأقل من ستة أشهر من حين اليمين كان وجود الوطي وعدمه سواء، لأنه لا يمكن حدوثه من هذا الوطي، وإن أتت به لستة أشهر من حين الوطي، قال قوم لا يقع، لأن الظاهر حدوثه منه، ولأنه محتمل، فلا يوقع الطلاق بالشك ولا يلحق الولد بالشك. فأما إن حلف بعد الاستبراء فهل يعتد به أم لا؟ على وجهين على ما مضى لو حلف قبل الاستبراء، إلا في فصل: وهو أن الوطي بعد عقد اليمين كما يحكم بعد عقد اليمين وقبل الاستبراء، لأن الاستبراء قد وقع، وكان الظاهر أنها حائل، فالحكم على ما مضى. وإن قلنا يعتد بذلك الاستبراء، فالحكم فيه بعد عقد اليمين كما يحكم بعد عقد اليمين وبعد الاستبراء، إذا لم يكن استبرأها وقد مضى. ولو أعطته زوجته مائة دينار على أنها طالق إن كانت حاملا فإن كانت حائلا لم يقع الطلاق، والمائة لها، لأن الصفة ما وجدت، وإن كانت حاملا حين الطلاق وقع الطلاق لوجود الصفة، وسقط المسمى ووجب المهر المثل، لأنه طلقها على مائة وعلى أنها حامل، فكان لكونها حاملا قسط من العوض، فسقط ذلك القسط وصار العوض مجهولا، وعندنا لا يقع أصلا والمائة لها لأنه معلق بشرط. إذا قالت له واحدة من نساءه طلقني فقال نسائي طوالق، فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون له نية أو لا نية له. فإن لم تكن له نية فعندنا لا يقع شئ أصلا، وعندهم تطلق كل امرأة له والسائلة معه، وقال بعضهم يطلقن جميعهن إلا السائلة لأنها طلبت الطلاق فعدل عن المواجهة إلى الكناية فعلم أنه قصد طلاق غيرها. وإن كانت له نية فإن أخرج السائلة عن الجملة فإنها لا تطلق عندنا وقال بعضهم تطلق، وقال بعضهم لا تطلق فيما بينه وبين الله تعالى، وقال بعضهم إنها لا تطلق أصلا كما قلناه. إذا قال لها إن حضت فأنت طالق، عندنا لا يقع، لأنه معلق بشرط، وعندهم

[ 20 ]

إذا رأت الدم في وقت يجوز أن يكون حيضا وقع الطلاق في الظاهر، كما حكم بالحيض في منع الصلوة والصوم والوطي، فإن اتصل بها أقل أيام الحيض على الخلاف فيه فقد استقر وقوعه، وإن انقطع لأقل من ذلك واتصل الانقطاع خمسة عشر يوما لم يقع. فإن قال لها إن حضت حيضة فأنت طالق، فعندنا مثل الأولى لا يقع، وعندهم علق طلاقها بوجود كل الحيضة، فإذا رأت الدم لم تطلق حتى تطهر عنه، فإذا طهرت طلقت لأنها حاضت حيضة ووقع الطلاق مباحا لأنه في طهر ما جامعها فيه، وفي الأولى وقع محرما لأنه في زمان الحيض. وإن قال: كلما حضت فأنت طالق، فعندنا لا يقع شئ أصلا، وعندهم إذا رأت الدم من الحيضة طلقت طلقة فإذا طهرت ثم رأت الدم في الثانية، طلقت أخرى فإذا طهرت ثم رأت الدم من الحيضة الثالثة طلقت وبانت، وبقي لها من العدة قرء تأتي به، وقد انقضت عدتها، وهو أن ترى الدم من الحيضة الرابعة. فإن قال لها: كلما حضت حيضة فأنت طالق، فعندنا لا يقع لما قلناه، وعندهم إذا حاضت وطهرت طلقت واحدة، وكذلك في الثانية والثانية، ويبقى لها قرء من عدتها تأتي به وقد انقضت عدتها مثل ما تقدم ذكره. فالعدة في المسئلتين واحدة، والخلاف في حكم الطلاق، فإن الطلاق في هذه مباح وفي الأولى محظور. فإن قال لها إن حضت حيضة فأنت طالق، فإذا حضت حيضتين فأنت طالق، فإذا حاضت حيضة فقد طلقت طلقة، وإن حاضت أخرى طلقت أخرى لأن هذه والأولى حيضتان، وعندنا أنها لا يقع أصلا لما مضى. فإن قال إذا حضت حيضة فأنت طالق، ثم إذا حضت حيضتين فأنت طالق، فإذا حاضت حيضة طلقت طلقة لوجود الصفة، فإذا حاضت أخرى لم تطلق لأنه علق الثانية بوجود حيضتين بعد الحيضة الأولى فلا تطلق الثانية حتى تحيض حيضتين بعد الحيضة الأولى، فإذا حاضت الثالثة طلقت الثانية. إذا قال لها إذا حضت فأنت طالق، ثم قالت قد حضت، فعندنا لا يقع أصلا لما

[ 21 ]

تقدم، وعندهم إن صدقها طلقت، وإن كذبها فالقول قولها مع يمينها لأن الحيض لا يعلم إلا من جهتها. ولو قال لها إذا ولدت فأنت طالق، وإذا دخلت الدار فأنت طالق، فقالت قد ولدت وأنكر الزوج، كان القول قوله، لأن وجود الولادة يتوصل إلى ثبوته من غيرها لأنه يمكن إقامة البينة عليه، وكذلك دخول الدار. وكذلك إن قال: إن عزمت على الحج أو نويت سفرا فأنت طالق، فقالت: قد نويت سفرا فأنكر كان القول قولها، لأن العزم والنية لا يتوصل إليهما إلا من جهتها كالحيض وعندنا هذه والأولى لا يقع أصلا لما تقدم. إذا كان له زوجتان حفصة وعمرة، فقال لحفصة إن حضت فعمرة طالق فقالت حفصة قد حضت، فإن صدقها طلقت عمرة، وإن كذبها لم يقبل قولها عليه في وقوع طلاق عمرة لأنه لا يقبل قولها في وقوع غيرها، ولا يستحلف على ذلك، لأنه لا حق لها في طلاق عمرة ولا يستحلف الغير في إثبات حق على غيره، وبقي النزاع بين عمرة وزوجها فعمرة تقول حاضت حفصة وطلقت، وقال الزوج ما حاضت ولا طلقت، فالقول قول الزوج لأن الأصل بقاء الزوجية. وعلى هذا كل ما يرد من هذه المسائل إذا قال لحفصة فأنت وعمرة طالق، ثم قالت حفصة قد حضت، فإن صدقها طلقت هي وعمرة، وإن كذبها فالقول قولها فإذا حلفت طلقت هي، وأما عمرة فلا تطلق لأنا نقبل قولها في حيض نفسها ولا نقبل في حيض غيرها. قال لحفصة ولعمرة إن حضتما فأنتما طالقتان، ثم قالتا قد حضنا، فإن صدقهما طلقتا، لأنه قد وجد الشرطان في حق كل واحد منهما بإقرارهما وتصديقه، وإن كذبهما لم تطلق واحدة منهما، لأن قول كل واحدة منهما يقبل في حيضها في طلاق نفسها، ولا يقبل في طلاق غيرها، فوجد في كل واحدة منهما شرط واحد فلم تطلق. وإن كذب إحداهما وصدق الأخرى طلقت التي كذبها، لأنه قد وجد الشرطان في طلاقها: فإنا قبلنا قولها في حيضها في طلاق نفسها، فثبت شرط وقبلنا

[ 22 ]

قوله في حيض الأخرى في طلاق التي كذبها فوجد الشرط الثاني فطلقت. وأما التي صدقها فلا تطلق، لأنه إنما وجد شرط واحد في طلاقها، وهو قبول قولها في حيضها في طلاق نفسها، ولم يوجد الشرط الثاني، لأنا لا نقبل قول التي كذبها في حيضها في طلاق غيرها، فلهذا طلقت التي كذبها دون التي صدقها. وعندنا أنه لا يقع الطلاق بواحدة منهما على حال، صدقهما أو كذبهما، أو صدق إحداهما وكذب الأخرى، لأنه معلق بشرط. إذا قال لهما إن حضتما حيضة فأنتما طالقتان، قيل فيها وجهان أحدهما لا تطلقان لأنه علق طلاقهما بصفة محال لأن من المحال أن تحيضا معا حيضة واحدة، والثاني سقط قوله حيضة، ويكون كقوله إن حضتما فأنتما طالقتان، لأن قوله إن حضتما تعليق الطلاق بحيضهما، وقوله بعد هذا حيضة محال فيلغو قوله حيضة ويبقى قوله إن حضتما فأنتما طالقتان، وقد مضى القول فيه، وعندنا هذه المسألة مثل الأولى في أنه لا يقع لما تقدم. إذا كان له أربع نسوة فقال إن حضتن فأنتن طوالق، فقد علق طلاق كل واحدة منهن بأربع شرائط: حيضتها، وحيض صواحبها، ثم قلن قد حضنا، فعندنا لا يقع الطلاق بواحدة منهن لما تقدم، وعندهم إن كذبهن لم تطلق واحدة منهن، لأن قول كل واحدة منهن يقبل في طلاقها في حيض نفسها، ولا يقبل على غيرها، فوجد في كل واحدة منهن شرط واحد فلم يقع الطلاق. فإن صدق واحدة وكذب البواقي لم تطلق واحدة منهن أيضا لأن التي صدقها وجد في حقها شرط واحد، وهو قبول قولها في حيضها في طلاق نفسها، ولم توجد الشروط الأخر، لأنه كذب البواقي، وأما اللواتي كذبهن فوجد في كل واحدة منهن شرطان قبول قولها في حيضها في طلاق نفسها، وثبوت حيض التي صدقها في حقهن. فإن صدق اثنتين وكذب اثنتين لم تطلق واحدة منهن أيضا لأن الاثنتين اللتين صدقهما وجد في طلاق كل واحدة منهما شرطان، قبول قولها في حيضها في طلاق نفسها.

[ 23 ]

وثبوت حيضها في حق صاحبتها باعترافه، وأما اللتان كذبهما فقد وجد في طلاق كل واحدة منهما ثلاثة شروط قبول قولها في حيضها في حق نفسها، ولكل واحدة منهما صاحبتان صدقهما الزوج في حيضهما، فوجد في حق كل واحدة منهن ثلاثة شروط. فإن صدق ثلاثا وكذبت واحدة لم تطلق واحدة من المصدقات، لأنه إنما وجد ثلاثة شروط في حق كل واحدة منهن، وهو قبول قولها في حيضها في طلاق نفسها ولكل واحدة منهن صاحبتان قد اعترف الزوج بحيضهما، فوجدت ثلاثة شروط فلم تطلق واحدة منهن وطلقت التي كذبها، لأنه وجد في طلاقها كل الشرائط وهي قبول قولها في حيضها في طلاق نفسها، ولها ثلاث صواحبات قد صدقهن الزوج فلهذا طلقت. فإن صدقهن كلهن طلقن كلهن لأنه قد وجدت الشرايط الأربعة في حق كل واحدة منهن: قبول قولها في حيضها في طلاقها، ولكل واحدة منهن ثلاث صواحبات قد صدقهن الزوج. إذا كان له أربع نسوة قال لهن أيتكن حاضت فصواحباتها طوالق، ثم قلن قد حضنا، فإن كذبهن لم تطلق واحدة منهن، لأنا لا نقبل قولها في حيضها في طلاق غيرها كما قلنا في المسألة الأولى. فإن صدق واحدة وكذب البواقي لم تطلق التي صدقها لأنا لا نقبل قول غيرها في حيضها في طلاقها، وطلقن المكذبات طلقة، لأنه قد ثبت حيض المصدقة باعترافه. فإن صدق اثنتين وكذب اثنتين طلق كل واحدة من المصدقتين طلقة طلقة لأن لكل واحدة منهما صاحبة قد صدقها الزوج في الحيض، وطلقت كل واحدة من المكذبتين طلقتين، لأن لكل واحدة منهما صاحبتين قد صدقهما الزوج في الحيض. فإن صدق ثلاثا وكذب واحدة طلقت كل واحدة من المصدقات طلقتين، لأن لكل واحدة منهن صاحبتين قد صدقهما الزوج، وطلقت المكذبة ثلاثا لأن لها ثلاث صواحبات قد حضن.

[ 24 ]

فإن صدقهن كلهن طلقن ثلاثا ثلاثا لأن لكل واحدة ثلاث صواحبات قد صدقهن الزوج. وعندنا أن هذه مثل الأولى في أنه لا تطلق واحدة منهن بحال لأنه معلق بشرط. له ثلاث زوجات قال لهن أيتكن حاضت فصواحباتها طوالق، فالحكم فيها كالحكم في التي قبلها سواء، إن كذبهن لم تطلق واحدة منهن، وإن صدق واحدة لم تطلق وطلقت المكذبتان طلقة طلقة، وإن صدق اثنتين طلقت كل واحدة منهما طلقة، والمكذبة طلقتين، فإن صدقهن كلهن طلقت كل واحدة منهن طلقتين، لأن لكل واحدة منهن صاحبتين قد صدقهما الزوج، وعندنا هذه مثل التي تقدم، سواء لا يقع بواحدة منهن الطلاق بحال لما تقدم.

[ 25 ]

(فصل) * (فيما يقع به الطلاق وما لا يقع) * صريح الطلاق عندنا لفظة واحدة وهو قوله (أنت طالق أو هي طالق أو فلانة طالق) ويحتاج إلى مقارنة النية له، فإن تجرد عن النية لم يقع به شئ، ولا يقع بشئ من الكنايات طلاق نوى أو لم ينو بحال. وقال بعضهم صريح الطلاق ما وقع الطلاق بمجرده من غير نية، والكناية ما لا يقع الطلاق به إلا بنية، فإذا قال سرحتك أو أنت مسرحة أو فارقتك أو أنت مفارقة أو طلقتك أو أنت طالقة أو مطلقة كل ذلك صريح، وعندنا أن قوله أنت مطلقة إخبار عما مضى فقط نوى به الايقاع في الحال فالأقوى أن نقول إنه يقع به. وقال بعضهم هو كناية، وقال بعضهم: إذا قال طلقتك من وثاقك أو سرحتك إلى أهلك أو فارقتك مسافرا إلى كذا وكذا لم يقع الطلاق في الحكم، ولا فيما بينه وبين الله، لأن صريح الطلاق ما تجرد عن قرينة. وجملة ذلك إذا قال طلقتك، نظرت فإن قال نويت بها الطلاق وقع عندنا به الطلاق، وعندهم يكون ذكر النية تأكيدا، فإن قال نويت بها الطلاق كان صريحا. وإن قال نويت من وثاق، قبل عندنا على كل حال ظاهرا وباطنا، عندهم قبل فيما بينه وبين الله، ولا يقبل في الظاهر وهكذا لو قال أنت طالق ثم قال أردت أقول طاهر أو أنت فاضلة أو قال طلقتك ثم قال أردت أن أقول أمسكتك فسبق لساني فقلت طلقتك، قبل منه عندنا على كل حال إذا قال ذلك عقيب الطلاق أو في زمان العدة، فإن قال ذلك بعد خروجها من العدة لم يقبل في الظاهر، وقبلناه فيما بينه وبين الله، وعندهم يقبل فيما بينه وبين الله على كل حال ولا يقبل ظاهرا بحال، لأنه يخالف الظاهر. قد بينا أن كنايات الطلاق لا يقع بها فرقة، نوى أو لم ينو، ظاهرة كانت أو

[ 26 ]

باطنة، بحال، وقال بعضهم الكنايات على ضربين ظاهرة وباطنة، فالظاهرة خلية وبرية وبتلة وباين وحرام، والخفية كثيرة منها اعتدي واستبرئي رحمك معناه حدث ما يوجب براءة الرحم وهو الطلاق، وتقنعي معناه حرم على النظر إليك وتجرعي واذهبي، واعزبي والحقي بأهلك، وحبلك على غاربك، ومعناه إذهبي فلست ممسكا لك، مشتقا من طرح زمام الناقة على غاربها، وهو العنق لتذهب بغير قائد. فكل هذه كنايات لا يقع الطلاق بمجردها من غير نية سواء كان عقيب ذكر الطلاق أو لم يكن عقيب ذكره، وسواء كان حال الرضا أو حال الغضب. فإن نوى نظرت، فإن تقدمت النية على لفظه أو تأخرت عنه لم يقع الطلاق وإنما يقع الطلاق إذا قارنت النية لفظ الكناية، ويقع ما نوى سواء نوى واحدة أو اثنتين وكان رجعيا، وإن نوى ثلاثا وقع ثلاثا، والمدخول بها وغير المدخول بها سواء. وإذا قال أنت واحدة فيه وجهان أحدهما يقع الثلاث والثاني يقع واحدة والأول عندهم هو الصحيح. فإن قال أنت الطلاق فعندنا ليس بصريح والكناية لا نقول بها، وعندهم على وجهين منهم من قال هو صريح ومنهم من قال كناية. وإذا قارنت النية شرط لفظ الكناية: الشطر الأول أو الثاني مثل أن يقول أنت بتة فقارنت النية الأول فيه وجهان أحدهما يقع إذا بقي حكمها وهو الأظهر والآخر لا يقع إلا بمقارنة النية لجميعه، وكذلك في الشطر الآخر، والذي يجب أن يقال على هذا المذهب أن النية متى لم تقارن أول جزء من اللفظ فلا حكم لها ولا يجب مقارنتها لجميع اللفظ. إذا قال لها كلما أكلت نصف رمانة فأنت طالق وكلما أكلت رمانة فأنت طالق فأكلت رمانة طلقت ثلاثا عندهم، لأنه علق الطلاق بصفتين، نصف الرمانة على التكرار وكل الرمانة، فإذا أكلتها تكرر منها أكل النصف لأنه أكل نصفها ونصفها الثاني فطلقت طلقتين، وبأكل النصفين أكل كلها فوقعت الثالثة، وعندنا لا يقع منه به شئ

[ 27 ]

أصلا لأنه معلق بشرط. فإن جعل ذلك نذرا فقال: لله على عتق رقبة كلما أكلت نصف رمانة، وكلما أكلت رمانة عتق رقبة، فإنه يلزمه ثلاث رقبات لما مضى. فإن لم يقل " كلما " بل قال إذا أكلت نصف رمانة فأنت طالق، فأكلت رمانة طلقت طلقتين: طلقة بأكل النصف الأول، وطلقة بأكل كلها، لأنه لم يعلقه بلفظ يقتضي التكرار، كقوله إذا دخلت الدار فأنت طالق، فإذا دخلت طلقت واحدة، فإن دخلت مرة أخرى لم يقع، لأن الصفة لم يكن على التكرار، والأول فيه لفظة كلما وهو يقتضي التكرار، فلأجل ذلك تكرر الطلاق وهكذا نقول في العتق في النذر وإن لم نقل به في طلاق لما مضى. إن قال إن كلمت رجلا فأنت طالق، وإن كلمت زيدا فأنت طالق، وإن كلمت فقيها فأنت طالق فكلمت زيدا الفقيه طلقت ثلاثا لأن الصفات كلها قد وجدت. وهكذا لو قال إذا دخلت دارا فأنت طالق، وإن دخلت دار زيد فأنت طالق وإن دخلت دار الفقيه فأنت طالق، فدخلت دار زيد الفقيه طلقت ثلاثا. والأصل فيه كلما علق الطلاق بصفات متفرقة فإذا وجد شخص يشتمل عليها كلها وقع بكل صفة فيه طلقة، فإذا كانت فيه ثلاث صفات وقع ثلاث طلقات، وهذا أصل، وهكذا يجب أن نقول في النذر سواء. إذا قال لها أنت حرة أو أعتقتك ونوى الطلاق كان طلاقا عندهم، وعندنا ليس بشئ. كل ما كان صريحا في الطلاق فهو كناية في الاعتاق، وكل ما كان كناية في الطلاق فهو كناية في العتق، وفيه خلاف، وعندنا أن جميع ذلك ليس بشئ، والعتق لا يقع أيضا إلا بصريح لفظ على ما نبينه، ولا يقع بشئ من الكنايات. إذا قال لزوجته أنا منك طالق، عندنا لا يقع به شئ، وقال بعضهم يكون ذلك كناية يقع به ما نوى من واحدة أو ثنتين أو ثلاث، وقال بعضهم ليس هذا كناية أصلا وإن نوى ما نوى، وأما قوله أنا منك باين أو حرام فلا خلاف بينهم أنه كناية.

[ 28 ]

وإذا قال أنا منك معتد، كان كناية عند بعضهم، ولا يكون عند غيرهم، وعندنا أن جميع ذلك ليس بشئ. إذا قال أنت طالق فهو صريح، ولا يصح أن ينوي به أكثر من طلقة واحدة، فإن نوى أكثر وقعت واحدة عندنا، وقال بعضهم: إن لم يكن له نية وقعت واحدة، وإن كانت له نية وقع ما نوى، وهكذا كل الكنايات يقع ما نوى وفيه خلاف. إذا قال أنت طالق طلاقا أو أنت الطلاق أو أنت طالق الطلاق فعندهم أنها كنايات يقع به ما نوى وعندنا لا يقع به شئ إلا بقوله أنت طالق طلاقا إذا نوى، ويكون قوله طلاقا تأكيدا. إذا كتب بطلاقها ولا يتلفظ ولا ينويه فلا يقع به شئ بلا خلاف، وإذا تلفظ به وكتبه وقع باللفظ. فإذا كتب ونوى ولم يتلفظ به فعندنا لا يقع به شئ إذا كان قادرا على اللفظ فإن لم يكن قادرا وقع واحدة إذا نواها لا أكثر منه ولهم فيه قولان أحدهما يقع، والثاني أنه لا يقع، وروى أصحابنا أنه إن كان مع الغيبة فإنه يقع، وإن كان مع الحضور فلا يقع. وإذا قيل لا يقع، فلا تفريع. فإن قيل يقع فيه ثلاث مسائل: أولاها إذا كتب: إذا أتاك كتابي فأنت طالق، فقد علق الطلاق بوصول الكتاب إليها، فإن ضاع في الطريق لم يقع، لأن الشرط لم يوجد، وإن وصل الكتاب سليما وقع. وإن ذهبت حواشيه وبقي المكتوب وقع، لأن الكتاب وصل، وإنما ذهب البياض، وإن امتحت الكتابة ووصل الكتاب أبيض لم يقع، لأنه إنما وصل قرطاس لا كتاب، وإن امتحت بعض الكتابة فإن كان امتحى موضع الطلاق لم يقع، لأن المقصود لم يصل. وإن امتحى غير موضع الطلاق وبقي موضع الطلاق بحاله فيه وجهان أحدهما يقع لأن المقصود قد وصل، والآخر إن كان كتب إذا أتاك كتابي فأنت طالق، وقع، وإن كتب إذا أتاك كتابي هذا فأنت طالق لم يقع، لأنه يقتضي وصول جميع الكتاب، وما وصل، ويجب

[ 29 ]

أن نقول بجميع ذلك إذا كان نذرا في عتق. فرع: إذا قال لها إذا وصل إليك طلاقي فأنت طالق وكتب إليها بالطلاق وقرأه أو نواه على أحد القولين، فإذا وصل الكتاب إليها طلقت طلقتين، لأنه علق طلقة بوصول الطلاق، وطلقة بوصول الكتاب، وقد اجتمعا. المسألة الثانية أن يكتب أما بعد فأنت طالق، وقرأه ونواه على أحد القولين فقد نجز الطلاق، وإنما يقصد بالكتاب إعلامها وقوع الطلاق، فإذا وصل الكتاب حكم بأن الطلاق وقع من حين اللفظ، والعدة من ذلك الوقت، وإن ضاع الكتاب في الطريق فأخبرها به مخبر وثبت عندها صحته طلقت لأن الطلاق قد تنجز وإنما يحتاج أن يثبت صحته عندها. الثالثة إذا شهد شاهدان عليه بأن هذا خطه فلا يصح منهما أن يشهدا حتى شاهداه وقد كتب، ولا يغيب عنهما حتى يشهدا به، لأن الخط يشبه الخط ويختلط، ولا يجوز الشهادة مع الاحتمال. فإذا شهدا عند الحاكم وثبت أنه خطه لم يلزمه الطلاق حتى يقر بأنه نواه أو تلفظ به، لأنه لو أقر بأنه خطه لم يقع به الطلاق حتى يقر بأنه نواه أو تلفظ به. إذا أراد الرجل أن يطلق زوجته فهو بالخيار بين ثلاثة أشياء إن شاء طلقها بنفسه، وإن شاء وكل في طلاقها، وإن شاء جعل الأمر إليها حتى تطلق نفسها، هذا عند المخالف. فإذا باشر الطلاق فقد ذكرنا حكمه، وإن وكل فالحكم فيه ظاهر، وإن أراد أن يجعل الأمر إليها فعندنا لا يجوز على الصحيح من المذهب، وفي أصحابنا من أجازه. وعند المخالف يجوز ذلك بالصريح والكناية، فيقول لها: طلقي نفسك، أو جعلت أمرك إليك، أو أمرك بيدك، فتملك بهذا تطليق نفسها، ويتعلق به حكم. فإذا خير زوجته فلا يخلو إما أن تختار الزوج أو تختار نفسها، فإن اختارت

[ 30 ]

الزوج لم يقع بذلك فرقة بلا خلاف، وإن اختارت نفسها فلا يقع عندنا به طلاق نويا أو لم ينويا، وعلى ما حكيناه عن بعض أصحابنا يقع إذا نويا ذلك وعند بعض المخالفين أنه كناية من الطرفين يفتقر إلى نية الزوجين، وفيه خلاف. فإن عدمت النية منهما أو من أحدهما لم يقع عند بعضهم، فإن نويا معا الطلاق ولم ينويا عددا وقع طلقة رجعية، وعند بعضهم باينة. وإن نويا عددا واتفقا على ذلك وقع ما اتفقا عليه من واحدة أو ثنتين أو ثلاثا وعند بعضهم لا يقع إلا واحدة مثل سائر الكنايات على مذهبه، وإن اختلفت نيتهما في العدد وقع الأقل، لأنه متيقن مأذون فيه، وما زاد عليه مختلف فيه. هذا إذا جعل الطلاق إليها بالكناية، فأما إذا جعل إليها بالصريح، فإن ذلك لا يفتقر إلى النية وجملته أن الزوج إذا جعل الطلاق إلى زوجته وفوض ذلك إليها فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يوجد صريح الطلاق منهما، أو الكناية أو يوجد من أحدهما الصريح ومن الآخر الكناية. فإن وجد الصريح منهما وقع الطلاق ولم يفتقر إلى النية وإن وجدت الكناية منهما فلا بد من النية من الطرفين، فإن عدمت منهما أو من أحدهما لم يقع، وإن وجد الصريح من أحد الطرفين والكناية من الآخر فالذي وجد منه الصريح لا يحتاج إلى النية، وصاحب الكناية يحتاج إليها. إذا قال لها طلقي نفسك فقالت اخترت نفسي ونوت به الطلاق، وقع بها الطلاق على قول أكثرهم، وقال بعضهم لا يقع به، لأنه جعل إليها صريح الطلاق فإذا طلقت بالكناية لم يقع، والأول عندهم هو الصحيح. إذا قال لها: طلقي نفسك، فإنه يصح أن يطلق نفسها ما دامت في المجلس ولم يحدث أمر آخر، وقال بعضهم يحتاج أن تطلق نفسها بحيث يكون ذلك جوابا لكلامه، فإن أخرته لم يصح. إذا خيرها ثم رجع قبل أن تختار صح رجوعه، وقال بعضهم لا يصح.

[ 31 ]

إذا خيرها ثم اختلفا فقالت اخترت وقال ما اخترته فالقول قول الزوج حتى تقيم المرأة البينة، لأن يمكن إقامة البينة عليه فلم يقبل قولها فيه. وأما إذا اختلفا في النية فقال الزوج ما نويت وقالت نويت، فالقول قولها كالحيض، وقال بعضهم القول قوله. الوكالة في الطلاق صحيحة غير أن أصحابنا أجازوها مع الغيبة دون الحضور فإذا وكل في طلاق زوجته فللوكيل أن يطلق في الحال، وله أن يؤخر كالبيع، ويفارق التخيير، فإن ذلك تمليك كالبيع. المرأة إذا قالت طلقتك أو طلقت نفسي وقع الطلاق بهما عند المخالف، إلا أن أحدهما صريح وهو قولها طلقت نفسي، والآخر كناية وهو قولها طلقتك. إذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثا فطلقت نفسها واحدة وقعت عند بعضهم، وعند قوم لا يقع، وإن قال طلقي نفسك واحدة فطلقت ثلاثا وقعت وقال بعضهم لا يقع.

[ 32 ]

(فصل) * (في ذكر القرائن والصلات والاستثناءات التي يتصل بالطلاق) * وهذه الأشياء على ثلاثة أضرب أحدها لا يقبل في الظاهر ولا في الباطن والثاني يقبل في الظاهر والباطن والثالث يقبل في الظاهر ولا يقبل في الباطن. فأما الذي لا يقبل في الظاهر ولا الباطن، فهو ما يرفع الطلاق ويسقطه على ما لا يمكن بناؤه عليه، مثل أن يقول أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا، أو أنت طالق بواحدة إلا واحدة أو أنت طالق لست بطالق. فهذا إذا تلفظ به لم يقبل ولم يبن عليه الكلام بلا خلاف، وإن نواه بقلبه قبل عندنا، ولم يقبل عندهم، لأن الاستثناء هو الذي يبين المراد باللفظ مما ليس بمراد فيخرج بعض ما تناوله اللفظ، وهذا يرفع كل الطلاق فلم يصح. وهكذا حكم الاقرار لأنه إذا قال: لفلان على عشره إلا عشرة، لم يقبل بلا خلاف، ولو قال عشرة إلا خمسة قبل. وأما القسم الثاني الذي يقبل في الظاهر والباطن، فهو ما ينقل الطلاق من حالة إلى حالة ووقت إلى وقت، مثل قوله أنت طالق إذا دخلت الدار، أو أنت طالق إذا جاء رأس الشهر، أو طالق من وثاق، فهذا إذا تلفظ به قبل، وإذا نواه قبل عندنا وعندهم يقبل فيما بينه وبين الله، لأنه ليس يرفع كله بوقوع غيره، وإنما ينقله من وقت إلى وقت، وحالة إلى حالة، واللفظ محتمل. - وأما الضرب الثالث وهو الذي يقبل في الظاهر إذا تلفظ به، ولا يقبل في الباطن إذا نواه، فهو أن يقول أنت طالق إنشاء الله، أو أنت طالق ثلاثا إلا ثنتين، وإلا واحدة فهذا إذا تلفظ به وأظهره قبل بلا خلاف، وإذا نواه بقلبه قبل عندنا، وعندهم لا يقبل لأن اللفظ أقوى من النية. ويتفرع على هذا إذا كان له أربع نسوة فقال أنتن طوالق أو قال طلقت نسائي

[ 33 ]

ثم قال أردت بعضهن، قبل ذلك منه لأنه وإن كان له لفظ عام فإنه يصلح للخصوص وإن قال أربعتكن طوالق ثم قال أردت بعضهن لم يقبل لما قلناه. وإذا قال: كلما طلقتك طلاقا أملك فيه الرجعة، فأنت طالق قبله ثلاثا فإنه إن طلقها طلقة أو طلقتين وهي مدخول بها لم تطلق عندهم، لأنه متى وقع عليها الطلاق اقتضى أن تثبت فيه الرجعة، وإذا ثبتت فيه الرجعة، وقع الثلاث وإذا وقع الثلاث، لم تثبت الرجعة، وإذا لم تثبت الرجعة لم يقع الثلاث، فوقوع أحدهما ينافي الآخر، فلم يقع. والذي يقتضيه مذهبنا أنه يقع ما يباشرها وهي طلقة واحدة، ويثبت له الرجعة فلا يقع الثلاث قبلها، لأنها معلقة بشرط فيبطل، فأما إن طلقها طلقة أو طلقتين وهي غير مدخول بها أو طلقها ثلاثا أو خالعها، فإن ذلك يقع عندهم لأنه لا يثبت به رجعة. وعلى هذا قالوا إذا أراد الرجل أن لا يقع طلاقه على زوجته، فالحيلة فيه أن يقول لها كلما وقع عليك طلاق فأنت طالق قبله ثلاثا فإنه متى طلقها لم يقع عليها الطلاق، لأن وقوع الطلاق عليها يقتضي أن يقع قبله ثلاثا وإذا وقع قبله ثلاثا لم يقع هذا، لأن هذا يصادف أجنبية، فإذا لم يقع هذا لم يقع الثلاث، فيتنافى ذلك فلم يقع عليها الطلاق، وهذه الحيلة لا تنفع على مذهبنا، لأن ما يوقعه في المستقبل يقع ولا يجب أن يقع قبله ما شرطه، لأنه معلق بشرط، وذلك لا يصح. إذا قال لزوجته حرة كانت أو أمة: أنت علي حرام، فإنه لا يؤثر شيئا سواء نوى طلاقا أو تحريما أو يمينا، وعلى كل حال، وقال بعضهم إن نوى طلاقا كان طلاقا فإن لم ينو عددا وقعت طلقة رجعية، وإن نوى عددا كان على ما نواه، وإن نوى ظهارا كان ظهارا، وإن نوى تحريم عينها لم تحرم، ويلزمه كفارة يمين، ولا يكون ذلك يمينا لكن يجب به كفارة يمين. وإن أطلق ففيه قولان أحدهما أنه يجب به كفارة ويكون صريحا في إيجاب الكفارة، والثاني لا يجب به شئ، فإن قال ذلك لأمته ونوى عتقها عندنا لا تنعتق به، وعندهم تنعتق، وإن نوى تحريم عينها لم تحرم، ولا يلزمه كفارة عندنا

[ 34 ]

وعندهم يلزمه، وإن أطلق فعلى قولين كالحرة وفيه خلاف. إذا قال كل ما أملك علي حرام، فعندنا لا حكم له أصلا، ولا يتعلق به حكم ولا كفارة، وعندهم لا يخلو، إما أن لا يكون له إلا المال فحسب أو كان يملك المال وله زوجات وإماء، فإن لم يكن له إلا المال فإنه لا يتعلق به حكم عند بعضهم مثل ما قلناه وقال قوم هو يمين فمتى انتفع بشئ من ماله لزمته كفارة يمين. وإن كان له مال وله زوجات، لم يتعلق عندنا أيضا به حكم ووافقنا في المال من تقدم ذكره، وقال قوم حكم الزوجات والإماء على ما مضى. فإن لم يملك إلا امرأة واحدة، فإن نوى بذلك طلاقا كان طلاقا عنده، وإن نوى ظهارا كان ظهارا، وإن نوى تحريم العين لم تحرم، ويلزمه كفارة يمين، وإن أطلق، فعلى قولين على ما مضى. وإن كانت له زوجات جماعة وإماء فعندنا مثل ما تقدم ذكره، وعند بعضهم فيه قولان كما لو ظاهر من جماعة نسوة بكلمة واحدة، فإن فيه قولين أحدهما يلزمه كفارة واحدة كاليمين، إذا تعلق بجماعة وحنث، والثاني يجب به كفارة لكل واحدة. إذا قال لزوجته: إصابتك علي حرام، أو فرجك علي حرام، أو أنت علي حرام، فالحكم واحد عندنا، وعندهم على ما مضى من الخلاف. إذا قال أنت علي حرام، ثم قال أردت إن أصبتك فأنت علي حرام يريد أن يؤخر الكفارة عن الحال إلى ما بعد، فلا يقبل منه في ظاهر الحكم، لكنه يدين فيما بينه وبين الله، وعندنا يقبل منه، لأنه لو أراد التحريم لم يكن له حكم وإن قال كالميتة والدم فهو كالحرام وقد مضى حكمه. ألفاظ الطلاق على ثلاثة أضرب: أحدها صريح وقد مضى، وثانيها كناية وقد مضى أيضا ذكرها، الثالث ليس بصريح ولا كناية، وهو ما لا يصلح للفرقة مثل قوله " بارك الله فيك " و " اسقني ماء " و " ما أحسن وجهك " وما أشبه ذلك، فهذا لا يقع به طلاق نوى أو لم ينو بلا خلاف. إذا قال كلي واشربي ونوى به طلاقا لم يكن شيئا عندنا، وعند كثير منهم

[ 35 ]

وقال بعض المتأخرين يقع به الطلاق لأن معناه اشربي غصص الفرقة وطعمها. إذا قال لغير المدخول بها أنت طالق ثلاثا وقعت عندنا واحدة باينة، وعندهم يقع الثلاث وبمذهبنا قال داود. إذا قال لغير المدخول بها أنت طالق أنت طالق أنت طالق فإنها تطلق بالأولة وتبين ولا يلحقها طلقة ثانية ولا ثالثة بلا خلاف. قد بينا أن الطلاق بشرط لا يقع أي شرط كان واجبا أو جايزا، وقال بعضهم إذا علق الطلاق بصفة لا يقع إلا بعد حصول الصفة، والصفة صفتان صفة يجوز أن تأتي ويجوز أن لا تأتي، وصفة تأتي لا محالة. فالأولة مثل أن يقول إن دخلت الدار فأنت طالق إذا كلمت زيدا، فلا يقع الطلاق قبل وجود تلك الصفة بلا خلاف بينهم، وأما الصفة الواجبة فهو أن يقول إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، وإذا طلعت الشمس وإذا جاء السنة الفلانية وما أشبه ذلك قال قوم لا يقع قبل وجود تلك الصفة، وقال بعضهم يقع في الحال. إذا قال لزوجته إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، ثم قال لها عجلت لك الطلقة التي طلقتها، قال قوم إن أراد تعجيل تلك الطلقة لم يقع، ولا يتعجل في الحال، بل تطلق عند مجئ الشهر، وإن لم يرد التعجيل وإنما أوقع في الحال وقع في الحال طلقة وفي الرأس طلقة أخرى، وعندنا يقع في الحال واحدة إذا قصدها، ولا يقع رأس الشهر لما مضى. إذا قال أنت طالق في شهر كذا وكذا، فإنها تطلق عند دخول أول جزء منه وهو أول جزء من ليلته عند قوم، وقال بعضهم تطلق عند انقضائه وخروجه في آخر جزء منه، فإن قال أردت أن الطلاق يقع في اليوم أو في النصف الأخير من الشهر لم يقبل منه في ظاهر الحكم، ويقبل منه فيما بينه وبين الله تعالى. وأما إذا قال أنت طالق في غرة رمضان، أو قال هلال رمضان، أو في أول رمضان أو في ابتداء رمضان، أو استهلال رمضان، فإنها تطلق في أول جزء منه. فإن قال أردت [ أن ] الطلاق يقع عليها في النصف الأخير من الشهر لم يقبل

[ 36 ]

منه أصلا، لكن إن قال أردت إيقاع الطلاق في الأيام الثلاثة الأولة من الشهر قبل، لأن اسم الغرة يقع على الثلاثة الأولة، فجاز حمله عليه، وعندنا أن جميع ذلك لا يقع فيه الطلاق، لأنه معلق بشرط. وإن جعل ذلك نذرا على نفسه وجب عليه الوفاء به، على ما مضى. أو قال في شهر كذا لزمه عند دخول أول جزء منه من ليلته، وإن نوى خلاف ذلك كان على ما نواه، وحكم الغرة وباقي الألفاظ على ما مضى سواء. إذا قال أنت طالق في آخر الشهر أو انسلاخ الشهر أو في خروج الشهر أو انقضاء الشهر أو انتهائه طلقت في آخر جزء من آخر الشهر، لأن ذلك هو آخر الشهر وعندنا أن ذلك باطل في الطلاق لما مضى، وواجب في النذر عند ذلك. إذا قال أنت طالق في أول آخر رمضان، ففيه وجهان أحدهما تطلق في أول ليلة السادس عشرة فإن النصف الأخير هو آخر الشهر، وهذا أوله، والثاني أنها تطلق في أول اليوم الأخير من الشهر، فإن كان تاما طلقت في أول يوم الثلاثين، وإن كان ناقصا في أول يوم التاسع والعشرين، وهو الأقوى عندنا إذا اعتبرناه في النذر. فإن كان بالعكس من هذا، فقال أنت طالق في آخر أول رمضان، فمن قال إن آخر رمضان هو النصف الأخير يقول أوله النصف الأول، فتطلق في آخره وهو آخر اليوم الخامس عشر، ومن قال آخره اليوم الأخير يقول أوله اليوم الأول فتطلق في آخر هذا اليوم، وهو الأقوى عندنا إذا اعتبرناه في النذر. فأما إن قال أنت طالق في آخر أول آخر رمضان، فمن قال إن الآخر هو النصف الثاني يقول أوله ليلة السادس عشر، فتطلق في آخر هذه الليلة ومن قال: هو اليوم الآخر يقول تطلق في آخر هذا اليوم، وهو الأقوى عندنا في النذر وهكذا ينبغي أو يحكم به في الاقرار بحق سواء. إذا قال إذا رأيت هلال رمضان فأنت طالق، فإذا رآه بنفسه طلقت، وإذا رآه غيره، وأخبره بذلك الطلاق، يقع على قول بعضهم، وعلى قول الباقين لا يقع وهو

[ 37 ]

الأقوى إذا اعتبرنا ذلك في النذر أو الاقرار فينبغي أن نقول هما سواء، فإن قال أردت بذلك رؤيتي بنفسي لم يقبل منه في الحكم عند من قال بالأول في الظاهر، ويقبل فيما بينه وبين الله، فإن رأى الهلال بالنهار لم تطلق لأن هلال الشهر هو الذي يرى في الليل، فأما ما يرى قبله فلا يكون هلال الشهر وهو الأقوى إذا اعتبرناه في النذر والاقرار معا. وإن خرج الشهر وعد ثلاثين ولم ير الهلال لأجل غيم أو عارض وقع الطلاق لأنه قد علم أن الهلال قد كان وإن لم ير. إذا قال لامرأته إذا مضت سنة فأنت طالق، فإنه يعتبر سنة هلالية اثني عشر شهرا لأنها السنة الشرعية ثم ينظر، فإن كان هذا القول قبل أن يمضي من الشهر شئ فإنه يعتبر مضي اثني عشر شهرا بالأهلة، وإن كان مضى من الشهر بعضه فإنه يحسب ما بقي من الشهر، ويحسب بعد ذلك أحد عشر شهرا ثم يكمل على تلك البقية ثلاثين يوما لأنه إذا مضى بعض الشهر بطل اعتبار الهلال واعتبر العدد وهكذا نقول في النذور والاقرار. إذا قال أنت طالق في الشهر الماضي، وقال أردت إيقاع الطلاق الآن في الشهر الماضي فعندنا قبل قوله، ولا يقع لأنه محال، وعندهم يقع في الحال ويلغو الصفة وقال بعضهم لا يقع مثل ما قلناه. وأما إذا قال أنت طالق إن طرت إلى السماء أو صعدت إليه، فعندنا لا يطلق بحال وعندهم يقع إلا بعضهم، فإنه قال لا يقع مثل الأولى، ومن فرق بينهما قال الأولى محال، والثاني مقدور لله تعالى، فجاز أن يقف وقوع الطلاق على الطيران والصعود وفي الأولى محال فوقع في الحال. ومتى قال في هذه المسألة: لم يكن لي نية، عندنا لا يقع وعندهم يقع في الحال وإن فقد نيته إما بأن يخرس أو يجن أو يغيب فعندنا لا يقع، وعندهم يقع لما مضى وإن قال أردت به أنه كان طلقها زوج غيري في الشهر الماضي أو أني كنت طلقتها في الشهر الماضي في زوجية أخرى، عندنا قبل قوله، وعندهم ينظر في المرأة فإن صدقته

[ 38 ]

فالقول قوله بلا يمين، وإن صدقته على أن الطلاق كان لكن قال لم يرد هذا الطلاق بل أراد الطلاق الآخر، فالقول قول الرجل مع يمينه. وإن قالت لم يكن شئ من الطلاق الذي ادعاه احتاج أن يقيم الزوج البينة على ذلك فإن أقامها كان القول قوله مع يمينه في أنه أراد ذلك الطلاق. وإن قال أردت أني كنت طلقتها في الشهر الماضي طلقة في هذه الزوجية فإن صدقته المرأة على ذلك قبل قوله بلا يمين، وإن كذبته فالقول قول الزوج. إذا قال لزوجته إذا طلقتك فأنت طالق، فلا تطلق عندنا في الحال ولا في المستقبل بهذا القول، وعندهم لا تطلق في الحال، فإذا قال فيما بعد أنت طالق طلقت طلقة عندنا بالمباشرة، وعندهم طلقتين: طلقة بالمباشرة، وأخرى بالصفة وهكذا إذا علق ذلك بصفة أخرى. فإن قال لها إذا طلقتك فأنت طالق ثم قال أردت بقولي إذا طلقتك فأنت طالق أن الطلاق يقع عليك إذا قلت أنت طالق، ولم أرد به عقد صفة فكأنه يريد أن يوقع عليها طلقة واحدة بالمباشرة، عندنا يقبل منه، وعندهم لا يقبل في الظاهر، ويقبل فيما بينه وبين الله. فأما إذا قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم قال لها إذا طلقتك فأنت طالق، ثم دخلت الدار، فإنها تطلق طلقة بدخول الدار، ولا يقع عليها طلقة أخرى بقوله أنت طالق. لأن قوله إذا طلقتك فأنت طالق تقديره إذا أحدثت عليك الطلاق بعد هذا القول فأنت طالق، فإذا قال بعد ذلك إذا دخلت الدار فأنت طالق ثم دخلت الدار فإن الطلاق يقع عليها بالصفة التي تقدمت هذه الصفة، فلم يكن الطلاق حادثا عليها بعد عقد الصفة فلم يقع بها طلقة ثانية، وعندنا أنه لا يقع بذلك شئ أصلا لأنه شرط بعد شرط فلا يقع به الطلاق. فأما إذا قال كلما طلقتك فأنت طالق، ثم قال لها أنت طالق، فعندنا وعندهم تطلق طلقة لقوله أنت طالق بالمباشرة، ولا يقع عندنا بالصفة شئ، وعندهم تقع

[ 39 ]

أخرى بالصفة ولا تقع طلقة ثالثة بوقوع الصفة الثانية عليها، لأنا بينا أن معناه إذا أحدثت عليك الطلاق بعد هذا القول، والطلقة الثانية يقع بقوله كلما طلقتك فأنت طالق، فلا يكون طلاقا حادثا بعد هذا القول بل يكون واقعا به. إذا كان له زوجتان حفصة وعمرة، فقال يا عمرة إذا طلقت حفصة فأنت طالق، وقال يا حفصة إذا طلقت عمرة فأنت طالق فقد علق طلاق كل واحدة منهما بطلاق صاحبتها إلا أنه عقد الصفة لعمرة قبل حفصة. فإن بدأ فطلق عمرة طلقت طلقة بالمباشرة، وتطلق حفصة طلقة بالصفة، وهو وقوع الطلاق على عمرة، ويعود الطلاق على عمرة فتطلق طلقة أخرى، لأن حفصة طلقت بصفة تأخرت عن عقد صفة عمرة، فهو محدث الطلاق عليها بعد عقده الصفة لعمرة فطلقت بذلك. وإن بدأ فطلق حفصة طلقت طلقة بالمباشرة، وتطلق عمرة طلقة بالصفة، وهو وقوع الطلاق على حفصة ولا يعود الطلاق على حفصة، لأن عمرة طلقت بصفة تقدمت عقد الصفة لحفصة، فليس هو بمحدث الطلاق عليها بعد تطليقة حفصة فلم يقع عليها بذلك طلاق، وعندنا أنه يقع طلاق التي تباشر طلاقها، ولا يقع ما علقه بصفة أصلا. وإن كانت المسألة بعكس هذا، فقال لعمرة إذا طلقتك فحفصة طالق، وقال لحفصة إذا طلقتك فعمرة طالق، فقد عقد الصفة لكل واحدة منهما وعلق طلاقها بطلاق صاحبتها، إلا أنه عقد الصفة لحفصة قبل عمرة. فإن بدأ فطلق حفصة طلقت طلقة بالمباشرة، وتطلق عمرة طلقة بالصفة، وهو وقوع الطلاق على حفصة ويعود الطلاق على حفصة وإن بدأ فطلق عمرة طلقت بالمباشرة وتطلق حفصة طلقة بالصفة ولا يعود الطلاق على عمرة لما مضى، وعندنا أنها مثل الأولى سواء. فإذا قال كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق ثم قالها أنت طالق، فإنها تطلق عندنا واحدة بالمباشرة لا غير، وعندهم تطلق ثلاثا طلقة بالمباشرة، وطلقة بوقوع هذه الطلقة عليها، وطلقة بوقوع الثانية، ولو كان يملك مائة طلقة طلقت جميعا.

[ 40 ]

وهكذا إذا قال لها كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق، ثم قال لها إذا دخلت الدار فأنت طالق، ثم دخلت الدار فإنها تطلق ثلاثا طلقة بالدخول وطلقة بوقوع الطلقة عليها، وطلقة بوقوع الثانية. وكذلك لو قال ابتداء إذا دخلت الدار فأنت طالق، ثم قال لها كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق ثم دخلت الدار فإنها تطلق ثلاثا لأن الطلاق يقع عليها بدخول الدار، وإن كان بصفة متقدمة، وعندنا لا يقع من جميع ذلك إلا ما باشره، فأما ما علقه بصفة فإنه لا يقع على حال. إذا قال لها إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق، فهذه الصفة كالتي قبلها، غير أنها لغير التكرار، والتي قبلها للتكرار، وفيها المسايل الثلاث: إذا قال إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق، فإن طلقها طلقت واحدة عندنا بالمباشرة لا غير، وعندهم طلقت طلقتين إحداهما بالمباشرة وأخرى بالصفة، ولا يقع الثالثة لأن الصفة انحلت بوقوع الطلاق عليها. فإن قال: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق ثم قال إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت الدار طلقت طلقتين طلقة بالدخول وأخرى بوقوع الطلاق. فإن كانت بحالها فقال إذا دخلت الدار فأنت طالق، ثم قال: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق فدخلت الدار وقع طلاقه عليها طلقة بدخولها، ووقع أخرى بوقوع هذه ولا تقع الثالثة لأن الصفة لطلقة واحدة والأولى للتكرار، وعندنا لا يقع شئ أصلا. وإن قال إذا طلقتك فأنت طالق وإذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق فإذا قال لها أنت طالق طلقت ثلاثا لأن بقوله أنت طالق وجدت الصفتان معا، وطلقت طلقتين ويقع الثالثة بوقوع طلاقه عليها. فإذا قال لها كلما أوقعت عليك طلاقي فأنت طالق فهذه صفة للتكرار، لكن يقتضي أن يوقع هذا الطلاق عليها، وهو أن يباشرها بالطلاق، فأما إن وقع عليها طلاقه بالصفة فقد وقع لكنه ما أوقعه وفيه ثلاث مسائل أيضا: إذا قال كلما أوقعت عليك طلاقي فأنت طالق، ثم قال لها أنت طالق، وقعت

[ 41 ]

واحدة بإيقاعه عندنا وعندهم، ويقع عندهم الثانية بإيقاعة الأولى، ولا يقع الثالثة لأنها وقعت بها، وما أوقعها هو. فإن قال إذا أوقعت طلاقي عليك فأنت طالق، ثم قال إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت الدار طلقت واحدة، ولا تطلق أخرى، لأن التي وقعت بدخول الدار ما أوقعها. فإن قال أولا إذا دخلت الدار فأنت طالق، ثم قال إذا أوقعت عليك طلاقي فأنت طالق، فدخلت الدار، فعندنا لا تطلق أصلا، وعندهم تطلق طلقة، ولا تطلق غيرها لأن التي وقعت بدخول الدار ما أوقعها. وأما إن كانت غير مدخول بها في جميع المسائل، فقال إذا طلقتك فأنت طالق وإذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق، ثم قال لها أنت طالق، فإنها تطلق واحدة، وتبين بلا خلاف، ولا يقع عليها طلاق بعد البينونة. وكذلك إذا قال للمدخول بها: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق، ثم خالعها بعوض بانت، ولا يلحقها طلاق ثان، لأن البائن لا يلحقها طلاق، وإنما يلحق الرجعية. فإن قال لغير المدخول بها: أنت طالق طلقة معها طلقة، وقعت عندهم ثنتان وعندنا واحدة. ولو قال إذا طلقتك فأنت طالق طلقة معها طلقة، ثم قال أنت طالق وقعت واحدة عندنا، وعندهم ثنتان، وقال بعضهم في المسئلتين يقع بها طلقة واحدة، لأنه أثبت الطلقة الثانية أصلا يقع به، فإذا وقع الأصل بانت فلا يقع الثانية. قالوا وهذا غلط لأنه يصح أن يقول للمدخول بها أنت طالق طلقة قبلها طلقة وبعدها طلقة ومعها طلقة فإذا قال أنت طالق طلقة معها طلقة فمعناه أنت طالق طلقتين لأنه أوقعهما معا دفعة واحدة، فأما إذا قال لغير المدخول بها أنت طالق طلقة بعدها طلقة، طلقت طلقة بانت بها منه ولا تقع بها طلقة، لأنها بانت بالأولى بلا خلاف.

[ 42 ]

وإن قال لها أنت طالق طلقة قبلها طلقة، فعندنا يقع واحدة بالمباشرة، ولا يقع التي قبلها ولهم فيه وجهان. فمن قال إذا قال لزوجته كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبلها ثلاثا ثم قال أنت طالق لم يقع بها الطلاق، قال هاهنا لا يقع بها طلاق أيضا لأنه يقتضي أن يقع عليها طلقة بالمباشرة قبلها طلقة وإذا وقع قبلها طلقة لم تقع المباشرة فإذا لم تقع المباشرة لم تقع قبلها فيتنافيان. ومن قال يقع قال: يقع طلقة المباشرة وسقط قوله (قبلها طلقة) لأنا لو ثبتنا وقوع طلقة قبلها جر ثبوتها إلى بطلان المباشرة فتبطل هي والمباشرة، وكل أمر يجر ثبوته إلى سقوطه وسقوط غيره سقط في نفسه. وعلى هذا يقول إذا قال: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا ثم طلقها وقع طلاق، ويسقط قوله (فأنت طالق قبلها ثلاثا) وعندنا يقع في جميع ذلك ما يباشره بنفسه دون ما يعلقه بصفة. إذا كان له عبيد وزوجات، فقال لزوجاته: كلما طلقت واحدة منكن فعبد من عبيدي حر وكلما طلقت اثنتين منكن فعبدان من عبيدي حران، وكلما طلقت ثلاثا منكن فثلاثة أعبد من عبيدي أحرار، وكلما طلقت أربعا منكن فأربعة أعبد من عبيدي أحرار. فعندنا أنه إن جعل ذلك شرطا لم ينعتق به شئ من عبيده أصلا، لأن العتق بالشرط لا يقع كالطلاق، وإن جعل ذلك نذرا على نفسه عند وقوع الطلاق فمتى قال أنتن طوالق يعني أربعتهن أو طلق واحدة بعد الأخرى، فإنه يلزمه عتق خمسة عشر لأنه علق عتق عبيده بآحاد زوجاته وأثانين زوجاته وثلاث ورباع، وقد وجدت صفة الآحاد أربع مرات فعتق أربعة، ووجدت صفة الأثانين مرتين فعتق أربعة، ووجدت صفة الثلاث مرة، فعتق ثلاثة ووجدت صفة الأربعة مرة فعتق أربعة، فصار الكل خمسة عشر. وهكذا قال المخالف ولم يفصلوا بين الشرط وبين النذر، وفيهم من قال ينعتق سبعة عشر وهو غلط.

[ 43 ]

(فصل) (في ذكر حروف الشرط في الطلاق) الحروف التي تستعمل في الطلاق سبعة، إن، وإذا، ومتى، ومتى ما، وأي وقت وأي حين، وأي زمان، وهي تستعمل في الطلاق على ثلاثة أضرب إما أن تكون مجردة عن عطية وحرف لم، أو يكون معلقة بالعطية بغير لم، أو تستعمل بحرف لم، فعندنا أن على جميع الوجوه لا يقع بها طلاق لأن الطلاق بشرط لا يقع. وعندهم إن تجردت عن عطية وحرف لم، كقوله إن طلقتك فأنت طالق أو إذا طلقتك فأنت طالق، أو متى طلقتك فأنت طالق، أو كانت الصفة غير الطلاق كقوله إن دخلت الدار، وإن لبست أو أكلت، فمتى تجردت عن عطية وحرف لم كانت على التراخي. فإذا قال إن دخلت الدار فأنت طالق، فإن فيها وفي كل الحروف على التراخي لأنه علق الطلاق بها بوجود فعل يحدثه، وأي وقت أحدث الفعل تعلق الحكم به. فإن وجدت الصفة طلقت، وإن ماتا أو أحدهما قبل وجودها انحلت الصفة ولم يقع الطلاق، لأن الصفة قد فاتت بموته، وهي تقتضي وجودها في حال الحيوة وقد زالت، وهكذا يجب أن نقول إن علق بذلك نذرا من عتق أو صيام أو غيرهما. الضرب الثاني إن علق الطلاق بها بعطية أو ضمان، فقال إن أعطيتني ألفا فأنت طالق، أو إذا أو متى ما، أو متى، فالحكم في الضمان، والعطية واحد، وفي هذا الفصل على ضربين. أحدهما لا يكون على الفور، وهي متى ما، وأي وقت، وأي حين، وأي زمان، متى ضمنت أو أعطت وقع الطلاق، وإن كان على التراخي، وهكذا نقول إذا جعل ذلك نذرا. والضرب الثاني يكون على الفور، وهي إن وإذا، فإذا قال إن أعطيتني ألفا

[ 44 ]

فأنت طالق، فإن أعطته على الفور وإلا بطل الايجاب وكذلك في إذا. والفرق بين هذين الحرفين وبين الخمسة هو أن إن وإذا لا يدلان على الزمان لا على فور ولا تراخ، والمعاوضة تقتضي الفور من حيث الاستدلال فإذا علقت العطية بها أخلصتها للفور، وليس كذلك متى ومتى ما، لأن حقيقة هذه الحروف تشتمل كل الزمان والمعاوضة تقتضي الفور استدلالا، فإذا علقت بها لم تنقلها عن حقيقتها بالاستدلال وهكذا يجب أن نقول إذا جعل نذرا. ويقوى أيضا أن يكون ذلك مجرى ما تقدم في الحروف، من أنها على التراخي وإنما منع المخالف من حيث المعاوضة قياسا على البيع، ونحن لا نقول بذلك. فإذا تقرر هذا فكل موضع قلنا على الفور، فإن وجدت الصفة على الفور وإلا بطل، وكل موضع قلنا على التراخي، فالعقد قائم بحاله، فإن وجدت الصفة وقع الطلاق، وإن ماتا أو أحدهما قبل وجودها بطلت، لأنه فات وجودها. الضرب الثالث إذا دخل فيها حرف لم كقوله إن لم أطلقك فأنت طالق، وإذا و متى وأخواتها مثل ذلك، ولا فصل في هذا بين العطية والضمان وغيرهما لا يختلف الحكم فيه، لأن الصفة نفي الشئ وإعدامه، كقوله إذا لم أفعل فأنت طالق، فإذا كان كذلك لم يفترق الحال بين العطية وبين غيرها. فإذا ثبت أنه لا فصل بينهما فهي على ضربين أحدهما يكون على الفور، وهي خمسة أحرف متى، ومتى ما، وأي وقت، وأي حين، وأي زمان، فإذا قال متى لم تدخل الدار، متى لم أطلقك فأنت طالق، فإن مضى زمان يمكنه ذلك فلم يفعل وقع الطلاق، لأن معناه أي وقت عدم دخولك الدار فأنت طالق، فإذا مضت مدة يمكنها فلم تفعل عدم الوقت الذي يقع الدخول فيه، فلهذا لم يقع على الفور، وهكذا نقول إذا جعل ذلك نذرا. فأما (إن) و (إذا) فقال قوم أن (إن لم) على التراخي (وإذا لم) على الفور، وفي الناس من قال لا فصل بينهما، وجميعها على القولين أحدهما على التراخي والثاني أن (إن لم) على التراخي (و (إذا لم) على الفور.

[ 45 ]

والفصل بينهما هو أن إذا للزمان المستقبل حقيقة، فإذا قال إذا لم أطلقك كان بمنزلة متى لم أطلقك فأنت طالق، وقد بينا أنها على الفور، وليس كذلك (إن) لأنه لا حقيقة لها في الزمان، وإنما أصلها الشرط والجزاء، فإذا لم يكن لها حقيقة في الزمان كانت للفعل، فيكون قوله إذا لم أطلقك فأنت طالق، معناه إن فاتني طلاقك فأنت طالق، وهذا يقتضي أن تكون على التراخ. ولأن إذا لتحقيق الزمان، فإنه تعلق بها ما لا بد أن يقع، كقوله إذا طلعت الشمس، وإذا أقبل الليل، قال الله تعالى (إذا الشمس كورت) ولا يقال إن الشمس كورت. وليس كذلك (إن) لأنه لا حقيقة لها في الزمان، وإنما يعلق بها ما قد يوجد، وقد لا يوجد، كقولك إن جاء زيد، فإنه قد يجيئ وقد لا يجيئ، فلما كانت على الاشتراك كانت على التراخي. والذي يقتضيه مذهبنا أنا إذا علقنا بذلك نذرا أن يفصل بين الحرفين لما تقدم. وكل موضع قلنا على الفور فمتى وجدت الصفة وقع الطلاق، وإن فاتت زال العقد وانحلت الصفة. وكل موضع قلنا على التراخي فهو على التراخي أبدا، فإن ماتا أو أحدهما وقع الطلاق من قبل وفاته في الزمان الذي يسع إيقاع الطلاق فيه، لأن قوله إن لم أطلقك فأنت طالق، معناه إن فاتني طلاقك، والفوات يكون إذا بقي من الحياة الزمان الذي يفوته فيه قوله " أنت طالق " وهكذا يجب أن نقوله في النذر سواء أنه يلزمه في هذا الوقت غير أن هذا في حرف " إن " و " إن لم " فقط على ما بيناه. إذا قال كلما لم أطلقك فأنت طالق، فكلما للزمان كمتى، لكنها للتكرار ومتى لغير التكرار، فإذا لم يطلقها طلقت ثلاثا لأن معنى كلما لم أطلقك أي أي وقت عدم طلاقك، فإذا مضى بعد هذا زمان يسع لطلاقها فلم يفعل طلقت، فإذا مضى بعده مثل هذا وقعت أخرى، فإذا مضى زمان بعده مثله وقعت أخرى: ثلاث تطليقات وهكذا يجب أن نقول في النذر سواء.

[ 46 ]

إذا قال: إذا قدم فلان فأنت طالق، فعندنا لا يقع على حال، وعندهم إن جئ به ميتا لم تطلق، لأن القدوم لم يوجد منه وإنما قدم به، وإن قدم به مكرها وكان محمولا لم يطلق لأنه لا يقال قدم، وإنما يقال جئ به، وأتي به، كما لو أخذ السلطان اللصوص وحملهم إلى البلد، لا يقال قدم اللصوص، وإنما يقال قدم بهم وجئ بهم، وهكذا نقول إذا علق بقدومه نذرا. وإن كان مكرها ماشيا فهل يجب أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما يحنث، لأن القدوم وجد منه وهو الأقوى عندنا، إذا علقنا به النذر، والثاني لا يحنث لأن المكره مسلوب الفعل. فأما إن قدم باختياره مع العلم باليمين وقع الطلاق، وعندنا يلزم به النذر وإن قدم مع الجهل باليمين، فإن كان ممن لا يكره طلاقها ولا يمتنع من القدوم لطلاقها كالسلطان والحاج ونحو هذا، فإن الطلاق يقع، لأنه تعليق طلاق بصفة، وإن كان القادم من يكره طلاقها كالأب والقرابة، فقد قدم مع الجهل باليمين، فهل يقع الطلاق بقدومه؟ على قولين، وهكذا لو كان عالما فنسي، فالجاهل هيهنا والناسي والمكره حتى فعل بنفسه الكل على قولين: أحدهما لا يقع، لأنه على غير قصد والثاني يقع لأن الشرط وجد، كما لو قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق فهل يقع الطلاق إذا كانت ناسية أو جاهلة، باليمين؟ على القولين. وهذا لا تأثير له في باب النذر أصلا لأنه متى قدم لزمه النذر. وإن قال كلما قدم فلان فأنت طالق، فإذا قدم ثلاث مرات: قدم وخرج، ثم قدم وخرج ثم قدم [ ثلاث مرات ] طلقت ثلاثا لأن الصفات قد وجدت، وعندنا لا تطلق أصلا وإن علق به نذر لزمه ثلاث مرات. - إذا قال إذا رأيت فلانا فأنت طالق فرأته ميتا أو حيا على أي صفة كان حنث لأن الرؤية تطلق على من رآه حيا وميتا، وهكذا يجب أن نقول إذا علق به نذرا. الأصل في باب اليمين أنها متى علقت على فعل فاليمين تعلقت بذلك الفعل فيختلف باختلاف صفات ذلك الفعل لا غير.

[ 47 ]

فإذا ثبت هذا فحلف رجل لا أخذت حقك مني فاليمين علقت بأخذ من له الحق فإذا أخذه الذي له منه حنث الحالف، سواء كان الدافع مكرها على الدفع أو مختارا، لأن الاعتبار بالأخذ، وإن أخذه مكرها فهل يحنث؟ على قولين: فإن وضعه من عليه الحق في حجر من له الدين أو في جيبه أو بين يديه، فلم يأخذه لم يحنث لأن الأخذ ما وجد وإن أخذ السلطان حق من له الحق ثم أخذه الذي له من السلطان لم يحنث، لأنه ما أخذ منه، وإنما أخذه من الحاكم. وإن كان حلف لا أخذت مالك علي فأخذ من الحاكم لم يحنث، لأنه ما أخذ ماله عليه، وإنما أخذت مال نفسه من الحاكم، لأن الحاكم لما قبضه برئت ذمته بقبضه، وكان المأخوذ مال الآخذ، فما أخذ ما له عليه. هذا إذا حلف من عليه الحق لا أخذ صاحب الحق حقه، فأما إن حلف لا أعطيك مالك علي، فاليمين يتعلق هيهنا بإعطاء الحالف، فإن أعطاه مختارا خنث وإن أعطاه مكرها فعلى قولين، وعلى هذا لو وضع حقه في جيبه أو حجره حنث لأن الاعطاء قد وجد، وإن أخذه السلطان منه ودفعه إلى صاحب الدين لم يحنث لأنه ما أعطاه وإنما أعطى السلطان. وعندنا أن هذه الأيمان لا تنعقد، ولا تجب بمخالفتها الكفارة لأن الأولى خلافها ومتى كانت الأيمان بالطلاق، كانت باطلة، لأن اليمين بالطلاق لا تنعقد عندنا غير أنه إن علق بذلك النذر كان وجوبه على ما حكيناه في اليمين عن المخالف. إذا قال إن كلمت فلانا فأنت طالق، عندنا لا تطلق وإن كلمته لما مضى وعندهم إن كان بالبصرة فقالت هي ببغداد يا با فلان لم تحنث لأن التكليم عبارة عن تكليمه من حيث يسمع الكلام، ويفهم الخطاب، وعندنا مثل ذلك إذا علق به نذرا. فأما إن كلمته ميتا أو نايما أو هي نائمة أو مغلوبا على عقله بجنون أو غيره لم يحنث لأن هذا لا يعقل الكلام، وإن كلمته مكرهة فعلى قولين أصحهما عندنا أنها لا يجب عليها شئ إذا علق به نذرا وإن كلمته سكرانة حنث لأنه كالصاحي. وإن كلمته بحيث يسمع الكلام منها حنث سمع كلامها أو لم يسمع، لأنه يقال

[ 48 ]

كلمته ولم يسمع، وإن كان أصم فكلمته فإن كان كلاما يسمع هذا الأصم مثله حنث سمع الأصم أو لم يسمع لأنه كلام مثله. وإن كان كلاما على صفة لا يسمع هذا الأصم لكن لو كان مكانه سميعا لسمع وإنما لم يسمع هذا لصممه فعلى وجهين أحدهما يحنث لأنه كلام يسمع مثله، وهو الذي يقوى في نفسي إذا علق به نذرا، والثاني وهو الصحيح عندهم أنه لا يحنث لأنها كلمته على صفة لا يسمع مثله كلامها كالنائم والغائب. إذا كان له أربع زوجات فقال: أيتكن لم أطأها اليوم فصواحباتها طوالق نظرت فإن خرج اليوم قبل أن يطأ واحدة منهن طلقت كل واحدة ثلاثا لأن لكل واحدة ثلاث صواحبات لم يطأهن. فإن وطي واحدة، طلقت ثلاثا، لأن لها ثلث صواحبات لم توطأ، وطلقت كل واحدة من الباقيات طلقتين، لأن لكل واحدة صاحبتين لم توطأ، وإن وطي ثنتين طلقت كل واحدة منهما طلقتين، لأن لكل واحدة صاحبتين لم توطأ وطلقت كل واحدة من الأخيرتين طلقة طلقة، لأن لكل واحدة صاحبة لم توطأ، وإن وطي ثلاثا طلقت كل واحدة طلقة، لأن لكل واحدة صاحبة لم توطأ ولم تطلق التي لم يطأها، لأنه ليس لها صاحبة لم توطأ. هذا إذا علق طلاقها باليوم، فأما إن أطلق هذه ولم يحده بزمان، كان وقت الوطي طول عمره، فإن مات فالحكم فيه كما لو خرج اليوم. فينظر فيمن وطي منهن ومن لم يطأه، فالحكم فيه على ما قلناه في اليوم وقد مضى. وهذه المسألة لا تصح عندنا في الطلاق لما مضى، ويمكن فرضها في النذر بأن يقول أيتكن لم أطأها اليوم فلله على عتق رقبة بعدد صواحباتها، فإنه ينعقد النذر ويلزمه بحسب ما جرى شرحه سواء بلا خلاف في شئ منه. إذا قال لها إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال لها بعد هذه إذا طلعت الشمس فأنت طالق، وإذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، وإذا قدم الحاج فأنت طالق، فعندنا لا يقع في الحال، ولا فيما بعد لما مضى، وعندهم لا يقع الطلاق أيضا فإن قال بدلا من

[ 49 ]

ذلك إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت أمك فأنت طالق، وقع. والفصل بينهما أن اليمين ما منع نفسه بها فعل شئ أو ألزم نفسه بها فعل شئ فإن قال والله ما دخلت الدار فقد منع نفسه من الدخول، ولو حلف والله لأدخلن الدار أوجب على نفسه بها فعلا، وما لم يمنع عن شئ، ولا يمتنع عن شئ فليس بيمين، وقوله (إذا طلعت الشمس فأنت طالق) لا يمنع الشمس طلوعها، ولا يوجب عليها طلوعا فلم يكن يمينا فلم يقع الطلاق، وقوله (إن دخلت الدار فأنت طالق) يمين بالطلاق، فلهذا وقع الطلاق. وإن قال إن قدم أبوك فأنت طالق، كان هذا يمينا لأنه يمنع أباها أن يقدم ليمينه، ولو قال إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم أعاد هذا فقال: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق طلقت لأن قوله إن حلفت بطلاقك فأنت طالق يمين بالطلاق فإنه يمنع نفسه بهذه اليمين من طلاقها، فإن أعاد هذا مرة أخرى طلقت أخرى فإن عاد ثالثة طلقت أخرى لأنه كلما أعادها فهي يمين. فإن قال لها أنت طالق مريضة أو مريضة طلقت فيهما إذا مرضت وهكذا لو قال وجعة أو وجعة وقع عليها إذا صارت وجعة ويكون النصب على الحال، فكان معناه: أنت طالق على هذه الصفة، ويكون معنى الرفع أنت طالق وأنت مريضة، يعني إذا مرضت فإن كان نحويا فقال أنت طالق مريضة نصبا لم تطلق حتى تصير مريضة، فإن قال ذلك بالرفع وقعت في الحال لأن معناه وأنت مريضة، فقد أخبر عن مرضها، فتطلق صادقا كان أو كاذبا. فإن قال نويت إذا مرضت، كان القول قوله، وعندنا إن القول قوله على كل حال، فإن نوى الايقاع في الحال وقع، وإن نوى الشرط بطل لما قلناه. فإن قال أنت طالق إن دخلت الدار بكسر (إن) كان شرطا والمراد به الاستقبال سواء كان نحويا أو غير نحوي، لأنها للجزاء بلا خلاف، وإن نصبها فإن لم يكن نحويا فهي للاستقبال أيضا مثل المكسورة لأنه لا يفرق بينهما، وإن كان نحويا وقع الطلاق في الحال لأنه يعرف أن معناها أنت طالق، لأنك دخلت الدار، وأنه طلقها

[ 50 ]

لهذه العلة، وعندنا أيضا كذلك غير أنه إذا كان للشرط لا يقع لما مضى. إذا قال أنت طالق أنت طالق أنت طالق، ونوى الايقاع وقعت واحدة، ولا يقع ما زاد عليها، سواء كانت مدخولا بها أو غير مدخول بها. وعندهم إن كانت غير مدخول بها بانت بالأول، ولم يقع بعدها شئ، وإن كانت مدخولا بها فالأولى طلقة، ويسئل عن الثانية والثالثة، فإن قال أردت تأكيد الأولى بهما قبل منه، ولم يقع إلا طلقة، لأن الكلام يؤكد بالتكرار، فإن صدقته على ذلك، وإلا فالقول قوله مع يمينه، لأنه أعرف بما نواه. وإن أراد الاستيناف طلقت ثلاثا لأنه قصد موالاة الطلاق عليها، وإن قال أردت بالثانية الاستيناف، وبالثالثة التأكيد قبل منه أيضا وإن قال لم يكن لي نية فيهما قولان أحدهما يقع ثلاث تطليقات وهو الصحيح عندهم، والثاني لا يقع إلا الأولى. وإن قال أنت طالق وسكت ساعة، ثم قال أنت طالق، كانت عندنا مثل الأولى لا يقع غير الأولى، وعندهم تكون الثاني إيقاعا على كل حال. هذا إذا كرر بغير حرف عطف فأما إن كررها بحرف العطف، وقال أنت طالق وطالق وطالق، أو أنت طالق فطالق فطالق، أو أنت طالق ثم طالق ثم طالق، أو أنت طالق بل طالق بل طالق فعندنا مثل الأولى سواء. وعندهم يقع الأولة بقوله، أنت طالق، وتقع الثانية بقوله وطالق، لأن الظاهر استيناف طلقة أخرى، والثالثة قد كررها بلفظ الثانية على صورتها فهذه الثالثة كالثانية والثالثة في التي قبلها يرجع إليه فيها، فإن أراد التكرار والاستيناف فالقول قوله، وإن أطلق فعلى قولين. وإن قال أنت طالق وطالق وطالق ثم قال أردت التأكيد بالثانية، والاستيناف بالثالثة وقع ثلاث ولم يقبل قوله إن الثانية على التأكيد، لأن ظاهره الايقاع عطفا على الأولى، ويقبل فيما بينه وبين الله. هذا إذا عطف بعضه على بعض بحرف واحد، فأما إن غاير بين الحروف فقال أنت طالق وطالق فطالق، أنت طالق وطالق ثم طالق، أنت طالق وطالق بل طالق، أنت

[ 51 ]

طالق ثم طالق وطالق، أنت طالق بل طالق ثم طالق، فالثلاث يقع هيهنا كلها لأنه إنما حمل الثاني على الأول إذا كان على صورته فأما إذا غاير بينهما بحرف آخر صارت الثالثة هيهنا كالثانية فيه إذا لم يتغاير، وعندنا أنها مثل الأولى سواء. فإن قال أنت طالق وطالق لا بل طالق رجع إليه، فإن قال أردت الاستيناف بالثالثة، كان على ما نوى، وإن لم يكن له نية وقعت الثالثة أيضا، فإن قال شككت في إيقاع الثانية فاستدركت إيقاعها، فقلت: لا، بل طالق، بنية إيقاع الثانية فالقول قوله لأن (لا بل) للاستدراك، وعندنا أنها مثل ما تقدم. إذا قال أنت طالق طلاقا ونوى الايقاع وقعت واحدة لا غير، فإن لم ينو لم يقع شئ أصلا، وعندهم إن لم تكن له نية لم يقع بقوله طلاقا شئ، وكان الواقع واحدة، لأنه مصدر وهو للتأكيد، وإن قال نويت بقولي طلاقا عددا كان على ما نوى. إذا أكره الرجل على الطلاق فنطق به يقصد به دفع الاكراه عن نفسه لم يقع عندنا، وعند بعضهم، وكذلك الاعتاق وسائر العقود ولا يتعلق بنطقه حكم إلا أن يريد باللفظ إيقاع الطلاق دون دفع الاكراه، فحينئذ تطلق عندهم دوننا. وقال قوم الطلاق واقع على كل حال وكذلك العتاق وكل عقد لا يلحقه فسخ بل العقود التي يلحقها فسخ كالبيع والصلح والاجارة ونحو هذا إذا أكره عليها انعقدت لكنها يكون موقوفة على الإجازة، فإن أجازها باختياره، وإلا بطلت. وأما بيان الاكراه فجملته أن الاكراه يفتقر إلى ثلاث شرايط، أحدها أن يكون المكره قاهرا غالبا مقتدرا على المكره، مثل سلطان أو لص أو متغلب، والثاني أن يغلب على ظن المكره أنه إن امتنع من المراد منه وقع به ما هو متوعد به، والثالث أن يكون الوعيد بما يستضر به في خاصة نفسه. وما الذي يلحقه به ضرر؟ على قولين قال قوم الوعيد مثل قتل أو قطع وما عداهما من الضرب والشتم وأخذ المال، فليس بإكراه، والثاني وهو الصحيح عندهم أن جميع ذلك أعني القتل والضرب والشتم وأخذ المال إكراه في الجملة فمن قال بالأول فلا كلام

[ 52 ]

ولا يختلف ذلك باختلاف الناس. ومن قال إن جميع ذلك إكراه فعلى هذا يختلف باختلاف صفة المكره، فإن كان من الناس الذين لا يبالون بالشتم فالاكراه القتل والقطع وأخذ المال لا غير، وأما الضرب والشتم فإن هؤلاء لا يعدون الشتم عارا ولا ذلا ويعدون الضرب والصبر عليه فتوة وجلادة، وإن كان من أهل الصيانات والمروات فالضرب والشتم إكراه في حقهم، وهذا القول أقرب وأقوى عندنا. فأما إن كان الوعيد بنزول الضرر بالغير مثل أن يخوف بأخذ مال الغير و بضرب الغير وقتل الغير، فلا يكون إكراها إلا إذا كان ذلك الغير يجري مجراه مثل ولده ووالده. فأما من زال عقله فإن كان زواله بمرض أو جنون فطلاقه لا يقع لقوله عليه السلام (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى ينتبه، وعن المجنون حتى يفيق). فأما السكران فلا يقع طلاقه عندنا ولا عتقه، وعندهم كالصاحي في جميع الأحكام الطلاق والعتاق والعقود والايلا [ الاتلاف ] خ والعبادات كلها، ولو أسلم سكران ثم أفاق فارتد استتيب، فإن تاب وإلا قتل على هذا القول وفيه خلاف. فأما من زال عقله بشرب البنج والأشياء المسكرة والمرقدة والأدوية المجننة فزال عقله، فإن كان إنما شربه تداويا فهذا معذور، والحكم فيه كالمجنون، وإن شربه متلاعبا أو قصدا ليزول عقله ويصير مجنونا وقع طلاقه عندهم وعندنا لا يقع. إذا قال له رجل فارقت امرأتك؟ فقال نعم، قال قوم يلزمه في الحكم طلقة بإقراره لا بإيقاعه، وكذلك نقول نحن، فإن قال أردت بقولي نعم إقرارا مني بطلاق كان مني قبل هذه الزوجية، فإن صدقته المرأة فالأمر على ما حكاه، وإن كذبته فعليه البينة، لأنه لا يتعذر ذلك، فإن لم يكن له بينة وادعى علمها بذلك فالقول قولها مع يمينها، وعندنا القول قوله على كل حال مع يمينه. ولو قال له فارقت امرأتك؟ فقال: قد كان بعض ذلك، رجع إليه، فإن قال

[ 53 ]

أردت أني علقت طلاقها بمشيتها أو بصفة مثل قوله إن دخلت الدار، وإن كلمت زيدا قبل قوله، وإن أراد الايقاع كان إيقاعا عندهم، وعندنا لا يكون إيقاعا، وإن أراد إخبارا عن طلاق كان منه، كان إقرارا منه بالطلاق وقبل منه. فأما إن قال له خليت امرأتك؟ فقال نعم، لم يكن ذلك طلاقا لا عندهم ولا عندنا فإن نوى الايقاع أو ذكر أنه أراد الاقرار بطلاقها، كان القول قوله. فإن قال له رجل ألك زوجة؟ فقال لا، لم يكن طلاقا لأنه كاذب في قوله (لا زوجة لي) وقال بعضهم تكون طلقة. ولو قال لها أنت طالق هكذا مشيرا بأصبع، طلقت طلقة، فإن أشار باصبعين أو ثلاثة كان مثل ذلك عندنا، وعندهم تكون ثنتين أو ثلاثا حسب ما أشار، ولو قال ما أردت بالإشارة العدد، قبل قوله عندنا، وعندهم يقبل في الباطن، دون ظاهر الحكم. فإن قال: أنت طالق هكذا فنصب ثلاثا ونوم أصبعين، وقال أشرت بالنيام دون القيام، قبل منه عندنا وعندهم، غير أن عندنا لا يقع إلا واحدة، فأما إن قال أنت طالق مشيرا بثلاث أصابع غير أنه لم يقل هكذا، لم يلزم الثلاث عندنا لما قدمناه، وعندهم لأنه قد يشير إليها بيده منصوب الأصابع وغير منصوبة، فإذا لم يكن له نية لم يلزمه إلا ما نطق، والذي نطق به واحدة. إذا قال أنت طالق لولا أبوك لطلقتك، قال قوم لا يقع الطلاق لأن حقيقة هذا الكلام أنه أكد إمساكها به وحلف أنه لولا أبوها لطلقها، فكأنه قال: والله لولا أبوك لطلقتك، ولأن فيه تأخيرا وتقديما، فكأنه قال لولا أبوك ما أمسكتك غير أني لا أطلقك من أجل أبيك، وهذا صحيح أيضا عندنا.

[ 54 ]

(فصل) * (في الطلاق بالحساب والاستثناء) * إذا قال أنت طالق واحدة في اثنتين، وقصد الايقاع وقعت واحدة سواء كان من أهل الحساب أو لم يكن، وعندهم لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون من غير أهل الحساب أو من أهله، فإن كان من غير أهل الحساب سئل، فإن قال: أردت واحدة مقرونة بالاثنتين، وقع ثلاث، وإن قال ما كان لي نية وقعت واحدة، وسقط قوله (في اثنتين). فأما إن قال نويت به موجبه عند أهل الحساب فيه وجهان أحدهما يكون على ما نواه، وعند الأكثر أنه يقع واحدة، لأنه لا يعرف موجبه عند أهل الحساب كما لو تلفظ بالعربية وهو لا يعرفها وقال أردت موجبه عند أهل العربية، لم يقع به شئ وإن كان عارفا بالحساب رجعنا إليه: فإن قال نويت واحدة مقرونة إلى اثنتين وقع به ثلاث، وإن قال نويت موجبه عند أهل الحساب وقعت طلقتان، لأن واحدا في اثنتين يكون اثنتين فإن قال ما كان لي نية فقال بعضهم يقع واحدة، وقال بعضهم يقع طلقتان، وعندنا لا يقع شئ. إذا قال أنت طالق واحدة لا تقع عليك، لا تقع بها طلقة عندنا، لفقد النية للايقاع وعندهم تقع به طلقة واحدة، ولو قال أنت (طالق لا)، ونوى الايقاع وقعت واحدة فإن قال أردت بقولي (لا) أنه لا تقع، قبلنا قوله، وعندهم لا يقبل. وإن قال أنت طالق أم لا؟ لم يقع به طلاق بلا خلاف، لأنه استفهام، فإن قال أنت طالق واحدة بعدها واحدة ونوى، وقعت عندنا واحدة لا غير، وعندهم تقع ثنتان ولو قال أردت بقولي بعدها طلقة أي سأوقعها فيما بعد، ولم أرد الايقاع الآن، قبل في الباطن، ولم يقبل في الظاهر، وعندنا يقبل لأنه لو أراد الايقاع في الحال لما وقعت. وإن قال أنت طالق طلقة قبلها طلقة طلقت طلقتين عندهم بلا خلاف بينهم، لكن

[ 55 ]

كيف يقعان ومتى يقعان؟ اختلفوا، فقال بعضهم تطلق طلقة بقوله أنت طالق، ويقع قبلها طلقة، فكأنه تقع قبلها واحدة ثم تقع هي. وقال بعضهم تطلق طلقة بقوله أنت طالق، وتطلق بعدها طلقة بقوله قبلها طلقة ويسقط قوله قبلها، لأنه لو قال لها أنت طالق أمس لم يقع الطلاق أمس، بل وقع في الحال، والأول عندهم أصح، وعندنا أنه يقع طلقة بقوله أنت طالق إذا نوى، وما عداه لغو. والفرق بينهما عندهم أن بوقوع هذه الطلقة يعلم أنها وقعت واحدة قبلها، كما لو قال أنت طالق قبل موتي بشهر، فإنه إذا مات حكم بوقوع طلاقها قبله بشهر، ويفارق هذا أنت طالق أمس، لأنه يريد الايقاع اليوم والوقوع أمس، فيسبق الوقوع الايقاع وهذا محال، وفي مسئلتنا لا يسبق الوقوع الايقاع، بل يوجد الصفة فيسبق الوقوع زمان وجود الصفة، ويكون زمان الوقوع بعد عقدها، فلهذا صح. فإذا ثبت هذا رجعنا إلى مسئلتنا، فإذا قال أنت طالق طلقة قبلها طلقة، فقد علق الطلاق بصفة لا تقع التي باشرها بها عقيب فراغه منها، حتى يمضي زمان تقع فيه طلقة، ثم تقع هي بعدها فتقع الطلقة قبلها ثم تقع لكنه شرط أن تقع بعد عقد الصفة إذا وجدت الصفة قبل زمان وجودها، فدل على ما قلناه. وإن قال أنت طالق طلقة قبلها وبعدها طلقة، وقعت عندهم ثلاث تطليقات وعندنا أنها مثل الأولى سواء. ولو قال أنت طالق طلقة قبلها وبعدها طلقة وقع ثلاث تطليقات لأن نصف طلقة يكمل طلقة، فقد أوقع النصف قبلها، ونصفا بعدها، وعندنا مثل الأولى سواء. فإن قال أنت طالق طلقة معها طلقة ونوى، وقعت طلقة وعندهم طلقتان على كل حال فرع: له زوجتان عمرة وحفصة، فقال لعمرة إذا حلفت بطلاق حفصة فأنت طالق فقد علق طلاق عمرة بصفة هي أن يحلف بطلاق حفصة، فمتى حلف بطلاق حفصة طلقت عمرة طلقة.

[ 56 ]

فإن قال بعد هذا لحفصة إذا حلفت بطلاق عمرة فأنت طالق، فقد حلف بطلاق حفصة، وعلق طلاق حفصة بصفة هي أن يحلف بطلاق عمرة فطلقت عمرة بهذا طلقة لأنه حلف بطلاق حفصة. وإن قال لعمرة بعد هذا إن حلفت بطلاق حفصة فأنت طالق طلقت حفصة طلقة لأنه حلف بطلاق عمرة وعلق طلاق حفصة بصفة هي الحلف بطلاق عمرة. وإن قال لحفصة بعد هذا إن حلفت بطلاق عمرة فأنت طالق، طلقت عمرة أخرى فإن قال لعمرة بعد هذا إن حلفت بطلاق حفصة فأنت طالق طلقت حفصة أخرى، فإن قال لحفصة بعد هذا إن حلفت بطلاق عمرة فأنت طالق طلقت عمرة الطلقة الثالثة وبانت، فإن قال لعمرة إن حلفت بطلاق حفصة فأنت طالق لم تنعقد هذه الصفة، لأن عمرة قد بانت فيقع بحفصة طلقتان، وبعمرة ثلاث تطليقات. فلو كان له امرأة واحدة فقال لها كلما حلفت بطلاقك فأنت طالق، فقد علق طلاقها بصفة تلك الصفة أن يحلف بطلاقها، فإن كرر هذا بعد عقد الصفة ثلاثا وقعت ثلاث تطليقات. وهكذا لو قال لها إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق، فأعاد هذا بعد العقد ثلاث مرات طلقت ثلاث طلقات، فلا فصل بين (إذا) و (كلما) لكن لهما موضع يفترقان: إذا قال كلما حلفت بطلاقك فأنت طالق ثم قال إن دخلت الدار فأنت طالق و إن كلمت أمك فأنت طالق، وإن خرجت من الدار، فأنت طالق وقع بها ثلاث لأن كلما للتكرار. وإن قال إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال إن دخلت الدار فأنت طالق وإن كلمت أمك فأنت طالق، وإن خرجت من الدار فأنت طالق، طلقت واحدة بقوله إن دخلت الدار فأنت طالق، ولا يقع بعدها غيرها، لأن الصفة انحلت بوجود الصفة مرة واحدة، لأن إذا ليست للتكرار، بل لفعل مرة، وقد وجدت. هذا كله للمدخول بها فأما لغير المدخول بها متى قال ذلك ثم أعاد ثانيا طلقت واحدة، فإن أعاد القول مرة أخرى لم يقع الطلاق بها، لأنها بانت بالأولى، وعندنا

[ 57 ]

أنه لا يقع بجميع ذلك شئ لأمرين أحدهما أنه طلاق بشرط والثاني أن اليمين بالطلاق لا ينعقد، بل إن قال كلما دخلت الدار فلله على عتق رقبة، فتكرر ذلك منها وجب عليه بعد ذلك. وإن قال كلما حلفت بطلاقك فلله على عتق رقبة، ثم قال إن دخلت الدار فأنت طالق لم يلزمه شئ، لأن ذلك ليس بيمين منعقدة، وعلى هذا جميع ذلك. إذا قال للمدخول بها كلما حلفت بطلاقك فأنت طالق، وعبد من عبيدي حر فإذا كرر هذا بعد العقد ثلاث مرات طلقت عندهم ثلاثا، وعتق ثلاثة من العبيد و هكذا لو قال إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق الباب واحد. فإن كان هذا في غير المدخول بها فأعاد ثانيا، طلقت طلقة، وعتق عبد واحد فإن أعاد القول فلا طلاق ولا عتاق، لأنها قد بانت بالأولى، وعندنا هذه مثل الأولى سواء. إذا قال لها: رأسك أو فرجك طالق أو قال ثلثك أو ربعك أو سدسك طالق، أو علقه بجزء مجهول فقال جزء من أجزائك طالق، وقع الطلاق عليها بكل هذا، بلا خلاف بينهم، وعندنا لا يقع شئ، لأنه لا دليل عليه. وأما إن قال يدك أو رجلك أو شعرك أو أذنك طالق وقع عند بعضهم، وعند آخرين لا يقع، وعندنا لا يقع شئ مثل الأولى. إذا قال أنت طالق بعد طلقة لم يقع الطلاق عندنا أصلا، وعند داود وعند الباقين يقع طلقة واحدة. إذا قال أنت طالق نصف تطليقة لم يقع عندنا شئ، وعندهم يقع طلقة لأن الطلقة نصفان، فإن قال أنت طالق ثلاثة أنصاف طلقة عندنا مثل الأولى، ولهم فيها وجهان أحدهما تقع طلقتان، والثاني طلقة واحدة، لأنه محال فلغى قوله ثلاثة أنصاف. فإن قال أنت طالق نصف طلقتين فعندنا لا يقع شئ، وعندهم فيها وجهان: أحدهما تطلق طلقة واحدة والثاني تطلق طلقتين، فإن قال أنت طالق نصف طلقة ثلث طلقة سدس طلقة فعندنا لا يقع شئ، وعندهم يقع طلقة، ولو قال أنت طالق نصف

[ 58 ]

طلقة، وثلث طلقة، وسدس طلقة، فعندنا مثل الأولى، وعندهم يقع ثلاث. والفرق بينهما أن الأولى بمنزلة كلمة واحدة لم يدخل بينهما حرف عطف فكأنه ذكر أجزاء الطلقة الواحدة، وإذا عطف جعل لكل كلمة حكم نفسها، ألا ترى أنه لو قال أنت طالق طالق طالق طلقت واحدة، ولو كرر بحرف العطف لطلقت ثنتين. ولو قال أنت طالق وطالق وطالق وقعت عندنا الأولى إذا قصد دون الثانية والثالثة، وعندهم يقع الأولى والثانية وفي الثالثة قولان أحدهما تقع، والثاني لا تقع لأنه عطف الثالثة على الثانية بصفتها وصورتها، فلهذا لم يقع. لو قال أنت نصف طلقة ثلث طلقة سدس طلقة عندنا لم يكن شيئا، وقال بعضهم هو كناية في الطلاق، فإن نوى كان طلاقا وإن لم ينو لم يكن شيئا. فإن قال أنت طالق نصفا وثلثا وسدسا ولم يزد على هذا ونوى بالأول الايقاع وقعت واحدة عندنا، وما عداه لم يكن شيئا وعندهم تطلق طلقة، لأن الأول إيقاع والثاني والثالث لغو، إذا لم يكن هناك نية، فكأنه قال أنت نصف وثلث، فإن نوى كان على ما نوى. إذا قال لأربع زوجات له: أوقعت بينكن طلقة واحدة لم يكن عندنا شيئا، وعندهم تطلق كل واحدة طلقة، لأنه يقتضي قسمتها بينهن فيكون لكل واحد ربعها. فإن قال أوقعت بينكن طلقتين طلقت كل واحدة طلقة أيضا لأن المراد قسمة الطلقتين في الجملة بينهن إلا أن ينوي قسمة كل طلقة بينهن، فتطلق كل واحدة طلقتين. ولو قال أوقعت بينكن ثلاث تطليقات طلقن طلقة طلقة فإن نوى قسمة كل طلقة بينهن طلقن ثلاثا، وعندنا لا يقع بذلك شئ أصلا. فإن قال أوقعت بينكن أربع تطليقات ونوى، طلقت كل واحدة طلقة عندنا

[ 59 ]

وعندهم أيضا مثل ذلك وإن لم ينو، فإن نوى قسمة كل طلقة لم يقع عندنا بهن شئ وعندهم يطلقن ثلاثا ثلاثا. وإن قال أوقعت بينكن خمس طلقات فعندنا تطلق كل واحدة طلقة، وعندهم طلقتين، وهكذا لو أوقع بينهن ستا أو سبعا أو ثمانيا، بالكل طلقن، وعندنا في الثماني كذلك أعني مثل المسألة الأولى لا يقع إلا واحدة، فإن نوى قسمة كل طلقة فعندنا لا يقع شئ وعندهم يطلقن ثلاثا ثلاثا فإن أوقع بينهن تسع طلقات فعندنا مثل ذلك وعندهم يطلقن ثلاثا ثلاثا. فإن قال أوقعت بينكن اثنتي عشرة طلقة كان مثل ذلك سواء لأن على مذهبنا لا يمكن أن يوقع أكثر من طلقة واحدة، [ وعندهم لا يوقع أكثر من ثلاث ]. فإن قال أوقعت بينكن نصفا وثلثا وسدسا لم يكن عندنا شيئا وعندهم يطلقن ثلثا ثلثا لأنه ينبغي أن يقسم النصف بينهن والثلث والسدس فيكون لكل واحدة جزء من كل طلقة فيطلقن ثلاثا. إذا قال أوقعت بينكن طلقتين، طلقت كل واحدة طلقة على ما مضى عندهم فإن قال أردت أن يقسم بينهن طلقة، ثم يقسم الثانية، فإن كن كلهن مدخولا بهن طلقت كل واحدة طلقتين، لأنه غلظ على نفسه فقبل قوله، وإن كان بعضهن مدخولا بهن دون بعض، طلقت المدخول بها طلقتين، وغير المدخول بها طلقة، لأنها تبين بالأولى فلا يلحقها الثانية.

[ 60 ]

(فصل) * (في حكم الاستثناء في الطلاق) * والاستثناء ضد المستثنى منه، وهو من الاثبات نفي، ومن النفي إثبات، ويجوز استثناء القليل من الكثير والكثير حتى يبقى القليل، فيصح أن يقول له عشرة إلا تسعة، وعشرة إلا واحدا، وقال بعض أهل العربية وهو ابن درستويه لا يجوز استثناء الكثير من الجملة حتى يبقى القليل، والأول أصح عندنا قال الله تعالى (رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) ثم قال (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (1)) فقد استثنى المخلصين من جملة العباد، ثم استثنى الغاوين من جملتهم أيضا فإن كان المخلصين أكثر ثبت ما قلناه، وإن كان الغاوين أكثر وهو الأظهر ثبت أيضا، لأنه لا يخلو أن يكونوا سواء أو بعضهم أكثر من بعض، وعند المخالف لا يجوز استثناء النصف إلا أقل منه. فإذا ثبت هذا فإن الاستثناء يكون إذا تكرر من الذي يليه، فإذا قال أنت طالق ثلاثا إلا طلقة، طلقت عندهم طلقتين، ولو قال إلا اثنتين طلقت واحدة. فإن قال أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة، طلقت طلقتين، وكذلك في الاقرار إذا قال: له على عشرة إلا ستا إلا أربعا إلا اثنتين إلا واحدة، يكون أقر بسبعة. وعندنا أن ذلك صحيح في الاقرار، فأما في الطلاق فلا يقع إلا واحدا، لأن إيقاع طلقتين لا يمكن، لا لأن الاستثناء ليس بصحيح.

(1) الحجر 39 - 42 (2) ولا يرد هذا على ابن درستويه، لأن الظاهر من قبح استثناء الكثير حتى يبقى القليل حيث يكون بالعدد، كقوله له على عشرة إلا تسعة، وأما الاستثناء بغير العدد كما في الآية الشريفة فليس له قبح

[ 61 ]

فإن قال أنت طالق ثلاثا إلا نصف طلقة، طلقت ثلاثا عندهم، لأنه لا يتبعض ولو قال أنت طالق طلقتين ونصف إلا نصف طلقة، طلقت ثلاثا عندهم، لأن قوله أنت طالق طلقتين ونصفا بمنزلة قوله ثلاثا للسراية. فإن قال أنت طالق وطالق وطالق إلا طلقة، طلقت ثلاثا لأن الاستثناء يرجع إلى الذي يليه، فلو رجع إليه نفاه كله فسقط حكمه، وفيهم من قال يقع طلقتان والأول أصح، وعندنا إذا نوى بذلك الايقاع طلقت واحدة لا غير. فإن قال أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا وقعت ثلاثا، وعندنا إذا نوى إيقاع الثلاث وقعت واحدة، فإذا وقع الثلاث فقد رجع فيما أوقعه فلم يقبل قوله، غير أنه يملك الرجعة، وإن لم ينو الايقاع لم يقع شئ أصلا. فإذا قال أنت طالق خمسا إلا ثلاثا قيل فيه وجهان أحدهما يطلق ثلاثا لأنه أوقع خمسا، وهو لا يملك إلا ثلاثا فلغا ما زاد على الثلاث، فكأنه قال أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا، فاستثنى كل ما أوقعه. والثاني تطلق طلقتين لأن الكلام إذا قصد به الحساب فالاستثناء يلحق الجمل كلها إذا وصل الكلام بعضه ببعض، وعندنا يقع واحدة إذا نوى الايقاع، فإن تجرد عن النية لم يقع أصلا. فإن قال أنت طالق خمسا إلا اثنتين، فعندنا مثل الأولى وعندهم على وجهين: من ألغى ما زاد على الثلاث، قال طلقت طلقة، ومن استعمل كل الخطاب قال طلقت ثلاثا. فإن قال أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا إلا اثنين فعندنا تقع واحدة، وعندهم فيها ثلاثة أوجه أحدها تطلق ثلاثا، والثاني تطلق طلقتين، والثالث تطلق طلقة. إذا قال لها كلما ولدت ولدا فأنت طالق، فإن ولدت ولدا طلقت طلقة، فإن ولدت آخر طلقت أخرى، فإن ولدت الثالث لم تطلق وانقضت عدتها والمسألة مفروضة إذا أتت بثلاثة أولاد، وكانوا حملا واحدا، وإنما يكون حملا واحدا إذا كان بين الأول والآخر أقل من ستة أشهر، وأما إن كان بين ولدين ستة أشهر فصاعدا فهما حملان.

[ 62 ]

فإذا ثبت أن هذه صورة المسألة، فإذا ولدت واحدا طلقت طلقة رجعية، لوجود الصفة وهي زوجة، فإذا ولدت الثاني طلقت طلقة أخرى رجعية لمثل ذلك، فإذا ولدت الثالث انقضت به عدتها لأنها رجعية قد وضعت حملها والرجعية تعتد بالحمل فإذا وضعته بانت به. فإذا بانت عقيب الانفصال فقد بانت في الزمان الذي يقع فيه الطلاق، والطلاق لا يقع على الباين، فلا يقع بها. فهو كما لو قال إذا مت فأنت طالق فمات لم يقع الطلاق بلا خلاف، لأن بالموت قد بانت. وقال بعضهم: إن الطلقة الثالثة تقع بانفصال الثالث، لأن الزمان الذي تبين فيه هو الزمان الذي يقع فيه الطلاق وإنما قلنا لا يقع لو قلنا يقع بعد البينونة والأول هو الصحيح عندهم. فإن راجعها بعد ولادة الثاني ثم ولدت الثالث وقعت الثالثة، لأنها زوجة فأما إن ولدت رابعا طلقت بالثالث طلقة، لأنها وضعته وهي حامل بغيره فهي رجعية فإذا وضعت الرابع انقضت به عدتها وإن ولدت ولدين طلقت بالأولى طلقة وبانت بالثاني فلا يقع الطلاق. فإن وضعت الثلاثة دفعة واحدة طلقت ثلاثا لأن الصفة وجدت كما لو قال إن كلمت زيدا فأنت طالق، إن كلمت عمرا فأنت طالق، إن كلمت خالدا فأنت طالق، ثم سلمت عليهم بكلمة واحدة، فإنه يقع الثلاث طلقات. وعندنا أن جميع ذلك لا يقع به طلاق، لأنه معلق بشرط، وإن علق به نذرا فكلما ولدت لزمه ذلك بالغا ما بلغ، وإن وضعتهن دفعة واحدة فمثل ذلك، وكذلك في كلام واحد بعد واحد إذا كلمتهم بكلمة واحدة لزمه من النذر بعددهم حسب ما قالوه في الطلاق. فأما إن كانوا حملين وهو أن يكون بين الثاني والثالث ستة أشهر، فإنها تطلق بالأول طلقة وتبين بالثاني، فلا يقع بها طلاق، لأن هذا كل حملها، فإذا وضعت الثالث بعد ستة أشهر فهذا حمل حدث بعد البينونة، فلا يلحق به ولا يقع به طلقة

[ 63 ]

لأنها أتت به بعد البينونة كما لو ولدت الأجنبية وعندنا إن كان علق النذر بما تلده من ذلك الحمل، فإن الأمر على ما قالوه، وإن علقه بالولادة المطلقة، لزمه عند كل ولد ما نذر فيه. فأما إذا لم يقل كلما، لكن قال: إذا ولدت ولدا فأنت طالق، فولدت ثلاثا: واحدا بعد واحد، وقع الطلاق بالأول، ولم يقع بالثاني لأن إن وإذا يقتضي فعل مرة واحدة، وكلما يقتضي التكرار. كما لو قال إن دخلت الدار فأنت طالق، وإذا دخلت الدار، فأنت طالق فدخلت الدار طلقت، وإن دخلت ثانيا لم تطلق لأن الصفة قد انحلت، وتكون الطلقة رجعية، وإذا وضعت حملها بعد ذلك انقضت عدتها وبانت وهكذا نقول إذا علق به النذر سواء. وإذا قال إذا ولدت ذكرا فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين ففيها مسئلتان إما أن تلد ولدين أو ثلاثة. فإن ولدت ولدين ذكرا وأنثى ففيه أربع مسائل: ولدت ذكرا أولا طلقت طلقة، ثم ولدت أنثى بانت بها ولم يقع الطلاق وهذا أصل كل ولد بانت بوضعه لم يقع بوضعه طلاق. الثانية ولدت أنثى أولا ثم ذكرا، طلقت طلقتين بوضع الأنثى، وبانت بالذكر فلم يقع الثالث. الثالثة وضعتهما معها دفعة واحدة طلقت ثلاثا لأنها وضعتهما وهي زوجة، فوجدت صفة الثلاث فوقع ثلاث طلقات. الرابعة أشكل الأمر فلم يعلم هل ولدت الأنثى أولا أو الذكر أو هما معا قال بعضهم يقع الأقل لأنه اليقين، والباقي مشكوك فيه، لأن من شك في عدد الطلاق وقع الأقل، وألزم تركها، لأنه يجوز أن يكون ولدتهما معا. هذا إذا ولدت اثنين، فإن ولدت ثلاثا ذكرا وانثيين، ففيها ثلاث مسائل إما تلد واحدا بعد واحد، أو دفعة واحدة، أو اثنتين دفعة واحدة والثالث وحده. فإن ولدتهم واحدا بعد واحد ففيه أربع مسايل أيضا:

[ 64 ]

إن ولدت ذكرا أولا ثم أنثى ثم أنثى طلقت بالذكر طلقة، وبالأنثى طلقتين بانت بهن وانقضت عدتها بالثالثة. والثانية ولدت أنثى ثم أنثى ثم ذكرا طلقت بالأنثى طلقتين ولم تطلق بالأنثى الثانية شيئا لأن الصفة إذا ولدت أنثى فأنت طالق، وقد طلقت بأن ولدت أنثى، فلا تعود الصفة بأنثى أخرى، فإذا ولدت الذكر لم تطلق لأنها بانت فلا يقع بها الطلاق. [ الثالثة ولدت أنثى أولا ثم ذكرا ثم أنثى طلقت بالأنثى طلقتين وبانت بوضع الذكر فلم تقع الثالث (1)). فأما الرابعة وهو إن أشكل الأمر فيوقع اليقين طلقتان، فإنه أقل ما تطلق وتطرح الشك. المسألة الثانية إذا ولدتهم دفعة واحدة طلقت ثلاثا لأنها ولدت ذكرا وأنثى. الثالثة ولدت اثنين وواحدا فلا يخلو أن يكون الواحد آخرا أو أولا، فإن كان الواحد آخرا ففيه مسئلتان: ولدت أنثيين معا ثم ذكرا طلقت طلقتين بالأنثيين وبانت بالذكر. ولدت أنثى وذكرا ثم أنثى، طلقت بوضعهما معا ثلاثا وانقضت عدتها بوضع الأنثى. فإن كان الواحد أولا ففيه مسئلتان أيضا ولدت أولا ذكرا ثم أنثيين طلقت طلقة بالذكر، وبانت بالأنثيين فلم تطلق. ولدت أولا أنثى ثم ذكرا وأنثى طلقت طلقتين وبانت بوضعهما بعدهما، فلم يقع إلا طلقتان. وعندنا أن جميع ذلك لا يقع به طلاق أصلا، وإن علق به نذرا لزمه من النذر بعدد ما تلده بالذكر واحدة وبالأنثيين اثنين، حسب ما ذكره في النذر، سواء ولدتهم دفعة واحدة أو واحدا بعد الآخر، وسواء تقدم الأنثى أو الذكر لأن الشرط قد وجد وهي زوجة فلزمه النذر.

(1) سقط هذه الصورة من النسخ أضفناه بقرينة ما سبق.

[ 65 ]

فإن قال إن ولدت أولا ذكرا فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أولا أنثى فأنت طالق طلقتين، فإن ولدت أولا ذكرا طلقت طلقة، وإن ولدت أولا أنثى طلقت طلقتين، وإن ولدتهما معا لم يقع الطلاق، لأنه لا أول فيهما، وعندنا مثل ذلك في النذر سواء فأما الطلاق فقد قلنا إنه لا يقع به على حال. وإن قال إن ولدت ولدا فأنت طالق، وإن ولدت غلاما فأنت طالق، فإن ولدت أنثى طلقت طلقة لأنها ولد، وإن ولدت ذكرا طلقت طلقتين، لأنه ولد وهو غلام وعندنا مثل ذلك في النذر. ولو قال إن كان في جوفك ذكر فأنت طالق طلقة، وإن كان أنثى طلقتين فإن ولدت ذكرا طلقت طلقة، وإن ولدت أنثى طلقت طلقتين، وإن ولدت ذكرا وأنثى طلقت ثلاثا لأنهما كانا في جوفها، وعندنا مثل ذلك في النذر سواء. فإن قال إن كان حملك ذكرا فأنت طالق، وإن كان حملك أنثى فأنت طالق، فإن ولدت ذكرا طلقت، وإن ولدت أنثى طلقت، وإن ولدت ذكرا وأنثى لم تطلق، لأنه لم يكن حملها ذكرا ولا أنثى، بل كان ذكرا وأنثى معا. ويفارق الأولى لأنه علق هناك أن يكون في بطنها، وهيهنا علقه بجميع الحمل وهكذا نقول في النذر سواء. فلو كانت أمته حاملا بمملوك فقال إذا ولدت ولدا فهو حر وامرأته طالق فولدت ولدا عتق وطلقت المرأة، فإن ولدته ميتا وقع الطلاق ولم يقع العتق، لأن الميت لا يعتق، وهكذا نقول إذا علق به نذرا، فأما ما تلده فلا ينعتق، وإن ولدته حيا، لأنه عتق بشرط، فإن جعله نذرا لزمه الوفاء به.

[ 66 ]

(فصل) * (في الاستثناء بمشيئة الله) * الاستثناء بذلك يدخل في الطلاق، والعتاق، والايمان بالله، والاقرار، والنذر فيحله فلا يتعلق به حكم، فدخوله في الطلاق يكون في الطلاق المباشر والمعلق بصفة عندنا وعندهم وإن كان المعلق بصفة لا يقع عندنا. فالمباشر مثل قوله أنت طالق إن شاء الله، والمعلق بصفة مثل قوله إذا طلعت الشمس فأنت طالق إن شاء الله، وهكذا في اليمين بالطلاق عندهم مثل قوله إن دخلت الدار فأنت طالق إنشاء الله. وهكذا يدخل في العتاق المباشر والمعلق بصفة واليمين بالعتق عندنا وعندهم وإن كان المعلق بصفة واليمين به لا يصح عندنا، ويدخل في اليمين بالله عندنا وعندهم كقوله والله لا دخلت الدار إن شاء الله، وفي الاقرار كقوله: له على ألف درهم إنشاء الله. وفي النذر كقوله إن شفى الله مريضي فعبدي حر إن شاء الله عندنا، وعندهم إذا قال: لله على عتق عبد إن شفى الله مريضي إنشاء الله. وقال بعضهم لا يدخل إلا في اليمين بالله فقط، وهو ما ينحل بالكفارة وهو اليمين بالله فقط، وقال بعضهم يدخل فيما كان يمينا سواء كان بالطلاق أو بغيره. وأما إن كان طلاقا معلقا بصفة أو متجددا فلا يدخل. وقال بعضهم يدخل في الطلاق دون العتاق فقال إذا قال أنت طالق إنشاء الله، لم تطلق، ولو قال أنت حر إنشاء الله عتق، وفرق بينهما بأن الله يحب العتق ويكره الطلاق. فإذا ثبت هذا فإذا قال أنت طالق إنشاء الله كان معناه إنشاء الله وقوعه فهو تعليق طلاق بصفة صحيحة، فإن وجدت وقع، وإلا لم يقع، ولسنا نعلم وجودها فلا يقع الطلاق.

[ 67 ]

فإن قال أنت طالق إن لم يشأ الله فهذه صفة مثل الأولى علق الطلاق بصفة هي عدم المشيئة، ولسنا نعلم ذلك فلا يقع الطلاق، وكذا لو قال أنت طالق ما لم يشأ الله فهو كقوله إن لم يشاء الله لأنه علق الطلاق بعدم المشيئة ولسنا نعلم عدمها. فإن قال: أنت طالق إلا أن يشاء الله ففيها وجهان أحدهما لا يقع، لأنه علق الطلاق بمشية الله، والصحيح عندهم أنه واقع، لأن قوله (أنت طالق) إيقاع، وقوله (إلا أن يشاء الله) عقد صفة يرفع بها وقوع الطلاق، فقد جعل المشيئة صفة في رفع وقوعه، ولسنا نعلم وجودها في رفعه فلم نحكم برفعه. وليس كذلك إذا قال إنشاء الله، لأنه ما أوقع الطلاق وإنما علق وقوعه بصفة فلا نحكم بوقوعه ما لم يوجد الصفة ولسنا نعلم وجود الصفة، فوجب أن لا يقع الطلاق فبان الفصل بينهما. وقوله أنت طالق إلا أن يشاء الله فقد استثنى مشية الله وأبهمها فاحتمل أن يريد إلا أن يشاء الله أن لا تطلق، فلا تطلق، واحتمل إلا أن يشاء الله أن تطلق، وتطلق والكل محتمل. فمن قال معناه إلا أن يشاء الله أن لا تطلق قال لا يقع، لأن الصفة للنفي كقوله أنت طالق إن لم يشاء الله، ومن قال معناه إلا أن يشاء الله أن تطلق قال: يقع الطلاق لأنه أوقعه وجعل الصفة لرفعه بعد وقوعه. والذي قالوه لو صح لما وقع عندنا أيضا الطلاق لما قالوه، ولأن الطلاق بصفة لا يقع غير أن الصحيح من هذه اللفظة أنها لإيقاف الكلام من النفوذ دون أن يكون شرطا. ولو كان شرطا لوجب إذا قال أنت طالق إن لم يشأ الله أن تطلق لأنا نعلم أنه لا يشاء الله الطلاق، لأنه مباح وهو لا يريد المباح عند أكثر مخالفينا فدل ذلك على أن ذلك ليس بشرط، وإنما هو لإيقاف الكلام. فأما الفرق بين قوله إن شاء الله وإلا أن يشاء الله فعلى ما قلناه لا يصح وإنما يصح، لو كان الأمر على ما قالوه من أنه شرط.

[ 68 ]

إذا قال أنت طالق إن شاء زيد، فإن شاء زيد وهو عاقل وقع الطلاق، وإن شاء وهو مجنون لم يقع لأنه لا حكم لمشية المجنون، فإن شاء وهو سكران وقع الطلاق لأن كلامه يتعلق به حكم والمعتوه مثل المجنون، فإن مات زيد أو غاب أو خرس لم يقع الطلاق، لأنا لا نعلم وجود المشيئة. فإن قالت قد شاء زيد، وأنكر الزوج فالقول قوله، لأن الأصل أن لا مشية حتى يعلم، وعندنا أن بجميع ذلك لا يقع الطلاق، علم أو لم يعلم، عاقلا كان أو مجنونا، أو سكرانا، لأنه معلق بشرط. (فصل) * (في طلاق المريض) * إذا طلق زوجته في مرضه المخوف وقع الطلاق بلا خلاف، فإن طلقها فإن كان رجعيا فأيهما مات ورثه الآخر بلا خلاف. وإن كان باينا فإن ماتت لم يرثها بلا خلاف وإن مات ورثته عندنا ما بينها وبين سنة ما لم تتزوج، فإن تزوجت بعد الخروج من العدة أو زاد على السنة ولو يوم لم ترثه وفي الناس من قال لا ترثه بحال ومنهم من قال ترثه ما دامت في العدة، ومنهم من قال ترثه أبدا، وفيهم من قال ما لم تتزوج ولم تحد. إذا قتلت المريضة ابن زوجها أو والد زوجها لم تبن منه عندنا، لأنه لا دليل عليه ولا تبطل الموارثة بينهما بمثل ذلك، وقال بعضهم إنها تبين منه، ويرثها ولا ترثه لأنها متهمة وقال بعضهم لا يرثها. ولو أعتقت الأمة تحت عبد وهي مريضة فاكتسبت مالا واعتق العبد كان لها الخيار، فإن اختارت الفسخ زالت الزوجية، فإن ماتت لم يرثها ولم ترثه هي أيضا بلا خلاف. وإذا أعتقت تحت عبد فاكتسبت مالا ثم أعتق العبد كان لها الخيار، وكذلك

[ 69 ]

الصغيرة إذا زوجها أخوها أو عمها ثم بلغت مريضة فاختارت الفسخ لم يرث واحد منهما صاحبه، وهكذا يجب أن نقول. لو أقر مريض أنه طلقها ثلاثا في حال الصحة قبل قوله، وحكم بأنها بانت منه في حال الصحة وتكون العدة من حين تكلم وهكذا يجب أن نقول إذا قال طلقتها ثلاثا على الشروط التي يقع معها عندنا. ولو قال في مرضه أنت طالق ثلاثا ثم برئ من مرضه لم ترثه بلا خلاف، وعندنا إذا كان له عليها رجعة ورثته، لأن بهذا القول لا يقع إلا واحدة، وهكذا لو قال: أنت طالق ثلاثا فارتدت ثم أسلمت ثم ماتت لم يرثها لأنها بالردة خرجت من الميراث فأما إن سألته الطلاق وهو مريض فطلقها ثلاثا لم ترثه، لأنه لا يتهم في طلاقها، وقال بعضهم ترث وهو الصحيح عندنا، إذا كان أوقع الثلاثة لعموم الأخبار. إن قالت له وهو مريض طلقني طلقة فطلقها ثلاثا ورثته لأنه متهم في الابانة فأما إن علق طلاقها بصفة توجد من جهتها، فإن كان لها مندوحة لم ترثه، كما لو سألته فطلقها، وإن كان لا بد لها فعلى قولين، فأما ما لها منه بد ففعلته فلا ترثه قولا واحدا وعندنا أن ذلك لا يقع به طلاق أصلا، لأنه معلق بشرط، وإذا لم يقع فلا يقطع الميراث. فأما إن علق طلاق بفعل نفسه مثل أن قال إن مرضت فأنت طالق، فمرض طلقت، لأنه متهم في عقد الصفة، ولو قال إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلها وهو مريض فعلى قولين لأنه متهم في إيجاد الصفة وفي الأولى في عقد الصفة. فإن قال وهو مريض إذا برئت فأنت طالق ثلاثا فبرئ طلقت ولم ترثه، ولو قال وهو صحيح إذا طلعت الشمس فأنت طالق وإذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، أو إذا جاء غد فأنت طالق فوجدت الصفة وهو مريض، طلقت ولم ترثه لأنه غير متهم لأن القول منه كان في حال الصحة. ولو قال أنت طالق قبل وفاتي بشهر، ثم مات فإن مات قبل مضي الشهر لم تطلق، لأنه لم يكن بين عقد الصفة وبين موته شهر، وإن مات مع انقضاء الشهر

[ 70 ]

لم تطلق أيضا لأنه ما مضى شهر، وإن مات عقيب انقضائها بلا فصل لم تطلق أيضا لأنه يحتاج أن يمضي زمان يقع فيه الطلاق، وإن مات بعد مضي الشهر بلحظة وقع عقيب عقد الصفة. فإذا ثبت أنها تطلق يومئذ، فإن كان عقدها في حال الصحة لم ترثه لأنه طلاق في حال صحة، وإن كان عقدها حال المرض فعلى ما مضى من القولين، وعندنا أن جميع ذلك لا يقع به طلاق لأنه معلق بشرط ولا ينقطع الميراث، لأن الزوجية ثابتة. وأما إذا قذفها وهو صحيح أو مريض، فلاعنها وهو مريض فبانت لم ترث قولا واحدا لأنه غير متهم لأن عليه حدا بالقذف أن لم يسقطه باللعان، وعندنا أنه ليس بطلاق وهذا حكم يختص الطلاق. إذا كانت زوجته أمة واجتمع عتقها وطلاقها في مرضه ففيها خمس مسائل: إحداها طلقها ثلاثا في مرضه ثم أعتقها سيدها ثم مات الزوج، لم ترثه لأنه أوقع الطلاق وهي أمة فلا تهمة فيما فعل لأنها ممن لا ترث حين الطلاق، وهكذا لو كانت حرة كتابية فطلقها ثلاثا ثم أسلمت ثم مات لم ترث، لأن الكفر كالرق في منع الميراث. الثانية قال وهو مريض أنت طالق غدا فلما سمع سيدها قال لها أنت حرة اليوم بعد قوله، لم ترثه لأنه قال وهي غير وارثة، وعندنا أن هذه لا يقع طلاقها لأنه معلق بشرط، والأولى صحيحة، وإن اختلفنا في عدد طلاق الأمة. الثالثة أعتقها سيدها ثم طلقها زوجها ثلاثا وهو مريض، فإن كان قبل العلم بالعتق لم ترثه، لأنه غير متهم، وإن كان بعد العلم بالعتق فعلى قولين، لأنه متهم وعندنا أنها ترثه إذا أبانها لعموم الأخبار. الرابعة اختلف الوارث والمعتقة بعد وفاة الزوج، فقالت طلقني بعد العتق فأنا أرثه، وقالوا بل قبل العتق فلا ميراث له، فالقول قول الوارث، لأن الأصل أن لا ميراث حتى يعلم ثبوته، وهكذا نقول.

[ 71 ]

الخامسة طلقها طلقة رجعية وهي أمة، ثم أعتقت ثم مات فإن مات قبل انقضاء العدة ورثت لأنها رجعية حرة، وإن مات بعد انقضاء عدتها لم ترثه لأنه غير متهم بذلك الطلاق وهكذا نقول نحن. ولو قال وهو صحيح أنت طالق ثلاثا إذا أعتقت فعتقت وهو مريض ثم مات وهي في العدة لم ترثه قولا واحدا لأنه غير متهم حين عقد الصفة، وإن قال وهو مريض فأعتقت فعلى قولين لأنه متهم، وعندنا أن الطلاق لا يقع لأنه مشروط ويثبت الإرث. فرع: إذا طلق أربع زوجات في مرضه المخوف ثلاثا ثم تزوج أربعا ثم مات من مرضه فهناك ثماني نسوة أربع زوجات وأربع مطلقات كيف الميراث؟ قيل فيه ثلاثة أوجه: أحدها حق الزوجات الثماني بالسوية الربع، مع عدم الولد، والثمن مع وجوده، وهو الذي نقوله إذا كان أوقع بكل واحدة منهن الثلاثة التي لا يملك فيه رجعتها، والوجه الثاني بين الزوجات دون المطلقات لأن ميراثهن بنص الكتاب وميراث أولئك بالاجتهاد. والوجه الثالث أنه للمطلقات دون الزوجات لأن حقهن سابق وحق الزوجات متأخر، وليس بشئ عندهم. إذا قال أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر، فإن قدم قبل مضي الشهر لم يقع الطلاق، لأنه يؤدي إلى وقوعه قبل عقد الصفة، وإن قدم مع انقضاء الشهر من حين عقد الصفة لم يقع، ولا يقع حتى يمضي شهر وزمان لوقوع الطلاق فيه فإذا قدم بعد شهر ولحظة من حين عقد الصفة وقع عقيب عقد الصفة وقبل أول الشهر. فإذا تقرر أن الطلاق يقع قبل قدومه بشهر فالحكم فيه إذا قدم بعد عقد الصفة بشهرين وستة وما زاد واحد، ويحكم بأن الطلاق يقع قبل قدومه بشهر. فإذا ثبت هذا فعقد هذه الصفة ثم خالعها بعد يوم أو يومين ثم قدم زيد بعد شهر ولحظة من حين عقد الصفة حكمنا بوقوع الطلاق قبل عقد الخلع بيومين، ويبطل الخلع إلا أن يكون الطلاق المعلق بصفة طلقة رجعية، فيكون الخلع صحيحا وعندنا أن

[ 72 ]

الطلاق في هذه المسألة لا يقع أصلا لأنه معلق بشرط، والخلع الذي وقع بعده صحيح على كل حال. وإن كانت بحالها ولم يخلعها لكن طلقها ثلاثا بعد يومين وكانت حاملا فوضعت بعد يومين، وانقضت عدتها بالوضع فتزوجت، ثم قدم زيد بعد شهر ولحظة من حين العقد تبينا أن الطلاق الثلاث وقع بها قبل الطلاق الذي باشرها، فزال الطلاق الثاني وانقضت عدتها بالوضع عن الطلاق الأول، وكان النكاح صحيحا، لأنه نكاح بعد انقضاء العدة. وعندنا أن الطلاق الأول غير صحيح لأنه معلق بشرط، والثاني وقعت منه واحدة وبانت بالوضع وصح النكاح. فإن كانت بحالها فمات أحدهما بعد يومين فورثه الآخر ثم قدم زيد بعد شهر ولحظة من حين العقد، كان الميراث باطلا لأنا تبينا أن الموت حصل بعد البينونة، فلا ميراث، وعندنا أن الميراث صحيح لأن الطلاق ما وقع أصلا لكونه معلقا بشرط. فإن قال لأمته أنت حرة قبل قدوم زيد بشهر ثم باعها بعد عقد الصفة بيوم أو يومين فأعتقها المشتري، ثم قدم زيد بعد شهر ولحظة من حين عقد الصفة، تبينا أن العتق قد سبق وقت البيع فالبيع باطل، لأنه بيع وقع بعد العتق، وعتق المشتري باطل لأنه أعتق ما هو حر، وعندنا أن البيع صحيح والعتق من جهة المشتري صحيح لأن العتق المعلق بصفة عندنا لا يصح أصلا. فإن كانت بحالها فخالعها ثم عقد الصفة بيوم أو يومين ثم قدم زيد بعد عقد الخلع بشهر ولحظة تبينا أن صفة وقوع الطلاق قبل قدومه بشهر وعقد الخلع قبل قدومه بشهر ويوم فسبق الخلع وقوع الطلاق، فصادف الخلع حال الزوجية، ثم وجدت صفة الطلاق بعد عقد الخلع فبطل وقوع الطلاق على باين وعندنا أيضا الخلع صحيح والطلاق باطل لما قدمنا ذكره. فإن كانت بحالها فطلقها بعد عقد الصفة ثلاثا فوضعت حملها بعد يومين وتزوجت ثم قدم زيد بعد الطلاق الثلاث بشهر ولحظة تبينا أن الطلاق الثلاث وقع وأن صفة

[ 73 ]

وقوع الطلاق وجدت بعد أن بانت بالطلاق الثلاث. فإن مات أحدهما بعد عقد الصفة بيوم أو يومين ثم قدم زيد بعد الموت بشهر ولحظة تبينا أن الموت صادف حال الزوجية وأن الباقي منهما ورث صاحبه وأن صفة وقوع الطلاق وجدت بعد الوفاة فبطلت الصفة. وهكذا لو قال لأمته أنت حرة قبل قدوم زيد بشهر ثم باعها بعد عقد الصفة بيوم أو يومين، ثم قدم زيد بعد البيع بشهر ولحظة، فالبيع صحيح نافذ لأن الصفة وجدت بعد زوال ملكه بالبيع فلا يعتق. هذا إذا كان زمان نكاحها ووقوع الطلاق عليها واحدا لأنها تطلق قبل قدومه بشهر ولحظة أبدا فالخلع قبل قدومه بشهر ولحظة أيضا وقد قدم زوال النكاح بالخلع على زواله بالطلاق بالصفة. فإن اخترت أن توسع هذا فيكون أوضح فقل أعتقها بعد عقد الصفة بيوم، وقدم زيد بعد العتق بشهرين، فإن صفة العتق توجد قبل قدوم زيد بشهر، والبيع قبل قدوم زيد بشهرين، فتنظر في هذا الباب إلى وقت عقد الصفة، ووقت العقد، ووقت قدوم زيد فتفرع عليه ما شئت على ما مضى. وعقد الباب عندنا في هذا الباب في الطلاق والعتق أن ما علقه بصفة لا يقع وجدت صفته أو لا يوجد، وما يتجدد بعده من الطلاق أو الخلع أو البيع أو العتق يكون صحيحا ويتعلق به أحكامه، وما تقدم لا يتعلق به أحكامه لبطلانه، فكل ما يرد في هذا الباب فهذا عقده. إذا شك الرجل هل طلق زوجته أم لا؟ لم يلزمه الطلاق بلا خلاف غير أنه قال بعضهم يقتضي الاحتياط والعفة أن يوقع الطلاق، ويقتضي الورع والعفة أن ينظر إلى حال نفسه: فإن كان في نفسه أن الطلاق أبدا واحدة، وأنه لا يزيد عليها، مثل أن يكون حنفيا يعتقد أن تفريق الطلاق هو السنة، أو يكون شافعيا يعتقد أن الاستحباب ذلك

[ 74 ]

ألزم نفسه طلقة وراجعها، فإن كان الطلاق قد كان منه فقد راجع، وإن كان ما طلق لما ضره. وإن كان يعتقد أنه متى طلق أوقع الثلاث فالورع أن يلزم نفسه ثلاثا بأن يجدد ثلاث تطليقات لتحل لغيره من الأزواج ظاهرا وباطنا، وعندنا أنه لا يقع شئ من الطلاق وهو بالخيار بين إيقاعه في المستقبل وامتناعه. فأما إن تحقق الطلاق وشك في العدد، فإنه يأخذ باليقين ويطرح الشك واليقين واحدة، هذا عندنا وعند كثير منهم، وقال بعضهم يأخذ بالأكثر فيلزم الثلاث. إذا حلف بعتق عبيده وطلاق نسائه ثم حنث في إحداهما قطعا لا بعينه، فعندنا لا يقع شئ ولا يلزمه، لأن اليمين بهما غير منعقدة. ومثال المسألة أن يرى طيرا فقال إن كان هذا الطير غرابا فنسائي طوالق، وإن لم يكن غرابا فعبيدي أحرار، فطار الطير قبل أن يعلم ما كان؟ أو قال أن كان هذا الشخص المقبل زيدا فنسائي طوالق، وإن لم يكن زيدا فعبيدي أحرار، ثم غاب الشخص ولم يعلم من كان؟ فقد تحقق الحنث في أحدهما قطعا لا بعينه، وكلف التوقف عن الملكين معا فلا يطأ نساءه ولا يتصرف في العبيد لأن أحدهما زال لا بعينه، فغلب حكم التحريم كما لو طلق واحدة من نسائه لا بعينها ثلاثا، ثم أشكل عليه منع من الكل، وهكذا لو وقع على ثوبه نجاسة وأشكل موضعها غسل الثوب كله. وعندنا أن هذا لا يلزمه في الطلاق والعتاق لما مضى وإن جعل ذلك نذرا بأن يقول إن كان هذا الشخص زيدا فلله على عتق رقبة، وإن كان عمرا فلله على عتق رقبتين. ثم غاب، فإن الاحتياط تقتضي أن يعتق رقبتين فإن كان عمرا فقد وفي بنذره كملا، وإن كان زيدا فقد وفى وزيادة. وإن قلنا إنه يعتق رقبة لأنه اليقين وما زاد عليه لا دليل عليه والأصل براءة الذمة كان قويا، فأما المطلقة والثوب النجس فالأمر على ما ذكر. فإذا تقرر أنه ممنوع من الكل، رجع في بيان ذلك إليه، فإن بين بأن قال

[ 75 ]

علمت أنه كان غرابا فقد اعترف بطلاق النساء، والعبيد على الرق، فإن صدقه العبيد فلا كلام، وإن خالفوه فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل بقاء الملك له، فإن حلف سقط دعواهم، وإن نكل رد اليمين عليهم، فإذا حلفوا حكم بعتقهم بيمينهم ونكوله، والزوجات طلقن بإقراره. وإن بين فقال كان حماما لا غرابا عتق العبيد بإقراره، والنساء على الزوجية فإن صدقته فلا كلام وإن ادعين خلافه فالقول قوله، لأن الأصل بقاء الزوجية، فإن حلف استقرت الزوجية، وإن نكل حلفن وطلقن باليمين مع نكوله، والعبيد قد عتقوا بإقراره، والنساء يطلقن بيمينهن ونكوله. فأما إن لم يبين حبس حتى يبين، لأنه لا يمكن الرجوع إلا إليه، فإن قال لا أعلم فإن صدقه العبيد والنساء أنه لا يعلم وقف الأمر حتى يبين أو يموت، وإن ادعى العبيد أو النساء أو هما معا علمه حلفناه أنه لا يعلم ما الذي كان، فإذا حلف وقف الملكان معا حتى يموت أو يبين، وعليه نفقة الفريقين معا. ومتى مات قبل أن يبين، في الناس من قال يرجع إلى بيان الورثة لأنه يقوم مقامه في الحقوق، وقال قوم وهو الصحيح عندهم أنه لا يرجع إليهم، بل يقرع بين النساء والعبيد فيكتب في رقعة عتق وفي أخرى طلاق ويقرع. فإن خرجت قرعة العتق حكم بعتقهم من حين اليمين، فإن كان في حال الصحة عتقوا من صلب المال، وإن كان في حال المرض عتقوا من الثلث وأما النساء فلا يحكم بطلاقهن ويرثنه لأن الأصل الزوجية، ولا نحكم لهن بالزوجية بالقرعة، لأن القرعة لا مدخل لها في الزوجية، لكن لما عتق العبيد بالقرعة بقي حكم الزوجية على الأصل وإنما يرث منهن من لم يدع أن الطير كان غرابا وأنها طلقت، فمن اعترف بذلك فقد اعترف بطلاقها فلا ميراث لها. قالوا والورع ألا ترثنه أصلا لجواز أن يكون الحنث بهن. فأما إن خرجت القرعة على النساء فلم يطلقن لما تقدم، وللوارث أن يتصرف في العبيد ولا يقف عن التصرف كما كان يقف المورث لأن المورث كان له الملكان جميعا

[ 76 ]

فحنث في أحدهما قطعا لا بعينه، فلهذا توقف فيهما والوارث له أحد الملكين، وهو الرق دون الزوجية، لأنها زالت بالوفاة. فإن قال إن كان هذا الطير غرابا فنسائي طوالق، وإن كان حماما فعبيدي أحرار فطار قبل أن يعرف لم يحنث في واحد منهما عندنا وعندهم: عندنا لما مضى وعندهم لأن الأصل الملك، وهو شاك في الحنث فلا يزال ملكه بالشك. ويفارق الأولى إذا قال: إن كان غرابا فنسائي طوالق وإن لم يكن غرابا فعبيدي أحرار لأن الحنث قد وقع بأحد الملكين قطعا، فإن الطير لا يخلو أن يكون غرابا أو غير غراب فلهذا توقف منهما، وليس كذلك هيهنا لأنه يجوز أن يكون غير غراب وغير حمام، فلهذا لم يحنث فيهما وهو صحيح أيضا عندنا إذا علق به النذر، فإنه لا يلزمه شئ للعلة التي ذكرت. نفسان لكل واحد منهما عبد فأتى طائر فقال أحدهما إن كان غرابا فعبدي حر، وقال الآخر إن لم يكن غرابا فعبدي حر، لم يحكم بالحنث في حق كل واحد منهما، لأن كل واحد منهما يجوز أن يكون الحانث صاحبه دونه والأصل الملك فلا يزال بالشك، وفي الأولى الملك لواحد لأنه جمع بينهما وهو حانث في أحدهما قطعا وهيهنا يشك كل واحد في حنث نفسه. فإن ملك أحدهما عبد الآخر حكمنا بأنه قد عتق عليه، لأن تمسكه بعبد نفسه إقرار منه بأن الحنث من غيره، وأن عبد غيره عتق، فإذا كان مقرا بذلك لم يكن له تملكه فيعتق عليه. وعندنا أن هذه المسألة مثل الأولى في أنه لا يتعلق بها حكم اليمين، وإن علق به نذرا لم يلزمه شئ أصلا لأنه ليس هناك يقين أصلا، والأصل براءة الذمة، و كذلك إذا ملكه فيما بعد. إذا كان له زوجتان فطلق واحدة منهما ففيها مسئلتان إحداهما إذا عين الطلاق في إحداهما، والثانية أطلق. فإذا عين مثل أن يقول لواحدة أنت طالق، ثم أشكل عليه عينها، أو نادت واحدة

[ 77 ]

منهما فسمع صوتها فقال أنت طالق ولم يعلم عينها أو رآى ظهر واحدة منهما فقال أنت طالق ثم اختلطت بصاحبتها ولم يعلم عينها، كلف الامتناع منهما، لأنه قد تحقق تحريم واحدة منهما لا بعينه، فلزمه التوقف كما لو اختلطت أخته بأجنبية لم يجز له نكاح واحدة منهما، وعليه أن يبين المطلقة، والبيان بيان إقرار وإخبار بالتي طلقها، وليس هو بيان شهوة واختيار، لأنه قد أوقع الطلاق على واحدة بعينها وبانت منه. فإذا بين لم يخل من أحد أمرين إما أن يبين قولا أو فعلا فإن عين قولا فقال هذه التي طلقتها حكم بطلاقها وزوجية الأخرى. وإن كانت بحالها ولم يبين المطلقة لكن قال هذه التي لم أطلقها فذلك بيان في الأخرى أنه طلقها. فإن قال طلقت هذه لا بل هذه، طلقتا جميعا لأنه إقرار بطلاقهما واحدة بعد الأخرى، فلم يقبل رجوعه في الأولى ولزمه الاقرار بهما معا. فإن كان له ثلاث نسوة فيهن ثلاث مسائل أيضا: إن قال طلقت هذه لا بل هذه لا بل هذه طلقن جميعا لما مضى الثانية قال طلقت هذه لا بل هذه أو هذه طلقت الأولى وقد أبهم الطلاق في الأخرى، وعليه البيان. الثالثة إن قال طلقت هذه أو هذه لا بل هذه طلقت الثالثة، وقد أبهم الأولى والثانية فعليه البيان. فإن كن له أربع زوجات فقال طلقت هذه أو هذه لا بل هذه أو هذه، فقد أبهم في الأولتين والآخرتين، فعليه أن يبين في الأولتين والآخرتين. هذا إذا عين بالقول فكذلك فأما إن عين بالفعل فوطي واحدة منهما لم يقع التعيين بذلك، لأن الطلاق لا يقع إلا بالقول فكذلك تعيينه، ولأنه لو كان وطيه بيانا لوجب إذا وطئهما معا أن تطلقا معا. فإذا ثبت أن الفعل لا يكون بيانا، فإذا وطي واحدة منهما قيل له بين الآن بالقول فإن بين أن المطلقة غير الموطوءة، ثبت أنه وطي زوجته، وإن بين أن المطلقة هي التي وطئها فعندنا إن كانت رجعية كان ذلك رجعة، وإن كانت باينا فعليه التعزير، ولا يجب الحد للشبهة ولا يجب مهر المثل لأنه لا دليل عليه، وعندهم يجب مهر المثل

[ 78 ]

ولا يجب الحد ولم يذكروا التعزير ولم يفصلوا. فإذا ثبت هذا فالطلاق والعدة من حين إيقاع الطلاق لا من حين الاقرار به، إلا أن يكون وطئها فتكون العدة من حين الوطي. هذا الكلام في المسألة الأولى فأما إذا أطلق الطلاق فقال إحداكما طالق، فهل يتوقف عن الوطي أم لا؟ يأتي فيما بعد، لكن نبتدي فنقول عليك التعيين، والتعيين ههنا باختيار وإيثار وليس بإخبار عن طلاق كان منه، لأنه ما نجز الطلاق في واحدة منهما، وإنما علقه على البيان، وليس كذلك التي قبلها، لأنه أوقعه على واحدة بعينها، لكنه أشكل عليه عينها. ثم لا يخلو من أحد أمرين إما أن يبين بالقول أو بالفعل، فإن بين بالقول بأن قال اخترت تعيين الطلاق في هذه، طلقت هذه وكانت الأخرى على الزوجية، ولو قال اخترت تعيينه في هذه لا بل في هذه، طلقت الأولى دون الأخرى لأنه إنما أبهم و عليه بيانه في واحدة، فإذا عينه في واحدة لم يبق ما يعينه في الأخرى، وليس كذلك في الأولى، لأنه إذا عين الطلاق في واحدة بعينها كان بيانه إقرارا فإذا أقر بطلاق واحدة طلقت بإقراره فإذا رجع فأقر بالأخرى لم يقبل قوله فيما رجع منه وقبل قوله فيما يرجع إليه. وإن بين بالفعل بأن يطأ واحدة منهما، قال قوم يكون بيانا، وقال آخرون لا يكون، كالتي قبلها، وعندنا أنها مثل الأولى سواء، والأقوى في هذه أن يجعل الوطي إيثارا ويحكم في الأخرى بالطلاق إذا كان قد نوى طلاق واحدة بعينها. فمن قال لا يكون بيانا قال يتوقف عنهما ولا يطأ حتى يبين وعلى الأول يطأ من شاء منهما، فإذا وطي كان ذلك اختيارا ومن أي وقت تعتد؟ قال قوم: من حين البيان عنه لا من حين اللفظ، لأنه إنما علق الطلاق تعليقا، فإذا عينه حكمنا بوقوعه من حين التعيين. وقال آخرون من حين تلفظ بالطلاق، وهو الأقوى عندنا، لأن الايقاع وقع حينئذ وإنما بقي البيان، وقال بعضهم الطلاق من حين اللفظ، والعدة من حين التعيين.

[ 79 ]

فإذا ثبت هذا فكل موضع قلنا عليه التوقف حتى يبين فعليه النفقة إلى حصول البيان كما نقول فيمن أسلم وعنده عشر نسوة، فعليه أن يختار أربعا وعليه نفقة الكل إلى أن يختار. إذا كانت له زوجتان فطلق إحداهما، فقد ذكرنا إن عين الطلاق في إحداهما ثم أشكل عليه عينهما، وإذا أبهم الطلاق ومضى: وبقي الكلام في الميراث بعد الوفاة وفيه ثلاث مسائل: إذا ماتتا وبقي هو، أو مات هو وبقيتا، أو ماتت واحدة ثم مات هو، ثم ماتت الثانية: فأما الأولى إذا ماتتا وبقي هو فلا فصل بين أن تموتا معا أو واحدة بعد واحدة فإنا نقف له من تركة كل واحدة منهما ميراث زوج، لأنا لا نعلم عين الزوجة منهما فلو وقفنا ميراث واحدة فربما وقفنا له غير ما يستحقه. ثم نقول بين المطلقة منهما، ولا يخلو أن يكون الطلاق معينا أو مبهما، فإن كان معينا كلفناه الاقرار بالمطلقة والإخبار عنها، فإذا قال هذه المطلقة حكمنا بأن الطلاق وقع بها، فيكون ما وقف من تركتها لورثتها. والمسألة فيه إذا كان الطلاق باينا فأما إن كان رجعيا ورث الزوج بكل حال. وأما الثانية فهي زوجته ماتت على الزوجية فيكون ما وقفناه له يأخذه، فإن صدقه وارثها فلا كلام، وإن خالفوه فقالوا هذه التي طلقتها، فالقول قوله أنه ما طلقها لأن الأصل أنه ما طلقها. هذا إذا كان الطلاق معينا فأما إن كان مبهما فإذا عينه في واحدة حكمنا بطلاقها وأنها ماتت بعد البينونة، وكان له ميراث الأخرى، ولا يجئ هيهنا خلاف الورثة لأن تعيين الطلاق اختيار وشهوة وليس لهم أن يعترضوا عليه فيما يختار ويؤثر. ويفارق إذا كان الطلاق معينا لأنه إقرار بالتي طلقها، وإخبار منه عنها فلهذا صح أن يخالفوه في ذلك. الثانية مات الزوج أولا وبقيتا، فإنا نقف هاهنا من تركته ميراث زوجة واحدة

[ 80 ]

لأنه إنما مات عن زوجة واحدة، لأن الجهل بعين الزوجة منهما ليس بجهل بأن فيهما زوجة، فإذا وقفنا فإن لم يكن له وارث قيل لهما لا يمكن إفراد إحداكما ولا قسمته بينكما، فيقف حتى يصطلحا أو تقوم البينة. وإن كان له وارث، فإن بين فالحكم على ما مضى، وإن لم يبين فعلى قولين أحدهما يقوم الوارث مقامه في البيان، والثاني لا يقوم وهو الأقوى عندنا، فمن قال يقوم مقامه كان كالمورث وقد مضى، ومن قال لا يقوم، وقفنا ذلك حتى يصطلحا سواء كان الطلاق معينا أو مبهما، وفيهم من قال هذا إذا كان معينا فأما إن كان مبهما فإن الوارث لا يقوم مقامه، وينبغي أن يرجع إلى القرعة بينهما. الثالثة ماتت إحداهما ثم مات هو ثم ماتت الأخرى وكان الطلاق باينا معينا رجع إلى الوارث، فإن قال التي طلقها هي الأولى، والثانية ما طلقها، قلنا له قد أقررت أنه ما ورث الأولى وورثته الثانية، فذلك مقبول لأنه إقرار بما يضرك، فإنا نقاسمك بقدر حقها ربعا أو ثمنا، وإن قال المطلقة الثانية والزوجة الأولى فقد أقر بما ينفعه وهو أن مورثه ورث الأولى ولم ترث الثانية، فهل يقبل؟ على القولين. فإذا قيل: لا يرجع إليه ولا يقبل منه، وقف له من الأولى ميراث زوج ووقف للثانية من تركته ميراث زوجه حتى تقوم بينة أو يصطلح الورثة. وإذا قيل يرجع إلى قوله فهو منكر طلاق الأولى ويحلف الوارث على العلم فيقول والله ما أعلم أنه طلقها ويدعي طلاق الثانية فيحلف على البت أنه طلقها لأنه إذا أنكر طلاق الأولى فهي يمين على النفي على فعل الغير، فكانت على العلم ويحلف في حق الثانية على البت لأنه إثبات طلاق وكان على البت، فهذا أصل يتكرر كثيرا.

[ 81 ]

(فصل) * (فيما يهدم الزوج من الطلاق) * قد ذكرنا أن فرقة الطلاق على ثلاثة أضرب: فرقة توجب تحريما يرتفع بالرجعة، وهو إذا طلق بعد الدخول طلقة أو طلقتين فإذا راجعها زال التحريم. الثاني فرقة توجب تحريما ثم يرتفع بنكاح جديد وهو على ضربين أحدهما إذا بانت منه بدون الثلاث إما أن يطلقها طلقة أو طلقتين قبل الدخول فتبين في الحال من غير عدة أو يطلقها طلقة أو طلقتين بعد الدخول، وتنقضي عدتها فتبين بانقضاء العدة والثاني أن يطلقها طلقة أو طلقتين بعوض فإنها تبين بهما، قبل الدخول وبعده سواء فهذه فرقة تحرم الوطي دون العقد. الثالثة فرقة تحرم شيئين الوطي والعقد حتى تنكح زوجا غيره، وهو إذا استوفى عدة الطلاق متفرقا عندنا، وعندهم أو مجتمعا فلا يحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره، ويدخل بها ويطأها ثم يطلقها، وتنقضي عدتها منه، فتحل للأول استيناف نكاحها، فإذا نكحها هيهنا فكأنه ما كان نكحها قبل هذا، فيملك ثلاث تطليقات بلا خلاف. فإذا تقرر هذا فلا خلاف في الفرقة الأولى والأخيرة، إنما الخلاف في الوسطى فإذا أبانها بدون الثلاث ثم نكحها، فإن نكحها قبل زوج غيره عادت إليه على ما بقي من الطلاق، وإن نكحت زوجا غيره ثم طلقها الثاني قبل الدخول بها ثم تزوجها الأول عادت أيضا على ما كانت بقيت من طلاقها، وإن وطئها الثاني ثم طلقها فنكحها الأول، فإنها تعود عندنا كما كانت أولا، وقال بعضهم على ما بقي من طلاقها، ولم يؤثر وطي الثاني في عدد الطلاق وفيه خلاف.

[ 82 ]

(فصل) * (في ذكر فروع) * إذا قال أنت طالق طلقة بل طلقتين، عندنا تقع واحدة إذا نوى، قال بعضهم تقع ثلاثا، ولو قال لفلان على درهم لا بل درهمان، لزمه درهمان. والفصل بينهما أنه إذا قال له درهم فقد أخبر بدرهم عليه، وقوله بعد هذا لا بل درهمان إخبار بالدرهم الذي أقر به أولا ثانيا لأنه يصح أن يخبر عنه ثم يخبر عنه فكأنه نفى الاقتصار فأخبر به وبغيره مرة أخرى، وليس كذلك إذا قال أنت طالق طلقة لا بل طلقتان، لأن قوله أنت طالق أيقاع طلاق، وقوله بل طلقتين نفى تلك وأثبت غيرها طلقتين، لأنه لا يمكنه أن يوقعها مرة ثم يوقعها مرة أخرى، فلم يقبل ما نفاه ولزمه ما استدركه، وطلقت ثلاثا. والفرق بينهما على مذهبنا أنه لا يمكن إيقاع طلقتين في حال واحدة، ويمكن ذلك في الاقرار، ولو أمكن في الطلاق لكان ما قالوه صحيحا. ولو قال أنت طالق واحدة إلا أن تشائي ثلاثا فقالت قد شئت ثلاثا لم تطلق شيئا وهذه التي مضت، وعندنا لا يقع، لأنه معلق بشرط. إن قال إن لم أطلقك اليوم فأنت طالق اليوم، عندنا لا يقع شئ وإن خرج اليوم لما مضى، وقالوا إن لم يطلقها اليوم لم يقع الطلاق بها، لأن معناه إن فاتني طلاقك اليوم طلقت في اليوم، والفوات يكون بخروج اليوم فإذا خرج اقتضى وقوعه اليوم فإن كان اليوم قد خرج بطل أن يقع الطلاق. وقال بعضهم هذا سهو بل تطلق اليوم، لأن قوله إن لم أطلقك اليوم فأنت طالق اليوم معناه إن فاتني طلاقك اليوم فأنت طالق اليوم، والفوات يقع قبل خروج اليوم بزمان لأن الفوات أن يبقى من اليوم ما لا يتسع لقوله أنت طالق، والزمان الذي لا يتسع لهذه الحروف يفوت فيه الطلاق، وقد بقي من اليوم زمان يقع فيه الطلاق ففات قبل خروجه وطلقت قبل خروجه.

[ 83 ]

وهكذا إذا قال لها إن لم أطلقك فأنت طالق، طلقت قبل وفاته في الزمان الذي لا يتسع لحروف الطلاق كذلك هيهنا. ولو قال إن ضربت فلانا فأنت طالق فمات فلان فضربته، لم يقع الطلاق عندنا لما مضى، وعندهم لأن إطلاق الضرب يقع على من يؤلم بالضرب، وقد خرج هذا من هذه الجملة، ولأنه خرج من جملة البشر وصار جمادا. ولو كان له أربع نسوة فقال: أيتكن وقع طلاقي عليها فصواحباتها طوالق، ثم قال لواحدة أنت طالق طلقت كل واحدة منهن ثلاثا لأن كل واحدة قد وقع الطلاق عليها فيطلقن صواحباتها ولكل واحدة ثلاث صواحبات فتطلق بكل صاحبه طلقة، غير أن التي قال لها أنت طالق طلقت طلقة بالمباشرة، وطلقتين بطلاق صواحباتها وصواحباتها طلقن ثلاثا بالصفة، وعندنا تطلق التي باشر طلاقها طلقة لا غير، ولا تطلق صواحباتها شيئا لما مضى. ولو قال متى أمرتك بأمر فخالفتني فيه فأنت طالق، لا تكلمي أباك، ولا أمك فكلمتهما لم تطلق لا عندنا ولا عندهم: عندنا لما مضى، وعندهم لأنها ما خالفت الأمر وإنما خالفت النهي فلم توجد الصفة. فإن قال أنت طالق إن كلمت فلانا وفلانا، وفلان مع فلان إياك أعني يا هذه ثم كلمت فلانا وفلانا عندنا لا تطلق لما مضى، وعندهم تطلق لأنه علق الطلاق بتكليمها إياهما، وقوله فلان مع فلان استيناف خطاب لا يتعلق بالأول بالرفع والأول منصوب، فإن قال إن كلمت زيدا أو عمرا فأنت طالق، فأيهما كلمته طلقت عندهم، وإن قال إن كلمت زيدا وعمرا فأنت طالق، لم تطلق حتى تكلمهما معا وعندنا لا يقع الطلاق في الموضعين لما مضى. إذا قال إن لم أبع عبدي هذا اليوم فأنت طالق فإن أعتقه طلقت في الحال، لأن معناه إن فاتني بيعه اليوم، وإذا أعتقه فقد فاته بيعه، فإن دبره لم تطلق، لأن بعد التدبير لا يفوته، فإن بيع المدبر جايز، وإن لم يبعه حتى خرج اليوم طلقت وعندنا لا يقع على حال لما مضى. إذا قال أنت طالق إن كنت أملك أكثر من مائة، فنظر فإذا معه خمسون علمها

[ 84 ]

قبل، فإن قال أردت لا أملك زيادة على مائة فهو صادق، ولا يقع الطلاق، وإن قال أردت أملك المائة لا زيادة عليها حنث، لأنه لا يملك مائة. وإن لم يكن له نية فعلى قولين أحدهما لا تطلق والثاني تطلق وعندنا لا تطلق لما مضى. إذا قال أنت طالق اليوم إذا جاء غد، لم تطلق اليوم ولا غدا، لأن قوله أنت طالق اليوم إذا جاء غد جعل من شرط وقوع الطلاق عليها اليوم مجيئ غد، فاليوم لا يقع لأن الشرط ما وجد، وإذا جاء غدا وجد الشرط ومقتضاه أن يوجد المشروط فيقع الطلاق قبل وقت وجوده، وهذا محال، لأن الطلاق لا يسبق شرطه، وإنما يقع عقيب وجود الشرط، فلا يقع أصلا. ويفارق إذا قال أنت طالق قبل وفاتي بشهر، إن مات بعد هذا بشهر وكسر وقع الطلاق قبل وفاته بشهر، لأنه ما جعل موته شرطا يقع به الطلاق عليها قبل شهر وإنما رتبه ووقع ما رتب وليس كذلك في مسئلتنا لأنه جعل غدا شرطا به يقع الطلاق اليوم، فلم يسبق شرطه، بلى لو لم يجعله شرطا لكنه رتبه فقال أنت طالق اليوم إذا جاء غد، أو أنا من أهل الطلاق، فإنه يكون على ما رتبه لأنه ما جعل هذا شرطا يتعلق وقوع الطلاق به، وعندنا لا يقع لما تقدم على كل حال. فإن علق في جميع هذه المسائل نذرا أو جزاء كان على ما ذكره سواء، وإنما يبطل الطلاق فقط لما مضى. إذا قال أنت طالق اليوم وغدا، فإن قال معناه تطليقتين اليوم، فإن من طلق اليوم فهو طالق غدا، طلقت طلقة اليوم ولم تطلق غدا، وهكذا يجب أن نقول إذا نوى الايقاع، ولو قال معناه أنت طالق اليوم وطالق غدا طلقت عندنا اليوم، وعندهم طلقتين: طلقة اليوم وطلقة غدا. ولو قال معناه أنت طالق اليوم أو غدا أي طالق في أحد هذين اليومين عندنا لا تطلق، وعندهم تطلق في الحال، لأنه جعل هذا الزمان كله زمانا لوقوع الطلاق

[ 85 ]

فيه، فإذا وجد شئ من هذا الزمان طلقت كقوله أنت طالق في رمضان طلقت في أول جزء منه. ولو قال أردت نصف الطلقة اليوم ونصف الطلقة الأخرى غدا عندنا لا يقع شئ أصلا لا اليوم ولا غدا، وعندهم تطلق اليوم طلقة، والنصف الثاني منها غدا على وجهين: أحدهما طلقت اليوم وطلقت غدا لأنه تكمل في اليومين معا، والوجه الثاني تطلق طلقة واحدة اليوم لا غير. فإن قال ما كانت لي نية فيهم من قال كالمسألة الأولى وأنها تطلق اليوم، ولا تطلق غدا، لأن من طلق اليوم فهو طالق غدا. إذا قال لزوجته أنت طالق ثلاثا إلا طلقة وطلقة، طلقت طلقة عندنا وعندهم لأنه استثنى ثنتين جمع بينهما بحرف العطف، ولو كانت له ثلاث نسوة فقال طلقت هذه أو هذه وهذه طلقت الثالثة، وقد أبهم الطلاق في الأولى والثانية، فيقال له عين في أيهما شئت. وقال بعضهم ليس هذا ظاهر الكلام، بل ظاهره طلقت هذه أو هذه، وهذه عطف على الشك فعطف الثالثة على الثانية فيكون قد أبهم الطلاق بين الأولى والثانية والثالثة، فيقال عين في الأولى أو الثانية والثالثة، والأول يفتقر إلى إضمار وهو قوله وطلقت هذه، وإذا استقل الكلام بغير إضمار فلا معنى للاضمار فيه، والقول الأخير أقوى. ولو كانت له زوجات فقال من بشرني بقدوم زيد فهي طالق، فقالت له واحدة قد قدم زيد، فإن كانت صادقة طلقت، وإن كانت كاذبة لم تطلق لأنه كذب و تدليس وانكسار قلب عند الوقوف على الكذب فلا يكون ذلك بشارة، فإذا جاءت أخرى فقالت قد قدم زيد، فهل تطلق؟ فإن كانت الأولى صادقة لم تطلق هذه، لأن البشارة قد حصلت بالأولى وإذا حصلت بالأولى فلا يكون الخبر الثاني بشارة أخرى، وإن كانت الأولى كاذبة طلقت هذه لأن البشارة بها حصلت وعلى هذا أبدا، البشارة تقع بالأولى

[ 86 ]

إذا كان صادقا فأما إذا قال من أخبرني بقدومه فهي طالق، فقالت واحدة قد قدم زيد طلقت صادقة كانت أو كاذبة، لأن الخبر يدخله الصدق والكذب، وإذا قالت له أخرى قد قدم زيد طلقت أيضا لأنها مخبرة أيضا ويفارق الأولى لأن البشارة بعد البشارة لا تكون والخبر يتكرر. وعندنا أن ذلك كله لا يصح في الطلاق، لكن إن فرضناه في شرط وجزاء مثل أن يقول من بشرني بقدوم زيد فله درهم، أو من أخبرني بقدومه فله درهم، كان صحيحا، ويكون الترتيب على ما مضى شرحه. إذا قال لغير المدخول بها إن دخلت الدار فأنت طالق طلقة، ثم قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق طلقتين، فدخلت الدار طلقت ثلاثا، لأن الطلاق إذا علق بصفة ثم علق بصفة أخرى فوجدت الصفتان معا طلقت بكل صفة طلقة كقوله إن كلمت زيدا فأنت طالق، إن كلمت رجلا فأنت طالق طلقتين، فكلمت زيدا طلقت ثلاثا وهذا لا يصح عندنا في الطلاق، وإن جعل ذلك في الشرط والجزاء بأن قال إن دخلت الدار فلك درهم، ثم قال إن دخلت الدار فلك درهمان، أو علق بذلك نذرا ثم دخلت لزمه ثلاثة دراهم. ويقوى في نفسي أنه يلزمه درهمان لا غير، لأنه ما وجد أكثر من الدخول والأول داخل في الثاني وكذلك القول في المثال الآخر. ولو كانت له زوجتان زينب وعمرة فقال: كلما ولدت واحدة منكما فأنتما طالقان ففيها مسئلتان إحداهما ولدت كل واحدة منهما ولدين في وقتين عن حمل واحد، الثانية ولدت كل واحدة منهما ولدا واحدا. فأما الأولى إذا ولدت كل واحدة منهما ولدين فولدت زينب ولدا يوم الخميس طلقت كل واحدة منهما طلقة لوجود الصفة، وهما رجعيتان، ثم ولدت عمرة يوم الجمعة ولدا طلقت كل واحدة منهما طلقة أخرى لوجود الصفة وهما رجعيتان فلما كان يوم السبت ولدت زينب الآخر، وهو كل حملها فبانت به، لأنها رجعية

[ 87 ]

وضعت حملها، فإذا بانت به لم يقع بها الطلاق لأنه قد التقى زمان وجود الصفة في طلاقها وزمان البينونة بانقضاء العدة، فلم تطلق، لكن طلقت عمرة الطلقة الثالثة لأن الصفة وجدت وهي رجعية. فإذا ولدت عمرة يوم الأحد الولد الآخر انقضت عدتها ولم يبق لها طلاق، ولا يقع بها الطلاق على زينب، لأن الصفة وجدت وقد بانت زينب فلا تطلق فقد ثبت أن زينب طلقت طلقتين، وعمرة طلقت ثلاث تطليقات. وعندنا لا يقع بواحدة منهما طلاق أصلا، وإن علق بذلك نذرا لزم بعدد الولادة في كل واحدة منهما ما نذره، وقد مضى نظيرها. الثانية ولدت كل واحدة منهما ولدا واحدا وكان كل الحمل فولدت زينب يوم الخميس ولدا طلقت هي طلقة، عمرة طلقة، وصارتا رجعيتين، فلما كان يوم الجمعة ولدت عمرة ولدا فلم تطلق، لأن عدتها انقطعت بوضعه، لكن طلقت زينب أخرى لوجود الصفة وهي رجعية، ففي هذه طلقت زينب طلقتين وعمرة طلقة، وعندنا هذه مثل الأولى سواء. فرع: لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا بشرطين عدم الطول وخوف العنت، على ما مضى في النكاح، فإن اجتمع الشرطان وكان لأبيه أمة كان له أن يتزوج بها لأنه ليس على الوالد أن يعف ولده، فإذا تزوج بأمته ثم مات الأب لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون عليه دين أو لا دين عليه: فإن لم يكن عليه دين ورث كل زوجته إن لم يكن له وارث سواه، وبعضها إن كان هناك وارث غيره، وأيهما كان انفسخ النكاح وإن كان عليه دين يحيط بالتركة فالصحيح أن الحكم فيه كما لو لم يكن عليه دين لأن الدين لا يمنع انتقال التركة إلى الوارث، لكنها تكون كالمرهونة بالدين فيكون الولد قد ملك زوجته أو بعضها وانفسخ نكاحها، وقال بعضهم الدين يمنع انتقال التركة إلى الوارث، فعلى هذا لا ينفسخ نكاحها، سواء كان الولد كل الورثة أو بعضهم

[ 88 ]

لأنه ما ملك زوجته ولا بعضها. فإن كانت المسألة بحالها فقال الزوج لزوجته متى مات أبي فأنت طالق، فمات أبوه، عندنا لا تطلق لما مضى وعندهم لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون عليه دين أو لا دين عليه فإن لم يكن عليه دين فقد قال من فرع هذه المسألة: ينفسخ النكاح بالملك، ولا يقع الطلاق لأنه يملكها عقيب الوفاة، وصفة الطلاق توجد بالوفاة فزمان وقوع الطلاق صادف زمان انفساخ النكاح، فالتقيا في زمان واحد فلم يقع الطلاق كما لو قال لزوجته إذا مت فأنت طالق فمات، لم تطلق، لأن بالموت زال الزوجية. وقال بعضهم هذا سهو فيما فرعه بل يقع الطلاق لأنه إذا علق الطلاق بموت أبيه كان موته صفة بها يقع الطلاق عقيب موته بلا فصل، وانفساخ النكاح إنما يقع بملك الولد تركة أبيه، وهو يملك عقيب الموت بلا فصل، فإذا ملك انفسخ النكاح بحصول الملك، فلم يلتق زمان الطلاق مع زمان الفسخ، بل التقى زمان ملكه وزمان الطلاق، فوقع الطلاق، وبعد وقوع الطلاق دخل زمان الانفساخ فلم يمنع وقوع الطلاق. وإن كان عليه دين يحيط بالتركة فالحكم فيه كما لو لم يكن عليه دين في أن التركة ينتقل إلى الوارث، وحكم الطلاق والفسخ على ما مضى، وعلى قول بعضهم لا فسخ أصلا، لأن التركة ما انتقلت أصلا إليه فالطلاق واقع والانفساخ ساقط، وهذا يسقط عنا لما بيناه. المسألة بحالها قال الزوج إذا مات أبي فأنت طالق، وقال أبوه إذا مت فأنت حرة: فالزوج علق طلاقها بصفة هي موت أبيه، والأب علق عتقها بموته، ثم مات الوالد لم يخل أيضا من أحد أمرين: إما أن يكون عليه دين أو لا دين عليه، فإن لم يكن عليه دين فالأمة مدبرة فإن خرجت من الثلث عتقت بموت سيدها، فإذا عتقت بموته لم ينتقل ملكا لوارثه فالطلاق واقع لأن الفسخ ما وجد، ولو خرج بعضها من الثلث عتق ذلك البعض وملك

[ 89 ]

الزوج ما بقي منها، وانفسخ النكاح، والحكم في الطلاق على ما مضى من الخلاف يقع عند بعضهم وعند آخرين لا يقع، وعندنا أن الطلاق لا يقع أصلا لما مضى والتدبير صحيح والحكم فيه على ما ذكرنا. وإن كان عليه دين يحيط بتركته فالأمة لا تعتق بموته، لأنها تنعتق من الثلث ولا ثلث هيهنا، وكذلك عندنا، وهل تطلق أم لا؟ عندنا لا تطلق، وعندهم على ما مضى من الخلاف: عند بعضهم لا تطلق وعند آخرين تطلق. فرع: إذا قال لها أنت طالق إن كلمت فلانا إلى أن يقوم زيد أو حتى يقدم أو حتى يأذن زيد فإن كلمته قبل أن يقدم أو يأذن، عندنا لا تطلق لما مضى، وعندهم تطلق طلقة. وإن كلمته بعد أن قدم زيد أو بعد أن أذن لم يقع لأن قوله أنت طالق إن كلمت فلانا حتى يقدم زيد، فالغاية راجعة إلى الكلام لا إلى الطلاق، لأن رجوعها إلى الطلاق يكون معناه أنت طالق هذه المدة انتهاؤها قدوم فلان، والغاية إلى هذا لا يصح أن ترجع فثبت أن الغاية عادت إلى الكلام فيكون تقدير الكلام: إن كلمت فلانا إلى أن يقدم فلان فأنت طالق. فرع: إذا قال لها أنت طالق ثلاثا يا زانية إنشاء الله، أنت طالق ثلاثا يا زانية إن دخلت الدار، فالاستثناء والصفة يعودان إلى الطلاق لا إلى القذف، لأن القذف اسم مشتق من فعل زنت فهي زانية، والاستثناء يرجع إلى الطلاق ولا يرجع إلى الأسماء ألا ترى أنه لو قال زنيت إنشاء الله لم يصح فيكون تقديره يا زانية أنت طالق ثلاثا إنشاء الله وهذا صحيح عندنا أيضا، والطلاق غير واقع عند الجميع. فرع لو قال: يا طالق أنت طالق ثلاثا إنشاء الله، طلقت طلقة بقوله يا طالق وقوله أنت طالق ثلاثا إنشاء الله عاد الاستثناء إليه فلم يقع لأن الاستثناء لا يعود إلى قوله يا طالق لأنه اسم، وكان معناه يا مطلقة، ومطلقة اسم مشتق، فلا يرجع الاستثناء إليه. ولو قال أنت طالق ثلاثا يا طالق إن شاء الله طلقت واحدة، وعاد الاستثناء إلى

[ 90 ]

ما أوقع لا غير، وقال بعضهم يعود إليهما فلا يقع الطلاق، وعندنا أن في الأولى على ما قالوه تطلق طلقة إذا نوى الايقاع وكذلك في الثانية. فرع إذا نظر إلى امرأته وأجنبية فقال إحداكما طالق، ثم قال نويت الأجنبية لم يقع الطلاق على زوجته بلا خلاف، ولو كان اسم زوجته زينب فقال: زينب طالق، ثم قال عنيت به جاريتي وكانت له جارية اسمها زينب، عندنا يقبل منه وعندهم لا يقبل. والفرق بينهما أن قوله (إحداكما) يصلح لكل واحدة منهما لفظا، فإذا أخبر أنه أراد إحداهما قبل منه، وليس كذلك الأخرى، لأنه ما طلق إلا واحدة، وإنما شاركها في هذا الاسم لا أن اللفظ تناولهما، وإذا كان اللفظ لا يتناول إلا واحدة فالعادة أنه لا تطلق إلا زوجته، وعندي أنه لا فرق بين الموضعين. فرع: إذا كانت له زوجتان زينب وعمرة، فقال يا زينب وقالت له عمرة: لبيك فقال أنت طالق، قيل له ما الذي نويت؟ فإن قال: علمت أن عمرة أجابتني، لكني أرسلت الطلاق إلى زينب وقصدتها دون عمرة، قبل قوله، فتطلق زينب طلقة، ولا تطلق عمرة عندنا، وعندهم تطلق زينب ظاهرا وباطنا. فإن قال ما علمت أنها عمرة لكني ظننتها زينب، وطلقت هذه التي أجابتني ظنا مني أنها زينب، طلقت عمرة دون زينب، لأنه إنما قصد طلاق من أجابته و نواه، ولا يقع الطلاق على زينب، وعندنا تطلق زينب ولا تطلق عمرة، لأن المراعى قصده ونيته بالتعيين. وعلى هذا لو قال لأجنبية أنت طالق يعتقدها زوجته، فقال ظننتها زوجتي وطلقتها، لم تطلق زوجته عندهم، لأنه أشار بالطلاق إلى شخص وعناه دون غيره فلا يقع الطلاق على غيره، وهكذا يجب أن يقول هذا إذا نادى إحداهما. فأما إن أشار بالطلاق من غير نداء وجواب فأشار إلى عمرة فقال: يا زينب أنت طالق قلنا له ما الذي عنيت، فقال ظننتها زينب فطلقتها، عندنا لا تطلق التي أشار إليها وعندهم تطلق ظاهرا وباطنا لأنه أشار بالطلاق إليها، ولم تطلق زينب، لأنها لا

[ 91 ]

تطلق بطلاق غيره وهكذا نقول في زينب، فإن قال علمت أنها عمرة، ولكني قصدت أن زينب تطلق بهذا، سواء كانت هذه أو غيرها، طلقت زينب ظاهرا وباطنا، لأنه أرسل إليها بكل حال، وأما هذه فلا تطلق عندنا، وعندهم تطلق في الحكم، لأنه أشار إليها. ولو نظر إلى أجنبية فقال زينب طالق واسم امرأته زينب، لكنه لم يشر بقوله أنت طالق إلى الأجنبية، ثم قال قصدت هذه الأجنبية بالطلاق، عندنا قبل قوله، ما دامت في الحال أو في العدة، وبعد خروجها من العدة لا يقبل، وعندهم لا يقبل بحال، وطلقت زوجته، لأنه إذا عدمت الإشارة تعلق الكلام بالاسم. فرع: إذا قال أنت طالق طالقا، وقعت واحدة بقوله أنت طالق، وكذلك عندنا إذا قصد الايقاع، ولا يقع بقوله طالقا شئ، وإن نواه. وعندهم إن أراد بذلك أنها تطلق في حال كونها طالقا طلقت أخرى، فإن قال أردت طلقة أخرى طلقت طلقتين: طلقة بقوله أنت طالق، وطلقة لما نواه وإن قال أردت بالثانية تأكيد الأولى قال قوم يحلف عليه. فرع: إذا قال لها أنت طالق إن نهيتني عن منفعة أمي، وكان لها في يد زوجها مال لها، فقالت له لا تعط أمك من مالي عندك شيئا، قال قوم لا يقع الطلاق وكذلك عندنا لما مضى، وعندهم لأنها ما نهته عن منفعة أمه لأن المال إذا كان لها فهي النافعة وإن كان الزوج هو الواسطة فالنافعة هي دونه. فإن قال لها أمرك بيدك فقد قلنا إنه لا يقع به تملك شئ أصلا وعندهم أنها هبة وعطية، ولها خيار القبول ما دامت في المجلس، فإن لم تقبل حتى هرب الزوج بطل الايجاب، ولم يصح القبول منها كما لو هرب البايع قبل قبول المشتري. فإن قال لها أمرك بيدك فطلقي نفسك، فإن قالت طلقتك فأرادت الطلاق كان طلاقا عندهم، ولا يكون عندنا شئ وإن قالت لم أرد بقولي طلقتك طلاقا، قبل منها في الحكم وفيما بينها وبين الله، وإن قالت طلقت نفسي، ثم قالت لم أرد طلاقا قبل

[ 92 ]

عندهم في الباطن دون الظاهر، وعندنا لا يكون شيئا مثل الأولى. فإن تزوج على امرأته وقال للأولى إن بقيت الجديدة معي أكثر من سنة فأمرك بيدك، عندنا لا يكون شيئا، وقال المخالف ليس بشئ أن يكون أمرها بيدها إلى مدة لأنها عطية فلا يصح تعليقها بالصفة كالهبة. وإن قال لها إن قدم فلان فأمرك بيدك، وإن ضربتك فأمرك بيدك، فعندنا لا يكون شيئا، وعندهم فيها قولان أحدهما أن ذلك جايز، إذا كان حالا بأن يقدم فلان أو يضربها عقيب هذا الكلام، فيصادف حال قبولها حال حصول الصفة والثاني لا يكون شيئا لأنه تعليق الوكالة بصفة فلا يصح. إذا كان له أمة حامل، فقال لها إن ولدت أنثى أولا فأنت حرة، وإن ولدت ذكرا أولا فهو حر فولدت ذكرا وأنثى، ولم يعلم عين السابق منهما، فعندنا لا تعتق هي ولا شئ من ولدها، لأنه معلق بصفة، وعندهم تعتق الذكر بكل حال لأنه إن كان خرج أولا فهو حر لحصول الشرط، وإن خرج آخرا فهو حر لأن أمه عتقت بوضع الأنثى، وهو في جوفها، فعتق بعتقها، وأما الأنثى فهي أمة قطعا لأنها إن كانت المولودة أولا فإنما عتقت أمها دونها، وإن كانت المولودة آخرا فإنما عتق الذكر دون أمه، فالأنثى أمة على كل حال، والذكر حر بكل حال. وأما الأمة فهي مرددة بين عتق بوضع الأنثى أولا، وبين رق بوضع الذكر أولا، والأصل الرق، والورع أن لا يقربها لجواز أن يكون حرة فإن أعتقها وتزوجها كان احتياطا. فرع: إذا قال لها إذا جاء غد فأنت طالق أو عبدي حر بعد غد، لا تطلق إذا جاء غد، لأنه جعل التخيير بعد غد، وهو إذا تكاملت الصفتان، فإذا جاء بعد غد كان الخيار في فرض الطلاق والاعتاق إليه، يقتصر من ذلك على ما يختاره، وعندنا أن ذلك لا حكم له لما مضى. فرع إن قال إن دخلت هذه الدار، وإن دخلت الأخرى فأنت طالق، فلا تطلق عندنا بحال، وعندهم لا تطلق حتى تدخلهما معا، لأنه أخر ذكر الطلاق فكان

[ 93 ]

مقتضى الكلام إن دخلت الدارين فأنت طالق. فإن كانت بحالها ولم يكن كذا، لكن قدم ذكر الطلاق فقال أنت طالق إن دخلت هذه الدار، وإن دخلت الأخرى، فعندنا مثل الأولى سواء، وعندهم تطلق. بدخول أي الدارين دخلت. فإن كانت بحالها لكنه جعل الطلاق وسطا فقال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق وإن دخلت الأخرى، فعندنا مثل ما تقدم لا يكون شيئا وعندهم أيهما دخلت حنث. فرع إن قال لهما إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما طالقان، فإن دخلت إحداهما إحدى الدارين ودخلت الأخرى إلى الأخرى طلقت كل واحدة منهما طلقة لأنهما قد دخلتا الدارين، وفي الناس من قال لا تطلقان حتى تدخل كل واحدة منهما الدارين معا، والأول عندهم الصحيح، والأقوى على مذهبهم عندي الآخر فأما على مذهبنا فلا يقع شئ أصلا، والتفريع على الأول. إذا قال إن ركبتما دابتكما فأنتما طالقان، فركبت كل واحدة منهما دابة نفسها طلقتا، وكذلك: إن أكلتما هذين الرغيفين، فأكلت كل واحدة منهما رغيفا طلقتا طلقة، وهذا يسقط عندنا لما قدمناه. فإن كان له زوجتان عمرة وزينب، فقال لعمرة إن دخلت الدار فأنت طالق لا بل زينب قيل فيه وجهان أحدهما وهو الأظهر أن معنى الكلام إن دخلت الدار فأنت طالق لا بل زينب أي بل زينب تطلق دونك، فقد علق طلاق عمرة بدخولها ورجع فعلق بدخولها طلاق زينب، فلا يقبل رجوعه في زينب ما استدركه. فإذا دخلت عمرة طلقت هي وزينب طلقة طلقة، وإن دخلت زينب لا تطلق هي ولا عمرة، لأنه ما علق بدخول زينب طلاق أحد وإنما علق طلاق زينب بدخول غيرها. والوجه الثاني معنى الكلام: لا بل زينب تطلق بدخولها، فعلى هذا قد علق طلاق عمرة بدخولها، وعلق طلاق زينب بدخولها، أعني بدخول زينب، فإن دخلت زينب طلقت وإن دخلت عمرة طلقت عمرة، ولم تطلق زينب والتفريع على الأول.

[ 94 ]

إذا قال لها أنت طالق إن شئت لا بل زينب، معناه بل تطلق زينب إن شئت فعلى هذا إن شاءت عمرة طلاقها وحدها طلقت وحدها، وإن شاءت طلاق زينب طلقت زينب وحدها، وإن شاءت طلاقها وطلاق زينب طلقتا معا، وعندنا أنها مثل ما تقدم لا حكم لها. فرع: إذا قال لها إن دخلت الدار إن أكلت الخبز فأنت طالق، فإن أتت بالصفة على ترتيب اليمين وهو إن دخلت ثم أكلت لم تطلق، وإن عكست فأكلت أولا ثم دخلت وقع الطلاق، لأن الصفة إذا كانت شرطا بعد شرط كان الشرط الثاني شرطا في وقوع الشرط الأول فيكون مؤخرا في اللفظ مقدما في المعنى. ويتبين هذا بأن يجعل مكان إن الثانية إذا، فيقول أنت طالق إن دخلت إذا أكلت، فقد بان أن دخولها كان إذا أكلت، وقد ورد القرآن بمثل هذا قال الله تعالى (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم (1)) أي إذا كان الله يريد أن يغويكم فلا ينفعكم نصحي. قالوا هذا في حق العالم العارف باللغة، فأما إن كان هذا من العامة فعلى ما جرت عادتهم به، وعندنا أن ذلك لا يصح به الطلاق، وإن علق به شرط وجزاء أو نذر كان على ما قيل.

(1) هود: 34.

[ 95 ]

(فصل) * (في باب الحيل) * الحيل جائزة في الجملة بلا خلاف، إلا بعض الشذاذ، فإنه منع منه أصلا وإنما أجزناه لقوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام (بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون (1)) لما سألوه (من فعل هذا بآلهتنا) وإنما قصد بذلك إن كانوا ينطقون فعلقه بشرط محال، ليعلم بذلك أن الفعل منهم محال، ومن كان كذلك لا يستحق العبادة. وقال الله تعالى (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) (2) فجعل تعالى لأيوب مخرجا فيما كان حلف عليه، وهكذا رواه أصحابنا. وروى سويد ابن حنظلة قال خرجنا ومعي وائل ابن حجر يريد النبي صلى الله عليه وسلم فأخذه أعداء له فتحرج القوم أن يحلفوا وحلفت بالله أنه أخي فخلى عنه العدو فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله فقال: صدقت المسلم أخو المسلم، فأجاز عليه السلام ما فعله سويد، وبين له صواب قوله فيما احتال به، ليكون صادقا في يمينه. فإذا ثبت هذا فإنما يجوز من الحيلة ما كان مباحا يتوصل به إلى مباح، فأما فعل محظور ليصل به إلى المباح فلا يجوز، وقد أجاز ذلك قوم. فالمحظور الذي لا يجوز فمثل ما حكى ابن المبارك عن أبي حنيفة أن امرأة شكت إليه زوجها وآثرت فراقه فقال لها ارتدى فيزول النكاح وإن كان بعد الدخول وحكي عنه في قصة أنه قال لزوج المرأة قبل أمها بشهوة فإن نكاح زوجتك ينفسخ. وقال النضر بن شميل: في كتاب الحيل ثلاثمائة وعشرون مسألة أو ثلثمائة وثلاثون مسألة كلها كفر، يعني من استباح ذلك كفر.

(1) الأنبياء: 63.
(2) ص: 44

[ 96 ]

وإنما قلنا إن مثل ذلك لا يجوز، لأن الله تعالى عاقب من احتال حيلة محظورة عقوبة شديدة، حتى مسخ من فعله قردة وخنازير، فقال تعالى (واسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر) (1) القصة كان الله تعالى حرم عليهم صيد السمك يوم السبت فاحتالوا فوضعوا الشباك يوم الجمعة، فدخل السمك يوم السبت، وطرحوا الشبك وأخذوا السمك يوم الأحد، فقال تعالى (فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين).
(2) وقال صلى الله عليه وآله: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها. فلما نظر محمد الحسن صاحب أبي حنيفة إلى هذا قال لا ينبغي أن يتوصل إلى المباح بالمعاصي، ثم نقض ذلك فقال: لو أن رجلا حضر عند الحاكم وادعى أن فلانة زوجتي وهو يعلم أنه كاذب وشهد له بذلك شاهدان زورا، وهما يعلمان ذلك فحكم الحاكم له بها، حلت له ظاهرا وباطنا. وكذلك لو أن رجلا تزوج بامرأة جميلة فرغب فيها أجنبي قبل دخول زوجها بها فأتى الأجنبي الحاكم فادعاها زوجة وأن زوجها طلقها قبل الدخول بها وتزوجت بها، وشهد له بذلك شاهدا زور فحكم الحاكم بذلك، نفذ حكمه، وحرمت على الأول ظاهرا وباطنا، وحلت لهذا المحتال ظاهرا وباطنا ونعوذ بالله من مذهب يؤدي إلى هذا. فإذا ثبت أن مثل هذا لا يجوز، وإنما يجوز ما يكون حلالا يتوصل به إلى حلال، فالأيمان على ضربين: حيلة تمنع الحنث، وحيلة تمنع الانعقاد. فالتي تمنع الحنث على ضربين أحدهما الخلع في النكاح وإزالة الملك في الرقيق فإذا قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا فالحيلة في دخولها أن يخالعها فتبين بذلك، ثم تدخل الدار فتنحل اليمين، ثم يعقد النكاح عليها. وإذا قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر فالحيلة أن يبيعه ثم يدخل الدار

(1) الأعراف: 163 (2) الأعراف 166

[ 97 ]

فينحل اليمين، ثم يشتريه. وعندنا أن هذا لا يصح في الطلاق، لأن اليمين بالطلاق غير منعقدة أصلا بلى إن فرضنا في يمين بغير الطلاق كان الحيلة على ما قيل. والحيلة الثانية أن يقول لزوجته كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا فمتى دخلت لم تطلق، وفي الرق يقول لعبده كلما وقع عليك عتقي فأنت حر قبله فيدخل الدار، ولا يعتق، وقد قلنا إن عندنا لا يحتاج إلى هذا، فإن اليمين بالطلاق لا تنعقد. وقد يقع في الأيمان ما لا يمكن فيه الحيلة بالخلع عندهم مثل أن يقول إن وطئتك فأنت طالق ثلاثا، فإن خالعها لا يمكنه وطؤها بعد الخلع، لأنها أجنبية فإذا قال لها كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا فلا يحنث بالوطي. وأما الحيلة التي تمنع انعقاد اليمين فكل من حلف يمينا كانت على ما نواه واعتقده دون ما نطق به، إلا واحدة، وهو إذا استحلفه الحاكم لخصمه فيما هو حق عنده، فإن النية نية الحاكم دون الحالف. هذا فيما كان حقا عندهما، فأما فيما هو حق عند الحاكم ظلم عند الحالف مثل أن كان الحاكم يعتقد الشفعة بالجوار، والحالف لا يعتقد ذلك، فيحلف لا يستحق علي الشفعة، وينوي على قول نفسه، فإنه يكون بارا في يمينه، وعلى هذا كل الأيمان عند الحاكم. وكذلك لو اشترى مدبرا فحلف عند الحاكم شافعي ما اشتريت مملوكا، ومن الناس من قال النية نية المستحلف أبدا والصحيح عندنا الأول. فإذا ثبت أنها على نية الحالف فكل من حلف يمينا ونوى غير ما نطق به وكان ما نواه سايغا جايزا كانت على ما نواه فيما بينه وبين الله تعالى دون ما نطق به. وكل من حلف على شئ أنه ما فعله وكان قد فعله ونوى أنه ما فعله على ظهر الكعبة أو بالصين أو في موضع ما فعله فيه، كان بارا وكذلك لو حلف لا يفعله في المستقبل ونوى على ظهر الكعبة أو نوى بالصين، كان بارا في يمينه.

[ 98 ]

هذا هو الأصل وقد ذكرنا ما يمكن فيه غير هذا فيما له اسم في اللغة، فيقول إن دخلت الدار فنسائي طوالق، ونوى نساء القرابة أو قال كل جارية لي حرة ونوى بذلك السفن صح، ولم يحنث. ولو قال إن تزوجت عليك فأنت طالق، ونوى بعليك على ظهرك وعلى رقبتك لم يحنث، وعندنا لا يحتاج إلى ذلك لما مضى. وإن حلف بالطلاق: الله يعلم ما فعلت شيئا وجعل (ما) بمعنى الذي لا للنفي والله يعلم ما فعله من ذلك صح. ولو قالت له زوجته طلقت فلانة ثلاثا؟ فقال نعم ينوي إبل فلان لم تطلق، وكذلك لو قال نعام، يعني نعام البر صح ما نوى. لو حلف ما كاتبت فلانا ولا أعلمته ولا عرفته ولا سألته حاجة، ونوى بالمكاتبة كتابة العبيد ونوى ما عرفته أي ما جعلته عريفا، وما أعلمته أي ما شققت شفته، وما سألته حاجة قط يعني شجرة صغيرة في البر يقال لها الحاجة، صح. ولو حلف ما أخذت له جملا ولا بقرة ولا ثورا ولا عيرا، ونوى بالجمل السحاب وبالبقرة العيال، وبالثور القطعة الكبيرة من الأقط، وبالعير الأكمة السوداء لم يحنث. ولو حلف ما أكلت له دجاجة ولا فروجة ونوى بالدجاجة الكبة، من الغزل وبالفروجة الدراعة، لم يحنث. ولو حلف ما شربت له ماء ونوى المني لم يحنث، وما أشبه من نظايره، وهذه الجملة بينة على ما رأوها، فإن اتهم زوجته أنها سرقت فحلف بالطلاق لتصدقنه عن ذلك، فالحيلة فيه أن يقول قد سرقتها ثم يقول ما سرقتها فإذا قالت هذا كانت صادقة في أحد القولين، فلا يبقى في نفسه شك أنها أخبرته بخبر صحيح.

[ 99 ]

* (كتاب الرجعة) * قال الله تعالى (وبعولتهن أحق بردهن) (1) يعني برجعتهن، والرد هو الرجعة، ثم قال (إن أرادا إصلاحا) يعني إصلاح النكاح. وقال تعالى (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) (2) فذكر أن الطلاق مرتان يعني طلقتين، ثم قال (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) فأباح بعد الطلقتين أن يمسكها بالمعروف بأن يراجعها، لأن الامساك هو الرجعة. وقال تعالى (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف) (3) وفي آية أخرى (أو فارقوهن بمعروف) (4) فخير بين الامساك الذي هو الرجعة وبين المفارقة. وقال تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) إلى قوله (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) (5) يعني الرجعة. فإذا ثبت جواز الرجعة وعليه الإجماع أيضا فالاعتبار في الطلاق بالزوجة عندنا وعند كثير منهم، إن كانت حرة فثلاث تطليقات، وإن كانت أمة فتطليقتان سواء كانتا تحت حر أو عبد، وقال بعضهم الاعتبار بالزوج، سواء كان تحته حرة أو أمة بعكس ما قلناه. وعدة المرأة تكون بأحد ثلاثة أشياء إما بالأقراء أو بالحمل أو بالشهور، فإن كانت عدتها بالأقراء أو بالحمل، فإنه يقبل قولها في انقضاء عدتها، وإذا قالت خرجت من العدة قبل قولها مع يمينها، فهي مؤتمنة على فرجها، لقوله تعالى (ولا يحل لهن

(1) البقرة: 228.
(2) البقرة: 229.
(3) البقرة: 231.
(4) الطلاق: 2.
(5) الطلاق: 1

[ 100 ]

أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) (1) قيل في التفسير الحمل والحيض. فإذا ثبت أن القول قولها، فإذا ادعت ما يمكن صدقها فيه قبل قولها مع يمينها وإن ادعت ما لا يمكن صدقها فيه، فإنه لا يقبل قولها، لأنه عرف كذبها وتحقق فلا يقبل. وأما كيفية ما يمكن أن تكون صادقة فيه فجملته أنه لا يخلو حالها من أحد أمرين إما أن تكون من ذوات الأقراء أو من ذوات الحمل، فإن كانت من ذوات الأقراء فلا يخلو إما أن تكون أمة أو حرة. فإن كانت حرة وطلقها في حال طهرها فإن أقل ما يمكن أن تنقضي عدتها فيه عندنا ستة وعشرون يوما ولحظتين، وعند بعضهم اثنين وثلاثين يوما ولحظتين. وإنما قلنا ذلك، لأنه ربما طلقها في آخر جزء من طهرها، فإذا مضت جزء رأت دما ثلاثة أيام وعند المخالف يوما وليلة، وعشرة أيام طهرا عندنا، وعنده خمسة عشر يوما وثلاثة أيام دما بعد ذلك عندنا، وعنده يوما وليلة، ويكون قد حصل له قرآن في ستة عشر يوما ولحظة عندنا، وعنده في سبعة عشر يوما ولحظة. فإذا رأته بعد ذلك عشرة أيام طهرا ثم رأت بعدها لحظة دما فقد خرجت من العدة عندنا، وعند المخالف ترى الطهر خمسة عشر يوما، وترى الدم لحظة. فيصير الجميع عندنا ستة وعشرين يوما ولحظتين، وعنده اثنتين وثلاثين يوما ولحظتين فيحصل لها ثلثة أقراء، لأن أقل الطهر عندنا عشرة أيام، وعنده خمسة عشر يوما، وأقل الحيض عندنا ثلثة أيام، وعنده يوم وليلة. وأقل ما يمكن أن تنقضي عدة الأمة ثلثة عشر يوما ولحظتين وعنده في ستة عشر يوما ولحظتين لمثل ما تقدم. واعلم أنا إنما قبلنا قولها وصدقناه فيما أمكن إذا لم نعلم ابتداء طهرها، ويجوز أن يكون هذا آخر طهرها، أو نعلم ابتداء طهرها، لكن جازت عشرة أيام، فإن بعد

(1) البقرة: 238

[ 101 ]

عشرة أيام كل جزء يجوز أن يكون حيضا فأما إذا طهرت اليوم ولم تستوف الطهر عشرة أيام، فإنا لا نقبل قولها، لأن الطهر لا يكون أقل من ذلك. فأما إذا طلقها في حال حيضها فإنه لا يقع طلاقها عندنا، وعند المخالف يقع وأقل ما يمكن أن تنقضي به عدتها إذا كانت حرة سبعة وأربعون يوما ولحظتان وإن كانت أمة أحد وثلاثون يوما ولحظتان، للاعتبار الذي تقدم. فإذا ادعت المرأة انقضاء عدتها في أقل من المدة التي قدمناها، فإنه لا يقبل قولها، لأن ذلك غير ممكن على مجرى العادة. فأما إذا كان عدتها الوضع فأقل ما يمكن فيه أن تضع فيه الحمل عند المخالف ثمانون يوما، لأنه يحتمل أن يتزوجها فيصيبها فتحبل فيبقى النطفة أربعين يوما ثم تصير علقة أربعين يوما ثم تصير مضغة، فإن وضعت ما يتصور فيه خلقة آدمي أو مضغة حلت، ولا فرق بين ما يتصور فيه خلقة آدمي وبين المضغة، لأنها مبتدأ خلق البشر. فإن ادعت وضع الحمل في دون ذلك فإنه لا يقبل قولها، لأنه غير ممكن وليس لنا في هذه نص فالاحتياط أن نقول هذا، لأنها تخرج من العدة بذلك إجماعا. فإذا قالت وضعت الحمل وسرق أو مات فإنها تصدق لأنها مؤتمنة على ذلك ولا تطالب بإظهار الولد، وإنما يقبل قولها في انقضاء العدة بالحمل، فأما في إلحاق النسب والاستيلاد، والطلاق إذا علق به فإنه لا يقبل قولها، بل يرجع فيه إلى الزوج فإن قال هي ولدته وليس مني فإنه يلحقه نسبه لأجل الفراش، إلا أن ينفيه باللعان. فإن قال: ما ولدته بل هي سرقته أو استوهبته أو اشترته أو التقطته، فإنه لا يقبل قولها، ويكون القول قوله مع يمينه، لأنه يمكنها إقامة البينة على أنها ولدته فإذا لم تقمها كان القول قوله مع يمينه. وأما الأمة إذا أتت بولد وادعت أنه من سيدها فيرجع إلى السيد، فإن قال هي ولدته وليس مني، فإن النسب يلحقه عند بعضهم، إلا أن يدعي أنه استبرءها وحلف على الاستبراء، وإن قال ما ولدته بل استوهبته أو سرقته أو التقطته فالقول قوله مع يمينه، وعندنا القول قوله على كل حال، لأنها ليست بفراش.

[ 102 ]

وأما إذا كانت معتدة بالشهور، فإن طلقت كانت عدتها ثلاثة أشهر من وقت الطلاق بلا خلاف، وإن كانت متوفى عنها زوجها فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام من وقت الوفاة، لا يرجع في ذلك إلى قبول القول، لأنه مشاهد. إلا أن يختلفا فقال الزوج طلقتك في شوال، وقالت لا بل طلقتني في رمضان، فالقول قوله مع يمينه، لأن الأصل عدم الطلاق. وإن كانت بالعكس من هذا فقال الزوج طلقتك في رمضان وقالت لا بل في شوال فالقول قولها لأنها تطول على نفسها العدة غير أنه تسقط النفقة عن الزوج فيما زاد على ما أقر به، إلا أن تقيم بينة. كما إذا اختلفا فقال الزوج طلقتك قبل الدخول وقالت بعد الدخول، فإنا نقبل قول الزوج في سقوط نصف المهر فيسقط عنه، ونقبل قول الزوجة في وجوب العدة لأنه يضر بها. والمطلقة طلقة رجعية، لا يحرم وطيها ولا تقبيلها، ومتى وطئها أو قبلها كان ذلك عندنا رجعة، وبه قال بعضهم. وقال آخرون لا يحل ذلك إلا بعد الرجعة لأنها لا تكون بالفعل، ولا بد فيها من القول، بأن يقول راجعتك أو رددتك أو ارتجعتك فإن عجز عن ذلك بأن يكون أخرس فبالإيماء. وأما الامساك فهل هو صريح في الرجعة أو كناية؟ فيه وجهان: فعلى هذا وطي المطلقة محرم حتى يراجع، فإن وطئها فهي وطي شبهة ويتعلق به أربع مسائل: الحد والتعزير والمهر والعدة، وعندنا جميع ذلك لا يتعلق به لأنه رجعة. وعندهم الحد لا يجب سواء كانا يعتقدان تحريمه أو يكونا معتقدين إباحته أو يجهلان بأن يكونا عاميين، لأنه وطي مختلف فيه، والتعزير إن كانا يعتقدان تحريمه عزر وإن اعتقدا إباحته أو جهلاه فلا تعزير. وأما المهر فلا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يراجعها قبل انقضاء عدتها أو لا يراجعها، فإن لم يراجعها حتى تنقضي عدتها بانت ووجب عليه المهر بعد الوطي. وكذلك إذا أسلم أحد الزوجين ووطئها ولم يسلم الآخر حتى تنقضي عدتها فإنه يحب عليه المهر بهذا الوطي كما لو طلقها ثلاثا ثم وطئها بشبهة، فإنه يجب عليه

[ 103 ]

المهر، فأما إذا راجعها قبل انقضاء عدتها [ فما ] وجب عليه المهر بذلك الوطي. وأما العدة فإنه يجب عليها لأن وطي الشبهة لا يمنع العدة، لكن العدتين يتداخلان، لأنهما من شخص واحد، وإنما لا يتداخلان إذا كانا من شخصين. وصورة تداخلهما أن تكون قد اعتدت بقرئين وبقي قرء، فوطئها فإنه يجب عليها العدة ثلاثة أقراء من ذلك الوقت، فالقرء الثاني قد دخل في هذه العدة، فإن راجعها في هذا القرء صحت رجعية، وإن راجعها بعد مضي هذا القرء لا يصح لأنها عدة من وطي شبهة ولا رجعة في ذلك. وإذا طلق امرأته طلقة رجعية أو طلقتين رجعيتين، فإنها في العدة وهي جارية إلى البينونة، فإن راجعها قبل انقضاء عدتها وهي لم تعلم بالرجعة، بأن يكونا في بلدين أو في بلد واحد في محلتين فالرجعة صحيحة، لأنه لا يعتبر رضاها، وتنقطع عدتها، وعندنا أنها في العدة. فإذا انقضت عدتها فتزوجت بزوج ثم جاء الزوج الأول وادعاها فإما أن يكون معه بينة أو لا بينة معه: فإن كان معه شاهدان يشهدان بأنه كان راجعها قبل انقضاء عدتها، فإنه يحكم ببطلان النكاح الثاني، وترد إلى الأول سواء دخل بها الثاني أو لم يدخل وفيه خلاف. فإذا رددناها إليه، فإن لم يكن الثاني دخل بها فلا يجب عليه شئ، وإن كان دخل بها فإنه يجب على مهر المثل، وعليها العدة، وعليه أن يتوقى وطيها حتى تنقضي عدتها، لأنها معتدة من وطي شبهة. فإن لم يكن معه بينة فإن الخصومة بين الأول والثاني، وبين الأول وبين الزوجة، لأن الزوج الثاني يقول هي زوجتي وما أنت راجعتها، وهو يدعي المراجعة وهي تقول قد انقضت عدتي وما راجعتني، والزوج يقول قد راجعتك قبل انقضاء العدة. فالأولى أن يبتدئ الخصومة مع الزوج الثاني، فإن بدأ بخصومته فالقول قول الثاني، لأن الظاهر معه، وهو انقضاء العدة في الظاهر، وتجديد العقد عليها

[ 104 ]

والزوج الأول يدعي إحداث رجعة وهو أمر باطن لا يعلم، والأصل ألا رجعة. فإن حلف سقطت دعوى الأول إلا أنه يحلف على العلم، فيقول والله إني لا أعلم أنه قد راجعها، لأنه يمين على النفي في حق الغير، وإن نكل رد اليمين إلى الزوج الأول، فإن حلف على البت والقطع أنه راجعها فإنه يسقط بها دعواه. فمن قال إن اليمين يحل محل البينة أسقط دعواه، فإن لم يكن دخل بها فلا يجب عليه شئ لأنا نحكم ببطلان العقد في الأصل، وإن كان دخل بها فعليه مهر المثل، ومن قال يحل محل الاقرار، فإن لم يكن دخل بها فإنه يجب عليه نصف مهر المثل، وإن دخل فعليه جميع المسمى، لأنا نقبل قوله في بطلان النكاح، ولا نقبل قوله في سقوط المهر. كرجل تزوج بزوجة ثم قال هذه أختي من الرضاعة، يقبل قوله في بطلان العقد، ولا يقبل قوله في سقوط المهر، لأنه حق الغير، وبطلان العقد حق له والأول أقوى عندنا، وأنها تقوم مقام البينة. فإذا فرغ من خصومة الزوج، رجع إلى خصومة الزوجة، فيرجع إليها فيقول أنت زوجتي قد راجعتك، فلا يخلو حالها من أحد أمرين إما أن تعترف بذلك أو تنكر. فإن اعترفت بذلك وأنه راجعها، فإنا نردها إلى الأول، لأن الزوج الثاني سقط دعواه، وهذه قد اعترفت بالرجعة إلا أنه يجب للزوج الأول عليها مهر المثل لأنها قد اعترفت بالرجعة فإذا حالت بينه وبينه وجب له عليها مهر المثل، لأجل الحيلولة، وإن أنكرت فالقول قولها مع يمينها، لأن الظاهر معها، وهو انقضاء عدتها، وتجديد العقد عليها. ثم لا يخلو أن تحلف أو تنكر، فإن حلفت، سقطت دعواه، وهي زوجة الثاني وإن لم تحلف رد اليمين إلى الزوج الأول، فإن حلف سقطت دعواها، وثبتت زوجية الأول، لأنه ليس هناك حق لأحد، لأن الزوج الثاني قد سقط دعواه، وهذه سقطت دعواها. هذا إذا بدأ بخصومة الزوج الثاني، ثم بخصومتها، وأما إذا بدء أولا بخصومتها

[ 105 ]

فلا يخلو حالها من أحد أمرين إما أن تعترف أو تنكر. فإن اعترفت بأنه قد راجعها لم يقبل قولها لأجل حق الزوج الثاني، وعليها مهر المثل، وإن أنكرت فالقول قولها لأن الظاهر معها، وهل يقبل قولها بلا يمين قيل فيه قولان: أحدهما أنه يقبل بلا يمين لأنه لا فايدة في استحلافها، لأنه لو اعترفت به لم يقبل قولها فيه، والثاني أن عليها اليمين، لأن اليمين فيها فائدة، وهو أنه يسقط بها مهر المثل، لأنها لو لم تحلف، لوجب له عليها مهر المثل، فإذا حلفت سقط هذا المهر. فإذا فرغ منها بدأ بخصومة الزوج الثاني والحكم فيه كما ذكرنا إن اعترف بالرجعة فإن لم يعترف فالقول قوله مع اليمين، لأن الظاهر معه، وإن حلف ثبتت زوجة له، وإن نكل عن اليمين ردت إلى الزوج الأول فإن حلف ردت إليه. وإنما قلنا الأولى أن يبتدئ بخصومة الزوج الثاني ثم بخصومتها، لأجل أنه إذا بدأ بخصومته ثم بخصومتها فلو اعترفت بالرجعة فإنا نردها إليه، وإن أنكرت فالقول قولها مع اليمين، وإن بدأ بخصومتها فلو اعترفت بالرجعة لم نردها إليه وإن أنكرت فالقول قولها، وهل عليه اليمين أم لا؟ على قولين، فلأجل هذا قلنا الأولى أن لا يبدأ بخصومتها. فإذا ثبت ذلك فكل موضع ذكرنا أنها لو اعترفت بأنه راجعها فلا يقبل قولها لحق الزوج الثاني، فإنها إذا بانت من ذلك الزوج إما بطلاق أو لعان أو موت أو غير ذلك، فإنا نردها إليه، لأنه ما دام حيا فإن اعترافها وقولها لا يقبل، لأنه كان في حق الغير، فإذا سقط حق ذلك الغير قبل قولها في حقها فردت إليه. كرجل رأى في يد رجل عبدا فقال قد أعتقته فإنا لا نقبل قوله في حقه، لأنه شاهد واحد، فإن اشتراه أعتقناه عليه بإقراره المتقدم. وكذلك لو قال هذا العبد الذي في يد أخي معتق أو غصبه على إنسان، فإنا لا نقبل قوله لمثل ذلك، فإن ملكه بالإرث، حكم بعتقه أو برده إلى المغصوب منه.

[ 106 ]

لإقراره المتقدم وكذلك هيهنا لا يقبل إقرارها في حق الغير، لأن الظاهر أنها كانت زوجة فإن سقطت الزوجية بينهما، فقد سقط حق الغير، فقبل قولها فنردها إلى الزوج الأول بلا نكاح. ليس من شرط صحة الرجعة الاشهاد، وإنما هو احتياط واستحباب، وفي الناس من أوجبه. إذا قال لامرأته راجعتك إن شئت، فإن الرجعة لا تصح، لا عندنا ولا عندهم عندنا لأنه لا اعتبار بمشيتها، وعندهم لأنه عقد ولا يجوز تعليق العقد بصفة، كما لو قال راجعتك إذا جاء رأس الشهر أو إن طلعت الشمس، فطلعت وجاء رأس الشهر، فإن الرجعة لا تصح. وإذا قال لها كلما طلقتك فقد راجعتك. ثم طلقها، فإنه لا يصح الرجعة، لما مضى، وإذا قال قد كنت راجعتك بالأمس، فالرجعة صحيحة لأنه أخبر عما ملك في الحال. إذا قال لها راجعتك للمحبة وللاخزاء وللإهانة فإنه يرجع إليه ما الذي تريد بهذا الكلام؟ فإن قال أردت: رددتك إلى المحبة التي كنت أحبك، أو صرت مهانة بالطلاق، وأريد أن أزيل عنك هذه الإهانة، فإن هذه رجعة، لأنه أقر بالرجعة وذكر علتها. وإن قال أردت به أنها كانت محبوبة إلى قبل النكاح، فإذا تزوجتها أبغضتها أو كانت مهانة ذليلة قبل النكاح، فإذا تزوجتها أعززتها ورددتها إلى تلك المحبة التي كانت قبل النكاح أو تلك الاهانة، فإن هذا لا يكون رجعة لأنه نقلها من حال إلى حال وما نقلها إلى الزوجية. فإن قال ما نويت شيئا أو مات قبل أن يبين، حمل على الأول، وهو صحة الرجعة، لأنه هو الظاهر، وكذلك نقول إذا ماتت، فأما إذا قال لم أرد شيئا فإنه لا حكم له عندنا.

[ 107 ]

إذا طلقها طلقة أو طلقتين رجعيتين. ثم اختلفا في الرجعة وانقضاء العدة، فيه ثلاث مسائل: إحداها إذا سبقت المرأة بالدعوى، فادعت انقضاء عدتها بعد مدة يمكن أن يكون عدتها قد انقضت على ما تبين فيما مضى، وقال الزوج إنه راجعها قبل انقضاء عدتها، فالقول قولها مع يمينها، لأنه مؤتمنة على فرجها وانقضاء عدتها، وحكم بوقوع البينونة، ولا يقبل قول الزوج في الرجعة لأنا حكمنا بوقوع البينونة، من حيث الظاهر، ووجب عليها اليمين لجواز أن تكون كاذبة، وتحلف على العلم أنها لا تعلم أنه راجعها قبل انقضاء عدتها فإذا حلفت كان القول قولها. الثانية إذا سبق الزوج بالدعوى فادعى الرجعة، وأشهد على ذلك، وقالت هي: قد انقضت عدتي قبل أن تراجعني، فالقول قوله مع يمينه، فالزوج هيهنا كالزوجة هناك، لأنها ما لم تظهر انقضاء العدة، فالظاهر أنها في العدة، ويحكم بصحة الرجعة والزوجية. فإذا ادعت أن عدتها قد انقضت قبل أن يراجعها لا يقبل منها، لأن هذا أمر خفى تريد به رفع الرجعة التي حكم بصحتها من حيث الظاهر، ويحلف هو على العلم فيقول والله إنه لا يعلم أن عدتها قد انقضت قبل المراجعة، لجواز أن تكون صادقة، وهو كاذب، فإذا حلف كان القول قوله مع يمينه. الثالثة اتفقت دعواهما في وقت واحد، ولا يعلم السابق من هاتين الدعويين منهم من قال يقرع بينهما، فمن خرجت عليه فالقول قوله مع يمينه، وهو الأقوى عندنا، ومنهم من قال القول قولها مع يمينها، لإمكان صدق كل واحد منهما، والأصل ألا رجعة. فإن كانت زوجته أمة فطلقها طلقة رجعية، وادعى أنه كان راجعها وكذبته فالقول قوله، وإن صدقته فالقول قولها، ويحكم بصحة الرجعة. فإن قال السيد كذبت هي وإن الزوج ما راجعها لم يقبل منه، لأن الرجعة استباحة بضع يتعلق بالزوجين، ومن ليس بزوج لا يقبل منه كما أنها تملك الابراء من العنة.

[ 108 ]

إذا طلقها طلقة رجعية ثم اختلفا في الإصابة فقال الزوج طلقتك بعد ما أصبتك فلي عليك الرجعة، ولك كمال المهر، وعليك العدة، وقالت هي طلقتني قبل الإصابة فليس علي العدة، ولا لك على رجعة، ولي عليك نصف المهر. فالقول قولها مع يمينها، لأن الطلاق إذا كان في نكاح لا يعلم فيه الإصابة فالظاهر أن الفرقة قد وقعت، والبينونة حصلت، فإذا ادعى الإصابة ادعى أمرا باطنا يريد أن يرفع به الظاهر، فإذا حلفت سقطت دعوى الزوج، وليس عليها رجعة ولا يجب عليها العدة. والسكنى والنفقة لا يجب عليه، وإن كان مقرا به، لأنها ليس تقبل هذا الاقرار فلا حكم له، والمهر إن كان في يده فلها عليه نصفه، لأنها لا تدعي أكثر منه وإن كان في يدها فلا يجوز للزوج أن يسترجع منها النصف، لأنه أقر بأن جميع المهر لها، فلا يمكنه استرجاع شئ لا يدعيه. هذا إذا ادعى الزوج الإصابة وأنكرت هي فأما إذا ادعت هي الإصابة وأنكر الزوج، مثل أن يقول طلقتني بعد الإصابة، ويقول الزوج بل طلقتك قبل الإصابة فهي معترفة بثبوت الرجعة والعدة، وتدعي كمال المهر، والزوج معترف بأنه لا رجعة له عليها ولا يجب عليها العدة، ولها عليه نصف المهر، فالقول قوله مع يمينه لما قلناه من أن الأصل عدم الإصابة، والظاهر أن الفرقة قد وقعت وأن البينونة قد حصلت، وعليه البينة فيما يدعيه. فإن حلف سقط دعواها، وعليها العدة لأنها أقرت بوجوبها عليها، ولا يجب لها سكنى ولا نفقة لأنها أقرت بأنها لا تستحقه، والمهر يجب نصفه سواء كان في يده أو في يدها، لأنه حلف أنه طلقها قبل الدخول، فليس لها إلا النصف، فإن كان دفع الجميع استرجع النصف. هذا إذا لم تكن هناك خلوة، فإن حصل هناك خلوة ثم ادعيا ذلك، فمن قال الخلوة لا تأثير لها يكون وجودها كعدمها. ومن قال لها تأثير، منهم من يقول إن تأثيرها أنها تجري مجرى الإصابة، فعلى

[ 109 ]

هذا، الخلوة تسقط دعواهما جميعا، لأنه بمنزلة الإصابة، ومنهم من قال تأثيرها أنه يرجح بها قول من يدعي الإصابة، والأول أصح عندنا، وهو أنه لا تأثير للخلوة أصلا. إذا طلقها طلقة أو طلقتين رجعيتين ثم ارتدت المرأة ثم راجعها في حال ردتها فإنه لا تصح هذه الرجعة، لأنها صادفت اختلاف الدين، فإن أسلمت قبل انقضاء عدتها جاز له أن يحدث رجعة، وإن لم تسلم حتى تنقضي عدتها، تبينا أنها بانت باختلاف الدين. وقال بعضهم الرجعة موقوفة، فإن أسلمت قبل انقضاء العدة تبينا أنها وقعت صحيحة من ذلك الوقت، وإن لم تسلم حتى تنقضي عدتها تبينا أنها بانت باختلاف الدين والأول أقوى. إذا طلق امرأته ثلاثا فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره يصيبها، فإن كانت مدخولا بها وطلقها ثلاثا فقد حرمت عليه، وزال ملكه عنها، وحرم عليه العقد عليها. فأما إذا خالعها فقد حرمت عليه وزال ملكه عنها، لكن لا يحرم عليه العقد عليها وإنما العقد يحرم بالطلاق الثلاث عندنا مفرقا على ما بينا، وعندهم مجتمعا. وتحل للأول بخمس شرايط: بأن تعتد منه أولا ثم تتزوج بآخر فيطأها ويطلقها أو يموت عنها وتعتد منه فتحل للأول فأما تحريم العقد فقد ارتفع بشرطين من هذا بالنكاح الثاني والإصابة، لكن لا تحل له حتى تنقضي عدتها، فالوطي من الثاني شرط بلا خلاف إلا ما يحكى عن سعيد بن المسيب، فإنه لم يعتبره. فإذا أصابها الثاني وغيب الحشفة في فرجها والتقى ختاناهما، حلت للأول، وإن أصابها بنكاح فاسد فالصحيح عندنا أنها لا تحل للأول، وقال قوم تحل، فإذا وطي حلت سواء كان قوي الجماع أو ضعيفه. فإن كان الزوج الثاني صبيا فهو على ضربين: مراهق قريب من البلوغ، وغير مراهق ولا قريب من البلوغ، فإن كان مراهقا قد بلغ مثله أو يمكن ذلك فيه، وكان

[ 110 ]

ينشر عليه، أو يحصل منه الجماع، ويعرف ذوق العسيلة، فإنها تحل عند بعضهم للأول، وعند بعضهم لا تحل والأول أقوى للآية والخبر. وأما الخصي فعلى ضربين مسلول ومجبوب، فالمسلول من سلت بيضتاه وبقي ذكره فمن هذه صورته إذا تزوجت به ووطئها حلت للأول، لأنه أولج ولذ، وإن كان لا ينزل، والانزال غير معتبر في باب الإباحة، لأنه لو التقى الختانان من الصحيح ثم انسل حلت للأول. وأما المجبوب إن لم يبق من ذكره شئ فإن الوطي منه معدوم فلا يتعلق به إباحة، فإن بقي ما لا يتبين فلا يبيحها للأول، لأنه لا يغيب ولا يدخل، وإن بقي قدر ما يغيب منه إذا أولج ويلتقي ختاناهما، فإنه يبيحها للأول، وسواء كان الزوج حرا والمرأة أمة أو المرأة حرة والزوج عبدا أو كانا مملوكين أو حرين، أو كانت ذمية فإنه متى وطئها حلت للأول لعموم الآية والخبر. وإذا أصابها الزوج الثاني في حال هي محرمة عليه لعارض، مثل أن يكون أحدهما محرما أو صائما أو تكون هي حايضا أو نفساء فقد حلت للأول، وقال بعضهم لا يبيحها للأول، وهو قوي عندي، لكونه منهيا عنه والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. إذا كانت ذمية زوجة لمسلم فطلقها ثلاثا وتزوجت بذمي بنكاح صحيح ووطئها حلت للأول، عند الأكثر، وقال بعضهم لا تحل، وعندي لا تحل، لأنه لا يجوز العقد عليها أصلا. المطلقة ثلاثا إذا تزوجت بزوج فارتد أحدهما فوطئها في حال الردة ثم رجع المرتد منهما إلى الاسلام، فإن ذلك الوطي لا يبيحها للأول، لأن الوطي المبيح ما صادف نكاحا صحيحا، لا ما تتشعث بالردة، وهذا متشعث، لأنه جار إلى الفسخ. وقال بعضهم لا يتصور هذه المسألة وهي محالة، لأنها لا يخلو إما أن يرتد بعد الوطي أو قبل الوطي، فإن ارتد قبل الوطي فقد بانت منه بالردة، وليس عليها العدة فإذا وطئها فقد وطي أجنبية فلا يبيحها للأول. وإن كان وطئها ثم ارتد فإن ذلك الوطي أباحها للأول، فإذا وطئها بعد

[ 111 ]

الردة، فإن ذلك الوطي لا أثر له ولا يبيحها للأول بحال وهذا هو الأقوى عندي. فإذا طلقها ثلاثا فغابت ثم جاءت وقالت قد حللت لك لأني قد خرجت من العدة وتزوجت بزوج وأصابني وخرجت من عدته فإنه ينظر. فإن مضت من وقت طلاقها مدة لا يتأتى فيها جميع ذلك، فإنه لا يقبل قولها، لأنه قد عرف كذبها، وإن مضت مدة من ذلك الوقت يتأتى فيها جميع ما وصفت قبل قولها بلا يمين، لأن في جملة ذلك ما لا يتوصل إليه إلا بقولها، وهو الوطي، وانقضاء العدة فهي مؤتمنة عليه. وإن قال الزوج الثاني ما أصبتها، فإن غلب على ظنه صدقها قبل قولها، وإن إن غلب كذبها تجنبها وليس بحرام. وإن كذبها في هذه الدعوى ثم صدقها جاز أو يتزوج بها لجواز أن لا يعلم صدقها وكذبها، ثم بان له صدقها فصدقها، فحل له أن يتزوج بها. وإن وطئها الزوج الثاني في الموضع المكروه لم تحل للأول لقوله (عليه السلام) (حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) وهذه ما ذاقت عسيلته، لأن ذلك يكون بالوطي في الفرج. وإن وطئها فأفضاها حلت للأول لأن التقاء الختانين سبق الافضاء، وتعلقت الإباحة به، والافضاء بعده لا أثر له، وإن تزوجت بزوج ثان فجنت، أو جن هو، فأصابها في حال الجنون حلت للأول، لأن الوطي قد حصل، ومتى بانت من الثاني بعد وطيها بطلاق أو خلع أو فسخ بعيب أو بإعسار نفقة أو ردة أو موت فقد حلت للأول. وإذا تزوجت البكر المطلقة ثلاثا بزوج آخر فلا تحل للأول حتى يفتضها الثاني لأن التقاء الختانين لا يكون إلا بذهاب العذرة. الرجعة لا تفتقر إلى رضا الزوجة بلا خلاف، وإن راجعها وهي غائبة صحت الرجعة، ولا يفتقر إلى عوض ولا مهر بلا خلاف. وإن كان الزوج غايبا فقضت العدة، كان لها أن تتزوج، فإن قال وكيله لا تزوجي فربما يكون قد راجعك، لم يلزمها ذلك.

[ 112 ]

الطلاق عندنا بالنساء فإن كانت أمة فطلقتان، وإن كانت حرة فثلاث، وفيهم من قال بالعكس، وسواء كان الزوج حرا أو عبدا. فالحر إذا كان طلق زوجته الأمة طلقتين ثم ملكها، لم تحل له إلا بعد زوج وإصابة، ولا يجوز له وطؤها بملك اليمين، إلا بعد زوج وإصابة، وقال بعضهم يحل له ذلك، لأنها حرمت عليه بالطلاق بحق الزوجية، وهيهنا يحل وطيها بالملك وروي ذلك في أحاديثنا، والأول هو الصحيح عندنا وعندهم، لقوله تعالى (فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره) وهذا ليس بزوج. إذا قيل للرجل أطلقت امرأتك؟ فقال نعم لزمه الطلاق في الظاهر، وكذلك عند المخالف، لأن معنى قوله نعم أي نعم طلقتها، ثم ينظر، فإن كان صادقا لزمه الطلاق ظاهرا وباطنا، وإن كان كاذبا لزمه في الحكم ولا يلزمه فيما بينه وبين الله. وإذا قيل له أطلقت زوجتك؟ فقال قد كان بعض ذلك، رجع إليه، فإن قال نعم طلقتها لزمه الطلاق، وإن قال علقت طلاقها بصفة قبل منه، لأنه بعض الطلاق، وإن قال ما طلقتها قبل منه، لأن بعض الطلاق لا يكون طلاقا ألا ترى أنه لو قال أنت طالق [ بعض الطلاق ظ ] فإنه لا يكون طلاقا لأنه أتى ببعض الطلاق. إذا رأى امرأته فظن أنها أجنبية فقال أنت طالق اعتقادا منه أنه يقول ذلك لأجنبية، أو نسي أن له امرأة فقال كل امرأتي طوالق لزمه الطلاق، عند المخالف، وعندنا لا يلزمه، لأنه يحتاج الطلاق إلى نية على ما مضى. إذا راجعها بلفظ النكاح مثل أن يقول تزوجتك أو يقول نكحتك، من الناس من قال يكون رجعة صحيحة ومنهم من قال لا يكون صحيحة لأن الرجعة لا تقتضي عوضا، ولفظ النكاح لا يعرى منه، كما أن الهبة لا يجوز عندنا بلفظ البيع، والأقوى عند الأول إذا قصد ذلك. المطلقة ثلاثا إذا تزوجت بزوج فوجدها على فراشه وظن أنها أجنبية فوطئها حلت للأول لأن شرط الإباحة قد وجد وهو الوطي في نكاح صحيح. المطلقة ثلاثا إذا وجدها رجل على فراشه فظن أنها زوجته أو أمته فوطئها لم

[ 113 ]

تحل للأول، لأنه لم يطأها في عقد. إذا تزوجها الزوج الثاني إلى مدة، فهذه متعة، وعندنا أنها لا تحل للأول بها، وقال المخالف هذا على ثلاثة أقسام: أحدها أن يقول تزوجتك على أني إذا أحللتك فلا نكاح بيننا فهذا نكاح باطل عندنا. والثاني إذا قال تزوجتك على أني إذا أحللتك طلقتك، فهل يصح أم لا؟ قيل فيه قولان: أحدهما لا يصح، والثاني يصح، وعندنا أنه يصح العقد ويبطل الشرط. الثالث إذا نويا ذلك أو نوى أحدهما فالعقد صحيح بلا خلاف، لأنه خال من الشرط. إذا قال لها أنت طالق إذا كلمت زيدا إلى أن يقدم فلان، أو حتى يقدم فلان أو إلى أن يأذن فلان، أو إلى شهر، فإن هذا التحديد يرجع إلى الصفة، لا إلى الطلاق لأنه لا يمكن رجوعه إلى الطلاق، ألا ترى أنه لا يجوز أن يقول أنت طالق إلى أن يقدم فلان، أو حتى يقدم فلان، ويجوز أن يقول إذا كلمت فلانا إلى أن يقدم زيد فأنت طالق. فإذا ذكر التحديد ولم يمكن رجوعه إلى الطلاق، وأمكن رجوعه إلى الصفة كان تحديدا للصفة، لا للطلاق، فصار تقديره إذا كلمت زيدا إلى أن يقدم فلان فأنت طالق، فمتى كلمته إلى قدوم فلان وقع الطلاق، وعندنا أن الطلاق لا يقع، لأنه معلق بشرط. إن كان له أربع نسوة فقال: هذه طالق أو هذه وهذه، فإن الثالثة طلقت لأنه أفردها بالطلاق وعينها، وأما الأولى والثانية فقد اشتركتا في الطلاق، فله أن يفرض في أي المرأتين شاء، لأنه أشرك بينهما في الطلاق بأو، وعندنا أنه يرجع في جميع ذلك إليه ويعتبر نيته فإن مات قبل أن يبين حكم في الثالثة بالطلاق، واستخرجت واحدة من الثنتين بالقرعة، وقد مرت هذه في كتاب الطلاق.

[ 114 ]

(كتاب الايلاء) الايلاء في اللغة عبارة عن اليمين عن كل شئ، يقال آلى يولي إيلاء، فهو مول، والألية اليمين، وجمعه ألايا، ومنه قول الشاعر: فآليت لا آتيك إن كنت محرما * ولا أبتغي جارا سواك مجاورا ويقال تألى يتألى تأليا فهو متأل، ومنه قوله (تألى أن لا يفعل خيرا) يعني حلف، ويقال أيضا ائتلي يأتلي ائتلاءا فهو مؤتل، ومنه قوله تعالى (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أو يؤتوا أولي القربى) (1) يعني لا يحلف. هذا وضعه في اللغة وقد انتقل في الشرع إلى ما هو أخص منه، وهو إذا حلف ألا يطأ امرأته، والأصل في ذلك كتاب الله وإجماع الأمة، قال الله تعالى (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم).
(2) فأخبر عن حكم من حلف لا يطأ زوجته، فأخبر أنه يتربص أربعة أشهر، فإن فاء يعني جامع فإن الله يغفر له، وإن عزم الطلاق فإن الله يسمع ذلك منه، ولا خلاف بين الأمة في ذلك، وإنما الخلاف في أعيان المسائل. فإذا ثبت ذلك فاختلف الناس في الايلاء الشرعي على أربعة مذاهب فالذي يقتضيه مذهبنا هو أن يحلف لا يطأها أكثر من أربعة أشهر، وإن حلف على أربعة أو دونها لم يكن موليا، وحكي عن ابن عباس أنه قال هو أن يحلف لا يطأها أبدا، فإن أطلق فقد أبد وإن قال على التأبيد فقد أكد. وقال جماعة إذا حلف لا وطئها أربعة أشهر كان موليا، وإن كان أقل لم يكن

(1) النور: 22.
(2) البقرة: 226

[ 115 ]

موليا، وقال بعضهم إذا حلف لا وطئها، كان موليا يوقف ولو أنه حلف لا وطئها يوما. وإنما قلنا ما ذكرناه لقوله تعالى (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤا فإن الله غفور رحيم) فأضاف إليهم بلفظ الملك مدة الأربعة، فثبت أن ما بعدها ليس له، وأيضا فلولا أنه يريد بالفيئة ما يقتضي الغفران لما أخبر عن الغفران عنه والذي اخترناه مذهب علي (عليه السلام) وجماعة من الصحابة، وخلق من التابعين، والفقهاء ذكرناهم في الخلاف. وحكي أن عمر كان يطوف بالمدينة ليلا بنفسه يتتبع ما يطلع عليه، فلما كان ذات ليلة مر بباب دار لقوم فسمع امرأة تقول: ألا طال هذا الليل وأزور جانبه * وأرقني ألا خليل ألاعبه فوالله لولا الله لا شئ فوقه * لزعزع من هذا السرير جوانبه مخافة ربي والحياء يكفني * وأكرم زوجي أن ينال مراكبه ثم قالت يهون على عمر بن الخطاب وحدتي وغيبة زوجي، فلما كان من الغد استدعى المرأة فسأل عن زوجها فقالوا غائب في الجهاد، فاستدعى عجايز من قريش فقال لهن: كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقلن شهرين فقال فثلثة، قلن يقل صبرها، فقال أربعة فقلن يفنى صبرها، فبعث عمر إلى أهل الجهاد فرد من كان غايبا عن زوجته أكثر من أربعة أشهر ثم ضرب مدة الغيبة للمجاهدين أربعة أشهر. فإذا ثبت ما قلناه فحكم الايلاء عندنا أن له التربص أربعة أشهر، فإذا انقضت توجهت عليه المطالبة بالفيئة أو الطلاق: فمحل الفيئة بعد انقضاء المدة، وهو محل الطلاق. ولا تبين بطلقة إذا انقضت المدة، وفي الناس من قال تبين، فأما قبل انقضائها فليس بمجل للفيئة، والمدة حق له، كمن عليه دين إلى أربعة أشهر، فالأجل حق له، وليس بمحل لقضاء الدين قبل انقضائه، فإن فاء فيها فقد عجل الحق لها قبل محله، كمن عليه دين إلى أجل فعجله قبل محله، وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف.

[ 116 ]

لا يكون الايلاء إلا بالله، أو اسم من أسمائه، فأما بغيره فلا ينعقد به الايلاء. وفيه خلاف. فإذا ثبت ما يحلف به، وما به يكون موليا، فألفاظ الايلاء أربعة أضرب: صريح في الحكم وفيما بينه وبين الله، وصريح في الحكم كناية يدين فيما بينه وبين الله ومختلف فيه والرابع محتمل الأمرين. فأما الأول فقوله: والله لا أنيكك والله لا أدخل ذكري في فرجك، والله لا أغيب ذكري في فرجك، هذه يشترك فيها البكر والثيب، وتنفرد البكر بأن يقول: والله لا أفتضك، كل هذا صريح لا يدين فيها بحال. إلا أن عندنا لا ينعقد ذلك إلا بالنية. وأما البكر فلا ينعقد عليها الايلاء لأنه لا ينعقد إلا بعد الدخول. الثاني صريح في الحكم لكنه يدين فيما بينه وبين الله وهو قوله، والله لا وطئتك لا جامعتك، لا أصبتك، هذه الألفاظ الثلثة إطلاقها صريح في الحكم لا فيما بينه وبين الله لأنها يحتمل أمرين، قوله وطئتك يحتمل النيك، ويحتمل الوطي بالرجل، وقوله جامعتك يحتمل اجتماع البشرتين، ويحتمل الوطي، وكذلك أصبتك يحتمل بيدي ويحتمل غيره، غير أنه ثبت بعرف العادة أنها عبارة عن النيك، فوجب أن يحمل إطلاقها على ذلك. فإن قال نويت غير الجماع قبل فيما بينه وبين الله لا في الحكم، وفي الناس من قال أصبتك مع القسم الثالث. الضرب الثالث وهو المختلف فيه فهو قوله والله لا باشرتك، ولا لامستك، ولا أصبتك، ولا باضعتك، قال قوم هو صريح في الايلاء وقال آخرون هو كناية، إن نوى الايلاء كان موليا وإن لم ينو لا يكون موليا وإن أطلق فعلى قولين، ويقتضي مذهبنا أن جميع ذلك محتمل، إن نوى به الجماع كان إيلاء وإن نوى غيره لم يتعلق به حكم. الرابع ما هو كناية في الحكم كناية فيما بينه وبين الله، وهو قوله والله لا جمع رأسي ورأسك شئ لا ساقف رأسي رأسك، ولا جمع رأسي ورأسك مخدة، وكذلك لأسوءنك لأطيلن غيبتي عنك فكل هذه كناية، فإن كانت له نية فهو على ما نوى، و

[ 117 ]

إن لم يكن له نية سقط قوله، ولم يتعلق به حكم. إذا قال والله لا جامعتك في دبرك، والله لا جامعتك في الموضع المكروه لم يكن موليا. ولو قال والله لا جامعتك إلا جماع سوء رجعنا إليه، فإن قال أردت بالسوء الجماع في الدبر، كان موليا لأنه إذا حلف لا جامعها إلا في الدبر فقد حلف ألا يجامعها في القبل فكان موليا. فإن قال أردت بالسوء جماعا لا يبلغ التقاء الختانين كان موليا، لأن معناه لا جامعتك أصلا، لأن الجماع الذي يخرج به من حكم الايلاء أن يلتقي الختانان فإذا حلف ألا يفعل هذا كان موليا، وإن قال أردت بالسوء جماعا ضعيفا لا يكون قويا ولا مبالغة فيه، لم يكن موليا لأنه حلف أن يجامعها الجماع الذي يخرج به من حكم الايلاء، وهو التقاء الختانين ضعيفا كان أو قويا. فإن قال والله لجامعتك جماع سوء لم يكن موليا لأنه إن قال نويت الجماع في الدبر فمن حلف أن يطأها في الدبر فما حلف ألا يطأها في القبل، وإن قال أردت أن أطأها وطيا لا يبلغ التقاء الختانين لم يكن موليا لأن من حلف أن يفعل ذلك ما منع نفسه من التقاء الختانين، وإن قال أردت وطيا ضعيفا يلتقي به الختانان لكنه ضعيف لم يكن موليا لأنه ألزم نفسه وطيا يخرج به من حكم الايلاء. إذا قال والله لا أصبتك خمسة أشهر، فإذا انقضت فوالله لا أصبتك سنة، فهما إيلاء إن ويمينان مختلفان إحداهما خمسة أشهر والأخرى سنة، والأولى مطلقة معجلة والثانية معلقة بصفة، فإذا وجدت الصفة انعقدت كقوله إذا قدم زيد فوالله لا وطئتك سنة فمتى قدم زيد انعقدت الايلاء. وليس هذا يجري مجرى الطلاق والعتاق اللذين قلنا لا يقعان بصفة، لأن هناك منعنا فيه إجماع الفرقة، وليس هاهنا ما يمنع منه، والظواهر يتناوله. فإذا ثبت أنهما إيلاءان مختلفان فكل إيلاء له حكم نفسه لا يتعلق حكمه بالآخر، فإذا تربص عقيب الأول أربعة أشهر فإذا مضت وقف، فإما أن يفئ، أو يطلق

[ 118 ]

فإن فاء خرج من حكم هذا الايلاء، وإن ماطل ودافع حتى مضت الخمسة أشهر فقد عصى ربه وأثم، لكن حكم الايلاء قد انحل، لأنه ما بقي من مدته شئ، وإن طلق طلاقا رجعيا فقد وفاها حقها من الأول راجع أو لم يراجع، لأنه إن لم يراجع بانت بالطلاق، وإن راجع لم يتربص لأنه ما بقي من مدته زمان التربص، فانحلت الأولى بكل حال. فإذا انقضت خمسة أشهر دخل وقت الايلاء الثاني لأنه قد وجد شرطه، ويكون حكمه معتبرا بالأول، فإن كان في الأول فاء أو دافع حتى انقضت خمسة أشهر أو طلق وراجع ففي هذه الأقسام الثالثة يكون في الثاني كأنه الآن آلى منها، وما تقدمه إيلاء سواه، يتربص أربعة أشهر ويوقف، فإما أن يفئ أو يدافع أو يطلق، فإن فاء خرج من حكم الايلاء، وإن دافع حتى انقضت السنة فقد عصى لكنه زال الايلاء. وإن طلق طلاقا رجعيا فإن راجعها نظرت فيما بقي من المدة فإن بقي مدة التربص وهو أكثر من أربعة أشهر تربص ووقف بعد التربص، وإن لم يبق مدة التربص لم يتربص لكنه حالف فإن وطي قبل انقضاء المدة حنث. هذا إذا فاء أو دافع أو طلق وراجع، فأما إن طلقها ولم يراجع حتى انقضت عدتها بانت، ولا كلام، وإن راجعها في زمان العدة وهو من حين الطلاق إلى حين راجعها لا يحتسب عليه، لأنه زمان يجري فيه إلى بينونة فلا يحتسب على المولي. فإذا راجع بعد أن مضى زمان من الايلاء الثاني فإن بقي من السنة مدة التربص تربص ووقف بعد انقضائها، وإن لم يبق مدة التربص زال حكم الايلاء، وبقي حكم اليمين فإن وطي قبل انقضاء السنة حنث. إذا قال والله لا أصبتك أربعة أشهر، فإذا انقضت فوالله لا أصبتك أربعة أشهر، فإذا انقضت فوالله لا أصبتك أربعة أشهر، فهل يكون موليا أم لا؟ على وجهين أحدهما يكون موليا لأنه قصد الاضرار بها، والصحيح أنه لا يكون موليا لأن المولي من يوقف بعد التربص ليفئ أو يطلق، وهيهنا إذا مضت أربعة أشهر لا يمكن مطالبته بالفيئة لأن اليمين قد انقضت مدتها، ولا بالفيئة عن اليمين الثانية، لأن التربص لها ما

[ 119 ]

وجد، فثبت أنه لا يكون موليا بها. إذا قال والله لا أصبتك خمسة أشهر، والله لا أصبتك سنة، فهما إيلاءان أحدهما مدة سنة والآخر مدته خمسة أشهر، وكلاهما معجلان، فيتداخلان خمسة أشهر عقيب يمينه، وينفرد الآخر بسبعة أشهر بعد ذلك إلى تمام السنة، فيتربص عقيب يمينه منها أربعة أشهر، فإما أن يفئ أو يدافع أو يطلق: فإن فاء فقد خرج من حكمهما معا، وإن دافع حتى انقضت المدتان خرج منهما، وإن دافع حتى انقضت القصيرة بقي حكم المدة الطويلة، فإن طلق طلقة رجعية انحلت الأولى بكل حال، لأنه ما بقي منها مدة التربص، وأما الطويلة فينظر فيها. فإن لم يراجع حتى بانت فلا كلام، وإن راجع نظرت فيما بقي من المدة الطويلة، فإن بقي مدة التربص تربص ووقف، وإن لم يبق مدة التربص انحلت الطويلة أيضا وبقي حكم اليمين، فإن وطي قبل انقضاء السنة حنث. وجملته أن مدة الايلاء إذا طالت ووقف بعد أربعة أشهر، فإن طلقها طلقة رجعية فقد وفاها حقها لهذه المدة، فإن راجعها ضربنا له مدة أخرى، فإذا انقضت وقف أيضا، فإن طلق ثم راجع ضربنا له مدة أخرى، فإذا مضت وقفناه، فإن طلقها بانت لأنه قد استوفى الثلاث وعلى هذا أبدا. إذا قال إن أصبتك فلله على صوم هذا الشهر كله، لم يكن موليا عند بعضهم وكذلك عندنا، لأنها يمين بغير الله. أما عندهم فلأن المولي لا يمكنه الفيئة بعد التربص إلا بضرر، وهيهنا إذا مضت المدة فإنه يفئ بغير ضرر، لأنه إذا وطي لم يجب عليه الوفاء بنذره، فإن الزمان قد فات مثل أن يقول فلله على أن أصوم أمس. فإن قيل أليس لو قال لله على أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، صح نذره فهلا قلتم ههنا ينعقد نذره، وإن كان لا يمكنه الوفاء به. قلنا في تلك المسألة قيل فيه قولان أحدهما لا ينعقد مثل هذه المسألة للعلة التي

[ 120 ]

ذكرناها، والثاني ينعقد نذره والفصل بينهما أنه يمكنه البحث عن وقت قدومه، فإذا علم أنه يقدم غدا نوى الصوم من ليلته فيصح، متطوعا وإذا قدم تمم واجبا كما لو تطوع بعض النهار بالصوم ثم قال: لله علي إكمال باقيه لزمه، كذلك هيهنا. وليس كذلك هيهنا لأنه إذا فاءت بعد أربعة أشهر فقد فات الشهر الذي نذر صيامه منذ ثلثة أشهر فلا يمكنه صوم شهر قد فات وانقضى. فإذا تقرر أنه لا يكون موليا، فهو ناذر نذر لجاج وغضب، كقوله إن دخلت الدار فلله علي صوم شهر. فينظر فيه فإن لم يصبها حتى مضى الشهر انحل نذره، وإن وطئها قبل مضيه فقد وجد شرط نذره، ويمكنه أن يصوم ما بقي من الشهر، وما الذي يلزمه؟ قال قوم هو بالخيار بين أن يفي بما نذر فيصوم ما بقي أو يكفر كفارة يمين، والذي يقتضيه مذهبنا الأول، لأن الكفارة لا تجب إلا في اليمين بالله. هذا إذا قصد بالنذر التقرب إلى الله، فأما إذا قصد الاضرار بها فعندنا لا ينعقد نذره أصلا. فرع هذه المسألة إذا قال: إن أصبتك فلله على صوم شهر، هذا نذر علقه بشهر مبهم يتعلق بالذمة، منهم من قال: لا يكون موليا، وكذلك عندنا لا يكون ناذرا إن قصد الاضرار بها، وإن قصد القربة متى أصابها وجب عليه الوفاء به. ومنهم من قال يكون موليا لأنه لا يمكنه الفيئة بعد التربص إلا بضرر، فإنه متى وطي انعقد نذره، فإما أن يفئ أو يطلق، فإن فاء وجد شرط نذره وقد وفاها حقها، ثم إن شاء كفر، وإن شاء صام. وإن لم يفئ لكنه طلق فإن تركها حتى انقضت العدة فلا كلام، وإن راجع ضربت له المدة، فإذا انقضت وقف، فإن فاء فقد وفاها حقها وعليه الصوم أو كفارة يمين، وإن طلق فإن لم يراجع فلا كلام، وإن راجع تربص أربعة أشهر ووقف ليفئ أو يطلق فإن فاء، صام أو كفر، وإن طلق فقد انقضت الطلقات الثلاث، وعلى هذا كل إيلاء طالت مدته.

[ 121 ]

إذا قال لزوجته إن وطئتك فأنت طالق ثلاثا، فعندنا أن هذا باطل لا يتعلق به حكم، وعندهم أنه حلف بالطلاق الثلاث لا وطئها، فمنهم من قال يكون موليا ومنهم من قال لا يكون لأنه ما حلف بالله. فمن قال يكون موليا تربص أربعة أشهر ثم يوقف، فإما أن يفئ أو يطلق فإن طلق طلقة وفاها حقها لهذا التربص، لأن الذي عليه الفيئة أو الطلاق، فإذا أوقعه فقد وفاها حقها. ثم ينظر، فإن لم يراجعها بانت بانقضاء العدة، وزالت الزوجية، وسقط حكم الايلاء، وإن راجعها عادت زوجة، واليمين قائمة، يضرب له مدة أخرى فإذا انقضت وقف فإن طلق طلاقا رجعيا فالحكم على ما مضى، ثم يضرب له مدة أخرى، فإذا انقضت وطلق فقد استوفا عدد الطلاق، وعلى هذا كل إيلاء يتصل مدته على وجه يمكن التربص كلما طلق وراجع، فهكذا يفعل حتى يستوفي الطلاق. هذا إذا طلق وأما إن اختار الفيئة، فهل له ذلك أم لا؟ قال قوم الصحيح أن له ذلك، وقال بعضهم لا يجوز له الفيئة، لأنه إيلاج يتعقبه التحريم، بدليل أنها تطلق بالتقاء الختانين ثلاثا، وكل إيلاج يتعقبه التحريم يكون محرما، كما لو بقي من زمان الليل في رمضان قدر ما يولج فيه فقط ثم يطلع الفجر عقيبه، كان الايلاج محرما لأن التحريم يتعقبه. ومن قال بالأول قال لأنه إيلاج صادف حال الإباحة قطعا لأنه يوافق زوجية كاملة فهو مباح، حتى يلتقي الختانان ثم ينزع، والنزع ترك وليس بجماع، بدليل أنه لو وافاه الفجر مجامعا فوقع النزع والطلوع معا انعقد صومه، ولا كفارة. ويفارق ما قالوه من الايلاج آخر الليل، لأن المنع هناك من طريق غلبة الظن لأنا لا نعلم قدر ما بقي من الليل، فلا نأمن أن يوافق الايلاج زمان الطلوع، فلهذا منع منه. فإذا تقرر هذا فالتفريع على هذا، فإذا اختار الايلاج فأولج فإذا غابت الحشفة وقع الطلاق الثلاث لوجود الصفة، وعليه النزع، ولا يحل له المكث، ولا الحركة

[ 122 ]

لغير إخراجه، لأنها أجنبية منه، فإن نزع فلا كلام، وإن لم ينزع فلا فصل بين أن يمكث على صورته، أو يكمل هذا الايلاج، فهل عليه المهر أم لا؟ قال قوم لا مهر عليه بالمكث، وقال آخرون عليه المهر. فأما إن نزع ثم ابتدأ فأولج فإن حكم هذا الثاني منفصل عن الأول لا يتعلق حكمه به، ولا يبنى عليه، لأنا [ إنما ] نجعل الحكم واحدا في وطي كله مباح أو كله حرام فأما في وطئين أحدهما محرم والآخر مباح، فلا يبنى عليه. فإذا ثبت أن له حكم نفسه لم يخل من ثلاثة أحوال فإما أن يكونا عالمين، أو جاهلين، أو أحدهما عالما والآخر جاهلا. فإن كانا جاهلين بأن يجهلا أن الحكم يتعلق بالتقاء الختانين، لأن الفقهاء يعرفون هذا، وكان عندهما أن الحكم يتعلق بالفراغ من الوطي، فإذا كان كذلك فلا حد على واحد منهما، لأن يدرأ بالشبهة، وإذا لم يجب الحد وجب المهر، لأنه وطي بشبهة. وإن كانا عالمين بالتحريم، ففي الحد وجهان: أحدهما يحدان، لأنه وطي أجنبية مع العلم بالتحريم، والثاني لا حد عليهما، لأن هذا الابتداء وطي شبهة، فمن قال لا حد قال هما كالجاهلين وقد مضى، ومن قال عليهما الحد قال لا مهر ولا نسب. وإن كان أحدهما عالما والآخر جاهلا يبنى على الوجهين، فإذا قال لا حد على العالم فالحكم فيه كما لو كانا جاهلين، ومن قال يحد العالم فإن كان العالم هو دونها فعليه الحد دونها، ولها المهر لسقوط الحد عنها، وإن كانت هي عالمة فلا حد عليه، وعليها الحد، ولا مهر لها. وجملته أن النسب واللحوق بكل واحد منهما، والمهر لها: متى سقط الحد عنها وجب المهر والنسب والعدة، ومتى سقط الحد عنه لحق النسب، ووجبت العدة وهذا كله سقط عنا لما قدمناه. إذا آلى من زوجته إيلاءا شرعيا فله التربص أربعة أشهر لا يتوجه عليه فيهن

[ 123 ]

مطالبة بوجه، وإنما تحل المطالبة عليه بعد انقضائها، فإن فاء فيهن فقد عجل حقها قبل وجوبه، وإن لم يفئ حتى مضت المدة طولب بالفيئة أو بالطلاق، فإن اختار الفيئة فهذا حق مقصور عليه، لا تدخله النيابة، وإن اختار الطلاق فهذا حق تدخله النيابة إن شاء طلق، وإن وكل في طلاقها جاز. فإن طلق فلا كلام، وإن امتنع من الطلاق وماطل ودافع حبسه الحاكم عندنا وضيق عليه حتى يفئ أو يطلق ولا يطلق عليه وقال قوم يطلق عليه، وقال بعضهم يقع الطلاق بانقضاء العدة. فعلى ما قلناه إنه يضيق عليه فالطلاق إليه، فالذي عليه أن يوقع طلقة واحدة بلا خلاف، فإن طلق أكثر منها لم يقع عندنا، وعندهم يكون تطوع بما زاد، ومن قال للسلطان أن يطلق عليه قال ليس له أن يطلق عليه إلا واحدة، لأنه القدر الواجب فلا يستوفي أكثر منه. فإذا طلق هو عندنا أو طلقه السلطان عندهم كانت المطلقة رجعية إن كانت بعد الدخول، وقال بعضهم تكون بائنة، وإنما قلنا ذلك لقوله تعالى (وبعولتهن أحق بردهن) (1) ولم يفرق. فإن لم يراجع حتى انقضت العدة بانت، وزالت الزوجية، وسقط الايلاء وإن راجعها ضربنا مدة التربص عقيب المراجعة، فإذا انقضت وقفناه أيضا فإن طلق أخرى نظرت، فإن لم يراجع حتى بانت فلا كلام، وإن راجعها ضربنا مدة التربص ووقفنا عند انقضائها ليفئ أو يطلق، فإن طلق فقد استوفى عدد الطلاق. هذا إذا اتسعت المدة للتربص، فأما إن راجع وما بقي من المدة ما يتربص فيها وهو أن كان الباقي أربعة أشهر فما دونها، فقد زال حكم الايلاء، لأنه لا يمكن أن يوقف عقيب المدة للفيئة، لكن حكم اليمين باق في تعلق الحنث به إن هو وطي قبل انقضاء المدة.

(1) البقرة: 228

[ 124 ]

إذا قال أنت حرام علي لم يتعلق به حكم عندنا، لا طلاق، ولا عتاق، ولا ظهار ولا يمين في إيلاء، ولا غيره، نوى أو لم ينو، وفيه خلاف [ ذكرناه في الخلاف ]. إذا قال لها إن أصبتك فعبدي حر عن ظهاري إن ظاهرت، عندنا لا يتعلق به حكم لا عتق ولا ظهار، لأنه مشروط وهما. لا ينعقدان بشرط، ولا يتعلق به إيلاء لأنه ليس بيمين بالله، وعندهم علق عتق عبده بشرطين إصابة وظهار، فلا يعتق إلا بوجودهما، وليس الشرطان على الترتيب، بل كيف وجدا وقع العتق تقدم العتق أو تأخر. فإذا ثبت هذا فلا يكون موليا لأن المولي لا يمكنه الفيئة بعد التربص إلا بضرر وهذا يمكنه الفيئة بغير ضرر، فإنه إذا وطي لم يعتبر العتق، لأنه ما وجد شرط عتقه. ثم لا يخلو إما أن يطأها أولا أو يظاهر، فإن وطي أولا خرج من حكم الايلاء وله أن يطأ بعد هذا ما شاء، ولا يعتق العبد، لأنه ما وجدت صفة عتقه، وإن تظاهر بعد هذا عتق العبد لكن لا يجزيه عن ظهار. هذا إذا تقدم الوطي، فإن تقدم الظهار فتظاهر منها لم يعتق العبد لأن شرط عتقه لم يوجد، لكن قد صار موليا عند من أجاز الايلاء بغير اسم الله، ويتربص أربعة أشهر، فإن فاء عتق العبد، لأنه وجد شرط عتقه، وخرج بالفيئة عن الايلاء، والعبد لا يجزيه عن ظهار، لأنه عتق عبده قبل عقد الظهار، فلا يقع عنه. إذا تظاهر من امرأته ثم عاد ووجبت الكفارة في ذمته، ثم قال لها إن أصبتك فلله على أن أعتق عبدي عن ظهاري، أو هذا العبد عن ظهاري، فإن كان نذر طاعة وتبرر فمتى وقع لزمه الوفاء به. وإن كان نذر لجاج يمنع به نفسه أو يوجب عليها فعل شئ كالأيمان، مثل أن يقول إن دخلت الدار فلله علي عتق عبدي، وإن لم أدخل الدار فلله على كذا فإذا وجد الشرط لزمه نذره عندنا وعندهم، وهو بالخيار بين الوفاء به وبين أن

[ 125 ]

يكفر كفارة يمين [ وهذه المسألة نذر لجاج وغضب، لأنه منع نفسه من إصابتها ] وهذه المسألة والتي قبلها سوء غير أنه علق عتق رقبة عبده في التي قبلها، فقال إن أصبتك فعبدي حر عن ظهاري، وفي هذه علق بإصابتها نذر عتقه، منهم من قال لا يكون موليا لأنه ما حلف بالله، وكذلك نقول، ومنهم من قال يكون موليا. إذا آلى من امرأته بالله تعالى، فقال والله لا أصبتك ثم قال لامرأة له أخرى قد أشركتك معها في الايلاء لم تكن شريكتها، وكان موليا من الأولى دونها، لأن اليمين بالله تعالى إنما تنعقد لأجل حرمة اللفظ، وهو أن يحلف بالله أو بصفة من صفات ذاته، وقوله قد أشركتك معها، لفظ لا حرمة له، واليمين بالله بالكنايات لا تنعقد، فسقط في حق الثانية، وكان من الأولى موليا. وإذا آلى منها بالطلاق فقال أنت طالق إن أصبتك، ثم قال للأخرى قد أشركتك معها، فعندنا لا يكون موليا من واحدة منهما، لأنه ما حلف بالله. وعندهم يقال له ما نويت. فإن قال أردت أن ذلك الطلاق لا يقع على الأولى حتى أصيب الثانية، فإن الطلاق لا يقع على الأولى إذا أصابها، حتى يصيب الثانية فتطلق بإصابة الاثنتين، فكان موليا من الأولى دون الثانية أيضا، لأنه علق طلاق الأولى بصفة، ثم ضم إلى تلك الصفة صفة أخرى في وقوعه والطلاق متى علق بصفة تعلق بها وحدها، فلو ضم إليها غيرها ليتعلق وقوعه بهما لم يصح. إذا آلى منها بالطلاق ثم قال للأخرى قد أشركتك معها، فعندنا لا ينعقد يمينه أصلا لما مضى، وعندهم إن قال أردت أنت أيضا إن أصبتك كالأولى طالق، فقد علق بإصابتها طلاقا آخر يقع على الأولى. وإن قال معناه وأنت أيضا إن أصبتك فأنت طالق، كان موليا ههنا، لأنه منع نفسه من وطي الثانية إلا بضرر إما طلاق هذه أو طلاق الأولى طلقة، فقد صار موليا عند من أجاز الايلاء بغير اسم الله. إذا قال إن أصبتك فأنت زانية لم يكن موليا عندنا، لأنه ما حلف بالله، وعندهم لأنه لا ضرر عليه بإصابتها بعد التربص، لأنه لا يكون بإصابتها قاذفا، لأن القذف

[ 126 ]

احتمل الصدق والكذب، وهنا يقطع على كذبه لأنه علق قذفها بصفة، وإن كانت زانية فلا تكون بوجود الصفة زانية، وإن كانت عفيفة فلا تصير بوجود الصفة زانية فبان كذبه فيما قال. ولأن قوله أنت زانية إخبار عن أمر ماض، وقوله إن قربتك فأنت زانية، صفة في المستقبل، والأخبار الماضية لا تصح تعليقها بالصفة المستقبلة. إذا قال والله لا أصبتك سنة إلا مرة لم يكن موليا لأن المولي من لا يمكنه الفيئة بعد التربص إلا بضرر، وهذا لا ضرر عليه متى وطئها، لأنه متى وطي صادف الوطي الذي استثناه مرة ولم يدخله تحت عقد اليمين، فلهذا لا يكون موليا، فمتى وطئها بعد هذا انعقدت اليمين، لأنه علقه بصفة وقد وجدت، فكأنه الآن حلف لا وطئها. ثم ينظر فيما بقي من السنة، فإن بقي منها مدة التربص فهو مول يتربص به ويوقف، وإن كان الباقي لا يكون مدة التربص، فقد زالت الايلاء يعني لا يتربص لكنه متى وطي قبل انقضاء السنة حنث في يمينه. إذا قال إن أصبتك فوالله لا أصبتك، لم يكن موليا عندنا وعندهم، لأنه إنما علق الايلاء بصفة ومتى علق الايلاء بصفة ما حلف، فهو كقوله إن دخلت الدار فوالله لا أصبتك لم يكن موليا، لأنه يمتنع من وطيها بغير يمين ومتى أصابها صار الآن موليا كأنه حلف الآن: لا أصابها، ويتربص ههنا بكل حال، وفي التي قبلها يفتقر إلى تفصيل فيما بقي من السنة، لأنه عقد المدة بالسنة، وههنا أطلق فكانت على التأبيد، فكان موليا بغير تقسيم. إذا حلف لا أصابها لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يطلق أو يعلقه بمدة أو بفعل فإن أطلق فقال والله لا أصبتك كان موليا، لأن إطلاقه يقتضي التأبيد. فإن قال والله لا أصبتك أبدا كان تأكيدا وفي هذا المعنى لو قال ما عشت أو عشت أو عشنا كل هذا مؤبد، لأن التأبيد أن لا يطأها أبدا والأبد في حقه مدة حياته وفي حقها مدة حياتها.

[ 127 ]

وإن علقه بمدة نظرت فإن زادت على أربعة أشهر كان موليا، وإن كانت أربعة أشهر فما دونها لم يكن موليا. وأما إن علقه بفعل، فالأفعال على خمسة أضرب: ضربان يكون موليا فيهما وثلاثة لا يكون كذلك فاللذان يكون موليا فيهما: أحدهما أن يعلقه على فعل يقطع أنه يزيد على أربعة أشهر كقوله حتى تقوم الساعة، لأن الساعة وإن كانت لا بد من أن تقوم، فإن قبلها أشراطا كخروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، فهو يقطع أن هذا لا يكون إلى أربعة أشهر. وفي هذا المعنى إذا كان بالعراق فقال حتى أمضى إلى الصين وأعود، فكل هذا وما في معناه يقطع على أنه لا يمكن في أربعة أشهر. الثاني ما لا يقطع على تأخيره، لكن الغالب منه التأخير، كقوله حتى تخرج الدجال، وينزل عيسى، وتظهر الدابة، وتطلع الشمس من مغربها، فكل هذا يغلب على الظن أنه لا يكون إلى أربعة أشهر فيكون موليا وعقد الباب فيه ما يغلب على الظن أنه لا يكون إلى أربعة أشهر. فأما الثلاثة التي لا يكون بها موليا أحدها يقطع على أنها لا تبلغ إلى أربعة أشهر كقوله حتى يبين هذا السواد، ويفسد هذا البقل، ويجف هذا الثوب، فلا يكون موليا كقوله يومين إلى أو ثلاثة. الثاني ما يغلب على الظن أنه لا يكون إلى أربعة أشهر، وإن جاز أن يمتد أكثر مثل أن يكون له عادة بالزيارة يخرج ويعود في الغالب بعد شهر ونحو هذا، أو يكون بقالا يخرج إلى السواد ويعود في كل مديدة ويبيع ويرجع فلا يكون موليا لأنه وإن جاز أن يتأخر فالغالب ألا يتأخر. الثالث ما احتمل المدة الطويلة وغيرها من غير ترجيح، كقوله حتى يرجع فلان من غيبته، وقد غاب إلى البصرة أو الكوفة، وهذه البلاد في العادة يحتمل المدة الطويلة، ويحتمل الاسراع، وهكذا حتى يمرض فلان، حتى يموت فلان، حتى

[ 128 ]

يشاء فلان، لأنه لا يمتد، أربعة أشهر قطعا ولا غالبا، فلا يكون موليا بالأمر المحتمل. وكل موضع قلنا يكون موليا يتربص أربعة أشهر فإذا انقضت، فإما أن يفيئ أو يطلق، وكل موضع قلنا لا يكون موليا لم يتربص ولم يوقف سواء طالت المدة أو لم تطل، لأنه إذا لم يكن موليا كان كمن امتنع بغير يمين، فلا يحكم عليه بالايلاء أبدا. وجملته أن الايلاء لا ينعقد حتى يكون على مدة تمتد أكثر من أربعة أشهر قطعا أو غالبا فأما ما لم يمتد إليها قطعا أو لا يمتد إليها غالبا أو ينقسم الأمر من غير ترجيح فلا يكون موليا. وإن قال حتى تفطمي فإن علقه بمدة الرضاع ومدتها حولان، عندنا لا يكون موليا، وعندهم يكون موليا، وإن علقه بفصلها وهي متى فعلت الفطام فإنها قد تفطمه إلى أربعة أشهر وأقل وأكثر. وإن علقه بحملها ففيه ثلاث مسائل: أحدها يكون على صفة قد تحبل وقد لا تحبل، وهي التي من ذوات الأقراء يجوز أن تحبل بعد يوم أو شهر أو سنة، ولا ترجيح، فلا يكون موليا. الثانية ما يمكن أن تحبل لكن الغالب أنها لا تحبل إلى أربعة أشهر، وهي التي لها تسع سنين، فلا يكون موليا، لأن الغالب ألا تحبل إلى أربعة أشهر. الثالثة ما يقطع أنها لا تحبل إلى أربعة أشهر، وهي الصغيرة التي لها ست وسبع وثماني، والآيسة من الحبل، فيكون موليا لأن العلم يحيط بأن الحبل منها لا يكون إلى أربعة أشهر، فلهذا كان موليا. إذا قال: والله لا أقربك إن شئت، فهو إيلاء بصفة، والصفة مشيتها أن لا يقربها لأنه علقه بصفة ينعقد بها، والصفة التي ينعقد بها مشيتها ألا يقربها، وهو الأصل لأن كل حكم علق بصفة كانت الصفة على الوجه الذي علق بها، فلما قال لا أقربك إن شئت، فقد علق الامتناع من قربها بمشيتها، فكانت المشية ألا يقربها.

[ 129 ]

فإذا ثبت هذا نظرت، فإن لم تشأ لم ينعقد الايلاء، لأن الصفة ما وجدت، وإن شاءت في غير وقت المشية لم ينعقد لأن الصفة ما وجدت، وإن شاءت في وقت المشية انعقد الايلاء لوجود الصفة. فإذا ثبت ذلك فإن شاءت في المجلس بحيث يكون كلامها جوابا لكلامه صح كالقبول في البيع، وفيهم من قال في المجلس، وفيهم من قال ما لم يتفرقا، والأول أقوى عندنا إذا أجزنا تعليق الايلاء بشرط، وإن قلنا إن ذلك لا يصح كالطلاق والظهار والعتاق فالايلاء لا يصح من أصله. وإن قال والله لا قربتك إن شئت أن أقربك، فقد علق الايلاء بصفة هي صفة في التي قبلها، فإن إطلاق الصفة إن شاء لا يقربها، فقد عدل من إطلاقها إلى أن قيد الصفة لأن تكون المشية أن يقربها، فتحقيق هذا أنه قصد المكابدة يعني إن شئت أن أقربك فوالله لا فعلت. فإذا تقرر هذا فالصفة وإن كانت تخالف تلك الصفة، فهما سواء: إن لم تشأ لم ينعقد الايلاء وإن شاءت في غير وقت المشية لم ينعقد، وإن شاءت في وقت المشيئة انعقد في وقت المشية على ما مضى بيانه. فرع هذه المسألة. إذا قال: والله لا أقربك إلا أن تشائي فهو إيلاء مطلق، فقد علق حكمه، ومنع انعقاده بالصفة، فإنه استثناء في النفي فكان معناه إلا أن تشائي أن أقربك. فإذا ثبت هذا فإن شاءت في غير مدة المشية أو لم تشأ أصلا فالايلاء منعقد، لأنه ما وجد شرط حلها، وإن شاءت في وقت المشيئة انحلت الايلاء ولم ينعقد، لأنه وجد الشرط المانع من انعقادها ويفارق المسئلتين قبلها، لأن الصفة موضوعة لانعقادها وهذه الصفة معقودة لحلها - فرع آخر: إن قال والله لا أصبتك إلا برضاك، لم يكن موليا لأنه أحسن إليها في أن جعل الوطي موكولا إلى رضاها، ولأن المولي من يوقف بعد التربص فيطالب بالفيئة أو بالطلاق، وهذا لا يمكن ههنا، لأنه إذا وقف وطولب بالفيئة فقد رضيت بالوطي

[ 130 ]

فانحلت اليمين، فلا يكون موليا. ويفارق إذا قال إلا أن تشائي، لأن المشية لا يمكن أن توجد بعد التربص فإنها إنما تصح في الخيار، والرضا ليس على الفور فبان الفصل بينهما. كل موضع حكمنا بأنه مول فالرضى والغضب فيه سواء وقال قوم إن حلف حال الرضا لم يكن موليا. إذا قال والله لا أقربك حتى أخرجك من هذا البلد، لم يكن موليا لأن المولي من لا يمكنه الفيئة بعد التربص إلا بضرر، ولا ضرر عليه هيهنا، فإنه يخرجها منه فإذا فارقت البنيان والمنازل بر في يمينه. إذا قال لأربع نسوة له: والله لا أقربكن فقد حلف لا وطي الأربع كلهن، فلا يحنث حتى يطأهن كلهن، كما لو حلف لا كلمت زيدا وعمرو وخالدا وبكرا لم يحنث حتى يكلم الكل. فإذا ثبت هذا فهو غير مول في الحال منهن، لأن المولي من لا يمكنه الفيئة إلا بضرر، ولا ضرر عليه ههنا في ابتداء الوطي في واحدة منهن، لأنه لا يحنث بوطيها فلهذا لم يكن موليا في الحال. فعلى هذا لو وطي واحدة أو اثنتين أو ثلاثا لم يحنث، لأنه لم يخالف ما يتناوله عقد يمينه، لكنه صار الآن موليا عن الرابعة لأنها هي التي قد تعين الحنث بوطيها فيكون كأنه آلى منها الآن، فيضرب له المدة، فإذا انقضت وقف ليفئ أو يطلق، فهذا فقه المسألة. فإذا ثبت هذا، لو وطي منهن اثنتين خرجتا من حكم الايلاء، لأنه لم يحنث بوطيهما فلو كرر الوطي فيهما أو لم يكرر الباب واحد، فقد خرجتا من هذه اليمين. وتعلقت اليمين في الباقيتين، متى وطي واحدة منهما تعلق الحنث بوطي الباقية. ولو طلق ثلاثا منهن كان الايلاء قائما في الباقية، لأن الطلاق لا يحل اليمين ولا يبطلها لأنه تتعلق بأعيانهن لأن الوطي ما حرم، فإنه يمكن وطيهن بشبهة أو بفجور أو بملك اليمين، فيتعلق الحنث في الباقية فلهذا كان حكم الايلاء باقيا على

[ 131 ]

معنى ما قلناه في أصل المسألة، يعني باقيا في التي يتعلق الحنث بوطيها. وإن ماتت واحدة منهن انحلت اليمين،، لأن الحنث إنما يقع بوطي الأربعة كلهن، فإذا ماتت واحدة منهن لم يمكنه وطي الأربع، وكان له وطي الباقي، ولا يحنث، لأن الميتة لا حكم لوطيها في حقها، بل يجب عليه الغسل والحد في قول من أوجب عليه الحد عندنا، وعند غيرنا، وأما هي فلا يتعلق بها حكم من أحكام هذا الوطي، لأنه لو وطي الثلاث البواقي ثم وطي هذه الميتة لم يحنث، لتعذر الحنث فإذا تعذر الحنث سقط حكم الايلاء، كما لو حلف لا وطي خمسة أشهر فدافع أو هرب حتى مضت كلها خرج من حكم الايلاء لتعذر الحنث. ويفارق إذا طلق ثلاثا لأن الايلاء باق في الباقية، فإن الحنث ما تعذر، وهو أن يطلق المطلقات فتعلق الحنث بوطي الباقية، فلهذا كان الايلاء باقيا فيها، وهيهنا قد تعذر الحنث، لأنه لا يتعلق الحنث بوطي الميتة، فبان الفصل بينهما. إذا قال والله لا قربت واحدة منكن، كان موليا عنهن كلهن لأن بقوله لا أقرب واحدة منكن قد منع نفسه من كل واحدة منهن، بدليل أنه متى وطي واحدة منهن حنث في يمينه، ويفارق هذه المسألة الأولى، لأنه لا يحنث بوطئ واحدة ولا بوطي ثلاث فلهذا لم يكن موليا في الحال عنهن كلهن. فإذا ثبت أنه مول عنهن كلهن في الحال ضربنا له المدة، فإذا انقضت وقف لهن كلهن ليفئ أو يطلق، فإن طلق واحدة أو ثلاثا كان الايلاء ثابتا في الباقية، وإن وطي واحدة حنث وانحل الايلاء في البواقي. والفصل بين الفيئة والطلاق هو أن اليمين لا ينحل بالطلاق، لأن الحنث لا يقع به، فلهذا كان الايلاء قايما فيمن لم يطلقها، وليس كذلك الفيئة لأنه لما وطي واحدة منهن حنث في يمينه، لأنه منع نفسه عن وطي واحدة شايعة منهن لا بعينها فأيتهن وطئها كانت التي آلى منها ومنع نفسه عنها، وانحلت اليمين في البواقي، لأنه إذا حنث مرة لم يعد الحنث مرة أخرى فبان الفصل بينهما. فإن حلف لا وطي واحدة منهن ثم قال نويت فلانة لواحدة بعينها تعين الايلاء

[ 132 ]

فيها وكان القول قوله مع يمينه، لأن اليمين تناولت في الظاهر واحدة منهن لا بعينها فإذا عينها أمكن ما يقوله، فلهذا قبل منه، وقال قوم يقبل في الباطن دون الظاهر، و الأول أصح عندنا. فرع: إن قال والله لا أقرب كل واحدة منكن كان موليا عنهن وعن كل واحدة منهن كما لو أفرد كل واحدة باليمين، وتفارق هذا والله لا أقرب واحدة منكن، لأنه إنما منع نفسه عن وطي واحدة لا بعينها، فلهذا كان موليا عنهن، ولم يكن موليا عن كل واحدة منهن. فإذا تقرر هذا وأنه مول عن كل واحدة منهن، فإنا نضرب له المدة، فإذا انقضت وقف ليفئ أو يطلق، فلو طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، فقد وفى المطلقة حقها من هذه المدة، وكان الايلاء قائما في البواقي، فإن وطي انحلت الايلاء في حق التي وطئها، وكان الايلاء قائما في التي لم يطأها، لأنه منع نفسه عن وطي كل واحدة منهن نطقا، فلهذا لم ينحل اليمين بوطي بعضهن. وليس كذلك إذا قال لا أقرب واحدة منكن، فوطي واحدة، انحلت اليمين في الكل، لأنه إنما منع نفسه من وطي واحدة لا بعينها، فإذا وطي واحدة فقد عينها بالوطي، فانحلت اليمين في البواقي. ألا ترى أنه لو قال والله لا كلمت أحد هذين الرجلين، فإذا كلم واحدا منهما حنث، وانحلت اليمين في الثاني، ولو قال والله لا كلمت كل واحد من هذين الرجلين فكلم واحدا منهما حنث فيه وكانت اليمين باقية في الآخر، وكان الفصل بينهما ما ذكرناه.

[ 133 ]

(فصل) (في التوقيف في الايلاء) إذا آلى من امرأته تربص أربعة أشهر لا مطالبة عليه، لقوله تعالى (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر) (1) فإذا ثبت أن لا مطالبة قبل انقضائها، فإذا انقضت المدة وقف ليفئ أو يطلق، فإن فاء خرج من حكم الايلاء، وإن طلقها فقد وفاها حقها لهذه المدة، وإن امتنع من الفيئة ومن الطلاق حبس عندنا وضيق، على ما مضى، ولا يطلق عليه السلطان، وقال بعضهم يطلق. فإذا انقضت المدة فعفت عن المطالبة فإن لها المطالبة بحقها بالفيئة أو بالطلاق عقيب عفوها، ولا يسقط ذلك بعفوها، لأن المطالبة وجبت لها بالامتناع من الجماع بعقد يمين، وهذا يتجدد حالا فحالا، وزمانا بعد زمان، فإذا عفت صح فيما وجب لها، ولم يصح فيما سيجب لها. إذا آلى من زوجته الأمة، ضربنا له المدة كالحرة، فإذا انقضت وقف لها وكانت بالخيار بين المطالبة وترك المطالبة، لا حق لسيدها فيه، مثل الرد بالعيب، وحقها من القسم، وهكذا ولي المعتق بعد انقضاء المدة لا مطالبة له لأنه حق لها، لكن يقال للزوج اتقي الله ووفها حقها بفيئة أو طلاق، فقد توجه عليك، لكن قد تعذر بالمطالبة فإن فعل فقد أحسن، وإن أبى فلا مطالبة عليه لغير زوجته. رجل له امرأتان زينب وعمرة، فقال لزينب إن قربتك فعمرة طالق، عندنا لا يكون موليا لأنه ما حلف بالله، وعند من أجازه قال قد آلى من زينب، لأنه لا يمكنه وطيها بعد التربص إلا بضرر، وهو وقوع الطلاق على عمرة، فهو مول منها وأما عمرة فما آلى منها، لأنه علق طلاقها بصفة هي وطي ينب ومتى وطي عمرة فلا ضرر عليه في وطيها، فلهذا لم يكن موليا منها.

(1) البقرة: 226

[ 134 ]

وأما زينب فتتربص ثم يوقف لها فإن فاء طلقت عمرة، وإن طلقت فإن كان رجعيا فالايلاء بحاله متى راجعها، وإن كان باينا ثم تزوج بها نظرت، فإن كان بدون الثلاث عاد، وإن كان بالثلاث لم يعد، وقال بعضهم يعود بكل حال وقال آخرون لا يعود بكل حال فأما صفة طلاق عمرة، فهي ثابتة بحالها لم يتغير حكمها بزوال نكاح زينب، فمتى وطي زينب طلقت عمرة سواء كان الايلاء ثابتا أو زايلا. فإن طلق عمرة طلقة رجعية ثم راجعها فصفة الطلاق بحالها، والايلاء بحاله، وإن أبانها ثم تزوجها فهل يعود حكم الصفة أم لا؟ نظرت فإن أبانها بدون الثلاث عادت الصفة، وعند بعضهم لا يعود، وإن أبانها بالثلاث لم تعد، وقال بعضهم يعود، فكل موضع عادت الصفة عاد الايلاء، وكل موضع لم تعد الصفة انحل الايلاء. وهذا قد سقط عنا لما بيناه من أن الايلاء بغير اسم الله لا ينعقد، وأن الطلاق بشرط لا يصح. إذا آلى من زوجته الأمة ثم اشتراها انفسخ النكاح ثم أعتقها ثم تزوجها فهل يعود حكم الايلاء أم لا؟ وكذلك لو كان الزوج عبدا تحته حرة فاشترته انفسخ النكاح فأعتقته ثم تزوجت به فهل يعود حكم الايلاء أم لا؟ عندنا لا يعود، لأنه لا دليل عليه ولأن هذه زوجة أخرى وقال بعضهم يعود، والكلام في الطلاق والظهار هل يعود أم لا؟ كان كالايلاء حكم واحد. إذا آلى من زوجته تربص أربعة أشهر بكل حال، لا يختلف ذلك بالرق والحرية، سواء كانت حرة تحت عبد، أو أمة تحت حر، وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. إذا آلى من زوجته تربص أربعة أشهر ثم وقف لها، فإن اختلفا في المدة فقالت قد انقضت وقال ما انقضت، فالقول قوله مع يمينه، لأن الأصل أنها ما انقضت، و كذلك إن اختلفا في ابتداء المدة لأن الأصل أن لا يمين. إذا آلى من الرجعية صح الايلاء لأنها في حكم الزوجات بلا خلاف، فإذا ثبت صحته فإن المدة لا يحتسب عليه ما دامت في العدة، عند من قال إنها محرمة الوطي

[ 135 ]

وقال بعضهم يحسب عليه لأنها مباحة الوطي وهو مذهبنا، فمن قال إنها غير محرمة ما دامت في العدة، فمتى راجعها ضرب له المدة من ذلك الوقت، لأن اليمين قائمة، وعندنا يحسب من وقت اليمين. الايلاء بالذمية كصحتها في المسلمة الحرة والأمة، إذا كانت زوجة، لعموم الآية. إذا انقضت المدة وطولب بالفيئة أو الطلاق، فقال أنا أفئ لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون قادرا على الفيئة أو عاجزا عنها، فإن كان قادرا عليها ففيئة القادر الجماع فإن فاء فقد خرج من حكم الايلاء، وإن كان معذورا من مرض أو حبس فاء فيئة العاجز المعذور، وهي باللسان وهو أن يقول ندمت على ما فعلت، فمتى قدرت جامعت، لأن الفيئة عليه بحسب القدرة، فإذا فعل هذا فقد فعل ما قدر عليه. فإن طلق أو فاء فيئة القادر أو العاجز سقطت عنه المطالبة، وإن امتنع من كل هذا، فهل يطلق عليه السلطان؟ على ما مضى، وإن فاء فيئة المعذور، ثم قدر على فيئة القادر طولب بالفيئة، فإما أن يفئ فيئة القادر أو يطلق. إذا آلى منها ثم وطئها عندنا عليه الكفارة، سواء كان في المدة أو بعدها، وقال قوم إن وطئها قبل المدة فعليه الكفارة، وإن وطيها بعدها فلا كفارة عليه، وهو الأقوى. إذا وقف في المدة فاختار الفيئة، وقال أمهلوني، أمهل بلا خلاف، وكم يمهل؟ قال قوم يمهل ثلاثة أيام، وقال قوم آخرون يمهل على ما جرت به العادة، إن كان جائعا حتى يأكل، وإن كان شبعانا حتى يمرئه، وإن كان في الصلاة حتى يصلي وإن كان نائما حتى ينتبه، وإن كان ساهرا حتى ينام ويذهب سهره، وجملته أنه يصبر عليه بحسب ما لا يخرج عن العادة في الجماع على العرف المألوف، وهذا الذي نختاره. إذا انقضت المدة وهناك عذر يمنع من الجماع، مثل الحيض والنفاس أو الصوم أو الاحرام أو الاعتكاف الواجب أو مرض بها أو جنون فإذا كانت هذه الأعذار من جهتها لم يتوجه عليه المطالبة، لأنه تعذرت الفيئة بسبب من جهتها، وإن كانت الأعذار من جهتها مع أول المدة حين يمينه لم تضرب المدة، ما دامت قائمة، لأن

[ 136 ]

المدة إنما تضرب إذا امتنع من جماعها بعقد يمين، وهيهنا قد حصل المنع بغير يمين. هذا في جميع هذه الأعذار إلا الحيض فإنه لو آلى منها وهي حايض، لم يمنع الحيض من ابتداء المدة، وأما إن وجدت الأعذار في أثناء المدة، قطعت الاستدامة أيضا كما منعت الابتداء. والفصل بين الحيض وبين غيره أن الحيض لو منع الابتداء أو قطع الاستدامة أدى إلى أن لا يتم تربص واحد في غالب العرف، فإن العرف أن تحيض المرأة في كل شهر حيضة، فيفضي إلى منع التربص بكل حال، وإذا ثبت أنه يقطع الاستدامة ويمنع الابتداء فمتى زالت هذه الأعذار استأنف ولم يبن على ما مضى، لأن من شأن هذه المدة المتابعة، مثل صوم كفارة الظهار والقتل والجماع. هذا إذا كانت الأعذار من جهتها، فإن كانت من جهته، فالذي يكون من جهته الصوم والاحرام والاعتكاف الواجب والحبس والمرض، فإذا كانت موجودة فآلى منها ضربنا له المدة، ولم تمنع هذه الأعذار من ضرب المدة في حقه، لأن الذي عليها التمكين وقد فعلت، وهكذا الحكم إذا كانت الأعذار معدومة في الابتداء فضربت المدة ثم حدثت في أثناء المدة فإنها لا يقطع الاستدامة أيضا لما مضى. هذا في كل هذه الأعذار منهما إلا في شيئين منها ارتداد منهما أو من أحدهما أو طلاق رجعي فإن هذين يمنع كل واحد منهما الابتداء، ويقطع الاستدامة، لأن المدة إنما يضرب في زوجية كاملة وهذه ناقصة، لأنها تجري إلى بينونة. فأما إن وجدت الأعذار من جهته عند انقضاء المدة نظرت، فإن كان مرضا أو حبسا بغير حق فهذا معذور يفئ فيئة المعذور، فإن فاء فيئة معذور أو طلق فقد خرج من حكم الايلاء، وإن امتنع منهما فهل يطلق عليه الحاكم؟ على ما مضى من الخلاف. فأما إن كان محبوسا بحق بدين عليه، وهو قادر على الخروج منه، فهذا قادر على الفيئة لكنه يمتنع ظلما، فإن عليه أن يقضي الحق ويخرج فإذا لم يفعل فقد ترك فيئة القادر مع القدرة عليه، فيقال إما أن تقضي الحق وتفئ أو تحملها إليك إلى الحبس أو تطلق، فإن لم يفعل فعلى ما مضى من الخلاف.

[ 137 ]

وإذا آلى منها وهو غايب صح الايلاء لعموم الآية، ويكون المدة محسوبة عليه، وهكذا لو آلى وهو حاضر ثم غاب، لأن العذر من جهته، وعلى مذهبنا لا يمكن أن تحسب المدة عليه، لأنا بينا أن المدة تكون من حين الترافع، وهذا لا يتم مع الغيبة إلا إذا بلغ المرأة، فارتفعت إلى الحاكم وضرب لها المدة، فإنه يصح ذلك. فإذا ثبت أنه يتربص فإذا انقضت المدة حلت عليه المطالبة، فإما أن يوكل في المطالبة عنها فللوكيل مطالبته بالفيئة أو بالطلاق، فإن طلق فقد أوفاها حقها، وإن لم يطلق طولب بالفيئة بحسب القدرة، فإن امتنع كان حكمه ما تقدم. وإن فاء فيئة المعذور قيل له إما أن تسير إليها فتفئ هناك وإما أن تستدعيها إليك فأيهما فعل جاز. هذا إذا كان الطريق مسلوكا فأما إن كان مخوفا قيل له عليك المسير متى قدرت عليه. إذا آلى منها ثم جن فالمدة محسوبة عليه، لأن العذر من جهته في زوجية تامة، فإذا انقضت المدة والجنون بحاله لم يوقف، لأنه غير مكلف، فمتى عاد عقله وقف مكانه، لأن العذر قد زال. وإذا آلى ثم أحرم أو أحرم ثم آلى صح الايلاء واحتسب عليه المدة، لأنه آلى في زوجية تامة، والعذر من جهته، فإذا انقضت وهو على الاحرام طولب فإن طلق فقد وفاها حقها، وإن قال أنا أفئ قلنا لا يسوغ لك الفيئة، لأنك تفسد العبادة ويجب عليك الكفارة، ثم ينظر فإن أقدم على الفيئة فقد وفاها حقها، وخرج من الايلاء، وأفسد الاحرام، وعليه ما يلزمه من الكفارة وفساد الحج والعمرة. وإن قال أمهلوني حتى أحل وأفئ الآن فيئة معذور، قلنا ليس لك ذلك، لأن العذر من جهتك، وليس كذلك المرض، فإنه من جهة الله تعالى وعندي أنه يقبل منه فيئة المعذور. إذا تظاهر منها وعاد ثم آلى أو آلى ثم ظاهر صح الايلاء، لأنه صادف زوجية تامة، والمدة محسوبة، لأن العذر من جهته، فإذا انقضت وقف، فإن طلق فقد وفاها

[ 138 ]

حقها، وإن قال أنا أفئ قلنا لا نفتيك بالفيئة قبل التكفير، لأنها محرمة عليه قبل أن يكفر. فإن قال أمهلوني حتى اكفر قال قوم يمهل يومين أو ثلاثة لأنه وقت قريب فإن لم يكفر وأراد الوطي قلنا هو حرام عليك، لكن إن طلبت ذلك كان عليها أن تمكنه منه، لأنه لا يجمع لها بين المطالبة والامتناع، وتحقيقه أن الحرام عليه دونها فليس لها أن يمتنع من أمر هو غير محرم في حقها. وإذا ادعى الإصابة فأنكرت لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون ثيبا أو بكرا فإن كانت ثيبا فالقول قوله، لأن قولهما ممكن، والأصل بقاء العقد، فالقول قوله مع يمينه، وإن كانت بكرا أريت أربع نساء قوابل عدول، فإن قلن ثيب فالقول قوله مع يمينه، لما مضى، وإن قلن بكر فالقول قولها، لأن الظاهر معها، لأن الأصل بقاء البكارة، وعدم الوطي، وعندنا أن هذا القسم لا يصح لأنه لا إيلاء عندنا إلا بعد الدخول. إذا آلى منها ثم ارتدا أو أحدهما لم تحسب المدة عليه، لأنها إنما تحسب إذا كان المانع من الجماع اليمين، وهيهنا المانع اختلاف الدين، ولأنه لا يمكن الفيئة بعد التربص ولا الطلاق. فإذا ثبت أن المدة انقطعت، فإن اجتمعا على الاسلام قبل انقضاء العدة، فقد عادا إلى ما كانا عليه، ويستأنف المدة من حين العود، وإن كان الرجوع بعد انقضاء العدة، فقد وقع الفسخ بانقضاء العدة، وله أن يتزوج بها، فإن تزوجها بعد حصول الفسخ فهل يعود حكم الايلاء أم لا؟ فقد مضى عندنا أنه لا يعود حكمه، وعند بعضهم يعود. فأما إن بانت بالخلع فإن مدة الايلاء قد انقطعت، فإن نحكها بعد هذا عندنا أنه لا يعود حكمه، وعند بعضهم يعود. الفيئة التي يخرج بها المولي من حكم الايلاء التقاء الختانين، فالتقاؤهما أن تغيب الحشفة في الفرج، لأن كل حكم يتعلق بالوطي فبالتقاء الختانين يتعلق، كالغسل

[ 139 ]

والحد، واستقرار المهر، ووجوب العدة والاحصان، والاباحة للزوج الأول، وإفساد العبادات ووجوب الكفارة، والخروج من حكم العنن. فإذا ثبت هذا فإذا تربص المولي وقفناه فإما أن يفئ أو يطلق، فإن طلق فلا كلام وإن فاء بما قلناه، فقد خرج من حكم الايلاء. فإن لم يفعل شيئا من هذا وقال أنا عاجز، لم يخل إما أن تكون بكرا أو ثيبا فإن كانت بكرا فعندنا لا يصح إيلاؤه وعندهم أقر بالعنة فيكون القول قوله، لأنه أعرف بنفسه مع يمينه، لئلا يكون كاذبا فيما يدعيه، وإنما قصد إلى الاضرار بها. فإذا حلف قيل له إذا عجزت عن فيئة القادر فعليك أن تفئ فيئة المعذور كالمريض فإذا فاء فيئة معذور سقطت المطالبة عنه، ويقال لها لك أن تسألي الحاكم أن يضرب له مدة للعنة فإذا ضرب ذلك عليه تربص سنة، فإن وطي وإلا كان لها مطالبة الحاكم بالفسخ، ومنهم من قال إذا أقر بالعجز تعين عليه الطلاق. هذا إذا كانت بكرا فإن كانت ثيبا نظرت، فإن لم يكن وطئها في هذا النكاح فالحكم فيه كما لو كانت بكرا وقد مضى حرفا بحرف، وإن كان قد وطئها فيه، فإذا أقر بالعجز لم نجعله عنينا، لأن الرجل يكون عنينا في نكاح دون نكاح، وزوجة دون زوجة فأما في نكاح واحد يطأ ثم يصير عنينا فيه، فلا يكون ولا يقبل منه، ويقال له إما أن تفئ أو تطلق، فإن طلق فلا كلام، وإن فاء فلا كلام، وإن امتنع فعلى ما مضى من الخلاف. إذا ثبت أنه يخرج من حكم الايلاء بالتقاء الختانين، فإن كان الوطي مباحا فلا كلام، وإن كان محرما مثل أن كانت حايضا أو نفساء أو محرمة أو صائمة، أو كان هو محرما أو صائما خرج به أيضا من حكم الايلاء، لأن الأحكام التي يتعلق بالوطي في النكاح الصحيح لا يفترق الحكم فيها بين أن يكون مباحة أو محظورة، كالاحصان والاباحة للزوج الأول. إذا آلى منها وهو صحيح ثم جن فالمدة محسوبة عليه، لأن العذر من جهته في زوجية تامة، فهو كما لو هرب أو مرض، فإذا انقضت المدة وهو مجنون فلا مطالبة

[ 140 ]

عليه، لأنه ليس بمكلف، فإن أفاق وقف في الحال، لأن العلة زالت. فإن فاء أو طلق فلا كلام، وإن امتنع فعلى ما مضى، وإن وطئها في حال جنونه لم يحنث، وخرج من حكم الايلاء، لأن الإصابة قد حصلت، وإنما فقد فيها القصد وفقد القصد لا يمنع من الخروج بها من حكم الايلاء، ألا ترى أنه لو كان له زوجتان فآلى من إحداهما، ثم وجدها على فراشه، فوطئها ظنا منه أنها غير التي آلى منها خرج من حكم الايلاء، لوجود الإصابة، وإن كان القصد مفقودا. ويفارق الحنث لأن الحنث يتعلق به حق الله تعالى، فاعتبر فيه القصد، فلهذا عدم بفقد القصد، ألا ترى أن الذمية إذا كانت تحت مسلم فانقطع دم حيضها، كلفت الاغتسال، فإذا فعلت حل له وطيها، وإن كان هذا الغسل لا يجزيها في حق الله، وإن أجزأ في حق الآدمي. وقال بعضهم لا يخرج بهذا الوطي من حكم الايلاء، لأنه وطي لم يحنث به كالوطي فيما دون الفرج، والأول أقوى عندنا. فإذا تقرر هذا فمن قال يخرج من حكم الايلاء لأنه وطي، قال انحلت اليمين فإذا أفاق لم يطالب بالفيئة ولا بالطلاق لأنه وفاها حقها، لكن يقال أنت حالف لأنك ما حنثت، ولكن غير مول لأنه لا مطالبة عليك، فمتى وطي وجبت عليه الكفارة، ويقوى عندنا أنه لا كفارة عليه، لأن يمينه قد انحلت. ومن قال لم يخرج من حكم الايلاء قال إذا أفاق هذا فما حكمه؟ فيه وجهان أحدهما يوقف في الحال، فإن فاء أو طلق فلا كلام، وإن امتنع فعلى ما مضى، والوجه الثاني أنه تستأنف له مدة من حين إفاقته، لأن ذلك الوطي وإن لم يخرج فيه من حكم الايلاء، فقد أوفاها حقها به لتلك المدة، فهو كما لو طلقها طلقة رجعية ثم راجعها، فإنه يستأنف له مدة أخرى. هذا إذا أصابها حال جنونه، فأما إن آلى منها ثم جنت هي فإما أن تقر في يده، أو تفر منه، فإن فرت وهربت لم تحسب المدة عليه، لأن العذر من جهتها كما لو نشزت العاقلة، وإن كانت في قبضته فالمدة محسوبة عليه، لأنه متمكن من وطيها،

[ 141 ]

كما لو كانت عليلة. فإذا انقضت المدة وهي مجنونة لم يوقف ولا مطالبة عليه في حقها، لأن الحق يختص بها، وليست من أهل المطالبة به، لكن يقال له اتق الله ووفها حقها بطلاق أو وطي، فإن طلق فلا كلام، وإن وفاها حقها بالوطي، حنث هيهنا لأنه عاقل قاصد إلى المخالفة. الايلاء يصح من الذمي كما يصح من المسلم لعموم الآية، وقال قوم لا يصح منه الايلاء فإذا ثبت ذلك وترافع ذميان إلينا، قال قوم على الحاكم أن يحكم بينهما لقوله تعالى " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " (1) وقال آخرون هو بالخيار لقوله تعالى " فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " (2) وهو الأظهر في رواياتنا. إذا كان العربي يحسن العربية والعجمية معا فآلى منها بأي لغة شاء، فقد صح الايلاء، لأن اليمين بالله ينعقد بكل لسان. وإن كان لا يحسن العجمية في الظاهر فأتى بكلمة الايلاء بالعجمية، سألناه فإن قال هذه كلمة الايلاء كنت أعرفها وقد آليت بها، صح الايلاء لما مضى، وإن قال ما عرفت معناه، وإنما تكلمت لأني سمعتها من العجم، فالقول قوله، ولا يكون موليا لأن الظاهر أنه لا يعرفها، فهو كمن سبق لسانه إلى كلمة بغير قصد، ويكون القول قوله مع يمينه، لجواز أن يكون عارفا باللغة. إذا تكرر الايلاء منه، فآلى ثم آلى، فإنه على ضربين أحدهما أن يطلق الايلاء فيقول: والله لا أصبتك ثم يقول: والله لا أصبتك فهما مطلقتان على التأبيد. والثاني أن تكون اليمينان مقيدتين، فيقول: والله لا وطئتك سنة، ثم يقول والله لا وطئتك سنة أو سنتين، أو نصف سنة، فمتى قيد بالمدة فلا فصل بين أن تتفق المدتان أو تختلفا، فإنهما يتداخلان. وإذا دخلت إحداهما في الأخرى، فإن أراد بالثانية تأكيد الأولى، كان على ما

(1) المائدة: 48.
(2) المائدة: 42.

[ 142 ]

أراد، لأن اليمين هي الأولى، والثانية تأكيد لها، فهو كقوله أنت طالق أنت طالق، وأراد بالثانية تأكيد الأولى. وإن أراد بالثانية الاستيناف، ونوى بها غير الأولى، فهو مول منهما بيمينين، يضرب له المدة فإذا انقضت فإما أن يفئ أو يطلق، فإن طلق خرج من حكم الايلاء عن اليمينين معا، وإن فاء خرج أيضا من اليمينين معا. وهل عليه الكفارة أم لا؟ قال قوم لا كفارة عليه، ولو حلف ألف يمين، ومن قال عليه الكفارة وهو الصحيح عندنا فهل عليه واحدة أو اثنتان؟ قال قوم كفارتان، ولو كانت مائة يمين فمائة كفارة، لأن حرمة اليمين الثانية كحرمة الأولى، وقال قوم كفارة واحدة، وهو الأقوى عندي لأن الأصل براءة الذمة. هذا إذا نوى التأكيد بالثانية أو الاستيناف فأما إن أطلق ولا نية له، فإنه أضعف من ذلك، فإن عندنا لا حكم له، ومنهم من قال كفارة واحدة، كما لو استأنف، ومنهم من قال على قولين. الخصي الذي سلت بيضتاه وبقي ذكره فهذا يولج أشد من إيلاج الفحل، و ينزل ماء رقيقا لا يكون منه الولد، وقيل إنه لا ينزل أصلا، فإذا آلى فهو كالفحل حرفا بحرف. فأما المجبوب فعلى ثلاثة أضرب إما أن بقي له ما يجامع به، أو بقي ما لا يجامع به أو بقي ما يجامع به لكنه يقول إنه لا يقدر أن يجامع به: فإن بقي ما يجامع به ويقر هو، فهو كالفحل سواء، كمن له ذكر قصير، ومن له ما يجامع به وذكر أنه عاجز عن الجماع، فهذا معترف بالعنة، وقد مضى، وقلنا إن الصحيح أنه لا يتعين عليه الطلاق، ومنهم من قال يتعين، وأما إن لم يبق له شئ بحال أو بقي ما لا يجامع به لصغره، فهل يصح إيلاؤه. قال قوم يصح لعموم الآية، وقال آخرون لا يصح، لأن الايلاء أن يقصد الاضرار بها بالامتناع من وطيها بعقد يمين، وهذا غير قادر على هذا، بل هو ممتنع بغير يمين. فمن قال لا يصح فلا كلام، ومن قال يصح يتربص أربعة أشهر ثم وقف ليفئ أو يطلق

[ 143 ]

فإن طلق فلا كلام، وإن طلبت الفيئة قلنا لا يقدر على فيئة القادر، ولكن يفئ فيئة معذور وهي أن يقول: (ندمت على ما كان مني ومتى قدرته فعلت) ههنا لا يمكنه هذا فيقول (ندمت على ما كان مني ولو كنت قادرا لفعلت) فإذا فعل هذا فقد وفاها حقها، وإن امتنع من الأمرين فعلى ما مضى من الخلاف، وهذا أقوى عندي لعموم الآية. هذا إذا آلى وهو مجبوب، فأما إن آلى ثم جب في أثناء المدة، ولم يبق له ما يجامع به، فلها خيار الفسخ في الحال عندهم، لأنه عيب ثبت لها به الخيار، فإن اختارت الفسخ فسخ في الحال، وعندنا لا خيار لها في الفسخ، وإن اختارت المقام معه فالايلاء ههنا مبني عليه، إذا كان مجبوبا في الابتداء، فمن قال الجب يمنع صحة الايلاء قطع المدة ههنا ومن قال لا يمنع قال المدة بحالها يتربص، فإذا مضت المدة وقف على ما مضى، فإن طلق أو فاء فيئة معذور فلا كلام، وإن امتنع منهما فهل يطلق عليه أم لا؟ على ما مضى من الخلاف.

[ 144 ]

(كتاب الظهار) الظهار هو أن يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، وسمي ظهارا اشتقاقا من الظهر، وإنما خص ذلك بالظهر دون البطن والفخذ والفرج وغير ذلك من الأعضاء، لأن كل بهيمة تركب فإنما يركب ظهرها، فلما كانت المرأة تركب وتغشى سميت بذلك، فإذا قال أنت علي كظهر أمي، فمعناه ركوبك علي محرم كركوب أمي، فسمي ظهارا اشتقاقا من هذا. والأصل فيه الكتاب والسنة، فالكتاب قوله تعالى " الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم " إلى قوله " فإطعام ستين مسكينا " (1) فذكر الله تعالى حكم الظهار في هذه الآيات الثلاث فذكر في الآية الأولى تحريمه، وأنه قول منكر وزور وذكر في الآية الثانية والثالثة الكفارة فأوجب فيه عتق رقبة، ثم صوم شهرين متتابعين ثم إطعام ستين مسكينا. فثبت بذلك أن للظهار حكما في الشرع، وأن الكفارة تتعلق به. وروت خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت تظاهر مني زوجي أوس بن الصامت فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله) فشكوت إليه ذلك، فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجادلني عن زوجي، ويقول إتقي الله فإنه ابن عمك، فما برحت حتى نزل قوله تعالى " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها " وتشتكي إلى آخر الآيات التي ذكر فيها الكفارة، فقال النبي صلى الله عليه وآله يعتق رقبة، فقلت لا يجد، فقال يصوم شهرين، فقلت إنه شيخ كبير ما به من صيام، فقال يطعم ستين مسكينا، فقلت له ما له شئ، قال فأتي بعرق من تمر فقلت أضم إليه عرقا آخر وأتصدق به عنه، فقال أحسنت تصدقي به على ستين مسكينا، وارجعي إلى ابن عمك. وروى سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر قال: كنت رجلا أصيب من النساء

(1) سورة المجادلة: 2 - 3

[ 145 ]

ما لا يصيب غيري، فلما دخل رمضان خفت أن أصيبها فيتتابع بي حتى الصبح، فظاهرت منها حتى ينسلخ رمضان، فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذا انكشف شئ منها، فما لبثت أن نزوت عليها. فلما أصبحت أتيت قومي فذكرت ذلك لهم وسألتهم أن يمشوا معي إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالوا لا والله، فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله) فذكرت له ذلك فقال أعتق رقبة، فقلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها وضربت بيدي على صفحة رقبتي، فقال: صم شهرين فقلت وهل أصبت ما أصبت إلا من الصيام؟ فقال أطعم ستين مسكينا، فقلت والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين مالنا طعام، فقال: اذهب إلى صدقة بني زريق فليدفعوا إليك وسقا من تمر فأطعم ستين مسكينا وكل أنت وعيالك الباقي. قال فرجعت إلى قومي فقلت ما وجدت عنكم إلا الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) السعة وحسن الخلق، وقد أمر لي بصدقتكم. فإذا ثبت هذا فالظهار محرم بلا خلاف لقوله تعالى " فإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ". وكل زوج يصح طلاقه من حر وعبد فإن ظهاره يصح غير أنا نعتبر أن يكون بعد الدخول، فأما قبله فلا يصح، وحكي عن بعضهم أنه لا يصح ظهار العبد، والظهار لا يصح من الكفار عندنا، ولا التكفير، وقال قوم يصح منهم الظهار والكفارة بالعتق والاطعام، ولا يصح بالصوم، وإنما قلنا لا يصح لأن الظهار حكم شرعي فمن لا يقر بالشرع كيف يصح منه، والكفارة منه لا تصح لأنها يحتاج إلى نية القربة، وذلك لا يصح منهم، وإذا لم تصح الكفارة لم يصح الظهار لأن أحدا لا يفرق. فمن قال يصح الظهار من الذمي قال إذا ظاهر من زوجته الذمية، فإن طلقها عقيب الظهار لم يلزمه الكفارة كالمسلم، وإذا أمسك عن الطلاق بعد الظهار حتى مضى زمان أمكنه فيه أن يطلق فلم يفعل، صار عائدا فلزمته الكفارة كالمسلم. وأما إذا أسلم أحد الزوجين عقيب الظهار فلا يخلو إما أن أسلم الزوج أو الزوجة، فإن أسلمت الزوجة لم يخل إما أن يكون قبل الدخول أو بعده، فإن كان

[ 146 ]

قبل الدخول انفسخ النكاح بينهما في الحال، وإذا انفسخ النكاح فلا تجب الكفارة، لأنها تجب بالعود، والعود غير ممكن ههنا لأن العود أن يمسكها زوجة مع قدرته على الطلاق، وهذا لا يقدر على الطلاق، فإن الاسلام وجد عقيب الظهار، والفرقة تقع عقيب الاسلام. فإذا قال لها أنت طالق فالفرقة تقع عقيب الطلاق، فيصادف وقوع الفرقة بالطلاق الفرقة الواقعة بالفسخ، فلم يقع الطلاق، وإن كان بعد الدخول فإن الفرقة لا تقع في الحال، لأن العود إذا كان بعد الدخول لم يتعجل به الفرقة، ولا يصير الزوج عايدا في الحال، لأن العود أن يمسكها زوجة مع قدرته على الطلاق، وهذه جارية إلى بينونة. ثم ينظر فإن لم يسلم الزوج حتى انقضت العدة بانت، وزال الحكم المتعلق بالظهار، وإن أسلم قبل انقضاء العدة عادت الزوجية كما كانت، والظهار على حاله وهل يكفي إسلام الزوج أو يحتاج أن يمضي بعد الاسلام زمان يصير به عايدا؟ فيه وجهان. فأما إذا أسلم الزوج فإنه ينظر، فإن كانت كتابية لم يؤثر إسلام الزوج في النكاح، ويكون إسلام الزوج عودا منه، لأنه كان يمكنه أن يطلق بدل الاسلام وإذا لم يفعل فقد أمسكها زوجة مع قدرته على الطلاق، فصار عايدا ولزمته الكفارة. وإن كانت الزوجة مجوسية أو وثنية فإنها لا تقر تحت المسلم،، فإن كان ذلك قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال، وزال حكم الظهار، وإن كان بعد الدخول وقف على انقضاء العدة، ولا يصير عايدا في الحال، فإن لم تسلم الزوجة حتى انقضت العدة بانت وزال حكم الظهار، وإن أسلمت قبل انقضاء العدة عادت إلى الزوجية، ولا يكون إسلامها عودا بل يحتاج أن يمضي بعد إسلامها زمان يمكن فيه الطلاق. لا يقع الظهار قبل الدخول عندنا، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وأما بعد الدخول بها فإنه يصح ظهارها صغيرة كانت أو كبيرة، عاقلة، أو مجنونة - [ وعندهم ] بكرا أو ثيبا، مدخولا بها أو غير مدخول، يقدر على جماعها أو لم يقدر - لعموم الآية.

[ 147 ]

إذا طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها طلقة كانت أو طلقتين بعد الدخول، ثم ظاهر منها، صح الظهار منها بلا خلاف، لأنها في حكم الزوجات، ولا يصير عائدا منها في الحال لأنها تجري إلى بينونة، لكن ينظر. فإن راجعها قبل انقضاء العدة عادت إلى زوجيته، وعاد الظهار، وهل تكون الرجعة عودا أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما لا يكون بل يحتاج أن يمضي بعد الرجعة زمان يمكنه فيه الطلاق، والآخر يكون عودا. وفائدة القولين هو أنا إذا قلنا إن الرجعة تكون عودا فإنه إذا راجعها ثم أتبع الرجعة طلاقا لزمته كفارة، وإذا قيل لا يكون عودا فإذا طلقها عقيب الرجعة لم يلزمه الكفارة حتى يمضي بعد هذا زمان يمكنه فيه الطلاق، والأولى أن يقول إن ذلك يكون عودا إذا قلنا إن العود ما قالوه. هذا إذا راجعها بعد ذلك فأما إذا تركها حتى انقضت العدة فإنها تبين منه فإن تزوجها بعد ذلك فهل يعود الظهار أم لا؟ فالحكم فيها وفي كل امرأة تظاهر منها زوجها وأبانها عقيب الظهار قبل حصول العود ثم تزوجها هل يعود الظهار يعود الزوجية؟ عندنا لا يعود، وقال قوم يعود، وفيهم من فرق بين أن يبينها بواحدة أو ثلاث فمن قال لا يعود فلا كلام ومن قال يعود فهل يكون الزوجية عودا أو يحتاج أن يمضي بعدها زمان يصير به عايدا على وجهين. إذا كانت تحت الرجل زوجة أمة فتظاهر منها صح ظهاره بلا خلاف، لعموم الآية، فإن أمسكها بعد الظهار مدة حتى يمكنه فيها الطلاق، عندهم صار عايدا ولزمته الكفارة، ويحرم عليه وطيها حتى تكفر كالحرة. فأما إذا تظاهر منها ثم اشتراها ففيه مسئلتان: إحداهما أن يشتريها بعد العود، والثانية أن يشتريها عقيب الظهار قبل العود فأما إذا اشتراها بعد العود فالنكاح ينفسخ بالشراء ولا يؤثر هذا الفسخ في إسقاط الكفارة، لأن الكفارة وجبت في الذمة، واستقرت، فلا يؤثر الفسخ فيها كما لو تظاهر من زوجته وعاد ثم طلقها، فإن الطلاق لا يؤثر في الكفارة، ولا يحل له وطؤها حتى

[ 148 ]

يكفر، لقوله تعالى (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) فإن أعتق رقبة غير هذه الأمة أجزءه ذلك، وحل له وطيها، وإن أعتق رقبة هذه الأمة جاز أيضا أن يعقد عليها و يطأها بلا خلاف. المسألة الثانية إذا تظاهر منها ثم اشتراها عقيب الظهار، بأن يقول أنت على كظهر أمي، ابتعت منك هذه الجارية، فقال السيد بعتك إياها فالشراء صحيح، وينفسخ النكاح، وهل يكون بالشراء عائدا؟ قال بعضهم يصير عائدا بنفس الشراء، وقال قوم آخر: لا يصير عائدا بنفس الشراء وهو الأقوى عندنا. فإذا ثبت هذا فمن قال يكون عائدا بالشراء فقد لزمته الكفارة، ولا يحل له وطي الأمة حتى يكفر كالمسألة التي قبلها سواء، ومن قال لا يكون عائدا فالكفارة لا تلزمه، والأمة مباحة، لأنه لا كفارة عليه وهو مذهبنا، فإن أعتقها ثم تزوجها لا يعود الظهار عندنا، وفيهم من قال يعود، وهل يعود بنفس التزويج أو بأمر آخر؟ على قولين. ظهار السكران عندنا لا يقع، ولا يلزم به حكم، وقال قوم يلزمه. إذا تظاهر من زوجته ثم عاد فيلزمه الكفارة، فإن وطيها يحرم عليه حتى يكفر، فإن ترك الوطي والتكفير حتى مضت أربعة أشهر لم يصر موليا عندنا، وعند الأكثر، وقال بعضهم، يصير موليا يتعلق عليه أحكامه من الفيئة أو الطلاق وروى أصحابنا أنه يصبر عليه ثلاثة أشهر بعد الترافع، ثم يطالب بالفيئة، أو الطلاق. إذا قال لزوجته أنت علي كظهر أمي، ونوى بذلك طلاقها لم تطلق بلا خلاف لأن الظهار لا يكون كناية في الطلاق، وكذلك إذا قال أنت طالق ونوى به الظهار، لم يكن مظاهرا عندنا ولا عندهم لأن الطلاق لا يكون كناية في الظهار. روى أصحابنا أن الظهار يقع بالأمة وأم الولد والمدبرة، وبه قال جماعة، وقال قوم لا يقع إلا بالزوجات. الظهار الحقيقي الذي ورد الشرع به أن يشبه الرجل جملة زوجته بظهر أمه فيقول أنت علي كظهر أمي بلا خلاف، للآية، وإذا قال أنت مني كظهر أمي أو أنت

[ 149 ]

معي أو عندي وما أشبه ذلك، فإنه يكون مظاهرا لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، وهكذا إذا قال نفسك على كظهر أمي، أو جسمك أو ذاتك أو بدنك وما أشبه ذلك، فهذا كله ظهار بلا خلاف في جميع ذلك. فأما إذا شبه زوجته بعضو من أعضاء الأم غير الظهر، مثل أن يقول أنت على كبطن أمي أو كرأس أمي أو شبه عضوا من أعضاء زوجته بظهر أمه مثل أن يقول فرجك أو رأسك أو رجلك وما أشبه هذا، وكذلك في قوله رجلك علي كرجل أمي أو بطنك علي كبطن أمي، أو فرجك علي كفرج أمي وما أشبه ذلك ونوى الظهار كان بجميع ذلك مظاهرا وفي بعضها خلاف. وقال قوم لا يكون مظاهرا حتى يشبه زوجته بظهر أمه، وقال بعضهم لا يكون مظاهرا حتى يشبهها بجزء من أجزائها المشاعة مثل الرأس والفرج، فأما اليد والرجل فلا يكون به مظاهرا. إذا قال لزوجته أنت علي كأمي أو مثل أمي فهذا كناية يحتمل مثل أمي في الكرامة، ويحتمل مثلها في التحريم ثم يرجع إليه، فإن قال أردت مثلها في الكرامة لم يكن ظهارا، وإن قال أردت مثلها في التحريم كان ظهارا، وإن أطلق لم يكن ظهارا لأنها كناية لم يتعلق الحكم بمجردها إلا بنية بلا خلاف. إن قال أنت علي حرام كظهر أمي، لم يكن ظهارا نوى أو لم ينو بلا خلاف، فإن شبه زوجته بإحدى جداته إما من قبل أبيه أو من قبل أمه قربت أو بعدت كان مظاهرا بلا خلاف، لأن الأم يطلق عليها حقيقة أو مجازا على خلاف فيه. وأما إذا شبهها بامرأة تحل له لكنها محرمة في الحال إما المطلقة ثلاثا أو أخت امرأته أو عمتها أو خالتها فإنه لا يكون مظاهرا بلا خلاف فيهما معا، فأما إذا شبهها بامرأة محرمة عليه على التأبيد، غير الأمهات والجدات، مثل البنات وبنات الأولاد من البنين والبنات والأخوات وبناتهن والعمات والخالات فروى أصحابنا أنهن يجرين مجرى الأمهات، وقال بعض المخالفين لا يكون مظاهرا. فأما النساء المحرمات عليه بالرضاع أو المصاهرة، فالذي يقتضيه مذهبنا أن من

[ 150 ]

يحرم عليه بالرضاع حكمه حكم من يحرم بالنسب لقوله صلى الله عليه وآله يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وأما من يحرم من جهة المصاهرة فينبغي أن لا يكون به مظاهرا لأنه لا دليل عليه. وقال بعضهم المحرمات بالمصاهرة والرضاع على ضربين: امرأة لم تحل له قبل قط وامرأة كانت مباحة ثم حرمت، فالتي كانت مباحة ثم حرمت هو أن يتزوج امرأة فتلد له ولدا ثم يتزوج أخرى بعد ذلك، فالثانية كانت مباحة للولد قبل أن يتزوج أبوه بها، ثم حرمت عليه لما تزوجها. والتي لم تحل له أبدا أن يتزوج امرأة ثم يتزوج أخرى وولد له منها ولد فالمرأة الأولى لم تحل للولد أبدا فإنه حال ما ولد كانت امرأة أبيه، وهكذا في الرضاع قد تكون امرأة مباحة ثم تحرم بالرضاع كالمرأة ترضع صبيا فقد كانت مباحة له ثم حرمت عليه بالرضاع. أما التي لم تحل له أبدا فهو أن ترضع امرأة ولد القوم ثم رزقت بعده بنتا فهذه البنت أخت له من الرضاع، وحال ما ولدت كانت محرمة عليه فمتى شبه زوجته بمن لم تحل له أبدا كان بذلك مظاهرا، ومتى شبهها بمن كانت مباحة ثم حرمت فإنه لا يكون مظاهرا بذلك. الظهار يصح آجلا وعاجلا، فالعاجل أن يقول أنت علي كظهر أمي، والآجل أن يقول إذا دخلت الدار، وإذا جاء رأس الشهر، وفي أصحابنا من منع الظهار إذا كان بشرط. الظهار لا يصح قبل التزويج عندنا، وعند قوم، وقال قوم يصح كالطلاق عندهم. إذا قال أنت طالق كظهر أمي فيه أربع مسائل إحداها أن يطلق ولا ينوي شيئا فتطلق بقوله أنت طالق، ويلغو قوله كظهر أمي، لأنه لم يقل أنت مني ولا معي ولا عندي، فصار كما قال ابتداء كظهر أمي، ولم ينو شيئا. الثانية أن يقول أردت أنك طلقت طلاقا تحرمين به علي فتصيرين محرمة

[ 151 ]

كتحريم أمي، فتطلق بقوله أنت طالق، وقوله كظهر أمي أكد به التحريم فلا يلزمه به شئ. الثالثة أن يقول أردت بقولي أنت طالق إيقاع الطلاق، وأردت بقولي كظهر أمي الظهار فتطلق بقوله أنت طالق، ويصير مظاهرا عنها بقوله كظهر أمي، ويكون تقديره أنت طالق وأنت علي كظهر أمي إلا أن الظهار إنما يصح عندنا إذا لم تبن بالطلاق، وكانت رجعية. الرابعة أن يقول أردت أنت طالق الظهار، وقولي كظهر أمي بينت به ما أردته باللفظ الأول، فيكون تطليقا بقوله أنت طالق، ولا يقبل منه نيته، لأنه صريح في الطلاق، فلا يكون كناية في الظهار. وهكذا نقول في جميع المسائل إلا الأخيرة، فإنه إذا قال أردت بقولي أنت طالق الظهار قبلناه منه ما لم يخرج من العدة، ولا يتعلق به حكم، لأنه ليس بصريح في الظهار، فإن كان بعد خروجها من العدة لم يقبل. إذا قال لزوجته أنت علي حرام كظهر أمي ففيه خمس مسائل: إحداهما أن يطلق اللفظ ولا ينوي به شيئا، الثانية أن ينوي به الظهار، الثالثة أن ينوي به الطلاق، الرابعة أن ينوي به الأمرين معا، الخامسة أن ينوي تحريم عينها. فجميع ذلك عندنا لا يتعلق به حكم بحال، لا طلاق ولا ظهار ولا تحريم عين ولا أمر من الأمور، وقال بعضهم إن أطلق كان مظاهرا وهي الأولى. الثانية إذا نوى به الظهار كان مظاهرا عند الكل. الثالثة إذا نوى الطلاق قال قوم يكون طلاقا وقال بعضهم يكون ظهارا. الرابعة إذا نوى به الطلاق والظهار معا قال قوم يكون مطلقا ومظاهرا إن كان الطلاق رجعيا وإن كان باينا لم يصح الظهار، وقال بعضهم لا يكون طلاقا أصلا ويكون ظهارا. الخامسة إذا نوى به تحريم العين قال قوم يقبل منه ما ينويه، ويلزمه كفارة يمين، ولا يكون يمينا ولا تحرم عينها، وقال آخرون يلزمه الظهار ولا يقبل منه نيته لغيره، فيكون مظاهرا.

[ 152 ]

إذا كانت له زوجتان فقال لإحداهما أنت علي كظهر أمي ثم قال للأخرى: أشركتك معها، لم يكن مظاهرا عندنا في الثانية شيئا، وقال قوم إن نوى بذلك الظهار كان كذلك، وإن أطلق ولم ينو شيئا لم يكن مظاهرا، لأن هذه اللفظة كناية، وهكذا القول والخلاف إذا قال لإحدى امرأتين أنت طالق، وقال للأخرى أشركتك معها، وقد مضت. إذا قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي إن شاء زيد فعلى مذهب من يقول من أصحابنا إن الظهار بشرط لا يصح لا يكون شيئا، وقال قوم من أصحابنا وهو الأقوى عندي أنه يصح، فعلى هذا إن قال زيد قد شئت، انعقد الظهار، وإن لم يشأ لم ينعقد الظهار. فأما إن قال أنت علي كظهر أمي إن شاء الله، فإنه لا ينعقد عندنا ولا عند أكثرهم مثل الطلاق والاقرار والعتق، وقال بعضهم ينعقد الظهار وهو بعيد عندهم. إذا تظاهر من أربع نسوة لكل واحدة بكلمة منفردة لزمه أربع كفارات بلا - خلاف وإن تظاهر منهن بلفظ واحد بأن يقول أنتن علي كظهر أمي فعندنا وعند جماعة مثل ذلك وقال شاذ منهم يلزمه كفارة واحدة. إذا تظاهر من امرأته مرارا لم يخل إما أن يوالي ذلك أو يفرق، فإن والى بأنه قال أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي، فإن نوى بالثاني والثالث التأكيد لم يلزمه إلا كفارة واحدة بلا خلاف، وإن أطلق ولم ينو التأكيد ولا الاستيناف، فإنه يلزمه كفارة واحدة بلا خلاف، وإذا نوى به الاستيناف لزمته بكل واحدة كفارة عندنا وعند قوم، وقال بعضهم تلزمه كفارة واحدة. فأما إن فرق فقال أنت علي كظهر أمي ثم صبر مدة وقال لها أنت على كظهر أمي وكذلك في الثالث فإنه ينظر، فإن كفر عن الأول ثم تلفظ بالثاني فإنه يجب عليه بالثاني كفارة مجددة بلا خلاف، وإن لم يكفر عن الأول فالحكم كما لو وإلى ذلك ونوى به الاستيناف عندنا وعند الأكثر بكل لفظ كفارة وقال بعضهم كفارة واحدة.

[ 153 ]

إذا كان له زوجتان زينب وعمرة، وقال لعمرة إذا تظاهرت من زينب فأنت علي كظهر أمي فقد علق ظهار عمرة بظهار زينب، فإذا قال لزينب أنت علي كظهر أمي صار مظاهرا عنها بالمباشرة، ويصير مظاهرا عن عمرة بصفة، فيحصل مظاهرا عنهما فإذا عاد لزمته كفارتان. إذا قال لزوجته إذا تظاهرت من فلانة لأجنبية فأنت علي كظهر أمي ففيه ثلاث مسائل: إحداها أن يقول: إذا تظاهرت من فلانة الأجنبية فأنت على كظهر أمي، والثانية أن يقول إذا تظاهرت من فلانة فأنت علي كظهر أمي والثالثة أن يقول إذا تظاهرت من فلانة أجنبية فأنت علي كظهر أمي. فأما الأولى إذا قال: إذا تظاهرت من فلانة الأجنبية فأنت علي كظهر أمي، فإنه إن أطلق ذلك أو نوى ظهارا شرعيا اقتضى ذلك أن يتظاهر منها ظهارا شرعيا فإذا تظاهر منها وهي أجنبية لم يصح الظهار، وإذا لم يصح ظهاره منها لم يصح ظهاره عن زوجته، لأنه علق ظهارها بظهار الأجنبية، وذلك يقتضي ظهارا شرعيا وهو لا يوجد في الأجنبية وهكذا عندهم لو قال إذا طلقت فلانة الأجنبية فأنت طالق، ثم طلق الأجنبية فإنها لا تطلق زوجته. فأما إذا نوى بقوله ذلك إذا خاطبها بلفظ الظهار فإنه متى قال لها أنت علي كظهر أمي لم يصر مظاهرا عنها، ويصير متظاهرا عن زوجته، لأنه وجد الصفة، و هكذا القول عندهم في الطلاق. وإن تزوج هذه الأجنبية فيما بعد، وتظاهر منها فظهاره منها يصح، لأنه صادف ملكه، وهل يصير متظاهرا عن الأولى؟ قيل فيه وجهان أحدهما لا يصير متظاهرا لأنه شرط إن تظاهر منها وهي أجنبية، وهي الآن زوجة فالشرط ما وجد، والثاني أنه يصير متظاهرا لأنه علق ظهاره عنها بتظاهره من امرأة بعينها، وقوله الأجنبية إنما ذكره على جهة التعريف والعلامة لا أنه جعله شرطا كما لو قال والله لا دخلت دار زيد هذه ثم باعها ودخلها، فإنه يحنث، لأنه علق اليمين على دار بعينها، ومثله إذا قال

[ 154 ]

والله لا أكلت من هذه البسرة، فصارت رطبا وأكل منها فهل يحنث على وجهين؟ لما ذكرناه، والأول أقوى، لأن الأصل الإباحة وبراءة الذمة. فأما المسألة الثانية وهو أن يقول لها إذا تظاهرت من فلانة فأنت على كظهر أمي، فإذا تظاهر منها وهي أجنبية لم يصح ظهاره عنها، ولا يصح ظهاره عن زوجته لأن الشرط ما وجد، فإن تزوجها ثم تظاهر منها صح ظهاره، لأنه صادف ملكه ويصير متظاهرا عن زوجته لوجود الشرط الذي هو التظاهر من فلانة. الثالثة إذا قال إذا تظاهرت من فلانة أجنبية فأنت على كظهر أمي، فإنه إن تظاهر منها وهي أجنبية لم يصح ظهاره، لأنه لم يصادف ملكه، ولا يصير متظاهرا عن زوجته، لأنه ما وجد الشرط، فإن تزوجها ثم تظاهر منها صح ظهاره منها، ولا يصير متظاهرا عن زوجته، لأنه شرط في ظهارها من فلانة أجنبية، يعني أنها تكون أجنبية حال تظاهره منها، وهذه الآن زوجة، وفي المسألة الأولى احتمل التعريف، فلأجل ذلك فرق بينهما. كفارة الظهار لا تجب عندنا إلا إذا تظاهر ثم أراد الوطي إن كان الظهار مطلقا فإن وطي قبل أن يكفر لزمته كفارتان وكلما وطي لزمته كفارة وإن كان شرط لزمته الكفارة إذا حصل شرطه، وإن أراد الوطي فإن كان حصل شرطه وانعقد الظهار ولم يكفر ثم وطي لزمته كفارتان مثل الأولى، وقال بعضهم يجب الكفارة بنفس الظهار والعود، والعود عنده أن يمسكها زوجة مع قدرته على الطلاق، وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. إذا تظاهر من امرأته وأمسكها زوجة ثم طلقها سقطت عنه الكفارة عندنا وعند قوم لا يسقط بعد الامساك، وكذلك القول إذا مات أو ماتت أو لاعنها أو ارتد أحدهما، فإن الكفارة يسقط عنه عندنا وعنده لا يسقط. وإنما قلنا ذلك: لأن الأصل براءة الذمة ولا جماع الفرقة. إذا تظاهر وعاد لزمته الكفارة، ويحرم عليه الوطي حتى يكفر لقوله تعالى (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) فأوجب الكفارة قبل المس، فإذا ثبت أن الوطي محرم عليه فهل يحرم عليه ما دون الوطي من القبلة واللمس والوطي دون الفرج؟ قيل

[ 155 ]

فيه قولان أحدهما لا يحرم، والثاني أنه يحرم عليه، وهو الأقوى عندنا لقوله تعالى ((من قبل أن يتماسا) وكل ذلك مماسة. إذا تظاهر ثم عاد فمن حين الظهار إلى زمان الوطي زمان أداء الكفارة، فإن وطي قبل أن يكفر لزمته كفارتان عندنا، وعندهم كفارة واحدة، وهي التي كانت عليه، وتكون قضاء. كفارة الظهار واجبة على الترتيب: العتق أولا، فإن عجز فالصوم، فإن عجز فالاطعام بلا خلاف، للظاهر، والكفارة تجب قبل المس أداء، وبعده قضاء ويلزمه عندنا كفارتان إحداهما قضاء، فإذا كفر بالصوم ثم وطي في أثناء الصوم ليلا كان أو نهارا بطل حكم الصوم وعليه الكفارتان إذا كان عامدا، فإن كان ناسيا تمم صومه ولا يلزمه شئ. وقال بعضهم لا يخلو أن يطأها ليلا أو نهارا، فإن وطي بالليل لم يؤثر ذلك الوطي في الصوم ولا في التتابع، عامدا كان أو ناسيا، وإن وطي نهارا فإن كان ذاكرا لصومه متعمدا للوطي، فسد صومه وانقطع تتابعه، وعليه استيناف شهرين، وإن وطي ناسيا لم يؤثر فيهما ويمضي فيهما كما قلناه في النسيان، وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف وإنما قلنا يفسد التتابع إذا كان ليلا للظاهر. هذا إذا وطي زوجته المظاهر منها فأما إن وطي غيرها ليلا لم يبطل الصوم ولا التتابع وإن وطي نهارا في الشهر الأول قطع التتابع واستأنف، وإن صام من الثاني شيئا ثم وطي فيما بعد لم يقطع التتابع، وإن كان مخطئا، وعندهم إن كان ليلا لم يقطع التتابع، وإن كان نهارا قطع. إذا ظاهر منها ثم طلقها عقيب الظهار لم تلزمه الكفارة بلا خلاف سواء كان الطلاق رجعيا أو باينا إلا عند من قال إن الكفارة تجب بنفس التلفظ به وإنما قلنا ذلك، لأنها تجب بالظهار والعود، وقد بينا ماهية العود. وإذا ثبت أنه لا كفارة عليه، فلا يخلو الطلاق من أن يكون رجعيا أو باينا فإن كان رجعيا فإنه إن تركها حتى انقضت عدتها بانت وسقط حكم الظهار، وإن

[ 156 ]

راجعها عادت إلى الزوجية والظهار بحاله، وهل تكون الرجعة بنفسها عودا أو لا؟ قيل فيه قولان عندنا لا يكون عودا حتى يعزم على الوطي، وقال بعضهم يصير بنفس الرجعة عائدا، وقال بعضهم حتى يمضي زمان يمكن أن يطلق فيه فلا يطلق. فمن قال يصير عائدا فالكفارة قد وجبت عليه، فإن طلقها أو ماتت عقيب الرجعة لم تسقط، ومن قال لا يصير فإن طلقها عقيب الرجعة أو ماتت لم تلزمه الكفارة، وهو مذهبنا، فإن عاد على ما بيناه من الخلاف وجبت الكفارة، فإن ماتت بعد ذلك أو طلقها لم تسقط عنه الكفارة. وأما إن كان الطلاق باينا فإن تركها ولم يتزوجها فقد زال حكم الظهار، وإن تزوجها عندنا لا يعود حكم الظهار، وقال بعضهم يعود، فمن قال يعود فهل بنفس الزوجية أو بأمر زايد؟ على ما مضى. إذا ظاهر منها ثم قذفها ولاعنها سقطت عنه الكفارة وفيه ثلاثا مسائل: إحداها يقذفها ويأتي بكلمات الشهادات ثم يتظاهر ويأتي بكلمات اللعن عقيب الظهار، لا يصير عائدا عندهم، ولا يلزمه الكفارة وكذلك عندنا. الثانية أن يتظاهر منها ثم يقذفها ويأتي بكلمات الشهادات واللعن بعد ذلك، فتلزمه الكفارة، لأنه صار عائدا، وعندنا لا تلزمه. والثالثة أن يقذفها ثم يتظاهر ويأتي بكلمات الشهادات واللعن فهل يصير عائدا تلزمه الكفارة؟ فيه وجهان أحدهما لا يصير وهو مذهبنا، والآخر يصير. إذا قال أنت علي كظهر أمي يوما أو يومين أو شهرا أو سنة، لم يكن ذلك ظهارا عندنا وعند بعضهم، وقال كثير منهم يكون ظهارا، فمن قال لا يكون ظهارا فلا تفريع، ومن قال يكون ظهارا فبماذا يصير عائدا؟ قال قوم إذا مضى بعده مدة يمكنه فيه الطلاق فلم يطلق صار عائدا ولزمته الكفارة، وقال قوم لا يصير عائدا حتى يطأها، فإن صبر ولم يطأ حتى تمضي المدة لم يصر عائدا ولا كفارة عليه، [ وقيل: عليه الكفارة ] ظ لأنه إذا أمسكها ولم يطلق استدللنا بذلك على أنه قصد رفع التحريم وإزالته، فصار بذلك عائدا. إذا تظاهر منها وعاد واستقرت عليه الكفارة فوطؤها محرم، حتى يكفر،

[ 157 ]

فإن آلى منها قبل التكفير صح الايلاء، لأنه صادف زوجية تامة وتحتسب عليه مدة الايلاء من حين ما يولي، وعندنا من حين الترافع، وإن كان الوطي محرما لأن الزوجية تامة، وتحريم الوطي سبب من جهة الزوج، فلم يمنع ذلك من الاحتساب، كما لو كان الزوج صائما أو محرما. ثم ينظر فإن وطئها قبل انقضاء المدة والتكفير فقد فعل محرما، لكنه خرج من حكم الايلاء، وعليه كفارة الظهار، ويحرم عليه الوطي حتى يكفر، وإن صبر حتى انقضت المدة مدة الايلاء، فقد اجتمع عليه حقان: حق الايلاء وحق الظهار فحق الظهار يقتضي تحريم الوطي عليه حتى يكفر، وحق الايلاء يقتضي لزوم الوطي أو الطلاق. ويقال له: لا يجوز لك أن تطأ قبل التكفير، لكن تطلق فإن طلق فقد أوفى حقها من الايلاء، وبقي حكم الظهار، وإن وطي قبل التكفير فقد فعل محرما لكنه خرج من حكم الايلاء، ويحنث في يمينه، وتلزمه كفارة اليمين بحكم الايلاء، وكفارة الظهار لأجل الظهار. وإن قال أنظروني حتى أكفر ثم أطأها نظر، فإن كان يكفر بالعتق أو بالاطعام أنظر، لأن التكفير بهما يحصل في يوم وما قاربه، ولا يستضر الزوجة بذلك، وإن أراد أن يكفر بالصوم لا ينظر، لأن الصوم شهران، فيطول ذلك وتستضر المرأة فلا تجبر على تأخير المطالبة شهرين آخرين. فإن أراد الزوج أن يطأ قبل التكفير وامتنعت هي من تمكينه فهل لها الامتناع أم لا؟ فيه وجهان أحدهما لها ذلك، لأن الوطي محرم، فكان لها الامتناع عن التمكين المحرم، والثاني ليس لها ذلك، بل يقال إما أن تمكنيه وإلا سقط حقك، لأن تحريم الوطي بسبب يختص الزوج ولا يتعلق بالمرأة. فمن قال لها منعه وهو الأقوى عندنا، فهل يتعين عليه الطلاق؟ قيل فيه وجهان أحدهما يتعين عليه، لأنه إذا تعذر أحد الواجبين المخير فيهما وجب الآخر وتعين. والآخر لا يتعين لأنه إنما يتعين إذا تعذر الوطي مع القدرة عليه، وههنا هو عاجز

[ 158 ]

فهو كالمريض إذا عجز عن الوطي فلا يتعين عليه الطلاق، بل يقتصر به على فيئة المعذور وهو الأقوى عندنا، ومن قال ليس لها منعه فإن مكنته وإلا سقط حقها. كفارة الظهار ثلاثة أجناس إعتاق وصيام وإطعام، وهي مرتبة يبدأ بالعتق، ثم بالصيام ثم بالاطعام بلا خلاف، ولظاهر القرآن، فإن لم يجد الرقبة ووجد الثمن وقدر على شرائها بثمن مثلها لزمه شراؤها، ويعتقها، ولا يجوز له الصيام ويجوز في كفارة الظهار رقبة وإن لم تكن مؤمنة، وكذلك في كل كفارة يجب فيها العتق إلا القتل، فإنه لا يجوز فيها غير المؤمنة للظاهر، وقال بعضهم لا يجوز غير المؤمنة في جميع المواضع، وفية خلاف. فإن كانت أعجمية لا تعرف العربية أجزأت بلا خلاف، والمولود إذا كان أبواه مسلمين أو كان الأب مسلما والأم كافرة، فإنه يحكم بإسلامه بلا خلاف تبعا لأبيه وجده وإن كانت الأم مسلمة دون الأب فإنه يتبع أمه عندنا وعند الأكثر، وقال بعضهم يتبع أباه في الكفر، وإنما قلنا ذلك لقوله (صلى الله عليه وآله) كل مولود يولد على الفطرة الخبر. فأما الحمل فإنه يتبع الأم بلا خلاف في إسلامها، وإنما الخلاف في الولد المنفصل، فإذا حكم بإسلامه فإنه يجزي إعتاقه، وإن كان طفلا صغيرا ابن يومه، وفيه خلاف. فإذا كانت صبية أحد أبويها مؤمن أو خرساء جليبة يعقل الإشارة بالايمان أجزأته وإن كانت خرساء ولدت في دار الاسلام، فوصفت الاسلام أجزأت وكذلك الجليبة من دار الكفر. هذا في الرقبة التي يعتبر فيه الإيمان فأما ما لا يعتبر ذلك فيها فلا يحتاج إلى اعتبار ذلك أصلا عندنا. وهذه المسألة تتصور في موضعين أحدهما أن يولد للذميين ولد في دار الاسلام فهو محكوم بكفره، وهو أخرس فوصف الاسلام بالإشارة، الثانية أن يجلب صغير من دار الكفر مع أبويه فيتبعهما في الكفر، ثم بلغ وهو أخرس فوصف الاسلام، ولا يتصور

[ 159 ]

إذا كان أحد أبويه مسلما لأنه يتبع المسلم فلا يحتاج أن يصف الاسلام بنفسه. فإذا ثبت هذا فإن الأخرس إذا كان له إشارة معقولة فوصف الاسلام بها، فهل يقتصر على مجرد ذلك أو يحتاج أن يصلي؟ منهم من قال يكفي مجرد الإشارة، وهو الذي يقتضيه مذهبنا، ومنهم من قال لا بد مع الإشارة من الصلوة. إذا سبي الطفل مع أبويه أو مع أحدهما فإنه يحكم بكفره تبعا لأبويه أو أحدهما، وإن سبي منفردا عن أبويه فإنه يحكم بإسلامه تبعا للسابي عند قوم، فإذا حكم بإسلامه تبعا للسابي أجزء عن الكفارة بلا خلاف، وإذا حكم بكفره تبعا لأبويه أو أحدهما فحكمه وحكم من ولد في دار الاسلام بين كافرين واحد. فإذا بلغ ووصف الاسلام حكم بإسلامه، وإن وصف الاسلام قبل بلوغه قال قوم إنه لا يحكم بإسلامه لا في الظاهر ولا في الباطن، حتى إذا بلغ ووصف الكفر أقر على ذلك ولا يحكم بردته غير أنه يستحب أن يفرق بينه وبين أبويه، لكي لا يردونه عما عزم عليه من الاسلام، وهو الذي يقتضيه مذهبنا. وقال بعضهم يصح إسلامه ظاهرا وباطنا حتى إذا بلغ وارتد استتيب، فإن تاب وإلا حكم بردته وقال بعضهم يراعي حاله، فإن بلغ ووصف الاسلام تبينا أنه كان مسلما، وإن وصف الكفر تبينا أنه لم يزل كافرا، ويفارق المذهب الأول لأنه على المذهب الأول محكوم بكفره حتى لو مات أبوه الكافر ورثه، ولو مات له قريب مسلم لم يرثه. وعلى هذا المذهب يراعى على ما يكون منه بعد البلوغ، كمن مات له قريب مسلم أو كافر وقف الأمر على ذلك، فإن وصف الكفر ورث الكافر ولم يرث المسلم، وإن وصف الاسلام ورث المسلم، ولم يرث الكافر. فمن قال يصح إسلامه ظاهرا وباطنا فإنه إذا أعتقه عن الكفارة أجزأه فيما يعتبر فيه الإيمان، ومن قال لا يصح إسلامه ظاهرا وباطنا قال لا يجزي. ومن قال مراعى فمتى أعتقه وبلغ ووصف الكفر لم يجزه، وإن وصف الإيمان على وجهين: أحدهما يجزيه لأنه محكوم بإسلامه، والثاني لا يجزيه لأن إسلامه

[ 160 ]

ناقص، لأنه إن اختار الكفر أقر عليه. وأما كيفية الاسلام، قال قوم إنه يقتصر فيه على الشهادتين، وهو الذي يقتضيه مذهبنا، وقال بعضهم إذا أتى بهما وتبرأ من كل دين خالف دين الاسلام. إذا ابتاع عبدا بشرط أن يعتقه، فالبيع صحيح والشرط صحيح، وقال قوم يبطل البيع والأول مذهبنا، فإذا ثبت أن البيع صحيح فهل يجبر المبتاع على إعتاق العبد؟ فيه وجهان أحدهما يجبر على ذلك، لأنه ابتاعه بهذا الشرط وهو الأقوى عندنا، و الثاني لا يجبر عليه لكن إن أعتقه باختياره استقر البيع، وإلا قيل للبايع أنت بالخيار بين أن تقر العقد أو تفسخه، وسواء قلنا إنه يجبر على عتقه أو لا يجبر، فإنه إذ أعتقه عن الكفارة لم يجزه، لأنه إنما يجزي عنها إذا وقع خالصا عنها، وهذا العتق يقع مشتركا بين التكفير وبين الوفاء بالشرط. عتق المكاتب لا يجزي في الكفارة سواء أدى من كتابته شيئا أو لم يؤد، وفيه خلاف. يجزي عندنا عتق أم الولد لأنها مملوكة يجوز بيعها، وعند الفقهاء لا يجزي لأنه لا يجوز بيعها. عتق المدبر جايز في الكفارة، وكذلك الأمة المدبرة، وقال بعضهم عتق المدبر لا يجزي، فأما المعتق بصفة فعندنا يجوز لأن هذا لا حكم له، وعند بعضهم يجوز وإن كان له حكم. العبد المرهون إذا أعتقه في الكفارة إن كان موسرا أجزأه، وإن لم يكن موسرا وكان معسرا لم يجزه، وقال قوم يجزي في الحالين، وقال آخرون لا يجزي فيهما. فإذا ثبت ذلك فمن قال لا ينفذ عتقه فهو باق على الرهن، ومن قال إن عتقه ينفذ أجزأ عن الكفارة. ثم ينظر في المعتق، فإن كان موسرا فإن كان الحق قد حل طولب به ولا يحتاج أن يكلف رهنا آخر مكانه، وإن لم يكن الحق قد حل فإنه يطالب بأن

[ 161 ]

يدفع رهنا مكانه، ويطالب بأقل الأمرين من قيمة العبد والدين الذي هو كان مرهونا به، وقال قوم يطالب بأكثر الأمرين وهو ضعيف. وأما إذا كان معسرا فإنه ينظر إلى وقت اليسار لقوله تعالى (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) فإذا أيسر نظر، فإن كان حل الحق طولب بالفدية، ويجعل رهنا مكانه، والحكم على ما مضى. هذا الكلام في العبد المرهون فأما إذا كان له عبد قد جنا فأعتقه، فقال بعضهم: إن كان جنا عمدا نفذ العتق، وإن كان خطأ فعلى قولين، ومنهم من عكس هذا فقال إن كان خطأ لم ينفذ العتق، وإن كان عمدا فعلى قولين. والذي يقتضيه مذهبنا أنه إن كان عامدا نفذ العتق، لأن القود لا يبطل بكونه حرا، وإن كان خطأ لا ينفذ لأنه يتعلق برقبته، والسيد بالخيار بين أن يفديه أو يسلمه. وقال بعضهم لا فرق بين أن يكون عمدا أو خطأ ففيه قولان، فمن قال لا ينفذ العتق فلا كلام، ومن قال ينفذ، فإن كان السيد موسرا طولب بأن يفديه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية، وقال قوم يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ، وهو ضعيف فأما هذا العبد فإنه لا يمكن تسليمه للبيع بعد إعتاقه، فيفديه بأقل الأمرين. وإن كان السيد معسرا انظر إلى أن يوسر ثم يطالب بالفدية وهذا عندنا إنما يجب إذا اختاروا العفو على مال فحينئذ يلزمه قيمة العبد لا غير، لأنه ليس لهم غيره فأما إن اختاروا القود استقادوا وإن كان حرا. إذا كان له عبد غايب فأعتقه عن كفارة فالغيبة غيبتان: غيبة منقطعة وغيبة غير منقطعة فالتي ليست منقطعة، أن يكون العبد بحيث يسمع خبره ويعرف حاله، فإذا أعتقه أجزءه عتقه لأنه يتيقن حياته. والغيبة المنقطعة أن يكون غاب وفقد وانقطع خبره، فلا يعلم أنه حي أو ميت قال قوم يجزي وقال قوم لا يجزي وكذلك القول في وجوب إخراج الفطرة عنه، وقال قوم يجب إخراج الفطرة على كل حال احتياطا، والذي رواه أصحابنا أنه يجزي عنه

[ 162 ]

ما لم يعرف منه موتا ولم يفصلوا، وكذلك القول في الفطرة سواء. إذا اشترى من يعتق عليه من آبائه وأمهاته وأولاده وأولاده أولاده، فإن لم ينو عتقه عن الكفارة لم يجز عنها، بل يعتقون بحكم القرابة، وإن نوى أن يقع عتقهم عن الكفارة، لم يجز عندنا بل يعتقون بحكم القرابة، ويكون عتق الكفارة باقيا عليه وفيه خلاف. إذا كان العبد بين الشريكين فأعتقه أحدهما لم يخل أن يكون موسرا أو معسرا فإن كان موسرا فإن عتقه ينفذ في نصيبه، وقوم عليه نصيب شريكه وإعتاقه في حقه ومتى يحكم بنفوذ العتق في نصيب شريكه؟ قال قوم يعتق بنفس اللفظ، فعلى هذا إن كان معسرا أو تلف ماله لم يبطل العتق في نصيب شريكه، بل يكون نافذا فيه، ويجب قيمته لنصيبه في ذمته إلى أن يجد المال. وقال قوم إنه يعتق بشرطين باللفظ ودفع القيمة وقبل دفع القيمة يكون نصيب شريكه على الرق، فعلى هذا إذا تعذر دفع المال من جهته إما بفلس أو تلف ماله أو غيبة أو امتنع من الدفع مع القدرة عليه، فإنه لا يعتق عليه نصيب شريكه إلى أن يوجد منه الأداء ثم يعتق. وقال آخرون إنه مراعا فإن دفع القيمة تبينا أنه كان عتق باللفظ، وإن لم يدفع تبينا أنه ما كان عتق، والقول الأول أقوى. فعلى هذا قال قوم ينفذ العتق في نصيبه باللفظ، وفي نصيب شريكه بالسراية وهو الصحيح، وقال قوم ينفذ في جميعه باللفظ، فأما وقوعه عن الكفارة فإنه إن كان موسرا فنوى عتقه عن الكفارة أجزأه على الأقوال كلها. فأما النية، من قال إنه يقع العتق باللفظ أو قال مراعا فيحتاج أن ينوى حال الاعتاق، ومن قال بشرطين فلا بد أن ينوى إعتاق نصيبه حال اللفظ ونصيب شريكه قال بعضهم هو بالخيار بين أن ينويه عند التلفظ بالعتق، وبين أن ينويه عند دفع القيمة والأقوى أن ينويه عند التلفظ بالعتق.

[ 163 ]

فأما المعسر فإن عتقه يوجد في نصيبه ولا يسري إلى نصيب شريكه، لأنه ليس له مال يدفع إليه حق صاحبه، فإن ملك بعد ذلك مالا وأيسر لا ينفذ العتق فيه لأن الرق قد استقر فيه للشريك، فلا يجوز إزالته بعد استقراره، لكن إن ملكه وأعتقه ابتداء جاز. فأما وقوع ذلك عن الكفارة فإنه إذا نوى إعتاق نصيبه عن كفارته أجزء ذلك القدر، فإن ملك باقي العبد وأعتقه أجزأه، لأن عتق الرقبة قد حصل، وإن كان متفرقا فإما أن يريد أن يصوم شهرا آخر أو يطعم ثلاثين مسكينا، فإنه لا يجزيه لأنه لا يجوز أن يكفر بجنسين. إذا كان لرجل عبد ووجبت عليه كفارة فقال له رجل أعتق عبدك عن كفارتك على أن علي عشرة دنانير فأعتقه فيه ثلاث مسائل: أولاها إذا قال له أعتق عبدك عن كفارتك على أن علي عشرة، وهكذا لو قال أعتق عبدك على أن علي عشرة فالحكم فيه واحد. فإذا أعتقه فلا فرق بين أن يقول أعتقت عبدي عن كفارتي على أن عليك عشرة أو يقول أعتقته على أن عليك عشرة أو يقول أعتقته على أن عليك عشرة عن كفارتي، سواء في ذلك تقديم ذكر الكفارة وتقديم ذكر العوض، لم يجزء ذلك عن الكفارة لأن العتق وقع مشتركا بين الكفارة والعوض الذي شرطه، فلم يجزء عن الكفارة فإذا لم يقع عن الكفارة فإنه يقع عن العوض الذي شرطه، لأنه أوقعه عن أمرين فإذا لم يقع عن أحدهما وقع عن الآخر. ويستحق عليه العوض الذي شرط ويقع العتق عن الباذل ويكون ولاؤه له. الثانية أن يقول أعتق عبدك عن كفارتك على أن علي عشرة فأعتقه على ذلك وأخذ العشرة، ثم ردها إليه أو لم يأخذها لكن قال: أبرأتك منها، فإن العتق لا يقع عن الكفارة، لأنه حال ما أوقعه وقع مشتركا فلم يصر بعد ذلك خالصا عن الكفارة برد العوض، ويكون الحكم على ما قلناه فيما قبلها. الثالثة أن يقول أعتق عبدك عن كفارتك على أن علي عشرة فقال لست أختار

[ 164 ]

العشرة وقد أعتقته عن كفارتي فيجزيه عن الكفارة، لأنه لم يقبل العوض. ويتفرع على هذا مسألة أخرى وهي أنه إذا قال له أعتق عبدك عن كفارتك على أن علي عشرة، فقال أعتقته، ولم يقل عن كفارتي ولا قال على أن عليك العشرة فالظاهر أنه أوقعه عن الأمرين معا لأنه خرج جوابا عن كلامه، وهو استدعى منه العتق عن الكفارة على العوض، والظاهر أن الجواب انصرف إليه. إذا وجبت على رجل كفارة فأعتق عنه رجل عبدا، لم يخل أن يكون المعتق عنه حيا أو ميتا، فإن كان حيا لم يخل أن يعتق عنه بإذنه أو بغير إذنه، فإن أعتق عنه بإذنه جاز ووقع عن المعتق عنه، والولاء له عندهم، وعندنا يكون سائبة وسواء أعتق عنه تطوعا أو عن واجب، بجعل أو بغير جعل، فإن أعتق بجعل فهو كالبيع، وإن أعتق بغير جعل فهو كالهبة وإن أعتق عنه بغير إذنه نفذ العتق عن المعتق دون من أعتق عنه، وفيه خلاف. فأما الاعتاق عن الميت فلا يخلو أن يعتق عن واجب أو عن تطوع، فإن أعتق عن تطوع لم يخل أن يكون بإذنه أو بغير إذنه، فإن أعتق بإذنه جاز كحال الحيوة وكذلك إذا أوصى إليه وأذن له بعد الوفاة، وإن أعتق عنه بغير إذنه فإنه يقع عن المعتق دون من أعتق عنه. وأما إذا أعتق عن واجب مرتب كالعتق في كفارة الظهار، والقتل، فإنه إن خلف مالا لزم أن يعتق عنه من ماله لأنه بمنزلة الدين وإن لم يكن له مال فأعتق عنه وارثه من ماله جاز، وكذلك إن كان له مال فأراد وارثه أن يعتق عنه من ماله جاز ويقع العتق عنه، ويكون الولاء له عندهم، ويكون عندنا سائبة. وأما إذا كانت الكفارة مخيرة ككفارة اليمين، فإنه إن كفر عنه بالاطعام أو بالكسوة جاز ذلك، وإن أراد أن يكفر بالعتق فإن كان أذن له في ذلك جاز، وإن لم يكن أذن قيل فيه وجهان: أحدهما لا يجوز لأنه يمكنه أن يكفر عنه بالاطعام أو بالكسوة، فإذا كفر بالعتق فقد كفر بما ليس بواجب فلم يجز، والوجه الثاني وهو الأصح أنه يجزيه

[ 165 ]

لأن الكفارة المخيرة بأي شئ كفر منها حكمنا بأنه هو الواجب، فتعين ذلك بالفعل عندهم، وعندنا أن الثلاث واجبة على التخيير. فإذا ثبت هذا فلا خلاف أنه إذا قال أعتقت عنه هذا العبد، فإن المعتق عنه يملكه، ثم يعتق في ملكه، لكن متى يحصل له الملك؟ منهم من قال إذا قال أعتق عني فقال أعتقت، تبينا أنه ملكه بقوله أعتق عني، ومنهم من قال إنه يملكه بشروعه في لفظ الاعتاق وقال آخرون إذا قال أعتقت هذا العبد عنك، فإنه يملكه ويعتق عنه في ماله، وهكذا القول إذا اشترى من يعتق عليه، فإن العتق والملك يحصلان في حالة واحدة. والأقوى أن يقال إنه إذا قال أعتقت هذا العبد فإنه يملكه عقيب هذا القول ثم يعتق بعد ذلك بلا فصل، وكذلك إذا اشترى من يعتق عليه، فإنه يملكه بالفراغ من البيع، ويعتق عليه بلا فصل. وهيهنا مسألة تشبه هذه المسألة وهي أن الرجل إذا قدم إلى غيره طعاما وقال كله، فإذا أكله يأكله مملوكا لكن متى يملكه؟ قيل فيه ثلاثة أقوال أحدها بالتناول والثاني بوضعه في فيه، والثالث بالابتلاع. فمن قال يملكه بالتناول جاز أن يلقم غيره، ومن قال بغير ذلك لم يجز والأقوى أن يقال هيهنا يملكه بالتناول. إذا كان لرجل عبد فغصبه غاصب فأعتقه صاحبه عن كفارته وهو في يد الغاصب لم يجزه، لأن القصد من الاعتاق تمليك المعتق منفعة نفسه، فإذا أعتقه في يد الغاصب فما ملكه منفعة نفسه، فإن الغاصب يحول بينه وبين ذلك، ويقوى في نفسي أنه يجزي لأنه ملكه وعموم الأمر بالاعتاق يتناوله. إذا كانت له أمة حامل بمملوك فأعتق حملها من كفارته لم يجزه، لأنه مشكوك في وجوده بلا خلاف، والعتق ينفذ فيه عندهم لأنه مملوك ولا يسري العتق إلى الأم لأن الولد تابع لها، ولا يسري العتق من التابع إلى المتبوع، فأما إذا أعتق الأم فإن عتقها ينفذ، ويجزي عن الكفارة لأنها مملوكة له، ويسري العتق منها إلى الولد

[ 166 ]

لأنه تابع. إذا وجب على رجل كفارتان عن ظهار وعن قتل، فأعتق عنهما عبدين ففيه ثلاث مسائل: إحداها أن يعين عتق كل واحد من العبدين عن كفارة، بأن يقول أعتقتك يا سالم عن كفارة ظهاري، وأعتقتك يا غانم عن كفارة القتل، فيجزيه ذلك بلا خلاف. الثانية أن يعين عبدا عن كفارة وعبدا عن كفارة أخرى ولا يعين ذلك فيجزيه أيضا لأنه وجد منه الاعتاق ونية التكفير. الثالثة أن يعين النصف من كل واحدة منهما عن إحدى الكفارتين أو يقول لأحدهما أعتقتك عن كفارتي وقال للآخر أعتقك عن كفارتي أو يقول لهما أعتقتكما معا عن كفارتي، قال قوم يجزيه. واختلفوا في تكميل العتق ووقوعه، فقال قوم يعتق عن كل واحد من الكفارتين عبدا كاملا لأنه لما أعتق نصف هذا العبد عن كفارة سرى ذلك إلى الباقي فعتق عنها وكذلك لما أعتق نصف الآخر عن الكفارة الأخرى سرى ذلك إلى الباقي فعتق عنها فينعتق عن كل كفارة عبد كامل وقال آخرون إنه يعتق نصف العبدين عن إحدى الكفارتين والنصف الآخر عن الكفارة الأخرى والطريقة الأولى أصح. وإذا ملك الرجل نصف عبدين وباقيهما مملوك لغيره، أو باقيهما حر فأعتقهما عن كفارته فهل يجزيه؟ قيل فيه ثلاثة أقوال: منهم من قال لا يجزيه، لأنه يحتاج أن يعتق عبدا كاملا، والثاني يجزيه، والثالث إن كان باقيه مملوكا لغيره لم يجزه، و إن كان حرا أجزأه والأول أصح. إذا وجبت عليه كفارتان من جنس واحد أو من أجناس فأعتق عنها أو صام فإن الواجب عليه أن ينوي التكفير فحسب، لا يفتقر إلى تعيين النية عن كفارة بعينها وقال قوم إن كانت من جنس واحد كفاه نية التكفير ولم يحتج إلى نية التعيين وإن كانت من أجناس فلا بد فيها من نية التعيين، فإن لم يعين لم يجزه وهذا عندي أقوى.

[ 167 ]

فإذا ثبت ذلك، فإذا كان عاجزا عن العتق وهو من أهل الصيام وعليه كفارتان فصيام شهرين ينويه عن إحدى الكفارتين فهو بعد ذلك بالخيار بين ثلثة أشياء: إن شاء عين هذين الشهرين عن إحدى الكفارتين، ويبقى عليه الكفارة الأخرى بعينها وإن شاء صام شهرين آخرين ونواهما عن كفارة بعينها، ويقع الشهران الأولان عن الكفارة الأخرى، وإن شاء صام شهرين ينوي بهما التكفير مطلقا فيقع الجميع عن الكفارتين، لأنه وجد منه نية الجنس. فإن عين الشهرين عن إحدى الكفارتين ثم أراد أن ينقله فيجعله عن الكفارة الأخرى لم يكن له ذلك، لأنه إنما كان له التخيير قبل التعيين، فإذا عين سقط تخييره. وإذا وجب عليه ثلاث كفارات من جنس واحد أو من أجناس، وكان يملك رقبة فأعتقها عن إحدى الكفارات، ثم صام شهرين عن الكفارة الأخرى ثم مرض فأطعم ستين مسكينا عن الكفارة الثالثة، فإن ذلك يجزيه سواء عين النية أو اقتصر على نية التكفير فحسب، لأنه قد نوى بكل واحدة التكفير. إذا وجب على الرجل عتق رقبة عن كفارة ونسي فلم يدر هل هي عن ظهار أو قتل أو جماع أو يمين؟ فأعتق رقبة نوى بها التكفير فحسب فإن ذلك يجزيه بلا خلاف وإن كان عليه عتق رقبة فشك أن يكون من ظهار أو قتل أو نذر فأعتق رقبة عن أيها كان أجزأه، فإن نوى بها التكفير لم يجزه، لأن في جملة ما شك فيه النذر والنذر لا يجزي نية التكفير. فأما إذا شك في الرقبة التي عليه فأعتق رقبة ونوى بها العتق مطلقا، فإنه لا يجزيه، لأن العتق المطلق الظاهر منه أنه تطوع، فلم يجزء، وهكذا إذا أعتق عبدا ونوى أنه عتق واجب، فإنه لا يجزيه عندهم لأن الواجب قد يكون عن كفارة وغير كفارة، فإذا لم يعين ذلك لم يجزه ويقوى عندي أنه يجزيه. وقت النية في الاعتاق حين الاعتاق لا قبله ولا بعده وفي الصلوة مع التكبير وقال قوم في الاعتاق يجوز أن يكون قبله وبعده، والأول أصح. إذا وجب على الرجل كفارة فارتد ثم أعتق عبدا في حال ردته عن كفارته

[ 168 ]

عندنا لا يجزيه، لأنه لا يصح منه نية القربة، وقال قوم هذا مبني على تصرف المرتد وملكه وفيه ثلثة أقوال أحدها أن تصرفه نافذ إلى أن يحجر الحاكم عليه، والثاني تصرفه باطل، والثالث مراعا: فإن عاد إلى الاسلام حكمنا بصحته، وإن مات على الردة أو قتل حكمنا ببطلانه. فأما ملكه فإنه مبني على التصرف فإن قيل تصرفه صحيح فملكه ثابت إلى أن يموت أو يقتل، وإذا قيل مراعى فمراعى، وكذلك في الاعتاق فإن أسلم تبينا إجزاءه وإن مات أو قتل تبينا أنها لم يجزه. وإذا قيل تصرفه باطل منهم من قال إن ملكه يزول عن ماله بنفس الردة، فإذا عاد إلى الاسلام عاد ملكه في تلك الحال إليه، ومنهم من قال إن ملكه لم يزل وإنما بطل تصرفه لأنه كالمحجور عليه. فإذا ثبت ذلك فمن قال ملكه ثابت فتصرفه نافذ يصح بيعه وابتياعه وإعتاقه وإقباضه، ما لم يحجر الحاكم عليه، فإذا أطعم أو أعتق عن الكفارة أجزأه، وإن صام لم يجزه لأنه حق الله، ومن قال تصرفه باطل لم يجزه وكذلك ساير تصرفاته، ومن قال مراعى قال العتق مراعى، فإن جاء إلى الاسلام حكمنا بإجزائه، وإن مات أو قتل حكمنا بإجزائه، وهذا يسقط عنا لما بيناه. وأما تصرفه وملكه، فإن كان مرتدا عن الفطرة فإنه يزول ويبطل، وإن كان مرتدا عن إسلام قبله كفر، فالأليق بمذهبنا أن نقول إنه مراعى، وقد بينا أحكام ذلك فأما التكفير فلا يصح منه بوجه، لأنه يحتاج إلى نية القربة وهي لا تصح منه. إذا كان الحر متزوجا بأمة فملكها، فإن نكاحها ينفسخ، وإن أعتقها عن كفارته نفذ عتقه فيها وأجزأته في الظاهر، لأن ملكه ثابت، فإن لم يظهر بها حمل فقد وقعت عن الكفارة بلا خلاف. فإن ظهر بها حمل فلا يخلو أن يكون وطئها بعد الشراء أو لم يطأها، فإن لم يطأها نظر فإن وضعت الولد لأقل من تسعة أشهر حكمنا بأنها حملته في الزوجية، فيلحقه نسبه، فحين ملكها ملكها وهي حامل بولد مملوك منه، فتملكها وتملك حملها فينعتق

[ 169 ]

عليه الحمل، لأنه ابنه، ولا يسري العتق إلى أمه، ولا يثبت لها حرمة الاستيلاد لأنها علقت بمملوك في غير ملكه، وتعتق الأم بإعتاقه، ويجزي عن الكفارة. وإن أتت بالولد لأكثر من تسعة أشهر من وقت الشراء لم يلحقه لأنا تبينا أنها حملته بعد زوال الزوجية، فملكها وهي حامل بولد مملوك من غيره فإذا أعتقها في الكفارة عتقت عليه وأجزأت وسرى العتق إلى حملها فينعتق عليه بالسراية. وإن كان قد وطئها بعد الشراء فإنه ينظر، فإن وضعت الولد لدون ستة أشهر من حين الوطي، فلا يمكن أن يكون الولد من ذلك الوطي، فيكون الحكم فيه كما لو لم يكن وطئها. وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر حكمنا بأن ذلك الولد من ذلك الوطي فتعلق بولد حر في ملك الواطي ويثبت لها حرمة الاستيلاد فإذا أعتقها نفذ عتقه فيها بلا خلاف ويجزي عندنا عن الكفارة لأن ملكه تام، وعندهم لا يجزي لأن ملكه ناقص. في الرقاب ما يجزي وفيها ما لا يجزي بلا خلاف فيهما إلا داود فإنه قال يجزي جميعها، وقال قوم كل عيب يؤثر في العمل ويضر به ضررا بينا، فإنه يمنع الإجزاء وكل عيب لا يؤثر في ذلك فإنه لا يمنع الإجزاء، فالأول مثل الأعمى لأنه لا يتمكن من العمل، والأعور يجزي، لأن منفعته ثابتة وحكي أن الشعبي كان يختلف إلى النخعي وكان النخعي أعور، فانقطع الشعبي عنه مدة فسأله لم انقطعت؟ فقال قد استغنيت، فقال له ما تقول في العبد الأعور يجوز في الكفارة فقال لا يجزي فقال يا سبحان الله شيخ مثلي لا يجزي؟ فقال مثل الشيخ يجزي، فقال أخطأت من وجهين أحدهما أنك قلت إن الأعور لا يجزي في الكفارة وهو يجزي والثاني أنك قلت إن الحر الأعور يجزي في الكفارة وهو لا يجزي. وعندنا أن الأعمى لا يجزي، والأعور يجزي كما قالوه. فأما مقطوع اليدين أو الرجلين أو يد ورجل من جانب واحد، فإنه لا يجزي بلا خلاف، فأما إذا كان مقطوع إحدى اليدين أو إحدى الرجلين أو يد ورجل من خلاف فإنه لا يجزي عند قوم، وعند قوم يجزي، وهو الأقوى للآية.

[ 170 ]

وإذا قطعت إبهاماه لا يجزي بلا خلاف، فإن قطعت الابهام أو السبابة أو الوسطى فإنه لا يجزي عند قوم، وإن قطع الخنصر أو البنصر فإن قطعت إحداهما لم يؤثر لأن الكف لم تتعطل، وإن قطعتا معا من كفين أجزأت، وإن قطعت الخنصران أو البنصران أو الخنصر من أحدهما والبنصر من الآخر أجزأت وإن قطعتا معا من كف واحد لم يجزء، لأن الكف ينقص بقطعهما أكثر مما ينقص بقطع إحدى الأصابع. وأما إذا قطع بعض الأنامل، فإن قطعت أنملتان من خنصر أو بنصر أجزأ، وإن كان من الأصابع الثلاث لم يجزء، وإن قطعت أنملة واحدة من أصبع فإن كان من الابهام لم يجزء، وإن كان من الأصابع الأربع أجزأ، فأما الأعرج، فإن كان عرجه يسيرا لا يمنعه العمل والتصرف أجزأه، وإن كان كثيرا يمنع التصرف لم يجز. وأما الأصم فإنه يجزي، لأن منفعته كاملة فإنه قد يعمل أكثر من عمل السميع وأما الأخرس فقال قوم يجزي، وقال آخرون لا يجزي، ومنهم من قال يجزي إذا كانت له كناية مفهومة، وإشارة معقولة، وإذا لم يكن كذلك لا يجزي. والذي نقوله في هذا الباب أن الآفات التي ينعتق بها لا يجزي معها مثل الأعمى والمقعد والزمن، ومن نكل به صاحبه، وأما من عدا هؤلاء فالظاهر أنه يجزيه لتناول الظاهر لهم، وليس على جميع ما ذكروه دليل مقطوع به. وأما الأحمق وهو الذي يضع الشئ في غير موضعه مع علمه بقبحه، فإنه يجزي، وأما المجنون، فإن كان مطبقا لم يجزء، وإن كان خفيفا أجزأ، وأما المريض فإن كان مأيوسا من برئه كالمسلول وغيره لم يجزء، وإن كان يرجى برؤه أجزأ. وأما نضو الخلق، فإن كان ضعيفا لا قوة له ولا يتمكن من العمل لم يجز عندهم عتقه، وإن كان متمكنا من العمل لكن فيه ضعف أجزأ، ويقوى عندي أنه يجزي على كل حال للآية. وأما ولد الزنا فإنه يجزي إجماعا إلا الزهري والأوزاعي لقوله (عليه السلام) " ولد الزنا شر الثلاثة " وهذا له تأويلان أحدهما أنه أراد شر الثلاثة نسبا لأنهما ينتسبان إلى أبوين وهو ينسب إلى الأم، والثاني أنه أشار إلى رجل بعينه جالس مع اثنين، وكان

[ 171 ]

ولد زنا، فقال ولد الزنا شر الثلاثة، يعني أنه في نفسه شرير، وكونه ولد الزنا ذكره على سبيل التعريف له، كما قال: الجالس في وسط الحلقة ملعون، وإنما ذكره على سبيل التعريف لا أنه ملعون بجلوسه في وسط الحلقة. الكفارة على ضربين مرتبة ومخيرة، فالمرتبة كفارة الجماع والظهار والقتل بلا خلاف، وفي أصحابنا من قال كفارة الجماع مخير فيها، فالمرتب يبدأ بالعتق ثم بالصيام ثم بالاطعام إلا أن كفارة القتل ليس فيه إطعام ستين مسكينا عند قوم، وعندنا فيه الاطعام. والكفارة المخيرة كفارة اليمين بلا خلاف مخير فيها بين الاعتاق والاطعام والكسوة، فإن عجز عن الثلاثة انتقل إلى الصيام فعجزه عن الثلاثة مثل عجزه عن الاعتاق في الكفارات المرتبة في جواز انتقاله إلى الصوم. فإذا ثبت هذا، فمن كان له رقبة ويقدر على إعتاقها وهو غير محتاج إليها لزمه العتق، ولا يجوز له أن يصوم، وإن لم يجد الرقبة لكنه وجد ثمنها وقدر على شراها فعليه أن يشتريها، ولا يجوز له أن يصوم، وإن وجد رقبه وهو محتاج إليها لخدمته أو وجد ثمنها وهو محتاج إليه لنفقته وكسوته لا يلزمه العتق، ويجوز له الصوم، و فيه خلاف. فإذا ثبت هذا فإن كان له مسكن يسكنه، وثوب يلبسه، فلا يلزمه بيعه، لأنه لا بد لكل واحد من ذلك، وإن كان له خادم فإن كان زمنا أو مريضا أو ضعيف فهو محتاج إليه، وكذلك إن كان رفيع الحال لم تجر عادته أن يخدم نفسه. فأما إذا كان من أوساط الناس الذين يخدمون أنفسهم قيل فيه وجهان أحدهما أنه غير محتاج إليه ويلزمه إعتاقه لأنه يمكنه أن يخدم نفسه، والوجه الثاني، أنه محتاج إليه، لأنه ما من أحد إلا ويحتاج إلى خادم يخدمه، والأول أحوط. فأما إذا كانت له دار رفيعة يمكنه بيعها ويشتري ببعضها دارا هي سكنى مثله أو كان له خادم رفيع القيمة يمكنه بيعه ويشتري ببعض ثمنه خادما يخدمه، لزمه فعل ذلك ويشتري بالفضل رقبة يعتقها، ولا يجوز له التكفير بالصيام، لأنه غير محتاج

[ 172 ]

إليه وقد بينا ما يجب من الكفارات المرتبة. وإذا ثبت ذلك وعجز عن الاعتاق وشرع في الصيام، فعليه أن يصوم شهرين متتابعين، فإن أفطر في أثناء الشهرين لم يخل إما أن يفطر لعذر أو لغير عذر، فإن أفطر لغير عذر لزمه الاستيناف للصوم،، ولا يجوز له البناء أي وقت كان من الشهر الأول أو في الشهر الثاني عندهم، وعندنا إن كان إفطاره بعد أن صام شهرا ومن الثاني شيئا كان مخطئا وجاز له البناء، وهكذا الحكم فيه إذا سافر في أثناء الشهرين يوما فعلى مذهبهم يقطع التتابع وعلى مذهبنا مثل ما ذكرناه في الافطار سواء. وأما إذا أفطر لعذر فالعذر عذران: عذر من قبل الانسان وعذر من قبل غيره فأما الذي من قبله، فهو على ثلاثة أضرب أحدها الحيض ويتصور الافطار بالحيض في كفارة القتل، وكفارة الجماع، فأما الظهار فلا يتصور ذلك فيها، فإذا طرء الحيض في أثناء الصوم وأفطرت المرأة، فإن التتابع لا ينقطع بلا خلاف. وأما المرض الذي يفطر معه، في تصور في الرجل والمرأة، فعندنا لا يقطع التتابع وقال قوم يقطع. فأما إذا أفطر لسفر فالذي يقتضيه مذهبنا أنه يقطع التتابع إن كان في الشهر الأول لأنه باختياره، وفيهم من قال حكمه حكم المرض على ما مضى. وأما الحامل والمرضع إذا أفطرتا فإن أفطرتا خوفا على أنفسهما فحكمهما حكم المريض بلا خلاف، وإن أفطرتا خوفا على الولد، منهم من قال هو مثل المريض، ومنهم من قال يقطع التتابع على كل حال، وهو الذي يقوى في نفسي. وأما العذر من قبل غيره فهو أن يكرهه الغير على الفطر، فإنه ينظر فيه فإن صب الماء في حلقه وأوجر الطعام بغير اختياره لم يفطر بلا خلاف، وإن ضرب حتى أكل أو شرب قال قوم يفطر، وقال آخرون لا يفطر، والأول أقوى. ومثل هذا إذا حلف لا يدخل دارا فحمل وأدخلها لم يحنث، وإن ضرب حتى دخلها فعلى قولين، فمن قال لا يفطر قال لا يقطع التتابع ومن قال يفطر قال يقطع التتابع وهو الصحيح.

[ 173 ]

فأما إذا تخلله زمان لا يصح فيه الصوم، مثل رمضان ويوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق -: فأما يوم الفطر وأيام التشريق فلا يتصور فيهما أن يقطعا التتابع ابتداء فإنه يكون قد تقدمهما قطع التتابع برمضان، ويوم الأضحى، وإنما يتصور فيهما أن يبتدى فيهما الصوم. فأما زمن رمضان، فإذا عرض في أثناء الشهرين، فإنه على التفصيل الذي قدمناه عندنا فيمن أفطر من غير عذر، وعندهم يقطع التتابع، وهكذا يوم الأضحى إذا تخلل الشهرين عندهم يقطع التتابع، وعندنا على ما مضى من التفصيل. وأما إذا ابتدأ بصوم الشهرين من أول يوم الفطر أو صام شوال وذا القعدة فيوم الفطر لا يصح صومه، ويصح صوم ما بعده، فأما ذو القعدة فإنه يصح ويجزي عن شهر تاما كان أو ناقصا، فإن الشهرين اسم لما بين الهلالين. وأما شوال فإنه انقطع يوم من أوله فلا يمكن اعتباره بالهلال فتعتبر بالعدد فيحتاج، أن يتمه ثلاثين يوما: فإن كان شوال تاما فقد حصل له تسعة وعشرون يوما فيصوم يوما واحدا من ذي الحجة، وإن كان ناقصا صام يومين، وإن قلنا يقضي يوما لأنه ما أفطر من الشهر الهلالي إلا يوما كان قويا. وأما إذا ابتدأ بالصوم من أول أيام التشريق، فإن كان بمنى فلا يجزي، وإن كان بغيرها من الأمصار أجزأ، وفيهم من قال لا يجزي، ولم يفصل، فإذا لم يصح صومها احتسب بما بعدها على ما فصلناه. إذا أراد المكفر أن يصوم شهرين، فإن صام من أول الشهر اعتبر بما بين الهلالين تامين كانا أو ناقصين بلا خلاف، وإن مضى بعض الشهر ثم ابتدأ بالصوم فإنه يسقط اعتبار الاهلال ويصوم شهرا بالعدد ثلاثين يوما وينظر قدر ما بقي من الشهر وصامه فيضم إليه تمام ثلاثين يوما ويعتد به شهرا بلا خلاف. المكفر يلزمه أن ينوي صوم كل يوم بلا خلاف، وعندنا يجوز تجديدها إذا فاتت

[ 174 ]

إلى قبل الزوال، وعند بعضهم لا بد من الاتيان بها قبل الفجر وهل يلزمه التتابع فيه؟ قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه لا بد أن ينويه كل ليلة كمن جمع بين الصلاتين فلا بد أن ينوي عند افتتاح الأولة، الثاني يكفيه أن ينوي التتابع في أول الصيام ولا يحتاج أن ينوي كل ليلة، والثالث لا يحتاج أن ينوي التتابع أصلا لا في الليلة الأولى ولا في كل ليلة، وهو الصحيح عندنا، ولأنه لا دليل على ذلك، ولأن التتابع من شرط الصوم والنية إنما تجب للعبادة لا لشرايطها، ألا ترى أنه يجب أن ينوي الصلاة ولا يجب أن ينوي شرائطها وأركانها من الركوع والسجود وغير ذلك. قد مضى حكم الاغماء والجنون إذا طريا على الصوم في كتاب الصوم، وما يفسد الصوم، وما لا يفسده، فإذا ثبت ذلك فكل موضع يقال إن الصوم لا يبطل فالتتابع لا ينقطع وكل موضع قيل يبطل فهل ينقطع التتابع على قولين كالمريض لأن الاغماء مرض، وعندنا لا يفطر فلا يقطعه على ما مضى. إذا صام المكفر شهرين متتابعين منهما رمضان فلا يخلو أن يصوم شعبان، ثم يتبعه رمضان أو يصوم أولا رمضان ثم يتبعه شوال وما بعده، فإن صام شعبان ورمضان فإن رمضان لا يجزيه عن الكفارة بلا خلاف، وشعبان لا يجزي أيضا لأنه ما تابع. فأما رمضان فإنه يجزي عندنا عن رمضان، وقال قوم لا يجزي لأنه ما عين النية ويلزمه صوم شهرين متتابعين بلا خلاف، وصوم شهر قضاء رمضان عنده، فأما إن صام أولا رمضان ثم ما بعده فصوم رمضان لا يجزي عن الكفارة بلا خلاف، فأما عن رمضان فصحيح عندنا، ويعتد به شهرا بين هلالين. وأما شوال فإن يوم الفطر لا يصح صومه عن كفارة، ويسقط اعتبار الهلال فيه ويحتسب بالعدد، فإن كان الشهر تاما فقد حصل له تسعة وعشرون يوما بقي عليه يوم وإن كان ناقصا بقي عليه يومان يقضيهما. هذا إذا لم يعتبر فيه التتابع أو اعتبر كل ليلة، فأما من قال يحتاج أن يأتي بها في أول الصوم، فإنه لا يجزيه حتى يستأنفها في اليوم الثاني من شوال، لأنه قد نواها

[ 175 ]

في أول يوم من رمضان، وذلك لا يقع من الكفارة، فلزمه استينافها، وهذا يسقط عنا لما بيناه من أن نية التتابع غير معتبرة. قال قوم الاعتبار في الكفارة المرتبة بحال الوجوب، وقال قوم بحال الأداء، وقال قوم الاعتبار بأغلظ الأحوال من حين الوجوب إلى حين الأداء، والذي يقوى عندي أن الاعتبار بحال الأداء. فمن قال إن الاعتبار بحال الوجوب، قال ينظر في حال المكفر في ذلك الوقت فإن كان قادرا على الاعتاق ففرضه العتق، ويستقر ذلك في ذمته، فإن تلف ماله وأعسر بعد ذلك لم يسقط عنه العتق، ولا يجوز له التكفير بالصوم، بل العتق باق في ذمته حتى يقدر عليه، ويعتق، غير أنه يستحب له أن يصوم شهرين خوفا من أن يموت قبل أن يعتق. وإن لم يكن قادرا على العتق ففرضه الصوم، ويستقر ذلك في ذمته، فإن أيسر بعد ذلك لم يلزمه العتق، وجاز له التكفير بالصيام، فإن كفر بالاعتاق فقد أتى بالأفضل. ومن قال الاعتبار بحال الأداء على ما اخترناه، فإنه قال إن كان في تلك الحالة عاجزا عن العتق ففرضه الصوم، فلا يلزمه العتق وإن كان فيما قبل قادرا عليه، فيعتبر حاله عند التكفير. ومن قال الاعتبار بأغلظ الحالين قال متى قدر على العتق من حين الوجوب إلى حال أدائها وإخراجها لزمه العتق، وإن عجز في الأحوال كلها كان فرضه الصوم (1)

(1) يجئ في ج 6 آخر كتاب الأيمان ما يتعلق بذلك.

[ 176 ]

الحقوق على ثلاثة أضرب: حق يفوت بالتأخير، وحق لا يفوت وليس في تأخيره ضرر، وحق لا يفوت لكن في تأخيره ضرر. فأما الحق الذي يفوت بالتأخير كالصلوة والطهارة، فإذا دخل عليه الوقت وهو عادم للماء في موضعه وكان واجدا له أو لثمنه في بلده لا يلزمه أن يصبر حتى يصل إلى الماء بل يتيمم ويصلي، لأنه إن أخر فاتت الصلوة. وأما ما لا يفوت وليس في تأخيره ضرر فهو كفارة الجماع والقتل واليمين، فإذا عدم العتق فيها أو عدم الأجناس الثلثة في كفارة اليمين، وكان قادرا على ذلك أو على ثمنه في بلده، فإنه لا يجوز أن يصوم، بل يصبر حتى يصل إلى بلده ويكفر بالمال لأن هذا الحق ثابت في ذمته لا يفوت ولا يستضر بتأخيره. وأما ما لا يفوت بالتأخير لكن فيه ضرر، فهو كفارة الظهار، فإنه إذا أخرها لم يفت وقتها لكن عليه ضرر، وهو تحريم الوطي، فإذا عدم الرقبة في موضعه، وكان قادرا عليها أو على ثمنها في بلده، قيل فيه وجهان: أحدهما يؤخر إلى أن يصل ويعتق ولا ينتقل إلى الصوم لأن ذلك لا يفوت وهو الأقوى عندي والثاني لا يؤخر بل يصوم في الحال لأن عليه ضررا في التأخير. إذا عدم المكفر الرقبة فدخل في الصوم، ثم قدر على الرقبة لا يلزمه الاعتاق بل يستحب له ذلك، وهكذا للمتمتع إذا عدم الهدي فصام ثم قدر على الهدي لا يلزمه الانتقال بل يستحب له ذلك، وهكذا المتيمم في حال الصلوة إذا وجد الماء بعد الدخول فيها لا يلزمه ذلك ولا يستحب عندنا ذلك وعند قوم يستحب وفيه خلاف. إذا قال الرجل لعبده أنت حر الساعة عن ظهاري إذا تظاهرت فقد أوقع عتقه في الحال عن الظهار الذي يوجد في الثاني، فيقع العتق ولا يجزيه عن الظهار إذا تظاهر وعندي أنه لا يقع لا في الحال ولا فيما بعد لأنه معلق بشرط. وأما إذا أعتقه بعد الظهار وقبل العود مثل أن يقول أنت علي كظهر أمي أعتقتك

[ 177 ]

عن ظهاري، فإن ذلك يجزيه عن ظهاره إذا وجد العود، ككفارة اليمين إذا أخرجها بعد الصفة قبل الحنث، وعندنا لا يجوز ذلك، لأنه إنما يجب عليه إذا أراد استباحة الوطي. إذا أراد أن يطعم عند العجز عن الصوم، فإنه يطعم ستين مسكينا كل مسكين مدين من الطعام، فإن لم يقدر فمدا من طعام، وقال قوم مد على كل حال، ولا يجوز الاخلال بعدد المساكين. فإن لم يجد عددهم جاز أن يكرر عليهم، وقال قوم يجوز أن يعطي ما لمسكينين لواحد، سواء كان في يومين أو يوم، وقال آخرون إن كان ذلك في يوم واحد لم يجز وإن كان في يومين جاز، وهكذا يجب أن نقول. يجب أن يطعم كل مسكين مدين مع القدرة ومع العجز يكفيه مد، والمد رطلان وربع بالعراقي، وفيه خلاف. الواجب في الاطعام في الكفارة من غالب قوت البلد وكذلك في زكوة الفطرة، وقال قوم يجب مما يطعم أهله وهو الأقوى، للظاهر، فإن أخرج من غالب قوت البلد وهو مما يجب فيه الزكوة أجزأه، فإن أخرج فوقه فهو أفضل، وإن أخرج دونه فإن كان مما لا يجب فيه الزكوة لم يجزه، وإن كان مما يجب فيه الزكوة فعلى قولين. وإن كان قوت البلد مما لا يجب فيه الزكوة، فإن كان غير الأقط لم يجز، وإن كان أقطا قيل فيه وجهان أحدهما يجزيه، والثاني لا يجزيه لأنه مما لا يجب فيه الزكوة. والذي ورد نص أصحابنا به أن أفضله الخبز واللحم، وأوسطه الخبز والخل والزيت، وأدونه الخبز والملح. إذا أحضر ستين مسكينا وأعطاهم ما يجب لهم، فإنه يجزي سواء أطعمهم إياه أو قال ملكتكم أو يقول خذوا هذا أو أعطيتكم إياه وقال قوم لا يجزي حتى يملكهم إياه بأن يقول ملكتكم إياه.

[ 178 ]

فمن قال لا يجزي قال ينظر فيما حصل مع كل واحد فإن كان قد حصل مع كل واحد قدر ما يجب له فقد استوفى حقه وإن كان أقل تمم، وإن كان أكثر يسترجع الفضل، لأن الظاهر أنه تطوع، وإن جهل ذلك لزمه الاخراج ثانيا لأن الأصل بقاء الفرض، ولا يسقط بالشك. كل ما يطلق عليه اسم الطعام يجوز في الكفارات، وقال قوم لا يجوز غير الحب فأما الدقيق والسويق والخبز فإنه لا يجزي، وقال بعضهم يجزيه الدقيق، وكذلك القول في زكوة الفطرة والأول أحوط ههنا، وقد بينا ما يجزي في الفطرة هناك. يجوز صرف الكفارة إلى الصغير إذا كان فقيرا بلا خلاف، إلا أن أصحابنا رووا أنه إن أطعم صغارا عد صغيرين بواحد، وخالفوا في ذلك. إذا ثبت ذلك فإن الكفارة لا تدفع إلى الصغير لأنه لا يصح منه القبض لكن تدفع إلى وليه ليصرفها في مصالحه، مثل ما لو كان له دين لم يصح منه قبضه. لا يجوز أن يدفع الكفارة إلى من يلزمه نفقته كالآباء والأمهات والأجداد و الجدات وإن علوا، والأولاد وأولاد الأولاد وإن نزلوا بلا خلاف، لأنهم مستغنون به، ولا يجوز دفع الكفارات إلى غني. فأما من لا يلزمه نفقته من أقاربه ممن خرج عن هذين العمودين، فإنه يجوز صرف الكفارة والزكوة إليهم لأنهم محتاجون، ولا يجب عليه نفقتهم، وكذلك الزوج لا يجوز أن يدفع زكاته وكفارته إلى زوجته، ولا يجوز دفع ذلك إلى عبد، لأنه يجب نفقته على سيده. وكذلك المكاتب لأنه وإن كان في يده مال فهو مستغن وإن لم يكن فيمكنه أن يعجز نفسه ويعود إلى ملك سيده ويجب عليه نفقته، إلا أن على مذهبنا إن كان المكاتب مطلقا وتحرر منه شئ وهو فقير جاز أن يعطى، لأنه غير مستغن، لأنه لا يمكن رده في الرق. يجوز دفع الزكوة والكفارة إلى من ظاهره الفقر وإن لم يعرف باطنه، لأنه

[ 179 ]

لا طريق إلى معرفته، فإذا دفعها إلى من ظاهره الفقر ثم بان أنه غني، قال قوم إنه يجزيه وهو الأقوى، وقال آخرون لا يجزيه. إذا وجب على الرجل كفارة ظهار، فإن أراد أن يكفر بالاعتاق أو بالصيام فإنه يلزمه تقديم ذلك على المسيس بلا خلاف وإذا عجز عنهما وأراد أن يكفر بالاطعام فإنه يلزمه أيضا عندنا وعند الأكثر تقديمه على المسيس، ولا يحل له الوطي قبل فراغه من التكفير، وفيه خلاف. يجوز أن يكفر بالاطعام متواليا ومتفرقا لقوله " فإطعام ستين مسكينا " (1) ولم يفرق، فإن أخرجه متفرقا ثم قدر على الصوم في أثنائه لم يلزمه الصوم، بل يتمم الاطعام. إذا وجبت على الرجل كفارتان وأراد التكفير بالاطعام فأطعم ستين مسكينا مدين مدا عن هذه الكفارة ومدا عن هذه الكفارة، أجزأ ذلك، حتى لو صرف الكفارتين كلتيهما إلى ستين مسكينا إلى كل مسكين مدين عندهم، وعندنا صاع مع القدرة أجزأه بلا خلاف للظاهر. إذا دفع ستين مدا من كفارة واحدة إلى ثلاثين مسكينا إلى كل مسكين مدين أو صاعا عندنا فقد أجزءه نصف الكفارة، لأن كل مسكين في حقه أجزأه مدان عندنا، وعندهم مد فبقي عليه إطعام ستين مدا عندنا وثلاثين عندهم، يلزمه صرفها إلى ثلاثين مسكينا آخر. وأما المد الزايد الذي دفعه أو المدان عندنا الذي دفعه إلى الثلاثين الأول فهل له استرجاعه؟ ينظر فإن كان شرط حال دفعه أنه كفارة كان له استرجاعه، وإن لم يكن شرط ذلك لم يكن له الاسترجاع. فأما إذا دفع ستين مدا إلى مائة وعشرين لكل مسكين نصف مد، فإنه لا يجزيه لأنه دفع إلى كل واحد دون حقه، فيحتاج أن يتمم لستين مسكينا تمام ما هو

(1) المجادلة: 4.

[ 180 ]

نصيبهم على الخلاف فيه، وله الخيار في ذلك يتمم لأيهم شاء ويجزيه ذلك، فإذا فعل لم يكن له استرجاع ما دفعه إلى الباقين، لأنه وقع موقعه ألا ترى أنه لو تمم عليه مدا أجزأه. إذا وجبت عليه كفارة مرتبة أو مخير فيها فلا يجوز أن يكفر إلا بجنس واحد إما إعتاق أو صيام أو إطعام، ولا يجوز أن يكفر بجنسين نصف من العتق ونصف من الصيام ولا نصف من الصيام ونصف من الاطعام بلا خلاف. لو غداهم وعشاهم ما يكون تمام الصاع عندنا أجزأه وفيه خلاف ولا يجوز إخراج القيمة في الكفارات وفيه خلاف. إذا قالت المرأة لزوجها أنت علي كظهر أبي لم يتعلق به حكم وفيه خلاف (1)

(1) قال بعضهم تلزمها كفارة الظهار، كابن أبي ليلى والحسن البصري وقال بعضهم تلزمها كفارة اليمين كأبي يوسف

[ 181 ]

(كتاب اللعان) اللعان مشتق من اللعن وهو الابعاد والطرد، يقال لعن الله فلانا يعني أبعده وطرده فسمي المتلاعنان بهذا الاسم لما يتعقب اللعن من المأثم، والابعاد والطرد، فإن أحدهما لا بد من أن يكون كاذبا فيلحقه المأثم، ويتعلق عليه الابعاد والطرد. يقال التعن الرجل إذا تفرد باللعان، ولاعن إذا لاعن زوجته وتولى هو اللعان ولاعن الحاكم بين الزوجين إذا تولى الملاعنة، والتعنا وتلاعنا إذا فعلا اللعان، ويقال رجل لعنة بتحريك العين إذا كان يلعن الناس، ورجل لعنة بتسكينها إذا كان يلعنه الناس، ومنه قوله (عليه السلام) اتقوا الملاعن يعني اتقوا البول على ظهر الطرقات لأن من فعل ذلك لعنه الناس. فإذا ثبت هذا فثبوت حكمه في الشرع بالكتاب والسنة قال الله تعالى " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم " (1) إلى آخر الآيات، فذكر تعالى اللعان وكيفيته وترتيبه. وروى الزهري عن سهل بن سعد الساعدي أن عويم العجلاني وقيل عويمر أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلا أيقتله فيقتلونه أم كيف يصنع؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله) قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك، فأت بها، فجاء بها فتلاعنا وأنا حاضر عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما تلاعنا قال: يا رسول الله إن أمسكتها فقد كذبت عليها فطلقها، قال ابن شهاب فكانت تلك سنة المتلاعنين. وروى عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف زوجته عند رسول الله بشريك بن السحماء فقال النبي (صلى الله عليه وآله) البينة وإلا حد في ظهرك، فقال: يا رسول الله يجد أحدنا مع امرأته رجلا يلتمس البينة؟ فجعل رسول الله يقول البينة وإلا حد في ظهرك، فقال: والذي بعثك بالحق إنني لصادق، وسينزل الله في ما يبرئ به

(1) النور: 6.

[ 182 ]

ظهري من الحد، فنزل قوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم " الآية فلاعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بينهما. فإذا ثبت هذا فالرجل إذا قذف أجنبيا أو أجنبية بالزنا وكان المقذوف محصنا فإن القاذف يفسق بذلك في الظاهر، ويلزمه الحد وله إسقاطه بإقامة البينة: بأن المقذوف زنا. فإن لم يقم البينة حكم بفسقه، وسقطت شهادته حتى يتوب، وعليه الحد ثمانون جلدة وإذا أقام البينة - وهو أربعة من الشهود - عليه بالزنا سقط عنه الحد، وزال ما حكم به من الفسق في الظاهر، ووجب على المقذوف حد الزنا جلد مائة وتغريب عام إن كان بكرا، والرجم إن كان محصنا بلا خلاف لقوله تعالى " والذين يرمون المحصنات " (1) الآية. فأما إذا قذف زوجته فإنه يلزمه حد القاذف في الظاهر، ويحكم بفسقه وله الخروج من ذلك بأمرين إقامة البينة بالزنا أو باللعان، فإن أقام البينة على الزنا سقط عنه الحد، وزال الفسق ووجب على المرأة حد الزنا، وليس لها إسقاطه باللعان. وإن لم يقم البينة لكنه لاعن فإنه يسقط بذلك الحد عن نفسه، ويجب على المرأة حد الزنا، ولها إسقاطه باللعان بلا خلاف لقوله تعالى (والذين يرمون أزواجهم) إلى آخر الآيات، فموجب القذف عندنا في حق الزوج الحد وله إسقاطه باللعان، وموجب اللعان في حق المرأة الحد ولها إسقاطه باللعان وفيه خلاف. يصح اللعان بين كل زوجين مكلفين من أهل الطلاق سواء كانا من أهل الشهادة أو لم يكونا، مسلمين كانا أو كافرين، أو أحدهما مسلم والآخر كافر، وكذلك بين الحرين والمملوكين، أو أحدهما مملوك والآخر حر، وبين المحدودين في القذف أو أحدهما. وقال بعضهم إنما يصح اللعان بينهما إذا كانا من أهل الشهادة، فإن لم يكونا أو أحدهما فلا يصح اللعان.

(1) النور: 4

[ 183 ]

والخلاف في فصلين أحدهما أن اللعان يصح من هؤلاء أو لا؟ والثاني أن اللعان هل هو يمين أو شهادة؟ فعندنا هو يمين ويصح منهم، وعندهم شهادة لا يصح منهم وإنما قلنا ذلك لقوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم " إلى آخر الآيات ولم يفرق، ولعموم الأخبار، وإنما قلنا إنه يمين لما روى عكرمة عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما لاعن بين هلال ابن أمية وبين زوجته قال إن أتت به على نعت كذا فما أراه إلا وقد كذب عليها، وإن أتت به على نعت كذا وكذا فما أراه إلا من شريك بن السحماء. قال فأتت به على النعت المذكور، فقال النبي (عليه السلام) لولا الأيمان لكان لي ولها شأن، فسمي اللعان يمينا، ولأنه لو كان شهادة لما صح لعان الأعمى، لأن شهادة الأعمى لا يقبل عند المخالف. إذا قذف زوجته ولم يكن له بينة فله أن يلاعن بلا خلاف للآية، وإذا كان له بينة فله أيضا أن يلاعن، وقال بعضهم ليس له أن يلاعن مع قدرته على البينة وهو قوي لقوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم " فشرط في أن يلاعن ألا يكون له شاهد إلا نفسه. فإذا ثبت هذا وقذف زوجته الحرة المحصنة ولزمته الحد فطالبت به كان له أن يلاعن لإسقاط الحد بلا خلاف، وإن كانت أمة أو كافرة فلزمه التعزير بقذفها وطالبت به، فله أن يلاعنها ليسقط عن نفسه، فأما إذا لم يطالب بحد ولا تعزير فإن كان له نسب كان له أن يلاعن لنفيه، وإن لم يكن فليس له أن يلاعن، لأن اللعان لإسقاط الحد أو لنفي النسب، وفي الناس من قال له أن يلاعن لإزالة الفراش وإسقاطه، وليس بشئ لأنه يمكنه إزالته بالطلاق. حد القذف من حقوق الآدميين لا يستوفى إلا بمطالبة آدمي، ويورث كساير الحقوق، ويدخله الابراء والعفو كما يدخل في سائر الحقوق وفيه خلاف. اللعان لا يثبت عندنا بالقذف المطلق، إلا إذا ادعى المشاهدة أو الانتفاء من الحمل

[ 184 ]

ولم يعتبر أكثرهم ادعاء المشاهدة، أجازوا اللعان بمجرد القذف وعندنا أن الأعمى لا يصح منه اللعان بمطلق القذف إلا بنفي الولد، وعند جميع المخالفين يصح. ليس يخلو حال المرأة من أحد أمرين إما أن تكون حائلا أو حاملا، فإن كانت حائلا فلها حالتان: حالة يجوز فيها قذفها ولعانها، وحالة يحرم ذلك فيها. فالحالة التي يجوز ذلك فيها هو أن يتيقن زناها عنانا بالمشاهدة أو غيرها مما يعلم به نفي الولد، ولا يعمل على غلبة الظن، وقال بعضهم أو يغلب على ظنه ذلك بأن يخبره ثقة فيسكن إلى قوله إنها زنت، أو استفاض في الناس أن فلانة تزني بفلان ووجد ذلك الرجل عندها، ففي هذه المواضع يجوز له أن يقذف ويلاعن، لأنه غلب على ظنه ذلك، ولا يجب بل يجوز أن يترك ويمسكها، على ما اعتبرناه من المشاهدة لا يجوز له اللعان في شئ من هذه المواضع. وأما الحالة التي يحرم فيها لعانها وقذفها، فهو إذا كانت الحال مستقيمة، فلا يعلم أنها زنت، ولا يخبر بذلك غيره، فإن فعل فقد أتى بمعصية كبيرة، وكذلك إذا أخبره من لا يثق بقوله عندهم أو لم يستفض. وأما الحامل فلها ثلاثة أحوال: حالة يجب فيها القذف واللعان، وحالة يحرم ذلك فيها، وحالة مختلف فيها. فالحالة التي يجب فيها القذف واللعان فهو أن يعلم زناها في طهر لم يجامعها فيه، ويظهر بها حمل يمكن أن يكون من ذلك الزنا فيلزمه أن يقذف ويلاعن وينفي النسب، لأنه متى سكت ولم ينف النسب استلحق نسبا ليس منه وذلك لا يجوز. وأما الحالة التي يحرم فيها، فهو أن يكون الحال مستقيمة لم يظهر على المرأة الزنا، وأتت بولد يمكن أن يكون منه، فلا يجوز له أن يقذف ويلاعن وينفي النسب، لأن النسب لاحق به في الظاهر، وليس هناك ما يدل على نفيه منه لقوله (عليه السلام) أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شئ ولن يدخلها جنة، وأيما رجل نفي نسب ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عنه وفضحه على رؤس الأولين والآخرين.

[ 185 ]

وأما الحالة المختلف فيها فهو أن لا يعلم من حالها الزنا، لكنها أتت بولد لا يشبهه مثل أن يكونا أبيضين فأتت بولد أسود أو كانا أسودين فأتت بولد أبيض، منهم من قال له أن ينفي ويلاعن بحكم الشبه، ومنهم من قال لا يجوز وهو الصحيح عندنا لأنه يجوز أن يرجع إلى بعض آبائه وأجداده. لما روي أن رجلا أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله إن امرأتي أتت بولد أسود فقال هل لك من إبل؟ فقال نعم، فقال ما ألوانها قال: حمر، فقال فهل فيها من أورق؟ فقال: نعم، فقال: أني ذلك؟ فقال: لعل أن يكون عرقا نزع، قال فكذلك هذا، لعل أن يكون عرقا نزع. إذا كان للصبي أقل من تسع سنين فتزوج بامرأة فأتت بولد فإن نسبه لا يلحقه لأن العادة لم تجر أن من له دون التسع يطأ وينزل ويحبل فلا يمكن أن يكون الولد منه فلم يلحقه، كما لو تزوج بها رجل فأتت بولد لدون ستة أشهر، فإنه لا يلحقه لأن العادة لم تجر أن الولد يوضع لأقل من ستة أشهر. فإذا ثبت أنه لا يلحقه نسبه فإنه ينتفي عنه بلا لعان لأنه إنما ينفي باللعان النسب الذي يمكن أن يكون من الزوج ويلحق بالفراش، فينفي باللعان، وهذا لا يمكن أن يكون منه، فلم يحتج في نفيه إلى لعان، كما لو أتت بولد لدون ستة أشهر فإنه ينفي عن الزوج بلا لعان لأنه لا يمكن أن يكون منه. فإن مات الزوج اعتدت المرأة عنه بالشهور عندنا، على كل حال، ولا تعتد بوضع الحمل عندهم هيهنا، لأن العدة إنما ينقضي بوضع حمل يمكن أن يكون من الزوج، وهذا لا يمكن أن يكون من هذا الزوج. فأما إذا كان له عشر سنين فأتت امرأته بولد فإنه يلحقه نسبه، لأنه يمكن أن يكون منه، لإمكان أن يكون بلغ الاحتلام فيتأتى منه الوطي والانزال والاحبال، فيلحقه النسب بالإمكان، وإن كان بخلاف العادة كما لو أتت المرأة بولد لستة أشهر من حين العقد، فإنه يلحقه نسبه لإمكان أن يكون منه، وإن كانت العادة بخلافه، لأن الظاهر أن لا تضع المرأة لأقل من تسعة أشهر.

[ 186 ]

وكذلك إذا تزوج بكرا فحبلت فإن النسب يلحقه، لإمكان أن يكون وطئها دون الفرج فسبق الماء إلى الفرج فحملت منه وإن كان الظاهر والعادة أن البكر لا تحبل. فإذا ثبت أنه يلحقه نسبه فلا يجوز له نفيه باللعان، لأن اللعان إما أن يكون يمينا على قولنا أو شهادة على قول المخالف، وكلاهما لا يصحان من غير بالغ، وهذا غير محكوم ببلوغه، فإن البلوغ إنما يكون بالاقرار بالاحتلام أو باستكمال خمس عشرة سنة، أو بالانبات عندنا ولم يوجد شئ من ذلك، ولأن اللعان إنما يصح ممن إذا نكل أقيم عليه الحد، وهذا لو امتنع لم يقم عليه الحد، فلم يصح لعانه. فإذا ثبت ذلك فإذا بلغ إما بالسن أو الاحتلام أو الانبات كان له أن ينفي النسب لأنه صار لكلامه حكم فصح منه نفي النسب، فإن لم ينفه ومات إما قبل البلوغ أو بعده قبل أن ينفي أو بلغ مجنونا فتعذر النفي في حقه ومات، فإن النسب لاحق به والزوجية ثابتة فترثه الزوج والولد، لأن النسب لاحق به حتى ينفيه، والزوجية ثابتة حتى يسقطها. فيثبت الإرث قبل حصول السبب القاطع للنسب والزوجية، وإن كان ذلك معرضا للاسقاط والنفي كما لو حملت امرأة الرجل حملا وأراد نفيه وقبل أن نفاه مات، فإن الولد يرثه لثبوت نسبه، وإن كان معرضا للنفي، ولا فرق بين الجارية والغلام في إمكان بلوغهما في تسع سنين، وفي الناس من فرق. إذا كان الزوج بالغا مجبوبا فأتت امرأته بولد لحقه نسبه إلا أن ينفيه باللعان لأنا لا نعلم أنه لا يولد لمثله، وقال قوم إنه ينفى عنه بلا لعان، والأول أصح وكذلك القول إذا كان مسلولا وذكره باق أو مقطوع الذكر وأنثياه باقيتين، يلحقه الولد، وفي الناس من قال لا يلحقه، والأول أصح للظاهر. فأما إذا كان مقطوع الذكر والأنثيين معا فإنه لا يلحقه الولد، وينتفى بغير لعان لأنه ما جرت العادة أن يولد لمثل هذا، وفي الناس من قال لا ينتفي إلا بلعان، والأول أقوى لاعتبار العادة. إذا قذف الرجل رجلا فادعى القاذف أنه قذف وهو مجنون فلا حد عليه، و

[ 187 ]

قال المقذوف بل قذفت في حال إفاقتك وعليك حد، هذا إذا قامت البينة بالقذف ثم ادعا ما ذكرناه، فأما إذا أقر بالقذف ثم ادعى أن ذلك كان في حال جنون فإنه لا يقبل منه، لأنه رجوع عما أقر به. فإذا ثبت هذا فإن البينة إذا قامت بذلك ثم ادعى ما ذكرنا ففيه مسئلتان إحداهما أن لا يعرف للقاذف حالة جنون، والثانية أن يعرف له حال جنون. فإن لم يكن يعرف له حال جنون فالقول قول المقذوف، لأنه قد ثبت بالبينة أن قذف وما يدعيه القاذف من الجنون لم يعلم، فالظاهر موافق لما يدعيه المقذوف فكان القول قوله مع يمينه فإذا حلف لزم القاذف الحد. وأما إذا علم له حالة جنون وحالة إفاقة فإن قذف في حالة جنونه لم يلزمه الحد وإن قذف في حال إفاقته لزمه الحد، وإن شك في أمره فلم يدر هل قذف في حال إفاقته أو في حال جنونه فاختلفا، فالقول قول القاذف، وفي الناس من قال القول قول المقذوف، والأول أصح، لأنه ثبت له حال إفاقة وحال جنون وإذا احتملا فالأصل براءة الذمة عن القذف، فلا يلزمه الحد مع الشك، ولأن الحدود تدرء بالشبهات. الأخرس على ضربين أحدهما أن لا يكون له إشارة معقولة، ولا كناية مفهومة والثاني الذي له إشارة معقولة أو كناية مفهومة. فإذا لم يكن له إشارة معقولة ولا كناية مفهومة، فلا يصح قذفه ولا لعانه ولا نكاحه ولا طلاقه، ولا شئ من عقوده، لأنه لا يفهم ما يريده بلا خلاف. وأما الأخرس الذي له إشارة معقولة أو كناية مفهومة فإنه بمنزلة الناطق في ساير الأحكام، فيصح قذفه ولعانه ونكاحه وطلاقه وساير عقوده، وقال قوم لا يصح قذفه ولا لعانه، وأما طلاقه ونكاحه ويمينه وعقوده فإنها تصح، فمتى حكمنا بأنه يصح لعانه وقذفه فمتى قذف ولاعن ثم انطلق لسانه فقال ما كنت لاعنت، قبل رجوعه فيما عليه، ولا يقبل فيما له. فإذا ثبت هذا فاللعان يتعلق به أربعة أحكام: سقوط الحد، وانتفاء الولد، و

[ 188 ]

التحريم المؤبد، وزوال الفراش: فإذا أقر أنه لم يكن لاعن لزمه الحد، ولحقه النسب، لأنه حق عليه، ولا يعود الفراش ولا يزول التحريم، لأنه حق له. وهكذا الحكم في الناطق إذا لاعن ثم أكذب نفسه، فإنه يلزمه الحد ويعود النسب، ولا يزول التحريم ولا يعود الفراش، غير أن أصحابنا زادوا في النسب بأن قالوا يرثه الولد ولا يرث هو الولد. فأما إذا قال لم أقذف فإنه لا يقبل منه لأنه لزمه الحد بالقذف، فلا يقبل قوله في إسقاطه به كما لو أقر بالدين بالإشارة، ثم قال لا شئ علي لم يقبل، فأما إذا كانت المرأة خرساء أو صماء فلا فرق بين أن يكون الرجل ناطقا أو أخرس له إشارة معقولة فإن أصحابنا رووا أنه يفرق بينهما، ولم تحل له أبدا، ولم يفصلوا. وقال المخالف لا يخلو حال المرأة إما أن يكون لها إشارة معقولة أو لا يكون لها ذلك، فإن كان لها إشارة معقولة أو كناية مفهومة فهي كالناطقة، فيتأتى اللعان من جهتها: فإذا قذف الزوج ولا عن نظر، فإن لاعنت أسقطت الحد عن نفسها، وإن لم تلاعن أقيم عليها الحد كالناطق. وإن لم يكن لها إشارة معقولة ولا كناية مفهومة فاللعان لا يتصور من جهتها، وهي بمنزلة المجنونة سواء، وسنبين حكم المجنونة فيما بعد. فأما من أمسك لسانه وانقطع كلامه، قال قوم يتأنى إلى مدة، فإن انطلق لسانه وتكلم يحمل عليه، وإن لم ينطلق صار بمنزلة الأخرس رجع إلى إشارته، ولا فصل بين أن يكون مأيوسا من برئه أو غير مأيوس. وقال قوم بل يرجع إلى أهل المعرفة، فإن قالوا لا يرجى زواله رجع إلى إشارته وإن قالوا يرجى زواله انتظر عليه حتى ينطلق لسانه فيرجع إلى قوله، والأول أقوى لأنه ربما انتظر فلا ينطلق لسانه فيموت فيذهب وحيه (1) وتبطل الحقوق التي له وعليه. إذا قذف زوجته المجنونة إما في حال إفاقتها فلزمه الحد ثم جنت أو

(1) يعني الإشارة، وفي بعض النسخ: فتذهب وصيته.

[ 189 ]

قذفها في حال جنونها بزنا أضافه إلى حال الصحة فلزمه الحد بذلك، أو قذفها بزنا أضافه إلى حال الجنون فلزمه التعزير، فإنه ينظر، فإن كان هناك نسب يحتاج إلى نفيه جاز أن يقذف ويلاعن لنفي النسب، لأن النسب لاحق به في هذه الحالة كما لو كانت عاقلة. وإن لم يكن له نسب فإن كانت المرأة مفيقة وطالبت بالحد أو بالتعزير فله أن يلاعن لإسقاط الحد والتعزير بلا خلاف وإن كانت مجنونة فتعذرت المطالبة من جهتها قال قوم إن كانت مغلوبة على عقلها فالتعن وقعت الفرقة، ونفي الولد، إن انتفى منه، وقال آخرون ليس عليه أن يلتعن إلا أن تطالبه المقذوفة وهو الأقوى. فإذا ثبت هذا فإنه إذا لاعن لنفي النسب أو لإسقاط الحد فقد وجب على المقذوفة الحد بلعانه، إلا أنه لا يقام عليها في حال جنونها، لكن ينتظر إلى أن تفيق فإما أن تلاعن أو يقام عليها الحد، وإن لم يكن هناك حد ولا تعزير ولا نسب بأن تبرئه المرأة فليس له أن يلتعن، لأن ليس هناك شئ يحتاج إلى إسقاطه وفيهم من قال له أن يلتعن لا زالة الفراش وإسقاط الزوجية، وليس بشئ لأنه يمكنه إزالته بالطلاق. إذا قذف الرجل زوجته الحرة المسلمة المحصنة، فعليه الحد، وكذلك إذا قذف المجنونة بزنا أضافه إلى حال الافاقة فأما إذا قذف المجنونة بزنا أضافه إلى حال الجنون، أو كان له زوجة أمة أو كافرة فقذفها فإنه يجب عليه التعزير. فإذا ثبت هذا فإن الحد أو التعزير إذا وجبا عليه للمرأة الحرة، فكانت مجنونة فليس لها أن تطالب بالحد ولا لوليها المطالبة به، لأن للولي المطالبة بالأموال. وأما الأمة إذا وجب بقذفها تعزير فلها أن تطالب به لأنه حق لها، فإن أراد السيد المطالبة لم تكن له، لأنه إنما يطالب بما كان مالا أوله بدل هو مال، ولو جنى عليها ملك المطالبة بقصاصها وأرشها. إذا وجب على الرجل الحد بقذف زوجته أو بقذف أجنبية أو أجنبي فمات المقذوف أو المقذوفة قبل استيفاء الحد انتقل ما كان لهما من المطالبة بالحد إلى ورثتهما ويقومون مقامهما في المطالبة، وقال قوم حد القذف لا يورث، لأنه من حقوق الله

[ 190 ]

عنده، وعندنا من حقوق الآدميين. فإذا ثبت أن هذا الحد يورث، فمن يرثه؟ قال قوم يرثه جميع الورثة المناسبين، و ذوي الأسباب كالمال، وقال آخرون يختص به المناسبون دون ذوي الأسباب، وهذا مذهبنا وقال آخرون إنه يختص العصبات. فإذا ثبت هذا فإن الورثة يرثون هذا الحق بأجمعهم، وكل واحد منهم ينفرد بإرثه، على معنى أنه إن عفا جميعهم إلا واحدا كان له استيفاء الحد. وجملته أن الحقوق الموروثة على أربعة أضرب: حق يرثه جماعة الورثة على سبيل الاشتراك، ويرثه كل واحد منهم على الانفراد فيملك التفرد باستيفائه وهو حد القذف عندنا، وولاية النكاح عندهم. وحق يرثه جماعة الورثة على الاشتراك ويرث كل واحد منهم بقدر حقه، و هو الأموال. وحق يرثه جماعتهم على الاشتراك ولا يملك أحدهم التفرد بشئ منه، فمتى عفا واحد منهم سقط حقه وهو القصاص وسقط حق الباقين أيضا وينتقل إلى الدية وعندنا لا ينتقل إلا على وجه نذكره. وحق يشترك فيه الجماعة فإذا عفا واحد منهم توفر حقه على الباقين وهو الشفعة، عند من قال بأنها موروثة، والغنيمة، فإنه إذا استحق جماعة شفعة فأسقط بعضهم حقه توفر على الباقين، وكذلك إذا غنم جماعة فأسقط بعضهم حقه توفر على الباقين. هذا في الحر والحرة فأما الأمة إذا قذفت فوجب بقذفها التعزير، ثم ماتت قال قوم لا يملك سيدها المطالبة، بل يسقط بموت الأمة، لأنه لا يخلو أن يستحق ذلك بالإرث أو بحق الملك ولا يجوز أن يستحق بالإرث لأن الأمة لا تورث، ولا يجوز أن يأخذه بحق الملك لأنه لو ملك ذلك بعد موتها لملك حال حياتها.

[ 191 ]

والوجه الثاني أنه يملك المطالبة، لأنها كانت ملكه وهو أولى الناس بها وهو الأقوى. إذا كان تحت الرجل أربع نسوة حرة مسلمة محصنة، وحرة كتابية، وأمة مسلمة وصغيرة مسلمة فقذفهن فالكلام في ثلاثة فصول: أحدها ما يجب عليه، والثاني كيفية اللعان عنهن، وثالثها ما يلزمهن بلعانه. فأما الكلام فيما يلزمه بقذفهن، فإنه يجب عليه بقذف المسلمة الحد، والأمة والكافرة والصغيرة فلا يجب بقذفهن الحد لكن يجب التعزير، وأما اللعان فإذا طالبت الحرة بحد القذف كان له أن يلاعن لظاهر الآية، والكافرة والأمة يجب لهما التعزير، فإذا طالبتا كان له إسقاطه باللعان. وأما الصغيرة فإن كانت ممن لا يوطأ مثلها فلا يصح قذفها لأن القذف ما احتمل الصدق والكذب، وهذا مقطوع على كذبه، فلا يلزمه الحد ولزمه التعزير، ويكون تعزير أدب لا تعزير قذف، وليس له إسقاطه باللعان، وهل يستوفى منه في الحال أو يؤخر على ما نبينه. وإن كانت الصغيرة يوطأ مثلها فقد قذفها وعليه التعزير، وهو تعزير قذف، وله إسقاطه باللعان، فإن اختار تأخير اللعان إلى أن تبلغ المقذوفة وتطالب بالتعزير وتلاعن كان له، وإن اختار أن يلاعن في الحال قال قوم له أن يلاعن، وقال آخرون ليس له أن يلتعن، لأنه ليس هناك نسب ينفى ولا مطالبة بحد ولا تعزير، وهو الأقوى. وأما الفصل الثالث (1) وهو ما يجب عليهن: إذا التعن الحرة المسلمة المحصنة يلزمها حد الزنا، وكذلك الحرة الكافرة، والأمة يلزمها نصف حد الحرة، والصغيرة فلا حد عليها لأنها غير مكلفة، ولهن إسقاطه باللعان على ما مضى شرحه. إذا تحاكم إليه ذميان فادعت المرأة أن زوجها قذفها، فمن قال يلزمه الحكم أو قال هو بالخيار واختار الحكم، فإنه يسأل الزوج فإن أنكر فالقول قوله مع يمينه

(1) وأما الفصل الثاني وهو كيفية اللعان، فسيجئ.

[ 192 ]

وإن أقر بذلك فلا حد عليه، لأن الحد إنما يجب بقذف المحصنة الكاملة، والكافرة ليست محصنة وعليه التعزير، وله إسقاطه باللعان، فإن لم يلاعن عزر، وإن لاعن لزمها الحد، ولها إسقاطه باللعان، فإن لاعنت سقط، وإن لم تفعل حدت حد الزنا. إذا ثبت على المرأة الزنا وحدت به، إما بإقرارها أو بإقامة بينة، سواء أقامها الزوج أو الأجنبي، فإذا قذفها قاذف بذلك الزنا فلا حد عليه، سواء كان الزوج أو الأجنبي لقوله (والذين يرمون المحصنات) فهذه ليست محصنة إلا أنه يجب به التعزير. فإن كان القاذف أجنبيا لم يكن له إسقاطه باللعان، وإن كان زوجا كان له إسقاطه باللعان، وقال قوم لا يلاعن لأن اللعان إنما يكون لإسقاط ما وجب بالقذف وهذا التعزير وجب لأجل السب والشتم، وهو حق الله، وإن كان واقفا على مطالبة آدمي لأن حق الله على ضربين: ضرب لا يتعلق بشخص بعينه، مثل أن يقول الناس زناة فيلزمه التعزير ولا يقف على مطالبة آدمي، وحق يتعلق بشخص بعينه بأن يسب شخصا بعينه فيلزمه التعزير ولا يستوفي إلا بمطالبة المشتوم، لأنه يختص به، وهذا هو الأقوى. هذا إذا ثبت زناها ببينة أو بإقرارها، فأما إذا كان قذفها زوجها ولاعنها فحقق الزنا باللعان، ثم قذفها بذلك الزنا فلا يخلو إما أن يقذفها الزوج أو الأجنبي، فإن قذفها زوجها فلا حد له، وعليه التعزير، لأن البينونة قد حصلت بينهما باللعان، ثم صارت أجنبية: ومن قذف امرأة قد بانت منه قذفا أضافه إلى حالة الزوجية، فليس له أن يلاعن إلا أن يكون هناك حمل فينفيه، وإن قذفها أجنبي بذلك الزنا فعليه الحد سواء كان الزوج نفى نسب ولدها أو لم ينف، أو كان الولد باقيا أو قد مات، أو لم يكن لها ولد وفيها خلاف. إذا قذف زوجته ولم يقم البينة، ولم يلاعن فحد، ثم أعاد القذف بذلك الزنا ثانيا، فإنه لا يلزمه حد ثان بلا خلاف، وعليه التعزير، ويكون تعزير سب لا تعزير قذف، وليس له إسقاطه باللعان.

[ 193 ]

إذا قذف أجنبي أجنبية ولم يقم البينة فحد ثم أعاد ذلك القذف بذلك الزنا فإنه لا يلزمه حد آخر عند أكثر الفقهاء، وحكي عن بعض الناس أنه قال يلزمه حد آخر، وإذا لم يجب حد وجب فيه تعزير لأجل السب لا القذف، والأول أصح لقصة أبي بكرة مع المغيرة. إذا تزوج امرأة وقذفها بزنا أضافه إلى ما قبل الزوجية فالحد يجب عليه، و ليس له إسقاطه باللعان، وقال بعضهم له ذلك، وهو الأقوى لعموم الآية والاعتبار عند من قال بالأول بالحالة التي يضاف إليها القذف، وعلى ما قلناه بالحالة التي يوجد فيها القذف. فأما إذا ما أضاف إلى زنا قبل الزوجية بشهر أو شهرين، وحملت واحتاج أن يدفع عن نفسه النسب، فعلى ما قلناه، له أن يلاعن، وفيمن قال بالأول من يقول مثل ذلك، لأنه يحتاج إلى نفي النسب، وقال قوم لا يجوز له ذلك، لأنه كان يمكنه أن يقذف قذفا مطلقا ولا يقيد بما قبل الزوجية وهو الصحيح عندهم. إذا ادعت على زوجها القذف فأنكر فشهد شاهدان عليه بالقذف، كان له أن يلاعن، وليس ذلك تكذيبا لنفسه، لأنه يقول إنما أنكرت أن أكون قذفت والبينة شهدت علي بأني قد قلت لها يا زانية، وليس هذا قذفا لأني صادق في قولي فليس هذا بقذف فلا يكون تكذيبا وقال بعضهم إن البينة تكذبه، لأنه قد أنكر أن يكون قذف، والبينة قامت عليه بالقذف، ونحن نحكم بأنه قاذف بقيام البينة عليه بالقذف ألا ترى أنا نوجب عليه الحد ونعلق عليه أحكام القذف؟ فثبت أنه محكوم بقذفه، وقد أنكر، فكان ذلك تكذيبا لنفسه، إلا أنه يصح مع هذا أن يلاعن لأنه يقول أحسب أني ما قذفت هي زانية وإن لم أقذفها فأنا ألاعن على ما ثبت علي من القذف. ومنهم من قال: إنكاره للقذف مناف لما شهدت البينة به، إلا أنه إنما يلاعن للقذف المجدد، لأنه إذا قامت عليه البينة بالقذف يقول هي زانية وإن لم أقذفها فيكون هذا ابتداء قذف مجدد، فله أن يلاعن فإذا لاعن حقق بلعانه القذف

[ 194 ]

الأول والثاني معا إلا أنه إنما يلتعن في التحقيق للثاني وعلى الوجوه كلها لا خلاف أنه يلاعن. فأما إذا ادعت المرأة عليه أنه قال لها يا زانية فقال ما قلت يا زانية وليست بزانية، ثم قامت البينة عليه بأنه قال لها ذلك، فإنه يكذب نفسه، ولزمه الحد لقيام البينة، وليس له أن يلاعن، لأنه قد تقدم منه الاقرار بأنها ليست بزانية فليس له أن يحقق كونها زانية بأن يلتعن مع تقدم إنكاره لها. ومثل هذا إذا ادعى على غيره بأنه أودعه وديعة فقال مالك قبلي حق فأقام البينة أنه أودعه، فقال صدقت البينة، قد كان أودعني، لكن تلفت، فالقول قوله فلا يلزمه شئ لأنه إنما جحد أن يكون قبله حق والبينة شهدت أنه أودعه وقد يودعه شيئا فيتلف في يده، فلا يكون له قبله حق، فلم يكن في ذلك ما ينافي البينة. فأما إذا ادعى أنه أودعه فقال ما أودعني، ثم قامت البينة أنه أودعه فقال: بلى كان أودعني وتلفت، فإنه لا يقبل قوله، ويلزمه الضمان، لأنه نفى أن يكون أودعه، وقد قامت البينة عليه بالايداع، فثبت كذبه فيما قاله، وخرج عن كونه أمينا فلزمه الضمان. إذا قال الصبي لزوجته يا زانية، لم يكن ذلك قذفا ولا يلزمه به الحد بلا خلاف لقوله (صلى الله عليه وآله): رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم، فإن بلغ وأراد أن يلاعن لم يكن له ذلك، لأن اللعان إنما يكون لتحقيق القذف، وقد بينا أنه لا قذف له. إذا طلق زوجته طلقة رجعية ثم قذفها في حال عدتها لزمه الحد، وله إسقاطه باللعان، لأنه في حكم الزوجات، ولو أبانها أو فسخ أو خلع ثم قذفها بزنا أضافه إلى حال الزوجية فالحد يلزمه، وهل له إسقاطه باللعان أم لا فعندنا وعند قوم إن لم يكن هناك نسب لم يكن له أن يلاعن، وإن كان هناك نسب كان له أن يلاعن وفيه خلاف.

[ 195 ]

فإذا ثبت أن له أن يلاعن وينفي النسب نظر، فإن كان الولد قد انفصل، كان له أن يلاعن لنفيه، وإن لم يكن قد انفصل بأن كان حملا، فإن أراد تأخير اللعان إلى أن ينفصل كان له، وإن أراد أن يلاعن في الحال كان له أيضا، وقال قوم ليس له أن يلاعن حتى ينفصل الولد. والفرق بين هذا وبين أن يقذف زوجته حيث كان له أن ينفي نسب الحمل قبل انفصاله هو أن اللعان في تلك الحال يقصد به إسقاط الحد، فإذا سقط الحد تبعه انتفاء النسب وههنا القصد نفي النسب، فإذا لم يكن، لم يكن له أن يلاعن لنفيه، والصحيح عندنا الأول. إذا قذف زوجته وهي حامل لزمه الحد وله إسقاطه باللعان وبنفي النسب، فإن اختار أن يؤخر اللعان حتى ينفصل الولد فيلاعن لنفيه كان له، وإن اختار أن يلاعن في الحال وينفي النسب كان له. إذا قذف زوجته بأن رجلا أصابها في دبرها، وجب عليه الحد، وله إسقاطه باللعان، وفيه خلاف، وإن قذف أجنبيا أو أجنبية بذلك لزمه حد القذف عندنا وفيه خلاف، وإن قذفها بالسحق مع امرأة لم يلزمه الحد بل يلزمه التعزير، وليس له إسقاطه باللعان. فإذا قال لها ركبت رجلا ودخل ذاك في ذاك منك فعليه الحد، وله إسقاطه باللعان. إذا قال لزوجته يا زانية بنت الزانية فقد قذفها وقذف أمها بالزنا، وعليه الحد لكل واحدة منهما حد كامل، وله إسقاط حد الأم بالبينة فحسب، لأنها أجنبية، وله إسقاط حد البنت بالبينة وباللعان لأنها زوجته، وإن عفا أحدهما عن حقه لم يسقط حق الآخر. ومتى طالبت إحداهما قبل صاحبتها استوفى حقها أيهما كانت، فإن طالبت البنت أولا يلزمه الحد وله إسقاطه بالبينة أو باللعان، فإذا طالبت الأم بعد ذلك كان له إسقاطه بالبينة لا غير، وكذلك إن طالبت الأم أولا فأقيم عليه الحد، كان للبنت المطالبة وله إسقاطه باللعان وبالبينة معا، وإن طالبا معا قدم حق الأم أولا

[ 196 ]

وقال قوم يقدم حق البنت لأنها مواجهة بالخطاب، وكلاهما جايز، والأولى أن يكون من باب التخيير. فإذا ثبت هذا، ووجب عليه الحدان معا فأقيم عليه حد الأم، لا يوالي عليه الحد الآخر، بل ينتظر حتى يبرأ من الحد الأول، ثم يقام عليه الحد الآخر، لأنه ربما أتلفه. وإن كان القاذف عبدا فإذا اجتمع عليه حدان قال قوم لا يوالي بينهما أيضا، وقال آخرون يجوز أن يوالي بينهما لأنهما بمنزلة حد واحد، وهو الأقوى. هذا إذا أوجبنا عليه نصف الحد، فأما على ما رواه أصحابنا بأن عليه الحد تاما في القذف وشرب الخمر فهو مثل الحر سواء. إذا نكح امرأة نكاحا فاسدا وقذفها فإن لم يكن هناك نسب لزمه الحد وليس له إسقاطه باللعان بلا خلاف وإن كان هناك نسب كان له أن يلاعن لنفي النسب، فإذا لاعن انتفى النسب وسقط الحد، وقال قوم ليس له أن يلاعن سواء كان هناك نسب أو لم يكن وهو الصحيح عندنا لقوله تعالى (والذين يرمون أزواجهم) وهذه ليست زوجة، ولقوله (والذين يرمون المحصنات). فمن قال له أن يلاعن قال إذا لاعن تعلق به جميع أحكام اللعان من سقوط الحد وانتفاء النسب وتحريم التأبيد، وأما نفي الفراش فليس هناك فراش موجود حتى ينتفي.

[ 197 ]

(فصل) في أين يكون اللعان اللعان لا يصح إلا عند الحاكم أو من يقوم مقامه من خلفائه، فإذا لاعن الحاكم بين الزوجين، فإنه يغلظ بينهما بأربعة شرايط: باللفظ، والمكان، والزمان وجمع الناس. فأما اللفظ فإن الزوج يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنا ثم يقول في الخامسة (عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين) ثم تشهد المرأة أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من الزنا، ثم تقول (عليها غضب الله إن كان من الصادقين) وهذا مجمع عليه، والقرآن يشهد به. وأما المكان فإنه يلاعن بينهما في أشرف البقاع، فإن كان بمكة فبين الركن والمقام، وإن كان ببيت المقدس ففي المسجد عند الصخرة، وإن كان في سائر البلاد ففي الجامع وإن كان بالمدينة ففي مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند المنبر، وقال قوم على المنبر. وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاعن بين رجل وامرأة على المنبر، وروى جابر ابن عبد الله الأنصاري أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال من حلف على منبري هذا يمينا فاجرة ليقتطع بها مال امرئ مسلم ولو على سواك من أراك - وفي بعضها ولو على سواك وأحقر - فليتبوأ مقعده من النار. وأما الوقت فإنه يعتبر أن يلاعن بعد صلاة العصر لقوله تعالى ((تحبسونهما من بعد الصلوة فيقسمان بالله) (1) قيل في التفسير بعد العصر، وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: من حلف بعد العصر يمينا كاذبة ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله تعالى وهو عليه غضبان.

(1) المائدة: 106

[ 198 ]

وأما الجمع فمعتبر لقوله تعالى (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين). وقال بعضهم لا اعتبار بشئ من ذلك، فاللفظ شرط عندنا وعند بعضهم، فإن نقص أحد الزوجين من ألفاظ اللعان شيئا لم يعتد باللعان، وإن حكم الحاكم بينهما بالفرقة لم ينفذ حكمه، وقال قوم ينفذ حكمه، وأما الوقت وجمع الناس فمستحب وليس بشرط، والتغليظ بالمكان أيضا مستحب عندنا، وقال قوم هو شرط. إذا أراد الحاكم أن يلاعن بين الزوجين فإنه يبدء فيقيم الرجل ويأمره أن يلاعن قائما، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر العجلاني بذلك، فقال له قم واشهد، وتكون المرأة جالسة في حال لعانه، فإذا فرغ الرجل قامت والتعنت قائمة كالرجل. ومن شرط اللعان الترتيب فيبدأ أولا بلعان الزوج، ثم بلعان الزوجة، للآية بلا خلاف، فإن خالف الحاكم وبدأ بلعان المرأة لم يعتد به، وإن حكم به لم ينفذ حكمه وقال بعضهم ينفذ ويعتد به. وإذا كانت المرأة حايضا فإنها لا تدخل المسجد للعان، بل تلاعن على بابه ويخرج الحاكم إليها من يستوفي عليها اللعان. وإن كانا ذميين تلاعنا في الموضع الذي يعتقدان تعظيمه من البيعة والكنيسة و بيت النار. وأما الألفاظ التي يعظمونها فعلى ضربين أحدهما ليس في التلفظ بها معصية مثل قولهم الذي أنزل التوراة على موسى ابن عمران، والانجيل على عيسى، ونجا موسى، من الغرق، وما أشبه ذلك والضرب الثاني التلفظ بها معصية مثل قولهم المسيح ابن الله، وعزير ابن الله، فلا يجوز أن يحلفوا بها لأنها كفر، وعندنا أن إدخالهم المساجد لا يجوز، وقال بعض من وافقنا يجوز إلا المسجد الحرام. وإن كان جنبا قال بعضهم يجوز له دخول المسجد، وقال آخرون لا يجوز، و عندنا لا يجوز بحال ولو كان طاهرا، وإن كان الكافران وثنيين ومن لا دين لهما فلا يجوز إقرارهما على دينهما ببذل الجزية، ولكن يجوز عقد الهدنة والموادعة، فإذا أراد الحاكم أن يلاعن بينهما لاعن في مجلسه، ولا يغلظ بمكان، وأما الألفاظ فإنهما يحلفان

[ 199 ]

بالله الذي خلقك ورزقك، لأنهما لا يعتقدان تعظيم كتاب ولا دين مخصوص ولا شئ فتعظم عليه اليمين به. الأحكام المتعلقة باللعان أربعة سقوط الحد عن الزوج، وانتفاء النسب، وزوال الفراش، والتحريم على التأبيد. وهذه الأحكام عند قوم يتعلق بلعان الزوج، فإذا وجد منه اللعان بكماله سقط الحد، وانتفى النسب، وزال الفراش، وحرمت المرأة على التأبيد، ويتعلق به أيضا وجوب الحد على المرأة. فأما لعان المرأة فإنه لا يتعلق به أكثر من سقوط حد الزنا عنها، وحكم الحاكم لا تأثير له في إيجاب شئ من هذه الأحكام، فإذا حكم بالفرقة فإنما ينفذ الفرقة التي كانت وقعت بلعان الزوج، لا أنه يبتدى إيقاع فرقة. قال قوم وهو الذي يقتضيه مذهبنا أن هذه الأحكام لا يتعلق إلا بلعان الزوجين معا، فما لم يحصل اللعان بينهما، فإنه لا يثبت شئ من ذلك. قد بينا أنه يبدأ بلعان الزوج، فيلاعن قائما ويشهد بالله أربع مرات إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنا وإن كانت غايبة سماها وذكر نسبها ورفع فيه حتى يميزها عن غيرها. فإن كان رماها بالزنا دون نفي النسب يقول أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا وإن كان نفي النسب زاد - وأن هذا الولد من زنا ليس مني، في كل شهادة وفي كل كلمة اللعن. ولا بد أن يقول هذا الولد من زنا وليس مني فإن اقتصر على أحدهما لم يجز وإن لاعنها وسكت عن نفي النسب وقعت البينونة بينهما، فإن أراد بعد ذلك أن ينفي الولد كان له، سواء كان الولد منفصلا أو حملا متصلا. فإذا بقى كلمة اللعن يقول له الحاكم اتق الله ولا تقدم على الحلف كذبا فإنها موجبة عليك العذاب، وإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فإن انزجر لزمه الحد، وإن رآه يقدم على الحلف أمر رجلا يضع يده على فيه ويسكته ويعظه

[ 200 ]

ويزجره، فإن انزجر وإلا تركه حتى يمضي في لعانه، فيقول علي لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا. فإن قال بدلا من ذلك علي غضب الله إن كنت من الكاذبين، قال بعضهم يجزي وقال آخرون لا يجزي وهو الأقوى، فإذا فرغ تعلقت به أحكام اللعان على ما مضى من الخلاف. ثم تلاعن المرأة بعد ذلك قائمة وتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من الزنا، ولا تحتاج أن تذكر نفي النسب لأن ذلك لا يتعلق بلفظها، وإن كان الزوج غائبا سمته ورفعت في نسبه، وإن كان حاضرا أشارت إليه، وقال قوم لا تحتاج إلى تسميته وقال آخرون تحتاج إليه، والأول أقوى. فإذا بلغت إلى الكلمة الخامسة وعظها مثل الرجل، فإن انزجرت وإلا أمر من يضع يده على فيها ويعظها، فإن رجعت وإلا تركها حتى يمضي في لعانها وتقول: على غضب الله إن كان من الصادقين، وإن قالت علي لعنة الله بدلا من ذلك لم يجز، لأنه خلاف ذكر القرآن، فإذا أتمت اللعان سقط عنها الحد، وتكامل اللعان. وألفاظ اللعان مذكورة في القرآن. وأما الوعظ أو وضع اليد على الفم فروي أن النبي (عليه السلام) وعظ الزوج حين لاعن لما بلغ الخامسة، وكذلك المرأة حتى قيل إنها تلكأت وكادت أن ترجع، ثم قالت والله لا فضحت قومي ومضت في لعانها. إذا أخل أحد الزوجين بترتيب اللعان، فقدم اللعن على الشهادة، أو أتى به في أثنائها لم يجز عندنا، وقال بعضهم يجزي، وإذا أتى بدل لفظ الشهادة بلفظ الحلف بأن قال أحلف بالله أو أقسم بالله أو أولي بالله لم يجز عندنا، لأنه خلاف للنص، و قال بعضهم يجزي لأنه يمين. إذا قذف زوجته برجل بعينه أو برجال، فإنه يلزمه الحد في حق الزوجة، وفي حق المقذوف، وله الخروج عن ذلك القذف بالبينة واللعان، فإن أقام البينة سقط عنه الحدان بلا خلاف، وإن لاعن سقط عنه حد المرأة ولا يسقط حد الأجنبي، وقال

[ 201 ]

بعضهم يسقط عنه الحدان. وقال بعضهم مثل ما قلناه إلا أنه قال الذي يلزمه للزوجة اللعان وللأجنبي الحد، فإذا لاعن سقط حقها، ولم يسقط حق الأجنبي، وإذا حد للأجنبي لم يكن له لعان الزوجة، لأن عنده أن المحدود في القذف لا يلاعن، لأنها شهادة. ومن قال يسقط الحدان قال إن ذكر المرمى به في لعانه وسماه يسقط حده، وإن لم يذكره واقتصر على ذكر الزوجة، فيه قولان الصحيح أنه لا يسقط، وإن امتنع من اللعان ولم يقم البينة، فإنه يلزمه الحد في حق الزوجة وحق المقذوف، يلزمه لكل واحد حد تام، وقال قوم حد واحد. فإذا ثبت ذلك فلا يخلو إما أن تطالب المرأة بالحد أو تعفو أو تعترف بالزنا، فإن طالبت فإنه يحد لها، فإذا حد بقي حد الأجنبي سواء، وقال بعضهم يسقط، فإن لاعن أو أقام البينة وإلا حد، وإذا عفت المرأة عن الحد سقط حقها ولا يسقط حق الأجنبي. وإذا أقرت المرأة بالزنا فإقرارها يسقط عن الزوج حد القذف ويجب عليها حد الزنا بإقرارها، وعليها أيضا حد القذف للأجنبي، لأنها صدقت الزوج، وحد الأجنبي في حق الزوج باق إلا أن يسقطه بإقامة البينة. إذا قذف رجل رجلا عند الحاكم وعرف الحاكم أن المقذوف لم يعلم بذلك، فعليه أن يبعث إليه ويعلمه حتى يجئ ويطالب بحده لأن القاذف أتى منكرا بقذفه لأنه نسبه إلى الزنا وكان مستورا عليه، والمقذوف قد وجب له حق لم يعلم به، فلزم الإمام إعلامه. وإذا قال رجل عند الحاكم سمعت ناسا يقولون إن فلانا زنا بفلانة، فلا يبعث إليه لأنه لم يتعين قاذفه فيطالبه بالحد وإذا قذف زوجته برجل بعينه، ولاعن الزوجة وذكر المرمى به في اللعان أو لم يذكره، لم يلزم الحاكم الانفاذ إلى المرمى به. إذا كان الزوجان يعرفان العربية والعجمية، فعليهما أن يلتعنا بالعربية دون العجمية لأنها لفظ القرآن، فلا يعدل عنها مع الاختيار، كالتكبير في الافتتاح

[ 202 ]

وإن لم يحسن أحدهما العربية جاز أن يلتعنا بالعجمية. فإن كان الحاكم يحسن العجمية فلا يحتاج إلى ترجمان، ويستحب له أن يحضر اللعان طائفة يحسنون العجمية وإن لم يحسن الحاكم العجمية احتاج إلى مترجم وينبغي أن يكونا اثنين مثل سائر الحقوق، وقال بعضهم يحتاج إلى أربعة. إذا لاعن الزوج والمرأة وثبت أحكام اللعان، فأكذب الزوج نفسه، وقال ما زنت وكنت كاذبا، تعلق بذلك ما كان حقا عليه، ولا يتعلق به ما كان حقا له، فيلزمه الحد، ولا يعود الفراش، ولا يزول التحريم، وفيه خلاف. إذا قذفها واعترفت فلا يخلو إما أن تعترف قبل لعان الزوج أو بعده، فإن اعترفت بعد لعانه فأحكام اللعان قد تعلقت بوجود اللعن من جهته، وسقط عنه الحد ووجب عليها حد الزنا، وينتفي النسب، ويزول الفراش، وتحرم على التأبيد، فإذا أقرت بالزنا لم يتعلق بإقرارها حكم أكثر من وجوب الحد عليها، وهو ما ثبت بوجود لعان الزوج. وإذا اعترفت قبل لعانه فسواء اعترفت قبل شروع الزوج في اللعان أو بعد شروعه وقبل إتمامه، فالحكم واحد، فإن باعترافها قبل الشروع فيه يسقط حد القذف عن الزوج، ويلزمها حد الزنا بإقرارها، غير أنا نعتبر إقرارها أربع مرات، وقال بعضهم دفعة واحدة. فإن لم يكن هناك نسب لم يكن للزوج أن يلاعن، وإن كان هناك نسب كان له أن يلاعن لنفيه، لأن النسب، لم ينتف باعترافها بالزنا، بل هو لاحق به بالفراش، فكان مفتقرا إلى اللعان وفيه خلاف. إذا قذف زوجته ثم مات أحدهما، فإن ماتت الزوجة لم يخل إما أن يموت قبل اللعان أو بعده، فإن ماتت قبل اللعان فقد ماتت على حكم الزوجية، ويرثها الزوج وليس له أن يلاعن لنفي الزوجية، لأنها زالت بالموت. ثم لا يخلو أن يكون هناك نسب أو لا يكون، فإن كان نسب كان له أن يلاعن لنفيه، لأنه لاحق به وفيه حاجة إلى نفيه، وإن مات قبل نفيه باللعان، كان له أن

[ 203 ]

يلاعن لنفيه، لأنه لا ينتفي عنه بالموت، ويفارق الزوجية التي تزول بالموت، فإذا لاعن ونفى نسب الولد لم يرثه، وإذا لاعن لنفي النسب لم ينتف بذلك الموارثة بين الزوجين. وإن لم يكن هناك نسب فقد كان وجب على الزوج حد القذف لها، وانتقل ذلك إلى ورثتها، فإن أبرؤه سقط ولا لعان، وإن أرادوا مطالبته كان لهم ذلك، وللزوج أن يلاعن لإسقاط الحد، لأنه محتاج إليه. وروى أصحابنا أنه إن لم يلاعن وجب عليه حد القذف وورثها، وإن لاعن سقط الحد ولم يرثها. وإذا ماتت المرأة بعد اللعان من الزوج فقد ماتت بعد ثبوت أحكام اللعان، و لا يؤثر موتها شيئا أكثر من سقوط الحد عنها [ وثبوت ألحد ] ظ بلعان الزوج لا بموتها. وإذا مات الزوج قبل اللعان فقد مات على حكم الزوجية، وورثته المرأة لبقاء الزوجية، وإن كان هناك نسب فهو ثابت، والارث بينه وبين الزوج جار، و ليس لباقي الورثة أن ينفوا نسبه باللعان، لأنه استقر نسبه بالموت. إذا قذف زوجته وشرع في اللعان ثم قطعه ولم يتمه، فإنه لا يسقط عنه حد القذف، ولا ينتفي النسب، ولا يتعلق به حكم من أحكام اللعان، وكذلك إذا شرعت المرأة في اللعان ولم تكمله، فإنه لا تسقط عنها حد الزنى لقوله تعالى (ويدرؤ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين). إذا وجب على رجل أو امرأة حد الزنا إما ببينة أو بإقرارها أو بلعان الزوج فالحكم واحد، فلا يخلو إما أن يكون بكرا أو ثيبا: فإن كانت بكرا لم تخل إما أن تكون صحيحة أو مريضة، فإن كانت صحيحة فإن كان الهواء معتدلا، لا حر ولا برد، أقيم عليها حد الابكار: جلد مائة وتغريب عام، وعندنا لا تغريب عليها، وإن كان ذلك في حر أو برد لم يقم الحد، وأما إذا كان مريضا نظر في مرضه، فإن لم يكن مأيوسا من برئه انتظر به اليوم والأيام على

[ 204 ]

حد المرضى، وإن كان مرضا لا يرجى زواله، فإنه يحد حد المرضى. وإن كانت ثيبا فإنها ترجم أي وقت كان، سواء كان الهواء معتدلا أو غير معتدل صحيحة كانت أو مريضة، وسواء ثبت باعترافها أو ببينة، لأن الغرض إتلافها وفيه خلاف شاذ. إذا أتت امرأة الرجل بولد فقال ليس هذا مني، فإنه لا يكون قاذفا بهذا القول ولا نافيا لنسبه، لأنه محتمل، ويرجع إلى تفسيره فيقال ما أردت به؟ فإنه يحتمل أربعة أشياء: أحدها أن يريد أنه من زنا، والثاني أن خلقه لا يشبه خلقي، والثالث أنها أتت به من زوج غيري، والرابع أنها التقطته أو استعارته. فإن قال أردت أن أمه أتت به من زنا كان قاذفا، فلزمه الحد، إلا أن يسقطه باللعان. وإن قال أردت أنه لا يشبه خلقي وخلقي، فهذا ليس بقذف ولا نفي نسب للولد، فيرجع إلى المرأة، فإن صدقته على ذلك فلا شئ عليه، وإن قالت أراد القذف وكذبته في هذا التفسير، فالقول قوله، لأنه أعرف بما أراد، فإن حلف أسقط دعوى المرأة، وإن نكل عن اليمين رد اليمين على المرأة فتحلف أنه أراد القذف، ويثبت به عليه القذف، ويلزمه الحد إلا أن يسقطه بالبينة أو اللعان. وأن قال أردت أنها أتت به من زوج غيري، فإن لم يعلم لها زوج غيره، قيل له فسرت كلامك بما لا يحتمله، فلا يقبل، وعليك أن تفسره بما يحتمل ليقبل منك، وإن علم أنه كان لها زوج قبله فلا تخلو إما يعلم فراق الأول ونكاح الثاني ووقت الولادة، أو لا يعلم ذلك، فإن علمت هذه الأشياء، ففيه أربع مسائل: إحداها أن يمكن أن يكون الولد من الأول، ولا يمكن من الثاني، بأن تأتي به لستة أشهر فأكثر، وأقل من تسعة أشهر عندنا من حين طلاق الأول ولدون ستة أشهر من وقت نكاح الثاني، فينتفي عن الثاني بغير لعان، لأنه لا يمكن أن يكون منه، ويلحق بالأول لإمكان أن يكون منه، إلا أن ينفيه باللعان. الثانية أن يمكن أن يكون من الثاني، ولا يمكن أن يكون من الأول، بأن

[ 205 ]

تأتي به لأكثر من تسعة أشهر من وقت طلاق الأول ولستة أشهر فأكثر من وقت نكاح الثاني، فينتفي عن الأول بغير لعان، لأنه لا يمكن أن يكون منه، ويلحق بالثاني لإمكان أن يكون منه، وله نفيه باللعان. الثالثة أن لا يمكن أن يكون من واحد منهما، بأن تأتي به لأكثر من تسعة أشهر من وقت طلاق الأول، ولدون ستة أشهر من وقت نكاح الثاني، فينتفي عنهما بغير لعان لأنه لا يمكن أن يكون من واحد منهما. الرابعة يمكن أن يكون من كل واحد منهما، بأن تأتي به لأكثر من ستة أشهر من وقت نكاح الثاني، وأقل من تسعة أشهر من وقت طلاق الأول، فيمكن أن يكون من كل واحد منهما، فعند المخالف يعرض على القافة، فبأيهما ألحقوه لحق، وانتفى عن الآخر، ويكون للذي لحق به نفيه باللعان، وإن لم يكن قافة أو كانوا وأشكل الأمر، ترك حتى يبلغ فينتسب إلى أحدهما وينتفى عن الآخر، وعندنا يستعمل القرعة، فمن خرج اسمه الحق به، وليس له نفيه باللعان. وأما إذا لم يعرف وقت طلاق الأول ونكاح الثاني وولادة الولد، فالزوجة تدعي أنها أتت به على فراش الزوج، وأنه لاحق به، وهو منكر ذلك، فالقول قول الزوج، لأن الأصل عدم الولادة لها، وانتفاء النسب حتى يعلم ثبوته، فإن حلف سقط دعواها وانتفى النسب بانتفاء الفراش، وإن نكل ردت اليمين عليها، فإن حلفت ثبت له الفراش، ولحق النسب حتى ينفيه باللعان، وإن نكلت عن اليمين فهل توقف اليمين على بلوغ الصبي حتى يحلف ويثبت نسبه؟ على ما سنبينه فيما بعد. وأما القسم الرابع، وهو إذا قال ما ولدت هذا الولد بل استعرته أو التقطته فيحتاج أن تقيم المرأة البينة على ولادتها له، لأن الولادة تكون ظاهرة يحضره جماعة فيتصور إقامة البينة عليها ولا يقبل بمجرد الدعوى. فإذا أقامت بينة قبل منها رجلان، ورجل وامرأتان، وأربع نسوة، لأن هذا أمر ليس يحضره الرجال في الغالب، فيقبل فيه شهادة النساء على الانفراد، وإن

[ 206 ]

تعذر إقامة البينة عليها قال قوم يعرض على القافة، وقال آخرون لا يعرض، وهو الذي نقوله، لأن ولادة المرأة تدرك مشاهدة فلا يرجع إلى الاستدلال، ولو كان القافة صحيحا، وولادة الأب إنما يتوصل إليها بذلك عند من أجازه من حيث لا يمكن معرفتها مشاهدة. فمن قال يعرض عليهم قال إن ألحقوه بها لحق، وحكم بأنها أتت به على فراشه إلا أن ينفيه باللعان، ومن قال لا يعرض على ما قلناه، أو لم يوجدوا، أو وجدوا و أشكل الأمر، فالقول قول الزوج، لأن الأصل أنها لم تلده. فإن حلف سقط دعواها وانتفى النسب عنه بغير اللعان، لأنه لم يثبت الولادة على فراشه، وإن نكل رددنا اليمين عليها فتحلف، ويثبت الفراش ويلحقه، إلا أن ينفيه باللعان. وإن نكلت عن اليمين فهل يوقف على بلوغ الصبي فيحلف ويحكم على أنها ولدته على فراشه فيلحقه نسبه فيه وجهان؟ أحدهما لا يوقف، لأن اليمين كانت حقا لها، فإذا نكلت عنها أسقطت حقها منه فلم يثبت بعد ذلك. والوجه الثاني أنه يوقف لأن اليمين كان يتعلق بها حق المرأة وحق الصبي وهو لحوق نسبه، فإذا أسقطت المرأة حقها بقي حق الصبي، فكان له الحلف على إثباته والأول أقوى وإن كان الثاني أيضا قويا. فمن قال إن اليمين يوقف على بلوغ الصبي يتوقف حتى يبلغ، فإذا حلف لحق نسبه بالأب إلا أن ينفيه باللعان، ومن قال لا يوقف فقد سقط النسب في حق الأب وبقي مجرد دعوى الأم للنسب من غير بينة، فهل يلحقها النسب بدعواها قيل فيه وجهان: منهم من قال لا يلحق نسب المرأة إلا ببينة، سواء كان لها زوج أو لم يكن، و منهم من قال يلحقها النسب سواء كان لها زوج أو لم يكن، إلا أنه إذا كان لها زوج لحقها دون زوجها، وفيهم من قال إن لم يكن لها زوج لحقها النسب، وإن كان

[ 207 ]

لها زوج لم يلحقها النسب، وهيهنا لها زوج لا يجيئ فيه إلا الوجهان، ولا يجيئ الفصل. والأقوى عندي أنه لا يقبل قولها، ولا يلحقها النسب، سواء كان لها زوج أو لم يكن، لأنه يمكنها إقامة البينة على الولادة، ويفارق الرجل لأنه لا يمكنه ذلك فقبل قوله. إذا كان للرجل امرأة فأتت بولد، فقال: ما هذا الولد مني، فيه ست مسائل: الأولى أن يقذفها برجل بعينه، فيقول زنا بك فلان، فله أن يلاعن وينفي النسب لقصة هلال ابن أمية، فإنه قذفها بشريك ابن السحماء. الثانية أن يقذفها برجل لا بعينه فيقول زنا بك رجل ولا يسميه، وهذا الولد منه، فله أن يلاعن وينفي النسب لقصة العجلاني، فإنه قذف زوجته برجل لا بعينه. الثالثة أن يقول ما هذا الولد مني وما أصبتك ولست بزانية فيلحقه الولد، و لا يكون ذلك قذفا ولا نفيا لنسبه، لأن قوله ما أصبتك ولست بزانية، معناه لم يك مني لأنني ما أصبتك وقد يكون الولد منه وإن لم يصبها بأن يطأ دون الفرج فيسبق الماء إلى الفرج فينعقد الولد، وقد تستدخل ماءه فتحبل على ما روي في بعض الأخبار. الرابعة أن لا يقذف واحدا منهما وينفي النسب، فيقول وطئك فلان بشبهة وهذا الولد منه، بأن يقول وجدك على فراشه، فظنك زوجته وظننته زوجك، فليس له أن ينفي النسب باللعان، لأنه قد ينتفي عنه بغير لعان، فإن النسب يلحق الواطي بشبهة، فههنا عندنا يقرع، وعندهم يعرض على القافة. وكل موضع يمكن نفي النسب بغير لعان لم يجز نفيه باللعان، كمن وطي أمته فأتت بولد فنفاه لشبهة لا يحتاج إلى لعان بلا خلاف، وإن كان عند المخالف يحتاج إلى يمين أنه كان قد استبرأها فينتفي عنه، وعندنا القول قوله بلا يمين. الخامسة أن يقذف الزوجة ولا يقذف الواطي، فيقول وطئك رجل بشبهة وأنت زانية، لأنك علمته وما علم هو، فليس له هيهنا أن يلاعن، بل يعرض عندهم

[ 208 ]

على القافة وعندنا يقرع بينهما فينتفي عنه بغير لعان. السادسة أن يقذف الواطي ولا يقذفها، بأن يقول غصبك فلان فوطئك مكرهة وهو زان ولست بزانية، فالنسب لا يلحق الواطي ههنا، ويكون قاذفا له، وعليه الحد، وهل له أن يلاعن لنفي النسب؟ قال قوم ليس له أن يلاعن إلا أن يقذف الزوجة لقوله تعالى (والذين يرمون أزواجهم) وهذا ما رمى، وقال آخرون له أن يلاعن وهو الأقوى لعموم الأخبار فيمن نفى ولدا أن عليه أن يلاعن. إذا كانت له زوجة فأتت منه بولد فقذفها ونفاه باللعان، فقال رجل أجنبي للولد المنفي باللعان: لست بابن فلان، فإنه لا يكون قاذفا بهذا القول، لأنه محتمل للقذف وغير القذف، فإذا احتمل لم يحكم بالقذف ورجع إليه فيما أراد. فإن قال أردت به أن أمه أتت به من زنا فقد صرح بالقذف، فإن كانت المرأة حرة محصنة فعليه الحد، وإن كانت غير محصنة إما أمة أو كافرة أو غير عفيفة فلا حد عليه، وعليه التعزير. فإن قال الشرع منع من نسبه، فهذا ليس بقذف، ويرجع إلى المرأة فإن صدقته فلا شئ عليه، وإن كذبته فقالت بل أراد القذف، فالقول قول الأجنبي لأنه أعلم بما أراد. هذا إذا نفى أبوه نسبه باللعان، فأما إذا نفى الأب نسبه ثم عاد فأقر به، فقال له أجنبي لست بابن فلان، فإنه يكون قاذفا، وفيه خلاف، وإن قال له أبوه لست بابني بعد أن أقر به كان أيضا قاذفا، وفيه خلاف. وألفاظ القذف على ثلاثة أضرب: لفظ هو صريح القذف وهو قوله زنيت، أو يقول لغلام يا ابن الزانية، ولفظ هو قذف في الظاهر ويحتمل غير القذف، وهو أن يقول لمن لم يستقر نسبه: لست بابن فلان، ولفظ هو كناية في القذف وهو أن يقول لمن استقر نسبه لست بابن فلان. إذا أتت امرأة الرجل بولد فنفاه باللعان ثم جاءت بولد آخر بعده، ففيه مسئلتان إحداهما أن يكون قد لاعن على ولد منفصل، الثانية أن يكون قد لاعن على حمل

[ 209 ]

متصل، وفي كل واحدة من المسئلتين مسألتان: فأما الأولى وهي إذا لاعن على ولد منفصل بأن يظهر بالمرأة الحمل فنفاه، وأخر اللعان حتى وضعت، ثم لاعن ونفى نسبه، فأتت بعده بولد آخر، فلا يخلو إما أن تأتي به لأقل من ستة أشهر من وقت ولادة الأول أو لأكثر من تسعة أشهر فإن أتت به لأقل من ستة أشهر، فلا نحكم بأنه والأول حمل واحد، لأن العادة ألا يكون بين الحملين أقل من ستة أشهر، فإذا وضعت الولد الثاني قبل مضي ستة أشهر، حكمنا بأنه والأول من حمل واحد، وقد نفا الأول باللعان، وبقي الثاني، فهو بالخيار بين أن ينفيه باللعان أو يمسكه، فإن نفاه انتفى عنه، وإن أمسكه لحقه فإذا لحقه الثاني لحقه الأول، لأنها من حمل واحد، فلا يجوز أن يكون بعضه منه وبعضه ليس منه. فأما إذا وضعت الثاني لأكثر من ستة أشهر من وقت ولادة الأول، فإنا نحكم بأن الحمل الثاني من حمل آخر، لأنه لا يجوز أن يكون بين الولدين من حمل واحد أكثر من ستة أشهر، فحكمنا بأنه من حمل آخر، وقد نفا الأول باللعان، ووقعت البينونة بينه وبين الزوجة، ويلحقه الثاني، لأنه يمكن أن يكون منه، لأن المرأة لما وضعت الأول وضعت وهي زوجة وإلى أن لاعنها كانت باقية على الزوجية فيمكن أن يطأها في تلك الحالة، فتحبل وتعلق بالثاني في زوجية، ثم تبين بعد ذلك باللعان، وإذا كان هذا ممكنا لحق به، وإن أراد نفيه باللعان كان له، وإن أمسك لحقه، وإذا لحقه لم يلحقه الأول، لأنه من حمل آخر، فلا يكون لحوق أحدهما موجبا للحوق الآخر. فأما إذا لاعن على حمل ثم وضعته ووضعت بعده ولدا آخر فلا يخلو إما أن تضعه لدون ستة أشهر من وقت ولادة الأول أو لأكثر من ستة أشهر، فإن وضعته لدون ستة أشهر فإنا نحكم أنه والأول من حمل واحد لما مضى، وفي نفي نسب الحمل باللعان نفي الجميع باللعان ولو كانوا مائة. وأما إذا وضعت الثاني لأكثر من ستة أشهر من وقت ولادة الأول، فإنا نحكم بأن الثاني من حمل آخر، لأنه لا يجوز أن يكون بين الولدين من حمل واحد أكثر من

[ 210 ]

ستة أشهر، وقد نفي نسب الأول باللعان، ووقعت البينونة به. فالثاني ينتفي عنه بغير لعان، لأنه لا يمكن أن يكون منه، لأن الفرقة وقعت والمرأة حامل بالولد الأول فبانت من الزوج ووضعت الولد وهي باين، فلما وضعت الثاني لأكثر من ستة أشهر حكمنا بأنها حملته وهي باين، فانتفي عن الزوج بغير لعان، لأنه لا يمكن أن يكون منه. ويفارق المسألة الأولى لأنها وضعت الولد الأول وهي زوجة، والبينونة وقعت بعد ذلك باللعان، فمن حين الولادة إلى حين اللعان فالزوجية باقية فأمكن أن يكون حملت في تلك الحالة وهي زوجة فلحقه الولد، وليس كذلك هيهنا لأن اللعان حصل وهي حامل، والبينونة وقعت في تلك الحالة، وليس يمكن أن تحمل بالثاني ما دامت حاملا بالأول، ولما وضعت الأول وضعته وهي باين، فلا بد أن يكون الثاني حملته وهي باين، فلم يمكن أن يكون من الزوج بحال، فانتفى نسبه عنه بغير لعان. إذا أتت امرأة الرجل بولدين توأمين إما أن تلدهما معا في وقت واحد، أو ولد أحدهما بعد الآخر وكان بينهما أقل من ستة أشهر، فهما حمل واحد، فإذا أقر الزوج بأحدهما ونفى الآخر فإنهما يلحقانه لأن الحمل الواحد لا يكون من اثنين، فإذا أقر بأحدهما ولحقه لحقه الآخر. وإذا أتت المرأة بولدين توأمين فنفاهما الزوج باللعان فإن نسبهما ينتفي عن الأب، وينقطع الإرث بينهما وبينه، ويكون نسبهما ثابتا من قبل الأم، والارث جار بينهما وبينها، وأما إرث أحدهما عن الآخر فإنهما يتوارثان بالأم بلا خلاف ولا يتوارثان بالأب عندنا، وقال شاذ منهم يتوارثان بالأب، لأن اللعان لا يتعدى الزوج والزوجة. إذا أتت المرأة بولدين من زنا فإن نسبهما ثابت من جهة الأم وغير ثابت من جهة الأب لقوله (عليه السلام) " الولد للفراش وللعاهر الحجر " والإرث يجري بين الولدين و بين الأم ولا يجري بينهما وبين الأب ويتوارثان بإخوة الأم ولا يتوارثان بإخوة

[ 211 ]

الأب، وخالف من خالف في المسألة الأولى، هذا على قول من أجرى ولد الزنا مجرى ولد الملاعنة من أصحابنا فأما على الصحيح الذي ذكرناه في النهاية وأنه لا يثبت نسبهما فإنه لا توارث بينهما وبين الأم ولا بينهما أنفسهما بحال. إذا تزوج الرجل أمة فأتت بولد فقذفها ولاعنها فبانت منه ثم ملكها فإنه لا يحل له وطؤها بالملك، لقوله (صلى الله عليه وآله) " المتلاعنان لا يجتمعان أبدا " وأما إذا تزوجها ثم طلقها ثلاثا أو اثنتين عندنا فإنها لا تحل له إلا بعد زوج، فإن ملكها فهل تحل له وطؤها بملك اليمين؟ قيل فيه وجهان الصحيح عندنا وعندهم أنها لا تحل له، و الثاني أنها تحل وبه قال شاذ من أصحابنا. إذا أبان زوجته باللعان لا تستحق عندنا السكنى ولا النفقة إلا أن تكون حاملا ولم ينف حملها فإنها تستحق النفقة والسكنى، وقال بعضهم تستحق السكنى مدة اللعان وفي النفقة مثل ما قلناه، غير أنه إذا أوجب النفقة للحمل هل هو لها أو للحمل؟ قيل فيه قولان أقواهما عندي أنها للحمل دونها، وإن نفى نسب الولد فلا نفقة لها وأما السكنى فإنها تستحق عندهم مدة العدة بلا خلاف عندهم. إذا أتت امرأة الرجل بولدين توأمين فمات أحدهما وبقي الآخر فللأب أن ينفي نسب الحي والميت معا، وكذلك لو كان الولد واحدا فمات كان له نفيه باللعان وقال بعضهم لا يجب نفي نسب الميت، فإذا لم يصح نفى نسب الميت لم يصح نفي نسب الحي لأنهما حمل واحد. إذا أتت بولد ونفاه باللعان ثم مات الولد ورجع الزوج فأقر بنسبه لا يلحقه ولا يرثه عندنا، وقال بعضهم يلحقه ويرثه إن خلف مالا سواء خلف الولد ولدا أو لم يخلف وفيه خلاف، ولا خلاف بينهم أنه لو أقر به قبل موت الولد أنه يلحقه و يثبت نسبه ويتوارثان، وعندنا لا يرثه الأب بحال. إذا قال الرجل لزوجته يا زانية فقالت زنيت بك فأما الزوج فقد قذفها بقوله يا زانية لأن ذلك صريح في القذف لا يحتمل غيره، وأما قولها له بك زنيت فليس بصريح في القذف، بل هو محتمل له ولغيره لأنه يحتمل ثلاثة أشياء:

[ 212 ]

أحدها القذف وهو أنها أرادت أنك زنيت بي قبل الزوجية، فأنت زان وأنا زانية، وهو أقواها عندي. ويحتمل أن يكون أقرت على نفسها بالزنا ولم يقذف الزوج، فتريد بذلك أنك وطئتني وأنت تظنني زوجتك وأنا عالمة بأنك أجنبي فكنت أنا زانية وأنت لست بزان. ويحتمل أن لا يكون أقرت بالزنا ولا قذفته بل أرادت النفي والجحود كأنها تقول في مقابلة قوله يا زانية بك زنيت يعني ما زنيت أنا ولا أنت كما يقول القائل لغيره يا سارق فيقول معك سرقت يعني ما سرقت أنا ولا أنت، ويقول تعديت فيقول معك تعديت يعني ما تعديت، فإذا كان محتملا لهذه الأشياء لم يكن صريحا في القذف. فالزوج قاذف يلزمه الحد، والمرأة يرجع إليها: فإن قالت أردت به الاحتمال الأول فقد أقرت على نفسها بالزنا، وقذفت بالزنا فيسقط عن الزوج حد القذف ويلزمها حد الزنا بإقرارها، ويلزمها حد القذف للزوج برميها. وإن قالت أردت الاحتمال الثاني وهو أني زنيت أنا ولم تزن أنت، فقد أقرت على نفسها ولم تقذف الزوج فيسقط عن الزوج حد القذف ويلزمها حد الزنا بإقرارها ولا يجب عليها حد القذف فإنها ما قذفته، فإن ادعى الزوج أنها أرادت قذفه فالقول قولها لأنها أعلم بمرادها، فإن حلفت سقط دعواه، وإن نكلت رددنا اليمين عليه فيحلف ويحقق عليها القذف فيلزمها الحد. وإن قالت أردت الاحتمال الثالث وهو الجحود والنفي، فالحد قد وجب على الزوج بقذفه إلا أن يسقطه بالبينة أو باللعان، والمرأة ما أقرت بالزنا ولا القذف فلا يلزمها حد الزاني ولا حد القذف. فإن صدقها الزوج على ذلك فعليه الحد إلا أن يسقطه بالبينة، وإن كذبها وقال إنما أردت القذف فالقول قولها، فإن حلفت سقط دعواه، وإن نكلت رددنا اليمين عليه فيحلف ويحقق عليها بيمينه الاقرار بالزنا وقذفها له، ويسقط عنه حد

[ 213 ]

القذف ويلزمها حد القذف، لكن لا يجب عليها حد الزاني لأنه لا يلزم بالنكول واليمين. إذا قال لزوجته يا زانية فقالت أنت أزنى مني فقد قذفها الزوج بقوله يا زانية وقولها أنت أزنى مني ليس بصريح في القذف، بل يحتمل شيئين أحدهما أن تكون أرادت أنك زنيت بي قبل الزوجية فيكون ذلك إقرارا بالزنا وقذفا ويحتمل الجحود والنفي، يعني ما زنيت. ولا يحتمل القسم الأخير وهو أنها تقر بالزنا ولا تقذفه لأنها قد أضافت الزنا إليه بقولها بل أنت أزنا مني، فلا يحتمل نفي الزنا عنه وإضافته إليه فيسقط هذا الاحتمال ويبقى الاحتمالان الآخران والحكم فيهما على ما قدمناه. إذا قال رجل لامرأته أنت أزنا من فلانة، لا يكون هذا قذفا بظاهره، لأن ما كان في وزن أفعل موضوع في الحقيقة للاشتراك، وإن كان لأحد الأمرين مزية فإذا ثبت هذا فيحتاج أن يثبت أن فلانة زانية وأن هذه أزنا منها، حتى يكون قاذفا ولا يجب أن يكون قاذفا لهما، لأن هذه اللفظة وإن كان حقيقتها الاشتراك فقد ترد بمعنى السلب كقوله تعالى " أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا " وليس في النار خير، وكما يقال الجار أحق بالشفعة من غيره، وليس لغير الشفيع حق في الشفعة، فإذا احتمل ذلك لم يكن قذفا بظاهره، ويرجع إليه. فإن قال أردت أن فلانة زانية وأنك أزنى منها فقد قذفهما معا فيلزمه الحد لزوجته وله الخروج منه باللعان أو البينة، ويلزمه الحد للأجنبية، وله الخروج منه بالبينة، فحسب. وإن قال أردت الجحود والنفي، فإن صدقته فلا شئ عليه، وإن كذبته فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف سقط دعواها، وإن نكل رددنا اليمين عليها فتحلف ويثبت عليه القذف، ويلزمه الحد إلا أن يسقطه باللعان، وقال بعضهم لا يكون قاذفا بذلك وإن فسر ذلك بالقذف، وليس بشئ، ويقوى في نفسي أنه يكون قاذفا لهما بظاهره لأنه هو الحقيقة وما فسروا به كله مجاز.

[ 214 ]

إذا قال لها أنت أزنا الناس فلا يكون قذفا بظاهره، لأنا نتحقق أنها لا تكون أزنا الناس كلهم فإن الناس كلهم لا يكونون زناة، فإن قال أردت أنها أزنا من الناس كلهم، قلنا له فسرت كلامك بأمر محال، ويسقط حكمه، وإن قال أردت أنها أزنا من زناة الناس فقد قذفها وقذف جماعة غير معينين فعليه الحد لزوجته، وله إسقاطه باللعان وقذفه لقوم غير معينين لا شئ فيه، فإذا لم يعين المقذوف لم يلزمه شئ. إذا قال لزوجته أو أجنبية يا زان كان قاذفا عند جميع الفقهاء إلا داود، قالوا لأن الكلام إذا كان مفهوم المعنى لزم المتكلم حكمه، وإن كان لحنا، كما لو قال رجل لامرأته زنيت بالفتح، أو قالت امرأة لرجل زنيت بالكسر، أو قال لفلان على مائة درهم بالضم أو عشرون درهم بالكسر، وقال بعضهم يكون ذلك ترخيما وليس بصحيح لأن الترخيم يدخل على أسماء الأعلام دون الصفات المشتقة من الأفعال. ويقوى في نفسي أن ذلك لا يكون قذفا كما قال داود إن كان من أهل الأعراب وإن لم يكن من أهله فالأمر على ما قاله الفقهاء. إذا قالت امرأة لرجل يا زانية زوجها كان أو أجنبيا، كانت قاذفة عند الأكثر وقال بعضهم لا يكون قاذفة وهو الأقوى عندي. إذا قال رجل لرجل زنأت في الجبل، فظاهر هذا أنه أراد صعدت في الجبل فلا يكون صريحا في القذف بل يحمل على الصعود، فإن ادعى المخاطب بذلك أنه أراد القذف فالقول قول القاذف مع يمينه، فإن حلف فلا شئ عليه، وإن نكل ردت اليمين على المقذوف فيحلف لقد أراد القذف ويحد له حد القاذف وفيه خلاف. وإن قال زنأت ولم يقل في الجبل، قال قوم هو الصريح في القذف لأنه تعري عن قرينة الجبل، وقال بعضهم ينظر في المتكلم، فإن كان عرافا باللغة لم يكن قاذفا وإن لم يكن عارفا كان قاذفا، لأن العامة لا تفرق بين الموضعين وهو الأقوى عندي. إذا قال لزوجته زنيت وأنت صغيرة ففيه مسئلتان أحدهما أن يفسر ذلك بما لا يحتمل القذف فيقول زنيت ولك سنتان أو ثلث فيعلم كذبه، لأن ذلك لا يتأتى منها ولا يلزمه بذلك حد ولا تعزير قذف، لكنه تعزير سب وشتم، وليس له إسقاطه باللعان.

[ 215 ]

الثانية أن يفسر بما يحتمل القذف بأن يقول زنيت ولك تسع سنين أو عشر سنين فهذه يتأتى الزنا منها، فقد قذفها بالزنا إلا أنه لا حد عليه، لأن الصغيرة ناقصة لا يجب الحد برميها (1) لكن يعزر تعزير قذف وله إسقاطه باللعان. وإن قال زنيت وأنت نصرانية ففيه ثلث مسائل: الأولة أن يقول زنيت وكنت نصرانية فقالت قد كنت نصرانية لكني لم أزن فقد صدقته في أنها كانت نصرانية وكذبته بالرمي بالزنى فلا حد عليه، لأن الكافرة لا يجب الحد بقذفها لكن عليه تعزير قذف وله إسقاطه باللعان. الثانية أن يقول لها زنيت وأنت نصرانية فقالت ما زنيت وما كنت نصرانية فالقذف قد وجب عليه برميها، لكن يدعي أنها كانت نصرانية حال الزنا الذي رماها به، فهل يكون القول قول القاذف أو المرأة؟ قال قوم القول قوله، لأن الدار لجميع المسلمين والكفار فما قاله يحتمل والأصل براءة ذمته وقال آخرون القول قولها لأن الظاهر دار إسلام كما يقول في اللقيط والأول أقوى. فمن قال القول قوله حلف ويثبت أنه قذفها بزنا أضافه إلى حالة الشرك، ولا يلزمه الحد ويلزمه التعزير، وله إسقاطه باللعان، ومن قال القول قولها، فإنها تحلف ويثبت أنه قذفها بزنا أضافه إلى حال الاسلام فعليه الحد إلا أن يسقطه بالبينة أو اللعان. الثالثة أن يقول لها زنيت وأنت نصرانية ثم قال أردت أنك كنت فيما قبل نصرانية وقالت المرأة لا بل أردت في الحال، فالقول قولها، لأن الظاهر معها، وهو أن ظاهر القذف يقتضي الرمي بالزنى في الحال. فإذا قال زنيت وأنت أمة ففيه أربع مسائل ثلثة منها ذكرناها في التي قبلها، و الحكم فيها واحد، والرابعة أن يقول زنيت وأنت الآن أمة، فقالت أنا حرة، قيل فيه قولان أيضا ولا يجيئ هذا في النصرانية، لأنه إذا قال لها أنت كافرة وقالت بل مسلمة، فقولها أنا مسلمة إسلام في الحال، وإبطال لقوله، ومثل هذا لا يكون في الأمة، لأنها إن كانت أمة في الباطن فقالت أنا حرة لا تصير حرة.

(1) هذا عند المخالفين.

[ 216 ]

إذا قال زنا بك صبي لا يجامع مثله، فلا يكون قذفا لأن هذا كذب وعليه تعزير السب وليس له إسقاطه باللعان. إذا قال وطئك فلان مكرها فلا يكون قاذفا لها بذلك، لأن المكرهة ليست بزانية، وهل يكون سابا يعزر تعزير سب؟ قيل فيه وجهان: أحدهما لا يعزر، لأن المكرهة لم يفعل شيئا محرما ولا مأثما فلم يلحقها أذى بإضافة الوطي إليها فلم يعزر، والوجه الثاني أنه يعزر لأنه آذاها بهذا القول، وقبح عليها فيعزر على ذلك. إذا قذف أمة هي زوجته عزر لها وله اللعان لإسقاطه. إذا قذف رجلا أجنبيا أو امرأة أجنبية بزنا ثم قذفها دفعة أخرى فلا يخلو إما أن يكون القذف الثاني قبل إقامة الحد عليه في القذف الأول أو بعد إقامته، فإن كان بعد إقامته فإن قذفها بذلك الزنى الذي حد له فالثاني ليس بقذف، لأنه ثبت كذبه بإقامة الحد عليه، فإذا كرره ثانيا لم يكن ذلك قذفا لكن يكون سبا وشتما وجب عليه التعزير، وإن قذفها بزنا آخر قيل فيه وجهان أحدهما لا يقام عليه الحد، لأنه قد ثبت كذبه في حق هذا المقذوف بإقامة الحد عليه، والثاني أنه يلزمه حد ثان لأنه قذف ثان بزنا آخر، وهو الذي رواه أصحابنا. فإما أن قذفه قبل إقامة الحد عليه، فإن قذفه بذلك الزنا حد حدا واحدا، و إن قذفه بزنا آخر قال قوم يحد حدا واحدا وهو الظاهر في روايات أصحابنا وقال بعضهم يحد حدين. إذا قذف رجل امرأة أجنبية ثم تزوجها وقذفها قذفا آخر، فقد اجتمع في حقه قذفان قذف الأجنبية وقذف لزوجته، وله الخروج من قذف الأجنبية بالبينة لا غير وله الخروج من قذف الزوجة بالبينة أو اللعان، ولا يخلو حال المرأة من ثلاثة أحوال: إما أن يطالب بما يجب لها بالقذف الأول ثم بالثاني، أو يطالب بالثاني ثم الأول أو يطالب بهما معا: فإن طالبت بالأول فله الخروج عنه بالبينة، فإن أقام و

[ 217 ]

إلا حد وإذا طالبت بالثاني فله الخروج عنه بالبينة أو اللعان، فإن لم يأت بأحدهما أقيم عليه حد القذف، قال قوم يحد حدا واحدا لأنهما لشخص واحد والصحيح عندنا أنه يحد حدين لأن كل واحد من القذفين منفرد بحكمه عن صاحبه ويخالفه لأنه يخرج عن أحدهما بالبينة وعن الآخر بالبينة أو باللعان فلم يتداخلا. وأما إذا بدأت فطالبت بالثاني فله الخروج بالبينة أو اللعان، فان أقام البينة سقط عنه الحد الأول والثاني، لأنه قد ثبت بالبينة سقوط حصانة المقذوف، ومتى سقط حصانة المقذوف قبل إقامة الحد على القاذف، سقط الحد. وإن التعن سقط منه الحد الثاني، ولم يسقط الأول لأن البينة حجة عامة للزوج والأجنبي واللعان خاص للزوج وأما إذا لم يقم البينة ولم يلتعن فإنه يلزمه حدان وقال قوم حد واحد والصحيح عندنا الأول لما مضى. وليس لها أن تطالب بالحدين معا في حالة واحدة، بل تطالب بأحدهما قبل الآخر، فإن طالبت بالأول ثم الثاني أو الثاني ثم الأول فالحكم على ما مضى. إذا قذف زوجته فقبل أن يلاعنها قذفها بزنى آخر قال قوم عليه حدان، وقال آخرون عليه حد واحد، وهو الصحيح عندنا، ولا خلاف أن له إسقاطه باللعان، و يكفي لعان واحد. وكيفية اللعان إن كان سمى المقذوفين أن يقول زنا بك فلان وزنى بك فلان فلا بد من ذكرهما في لعانه عقيب كل شهادة، وإن لم يكن سمى المقذوفين بل قال زنيت اليوم الفلاني، وزنيت اليوم الفلاني فلا بد من ذكر الزنائين لأنه ربما كان صادقا في أحدهما وكاذبا في الآخر، فيتأول على ما هو قاذف فيه. إذا قذف زوجته ولا عنها فبانت منه باللعان، ثم قذفها بزنا أضافه إلى ما قبل اللعان فهل يجب عليه الحد بالقذف الثاني؟ قيل فيه وجهان أحدهما لا يجب عليه لأن اللعان في حق الزوج كالبينة في حق الزوج والأجنبي في إسقاط حصانتها، والثاني أنه يجب عليه الحد لأن اللعان إنما يسقط حصانتها في الحالة التي يوجد فيها

[ 218 ]

اللعان وفيما بعدها وأما قبل ذلك فلا، وهذا هو الأقوى لقوله تعالى " والذين يرمون المحصنات الآية ". إذا قال رجل لامرأته يا زانية، فقالت بل أنت زان، فقد قذف كل واحد منهما صاحبه ولا حد على واحد منهما وعليهما التعزير عندنا، وقال قوم كل واحد منهما قاذف لصاحبه: أما الزوج فقد صرح بالزنى وكذلك الزوجة، ولزم الزوج الحد، وله الخروج عنه بالبينة أو اللعان، والمرأة عليها الحد وليس لها الخروج عنه إلا بالبينة فإن أقام الزوج أولا البينة أو لاعن سقط عنه حد القذف ووجب عليها حد الزنى. وأما المرأة فإن كان الزوج أقام البينة على الزنى لم يكن لها إسقاط الحد باللعان، وإن كان لاعن كان لها إسقاطه باللعان. وأما حد القذف، فإنه يلزمها إلا أن تسقطه بالبينة، فيجتمع في حق الزوجة حد القذف، واللعان أو حد الزنا، وقال قوم يجب عليها حد القذف لا غير، ولا يجب على الزوج حد القذف، لأن الزوج إذا قذف زوجته لم يلزمه الحد على أصلهم، واللعان لا يثبت في حق الزوجة، لأن حق الزوجة الحد. إذا قذف زوجته وأجنبية فقال لهما زنيتما أو أنتما زانيتان فهو قاذف لهما يلزمه الحد ويخرج عن حد الأجنبية بالبينة فحسب، وعن حد الزوجة بالبينة أو اللعان ولا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن يقيم البينة أو يلاعن أو لا يقيم البينة ولا يلاعن، فإن أقام البينة بالقذفين سقط عنه الحدان، ويجب عليهما حد الزنا، وإن لاعن سقط عنه الحد لزوجته، ويجب عليه الحد للأجنبية وإذا لم يقم البينة ولا يلتعن، وجب عليه الحد لهما لكل واحدة حد عندنا، وقال قوم حد واحد. إذا قذف الرجل أربع نسوة أجنبيات بكلمة واحدة، أو قذف أربعة رجال أجانب أو قذف أربع نسوة زوجات فالحكم فيه واحد، قال أصحابنا إن جاؤا به متفرقين كان لكل واحدة حد كامل، وإن جاؤا به مجتمعين كان عليه لجميعهم حد واحد، وقال قوم عليه لكل واحدة حد، وقال آخرون حد واحد للجميع، ولم يفصلوا، وهكذا

[ 219 ]

قالوا في من ظاهر من أربع نسوة بكلمة واحدة ثم عاد، فهل عليه كفارة واحدة أو أربع كفارات على قولين، وعندنا يلزمه في حق كل واحدة منهن كفارة. فإذا ثبت ذلك فإذا قذف أربع أجنبيات بالزنا، فإن أقام البينة سقط عنه الحد ووجب على كل واحدة منهن حد الزنا، وإن لم يقم البينة حد على ما مضى. وإذا قذف أربع زوجات وجب عليه الحد وله إسقاطه باللعان، ويحتاج أن يلاعن عن كل واحدة لعانا مفردا، لأنه يمين، واليمين لا تتداخل في حق الجماعة بلا خلاف. فإن تراضين بمن يبدأ بلعانها بدئ بها، وإن تشاحن أقرع بينهن وبدئ بمن خرج لها القرعة، وقال قوم للحاكم أن يبدأ بمن يشاء منهن وإن امتنع الزوج من اللعان حد للزوجات على ما مضى. إذا قذف زوجته وهي حامل، فله أن يلاعن وينفي نسب الولد، سواء كان جامعها في الطهر الذي قذفها فيه بالزنا، أو لم يجامعها، وسواء جامعها قبل القذف أو بعده للآية وفيه خلاف. إذا قذف رجل أجنبيا أو أجنبية أو زوجة وكان المقذوف محصنا فلزمه الحد فقبل أن أقيم عليه الحد ثبت زنا المقذوف إما ببينة أو بإقرار، فإن الحد يسقط عن القاذف ويجب على المقذوف حد الزنا، وبه قال الأكثر، وقال شاذ منهم إنه لا يسقط وهو قوي. الوطي الحرام على أربعة أضرب: أحدها وطي حرام لم يصادف ملكا ولا فيه شبهة مثل أن يتزوج رجل أمه أو أخته أو غير ذلك من ذوات محارمه، ووطئها عالما بتحريم وطيها عليه، أو وطي الرجل جارية أبيه أو جارية زوجته أو وطي المرتهن الجارية المرهونة فهذا كله وطي حرام لا شبهة فيه، ويجب به الحد، وتسقط به الحصانة فصار كالزنا.

[ 220 ]

والضرب الثاني وطي حرام صادف ملكا، وإنما حرم لعارض يزول ويزول تحريمه، مثل وطي الزوجة أو الأمة في حال حيضها أو نفاسها أو صومها أو إحرام واحد منهما، فلا يجب الحد بهذا لأنه صادف ملكا ولا يسقط به الحصانة لأنه صادف ملكا. والضرب الثالث وطء حرام على التأبيد إلا أنه صادف ملكا مثل أن ملك أخته أو عمته أو خالته من نسب أو رضاع عند المخالف، أو ملك أمه أو بنته أو جدته من الرضاعة، فهل يجب بهذا الوطي حد؟ قال قوم يجب، لأنه وطي محرم على التأبيد وهو الصحيح عندنا، والثاني لا يجب لأنه صادف الملك، وإن كان محرما، وعندنا زال الملك أيضا، ومن أوجب الحد أسقط الحصانة، ومن لم يوجب الحد لم يسقطها. الضرب الرابع وهو وطي الشبهة مثل أن يتزوج امرأة بغير ولي ولا شهود عند المخالف، أو وجد امرأة على فراشه ظنها زوجته أو أمته فالحد لا يجب بهذا الوطي للشبهة، ويلحق به النسب، وهل يسقط به الحصانة فيه وجهان: أحدهما يسقط، لأنه وطي محرم لم يصادف ملكا كالزنا، والثاني لا يسقط به لأنه وطي يلحق به النسب ولا يجب به الحد وهو الصحيح. إذا قذف زوجته بالزنا ولم يلاعن فحد ثم قذفها بذلك الزنا فإنه لا يجب عليه حد آخر عندنا، لأنه ثبت كذبه بعجزه عن البينة، والقذف إنما يكون بما يحتمل الصدق والكذب، وهذا محكوم بكذبه وإن قذفها ولاعنها ثم أعاد القذف ثانيا بذلك الزنا فلا حد عليه أيضا لأنه محكوم بصدقه. فأما إذا قذفها ولاعنها ثم قذفها أجنبي بذلك الزنا لزمه الحد، لأن اللعان حجة يختص الزوج دون الأجنبي، فأسقط الحصانة في حق الزوج دون الأجنبي فلزمه الحد بالقذف، وإذا قذفها وأقام البينة على الزنا فإن حصانتها تسقط في حق الزوج وحق الأجنبي، فإذا قذفها الزوج أو أجنبي بذلك الزنا فإنه لا حد عليه، لأن البينة حجة في حقها. فأما إذا قذفها ولاعنها فامتنعت من اللعان فخدت ثم قذفها أجنبي بذلك الزنا

[ 221 ]

فهل يجب عليه الحد؟ قال قوم عليه الحد، وقال آخرون لا حد عليه، وهو الأقوى عندنا، لأنه قذفها بزنا حدت به، فلم يجب الحد كما لو أقام البينة. إذا ادعى رجل على رجل أنه قذفه فأنكر المدعى عليه فأقام المدعي شاهدين شهدا عليه بالقذف وعرف عدالتهما في الباطن حكم بشهادتهما وأقيم عليه الحد، وإن لم يعرف عدالتهما لم يحكم بشهادتهما، ويسئل عنهما، فإن طالب المدعي الحاكم أن يحبس المدعى عليه حتى يثبت عنده عدالة الشهود حبسه، لأن الأصل في الشهود العدالة، والفسق طار، لأن المدعي أتى بما عليه من البينة ويتعين على الحاكم البحث عن عدالة الشهود، وذلك ليس إلى الخصم ولا عليه، وأما إذا أقام عليه شاهدا واحدا وسأل الحاكم أن يحبس الخصم حتى يأتي بآخر، قال قوم يحبس لأن جنبته قويت بإقامة شاهد واحد، والثاني لا يحبس وهو الأقوى عندنا، لأن الشاهد الواحد ليس بحجة في القذف، لأنه لو أراد المدعي أن يحلف معه لم يكن له، فأما إن ادعى عليه مالا وأقام شاهدين وعرف عدالتهما ظاهرا أو باطنا حكم له بما ادعاه، وإن لم يعرف باطنهما بحث، فإن طلب المدعي حبسه قال قوم يحبسه وهو الأقوى، وقال بعضهم لا يحبس، لأن المال يتعلق بالمال، فإن هرب أمكن استيفاؤه من ماله، وحد القذف يتعلق بالبدن، إن هرب لم يمكن استيفاؤه، فلهذا افترقا. وهذا ليس بصحيح، لأنه ربما هرب وأخذ ماله معه. وإن أقام شاهدا واحدا قال بعضهم لا يحبس، وقال بعضهم يحبس، وهو الأقوى عندنا، لأنه حجة في المال لأنه لو أراد أن يحلف معه لكان له. ضمان الدين الثابت في الذمة جايز لما فيه من التوثق للحق والكفالة ببدن من عليه حق، فلا يخلو أن يكون الحق من حقوق الله أو مال لآدمي أو حد لآدمي فإن كان حدا لله كحد الزنا والشرب والقطع في السرقة فلا يصح الكفالة ببدن من عليه بلا خلاف، لأن المغلب عليها الاسقاط والتكفل يراد للاستيثاق، فلم يكن له مدخل

[ 222 ]

فيما هو موضوع على الاسقاط. وأما الكفالة ببدن من عليه مال لآدمي فعندنا جايزة، وقال بعضهم لا يجوز وأما الكفالة ببدن من عليه حد قذف أو قصاص فعندنا لا يجوز، وقال بعضهم يجوز. إذا قال لامرأته زنيت أو يا زانية أو زنا فرجك فهذه كلها صريحة في القذف وإن قال زنت يدك أو رجلك أو عينك أو جزء من أجزائك، منهم من قال إنه قذف صريح ومنهم من قال ليس بصريح وهو الصحيح عندنا، لأنه يحتمل الزنا الذي يختص باليد والرجل من المباشرة والمشي الحرام كما روي عنه (عليه السلام) أنه قال: العينان تزنيان والرجلان تزنيان، واليدان تزنيان، فإذا احتمل ذلك لا يكون قذفا، وكذلك لو أضافه إلى نفسه فقال زنت عيني أو يدي أو رجلي لم يكن إقرارا وإن قال زنا بدنك كان صريحا في القذف، وقال بعضهم لا يكون. وكل ما قلنا إنه صريح في القذف إذا ذكره صار به قاذفا، ولزمه الحد إلا أن يقيم البينة، أو يلتعن إن كان زوجا، ولا يقبل قوله أنه أراد غير القذف، وكل ما قلنا إنه كناية إن قال لم أرد به القذف وصدقته المرأة قبل ذلك، وإن كذبته فالقول قوله مع يمينه، لأنه أعلم بمراده، وإن قال أردت به القذف، قبل ذلك ولزمه الحد لأنه محتمل لذلك. ألفاظ القذف على ثلاثة أضرب: ضرب هو صريح فيه، ولفظ هو كناية، ولفظ لا يحتمل القذف بحال: فالصريح قوله زنيت يا زانية، وللرجل يا زان أو زنا فرجك، والكناية مثل قوله يا حلال ابن الحلال، يحتمل المدح ويحتمل القذف بمعنى لست بحلال ابن الحلال، وكذلك قوله ما أنا بزان وما أمي بزانية، هكذا قوله زنا فرجك أو رجلك أو عينك ومثل ذلك قوله يا فاسقة يا فاجرة يا غلمة يا شبقة يا خبيثة وما أشبه ذلك. وما ليس بصريح ولا كناية فهو ما لا يحتمل القذف بحال، مثل أن يقول: بارك

[ 223 ]

الله عليك أحسن الله جزاك، ما أحسن وجهك، فهذا لا يكون قذفا، وإن نوى به القذف. فإذا ثبت هذا فكل ما كان صريحا في القذف لا ينوي فيه بحال، وما ليس بصريح ولا كناية لا يتعلق به حكم القذف بحال، وما هو كناية في القذف إن نوى به القذف كان قذفا، وإن لم ينو به القذف لم يكن قذفا، وسواء ذلك في حال الرضا أو حال الغضب وفيه خلاف. اللعان لا يصح إلا عند الحاكم أو خليفته إجماعا، وليس يفتقر إلى حضوره، وإنما يفتقر إلى استدعائه وإلقائه على الزوجين، ويستوفى عليهما اللعان كما فعل النبي صلى الله عليه وآله فالزوج يلاعن بحضرة الحاكم، وأما المرأة فإن كانت برزة تدخل وتخرج أحضرها الحاكم إليه ولاعن بينها وبين زوجها في مجلسه، وإن لم تكن برزة أنفذ إليها من يستوفي عليها اللعان في منزلها ويستحب أن يبعث معه بأربعة شهود أو ثلاثة لقوله تعالى " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " وروى أصحابنا أن أقله واحد. إذا تراضى الزوجان برجل يلاعن بينهما جاز عندنا وعند جماعة، وقال بعضهم لا يجوز، ويلزم بنفس الحكم مثل الحكم سواء، وقال بعضهم إنما يلزم إذا رضيا بعد ذلك. إذا قذف زوجته ثم جاء ومعه ثلاثة فشهدوا عليها بالزنا لم يقبل شهادته بلا خلاف لأنه قد وجب عليه الحد بقذفه، فإذا شهد بالزنا فإنه يريد أن يسقط بذلك ما وجب عليه، ويجب على الزوج الحد إلا أن يلتعن، وأما الشهود الثلاثة فقال قوم هم قذفة، و قال آخرون ليسوا بقذفة، والأول أقوى. فأما إذا جاء الزوج ابتداء مع ثلاثة شهود فشهدوا على المرأة بالزنا فلأصحابنا فيه روايتان إحداهما أنها ترجم وقبلت شهادتهم، والأخرى أن الثلاثة يحدون و الزوج يلاعن، وفيه خلاف. إذا قذف زوجته فلزمه الحد فأقام أربعة شهود فشهدوا عليها بالزنا فإن الحد

[ 224 ]

يسقط عنه، فإن أراد أن يلتعن، فإن لم يكن هناك نسب لم يكن له أن يلتعن، وإن كان هناك نسب كان له أن يلتعن، لأن البينة إنما أسقطت الحد ولم ينف النسب فحاجته إلى نفي النسب باللعان باقية. ثم ينظر فإن كان الولد انفصل كان له نفيه في الحال لأنه تحقق حصوله وإن كان حملا غير منفصل، قال قوم لا يلتعن، لأنه ما تحقق الولد، وقال آخرون له أن يلاعن وهو الصحيح عندنا. فإذا ثبت هذا فإن أقام الزوج البينة وجب على المرأة حد الزنا لكنها لا تحد حتى تضع الحمل بلا خلاف، لخبر النبي (صلى الله عليه آله) مع الغامدية وقصة عمر مع معاذ، فإذا وضعت لا ترجم حتى تسقيه اللباء الذي به قوام البدن، فإذا شرب اللباء فإن لم يكن هناك من ترضعه ويتكفل به لم يرجم، لأن فيه هلاك الولد، وإن كان هناك مرضعة فإنها ترجم، لأنه استغنى عنها، وقال قوم يستحب ألا ترجم حتى تفطمه لأنه قد لا يقبل غير لبن أمه، وهو الذي نختاره، لقضية أمير المؤمنين عليه السلام رواها أصحابنا. إذا قذف زوجته ثم ادعا عليها أنها أقرت بالزنا فأنكرت، فأقام شاهدين فشهدا عليها أنها أقرت بالزنا، فهل يثبت إقرارها بالشاهدين، قيل فيه وجهان: أحدهما لا يثبت إلا بأربعة شهود وهو مذهبنا، والثاني أنه يثبت بشاهدين. فمن قال لا يثبت إلا بأربعة فإن جاء بهم أو التعن إن كان زوجا وإلا حد، ومن قال يثبت بشاهدين فلا حد على القاذف، لأنه قد ثبت إقرارها بالزنا فأوجب ذلك سقوط الحد عن القاذف، ولا يجب الحد عليها أيضا لأن الزنا إذا ثبت بالاقرار سقط بالرجوع وتحت قولها إنني ما أقررت بالزنا رجوع عن ذلك فسقط عنها الحد. إذا قذف امرأة ثم ادعى أنها مشركة أو أمة، فقالت لست أمة ولا مشركة، بل أنا حرة مسلمة، ففيه مسئلتان: إحداهما أن تقر المقذوفة أنها كانت مشركة أو أمة لكن ادعت الاسلام حال القذف، والثانية أن تنكر الشرك والرق جملة. فإن أقرت بذلك وادعت الحرية والاسلام حال القذف، وادعى القاذف

[ 225 ]

خلافها، فالقول قوله مع يمينه، لأن الأصل بقاء الشرك والرق، حتى يعلم خلافه. المسألة الثانية إذا قالت ما كنت مشركة ولا أمة، فالقول قوله أيضا مع يمينه وقال بعضهم إن القول قولها مع يمينها، وعليه الحد، والأول أقوى، لأن الأصل براءة الذمة. إذا قذف امرأة ثم ادعى أنها كانت مرتدة حال قذفها، وقالت كنت مسلمة فالقول قولها مع يمينها، وعليه الحد لأن إسلامها ثبت بإقراره، فإن في ضمن قوله إنها مرتدة أنها كنت مسلمة قبل ذلك، فإن الارتداد لا يكون إلا بعد الاسلام، فإذا ثبت الاسلام فالأصل بقاؤه حتى يعلم خلافه. إذا قذف امرأة وطالبت بالحد فقال لي بينة أقيمها فأمهلوني حتى أظهرها أمهل يوما ويومين إلى ثلاثة. إذا قذف امرأة ثم اختلفا فقال قذفتها وهي صغيرة فعلى التعزير، وقالت كنت كبيرة وعليك الحد، فالقول قوله مع يمينه إذا لم يكن معها بينة ولا معه، لأن الأصل الصغر، فإذا حلف عزر، ولم يحد، واللعان يرجع إليه، فإن كان قذفها في صغر لا يجامع مثلها عزر تعزير أدب وليس له إسقاطه باللعان، فإن كانت بلغت حدا يوطأ مثلها فعليه التعزير، وله إسقاطه باللعان. فإن أقام القاذف شاهدين على أنه قذفها وهي صغيرة وأقامت شاهدين على أنه قذفها وهي كبيرة، فإن كانت البينتان مطلقتين حكم ببينة المرأة لأنها أثبتت ما أثبتت البينة الأخرى وزيادة فقدمت لزيادتها، وإن كانتا مورختين تاريخا واحدا فهما متعارضتان، واستعمل فيهما القرعة عندنا، وقال بعضهم يسقطان. إذا شهد رجلان على رجل بأنه قذفهما وزوجته، كأنهما شهدا عليه بأنه قذف زوجة نفسه وقذف الشاهدين أيضا، فشهادتهما في قذفه لهما لا تقبل ولا تقبل شهادتهما في حق الزوجة لأنهما متهمان وبينهما عداوة لادعائهما عليه أنه قذفهما. فإذا ثبت أنها لا تقبل فإن عفوا عن قذفهما وأبرياه عن الحد ومضت مدة عرف

[ 226 ]

منها صلاح الحال بينهم ثم أعادا تلك الشهادة في حق الزوجة، فإنها لا تقبل أيضا عند القوم، ويقوى في نفسي أنه تقبل شهادتهما. وإذا شهد صبيان أو مملوكان أو كافران بشئ فلا يقبل الحاكم شهادتهما ثم إذا كمل حالهما وأعادا تلك الشهادة فإنه يجوز الحكم بهما لأن هؤلاء ليسوا من أهل الشهادة ولا يسمع منهما الحاكم حتى إذا ردهما يقول رد الشهادة، فإذا لم يكن ردا فإذا أعاداها بعد كمال الحال فهو استيناف شهادة لا إعادة ما رده مرة، وإذا كانا فاسقين فشهدا فردت شهادتهما ثم تابا وأعادا الشهادة بعينها لم تقبل عندهم، لأنهما من أهل الشهادة، وعندنا تقبل أيضا. إذا قذف زوجته وقذف رجلين ثم عفوا عن قذفهما وأبرياه عن الحد الذي لهما، وحسن الحال بينهما وبينه، ثم شهدا عليه أنه قذف امرأته، قبل شهادتهما عليه بقذف زوجته، لأننا إنما رددنا شهادتهما لأجل العداوة، وهيهنا فلا عداوة. ويفارق الأولى لأن فيها قبلها العداوة بينهما وبينه حاصلة. ولا فرق بين أن يشهدا بأن فلانا قذف زوجته وحده، وبين أن يشهدا بأن فلانا قذف زوجته وكان قد قذفنا معها، لكنا عفونا عن قذفنا وأبرأناه عن الحد، و حسن الحال فيما بيننا، لأنهما سواء شهدا مطلقا أو مقيدا فالحكم واحد. إذا قذف زوجته ورجلين فشهدا عليه بأنه قذف زوجته ثم بعد شهادتهما عليه بأنه قد قذف زوجته شهدا عليه بأنه قذفهما، فإن كان حين شهدا عليه بقذف زوجته عدلين وحكم الحاكم بشهادتهما ثم شهدا بعد الحكم بشهادتهما أنه قذفهما، فإن شهادتهما الثانية لا يقدح في الأولى، ولا ينقض ذلك الحكم، وإن كان لم يحكم الحاكم بشهادتهما حتى يشهدا بأنه قذفهما فلا يجوز أن يحكم بشهادتهما، لأنه ظهرت العداوة بينهما قبل الحكم، فلم يجز أن يحكم. إذا شهد شاهدان على رجل بأنه قذف أمهما وزوجته، فإن شهادتهما لأمهما عندنا تقبل، وعندهم لا تقبل، لأنه متهم في حق الأم، وشهادتهما في حق الزوجة

[ 227 ]

تقبل عندنا، وقال بعضهم لا تقبل، لأن الشهادة إذا اشتملت على شيئين فردت في أحدهما فإنها ترد في الآخر. إذا شهد شاهدان بأن فلانا قذف ضرة أمهما، قال قوم لا تقبل لأنهما يجران بهذه الشهادة نفعا إلى أمهما، لأنه إذا ثبت القذف وجب اللعان، فإذا لاعن بانت، فكأنهما يزيلان الضرر عن أمهما ببينونة الضرة. وقال آخرون وهو الصحيح عندنا أنها تقبل لأنهما وإن أثبتا القدف، فليس من شرط ثبوت القذف اللعان، لأنه قد لا يلاعن ولا يطالب بالحد على أن عندنا أن شهادته لأمه تقبل، وإن جر نفعا إليها، وهكذا لو شهدا بأنه طلق ضرة أمهما عندنا تقبل، وعندهم لا تقبل. إذا شهد شاهد على رجل بأنه قذف رجلا بالعربية وشهد آخر بأنه قذفه بالفارسية أو شهد أحدهما بأنه قذفه يوم الخميس، وشهد آخر بأنه قذفه يوم الجمعة لم يثبت القذف بهذه الشهادة، لأن القذف بالعربية غير القذف بالفارسية، وكذلك القذف يوم الخميس غير القذف يوم الجمعة، فهما قذفان، وإذا كانا قذفين فلم تكمل شهادة على كل واحد منهما، وإذا لم تكمل وجب أن لا يثبت، لأن القذف لا يصح بأقل من شاهدين. إذا شهد شاهدان أحدهما بأنه أقر بالعربية بأنه قذفه وشهد الآخر بأنه أقر بالفارسية بأنه قذفه، أو شهد أحدهما بأنه أقر يوم الخميس بأنه قذفه، وشهد الآخر بأنه أقر يوم الجمعة بأنه قذفه، حكم بهذه الشهادة وثبت القذف، لأن الاقرار وإن اختلف فالمقر به واحد وإذا كان المقر به واحدا كملت الشهادة على شئ واحد وليس كذلك في المسألة الأولى فإن البينة لم تكمل على قول واحد، فلذا لم يحكم بها. فأما إذا شهد شاهدان أحدهما بأنه أقر بقذفه بالعربية، وشهد الآخر بأنه أقر بقذفه بالفارسية أو شهد أحدهما بأنه أقر بأنه قذفه يوم الخميس، وشهد الآخر

[ 228 ]

بأنه أقر أنه قذفه يوم الجمعة فإنا لا نحكم بهذه الشهادة لأنهما شهادتان على إقرارين مختلفين فلهذا لم يثبت، لأنه لم تكمل على كل واحدة بينة. وحكي عن بعضهم أنه قال أضم الشهادة بعضها إلى بعض في الأموال والعقود ولا أضمها في الأفعال كأنه يقول: إذا شهد أحدهما بأنه باع يوم الخميس وشهد الآخر بأنه باع يوم الجمعة قال أضم هيهنا ومثله لو شهد أحدهما بأنه فعل يوم الخميس كذا وشهد الآخر بأنه فعل ذلك يوم الجمعة، قال لا أضم هيهنا، وقال بعضهم لا فرق بينهما، فإن بيع يوم الخميس غير بيع يوم الجمعة فعلى هذا لم يحصل على كل واحد منهما إلا شاهد واحد، وعقد البيع لا يصح إثباته بشاهد واحد فوجب ألا يثبت هيهنا والأقوى الفرق. لا يقبل الشهادة على الشهادة عندنا في شئ من الحدود، ويقبل في الأموال أو ما المراد به المال وفي القصاص، وقال بعضهم حقوق الآدميين كلها يثبت بالشهادة على الشهادة ويقبل فيها كتاب قاض إلى قاض، وعندنا لا يقبل في شئ من الأحكام، قالوا سواء كان مالا أو حدا مثل حد القذف أو قصاصا. أما حقوق الله تعالى فعندنا لا يثبت بشهادة على شهادة، ولا كتاب قاض إلى قاض وقال بعضهم تقبل ويثبت بذلك. التوكيل في إثبات حد القذف والقصاص جائز عندنا، وعند جماعة، والتوكيل في استيفائه أيضا جايز عندنا سواء كان بحضرة الموكل أو في غيبته، وقال بعضهم لا يجوز وفيهم من فرق والصحيح عندنا الأول. وأما حقوق الله تعالى فلا يجوز التوكيل في إثباتها ولا يتصور لكن إذا ثبت الحق فليس من شرط استيفائه حضور الحاكم أو الإمام، بل يجوز أن يأمر من يستوفيه بلا خلاف. إذا أتت امرأة الرجل بولد لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون حاضرا أو غايبا، فإن كان حاضرا فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون متمكنا من النفي غير معذورا أو كان معذورا غير متمكن من النفي، فإن كان متمكنا من النفي فالصحيح

[ 229 ]

عندنا أن له نفيه على الفور، فإن تمكن من النفي بعد الولادة فلم يفعل بطل نفيه، ولا نريد أنه تجب المبادرة عند الولادة إلى الحاكم بل على ما جرت به العادة من حضوره عند الحاكم على عادته من غير اشتغال بأمر آخر، وقال بعضهم له ذلك إلى ثلاثة أيام وقال بعضهم إلى يوم أو يومين، وقال بعضهم يجوز مدة النفاس أربعين يوما عنده وقال شاذ: له نفيه أبدا فرع: فإن أخر نفي الولد بعد أن ولدت مدة ثم قال لم أعرف أنها ولدت، فلذلك لم أنفه، فإن كان يمكن أن يكون صادقا مثل أن يكون في محلة أخرى أو في جانب آخر، فالقول قوله مع يمينه، لأن الأصل نفي العلم، وإن كان لا يمكن أن يكون صادقا فيما قاله مثل أن يكونا في دار واحدة، فإنه لا يقبل قوله، ويثبت النسب ويبطل النفي. إذا لم ينف النسب مدة ثم قال قد عرفت أنها ولدت لكن لم أعلم أن لي النفي، والآن فقد عرفت وأنا أنفيه، فإن كان الرجل ممن يخالط أهل العلم ويسمع منهم وإن لم يكن فقيها، فإنه لا يقبل منه، لأنه ظاهر بين أهل العلم ولا يخفى على من يخالطهم. وإن كان حديث عهد بالاسلام، أو نشأ في بلاد بعيدة عن دار الاسلام، ثم ادعى الجهل، فإن القول قوله مع يمينه، لأن الأصل عدم العلم، وإن كان من العامة الذين نشأوا في دار الاسلام ولم يختلطوا بالعلماء، قال قوم يقبل قوله مع يمينه، وقال آخرون لا يقبل، والأول أقوى. فأما إذا كان معذورا في تأخير النفي، مثل أن يكون مريضا أو محبوسا بحق أو مشغولا بحفظ ماله من الحرق أو الغرق أو اللصوص، أو كان ملازما لغريم يخاف هربه أو يخاف مطالبة غريم ولا وفاء معه وما أشبه ذلك، فإنه لا يبطل نفيه، ويكون باقيا إلى أن يتمكن فينفي، بل إن تمكن من الاشهاد على أنه مقيم على النفي لزمه أن يشهد، فإن لم يشهد مع القدرة بطل نفيه.

[ 230 ]

وأما إذا كان غايبا وقت الولادة، فإن سمع الخبر وتمكن من المسير مثل أن يكون الطريق مسلوكا فإنه يلزمه أن يأتي وينفي الولد، إن أراد النفي، فإن لم يفعل بطل نفيه. وإن لم يكن الطريق مسلوكا واحتاج إلى بدرقة أو رفقة كان معذورا في التأخير إلى أن يتمكن من المسير، فإذا تمكن ولم يسر بطل نفيه، وإن تمكن من الاشهاد على نفيه في موضعه لزمه ذلك، فإن لم يفعل مع القدرة عليه بطل نفيه كالحاضر المعذور إذا لم يشهد، ومع القدرة على المسير لا يكفيه الاشهاد، وإنما يكفيه إذا لم يقدر على المسير. وإذا حضر هذا الغائب من سفره وقال لم أسمع بأنها ولدت، كان القول قوله مع يمينه لأنه يمكن، ويحلف وله النفي بعده، وإن قال سمعت لكني لم أصدق قلنا ينظر فإن كان في موضع لم يتصل به خبر ولادتها على التواتر، وإنما يتصل من جهة الآحاد، فالقول قوله، ولا يبطل نفيه، لأن النفي قد ثبت فيجوز أن يتوقف فيه ولا يسرع إليه لينظر تحقق العلم، وأما إذا كان الخبر قد اتصل وتواتر بذلك الموضع، فقال لم أصدق، لم يقبل قوله لأنه يدعي خلاف الظاهر، فإن العلم هيهنا يحصل لا محالة. إذا ظهر بالمرأة حمل فلم ينفه وسكت حتى وضعت، ثم قال إنما لم أنف حتى أتحقق، كان له النفي لأن قبل الولادة الأمر متردد بين أن يكون حملا وبين أن يكون ريحا، فإذا قال علمت بالحمل لكن لم أنف الولد، رجاء أن يسقط أو يموت ولا أحتاج إلى النفي فأستر عليها وعلى نفسي، فإن نفيه يبطل، لأن تحت هذا الاقرار رضا منه بترك النفي، وانتظار الانتفاء من جهة أخرى. إذا أتت المرأة بولد فهنئ بالمولود، فإن أجاب بما يتضمن رضا بالمولود كان إقرارا، وإن لم يتضمن جوابه رضا لم يكن إقرارا، وهو أن يقول بارك الله لك في مولودك، جعله الله لك خلفا، فإن قال آمين أو قال أجاب الله دعاك أو ما أشبه ذلك

[ 231 ]

كان ذلك إقرارا بالولد، لأن الدعاء كان بالولد فإجابته على الدعاء به رضا بالولد. فإن قال في الجواب: بارك الله عليك، أحسن الله جزاك، وما أشبه هذا، لم يكن إقرارا ولا يبطل نفيه، وقال بعضهم يبطل في الموضعين، والأول أقوى لأنه محتمل. الأمة لا تصير فراشا بالوطي على الظاهر من روايات أصحابنا، وفي بعض الأخبار أنها تصير فراشا بالوطي، وقال قوم كل من ملك أمة على أي وجه ملكها ببيع أو إرث أو وصية أو هبة أو غنيمة أو غير ذلك فإنها لا تصير بنفس الملك فراشا بل هي كالسلعة له، ومتى أتت بولد في هذه الحالة قبل أن يطأها فهو مملوك له وهكذا نقول، فأما إذا وطئها أو اعترف بوطيها أو قامت به بينة قالوا تصير فراشا له، ومعنى ذلك أنها إذا أتت بولد من حين الوطي لوقت يمكن أن يكون منه فإنه يلحقه، فعنده تصير الأمة فراشا بالوطي، سواء أقر بالولد أو لم يقر، وعندنا لا تصير بحال فراشا وطي أو لم يطأ. ولا خلاف أنه لا يحتاج إلى لعانها في نفي الولد، بل إذا أراد نفيه كان القول قوله، وعندهم ينبغي أن يدعي أنه استبرأها بعد الوطي، ويحلف عليه، فينتفي عنه الولد وقال بعضهم لا ينتفي إلا باللعان وهو شاذ. وقال بعضهم إذا أتت أمة الرجل بولد فأقر به وصارت أم ولده صارت فراشا فإن أتت بولد آخر كان له نفيه بغير لعان، بأن يقول هذا الولد ليس مني وينتفي منه كما قلناه، وإنما خالف في تسميتها فراشا. إذا أقر بوطيها وقال كنت أعزل عنها، فالعزل على ضربين: أحدهما أنه كان يولج، فإذا قارب الانزال عزل فأنزل دون الفرج، والثاني أن يعزل عن الايلاج وكان يولج فيما دون الفرج. فإن أراد به الأول، فإن الولد يلحقه، لأن لحوق الولد من أحكام الوطي والتقاء الختانين، ولأنه ربما يسبق ماؤه قبل العزل، وهو لا يعلم، ولهذا نقول إن البكر إذا أتت بولد لحقه، لإمكان أن يكون وطئها دون الفرج فسبق الماء إليها، وإن

[ 232 ]

أراد العزل الثاني، قيل فيه وجهان أحدهما يلحقه لإمكان أن يكون الماء سبق إلى الفرج، والثاني لا يلحقه، لأن لحوق الولد من أحكام الايلاج، والأول أقوى. لا خلاف بين أهل العلم أن من نكح امرأة نكاحا صحيحا أنها تصير فراشا بالعقد وكذلك لا خلاف بينهم أن من نكح أمة نكاحا صحيحا أنها تصير فراشا بالعقد، ويعتبر مضي مدة يمكن أن يكون الولد حادثا بعد العقد معها، وهي ستة أشهر، فيعتبر أن تمضي هذه المدة من حين العقد، وأقلها ستة أشهر حتى يلحق الولد، وكذلك امرأة الصغير إذا أتت بولد، فإنه لا يلحقه فينتفي عنه بلا لعان بلا خلاف. ويعتبر عندنا وعند جماعة في باب لحوق الولد إمكان الوطي فإذا نكحها وأمكن أن يكون وطئها ظاهرا وباطنا ثم أتت بالولد لمدة يمكن أن يكون حدث بعد العقد فإنا نلحقه به، وإن لم يمكن أن يكون وطئها فإن الولد لا يلحقه، فعندنا لا بد من اعتبار إمكان الوطي في باب لحوق النسب. وقال بعضهم يكفي - إذا صح العقد في باب لحوق الولد - أن يكون متمكنا من الوطي وإن لم يعلم إمكان وطيه، فاعتبر قدرته على الوطي، ولم يعتبر إمكان الوطي على ما اعتبرناه مع تمكنه وقدرته، فعلى هذا حكي عنهم مسايل: منها أنه إذا نكح الرجل امرأة بحضرة القاضي وطلقها في الحال ثلاثا ثم أتت بولد من حين العقد لستة أشهر، فإن الولد يلحقه، ولا يمكنه نفيه إلا باللعان. والثانية لو تزوج مشرقي بمغربية ثم أتت بولد من حين العقد لستة أشهر فإنه يلحقه، وإن علم يقينا بأنه لا يمكن أن يكون وطئها بعد العقد. ومنها أنه إذا تزوج رجل بامرأة ثم غاب عنها وانقطع خبره، فقيل للمرأة إنه مات، فاعتدت وانقضت عدتها فتزوجت برجل فأولدها أولادا ثم عاد الزوج الأول، فإن هؤلاء الأولاد كلهم للأول، ولا شئ للثاني، وهذه كلها باطلة عندنا، ولا يلحق به واحد منهم، ولا يحتاج إلى لعان.

[ 233 ]

ومن وافقنا في اعتبار إمكان الوطي، قال لو كان الرجل ببغداد والمرأة بخراسان أو الروم وأتت بولد لمدة يمكن أن يكون قطع المسافة إليها أو قطعت إليه أو أنفذ ماءه إليها فاستدخلته، وبعد ذلك مضى زمان أقل الحمل، فإنه يلحق به، و إن علمنا أنه ما برح هو ولا برحت هي من هناك. وعندنا أن هذا باطل لأن إنفاد الماء من بلد إلى بلد بعيد (1) واستدخاله و خلق الولد منه لم تجر العادة بمثله، وإن كان مقدورا لله كما أنه مقدور لله أن ينقلها أو ينقله من المشرق إلى المغرب فيطأها فيلحق به الولد، وقد اتفقنا على بطلان ذلك.

(1) وقد ثبت بالأبحاث العلمية المتقنة أن المنطقة ذات حياة وتموت في الهواء الخارج. بعد لحظات وفي الجو القابل لحياتها أيضا لا تبقى إلى أزيد من ثلاثة أيام.

[ 234 ]

كتاب العدد المعتدات على ثلاثة أضرب معتدة بالأقراء، ومعتدة بالحمل، ومعتدة بالشهور: فالمعتدة بالأقراء تعتد ثلاثة أقراء وهي عندنا الأطهار، وعند بعضهم الحيض والمعتدة الحامل تعتد بوضع الحمل وتبين به إن كانت مطلقة بلا خلاف، ولا تعتد من الوفاة به عندنا، وعند المخالفين تعتد به. والمعتد بالشهور على ضربين معتدة عن وفاة، ومعتدة عن طلاق، فالمعتدة عن وفاة تعتد بأربعة أشهر وعشر بلا خلاف، والمعتدة عن غير وفاة وهي المعتدة عن طلاق أو خلع أو فسخ تعتد بثلاثة أشهر، وغير المدخول بها لا عدة عليها بلا خلاف من طلاق أو فرقة. والمدخول بها إن كانت لم تبلغ ومثلها لم تبلغ لا عدة عليها عند أكثر أصحابنا وعند بعضهم يجب وهو مذهب جميع المخالفين وإن كان مثلها تحيض فعدتها ثلاثة أشهر بلا خلاف وإن كانت من ذوات الحيض فعدتها ثلاثة أقراء وهي الأطهار عندنا وعند جماعة وعند بعضهم الحيض، وقد روي ذلك في أحاديثنا. فعلى مذهبنا إذا طلقها في طهر فإنها تعتد ببقية هذا الطهر، ولو كانت بلحظة فإذا دخلت في الحيض حصل لها قرء، فإذا طهرت دخلت في القرء الثاني، فإذا حاضت حصل لها قرآن، فإذا طهرت دخلت في القرء الثالث، فإذا حصل لها ثلاثة أقراء انقضت عدتها، وإن طلقها وهي حايض لم يقع عندنا طلاقها. ومن وافقنا في أن الأقراء هي الأطهار وخالف في وقوع الطلاق قال لا تعتد بهذا الحيض، فإذا دخلت في الطهر فقد شرعت في القرء الأول تستوفي ثلاثة أطهار فإذا دخلت في الحيضة الرابعة بانت، وفي الأولى إذا دخلت في الثالثة. ومن قال القرء الحيض، قال إن طلقها وهي طاهرة لم تعتد بهذا الطهر، فإذا دخلت في الحيض دخلت في القرء فتستوفي حينئذ ثلاثة حيض، فإذا طهرت من الحيضة

[ 235 ]

الثالثة انقضت عدتها، وإن طلقها وهي حايض لم تعتد ببقية الحيض ولا بالطهر الذي بعده، فإذا حاضت بعده فقد دخلت في القرء الأول، وتستوفي على ما بيناه. طلاق الحايض لا يقع مع أنه محرم شرعا، وعندهم يقع، وإن كان محرما لأنه تطول به العدة، لأن على قول جميعهم لا تعتد بهذا الحيض، وتعتد إما بالطهر الذي بعده أو بالحيض الذي بعد ذلك الطهر على ما بيناه، فتطول به العدة. إذا طلقها في آخر الطهر وبقي بعد التلفظ بالطلاق جزء، وقع فيه الطلاق وهو مباح، وتعتد بالجزء الذي بقي طهرا إذا كان طهرا لم يجامعها فيه، وعند بعضهم و إن جامعها فيه. وإن قال لها أنت طالق، ثم حاضت عقيب هذا اللفظ، فهذا عند بعضهم طلاق محرم ولا تعتد بما بعده قرءا لأنه يصادف الطلاق حالة الحيض، وقال بعضهم يكون مباحا لأنه وقع في حال الطهر والصحيح عندهم الأول، ويقوي في نفسي أن الطلاق يقع لأنه وقع في حال الطهر، إلا أنها لا تعتد بالطهر الذي يلي الحيض لأنه ما بقي هناك جزء يعتد به. إذا طلقها واختلفا فقالت طلقتني وقد بقي من الطهر جزآن، فاعتددت بذلك قرءا، وقال الزوج لم يبق شئ تعتدين به فالقول قول المرأة لأن قولها يقبل في الحيض والطهر، وعلى ما قررناه لا يحتاج إلى ذلك، لأنه قد وقع على كل حال غير أنه يقبل قولها في أول القرء لأن إليها يرجع في ذلك. إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها، وقال قوم لا تنقضي حتى يمضي أقل أيام الحيض، والذي أقوله إن كان لها عادة مستقيمة، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها، وإن كان قد تقدم رؤية دمها على ما جرت به العادة لم ينقض حتى يمضي أقل أيام الحيض. وعلى القولين، هل تكون الزيادة من العدة أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما أنها من العدة لأن بها تكمل العدة، والثاني لا تكون من جملتها لأن الله تعالى أوجب ثلاثة أقراء، فلو قلنا إن الزيادة منها لزدنا فيه، وفائدة الوجهين أنه إذا قيل: ذلك

[ 236 ]

من جملة العدة فإنه إذا أراد رجعتها صحت الرجعة، ومن قال ليس منها لم يصح، والأول أقوى. إذا طلقها وهي من ذوات الأقراء فادعت أن عدتها قد انقضت في مدة يمكن انقضاء العدة قبل قولها، لأن إقامة البينة لا يمكن على ذلك، وقد بينا في كتاب الرجعة ما يمكن أن تكون صادقة فيه، وما لا يمكن. وجملته أن عندنا يمكن ذلك في ستة وعشرين يوما ولحظتين، وعند بعضهم اثنان وثلاثون يوما ولحظتان، وعند آخرين تسعة وثلاثون يوما ولحظة، وقال بعضهم إن أقل ما يمكن ذلك فيه ستون يوما ولحظة لأنه اعتبر أكثر أيام الحيض وهي عشرة، وأقل الطهر وهي خمسة عشر يوما، ذكرناه في الخلاف وإن ادعت انقضاء عدتها في زمان لا يمكن لم يقبل قولها، فإن صبرت حتى يمضي بها زمان يمكن ذلك فيه قبل قولها. فأما إذا علق طلاقها بصفة فعندنا لا يقع الطلاق، وعندهم يقع، فعلى هذا إذا قال إذا ولدت فأنت طالق فأقل ما يمكن أن تنقضي عدتها فيه تسعة وأربعون يوما ولحظتان، إذا قيل إنه يجوز أن يوجد الحيض في مدة زمان النفاس، و من قال لا يجوز والدم كله دم نفاس، فأقل ما يمكن عنده اثنان وتسعون يوما و لحظتان. وأما إذا كانت المرأة معتدة بالشهور فلا يحتاج أن يرجع إلى قولها فإن قدر الشهور معلوم وهو ثلاثة أشهر إن كانت مطلقة وأربعة أشهر وعشرا إن كانت متوفى عنها إلا أن يختلفا في وقت الطلاق، فيكون القول قول الزوج كما لو اختلفا في أصل الطلاق، لأن الأصل أن لا طلاق. وأما إذا كانت معتدة بوضع الحمل فادعت أن عدتها قد انقضت بإسقاط، قال قوم القول قولها، وإنما يقبل قولها إذا مضى وقت يمكن أن تضع فيه ما تنقضي به العدة وهو أن تضع ولدا قد تخلق وتصور، ويكون ذلك بأن يمضي بعد النكاح ثمانون يوما وأمكن الوطي، فأما قبل ذلك فلا تنقضي العدة بوضعه وروى أصحابنا أنها تبين

[ 237 ]

بوضع أي شئ وضعته، وإن كان قبل ذلك. إذا طلقها وهي ممن تحيض وتطهر فإنها تعتد ثلاثة أقراء، سواء أتت بذلك على غالب عادات النساء في الحيض أو جاوز ذلك قدر العادة أو نقص، فإن انقطع حيضها لم يخل إما أن ينقطع لعارض أو لغير عارض، فإن انقطع لعارض مرض أو رضاع فإنها لا تعتد بالشهور بل تتربص حتى تأتي بثلاثة أقراء وإن طالت مدتها وهذا إجماع عندهم. وإذا انقطع لغير عارض قال قوم تتربص حتى تعلم براءة رحمها ثم تعتد عدة الآيسات، وقال آخرون تصبر أبدا حتى تيأس من المحيض، ثم تعتد بالشهور وهو الصحيح عندهم، وفيه خلاف. والذي رواه أصحابنا أنه إذا مضى بها ثلاثة أشهر بيض لم تر فيها الدم فقد انقضت عدتها، وإن رأت دما قبل ذلك ثم ارتفع حيضها لعذر أضافت إليه شهرين وإن كان لغير عذر صبرت تمام تسعة أشهر، ثم اعتدت بعدها ثلاثة أشهر، وإن ارتفع الدم الثالث لعذر صبرت تمام سنة ثم اعتدت ثلاثة أشهر بعد ذلك، وفيهم من وافقنا على ذلك. وفيهم من قال تصبر أربع سنين لتعلم براءة رحمها، ولا خلاف أنها تحتاج أن تستأنف عدة الآيسات بعد العلم ببراءة رحمها، وهو ما قلناه من ثلاثة أشهر. فإذا اعتدت فإن لم تر الدم مضت عدتها، وحل لها التزويج عند انقضائها، فإن رأت الدم ففيه ثلاث مسائل: إحداها أن ترى الدم قبل الحكم ببراءة رحمها، أو بعده وقبل انقضاء عدتها فهذه ينتقض ما كنا حكمنا به، ويلزمها أن تعتبر بالأقراء، لأنا تبينا أنها من ذوات الأقراء، وإن انقضت عدتها وتزوجت، ثم رأت الدم فلا يؤثر ذلك فيما حكم به ولا في التزويج، لأنه تعلق عليها حق (1) الزوج. وإن رأت الدم بعد انقضاء عدتها قبل التزويج قيل فيه وجهان أحدهما لا يلزمها الاعتداد بالأقراء، بل يقتصر على ما مضى، لأن رؤية الدم حدثت بعد الحكم

(1) حكم الزوج خ ل وهكذا فيما يأتي.

[ 238 ]

بانقضاء العدة، وهو الأقوى عندي، والوجه الثاني أنه يلزمها الاعتداد بالأقراء لأنها رأت الدم قبل أن يتعلق حق زوج آخر به. ومن قال ينتظر إلى أن يبلغ سن الآيسات من الحيض، قال قوم يعتبر عادة الأقارب لأنه أقرب إلى عادتها، وقال آخرون اعتبرت سنا ما بلغته امرأة من نساء العالم إلا أيست من المحيض، فإذا بلغت سن الآيسات على الخلاف فيه فإنه لا يحكم بانقضاء عدتها، بل تحتاج أن تعتد ثلاثة أشهر كما قدمناه أولا، وإن رأت الدم فالحكم على ما مضى. إذا تزوج صبي صغير امرأة فمات عنها وجبت عليها عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا بلا خلاف، سواء كانت حاملا أو حايلا، وسواء ظهر بها الحمل بعد وفاة الزوج أو كان موجودا حال وفاته وفيه خلاف. فإذا ثبت أنها لا تعتد عنه بالحمل فإن كان الحمل لاحقا بإنسان بوطئ شبهة أو رجل تزوجها تزويجا فاسدا فإن النسب يلحقه، وتكون معتدة عن ذلك الوطي بوضع الحمل، وتنقطع العدة بالشهور، لأنه لا يمكن أن يكون معتدة عن شخصين في حالة واحدة. فإذا انقضت العدة بوضع الحمل اعتدت حينئذ بالشهور، وإن كان الحمل من زنا فإنه لا يقطع الاعتداد بالشهور، فتكون معتدة بالشهور في حال الحمل، لأن الزنا لا يقطع حكم العدة فإنه لا عدة له. المحبوب هو المقطوع فإن كان بقي من ذكره قدر الحشفة من ذكر السليم، و يمكنه إيلاجه، فحكمه حكم السليم يلحقه النسب، ويعتد عنه زوجته بالأقراء أو بوضع الحمل. وإن كان قد قطع جميع ذكره فالنسب يلحقه لأن الخصيتين إذا كانتا باقيتين فالانزال ممكن، ويمكنه أن يساحق وينزل، فإن حملت عنه اعتدت بوضع الحمل و إن لم تكن حاملا اعتدت بالشهور، ولا يتصور أن يعتد بالأقراء، لأن عدة الأقراء إنما تكون عن طلاق بعد دخول، والدخول متعذر من جهته.

[ 239 ]

وأما الخصي الذي قطعت خصيتاه وبقي ذكره، فحكمه حكم الفحل يلحقه النسب وتعتد عنه زوجته بالأقراء والحمل، وإن كان قد قطع جميع ذكره وأنثياه قال قوم لا يلحقه النسب، ولا يعتد عنه بالأقراء، وقال بعضهم يلحقه لأن محل الماء الذي ينعقد منه الولد الظهر، وهو باق، والأول هو الصحيح عندهم، وهو الأقوى لاعتبار العادة. الآيسة من المحيض ومثلها لا تحيض لا عدة عليها مثل الصغيرة التي لا تحيض مثلها، ومن خالف هناك خالف هيهنا وقالوا عليها العدة بالشهور على كل حال. فإذا ثبت ذلك وطلقت التي مثلها تحيض في أول الشهر اعتدت بثلاثة أشهر هلالية سواء كانت تامة أو ناقصة، وإن كان قد مضى بعض الشهر فإنه يسقط اعتبار الهلال في هذا الشهر، ويحتسب بالعدد، فينظر قدر ما بقي من الشهر، وتعتد بشهرين هلاليين ثم تتمم من الشهر الرابع ثلاثين، وتلفق الساعات والانصاف، وقال بعضهم تقضي ما فاتها من الشهر وفيه خلاف، والأقوى عندي أنها تقضي ما فاتها. الصغيرة التي عدتها بالشهور إذا شرعت في الاعتداد بالشهور ثم رأت الدم ففيه مسئلتان إحداهما أن تراه بعد انقضاء الثلاثة أشهر، والثانية أن تراه قبل انقضائها فأما إذا رأته بعد انقضائها فإنه لا يؤثر، لأنه قد حكم بانقضاء عدتها بالشهور و حلت للأزواج، وإن رأته قبل انقضائها انتقلت إلى الاعتداد بالأقراء للآية وهل تعتد بما مضى من الزمان قرءا أو تستأنف ثلاثة أقراء؟ قال قوم تستأنف ثلاثة أقراء لأن القرء هو الطهر بين الحيضتين، وهذا طهر ما تقدمه حيضة وقال آخرون تعتد بما مضى قرءا وهو الأصح والأقوى، لأنه طهر تعقبه حيض. إذا جاوزت المرأة السنين التي تحيض له النساء في العادة ولم تر دما اعتدت بالشهور بلا خلاف، ولقوله تعالى " واللائي لم يحضن " (1)

(1) الطلاق: 4..

[ 240 ]

الأحكام المتعلقة بالولادة أربعة: انقضاء العدة وكونها أم ولد، ووجوب الغرة على ضارب بطنها ووجوب الكفارة وفي الولادة والاسقاط أربع مسايل: الأولى أن تضع ما تبين فيه خلق آدمي من عين أو ظفر أو يد أو رجل، فيتعلق به الأحكام الأربعة لأنه محكوم بكونه ولدا. الثانية أن تضع ما ليس فيه خلقة ظاهرة، لكن تقول القوابل إن فيه تخطيطا باطنا لا يعرفه إلا أهل الصنعة فيتعلق به الأحكام الأربعة أيضا. الثالثة أن تلقي نطفة أو علقة فلا يتعلق بذلك شئ من الأحكام عندهم، لأنه بمنزلة خروج الدم من الرحم، ويقوى في نفسي أنه يتعلق به ذلك لعموم الآية وعموم الأخبار. الرابعة أن تأتي جسما ليس فيه تخطيط ظاهر ولا باطن، لكن قلن القوابل إن هذا مبتدأ خلق آدمي فإنه لو بقي لتخلق وتصور، منهم من قال تنقضي به العدة وتصير أم ولد وهو الأقوى عندي لما تقدم، ومنهم من قال العدة تنقضي بذلك، ولا تصير أم ولد. ذهب قوم من أصحابنا إلى أن الحامل تحيض وهو الأظهر في الروايات، وقال آخرون لا تحيض واختلف المخالف مثل ذلك ذكرناها في الخلاف. المرتابة هي التي تشك في حال نفسها وترتاب بحالها هل هي حامل أو حايل وقد يحدث الربية قبل انقضاء العدة، وقد يحدث بعد انقضائها وقبل التزويج، و قد يحدث بعد انقضاء العدة وبعد التزويج. ولا تنكح المرتابة فإن خالفت ونكحت، فإن كانت الريبة قبل انقضاء العدة و انقضت مع الريبة وتزوجت على تلك الحالة فالنكاح باطل، وإن انقضت العدة ولا ريبة، ونكحت ولا ربية، ثم حدثت الريبة بعد النكاح، فالنكاح صحيح لأن العدة قد انقضت في الظاهر.

[ 241 ]

وإن انقضت العدة ولا ريبة ثم حدثت الريبة وتزوجت بعد ذلك قال قوم إنه باطل، وقال آخرون إنه صحيح، وهو الأقوى عندي لأنها ريبة حدثت بعد انقضاء العدة فلا تؤثر في النكاح. إذا طلق زوجته وهي حامل فولدت توأمين بينهما أقل من ستة أشهر، فإن عدتها لا تنقضي حتى تضع الثاني منهما إجماعا إلا عكرمة فإنه قال: تنقضي بوضع الأول. إذا طلق زوجته وولدت ثم اختلفا فقالت المرأة انقضت عدتي بالولادة، وقال الزوج: عليك العدة بالأقراء ففيه خمس مسايل: إحداها أن يتفقا على وقت الولادة، واختلفا في وقت الطلاق، بأن يتفقا على أن الولادة كانت يوم الجمعة، وقالت المرأة طلقتني يوم الخميس وولدت يوم الجمعة وقال هو: بل طلقتك يوم السبت فعليك العدة بالأقراء، فالقول قول الزوج، لأن الطلاق فعله، فإذا اختلفا في وقت فعله كان القول قوله. الثانية أن يتفقا على وقت الطلاق، واختلفا في وقت الولادة، بأن يتفقا أن الطلاق كان يوم الجمعة وقال الزوج كانت الولادة يوم الخميس، والطلاق بعدها فلم ينقض العدة بالولادة، وقالت بل كان يوم السبت فانقضت عدتي بوضع الحمل فالقول قولها، لأنه اختلاف في وقت فعلها وهي الولادة. الثالثة إذا تداعيا مطلقا فيقول الزوج لم ينقض عدتك بوضع الحمل فعليك الاعتداد بالأقراء، وقالت قد انقضت عدتي به، فالقول قول الزوج لأن الأصل بقاء العدة. الرابعة إذا أقرا بجهالة ذلك بأن يقول الزوج لست أدري هل كان الطلاق قبل الولادة أو بعدها؟ وقالت هي مثل ذلك، فيلزمها أن تعتد بالأقراء احتياطا للعدة، لأن الأصل بقاؤها، فلا تسقط بالشك، ويستحب للزوج ألا يرتجعها في حال عدتها خوفا من أن تكون عدتها قد انقضت بوضع الحمل. الخامسة أن يدعي أحدهما العلم، وأقر الآخر بالجهالة، بأن يقول الزوج

[ 242 ]

وضعت حملك ثم طلقتك فعليك العدة بالأقراء، وقالت المرأة لست أدري كان قبل الوضع أو بعده؟ أو قالت المرأة طلقتني ثم ولدت وقال الزوج لست أدري كان قبله أو بعده؟ فالحكم أن يقال للذي أقر بالجهالة ما ذكرته ليس بجواب عما ادعاه، فإن أجبت وإلا جعلناك ناكلا ورددنا اليمين عليه، وحكمنا له بما قال. إذا طلق زوجته وأتت بولد بعد الطلاق، فلا يخلو إما أن تأتي به لأقل من تسعة أشهر من وقت الطلاق أو أكثر. فإن أتت به لأقل من تسعة أشهر فإنه يلحقه، سواء كان الطلاق رجعيا أو باينا لأنه يمكن أن يكون منه، ويثبت له عليها الرجعة إن كان الطلاق رجعيا، وتستحق النفقة والسكنى حتى تضع. وإن أتت بولد لأكثر من تسعة أشهر من وقت الطلاق، فلا يخلو إما أن يكون رجعيا أو باينا، فإن كان باينا لم يلحقه النسب، لأن الولد لا يبقى أكثر من تسعة أشهر، ولا يلحقه لأنها ليست بفراش، وينتفى عنه بغير لعان، و [ لا ] ظ ينقضي العدة بوضعه لأنه [ لا ] ظ يمكن كونه منه وإن كان الطلاق رجعيا فهل يلحقه نسبه أم لا؟ قال قوم: لا يلحقه، لأنها محرمة عليه كتحريم الباين، وقال آخرون يلحقه النسب، وهو الذي يقتضيه مذهبنا لأن الرجعية في معنى الزوجات، بدلالة أن أحكام الزوجات ثابتة في حقها. ومبنى القولين أن الرجعية فراش [ أم لا ]، فعلى ما قالوه ليست بفراش، ولا يلحقه نسبه وعلى ما قلناه هي فراش ويلحقه نسبه. فمن قال لا يلحقه فحكمها حكم الباين على ما قلناه، ومن قال إن النسب يلحقه فإنما يلحقه إذا أتت به لدون أكثر زمان الحمل على الخلاف فيه من وقت انقضاء العدة وإن أتت به لأكثر من ذلك فلا يلحقه لأنها إذا وضعته لدون ذلك من وقت انقضاء العدة حكمنا بأنه حملته في وقت العدة، وهي فراش على هذا القول فلحقه النسب، وإن أتت به لأكثر من ذلك فإنا نحكم أنها حملته بعد انقضاء العدة، وليست بفراش في تلك الحال فلم يلحقه.

[ 243 ]

إذا كان الطلاق باينا وأتت بولد لأكثر من أكثر زمان الحمل، فادعت أنه تزوجها فحملت بذلك الولد، أو كان رجعيا وقيل إن الولد لا يلحقه فادعت أنه راجعها ووطئها وأتت بولد، فإن صدقها الزوج على ذلك فقد أقر بوجوب المهر عليه، إن كان الطلاق باينا واستحقاق النفقة والسكنى إن كان رجعيا، وأما النسب فإقراره تضمن ثبوت الفراش، فإن صدقها في أنها ولدت ذلك الولد، لحقه بحكم الفراش، لأنا نحكم أنها أتت به على فراش، وإن أنكر وقال ما ولدتيه بل استعرتيه أو التقطتيه فعليها قيام البينة بذلك، وإن لم تقم فالقول قول الزوج، فإن حلف سقط دعواها ولم يلحقه النسب، وإن لم يحلف رددنا اليمين على المرأة فتحلف ويثبت الولادة، ويلحقه الولد بحكم الفراش، ومتى لحقه الولد في هذه المواضع لم ينتف عنه إلا باللعان. وأما إن كذب الزوج المرأة فيما ادعته من النكاح أو الرجعة، فالقول قوله، لأن الأصل أن لا نكاح ولا رجعة، فإن حلف سقط دعواها، وإن نكل رددنا اليمين عليها فتحلف، ونحكم بثبوت النكاح والرجعة، وتستحق المهر والنفقة، إن كانت ادعت نكاحا، والنفقة والسكنى إن كانت ادعت رجعة. والولد ينظر فإن أقر أنها ولدته لحقه الولد بحكم الفراش الثابت باليمين، وإن أنكر ذلك فعليها البينة على الولادة، فإن أقامتها لحقه الولد بالفراش، وإن لم تقمها فالقول قول الزوج، فإن حلف سقط دعواها، وإن نكل رددنا اليمين عليه فتحلف، ويلحقه النسب. فهذا الحكم إذا كان الزوج حيا فأما إن مات وخلف وارثا فاختصمت الزوجة ووارثه فيما ذكرنا، فلا يخلو إما أن يكون ولدا أو غيره، فإن كان ولدا لم يخل إما أن يكون واحدا أو جماعة. فإن كان واحدا فحكمه حكم المورث في ساير الأحكام التي ذكرناها إلا في شيئين: أحدهما أن الزوج إذا حلف على نفي الرجعة فإنه يحلف على البتات والقطع، لأنه يحلف على فعل نفسه، والوارث إذا حلف فإنه يحلف على نفي العلم لأنه على فعل غيره، والثاني أن النسب إذا لحق الزوج كان له نفيه باللعان، والوارث ليس له نفي

[ 244 ]

النسب باللعان فإن بعض الورثة لا يملك نفي نسب البعض. وأما إذا كان الوارث أكثر من واحد فالحكم في الاثنين والثلاثة والأربعة واحد إلا أنا نفرض في الاثنين، فإن أقرا معا أو أنكرا معا وحلفا، أو صدق أحدهما وأنكر الآخر، ونكل عن اليمين وحلفت المرأة، فالحكم في هذه الثلاث مسائل واحد، وهو كالحكم في الواحد. وأما إذا صدق أحدهما وأنكر الآخر وحلف، فالذي أنكر وحلف لا يلزمه شئ والذي صدق يلزمه بقسطه من المهر والنفقة، ولا يثبت بإقراره النسب لأنه بعض الورثة. فإذا لم يثبت النسب لم يستحق الولد شيئا من الإرث عند المخالف، وعندنا يستحق من الإرث بمقدار قسطه من الميراث، إن شهد نفسان من الورثة ثبت نسبه عندنا، وأما الزوجة فقد أقر لها بالزوجية وتستحق مشاركته في الإرث، وقال قوم لا تستحق. وإذا كان الوارث غير الولد إما أخ أو ابن عم فإن صدق المرأة استحقت المهر إن كانت ادعت نكاحا والنفقة والسكنى إن كانت ادعت الرجعة، فأما النسب فإقراره يتضمن ثبوت الفراش، فإن أقر أنها ولدته لحق النسب بالفراش، وإن أنكر فعليها البينة بالولادة، وإذا أقامت ذلك لحق بالفراش. ومتى حكم بثبوت نسب الولد، فإنه لا يرث لأنا لو ورثناه لحجب الأخ، فإذا خرج عن كونه وارثا لم يصح إقراره، ولا يثبت النسب ولا الميراث، فإثبات الإرث للولد يقضي إلى بطلان إرثه ونسبه، فثبتنا النسب وأبطلنا الإرث، لأن كل سبب إذا ثبت جر بثبوته سقوطه وسقوط غيره كان ساقطا في نفسه. هذا عند المخالف ويقوى في نفسي أنه إذا أقر استحق المقر له التركة، ولا يثبت نسبه عندنا لأنه أقر أن ما في يده هو المستحق له دونه، وأما النسب فلا يثبت عندنا بقول واحد. وأما إذا أنكر الوارث ما ادعته، فإن حلف سقط دعواها، وإن نكل ردت

[ 245 ]

اليمين عليها فتحلف ويثبت ما ادعته وتستحق المهر والنفقة، والفراش قد ثبت بيمينها وإن نكلت المرأة عن اليمين قال بعضهم يوقف اليمين حتى يبلغ الولد ويحلف، وقال آخرون لا يوقف وهو الأقوى عندنا. إذا طلق زوجته ولزمتها العدة فلا يجوز أن يتزوج قبل انقضاء العدة، فإن نكحت فالنكاح باطل، ولا ينقطع العدة بنفس النكاح، لأنها لا يصير فراشا بنفس العقد فإن فرق بينهما قبل الدخول بها، فهي على عدة الأول. وإن وطئها الثاني لم يخل إما أن يكون عالما بالتحريم أو جاهلا به. فإن كان عالما فهما زانيان يلزمهما الحد، ولا يلحقه النسب، ولا ينقطع العدة لأن الفراش لم يثبت بهذا الوطي. وأما إن كان جاهلا بالتحريم إما جاهلا بكونها معتدة، أو جاهلا بتحريم المعتدة، فهو واطئ بشبهة يلحقه النسب، وتصير المرأة فراشا له وتنقطع عدتها عن الأول، لأنها صارت فراشا للثاني، ولا يجوز أن تكون فراشا لواحد ومعتدة عن غيره. فإذا فرق بينها وبين الثاني لم تخل إما أن تكون حاملا أو حايلا فإن كانت حائلا فقد اجتمع عليها عدتان عدة الأول وعدة الثاني، فيحتاج إلى زمان تأتي بهما ولا تدخل إحداهما في الأخرى فيلزمها أن تكمل عدة الأول، ثم تستأنف عدة الثاني، وإنما قدمنا عدة الأول لأن وجوبها سابق. وأما إذا كانت حاملا فلا يخلوا حال الحمل من أربعة أحوال أحدها أن تأتي به على صفة يمكن أن يكون من الأول دون الثاني، بأن تأتي به لدون أكثر زمان الحمل على الخلاف فيه، من وقت طلاق الأول، ولدون ستة أشهر من وقت وطي الثاني، فيلحق بالأول، لأنه يمكن أن يكون منه، وينتفي عن الثاني بغير لعان، لأنه لا يمكن أن يكون منه فإذا لحق بالأول اعتدت عنه بوضعه، فما دامت حاملا فهي معتدة عنه يلزمه نفقتها وسكناها، ويثبت له عليها الرجعة، إن كان الطلاق رجعيا فإذا وضعت انقضت عدتها عن الأول ثم تستأنف للثاني ثلاثة أقراء.

[ 246 ]

وأما إذا لم يمكن أن يكون من أحدهما بأن تأتي به لأكثر من أقصى مدة الحمل من وقت طلاق الأول ولدون ستة أشهر من وقت وطي الثاني، فينتفي عن الثاني بغير لعان، لأنه لا يمكن أن يكون منه. والأول لا يخلو إما أن يكون طلقها طلاقا رجعيا أو باينا فإن طلقها طلاقا باينا فالولد ينتفي عنه بغير لعان، ولا يعتد به من واحد منهما، فإذا وضعت أكملت عدة الأول واستأنفت عدة الثاني، وإن كان الطلاق رجعيا فمن قال النسب لا يلحقه في الطلاق الرجعي فحكمه حكم الباين على ما ذكرناه، ومن قال يلحق النسب وهو الذي اخترناه، فإن الولد يلحق بالأول، ويلزمه نفقتها وسكناها، وتعتد عنه بوضعه، فإذا انقضت عدتها عن الأول استأنفت عن الثاني ثلاثة أقراء. وأما إذا أمكن أن يكون من الثاني دون الأول بأن تأتي به لأكثر من أقصى مدة الحمل من وقت طلاق الأول ولستة أشهر فصاعدا من وقت وطي الثاني، فإن كان طلاق الأول باينا انتفى عنه بغير لعان، ويلحق بالثاني وتعتد عنه، فإذا وضعت أكملت عدة الأول. وإن كان الطلاق رجعيا فمن قال إن النسب لا يلحق به فحكمه حكم الباين إلا في شئ واحد وهو أن الرجعة ثابتة للزوج الأول عليها، فإن صبر حتى تضع الولد وراجعها صحت الرجعة لأنها في عدة خالصة عنه. وإن أراد أن يراجعها قبل أن تضع حملها قيل فيه وجهان أحدهما ليس له، لأنها في عدة من غيره ومحرمة عليه، فصار كما لو ارتدت الرجعية فإنه لا يملك رجعتها في حال ردتها والوجه الثاني أنه يملك رجعتها في حال ردتها وهو الأقوى عندي للظاهر، ولأن حكم الزوجية باق، وإنما حرم الوطي فصار كما لو أحرمت. ومن قال إن النسب يلحق على ما قلناه في الطلاق الرجعي فالولد يمكن أن يكون من الأول، ويمكن أن يكون من الثاني، والحكم على ما نبينه في القسم الرابع: وهو إذا أمكن أن يكون من كل واحد منهما بأن تأتي لأكثر من ستة أشهر من وقت وطي الثاني، ولأقل من أقصى مدة الحمل من وقت طلاق الأول فيمكن أن يكون

[ 247 ]

الولد من كل واحد منهما. فإذا وضعته أقرع بينهما عندنا، فمن خرج اسمه ألحق به، وعند قوم يعرض على القافة، فإن ألحقته بالأول انتفى عن الثاني، والحكم فيه كالقسم الأول، وإن ألحقته بالثاني لحقه وانتفى عن الأول، والحكم فيه كالقسم الثالث، وإن لم يكن القافة أو كانت وأشكل ترك حتى يبلغ فينتسب إلى أحدهما فيلحق به وينتفى عن الآخر، وأما العدة فإنه يلزمها أن تعتد بثلثة أقراء، لأنه إن كان الولد من الأول فعليها أن تعتد عن الثاني بثلاثة أقراء وإن كان من الثاني فعليها إكمال عدة الأول، فيلزمها أن تحتاط فتأتي بثلثة أقراء إلى أن يبلغ الولد فينتسب إلى أحدهما، ويلزمها نفقته وحضانته وأجرة إرضاعه، لأنه موقوف عليها، وعندنا يلزم النفقة والحضانة وأجرة الرضاع من يخرج اسمه في القرعة، وأما العدة فعلى ما ذكرناه. إذا طلق زوجته فأقرت بانقضاء عدتها ثم أتت بعد ذلك بولد دون أقصى مدة الحمل من وقت الطلاق، فإن نسبه يلحق بالزوج، وقال قوم إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت انقضاء العدة لم يلحقه، وهو الأقوى عندي. إذا طلق زوجته فلا يخلو إما أن يكون قبل الدخول وقبل الخلوة، أو بعد الدخول أو قبل الدخول لكن بعد الخلوة، فإن طلقها قبل الدخول وقبل الخلوة فلا عدة عليها إجماعا، ويرجع عليها بنصف المهر، وإن طلقها بعد الدخول وجبت العدة ووجب المهر كملا. وإن طلقها قبل الدخول وبعد الخلوة، قال قوم الخلوة كالإصابة فيستقر بها المهر وتجب العدة، إذا لم يكن هناك مانع يمنع الجماع، وبه قال قوم من أصحابنا. وقال قوم إذا خلا بها خلوة تامة بأن تكون في منزله فإنه يرجح بها قول من يدعي الإصابة من الزوجين. وإن لم يكن خلوة تامة بأن يخلو بها في منزل أبيها فلا يرجح بها قول من

[ 248 ]

يدعي الإصابة وقال قوم لا تأثير للخلوة فلا يرجح بها قول من يدعي الإصابة، ولا يستقر بها المهر، ولا يجب العدة، بل يكون وجودها كعدمها، وبه قال قوم من أصحابنا وهو الأقوى عندي. إذا ولدت التي قال زوجها لم أدخل بها لستة أشهر، ولأكثر ما تلد له النساء من يوم عقد نكاحها، لحق نسبه، لأنه يمكن أن يكون منه، وإن لم يكن دخل بها بأن وطئها دون الفرج فسبق الماء إلى الفرج، وعلى هذا الوجه تحمل البكر، ويحتمل أن يكون استدخلت ماءه فحملت، فإذا جاز هذا حكمنا بأنه يلحق النسب وله نفيه باللعان. وأما المهر فإنه إن أقر الزوجان أنه لم يدخل بها، لأن يتفقا أنه وطئها دون الفرج فسبق الماء إلى الفرج أو استدخلت ماءه، فالمهر لا يجب عند من راعى الدخول وإن لحقه الولد فنفاه واختلفا في الإصابة، فالقول قول الزوج كما لو لم يكن ولد واختلفا في الإصابة، فإن القول قوله أيضا وإن لحقه نسب الولد ولم ينفه واختلفا في الإصابة فعليه المهر كاملا، وقال بعضهم القول قول الزوج مع يمينه، ويجب نصف المهر والأول أقوى. إذا طلقها واختلفا في الإصابة، فإنه إن لم يكن خلا بها، فالقول قول الزوج لأن الأصل عدم الإصابة، وإن طلقها بعد الخلوة واختلفا في الإصابة، فمن قال إن الخلوة لا تأثير لها قال القول قول الزوج، ومن قال لها تأثير قال القول قولها، فإن أقامت المرأة بينة على أنه أصابها حكم بها، ويقبل في ذلك شاهدان وشاهد وامرأتان وشاهد ويمين، لأن المقصد منه استحقاق كمال المهر، فقبل فيه شاهد ويمين، والذي يقتضيه أحاديث أصحابنا إن كان هناك ما يعلم صدق قولها مثل أن كانت بكرا فوجدت كما كانت فالقول قولها، وإن كانت ثيبا فالقول قول الرجل، لأن الأصل عدم الدخول. إذا طلق زوجته أو مات عنها والمرأة حاضرة، فالعدة من حين الطلاق والموت إجماعا، وإن كان الزوج غائبا فبلغها ذلك، فإن العدة من حين الطلاق وفي الموت من

[ 249 ]

حين البلوغ عندنا، وعند المخالفين من حين الطلاق والموت في الموضعين سواء بلغها ذلك بخبر واحد أو اثنين، أو خبر مستفيض مقطوع عليه، وقال بعض الصحابة: إن العدة من حين البلوغ والعلم في الموضعين. عدة الأمة المدخول بها إن كانت حاملا أن تضع ما في بطنها بلا خلاف، وإن كانت حائلا فعدتها قرءان، وقال بعض الشذاذ عدتها ثلاثة أقراء، وإن كانت من ذوات الشهور، فعدتها عندنا خمسة وأربعون يوما، وقال بعضهم شهران، وقال آخرون ثلاثة أشهر. الأمة إذا طلقت واعتقت ففيه ثلاث مسائل إحداها أن تعتق قبل الطلاق فتعتد عدة الحرة بلا خلاف. الثانية تطلق وهي أمة، واعتدت قرئين ثم أعتقت بعد كمال العدة، فقد انقضت عدتها والعتق لا يؤثر في ذلك. الثالثة طلقت وهي أمة فشرعت في العدة ثم أعتقت في أثنائها فلا خلاف أنها لا تستأنف عدة بل تمضي في عدتها لكن قال قوم إن كان الطلاق رجعيا أكملت عدة الحرة وهو مذهبنا. وإن كان باينا، منهم من قال مثل ذلك، ومنهم من قال عدة الأمة وهو الصحيح عندنا. إذا تزوج العبد أمة فطلقها طلقة بعد الدخول فإنه يثبت له عليها الرجعة، لأنه بقي له طلقة، فإن أعتقت في أثناء العدة ثبتت لها خيار الفسخ، لأنها في معنى الزوجات فإن اختارت الفسخ انقطع حق الزوج من الرجعة، وهل يستأنف العدة أم تبنى؟ قال قوم تبني على عدتها وهو الصحيح عندنا، وقال آخرون تستأنف فمن قال تستأنف قال: تستأنف عدة الحرة ثلاثة أقراء كوامل لأنها حرة، ومن قال تبني فهل تبني على عدة أمة أو عدة حرة؟

[ 250 ]

قال قوم تبني على عدة أمة، وقال آخرون تبني على عدة حرة وهو الصحيح عندنا. وأما إذا لم تختر الفسخ بل أمسكت فإن حقها لا ينقطع، لأنه يحتمل أنها أمسكت انتظارا لوقوع الفرقة بغير فسخ، لا للرضا. ثم ينظر فإن صبرت حتى انقضت عدتها ولم يراجعها الزوج فقد بانت منه، وعندنا أنها تبني على عدة حرة وقال قوم تبني على عدة أمة وإن اختارت الفسخ فالحكم على ما ذكرنا. وإن راجعها ثبت لها حق الخيار على الفور، لأنه لم يبق هناك جهة ينتظر وقوع الفرقة بها. إذا طلق الرجل زوجته طلقة رجعية، وجرت في العدة ثم راجعها فإن عدتها تنقطع بالرجعة، لأنها تصير فراشا فإن طلقها بعد ذلك بعد الدخول بها فعليها استيناف العدة بلا خلاف، وإن لم يكن دخل بها، قال قوم تبني، وقال آخرون تستأنف وهو الأصح عندنا. فأما إذا خالعها ثم تزوجها ثم طلقها قال قوم تبني على العدة الأولة وقال آخرون تستأنف وهو الصحيح عندنا، وقال بعضهم لا عدة عليها هيهنا وهو الأقوى عندنا و الأول أحوط. إذا تزوج امرأة ودخل بها ثم خالعها ثم تزوجها ثم طلقها قبل الدخول قال قوم لا عدة عليها للظاهر، ولها أن تتزوج في الحال وهو الأقوى عندنا وقال آخرون عليها العدة لأن القول بإسقاطها يؤدي إلى اجتماع مياه في رحم امرأة واحدة، فإنه يتزوجها واحد، فيدخل بها ويخالعها ثم يتزوجها ويطلقها قبل الدخول فينقطع العدة، وتحل للأزواج فيتزوجها آخر، ويدخل بها ويخالعها ثم يتزوجها ويطلقها قبل الدخول فتنقطع عدتها وتحل للآخر، وهذا لا سبيل إليه، وهذا لا يلزم على مذهبنا، لأن عندنا أنه إذا دخل بها فلا يصح أن يختلعها إلا أن يستبرئها بحيضة فيعلم بذلك براءة رحمها فإذا عقد عليها بعد ذلك ثم طلقها قبل الدخول فإنها تملك نفسها وهي

[ 251 ]

برئة الرحم، فلا يؤدي إلى ما قالوه، وإنما يؤدي على مذهب من وافقهم في جواز الطلاق قبل الاستبراء، فيلزم ما قالوه. المتوفى عنها زوجها لا تخلو إما أن تكون حائلا أو حاملا، فإن كانت حائلا فإنها تعتد بأربعة أشهر وعشر، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، مدخولا بها أو غير مدخول بها بلا خلاف وللآية. فإذا مضت أربعة أشهر وعشرة أيام وغربت الشمس اليوم العاشر انقضت عدتها إجماعا إلا الأوزاعي فإنه اعتبر الليالي فقال ينقضي بطلوع الفجر من اليوم العاشر. وإن كانت حاملا فعدتها أقصى الأجلين عندنا من الوضع أو أربعة أشهر وعشرة أيام وقال جميع المخالفين تعتد بالوضع، فإذا وضعت انقضت عدتها وحلت للأزواج قبل أن تطهر، وقال شاذ منهم حتى تطهر، وهذا يسقط على ما قلناه، فإن فرضنا مضي أقصى الأجلين بالوضع فقد حلت للأزواج، ويجوز لها أن تعقد على نفسها غير أنه لا يدخل بها حتى تطهر. هذا حكم النكاح الصحيح، وأما النكاح المفسوخ الفاسد، فإن المرأة ما لم يدخل بها لا عدة عليها سواء مات عنها أو فارقها في حال الحيوة فإن دخل بها صارت فراشا ولزمتها العدة، فإذا فرق بينهما أو افترقا ابتدأت من تلك الحال، فإن كانت من ذوات الأقراء اعتدت بثلاثة أقراء، وإن كانت من ذوات الشهور اعتدت بثلاثة أشهر، وإن كانت حاملا اعتدت بوضع الحمل ولا تعتد عدة الوفاة بحال. المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها حاملا كانت أو حائلا بلا خلاف وقال بعض الصحابة إنها إذا كانت حاملا كان لها النفقة، وروى أصحابنا أن لها النفقة إذا كانت حاملا من نصيب ولدها الذي في بطنها. المتوفى عنها زوجها إذا انقضت بها أربعة أشهر وعشر انقضت عدتها حاضت فيها ثلاث حيض أو لم تحض عندنا، وقال بعضهم إذا لم يمض لها ثلاث حيض لا تنقضي

[ 252 ]

وقد ذكرناها في الخلاف. إذا كان للرجل زوجتان أو أكثر فطلق واحدة لا بعينها، ثم مات قبل التعيين فلا يخلو أن تكونا مدخولا بهما أو غير مدخول، فإن كانتا غير مدخول بهما فإنه يجب على كل واحدة منهما أربعة أشهر وعشر للاحتياط، وأما إذا كانتا معا مدخولا بهما وكانتا حاملتين اعتدت عندنا كل واحدة بأقصى الأجلين، وعندهم بالوضع على ما مضى. وإن كانتا حائلتين لم يخل أن يكون الطلاق رجعيا أو باينا فإن كان رجعيا فعلى كل واحدة منهما عدة أربعة أشهر وعشر، إن كان الطلاق باينا فإن كان معينا فلا يخلو إما أن يكون قد مضى بعد الطلاق مدة أو لم تمض، فإن لم يكن مضى بأن طلق و مات عقيب الطلاق وجب على كل واحدة منهما أن تعتد بالأطول من ثلاثة أشهر أو أربعة شهر وعشر احتياطا وإن كان قد مضى بعض المدة بأن يكون قد حاضت كل واحدة منهما حيضة ثم توفي الزوج، فعلى كل واحدة منهما أن تأتي بأطول الأمرين من أربعة أشهر وعشر أو بقية الطلاق وهما قرءان. هذا إذا كان الطلاق معينا فإن كان مبهما بأن طلق إحداهما لا بعينها فيقال له افرض الطلاق في أيهما شئت، فإذا فرض في إحداهما طلقت، والأخرى على الزوجية وهل تبتدئ بالعدة من حين الطلاق أو من حين الفرض؟ قيل فيه وجهان فمن قال تبتدئ بها من حين الطلاق وهو الصحيح، فهو كما لو كان الطلاق معينا ومن قال تبتدئها من حين الموت، وجب على كل واحدة منهما أطول الأمرين من أربعة أشهر وعشر، أو ثلاثة أقراء. فأما إذا اختلف حال الزوجين بأن يكون إحداهما مدخولا بها والأخرى غير مدخول بها أو إحداهما حاملا، والأخرى حائلا، أو إحداهما رجعية والأخرى باينا، فإنه يجب على كل واحدة منهما، أن تأتي بالعدة كما كان يلزمها أن تأتي بها لو كانت على صفة صاحبتها. والمطلقة على ضربين رجعية وباين، فالرجعية تستحق النفقة والسكنى بلا خلاف، والباين لا نفقة لها عندنا ولا سكنى، إلا أن تكون حاملا، وقال قوم تستحقهما

[ 253 ]

معا على كل حال وقال بعضهم تستحق السكنى دون النفقة، والمسلمة والكتابية سواء في النفقة والسكنى لعموم الآية بلا خلاف. فأما الأمة إذا زوجها سيدها فإنه لا يلزمه أن يرسلها ليلا ونهارا وإنما يجب عليه أن يرسلها ليلا دون النهار، فإن أرسلها ليلا ونهارا استحقت النفقة و السكنى وإن أمسكها نهارا فلا سكنى ولا نفقة، لأنه لم يوجد التخلية والتمكين التامين. فإن طلق زوجته الأمة لم يلزم السيد إرسالها ليلا ونهارا بمثل حال الزوجية فإن تطوع بذلك استحقت النفقة والسكنى إن كانت رجعية وإن كانت باينا فعلى ما مضى من الخلاف. إذا استحقت المطلقة السكنى استحقت ذلك في منزل الزوج لقوله تعالى " لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة " يعني من البيت الذي تسكنه المرأة، وليس بمملوك لها، بدلالة أنه تعالى نهى عن إخراجها منه، إلا أن تأتي بفاحشة، والذي تملكه لا يجوز إخراجها منه بحال، فإن انهدم البيت ولم يمكن السكنى فيه أو كان استأجره فانقضت الإجارة أو استعاره فرجع المعير، فإنها تنتقل عنه لأنه لا يمكن إسكانها فيه، وكذلك إن أتت بفاحشة، وهو أن تبذو على بيت أحمائها وتشتمهم على خلاف فيه، فإنها تنتقل إلى أقرب المواضع إليه فأما إذا بذا بيت أحمائها عليها وآذوها بالكلام فإنهم ينقلون عنها لأن الضرر من جهتهم. هذا إذا كانت مع أهل الزوج في مسكن واجد، فأما إذا كانوا في موضع وهي في موضع آخر فبذت عليهم أو شتمهم أو بذوا عليها فإنها لا تنقل عنهم، لأنه لا فائدة في نقلها لأن ذلك لا تنقطع بالنقل، فإن كان السكنى ضيقا لا يمكن أن تكون فيه هي وأهل الزوج، وإنما يسعها وحدها، فإن الزوج وأهله ينقلون عنها وتقر هي في المسكن.

[ 254 ]

فإن الزوج الرجل بنته من رجل ونزل الزوج على بيت أحمائه في منزل أبي زوجته، ثم طلقها في ذلك الموضع فإن رضي الأب بإقرارها في ذلك المنزل أقرت فيه واعتدت، وإن لم يختر وأراد الرجوع في عاريته، كان له، فإذا فعل ذلك كان على الزوج أن ينقلها إلى أقرب المواضع. وأما الموضع الذي يجب على الزوج أن يسكن المطلقة فيه، فالاعتبار في ذلك بحال المرأة فتسكن في سكنى مثلها، وما جرت عادة سكناها فيه: إن كانت رفيعة الحال أسكنها دار واسعة حسناء وإن كانت وحشة ذميمة أسكنها دارا ضيقة، وإن كانت متوسطة الحال أسكنها دارا متوسطة، لأن الرجوع في ذلك إلى العادة، لأن الآية مجملة. ويعتبر حال المرأة حال الطلاق لا حال عقد النكاح، ولا قبل الطلاق، لأن المرأة قد يسامحها زوجها، فيسكنها في دار أرفع منها، فلا يعتبر إلا حال الطلاق، ثم ينظر فإن كانت ساكنة في سكنى مثلها أقرت فيه وإن كانت في دون سكنى مثلها ورضيت بالمقام فيه جاز، وإن كانت دون سكنى مثلها لزم الزوج أن ينقلها إلى أقرب المواضع إليه مما هو سكنى مثلها، وإن كانت في أرفع فإن رضي الزوج بإقرارها فيه جاز. وإن أراد أن يسكن معها فإن كانت دارا أو حجرة أو مساكن متفرقة أو بيوتا على كل بيت منها باب وغلق وحاجز، جاز ذلك، وإن كانت دارا واحدة تكون هي في بيت وهو في بيت فإن كان هناك من ذوي رحمها أو من ذوي رحمه كره له ذلك، لأنه لا يمكن التحرز من النظر إليها لكن يجوز وإن لم يكن هناك أحد من ذوي رحمها و لا من ذوي رحمه لم يجز لأن فيه خلو رجل بامرأة. هذا عند من قال إنها محرمة الوطي فأما على مذهبنا فإنه يجوز له النظر إليها ولا يحرم عليه وطؤها، ومتى وطئها كان ذلك رجعة، وإن كانت باينا فلا سكنى لها بحال، وإنما ذلك على مذهب من ذكرناه، لأن عنده كل موضع يجوز للمطلق أن يسكن مع المطلقة جاز للأجنبي أن يسكن معها، وكل موضع لم يجز للمطلق لم يجز للأجنبي وعندنا بخلاف ذلك. إذا طلق زوجته واستحقت السكنى في منزله ثم باع الزوج المنزل فإنها إن كانت

[ 255 ]

معتدة بالأقراء أو بالحمل لم يصح البيع لأن مدة استحقاق البايع مجهولة، واستثناء منفعة مجهولة في البيع لا يجوز، وإن كانت معتدة بالشهور منهم من قال يبطل البيع أيضا، ومنهم من قال يصح وهو الأقرب، لأنه مثل الدار إذا آجرها، ثم باعها فإن البيع عندنا لا يفسد الإجارة. هذا إذا لم يكن على الزوج دين، فأما إذا كان عليه دين، فإن كانت المرأة قد استحقت السكنى ثم حجر عليه، فإن المرأة تكون أحق بالسكنى من الغرماء، لأن حقها يختص بعين الدار وحقوقهم لا تختص بها، وإن كان قد حجر عليه ثم طلقت المرأة واستحقت السكنى كانت هي أسوة الغرماء لأن حقهم مقدم على حقها، فلم يجز تقديمها عليهم بل سواء بينها وبينهم. إذا طلقت المرأة وهي في منزل لا يملكه الزوج إما مستعارا أو مستأجرا واتفق انقضاء الإجارة حال الطلاق، فإن رضي صاحب المنزل بإقرارها فيه فعلى الزوج أن يسكنها فيه، إن لم يرض بذلك أو طلب أكثر من أجرة مثله، لم يجب على الزوج إسكانها في ذلك الموضع، وسقط حق الزوجة من سكنى الدار بعينها، وثبت حقها من السكنى في ذمة الزوج، ثم ينظر فإن كان موسرا فعليه أن يكتري لها منزلا بقدر سكنى مثلها في أقرب المواضع من الموضع الذي كانت فيه، وإن كان معسرا وعليه ديون فإن الزوجة تستحق السكنى في ذمته، والغرماء يستحقون ديونهم في ذمته، فإن كان طلقها بعد الحجر فإنها تضارب الغرماء بقدر السكنى، وهكذا لو كان المنزل مملوكا للزوج لم تكن أحق بالسكنى فيه، بل تضارب هي والغرماء بقدر حقها من السكنى، وهكذا لو كان الطلاق قبل الحجر عليه ثم حجر عليه، فإن المرأة تضارب الغرماء لأن حقها و حقهم متساو في ثبوتهما في الذمة. فإذا ثبت أنها تضاربهم، فإنه ينظر فيها، فإن كانت معتدة بالشهور فقدر ما تستحقه من السكنى معلوم، وهو ثلاثة أشهر فينظر كم قدر أجرة مثل فتضارب به ويدفع إليها ما تستحقه فتسكن فيه، فإذا انقضى ذلك لم يلزمها أن تسكن، وإن كانت معتدة بغير الشهور إما بالأقراء أو بالحمل، فإن كانت لها عادة متقررة في الحيض وفي الحمل

[ 256 ]

حمل الأمر على ذلك، وضربت بقدر أجرة مثل تلك المدة. فإذا فعلت ذلك وأخذت ما يخصها من المال واعتدت نظر، فإن خرج قدر عادتها بوفق ما كنا قررناه، فقد استوفت حقها، وإن خرجت أنقص، فإنها ترد الفضل وتضرب هي والغرماء فيه وإن خرجت أكثر فما حكم تلك الزيادة؟ قال بعضهم أنها لا تستحق شيئا آخر، وقال آخرون إنها تستحق بقسط ما زاد، وهو الأقوى عندي. ومن الناس من قال إن كانت معتدة بالحمل، استحقت، وإن كانت بالأقراء لا تستحق، والفرق بينهما أنه يمكنها إقامة البينة على الحمل، فإذا ثبت لها ذلك بالبينة استحقت الضرب به والأقراء لا يمكن إقامة البينة على وجودها ونهايتها، وإنما يرجع في ذلك إلى قولها. وأما إذا لم يكن لها عادة فإنها تضرب بالقدر المتيقن في الأقراء والحمل و أقل الأقراء عندنا ستة وعشرون يوما ولحظتان، وعند بعضهم اثنان وثلثون يوما ولحظتان وأقل الحمل ستة أشهر فيضرب بذلك القدر. ثم لا يخلو إما أن يخرج وفق العدة أو أزيد منه، ولا يجيئ أن يخرج أنقص، لأن القدر المتيقن لا ينقص، والحكم على ما ذكرناه. إذا طلق زوجته فاستحقت السكنى في منزله المملوك، ثم مات المطلق في أثناء العدة وورثه جماعة من الورثة فليس لهم أن يقتسموا بالدار حتى تنقضي عدة المطلقة لأنها استحقت السكنى في الدار على الصفة التي هي عليها، فإذا قسمت كان في قسمتها ضررا عليها فلم يجز ذلك كما لو اكترى جماعة دارا من رجل ثم أرادوا قسمتها لم يكن لهم ذلك لأن المستأجر استحق منفعتها على صفتها، وفي قسمتها ضرر عليه. المتوفى عنها زوجها لا تستحق النفقة بلا خلاف، ولا تستحق عندنا السكنى، وقال بعضهم تستحق وفيه خلاف. فمن قال لها السكنى قال إن كان المنزل مملوكا للزوج استحقت السكنى فيه، وكذلك إن كان مكترى، وإن كان مستعارا ورضي صاحبه بإقرارها فيه أقرت وإن لم

[ 257 ]

يرض فعلى الورثة أن يكتروا لها مسكنا من أصل التركة في أقرب المواضع إلى المسكن الذي كانت في، ومن قال لا سكنى لها على ما نقوله فإن تطوع الورثة بإسكانها لزمها أن تسكن، وإن لم يتطوعوا فلها أن تقيم حيث شاءت. إذا أمر الرجل زوجته بالانتقال من المنزل الذي هي فيه إلى منزل آخر فانتقلت ببدنها ولم تنقل مالها وعيالها، ثم طلقها، فإنها تعتد في المنزل الثاني دون الأول ولو أنها نقلت مالها وعيالها ولم تنتقل ببدنها ثم طلقها، فإنها تعتد في المنزل الأول، والاعتبار بالموضع الري يكون مقيمة فيه، لا بالمال والعيال. وهكذا القول في الأيمان: إذا حلف لا سكن دارا فانتقل إليها ببدنه، ولم ينقل ماله وعياله حنث، ولو نقل إليها ماله وعياله ولم ينتقل ببدنه لم يحنث، وفي الأيمان خلاف ذكرناه في الخلاف. (1) إذا أذن لها في الانتقال من منزلها إلى منزل آخر فخرجت من الأول إلى الثاني ثم عادت إلى الأول لنقل قماش أو حاجة ثم طلقها، فإنها تعتد في المنزل الثاني الذي انتقلت إليه لأنه قد صار منزلها وعودها إلى المنزل الأول إنما هو لحاجة. إذا أمرها بالانتقال من منزلها إلى منزل آخر فخرجت من الأول ولم تبلغ إلى الثاني حتى طلقها، وهي بين المنزلين قيل فيه وجهان: أحدهما تعتد في الثاني وهو الأقوى عندي، لأنها مأمورة بالانتقال إليه والوجه الثاني أنها مخيرة بين أن تنتقل إلى الثاني وتعد فيه أو تعود إلى الأول، لأنها بين منزلين غير مستقرة في واحد منهما. إذا أذن لزوجته في الخروج من بلدها إلى بلد آخر، ثم طلقها ففيه أربع مسايل: أوليها أن يطلقها قبل أن خرجت من منزلها، فعليها أن تعتد في ذلك المنزل،

(1) وسيأتي في كتاب الأيمان من هذا الكتاب أيضا راجع ج 6 ص 220.

[ 258 ]

لأن الطلاق صادفها وهي مقيمة فيه. الثانية أن تفارق المنزل ولم تفارق بنيان البلد ثم طلقها قيل فيه وجهان أحدهما أنها بالخيار بين أن تعود إلى المنزل الأول فتعتد فيه، وبين أن تنتقل إلى البلد الآخر والوجه الآخر عليها أن تعود إلى منزلها الأول وتعتد فيه، لأنها ما لم تفارق البلد فهي في حكم المقيمة وهو الأقوى. الثالثة أن تفارق بنيان البلد ثم طلقها ففيه مسئلتان إحداهما أن تكون أذن لها في الحج أو الزيارة أو النزهة ولم يأذن في إقامة مدة مقدرة والثانية أذن لها في إقامة مدة مقدرة. فأما إذا طلق ولم يقدر فيه مدة ففارقت البلد ثم طلقها فإنه لا يلزمها العود إلى منزلها، فإنها ربما كان الطريق مخوفا وتنقطع عن الرفقة، فإن أرادت العود كان لها وتعتد في منزلها، وإن نفذت في وجهها، فإن كان أذن لها في الحج فإذا قضت حجها لم يجز لها أن تقيم بعد قضائه، وإن كان أذن لها في النزهة أو الزيارة فلها أن تقيم ثلاثة أيام. فإذا مضت الثلاث أو قضت حجها فإن لم تجد رفقة تعود معهم، وخافت في الطريق فلها أن تقيم لأن ذلك عذر، وإن وجدت رفقة وكانت الطريق آمنا فإن علمت من حالها أنها إذا عادت إلى البلد أمكنها أن تقضي ما بقي من عدتها لزمها ذلك، وإن كانت لا يتمكن من ذلك، قال بعضهم لا يلزمها العود بل لها أن تقيم في موضعها، و قال آخرون إنه يلزمها العود، لأنها مأمورة بالعود غير مأمورة بالإقامة وهو الأقوى عندي. وأما إذا كان قد أذن لها في أن يقيم بالبلد الآخر مدة معينة شهرا أو شهرين أو ثلاثة ففارقت بنيان بلدها، ثم طلقها فإنه إن كان طلقها قبل أن وصلت إلى البلد الآخر فهي بين المنزلين، فيكون الحكم فيه كما لو أمرها بالانتقال من دار إلى دار، ثم طلقها

[ 259 ]

بين الدارين وقد مضى حكمها، وإن كانت وصلت إلى البلد الآخر ثم طلقها فلها أن تقيم ثلاثة أيام. فأما إن زاد عليه قال قوم إنها لا تقيم لأنه لم يأذن لها في الإقامة على التأبيد، وقال آخرون لها أن تقيم المدة المأذون فيها، لأنه قد أذن لها في ذلك وأمرها به فكان لها الإقامة ذلك القدر، فمن قال تقيم ثلاثة أيام بلا زيادة فالحكم على ما مضى في التي قبلها. إذا أحرمت المرأة ثم طلقها زوجها ووجب عليها العدة، فإن كان الوقت ضيقا تخاف فوت الحج إن أقامت، فإنها تخرج وتقضي حجها، ثم تعود فتقضي باقي العدة وإن بقي عليها شئ. وإن كانت الوقت واسعا أو كانت محرمة بعمرة فإنها تقيم وتقضي عدتها ثم تحج وتعتمر، وقال بعضهم عليها أن تقيم وتعتد سواء كان الوقت ضيقا أو واسعا، و الأول أليق بمذهبنا. إذا طلقها ولزمتها العدة ثم أحرمت فعليها أن تلازم المنزل لقضاء العدة، لأن وجوب العدة سابق، وقد فرطت في إدخال الاحرام عليها، فإذا قضت العدة فإن كانت محرمة بالعمرة، فإنها لا تفوت فتأتي بها، وإن كانت محرمة بالحج فإن لم يكن قد فات أتت به، وإن فات فعليها أن يتحلل بعمرة وعليها القضاء من قابل عندنا، إن كانت حجة الاسلام، وعندهم على كل حال. إذا أذن لها في الاحرام فلم تحرم فطلقها ثم أحرمت فالحكم فيه كما لو لم يكن تقدم الإذن. متى أذن لها في الخروج إلى بلد وأطلق ذلك فخرجت ثم طلقها واختلفا فقالت نقلتني وقال لم أنقلك، فالقول قول الزوج، فعليها أن ترجع إلى المنزل وتعتد فيه، لأنه اختلاف في نية الزوج وهو أعلم بما أراد، فأما إذا مات واختلفت هي وورثته فالقول قولها لأنهما استويا في الجهل بما أراد الزوج، وظاهر قوله يوافق دعوى المرأة

[ 260 ]

لأن قوله أخرجي إلى موضع كذا، ظاهره النقلة. البدوية إذا طلقت أو مات عنها زوجها وقيل إن لها السكنى، فإن عليها أن تعتد في بيتها للآية، وفي هذا أربع مسائل: إحداها أن يرتحل الحي كلهم فترتحل معهم وتعتد في الموضع الذي انتقلوا إليه لأنه لا يمكنها التخلف عنهم وحدها. الثانية أن ترتحل الحي إلا أهلها وكان في أهلها منعة فليس لها أن ترتحل بل تقيم وتعتد لأنه يمكنها المقام في بيتها من غير ضرر. الثالثة أن ينتقل أهلها ويبقى من الحي قوم فيهم منعة فهي بالخيار بين المقام فتعتد في بيتها، وبين أن تخرج مع أهلها وتعتد حيث انتقلوا إليه لأن عليها في التأخر ضررا باستيحاشها من أهلها، وكان لها المقام، لأن هناك منعة. الرابعة أن يموت أهلها ويبقى من الحي قوم فيهم منعة، فيلزمها أن تقيم إذا لم تخف ما خافه أهلها. إذا طلق امرأته وهي في منزل فخافت من انهدامه أو احتراقه أو لصوص كان ذلك عذرا لها في جواز الانتقال إلى غيره، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر فاطمة بنت قيس بالانتقال عن منزلها لما بذت على بيت أحمائها وهذه الأعذار أبلغ منها وأعظم. إذا وجب على المعتدة حق فإن كان مما يمكن استيفاؤه من غير خروجها بأن يكون عندها وديعة فطلبها صاحبها أو غصب أو كان عليها دين وهي مليئة معترفة به، فلا يجوز إخراجها لأنه يمكن استيفاؤه من غير خروج. وإن كان الحق مما لا يمكن استيفاؤه إلا بخروجها كالحدود أو يدعى عليها حق تجحده ويحتاج أن تقر به، فإن كانت برزة تدخل وتخرج فإنها تخرج ويقام عليها الحد وتحضر مجلس الحاكم ليحكم الحاكم بينها وبين خصمها، وإن كانت مخدرة لا تدخل ولا تخرج، فإن الحاكم يقيم عليها الحد في منزلها ويبعث من ينظر بينها وبين خصمها في بيتها.

[ 261 ]

إذا طلق زوجته واستحقت السكنى وليس للرجل مسكن، فإن كان حاضرا أمره الحاكم أن يكتري لها منزلا فإن لم يفعل أو كان غائبا اكترى الحاكم من ماله لأنها استحقت السكنى ووجب إيفاؤها ما تستحقه كالدين، وإن لم يكن له مال، ورأى الحاكم أن يستقرض عليه ويكتري لها فعل، وكان ذلك دينا في ذمته، فإن رأى أن يأذن لها أن تكتري على الزوج فعل، فإن كان اكترت بغير إذن الحاكم مع القدرة على استيذانه فقد تطوعت، وليس لها أن ترجع على الزوج بشئ، وإن لم تقدر على استيذان الحاكم قيل فيه وجهان أحدهما وهو الأقوى عندنا أن لها ذلك، والآخر ليس لها كمسألة الجمال. إذا طلق زوجته وهي في منزلها فأقامت فيه حتى انقضت عدتها ولم تطالب الزوج بالكري ثم طالبت، فلا شئ لها لأن من سكوتها أنها تطوعت بالقعود في منزلها، فلم يكن لها أن تطالب الزوج بالبدل. وهكذا إن اكترت دارا وسكنتها ولم تطالب بالكري حتى انقضت العدة، ثم طلبت فلا شئ لها، لأنها إنما تستحق أجرة السكنى على الزوج إذا سكنت حيث يسكنها فأما إذا سكنت حيث شاءت فلا شئ لها، وإن اكترت منزلا أو سكنت في منزلها بعض المدة ولم تطالب ثم طالبت فلها أجرة السكنى من وقت المطالبة، ولا شئ لها فيما مضى، لأنها فيما مضى سكنت حيث شاءت فلم تستحق عليه أجرة ذلك، وفي المستقبل يسكنها الزوج حيث شاء فاستحقت عليه الأجرة. إذا كان مع الرجل زوجته في سفينة فطلقها فإنه ينظر، فإن كان له منزل غير السفينة يأوي إليه لكن اتفق سفره ومعه زوجته في السفينة، فإنها إذا طلقها فحكمها حكم المرأة إذا سافرت مع زوجها، فهي بالخيار إن شاءت عادت إلى منزلها، واعتدت فيه، وإن شاءت مضت وأقامت مدة السفر ثم عادت إلى منزلها. وإن لم يكن له منزل غير السفينة فحكمها حكم الدار، فإن كانت ذات بيوت ينفرد كل واحد منها بباب وغلق اعتدت المرأة في بيت منها، وإن كانت صغيرة أو كبيرة لكن ليس فيها بيوت، فإن كان معها محرم، فإن الزوج يخرج من السفينة ويترك

[ 262 ]

المرأة فيها حتى تعتد. وإن لم يكن معها محرم فإنها يخرج من السفينة وتعتد في أقرب المواضع إليها مثل الدار لا فرق بينهما إلا في شئ واحد، وهو أن المرأة يمكنها أن تقيم في الدار الصغيرة وحدها، ولا يمكنها أن تقيم في السفينة وحدها، لأن السفينة لا تسير إلا بملاح وعندنا أنه لا فرق بينهما، وقد قلنا ما عندنا في الدار. المعتدة التي تستحق السكنى عليها ملازمة البيت، وليس لها الخروج منها لغير حاجة للآية فإن اضطرت إلى الخروج بأن تخاف الغرق أو الحرق أو الهدم كان لها الخروج، سواء كانت معتدة عن طلاق أو عن وفاة، وإن لم يكن ضرورة لكن حاجة مثل شراء قطن أو بيع غزل فلا يجوز لها الخروج ليلا للآية، أما النهار فيجوز فيه الخروج للمعتدة عن وفاة. وأما المطلقة قال بعضهم لها ذلك، وقال آخرون ليس لها ذلك، والأول أظهر في رواياتنا وروي ذلك عن النبي (صلى الله عليه وآله).

[ 263 ]

فصل في الاحداد الاحداد صفة في العدة وهو أن تتجنب المعتدة كل ما يدعو إلى أن تشتهي وتميل النفس إليها مثل الطيب ولبس المطيب والتزيين بخضاب وغيره، فإذا تجنب ذلك فقد حدت يقال حدت يحد حدادا وأحدت إحدادا. والمعتدات على ثلاثة أضرب: معتدة يلزمها الاحداد، ومعتدة لا حداد عليها، ومعتدة اختلف فيها: فالتي يلزمها الاحداد فالمتوفى عنها زوجها، فعليها أن تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرا بلا خلاف إلا الشعبي والحسن البصري، فإنهما قالا يكفي في بعضها. وأما المعتدة التي لا إحداد عليها فهي الرجعية، لأنها في معنى الزوجة وكذلك المعتدة عن نكاح فاسد وعن وطي شبهة، والأمة المشتراة وأم الولد كل هؤلاء لا إحداد عليهن. وأما التي اختلف فيها فهي البائن عن نكاح صحيح، إما بطلاق ثلاث أو خلع أو فسخ، قال قوم يجب عليها الاحداد، وقال آخرون لا تجب، وهو مذهبنا وفيه خلاف. المعتدة عن نكاح فاسد لا عدة عليها للوفاة، ولا نفقة لها ولا سكنى، ولا إحداد عليها وكذلك أم الولد. قد بينا أن الاحداد هو ترك ما تدعو النفس إليها لأجله، وتمتد الأبصار نحوها فمن ذلك الدهن وهو على ضربين طيب وغير طيب، فالطيب كدهن البنفسج والبان ودهن الورد وغير ذلك، فلا يجوز للمعتدة اتخاذه واستعمال تزيينه في بدنها، ولا في شعرها لأنه طيب، ولأنه يرجل الشعر ويحسنه وما ليس بطيب كالشيرج والزيت والسمن فلا يجوز استعماله في شعرها، لأنه يرجله ويحسنه ويجوز في البدن لأنه ليس فيه زينة ولا طيب، وإذا كانت لها لحية لم يجز لها أن تدهنها. وأما الكحل فعلى ضربين أسود وهو الأثمد الفارسي، وأبيض وهو التوتيا فالأسود لا يجوز لها أن تكتحل به، وهكذا لا يجوز لها أن تخضب حاجبها لأنه زينة، وإن

[ 264 ]

احتاجت إلى الكحل اكتحلت ليلا ومسحته نهارا، فإن استعملت الكحل في غير العين في البدن جاز، وأما الأبيض فلها أن يكتحل به ليلا ونهارا كيف شاءت. وأما الصبر فإن النساء يكتحلن به وهو أصفر صقيل يحسن العين ويطري الأجفان فالمعتدة ينبغي أن يتجنبه لما روت أم سلمة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لها استعمليه ليلا وامسحيه نهارا. فأما الدمام فهو الگلگون فلا يجوز لها استعماله لأنه زينة، وكذلك كل ما يحسن به وجهها من الاسفازاج الأبيض وغيره. وأما استعمال الطيب ولبس المطيب فهي ممنوعة منه، لأنه من الزينة، وكذلك الخضاب، وكذلك لبس الحلي، فأما الأثواب ففيها زينتان إحداهما تحصل بنفس الثوب وهو ستر العورة وساير البدن قال تعالى " خذوا زينتكم عند كل مسجد " (1) والزينة الأخرى تحصل بصبغ الثوب وغيره، فإذا أطلق فالمراد به الثاني، والأول غير ممنوع منه للمعتدة وإن كان فاخرا مرتفعا، مثل المروي المرتفع والسابوري والدبيقي والقصب والصقلي وغير ذلك مما يتخذ من قطن وكتان وصوف ووبر، وأما ما يتخذ من الإبريسم قال قوم ما يتخذ منه من غير صبغ جاز لبسه وما صبغ لم يجز، والأولى تجنبه على كل حال. وأما الزينة التي تحصل بصبغ الثوب فعلى ثلاثة أضرب: ضرب يدخل على الثوب

(1) الأعراف: 31، وصدره " يا بني آدم " فهو خطاب شأنه العموم، بمعنى أنه خاطب المؤمنين بالقرآن العاملين بأحكامه لا بما أنهم مؤمنون بل بما أنهم من بني آدم، لأن ذلك الحكم مما يجب اتباعه لكل بشر، ومعنى الأخذ ليس هو الاستصحاب، بل هو كقوله تعالى " خذوا حذركم " بمعنى أهبتكم للحرب، أي تزينوا بما يستر عنكم سوآتكم فيكون بمعنى اللباس قيل: وإنما قال ذلك لأنهم كانوا يتعرون من ثيابهم للطواف إذا لم يجدوا ثوبا عارية أو جددا، فكان يطوف بعض الرجال بالنهار والنساء بالليل عريانا

[ 265 ]

لنفي الوسخ عنه، كالكحل والسواد فلا تمنع المعتدة من لبسه، لأنه لا زينة فيه، وفي معناه الديباج الأسود، والثاني ما يدخل على الثوب لتزينه كالحمرة والصفرة وغير ذلك، فتمنع المعتدة من ذلك لأنه زينة، وإما الضرب الثالث فهو ما يدخل على الثوب ويكون مترددا بين الزينة وغيرها مثل أن يصبغ أخضر أو أزرق، فإن كانت مشبعة تضرب إلى السواد لم تمنع منها، وإن كانت صافية يضرب إلى الحمرة منع منها والزرقة كالخضرة. الحرة المسلمة الكبيرة عليها الحداد، والأمة إذا كانت زوجة فعليها أيضا الحداد لقوله (صلى الله عليه وآله) لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولم يفرق. وأما الصغيرة إذا توفي عنها زوجها يلزمها العدة والاحداد، والولي يأخذها بذلك وقال بعضهم عليها العدة بلا حداد. وأما الكافرة إذا مات عنها زوجها كان عليها العدة والاحداد معا، سواء كانت تحت مسلم أو كافر، وقال بعضهم إن كانت تحت مسلم فعليها العدة والاحداد، وإن كانت تحت كافر فلا عدة عليها ولا إحداد.

[ 266 ]

فصل في اجتماع العدتين إذا طلق زوجته وشرعت في العدة فلا يجوز أن تتزوج ما لم تنقض عدتها إجماعا فإن نكحت بطل النكاح ولا تنقطع عدتها بنفس النكاح ما لم يدخل بها الثاني، لأن الفراش لا يثبت بالنكاح الفاسد، فلم تنقطع العدة. فإن فرق بينهما قبل الدخول فلا عدة عليها للثاني، ويمضي في عدة الأول ويتمها ثم ينظر، فإن كانا عالمين بتحريم النكاح عزرا، وإن كانا جاهلين لم يعزرا، وإن كان العالم أحدهما عزر وحده دون الآخر. وإذا دخل بها الثاني فإن كانا عالمين فهما زانيان، وإن كانا جاهلين بتحريم النكاح أو بتحريم الوطي، فالوطي وطي شبهة لا يجب به الحد، وثبت به الفراش ويلحق به النسب وتجب به العدة، وتنقطع عدة الأول لأنها صارت فراشا للثاني،. ولا يجوز أن يكون معتدة عن الأول وهي فراش للثاني، ويلزمها أن تأتي بكل واحدة من العدتين على الانفراد، ولا تدخل إحداهما في الأخرى. وإن كان أحدهما عالما والآخر جاهلا، فإن كان الرجل جاهلا والمرأة عالمة فهو وطي شبهة لا حد عليه، والمرأة تصير فراشا له، ويلحقه النسب، وتجب عليها العدة والمرأة زانية وعليها الحد ولا المهر لها، وإن كانت المرأة جاهلة والرجل عالما فهي غير زانية لا حد عليها، ولها المهر، والرجل زان يجب عليه الحد ولا يلحقه النسب، ولا يجب له العدة. والأحكام المتعلقة بالوطي على ثلاثة أضرب: ضرب يعتبر بالواطي إن كان زانيا لم يثبت، وإن لم يكن زانيا ثبت وإن كانت المرأة زانية، وهو لحوق النسب وثبوت الفراش ووجوب العدة. وضرب يعتبر بالموطوءة إن كانت زانية لم يجب، وإن لم تكن زانية وجب وإن

[ 267 ]

كان الرجل زانيا، وهو المهر. وضرب يعتبر حكم كل واحد منهما فيه بنفسه، وهو الحد والغسل. فإذا اجتمع على المرأة عدتان إذا كانا جاهلين أو كان الزوج جاهلا فلا يخلو إما أن تكون حاملا أو حايلا فإن كانت حايلا تعتد بالأقراء أو الشهور، فإنها تكمل عدة الأول ثم تعتد عن الثاني. فإذا لم تكن اعتدت عن الأول بشئ اعتدت منه بثلاثة أقراء أو بثلاثة أشهر ثم تعتد عن الثاني بثلاثة أقراء أو بثلاثة أشهر، وإن كانت اعتدت عنه ببعض العدة، فإنها تتم ذلك ثم تعتد عن الثاني عدة كاملة وإنما قدمت عدة الأول لأنها سابقة. وأما إذا كانت معتدة بالحمل فإنه إن لحق الحمل بالأول دون الثاني اعتدت به عن الأول، فإذا وضعت استأنفت عدة الثاني وإن لحق الحمل بالثاني وانتفى عن الأول اعتدت به عن الثاني، ثم يأتي بعدة الأول أو بقيتها إن كانت أتت ببعضها. وإن أمكن أن يكون الحمل من كل واحدة منهما أقرع بينهما، فمن خرج اسمه الحق به واعتدت به منه، واستأنفت عدة من الآخر على ما بيناه، وقال بعضهم يعرض على القافة فمن ألحقته به الحق به، واعتدت به منه، وإن لم يكن قافة أو كانوا وأشكل الأمر ترك حتى يبلغ فينسب إلى من شاء منهما، وتعتد المرأة بثلاثة أقراء كوامل حتى إن لحق بالأول كانت قد اعتدت عنه به وأتت بعدة الثاني، وإن لحق بالثاني كانت قد اعتدت عنه به، وأتت ببقية عدة الأول بيقين وكل موضع اجتمع عليها عدتان من شخصين فإنهما لا يتداخلان بل تأتي بكل واحدة منهما على الكمال وفيه خلاف. وإذا وجبت العدتان لرجل واحد بأن طلق زوجته طلاق رجعيا ثم وطئها في حال العدة، فعندنا تصير بالوطي راجعا، وعند بعضهم الوطي محرم عليه، فإن كانا عالمين عزرا، وإن كانا جاهلين عذرا، وإن كان أحدهما عالما عزر دون الجاهل، ويلزم المرأة بهذا الوطي عدة لأنه وطي شبهة.

[ 268 ]

ثم لا تخلو أن تكون حاملا وقت الوطي أو حايلا، فإن كانت حايلا نظر، فإن لم يحبلها فقد كانت اعتدت عن الطلاق بعض العدة، وعليها الباقي، ويلزمها عدة ثانية بالوطي، وتدخل إحداهما في الأخرى لأنهما لرجل واحد فتأتي بثلاثة أقراء كوامل تدخل فيها بقية العدة الأولى، وله مراجعتها ما دامت العدة عن الطلاق باقية، فإذا انقضت لم يكن له رجعتها، لأنها في عدة من وطي بشبهة. وأما إن أحبلها فهي في عدة الأقراء عن الطلاق، وقد لزمتها عدة الوطي بالحمل قال قوم يدخل إحدى العدتين في الأخرى، لأنهما من شخص واحد، وقال آخرون لا يتداخلان لأنهما مختلفان إحداهما بالأقراء والأخرى بالحمل. فمن قال يتداخلان قال تعتد بالحمل عنها، ويثبت عليها الرجعة ما لم تضع، لأنها في عدة الطلاق. ومن قال لا يتداخلان قال إن لم تحض على الحمل أو حاضت وقيل إنه ليس بدم حيض، إنها تكون معتدة بالحمل، لأنها في عدة عن الوطي إلى أن تضع فإذا وضعته أكملتها عدة الطلاق وله عليها الرجعة في هذه الحالة، لأنها في عدة طلاق. وهل عليها الرجعة في حال اعتدادها بالحمل؟ فيه وجهان: أحدهما لا رجعة لأنها في عدة من وطي بشبهة، والثاني عليها الرجعة، لأنها لم تكمل عدة الطلاق فعليها الرجعة إلى أن تأتي بكمالها. وأما إذا حاضت على الحمل وقيل إنه حيض صحيح، فإنها إن حاضت ثلاث حيض انقضت عدتها عن الطلاق، وتبقى معتدة بالحمل إلى أن تضع وعليها الرجعة قبل انقضاء عدة الطلاق، ولا رجعة بعد انقضائها، وإن وضعت قبل أن ترى ثلاثة أقراء كأن رأت قرءين ثم وضعت فقد انقضت عدة الوطي، وعليها أن تأتي بقرء تمام عدة الطلاق، وله أن يراجعها في ذلك القرء. هذا إذا كانت حايلا وقت الطلاق، فأما إذا كانت حاملا وشرعت في الاعتداد بالحمل عن الطلاق. فإذا وطئت لزمها الاعتداد بالأقراء، وهل يدخل إحدى العدتين في الأخرى على ما مضى من الوجهين.

[ 269 ]

فمن قال يتداخلان اعتدت بالحمل عنهما، ويثبت عليها الرجعة إلى أن تضع ومن قال لا يتداخلان فعلى هذا هي معتدة بالحمل عن الطلاق. وإن لم تحض على الحمل أو حاضت وقيل إنه ليس بدم حيض اعتدت بوضع الحمل عن الطلاق وعليها الرجعة إلى أن تضع فإذا وضعت استأنفت ثلاثة أقراء عن وطي الشبهة ولا رجعة عليها فيها. وإن حاضت على الحمل وقيل إنه حيض فإن مضت بها ثلاثة أقراء وهي حامل فقد انقضت عدتها عن الوطي ويبقى عليها عدة الطلاق إلى أن تضع وعليها الرجعة: فإن وضعت قبل ثلاثة أقراء فقد انقضت عدتها عن الطلاق وانقطعت الرجعة، وعليها بقية عدة الوطي فتأتي بها لتكمل ثلاثة أقراء ولا رجعة عليها في ذلك وهذا كله يسقط عنا لأنه إذا وطئها حكمنا بالمراجعة والوطي بعد ذلك يكون وطيا في الزوجية وانقطع حكم العدة. إذا خالع زوجته المدخول بها ولزمتها العدة، ثم تزوجها في عدتها فإن العدة تنقطع، وقال بعضهم لا تنقطع ما لم يدخل بها، وهذا باطل لأن المرأة تصير فراشا بنفس العقد، والعدة لا تبقى مع ثبوت الفراش. فإذا ثبت أن العدة تنقطع فإذا طلقها فإن كان بعد الدخول فعليها أن تستأنف ثلاثة أقراء، وإن طلقها قبل الدخول فعليها أن تكمل العدة الأولى، لأنه لا يجوز أن يقال لا عدة عليها، لأنه دخل بها في النكاح الأول ولم تأت عنه بعدة كاملة عن ذلك الوطي، فلا بد من إكمالها، فلا يجوز أن يقال إنها تستأنف عدة كاملة، لأن الطلاق الثاني وجد قبل الدخول وقال بعضهم لا عدة عليها وهو قوي وقد حكيناه. إذا طلقت الأمة وشرعت في العدة فباعها سيدها وهي معتدة فالبيع صحيح، ثم ينظر في المشتري، فإن لم يكن علم فله الخيار، لأنه نقص ويفوت الاستمتاع مدة العدة، فإن فسخ البيع استرجع الثمن ورد الجارية، وإن لم يفسخ فالحكم في هذا وفيه إذا كان قد علم بالعدة واحد، فيلزم البيع ولا يحل له وطي الأمة حتى تنقضي

[ 270 ]

عدتها، فإذا انقضت لم يحل حتى يستبرئها، ولا يدخل الاستبراء في العدة لأنهما حقان مقصودان لآدميين. إذا وجد امرأة على فراشه فظنها أمته فوطئها ثم بان أنها امرأة حرة أجنبية فهذا وطي شبهة لا حد فيه، ويجب مهر المثل ويلحق النسب، ويكون الولد حرا تبعا لأمه وعلى الموطوءة أن تعتد عدة حرة. فإن كانت المسألة بعكسها فوجد على فراشه امرأة ظنها زوجته، ثم بان أنها أمة لغيره فالحد لا يجب، ويجب مهر المثل، ويلحق النسب، لأنه وطي شبهة، وينعقد الولد حرا لاعتقاده حريته، وعليه قيمته لسيد الأمة، ويعتبر القيمة بحال الوضع، لأنها حالة الاتلاف، ويلزمها عدة أمة لأنها أمة حال وجوب العدة وهو الأقوى عندي، وقال بعضهم يلزمها عدة حرة. إذا نكحت المعتدة ووطئها الناكح وهما جاهلان بتحريم الوطي أو كان الواطي جاهلا والمرأة عالمة فلا حد على الواطي، ويلحقه النسب ويلزم المرأة العدة ولا تدخل في عدة الأول، وتحرم هذه الموطوءة على الواطي على التأبيد، وبه قال جماعة، وقال قوم تحل له بعد انقضاء العدة. وهكذا حكم كل وطي بشبهة يتعلق به فساد النسب كالرجل يطأ زوجة غيره بشبهة أو أمته فأما الوطي الذي لا يتعلق به فساد النسب كالرجل يطأ امرأة لا زوج لها بشبهة أو بنكاح فاسد فإنه لا تحرم الموطوءة عليه بلا خلاف. إذا طلق زوجته فقضت بعض العدة ثم نكحت سواء حاضت حيضة أو حيضتين الحكم واحد، فإذا تزوجت ودخل بها الزوج، وهما جاهلان بالتحريم، أو الزوج جاهل بذلك، فإنها تصير فراشا له بهذا الوطي، وهي فراش الأول بالنكاح، فالكلام في لحوق النسب وفي الرجعة إن كان الطلاق رجعيا وفي العدة وفيه أربع مسايل: إحداها أن تأتي بولد لأقل من أكثر مدة الحمل من وقت طلاق الأول ودون ستة أشهر من وقت وطي الثاني فيلحق بالأول، لأنه يمكن أن يكون منه وينتفى عن الثاني لأنه لا يمكن أن يكون منه، وتعتد به عن الأول، لأنه لاحق به، فإذا

[ 271 ]

وضعته انقضت عدة الأول ويأتي بثلاثة أقراء مستأنفة عن الثاني ويكون للأول عليها الرجعة ما دامت حاملا فإذا وضعت انقطعت الرجعة. الثانية أن تأتي بالولد لأكثر من أقصى مدة الحمل من وقت طلاق الأول وأكثر من ستة أشهر من وقت وطي الثاني. فإن كان الطلاق باينا فالنسب ينتفي عن الأول، لأنه لا يمكن أن يكون منه ويلحق بالثاني لإمكان أن يكون منه، وتعتد عن الثاني لأنه لاحق به، فإذا وضعت أكملت عدة الأول فتأتي بثلاثة أقراء ويحكم بانقضاء العدة منهما. وإن كان الطلاق رجعيا قال قوم الرجعية إذا أتت بولد لأكثر من أقصى مدة الحمل من وقت الطلاق لا يلحق به وقال آخرون يلحق به: فمن قال يلحق به وهو مذهبنا فههنا يمكن أن يكون من الأول ويمكن أن يكون من الثاني، فالحكم فيه كالمسألة الرابعة، ومن قال لا يلحق في الرجعية فإنه ينتفي عن الأول ويلحق بالثاني، وتعتد عنه به، لأنه لاحق به فإذا وضعت أكملت عدة الأول وللزوج المطلق عليها الرجعة بعد الوضع، لأنها في عدة عن طلاقه. وهل يثبت له عليها رجعة في حال حملها على وجهين: أحدهما لا يثبت لأنها قد صارت محرمة عليه، والثاني أنه يثبت له عليها الرجعة وهو مذهبنا، لأن الرجعة ثبتت بالطلاق فلم ينقطع حتى تنقضي العدة، وهذه ما لم تضع الحمل وتكمل عدة الأول فعندنا لم تنقض، فتثبت الرجعة عليها وله الرجعة ما دامت حاملا وبعد أن تضع مدة النفاس وإلى أن تنقضي عدتها بالأقراء وإذا قلنا لا رجعة له عليها في حال الحمل ما دامت حاملا لا رجعة، فإذا وضعت ثبت له عليها الرجعة وإن كانت في مدة النفاس لم تشرع في عدتها منه، لأن عدة الأول قد انقضت فثبت له الرجعة، وإن لم تكن معتدة عنه في تلك الحالة كحالة الحيض في العدة وأما النفقة فإنها ما دامت حاملا فهي معتدة عن الثاني وعليه نفقتها، وقال قوم لا يجب بناء على أن النفقة يجب للحمل أو الحامل فمن قال يجب للحمل استحقت فإنه لاحق به، ومن قال إنها تجب للحامل بسببه لم يستحق لأنها ليست معتدة عن نكاح له حرمة، والأقوى أن لها النفقة.

[ 272 ]

وإذا وضعت ومضت مدة النفاس وشرعت في الأقراء استحقت النفقة لأنها معتدة رجعية وأما بعد الوضع في مدة النفاس قبل الشروع في الأقراء قال قوم تستحق لأن عدتها عن الثاني قد انقضت وشرعت في الاعتداد عن الأول، وإن لم يكن الزمان محسوبا عن العدة. وقال بعضهم لا تستحق لأن النفقة إنما تستحق إذا كانت في زوجية أو في عدة وجبت بسبب طلاقه، ومدة النفاس إنما هي بسبب عدة الثاني، وهذا الحمل اعتدت به عنه، فلم تستحق النفقة في تلك الحال. المسألة الثالثة وهي أن تأتي بولد لأكثر من أقصى مدة الحمل من وقت طلاق الأول، ولأقل من ستة أشهر من وقت وطي الثاني. فإن كان الطلاق باينا انتفى النسب عنهما معا لأنه لا يمكن أن يكون منهما أو من أحدهما، وقال بعضهم لا تعتد به عن أحدهما لأنه غير لاحق وهو الأقوى عندنا وقال بعضهم تعتد به عن أحدهما لا بعينه، لأنه يمكن أن يكون منه بدلالة أنه لو أقر به لحقه. فمن قال بالأول قال تصبر حتى تضع ثم تكمل عدة الأول، وتعتد عن الثاني بثلاثة أقراء، ومن قال بالثاني قال إذا وضعت اعتدت بثلاثة أقراء استظهارا. وأما إذا كان الطلاق رجعيا فمن قال إن النسب لا يلحق في حق الرجعية، قال حكمه حكم الطلاق الباين على ما مضى، ومن قال يلحقه قال يلحق بالأول، وينتفى عن الثاني، ويعتد به عن الأول، فإذا وضعته اعتدت عن الثاني بثلاثة أقراء، ويثبت للأول عليها الرجعة إلى أن تضع فإذا وضعت انقطعت الرجعة. المسألة الرابعة وهي أن تأتي بالولد لدون أقصى مدة الحمل من وقت طلاق الأول ولستة أشهر فصاعدا من وقت وطي الثاني فإنه يمكن أن يكون من كل واحد منهما، والحكم فيه وفي الفصل الذي أوقفنا حكمه واحد. والكلام في ثلاثة أحكام: في النسب، وفي العدة، والرجعة، فأما النسب فإن

[ 273 ]

الولد يستخرج بالقرعة عندنا، ويلحق بمن يخرج اسمه وينتفى عن الآخر، وأما العدة فإن خرج اسم الأول اعتدت عنه بوضعه، ثم تعتد عن الثاني بثلاثة أقراء، وإن خرج اسم الثاني اعتدت عنه بوضعه، ثم تكمل عدة الأول بما بقي من الأقراء ومن قال يترك الولد حتى يبلغ فينتسب إلى من شاء قال: تعتد بعد الوضع بثلاثة أقراء استظهارا. وأما الرجعة فلا يخلو أن يراجعها قبل الوضع أو بعده، فإن راجعها قبله، فهو مبني على الوجهين في الحمل: إذا لحق بالثاني وأتت ببقية عدة الأول بعد الوضع هل له عليها الرجعة في حال الحمل؟ فمن قال له الرجعة على ما قلناه، صحت رجعته لأن الحمل إن كان من الأول فرجعته صادفت عدة الطلاق، وإن كان من الثاني فرجعته تصح أيضا على هذا الوجه. ومن قال الرجعة لا تصح فإنه يمنع من الرجعة لأن حاله متردد بين أن تكون له الرجعة أو لا تكون، فلم يثبت له مع الشك. فإن راجع نظر فإن بان أن الحمل من الثاني لم تصح الرجعة، لأنها قبل وقتها، وإن بان أنه من الأول، فهل تصح الرجعة؟ على الوجهين: أحدهما يصح لأنه راجع في وقت كان له الرجعة فيه والثاني لا يصح لأنه حال ما راجع كان ممنوعا من الرجعة. وأما إذا راجع بعد الوضع فإنه إن راجع في القرء الثالث لم يصح له الرجعة بلا خلاف، لأن هذا القرء إما أن يكون عدة عن الثاني أو لا يكون عدة أصلا، وإن راجع في القرءين الأولين، فإنه يمنع من ذلك لأجل الشك فيها. فإن فعل ذلك ثم بان أنها كانت في العدة عن الثاني لم يصح بلا خلاف، وإن بان أنها كانت في عدة عن الأول فعلى وجهين، فأما حكم الثاني فليس له الرجعة، لكن حكم نكاحه فعلى ما قلناه يحرم عليه على التأبيد. ومن قال لا يحرم قال ما دامت حاملا لا يجوز له التزويج بها، لأنها إما أن تكون في عدة من الأول أو عليها بقية من عدته، فإذا وضعت فإن أراد نكاحها وهي في القرءين الأولين لم يكن له، لأنه يحتمل أن يكون في عدة من غيره فلا تحل له،

[ 274 ]

فلم يجز النكاح مع الشك، وإن أراد نكاحها في القرء الثالث كان له، لأن هذا القرء إما أن تكون عدة عنه أو لا تكن عدة لأحد، فجاز له التزويج فيه. وأما إذا مات الولد قبل أن يقرع عليه، فإنه يسقط حكمه، ومن قال يعرض على القافة منهم من قال يعرض، ومنهم من قال لا يعرض. إذا أوصى للحمل الذي ذكرناه قبل أن يتبين حاله، ويلحق بأحد الأبوين بشئ فالوصية تصح ويملكها بأحد أمرين إما أن يقبلها الواطيان معا لأن أحدهما أبوه أو يبلغ هو فيقبلها. فإذا حصل ملك الوصية له، ثم مات نظر، فإن لم يخلف غير الواطيين فإن ما أوصى له به يوقف عليه حتى يصطلحا عليه حسب ما يتراضيان إما نصفين أو ثلثا و ثلثين أو غير ذلك. فإن خلف غيرهما فإن خلف أما فالأم قد يكون لها الثلث متيقنا وهو إذا لم يكن غير الأبوين فيدفع إليها ذلك، ويوقف الباقي لهما، وقد ترث السدس بيقين وهو إذا كان هناك من يحجبها فيدفع ذلك إليها، ويوقف الباقي حتى يصطلحا. وقد يكون لها ثلث مشكوك فيه فهو إذا كان لأحد الواطيين ولدان، فما الذي يدفع إلى الأم؟ قال قوم يدفع إليها الثلث لأنه يشك في حجبها لجواز أن يكون أبو الوالدين غير أب الميت، وقال آخرون يدفع إليها السدس لأن هذا القدر متحقق استحقاقها له، وهذا الوجه أقوى عندي. إذا أوصى رجل لهذا الحمل بشئ، ونسبه فقال أوصيت لهذا الحمل الذي هو ولد فلان يعني أحد الواطيين، فإن لحق بالذي نسب إليه صحت الوصية له، وإن لحق بالآخر بطلت، وإن لحق بالذي نسبه إليه ثم نفى نسبه باللعان صحت الوصية له، لأنه تحقق نسبه وملك الوصية فانتفاء النسب بعد ذلك إنما يؤثر في إسقاط حق الملاعن دون غيره، ألا ترى أن حضانتها إنما تسقط في حقه دون حق غيره. إذا تزوج الرجل امرأة تزويجا صحيحا فإنها لا تستحق النفقة بعقد النكاح ما لم تسلم نفسها فإذا سلمت وجبت فإذا طلقها طلاقا رجعيا استحقت النفقة يوما فيوما

[ 275 ]

حايلا كانت أو حاملا، فإن طلقها باينا فإن كانت حائلا فلا نفقة لها، وإن كانت حاملا فلها النفقة. وهل النفقة لها بسبب الحمل أو للحمل؟ على ما مضى من القولين، وعلى القولين هل يدفع إليها النفقة يوما فيوما أو لا يدفع إليها شئ حتى تضع؟ على قولين: عندنا يدفع إليها يوما فيوما. وأما النكاح الفاسد فإن النفقة لا تستحق فيه لا بالعقد ولا بالدخول، لأنه لا تستحق على الزوجة فيه التمكين فإذا فرق بينهما فإن كانت حايلا فلا نفقة لها، و إن كانت حاملا فمن قال إن النفقة للحمل لزم الواطي النفقة، لأن الحمل لاحق به، وهو الأقوى عندي، ومن قال يجب لها بسبب الحمل قال: لا يلزم الواطي النفقة لأنها حامل عن نكاح لا حرمة له، فمن قال تستحق النفقة فهل يدفع إليها يوما فيوما أو لا يدفع إليها حتى تضع؟ على ما مضى من القولين. فإذا ثبت هذا واجتمع نكاح صحيح ونكاح فاسد، بأن يطلقها الرجل ويتزوج في العدة، وظهر حمل، فنكاح الأول صحيح ونكاح الثاني فاسد، والحمل يمكن أن يكون من كل واحد منهما. فإذا طلقها الأول لم يخل إما أن يطلق طلاقا رجعيا أو باينا، فإن طلق طلاقا رجعيا فهو مبني على القولين في أن الحامل عن نكاح فاسد هل يستحق النفقة أم لا فمن قال تستحق فما دامت حاملا لا تستحق شيئا، لأنه يحتمل أن يكون من الأول فتستحق النفقة، ويحتمل أن يكون من الثاني فلا تستحق، فلم يدفع إليها شئ بالشك. فإذا وضعت فإن كان للولد مال أنفق عليه منه، وإن لم يكن أنفق الزوج والواطي عليه بالسوية لأنه يمكن أن يكون من كل واحد منهما، وليس أحدهما أولى من صاحبه، وينفقان عليه إلى أن يستخرج بالقرعة عندنا، أو يعرض على القافة، أو يبلغ فينتسب عندهم، وللمرأة أن تطالب الزوج المطلق بنفقة أقصر المدتين من مدة الحمل أو مدة القرءين لأنها تتحقق استحقاقها لذلك.

[ 276 ]

فإذا أخذت ذلك منه ثم انكشف الأمر نظر، فإن بان أنها أخذت دون ما استحقه رجعت بالفضل، وإن بان أنها أخذت وفق ما استحقته فلا شئ لها. وأما إذا قيل إن النفقة تجب للحمل فإنها تستحق النفقة مدة الحمل عليهما نصفين، لأنه من أيهما كان فإنها تستحق عليه النفقة مدة اعتدادها به، فإذا وضعت نظر فإن كان للولد مال أنفق عليه منه، وإن لم يكن له مال وجبت نفقته عليهما نصفين كالقسم قبله. ولا تستحق المرأة على هذا القول الرجوع بنفقة أقصر المدتين لأنها قد أخذت النفقة لمدة الحمل، فلم تستحق المطالبة بشئ آخر. فهذا الحكم إن كان الطلاق رجعيا فأما إذا كان باينا فمبني على القولين في أن الباين الحامل إذا استحقت النفقة هل يدفع إليها يوما فيوما، أو لا يدفع إليها حتى تضع. فمن قال يدفع يوما فيوما فحكمها على ما ذكرنا إذا كان الطلاق رجعيا إلا في شئ واحد، وهو أن هناك إذا وضعت تستحق أن ترجع بنفقة أقل المدتين من الحمل أو القرءين وهيهنا لا يرجع لأن هناك الطلاق رجعي تستحق فيه النفقة، وهيهنا الطلاق بائن لا تستحق فيه النفقة إذا كانت حايلا ومن قال الحامل لا يدفع إليها النفقة حتى تضع فإذا وضعت الحمل إما أن ينكشف الأمر أو لا ينكشف فإن انكشف ولحق الأول رجعت عليه بنفقة مدة الحمل، لأنه منه، وعليه نفقة الولد أيضا، وإن لحق بالثاني فهل ترجع عليه بنفقة مدة الحمل يبني على القولين في أن النفقة للحمل أو للحامل فمن قال للحامل فلم ترجع ومن قال للحمل رجعت، وأما إذا لم ينكشف الأمر في باب الولد، فمن قال إن النفقة للحامل قال لا يرجع عليها بشئ لأنه يشك في استحقاقها، ومن قال يجب للحمل قال إنها ترجع بالنفقة عليهما نصفين لأن النفقة واجبة بكل حال، والشك في عين من تجب عليه. وأما نفقة الولد فإنه إن كان له مال أنفق عليه منه، وإن لم يكن له مال أنفقا

[ 277 ]

عليه حتى يتبين أمره، ويلحق بأحدهما، فإذا تعين نسبه من أحدهما فإن الذي تعين نسبه منه لا يرجع شئ. وأما الآخر فإن أنفق بغير إذن الحاكم مع قدرته على استيذانه لم يرجع، و إن أنفق بإذنه فإنه إن كان يقول هو ولدي، وأخطأت القرعة أو غلط القافة، عندهم لم يرجع، وإن قال ليس بابني رجع. إذا طلق زوجته طلاقا رجعيا فاعتدت بعض العدة، ثم توفي عنها زوجها فإنها تنتقل إلى عدة الوفاة بلا خلاف لأنها في معنى الزوجات. إذا طلق زوجته طلاقا رجعيا فشرعت في العدة، ثم راجعها قبل انقضاء العدة فإن الرجعة تقطع العدة، لأنها صارت فراشا وثبوت الفراش يقطع العدة، فإن طلقها بعد الدخول لزمها استيناف العدة بلا خلاف، وإن طلقها قبل الدخول استأنف أيضا العدة عندنا، وقال قوم تبني

[ 278 ]

فصل * (في امرأة المفقود وعدتها) * الغيبة غيبتان غيبة منقطعة، وغيبة غير منقطعة: فالتي ليست بمنقطعة أن يخرج إلى بلد يعلم أنه مقيم فيه وأنه حي فالحكم في هذه أن الزوجية باقية بينهما، لا يجوز لها أن تتزوج، ولا تقع الفرقة بحال، بل يكونان على الزوجية أبدا حتى يأتيها يقين وفاته بلا خلاف. وأما الغيبة المنقطعة فهو أن يفقد وينقطع خبره، فلا يعلم أحي هو أم ميت؟ فلا خلاف أن ملكه لا يزول عن ماله. وأما الزوجة فعندنا ما دامت ساكنة فالأمر إليها، فإن رفعت أمرها إلى السلطان أجلها من يوم رفعت أربع سنين، ويبعث هو في الآفاق يبحث عن أخباره. فإن عرف له خبر فعليها الصبر أبدا، وإن لم يعرف له خبر، ومضت أربع سنين فإن كان للغايب ولي ينفق عليها فعليها أن تصبر أبدا، وإن لم يكن له ولي فرق بينهما الحاكم واعتدت بعدة الوفاة فإن جاء الغائب في زمان العدة فهو أملك بها، وإن خرجت من العدة فقد ملكت نفسها ولا سبيل للأول إن جاء عليها. وقال بعضهم تصبر أربع سنين، ثم ترفع أمرها إلى الحاكم حتى يفرق بينهما ثم تعتد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا، وقد حلت للأزواج، وقال آخرون هي على الزوجية أبدا لا تحل للأزواج إلى أن يتيقن وفاته، وفيه خلاف. فمن قال: لا يجوز للحاكم أن يحكم بالفرقة، قال: عليها أن تنتظر أبدا حتى يأتي الزوج، فإن حكم بالفرقة لم ينفذ حكمه لأنه حكم بما لا يسوغ فيه الاجتهاد، ومن قال يجوز له أن يحكم بالفرقة، قال قوم ينفذ حكمه في الظاهر والباطن وهو مذهبنا وقال آخرون ينفذ في الظاهر دون الباطن.

[ 279 ]

فمن قال لا تقع الفرقة قال إذا آلى أو تظاهر منها فقد صادفتها هذه الأحكام وهي زوجة فينفذ الطلاق، وصح الايلاء والظهار، وإن قذفها وجب عليه الحد إلا أن يسقط بالبينة أو اللعان. ومن قال: وقعت الفرقة ظاهرا وباطنا أو في الظاهر، فعلى هذا صادفت هذه الأحكام أجنبية لا يصح طلاقه، ولا إيلاؤه ولا ظهاره، وإن قذف وجب عليه الحد أو تقيم بينة والذي نقوله إن هذه الأحكام إن صادفت وهي في العدة وقعت موقعها، و صحت، لأنها بعد بحكم الزوجية بدلالة أنه لو جاء لكان أملك بها وإن صادفت بعد انقضاء العدة فقد صادفت أجنبية ويتعلق بها أحكام الأجنبيات على ما بيناه. فإذا خرجت من العدة ثم عاد الزوج لم يكن عليها سبيل عندنا، ومن قال الفرقة لم تقع قال هي زوجة ترد إليه بكل حال، ومن قال تقع الفرقة في الظاهر دون الباطن قال مثل ذلك، ومن قال تقع في الظاهر والباطن قال مثل ما قلناه من زوال الزوجية وتكون زوجة الثاني إن كانت تزوجت ولا ترد إلى الأول. ومنهم من قال إن كانت تزوجت لم ترد وإن لم يكن تزوجت ردت وهو الأقوى عندي. إذا حكم الحاكم بالفرقة وانقضت العدة وتزوجت ثم تبينا أن زوجها كان قد مات قبل الزوجية كان التزويج صحيحا عندنا وعند من قال وقعت الفرقة سواء قال وقعت ظاهرا وباطنا أو ظاهرا دون الباطن، ومن قال الفرقة لم تقع اختلفوا فقال بعضهم التزويج باطل لأنه حال ما عقده ما كان له عقده، وقال آخرون صحيح لأنا تبينا أنه صادف حالة إباحة في الباطن، ومثله إذا باع مالا لمورثه ثم بان أنه كان في ملكه. فأما الكلام في نفقتها على الأول ثم الثاني، أما الأول فإنه ينظر في المرأة فإن لم تختر الفرقة واختارت المقام معه على الزوجية، فإنها تستحق النفقة أبدا لأنها تستحق النفقة عليه بتسليمها نفسها ونفقة الزوجية إذا وجبت لم تسقط إلا بنشوز أو طلاق.

[ 280 ]

وإن رفعت الأمر إلى الحاكم، وأمرها بالتربص فلها النفقة مدة التربص لأنها محبوسة عليه في هذه الحال، فإذا حكم بالفرقة سقط نفقتها عندنا، وعند من قال وقعت الفرقة سواء كانت حاملا أو حائلا لأنها معتدة عن وفاة، على أن كونها حاملا لا يتقدر على مذهبنا مع تربص أربع سنين. ومن قال لا تقع الفرقة أصلا إنها تستحق النفقة ما لم تتزوج، فإذا تزوجت سقطت لأنها صارت في حكم الناشز فإن فارقها الثاني فما دامت في عدة منه لا نفقة لها لأنها مستديمة لحكم النشوز، فإذا مضت عدتها ثم قالت أختار العود إلى الزوجية قال قوم تستحق النفقة، وقال آخرون لا تستحق، وهذا يسقط عنا لما قدمناه. فأما حكم وجوبها على الثاني، فإن عندنا يلزمه النفقة لأن العقد صحيح ولا يسقط إلا بالبينونة، ومن قال نكاحه فاسد قال لا يلزمه النفقة بنفس العقد، ولا بالدخول، لأنه ما ملك الاستمتاع على الزوجية. فإذا فارقها فإن كانت حايلا فلا نفقة لها، وإن كانت حاملا فمن قال النفقة يجب للحمل قال لزمته لأن الحمل لاحق به، ومن قال تجب للحامل بسبب الحمل قال لا يلزمه لأن النكاح فاسد. إذا تزوجت هذه المرأة بعد خروجها من العدة ثم جاء الزوج الأول لم يكن له عليها طريق، ولا بينه وبينها علقة، ولا ترد إليه، ومن قال لم تقع الفرقة، قال ترد إلى الأول، فإن لم يكن دخل بها الثاني حلت له في الحال، وإن كان دخل بها فإن لم تحمل اعتدت بالأقراء، ولا تحل للأول حتى تنقضي عدتها، وإن كانت حملت، فالولد يلحق بالثاني بحكم الظاهر، وتعتد به عن الثاني، فإذا وضعت انقضت عدتها لكن لا تحل للأول حتى ينقضي نفاسها. وأما الحكم في رضاع الولد: فإنها إذا أرضعت لم يكن لزوجها منعها من أن ترضعه اللبا لأن قوامه به، فإذا أرضعته اللبا فإن لم يوجد مرضعة غيرها، لم يكن له منعها من إرضاعه، وإن وجد غيرها كان له منعها من ذلك، لأن حق الزوج واجب، وهذا تطوع.

[ 281 ]

ومتى كانت ترضع الولد إما اللبا وإما اللبن، فإن أرضعت في منزل الزوج استحقت عليه النفقة لأنها مسلمة نفسها إليه، وممكنه من الاستمتاع، وإن أرضعته خارج المنزل بغير إذن الزوج لم تستحق النفقة، لأنها ناشز بذلك وإن أرضعته خارج المنزل بإذنه فعلى وجهين، وهذا أيضا يسقط عنا لما بيناه من أنها زوجة للثاني، ونفقتها عليه دون الأول، على كل حال. ومتى أتت هذه المرأة بولد بعد خروجها من العدة والتزويج بالآخر، ثم جاء الزوج الأول، فالولد يلحق بالثاني، إذا كان لأكثر من ستة أشهر من وقت عقده عليها بحكم الظاهر، فإن لم يدعه الأول فهو لاحق بالثاني. وإن ادعاه قيل له من أي وجه تدعيه، فإن قال: لأجل الزوجية التي كانت بيني وبين أمه لم يلتفت إلى هذه الدعوى، والحق بالثاني، وإن قال لأنني دخلت سرا ووطئتها، فعندنا الولد يستخرج بالقرعة، فمن خرج اسمه الحق به، وعند قوم يعرض على القافة، فإن لم يكونوا أو كانوا وأشكل، ترك حتى يبلغ فينتسب، وحكي عن بعضهم أنه قال يلحق بالأول لأنها فراشه وهو العقد. إذا قدم الزوج الأول، وقد ماتت فعلى مذهبنا الميراث للثاني، ولا شئ للأول ومن خالف قال هي زوجة للأول، ويرث مالها وجميع حقوقها، وقال بعضهم لا حق له في مهرها، وقال آخرون له الميراث من مهرها أيضا. وأما إذا مات الزوج الأول أو الثاني فعلى مذهبنا هي زوجة للثاني، تعتد منه عدة الوفاة، وترثه ولا شئ عليها من الأول، ولا ترثه بحال ومن خالف قال هي زوجة للأول وإن عليها عدة الوفاة، دون الثاني، لكنها لا تشرع في العدة من الأول إذا كان الثاني باقيا ما دامت فراشا للثاني، فإذا فرق بينهما شرعت في العدة، فتعتد عن الأول عدة الوفاة، ثم تعتد عن الثاني ثلاثة أقراء، وإن مات الثاني وبقي الأول، فقد وجب عليها عدة وطي الشبهة، ثلاثة أقراء، ويشرع فيها، وإن كانت الزوجة للأول.

[ 282 ]

وإن ماتا معا فلا يخلو إما أن تكون حملت من الثاني أو لم تحمل، فإن لم تكن حملت من الثاني ففيه ثلاث مسائل: إحداها أن يعلم وقت موت كل واحد منهما بعينه، ينظر في ذلك، فإن مات الزوج أولا، ثم الواطي بشبهة، فإن الزوج لما مات لزمها عدة الوفاة، لكنها لا تشرع في ذلك إلى أن يموت الثاني، ويزول فراشه، فإذا مات فقد اجتمع عليها عدتان: عدة للأول عن وفاته، وعدة للثاني عن الوطي بشبهة، فعليها أن تأتي بالعدتين معا، لا تدخل إحداهما في الأخرى، ويبتدء بعدة الأول، فإذا أكملتها اعتدت عن الثاني. وأما إذا مات الثاني ثم مات الزوج، فقد وجب عليها بموت الثاني عدة الوطي ثلاثة أقراء وتشرع فيها، وإن كانت زوجة للأول، فإذا مات الأول قطعت عدة الثاني وانتقلت إلى عدة الأول لأن عدة الأول أقوى، لأنها وجبت عن سبب مباح، وهذا عن سبب محظور فإذا أتت بعدة الأول عادت إلى عدة الثاني فأكملت ثلاثة أقراء. المسألة الثانية إذا علم موت أحدهما بعينه، وجهل وقت موت الآخر، فالحكم فيه أن يقدر أن أحدهما مات في أول شوال وجاء الخبر بموت الآخر من البصرة ولم يعرف وقت موته فالحكم فيه أن يقدر أقل وقت يمكن أن يجئ الخبر في مثله من البصرة إلى هذا البلد، فإذا قيل مثلا عشرة أيام، يجعل كأنه مات منذ عشرة أيام، ويقابل بين وقت وبين موت وقت الآخر، فينظر أيهما تقدم موته وأيهما تأخر فيبنى الأمر عليه، ويكون الحكم على ما ذكرناه في المسألة قبلها. المسألة الثالثة وهو إذا لم يعلم موت أحدهما بعينه، كأن علم أن أحدهما مات في أول رمضان، والآخر في أول شوال، لكن لا يعلم أيهما مات في رمضان، وأيهما مات في شوال، فتنزيل حالهما أنه إن كان الزوج الأول مات في أول رمضان فقد وجبت عليها عدة الوفاة، ولا يحتسب بتلك العدة إلى أن يموت الثاني في أول شوال، فتعتد بعدة الوفاة، وتأتي بعدها ثلاثة أقراء، وإن كان الثاني مات في أول رمضان، فقد

[ 283 ]

شرعت في الاعتداد عنه بالأقراء، فإذا مات الأول في أول شوال، انتقلت إلى عدة الوفاة، ثم يعود بعد إتمامها فيتم باقي عدة الأول. فإذا كان هذه تنزيل حالها، فإنها تأخذ بالاحتياط، ويحكم بأن الأول مات في أول رمضان فلا تشرع في الاعتداد عنه إلى أول شوال، ثم تأتي بعد ذلك بأربعة أشهر وعشر، ثم تعتد بثلاثة أقراء بعد ذلك. فهذا الحكم فيه إذا لم يكن الثاني أحبلها، وأما إذا كان أحبلها ثم ظهر موت الأول، فإن الولد يلحق بالثاني، وتعتد عنه بوضعه، فإذا وضعت اعتدت عن الأول عدة الوفاة. وإن كانت نفساء فإن النفاس لا يمنع عدة الوفاة، فإن فرق بينها وبين الثاني فاعتدت عنه بوضع الحمل، ثم اعتدت عن الأول عدة الوفاة، فعاد الثاني فوطئها بشبهة وأحبلها، فإن الحمل يلحقه وينقطع مدة الوفاة، وتعتد عن الثاني بوضع الحمل فإذا وضعته أكملت عدة الأول أربعة أشهر وعشرا.

[ 284 ]

فصل في عدة الإماء واستبرائهن لا خلاف أن الأمة المشتراة والمسبية تستبرء كل واحدة منهما بقرء، وقال قوم وكذلك المدبرة إذا مات سيدها، فإنها تعتق وتستبرء بقرء، وكذلك أم الولد إذا توفي عنها سيدها أو أعتقها في حياته، وقال آخرون المدبرة لا عدة عليها بموت سيدها ولا استبراء، فأما أم الولد فإنها تعتد بثلاثة أقراء سواء مات عنها سيدها أو أعتقها في حياته، ولا يجب عليها عدة الوفاة. والذي رواه أصحابنا أنه إذا أعتقها في حال حياته اعتدت ثلاثة أقراء، وإن مات عنها اعتدت عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا. ومن قال إنها تعتد بقرء واحد: قال قوم منهم هو طهر، وقال آخرون هو حيض: فمن قال هو طهر وهو مذهبنا فلا تخلو إما أن تكون طاهرا عند وجوب الاستبراء عليها، أو حائضا، فإن كانت طاهرا فإنها تعتد ببقية هذا الطهر، فإذا طعنت في الحيض لم يحل حتى يحيض الحيضة بكمالها، وإن كانت حائضا عند وجوب الاستبراء فإنها لا تعتد ببقية هذا الحيض، وتعتد بالطهر الذي يليه، فإذا طعنت في الحيض حلت. ومن قال القرء حيضة، فلا تخلو أن تكون حائضا عند وجوب الاستبراء أو طاهرا فإن كانت طاهرا فإنها لا تعتد بهذا الطهر، فإذا حاضت دخلت في القرء فإذا انقضى الحيض وطعنت في الطهر حصل لها قرء، وحلت، وإن كانت حائضا فإنها لا تعتد ببقية هذا الحيض، فإذا طهرت لم تعتد بهذا الطهر أيضا لأن الطهر على هذا القول ليس بقرء، فإذا حاضت دخلت في القرء، فإذا طعنت في الطهر حلت. هذا إذا كانت من ذوات الأقراء فأما إذا كانت من ذوات الشهور، فإنها تعتد

[ 285 ]

بشهر واحد، وقال بعضهم بثلاثة أشهر، وأما إذا كانت حاملا فإنها تعتد بوضع الحمل كالحرة سواء، وإن ارتابت أم الولد، ففيه ثلاث مسائل مثل ما ذكرناه في الحرة المطلقة، سواء أم الولد إذا زوجها سيدها فإنها يحرم على السيد وطيها، فإن مات السيد وهي زوجة لم يلزمها الاستبراء عنه، فإن لم يمت السيد أولا لكن مات الزوج فعليها عدة الوفاة، مثل عدة الحرة سواء أربعة أشهر وعشرا عندنا وقد روي شهران وخمسة أيام، وبه قال المخالف. فإن مات السيد قبل انقضاء عدتها لم يلزمها الاستبراء عنه، لكنها صارت حرة عندهم يلزمها أن تتم عدة الحرة، وقال بعضهم بل تتم عدة الأمة، وإن انقضت عدتها عن الزوج قبل موت السيد عادت إلى سيدها وليس عليه استبراؤها وقال بعضهم لا تحل حتى يستبرئها والأول هو الصحيح عندنا. فإن مات السيد بعد انقضاء عدتها عن الزوج عتقت عندهم بموته، فمن قال إنه كان يحل له وطؤها من غير استبراء، قال يلزمها الاستبراء عنه، وهو الذي نقوله، ومن قال لا يعود حتى يستبرئها، فإذا مات قبل استبرائها لم يلزمها أن تستبرئ عنه. إذا مات السيد والزوج ولم يعلم أيهما مات أولا، فعلى مذهبنا ينبغي أن تعتد أربعة أشهر وعشرا، لأنه إن كان السيد مات أولا فليس عليها منه عدة لأنها تحت زوج، فإذا مات الزوج بعد ذلك لزمها أن تعتد منه عدة الحرة للوفاة على ما بيناه، وإن كان الزوج مات أولا لزمها منه عدة الوفاة، فإذا خرجت فليس عليها استبراء من السيد على ما بيناه، فلا يلزمها أكثر من ذلك. هذا إذا كان بين موتهما أقل من أربعة أشهر وعشر، فأما إن كان بين موتهما أكثر من ذلك، كان عندنا مثل ذلك، وتعتد من وقت موت الثاني عدة الحرة لما تقدم من الاحتياط، وقال بعض المخالفين في الأول مثل ما قلناه وإن اختلفا في تعليلها، و قال في الأخيرة أنها تعتد أربعة أشهر وعشرا من وقت موت الثاني وحيضه.

[ 286 ]

وأما الميراث فلا ترث من زوجها، ولا يوقف لها من ميراثه، لا عندنا ولا عندهم لأن عندنا هي مملوكة لا ترث بحال، وإن كان لها ولد من سيدها فتحصل في ملكه، وتنعتق عليه فلا ترث أيضا لأنه يجوز أن يكون الزوج مات أولا وهي مملوكة بعد، ويحتمل أن يكون السيد مات أولا وصارت حرة فإذا مات الزوج فهي حرة، ولا تورث بالشك لأن الأصل عدم الميراث. إذا ملك الرجل أمة بابتياع فإن كان قد وطئها البايع فلا يحل للمشتري وطيها إلا بعد الاستبراء إجماعا، وهكذا إذا أراد المشتري تزويجها فلا يجوز له ذلك إلا بعد الاستبراء، وكذلك إن أراد أن يعتقها ويتزوجها قبل الاستبراء لم يكن له ذلك، وكذلك إذا استبرأها ووطئها ثم أراد تزويجها قبل الاستبراء لم يجز له ذلك وقال بعضهم يجوز له تزويجها قبل الاستبراء ويجوز أن يعتقها ويتزوجها، وقد روي ذلك في بعض أخبارنا والأول أحوط. هذا إذا كان الأول وطئها، وأما إذا كان لم يطأها مثل أن ابتاعها من امرأة أو صبي لا يجامع مثله، أو مجبوب أو من عنين أو من رجل وطئها واستبرأها فلا يجوز له وطيها قبل الاستبراء، ويجوز تزويجها قبل ذلك، وروي في بعض أخبارنا أنه يجوز له وطيها إذا اشتراها من امرأة أو ممن يثق به أنه استبرأها والأول أحوط. المكاتب إذا جمع مالا واشترى به أمة للتجارة، فإن الشراء جائز، لأنه ربما يكون فيه فضل وربح فإن أراد وطيها لم يكن له، لأنه ربما تحبل فتتلف في الولادة والذي تشهد أخبارنا به أنه يجوز له وطيها لما رووه من أحكام ولده إذا مات، فإن أذن له السيد في ذلك جاز عندنا، وقال بعضهم لا يحل. ومن قال ليس له وطيها قال إن خالف ووطي لم يلزمه الحد لأن وطيه صادف ملكه، فإن أتت الأمة بولد ملكه لأنه ابن أمته، ولا يعتق عليه لنقصان ملكه، ولا يجوز أن يبيعه لأن الأب يملك مع ابنه فيوقف معه، فإن أدى وعتق عتق الابن تبعا له، وإن عجز واسترقه السيد كان الولد رقيقا معه.

[ 287 ]

إذا ملك أمة بابتياع أو هبة أو إرث أو استغنام لا يجوز وطيها إلا بعد الاستبراء صغيرة كانت أو كبيرة، بكرا كانت أو ثيبا، تحبل أو لا تحبل، إلا أن تكون صغيرة لا تحيض مثلها أو كبيرة كذلك، فإنه لا استبراء على هذين. إذا باع جارية من امرأة ثقة وقبضها ثم استقالها فأقالته، جاز له ألا يستبرئها ويطأها، والأحوط أن يستبرئها إن كان قبضها وإن لم يكن قبضها فلا استبراء عليها، و فيها خلاف. إذا ملكها حل له التلذذ بمباشرتها، والنظر إليها بشهوة، وبساير أنواع الاستمتاع، غير الوطي من القبل واللمس وغير ذلك، وكذلك حكم المسبية، وقال بعضهم لا تحل جميع ذلك، والأول أقوى لأن ظاهر الملك يبيح جميع ذلك، والوطي منعنا منه للاجماع. إذا ابتاع أمة ولم يقبضها فاستبرأت بحيضة ثم قبضها فإنها لا يعتد بذلك الاستبراء لعموم الأخبار، وكذلك إذا أوصى له بجارية فقبل الوصية فإنه يملكها بنفس القبول فإن استبرئت قبل أن يقبضها لم يعتد بذلك الاستبراء فأما إذا ورث جارية واستبرأها قبل القبض فإنه يعتد بذلك، لأن الموروث في حكم المقبوض، بدلالة جواز بيعه و التصرف فيه والمبيع بخلاف ذلك. إذا ابتاع جارية حاملا فإن استبراءها يكون بوضع الحمل، فإن وضعت بعد لزوم العقد وانقضاء الخيار وقع الاستبراء به، وإن وضعت في مدة الخيار إما خيار الشرط أو خيار المجلس، فمن قال تملك بالبيع وانقضاء العدة قال: لم يقع الاستبراء بالوضع، لأنها حملت في غير ملكه، والاستبراء لا يحصل بالنفاس، لأنه ليس بطهر ولا حيض، وتستبرأ بعد النفاس بقرء على الاختلاف في القرء هل هو حيض أو طهر: فمن قال إنه طهر فإذا شرعت في الطهر طعنت في القرء، فإذا حاضت حصل الاستبراء ومن قال حيض فإذا طهرت لم تطعن في القرء، فإذا حاضت شرعت فيه، فإذا طهرت حلت وعلى ما نقوله من أن المبتاع يملك بنفس العقد، فإنه يقع الاستبراء بوضع الحمل لأنها وضعته في ملكه.

[ 288 ]

إذا كاتب أمة فإن ملكه يزول عن استمتاعها ويحرم عليه، فإن عجز وفسخ السيد الكتابة عادت إلى ملكه، ولا تحل له إلا بعد الاستبراء، وكذلك إذا زوج أمته ثم طلقت، وكذلك إذا ارتد السيد أو الأمة فإنها تحرم عليه، فإذا عاد المرتد إلى الاسلام لم تحل إلا بعد الاستبراء. وقال بعضهم تحل في هذا المواضع بلا استبراء وهو الأقوى عندي إلا المطلقة فإنه يحتاج أن يمضي عليها مدة عدتها إن كان دخل بها الزوج، وإن لم يكن دخل بها فلا عدة عليها، ولا يلزمه استبراؤها، ومتى خرجت من العدة إن كانت مدخولا بها لا يلزمها استبراء آخر، وقال بعضهم يلزمها والأول هو الصحيح عندنا، لأن استبراء الرحم قد حصل بمدة العدة. وإن ابتاع أمة مجوسية فاستبرأت ثم أسلمت في ملكه لم يعتد بذلك الاستبراء لأنه لم يقع به استباحة الوطي فلم يعتد به، وكذلك إن ابتاع أمة مجوسية ثم كاتبها وأسلمت واستبرأت وهي مسلمة مكاتبة ثم عجزت نفسها، فإنها لا تعتد بذلك الاستبراء لمثل ذلك، من أنه لم يحصل بذلك الاستبراء استباحة الوطي. وهذا أصل لها وهو أن كل استبراء لا يتعلق به استباحة وطي فإنه لا يعتد به ويجب إعادته، ويقوى في نفسي أنه يستباح الوطي بذلك الاستبراء في هذه المواضع لأن استبراء الرحم قد حصل. إذا كان متزوجا بأمة ثم اشتراها فإن النكاح ينفسخ ويحل له وطؤها من غير استبراء. العبد المأذون له في التجارة إذا ابتاع بالمال الذي في يده جارية صح ابتياعه فإن استبرئت الجارية في يد العبد ثم أراد السيد وطيها، فإنه إن لم يكن على العبد دين كان له ذلك، لأنها مملوكة له لم يتعلق بها حق لغيره، وإن كان عليه دين لم يحل له الوطي لحق الغرماء فإن قضى حق الغرماء من الدين حل له وطيها عندنا، وقال بعضهم لا يحل، لأن ذلك الاستبراء لم يستبح به الوطي. كل جنس تعتد به الحرة فإنها تعتد به الأمة إلا أنهما يختلفان في مقداره

[ 289 ]

وتتساويان في وضع الحمل وأما الأقراء فالحرة تعتد بثلاثة أقراء، والأمة بقرءين والأمة المشتراة والمسبية بقرء وأما المشهور فالحرة المطلقة تعتد بثلاثة أشهر عندنا والأمة بخمسة وأربعين يوما وقال بعضهم بثلاثة أشهر، وأما المسبية والمشتراة فإنها تعتد عندنا بشهر، وفيهم من قال بثلاثة أشهر. وإن كان انقطع دمها لعارض استبرأت عندنا بخمسة وأربعين يوما لعموم الأخبار وعندهم تصبر حتى تبلغ سن الآيسات، وإن كان لغير عارض فعلى قولين. إذا باع جارية وادعى أنها حامل، فإنه يستحق ردها، وإنه تعرض على القوابل، فإن قلن بها حمل كان له الرد ثم ينظر، فإن صدق البايع المبتاع أن الحمل كان موجودا حال البيع كان له الرد به، وإن اختلفا في ذلك ففيه ثلاث مسايل: إحداها أن تضعه لأكثر من أقصى مدة الحمل من وقت العقد، فيعلم أنه من المشتري ويتحقق حدوثه بعد البيع فلا يملك الرد به. الثانية أن تأتي به لدون ستة أشهر من وقت البيع فيتحقق أنه من البايع ويعلم أنه كان موجودا حال البيع فيثبت الرد. الثالثة أن يمكن الأمران بأن تأتي به لأكثر من ستة أشهر ودون أقصى مدة الحمل، فالقول قول البايع مع يمينه، لأن الأصل عدم العيب، وهذا أصل في العيوب. إذا باع جارية وظهر حمل فادعى البايع أنه منه، وأنها أم ولده، فمضمون هذا الاقرار أن نسب الولد لاحق به، وأنها أم ولده، وأن البيع باطل، فإن صدقه المبتاع على ذلك فقد ثبت كونها أم ولد، وينفسخ البيع، وإن كذبه فإن لم يكن أقر حال البيع أنه قد وطئها لم يقبل إقراره في هذه الحالة لأن الملك قد انتقل إلى المشتري في الظاهر، فلا يقبل إقراره في ملك الغير. فإذا ثبت أن إقراره لا يقبل في بطلان البيع وكونها أم ولد، فهل يلحقه نسب الولد بهذا الاقرار؟ فالأقوى أنه يلحقه، لأنه لا ضرر على المشتري في ذلك، لأن الولد قد يكون مملوكا لرجل ونسبه لاحق بغيره، وقال قوم لا يقبل.

[ 290 ]

وأما إذا كان البايع أقر حال البيع أنه وطيها، فإذا أتت بالولد بعد الاستبراء لأقل من ستة أشهر، فإن نسبه يلحق بالبايع بالاقرار المتقدم، وتصير أم ولده وينفسخ البيع، وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الاستبراء لم يلحق البايع. ثم ينظر فإن لم يكن المشتري وطئها لم يلحقه نسب الولد، بل يكون مملوكا له، وإن كان وطئها فإن أتت به لدون ستة أشهر من وقت الوطي لم يلحقه وإن أتت به لستة أشهر فصاعدا لحقه، وتكون الأمة أم ولده. وإن لم يكن المشتري استبرأها ولا البايع أيضا ووطئاها معا تستخرج عندنا بالقرعة وعندهم فيه المسايل الأربع. أقل الحمل ستة أشهر وأكثر الحمل عندنا تسعة أشهر وقال بعض أصحابنا سنة وقال قوم أربع سنين، وقال آخرين سنتان وفيه خلاف.

[ 291 ]

كتاب الرضاع قال الله تعالى " حرمت عليكم أمهاتكم " إلى قوله " وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة " (1) فحرم من الرضاع كما حرم من النسب. وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة. وروي عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قلت يا رسول الله هل لك في بنت عمك بنت حمزة فإنها أجمل فتاة في قريش، فقال أما علمت أن حمزة أخي من الرضاعة، وأن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب، وأجمعت الأمة على ذلك أيضا، وإن اختلفوا في تفصيله. فإذا ثبت ذلك فقد ذكر الله تعالى الأعيان المحرمات في كتابه ثلاث عشرة عينا: سبعا بالنسب، واثنتين بالرضاع، وأربعا بالمصاهرة، فهؤلاء لا يحرمن على التأبيد، وقال " وأن تجمعوا بين الأختين " فذكر ما هو تحريم جمع لا تحريم عين، وقد مضى. فقد نص الله على الأمهات من الرضاع والأخوات، وقال النبي (صلى الله عليه وآله) يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب فألحق الرضاع بالنسب. فصار مثله في حكم التحريم، وحكم المحرم دون غيره من الأحكام التي تتعلق بالنسب، وعندنا تتعلق به أيضا العتق بالملك وكذلك لا يتعلق بالمصاهرة إلا هذان الحكمان، وهما تحريم المصاهرة وحرمة المحرم فقط. فإذا ثبت هذا فالكلام بعده في بيان العقد الذي يتعلق به ذلك ويدور أكثر مدة الرضاع عليه، وجملته متى وطي امرأة وطأ يلحق به النسب بنكاح صحيح أو فاسد أو وطي شبهة أو ملك يمين فخلق الولد بينهما فهو ابنهما معا لأنه خلق من مائهما، قال الله تعالى " خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب " (2) فالولد خلق من مائهما معا

النساء: 23.
(2) الطارق: 6.

[ 292 ]

ويكون ولدهما معا، فإذا نزل له لبن كان اللبن أيضا لهما، لأنه إنما نزل غذاء لهذا المولود، فلبن المرأة لبن المرضعة، ولبنه لبن الفحل، هكذا سماه الفقهاء لنزول اللبن بفعلهما، لا لأنه يجيئ من الفحل لبن. فإذا كان اللبن منهما كالولد، فإذا أرضعت بهذا اللبن خمس عشرة رضعة متوالية لا يفصل بينهما برضاع امرأة أخرى، أو رضاع يوم وليلة إن لم ينضبط العدد مثل ذلك أو يعلم أنه نبت عليه اللحم والعظم وفيه خلاف، انتشرت الحرمة من جهته إليهما، ومن جهتهما إليه. فأما من جهته إليهما فإنما يتعلق به وحده وبنسله دون غيره ممن هو في درجته من إخوته وأخواته أو أعلى منه من أمهاته وجداته وأخواله وخالاته أو آبائه وأجداده وأعمامه وعماته، فالحكم فيمن عداه وعدا ما يتناسل منه بمنزلة ما لم يكن هناك رضاع، فيحل للفحل نكاح أخت هذا المولود، نكاح أمهاته وجداته، وإن كان لهذا المولود المرتضع أخ حل له نكاح هذه المرضعة، ونكاح أمهاتها وأخواتها لأنه لا رضاع هناك. وروى أصحابنا أن جميع أولاد هذه المرضعة وجميع أولاد الفحل يحرمون على هذا المرتضع، وعلى أبيه وجميع إخوته وأخواته، وأنهم صاروا بمنزلة الأخوة والأخوات وخالف جميعهم في ذلك. وأما الحرمة المنتشرة من جهتهما إليه فإنها تعلقت بكل واحد منهما، ومن كان من نسلهما وأولادهما، ومن كان في طبقتهما من إخوتهما وأخواتهما، ومن كان أعلى منهما من آبائهما وأمهاتهما. وجملته أنك تقدره بولدهما من النسب، فكل ما حرم على ولدهما من النسب حرم عليه، بيان ذلك أن التي أرضعته أمه، وأختها خالته، وأخوها خاله، وأمها جدته، وأمهاتها جداته، فكلهن حرام عليه، بلى إن كانت بنت خالته وبنت خاله من الرضاع حلت كما تحل من النسب. فإن كان لأمه من الرضاع بنت من غير أبيه من الرضاع فهي أخته لأمه عند

[ 293 ]

الفقهاء لا يجوز أن يتزوجها، وقال أصحابنا يحل له لأن الفحل غير الأب، وبهذا فسروا أن اللبن للفحل، فأما إن كانت لها بنت من غير هذا الفحل ولادة فلا خلاف أنها تحرم، وإن كان له بنت من زوجها فهي أخته لأبيه وأمه. وأما زوج المرضعة فهو الفحل وهو أبوه من الرضاع، وأخوه عمه، وأخته عمته، وآباؤه أجداده، فإن كان لهذا الفحل ولد من غير هذه المرضعة فهو أخوه لأبيه وإن كان له ولد من هذه المرضعة فهو أخوه لأبيه وأمه، وهذا معنى قوله (صلى الله عليه وآله) يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. فرع امرأة لها ابن فأرضعت بنتا لقوم الرضاع المحرم، ولتلك المرضعة أخت يحل لابن المرضعة التي قد شربت هذه المرضعة منها أن يتزوج بأختها وهي أخت أخته من الرضاع لما مضى من الأصل، وهو أنه إنما يحرم هذا المرضع وحده ومن كان من نسله دون من كان في طبقته، وهذه من طبقته لأنه لا نسب بينه وبين أخت أخته فلا رضاع. ومثله في النسب رجل له ابن تزوج بامرأة لها بنت فولدت منه بنتا فهذه البنت أخت ابنه من أمه، وله أن يتزوج بأختها التي هي بنت زوجة أبيه من غير أمه وهي أخت أخته من النسب لأنه لا نسب بينهما ولا رضاع، وعلى هذا يدور كتاب الرضاع فكلما نزلت بك حادثة فارجع إليه فاعتبر هذا به. الرضاع إنما ينشر الحرمة إذا كان المولود صغيرا فأما إن كان كبيرا فارتضع فإنه لا ينشر الحرمة بلا خلاف إلا ما حكي من خلاف عائشة وبعض التابعين، فإنه حكي عنها أنها كانت تأمر بنات أخواتها وبنات أختها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها وأن يدخل عليها وإن كان كبيرا، وبه قال أهل الظاهر. الرضاع لا حكم له إلا ما كان في الحولين، فإن وقع بعضه في الحولين وبعضه خارج الحولين لم ينشر الحرمة، ولا فرق بين أن يكون المرتضع مفتقرا إلى شربه أو مستغنيا عنه وفيه خلاف.

[ 294 ]

إذا ثبت عدد الرضعات التي تحرم على ما مضى من الخلاف في الحولين، فالكلام في بيان ما هو رضعة وما ليس برضعة، فالمرجع في ذلك إلى العرف فما كان في العرف. رضعة فهو رضعة، وما ليس في العرف برضعة فليس برضعة، لأن ما لا حد له في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف كالنقل والتفرق والنقد غير أن أصحابنا خاصة قدروا الرضع بما يروي الصبي منه ويمسك منه. فإن أرضعته العدد المحرم كل رضعة في يوم أو كل رضعة في مجلس آخر فكل مرة رضعة، كرجل حلف ليأكلن خمس أكلات فأكل هكذا كان بارا في يمينه غير أنا نعتبر أن لا يدخل بين الرضعة والرضعة رضاع امرأة أخرى. وأما إن التقم الثدي ثم أرسله وعاد إليه نظرت، فإن كان قد قطع قطعا بينا يقال في العادة أنه قد ترك الرضاع فهي رضعة، وإن قطع قطعا يسيرا مثل أن قطعه لإعياء أو تنفس أو انتقل عنه إلى الثدي الثاني في الحال فالكل رضعة واحدة. كما لو حلف لا أكلت اليوم إلا أكلة واحدة فقدم الطعام إليه فأكل وترك لتنفس أو إعياء أو شرب ماء أو توقع لون آخر تنقل إليه فالكل أكلة واحدة، وإن قطع قطعا بينا فطال الفصل بينهما فهما أكلتان، وكذلك الرضاع فإن التقم الثدي فلما شرب نزعت الثدي عن فيه وقطعت الشرب عليه، فعلى ما قدمناه من أن المعتبر أن يروي لا تكون رضعة. وعندهم على وجهين أحدهما لا يكون رضعة، ولا يتعلق الحكم بما شرب لأن الاعتبار بالرضاع فعل الطفل، بدليل أنه لو شرب منها وهي نائمة نشرت الحرمة كمن حلف ليأكلن اليوم أكلة، فلما أكل شيئا منع منه ورفع الطعام من عنده فإنه لا يحنث لأنه ما أكل أكلة. والوجه الثاني أن يكون رضعة لأنه يعتبر فعله وفعلها معا في الرضاع، بدليل أنه لو شرب منها وهي نائمة نشر الحرمة ولو شرب منها وهو نائم أو وجرته نشر الحرمة، و يفارق الأكل لأن المراعى فعله وحده. فإن التقم الثدي فشرب ثم أرسله والتقم ثدي امرأة أخرى فعندنا بطل الأول

[ 295 ]

وعندهم فيها وجهان أحدهما لم يحصل له من واحدة منهما رضعة، ولا يتعلق به حكم والوجه الثاني أنه يحصل له من كل واحدة رضعة. الوجور أن توجر في حلقه اللبن حتى يصل إلى جوفه بأن يصب في حلقه صبا فإذا وصل إلى جوفه كالرضاع منها بنفسه عند الفقهاء، وقال عطا وداود لا ينشر الحرمة وهو الأقوى عندي. وأما السعوط فهو أن يقطر في أنفه اللبن حتى يصل إلى دماغه فإذا وصل فهو عندهم كالواصل إلى جوفه عند الجميع، ومن خالف في الأول خالف هيهنا وهو الصحيح على ما تقدم. إذا كانت الرضعات التي يتعلق بها التحريم بعضها إرضاعا وبعضها وجورا نشر الحرمة عندهم، وعندنا لا ينشر على ما مضى. إذا حقن المولود باللبن لم ينشر الحرمة عندنا، وللمخالف قولان، وفيه خلاف. إذا شيب اللبن بغيره ثم سقي المولود لم ينشر الحرمة عندنا، غالبا كان اللبن أو مغلوبا، وعندهم يتعلق به الحرمة سواء شيب بجامد كالدقيق والسويق والأرز، أو بمايع كالماء والخل، فالحكم واحد، والخلاف واحد. وإذا كان مستهلكا في الماء فإنما ينشر الحرمة عندهم إذا تحقق وصوله إلى جوفه، مثل أن يحلب في قدح ويصب عليه الماء حتى استهلك فيه، فإذا شرب جميع ذلك الماء نشر الحرمة، لأنه تحقق وصوله إلى جوفه، وإن لم يتحقق ذلك لم ينشر الحرمة، مثل أن قطرت قطرة في حب من ماء فإذا شرب بعض الماء لم ينشر الحرمة لأنه لا يتحقق وصوله إلى جوفه، وفيه خلاف وهذا يسقط عنا لما بيناه. إذا جبن اللبن أو أغلي ثم أطعم منه، لم ينشر الحرمة وقال بعضهم ينشر. إذا ارتضع مولودان من بهيمة شاة أو بقرة أو غيرها لم يتعلق به تحريم وحكي عن بعض السلف أن قال يصيران أخوين من الرضاعة! إذا حصلت الرضاعة التي تحرم في الحولين نشر الحرمة وإن شرب واحدة منهما بعد

[ 296 ]

الحولين لم ينشر الحرمة، فإن أرضعت الأخيرة وتمت مع الحولين نشرت الحرمة، وإن تم الحولان والثدي في فيه ولم يرو مع تمام الحولين لم ينشر الحرمة. إذا أرضعته أكثر الرضعات وحلبت تمام العدد في إناء ثم ماتت فشربه الطفل بعد وفاتها أو حلبت جميع الرضعات في عددها من الاناء ثم ماتت فشرب الطفل ذلك العدد في تلك المرات لم ينشر الحرمة عندنا، وعندهم ينشر. لبن الميتة لا ينشر الحرمة، فلو ارتضع منها العدد الذي يحرم مثله بعد وفاتها أو أكثرها حال الحيوة وتمامها بعد الوفاة لم ينشر الحرمة، وبه قال بعضهم وقال آخرون ينشر الحرمة وفيه خلاف. إذا حلب من امرأة لبن وأوجر به الصبي ففيه أربع مسائل: إحداها حلبت بعدد المرات التي يحرم كل حلبة في إناء مفرد وشرب الصبي كل حلبة وحدها منفردة عن غيرها، لم ينشر عندنا الحرمة وعندهم ينشر. الثانية حلبت لبنا كثيرا دفعة واحدة، ففرق في عدد المرات فشربها الصبي في تلك المرات متفرقات، عندنا لا ينشر الحرمة وفيهم من قال الجميع رضعة واحدة لأن اللبن انفصل عنها دفعة واحدة. الثالثة حلبت بعدد الرضعات مجتمعة في إناء واحد فشربه المولود دفعة واحدة عندنا لا ينشر الحرمة، وفيهم من قال ينشر الحرمة. الرابعة حلبت الحلبات متفرقات ثم جمعته في إناءه واحد ثم فرقت بعدد ذلك المرات وشربه، عندنا لا ينشر الحرمة وفيهم من قال ينشر. إذا كانت له زوجة صغيرة لها دون الحولين فأرضعتها من انفسخ نكاحها بذلك فالكلام في ثلاثة فصول فيمن إذا أرضعتها انفسخ نكاحها، وفيما يجب لهذه الصغيرة وفيما يجب له على المرضعة. فأما الكلام فيمن إذا أرضعتها انفسخ نكاحها فأصل هذا كل من يحرم عليه نكاح

[ 297 ]

ابنتها فإذا أرضعتها انفسخ نكاحها بيان هذا: إن أرضعتها أمه نظرت فإن كان بلبن أبيه فهي أخته لأبيه وأمه، وإن كان بلبن غير أبيه فهي أخته لأمه، وإن أرضعتها جدته فهي خالته وإن أرضعتها بنته صارت بنت بنته وإن أرضعتها أخته صارت بنت أخته وهو خالها، وإن أرضعتها امرأة أخيه فإن كان بلبن أخيه فهو عمها، وإن كان بلبن غير أخيه صارت ربيبة أخيه، ونكاحها ههنا لا ينفسخ، لأن له أن يتزوج بربيبة أخيه. وإن أرضعتها امرأة أبيه، فإن أرضعتها بلبن أبيه صارت أخته من أبيه، وإن كان بغير لبن أبيه صارت ربيبة أبيه، والنكاح بحاله، لأنه يجوز له أن يتزوج بربيبة أبيه، وإن أرضعتها امرأة ولده فإن كان بلبن ولده صارت جدتها وهي بنت ابنه وإن كان بلبن غير ولده فهي ربيبة ولده، والنكاح بحاله، لأن له أن يتزوج بربيبة ولده. هذا كله إذا كانت المرضعة من نسب وهكذا إذا كانت المرضعة محرما له من الرضاع مثل أن أرضعتها أمه من رضاع أو جدته أو بنته أو أخته أو امرأة أخيه أو امرأة ابنه أو امرأة أبيه من رضاع الباب واحد، لقوله عليه وآله السلام يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. فأما إن كانت المرضعة من لا يحرم عليه نكاح بنتها، فالنكاح بحاله، فإن أرضعتها عمته صارت بنت عمته، وإن أرضعتها امرأة عمه صارت بنت عمه وإن أرضعتها خالته صارت بنت خالته، وإن أرضعتها امرأة خاله صارت بنت خاله، والنكاح بحاله، وهذا كثير وفيما ذكرناه كفاية. فأما الكلام في الضمان فهو في فصلين فيما يجب للزوجة على زوجها، وفيما يجب للزوج على المرضعة: فأما الكلام فيما يجب لها على زوجها، فإن لم يكن للمرضعة صنع مثل أن كانت نائمة فدنت هذه الصغيرة إليها وارتضعت منها سقط كل مهرها ولا شئ عليها ولا على زوجها، لأن الفسخ جاء من قبلها قبل الدخول، كما لو كانت كبيرة فارتدت قبل الدخول.

[ 298 ]

وإن كان للمرضعة فيه صنع مثل أن أرضعتها هي أو مكنتها فشربت منها فللصغيرة على زوجها نصف المهر، كما لو طلقها، فإن كان المسمى لها بالعقد وفق مهر مثلها أو أكثر فلها نصف المسمى عندنا، وعندهم، وإن كان دون مهر مثلها فلها نصف مهر مثلها عندهم لأن الوالد إذا زوج بنته الصغيرة بدون مهر مثلها وجب لها مهر مثلها عندهم وعندنا لا يجب لها إلا نصف المسمى. فأما الكلام فيما يجب للزوج على المرضعة، فهو في ثلاثة فصول في الضمان وفي قدره وكيفيته: فأما الضمان فعلى المرضعة الضمان للزوج، سواء قصدت إلى فسخ النكاح أو لم تقصد عند بعضهم، وعند آخرين أنها إن قصدت الفسخ لزمها، وإن لم تقصد لم يلزمها وهو الذي يقوى في نفسي، وفيه خلاف. فأما إذا الجأت إلى ذلك بأن لا يوجد مرضعة غيرها فلا ضمان عليها، وقال قوم يلزمها على كل حال، فأما مقدار ما يضمن، فقال قوم نصف المهر، وقال آخرون كمال المهر، والأول أقوى. وأما كيفية الضمان فإنه يرجع عليها بنصف مهر مثلها عند بعضهم، قال آخرون بنصف المسمى وهو الأقوى، لأنه غرم نصف المسمى فيرجع بما غرم، ومن قال بنصف مهر المثل قال إن كان المسمى وفق مهر المثل رجع بنصفه، وإن كان أكثر رجع أيضا بنصف مهر المثل لا بما زاد، لأن ما زاد محاباة لا يلزمه. إذا كان له امرأتان: صغيرة لها دون الحولين وكبيرة بها لبن من غيره فأرضعت الكبيرة الصغيرة فالكلام في ثلاثة فصول في فسخ النكاح والتحريم والضمان. أما النكاح فإنه ينفسخ نكاحهما معا، لأنه صار جامعا بين أم وبنتها وذلك لا يصح، وأما التحريم فإن الكبيرة تحرم على التأبيد، لأنها من أمهات النساء، وأما الصغيرة فإن كان قد دخل بالكبيرة حرمت على التأبيد لأنها بنت من دخل بها

[ 299 ]

فهي ربيبة من دخل بها، وإن لم يكن دخل بالكبيرة لم تحرم عليه الصغيرة مؤبدا، وله أن يستأنف نكاحها. فأما الضمان فإن الصغيرة لها عليه نصف المسمى لأن الفسخ جاء لا من قبلها قبل الدخول، فإن كان وفق مهر مثلها أو أكثر فذلك لها، وإن كان المسمى دون مهر مثلها فلها نصف مهر المثل، وعندنا يلزمه نصف المسمى على كل حال، وللزوج الرجوع على الكبيرة، لأنها حالت بينه وبين الصغيرة، فعندنا يرجع بنصف المسمى وهو قدر ما غرم، وقال بعضهم بنصف مهر المثل. فأما الكلام في مهر الكبيرة، فينظر فإن كان دخل بها لم يسقط شئ من مهرها لأنه استقر بالدخول، وإن كان الفسخ من قبلها كما لو ارتدت بعد الدخول، فإذا لم يسقط لم يرجع عليها بشئ. إذا كان له أربع زوجات: ثلاث صغار لهن دون الحولين، وكبيرة لها لبن من غيره فأرضعت الكبيرة الصغيرة ففيها ثلاث مسائل إحداها أرضعت صغيرتين منهن معا الرضعة الأخيرة، وهذا يتصور من وجهين، أحدهما أرضعت كل واحد الرضعات التي قبلها ثم سلمت إلى كل واحدة منهما ثديا فارتضعتا معا ورويتا معا، أو حلبت حلبتين على مذهب المخالفين في شربتين، فسلمت إلى كل واحد منهما شربة فشربتا معا و قطعتا معا. فهذه المسألة مبنية على التي قبلها، والكلام فيها وفي التي بعدها في ثلاثة فصول فسخ النكاح والتحريم والمهر. أما فسخ النكاح، فإن نكاح الكبيرة ينفسخ لأنه صار جامعا بين أم وابنتيها، و نكاح الصغيرتين ينفسخ لأنه صار جامعا بين أختين وبين كل واحدة وأمها. وأما التحريم فإن الأم تحرم على التأبيد، لأنها من أمهات النساء وأما الصغيرتان فإن كان دخل بالأم حرمتا على التأبيد، وإن لم يكن دخل بها حرمتا تحريم جمع، وله أن يستأنف النكاح على كل واحدة منهما، وأما المهر فلكل واحدة

[ 300 ]

عليه نصف المهر على ما فصلناه، ويرجع على الكبيرة، وبكم يرجع؟ على ما مضى من الخلاف وأما الأم فإن كان دخل بها لم يسقط مهرها ولا يرجع عليها بشئ، وإن كان ما دخل بها سقط مهرها، ولم يرجع عليها بشئ. فإذا أرضعت الثالثة فإن كان قد دخل بالكبيرة انفسخ نكاحها، وحرمت على التأبيد، وحكم المهر على ما مضى، وإن لم يكن دخل بالكبيرة فنكاحها بحاله، لأنه ما دخل بأمها ولا هو جامع بينها وبين من لا يجوز الجمع بينهما. المسألة الثانية أرضعت الواحدة الرضعة الأخيرة انفسخ نكاحهما معا والمهر على ما مضى ثم أرضعت الثانية والثالثة الرضعة الأخيرة معا انفسخ نكاحهما معا فإن كان دخل بالكبيرة حرمتا على التأبيد، وإن لم يكن دخل بها حرمتا تحريم جمع، وله أن يستأنف نكاح كل واحدة منهما، والمهر على ما مضى. الثالثة أرضعت منهن واحدة بعد واحدة فإذا أرضعت الأولى الرضعة الأخيرة انفسخ نكاحها ونكاح الكبيرة والتحريم والمهر على ما مضى، ثم أرضعت الثانية الرضعة الأخيرة، فإن كان قد دخل بالكبيرة انفسخ نكاح الثانية، وإن لم يكن دخل بها فنكاحها بحاله، لأنها بنت من لم يدخل بها. ثم أرضعت الثالثة الرضعة الأخيرة، فإن كان قد دخل بها صارت الثالثة أخت الثانية من رضاع، وهل ينفسخ نكاح الثالثة وحدها أو نكاحهما معا؟ قيل فيه قولان أحدهما ينفسخ نكاحهما معا، وهو الأقوى عندي، وقال قوم ينفسخ نكاح الثالثة وحدها لأن نكاح الثانية كان صحيحا بحاله، وإنما تم الجمع بينها وبين الثالثة بفعل حصل من الثالثة، فوجب أن ينفسخ نكاح التي تعلق بها وحدها. إذا كان له أربع زوجات إحداها صغيرة لها دون الحولين وثلاث كباير بهن لبن، فأرضعت إحدى الكباير هذه الصغيرة انفسخ نكاحهما معا، والتحريم والمهر على ما مضى، فإذا أرضعتها الثانية من الكبائر، انفسخ نكاحها، لأنها أم من كانت زوجته فإن أرضعتها الثالثة انفسخ نكاحها، لأنها أم من كانت زوجته، وروى أصحابنا

[ 301 ]

في هذه أنها لا تحرم، لأنها ليست زوجته في هذه الحال، وإنما هي بنت والذي قالوه قوي. إذا كانت له زوجتان صغيرة وكبيرة فطلق إحداهما ثم أرضعتها الكبيرة لم يخل من أحد أمرين: إما أن تكون المطلقة الصغيرة أو الكبيرة. فإن كانت المطلقة الصغيرة انفسخ نكاح الكبيرة، لأنها أم من كانت زوجته، وحرمت على التأبيد، والصغيرة فإن كان دخل بالكبيرة حرمت على التأبيد وإن لم يكن دخل بها لم تحرم، لأنها بنت من لم يدخل بها. وأما المهر فإن كان قد دخل بالكبيرة لم يسقط مهرها، وإن كان ما دخل بها سقط المهر، لأن الفسخ من جهتها جاء. وإن كانت المطلقة الكبيرة انفسخ نكاح الصغيرة، إن كان دخل بالكبيرة، لأنها بنت من قد دخل بها، وإن لم يكن دخل بها لم ينفسخ نكاحها، لأنها بنت التي لم يدخل بها. فإن كان له زوجة صغيرة وأمة بها لبن من غيره، فأرضعت أمته زوجته، فإن كان قد دخل بالأمة انفسخ نكاح الصغيرة لأنها بنت من قد دخل بها، وحرمت على التأبيد لهذا المعنى، وحرمت أمته لأنها من أمهات نسائه، وإن لم يكن دخل بالأمة لم ينفسخ نكاحها لأنها بنت أمته التي لم يدخل بها، وحرمت أمته على التأبيد لأنها من أمهات نسائه. إذا كان له أربع زوجات ثلاث صغائر لهن دون الحولين، وكبيرة، ولهذه الكبيرة ثلاث بنات مراضع لهن لبن فأرضعت بنات الكبيرة زوجاته الصغاير لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون دخل بالكبيرة أو لم يدخل، فإن لم يكن دخل بها لم يخل من أحد أمرين إما أن يرضعن الصغائر دفعة واحدة أو واحدة بعد واحدة: فالكلام في هذه المسائل كلها في ثلاثة فصول: في فسخ النكاح، والتحريم، والمهر. فإن أرضعتهن دفعة واحدة مثل أن أرضعت كل واحدة منهن واحدة من الصغاير

[ 302 ]

الرضعات المحرمة إلا واحدة، فلما كانت الرضعة الأخيرة أرضعت كل واحدة منهن صغيرة منهن في وقت واحد، فإنه ينفسخ نكاحهن ونكاح الكبيرة لأن الكبيرة صارت جدتهن، فلا يجوز أن يجمع بين المرأة وجدتها كما لا يجمع بينها وبين أمها لأنها من أمهات النساء فالجدة وإن علت بمنزلة الأم في هذا الباب وأما التحريم فقد حرمت الكبيرة على التأبيد وحرمت بناتها وهن المراضع لأنهن أمهات النساء فأما الصغاير، فإن كان دخل بالكبيرة حرمن على التأبيد لأنه قد دخل بجدتهن، و إن لم يكن دخل بالجدة لم يحرم الصغاير، لأنه ما دخل بجدتهن، وله أن يستأنف نكاحهن واحدة بعد واحدة ودفعة، كيف شاء ويجوز الجمع بينهن لأنهن بنات خالات وإنما لا يجوز الجمع بين الأختين أو المرأة وخالتها وعمتها وأمها، فأما بنات الخالات وبنات العمات فكل ذلك جايز. وأما الكلام في المهر فلكل صغيرة عليه نصف المسمى، وللكبيرة عليه أيضا نصف المسمى، لأن الفسخ لا من قبلها قبل الدخول فيرجع على المراضع على كل واحدة منهن بنصف مهر التي أرضعتها، ويرجع عليهن كلهن بنصف مهر الكبيرة، لأن كل واحدة منهن كانت سبب الفسخ في نكاح واحدة من الصغاير، وكلهن جر السبب في فسخ نكاح الكبيرة، فرجع عليهن بنصف مهر الكبيرة. هذا إذا أرضعن دفعة واحدة، وأما إذا أرضعن واحدة بعد واحدة، فإنه إذا أرضعت واحدة من البنات واحدة من الصغار انفسخ نكاح الصغيرة والكبيرة معا لأنه جامع بينها وبين جدتها وحرمت الجدة على التأبيد، وأما الصغيرة فلا تحرم لأنه ما دخل بجدتها، وحرمت البنت المرضع عليه أبدا لأنها من أمهات النساء. وأما المهر فلها نصف مهرها المسمى على زوجها وكذلك الكبيرة، ويرجع بنصف مهر الصغيرة ونصف مهر الكبيرة على التي أرضعت، فإن أرضعت البنت الثانية الصغيرة الأخرى، لم ينفسخ نكاحها، لأنه ما دخل بجدتها، فإن أرضعت الثالثة الصغيرة الثالثة فكذلك، لأنه ما دخل بجدتها فلا ينفسخ نكاحها لأنهما بنتا خالتين. وأما التحريم فعلى ما مضى، والمهر هيهنا بحاله، لأن النكاح بحاله.

[ 303 ]

هذا إذا لم يكن دخل بالكبيرة، فأما إن كان دخل بها نظرت، فإن أرضعت البنات الصغاير دفعة واحدة انفسخ نكاحهن ونكاح الكبيرة، لأنه جامع بين الجدة وبنات بناتها. وأما التحريم فالكبيرة حرمت على التأبيد لأنها جدة الزوجات وحرمت البنات أيضا لأنهن أمهات زوجته، وحرمت الصغار على التأبيد لأنه قد دخل بجدتهن وأما المهر فلكل واحدة عليه نصف المسمى ويرجع على المرضعة بنصف مهر التي أرضعت وأما الكبيرة فلها كل المهر، ويرجع الزوج على بناتها بمهرها. وأما إن أرضعت واحدة بعد واحدة، فإن نكاح الكبيرة الأولى قد انفسخ لأنه جامع بين امرأة وجدتها، وللصغيرة عليه نصف المهر ويرجع على المرضعة بنصف المهر وللكبيرة كل المسمى ويرجع على المرضعة بجميع مهرها، فإن أرضعت الثانية الثانية من الصغار انفسخ نكاحها، لأنه قد دخل بجدتها، وحرمت على التأبيد ولها نصف المسمى ويرجع على المرضعة بنصف مهر المثل. فإذا أرضعت الثالثة الصغيرة الثالثة انفسخ نكاحها وحرمت على التأبيد ولها نصف المسمى ويرجع على التي أرضعتها بنصف المهر، ولا شئ للكبيرة لأن نكاحها قد انفسخ قبل هذا. إذا كانت له زوجة كبيرة وزوجة صغيرة لها دون الحولين، فأرضعت الصغيرة أم زوجته الكبيرة انفسخ نكاحهما معا لأن الصغيرة صارت أخت الكبيرة، وإن أرضعتها جدة الكبيرة لأمها انفسخ نكاحهما معا لأن الصغيرة صارت خالة الكبيرة، لأنها صارت أخت أمها، فإن أرضعتها أخت الكبيرة انفسخ نكاحهما معا أيضا لأن الكبيرة صارت خالتها، ولا يجوز الجمع بين المرأة وخالتها. ويقتضي مذهبنا أن نقول: إنها إن كانت رضيت بذلك لا ينفسخ لأنه يجوز الجمع بين المرأة وخالتها عندنا برضى الخالة، وإن أرضعتها أم أبي الكبيرة صارت الصغيرة عمة الكبيرة، لأنها صارت أخت أبيها وانفسخ النكاح في هذا الموضع على مذهبنا أيضا لأنه لا يمكن اعتبار رضى العمة لأنها صغيرة لا يعتبر رضا مثلها فإن

[ 304 ]

فرضنا أن امرأة أخي الكبيرة أرضعت هذه الصغيرة فإن الكبيرة تصير عمة الصغيرة فإن كانت رضيت لم ينفسخ النكاح، وإن لم ترض انفسخ. وينفسخ النكاح في كل هذه لموضع الجمع ولا يحرم تحريم تأبيد، سواء دخل بالكبيرة أو لم يدخل، لأنها في كل هذا لم تصر بنت من دخل بها، فإن أراد أن يبتدئ بنكاح من شاء على الانفراد جاز والكلام في المهر والرجوع به على ما مضى. إذا كان له خمس أمهات أولاد فيهن لبن منه، فأرضعن مولودا كل واحدة منهن رضعة أو كان له أربع نسوة فيهن لبن منه، فأرضعن مولودا كل واحدة رضعة وواحدة منهن رضعتين، فحصل له من لبن السيد أو لبن الزوج خمس رضعات من خمس جهات، ونفرض على مذهبنا في خمس عشرة رضعة أو رضاع يوم وليلة من جهات من لبن فحل واحد، فإن واحدة منهن ما صارت أمه، ولا صار هو ولد الواحدة منهن لأنه ما ارتضع منها الرضاع المحرم. وأما السيد أو الزوج قال قوم لا تصير أبا له، لأن الأصل في الرضاع الأمومة فإذا لم يحصل به أما بطل أن يحصل به أبا، وهو الذي يقتضيه مذهبنا، لأنه فصل بين لبن المرأة وبين لبنها دفعة أخرى برضعة أخرى. وقال قوم يصير أباه لأنه حصل في جوفه من لبنه العدد المحرم من الرضاع، فهو كما لو حصل في جوفه من جهة واحدة، فمن قال بالأول فلا كلام، والصغيرة لم تحرم على السيد ولا زوج الزوجات، وإن كانت زوجته لم ينفسخ نكاحها، ومن قال بالثاني قال حرمت عليه على التأبيد لأنه والده ولو كانت زوجته انفسخ نكاحها. رجل له خمس أخوات فيهن لبن، فأرضعن مولودا كل واحده منهن رضعة عندهم، وعندنا ثلاث رضعات، لم تصر واحدة منهن أمه، ولا صار هو ولد واحدة منهن، ولكن هل صار أبوهن جده وأمهن جدته، والأخ خالا؟ بيني على المسألة الأولى، فمن قال بمذهبنا قال لا يصير جدا وجدة، والحرمة لم تنشر والزوجية لا تنفسخ، ومن قال بالقول الآخر قال صار أبوهن جدا وأمهن جدة، والأخ

[ 305 ]

خالا فإن كانت زوجة انفسخ نكاحها، وإن لم تكن زوجة لم يكن له نكاحها لأنه خالها. الذي يدور عليه عقد الرضاع جملته أن امرأة الرجل إذا كان بها لبن منه فأرضعت مولودا خمس عشرة رضعة صار كأنه ابنهما من النسب، فكل من حرم على ابنهما من النسب حرم على هذا، لأن الحرمة انتشرت منه إليهما، ومنهما إليه: فالتي انتشرت منه إليهما أنه صار كأنه ابنهما من النسب، والحرمة التي انتشرت منهما إليه وقفت عليه وعلى نسله دون من هو في طبقته من إخوته وأخواته أو أعلى منه من آبائه وأمهاته، فيجوز للفحل أن يتزوج بأم هذا المرتضع، وبأخته وبجدته، ويجوز لوالد هذا المرتضع أن يتزوج بالتي أرضعته، لأنه لا نسب بينهما ولا رضاع، ولأنه لما جاز له أن يتزوج أم ولده من النسب، فإنه يجوز أن يتزوج أم ولده من الرضاع. قالوا أليس لا يجوز له أن يتزوج أم أم ولده من النسب، ويجوز أن يتزوج بأم أم ولده من الرضاع؟ فكيف جاز هذا وقد قلتم إنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؟ قلنا أم أم ولده من النسب ما حرمت بالنسب، وإنما حرمت بالمصاهرة قبل وجود النسب، والنبي (صلى الله عليه وآله) إنما قال يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، ولم يقل يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة. إذا أرضعت الرضعات التي تحرم، وشكت في الأخيرة لم يحرم عليها، لأن اليقين الإباحة، فلا ينتقل عنه بالشك، وقال بعضهم الورع أن يأخذ بالأكثر. إذا كان لرجل زوجة فوجدها أبوه على فراشه فوطئها يعتقدها زوجة نفسه، ثم جاء الابن فوطئها يعتقد أنها على الزوجية وأن أباه ما وطئها، فقد انفسخ نكاحها بوطئ الأب، وحرمت على كل واحد منهما على التأبيد: أما الأب فكانت محرمة عليه على التأبيد بعقد نكاح ولده عليها، لأنها من حلائل الأبناء، وحرمت على الابن على التأبيد لأنه إذا وطئها أبوه بشبهة صارت من حلائل الآباء، وهو قوي على

[ 306 ]

مذهبنا أيضا لقوله تعالى " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم " وذلك عام في العقد والوطي. وأما المهر فإن كان زوجها دخل بها قبل الفسخ، فلها عليه كل المسمى، وإن لم يكن دخل بها فنصف المسمى لأن الفسخ جاء لا من قبلها قبل الدخول، ولها على الأب مهر مثلها لأنه وطئها بشبهة ولها على الابن مهر مثلها أيضا لأنه وطئها بشبهة بعد زوال النكاح، ولا يرجع الابن على أبيه بشئ، وإن كان قد حال بينه وبين زوجته. قالوا أليس لو أرضعتها أمه انفسخ نكاحها ورجع على أمه بالمهر؟ هلا قلتم يرجع على أبيه بالمهر قبل الفصل بينهما، قلنا إن أباه قد لزمه مهر مثلها لها بوطيه إياها، فلم يجز أن يوجب عليه مهرا ثانيا، وليس كذلك إذا أرضعتها أمه لأنه ما وجب عليها للزوجة مهر بإرضاعها إياها، فلهذا أوجبنا عليها له مهر مثلها. وقال بعضهم هذا بعيد وعلى الأب مهر مثلها لها، وعليه لولده مهرها، لأن المهر وجب لها عليه بوطيه إياها بشبهة وإتلاف بضعها عليها، ووجب لولده عليه لأجل الحيلولة بينه وبين بضعها، فلا يسقط أحدهما بالآخر، وهذا هو الأقوى عندي إذا قلنا بما قالوه، ويقوى في نفسي أنها لا تحرم على الابن بحال، بوطي الأب لأنه لا دليل عليه، والأصل ثبات العقد، والأول أحوط لما قلناه من الآية. رجل له زوجتان صغيرة لها دون الحولين، وكبيرة بها لبن من غيره فيطلقهما معا فتزوج بهما رجل آخر معا، ثم أرضعت الكبيرة الصغيرة انفسخ نكاحهما: لأنه صار جامعا بين المرأة وابنتها في النكاح فانفسخ النكاحان معا. وأما التحريم فإن الكبيرة حرمت عليهما معا على التأبيد: حرمت على الأول لأنها الآن أم من كانت زوجته، وعلى الثاني لأنها أم من هي زوجته. وأما الصغيرة نظر فيها، فإن كان كل واحد منهما دخل بالكبيرة حرمت الصغيرة على التأبيد، لأنها بنت من قد دخل بأمها، وإن لم يكن دخل بها واحد منهما لم تحرم لأنها بنت من لم يدخل بها، وإن كان قد دخل بها أحدهما دون الآخر حرمت على من دخل بأمها دون من لم يدخل بها.

[ 307 ]

رجل له زوجة كبيرة وآخر له زوجة صغيرة لها دون الحولين، ثم طلق كل واحد منهما زوجته وتزوج كل واحد منهما بزوجة صاحبه، ثم أرضعت الكبيرة الصغيرة حرمت الكبيرة على كل واحد منهما على التأبيد: حرمت على زوج الصغيرة لأنها أم زوجته، وحرمت على الآخر لأنها أم من كانت زوجته. وأما الصغيرة ينظر فيها، فإن لم يكن دخل واحد منهما بالكبيرة لم تحرم الصغيرة على واحد منهما، لأنها بنت من لم يدخل بها، وإن كان قد دخل بها كل واحد منهما، حرمت على كل واحد منهما على التأبيد، لأنها بنت من دخل بها. وإن كان قد دخل بها أحدها دون الآخر، حرمت على من كان دخل بها دون الآخر، وينظر، فإن كان قد دخل بالكبيرة من هو الآن زوج الصغيرة، انفسخ نكاح الصغيرة، وإن كان الذي دخل بها الآن زوج الكبيرة لم ينفسخ نكاح الصغيرة لأنها ما حرمت عليه، لأنه ما دخل بأمها. إذا أتت بولد من زنا فأرضعت بلبنه مولودا لقوم صارت أمه من رضاع، ولم يكن الزاني أباه من الرضاع، لأن النسب لم يثبت فلا يثبت الرضاع، ويقتضي مذهبنا أنها لا تصير أمه لأن نسبه عندنا لا يثبت شرعا من جهتها، ولا ترثه بحال. إذا زنا بامرأة فأتت بولد من زنا لحق بأمه نسبا عندهم، وعندنا لا يلحق لحوقا شرعيا يتوارثان عليه، ولا يلحق بالزاني بلا خلاف، وعند بعضهم يجوز له نكاحها إن كانت بنتا وإن كان مكروها، وعند آخرين لا يجوز، ولو ملكه عتق عليه. وعندنا لا يجوز له أن يتزوجها غير أنه لا يعتق عليه لأنه لا دليل عليه، ومن كره تزويجها قال بعضهم: لأنه يخرج به من الخلاف وقال آخرون لأنه لا يأمن أن يكون مخلوقا من مائه، ولو أخبره الصادق أنه مخلوقة من مائه فإنها تحرم عليه، و على الأول لا تحرم. وإذا طلق زوجته بعد الدخول بها فوطئت في عدتها على شبهة بنكاح فاسد، أو بغير نكاح، فأتت بولد ثم أرضعت بلبنه مولودا لقوم، فإن حكمه تابع لحكم ولدها

[ 308 ]

من النسب وقد ذكرنا فيما سلف أنه لا يخلو أن يلحق بالأول أو بالثاني، أو لا يلحق بواحد منهما، أو يمكن أن يكون منهما: فإن الحق بالأول دون الثاني فهو ولده دون الثاني، وكذلك المرتضع، وإن الحق بالثاني دون الأول فهو ولده دون الأول وكذلك المرضع، وإن انتفى منهما فإن أتت به لأكثر من أقصى مدة الحمل من طلاق الأول وأقل من ستة أشهر من وطي الثاني انتفى عنهما معا وكذلك المرضع. وإن أمكن أن يكون من كل واحد منهما استخرج بالقرعة، فمن خرج اسمه الحق به وكذلك المرضع، وإن مات قبل أن يقرع بين الرجلين فإن خلف ولدا قام مقام أبيه وكذلك المرضع وإن مات ولم يخلف ولدا استخرج بالقرعة أحدهما، و الحق به المرضع. وفيهم من قال يكون ولدا لهما، لأن اللبن ينزل تارة بالوطي، وأخرى للولد فإذا أمكن ذلك في اللبن كذلك الولد، وقال آخرون لا يكون إلا لأحدهما لا بعينه وهو الصحيح، لأن اللبن الذي ينزل على الاحبال لا حرمة له، وإنما الحرمة ما ينزل على الولادة. فمن قال لهما قال يحرم على كل واحد منهما، ومن قال بالثاني قال لا يحرم إلا على واحد لا بعينه، والمعول على ما قلناه من القرعة. وهل له أن يتزوج بنت واحد منهما فيه ثلاثة أوجه: أحدها لا يجوز لأن أحدهما أبوه وإن كنا نجهل عينه فغلب التحريم، والثاني أنه يجوز ذلك لأن الأصل الإباحة، والثالث أن له أن يتزوج بنت كل واحد منهما على الانفراد، فإذا تزوج واحدة حرمت عليه الأخرى وتعينت، وفيهم من قال إذا طلق الأولة حل له نكاح الثانية، لأن الأصل الإباحة، وهذا يسقط عنا لما قدمناه من القرعة، فإن بها يتعين فأما قبل ذلك فينبغي أن لا يتزوج بواحدة منهما احتياطا. وإذا أتت امرأته بولد فنفاه باللعان فأرضعت المرأة مولودا بلبن هذا الولد، كان

[ 309 ]

ولدها ولم يكن ولدا للزوج، لأن النسب لم يثبت معه، فكيف الرضاع وهو فرع عليه فإن استلحقه بعد ذلك لحقه وثبت نسبه، ويتبعه ولد الرضاع. إذا كان له امرأتان أمة كبيرة وحرة صغيرة، فأرضعت الكبيرة الصغيرة انفسخ نكاحهما معا، لأنه صار جامعا بين المرأة وابنتها، أما التحريم فإن الكبيرة تحرم على التأبيد سواء دخل بها أو لم يدخل بها، لأنها من أمهات النساء، وأما الصغيرة فإن كان دخل بالكبيرة حرمت على التأبيد، لأنها بنت من دخل بها، وإن لم يكن دخل بالكبيرة لم تحرم الصغيرة، وكان له نكاحها لأنها ربيبة من لم يدخل بأمها. وأما المهر فإن لم يكن دخل بالكبيرة فلا مهر لها، لأن الفسخ جاء من قبلها قبل الدخول، وإن كان قد دخل بها لم يسقط مهرها ولم يرجع عليها بشئ، لأجل الحيلولة لما مضى. وأما الصغيرة فلها نصف المهر لأن الفسخ جاء لا من قبلها قبل الدخول، ويرجع الزوج به على الكبيرة، لكنه يتعلق برقبتها تباع فيه، لأن الرضاع كالجناية، و جناية الأمة في رقبتها ولو كانت حرة تعلق بذمتها. رجل له أم ولد وزوجة صغيرة، فأرضعتها أم ولده، انفسخ نكاح الصغيرة، لأنها بنت من قد دخل بها وأما التحريم فإن أم ولده حرمت على التأبيد، لأنها من أمهات نسائه، وأما الصغيرة فإنها قد حرمت على التأبيد أيضا لأنه إن كانت أرضعتها بلبنه فهي بنته وبنت من قد دخل بها وإن كان الرضاع بلبن غيره حرمت، لأنها بنت من قد دخل بها. وأما المهر فللصغيرة عليه نصف المسمى، ولا يرجع على أم ولده بشئ، لأن السيد لا يفتدي فيجب له في ذمة عبده حق، ولا في رقبته. رجل له أم ولد وله ولد له زوجة صغيرة، فأرضعت أم ولده زوجة ولده، انفسخ النكاح نكاح الصغيرة، لأنها صارت بنت المولى وهي أخت زوجها، وأما التحريم فقد حرمت على زوجها على التأبيد لأنها أخته، وأما أم الولد فلا تحرم على سيدها

[ 310 ]

لأنها أم زوجة ولده، ذلك لا يحرم كما لا يحرم على الولد أم زوجة والده. وأما المهر فللصغيرة على زوجها نصف المسمى، ويرجع بالضمان على سيدها كما لو جنى عبده القن، واختار أن يفديه ويضمن أقل الأمرين من قيمتها أو أرش جنايتها، لأنه إن كانت القيمة أقل فليس عليه إلا قيمة رقبتها، وإن كانت القيمة أكثر فليس لها إلا قدر المهر. فإن وطي أمته، ثم كاتبها فأرضعت زوجة له صغيرة انفسخ نكاحها، لأنها بنت من قد دخل بها وأما التحريم فقد حرمت المكاتبة على التأبيد، لأنها من أمهات النساء وحرمت الصغيرة على التأبيد، لأنها بنت من قد دخل بها، وأما المهر فللصغيرة نصف المسمى لأن الفسخ لا من قبلها قبل الدخول، ويرجع السيد بنصف مهرها على مكاتبته يستوفيه مما في يدها، لأن المكاتب يضمن لسيده أرش الجناية ويفارق أم ولده. لأنها ملكه، فلذلك لم يرجع عليها بشئ. قد ذكرنا أن من وطي وطيا يلحق به النسب في نكاح صحيح أو فاسد أو وطي شبهة أو بملك يمين، فأحبلها ونزل لها لبن فأرضعت به مولودا العدد الذي يحرم، فإن المرضع ولدهما معا من الرضاعة. فإذا ثبت هذا فأحبلها وولدت ثم طلقها، فأرضعت به مولودا قبل أن تنكح زوجا غيره، كان ولدها وولده معا سواء أرضعته قبل العدة أو بعد انقضائها، انقطع لبنها ثم عاد أو ثبت ولم ينقطع، وسواء زاد أو نقص الباب واحد. وأما إذا تزوجت فأرضعت به مولودا قبل أن يدخل الثاني بها أو بعد أن يدخل بها قبل أن تحمل أو حملت فنزل لها لبن قبل الوقت الذي ينزل للحمل في العادة، فإنه قيل أقل مدة ينزل له لبن أربعون يوما، وكان اللبن قائما لم يزد ولم ينقص في وقت ينزل لهذا الحمل لبن، فالحكم في كل هذا أن اللبن للأول، ولا فرق بين أن انقطع ثم عاد أو لم ينقطع، الباب واحد بعد أن لا يزيد، فهو للأول. وأما إن زاد لبنها في وقت ينزل لهذا الحمل لبن، فكان مستداما أو انقطع انقطاعا

[ 311 ]

يسيرا ثم نزل قيل فيه قولان أحدهما للأول والثاني معا، والقول الثاني يكون للأول وهو الأقوى عندي، لأن اللبن قد يزيد من غير إحبال، فأما إن انقطع انقطاعا بينا ثم عاد في وقت يمكن أن يكون للثاني قيل فيه ثلاثة أقوال أحدها للثاني دون الأول وهو أقواها عندي وأصحها، والثاني للأول دون الثاني والثالث لهما. هذا إذا أرضعته قبل أن تلد الثاني وأما إذا ولدته فقد انقطع عن الأول بكل حال وصار للثاني دون الأول. شهادة النساء لا تقبل في الرضاع عندنا، وتقبل في الاستهلال والعيوب تحت الثياب والولادة، وقال بعضهم تقبل، في جميع ذلك وفيه خلاف. ومن قال تقبل، قال: لا تقبل إلا شهادة أربع منهن، وفيه خلاف آخر بينهم. إذا ادعى الزوج بعد عقد النكاح أن امرأته هذه محرم له من رضاع، مثل أن قال هذه أختي أو بنتي أو عمتي أو خالتي من رضاع لم يخل من أحد أمرين إما أن تكون معه بينة أو لا بينة معه، فإن لم يكن معه بينة قبل منه ما عليه دون ماله، وتحت قوله لا نكاح بيننا: لا مهر لها، فإن كان بعد الدخول استقر المسمى لأنه حق عليه، وإن كان قبل الدخول فلها نصف المسمى، لأن الفسخ جاء من قبله قبل الدخول، وحكمنا بفسخ النكاح لأنه لا حق عليه. فإن كان معه بينة قبلنا شاهدين عدلين لا غير عندنا، وعندهم شاهدان أو شاهد وامرأتان أو أربع نسوة، فإذا شهدن حكم بأنه لا نكاح بينهما، فإن كان قبل الدخول سقط كل المهر، وإن كان بعده استقر عندنا المسمى، وعندهم وجب مهر المثل، فإن كان فيمن شهد أم الزوجة وبنتها لم تقبل عندنا لما مضى، وعندهم تقبل لأن شهادة الولد والوالد مقبولة عليه، وإنما لا تقبل له. فإن كان فيهن أم الزوج وبنته لم تقبل ههنا، لأنها شهادة له، فلا تقبل، ولا يمكن شهادة البنت على أن أمها ارتضعت من هذه دون الحولين، لأنه محال، وإنما تقبل فيما هو حق على أمها ويمكن أن تشهد البنت على أن أمها أرضعت هذا الزوج

[ 312 ]

وكان صغيرا أو تشهد أن جدتها أرضعته، وكان صغيرا، فلما كبر تزوجت به، وهو ممكن وعندنا إن كان بدل البنت ابنا فشهد بذلك قبل شهادته عليها، ولها، وإنما لا تقبل شهادة الولد على والده فحسب. فإن كانت الزوجة هي التي ادعت أن زوجي هذا محرم لي من رضاع، فقالت هو أخي أو ابني أو أبي أو عمي أو خالي فإن لم يكن معها بينة لم يقبل قولها، لأن جميع ما تدعيه حق لها لأنها تدعي فسخ النكاح فلا يقبل قولها فيما فيه فسخ النكاح، وإن كان معها بينة قبلنا شاهدين وعندهم شاهد وامرأتان أو أربع نسوة، فإن كان معهن أم الزوج وابنتها جرى عليه، لأنها شهادة عليه، بلى إن كان فيهن أم الزوجة و بنتها لم يقبل، لأنها شهادة لها. وعندنا إن كان فيهما ابن الزوج لم يقبل، لأنه لا يقبل شهادته على أبيه، وإن كان فيهما أبوه قبل، لأنه تقبل شهادته على ابنه وإن كان فيهما أبو الزوجة أو ابنها يقبل، لأنها يقبل شهادتهما للأم والبنت. فأما كيفية سماع الشهادة فجملته أن الشهادة على الرضاع لا يقبل مطلقة، فلو قال الشاهد هذه أخته أو عمته أو خالته أو بنته من الرضاع لم يقبل هذا منه، حتى يفسره لأن الناس اختلفوا في الرضاع الذي ثبت به التحريم والحرمة، منهم من قال رضعة واحدة، ومنهم من قال حولان، ومنهم من قال خمس رضعات، ومنهم من قال عشرة وخمس عشرة وغير ذلك. فإذا كان كذلك لم يجز أن يعمل على الإطلاق لئلا يقضي بما يعتقد أنه رضاع محرم، وليس كذلك، فهو كالقتل إذا شهدا أنه قتل عمدا قيل لهما صفا القتل ولا يزال يستشرحه حتى يزول الاحتمال. فإذا ثبت ذلك فتفسيرهما أن يقول أشهد أنها أرضعته خمس عشرة رضعة متفرقات خلص اللبن منها إلى جوفه في الحولين، فلا بد أن يتحقق أن في ثديها لبنا ثم يشهد هكذا، ويحتاج على مذهبنا أن يتبين أنها لم يفصل بين الرضعات برضاع امرأة أخرى.

[ 313 ]

وهذا وإن كان نفيا فيمكن أن يشهد أنه ما فارقها هذه المدة حتى استوفت العدد فإن ابتدأ الشاهد بهذا على هذا الوجه قبلنا، وإن أطلقها فاستشرحها الحاكم عن ذلك ففسرها هكذا حكم بها، لأنه زال ما يحذره. فإن قيل خلوص اللبن إلى جوفه من المغيب عنه والله يعلم فكيف يشهد بحصول اللبن إلى جوفه؟ قلنا الذي يحتاج إليه أن يعلم أن في ثديها لبنا، فإذا شاهده قد التقم الثدي يمصه بأن يحرك شفتيه كان الظاهر أن اللبن قد حصل في جوفه، فالشهادة تقع على الظاهر. ألا ترى أن الشهادة على النسب والموت والملك المطلق لا يفتقر إلى القطع بها، بل بالظاهر، فإن أدخل الصبي رأسه تحت ثيابها أو أدخلته تحت ثيابها ولم يشاهده ملتقما ثديها لم يجز أن يشهد بالرضاع حتى يشاهده يلتقم الثدي يمصه. إذا اعترف أحدهما بأن الآخر ذو محرم له من رضاع، مثل أن قال الرجل هذه بنتي أو أختي أو أمي أو خالتي أو عمتي أو قالت هذا ابني أو خالي أو عمي أو أبي من الرضاع لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون قبل النكاح أو بعده، فإن كان قبل النكاح وكان الرجل هو الذي قال هذا، ثبت ما قاله، وحرم عليه نكاحها، لأنه اعترف بأنها صارت محرمة عليه، وكذلك إن كانت هي التي ذكرت هذا، قبل قولها وحرم عليها نكاحه، لأنه إقرار فيما هو حق لها فقبل قولها على نفسها فيه. هذا إذا كان في وقت يمكن ذلك، فأما إذا كان على وجه لا يمكن، مثل أن يقول لمن هو أكبر منه سنا أو في سنه هذه بنتي أو قالت هذا ابني سقط قولهما، وقال بعضهم لا يسقط والأول أصح لأنه علم كذبه. فإن رجعا عن ذلك وقالا كذبنا في هذا لا حرمة بيننا من رضاع نظرت، فإن كان ما قال أولا صدقا في الظاهر والباطن، فقد حرم أحدهما على صاحبه ظاهرا وباطنا، وإن كان صدقا في الظاهر دون الباطن حرمت عليه في الظاهر دون الباطن، لأنا لا نقبل قولهما في الحكم ويقبل فيما بينهما وبين الله تعالى.

[ 314 ]

هذا إذا كان قبل النكاح بها، فأما إن كان بعد النكاح نظرت، فإن كان الزوج هو الذي قال هذا لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون قبل الدخول أو بعده، فإن كان قبل الدخول نظرت فإن صدقته ثبت أنه لا نكاح بينهما ولا شئ لها، وإن كذبته قبل قوله فيما عليه من فسخ النكاح، ولم يقبل فيما له، وهو ثبوت نصف المسمى فإن ادعى عليها علما أحلفها. هذا إذا كان قبل الدخول، وأما إن كان بعد الدخول نظرت فإن صدقته فلها مهر مثلها، وإن كذبته فلها المسمى، وعندنا أن لها المسمى في الحالين. فأما إن كانت هي التي ذكرت ذلك لم يقبل قولها، لأنها تدعي فسخ النكاح، فلا يقبل لأنها في حق الغير، ويستحب له أن يطلقها ليحل لغيره، فإن ادعت علمه بذلك أحلف لها، فإن حلف فهي على النكاح، فلو نكل حلفت وفرق بينهما. إذا أرضعت الخنثى مولودا الرضاع المحرم، فإن كان الخنثى ذكرا لم ينشر الحرمة، لأنه رجل، ولبن الرجل لا ينشر الحرمة، وإن كان المرأة نشر الحرمة لأنه امرأة، وإن كان مشكلا وقف المولود على ما ينكشف منه، فإن بان رجلا لم ينشر الحرمة، وإن بان امرأة نشرها. وأما ما به يعلم الرجل من المرأة فقد مضى في النكاح، وعندي أن هذا محال لأن اللبن لا يكون له حرمة إلا ما كان عن ولادة، وإذا ولدت كانت امرأة قطعا فلا احتمال هناك. إذا نزل للبكر أو الثيب لبن ولا زوج لها، فأرضعت بلبنها مولودا العدد المحرم قال المخالف: ينشر الحرمة بينهما، وصارت أمه، وصار ابنا من رضاع للأم، ولا أب له، لأن اللبن للمرأة خلق غذاء للآدمي يحمل على الأغلب، ويقوى في نفسي أنه لا حكم له، لأنه لا دليل عليه ولما قلناه أولا. فأما إن نزل لبن رجل فأرضع به مولودا العدد الذي يحرم مثله، لم ينشر الحرمة بلا خلاف، لأنه ما خلق غذاء للمولود فهو كلبن البهيمة. فإن أرضعت امرأة جارية لقوم وصبيا لقوم آخرين كانت أمهما وصارا أخوين من

[ 315 ]

رضاع فلهذا الصبي أن يتزوج بأم أخته التي لم ترضعه، لأنه لا حرمة بينه وبين أم أخته من نسب ولا رضاع فهو كما قلنا له أن يتزوج أخت أخيه من رضاع كما يتزوج أخت أخيه من نسب. رجل له زوجتان: صغيرة وكبيرة بها لبن من غيره، فدنت الصغيرة فارتضعت من الكبيرة، والكبيرة نائمة، انفسخ نكاحهما معا لأنه صار جامعا بين أم وبنتها وأما التحريم فإن الكبيرة حرمت على التأبيد لأنها من أمهات النساء، وأما الصغيرة فإن كان دخل بأمها حرمت على التأبيد، وإن لم يدخل بها كان له نكاحها فيما بعد. وأما المهر فإن الصغيرة لا مهر لها، لأن الفسخ جاء من قبلها قبل الدخول، وأما الكبيرة فإن كان قبل الدخول فلها نصف المسمى لأن الفسخ جاء لا من قبلها قبل الدخول وله أن يرجع على الصغيرة لأنها حالت بينه وبين الكبيرة، وإن كان بعد الدخول بالكبيرة فقد استقر لها كل المسمى. فإذا ثبت أن له أن يرجع على الصغيرة، فإن كان دخل بالكبيرة رجع على الصغيرة بكل المهر، وإن لم يكن دخل رجع بنصفه، فإن كان للصغيرة مال رجع عليها بذلك في الحال، وإلا كان في ذمتها يطالبها به إذا أيسرت. إذا ادعت المرأة أن زوجها أقر بأنه أخوها من رضاع فأنكر، وأقامت المرأة أربع نسوة عدول شهدن بذلك، لم يقبل، لا عندنا ولا عندهم، عندنا لما مضى، وعندهم لأن شهادتهن منفردة إنما تقبل فيما لا يطلع عليه الرجال، وهذا إقرار وليس الاقرار كالمقر به ألا ترى أنه يقبل في المال شاهد وامرأتان ولا يقبل في الشهادة على الشهادة بالمال شاهد وامرأتان. امرأة كبيرة تزوجت بصغير له دون الحولين، فأصابت به عيبا فاختارت فسخ النكاح ففسخ. ثم تزوجت برجل كبير، فاستولدها، فأرضعت ذلك الصغير الذي كان زوجها العدد المحرم في الحولين، انفسخ نكاحها، لأنها كانت حليلة من قد صار ولده وحلائل الأبناء حرام على التأبيد. وأما التحريم فحرمت على الكبير لهذا المعنى، وحرمت على الصغير على التأبيد

[ 316 ]

لأنه صار ولدها من رضاع، ولأنها حليلة أبيه، ومثله إذا زوج أمته الكبيرة بعبد صغير له دون الحولين ثم أعتق الأمة فاختارت فسخ النكاح، ثم تزوجت بكبير فأولدها فأرضعت ذلك العبد الصغير الذي كان زوجها، انفسخ نكاح الكبيرة، لأنها من حلائل الأبناء، وحرمت على التأبيد لهذا المعنى، وحرمت على الصغير لأنه ولدها ولأنها من حلايل الآباء. فرع رجل تزوج بامرأة كبيرة فاستولدها وطلقها وفيها لبن، فتزوجت بصغير له دون الحولين، فأرضعته العدد المحرم انفسخ نكاحها، لأنه صار ولدها، وكانت حليلة والده، وأما التحريم فقد حرمت على الصغير على التأبيد لأنها صارت أمه، ولأنها حليلة من قد صار والده، وأما الكبير فحرمت عليه على التأبيد لأنها قد صارت حليلة من قد صار ولده. فرع رجل استبرأ أم ولده فزوجها من طفل حر له دون الحولين، فأرضعته صار ولدها، وولد سيدها، وانفسخ نكاحها لأنها حليلته وهو ولدها، وحرمت أم ولده عليه، لأنها من حلايل أبنائه، وحرمت على الطفل على التأبيد لأنها أمه، ولأنها من حلايل آبائه. وقال بعضهم هذا غلط، لأن الطفل الحر لا يجوز أن يتزوج بأم ولد، لأنه إنما يحل ذلك لعدم الطول، وخوف العنت، والطفل لا يخاف العنت، لكن يتصور المسألة إذا أعتقها مولاها أو لم يعتقها لكن كان الزوج عبدا صغيرا له دون الحولين. [ صغير له دون الحولين ] ظ زوج ببنت عمه ولها دون الحولين ثم أرضعت الجدة أم الأب أحدهما انفسخ نكاحهما لأنها إن كانت أرضعت الصغير فهو عمها لأنه أخو أبيها وإن كانت أرضعت الصغيرة فقد صارت عمته لأنها أخت أبيه، ولا يجوز للرجل أن يتزوج بعمته. وعلى هذا المنهاج مسائل: والأصل فيها متى أرضعت الجدة أحدهما صار المرضع

[ 317 ]

ولد الجدة، فانظر ولد الجدة من هو منها؟ فاحكم بذلك فإن زوج ببنت عمته فأرضعت الجدة أحدهما انفسخ النكاح أيضا لأنها إن أرضعت الصغير صار خال زوجته لأنه أخو أمها وإن أرضعت الصغيرة صارت عمته لأنها أخت أبيه فإن زوج ببنت خاله ثم أرضعت جدتهما أحدهما انفسخ النكاح أيضا لأنها إن أرضعت الصغير صار عمها لأنه أخو أبيها، وإن أرضعت الصغيرة صارت خالته لأنها أخت أمه. وإن زوج ببنت خالته فأرضعت الجدة أحدهما انفسخ النكاح أيضا لأنها إن أرضعت الصغير صار خالها لأنه أخو أمها، وإن أرضعت الصغيرة صارت خالته لأنها أخت أمه وعلى هذا أبدا. فرع امرأتان حلبت إحداهما رضعة في قدح، وحلبت الأخرى حلبة في ذلك القدح فاختلطت الرضعتان فشربهما زوجهما الصغير، عندنا لا حكم له لما مضى وعندهم حصل له من كل واحدة رضعة كاملة وإذا فعل هذا خمس مرات انفسخ النكاح لأنه قد صار في جوفه من لبن كل واحدة خمس رضعات بكمالها وعندنا لا حكم له أصلا لأنها ما ارتضعت من الثدي ولأنه دخل بين الرضعات رضاع امرأة أخرى. فرع امرأة أرضعت صغيرة الرضعات التي تحرم إلا واحدة، ثم تزوج بها وبالصغيرة رجل صح، لأن الرضاع المحرم ما تم، فإن أرضعت الكبيرة الصغيرة الرضعة التي يتم بها العدد المحرم انفسخ نكاحهما، لأنه صار جامعا بين المرأة وبنتها، وللصغيرة نصف المسمى، ويرجع على الكبيرة بذلك، لأنها التي حالت بينهما برضاعها. فرع رجل تزوج بثلاث نسوة: صغيرة لها دون الحولين وكبيرتين، فأرضعت كل واحدة من الكبيرتين هذه الصغيرة، أربع رضعات، ثم حلبت كل واحدة منهما حلبة فجعلا في إناء واحد ثم أوجرتاها معا هذا اللبن، انفسخ نكاح الثلاث، لأنه صار جامعا بين

[ 318 ]

المرأة وأمها، وعندنا النكاح بحاله، وأن فرضنا تمام العدد الذي يعتبر لأنه ما ارتضع من الثدي. ومن قال بالأول قال يحرم الكبيرتان على التأبيد، لأنها من أمهات النساء والصغيرة إن كان دخل بالكبيرتين حرمت على التأبيد، وإن لم يكن دخل بهما حلت له. وأما المهر فللصغيرة عليه نصف المسمى، لأن الفسخ جاء لا من قبلها قبل الدخول ويرجع على الكبيرتين بنصف مهر مثل الصغيرة لأنهما سببا الحيلولة بينها وبينه، فيكون له على كل واحدة من الكبيرتين ربع مثل مهر الصغيرة. وأما الكبيرتان فلا يخلو أن يكون قد دخل بهما أو لم يكن دخل بهما، فإن كان دخل بهما استقر لكل واحدة منهما عليه المسمى ويرجع على كل واحدة منهما بنصف مهر مثل صاحبتها، لأن الكبيرة متى جاء الفسخ من قبلها بعد الدخول استقر لها المسمى، ولم يرجع عليها بشئ، ولو أن غيرها فسخ نكاحها رجع على ذلك الغير بكل مهر المثل، فإذا جاء الفسخ من قبل كل واحدة منهما وقبل صاحبتها لم يرجع على كل واحدة منهما إلا بما قابل فعلها في حقها فيرجع على كل واحدة منهما بنصف مهر مثل صاحبتها. هذا إذا كان بعد الدخول، وأما إن كان قبل الدخول وجب لكل واحدة منهما على الزوج ربع مهرها المسمى، ويرجع على كل واحدة منهما بربع مهر مثل صاحبتها لأن نصف المهر سقط بزوال النكاح قبل الدخول، وبقي النصف وقد جاء الفسخ من قبلهما معا في حقها وحق صاحبتها، فما قابل حقها هدر، وما قابل حق صاحبتها مضمون، فيصنع هيهنا في نصف المهر ما صنع بعد الدخول في الكل. فأما إن أوجرتها ذاك اللبن إحداهما انفسخ نكاح الكل أيضا، وكان للصغيرة نصف المسمى، ويرجع على التي أوجرتها بنصف مهر مثلها، وأما الكبيرتان فإن كان قد دخل بهما استقر لكل واحدة منهما المسمى، ويرجع على الساقية بمهر مثل الكبيرة

[ 319 ]

لأنها حالت بينها وبين زوجها، ولم يرجع عليها في حق نفسها بشئ، لأن الفسخ جاء من قبلها بعد الدخول. وإن لم يكن دخل بالكبيرتين سقط مهر الساقية، لأن الفسخ جاء من قبلها قبل الدخول، ولغير الساقية عليه المسمى ويرجع على الساقية بمهر مثل صاحبتها، ولا شئ عليه للساقية. لأن الفسخ جاء من قبلها قبل الدخول. وإن كانت بحالها فوثبت إحداهما فأرضعتها الرضعة الخامسة انفسخ نكاح التي أرضعت ونكاح الصغيرة معا، دون التي لم ترضع، ويكون التحريم والرجوع كما لو كانت له زوجتان صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة وقد مضى.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية