الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المبسوط - الشيخ الطوسي ج 4

المبسوط

الشيخ الطوسي ج 4


[ 1 ]

المبسوط في فقه الإمامية تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفي 460 هجري صححه وعلق عليه محمد الباقر البهبودي عنيت بنشره - المكتبة المرتضوية الجزء الرابع لإحياء الآثار الجعفرية رقم تلفن (532138)

[ 2 ]

الحمد لله سبحانه على نعمه وآلائه لقد وفقنا في حقبة من الزمن لنشر آثار كثيرة وأسفار قيمة في الملأ العلمي بصور رائقة بهية، ولمن وازرونا في هذه الخدمة الدينية شكر متواصل غير مقطوع. تذكرة لقد بذلنا الجهد في التصحيح والتنميق الكتاب وقابلناه على نسخ مخطوطة مع المطبوع منه وخرج بحمد الله على ما هو المأمول. وكل ما وجدنا من الزيادة في النسخ جعلناه بين القوسين هكذا [ ] وأشرنا في الذيل إلى اختلاف النسخ. الطبعة الثانية 1388 المطبعة الحيدرية - تهران

[ 3 ]

(كتاب الوصايا) الوصية مشتقة من وصى يصي وهو من الوصل، قال الشاعر (1): نصي الليل بالأيام حتى صلوتنا * مقاسمة يشتق أنصافها السفر ومعناه أنه يصل تصرفه بما يكون بعد الموت ما قبل الموت، يقال منه أوصى يوصي إيصاء، ووصى يوصي توصية، والاسم الوصية والوصاة ويقال استوصى فلان أي إنه يتصرف بغير إذنه. إذا ثبت هذا فالأصل فيها الكتاب والسنة، قال الله تعالى: " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " (2) فذكر الوصية في أربعة مواضع أحدها قوله: " فلأمه السدس من بعد وصية " والثاني في فرض الزوج والزوجة " فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين " والثالث قال " فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين " والرابع " فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصين بها أو دين " فرتب الميراث على الوصية والدين، فثبت بذلك أن الوصية لها حكم. وروي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال ما حق امرئ مسلم له شئ يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده. روى الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه أنه مرض بمكة مرضا أشفى منها فعاده رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله ليس يرثني إلا البنت أفأوصي بثلثي مالي؟ فقال لا فقال أفاوصي بنصف مالي وفي بعضها بشطر مالي؟ فقال لا، فقال أفاوصي بثلث مالي فقال بالثلث والثلث كثير، فقال صلى الله عليه وآله إنك إن تدع أولادك أغنياء خير لهم من إنك تدعهم عالة يتكففون الناس (3).

(1) القائل هو ذو الرمة. (2) النساء: 11.
(3) روي في المصابيح عن سعد بن أبي وقاص قال: عادني رسول الله وأنا مريض =

[ 4 ]

وروى أبو قتادة قال إن النبي صلى الله عليه وآله لما قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور فقيل له: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إنه هلك، وقد أوصى لك بثلث ماله، فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله ثم رده على ورثته. إذا ثبت هذا فالناس في الوصية على ثلاثة أضرب منهم من لا تصح له الوصية بحال، ومنهم من تصح له الوصية، ومنهم من هو مختلف فيه. فمن لا تصح له الوصية عندنا الكافر الذي لا رحم له من الميت وعند المخالف الوارث. ومن تصح له الوصية بلا خلاف مثل الأجانب، فإنه يستحب لهم الوصية وعندنا الوارث تصح له الوصية أيضا، والمختلف فيه على ضربين منهم الأقرباء الذين لا يرثونه بوجه مثل ذوي الأرحام عند من لم يورث ذوي الأرحام مثل بنت الأخ و بنت العم والخالة والعمة، والضرب الآخر يرثون لكن ربما يكون معهم من يحجبهم مثل الأخت مع الأب والولد، فإنهم يستحب أن يوصي لهم وليس بواجب وقال قوم إنه واجب، وعندنا أن الوصية لهم لا كلهم مستحبة مندوب إليها. فإذا ثبت صحة الوصية فإن كان رجل له ابن فقال لأجنبي أوصيت لك بمثل نصيب ابني، فإن له النصف من جميع المال، وقال قوم هذه وصية بجميع المال له، و فايدة هذا الخلاف أنا نقول له نصف المال إذا أجازت الورثة، وإن لم تجز الورثة له الثلث، وعند المخالف له كل المال إذا أجازت الورثة وإن لم تجز الثلث، وجملته

= فقال: أوصيت؟ قلت: نعم، قال: بكم؟ قلت: بمالي كله في سبيل الله، قال: فما تركت لولدك؟ قلت: هم أغنياء بخير، فقال: أوص بالعشر، فما زلت أناقصه حتى قال: أوص بالثلث والثلث كثير، وفي رواية أخرى قال: مرضت عام الفتح مرضا أشفيت على الموت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وآله يعودني، فقلت: يا رسول الله إن لي مالا كثيرا وليس يرثني إلا ابنتي، أفاوصي بمالي كله، قال: لا، قلت: فثلثي مالي؟ قال: لا قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللقمة ترفعها إلي في امرأتك. راجع مشكاة المصابيح 265.

[ 5 ]

أن كل موضع يقول أوصيت له بمثل نصيب أولادي فإنه يكون له نصيب أقلهم نصيبا ولا يعول معولا، لأن العول عندنا باطل، وهكذا إذا قال: له مثل نصيب ورثتي يكون له مثل أقلهم نصيبا. إذا كان له ابنان فقال أوصيت لفلان بمثل نصيب أحد ابني فإنه يضاف إليهما هذا الموصى له، ويكون المال بينهم أثلاثا، وإن كان له تسع بنين، فقال أوصيت له مثل نصيب أحد بني فيكون مع هذا عشرة فيكون له عشر المال. رجل له بنت واحدة فقال أوصيت لفلان بمثل نصيب بنتي، كان له النصف عندنا إذا أجازته الورثة وإن لم تجزه الورثة له الثلث، لأن المال كله للبنت لو انفردت وقال قوم له الثلث لأن هذا كإحدى ابنتين ولو كانتا ابنتين كان لهما الثلثان، كذلك مع هذا الموصى له، لهما الثلثان لكل واحد منهما الثلث. وإذا كان له بنتان فقال أوصيت له بمثل نصيب إحدى ابنتي، يكون الموصى له كواحدة من البنات، ويقسم المال بينهم أثلاثا بالسوية، لأن البنات يرثن المال كله دون العصبة، ومن جعل للبنتين الثلثين والباقي للعصبة، قال: هذا كإحدى البنتين يكون له نصيب إحدى البنتين، فيكون المال على أربعة للبنتين النصف ولهذا الربع والربع الباقي للعصبة، وهكذا إن كن أكثر من ثلاثة وأربعة على هذا المنهاج. إذا كان له أولاد بنين وبنات فقال أوصيت له بمثل نصيب أحد أولادي أو قال: أوصيت له بمثل نصيب أحد ورثتي، فإنه يكون له نصيب إحدى البنات، وهكذا إذا كان له ثلاثة إخوة وثلاث أخوات فقال أوصيت له بمثل نصيب ورثتي، فإنه يكون له نصيب إحدى الأخوات: المسئلة من ثلاثة وتصح من تسعة: للإخوة ستة، وللأخوات ثلاثة ولهذا واحد تصير المسئلة من عشرة، وتصح. ثلاثة إخوة من أب وأم، وثلاثة إخوة لأم، و ثلاثة إخوة من أب، فقال: أوصيت لفلان نصيب أحد إخوتي، فللإخوة للأم الثلث والباقي للإخوة من الأب والأم، وسقط من كان من جهة الأب: المسئلة من تسعة فيصير من عشرة، لأن هذا الموصى له يكون له أقل سهم من سهام الإخوة وأقل سهم هيهنا سهم أحد الإخوة من

[ 6 ]

آلام وهم ثلاثة فيكون لهم ثلاثة أسهم، وللإخوة للأب والأم ستة أسهم، ولهذا سهم يصح من عشرة. رجل خلف بنته وبنت ابنه وأختا من أب وأم فقال أوصيت لفلان مثل نصيب ولدي فإن المال كله للبنت عندنا بالفرض، والرد، فلما أوصى له بمثل نصيبها صار لها النصف وللموصى له النصف، فإن أجازته أخذ النصف كملا، وإن لم تجزه أخذ الثلث والباقي لها. وقال المخالف المسئلة من ستة للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، تكملة الثلثين وللأخت للأب والأم سهمان ولهذا الموصى له سهم فتعول المسئلة إلى سبعة فلهذا له سبع المال، لأن أقل مال أولاده نصيب بنت الابن، ولا فرق في هذه المسئلة أن يقول أوصيت له بمثل نصيب ولدي، أو يقول بمثل نصيب ورثتي المسئلة بحالها. خلف بنتا وبنت ابن وأختا وزوجة، فقال أوصيت له بمثل نصيب ولدي فالمسئلة تصح من ستة عشرة للزوجة الثمن اثنان، وللبنت للصلب سبعة، وللموصى له سبعة وسقط الباقون. وعندهم تصح من أربعة وعشرين تعول إلى ثمانية وعشرين، للبنت اثنا عشر ولبنت الابن أربعة السدس وللزوجة الثمن ثلاثة يبقى خمسة يكون للأخت، ولهذا الموصى له أربعة، الجميع ثمانية وعشرون. المسئلة بحالها فقال أوصيت له بمثل نصيب ورثتي فههنا أقل ما لورثته نصيب الزوجة وهو الثمن، تعول عندهم إلى سبعة وعشرين، وعندنا تصح من ثمانية للزوجة الثمن، وللموصى له ثمن آخر، ويبقى ستة أسهم للبنت للصلب، ويسقط الباقون. المسئلة بحالها وخلف أربع زوجات فقال أوصيت له بمثل نصيب ورثتي، فيكون له ربع الثمن تصح من اثنين وثلاثين للأربع زوجات أربعة الثمن، ولهذا ربع الثمن واحد، ويبقى سبعة وعشرون للبنت للصلب ويسقط الباقون. وعندهم تصح من ستة وتسعين. ولو قال أوصيت له بمثل نصيب أعظم ورثتي يكون له مثل نصيب أكثرهم نصيبا

[ 7 ]

ولو قال أوصيت له بمثل نصيب أقل ورثتي يكون له مثل نصيب أقلهم نصيبا. وإذا كان له ابن فقال أوصيت له بنصيب ابني فإن هذه وصية باطلة، وقال قوم تصح الوصية، ويكون له كل المال. وهذا باطل لأن قوله نصيب ابني كأنه قال ما يستحق ابني، وما يستحق ابنه لا يستحقه غيره، ولو قال أوصيت له مثل نصيب ابني وله ابن قاتل، فالوصية باطلة لأن الابن القاتل لا يرث، ولا يكون له نصيب، فكأنه قال أوصيت له بمثل نصيب من لا شئ له. إذا أوصى لرجل بنصف ماله، ولآخر بثلث ماله ولآخر بربع ماله ولآخر بسدس ماله وكانوا متعينين، ثم قال لآخر أوصيت له بمثل ما أوصيت لأحد هؤلاء الذين أوصيت لهم، فإنه يكون له نصيب أقلهم نصيبا ههنا، ويكون عندنا له نصيب أقلهم نصيبا ممن تسلم الوصية له، فإن في الجميع لا تصح على أصلنا على ما سنبينه. إذا قال أوصيت لفلان بضعف نصيب أحد ولدي، فإن عندنا يكون له مثل نصيب أقل ورثته مرتين، وتصور المسئلة في ابن وبنت: المال على ثلاثة فللموصى له مثلا نصيب البنت سهمان، لأنها كان لها سهم من ثلاثة، يقسم المال على خمسة إذا أجازت الورثة الضعف. وقال قوم شذاذ ضعف الشئ مثله، وإذا قال لفلان من مالي ضعفا نصيب أحد ورثتي كان له أربعة أمثالها، وقال عامة الفقهاء يكون له ثلاثة، لأنه ينبغي أن يضاف الضعف إلى النصيب، والضعف الذي هو مثلان إذا أضيفت إلى نصيب يكون له ثلاثة ولو قال لفلان ضعف ضعف نصيب ورثتي كان ذلك أربعا. والأول أقوى لأن الضعف إذا كان مثلي النصيب على ما مضى فقد أثبت له ذلك دفعتين، لقوله " ضعفي " فيجب أن يكون له ذلك، لأنه لا فرق بين أن يقول له ضعفا نصيبه، وبين أن يقول ضعف ضعف نصيبه. إذا قال لفلان حظ من مالي أو نصيب أو قليل فإنه يرجع إلى الورثة ويقال لهم أعطوه ما يقع عليه اسم ذلك، كما أنه إذا قال أعطوه شيئا من مالي إلا أن يدعي

[ 8 ]

الموصى له أكثر من ذلك وأن الورثة يعلمون ذلك، فإنه يكون القول قول الورثة مع يمينهم أنهم لا يعلمون، وكذلك في جزء وكثير سواء. وأصحابنا قالوا في الجزء أنه سهم من سبعة، وقالوا أيضا سهم من عشرة وإذا أوصى له بسهم من ماله كان له السدس وفيه خلاف. وإذا قال لفلان ثلث مالي ولآخر نصف مالي ولآخر ربع مالي وأجازته الورثة بدئ بالأول فالأول، ويدخل النقص على الأخير، وإن لم يجيزوه وفي الأول ثلثه وسقط الآخران. وقال المخالفون إن أجازته الورثة يقسم المال عليهم من اثني عشر يعول إلى ثلاثة عشر مثل الورثة، وادعوا أنه لا خلاف فيها، وإذا لم يجيزوه فإنه تسقط الزيادة على الثلث ويقسم الثلث على ما ذكرناه على ثلاثة عشر سهما لصاحب النصف ستة ولصاحب الثلث أربعة، ولصاحب الربع ثلاثة، يكون ثلاثة عشر. وإذا أوصى لأحدهم بنصف ماله وللآخر بثلثه كان عندنا على ما مضى، وفيهم من قال يفرض من خمسة لصاحب النصف ثلاثة ولصاحب الثلث سهمان، وعند آخرين بينهما نصفين. إذا أوصى لرجل بكل ماله وللآخر بثلث ماله، فإن بدء بالذي سمي له الكل. وأجازت الورثة أخذ جميع المال وسقط الآخر، وإن بدأ بصاحب الثلث وأجازت الورثة الوصيتين أخذ هو ثلثه، والباقي صاحب الكل، وإن لم تجز الورثة وكان البدأة بصاحب الكل أخذ الثلث وسقط الآخر، وإن كانت البدأة بصاحب الثلث أخذ الثلث وسقط صاحب الكل، فإن اشتبها استعمل القرعة على هذا الترتيب. وقال المخالف الورثة بالخيار بين أن يمنعوا عما زاد على الثلث، أو يجيزوه فإن لم يجيزوه فإن الثلث بينهما على أربعة، لصاحب الكل ثلاثة، ولصاحب الربع واحد، وعند غيرهم يكون بينهما نصفين، ولو أجازت الورثة قسم ذلك مثله. إذا أوصى لرجل بغلام وقيمته خمس مائة، وأوصى لآخر بداره وهي تسوى ألفا وأوصى لآخر بخمس مائة وماله كله ثلاثة آلاف فقد أوصى بثلثي ماله، فإن

[ 9 ]

أجازت الورثة أعطي كل مسمى حقه بلا خلاف، وإن لم تجز الوصية قدم الأول فالأول عندنا فإن اشتبهوا استعملت القرعة. وقال المخالف يكون لكل واحد منهم نصف ما أوصى له به، بناء على ما مضى. تصرف المريض في ماله إذا كان منجزا لأصحابنا فيه روايتان أحدهما يكون من أصل المال والأخرى يكون من الثلث، وفيما زاد على الثلث لا يصح وهو مذهب من خالفنا وإذا لم يكن منجزا فلا خلاف أنه من الثلث. إذا كان ورثته أغنياء يستحب له أن يوصي بثلث ماله، ويستوفي الثلث، وإن كانوا فقراء فالأفضل أن يكون وصيته فيما أقل من الثلث، وأما تصرف الصحيح فما كان منجزا من البيع والهبة فإنه من رأس المال، وما كان من وصيته من الثلث بلا خلاف. وإذا أوصى زيادة على الثلث فإن أجازته الورثة جاز وإن لم تجزه مضى في الثلث وأبطل فيما زاد عليه، سواء كانت الوصية للأجنبي أو للوارث، والقريب الذي ليس بوارث. وقال بعضهم إن كانت للأجنبي فللورثة المنع مما زاد على الثلث، وإن أجازت صح لكن هل يكون هذا إجازة على فعل الموصي أو ابتداء هبة من الورثة؟ قيل فيه قولان أحدهما يكون إجازة على فعل الموصي، والآخر أنه يكون ابتداء هبة من الورثة. هذا إذا أوصى لأجنبي فإن أوصى لوارث بثلث ماله فللورثة أن يمنعوا من ذلك وإن أوصى بزيادة عليه فلهم أن يمنعوا المتعينين وإن إجازته الورثة يصح ذلك كما مضى، من أنه ابتداء هبة من الورثة أو إجازة والآخر عندهم الصحيح. وعلى ما قلناه إجماع الفرقة وظاهر القرآن قال الله تعالى " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين " (1) ونكتة هذا القول أن تصرف المريض صحيح في جميع ماله الذي يتصرف فيه ما كان منجزا وغير منجز، بدليل

(1) البقرة: 181.

[ 10 ]

أنه لو برئ فقد لزم ونفذ، ولا يكون له الرجوع، وإن كان تعلق به خيار الورثة من المنع وغيره، فإذا أجازت الورثة فإنهم أجازوا وصيته عن عقد تقدم. وذلك كرجل اشترى عبدا وظهر به عيب كان له الخيار بالرد، فإن أمسكه و اختاره معيبا فإن أحدا لا يقول هذا استيناف عقد، وإنما يكون إمساكه عن عقد متقدم، فكذلك هيهنا. فإذا ثبت أنه إجازة فإذا أجازوا فقد لزم، وليس لهم الرجوع، لأنهم أسقطوا حقوقهم بالإجازة كالشفعة، ولا يفتقر إلى القبض، ومن قال إنه ابتداء هبة فللورثة الرجوع قبل القبض مثل الهبة وقال قوم لا بد من القبض، وقبضه قوله أبحت لك، ملكتك، وهبت لك ما أوصى فلان لك. رجل أعتق عبدا له لا مال له غيره في مرضه المخوف، نظرت فيه فإن لم تجزه الورثة بطل العتق في ثلثي العبد، وصح في الثلث، ويكون الولاء في الثلث له وينتقل إلى عصبته، فإن أجازت الورثة فمن قال إنه إجازة على فعل الموصي، قال ينعتق العبد ويكون ولاؤه لورثة الموصي الذكور دون الإناث، ومن قال ابتداء هبة، قال ولاء ثلث العبد للموصي، وللعصبة ولاء ثلثي العبد لورثته الذين أجازوا العتق. رجل أوصى لرجل بنصف ماله، فأجازت الورثة ذلك، ثم قالوا إنا علمنا أن ماله ثلاثة آلاف (1) وكنا نظنه ألفا وخمسمائة، وإنما أجزت خمسمائة والآن لا أجيزه، قال قوم يقال أسقط ذلك الذي تعلمه وتظنه، والباقي القول قولك إلا أن الموصى له، متى يقم البينة بأنه كان علمه فإنه حينئذ لا يقبل قوله، لأن البينة أقوى من دعواه. قال قوم وهذا على قول من قال: إن إجازة الورثة إجازة على فعل الموصي، فأما على القول الآخر لا يجئ، لأنه يحتاج إلى القبض، وإن لم يشاهده فالقبض لا يصح كالهبة، إذا ثبت هذا فإنه لا يصح في تلك الزيادة لأنه إسقاط حق فلم يتعلق

(1) كذا في المطبوعة، وفي نسخة: ثم قالوا إنا ظننا أن ماله ثلاثة آلاف ويكون نصفه ألفا وخمسمائة، وأنا أجزت خمسمائة، والآن لا أجيزه الخ.

[ 11 ]

بالمجهول كالابراء، فيقال له: قد صح له خمسمائة، وسقط هذه الخمس مائة، و ما زاد على الخمس مائة فالقول قوله إلا أن يقيم له البينة فيحكم له بها. إذا أوصى لرجل بعبد وكان يزيد على الثلث فأجاز الورثة ثم قال إني عهدته و كان له مال عظيم أو يقول ما علمت أن عليه الدين، وظننت أن هذا العبد يزيد على الثلث بقدر يسير، والآن قد أتى على أكثر ماله فلا أجيزه، قيل فيه قولان أحدهما كالمسألة التي قبلها في أنه يصح في القدر الذي يعلم، وهو اليسير الذي يدعي أنه كان يعلمه، والقول الثاني تنفذ الوصية في جميع العبد. والفرق بين هذه والتي قبلها أن هناك ما شاهده، ولم يعلم لأنه مجهول، و ليس كذلك ههنا لأن العبد كان قد شاهده ويعلم كم قيمته، فلم يدخل فيه بجهالة. إذا أوصى لوارث وأجنبي بثلث ماله صح عندنا وعندهم إن أجازت الورثة صح، ويكون بينهما، وإن لم تجز بطل في حق الوارث، ويصح في حق الأجنبي، ورجع على الورثة. رجل أوصى بثلث ماله لأجنبي وبثلث ماله للوارث، قد بينا مذهبنا فيه، وهو أن يمضي الأول منهما وإن اشتبه استعمل القرعة، وإن أجازت الورثة صحتا جميعا. وقال المخالف إن أجاز الورثة صحتا جميعا وإن لم تجز بطل في حق الوارث، وتصح في حق الأجنبي، ثم قال بعضهم: للأجنبي نصف الثلث، ومنهم من قال يحصل للأجنبي ثلث المال بتمامه، لأنه ينقص من الثلث إذا كان معه من يزاحمه وليس هيهنا مزاحمة. إذا أوصى لوارث بثلث ماله، ولأجنبي بثلث ماله وقال: إن أجاز الورثة فلكما وإن لم يجيزوا لي فنصيب الوارث لك أيها الأجنبي فإن أجازوا فلهما، وإن لم يجيزوا يكون للأجنبي ثلث المال لأنه قد جعل له الثلث مطلقا، وجعل له نصيب الآخر بصفة وعندهم إن الوصية بالصفة جايزة وهذا صحيح على مذهبنا أيضا. إذا أوصى لرجل فقال إن مت قبل موته أوصيت له بثلث مالي، وإن مت بعد موته فلزيد نظرت، فإن مات قبل موته فالوصية للأول، وإن مات بعده كانت لزيد.

[ 12 ]

إذا قال أوصيت لك بثلث مالي إن لم يقدم زيد، فإن قدم زيد، فقد أوصيت له فإن مات هذا الموصي قبل قدوم زيد صحت الوصية للحاضر، وإن لم يمت حتى يقدم زيد فالوصية لزيد. رجل له ابن وبنت فقال: قد أوصيت له بمثل نصيب ابني، فإن أجاز الورثة صحت لكن هذا أكثر من الثلث، لأن المسئلة من ثلاثة للابن سهمان، وللبنت سهم، وللموصى له سهمان يصير من خمسة، فإن لم تجز الورثة فله سهم من ثلاثة فيبقى سهمان على ثلاثة لا تصح فيضرب ثلاثة في ثلاثة تصير تسعة، يكون للموصى له ثلاثة و للبنت سهمان وللابن أربعة. فإن أجاز الابن ولم تجز البنت، فالمسئلة من تسعة للموصى له ثلاثة وللبنت سهمان يبقى أربعة يحتاج أن ينقص من نصيب الابن القدر الذي أجازه والابن هيهنا يستحق خمسين، فما زاد على خمسين لا يمكن قسمته من هذا، لكن يضرب خمسة في تسعة، يكون خمسة وأربعين للموصى له ثلثه خمسة عشر، وللبنت عشر يبقى عشرون، للابن منها خمسان ثمانية عشر يبقى سهمان، يضاف إلى نصيب الموصى له فيحصل له سبعة عشر، الجميع خمسة وأربعون. تجوز الوصية للحمل والوصية به إذا كان مخلوقا حال الوصية، وخرج حيا، ومتى خرج ميتا لم تصح الوصية، ومتى خرج حيا فلا تخلو الوصية أن تكون مطلقة أو مقيدة، فالمطلقة إذا أوصى فقال أوصيت لحمل هذه الجارية والمقيدة إذا قال: أوصيت لحمل هذه الجارية من فلان يعني وهو ابن فلان. فإن أطلق نظرت فإن أتت به لأقل من ستة أشهر فإنه تصح له الوصية، لأنا تبينا أنه كان موجودا حال الوصية، وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر، فلا يخلو إما أن يكون لها زوج، أو تكون خالية من زوج، فإن كان لها زوج أولها سيد، فلا تصح له الوصية، لأنه يحتمل أن يكون حدث بعد الوصية، وإن لم يكن لها زوج مثل أن يكون طلقها زوجها أو مات عنها، فإن أتت به لأقل من تسعة أشهر عندنا وعند بعضهم أربع سنين، ألحق النسب، فإذا ألحق النسب ثبتت له الوصية، لأنا تبينا أنه

[ 13 ]

كان موجودا حال الوصية وإن أتت به لأكثر من هذه المدة فإنه لا يلحق النسب فلا تثبت الوصية، لأنا تبينا أنه حدث بعد الوصية. وأما إن كان مقيدا فقال أوصيت لحمل هذه الجارية وهو من فلان، فإن أتت به لأقل من ستة أشهر ولحقه النسب فإنه تصح الوصية، لأنا تبينا أنه كان مخلوقا موجودا حال الوصية لأن أقل الحمل ستة أشهر وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر فالحكم على ما مضى في المسئلة الأولى: فإن كان لها زوج فلا تصح له الوصية، لأنه يجوز أن يكون حدث بعد الوصية وإن لم يكن لها زوج نظرت فإن أتت به لأقل من تسعة أشهر فإنه يلحق النسب، و تثبت له الوصية، وإن أتت به لأكثر من ذلك فإنه لا يلحق النسب، ولا تصح الوصية. فإن أوصى لحمل جارية وقال هو ابن فلان فأتت به ونفاه زوجها باللعان صحت الوصية، لأنه ليس فيه أكثر من انقطاع النسب بين الولد ووالده فأما من الأجنبي فلا وقال قوم هذا خطاء، لأنه إذا نفي الولد باللعان، تبينا أنه ليس مخلوقا من مائه فإذا لم يكن مخلوقا من مائه، لم يكن موجودا حال الوصية، فلا تصح الوصية و هذا قريب. إذا أوصى لذكر كان ما أوصى به له وكذلك إذا أوصى لأنثى وإن أوصى لذكر وأنثى كان بينهما بالسوية بلا خلاف، وإذا أوصى لحمل جارية فقال إن كان في بطنها ذكر فله ديناران، وإن كان أنثى فلها دينار، فإن خرج ذكر كان له ديناران، وإن خرج أنثى كان لها دينار، وإن خرج ذكر وأنثى كان لهما ثلاثة دنانير. وإن أوصى فقال إن كان الذي في بطنها ذكرا فله ديناران وإن كان أنثى فلها دينار، فإن أتت بذكر فله ديناران، وإن أتت بأنثى فلها دينار، وإن أتت بهما فلا شئ لهما. والفرق بين هذه وبين الأولى حيث قال: إن كان في بطنها ذكر فله ديناران وإن كان أنثى فلها دينار، وقد كان ذكر وأنثى وليس كذلك هيهنا لأنه قال إن كان الذي في بطنها ذكرا فله ديناران [ وإن كان أنثى فلها دينار ]: أراد إن كان كل الذي في بطنها

[ 14 ]

ذكرا أو كل الذي في بطنها أنثى، وما وجد تلك الصفة، لأنه كان كله ذكرا وأنثى. إذا قال أوصيت لما تحمل هذه الجارية كانت باطلة، لأن الحمل غير موجود في الحال، وقال قوم تصح لأن المعلوم أنها تحمل فيما بعد، وهذا غير صحيح، لأنها ربما لا تحمل ولأن من شأن المملك أن يكون موجودا غير معدوم. فأما الوصية بالحمل: إذا كانت له جارية فحملت من زوج شرط عليه استرقاق الولد عندنا وعندهم من غير شرط أو من زنا فأوصى بحملها لرجل نظرت فإن أتت به لأقل من ستة أشهر صحت الوصية به له، وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر نظرت: فإن كان لها زوج لا تصح الوصية به، وإن لم يكن لها زوج نظرت فإن أتت به لأقل من تسعة أشهر فإنه تصح الوصية لأنه يلحق به النسب، فلذلك تصح الوصية، وإن أتت لأكثر من ذلك فلا يثبت النسب ولا تصح الوصية. إذا أوصى لرجل بما تحمل هذه الجارية، أو قال أوصيت بما تحمل هذه الشجرة فإن الوصية صحيحة، والفرق بين هذه والتي مضت إذا أوصى بما تحمل هذه الجارية لأن المملك هناك معدوم غير موجود، والمملك هنا موجود وهو الموصى له، و إن كان الشئ الذي أوصى به له معدوما فلا يضر، لأن الاعتبار بوجود المملك. إذا أوصى بخدمة عبده أو بغلة داره أو ثمرة بستانه على التأبيد صحت الوصية عند الجميع إلا ابن أبي ليلى فإنه أبطلها لأنها مجهولة وإذا ثبت صحتها، فإنها تعتبر من الثلث وكيفية الاعتبار بأن يقوم الرقبة والمنفعة من الثلث وقال قوم: تقوم الرقبة من الثلثين ثلثي الورثة، ويقوم المنفعة من ثلثة، ومن الناس من قال يقوم عليه المنفعة، وتسقط الرقبة في باب القيمة وهذا ضعيف عندهم وهو الأقوى عندي. فمن قال تقوم الرقبة من الثلثين، والمنفعة من الثلث، يقول المنفعة تنتقل إلى الموصى له، وتنتقل الرقبة إلى الورثة، ومن قال تقوم الرقبة والمنفعة، قال ثم ينظر فإن خرج العبد من الثلث كان كله للموصى له، وإن خرج بعضه كان له من العبد بقدر ذلك، والباقي للورثة. وعلى ما قلته تقوم المنفعة فإن خرج من الثلث كان له وإن لم يخرج كان له

[ 15 ]

منها بقدر الثلث، والباقي للورثة. إذا أوصى لرجل برقبة عبده، ولآخر بمنفعة عبده، كانت الوصية صحيحة، لأنه يملك المنفعة كما يملك الرقبة فإذا ثبت هذا فإنه يصح فإنه يقوم على كل واحد منهما - من الموصي لهما - من الثلث. ولو أوصى بمنفعة عبده أو داره مدة معلومة سنة أو أكثر أو أقل، فإن هيهنا تقوم المنفعة وتقوم الرقبة على الورثة، ونفقة هذا العبد على من تجب؟ قيل فيه ثلاثة أوجه: أحدها على ورثة صاحب الرقبة لأنها له، والثاني على صاحب المنفعة كما لو تزوج أمة كان نفقتها على زوجها، لأن منافعها للزوج، الثالث أن نفقته في كسبه فإن لم يف كسبه كان في بيت المال. إذا ثبت هذا فالكلام في التصرف أما الموصى له فله أن يتصرف في المنفعة بكل حال، وهل لورثة صاحب الرقبة التصرف فيه بالبيع؟ قيل فيه ثلاثة أوجه أحدها له أن يبيعه لأنه ملكه، وهو الأقوى، والثاني ليس له بيعه، لأنها رقبة بلا منفعة فهو كبيع الجعلان والديدان والخنافس، والثالث له أن يبيع من الموصى له دون غيره، لأنه يحصل له الرقبة والمنفعة، فأما إن أعتقه صح العتق والوصية بحالها، و يستحق الموصى له المنفعة كما كان ولا يرجع العبد على الورثة. فإن جنى على هذا العبد قتل فإنه يلزم القاتل القيمة ولمن تكون هذه القيمة على وجهين أحدهما لصاحب الرقبة لأنها ملكه، وهذه القيمة عوض عن الرقبة، والوجه الثاني لا يكون لصاحب الرقبة، لأنا لو دفعنا إليه لكنا دفعنا إليه ما له وما لغيره، فعلى هذا يشتري بهذه القيمة عبد مكانه، فتكون المنفعة للموصى له ورقبته للورثة. وإن أوصى بثمرة نخلة لرجل فاحتاج إلى السقي فلا يجب على واحد منهما، لأن الموصى له يقول الرقبة ليس لي فلا يلزمني، ولا للورثة لأنها تقول المنفعة لغيري ولا أملك الثمرة، فلما لي أسقي؟ لكن إن تطوع أحدهما بالسقي كان له ذلك. إذا أوصي لرجل بخدمة أمته فأتت بولد مملوك، فلمن يكون هذا الولد؟ قيل فيه

[ 16 ]

وجهان أحدهما للموصى له لأنه من نماء الأمة، والمنفعة والكسب له كذلك نماؤها سل الولد، والوجه الثاني تكون للورثة الرقبة والمنفعة للموصى له، لأن هذا الولد بعض منها وجزء منها فحكمه حكمها وهو الأقوى. فإن قتل هذا الولد لزم القيمة قاتله، ولمن تكون؟ من قال إن الولد للموصى له، قال كذلك القيمة له، ومن قال الولد حكمه حكم الأم فعلى وجهين. فتحصل هيهنا ثلاثة أوجه أحدها القيمة للموصى له، والثاني للورثة، والثالث يشترى به عبد مكانه يكون رقبته للورثة، ومنفعته للموصى له. المسئلة بحالها: أوصى بخدمة جارية لرجل فوطئت وطئ شبهة، فأتت بولد فلا حد لأنه شبهة، ويلزمه المهر، ويكون المهر للموصى له، لأن منفعتها له، والولد لاحق به، ويثبت النسب لأنه ولد وطئ شبهة، ويكون حرا ويلزمه قيمة الولد، ولمن يكون؟ فمن قال هناك للموصى له، قال ههنا القيمة له، ومن قال حكمه حكم الأم إذا قتلت فعلى وجهين فتكون هذه القيمة على ثلاثة أوجه. المسئلة بحالها: أوصى بخدمة أمته لرجل ثم مات الموصي، فليس لأحد أن يطأها لا للموصى له لأنه لا يملكها، ولا للورثة لأن لهم رقبة عرية من المنفعة، لأنها لو وطئت لكان المهر للغير لا للورثة، فإن خالفا ووطئها نظرت: فإن كان الموصى له فلا حد، لأنه وطئ شبهة، ولا يلزمه المهر، لأن المهر له والولد لاحق به، ويثبت به النسب، لأنه وطي شبهة ويكون حرا لأنها علقت بحر وتكون أم ولد عندنا، وعند قوم لا تكون لأنه لا يملكها، وهل يلزمه قيمة الولد أم لا؟ قيل فيه ثلاثة أوجه: فمن قال: لو كان مملوكا لكان له، فههنا لا يلزمه القيمة، أو من قال لمالك الرقبة في الأم فههنا القيمة لمالك الأم، الثالث يشتري بقيمته عبد يكون رقبته للوارث ومنفعته للموصى له. وإن وطئها الوارث فلا حد لأنه وطئ شبهة، ويلزمه المهر للموصى له، لأن منفعتها له، والولد حر ويلحق به النسب، لأنها علقت بحر، وتصير أم ولد لأنها المبسوط - 1 -

[ 17 ]

ملكه، وهل يلزمه قيمة الولد؟ فيه ثلاثة أوجه فمن قال إنه لو كان عبدا كان يكون رقبته للوارث، قال لا شئ عليه، ومن قال كان يكون للموصى له أوجب عليه دفع القيمة إلى الموصى له، ومن قال حكم الولد حكم أمه اشترى بقيمته عبدا يكون رقبته للوارث ومنفعته للموصى له. إذا أوصى بزيادة على ثلث ماله فإن هذه الوصية تنقسم على قسمين أحدهما أن يكون بشئ معين أو بشئ غير معين فإن كان بغير معين مثل أن يكون قد أوصى بنصف ماله والثاني أن يكون قد أوصى بعبد بعينه أو بدار بعينها وكانت قيمتها أكثر من الثلث فإن للورثة ههنا المنع والاجازة، فإن منع ورده فيصح في الثلث ويبطل في الزيادة على الثلث، وإن أجاز صح في الكل: الثلث بالوصية والزيادة إما بالإجازة على فعل الموصى، أو ابتداء هبة من الورثة. فإذا أوصى لرجل بزيادة على الثلث في حال صحته، وأجازته الورثة كان صحيحا لعموم الأخبار، وقال المخالف هذه وصية باطلة وليس للورثة أن تجيز هذه في حياته، وإن أجازته لم يلزم، سواء كان أوصى به في حال صحته أو في حال مرضه، وفيه خلاف. وكذلك إن أعتق عتقا منجزا أو وهب أو حابا في حال صحته فأجازته الورثة قالوا لا يلزم لأن حق الورثة لا يتعلق بماله إلا بعد موته، فلا تؤثر إجازتهم في ذلك، و لأن قدر الزيادة على الثلث لا يعلم إلا بعد الموت، وفي هذه الحال لا يمكن أن يعلم قدر الزيادة على الثلث لأنه يجوز أن يكون حال ما أوصى به كان زيادة على الثلث وبعد موته يكون أقل من الثلث، ويجوز أن يكون حال الحياة أقل وبعد الموت أكثر، فلا يعلم حينئذ أي شئ أجازوه، فلا يصح. وعلى ما تدل عليه أخبارنا يجوز جميع ذلك في حال الحيوة، وليس لهم رجوع فيه بعد الوفاة. إذا قال أعطوا فلانا رأسا من رقيقي، فإن هذه وصية صحيحة، والورثة بالخيار ويعطون أي رأس من عبيده شاؤا، أقل ما يقع عليه اسم الرقيق، سواء كان معيبا أو صحيحا، صغيرا أو كبيرا، فإن هلك الرقيق إلا رأسا واحدا، فإنه يعطى ذلك العبد

[ 18 ]

لأنه أوصى له لا بعينه، وعلقه والصفة موجودة ههنا. فأما إن قال أعطوه رأسا من رقيقي ولم يكن له رقيق أصلا، فإن الوصية باطلة لأنه علقه بصفة ليست موجودة، كما لو أوصى له بدار ولم يكن له دار، وإن ماتوا كلهم فالوصية تبطل لأنهم ماتوا بغير تفريط من الورثة فيكون من ضمان الموصى له وإن قتلوا كلهم فالوصية صحيحة ويلزم الورثة قيمة أي عبد شاؤا، ما يقع عليه اسم العبد، لأنه قد حصل له بالقتل البدل وهو القيمة، وإن قتلوا كلهم إلا واحدا فإن الموصى له يستحقه إن خرج من الثلث، لأن الصفة وجدت. وإذا أوصى بشاة من غنمه فالوصية صحيحة، وللورثة أن يعطوا أي شاة يقع عليها اسم الشاة، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، ضائنة كانت أو ماعزة، معيبة أو سليمة فإن كانت ماشية كلها إناثا أعطي أنثى، وإن كانت ذكرانا أعطي ذكرا وإن كانا ذكرانا وإناثا قيل فيه وجهان أحدهما الورثة بالخيار والآخر أنهم لا يعطون تيسا ولا كبشا والأول أقرب، لأن الاسم يتناوله، فإن ماتت كلها إلا واحدة أو ذبحت فالحكم كما قلناه في الرقيق. وإذا قال أعطوه شاة من مالي نظرت فإن كانت له ماشية فإنه يعطى شاة كما ذكرناه، وللورثة أن يشتروا شاة من ماله ويعطى إياه، والفرق بين هذه والأولى أن في الأولة قال شاة من غنمي فلم يجز غيرها وفي هذه قال من مالي، والمشتراة من ماله وإن لم يكن من غنمه، ومتى لم يكن له غنم صحت الوصية، واشترى من ماله لأن الصفة موجودة وهو المال. وإذا قال أعطوه جملا فإنه يكون ذكرا وإن قال أعطوه ناقة يكون أنثى، و إن قال أعطوه ثورا كان ذكرا، وإن قال بقرة كان أنثى، وإن قال بعيرا أعطوه ذكرا وفي الناس من قال هم بالخيار، والأول أصح. وإن قال أعطوه عشر أنيق أو عشر بقرات أعطي الإناث لا الذكور، لأنه اسم الإناث. فإن قال أعطوه عشرة من الإبل قال قوم أعطوه ما شاؤا لأنه اسم جنس والأقوى

[ 19 ]

أن يقال يجب أن يعطى ذكورا، لأن الهاء لا تدخل إلا على عدد المذكر دون الأنثى. وإن قال أعطوه دابة من دوابي أعطي فرسا، وقال قوم أعطوه ما شاؤا من الخيل ذكرا كان أو أنثى أو من البغال والحمير، ولا خلاف أنه لا يعطى من الإبل والبقر لأن ذلك كله لا يسمى في العرف دابة. وإن كان في لفظه ما يدل على ما أراد حمل عليه، مثل أن يقول أعطوه دابة ليغزو عليها فإنه يحمل على الخيل لا غير، وإن قال دابة لينتفع بظهرها ونسلها، أعطي من الخيل والحمير، ولا يعطى من البغال، لأنه لا نسل لها، وإن قال لينتفع بظهرها ودرها أعطي الخيل، لأن الحمير لا در لها. إذا قال أعطوه كلبا من كلابي، نظرت فإن لم يكن له كلاب، فالوصية باطلة وهكذا إذا قال أعطوه كلبا من مالي فالوصية باطلة لأن شراء الكلب محظور، و أما إن كان له كلاب نظرت فإن كان كلب هراش فالوصية باطلة لأنه لا ينتفع به و إن كان كلب ماشية وكلاب حرث وكلاب صيد صحت الوصية، لأنه ينتفع بها، والأقوى عندي أنه إن لم يكن له كلاب أن يشتري له أقل كلاب الصيد أو الماشية أو الحرث ثمنا لأن ذلك يجوز عندنا. إذا أوصى بجرة فيها خمر لم تصح هذه الوصية، لأنه لا ينتفع بها، ولا تقر يده عليها. وإذا ثبت أن الوصية صحيحة فيما ذكرناه من الكلاب، فإنه يقال للورثة أن أعطوه كلبا، أيها شاؤا. وإن كان له كلب واحد فإن لم يكن له مال غيره فيكون له ثلث هذا الكلب وإن كان له مال غيره قيل فيه وجهان: منهم من قال: يعطى الموصى له هذا الكلب ومنهم من قال: يجب أن يعطى الموصى له ثلث هذا الكلب لأنه ينبغي أن يبقى للورثة ثلثاه، فإنه أوصى به، والأول أصح. إذا قال أعطوه طبلا من طبولي فإن كانت له طبول للحرب فإن الورثة يعطونه واحدا من طبوله وصحت الوصية، وإن كان ينتفع به بغير الجلد قال قوم يقلع الجلد منه وإن لم ينتفع به بغير الجلد ترك عليه، وأعطي مع الجلد، وإن لم يكن له

[ 20 ]

طبل للحرب وله طبل للعب نظرت، فإن كان يصلح لغير اللعب صحت الوصية، وإن لم يصلح إلا للعب فلا يصح الوصية. فأما إن كانت له طبول للعب وللحرب، نظرت فإن كان الذي للعب لا يصلح لمنفعة مباحة، ولا يصح إلا للعب كانت الوصية تعينت في الذي للحرب ويعطى الذي للحرب وإن كان الذي للعب يصلح لمنفعة مباحة فالورثة بالخيار فيهما. وإن أوصى فقال أعطوه دفا من دفوفي فإنه تصح الوصية، لأن الدف له منفعة مباحة لما روي عنه عليه السلام أنه قال أعلنوا هذا النكاح، واضربوا عليه بالدف وعلى مذهبنا لا يصح لأن ذلك محظور استعماله. وإن قال أعطوه عودا من عيداني، وله عود يضرب به و، عيدان قسي، وعيدان السقف والبنيان، فإطلاق قوله عودا من عيداني ينصرف إلى العود الذي يضرب به للهو لأن ذلك يسمى بالاطلاق عودا في العادة، ثم نظرت فإن كان له منفعة مباحة غير الضرب صحت الوصية، وإن لم يكن له منفعة مباحة ولا يصلح إلا للعب بطلت الوصية. وهكذا إن كان منفصلا ويكون له منفعة مباحة لا تصح الوصية لأن الاسم لم يتناوله. فأما إن كان له منفعة مباحة صحت الوصية، ويدفع إليه بلا وتر، وقيل إنه يدفع بالوتر، لأن الوتر ينتفع به، بأن يشد به شئ، لكن يدفع إليه بلا ملوى ولا مضراب ولا حمار وهو الخشب الذي تركب عليه الوتر لأنه يقال عود ويقع عليه الاسم، ويعين (1) به انضمام ما ذكرناه من الملوى والحمار. فأما إذا لم يكن له منفعة مباحة فليس على الورثة أن يعطوه من عيدان أخر وفيهم من قال: لهم أن يعطوه من عيدان أخر، وهذا ليس بشئ لأنا حملنا إطلاق العود على ما يضرب به، فإذا لم يوجد المعنى فيه بطلت الوصية، وإذا بطلت الوصية فليس لهم بعد بطلانها أن يعطوه شيئا. وإن أوصى بالمزمار فالكلام فيه مثل الكلام في العود، سواء، إن كانت له منفعة

(1) تعين به خ ل يعلى خ، لعين خ.

[ 21 ]

مباحة صحت الوصية وإن لم يكن لم تصح وإذا صحت فلا يعطون الشئ الأبيض الذي على رأسه ويجعل في فيه وينفخ فيه. إذا قال أعطوه قوسا من قسيي، وله قسي قوس نشاب وهو قوس العجم وقوس نبل وهو قوس العربي، أو يكون له قوس حسبان وهو الذي يدفع النشاب في المجرى وهو الوتد مع المجرى ويرمى به، أو يكون له قوس جلاهق وهو قوس البندق، أو يكون له قوس النداف فإن هذا بالاطلاق يحمل على قوس النشاب والنبل والحسبان فإن كان له منها شئ فالورثة بالخيار يعطون أي قوس من هذه الثلاثة شاؤا. وإن كانت له قسي معمولة وقسي غير معمولة أعطي معمولة، لأن الاسم يتناول المعمول، وهل يعطى بالوتر أو بغير الوتر قيل فيه وجهان أحدهما يعطى بلا وتر لأنه يسمى قوسا بلا وتر، مثل الدابة بلا سرج، والثاني يعطى بالوتر لأن الوتر جزء منه ولا يمكن استعماله إلا به، وهكذا وتر العود يمكن الانتفاع به في غيره، فأما إذا لم يكن شئ إلا الجلاهق وقوس النداف فالورثة بالخيار يعطون أي القوسين شاؤا لأنه إذا لم يكن له غيرهما فكأنه قيد بالدفع إليه. ولو قال أعطوه قوسا مما يقع عليه اسم القوس، فالورثة بالخيار يعطونه أي قوس شاؤا، لأنه علق الدفع بوقوع الاسم عليه، هذا إذا كان مطلقا فأما إذا كان في كلامه ما يدل على مقصوده فإنه يحمل على مقصوده مثل أن يقول أعطوه قوسا يرمي عليها أو يندف عليها، فإنه يحمل على ذلك الشئ الذي يعمل بذلك القوس. إذا قال: اجعلوا ثلث مالي في الرقاب، فإنه يدفع إلى المكاتبين أو في العبيد يشترون وفيه خلاف، فإذا ثبت هذا نظرت فإن كان ماله حاضرا وغايبا فإن ثلث المال الحاضر يصرف في المكاتبين في ذلك البلد، ويصرف ثلث المال الغايب في البلد الذي فيه المال كما قلناه في الزكوة. فأما إذا كان ماله كله في البلد الذي هو فيه فلا يخلوا إما أن يعم جميع المكاتبين أو لا يعم، فإن كان يعم جميعهم فإنه يعطي إياهم ويعتقون وإن لم يعم المال فالمستحب أن يعطوا بقدر حاجتهم مثل أن يكون كتابة واحد على مائة وكتابة آخر على خمسين

[ 22 ]

فإنه يعطي صاحب المائة سهمان وصاحب الخمسين سهم والذي يقوى في نفسي أنه إن أعطى واحد منهم أو قوم منهم دون قوم جاز، لأنه قد فعل المأمور به. قالوا وإن لم يعم ثلث ماله جميع المكاتبين الذين في بلده فلا يجوز أن يصرف في أقل من ثلاثة لأنه أقل الجمع فإن دفع إلى اثنين فإنه يضمن للثالث وكم يضمن؟ قيل فيه وجهان أحدهما يضمن الثلث، والثاني يضمن مقدار الذي أراد أن يدفعه إليه ابتداء، وعلى ما قررناه لا يضمن شيئا بحال. إذا قال أعتقوا بثلث مالي رقابا وجب أن يشترى بثلث ماله ثلاثة أعبد ويعتقون عليه، لأنه أقل الجمع، فإن وجد بقيمة الثلث أربعة أو خمسة فإنه يشتري الأكثر فإذا لم يبلغ الثلث ثمن ثلاثة أعبد ويزيد على ثمن عبدين، فإنه يجعل الرقبتين أكثرهما ثمنا ولا يفضل شيئا، وفي الناس من قال يجعل في عبدين وفي جزء من ثلاثة لأن الكثرة فيه وروى أصحابنا أنه إذا أوصى بعتق عبد بثمن معلوم فوجد بأقل منه أعطى البقية ثم أعتق ويجزي صغيرها وكبيرها، شيخها وشابها بلا خلاف. إذا أوصى بعتق عبد ولا مال له غيره، فالعتق في الثلث صحيح بلا خلاف، والثلثان موقوف على إجازة الورثة، فإن أجازوا ففي الإجازة قولان أحدهما تنفيذ، والآخر ابتداء هبة، فمن قال تنفيذ عن أمر الموصي فإنه يقول ينعتق الكل والولاء للموصي، و ينتقل منه إلى عصبته، ومن قال ابتداء هبة قال يكون ثلث الولاء للموصي وينتقل منه إلى عصبته، والثلثان للورثة ذكرهم وأنثاهم. فإن ظهر على الموصي دين فلا يخلو أن يعم جميع التركة أو يعم بعض التركة فإن استغرق جميع التركة فالعتق باطل، ويباع العبد في حق الغرماء، لأن الدين مقدم على الوصية، وإن كان الدين يحيط ببعض التركة، مثل أن يكون نصف قيمة العبد، فإنه يباع في حق الدين، ونصف الباقي يعتق، ويكون ولاء ثلث النصف سدس جميعه للموصي، والثلثان للورثة على ما مضى من القولين. فأما إذا لم تجز الورثة فإنه يعتق الثلث، ويكون الباقي للورثة، فإن ظهر عليه دين فلا يخلو أن يحيط بجميع التركة أو ببعضها، فإن أحاط بجميعها فإنه يباع في

[ 23 ]

حق الدين، لأنه مقدم على الوصية، وإن كان يحيط بنصف تركته فإنه يباع نصف العبد في الدين والنصف الباقي يعتق منه ثلثه، والثلثان يكون للورثة يحصل العبد لصاحب الدين نصفه رقيقا وللورثة ثلثه، يكون رقيقا، ويعتق منه السدس ويكون ولاء السدس لعصبة الموصي المذكور. ولو أوصى فقال أعتقوا عني عبدا ثم مات، فاشترى الورثة عبدا من التركة و أعتقوا فلما أعتقوا ظهر على الموصي دين يحيط بجميع التركة، فلا يخلو إما أن يكون قد اشتروا بعين تلك التركة، أو اشتروا بثمن في الذمة، فإن كانوا قد اشتروا بعين التركة فإن الشراء باطل، لأنه لما مات انتقل حق الغرماء من ذمته إلى تركته، وتعلق حق الغرماء بها، فاشتروا بشئ قد تعلق به حق الغير، فلم يصح الشراء كالراهن إذا اشترى بالمرهون شيئا، فإن الشراء يكون باطلا، وإن اشتروا بثمن في الذمة فالشراء صحيح ويكون الثمن في ذمتهم، ويعتق عن الموصي، فإن أنفذوا شيئا من التركة لزمهم الضمان. إذا مات وعليه حجة الاسلام فإنها لا تسقط بالموت عندنا وكذلك الكفارة و الزكوة، وعند بعضهم يسقط ومن قال بذلك قال إن أوصى به كان تطوعا لا يكون عن فرض، وعندنا يكون عن فرض. فأما إن أوصى به فقال حجوا عني فلا يخلو من أربعة أقسام أحدها، أن يقول حجوا عني من رأس مالي، والثاني يقول حجوا عني من ثلث مالي، الثالث يطلق الرابع يقول حجوا عني من ثلث مالي وأضاف إليه شيئا يكون مخرجه من الثلث: فإن قال حجوا من رأس مالي فإنه يحج عنه من رأس المال لأنه لو أطلق كان من رأس ماله، ويكون من الميقات الذي يجب الإحرام به، وإن قال حجوا عني من ثلث مالي فإن ها هنا يحج عنه من ثلثه، لأنه قيده، إلا أن لا يبلغ ثلثه أن يحج عنه، فإنه يتم من الثلثين، وإن أطلق، فيهم من قال يحج من ثلثه، وذهب الأكثر إلى أنه من رأس المال، وهو مذهبنا لأن حجة الاسلام عندنا من رأس المال على كل حال إلا أن يقيدها بالثلث، فيكون من الثلث.

[ 24 ]

الرابع أن يقول حجوا عني واسقوا عني وأطعموا عني، بما يكون مخرجه من الثلث، فمن قال هناك مخرجه من الثلث، قال ههنا مثله ومن قال من رأس المال قال ههنا مثله وقد قلنا إن عندنا يكون من رأس المال على كل حال إذا كانت حجة الاسلام إلا أن يقيدها بالثلث، وإن كانت تطوعا فمن الثلث، وما عدا الحج يكون من الثلث لا غير. وكل موضع قلنا: يحج من رأس ماله، فإنه يخرج من الميقات. وكل موضع قلنا يحج من ثلثه فمن أين يجزيه؟ فيهم من قال من حيث أثبته الشرع والذي أثبته الاحرام من دويرة أهله، والاحرام من الميقات رخصة، وفيهم من قال يحرم من الميقات وهو الذي يقتضيه مذهبنا. إذا كان عليه حجة الاسلام فأوصى أن يحج من ثلث ماله، وأوصى بوصايا أخر، ومات، فهل يقدم الحج على سائر الوصايا أو يسوى بين الكل؟ قيل فيه وجهان أحدهما أن الثلث يتقسط على الحج وغيره، فإن كان ما يخص الحج يمكن أن يحج به صرف إليه، ولا كلام، وإن كان أقل فإنه يتم من أصل المال، لأن حجة الاسلام من رأس المال، وإنما خصه بالوصية لرضا الورثة. الوجه الثاني أن الحج مقدم على غيره، لأن الحج واجب، وما عداه ليس بواجب، وهذا الذي تدل عليه روايات أصحابنا، فعلى هذا يحج من الثلث، فإن لم يبق شئ بطلت سائر الوصايا وإن فضل صرف إلى غيره من الوصايا. وإذا أوصى فقال حجوا عني بثلثي حجة ومات، فقد أوصى بأن يحج عنه بجميع ثلثه، فينظر فيه فإن كان ثلث ماله بقدر أجرة من يحج عنه، فإن للوصي أن يستأجر من يحج عنه، سواء كان وارثا أو أجنبيا بلا خلاف، وإن كان ثلث ماله أزيد مما يحج به، فكذلك عندنا، وعندهم يستأجر من يحج عنه بجميع ثلثه إذا كان أجنبيا ولا يجوز أن يستأجر وارث، لأن ما زاد على أجرة المثل وصية بالمحاباة، و ذلك لا يصح للوارث، وعندنا أن ذلك يصح. وإن قال حجوا عني بثلثي ولم يقل حجة فقد أوصى بأن يحج عنه بثلثه فينظر

[ 25 ]

في ذلك فإن كان ثلثه بقدر ما يحج به حجة واحدة، استؤجر من يحج عنه، سواء كان وارثا أو غيره، وإن كان ثلث ماله أكثر من أجرة مثله، فإنه لا يجوز أن يستأجر عنه بأكثر منه، وينظر في الزيادة، فإن أمكن أن يستأجر به من يحج عنه حجة - أخرى، فعل، وإن لم يمكن ردت الزيادة إلى الورثة، لأن الوصية متى لم تصح في الوجه الذي صرفه فيه رجعت إلى الورثة. والفرق بين هذه المسئلة والتي قبلها أن فيما قبلها أوصى بأن يحج حجة واحدة بجميع ثلثه فلأجل هذا لم يراع أجرة المثل. إذا أوصى أن يحج عنه بمائة درهم من ثلث ماله، وأوصى بما بقي من الثلث لرجل آخر بعينه، وأوصى لرجل آخر بثلث ماله، فالوصية الأولى والثانية صحيحتان والأخيرة باطلة، وإن اشتبها استعملت القرعة، هذا إذا كان الثلث أكثر من مائة، فإن كان الثلث مائة أو دونها فالوصية الثانية والثالثة باطلتان معا. وقال المخالف: هذه وصية بثلثي ماله، فلا يخلو ثلث ماله من أحد أمرين إما أن يكون قدر مائة فما دون، أو أكثر من ذلك، فإن كان ثلث ماله قدر مائة، فإن وصيته بما زاد على المائة باطلة، لأنها وصية بما لا يملك، وتبقى الوصية بالحج وثلث، فلا يخلو أن يجيز الورثة ما زاد على الثلث أو لا تجيز، فإن أجازوا ذلك صرف إلى الحج مائة ودفع إلى الموصى له بالثلث مائة أخرى، وإن لم تجيزوا ذلك قسم الثلث بينهما نصفين، فيصرف إلى الحج خمسين ويدفع إلى الموصى له بالثلث خمسين. فأما إذا كان ثلث ماله أكثر من مائة نظرت فإن كان ثلث ماله خمسين ومائة نظرت في الورثة، فإن أجازوا الوصية في الكل دفع إلى الموصى له بالثلث خمسين، ويصرف إلى الحج مائة، ويدفع إلى الموصي بالزيادة خمسين، وإن لم يجيزوا ما زاد على الثلث، فإن صاحب الزيادة وصاحب الحج يضربان مع صاحب الثلث في خمسين ومائة، لأن وصيته بالحج مقدرة ووصيته بما زاد جهة واحدة، فلهذا قسم بينهما نصفين، فيدفع إلى الموصى له بالثلث خمسة وسبعين، ويصرف خمسة وسبعين إلى الحج، ولا يستحق صاحب الزيادة شيئا لأنه لم يفضل على المائة شئ.

[ 26 ]

وأما إن كان ثلث ماله ثلاث مائة نظرت، فإن أجاز الورثة دفع إلى الموصى له بالثلث ثلاث مائة ويصرف إلى الحج مائة، ويدفع إلى الموصى له بالزيادة مائتين، وإن لم يجيزوا ما زاد على الثلث قسم الثلث بينهم، فيدفع إلى الموصى له بالثلث مائة وخمسين ويصرف إلى الحج مائة ويدفع إلى الموصى له بالزيادة خمسين، لأن الموصى له بالزيادة إنما يستحق شيئا إذا فضل على مائة، فأما عند النقصان فإنه لا يستحق شيئا. ومن الناس من قال الموصى له بالزيادة يضرب مع الحاج إذا نقص عن مائة كما يقاسم عند المزاحمة، بيان ذلك أنه إذا كان ثلث ماله خمسين ومائة، وليس هناك غيرهما، فإنه يصرف إلى الحج مائة، ويدفع إليه ما بقي وهو خمسون، فيكون بينهما ثلثا وثلثين، فكذلك إذا زاحمهما صاحب الثلث وأخذ خمسة وسبعين، وجب أن يكون ما يبقى بينهما ثلث وثلثين فيصرف إلى الحج خمسين، ويدفع إليه ما بقي وهو خمسة وعشرون، كما إذا خلف ابنا وبنتا فالمال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين فلو زاحمهما زوجة أو أم كان ما بقي من سهم ذوي السهام بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. وهذا غلط جدا لأنه جعل من شرط استحقاقه أن يزيد ثلثه على مائة فإذا لم يزد على مائة فلم يوجد الشرط، فوجب أن لا يستحق شيئا. إذا أوصى بثلث ماله لرجل ثم أوصى بأن يحج عنه بمائة من الثلث وأوصى لانسان بما يبقى من الثلث قال قوم الحكم في هذه المسئلة والتي قبلها سواء، ولا فرق بين أن يوصي بالحج وبالبقية أولا ثم يوصي بالثلث الآخر، وبين أن يوصي بالثلث أولا، ثم يوصي بالحج وبالبقية، فإن الحكم فيه على ما ذكرناه وهذا صحيح عندنا أيضا غير أنا نقول يقدم الأول فالأول، ويبطل ما زاد. ومن الناس من قال لا تصح الوصية بالزيادة على مائة، قال لأنه بعد ما أوصى بثلث ماله وبأن يحج عنه بمائة من ثلثه لم يبق هناك زيادة على مائة، وإذا لم يبق هناك زيادة فالوصية بها لا تصح، ويفارق إذا أوصى بالحج أولا وبالزيادة، ثم بالثلث

[ 27 ]

لأن هناك بعد الوصية بالحج بقية، وهو تمام الثلث، فصحت الوصية، وإذا قدم الوصية بالثلث فلم يبق هناك زيادة على مائة فلم تصح الوصية وهذا يبطل الوصية بالزيادة. ثم ينظر في الورثة، فإن أجازوا الوصية بالحج وبالثلث صرف إلى الحج مائة ويدفع إلى الموصى له بالثلث ثلث ماله، وإن لم يجيزوا فإنه يضم مائة إلى الثلث ثم يقسط ثلث ماله عليهما. إذا أوصى لرجل بعبد له بعينه، ولآخر بتمام الثلث صحت الوصيتان، فإذا ثبت ذلك ففيه أربع مسائل إحداها أن يموت الموصي والعبد حي سليم، كما كان، فإنه يدفع إلى الموصى له، ويقوم، فينظر كم كانت قيمته حين وفاة الموصي لأنها حالة لزوم الوصية، فإن كانت قيمته وفق الثلث بطلت الوصية بالزيادة، وإن كانت قيمته أقل من الثلث يدفع إلى الموصى له بالزيادة تمام الثلث. المسئلة الثانية أن يموت العبد بعد وفاة الموصي وقبل تسليمه إلى الموصى له فإن الوصية بالعبد تبطل، لأنه لم يسلم الموصى له به، ولا تبطل بالزيادة، لأنهما وصيتان منفردتان، ثم ينظر كم كانت قيمة العبد حين وفاة الموصي، فإن كان وفق الثلث بطلت الوصية بالزيادة، وإن كانت أقل دفع إلى الموصى له بالزيادة بقية الثلث. الثالثة إذا حدث بالعبد عيب فإن الوصيتين بحالهما، فيدفع إلى الموصى له بالعبد ذلك العبد معيبا، ويدفع إلى الموصى له بالزيادة ما زاد على قيمته سليما، لأنه إنما أوصى له بما زاد على قيمة عبده سليما إلى تمام الثلث، فلا يستحق أكثر من ذلك. الرابعة إذا مات العبد قبل وفات الموصي، فإن الوصية بالعبد تبطل ولا تبطل بالزيادة، لأن كل واحد منهما وصية بانفرادها فإذا مات السيد فيقال: لو بقي ذلك العبد إلى حين وفاته كم كانت قيمته، فإن كانت قيمته دون الثلث استحق الموصى له بالزيادة بقية الثلث، وإن كانت قيمته وفق الثلث لم يستحق الموصى له بالزيادة شيئا. إذا زوج الرجل أمته بحر ثم أوصى بها لزوجها فهذه المسئلة تبنى على أصول ثلاثة:

[ 28 ]

أحدها أن الحمل هل له حكم أم لا؟ وقد قيل فيه وجهان: أحدهما لا حكم له والثاني له حكم ويجري مجرى الثمن، فإذا أوصى بجارية حبلى فإنه يكون وصية بها دون الحمل، فإذا باعها فالثمن لا يتقسط على الحمل، ومتى وضعت فكأنما حدث في تلك الحالة ومعنى قولنا أن له حكما أن ذلك يجري مجرى الولد المنفصل، و إذا أوصى بها وهي حبلى، فكأنه أوصى بها وبحملها، وإذا باعها فالثمن يتقسط عليهما. والأصل الثاني أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فمتى وضعت من حين الوصية لستة أشهر فأكثر، فالظاهر أنه حدث بعد الوصية، وإن وضعت لدون ستة أشهر من حين الوصية تبينا أن الحمل كان موجودا حين الوصية. والأصل الثالث أن من أوصى لرجل بشئ فلا خلاف أن ملكه لا يزول عن ذلك الشئ قبل وفاته، وإذا مات الموصي متى ينتقل الملك إلى الموصى له؟ قيل فيه قولان: أحدهما ينتقل بشرطين: بوفاة الموصي وقبول الموصى له، فإذا وجد الشرطان انتقل الملك عقيب القبول، والقول الثاني أنه مراعا إن قبل الوصية تبينا أنه انتقل إليه الملك بوفاته، وإن لم يقبل تبينا أن الملك انتقل إلى الورثة بوفاته. وقيل فيه قول ثالث: وهو أن الملك ينتقل إلى الموصى له بوفاة الموصي مثل الميراث يدخل في ملك الورثة بوفاته، فإن قبل ذلك استقر ملكه وإن رد ذلك انتقل عنه إلى ورثته، وهذا قول ضعيف لا يفرع عليه، والتفريع على القولين الأولين. إذا ثبت هذا رجعنا إلى المسئلة، وهي إذا زوج أمته من حر فإنما يجوز للحر تزويج الأمة بشرطين: أحدهما عدم الطول، والثاني خوف العنت وهي أن يخشى على نفسه أن يقع في فجور، فإذا زوجها من حر فيه الشرطان صح النكاح، ثم أوصى له بها، فإن الوصية له تصح كما يصح بيعها منه. فإذا مات السيد فلا يخلو إما أن يقبل أو يرد، فإن رد الوصية فالنكاح بحاله

[ 29 ]

لأنا إن قلنا إن الملك انتقل إليه بشرطين، فالقبول لم يوجد، وإن قلنا إنه مراعا فكمثل، وإن قبل الوصية فالنكاح ينفسخ، لأن ملك اليمين والزوجية يتنافيان. إذا ثبت هذا فمتى انفسخت الزوجية؟ إن قلنا ينتقل بشرطين فإنها تنفسخ عقيب القبول، وإن قلنا مراعا ينفسخ عقيب وفاة الموصي، ثم لا يخلو حالها من أحد أمرين إما أن تكون حاملا أو حائلا، فإن كانت حائلا فلا تفريع، وإن كانت حاملا لم تخل إما أن تضع الولد في حياة الموصي أو بعد وفاته. فإن ولدت قبل وفاته نظرت، فإن وضعت من حين الوصية لستة أشهر فأكثر فالظاهر أنه حدث بعد الوصية فيكون الولد مملوكا للموصي، لأن نماء الموصى به يكون للموصي قبل وفاته، وهذا عندنا إذا كان اشترط عليه الاسترقاق، وإن وضعت لدون ستة أشهر من حين الوصية، فقد تبينا أنه كان موجودا في ذلك الوقت، فلمن يكون؟ بنيت على القولين، فمن قال لا حكم للحمل، قال يكون للموصي كما حدث في هذه الحالة، ومن قال له حكم قال يكون للموصى له، لأنه في التقدير كأنه أوصى له بالحمل وبالجارية. وإن وضعته بعد وفاة الموصي ففيه مسئلتان إحداهما أن تضع قبل قبول الوصية والثانية أن تضع بعد القبول، فإن وضعت بعد وفاة الموصي وقبل القبول، ففيه ثلاث مسائل إحداها أن يكون حبلت بعد الوفاة، الثانية أن تكون حبلت بعد الوصية و قبل الوفاة، الثالثة حبلت قبل الوصية. فالأولى إذا حبلت بعد وفاة الموصي ووضعت قبل القبول، فهو أن تأتي به من حين الوفاة لستة أشهر وأكثر، فالظاهر أنها حبلت بعد وفاته، لأنها أتت لأقل مدة الحمل، فيحكم بأن الولد حادث بعد وفاته، وما الحكم فيه؟ يبنى على أن الملك متى تنتقل إلى الموصى له؟ فمن قال تنتقل بشرطين: بموت الموصي والقبول، فههنا لم يوجد أحد الشرطين، فهي بعد في حكم ملك الميت وهذا إنما تميز في ملكه فيكون مملوكا لورثته، فإذا قبل الوصية تصير الجارية مملوكة له، ولا تصير أم ولد، لأنها علقت في ملك غيره، ومن قال إنه مراعا وبالقبول تبين أن الملك انتقل إليه بوفاته

[ 30 ]

يحكم بأنه ملك الجارية بوفاة الموصي، ولما حبلت علقت بحر وتصير أم ولده و ليس على الولد ولاء. المسئلة الثانية أن تكون حبلت بعد الوصية قبل الوفاة فتأتي به لستة أشهر فأكثر من حين الوفاة، ولأقل من ستة أشهر من حين القبول، فإنها تبني على أن الحمل هل له حكم أم لا؟ فمن قال له حكم قال الولد يكون مملوكا للموصي، وينتقل إلى الورثة بوفاته، لأنه نماء في ملكه، فهو كما لو أوصى بشجرة فأثمرت قبل وفاته فإن الثمرة تكون له، ومتى ملك الموصى له الجارية إما بالوفاة أو بشرطين لا يكون أم ولده. ومن قال لا حكم له قال هذا يبني على أنه متى تنتقل، فإن قيل بشرطين: فهي بعد في حكم ملك الميت والنماء لورثته، ويملك الجارية بالقبول، وينفسخ النكاح، ولا تصير أم ولده ومن قال ينتقل إليه بالوفاة، قال: يملكها بالوفاة وينفسخ النكاح، ويملك الحمل ويعتق عليه، ويكون له عليه الولاء، والجارية لا تصير أم ولده لأنها علقت بمملوك في ملك الغير. المسئلة الثالثة: وهي أن تكون قد حبلت قبل الوصية مثل أن تأتي به من حين الوصية لأقل من ستة أشهر، فإنه لا يمكن حدث بعد الوصية، فيبنى على أن الحمل له حكم أم لا؟ فمن قال له حكم، قال فكأنه أوصى له بالأمة وولدها فمتى ملكهما إما بالموت أو بشرطين يعتق عليه الولد، وله عليه الولاء، ولا تصير أم ولده: ومن قال ينتقل بشرطين فقد وضعت وهي في حكم ملك الميت ويكون الولد لورثته، ومن قال ينتقل بالوفاة إليه قال: فيتبين أنه ملكها بالوفاة، وانفسخ النكاح وعتق عليه الولد ويثبت عليه الولاء، ولا تصير أم ولده. وأما الفصل الثاني وهو أن يأتي بالولد بعد وفاة الموصي وقبول الوصية، ففيه أربعة مسائل إحداها أن تكون حبلت بعد القبول، والثانية أن يكون علقت به بعد الوفاة قبل القبول، والثالثة أن يكون علقت بعد الوصية قبل الوفاة والرابعة أن تكون الحمل موجودا قبل الوصية.

[ 31 ]

فأما إذا حبلت بعد قبول الوصية فهو أن تأتي به بعد القبول لستة أشهر فأكثر فالظاهر أنه حدث بعد القبول، لأن الأصل أن لا حمل، ويكون الأمة ملكها بالقبول أو بالوفاة، وصارت مملوكة له، وقد علقت بحر في ملكه، وصارت أم ولده. وإن كانت حبلت بعد الوفاة وقبل القبول، وهو أن تأتي به من حين الوفاة لستة أشهر فأكثر لأقل من ستة أشهر من حين القبول، فهي تبني على أن الملك متى ينتقل، فمن قال إنه مراعي فعلى هذا تبين أنه بوفاة الموصي ملك وانفسخ النكاح وصارت رقيقة له، وعلقت بحر في ملكه، وصارت أم ولده، ولا ولاء له على الولد ومن قال الملك ينتقل بشرطين فعلى هذا يبنى على أن الحمل له حكم أم لا؟ فمن قال له حكم، فإنه نماء تميز وهي في حكم ملك الميت فيكون لورثته وإذا ملك الأمة بالقبول ينفسخ النكاح ولا تصير أم ولده. المسئلة الثالثة أن يكون حبلت بعد الوصية قبل الوفاة، وهي أن تأتي به من حين الوصية لستة أشهر فأكثر ومن حين الوفاة لدون ستة أشهر، تبنى على أن الحمل له حكم أم لا؟ فمن قال له حكم فهذا حدث في ملك الموصي وينتقل إلى ولده بوفاته ومن قال لا حكم له فعلى هذا يكون الولد للموصى له، بكل حال، لأنا إن قلنا إنه يملك بالوفاة فقد مات الموصي، وإن قلنا يملكه بشرطين فقد وجد الشرطان وينعتق عليه، ويكون عليه الولاء ولا تصير أم ولده. الرابعة أن تكون حبلت قبل الوصية وهو أن تأتي به من حين الوصية لأقل من ستة أشهر، فإن الولد يكون للموصى له بكل حال لأنا إن قلنا إن للحمل حكما فكأنه أوصى له بهما، وإن قلنا لا حكم له، فقد تميز في ملكه إلا أنه يعتق عليه، ويكون له عليه الولاء، ولا تصير أم ولده. إذا زوج أمته من رجل ثم أوصى له بها ومات الموصي ولزمت الوصية ثم مات الموصى له قبل قبوله، فإن وارثه يقوم مقامه في قبول الوصية لأن الوصية من الحقوق المالية وذلك يثبت للوارث كما يثبت للموروث، مثل الشفعة والقصاص و فيها خلاف.

[ 32 ]

فإذا ثبت هذا فتفرض المسئلة فيه إذا كان له ابن واحد، فهو بالخيار بين أن يقبل الوصية أو يردها، فإن رد الوصية فلا تفريع، ويكره له ردها، لأنه ربما يكون له منها ولد فيعتق عليه بقبوله، وإذا رد الوصية فإنه يرق، فلهذا كره. وإن قبل الوصية تبنى على انتقال الملك متى يكون إلى الموصى له؟ فمن قال بشرطين، فالميت لم يملك شيئا لأنه مات قبل القبول، وإنما ينتقل من الموصي إلى ورثة الموصى له فتصير الجارية رقيقة له، والولد مملوكا ولا يعتق عليه خلاف المسئلة التي قبل هذا، لأن هناك ملك الأب فيعتق الولد عليه، وهيهنا الأخ ملك أخاه فلهذا لم يعتق عليه، ومن قال ينتقل إليه بوفاة الموصي، فإنه يتبين بقبول الورثة أن الملك انتقل إلى الموصى له بوفاة الموصي، فيكون الحكم فيه كما لو قبل الموصى له ذلك قبل وفاته وقد مضى في المسئلة قبلها. فأي موضع حكمت هناك أن الولد انعقد حرا وأن الأمة صارت أم ولد فكذلك ههنا مثله، وأي موضع حكمت أن الأمة مملوكة وأن الولد انعقد رقيقا وعتق عليه فكذلك ههنا مثله إلا أن الولد لا يرث من والده بحال، لأن صحة الوصية تقف على قبول جميع الورثة لأنه لو أراد بعض الورثة أن يقبل جميع ما قد أوصى لابنه لم يكن له، فلو جعلنا هذا الولد وارثا لم تصح الوصية إلا بقبوله، والقبول منه لا يصح قبل حريته، فكان ذلك يؤدي إلى إبطال حريته وحرية الأمة، وإبطال الوصية، فأسقطنا الإرث حتى حصلت الحرية له ولها. وإذا أوصى بأمة له لانسان ثم أتت هذه الأمة بولد مملوك إما من زنا أو من زوج شرط عليه ذلك، أو اكتسب مالا أو وهب لها أو وجدت ركازا نظرت فإن أتت بذلك قبل وفاة الموصي، فإن ذلك يكون له لأنها مملوكته وهو نماء ملكه. وإن أتت بذلك بعد وفاة الموصي وقبول الموصى له، فإن ذلك يكون للموصى له، لأنا قلنا إنه يملكها بالموت أو بالشرطين فقد ملكها وهذه الزيادة في ملكه، فكانت له وإن أتت بذلك بعد وفاة الموصي قبل قبول الموصى له، بنيت على القولين في أن الملك متى تنتقل فمن قال ينتقل بشرطين فإن ذلك يكون لورثة الموصي لأنها في حكم ملك

[ 33 ]

الميت وإن قلنا إن الملك ينتقل بالوفاة، فإن ذلك للموصى له، لأنه نماء في ملكه. إذا أوصى لرجل بشئ ثم إن الموصى له رد الوصية ففيه أربع مسائل إحداها أن يردها قبل وفاة الموصي، فإنه لا حكم لهذا الرد لأنه ما وجب له شئ حتى يرده كما لو عفى عن الشفعة قبل البيع، فلا يكون له حكم ويكون له القبول بعد وفاة الموصي. الثانية أن يردها بعد وفاة الموصي، صح ذلك، وتبين بذلك أن المال انتقل إلى ورثته. الثالثة أن يردها بعد القبول والقبض فإنه لا يصح الرد، لأن بالقبول تم عليه ملكه، وبالقبض استقر ملكه، فهو كمن وهب منه وأقبضه إياه، فإنه لا يملك رده. الرابعة أن يردها بعد القبول وقبل القبض، فإنه يجوز، وفي الناس من قال: لا يصح الرد لأنه لما قبل ثبت ملكه له إما بالموت أو بالشرطين، وإذا حصل في ملكه لم يكن له الرد. والصحيح أن ذلك يصح لأنه وإن كان قد ملكه بالقبول لم يستقر ملكه عليه ما لم يقبضه، فصح منه الرد كما أن من وقف عليه شئ فإنه متى رد صح ذلك، و إن كان قد ملك الرقبة والمنفعة أو أحدهما، فإذا أوصى لرجل بشئ ثم مات الموصي و قال الموصى له: رددت هذه الوصية لفلان -: واحد من ورثة الموصي - فإنه يقال له ما أردت بذلك؟ فإن قال: أردت به أني رددت إلى جماعتهم لأجل فلان لكرامته وفضله صح وجازت الوصية إلى جماعتهم، وإن قال رددت إلى فلان خاصة فإنه يكون قد ملكه ورده إلى ذلك الانسان، فهو يختص به من بين الورثة. الأقوى أن يقال إن الشئ الموصى به ينتقل إلى ملك الموصى له بوفاة الموصي وقد قيل إنه بشرطين بالموت وقبول الموصى له، وقيل أيضا إنه يراعى، فإن قبل علم أنه انتقل بالموت إليه، وإن رد علم أنه بالموت ينتقل إلى الورثة. وعلى ما قلناه لو أهل هلال شوال وقد مات الموصي، وقد أوصى له بجارية ولم

[ 34 ]

يقبل الموصى له بعد، لزمه فطرتها، وعلى القولين الآخرين لا تلزمه، وإنما رجحنا الأول لقوله تعالى " يوصيكم الله " الآية (1) إلى قوله " من بعد وصية يوصي بها أو دين " فأثبت الميراث بعد الوصية والدين، ولم يقل بعد وصية وقبول الموصى له، فوجب أن لا يعتبر ذلك. إذا أوصى لرجل بثلث ماله نظرت، فإن أوصى بثلث ماله مشاعا فإن الموصى له يستحق ذلك، فيأخذ من كل شئ ثلثه، وإن أوصى له بثلث ماله وعينه في شئ بعينه، بقدر الثلث، استحق ذلك الشئ بعينه، ولا اعتراض للورثة عليه، لقوله عليه وآله السلام " إن الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم " ولم يفرق. إذا قال أوصيت لفلان بثلث هذا العبد، أو بثلث هذه الدار، أو الثوب، ثم مات الموصي، وخرج ثلثا ذلك العبد أو تلك الدار مستحقا فإن الوصية تصح في الثلث الباقي، إذا خرج من الثلث، وقال قوم يصح في ثلث ذلك الثلث والأول أصح. لفقراء والمساكين عندنا صنفان، والفقير أسوء حالا وأشد حاجة، لأن الفقير من لا يملك شيئا أو له شئ لا يسد خلته والمسكين من له بلغة من العيش قدر كفايته. إذا ثبت ذلك فإذا أوصى رجل لهم بثلث ماله فلا يخلو إما أن يوصي به لصنف واحد أو لهما، فإن أوصى لصنف واحد مثل أن يقول ثلثي يفرق في الفقراء، أو اصرفوا في المساكين، فلا خلاف أنه يجوز صرفه إلى الصنفين معا، ويحتاج أن يفرق في فقراء ومساكين ذلك البلد، ومن جوز نقل الصدقة من بلد إلى بلد جوز ههنا مثله. وإذا ثبت أنه يصرف في فقراء بلده فالمستحب أن يعم الكل، فإن خص البعض فلا يجوز أن ينقص من ثلثة، لأنه أقل الجمع، فإن دفع إلى اثنين ضمن نصيب الثالث وكم يضمن؟ قيل فيه وجهان أحدهما، يضمن ثلث ذلك، والثاني يضمن القدر اليسير الذي لو دفع إليه ابتداء أجزأه. فأما إذا أوصى بثلثه للصنفين مثل أن يقول ثلث مالي اصرفوا في الفقراء والمساكين

(1) النساء: 11.

[ 35 ]

فإنه يجب صرفه إلى الصنفين معا لأنه ذكرهما معا ويفرق في كل فقراء ومساكين أهل بلده، فالمستحب أن يعم الكل فإن خص بعضهم فلا يجوز أن ينقص من ثلثة من كل واحد من الصنفين، وإن نقص ضمن كما قلناه، ولو قال ضع ثلث مالي حيث يراك الله أوضعه في سبيل البر والثواب فإنه يصرفه في الفقراء والمساكين، ويستحب أن يصرفوا إلى فقراء آل رسول الله صلى الله عليه وآله، وفقراء قرابته من النسب. ويجوز عندي أيضا أن يصرفه في غير ذلك من أبواب البر، لأن الاسم يتناول ذلك أجمع، وذووا القربى أولى فإن لم يكن فمن بينه وبينه رضاع، فإن لم يكن فالجيران، فإن لم يكن فسائر الفقراء. فأما إذا أوصى بثلث ماله في الرقاب، فهم المكاتبون عندنا والعبيد أيضا، ويصرف إلى مكاتبي أهل بلده، ويستحب أن يعمهم، فإن خص فلا يجوز أن ينقص من ثلثة لأنه أقل الجمع، وإن نقص ضمن على ما مضى بيانه، وإن أوصى بصرف ثلث ماله في الغارمين، فالغارمون ضربان: ضرب استدانوا لصلاح ذات البين وضرب استدانوا لمصلحة أنفسهم وعيالهم، فمن كان استدان لصلاح ذات البين مثل أن وجد قتيلا في محلة فتحمل ديته، وما أشبه ذلك، فإنه يجوز دفع الزكوة إليه، مع الغنى والفقر حتى يقضي ما عليه. ومن استدان لصلاح نفسه وعياله يعتبر حاله، فإن كان غنيا فإنه لا يدفع إليه من الزكوة، وإن كان فقيرا فإن كان أنفقه في طاعة جاز أن يدفع إليه، وإن كان أنفقه في معصية فما دام مقيما على ذلك فلا يجوز أن يدفع إليه، ومتى تاب منها فعندنا لا يجوز أيضا دفعه إليه ليقضي ذلك الدين، ومن الناس من أجازه، فكل موضع قلنا يجوز دفع الزكوة إليه جاز دفع الوصية إليه، وكل موضع قلنا لا يجوز دفع الزكوة إليه لم يجز أيضا دفع الوصية إليه. وأما إن أوصى أن يصرف ثلث ماله في سبيل الله، فسبيل الله هم الغزاة وهم على ضربين أحدهما هم المرابطون المترصدون للقتال، فهؤلاء يدفع إليهم من الزكوة لأنه يصرف إليهم أربعة أخماس الغنيمة، والضرب الثاني هم أصحاب الصنايع الذين إذا

[ 36 ]

نشطوا غزوا، ثم عادوا إلى حرفتهم، فهؤلاء يدفع إليهم من الزكوة، مع الغنى والفقر وهكذا الوصية، وفي أصحابنا من قال إن سبيل الله يدخل فيه مصالح المسلمين كلها ويدخل فيه الحج وغيره. وإذا أوصى بثلث ماله في أبناء السبيل، فأبناء السبيل ضربان أحدهما المجتازون والثاني هو المنشئ للسفر من عندنا، فمن كان مجتازا فإنه يجوز دفع الزكوة إليه عند الحاجة، وإن كان غنيا في بلده، ومن أنشأ السفر من عندنا فإنه لا يجوز دفع الزكوة إليه إلا مع الفقر. فإذا أوصى بثلث ماله في أبناء السبيل ينبغي أن يدفع إلى من يجوز، دفع الزكوة إليه. إذا ثبت هذا فمن أوصى بثلث ماله للأصناف الستة فإنه يجب صرف ذلك إلى جماعتهم إلى كل صنف سدسه، وإن كان بعض الأصناف أكثر من بعض، فالمستحب أن يعم كل صنف، فإن اقتصر على بعض في كل صنف جاز، ولا ينقصون من الثلاثة ويجوز أن يفضل بعضهم على بعض في كل صنف إلا أنه إن نقص من الثلث، يضمن نصيبه وكم يضمن؟ على ما مضى. إذا أوصى لرجل بشئ فإنما يصح القبول منه والرد بعد وفاة الموصي، فإن قبل أو رد قبل وفاته لم يتعلق بذلك حكم، وكان له أن يقبل بعد وفاته، لأن حال وجوب الوصية ولزومها بعد الوفاة، فإذا قبل أو رد قبل الوفاة فقد قبل أو رد قبل أن وجبت له، فلم يتعلق به حكم مثل من عفى عن الشفعة قبل انعقاد العقد من البيع. وأما إذا وهب منه شيئا في مرضه المخوف فإنه يحتاج أن يقبل ذلك في الحال لأن من شرط انعقادها القبول في الحال كالبيع، وأما إذا أوصى إلى رجل بالنظر في مال أطفاله أو بتفرقة ثلث ماله، فإنه يصح قبوله أيضا في الحال، ويجوز أيضا تأخير القبول كما لو وكله ببيع عبده على أن يبيعه بعد شهر أو سنة صح ذلك، لأنه نجز له عقدا في الحال، ويفارق الوصية لأن هناك تمليكا بعد الوفاة، فافتقر إلى القبول في ذلك الوقت، وهذا عقد منجز في حال الحيوة يصح قبوله في الحال.

[ 37 ]

إذا ثبت هذا فإذا قبل الوصية كان له ردها متى شاء قبل وفاة الموصي، وليس له ردها بعد وفاته، وفي الناس من قال له ردها في الحالين. إذا أوصى لرجل بأبيه، فالمستحب له أن يقبل تلك الوصية لأنه يؤدي إلى إعتاق أبيه وإن ردها فلم يقبلها لم يجبر على قبولها. فإذا ثبت ذلك، فإن رد الوصية فلا كلام، وإن قبلها فلا يخلو أن يقبلها في حال صحته أو مرضه، فإن قبلها في حال صحته ملكه وعتق عليه ولا كلام، وإن قبل في حال مرضه نظرت فإن برأ من ذلك المرض عتق من أصل ماله أيضا ولا تفريع، وإن مات من ذلك المرض، فهل يعتق عليه من أصل ماله أو من ثلثه؟ قال قوم يعتق من الثلث وقال آخرون من رأس المال، لأنه إنما يعتبر من الثلث ما يخرجه من ملكه، وهيهنا لم يخرج من ملكه شيئا وإنما قبل وصيته. وهذا أقوى إذا قلنا أن عتق المريض من ثلثه، وإن قلنا من أصل المال فلا كلام وإذا اعتبرناه من رأس المال انعتق وورثه لأنه حين وفاته حر وعلى قول من اعتبره من الثلث إن لم يكن له مال سواه لم ينعتق منه إلا قدر الثلث، والباقي لورثته، وإن كان ثلثه يحتمل كله عتق عليه، إلا أنه لا يرثه لأن عتقه كالوصية له، عند من قال به فلهذا اعتبره من الثلث، ولو قلنا إنه يرثه لم يصح له الوصية لأن الوصية لا تصح لوارث عندهم، فكان يؤدي إلى أن لا ينعتق، وإذا لم ينعتق لم يرث أيضا، وكل ماجر ثبوته إلى سقوطه عنه، لم يثبت حتى لا يؤدي إلى إسقاط غيره. إذا كان معه ثلاثمائة دينار، فتصدق بمائة دينار في مرضه المخوف، ثم اشترى أباه بمائة دينار، هل يصح ابتياعه أم لا؟ قيل فيه وجهان بناء على الأصلين من أن عتقه يعتبر من الثلث أو من أصل المال؟ أحدهما لا يصح، لأنه يقصد به الاضرار بورثته، لأنه ربما يكون وارثه ابنه، ومتى ملك جده عتق عليه، فوجب أن لا يصح شراؤه والوجه الثاني أنه يصح لأنه ابتياع بعوض فهو كابتياع غير الأب. فإذا ثبت هذا فمن قال ابتياعه لا يصح فلا كلام، ومن قال يصح فإنه لا يعتق على الوجهين معا عليه، لأنه على قول من اعتبر من الثلث فههنا تصرف في ثلثه، وعلى

[ 38 ]

قول من اعتبر من رأس المال إنما يعتبر من الأصل إذا لم يخرج في مقابلته شيئا و هيهنا قد وزن مالا في مقابلته، فإذا مات نظرت فإن كان وارثه ابنا أو أبا، عتق عليه لأنه ملك جده، وإن كان وارثه من لا يعتق عليه، مثل أن يكون عمه أو ابن عمه لم يعتق لأن عندنا الأخ لا ينعتق على أخيه، ولا العم على العم، ومن قال من أصحابنا إن تصرفه في مرضه لا يعتبر من الثلث ينبغي أن يقول إن الشراء صحيح و ينعتق عليه في الحال. إذا أوصى لرجل بداره صحت الوصية إذا ثبت هذا فإن مات الموصي والدار بحالها فإنه يستحق ذلك الدار بجميع حقوقها، وما كان متصلا بها دون ما لا يتصل به، كما قلناه في البيع، وإن خربت الدار وانهدمت فلا يخلو أن يتشعث قبل الوفاة أو بعد وفاته، فإن خربت وتشعثت بعد وفاته، فإن الموصى له يستحقها وما قد انفصل منها من الخشب والآلة، وإن كان اسم الدار لا يقع عليها في هذه الحال. وإن تشعثت قبل الوفاة نظرت فإن كان انهدمت ولم يسقط اسم الدار عنها صحت الوصية فيما بقي دون ما قد انفصل، لأن الاعتبار في الوصية بما يقع عليه الاسم حين لزوم الوصية، وما قد انفصل لا يقع عليه اسم الدار حين لزومها، وإن كان انهدمت و صار براحا بطلت الوصية، لأن الاسم لا يقع عليها حين لزوم الوصية، فهو كما لو أوصى بطعام ثم طحنه قبل وفاته، فإنه لا يستحق، ذلك، لأن الاسم قد زال عنه بالطحن قبل لزوم الوصية. نكاح المريض إن دخل بها صحيح وترث، ويجب لها المهر والميراث وإن لم يدخل بها بطل النكاح وفيه خلاف. إذا أعتق الرجل أمته في حال مرضه المخوف وتزوج بها صح التزويج إذا دخل بها، وترثه، وقال قوم: يصح التزويج ولا ترث، لأنها حرة حال التزويج إلا أنها لا ترثه إذا مات لأن العتق في المرض يعتبر من الثلث كالوصية سواء ولو اثبت الميراث لم يصح لها الوصية، وإذا لم تصح لها الوصية، لم تعتق، ولا يصح التزويج، ولا تستحق الميراث وفي إثبات الميراث لها إبطال العتق والتزويج والارث، فأبطلنا الإرث

[ 39 ]

حتى يصح العتق والتزويج. إذا كان لرجل مائتا دينار وأمه تساوي مائة دينار، فأعتقها في حال مرضه و تزوجها وأصدقها مائة دينار ثم مات، فإن النكاح جايز، لكنها لا ترث، ولا تستحق الصداق، لأن عتق المريض يعتبر من الثلث، ولو أثبتنا لها الصداق، لم يبق هناك ثلث ينفذ عتقها فيه وإذا لم تعتق لم يصح النكاح ولا الصداق فأبطلنا الصداق حتى يصح العتق والتزويج، ومن قال لا يعتبر تصرفه من الثلث ينبغي أن يقول إن العتق صحيح، والتزويج صحيح، وتستحق المهر إن دخل بها، وإن لم يدخل بها كان النكاح باطلا. إذا مات الرجل وعليه حجة واحدة إما حجة الاسلام أو حجة منذورة فإن خلف تركة فإنه يتعلق بها ويجب على الورثة قضاؤها عنه، وإن لم يخلف مالا وتطوع الوراث بالحج عنه جاز ذلك ويسقط الفرض عنه، وأما حجة التطوع فإن لم يوص بها فلا يصح أن يحج عنه وإن فعله عنه كان الثواب للفاعل، وإن أوصى به فهل يصح أن يحج أم لا؟ قيل فيه قولان أصحهما أنه يصح وأما إذا كان عليه دين صحيحا كان أو مغصوبا فقضى عنه بعد وفاته صح ذلك ويسقط عن ذمته، وإذا تصدق عن ميت صدقة تطوع صح ذلك ويلحقه ثوابها، وإذا دعى لميت صح ذلك وعند قوم يناله ثوابه. إذا قال الرجل: أوصيت بثلث مالي لزيد وللمساكين، قيل فيه ثلثة أوجه أحدها أن زيدا كأحدهم إن عم المساكين، فإنه يدفع إليه مثل ما يدفع إلى واحد منهم وإن خص المساكين كأنه أعطى منهم إلى ثلثة جعله كواحد منهم فيعطيه ربعه، ويكون فائدة تخصيصه بالذكر أنه لا يجوز الإخلال به ويجوز الاخلال ببعض المساكين والثاني أنه يجوز الدفع إليه مع الغنى والفقر وإن لم يجز دفعه إلى غيره مع الغنى. والوجه الثاني أنه يستحق نصفه، لأنه جعله جزءا على حدة، فاقتضى أن يكون بينهما كما لو أوصى لزيد وعمرو بثلث ماله يكون بينهما نصفين، وهذا هو الأقوى. والوجه الثالث أنه يستحق الربع لأن أقل ما يقع عليه اسم المساكين ثلثة فيكون هذا رابعهم، وهذا أيضا قوي.

[ 40 ]

فأما إذا أوصى بثلث ماله لعمرو وزيد، ثم إن زيدا لم يقبل الوصية فإنها تعود إلى الورثة ولا يستحق عمرو أكثر من نصف الثلث لأنه إذا أوصى لهما بالثلث فكأنه أوصى لكل واحد منهما بنصف الثلث على الانفراد، فإذا رد أحدهما نصيبه رجع إلى ورثته. إذا أوصى فقال: أعطوا ثلث مالي لقرابتي ولأقربائي ولذوي رحمي فالحكم في الكل واحد، فقال قوم إن هذه الوصية للمعروفين من أقاربه في العرف، فيدخل فيه كل من يعرف في العادة أنه من قرابته سواء كان وارثا أو غير وارث وهو الذي يقوى في نفسي. وقال قوم إنه يدخل فيه كل ذي رحم محرم فأما من ليس بمحرم له فإنه لا يدخل فيه، وإن كان له رحم مثل بني الأعمام وغيرهم، وقال قوم إنها للوارث من الأقارب فأما من ليس بوارث فإنه لا يدخل فيه، والأول أقوى لأن العرف يشهد به. وينبغي أن يصرف في جميعهم ومن وافقنا على ذلك قال يصرف في جميعهم إلا الوراث فإن أجازته الورثة صرف إليهم أيضا ويكون الذكر والأنثى فيه سواء، وفي أصحابنا من قال إنه يصرف ذلك إلى آخر أب وأم له في الاسلام ولم أجد به نصا ولا عليه دليلا مستخرجا ولا به شاهدا. إذا قال: أعطوا ثلث مالي أقرب الناس إلى أو إلى أقرب أقربائي أو إلى أقربهم بي رحما نظرت فإن لم يكن له والد ولا أم فإن أقرب الناس إليه ولده ذكرا كان أو أنثى ثم ولد ولده وإن سفل، سواء كان وارثا أو غير وارث، مثل أولاد البنات عند المخالف حتى إن كان هناك بنت بنت وابن ابن [ ابن ] ظ كانت الوصية لبنت البنت لأنها أقرب الناس إليه فإن لم يكن له ولد وهناك والد فهو أحق بها لأنه أقرب الناس إلى ولده. وإن اجتمع الوالد والولد قيل فيه وجهان أحدهما أن الولد أولى وأقرب إليه لأنه بعض منه والوالد ليس ببعض منه والثاني أنهما سواء وهو الأولى لأن كل واحد منهما يدلي بنفسه وليس بينهما واسطة.

[ 41 ]

فعلى هذا يكون الأب أولى من ابن الابن، فإن لم يكن والد ولا ولد فالجد أولى مع عدم الإخوة لأنه أقرب إليه. وإن لم يكن جد لكن له أخ فالأخ أحق به لأنه أقرب ثم يكون الأخ للأب والأم أولى من الأخ للأب أو للأم لأنه يدلي بسببين، والأخ للأب والأخ للأم واحد لأن كل واحد منهما مثل الآخر في القرابة، والأخ للأب أولى من ابن الأخ للأب والأم فمتى تساويا في الدرجة كان من يدلي إليه بأبيه وأمه أولى، وإن اختلفا في الدرجة كان الأقرب أولى. وإذا اجتمع الأخ والجد كانا متساويين وفيهم من قال الأخ أولى فعلى هذا يكون ابن الأخ أولى من الجد، وعلى ما يقتضيه مذهبنا ابن الأخ مثل الجد كما نقول في الميراث. وفي الناس من قال الجد أولى من ابن الأخ فإذا لم يكن جد ولا إخوة فالأعمام ثم بنو الأعمام فعلى هذا فمتى تساووا في الدرجة فولد الأب والأم أولى ومتى اختلفوا في الدرجة فالأقرب أولى هذا كله بلا خلاف. إذا أوصى بثلث ماله لجماعة من أقربائه فقد أوصى لثلاثة أنفس من أقربائه فينظر فإن كان هناك ثلاثة في درجة واحدة، مثل ثلاث بنين أو ثلاث بنات أو ثلثة إخوة، صرف ذلك إليهم، وإن كان في الدرجة الأولة اثنان وفي الثانية واحدة، مثل ابنتين وابن ابن دفع إلى الأولتين ثلثا الثلث، وإلى من في الدرجة الثانية الثلث من ذلك وإن كان واحد في الدرجة الأولى واثنان في الدرجة الثانية دفع إلى الأول الثلث من ذلك وإلى من في الدرجة الثانية ثلثا الثلث، لأنه أوصى لجماعة فلا يعطى ذلك بعضهم. كل من يتناوله الاسم فإن الوصية له صحيحة، سواء كان وارثا أو لم يكن، و عند المخالفين إن كان وارثا لم يصح وإن لم يكن وارثا صحت له الوصية. وإذا أوصى لجيرانه فإنه يفرق على من بينه وبينه أربعون ذراعا وقد روي أربعون دارا وفيه خلاف. الوصية لأهل الذمة جايزة بلا خلاف، وفي أصحابنا من قيد ذلك إذا كانوا من أقاربه، وأما الوصية للحربي، فعندنا أنها لا تصح، وفيهم من قال تصح.

[ 42 ]

القاتل تصح له الوصية وفيه خلاف. إذا أوصى لرجل بثلث ماله ثم أوصى لآخر بثلث ماله فهاتان وصيتان بثلثي ماله، وهكذا إذا أوصى بعبد بعينه لرجل ثم أوصى لرجل آخر بذلك العبد بعينه فهما وصيتان، ويكون الثانية رجوعا عن الأولى، وفيهم من قال لا يكون رجوعا، وفيه خلاف. فمن قال ليس برجوع قال ينظر فإن أجازت الورثة يكون لكل واحد منهما ثلث ماله، وكذلك يقول من قال هو رجوع، وإن لم يجيزوه قالوا المال بينهما نصفين وإن أوصى بعبد بعينه ثم أوصى بذلك العبد لآخر نظرت، فإن أجازت الورثة يكون العبد بينهما نصفين، وإن لم تجزه نظرت فإن كان قيمة العبد قدر الثلث فإنه يكون بينهما ولا يحتاج إلى إجازة الورثة، وإن كان قيمة العبد أزيد من قدر الثلث فللوارث أن يمنع الزيادة على الثلث، وأما الثلث فلا ويكون الثلث بينهما نصفين. هذا إذا قبلا جميعا الوصية وإن رد أحدهما وقبل الآخر فإن جميع الثلث لمن قبل، لأنه قد أوصى لكل واحد منهما بجميع الثلث. وعلى ما قلناه من أن في الثاني رجوعا عن الأول ينظر، فإن رجع الأول فلا تأثير لرجوعه لأن الوصية له قد بطلت بالوصية للثاني، وإن رجع الثاني ولم يقبلها رجع المال إلى الورثة لأن الوصية للأول كان قد بطلت بالوصية للثاني. وإذا أوصى بعبد ثم باعه أو أعتقه أو وهبه وأقبضه، فإن هذا يكون رجوعا بلا خلاف، وإن أوصى بأن يباع أو يعتق فإنه يكون أيضا رجوعا بلا خلاف، ولو أوصى ثم عرض على البيع وسلم إلى البيع أو وهبه ولم يقبضه، قال قوم يكون ذلك رجوعا لأن العرض على البيع سبب إزالة المال والبيع فكأنه بين العرض في الرجوع عن الوصية ولو أوصى ثم رهنه فإنه كالبيع لأن المقصود من الرهن أنه إذا حل الأجل وعجز الراهن فإنه يباع في حق المرتهن، ومعلوم أنه لو باع كان رجوعا كذلك إذا رهنه. إذا أوصى بطعام ثم طحنه أو أوصى بدقيق فعجنه أو بعجين فخبزه، يكون كل

[ 43 ]

ذلك رجوعا عن الوصية لأن الاسم قد زال، وكذلك من أوصى بطعام فجعله سويقا كان ذلك رجوعا عنها لمثل ذلك، وإن كان أوصى بخبز فدقه وجعله فتيتا فلا يكون رجوعا لأن الاسم لم يزل عنه، وهو الصحيح، وفي الناس من قال يكون رجوعا لأنه انتقل إلى اسم أخص. ولو أوصى له بقفيز حنطة بعينها، ثم خلطه بطعام مثله أو دونه أو أجود منه فإن الوصية تبطل لأن الموصى به لا يمكن تسليمها إليه كما أوصى له به، وإن أوصى له بقفيز طعام مشاعا ثم خلطه بغيره بمثله أو بدونه فالوصية صحيحة وإن خلطه بأجود منه بطلت الوصية لأنه لا يقدر على تسليم الموصى به إلا زائدا فإذا كان زايدا فلا تصح الوصية. العطايا على ضربين مؤخرة ومنجزة فالمؤخرة مثل أن يوصي أن يتصدق عنه أو يحج عنه حجة التطوع، أو يباع بيع محاباة، فهذا كله صحيح، سواء كان في حال صحته أو حال مرضه، سواء أوصى به دفعة واحدة أو دفعة بعد أخرى، لأن حال الاستحقاق واحدة، وهي بعد الموت ويعتد ذلك من الثلث بلا خلاف. والعطية المنجزة هي ما يدفعه بنفسه مثل أن يعتق أو يحابي أو يتصدق أو يهب ويقبض، ولا تخلو هذه من أحد أمرين إما أن يكون في حال صحته أو حال مرضه فإن كان في حال صحته، فإن ذلك يصح، ويعتبر ذلك من رأس المال وإن فعله في حال مرضه، فالأمراض على ضروب ثلاثة: مرض لا يتعلق به حكم، ومرض يكون معه كلام ولا يكون لكلامه معنى، ومرض معه كلام وله حكم. فأما المرض الذي لا يتعلق به حكم مثل الصداع والرمد وحمى خفيفة فإن هذا كله لا يتعلق به حكم لأنه لا يخاف منه التلف، وإن أعطى فيه يكون من رأس المال وهكذا المسلول والمفلوج لأنه لا يتعجل موته، ويبقى زمانا كثيرا. الضرب الثاني من المرض وهو إذا عاين الموت وشخص بصره واحمرت وجنتاه أو شق جوفه وبانت حشوته أو وسط أو رفع في ماء قاهر ولا يحسن السباحة فإنه لا حكم لكلامه، لأنه بحكم الأموات، بدلالة أنه لو قتل لما وجب على قاتله القود

[ 44 ]

لأنه لا تصح منه الشهادة، وحركته حركة المذبوح. الضرب الثالث من المرض إذا كان معه كلام ولكلامه حكم، وتصح منه الوصية ويكون من الثلث، هذا إذا فعل في حق غيره فإنه يعتبر من الثلث فأما ما ينفق على نفسه من الملاذ والشهوات مثل التسري (1) وغيره وشراء الأدوية فإنه يعتبر كله من رأس المال وهذه الوصية تلزم في حقه فإن برئ ولم يمت فإنها تعتبر من رأس المال وإن مات فإنه يعتبر من الثلث. المرض المخوف على ضروب منها الحمى وهو على ضربين لازمة، وغير لازمة، فاللازمة التي تدوم وتكون مطبقة، نظرت فإن كان حمى يوم أو يومين، فلا يكون مخوفا حتى إذا مات منها في يوم أو يومين تعتبر وصاياه من رأس المال، وإن زاد على يومين وثلثه فيكون ذلك مخوفا. والضرب الثاني حمى غير لازمة مثل الغب والربع فإن هذا لا يكون مخوفا اللهم إلا أن يكون معها وجع آخر، مثل السرسام وذات الجنب والرعاف الدايم والقروح التي تكون في الصدر والقولنج فإنه يكون مخوفا، فإنه متى انضاف إلى حمى يوم أو ربع شئ من ذلك كان مرضا مخوفا. وإما إذا كان به قيام وإسهال فهو على ضربين إسهال يحرق بطنه وإسهال لا يحرق بطنه، فالذي يحرق بطنه هو الذي لا يقدر على إمساكه، ولم يكن له قوة ممسكة فإن ذلك يكون مثل الميت. وإن كان إسهالا لا يحرق بطنه، وهو أن يكون قادرا على إمساكه فإن هذا مثل حمى يوم أو يومين، فإن كان يوما أو يومين فلا يكون مخوفا وإن زاد على ذلك كان مخوفا، وأما إذا كان به زحير وانقطاع فإنهما مخوفان فإن الزحير [ ما ] لا يخرج إلا بعد شدة شديدة، والانقطاع ما يخرج بعد شدة شديدة قليلا قليلا ويخرج بعد شدة أخرى قليلا آخر. والأمراض على ثلثة أضرب: ضرب يشترك فيه الخاص والعام بأنه مخوف، مثل الرعاف الدائم والبرسام فعطاياه تكون من الثلث.

(1) التسري اتخاذ السرية: وهي الأمة تنزلها بيتا وتخفيها عن نسائك.

[ 45 ]

والضرب الثاني يجتمع فيه الخاص والعام بأنه غير مخوف مثل الرمد والصداع ووجع الضرس فإن هذا لا يكون مخوفا وعطاياه تعتبر من رأس المال. الضرب الثالث مرض مشكل لا يعرفه إلا الخواص فإنه يرجع فيه إلى أهل الخبرة من الطب ويرجع في ذلك إلى المسلمين من الطب دون أهل الذمة لأن أهل الذمة وصفهم الله بالكذب والخيانة والتحريف ويعتبر في هذا العدالة مثل الشهادة ويكون شاهدان عدلان يعتبر فيه العدد مثل الشهادة سواء. مثاورة الدم على ضربين دم يأخذ جميع البدن وهو الطاعون فإذا أخذ جميع البدن واحمر فإنه يكون مخوفا لأنه ربما تجف البرودة الغريزية فيموت منه، والضرب الثاني إذا انصب الدم إلى موضع واحد ويحمر ويرم، فيكون مخوفا سواء تغير منه العقل أو لم يتغير، ومن كان به بلغم نظرت فإن كان ابتداء البلغم مثل أن يتمكن في النفس فإنه يكون مخوفا لأنه ربما يطفئ الحرارة الغريزية فيموت منه وأما إن استمر واستقر وصار فالجا فلا يكون مخوفا وإن مات منه فلا يكون عاجلا. وأما الجراح فعلى ضربين ضرب ينفذ وضرب لا ينفذ، فأما ما ينفذ إلى الجوف فعلى ضربين أحدهما ينفذ إلى جوفه والآخر ينفذ إلى دماغه فجميعا مخوفان وأما إذا لم يكن نافذا إلى جوفه ويكون الجراحة بالخشب والمثقل نظرت، فإن لم يأتكل ويرم فغير مخوف وإن ورم فإنه يكون مخوفا. إذا التحم الحرب سواء كان بين المشركين أو بين المسلمين، فإن الحكم فيه واحد ينظر فإن كان الحرب قبل التحام القتال والحرب فإنه لا يكون مخوفا وإن كان يرمي بعضهم بعضا وإذا كان التحام الحرب قال قوم يكون مخوفا وقيل إنه لا يكون مخوفا والأول أصح، ويقوى عندي أن الثاني أصح. وأما الأسير إن كان في أيدي مشركين وهم معروفون بالاحسان إلى الأسارى مثل الروم، فإن هذا لا يكون مخوفا وإن كان في أيدي مشركين يقتلون الأسارى قيل فيه قولان أحدهما يكون مخوفا فإنه يخاف تلف النفس، والثاني لا يكون مخوفا لأنه لا يصيب البدن، فالمخوف ما يصيب البدن.

[ 46 ]

إذا غلب الموج وحصل في جب البحر قيل أيضا قولان مثل الأسير. وإذا قدم من عليه القصاص فإنه غير مخوف، وفيهم من قال يكون مخوفا. إذا ضرب الحامل الطلق فلها ثلثة أحوال حال قبل الطلق وحال مع الطلق، وحال بعد الطلق، فما قبل الطلق لا يكون مخوفا وما يكون حال الطلق يكون مخوفا، وقال بعضهم لا يكون مخوفا، وما يكون بعده، فإن لم يكن معه دم ولا ألم، فلا يكون مخوفا وإن كان معه دم وألم يكون مخوفا. وأما السقط فإن كان قد تخلق فإنه يكون مخوفا لأنه لا يسقط إلا لألم، وإن كان لم يتخلق وكان مضغة أو علقة فلا يكون مخوفا. قد ذكرنا أن العطية على ضربين منجزة ومؤخرة فالمؤخرة أن يعتق عبدا يوصي به أو يوصي بمخاباة أو بصدقة فإنها تلزم بالموت، والمنجزة إذا أعتق أو باع وحابا أو وهب وأقبض هو بنفسه، فإن هذا كله عطية منجزة، ثم ينظر فإن أعطى في حال صحة أو مرض غير مخوف، فإنه يعتبر من رأس المال، وإن كان في مرض مخوف، فإنه يعتبر ذلك من الثلث، ولأصحابنا فيه روايتان إحداهما أنه يكون من رأس المال والثانية من الثلث. فإذا أعطى في مرضه المخوف فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون من جنس واحد أو من أجناس مختلفة، فإن كان من جنس واحد فلا يخلو إما أن يكون قد فعله دفعة واحدة أو فعله شيئا بعد شئ، فإن كان شيئا بعد شئ مثل أن يكون أعتق ثم أعتق أو حابا ثم حابا فإنه يقدم الأسبق فالأسبق بلا خلاف، لأن المريض إذا أعتق أو حابا يلزم في حقه ويلزم في حق الورثة من الثلث فالأول لازم في حقهما والمتأخر لازم في حق أحدهما وهو حق نفسه، فتقديم ما هو لازم في حقهما أولى من تقديم ما هو لازم في حق أحدهما والثاني أنهما عطيتان منجزتان ولأحدهما التقدم وجب أن يقدم لحق سبقه وتقدمه. فأما إن كان دفعة واحدة مثل أن يكون أعتق أعبدا أو باع وحابا لجماعة أو وهب لجماعة وأقبضه إياهم نظرت، فإن أعتق نظرت: فإن خرجوا من الثلث عتقوا،

[ 47 ]

وإن لم يخرجوا من الثلث أقرع بينهم حتى يستوفى الثلث، وإن كان محاباة وهبة فإنه يقسط بينهم. وأما إن كان من أجناس فلا يخلو أن يكون فعله دفعة واحدة أو فعله شيئا بعد شئ، فإن كان فعله شيئا بعد شئ نظرت، فإن حابا ثم أعتق فإن المحاباة تقدم على العتق، وإن أعتق ثم حابا كان مثل ذلك يقدم الأسبق فالأسبق وقال قوم يسوى بينهما من العتق والمحاباة. فأما إذا كان دفعة واحدة فهو مثل الوصايا، والكلام عليه يأتي فيما بعد، وفرع على هذا ست مسائل: أولاها إذا كان له عبدان سالم وغانم، قال لسالم متى أعتقت غانما فأنت حر، فقد جعل عتق غانم صفة لسالم، ثم أعتق غانما في مرضه، نظرت، فإن كانا قد خرجا من الثلث، فقد عتقا: عتق الغانم بالمباشرة، وعتق السالم بالصفة، وإن لم يخرجا من الثلث عتق غانم، ولم يعتق سالم، وعندنا أنه يعتق غانم بالمباشرة، وسالم لا يعتق على كل حال لأن العتق بصفة لا يصح عندنا. والمسألة الثانية قال لسالم إذا أعتقت غانما فأنت حر حين إعتاقي غانما، فقد علق عتقهما بحال واحد، ثم أعتق غانما في مرضه نظرت، فإن خرجا من الثلث عتقا لما تقدم، وإن لم يخرجا من الثلث عتق غانم، ولم يعتق سالم، وعلى مذهبنا مثل الأولى سواء، يعتق غانم بالمباشرة، ولا يعتق سالم بالصفة. الثالثة إذا كان له ثلثة أعبد غانم وسالم وفايق، فقال لسالم وفايق متى أعتقت غانما فأنتما حران، فقد جعل عتق غانم صفة لهما، ثم أعتق غانما في مرضه، نظرت فإن خرجوا من الثلث عتقوا كلهم: غانم بالمباشرة وسالم وفائق بالصفة، وإن لم يخرجوا من الثلث عتق غانم، ثم نظرت فإن لم يبق من الثلث لم يعتق سالم، ولا فايق، وإن بقي من الثلث شئ أقرع بينهما، وعلى مذهبنا مثل ما قدمناه سواء. المسئلة الرابعة المسئلة بحالها قال لسالم وفايق متى أعتقت غانما فأنتما حران حين إعتاقي غانما فقد علق إعتاقهم بحالة واحدة ثم أعتق غانما في مرضه نظرت، فإن

[ 48 ]

خرجوا من الثلث عتقوا، وإن لم يخرجوا من الثلث عتق غانم من الثلث، ثم ينظر فإن لم يبق من الثلث شئ فلا يعتق أحدهما وإن بقي من الثلث شئ أقرع بينهما وعندنا أن هذه مثل الأول سواء. المسئلة الخامسة إذا قال لعبده سالم: متى تزوجت فأنت حر، فقد جعل التزويج صفة لعتق سالم، ثم تزوج في مرضه، فإن كان أصدقها صداق مثلها، فإن مهرها يلزم من رأس المال، ويعتق سالم من الثلث، وإن أصدقها أكثر من مهر مثلها فقدر مهر مثلها من رأس المال، والزيادة على ذلك يكون من الثلث إن كانت هي غير وارثة تستحق هي من الثلث، لأن تلك الزيادة وصية ولا وصية لوارث، ثم نظرت فإن خرجا من الثلث: الزيادة وعتق سالم فإنه يعتق سالم، وأن لم يخرجا من الثلث تدفع الزيادة إلى المرأة ولا يعتق سالم، وعندنا أن تزويجه إذا كان صحيحا بأن يدخل بها فلها المهر وسالم لا ينعتق بحال، لأنه عتق بصفة وقد بينا أن ذلك لا يجوز. المسئلة السادسة المسئلة بحالها، فقال يا سالم متى تزوجت فأنت حر حين تزويجي نظرت، فإن أمهرها مهر المثل فإنه يكون ذلك من رأس المال، ويعتق سالم من الثلث وإن كان أمهرها أكثر من مهر المثل نظرت، فإن كانت الزيادة على مهر مثلها وقيمة سالم يخرجان من الثلث، فإنه يعتق سالم، وتدفع تلك الزيادة إلى المرأة، وإن لم يخرجا من الثلث فتلك الزيادة تقسط بين المرأة وبين سالم. وهذه المسائل كلها قد بينا أنها لا تصح على مذهبنا، إلا عتق ما باشره، و ما علقه بصفة لا يصح. فإن كان ما باشره بنفسه يخرج من الثلث أعتقوا، وإلا ينعتق منه بقدر الثلث. وأما العطية المؤخرة إذا أوصى بعتق أو أوصى بمحاباة دفعة واحدة، نظرت فإن لم يكن فيه عتق فإنه يسوى بينهم، لأن حال استحقاق وجوبه واحدة، وهو بعد الموت، فإن خرج كله من الثلث صح الكل، وإن لم يخرج من الثلث عندنا يقدم الأول فالأول فيدخل النقص على الأخير، وإن اشتبهوا أقرع بينهم وعند المخالف يقسط عليهم، وإذا كان فيه العتق والتدبير فعندنا أنه يقدم العتق، وفيهم من وافقنا - 3 -

[ 49 ]

على ذلك، وفيهم من لم يقدم، وإذا جمع بينهم وكانت عطية منجزة ومؤخرة فإن عندنا يقدم المنجزة، وكذلك عند بعض من خالفنا، وفيهم من قال لا يقدم، وإنما قلنا ذلك لأن العطية سابقة فوجب تقديمها ولأنها لزمت من جهة المعطي والمؤخرة لم تلزم بعد. إذا كان له عبدان فقال لأحدهما إن مت من مرضي هذا فأنت حر وقال للآخر إن مت فأنت حر، فهذان تدبيران تدبير مقيد وتدبير مطلق، فإن لم يمت من ذلك المرض وبر أبطل التدبير المقيد وإن مات بعد ذلك لم يعتق ذلك العبد، وإن مات من ذلك المرض فإن خرجا من الثلث عتقا وإن لم يخرجا من الثلث أقرع بينهما. ولو أوصى بثلث ماله لأهل بيته قال تغلب أهل بيته هم الآباء والأجداد وبنوا الآباء وبنوا الأجداد، ولا يدخل تحته الأولاد، والصحيح عندنا أن الأولاد يدخلون فيه. وإن أوصى بثلثه لذريته قال تغلب ذريته أولاده وأولاد أولاده، وهذا صحيح وإن قال أعطوا ثلث مالي لعترتي، قال تغلب وابن الأعرابي أن عترته ذريته: أولاده وأولاد أولاده وهذا هو الصحيح وقال القتيبي أمته هو عترته لقول أبي بكر نحن عترة رسول الله صلى الله عليه وآله. إذا قال أعطوا ثلث مالي لأولاد فلان فإنه يدفع إلى أولاده للصلب، ولا يدفع إلى ولد ولده. إذا قال أعطوا ثلث مالي إلى موالي قيل فيه ثلاثة أوجه أحدهما تصح هذه الوصية لمولى الأعلى، لأن الاطلاق ينصرف إليه، والوجه الثاني يستويان فيه مولى الأعلى ومولى الأسفل، لأن الاسم يتناولهما، والوجه الثالث يبطل الوصية، والوجه الثاني أقرب. إذا أوصى لرجل بعبد له، وكان له مال غايب أو أوصى بثلث ماله وكان له مال غايب، فإن هذه الوصية تصح لأنها وصية بثلث ماله، لكن لا يدفع إلى الموصى له مع صحتها لأن من شرط صحة الوصية أن يحصل للورثة مثلا ما يحصل للموصى له

[ 50 ]

وههنا ما سلم إلى الورثة شئ فلم يحصل لهم شئ، لكن هل يسلم إليه ثلث العبد أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما يسلم إليه ثلثه لأنه قد استحق هذا الثلث لأنه إن سلم مال الغايب فإنه يستحق كل العبد، وإن لم يسلم له فالثلث من هذا قد استحقه على كل حال وهو الأقوى عندي. والوجه الثاني لا يدفع إلى الموصى له شئ من العبد لأن من شرط الوصية أن يبقى للورثة مثلا ما قد حصل للموصى له، وههنا ما حصل للورثة شئ ولم يكن للورثة الخيار.

[ 51 ]

(فصل) * (في ذكر الأوصياء) * لا تصح الوصية إلا إلى من جمع صفات خمسة: البلوغ، والعقل، والاسلام، والعدالة، والحرية، ومتى اختل شئ منها بطلت الوصية. وإنما راعينا البلوغ لأن الصبي لا يجوز أن يكون وصيا لقوله عليه السلام: رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم، وفي بعضها حتى يبلغ، وإذا كان كذلك لم يكن لكلامه حكم، ومن كان كذلك لا يجوز أن يكون وصيا ولأنه مولى عليه في نفسه، فلا يجوز أن يكون وليا لغيره. وراعينا العقل لأن من ليس بعاقل ليس بمكلف ومن لا يكون مكلفا لا يجوز أن يكون وصيا ولقوله عليه الصلاة والسلام: رفع القلم عن المجنون حتى يفيق. والاسلام لا بد منه، لأن الكافر فاسق، والمسلم لا يجوز أن يوصي إلى كافر ولا فاسق لأنهما ليسا من أهل أمانة والوصية أمانة. فأما إن أوصى كافر إلى مسلم صحت وصيته ووصية الكافر إلى الكافر، والذمي إلى الذمي، فإن كان غير رشيد في دينه فلا يصح أن يكون وصيا وإن كان رشيدا فهل يجب أن يكون أمينا أو لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما يصح، والآخر لا يصح لأنه فاسق، والفاسق لا يولى الولاية. ويجب أن يكون عدلا لأن الوصية أمانة ولا يؤتمن إلا العدل. والحرية شرط، لأن المملوك لا يملك من نفسه التصرف، وفيه خلاف، وحكم المدبر وأم الولد والمكاتب والذي نصفه حر حكم العبد سواء. إذا ثبت أن هذه الخمسة أوصاف شرط في صحة الوصية، فمتى تعتبر هذه الأوصاف؟ قيل فيه ثلاثة أوجه: أحدها حين وفاة الموصي، لأن نظره وتصرفه تثبت بعد الوفاة، فعلى هذا تصح

[ 52 ]

الوصية إلى عبد ومكاتب ومجنون ومدبر وأم ولد لأنه يجوز أن يكون حال الموت ممن تصح الوصية إليهم، ومنهم من قال يعتبر في الحالين معا حين الموت وحين الوصية في الطرفين معا لأن حال الوفاة حال ثبوت التصرف وحال الوصية حال القبول، فوجب اعتبار الشروط فيهما، وهذا هو الأقوى. وفي الناس من قال يعتبر في عموم الأحوال، من حين الوصية إلى حين الوفاة لأن في جميع هذه الأحوال يصح منه القبول والرد، ومن التزم بالأول قال لأنه لا يجوز القبول والرد قبل الموت. وأما المرأة فتصح أن يكون وصيا بلا خلاف إلا من عطاء فإنه لم يجزها. الوصي إذا تغيرت حاله نظرت فإن كان تغير حاله بالكبر والمرض فإنه يضاف إليه أمين آخر، ولا يخرج من يده، لأن الكبر والمرض لا ينافيان الأمانة، وإن كان تغير حاله بفسق أخرجت الوصية من يده، لأن الفاسق لا يكون أمينا. وأما الأعمى فهل يصح أن يكون وصيا وأمينا قيل فيه وجهان أحدهما لا يصح لأنه ليس له نظر والوصية يفتقر إلى النظر والثاني تصح لأن شهادة الأعمى تقبل والعمى لا يمنع من الأمانة. فأما من يصح أن يوصي عليهم فلا يخلو الورثة، إما أن يكونوا أولادا أو غير أولاد، فإن كانوا غير أولاد مثل الأب والجد والعم والأخ وابن العم وابن الأخ فلا يصح أن يوصي عليهم، ويستنيب من ينوب عنه بالتولية عليهم، إلا في قدر الثلث، وقضاء الديون سواء كانوا مولى عليهم أو لم يكونوا كذلك، وليس له أن يوصي إلى من يلي عليهم، لأنه لما لم يملك التولية عليهم في حال الحياة كذلك لا يملك أن يستنيب من ينوب عنه في حال موته. وإن كان الورثة أولادا نظرت، فإن كان له أب أو جد فليس له أيضا أن يوصي إلى من يلي عليهم، إلا في قدر الثلث وقضاء الديون، لأن الأب والجد لا يليان بتولية، ألا ترى أن الحاكم لا يلي من اليتيم مع وجود الأب والجد، ويلي عليهم مع عدمهما.

[ 53 ]

وإن لم يكن له أب ولا جد فلا يخلو حال الأولاد من أحد أمرين إما أن يكونوا كبارا أو صغارا، فإن كانوا كبارا فلا يصح أن يوصي إلى من يلي عليهم أيضا، إلا في قدر الثلث وقضاء الدين، لأنه لا يلي على أولاده الكبار في حال حيوته كذلك لا يملك أن يستنيب من ينوب عنه بالتولية عليهم، إلا أن يكونوا بالخيار إن شاؤا أجازوا ليقضي الدين والثلث من غير تركته، وإن شاؤا يدفعون من عند أنفسهم إلا أن يكون قد أوصى بشئ من ماله بعينه، وعين عليها، فحينئذ ليس لهم الخيار وفي هذه الفصول ليس له أن يوصي إلى من يلي عليهم، إلا في قدر الثلث وقضاء الدين. وإن كان الأولاد صغارا فإنه يصح أن يوصي إلى من يلي عليهم، لأنه يملك التولية في حال الحيوة وكذلك له أن يستنيب من ينوب عنه بعد وفاته وأما إن كان بعضهم كبارا وبعضهم صغارا فإنه يصح أن يوصي في حق الصغار، ولا يصح في حق الكبار. وإذا أوصى إلى رجلين فلا يخلو حال الموصي من ثلثة أحوال أحدهما أن يكون أوصى إليهما وإلى كل واحد منهما الثاني أوصى إليهما ونهى كل واحد منهما أن ينفرد بالتصرف الثالث إذا أطلق فقال أوصيت إليكما. فإذا أوصى إليهما وإلى كل واحد منهما فإنه صحيح، فإن اجتمعا على التصرف جاز، وإن انفرد أحدهما بالتصرف جاز أيضا، لأنه مأذون في ذلك، كما لو وكل وكيلين على الاجتماع والانفراد. فإن تغير حال أحدهما نظرت فإن كان تغيره بمرض أو كبر فإن الحاكم يضيف إليه أمينا ليقوي يده، ويكون الوصي كما كان، ويكون هذا الأمين معينا معه يعاونه في تصرفه، وإن كان تغير حاله بموت أو فسق أو جنون بطل تصرفه، وليس للحاكم أن يقيم مقامه وصيا آخر لأنه إذا كان للموصي وصي فليس للحاكم أن ينصب وصيا آخر لأن الموصي قد رضي بتصرف واجتهاد الذي لم يتغير حاله. الثاني إذا أوصى إليهما، ونهى كل واحد منهما أن ينفرد بالتصرف، فإن هيهنا إن اجتمعا على التصرف صح، وإن انفرد أحدهما بالتصرف لم يصح ذلك، وتصرفه مردود، لأن الموصي لم يرض باختياره وتصرفه وحده، فإن تغير حال أحدهما فليس

[ 54 ]

للذي بقي ولم يتغير أن يتصرف، وللحاكم أن يقيم مقامه آخر وينضاف إلى الذي بقي ليتصرفا. فإن رأى الحاكم أن يفوض النظر والتصرف كله إلى الذي لم يتغير حاله وحده هل له ذلك أم لا، قيل فيه وجهان: أحدهما له ذلك، ويكون وصيا للموصي وأمينا للحاكم، والوجه الثاني لا يصح لأن الموصي لم يرض باجتهاد وحده. فإن تغير حالهما جميعا فإن الحاكم يقيم مقامهما رجلين أمينين، فإن أراد أن يقيم مقامهما رجلا واحدا فهل له ذلك أم لا؟ قيل فيه وجهان: على ما مضى، وهذان الفصلان لا خلاف فيهما. الثالث إذا أطلق فقال أوصيت إليكما فإن الحكم في هذا الفصل كالحكم في الفصل الثاني إذا أوصى إليهما ونهى كل واحد منهما أن يتصرف وينفرد بتصرفه في جميع الأشياء وقال أبو يوسف يجوز لكل واحد منهما ذلك. وإذا تشاح الوصيان وكانت الوصية إلى كل واحد منهما مجتمعا ومنفردا قسم بينهما التركة قسمة المقارنة، لا قسمة العدل، وضربت السهام وجعل في يد كل واحد منهما نصفه، ليتصرف فيه، ولا ينقطع تصرف كل واحد منهما عما في يد صاحبه. وأما إذا كانت الوصية مطلقة فلا تجوز القسمة، وكذلك إذا كانت الوصية تتضمن نهى كل واحد منهما عن الانفراد بالتصرف، وفي الناس من قال إذا كانت الوصية مطلقة جاز أن يقسم التركة ويحفظ كل واحد منهما نصيبه تحت يده وحرزه، ويجتمعا على التصرف ولا ينفرد أحدهما به. وقد ذكرنا أن الجد أولى بالتولية، فإذا أوصى إلى رجل وكان له أب يعني جد المولى عليه فلا تصح الوصية عندنا، وفيهم من قال تصح الوصية إلى أجنبي مع وجود الجد. إذا مات الرجل وخلف أطفالا ومعهم الأم فإن الأم لا يلي بنفسها على الأطفال إلا أن يكون الأب أوصى إليها، وقال بعضهم لها أن تلي بنفسها. رجل له أطفال ومعهم الأم فأوصى إلى رجل لينظر في مال الأطفال مع وجود أمهم قال من أجاز لها التولب بنفسها أن الوصية باطلة، لأنها أولى وعندنا أنها

[ 55 ]

صحيحة، لأنا بينا أنه ليس لها ذلك، لأنه لا دلالة عليه. امرأة لها أطفال فأوصت إلى رجل بالنظر في أموال أطفالها، فمن قال لها الولاية بنفسها قال وصيتها إلى الأجنبي صحيحة، لأنها تلي بنفسها كما لو أوصى الأب إلى رجل كذلك هي مثله وعندنا أن الوصية تبطل، لأنها لا تملك شيئا. رجل أوصى بجارية لرجل فأتت بولد مملوك إما من زنا أو من زوج شرط عليه عندنا، وعندهم وإن لم يشرط، فهل ذلك المملوك للموصى له أم لا نظرت فإن أتت به بعد الوصية وقبل موت الموصي، فإن الولد للموصي، لأنها أتت به على ملكه وإن أتت به بعد موت الموصي وبعد القبول، فيكون الولد والجارية للموصى له، و إن أتت به بعد موت الموصي وقبل القبول، قيل فيه قولان مبنيان على القولين، فمن قال الموصى له يملك بالموت والقبول فإن الولد يكون للوارث، ومن قال إنه مراعا فإن قبل تبينا أنه بالموت ملكه، فإن الولد يكون للموصى له. فرع: على هذا لو أوصى لرجل بجارية ولا مال له غيرها ولم تخرج من الثلث فاستحق الموصى له ثلث الجارية بالوصية، فإن أتت بولد من زوج أو من زنا من بعد موت الموصي وقبل القبول بنيت على القولين، فمن قال إن الموصى له يملك بالموت والقبول فإن الولد لورثة الموصي، ومن قال هو مراعى فإن قبل تبين أنه بالموت ملك، فإن الموصى له يملك من الولد ثلثه كما يملك من الأم ثلثها لأنه نماؤها وعلى القولين جميعا إن النماء لا يضم إلى ثلثي الورثة، ويحسب على الورثة، ليتوفر على الثلث، لأن الموصي مات ولم يخلف النماء على ملكه. رجل أوصى إلى رجل بجهة من الجهات فليس له أن يتصرف في غير تلك الجهة مثل أن يوصي إليه في تفرقة الثلث على المساكين والفقراء، أو يوصي إليها برد الوديعة فإنه ليس له أن يتصرف في غيره، وفيه الخلاف، وإنما قلنا ذلك لأنه لا دليل عليه في جواز تصرفه في غير ما أسند إليه. رجل له جارية حبلى فأعتقها في مرضه المخوف فإنها تعتق، ويسري العتق إلى الحمل، لأنه كالجزء منها، ثم ينظر فإن خرجت من الثلث عتقت هي وعتق حملها

[ 56 ]

وإن لم يخرجا من الثلث كأنه لا مال له إلا هي، فإنه يعتق ثلثها ويرق ثلثاها ومن الحمل ثلثه يعتق ويرق ثلثاه، وكيف يقوم؟. قال قوم تقوم الجارية حاملة مع ولدها وهو الصحيح، لأن الحمل جزء منها وقال آخرون تقوم الجارية حاملة، والولد إذا انفصل، لأنهما شخصان كالعبدين والأمتين، فعلى هذا يقال كم كانت قيمة الجارية حين أعتقها حبلى؟ قالوا مائة، كم كان قيمة الولد منفصلا قالوا مائة، فيصير مائتين، فإن كان ثلث ماله مائتين أعتقا معا و إن كانت ثلثه مائة عتق من كل واحد منهما بحسابه. وإنما لم تقوم الجارية إذا انفصل الولد لأن الحبل نقص في بنات آدم وزيادة في البهايم وقيمتها حبلى أقل من قيمتها إذا وضعت فلو قومت بعد الوضع لأضر بالورثة. ولا يقرع بين الأمة والولد كما قلنا في العبدين، إذا أعتقا ولم يخرجا من الثلث لأن العبدين أصلان كل واحد منهما أصل وهيهنا الولد تبع للأم. وذلك مثل أن يكون جارية بين رجلين، فكاتباها، فوطئ أحدهما وأحبلها ثم عجزت نفسها، ففسخ الكتابة فإن نصف الجارية هي أم ولد له، ونصف الولد صار حرا ونصفه مملوكا، فإن كان معسرا لم يقوم عليه، وإن كان موسرا قوم عليه و كيف تقوم؟ على القولين أحدهما تقوم حبلى مع الولد، والثاني تقوم هي حبلى، والولد إذا انفصل. رجل له جارية حبلى بمملوك فأعتق حملها في مرضه المخوف، ثم أعتقها هي نظرت، فإن خرجا من الثلث عتق الحمل لأنه يقدم في العتق الأسبق وتعتق الأم بعده فيعتقان جميعا، وإن لم يخرجا من الثلث، فإن كان قيمة الولد قدر الثلث، يعتق الولد وترق الأم، ولا يقرع بينهما، لأن الولد أسبق، ولو كان قيمة الولد أكثر من الثلث فإنه يعتق منه بقدر الثلث، ويرق الباقي، وإن كان قيمته أقل من الثلث فيعتق الولد ويعتق من الأم بقدر ما بقي من الثلث. فإن أتت بولدين توأمين نظرت، فإن خرجوا من الثلث عتقوا كلهم، وإن خرج الولدان عتقا وترق الأم، وإن لم يخرجا من الثلث أقرع بينهما، لأنهما

[ 57 ]

شخصان وجمع عتقهما كالعبدين سواء. المسئلة بحالها فأتت بثلاثة أولاد، فإن خرجوا من الثلث عتقوا كلهم الأم والأولاد وإن خرج الأولاد من الثلث عتقوا، ورقت الأم، وإن خرج الولدان من الثلث أقرع بينهم. وكيف يقرع؟ على وجهين أحدهما أنه يكتب ثلاث رقاع رقعتين بالحرية، وواحدة بالرق، فمن خرجت باسمه رقعة الحرية عتق، والوجه الثاني أنه يكتب رقعتان إحداهما بالحرية والثاني بالرق، فمن خرج باسمه رقعة الرق رق صاحبها، ويعتق الآخران، وإن خرجت رقعة الحرية يعتق هذا الذي خرجت له ويكتب رقعتان أخريان بالحرية والرق فمن خرجت رقعته بالحرية عتق. جارية له حبلى فقال متى أعتقت نصف حملك فأنت حرة، فأنه جعل عتق نصف حملها صفة لعتقها، ثم قال نصف حملك حر نظرت، فإن خرجا من الثلث عتق نصف الحمل بالمباشرة وعتقت الأم بالصفة، عتق النصف الباقي من الحمل بالسراية، لأن الحمل إذا أعتق نصفه سرى إلى الباقي، فقد حصل عتقهم في حالة واحدة. فأما إذا لم يخرجا من الثلث ففيه مسئلتان: إحداهما يقال كم قيمة الثلث؟ فقالوا مائة؟ وقيمة الحمل مائة؟ وقيمة الأم خمسون، فلما عتق نصف الحمل فقد خرج نصف الثلث، بقي من الحمل (1) نصفه وهو خمسون، فيكون الخمسون بين الحمل وقيمة الأم أقرع بينهما، فإن خرجت القرعة للحمل عتق الحمل كله ورقت الأم، وإن خرجت القرعة على الأم لم يعتق كلها لكن يسوى بينها وبين الحمل، يكون ذلك الخمسون نصف يضاف إلى الحمل، ويعتق من الأم نصفها خمسة وعشرون فكأنه عتق من الحمل ثلاثة أرباعه ومن الأم نصفها وهو خمسة وعشرون بالقيمة لأنه ينبغي أن كل جزء يعتق من الأم ينعتق من الحمل مثله وعندنا لا ينعتق إلا ما باشره بالعتق، وما علقه بصفة باطل ويسري العتق إلى النصف الآخر. المسئلة الثانية كانت قيمة الأم مائة والثلث مائة، وقيمة الحمل مائة، فأعتق نصف

(1) من الثلث ظ..

[ 58 ]

الحمل، يعتق نصفه بالمباشرة، بقي من الحمل (1) خمسون، ثم يقرع بينهم، فإن خرجت القرعة على الحمل عتق كله ورقت الأم وإن خرجت القرعة على الأم لم يعتق الكل لكن يسوى بينهما ذلك الخمسون، ويعتق من الأم ثلثها ومن الحمل نصف الثلث صار يعتق من الحمل ثلثاه، ومن الأم ثلثها وعندنا مثل الأولى سواء. إذا أوصى إلى غيره فهل للوصي أن يوصي إلى غيره أم لا؟ قيل فيه ثلاث مسائل: أحدها إذا أطلق فقال أوصيت إليك، ولم يقل فإذا مت أنت فوصي فلانا (2) ولا قال فمن أوصيت إليه فهو وصيي، فإن هذا له أن يوصي إلى غيره، وفي أصحابنا من قال ليس أن يوصي وفيه خلاف. المسئلة الثانية إذا قال أوصيت إليك فإذا مت أنت فوصيي فلان، فإن هذه وصية صحيحة، لأنهما وصيتان رتبت أحدهما على الأخرى، وليس فيه خلاف، ودليله تولية النبي صلى الله عليه وآله من أنفذه إلى غزاة مؤتة لأنه قال إن قتل فلان ففلان، على الترتيب. المسئلة الثالثة إذا قال أوصيت إليك فمن أوصيت إليه فهو وصيي قال قوم إنها تصح، وقال آخرون لا تصح، وفيها خلاف، والأقوى عندي أنها تصح وإنما لا يصح ما يقول أبو حنيفة من أن الوصي إذا أوصى في أمر أطفال نفسه لا يدخل في ذلك التصرف في أطفال الموصى إليه، وعند أبي حنيفة تصح لأنها لا تتبعض إذا قال أوصيت إليك ومتى أوصيت إلى فلان فهو وصيي كانت صحيحة، وفي الناس من قال لا يصح.

(1) من الثلث ظ.
(2) فوصيي فلان خ ل..

[ 59 ]

(فصل) * (في ما يجوز للوصي أن يصنعه في أموال اليتامى) * يجب على الوصي أن يخرج من مال اليتيم جميع ما يتعلق به، فأما الفطرة فلا تجب عليه، وقال قوم تجب، وعلى الأول إجماع الفرقة، وكذلك لا زكوة في أموالهم الصامتة وإنما في الغلات والمواشي، وعلى الوصي إخراجها منها، وقد مضت في الزكوة، والخلاف فيها. وأما جنايته فإن جنى جناية نظرت، فإن كانت الجناية على مال فإنه يلزمه في ماله ويخرج من ماله، وإن كانت الجناية على النفس فلا يخلو أن تكون عمدا أو خطأ فإن كانت خطأ فالدية تجب على عاقلته منجزا ويجب في ماله الكفارة وإن كان عمدا فعندنا أن عمد الصبي وخطأوه واحد، فيلزم أيضا العاقلة وفيهم من قال عمده عمد، غير أنه لا يوجب القود، وإنما يجب به الدية مغلظة في ماله، لأنه غير مكلف، والكفارة أيضا في ماله. وأما النفقة فإنه ينفق عليه بالمعروف، فإن أنفق عليه أكثر من المعروف، فإن تلك الزيادة يضمن الوصي لأنها غير مأذون فيها، فإن بلغ الصبي وادعى بأنه أنفق أكثر من المعروف نظرت، فإن كان ذلك القدر معروفا ويعلم أنه أنفق أكثر مما ينفق بالمعروف فإنه يضمن، وإن كان معروفا ولم يعلم ذلك القدر أنه أنفق، فالقول قول الوصي مع يمينه، لأنه أمين. فإن اختلفا في المدة فقال الصبي أنفقت خمس سنين لأن أبي مات مذ خمس سنين وقال الوصي أنفقت عشر سنين، فالقول قول الصبي لأن الأصل أن لا موت. وأما التزويج فليس للوصي أن يزوجه لأنه ليس من أهله، وربما اتهم، وكذلك ليس له أن يزوج الصغيرة التي يلي عليها، لأن ولاية النكاح لا تستفاد بالوصية. إذا ثبت هذا فإن بلغ هذا الصغير نظرت، فإن بلغ رشيدا، فإنه يدفع إليه ماله

[ 60 ]

وبطل ولاية الوصي، وإن بلغ غير رشيد نظرت، فإن كان مجنونا فالحكم فيه كالحكم في الصبي سواء، وإن كان غير مجنون غير أنه كان سفيها سواء كان غير رشيد في ماله أو غير رشيد في دينه فإنه لا ينفك الحجر عنه بالبلوغ بلا خلاف، ويكون ولاية الوصي على ما كانت في جميع الأشياء، ويجب عليه الزكوة ويخرج عنه الوصي. وإن جنى جناية فإن كانت الجناية على مال فإنه يخرج مما في يديه، ويلزم في ماله، وإن كانت الجناية على النفس فإن كانت خطأ فالدية على عاقلته، والكفارة في ماله، وإن كانت عمدا فإنه يقاد به، لأنه مكلف إلا أن يعفو على مال فإنه يجب في ماله. وأما التزويج فإن كان لا يحتاج إليه فإنه لا يزوجه، وإن احتاج إليه من حيث إنه يتبع النساء فإنه يزوجه حتى لا يزني ويحد لأن التزويج أسهل من الحد عليه ولا يزوجه أكثر من واحدة، لأن فيها كفاية، وإن طلقها فالطلاق يقع، فإن كان مطلاقا فلا يزوجه، لكن يسريه لأنه ليس فيه أكثر من أن يحبلها، ولا يسريه أكثر من واحدة لأنها كفايته. وأما نفقته فإنه ينفق عليه بالمعروف، فإن أنفق أكثر من ذلك كان ضامنا للزيادة وإن كان ممن يتلف الطعام الرطب ويرميه ويفسده، فإنه يجلس ويطعمه. وأما الكسوة فإنه ينظر، فإن كان ممن لا يخرق إذا خلق وبلي فإنه يلبسه الجديد وإن كان ممن يخرق السلب فإنه يلبسه إذا أخرج ويحفظه، فإذا رجع إلى البيت نزع عنه، ويدع إليه إزارا يأتزر به. إذا قال: أعطوا فلانا كذا وكذا، فإن هذه وصية بشيئين، كما قلناه في الاقرار ويرجع إليه بما يفسره فبأي شئ فسره يلزمه ذلك، وكذلك إذا قال لفلان كذا وكذا دينارا يلزمه ديناران، وفيهم من قال يلزمه دينار واحد، وشئ واحد، وهذا فاسد لأنه لا يعطف الشئ على نفسه، فإذا ثبت هذا في الاقرار فالوصية مثل ذلك وقد قلنا في الاقرار أن الاقرار بكذا وكذا دينارا أنه يكون أحد وعشرين دينارا وفي الوصية مثل ذلك.

[ 61 ]

فإن قال كذا وكذا دينارا من دنانيري نظرت فإن كان له دنانير فإنه يدفع إليه ما قلناه على الخلاف، فإن لم يكن له دنانير فالوصية تبطل. إذا قتلت أم الولد مولاها فإنها تنعتق عند المخالف من رأس المال، وعندنا من نصيب ولدها إذا كان ولدها باقيا، وإن لم يكن ولدها باقيا تكون رقا (1) لباقي الورثة. والمدبر إذا قتل مولاه فمن قال إن التدبير عتق بصفة، قال ينعتق، ومن قال إن التدبير وصية وهو مذهبنا يبنيه على القاتل، فمن قال الوصية للقاتل تصح قال إنه يعتق، ومن قال لا تصح الوصية للقاتل فلا ينعتق، هذا إذا خرج من الثلث فأما إذا لم يخرج من الثلث فلا ينعتق بحال. من له الدين إذا قتل من له عليه الدين، والدين كان مؤجلا فيحل بموته لأن الأجل كان حقا لمن عليه الدين، فلما مات تعجل حقه لأنه يؤدي دينه ويبرئ وحظه في تعجيل أداء ما عليه لتبرئ ذمته. الوصي هل تقبل شهادته للموصي؟ نظرت فإن كان وصيا في تفرقة شئ بعينه ويكون ثلث المال موجودا في الحال فإنه تقبل شهادته له، لأنه غير متهم، ولا يجر إلى نفسه. وإن كان وصيا في تفرقة مشاع، أو يكون وصيا في جميع مال اليتيم، لا تقبل شهادته، لأنه يثبت بهذا تصرفا ويجر إلى نفسه نفعا فهو متهم في هذه الحال وكذلك إذا أوصى إليه بتفرقة شئ بعينه، ولم يخرج من الثلث، فإنه لا يقبل شهادته، لما ذكرناه من التهمة. إذا أوصى لعبد نفسه أو لعبد ورثته صحت الوصية عندنا لأن الوصية للوارث صحيحة، وقال المخالف لا تصح في الموضعين، لأن مال العبد لمولاه والوصية للوارث لا تصح وإن أوصى لمكاتبه فإن الوصية صحيحة بلا خلاف، وهكذا إن أوصى لمكاتب ورثته فإنها تصح بلا خلاف. وأما الوصية للمدبر نظرت فإن خرج من الثلث صحت له الوصية بلا خلاف

(1) فهي رق خ ل.

[ 62 ]

وإن لم يخرج من الثلث لم تصح وأم الولد تصح له الوصية بلا خلاف، فعندنا لأن الوصية للعبد جايزة وعندهم لأنها تنعتق بالموت. وأما الوصية لعبد الغير من الأجانب، فإن عندنا لا تصح على ما روي، وعند المخالف تصح كما لو أوصى لسيده ولكن العبد يقبل، لأنه مضاف إليه، وهل يفتقر إلى إذن السيد في القبول أم لا؟ قيل فيه وجهان، أحدهما لا يفتقر، والثاني يفتقر، قالوا والأول أصح لأنه بمنزلة الاحتشاش والاحتطاب. إذا أوصى بثلث ماله فمتى يعتبر الثلث إخراجه؟ قال قوم الاعتبار بإخراج الثلث وقت لزومها، وهو بعد الوفاة، وهو الصحيح، ومنهم من قال يعتبر حال الوصية حين أوصى، فإذا ثبت هذا، فإن كان له مال فإنه يصح وتلزم الوصية بالموت، وإن لم يكن له مال حين الوصية ثم وجد مالا بعد ذلك، فإنه يلزم الوصية فيه بهذه الصفة وهكذا إن كان له مال فزاد حال اللزوم والوفاة، فإنه تلزم الوصية في جميعه. ومن قال يعتبر حال الوصية فإن كان له مال فإنه تلزم الوصية وإن لم يكن له مال ثم ظهر له بعد الوصية، فإن الوصية تبطل في المال الذي ظهر، وهكذا إن كان له مال ثم زاد بعد الوصية، فإن الوصية لا تثبت في الزيادة. وإذا أوصى ببناء مسجد أو بناء سقاية أو أوصى بالوقف على المسجد والسقاية فإنه يصح لأنه قربة، فأما إن أوصى بثلث ماله لأهل الذمة وأهل الحرب، فإنه تصح لهم عند المخالف، وعندنا يصح الذمي إذا كانوا أقاربه. ولو أوصى ببناء كنيسة وبيعة لم تصح بلا خلاف، لأن دعاءهم وصلاتهم فيها ضلالة وكفر وبدعة. وأما إن أوصى ببناء بيت ليسكن فيه المجتازون من أهل الذمة صحت لأنها منفعة والوصية بالمنفعة لهم صحيحة، وعندنا أيضا صحيحة، لأنه ربما سكنها المجتازون من المسلمين، وإن أوصى بقناديل الكنيسة والسرج فيها وفي البيع نظرت فإن كان يراد للتعظيم وتكريم البيعة، فلا تصح، وإن أراد به الضوء والانتفاع فإنه يصح، وإن أوصى بكتب التورية والإنجيل كانت الوصية باطلة، لأنهم بدلوها

[ 63 ]

وغيروها، وما كان كذلك لا تصح الوصية به. إذا أوصى لميت كانت باطلة، سواء علم أنه ميت أو ظن أنه حي وكان ميتا وفيه خلاف. من ليس له وارث لا قريب ولا بعيد ولا مولى نعمة ولا حامي جريرة لا يصح أن يوصي بجميع ماله، وفيه خلاف. تصح الوصية للذمي إذا كانوا أقاربه ولا تصح لأهل الحرب، وفيه خلاف. إذا أوصى إليه أو أوصى له، من الناس من قال ليس له القبول إلا بعد الموت في هذين الفصلين، وأما إن كان أوصى إليه قيل فيه وجهان منهم من قال له أن يقبل قبل الموت في حال حيوته، ومنهم من قال ليس له إلا بعد الوفاة، فمن قال له أن يقبل حال حيوته فقبل فله الرد بكل حال سواء كان في وجه الموصي أو غيبته، وقال قوم إن رد في حال حيوته فليس له أن يرده إلا في وجهه، وإن كان غايبا حين يبلغه ويعلمه، وإن كان بعد الموت فليس له الرد إلا بعجز أو خيانة أو إقرار بالخيانة، وعندنا ليس له أن يرد بعد الموت، وله أن يرد في حال الحيوة إذا علم، سواء كان في وجهه أو لم يكن، وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. رجل باع كر طعام قيمته اثنا عشر دينارا بكر شعير قيمته ستة دنانير فقد حابا بنصف ماله، وليس له المحاباة بأكثر من الثلث، فالوجه في هذا أن يفسخ السدس من كل طعامه قيمته ديناران، ويرد إلى الورثة، فيحصل للورثة كر شعير قيمته ستة دنانير وسدس الطعام قيمته ديناران فيحصل معهم ثمانية دنانير: ثلثا المال، وحصل مع المشتري خمسة أسداس الكر من الطعام قيمته عشرة دنانير وله ستة دنانير قيمة الكر الشعير فحصل له أربعه دنانير بالمحاباة. هذا على مذهب من أجاز التفاضل بين الحنطة والشعير، فأما على ما نذهب إليه من المنع من ذلك فلا يصح، والوجه في ذلك أن يفسخ البيع في ثلث كر من الطعام وثلث كر من الشعير فيحصل للموصى له ثلثا كر من الطعام قيمته ثمانية دنانير بثلثي كر من الشعير قيمته أربعة دنانير، ويحصل معه من فضل القيمة أربعة دنانير

[ 64 ]

وهو قدر الثلث، ويحصل مع الورثة ثلثا كر من الشعير وثلث كر من الطعام. إذا باع كر طعام جيد بكر طعام ردئ، وكان قيمة الجيد اثني عشر دينارا وقيمة الردئ ستة دنانير، فقد حابى بنصف ماله ههنا، ولا يمكن أن يفسخ السدس من الطعام الجيد لأنا إن فسخنا في الطعام الجيد لكان بيع الطعام بالطعام متفاضلا و ذلك لا يصح، وفي الأول يمكن لأن الجنسين مختلفان عند من أجازه. وعندنا أن الوجه في ذلك ما قلناه في المسئلة الأولى سواء، وهو أن يفسخ الثلث في الطعام الجيد، فيدفع ثلث الطعام الجيد إلى الورثة، ويدفع الثلث الطعام الردئ إليهم، وقيمة ذلك أجمع ثمانية دنانير، وهو ثلثا تركة الميت، ويدفع إلى الموصى له ثلث الطعام الردئ قيمته ديناران، وثلثا الطعام الجيد قيمته ثمانية دنانير، يكون عشرة: له قيمة طعامه ستة دنانير، وأربعة دنانير قدر المحاباة. إذا باع في مرضه عبدا قيمته مائتان بمائة، فقد حابا بنصف عبده، فلا يخلو حاله من أحد أمرين إما أن يبرء أو لا يبرأ، فإن برئ فقد لزم البيع، لأن العطاء المنجز يلزم في حق المعطى، فإن لم يبرء أو مات فلا يخلو حاله من أن يكون قد خرج من الثلث أو لم يخرج. فإن خرج من ثلثه مثل أن يكون له مائة دينار أخرى، فالورثة يأخذون المائة وثمن العبد مائة، فيلزم البيع لأنه خرج من الثلث. وإن لم يخرج من الثلث مثل أن يكون لا مال له غيره، فإنه يلزم البيع في نصف العبد ما هو في مقابلة ثمن مثله وفي ثلثه بالمحاباة، لزم في الجملة البيع في خمسة أسداس العبد ولم يلزم في سدس العبد، والورثة بالخيار إن شاؤا أجازوا السدس، فإن أجازوه لزم البيع في الكل وإن لم يجيزوه يقال للمشتري قد تبعضت عليك صفقتك و لك الخيار إما أن تختار ما لزم في العبد وهو خمسة أسداس، وإما أن تفسخ، فإن اختار المقام يكون العبد بينهم للمشتري خمسة أسداس، وللورثة سدسه، وإن اختار الفسخ فإنه يسترجع المائة الذي دفعه، ويحصل العبد للورثة. فإن قال المشتري أعطوني ثلث العبد الذي حاباه لأنه قد أوصى لي به، لم يكن

[ 65 ]

له ذلك، ويقال له كان المحاباة في ضمن البيع، فإذا لم يسلم البيع لم تصح المحاباة وهذا مثل أن يقول أعطوا فلانا مائة ليحج عني وكان أجرة مثله خمسين، فإن حج هذا المنصوص عليه فإنه يستحق المائة، وإن لم يحج وقال لا أحج لكن أعطوني ما زاد على أجرة المثل، لأنه قد أوصى لي. فإنه لا يدفع إليه، كذلك ههنا. فإن قال المشتري: أنا أدفع قيمة السدس حتى يحصل لي جميع العبد لم يلزم الورثة ذلك، لأن حق الورثة في العبد لا في الثمن. وأما إن اشترى في مرضه عبدا قيمته مائة دينار بمائتي دينار، فقد غبن ههنا بمائة، فإن برأ صح الشراء ولزم البيع، وإن مات فالورثة بالخيار في الإجازة فإن أجازوا فذاك، وإن لم يجيزوه يقال للبايع قد تبعضت عليك صفقتك، ولك الخيار. إن شاء فسخ وإن شاء أمضى. والحكم في هذه كالحكم في التي قبلها إذا حاباه. إذا دبر عبدين في مرضه ثم مات نظرت، فإن خرجا من الثلث عتقا، فإن استحق أحدهما بطل العتق فيمن استحق ويصح في الثاني، وإن لم يخرجا من الثلث لكن خرج أحدهما من الثلث فإنه يقرع بينهما، فمن خرج اسمه عتق، فإن استحق هذا الذي خرجت عليه القرعة ينعتق الثاني، ويسلم إلى مستحقه، ويعتق الثاني لأنا إنما منعنا لأجل المزاحمة، فإذا زالت المزاحمة واتسع المال عتق. المسئلة بحالها فقال لعبده إن مت فأنت حر وقال لعبد آخر: إن مت فأنت حر من فاضل ثلثي، فإن خرجا من الثلث عتقا جميعا، وإن لم يخرجا من الثلث قدم الأول ويعتق، فإن خرج الأول مستحقا بطل عتقه، ولم يعتق الثاني. ويفارق المسئلة الأولى لأن هناك منعنا لأجل المزاحمة، وليس كذلك ههنا لأنه علق عتقه بفاضل ثلثه، ولم يفضل ههنا شئ. وإذا أوصى لرجل بعبد بعينه ولآخر بمائة دينار فإن خرجا من الثلث استحق كل واحد منهما ما أوصى له به، وإن لم يخرجا من الثلث يقسط عليهما، فإن رد صاحب العبد الوصية فإن صاحب المائة يستحق جميع المائة التي أوصى له بها، فأما إن أوصى لرجل بعبد ولآخر بفاضل ثلثه، فإن خرجا من الثلث استحق كل واحد

[ 66 ]

منهما وإن لم يخرج من الثلث ورد صاحب العبد وصيته فإن الثاني لا يستحق إلا قدر الفاضل، ولا يستحق الثلث. من دبر عبدا له ومات وخرج من الثلث عتق فإن استحق نصف العبد فإنه لا يقوم عليه النصف الذي خرج مستحقا لأنه لا يملكه لأن بالموت يزول ملكه إلا ما استثناه وهذا ما استثنى شيئا. فأما إن أعتق عبدا في مرضه وخرج من الثلث ثم استحق نصفه، فإن ههنا يقوم عليه، لأنه ملكه حين حصول العتق، وهكذا إن باع نصفه في مرضه أو وهب له عبده فإنه لا يقوم النصف الآخر.

[ 67 ]

(كتاب الفرائض والمواريث) روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: تعلموا الفرايض، وعلموها الناس، فإنها نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شئ ينتزع من أمتي. وروى عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله قال: تعلموا القرآن وعلموه الناس وتعلموا الفرايض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض، وسيقبض العلم ويظهر الفتن حتى يختلف الرجلان في فريضة ولا يجدان من يفصل بينهما. وكانت الجاهلية يتوارثون بالحلف والنصرة، وأقروا على ذلك في صدر الاسلام في قوله تعالى: " والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم " (1) ثم نسخ بسورة الأنفال بقوله " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض " (2) وكانوا يتوارثون بالاسلام والهجرة فروي أن النبي صلى الله عليه وآله آخى بين المهاجرين والأنصار لما قدم المدينة فكان يرث المهاجري من الأنصاري، والأنصاري من المهاجري ولا يرث وارثه الذي كان له بمكة، وإن كان مسلما لقوله تعالى: " إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر " (3). ثم نسخت هذه الآية بالقرابة والرحم والنسب والأسباب بقوله تعالى " وأولوا الأرحام بعضهم أولي ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا " (4) [ وفي آية أخرى " وأولوا الأرحام بعضهم أولي ببعض " ] (5) فبين

(1) النساء: 33.
(2) الأنفال: 75.
(3) الأنفال: 72.
(4) الأحزاب: 6.
(5) الأنفال: 75.

[ 68 ]

أن أولي الأرحام أولي من المهاجرين إلا أن تكون وصية وقوله " للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا " (1). ثم قرر ذلك في سورة النساء في ثلاث آيات في قوله تعالى: " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " (2) [ ذكر فرض ثلثة أحدها جعل للبنت النصف وللبنتين الثلثان، وإن كانوا ذكورا وإناثا فللذكر مثل حظ الأنثيين ] ثم بين ذكر الوالدين وأن لكل واحد منهما السدس مع الولد، فإن لم يكن له ولد فللأم الثلث والباقي للأب، وإن كانوا إخوة معهما فلأمه السدس والباقي للأب في قوله " ولأبويه لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث، فإن كان له إخوة فلأمه السدس " هذه الآية الأولى. ثم قال " ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد " فذكر في صدر هذه الآية حكمين، وذكر في آخرها حكم الكلالة: ذكر في أولها حكم الزوج والزوجة وأن للزوج إذا لم يكن له ولد النصف، فإن كان له ولد فله الربع، وللزوجة الربع إذا لم يكن له ولد، فإن كان له ولد فلها الثمن. ثم عقب بالكلالة فقال إن كان له أخ من أم أو أخت فله السدس، وإن كانوا اثنين فصاعدا فلهم الثلث، وفي قراءة ابن مسعود " وإن كان يورث رجل كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما السدس " وأيضا فإن الله تعالى ذكر أنثى وذكرا، وجعل لهما الثلث، ولم يفضل أحدهما على الآخر ثبت أنه يأخذ بالرحم. الآية الثالثة في آخر سورة النساء قوله " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك " فذكر فيها أربعه أحكام ذكر أن للأخت من الأب والأم إذا كانت واحدة فلها النصف، وإن ماتت هي ولم يكن لها ولد ولها أخ فالأخ يأخذ الكل، وإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان، وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين. * (الهامش *) (1) النساء: 7.
(2) النساء: 11

[ 69 ]

وروي عن ابن عباس، أنه قال من علم سورة النساء وعلم من يحجب ومن لا يحجب فقد علم الفرايض. فإذا ثبت هذا فالإرث على ضربين خاص وعام، فالعام إذا مات ميت ولم يكن له وارث ولا مولى نعمة، كانت تركته لبيت المال يرثه جميع المسلمين، كما يعقلون عنه، ويستوي فيه الكبير والصغير، والحاضر والغايب، والذي يجيئ بعده، لأنهم يأخذون بحق الموالاة. وعند أصحابنا أن ميراث من هذه صفته للإمام خاصة، وهو الذي يعقل عنه. وإن مات ذمي لا وارث له كان ذلك للإمام، وعند المخالف يكون لبيت المال فيئا. والإرث الخاص يكون بشيئين نسب وسبب، والسبب سببان زوجية وولاء، والولاء على ثلثة أقسام ولاء النعمة، وولاء تضمن الجريرة، وولاء الإمامة. فالميراث بالنسب يثبت على وجهين بالفرض والقرابة، فإذا مات ميت فلا يخلو حاله من ثلثة أقسام أولها أن يخلف من يحوز جميع المال، والثاني أن يخلف من يأخذ بعض المال، والثالث لم يخلف أحدا. فإن خلف من يحوز جميع المال فلا يخلو ذلك من ثلثة أقسام أحدها يأخذ ذلك بالقرابة، والثاني يأخذ الكل بالفرض، والثالث يأخذ بالفرض والقرابة. فمن يأخذ بالقرابة فقط، مثل الابن والأب فإنهما يأخذان المال بالقرابة دون التعصيب، لأن التعصيب عندنا باطل، وكذلك الجد، والأخ وابن الأخ والعم وابن العم، وكذلك من يتقرب من قبل الأم فإن كل واحد من هؤلاء يأخذ جميع المال بالقرابة. وأما المولى فإنه يأخذ بحق الولاء دون التعصيب فإن كانوا جماعة أخذوا المال كله بالقرابة أو الولاء، لأنهم ليس لهم تسمية فيأخذون بها، والعصبة باطلة. ومن يأخذ بالفرض دون القرابة مثل الزوج والأخت إذا اجتمعا يأخذ الزوج النصف، والأخت النصف بلا خلاف، وكذلك حكم البنتين والأبوين. أو الأختين من

[ 70 ]

الأب والأم أو الأب مع الأختين أو الأخوين من الأم. ومن يأخذ بالفرض والقرابة مثل الزوج والعم أو ابن العم وما يجري مجراه فإن الزوج يأخذ بالفرض، والباقين يأخذون بالقرابة دون التعصيب وكذلك كل من له سهم مسمى، ويفضل عن سهمه من ذوي الأنساب، إذا لم يكن هناك غيره، فإنه يأخذ ما سمي له بالفرض، والباقي بالقرابة، يزد عليه، مثل أن يخلف البنت وحدها أو البنتين، فإنها يأخذ النصف إذا كانت وحدها، والثلثين إذا كانتا اثنتين، والباقي رد عليها أو عليهما. فأما إذا لم يخلف أحدا فإن ميراثه للإمام، وعند المخالفين لبيت المال، على ما بيناه على اختلافهم أنه على جهة الفئ أو التعصيب (1). فإذا ثبت هذا فإن كان الإمام ظاهرا سلم إليه، وإن لم يكن ظاهرا حفظ له كما يحفظ سائر حقوقه، ولا يسلم إلى أئمة الجور مع الامكان فمن سلمه مع الاختيار إلى أئمة الجور كان ضامنا ومن قال إنه لبيت المال يرثه جميع المسلمين، قال إن كان إمام عدل سلمه إليه، وإلا فهو بالخيار بين أن يحفظه حتى يظهر الإمام العادل، وإن شاء وضعه في المصالح وإن شاء دفعه الإمام الجاير.

(1) قال قدس سره في الخلاف: ميراث من لا وارث له لا ينقل إلى بيت المال وهو للإمام خاصة وعند جميع الفقهاء ينقل إلى بيت المال ويكون للمسلمين وعند الشافعي يرثه المسلمون بالتعصيب، وعند أبي حنيفة في إحدى الروايتين عنه، وفي الرواية الأخرى بالموالاة دون التعصيب.

[ 71 ]

(فصل) * (في ذكر سهام المواريث وما يجتمع منها وما لا يجتمع) * سهام المواريث ستة: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس. فالنصف سهم أربعة: سهم الزوج مع عدم الولد وولد الولد وإن نزلوا ذكورا كانوا أو إناثا أولاد ابن كانوا أو أولاد بنت، وسهم البنت إذا انفردت ولم يكن غيرها من الأولاد، وسهم الأخت من الأب والأم وسهم الأخت من الأب إذا لم يكن أخت من قبل أب وأم. والربع سهم اثنين: سهم الزوج مع وجود الولد أو ولد الولد وإن نزلوا، وسهم الزوجة مع عدم الولد وولد الولد، وإن نزلوا. والثمن سهم الزوجة مع وجود الولد وولد الولد، وإن نزلوا لا غير. والثلثان سهم البنتين فصاعدا، وسهم الأختين فصاعدا من الأب والأم فإن لم يكونا من الأب والأم فهو سهمها إذا كانتا من قبل الأب لا غير. والثلث سهم اثنين: سهم الأم مع عدم الولد، وعدم ولد الولد، وعدم من يحجبها من الإخوة والأخوات وسهم اثنين فصاعدا من كلالة الأم. والسدس سهم خمسة: سهم كل واحد من الأبوين مع وجود الولد وولد الولد وسهم الأم مع عدم الولد وولد الولد مع وجود من يحجبها من أخوين أو أخ واختين أو أربع أخوات إذا كانوا من قبل أب وأم أو من قبل أب دون أم على الانفراد، وسهم كل واحد من كلالة الأم ذكرا كان أو أنثى. ونحن نذكر ما يصح أن يجتمع من هذه السهام: فأما النصف فإنه يصح أن يجتمع مع النصف في زوج وأخت من أب وأم أو أخت من أب فإنهما يأخذان المال بينهما نصفين، ويصح أن يجتمع النصف مع الربع

[ 72 ]

مثل نصف البنت مع ربع الزوج، ومثل نصف الأخت للأب والأم أو للأب مع ربع الزوجة. ويصح أن يجتمع النصف مع الثمن، مثل ثمن الزوجة مع نصف البنت لا غير، ولا يصح أن يجتمع النصف مع الثلثين، لأنها تعول، والعول باطل عندنا ويصح أن يجتمع مع الثلث مثل نصف الزوج وثلث الأم، أو ثلث الاثنين من كلالة الأم ويصح أن يجتمع مع السدس مثل نصف البنت مع سدس كل واحد من الأبوين على الانفراد وسدسهما على الاجتماع، ومثل نصف الزوج وسدس كل واحد من كلالة الأم ومثل نصف الأخت للأب والأم أو للأب مع سدس كل واحد من كلالة الأم. ولا يصح أن يجتمع مع الربع الثمن لأن الربع لا يكون إلا سهم الزوج أو الزوجة، والثمن سهم الزوجة خاصة، وهما لا يجتمعان، فأما اجتماع الربع مع الثلثين فإنه يصح مثل ربع الزوج مع الثلثين للبنتين، ومثل ربع الزوجة مع الثلثين للأختين من الأب والأم أو للأب ويصح اجتماع الربع مع الثلث، مثل ربع الزوجة مع ثلث الأم، وربع الزوجة أيضا مع ثلث كلالتي الأم ويصح اجتماعه مع السدس مثل ربع الزوج مع سدس كل واحد من الأبوين إذا كان هناك ولد ومثل ربع الزوجة مع سدس الأم إذا كان هناك من يحجبها ومع سدس كل واحد من كلالة الأم. ويصح اجتماع الثمن مع ثلثي البنتين، ومع سدس كل واحد من الأبوين والثلثان يصح اجتماعهما مع الثلث مثل ثلثي الأختين من الأب والأم دون الأب مع ثلث ابنتين فصاعدا من كلالة الأم، ويصح اجتماعه أيضا مع السدس مثل ثلثي البنتين مع سدس كل واحد من الأبوين، ومثل ثلثي الأختين من الأب والأم أو من الأب مع سدس كل واحد من كلالة الأم ولا يصح اجتماع الثلث مع السدس على حال. وهؤلاء ذووا السهام على ضربين ذوي الأنساب وذوي الأسباب فلا يصح أن يجتمع من ذوي الأنساب في فريضة واحدة إلا من كان قرباه إلى الميت على حد واحد، مثل البنت والبنتين مع الأبوين أو مع كل واحد منهما لأن كل واحد من هؤلاء يتقرب إلى الميت بنفسه.

[ 73 ]

فأما إذا كان أحدهما أقرب والآخر أبعد، فإنه يسقط الأبعد، وإن كان ذا فرض وذلك مثل الكلالتين معا مع البنت أو البنتين أو الأبوين لأن هؤلاء أقرب والكلالتان يدليان بالأبوين فهما أبعد وأما الكلالتان أنفسهما فيصح أن يجتمعا لأن قرباهما واحدة. فإذا اجتمعوا فلهم ثلاثة أحوال: حالة يكون المال وفقا لسهامهم، وحالة تفضل المال عن سهامهم، وحالة ينقص لمزاحمة الزوج أو الزوجة لهم. فإذا كانت التركة وفقا لسهامهم أخذ كل ذي سهم سهمه، وذلك مثل الأبوين والبنتين، للبنتين الثلثان، وللأبوين السدسان، ومثل الأختين من كلالة الأب والابنين من كلالة الأم فللأختين من كلالة الأب الثلثان، وللابنين من كلالة الأم الثلث وقد استوفيت الفريضة. وإذا كانت التركة فاضلة عن سهامهم أخذ كل ذي سهم حقه، والباقي يرد عليهم على قدر سهامهم، مثل بنت وأبوين أو أحدهما أو بنتين وأحد الأبوين، فإن كل واحد منهم يأخذ نصيبه والباقي يرد عليهم على قدر سهامهم ومثل الأخت من قبل الأب مع الأخ أو الأخت من قبل الأم، فإن كل واحد منهما، يأخذ نصيبه والباقي يرد عليهما على قدر سهامهما. وفي أصحابنا من قال يرد على الأخت من قبل الأب لأن النقص يدخل عليها: إذا دخل في الفريضة زوج أو زوجة، والأول أصح. فأما إذا كان أحدهما له سببان والآخر له سبب واحد، فإن الباقي يرد على من له سببان مثل أخت من قبل أب وأم مع أخ أو أخت من قبل الأم فإن الباقي يرد على الأخت من الأب والأم لأنها تجمع سببين، ومتى اجتمع كلالة الأب والأم مع كلالة الأب سقط كلالة الأب وإن اجتمع الثلاث كلالات سقطت التي من جهة الأب لا غير. وأما إذا كانت التركة ناقصة عن سهامهم لمزاحمة الزوج أو الزوجة كان النقص داخلا على البنت أو البنات دون الأبوين والزوج والزوجة، وعلى الأخت من قبل

[ 74 ]

الأب والأم أو من قبل الأب دون كلالة الأم والزوج أو الزوجة، فإن العول عندنا باطل: مثال ذلك بنت أو بنتان وأبوان وزوج: للزوج الربع وللأبوين السدسان والباقي للبنت أو البنتين، وكذلك إن كان أخت من أب وأم أو اختان منهما أو من الأب مع الإخوة من الأم والزوج أو الزوجة، فللزوج النصف كملا وللزوجة الربع كملا، ولكلالة الأم الثلث كملا والباقي لمن بقي من كلالة الأب لأن لها الزيادة إذا فضلت. فأما ذو السهم من ذوي النسب إذا انفرد أخذ ما سمي له بالفرض والباقي يرد عليه كائنا من كان. فأما ذووا الأسباب فهم الزوج والزوجة، لهما حالتان حالة انفراد بالميراث وحالة اجتماع، فإذا انفردوا كان لهم سهمهم المسمى: إن كان زوجا له النصف، وإن كانت زوجة فلها الربع، والباقي للإمام، وقال أصحابنا إن الزوج وحده يرد عليه الباقي لإجماع الفرقة عليه. وأما حالة الاجتماع فلهم سهمهم المسمى للزوج النصف مع عدم الولد، وعدم ولد الولد وإن سفلوا، مع جميع الوارث ذا فرض كان أو غير ذي فرض، وله الربع مع وجود الولد وولد الولد وإن سفلوا، والزوجة لها الربع مع عدم الولد وعدم ولد الولد وإن سفل مع جميع الوراث، ولها الثمن مع وجود الولد وولد الولد، ولا يدخل عليهما النقصان، ولا يرد عليهما الفاضل إلا ما استثناه.

[ 75 ]

(فصل) * (فيمن يرث بالقرابة وكيفية ذلك) * يستحق الميراث بالقرابة من جهتين أحدهما من جهة الولد للصلب إذا كانوا ذكورا [ أو إناثا ] أو ذكورا وإناثا ومن يتقرب بهم من ولد الولد وإن نزلوا، سواء كانوا ولد الابن أو ولد البنت، فأما البنات فلهن سهم مسمى فقط وقد بيناه والآخر الأب ومن يتقرب بالأبوين. فمن يتقرب بالأب هم الإخوة والأخوات، إذا كانوا من جهة أب وأم أو من جهة أب أو إخوة فقط، دون الأخوات فإن الأخوات من جهته لهن سهمهن المسمى وقد بيناه أولا، وأولاد الإخوة والأخوات وإن نزلوا والجد والجدة من قبله، ومن يتقرب بهما من العمومة والعمات وأولادهم، وإن نزلوا، والجد الأعلى والجدة العليا، ومن يتقرب بهما. ومن يتقرب بالأم هو الجد الأدنى والجدة الدنيا، ومن يتقرب بهما من الخال و الخالة وأولادهما، والجد الأعلى والجدة العليا ومن يتقرب بهما من أولادهما وأولاد أولادهما وإن علوا أو نزلوا. فأما الأم نفسها والإخوة والأخوات من جهتها فلهم سهام مسماة وقد ذكرناه. فأقوى القرابة الولد للصلب فأنه إن كان ذكرا أخذ المال كله بالقرابة دون التعصيب، وإن كانوا أكثر فالمال بينهم بالسوية، وإن كانوا ذكورا وإناثا كان للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا يرث معهم أحد ممن يرث بالقرابة، سواء تقرب بهم أو بغيرهم إلا الزوج أو الزوجة، أو الوالدان أو أحدهما الذين هم ذووا السهام على ما بيناه.

[ 76 ]

ثم بعد ذلك ولد الولد أقوى من غيرهم من القرابات، لأن ولد الولد يقوم مقام الولد للصلب، ويمنع من يمنعه الولد للصلب، ولا يأخذ معه إلا من يأخذ مع الولد للصلب من الأبوين أو الزوج والزوجة، ويأخذ كل واحد منهم نصيب من يتقرب به. فولد الابن يقوم مقام الابن، ذكرا كان أو أنثى، ويكون للذكر مثل حظ الأنثيين، وولد البنت يقوم مقام البنت، ذكرا كان أو أنثى، فإن كانوا ذكورا وإناثا فالمال بينهم بالسوية، وإن اجتمع أولاد الابن وأولاد البنت أخذ كل فريق منهم نصيب من يتقرب به على ما بيناه. والبطن الأول أبدا يمنع من نزل عنه بدرجة، كما يمنع ولد الصلب ولد الولد وهم وإن نزلوا يمنعون كل من يمنعه ولد الصلب على حد واحد، وكل من يأخذ مع الولد للصلب من ذوي السهام فإنه يأخذ مع ولد الولد على حد واحد، من غير زيادة ولا نقصان. ثم الأب فإنه يستحق جميع المال إذا انفرد، وإذا اجتمع مع الأم أخذ ما يبقي من سهمها، وهو السدس مع وجود من يحجبها من الإخوة والأخوات من قبل الأب أو الثلث مع عدمهم، والباقي للأب بالقرابة. ولا يجتمع معه أحد من يتقرب به ولا من يتقرب بالأم، ويجتمع معه الزوج والزوجة على ما بيناه في ذوي السهام. فإن اجتمع زوج وأم وأب، فإن للأم الثلث إذا لم يكن هناك من يحجبها وللزوج النصف والباقي للأب، فإن كان بدل الزوج زوجة كان مثل ذلك سواء. وأما من يتقرب به إما ولده أو والده أو من يتقرب بهما من جد وجدة، وعم وعمة، فالجد أبو الأب مع الأخ الذي هو ولد الأب في درجة واحدة، وكذلك الجدة من قبله مع الأخت من قبله في درجة، فهم يتقاسمون المال بينهم: للذكر مثل حظ الأنثيين إذا كانوا ذكورا وإناثا وكذلك أولاد الأب إذا اجتمع الذكور والإناث كان المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كانوا ذكورا كان المال بينهم بالسوية ومن له

[ 77 ]

سببان يمنع من له سبب واحد. وكذلك إذا اجتمع الجد والجدة من قبل الأب كان المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. وولد الإخوة والأخوات، يقومون مقام آبائهم وأمهاتهم في مقاسمة الجد، كما أن ولد الولد يقوم مقام الولد للصلب مع الأب. والجد والجدة وإن عليا يقاسمان الإخوة والأخوات وأولادهم، وإن نزلوا على حد واحد، ولا يجتمع مع الجد والجدة ولا مع واحد منهم أولاد الجد أو الجدة كما لا يجتمع مع الولد للصلب أولاد الأب، وعلى هذا التدريج الأقرب يمنع الأبعد بالغا ما بلغوا. فأما من يتقرب من قبل الأم، فليس إلا الجد أو الجدة من قبلها أو من يتقرب بهما، فإن أولادها ذوو سهام، والجد والجدة من قبلها يقاسمون الجد والجدة من قبل الأب والإخوة والأخوات من قبله ومن قبل الأم، لتساويهم في القرابة، وتسقط [ تسمية ] كلالة الأب وكلالة الأم [ لتساويهم في القرابة ] معا عند الاجتماع. ومتى اجتمع قرابة الأب مع قرابة الأم مع تساويهم في الدرج، كان لقرابة الأم الثلث نصيب الأم بينهم الذكر والأنثى فيه سواء، والباقي لقرابة الأب للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن زاحمهم زوج أو زوجة لم ينقص قرابة الأم عن الثلث، ودخل النقص على قرابة الأب كما يدخل على الأب نفسه إذا كان هناك زوج وأبوان: فإن للزوج النصف وللأم الثلث، والباقي للأب وهو السدس، وكذلك إن كان بدل الزوج زوجة كان لها الربع كملا وللأم الثلث والباقي للأب. ومتى بعد أحد القرابتين بدرجة سقط مع الذي هو أقرب، سواء كان الأقرب من قبل الأب أو من قبل الأم وسواء كان البعيد له سببان والقريب له سبب واحد أو لم يكن.

[ 78 ]

إلا مسألة واحدة وهي ابن عم للأب والأم مع عم الأب، فإن المال لابن العم للأب والأم، دون العم للأب، ولا يحمل عليها غيرها، لأن الطائفة أجمعت على هذه (1) وما عداها فعلى الأصل الذي قررناه، ثم على هذا المنهاج يمنع أولاد الجد الأدنى والجدة الدنيا من جهة الأب وأولاد أولادهم أولاد الجد الأعلى، وكذلك أولاد الجد للأم والجدة من قبلها - الدنيا - يمنع أولاد الجد الأعلى والجدة العليا من قبلها، كما يمنع أولاد الأب نفسه أولاد الجد والجدة من قبله، وكذلك أولاد الأم نفسها يمنع أولاد الجد الأعلى والجدة من قبلها لأنهم يقومون مقام آبائهم، وآباؤهم أقرب بدرجة.

(1) روى الشيخ في التهذيب ج 9 ص 326 تحت الرقم 11 من طبعته الحديثة: بإسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة عن محمد بن بكر عن صفوان بن خالد، عن إبراهيم ابن محمد بن مهاجر عن الحسن بن عمارة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أيما أقرب؟ ابن عم لأب وأم؟ أو عم لأب؟ قال: قلت: حدثنا أبو إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان يقول: أعيان بني الأم أقرب من بني العلات قال. فاستوى جالسا ثم قال: جئت لها من عين صافية، إن عبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وآله أخو أبي طالب لأبيه وأمه.

[ 79 ]

(فصل) * (فيما يمنع من الميراث من الكفر والرق والقتل) * يمنع من الميراث ثلاثة أشياء: الكفر، والرق، والقتل، والكافر لا يرث المسلم بلا خلاف، والمسلم يرث الكافر عندنا، سواء كان حربيا أو ذميا أو كافر أصل أو مرتدا عن الاسلام، وسواء ما خلفه كسبه في حال الاسلام أو حال الارتداد، ويحوز المسلم المال قريبا كان أو بعيدا، ذا سهم كان أو ذا قرابة، من جهة الأب كان أو من قبل الأم: ويمنع جميع ورثته الكفار وإن كانوا أقرب منه، ومتى أسلم الكافر على ميراث قبل القسمة قاسم الورثة إن كان ممن يستحق المقاسمة، وإن كان أولى منهم أخذ المال كله دونهم، ومتى أسلم بعد قسمة المال فلا ميراث له، وكذلك إن كان الذي استحق التركة واحدا، أو لم يكن له وارث فنقلت إلى بيت المال، فلا يستحق من يسلم بعده على حال. الكفر كالملة الواحدة، يرث بعضهم بعضا. إذا مات مسلم وله أولاد بعضهم مأسورون، وبعضهم معه، كان ميراثه للجميع إجماعا إلا شريح، فإنه قال المأسور أولى به، وقال النخعي المأسور لا يرث. المملوك لا يرث على حال ما دام رقا فإن أعتق قبل قسمة المال قاسم الورثة، إن استحق القسمة أو حاز المال إن كان مستحقا لجميعه، وإن أعتق بعد قسمة المال أو بعد حيازة الحر له إن كان واحدا، لم يستحق المال، ومتى لم يكن للميت وارث غير هذا المملوك اشتري من تركته وأعتق وورث بقية المال إن وسع ذلك، وإن لم يسع لم يجب ذلك، ونقل إلى بيت المال، وأما إن عتق بعضه وبقي بعضه رقا ورث بقدر حريته، ويورث منه بقدر ذلك، ويمنع بمقدار ما بقي منه رقا. وأما القاتل إذا كان عمدا ظلما فلا يستحق الميراث، وإن تاب فيما بعد، وإن

[ 80 ]

كان مطيعا بالقتل لم يمنع الميراث، وإن كان خطاء لم يمنع الميراث من تركته، و يمنع الميراث من ديته. وحكم المدبر وأم الولد والمعتق نصفه والمكاتب المشروط عليه عندنا وعندهم مطلقا حكم المملوك القن سواء، ومن كان بينه وبين سيده مهاياة وقد عتق بعضه، و كسب مالا في يومه، فإنه يورث عنه، ولا يكون لسيده، وفيه خلاف (1). فإذا ثبت أنه موروث فإن كان له مناسب كان ما خلفه له، وإن لم يكن له مناسب فلمولاه بحق الولاء، وإن لم يكن له مولا فللإمام، وعندهم لبيت المال، ومن قال لا يورث قال يكون لهذا السيد الذي له نصفه، وفيهم من قال يكون لبيت المال. قد ذكرنا جملة يشرف بها على جميع المذهب، ونحن الآن نذكر باقي الكتاب حسب ما ذكره المخالفون من المسائل، وإن كانت غير متناسبة لنستوفي جميع المسائل، ونذكر مذهبنا فيه إن شاء الله تعالى.

(1) قال قدس سره في الخلاف: متى اكتسب هذا العبد - يعني الذي كان بعضه حرا وبعضه مملوكا - مالا، فإنه يكون بينه وبين سيده إما بالمهاياة أو بغير المهاياة، ومات، فإنه يورث عنه ما يخصه ولا يكون لسيده، وللشافعي فيه قولان: أحدهما يورث، والثاني لا يورث، لأن كل معنى أسقط إرثه أسقط الإرث له، كالارتداد.

[ 81 ]

(فصل) * (في ذكر الحجب) * الحجب على ضربين: حجب مطلق، وحجب مقيد، فالمطلق من يسقط ويدفع الذي لو لم يكن كان يرثه، مثل الجد يسقط بالأب، وابن الابن يسقط بالابن وابن العم يسقط بالعم، وابن الأخ يسقط بالأخ، والحجب المقيد إذا حجب عن بعض فرضه ولا يسقطه أصلا مثل الزوج والزوجة والأم. فإذا ثبت هذا المملوك والكافر والقاتل لا يرثون، ولا يحجبون، إلا ابن مسعود فإنه انفرد في جملة الخمس مسائل بأن هؤلاء يحجبون. أولاد الأم يسقطون مع ثلثة: مع الأبوين، ومع الولد، وولد الولد، ذكورا كانوا أو إناثا، سواء كانوا أولاد ابن أو أولاد بنت، ويسقطون بالأبوين وبكل واحد منهما عندنا، ولا يسقطون مع الجد بل يقاسمونه على ما بيناه. الإخوة والأخوات للأب والأم يسقطون بالأب ولا يسقطون بالجد، ويسقطون بالابن إجماعا ويسقطون عندنا بالبنات، وفيه خلاف، ويسقطون بابن الابن بلا خلاف ويسقطون ببنات ابن الابن، وفيه خلاف. يسقط الجدة بالأم لأنها تدلى بها، ويسقط الجدة أم الأب بالأم لأنها في درجة أم الأم ويسقط الجد بالأب بلا خلاف في هذه المسائل، وتسقط أم الأم بالأب وعندهم لا يسقط به، لأنها تدلي بالأم لا بالأب. أم الأب لا ترث مع الأب وفيه خلاف. إذا خلف أباه وجدتيه: أم أبيه، وأم أمه، فالمال لأبيه، ولا شئ للجدتين ويؤخذ من الأب السدس فتعطى أمه طعمة، فإن كان بدل الأب أما كان المال لها ويؤخذ منها السدس فتعطى أمها طعمة ويسقط الباقون وفيها خلاف.

[ 82 ]

للزوج النصف كملا مع عدم الولد، وللزوجة الربع مع عدم الولد والثمن مع الولد غير معول، لأن العول باطل، عند المخالف مثل ذلك، ويشترطون فيه كونه معولا لقولهم بالعول، فأما النصف غير المعول إذا كان معه من عصبات غير - الولد وولد الولد مثل الأب والجد والعم وابن العم والأخ وابن الأخ ومولى، فإن ههنا يأخذ نصفا كملا بلا عول، ونصف معول مع ذوي الفروض من غير ذوي العصبات، مثل أختين من أب وأم أو من أب، فللزوج النصف وللأختين الثلثان المسئلة من ستة تعول إلى سبعة. وعندنا له النصف كملا والنقص يدخل عليهما، فإن كان معهما أم فلها السدس يعول إلى ثمانية، وعندنا يكون الباقي للأم دونهما، فإن كان معهم أخ من أم يعول إلى تسعة وعندنا يكون الباقي للأم ويسقطون هؤلاء، فإن كان معهم أخ آخر من أم له سدس آخر يعول إلى عشرة، وليس في الفرائض مسألة تعول بالشفع والوتر إلا هذه المسئلة، وتعول بثلثيها ويقال لها أم الفروخ لأجل ما ذكرناه، ولها فروخ وصورتها زوج وأم واختان من أب وأم وأخوين من أم ولا يعول أكثر من هذا وقد بينا مذهبنا فيها. وأما ربع غير معول إذا كان معه عصبة من الأولاد مثل الولد أو ولد الولد فله الربع، والباقي للولد. وأما ربع معول إذا كان معه من ذوي الفروض من الولد وولد الابن مثل ابنين ويكون في المسئلة بنتان وأم للزوج الربع وللبنتين الثلثان، وللأم السدس، يكون المسئلة من اثني عشر تعول إلى ثلثة عشر، وإذا كان معه أبوان تعول إلى خمسة عشر ولا تعول بأكثر من هذا. وأما الزوجة فلها ربع غير معول وربع معول أما ربع غير معول إذا كان معها عصبة من غير الأولاد مثل الأب والجد والعم وابن العم والأخ وابن الأخ، والمولى لها الربع والباقي لهم، وأما ربع المعول إذا كان معها من ذوي الفروض من غير الولد وغير العصبات مثل زوجة واختين من أب وأم وأم للزوجة الربع وللأختين الثلثان

[ 83 ]

وللأم السدس المسئلة من اثني عشر يعول إلى ثلثة عشر فإن كان معهم أخ من أم له السدس ويعول إلى خمسة عشر، فإن كان معهم أخ آخر له سدس آخر، فيعول إلى سبعة عشر، وهذه يعول بالوتر لا بالشفع، ويعول من اثني عشر إلى سبعة عشر لا أكثر من ذلك. وأما ثمن غير معول للزوجة إذا كان معها عصبة من الولد وولد الولد مثل زوجة وابنتين للزوجة الثمن، وللبنتين الثلثان، والباقي لمن معهما وأما ثمن معول إذا كان معها من ذوي الفروض من الولد وولد الابن مثل زوجة وابنتين وأم وأب، للزوجة الثمن وللبنتين الثلثان، وللأبوين السدسان أقل المسئلة من أربعة وعشرين، يعول إلى سبعة وعشرين، ويقال لها المنبرية صورتها: زوجة وأبوان وبنتان فهي التي يقال: صار ثمنها تسعا. وعندنا أن هذه المسائل كلها لا تصح لأن أحدا من الأخوات والإخوة لا يرث مع الأم والنقص يدخل على البنت دون الأم والزوج والزوجة، على ما بيناه. للأم سبعة أحوال حال لها السدس، إذا كان معها ولد، الثانية لها الثلث مع الأب إذا لم يكن هناك ولد، الثالثة لها السدس مع الإخوة أو الأخوات، الرابعة إذا كان معها أخ واحد لها الثلث، لأنه لم يكمل من يحجب، هذه كلها لا خلاف فيها. فأما إن كان معها أخوان فلها السدس وكذلك يحجب بأخ وأختين أو أربع أخوات، فأما الأختان فلا يحجب بهما عندنا وفيها خلاف. السادسة زوج وأبوان للزوج النصف بلا خلاف، وللأم ثلث جميع المال، والباقي للأب وفيه خلاف. السابعة زوجة وأبوان: للزوجة الربع بلا خلاف وللأم ثلث جميع المال، و الباقي للأب وفيه خلاف. للبنتين فصاعدا الثلثان وقال ابن عباس للبنتين النصف وللثلاث فصاعدا الثلثان. لا يرث مع الولد أحد من ولد الولد سواء كان ذكرا أو أنثى، واحدة كانت أو اثنتين، فإذا خلف بنتا وبنت ابن، وعصبة، فالمال للبنت وكذلك جميع المسائل التي يتركب على هذا: زوج وأبوان وبنت وبنت ابن للزوج الربع، وللأبوين السدسان

[ 84 ]

والباقي للبنت، ولا شئ لبنت الابن. وقال المخالفون للبنت النصف ستة ولبنت الابن سهمان السدس، وللزوج الربع ثلاثة، وللأبوين السدسان أربعة، يعول من اثني عشر إلى خمسة عشر. فإن كان مع بنت ابن، ابن ابن فإن بنت الابن تسقط بالأخ، لأن المسئلة لا تعول بالعصبات وإنما تعول بذي فرض، فرجع المسئلة مع عولها إلى ثلثة عشر. أولاد الصلب بنت وابن وبنت وبنون وبنات وابن وابنان وبنت سواء كانوا الذكور أكثر أو الإناث المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين بلا خلاف. وهكذا ولد الولد يقوم مقام الولد، سواء فرادي وجماعة بلا خلاف إلا أن عندنا يأخذ كل واحد منهم نصيب من يتقرب به، وعند الفقهاء يأخذ كل منهم نصيب من لو كان للصلب: لبنت الابن نصف المال ولبنات الابن الثلثان ولبنت الابن وابن الابن المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وهكذا بنات الابن وابن الابن وبنت الابن وبنو ابن الابن المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وولد البنت لا يرث عندهم مع العصبة، ومع عدمهم فيه خلاف. ثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض، لبنت الابن النصف، ولبنت ابن الابن السدس، تكملة الثلثين، وتسقط بنت ابن ابن الابن. المسئلة بحالها معهن أخ لهن: ثلث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض، معهن أخ لهن نظرت فإن كان الأخ مع بنت الابن فإن المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ويسقطان الآخران وإن كان الأخ مع بنت ابن الابن، فإن لبنت الابن النصف والباقي بين بنت ابن ابن وأخيها للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كان الأخ مع بنت ابن ابن ابن للبنت (1) النصف، ولبنت ابن الابن السدس، والباقي بين بنت ابن ابن ابن وأخيها للذكر مثل حظ الأنثيين. وعندنا أن المال لبنت الابن، ويسقط الباقون. على حال: ثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض، مع كل واحدة عمة وعمتها:

(1) يعني بنت الابن.

[ 85 ]

هن تسعة: ثلاث بنات ابن، وثلاث عمات وثلاث عمات عمات بيانه: عمة العليا بنت الميت، وعمة عمتها أخت الميت وعمة الوسطى أخت العليا، وعمة عمتها بنت الميت، وعمة السفلى أخت الوسطى وعمة عمتها أخت العليا، حصل ههنا أخت وبنتان وثلاث بنات ابن، وبنتا ابن ابن وبنت ابن ابن ابن، للبنتين الثلثان، و الباقي للأخت، لأن الأخوات مع البنات عصبة، وعندنا للبنتين الثلثان، والباقي رد عليهما وسقط الباقون. لا تحجب الأم إلا الولد، وولد الولد، والإخوة، فأما أولاد الأخ فلا يحجبونها بلا خلاف، وفي أصحابنا من قال إن ولد الولد لا يحجب الأم وهو شاذ. أولاد الأخ يقومون مقام آبائهم في مقاسمة الجد ولم يوافقنا عليه أحد. ولد الأم إن كان واحدا له السدس، وإن كانوا اثنين فصاعدا لهم الثلث يتساوون وفيه خلاف، الذكر والأنثى فيه سواء. الإخوة والأخوات للأب والأم يقومون مقام الولد، إذا لم يكن هناك أبوان فيسقط معهم الإخوة والأخوات من الأب بلا خلاف، ويقومون مقام الولد في ساير - الأشياء إن كانت واحدة فلها النصف، وإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان، وإن كان أخ من أب وأم له المال، وإن كانوا ذكورا كان المال بينهم بالسوية، وإن كانوا إخوة وأخوات المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين بلا خلاف في جميع ذلك لقوله تعالى " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة (1) " الآية إلى آخرها. لا يرث مع الأخ والأخت من قبل الأب والأم أحد من أولاد الأب خاصة واحدة كانت أو اثنتين أو إخوة وأخوات، وسواء كان الذي للأب أخت واحدة أو أختان أو إخوة أو أخوات بل المال كله للذي يجمع السببين، واحدة كان أو ما زاد عليها: إن كان أختا فلها النصف بالتسمية والباقي رد عليها وإن كانتا اثنتين لهما الثلثان بالتسمية والباقي رد عليهما، وفيه خلاف فإن كانوا ذكورا وإناثا بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين بلا خلاف.

(1) النساء: 176.

[ 86 ]

وإن كان معهم ولد الأم فله نصيبه إن كان واحدا له السدس، وإن كانتا اثنتين فصاعدا لهم الثلث ذكور كانوا أو إناثا، ولا يرث مع جميع من ذكرناه ولا مع واحد منهم العصبة بحال وفي أكثر ذلك خلاف. والإخوة والأخوات من قبل الأب يقومون مقام الإخوة والأخوات من قبل الأب والأم واحدا كان أو اثنين، ذكرا كان أو أنثى، في جميع الأحكام، مع الأخ أو الأخت أو معهما من قبل الأم ومع العصبة، وعلى كل حال إذا لم يكن هناك أحد من قبل أب وأم بلا خلاف. إلا في مسألة المشتركة وهي زوج وأم وإخوة الأم وإخوة لأب وأم، فإن عندهم للزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة للأم الثلث، ويشاركهم الإخوة للأب والأم في ثلثهم ذكرهم وأنثاهم سواء، فإن كان معهم إخوة لأب لم يرثوا معهم ويسقطون. وعندنا في هذه المسئلة للزوج النصف، وللأم الثلث بالتسمية والباقي رد عليها ويقسط الباقون. الأب له ثلاثة أحوال: حال يأخذ المال بالرحم، وحال بالتعصيب وحده، وحالة يأخذ بالرحم والتعصيب، أما الحالة التي يأخذ بالرحم، فإنه يأخذ السدس مع الابن، وابن الابن، لأن تعصيب الابن أقوى من تعصيب الأب، فيرده إلى الرحم لقوله تعالى: " لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد " وهيهنا له ولد. وأما الحالة الثانية إذا كان يأخذ بالتعصيب وهو ينقسم قسمين أحدهما إذا كان يأخذ جميع المال، وهو إذا كان وحده، أو كان مع من يدلي به، وهو الجد أو كان مع من يدلي بمن يدلي به، وهو الأخ لأن الأخ يدلي بالجد، والجد يدلي بهذا فإنه يأخذ هيهنا جميع المال. والقسم الثاني إذا كان معه من له فرض غير الولد مثل الزوج والزوجة أو الجدة لأن زوجا وأبا للزوج النصف، والباقي للأب. زوجة وأب للزوجة الربع والباقي للأب، جدة وأب للجدة السدس والباقي للأب.

[ 87 ]

وعندنا أن سدس الجدة من ماله طعمة لها إن كانت من قبله، وإن كانت من قبل الأم لا شئ لها. أبوان: للأم، الثلث، والباقي للأب. وإذا كان مع الأبوين إخوة فللأم السدس والباقي للأب بلا خلاف إلا رواية شاذة عن ابن عباس فإنه قال السدس الذي حجبوا به الأم يكون للإخوة، وهذه المسائل كلها لا خلاف فيها، غير أن عندنا الأب له حالتان، حالة يأخذ بالفرض وهو مع وجود الولد وولد الولد، والثاني مع عدم الولد يأخذ بالقرابة في جميع هذه المسائل ولا نعرف بالتعصيب. الحالة الثالثة إذا كان يأخذ بالرحم والتعصيب، وهو إذا كان معه ذو فرض من الأولاد، مثل بنت وأب، للأب السدس، وللبنت النصف، والباقي يرد على الأب بالتعصيب. بنتان وأب للأب السدس وللبنتين الثلثان والباقي للأب بالتعصيب، بنت وبنت ابن وأب، للأب السدس، وللبنت النصف ولبنت الابن السدس والباقي للأب بالتعصيب. وهذه المسائل كلها عندنا للبنت أو البنتين فريضتهما، وللأب السدس، والباقي رد عليهما أو عليهم على قدر أنصبائهم فأما بنت الابن فلا ترث عندنا مع البنت للصلب شيئا أصلا وإذا انفردت مع الأب كان للأب السدس، والباقي لها، لأنها تأخذ نصيب الابن الذي يتقرب به، وله المال كله بعد السدس.

[ 88 ]

(فصل) * (في ميراث الجدات) * قدر تبنا ميراث الأجداد والجدات في النهاية على ما لا مزيد عليه، وفيما عقدناه من ميراث من يأخذ بالقرابة بينا ما فيه مقنع، ونسوق الآن ترتيب الفقهاء كما فعلناه في العصبة. فأول الدرجة جدتان الدرجة الثانية تكون أربعة الدرجة الثالثة تكون ثمانية الرابعة ستة عشر، الخامسة اثنان وثلثون، السادسة أربعة وستون، ثم على هذا القياس كلما تزيد درجة يزيد ضعفها، وإنما كان كذلك لأنه ما من جدة إلا ولها أبوان، ويكون لأبيها جدة، ولأمها جدة فكلما ترتفع درجة ترتفع معه جدتان. فإذا ثبت هذا فإن أم الأم ترث وإن علون إجماعا، وأم أبي الأم عندنا ترث وعندهم لا ترث، وأم أم الأب ترث، وإن علون إجماعا، وأم أب الأب عندنا ترث، وفيهم من قال لا ترث، وفيها خلاف. أم أم أم هي أم أب أب، عندنا تأخذ المال من الطرفين، وصورتها أن امرأة كان لها ابن ابن ابن وبنت بنت بنت، فتزوج ابن ابن ابن بنت بنت بنت، فجاءت بولد، هي الآن أم أم أم وأم أب أب، فيجب أن يستحق المال من الطرفين، وفيها خلاف بين الفقهاء. وذهب بعضهم إلى أن كل جدة تدلي بالأم فإنها ترث إجماعا وكل جدة تدلي بالجد الذي هو وارث فهل ترث أم لا؟ قيل فيه قولان، فمن قال لا ترث فليس في الدنيا جدة ترث من قبل الأم إلا جدتان (1) ومن قال ترث فترث جميع الجدات إلا واحدة (2).

(1) يعني أم الأم وأم الأب وأمهاتهما.
(2) يعني أم أب الأم.

[ 89 ]

تنزيل الجدات: قد بينا أن أول درجة الجدات هما جدتان، وهي أم أم، وأم أب، وهي ثاني درجة الميت والدرجة الثانية أربع جدات، وفي الدرجة الثالثة ثمانية جدات وفي الدرجة الرابعة ستة عشر، وفي الخامسة اثنان وثلاثون، وعلى هذا كلما ترتفع درجة، زاد من الجدات ويتضاعف لأنه إذا كان له أبوان فأمهما جدتان فكذلك الجدة لها أبوان، فلها جدتان وكلما ترتفع درجة تزيد جدة. ففي الدرجة الأولة جدتان أم أم وأم أب، هما وارثتان بلا خلاف، الثانية أربع جدات إحداهما أم أم الأم وارثة بلا خلاف، والثانية أم أب الأم فهي لا ترث عندهم. إلا ابن سيرين فإنه قال إن أم أب الأم ترث لأنها جدة، الثالثة أم أم أب ترث بلا خلاف الرابعة أم أب أب ترث، وفيهم من قال لا ترث، والصحيح الأول وعليه التفريع، وترث أم أم، وأم أم أب وأم أب أب أب عندهم. فالجدتان المتساويتان في الدرجة الأولى، والأربع جدات المتساويات في الدرجة الثانية، والثمانية جدات في الدرجة الثالثة، والست عشر متساويات في الرابعة كلهن يرثن عندنا غير أن القربى تسقط البعدى، وعند الفقهاء الجدتان الوارثتان المتساويتان في الدرجة الأولى أم أم وأم أب وثلاث جدات وارثات في الثانية، وأربع جدات وارثات في الثالثة، وعشر جدات وارثات في الدرجة التاسعة، ومائة جدات وارثات في الدرجة التاسع والتسعين وإنما كان كذلك لأنه كلما ترتفع الدرجة زادت واحدة. وهيهنا أجداد ليسوا بوارث عندهم إلا جد واحد يرث فيرث من يدلي به، وهي الجدة، وكلما ترتفع درجة تزيد جدة وارثة، وفي عشر جدات وارثات من قبل الأم واحدة، والباقون كلهن من قبل الأب، فلأجل ذلك كن في تسع درج عشر جدات. لأن هذه الزيادة كانت في الدرجة الأولة كانتا جدتين أم أم، وأم أب، والباقين كلهن من قبل الجد وبقي التي زادت من قبل الأم حتى حصلت في تسع درج عشر جدات.

[ 90 ]

والبعدى تسقط بالقربى إذا كن من جهة واحدة مثل أن تكون أم أم مع أم أم أم، فإن أم أم الأم تسقط مع أم الأم، لأنها تدلي بها، وكذلك تسقط أم أم أم أب بأم أم أب وكذلك أم أب أب أب تسقط بأم أب أب، وهذه أيضا جهة واحدة إذا كانت منفردة وأم أب أب لا تسقط بأم أم أب لأنهما تتساويان في الدرج، وعندهم يسقط، لأن الجهة واحدة، وفيها خلاف. وأما إذا كانتا من جهتين من قبل الأب ومن قبل الأم مثل أن يكون أم أم أم وأم أم أب فعندنا أنه لا تسقط واحدة منهما، لأنهما متساويتان في الدرج، والمال بينهما يأخذ كل واحدة نصيب من يتقرب به وفيها خلاف (1).

(1) اختلفت الصحابة في ذلك على ثلاثة مذاهب: فذهب على عليه السلام إلى أنه تسقط البعدى بالقربى، سواء كانت من قبل الأب أو الأم مثل ما قلناه، وبه قال أهل العراق. وقال ابن مسعود: يتشاركون فيه القربى والبعدى من قبل الأب ومن قبل الأم - وقد انفرد بها ابن مسعود وهي من الخمس مسائل التي انفرد بها - وإن كانتا من جهة واحدة ورث أقربهما وقيل إنه ورث القربى والبعدى من جميع الجهات. والثالث مذهب زيد بن ثابت أنه قال: إن كن من قبل الأم فإن البعدى تسقط بالقربى وإن كن من قبل الأب ففيه روايتان أحدهما لا تسقط ويشرك بينهما في السدس وبه قال مالك وأكثر أهل الحجاز، والثاني أنهما إن كانتا من قبل أم فإن القربى تسقط البعدى، وإن كانتا من قبل أب فعلى قولين مثل قول زيد.

[ 91 ]

(فصل) * (في ذكر العصبة) * القول بالعصبة باطل، ولا نعرف في موضع من مواضع الميراث بالتعصيب، وقال جميع الفقهاء إن الميراث بالتعصيب صحيح، وقال قوم العصبة ما يحوز المال ويجمع ويحيط بالمال، ولهذا سميت العصابة عصابة لأنها تحيط بالرأس، فإذا ثبت هذا فالعصبة ترث المال عندهم والعصبات يتفرع من نفسين من ابن وأب أما الابن فإن ابن ابن ابن يكون منه والأب فالأخ يدلي بالأب، ابن الأخ والعم يدلي بالأب، وابن العم والجد كلهم يدلون بالأب. فأول العصبات من هؤلاء عصبة الولد لقوله تعالى " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " ومن شأن العرب أن يفتتح ويبتدء بالأهم فالأهم ولأن الابن أقوى عصبة من الولد لأن الله تعالى جعل للأب السدس مع الولد فجعل ميراثه مع الولد السدس بالرحم كالأم لأن الابن عصبة وأسقط عصبته فثبت بذلك أن الابن أقوى. فإذا ثبت أنه أولى بالتعصيب من الأب، فإن كان واحدا فله المال كله. وإن كانا اثنين فالمال بينهما بالسوية، وإن كانوا ذكورا وإناثا بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. وابن الابن وإن نزل يقوم مقام الابن مع الأب بلا خلاف وإن لم يكن ولد ولد أصلا فالمال للأب بلا خلاف فإن لم يكن أب فالجد، لأنه يدلي بالأب، فإن لم يكن جد فجد الجد، وإن علا، فإن اجتمع جد وأخ تقاسما عندنا وفيه خلاف وجد الأب يسقط مع الأخ، وفيهم من قال لا يسقط وهو الأقوى وإن لم يكن جد وكان عم وأخ سقط العم مع الأخ بلا خلاف، لأنه ولد الأب والعم ولد الجد، وإن اجتمع الأب مع الجد كان الأب أولى. والأخ من الأب والأم أولى من الأخ من الأب لأنه يتقرب بسببين، فإن لم يكن أخ من أب

[ 92 ]

وأم فالأخ من الأب يقوم مقامه، وكان أولى من ابن الأخ للأب والأم كل هذا لا خلاف فيه، وإن اختلفوا في تعليله: فعندنا أنهم أولى لأنهم أقرب وعندهم أولى لأن تعصيبهم أقوى، فإن لم يكن أخ من أب فابن أخ من أب وأم، فإن لم يكن فابن أخ من أب، فإن لم يكن فالعم من الأب والأم، لأنه ولد الجد فيقوم مقام أبيه كما أن ولد الأب يقومون مقام أبيهم فإن لم يكن عم من أب وأم فعم من أب، فإن لم يكن فابن عم لأب وأم، وعند أصحابنا أنه أولى من العم للأب، فإن لم يكن فابن العم للأب فإن لم يكن فعم الجد فإن لم يكن عم الجد فبنوهم، فإن لم يكن فعم جد الجد ثم بنوهم على هذا التدريج. ابنا عم أحدهما أخ من أم فللأخ من الأم السدس بالفرض، والباقي رد عليه لأنه أقرب والتعصيب باطل (1) وفيه خلاف (2).

(1) لقوله صلى الله عليه وآله أعيان بني الأم أولى من بني العلات، راجع مشكاة المصابيح صلى الله عليه وآله 264. (2) قال الشافعي وباقي الفقهاء: الباقي بينهما نصفان بالتعصيب، ورووا ذلك عن على عليه السلام. وعن زيد بن ثابت، وبه قاله من الفقهاء مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأهل العراق وأهل الحجاز وذهب عمر وابن مسعود إلى أن الأخ من الأم يسقط، وبه قال شريح والحسن وابن سيرين.

[ 93 ]

(فصل) * (في ذكر الولاء) * الولاء لحمة مثل النسب، يثبت به الميراث إلا أنه لا يرث المولى مع وجود واحد من ذوي الأنساب، سواء كان ذا فرض أو لم يكن ذا فرض، قريبا كان أو بعيدا من قبل أب كان أو من قبل أم، وعلى كل حال. وإذا لم يكن له أحد كان ميراثه لمولاه الذي أعتقه أو من يتقرب من جهته من الولد والوالدين أو إخوته من قبل أبيه وأمه أو من قبل أبيه. وفي أصحابنا من قال والأخوات من جهتهما أو من يتقرب بأبيه من الجد و العمومة وأولادهم، ولا يرث أحد ممن يتقرب من جهة أمه من الإخوة والأخوات و من يتقرب بهما، ولا الجد والجدة من قبلها، ولا من يتقرب بهما، فإن لم يكن أحد ممن ذكرناه كان ميراثه للإمام وعند المخالف لبيت المال. روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يشتري ولا يوهب. ويتعلق بالولاء ثلاثة أحكام النكاح، والعقل، والميراث، وهذه كلها تتعلق بالنسب أيضا ويتعلق بالنسب زائدا على ذلك العتق والولاية والاجبار على النكاح والشهادة. إذا ثبت هذا فإن النسب يتعلق به ما لا يتعلق بالولاء، فيكون أقوى من الولاء فلأجل ذلك يجب أن يقدم، فإذا ثبت ذلك فمتى وجد من أهل النسب واحد فالمولى لا يرث: وهم ثلاثة أنواع منهم من يأخذ الكل بالتعصيب مثل الابن والأب والجد والعم وابن العم إذا كانوا موجودين، والثاني من يأخذ بالفرض من جميع المال وهو الزوج والأخت، والثالث من يأخذ بالفرض والتعصيب مثل بنت وعم وأخت وعم وبنت وابن عم وبنت وابن أخ، فإن لم يكونوا أولئك فالمولى يرث.

[ 94 ]

هذا مذهب من قال بالتعصيب، وعلى ما قدمناه لا يرث المولى إلا مع عدم ذوي الأنساب، سواء ورث بالفرض أو بالقرابة، قريبا كان أو بعيدا، فأما في هذه المسائل فلا شئ فيها للمولى، وهو الأقرب فالأقرب على ما قدمناه القول فيه. والمولى له حالتان عندنا إما أن يأخذ المال كله مع عدم ذوي الأنساب والأسباب وإما أن لا يأخذ شيئا، وليس له حالة يأخذ مع واحد من ذوي الأنساب، لا مع من له فرض ولا مع من ليس له فرض، وعند المخالف له حالتان: حالة يأخذ كل المال، وحالة يأخذ النصف، وذلك إذا كان معه واحد ممن يأخذ النصف مثل الأخت والبنت. وعندنا إنما يأخذ النصف المولى مع الزوج فقط، والزوجة تأخذ الربع و الباقي للمولى، ومتى لم يكن له مولى فعصبة المولى، فإن لم يكن عصبة المولى فمولى المولى فإن لم يكن مولى المولى فعصبة مولى المولى فإن لم يكن عصبة مولى المولى فعندنا للإمام وعندهم لبيت المال. وقد ذكرنا في النسب أن من يتفرع منه العصبة نفسان: أب وابن، كذلك هنا في الولاء الذي يتفرع منه العصبة أبو المولى وابن المولى، فابن المولى والأب يرثان معا من الولاء، لأنهما في درجة، وعندهم الابن أولى وأما الابن أولى من ابن الابن بلا خلاف، والأب أولى من الجد ثم الجد أولى من الأخ عندهم، وعندنا يشتركان فيه، والأخ أولى من العم بلا خلاف وابن الأخ يشترك عندنا مع الجد وعندهم الجد أولى، وابن الأخ أولى من العم وابن العم بلا خلاف فيه، وكذلك العم أولى من ابن العم وعلى هذا. والإخوة والأخوات من الأم ومن يتقرب بهما لا يرثون الولاء بلا خلاف، وقد بينا أن ابن الأخ يقاسم الجد وإن علا ذلك ونزل هذا، وعندهم لا يقاسم، ومتى لم يكن له عصبة فعصبة المولى، فإن لم يكن عصبة المولى فمولى المولى، فإن لم يكن مولى المولى فعصبة مولى المولى، ومتى كانوا في درجة اشتركوا في الولاء، ومتى بعد أحدهما كان الولاء للأقرب.

[ 95 ]

والمرأة إذا أعتقت فالولاء لها وترث بالولاء بلا خلاف ولا ترث المرأة بالولاء إلا في موضعين أحدهما إذا باشرت العتق فيكون مولا لها أو يكون مولى المولى لها. إذا خلف المولى إخوة وأخوات من الأب والأم أو من الأب أو أخا وأختا كان ميراث مولاه بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين وقال المخالفون للذكور دون الإناث وفي أصحابنا من قال بذلك. مولى مات وخلف ثلاث بنين مات أحد البنين، وخلف ابنين، مات الثاني وخلف ثلاث بنين، مات الثالث وخلف خمس بنين، ثم مات مولاه، فإن الولاء بينهم أثلاثا يأخذ كل قوم منهم نصيب أبيه، وقال المخالف المال بينهم على عدد رؤسهم وفي الميراث لا خلاف أن كل واحد يأخذ نصيب من يتقرب به. إذا مات المعتق لا يرثه المعتق بلا خلاف إلا شريحا وطاوسا. رجل زوج أمته من عبد ثم أعتقها فجاءت بولد كان الولد حرا بلا خلاف عندنا لأنه لاحق بالحرية، وعندهم أنه لاحق بأمه وولاؤه يكون لمولى الأم، فإن أعتق العبد جر الولاء إلى مولى نفسه، وهذه المسئلة يسميها الفرضيون مسألة الجر وبه قال أكثر أهل العلم وفيه خلاف. رجل زوج معتقته بمعتق غيره، فجاءت بولد فنفي الولد باللعان، فإنه ينتفي باللعان ويكون الولاء لمولى الأمة، فإن أكذب نفسه، فإنه يرجع النسب إلى الأب والولاء إلى مولى الأب ويقتضي مذهبنا أن الولاء لا يرجع إلى المولى، لأنهم قالوا إذا اعترف به بعد اللعان فإن الأب لا يرثه، وإنما يرثه الابن. رجل زوج معتقته بمعتق غيره، فإن ولدت بولدين فنفاهما باللعان فإنهما ينتفيان، فقتل أحد الابنين الآخر، فإن القاتل لا يرث، ويكون ميراثه لأمه عندنا وعندهم الثلث للأم والباقي لمولى الأم فإن أكذب نفسه، فإنه يرجع الولاء إلى مولى الأب ويسترجع ثلثا الميراث، ويدفع إلى الأب، وعندنا المال للأم ولا يسترجع منها شئ بعد انقضاء اللعان. المسئلة بحالها زوج معتقته بعبد فأولدت ولدين فقتل أحدهما الآخر، فالقاتل

[ 96 ]

لا يرث، ويكون ثلث المال للأم، والباقي رد عليها، وعندهم لمولاها، فإن أعتق العبد، فإن الولاء يرجع إلى مولى العبد، ولا يرد الثلثان إليه. والفرق بين هذه المسئلة والتي قبلها أن هناك أخذ مولى الأم بغير استحقاق فلأجل هذا لما أكذب نفسه استرجعنا، وليس كذلك هيهنا، لأن مولى الأم أخذه باستحقاق لأنه حين أخذه ما كان العبد من أهل الولاء، ولا ولاء لأحد عليه، وعندنا أن الولاء يرجع إلى مولى العبد، غير أنه لا يرث واحد منهم مع وجود الأم شيئا وإن ماتت الأم كان مولى العبد أولى وعلى ما قلناه قبل هذا لا يرجع الولاء أيضا لما مضى. رجل زوج أمته بعبد فجاءت بولد فأعتقها سيدها مع ابنها، فإن الولاء لمولى الأمة ثم أعتق العبد فإن هيهنا لا ينجر الولاء إليه. والفرق بين هذا المسئلة والتي قبلها حيث قلنا إنه إذا أعتق العبد ينجر الولاء لأن هناك ما صادف عتقا هذا الابن، وما باشر العتق، لأجل هذا قلنا ينجر الولاء إلى مولى الأب، وليس كذلك هيهنا لأنه صادف عتقا وباشر العتق، فلم ينجر الولاء إلى غيره. رجل زوج أمته بعبد فاستولدها بولد ثم أحبلها ثم أعتقها سيدها، فإن العتق يسري إلى الحمل ويعتق، كما لو باشر العتق، فإن أعتق العبد يكون الولاء لمولى الأمة لما تقدم ذكره. رجل زوج أمته بعبد فاستولدها بولد، ثم أحبلها ثم أعتقها سيدها، فإنه يعتق الابن والحمل جميعا لما ذكرناه من السراية، فإن أعتق العبد يكون ولاء الابن والحمل جميعا لمولى الأم، لا ينجر إلى الأب، فإن جاءت بولد ثالث يكون الولاء لمولى الأب لأنه هو المنعم عليه. عبد تزوج بأمة ثم طلقها تطليقتين، أو خالعها فبانت منه، ثم أعتقت الأمة وأتت بولد، فالولد يكون حرا تبعا لأمه لأنه لا يخلو إما أن تكون أتت به بعد العتق أو كان موجودا حال العتق، فإن أتت به بعد العتق، فإن ولد المعتقة يكون معتقا، 6

[ 97 ]

وإن كان موجودا حال العتق، وكانت حبلى فإن عتق الأم يسري إلى ولدها وحملها فإن أعتق العبد لا ينجر الولاء ويكون ولاء هذا الابن لمولى الأم لأنه لا يخلو إما أن تكون أتت به في وقت يمكن إلحاقه به، أو يكون أتت به في وقت لا يمكن إلحاقه به: فإن أتت به في مدة لا يمكن إلحاقه به مثل أن يكون فوق تسعة أشهر عندنا، وعند بعضهم فوق أربع سنين، فإن هيهنا لا يثبت النسب، فإذا لم يثبت النسب لا يثبت الولاء وإن أتت به في مدة يمكن إلحاقه به، مثل أن يكون أتت به من حين طلقها إلى دون تسعة أشهر فإنا نشك فيه، ويجوز أن يكون موجودا حال العتق، ويجوز أن لا يكون موجودا والأصل بقاء الرق فإذا ثبت هذا فإن لمولى الأمة عليه ولاؤه. وإن تزوج عبد بأمة فماتت ثم أعتقت الأمة وأولدت ولدا فالحكم في هذا كالحكم في التي قبلها إذا طلقها. عبد تزوج بمعتقة فجاءت بولد، فإن الولاء لمولى الأم، فإن مات العبد وخلف جدا فأعتق الجد، فإنه ينجر الولاء الذي كان لمولى الأم إلى مولى نفسه، لأن الجد عصبة، وهو يقوم مقام الأب، ولو كان الأب حيا لكان ينجر الولاء كذلك الجد. المسئلة بحالها: عبد تزوج بمعتقة فجاءت بولد حكمنا بالولاء لمولى الأم وكان هناك جد فأعتق الجد والأب حي، فهل يجر الولاء مولى هذا الجد من مولى الأم إلى نفسه؟ قال قوم يجر، وقال آخرون لا يجر، والأول أقوى. ولهذه المسئلة نظير يبنى عليها وذلك أن الأب إذا أسلم وله ولد، فإنه يحكم بإسلام الابن تبعا للأب، فإن مات الأب وأسلم الجد فإنا نحكم بإسلامه لإسلام الجد وإن كان الأب حيا وأسلم الجد هل يحكم بإسلام هذا الولد تبعا للجد؟ قيل فيه وجهان: أحدهما يحكم به، وهو الأقوى، لأنه لو ملكه لا يعتق عليه، والثاني لا يحكم بإسلامه، لأن الولد يكون تبعا للأب، فأما أن يكون تبعا للجد مع وجود الأب فلا.

[ 98 ]

ويفارق ما قالوه من أنه إذا ملكه عتق عليه، لأن ذلك تمليك، ويصح للجد أن يملك مع وجود الأب، وليس كذلك ههنا لأنه يكون تبعا ولا يجوز أن يكون تبعا للجد مع وجود الأب كذلك هيهنا على وجهين أحدها ينجر إلى الجد وهو الأقوى والثاني لا ينجر فمن قال لا ينجر فإن الولاء لمولى الأم فإن مات الأب انجر إلى الجد حينئذ ومن قال ينجر إلى الجد، فإن الولاء يكون لمولى الجد فإن أعتق الأب انجر من جده إلى نفسه. حر تزوج بأمة فأعتقت ثم جاءت بولد لستة أشهر، وأكثر، فإن ههنا لا يثبت الولاء لأحد، لأنه أتت به من حر، وقال قوم إن كان من عربي فلا يثبت الولاء هيهنا لأحد بناء على أصله أن عبدة الأوثان من العرب لا يسترقون، وإن كان أعجميا يثبت عليه الولاء، والأول أقوى، لأن الأصل الحرية وعدم الولاء، فإثباتهما يحتاج إلى دلالة، وليس هيهنا معتق، والنبي صلى الله عليه آله قال: الولاء لمن أعتق وهذا ما أعتق. عبد تزوج بمعتقة رجل فأتت بولد، فإنه يكون حرا ولمولى الأم عليه الولاء فأعتق العبد ومات الولد، فإن ولاءه ينجر إلى مولى الأب، فإن لم يكن مولى الأب فعصبة مولى الأب، فإن لم يكن عصبته فمولى عصبة مولى الأب، وإن لم يكن مولى ولا عصبة كان ميراثه عندنا للإمام وعندهم لبيت المال. وحكي عن ابن عباس أنه قال: الولاء لمولى الأم لأن الولاء كان له فلما جر مولى الأب كان له، فلما لم يكن عصبة المولى عاد الولاء إلى مولى الأم، كما لو لم تكن عصبة الأب، والأول أقوى، لأن عوده إليه بعد أن كان انجر عنه يحتاج إلى دليل. عبد تزوج بمعتقة رجل وبحرة، أو تزوج بمعتقتين فإن الحكم لا يتغير فجاءت المعتقة بولد، فإن ولاءه لمولى الأم، فمات الولد فالأب لا يرث لأنه عبد وتعطى أمه الثلث والباقي يرد عليها عندنا، وعند المخالف الثلثان لمولى الأم فإن أتت الحرة بولد نظرت، فإن أتت به في ستة أشهر وأكثر فإنه لا ينقص شئ والميراث على

[ 99 ]

حاله، لأنا تبينا أنه ما كان موجودا حال موت ذلك الولد وإن أتت به لستة أشهر ودونه فإنا ننقض ذلك الحكم ونسترجع الثلثين الذي دفعنا إلى مولى الأم، لأن الوارث الآن هو الولد الذي ولد الآن، لأنا تبينا أنه كان موجودا حال موته، فيكون للأم الثلث والثلثان لهذا الولد. وعندنا المال كله للأم بالفرض والرد، ولا شئ للمولى معها بحال على ما مضى القول فيه. امرأة اشترت عبدا فأعتقته، فالولاء، لها عليه، اشترى هذا المعتق عبدا وأعتقه ومات المعتق الأول نظرت: فإن كان له مناسب فالمال له، وإن لم يكن له مناسب فالمال لمولاته. فإن مات المعتق الثاني نظرت فإن كان له مناسب فالمال له، وإن لم يكن له مال وكان مولاه الذي أعتقه باقيا فالمال له، وإن لم يكن الذي أعتقه باقيا ولا مناسب له فالمال لمولاة المولى، وهي مولاة مولاة وليس في الميراث موضع ترث المرأة بالولاء إلا هيهنا. امرأة اشترت أباها فإنه ينعتق عليها، فاشترى أبوها عبدا وأعتقه: مات الأب المال لها: النصف بالتسمية، والباقي بالرد، ولا حكم للولاء، وعند المخالف الباقي لها بالولاء. مات العبد المعتق المال لها أيضا النصف بالفرض، والباقي لها لأنها بنت المولى وقال المخالف: لها، لأنها عصبة المولى. بنتان اشترتا أباهما فإنه ينعتق عليهما، فاشترى الأب أباه جدا لهما، مات الأب، للبنتين الثلثان بالفرض، والسدس للأب الذي هو جدهما والباقي رد عليهم وقال قوم الباقي للجد بالفرض والتعصيب. مات الجد المال لهما عندنا بالقرابة لأنهما بنتا أبيه، وعند المخالف لهما الثلثان بالفرض والثلث بجر الولاء لأن لهما الولاء على الأب انجر الجد، فلما مات الجد، عاد الولاء عليهما، صارت المسئلة من ستة: الثلثان أربعة بالفرض، والثلث

[ 100 ]

سهمان لكل واحدة منهما سهم، فيحصل لكل واحدة منهما ثلثة أسهم. بنتان اشترتا أباهما عتق عليهما فاشترت أحدهما مع الأب جدهما، فقد عتق عليهما، لأن الجد ينعتق على بنت الابن كما ينعتق على الابن، ولهما ولاء على الأب ولإحداهما لها على الجد نصف الولاء، ونصف الولاء للأب. مات الأب للبنتين الثلثان، وللجد السدس، والباقي رد عليهم على قدر سهامهم وقال المخالف الباقي للجد بالفرض والتعصيب، فيسقط تعصيب البنات. مات الجد لهما ولاء على الأب، ولإحداهما نصف الولاء على الجد، الثلثان بينهما، والتي اشترت الجد مع الأب لها النصف من الثلث لأن لها نصف الولاء من الجد، فبقي نصف الثلث يكون بينهما نصفين، لأن ولاء الأب بينهما، جعلت المسئلة من اثني عشر، ثمانية بينهما بالفرض، يبقى أربعة: منها للتي اشترت الجد مع الأب سهمان وبقي سهمان بينهما لأن الولاء على الأب كان بينهما، فإن مات الجد أولا فالمال كله للأب، وقد بينا أن المال عندنا كله لهما بالقرابة دون الفرض والتعصيب. بنتان اشترتا أباهما عتق عليهما اشترت أحدهما مع الأب أخا لها فنصف الابن ينعتق على الأب ولا يقوم عليه الباقي، لأنه معسر، والنصف الآخر للأخت لا يعتق عليها، لأن الأخ لا يعتق على الأخت بالملك، فإن تطوعت فأعتقته أعتق ويكون لها عليه نصف الولاء. مات الأب المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن مات الأخ فللبنتين الولاء ولإحداهما نصف الولاء على الأخ. إذا ثبت هذا فلهما الثلثان بالفرض والباقي رد عليهما بالقرابة عندنا، وعندهم يبقى ثلث: لإحداهما نصف الثلث بحق ولاء الأخ، يبقى نصف الثلث يكون بينهما نصفين. المسئلة تخرج من اثني عشر: الثلثان ثمانية، ونصف الثلث اثنان، ونصف نصف الثلث واحد، فيحصل لإحداهما سبعة أسهم، وللأخرى خمسة أسهم وكذلك المسئلة التي قبلها، لإحداهما سبعة أسهم وللأخرى خمسة، فإن مات أولا الأخ فالمال كله

[ 101 ]

للأب لأن الأخوات لا يرثن مع الأب. بنتان اشترت إحداهما الأب عتق عليها، اشترت التي لم تشتر الأب مع الأب جدا لهما فإنه يعتق عليهما، لأن الجد يعتق على بنت الابن كما ينعتق على الابن مات الأب للبنتين الثلثان، وللأب الذي هو جدهما سهم وعند المخالف الباقي للجد بالفرض والتعصيب، وعندنا الباقي رد عليهما وعلى الجد الذي هو أب الأب، على قدر سهامهم. مات الجد أيضا كان المال للبنتين كله بالقرابة، وعندهم الثلثان بالفرض يبقى ثلث المال للتي اشترت الجد مع الأب، لها على الجد نصف الولاء، يأخذ من هذا نصف الثلث سهم، يبقى سهم للأخرى لأن ولاء الأب لها وهذا نصيب الأب، المسئلة من ستة ثلثاه أربعة بينهما وسهم للتي اشترت الجد، وسهم للأخرى بحق الولاء على الأب، فإن مات الجد أولا كان المال للأب. بنتان اشترتا أباهما فعتق عليهما مات الأب لهما الثلثان بالفرض، والباقي بالرد وعندهم: والثلث بالتعصيب لأن الولاء لهما. ماتت إحدى البنتين وبقيت الأخرى: لها النصف بالفرض، ولها على الأب نصف الولاء تأخذ ربع المال أيضا عن الولاء المسئلة من أربعة لها منها ثلثة أسهم، والباقي سهم لبيت المال. المسئلة بحالها كانت قد اشترت الأب هذه التي في الحياة يكون المال كله لها. المسئلة بحالها بنتان اشترتا أباهما عتق عليهما ماتت إحدى البنتين، المال للأب لأن الأخت لا ترث مع الأب. مات الأب أيضا لهذه البنت النصف بالفرض، والباقي رد عليها عندنا بالقرابة وعندهم لها نصف الولاء على الأب ولها أيضا سهمان بحق ولاء الأب وكان للتي ماتت بعد الولاء لما ماتت انجر الولاء إلى الأب نفسه ذلك الولاء، فيكون لعصبة الأب لما مات الأب صارت لهذه السهم الذي جر الأب، المسئلة من ثمانية، لها أربعة بالفرض

[ 102 ]

وسهمان لها بالولاء الذي على الأب، ولها أيضا سهم الذي جر أباها وترك لها فبقي سهم ثمانية لبيت المال. ثلاث بنات أحرار ولهن أبوان وأخ مملوكون، فاشترت اثنتان منهن أباهما عتق عليهما، واشترت التي لم تشتر الأب الأخ مع إحدى التي اشترت الأب مع الأب فثلاثتهن اشترت الأخ فالأخ عتق ثلثه، لأن الأب إذا ملك الولد عتق عليه ولا يقوم عليه ثلثاه لأنه معسر، ولا ينعتق على الأختين، لأن الأخت تملك الأخ، ولا يعتق عليها. فإن تطوعتا وأعتقتا فإنه يعتق ويكون لهما عليه ولاء، فاجتمعوا: الكل خمستهم الأب والأخ مع البنات واشتروا الأم فإن أربعة أخماسها تنعتق على الأولاد، ولا يقوم عليهم، لأنهم معسرون، ولا ينعتق على الزوج، لأن الزوج أو الزوجة إذا ملكت إحداهما الأخرى لا ينعتق عليه، لكن ينفسخ النكاح بينهما إذا ملك أحدهما كله أو بعضه انفسخ النكاح بينهما لكن إن تطوع وأعتقها يصيبه الخمس الذي ملك منها، صارت ههنا بنتان مولاتي الأب، وللأخ ثلاث موالي اختان وأب، وللأم خمس موالي بنات وابن وزوج، وهم مواليها: مات الأب خلف ثلاث بنات وابن وزوجة مطلقة، الزوجة لا ترث لأنها بانت بالطلاق، المال بين البنات والأخ للذكر مثل حظ الأنثيين، تكون المسئلة من خمسة: ثلاثة أسهم للبنتان، وسهمان للابن. مات الابن (1) وخلف ثلاث أخوات وأم، وله ثلاث موال، عندنا المال للأم وسقط الموالي، وعند المخالف للأخوات الثلثان أربعة، وللأم السدس سهم يبقى سهم لأن المسئلة من ستة بينهم على ثلثة لا تصح، فيضرب اثنان وهما عصبتا الأب في ثلاثة يكون ستة، وتضرب ستة في أصل المسئلة وهو ستة يصير ستة وثلاثين فللأخوات الثلثان أربعة وعشرون، وللأم السدس سهم ستة يكون ثلاثين، يبقى ستة للموالي أثلاثا منها للأختين أربعة، وسهمان كان للأب وينتقل إلى مولاته:

(1) مات الأخ، خ ل وكلاهما بمعنى.

[ 103 ]

تكون للبنت التي اشترت أباها، وشاركته في شراء الأخ ثمانية بالأخوة وسهمان لأنها مولاته، ولها سهم لأنها مولاة مولى مولاه وهو الأب، فحصل لها إحدى عشر وللأخت التي اشترت الأخ ولم تشتر أباها ثمانية بالأخوة، وسهمان لأنها مولاته تكون عشرة، وللبنت التي اشترت أباها ولم تشتر أخاها ثمانية بالأخوة، وسهم لأنها مولاة الأب، تكون تسعة والجميع ثلاثين، وستة للأم صارت ستة وثلاثين. طريقة أخرى أوضح من هذا فتنكشف: هيهنا ثلث أخوات إحداها مولاته ومولاة مولا مولاه، والثانية أخت مولاته، والثالثة أخت مولاة مولا مولاه. فالتي هي مولاته لها ثمانية بالأخوة، وسهمان لأنها مولاته ولها سهم لأنها مولاة مولا مولاه، والتي هي أخت ومولاته لها ثمانية بالأخوة وسهمان لأنها مولاته، والتي هي مولاة مولى مولاه لها ثمانية بالأخوة ولها سهم من قبل الأب لأنها مولاة مولى مولاه يكون ثلاثين، وستة للأم الجميع ستة وثلاثين. ماتت الأم خلفت ثلاث بنات وخمس موالي، للبنات الثلثان يبقى الثلث على الخمس للبنات ثلاثة أخماس وخمس منها للأب انتقلت منه إلى مولاته وخمس الآخر للأخ ينتقل إلى مواليه أختين وأب، للأختين الثلثان من هذا الخمس لكل واحدة ثلثه، وثلث الباقي من هذا الخمس كان للأب انتقل إلى مولاته، المسئلة من ثلاثة، للأختين الثلثان سهمان، يبقى سهم على ثلثة لا يصح، يضرب ثلثة في ثلثة تصير تسعة، الثلثان ستة للبنتين يصح عليهن، يبقى ثلثة لا يصح على خمسة، يضرب تسعة في خمسة، يكون خمسة وأربعين هناك سهم انتقل إلى مولاته لا يصح، فيضرب سهماهما في خمسة وأربعين، تكون تسعين: الثلثان للبنتين ستون، ويبقى ثلثون منها ثلثة أخماس للبنات، وهو ثمانية عشر، بقي اثني عشر سهما خمس للأب ينتقل إلى مولاته والخمس الآخر للأخ انتقل إلى مواليه منها للأختين ثلثي الخمس، وثلث الخمس للأب انتقل إلى مولاته: تكون للتي اشترت الأب وشاركت في شراء الأخ والأم اثنان وثلاثون وللأخت التي اشترت الأب ولم تشاركهم في شراء الأخ ثلثون: عشرون بالأخوة وستة

[ 104 ]

للأب يجر بالولاء على الأم وثلثة أسهم لها بالولاء على الأم، وسهم لها بالولاء على الأب وهو السهم الذي كان للأب يجر الولاء على الابن فانتقل إليها، وللأخت التي اشترت الأخ ولم يشتر الأب عشرون بحق البنوة وستة أسهم بحق الولاء على الأم وسهمان لها بحق الولاء على الأخ، فحصل لإحداهن اثنان وثلثون، وللثانية ثلاثون وللثالثة ثمانية وعشرون الجميع تسعون. طريقة أخرى يوضح هذا وينكشف ثلاث بنات إحداها بنت هي مولاتها ومولاة مولاتين ومولاة مولى مولاة البنت، الثانية مولاتها ومولى مولاتها، الثالثة وهي بنت مولاتها ومولاة مولى مولاتها: فالتي هي مولاتها ومولاة مولاتين من جهة ومولاة مولى لها اثنان وثلاثون بحق البنوة عشرون وستة لأنها مولاة الأم، ولها ثلثة أسهم بالولاء على الأب ولها سهمان بالولاء على الأخ، ولها سهم آخر الذي كان للأب من ولاء الأخ، فانتقل إليها فصار اثنين وثلثين. الثانية وهي بنت وهي مولاتها ومولاة مولى مولاتها، لها عشرون بحق البنوة وستة لأنها مولاتها، ولها ثلثة بحق الولاء على الأب، ولها سهم الذي كان للأب على الابن فانتقل إليها فصار لها ثلثون. والثالثة بنت وهي مولاتها ومولاة مولى مولاتها، لها بحق البنوة عشرون ولها بحق ولاء الأم ستة أسهم ولها بحق ولاء الأخ سهمان كان الجميع ثمانية وعشرين. وقد بينا أن على مذهبنا لا يحتاج إلى جميع ذلك، لأن مع وجود البنات يبطل حكم الولاء، وإنما يورث بالولاء إذا لم يكن أحد من المناسبين، كان ذا فرض أو لم يكن كذلك. عبد تزوج بمعتقة رجل، فاستولدها بنتين، فالبنتان تكونان حرتين، لأنهما ولد المعتقة، ويكون ولاؤهما لمولى الأم، ولمولى الأم عليها ولاء، فاشترتا أباهما فإنه ينعتق عليهما، لأن الولد إذا ملك أباه انعتق عليه، وينجر الأب بعتقه من

[ 105 ]

مولى الأم إلى مولى نفسه، وكان ولاء الأب للبنتين. إذا ثبت هذا فإنه ينجر الولاء وكان ينبغي أن يقال إنه ينجر كل الولاء إلى البنتين لكن لمولى الأم على البنتين ولاؤهما والانسان لا يملك ولاء نفسه، فكل واحدة من البنتين لا ينجر إليها نصف الولاء الذي له عليها، بل ينجر إلى كل واحدة نصف ولاء أختها والذي على نفسها فلا. هذا الكلام في الولاء فأما الميراث: مات الأب للبنتين الثلثان حق الفرض والباقي عندنا رد عليهما بالقرابة بحق النسب لا بحق الولاء وعندهم يبقى الثلث لكل واحدة نصف الثلث الباقي بحق الولاء لأنها مولاته. إن ماتت إحدى البنتين كان لهذه البنت سبعة أثمان، والباقي يرجع إلى مولى الأم، وقال قوم: إن لها ثلاثة أرباع والربع الباقي يكون لمولى الأم. المسئلة من أربعة: فمن قال بالأول قال المسئلة من ثمانية لها نصف المال لأنها أخت، ولها نصف الباقي لأنها مولاتها، ولها نصف النصف لأنها مولى عصبة الأب، لأن الأخت التي ماتت كانت مولاة الأب وهذه عصبتها ومن قال بالآخر جعل المسئلة من أربعة لها نصف المال لأنها أخت، ولها نصف الذي بقي لأن لها نصف ولاء الأخت، والباقي لمولى الأم لأن مولى الأم أقرب منها بدرجة، ولأن مولى الأم مولاتها وهي مولى مولاتها فيكون مولى الأم أولى من هذه بذلك السهم، يحصل له ثلثة أرباع، والربع الذي بقي لمولى الأب. فإن ماتت إحدى البنتين قبل الأب فإن المال كله للأب، ثم مات الأب وخلف البنت التي اشترت نصف أبيها، فإن لها نصف المال بحق النسب، ولها سهمان بحق الولاء على مباشرة عتق الأب، ولها سهم آخر لأنها مولاة المولى. فمن قال إن المسئلة من ثمانية ولها سبعة أثمان، قال الثمن الباقي لبيت المال من قال لها ثلاثة أرباع قال الربع الباقي لبيت المال. المسئلة بحالها: عبد تزوج معتقة فاستولدها بنتين، فإنهما ينعتقان، ولمولى

[ 106 ]

الأم عليهما الولاء اشترت إحداهما أباها فانعتق عليها، فلها على الأب الولاء. إذا مات الأب، لهما الثلثان بحق النسب والباقي للتي اشترت الأب. فإن ماتت التي لم تشتر الأب فالمال كله للتي اشترت أباها نصف المال لها بالفرض لأنها أختها، والباقي بالولاء عليها، لأن هذه اشترت أباها وانعتق عليها، انجر الأب جميع الولاء إليها، فالولاء التي يصيبها على قولين والنصف الذي هو على أختها حصل لها كل ذلك النصف فتأخذ هذا الباقي بالولاء عليها. فإن ماتت التي اشترت أباهما أولا: لها نصف المال بحق النسب لأنه لا ولاء لها، فعلى قول بعضهم يكون النصف الباقي لبيت المال وعلى قول آخرين لمولى الأم يعود إليه كما قلناه فيما تقدم. رجل له ابنان فاشترى أحد الابنين مع الأب عبدا فأعتقاه، فإن للأب والابن معا عليه ولاء، مات الأب المال بينهما نصفين، مات المعتق، يكون المال للذي اشتراه مع الأب ثلاثة أرباعه والباقي يكون للأخ الآخر: نصف المال لأنه مولاه، وله نصف النصف الذي كان لأبيهما، فيكون نصفه لهذا، والباقي يكون للأخ، يكون ثلثة أرباع المال لهذا، وربع المال لأخيه. عبد تزوج بمعتقة فاستولدها، الولد يكون حرا ولمولى الأم عليه الولاء بلغ الولد واشترى أباه فإنه يعتق عليه، فإذا أعتق هذا الأب لا ينجر الولاء من مولى الأم إلى مولى نفسه، لأن مولى الأب هو هذا الابن، وكان ولاء مولى الأم على هذا الابن، فلا يجوز أن يملك الولاء على نفسه: لأن العتق والولاء يفيد ثلثة أشياء: التزويج والعقل والارث، والانسان لا يملك تزويج نفسه، ولا يعقل عن نفسه، ولا يرث من نفسه، فلذلك قلنا لا ينجر هذا الأب الولاء الذي على الابن من مولى الأم وقال قوم ينجر الولاء من مولى الأم فيكون لبيت المال. عبد تزوج بمعتقة فاستولدها فجائت بولد يكون الولد حرا لحرية الأم وعليه الولاء لمولى الأم فمضى هذا الابن واشترى عبدا فأعتقه يكون الولاء له وهذا يكون

[ 107 ]

مولى له، فمضى هذا المعتق واشترى أبا معتقه وأعتقه فيصير حرا فيكون للمعتق عليه ولاء هذا الأب لما أعتق ينجر الولاء الذي كان على الابن من مولى الأم إلى مولى نفسه وهو هذا المعتق، فإن كل واحد منهما يتولى الآخر يعني الابن والعبد المعتق كل واحد منهما مولى لصاحبه مولى من أعلى، ومولى من أسفل. مات الأب يكون المال كله للابن بالنسب، مات المعتق ولم يكن له مناسب المال لهذا الابن، فإن مات الابن يكون ماله للمعتق كل واحد منهما يرث من الآخر فإن ماتا ولم يكن لهما مناسب يكون لمولى الأم، ويعود إليه الولاء الذي جر أبوه. ومن هذا قول الفرضيين أنه انتقل الولاء، وقولهم ينجر الولاء من الأب لا يريدون به أنه زال ملكه لكن يريدون به أن هذا عصبة المولى، ومولى الأم مولى المولى، فعصبة المولى أولى من مولى المولى. أخ وأخت حران اشتريا أباهما فإنه يعتق عليهما، ولهما على الأب الولاء اشترى أبوهما عبدا فأعتقه يكون له عليه ولاء، مات الأب المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، مات المعتق المال للابن لأنه عصبة المولى، والبنت هي مولى المولى، وعصبة المولى أولى من مولى المولى. المسئلة بحالها مات الابن وخلف ابنا المال لابن الابن، لأنه عصبة المولى خلف ابنا وبنتا المال لابن الابن، ولا يكون لبنت الابن شئ مع ابن الابن، وعندنا أنه بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. مات الابن وخلف أختا وبنتا وأبا للبنت النصف، والباقي للأب السدس بالفرض، والباقي بالتعصيب، ولا يكون للأخت شئ لأن الأخت تسقط مع الأب وعندنا أنه يكون للبنت النصف وللأب السدس والباقي رد عليهما مثل الميراث. مات الأب وخلف بنتا وبنت ابن، للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، بقي ثلث المال، نصف الثلث للبنت أيضا بحق الولاء على الأب، ويبقى نصف الثلث لها في هذا النصف نصف أيضا وهو الذي جره الأب من ولاء الأخ، لأن الولاء يكون للعصبة، وهذه عصبة هذا الأخ.

[ 108 ]

واعلم أنه لا يصح على مذهبنا أن يستحق أحد على غيره من المناسبين له شيئا من الولاء ولا يرث به، لا من ينعتق عليه من الأبوين والأجداد ولا الولد وولد الولد سواء كان ذا سهم أو لم يكن، لأنه متى كان له عليه ولاء، وهو مناسبه، فإنما يستحق المال بالقرابة دون الولاء، لأن الولاء إنما يثبت به الميراث مع عدم ذوي الأنساب القريبة أو البعيدة، على ما ذكرناه في أول الباب، فإذا ثبت هذا سقط عنا هذه الفروع كلها وإنما أجريناها ليعرف مذهب المخالف، ويرتاض بها، وإلا فلا يحتاج إليها على حال. إذا كان المعتق امرأة وخلفت ولدا ذكرا أو أولادا أو عما أو بني عم فولاء مواليها لعصبتها التي هو العم وابن العم دون الابن الذكر وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا الولد أحق وفي أصحابنا من قال بذلك. وأما ولاء تضمن الجريرة فهو كل من أعتق نسمة في أمر واجب مثل نذر أو كفارة فإنه لا يثبت له عليه الولاء، ويكون سائبة لا ولاء لأحد عليه، فإن توالى إلى انسان يضمن جريرته وحدثه ويكون له ميراثه إذا لم يخلف وارثا كان ذلك صحيحا وكذلك من لا وارث له أصلا فتوالى إلى انسان بهذا الشرط ويكون ولاؤه له كان ذلك صحيحا ويثبت به الميراث مثل ولاء النعمة سواء وفيها خلاف.

[ 109 ]

(فصل) * (في ميراث الجد) * قد بينا كيفية ميراث الجد فيما تقدم إذا انفرد، وإذا كان معه من يقاسمه ونحن نذكر الآن حسب ما ذكره المخالفون فعندنا أنه يرث مع الإخوة للأم لهم ثلثهم المفروض، والباقي للجد. وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا المال للجد والجد يقاسم الإخوة والأخوات من قبل الأب والأم أو من قبل الأب، وكان كواحد منهم وفيه خلاف. والجد وإن علا قاسم الإخوة والأخوات بلا خلاف عند من قال بالمقاسمة، وولد الأخ عندنا يقاسم الجد وإن نزل، وخالف جميعهم في ذلك، وفي الناس من لا يقاسم الإخوة والأخوات ما دام الثلث خيرا له، فإن كانت المقاسمة خيرا له قاسم. وهو بمنزلة الأب في جميع المواضع إلا في أربع مسائل: إحداها أن الأب يسقط الأخ، والجد لا يسقط الأخ، الثانية زوج وأبوان الثالثة زوجة وأبوان لأن في هاتين المسئلتين إذا كانت الأم مع الأب ترث ثلث ما بقي وإن كانت مع الجد ترث ثلث جميع المال وعندنا أن لها ثلث جميع المال في المسئلتين معا، الرابعة أن الأب يسقط أمه والجد لا يسقط أم أبيه. إذا ثبت هذا، فإن لم يكن جد فجد الجد، وإن علا، لأن عمود الأجداد وإن علا مثل عمود الأولاد، وإن سفل، وليس كذلك الأخ وابن الأخ لأن ابن الأخ لا يرث مع الجد، وعندنا أنه يرث ابن الأخ وإن نزل مع الجد، وجد الجد مع الجد كالابن وابن الابن وإن سفل في ساير الأشياء إلا في شئ واحد، وهو أن جد الجد يسقط ما هو أبعد منه، ولا يسقط من هو في درجته أو يكون أقرب منه وليس كذلك ابن الابن، وعندنا أنهما سواء فإن الأقرب في الطرفين يسقط الأبعد.

[ 110 ]

هذا إذا لم يكن معه ذو فرض، فإن كان معه ذو فرض مثل زوج وأخ وجد فههنا للجد ثلثة أحوال: المقاسمة، أو ثلث ما بقي، أو سدس جميع المال، فأيها كان خيرا له عمل به، وعندنا ليس له إلا المقاسمة. بنت وأخت وجد المال للبنت عندنا بالفرض والرد وفيها خلاف. زوج وأم وأخت وجد للزوج النصف، والباقي للأم بالفرض والرد وفيها خلاف بين الصحابة وهي الأكدرية (1). زوج وأم وجد وأخ للزوج النصف والباقي للأم بالفرض والرد، وعندهم على حسب اختلافهم في الجد، للزوج النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس وسقط الأخ لأن الأخ عصبة والمسألة لا تعول بعصبة. زوج وأم وبنت وأخت وجد للزوج الربع، وللبنت النصف، وللأم السدس، والباقي رد على البنت والأم، وعندهم للجد السدس وتسقط الأخت لأن الأخ مع البنت عصبة، والعصبة تسقط في العول. زوج وأم واختان وجد للزوج النصف، والباقي للأم بالفرض والرد وعندهم للزوج النصف، وللأم السدس، والباقي بين الجد والأختين للذكر مثل حظ الأنثيين إن شاء قاسم وإن شاء أخذ السدس. أخ لأب وأم وأخوات لأب وجد: المال هيهنا للجد أيضا بالمقاسمة بين الأخ للأب والأم وبينه، وتسقط اللواتي من جهة الأب وفيها خلاف. أخوان لأب وأم وأم وأخ لأب وجد مثل ذلك وعندهم الثلث له خير من المقاسمة.

(1) روى سفيان قال: قلت للأعمش لم سميت هذه المسئلة الأكدرية قال: سأل عبد الملك ابن مروان رجلا من الفرضيين يقال له أكدر، فأجاب على مذهب زيد بن ثابت، وقيل: إن امرأة ماتت وخلفت هؤلاء الذين ذكرناهم، وكانت اسمها أكدرة فسميت المسئلة أكدرية. وقيل: إنها سميت أكدرية لأنها كدرت المذهب على زيد بن ثابت لأنه ناقض أصله في هذه المسئلة في موضعين: أحدهما أنه فرض للأخت مع الجد والأخت مع الجد لا يفرض لها، وأعال المسئلة مع الجد والجد عصبة، ومن مذهبه أن لا يعال بعصبة.

[ 111 ]

أخ لأب وأم وأخت لأب وجد المقاسمة بين الأخ للأب والأم والجد وتسقط الأخت. أخ لأب وأم وأختان لأب وجد المقاسمة مثل ما ذكرناه بين الأخ للأب والأم والجد لا غير. أخت لأب وأم وأخت لأب وجد المقاسمة بين الجد والأخت للأب والأم فحسب للذكر مثل حظ الأنثيين، وعندهم يكون له النصف وللأخت من الأب والأم النصف. أخت لأب وأم وأختان لأب وجد للجد سهمان من ثلاثة وسهم للأخت وتسقط الأختان للأب، عندهم للجد سهمان من خمسة، وللأخت للأب والأم سهمان ونصف سهم، لا يصح على اثنين يضرب في خمسة تصير عشرة يصير للجد خمسان أربعة، وللأخت للأب والأم النصف خمسة أسهم، يبقى سهم لا يصح على اثنين تضرب في عشرة يكون عشرين للجد ثمانية وللأخت للأم والأب عشرة، ويبقى سهمان لكل واحد سهم. أخت للأب والأم وثلاث أخوات للأب وجد عندنا مثل الأول سواء، وعندهم المقاسمة والثلث للجد شئ واحد، فإن كن أربع أخوات فالثلث خير له من المقاسمة. أخت لأب وأم وأخ لأب وجد للجد سهمان من ثلاثة وللأخت للأب والأم سهم ويسقط الأخ من الأب وفيها خلاف بين الصحابة ذكرناه في الخلاف (1).

(1) اختلف الناس فيها فذهب أبو بكر ومن تابعه إلى أن المال للجد ويسقطان معا، وبه قال أبو حنيفة، بناء على أصله في أن الإخوة لا يقاسمون الجد، وذهب عمر وعبد الله ابن مسعود إلى أن المال بين الأخ للأب والأم وبين الجد نصفان كما قلنا، ويسقط الأخ للأب. وذهب زيد بن ثابت إلى أن المال بينهم أثلاثا: للجد الثلث، ثم يعاد الثلث الذي للأخ للأب إلى الأخ للأب والأم، فيأخذ الأخ للأب والأم الثلثين.

[ 112 ]

(فصل) * (في حكم المرتد) * المرتد إذا ارتد وقتل أو مات فماله لمن تقرب إليه من المسلمين كان قريبا أو بعيدا فإن لم يكن له أحد من المسلمين كان للإمام، ولا يرثه كافر على حال وفيه خلاف، وعند بعضهم أنه لبيت المال فيئا. وجملته أن كل مال يؤخذ من المشركين فعلى ثلاثة أضرب أحدها يؤخذ بالقهر والغلبة، والثاني يؤخذ فزعا والثالث يؤخذ من غير فزع. فما يؤخذ بالقهر والغلبة والقتال، يكون خمسة لأهل الخمس، والباقي للغانمين وما يؤخذ فزعا مثل أن يظهر الإمام ببلاد الشرك فينهزمون منه ويتركون ديارهم وأموالهم فإن ذلك يكون فيئا للإمام خاصة، وعندهم يكون خمسه لأهله والباقي كان للنبي صلى الله عليه وآله، واليوم فيهم من قال يدفع إلى المقاتلة وفيهم من قال ينتقل إلى بيت المال لمصالح المسلمين. الثالث ما يؤخذ من غير خوف مثل الجزية والعشر في أموالهم التي يتجرون به في دار الاسلام، والذي يؤخذ من المصالح منهم. وإن مات أحد من أهل الشرك في دار الحرب وخلف مالا ولم يكن له وارث فإنه يكون جميع ذلك فيئا عندنا للإمام خاصة وعندهم لمن تقدم ذكره، وروى أصحابنا في الجزية والصلح أنه للمجاهدين. - 7 -

[ 113 ]

مسألة المشتركة (1) زوج وأم وأخوان لأب وأم وأخوان لأم، عندنا للزوج النصف والباقي للأم: الثلث بالتسمية والباقي بالرد. وفي أصحابنا من قال لها السدس بالتسمية والباقي بالرد وفيه خلاف: عند بعضهم: للزوج النصف وللأم السدس، وللإخوة من الأم الثلث ويشاركونهم الإخوة من الأب والأم. (فصل) * (في ميراث ولد الملاعنة) * ولد الملاعنة لا نسب بينه وبين والده، ونسبه ثابت مع أمه بلا خلاف، فإن ماتت الأم فالمال للابن، وإن مات هذا الابن فللأم الثلث بالفرض، الباقي رد عليها وقال المخالف الباقي لمولى الأم فإن لم يكن لها مولى فلبيت المال. ولا يرث عندنا مع الأم إخوة وأخوات من جهتها، وعندهم إن خلف أما وأخوين منها فللأم السدس، ولهما الثلث، والباقي لبيت المال إن لم يكن لها مولى وإن كان أخا واحدا كان له السدس والباقي على ما قلناه وقد قلنا إن عندنا المال كله للأم. ولد الملاعنة توأمان فإنه يرث أحدهما الآخر بالأمومة دون الأبوة، وفيهم من قال يرث بالأبوة والأمومة معا. ولد الزنا لا يرث ولا يورث عندنا وماله للإمام إن لم يكن له وارث من ولد أو ولد ولد ولا زوج ولا زوجة ولا مولى، وفي أصحابنا من قال ميراثه مثل ميراث ولد الملاعنة، وبه قال جميع من خالفنا. وعلى ما قلناه إذا كانا توأمين لا يرث أحدهما صاحبه لأن نسبهم الشرعي ليس بثابت وعندهم على ما قلناه في ولد الملاعن سواء.

(1) حكم فيها عمر فجعل الثلث للأخوين لأم، ولم يجعل للإخوة للأب والأم شيئا، فقالوا له: يا أمير المؤمنين! هب أن أبانا كان حمارا فأشركنا بقرابة أمنا، فأشرك بينهم، فسميت مشركة ومشتركة وحمارية. وهذه المسئلة كان ينبغي أن تلحق بالفصل السابق.

[ 114 ]

ميراث الخنثى إذا كان له ما للرجال وله ما للنساء اعتبرنا بالمبال، فمن أيهما سبق ورث عليه، فإن تساويا فمن أيهما انقطع ورث عليه، وإن تساويا ورث نصف ميراث الرجال ونصف ميراث النساء وقد روي أنه تعد أضلاعه فإن نقص أحد الجانبين على الآخر كان ذكرا وإن تساويا كانت أنثى (1) والأول أحوط. وإن لم يكن له ما للرجال ولا ما للنساء استعمل القرعة فما خرج ورث عليه ومن المخالفين من قال يعطى نصف ميراث الذكر ويوقف الباقي حتى يتبين أمره فإن بان ذكرا أعطي الباقي وإن بان أنثى أعطي عصبته، وعندنا إن كان واحدا أعطي المال كله، لأن له ذلك سواء ذكرا كان أو أنثى وحكم ما زاد على الواحد حكم الواحد في الخناثى. وإذا اجتمع خنثى مع ولد بيقين كان الحكم أيضا مثل ذلك عندنا. وعند قوم إن كانتا اثنتين أعطيا ميراث البنتين، لأنه المقطوع به والباقي يوقف على ما مضى. فإن خلف ثلاث خناثى كان عندنا أيضا المال بينهم بالسوية. وعند قوم يجوز أن يكونوا ذكورا، ويجوز أن يكونوا إناثا، ويجوز أن يكون بنتان وابن، ويجوز أن يكون ابنان وبنت فإن سهامهم خمسة يدفع إلى كل واحد منهم الخمس، يبقى خمسان يكون موقوفا. فإن كانوا أربع خناثى عندنا الأمر على ما قلناه، وعندهم يدفع إلى كل واحد منهم السبع، فإن كانوا خمسة يدفع إلى كل واحد منهم التسع، والباقي يكون موقوفا، وعلى هذا المنهاج يجعل واحدة أنثى والباقي ذكرانا. فإذا استقر ما قلناه على مذهبنا، فإن خلف خنثى فالمال كله له، وإن كان اثنين فصاعدا فالمال بينهم بالسوية: إن كان ابنا أو ابنين فالمال بينهم بالسوية

(1) راجع التهذيب ج 2 ص 433، الفقيه ج 4 ص 238. ولكن المشهور عند علماء التشريح خلاف ذلك.

[ 115 ]

بلا خلاف وإن كانت بنتا أو بنات فلها النصف ولهن الثلثان، والباقي رد عليها أو عليهن بالسوية، وإن كان بعضهم ذكورا وبعضهم إناثا فإنهم أيضا يشتركون في أن لكل واحد نصف ما للذكر ونصف ما للأنثى، فقد تساووا على كل حال. وإن كان مع الخنثى ولد بيقين فالذي يعول عليه في هذا الباب ويجعل أصلا فيه أن نفرض الخنثى بنتا ونصف بنت مع الباقين من الورثة، وقيل أيضا أن يقسم الفريضة دفعتين، يفرض الخنثى في إحداهما ذكرا وفي الأخرى أنثى، فما يصيبه في الدفعتين أعطي نصفه من الفريضة. مثال ذلك إذا خلف ابنا بيقين وخنثى فينبغي أن يطلب ما لا يمكن قسمته مع فرض الذكر ومع فرض الأنثى من غير كسر، وأقل ما يمكن ذلك فيه في هذه المسئلة ستة فإن فرضت الخنثى ذكرا كان المال بينهما نصفين، لكل واحد ثلاثة وإن فرضته بنتا كان له سهمان من ستة إذا أضفت السهمين إلى الثلاثة صارت خمسة فيعطى الخنثى نصفها سهمان ونصف من ستة، وثلاثة ونصف للابن بيقين، فإن أردت أن لا ينكسر فاجعلها من اثني عشر فيعطى الابن سبعة، وللخنثى خمسة وإن فرضت بنتا بيقين وخنثى خرجت أيضا من اثني عشر، فإن كان ذكرا كان له ثمانية وللبنت أربعة، وإن كان بنتا كان لها ستة لأن المال بينهما نصفين بالفرض والرد عندنا فنضيف الستة إلى الثمانية فيصير أربعة عشر، فيعطى الخنثى نصفها سبعة وللبنت بيقين خمسة. فإن كان ابن وبنت وخنثى فأقل ما يخرج منه سهامهم عشرون، فإن فرضته ذكرا كان له ثمانية وإن فرضته أنثى كان له خمسة تصير ثلثة عشر، تعطيه نصفه ستة ونصف من عشرين، فإن أردته بلا كسر جعلته من أربعين فيعطى الخنثى ثلاثة عشر، وتبقي سبعة وعشرين: للابن ثمانية عشر وللبنت تسعة، ثم على هذا المنهاج بالغا ما بلغوا. فإن كان معهم زوج أو زوجة أخرجت سهمه والباقي قسمته على ما قلنا، مثال ذلك: خلفت زوجا وابنا وبنتا وخنثى فللزوج الربع واحد من أربعة تبقى ثلثة

[ 116 ]

تنكسر عليهم، وقد بينا أن سهامهم يخرج من أربعين فيضرب أربعة في أربعين يكون مائة وستين للزوج الربع أربعين والباقي على ما قلناه فكل من أعطيته هناك سهما جعلته هيهنا ثلاثة فإن كان بدل الزوج زوجة فلها الثمن ضربت الثمانية التي يخرج منها الثمن في أربعين يكون ثلاثمائة وعشرين يخرج الثمن أربعين ويقسم على ما قلناه فمن أعطيته هناك سهما أعطيت هيهنا سبعة أسهم وعلى هذا بالغا ما بلغوا. فإن خلفت مع الخنثى أبوين فإن فرضته ذكرا كان لهما السدسان، والباقي للذكر وإن فرضته أنثى كان الباقي رد عليهم فأقل ما يخرج من ثلاثين فإن فرضت الخنثى ذكرا كان له عشرون بعد السدس وإن فرضته أنثى كانت مقسومة على خمسة، يكون لها ثمانية عشر، فإذا أضفت العشرين إلى ثمانية عشر كانت ثمانية وثلاثين يكون نصفها للخنثى تسعة عشر من ثلاثين وأحد عشر للأبوين، فإن أردت أن لا ينكسر عليهما فاجعلها من ستين وأضعف سهامهم. فإن كان مع الخنثى أحد الأبوين فإنها يخرج من أربعة وعشرين، فإن فرضت الخنثى ذكرا كان له عشرون، وإن فرضته أنثى كان لها ثمانية عشر، فيصير ثمانية وثلاثين تأخذ نصفها تسعة عشر، فيعطى الخنثى ذلك من أربعة وعشرين وخمسة لأحد الأبوين. فإن فرضت خنثيين فصاعدا مع الأبوين كان للأبوين السدسان والباقي للخناثى ولا رد ههنا، وإن فرضت خنثيين فصاعدا مع أحد الأبوين كانت خارجة من ستين: لأحد الأبوين أحد عشر سهما والباقي للخناثى لأنك إن فرضتهم ذكورا كان لهم خمسون، وإن فرضتهم أناثى كان لهم ثمانية وأربعون، الجميع ثمانية وتسعون سهما نصفها تسعة وأربعون سهما فإن انكسر على الخناثى ضربت عدد الخناثى في أصل الفريضة وقد صحت لك المسئلة. ومتى حصل في الفريضة زوج أو زوجة وأبوان أو أحدهما مع خنثى أو خناثى أو ابن وخنثى أو بنت وخنثى أو ما زاد عليهم أخرجت سهم الزوج والزوجة وسهم الأبوين أو أحدهما على الكمال، والباقي قسمت بين الأولاد على ما بيناه وكذلك

[ 117 ]

إذا كان في الفريضة زوج أو زوجة ومعهم إخوة وأخوات فيهم خناثى من قبل أب وأم أو من قبل أب أخرجت سهام الزوج أو الزوجة وقسمت الباقي بين الإخوة والأخوات والخناثى على ما بيناه في الأولاد سواء. فإن كان الإخوة والأخوات من قبل الأم كان الباقي بينهم بالسوية لأن الذكور والإناث في ذلك سواء. وحكم الجد والجدة والعمة والعمات وأولادهم إذا اجتمعوا مع الزوج والزوجة وفيهم الخناثى كان الحكم مثل ذلك سواء، وإن كانوا من قبل الأم كان المال بينهم بالسوية على ما بيناه. ومتى كان مع الأبوين إخوة وأخوات خناثى فإنه لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس إلا بأربعة لأنه اليقين، لجواز أن يكونوا كلهم إناثا ولا يتقدر في الخنثى أن يكون أبا وأما لأنه متى كان أبا كان ذكرا بيقين ومتى كان أما كانت أنثى بيقين ويتقدر أن يكون زوجا أو زوجة، على ما روي في بعض الأخبار، فإن كان زوجا كان له نصف ميراث الزوج، ونصف ميراث الزوجة والطريق على ما قلناه. ومسائل الخناثى لا تنحصر، وبتركيبها يطول الكتاب، والطريقة ما قدمناه في استخراج المسائل. * * * ومتى ولد مولود له رأسان على حقو واحد وبدنان تركا حتى يناما ثم ينبهان فإن انتبها معا كان شخصا واحدا، وإن انتبه أحدهما دون الآخر فهما شخصان على ما ورد به الأخبار.

[ 118 ]

(فصل) * (في ميراث الغرقى والمهدوم عليهم) * إذا غرق جماعة في وقت واحد أو انهدم عليهم حائط وكانوا يتوارثون، فإن علم تقدم موت أحدهما ورث الآخر منهم، وإن لم يعلم من تقدم موته وأشكل الأمر ورث بعضهم من بعض من نفس التركة، لا مما يرثه من الآخر، لأنا إن ورثناه مما يرثه منه لما انفصلت القسمة أبدا. وقد روى أصحابنا أنه يقدم أضعفها في الاستحقاق، ويؤخر الأقوى، مثل زوجة وزوج فإنه يفرض المسئلة أولا كأن الزوج مات ويورث منه الزوجة لأن سهمها أقل من سهم الزوج، ثم يورث بعد ذلك الزوج، وهذا مما لا يتغير به حكم سواء قدمنا موت الزوج أو الزوجة إذا ورثنا أحدهما من صاحبه غير أنا نتبع الأثر في ذلك. ومثل أب وابن فإنه يفرض أولا موت الابن ثم موت الأب، لأن سهمه أقل ومتى ورثنا أحدهما من صاحبه قدر ما يستحقه فما بقي يكون للورثة الأحياء، فإن فرضنا أن للأب وارثا آخر غير أن هذا الولد أولى منه، وفرضنا أن للولد وارثا غير أن أباه أولى منه، فإنه يصير ميراث الابن لورثة الأب، وميراث الأب لورثة الابن لأنا إذا فرضنا موت الابن أولا صارت تركته للأب، وإذا فرضنا موت الأب بعد ذلك صارت تركته خاصة للولد، وصار ما كان ورثه من ابنه لورثته الآخر وكذلك إذا فرضنا موت الأب صارت تركته خاصة لورثة الابن، وعلى هذا يجري أصل هذا الباب. وإن خلف أحدهما شيئا ولم يخلف الآخر، فإنه ينتقل ميراث من له مال إلى الذي ليس له شئ، ومنه ينتقل إلى ورثته، ولا ينتقل إلى ورثة الذي خلف المال شئ على حال.

[ 119 ]

وعلى هذا متى كان أخوان معتقان، فماتا وورث كل واحد منهما صاحبه ولأحدهما مال والآخر لا مال له، فإنه ينتقل تركة الذي له مال إلى مولى الذي لا مال له، لما قلناه، ولا ترجيح في هذه المسئلة لتقديم أحدهما على صاحبه، لأن ميراث كل واحد منهما من صاحبه على حد الآخر، وإن كان ليس لأحدهما وارث غير صاحبه فميراثهما للإمام، لأن ما ينتقل إلى كل واحد منهما من صاحبه لا وارث له فيصير للإمام على ما قدمناه. فإن كان أحدهما له وارث من ذي رحم أو مولى نعمة أو مولى ضامن جريرة أو زوج أو زوجة فإن ميراث الذي له وارث لمن ليس له وارث، وينتقل منه إلى الإمام ومال من ليس له وارث لمن له وارث فينتقل منه إلى ورثته، وعلى هذا المثال تجري مسائل هذا الباب. وإن كان أحدهما يرث صاحبه والآخر لا يرثه، فإنه لا يورث بعضهم من بعض ويكون ميراث كل واحد منهما لورثته، مثل أن يغرق أخوان ولأحدهما أولاد والآخر لا ولد له، فإنه لا توارث بينهما، لأن مع وجود الولد لا يرث الأخ فعلى هذا يسقط هذا الاعتبار، وينتقل تركة كل واحد منهما إلى ورثته الأحياء، ومتى ماتا حتف أنفهما لم يورث بعضهما من بعض، بل يكون ميراثهما لورثتهما الأحياء لأن ذلك إنما يجوز في الموضع الذي يشتبه الحال فيه، فيجوز تقديم موت أحدهما على صاحبه.

[ 120 ]

(فصل) * (في ميراث المجوس) * لأصحابنا في ميراث المجوس ثلاثة مذاهب: فيهم من قال لا يورثون إلا بالأنساب والأسباب الصحيحة التي تجوز في شريعة الاسلام، وفيهم من قال يورثون بالأنساب على كل حال، ولا يورثون بسبب لا يجوز في شرع الاسلام، وقال آخرون يورثون بكلا الأمرين الأنساب والأسباب سواء كانا جائزين في الشرع أو لم يكونا جائزين، وهو الذي اخترته في ساير كتبي: في النهاية، والخلاف، والايجاز، وتهذيب الأحكام وغير ذلك لأنه الأظهر في الروايات. فعلى هذا إذا خلف مجوسي أمه هي أخته فإنها ترث بالأمومة دون الأخوة لأن الأخت لا ترث مع الأم عندنا، فإن كانت زوجة ورثت بالأمومة والزوجية ولا خلاف بين الفقهاء أن السب الفاسد لا يورث به، وإنما الخلاف بينهم في الأسباب الفاسدة والصحيحة، وقد قلنا إن الصحيح أن الميراث يثبت بينهم بالزوجية على كل حال، وروي ذلك عن علي عليه السلام وذكر ابن اللبان في الموجز ذلك عنه. وإذا خلف أما هي أخت لأب، ورثت بالأمومة، وإذا خلف بنتا هي بنت بنت ورثت بأنها بنت بلا خلاف (1). والأصل في هذا الباب أن المجوسي يورث بجميع قراباته ما لم يسقط بعضها بعضا. مجوسي تزوج بنته ثم مات فلها النصف بالبنوة ولها الثمن بالزوجية والباقي رد عليها بالبنوة. المسئلة بحالها فاستولدها وجاءت ببنت ثم مات المجوسي: وخلف بنتا هي زوجته

(1) وصورتها أنه تزوج بنتها فأولدت بنتا هي بنت بنت وبنت.

[ 121 ]

وبنت بنته، فلهما الثلثان عند المخالف، لأنهما بنتاه، وهذا صحيح أيضا عندنا وللبنت التي هي زوجته الثمن، والباقي رد عليهما بالبنوة. المسئلة بحالها ماتت السفلى: وخلفت أما هي أخت لأب، للأم الثلث بلا خلاف والباقي رد عليها بالأمومة عندنا، وعندهم الباقي للعصبة. ماتت العليا وخلفت بنتا هي أخت لأب، عندنا الكل للبنت بالفرض والرد، وعندهم لها النصف لأنها بنت والنصف الآخر لأنها أخت، ومنهم من قال للعصبة الباقي. مجوسي تزوج بنتا له فأولدها فجاءت بولدين: ذكرا وأنثى ثم مات فقد خلف بنتا هي زوجته، وبنت بنت وابن بنت هما لصلبه، فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين بلا خلاف، إلا ما قلنا من إخراج الثمن بحق الزوجية للبنت الواحدة. ماتت الكبرى التي هي أم وخلفت بنتا هي أخت لأب، وابنا هو أخ لأب فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين بلا خلاف بالبنوة. مات الابن ولم تمت الكبرى التي هي أمه، وخلف أما هي أخت لأب وأختا لأب وأم: للأم الثلث بلا خلاف والباقي رد عليها عندنا، وعند بعضهم للأخت للأب والأم النصف، والباقي للعصبة، وفيهم من قال للأخت للأب والأم النصف، وللأم السدس ولها سدس آخر لأنها أخت لأب، فتصور هيهنا أختين هي وأختها، فكأنها تحجب نفسها بنفسها، لأجل هذا حصل لها بالأمومة السدس لأن هيهنا حصل أختان والأم تحجب بأختين. ماتت السفلى وهي بنت البنت وخلفت أما هي أخت لأبيها وأخا لأب وأم: للأم الثلث والباقي رد عليها، وعند بعضهم الباقي للأخ وعند آخرين للأم السدس والباقي للأخ فحجبها أيضا بنفسها. مجوسي تزوج بأمه ثم ماتت: للأم الثلث بالأمومة، والربع بالزوجية، والباقي رد عليها بالأمومة. أولدها بنتا ومات المجوسي: خلف أما وبنتا هي أخت لأمه، للأم السدس

[ 122 ]

بالفرض، والنصف للبنت، وعندنا تعطى الأم الثمن بالزوجية والباقي يرد عليها بالأمومة والبنوة ولا شئ للأخت بسبب الأخوة وعند بعضهم الباقي للعصبة وعند آخرين يرد عليها بالأخوة. فإن ماتت البنت وخلفت أمها فهي أمه وهي جدته أم أب فلها الثلث بالأمومة والباقي يرد عليها ولا شئ للجدة إجماعا لأنها أم أب لا ترث مع الأب. مجوسي تزوج بأمه واستولدها بنتين ثم تزوج بإحدى البنتين واستولدها بنتا وابنا ومات المجوسي: خلف هيهنا أما هي زوجته، وخلف بنتين هما أختان من أم إحداهما زوجته، وخلف بنتا وابنا هما ولداه وهما ولدا بنته، وهما ولدا أخته من أمه: للأم السدس بالأمومة بلا خلاف، ولها الثمن بالزوجية، ولا يثبت ذلك عندهم والباقي للبنات والابن بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. فخرج المسئلة من أربعين: الثمن خمسة، وللابن أربعة عشر، ولكل واحدة من البنات سبعة، ولا ترث البنات بكونهما أختين للأم، لأن ولد الأم لا يرث مع الولد إجماعا، ولا يرثان بكونهما ولدي أخت، ولا بكونهما ولدي بنت لمثل ذلك. المسئلة بحالها ماتت الأم وخلفت أربعة: بنتين وهما بنتا ابن وخلفت ولدي ابنها وهما ولدا بنتها: للبنتين الثلثان إجماعا لكونهما بنتين، ولا يرثان بكونهما بنتي ابن لأنهما يرثان بقرابة واحدة، لا من قرابتين، والباقي يرد عندنا على البنتين. وعندهم الباقي بين بنت الابن وابن الابن للذكر مثل حظ الأنثيين، وفيهم من قال الباقي بينهما لأن ابن الابن يعصب أختا لأب وأم ولا تعصب أختا لأب، وقال غيره هذا غلط لأن ابن الابن يعصب أختا لأب كما يعصب أختا لأب وأم. المسئلة بحالها مات الابن والأم بحالها ولم تمت فخلف أما وجدة وأختا لأب وأم وأم التي هي في درجته، وخلف أختا لأب وهي خالته: للأم السدس، ويسقط ههنا الأم بسبب الجدة وترث بكونها أمه ولا ترث بكونها أختا لأبيه، وللأخت للأب والأم النصف وللأخت للأب التي هي خالته السدس، تكملة الثلثين، والباقي للعصبة. وعندنا أن المال كله للأم بالفرض والرد، وسقط الباقون.

[ 123 ]

المسئلة بحالها لم تمت الابن وماتت أخته وخلفت أما وجدة: أما هي أخت من أبيها وخلف أخا لأب وأم وخلفت أختا لأب: للأم السدس، وسقط الجدة، والباقي للأخ للأب والأم فتسقط الأخت للأب بالأخ للأب والأم وعندنا أنها مثل الأولى سواء. المسئلة بحالها ماتت إحدى البنتين الأولتين نظرت، فإن ماتت التي هي أمهما فإنها ماتت وخلفت أما وأختا لأب وأم، وهي التي في درجتها، وخلفت ولدين وهما إخوتها لأبيها: للأم السدس، والباقي لولديها، وتسقط الأخت للأب بالابن فتصح المسئلة من ثمانية عشر. لم يكن هكذا، لكن ماتت التي هي لم تكن أم الولدين، وخلفت أمها وأختا لأب وأم وهو التي في درجتها وهي أم الولدين وخلفت أخوين من أبيها وهما ولدا أخت لأب وأم: للأم السدس والباقي رد عليها عندنا وعندهم للأخت للأب والأم النصف والباقي للأخوين من أبيها للذكر مثل حظ الأنثيين.

[ 124 ]

(فصل) * (في ميراث الحمل والأسير والمفقود والحميل) * وغير ذلك رجل مات وخلف امرأة حبلى فإن الحمل يرث بلا خلاف، فإن خرج واستهل فإنه يرث بلا خلاف وإن خرج وفيه حياة مستقرة ولم يستهل فإنه يرث أيضا ويصلى عليه استحبابا. ويعلم أن فيه حياة مستقرة بأن يعطس أو يمص اللبن أو يبقى يومين وثلثة وقال قوم إذا لم يستهل فإنه لا يرث، ويعتبر الحياة حين يسقط وإن لم يكن فيه حياة حال موت أبيه ألا ترى أن الرجل لو وطئ امرأة ثم مات وجاءت بعد ذلك بولد لستة أشهر فصاعدا ألحقناه به في النسب، والميراث تابع للنسب، وإن كنا نتحقق أن حال موت أبيه ما كان مخلوقا فيه الحياة. ومتى خرج ميتا فإنه لا يرث لما روي عنه عليه السلام أنه قال السقط لا يرث ولا يورث، وكذلك إن خرج وهو يتحرك ويختلج حركة الموتى فإنه لا يرث لأنه يتحرك كما يتحرك المذبوح، وكذلك إن خرج نصفه حيا ثم خرج الباقي ميتا فإنه لا يرث، لأن الاعتبار بالحياة حال الخروج، وهذا ما كان فيه حياة حال الخروج. وإذا ثبت هذا نظرت: فإن لم يكن وارث غير هذا الحمل فإنه يوقف ويحبس ماله، فإن خرج حيا دفع إليه ذكرا كان أو أنثى عندنا، وفيه خلاف، فأما إن كان له وارث نظرت فإن كان ممن له فرض مقدر مثل الزوج والزوجة والأبوين فإنه يدفع فرض هؤلاء أقل ما يستحقون إما السدس أو الربع للزوج والثمن للزوجة، ويوقف الباقي، ولا يشترط كونه معولا لأن العول باطل على ما بيناه. فإن كان للميت ابن حاضر فعند قوم لا يدفع إليه شئ أصلا، وعند آخرين يدفع إليه الخمس لأن أكثر ما تلده المرأة أربعة فيكون مع هذا خمسا. وقال محمد بن الحسن: يدفع إلى هذا الابن ثلث المال، لأن أكثر ما جرت به

[ 125 ]

العادة أن تلد المرأة توأمين فيكون ثلثة، وهذا الذي يقوى في نفسي. وقال أبو يوسف يدفع إليه النصف لأن العادة جرت أن تلد المرأة ذكرا وأنثى. ومن ضرب امرأة فألقت جنينا فعندنا إن كان تاما قد شق له السمع والبصر لزمته ديته مائة دينار، وإن لم يشق له سمع لزمه غرة عبد أو أمة، وعند المخالف غرة ولم يفصلوا، وتكون هذه الدية موروثة لسائر الوراث المناسبين وغير المناسبين لهذا السقط بلا خلاف إلا ربيعة، فإنه قال: هذا العبد لأمه وحكى عن بعض الصحابة أنه يكون لعصبته: ويقضى الديون والوصايا من الدية بلا خلاف، إلا أبا ثور فإنه قال لا تقضى منه الدين ولا الوصية. والحميل من حلب من بلاد الشرك فيتعارف منهم نفسان بنسب يوجب الموارثة بينهما قبل قولهم بلا بينة وورثوا عليه. إلا أن يكونوا معروفين بغير ذلك النسب أو قامت البينة بخلافه فيبطل حكم الاقرار. والأسير في بلاد الشرك إذا لم يعلم موته فإنه يورث، ويوقف نصيبه إلى أن يجيئ أو يصح موته فإن لم يعلم موته ولا حياته، فهو بمنزلة المفقود. والمفقود لا يقسم ماله حتى يعلم موته أو يمضي مدة لا يعيش مثله إليها، فإن مات في هذه المدة من يرثه هذا المفقود، فإنه يوقف نصيبه منه، حتى يعلم حاله وسلم الباقي إلى الباقين، وإن سلم نصيب المفقود وميراث الحمل أيضا إلى الورثة الحاضرين وأخذ منهم كفلا بذلك كان جايزا. والمريض إذا طلق امرأته ومات من مرضه ذلك ورثته المرأة ما بينه وما بين سنة ما لم تتزوج سواء كان الطلاق رجعيا أو باينا فإن زاد على سنة أو تزوجت فلا ميراث لها، وهو يرثها ما دامت في العدة إذا كان الطلاق رجعيا. إذا تزوج المريض فإن دخل بها صح العقد وتوارثا، وإن لم يدخل بها ومات كان العقد باطلا. والصبيان إذا زوجهما أبواهما، ثم مات واحد منهما قبل البلوغ ورثه الآخر

[ 126 ]

فإن كان العاقد عليهما غير الأبوين فلا توارث بينهما حتى يبلغا ويرضيا فإن ماتت الصبية قبل البلوغ وكان الصبي قد بلغ ورضي بالعقد، لم يرثها لأن لها الخيار إذا بلغت وإن بلغت الصبية ورضيت بالعقد ولم يبلغ الصبي فإنها لا ترثه لأن له الخيار إذا بلغ. فإن بلغ الصبي ورضي بالعقد ولم تبلغ الصبية ومات الصبي عزل ميراث الصبية فإذا بلغت ورضيت بالعقد حلفت بالله أنه ما دعاها إلى الرضا بالعقد الطمع في المال، فإذا حلفت يسلم إليها حقها منه، وكذلك القول في الصبي سواء. * * * والمرأة لا ترث من زوجها من الأرضين والقرى والرباع من الدور والمنازل بل يقوم الطوب والخشب وغير ذلك من الآلات، وتعطى حصتها منه ولا تعطى من نفس الأرض شيئا. وقال بعض أصحابنا إن هذا مخصوص بالدور والمنازل دون الأرضين والبساتين والأول أظهر. هذا إذا لم يكن لها منه ولد، فأما إذا كان لها ولد، فإنها يعطى حقها من جميع ذلك. * * * وقال أصحابنا: إن الابن الأكبر يخص بسيفه ومصحفه وخاتمه وثياب جلده فإن كانوا جماعة في سن واحد اشتركوا فيه، وإن كان لم يخلف غير ذلك يسقط هذا الحكم، وفي أصحابنا من قال إن ذلك يقوم عليهم دون أن يعطوا بلا تقويم.

[ 127 ]

(فصل) * (في المعايات 1) * إذا قالت امرأة: إن ولدت ذكرا يرث، وإن ولدت أنثى لم ترث، وإن ولدت ذكرا وأنثى فالذكر يرث دون الأنثى. صورتها رجل مات وخلف امرأة أخيه حبلى وخلف ورثة أخر ابن أخ أو ابن عم فإنها إن ولدت ذكرا فإنه يكون ابن الأخ وابن الأخ يرث مع ابن الأخ، و هكذا ابن العم يرث مع ابن العم، وإن أتت بأنثى لا ترث فإن بنت الأخ لا ترث مع ابن الأخ. مسئلة أخرى: قوم كانوا يقسمون الميراث، قالت امرأة لا تقتسموا لأني حاملة فإن ولدت أنثى فإنها ترث، وإن ولدت ذكرا فإنه لا يرث، وإن ولدت ذكرا وأنثى فلا يرثان: صورة المسئلة امرأة ماتت وخلفت زوجا وبنتا وأبوين وامرأة ابنها حامل المسئلة من اثني عشر: للزوج الربع ثلاثة، وللبنت النصف ستة، وللأبوين السدسان أربعة، يكون ثلاثة عشر: عالت الفريضة بواحدة فإن أتت امرأة ابنها ببنت فإنها ترث وتعول المسئلة إلى خمسة عشر، وإن أتت بابن لا يرث لأنه ابن ابن والمسألة لا تعول بالعصبة، وهكذا إن أتت بذكر وأنثى فمثل ذلك. وهذه المسائل لا تصح على مذهبنا لأن ولد الأخ يرث ذكرا كان أو أنثى وهو أولى من العم وابن العم ولا يرث مع البنت للصلب ولد الولد بحال، سواء كان ولد ابن أو ولد بنت.

(1) المعاياة أن تأتي بمسألة لا يهتدى لوجهها، وفي الأساس: " إياي ومسائل المعاياة! فإنها صعبة المعاناة ".

[ 128 ]

* * * عشرة من الرجال يرثون بالاجماع: الابن، وابن الابن وإن نزل، والأب والجد وإن علا والأخ وابن الأخ والعم وابن العم والزوج ومولى النعمة. سبع من النساء يرثن بالاجماع: البنت، وبنت الابن، والأم والجده والأخت والزوجة ومولاة النعمة. ستة لا يرثون بالاجماع: العبد والمدبر وأم الولد وقاتل العمد، والمرتد والكافر. ستة عشر اختلفوا في توريثهم، أولاد البنات، وأولاد الأخوات، وأولاد الإخوة من الأم، وبنات الإخوة من الأب، والعمة وأولادها، والخالة وأولادها، والخال وأولاده، والعم أخو الأب من أمه، وأولاده، وبنات العم وأولادهن، والجد أبو الأم، والجدة أم أبي الأم. فعندنا أن هؤلاء كلهم يرثون، وإنما يقدم الأقرب فالأقرب وفيه خلاف.

[ 129 ]

(فصل) * (في ذكر جمل يعرف بها سهام الفرايض) * قد ذكرنا أن السهام المسمات ستة: النصف، والربع، والثمن والثلثان، والثلث والسدس، فمخرج النصف من اثنين ومخرج الربع من أربعة، ومخرج الثمن من ثمانية ومخرج الثلثين والثلث من ثلاثة، ومخرج السدس من ستة. فإن كان في المال نصف ونصف فاجعله من اثنين، وإن كان مع النصف ثلثة أو سدس فاجعلها من ستة، فإن كان معه ثمن أو ربع فاجعلها من ثمانية وإن اجتمع ثلثان وثلث فاجعله من ثلاثة وإذ اجتمع ربع وما بقي أو ربع ونصف وما بقي فاجعلها من أربعة وإن كان ثمن وما بقي أو ثمن ونصف وما بقي فاجعله من ثمانية فإن كان مع الربع ثلث أو سدس فاجعلها من اثني عشر وإن كان مع الربع ثلثان فاجعلها من اثني عشر، وإن كان مع الثمن ثلثان أو سدس فاجعلها من أربعة وعشرين. فإن زاد من له أصل الفرايض على واحد ولم يخرج سهامهم على صحة ضربت عددهم في أصل الفريضة مثل أبوين وخمس بنات: للأبوين السدسان سهمان من ستة ويبقى أربعة لا ينقسم على الصحة تضرب عدد البنات وهي خمسة في أصل الفريضة وهي ستة فيكون ثلاثين: لكل واحد من الأبوين خمسة أسهم ولكل واحدة من البنات أربعة أسهم. وإن كان من بقي بعد الفرايض أكثر من واحد، ولم تصح القسمة فاضرب عدد من له ما بقي في أصل الفريضة مثل أبوين وزوج وبنتين: للزوج الربع، وللأبوين السدسان، يخرج من اثني عشر يبقى بعد فرائضهم خمسة فتنكسر على البنتين فتضرب عدد البنتين وهو اثنان في اثني عشر فيكون أربعا وعشرين لكل واحد من الأبوين أربعة أسهم وللزوج ستة أسهم، ولكل واحد من البنتين خمسة أسهم. وإن بقي بعد الفرايض ما يجب رده على أرباب الفرائض أو على بعضهم بعد

[ 130 ]

فرايضهم ولم تصح القمسة، فاجمع مخرج فرايض من يجب عليه الرد واضرب في أصل الفريضة مثل أبوين وبنت: للأبوين السدسان، وللبنت النصف، ويبقى سهم واحد من ستة أسهم فتأخذ مخرج السدسين وهو الثلث من ثلاثة ومخرج النصف من اثنين فيكون خمسة فتضرب في ستة وهو أصل الفريضة فيكون ثلاثين لكل واحد من الأبوين خمسة أسهم بالفرض، وللبنت خمسة عشر سهما بالفرض ويبقى خمسة أسهم لكل واحد من الأبوين سهم واحد بالرد، وللبنت ثلثة أسهم بالرد. فإن كانت المسئلة بحالها ووجب الرد على بعضهم بأن يكون هناك أخوة وأخوات فإن عند ذلك لا تستحق الأم أكثر من السدس، وما وجب من الرد عليها يتوفر على الأب، فإنه يكون مثل الأولى سواء، غير أن السهم المردود على الأم يوفر على الأب فيحصل للأب سبعة أسهم، وللأم خمسة أسهم، وللبنت ثمانية عشر سهما. فإن فرضنا أن المسئلة فيها زوج فإنها تستحق الثمن فتصح المسئلة من أربعة وعشرين: للأبوين السدسان ثمانية، وللبنت النصف اثني عشر، وللزوجة الثمن ثلاثة بقي سهم يحتاج إلى أن يرد على الأبوين دون الزوجة، فتضرب سهامهم وهي خمسة في أصل الفريضة وهي أربعة وعشرين، تصير مائة وعشرين: للزوجة الثمن خمسة عشر، وللبنت النصف ستون، وللأبوين السدسان أربعون، يبقى خمسة أعطي كل واحد من الأبوين سهما والثلاثة أسهم للبنت، فإن كان هناك من يحجب الأم وفر سهمها من الرد على الأب فيحصل معه سهمان من الرد ولا شئ للأم.

[ 131 ]

(فصل) * (في ذكر جمل من استخراج المناسخات (1)) * العمل في تصحيح ذلك أن تصحح مسئلة الميت الأول ثم تصحح مسئلة الميت الثاني وتقسم ما يخص الميت الثاني من المسئلة الأولى على سهام مسئلته، فإن انقسمت فقد صحت المسئلتان معا مما صحت منه مسئلة الميت الأول. مثال ذلك رجل مات وخلف أبوين وابنين، فالمسئلة تخرج من ستة: للأبوين السدسان، ولكل واحد من الابنين اثنان: فإذا مات أحد الابنين وخلف ابنين كان لكل واحد منهما سهم من هذين السهمين، فقد صحت المسئلتان من المسئلة الأولى. وإن لم تنقسم الثانية من المسئلة الأولى نظرت في سهام من يستحق المسئلة الثانية وجمعتها وضربتها في سهام المسئلة الأولى صحت لك المسئلتان معا، مثل المسئلة التي قدمناها. فيفرض أن أحد الابنين مات وخلف ابنا وبنتا وكان له سهمان من ستة لم يمكن قسمتهما عليهما ضربت سهم الابن وهو اثنان وسهم البنت وهو واحد في أصل الفريضة الأولى وهي ستة فيصير ثمانية عشر، يكون للأبوين السدسان ستة، ولكل واحد من الابنين ستة فإذا مات الابن وخلف ابنا وبنتا كان للابن من ذلك أربعة، وللبنت اثنان، وكذلك إن مات ثالث ورابع صحح مسئلة كل ميت ثم أقسم ماله من مسايل المتوفين قبله من السهام على سهام مسئلته، فإن انقسمت فقد صحت لك المسائل كلها، وإن لم تصح فاضرب جميع مسئلته فيما صحت منه مسائل المتوفين قبله، فما اجتمع صحت منه المسائل كلها والله تعالى الموفق للصواب. تم كتاب الفرايض.

(1) المناسخة في الميراث - أو التناسخ - أن يموت ورثة بعد ورثة وأصل الميراث قائم لم يقسم بعد.

[ 132 ]

(كتاب الوديعة) الوديعة مشتقة من ودع يدع إذا استقر وسكن، يقال أودعته أودعه أي أقررته وأسكنته ويقال إنه مشتق من ودع يقال ودع الشئ يودعه إذا كان في خفض وسكون وأحدهما قريب من الآخر. وللوديعة حكم في الشريعة لقوله تعالى " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " (1) وقال تعالى " فليؤد الذي ائتمن أمانته " (2) وقال " ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك " (3). وروى أنس بن مالك وأبي بن كعب وأبو هريرة كل واحد على الانفراد عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله كانت عنده ودايع بمكة فلما أراد أن يهاجر أودعها أم أيمن وأمر عليا بردها على أصحابها. فإذا ثبت هذا فالوديعة أمانة لا ضمان على المودع ما لم يفرط، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله قال ليس على المستودع ضمان. وإذا ثبت ذلك فالوديعة جائزة من الطرفين، من جهة المودع متى شاء أن يستردها فعل، ومن جهة المودع متى شاء أن يردها فعل، بدلالة ما تقدمت من الأخبار والآي، وروى سمرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: على اليد ما أخذت حتى تؤدي. إذا أراد المقيم أن يرد الوديعة ردها، فإن ردها على المودع أو على وكيله فلا شئ عليه، وإن ردها على الحاكم أو على ثقة مع القدرة على الدفع إلى المودع أو

(1) النساء: 58 (2) البقرة: 283 (3) آل عمران: 75.

[ 133 ]

على وكيله فعليه الضمان، فأما إن لم يقدر على المودع ولا على وكيله فلا يخلو إما أن يكون له عذر أو لم يكن له عذر فيه، فإن لم يكن له عذر فرده فعليه الضمان وإن كان له عذر مثل النهب والحريق، ورده على الحاكم أو على ثقته فلا ضمان عليه. وإن أراد أن يسافر فردها على المودع أو على وكيله فلا ضمان عليه، وإن لم يتمكن منهما ورد على الحاكم فلا ضمان عليه، وإن لم يتمكن منهم (1) ورد على ثقته فلا ضمان أيضا كل هذا لا خلاف فيه، لأن السفر مباح، فلو قلنا ليس له رده لمنعناه من المباح الذي هو السفر. فأما إذا لم يتمكن من المودع ولا من وكيله وقدر على الحاكم فرده على ثقته قال قوم لا ضمان عليه، وقال آخرون عليه الضمان، وأما إن أراد أن يسافر بها فليس له أن يسافر بها سواء كان الطريق مخوفا أو أمنا وفيه خلاف وأما إن كان البلد مخوفا ففزع من النهب والحريق فله أن يسافر بها ولا ضمان عليه، بلا خلاف. وإن أراد المودع السفر فدفنها فلا يخلو إما أن يعلم به غيره أو لم يعلم به، فإن لم يعلم به غيره ضمن لأنه غرر، لأنه ربما مات المودع في السفر ولم يعلم، ويتلف الوديعة في الدفن، وربما يتلف أيضا بالغرق أو الحريق أو من تحت الأرض وإن أعلم غيره فإن كان فاسقا ضمن لأنه أشهرها، وإن عرف ثقة أمينا نظرت، فإن كان ممن لا يسكن تلك الدار التي دفن فيها فإنه يضمن، لأنه عرف من لم يأمنه المودع كما لو كان المودع حاضرا. وإن أعلم من سكن تلك الدار التي دفن فيها فهل يضمن أم لا؟ فيه الفصول الثلاثة التي ذكرناها فيما قبل في رد الوديعة: فإن ردها على صاحبها أو على وكيله لم يضمن، وإن لم يتمكن منهما فردها على الحاكم لم يضمن وإن لم يتمكن منه أيضا فردها على الثقة لم يضمن، الثالث إذا تمكن من الحاكم فرده على ثقة فعلى الوجهين. وكذلك هيهنا فإن عرف صاحبها أو وكيله أو الحاكم مع عدمهما فلا يضمن، وإن

(1) وفي نسخة: فإن لم يتمكن من المودع ولا من وكيله ولا من الحاكم فرد على ثقته.

[ 134 ]

عرف الساكن معه في تلك الدار مع عدم صاحبها أو وكيله ووجود الحاكم فعلى وجهين. إذا حيل بينه وبين المودع عند حضوره ولم يقدر على تسليمها إليه سواء كانت الحيلولة له دونه بالسفر أو الحبس فإن الحكم فيه سواء، فإن كان المودع معه في البلد فهو في حكم الغايب فالحكم فيه كما لو كان غايبا. إذا أودع وديعة بشرط أن تكون مضمونة لم تكن مضمونة وكان الشرط باطلا وخالف فيه العنبري (1). من كانت عنده وديعة فأراد أن يودعها غيره مع حضوره، فإنه يضمنها بكل حال سواء أودعها زوجته أو أحدا من عياله - وفيه خلاف - فقال بعضهم إن أودعها زوجته لم يضمن وإن أودع غيرها ضمن، وقال غيره إذا أودعها زوجته أو من يكون عليه مؤنته فقد وكلها إلى اجتهاده ورفع يد نفسه عنها، فبهذا يضمن، وأما إن قال لزوجته أو لجاريته: اجعليها في الصندوق أو أدخليها البيت وهو يرى ما تفعل ويشاهد فلا يضمن، ويجري ذلك مجرى من يكون عنده دابة وديعة فيقول لغلامه اسقها أو اطرح عليقها (2) فإنه لا يضمن. إذا أودع وديعة فتعدى فيها ضمنها، وإذا ردها إلى حرزها لم يزل الضمان بردها إلا أن يردها على المودع، أو حدث استيمان على أحد الوجهين وفيه خلاف ومتى أخرجها لمنفعة نفسه ضمنها مثل أن يكون ثوبا ليلبسه أو دابة ليركبها فإن بنفس الاخراج يضمن، وقال قوم بنفس الاخراج لا يضمن وإنما يضمن بالاستعمال إن كان ثوبا حتى يلبسه وإن كانت دابة حتى يركبها فالكلام في هذا يجيئ. وإذا أخرجها من حرزها ثم ردها إلى مكانها فإن عندنا يضمن بكل حال وعند قوم لا يضمن إلا في ثلاث مسائل: الأولى إذا جحدها ثم اعترف بها، والثانية إذا طلب بردها فمنع الرد ثم بذل والثالثة إذا خلطها ثم ميزها فإنه لا يزول الضمان في هذه المسائل عنده وقال قوم إن

(1) هو عبيد الله بن الحسن العنبري.
(2) علفها خ.

[ 135 ]

أنفقها وجعل بدلها مكانها زال الضمان بناء على أصله لأن عنده أن المودع إذا كان موسرا وكانت الوديعة دراهم أو دنانير كان للمودع أن ينفقها وتكون في ذمته ويكون هذا أحظى عنده للمودع من الحرز (1) والأول أصح. إذا تعدى بإخراج الوديعة ثم ردها ففيه ثلاث مسائل إحداها أن يردها إلى يد ربها، فإنه يبرأ ويسقط الضمان، وكذلك إن ردها إلى وكيله بالقبض بلا خلاف الثانية أن يردها إلى الحرز من حيث أخذها فإنه لم يزل الضمان خلافا لأبي حنيفة الثالثة أن يقول له رب الوديعة قد أبرأتك من ضمانها وجعلتها وديعة عندك وائتمنتك على حفظها فهل يزول الضمان أم لا قال قوم إنه لم يزل الضمان وقال آخرون يزول وهو الأقوى، فإن ردها إلى صاحبها ثم أودعها إياه، زال الضمان بلا خلاف. إذا أخرج الوديعة لمنفعة نفسه مثل أن يكون ثوبا أراد أن يلبسه أو دابة فأراد أن يركبها، فإن بنفس الاخراج يضمن، وقال قوم بنفس الاخراج لا يضمن حتى ينتفع مثل أن يلبسه أو يركبه، وإن عزم على أن يتعدى فيها لا يضمن عندنا، وقال قوم شذاذ إنه يضمن بالنية كما لو التقط لقطة لينتفع بها فإنه يضمن والأول أصح لأنه لم يقع التعدي. إذا كان عنده وديعة في كيس أو في شئ مشدود فحل الخيط أو قطعه أو كان عليها ختم فكسر الختم، فإنه يضمن جميع الوديعة لأنه قد هتك الحرز، فإن لم يكن هكذا لكن خرق الكيس وشقه نظرت، فإن كان ذلك من فوق الشد والختم لم يضمن المال لكن عليه أرش ما نقص من الكيس بالتخريق، وإن كان الشق بالبط (2) من تحت الكيس أو تحت الشد فإنه يضمن جميع المال سواء أخذه أو لم يأخذ منه لأنه هتك حرز المال. قد ذكرنا أنه إذا تعدى في الوديعة في الكيس بكسر الختم وحل الشد فإنه يضمن فأما إذا أودع شيئا ليس بمحرز مثل الدراهم والدنانير، في قفة أو ركوة (3) ونحو

(1) القائل بذلك هو مالك، والقائل في المسائل الثلاث أبو حنيفة.
(2) البط: شق الصرة ونحوها.
(3) القفة بالضم: القرعة اليابسة، والزبيل كهيئة القرعة تتخذ من الخوص ونحوه =

[ 136 ]

ذلك فأخذ منها درهما أو دينارا ضمن ذلك الدرهم والدينار لأنه تعدى عليه بأخذه وعليه ضمانه. ولا يضمن الباقي لأنه ما تعدى فيه ولا يتعلق به ضمانه. فإن رده فلا يخلو إما يرد ما أخذه بعينه أو يرد بدله، فإن رد ما أخذه بعينه فلا يخلو إما أن يكون متميزا من الباقي أو غير متميز، فإن كان متميزا فلا خلاف أنه لا يضمن البقية لأن الذي أخذه معروف العين، والباقي لم يحدث فيه فعلا تعدي به، بل عليه ضمان الذي رده، وقال قوم زال ضمانه عنه. وإن كان لا يتميز مثل أن يكون دراهم صحاحا فخلطه بصحاح أو مكسرا خلطه بمكسر فذهب قوم إلى أنه لا يضمن إلا قدر ما أخذه، والباقي أمانة كما كان. وقال قوم إنه إذا لم يتميز ضمن الكل لأنه خلط المضمون بغير المضمون، والأول أصح لأنه وإن خلط مضمونا بغير المضمون، فإنه خلطه بإذنه، وهو مأذون فيه، لأن رب المال رضي بأن يكون ذلك مع الباقي، فإذا رده فلم يفعل شيئا إلا برضا رب الوديعة. وأما الكيسان إذا خلطهما فإنه يكون مضمونا عليه، لأنه خلطهما بغير رضا صاحبه، فكان متعديا بالخلط، فضمنهما بكمالهما. هذا إذا كان قد رد ما أخذ بعينه، فأما إن رد بدل ما أخذه فلا يخلو إما أن يتميز أو لا يتميز، فإن كان يتميز فإنه يضمن ذلك الذي أخذه، ولا يضمن الباقي وإن كان غير متميز فإنه يضمن الكل لأنه خلط ماله بمال غيره بغير إذن مالكه فهو كما لو كان مقارضا فخلط مال القراض بمال من عنده فإنه يضمن مال القراض كله. إذا أودع حيوانا ففيه ثلاث مسائل: إحداها أن يأمره بسقيها وعلفها الثانية إذا

= أو هو الصنة: السلة المطبقة يجعل فيها الخبز والركوة بالفتح: شبه تور من أدم، وفي الصحاح: الركوة التي للماء وفي النهاية: إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء، وفي المصباح الدلو الصغيرة، قال الشرتوني في الأقرب: قلت: ومنها الركوة لا بريق القهوة عند أهل بلادنا.

[ 137 ]

أطلق ولم يأمره ولم ينهه، الثالثة قال لا تسقها ولا تعلفها. فإن أمره بسقيها فإنه يلزمه سقيها وعلفها، لأن لها حرمتين وحقين: أحدهما حرمة مالكها، ألا ترى أنه لو أتلفها عليه انسان ضمنها، ولها حرمة في نفسها وهي حق الله، ألا ترى أنه ليس لصاحبها أن يعذبها؟ إذا كان هكذا لزمه أن يسقيها ويعلفها. فإن سقاها فلا يخلو إما أن يسقيها في بيته أو في غير بيته، فإن كان قد سقاها في بيته نظرت، فإن سقاها بنفسه فقد زاد خيرا وبالغ في حفظها، وإن أمر غيره من غلمانه فسقاها الغير جاز، ولا ضمان عليه، لأن العادة جرت بأن الانسان لا يسقي الدابة بنفسه. وإن أخرجها من داره وسقاها في غير داره، فلا يخلو إما أن يكون إخراجها لعذر أو لغير عذر، فإن كان لعذر مثل أن يكون داره حجرة، لم يكن فيها بئر ولا نهر فأخرجها إلى خارج إلى نهر أو حيث يسقي دواب نفسه للضرورة، والعادة جرت بأنه يسقي خارجا لم يضمنها، وإن كان في داره بئر أو نهر يجري ويسقي دواب نفسه منه فأخرجها وحملها لسقيها برا ضمن، وفيهم من قال إذا كان الطريق أمنا لم يضمن وكأنه أخرجها من حرز إلى حرز، والأول أقوى، لأنه أخرجها من غير حاجة ويرجع على صاحبها بما أنفق عليها لأنه أذن له في النفقة عليها. المسئلة الثانية إذا أطلق ولم يقل شيئا فإنه يلزمه الانفاق، وقال قوم لا يلزمه أن ينفق عليها، ولا يسقيها ولا يعلفها، لأنه مستحفظ في حفظها، فأذن له في حفظها فأما سقيها وعلفها فلا، والأول أقوى لأن لها حرمة، ويراعي فيها حرمته أيضا ولأن العادة جرت بأن السقي والعلف لا بد منهما، فكأنه تلفظ بذلك. فإذا ثبت أنه يلزمه فأنفق وأراد أن يرجع عليه بما أنفق، فإنه ينبغي أن يجيئ إلى الحاكم ويعرفه بأن فلان بن فلان أودعه دابة وسافر فإن الحاكم يفعل بها ما يرى من المصلحة، فإن يرى من المصلحة أن يبيعها ويحفظ ثمنها على صاحبها فعل، وإن رأى أن يبيع بعضها وينفق على باقيها، فله ذلك، وإن رأى من المصلحة

[ 138 ]

أن يوجرها وينفق عليها من الأجرة، والباقي يحفظ على صاحبها فعل. وإن رأى أنه يستقرض وينفق نظرت فإن استقرض من المودع فهل لهذا المودع أن ينفق عليها أو يؤخذ منه ويدفع إلى أمين الحاكم لينفق عليها على وجهين: أحدهما ليس له أن ينفق عليها بنفسه لأنه لا يجوز أن يكون مستقرضا وهو ينفق مما استقرض منه، حتى إذا أراد الرجوع فيحتاج أن يقبل قوله. والوجه الثاني يجوز أن ينفق هو لأنه كما جاز أن يستقرض من غيره ويدفع إلى هذا لينفق عليها، كذلك إذا استقرض منه جاز أن ينفق هو بنفسه، فإذا جاء صاحبها نظرت، فإن كان أنفق قدر المعروف فإن القول قول المودع هيهنا، لأن الأصل الأمانة. والكلام في الرجوع على صاحبها، فإن كان أنفق هو بنفسه مع القدرة على الحاكم فإنه لا يرجع لأنه تطوع بذلك، وإن لم يكن حاكم ولا يقدر عليه نظرت فإن لم يشهد على نفسه بالرجوع على الانفاق فإنه لا يرجع، لأنه تطوع به، وفرط في ترك الاشهاد، وإن أشهد على نفسه بما ينفق فهل يرجع على صاحبها أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما لا يرجع لأنه أنفق بغير الإذن، وهو لا يلي على صاحبها وإنما يلي الحاكم والوجه الثاني يرجع عليه لأن ههنا موضع الضرورة. وهذان الوجهان مبنيان على الوجهين: إذا هرب الجمال وترك الجمال وأنفق المكري فإذا جاء الجمال فهل يرجع أم لا على وجهين كذلك هيهنا فمن قال له أن يرجع ههنا وفي الفصل الأول حيث قلنا إن له أن ينفق هو بنفسه، قال في هذين الموضعين، إنما قلنا له ذلك، فإن حاله في التصرف في هذه الدابة كالحاكم إن رأى من المصلحة بيعها أو بيع بعضها فله ذلك وكذلك الإجارة في الحكم سواء. فإن لم يسقها ولم يطعمها فماتت الدابة نظرت فإن كان قد منعها من العلف في مدة تموت الدابة لمثل تلك المدة لمنع السقي والعلف، فإنه يضمن قيمتها، لأنه معلوم أنها ماتت من منع علفها، وإن كانت مدة لم تمت الدابة لمثل تلك المدة فإنه لا يضمن إذا منعت العلف والسقي.

[ 139 ]

المسئلة الثالثة إذا أودعه دابة أو عبدا وقال لا تطعمه ولا تسقه، فإن الحكم في هذه المسئلة كالمسئلة التي قبلها إذا أطلق حرفا بحرف، إلا في شئ واحد وهو إذا منع الطعام والشراب عنه فماتت، فإن مات في مدة يموت الحيوان لمثل ذلك إذا منع الطعام فهل يضمن قيمة العبد أم لا؟ قيل فيه وجهان وفي الفصل الأول وجه واحد أنه يضمن وهيهنا وجهان: أحدهما يضمن قيمة العبد لأنه مات من منع الطعام، وهو متعد في هذا الموضع لحق الله، وقال غيره لا يضمن قيمة العبد لأن الضمان كان لمالكه، فإذا أمر بأن لا يسقيه ولا يطعمه فقد رضي بإسقاط حقه وإسقاط الضمان عنه، وهذا هو الأقوى. وهذا كما لو كان له عبد فأمر بقتله فقتله فإنه وإن كان ليس له قتله فإذا قتله لم يكن عليه ضمان قيمة العبد بل عليه الكفارة: والمودع إذا حضرته الوفاة فإنه يلزم أن يشهد على نفسه بأن عنده وديعة لفلان، ويشهد حتى لا يختلط بماله ويأخذه ورثته، ولا يقبل قول المودع إلا بالبينة فإذا لم يكن معه بينة، فالظاهر أن هذا مال الميت فيؤدي إلى هلاك ماله، والحكم في هذه المسئلة إذا حضرته الوفاة وإذا كان عنده وديعة وسافر، فإن الحكم فيه واحد لأن المسافر يعود ويغيب، فكذلك الميت يغيب. إذا ثبت هذا جميع أحكامه يعتبر بالمسافر مثل ما قلنا فيما قبل، فإن ردها على صاحبها أو على وكيله فلا يضمن، وإن لم يتمكن من صاحبها وكان وكيله فرد على الحاكم أو على ثقة فلا يضمن، وإن ردها على الحاكم مع القدرة على صاحبها أو على وكيله فيضمن، وإن لم يتمكن من الحاكم ولا من صاحبها فردها على ثقة فلا ضمان، وإن ردها على ثقة مع القدرة على الحاكم فهل يضمن أم لا على وجهين. إذا أودعها في قرية فنقلها إلى قرية أخرى، فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون نقلها لعذر أو لغير عذر، فإن كان نقلها لعذر مثل النهب الحريق فلا يضمنها لأن هيهنا موضع الضرورة، وإن نقلها لغير عذر نظرت فإن كان بين القريتين مسافة ليس بينهما بنيان، فإنه يضمن، وفيهم من قال لا يضمن إذا كان الطريق أمنا، والأول

[ 140 ]

قول الشافعي والثاني قول أبي حنيفة. وإن لم يكن بينهما مسافة نظرت، فإن نقلها إلى قرية مثلها أهلية في الكبر وكثرة الناس فيها وكثرة الحصون فإنه لا يضمنها، لأن صاحبها رضي أن يكون في تلك القرية وفي مثل تلك القرية وهذه مثلها، فكأنها حرز له، وإن كانت القرية التي نقلت إليها دون القرية التي كانت فيها ضمنها، لأن صاحبها ما رضي بأن تكون في مثل ذلك، ولا اختار أن تكون تلك القرية حرزا له. إذا أودع وديعة ففيه ثلاث مسائل إحداها إذا أطلق ولم يقل احفظها في هذا الموضع، فإن هيهنا يلزمه أن يحفظها في حرز مثلها مثل أن يكون دراهم أو دنانير فإنه يحفظها على وسطه وفي كمه وفي بيته وفي صندوقه وفي خزانته، فإن هلك وكان في حرز مثله أو دونه بعد أن يكون حرز مثله فلا ضمان عليه. والمسألة الثانية إذا قال أودعتك على أن تحفظها في هذا الموضع، فإنه يلزمه حفظها في ذلك الموضع، فإن نقلها إلى موضع آخر نظرت، فإن نقلها إلى مثل ذلك الموضع، وما في معناه في الحرز والحفظ، فإنه لا يضمن، لأن صاحبها رضي بأن يكون في ذلك الموضع، وما في معناه في الحرز والحفظ. وهذا كما لو استأجر أرضا ليزرعها طعاما فله أن يزرع فيها ما يكون ضرره مثل ضرر الطعام، أو دون ضرره. وإن كان الموضع الذي نقل إليه دون ذلك المكان، فإنه يضمن لأن صاحبها ما رضي بأن يكون في دون ذلك الموضع الذي نص عليه. المسئلة الثالثة إذا أودعها وقال على أن لا تخرجها من هذا الموضع فنقلها إلى موضع آخر فلا يخلو إما أن يكون لعذر أو لغير عذر، فإن كان لعذر مثل الحريق والنهب فلا ضمان عليه، لأنه موضع الضرورة، فإن لم ينقلها وتركها حتى تلفت هل يضمن أم لا؟ قيل فيه وجهان: أحدهما يضمن لأنه يلزمه حفظها وكان الحفظ في نقلها وهو الأقوى، والثاني لا يضمن لأنه مأذون فيه في تركها لأنه أخذ عليه أن لا يخرجها وبإذن صاحبها هلكت.

[ 141 ]

وإن نقلها لغير عذر نظرت، فإن نقلها إلى دون ذلك الموضع فإنه يضمن لأنه فرط وإن نقلها إلى مثل ذلك الموضع فهل يضمن أم لا على وجهين أحدهما لا يضمن لأنه لما لم يكن فيما أطلق كذلك إذا قيده، والآخر أنه يضمن، لأنه خالف ما نص عليه من غير فائدة وهو الأقوى. ويفارق إذا أطلق لأنه إذا احتمل أن يكون أراد ذلك الموضع بعينه، ويحتمل مثل ذلك الموضع، وفوض إلى اجتهاده، وليس كذلك إذا قال لا تخرجها لأنه قطع اجتهاده. فرع المسئلة التي قبلها: فإن نقلها وادعى أنه أخرجها للحريق أو النهب والغرق فإنه لا يقبل قوله إلا ببينة لأن مثل ذلك لا يخفى، وجملته أن كل موضع يدعى الحريق والنهب والغرق فإنه لا يقبل قوله إلا بالبينة، وكل موضع يدعى السرقة والغصب أو يقول تلفت في يدي، فإن القول قوله مع يمينه بلا بينة. والفرق بينهما أن الحريق والغرق لا يخفى، ويمكن إقامة البينة عليها وليس كذلك السرقة فإنه يتعذر إقامة البينة عليها. إذا ادعى وديعة فقال المودع: ما أودعتني وأنكر، فالقول قول المودع لقوله عليه السلام: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، والأصل أن لا إيداع حتى يظهر. المسئلة بحالها أودع وديعة وادعى المودع بأنه قد ردها على صاحبها، وأنكر المودع، فالقول قول المودع مع يمينه، لأنه أمينه ولا بدل له على حفظها، ويفارق المرتهن إذا ادعى رد الرهن، لأن المرتهن يمسكه على نفسه طلبا لمنفعة نفسه وهو وثيقة يأخذ الحق من رقبة الرهن، والمودع ممسك على غيره حافظ لغيره من غير فائدة. إذا أودع وديعة فقال المودع: دفعتها إلى فلان بأمرك، وأنكر المودع ففيه مسئلتان: إحداهما إذا قال دفعتها إلى فلان بأمرك فقال المودع أمرتك بأن تدفع إليه لكن ما دفعتها إليه والثانية إذا قال أمرتني بأن أدفعها إلى فلان فدفعتها إليه فقال المودع

[ 142 ]

ما أمرتك بأن تدفعها إليه. فالمسئلة الأولى إذا ادعى أنه دفعها بأمره وأنكر دفعها فلا يخلو إما أن يكون الذي أمره به إسقاط حق مثل الدين الذي عليه أو المهر أو يكون أمانة، فإن كان عن دين عليه فإن القول قول المودع بلا يمين، سواء صدقه أو كذبه لأنه يقول أنت دفعت لكن دفعا ما كان يبرئني ويلزم الضمان المودع لأنه كان يلزمه أن يشهد على الدفع فلما لم يشهد فرط فلزمه الضمان. وإن كان أمانة فقال أمرتك بأن تدع عند فلان فهل يلزمه الاشهاد، قيل فيه وجهان: أحدهما لا يلزمه لأنه لا فائدة في الاشهاد، لأنه ليس فيه أكثر من أن المودع الثاني يدعي الهلاك فيكون القول قوله، والوجه الثاني يلزمه الاشهاد، وفيه فائدة لأنه ربما أنكره المودع الثاني فيقيم عليه البينة فإذا ادعى بعد ذلك الهلاك لا يقبل. إذا ثبت هذا فمن قال يلزمه الاشهاد فالقول قول المودع، وقال قوم القول قول المودع لأنه أمين وهو الأقوى، كما لو ادعى أنه دفعها إلى المودع نفسه، ومن قال بالأول قال المودع ائتمن هذا الدافع، والمدفوع إليه ما ائتمنه، فوجب أن لا يقبل قوله على من لم يأتمنه، كما قلنا في الصبي إذا بلغ وادعى الولي بأنه دفع إليه ماله وأنكر الصبي فالقول قول الصبي، لأن هذا الولي ائتمنه الموصي، وما ائتمنه هذا الصبي. فلهذا قال الله تعالى " فإذا دفعتم إليهم أموالهم فاشهدوا عليهم " (1) وهذا أيضا قوي. المسئلة الثانية إذا قال أمرتني بأن أدفعها إلى فلان وقد دفعتها إليه، فأنكر وقال ما أمرتك، فإن القول قول المودع لأن الأصل أن لا دفع، ثم لا يخلو حال المدفوع إليه من أحد أمرين إما أن يصدقه أو يكذبه، فإن كذبة فالقول قوله، لأن الأصل أن لا إذن ولا دفع. وإن صدقه فلا يخلو إما أن يكون غائبا أو حاضرا، فإن كان حاضرا فقال

(1) النساء: 4.

[ 143 ]

صدقتك أمرك بالدفع ودفعت إلى نظرت، فإن كان العين قائمة فإنها ترد على المودع لأنها عين ماله، وإن كانت تالفة كان المودع بالخيار، إن شاء ضمن المودع لأنه دفعها بغير إذنه، وإن شاء ضمن المدفوع إليه لأنه أخذها من يد مضمونة. فإن ضمن أحدهما فلا يرجع أحدهما على الآخر، فإن ضمن المودع فلا يرجع على المدفوع إليه لأنه يقول أنا دفعت إليك لكن ظلمت، وإن ضمن المدفوع إليه لا يرجع على المودع لأنه يقول أنت دفعتها إلي وإني قبضت منك لكن تلفت في يدي وأنا كنت أمينا فظلمت. فأما إن كان غائبا فإنه يضمن المودع لأنه دفعها بغير إذنه فإن جاء الغائب فلا يخلو إما أن يصدقه أو يكذبه، فإن كذبة فلا كلام، لأنه قد ضمن المودع، وقلنا إنه لا يرجع، وإن صدقه فقال دفعتها إلى وقبضتها منك، فلا يخلو حال العين من أحد أمرين إما أن تكون باقية أو تالفة، فإن كانت باقية فإنها تؤخذ وتدفع إلى المودع ويسترجع منه ما قد ضمن المودع، ويرد على المودع، وإن كانت تالفة فلا يرجع أحدهما على أحد، وما كان قد ضمنه صح ضمانه ولا رجوع. إذا كان الكيس للمودع فقال احفظها في هذا الكيس، فإن حفظها في كيس فوقه في الحرز فلا يضمن، وإن حفظها فيما هو دونه ضمن، وهذا كما لو قال احفظها في هذا البيت، فنقلها إلى بيت فوق منه لم يضمن، وإن نقلها إلى بيت دونه يضمن كذلك هيهنا مثله. وإن كان الكيس للمودع فقال احفظها في هذا الكيس ثم أخرجها من الكيس فإنه يضمن الكل لأنه هتك حرز صاحبها كما لو أودعها وكان في الصندوق فأخرجها من الصندوق من غير عذر فإنه يضمن، لأنه هتك حرزه كذلك هيهنا مثله. وإذا أكره على الأخذ فلا ضمان عليه، لأنه لو أخذه من غير إكراه لم يكن عليه ضمان فبأن لا يكون عليه ضمان بالاكراه أولى، وإذا أكره على أخذه منه وأمكنه من دفعه عن نفسه فلم يفعل، فعليه الضمان لأنه فرط وإن لم يتمكن من الدفع عن نفسه لم يضمن.

[ 144 ]

ولو أودع صندوقا وشرط وقال: لا ترقد عليه فرقد ونام عليه أو طرح متاعا عليه أو قفله أو كان عليه قفل فقفله بآخر فلا ضمان عليه، لأنه زاده حرزا وفي الناس من قال يلزمه الضمان لأنه نبه عليه اللصوص بأن فيه مالا بالرقاد عليه والأول أقوى، لأن الأصل براءة الذمة، وهذا مثل أن يقول اطرحها في صحن دارك فأدخلها في البيت وقفله، فإنه لا يضمن لأنه زاده حرزا. ويفارق ما قالوه من أنه نبه عليه اللصوص بأن فيه بضاعة، لأنه لو قال بلفظه إن فيه مالا لم يضمن فبأن لا يضمن بالتنبيه أولى، وكذلك لو دفع إليه حمل متاع ليحمله إلى بلد آخر فنام عليه، لم يضمن لأنه بالنوم عليه زاده حرزا، ولو قال له اطرحها في بيتك واحفظها وإن فزعت عليها فلا تخرجها، ففزع عليها فأخرجها وحفظها في حرز مثله لم يضمنها لأنه زاده حرزا وبالغ في الحرز. ولو أودعه خاتما فقال دعه في أصبعك الخنصر فوضعها في البنصر لم يضمن لأن الخاتم في البنصر أوثق لأن في الخنصر سريع القلق، ولو قال دعه في إصبعك البنصر فوضعها في الخنصر، فإنه يضمن لأنه وضعها فيما دون منه من الحرز وكذلك إن كان يضيق به على البنصر فأمره أن يجعلها في الخنصر فأدخلها بنصره فانكسرت ضمن الأرش لأنه تحامل عليها وتعدى فيها. إذا أودعه دراهم فخلطها بدنانير، أو كان أودعه دنانير فخلطها بدراهم معه معه، إنه لا يضمن لأن الدراهم والدنانير لا تخلط خلطا لا يتميز، وإذا كانت متميزة لم يضمنها، بلى إن تغيرت الدراهم وتوسخت كان عليه أرش ما نقص. إذا طالب المودع المودع فقال لم تودعني شيئا وأنكر فأقام المودع البينة أنه كان أودعه فقال صدقت البينة كنت أودعتني لكن تلفت مني قبل ذلك، فإنه لم يسمع هذا القول، وعليه الضمان لأن البينة قد أكذبته، وبان كذبه بالبينة، فإن أتى هذا المودع ببينة تشهدان بأن الوديعة تلفت فهل تسمع هذه البينة وسقط عنه الضمان أم لا على وجهين: فقال بعضهم لا يلتفت إلى هذه البينة لأنه قد كذبها، وذلك أن تحت قوله

[ 145 ]

ما أودعتني إنكار أن يكون هناك وديعة تلفت، فإذا شهدت البينة بتلفها فهي تشهد له بشئ قد أنكره وأكذبها، فلم يقبل، وقال قوم إنه ينظر فإن شهدت بالتلف بعد إنكاره وجحده لم يسمع، وإن شهدت بأنها تلفت قبل الانكار والجحود، قبلت لأن الوديعة إلى حين تلفها كان المودع على أمانته، وطريان الجحود لا يقدح في أمانته والأول أقوى، والثاني أيضا قريب. إذا أودع وديعة فقال اجعلها في كمك، فجعلها في يده، قال قوم لا يضمن لأن اليد أحرز من الكم، وقال آخرون إنه يضمن لأنه إذا أمسكها في يده فقد يسهو وتسترخي يده منها، وليس كذلك الكم لأنه قد أمن من أن تسقط بالاسترخاء لأنه يعلم خفته، ويقوى في نفسي أنه من حيث خالف صاحبها فكان ذلك تعديا لا أنه لم يخالفه أفضل حفظه. إذا دفع إليه شيئا فقال اتركه في جيبك، فطرحها في كمه، يضمن ولو قال اربطها في كمك فطرحها في جيبه لا يضمن لأن الجيب أحرز من الكم، وأما إذا قال اتركها في جيبك فتركها في فمه ضمن لأنه نقلها إلى ما هو دونه، لأنه ربما بلعها، وربما سقط من فمه وليس كذلك الجيب لأن الجيب لا يقع منه إلا إذا بط. إذا قال له اتركها في جيبك فربطها في طرف ثوبه وأخرجها إلى برا فتلفت لزمه الضمان لأنه أخرجها إلى ما هو دون الحرز لأن الجيب أحرز من برا. إذا أودع وديعة في السوق فقال اتركها في بيتك فإنه يلزم في الحال أن يحملها إلى البيت لكن لا يعدو، بل يمشي على تؤدة على حسب عادته، فإذا جاء إلى باب الدار يدق ويقف مقدار ما جرت به العادة بأنه يفتح في ذلك القدر، فإن تلفت في تلك الحال لم يضمن، وإن لم يحملها حين الأخذ وكان يتمكن من حملها فتركها زمانا ثم قام وحملها فتلفت في يده، ضمن لأنه تعدى في ذلك القدر الذي حبسها، وكان قادرا على الحمل. ما يتلف في يد الصبي على ثلاثة أضرب: أحدها ما يدفع إليه باختياره ويسلطه على هلاكه وإتلافه، والثاني ما لم يسلط عليه ولم يختر هلاكه، والثالث إذا دفع إليه

[ 146 ]

باختياره ولم يسلطه على هلاكه وإتلافه: أما ما دفع إليه باختياره وسلطه على هلاكه مثل البيع والقرض والهبة إذا وهبه وأقبضه فإن هيهنا لا يضمن لأنه باختياره هلك لأن بيع الصبي وهبته كلا بيع، فإذا باعه من صبي وعلم أن بيعه كلا بيع فقد رضي بهلاكه وإتلافه، كما لو دفع إلى بالغ شيئا فقال أتلفه فأتلفه، لم يكن عليه الضمان، لأنه باختياره أتلفه كذلك الصبي. الثاني إذا جنى هذا الصبي على مال رجل فإن الضمان يتعلق بذمته في ماله لأن في باب إتلاف الأموال الصبي والبالغ سواء، وإن كانت الجناية على بدن فعلى ما مضى إن كان خطاء أو عمدا على عاقلته، لأن عمد الصبي وخطأه سواء، وفي الناس من قال إن عمده عمد يجب عليه الدية في ماله. هذا إذا لم يدفع إليه باختياره ولم يسلط عليه وأما الضرب الثالث إذا دفع إليه باختياره ولم يسلطه على الاتلاف، فهو إذا كان قد أودع وديعة عند صبي وتلفت في يده، فهل يلزمه الضمان قيل فيه وجهان أحدهما لا يلزمه الضمان وهو الأقوى لأن باختياره سلطه على إتلافها وهلاكها، فأشبه البيع كما لو باع، والثاني أنه يضمن لأنه ما اختار التسليط، وهذه المسئلة لها نظائر في البيع والجناية. صبي أودع وديعة عند رجل يلزمه الضمان لأن دفع الصبي لا حكم له، فلما لم يكن له حكم فقد أخذها ممن ليس له الأخذ منه، فإن أراد ردها إلى الصبي لم يزل الضمان: لأن بالأخذ لزمه الضمان فلا يسقط بهذا الرد، لأن هذا رد على من ليس له أن يردها عليه، إلا أن يردها على ولي الصبي فإنه يزول بهذا الرد الضمان. فأما إن أودع عبدا فالكلام في العبد قريب من الكلام في الصبي كذلك إتلاف العبد على ثلثة أضرب أحدها ما يكون قد اختار أن يسلطه على هلاكه والثاني ما اختار أن يسلطه على هلاكه وإتلافه، والثالث إذا اختار الدفع إليه ولم يختر التسليط على الهلاك: فإن كان اختار التسليط على هلاكه مثل أن يكون قد باعه من عبد أو أقرضه أو وهبه منه وأقبضه، فتلف في يده، فإن هناك لا يتعلق الضمان برقبته، وإنما يتعلق

[ 147 ]

الضمان بذمته، لأنه مكلف ويتبع به إذا أعتق. الضرب الثاني إذا لم يختر التسليط على هلاكه مثل الجناية عبد جنى جناية يلزمه الضمان ويتعلق برقبته. الضرب الثالث إذا اختار الدفع ولم يختر الهلاك والاتلاف، مثل أن أودعه وديعة فالضمان على وجهين، فإن غلبنا الجناية تعلق الضمان برقبته، وإن لم نغلب الجناية فالضمان يتعلق بذمته، وإن شئت قلت: إن قلنا في الصبي يضمن فضمان العبد يتعلق برقبته، وإن قلنا الصبي لا يضمن يتعلق في العبد الضمان بذمته، وهذا هو الأقوى عندي. رجل مات ووجد في روزنامته مكتوب لفلان عندي كذا وكذا، أو وجد في خزانته شئ مكتوب عليه، لفلان بن فلان، لا يلزم الورثة رد ذلك على من وجد اسمه لأنه يجوز أن يكون الميت قد رده عليه، ونسي ولم يمح اسمه، ويجوز أن يكون كان وديعة عنده فاشتراها من صاحبه ولم يمح الاسم فتركه كما كان. فأما إذا أقر فقال لفلان عندي وديعة أو لفلان على شئ فمات أو أقر الورثة بأن لفلان على مورثه كذا وكذا أو أقيم البينة بأن عليه لفلان كذا وكذا نظرت: فإن كان العين باقية ردت على صاحبها، وإن كانت تالفة نظرت فإن كان ماله كثيرا يتسع هذا والغرماء جميعا فإنه يدفع قيمة ذلك من التركة، وإن كان المال ضيقا قال قوم حاص رب الوديعة الغرماء على كل حال. وقال قوم: هذا إذا كان أقر ومات، وكان في ماله من جنس ما أقر به مثل الدراهم والدنانير، فإنه لا يمكن أن ندفع إليه من هذا المال لأنه يجوز أن هذا ليس بعين ماله، ولا يمكن أن يبطل حقه فلا يدفع إليه شيئا، لأنه يجوز أن يكون هذا عين ماله، فإذا كان كذلك حاص الغرماء، فأما إذا لم يكن في تركته من جنس ذلك العين فلا يدفع إليه شيئا لأنه يجوز أنها تلفت قبل ذلك فلا يلزمه الضمان. وفي الناس من قال هذا إذا كان قد أقر به حين حضرته الوفاة، فقال لفلان عندي كذا وكذا، أو لفلان قبلي كذا وكذا، ولم يوجد العين في تلك الحال، فإنه يضرب مع

[ 148 ]

الغرماء لأنه يحتمل أن يكون كانت وديعة عنده فتعدى فيها واستهلكها فأقر بها فإنه يضرب مع الغرماء. وفي الناس من قال يضرب مع الغرماء بكل حال سواء كان في ماله من جنس ذلك أو لم يكن وهو الأقوى لأمرين أحدهما الوديعة إذا حصلت في يد المودع يلزمه الرد فإذا شككنا في الهلاك هل هلك أم لا فلا يسقط الرد إلا بعد تحقق الهلاك، ولا يسقط عنه الضمان بالشك، والثاني أنا قد تحققنا أن عنده وديعة يجب عليه ردها، لكن جهلت عينها فوجب ضمانها في ماله كما لو كانت عنده وديعة فدفنها وسافر ولم يطلع عليها أحدا فإن الضمان يجب عليه بالسفر، والموت في هذا المعنى واحد. إذا خلط الوديعة بماله خلطا لا يتميز: مثل أن كانت دراهم فخلطها بدراهم أو دنانير فخلطها بدنانير أو طعاما فخلطه بطعام مثله، سواء كان ما خلطه بها مثلها أو دونها، فإنه يضمن وقال قوم إن خلطها بما هو مثلها لم يضمن، وإن خلطها بما هو دونها ضمن. إذا أودعه دراهم أو دنانير فأنفقها ثم رد مكانها غيرها لم يزل الضمان، وقال قوم يزول لأن عند هذا القائل له أنفاق الوديعة، وأقل الأقسام أن يكون دينا في ذمته والدين في ذمته أحفظ للمودع من الحرز، وهذا باطل، لأنه تعدى ولزمه الضمان، وزواله يحتاج إلى دليل. ولو أمره أن يكري دابته لحمل القطن فأكراها لحمل الحديد ضمن، لأن الحديد يضر بالدابة ما لا يضر به القطن، وإن أذن له أن يكريها لحمل الحديد فأكراها لحمل القطن ضمن لمثل ذلك، ولأنه خلاف المأذون فيه لا لضرورة، وإن أذن له أن يكريها للركوب فحمل عليها رجلا جسيما ضخيما عظيم الجثة ضمن، لأن العادة لم تجر بركوب مثل هذا فلم يتضمن إذنه ذلك فلذلك ضمن. وإن أذن له أن يكريها للركوب بسرج فأكراها عريانا رجع إلى أهل الخبرة فإن قالوا ركوبها بالسرج أخف لزمه الضمان، وإن قالوا ركوبها عريانا أخف من ركوبها بسرج لم يضمن، لأن له أن يؤجرها لما ضرره ضرر ما جرى به الإذن، ويقوى

[ 149 ]

عندي أنه يضمن على كل حال لأنه خالف المأذون فيه. وإذا ادعى رجلان وديعة وقال المودع هي لأحدكما، ولا أدري أيكما هو قيل لهما هل تدعيان شيئا غير هذا بعينه؟ فإن قالا: لا، حلف المودع أنه لا يدري لأيهما هو، ووقف لهما جميعا حتى يصطلحا فيه أو يقيم أحدهما البينة، وأيهما حلف مع نكول صاحبه كان له. وجملته أن حال المودع لا يخلو من أربعة أشياء: إما أن ينكرهما معا، أو يعترف لأحدهما بعينه، أو يقر لهما معا بها، أو يقر بها لأحدهما لا بعينه. فإن أنكرهما معا فقال هي لي وملكي لا حق لأحدهما فيها، فالقول قوله مع يمينه لأنه مدعى عليه فيحلف لكل واحد منهما يمينا أنه لا حق له فيها، فإذا حلف سقطت دعواهما وخلص ملكها له دونهما. وإن أقر لأحدهما بعينه فإن إقراره مقبول، لأن يده عليها، والظاهر أنها ملكه، فإذا أقر بها لانسان قبل إقراره فيها، وهل يحلف للآخر؟ قيل فيه قولان، بناء على القولين: إذا أقر لزيد بدار ثم رجع فقال لا بل لعمرو، ففيها قولان أحدهما يغرم لعمرو قيمتها، والثاني لا يغرم، لكن لا ينتزع من يد زيد قولا واحدا. وهذا كرجلين تداعيا نكاح امرأة فأقرت لأحدهما هل تحلف للآخر أم لا وهكذا لو أقرت لواحد بالزوجية، ثم رجعت فقالت لا بل فلان تزوجني فهل يغرم للثاني مهر مثلها أم لا على قولين. وكذلك رجل باع شيئا ثم ادعى بأن هذا الشئ الذي باعه لزيد، وصدقه المشتري هل [ يغرم ] لهما أم لا على قولين كذلك هيهنا هل يحلف للثاني أم لا على قولين. إذا ثبت هذا فمن قال لا يمين فلا كلام، ومن قال عليه اليمين للثاني أنه لا حق له في هذا، فلا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن يحلف أو يعترف أو ينكل، فإن حلف سقطت دعواه، وإن اعترف لم ينتزع الدار من يد المقر له الأول، وعليه القيمة للمقر له الثاني هيهنا، لأنا إنما فرعنا هذا على القول الذي يقال إنه يوجب عليه اليمين والضمان.

[ 150 ]

فأما أن لم يقر ولم يحلف ونكل، فرد اليمين على الثاني، ويحلف ليحصل للأول إقرار المدعى عليه، ويحصل للثاني يمينه مع نكول المدعى عليه وهو يجري مجرى الاقرار فيصير في الحقيقة كأنه قد أقر بها لكل واحد منهما. والحكم فيه قيل فيه ثلثة أوجه: أحدها أن توقف الدار والشئ المتنازع فيه حتى يتبين أو يصطلحا، والوجه الثاني يقسم بينهما، الثالث يقر في يد المقر له الأول ويغرم قيمتها للثاني لأن يمين الثاني مع نكوله يجري مجرى الاقرار، وقد تقدم إقراره بها للأول، فصار كأنه أقر للثاني بعد أن كان أقر بملكها، فوجب أن يقر في يد من يقر بها له، ويغرم للثاني، وهذا هو الأقوى. الثالث أن يقر بها لهما معا فقد أقر لكل واحد منهما بنصفها، ويدعي كل واحد منهما نصف ذلك الشئ، فالحكم في النكول عن اليمين والوقف والقسمة والغرم في هذا النصف كالحكم في جميع الدار في الفصل الأول وقد مضى. الرابع إذا قال هو لأحدكما لا بعينه، ولا أعرف عينه، فقال لهما: هل تدعيان علمه؟ فإن لم يدعيا ذلك توقف حتى يصطلحا معا، لتساويهما في الاقرار لهما، وما الذي يصنع به؟ وجهان أحدهما ينتزع من يده ويوضع على يدي عدل حتى يصطلحا لأنه لا حق له فيها، والثاني أنها يقر في يده، لأنا إن انتزعنا من يده لا نسلم إلى أحدهما، وإنما يوضع على يدي عدل، وهو عدل، وهذا أقوى. وإن ادعيا العلم وقال كل واحد منهما أنت تعلم أن جميع هذه الدار لي وأنكر فالقول قوله مع يمينه، لأنه مدعى عليه، فيحلف ويبرأ يمينا واحدة أنه لا يعلم لأيهما هي، وقال قوم يحلف لكل واحد منهما، وهذا الأقوى كالفصل الأول إذا أنكر لهما معا. قال المخالف والفرق بينهما أن هناك أنكر كل واحد منهما، فإذا حلف لم يكن ذلك اليمين يمينا للآخر، وليس كذلك هيهنا، لأنه إذا قال لا أعرف أيكما هو مالكها؟ وحلف فقد حلف لكل واحد منهما، فإن حلف سقطت دعواه، وصار كما لو صدقاه، وقد مضى الكلام عليه، وهل ينتزع من يده أو يقر في يده على القولين.

[ 151 ]

ثم يبقى الحكومة بينهما بين المتداعيين، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضي بها للذي حلف دون المنكر، وإن حلفا فقد تساويا فيها قولان أحدهما يقسم بينهما نصفين، والثاني يوقف حتى يصطلحا فيها، والأقوى الأول، وإن استعمل القرعة في ذلك كان قويا. [ تم كتاب الوديعة وهو آخر الجزء الثالث من أصل الشيخ رحمه الله ]

[ 152 ]

(كتاب النكاح) قال الله تعالى " فانكحوا ما طاب لكم من النساء (1) " فندب تعالى إلى التزويج وقال عز اسمه " وأنكحوا الأيامى منكم " (2) فندب إلى التزويج، وقال تعالى " و الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم (3) " فمدح من حفظ فرجه إلا عن زوجته أو ما ملكت يمينه (4). وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يا معاشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لا فعليه بالصوم فإن له وجاء، فجعله كالموجوء الذي رضت خصيتاه، فمعناه أن الصوم يقطع الشهوة. وروي عنه عليه السلام أنه قال من أحب فطرتي فليستن بسنتي ألا وهي النكاح وقال عليه السلام تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم حتى بالسقط، وأجمع المسلمون على أن التزويج مندوب إليه، وإن اختلفوا في وجوبه. وقد خص الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وآله بأشياء ميزه بها من خلقه وهي أربعة أضرب: واجب، ومحظور، ومباح وكرامة. وذلك أنه أوجب عليه أشياء لم يوجبها على خلقه ليزيده بها قوة ودرجة، وحظر عليه أشياء لم يحظرها على غيره تنزيها له عنها، وأباح له أشياء لم يبحها لأحد توسعا عليه، وأكرمه بأشياء خصه بها لينبه بذلك على كرامته ومنزلته. فالواجبات ذكر فيها السواك والوتر والأضحية فإن جميع ذلك كان واجبا عليه دون أمته فروي عنه عليه السلام أنه قال: كتب على الوتر ولم يكتب عليكم، وكتب على

(1) النساء: 3.
(2) النور: 32.
(3) المؤمنون: 5.
(4) أو في ملك يمين خ ل.

[ 153 ]

السواك ولم يكتب عليكم، وكتب على الأضحية، ولم يكتب عليكم. وأوجب عليه تخيير النساء، فمن اختارت نفسها منهن بانت بقوله " يا أيها النبي قل لأزواجك - إلى قوله - سراحا جميلا " (1). وأوجب عليه إذا لبس لامته، وهو الدرع والسلاح، أن لا ينزعها حتى يلقى العدو. وكان قيام الليل واجبا عليه دون أمته، ثم نسخت بقوله " ومن الليل فتهجد به نافلة لك " (2) فجعلت نفلا. وأما المحظورات فحظرت عليه الكتابة، وقول الشعر، وتعليم الشعر، وأخذ الصدقات المفروضات، وصدقة التطوع على قول بعضهم، ونكاح الكتابيات على قول بعض المخالفين، وعندنا أن ذلك محرم على كل أحد بعقد التزويج. وخائنة الأعين، ومعناه أنه ما كان يرمز بأمر أو يشير بعين تعريضا لكن يصرح به كقصة عثمان مع أخيه لأمه عبد الله بن سعيد ابن أبي سرح وهي معروفة. وأما المباحات التي خص بها فكثيرة: منها الوصال في الصوم كان مباحا ولا يحل لغيره، وهو أن يطوى الليل بلا أكل ولا شرب مع صيام النهار، لا أن يكون صايما لأن الصوم في الليل لا ينعقد، بل إذا دخل الليل صار الصائم مفطرا بلا خلاف. فروي عنه عليه السلام أنه نهى عن الوصال، قيل له إنك تواصل، فقال لست كأحدكم أنا أطعم وأسقي، وروي أنه قال أبيت ويطعمني ربي ويسقيني. وأبيح له أن يحمي لنفسه وللمسلمين، ولا يجوز لغيره أن يحمي لنفسه أصلا لكن للإمام أن يحمي للمسلمين. وأبيحت له الغنايم وأحلت له وما كانت تحل لأحد قبله، بل كانت تجمع فتنزل نار من السماء فتأكلها. وأبيحت له أربعة أخماس الفيئ وخمس الخمس من الغنيمة والفئ وعندنا أن

(1) الأحزاب: 28.
(2) أسرى: 79.

[ 154 ]

الفيئ كان له خاصة، وأبيحت له المصفى من الغنيمة، وهو كل ما كان يختاره وليس ذلك لأحد بعده، وعندنا أنه للإمام. وجعلت له الأرض مصلى يصلي أي موضع أراد، ويتطهر بأي تراب منها كان، ولم يكن ذلك لأحد قبله، فقال عليه السلام: " جعلت لي الأرض مسجدا وترابها لي طهورا. وقيل إنه أبيح له أخذ الماء من العطشان، وإن كان محتاجا إليه، ويكون أولى به، وليس لأحد ذلك لقوله تعالى " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم " (1). وأبيح له أن يتزوج ما شاء لا إلى عدد، وأن يتزوج بلا مهر. وخمس مسائل فيها خلاف منها أن يتزوج بلا ولي، وأن يتزوج بلا شهود وأن يتزوج في حال الاحرام، ويتزوج بلفظ الهبة، وإذا قسم لواحدة من نسائه وبات عندها هل يجب عليه أن يقسم لنسائه أم لا؟ منهم من قال: كان له كل ذلك ومنهم من قال لا يجوز، وعندنا أن التزويج بلا ولي ولا شهود حكم غيره في ذلك حكمه. وأما الكرامات فهو أن النبي صلى الله عليه وآله بعث إلى الكافة، وكان كل نبي بعث إلى قوم دون قوم، ولذلك قال عليه السلام بعثت إلى الأسود والأحمر. وأكرم بأنه شارك الأنبياء كلهم وساواهم في معجزاتهم: إذ كان له حنين الجذع، وتسبيح الحصا، وكلام الضب، وانشقاق القمر، وغير ذلك وخص بالقرآن الذي لم يكن لهم، وكل نبي إذا مات انقرضت معجزاته إلا نبينا صلى الله عليه وآله فإن معجزته بقيت إلى الحشر، وهي القرآن. ونصر بالرعب فقال عليه السلام: نصرت بالرعب حتى أن العدو لينهزم على مسيرة شهر، وجعلت أزواجه أمهات المؤمنين، وحرم على غيره أن ينكحها بعده بحال. وكان تنام عيناه ولا ينام قلبه، وكان يرى من خلفه مثل ما يرى من قدامه وبين يديه.

(1) الأحزاب: 6.

[ 155 ]

إذا خاطبه الله تعالى بلفظ عموم لم يعرف خصوصه إلا بدليل شرعي لأنه إذا خاطب تعالى بخطاب: واجب ومباح وندب يصلح اللفظ أن يكون متناولا له فكان هو وغيره من المؤمنين فيه سواء، مثل قوله " يا أيها الناس، ويا أيها الذين آمنوا " وما أشبه ذلك، إلا أن يكون هناك قرينة تدل على أنه مخصوص بذلك، كقوله تعالى " خالصة لك من دون المؤمنين " (1) فحينئذ يعرف خصوصه بها. وكل ما ذكرناه من الأحكام، إنما عرف اختصاصه بها بدليل، وما اختص به من الصوم ذكرناه في كتاب الصوم والغنائم ذكرناه في قسمة الفئ والغنيمة، ونذكر هيهنا ما يتعلق بالنكاح: فمن ذلك أنه كان يجوز له أن يتزوج أي عدد شاء من الحرائر المسلمات لا ينحصر، ولا يجوز لأحد من أمته أن يتجاوز أربعا إن كان حرا أو اثنتين إن كان عبدا لأن غيره إنما منع خوفا من أن لا يعدل بينهن بقسم، وذلك مأمون منه عليه السلام لأن الله تعالى قال " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة " (2) أي تجوروا، وهو عليه السلام كان يثبت على أن تعدل بينهن ألا تراه كان يطاف به في مرضه محمولا على نسائه يقسم لهن، ثم قال اللهم هذا قسمي فيما أملك، وأنت أعلم بما لا أملك، أقسم بينهن في الظاهر بالفعل، وإن كان لا يمكنني أن أسوي بينهن في المحبة. وقبض عليه السلام عن تسع وكان يجوز له أكثر من ذلك إلا أنه اتفق هذا العدد عند الموت، لكنه كان يقسم لثمان تسع ليالي لأنه كان هم بطلاق سودة بنت زمعة فقالت لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك، وقد وهبت ليلتي لعائشة، فكان عليه السلام يقسم كل دور لعايشة ليلتين، ولكل واحدة من السبع ليلة ليلة. وكان يجوز له أن يتزوج بلا مهر ابتداء، وانتهاء، مثل أن يتزوج بلفظ النكاح ولا يمهرها ثم يدخل بها، ولا يجب عليه مهرها، وليس ذلك لغيره، لأنه وإن جاز له أن يتزوج بلا مهر، فإذا دخل بها وجب عليه المهر، لقوله تعالى " وامرأة مؤمنة

(1) الأحزاب: 50.
(2) النساء: 3.

[ 156 ]

إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين " فالظاهر يقتضي أنه كان له أن يتزوج بلفظ الهبة، وفي الناس من قال لا يجوز له ذلك والأول أصح، ومنهم من قال كان يجوز له الايجاب بلفظ الهبة وأما القبول فلا يجوز إلا بلفظ التزويج. وأما النكاح بلا ولي وشهود فعندنا يجوز له ولغيره إذا كانت المرأة بالغا غير مولى عليها لسفه، وأما النبي صلى الله عليه وآله فلا خلاف أنه تزوج أم سلمة فزوجة إياها ابنها عمر، ولا خلاف أن الابن لا ولاية له على الأم فكأنه تزوجها بلا ولي، ولا خلاف أنه صلى الله عليه وآله أعتق صفية وتزوجها وجعل عتقها صداقها، والمعتق لا يكون وليا في حق نفسه. وأما النكاح في حال الاحرام، فالظاهر أنه ما كان يجوز له لورود النهي في ذلك على وجه العموم، ولما روي عنه عليه السلام أنه قال المحرم لا ينكح ولا ينكح، ولم يفرق وفيمن وافقنا في تحريم نكاح المحرم من قال إنه كان يجوز له ذلك، لما روي عن ابن - عباس أنه عليه السلام تزوج ميمونة وهو محرم. وأما حرائر الكتابيات فلم يجز له أن يتزوج بهن لأن نكاحهن محرم على غيره عندنا لقوله تعالى " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " (1) وقوله " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " (2) ولم يفصل، وفيمن خالفنا في نكاح الكتابيات من قال إنه محرم عليه ذلك لقوله عز وجل " وأزواجه أمهاتهم " (3) والكافرة لا تكون أم المؤمن، لأن هذه أمومة الكرامة، والكافرة ليست أهلا لذلك، ولقوله تعالى " إنما المشركون نجس " (4) ولأنه قال عليه السلام كل نسب وسبب ينقطع يوم القيمة إلا نسبي وسببي، وذلك لا يصح في الكافرة.

(1) البقرة: 221.
(2) الممتحنة: 10.
(3) الأحزاب: 6.
(4) براءة: 28.

[ 157 ]

فأما نكاح الأمة فلم يجز له بلا خلاف وأما وطئ الأمة فكان جايزا له، مسلمة كانت أو كتابية، بلا خلاف، لقوله تعالى " أو ما ملكت أيمانكم " (1) ولقوله عز - وجل " وما ملكت يمينك (2) " ولم يفصل، وملك عليه السلام مارية القبطية وكانت مسلمة، وملك صفية وهي مشركة، وكانت عنده إلى أن أسلمت فأعتقها وتزوجها. والتخيير عليه كان واجبا لأن الله فرض عليه أن يخير نساءه بقوله " قل لأزواجك إن كنتن تردن الحيوة الدنيا (3) " الآية وذلك أن بعض نسائه طلبت منه حلقة من ذهب، فصاغ لها من فضة، وطلاها بالزعفران، فقالت لا أريد إلا من ذهب فاغتم عليه السلام لذلك فنزلت آية التخيير. وقيل إنما خيره لأنه لم يمكنه التوسعة عليهن فربما تكون فيهن من تكره المقام معه فنزهه عن ذلك والتخيير كناية عن الطلاق عند قوم إذا نويا معا، فإن لم ينويا أو لم ينو أحدهما لم يقع به شئ، وقال قوم إنه صريح في الطلاق، وعندنا أنه ليس له حكم. هل كان يخير عليه السلام على الفور أو التراخي؟ الأصول تقتضي أنه كان على الفور، لأن الأمر يقتضي ذلك، وينبغي أن يكون جواب المرأة إذا خيرها مثل ذلك على الفور إذا كان مطلقا فأما إن كان مشروطا أو مقيدا فهو بحسبهما. قوله تعالى " لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج " (4) أي لا يحل لك من بعد أن تتزوج على نسائك وأن تستبدل بهن، فحرم عليه الاستزادة والاستبدال، مثل أن يطلق واحدة ويتزوج بدلها أخرى، لكن كان يجوز أن يطلق واحدة من غير بدل يتزوجها. وقيل إن سبب هذا أن الله تعالى أراد أن يكافيهن على اختيارهن النبي صلى الله عليه وآله

(1) النساء: 3.
(2) الأحزاب: 50.
(3) الأحزاب: 28.
(4) الأحزاب: 52.

[ 158 ]

حين صبرن على الفاقة والجوع والضر، روي عن عايشة أنها قالت مات رسول الله صلى الله عليه وآله وما شبعنا من خبز بر قط. ثم نسخت وأحلت له النساء بقوله " إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك " الآية (1) وفيها ثلاث أدلة. أحدها قوله " أحللنا " والاحلال له النساء رفع الحظر، ومعلوم أن أزواجه اللواتي كن معه ما حظرن عليه، فيحتاج إلى رفعه، فدل على أنه أراد من تزوجهن في المستقبل الثاني قوله " وبنات عمك " أي أحللنا لك بنات عمك ومعلوم أنه ما كانت في زوجاته، بنت عم وعمة، وخال وخالة، فدل على أنه أراد في المستقبل. والثالث قوله " وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي " أي وأحللنا لك امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها، وذلك من حروف الشرط التي تقتضي الاستقبال، ولو قال: إذ وهبت لكان للماضي وروي أن عايشة قالت للنبي صلى الله عليه وآله لما أنزلت إحلال النساء ما أرى ربي إلا يسارع في هواك. كل امرأة مات النبي عنها، فإنها لا تحل لأحد أن يتزوجها، سواء دخل بها أو لم يدخل بها، ولم يكن له زوجة إلا وقد كان دخل بها، لكن لو اتفقت له امرأة لم يدخل بها ومات عنها، فحكمها حكم المدخول بها لعموم الآية، وهو إجماع في الزوجات التي مات عنهن. وأما كل امرأة فارقها في حياته بفسخ مثل المرأة التي وجد بكشحها بياضا ففسخ نكاحها أو بطلاق مثل المرأة التي قالت له أعوذ بالله منك، فطلقها، فهل للغير أن يتزوجها؟ قيل فيه ثلثة أوجه أحدها وهو الصحيح أنه لا تحل له لعموم قوله " وأزواجه أمهاتهم " ولم يفصل، والثاني تحل لكل أحد سواء دخل بها أو لم يدخل والثالث إن كل دخل بها لم تحل لأحد، وإن لم يدخل بها حلت. أزواج النبي صلى الله عليه وآله أمهات في معنى العقد عليهن، وليس أمهات حتى تحرم

(1) الأحزاب: 50.

[ 159 ]

بناتهن وأمهاتهن لأنهن، ليست بأمهات على الحقيقة نسبا أو رضاعا فيكون بناتهن أخوات، وأمهاتهن جدات، ولا يتجاوز التحريم بهن، لأنه لا دليل عليه، ولأنه عليه السلام زوج بناته: زوج فاطمة عليها السلام عليا وهو أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، وأمها خديجة أم المؤمنين، وزوج بنتيه رقية وأم كلثوم عثمان، لما ماتت الثانية، قال: لو كانت ثالثة لزوجناه إياها، وتزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر، وهي أخت عايشة، وتزوج طلحة أختها الأخرى. وأما النبي صلى الله عليه وآله فسمى أبا لقراءة من قرأ " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم " ولحديث سلمان عن النبي: أنا لكم مثل الوالد. وقال بعض شيوخ المخالفين ممن يشار إليه: الناس يقولون لمعاوية خال المؤمنين لأنه أخو أم حبيبة بنت أبي سفيان وهي أم المؤمنين، وأخو الأم خال، ولمحمد بن أبي بكر أنه خال المؤمنين لأنه أخو عايشة، وقال قوم إنه لا يجوز أن يقال ولا يكون خالا لما ذكرناه من أن الاسم لا يتعدى، ولو كان إخوتهن خالا لما جاز لواحد منهم أن يتزوج امرأة أصلا، لأنها بنت أخته إذ أخته أم المؤمنين والمؤمنات، ولأن هذا الاسم لو تجاوز إلى البنات وغيرهن لما جاز لأحد أن يتزوج بنات زوجات النبي صلى الله عليه وآله، ولا شك في أن ذلك جايز، ولأدى إلى أن لا يصح نكاح أصلا في الدنيا لان زوجة النبي صلى الله عليه وآله أم الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات فكل مؤمن ومؤمنة أخوان، وابنان لها، فلا يجوز أن يتزوج أخته، وهذا باطل بالاجماع. كل من تزوج من أمة النبي صلى الله عليه وآله فإنه لا يجب عليه ابتداء أن يقسم لنسائه ولكن يقسم كلما بات عندهن، فإن ابتدء وقسم لواحدة وبات عندها وجب أن يقسم للبواقي، ويسوي بينهن، إلا أن تهب إحداهن حق نفسها من القسم، وتتركه برضاها. وكذلك النبي صلى الله عليه وآله إذا تزوج لم يجب عليه ابتداء قسم لنسائه لكن إذا قسم لواحدة فهل يجب عليه انتهاء أن يقسم للبواقي أم لا؟ قيل فيه وجهان.

[ 160 ]

قال قوم لا يجب عليه ذلك لقوله تعالى " ترجى من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء " (1) قال معناه أن تؤخر من شئت منهن بمعنى تركت وأرجيت، ومن شئت قربت وآويت، والظاهر أنه كان يجب عليه القسم للبواقي لأنه كذلك كان يفعل حتى أنه كان يطاف به في مرضه بالقسمة إلى أن قبض عليه السلام وقيل في قوله تعالى " ترجى من تشاء منهن وتؤوي إليك " أنها نزلت في المرأة التي وهبت نفسها للنبي لأنه قال من بعد قوله " إن وهبت نفسها للنبي " الآية " ترجى " أي تقبل " من تشاء منهن " وتؤخر من تشاء. النكاح مستحب في الجملة للرجل والمرأة، ليس بواجب خلافا لداود والناس ضربان ضرب مشته للجماع، وقادر على النكاح، وضرب لا يشتهيه، فالمشتهي يستحب له أن يتزوج، والذي لا يشتهيه المستحب أن لا يتزوج لقوله تعالى " وسيدا وحصورا " (2) فمدحه على كونه حصورا، وهو الذي لا يشتهي النساء، وقال قوم هو الذي يمكنه أن يأتي النساء ولكن لا يفعله. لا تحل للأجنبي أن ينظر إلى أجنبية لغير حاجة وسبب فنظره إلى ما هو عورة منها محظور، وإلى ما ليس بعورة مكروه، وهو الوجه والكفان لقوله تعالى " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " (3) وروي أن الخثعمية أتت رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع تستفتيه في الحج وكان الفضل بن عباس رديف النبي صلى الله عليه وآله، فأخذ ينظر إليها وأخذت تنظر إليه فصرف النبي صلى الله عليه وآله وجه الفضل عنها وقال رجل شاب وامرأة شابة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام لا تتبع النظرة النطرة فإن الأولى لك، والثانية عليك، وروي أن ابن مكتوم دخل على النبي عليه السلام وعنده عائشة وحفصة فلم يحتجبا فلما خرج أنكر عليهما، فقالت إنه أعمى فقال أعمياوان أنتما؟. فأما النظر إليها لضرورة أو حاجة فجائز، فالضرورة مثل نظر الطبيب إليها، وذلك

(1) الأحزاب: 51.
(2) آل عمران: 39.
(3) النور: 30.

[ 161 ]

يجوز بكل حال، وإن نظر إلى عورتها، لأنه موضع ضرورة لأنه لا يمكن العلاج إلا بعد الوقوف عليه، ومثل ما إذا ادعى عيبا على امرأته، فأنكرته فأتى بمن يراه ويشهد عليه، والحاجة مثل أن يتحمل شهادة على امرأة، فلا بد من أن يرى وجهها ليعرفها. ومثل ما لو كانت بينه وبينها معاملة ومبايعة ليعرف وجهها فيعلم من التي يعطيها الثمن إن كانت بايعة، أو المثمن إن كانت مبتاعة، ومثل الحاكم إذا حكم عليها فإنه يرى وجهها ليعرفها ويجلبها. وروي أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وآله لتبايعه فأخرجت يدها فقال النبي صلى الله عليه وآله: أيد امرأة أم يد رجل؟ فقالت يد امرأة، فقال: أين الحنا؟ فدل هذا الخبر على أن عند الحاجة يجوز النظر إليها، لأنه إنما عرف أنه لا حنا على يدها بالنظر إليها مكشوفة. فأما إذا نظر إلى جملتها يريد أن يتزوجها فعندنا يجوز أن ينظر إلى وجهها وكفيها فحسب، وفيه خلاف، وله أن يكرر النظر إليها سواء أذنت أو لم تأذن إذا كانت استجابت إلى النكاح، فأما نظر الرجل إلى زوجته إلى كل موضع منها فمباح ما عدا الفرج فإنه مكروه، وفي الناس من قال إنه محرم. إذا ملكت المرأة فحلا أو خصيا فهل يكون محرما لها حتى يجوز له أن يخلو بها ويسافر معها؟ قيل فيه وجهان: أحدهما وهو كالظاهر أنه يكون محرما لقوله " ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن " إلى قوله " أو ما ملكت أيمانهن " فنهاهن عن إظهار زينتهن لأحد إلا من استثني، واستثنى ملك اليمن، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه دخل على فاطمة وهي فضل (1) فأرادت أن تستتر فقال عليه السلام: لا عليك أبوك وخادمك، وروي أبوك وزوجك وخادمك، والثاني وهو الأشبه بالمذهب أنه لا يكون محرما، وهو الذي يقوى في نفسي، وروى أصحابنا في تفسير الآية أن المراد به الإماء، دون الذكران.

(1) أي في ثوب واحد متوحشة به، جاعلة طرفيه على عاتقها

[ 162 ]

(فصل) * (في ذكر أولياء المرأة والمماليك) * إذا بلغت الحرة رشيدة ملكت كل عقد من النكاح والبيع وغير ذلك وفي أصحابنا من قال إذا كانت بكرا لا يجوز لها العقد على نفسها إلا بإذن أبيها، وفي المخالفين من قال لا يجوز نكاح إلا بولي وفيه خلاف. وإذا تزوج من ذكرناه بغير ولي كان العقد صحيحا، وإذا وطئ الزوج لم يكن عليه شئ من أدب وحد، ولا خلاف في سقوط الحد إلا شاذا منهم، قال: إن كان يعتقد تحريمه وجب عليه الحد، والمهر: يلزمه بالدخول بلا خلاف، ومتى ترافعا إلى حاكم لم يجز له أن يفرق بينهما. ومن قال لا يجوز قال: إن ترافعا إلى من يعتقد تحريمه وجب أن يفرق بينهما وإن ترافعا إلى من يعتقد صحته فحكم بصحته وأمضى، ثم ترافعا إلى من يعتقد تحريمه لم ينقض الحكم، وقال شاذ منهم ينقضه. ومتى نكح بغير ولي ثم طلقها، فطلاقه واقع، وفيه خلاف بين من قال بتحريم هذا العقد فأما إذا اشترى أمة شراء فاسدا فلا خلاف أنه لا يقع عتقها إذا أعتقها. النساء ضربان: ثيبات وأبكار، فالثيب لا تخلو أن تكون صغيرة أو كبيرة، فإن كانت كبيرة رشيدة لم تجبر على النكاح إلا بإذنها ونطقها بلا خلاف، وإن كانت الثيب صغيرة كان لوليها تزويجها، وفي المخالفين من قال: لا تجبر على النكاح بوجه، ولا سبيل إلى تزويجها قبل بلوغها. وأما الأبكار فلا يخلو أن تكون صغيرة أو كبيرة، فإن كانت صغيرة كان لأبيها وجدها أبي أبيها وإن علا أن يزوجها لا غير، وإن كانت كبيرة فالظاهر في الروايات أن للأب والجد أن يجبرها على النكاح، ويستحب له أن يستأذنها، وإذنها صماتها وإن لم يفعل فلا حاجة به إليها، وفيه خلاف، وفي أصحابنا من قال ليس له إجبارها

[ 163 ]

على النكاح، ولست أعرف به نصا. لا يقف التزويج على الإجازة مثل أن يزوج الرجل امرأة من غير أمرها أو رجلا من غير أمره أو يتزوج العبد أو الأمة من غير إذن مولاهما أو يتزوج بنت غيره من غير أمره أو امرأة من غير أمرها كل ذلك باطل، وكذلك إن اشترى للغير كان الشراء باطلا. فأما البالغة الرشيدة فتزويجها نفسها صحيح عندنا، وبيع ملك الغير قال أصحابنا يقف على إجازته، ورووا في تزويج العبد خاصة أنه موقوف على إمضاء سيده فأما نكاح الأمة فمنصوص عليه أنه زنا إذا كان بغير إذن سيدها. يصح أن يكون الفاسق وليا في النكاح، سواء كان له الاجبار مثل الأب والجد في حق البكر أو لم يكن له الاجبار مثل غيرهما من الأولياء في حق الثيب البالغ. وليس من شرط انعقاد العقد الشاهدان أصلا، بل يثبت من دونهما وإنما ذلك مستحب. إذا زوج الذمي بنته الكافرة من مسلم بمحضر من كافرين صح العقد عند من أجاز العقد عليهن من أصحابنا، لأنه ليس من شرط انعقاد الشهادة وفيه خلاف. أهل الصنايع الدنية كالحارس والكناس والحجام تقبل شهادتهم إذا كانوا عدولا وفيهم من قال لا تقبل، فمن قال تقبل، قال: يصح أن يكونوا أولياء في النكاح، ومن قال لا تقبل شهادتهم قال لم يجز أن يكونوا أولياء والصحيح الأول. الأعمى هل ينعقد به النكاح؟ عندنا ينعقد لأن الشهادة ليست شرطا فيه، وفيمن قال الشهادة شرط من يقول فيه وجهان إذا قال يعتبر عدلان يثبت بهما النكاح بوجه قبل لأنه يثبت بهما نكاح بوجه: وهو إذا تحملا بصيرين ثم عميا وإذا قال عدلان يثبت بهما هذا العقد لا تقبل شهادتهما، والولاية كالشهادة على الوجهين. فأما الأخرس فإنه تقبل شهادته بالايماء فعلى هذا ينعقد به، وفي الناس من قال: لا ينعقد بشهادته لأنه لا يثبت شهادته بوجه. إذا وقع العقد بشاهدين لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يكونا عدلين أو فاسقين

[ 164 ]

أو متهمين، فإن كانا عدلين مثل أن يبحث عنهما فوجدا عدلين، فقد ثبت النكاح، ولزم وإن كانا فاسقين، فالنكاح باطل عند من اعتبر الشهادة، وإن كانا متهمين ظاهرهما العدالة انعقد النكاح، وإن لم يجز في الباطن، وعندنا يثبت العقد على كل حال لأن الشهادة ليست شرطا فيه على ما بيناه. ومتى فسق الشاهدان بعد العقد لم يؤثر في العقد بلا خلاف. وإذا ترافع رجل وامرأة إلى الحاكم فأقرا أنهما زوجان بولي رشيد وشاهدي عدل، فإن الحاكم يمضيه ويحكم به سواء عرف الشهود أو لم يعرفهم، وإن ترافعا متجاحدين فادعى أحدهما الزوجية، وأنكر الآخر، فأقام المدعي شاهدين لم يحكم الحاكم بشهادتهما حتى يبحث عن عدالتهما، فإذا عرفهما بها حكم وإلا رده. إذا ذهب عذرة الصغيرة بوطئ له حرمة أو بما لا حرمة له أو بغير وطئ جاز لأبيها وجدها إجبارها على النكاح ما لم تبلغ، وقال قوم ليس لأحد إجبارها على النكاح حتى تبلغ وتستأذن. الذي له الاجبار على النكاح الأب والجد مع وجود الأب وإن علا. وليس لغيرهما ذلك من سائر العصبات الذين يرثون المال. النساء على ضربين عاقلة ومجنونة: فإن كانت مجنونة نظرت، فإن كان لها أب أو جد كان لهما تزويجها صغيرة كانت أو كبيرة بكرا كانت أو ثيبا، فإن لم يكن لها أب ولا جد، ولها أخ أو ابن أخ أو عم أو ابن عم أو مولى نعمة فليس له إجبارها بحال صغيرة كانت أو كبيرة، بكرا كانت أو ثيبا بلا خلاف، ولا يجوز للحاكم تزويجها وعند المخالف للحاكم تزويجها إن كانت كبيرة بكرا كانت أو ثيبا، وعندنا يجوز ذلك للإمام الذي يلي عليها أو من يأمره الإمام بذلك. وإن كانت عاقلة نظرت: فإن كان لها أب أو جد أجبرها، وإن كانت بكرا صغيرة كانت أو كبيرة. وإن كانت ثيبا كبيرة لم يكن لهما ذلك، وإن كانت ثيبا صغيرة كان لهما ذلك، وفيهم من قال ليس لهما ذلك على حال وإن كان لها أخ أو ابن أخ أو عم أو ابن عم أو مولى نعمة لم يكن له تزويجها صغيرة بحال، وإن كانت كبيرة كان

[ 165 ]

له تزويجها بأمرها بكرا كانت أو ثيبا، والحاكم في هذا كالأخ والعم سواء في جميع ما قلناه إلا في المجنونة الكبيرة فإن له تزويجها وليس للأخ والعم ذلك. فهذا ترتيب النساء على الأولياء، فإن أردت ترتيب الأولياء على النساء قلت: الأولياء على ثلاثة أضرب أب وجد أو أخ وابن أخ وعم وابن عم ومولى نعمة أو حاكم. فإن كان أب أو جد وكانت مجنونة أجبرها صغيرة كانت أو كبيرة، ثيبا كانت أو بكرا، وإن كانت عاقلة أجبرها إن كانت بكرا صغيرة كانت أو كبيره وإن كانت ثيبا لم يجبرها صغيرة عنده، وعندنا أن له إجبارها إذا كانت صغيرة، وله تزويجها بإذنها إذا كانت كبيرة، فإن كان لها أخ وابن أخ وعم وابن عم ومولى نعمة لم يجبرها أحد منهم صغيرة كانت أو كبيرة بكرا كانت أو ثيبا عاقلة كانت أو مجنونة، والحاكم يجبرها إذا كانت مجنونة، صغيرة كانت أو كبيرة، وإن كانت عاقلة فهو كالعم. المحجور عليه لسفه على ضربين أحدهما أن يكون بلغ سفيها فاستديم الحجر عليه والآخر أن يكون رشيدا ثم صار سفيها بأن يكون مفسدا لماله فأعيد عليه الحجر، فإذا كان محجورا عليه لسفه نظرت فإن لم يكن به حاجة إلى النكاح لم يكن لوليه تزويجه لأن عليه ضررا فيه فإنه يوجب عليه المهر والنفقة والمؤنة فيما لا حاجة إليه، بلى إن كان مريضا يحتاج إلى امرأة تحفظه وتخدمه زوجه هيهنا، حتى تخدمه ولا يكون حراما عليه. وإن كانت به حاجة إليه بأن يطالبه وعرف من حاله الحاجة فعلى وليه أن يزوجه لأنه منصوب للنظر في مصالحه، فإذا ثبت هذا نظرت فإن اختار أن يزوجه هو من غير إذنه جاز ذلك لأنه محجور مولى عليه، فكان لوليه أن يعقد عليه بغير أمره، فإن اختار وليه أن يرد إليه أن يتزوج لنفسه جاز ذلك، لأنه من أهل النكاح ويصح طلاقه وخلعه. فإذا جعل الأمر إليه نظرت فإن عين له المنكوحة أو القبيلة التي تنكح منها صح وإن أطلق فيه قيل فيه وجهان أحدهما يجوز كالعبد، والثاني لا يجوز لئلا يتزوج بالشريفة، فليزمه مهر المثل وربما أجحف به، وإن زوجه وليه لم يكن له أن يزيد

[ 166 ]

على مهر المثل، لأن الزيادة محاباة وهبة، وذلك لا يصح، وإن فوض الأمر إليه مثل ذلك لم يكن له أن يزيد على مهر المثل، فإذا تزوج بمهر المثل أو دونه فلا كلام وإن تزوج بأكثر رد إلى مهر المثل. ومتى احتاج إلى النكاح وطالب الولي بذلك فامتنع من تزويجه فتزوج لنفسه فهل يصح العقد أم لا؟ فيه وجهان أحدهما لا يصح، لأنه نكاح محجور عليه بغير إذن وليه فأشبه إذا لم يمنعه والثاني يصح لأن الحق قد تعين له، فإذا تعذر عليه أن يستوفيه بغيره، جاز أن يستوفيه بنفسه، كمن له حق عند غيره فمنعه، وتعذر عليه أن يصل إليه كان له أن يستوفيه بنفسه وهو الأقوى. فأما المجنون ينظر فيه، فإن كان جنونه دائما سرمدا لا يفيق نظرت، فإن لم يكن به إلى النكاح حاجة لم يزوجه، وإن كان به إليه حاجة مثل أن يراه يتبع النساء ويحن إليهن أو يظهر فيه أمارات الشهوة، زوجه لأنه من مصلحته، وليس له أن يرد النكاح إليه ليليه بنفسه لأن هذا ليس من أهل النكاح، فإن كان يجن يوما ويفيق يوما لم يزوجه وليه أصلا، لأنه إن كان به إليه حاجة تزوج لنفسه يوم إفاقته. فأما المرض المزيل للعقل كالسرسام ونحوه ينتظر به، فإن زال عقله واستمر به فهو كالجنون المطبق، وإن كان ذلك أياما ثم يفيق كان له أن يتزوج بنفسه ولم يكن لوليه أن يزوجه. لا يجوز للعبد أن ينكح بغير إذن سيده، فإن فعل كان موقوفا على إجازة سيده فإن أجازه جاز وفيه خلاف، وإما إذا تزوج بإذنه فالعقد صحيح بلا خلاف، ويصح منه أن يقبل النكاح لنفسه، فإذا تزوج بمهر المثل، فلا كلام، وكذلك إن كان بأقل وإن كان بأكثر صح الكل ويكون الفضل في ذمته يتبع به إذا أعتق وأيسر، وقدر مهر المثل في كسبه يستوفى منه. وللسيد إجبار العبد على النكاح وفيه خلاف، وسواء كان العبد صغيرا أو كبيرا، فإن له إجباره على النكاح، وإن دعي العبد إلى النكاح وطلبه من سيده فإنه لا يجير المولى على إنكاحه، لأنه لا دليل عليه وفيه خلاف، غير أنه يستحب

[ 167 ]

له ذلك، إذا كان المولى رشيدا، وإن كان محجورا عليه لسفه أو صغر أو جنون فليس لوليه أن يزوجه، فمن قال يجبر عليه، قال: عليه أن يزوجه إذا كان رشيدا وإن كان مولى عليه فعلى وليه أن يزوجه. والقول في المدبر مثل ذلك سواء وكذلك المعتق بصفة عند من أجاز ذلك، فأما المعتق بعضه فليس لسيده إجباره بلا خلاف وإن دعا هو إلى تزويجه لا يجبر السيد على تزويجه وفيهم من قال يجبر عليه. وأما المكاتب فليس لسيده إجباره على النكاح بلا خلاف، لأنه يقطعه بالتزويج عن تصرفه، ولأنه يلزمه نفقتها فربما عجز عن أداء ما عليه، وأما إن طلب هو من سيده فلا يجبر السيد عليه، ومنهم من قال يجبر. وإن كان العبد بين شريكين وطالبهما بالنكاح، فليس عليهما الإجابة، وإن أرادا إجباره كان لهما ذلك، وإن أراد أحدهما إنكاحه وأباه الآخر لم يكن لهذا إجباره لأن لشريكه نصفه، فلا يملك إجبار عبد غيره بلا خلاف، وكذلك الحكم في مكاتب بين نفسين. إذا تزوج العبد بإذن سيده فالنكاح صحيح، وإن سمى مهرا لزم ذلك المسمى فإذا مكنت من الاستمتاع وجبت النفقة، لأنها تجب في مقابلة التمكين، ويكون أذن السيد في التزويج إذنا في اكتساب المهر والنفقة. فإذا تقرر أنهما يجبان فأين يجب؟ لم يخل العبد من ثلاثة أحوال إما أن يكون مكتسبا، أو مأذونا له في التجارة، أو غير مكتسب ولا مأذون له. فإذا كان مكتسبا وجب ذلك في كسبه وعليه أن يرسله ليلا ونهارا ليكتسب بالنهار ما يجب عليه ويستمتع ليلا، لأنه لما أذن له فيه كان المقصود به تحصيل الاستمتاع فألزمناه إرساله للكسب نهارا، وبالليل للاستمتاع، فإن اختار السيد أن يتكفل بمؤنته ومؤنة زوجته فحينئذ له أن يستخدمه لما شاء. فإذا ثبت أن وجوبه في كسبه فإنما يلزمه فيما يستأنف من الكسب لا فيما مضى وهكذا لو أذن له في النكاح بمهر إلى أجل كان كسبه قبل أن يحل الأجل لسيده وإنما يتعلق حق المهر فيما يكتسبه بعد حلول الحق عليه لأنه يجب في كسبه ما يستحق

[ 168 ]

عليه، وقبل حلول الأجل لم يجب عليه شئ، فلهذا لم يتعلق بكسبه. وإن كان مأذونا له في التجارة فإنه تجب النفقة وأين تجب؟ قال قوم يعطيه مما في يده، وقال آخرون: إنه يدفع ذلك مما يكتسبه فيما بعد. وإن كان غير مكتسب ولا مأذون له فيها فأين يجب النفقة والمهر. قيل فيه وجهان: أحدهما في ذمته يتبع به إذا أعتق، فعلى هذا يقال لزوجته زوجك معسر بالمهر والنفقة، فإن صبرت وإلا فلك خيار الفسخ، والثاني يجب في ذمة سيده، لأنه إذا علم أن عبده لا يقدر عليه مما يلزمه من المهر والنفقة علم أنه الملتزم له، وله أن يعطيه من أي ماله شاء إن شاء من هذا العبد، وإن شاء من غيره. وهكذا إذا زوج الرجل ابنه الصغير فإن كان للطفل مال كان المهر والنفقة من ماله، وإن كان فقيرا قيل فيه وجهان أحدهما في ذمته يتبع به إذا أيسر، فإن اختارت زوجته الفسخ كان لها، والقول الثاني يجب ذلك في ذمة أبيه لأنه لما زوجه مع علمه بوجوب ذلك لزوجته وعلمه بإعسار ولده علم أنه التزم ذلك. فأما نكاح العبد إذا كان العقد فاسدا وهو إذا تزوج بغير إذن سيده وأراد الفسخ فرق بينهما، ولا يقران عليه، فإذا فرق فإن كان قبل الدخول لا يتعلق به حكم، وإن كان بعد الدخول فعليه مهر مثلها، ويجب ذلك في ذمته يتبع به إذا أيسر، وفي الناس من قال إنه يتعلق برقبته لأن الوطئ كالاتلاف، والاتلاف يتعلق برقبته. وأما إذا أذن له في النكاح فنكح نكاحا فاسدا فرق بينهما، فإن كان قبل الدخول فلا كلام، وإن كان بعد الدخول وجب المهر ولا يتعلق بالسيد، لأنه لم يأذن له في هذا النكاح، ومنهم من قال يتعلق به، لأنه إذا أذن في النكاح دخل تحته الصحيح والفاسد، والأول أصح. فمن قال يتضمن النكاحين فالحكم في المهر على ما مضى في النكاح الصحيح من أنه لا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن يكون مكتسبا أو مأذونا أو غير مكتسب ولا مأذون ومن قال يتناول الفاسد ففي وجوب مهرها فيه قولان أحدهما في ذمة العبد وهو الصحيح والآخر في رقبته.

[ 169 ]

فإن أذن له في نكاح حرة فنكح أمة أو في أمة فنكح حرة، أو في امرأة بعينها فنكح غيرها، أو في بلد بعينه فنكح من غيره، أو في قبيلة بعينها فنكح في غيرها فالنكاح في هذا كله باطل، ومن قال من أصحابنا إن نكاحه موقوف إذا نكح بغير إذن سيده فينبغي أن يقول هذا كله موقوف. وإن أطلق الإذن وقال تزوج بمن شئت صح هذا بلا خلاف، فإذا تزوج من بلده لم يكن لسيده منعه منها، وإن تزوج من بلد آخر كان له منعه من السفر إليها غير أن النكاح صحيح، إلا أن العبد لا يسافر إلا بإذن سيده. وإذا أطلق فنكح أمة صح ثم إن سيده أعطاه مالا فقال له: اشتر زوجتك، فإن اشتراها فهل ينفسخ النكاح أم لا؟ نظرت فإن قال اشترها لي صح الشراء، والنكاح بحاله، إلا أن سيده ملك زوجته، وله أن يزوج أمته بعبده فلا يضر انتقال ملكها إلى سيده، وإن ملكه المال وقال اشترها لنفسك، فهل ينفسخ أم لا؟ على قولين: فمن قال العبد إذا ملك لم يملك، فالنكاح بحاله، وزوجته لسيده، وإن قيل إذا ملك ملك انفسخ النكاح لأن الزوج إذا ملك زوجته انفسخ النكاح وهذا الأقوى. إذا تزوج من نصفه حر ونصفه عبد بإذن سيده أمة صح، فإن اشتراها زوجها نظرت، فإن اشتراها بماله الذي ملكه بما فيه من الحرية بطل نكاحها، وإن اشتراها بما في يده من المال الذي بينه وبين سيده فالشراء فيما قابل حق سيده باطل، وفيما قابل حقه صحيح. وفيهم من قال على قولين بناء على تفريق الصفقة فمن قال باطل فالنكاح بحاله ومن قال صحيح فقد ملك بعض زوجته، وبطل نكاحها، لأن الزوج متى ملك زوجته أو بعضها بطل نكاحها. فأما الكلام في أحكام الإماء فجملته أنه إذا كان له أمة فأراد تزويجها كان له ذلك باختيارها وغير اختيارها، صغيرة كانت أو كبيرة، بلا خلاف، ويجب له المهر، والولد له إن شرط ذلك، وعند المخالف بلا شرط، وتسقط نفقتها وإن دعت الأمة السيد إلى تزويجها لم يجبر السيد عليه بلا خلاف، لأن له فيها منافع.

[ 170 ]

وعند بعض المخالفين إذا كانت الأمة ممن يحرم له وطيها، وطالبته بالتزويج فعلى وجهين، وعلى أصلنا لا يصح ذلك لأن هؤلاء ينعتقون عليه. والمدبرة كالأمة القن سواء، والمعتقة بعضها ليس له إجبارها لما فيها من الحرية ولا يجبر هو على إنكاحها، والمكاتبة ليس له إنكاحها، فإن دعت هي إلى التزويج فلا يجبر السيد عليه وللمخالف فيه وجهان أحدهما يجبر لأن لها فائدة فيه لكسب المهر وتسقط عنها نفقة نفسها وكسوتها، والثاني لا يجبر عليه لأنها قد تعجز فترق فتحل له، فإذا زوجها ربما رقت فعادت إلى ملكه وهي زوجة الغير ولا تحل له فلهذا لا يجبر عليه وهذا الأقوى لأنه لا دليل على إجباره والأصل براءة الذمة. وأما أم الولد فله إجبارها عندنا على التزويج كالأمة القن وفيهم من قال مثل ما قلناه، وفيهم من قال له تزويجها برضاها كالمعتقة، وفيهم من قال: ليس له ذلك كالأجنبية وإن رضيت به، فعلى هذا يزوجها السلطان وقال قوم لا يزوجها أحد. وإنما قلنا له إجبارها لأنها مملوكته، ويجوز له بيعها عندنا. فأما إذا كان له أمتان أختان فوطئ إحداهما حرمت الأخت عليه، لأنه لا يجمع بين الأختين، ولا تحل له هذه حتى يحرم على نفسه التي يطأها بعتق أو نكاح أو بيع فإذا حرمت عليه حلت له هذه فإن أراد إنكاح التي يطأها كان له لأنها أمة قن فإن دعت هي إلى الانكاح لم يجبر عليه، وأما التي لا يطأها فله إجبارها على النكاح، فإن دعته إلى إنكاحها لم يجبر عليه لأنها لم تحرم عليه بكل حال. إذا تزوج العبد بإذن سيده حرة وأمهرها ألفا كان المهر في ذمة العبد، يستوفى من كسبه، ولا يجب في ذمة سيده شئ فإن ضمنها عنه سيده صح ضمانه وقد قلنا في كتاب الضمان إن الضمان ينتقل به المال عن المضمون عنه إلى ذمة الضامن، فعلى هذا ليس لها مطالبة العبد. وعند المخالف لها ذلك فإن كان السيد موسرا والعبد لا كسب له رجعت به على سيده، وإن كانا موسرين العبد بكسبه والمولى بماله، كان لها مطالبة من شاءت منهما ولا يجئ أن يقال إن كان العبد مكتسبا والسيد معسرا لأن السيد إذا كان له عبد

[ 171 ]

مكتسب فلا يقال إنه معسر، فكل موضع قلنا فيما بعد " ولها المطالبة " عاد إلى هذا المكان. فإذا ثبت هذا فإن طلقها فإما أن يكون بعد الدخول أو قبله، فإن كان بعده استقر المهر ولها الرجوع على ما مضى، وإن كان قبل الدخول فإما أن يكون قبل قبضها مهرها أو بعده، فإن كان قبله سقط عن الزوج نصفه، وبرئت ذمة سيده عن النصف لأن ذمة المضمون عنه برئت فبرئت ذمة الضامن لأنه فرعه، ويبقى النصف لها الرجوع به على ما مضى. وإن كان بعد قبضها مهرها لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون قبل عتق زوجها أو بعد عتقه، فإن كان قبل عتقه عاد إليه نصف المهر، يكون لسيده دونه، لأن كسب العبد لسيده، وهذا من كسبه، وإن كان ذلك بعد عتق الزوج عاد النصف إلى الزوج دون سيده لأنه من اكتسابه بعد عتقه، وسواء كان المقبوض منه هو السيد أو هو، لأن هذا حق تجدد له بعد براءة ذمته عنه. وهذا مثل ما نقول فيمن زوج ولده وهو صغير وأصدق الصداق عن ولده من عنده، ثم كبر الولد فطلقها قبل الدخول وبعد قبض مهرها، عاد نصف الصداق إليه دون والده، لأنه من اكتساب الولد فلا حق لوالده عليه. إذا باع السيد عبده من زوجته بألف لا يخلو أن يبيعه بألف مطلق أو بعين الألف فإذا باعه بألف مطلق صح البيع، لأنه عبده وهو قن وله بيعه من غيرها فكذلك منها فإذا ملكته انفسخ النكاح لأن الزوج متى ملك زوجته أو ملكت الزوجة زوجها انفسخ النكاح. فإذا بطل النكاح بقي الكلام في ثمن العبد ومهرها، فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون بعد الدخول أو قبله، فإن كان بعد الدخول فالمهر بحاله، لأنه انفساخ وكان بعد استقرار المهر بالدخول فإذا ملكته فقد ملكته والمهر في ذمته، فهل يسقط عنه بأن ملكته أم لا؟ قيل فيه وجهان: أحدهما يسقط لأن السيد لا يملك في رقبة عبده القن حقا، بدليل أنه لو أتلف

[ 172 ]

لسيده مالا لم يتعلق برقبته ولا بذمته، فعلى هذا برئت ذمة الزوج عن المهر، فإذا برئت ذمته برئت ذمة سيده منه أيضا لأنه فرعه، لأن ذمة المضمون عنه متى برئت برئت ذمة الضامن، فإذا برئت ذمة السيد بذلك فله على زوجة عبده ألف وهو ثمن عبده يطالبها به متى شاء. والوجه الثاني يبقي لها المهر في ذمة عبدها لأن السيد إنما لا يبتدئ فيجب له دين في ذمة عبده فأما أن يستصحب الحق في ذمته، بأن كان له في ذمته دين ثم ملكه فلا يمتنع، فعلى هذا لها في ذمة عبدها ألف هو مهر لها، ولها في ذمة سيده ألف وهو الضمان، وللسيد في ذمتها ألف هو الثمن فيتقاصان على ما ذكرناه في مسئلة القصاص وتبرء ذمة السيد عن مال الضمان. فإذا برئت ذمته برئت ذمة العبد أيضا لأن الضامن متى برئ عن الحق بالأداء أو بالمعاوضة برئت ذمة المضمون عنه، وهيهنا برئت ذمة الضامن، فبرئت ذمة المضمون عنه، وعلى ما قلناه من انتقال المهر بالضمان، للسيد عليها ثمن العبد ألف ولها عليه ألف بالضمان فيتقاصان. وأما إذا كان قبل الدخول فقد انفسخ النكاح قبل الدخول، فهل يسقط كل مهرها أم لا، جملته أن الفسخ متى جاء من قبل الزوجة وقبل الدخول سقط كل مهرها كما لو ارتدت، وإن جاء من قبل الزوج سقط عنه نصفه، واختلفوا فيه هيهنا على وجهين: أحدهما المغلب حكمه لأن عقد البيع بينها وبين سيده، وسيده قام مقامه فكأنه هو العاقد، وإذا كان العقد بينهما ثم غلبنا حكم الزوج كما لو خالعها كان المغلب حكمه. والوجه الثاني المغلب فيه حكمها وأنه يسقط جميع مهرها، وهو الأقوى فإذا غلبنا حكمها سقط كل مهرها، وبرئت ذمة زوجها عنه، وبرئت ذمة سيده عن ضمانه، وبقي للسيد في ذمتها الثمن يطالبها به، ومن قال المغلب حكمه يقول يسقط نصف المهر فبرئت ذمة العبد عن نصفه، وذمة السيد عن ذلك النصف، وبقي النصف

[ 173 ]

فيكون الحكم فيه على ما مضى فيه إذا كان بعد الدخول. وأما إن باعها بعين الألف التي ضمنها لها وهو مهرها فلا يخلو إما يكون قبل الدخول أو بعده، فإن كان بعده فالبيع صحيح والنكاح مفسوخ وتكون هي ملكت الزوج بالألف التي كان لها في ذمة سيده فبرئت ذمته عنه وبرئت ذمة العبد عنه أيضا، لأن سيده قضى ذلك عنه بعوض، فلم يبق لها في ذمة زوجها حق ولا في ذمة سيده حق. وإن كان قبل الدخول بها بطل البيع ههنا والنكاح بحاله لأن المغلب هيهنا جهتها من حيث وقع العقد بعين الألف فلو قلنا يصح البيع بطل المهر لأن الفسخ جاء من قبلها، وإذا بطل المهر بطل البيع، لأنه يصير بيعا بلا ثمن، فإذا بطل بطل هو والنكاح معا، فلما أفضى إلى هذا أبطلنا البيع وبقينا النكاح بحاله. وهذا كما يقول بعض المخالفين في الاقرار إذا خلف الرجل أخا لا وارث له غيره فأقر بابن للميت يثبت نسبه ولم يرث، لأنك لو ورثته حجب الأخ وإذا حجبه سقط إقراره بالنسب، لأنه غير وارث، وإذا سقط إقراره سقط نسب الابن وسقط إرث الأخ، فأسقطنا الإرث وأثبتنا النسب. قد ذكرنا أن السيد إذا أذن للعبد في النكاح فنكح بمهر مثلها، وله كسب وجب المهر في ذمته، وتعلق بكسبه، وإذا مكنت من نفسها وجبت لها النفقة في كسبه. فإذا ثبت هذا لم يخل السيد من أحد أمرين إما أن يختار القيام بما وجب على عبده، أو لا يختار ذلك، فإن لم يختر ذلك فعليه أن يرسله ليلا ونهارا أما النهار ليكتسب ما وجب عليه، والليل ليستمتع من زوجته لأن المقصود من النكاح ذلك إلا أن تكون زوجة العبد في دار سيده فيأوي إلى زوجته ليلا في دار سيده فإن أراد سيده أن يسافر به لم يكن له، لأنه قد تعلق الحقان بكسبه، وبالسفر به قطعه عنه، فإن قهره على نفسه وسافر به ضمن السيد أقل الأمرين من كسبه ونفقة زوجته، لأنه حال دونها. هذا إذا لم يتكفل السيد بذلك، فإن تكفل السيد بما وجب على عبده كان

[ 174 ]

له أن يستخدم عبده فيما شاء ويمنعه الكسب والاضطراب فيه، لكن عليه إرساله إلى زوجته ليلا، فإن أراد هيهنا أن يسافر به كان ذلك له. فأما إذا زوج أمته فعليه أن يرسلها إلى زوجها ليلا، وله أن يمسكها لخدمته نهارا، لأنه يملك من أمته منفعتين استخداما واستمتاعا، فإذا عقد على إحداهما كان له أن يستوفي الأخرى، كما لو آجرها فإن عليه أن يرسلها للخدمة نهارا ويمسكها لنفسه ليلا. فإذا ثبت ذلك فإن بقاها مع زوجها ليلا ونهارا كان على زوجها نفقتها، وإن اختار أن يمسكها نهارا ويرسلها إليه ليلا فهل على زوجها نفقتها أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما لا نفقة لها، والثاني لها من النفقة بالحصة والأول أقوى. فإذا ثبت هذا وأراد السيد أن يسافر بها كان له لأنها مملوكته كغير المزوجة. إذا قال لأمته اعتقك على أن أتزوج بك وعتقك مهرك، أو استدعت هي ذلك فقالت له أعتقني على أن أتزوج بك وصداقي عتقي ففعل وقع العتق، وثبت العقد وفيه خلاف: فقال بعضهم إنه ينفذ العتق ولا يثبت النكاح، ولا يجب عليها الوفاء بما شرطت فإذا رضيت به واختارته، لم يجب عليه القبول، لأن ما كان من سبيل المعاوضة إذا لم يلزم من أحد الطرفين لم يلزم من الطرف الآخر، وعلى هذا عليها قيمتها لسيدها لأن أصول العقد على هذا، لأن كل من بذل عين ماله في مقابلة عوض فإذا لم يسلم العوض وتعذر عليه الرجوع في المعوض عاد إلى بدل المعوض. فإذا تقرر أنه يرجع إلى قيمتها فإنه يعتبر قيمتها حين العتق، لأنه هو وقت التلف، ولا يخلوا من أحد أمرين حالهما: إما أن يتفقا على النكاح أو لا يتفقان على النكاح، فإن لم يتفقا مثل أن أبيا ذلك أو أحدهما فله عليها قيمتها فإن كانت موسرة استوفاه وإن كانت معسرة، أنظرها إلى اليسار. وإن اتفقا على النكاح فلا يخلوا أن يمهرها غير قيمتها أو قيمتها، فإن أمهرها غير قيمتها صح وكان لها عليه المسمى من المهر وله عليها قيمتها، فإن كان الجنس واحدا من

[ 175 ]

الأثمان تقاصا وإن أمهرها ماله في ذمتها من قيمتها نظرت، فإن كانا يعلمان مبلغ القيمة وقدرها صح لأنه مهر معلوم، وإن كانا يجهلان مبلغ القيمة أو أحدهما يجهل ذلك، فهل يصح المهر أم لا؟ قال قوم يصح كما إذا أصدقها عبدا صح، وإن كانا يجهلان قيمة العبد. وقال قوم وهو الأقوى: إنه لا يصح لأن المهر هو كثمنها وقيمتها مجهولة فهو صداق مجهول فلم يصح، كما لو قال أصدقتك ثوبا أو عبدا. وهذا الفرع لا يصح على أصلنا لأنا حكمنا بصحة العقد غير أنه إذا بدء بالعتق وعقبه بلفظ التزويج لم يصح، ويتعلق به هذه الأحكام سواء، مثل أن يقول أعتقتك وجعلت عتقك مهرك، فإنه ينفذ العتق ولا ينعقد العقد، وإنما ينعقد إذا قال تزوجتك وجعلت عتقك مهرك، فيصح العقد وينفذ العتق. ومن قال لا يصح على ما حكيناه قال إذا أراد أن يحتال بما يحتاط عليها به فإن نكحته وإلا لم يعتق، قال يقول: إن كان في معلوم الله أني إذا أعتقك نكحتك فأنت حرة، فمتى رضيت بذلك وانعقد النكاح عتقت، وصح النكاح، وإلا كانت على الرق، وقال آخرون هذا غلط لأنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أمة نفسه، ويجوز له أن يتزوج بها بعد العتق، فلو أجزناه وقع عقد النكاح حين وقع على مشكوك فيها هل هي حرة أم لا، لأنه إنما يعتق بتمام عقد النكاح، وهي قبل تمامه غير حرة فلهذا لم يصح. هذا إذا قال لها: أعتقتك على أن أتزوجك وعتقك صداقك، فأما إن قال لها أعتقتك على أن أتزوج بك، ولم يقل " وعتقك صداقك " فالحكم فيهما سواء عندهم وإن لم يشترط أن العتق هو المهر. والحكم في المدبرة والمعتقة بالصفة والمكاتبة وأم الولد كهو في الأمة القن على ما فصلناه، لأن الرق في هؤلاء كلهن ثابت فالحكم فيهن واحد. فإن كان للمرأة الحرة مملوك فقالت له اعتقك على أن تتزوج بي أو قال هو لها أعتقني على أن أتزوج بك ففعلت، وقع العتق ولم يجب عليه أن يتزوج بها بلا خلاف

[ 176 ]

ولا شئ لها عليه، لأن النكاح حق له، والحظ فيه له. فأما إذا قال رجل لرجل له عبد أعتق عبدك على أن أزوجك بنتي أو أختي فأعتق السيد عبده على هذا، وقع العتق، ولم يجب على الباذل أن يزوجه بنته ولا أخته، لأنه سلف في النكاح، ولكن هل عليه للسيد قيمة العبد أم لا؟ قيل فيه قولان: بناء على مسئلة وهو إذا قال الرجل لسيد العبد أعتق عبدك عن نفسك على أن على مائة درهم، فإذا وقع العتق عن نفسه فهل يستحق على الباذل ما شرط؟ قيل فيه قولان: أحدهما عليه ما شرط لأنه عتق بعوض، فأشبه ما إذا قال أعتق عبدك عني على أن لك على مائة، ففعل صح، ولزمه ما بذل، والقول الثاني لا يلزمه ما بذل، لأن العتق يقع من السيد، والولاء له عليه دون غيره، فالباذل بذل ماله في مقابلة ما لا نفع له فيه، فأشبه إذا اشترى، بماله الديدان والخنافس والجعلان و العقارب. فأما إذا قال للسيد أعتق أمتك عن نفسك على أن على ألف أيصح البذل قال بعضهم فيه نظر. فإذا تقرر القولان فمن قال لا يلزم الباذل مائة فكذلك ولي المرأة لا يلزمه شئ، ومن قال يلزم الباذل ما بذل كذلك ولي المرأة يلزمه قيمة العبد، لأنه إنما أعتق عبده ليسلم له النكاح، فإذا لم يسلم له النكاح عاد عليه بقيمة عبده، والأول أقوى، لأن الأصل براءة الذمة. إذا اجتمع الأب والجد فالجد أولى عندنا، وعند المخالف الأب أولى ولا ولاية لأحد غير هذين عندنا، وعندهم أن الأب أولى من الأخ وابن الأخ والعم وابن العم، والجد أولى من أب الجد، وعلى هذا أبدا، وعندنا أن الجد الأدنى أولى من جميع من ذكرناه عنهم، لأنه لا ولاية لواحد منهم، غير أن المرأة إذا أرادت أن تولي أمرها لواحد منهم كان الأقرب فالأقرب أولى على ترتيب ميراثهم فكذلك من يدلي بسببين أولى ممن يدلي بسبب بلا خلاف إلا شاذا منهم فإنه قال الأخ من الأب والأم مع الأخ للأب في درجة.

[ 177 ]

فإذا كانا متساويين مثل أخوين لأب وأم أو لأب أو عمين وما أشبه ذلك، فهما سواء، وكانت المرأة بالخيار تولي من شاءت، وعندهم أنهما سواء، فإن كانا غايبين فالسلطان وليها، وإن كان أحدهما حاضرا والآخر غائبا فالحاضر وليها، وإن كانا حاضرين فكل واحد منهما وليها، فإن اتفقا على التزويج فذاك، وإن بادر أحدهما فزوجها صح النكاح، وإن حضرا وتشاحا أقرع بينهما عندهم. وإذا كان عم لأب وأم فهو أولى من الذي للأب فإن كانا غايبين فالسلطان وليها وإن كان أحدهما غائبا فإن غاب الذي للأب والأم زوجها السلطان دون الأخ للأب، وإن كان الذي للأب غائبا زوجها الحاضر، وقد بينا أن على هذا المذهب (1) يسقط جميع ذلك والخيار في ذلك إلى المرأة تولي من شاءت أمرها، وإن كان الأفضل الأقرب فالأقرب، والأقوى سببا فالأقوى. الابن لا يزوج أمه بالبنوة بلا خلاف، ولا له أن يزوجها وإن كان عصبة وعند المخالف له تزويجها حيث كان عصبة وإذا كان لها أولياء مناسبون فهم أولى من السلطان بلا خلاف، وإن عضلوها كان السلطان وليها وإن تنازعوا في تزويجها أقرع بينهم، وإن لم يكن لها أولياء مناسبون فالسلطان وليها. وكل عصبة ترث فله الولاية إلا الابن، ومن لا يرث بالتعصيب كالإخوة من الأم وأولادهم وقد بينا أن الولاية للأب والجد لا غير، فإن عضلاها كانت هي ولية نفسها تولي أمرها من شاءت إذا كانت رشيدة، وإن كانت صغيرة فلا عضل في أمرها بلا خلاف، ولا ولاية للسلطان على امرأة عندنا إلا إذا كانت غير رشيدة أو مولى عليها أو مغلوبا على عقلها ولا يكون لها مناسب. الأمة إذا كان لها سيدة أو سادة فأولياؤها سادتها بلا خلاف، فإن امتنعوا من تزويجها أو عضلوها فليس للسلطان تزويجها بلا خلاف، فإن زوج واحدة من السادة دون شريكه كان التزويج باطلا بلا خلاف. ومن قال باعتبار الأولياء في غير الأب والجد قال: إذا تساويا في درجة مثل

(1) مذهبنا خ.

[ 178 ]

الإخوة أو الأعمام أو بني الأخ أو بني العم فإن اتفق رأيهم كان لهم ذلك، وإن بادر واحد منهم فزوج كان صحيحا إذا كان بكفو، والأولى الأسن والأورع والأعلم وإن تشاحوا أقرع بينهم، فمن خرج اسمه إن شاء عقد بنفسه أو وكل غيره، وإن بادر من لم يخرج اسمه فعقد برضاها فعلى وجهين. ومتى دعت الأولياء إلى كفو كان عليهم الإجابة، فإن أبوا أجبرهم السلطان فإن أبوا زوجها السلطان، وإن دعتهم إلى غير كفو لم يجب عليهم الإجابة ولا للسلطان إجبارهم، ولا له أن يزوجها وإن رضيت، وإن دعاها الأولياء إلى غير كفو لم يجب عليها الإجابة، فإن اتفق رأيهم على تزويجها بغير كفو فعلى قولين أحدهما يصح والآخر باطل. وعندنا أن المرأة ولية نفسها، وإنما يستحب لها الرد إلى واحد من هؤلاء فإن ردت إلى واحد كان هو الولي، والباقون لا ولاية لهم، وإن ردت إلى جميعهم فمن سبق بالعقد كان عقده ماضيا وإن لم يسبق واحد وتشاحوا أقرع بينهم أو تختار المرأة واحدا منهم، وأن دعتهم إلى غير كفو ورضيت به كان الأمر أمرها، وإن دعوها إلى غير كفو فالأمر إليها: إن شاءت أجابت وإن شاءت أبت. الكفاءة معتبرة بلا خلاف في النكاح، وعندنا هي الايمان مع إمكان القيام بالنفقة وفيه خلاف: منهم من اعتبر ستة أشياء: النسب، والحرية، والدين، والصناعة والسلامة من العيوب، واليسار، فعلى هذا العجمي ليس بكفو للعربية، والعجم كل من عدا العرب من أي جنس كان، والعربي ليس بكفو للقرشية والقرشي ليس بكفو للهاشمية، فأعلى الناس بنو هاشم، ثم قريش يلونهم، ثم سائر العرب ثم العجم، وفيهم من قال قريش كلهم أكفاء وليست العرب أكفاء لقريش، فالخلاف بينهم في بني هاشم. والعبد ليس بكفو للحرة، فمتى زوجت بعبد كان لها الفسخ عندهم، وكان لأوليائها الفسخ، وعندنا إذا كانت بالغة وتزوجت بعبد فليس لوليها عليها اعتراض إلا أن يكون بكرا فلأبيها المنع على أحد الروايتين، وإن كانت غير بالغة فزوجها أبوها أو جدها ثم بلغت لم يكن لها الاعتراض عليهما.

[ 179 ]

ويكره التزويج عندنا بفاسق وليس بمبطل وفيه خلاف. الصناعة الدنية ليست بمانعة من التزويج بأهل المروات، مثل الحياكة والنساجة والحجامة والحراسة والقيم والحمامي وفيه خلاف. السلامة من العيوب شرط في النكاح والعيوب سبعة ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء: الجنون والجذام والبرص، واثنان يختص النساء وهما الرتق والقرن، واثنان يختص بالرجال وهما الجب والعنة بلا خلاف، فكان كل واحد من النساء والرجال عيوبه خمسة. واليسار عندنا شرط وحده ما أمكنه معه القيام بنفقتها لا أكثر من ذلك وما زاد عليه لا معتبر به ولا يرد لأجله ومتى رضي الأولياء والمزوجة بمن ليس بكفو ووقع العقد على من دونها في النسب والحرية والدين والصناعة والسلامة من العيوب واليسار كان العقد صحيحا بلا خلاف، إلا الماجشوني فإنه قال الكفاءة شرط في صحة العقد فمتى لم يكن كفو كان العقد باطلا. ليس للأولياء اعتراض على المنكوحة في قدر المهر، فمتى رضيت بكفو لزمهم أن يزوجوها منه، بما رضيت من المهر، سواء كان قدر مهر مثلها أو أقل، فإن منعوها واعترضوا على قدر مهرها فقد عضلوها ولا يلتفت إليهم، وعند بعض المخالفين يكون السلطان وليها وفيه خلاف. وقال قوم منهم: للأولياء أن يقولوا للزوج أنه إن تبلغ مهر المثل وإلا فسخنا عليك العقد. فإن زوجها واحد منهم بدون مهر مثلها من كفو لم يكن للباقين أن يعترضوا وإن زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها فالنكاح صحيح عندنا، وعند قوم منهم النكاح صحيح وللأولياء الاعتراض عليه، وعند بعضهم النكاح باطل. أذا كان الولي الذي هو الأب أو الجد غائبا مفقودا لا يعرف خبره أو يعرف خبره فهو على ولايته، وليس لأحد تزويج بنته الصغيرة، فإذا بلغت كان لها أن تزوج نفسها، أو توكل من يزوجها، وعندهم أن للسلطان تزويجها إذا كان لا يعرف خبره، فأما إذا كان يأتي خبره ويعرف موضعه، فإن كانت غيبة بعيدة وحدها ما

[ 180 ]

يقصر الصلوة إليها لم ينتقل ولايته كالمفقود، وللسلطان أن يزوجها وإن كانت الغيبة قريبة فيها وجهان أحدهما للحاكم تزويجها، والثاني ليس له ذلك. فإذا قال للسلطان تزويجها في كل موضع يستحب له أن يستدعي أباعد الأولياء وأهل الرأي من أهلها كالأخ للأم وأبي الأم ومن هو أبعد من الغائب من عصباتها، فإذا أخبروه بشئ فإن كان على ما قالوه عمل عليه، وإن لم يكن كما قالوه أمضاه على رأية وفيه خلاف. وإذا عضلها وليها كان لها أن تزوج نفسها أو توكل من يزوجها إذا كانت بالغة رشيدة، وعند المخالف للسلطان تزويجها. الوكالة في النكاح جايزة بلا خلاف، فإذا ثبت ذلك فلا يخلو الولي من أحد أمرين إما أن يكون له الاجبار كالأب والجد في حق البكر، فلكل واحد منهما التوكيل، وإن كان وليا لا إجبار له كالأب والجد في حق الثيب والأباعد والباقين من الأولياء في حق البكر والثيب، فإن أذنت له في النكاح والتوكيل جاز ذلك، وإن لم تأذن له فيه فهل له التوكيل؟ قيل فيه وجهان أحدهما ليس له ذلك لأنه يتصرف عن أذن وهو الصحيح، والثاني له التوكيل. فإذا وكل فليس للوكيل أن يزوجها إلا بأن يستأذنها، وإذا صح توكيله فإن عين الزوج صح، وإن لم يعين بل أطلق وقال زوجها بمن ترى قيل فيه قولان أحدهما يصح والثاني لا يصح إلا مع التعيين وهو الصحيح. ولي الكافرة لا يكون إلا كافرا فإذا كان لها وليان أحدهما مسلم والآخر كافر كان الذي يتولى تزويجها الكافر دون المسلم لقوله تعالى " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض (1) " دل على أنه لا ولي لكافرة، وقال تعالى " والذين كفروا بعضهم أولياء بعض " (2) فإن كان للمسلم جارية كافرة جاز له أن يزوجها، وفيهم من قال لا ولاية له عليها والأول أصح.

(1) براءة: 71.
(2) الأنفال: 73.

[ 181 ]

إذا كان الأقرب سفيها محجورا عليه لسفه أو مجنونا فلا ولاية لهما، أو كان ضعيف العقل أو كان صغيرا أو مولى عليه لضعف عقله فكل هؤلاء يسقط ولايتهم عندهم وينتقل إلى من هو أبعد مثل الكافر والفاسق، فإذا زال ذلك عادت ولايته. وعلى مذهبنا الولاية للأب والجد ثابتة معا فإن أصاب أحدهما ما يزيل ولايته يثبت في الآخر فإن عاد إلى ما كان، عادت ولايته إلى ما كانت. إذا كان لها وليان في درجة فأذنت لكل واحد منهما في رجل بعينه، مثل أن قالت لكل واحد: زوجني من زيد بن عبد الله، واتفقا على الأسن والأعلم والأورع كان أولى، فإن لم يتفقا وتشاحا أقرع بينهما، وإن بادر أحدهما فزوجها من كفو بإذنها نظرت، فإن كان قبل القرعة صح النكاح ولزم المهر، وإن كان بعد القرعة، فإذا كان الذي زوجها هو الذي خرجت قرعته صح وإن كان الآخر قيل فيه وجهان. وإن كان إذنها مطلقا فقد مضى أنه يصح من غير تعيين الزوج، فإذا زوجها كل واحد منهما من رجل ففيها خمس مسائل: إحداها إذا علم أن النكاحين وقعا معا ولم يسبق أحدهما الآخر بطلا، لأنه لا يصح أن يكون زوجة لهما معا. الثانية جهل الأمر فلم يعلم كيف وقع الأمر فهما باطلان أيضا لأنه لا سبيل إلى معرفة الصحيح منهما. الثالثة علم أن أحدهما سبق الآخر، لكن لا يعلم عين السابق منهما، مثل أن عقد أحدهما يوم الخميس، والآخر يوم الجمعة، ولا يعلم السابق فهما باطلان أيضا لمثل ذلك، فعلى هذا يفرق بينهما، فإن كان قبل الدخول فلا كلام، وإن كان بعد الدخول نظرت، فإن كان الواطئ أحدهما فعليه مهر مثلها، فإن أتت بولد لحقه، وإن دخل بها كل واحد منهما فعلى كل واحد منهما مهر مثلها، والولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما أقرع بينهما عندنا، وعند بعضهم يعرض على القافة. الرابعة علم عين السابق منهما لكن نسي، وقف النكاح حتى يستبين الأمر لأنه إشكال يرجى زواله.

[ 182 ]

الخامسة علم عين السابق منهما ولم ينس فالأول أصح، والثاني باطل، دخل بها الثاني أو لم يدخل بها، وفيه خلاف، فقد روى أصحابنا أنه إن كان دخل بها الثاني كان العقد له، والأول أحوط، وإن لم يدخل بها واحد منهما سلمت إلى الأول بلا خلاف، وإن دخل بها الأول دون الثاني فكذلك، ولا حق للثاني، ولا عليه، وإن دخل بها الثاني دون الأول فعلى الثاني مهر مثلها، فإن أتت بولد لحقه وتعتد منه، فإذا خرجت منها حلت للأول. وإن دخل بها كل واحد منهما استقر المسمى على الأول ومهر المثل على الثاني، فإن أتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما أقرعنا بينهما، وتعتد من الثاني فإذا انقضت عدتها فقد حلت للأول. إذا ولت أمرها وليين متساويين فزوجاها معا وادعى كل واحد منهما عليها أن نكاحه هو السابق، وأنها تعلم ذلك، صحت هذه الدعوى فإما إن تنكر أو تقر. فإن أنكرت فالقول قولها مع يمينها: أنها لا تعلم السابق منهما، لأن الأصل عدم علمها، فإن حلفت أسقطت دعواهما وبطل النكاحان معا، وإن نكلت ردت اليمين عليهما فإن لم يحلفا أو حلف كل واحد منهما بطل النكاحان معا، وإن حلف أحدهما دون صاحبه قضينا بها للحالف لأنه أقام الحجة بأنه هو السابق دون صاحبه. فإن اعترفت بأن كل واحد منهما هو السابق، فهذا كلا اعتراف وقضينا ببطلان النكاحين، وإن اعترفت لأحدهما صح اعترافها، وحكمنا بها زوجة له، وهل تحلف للآخر؟ قيل فيه وجهان أحدهما لا تحلف لأنه لا فايدة في يمينها، لأنها لو اعترفت للثاني لم يقبل قولها على الأول، والقول الثاني تحلف لجواز أن تعترف للثاني لأنها وإن لم يقبل قولها على الأول في بطلان النكاح، لزمها مهر مثلها للثاني، لأنها حالت بينه وبينها، وهذا القول أقوى. وكذلك إذا تداعاها رجلان فأقرت لأحدهما قضينا له فإن أقرت للثاني بعد ذلك فهل له عليها مهر مثلها أم لا؟ قيل فيه قولان: فمن قال لا تحلف للثاني فلا تفريع، ومن قال تحلف لم يخل حالها من ثلاثة أحوال إما أن تحلف أو تعترف أو تنكل.

[ 183 ]

فإن حلفت أسقطت دعوى الثاني، وانصرف، وإن اعترفت له بذلك لم يقبل إقرارها على الأول في فسخ نكاحه لكن هل عليها مهر مثلها للثاني قيل فيه قولان. وإن نكلت عن اليمين نظرت فإن لم يحلف الثاني انصرف، فإن حلف فقد حصلت يمين المدعي مع نكول المدعى عليه وهل يحل ذلك محل البينة أو محل الاعتراف؟ قيل فيه قولان فمن قال كالبينة أبطل النكاح للأول وقضى بها للثاني، ومن قال بمنزلة الاعتراف فقد حصل للأول إقرار وللثاني ما هو في حكم الاقرار، وقالوا فيه وجهان: أحدهما يبطل النكاحان معا، والثاني لا يبطل الأول، لأنه صح باعترافها به حين الأول، فاعترافها للثاني لا يقبل، ويبطل الثاني ويصح الأول وهو الأقوى. وهل عليها مهر مثلها أم لا؟ على قولين أحدهما يلزمها، والثاني لا يلزمها وهو الأقوى لبراءة الذمة. إذا زوج الرجل أخته ثم مات الزوج فاختلفت هي ووارث زوجها فقال الوارث زوجك أخوك بغير أمرك فالنكاح باطل، ولا ميراث لك، وقالت زوجني بإذني فالنكاح صحيح، فالقول قولها، لأن الوارث يدعي خلاف الظاهر، لأن الظاهر أنه على الصحة فكان القول قولها. إذا سمع الرجل يقول هذه زوجتي فصدقته، أو سمعت هي تقول هذا زوجي فصدقها، فأيهما مات ورثه الآخر، فأما إذا سمع يقول فلانة زوجتي ولم يسمع منها القبول لذلك، فإن مات ورثته، وإن ماتت لم يرثها، لأن النكاح تثبت من جهته باعترافه، ولم يثبت من جهتها، لأنها ما اعترفت، وهكذا لو سمعت تقول فلان زوجي ولم يسمع منه القبول كذلك، فإن ماتت ورثها وإن مات لم ترثه. لا يصح نكاح الثيب إلا بإذنها، وإذنها نطقها بلا خلاف، وأما البكر فإن كان لها ولي له الاجبار مثل الأب والجد فلا يفتقر نكاحها إلى إذنها، ولا إلى نطقها، وإن لم يكن له الاجبار كالأخ وابن الأخ والعم فلا بد من إذنها، والأحوط أن يراعي نطقها، وهو الأقوى عند الجميع، وقال قوم يكفي سكوتها لعموم الخبر وهو قوي.

[ 184 ]

إذا كان لها ولي تحل له جاز أن يزوجها من نفسه بإذنها، وعند قوم لا يجوز وفيه ومتى أراد أن يزوجها من غيره وكانت كبيرة جاز بإذنها بلا خلاف، وإن كانت صغيرة لم يكن له تزويجها من أحد بلا خلاف، أيضا. وإن كانت كبيرة وأراد أن يزوجها من ابنه فإن كان ابنه صغيرا لم يجز لأنه يكون موجبا قابلا عند قوم، وعندنا يجوز ذلك، فإن كان ابنه كبيرا قبل لنفسه، وله أن يزوجها منه بإذنها بلا خلاف. إذا أراد الرجل أن يزوج ابنه فلا يخلو الابن من أحد أمرين إما أن يكون عاقلا أو مجنونا، فإن كان عاقلا وكان بالغا فلا ولاية لأحد عليه في النكاح، ينكح لنفسه بلا خلاف، وإن كان صغيرا كان لوالده أن يزوجه إن شاء واحدة، وإن شاء أربعا بلا خلاف وإن كان مجنونا وكان صغيرا لم يكن له أن يزوجه بلا خلاف، لأنه ربما بلغ ولم يكن به حاجة إلى الزوجة وإن كان كبيرا ولم يكن به إليه حاجة مثل أن يكون مجبوبا أو خصيا أو عنينا لا يأتي النساء أو كان بريئا من هذه العيوب لكنه لا يحب النساء ولا ينتشر عليه، فإنه لا يزوجه ولا حاجة به إليه وإن كان به حاجة إليه بأحد أماراته التي لا يخفى جاز أن يزوجه، لأن له فيه نفعا وربما تابع حراما. إذا كان للمجنون امرأة مثل أن تزوجها عاقلا ثم جن أو زوجه أبوه لحاجة إلى النكاح، فليس لأبيه أن يطلقها عنه، ولا أن يخالعها بعوض بلا خلاف. حكم العنين مع الجنون، فيه مسئلتان: إحداهما إذا كان الزوج مجنونا فادعت زوجته أنه عنين لم يكن لوليه أن يضرب له أجلا لأن أجل العنة إنما يضرب بعد ثبوت العنة، والعنة لا تثبت أبدا إلا بقول الزوج لأنه مما لا يقوم به بينة، فإذا كان كذلك فقد تعذر ثبوت عننه من جهته، فلا تضرب له مدة العنن. الثانية إذا كان عاقلا فاعترف بالعنة وضرب له المدة، وانتهى الأجل وهو مجنون، فطالبته زوجته بالفرقة، لم يقبل دعواها ولم تجز الفرقة لأنها لا يخلو من أحد أمرين إما أن تكون ثيبا أو بكرا فإن كانت ثيبا وادعت أنه ما أصابها في المدة

[ 185 ]

فالقول قول الزوج، وإن كان مجنونا لم يتوصل إلى ما عنده فيما تدعيه عليه، وإن كانت بكرا يمكن أن يدعي الزوج أنها تمنعه نفسها فلا يتمكن من افتضاضها ويمكن أن يدعي أنه افتضها ثم عادت بكارتها، فإذا أمكن هذا لم يصح من المجنون فلا سبيل إلى إيقاع الفرقة بينهما. إذا كانت بحالها وهي مجنونة، ففيها أربع مسائل: إحداها ليس لوليها أن يختلعها من زوجها بشئ من مالها بلا خلاف. الثانية ليس لوليها أن يبرئ زوجها من شئ من صداقها لأنه لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون طلقها أو لم يطلقها، فإن لم يكن طلقها نظرت، فإن كان قد دخل بها فقد استقر مهرها في ذمته، وإذا ثبت الحق فليس لوليها إسقاطه مثل قيم المتلفات وإن لم يكن طلقها فكذلك، لأنه في حكم المتلف، وإن كان طلقها فإن كان بعد الدخول، فلا يملك إسقاط شئ من مهرها، وإن كان قبل الدخول سقط عنه نصفه وبقي لها نصفه وهل لوليها أن يسقط عنه أم لا؟ قيل فيه قولان بناء على الذي بيده عقدة النكاح، فإنه على قولين فمن قال هو الولي، وهو الصحيح عندنا، قال له أن يعفو عن البقية، ويسقط عن زوجها، ومن قال هو الزوج قال لا يملك الولي إسقاط شئ. هذا إذا كانت المنكوحة صغيرة أو مجنونة، والولي الأب أو الجد، والطلاق قبل الدخول. الثالثة هربت المجنونة وامتنعت على زوجها سقطت نفقتها، وهكذا لو هربت العاقلة لأنها في مقابلة الاستمتاع. الرابعة إذا كان زوجها عاقلا وهي مجنونة صح أن يولي عنها، لأن الايلاء أن يمتنع من وطيها بعقد يمين أكثر من أربعة أشهر، فإذا كان عاقلا صح هذا ويضرب له المدة فإذا تربص أربعة أشهر لم يملك أحد المطالبة عليه بفيئة ولا بطلاق، لأن من النساء من يختار المقام مع زوجها على ذلك. إذا قذف الرجل زوجته المجنونة لا حد عليه، لأن الله تعالى قال " والذين

[ 186 ]

يرمون المحصنات " (1) يعني العفايف، والمجنونة لا توصف بذلك بلا خلاف، ومتى أراد اللعان فلا يخلو أن تكون حائلا أو حاملا، فإن كانت حايلا لم يكن له اللعان لأن المقصود به درء الحد أو نفي نسب وليس هيهنا واحد منهما، وفيهم من قال له اللعان هيهنا ليوقع الفرقة المؤبدة، وهو ضعيف عندهم. وإن كانت حاملا فوضعت كان له اللعان على نفيه، لأن نفي الولد من المجنونة كنفيه من العاقلة، فإذا التعن تعلق به أربعة أحكام: نفي النسب، ودرء الحد وإيقاع الفرقة، والتحريم المؤبد، فيتعلق به ثلاثة منها غير درء الحد، لأنه لم يجب عليه، وقال قوم هذا خلاف الاجماع لأن أحدا لم يقل بذلك. ويقوى في نفسي أنه ليس له اللعان لأن لعانه لا تأثير له، وإنما يتعلق أحكام اللعان بلعانهما معا، وهيهنا لا يصح منها اللعان، ومن خالف في ذلك بناه على أن هذه الأحكام تتعلق بلعان الرجل وحده، وعلى هذا إذا أتت زوجته المجنونة بولد من الزنا لحق به، لأنه لا طريق له إلى نفيه عن نفسه، وكذلك إن قذف زوجته بالزنا وكذبته لاعنها ونفى ولدها، وإن صدقته وقالت أنا زنيت وأتيت به من زنا لحقه، ولم يكن له أن يلاعن لأنها ولدته على فراشه. فإذا ثبت هذا فمن قال يتعلق به ثلاثة أحكام قال إن أكذب الزوج نفسه فالأصل فيمن لاعن زوجته ثم أكذب نفسه أن يقبل منه ما عليه دون ماله، والذي عليه لحوق النسب ووجوب الحد، والذي له زوال الفرقة وارتفاع التحريم المؤبد بالفرقة وهل عليه التعزير على وجهين. للرجل أن يزوج بنته الصغيرة بعبد ومن راعى الحرية في الكفاءة قال: لا يجوز، فأما الكبيرة إذا رضيت به فلا خلاف أنه يجوز، وكذلك له أن يزوجها بمجنون أو مجذوم أو أبرص أو خصي، ومتى زوجها من واحد من هؤلاء صح العقد. ومن خالف قال فيه قولان أحدهما باطل، والآخر صحيح، فإذا قال صحيح فهل عليه فسخ النكاح على وجهين أحدهما عليه الفسخ، والثاني ليس له الفسخ لأنه

(1) النور: 4.

[ 187 ]

طريق الشهوة، وقد تختار المرء المقام مع واحد ممن ذكرناه، فمن قال يفسخ، فلا - كلام، ومن قال يؤخر حتى يبلغ، فإن اختارت المقام معه كان ذلك لها، وإن اختارت الفسخ فسخت وهذا هو الصحيح. وله أن يكره أمته على تزويج العبد بلا خلاف، وليس له أن يكرهها على تزويج واحد من الناس، فإن خالف فزوجها فهل يصح النكاح فيه قولان كالصغيرة. وأما إذا كانت معيبة فزوجها ممن به عيب، فإن اختلف العيبان مثل أن كانت مجنونة فزوجها بأبرص، أو برصاء فزوجها بمجذوم، فليس ذلك له، وإن اتفقا في العيب فيه وجهان، فمن قال ليس له ذلك فإذا خالف فهل يصح أم لا، قيل فيه قولان وإذا قال صحيح فهل عليه الفسخ؟ فعلى وجهين. وأما الكلام في نكاح ولده الصغير ممن به هذه العلل كلها، كالحكم في البنت فإن خالف فأنكحه واحدة منهن فهل يصح أم لا؟ على قولين على ما مضى في البنت أقواهما عندي أنه صحيح غير أن للابن الفسخ إذا بلغ، وكذلك القول في البنت سواء، وأما تزويجه بأمة فعند بعضهم باطل، لأنه ليس بكفو له، لأن نكاح الأمة لا يجوز إلا بشرطين عدم الطول وخوف العنت، وهذا إذا كان عادما للطول فإنه لا يخاف العنت لصغره وهذا قوي. إذا كان للحرة أمة جاز لها تزويج أمتها وقال بعضهم لا يجوز، وإنما يجوز لو لي هذه الحرة أن يزوج جاريتها من عصباتها بإذنها، فأما ابنها فليس له ذلك وإن كان وليها له الاجبار وهو الأب والجد لم يكن له إجبار الأمة إذا كانت مولاتها من أهل الإذن، فإن أذنت جاز له ولا فصل بين البكر الكبيرة والثيب الكبيرة. وإن لم تكن المولاة من أهل الإذن لصغر أو جنون فهل لوليها إجبار أمتها على التزويج؟ قيل فيه وجهان: أحدهما له إنكاحها وهو الأقوى. وإن كان ليس له الاجبار لم يكن له تزويج أمتها إلا بإذنها إذا كانت من أهل الإذن وإن لم تكن من أهل الإذن لم يكن له ذلك. إذا أذن لعبده في التجارة في شئ بعينه أو أذن له أن يتجر في ذمته يأخذ ويعطي

[ 188 ]

فاتجر واشترى أمة للتجارة فركب العبد دين يحيط بجميع ما في يده فأراد السيد وطي هذه الجارية لم يكن له، لأنها صارت كالمرهونة في يد الغرماء تتعلق حقوقهم برقبتها، فإن اجتمع السيد والمأذون إنكاحها لم يجز. فإن برئ العبد عن الدين بالقضاء، منه أو من سيده أو بإبراء الغرماء نظرت فإن أحدث للعبد حجرا ظاهرا كان له وطيها، لأنه لا غرر على أحد فيه، وإن أراد وطيها قبل أن يحدث له حجرا قيل فيه وجهان. إذا كان للعبد بنت أو أخت أو من لو كان حرا كان له إنكاحها بحق النسب لم يملك إنكاحها عند المخالف لأن الانكاح ولاية، وليس العبد من أهل الولايات وكان للعصبات أقاربه الأحرار كالجد وإن علا، والأخ والعم. وعندنا إن كانت بنته صغيرة حرة كان له تزويجها، وإن كانت كبيرة أو ثيبا جاز ذلك أيضا إذا ولته ذلك وأذنت له فيه، لأنه لا ولاية له على ما قدمناه، فأما إن وكل العبد في التزويج صح سواء كان ذلك في الايجاب أو القبول، وعند المخالف لا يصح ذلك إلا في الايجاب، وفي القبول على وجهين. إذا تزوج العبد حرة على أنه حر، ثم بان أنه عبد، وكان مأذونا في التزويج كانت المرأة بالخيار، وإن كان غير مأذون فالنكاح موقوف على ما رواه أصحابنا على رضا السيد، وقال المخالف إن كان بغير إذنه فهو باطل، وإن كان بأمره فعلى قولين. هذا إذا شرط في نفس العقد أنه حر، فإن سبق الشرط العقد ثم وقع العقد مطلقا، فالنكاح صحيح قولا واحدا وهكذا القولان إذا انتسب لها نسبا فوجد بخلافه سواء كان أعلى مما ذكر أو دونه، أو شرط أنه على صفة فبان بخلافها، مثل أن يشترط أنه طويل فبان قصيرا أو قصير فبان طويلا أو مليح فبان قبيحا أو قبيح فبان مليحا، أو أبيض فبان أسود أو أسود فبان أبيض الباب واحد والكل على قولين أحدهما صحيح وهو الصحيح عندي والثاني باطل، وإذا قال باطل أبطل سواء كان ما وجد فوق ما شرط أو دونه، فإن لم يكن دخل بها فلا شئ لها، وإن دخل بها فلها مهر المثل. وعلى ما قلناه إن النكاح صحيح نظرت فيما كان الغرور به، فإن شرط أنه حر فبان

[ 189 ]

عبدا فلها الخيار وإن كان الغرور بالنسب نظرت، فإن وجد دون ما شرط ودون نسبها فلها الخيار لأنه ليس بكفو، وإن كان دون ما شرط لكنه مثل نسبها أو أعلى منه، مثل أن كانت عربية فشرط هاشميا فبان قرشيا أو عربيا، فهل لها الخيار أم لا، فالأقوى أنه لا خيار لها وفي الناس من قال لها الخيار وقد روي ذلك في أخبارنا. وإن كان الغرور من جهتها لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يكون الغرور بالحرية أو بالنسب أو بالصفات، والكلام على كل فصل على الانفراد، فإذا كان الغرور بالحرية فتزوجت به على أنها حرة فبانت أمة، ففي صحة العقد قولان أحدهما باطل والثاني صحيح، والأول أظهر في الروايات. ويصح القولان بثلاثة شروط أحدها أن يكون الزوج ممن يحل له نكاح أمة لعدم الطول وخوف العنت، والثاني أن يكون الغرور من جهتها أو جهة الوكيل ولا يكون من جهة السيد، والثالث أن يكون الشرط مقارنا للعقد. فإذا اختل شرط منها لم يكن مسئلة على القولين لأنه إن كان ممن لا يحل له أمة فالنكاح باطل، وإن كان الغرور من جهة السيد، كان قوله زوجتك على أنها حرة إقرار منه بالحرية، وإن كان الغرور منها أو من جهة الوكيل لم يعتق بذلك. وأما الشرط الثالث فإن لم يقارن العقد صح قولا واحدا، فمن قال: إن النكاح باطل قال لم يخل الزوج من أحد أمرين إما أن يكون قد دخل بها أو لم يدخل، فإن لم يدخل بها فرق بينهما، ولا حق لأحدهما على صاحبه، وإن كان قد دخل بها لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون أحبلها أو لم يحبلها، فإن لم يكن أحبلها فلها المهر، و يكون لسيدها لأنه من كسبها. وهل يرجع الزوج على من غره أم لا قيل فيه قولان: الظاهر في رواياتنا أنه يرجع عليه به، فمن قال لا يرجع استقر الغرم عليه ولا يرجع به على أحد ومن قال يرجع به على الغار رجع على من غره، سواء كان الغار الوكيل أو الزوجة، فإن كان الغار الوكيل وكان موسرا استوفي منه، وإن كان معسرا أنظره إلى ميسرة، وإن كان الغار الزوجة كان المهر في ذمتها ولا يسار لها فيرجع عاجلا لكن يتبعها به إذا أيسرت بعد العتق.

[ 190 ]

وإن أحبلها فالكلام في المهر على ما مضى. وأما الولد فهو حرة لأنه اعتقدها حرة ورد عليه قيمة الولد، ويعتبر قيمته يوم ولدته حيا لأنه وإن كان الاتلاف بالعلوق فإن تقويمه إذ ذاك لا يمكن وقومناه أول وقت إمكان التقويم، ويكون قيمته لسيدها، لأنه لو كان مملوكا لكان له، ويرجع على الغار. ومن قال النكاح صحيح فهل للزوج الخيار أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما له الخيار، وهو المذهب، فإن اختار الفسخ فالحكم فيه كما لو كان العقد وقع فاسدا ويسقط المسمى، ويجب مهر المثل، ومن قال لا خيار له فلزم العقد أو قال له الخيار فاختار الامساك فإنه يستقر المهر. وأما الولد فينظر فإن كان أحبلها قبل العلم بالرق فالحكم على ما مضى في أحكام الولد إذا فسخ وقد مضى، وإن أحبلها بعد العلم بالرق فالولد رقيق لسيدها وعندنا لا حق بالحرية. هذا إذا كان الغرور من جهتها بالحرية فأما إن كان بغير ذلك فإما أن يكون أعلى مما ذكرت أو أدون، فإن كان أعلى مما ذكرت مثل أن انتسبت عجمية فبانت عربية أو ذكرت أنها قصيرة فبانت طويلة، أو قبيحة فبانت مليحة، أو ثيبا فبانت بكرا أو سودا فبانت بيضا الباب واحد. وأما إن كانت دون ما ذكرت بالعكس مما قلناه، فالكل على قولين أحدهما النكاح باطل، والثاني صحيح، وهو الأقوى عندي، فمن قال باطل فإن لم يكن دخل بها فلا حق لها، وإن دخل بها وجب المهر، وكان لها، وهل يرجع على من غره على قولين: فمن قال لا يرجع فقد استقر عليه، ومن قال يرجع فإن كان الغرور من الولي وكان واحدا رجع به عليه، وإن كانوا جماعة فإن كان الغرور بالنسب يرجع على جماعتهم وإن كان الغرور بالصفة فإن كانوا عالمين أو جاهلين يرجع عليهم أجمعين. وإن كان بعضهم عالما وبعضهم جاهلا فعلى من يرجع؟ وجهان أحدهما على العالم وحده لأنه هو

[ 191 ]

الذي غره وهو الأقوى، والثاني على الكل. وإن كان الغرور من جهتها، فهل يرجع عليها أم لا؟ على وجهين: أحدهما لا يرجع بكله بل يبقى منه بقية تتفرد بها وهو الظاهر في رواياتنا، والثاني يرجع عليها بالكل، فمن قال يرجع بالكل فإن كان قبضت رجع وأخذه، وإن لم يكن قبضت لم يأخذ شيئا وإذا قيل يبقى بقية أعطاها تلك البقية، ولم يرجع بالكل فيما زاد عليها. ومن قال: النكاح صحيح فهل له الخيار نظرت، فإن كان أعلى فلا خيار له لأنه لا نقص هيهنا، وكذلك إن كانت في طبقته فلا خيار له أيضا، لمثل ما قلناه وإن بانت دون ما قالت ودون طبقته فهل له الخيار على القولين، وهكذا إذا كان الغرور في الصفات دون ما ذكرت، فالكل على قولين أحدهما له الخيار. فمن قال لا خيار له أو قال له الخيار فاختار الامساك فقد لزم النكاح وهو صحيح وحكمه حكم النكاح الصحيح، ومن قال له الخيار فاختار الفسخ فالحكم فيه كما لو كان في الأصل متفسخا وقد مضى، فإن لم يكن دخل بها فلا كلام، وإن كان دخل بها وجب لها المهر، وهل يرجع على من غره؟ على ما مضى. وأما العدة فإن لم يدخل بها فلا عدة وإن دخل بها فعليها العدة ولا سكنى لها لأن السكنى لا يجب في الأنكحة المفسوخة، وأما النفقة فإن كانت حائلا فلا نفقة لها، وإن كانت حاملا بني على القولين في نفقة الحامل فمن قال للحامل النفقة وجبت النفقة هيهنا، لأن الولد في النكاح الصحيح والفاسد واحد، ومن قال لا نفقة لها لأجل الحمل، فلا نفقة هيهنا، لأنها إنما تجب لها النفقة في النكاح الذي له حرمة، وقد زالت حرمته، وهذا القول أقوى. ولو تزوجها على أنها مسلمة فكانت كتابية فعلى مذهبنا لا يصح لأنها لا تحل له وعلى قول بعض أصحابنا له الخيار، وبه قال بعض المخالفين.

[ 192 ]

(فصل) * (فيما ينعقد به النكاح) * لا يصح النكاح حتى تكون المنكوحة معروفة بعينها على صفة متميزة عن غيرها وذلك بالإشارة إليها أو بالتسمية أو الصفة. فإذا أراد تزويج بنته لم يخل من أحد أمرين إما أن تكون له بنت واحدة أو أكثر فإن كانت له بنت واحدة لم يخل من أحد أمرين إما أن تكون حاضرة، أو غايبة، فإن كانت حاضرة نظرت، فإن قال زوجتك هذه أو هذه المرأة صح لأن الإشارة تغني وإن قال زوجتك بنتي هذه أو بنتي هذه فلانة، وهي فلانة صح لأن الزيادة على " هذه " تأكيد، وإلا فقوله " هذه " يكفي، وإن كانت غايبة فإن قال زوجتك بنتي صح وإن قال بنتي فلانة صح ولو قال بنتي فاطمة واسمها خديجة صح أيضا، فإن بنتي صفة لازمة، ولا تزول عنها، وفاطمة صفة تزول عنها. وإن قال زوجتك فلانة فإن نواها صح وإن أطلقها من غير نية فالنكاح باطل لأن فلانة غير معروفة من بين من يشاركها في الاسم، وإن كان له بنتان الكبيرة فاطمة والصغيرة خديجة فقال زوجتك الكبيرة، أو الصغيرة، أو قال بنتي فاطمة أو خديجة فكل هذا يصح فإن قال بنتي الكبيرة فاطمة فذكر الكبيرة باسم الصغيرة صح نكاح الكبيرة لأن الكبيرة صفة لازمة، والاسم لا يلزم، وإن قال إحدى ابنتي أو قال بنتي فقط فالنكاح باطل لأنه لم يتناول العقد واحدة بعينها. وإن قال زوجتك بنتي ونوى الكبيرة فقبل الزوج ونوى الكبيرة أيضا واتفقا على ذلك، فالنكاح صحيح، فإن قال زوجتك بنتي فاطمة ونوى الصغيرة، وقبل الزوج، وقال قبلت نكاح فاطمة ونوى الكبيرة، فالنكاح لازم في الظاهر لأنهما اتفقا على الاسم، فكان الظاهر أن النكاح نكاح الكبيرة لكنه باطل في الباطن، لأن الولي أوجب الصغيرة، والزوج قبل الكبيرة، فقد قبل غير الذي أوجبها فبطل إن صدقه

[ 193 ]

وإن لم يصدقه فالنكاح لازم في الظاهر، وهكذا إذا كان الولي غير الأب والجد، في حق من لا يجبر على النكاح، على ما فصلناه. وأما نكاح الحمل مثل أن يقول زوجتك حمل هذه المرأة أو حمل هذه الجارية كان باطلا، لأن الجهالة يكثر فإنه قد يكون حاملا وقد لا يكون حاملا وقد يكون بذكر أو أنثى أو بهما، فإن كانت أنثى فلا يدري واحدة هي أم أكثر، فكثرت الجهالة فبطل النكاح. المرأة البالغة الرشيدة تزوج نفسها وتزوج غيرها بنفسها، مثل بنتها أو أختها ويصح أن تكون وكيلة في إيجاب وقبول وفيه خلاف. * * * لا ينعقد النكاح إلا بلفظ النكاح أو التزويج وهو أن يقع الايجاب والقبول بلفظة واحدة أو الايجاب بإحداهما والقبول بالأخرى، فيقول أنكحتك فيقول قبلت النكاح أو يقول زوجتك فيقول قبلت التزويج، أو يقول أنكحتك فيقول قبلت التزويج أو يقول زوجتك فيقول قبلت النكاح. وما عدا ذلك فلا ينعقد به النكاح بحال، لا بلفظ البيع ولا التمليك ولا الهبة فلو قال: بعتكها أو ملكتكها أو وهبتكها كل هذا لا يصح سواء ذكر فيه المهر أو لم يذكر وفيه خلاف، وكذلك لفظ الصدقة والاجارة لا ينعقد به ولفظ التزويج بالفارسية يصح، إذا كان لا يحسن العربية وإذا كان يحسنها فلا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج، لأنه لا دلالة عليه، ويكفي في الأخرس أن يقبل بالإشارة والايماء إذا قال الولي زوجتكها أو أنكحتكها فقال الزوج: قبلت هذا النكاح أو هذا التزويج، صح بلا خلاف، وإذا قال زوجتك أو أنكحتك فقال الزوج قبلت ولم يزد عليه فعندنا يصح وفي الناس من قال لا يصح. وإذا قال الرجل للولي زوجت بنتك من فلان؟ فقال نعم يقوى في نفسي أنه ينعقد به مثل الأول، وقال قوم إنه لا ينعقد به وكذلك لو قال له زوجت بنتك من فلان؟ فقال نعم، وقال للزوج قبلت؟ فقال: قبلت هذا النكاح انعقد، وعندهم لا ينعقد لمثل ما قلناه.

[ 194 ]

فإذا ثبت أنه لا بد من أن يقول قبلت النكاح أو التزويج، فإذا تعاقدا فإن تقدم الايجاب على القبول، فقال زوجتك فقال قبلت التزويج صح وكذلك إذا تقدم الايجاب في البيع على القبول صح بلا خلاف. وأما إن تأخر الايجاب وسبق القبول، فإن كان في النكاح فقال الزوج زوجتنيها فقال زوجتكها صح، وإن لم يعد الزوج القبول بلا خلاف، لخبر سعد الساعدي قال الرجل زوجنيها يا رسول الله، فقال زوجتكها بما معك من القرآن، فتقدم القبول وتأخر الايجاب، وإن كان هذا في البيع فقال بعنيها فقال بعتكها صح عندنا وعند قوم من المخالفين، وقال قوم منهم لا يصح حتى يسبق الايجاب. فأما إن قال أتزوجنيها؟ فقال زوجتكها، أو قال أتبيعنيها؟ فقال بعتكها، لم ينعقد حتى يقبل الايجاب، لأن السابق على الايجاب استفهام. هذا إذا عقدا بالعربية فإن عقدا بالفارسية فإن كان مع القدرة على العربية فلا ينعقد بلا خلاف، وإن كان مع العجز فعلى وجهين أحدهما يصح وهو الأقوى والثاني لا يصح، فمن قال لا يصح قال يوكل من يقبلها عنه أو يتعلمها، ومن قال يصح لم يلزمه التعلم، وإذا أجيز بالفارسية احتاج إلى لفظ يفيد مفاد العربية على وجه لا يخل بشئ منه فيقول الولي " أين زن را بتو دادم بزنى " ومعناه هذه المرأة زوجتكها، ويقول الزوج " پذيرفتم بزنى " يعني قبلت هذا النكاح. هذا إذا كانا عاجزين عن العربية فأما إن كان أحدهما يحسن العربية والآخر لا يحسنها، فلا يجوز عند قوم، وقال آخرون: إن كل واحد منهما يقول ما يحسنه وهو الأقوى. عقد النكاح لا يدخله خيار المجلس بإطلاق العقد ولا خيار الشرط بلا خلا ف فإن شرط خيار الثلاث بطل النكاح، وقال قوم يبطل الشرط دون النكاح، والأول أقوى. إذا أوجب الولي عقد النكاح للزوج ثم زال عقله بإغماء أو مرض أو جنون بطل إيجابه، ولم يكن للزوج القبول، وهكذا لو استدعى الزوج النكاح فقدم القبول فقال زوجنيها ثم أغمي عليه أو زال عقله بجنون بطل القبول، ولم يكن للولي

[ 195 ]

الايجاب بلا خلاف، وكذلك إن أوجب البيع وزال عقله قبل قبول المشتري بطل إيجابه، وليس لوليه أن يقبل عنه أيضا. لعقد النكاح خطبتان مسنونتان خطبة تسبق العقد، وخطبة تتخلل العقد فالتي تتقدم العقد هي الخطبة المعتادة، وهي مسنونة غير واجبة، وكذلك يستحب ذكر الله عند كل أمر يطلبه إجماعا، إلا داود، فإنه أوجبها. والخطبة المسنونة ما رواها ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. واختصر ذلك فقيل " المحمود الله، والمصطفى رسول الله، وخير ما عمل كتاب الله ". وأما التي تتخلل العقد فيقول الولي بسم الله والحمد لله وصلى الله على محمد رسول الله أوصيكم بتقوى الله، زوجتك فلانة، ويقول الزوج بسم الله والحمد لله وصلى الله على رسوله أوصيكم بتقوى الله قبلت هذا النكاح، هذا قول بعض المخالفين، ولا أعرف ذلك لأصحابنا. ويستحب أن يدعا للانسان إذا تزوج فيقال بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير.

[ 196 ]

(فصل) * (فيمن يجوز العقد عليهن من النساء ومن لا يجوز) * لا يجوز لحر مسلم أن يتزوج بأكثر من أربع نساء حرائر إجماعا، ويجوز له أن يتزوج بأمتين عندنا، والعبد يجوز له أن يتزوج بأربع إماء أو حرتين. إذا تزوج امرأة حرمت عليه أمها وأمهات أمها على التأبيد بنفس العقد وحرمت عليه بنتها وأختها وخالتها وعمتها تحريم جمع فلا يحل له أن يجمع بين الأختين على حال، ولا بين المرأة وعمتها وخالتها إلا برضا عمتها وخالتها، وعند المخالف على كل حال. فإن طلقها لم يزل تحريم أمهاتها سواء كان بعد الدخول أو قبله، ومن عدا أمهاتها فإن كان قبل الدخول فلا عدة، وحل له نكاح من شاء من بنتها وعمتها وخالتها وإن كان بعد الدخول فبنتها تحرم تحريم الأبد سواء طلق الأم أو لم يطلق. وأما أختها وعمتها وخالتها فإنما يحرمن تحريم جمع، فإن كان الطلاق رجعيا فالتحريم قائم لأن الرجعية في حكم الزوجات فلا يجمع بين المرأة وعمتها وكذلك بينها وبين خالتها، وإن كان الطلاق باينا أو خلعا أو فسخا جاز العقد على أختها وعمتها وخالتها قبل انقضاء عدتها، وكذلك إن كانت عنده واحدة فطلقها جاز له العقد على أربع، إن كان الطلاق باينا وإن كان رجعيا فليس له أن يعقد إلا على ثلاث وإن كانت عنده أربع وطلقهن كلهن كان له العقد على أربع أو أقل منهن إن كان باينا، وإن كان رجعيا لم يكن له أن يعقد على واحدة حتى يخرجن من العدة وفيه خلاف. إذا قتلت المرأة نفسها فإن كان بعد الدخول بها لم يؤثر في مهرها، حرة كانت أو أمة، لأن بالدخول قد استقر المهر فلا يسقط، وإن زال النكاح بسبب من جهتها كما لو ارتدت بعد الدخول بها.

[ 197 ]

فإن قتلت نفسها قبل الدخول لم يسقط أيضا مهرها عندنا سواء كانت أمة أو حرة والحكم فيه كما لو ماتت سواء، قتلت نفسها أو قتلها غيرها، وفيهم من قال يسقط مهرها وهو قوي وإن كانت أمة فقتلها سيدها سقط مهرها لأنه قتلها من المهر له وكذلك إن قتلت نفسها. وإن كانت حرة فقتلت نفسها سقط مهرها وإن قتلها وليها أو أجنبي لم يسقط المهر، لأن القاتل لا مهر له، وقال قوم يسقط مهر الأمة ولا يسقط مهر الحرة. وأما إن قتلها الزوج استقر المهر حرة كانت أو أمة وإن قتلها أجنبي فإن كانت حرة استقر مهرها بلا خلاف، وإن كانت أمة منهم من قال لا يسقط المهر، وقال شاذ منهم يسقط المهر لأن المملوكة كالسلعة في البيع، فإذا تلفت قبل القبض رجع المشتري بالبدل والأول أصح. على هذا القول إذا زوج الرجل أمته كان له بيعها، فإذا باعها كان بيعها طلاقها عندنا، وخالف الجميع في ذلك، وقالوا العقد باق بحاله ثم لا يخلو من أحد أمرين إما أن يغيبها أو لا يغيبها، فإن غيبها بأن يسافر بها أو كان بدويا فأخرجها إلى البادية فلا نفقة لها لأن النفقة في مقابلة التمكن من الاستمتاع. فأما المهر فإن كان الزوج قد دخل بها فقد استقر المهر، فإن كان السيد الأول قبضه فذلك له، وإلا كان للثاني مطالبة الزوج به، وإن لم يكن دخل بها لم يجب على الزوج تسليم المهر، فان كان الزوج قد أقبضه استرده، وإن لم يكن أقبضه لم يكن عليه إقباضه، وإن لم يغيبها المشتري فهو بالخيار بين أن يرسلها إلى زوجها مطلقا، وبين أن يمسكها نهارا ويرسلها إليه ليلا. وقال قوم إن كان في يدها صنعة تعملها مثل التكك وغيرها فعليه أن يرسلها ليلا ونهارا، وقال قوم هذا غلط، لا يلزمه إرسالها نهارا لأن له استخدامها في غير الصنعة، فإن بيتها معه البيتوتة التامة بأن أرسلها ليلا ونهارا كان عليه نفقتها. والمهر فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون صحيحا أو فاسدا أو مفوضة فإن كان صحيحا وهو المسمى بالعقد كان للسيد الأول، لأنه وجب في ملكه، وإن

[ 198 ]

كان فاسدا لزمه مهر المثل بالعقد، وكان للسيد الأول، لأنه وجب بالعقد، وكانت حين العقد في ملكه. وأما المفوضة هو أن يكون نكاح بلا مهر، أو يقول زوجتكها على أن لا مهر لها، فالمهر لا يجب بالعقد لكن للسيد أن يفرض مهرا، فإذا فرض لها المهر فإن كان قبل البيع فهو للأول لأنه وجب والملك له، وإن كان الفرض بعد البيع قيل فيه وجهان أحدهما أنه للثاني، والثاني أنه للأول. وهكذا إذا زوج أمته مفوضة ثم أعتقها ثم فرض المهر، فيه وجهان أحدهما لها وكان لسيدها على ما قلناه، وعلى ما قدمناه من أن بيعها طلاقها، فالمهر إن كان قد قبضه الأول فهو له، فإن كان بعد الدخول فقد استقر، وإن كان قبل الدخول فعليه أن يرد نصفه، وإن كان لم يقبضه فلا مهر لها للأول ولا للثاني فإن اختار المشتري إمضاء العقد ولم يكن قد قبض الأول المهر، كان للثاني لأنه يحدث في ملكه، فإن دخل بها بعد الشراء استقر له الكل وإن طلقها قبل الدخول كان عليه نصف المهر للثاني، وإن كان الأول قد قبض المهر ورضي الثاني بالعقد، لم يكن له شئ لأنه لا يكون مهران في عقد واحد. وإن باعها قبل الدخول ورضي المشتري بالعقد ودخل بها الزوج بعد البيع كان نصف (1) المهر للسيد الأول، ونصفه للثاني، لأن النصف الآخر استقر بالدخول وكان ذلك في ملك الثاني وإن كان قد قبض الأول بعض المهر ثم باعها، لم يكن له المطالبة بباقي المهر، سواء دخل بها أو لم يدخل، لأنه حال بينه وبين الاستمتاع بها، وإن كان الثاني رضي بالعقد كان له المطالبة بباقي المهر وإن لم يرض لم يكن له ذلك: لا يجوز للوالد أن يطأ جارية لولده، سوا كان ولده قد وطئها أو لم يطأها بلا خلاف لأنها ليست ملكا له ولا زوجة، ثم لا يخلو الابن من أحد أمرين، فإن كان قد دخل بها حرمت على الأب على التأبيد، وإن لم يدخل بها ولا نظر منها إلى ما لا يحل لغير مالكها النظر إليه بشهوة، فما دامت في ملكه فهي حرام على الأب.

(1) في بعض النسخ: بعض المهر للسيد الأول، وبعضه للثاني لأن البعض الخ.

[ 199 ]

فإذا ثبت أنها محرمة عليه فإن بادر فوطئها فإما أن يحبلها أو لا يحبلها، فإن لم يحبلها فالكلام عليه في ثلاثة فصول: الحد والقيمة والمهر أما الحد فلا يخلو الولد من أحد أمرين إما أن يكون قد دخل بها أو لم يدخل بها فإن لم يكن دخل بها فلا حد عليه لأن له شبهة ملك لقوله عليه السلام " أنت ومالك لأبيك " فسقط الحد لقوله عليه السلام ادرؤا الحدود بالشبهات بلا خلاف، وإن كان قد دخل بها ففي الحد قيل وجهان أحدهما يحد، والآخر لا يحد وهو الأقوى. وأما القيمة فلا قيمة عليه لولده لأنه ما نقص من قيمتها، وتصرف الابن باق بحاله وأما المهر فكل موضع قلنا لا حد عليه بشبهة الملك وجب المهر بلا إشكال، وكل موضع قلنا عليه الحد فلا يخلو من أحد أمرين إما أن تكون مكرهة أو مطاوعة، فإن كانت مكرهة وجب المهر وإن طاوعته قيل فيه قولان أحدهما لا مهر لها لقوله عليه السلام إنه نهى عن مهر البغي، وهو الأقوى، والثاني يجب عليه المهر والأول أصح لأنه لا دليل عليه والأصل براءة الذمة. وإن أحبلها فالكلام في خمسة فصول الحد والمهر وكونها أم ولد وفي قيمتها وقيمة الولد، أما الحد والمهر فعلى ما مضى إذا لم يحبلها وإذا أحبلها فالولد حر بلا خلاف، وهل تصير أم ولد على قولين أحدهما لا تصير، وهو الذي يقوى في نفسي والثاني تصير. قال قوم لا يجوز للوالد أن يتزوج بأمة ولده وللولد أن يتزوج بأمة والده لأن على الولد إعفاف أبيه، وليس على الأب ذلك، وقال آخرون للوالد أن يتزوج بأمة ابنه، وهل تصير أم ولده على قولين، فإذا قال تصير أم ولده فعليه قيمتها له، لأنه أتلفها عليه والولد حر ولا قيمة عليه، لأنها وضعته في ملكه وهو حر، فلا ضمان عليه أصلا، ومن قال لا تصير أم ولده قال فعليه قيمتها، لأنه لو أراد بيعها لم يمكنه لأنها علقت بحر واستثناء الحر لا يجوز. ويقوى في نفسي أنه يجوز للوالد أن يتزوج بأمة ابنه، وللابن أن يتزوج بأمة أبيه، وإذا أتت بولد تصير أم ولده، ولا يجب عليه قيمتها، لأنه يجوز بيعها

[ 200 ]

وإن الولد يكون حرا، غير أنه لا يمكن بيعها ما دامت حاملا كما لو كانت حاملا من زوج حر فإن الولد يكون حرا عندنا ولا يجوز بيعها حتى تضع ما في بطنها. إذا كان له والد موسر لم يجب على ولده نفقته ولا إعفافه، لأنه غني بما في يده، ويراد بالغني هيهنا كفايته دون اليسار العظيم، وإن كان الأب فقيرا لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون زمنا أو صحيحا، فإن كان زمنا فنفقته على ولده، وإن كان صحيحا قيل فيه قولان أحدهما نفقته على ولده، وهو الأقوى لعموم الأخبار والثاني لا يجب عليه نفقته. فمن قال: لا يجب عليه نفقته، قال: لا يجب عليه إعفافه، ومن قال يجب عليه نفقته فهل يجب عليه إعفافه أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما يجب عليه إعفافه والآخر لا يجب عليه إعفافه وهو الأقوى عندي، لأنه لا دليل عليه، والأصل براءة الذمة فمن قال لا يجب عليه إعفافه فلا كلام ومن قال يجب قال: كل من وقع عليه اسم الأب حقيقة أو مجازا فإنه يجب عليه نفقته وإعفافه، فيدخل في ذلك الأب والجد و إن علا. فإن اجتمع أب وجد أو أبو أب وأبو أب أب كان الأقرب أولى، فإن اتسع ماله فعليه نفقتهما، وإلا فالأقرب أولى، فإن اجتمع أبو أبي أب، وأبو أم أب فهما على درجة واحدة، لكن أحدهما عصبة فإن اتسع فعليه نفقتهما وإلا فالعصبة أولى من ذوي الأرحام وإن كان له أبو أم وأبو أب فهما في درجة واحدة لكن أبا الأب أولى لأنه عصبة، وإن كان له أبو أبي أب وأبو أم فأبوا الأم أقرب لكنه ذو رحم وأبو أب الأب أبعد لكنه عصبة: فالذي يجئ أنهما سواء وعندنا أنه يجب عليه نفقة كل من يقع عليه أسم الأب من قبل أب كان أو من قبل أم إذا أمكنه فإن لم يمكنه كان أقربهما إليه أولى من أي جهة كان فإن تساويا كان ما يمكنه بينهما بالسوية. ومن قال بالإعفاف قال إنه يقع بالتمكين من فرج مباح بنكاح أو ملك يمين فله أن يزوجه بحرة مسلمة أو كتابية، فإن أراد أن يزوجه بأمة لم يكن له لأن نكاحها

[ 201 ]

إنما يجوز بعدم الطول وخوف العنت، وهذا ما عدم الطول، وإن أراد أن يسريه (1) كان له والخيار إلى الولد. فإن أعطاه مالا وقال له: تزوج به، وعلى القيام بالكفاية، وكذلك في ملك اليمين إن أحب أن يعطيه ما يتسرى به، وإن أحب أن يقول تسر أنت والمال على فإن كان له أمة وأراد أن يملكه إياها فإن كان وطئها أو نظر إليها بشهوة لم يجز وإن أراد أن يزوجه بمن لا يستمتع بها في العادة كالعجوز الفانية أو الشابة القبيحة لم يكن له، ولا على الوالد أن يقبل. وإذا وهبها لم يكن له بد من قبول وقبض ويجبر الأب على القبول، ومتى قال لست أختار جارية قيل له ليس لك أن تتخير عليه، لأن القصد أن يجعل لك فرجا حلالا. فإن قال له: أبحتك جاريتي هذه أو أحللتها لك، لم تحل بذلك له عندهم وعندنا أنها تحل له بلفظ التحليل، ومتى زوجه أو سراه ثم أيسر الوالد لم يجب عليه رد الجارية، ولا طلاق الزوجة. وإن زال عن المرأة أو الأمة ملكه فهل عليه بدلها؟ قال بعضهم لا يجب عليه، ومنهم من قال إن زال بطلاق أو عتاق فقد زال باختياره، فلا يجب عليه بدلها، وإن كان بموت لزمه مثلها. ومتى وطئ الابن جارية الأب لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون عالما بالتحريم أو جاهلا به، فإن كان عالما فعليه الحد لأنه لا شبهة له يسقط بها الحد وأما المهر فإن كانت مكرهة فعليه المهر، وإن طاوعته فعلى قولين، ويقوى في نفسي أنه لا مهر عليه بحال لأنه نهى النبي صلى الله عليه وآله عن مهر البغي. وأما الولد فلا يلحق نسبه، لأنها أتت به من زنا فهو مملوك سيدها ولا يعتق على سيدها، لأنه ما لحق نسبه بولده، فلم يعتق عليه، ولا تصير أم ولده، لأنها علقت بمملوك

(1) أي يجعل له أمة سرية.

[ 202 ]

وإن كان جاهلا بالتحريم مثل أن كان قريب عهد بالاسلام أو في بادية بعيدة عن بلد الاسلام، من جفات العرب، فلا حد عليه لقوله عليه السلام " ادرؤوا الحدود بالشبهات والمهر على ما مضى إن كان أكرهها فعليه المهر، وإن طاوعته فعلى قولين وعندي أنه لا مهر بحال على ما بيناه [ لبراءة الذمة ]. وأما الولد فيلحق نسبه لأنه الاعتبار بالأب، فلما كان الوطئ لشبهة لحق نسبه وهو مملوك لأن أمه مملوكة، ويسقط عنها الحد للشبهة، ويعتق على سيدها لأنه ولد ولده ولا قيمة لسيدها على الواطي، لأن العتق جاء من قبله، ولا تصير أم ولد متى ملكها، لأنها علقت منه بمملوك، ثم عتق بالملك لأجل النسب. العبد لا يملك فإن ملكه مولاه ملك التصرف، ولا يلزمه زكوة ولا يتعلق عليه كفارة يتعلق بالمال، بل يلزمه الصوم، وإن اشترى جارية فإن أذن له في وطيها جاز له وطيها، ومنهم من منع جميع ذلك، والحكم في المدبر والمعتق بصفة عند من أجازه والمكاتب سواء غير أن المكاتب لا يجوز بيعه، ومن نصفه حر ونصفه عبد فإنه بما فيه من الحرية يملك ملكا صحيحا، فإن كان بينه وبين سيده مهاياة كان كسب يومه له وكسب يوم سيده لسيده، وإن لم يكن مهاياة فالكسب بينهما، ويملك نصفه ملكا تاما. فإن ملك بما فيه من الحرية أمة فهل له وطيها؟ قيل فيه قولان كالعبد القن سواء لأن الوطئ لا يتبعض، فإذا قيل: لا يملك العبد فليس له وطيها، وإن أذن المولى، وإن قيل يملك جاز له الوطئ إذا أذن، وقبل الإذن ليس له ذلك، وعندنا له وطيها إذا أذن المولى في ذلك. إذا كانت له زوجة فزنت لا تبين منه والزوجية باقية إجماعا إلا الحسن البصري وإن زنا بامرأة جاز له أن يتزوجها فيما بعد إجماعا إلا الحسن البصري، وقال قتادة وأحمد إن تابا جاز، وإلا لم يجز، وقد روى ذلك أصحابنا. الزنا ينشر تحريم المصاهرة، مثل الوطئ بالعقد على قول أكثر أصحابنا، وقد روي أنه لا ينشر، ويحل له وطيها بنكاح، ونكاح أمهاتها وبناتها، وبه قال قوم

[ 203 ]

من المخالفين، والوطئ بشبهة ينشر تحريم المصاهرة تحرم عليه أمها وبنتها وإن علت الأمهات، وإن نزلت البنات. لا عدة على الزانية وجوبا حايلا كانت أو حاملا ولكل أحد أن يتزوج بها في العدة وبعدها حائلا كانت أو حاملا إلا أنه لا يطأها إن كانت حاملا حتى تضع فإن وطئها وأتت بولد لأقل من ستة أشهر فقد انتفى عنه بلا خلاف، ولا لعان، وإن أتت به لستة أشهر فصاعدا، فهو لا يعرف حقيقة أمره، فإن شك فيه وغلب على ظنه أنه ليس منه كان له نفيه باللعان، وإن غلب على ظنه أنه منه قبله واستلحقه، وكان ولده. * * * من يحرم نكاحها، فقد نص الله (1) في كتابه على أربع عشرة امرأة: سبعة من قبل النسب فقال " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت " واثنتان من الرضاع فقال " وأمهاتكم اللآتي أرضعنكم وأخوانكم من الرضاعة " وأربع بالمصاهرة فقال " وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نساءكم اللاتي دخلتم بهن، فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم، وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ". فهؤلاء ثلاث وذكر الرابع في آية قبلها فقال " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف " وواحدة حرمها تحريم جمع، فقال " وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ". وهذه الجملة على ضربين تحريم أعيان وتحريم جمع، فأما تحريم الأعيان فعلى ضربين بنسب وسبب أما النسب فسبع أعيان الأمهات، فالرجل تحرم عليه أمه وجداته " من قبل أبيه وأمه وارثات كن أو غير وارثات، قربن إليه أو بعدن. والثانية البنات، فتحرم عليه بنته لصلبه، وبنات بنتها وبنات بناتها وكذلك بنات الابن وإن نزلن، وكل من يقع عليه اسم بنت حقيقة أو مجازا

(1) راجع سورة النساء الآية 23.

[ 204 ]

لقوله " وبناتكم ". الثالثة الأخوات فالأخت تحرم عليه سواء كانت لأب وأم أو لأب أو لأم لقوله " وأخواتكم ". الرابعة العمات فكل من يقع عليه اسم العمة وهي أخت أبيه، سواء كانت أخته لأبيه أو لأمه أو لهما، وكذلك كل عمة وإن بعدت يعني أخوات الأجداد وإن علون، وهكذا العمات من قبل الأم فكل امرأة كانت أخت جده من قبل الأم فتلك عمته، والكل يحرم عليه لقوله " وعماتكم ". الخامسة الخالات فكل من كانت خالته حقيقة وهي أخت أمه أو مجازا وهي أخت جدته أي جدة كانت من قبل أمها، فأختها خالته وتكون الخالة من قبل الأب وهي كل أخت لجدته من قبل أبيه وآبائه، فتلك خالته وتحرم عليه لقوله " وخالاتكم ". السادسة بنات الأخ فكل بنت لأخيه لأبيه أو لأمه أو لهما أو بناتهن وإن سفلن وبنات بني أخيه فالكل يحرمن لقوله " وبنات الأخ ". السابعة بنات الأخت فكل بنت لأخته لأبيه أو لأمه أو لهما، وبناتهن وإن سفلن، أو بنات بني أخته فالكل يحر من لقوله " وبنات الأخت ". وأما السبب فعلى ضربين رضاع ومصاهرة، فاثنتان من الرضاع، فقال " وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة " وجملته أن الرجل إذا تزوج امرأة فأحبلها فالولد منهما وهما أبواه، واللبن الذي نزل منها لأبويه أيضا فهو لبنها لأنه منها ولبن زوجها وهو لبن الفحل، لأنه بفعله ثار ونزل، فإن أرضع المولود من هذا اللبن عندنا خمس عشرة رضعة متوالية، لم يفصل بينهما برضاع امرأة أخرى وفيه خلاف في مدة الحولين ثبت حرمته بينهما وانتشرت منه إليهما، ومنهما إليه. فأما منه إليهما، فإن التحريم تعلق به وبنسله ولده الذكور والإناث، دون من هو في طبقته من أخواته أو إخوته أو أعلى منه من آبائه وأمهاته، فيحل لأخيه ولأبيه أن يتزوج بهذه المرضعة وهذا الفحل له أن يتزوج بأختها فأما المنتشر منهما

[ 205 ]

إليه فهو ابنهما من رضاع بمنزلة ابنهما من نسب فالمرضعة، أمه وأمها جدته وأختها خالته والزوج أبوه وأمه جدته وأخته عمته وإن كان للزوجين ابن فهو أخوه من أب وأم وإن كان للزوج ابن من غيرها فهم إخوة لأب وإن كان لها من غيره فهم إخوة لأم لقوله عليه السلام " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " وفي رواية أخرى ما يحرم من الولادة. فإذا ثبت هذا فإنما يحرم من الرضاع ما يحرم من الأعيان السبع التي مضت حرفا بحرف. وأما تحريم المصاهرة فأربع أمهات الزوجات فكل من يقع عليها اسم أم حقيقة كانت أو مجازا وإن علون، فالكل يحرمن لقوله تعالى " وأمهات نسائكم ". الثانية الربيبة فهي كل من كان من نسلها، وكذلك ولد الربيب ونسله، فإنه يحرم بالعقد تحريم جمع، فإن دخل بها حرمت عليه كلهن تحريم تأبيد لقوله تعالى " وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم " إلى قوله " فلا جناح عليكم ". الثالثة حلائل الأبناء فإذا تزوج امرأة حرمت على والده بنفس العقد وحدها دون أمهاتها ونسلها (1) لقوله تعالى " وحلائل أبنائكم " وأمها وأولادها ليسوا حلائله. الرابعة زوجات الآباء، يحرمن دون أمهاتهن ودون نسلهن من غيره لقوله تعالى " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم " وهكذا الحكم فيهن إذا كن من رضاع حرفا بحرف. هذا الكلام في تحريم الأعيان فأما تحريم الجمع فقد نص الله تعالى على واحدة وهو الجمع بين الأختين، فلا يجمع بين المرأة وأختها، سواء كانت من أبيها وأمها أو من واحد منهما لقوله تعالى " وأن تجمعوا بين الأختين " ولا يجمع بين المرأة وعمتها ولا خالتها إلا برضاها، وعندهم على كل حال وسواء كانت عمتها وخالتها حقيقة أو مجازا أعني العمات والخالات وإن علون. فتحريم الجمع أربع: بين أختين، المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، والمرأة

(1) وبناتها خ.

[ 206 ]

وبنتها قبل الدخول: فمتى طلق واحدة حل له نكاح الأخرى إلا أن يدخل بها فتحرم الربيبة على التأبيد، فكل من حرمت عينا تحرم جمعا وكل من حرمت جمعا لا تحرم عينا إلا الربيبة فإنها تحرم عينا تارة وجمعا أخرى لأنه إذا عقد على المرأة حرم عليه نكاح بنتها قبل الدخول من حيث الجمع، فإن طلقها حل له نكاح الربيبة، فإن دخل بها حرمت الربيبة على التأبيد، وهكذا الحكم في الرضاع حرفا بحرف: الجمع بين الأختين في النكاح لا يجوز بلا خلاف لقوله تعالى " وأن تجمعوا بين الأختين " فإذا ثبت أن الجمع محرم فله أن ينكح كل واحدة منهما على الانفراد فإن جمع بينهما، فالجمع جمعان جمع مقارنة وجمع متابعة. فالمتابعة أن يتزوج امرأة ثم يتزوج عليها أختها أو عمتها أو خالتها فنكاح الثانية باطل ونكاح الأولى صحيح، وأما جمع المقارنة، فإن يعقد عليهما جميعا دفعة واحدة، فإذا فعل هذا كان العقد باطلا. فأما الكلام في ملك اليمين فله أن يملك من الإماء ما شاء بلا خلاف، وأما الجمع بينهما في الوطي فإذا وطئ أمته صارت له فراشا ولا يحل له وطي أختها حتى تزول الفراش عنها، إما بعتق أو كتابة أو هبة، فإذا لم يفعل لم يحل له وطي أختها. وكذلك الحكم في المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، والمرأة وبنتها، الكل واحد: وأصله كل امرأتين لا يجوز الجمع بينهما في النكاح لم يجز الجمع بينهما في الوطئ بملك اليمين إجماعا إلا داود. إذا وطئ أمته حرمت عليه أمها وجداتها من نسب كن أو رضاع، وإن علون وحرمت ابنتها وبناتها وإن سفلن تحريم تأييد بلا خلاف، وأما الأخت فإنها تحرم عليه تحريم جمع بلا خلاف، وكذلك لا يجمع بينهما وبين عمتها ولا خالتها حقيقة كانت أو مجازا إلا برضاهما، وعندهم على كل حال. والتحريم قائم (1) ما لم يحرم الأولى عليه نفسه: بإزالة ملكة أو تزويجها أو كتابتها، فمتى حرمها حل له وطي الأخرى، وإن لم يحرمها على نفسه فوطي

(1) تأبيد خ.

[ 207 ]

الأخرى عليه حرام، وإن وطئها قبل أن يحرم الأولى عليه فلا حد عليه، لأنه صادف ملكا والحكم في النسب والرضاع في هذا سواء. ولا تحرم الأولى بوطئ الثانية، بل هي على ما كانت عليه لكن يستحب له أن يتوقف حتى يستبرئ الأخرى لئلا يجمع ماءه في رحم أختين وأما إذا جمع بينهما بنكاح وملك يمين فجملته إذا تزوج امرأة لم يحل له وطئ أختها بملك يمين، إن كانت ملكه قبل نكاح أختها، وكذلك إن اشتراها بعد نكاح أختها لم يحل له وطيها، وكان النكاح مانعا ومقدما عليها بلا خلاف. وأما إن تقدم الوطئ بملك اليمين وصارت فراشا له، ثم تزوج أختها صح نكاحها وحرم عليه وطئ الأولى، وقال بعضهم لا ينعقد النكاح لأن الأولى فراشه، والأول أصح، وأما النكاح بعد النكاح، والوطي بعد الوطي، فلا مزية وللأولى السبق فرجح به. فإذا ثبت أن النكاح صحيح حرم عليه وطي الأولى ما دامت هذه على النكاح فإن طلقها حلت له، لأنه تحريم جمع، وقد زال، وإن عقد عليهما في حالة واحدة انفسخا وإن ملكهما في حالة واحدة صح ملكهما بلا خلاف، وفي بعض رواياتنا أنه إذا عقد عليهما جميعا اختار أيهما شاء. يجوز للرجل أن يجمع بين المرأة وزوجة أبيها إذا لم يكن أمها بلا خلاف إلا ابن أبي ليلى، فإنه قال لا يجوز، ويجوز أيضا أن يجمع بين امرأة الرجل وبين بنت امرأة له أخرى بلا خلاف. يجوز للرجل أن يتزوج بأخت أخيه، بيانه رجل له ابن، تزوج بامرأة لها بنت فولد له منهما ابن، فهذا الابن هو أخو الابن الكبير لأبيه وهو أخو البنت لأمها فيجوز للكبير أن يتزوج بتلك الصبية وهي أخت أخيه. وهكذا يجوز له أن يتزوج أخت أخيه من رضاع: بيانه امرأة لها ابن كبير وابن صغير ثم إن أجنبية لها بنت أرضعت هذا الصغير، فإن هذا الصغير أخو هذه الصغيرة من رضاع، ولهذا الابن الكبير أن يتزوج بهذه الصغيرة وهي أخت

[ 208 ]

أخيه كما قلناه في النسب. الوطئ بالنكاح وبالملك وبالشبهة يحرم وينشر الحرمة بلا خلاف، وأما الزنا ففيه خلاف بين أصحابنا، وفيه أيضا خلاف بين الفقهاء. الوطي على ثلاثة أضرب: مباح، ومحظور بلا شبهة، ووطي شبهة، وهو محظور غير أنه شبهة، فإذا نكح امرأة حرم عليه بالعقد أمها وجداتها تحريم تأبيد وحرمت وحدها على آبائه وإن علوا، وعلى أبنائه وإن سفلوا، والربيبة تحرم عليه تحريم جمع، فإن دخل بها حرمت الربيبة وحدها، وأولادها وإن سفلوا على التأبيد وإذا ملك أمة لم يحرم عليه بملكها شئ، فإذا وطئها حرمت عليه أمها وجداتها وإن علون، وحرمت هي وحدها على آبائه وإن علوا، وعلى أولاده وإن سفلوا وحرمت بنتها وبناتها وإن سفلن عليه وحده تحريم تأبيد. ولا وطي مباح إلا في زوجة أو ملك يمين لقوله تعالى " إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم " (1). فإذا ثبت به تحريم المصاهرة ثبت به حرمة المحرم، وهو أن كل من صارت محرمة عليه على التأبيد صار لها محرما يجوز أن يسافر بها ويخلو وينظر إلى ما ينظر إليه ابنها وأبوها، لأنه سبب مباح، فأفاد التحريم والمحرم، وأما الوطئ المحظور فلا يتعلق به تحريم المصاهرة إلا على ما مضى من الخلاف وأما الوطي بشبهة فعلى ضربين: شبهة نكاح وشبهة ملك: فشبهة النكاح أن يطأها في نكاح فاسد كنكاح شغار عندنا (2) والمتعة عند المخالف، ونكاح بلا ولى عند بعضهم

(1) المؤمنون: 6، والمعارج: 30.
(2) نكاح الشغار أن يزوج كل واحد من الرجلين صاحبه امرأة ممن له عليها الولاية والسلطة: أخته أو أمه أو غير ذلك) على أن يزوجه أخرى كذلك، فيجعل مهر كل واحد من الامرأتين تزويج الأخر وهو يعود إلى الرجل، لا إلى المرأة، فيكون النكاح شغارا: أي فارغا من المهر.

[ 209 ]

أو يجد على فراشه امرأة يعتقد أنها زوجته، وتكون أجنبية، ونكاح شبهة الملك أن يشتري أمة شراء فاسدا أو يجد على فراشه أمة يعتقدها أمته فإذا هي أمة الغير فالحكم في هذا الوطي كالحكم في الوطئ بملك اليمين فيما يتعلق به من تحريم المصاهرة حرفا بحرف، ولا يثبت به حرمة المحرم. وأما الكلام في المباشرة من غير إيلاج في فرج كالقبلة واللمس بشهوة والوطي فيما دون الفرج، فإن كان بغير شهوة لم يتعلق به تحريم مصاهرة بحال، بلا خلاف وإن كان بشهوة فهو ثلاثة أضرب كما قسمت الجماع: مباح، ومحظور صريح، ومحظور بشبهة، فإن كان محظورا مثل أن قبل امرأة الغير أو أمة الغير بشهوة وغير شهوة فإنه لا يتعلق به تحريم مصاهرة، ولا ثبوت حرمة. وإن كان مباحا أو محظورا بشبهة المباح في زوجته أو ملك يمين فهل ينشر تحريم المصاهرة قيل فيه قولان أحدهما وهو الصحيح يحرم عليه أمها وأمهاتها وبنتها وبنات بنتها، وهو قول أكثر أهل العلم، وقال قوم لا يثبت به تحريم المصاهرة، وأما النظر إلى فرجها فإنه يتعلق به تحريم المصاهرة عندنا وعند كثير منهم وقال قوم لا يتعلق به التحريم. إذا زنا بامرأة فأتت بولد يمكن أن يكون منه لستة أشهر فصاعدا لم يلحق نسبه بلا خلاف بالأب، وعندنا لا يلحق بأمة لحوقا شرعيا وعندهم يلحق بأمة ولا يحل للزاني أن ينكح هذا الولد إن كان بنتا وقال قوم منهم يجوز ذلك على كراهية فيه. وعلى قولنا بتحريم المصاهرة متى ملكها عتقت عليه لأنها بنته فأما إذا زنا بأمة فأتت ببنت فإنها تحرم عليه بلا خلاف، لأنها أخته من أمة عند من أجاز في الأول. * * * المشركون على ثلاثة أضرب: أهل الكتاب، ومن لا كتاب له ولا شبهة كتاب ومن له شبهة كتاب، فأهل الكتابين اليهود والنصارى من أهل التورية والإنجيل فهؤلاء عند المحصلين من أصحابنا لا يحل أكل ذبايحهم، ولا تزوج حرايرهم بل يقرون على أديانهم إذا بذلوا الجزية، وفيه خلاف بين أصحابنا، وقال جميع الفقهاء يجوز

[ 210 ]

أكل ذبايحهم ونكاح حرايرهم. فأما السامرة والصابئون فقد قيل إن السامرة قوم من اليهود، والصابئون قوم من النصارى، فعلى هذا يحل جميع ذلك، والصحيح في الصابي أنهم غير النصارى لأنهم يعبدون الكواكب، فعلى هذا لا يحل جميع ذلك بلا خلاف. فأما غير هذين الكتابين من الكتب الآخر، لأن الله تعالى أنزل كتبا زبر الأولين وصحف إبراهيم والزبور على داود، فإن كان من أهل هذه الكتب فلا يحل نكاح حرائرهم ولا أكل ذبايحهم. الضرب الثاني الذين لا كتاب لهم ولا شبهة كتاب، فهم عبدة الأوثان فلا يحل نكاحهم ولا أكل ذبايحهم، ولا يقرون على أديانهم ببذل الجزية، ولا يعاملون بغير السيف أو الاسلام بلا خلاف. الضرب الثالث من له شبهة كتاب وهم المجوس، قال قوم هم أهل الكتاب كان لهم كتاب ثم نسخ ورفع من بين أظهرهم، وقال آخرون: ما كان لهم كتاب أصلا وغلب التحريم، فقيل على القولين: بحقن دمائهم ببذل الجزية، وتحريم مناكحتهم وذبايحهم بلا خلاف، إلا أبا ثور فإنه قال يحل مناكحتهم، وقد أجاز أصحابنا كلهم التمتع بالكتابية، ووطيها بملك اليمين، ورووا رخصة في التمتع بالمجوسية. فمن أجاز نكاح الذمية، فالكلام في أحكام الزوجية، فمن ذلك أن لها على زوجها حقا ولزوجها عليها حق، تستحق عليه المهر والنفقة والسكنى والقسم وأحكام المولى وتطلب عند انتهاء المدة بالفئة أو الطلاق كالمسلمة، وأما حقه عليها فأن تسكن بحيث يسكنها، وتمكنه من الاستمتاع بها. وأما الخدمة فلا يجب عليها لزوجها، وإذا مات أحد الزوجين فلا توارث بينهما عندهم، وعندنا أنه يرثها وهي لا ترثه، وإذا قذف زوجته فلا حد عليه وإنما يعزر، وإذا طهرت من حيضها أو نفاسها فليس له وطيها حتى تغتسل، لأنه لا يمكنه وطي الحايض والنفساء إذا انقطع دمها حتى تغتسل، وعندنا يجوز ذلك قبل الغسل إذا غسلت فرجها، وهي وإن لم يصح منها النية لرفع الحدث بالغسل وهي كافرة

[ 211 ]

فذلك حق الله فيصح أن تغتسل ليستوفي الزوج حقه من جواز الوطي، وإذا تعذر حق الله استوفي حق الزوج، وكذلك لو كانت مسلمة مجنونة، فلزوجها إجبارها على ذلك وإن كان لا يصلح منها النية كالكافرة، ونحن لا نحتاج إلى هذا لأنا قد بينا أنه ليس من شرط استباحة الوطي الغسل. فأما الغسل من الجنابة فهل له إجبارها عليه أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما ليس له ذلك لأن الاستمتاع بها جائز قبل الغسل وبعده، والثاني له إجبارها لأن النفس تعاف الاستمتاع بمن كانت جنبا والأول أقوى. وهاتان المسئلتان أصل: كل ما منع الاستمتاع بها فعليها إزالة المانع قولا واحدا، وكل ما يمنع كمال الاستمتاع فعلى قولين أقواهما أنه لا يجب عليها لأن الأصل براءة الذمة. وإذا طال شعر بدنها وأظفارها، فإن كان على صفة يمنع الاستمتاع فله إجبارها على إزالته، وإن لم يمنع غير أنه يعاف، فعلى قولين لأن العشرة الأشياء التي هي الحنيفية خمس في الرأس، وخمس في الجسد مسنونة بلا خلاف، وله منعها من البيعة والكنيسة والخروج من بيتها، فأما منعها من شرب المسكر من الخمر فقدر ما يسكرها له منعها والقدر الذي لا يسكر قيل فيه قولان. وإن كانت مسلمة وأرادت شرب النبيذ على مذهب أبي حنيفة فعندنا يجب عليه منعها ومن وافقنا في التحريم قال إن كانت تعتقد تحريمه كان له منعها عن قليله وكثيره وإن كانا ممن يعتقدان تحليله كان له المنع من القدر الذي يسكر، وعما لا يسكر على قولين، وهكذا إن كانت تعتقد إباحته وهو يعتقد تحريمها سواء، وقال بعضهم له منعها عن شرب قليله وكثيرة بكل حال مثل ما قلناه لأن الذي يسكر لا طريق إليه لاختلاف العادات فيه. وأما منعها من أكل لحم الخنزير قيل فيه قولان أقربهما أنه ليس له ذلك. وأي زوجة كانت، مسلمة كانت أو مشركة، إذا أرادت أن تأكل مثل الثوم والبصل فهل له منعها أم؟ على قولين أقربهما أنه ليس له ذلك.

[ 212 ]

وأما اللباس فلها لبس ما شاءت إذا كان طاهرا نظيفا، سواء كان من الديباج أو غيره، فإن لبس الحرير حلال لهن وإن أرادت أن تلبس شيئا من جلد ميتة كان له منعها، سواء كان مدبوغا أو غير مدبوغ، وعندهم إن كان مدبوغا لا شعر عليه جاز لها وإن لم يكن مدبوغا لم يكن لها ذلك، وعلى مذهبنا له منعها من النجاسات. إذا ارتد أحد الزوجين فإن كان قبل الدخول بها وقع الفسخ في الحال، وإن كان بعد الدخول وقف الفسخ على انقضاء العدة، فإن انقضت قبل أن يرجع إلى الاسلام فقد انفسخ النكاح، وهكذا إذا كانا وثنيين، فأسلم أحدهما، أو مجوسيين فأسلم أحدهما إن كان قبل الدخول وقع الفسخ في الحال، وإن كان بعده وقف على انقضاء العدة. وإن كانا كتابيين نصرانيين أو يهوديين فأسلم أحدهما نظرت، فإن كانت الزوجة أسلمت فالحكم كما لو كانا وثنيين أو مجوسيين فأسلم أحدهما، لأنا لا نقر مسلمة تحت كافر، وإن أسلم هو فهما على النكاح، سواء كان قبل الدخول أو بعده وروي في بعض أخبارنا أنها إذا أسلمت لم ينفسخ النكاح بحال، غير أنه لا يمكنه من الخلوة بها إلا بعد الاسلام. ومن كان تحته يهودية فانتقلت إلى دين سواه لم يخل من أحد أمرين إما أن ينتقل إلى دين يقر عليه أهله، أو لا يقرون عليه، فإن كان دينا لا يقر عليه أهله، مثل عبدة الأوثان، فإنها لا تقر عليه، وما الذي يفعل بها؟ قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها لا يقبل منها غير الاسلام فقط، والثاني أنه يقبل منها دين الاسلام أو الدين الذي انتقلت منه، والثالث: يقبل منها الاسلام أو الدين الذي انتقلت عنه وكل دين يقر عليه أهله وهذا الأقوى. فإذا تقرر هذا انتقلت إلى دين يقر عليه أهله فذاك، وإن أبت إلا المقام عليه أو الانتقال إلى دين لا يقر عليه أهله، فهي كالمرتدة، وما الذي يصنع بها؟ قيل فيه قولان: أحدهما ترد إلى مأمنها لتصير حربا لنا، والثاني تكون مرتدة فإن تابت

[ 213 ]

وإلا حبست عندنا أبدا، وعندهم تقتل. وأما نكاحها فإنها لما انتقلت إلى الوثنية نظرت، فإن كان قبل الدخول وقع الفسخ في الحال، وإن كان بعده وقف على انقضاء العدة، فإن انقضت العدة قبل الانتقال عنه وقع الفسخ، وإن انتقلت عنه قبل انقضائها نظرت، فإن انتقلت إلى الدين الذي كانت عليه وقيل لا يقر عليه أو انتقلت إلى غيره وقلنا لا يقر عليه فالباب واحد، فكأنها أقامت على الوثنية يقف الفسخ على انقضاء العدة. وإن انتقلت إلى دين يقر عليه نظرت، فإن كان ما انتقلت إليه مجوسية فإنا نقرها عليها في حقها، لكن يقف الفسخ على انقضاء العدة فإن كان غير المجوسية يهودية أو نصرانية أو إسلامية فهما على النكاح. فأما إن انتقلت ابتداء إلى دين يقر عليه أهله مثل أن انتقلت إلى نصرانية أو مجوسية، أو كانت مجوسية وانتقلت إلى يهودية أو نصرانية، فهل تقر على ما انتقلت إليه؟ قيل فيه قولان: فإذا قيل تقر عليه، فلا كلام، وإذا قيل لا تقر عليه، فما الذي يقبل منها؟ قيل فيه ثلاثة أقوال أحدها لا يقبل غير الاسلام والثاني يقبل منها الاسلام أو الدين الذي كانت عليه لا غير، والثالث الاسلام أو ما كانت عليه أو ما يقر عليه أهله، فإذا ثبت هذا رجعنا إلى حكم نكاحها، فمن قال تقر على ما انتقلت إليه فإن كانت مجوسية أقرت في حقها دون النكاح، وإن كان قبل الدخول وقع الفسخ في الحال، وإن كان بعده وقف على انقضاء العدة. وإن كان لهم كتاب يهودية أو نصرانية فإنها تقر على الزوجية، ومن قال لا تقر على ما انتقلت إليه فهذه مرتدة، إن كان قبل الدخول وقع الفسخ في الحال وإن كان بعده وقف على انقضاء العدة فإن لم يرجع حتى انقضت عدتها فقد بانت. وإن رجعت إلى غيره قبل انقضاء عدتها: فإن رجعت إلى ما لا تقر عليه مثل أن رجعت إلى الدين الذي كانت عليه وقلنا لا يقبل منها أو إلى غيره مما لا تقر عليه، فالحكم فيه كما لو أقامت على ما انتقلت إليه

[ 214 ]

يقف على انقضاء العدة. وإن رجعت إلى دين تقر عليه نظرت، فإن كانت مجوسية أقرت في حقها وفي حق النكاح يقف على انقضاء العدة وإن كانت يهودية أو نصرانية بقيت على نكاحها، لأنه يجوز له استيناف نكاحها عندهم، وعندنا يجوز استدامة نكاحها. * * * الأمة على ضربين: مشركة ومسلمة، فالمشركة لا يجوز نكاحها للمسلم على ما مضى، وإن كانت مسلمة نظرت. فإن كان عبدا حل له نكاحها، والكلام عليه يأتي، وإن كان حرا لم يحل له إلا بشرطين: عدم الطول، وخوف العنت إن لم ينكحها، فالطول السعة والفضل لنكاح حرة، والعنت الزنا، فكأنه في التقدير يفتقر إلى ثلاثة شروط هذان والثالث أن تكون مسلمة، وفيه خلاف ووافقنا قوم منهم على ما قلناه. فإذا تقرر هذا فعدم الطول وخاف العنت جاز ذلك، وإن وجد طولا لحرة مسلمة لم يجز له نكاح الأمة أصلا، وفي أصحابنا من قال ذلك مستحب لا شرط، وإن لم يجد طولا لحرة مسلمة لكنه وجد طولا لحرة كتابية أو ما يشتري به أمة فهل له نكاح الأمة أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما ليس له ذلك وهو الأقوى، والآخر يجوز له ذلك. فأما إذا كان تحته حرة صغيرة لا يستمتع بمثلها، وعدم الطول وخافت العنت الأقوى أن يقال: له أن يتزوج بأمة وقال قوم فيه نظر. عندنا للحر أن ينكح أمتين لا زيادة عليهما ولا ينكح أمة على حرة لعموم الأخبار في النهي عن ذلك، ومن اعتبر الشروط التي قدمناها لم يجز أكثر من واحدة للمملوك أن يعقد على أربع إماء، أو على حرة وأمتين، وقال بعضهم له نكاح أمة أو أمتين، ونكاح أمة على حرة، وحرة على أمة، وفيه خلاف. إذا جمع في عقد واحد بين حرة وأمة مثل أن كان له بنت وأمة فزوجهما في عقد

[ 215 ]

واحد من رجل، أو كانت له أمة فوكل رجلا في تزويجها فزوج بنت نفسه مع هذه الأمة من رجل بعقد واحد، أو كان له بنت فوكل وكيلا في تزويجها فزوج الوكيل هذه البنت وأمة نفسه معا بعقد واحد، فنكاح الأمة باطل عندنا وعند قوم من المخالفين، ولا يبطل عندنا نكاح الحرة. وعند المخالف على قولين بناء على تفريق الصفقة، فمتى قال يبطل فيهما فلا كلام، فإن دخل بهما، فلكل واحد منهما مهر مثلها، وإن لم يدخل بهما فلا شئ لواحد منهما، وإن دخل بواحدة منهما دون الأخرى، لزمه مهر مثل من دخل بها دون الأخرى وإذا قال لا، يبطل نكاح الحرة فهل يبطل مهرها أم لا؟ قيل فيه قولان. بناء عليه إذا تزوج أربعا أو خالع أربعا، بعقد واحد وعوض واحد، فالنكاح والخلع صحيحان، والعوض على قولين أحدهما يبطل، والآخر لا يبطل، وهو الأقوى. فإذا قيل: باطل كان لها مهر مثلها، وإذا قيل: صحيح فلها بحصة مهر مثلها من المسمى، فإن كان مهر مثلها مائتين، ومهر مثل الأمة مائة، كان لها من المسمى الثلثان، وعلى هذا أبدا. وأما إذا قال زوجتك هذه وزوجتك أمتي بألف، فإنهما لا يبطلان معا، بل لكل وأحد حكم نفسه. إذا تزوج أمة بوجود الشرطين، عدم الطول وخوف العنت، فهي على النكاح وإن زال الشرطان معا، وإن نكح عليها حرة من غير رضاها كانت الحرة بالخيار بين الرضا وبين فسخ عقدها نفسها، دون عقد الأمة، وفية خلاف، وقد روي أن لها فسخ عقد الأمة، وإن تزوج أمة وعنده حرة فنكاح الأمة باطل إجماعا. ولا يجوز للحر ولا للعبد المسلم أن يتزوج أمة كتابية لقوله تعالى " ولا تنكحوا المشركات " (1) وفيه خلاف.

(1) البقرة: 221، ولا يتم الاستدلال إلا إذا قلنا إن أهل الكتاب مشركون، وتمام الآية هكذا =

[ 216 ]

كل جنس يحل نكاح حرائرهم يحل وطئ إمائهم بملك اليمين، من ذلك المسلمات يحل وطيهن بملك اليمين بلا خلاف، وعندنا يحل له وطئ الأمة الكتابية بالملك وإن خالفناهم في وطئ الحرة منهم بالعقد. من أجاز له نكاح الكتابيات أجاز سواء كانوا أهل ذمة أو أهل حرب، لأن الاعتبار بالكتاب دون الذمة، غير أنهم يكرهون نكاح من لا ذمة لها أشد من كراهية الذمية. =

*: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن، ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار " الآية.

[ 217 ]

(فصل) * (في التعريض بنكاح المعتدات) * المعتدات على ثلاثة أضرب رجعية، وباين لا يحل لزوجها نكاحها ولا لغيره قبل انقضاء العدة، وباين يحل لزوجها نكاحها في عدتها، فالرجعية لا يحل لأحد أن يعرض لها بالخطبة ولا أن يصرح لها بذلك، لأنها زوجة عندنا، وعندهم في معنى الزوجات. والتي لا تحل لزوجها ولا لغيره قبل انقضاء العدة، فالمتوفى عنها زوجها فهذه يحل لكل أحد أن يعرض لقوله تعالى " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء " (1) وأما التصريح لها بالخطبة فحرام لدليل الآية، والمعتدة بالفسخ باللعان وبالرضاع كالمعتدة عن الوفاة فحكمهما واحد. وأما المعتدة عن الطلاق الثلاث فالتعريض لها جائز، لما روت فاطمة بنت قيس أنه طلقها زوجها أبو حفص وهو غائب بالشام، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله إذا حللت فأذنيني وفي رواية أبي هريرة قال لها لا تفوتينا بنفسك، فهذا تعريض من النبي صلى الله عليه وآله لها بذلك (2). وأما التصريح لها فحرام أيضا. الضرب الثالث: التي تحل لزوجها نكاحها في عدتها فهي المختلعة والتي

(1) البقرة: 235.
(2) في مشكاة المصابيح ص 288 عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب فأرسل إليها وكيله الشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شئ فجاءت رسول الله (ص) فذكرت ذلك له، فقال ليس لك نفقة فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللت فأذنيني قالت: فلما حللت ذكرت له أن معوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني فقال أما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معوية فصعلوك لا مال له انكحي أسامة الحديث.

[ 218 ]

انفسخ نكاحها بعيب أو عنة أو إعسار بنفقة، ونحو هذا، فلزوجها التعريض والتصريح وغير الزوج لا يحل له التصريح، وهل يحل له التعريض؟ قيل فيه قولان، فخرج من هذه الجملة أن التعريض يحل لكل معتدة إلا الرجعية والباين التي يحل لزوجها نكاحها على أحد القولين، والتصريح محرم لكل معتدة إلا الرجعية التي يحل لزوجها نكاحها، فإن لزوجها التصريح لها لا غير. فأما جواب المرأة عما خوطبت به من ذلك، فهو في حكم خطابه، فإن كان ما قاله حرام عليه حرم عليها الجواب بمثله، وكل موضع حل له أن يبتدئها بالخطاب كان الجواب في حكمه. فإذا ثبت هذا فالكلام في التصريح والتعريض: أما التصريح فهو أن يخاطبها بما لا يحتمل غير النكاح، وهو أن يقول إذا انقضت عدتك تزوجتك أو نكحتك، وأما التعريض فما احتمل النكاح وغيره مثل أن يقول رب راغب فيك، رب متطلع إليك رب حريص عليك، فهذا محتمل، ومنه ما ورد في حديث فاطمة إذا حللت فأذنينا، ولا تفوتينا بنفسك، ولا تسبقينا بنفسك، وهكذا يقول: لا تبقين بلا زوج، ولا تبقين أرملة وإن الله سابق إليك خيرا، قال قوم أنت جميلة، أنت مرغوب فيك، قال غيره وربما انساق إليك خيرا. المواعدة بالسر عند قوم تعريض مكروه، وهو أن يقول لها إن عندي جماعا يرضي من جومعه فهذا تعريض وليس تصريحا لكنه فحش من القول لأن الله قال: " إلا أن تقولوا قولا معروفا " (1). فإذا تقرر هذا فكل موضع قلنا فعل محرما فمتى تزوجها فالنكاح صحيح ولا يؤثر فيه ما كان قبل العقد، وقال قوم متى صرح ثم عقد فسخت العقد والأول أصح. إذا خطبت امرأة وكانت من أهل الإذن فأذنت لوليها أو صرحت بالإجابة، أو لم يكن من أهل الإذن، ولكن وليها أذن في تزويجها من رجل بعينه أو صرح بالإجابة حرم على كل أحد أن يخطبها، لما روي عنه عليه السلام أنه قال: لا يخطب أحدكم على

(1) البقرة: 235.

[ 219 ]

خطبة أخيه. إذا خطبت فردت ردا ظاهرا أو لم ترد ولم تجب، ولم يكن منها ما دل على الرضا حل لكل أحد خطبتها لأنه لا مانع منه، وإذا خطبها رجل وركنت إليه إن كانت من أهل الإذن، وهو إن لم يصرح برد ولا منع، لكنها قالت وأي عيب فيه؟ ما هو إلا رضا. أو قال هذا وليها ولم يكن لها إذن، فهل يحرم على غيره أن يخطبها؟ قيل فيه قولان أحدهما يحرم، والآخر لا يحرم، وهو الأقوى لخبر فاطمة بنت قيس خطبها أبو جهم ومعوية فأمرها النبي صلى الله عليه وآله أن تنكح غيرهما وهو أسامة. فكل موضع قلنا مباح صح النكاح بلا خلاف، وكل موضع قلنا حرام محظور فإن خالف ففعل فأفسد على غيره ونكح فالنكاح صحيح وقال داود فاسد. إذا أذنت المرأة لوليها في تزويجها من رجل لا بعينه، فقالت زوجني ممن شئت وبمن ترى، كان لكل أحد خطبتها، وإذا خطب رجل امرأة من وليها فوعده بتزويجها فإن رضيت المرأة بذلك، إن كانت ثيبا بالنطق وإن كانت بكرا بالصمت، حرم على كل أحد خطبتها. وإن لم ترض المرأة: فإن كان الولي له الاجبار على النكاح كالأب والجد مع البكر البالغة على أظهر الروايات والسيد مع الأمة، فلا يجوز لأحد أن يخطبها، لأن الاعتبار به دون رضاها، وإن كان وليا ليس له الاجبار كالأخ والعم كان لكل أحد أن يخطبها، لأن الاعتبار برضاها، ولم يحصل رضاها، فإن خطبها فرضيت بذلك وأجابته لم يحل لأحد خطبتها إلا بإذنه، أو حتى يترك، فإذا تركها حل لغيره خطبتها.

[ 220 ]

(فصل) * (في تزويج المشركين) * إذا تزوج المشرك بأكثر من أربع نساء خمسا أو عشرا فأسلم وهن عنده، لزمه أن يختار منهن أربعا ويفارق البواقي أي أربع شاء منهن، سواء كان تزوج بهن بعقد واحد أو واحدة بعد واحدة. هذا إذا أسلم وهن كتابيات فأقمن على الشرك أو أسلمن معه أو كن وثنيات أو مجوسيات فأسلمن معه، فأما إذا أقمن على الشرك فلا يجوز أن يختار منهن شيئا لأن المسلم لا ينكح وثنية ولا مجوسية وفيه خلاف. إذا كان الزوجان كتابيين يهوديين أو نصرانيين أو يهودا ونصرانية أو نصرانيا و يهودية فأسلم أحدهما نظرت، فإن كان الزوج فهما على النكاح، وهكذا لو كان الزوج وثنيا أو مجوسيا فأسلم وهي كتابية، فمتى أسلم الزوج وهي كتابية فالحكم مثل ذلك سواء بلا خلاف وإن كان الذي أسلم الزوجة فسيأتي الكلام عليه. وإن لم يكونا كتابيين مثل أن كانا مجوسيين أو وثنيين أو أحدهما مجوسيا والآخر وثنيا فأيهما أسلم هيهنا نظرت، فإن كان قبل الدخول وقع الفسخ في الحال وإن كان بعد الدخول وقف على انقضاء العدة، فإن اجتمعا على الاسلام قبل انقضائها فهما على النكاح، وإلا انفسخ النكاح. وهكذا إذا كانا كتابيين فأسلمت الزوجة، لأن الكتابي لا يتمسك بعصمة مسلمة أبدا، وسواء كانا في دار الحرب أو في دار الاسلام، وفيه خلاف، وقد بينا فيما مضى أن من أصحابنا من قال لا ينفسخ نكاحها بإسلامها بحال، لكن لا تمكن من الخلو بها. اختلاف الدار بالزوجين لا يتعلق به فسخ النكاح، سواء كان فعلا أو حكما أو فعلا وحكما وفيه خلاف، فأما إذا اختلف بهما الدار واسترق أحدهما، فلا خلاف

[ 221 ]

أنه يقع الفرقة، حين الاسترقاق. إذا تزوج أما وبنتها حال الشرك بعقد واحد أو بعقدين، ثم أسلم، لم يخل من أربعة أحوال إما أن لم يدخل بواحدة منهما، أو دخل بهما، أو بالبنت دون الأم أو الأم دون البنت: فإن لم يكن دخل بواحدة منهما قيل فيه قولان أحدهما هو بالخيار في إمساك أيتهما شاء، وفارق الأخرى، والثاني أنه يثبت نكاح البنت ويزول نكاح الأم ويقوى في نفسي الأول. فمن قال يمسك البنت دون الأم قال يثبت نكاحها وبطل نكاح الأم، ومن قال بالتخيير على ما قلناه قال إن اختار البنت ثبت نكاحها وحرمت الأم على التأبيد وإن اختار الأم ثبت نكاحها وحرمت البنت عليه، تحريم جمع، فإن طلق الأم جاز له نكاح البنت. وأما إن كان قد دخل بكل واحدة منهما، حرمت البنت على التأبيد لأنها بنت من دخل بها، والأم حرمت عليه مؤبدا أيضا. ولأي معنى ذلك؟ فإن قيل العقد على البنت يحرم الأم حرمت الأم للعقد، وللدخول، ومن قال العقد على البنت لا يحرم الأم حرمت الأم للدخول لا غير. وإن كان دخل بالبنت دون الأم حرمت الأم على التأبيد لمثل ما قلناه، والبنت نكاحها بحاله، وإن كان قد دخل بالأم لا غير حرمت البنت على التأبيد لأنها بنت من قد دخل بها. وأما نكاح الأم فمبني على القولين: فمن قال العقد على البنت يحرم الأم حرمت الأم على التأبيد وهو الصحيح، ومن قال العقد على البنت لا يحرم الأم فنكاح الأم بحاله. إذا كان المشرك له أمتان أم وبنتها، فأسلم وأسلمن معه، فإن لم يكن وطئ واحدة منهما كان له وطي من شاء منهما، فإذا فعل فقد حرمت عليه الأخرى على التأبيد، وإن كان قد دخل بهما معا، حرمتا عليه على التأبيد، وإن كان قد وطئ إحداهما حرمت.

[ 222 ]

الأخرى على التأبيد، لأن الدخول بالمرأة يحرم أمها وبنتها على التأبيد والموطوءة حلال له. إذا نكح امرأة وخالتها، أو امرأة وعمتها، فكأنه تزوج أختين، فإذا أسلم اختار أيتهما شاء وخلي سبيل الأخرى، دخل بها أو لم يدخل بها، إلا أن ترضى العمة عندنا والخالة، فيجمع بينهما. إذا أسلم الرجل وعنده زوجات فأسلمن معه فكل من كان له نكاحها لو لم تكن زوجته كان له أن يختارها، وكل من لم يكن له نكاحها لو لم تكن زوجته، لم يكن له اختيارها. بيانه إذا أسلم وعنده أربع زوجات إماء فأسلمن معه، فإن كان ممن يجوز له نكاح أمة من عدم الطول وخوف العنت، كان له أن يختار واحدة منهن عند بعض المخالفين وعندنا يختار ثنتين، لأنه لو أراد استيناف نكاحها كان له ذلك، وإن كان على صفة لا يجوز له نكاح الأمة من وجود الطول أو لا يخاف العنت، فليس له أن يختار واحدة منهن. وعندنا له أن يختار ثنتين منهن لأنه مستديم العقد لا مستأنف له، ويجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء، كما أنه ليس له العقد على كتابية وإن كان له استدامة عقدها. فإذا تقرر هذا فإن كان عنده أربع زوجات: حرة وثلاث إماء، فأسلم ففيه ثلاث مسائل إما أن يسلمن كلهن معه، أو أسلمت الحرة أولا وتأخر إسلام الإماء، أو أسلمت الإماء وتأخر إسلام الحرة: فإن أسلمن كلهن معه ثبت نكاح الحرة، وانفسخ نكاح الإماء عند المخالف وعندنا الخيار للحرة، فإن رضيت ثبت نكاح أمتين يختارهما ويفسخ الثالثة. الثانية أسلمت الحرة وتأخر إسلام الإماء ثبت نكاح الحرة وانقطعت عصمة الإماء عنده، وعندنا أن الأمر موقوف على رضا الحرة. فرع هيهنا إذا أسلمت الحرة ثم ماتت فقد بانت بعد ثبوت نكاحها، وانقطع

[ 223 ]

عصمة الإماء، فإن أقمن على الشرك حتى انقضت عدتهن وقع الفسخ باختلاف الدين وعددهن من حيث وقع الفسخ وإن أسلمن وقع الفسخ من حين أسلمت الحرة. الثالثة أسلمت الإماء أولا وتأخرت الحرة انتظر ما يكون من الحرة، فإن أسلمت الحرة ثبت نكاحها وبطل نكاح الإماء، وعندنا يقف على رضاها، وإن أقامت الحرة على الشرك حتى انقضت عدتها بانت باختلاف الدين، وكانت كأن لم يكن زوجته، وكأنه أسلم وعنده ثلاث إماء أسلمن معه: فإن كان ممن يجوز له نكاح الإماء كان له أن يختار واحدة منهن عندهم، وعندنا ثنتين، وإن كان ممن لا يجوز له ذلك، انفسخ نكاحهن. فإن كانت بحالها فتأخرت الحرة وطلقها باينا كان أمرها مراعا: فإن أسلمت في العدة ثبت نكاحها وإذا ثبت نكاحها انفسخ نكاح الإماء، وأما الحرة فقد طلقت بعد ثبوت نكاحها باينا، فإن أقامت على الشرك حتى انقضت عدتها لم يقع الطلاق بها، وبان أن الفسخ وقع باختلاف الدين، وحصل عنده ثلاث إماء: فإن كان ممن يجوز له نكاح أمة اختار واحدة أو ثنتين عندنا، وإلا انفسخ نكاحهن. فإن أسلم وتحته أربع زوجات إماء وهو موسر، فإن أسلمن فإن كان اليسار بحاله انفسخ نكاحهن حين أسلمن عند من جعل ذلك شرطا، وإن كان مفقودا كان له أن يختار عندنا ثنتين وعندهم واحدة. إذا أسلم وتحته أربع زوجات إماء فأسلمت واحدة منهن، وتأخر البواقي، وهو ممن يجوز له نكاح أمة، كان بالخيار بين أن يختار هذه، وبين أن يؤخر وينتظر البواقي. ثم لا يخلو من أربعة أحوال إما أن يختار هذه، أو ينتظر البواقي، أو يطلق هذه، أو يختار فسخ نكاحها. فإن اختارها ثبت نكاحها، كما لو ابتدء نكاح أمة، فإذا ثبت نكاحها انقطعت عصمة البواقي، عند من لم يجز أكثر من واحدة، وعندنا أن له الخيار في الأخرى وإن لم يسلمن حتى انقضت عدتهن، تبينا أن الفسخ وقع باختلاف الدين. وإن لم يختر هذه وانتظر البواقي، فإن أقمن على الكفر حتى انقضت عدتهن انفسخ

[ 224 ]

نكاحهن وثبت نكاح هذه، وإن أسلمت البواقي كان له أن يختار من الأربع من شاء. فرع على هذه: إذا كان عنده ثماني حرائر، فأسلم وأسلمن معه أربع منهن وتأخرت البواقي فالحكم في اللواتي أسلمن كتلك الواحدة التي أسلمت من الإماء والحكم في اللواتي تأخرن كالحكم في الإماء اللواتي تأخرن. فإن اختار الأربع اللواتي أسلمن ثبت نكاحهن وانقطعت عصمة البواقي، فإن أقمن على الشرك حتى تنقضي عدتهن وقع الفسخ من حين اختلاف الدين، وعددهن من حين وقع الفسخ، فإن أسلمن في العدة انفسخ نكاحهن من حين اختيار الأربع وعددهن من حين وقع الفسخ. وإن أسقط، فإن أقمن على الشرك حتى انقضت عددهن، انفسخ نكاحهن من حين اختلاف الدين، وعددهن من يوم وقع الفسخ، ويثبت نكاح الأربع، وإن أسلمن كان له أن يختار منهن أربعا فمن اختار منهن ثبت نكاحها وانفسخ نكاح البواقي وعددهن من حين وقع الفسخ. فإن طلق واحدة وقع الطلاق بها لأن في إيقاع الطلاق اختيارا لها، وإمساكها زوجة بعد ثبوت الزوجية، وانقطعت عصمة البواقي، فإن أقمن على الشرك حتى ينقضي عددهن وقع الفسخ بانقضاء العدة من يوم اختلاف الدين، وعددهن من يوم يقع الفسخ وإن أسلمن وقع الفسخ من حين طلاق الواحدة، وعددهن من حين وقع الطلاق وزالت المطلقة بالطلاق. وإن اختار فسخ نكاح هذه لم يكن له ذلك، لأن الفسخ في الفضل عما له إمساكه، وليس ههنا من يمسكه غيرها، فليس له الفسخ، وإن فسخ كان فسخه كلا فسخ لأنه فسخ في غير وقت الفسخ، فهو كما لو اختار واحدة من البواقي قبل إسلامها فإن الاختيار باطل فإن خالف وفسخ فإن أقام البواقي على الكفر حتى انقضت عددهن وقع الفسخ باختلاف الدينين، وثبت نكاح هذه التي اختار فسخ نكاحها، وإن أسلمن أجمعهن في العدة كان له يختار غير التي اختار فسخ نكاحها، فإذا فعل ثبت نكاح التي

[ 225 ]

اختارها، وانفسخ نكاح البواقي، وهذه من الجملة. وإن اختار التي اختار فسخ نكاحها بعينها، قيل فيه وجهان: أحدهما أن ذلك له، لأن وجود ذلك الفسخ كلا فسخ، والثاني ليس له ذلك، لأن الاختيار في الفسخ إنما لا يكون فسخا إذا أقام البواقي على الكفر، ولم يبق هناك من يفسخ عليها فأما إذا أسلمت البواقي حصل هيهنا من يفسخ ويختار غيرها، فبان أن الفسخ صح في حقها فلم يكن له أن يختارها، وهذا هو الأقوى. ولو أسلم وعنده زوجات إماء فأسلم بعضهن وهو على صفة يجوز له نكاح الإماء وأسلم بعضهن وهو على صفة لا يجوز له نكاح الإماء، فكل من أسلمت وهو على صفة له نكاح الإماء كان له الاختيار، وكل من أسلم وهو على صفة ليس له نكاح أمة بطل نكاحها. إذا كان له أربع زوجات إماء وحرة فأسلم وأسلم الإماء معه، وأعتقن وتأخرت الحرة، لم يكن له أن يختار شيئا من الإماء لا قبل العتق ولا بعده، أما قبله فلأنه متمسك بحرة، وهي التي على الشرك، وليس له بعد العتق، لأن وقت الاختيار حين اجتمع إسلامه وإسلامهن وكن حينئذ إماء. فإذا ثبت أن ليس له الاختيار، إما أن لا يختار أو يخالف فيختار، فإن لم يختر واحدة منهن، نظرت فيما يكون من الحرة، فإن أسلمت قبل انقضاء عدتها ثبت نكاحها، وبطل نكاح الإماء، وإن أقامت على الشرك بانت باختلاف الدين، وكان حكمه مع الإماء كأن لم يكن تحته حرة، ويختار عندنا ثنتين بلا زيادة، وعند المخالف واحدة، وإن كان الاختيار وهن حراير لأنه إنما يراعى وقت ثبوت الاختيار لا وقت وجود الاختيار، وكن في وقت ثبوت الاختيار إماء فلا يختار إلا اثنتين. وإن خالف واختار من اللواتي أسلمن معه، نظرت في الحرة المتأخرة، فإن أسلمت قبل انقضاء عدتها انفسخ نكاح البواقي، والتي قد اختارها أيضا إلا أن ترضى الحرة لأنه لا يجوز له نكاح أمة وتحته حرة، وإن أقامت على الشرك حتى انقضت مدتها وقع الفسخ بانقضاء العدة من حين اختلاف الدين.

[ 226 ]

وهل يصح نكاح الأمتين ثنتين قيل فيه وجهان أحدهما أنه يثبت نكاحهما، ومنهم من قال لا يثبت حتى يجدد اختيارا آخر. المسئلة بحالها: تحته حرة وأربع زوجات إماء، فأسلم وأسلمن ثم أعتقن بعده كان بمنزلة من ابتدأ نكاحهن وهن خمس حرائر، لأن الاعتبار بحال الاختيار، فيكون بالخيار بين ثلاثة أشياء: بين أن يختار اللواتي أسلمن معه، فإن فعل ثبت نكاحها، وانقطعت عصمة الخامسة، وإن أسلمت انفسخ نكاحها، وإن أقامت على الشرك حتى انقضت عدتها انفسخ نكاحها باختلاف الدين. وبين أن يختار ترك الاختيار لينظر حال المتأخرة، فإن أقامت على الشرك حتى انقضت عدتها ثبت نكاح اللواتي أسلمن معه، وإن أسلمت تلك، اجتمع إسلامه وإسلام خمس حرائر، يختار منهن أربعا، وينفسخ نكاح الخامسة. وبين أن يختار منهن ثلاثا ويؤخر واحدة من الأربع لينظر ما يكون من الخامسة، والحكم على ما مضى. ولا فصل بين أن يتقدم إسلامه ثم أعتقن ثم أسلمن، أو تقدم إسلامهن وأعتقن ثم أسلم، الباب واحد، إنما يراعى اجتماع إسلامه وإسلامهن. إذا تزوج العبد في حال الشرك ستا: أمتين وكتابيتين ووثنيتين، فأسلم وأسلمن معه، فقد اجتمع عنده ست مسلمات، وكن ثلاثة أصناف: أمتان وحرتان كتابيتان ووثنيتان: فإن لم يخترن فراقه أمسك أي اثنتين شاء وأما الامتان فليس لهما أن يختارا فراقه، لأنه مملوك وهما مملوكتان، فلا مزية لهما عليه، فأما الحرائر فهل لهن أن يخترن فراقه؟ فمذهبنا أن لهن الاختيار، وقال قوم لا خيار لهن، والأول أصح. فإن اخترن فراقه بقي عنده أمتان، فله إمساكهما، لأنه يجوز للعبد أن يتزوج بأربع إماء، وعند المخالف بأمتين، ومن قال لا خيار لهن اختار العبد أي اثنتين شاء حرتين أو أمتين، أو حرة وأمة أي صنف شاء.

[ 227 ]

إذا تزوج العبد أربع إماء في الشرك ففيه مسئلتان إحداهما أسلمن أولا ثم أعتقن، وتأخر العبد في الشرك، الثانية أسلم العبد أولا وتأخرن فأعتقن في الشرك. فالأولى إذا أسلمن فأعتقن وتأخر العبد، كان لهن خيار الفسخ، لأن الأمة إذا أعتقت تحت العبد، كان لها الخيار، فإذا ثبت أن لهن اختيار الفسخ فإما أن يخترن الفسخ أو يسكتن أو يخترن المقام: فإن اخترن الفسخ انقطعت العصمة بينهن وبين الزوج، ويكملن عدة الحرائر وإن سكتن لم يسقط خيارهن، وكان على التراخي، فإن أقام الزوج على الشرك حتى انقضت العدة وقع الفسخ باختلاف الدين، وكان ابتداء العدة من حين الفسخ وهل تكمل عدة حرة؟ قيل فيه قولان: أقواهما لا يجب عليهن ذلك، لأن الأصل براءة الذمة. وإن اخترن المقام معه ثبت نكاحهن، فيكون عبد تحته أربع حرائر، فله أن يختار اثنتين منهن، فإذا فعل ثبت نكاحهما، وانفسخ نكاح الباقيتين من حين اختار وعليهن عدة الحرائر من حين وقع الفسخ، هذا إذا سكتن فإن اخترن المقام معه كان هذا الاختيار كلا اختيار، فإن أقام الزوج على الشرك حتى انقضت العدة وقع الفسخ باختلاف الدين، وكان ابتداء العدة من حين الفسخ وهل تكمل عدة الحرة على قولين. المسئلة الثانية إذا تقدم إسلامه وتأخرن في الشرك وأعتقن فحكم اختيارهن في الفسخ والمقام معه ذكرناه في المسئلة الأولى يصح منهن اختيار الفسخ دون اختيار المقام ولا يصح منهن اختيار فسخ ولا مقام، ولهن الخيار حين يسلمن. قال قوم إن هذا صحيح، فإنهن متى اخترن فراقه أو المقام معه فلا حكم له وقال الباقون إن الحكم فيها كالتي قبلها، وإنهن إن اخترن صح اختيار الفسخ لأنهن أعتقن تحت عبد، فعلى هذا يكون فيها الأقسام الثلاثة التي ذكرناها وهذا أقوى. إذا أسلم العبد وتحته أربع زوجات إماء فله الخيار أن يختار اثنتين عند المخالف

[ 228 ]

وعندنا له أن يمسكهن، فإن أعتقن كان لهن خيار الفسخ لخبر بريرة، والخيار على الفور دون التراخي، وفيهم من قال على التراخي. ومعنى الفور أنه متى أمكنها أن تختار فلا تفعل سقط خيارها، ومن قال على التراخي فكم مقداره؟ قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها مدة الخيار ثلاثة أيام والثاني المدة قائمة حتى تمكن من الوطي أو تصرح بالرضا، والثالث أن يكون منها ما يدل على الرضا، والفور أقوى. ومتى ادعت المرأة أنها لم تعلم بالعتق فإن كان مثل ذلك يخفى قبل منها، مثل أن يكون في بلد وسيدها في بلد آخر أو في قرية وهي في غيرها أو محلتين متباعدتين فيكون القول قولها مع يمينها، وإن كانت مع سيدها في دار واحدة أو درب واحد فإن ذلك لا يخفى عليها، ولا يقبل قولها في ذلك. وإن ادعت جهالة الحكم، فقالت علمت العتق، لكني ما علمت أن للأمة الخيار إذا أعتقت، قيل فيه قولان أحدهما لا يقبل منها كخيار الرد بالعيب في التزويج الثاني يقبل منها لأن ذلك من علم الفقهاء، ويخفى على العامة، وهذا أقوى، وكل موضع قلنا الجهالة مقبولة فالقول قولها مع يمينها، فإن لم يقبل فالقول قول الزوج مع يمينه. وأما إن أسلم وأسلمن معه، أو كان عبد تحته أمة فأعتقا معا، فلا خيار لها بلا خلاف وإن أعتقت تحت عبد، وقلنا خيارها على الفور، فلم تعلم بذلك حتى أعتق العبد أو قال على التراخي فلم يختر حتى أعتق العبد فهل لها الخيار على قولين. إذا تزوج العبد أربع حرائر في الشرك، فأسلم وأسلمن معه اثنتان واعتق، ثم أسلمت الأخريان بعد ذلك، أو أسلمن كلهن معه ثم أعتق كان له أن يختار منهن اثنتين، ولا يزيد لأن الاعتبار بحال ثبوت الاختيار، والاختيار ثبت له، وهو عبد فإذا أعتق لم يتغير قدر ما ثبت له بعتقه. كما أنه لو أسلم الحر موسرا وعنده أربع زوجات إماء فلم يختر حتى أعسر لم يكن له أن يختار واحدة منهن اعتبارا بحال ثبوت الاختيار، ولو كان معسرا حين

[ 229 ]

أسلمن معه فأيسر بعد ذلك كان له أن يختار واحدة منهن اعتبارا بحال ثبوت الاختيار ولا ينظر إلى تغير الحال فيما بعد. فإذا تقرر هذا قلنا له: اختر أي اثنتين شئت، ممن أسلم معك أو تأخر عنك لأنه اجتمع إسلامه وإسلامهن في العدة، وقيل له إن اخترت الآن أن تتزوج باثنتين غيرهما لتصير تحتك أربع فافعل، لأنك حر كامل، ولك استيناف العقد على أربع. فرع هذه المسئلة إذا كان تحت عبد أربع حرائر فأسلم وأعتق ثم أسلمن أو أسلمن أولا ثم أعتق ثم أسلم ثبت نكاح الأربع بغير اختياره، لأنه في وقت ثبوت الاختيار حر وهن حرائر، فثبت نكاح الأربع، وإنما ينفسخ نكاح من زاد على العدد المجوز استدامته وليس ههنا زيادة. إذا أسلم الحر وتحته أربع حرائر وأسلمن معه فقد ثبت نكاحهن بغير اختيار فإن قال من بعد فسخت نكاحهن لم يكن لذلك تأثير سواء نوى بذلك طلاقا أو لم ينو لأن الطلاق عندنا لا يقع إلا بصريح اللفظ، وعندهم يسأل فإن قال أردت الطلاق طلقن لأن الفسخ كناية عن الطلاق، وإن قال ما أردت الطلاق، وإنما أردت به فسخ النكاح وحله، قلنا ليس له حله وفسخه بغير عيب، فإن اختلفا فقال ما أردت الطلاق وقلن أردت الطلاق وقد طلقنا فعلى مذهبنا هذا لا يصح، وعلى مذهبهم القول قوله مع يمينه، فإن حلف ثبت نكاحهن، وإن نكل ردت اليمين عليهن، فإن حلفن ثبت الطلاق وبن منه بالطلاق. إذا أسلم الحر وتحته خمس حرائر فأسلمن واحدة بعد واحدة فكلما أسلمت واحدة قال لها قد اخترتك ثبت نكاح الأربعة، والفسخ يقع بالخامسة. حر تزوج ثماني حرائر في الشرك، ثم أسلم وأسلم معه أربع، فهو بالخيار بين أن يختار إمساك أربع، وبين أن يصبر لما يكون من البواقي، لأن له غرضا في انتظارهن لكونهن أحب إليه منهن، فإن اختار الأربع ثبت وانقطع عصمة البواقي: فإن أسلمن وقع الفسخ من حين اختيار الأربع، وإن أسلمن حين انقضت عدتهن وقع الفسخ

[ 230 ]

باختلاف الدين وإن توقف نظرت: فإن أسلمن كان له اختيار أي أربع شاء، فإذا فعل انفسخ نكاح البواقي وإن لم يسلمن حتى ماتت الأربع اللاتي أسلمن ثم أسلم البواقي كان له أن يختار أربعا أي أربع شاء، فإن أحب اختيار الموتى صح وانفسخ نكاح البواقي لأن الاختيار لا يجدد عقدا، وإنما يتبين به من كان صحيح النكاح منهن. إذا أسلم الرجل وتحته، زوجات حرائر، فقال حين أسلم كلما أسلمت واحدة فقد اخترت فسخ نكاحها فقد علق ذلك بإسلامها، فقال بعضهم إن لم يكن له نية بل أراد فسخ النكاح وحله لم يصح، لأنه تعليق فسخ بصفة والفسخ لا يتعلق بالصفات، كما لو قال إن دخلت الدار فقد فسخت نكاحك، ولم يرد طلاقا، وهذا الأقوى الذي يقتضيه مذهبنا. فأما إن نوى طلاقا كان طلاقا عندهم، فكلما أسلمت واحدة كان فيما ذكره اختيار لنكاحها، وإيقاع الطلاق عليها، والطلاق يصح تعليقه بالصفة بصريح اللفظ والكناية. فعلى هذا إذا نوى الطلاق وأسلم أربع ثبت نكاحهن بهذا، وطلقن بعد ثبوته وانفسخ نكاح البواقي، وعندنا أن ذلك لا يقع به طلاق، لأن الطلاق بشرط لا يقع وإذا لم يكن طلاقا فالخيار باق فيمن أسلم منهن وفيمن لم يسلم، ومنهم من قال لا يصح تعليق الفسخ بالصفات، ولا تعليق طلاقهن بالصفة، أما تعليق الفسخ بالصفة فلا يجوز لما مضى، وأما تعليق طلاقها بصفة فلا يجوز، لأن معناه اختيار نكاحها وإثبات له، وإيقاع طلاق بعد ثبوته، وإثبات النكاح بالصفات لا يصح. وأما كيفية الاختيار فجملته أنه إذا أسلم وتحته أكثر من أربع فلفظ الاختيار أن يقول لها أمسكتك أو أمسكت عقد نكاحك، أو ثبتك أو ثبت عقد نكاحك، أو اخترتك أو اخترت عقد نكاحك وأي الثلاثة قال فهو اختيار منه، فإذا قال هذا لواحدة بعد واحدة حتى انتهى إلى أربع ثبت نكاح الأربع، وزال نكاح البواقي، وهكذا لو قال لأربع أمسكتكن أو أمسكت عقد نكاحكن أو ثبتكن أو ثبت عقد نكاحكن أو اخترتكن أو اخترت عقد نكاحكن، ثبت نكاحهن وزال نكاح البواقي. وإن قال لأربع فارقتكن زال نكاحهن، وثبت نكاح الأربع البواقي، لأن

[ 231 ]

قوله فارقتكن أو اخترت فراقكن معناه لست أختاركن واخترت الأربع البواقي وإن قال لأربع طلقتكن ثبت نكاحهن، وطلقن بعد ثبوته، لأن تحت قوله طلقت اختيارا منه لنكاحهن وإيقاع طلاق بعد ثبوته. هذا إذا كن ثمانيا، فإذا كن اثنتي عشرة امرأة فقال لأربع منهن أمسكتكن اخترتكن ثبتكن ثبت نكاحهن وانفسخ نكاح البواقي، وإن قال لأربع اخترت فراقكن كان فسخا لنكاحهن بغير طلاق، وتبقى ثمانية قد مضى الكلام عليهن فإن طلق أربعا ثبت نكاحهن وطلقن بعد ثبوته، وانفسخ البواقي فهذا الاختيار بالقول. فأما الاختيار بالفعل فإن وطئ واحدة منهن فهل يكون اختيارا أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما يكون اختيارا كما لو باع أمته بشرط الخيار، فوطئها قبل القبض كان وطيه فسخا للبيع، ورد إلى ملكه، والثاني لا يكون اختيارا لأن الاختيار بمنزلة ابتداء عقد، والنكاح لا ينعقد إلا بالقول، فكذلك الاختيار. والذي يقتضيه مذهبنا أن الوطي يكون اختيارا كما نقول في الرجعة، فعلى هذا إذا وطئ أربعا ثبت نكاحهن وانفسخ نكاح البواقي، وعلى القول الآخر لا يكون اختيارا، ويقال له: اختر الآن أربعا، فإن اختار من وطئها منهن ثبت نكاحها ولا مهر لها، وإن اختار غير من وطئ فإن اختار أربعا ثبت نكاحهن، وعليه لكل واحدة من اللواتي وطئها مهر مثلهن، لأنه وطي صادف غير ملكه بشبهة. إذا أسلم وعنده ثماني نسوة أسلمن معه، كان اختيار أربع واجبا عليه، ومفارقة البواقي، فإن فعل وإلا أجبره السلطان عليه، لأن المسلم لا يجوز له أن ينكح أكثر من أربع، ولا أن يستديم أكثر من أربع، وللسلطان حبسه تعزيرا عليه في ترك الواجب فإن فعل وإلا أخرجه وعزره بالضرب فإن فعل وإلا رده إلى الحبس والضرب، حتى يختار لأنه حق لا يختار إلا من جهته. وهكذا من وجب عليه دين حال وعرف له مال يستره ولم يكن له مال سواه فإن السلطان يجبره على قضاء الدين فإن فعل وإلا حبسه تعزيرا، فإن فعل وإلا أخرجه وعزره ولا يزال يحبسه ويعزره حتى يظهر المال ويقضي الدين، مثل الاختيار

[ 232 ]

سواء، فإن جن في الحبس أطلقه لأن المجنون لا اختيار له، فإذا أفاق أجبره على الاختيار: فإن فعل وإلا حبسه وعاد إلى ما كان عليه من تكرير الحبس والتعزير، ولا يزال أبدا كذلك حتى يفعل. وأما النفقة فعلية نفقة الكل حتى يعين الزوجات منهن لأنهن تحته عن عقد نكاح وهن كلهن في حكم الزوجات، بدليل أن له يختار أربعا من أيهن شاء، فإن لم يختر حتى مات وهن عنده فعليهن العدة فتعتد كل واحدة أقصى الأجلين من أربعة أشهر وثلاثة أقراء لأن فيهن أربع زوجات مات عنهن وأربع عنده بنكاح فاسد فعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا، وعدة المفسوخ نكاحها الأقراء، فإن لم يعرف أي عدة عليها ألزمناه أقصى الأجلين ليقضي العدة بيقين فإذا ثبت هذا لم يخل من ثلاثة أقسام: إما أن يكن حوامل أو حوائل، من ذوات الشهور أو من ذوات الأقراء، فإن كن حوامل فعدة كل واحدة عندنا أبعد الأجلين من وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشرا، وعند المخالف وضع الحمل فقط وإن كن من ذوات الشهور فعلى كل واحدة أقصى الأجلين، وهي أربعة أشهر وعشرا بلا خلاف، وإن كن من ذوات الأقراء فعليهن أيضا أقصى الأجلين من انقضاء الأقراء وعدة الوفاة، ولا يجب عليها عدتان بل عدة واحدة أبعد الأجلين. وهكذا القول فيمن له أربع زوجات فطلق واحدة منهن لا بعينها، ثم مات قبل الاختيار، فإن على كل واحدة منهن أقصى الأجلين. فأما الكلام في الميراث فإنا نوقف لهن ميراث أربع زوجات الربع مع عدم الولد والثمن مع وجوده، لأنا نعلم أن - قطعا - فيهن أربع زوجات، لكن لا نعلم أعيانهن فيوقف حتى يصطلحن، فإن اصطلحن عليه أعطينا كل واحدة ثمن الموقوف، لأن كل واحدة منهن يمكن أن تكون زوجة. فإذا تراضين بالقسمة بالسوية قسمنا بينهن، وإن أبين القسمة وجاء بعضهن فطلبت حقها نظرت، فإن جاءت واحدة أو أربع لم يعطهن شيئا لجواز أن يكون الزوجات غيرهن، وإن جاء منهن خمس يطلبن حقهن أعطاهن ربع الموقوف ميراث

[ 233 ]

زوجة واحدة، لأنا نعلم أن في خمس زوجة ولا نعرف عينها، فإن رضين بذلك أعطاهن بشرط أن لا حق لهن فيما بقي، فإذا أخذن ذلك وقف الباقي للبواقي، فإن جاء منهن ست أعطاهن نصف الموقوف لما مضى. فإن كان فيهن مولى عليها، لم يكن لوليها أن يأخذ لها أقل من ثمن الموقوف لأن لها ثمن ذلك، وهو نصف ميراث زوجته ولا يقبل لها دونه، لأن الولي إنما يقبل ما فيه الحظ لها ولا حظ لها في ترك حقها. وإن كن ثماني أربع وارثات وأربع لا يرثن، مثل أن كن تحته أربع كتابيات وأربع وثنيات، فأسلم وأسلمن معه الوثنيات، وأقمن الكتابيات على الشرك، فإن الكتابيات لا يرثن المسلم، وهن على الزوجية. وقال بعضهم لا يوقف لهن شيئا لأن الايقاف إذا علمنا قطعا أن فيهن أربع وارثات ولا نعرف أعيانهن فأما ههنا فلسنا نعرف أن فيهن أربع وارثات قطعا لجواز أن يكون الزوجات من لا يرثنه وهن الكتابيات، فلهذا لم نقف لهن شيئا وهذا قريب. فأما إن ماتت واحدة منهن قبل الاختيار فالأمر إليه، فإن اختارها زوجة ورثها وإن لم يخترها لم يرثها لجواز أن لا تكون زوجة، فإن مات أربع منهن كان مثل ذلك، فإن متن كلهن قبل الاختيار، كان الأمر أيضا مثل ذلك: فإن اختار أربعا منهن ورثهن دون من لم يخترهن زوجة، فإن مات ومتن بعده كان ميراثهن على ما مضى لوراثهن، وإن متن أولا ثم مات هو قبل الاختيار، لم يكن لوارثه اختيارهن لأنه ليس لهم الاختيار والأولى أن يستعمل القرعة فأي أربع منهن خرج اسمهن ورثناه منهن، وينتقل منه إلى ورثته. إذا تزوج المشرك وثنية أو مجوسية ثم أسلم بعد الدخول بها وقف الفسخ على انقضاء العدة، فإن تزوج عليها أختها أو عمتها أو خالتها أو أربعا سواها في عدتها فالنكاح باطل، إذا كان بغير رضاهما عندنا، ووقع على الأربع في حالة واحدة، وهكذا لو تزوج أربع وثنيات ثم أسلم بعد الدخول بهن فتزوج خامسة في عدتهن فالنكاح باطل. وقال بعضهم النكاح موقوف، فإن أسلمت قبل انقضاء العدة بان أن النكاح

[ 234 ]

وقع باطلا وإن لم تسلم حتى انقضت العدة بان أن النكاح على أختها وقع صحيحا والأول أقوى. وأما المرتابة ففيها ثلاث مسائل إحداها ارتابت بنفسها في عدتها، فإن ظهرت أمارات الحمل واتصلت الريبة بها، حتى انقضت الأقراء وهي على الريبة، فإن تزوجت على هذه الصفة فالنكاح باطل. الثانية انقضت العدة ولا ريبة لها، فتزوجت ثم ظهرت الريبة، فالنكاح صحيح ما لم يتحقق الحمل الثالثة انقضت العدة ولا ريبة، ثم ارتابت فنكحت وهي مرتابة، فهل يصح النكاح أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما يصح، والآخر لا يصح، والأول أصح. إذا أسلمت الوثنية وأقام الزوج على الشرك فتزوج أختها في عدتها فالنكاح ههنا موقوف، فإذا أسلم بعد انقضاء العدة ثبت نكاح الثانية، لأنه أسلم بعد أن انفسخ الأولى، فإن أسلم في عدة الأولى كان الخيار إليه في إمساك أيتهما شاء كما لو عقد عليهما معا في الشرك. ويفارق الأولى إذا تقدم إسلامه على إسلامها، لأنه مسلم فلا ينعقد نكاحه على أخت زوجته، ولا على أخت من يجري إلى البينونة، وليس كذلك هذه، لأنها أسلمت وزوجها على الشرك، فلم يبطل العقد على أختها فبان الفصل بينهما. إذا تزوج المشرك حرة فأسلمت الزوجة بعد الدخول بها، كان لها عليه النفقة حال عدتها، لأنه لا دليل على سقوطه، فإن أسلم قبل انقضاء العدة كانا على النكاح ولها النفقة لما مضى من عدتها، فإن انقضت العدة قبل إسلامه بانت وعليه نفقة العدة لما مضى، وانقطعت النفقة في المستقبل. وأما إن تقدم إسلامه فلا نفقة لها، لأنها منعت نفسها بمعصيتها، فإن لم تسلم حتى انقضت عدتها بانت باختلاف الدين، ولا نفقة لها، وإن أسلمت في عدتها فلها النفقة من حين أسلمت لأنها زوجته، وهل عليه نفقتها لما مضى؟ على قولين أقواهما أنه لا يلزمه، لأنه لا دليل عليه، فإن اختلفا فالقول قوله مع يمينه إذا ادعت أنها

[ 235 ]

أسلمت قبل انقضاء العدة، وطالبت بالنفقة، وادعى أنها أسلمت بعدها: فإذا أسلم أحدهما قبل صاحبة وأسلم الآخر بعد انقضاء العدة واختلفا في عين السابق فقال الزوج لها: أنا سبقت فلا نفقة لك، وقالت بل أنا سبقت ولي النفقة قيل فيه وجهان: أحدهما القول قولها لأن الأصل بقاء النفقة، فلا يسقط إلا بدليل، والثاني القول قول الزوج لأن النفقة إنما تجب يوما بيوم، كل يوم تجب عند صلوة الغداة فإن اختلفا كان اختلافا في ثبوت الوجوب، فالزوج يقول ما وجبت وهي تقول قد وجبت والأصل أن لا وجوب حتى يقوم دليل، فلهذا كان القول قوله وهذا أقوى. المسائل التي مضت، مفروضة إذا كان بعد الدخول: - فأما إذا كان قبل الدخول ففيه ثلاث مسائل إحداها أسلم الزوج أولا قبل الدخول نظرت، فإن كان تحته كتابية فهما على النكاح، وإن كان وثنية أو مجوسية وقع الفسخ في الحال، فأما الصداق، فإن كان لها مسمى صحيحا فلها نصفه، وإن كان فاسدا فلها نصف مهر مثلها، وإن كانت مفوضة وهو إن لم يسم لها مهرا صحيحا ولا فاسدا فلها المتعة. الثانية أسلمت الزوجة أولا فالفسخ يقع في الحال، كتابية كانت أو غير كتابية كتابيا كان الزوج أو غير كتابي، لأن الكافر لا يتزوج مسلمة وأما المهر فقد سقط بكل حال، لأن الفسخ جاء من قبلها، قبل الدخول. الثالثة أسلما معا، ولم يسبق أحدهما صاحبه، فالنكاح بحاله لأن الدين ما اختلف. إذا كان تحته مجوسية أو وثنية، ففيه ثلاث مسائل إحداها اتفقا على أن أحدهما أسلم قبل صاحبه قبل الدخول، ولم يعلما عين السابق، فالنكاح قد انفسخ لأنه اختلاف دين قبل الدخول. فأما المهر فإن كان مقبوضا رد نصفة لأن نصفة للزوج قطعا، وإن لم يكن مقبوضا وكان في ذمة الزوج فلا حق لها فيه، لأنها لا تدعيه، لأنها تقول لست أعلم

[ 236 ]

أنك أسلمت أولا فلي نصف المهر، أو أسلمت أولا فلا شئ لي، ومن قال لا أعلم هل لي الحق أم لا، فإنه لا يدعيه فلا حق لها فيه. وإذا كانت قبضته فإن كانت أسلمت قبله فلا حق لها فيه، وإن كان أسلم قبلها فلها نصفة، والنصف له حقيقة، فوجب رده، والنصف الآخر لا شئ له فيه، لأنه لا يدعيه فإنه يقول لست أدري هل أسلمت قبلي فلا شئ لها أو أسلمت قبلها فلها نصف المهر فنصف المهر ههنا ككله إذا لم يكن مقبوضا، فلهذا لم يرد كله عليه. الثانية اختلفا فقالت أسلم الزوج أولا فلي النصف من المهر، وقالت بل أسلمت أولا فلا شئ لها، فالقول قولها، ولها نصف المهر، لأن ما يقول كل واحد منهما ممكن، والأصل بقاء المهر حتى يعلم سقوطه. الثالثة اختلفا فقالت: أسلم أحدنا قبل صاحبه فانفسخ النكاح، وقال بل أسلمنا معا فالنكاح بحاله، قيل فيه قولان أحدهما القول قول الزوج، والثاني القول قولها والثاني أقوى لأن الأصل بقاء الزوجية وانفساخها يحتاج إلى دليل. إذا نكحها في الشرك نكاح المتعة وأسلما قبل انقضاء المدة أقرا عليه عندنا وعند جميع المخالفين لا يقران عليه، وإن أسلما بعد انقضاء المدة فقد مضى وقت المتعة. وإن تعاقدا النكاح بشرط الخيار مثل أن قالا على أن لنا الخيار أبدا، أو لأحدهما فهو باطل بالاجماع، وإن كان بخيار الشرط نظرت فإن أسلما في المدة بطل لأنهما أسلما في حال لا يعتقدان لزومه وإن أسلما بعد انقضائها أقرا عليه لأنهما أسلما حال اعتقاد لزومه. وإن نكحها في حال العدة ثم أسلما، فإن أسلما بعد انقضائها أقرا عليه لأنهما يعتقدان لزومه، وإن كان إسلامهما قبل انقضائها بطل لأنها على صفة لا يجوز أن يبتدي نكاحها بعد إسلامه. فإن اغتصب حربي حربية على نفسها أو طاوعته وأقاما معا على هذا بلا عقد لم يقرأ عليه إذا أسلما على هذه الصفة، لأنهما لا يعتقدانه نكاحا، فإن أسلما الزوج

[ 237 ]

وتحته زوجة ثم ارتد الزوج بعد إسلامه قبل انقضاء عدتها، فإن أقامت على الشرك حتى انقضت عدتها من حين أسلم انفسخ النكاح، وإن أسلمت وهو مرتد زال باختلاف الدين بإسلامه. فإن أقام على الردة حتى انقضت عدتها بانت من حين ردته وإن رجع تبينا أنه لم تزل زوجيته ولا نفقة لها قبل إسلامها، وإذا أسلمت وهو مرتد وجبت نفقتها عليه لأن التفريط منه. وإن كان عنده ثماني نسوة فأسلم وأسلمن معه فارتد، وقف الفسخ على انقضاء العدة، فإن أراد أن يختار منهن أربعا لم يكن له، لأن الاختيار بمنزلة ابتداء نكاح، وليس للمرتد أن يبتدئ النكاح على المسلمة، فإن أقام على الردة حتى انقضت العدة، انفسخ نكاحهن من حين ردته، وإن رجع إلى الاسلام قيل له اختر الآن أربعا منهن. إذا أسلم وعنده ثماني نسوة فطلق واحدة منهن أو ظاهر منها أو آلى منها أو قذفها لم يخل من أحد أمرين: إما أن قال هذا وقد أسلمن معه أو لم يسلمن معه، فإن قال هذا وقد أسلمن معه فالتي طلقها وقع بها الطلاق، وكانت الطلقة اختيارا منه لها وإيقاع الطلاق بعد الاختيار. وأما الظهار والايلاء فلا يكون فيه الاختيار، لأنه لا يختص بالزوجات بأن يقول هذا لزوجته، ويقول لأجنبية منه، ألا ترى أنه لو حلف لا وطئ أجنبية فتزوج بها فوطئها كان عليه الكفارة. فإذا ثبت هذا فإن اختارها ثبت ظهارها، والايلاء منها، ويكون ابتداء المدة من حين الاختيار، وإن اختار غيرها لم يتعلق بها حكم إيلاء ولا ظهار، ويقتضي مذهبنا أن ذلك يكون اختيارا لأن الظهار والايلاء لا يصحان عندنا إلا في الزوجات. وأما القذف فقد قذف مسلمة، فإن اختارها فهي زوجته، وقد قذفها فعليه الحد إلا أن يسقطه عن نفسه بالبينة أو اللعان، وإن اختار غيرها فقد قذف أجنبية فعليه الحد إلا أن يقيم البينة.

[ 238 ]

هذا إذا قال هذا وقد أسلمن معه، فأما إن قال هذا قبل إسلامهن لم يتعلق به حكم لكن ينظر فيه، فإن لم يسلمن حتى انقضت عدتهن فلا طلاق ولا ظهار ولا إيلاء، وأما القذف فقد قذف مشركة فعليه التعزير إلا أن يقيم البينة، وأما إن أسلمن بعده قيل له اختر أربعا فإذا اختار، فإن كانت هذه ممن يختار فالحكم فيه كما لو لم تسلم حتى انقضت عدتها، وإن اختارها ثبت الطلاق وكان اختيارا، وكذلك الظهار والايلاء لأنا تبينا أنه فعل هذا مع زوجته وأما القذف فعليه التعزير لأنه قذف مشركة ثم، أسلمت وهي زوجته، فإما أن يقيم البينة أو يلاعن. إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول وقع الفسخ في الحال بلا خلاف، وينظر فإن كان الذي ارتد الزوج فعليه نصف المسمى إن كان صحيحا، ونصف مهر المثل إن كان فاسدا، والمتعة إن لم يسم لها مهرا صحيحا ولا فاسدا، وإن كان الذي ارتد هو الزوجة فلا مهر لها بحال لأن الفسخ كان من قبلها قبل الدخول، وأما إن كان الارتداد بعد الدخول وقف الفسخ على انقضاء العدة، فإن رجع إلى الاسلام في العدة فهما على النكاح، وإن لم يرجع حتى انقضت العدة وقع الفسخ بالارتداد. وفيهم من قال يقع الفسخ في الحال، ولا يقف على انقضاء العدة، وهذا مذهبنا فيمن ولد على فطرة الاسلام، فإنه يجب عليه القتل ولا يستتاب. وإن ارتدا معا كان الحكم أيضا مثل ذلك في أنهما إن كانا عن فطرة الاسلام ارتدا، وجب قتلهما، وإن كان عن إسلام قبل شرك فإنهما يستتابان وحكمهما ما قدمناه ومن أوقع الفسخ في الحال قال القياس يقتضي إيقاع البينونة في الحال لكن لا نوقعه استحسانا. إذا ارتدا أو أحدهما فليس له وطيها في الردة، فإن خالف وفعل فإن أقام على الردة حتى انقضت العدة فعليه المهر، لأنا تبينا أنه وطئ أجنبية منه وطي شبهة وإن رجع إلى الاسلام في العدة فهما على النكاح ولا مهر عليه. أنكحة المشركين صحيحة، فإن تزوج مشرك بمشركة ثم طلقها ثلاثا لم تحل له إلا بعد زوج، فإن تزوجت بمشرك ودخل بها أباحها للأول، وهكذا لو تزوج مسلم كتابية ثم طلقها ثلاثا فتزوجت في الشرك ودخل بها أباحها لزوجها المسلم

[ 239 ]

وفيه خلاف. قد بينا أن نكاح أهل الشرك صحيح، فإذا أسلموا أقروا على ما يجوز في شرع الاسلام، وأما مهورهم فإن كانت صحيحة ثبتت، قبضت أو لم تقبض، وإن كانت فاسدة و تقابضوا أقروا عليه، وإن كان المقبوض بعضه سقط بقدره من مهر المثل. إذا تزوج كتابي بمن لا كتاب لها كالمجوسية أو الوثنية، ثم ترافعا إلينا فإن كان بعد إسلامهم أقروا عليه، لأن النبي صلى الله عليه وآله لم يستفصل غيلان حين أسلم وتحته عشر فقال له أمسك أربعا وفارق سائرهن، وإن ترافعوا إلينا قبل الاسلام أقررناهم عليه وقال شاذ منهم لا يقرون عليه. كل فرقة كان موجبها اختلاف الدين كان فسخا لا طلاقا وفيه خلاف. كل من خالف الاسلام لا يحل مناكحته ولا أكل ذبيحته على الصحيح من المذهب، وفي أصحابنا من أجازهما وهو مذهب جميع المخالفين إذا كان ممن يقر على دينه ببذل الجزية. وأما الوثني فلا يحل مناكحته ولا أكل ذبيحته، ولا يقر ببذل الجزية بلا خلاف والمجوسي كالوثني في جميع الأحكام إلا في باب الاقرار على دينه ببذل الجزية، فإنهم يقرون عليه. ومن تولد بين كتابي وغير كتابي نظرت، فإن كانت الأم كتابية والأب غير كتابي لم تحل ذبيحته عندنا، وعند بعضهم، وقال بعضهم: يحل، وكذلك حكم النكاح سواء. إذا ترافع مشركان إلى حاكم المسلمين لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن يكونا ذميين، أو مستأمنين، أو ذميا ومستأمنا، فالذمي من له ذمة مؤبدة والمستأمن من دخل إلينا بأمان، وتسمى الذمي أهل العهد. فإن ترافع إليه ذميان لم يخل من أحد أمرين إما أن يكونا من أهل ملة أو ملتين: فإن كانا من أهل ملة واحدة يهوديين أو نصرانيين أو مجوسيين، فهل عليه أن يحكم بينهما؟ قيل فيه قولان: أحدهما يجب عليه، والثاني بالخيار بين أن يحكم

[ 240 ]

بينهم أو يعرض عنهم، وعندنا أنه مخير بين أن يحكم أو يردهم إلى أهل ملتهم. فمن قال يجب أن يحكم بينهم إذا استعدى واحد منهم على صاحبه، فعلى الحاكم أن يعدى عليه، وعلى الخصم أن يجيب الحاكم، ويحضر الحكم بينه وبين خصمه ومن قال لا يجب عليه، قال لا يجب عليه أن يعدي له على خصمه، ولا يجب على الخصم أن يحضر، إن بعث إليه الحاكم، بل له أن يمتنع ولا يحضر. وإن كانا من أهل ملتين، قيل فيه قولان، منهم من قال يجب، وعندنا أنها مثل الأولى سواء، ومنهم من قال: إن كان من حقوق الله يلزمه على كل حال ومنهم من قال إن كان من حقوق الناس وجب، وإن كان من حقوق الله لا يجب. فأما إن كانا مستأمنين، فإنه لا يجب عليه أن يحكم بينهما بلا خلاف، لعموم الآية والأخبار. فأما الكلام فيما يحكم به بينهم وكيفيته، فجملته أنهما إذا ترافعا إليه في حكم من جميع الحقوق حكم بينهم بما يصح في شرعنا، فإذا ترافع إليه رجل وامرأته لم يخل من أحد أمرين إما أن تكون في ابتداء النكاح، أو في استدامته، فإن كان في ابتدائه وهو أن يستأنفا نكاحا فإنه يعقده لهم على ما يعقده للمسلمين، وعند بعضهم بولي رشيد في دينه، وشاهدي عدل ورضا الزوجة، والولي المناسب لها أولى بإنكاحها من كل أحد، ويعتبر العصبات كما يعتبره في المسلمين على السواء فأما الشهود فلا يجوز إلا من المسلمين، وعند قوم يجوز بكافرين، وعندنا أن الشهادة ليست من شرط انعقاد النكاح، مثل ما قلناه في المسلمين سواء، وأما المنكوحة فمن يجبر، ولا يجبر على ما مضى في المسلمين. وأما الكلام في استدامته، فإذا ترافعا إلينا فإنما ينظر إلى الحال، فإن كانت مما يجوز أن يبتدئ النكاح عليها حكم بصحته بينهما بعد أن يكون الواقع في الشرك يعتقدونه صحيحا لازما. والأصل فيه: كل نكاح لو أسلما عليه أقرا عليه، فإذا ترافعا وهما مشركان معا حكم بصحته بينهما.

[ 241 ]

وأما المهر فينظر فإن كان صحيحا حكم بصحته مقبوضا كان أو غير مقبوض وإن كان فاسدا فإن كان مقبوضا لزم واستقر، وإن لم يكن مقبوضا سقط، وقضى بمهر المثل، وإن كان بعضه مقبوضا نظر [ ت ] إلى قدره، فأسقطه من مهر المثل، فإن كان المقبوض نصف المهر سقط نصف مهر المثل، وقضى بنصف مهر المثل. فال تقرر هذا نظرت في المهر فإن كان في التقرير عشر أزقاق خمر، وقد قبضت خمسا فكيف الاعتبار؟ قال قوم أعتبره بالعدد، ولا أعتبره كيلا، وسواء كانت الأزقاق كبارا أو صغارا أو صغارا وكبارا، لأن الخمر لا قيمة له، ومنهم من قال أعتبره بالكيل. وإن كان الصداق كلابا أو خنازير وكان عشرة، وقد قبضت البعض ففي كيفية الاعتبار قيل فيه ثلاثة أوجه: أحدها بالعدد، والثاني بالصغر والكبر، فيجعل كل كبير بصغيرين وقال قوم يعتبر بالقيمة، والذي يقتضيه مذهبنا أن ذلك أجمع يعتبر بالقيمة عند مستحليه. ولو كان للكافر ابن صغير كان له تزويجه مثل المسلم.

[ 242 ]

(فصل) * (في ذكر ما يستباح من الوطي وكيفيته) * مباشرة الحائض على ثلاثة أضرب محرم بلا خلاف، ومباح بلا خلاف، ومختلف فيه فالمحظور بلا خلاف وطيها في الفرج لقوله تعالى " ولا تقربوهن حتى يطهرن (1) " فإن خالف وفعل فقد عصى الله، وعليه كفارة في أول الحيض بدينار، وفي وسطه بنصف دينار، وفي آخره بربع دينار، وهل هو على جهة الوجوب أو الاستحباب؟ فيه خلاف بين أصحابنا أقواها أنه مستحب. وكل ما تكرر منه وطي، فهل يجب عليه كفارة أخرى، أم لا؟ فيه خلاف أيضا بين أصحابنا، منهم من قال يتكرر بتكراره، ومنهم من قال لا يتكرر وهو الأقوى فأما إذا وطئ ثم كفر ثم عاد فوطي فعليه كفارة أخرى، وفي تعلق الكفارة بهذا الوطي خلاف بين المخالفين. وأما المباح فما عدا ما بين السرة والركبة في أي موضع شاء من بدنها، والمختلف فيه ما بين السرة والركبة غير الفرج، منهم من قال هو محرم ومنهم من قال مباح، وهو الظاهر من مذهبنا. فإذا انقطع دمها فالمستحب أن لا يطأها حتى يغتسل، وإن أراد ذلك أمرها بغسل الفرج أولا ثم يطأها إن شاء، وفيهم من قال لا يجوز إلا بعد الغسل أو التيمم وفيهم من قال يجوز ولم يعتبر غسل الفرج، وفرق بين أقل الحيض وبين أكثره. والاستمناء باليد محرم إجماعا لقوله " إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون " وهذا من وراء ذلك وروي عنه عليه السلام أنه قال ملعون سبعة فذكر فيها الناكح كفه.

(1) البقرة: 222. (1) المؤمنون: 6 و 7.

[ 243 ]

إذا كان له إماء فطاف عليهن بغسل واحد جاز، والزوجات كذلك في الجواز وإنما فرض في الإماء لأن الزوجات لهن القسم إلا أن يحللنه فيجوز، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه طاف على نسائه ليلة فاغتسل غسلا واحدا وكن تسعا والمستحب أن يغسل فرجه ويتوضأ وضوء الصلوة بلا خلاف. يكره إتيان النساء في أحشاشهن يعني أدبارهن وليس بمحظور، وقال جميع المخالفين: هو محظور إلا ما روي عن مالك وعن الشافعي في القديم من جوازه، والوطي في الدبر يتعلق به أحكام الوطي في الفرج، من ذلك إفساد الصوم، ووجوب الكفارة ووجوب الغسل، وإن طاوعته كان حراما محضا كما لو أتى غلاما، وإن أكرهها فعليه المهر، ويستقر به المسمى، ويجب به العدة، ويخالف الوطي في الفرج في فصلين في الاحصان فإنه لا يثبت، ولا يقع به الإباحة للزوج الأول بلا خلاف في هذين لقوله عليه السلام " حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " وهي لا تذوق العسيلة في دبرها وروي في بعض أخبارنا أن نقض الصوم ووجوب الكفارة والغسل لا يتعلق بمجرد الوطي إلا أن ينزل فإن لم ينزل فلا يتعلق عليه ذلك.

[ 244 ]

(فصل) * (في نكاح الشغار (1)) * نكاح الشغار باطل عندنا، والشغار أن يقول لرجل زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك على أن يكون بضع كل واحد منهما مهر الأخرى. فحقيقته أنه ملك الرجل بضع بنته بالنكاح، ثم ملكه أيضا من بنته مهرا لها، فجعل بضع البنت ملكا للرجل بالزوجية وملكا لابنته مهرا وفي نكاح الشغار ثلاث مسائل: إحداها مسئلة الخلاف وهي التي تقدمت، الثانية ذكر الصداق ولم يشرك في بضعها، فقال زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك على أن صداق كل واحدة منهما مائة. فلا فصل بين أن يتفق قدر الصداق المذكور أو يختلف، فإن النكاح صحيح والصداق باطل، فإنه جعل صداق كل واحدة منهما تزويج الأخرى، فالبضع لم يشرك فيه اثنان. وإنما جعل التزويج مهرا، لأنه ما رضي مهرا لبنته إلا بشرط أن يحصل له نكاح بنت زوجها وهو شرط باطل لا يلزم الوفاء به، فبطل صداق المائة فإذا بطل هذا وجب أن يرد إلى المائة ما نقص من الصداق لأجل الشرط، وذلك القدر مجهول، فالمجهول إذا أضيف إلى معلوم صار الكل مجهولا فبطل الصداق وإذا بطل سقط، و

(1) قال في النهاية: الشغار نكاح معروف في الجاهلية، كان يقول الرجل للرجل: شاغرني، أي زوجني أختك أو بنتك أو من تلي أمرها حتى أزوجك أختي أو بنتي أو من إلي أمرها، ولا يكون بينهما مهر، ويكون بضع كل واحدة منهما في مقابلة بضع الأخرى وقيل له شغار، لارتفاع المهر بينهما، من شغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه ليبول، و قيل: الشغر البعد، وقيل: الاتساع. أقول: راجع في ذلك ما ذيلناه ص 208.

[ 245 ]

وجب مهر المثل، والنكاح بحاله، لأن النكاح لا يفسد بفساد الصداق، وهكذا الحكم إذا كانت بحالها فذكر المهر لإحداهما دون الأخرى. الثالثة قال زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك، فالنكاح صحيح، لأنه عقد بشرط أن يزوج كل واحد منهما بنته من الأخرى، فقد جعل الصداق لكل واحدة منهما تزويج البنت فبطل الصداق، وثبت النكاح، ووجب [ المهر ] مهر المثل. وعلى هذا إذا قال زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك، على أن يكون بضع بنتي صداقا لبنتك ولم يزد (1) صح نكاح المخاطب في بنت المخاطب، وبطل نكاح بنت المخاطب لأن المخاطب شرك بين المخاطب وبين بنته في بضع بنت المخاطب فبطل وانفرد ببضع المخاطب فصح. فإن كانت بالضد فقال له: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك، على أن يكون بضع بنتك صداقا لبنتي، بطل نكاح بنت المخاطب في حق المخاطب، لما مضى، وصح نكاح المخاطب لأنه انفرد بالبضع على ما شرحناه.

(1) قيل: إذا قال، زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك ولم يزد عليه فقبل جاز النكاح اتفاقا، ولا يكون شغارا، ولو زاد وقال: على أن يكون بضع بنتي صداقا لبنتك، فلم يقبل الآخر، بل زوجه ابنته ولم يجعل لها صداقا كان نكاح الثاني صحيحا اتفاقا والأول على الخلاف.

[ 246 ]

(فصل) * (في نكاح المتعة وتحليل الجارية) * نكاح المتعة عندنا صحيح مباح في الشريعة، وصورته أن يعقد عليها مدة معلومة بمهر معلوم، فإن كانت المدة مجهولة لم يصح، وإن لم يذكر المهر لم يصح العقد وبهذين الشرطين يتميز من نكاح الدوام، وخالف جميع فقهاء وقتنا في إباحة ذلك وقد استوفينا أحكام هذا النكاح وشرائطه وما يصح منه وما لا يصح في النهاية، فمن أراده وقف عليه من هناك. وأما تحليل الانسان جاريته لغيره من غير عقد مدة فهو جائز عند أكثر أصحابنا وفيهم من منع منه، والأول أظهر في الروايات، ومن أجازه اختلفوا: فمنهم من قال هو عقد، والتحليل عبارة عنه، ومنهم من قال هو تمليك منفعة مع بقاء الأصل، وهو الذي يقوى في نفسي، ويجري ذلك مجرى إسكان الدار وإعمارها، ولأجل هذا يحتاج إلى أن يكون المدة معلومة، ويكون الولد لاحقا بأمة ويكون رقا إلا أن يشترط الحرية، ولو كان عقدا للحق بالحرية على كل حال لأن الولد عندنا يلحق بالحرية من أي جهة كان، وقد بينا في النهاية فروع هذا الباب وقد استوفينا ما فيه وليس للمخالف في هذين الفصلين فروع أصلا لأنهم لا يقولون بأصل المسئلتين، والغرض بهذا الكتاب استيفاء الفروع.

[ 247 ]

(فصل) * (في النكاح الذي يحلل المرأة للزوج الأول) * إذا تزوج امرأة ليبيحها للزوج الأول ففيه ثلاث مسائل إحداها إذا تزوجها على أنه إذا أباحها للأول فلا نكاح بينهما، أو حتى يبيحها للأول، فالنكاح باطل بالاجماع، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه لعن المحلل والمحلل له (1) وروي عنه أنه قال ألا أعرفكم التيس المستعار؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال المحلل والمحلل له. ولا يتعلق به من أحكام النكاح شئ لا طلاق ولا ظهار ولا إيلاء ولا لعان إلا بولد. وإن كان لم يصبها فلا مهر لها (2) وإن أصابها فلها مهر مثلها لا ما سمى وعليها العدة، ولا نفقة لها في العدة وإن كانت حاملا. وإن نكحها بعد ذلك نكاحا صحيحا فهي عنده على ثلاث تطليقات ويفرق بينهما وإن كان عالما عزر. الثانية تزوجها على أنه إذا أباحها للأول طلقها فالنكاح صحيح والشرط باطل وقال قوم: النكاح باطل والأول أصح، لأن إفساد الشرط المقارن لا يفسد العقد ويحتاج في إفساده إلى دليل، وإذا كان العقد صحيحا تعلق به جميع أحكام النكاح الصحيح. ولها مهر مثلها: لأنها إنما رضيت بذلك المسمى لأجل الشرط، فإذا سقط الشرط زيد على المسمى بمقدار ما نقص لأجله، وذلك مجهول فصار الكل مجهولا

(1) رواه الدارمي عن عبد الله بن مسعود قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله المحلل والمحلل له، ورواه ابن ماجة عن على وابن عباس وعقبة بن عامر.
(2) لكن يشترط في التحليل الإصابة، ففي حديث متفق عليه عن عائشة قالت جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير ما معه إلا مثل هدبة الثوب فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ قالت: فقالت نعم، قال لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك.

[ 248 ]

فسقط المسمى ووجب مهر المثل. ومن قال باطل فإن كان قبل الدخول فلا شئ لها، وإن كان بعده فلها مهر المثل ولا يعزر لأنه مختلف فيه. الثالثة إذا نكحها معتقدا أنه يطلقها إذا أباحها أو أنه إذا أباحها فلا نكاح بينهما، أو اعتقد هو أو الزوجة ذلك أو هما والولي الباب واحد أو تراضيا قبل العقد على هذا ثم تعاقدا من غير الشرط كان مكروها ولا يبطل العقد. فكل موضع قلنا إنه صحيح تعلق به أحكام النكاح الصحيح وأما المهر إن كان صحيحا لزمه المسمى، وإن كان فاسدا لزم مهر المثل، وكل موضع قلنا إنه فاسد فإذا وطئها لم يثبت به الاحصان، وهل يبيحها للزوج الأول؟ قيل فيه قولان: أحدهما يبيحها له، لأنه نكاح يثبت به النسب، ويدرأ به الحدود ويجب به المهر، والثاني لا يبيحها لأنه وطي لا يثبت به اللعان، فجرى مجر الوطي بملك اليمين، وهذا الوجه أقوى.

[ 249 ]

(فصل) * (في العيوب التي توجب الرد في النكاح) * يفسخ العقد لعيوب في الرجل وهي الجب والعنة والجنون لا غير، وفي المرأة الجنون والجذام والبرص والرتق والقرن والافضاء، وفي أصحابنا من ألحق به العمى وكونها محدودة في الزنا. فالجب والعنة يخص الرجال، والرتق والقرن يخص النساء بلا خلاف والافضاء والعمى وكونها محدودة يخص النساء عندنا، والجنون والجذام والبرص يخص أيضا عندنا النساء وعندهم مشترك، ولا يحتاج إلى طلاق بلا خلاف. والجذام على ضربين: ظاهر وخفي، فالظاهر ما لا يخفى على أحد فإذا وجد كان له الخيار إلى من له الرد رجلا كان أو امرأة، فإن شاء فسخ وإن شاء رضي وصبر. فإن رضي فلا كلام وإن اختار الفسخ أتى الحاكم ليفسخ النكاح وليس له أن ينفرد به لأنها مسئلة خلاف، هذا عند المخالف ولا يمتنع عندنا أن يفسخ الرجل ذلك بنفسه أو المرأة لأن الأخبار مطلقة في هذا الباب. وأما الخفي مثل الزعر في الحاجب فإن اتفقا على أنه جذام فسخ، وإن اختلفا فالقول قول الزوج إن كان به، والقول قولها إن كان بها، إلا أن يقام بينة شاهدان عدلان مسلمان من أهل الطب، يشهدان بأنه جذام، وإلا فلا فسخ. وأما البرص فهو بياض في البدن، وهو على ضربين ظاهر وخفي فالظاهر ما يعرفه كل أحد، فإذا بان أبرص فلها الخيار، وأما الخفي فأن يوجد بياض واختلفا فقال أحدهما برص وأنكر صاحبه ذلك، وقال هو مرار، فالقول قوله مع يمينه حتى يقيم البينة عدلين مسلمين من الطب أنه برص، فيكون له الخيار، وقليل الجذام والبرص وكثيرة سواء. والجنون ضربان أحدهما خنق والثاني غلبة على العقل من غير حادث مرض

[ 250 ]

وهذا أكثر من الذي يخنق ويفيق، وأيهما كان فلصاحبه الخيار، وإن غلب على عقله لمرض فلا خيار، فإن برئ من مرضه، فإن زال الاغماء فلا كلام، وإن زال المرض وبقي الاغماء فهو كالجنون فلصاحبه الخيار، وقد روى أصحابنا أن جنون الرجل إذا كان يعقل معه أوقات الصلوة فلا خيار لها. وأما الجب فعلى ضربين أحدهما يمنع الجماع، والثاني لا يمنعه، فإن كان يمنع الجماع مثل أن جب كله أو بقي بقية لكنه لا يجامع بمثله فلها الخيار، وإن بقي منه ما يولج بمثله بقدر ما يغيب عنه في الفرج قدر حشفة الذكر فلا خيار لها، لأن كل أحكام الوطي يتعلق بهذا. وأما العنين فهو الذي لا يأتي النساء وبيانه يأتي في بابه، فإن بان خصيا وهو المسلول الخصيتين أو بان خنثى، وهو الذي له ما للذكر والأنثى وحكم بأنه ذكر فهل لها الخيار قيل فيه قولان أحدهما لها الخيار لأن عليها نقيضه، والثاني لا خيار لها لأن الخصي يولج ويبالغ أكثر من الفحل وإنما لا ينزل. وأما الخنثى فإنه يجامع كالرجل وإنما هناك خلقة زائدة فهو كما لو كان له أصبع زايدة، وهذا الوجه أقوى، وإن بان عقيما وهو الذي لا يولد له، فلا خيار لها لأنه يجامع كغيره، وفقد الولد لا يتعلق به لأنه من فعل الله. وأما المرأة إن كانت رتقاء وهي المسدودة الفرج نظرت فإن بقي منه ما لا يمنع دخول الذكر فيه فلا خيار له، وإن منع دخول الذكر فيه كان له الخيار، وإن أراد الزوج أن يفتق المكان كان لها منعه لأنها جراحة، وإن اختارت إصلاح نفسها لم تمنع لأنه تداوي، فإن عالجت نفسها فزال سقط خياره، لأن الحكم إذا تعلق بعلة زال بزوالها. وأما إن كان بها قرن فالقرن عظم في الفرج يمنع الجماع، وقال أهل الخبرة العظم لا يكون في الفرج لكن يلحقها عند الولادة حال ينبت اللحم في فرجها، وهو الذي يسمى العفل (1) يكون كالرتق سواء: إن لم يمنع الجماع فلا خيار له، وإن منع فله

(1) العفل كثرة شحم ما بين رجلي التيس والثور ونحوهما ولا يكاد يستعمل ألا في الخصي.

[ 251 ]

الخيار فإن بانت خنثى قيل فيه قولان، وإن بانت عاقرا فلا خيار له. وإن كان لكل واحد منهما عيب نظرت، فإن اختلف العيبان وكان أحدهما البرص والآخر الجذام أو الجنون فلكل واحد منهما الخيار لأن به عيبا يرد به النكاح. وإن اتفق العيبان قيل فيه وجهان أحدهما لا خيار لواحد منهما، والثاني لكل منهما الخيار، وهو الأقوى. وأما الكلام في تفريع العيوب وبيان الفسخ وحكمه فجملته أنه إذا أصاب أحدهما بصاحبه عيبا فأراد الفسخ لم يخل من أحد أمرين: فإما أن يكون الرجل أصاب بها عيبا أو المرأة أصابت به عيبا: فإن كان الفاسخ الزوجة، فإن كان قبل الدخول سقط مهرها، لأن الفسخ من قبلها قبل الدخول، وإن كان بعد الدخول سقط المسمى، ووجب لها مهر المثل. وإن كان الفاسخ هو الزوج، فإن كان قبل الدخول سقط كل المهر لأن الفسخ وإن كان من قبله فإنه بسبب منها، وإن كان بعد الدخول سقط المسمى ووجب مهر المثل لما مضى. فإذا ثبت هذا فكل نكاح فسخ لعيب كان موجودا حال العقد، فإن حكمه حكم النكاح الذي وقع فاسدا في الأصل، يتعلق به جميع أحكام النكاح الفاسد. فإن كان قبل الدخول سقط المسمى ولا يجب شئ منه، ولا يجب لها المتعة أيضا ولا يجب نفقة العدة ولا سكنى إذا كانت حائلا، وإن كانت حاملا، فلها النفقة لأن الحمل عن النكاح الصحيح والفاسد سواء ومن قال لا نفقة للحامل قال لا نفقة لها هيهنا. وإن كان بعد الدخول فقد قلنا لها مهر المثل فهو يستقر أو يرجع به على من غره ودلس عليه بالعيب، أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما يرجع على الغار وهو المروي في أحاديثنا، والثاني يستقر عليه ولا يرجع به على أحد، لحديث عايشة أنه قال صلى الله عليه وآله أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها.

[ 252 ]

فمن قال لا يرجع فلا كلام، ومن قال يرجع على الغار لم يخل الولي الذي زوجه من أحد أمرين إما أن يكون ممن لا يخفى عليه العيب أو يخفى، فإن كان مما لا يخفى عليه كالأب والجد وغيرهما ممن يخالطها ويعرفها فالرجوع عليه، لأنه الذي غره وإن كان ممن يخفى عليه العيب فإن صدقته المرأة أنه لا يعلم فالرجوع عليها لأنها هي الغارة، وإن خالفته فالقول قوله مع يمينه، ويكون الرجوع عليها دونه. فكل موضع قلنا يرجع على غيرها رجع بكل ما غرم عليه، وكل موضع قلنا الرجوع عليها فبكم يرجع؟ قال قوم يرجع بكله إلا القدر الذي يجوز أن يكون مهرا لئلا يعرى الوطي عن البدل وقال آخرون يرجع عليها بكله والأول أقوى. إذا تزوج بامرأة فطلقها قبل الدخول فعليه نصف المسمى، فإن ظهر بعد الطلاق أنه كان بها عيب قبل الطلاق يملك به الفسخ لم يقدح فيما وجب عليه من المهر لأنه رضي بإزالة ملكه، فعليه نصف المهر. فهذا الكلام إذا كان العيب موجودا بأحد الزوجين حال العقد، فإن حدث عيب بعد أن كان معدوما حال العقد لم يخل من أحد أمرين: إما أن يحدث بالزوج أو بالزوجة، فإن حدث بالزوج فكل العيب يحدث به إلا العنة، فإنه لا يكون فحلا ثم يصير عنينا في نكاح واحد، وعندنا لا يرد الرجل من عيب يحدث به إلا الجنون الذي لا يعقل معه أوقات الصلوات وقال المخالف إذا حدث واحد من الأربعة الجنون والجذام والبرص والجب فلها الخيار، وعندنا أنه لا خيار في ذلك. وإن حدث بها عيب فكل العيوب يحدث بها الجنون والجذام والبرص والرتق والقرن، فإذا حدث فهل له الخيار أم لا قيل فيه قولان أحدهما لا خيار له والثاني له الخيار وهو الأظهر لعموم الأخبار. الفرق بين الفسخ والطلاق أن بالطلاق يجب نصف المهر، وبالفسخ لا يجب شئ، فمن قال ليس له الفسخ فلا كلام، ومن قال له الفسخ إن كان العيب به فلها الفسخ فأيهما فسخ نظرت. فإن كان قبل الدخول سقط المهر، وإن كان بعد الدخول فإن كان العيب حدث

[ 253 ]

بعد العقد وقبل الدخول سقط المسمى ووجب مهر المثل، لأن الفسخ وإن كان في الحال فإنه مستند إلى حال حدوث العيب، فيكون كأنه وقع مفسوخا حين حدث العيب. وإن كان حدوثه قبل الدخول فكأنه مفسوخ قبل الدخول، وحصل الدخول في نكاح مفسوخ فوجب مهر المثل. وأما أن كان العيب حدث بعد الدخول، استقر المسمى لأن الفسخ إذا كان كالموجود حين حدوث العيب فقد حدث بعد الإصابة، فاستقر المهر ثم فسخ بعد استقراره، فلهذا لزمه المسمى فهذا فصل بين ما يحدث بعد الدخول وقبله فأما إن دخلا أو أحدهما مع العلم بالعيب فلا خيار بلا خلاف. فإن حدث بعد هذا عيب آخر نظرت، فإن كان غير الأول مثل أن كان بها برص في مكان ثم ظهر بها في مكان آخر، قال قوم هذا عيب حادث ثبت به الخيار، فأما إن كبر الذي كان موجودا مثل أن كان بها من البرص بقدر الدرهم ثم اتسع وكبر قال قوم لا خيار له، لأن هذا ذاك الذي وقع الرضا به، فلا يفيد الخيار، والذي يقتضيه مذهبنا أن ما حدث بعد الدخول ورضاه بالعيب الأول لا يثبت به الخيار، لأنه لا دليل عليه. كل موضع يثبت فيه الخيار بالعيب لأحد الزوجين فهو على الفور كخيار الرد بالعيب في المبيع، ولسنا نريد بالفور أن له الفسخ بنفسه، وإنما نريد به أن المطالبة بالفسخ على الفور: يأتي إلى الحاكم على الفور ويطالب بالفسخ، فإن كان العيب متفقا عليه فسخ الحاكم وإن اختلفا فالبينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، وأما الفسخ فإلى الحاكم لأنه فسخ مختلف فيه. ولو قلنا على مذهبنا أن له الفسخ بنفسه كان قويا والأول أحوط لقطع الخصومة. وأما الأمة إذا أعتقت تحت عبد فلها الفسخ بنفسها من غير حاكم لأنه متفق عليه. وقال قوم إن البراءة من العيوب شرط في الكفاءة فإن كان بالزوج عيب يرد به ورغبت إليه فأبى الولي أو دعى الولي فأبت هي نظرت، فإن كان العيب جنونا فإن دعت إلى مجنون كان للولي منعها منه، لأن عليه في ذلك غضاضة، وإن كان دعاها هو إلى مجنون كان لها الامتناع منه.

[ 254 ]

فإن كان العيب جبا فإن دعت إليه لم يكن للولي أن يمتنع لأنه لا عار عليه لأن الاستمتاع حق لها، وأما العنة فلا يعلم إلا بعد العقد. وأما الجذام والبرص فإن دعاها لم يجبرها عليه، وإن رضيت هي به قيل فيه وجهان أحدهما أن له الامتناع، والآخر ليس له ذلك. هذا في ابتداء النكاح فإما إن حدثت هذه العيوب في استدامة النكاح مثل أن جن زوجها أو برص أو جذام فالخيار إليها وحدها لا نظر لوليها فيه إن شاءت فسخت وإن شاءت رضيت. وهذا لا يحتاج على مذهبنا إليه لأنا قد بينا أنه لا ولاية عليها إذا كانت ثيبا وإن كانت بكرا فلا اعتبار برضاها، فهذه الفروع تسقط عنا. إذا قالت أنا مسلمة فبانت كتابية بطل العقد عندنا، وعند قوم من المخالفين وقال بعضهم لا يبطل، فإذا قيل باطل فلا كلام، ومن قال صحيح فهل له الخيار قيل فيه قولان: إذا ذكرت أنها كتابية فبانت مسلمة كان النكاح صحيحا وقال قوم هو باطل والأول أقوى، فمن قال باطل فلا كلام، ومن قال صحيح قال لا خيار لها لأنها بانت أعلى، ويقوى في نفسي أن النكاح باطل لأنا قد بينا أن العقد على الكتابية باطل فإذا عقد على من يعتقد كونها كتابية، فقد عقد على من يعتقد بطلان العقد عليها فكان باطلا. إذا تزوج الحر امرأة على أنها حرة فبانت أمة كان النكاح فاسدا وقال قوم يصح العقد، وتصح هذه المسئلة بأربعة شرائط: أحدها أن يكون الحر ممن يحل له نكاح أمة، وهو أن يكون عادم الطول خائفا من العنت، فإن عدم الشرطان أو أحدهما بطل، والثاني أن يكون النكاح بإذن سيدها فإن كان بغير إذنه بطل، الثالث أن يكون الشرط مقارنا للعقد فإن لم يقارنه صح النكاح، الرابع أن يكون الغار الأمة أو وكيل السيد، وأما إن كان السيد هو الذي يغره كان قوله على أنها حرة عتقا منه لها.

[ 255 ]

وفي النكاح قيل فيه قولان أحدهما باطل، والثاني صحيح، فمن قال باطل فلا كلام ومن قال صحيح فهل له الخيار أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما له الخيار لأنها بانت دون ما شرطت، والثاني لا خيار له لأن الطلاق إليه. فأما إن كان الزوج عبدا فتزوج على أنها حرة فبانت أمة فهل يصح النكاح؟ قيل فيه قولان أحدهما باطل، وهو الأقوى، والثاني صحيح، ويصح المسئلة بأربعة شروط أحدها أن يكون العبد مأذونا له في التزويج، فإن كان غير مأذون له في التزويج كان باطلا، وعند بعض أصحابنا يكون موقوفا على إذن السيد، والثلاثة شروط الباقية كما ذكرنا في الحر سواء. فإذا ثبت أنها على قولين، فمن قال باطل فلا كلام، ومن قال صحيح فهل له الخيار أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما أن لا خيار له هيهنا، والثاني له الخيار. فمن قال له الخيار واختار الامساك فعليه المسمى من المهر لسيدها، لأنه بمنزلة كسبها، ومن قال باطل أو قال صحيح وليس له الخيار، فاختار الفسخ فكأنه كان فاسدا من أصله: فإن كان قبل الدخول فرق بينهما ولا مهر ولا نفقة، وإن كان بعد الدخول وجب لها مهر المثل للسيد وأين يجب؟ قيل فيه ثلثة أقوال أحدها في كسبه، والثاني يتعلق برقبته، والثالث في ذمته يتبع به إذا أعتق، والأول أقوى على هذا القول. وهذه الأقوال تبنى على أصلين أحدهما أن العبد إذا نكح نظرت فإن كان بإذن سيده فالمهر في كسبه، وإن كان بغير إذنه فإذا وطئ فقد وطئ في نكاح فاسد ووجب المهر وأين يجب على قولين أحدهما في ذمته والثاني يتعلق برقبته والأصل الثاني إذا أذن له سيده بالنكاح فهل يتضمن إذنه الصحيح والفاسد على قولين. فإذا تقرر هذا رجعنا إلى مسئلتنا فوجدناه وقد نكح بإذن سيده نكاحا فاسدا فمن قال إذن السيد يتناول الصحيح والفاسد فكأنه نكح صحيحا يكون المهر في كسبه، ومن قال لا يتناول الفاسد وهو الصحيح، فقد نكح نكاحا فاسدا بغير إذنه فأين يجب المهر؟ قيل فيه قولان أحدها في رقبته، والثاني وهو الأقوى في ذمته يتبع

[ 256 ]

به إذا أيسر بعد عتقه. فكل موضع أوجبنا مهر المثل فهل يرجع به على من غره أم لا؟ على قولين أحدهما يرجع وهو الأقوى، والثاني لا يرجع. فإن كان الغار الوكيل رجع به عليه وإن كان الغار هي رجع عليها به، يكون في ذمتها يتبع بها إذا أيسرت بعد العتق ويرجع هيهنا بكله، لأن المهر المثل قد قبضه سيدها فلا يعرى وطيها عن بدل، فإن كان هناك ولد أتت به مع الجهل بحالها فهو حر وعليه قيمته لسيد الأمة وأين يجب؟ قيل فيه ثلاثة أقوال أحدها في كسبه، والثاني في رقبته، والثالث في ذمته ويرجع بهذه القيمة على من غره. ويعتبر قيمة الولد حين خرج حيا لأنه أول إمكان التقويم، ويرجع هو على الذي غره: فإن كان الوكيل فعليه قيمته عاجلا، وإن كانت هي ففي ذمتها، وإن كان منهما فالقيمة بينهما نصفين نصفها على الوكيل عاجلا ونصفها عليها إذا أعتقت وأيسرت والحكم في المدبرة والمعتقة نصفه وأم الولد كالأمة القن سواء. فأما إن بانت مكاتبة ففي النكاح قيل فيه قولان أحدهما صحيح، والثاني فاسد وهو الأقوى، فمن قال صحيح فهل له الخيار؟ على قولين، فمن قال صحيح له الخيار فاختار الامساك فعليه المسمى يكون لها، لأنه من كسبها، وكسب المكاتبة لها. ومن قال باطل أو قال صحيح [ له الخيار ظ ] فاختار الفسخ فإن كان قبل الدخول فلا شئ عليه وإن كان بعده فعليه مهر المثل يكون لها مثل ذلك، وهل يرجع على من غره؟ قيل فيه قولان: فمن قال: لا يرجع فلا كلام، ومن قال يرجع فإن كان الوكيل يرجع عليه بكله وإن كانت هي فالمهر وجب لها، والرجوع عليها، وهل يرجع بالكل أم لا قيل فيه قولان أحدهما يبقى قليلا بقدر ما يكون مهرا فعلى هذا يتقاصان إلا بذلك القدر، ومن قال يرجع بكله يتقاصان بالكل. وإن أتت بولد فهو حر لأنه على هذا دخل، وعليه قيمته حين خرج حيا ولمن - 16 -

[ 257 ]

يكون هذه القيمة على قولين أحدهما لها، والثاني لسيدها بناء على ولد المكاتبة إذا قيل لمن يكون قيمته على قولين أحدهما لها، والثاني لسيدها كذلك هيهنا. فمن قال لها فإن كان الغار الوكيل يرجع عليه بكلها، وإن كانت هي فالقيمة لها، والرجوع عليها، يتقاصان، ومن قال لسيدها فإن كان الغار الوكيل رجع عليه بكله، وإن كانت هي رجع عليه بما في يدها، لأنه كالدين عليها، والدين عليها تقضيه مما في يديها، كذلك هيهنا. هذا إذا خرج ولدها حيا فأما إن ضرب ضارب بطنها فألقت جنينا ميتا فعليه الكفارة لأنه آدمي محقون الدم، وعليه غرة عبد أو أمة لأنه حر يكون لمورثه فلا يكون لسيدها منها شئ، لأنه إنما له ذلك إذا خرج حيا فأما إذا خرج ميتا فلا، ولا لأمه منه شيئا أيضا، لأنها مكاتبة فلا ترثه، والأب فإن كان هو القاتل فلا ميراث له، فيكون لمن يليه في الاستحقاق، وإن لم يكن قاتلا فالكل له. إذا باع الرجل أمته ولها زوج صح البيع، وكان بيعها طلاقها، وبه قال ابن عباس، وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا النكاح بحاله، فأما إذا آجرها منه ثم باعها فإنها لا تبطل الإجارة إجماعا، وإن كان للعبد زوجة فباعه مولاه، فالنكاح باق بالاجماع. وإن بيعت من لها زوج، فإن نكاحها يبطل بالاجماع. فإذا تقرر هذا نظرت فإن كان المشتري عالما بالزوجية فلا خيار له عندهم، لأنه دخل على بصيرة، وإن كان جاهلا فله الخيار، لأنه نقص وسبب يمنعه من الوطئ فكان الخيار له في هذا. وروى أصحابنا أن المشتري مخير بين إمضاء العقد الأول، وبين فسخه، فإن أعتقها المشتري فهي أمة أعتقت تحت عبد، فلها الخيار بلا خلاف لخبر بريرة وكانت تحت عبد: فروي عن ابن عباس أنه قال كان تزوج بريرة عبدا أسود يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي، ودموعه تجري على لحيته، فقال النبي صلى الله عليه وآله للعباس يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثا؟ فقال لها النبي صلى

[ 258 ]

الله عليه وآله لو راجعتيه فإنه أبو ولدك، فقالت يا رسول الله تأمرني؟ فقال لا، إنما أنا أشفع، فقالت لا حاجة لي فيه. إذا كان له مائة دينار وأمة قيمتها مائة دينار، فزوجها بمهر هو مائة دينار فبلغ جميعه ثلاث مائة دينار لا مال له غيره، فأوصى بعتق الأمة، وهي تخرج من الثلث فتعتق الأمة وهي تحت عبد وهل لها الخيار أم لا، نظرت. فإن كان الزوج ما دخل بها عتقت تحت عبد فلا خيار لها، لأنها لو اختارت انفسخ النكاح بسبب من جهتها قبل الدخول، فسقط مهرها، فإذا سقط مهرها عادت التركة إلى مائتين فلا تخرج هي من الثلث، فيرق ثلثها، ويعتق ثلثاها، لأن ثلث التركة ثلث الجارية، فإذا رق ثلثها سقط خيارها، وإذا سقط خيارها سقط عتقها، فأسقط خيارها وثبت عتقها لأن كل أمر إذا ثبت جر ثبوته إلى سقوطه وسقوط غيره سقط في نفسه وليس هيهنا أمة تعتق تحت عبد فلا خيار لها، إلا هيهنا. هذا إذا لم يدخل بها، فأما إن دخل بها فلها الخيار، هيهنا، لأن الفسخ وإن كان من قبلها فلا يقدح في مهرها، لأنه قد استقر بالدخول بها، فيعتق كلها لأنها تخرج من الثلث، والخيار هيهنا لها لأنه لا يسقط عتقها. الأمة إذا كانت تحت حر فأعتقت، أكثر روايات أصحابنا تدل على أن لها الخيار، وفي بعضها أنه ليس لها الخيار، وهو الأقوى عندي، فإذا أعتقت تحت عبد فلا خلاف أن لها الخيار. فإذا ثبت أن لها الخيار فهل الخيار على الفور أو التراخي؟ قيل فيه قولان: أقواهما أنه على الفور كخيار الرد بالعيب، ومن قال على التراخي، قال بذلك لما تقدم من حديث ابن عباس وقصة بريرة، وأن زوجها كان يمشي خلفها ويسأل الناس حتى يسئلوها فلو كان على الفور لكان قد سقط خيارها، وما احتاج إلى المسئلة. وهذا ليس بصحيح لأن النبي صلى الله عليه وآله إنما سأل في مراجعته بعقد جديد لا أن الخيار كان ثابتا فإذا قلنا على الفور، فإن اختارت على الفور وإلا سقط خيارها، ومن قال على التراخي ففي مدة الخيار قولان أحدهما لها الخيار ثلاثا فإن لم يفعل حتى

[ 259 ]

انتهت سقط خيارها، والقول الثاني الخيار على التأبيد ما لم يصبها أو تصرح بالرضا لأن النبي صلى الله عليه وآله قال لبريرة: إن قربك فلا خيار لك. إذا أعتقت تحت عبد ومضت مدة ثم ادعت الجهالة فالجهالة ضربان جهالة بالعتق وجهالة بحكم العتق، فإن ادعت الجهالة بالعتق، فإن كانت على صفة يخفى عليها العتق، فالقول قولها، وإن كانا في بلد واحد أو محلة واحدة، فإن مثل ذلك لا يخفى فلا تصدق. فإذا ادعت جهالة بحكم العتق، وقالت علمت العتق غير أني لم أعلم أن لي خيار الفسخ، فهل تصدق أم لا؟ على قولين أحدهما أنه يقبل لأن ذلك من فروض العلماء، والثاني لا يقبل كالرد بالعيب في البيع والأول أقوى. فكل موضع قلنا له الخيار لم يخل من أحد أمرين إما أن يختار فراقه أو المقام معه فإن اختارت فراقه فإن كان قبل الدخول فلا شئ لها لأن الفسخ جاء من جهتها، وإن كان بعد الدخول فقد فسخت بعد استقرار المهر، فهل يستقر المسمى أم لا؟ نظرت إلى وقت العتق: فإن كان وقته بعد الدخول أيضا استقر المسمى لأن الفسخ يستند إلى حين العتق وحين العتق بعد الدخول، فلا تؤثر في المهر. وإن كان وقت العتق قبل الدخول مثل أن أعتقت فلم تعلم بذلك فوطئها ثم علمت سقط المسمى، ووجب مهر المثل، لأن الفسخ مستند إلى حين العتق فكأنه انفسخ حين العتق ثم وطئها بعد الفسخ، فوجب مهر المثل. وإن اختارت المقام معه فإن كان المهر مسمى صحيحا أو مسمى فاسدا كان للسيد لأنه وجب بالعقد وكانت حين العقد ملكه ومهرها من كسبها، وإن كانت مفوضة فلم يفرض لها مهر بحال، فطالبت به ففرض لها فلمن يكون؟ قيل فيه قولان بناء على وقت وجوبه. وفي المفوضة إذا فرض لها بعد العقد قولان أحدهما بالفرض يتبين أنه وجب بالعقد فعلى هذا يكون لسيده، والثاني وهو الصحيح أنه وجب بالفرض حين الفرض

[ 260 ]

فعلى هذا المهر لها لأنه وجب لها بعد أن عتقت فكان لها دون سيدها. إذا تزوج العبد امرأة يملك تطليقتين إن كانت أمة وثلاثا إن كانت حرة، وفيهم من قال يملك تطليقتين على كل حال، فإذا طلقها طلقة بعد الدخول، فهي رجعية وبقي له عليها طلقة. فإذا ثبت أنها رجعية فإن أعتقها سيدها وهي في العدة عتقت تحت عبد كان لها الخيار وفائدة الخيار - وإن كانت تجري إلى بينونة - تقصير العدة لأنها متى لم تفسخ ربما تركها حتى يقرب انقضاء عدتها، ثم يراجعها فإذا اختارت بعد المراجعة كان ابتداء العدة من حين اختارت فقلنا لها الفسخ من حين أعتقت لتأمن التطويل في العدة. فإذا ثبت أن لها الفسخ لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن تختار الفسخ أو تسكت أو تختار المقام، فإن اختارت الفسخ صح الفسخ وانقطعت الرجعة فلا يصح أن يراجعها، لأنها بانت بالفسخ، لكنها تبني على العدة من حين الطلاق، لأن العدة وجبت بالطلاق والفسخ لا يقطع العدة. وهل تكمل عدة حرة أم لا؟ قيل فيه قولان: أحدهما عدة الأمة اعتبارا بحال الوجوب كالحدود، والثاني عدة الحراير اعتبارا بحال الانتهاء، والثاني مذهبنا. وإن سكتت لم يسقط خيارها لأن سكوتها لم يدل على الرضا، فإن صبر الزوج عن الرجعة، بانت بانقضاء العدة، وإن راجع الزوج فسخت إذا رجع، فلهذا لم يسقط خيارها. وإن لم يراجعها حتى تنقضي عدتها هل تعتد عدة الحرة أو الأمة؟ على قولين وإن راجعها كان لها الخيار، وهل هو على الفور أو التراخي على ما مضى. فإن اختارت المقام فلا كلام، وإن اختارت الفسخ وقع الفسخ حين اختارت وتستأنف عدة حرة لأنها في عدة ابتداء وجوبها عليها وهي حرة، روي أن عايشة اشترت بريرة بشرط العتق فأعتقها، فجعل النبي صلى الله عليه وآله الولاء لمن أعتق، ثم خيرها فاختارت الفراق فأوجب النبي صلى الله عليه وآله عليها عدة حرة. فأما لو رضيت به واختارت المقام كان رضاها كلا رضا، لأنها جارية إلى بينونة

[ 261 ]

والرضا بكونها تحته يقطع ذلك وينافيه، فلم يصح كما لو طلقها رجعية فارتدت ثم راجعها وهي مرتدة لم تصح، فإذا ثبت أنه لا يصح فالحكم فيه كما لو سكتت. إذا أعتقت تحت عبد وهي غير بالغ ثبت لها الخيار لعموم الأخبار، وليس لوليها أن يختار عنها لأنه اختيار بشهوة، وعليه نفقتها حتى تبلغ، فإذا بلغت وليت أمر نفسها، فإن اختارته ثبت النكاح، وإن فسخت انفسخ النكاح، وإذا بلغت فهل خيارها على الفور أو التراخي؟ على ما مضى. وهكذا الحكم في المجنونة وفي مشرك زوج ابنه الصغير عشرا فأسلم الولد وأسلمن معه، فقد ثبت للصبي خيار أربع، وعليه نفقة الكل، فإذا بلغ اختار بعد بلوغه. وإن أعتق بعضها وبقي الباقي على الرق، مثل أن كانت بين شريكين فأعتق أحدهما نصيبه، وهو معسر، عتق نصيبه واستقر الرق في نصيب شريكه، ولا خيار لها لأن أحكامها أحكام الإماء في الصلوة والعدة والميراث. إذا أعتقت تحت عبد كان لها الخيار، فإن لم تختر حتى أعتق الزوج فهل يسقط خيارها؟ على قولين أحدهما لا يسقط، لأن الخيار ثبت لها حين عتقت، والثاني يسقط خيارها لأنه إنما ثبت لنقص بالزوج وقد زال. والأول أقوى: إذا قلنا أن الخيار لا يثبت على الحر، وإذا قلنا: يثبت عليه، فالخيار ثابت على كل حال. إذا أعتقت تحت عبد وثبت لها الخيار ثم طلقها زوجها قبل أن تختار لم يقع الطلاق في الحال، بل يكون مراعا لأنه ثبت لها خيار الفسخ، وفي إيقاع الطلاق عليها إبطال ما ثبت لها من الاختيار، فلم يقع في الحال. كما لو ارتدت فطلقها أو أسلم وتحته مشركة فطلقها كان مراعا، وقال بعضهم يقع الطلاق في الحال لأنه صادف ملكه. والذي يليق بمذهبنا أنه لا يقع الطلاق أصلا، لأن إيقاعه في الحال إبطال الاختيار، وفي المستقبل لا يقع، لأن الطلاق بشرط لا يقع عندنا. فمن قال مراعا فإن اختارت المقام فقد بينا أن الطلاق وقع لأنه صادف ملكه وإن اختارت الفسخ وقع حين العتق، وتكون العدة من حين فسخت، ويلزمها عدة

[ 262 ]

حرة لأنها وجبت بعد أن عتقت. هذا إذا أعتقت الزوجة فأما إن أعتق الزوج وهي أمة فهل له الخيار أم لا؟ على وجهين أحدهما له الخيار كما كان لها الخيار، إذا أعتقت تحت عبد، والثاني وهو الصحيح أنه لا خيار له لأنه سبب لو قارن عقد النكاح لا خيار له فكذلك إذا قارن مستدامة. * * * العنين هو العاجز عن إتيان النساء خلقة، وقد ذكر أهل اللغة الاشتقاق: قال قوم سمي العنين عنينا لأن ذكره يعن أي يعترض إذا أراد إيلاجه، والعنن الاعتراض يقال عنن الرجل عن امرأته. وقال آخرون سمي عننا لأنه يعن لقبل المرأة عن يمينه وشماله فلا يقصده ويقال عن لي الرجل يعن إذا اعترض لك من أحد جانبيك يمينك أو شمالك بمكروه ويقال عن له عنا وعننا والمصدر العن، والعنن الموضع الذي يعن فيه العان وسمي العنان من اللجام لأنه يعترضه من ناحيته فلا يدخل فمه شئ منه. وسمع بعض أهل اللغة يقول العنة الحظيرة، يقال عننت البعير أعنته تعنينا فهو معن ومعنى إذا حبسته. إذا ثبت هذا أمكن أن يكون اشتقاقه من الحظر والحبس أي محبوس وممنوع من زوجته. فإذا ثبت هذا فالعنة تثبت للمرأة الخيار به، وتضرب له المدة سنة، فإن جامع وإلا فرق بينهما إجماعا وعندنا أنه إن وصل إليها دفعة لم يفرق بينهما، وقال قوم لا يضرب له مدة ولا يفسخ به النكاح، وبه قال أهل الظاهر، والحكم. فإذا ثبت أنه عيب يفسخ النكاح به، فالكلام في شرحه، وجملته أن امرأة الرجل أذا حضرت عند الحاكم واستعدت على زوجها، وذكرت أنه عنين فالحاكم يحضره ويسأله عما ذكرت، فإن أنكر فلا يمكنها إقامة البينة عليه، بأنه عنين، وإنما يثبت عننه بأحد ثلاثة أشياء: اعترافه بها، أو البينة على اعترافه، أو يلزمه اليمين فينكل

[ 263 ]

عنها فتحلف المرأة أنه عنين. فإذا ثبت بأحد هذه الأشياء فالحاكم يضرب فيه المدة سنة، ويعرفها الحاكم بعد ذلك أن لها الفسخ، فإن اختارت فسخت، وإن اختارت جعلت الفسخ إليه ليفسخ هو، ولا يجوز أن يفسخ بغير حاكم، لأنه فسخ مختلف فيه، فمتى فرق الحاكم بينهما أو أذن لها ففعلت كانت الفرقة فسخا لا طلاقا، وقال قوم هو طلاق. إذا كان الرجل مجبوبا نظرت، فإن كان قد جب كل ذكره، أو بقي منه ما لا يجامع بمثله، فلها الخيار، وإن بقي منه ما يجامع بمثله وهو أن تغيب في فرجها بقدر حشفة الذكر فإن اتفقا على أنه يولج ويطأ فلا خيار لها، وإن اختلفا لم يثبت عليه إلا باعترافه، أو بينة تشهد باعترافه، وهل القول قوله مع يمينه؟ على وجهين: أحدهما القول قوله. وقال قوم القول قولها لأن الظاهر معها، لأن من قطع من ذكر بعضه فما يبقى منه يلحقه شلل وضعف لا يقوى على الوطئ. فإذا ثبت أنه لا يجامع بمثله أصلا كان لها الخيار في الحال كالمجبوب، وإذا أصابته خصيا أو مسلولا أو موجوءا الباب واحد، وكذلك لو أصابته خنثى، وقد ثبت أنه رجل، فهل لها الخيار على قولين أحدهما لها الخيار، وهو الأقوى، والثاني لا خيار لها. فإذا قيل لها الخيار فلا كلام، ومن قال لا خيار لها فادعت عننه فهو كالفحل حرفا بحرف، وقد مضى لا يثبت إلا باعترافه أو بينة على اعترافه، أو نكوله عن اليمين مع يمينها، فإذا ثبت ذلك ضرب له المدة. كل موضع قضينا عليه بأنه عنين فإنه يؤجل سنة وابتداء السنة من حين حكم الحاكم وفسخ العنة تكون بعد انقضاء المدة. إذا أخبرها بأنه عنين فتزوجت به على ذلك، وكان كما قال، فليس لها الخيار وقال قوم لها الخيار وهكذا قولنا فيمن بان عنينا فطلقها قبل الإصابة، ثم تزوجها تزويجا مستأنفا فهل لها الخيار أم لا؟ على هذين القولين أصحهما أنه يسقط خيارها.

[ 264 ]

فإن كان له أربع نسوة فعن عن جميعهن ضرب لهن المدة، فإن لم يعن عن واحدة منهن، فلا كلام، وإن عن عن واحدة دون الثلاث لم يحكم لها بحكم العنة عند أصحابنا وقال المخالف لها حكم نفسها ويضرب لها المدة. إذا تزوج امرأة ودخل بها ثم إنه عجز عن جماعها واعترف هو بذلك لم يحكم بأنه عنين، ولا يضرب له المدة بلا خلاف، فأما إذا كان صحيحا ثم جب كان لها الخيار عندنا وعندهم بلا خلاف لعموم الأخبار. إذا ضربنا له المدة فأصابها في المدة أو بعد انقضاء المدة خرج من حكم العنة وحد الإصابة: فلا يخلو أن يكون صحيح الذكر أو قد قطع بعضه، فإن كان صحيح الذكر فالقدر الذي يخرج به من حكم العنة أن يغيب الحشفة في الفرج، وهو أن يلتقي ختاناهما على ما شرحناه في كتاب الطهارة. فإذا حصل هذا القدر خرج من حكم العنة لأن أحكام الوطئ كلها يتعلق به من وجوب الغسل والحد والاباحة للزوج الأول وإفساد العبادات الحج والصيام بوجوب الكفارات، ووجوب المهر، وثبوت الاحصان عندهم. وإن كان قد قطع بعض ذكره وبقي ما يولج به فوطئها به فهل يخرج به من العنة بأن يغيب منه قدر الحشفة أم لا؟ قيل فيه قولان أقواهما أنه يخرج به، وقال قوم لا يخرج. فإن وطئها في الموضع المكروه قال قوم لم يخرج به من العنة، ويقوى في نفسي أنه يخرج به، وإن أصابها في القبل وهي حائض أو نفساء، خرج من حكم العنة بلا خلاف إذا ضربنا له المدة فلم يصبها حتى انقضت المدة، فإن الحاكم يخيرها، فإن اختارت الفسخ فإما أن يفسخ هو أو يجعل إليها فتفسخ، فإذا فعل ذلك كان فسخا لا طلاقا على ما مضى، فإن اختارت المقام معه، ورضيت به مع ثبوت عننه، سقط خيارها بلا خلاف. هذا إذا كان رضيت بعد انقضاء المدة، فأما إن رضيت به في أثناء المدة، قال قوم

[ 265 ]

لا يسقط خيارها، وكذلك قبل المدة، ومنهم من قال يسقط خيارها، وهو الأقوى عندي لعموم الأخبار. إذا أجلناه فانقضت المدة فاختارت المقام معه وطلقها ثم استباحها لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون الطلاق باينا أو رجعيا فإن كان رجعيا فراجعها فلا خيار لها لعموم الأخبار في ثبوت المراجعة للمطلق الرجعي، وإذا رضيت به فلا خيار لها بعد ذلك. وإنما يتصور هذه المسئلة على قول من يقول إن الخلوة دخول، فعلى هذا إذا خلا بها ثم طلقها فعليها العدة، والطلاق دون الثلاث يكون رجعيا، ويمكن أيضا إذا وطئ لم يلتق الختانان حتى أنزل في فرجها كان هذا دخولا يوجب العدة، وقال قوم لو استدخلت ماءه كان كالدخول في وجوب العدة، فمتى طلقها طلقة أو طلقتين كانت رجعية فيتصور على هذا أيضا وإن كان عنينا. وأما إن أبانها بالطلاق أو اختارت الفسخ ففسخت النكاح ثم تزوج بها بعد هذا، وقد عرفت منه ما عرفت، فهل لها الخيار؟ قيل فيه قولان: على ما مضى أقواهما أنه لا خيار لها، وأما إن تزوج امرأة فوطئها ثم أبانها ثم نكحها فعنن عنها فلها الخيار إذا لم تعلم ذلك، لأن كل نكاح له حكم نفسه. إذا اختلفا في الإصابة فقال أصبتها وأنكرت، لم يخل من أحد أمرين إما أن تكون ثيبا أو بكرا، فإن كانت ثيبا فالقول قوله مع يمينه عند أكثرهم، وفيه خلاف. وروى أصحابنا أنها تؤمر بأن تحشو قبلها خلوقا ثم يطأها فإن خرج وعلى ذكره أثر الخلوق صدق وكذبت، وإن لم يكن كذلك كذب وصدقت، ومن قال القول قوله، فإن حلف سقط دعواها وإن نكل حلفت وكان لها الخيار في المقام والفسخ. وإن كانت بكرا أريت أربع نساء عدول من القوابل، فإن ذكرن أنها بكر سألناه فإن قال كذبن وهي ثيب سقط قوله، لأنه يكذب البينة وإن قال صدقن هي بكر لكن كنت أزلت عذرتها ثم عادت، فالقول قولها لأن الظاهر معها، فإن حلفت كان لها الخيار في المقام والفسخ وإن نكلت حلف وسقط دعواها وكانا على النكاح.

[ 266 ]

إذا تزوجت بالخصي أو المسلول أو الموجوء مع العلم بذلك، فلا خيار لها بعد ذلك بلا خلاف وإن دخلت مع الجهل ثم بان أنه خصي فهل لها الخيار أم لا؟ قيل فيه قولان عندنا أن لها الخيار. * * * الخنثى هو الذي له ذكر الرجل وفرج المرأة، ومن كان بهذه الصفة فلا يجوز أن يكون رجلا وامرأة، وإنما يكون أحدهما فإنا نعتبره بمباله، فإن بال من الذكر فهو رجل، وإن بال من الفرج فهو امرأة، وإن بال منهما فمن أيهما سبق فإن سبق منهما، فمن أيهما انقطع أخيرا حكم به، وإن خرج منهما معا وانقطع منهما معا رجع إلى القرعة. وقال قوم هل يرجع إلى قلة البول أو كثرته فيه قولان، فإن تعذر ذلك نظر إلى ما يميل طبعه إليه عمل عليه، وقال قوم تعد أضلاعه، فإن تساوى الجانبان كانت امرأة، وإن اختلفا كان رجلا، وقد روى ذلك أيضا أصحابنا. ومن قال يعتبر بميل طبعه وقال أنا أميل إلى النساء، ويقوم على، فهو رجل وإن كانت تميل إلى الرجال وتحب أن تؤتى فهو امرأة. وليس ينظر إلى ما يتلذذ به، فربما كان مخنثا يحب الرجال وتكون المرأة مذكرة فتحب النساء بل يرجع إلى طبعه في أصل الخلقة وعمل به، ولا يقبل رجوعه عما يذكره بعد ذلك، فإذا حكم له بأنه رجل زوج امرأة، فإذا حكم له بأنه امرأة زوجت من رجل. فإذا تزوج امرأة مع العلم بحاله فلا خيار لها، وإن كان مع الجهل به قيل فيه قولان، وهكذا لو تزوج امرأة خنثى مع العلم فلا خيار له، وإن كان مع الجهل فعلى وجهين أقواهما أن له الخيار. فمن قال له الخيار فلا كلام غير أنه يختار في الحال، ومن قال لا خيار فهما على النكاح، وإن اعترف أنه عنين فالحكم على ما مضى. العزل أن يولج الرجل ويجامع، فإذا جاء وقت الانزال، نزع فأنزل خارج

[ 267 ]

الفرج، فإذا ثبت هذا فإن كان تحته مملوكة جاز له أن يعزل بغير أمرها بلا خلاف، وإن كانت زوجة فإن كانت أمة كان له العزل أيضا وإن كانت حرة فإن أذنت له فلا بأس وإن لم تأذن فهل له العزل؟ على وجهين: أحدهما ليس له ذلك، وهو الأظهر في رواياتنا، لأنهم أوجبوا في ذلك كفارة، والثاني أنه مستحب وليس بمحظور. إذا دخل الغريب بلدا فتزوج امرأة على الاطلاق يعتقدها حرة، فإذا هي أمة وكان الرجل ممن يحل له نكاح أمة بحصول الشرطين اللذين قدمناهما فالنكاح صحيح فإن وطئها قبل العلم فالولد حرة لأنه على هذا دخل وعليه قيمته لسيدها يوم وضعته وإن أحبلها بعد أن علم أنها أمة، فالولد مملوك عندهم، لأنه يتبع أمة وعندنا يتبع الحرية. إذا تزوج حر بأمة فأتت بولد مع العلم بحالها، فإن كان غير عربي فهو مملوك وإن كان عربيا قال قوم هو حر لأن العربي لا يسترق، وقال قوم يسترق، وعندنا أن الولد حر على كل حال. * * * إذا تزوج امرأة فأول ما يبدء به عند الاجتماع معها أن يأخذ بناصيتها ويدعو لكل واحد منهما بالبركة، وإذا عقد الولي النكاح فالمستحب أن يقول: أزوجك على إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، والأحوط أن يقول ذلك قبل العقد. يستحب أن لا يتزوج الصغيرة حتى تبلغ - إن كانت ثيبا وبكرا - وقال قوم إن كانت ثيبا فلا تزوج بحال، وإن كانت بكرا يتسحب تركها حتى تبلغ لأن إذنها مراعا. المستحب أن يتزوج امرأة ذات الدين والعقل وإذا زوج أمته بعبده لم يجب المهر في هذا النكاح، ويستحب أن يذكر المهر لأنه من سنة النكاح وشعاره وقال قوم هو بالخيار. وإذا ارتدت المرأة لا ينعقد عليها نكاح لأحد لا لكتابي ولا وثني ولا مرتد مثلها، ولا لمسلم لأنها لا تقر على ذلك.

[ 268 ]

إذا وكل رجلا على أن يزوجه فلانة فتزوجها الوكيل من وليها فحضر الموكل فأنكر وحلف، بطل النكاح، وإن كان مثل هذا في الشراء ثبت الشراء على الوكيل. إذا طلقها طلقة بعد الدخول فهي رجعية، وليس لها العقد على أختها ولا عمتها ولا خالتها إلا برضاهما، ولا أربع سواها، لأنها في معنى الزوجات. إذا طلقها وذكر أنها أخبرت بانقضاء عدتها، فأنكرت وقد مضى زمان يصح انقضاء العدة فيه، فالقول قوله في جواز العقد على أختها، والقول قولها في بقاء النفقة والسكنى. والفصل بينهما أن جواز نكاح أختها أمر يتعلق بدينه وأمانته، فيقبل قوله فيه والنفقة والسكنى حق عليه فلا يقبل قوله عليها. يستحب لمن كان له زوجتان أن لا يجامع أحدهما بحضرة الأخرى إذا كن حراير ويجوز ذلك في الإماء. لا يجوز للرجل أن يتزوج بمملوكته ولا للمرأة أن تتزوج بعبدها بلا خلاف. إذا غاب الرجل عن امرأته ثم قدم رجل فذكر لها أن زوجها طلقها طلاقا بانت منه قبل الدخول أو بعده بعوض، وذكر لها أنه وكله في استيناف النكاح عليها، وأن يصدقها ألفا يضمنها لها عنه، ففعلت ذلك وعقد النكاح وضمن الرسول الصداق ثم قدم الزوج فأنكر الطلاق، وأنكر التوكيل في ذلك، فالقول قوله، والنكاح الأول بحاله، والثاني لم ينعقد. وأما الوكيل فهل يلزمه ضمان ما ضمنه أم لا؟ قال بعضهم يلزمه، وقال الأكثر لا يلزمه، وهو الصحيح لأن العقد إذا لم يثبت لم يثبت المهر. * * * الاحصان عندنا أن يكون له فرج يغدو إليه ويروح، ويكون قد دخل بها سواء كانت حرة أو أمة، زوجة كانت أو ملك يمين، وفي أصحابنا من قال إن ملك اليمين لا يحصن، ولا خلاف بينهم أن المتعة لا تحصن، وقال جميع المخالفين: إن من شرط الاحصان الوطئ في نكاح صحيح، فأما في نكاح فاسد أو ملك يمين، فلا يكون

[ 269 ]

به محصنا. فإذا ثبت له الوطئ في نكاح صحيح شرط فيما يصير به محصنا شروط أربعة أن يطأ وهو حر بالغ عاقل في نكاح صحيح فإذا وجد هذا منه فهو محصن، فمتى زنا يرجم ومنهم من قال يصير بنفس الوطئ محصنا والبلوغ والعقل والحرية من شرايط الرجم. فإذا وطئ في نكاح صحيح وهو عبد فأعتق وهو بالغ عاقل وزنى رجم، والأول عندهم أصح وعليه التفريع. فإذا كانا كاملين حرين بالغين عاقلين والاصابة في نكاح صحيح فقد أحصنا، وإن كانا ناقصين أو صغيرين أو مجنونين أو ناقصين من نوعين عبد وحرة، مجنونة أو صبية لم يحصن واحد منهما الآخر، وإن كان أحدهما كاملا والآخر ناقصا أحصن الكامل دون الناقص، مثل أن يكون عبدا وهي حرة أو حرا وهي أمة وقال بعضهم إن كان ناقصا لم يحصن الآخر وإن كان كاملا، فاعتبر الكمال فيهما معا. فأما الاسلام فليس بشرط في الاحصان ومتى وجدت الشرايط في الكافر فهو محصن متى زنى وجب عليه الرجم، وقال قوم الاسلام شرط، فأما الكافر فلا رجم عليه عند هذا القائل أبدا لأنه لا يكون محصنا أبدا، وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله رجم يهوديين فلو لا أنهما كانا محصنين ما رجمهما وفي أصحابنا من قال إذا كان أحد الزوجين كافرا فلا إحصان في واحد منهما والأقوى ما قلناه أولا.

[ 270 ]

(فصل) * (في ذكر زوجات النبي صلى الله عليه وآله) * قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: جملة من تزوج النبي صلى الله عليه وآله ثماني عشرة امرأة سبع من قريش، وواحدة من حلفائهم، وتسع من ساير القبائل، وواحدة من بني إسرائيل ابن هرون بن عمران، واتخذ من الإماء ثلاثا عجميتين وعربية، وأعتق العربية واستولد إحدى العجميتين. فأولى من تزوج بها من قريش خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى ثم تزوج بمكة بعد موت خديجة بسنة قبل الهجرة بأربع سنين سودة بنت زمعة ثم تزوج بمكة قبل الهجرة بسنتين عائشة بنت أبي بكر، ولم يتزوج بكرا غيرها، وبنا بها بالمدينة. ثم تزوج بعد وقعة بدر من سنة اثنتين من التاريخ أم سلمة هندا بنت أبي أمية، وتزوج في هذه السنة حفصة بنت عمر بن الخطاب، ثم تزوج بعد ثلاث سنين من الهجرة من حلفاء قريش زينب بنت جحش، ثم تزوج في سنة خمس جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقية ثم تزوج في سنة ست أم حبيبة بنت أبي سفيان، ثم تزوج في سنة سبع من بني إسرائيل صفية بنت حيي ابن أخطب من بني النضير. ولما فرغ النبي صلى الله عليه وآله من خيبر في هذه السنة توجه معتمرا وهي سنة سبع قدم جعفر بن أبي طالب فخطب عليه ميمونة بنت الحارث الهلالية فأجابته فتزوج بها وهو محرم، وبنا بها بسرف، ثم تزوج من قريش فاطمة بنت شريح، وكانت وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله ثم تزوج زينب بنت خزيمة وهي أم المساكين من بني عامر بن صعصعة، وتزوج من أهل اليمن أسماء بنت نعمان بن الحارث بن كنده ثم تزوج قتيلة أخت الأشعث بن قيس الكندي ثم تزوج أم شريك من بني النجار ثم تزوج سنا بنت الصلت من بني سليم وكان له وليدتان مارية القبطية وريحانة بنت زيد بن شمعون من بني خنافة.

[ 271 ]

(كتاب الصداق) الأصل في الصداق كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله، فالكتاب قوله تعالى " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة (1) " وقال " فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن (2) " وقال تعالى " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم (3) ": فنزلت هذه الآيات على أصل الصداق وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وآله رأى عبد الرحمن بن عوف وعليه أثر صفرة فقال له: ما هذا؟ فقال تزوجت امرأة من الأنصار، فقال: وما الذي سقت إليها؟ فقال زنة نواة من ذهب، فقال أو لم ولو بشاة - والنواة خمسة دراهم. وروي عنه عليه السلام أنه قال أدوا العلائق قيل يا رسول الله ما العلائق؟ قال ما تراضى به الأهلون، وعليه إجماع الأمة والفرقة المحقة: ويسمى المهر صداقا وأجرة وفريضة، وفيما روي عن النبي صلى الله عليه وآله العلائق وسماه قوم عقرا. قالوا: كيف سماه الله نحلة وهو عوض عن النكاح؟ أجيب عنه بثلاثة أجوبة أحدها اشتقاقة من الانتحال الذي هو التدين، يقال فلان ينتحل مذهب كذا فكان قوله نحلة معناه تدينا. والثاني أنه في الحقيقة نحلة منه لها، لأن حظ الاستمتاع لكل واحد منهما لصاحبه كحظ صاحبه.

(1) النساء: 4.
(2) النساء: 24.
(3) البقرة: 237.

[ 272 ]

والثالث قيل: إن الصداق كان للأولياء في شرع من كان قبلنا، بدلالة قول شعيب حين زوج موسى بنته " على أن تأجرني ثماني حجج " (1) ولم يقل تأجر بنتي، فكان معنى نحلة: أن الله أعطاهن هذا في شرعنا نحلة. فإذا ثبت هذا فالمستحب أن لا يعرى نكاح من ذكر مهر، لأنه إذا عقد مطلقا ضارع الموهوبة، وذلك يختص النبي صلى الله عليه وآله، فلذلك يستحب ذكره، ولئلا يرى الجاهل فيظن أنه يعرى عن المهر، ولأن فيه قطعا لمواد المشاجرة والخصومة. ومتى ترك ذكر المهر وعقد النكاح بغير ذلك فالنكاح صحيح إجماعا لقوله تعالى " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة " (2) ومعناه " ولم تفرضوا لهن فريضة " بدلالة قوله " ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره " ولا متعة لمن طلقها قبل الدخول إلا التي لم يسم لها مهرا. إذا عقد النكاح بمهر فاسد مثل الخمر والخنزير والميتة كان العقد صحيحا ووجب لها مهر المثل، وقال قوم لا يصح النكاح، وإليه ذهب قوم من أصحابنا. الصداق عندنا غير مقدر فكل ما صح أن يكون ثمنا لمبيع أو أجرة لمكتري صح أن يكون صداقا عندنا قليلا كان أو كثيرا، وفيه خلاف، والكثير أيضا لا حد له عندنا لقوله تعالى " وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا " (3) وقيل إن القنطار سبعون ألفا، وقال قوم مائة رطل، قال قوم هو مل ء مسك ثور ذهبا، وهو إجماع لقصة عمر مع المرأة التي حجته فقال: كل أحد أفقه من عمر حتى النساء أفقه من عمر. وروي أن عمر تزوج أم كلثوم بنت علي عليه السلام فأصدقها أربعين ألف درهم وأنس بن مالك تزوج امرأة على عشرة ألف، وكان ابن عمر زوج بنات أخيه عبيد الله كل واحدة على عشرة ألف وتزوج الحسن بن علي عليه السلام امرأة فأصدقها مائة جارية مع كل جارية ألف درهم، وتزوج مصعب بن الزبير عائشة بنت طلحة فأصدقها مائة ألف دينار، فقتل عنها فتزوجها رجل من تميم، فأصدقها مائة ألف دينار.

(1) القصص: 27.
(2) البقرة: 236.
(3) النساء: 24.

[ 273 ]

والمستحب فيه التخفيف بلا خلاف، لما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة، وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: خيرهن أيسرهن صداقا. والمستحب عندنا ألا يتجاوز السنة المحمدية خمس مائة درهم، وبه قال جماعة وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه ما أصدق امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية ونش. ويجوز أن يكون منافع الحر مهرا مثل أن يخدمها شهرا أو على خياطة ثوب أو على أن يخيط لها شهرا، وكذلك البناء وغيره وكذلك تعليم القرآن والشعر المباح كل هذا يجوز أن يكون صداقا وفيه خلاف. غير أن أصحابنا رووا أن الإجارة مدة لا يجوز أن يكون صداقا لأنه كان يختص موسى عليه السلام. فإذا ثبت أن منفعة الحر وتعليم القرآن يجوز أن يكون صداقا فالكلام في التفريع عليه: وجملته أنه إذا أصدقها تعليم القرآن فلا يجوز حتى يكون القرآن معلوما: إن أصدقها تعليم سورة عين عليها، وإن كان تعليم آيات عينها، لأن ذلك يختلف، وهل يجب تعيين القراءة وهي الحرف الذي يعلمها إياه على وجهين، أحدهما لا يجب، وهو الأقوى، لأن النبي صلى الله عليه وآله لم يعين على الرجل والوجه الآخر لا بد من تعيين الحروف لأن بعضها أصعب من بعض. فمن قال إن شرط فإن ذكره، وإلا كان فاسدا ولها مهر مثلها، ومن قال ليس بشرط لقنها أي حرف شاء وإن شاء بالجائز وهو الصحيح عندنا، لأن التعيين يحتاج إلى دليل. فإذا ثبت أنه يصح كان لها المطالبة بأي موضع شاءت، فإن أصدقها تعليم سورة بعينها وهو لا يحفظها، بأن قال على أن أحصل ذلك لك، صح لأنه أوجبها على نفسه في ذمته. وإن قال: على أن ألقنك أنا إياها، قيل فيه وجهان: أحدهما يصح لأن الحق وجب في ذمته فلا يلزم أن يكون مالكا له، والثاني لا يصح لأنه لا يصح أن

[ 274 ]

يصدقها منفعة شئ بعينه، وهو لا يقدر عليها، كما لو أصدقها منفعة عبد لا يملكه، فإنه لا يصح. فإن أصدقها تعليم سورة بعينها فأتت بغيرها فقالت لقني هذه مكان تلك [ لم يكن لها مطالبته بذلك، وإن أتت بآخر وقالت لقني هذا ] ظ فهل لها مطالبته بذلك أم لا على وجهين: أحدهما لها ذلك، لأنها قد استحقت، فكان لها أن تستوفيها بنفسها وبغيرها كما لو اكترت دابة للركوب فلها أن يستوفيها بنفسها وبمن يقوم مقامها وبغيرها. الثاني ليس لها ذلك لأن الذي لزمه إيقاع منفعة في عين فلا يلزمه العدول إلى غيره كما لو أصدقها خياطة ثوب بعينه لا يلزمه خياطة مثله، ولأنها ربما كانت أذكى منه فنتلقن أسرع، فيكون أخف عليه. فإن أصدقها تعليم سورة من القرآن ثم اختلفا فقال: قد علمتك فأنكرت فإن كانت لا تحفظها، فالقول قولها مع يمينها، لأن الأصل أنه ما لقنها، وإن كانت حافظة لها وقالت إني حفظتها من غيره فعلى وجهين أحدهما القول قولها، لأن الأصل أنه ما لقنها وهو الأقوى، والثاني القول قوله، لأنها ما كانت تحفظها، وهي الآن تحفظها فالظاهر أنها منه حفظت. فإذا أصدقها تعليم سورة فلقنها فلم يتحفظ لها شئ، أو حفظتها من غيره، فالحكم فيهما واحد، أو يكون أصدقها شيئا بعينه فهلك قبل القبض، كما لو أصدقها عبدا فمات العبد، فيها قولان أحدهما لها أجرة مثل تعليم ذلك وقيمة العبد، وهو الذي يقتضيه مذهبنا، والآخر يفسد المسمى لأنه تعذر أداؤه ووجب مهر المثل. فإن أصدقها تعليم سورة بعينها فالكلام فيما تصير به قابضة لذلك مستوفية نظرت فإن لقنها دون آية فنسيت فما استوفت شيئا لأن الذي كان منه مذاكرة فلا يعتد بذلك وإن لقنها السورة كلها كان استيفاء وقبضا لأن النسيان من تفريطها. وإذا لقنها آية فهل تكون قابضة للآية؟ قيل فيه وجهان أحدهما تكون قابضة وهو الأقوى، والثاني لا تكون قابضة لأقل من ثلاث آيات، لأن أقل ما يقع به الاعجاز ثلاث آيات مثل سورة قصيرة، فكأنها - إن لقنها بعض آية لم يكن قبضها

[ 275 ]

وإن لقنها السورة كلها أو ثلاث آيات كان قبضا، وإن كان أقل من ثلاث آيات فعلى الوجهين. فإن تزوج مسلم كتابية على أن يلقنها سورة من القرآن، فإن كان ذلك للتبصر والنظر والاهتداء به وطمع الزوج بإسلامها صح، وإن كان إنما تريد المباهاة بأنها تحفظ قرآن المسلمين، لم يصح، وكان المهر فاسدا، ويلزمه مهر المثل إذا دخل بها عندنا. فإن تزوج مشرك مشركة على أن يلقنها التورية والإنجيل، فالمهر فاسد، لأنه كلام مبدل مغير، فلا يصح أن يكون صداقا، وإن ترافعوا إلينا وكان قبل التقابض أفسدنا المهر، ولها مهر مثلها، وإن كان بعد التلقين حكم بأنه قبض واستيفاء، لأنه قبض منهم فهو كالميتة والدم ولحم الخنزير. فأما إن تزوج مسلم كتابية على أن يلقنها شيئا من التورية فالمهر فاسد، لأنه مبدل منسوخ، والحاكم يفسخ ذلك، سواء كان ذلك قبل التعليم أو بعده، لأن هذا ليس بصداق عند المسلم. وإن كان الصداق تعليم شعر، فإن كان هجوا أو فحشا لم يصح، وكان لها مهر مثلها، وإن كان حكما وزهدا في الدنيا صح. إذا أصدقها تعليم سورة معينة ثم طلقها فلا يخلو أن يكون بعد التلقين أو قبله فإن كان بعده: فإن كان بعد الدخول فقد وفاها الصداق، واستقر بالدخول، وإن كان قبل الدخول رجع عليها بنصف أجرة مثل ما علمها، لأن العين غير موجودة، وإن طلقها قبل التعليم، فإن كان بعد الدخول فقد استقر التعليم عليه، وإن كان قبل الدخول استقر نصف التعليم عليه. وهل له أن يلقنها ما استقر عليه؟ قيل فيه وجهان أحدهما له ذلك من وراء حجاب وهو الأقوى عندي، والثاني ليس له تلقينها لأنها أجنبية، فإذا خاطبها ولقنها لا يؤمن الافتتان بها وهو الأقوى عندهم. فمن قال يلقنها فلا كلام، ومن قال لا يلقنها كان بمنزلة الصداق المعين تلف

[ 276 ]

قبل القبض وهو على قولين عندهم أحدهما يرجع إلى بدل التالف، والثاني يبطل ولها مهر المثل. وأما إذا أصدقها أن يجيئها بعبدها الآبق كان ذلك باطلا عند أكثرهم، وقال بعضهم إنه جايز، والأول أقوى، فمن قال باطل كان لها مهر المثل، وله عليها أجرة مثل المجئ بالآبق وإن كان موضع العبد الآبق معروفا صح الصداق، فإن طلقها قبل الدخول بها رجع عليها بنصف أجرة مثل المجئ من ذلك المكان، ويجيئ مثل تعليم القرآن حرفا بحرف إذا كان الموضع معروفا. إذا أصدقها خياطة ثوب بعينه، فيه ثلاث مسائل إحداها يهلك الثوب، والثانية يعطل الخياطة، والثالثة يكونان على السلامة. فإن هلك الثوب بطل الصداق ولها مهر المثل، وفيهم من قال إنه لا يبطل الصداق والذي يقتضيه مذهبنا أن نقول لها مثل أجرة خياطة ذلك الثوب، دون مهر المثل وكذلك في كل مهر معين إذا تلف، فإنه يجب قيمتها ولا يجب مهر المثل. فأما المهر إذا كان فاسدا فإنا نوجب مهر المثل بلا شك ويستقر بالدخول جميعه وبالطلاق قبل الدخول نصفه، هذا عقد مذهبنا، فمن قال في هذه المسئلة لا يبطل يقول إنه يأتي ببدل مثله يخيط مكانه، ومن قال يبطل قال قولين: أحدهما لها مهر المثل والثاني لها بدل ذلك الشئ، فعلى هذا لها أجرة مثل هذا الثوب، وهذا مثل ما قلناه. وإن تعطل الخياطة أو زمن فهل يبطل الصداق؟ نظرت فإن شرط أن يحصل لها خياطة الثوب لم يبطل، وإن كان شرط أن يخيطه بنفسه بطل الصداق، لأنه علقه بشئ بعينه. وإن كانا معا سالمين فطلقها فالحكم على ما فصلناه إذا كان الصداق سورة من القرآن حرفا بحرف. إذا أصدقها صداقا ملكته بالعقد كله، وكان من ضمان الزوج، فإن تلف في يده قبل القبض كان من ضمانه، فإذا قبضته كان من ضمانها، فإن دخل بها استقر، فإن طلقها قبل الدخول عاد نصف الصداق إليه، فإن كان له نماء كان لها من حين ملكته

[ 277 ]

بالعقد حتى يدخل بها أو يطلقها، وإن هلك بعد القبض كان من ضمانها. وقال بعضهم إن الصداق في يدها أمانة، والأول أقوى، لأنه روى أصحابنا أنه إذا أصدقها غنما حاملا فولدت ثم طلقها قبل أن يدخل بها رجع بنصف الغنم ونصف أولادها وإن حملت الغنم عندها لم يكن له من أولادها شئ، ويرجع في نصف الأمهات. إذا طلقها قبل الدخول بها بعد القبض لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون الصداق قائما أو تالفا، فإن كان تالفا: فإن كان له مثل كالأثمار والحبوب والأدهان فله نصف مثله. وإن لم يكن له مثل كالثوب والعبد فله نصف قيمته، وعليها أقل الأمرين من قيمته يوم القبض ويوم العقد، فإن كانت قيمته يوم العقد أكثر منها حين القبض لم يكن له إلا نصف قيمته يوم القبض، لأن ما نقص قبل القبض كان من ضمانه، فلا يضمنها ما هو من ضمانه، وإن كانت القيمة يوم القبض أكثر رجع بذلك يوم العقد، لأن ما زاد بعد العقد لها، فلا يضمنها ما هو ملكها ومالها. وإن كان الصداق قائما فلا يخلو من أربعة أحوال إما أن يكون بحاله أو ناقصا أو زائدا أو ناقصا من وجه زائدا من وجه. فإن كان بحاله لم يزد ولم ينقص، فله نصفه، وإن كان ناقصا نقصان عين لا نقصان قيمة، مثل أن كان بصيرا فعمي أو صحيحا فزمن، أو كان يحسن القرآن فنسي، فالزوج بالخيار، بين أن يرجع بنصفه أو بنصف القيمة، فإن اختار نصفه كان له وإن اختار القيمة كان له لقوله تعالى " فنصف ما فرضتم " وهذا غير ما فرض، فكان حقه في القيمة، فإن أخذ النصف فلا كلام، وإن طالب بنصف القيمة كان كالتالف عندها، وكان له أقل الأمرين: من نصف قيمته يوم الصداق، ويوم القبض على ما مضى؟ وإن كان زائدا فالزيادة ضربان متميزة وغير متميزة، فإن كانت متميزة مثل أن كانت بهيمة فنتجت، أو جارية فولدت، أو شجرة فأثمرت كان النماء لها دونه، لأنه

[ 278 ]

نماء في ملكها، وإن كان النماء غير متميز كالكبر والسمن وتعليم القرآن كانت بالخيار بين أن يعطيه نصفه بزيادته، أو تمسكه ويكون له نصف القيمة. فإن اختارت أن تعطيه النصف بحاله لزمه القبول، لأنه حقه وزيادة وإن اختارت الامساك كان لها، لأن الزيادة لها غير متميزة، فلا تجبر على تسليم مالها في حقها، وليس هيهنا نماء غير متميز لا يتبع الأصل ويمنع الرجوع إلا في هذه المسئلة ويقوى في نفسي أن له الرجوع بنصفه مع الزيادة التي لا تتميز لقوله تعالى " فنصف ما فرضتم " وإن كان الأول قويا أيضا. وأما إن كان زائدا من وجه ناقصا من وجه، مثل أن كان صغيرا فكبر فالكبر في العبد نقص والصغر زيادة، أو كان يحسن القرآن فنسيه لكنه سمن واستوى فالأمر موقوف هيهنا على تراضيهما، فإن تراضيا برد النصف فذاك، وأيهما امتنع لم يجبر الآخر عليه. فإن اختار الزوج الرجوع وأبت كان لها لأنه زائدة، ولها منعه لأجل الزيادة، وإن اختارت دفع نصفه بزيادة، لم يجبر عليه لأنه ناقص فلا يجبر على أخذ نصفه ناقصا، فإن تراضيا على شئ فذاك، وإن أبت التسليم كان كالتالف فيكون له عليها نصف القيمة أقل ما كانت قيمته من حين العقد إلى حين القبض. هذا إذا كان بعد القبض فأما إن كان قبل القبض، فإن كان بحاله، فلها نصفه وإن كان ناقصا كانت بالخيار بين قبض نصفه ناقصا وبين أن يترك، فإن اختارت نصفه فلا كلام، وإن لم يفعل كان كالتالف في يده قبل القبض فيكون على القولين أحدهما نصف مهر مثلها، والثاني لها نصف قيمة المهر كالتالف في يده سواء. وإن كان زائدا زيادة متميزة فالزيادة لها، ولها نصف الأصل، وإن كانت غير متميزة فهي بالخيار بين أن تأخذ الكل بزيادته، وبين أن تترك وتأخذ نصفه فالحكم ههنا إذا كان قبل القبض كالحكم فيه إذا كان بعد القبض. فأما إن كان زائدا من وجه ناقصا من وجه فهيهنا يختلف، فيكون الخيار لها إن اختارت أخذ كله بزيادة والرضا بنقصانه كان لها، وليس له الامتناع عليها، لأن

[ 279 ]

الزيادة لها ونماء ملكها، وإن تركت نصفه عليه بزيادته ونقصانه كان لها ذلك، لأن النقصان في يده وقد رضيت بتسليم حقها والزيادة إليه، فلهذا كان إليها بكل حال. وكل موضع قلنا حق الزوج في القيمة، فإنما له أقل الثمنين من قيمته يوم العقد، ويوم يأخذ العبد، فإذا طلقها قبل الدخول كان له نصف الصداق، وبماذا يدخل في ملكه؟ قال قوم إنه يدخل في ملكه بالطلاق من غير اختياره، وقال آخرون لا يدخل بغير اختياره، وإنما يصير بطلاق قبل الدخول كالشفيع، فإنه بالبيع ملك أن يملك كذلك الزوج ملك أن يملك إلا الميراث، وليس هذا بميراث والأول أقوى لقوله تعالى " فنصف ما فرضتم ". وفائدة الوجهين إذا قال يدخل في ملكه بغير اختياره كان ما حدث من النماء بينهما، ومن قال يملكه باختياره كان الحادث من النماء من حين الطلاق إلى الاختيار لها وحدها، تنفرد به، لأنه نماء ملكها. إذا أصدقها نخلا حائلا، فطلقها قبل الدخول بها والنخل مطلعة، فيه سبع مسائل: إحداها لها إمساكها بحملها. ومنعه من الرجوع في النصف، ويكون حقه في القيمة، لأن الصداق قد زاد زيادة غير متميزة، فهو كالسمن وتعلم القرآن ونحوه. الثانية بذلت رد النصف إليه بزيادته فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون الطلع مؤبرا، أو غير مؤبر، فإن لم يكن مؤبرا أجبرناه على القبول لأنها زيادة غير متميزة، فهو كالسمن وتعلم القرآن، فبذلت نصفها بزيادتها لزمه قبولها. وإن كان الطلع مؤبرا فبذلت النخل بزيادته، فهل يجبر على قبوله أم لا؟ المذهب أنه يجبر عليه، لأنها زيادة متصلة بالنخيل، فهي كالطلع قبل أن يوبر. ومن الناس من قال لا يجبر عليه، لأن الطلع بعد التأبير كان كالنماء المتميز فهو كما لو كان الصداق شاة فولدت، فأرادت رد نصفها ونصف النماء، لم يجبر على القبول

[ 280 ]

وقال قوم: هذا غلط، لأن الطلع وإن كان بعد التأبير كالنماء المتميز، فإنه متصل بالنخيل غير منفصل عنه، فهو كالذي لم يوبر. الثالثة قال لها اقطعي الثمرة دون النخيل لأرجع في نصفها فارغة عن الثمرة لم تجبر على هذا لقوله عليه وآله السلام " ليس لعرق ظالم حق " وهذا عرق عادل. الرابعة قالت هي وأنا أفرغ النخيل بقطع الثمرة وارجع أنت في نصفها بعد هذا، قال قوم: يجبر الزوج على قبول هذا إذا كان القطع لا يضر بالنخيل في المستقبل وهكذا لو كانت جارية فسمنت ثم هزلت، فعليه قبض نصفها، لأنه لا مانع هناك وقد عاد النصف بحاله. الخامسة قالت له اصبر عن الرجوع حتى تدرك الثمرة وآخذها ثم تأخذ نصف النخل قال قوم لم يجبر عليه، لأن حقه معجل على الفور، فلا يجب عليه تأخيره. السادسة قال لها قد رضيت بتأخير الرجوع اليوم وبذلت لك أن تبقي ثمرتك على النخل حتى إذا جذذت رجعت في النصف لم نجبرها على هذا، لأن الصداق إذا كان زائدا زيادة غير متميزة فحقه في القيمة، وليس لها الرجوع بالعين. السابعة إذا قال أنا أرجع في النصف وأقبضه ليزول عنك الضمان، ثم أدفعه إليك يكون حقي أمانة في يدك، والثمرة كلها لك عليه إلى حين الجذاذ فهل تجبر على هذا؟. قال قوم: نجبرها عليه، لأنه لا ضرر عليها فيه، بل لها فيه النفع، وهو الزيادة في ثمرتها، ومنهم من قال لا نجبرها لأنها لا تأمن أن يرجع عليها فيما بذله في وقت حاجة الثمر إلى البقاء، فيكون قد أضربها فلذلك لم يجبرها، هذا في النخل. فإن كان شجرا غير النخل حايلا فأثمر ففيه المسايل السبع حرفا بحرف ويكون النور في الشجر بمنزلة التأبير في النخل. إذا كان الصداق أرضا فحرثتها أو زرعتها أو غرستها ثم طلقها، فإذا كربت الأرض فهذه زيادة غير متميزة، فهي كالنخل يطلع ويطلقها قبل الآبار، فإن اختارت الامساك وردت نصف القيمة كان لها، وإن اختارت تسليمها بزيادتها إليه لزمه القبول، لأنها

[ 281 ]

زيادة غير متميزة. وإن كان قد زرعت ففيها المسائل السبع حرفا بحرف إلا مسئلة: وهي إذا قالت أنا أرد عليك نصف الأرض نتصرف فيها ونزرعها، فإنا لا نجبره على هذا لأن الزرع في الأرض يضر بها فهو نقصان فيها فلا يلزمه قبوله، وليس كذلك الطلع في النخل لأن كون الطلع في النخل ليس بنقصان فلهذا أجبرناه على القبول، ولأن الزرع فيها عين مالها قد أودعته فيها فلا يلزمه أن يقبل منها عين مال قائم، وليس كذلك الطلع لأنه نماء من أصل النخل. وإن كانت غرستها ثم طلقها فالحكم فيها كالحكم في الزرع حرفا بحرف وفيها مسائل النخل السبع إلا مسئلة على ما شرحناه حرفا بحرف. وإن كان الصداق أرضا فزرعتها ثم طلقها وقد حصدته فحقه في الأرض نصفه لأن الصداق بحاله إلا أن يكون الزرع أضر بها فلا يجبره على قبولها ناقصة، أو زائدة بالزرع، فإنه قد يكون مختلفة قبل الزرع فيستوي به. وإن طلقها قبل الحصاد والزرع مستحصد فقالت أنا أحصده وخذ نصف الأرض أجبرناه على هذا إن لم يكن نقصان كما قلنا في النخل إذا رضيت بقطع الثمرة أجبرناه على القبول كذلك هيهنا. إذا كان الصداق جارية حاملا فولدت أو بهيمة فولدت في يده قبل القبض ثم طلقها قبل الدخول فإن نصف الصداق يعود إليه. ولا تخلو الجارية وولدها من أربعة أحوال إما أن يكونا قائمين أو تكون الأم قائمة والولد تالفا، أو الولد قائما والأم تالفة أو يكونا تالفين. فإن كانا قائمين فالولد لها، لأنه نماء ملكها ثم ينظر، فإن كان بحاله لم يزد ولم ينقص أو كان زائدا كان لها وإن كان ناقصا فإن كانت طالبته بتسليمه فمنع فعليه ما نقص الولد قولا واحدا، وإن لم يكن طالبته فهل عليه ضمان ما نقص، قيل فيه وجهان يبنى على ما إذا تلف الولد فإنه على قولين. وأما الكلام في الأم فإن كانت قائمة بحالها لم تزد ولم تنقص، فهي لها يرجع الزوج

[ 282 ]

عليها بنصفها لأنه طلقها قبل الدخول، فإذا لم تزد ولم تنقص فحقه في نصفها، فإن زادت فحقه في نصف القيمة إلا أن تختار دفع ذلك النصف إليه زائدا فيكون ذلك له. وإن كانت ناقصة نظرت فإن كانت طالبته بالتسليم فأبى فعليه أرش النقص، وإن لم تكن طالبته بذلك أو طالبته فلم يمنع، قيل فيها قولان أحدهما لا يضمن وهو بالخيار بين أن يقبض نصفها ناقصة أو يطالب بنصف القيمة، والقول الثاني أنه كالغاصب إلا في المأثم، يعني أن الذي لها، نصف الجارية ناقصة وعليه أرش النقص، كما لو غصبها جارية فنقصت كذلك هيهنا. فمن قال لها نصف الصداق وأرش النقصان، وهو الأقوى، فلا كلام، ومن قال بالخيار نظرت فإن اختارت الامساك أمسكت ولها أرش النقص، وإن اختارت الفسخ فسخت، فيكون كالصداق التالف قبل القبض. وإن كان الولد تالفا والأم قائمة، فالحكم في الأم على ما مضى: إن كانت بحالها فلها النصف، وإن نقصت عن منع بعد المطالبة ضمن النقص لها، وإن نقصت من غير منع فعلى ما مضى من القولين. وأما الولد فقد هلك ينظر فيه فإن كان طالبته به فمنع ضمن، وإن تلف من غير منع فعلى قولين أحدهما يضمن لأنه تولد عن عين مضمونة فهو كولد المغصوبة والثاني لا يضمن لأن ضمان الأم ضمان بالثمن وهو لا يقابله بدل ولا ثمن، فلم يكن مضمونا ويفارق ولد المغصوبة لأنه منعه بإمساكه فهو كأمه، وهكذا في ولد العارية وجهان. وأما إن كانت تالفة والولد قائما فإذا تلفت الأم فهو صداق بعينه تلف قبل القبض، فعلى قولين، أحدهم لها بدل الصداق، وهو الأقوى، والثاني لها مهر مثلها فمن قال لها بدله فلها نصف القيمة، ومن قال مهر المثل فعليه نصف مهر المثل والولد يبني على هذين القولين، فمن قال ما بطل الصداق ولها بدله قال الولد ههنا لها لأنه نماء ملكها، ومن قال لها مهر المثل فالولد لا حق لها فيه، وفيهم من قال الولد لها لأنه نماء ملكها الذي يتفرد به تميز في ملكها قبل انقراض ملكها فكان لها. وإذا كانا تالفين فالحكم في الأم مضى، وهو أنه صداق هلك قبل القبض فعلى

[ 283 ]

قولين، والكلام في الولد مبني عليه لو كان حيا وقد مضى، ومن قال الولد لها، إن كانت طالبته فعليه ضمانه، وإن لم تكن طالبته فعلى القولين. وإن كان الصداق جارية حائلا فحملت بمملوك، ثم طلقها قبل الدخول فهذا صداق زايد من وجه بالحمل، ناقص من وجه، لأن الحمل في بنات آدم نقص فيكون الزوجة بالخيار بين ثلاثة أشياء بين أن تمسك الكل أو ترد الكل أو تمسك النصف وترد النصف. فإن أمسكت الكل كان لها لأنها زادت زيادة غير متميزة، فإن اختارت إمساكها ولها نقصان كان له عليها نصف قيمتها، أقل ما كانت قيمته يوم العقد إلى حين الطلاق لما مضى، وإن اختارت رد الكل كان لها لأنها ملكتها بعقد معاوضة، فإذا نقصت قبل القبض كان لها الرد كالمبيع إذا نقص في يد البايع. فعلى هذا إذا ردت كانت كالتالفة قبل القبض فيكون على القولين أحدهما لها نصف القيمة والثاني لها نصف مهر المثل، ويكون القيمة ههنا أكثر الأمرين من حين العقد إلى حين الطلاق، لأن ما نقص كان من ضمانه، فكان لها الرجوع عليه بأكثر الأمرين. وإن اختارت رد النصف وإمساك النصف كان لها، أما رد النصف فلأنها من النقص، وإمساك النصف لأنها قد أحسنت بقبولها ناقصة. وإن أصدقها جارية حاملا بمملوك ثم طلقها قبل الدخول وقد وضعت حملها فالكلام في الولد والأم. فأما الكلام في الأم فإن كانت لم تزد ولم تنقص فلها نصفها، ويعود إليه نصفها، وإن كانت نقصت فإن كانت طالبته فمنع فعليه ما نقص، وإن كان النقص من غير مطالبة فعلى قولين، فمن قال: ليس عليه ما نقصت، قال: لها الخيار بين قبولها ناقصة ولا شئ معه وبين الرد، ومن قال تطالب بالأرش أمسكت النصف وطالبت بالأرش. فأما الكلام على الولد فإنه يبنى على الحمل، هل له حكم أم لا؟ وذلك على قولين أحدهما لا حكم له بوجه، ويكون الولد كاليد والرجل، فإذا انفصل فكأنه

[ 284 ]

نماء تجدد وتميز حال الانفصال والثاني له حكم فكأنه أصدقها عينين متميزتين. فإذا قيل لا حكم له، فكأنه نماء حدث وتميز حين وضعت الجارية لها تنفرد بها وكان هذا النماء لها دون الزوج بلا إشكال، فعلى هذا لا يمكنه الرجوع في نصف الجارية، لأنه لا يمكن التفرقة بينها وبين ولدها، فإذا لم يكن كانت كالتالفة في يدها: فيكون لها عليه نصف القيمة، وقال قوم تباع هي وولدها لهما، فيكون لها قيمة الولد من الثمن والباقي بينه وبينها نصفان. وإذا قيل له حكم فهذه عين هي صداق وقد زادت في يده، فيكون المرأة بالخيار بين أن ترد عليه نصف الولد بزيادته، وبين أن تمسك الولد لأجل الزيادة، فلا ترده فإن ردت النصف حصلت الجارية بينهما نصفان. فإن اختارت إمساك الولد فهل يقوم عليها فيكون لها نصف قيمة الولد أم لا؟ على وجهين أحدهما لا يقوم عليها لأنه لا يمكن ذلك، فإنك إن أردت تقويمه قبل الوضع لم يصح لأنه مجهول وإن قومته حين وضعت لم يجز، لأنه زاد في ملكها فلا يقوم عليها ملكها ويسقط تقويمه، ويكون على ما مضى إذا قيل لا حكم للحمل. والوجه الثاني يقوم عليها لأنه لا يجوز أن يصدقها عينين فيطلقها قبل الدخول بها، ثم يرجع في نصف إحداهما دون الأخرى، فإذا لم يجز هذا كان تقويمه حين وضعت حيا لأنه كان ينبغي أن يقوم حين العقد فتعذر ذلك لكونه مجهولا يومئذ فوجب أن يقوم وقت إمكان التقويم، وهو حين وضعته. كمن تزوج بحرة فبانت أمة فولدها حر لاعتقاده وعليه قيمة الولد، لأنه أتلف رقبة على سيده باعتقاده، فاقتضى تقويمه حين العلوق، فلم يمكن، فقومناه حين الوضع لأنه أول وقت إمكان التقويم، ولم يمنع من تقويمه عن زيادة حصلت حال الحرية، فكذلك ههنا. وإذا قيل لا قيمة عليها لم يكن له الرجوع في نصف الأم لما مضى، وعلى هذا أبدا متى لم يمكن الرجوع إلا بالتفرقة بينها وبين حملها لم يفرق بينهما. إذا أصدقها شيئا بعينه كالثوب والعبد ونحو ذلك فتلف قبل القبض سقط حقها

[ 285 ]

من عين الصداق، لأن عينه قد هلكت، والنكاح باق ويجب لها مثله، إن كان له مثل وإن لم يكن له مثل فقيمته، وفي الناس من قال لها مهر المثل. وإن كان الصداق دارا فاحترقت أو خالعها على صداق بعينه فتلف في يدها كان له عليها مهر مثلها، عند من قال لها مهر المثل، وعلى ما اخترناه له قيمته مثل الأولى سواء. فمن قال لها مهر المثل فتلف لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن تتلفه الزوجة أو يتلفه أجنبي أو يتلفه الزوج، فإن أتلفته المرأة كان إتلافها كالقبض، وإن أتلفه أجنبي كانت بالخيار بين أن يطالب الأجنبي بالبدل، وبين أن تفسخ ولها مهر المثل على زوجها، وإن كان المتلف الزوج أو تلف بأمر سماوي فلها مهر المثل على قول من اعتبر المثل. وعلى ما قلناه من اعتبار القيمة، فإن أتلفته الزوجة فهو قبض وإن أتلفه أجنبي كان لها بدله عليه: مثله إن كان له مثل، أو قيمته إن لم يكن له مثل، وإن أتلفه الزوج أو تلف بأمر سماوي الباب واحد، فلها البدل: المثل إن كان له مثل، وإن لم يكن له مثل فالقيمة. ومتى تعتبر القيمة؟ نظرت، فإن كانت طالبته فمنعها فعليه أكثر ما كانت قيمته من يوم المطالبة إلى يوم التلف، لأنه كالغاصب، وإن تلف في يده من غير مطالبة قيل فيه قولان أحدهما عليه قيمته يوم التلف وهو الأقوى والثاني قيمته أكثر ما كانت من حين العقد إلى يوم التلف لأنه كالغاصب إلا في المأثم. فإن أصدقها شيئا بعينه ثم ارتدت قبل الدخول بها عاد الصداق إليه، لأن الفسخ جاء من قبلها قبل الدخول، فإن كان باقيا بعينه بلا زيادة ولا نقصان أخذه كله، وإن كان قد زاد زيادة متميزة فالفائدة والنماء لها دونه لأنه تميز في ملكها ويرجع الزوج إلى أصل الصداق، وإن كانت غير متميزة كالسمن والكبر فهي بالخيار بين أن ترده بزيادته وبين أن تمسكه، فإن اختارت رد جميعه لزمه القبول لأنه عاد حقه إليه زائدا وإن اختارت إمساكه كان له عليها بدل صداق غير زائد.

[ 286 ]

وإن أصدقها شيئا بعينه فقبضته وخرج عن ملكها ببيع أو هبة أو غير ذلك ثم عاد إليها بحاله، ثم طلقها قبل الدخول بها، كان له أخذ نصفه بحاله، لأنه عين ماله. إذا أصدقها نخلا حايلا فأثمرت في يده فالثمرة لها دونه، لأنه نماء في ملكها فإن لم يسلمها إليها حتى أرطبت فجذها وشمسها فقبل أن يتناهى جفافها أخذها وقد بقي فيها رطوبة قليلة، فجعلها في براني أو ظروف غيرها وصب عليها صقرا من صقر نخلها، وهو سيلان الرطب ما لم يمسه النار، فإذا مسه النار فهو الرب، وهذه عادة أهل الحجاز في الثمار، يحفظونها كذلك في الأواني حتى يبقى رطوبتها. فإذا فعل هذا، فهذا رجل غاصب لما لها وقد خلط بعضه ببعض ينظر فيه فإن لم تنقص الثمرة ولا الصقر وكانا بحالهما، أو زادا بذلك كان الكل لها، وإن نقصا أو أحدهما فإن استقر النقص وتناهى نقصانه فلا ينقص بعد هذا، كان الكل لها، ويطالبه بأرش النقص، وإن لم يتناه نقصانه بل قيل: هذا ينقص فيما بعد، فهو كمن غصب طعاما قبله ولم يتناه نقصانه قال قوم فهو كالمستهلك، وقال قوم يأخذه مالكه، وكلما نقص رجع عليه بما نقص وهذا أقوى. وأما إن صب عليها صقرا من صقر نخله دون نخلها، فهو كالغاصب فههنا لا يعتبر زيادة الصقر ونقصانه. وإنما يعتبر ثمرتها، فإن لم تزد ولم تنقص أخذتها، وإن نقصت نقصا مستقرا أخذتها وطالبت بأرش النقص، وإن لم يكن مستقرا ففيها قولان على ما مضى. هذا إذا كان النخل حائلا فأما إن أصدقها نخلا حاملا فيها طلع غير مؤبر فتبع النخل أو طلع مؤبر فأصدقها النخل وثمرتها معا فالنخل والثمرة جعلا لها صداقا فإذا جذها فيما بعد وشمسها وجعل عليها الصقر، فعلى ما مضى، إلا أنهما متى نقصا أو أحدهما الباب واحد. فهذا صداق نقص قبل القبض، فهي بالخيار بين أن تقبضه ناقصا أو ترد، فإن اختارت رد الجميع كان كالصداق المعين قبل القبض، وإلى ماذا يرجع؟ يبنى على قولين على ما مضى، فعلى ما اخترناه من ضمانه بالقيمة تضمن النخل بالقيمة، والثمرة بالمثل.

[ 287 ]

هذا إذا اختارت رد الجميع، فإن اختارت رد الثمرة وهو ما حصل فيه الصقر وتمسك النخل، فهل لها ذلك أم لا؟ قيل فيه قولان بناء على تفريق الصفقة، فإذا قيل لا يفرق، يقال لها إما أن تمسكي الكل أو تدعي الكل، وإذا قيل تفرق فعلى هذا تمسك النخل وتكون الثمرة كالتالفة، وإلى ماذا يرجع؟ على قولين أحدهما إلى حصة (1) الثمرة من مهر المثل، وعلى ما اخترناه إلى بدل المردود من الثمرة والصقر. هذا إذا كان الصقر من عندها، وإن كان من عنده فالحكم على ما مضى. وكل موضع قلنا تخلص الثمرة عن الصقر، فإن أجرة التخليص على الزوج، لأنه تعدى بخلطه بعضها ببعض. إذا كان الصداق أمة معينة ملكتها بالعقد وليس للزوج وطيها، لأنها خارجة عن ملكه: فإن خالف ووطئ فإن كان عالما بالتحريم فعليه الحد والنسب لا يلحق به وهو مملوك لها، ولا تصير الأمة أم ولد، والمهر فإن كان مكرها فعليه المهر، وإن طاوعته على قولين أحدهما لا مهر لها وهو الأقوى، لأن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن مهر البغي والثاني لها المهر لسيدها. وإن كان جاهلا بتحريمه مثل أن كان في بلاد بعيدة عن الاسلام، مثل جفاة العرب، أو كان قريب العهد بالاسلام، أو كان مالكيا يعتقد أن نصف الجارية له قبل الدخول، فلا حد عليه للشبهة، والنسب يلحق به، والولد حر، لأنه بشبهة، وعليه قيمته لها يوم وضعته حيا، وعليه المهر لأنه وطي بشبهة، ولا تصير أم ولد في الحال لأنها غير ملكه، فإن ملكها فيما بعد، فعلى قولين. ثلاث مسائل يتكرر كثيرا: وهي إن أحبلها بحر في ملكه فهي أم ولد، قولا واحدا، وإن أحبلها بمملوك في غير ملكه ثم ملكها لا تصير أم ولد مثل ذلك، وإن أحبلها بحر في غير ملكه ثم ملكها فعلى قولين. وإذا أحبلها الزوج نقصت في العادة فهي بالخيار بين أن تمسكها ناقصة أو ترد

(1) قيمة الثمرة خ.

[ 288 ]

فإن أمسكتها ناقصة فهل لها أرش النقص؟ على قولين أصحهما أن عليه الأرش، و فيهم من قال لا أرش عليه، وإن ردتها كان لها مهر المثل أو القيمة على ما مضى من القولين. إذا أصدقها شقصا من أرض أو دار لم يكن للشفيع أخذه منها، وكذلك إذا خالعها أو صالح عليه وفيه خلاف. إذا أصدقها شقصا يجب فيه الشفعة، ثم طلقها قبل الدخول بها فيها ثلاث مسائل: طلقها وأخذه الشفيع بالشفعة فلا يرجع عليها بالنصف من الشقص، لأنه خرج عن يدها، ويكون له عليها نصف قيمة الشقص. الثانية طلقها وعفى الشفيع عن الشفعة فإن الزوج يأخذ النصف من الشقص. الثالثة طلقها قبل علم الشفيع بالنكاح، فالزوج قد ثبت له الرجوع، و الشفيع قد ثبت له حق الشفعة، فأيهما يقدم على صاحبه؟ قيل فيه وجهان: أحدهما الشفيع أولى لأن حقه أسبق، فإنه وجب بالنكاح، وحق الزوج بالطلاق، فعلى هذا يأخذ الشفيع كل الشقص بمهر المثل، ويرجع الزوج عليها بنصف قيمة الشقص، والثاني الزوج أولى لأن حقه ثبت نصا بالقرآن، وحق الشفيع بالاجتهاد، فعلى هذا يأخذ الزوج النصف ويبقى النصف يقال للشفيع إن اخترت أن تأخذ النصف الباقي بنصف مهر المثل، وإلا فاترك. وهذه المسائل لا تتفرع على ما ذهبنا إليه من أن ما يجعل مهرا لا شفعة فيه. أربع مسائل يذكر في موضع: إذا جمع بين بيع وصرف، وبيع وإجارة، وبيع وكتابة، وبيع ونكاح. فأما بيع وصرف، فأن يبيع ذهبا بفضة مع أحدهما عوض من غيرهما، مثل أن باعه دراهم وثوبا بذهب، أو ذهبا وثوبا بفضة، فالثوب مبيع بالثمن، والذهب صرف بالفضة، فهما صحيحان عندنا، وفيهم من قال يبطلان. فأما إن كان الجنس واحدا ومع أحدهما من غيرهما، مثل أن باعه ثوبا وذهبا بذهب أو ثوبا وفضة بدراهم، فعندنا يصح وعند بعضهم لا يصح، وإنما يصح عندنا - 18 -

[ 289 ]

إذا كان العوض مع الناقص منهما فإن تساويا ومع أحدهما عوض لم يصح. فأما بيع وإجارة فمثل أن يقول بعتك عبدي هذا وآجرتك داري هذه شهرا جميعا بألف، وهذا بيع وإجارة، فهما يصحان، وفيهم من قال يبطلان، فأما إن قال بعتك داري هذه وآجرتكها شهرا بألف فالكل باطل بلا خلاف، لأنه لا يصح أن يبيعه رقبة الدار وقد آجرها منه، لأن من ملك الرقبة ملك المنافع. فأما بيع وكتابة فأن يقول لعبده بعتك عبدي هذا، وكاتبتك بألف إلى نجمين فإن البيع يبطل وأما الكتابة على قولين بناء على تفريق الصفقة والصحيح عندنا أن البيع يبطل، لأن بيع عبده من عبده لا يصح، والكتابة فصحيحة لجواز تفريق الصفقة. وأما بيع وإجارة فمثل أن يقول بعني هذا الثوب وتخيطه لي بألف، أو قال بعني هذه الحنطة وتطحنها بألف، أو بعني هذه القلعة وتحذوها جميعا بدينار، فهو كالكتابة سواء عندنا، يصح، وفيهم من قال لا يصح. فإذا قلنا صحا معا قسطنا العوض على المبيع، ومنفعة الدار، فأعطيناهما بما يخصه، فإذا كان العوض ألفا وقيمة العبد مائة وأجرة مثل الدار مائة فالعوض بينهما نصفان، وعلى هذا الحساب. وإذا قال زوجتك بنتي وبعتك عبدها هذا جميعا بألف، فهذا بيع ونكاح، فإنهما يصحان، وقسطنا العوض عليهما بالحصة، ومنهم من قال يبطلان. وإن قال زوجتك بنتي هذه وهذا الألف لك بعبدك هذا، فالعبد بعضه مبيع وبعضه مهر، فهما صحيحان، ويقسط ثمن العبد عليهما بالحصة، وفيهم من قال يبطلان. إذا كان لبنته ألف فقال لرجل زوجتك بنتي هذه ولك هذا الألف معا بهذه الألف من عندك، بطل البيع والمهر معا، لأنه ربا وذلك أنه فضة وبضع بفضة فبقي النكاح بلا مهر. فإن كان جنسان فقال زوجتك بنتي هذه ولك هذه الألف درهم بهذه الألف دينار، كان هذا نكاحا وصرفا وكان صحيحا عندنا، وعندهم على قولين.

[ 290 ]

إذا أصدقها عبدا فدبرته ثم طلقها قبل الدخول بها فهل له الرجوع في نصفه أم لا؟ فيه ثلاث مسائل: إحداها دبرته ثم رجعت في التدبير بالقول، فعندنا أنه يصح رجوعها، ويكون نصفه للزوج لأنه عين ماله [ وقال قوم لا يصح الرجوع بذلك وله أن يأخذ نصف القيمة. الثانية دبرتها ثم رجعت في التدبير بالفعل كهبة وإقباض أو بيع أو وقف أو عتق صح الرجوع بلا خلاف ويكون نصفه للزوج لأنه عين ماله ] ظ. الثالثة طلقها والعبد مدبر فلم يأخذ القيمة حتى رجعت في التدبير بالقول أو الفعل كان بالخيار بين أن يرجع إلى نصف العين أو إلى نصف القيمة، وفيهم من قال ليس له الرجوع في عينه لأن حقه وجب في القيمة حين الطلاق، وليس له نقله عن القيمة إلى غيرها إلا برضاها، والأول أقوى، لأنه عين ماله. إذا تزوجها على عبد فبان حرا قيل فيه قولان أحدهما لها مهر المثل، والثاني قيمته لو كان عبدا، وهو الأقوى، لأنه أصدقها شيئا بعينه. فإن أصدقها عبدا فبان مستحقا كان مثل ذلك على القولين أصحهما عندنا أن لها القيمة، وإن أصدقها عبدا فبان مجهولا أو قال أصدقتك هذا الخل فبان خمرا فلها مهر مثلها، لأن العبد المجهول لا يمكن الرجوع إلى قيمته، والخمر لا مثل لها فيلزم مثلها، والخمر لا يقال لو كان خلا كم قيمته فإن مثله لا يكون خلا ويفارق الحر أن لو كان عبدا، وقد روى أصحابنا أن لها خادما وسطا وكذلك قالوا في الدار المجهولة وهو الذي يفتى به. وأما إن أصدقها خمرا معينا فالذي يقتضيه مذهبنا أن لها قيمته عند مستحليه. وإن سمي لها الحر باسمه، فقال أصدقتك هذا الحر فلها مهر المثل، لأنه سمي لها ما لا يجوز أن يكون مهرا فلم يجب قيمته، ويفارق الأول لأن في الأول سمي لها الخل فبان خمرا، فأوجبنا القيمة عند مستحليه، وههنا دخل مع العلم بأن ما سمي لا يملكه فلا قيمة له.

[ 291 ]

إذا عقد النكاح في السر بمهر ذكراه ثم عقدا في العلانية بخلافه، فالأول هو المهر عندنا، وقال قوم المهر مهر العلانية. إذا اتفقا على مهر وتواعدا به من غير عقد فقالت له جملني حال العقد بذكر أكثر منه فذكر ذلك، لزمه ما عقد به العقد، ولا يلتفت إلى ما تواعدا به، لأن العقد وقع صحيحا سرا كان أو علانية. إذا ادعت أنه نكحها يوم الخميس بعشرين، وشهد لها شاهدان. وادعت أنه نكحها يوم الجمعة بثلاثين وشهد لها شاهدان فلا فصل بين أن يكون الشاهدان هما الأولان أو غيرهما، ولا فصل بين أن يتفق قدر المهرين أو يختلف، فالكل واحد. فإذا ثبت هذا بالشهادة ثم اختلفا فقالت هما نكاحان فلي المهران، وقال الزوج نكاح واحد وإنما تكرر عقده، فلك مهر واحد، فالقول قول الزوجة، لأنه يحتمل ما تدعيه، ويحتمل ما يقول هو، لأنه يجوز أن يكون تزوجها ثم بانت منه بردة أو خلع ثم نكحها نكاحا مستأنفا، فإذا أمكن الأمران معا، فالظاهر معها لأن الظاهر من العقد إذا وقع أنه صحيحا، وحمله على خلافه خلاف الظاهر، وهكذا لو أقام شاهدين أنه باعه هذا الثوب يوم الخميس بألف، وشاهدين أنه باعه يوم الجمعة منه بألف أو بألفين، فالقول قول البايع لأن الظاهر معه فإذا ثبت أنه يلزم النكاحان فالأولى أن نقول إنه يلزمه المهران معا وقال بعضهم يلزمه مهر ونصف، لأنه يقول طلقتها بعد الأول قبل الدخول، فعلى نصف المهر، ثم تزوجت بها يوم الجمعة وهذا أقوى، وعلى هذا لو قال طلقتها بعد النكاح الثاني قبل الدخول، لم يلزمه أكثر من نصف المهر فيه أيضا. إذا تزوج أربع نسوة بعقد واحد بألف درهم صح العقد والمهر، وقال بعضهم العقد صحيح، والمهر على قولين، وهكذا لو خالعهن دفعة واحدة بألف صح الخلع بلا خلاف. وإن كان له أربعة أعبد فكاتبهم صفقة واحدة بألف إلى نجمين، صح عندنا لأن البدل إذا كان معلوما صح، وإن كان ما يخص كل عين مجهولا كما لو اشترى

[ 292 ]

أربعة أعبد بألف صح عندهم. وعند بعضهم أن الصداق باطل في النكاح والخلع، والكتابة باطلة من أصلها لأن ما يستحق كل واحدة منهن تنقسط على مهر مثلها، وذلك مجهول، وإذا قلنا إن العقد صحيح والصداق صحيح، كان لكل واحدة منهن ربع الألف، وذلك ليس بمجهول. وقال قوم العقد باطل. ومن قال المهر باطل والبذل في الخلع باطل، قال لزمه عن كل واحدة مهر مثلها. ويلزم كل واحدة منهن صداق مثلها في الخلع، وإذا قالوا يصح قسط المسمى على مهر المثل فيهن بالحصة اتفقت مهورهن أو اختلفت. للوالد أن يتصرف في حق ولده الصغير في النكاح وغيره، ذكرا كان أو أنثى، فإن كان أنثى فقد مضى الكلام في تزويجها، وإن كان ذكرا فههنا موضعه. فإذا زوج ولده امرأة وأصدقها صداقا، فإن كان الولد موسرا فالمهر في ذمة الولد دون الوالد، لأن النكاح له بلا خلاف، وإن كان الولد معسرا تعلق الصداق بذمته لمثل ذلك. وهل يكون الوالد ضامنا له بإطلاق العقد أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما لا يتعلق بذمة الوالد شئ بإطلاق العقد، والثاني يصير الوالد ضامنا بإطلاق العقد عن ولده لزوجته وعندنا أنه يلزمه روي ذلك نصا. فإذ طلقها الولد قبل الدخول بها لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون الصداق مقبوضا عنه من الوالد أو غير مقبوض، فإن كان مقبوضا عاد نصفه إلى ولده، لأن الوالد لما ضمن عنه هذا الصداق فقضاه عنه كان بمنزلة هبته له وقبضه له من نفسه، ثم قضي ما لزم ولده من الصداق بمال الولد، فكأن الوالد أصدق وأقبض، فإذا طلقها عاد إليه نصفه دون والده. وهل لوالده أن يسترجعه؟ عندنا ليس له ذلك، لما مضى في الهبات، وعند بعضهم إن رجع إليه بدله فلا حق للوالد فيه، وإن رجع إليه الصداق بعينه فعلى وجهين.

[ 293 ]

وأما إن لم يكن الوالد أقبضها شيئا فطلقها الولد قبل الدخول برئت ذمة الوالد عن نصف الصداق، وبقي نصفه عليه وأما إن كان الصداق عينا قائمة أصدقها والده عنه مثل أن قال زوج ابني بنتك بهذا العبد من مالي، ففعل، صح، فإذا عاد إلى الولد بطلاقها قبل الدخول نصفه فهل لوالده أن يرجع فيه؟ على ما مضى. هذا إذا كان الولد صغيرا. فأما إن كان كبيرا فتزوج وأصدق لنفسه لزم المهر في ذمته، فتبرع والده فقضاه عنه، ثم طلقها قبل الدخول عاد نصف الصداق إلى الولد وهل لوالده أن يرجع؟ فعندنا أنه لا يرجع فيه، وكذلك عند المخالف. إذا تزوج المولى عليه بغير إذن وليه كالمحجور عليه لسفه أو مراهق لصغر أو مجنون فالنكاح باطل فإن كان قبل الدخول فلا شئ عليه، وإن كان بعد الدخول فعليه مهر مثلها، وقال قوم لا شئ لها، لأنها رضيت بتسليم نفسها، فقد أتلفت بضعها على نفسها وهذا أقوى.

[ 294 ]

(فصل) * (في التفويض) * التفويض في اللغة جعل الشئ إلى غيره، وأن يكله إليه، يقال فوضت أمري إليه أي فوضته إليه ليدبره، قال الله تعالى " وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد (1) " أي أجعله إليه وقال الشاعر: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم * ولا سراة إذا جهالهم سادوا فأما التفويض الشرعي فأن ينكح المرأة بغير مهر، فيقال مفوضة، ومفوضة فمن قال بفتح الواو قال لأن وليها هو الذي يفوض ذلك، ومن قال بكسرها قال لأن الفعل لها لأنها تزوج نفسها. والكلام في العرف الشرعي وجملته أن المفوضة ضربان مفوضة المهر ومفوضة البضع، فأما مفوضة المهر فأن يذكر المهر مفوضا محدود، مثل أن يقول زوجتكها على أن تمهرها ما شئت أو ما شئنا، فإذا عقد على هذا سقط ما سمياه ووجب مهر المثل عندهم، وسيأتي الكلام عليه. وأما مفوضة البضع، فأن يعقد النكاح بغير مهر وهو أن يقول زوجتك بنتي هذه فيقبل الزوج، ولا ذكر للمهر، أو يقول زوجتكها على أن لا مهر لها، فقبل الزوج على هذا ثبت النكاح صحيحا، بغير مهر بلا خلاف، وإن قال بغير مهر في الحال ولا فيما بعد كان النكاح أيضا صحيحا لأن إطلاقه يقتضي المهر، فإذا شرط أن يكون بغير مهر كان الشرط باطلا وقال قوم النكاح باطل لأنها تصير كالموهوبة والأول أصح. فإذا ثبت أن المفوضة على هذين الضربين فإن إطلاقها يتناول مفوضة البضع دون المهر، وقال قوم هما سواء فإذا ثبت أن إطلاقه ينصرف إلى مفوضة البضع فالتفريع عليها، فلا يصح أن تكون مفوضة إلا من فوض بضعها بإذنها واختيارها، وهي الثيب

(1) غافر: 44.

[ 295 ]

مع كل ولي والبكر في حق غير الوالد والجد، فإذا عقد لها النكاح بإذنها مفوضة فهي المفوضة التي ذكرناها. فأما من يجبر على نكاح لصغر أو بكارة فلا يكون مفوضة البضع أبدا ومتى عقد وليها مفوضة لم تكن مفوضة ووجب مهر المثل بالعقد عند قوم وعندنا بالدخول إلا في مسئلة وهي الأمة يزوجها سيدها مفوضة فيصح هذا وإن كان ذلك عن إجبار لأن السيد هو الذي اختار ذلك، والمهر له، فلهذا صح أن تكون مفوضة. فكل موضع حكمنا بأنها مفوضة لم يجب لها بالعقد مهر ولا المطالبة بالمهر لأن المهر ما وجب، لكن لها المطالبة بفرض المهر، والمهر يجب لها بالفرض منهما أو من الحاكم أو الدخول بها قبل الفرض أو بالموت عند من قال إن الموت كالدخول. فإذا ثبت هذا وطلقها زوجها، فإما أن يكون بعد الفرض أو قبله، فإن كان بعد الفرض فالكلام عليه يأتي، وإن كان قبل الفرض فلا مهر لها عند بعضهم، لكن يجب لها المتعة، وهو الذي نختاره، وكم قدر المتعة؟ يأتي، وفيه خلاف فأما مقداره ففيه مستحب وفيه واجب، فالمستحب أن يمتعها بخادم، فإن لم يجد فمقنعة فإن لم يجد فثلاثين درهما. وأما مقدار الواجب فعلى ما يفرضه السلطان، والاعتبار بهما جميعا عندنا، و قال قوم الاعتبار به لقوله " ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره " (1) وهذا هو الأقوى وفيهم من قال الاعتبار بها بحسب يسارها وإعسارها وجمالها، وقال قوم قدر المتعة ثلثة أثواب: درع وخمار وملحفة. هذا إذا طلقها قبل الفرض وقبل الدخول فأما إذا طلقها بعد الفرض وقبل الدخول مثل أن اتفقا على الفرض وهما يعلمان قدر مهر المثل أو ترافعا إلى السلطان ففرض لها المهر، فمتى فرض لها المهر بعد العقد كان كالمسمى بالعقد تملك المطالبة به. فإن دخل بها أو مات استقر ذلك وإن طلقها قبل الدخول سقط نصفه عنه ولها نصفه، ولا متعة عليه وفيه خلاف.

(1) البقرة: 236.

[ 296 ]

فأما إذا وقعت الفرقة بالوفاة نظرت فإن مات أحدهما بعد الفرض استقر بالوفاة وإن مات أحدهما قبل الفرض وقبل الدخول ورثة الآخر: وإن مات الزوج فعليها العدة وأما المهر فمتى مات أحدهما فعلى قولين أحدهما لها مهر المثل، والثاني لا مهر لها، وهو الصحيح عندنا وفيه خلاف. مفوضة البضع لا تملك بالعقد مهرا أصلا، وإنما تملك بالعقد أن تملك، وما ذلك المهر؟ قال قوم هو مهر المثل، وقال آخرون ما يتقدر بالفرض، وهذا هو الصحيح عندنا. فأما بالدخول فإنه يجب مهر المثل بلا خلاف. وأما الفرض ففرضان فرض الحاكم وفرض الزوجين، فأما فرض الحاكم فلا يجوز له أن يفرض إلا مهر المثل بحال، ولا يجوز له أن يفرض مهر المثل إلا بعد العلم بمهر مثلها، فأما فرض الزوجين فلا يخلو حالهما من أحد أمرين إما أن يعلما مبلغ مهر المثل؟ أو لا يعلما، فإن كانا به عالمين: فإن اتفقا على فرض مهر المثل صح، ولزم لأنهما فعلا ما هو الواجب وإن اتفقا على فرض هو دون مهر المثل صح، ولزم أيضا، وعلمنا أنها تركت بعض حقها وإن اتفقا على فرض أكثر من مهر المثل صح ولزم أيضا، وعلمنا أنه اختار أن يزيدها، وإن اتفقا ففرضا ثوبا أو غيره مما هو غير مهر المثل صح ولزم أيضا وعلمنا أنهما اتفقا على أخذ العوض عما وجب لها، وهذا جايز. وأما إن كان جاهلين بموضع مهر المثل فاتفقا على شئ ففرضاه ورضيا به، فهل يصح أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما لا يصح، لأن الواجب مهر المثل، فإذا لم يعلما قدر المثل كان فرضهما مع الجهل باطلا والثاني يصح ولزم ما فرضاه، وهو الصحيح عندنا، لأن الواجب ما يتفقان عليه. إذا تزوجها مفوضة البضع فجاء أجنبي ففرض معها مهر مثلها، وهما يعلمان مبلغه، وسلمه إليها وتسلمته وقبضته، ثم إن الزوج طلقها قبل الدخول بها قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدهما يعود كله إلى الأجنبي، والثاني يعود نصفه إلى الأجنبي،

[ 297 ]

والثالث يعود نصفه إلى الزوج. وإنما قيل يعود كله إلى الأجنبي لأن الفرض إنما يصح من الحاكم أو الزوجين، وليس هذا واحدا منهما، فبطل فرضه، ووجب لها المتعة على زوجها، و الوجه الثاني أن فرضه صحيح، لأنه لما جاز أن يقوم مقام الزوج في قضاء ما يجب عليه، ويبرئ ذمة الزوج به، فكذلك جاز أن يقدم مقامه في الفرض معها وقضائه عنه فعلى هذا إذا طلقها قبل الدخول عاد نصفه، وإلى من يعود؟ على الوجهين أحدهما إلى الأجنبي الذي فرضه، والثاني يعود إلى الزوج دونه. ويجيئ على هذين الوجهين إذا تبرع أجنبي فقضى عن الزوج ما وجب عليه من المسمى، ثم طلقها زوجها قبل الدخول عاد نصفه بالطلاق، وعلى من يعود؟ على الزوج أو على من تبرع بقضائه؟ على الوجهين، والوجه الأول من الوجوه أقوى مفوضة البضع إذا فرض لها الزوج فرضا لم ترض به ثم طلقها قبل الدخول بها كان لها المتعة، لأن الفرض إنما يثبت إذا اتفقا، وههنا ما اتفقا، ويستحب له إذا تزوجها مفوضة أن لا يدخل بها حتى يفرض لها المهر. فأما مفوضة المهر: فهو أن يعقد النكاح ويذكر المهر ولا يذكر مبلغه، فيقول تزوجت على أن يكون المهر ما شئنا أو ما شاء أحدنا، وهذا في التحقيق تفويض مبلغ المهر. فإذا كان كذلك وجب لها بالعقد مهر المثل عند بعضهم، لأنه نكاح بمهر مجهول فسقط المسمى، ووجب المهر المثل، فإن دخل بها استقر، وإن طلقها قبل الدخول استحقت نصفه وعاد نصفه وقال قوم يسقط بالطلاق قبل الدخول، وتجب المتعة. والذي تقتضيه أخبارنا أنه إذا علق بمشية الرجل فمهما حكم به وجب عليها الرضا به، وإن علق بما تشاء هي، وجب عليه الرضا بما تشاؤه، ما لم يتجاوز خمس مائة الذي هو السنة، وإن علقا بمشيتهما أوقف حتى يصطلحا. من يجبر على النكاح من الصغيرة والبكر الكبيرة تجبرها أبوها أوجدها على النكاح، فمتى زوجها مفوضة البضع كان الحكم فيه مثل الحكم فيمن لا يجبر سواء

[ 298 ]

وقال قوم لها مهر المثل لا غير، لأنه تصرف في حق المولى عليه، فلم يصح إلا بعوض المثل، كما لو باع شيئا فإنه يجب أن يكون بعوض المثل. فإذا ثبت هذا فإن أجبرها وليها فزوجها مفوضة، لم يجب عليه ضمان المهر لأنه قد وجب بالعقد، وإن ضمن للزوج فقال متى لزمك مهرها، فعلى ضمانه لم يصح لأنه ضمان ما لم يجب. فأما السيد فله إجبار أمته على النكاح، فإن زوجها مفوضة بغير إذنها صح ذلك، لأن كل الحق له، لا شئ لها منه، فإذا زوجها وصح النكاح ملك هو بالعقد ما ملكت الحرة المفوضة أن تملك، وقد مضى، فإن فرضه السلطان أو اتفق مع زوجها ففرضه صح وكان الفرض له دون كل أحد. هذا إذا فرض قبل أن يزول ملكه، فأما إن زال ملكه عنها ببيع أو عتق ثم فرض لها المهر فعندنا لا يصح، لأن بيعها طلاقها، وعند المخالف يصح، وكم يجب المهر؟ فيه وجهان: بناء على ما ملكت أن تملك بالعقد، فمن قال ملكت أن تملك مهر المثل كان المهر للسيد دون غيره، ومن قال ملكت أن تملك مهرا ما فيقدر بالفرض، فبعد أن فرض لا يكون للسيد الأول، ولكن إن كان أعتقها فالمهر لها. وإن كان باعها فللسيد الثاني. وقال قوم متى فرض لها المهر كان للسيد الأول لا غير، لأنه وإن لم يجب المهر بالعقد، فإن سبب وجوبه هو العقد، والعقد كان في ملكه فوجب أن يكون المهر له. والذي يقتضيه مذهبنا أنه إن أعتقها واختارت المقام معه، ثم فرض المهر أن يكون لها، وإن باعها ورضي بها السيد الثاني استمر العقد، فمتى فرض المهر فيما بعد كان للثاني.

[ 299 ]

(فصل) * (في اعتبار مهر المثل) * عندنا أن مهر المثل يعتبر بنسائها من الأم والأخت والعمة والخالة، ومن يجري مجراهن ما لم يتجاوز خمس مائة درهم، فإن زاد عليها لم يجب أكثر من خمس مائة درهم، وقال قوم يعتبر بنساء عصبتها دون أمها ونساء أرحامها ونساء بلدها، وفيه خلاف ويعتبر النساء اللواتي في بلدها. ويعتبر بمن هو في سنها لأن المهر يختلف باختلاف السن، ويعتبر ذلك بعقلها وحمقها، لأنه يختلف بذلك، ويعتبر بجمالها وقبحها لأنه يختلف بذلك، ويعتبر بحال يسارها وإعسارها، وبأدبها، وبالبكارة والثيوبة، وبصراحة نسبها من الطرفين لأن المهر يختلف بجميع ذلك. وجملته أن كل أمر يختلف المهر لأجله فإنه يعتبر به. إذا حكم لها بمهر المثل كان حالا ولم يكن عليها التأخير إلى أجل، ومتى اعتبرنا بنسائها من الطرفين على مذهبنا وعلى مذهب المخالف بالعصبات، فإنه يعتبر الأقرب فالأقرب منهن، لأن الأقرب بها أشبه وأليق. ومتى فقد العصبات عند من اعتبرهن اعتبر نساء ذوي الأرحام فإن فقدن اعتبر نساء أقرب البلدان إلى بلدها، وكذلك نقول. وإذا كان الذي وجب عليه مهر مثلها من عشيرتها، فإن كان قومها إذا زوجوها من عشيرتها خففوا، وإذا زوجوها من غير العشيرة ثقلوا، كان الواجب على حسب ذلك، فإن كان من العشيرة خفف عنه وإن كان من غيرها ثقل عليه، لأنه هكذا يكون الاعتبار. قال قوم الأولى أن يتزوج الرجل من غير عشيرته وأقاربه، فإنه حكي أن الرجل إذا تزوج من عشيرته خرج الولد بينهما أحمق، فإن كان من غيرها وهما عاقلان خرج عاقلا، وقد تزوج قوم إلى عشايرهم فخرج أولادهم حماقى، وقد روي في الأخبار الحث على ذلك لأنه من صلة الرحم.

[ 300 ]

(فصل) * (في اختلاف الزوجين) * إذا اختلف الزوجان في قدر المهر مثل أن يقول تزوجتك بألف، وقالت بألفين أو في جنس المهر فقال تزوجتك بألف درهم وقالت بألف دينار، فعندنا أن القول قول الزوج مع يمينه إذا لم يكن هناك بينة معها، ووافقنا جماعة على ذلك، وقال قوم يتحالفان وبمن يبدأ؟ فيه ثلاثة أقوال أحدها يبدأ بيمين الزوج، والثاني بيمين الزوجة، الثالث يبدأ الحاكم بأيهما شاء. وهل يحلف كل واحد بيمينين فيجمع فيهما بيمين نفي ويمين إثبات أو يقتصر على يمين واحدة؟ فيه وجهان أحدهما يقتصر على يمين واحدة يجمع فيهما بين النفي و الاثبات، فيبدأ بالنفي أولا فيقول والله ما تزوجتها بألفين ولقد تزوجتها بألف، ثم تحلف هي فتقول والله ما تزوجتني بألف ولقد تزوجتني بألفين، وفيهم من قال يحلف كل واحد منهما بيمينين يحلف أولا على النفي، ثم يحلف الآخر على النفي، ثم يحلف الأول على الاثبات، ثم يحلف الآخر على الاثبات. ومتى تحالفا بطل المهر ووجب لها مهر المثل، ولا فرق بين أن يكون ما ادعته المرأة قدر مهر مثلها أو أقل أو أكثر، وقال بعضهم ينظر فيما ادعته، فإن كان قدر مهر مثلها أو أكثر وجب لها مهر المثل، وإن كان ما تدعيه أقل من مهر المثل، فإنه لا يجب عليه إلا ما ادعته، لأنها لا تدعي زيادة عليه، فلا يعطي ما لا تدعيه. ومن قال بالأول قال: هذا باطل، لأنهما إذا تحالفا حكمنا ببطلان ما سمياه كأن لم يكن، واتفقوا كلهم على أنه إذا اعترف الرجل بألفين ومهر مثلها ألف وتحالفا، أنه لا يلزمه إلا مهر مثلها ألف وفيه خلاف (1). إذا اختلف الزوج وأبو الصبية الصغيرة تحالفا أيضا الزوج وأبو الصبية، وفيهم

(1) راجع المسئلة 26 من كتاب صداق الخلاف.

[ 301 ]

من قال يحلف الزوج ويصبر حتى تبلغ الصبية، ثم تحلف، لأن الحق لها، و اليمين لا يدخلها النيابة. ومن قال بالأول قال يتحالفان لأن الأب يحلف على فعل نفسه، ولا يمتنع أن يحلف الانسان على فعل نفسه، ليثبت حق غيره كالوكيل يحلف على إثبات حق لغيره، إذا كان على فعل نفسه. إلا أن المسئلة لا تصح إلا بشرطين أحدهما أن يكون الولي يدعي أكثر من مهر المثل، فأما إن كان ما يدعيه قدر مهر المثل أو أقل فلا تحالف بينهما، لأنه متى عقد النكاح بأقل من مهر مثلها ثبت لها مهر المثل بالعقد، فلا معنى لإحلافه. والشرط الثاني أن تكون الزوجة صغيرة مولى عليها، فإن لم يحلف حتى بلغت، فإن التحالف حينئذ معها ومع زوجها، دون والدها. فأما إن اختلف ورثة الزوجين أو أحدهما فإنهما يتحالفان عندهم، وعندنا القول قول ورثة الزوج مع يمينهم. إذا اختلف الزوجان في قبض المهر فقال قد أقبضتك المهر، وقالت ما قبضته، فالقول قولها، سواء كان قبل الزفاف أو بعده، قبل الدخول بها أو بعده وفيه خلاف (1) وروي في بعض أخبارنا أن القول قوله بعد الدخول (2). إذا تزوج امرأة وأصدقها ألفا ثم أعطاها ألفا أو عبدا أو ثوبا لم يخل من أحد أمرين إما أن يتفقا على أن القبض على الاطلاق، أو يختلفا. فإن اتفقا على أنها قبضته مطلقا، وهو أن يدفع إليها فقبضت، وهما شاكان

(1) وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وذهب مالك إلى أنه إن كان بعد الدخول فالقول قوله، وإن كان قبل الدخول فالقول قولها وذهب الفقهاء السبعة إلى أنه إن كان بعد الزفاف فالقول قوله، وإن كان قبله فالقول قولها.
(2) بناء على أن الواجب - لقوله تعالى " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة " - اقتطاع الصداق من ماله وفرضه وتأديته قبل الزفاف فعلى هذا يكون ظاهر الحال بعد الزفاف والدخول مع الزوج أنه أقبضها الصداق، كما روي أن الدخول يهدم العاجل راجع الكافي ج 5 ص 383.

[ 302 ]

أو قال خذي هذه، فإن قالت أعطيتني هدية وقال بل مهرا فالقول قوله، ولا يمين، لأنه ما لم ينطق بالهبة أو الهدية لا يكون هدية وإن اعتقده ونواه فلا معنى لإحلافه. وإن اختلفا فقالت: قلت لي خذي هذه هدية أو قالت هبة، وقال بل قلت خذيها مهرا فالقول قول الزوج بكل حال، وفيه خلاف (1). إذا زوج الرجل بنته فأراد قبض مهرها لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون مولى عليها أو غير مولى عليها فإن كانت مولى عليها لصغر أو لجنون مع الكبر أو لسفه جاز له قبض مهرها، ويجوز له قبض مهر البكر الصغيرة والكبيرة اللتين يلي أبوهما بضعهما ومالها، وكذلك إن كانت ثيبا فله قبض المهر وتبرء ذمة الزوج بقبضه منه. وإن كانت رشيدة لم تخل من أحد أمرين: إما أن تكون ثيبا أو بكرا فإن كانت ثيبا لم يكن له قبض مهرها بغير أمرها بلا خلاف، وإن كانت بكرا فالصحيح أنه ليس له قبض مهرها، وقال بعضهم له قبض مهرها والذي نقوله إن له قبض مهرها ما لم تنهه عن ذلك.

(1) قال مالك: إن كان المقبوض ما جرت العادة بهدية مثله كالمقنعة والخاتم ونحو هذا فالقول قولها أنه هدية وإلا فالقول قوله.

[ 303 ]

(فصل) إذا تزوج امرأة وخالعها بعد الدخول بها، فعليها العدة، ولزوجها نكاحها فإن فعل وأمهرها مهرا فإن دخل بها استقر المهر، وإن طلقها قبل الدخول ثبت نصف المهر، وسقط نصفه وفيه خلاف. إذا أصدقها ألفا على أن لأبيها ألفا كان الصداق صحيحا وما ذكره لأبيها لا يجب عليه الوفاء به، وقال قوم الصداق فاسد، ويجب مهر المثل، وقال آخرون الكل بها. إذا قال أصدقتك ألفا على أن أعطي أباك ألفا كان مثل الأولى سواء، وقال قوم وهم الأكثر مثل الأولى، وقال بعضهم الصداق صحيح. وأما إن أصدقها ألفين على أن يعطي أباها منها ألفا كان صحيحا عندنا وعندهم فإن كانت على سبيل الهبة منها لأبيها لم يلزمها الوفاء به وإن كان بمعنى التوكيل منها له أن يأخذ الألف ويتصرف لها بها، ولها أن تمتنع من الدفع، وأيهما كان فلا يقدح في المهر بلا خلاف. إذا عقد النكاح بشرط لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون سائغا أو غير سائغ فإن كان سائغا مثل أن يقول على أن أتسرى عليك، أتزوج عليك، أسافر بك، ونحو هذا لم يقدح في العقد، لأنه شرط ما له فعله، وإن شرطه شرطا لا يسوغ في الشرع فالشرط باطل. فإذا ثبت أنه باطل لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون على صفة يفسد المهر أو العقد؟ فإن كان مما يعود فساده إلى المهر، مثل أن شرط أن لا يسافر بها ولا يقسم لها، ولا يتسرى عليها ولا يتزوج عليها فهذا شرط باطل، ولا يفسد المهر عندنا، و عند بعضهم يفسده ويجب مهر المثل. وأما إن كان شرطا يعود بفساد العقد، مثل أن تشرط الزوجة عليه ألا يطأها

[ 304 ]

فالنكاح باطل، لأنه شرط يمنع المقصود بالعقد، وقد روى أصحابنا أن العقد صحيح والشرط صحيح ولا يكون له وطيها، فإن أذنت فيما بعد كان له ذلك، وعندي أن هذا يختص عقد المتعة دون عقد الدوام. حكي عن بعضهم أنه قال لو شرط الزوج أن يطأها ليلا فالنكاح صحيح، ولو شرطت هي أن يطأها ليلا فالنكاح باطل، وعندنا لا فرق بين الأمرين في أنه لا يفسد العقد، وله وطيها أي وقت شاء، وقال بعضهم إن شرط ألا يدخل عليها سنة فالنكاح صحيح، وإن شرطت هي على ألا يدخل هو عليها سنة فالنكاح باطل. والفصل بينهما أن الشرط إذا كان من جهته أن يطأ ليلا كان معناه ولا يطأها نهارا، وله أن يفعل هذا، فإذا شرطه فقد شرط ماله فعله، فلم يقدح في النكاح، و ليس كذلك إذا كان الشرط منها، لأنها شرطت شرطا يمنعه من الذي له فعله، فلهذا بطل النكاح. والذي نقوله إن الشرط منها يبطل، ويثبت النكاح. إذا شرطا في النكاح خيار الثلاث، نظرت فإن كان في أصل العقد، فالنكاح باطل، لأنه عقد يلزم بنفسه، فلا يصح خيار الشرط فيه، وإن كان الشرط في المهر مثل أن يقول قد أصدقتك هذه الدار على أن لك الخيار في المهر ثلاثا فهل يبطل النكاح أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما النكاح باطل، والثاني لا يبطل النكاح وهو الصحيح. فإذا قيل يبطل النكاح فلا كلام، فإن كان ما دخل بها فرق بينهما ولا شئ لها وإن كان دخل بها فلها مهر مثلها. وإذا قيل النكاح صحيح، ففي الصداق ثلاثة أوجه أحدها يصح النكاح والشرط وهو الأقوى عندي، والثاني يبطل الشرط دون الصداق، فإذا بطل الشرط فالمهر بحاله، الثالث يبطل الشرط والصداق معا وكل موضع نقول يبطل الصداق فإنه يجب مهر المثل. والذي يقتضيه مذهبنا أنه إذا شرط في الصداق الخيار كان العقد صحيحا والمهر لازما، والخيار ثابتا لقوله عليه السلام المؤمنون عند شروطهم.

[ 305 ]

إذا تزوج امرأة فضمن لها أبوه نفقته عليها سنين، قال قوم يجوز، وقال آخرون لا يجوز، والذي يقتضيه مذهبنا أنه لا يجوز، لأن النفقة لا تجب عندنا بالعقد، و إنما تجب نفقة يوم بيوم بدلالة أنها لا تملك المطالبة بها، ولأنها لا تملك الابراء منها، ولو وجبت بالعقد لصح ذلك. فإذا تقرر القولان، فمن قال لا يجب قال لا يصح الضمان، لأنه ضمان ما لم يجب ومن قال يجب بالعقد صح ضمانه، بثلاث شرائط: أن يضمن نفقة المعسر دون الموسر والمتوسط، لأن ذلك يتغير يزيد وينقص، الثاني يكون لمدة معلومة، الثالث يكون ما ضمنه معلوما. قال الله تعالى " فإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم " (1) يعني عاد إلى الزوج نصف ما فرض، لأنه جعل النصف مستحقا بالطلاق، ولا يجوز أن يكون الذي يستحق النصف بالطلاق إلا الزوج، لأن الزوجة قد كانت ملكته كله بالعقد، ثم قال " إلا أن يعفون " والمراد به النساء خاصة بلا خلاف فكأنه قال للزوج النصف مما فرض لها إذا طلقها قبل الدخول بها، إلا أن يعفون عن النصف الباقي، فيكون الكل له، ثم قال " أو يعفو الذي بيده عقده النكاح " وعندنا هو الولي الذي هو الأب أو الجد، يعفو عن نصف الزوجة إلا أن أصحابنا رووا أن له أن يعفو عن بعضه وليس له أن يعفو عن جميعه، وقال قوم هو الزوج وفيه خلاف. أما أبو البكر الصغيرة إذا طلقها زوجها قبل الدخول، فاستقر لها نصف المهر هل للأب أو الجد أن يعفو عما لها من الصداق؟ على ما مضى. وأما أبو الزوج إذا كان الزوج محجورا عليه فالمحجور عليه على ضربين لصغر وغيره، فإذ كان صغيرا فهو محجور عليه عاقلا كان أو مجنونا، والمحجور عليه لغيره فهو كالبالغ، وهو على ضربين محجور عليه لسفه أو جنون، فإن كان محجورا عليه لصغر، فإن لوليه أن يزوجها أربعا فما دون لحاجة وغير حاجة، والمحجور عليه

(1) البقرة: 237.

[ 306 ]

لجنون أو سفه فلوليه أن يزوجه للحاجة لا غير، وأي هؤلاء كان، متى زوجه فليس لوليه أن يطلق زوجته عليه. أما الصغير فليس لوليه أن يطلق زوجته بعوض ولا بغيره، لكن زوجته تبين منه بأن ترتد أو ترضعه فمتى بانت بهذا عاد كل الصداق إلى زوجها، لأن الفسخ جاء من قبلها قبل الدخول بها، وإن كان بالغا مجنونا فليس لوليه أن يطلق عليه لكن تبين زوجته منه بأن ترتد فإذا فعلت عاد كل الصداق إليه. وأما السفيه فتبين زوجته منه بالطلاق، وبردتها فإن ارتدت بانت وسقط كل الصداق عنه، وإن طلقها عاد نصف الصداق إليه، ومتى بانت زوجة واحد من هؤلاء قبل الدخول، فليس لوليه أن يعفو عن شئ من الصداق بحال. إذا طلق الرجل الرشيد زوجته قبل الدخول بقي لها نصف المهر، وعاد إليه نصفه، ولكل واحد منهما أن يعفو عن حقه منه، ليكمل كله لصاحبه، فإذا عفا أحدهما من حقه لصاحبه أي الزوجين عفا عما في يديه فلا يخلو المهر من أحد أمرين إما أن يكون دينا أو عينا فإن كان دينا فإما أن يكون في ذمته أو في ذمتها. فإن كان في ذمته مثل أن أصدقها مالا في ذمته ثم طلقها قبل الدخول ثبت لها نصفه، وله النصف، فإن اختارت العفو عن حقها منه ليكمل الكل له صح أن يسقط حقها منه بستة ألفاظ: العفو والتمليك والهبة والاسقاط والترك والابراء، فإذا عفت بواحدة منها فهل يفتقر إلى قبوله أم لا؟ قيل فيه وجهان: الأولى أن نقول يفتقر إلى قبوله. وإن اختار أن يعفو هو له ليكمل لها الصداق فهو على وجهين، إن قلنا ما ملك النصف وإنما ملك أن يملك، صح أن يعفو عن حقه بالألفاظ الستة، فإذا فعل شيئا منها سقط حقه، ولا يفتقر إلى قبول، لأن الذي ثبت له الخيار، وهو أنه ملك أن يملك فإذا كان كذلك سقط حقه ولم يفتقر إلى القبول كالشفيع وإذا قلنا ملك نصف الصداق ملكا تاما برئت ذمته عن النصف فلا يصح أن يعفو لها عن شئ سقط عن ذمته، فإن اختار أن يجدد هبة من عنده يهب لها فعل، وإلا فالعفو لا يصح.

[ 307 ]

هذا الكلام فيه إذا كان في ذمته وأما إذا كان في ذمتها مثل أن أصدقها عبدا فأتلفته أو طعاما فأكلته فلا شئ الآن في ذمتها فإذا طلقها قبل الدخول صار له النصف فإن اختارت العفو عن حقها ليكمل الصداق لم يصح، لأن ذمتها بريئة عن نصفها من الصداق، فلا يصح منها العفو عنه لكن إن اختارت أن تجدد هبة تهبها منه فعلت. فأما إن اختار أن يعفو هو عن نصفه فإن قلنا ما ملك وإنما ملك أن يملك صح عفوه بأحد الألفاظ الستة، فإذا فعل لم يفتقر إلى قبول كالشفيع، وإذا قلنا ملك النصف ملكا تاما فهذا له في ذمتها نصف الصداق فله العفو عنه لها بأحد الألفاظ الستة، و هذا الذي نختاره فإذا فعل فهل يفتقر إلى قبولها؟ فعلى وجهين على ما مضى. هذا كله إذا كان الصداق دينا. فأما إن كان عينا لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون في يده أو في يدها، فإن كان في يده وطلقها قبل الدخول صار نصفه له، وبقي نصفه لها، فإن عفا أحدهما لصاحبه نظرت: فإن عفت هي عن حقها منه فهو هبة نصف عين مشاعة لها في يديه، فيصح ذلك بألفاظ ثلاثة العفو والهبة والتمليك، فإن العفو عبارة عن العطاء فإذا صح افتقر إلى إيجاب وقبول ومضي مدة القبض، وهل يفتقر إلى إذنها بالقبض؟ على قولين، و لها الرجوع ما لم يمض المدة لأنها هبة لم تقبض. وإن اختار هو العفو فهو على وجهين إن قلنا ما ملك نصفها وإنما ملك أن يملك صح عفوه بأحد الألفاظ الستة، ولا يفتقر إلى قبولها، وإذا قلنا ملك النصف ملكا تاما وهو الصحيح عندنا فإذا عفا ها هنا فهو ابتداء هبة من عنده، يصح بألفاظ ثلاثة العفو والهبة والتمليك، ويفتقر إلى إيجاب وقبول، فإن رجع الزوج قبل القبض كان له. هذا إذا كانت العين في يده فأما إن كانت في يدها فطلقها قبل الدخول، فإن عفت هي عن نصفها فهي ابتداء هبة من عندها نصف عين مشاعة، يفتقر إلى. إيجاب وقبول وقبض، فإن لم يقع القبض فلها الرجوع، وإن اختار هو العفو، فإن قلنا ما ملك النصف بل ملك أن يملك صح أن يعفو بأحد الألفاظ الستة، فلا يفتقر إلى قبول

[ 308 ]

كالشفيع سواء، وإذا قلنا ملك النصف ملكا تاما وهو الصحيح عندنا فهو ابتداء هبة من عنده نصف عين له في يدها، فلا بد من إيجاب وقبول، ومضي مدة القبض. وهل يفتقر إلى الإذن بالقبض أم لا؟ على القولين على ما مضى، فإذا قلنا يفتقر إلى الإذن لزمت الهبة بأربع شرائط إيجاب وقبول ومضي مدة القبض والإذن به، و إذا قلنا لا يفتقر إلى الإذن لزمت بالايجاب والقبول ومضي مدة القبض، وإن لم تأذن. إذا أصدقها صداقا ثم وهبته منه، ثم طلقها قبل الدخول، فإنه يرجع عليها بنصفه، ثم لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون عينا أو دينا، فإن كان عينا كالعبد والثوب فوهبته له، ثم طلقها قبل القبض فهل يرجع عليها بنصف الصداق أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما لا يرجع بشئ، والثاني يرجع عليها بالنصف، وهو الصحيح عندنا، سواء وهبت له قبل القبض أو بعد أن أقبضه، الباب واحد وفيه خلاف. وإن كان دينا نظرت فإن كان دفعه إليها فقبضته ثم وهبته له مثل أن كانت دراهم فأقبضها ثم وهبتها منه ثم طلقها فعلى القولين، لأنها قد قبضت صداقها وتعين بالقبض فلا فصل بين أن يتعين بالعقد وبين أن يتعين بالقبض، وأما إن كان دينا فأبرأته منه ثم طلقها قبل الدخول فهل يرجع عليها بنصفه أم لا، يبنى على القولين: إذا كان عينا فوهبته: فإذا قلنا لا يرجع عليها بشئ إذا كان عينا فوهبته فههنا مثله، وإذا قلنا يرجع عليها بالنصف إذا كان عينا فوهبته له فهل يرجع هيهنا فيه قولان أحدهما يرجع لأنه عاد إليه بغير الوجه الذي يعود إليه به حين الطلاق كالعين سواء والثاني لا يرجع بشئ هيهنا والأول أقوى. إذا أصدقها عينا ودينا مثل أن أصدقها عبدا وألف دينار فأبرأته عن الدين ووهبت له العين ثم طلقها قبل الدخول، فهل يرجع عليها في نصف بدل العين؟ على ما مضى إذا كان كله عينا، وهل يرجع في الدين الحكم فيه كما لو كان كله دينا فأبرأته منه. فإن أصدقها عينا فوهبته له ثم ارتدت قبل الدخول سقط الصداق لأن الفسخ

[ 309 ]

جاء من قبلها قبل الدخول، فهل يرجع عليها ببدل كل الصداق أم لا؟ على قولين، فالحكم ههنا في كل الصداق كالحكم في نصفه إذا وقعت الفرقة بالطلاق. فإن باع من رجل عبدا بألف دينار، فقبض الألف ثم وهبها من المشتري، ثم أصاب المشتري بالعبد عيبا فهل للمشتري رده واسترجاع الثمن أم لا؟ على وجهين أحدهما له ذلك لأن الثمن عاد إلى المشتري بغير الوجه الذي يعود إليه بالرد، فيرده ويسترجع منه الثمن. والوجه الثاني ليس له الرد لأنه إنما يرد ليسترجع الثمن وقد تعجل استرجاعه قبل الرد فلم يكن له رد العبد، والأول أصح، فإن كانت بحالها فوهب البائع الثمن للمشتري فأصاب المشتري به عيبا أو حدث عنده عيب يمنع الرد فهل يرجع على البايع بالأرش أو لا؟ على وجهين بناء على الرد، فإن قلنا له الرد إذا لم يحدث به عيب كان له الأرش هيهنا، وإذا قلنا ليس له الرد، لم يكن له الأرش. فإن كاتب عبده على نجمين بما يراه من مال الكتابة فبرئ منها [ في نجم ] ظ وعتق، فهل يجب له على سيده الايتاء أم لا؟ على وجهين أحدهما يرجع لأن الايتاء (1) يستحقه بغير الوجه الذي برئت به ذمته، والثاني لا يرجع عليه بالايتاء لأنه قد تعجل الحق قبل محله، وهو الأقوى. فإن باع منه عبدا بألف ثم إن المشتري وهب العبد للبايع ثم فلس المشتري و الثمن في ذمته فللبايع أن يضرب مع الغرماء بثمن العبد، والفصل بين هذه وبين ما مضى هو أن حق البايع في الثمن وما عاد إليه شئ منه، فلهذا كان له أن يضرب بالثمن مع الغرماء، وليس كذلك في هذه المسائل لأن ماله عاد إليه بعينه، فلهذا لم يكن يملك الرجوع في بدله. فوزان المفلس في هذه المسئلة أن يصدقها عبدا فتهب له غيره ثم طلقها قبل الدخول، فله الرجوع في نصف الصداق، فبان الفصل بينهما. فإن أصدقها عبدين فوهبت له أحدهما فقد فرضت المسئلة إذا كان أصدقها عبدا فوهبت له نصفه مشاعا ثم طلقها قبل الدخول، فهل يرجع عليها بنصف الصداق أم لا؟

(1) يعني من الزكاة، لقوله تعالى " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ".

[ 310 ]

يبنى على القولين فيه إذا وهبت الكل: فإذا قلنا يرجع في النصف إذا وهبت الكل فهيهنا يرجع بنصف النصف، وإذا قلنا لو وهبت الكل لم يرجع عليها فههنا قد أخذ نصف الصداق، فهل له الرجوع عليها بشئ أم لا؟ على قولين: أحدهما لا يرجع به، لأنه إنما يرجع على هذا القول، ما لم يتعجل المهر قبل الطلاق، فإذا كان قد استعجل حقه فلم يكن له الرجوع بشئ. والقول الثاني يرجع بنصف الموجود فيكون قد تعجل النصف، وعاد وأخذ نصف ما بقي، لأنه لو كان أخذ الكل منها لم يرجع بشئ، ولو لم يأخذ منها شيئا رجع بالنصف، فإذا كان قد أخذ النصف وترك النصف لم يرجع بما أخذ، وكان له نصف الموجود. فيخرج منه إذا كان أصدقها عبدا فوهبت له نصفه فيه ثلاثة أقوال أحدها لا يرجع بشئ، والثاني بربعه وهو نصف الموجود، والثالث يرجع بالنصف، وكيفية الرجوع يأتي في موضعه، والأول من هذه الأقوال هو الذي يقتضيه مذهبنا. إذا تزوج الرجل امرأة بمهر معلوم ملكت المهر عليه بالعقد، وملك هو البضع في الوقت الذي ملكت عليه المهر، لأنه عقد معاوضة، فملك كل واحد منهما على صاحبه في الوقت الذي ملك صاحبه عليه. وإن خالعها بعد هذا بعوض وبذلته له، ملك العوض الذي عقد الخلع به، و زال ملكه عن بضعها في الوقت الذي ملك العوض عليها، ولا يقال زال بضعها إليها فملكته لأنها لا تملك بضعها، فإن البضع عبارة عن الاستمتاع، لكنا نقول زال ملك البضع عنه وعاد إليها كالذي كان قبل النكاح. فإذا تقرر هذا فإذا وقع الخلع منها فإما أن يكون بعد الدخول أو قبله، فإن كان بعد الدخول ملك الزوج العوض الذي عقد به الخلع، فزالت الزوجية واستقر المهر بعقد النكاح لها، لأنه قد دخل بها قبل أن يؤثر فيه زوال الزوجية بحال. وإن كان الخلع قبل الدخول سقط نصف المهر عنه، واستقر لها نصفه، كما لو طلقها قبل الدخول لأن الفرقة متى جاءت من قبله قبل الدخول، سقط عنه نصف

[ 311 ]

المهر، مثل أن طلقها أو ارتد، وإن جاءت من قبلها إما بردتها أو بالرضاع، فإنه يسقط كل المهر. فأما إذا وقعت الفرقة بالخلع فهو منها لكن المغلب فيه حكم الزوج بدليل أنه يملك أن يخلعها مع غيرها من الأجنبيين، وليس لها أن تخلع مع غيره، فكان المغلب فيه حكمه وجهته، فكأنه انفرد بالطلاق، فيسقط عنه نصف الصداق. فإذا ثبت ذلك وكان مهرها مثلا ألفا وأراد أن يخلعها على وجه لا يلزمه من الصداق شئ، فإنه يخلعها بخمس مائة لا من المهر، فإذا فعل سقط عنه من الألف خمسمائة، واستقر عليه خمسمائة، وله عليها خمس مائة بالخلع ويتقاصان. ومنهم من قال الحيلة في ذلك أن يقول لها خالعتك على ما يسلم لي من الألف فإنما يسلم لها منها خمس مائة، ويسقط عنه بالطلاق خمس مائة، فيسقط كل المهر. إذا زوج الأب أو الجد من له إجبارها على النكاح، وهي البكر الصغيرة أو الكبيرة، فإن كان بمهر مثلها أو أكثر لزم ما سمي لها بلا خلاف، وإن كان بدون مهر المثل سقط المسمى ووجب لها مهر المثل عند بعضهم، وقال غيره: إذا كان دون مهر المثل ثبت المسمى ولم يجب مهر المثل، وهو الذي يقتضيه مذهبنا. * * * إذا تزوج امرأة لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون بذكر مهر أو بغير ذكر مهر، فإن كان بغير ذكر مهر فهذه مفوضة البضع، فإذا فوض الولي بضعها باختيارها لم يجب لها بالعقد مهر، فإن أبرأته عن المهر لم يصح، لأنها أبرأت عما لا تملك، فلم يصح. وإن كان ذكر لها مهرا لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون صحيحا أو فاسدا فإن كان صحيحا كالدراهم والدنانير فأبرأته عنه صح لأنه إبراء عن ملك واجب يصح أن تبرئه عن كله، وعن بعضه إذا كان البعض معلوما مثل أن تقول أبرأتك عن النصف أو الثلث أو غير ذلك، فإن كان الصداق دراهم فأبرأته عن دنانير أو دنانير فأبرأته عن دراهم لم يصح، لأنها أبرأته عما لا تملك.

[ 312 ]

وإن كان فاسدا مثل أن تزوجها مفوضة المهر أو أصدقها مهرا مجهولا أو خمرا أو خنزيرا سقط المسمى ووجب مهر المثل فإن أبرأته عن العين المسماة في العقد لم يصح، لأنها ما ملكت المسمى فلا يصح أن تبرئه عنه. وهكذا إن قبضت هذا المهر ثم ردته إليه هبة له كان هبة باطلة لا يتعلق بها حكم، لأنها قبضت ما لا تملك ووهبت ما لا تملك. وإن أبرأته عن مهر المثل الواجب بالعقد نظرت، فإن كانت تعرف قدره ومبلغه فالبراءة صحيحة لأنها براءة عن أمر واجب معلوم، وإن كانت جاهلة بقدر مهر المثل فالبراءة باطلة، وهكذا إذا كان له على رجل مال مجهول، فضمنه عنه ضامن كان الضمان باطلا، فضمان المجهول باطل، والبراءة عن المجهول باطلة، فلا يصح ضمان المجهول ولا الابراء عنه وقال قوم يصحان معا وهو الذي يقوى في نفسي. فإذا ثبت أن الابراء عن المجهول لا يصح فإن أبرأه عن مجهول لكنه يتحقق بعضه مثل أن يعلم أن له عليه دينا لكنه يجهل مبلغه ويقطع أنه لا يزيد على مائة فأبرأه عماله عليه، قيل فيه وجهان: أحدهما يصح فيبرء عن القدر الذي يتحقق ولا يبرء عن غيره، والثاني لا يصح لأنه لما لم يبرء عن الكل لم يبرأ عن البعض ألا ترى أنه لو ضمن هذا الحق عنه لم يصح، لأنه لما لم يصح ضمانه في الكل لم يصح في البعض. فإذا أراد أن يصح الابراء عن المجهول فالحيلة فيه أن يعطيها ما يقطع أنها يستحقه مثل أن يجهل مهر مثلها فيقطع أنه لا يبلغ مائة فيعطيها عشرة ثم يقول لها أبرئني من درهم إلى ألف فيكون صحيحا، لأنها قبضت العشرة بحق قطعا، وأبرأته عن الزيادة. إذا كان له مائة درهم عند رجل فنسيها، أو كانت له عنده وهو لا يعلم بها، فقال له: قد أبرأتك عن مائة درهم، ثم بان له أنه كان يملكها لم يصح عند من لا يجيز الابراء عن المجهول، وقال بعضم يصح لأنه أبرأه عن مقدر معلوم واجب له، فإذا صادف ملكه صح، وعلى ما اخترناه يصح، وهكذا لو اشترى شقصا في شركته ولم يعلم،

[ 313 ]

فقال له قد أبرأتك عما أستحقه عليك من حق الشفعة، فهل يسقط حقه أم لا؟ على ما مضى: قال قوم أنه لا يسقط وهو الأقوى، وقال بعضهم يسقط. وأصل هذه المسئلة إذا باع رجل عبدا يعتقده لوالده فبان أنه له، وأن والده كان قد مات حين البيع، فالبيع باطل، لأنه اعتقده باطلا، وفيهم من قال يصح لأنه صادف ملكه. فإن طلق امرأة بعينها وقد نسي أن له زوجة أو أعتق عبدا بعينه وقد نسي أن له عبدا فبان العبد له، والمرأة زوجته، هل تقع الطلاق والعتق؟ يخرج على الوجهين وعندنا أنه لا يقع طلاق ولا عتق. إذا تزوج امرأة فأصدقها صداقا فقالت لا أسلم نفسي حتى أقبض صداقي فالكلام في فصلين: أحدهما في التقديم والثاني في استحقاق التسليم. فأما الكلام في التقديم، وأيهما يقدم؟ فله موضع آخر نذكره، والكلام في استحقاق التسليم هيهنا، جملته أن النكاح يصح بصداق عاجل وآجل، وأن يكون بعضه عاجلا وبعضه آجلا فإذا ثبت أن الكل صحيح، نظرت: فإن عقد على الاطلاق اقتضى إطلاقه أن يكون المهر كله حالا، وإن شرط فيه التعجيل كان معجلا بإطلاقه لا بالشرط، والشرط أفاد التأكيد. فإذا ثبت أنه يكون معجلا في هذين الموضعين فلها أن تمنع نفسها منه حتى يقبضها الصداق، فإن سلم المهر سلمت نفسها، فإن امتنع فاختارت تسليم نفسها إليه قبل قبض المهر، فهل لها أن يمتنع أم لا؟ نظرت: فإن لم يكن دخل بها كان لها الامتناع عليه، لأن التسليم هو القبض والقبض في النكاح الوطئ، فإذا لم يطأها فما قبض، وكان لها الامتناع بلا خلاف فيه، وأما إن كان دخل بها فليس لها أن يمتنع بعد ذلك وكان لها المطالبة بالمهر فقط، وقال قوم لها أن تمتنع حتى تقبض المهر، وهو الذي يقوى في نفسي. فأما إن كان كله إلى أجل فإنما يصح إلى أجل معلوم، فإذا كان المهر آجلا فليس لها الامتناع عنه، بل عليها تسليم نفسها إليه، لأنها رضيت بتأجيل المهر، فقد

[ 314 ]

دخلت على الرضا بتسليم نفسها قبل قبضه، كما قلنا في البيع، إذا كان بثمن آجل فعلى البايع تسليم السلعة لأنه على هذا دخل. فإذا ثبت هذا نظرت فإن سلمت نفسها إليه فلا كلام، وإن تدافع الوقت وتأخر تسليم نفسها إليه حتى حل الأجل ووجب عليه تسليم المهر فليس لها الامتناع هيهنا على قبض المهر لأنه قد وجب عليها تسليم نفسها إليه واستقر ذلك عليها، فليس لها أن يمتنع عليه كما قلناه في البيع سواء. ويفارق إذا كان المهر عاجلا لأنه ما استحق عليه التسليم قبل قبض المهر فلهذا كان لها الامتناع، وههنا قد وجب عليها تسليم نفسها، فليس لها الامتناع بعد ذلك. هذا إذا كان كله عاجلا، فأما إن كان بعضه عاجلا وبعضه آجلا فإنما يصح بشرطين أن يعلم قدر الأجل منه، ومنتهى الأجل، فأما على ما يعقد الناس بينهم على صداق عاجل وآجل، ولا يذكر قدر الأجل ولا منتهى الأجل فهو باطل، و يجب لها مهر المثل، ويكون حالا. فإذا ثبت هذا فعقد بعاجل وآجل معلوم، كان بعضه عاجلا وبعضه آجلا على ما يشرطانه، ولها ههنا أن يمتنع عنه حتى يقبض قدر العاجل منه على ما قلناه إذا كان كله عاجلا، فإذا قبضت العاجل فليس لها أن تمتنع عنه لما بقي لها من الأجل كما لو كان كله آجلا على ما فصلناه. إذا تزوج الرجل لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون الزوجة صغيرة أو كبيرة فإن كانت كبيرة وأقبضها الصداق لزمها تسليم نفسها على ما قلناه، فإن استمهلت اليوم واليومين، والثلاث قال قوم تمهل، وقال قوم لا يمهلها والأول أقوى، لقوله عليه وآله السلام ونهيه أن يطرق الرجل أهله ليلا، ولأن العادة جارية بذلك في العقود. فإذا ثبت هذا وطلبت إمهال ثلاث فما دونه أمهلت وإن طلبت أكثر من ذلك لم تمهل، لأن الثلاث يتسع لها إصلاح أمرها والاستعداد لزوجها. هذا إذا كانت كبيرة فأما إن كانت صغيرة لم يخل من أحد أمرين إما أن تكون

[ 315 ]

على صفة تصلح للرجال أو لا تصلح، فإن كانت تصلح لهم مثل أن تكون لها تسع سنين ونحوها، فالحكم فيها كما لو كانت كبيرة وقد مضى وإن كانت لا تصلح للرجال بأن يكون لها الست والسبع، على حسب حالها، فرب صغيرة السن تصلح وكبيرة السن لا تصلح: فإذا كانت لا تصلح لم يجب على أهلها تسليمها إليه، وإن ذكر أنه يحضنها و يربيها، وإن له من يقوم بخدمتها وجميع أمورها لأنه لم يملك رقبتها، وإنما ملك الاستمتاع بها وهذه فما خلق فيها الاستمتاع ولأنه لا يؤمن أن تشره نفسه إلى مواقعتها فربما جنى عليها فقتلها، فكان لهم منعها. فأما إن امتنع هو من قبض هذه وطالبوه بقبضها ونقلها إليه، لم يجب عليه لأنه ما خلق فيها ما ملك منها من الاستمتاع، ولأنه كان يلزمه نفقة الحضانة والتربية وذلك غير واجب. الصداق كالدين، لأنه يجب في الذمة بعقد، وكل ما وجب في الذمة بعقد كان دينا. فإذا ثبت هذا فإنه يكون منه معجلا ومؤجلا مثل الدين ولا يخلو الزوجان من أربعة أحوال: إما أن يكون الزوج كبيرا وهي صغيرة، أو يكونان صغيرين، أو يكون الزوج صغيرا وهي كبيرة، أو يكونان كبيرين. فإن كان كبيرا وهي صغيرة لا يجامع مثلها، فهل عليه نفقتها أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما لها النفقة، لأن عقد النكاح يقتضي الانفاق، فإذا تزوج علم أنه دخل على بصيرة من الانفاق عليها، والقول الثاني وهو أصحهما عندنا وعندهم أنه لا نفقة عليه لأن النفقة في مقابلة التمكين من الاستمتاع، بدليل أن الكبيرة إذا نشزت سقطت نفقتها، لتعذر الاستمتاع. وإن كانا صغيرين فعلى قولين، كما لو كان كبيرا وهي صغيرة، الصحيح أنه لا نفقة لها. فأما إن كانت كبيرة وهو طفل فبذلت نفسها ومكنت من الاستمتاع، فهل لها

[ 316 ]

نفقة أم لا؟ على قولين أحدهما لا نفقة لها، لأن التمكين ليس بحاصل، ولا إمكان الاستمتاع، وهو الذي يقوى في نفسي، والثاني وهو الصحيح عندهم أن عليه النفقة لأنها يجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع، وقد فعلت، وإنما تعذر القبض من جهته كما لو جن أو مرض. فأما الكلام في الصداق هل عليه [ تسليم ] ظ الصداق في هذه المسائل الثلاث؟ منهم من قال على القولين، كالنفقة، ومنهم من قال يجب تسليم الصداق، والأقوى عندي أنه لا يجب كما لا تجب النفقة، لأن الاستمتاع غير ممكن. فأما إن كانا كبيرين فمتى مكنت من نفسها لزمه تسليم الصداق والانفاق معا والكلام في التقديم والتأخير يجئ فيما بعد، وهو إذا قال كل واحد منهما لا أسلم ما يجب على حتى أتسلم فأيهما يجبر على التسليم؟ قيل فيه ثلاثة أقوال مثل المتبايعين إذا قال كل واحد لا أسلم حتى أتسلم: أحدها يقطع الخصومة بينهما ولا يجبر واحد منهما على شئ، بل يقال لهما أيكما تطوع بتسليم ما عليه أجبر الآخر على تسليم ما عليه، والثاني ينصب الحاكم عدلا ويأمر كل واحد منهما بتسليم ما لصاحبه عليه إليه، فإذا حصل الثمن والمثمن عنده دفع العدل حينئذ إلى كل واحد منهما ما لصاحبه عليه، والثالث يجبر البايع على تسليم السلعة، فإذا استقر البدل أجبر المشتري على تسليم الثمن، إن كان حاضرا وإن كان غائبا فقال أمهلوني لا حضاره أمهل، بعد أن يحجر عليه في السلعة، لئلا يتصرف فيها، وانظر لإحضار الثمن على ما فصلناه في البيوع والقول الأخير أقوى. فأما الصداق فلا يجئ فيه إلا قولان أحدهما يقطع الخصومة بينهما، وأيهما بذل ما عليه أجبر الآخر على إقباض ما عليه، والثاني ينصب عدلا ويأمر الزوج بتسليم الصداق إليه، فإذا فعل أمرها بتسليم نفسها إليه، فإذا فعلت أعطاها العدل الصداق وهذا الأقوى عندي. ولا يجئ القول الثالث لأن القول الثالث يجبر الزوجة على تسليم نفسها ثم يجبر هو على تسليم الصداق، وهذا لا يجوز لأنه ربما أتلف البضع ومنع الصداق

[ 317 ]

فلهذا لم تجبر على تسليم نفسها، ويفارق البيع لأنه يمكن إجباره على تسليم السلعة والحجر عليه فيها بعد أن يقبضها، والنكاح لا يمكن ذلك فيه. إذا امتنعت الكبيرة من تسليم نفسها وقالت لا أمكنه حتى يدفع الصداق فهل لها النفقة قبل دفع الصداق أم لا؟ يبنى على القولين، فإذا قيل لا يجبر أحدهما على تسليم ما عليه، وأيهما تبرع أجبر الآخر عليه، فلا نفقة لها ههنا، لأنها تمنع نفسها بغير حق، فإن الزوج لا يجب - على هذا القول - عليه تسليم الصداق فإذا قالت لا أسلم حتى يدفع إلى ما لا يجب عليه فهي ناشزة فلا نفقة لها. وإذا قلنا يجبر الزوج على تسليم الصداق إلى عدل فإذا سلمت نفسها إلى زوجها قبضته من العدل فعلى هذا إذا قالت لا أسلم نفسي حتى يسلم الصداق فإذا امتنع من ذلك فلها النفقة عليه لأنها بذلت نفسها ومكنته إن دفع الواجب لها، فإذا لم يفعل كان الامتناع من التسليم والقبض منه، فعليه نفقتها. إذا كانت المرأة نضوا وهي النحيفة القليلة اللحم فطالب بها زوجها لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون النضو خلقة وجبلة أو لعارض وعلة، فإن كان ذلك خلقة فمتى سلم إليها مهرها لزم تسليم نفسها إليه، لأن العادة لم تجر أن لنضو الخلق منع نفسها عن زوجها. فإذا تسلمها كان له أن يستمتع بها فيما دون الفرج، وبكل ما يستمتع الرجل بالقوية السمينة إلا الجماع في الفرج، فإنه ينظر فيه فإن كانت ممن لا ضرر عليها في جماعه فعليها تمكينه، لأنه لا ضرر عليها في جماعه، وإن كانت على صفة يخاف عليها من الجماع الجناية عليها أو مشقة شديدة منع منها، وقيل له أنت بالخيار بين أن تمسكها ولك الاستمتاع بها إلا الجماع في الفرج وبين أن تطلقها وعليك نصف المهر. فأما إن كان نضو الخلق لعلة وعارض، وصارت على صفة لا يطاق جماعها كان لها منع نفسها منه حتى تبرء، لأن هذه يرجى زوالها، ولهذا أمهل حتى تزول فإذا ثبت أن ليس عليها تسليم نفسها فما دامت على الامتناع فلا نفقة لها حتى تبرأ و يندمل وتسلم نفسها، فإن سلمت نفسها إليه لزمه نفقتها.

[ 318 ]

وهكذا لو سلمت نفسها وهي صحيحة جسيمة، فمرضت ونحلت، فعليه نفقتها لأنها قد حصلت في قبضة زوجها، وتفارق الصغيرة فإنها لم تحصل في قبضة زوجها. إذا وطئ زوجته فأفضاها - والافضاء أن يجعل مدخل الذكر ومخرج البول واحدا - فمتى فعل هذا فعليه الدية عندنا، سواء كان البول مسترسلا أو مستمسكا. وهكذا إن أكره امرأة أو وطئها بشبهة فأفضاها وجب المهر والدية، وعندنا خاصة أنه يلزم النفقة عليها ما دامت حية إذا كان وطئها قبل تسع سنين، فإن وطئها بعد تسع سنين فأفضاها لم يكن عليه شئ، وفيه خلاف. فإذا تقرر هذا فأفضاها ثم أراد جماعها ثانيا نظرت، فإن كان الموضع قد اندمل فصار بحيث لا يستضر بالجماع كان عليها التمكين منه، وإن لم يكن اندمل ويخاف عليها أن يتفق ما اندمل، أو يلحقها مشقة من جماعه، منع منه حتى يتكامل البرء. فإن اختلفا فقال: قد اندمل فلا يخاف عليه، وقالت: بل ما اندمل، فالقول قولها لأنه مما لا يمكنها إقامة البينة عليه. إذا طلقها بعد أن خلا بها قبل أن يمسها قيل فيه ثلاثة أقوال قال قوم وجود هذه الخلوة وعدمها سواء، يرجع إليه نصف الصداق ولا عدة، وهو الظاهر من روايات أصحابنا، وقال قوم يستقر المهر والعدة بالخلوة، وبه قال قوم من أصحابنا إلا أن المخالف قال: إذا خلا بها بلا مانع استقر المهر، أصابها أو لم يصبها. وإن كان هناك مانع فإن كان محرما لم يستقر، وإن كان صائما فإن كان فرضا لم يستقر وإن كان تطوعا استقر، وإن كان صوم التطوع يلزم بالدخول فيه عندهم وإن كان عنينا أو مجبوبا استقر المهر. ولا خلاف أن الخلوة إذا كانت في نكاح فاسد لا يستقر به المهر، ولا خلاف أيضا أنه لا يتعلق بالخلوة شئ من أحكام الدخول مثل الحد والغسل والمهر في النكاح الفاسد، ولا يثبت به الاحصان، ولا يخرج به من حكم العنة والايلاء، ولا يفسد العبادة، ولا يجب به الكفارة، ولا تقع به الإباحة للزوج الأول وإنما الخلاف في استقرار المهر كله والعدة.

[ 319 ]

إذا تزوج امرأة وأمهرها عبدا مطلقا، فقال: تزوجتك على عبد، فالنكاح صحيح بلا خلاف، ولها عبد وسط من العبيد عندنا، وعند جماعة، وقال قوم لها مهر المثل لأن هذا فاسد. وكذلك إذا قال: تزوجتك على دار مطلقا فعندنا يلزم دار بين دارين، فأما إذا قال تزوجتك على ثوب ولم يبين فلا خلاف أنه لا يصح المهر، وقال بعضهم له وسط الثياب. المتعة للمطلقات فأما من بانت بالوفاة أو بالفسخ فلا متعة لها، بدلالة قوله تعالى " وللمطلقات متاع " (1) دل على أنه لا متعة لغير مطلقة. والمطلقات على ثلاثة أضرب عند بعضهم مطلقة لها المتعة، وهي التي لم يفرض لها بالعقد مهر ولا بعد العقد، وطلقت قبل الدخول فلها المتعة، وهكذا عندنا وفيه خلاف، وإنما قلنا ذلك لقوله تعالى و " متعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره (2) ". الضرب الثاني: مطلقة لا متعة لها، وهي التي يجب لها بالطلاق قبل الدخول نصف المهر المفروض، بعد العقد، فمتى طلقت فلها نصف المهر، ولا متعة لها للآية المتقدمة، وهكذا نقول. الضرب الثالث: كل من طلقها زوجها بعد الدخول سواء سمي لها مهرا في العقد أو لم يسم، فرض لها أو لم يفرض الباب واحد، فإنه لا متعة لها عندنا، وإنما لها مهر المثل، وقال قوم لها المتعة. والمتعة على كل زوج طلق لكل زوجة طلق إذا كان الفراق من قبله أو يتم به مثل أن يطلق أو يخالع أو يملك فإذا كان الفراق من قبلها فلا متعة لها سواء كان الزوج حرا أو عبدا، والزوجة حرة كانت أو أمة. الفراق على أربعة أضرب إما أن يكون من جهته أو من جهتها أو جهتهما معا أو

(1) البقرة: 241.
(2) البقرة: 236.

[ 320 ]

جهة أجنبي، فما يكون من جهته بطلاق ولعان وردة وإسلام، فإن كانت بالطلاق فلها المتعة لعموم الآية، وإن كان باللعان أو الارتداد أو الاسلام قال قوم يجب المتعة لأن الفراق من قبله، وهو الذي يقوى في نفسي، ولو قلنا لا يلزمه متعة لأنه لا دليل عليه لكان قويا. وأما من جهتها مثل ارتداد أو تسلم أو تعتق تحت عبد فتختار نفسها، أو تجد به عيبا فتفسخ، أو يجد هو بها عيبا، فإنه وإن كان الفاسخ هو فهي المدلسة، فالكل من جهتها ولا متعة لها في كل ذلك. فأما امرأة العنين فلو شاءت أقامت معه، وقال قوم لها متعة، وقال آخرون: لا متعة لها، وهو الصحيح. فأما إن جاءت الفرقة من جهتهما معا وهو الخلع، فالخلع كالطلاق والمتعة تجب لها. فأما إن جاءت الفرقة من جهة أجنبي مثل أن كانت زوجته صغيرة فأرضعتها أمه أو قرابة له رضاعا يحرم مثله، فصارت له محرما وقعت الفرقة، وكانت كالخلع المغلب فيها حكم الزوج، لأنه يعود إليه بها قبل الدخول نصف المهر، فكأنه طلقها هو، فعليه المتعة. إذا كان له زوجة هي أمة، وكانت عنده مفوضة البضع، فاشتراها من سيدها انفسخ النكاح، ولا متعة لها عندنا، لأنه لا دليل عليه وقال قوم لها المتعة. وقال بعضهم ينظر فإن كان المستدعي للبيع هو السيد غلبنا جنبته، وإن كان المستدعي هو الزوج غلبنا جنبته، وقال الأولون: هذا باطل بالخلع لأنه لا يتم إلا بهما، ومع هذا فلا يغلب جنبة الطالب دون غيره. إذا تزوج امرأة على أن يعلم غلاما لها صنعة أو قرآنا صح. ولو أصدقها خشبة فشقته أبوابا وتوابيت فزادت قيمته ثم طلقها قبل الدخول لم يكن له الرجوع لأنها زيادة غير متميزة، فإن بذلت له النصف بزيادته لم يجب عليه أن يقبل منها. ولو أصدقها فضة أو ذهبا فصاغته أواني فزادت قيمته ثم طلقها قبل الدخول،

[ 321 ]

كان لها متعة من نصفه، فإن بذلت له النصف لزمه القبول، لأنها زيادة غير متميزة. والفصل بين الذهب والخشب أن الذهب والفضة وإن صيغا آنية فإنه يجئ من الآنية كل ما يجئ منها قبل الصياغة، فلهذا لزمه القبول، وليس كذلك الخشب لأن المشقوق لا يجئ منه ما يجئ من غير المشقوق، فلهذا لم يجبر على القبول. فإن أصدقها أباها باختيارها صح الصداق، وعتق أبوها عليها عقيب العقد، لأنها ملكته بالعقد. وإن كانت محجورا عليها وأصدقها أباها، وقبل ذلك وليها فالصداق باطل لأن الولي إنما يتصرف فيما للمولى عليه نفع، وهذا ضرر عليها، لأنه قبل لها ما لا نفع لها فيه. وهكذا لو كان الولي أباها فأصدقها الزوج أمها فقبل الأب ذلك، فالصداق باطل. فإن أصدقها إناءين فانكسر أحدهما وطلقها قبل الدخول بها، قيل فيها قولان: أحدهما لها نصف الموجود، ونصف قيمة التالف، والثاني بالخيار بين أن يأخذ نصف الموجود ونصف قيمة التالف، وبين أن يدع ويأخذ نصف قيمتهما معا، والأول أقوى. ولو أصدقها أربعين شاة فحال الحول عليها وأخرجت منها شاة ثم طلقها قبل الدخول، كان له أن يأخذ منها عشرين من الغنم. وإذا أصدقها صداقا فأصابت به عيبا كان لها رده بالعيب، سواء كان العيب كثيرا أو يسيرا، وقال قوم: إن كان يسيرا لم يكن لها الرد وإن كان كثيرا فلها رده.

[ 322 ]

(فصل) * (في ذكر الوليمة والنثر) * والوليمة معروفة وهي وليمة العرس، فإذا أطلقت وقعت على وليمة العرس وتقع على غيرها من دعوة إملاك أو نفاس أو ختان أو حال سرور على التقييد، وضرب من المجاز، والوليمة الاجتماع كذا حكي عن أبي زيد، وهي مشتقة من الولم وهو القيد، وإنما سمي ولما لأنه يجمع ويضم. كذا أيضا وليمة العرس إنما سمي وليمة لأن فيها اجتماع الزوجين. قال ثعلب الوليمة طعام العرس. فإذا ثبت ذلك فالوليمة مستحبة غير واجبة، وقال قوم هي واجبة فأما سائر الولائم فمستحبة بلا خلاف، وأما الإجابة إلى الدعوة فمستحبة، وليست بواجبة، فمن قال هي واجبة فهل هي من فروض الأعيان أو فروض الكفايات؟ قيل فيه وجهان: أحدهما من فروض الأعيان لقوله عليه السلام من دعي إلى وليمة فلم يجب فقد عصى الله ورسوله، ومن جاءها من غير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا، والعصيان يكون بترك الواجب. والثاني أنه من فروض الكفايات كرد السلام، لأن الغرض اشتهار الوليمة وإذا اتخذ الذمي وليمة فلا يجوز للمسلم حضورها، وقال قوم إنه يجب عليه حضورها وقال آخرون لا يجب بل يجوز. وإن كان المدعو صائما فإن كان صومه تطوعا استحب له أن يحضر ويفطر وقال قوم ينبغي أن يحضر ويترك، وليس يحتم عليه أن يأكل، فأما إن كان صائما فرضا إما نذرا أو غير نذر فلا يفطر، ومتى كان نفلا استحب له أن يفطر بلا خلاف وإذا كان مفطرا فهل عليه الأكل وجوبا أم لا؟ عندنا أنه مستحب له، وليس بواجب وقال بعضهم إنه يجب عليه ذلك. إذا كان في الدعوة مناكير وملاهي مثل شرب الخمر على المائدة، وضرب العود

[ 323 ]

والبرابط والمزامير وغير ذلك، وعلم، فلا يجوز له حضورها، وإن علم أنه إن حضر قدر على إزالته، فإنه يستحب له حضورها ليجمع بين الإجابة والازالة. وإن لم يعلم حتى حضر فإن أمكنه إزالته أزاله، لأن النهي عن المنكر واجب، وإن لم يمكنه إزالته فالواجب أن لا يقعد هناك بل ينصرف، وقال قوم ذلك مستحب ولو جلس لم يكن عليه شئ. فإن أمكنه أن لا يحضر أصلا إذا علم فالأولى ذلك، وإن لم يمكنه أن ينصرف فإنه يجلس ولا إثم عليه بأصوات المناكير متي لم يستمع إليها، لأن هذا سماع وليس باستماع، فهو بمنزلة من سمع من الجيران فإنه لا يأثم به، ولا يلزمه أن يخرج لأجله. وإن رأى صورة ذات أرواح فلا يدخلها إن كانت منصوبة وإن كانت توطأ فلا بأس به، وإن كانت صور الشجر فلا بأس، وكذلك صور كل ما لا روح فيه، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو صورة، ورأى عليه السلام سترا عليه صورة فقال لبعض نسائه قطعيه مخادا. نثر السكر واللوز في الولائم وغير ذلك جائز، غير أنه لا يجوز لأحد أخذه إلا بأذن صاحبه، إما قولا أو شاهد حال أنه أباحه، وينبغي أن لا ينتهب وتركه أولى على كل حال، وقال قوم هو مباح إن كانت تؤخذ بخلسة، ويملك النثار كما يملك الطعام إذا قدم إلى قوم وقيل فيه ثلاثة أوجه ذكرناها في كتاب الأطعمة أقواها أنه يملكها بالأخذ والحيازة.

[ 324 ]

(كتاب القسم) قال الله تعالى " قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم " (1) يعني من الحقوق التي لهن على الأزواج من الكسوة والنفقة والمهر وغير ذلك وقال " الرجال قوامون على النساء " (2) يعني أنهم قوامون بحقوق النساء التي لهن على الأزواج، وقال تعالى " وعاشروهن بالمعروف " (3) وقال " لهن مثل الذي عليهن بالمعروف " (4). فظاهر هذا يدل على أن للزوجات على الأزواج مثل الذي للأزواج على الزوجات من الحقوق، وليس كذلك لأن حقوقهم مختلفة لأن حقوق الزوجات النفقة والكسوة والمهر والسكنى وحقوق الأزواج التمكين من الاستمتاع وهذا مخالف. ومعنى الآية أن على كل واحد منهما ما عليه لصاحبه فجمع بينهما من حيث الوجوب لا كيفية الحقوق. فإذا ثبت العشرة بالآية فعلى كل واحد منهما أن يكف عما يكرهه صاحبه من قول وفعل، وعلى كل واحد منهما أن يوفي الحقوق التي عليه من غير أن يحوج صاحبه إلى الاستعانة بغيره، ومرافعته إلى الحاكم ووكلائه، ولا يظهر الكراهية في تأدية حق صاحبه مما هو واجب عليه، بل يؤديه باستبشار وانطلاق وجه. وعلى كل واحد منهما إذا تمكن من تأدية ما عليه من الحقوق أن لا يمطل صاحبه ولا يؤخر فإن مطله مع قدرة الدفع كان آثما وكان رسول الله صلى الله عليه وآله توفي عن تسع: وكان يقسم لثمان لأن سؤدة بنت زمعة وهبت ليلتها لعائشة حين أراد النبي صلى الله عليه وآله طلاقها لما كان بها من الكبر، فسألته أن يتركها في جملة أزواجه ووهبت ليلتها لغيرها

(1) الأحزاب: 50.
(2) النساء: 34.
(3) النساء: 19.
(4) البقرة: 227.

[ 325 ]

فدل ذلك على أن هبة القسم جايزة متى رضي الزوج. فإذا ثبت أن الهبة جائزة فإنها يفتقر إلى إذن الزوج، لأن القسم حق لها و له، وهي لا تملك إسقاط ما عليها من الحق فإذا وهبت ليلتها فلا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن تهبها للزوج أو لضرائر الزوج أو لواحدة منهن: فإذا وهبت للضرائر فتكون الليلة منصرفة إليهن مثل أن يكون له أربع زوجات فوهبت ليلتها لهن كان عليه أن يبيت عند كل واحدة ليلة ثم يرجع إلى الأولى بعد يومين، بعد أن كان يرجع إليها بعد ثلاثة أيام. وإن وهبت للزوج فله أن يقبل لأن النبي صلى الله عليه وآله قبل هبة سؤدة، فإذا قبلها فله أن يصرفها إلى من شاء منهن لأنه حق له، وإن صرف إلى واحدة منهن فليس لها الامتناع من قبولها، لأنه زيادة في حقها. وإن كان له أربع زوجات فحللته ثلاثة نسوة منهن لأن يبيت عند واحدة و رضي الزوج بذلك، فإن عليه أن يتوفر عليها لأنه بمنزلة من له زوجة واحدة، و إن وهبت لواحدة منهن ورضي الزوج جاز لأن سودة وهبت لعائشة. فإذا ثبت أن الهبة جايزة فإن رجعت في الهبة ففيه ثلاث مسائل إحداها أن رجوعها في الماضي لا يصح لأنه كالهبة المقبوضة، ولا يصح الرجوع فيها وأما رجوعها في المستقبل فجائز لأنها بمنزلة الهبة التي لم تقبض وإن رجعت ولم يعلم الزوج برجوعها حتى بات عند نسائه ليالي، فإنه لا يجب عليه قضاؤها. فإن وهبت ليلتها في أول الليل ورجعت في نصف الليل صح رجوعها في النصف الأخير ومتى أرادت أن تأخذ العوض على ليلتها بأن تبيعها من زوجها أو من ضرة من ضرائرها لم يجز لها ذلك، لأن العوض في مقابلة عين أو منفعة، وليس هذا عين ولا منفعة، بل هو مأوى وسكن. إذا كان للرجل زوجات فلا يجب عليه القسم ابتداء لكن الذي يجب عليه النفقة والكسوة والمهر والسكنى، فمتى تكفل بهذه فلا يلزمه القسم، لأنه حق له، فإذا أسقطه لا يجبر عليه، ويجوز له تركه، وأن يبيت في المساجد وعند أصدقائه

[ 326 ]

فأما إن أراد أن يبتدئ بواحدة منهن فيجب عليه القسم لأنه ليس واحدة منهن أولى بالتقديم من الأخرى، فعليه أن يقسم بينهن بالقرعة، فمن خرجت له القرعة قدمها هذا هو الأحوط وقال قوم يقدم من شاء منهن. إذا كان له زوجتان أقرع بينهما دفعة، وإن كان له ثلاث زوجات أقرع بينهن قرعتين، وإذا كن أربع نسوة أقرع بينهن، ثلاث قرع ثم يبيت عند الرابعة لأن النبي أقرع بين نسائه حين أراد أن يسفر بهن. وإن لم يقسم وبدء بالدخول بواحدة كان عليه أن يقضي تلك الليلة في حقهن لقوله تعالى " وعاشروهن بالمعروف " وقوله " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء إلى قوله فلا تميلوا كل الميل " (1) وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيمة وشقه مائل. فأما النبي صلى الله عليه وآله فإنه كان لا يجب عليه القسم ابتداء لكن إذا بدأ بواحدة منهن فهل يجب عليه القسم قيل فيه وجهان أحدهما لا يجب عليه لقوله تعالى " ترجى من تشاء منهن " (2) وقال آخرون كان يجب عليه لقوله تعالى " وعاشروهن بالمعروف " ولقوله " فلا تميلوا كل الميل " ولأنه عليه السلام كان يطاف به محمولا على نسائه فيبيت عند كل امرأة ليلة حتى حللته سؤدة أن يبيت عند عائشة. وكان صلى الله عليه وآله يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك من جهة الفعل وأنت أعلم بما لا أملكه من جهة الهوى، فدل على أنه كان واجبا عليه. وإذا سوى بينهن في القسمة لا يلزمه أن يسوي بينهن في الجماع، بل إذا بات عندها إن شاء جامعها وإن شاء لم يفعل، والمستحب التسوية بينهن في الجماع وإن لم يفعل جاز، لأنه ربما لا يستطيع ذلك، ولأنه حق له فكان له تركه. والقسمة يجب أن يكون بالليل فأما بالنهار فله أن يدخل إلى أي امرأة شاء لحاجة أو سبب، لأن الإيواء للسكن إليهن بدلالة قوله " لتسكنوا إليها " (3) والليل

(1) النساء: 129.
(2) الأحزاب: 51.
(3) الروم، 21.

[ 327 ]

موقع السكن لقوله تعالى " لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله " (1) يعني الليل والنهار. وإذا كان عنده حرائر مسلمات وذميات كان للمسلمة الليلتان وللذمية الليلة وكذلك إن كانت عنده حرة وأمة زوجة كان للحرة ليلتان وللأمة ليلة واحدة، و عند المخالف أن الذمية كالمسلمة، وخالف بعضهم في الأمة وسوى بينهن. ويتصور في الأمة والحرة عند من لم يجز الجمع بينهما في موضعين أحدهما في العبد إذا تزوج بأمة ثم بحرة ثم أعتق، والثاني في الرجل إذا كان معسرا فتزوج أمة ثم أيسر وتزوج بحرة، ولا يتصور إلا في هذين الموضعين. والمرأة الكبيرة الناشزة لا قسم لها، وكذلك الصغيرة التي لم تبلغ حد الاستمتاع لا قسم لها، والأمة إذا كانت زوجة فلها أن يحلل من قسمها من شاءت بغير إذن سيدها لأنه حق لها لا للسيد، وليس للسيد منعها من ذلك. قد بينا أن القسم يكون ليلا فكل امرأة قسم لها ليلا فإن لها نهار تلك الليلة، فإن أراد أن يبتدي بالنهار جاز، وإن أراد أن يبتدئ بالليل جاز، لكن المستحب أن يبتدئ بالليل لأنه مقدم على النهار، ولأن الشهور تؤرخ بالليل لأنها تدخل بالليل. ومتى أراد الدخول إلى غير صاحبة القسم، فلا يخلو أن يكون نهارا أو ليلا فإن كان نهارا فيدخل عليها عيادة لها أو زيارة أو في حاجة ليحدثها أو يعطيها النفقة، و ما يجري هذا المجرى، فإن له ذلك ما لم يلبث عندها فيجامعها، لأن النبي صلى الله عليه وآله كذا كان يفعل. وأما الدخول إليها ليلا فلا يجوز سواء عادها أو زارها أو أراد السلام عليها أو يعطيها النفقة لأن جميع الليل حق لغيرها، فإن اضطر إلى ذلك وهو أن تكون مريضة فثقلت في تلك الليلة، فإنه يجوز له أن يخرج إليها لأنه موضع ضرورة. فإذا ثبت هذا وجاء إليها لا يخلو من أن تموت أو تبرأ، فإن ماتت فلا يحتاج إلى قضاء هذه الليلة، وإن برأت من المرض، فإنه يحتاج أن يقضي تلك الليلة في

(1) القصص: 73.

[ 328 ]

حقهن من ليلتها، لأنها حق لها، وإن دخل إليها وخرج من عندها في الحال، فإنه لا يجب عليه قضاء ذلك القدر، لأنه يسير فلا يقدح في المقصود، وإن دخل إليها و جامعها فهل يجب عليه قضاء ذلك الجماع؟ قيل فيه ثلاثة أوجه أحدها وهو الصحيح عندنا أنه لا يجب لأن الجماع ليس من متضمن القسم، والثاني يحتاج أن يقسم ليلة كاملة عندها من ليلتها، والثالث إذا جاء ليلتها مضى إلى من فوت عليها الجماع فيجامعها ثم يرجع إليها. المستحب أن يقسم ليلة ليلة لأن النبي صلى الله عليه وآله كذا فعل، وإن قسم ليلتين ليلتين أو ثلاثا ثلاثا جاز [ وإلى ثلاث ] فهو متحكم في ملكه، وما زاد على ذلك فإن كان برضاهن جاز أيضا وإن لم يكن برضاهن لم يجز. ويجب أن يقسم للمريضة والرتقاء والحائض والنفساء والتي آلى عليها، و التي ظاهر منها وللمرحمة، لعموم الآيات والأخبار بلا خلاف. فإن كان رجل عنينا أو مجبوبا وله زوجات وبات عند واحدة يجب عليه أن يقضي للبواقي، وإذا قسم لهن فالمستحب أن يطوف عليهن، لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يطوف عليهن ولا يحوجهن إلى البروز والخروج، وإن قعد في بيت نفسه واستدعاهن جاز له ذلك لأن له أن يسكنهن حيث شاء، وأن يحولهن إلى حيث شاء، و إن أراد أن يطوف على البعض ويستدعي بعضهن جاز أيضا، ومتى استدعى واحدة و امتنعت سقط حقها من النفقة والسكنى والكسوة والقسم، لأنها ناشزة. والجنون جنونان جنون يكون فيه تخريق ثياب ووثوب وضرب وقتل فإذا كانت كذلك فلا قسم لها وإن لم تكن كذلك غير أنها تصرع صرعا أو يعتريها علة من الغشيان فلها القسم. النفقة والقسم شئ واحد فكل امرأة لها النفقة فلها القسم وكل من لا نفقة لها فلا قسم لها، وتستحق النفقة بالطاعة والتمكين من الاستمتاع ويسقط بالعصيان والمنع من الاستمتاع. فإذا ثبت هذا فإذا سافرت ففيه ثلاث مسائل: إحداها سافر بها الزوج أو أشخصها

[ 329 ]

من موضع إلى موضع ففي هذه الأحوال لها النفقة والقسم جميعا لأنها في قبضته وهو متمكن من الاستمتاع بها الثانية [ إذا سافرت المرأة وحدها بإذن الزوج، لا تسقط نفقتها ولا قسمتها، لأن الأصل ثبوت حقهما وفيه خلاف. الثالثة ] (1) إذا سافرت بغير إذنه فإنه لا نفقة لها، ولا قسم، لأنها ناشزة عاصية، وليس لها النفقة ولا القسم. وروى أصحابنا أنه إذا كان له زوجتان جاز له أن يقسم لواحدة ثلاث ليال و لواحدة ليلة، فإذا كانت له ثلاث نساء جاز له أن يقسم لواحدة ليلتين ولكل واحدة منهما ليلة ليلة ولم أجد للفقهاء نصا فيها (2). إذا كان للمجنون أربع زوجات ويتصور في موضعين أحدهما إذا كان قد بلغ رشيدا عاقلا فتزوج بأربع، ثم جن، الثاني كان صبيا فزوجه أبوه بأربع ثم بلغ مجنونا فأما أن يتزوج مجنون بأربع فلا يجوز لأنه لا يجوز للولي أن يزوجه أكثر من واحدة، لأنها قدر الحاجة. فإذا كان له أربع زوجات فلا يخلو حاله من أحد أمرين إما أن كان قد قسم لواحدة في حال إفاقته أو لم يقسم، فإن كان قسم لواحدة فإن الولي يقسم للبواقي لأنه منصوب للمصلحة، وهذا من المصحلة، لأنه حق لهن، وإن كان لم يقسم أصلا فإن رأى الولي المصلحة في القسمة قسم لمثل ذلك. فإذا طاف فإن شاء طاف به عليهن، وإن شاء استدعاهن إليه، ولا يجوز له أن يجور لأن الولي بمنزلة العاقل، وليس للعاقل الجور في قسم زوجاته، ولا تفضيل بعضهن على بعض. وإن جار وقسم لإحداهن أكثر فإنه آثم فإذا أفاق لزمه أن يقضي ما نقص من حقها وحق بواقيهن، والولي في حق المجنون كالعاقل في حق نفسه إلا أن له أن يعمل ما يعود بمصلحته لا غير دون ما لا يعود.

(1) ما بين العلامتين أضفناه من نص الخلاف بالقرينة وكانت النسخ خالية عنه.
(2) لكنه قال في الخلاف: وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا: يجب عليه التسوية بينهما.

[ 330 ]

إذا خرج الرجل في خوف من عند صاحبة الليل أو أخرجه السلطان فإنه يحتاج إلى أن يقضي ذلك القدر لها، لأن جميع الليل حق لها، ثم هو بالخيار في أن يقضي لها النصف الذي فوت عليها فيه حقها: بين النصف الأخير، أو النصف الأول، والمستحب أن يقضي لها من النصف الثاني، لأنه قضاء لما فوت عليها. فإن أراد أن يقضي لها من النصف الثاني فإنه يحتاج أن يبيت في بيته أو في مسجد منفردا ثم يمضي إليها نصف الليل، ولا يجوز له أن يبيت النصف الأول عند غيرها ثم يمضي إليها، لأن في ذلك تفضيل غيرها عليها، وإن أراد أن يبيت عندها النصف الأول فإنه يمضي إليها في النصف الأول، والنصف الثاني يخرج من عندها، ولا يجوز له أن يبيت عندها إلى الصباح، لأن هذا يكون تفضيلا لها على غيرها وهذا لا يجوز. إذا كان للرجل إماء فلا يجب عليه أن يقسم لهن، فإذا طاف عليهن فليس عليه أن يسوي بينهن بل الأمر في ذلك إليه يعمل كيف شاء، وإن كان معهن زوجات حرائر، فإن للحرائر القسم، فإن بات ليلة عند واحدة من إمائه فليس عليه أن يقضي تلك الليلة في حق الزوجات، لأن القضاء فرع على القسم، وليس للإماء قسم. إذا ظهر من الزوج إضرار بالزوجة فيصر على أذاها فإنه يسكنها الحاكم في دار في ناحية من يثق به حتى يشرف عليها وينظر في حالها، ويمنعه من أن يظلمها وكذلك إذا تشكى كل واحد منهما من صاحبه، فيسكنهما دار من يثق به حتى يطلع عليهما ويعرف من الظالم؟. إذا كان للرجل أربع زوجات فقسم لكل واحدة عشر ليال فوفى بحق الثلاث منهن، فلما جاء إلى الرابعة تخلى بنفسه وانفرد في بيته، ولم يبت عندها تلك العشرة فإنه يحتاج إلى أن يقضي لها عشر ليال، فإن بات عند الثلاث أربعين ليلة احتاج أن يقضي لها ثلاث عشرة ليلة وثلث ليلة. إذا كان للرجل أربع زوجات فنشزت واحدة فقسم للثلاث بينهن لكل واحدة خمس عشرة ليلة، فلما وفي حق الثنتين منهن قدمت الغائبة ورجعت إلى الطاعة

[ 331 ]

فليس لها حظ في حق من مضى، لأنها كانت عاصية لا تستحق القسمة، لكن لها حق القسم في المستقبل وعليه أن يبيت عند الحاضرة خمس عشرة ليلة، فيحتاج أن يقضي لها خمس عشرة ليلة وأن يبيت عند القادمة خمس ليال فيبتدئ القسم فيقسم أربعا أربعا فيبيت عند الحاضرة ثلاثا ثلاثا وعند القادمة ليلة ليلة، فإذا مضى خمس دورات فقد تم لكل واحدة منهن حقها، فإذا مضى خمس دورات حصل للحاضرة خمس عشرة ليلة وللقادمة خمس ليال، ثم يستأنف القسم. ليس للرجل أن يسكن امرأتين في بيت واحد إلا برضاهما، ويجوز أن يسكنهما في دار واحدة إذا كان سكنى مثلهما، وسواء كان البيت سكنى لمثلهما أو لم يكن سكنى لمثلهما فإنه لا يجوز له أن ينزلهما فيه دفعة واحدة إذا لم يتراضيا به، لأن ذلك يورث العداوة بينهما. إذا منع الرجل زوجته من الخروج من بيته، فله ذلك لأن منفعتها مستحقة له طول الليل والنهار، فإذا ثبت ذلك فله أن يمنعها من جنازة أبيها وأمها وولدها، و من حضور موتهم ومشاهدة تكفينهم وغسلهم، فأما الخروج مع الجنازة إلى المقبرة فهي ممنوعة منه على كل حال. روى ثابت البناني عن أنس أن رجلا سافر فنهى زوجته عن الخروج من الدار فمرض أبوها فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال النبي صلى الله عليه وآله لها: أتقي الله وأطيعي الزوج فمات أبوها فأوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وآله أنه قد غفر لأبيها بطاعتها لزوجها، و لأن طاعة الزوج فرض وحضور موت الأب والأم مباح، أو هو من النفل فتقديم الواجب على النفل أولى. والمستحب أن لا يمنعها من حضور موت الأب والأم وغيرهما. وإذا كان للرجل أربع زوجات فقسم لهن وهربت واحدة أو أغلقت دونه بابها أو ادعت الطلاق وهي كاذبة، فإنه يسقط حقها من القسم والنفقة، لأنها ناشزة، و الناشزة لا حق لها في ذلك، فإن رجعت إلى الطاعة، كان لها حقها في السكنى والنفقة والقسم.

[ 332 ]

إذا كان له أربع زوجات فقسم لهن ليلة ليلة وطاف عليهن، فلما كان ليلة الرابعة طلقها فقد فعل فعلا محرما وأثم، لأن تلك الليلة حقها، إلا أن تحلله منه فإن تزوج بها ثانيا مثل أن طلقها طلاقا رجعيا فراجعها أو باينا فاستحلها وعقد عليها عقدا ثانيا فإنه يلزمه أن يقضي لها تلك الليلة. إذا كان محبوسا في موضع وله أربع زوجات وتمكن من الدخول والوصول إليه وقد كان قسم في حال انطلاقه، فإنه وجب عليه أن يقسم للبواقي لأن ذلك حق لهن، ومع القدرة يجب إيفاؤهن حقهن، وإن كان لم يقسم لهن واستدعى واحدة وباتت عنده، وجب عليه أن يقضي تلك الليلة في حقهن كلهن لأن لكل واحدة ليلة فإذا أمكن إيفاؤهن وجب ذلك، وإن استدعى واحدة وامتنعت سقط حقها من النفقة والقسم والسكنى لأنها ناشزة. إذا كان له زوجتان أمة وحرة وبات عند الحرة ليلتين، وقبل أن يبيت عند الأمة ليلة أعتقت فعليه أن يبيت عندها ليلتين وإن أعتقت بعد أن بات عندها ليلة لا يلزمه أن يبيت ليلة أخرى، لأنها ساوت الحرة بعد استيفاء حقها، وإذا بدأ بالأمة وبات عندها ليلة ثم بدأ بالحرة فقبل أن يوفي حقها عليها أعتقت الأمة فعليه أن يقضي لها ليلة لأنها ساوت الحرة قبل أن وفى حقها عليها، فينبغي أن يكون حقها مثل حق الحرة لأنها حرة مثلها. إذا كان للرجل امرأتان فأسكن كل واحدة منهما بلدا فأقام عند واحدة منهما مدة كان عليه أن يقيم عند الأخرى مثل تلك المدة. إذا كان للرجل إماء فإنه يجوز له أن يطوف عليهن كلهن ويجامعهن، ويغتسل غسلا واحدا، فأما إذا كانت له زوجات، فإنه لا يمكنه أن يطوف عليهن بغسل واحد لأنه إذا جامع واحدة لا يمكنه أن يجامع الأخرى لأن أقل القسم ليلة، اللهم إلا أن يحللنه فيطوف عليهن في ليلة واحدة ويجامع كلهن، فيجوز له أن يطوف عليهن بغسل واحد. إذا كان للرجل امرأتان أو ثلاث وتزوج بواحدة فهذه الجديدة يخصها إن كانت بكرا بسبعة أيام، وإن كانت ثيبا بثلاثة أيام، ويقدمها فلها حق التقديم و

[ 333 ]

التخصيص وفيه خلاف. إذا تزوج الرجل بامرأتين فالمستحب أن لا يزفا إليه في ليلة واحدة، لأن كل واحدة منهما لها حق العقد، فإذا قدم واحدة استوجبت الأخرى، فإن فعل ذلك نظرت فإن سبقت إحداهما الأخرى في الدخول، فإنه يقدمها، لأن لها حق السبق وإن تساويا في السبق، فإنه يقرع بينهما فمن خرجت قرعتها قدمها. وإن كان له امرأتان فقسم بينهما ليلة ليلة فبات عند واحدة ليلة، فلما جاءت نوبة الثانية زفت إليه امرأة فإنه يقدمها عليها، لأن لها حق العقد ثم يبيت عندها ليلة. قد ذكرنا أن أصل القسم الليل، وأن النهار تابع له، وأنه لا يجوز أن يدخل على غير صاحب الليلة لا لحاجة ولا لغير حاجة، ويجوز أن يدخل على غيرها بالنهار لحاجة، لأن النهار للتعيش، وكذلك في حق الجديدة: لا يجوز له أن يدخل على غيرها بالليل، ويجوز له أن يدخل عليها نهارا ولا يستحب له أن يتخلف عن شهود جماعة، وحضور جنازة، أو إجابة دعوة، لأن القسم مباح، وهذه الأشياء طاعات، والمباح لا يمنع من الطاعات. إذا أراد أن يسافر بزوجاته وكن أربعا كان له، وإن أراد أن لا يسافر بواحدة منهن كان له، لأن الذي عليه هو توفية حقوقهن من النفقة والكسوة والسكنى دون الإيواء إليهن، والكون معهن. وإن اختار أن يسافر ببعضهن ويدع البعض كان له، والأولى أن يقرع بينهن فمن خرج اسمه أخرجه، لأن النبي صلى الله عليه وآله إذا أراد السفر كان يقرع بين أزواجه فمن خرج اسمه أخرجه، وفي الناس من قال يخرج من شاء، والأول أحوط. فأما كيفية القرعة فعلى ما نقوله في كتاب القسم فيمكن إخراج الأسماء على السفر وإخراج السفر على الأسماء، فإخراج الأسماء على السفر أن يكتب اسم كل واحدة في رقعة، ويجعل الرقعة في بندقة من طين أو غيره، وتكون البنادق في حجر من لم يحضر إصلاح البنادق، فيقال له أخرج على السفر رقعة.

[ 334 ]

فإن أخرجت رقعة واحدة فقد خرج سهمها، فإن أراد إخراج زوجتين أخرج رقعة أخرى، وإن أراد ثالثة أخرج رقعة أخرى، فإن أراد إخراج اثنتين كان بالخيار بين أن يصلح أربع بنادق، وبين أن يصلح بندقتين في كل بندقة اسم ثنتين، ويخرج على ما بيناه. فأما إخراج السفر بالأسماء فإن أراد أن يسافر بواحدة كتب في رقعة سفر، و في ثلاث رقاع في كل واحدة حضر، ثم قيل له أخرج على اسم فلانة، فإن خرج سفر فقد تعينت وإن خرج حضر فقد تعين مقامها. وإن أراد أن يسافر باثنتين كتب في رقعتين سفر، وفي رقعتين حضر، وأخرج على أسمائهن على ما قلناه، وإن أراد ثلاثا كتب في ثلاث رقاع سفر، وفي رقعة حضر، و أخرج. وإن أراد السفر باثنتين كان له كتب رقعتين في رقعة سفر وفي أخرى حضر، و أخرج على ما قلناه. فإذا أقرع بينهن فخرج سهم واحدة تعين حقها، وليس له أن يعدل بالسفر إلى غيرها، وإن اختار ترك السفر بهذه التي خرج سهمها كان له، لأن الحق تعين له، فكان له تركه. فإذا ثبت أنه بالخيار نظرت، فإن لم يسافر بها فلا كلام، وإن سافر بها لم يقض للبواقي مدة كونها معه في السفر، لأنه لم يرو أن النبي صلى الله عليه وآله قضى للباقيات. إذا كانت له زوجة فتزوج أخراوين فزفتا إليه فقد ثبت لكل واحدة منهن سهمها من القسم بحق العقد سبع للبكر وثلاث للثيب، فإن أراد سفرا نظرت. فإن لم يسافر بهن فلا كلام، وإن أراد أن يسافر بواحدة منهن فلا بد من القرعة، فإن خرج سهم إحدى الجديدتين فسافر بها دخل حق العقد بكونها معه في السفر، لأنه وفى حق العقد، لأن القصد كونها معه وأنسه بها لتزول الحشمة، و السفر قد حصل هذا فيه. فإذا رجع فهل يوفي في الجديدة الأخرى ما كان لها من حق العقد أم لا؟ على وجهين:

[ 335 ]

أحدهما لا حق لها، لأنه لو أقام عندها سبعا فضلها على التي سافر بها، لأنه ما قضى للتي سافر بها حق العقد وإنما دخل حقها في كونها معه، فإذا لم يكن قضاها حق العقد لم يكن له أن يوفي الأخرى حق العقد، فيقع التفضيل. والوجه الثاني وهو أصحهما أنه يوفي الجديدة حق العقد، لأنه كانت تستحقه قبل السفر، فلا يسقط بكون صاحبتها معه في السفر، كقسم الانتهاء: وهو إذا قسم بينهن فسافر بواحدة منهن بالقرعة، دخل حقها في كونها معه بكونها معه ولم يسقط حق الباقيات. وأصل هذا إذا قسم لكل واحدة فأقام عند ثلاث ثم أقرع بينهن للسفر، فخرج غير الرابعة فخرج بها، فإذا عاد وفى الرابعة حقها من القسم، ولم يسقط بكون غيرها معه في السفر. قد بينا أنه أذا خرج بواحدة منهن بالقرعة، فإنه لا يقضي، فإن خالف و خرج بواحدة منهن بغير قرعة فعليه أن يقضي لمن بقي بقدر غيبته مع التي خرج بها وقال قوم لا قضاء عليه والأول أحوط. إذا سافر بواحدة منهن سفر نقلة من بلد إلى بلد، فهل يقضي للبواقي مدة كونه معها في السفر والتحول من بلد إلى بلد؟ قيل فيه وجهان أحدهما يقضي للبواقي مدة مقامه معها في بلد النقلة، دون كونها معه في السفر قبل وصوله إلى ذلك البلد لأنها حصلت معه في السفر بحق السفر فلم يقض للبواقي مدة السفر كما لو كان سفر غيبة لا سفر نقلة فإن أقام معها في بلد النقلة أوفي البواقي مدة مقامه معها فيه. وقال بعضهم: عليه أن يقضي لهن مدة كونها في السفر لقطع تلك المسافة لأنهن تساوين في قطعها معا كما لو سافر بهن معا فأقام عند واحدة منهن دون البواقي أو كان في الحضر فأقام عند واحدة منهن دون البواقي. إذا أراد سفر غيبة ورجوع لا سفر نقلة، فأقرع بينهن فسافر بواحدة بقرعة فلا قضاء عليه لمدة قطع المسافة، وأما بلد قصده ينظر فيه، فإن كان مقامه مقام مسافر لا قضاء عليه، وإن كان مقامه إقامة مقيم مثل أن نوى المقام ليتم فيه الصلوة، أو أقام

[ 336 ]

أكثر من عشرة أيام من غير نية، فعليه أن يقضي للبواقي مدة مقامه في ذلك البلد، لأنه صار مقيما. إذا أراد السفر مثلا إلى همدان، فأقرع بين نسائه فخرج سهم واحدة منهن فخرج بها، فلما حصل في الطريق حدثت له نية أن يصل سفره إلى الري كان له استدامة السفر بها لأن اتصال السفر كالسفر الواحد. المسئلة بحالها: فبادر بها بالقرعة، فلما حصل في الطريق تزوج أخرى فزفت إليه فعليه تقديم الجديدة ليوفيها حق العقد، فينظر فيه، فإن أراد أن لا يستديم سفره بواحدة منهما، كان له، وإن استدام السفر بهما كان له، فيوفي الجديدة حق العقد، ثم يقسم بينهما. وإن أراد أن يسافر بواحدة منهما أقرع بينهما، فإن خرجت قرعة الجديدة خرج بها، ودخل حق العقد بكونها معه، لأجل مقامها معه، وإن خرج سهم القديمة سافر بها، فإذا رجع وفى الجديدة حقها الذي ملكته بالعقد. إذا سافر بواحدة بالقرعة لم يقض للبواقي طال ذلك أم قصر.

[ 337 ]

(فصل) * (في أحكام النشوز) * قال الله تعالى " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن (1) " الآية فعلق تعالى هذه الأحكام بالنشوز، دل على تعلق الحكم به. فإذا ثبت ذلك ففيه ثلاث مسائل: إذا ظهرت أمارات النشوز ودلائله وعلاماته وإذا نشزت فأصرت عليه ولم تنزع عنه، ونفس النشوز. فأما إذا ظهرت منها علامات النشوز ودلائله، فذلك يظهر بقول وفعل، أما القول فمثل أن كانت تلبيه إذا دعاها وتخضع له بالقول إذا كلمها، فامتنعت عن تلبيته وعن القول الجميل عند مخاطبته، والفعل مثل أن كانت تقوم إليه إذا دخل عليها و تبادر إلى فراشه إذا دعاها ثم تركت ذلك فصارت لا تقوم ولا تبادر، بل تصير إليه بتكره ودمدمة ونحو هذه، فهذه دلائل النشوز. فإذا ظهر هذا منها وعظها بما يأتي ذكره لقوله تعالى " فعظوهن ". وأما إن نشزت فامتنعت عليه وأقامت على ذلك وتكرر منها، حل ضربها بلا خلاف. وأما إن نشزت أول مرة حل له أن يهجرها في المضجع وهل له ضربها بنفس النشوز أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما يحل، والآخر لا يحل، والأول أقوى لقوله تعالى " واهجروهن في المضاجع واضربوهن " فاقتضى ظاهره أنه متى خاف النشوز منها حلت له الموعظة والهجران والضرب، ولا خلاف أنها ليست على ظاهرها، لأن هذه الأحكام لا يتعلق بالخوف من النشوز، فإذا منع من ظاهرها الدليل حملناها على النشوز نفسه، ويكون التقدير " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن فإن فعلن النشوز فاهجروهن واضربوهن " ومن راعى التكرار والاصرار قدر ذلك فيه أيضا. فإذا ثبت ذلك عدنا إلى فصول النشوز.

(1) النساء: 34 وتتمة الآية، " واهجروهن في المضاجع واضربوهن ".

[ 338 ]

أما الموعظة فأن يخوفها بالله تعالى ويعرفها أن عليها طاعة زوجها، ويقول: اتقي الله وراقبيه وأطيعيني ولا تمنعيني حقي عليك. والهجران في المضاجع أن يعتزل فراشها، وقال قوم يقتضي ترك كلامها غير أنه لا يقيم عليه أكثر من ثلاثة أيام، وروى أصحابنا أن الهجران هو أن يحول ظهره إليها في المضجع. وأما الضرب فأن يضربها ضرب تأديب كما يضرب الصبيان على الذنب، ولا يضربها ضربا مبرحا ولا مدميا ولا مزمنا، ويفرق الضرب على بدنها، ويتقي الوجه وروى أصحابنا أنه يضربها بالسواك، وقال قوم يكون الضرب بمنديل ملفوف أو درة ولا يكون بسياط ولا خشب. وروي عن بعض الصحابة أنه قال: كنا معشر قريش تغلب رجالنا نساءنا، فقدمنا المدينة فكانت نساؤهم تغلب رجالهم فاختلطت نساؤنا بنسائهم فذئرن على أزواجهن فقلت يا رسول الله ذئر النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن فطاف بآل محمد نساء كثيرة يشكون أزواجهن فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لقد طاف بآل محمد سبعون امرأة كلهن يشكون أزواجهن فلا يكونن أولئك خياركم (1). معنى ذئرن أي اجترءن وأنشدوا لعبيد الأبرص. ولقد أتانا عن تميم أنهم * ذئروا لقتلي عامر وتعصبوا.

(1) وعن أياس بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تضربوا إماء الله، فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ذئرن النساء على أزواجهن فرخص في ضربهن، فأطاف بآل الرسول الله صلى الله عليه وآله نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لقد طاف بآل رسول الله نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم، رواه الثلاثة، راجع مشكاة المصابيح: 282، أسد الغابة ترجمة أياس بن عبد الله.

[ 339 ]

(فصل) * (في الحكمين في الشقاق بين الزوجين) * إذا ظهر الشقاق بين الزوجين لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يكون النشوز منها أو منه أو يشكل الأمر، فإن كان منها فقد مضى مستوفى، وإن كان منه لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون منه النشوز أو دلايله. فإن كان النشوز منه وهو أن يمنعها حقها من نفقة وكسوة ونحو هذا، فالحاكم يلزمه أن يسكن الزوجين إلى جنب عدل يشرف عليهما وقد مضى. وإن ظهرت أمارات النشوز منه، وهو أن كان يستدعيها إلى فراشه فامتنع وكان مقبلا عليها فأعرض عنها، وظهر منه دليل الزهد فيها فلا بأس أن تطيب المرأة نفسه بأن تدع بعض حقها من نفقة وكسوة وأن يترك القسم لقوله تعالى " فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير " (1) وقيل نزل في سودة بنت زمعة، هم رسول الله صلى الله عليه وآله بطلاقها فقالت: يا رسول الله لا تطلقني ودعني أحشر في زمرة نسائك وقد وهبت ليلتي لأختي عائشة فلم يطلقها فدل على جواز ما قلناه. وأما إذا أشكل الأمر فادعى كل واحد منهما النشوز، ولم يعلم الناشز منهما أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة يشرف عليهما، ويعرف الناشز منهما، لأن الحاكم لا يمكنه أن يلي ذلك بنفسه فإن أخبره بنشوز أحدهما حكم بالواجب فيه. وأما إن علم من كل واحد منهما النشوز على صاحبه وبلغ الأمر بينهما إلى المشاتمة والمضاربة وتخريق الثياب، وإلى ما لا يحل من قول أو فعل، ولم يفعل الزوج الصلح ولا الفرقة، ولا المرأة تأديه الحق ولا الفدية، فهذا الموضع الذي تناوله قوله تعالى: " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " (2). فإذا ثبت أنا نبعث الحكمين، فهل يبعث بهما الحاكم على سبيل الحكم أو بتوكيل من الزوجين؟ قيل فيه قولان أحدهما على سبيل التوكيل من الزوجين وعليه

(1) النساء: 127.
(2) النساء: 35.

[ 340 ]

يفرع، والثاني على طريق الحكم ليحكما على ما يؤدي اجتهادهما إليه. فمن قال على طريق الحكم، بعث الحاكم بالحكمين، ولم يلتفت إلى رضا الزوجين بذلك، وقال لهما: إن رأيتما الاصلاح فأصلحا، وإن رأيتما الفراق بطلاق أو بخلع فافعلاه: فإن كانت المصلحة في الصلح فلا بد أن يجتمع الحكمان عليه لأن الصلح من جهة كل واحد منهما، وإن كانت المصلحة في الخلع فكذلك أيضا لا بد أن يجتمعا، لأنه عقد معارضة يبذل أحدهما عنها ويقبل الآخر للزوج، وإن كانت المصلحة في الطلاق فلا يفتقر إيقاعه إلى اجتماعهما، لأن الذي من جهتها لا صنع له في الطلاق. ومن قال هو توكيل افتقر إلى نص كل واحد منهما بالتوكيل من جهته، فالزوج يوكل من جهته من يصالح ويفعل ما فيه المصلحة من طلاق بعوض وبغير عوض وتوكل هي على هذا فتقول لوكيلها ما رأيته من المصلحة من إصلاح أو طلاق أو خلع فافعل، فإن فعلا هذا برضا منهما فلا كلام، وإن امتنع كل واحد منهما عن التوكيل في ذلك فما الذي يصنع الحاكم؟ يأتي الكلام فيه. والمستحب على القولين معا أن يحكم الزوج من أهله، وحكم المرأة من أهلها للظاهر، وإن بعث من غير أهلهما جاز، ويكون الحكمان حرين ذكرين عدلين. والذي يقتضيه مذهبنا أن ذلك حكم، لأنهم رووا أن لهما الاصلاح من غير استيذان، وليس لهما الفرقة بالطلاق وغيره، إلا بعد أن يستأذناهما، ولو كان توكيلا لكان ذلك تابعا للوكالة، وبحسب شرطهما. وإذا فوضا أمر الخلع والفرقة إلى الحكمين والأخذ لكل واحد منهما من صاحبه، كان عليهما الاجتهاد فيما يريانه. هذا فيما كان متعلقا بالشقاق من الاصلاح أو الفراق وأما فيما عدا هذا النوع من الحقوق مثل إثبات دين على صاحبه أو استيفاء حقه منه، وقبض ديونه، فهذا توكيل بلا خلاف لا مدخل للحاكم فيه، لأنه لا مدخل له في الشقاق بينهما.

[ 341 ]

إذا غاب أحد الزوجين بعد التوكيل ولم يفسخ الوكالة كان لوكيله أن يمضي ما وكله فيه، لأن الغيبة لا تفسخ الوكالة، وإذا قيل على سبيل الحكم لم يكن لهما أن يفصلا شيئا لأنا وإن أجزنا القضاء على الغايب فإنما نقضي عليه، فأما يقضى له فلا، وها هنا لكل واحد منهما حق له وعليه، فلم يجز. إذا غلب على عقل الزوجين أو أحدهما لم يكن لهما إمضاء شئ لأن زوال العقل يزيل التوكيل، ويزيل الحكم الشقاق، ومن قال على طريق الحكم فلا يعتبر رضا الزوجين إلا فيما نقوله نحن خاصة في الفرقة والخلع، ومن قال وكالة قال هو كسائر الوكالات لا يجوز إلا برضاهما. فإن رضيا فذاك، وإن امتنعا فالحاكم لا يجبرهما على التوكيل، لكنه لا يهمل الأمر بل يراعيه ويبحث عنه حتى يخيره ويقف عليه، فمن كان عليه حق استوفاه لصاحبه، وقطع الشقاق بينهما، وإن كان فيهما من ارتكب ما يستحق به الأدب أدبه على قدر ما يرى من تأديبه، مثل أن منع الحق مع القدرة. وإذا شرط الحكمان شرطا نظر فيه، فإن كان مما يصلح لزومه في الشرع لزم وإن كان مما لا يلزم مثل أن شرطا عليه ترك بعض النفقة أو القسم أو شرطا عليه ألا يسافر بها، فكل هذا لا يلزم الوفاء به، وإن اختار الزوجان المقام على ما فعله الحكمان كان جميلا، وإن اختارا أن يطرحا فعلا. وإذا أكرهها على الخلع فبذلت عوضا واختلعت نفسها مكرهة كان الخلع باطلا وعليه رد ما أخذه منها بغير حق، والطلاق واقع، لأنه أوقعه باختياره، وله الرجعة لأن الرجعة إنما تسقط بأن يحصل له العوض، فإذا لم يحصل له العوض لم يسقط الرجعة، وهكذا إن كان الاكراه أن منعها حقها فبذلت الفدية واختلعت نفسها كان هذا إكراها فلا يصح أخذ الفدية به ولا تسقط الرجعية، فجعل منع الحق إكراها. هذا عند بعض المخالفين فأما عندنا فالذي يقتضيه المذهب أن نقول إن هذا ليس بإكراه لأنه لا دليل عليه.

[ 342 ]

(كتاب الخلع) سمى الله تعالى الخلع في كتابه افتداء فقال " فلا جناح عليهما فيما افتدت به " (1) و الفدية العوض الذي تبذله المرأة لزوجها تفتدي نفسها منه به، ومنه فداك أبي وأمي أي هما فداك، ومنه يقال فدي الأسير إذا افتدى من المال، فإن فودي رجل برجل قيل مفاداة. هذا هو الخلع في الشرع، وأما اللغة فهو الخلع، واشتقاقه من خلع يخلع يقال خلع الرجل زوجته واختلعت المرأة نفسها من زوجها وإنما استعمل هذا في الزوجين، لأن كل واحد منهما لباس لصاحبه قال الله تعالى " هن لباس لكن وأنتم لباس لهن " (2) فلما كان كل واحد منهما لباسا لصاحبه استعمل في ذلك الخلع من كل واحد منهما لصاحبه، وهكذا الشعار اللباس ومنه يقول الرجل لزوجته شاعريني أي باشريني. والأصل في الخلع الكتاب والسنة فالكتاب قوله تعالى " ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا - إلى قوله - فيما افتدت به " فرفع الجناح في أخذ الفدية منها عند خوف التقصير في إقامة الحدود المحدودة في حقوق الزوجية، فدل على جواز الفدية. وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن أن حبيبة بنت سهل أخبرتها أنها كانت عند ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج إلى صلوة الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله من هذه؟ فقالت أنا حبيبة بنت سهل، يا رسول الله لا أنا ولا ثابت، لزوجها. فلما جاء ثابت قال له رسول - الله صلى الله عليه وآله: هذه حبيبة قد ذكرت ما شاء الله أن يذكر، فقالت حبيبة يا رسول الله كل ما أعطاني عندي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: خذ منها فأخذ منها وجلست في أهلها.

(1) البقرة: 229.
(2) البقرة: 187.

[ 343 ]

الخلع على ثلاثة أضرب مباحان ومحظور: فالمحظور أن يكرهها ويعضلها بغير حق لتفتدي نفسها منه، فقد مضى أن هذا خلع باطل، والعوض مردود والطلاق واقع والرجعة باقية. في آخر باب القسم. فأما المباحان فالأول إن يخافا ألا يقيما حدود الله، مثل أن تكره المرأة زوجها لدينه أو خلقه أو نحو ذلك مما في نفسها من كراهتها له، فإذا كان في نفسها على هذه الصفة خافت ألا تقيم حدود الله عليها في حقه، وهو أن تكره الإجابة فيما هو حق له عليها، فيحل لها أن تفتدي نفسها بلا خلاف ههنا، لقوله تعالى " فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ". ومن هذا القسم قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن " (1) فحرم الله عضل المرأة بغير حق و إحواجها بالعضل إلى أن تفتدي نفسها، فيذهب بذلك ببعض ما آتاها، ثم استثنى فقال " إلا أن يأتين بفاحشة مبينة " وقيل إن الفاحشة الزنا. فدلت الآية على أنها متى زنت حل له عضلها وإحواجها بالعضل إلى أن تفتدي نفسها وقيل إن هذه الآية منسوخة كما نسخت آية الحبس بالفاحشة من الحبس إلى الحدود وهي قوله " واللاتي يأتين الفاحشة " (2) فنسخ الحبس بأن تجلد البكر مائة وتغرب عاما، وقد أباح الله الطلاق فهو قادر على إزالة الزوجية والخلاص منها، فلا معنى لعضلها حتى يفتدي نفسها ببذل، والأول أقوى، لأنه الظاهر ولا دليل على أنها منسوخة. الضرب الثاني من الخلع المباح أن تكون الحال بينهما عامرة والأخلاق ملتئمة واتفقا على الخلع، فبذلت له شيئا على طلاقها فهذا مباح عند الفقهاء، وقال قوم هو محظور، وبه قال أهل الظاهر وجماعة، وهو الذي يقتضيه رواياتنا ومذهبنا. يجوز الخلع عند التضارب والقتال بلا خلاف، ولا يجوز عندنا في حال الحيض

(1) النساء: 19.
(2) النساء: 16.

[ 344 ]

ولا في طهر قربها فيه بجماع. الخلع بمجرده لا يقع، ولا بد من التلفظ بالطلاق على الصحيح من المذهب وفي أصحابنا من قال لا يحتاج إلى ذلك، ولم يبينوا أنه طلاق أو فسخ، وفي كونه فسخا أو طلاقا خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. فأما إن كان الخلع بصريح الطلاق كان طلاقا بلا خلاف، وإن كان بغير صريح الطلاق مثل أن قالت خالعني أو فاسخني أو فادني بكذا وكذا، فقال ذلك، لم يقع عندنا به شئ، وعند المخالف إن نويا معا بذلك طلاقا، كان طلاقا، وإن لم يكن هناك نية ففيه خلاف: منهم من قال هو صريح في الفسخ، ومنهم من قال هو كناية في الطلاق، وإن لم ينويا طلاقا لم يكن شيئا، وقال قوم هو صريح الطلاق، وفائدة الخلاف في الفسخ أو الطلاق أن من قال هو فسخ كان له نكاحها قبل زوج غيره، ولو خالعها مائة مرة لأنه ما طلقها وإذا قيل طلاق متى خالعها ثلاث مرات لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره. الخلع جايز بين الزوجين فلا يفتقر إلى حكم الحاكم. البذل في الخلع غير مقدر إن شاءا اختلعا بقدر المهر أو بأكثر أو بأقل كل ذلك جايز. إذا وقع الخلع مطلقا وهو إذا افتدت نفسها من زوجها بعوض بذلته له، فوقع الخلع صحيحا، وقعت الفرقة، وانقطعت الرجعة، وينظر في البذل فإن كان صحيحا لزم، وإن كان فاسدا وجب مهر المثل عند المخالف، والذي يقتضيه مذهبنا أنه يبطل الخلع، فالخلع كالنكاح إذا وقع صحيحا زال سلطانها عن بعضها وملكه الزوج، وأما المهر فإن كان صحيحا لزم، وإن كان فاسدا وجب مهر المثل، والزوج كالزوجة في النكاح وفيه خلاف. إذا طلقها طلقة بدينار على أن له الرجعة فلا يصح الطلاق، وفيهم من قال يصح ويثبت الرجعة، ويبطل البذل ويسقط، فإذا شرطت المرأة أنها متى أرادت

[ 345 ]

الرجوع فيما بذلته كان لها ويثبت الرجعة، كان صحيحا عندنا وعندهم، غير أنهم قالوا لا يصح الخلع ويجب مهر المثل. إذا قلنا إن الخلع لا يقع إلا بلفظ الطلاق، فإنه لا يمكن أن يلحقها طلاق آخر ما دامت في العدة لأن الرجعة لا يمكن فيها، ومن قال من أصحابنا إنه فسخ فمثل ذلك لا يمكن أن يلحقها طلاق لأن بنفس الخلع قد بانت، فلا يمكن رجعتها فلا يتأتى طلاقها، وفيه خلاف بين الفقهاء، وسواء كان بصريح اللفظ أو بالكناية، و سواء كان في العدة أو بعد انقضائها، وسواء كان بالقرب من الخلع أو بعد التراخي عنه. إذا قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا في كل سنة واحدة، فعندنا لا يقع منه شئ، لأنه طلاق بشرط، وذلك لا يصح وعند المخالف أنه علق جميع ما يملكه بالصفة، لأنه جعل كل سنة ظرفا لوقوع طلقة فيها. ثم لا يخلو من أحد أمرين إما أن يطلق أو ينوي ثلاث سنين في المستأنف بعد انقضاء هذه السنة، فإن أطلق كان ابتداء السنين عقيب يمينه، لأن الآجال إذا علقت بالعقود اتصلت بها، فإذا ثبت هذا ومضى جزء من الزمان عقيب العقد، وجدت الصفة لأنه جعل السنة ظرفا لوقوع الطلاق فيها، فيحتاج أن يوجد شئ من الظرف كما لو قال أنت طالق في شهر رمضان، فإن الصفة توجد إذا مضى جزء من أول الشهر، ويقع الطلاق عقيب جزء منه، وكذلك لو علق ذلك بدخول الدار، فإنما يقع بعد دخول الدار لا مع الدخول. فإذا ثبت هذا فوجدت الصفة في أول هذه السنة طلقت واحدة فإذا دخلت السنة الثانية وجدت الصفة الثانية، فإذا دخلت الثالثة وجدت الصفة الثالثة، وما حكمها؟ لا يخلو هذه الزوجية من ثلاثة أحوال: إما أن يدخل كل سنة وهي زوجة بهذا النكاح، أو باين أو زوجة بنكاح جديد فإن دخلت السنة الثانية وهي زوجة مثل أن راجعها بعد الطلقة الأولة طلقت أخرى ثم راجعها ودخلت السنة الثالثة طلقت الثالثة وهكذا لو جاءت كل سنة وهي رجعية مثل أن تباعد حيضها فحاضت في كل ثلاث سنين مرة فإن الطلاق يقع بها في أول كل

[ 346 ]

سنة، لأن الرجعية في معاني الزوجات! وأما إن دخلت كل سنة وهي بائن، ثم جاءت السنة الثانية والثالثة وهي بائنة انحلت اليمين وارتفعت، لأن صفة اليمين قد وجدت، فإن تزوج بها بعد هذا لم يقع بها الطلاق. وهي مسئلة الحيلة في الخلع وهو أن يخالعها فتبين منه، ثم توجد الصفة فتنحل اليمين ثم يتزوج بها، فإذا وجدت الصفة من بعد هذا لم يقع بها الطلاق. بيانه أن يقول لها: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم أرادت أن تدخل الدار ولا يقع الطلاق، فالحيلة أن يخالعها فتبين بالخلع، ثم تدخل الدار وهي باين، فينحل اليمين، ثم تتزوج بها من بعد، ثم يدخل الدار ولا يقع الطلاق. وقال قوم لا ينحل اليمين بوجود الصفة، وهي باين، فمتى تزوج بها بعد هذا ثم وجدت الصفة وقع الطلاق، وقال قوم المختلعة يلحقها الطلاق إلا أن يدعها حتى ينقضي عدتها ثم تدخل الدار فينحل اليمين. هذا كله إذا كانت مدخولا بها، ومتى كانت غير مدخول بها فلا يحتاج إلى الخلع، لأنها بطلقة واحدة تبين منه ثم توجد الصفة ثم يتزوج بها فيما بعد. الثالث إذا بانت منه في السنة الأولى ثم تزوجها ثم جائت السنة الثانية، وهي زوجته بنكاح صحيح جديد غير الأول، مثل أن بانت بواحدة ثم تزوج أو بالثلاث فتزوجت زوجا آخر وبانت منه فتزوجها ثانيا، فهل يعود حكم اليمين في النكاح الثاني إذا لم توجد الصفة وهي باين؟ نظرت فإن كانت البينونة بدون الثلاث عاد حكم اليمين، وفيهم من قال لا يعود، وإن كانت البينونة بالثلاث لم يعد، وقال بعضهم يعود. وهذه الفروع كلها تسقط عنا لما بيناه من أن الطلاق والخلع إذا علقا بشرط لا يقع. وأما الكلام في العتاق وهو إذا حلف لا دخل عبده هذه الدار، فباعه ثم اشتراه ثم دخل الدار فهل يعود حكم اليمين فيعتق أم لا؟ منهم من قال يعود، ومنهم من قال لا يعود، وهذا الذي يقتضيه مذهبنا.

[ 347 ]

فإذا قلنا لا يعود حكم الصفة فدليله قوله صلى الله عليه وآله " لا طلاق قبل نكاح " وهذا طلاق قبل النكح، وهكذا الحكم في الظهار والايلاء على ما بيناه حرفا بحرف، فإنه لا يقع عندنا شئ من ذلك، وعندهم على ما قلناه في الطلاق. وجميع ذلك إذا علق بالصفة بلا نية فأما إن قيدها بالنية فقال نويت أن يكون أول كل سنة المحرم، وكان حلف في رمضان، قيل له في الحكم ابتداء المدة عقيب يمينه، ويحتمل ما نواه ولا يقبل منه في الحكم، لأنه يدعي خلاف الظاهر فإن ألزم الحكم كان على ما مضى، وإن ألزم ما بينه وبين الله كان ابتداء المدة من حين نواها، ويكون الحكم على ما مضى، وهذا أيضا مما لا نحتاج إليه على ما قررناه. الطلاق قبل النكاح لا ينعقد وفيه خلاف. إذا قالت لزوجها طلقني ثلاثا بألف درهم، فقال لها قد طلقتك ثلاثا بألف درهم صح، وملك الزوج العوض المسمى، وانقطعت الرجعة عند المخالف، وعندنا لا يصح لأن الطلاق الثلاث لا يقع عندنا بلفظ واحد، ولا يجب أن نقول هيهنا إنما يقع واحد، لأنها إنما بذلت العوض في الثلاث، فإذا لم يصح الثلاث وجب أن تبطل من أصله. إذا قالت له طلقني ثلاثا بألف فقال طلقتك ثلاثا وسكت عن ذكر الألف كانت عندنا مثل الأولى، ولا يصح بمثل ما قلناه، وعندهم صح الخلع أيضا ولزم العوض وانقطعت الرجعة، لأن كلامه إجابة إلى ما التمسته وطلبته، فلم يفتقر إلى ذكر الألف، كما لو قال بعني بألف فقال بعتكه، ولم يذكر الألف، صح البيع. إذا قالت له إن طلقتني ثلاثا فلك على ألف فطلقها ثلاثا صح الخلع عند المخالف وعندنا لا يصح لأن الطلاق الثلاث لا يقع بلفظة واحدة. إذا قالت له طلقني ثلاثا على أن لك ألفا فطلقها صح الخلع، ولزمها ألف وانقطعت الرجعة، وعندنا لا يصح لما قلناه، ولأنه طلاق بشرط. إذا اختلعا لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون بصريح الطلاق، أو بكناياته فإن كان بصريح الطلاق وهو الطلاق فحسب عندنا، وعندهم والفراق والسراح،

[ 348 ]

فقالت طلقني ثلاثا بألف فقال طلقتك ثلاثا بألف، أو كان هذا بلفظ الفراق أو السراح لم يصح عندنا وعندهم يصح. وكذلك إذا كان الاستدعاء بلفظ والايجاب بلفظ آخر لم يصح عندنا، لأنه طلاق الثلاث وإن كان طلاقا واحدا صح عندنا بلفظ الطلاق فحسب دون غيره، وأما إن كان بكنايات الطلاق فعندنا لا يصح به الطلاق، ولا الخلع وفيه خلاف. ولو قالت له خالعني على ألف ونوت الطلاق، فقال طلقتك صح الخلع عندنا وعندهم، فأما إن قالت طلقني على ألف فقال خالعتك على ألف ونوى الطلاق فعلى ما اخترناه لا يقع أصلا، وعلى ما يذهب إليه بعض أصحابنا من أن بلفظ الخلع يقع الفرقة، ينبغي أن يقول يقع. ومن قال الخلع فسخ فالكلام في فصلين، فيما هو صريح فيه وفيما ليس بصريح فعلى ما اخترناه لا معنى لهذه القسمة، وعلى ما قاله بعض أصحابنا إن بلفظ الخلع يحصل الفرقة، ينبغي أن يقول الخلع هو الصريح دون غيره من الألفاظ مثل الفداء. وأما الكنايات الأخر فكلها باطلة عندنا بلا خلاف بين أصحابنا. فإذا ثبت هذا فعلى ما اخترناه متى طلبت منه طلاقا بعوض فأعطاها فسخا بعوض فقالت طلقني بألف، فقال خلعتك بألف لم يصح على المذهبين جميعا أعني مذهبي أصحابنا لأنه أجابها إلى غير ما التمسته، لأنها طلبت منه فراقا يقع به نقصان الطلاق فأجابها بما لا ينقص الطلاق. فأما إن طلبت منه فسخا بعوض فطلقها بعوض فينبغي أن يقول من أجاز من أصحابنا ذلك أنه لا يقع لأنها طلبت غير ما أعطاها وفي الناس من قال يقع، وعند المخالف أن الفسخ له صريح وكناية مثل الطلاق، وفيهم من قال لا كناية له. إذا قالت له اخلعني على ألف درهم راضية، فقال خلعتك بها صح الخلع، ولزم المسمى، وانقطعت الرجعة. وإذا ذكر القدر والجنس دون النقد فقالت خالعني بألف درهم، فقال خلعتك بها صح الخلع ولزمها ألف من غالب نقد البلد.

[ 349 ]

وإذا ذكر القدر دون الجنس والنقد فقالت خالعني بألف فقال خالعتك بألف فإن اتفقا على الإرادة وأنهما أرادا الدراهم أو الدنانير لزم الألف من غالب نقد البلد، وإن اتفقا على أنهما أرادا معا بألف دراهم راضية لزم ما اتفقت إرادتهما عليه إما مطلقا فيلزم من غالب نقد البلد أو معينا فيلزم ما عيناه وإذا اتفقا على الألف واتفقا على أنهما ما أرادا جنسا من الأجناس، ولا كان لهما إرادة منه، كان الخلع صحيحا عندهم، والعوض باطلا والرجعة منقطعة، ووجب مهر المثل، وعلى ما يقتضيه مذهبنا أن الخلع فاسد. ومتى اختلفا في النقد واتفقا في القدر والجنس، وهي المسئلة الأولى تحالفا والذي يقتضيه مذهبنا أن القول قولها لأن الرجل مدع فعليه البينة. فإن اختلفا في المسئلة الثانية فقال أحدهما ذكرنا النقد وهي راضية، وقال الآخر بل أطلقنا، ولها نقد غالب البلد، تحالفا، وعندنا أنها مثل الأولى سواء. وإن اختلفا في المسئلة الثالثة وهي إذا لم يذكرا جنسا ولا نقدا واختلفا في الإرادة قال قوم لا يصح التناكر فيه، لأنهما إذا اختلفا فيه صار البدل مجهولا ووجب مهر المثل، وقال الباقون يصح، ويتحالفان، وعلى القولين يجب مهر المثل وقد قلنا أن على مذهبنا لا يصح الخلع أصلا. إذا قال خالعتك على ألف في ذمتك فقالت بل على ألف ضمنها لك غيري، لزمها ألف لأنها قد أقرت بالألف وادعت الضمان، وإذا قال خالعتك على ألف في ذمتك فقالت بل على ألف يزنها لك أبي أو أخي لزمها الألف لمثل ذلك، فعلى هاتين يصح الخلع، ويملك العوض، ويلزمها ذلك. وإذا قال خالعتك على ألف في ذمتك فقالت ما خلعتني وإنما خلعت غيري و البذل عليه، فالقول قولها مع يمينها، لأنه ادعى عليها عقد معاوضة فإذا حلفت حكمنا بوقوع الطلاق، وانقطاع الرجعة لاعترافه بذلك، وسقوط العوض عنها، لأنه مدع بلا بينة، فقبلنا قوله فيما عليه ولا نقبله فيما له. إذا قال خالعتك على ألف في ذمتك، فقالت بل على ألف في ذمة زيد فهل يتحالفان؟

[ 350 ]

قيل فيه وجهان أحدهما يتحالفان وله عليها مهر المثل، والآخر لا يتحالفان ولها مهر المثل، والذي نقوله إن عليه البينة وعليها اليمين لمثل ما قلناه أولا. إذا قالت له طلقني على ألف فقال أنت طالق على ألف إن شئت، لم تطلق حتى تشاء، وإن أتت بالمشية جوابا لكلامه صح ولزم البدل، وإن لم تشأ على الفور بطل العقد، وعندنا لا يصح على كل حال، لأنه خلع بشرط فلا يصح. إذا قال لها إن ضمنت لي ألفا فأنت طالق، فإن ضمنت له على الفور صح الخلع وإن تراخى الضمان عن وقت الجواب بطل، وعندنا أنها مثل الأولى. إذا قال لها إن أعطيتني ألفا فأنت طالق، اقتضى أن تكون العطية على الفور على ما قلناه، وهو أن تعطيه الألف جوابا لكلامه، على صفة يمكنه القبض، فمتى وجد هذا فهي العطية قبض الزوج أو امتنع من القبض، فإن لم يفعل هذا لكن هرب الزوج قبل العطية أو غاب أو امتنعت من العطية أو قالت ضمنتها لك أو يضمنها لك زيد، أو قالت أجعلها قصاصا فيما لي عليك وأعطيك بها رهنا. لم ينعقد الخلع بهذا، لأن هذا كله ليس بعطية، وعندنا أن هذا لا يصح في الأصل، لأنه خلع بشرط وذلك لا يصح. إذا قال لها إن أعطيتني ألفا فأنت طالق، فقد قلنا إنه لا يصح عندنا، وعندهم يقتضي العطية. عاجلا، فإن تأخر العطاء بطل، وإن تعجل صح فإذا ثبت هذا وأعطته على الفور لم يخل من أربعة أحوال إما أن تعطيه وفق الألف، أو أكثر منها، أو أقل، أو أعطته ألفا ردية. فإن أعطته وفق الألف وقع الطلاق، لأن الصفة وجدت، وإن أعطته أكثر وقع أيضا وإن أعطته أقل من ألف عددا ووزنا لم يقع، لأن الصفة ما وجدت، و إن أعطته ألفا عددا وهي دون الألف وزنا لم يقع، لأن إطلاق ألف درهم، يقتضي ألفا وزنا من دراهم الاسلام، وهي أن يكون في كل عشرة سبع مثاقيل، فإذا نقصت عن ذلك لم توجد الصفة فإن أعطته وزنا دون الألف عددا طلقت لأن الصفة وجدت وهي ألف وزنا فلا يعتبر العدد مع الوزن.

[ 351 ]

وإن أعطته ألفا ردية لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون الرداءة من حيث الغش أو الجنس، فإن كانت من حيث الغش بأن يكون فيها رصاص لم يقع الطلاق لأن الألف يقتضي ألفا فضة، وهي ليست كذلك، وإن أعطته أكثر من ألف فبلغ ما فيها من الفضة ألف درهم وقع الطلاق، لأنها قد أعطته ألف درهم فضة. وإن كان أعطته ألفا سبيكة غير مضروبة لم يقع الطلاق، لأن النقرة لا يقع عليها اسم دراهم، فلم توجد الصفة. وإن كانت الرداءة من حيث الجنس مثل أن كانت الفضة جيدة لكن السكة وحشة أو كانت السكة حسنة لكن الفضة خشنة، وقع الطلاق لأن اسم العطية وجد لكن من حيث ما يقتضيه المعاوضة له ردها عليها والمطالبة بالبدل غالب نقد البلد لأن إطلاق البدل يقتضي ذلك، وقد قلنا ما عندنا في ذلك، لكن إن خالعها على ألف من غير شرط اقتضى ما تقدم ذكره من ألف فضة غالب نقد البلد، ومتى كانت ردية كان له ردها والمطالبة ببدلها. إذا قال لها متى أعطيتني ألفا فأنت طالق، فالحكم فيه وفي متى ما، وأي وقت وأي حين، وأي زمان واحد، فإنها متى أعطته وقع الطلاق بائنا وملك الزوج العوض سواء أعطته على الفور أو التراخي، لأن هذه الألفاظ وضعت في حقيقة اللغة لكل الأزمان، وأي وقت وجدت العطية فيه فالصفة تقتضيه، وعندنا لا يصح لأن جميع ذلك شروط، وقد بينا أن الخلع بشرط لا يقع فإذا تقرر عند المخالف أنه على التراخي، فقد لزمت من جهة الزوج لزوما لا سبيل له إلى دفعها، ولا إبطالها، وهي بالخيار بين أن تدفع الألف أو تدع، فإن لم تدفع فلا كلام، وإن دفعت الألف إليه وأعطته إياه وقع الطلاق. والعطية أن تعطيه بحيث يمكنه القبض والتسليم، فإذا كان كذلك فقد وجدت الصفة قبل أو لم يقبل، قبض أو لم يقبض، لأن اسم العطاء هذا، وإن لم يقع القبض فيه، وإذا وجد العطاء وقع الطلاق باينا واستقر الألف عليها، وليس لها الرجوع فيما بذلت.

[ 352 ]

إذا قالت له طلقني ثلاثا على ألف أو ثلاثا وعلى ألف وطلقها واحدة وقعت، و كان له عليها ثلث الألف لأنها بذلت الألف في مقابلة الثلاث وإذا طلقها واحدة فقد حصل ثلث ما طلبت، ووجبت عليها ثلث ما بذلت، ولو قال لها إن أعطيتني ألفا فأنت طالق ثلاثا فأعطته ثلث الألف، لم يقع شئ. والفرق بينهما أنه علق وقوع الطلاق الثلاث بشرط إعطاء الألف، فإذا لم تعط الألف لم توجد الصفة فلم يقع الطلاق، وليس كذلك الأولى لأنها ليست تعليق طلاق بصفة، وإنما بذلت ألفا في مقابلة ثلاث تطليقات، فإذا حصل ثلث ما طلبت، وجب عليها ثلث ما بذلت على ما تقدم. وهذا الفرق صحيح لكنا لا نحتاج إليه لأنه طلاق بشرط وذلك باطل عندنا. إذا كانت معه على طلقة واحدة، فقالت له طلقني ثلاثا بألف، فقال لها أنت طالق بألف، قال قوم وقعت الواحدة، وكان له عليها الألف. وقال قوم هذا إذا كانت عالمة أنها معه على طلقة واحدة، فحينئذ يجب عليها الألف، وإذا لم تعلم أنها معه على طلقة فلا يستحق عليها إلا ثلث الألف لأنها ما بذلت الألف إلا في مقابلة الثلاث، فإذا لم يحصل الثلاث لم يجب عليها إلا ثلث ما بذلت وهذا الذي يقتضيه مذهبنا في التفريع على هذه الطريقة. إن اختلفا فقال الزوج كنت عالمة أنك معي على طلقة فأستحق كل المال، و قالت لم أعلم، فلا يجب على إلا ثلثه، أو قالت إنما بذلت الألف في مقابلة طلقة في هذا النكاح، وطلقتين في نكاح جديد متى تزوجتني، فقال: بل بذلت في مقابلة ما بقي لك من تكميل الثلاث فإذا اختلفا هكذا تحالفا، وسقط المسمى ووجب مهر المثل. وإن كانت معه على طلقتين، فقالت له طلقني ثلاثا بألف فإن كانت عالمة بذلك نظرت في الزوج، فإن طلقها طلقتين استحق الألف، وإن طلقها واحدة استحق نصف الألف. وإن كانت جاهلة نظرت في الزوج فإن طلقها طلقتين استحق ثلثي الألف، وإن طلقها واحدة استحق ثلث الألف، وفيهم من قال يستحق عليها الألف كله، عالمة

[ 353 ]

كانت أو جاهلة، لأنها إنما طلبت منه طلاقا يقع به بينونة لا تحل له إلا بعد زوج، فإذا طلقها واحدة فقد حصل لها ما طلبت، فوجب عليها جميع ما بذلت. وقال بعضهم لا يستحق عليها إلا ثلث الألف عالمة كانت أو جاهلة، لأنها طلبت بينونة لا تحل له إلا بعد زوج، وما بانت بهذه الواحدة إلا أن تقدمت الأولى و الثانية وتلك الأولة والثانية ما كان يملكهما فلم يستحق شيئا في مقابلتهما والأول أقوى. إذا قالت له طلقني طلقة بألف، فقال أنت طالق ثلاثا بألف، طلقت عندنا بواحدة وعليها الألف، لأن التلفظ بالثلاث لا يقع منه إلا واحدة، وهي ما طلبته. وعند المخالف تقع الثلاث وعليها الألف لأنه حصل لها ما طلبته وزيادة، و قال بعضهم الألف في مقابلة طلقة وقد تبرع بثنتين وقال آخرون الألف في مقابلة الثلاثة كلها. التفريع على هذه المسئلة: إذا قالت له طلقني طلقة بألف فقال أنت طالق بألف، وطالق فطالق، وقعت الأولى باينة لأن العوض حصل في مقابلتها، ولم يقع الثانية والثالثة، لأنه طلقها بعد أن بانت بالأولى. فإن قالت طلقني طلقة بألف فقال أنت طالق فطالق، ولم يذكر الألف، قلنا إنها طلقت بالألف، فإن قال الألف في مقابلة الأولى بانت منها بها، ولم تقع الثانية ولا الثالثة وهكذا نقول. وإن قال في مقابلة الثانية فالأولى رجعية والثانية باين عندهم ولم تقع الثالثة وعندنا تقع الأولى رجعية ولا تقع الثانية والثالثة. فإن قال في مقابلة الثالثة فالثانية والثالثة باطلان عندنا، وعند المخالف أن الأولى والثانية رجعيتان، وبانت بالثالثة. فإن قال الألف في مقابلة الكل قال قوم الذي يجوز أنها تبين بالأولى بثلث الألف، ولا تقع عليها الثانية والثالثة، وهو الذي نقول، لأنه إذا حصل الألف في مقابلة الكل فمعلوم أنه حصل في مقابلة كل واحدة ثلث الألف، وإذا كان كذلك بانت

[ 354 ]

بالأولى بثلث الألف، ولم تقع عليها الثانية ولا الثالثة. وإذا كانت معه على طلقة فقالت له طلقني ثلاثا بألف هذه الواحدة أبين بها، وطلقتان إن نكحتني بعد زوج، فطلقها كذلك. طلقت واحدة بانت بها، وأما الطلقتان فلا يصحان لأنه طلاق قبل النكاح. فإذا ثبت ذلك بانت بالواحدة وكم يستحق عليها؟ قال قوم عليها مهر مثلها، و قال قوم يبنى هذه على تفريق الصفقة، فمن قال لا يفرق بطل فيهما، ومن قال يفرق بطل في الحرام دون الحلال، ويستحق في الحلال بحصته من الثمن، وفي هذه المسئلة إذا قلنا بتفريق الصفقة وهو مذهبنا كان له عليها ثلث الألف ومن قال لا يفرق بطل العقد في الكل، وكان عليها مهر المثل. إذا خالعها على أن تكفل ولده عشر سنين، قال قوم يصح إذا كان معلوما بأن يقول ترضعيه من العشر سنين حولين أو أقل مما يتفقان عليه فإذا ذكرا مدة الرضاع [ قدرا معلوما ] صار معلوما بذكر المدة، ويفتقر إلى أن يكون ما يجب عليه من نفقة العشر معلوما من طعام وإدام، ولا يكون كذلك حتى يذكر جنس الطعام حنطة أو غيرها، ويذكر جنس الإدام من زيت أو شيرج أو سمن، ويكون المبلغ معلوما، ويكون الوصف مضبوطا على الوجه الذي يضبط في السلم. ويكون ما يحل في كل يوم معلوما، فلا بد من ذكر الجنس والمقدار والصفة ولا بد من ذكر الآجال، لأن هذه الصفقة اشتملت على أجناس من المعاوضة، كل واحد منها لو أفرد بالعقد صح فكذلك إذا اجتمعت وفي الناس من قال لا يصح. فإذا ثبت صحته لم يخل حال الولد من أحد أمرين، إما أن يعيش أو يموت فإن عاش ومضت الحولان فقد استوفى ما استحقه من الرضاع، وبقي عليها الطعام والإدام، فيكون للوالد أن يستوفيه بنفسه أو بغيره، لأن ذلك وجب له في ذمتها، لأنه عقده الوالد، فإن استوفاه بنفسه. أو بغيره، فإن كان وفق حاجة الولد فذاك، و إن كان أكثر أخذ الفضل لنفسه، وإن كان أقل فعليه التمام، وإن جعل إليها أن يطعم الولد بنفسها كان صحيحا، لأنه حق له ثبت في ذمتها فصح أن يأمرها بإتلافه

[ 355 ]

كيف شاء. وأما إذا مات الولد فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يموت بعد مضي الحولين أو أثناء الحولين، فإن مات بعد مضيهما فقد استوفى منها ما استحقه من الرضاع، و بقي عليها الطعام والإدام، فللوالد أن يستوفيه منها، وهل يحل عليها كله دفعة واحدة أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما يحل كله، والثاني يحل في كل أحد قدر ما شرط وهو الصحيح عندنا وعندهم، لأن الدين إذا كان مؤجلا فإنما يحل بموت من عليه الدين، ولا يحل بموت غيره. وإن مات في أثناء الحولين مثل أن أرضعته حولا ثم مات فقد مات قبل استيفاء الرضاع، فهل له أن يأتيها بولد مثله ترضعه مكانه؟ قيل فيه قولان أحدهما له ذلك والآخر ليس له ذلك. فمن قال له ذلك أتاها بمثله يقوم مقامه، ويكون الحكم على ما مضى إذا كان الولد حيا، ومن قال ليس له ذلك أو قال له ذلك ولم يأت بمثله، فهذا الحول الباقي عوض معين في الخلع، وقد تلف قبل القبض. واختلف في الخلع المعين إذا تلف قبل القبض على قولين: أحدهما يجب عليه بدله، والثاني يسقط ويجب مهر المثل، ولا فرق بين أن يتلف كله أو بعضه. فمن قال لا يبطل وعليها البدل، فقد استوفى رضاع حول وبقي حول آخر يكون له عليها أجرة المثل، ويستوفي بعد ذلك ما بقي له في ذمتها من الطعام والإدام على ما بيناه، وهذا الذي يقتضيه مذهبنا، وفي العوض المعين ينبغي أن يقول إنه إذا تلف يجب قيمته إن لم يكن له مثل وإن كان له مثل مثله. ومن قال يبطل ويجب مهر المثل فعلى هذا يجب عليها مهر المثل، ويسقط بقدر رضاع الحول الأول بالحصة، فيقال كم أجرة مثلها حولين للرضاع؟ وكم قيمة ما بقي في ذمتها من الإدام والطعام؟ فيجمع ذلك كله، فإذا عرف سقط منه بقدر أجرة الحول من مهر المثل، ويكون الباقي للوالد، وهكذا الحكم فيه إذا مات الولد قبل أن يمضي

[ 356 ]

شئ من الحولين. إذا قال لزوجته طلقي نفسك فعندنا أن ذلك باطل، وعندهم إن طلقت نفسها على الفور بحيث يكون طلاقها جوابا لكلامه صح، وإن تراخى عن هذا الوقت لم يصح لأنه بمنزلة الموهوب إذا لم يقبله الموهوب له على الفور لم يصح. وإذا قال لها طلقي نفسك بألف كان مثل ذلك عندنا باطل، وعندهم على الفور. ولو قال لغيره طلق زوجتي على ألف لم يكن على الفور، لأنه توكيل، والأول تمليك، ألا ترى أنه إذا قال لغيره بعتك هذا المتاع، اقتضى القبول على الفور، ولو قال وكلتك في البيع بألف، لم يقتض ذلك الفور. فإذا ثبت هذان الفصلان فمتى قال لها: أمرك بيدك فطلقي نفسك إن ضمنت ألفا فهاهنا جعل طلاقها إليها، بشرط أن تضمن الألف، فهو على الفور، فإن تراخى لم يصح. وإن لم يتراخ نظرت فإن طلقت نفسها وضمنت الألف أو ضمنت الألف وطلقت نفسها فمتى فعلت أحد الأمرين على الفور على أي وجه كان وقع الطلاق، لأن الصفة وجدت، وإن طلقت نفسها ولم تضمن أو ضمنت الألف ولم تطلق نفسها لم يقع الطلاق لأنه لم يجتمع الشرطان. وعندنا أنهما مثل الأول لا يقع على حال على الصحيح من المذهب. إذا قال لها إن أعطيتني عبدا فأنت طالق فهذا على الفور عندهم، فإذا أعطته أي عبد كان وقع الطلاق صغيرا كان أو كبيرا، صحيحا كان أو معيبا، وعلى أي صفة كان، لأن اسم العبد يقع عليه، ولا يملك العبد لأنه عوض مجهول، فلم يصح في معاوضة كما لم يصح في بيع، وله عليها مهر المثل، وعندنا أن هذا لا يصح لأنه طلاق بشرط، فلا يصح، والحكم في المدبر والمعتق نصفه كالحكم في العبد القن سواء. وأما إن أعطته مكاتبا أو عبدا مغصوبا لم يقع الطلاق، لأن طلاق العطية يقتضي إعطاء ما يصح أن يملكه المعطي.

[ 357 ]

هذا إذا علق طلاقها بعبد فأما إن خالعها بعبد موصوف في الذمة صح الخلع عندنا وعندهم، لأنه معلوم، ولزم العوض، وعليها الخروج عنه إليه، فإذا دفعت إليه عبدا على الصفة التي وقع العقد عليه لزمه قبوله، فإذا قبله ملكه فإن كان صحيحا استقر ملكه عليه، وإن كان معيبا كان بالخيار بين أن يمسكه أو يرده، فإن أمسكه فلا كلام وإن رده رجع عليها بما وجب له في ذمتها، وهو عبد بهذه الصفة سليم من العيوب. هذا إذا خالعها بعبد موصوف في الذمة، فأما إن علق طلاقها بأن تعطيه عبدا موصوفا كأن قال إن أعطيتني عبدا من صفته كذا وكذا فأنت طالق، فإن صفة الوقوع متعلقة بما علقه، فإن أعطته عبدا بخلافه لم يقع الطلاق، وإن أعطته على تلك الصفة وقع الطلاق، وملك العبد، فإن كان سليما من العيوب فقد استقر ملكه عليه، وإن كان معيبا فهو بالخيار بين إمساكه ورده، فإن أمسكه فلا كلام، وإن رده فبماذا يرجع؟ قيل فيه قولان أحدهما إلى بدله، والآخر يرجع إلى مهر المثل، وعندنا أن هذه الآخرة باطلة لأنها طلاق بشرط، والأولى صحيحة لأنها خلع بعبد موصوف. فأما إن علق طلاقها بأن تعطيه عبدا بعينه مثل أن قال إن أعطيتني هذا العبد فأنت طالق فأعطته إياه نظرت فإن كان عبدا يملكه وقع الطلاق، فإن كان صحيحا استقر وإن كان معيبا كان له الخيار على ما مضى. وإن كان العبد مغصوبا فأعطته إياه فهل يقع الطلاق؟ قيل فيه وجهان أحدهما لا يقع، لأن طلاقه يقتضي عبدا يملكه الزوج، فإذا لم يملكه لم يقع الطلاق، و قال أكثرهم إنه يقع الطلاق وعندنا لا يقع على حال لمثل ما تقدم من أنه لا طلاق بشرط. فمن قال لا يقع فلا كلام، ومن قال يقع، فبماذا يرجع؟ على قولين أحدهما إلى بدل مثله، والآخر إلى مهر مثلها. إذا قال لها إن أعطيتني شاة ميتة أو خنزيرا أو زق خمر فأنت طالق، فأعطته على الفور وقع الطلاق عندهم وسقط المسمى ويجب مهر المثل، وعندنا لا يقع لما تقدم.

[ 358 ]

وإن خالعها بشاة ميتة أو خنزير أو زق خمر فالخلع صحيح عندهم، وله عليها مهر المثل، وعندنا أن الخلع باطل، والطلاق رجعي ولا شئ له عليها. ولو قال خالعتك على ما في هذه الجرة من الخل فبان خمرا وقع الخلع بلا خلاف ووجب لها مهر المثل، وينبغي أن يقول إن لها مثل تلك الجرة خلا. فإن تزوجها على ما في هذه الجرة من الخل فبان خمرا، قال بعضهم بطل الصداق، ويرجع إلى مهر مثلها، وعند بعضهم يرجع إلى بدله، وهو الذي يقتضيه مذهبنا. إذا قال أنت طالق، وعليك ألف، وقع الطلاق رجعيا ولا شئ له عليها، لأنه أوقع مجردا من العوض وعطف بذكر الألف مستأنفا لكلام لا يتعلق الطلاق به كما لو قال أنت طالق وعليك حج. فإذا ثبت ذلك فإن ضمنت له الألف بعد ذلك لم يصح ضمانها، لأنه ضمان ما لم يجب، وإن أعطته ألفا كان ابتداء هبة من جهتها، فلا يصير الطلاق الرجعي به باينا. وإن تصادقا على أن كلامه كان جوابا لاستدعائها مثل أن يتفقا أن هذا جواب لقولها طلقني طلقة بألف، فقال أنت طالق وعليك ألف، لزمها الألف لا بقوله " وعليك ألف " بدليل أنه لو أجابها فقال أنت طالق وسكت، لزمها الألف. فإن اختلفا فقال هذا القول جواب لاستدعائك، والطلاق باين وعليك ألف، فأنكرت فالقول قولها مع يمينها، لأن الأصل أنها ما استدعت ذلك، فهو مدع عليها فإذا حلفت فلا شئ عليها، ويكون الطلاق باينا، لأنه معترف بذلك، وإنما أضاف إليه دعواه عليها بالعوض فاحتاج إلى بينة. إذا قال لها أنت طالق على أن عليك ألفا فقد علق طلاقها بشرط أن يكون عليها ألف، وإنما يكون عليها ألف لضمانها ذلك، فإذا ضمنت وقع الطلاق لأن الصفة قد وجدت، وإنما يصح هذا إذا كان ضمانها جوابا لكلامه. وهكذا الحكم فيه إذا قال لها أنت طالق على ألف لأن تقدير قوله على ألف

[ 359 ]

أي ألف تحصل لي عليك، فإذا ضمنت وقع الطلاق. والفرق بين قوله: أنت طالق على أن عليك ألفا، وبين قوله أنت طالق وعليك ألف، هو أنه إذا قال وعليك ألف لم يجعل الطلاق معلقا به وإنما عطف به بعد وقوع الطلاق مجردا عن عوض، ولهذا وقع الطلاق ولم يجب عليها شئ. وليس كذلك قوله على أن عليك ألفا، لأنه ربط الطلاق بالألف وعلقه به وجعل الصفة فيه حصول الألف عليها، فلهذا لم يقع الطلاق إلا بضمانها فبان الفصل بينهما. إذا خالعها على ثوب بعينه على أنه مروي فإذا هو هروي، فالخلع صحيح، لأنه خلع بعوض، ويقع الفرقة وينقطع الرجعة والزوج بالخيار بين أن يمسك هذا الثوب أو يرد، فإن أمسكه كان له، لأنه بمنزلة العيب، وإن اختار الرد رجع إلى قيمته عندنا لو كان مرويا وقال بعضهم يرجع إلى مهر مثلها. فأما إن علق طلاقها بصفة هو إعطاء ثوب، فقال إن أعطيتني ثوبا مرويا فأنت طالق، فإن أعطته هرويا لم يقع الطلاق، لأن الصفة لم يوجد وعندنا لا يقع لأنه طلاق بشرط. فإن كانت بحالها فأعطته مرويا وقع الطلاق عندهم، وعندنا لا يقع لما قلناه فإن كان الثوب سليما لزم وإن كان معيبا كان بالخيار بين إمساكه ورده، فإن أمسكه فلا كلام، وإن رده فالخلع بحاله، والطلاق لا يرتفع بالرد لأن الطلاق إذا علق بصفة فوجدت الصفة وقع الطلاق عندهم ولا يرتفع بعد وقوعه. فإذا ثبت أنه لا يرتفع الطلاق ورده، إلى ماذا يرجع؟ على قولين أحدهما إلى بدله، والآخر إلى مهر مثلها. وأما إن خالعها على ثوب موصوف في الذمة مثل أن خالعها على ثوب مروي وصفه وضبطه بالصفات، فإن الخلع يصح ويلزم العوض لأنه معلوم والعوض إذا كان معلوما في الخلع لزم، وعليها أن تعطيه ما وجب له في ذمتها على الصفة. فإذا سلمته إليه وقبضه فإن كان سليما على الصفة لزم، ولا كلام، وإن كان

[ 360 ]

معيبا فهو بالخيار بين إمساكه ورده فإن أمسكه فلا كلام، وإن رده رجع عليها بالذي خالعها به، لأن الذي وجب في ذمتها ما كان سليما من العيوب، فإذا رده طالب ببدله. فإن خالعها على ثوب بعينه على أنه مروي فإذا هو كتان فالخلع يصح لأنه خلع بعوض، وإن أراد الزوج إمساك الثوب لم يكن له لأنه عقد الخلع على جنس فبان غيره كما لو عقد على عين فبان غيرها، لأن اختلاف الأجناس كاختلاف الأعيان فإذا رده هل يستحق البدل أو مهر المثل؟ على ما مضى، عندنا تستحق القيمة وعند بعضهم مهر المثل. إذا خالعها على أن ترضع ولده سنتين صح، فإن عاش الولد حتى ارتضع حولين فقد استوفى حقه وإن انقطع لبنها وجف بطل البذل وإلى ماذا يرجع؟ على ما مضى من القولين، عندنا أنه يرجع إلى أجرة مثلها لرضاع مثله حولين، وعند بعضهم مهر مثلها، فإن مات الولد فقد مضى حكمه فيما تقدم. إذا قال له أبو امرأته طلقها وأنت برئ من صداقها، فطلقها طلقت ولم يبرأ من صداقها، لأنها إن كانت رشيدة لم يملك أبوها التصرف في مالها بغير إذنها، وإن كان يلي عليها لصغر أو سفه أو جنون لم يصح، لأنه إنما يملك التصرف فيما فيه نظر لها وحظ، ولا نظر لها في هذا كما لو كان لها دين فأسقط. فإذا ثبت أنه لا يبرأ فلا ضمان على أبيها لأنه لم يضمن على نفسه شيئا ويقع الطلاق رجعيا، لأنه لم يسلم العوض. وكذلك لو قال الزوج هي طالق وأبر أمن صداقها جوابا لقول أبيها، فالطلاق واقع، ولا يجب له عليها ولا على الأب شئ، لأنه لم يضمن، ولا أبرأه من المهر من له الابراء، والطلاق واقع وعليها رجعة. فإن قال: طلقها على ألف من مالها، وعلى ضمان الدرك، فطلقها وقع الطلاق ولم يملك الألف، لأنه لا يملك التصرف في مالها، لكن عليه ضمان الدرك في هذا وإذا كان عليه الضمان كان الطلاق باينا لأنه لم يعر عن عوض، وما الذي يضمن الأب؟

[ 361 ]

قيل فيه قولان أحدهما بدل الألف وهو الذي يقتضيه مذهبنا، والآخر مهر المثل. ولو قال بدلا من هذا طلقها بعبد هو هذا وعلى ضمانه، طلقت ولم يملك الزوج العبد، وكان على الأب الضمان، وما الذي يضمن؟ على ما مضى عندنا قيمته وعند بعضهم مهر المثل. إذا أعطته ألفا على أن يطلقها إلى شهر أو قال إذا جاء رأس الشهر طلقت لم يصح لأنه سلف في طلاق وذلك لا يصح، وإن أعطته ألفا على أن يطلقها مدة شهر، فإذا كان بعده ارتفع حكمه لم يصح لأن الطلاق مؤبد وإن أعطته ألفا على أن يطلقها أي وقت شاء من وقتنا هذا إلى شهر فلا يصح، لأنه سلف في الطلاق، ولأنه عوض على مجهول. ومتى طلق على أحد هذه الوجوه الثلاثة فالطلاق واقع وباين، وأما البذل قال قوم لا يصح فيه، ويجب مهر المثل، والذي يقتضيه مذهبنا أن الطلاق يقع رجعيا، والبذل لا يصح. إذا قال لها أنت طالق بألف إذا جاء رأس الشهر، أو قال إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق بألف، عندنا لا يصح لأنه معلق بشرط، وعندهم على وجهين أحدهما يصح لأنه لما ملك الطلاق المجرد عاجلا وآجلا جاز أن يملكه بعوض عاجلا وآجلا. والثاني لا يصح، لأنها معاوضة كالبيوع فمن قال يصح فلا كلام، ومن قال لا يصح، فإن أوقع الطلاق ههنا وجب مهر المثل كالتي قبلها. إن قالت له طلقني ثلاثا بألف، فطلقها ثلاثا فعليها الألف وإن طلقها واحدة أو اثنتين فعليها بالحصة، وعندنا أنه لا يصح أصلا وقد مضى، لأنه إن طلق أقل من الثلاث واحدة لم يجبها إلى ما طلبت فلا يصح العوض، وتكون الطلقة رجعية، وإن كان أكثر من واحدة لم يقع. فإن قالت له طلقني ثلاثا على ألف فالحكم فيه كما لو قال بألف، وقال قوم في هذه إن طلقها ثلاثا فله ألف، وإن طلقها أقل من ثلاث وقع الطلاق ولم يجب عليه ما سمى.

[ 362 ]

وفصل بينهما بأن قال إذا قالت بألف فهذه بالبدل والبدل يقتضي أن ينقسط على المبدل، كما لو باعه ثلاثة أعبد بألف، وإذا قال على ألف علق الطلاق الثلاث بشرط هو الألف فإذا لم يوقع الثلاث لم يوجد الشرط فلم يستحق شيئا. إن خالعها على حمل هذه الجارية فقال: خالعتك على حملها، فالخلع صحيح و الطلاق باين، وسقط المسمى ويجب مهر المثل، سواء خرج الولد سليما أو لم يخرج عند بعضهم، وقال آخرون إن لم يخرج الولد سليما كان له مهر المثل، وإن خرج سليما فهو له، وصح العوض. والذي يقتضيه مذهبنا أن هذا الخلع لا يصح، لأنه على مجهول ولا يقع الطلاق. وإذا قال: خالعتك على ما في بطن هذه الجارية، ولم يقل من الحمل فالخلع صحيح، والطلاق باين، والبذل فاسد، وعليها مهر المثل سواء ظهر بها حمل أو لم يظهر وقال بعضهم إن ظهر بها حمل صح، وإن لم يظهر فالخلع باطل أصلا، والطلاق رجعي وعندنا أن هذه مثل الأولى سواء. إذا طلقهما بألف أو على ألف فقد طلقهما طلاقا بعوض ألف، ويقتضي أن يكون جوابه على الفور، فإن تراخى لم يصح أن يطلقهما على ما طلبتا، فإن طلق كان ابتداء طلاق من جهته، ويكون رجعيا. اللهم إ أن يبتدئ فيقول أنتما طالقان على ألف، فحينئذ إن ضمنتا ذلك على الفور طلقتا به، وإن لم تضمنا ذلك سقط كلامه. هذا إذا تراخى جوابه وقبوله، فأما إن طلقهما على الفور وقع الطلاق باينا و استحق العوض وأي عوض يستحق؟ قيل فيه قولان: أحدهما مهر المثل على كل واحدة منهما، ويسقط المسمى، والثاني يجب المسمى يقسط ذلك على مهر المثل، لكل واحدة منهما، فيأخذ منها بالحصة من مهر مثلها. وهكذا إذا تزوج أربع نسوة صفقة واحدة على ألف فعلى هذين القولين أحدهما يصح المسمى ويتقسط عليهن على قدر مهر مثلهن، والثاني يبطل ويجب مهر المثل لكل واحدة منهن.

[ 363 ]

وكذلك إذا خالع أربع نسوة صفقة واحدة بألف أو كاتب أربعة أعبد له صفقة واحدة، فعلى هذين القولين، وفي الكتابة قولان أحدهما باطلة، والثاني صحيحة، ويكون كل واحدة من العبيد مكاتبا بحصة قيمته من المسمى. وكذلك في الخلع، والطلاق واقع باين، وفي المسمى قولان أحدهما باطل، وله على كل واحدة مهر مثلها. والذي يقتضيه مذهبنا أن نقول إن تزوج أربعة بمهر مسمى أن المهر صحيح وينقسم بينهن بالسوية، وكذلك في الخلع، والفداء (1) يكون صحيحا ويلزم كل واحدة منهن حصتها بالسوية. فأما الكتابة والبيع فينبغي أن نقول إنه يتقسط على قدر أثمانها أو نقول الكتابة فاسدة والبيع، لأن العوض في كل واحد مجهول. قالتا له: طلقنا بألف فطلق إحداهما، ولم يطلق الأخرى، فالتي طلقها وقع طلاقها، واستحق عليها العوض، لأنه أجابها على الفور، وكم يستحق عليها؟ عندنا نصف المسمى، وعندهم على قولين، أحدهما مهر مثلها، والثاني بحصة مهر مثلها من المسمى. والتي لم يطلقها لا يمكنه أن يطلقها جوابا لما استدعته، لأن وقت القبول قد زال وارتفع، فإن طلقها كان ابتداء طلاق من جهته ويكون رجعيا إلا أن يقول على ألف فلا يقع الطلاق بها حتى تضمن الألف على الفور. إذا طلقهما بألف نصفين على كل واحدة خمس مائة، لزم كل واحدة منهما ذلك. إذا قالتا طلقنا بألف فطلقهما على الفور، ثم ارتدتا بعد ذلك، فالطلاق واقع باين، واستحق العوض عليهما، وفيه قولان أحدهما يسقط المسمى ويجب مهر المثل والثاني يجب المسمى ويقسط على مهر المثل، وعندنا على كل واحدة نصف المسمى و الردة لا تؤثر في عقد الخلع، لأنها تجددت بعد إبرام العقد.

(1) البذل خ.

[ 364 ]

إذا قالتا طلقنا بألف فطلقهما على الفور بعد أن ارتدتا، مثل أن قالتا طلقنا و اعتقدتا الكفر متصلا بالقول، ثم قبل الزوج هذا على الفور وطلقهما فإن الطلاق قد حصل بعد حصول الردة منهما، فلا يخلو حالهما من أحد أمرين: إما أن يكون دخل بهما أو لم يكن قد دخل بهما، فإن لم يكن دخل بهما سقط الطلاق، لأن الفسخ قد وقع بالردة، وإن كان دخل بهما لم يقع الفسخ بالردة، لأنها ردة بعد الدخول، ويكون الطلاق صادفهما على الردة، فما حكمه؟ مبني على طلاق المرتد، فإن كانتا على الردة كان الطلاق مراعا فإن أقامتا على الردة حتى انقضت العدة لم يقع الطلاق، لأن الفسخ سبق الطلاق. وإن رجعتا قبل انقضاء العدة حكمنا بوقوع الطلاق من ذلك الوقت، وكانت العدة من حين وقع الطلاق ويكون باينا، ويستحق العوض، وما ذلك العوض؟ على ما مضى من القولين. فإن رجعت واحدة قبل انقضاء العدة وقع الطلاق عليها باينا ويستحق العوض على ما مضى، وأما الأخرى فلم يقع الطلاق عليها، لأن الفسخ سبقه. إذا كان الخلع بلفظ المباراة أو بلفظ الخلع ملك عليها البذل، فإن كان قبل الدخول فلها نصف الصداق، فإن كان قبل القبض فعليه نصفه، وإن كان بعد القبض ردت النصف وإن كان بعد الدخول فقد استقر المسمى، وإن كان قبل الاقباض فعليه الاقباض وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. إذا قال لزوجتين له: أنتما طالقتان إن شئتما على ألف أو بألف، عندنا لا يقع لأنه طلاق بشرط، وعندهم علق طلاقهما بعوض بصفة هي المشيئة منهما، فاقتضى أن تكون المشيئة منهما جوابا لإيجابه كالقبول في البيع، فإن قالتا على الفور قد شئنا طلقتا معا، لأن الصفة قد وجدت، والطلاق بائن لأنه بعوض، وما ذلك العوض؟ على ما مضى من الخلاف إما مهر المثل أو يتقسط على مهر المثل. وإن اختلفا فقال الزوج أنتما شئتما لفظا ونطقا وما شئتما بقلوبكما لم يلتفت إلى إنكاره لأنه إنما يتوصل من المشيئة إليهما من قولهما ونطقهما، وإن تراخت

[ 365 ]

المشية عن وقتها بطل الايجاب، فلو قالتا من بعد قد شئنا لم يتعلق به حكم، لأن الايجاب قد بطل مثل البيع إذا تأخر القبول عن الايجاب. وإن ماتت إحداهما دون الأخرى لم يقع الطلاق لأنه معلق بمشيئتهما معا. إذا كان له زوجتان رشيدة ومحجور عليها لسفه، فقال لهما أنتما طالقتان إن شئتما بألف، فقالتا على الفور قد شئنا، عندنا لا يقع لأنه طلاق بشرط، وعندهم يقع الطلاق بهما معا، لأن الصفة قد وجدت منهما، فإن المحجور عليها لسفه لها مشيئة، لأن المشية لا تدخل تحت الحجر. وإن كانت إحداهما مجنونة لم يكن يتعلق بها حكم لأنه لا تميز لها، وإن كانت صغيرة لا تميز لها فهي كالمجنونة، وإن كان لها تميز فهي كالمحجور عليها لسفه. فإذا ثبت وقوع الطلاق كان طلاق الرشيدة باينا لأن العوض ثبت عليها، وما ذلك العوض؟ على ما مضى، فأما الطلاق غير الرشيدة فهو طلاق رجعي لأن بذل العوض لا يصح منها، وإن صحت المشيئة منها، فإن قال للمحجور عليها أنت طالق بألف إن شئت مشية يلزمك بها عوض فشاءت لم يقع الطلاق، لأن الصفة لم توجد. إذا كان له أربع نسوة فخالعهن بلفظ واحد على ألف، فعلى ما مضى من الخلاف وكذلك في العقد عليهن. ويجوز للمرأة أن تفتدي نفسها من زوجها بعوض يبذله لقوله تعالى " فيما افتدت به " وإن وكلت من يختلعها من زوجها بعوض صح بلا خلاف وإن اختلعها أجنبي من زوجها بعوض بغير إذنها فعند الأكثر يصح، وقال شاذ منهم لا يصح، وهو الأقوى. رجل له زوجتان فقالت إحداهما طلقني وضرتي بألف، فإن طلقهما بذلك طلقتا وعليها ما بذلت، وإذا لزم البذل ففيه قولان أحدهما يلزم المسمى، والثاني يسقط المسمى، وعليها مهر مثلها ومهر مثل ضرتها، ولا يرجع على ضرتها بشئ، لأنها تبرعت بذلك. وإن كانت بحالها فطلق إحداهما، وقع الطلاق باينا، وعلى الباذلة العوض وما ذلك العوض؟ على قولين أحدهما مهر مثلها، والثاني بحصة مهر مثلها، وعندنا

[ 366 ]

نصف المسمى على ما مضى. إذا اختلعت الأمة نفسها بعوض لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون بإذن سيدها أو بغير إذنه، فإن كان بإذنه صح لأنه وكلها، ويقتضي أن يختلع نفسها بمهر مثلها، فإن فعلت بذلك أو أقل منه فإن كانت مأذونا لها في التجارة أعطت مما في يديها، وإن لم تكن تاجرة أعطت من كسبها، وإن لم يكن لها كسب ثبت في ذمتها يستوفي منها إذا أعتقت. وإن اختلعت نفسها بأكثر من مهر مثلها كان ما زاد على مهر مثلها فاسدا و يقوى عندي أنه يكون صحيحا غير أنه يتعلق بذمتها. وإن كان الخلع بغير إذنه لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون الخلع منجزا أو معلقا بصفة، فإن كان منجزا فأما أن يكون بدين أو بعين، فإن كان بدين في الذمة ثبت في ذمتها تتبع به إذا أيسرت بعد عتقها، وإن خالعها على شئ بعينه كالعبد المعين فالخلع صحيح، والطلاق باين، ولا يملك العبد، لأنه في يدها بمنزلة الغصب و العوض للزوج وفي كميته قولان أحدهما مهر المثل، والثاني بدل التالف وهو الصحيح عندنا وأيهما كان ففي ذمتها يطالب به إذا أيسرت بعد عتقها. هذا إذا كان منجزا فإن كان بصفة فعندنا باطل، وعندهم لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون معينا أو في الذمة، فإن كان في الذمة كقوله إن أعطيتني عبدا فأنت طالق فأعطته عبدا لم تطلق لأنه يقتضي عوضا يملكه، وإن كان على عبد بعينه فعلى وجهين أحدهما أنه واقع، وقال بعضهم لا تطلق كما لو كان في الذمة فمن قال تطلق كان باينا، ويجب العوض على ما مضى من القولين. وأما المكاتبة فإذا اختلعت نفسها بمال لم تخل من أحد أمرين إما أن يكون بإذن سيدها أو بغير إذنه، فإن كان بإذنه فالحكم فيها كالأمة القن سواء، وإن اختلعت بغير إذنه فهل يصح بذل المال والهبة منها في هذا بإذنه أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما يصح، لأن الحق لها، وهو الذي يقوى في نفسي، والثاني باطل فيهما، وفيهم من قال البذل في الخلع لا يصح والهبة على قولين. والذي يقتضيه مذهبنا أن نقول إن كانت مشروطا عليها فهي كالأمة القن سواء

[ 367 ]

وإن لم يكن مشروطا عليها كان الخلع صحيحا. فإذا ثبت هذا فكل موضع قلنا لا يصح، فإن كان بإذن سيدها فالحكم فيه كما لو اختلعت بغير إذنه وقد مضى، وكل موضع قلنا يصح فالحكم فيه كما لو اختلعت الأمة نفسها بإذن سيدها، وهو أنه يصح، ويقتضي مهر المثل. خلع المحجور عليه لسفه صحيح لأنه مكلف ولا مانع منه. فإذا ثبت هذا لزم الزوجة العوض في حق الكل، وبقي الكلام في قبضه منها والكلام على كل واحد منهم أما المكاتب فالبذل له والقبض إليه، لأنه من كسبه، فإذا سلمت إليه فقد برئت ذمتها، وأما السفيه فالبذل له، والتصرف فيه إلى وليه وليس عليها ولا لها أن تدفع العوض إلى زوجها. ثم ينظر فيه، فإن دفعته إلى وليه برئت ذمتها، وإن دفعته إلى زوجها لم تبرأ ذمتها منه، فإن كانت العين قائمة في يديه وأخذها وليه برئت ذمتها منه، وإن كان هالكا نظرت في أصل البذل، فإن كان في الذمة عاد عليها عقدة العقد لأنه باق في ذمتها وإن كان العقد على معين كان لوليه أن يرجع عليها، وبكم يرجع؟ على قولين أحدهما مهر المثل، والثاني بدل التالف وهو الصحيح. وإذا رجع وليه عليها لم يرجع هي على زوجها في الحال، ولا فيما بعد فك الحجر لأنها سلطه على إتلافه كما لو كان عليها لصبي فأقبضته فتلف في يده، فالدين باق عليها ولا ضمان على الصبي. وأما إن كان عبدا فلا يصح قبضه لأن المال لسيده، ولا يجوز أن يقبض لسيده بغير إذنه، وليس عليها ولا لها تسليم مال السيد إلى عبده، وعليها تسليمه إلى سيده لأنه له، فإن قبضه السيد صح قبضه وبرئت ذمتها، وإن قبض العبد لم تبرأ ذمتها فإن كان ما قبضه قائما في يديه قبضه سيده وبرئت ذمتها، وإن قبض العبد لم يبرأ ذمتها. وإن كان هالكا كان للسيد أن يرجع عليها بالضمان، وبماذا يرجع؟ على ما فصلناه في السفيه حرفا بحرف، لكن للزوجة ها هنا الرجوع على العبد تتبع به إذا

[ 368 ]

أيسر بعد عتقه. إذا اختلف المختلعان في جنس العوض أو قدره أو في تأجيله وتعجيله، أو في عدد الطلاق تحالفا عند بعضهم، وقال الباقون القول قول المرأة وعليه البينة لأنهما قد اتفقا على البينونة، وإنما اختلفا فيما لزمها فالزوج مدعي الزيادة، فعليه البينة وهذا الذي يقتضيه مذهبنا إلا في عدد الطلاق فإن القول فيه قول الرجل، ومن قال تحالفا أسقط المسمى وأوجب مهر المثل عليها. إذا قال لزوجته طلقتك بألف وضمنت ذلك فأنكرت فالقول قولها، لأنه يدعي عليها عقد معاوضة، والأصل أن لا عقد، غير أنه يحكم عليه بالبينونة لاعترافه بذلك. التوكيل في الخلع جائز حرا كان أو عبدا أو محجورا عليه أو ذميا، فإن خلعا بما لا يجوز فالطلاق لا يرد، ويصح التوكيل منهما، ومن كل واحد منهما على الانفراد، كالبيع والمستحب أن يقدر للوكيل البدل، فإن أطلق بغير تقدير صح كالبيع، فإذا ثبت هذا كان وكيلها لقبول الخلع وبذل البدل، ووكيل الزوج للطلاق وقبض العوض عنه، والتفريع على كل واحد منهما والبدأة بتوكيلها. فإذا وكلته في الخلع لم يخل من أحد أمرين إما أن تطلق أو تقدر البدل، فإن أطلقت اقتضى ثلاثة أشياء أن يخلعا بمهر المثل نقدا بنقد البلد كالشراء، فإن اختلعها بمهر مثلها نقدا بنقد البلد فقد حصل ما أمرته به، وإن كان أقل من مهر مثلها نقدا أو بمهر مثلها إلى أجل كان أجوز لأنه زادها خيرا، وإن اختلعها بأكثر من مهر مثلها فالخلع صحيح، والرجعة منقطعة، والمسمى ساقط، وعليها مهر مثلها. فأما إن قدرت له البدل، فإن فعل بذلك القدر أو أقل منه صح، وإن اختلعها بأكثر قيل فيه قولان أحدهما فاسد، وعليها مهر مثلها، والآخر عليها أكثر الأمرين من المسمى أو مهر مثلها، وعلى كل حال لا يضمن الوكيل شيئا في الوسط، لأنه لا يقبل العقد لنفسه ولا مطلقا، وإنما يقبله لها ويقوى في نفسي أنه متى خالعها على أكثر مما قدرته أن الخلع لا يصح. فإن اختلعها بألفين من مالها فلا ضمان عليه، وإن اختلعها بألفين من مالها و

[ 369 ]

قال أنا ضامن لها ضمن، وإن خالعها بألفين وأطلق فعليه الضمان، لأن إطلاق ذلك يقتضي تحصيل الألفين له، وهذا إذا اختلعها بمال فإن اختلعها بغير مال كالخمر و الخنزير فالذي يقتضيه مذهبنا أنه يبطل الخلع وعندهم الخلع صحيح، والرجعة منقطعة، والبذل باطل، وعليها مهر مثلها، وقال بعضهم مثل ما قلناه. فأما الكلام في توكيله، فإذا وكله بالخلع لم يخل من أحد أمرين إما أن يطلق أو يقدر له المال، فإن أطلق اقتضى أيضا ثلاثة أشياء أن يخلعها بمهر مثلها نقدا بنقد البلد، فإن فعل ذلك فقد فعل ما اقتضاه العقد، ولزم الخلع والبذل معا، وانقطعت الرجعة، وإن خالعها بأكثر من مهر مثلها لزم أيضا لأنه زاده خيرا. وإن خالعها بأقل من مهر مثلها، فالذي يقتضيه مذهبنا أنه لا يقع الخلع، و قال بعضهم يقع الخلع ويسقط المسمى ويجب مهر المثل، وقال آخرون الزوج بالخيار بين أن يقبله ناقصا أو يرد، فإن اختار الامساك فالرجعة ساقطة، وإن رد ثبت الرجعة. هذا إذا أطلق، فأما إن قدر له البذل فإن خالعها بذلك لزم، وإن خالعها بأقل فالخلع باطل، والطلاق غير واقع بلا خلاف، لأنه أوقع طلاقا غير مأذون فيه. فأما إن خالعها على ما ليس بمال كالخمر والخنزير لم يقع الطلاق أيضا بلا خلاف لأنه أوقع طلاقا لم يؤذن له فيه، ويفارق وكيل الزوجة لأنه لا يوقع الطلاق و إنما يقبل الطلاق الذي يوقعه الزوج على عوض لم يسلم له، فإذا لم يسلم له العوض اقتضى الرجوع إلى المعوض، فإذا تعذر رجع إلى بدله وقد قلنا إن عندنا لا فرق بين الموضعين في أنه لا يقع الخلع أصلا. الخلع في المرض جائز لأنه عقد معاوضة كالبيع، فإذا تقرر جوازه فإن كان الزوج هو المريض فخالعها فإن كان بقدر مهر مثلها لزم المسمى، وإن كان بأكثر من مهر مثلها فهو أجوز ولم يعتبر المحاباة لأنه لو طلقها بغير عوض لم يعتبر مهر مثلها من الثلث. وإن كان المريض الزوجة، فإن اختلعت نفسها بمهر مثلها كان من صلب مالها

[ 370 ]

وإن كان دون مهر مثلها كان مثل ذلك وإن كان أكثر من مهر مثلها كان مهر مثلها من صلب المال، الفضل من الثلث كما لو اشترت شيئا بأكثر من ثمن مثله كان الفضل من الثلث، وقال بعضهم يعتبر الكل من الثلث والأول أقوى. إذا اختلعت المريضة نفسها بعبد قيمته مائتان، ومهر مثلها مائة، كان قدر مهر مثلها من صلب مالها، وما زاد محاباة يعتبر من الثلث، ثم لا يخلو من أحد أمرين إما أن تبرأ أو تموت، فإن برئت انقطع حكم المحاباة، وإن ماتت كان ما زاد على مهر المثل من الثلث. ثم لا يخلو من أحد أمرين إما أن يخرج من الثلث أو لا يخرج، فإن خرج منه مثل أن كان لها مائة (1) سواء ففيه ثلاث مسائل: إحداها لا دين عليها ولا وصية فالعبد كله له، نصفه من صلب مالها، ويبقى نصفه بخمسين ولها مائة، يصير ثلثه مائة وخمسين (2)، فيكون كله له نصفه بالخلع ونصفه بالوصية، وفيهم من قال له أن يقبل، وله أن يرد وله مهر مثلها. الثانية عليها دين محيط بالتركة ولا وصية لها، فيكون بالخيار بين أن يأخذ نصف العبد بالخلع والباقي منه في الديون، وبين أن يدع العبد وله مهر المثل يضرب به مع الغرماء. الثالثة لا دين عليها ولها وصايا فالزوج بالخيار أيضا بين أن يقبل نصف العبد بالخلع، ويضرب مع أهل الوصايا بالباقي، وبين أن يدع العبد وله مهر مثلها يقدم به على أهل الوصايا. وأما إن لم يخرج من الثلث، وهو أن ليس لها مال سواه، فهو بالخيار بين أن يقبل نصف العبد بالخلع، ويكون ثلث ما بقي منه بالوصية فيكون له ثلثا العبد نصفه بالخلع، وثلث ما بقي بالوصية، وبين أن يدع ويرجع إلى مهر المثل فيكون مقدما به على كل أحد لأن الصفقة تبعضت عليه. فإن اختار الزوج قسما ثالثا وهو أن يأخذ سدسه بالوصية ويدع الباقي وله مهر المثل لم يكن له ذلك، لأنها خلعت في ضمن معاوضة، فإذا ردها بطلت الوصية.

(1) كذا في النسخ والظاهر: مائتان.
(2) كذا في النسخ والظاهر: ويبقى نصفه بمائة ولها مائتان يصير ثلاث مائة الخ.

[ 371 ]

وإذا اختلعت نفسها بعبد قيمته مائة وخرج نصفه مستحقا فهو خلع بعوض معين لم يسلم نصفه قيل فيه قولان أحدهما له نصفه ويرجع عليها بنصف مهر مثلها في مقابلة النصف الذي لم يسلم وعندنا أنه يبطل الخلع. خلع المشركين جايز لعموم الآية، ولا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن يكونا من أهل الذمة أو من أهل الحرب أو بعد الاسلام، فإن كانا من أهل الذمة فإن كان صحيحا حكم به وأمضى، وإن كان البذل مقبوضا فقد استقر وإن لم يكون مقبوضا حكم بوجوب الاقباض كما يحكم بين المسلمين. وإن كان البذل فاسدا كالخمر والخنزير ونحو هذا، فإن كان بعد القبض لم يعترض للمقبوض لأنا لا نعترض لما تقابضاه بينهما وإن لم يكن وقع في الأصل صحيحا وإن لم يكن مقبوضا حكم ببطلان البذل وأوجب مهر المثل وإن كان القبض في البعض أبطل فيما بقي وأوجب بالحصة من مهر المثل فإن كان الباقي النصف أوجب نصف مهر المثل، وما زاد أو نقص فبحسابه. ويقوى في نفسي أنه أذا كان فاسدا غير مقبوض أنه يحكم بقيمته عند أهله في الجميع أو البعض، وإن كانا من أهل الحرب فالحكم بينهما على ما قلناه في أهل الذمة سواء لا فصل بينهما. هذا إذا ترافعا قبل الاسلام، فإن ترافعا بعد الاسلام، فإن كانا تقابضا حال الشرك لم يعرض له، فإن كان بعد إسلامهما أو إسلام أحدهما حكم ببطلانه، وأوجب مهر المثل أو القيمة عند أهله على ما اخترناه، فإن كانا عالمين بتحريم التقابض حال الاسلام عزرهما الحاكم، وإن كانا جاهلين لم يكن عليهما شئ. إذا كانت له زوجتان فقالت إحداهما طلقني بألف، على أن لا تطلق ضرتي بقصد الاضرار بها، لتبقي على سوء عشرته وقلة نفقته، أو على أن تطلق ضرتي، بقصد الاضرار بها لحسن عشرته وخلقه وسعة نفقته، ففعل، فالطلاق واقع والرجعة ساقطة، والبذل فاسد، لأنه شرط فاسد لأنه سلف في الطلاق فلما بطل الشرط سقط من البذل ما زاد لأجل الشرط، وذلك مجهول فصار الباقي مجهولا لا يصح، ووجب

[ 372 ]

مهر المثل، ويقوى في نفسي أن الطلاق واقع والعوض صحيح، لأنه فعل ما التمسته. يجوز للرجل أن يزوج ولده الصغير والمجنون صغيرا كان أو كبيرا، وليس للولي أن يطلق زوجته بعوض ولا بغير عوض، وفيه خلاف. إذا قالت طلقني بألف على أن تعطيني عبدك هذا فقد جمعت بين شراء وخلع، وجمع الزوج بين بيع وخلع بألف، والأقوى أنهما يصحان، وفي الناس من قال يبطلان البيع والبذل في الخلع. فإذا قال يبطل البيع والبذل في الخلع، فالبيع باطل والخلع بحاله، والبذل فاسد، وعليها مهر المثل، ومن قال يصحان قال يقسط المسمى على قيمة العبد ومهر المثل فإن تساويا في القيمة كان المسمى وفقا، وإن زاد أو نقص سقط بحسابه، وعلى ما قررناه أن الأقوى أنهما يصحان لا يحتاج إلى ما قالوه، بل يكون المسمى في الخلع ثمن العبد وكلاهما صحيحان. فإن قال لها طلبت مني طلقة بألف فأجبتك وطلقتك بها على الفور جوابا لما طلبت، فالطلاق واقع والرجعة ساقطة، والألف لي عليك، فقالت ما طلقتني جوابا لكلامي بل خرجت حتى انقضت مدة الجواب وطلقتني بعد ذلك، فالطلاق رجعي ولا ملك لك على فالقول قولها، لأن تحقيق الكلام طلقتك بعوض، فقالت لا بعوض فيكون القول قولها، وإذا حلفت كان الطلاق باينا ولا حق له عليها، لاعترافه بالطلاق الباين وإنما ردت دعواه عليها بالعوض. فأما إن كانت الدعوى من جهتها فقالت طلقتني بألف ضمنتها لك وقد ثبت و الألف على وأنكر فالقول قوله إن لم يكن معها بينة، يحلف وهما على الزوجية. وإن كان معها بينة نظرت، فإن كان شاهدا واحدا لم يقض لها باليمين مع الشاهد، لأن ذلك إنما يحكم به فيما كان مالا أو المقصود منه المال والخلع المقصود منه البينونة، وإن كان معها شاهد وامرأتان لم يحكم أيضا بذلك لمثل ما قلناه. وإن كان معها شاهدان فإن اتفقا على خلع واحد قضي بشهادتهما وتنقطع الرجعة ويجب البذل، وإن كانت الشهادة على خلعين فشهد أحدهما على أنه خالع بألف و

[ 373 ]

الآخر بألفين لم يثبت بها خلع، لأن الشهادة لم يتفق على عقد واحد، فلهذا لم يحكم بشهادتهما. * * * فرق أصحابنا بين الخلع والمباراة، فلم يختلفوا في أن المباراة لا يقع إلا بلفظ الطلاق، واختلفوا في الخلع، فقال المحصلون منهم فيه مثل ذلك، وقال قوم منهم يقع بلفظ الخلع، وفرقوا بين حكميهما بأن قالوا الخلع لا يكون إلا بكراهة من جهتها، ويجوز أن يأخذ منها مهر مثلها وزيادة، كيف ما اتفقا، والمباراة يكون الكراهة منهما، ويجوز أن يأخذ منها دون المهر فأما مهر المثل أو أكثر فلا يجوز ولم أجد أحدا من الفقهاء فرق بين الأمرين. تم كتاب الخلع ويليه في المجلد الخامس كتاب الطلاق.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية