الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المبسوط- الشيخ الطوسي ج 3

المبسوط

الشيخ الطوسي ج 3


[ 1 ]

المبسوط في فقه الإمامية تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى 460 هجري صححه وعلق عليه محمد الباقر البهبودي عنيت بنشره - المكتبة المرتضوية الجزء الثالث لإحياء الآثار الجعفرية حقوق طبع محفوظ رقم تلفن (532138)

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (كتاب الاقرار) إقرار الحر البالغ الثابت العقل غير المولى عليه جايز على نفسه للكتاب والسنة والاجماع: فالكتاب قوله تعالى " أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل " (1) ومعناه فليقر وليه بالحق غير زايد ولا ناقص وهو العدل وأيضا قوله " كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم " (2) والشهادة على النفس هو الاقرار بما عليها وقوله " فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير " (3) وقوله " فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل " (4) وقوله " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم " (5) والاعتراف والاقرار واحد وأيضا قوله تعالى " ألست بربكم قالوا بلى " وقوله " ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير " (7) ولا يجوز أن يكون الجواب في مثل هذا إلا ببلى ولو قالوا: نعم لكان إنكارا ولم يكن إقرارا، ويكون تقديره لست بربنا ولم يأتنا نذير. ولهذا يقول الفقهاء إذا قال رجل لآخر: أليس لي عليك ألف درهم؟ فقال بلى كان إقرارا وإن قال نعم لم يكن إقرارا وكان معناه ليس لك على شئ. وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وآله " أنه قال من أصاب من هذه القاذورات شيئا

(1) البقرة: 282.
(2) النساء: 134.
(3) الملك: 11.
(4) غافر: 11.
(5) براءة: 105.
(6) الأعراف: 171.
(7) الملك: 8.

[ 3 ]

فليستتر بستر الله فإن من يبد لنا صفحته نقم عليه حد الله " وقوله واغديا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها (1) وقوله لمعز بن مالك: الآن أقررت أربعا قمن (2) وأيضا فإنه رجم الغامدية والجهنية بإقرارهما كما رجم ماعزا بإقراره. فأما الاجماع فإنه لا خلاف في صحة الاقرار ولزوم الحق به وإنما اختلفوا في تفصيله ونحن نذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى. الناس في الاقرار على ضر بين: مكلفون وغير مكلفين، فأما غير مكلفين فمثل الصبي والمجنون والنائم فهؤلاء إقرارهم لا يصح لقوله عليه السلام رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى ينتبه، ورفع القلم عنهم يقتضي ألا يكون لكلامهم حكم وأما المكلفون فعلى ضربين ضرب مطلق التصرف وضرب محجور عليه في التصرف، فالمطلق التصرف إقراره يصح على نفسه بالمال والحد سواء كان عدلا أو فاسقا بلا خلاف فيه. وأما المحجور عليهم فهم أربعة: المحجور عليه لسفه والمحجور عليه للرق والمحجور عليه للفلس والمحجور عليه للمرض فأما المحجور عليه للسفه فإن إقراره في ماله لا يصح وإن أقر على نفسه بحد قبل، وإن أقر بسرقة قبل إقراره بالقطع، وهل يقبل في المال؟ على قولين أحدهما يقبل فيهما ولا يبعض إقراره والثاني يبعض إقراره فيقبل في الحد ولا يقبل في المال كما تبعض شهادة الرجل والمرأتين بالسرقة فيقبل في

(1) أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال أحدهما اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم، قال: تكلم قال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة، وتغريب عام وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله: أما غنمك و جاريتك فرد عليك، وأما ابنك فعليه جلد مائة وتغريب عام، وأما أنت يا أنيس فاغد إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها، والحديث متفق عليه.
(2) قمن: أي جدير، والصحيح من لفظ الحديث هكذا: الآن أقررت أربعا، فبمن؟ قال: بفلانة، الخ رواه أبو داود وفي نسخة لأن أقررت أربعا فتحد.

[ 4 ]

المال ولا يقبل في الحد وهذا هو الأقوى وإن أقر بخلع أو طلاق قبل ذلك لأن ذلك يصح منه. وأما المحجور عليه للرق فحكمه حكم المحجور عليه للسفه، إلا في شئ واحد، وهو أن إقرار العبد يلزمه في ذمته فإذا أعتق طولب به وعندنا أنه لا يقبل إقراره بالحد لأن في ذلك إتلاف مال الغير الذي هو السيد. وأما المحجور عليه لفلس فإن إقراره مقبول بكل حال، وهل يشارك المقر له سائر غرمائه في المال الذي في يده أو يكون حقه في الفاضل قيل فيه قولان بينا الصحيح منهما في كتاب التفليس وأما المحجور عليه لمرض فإن إقراره مقبول على ما نبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى. إذا أقر الرجل إقرارا مبهما مثل أن يقول لفلان على شئ يصح ذلك الاقرار بلا خلاف فيه ولا تقبل الدعوى المبهمة، لأن الدعوى حق للمدعي، والاقرار حق على المقر، فما كان حقا عليه فهو أغلظ مما كان حقا له ولأنا إذا لم نسمع الدعوى المبهمة أمكن المدعي أن يدعي دعوى معلومة لأن هناك داعيا يدعوه إلى تصحيح دعواه، وليس كذلك الاقرار فإنا لا نأمن ألا يقر ثانيا إذا رددنا إقراره الأول فلهذا سمعناه مبهما. فإذا ثبت هذا فإنا نرجع إلى المقر في تفسيره لأنه أجمل ذلك فكان الرجوع إليه في إجماله وفي تفسيره كأوامر صاحب الشرع إذا أوردت مجملة كان له الرجوع إليه وإلى ما ثبت عنه من ألفاظه وأفعاله من تفسيرها فإذا طالبناه بالتفسير لم يخل من أحد أمرين إما أن يفسر، أو لا يفسر، فإن لم يفسر قلنا له إن فسرت وإلا جعلناك ناكلا ورددنا اليمين على المقر له، فيحلف على ما يدعيه ويلزمك، فإن لم يفسر جعلناه ناكلا وحلف المقر له وثبت له ما يدعيه، وإن نكل عن اليمين قلنا لهما انصرفا. وأما إذا فسره فإنه لا يخلو من أحد أمرين إما أن يفسره بما يتملك أو بما لا يتملك فإن فسره بما يتملك لم يخل من أحد أمر ين إما أن يفسره بما يتمول في العادة مثل أن يفسره بدينار فما دونه أو بدرهم فما دونه أو بجنس آخر من الأجناس التي يتمول في العادة قليلها وكثيرها قبل تفسيره بذلك، فإن صدقه المقر له على ذلك

[ 5 ]

فذاك وإن كذبه لم يخل من أحد أمرين إما أن يكذبه في المقدار أو في الجنس فإن كذبه في المقدار مثل أن يقر بدينار فيقول المقر له: لي أكثر فيكون مدعيا لما زاد له على الدينار ويكون القول في ذلك قول المقر مع يمينه فإن حلف أسقط دعواه وإن نكل رد اليمين على المقر له، فيحلف على ما يدعيه من المقدار ويثبت له ذلك، وأما إذا كذبه في الجنس مثل أن يفسر المقر إقراره بدراهم، فيقول المقر له: لي عليه دنانير فإنه يبطل إقراره بالدراهم لأنه أقر بما لا يدعيه وهو مدع للدنانير عليه فيكون القول قوله، فإذا حلف سقطت الدعوى وإن نكل ردت اليمين على المدعي وحلف وثبت له ما يدعيه. هذا إذا فسره بما يتمول في العادة فأما إذا فسره بما لا يتمول في العادة مثل أن يقول: له عندي قشر فستقة أو جوزة أو لوزة أو قمع باذنجانة أو ما أشبه ذلك لم يقبل تفسيره به وطولب بتفسير إقراره بشئ آخر لأنه أقر بلفظ الالتزام والذي فسر به جرت العادة بأنه لا يتمول مثله ولا يجب لأحد على أحد، وأما إذا فسره بما لا يتملك نظر فإن فسره بخمر أو خنزير أو دم أو ميتة لم يقبل ذلك منه، لأنه مما لا يملك ولا ينتفع به بحال ولفظة الاقرار لفظة الالتزام، والخمر والميتة لا يلزم أحد لأحد. وإن فسره بكلب أو سرجين قيل فيه قولان. أحدهما لا يقبل تفسيره لأنهما لا يملكان والثاني أنه يقبل وهو الصحيح لأن الكلب والسرجين ينتفع بهما ويجب ردهما على من غصبا منه، وعندنا أنه إن كان إقرارا بكلب الصيد أو الماشية أو سرجين ما يؤكل لحمه، فإنه يملك وما عدا هذين لا يملك بحال، وإذا فسره بجلد الميتة فعلى الوجهين وعندنا لا يقبل منه لأنه لا يطهر عندنا بالدباغ، فأما إذا فسره بحد القذف قيل فيه وجهان أحدهما يقبل تفسيره، لأنه حق لآدمي، والثاني أنه لا يقبل لأنه يؤل إلى مال بحال، وأما إن فسره بحق الشفعة قبل لأنه يؤل إلى مال وإن فسره برد السلام أو بجواب كتاب كتبه لم يقبل ذلك منه لأن ذلك لا يثبت عليه في ذمته حتى يكون لازما له ولفظ الاقرار يقتضي اللزوم فلا يقبل في تفسيره بما لا يكون لازما له ورد السلام وإن كان فرضا فإنه فرض في الحال فإن رده في الحال فذاك، وإن أخره

[ 6 ]

سقط عنه، ولم يثبت في ذمته. إذا أقر فقال: لفلان علي مال صح ذلك الاقرار، وقبل منه التفسير بالقليل والكثير بلا خلاف، فإن فسره بالكلب أو جلود الميتة أو سرجين ما لا يؤكل لحمه أو ما أشبه ذلك لم يقبل منه لأنه لا يسمى مالا، ويفارق إذا قال له علي شئ ففسره بهذه الأشياء لأن الشئ يتناول المال وغير المال، والمال اسم لما يتمول دون ما لا يتمول، فأما إذا قال: له علي مال عظيم أو جليل أو نفيس أو خطير، لم يتقدر ذلك بمقدار، وأي مقدار فسره به كان مقبولا قليلا كان أو كثيرا وإن قال: له عندي مال كثير كان ذلك إقرارا بثمانين على الرواية التي رويت فيمن أوصى بمال كثير أنه ثمانون (1). وأما إذا أقر باليسير أو الخسيس أو الجزاف أو الموزون أو الخطير أو الحقير فإنه يرجع إلى تفسيره بلا خلاف، وفي العظيم خلاف، وإن قال: له علي مال عظيم جدا أو عظيم عظيم قبل تفسيره بما قل أو كثر، وكذلك لو قال وافر، فالكلام في كل ذلك واحد. إذا قال: له علي مال أكثر من مال فلان ألزم مقدار مال الذي سماه، وقبل منه تفسيره في الزيادة قل أو كثر، وإن فسره بمثله لم يقبل، لأن هذا اللفظ يقتضي الزيادة في اللغة وإن قال: لفلان علي مال أكثر من مال فلان عددا نظر فإن أقر بأنه عرف مال فلان وأنه ألف في العدد لزمه مثل ذلك المقدار وزيادة، ويقبل قوله في القدر الزيادة ولو فسرها بحبة بلا خلاف ها هنا، وفي الأول خلاف. فإن كان مال فلان ألفا وقال ما كان عندي أنه ألف، وإنما اعتقدت أنه عشرة و أردت بالزيادة درهما كان القول قوله في ذلك وإن ادعى فلان أن ماله ألف وقامت البينة على أن ماله ألف لا يلزمه إلا أحد عشر درهما حسب ما فسره لأن مبلغ مال الرجل لا يعرف حقيقته، لأن المال ظاهر وباطن وقد يملك الرجل مالا كثيرا في الباطن ويعتقد فيه أنه قليل المال، فدعواه وشهادة الشاهدين يجريان مجرى واحدا في أنه يجوز أن يكونا صادقين أو كاذبين أو يكونا صادقين ويكون كاذبا ولأن حقيقة مبلغ المال لا يعرفه

(1) رواه الشيعة في كتبهم الحديثية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام لكنه في ما لا يمكن الاستفسار.

[ 7 ]

إلا صاحبه، وربما خفي على غيره، فلأجل ذلك لم يحكم إلا بما أقر به من المقدار الذي اعتقده، ويكون القول قوله مع يمينه في الزيادة إن ادعى المقر له. إذا أقر أنه غصب فلانا شيئا وفسر ذلك بما يتمول قبل منه، وإن فسره بما لا يتمول ولا ينتفع به كالخنزير والدم لا يقبل لأنه فسره بما لا يتمول وإن فسره بما لا يتمول لكنه ينتفع به كالكلب والسرجين فعلى ما مضى من الخلاف، وإن قال أردت نفسك لأني أخذ تك يوما وأدخلتك الدار على وجه الغصب لم يقبل منه، لأن ذلك ليس بغصب في الحقيقة لأن الحر لا يثبت عليه يد الغاصب فقد فسر الغصب بما ليس بغصب فلذلك لم يقبل منه. وإذا قال: له على دراهم لزمه ثلاثة دراهم لأنها أقل الجمع وإن قال دراهم عظيمة فعلى ما مضى من الخلاف، وإذا قال: لفلان على ألف لزمه ألف مبهم، وله أن يفسرها بما شاء من الأموال، ولو بحبات الطعام، فإن فسرها بكلاب فعلى ما مضى. وأما إذا قال: لفلان على ألف درهم لزمه ألف درهم لأنه فسر الألف بإضافتها إلى الدرهم وأما إذا قال: له علي ألف ودرهم، لزمه الدرهم ويرجع إليه في تفسير الألف فبأي شئ فسرها قبل منه، وكذلك إذا قال مائة ودرهم أو عشرة ودرهم (1) فالحكم واحد وكذلك إذ قال ألف ودار وألف وعبد أو قال: وثوب وإن قال مائة وخمسون درهما كان ذلك إقرارا بمائة وخمسين درهما لأن درهما في آخره يكون تمييزا للعددين معا وفي الناس من قال إنه يكون تفسيرا للخمسين والمائة على إبهامها والصحيح الأول، لأنا لو جعلنا ذلك تفسيرا للثاني بقي الأول بلا تفسير وذلك يجوز، ويفارق ذلك إذا قال له ألف ودرهم لأن قوله ودرهم معه واو العطف، فلا يجوز أن يكون تفسيرا للألف لأن المفسر لا يكون كذلك. إذا قال: لفلان على ألف ودرهمان، لزمه درهمان، ورجع إليه في تفسير الألف كما لو قال ودرهم لأنه أفاد زيادة في العدد ولم يفد تفسيرا. فأما إذا قال له على ألف وثلاثة دراهم كان ذلك تفسيرا للألف، وعلى قول من

(1) في نسخة: مائة وعشرة درهم.

[ 8 ]

قال إذا قال له مائة وخمسون درهما إن المائة مبهمة، قال ههنا مثله، وكذلك إذا قال ألف وتسعون درهما، وألف ومائة درهم، أو مائة وثلاثة دراهم، أو مائة وخمسون درهما أو مائة وخمسة عشر درهما، أو خمسون وألف درهم، أو خمسون ومائة درهم، أو خمسة وعشرون درهما، كان ذلك على الخلاف الذي قدمناه. ولا خلاف في خمسة عشر درهما لأنهما وإن كانا عددين فإن أحدهما ركب على الآخر وجعل اسما واحد فجريا مجرى العدد الواحد فعلى هذا إذا قال بعتك هذا الثوب بخمسة عشر درهما صح بلا خلاف، ولهذا لا يجوز تفسير كل واحد منهما: فيقول خمسة درهما عشرة درهما ويخالف خمسة وعشرون درهما لأنه يصح أن يفسر كل واحد منهما فيقول خمسة دراهم وعشرون درهما، فإذا قال بعتك بخمسة وعشرين درهما أو قال بمائة وثمانين درهما فعلى قول من خالف هناك لا يجوز لأن بعض الثمن مجهول، وعلى القول الآخر وهو الصحيح يصح، وإذا قال علي درهم وألف، لزمه الدرهم، ورجع إليه في تفسير الألف كما لو قال ألف ودرهم، لا فرق بين أن يقدم المعلوم على المجهول أو يؤخره. الاستثناء من الجمل جايز ويستعمل في القرآن والعشر، وهو على ضربين استثناء من نفي واستثناء من موجب، فالاستثناء من النفي إيجاب، والاستثناء من الايجاب نفي ولا فرق بين أن يستثنى الأقل ويبقى الأكثر وبين أن يستثنى الأكثر ويبقى الأقل بلا خلاف إلا ابن درستويه النحوي، فإنه قال: لا يجوز استثناء الأكثر من الأقل، وبه قال أحمد بن حنبل وقد بينا صحته في أصول الفقه، ويدل عليه أيضا قوله تعالى " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (1) " وقال حكاية عن إبليس " فبعزتك لا غوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين (2) " فاستثنى من عباده الغاوين مرة، والمخلصين أخرى ولا بد أن يكون أحد الفريقين أكثر من الآخر، وقال الشاعر: أدوا التي نقصت تسعين من مائة * ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا

(1) الحجر: 42.
(2) ص: 82.

[ 9 ]

فاستثنى التسعين من مائة، لأنه أمر بأن يؤدي عشرة دراهم، فعبر عنها بما قاله. فإذا ثبت ذلك فالاستثناء إذا كان من جنسه كان حقيقة وإن كان من غير جنسه كان مجازا، ويكون بمعنى لكن، غير أنه يجوز استعمال ذلك، وفي الناس من قال هو مشترك حقيقة فيهما وفي الناس من قال لا يجوز هذا الاستثناء، وقد تكلمنا على ذلك في أصول الفقه. فإذا ثبت ذلك فإذا قال: له على ألف إلا درهما فإذا حملناه على حقيقته فقد أقر بتسعمائة وتسعة وتسعين درهما، ومن قال هو مشترك يقول له فسر الألف بما يبقي منه بعضه بعد استثناء الدرهم منه، فإذا فسره بألف جوزة أو بيضة أو باذنجان أو نبقة أو غير ذلك نظر فإن بقي بعد استثناء الدرهم من قيمته شئ صح ذلك، وإن لم يبق شئ منه قالوا فيه وجهان: أحدهما أن الاستثناء لا يبطل، ويكلف تفسير الألف بما يبقى منه شئ بعد استثناء الدرهم من قيمته، لأن الاستثناء قد ثبت، فلا يبطل بتفسيره الذي لا يقبل والثاني أنه يبطل الاستثناء، لأنه فسر الألف بما لا يصح استثناء الدرهم منه لأنه لا يبقي منه شئ، فيصير كأنه أقر بشئ واستثنى جميعه، فيبطل الاستثناء، و يلزمه ما أقربه هذا إذا استثنى معلوما من ألف مجمل فأما إذا استثنى مجهولا من معلوم مثل أن يقول: له على ألف درهم إلا ثوبا، فالثوب مجهول، والألف معلومة، فإذا كان كذلك كلف أن يبين قيمة الثوب، فإذا بينها بما يبقى بعد استثنائه من الألف المعلوم شئ، وإن قل قبل ذلك منه، وإن بينها بألف فإنها يستغرق جميع المستثنى منه، فيكون على الوجهين اللذين ذكرناهما فأما إذا كانا مجهولين مثل أن يقول له علي ألف إلا شيئا أو ألف إلا عبدا أو ثوبا كلف تفسيرهما. هذا كله إذا استثنى مرة واحدة فأما إذا استثنى مرتين نظر فإن عطف الثاني على الأول بواو العطف كانا جميعا من الجملة الأولة المستثنى منها، وإن لم يعطف الثاني

[ 10 ]

على الأول بواو العطف كان الاستثناء الثاني راجعا إلى ما يليه من الاستثناء. فأما إذا كان بينهما واو العطف مثل أن يقول على عشرة إلا ثلاثة وإلا اثنين، كان ذلك استثناء الخمسة من العشرة. وأما إذا لم يعطف الثاني على الأول مثل أن يقول له على عشرة إلا خمسة إلا اثنين فيكون قد استثنى الاثنين من الخمسة، فبقي ثلاثة، فيكون قد استثنى ثلاثة من العشرة فيلزمه سبعة ويدل عليه قوله تعالى " قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين " (1) فاستثنى آل لوط من القوم، واستثنى امرأته من آل لوط من غير حرف العطف فكان راجعا إلى الاستثناء الذي يليه دون المستثنى منه، ويفارق ذلك إذا كان معطوفا بواو العطف، لأن العطف يجعل المعطوف بمنزلة المعطوف عليه، والمعطوف عليه يرجع إلى المستثنى منه، فيجب أن يكون الاستثناء الثاني راجعا إلى ما رجع إليه الاستثناء الأول. إذا قال: لفلان هذه الدار إلا هذا البيت منها كان ذلك استثناء البيت، وكذلك إذا قال هذا الخاتم إلا فصه، فيكون استثناء للفص، ويصح ذلك كما يصح استثناء بعض العدد، وكذلك إذا قال هذه الدار لفلان وهذا البيت منها لي، أو له هذا الخاتم والفص منه لي كان ذلك بمنزلة الاستثناء لأنه معناه وأبين منه لأنه تصريح بمعنى الاستثناء هذا إذا وصل الاستثناء فأما إذا فصل بينهما بسكتة طويلة لم يصح، وكانت جميع الدار والخاتم بفصه للمقر له. إذا قال: لفلان علي درهم ودرهم إلا درهما فعلى ما نذهب إليه أن الاستثناء إذا تعقب جملا معطوفة بعضها على بعض بالواو، أنه يرجع إلى الجميع يجب أن نقول إنه يصح ويكون إقرارا بدرهم، ومن قال يرجع إلى ما يليه فإنه يبطل الاستثناء، ويكون إقرارا بدرهمين لأنه إذا رجع إلى ما يليه وهو درهم لا يجوز أن يستثني درهما من درهم لأن ذلك استثناء الجميع وذلك فاسد فيبطل الاستثناء ويبقى ما أقر به وهو درهم، ودرهم

(1) الحجر 57.

[ 11 ]

الذي عطف عليه. إذا قال له عندي مائة إلا درهمين أقر بثمانية وتسعين درهما وإذا قال له عندي مائة إلا درهمان فقد أقر بمائة لأن المعنى له عندي مائة غير درهمين، وكذلك لو قال له على مائة غير ألف كان له مائة ألا ترى أنه لو قال له على مائة مثل درهمين جاز أن يكون المعنى المائة مثل درهمين وكذلك لو قال له على مائة مثل ألف كان عليه ألف (1) فغير نقيض مثل، وإذا قال ماله عندي مائة إلا درهمين و أردت أن تقر بما بعد إلا رفعته لأنك إذا قلت ماله عندي مائة إلا درهمان فإنما رفعت درهمان بأن جعلته بدلا من مائة، فكأنك قلت ماله عندي مائة إلا درهمان فإذا نصبت فقلت ماله عندي مائة إلا درهمين فما أقررت بشئ لأن عندي لم يرفع شيئا فيثبت له عندك، فكأنك قلت: ماله عندي ثمانية وتسعون درهما، وكذلك لو قال: ماله علي عشرون إلا درهما. وإذا قال ماله عندي عشرون إلا خمسة فأنت تريد مالك إلا خمسة. ويقول: لك على عشرة إلا خمسة ما خلا درهما، فالذي له ستة وكل استثناء مما يليه فالأول حط والثاني زيادة، وكذلك جميع العدد، فالدرهم مستثنى من الخمسة فصار المستثنى أربعة فهذه مسائل ذكرها ابن السراج (2) في الأصول. إذا قال: لفلان عندي ثوب في منديل أو تمر في جراب، كان ذلك إقرارا بالثوب دون المنديل، وبالتمر دون الجراب لأنه يحتمل في منديل لي أو في جراب لي، وإذا احتمل ذلك لم يلزمه من إقراره إلا اليقين، ويطرح الشك لأن الأصل براءة الذمة، وكل ما يجري هذا المجرى الحكم فيه سواء، ولو قال غصبتك حنطة في أرض أو من أرض أو غصبتك زيتا في حب أو من حب أو بعيرا في مرعى أو من مرعى، أو عبدا في غنم أو من غنم أو جملا في إبل أو من إبل، أو حنطة في سفينة أو في جراب أو في غوارة (3) أو في صاع لم يدخل الوعاء في الغصب وهكذا لو قال غصبتك ثوبا قوهيا (4) في منديل أو ثيابا في عيبة أو قال

(1) كذا في جميع النسخ.
(2) في نسخة: ابن البراج.
(3) لعله معرب كواره، بالفارسية، وهو وعاء معروف.
(4) القوهي بالضم: ثياب بيض: وقوهستان بلد بكرمان قرب جيرفت، وهما معربا كوهى وكوهستان.

[ 12 ]

غصبتك فصا في خاتم أو خاتما في فص أو سيفا في حمالة أو حمالة في سيف لأن كل هذا قد يتميز من صاحبه فينزع الفص من الخاتم والخاتم من الفص، وهكذا لو قال غصبتك طيرا في قفص أو في شبكة كان غاصبا للطير دون القفص والشبكة، ومثله لو قال غصبتك زيتا في زق وعسلا في عكة أو شهدا في جونة (1) وكذلك لو قال غصبتك جرة فيها زيت، وقفصا فيها طير، وعكة فيها سمن، كان غاصبا للجرة والقفص والعكة دون الزيت والطير والسمن إلا أن يبين فيقول غصبت عكة وسمنا وجرة وزيتا فإذا قال هذا فهو غاصب للشيئين معا. إذا قال: له عندي عبد عليه عمامة، دخلت العمامة في الاقرار، وإذا قال له عندي دابة عليها سرج، لم يدخل السرج في الاقرار، والفرق بينهما أن العبد يثبت يده على ما عليه فيكون لمولاه المقر له، والدابة لا يثبت لها يد على ما عليها فلا يكون ما عليها لصاحبها إلا بالاقرار، وقوله عليها سرج، ليس بإقرار بالسراج فافترقا. إذا قال: له على كذا نظر فإن أطلق ذلك كان كما لو قال له على شئ، فإن له أن يفسره بأي قدر شاء من الأموال فإن فسره بما لا يتمول ولا ينتفع به كالخنزير لم يقبل وإن فسره بما لا يتمول وينتفع به كالكلب والسرجين وغيرهما فعلى ما مضى من الوجهين، وإن قيده بالدراهم نظر، فإن قال كذا درهما لزمه درهم واحد، لأنه أخرجه مخرج التفسير فكان تفسير الكذا وإن قال درهم بالرفع لزمه درهم واحد، ومعناه كذا هو درهم أي الذي أقر به درهم وإن قال درهم بالكسر لزمه أقل من درهم فبأي قدر فسره قبل منه لأنه يحتمل أن يريد بعض درهم، لأن كذا عبارة عن البعض، وعن الجملة، وفي الناس من قال يلزمه درهم واحد والأصح الأول للاحتمال.

(1) - العكة - بالضم - زقيق صغير للسمن وغيره، ومنه قولهم: سمن الصبي حتى صار كالعكة. والجونة: بالفتح: الخابية المطلية بالقار.

[ 13 ]

وإذا قال: له علي كذا كذا، فإن أطلقه، فهو كما ذكرناه إذا قال له على كذا ولم يكرر لأنه شئ واحد كرره مرتين من غير عطف، فهو كما لو قال له علي درهم درهم فإنه لا يلزمه إلا درهم واحد، وإن قيده بالدرهم منصوبا أو مرفوعا أو مخفوضا فعلى ما ذكرناه في المسألة الأولى. وإذا قال: له علي كذا وكذا، فإن أطلق لزمه شيئان، وله تفسيرهما بما شاء من دانقين وحبتين وغيرهما، وإن قيد ذلك بدرهم، فإن نصبه في الناس من قال يلزمه درهمان ومنهم من قال درهم واحد، لأنه المتيقن وما زاد عليه مشكوك فيه والأصل براءة الذمة، وإن رفعه لزمه درهم واحد لا غير، وإن خفضه لزمه دون الدرهم، وله تفسيره بالحبتين والدانقين، فيكون تقديره كذا وكذا من درهم. وفي الناس من قال إذا قال: له على كذا درهما لزمه عشرون درهما لأنه أقل عدد ينصب الدرهم بعده، وإن قال كذا وكذا درهما لزمه أحد عشر درهما لأنه أقل عددين ركب أحدهما على الآخر من غير عطف ونصب الدرهم بعده، وهذا هو الأقوى عندي. وعلى هذا إذا قال له علي كذا درهم، يلزمه مائة درهم، وعلى ما مضى أقل من درهم أو درهم وألزم من قال بما صححناه أنه إذا كسر أن يكون إقرارا بدون الدرهم، لأنه أقل ما يضاف إلى درهم فيقال ثلثا درهم أو نصف درهم أو ثلث درهم أو ربع درهم ولمن نصر الأول أن يقول إن ذلك ليس بصحيح، وإنما هو كسور. فإن قيل كيف يكون قوله كذا درهما إقرارا بعشرين، فإذا قال كذا وكذا درهما إقرارا بأحد عشر درهما، وهو كرر اللفظ فإن لم يزده كيف ينقص منه؟ قيل له ليس ذلك بمكرر، وإنما هو كل واحد منهما عبارة عن عدد آخر، وإنما يفسر أعداد الدرهم على ما مضى القول فيه. إذا أقر بدين في حال صحته ثم مرض فأقر بدين آخر في حال مرضه، فإن اتسع المال لهما استوفيا ديناهما معا، وإن عجز المال قسم الموجود منه على قدر الدينين. إذا أقر في حال مرضه لوارث صح إقراره، لأنه لا مانع منه، وفي الناس من قال

[ 14 ]

لا يصح فعلى قولنا لا تفريع، وعلى قول المخالف فإن الاعتبار بكونه وارثا حال الموت لا حال الاقرار لأنه لو كان له أخ وله ابن، فأقر للأخ ومات صح الاقرار له بلا خلاف وإن مات ابنه قبل موته ثم مات هو لم يصح إقراره لأنه صار وارثا حال وفاته، وإن لم يكن له ابن فأقر لأخيه ثم رزق ابنا ومات هو صح إقراره لأخيه، لأنه غير وارث حال الوفاة. إذا كانت له جارية ولها ولد فأقر في حال مرضه بأن ولدها منه، وليس له مال غيرها فإنه يقبل إقراره: أطلق ذلك أو بين كيفية استيلاده إياها إما في ملكه أو في ملك الغير، بعقد أو بشبهة عقد، لأن على جميع الأحوال الولد حر ويلحق به والجارية تكون أم ولده، فإن كان عليه دين يحيط بثمنها تباع فيه بعد موته وإن كان له مال غيرها قضي به الدين وجعلت في نصيب ولدها، وتنعتق عليه وإن لم يخلف مقدار الدين ينعتق منها بمقدار ما يفضل من الدين وهو ما يحصل لولدها وتستسعي فيما بقي لسائر الورثة. إذا أقر رجل للحمل بدين في ذمته أو عين في يده: لم يخل من إحدى ثلاثة أحوال إما أن يعزوه إلى سبب صحيح أو سبب غير صحيح أو يطلق، فإن عزاه إلى سبب صحيح، مثل أن يقول لحمل هذه المرأة على دين من جهة وصية أوصي له بها أو من جهة الميراث لأن الوصية تصح للحمل ويوقف له الميراث فإن الاقرار بذلك يلزمه لأنه يمكن صدقه فيه. وإذا أطلق فهل يصح أم لا قيل فيه قولان أحدهما يصح والآخر لا يصح والأول أقوى وإن عزاه إلى سبب فاسد، مثل أن يقول من معاملة بيني وبينه، أو جناية جنيتها على بقلع عين أو ضرس، بطل إقراره عند من قال إذا أطلق بطل ومن قال يصح إذا أطلق قال ههنا فيه قولان أحدهما يصح لأنه أثبت على نفسه حقا بإقراره، ثم عقبه بما أسقط جملته من غير لفظ الاستثناء فلا يقبل منه كما لو قال له علي ألف قضيته. فكل موضع يقال يصح إقراره فإنه ينظر فإن انفصل الحمل ميتا كان الاقرار

[ 15 ]

باطلا لأنه إنما يكون له حكم إذا انفصل حيا فإذا انفصل ميتا كان في معنى المعدوم ثم ينظر فإن كان الاقرار بمال عن وصية رجع إلى ورثة الموصي، وإن كان عن ميراث رجع إلى باقي الورثة وإن لم يكن بين السبب طولب ببيانه وإن انفصل حيا لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن ينفصل من حين الاقرار لدون ستة أشهر أو لأكثر من تسعة أشهر أو ما بينهما، فإن كان انفصاله لدون ستة أشهر صح إقراره، لا ناقد تيقنا وجوده حين الاقرار فثبت أنه أقر لموجود وإن انفصل لأكثر من تسعة أشهر لم يصح الاقرار لأنا قد تيقنا أنه ما كان موجودا حال الاقرار فقد أقر لمعدوم فلم يصح وإنما يصح الاقرار لحمل إذا كان موجودا، وكذلك إنما تصح الوصية له ويوقف الميراث له، إذا كان موجودا وأما إذا انفصل لستة أشهر فأكثر وتسعة أشهر فأقل نظر فإن كان لها زوج يطأها أو مولى لم يصح الاقرار، لأنه يجوز أن يكون حدث بعد الاقرار له فلا يكون الاقرار لازما وإذا احتمل لا يلزمه شئ بالشك وإن لم يكن لها زوج ولا مولى فإن الاقرار يصح لأنا علمنا أن هذا الولد من ذلك الوقت. هذا إذا كان الولد واحدا فأما إذا وضعت ولدين لم يخل أن يكونا ذكرين أو أنثيين، أو أحدهما ذكرا والآخر أنثى، فإن كانا ذكرين أو أنثيين، فالمال بينهم نصفين، سواء ثبت أن ذلك عن وصية أو ميراث وإن كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى فإن كان ذلك عن وصية تساويا فيه، وإن كان عن ميراث تفاضلا فيه، على حسب ما فرضه الله تعالى إلا أن يكونا ولدين من أم، فيكون بينهما بالسوية، لأن كلالة الأم يتساوون في الميراث، إذا ثبت هذا فكل موضع صح فيه الاقرار ثبت المال للحمل عند الانفصال، وطالب الوصي المقر بتسليم المال إليه إذا ثبت أنه وصي له، ووجب عليه التسليم إليه، وإن ولدت ولدين أحدهما حي والآخر ميت فإن الميت كأنه معدوم، ويكون المال للحي كما لو ولدته وحده. إذا كان في يده عشرة أعبد فأقر لرجل بهم وقال: هؤلاء العبيد لفلان إلا واحدا منها صح الاقرار بالتسعة لأن جهالة الاستثناء لا تمنع صحته، ثم يكلف تعيين المقر بهم لأن حق الغير تعلق بهم، فيلزمه تعيينهم، وهو بالخيار بين أن يعين التسعة

[ 16 ]

وبين أن يعين الواحد الذي له، لأنه إذا عين أحدهما تعين الآخر. إذا ثبت هذا وعين واحدا منها لنفسه، وصدقه المقر له، فذاك، وإن كذبه كان القول قول المقر في ذلك مع يمينه، لأنه أعلم بما أقر به وبما استثناه، ولأنه في يده فيجب أن يكون القول قوله مع يمينه. فإن هلك تسعة منهم وبقي واحد فادعى أنه هو الذي استثنى لنفسه فهل يصح ذلك أم لا، قيل فيه وجهان أحدهما لا يقبل منه ذلك، ويكون للمقر له لأنه فسره بما لا يحصل للمقرض له شئ، والثاني أنه يقبل منه وهو الصحيح، ويكون العبد له لأن الاستثناء قد صح وقت الاقرار، وتفسيره لا يدفع الجميع وإنما تعذر تسليم المقر به لموتهم لا لمعنى يرجع إلى الاقرار، كما لو قال هؤلاء العبيد لفلان إلا سالما ثم مات الكل إلا سالما كان سالم للمقر بالاجماع. إذا قال: غصبت هذه الدار من فلان وملكها لفلان لزمه إقراره بالغصب، ووجب عليه تسليم الدار إلى المغصوب منه، لأنه أقر له باليد وأقر للآخر بالملك، وقد يكون في يده بحق وإن كان ملكها لغيره، وذلك مثل أن يكون في يده بر هن أو إجارة، إذا ثبت هذا فإن ملكها لا يثبت للآخر بإقراره، لأنه إذا ثبت أنها في يد غيره، فإن إقراره بما في يد غيره لا يصح كما لو قال الدار التي في يد فلان لفلان، فإن ذلك لا يصح ولا يجوز شهادته بذلك، لأنه غاصب لا يقبل شهادته، فإذا بطل أن يكون شاهدا وبطل أن يصح إقراره بها، حصلت الدار للمقر له باليد وكانت الخصومة فيها بينه وبين المقر له بالملك، فإذا ثبت هذا فإنه لا ضمان عليه للمقر له بالملك، لأنه ما أقر له بشئ فحال بينه وبينه، لأنه أقر لأحدهما باليد، وأقر للآخر بالملك، وقد يجوز أن يكون في يد أحدهما بإجارة، ويكون للآخر ملكا. فأما إذا قال هذه الدار ملكها لفلان وقد غصبتها من فلان، فقد اختلف فيها ففي الناس من قال هي كالتي قبلها، ولا فرق بين أن يقدم الغصب وبين أن يؤخره. ومنهم من قال يلزمه إقراره للأول، وهل يغرمها للثاني أم لا؟ قيل فيه قولان لأنه لما أقر له بالملك ثم أقر للآخر باليد، فذلك رجوع عن الاقرار الأول فهو كما لو قال

[ 17 ]

هذه الدار لزيد لا بل لعمرو، والأول أصح. إذا قال: هذه الدار لفلان لا بل فلان أو قال غصبتها من زيد لا بل من عمرو فإن إقراره الأول لازم، ويكون الدار له، وهل يغرمها للثاني أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما لا يغرمه لأنه يقول قد أخطأت في الاقرار الأول، وقد رجعت عنه، والدار للثاني، وإنما تحكمون علي بلزوم إقراري للأول بالشرع فلا يلزمني الضمان عنه، والآخر وهو الصحيح أنه يغرمها له لأنه حال بينه وبين ما أقر له فهو كما لو ذبح شاة له وأكلها ثم أقر له بها أو أتلف مالا ثم أقر به لفلان، فإنه يلزمه غرامته، فكذلك هذا، وهذا كما يقول في الشاهدين إذا شهد أحدهما على رجل باعتاق عبده أو طلاق امرأته وحكم الحاكم بذلك، ثم رجعا عن الشهادة كان عليهما غرامة قيمة العبد والمهر لأنهما حالا بينه وبين ملكه، ولا ينقض حكم الحاكم. فإذا تقرر القولان فمن قال على قولين قال: هذا إذا أقر وسلمها إلى الحاكم، فأما إذا أقر وسلمها بنفسه فعليه الضمان قولا واحدا، ومنهم من قال لا فرق بين الموضعين وهو الصحيح لأن الحاكم وإن سلمه فإن تسليمه بإقراره فهو كما لو سلمه بنفسه. وإذا باع شيئا وأخذ الثمن ثم أقر بأن ذلك المبيع لفلان، فإن الغرامة تلزمه ولا ينفذ إقراره في حق المشتري لأنه حصل له عوض في هذه المسألة ويفارق المسألة التي قبلها لأنه لم يحصل له عوض، وفي الناس من قال هذا على قولين سواء حصل عوض أو لم يحصل. إذا قال: غصبت هذا العبد من أحد كما، لزمه الاقرار لأنه إقرار من جايز الأمر بما يصح الاقرار به لمن يصح الاقرار له، ثم يرجع إلى بيان المقر فقيل له: بين المقر له من هو منهما؟ فإن قال لا أعرفه بعينه، فإن قالا صدق انتزع العبد من يده وكانا خصمين فيه، وإن كذباه وادعى كل واحد منهما علمه بأنه له دون صاحبه، كان القول قوله مع يمينه، لأنه أعلم بما يعلمه، وبما لا يعلمه، وإذا حلف انتزع العبد من يده، وكانا خصمين فيه وهما متساويان في الدعوى، وعدم اليد، فإن أقام أحدهما البينة حكم له، وإن أقاما جميعا البينة تعارضتا، وسنبين كيفية الحكم فيها

[ 18 ]

وإن لم يكن مع واحد منهما بينة حلف كل واحد منهما لصاحبه فإن حلف واحد منهما ونكل الآخر حكم له، وإن حلفا جميعا وقف لهما حتى يصطلحا، وعلى مذهبنا يرجع إلى القرعة فحكم بينهما بها أو يقسم بينهما نصفين صلحا. وأما إذا بين المقر، وقال: هو لفلان دون فلان، يسلم إليه العبد ولا يغرم للآخر قيمته، لأنه لم يقر للآخر، وإن طلب الآخر يمينه: فمن قال إذا أقر له بعد إقراره الأول يلزمه قيمته حلف، ومن قال لا يلزمه لا يحلف، لأنه لو أقر له به لم يطالب بعينه ولا بقيمته، فلم يكن ليمينه فائدة. إذا قال: هذا العبد أو هذه الجارية لفلان، لزمه الاقرار لمثل ما قلناه في الأولى وطولب بالبيان فإن قال هو العبد سئل المقر له، فإن قال صدق سلم إليه، وكانت الأمة للمقر، وإن قال الجارية لي دون العبد، كان القول قول المقر مع يمينه لأن الظاهر أنها له والمقر له مدع فإذا حلف سقطت دعوى المقر له، وأما العبد فقد أقر له به، وهو يكذبه فيه، وينتزعه الحاكم من يده ويحفظه أو لا ينتزعه ويتركه في يده، وإن قال: هما لي نسلم العبد بإقرار المقر، وهو مدع للجارية، فيكون القول قول المقر مع يمينه، وعلى المقر له بينة. وإقرار العبد لا يجوز في المال إلا بإذن سيده لأنه لا يخلو من أحد أمر ين إما أن يكون مأذونا له في التجارة أو غير مأذون له، فإن كان غير مأذون له فأقر لم يخل إقراره من ثلاثة أحوال إما أن يقر بحق على بدنه أو في المال أو بما يتعلق به حق على البدن وحق في المال مثل السرقة، فإن أقر بما يوجب حقا على بدنه مثل القصاص والقطع والجلد لم يقبل منه، ولا يجب عليه الحد، لأنه أقر على مال الغير إلا أن يصدقه مولاه أو يقوم عليه بينة، وإن أقر بما يوجب حقا في المال مثل أن يقول أتلفت مال فلان أو جنيت جناية خطأ يجب بها مال أو استقرضت منه مالا فأتلفته، فإنه لا يقبل إقراره بذلك على مولاه، بلا خلاف، ولا يباع منه شيئ بذلك، ويكون في ذمته إذا أعتق يتبع به، وإن أقر بما يوجب الأمرين مثل السرقة لا يقطع عندنا،

[ 19 ]

وعندهم يقطع، وهل يباع منه بقدر المال المسروق؟ فعندنا لا يباع، وعندهم على قولين. وإن كان مأذونا له في التجارة نظر فإن أقر بما يوجب حقا على بدنه قبل عندهم، وعندنا لا يقبل، وإن أقر بما يوجب مالا نظر فإن كان لا يتعلق بما أذن له فيه من التجارة مثل أن يقول أتلفت مال فلان أو غصبت منه مالا أو استقرضت منه مالا فإن الاستقراض لا يدخل في الإذن في التجارة، فإنه لا يقبل على ما بيناه، ويكون في ذمته يتبع به إذا أعتق. وإن كان يتعلق بالتجارة مثل ثمن المبيع وأرش المعيب، وما أشبه ذلك، فإنه يقبل إقراره، لأن من ملك شيئا ملك الاقرار به، إلا أنه ينظر فيه، فإن كان الاقرار بقدر ما في يده من مال التجارة قبل وقضي منه، وإن كان أكثر كان الفاضل في يده (1) يتبع به إذا أعتق. إذا قال: لفلان عندي ألف درهم، فجاء بألف وقال هذه التي أقررت لك بها كانت لك عندي وديعة، كان القول في ذلك قوله، وفيها خلاف. إذا قال: لفلان عندي ألف درهم وديعة ودينا أو مضاربة ودينا صح إقراره بذلك وقد وصفه بصفتين إحداهما أنها وديعة، والأخرى أنها دين، أو مضاربة ودين، وهذا لا يحتمل إلا وديعة أو مضاربة تعدى فيها فصارت مضمونة عليه فإذا فسره بذلك قبل منه. وإن قال له عندي ألف درهم وديعة شرط علي أني ضامن لها، كان ذلك إقرارا بالوديعة ولم يلزمه الضمان الذي شرط عليه، لأن ما كان أصله أمانة لا يصير مضمونا بشرط، وما يكون مضمونا لا يصير أمانة بشرط لأنه لو شرط على المستام أن يكون مال السوم أمانة أو شرط في العارية أن يكون أمانة عند الشافعي لم تصر أمانة (2) بشرط وعندنا العارية أمانة فإن شرط الضمان صارت مضمونة عليه.

(1) ذمته خ ل.
(2) لا يصير مضمونا خ ل.

[ 20 ]

إذا قال: لفلان علي ألف درهم في ذمتي ثم جاء بألف وقال كان الألف التي أقررت لك بها وديعة عندي، وهذا بدها، صح ذلك لأنه يجوز أن تكون قد تلفت بتفريط منه فلزمه ضمانها فأتى ببدلها، وإن قال هذا الألف الذي أقررت به لك، وكان وديعة لك عندي. قيل فيه وجهان أحدهما يقبل تفسيره لأنه يجوز أن يكون وديعة ويكون مضمونة عليه في ذمته بتعديه فيها، والثاني أنه لا يقبل منه ذلك، فيكون للمقر له الألف الذي أحضره، ويطالبه بما أقر به، وهو الأقوى ولا يقبل منه تفسيره إياه بالوديعة، ويفارق المسألة المتقدمة، لأنه أطلق في تلك المسألة الاقرار، ولم يصرح على جهة بعينها، وليس كذلك ها هنا لأنه نص فيها على المحل وهو الذمة فلم يقبل تفسيره بما ليس بثابت عليه في ذمته، لأن الوديعة ما دامت باقية فليست مضمونة عليه في ذمته، وإنما يضمنها في ذمته إذا تلفت بالتعدي. إذا قال: له علي ألف درهم، ثم قال كانت لك عندي وديعة وكان عندي أنها باقية، فأقررت لك بها، فإذا هي أنما تالفة في ذلك الوقت، لم يقبل منه ذلك لأنه يكذب إقراره المتقدم ولو ادعى تلفها بعد الاقرار قبل منه لأنه فسر إقراره بوديعة ولم يكذب إقراره المتقدم وإنما ادعى تلف ما أقر به بعد ثبوته بإقراره. إذا قال: له في هذا العبد ألف درهم إقراره بذلك ورجع إليه في تفسيره فإن قال نقد في ثمنه ألفا فقد أقر على نفسه بألف عليه قرضا، لأنه اشترى ذلك العبد ووزن عنه هذا المقر له ذلك الألف بإذنه، وإن قال: نقد في ثمنه ألفا لنفسه فقد أقر له بشراء بعضه، فنقول له: كيف كان الشراء بإيجاب واحد أو بإيجابين؟ فإن قال بإيجاب واحد قبل ذلك منه، وقيل له وكم نقدت أنت في ثمنه، فإن قال ألفا كان العبد بينهما نصفين، وإن قال ألفين فثلثا وثلثين، ومتى ما كذبه المقر له بذلك، كان القول قول المقر فيما يدعيه عليه، وإن قال بإيجابين قلنا له يبين المقدار الذي أو جبه البايع للمقر له بالألف، فإن قال نصفا أو ربعا أو ما فوق ذلك أو ما دونه كان القول قوله، وسواء كان الألف وفق قيمة المقدار الذي عينه أو أقل أو أكثر، لأنه قد يغبن وقد لا يغبن.

[ 21 ]

فأما إذا قال له ألف في ثمنه بوصية أوصى له بها صح وبيع العبد، وصرف إليه من ثمنه ألف، وإن أراد أن يعطيه ألفا من غير ثمن العبد لم يكن له ذلك إلا برضا المقر له، لأنه استحق من ثمنه الألف فوجب البيع في حقه إلا أن يرضى بترك البيع وأخذ الألف من غير ثمنه، فأما إذا فسره بأرش الجناية، وهو أن يقول جنى عليه هذا العبد جناية أرشها ألف، قبل ذلك منه، لأن الألف إذا كانت أرش جناية تعلق برقبة العبد، ويكون المقر بالخيار بين أن يبيعه فيعطيه الألف من ثمنه، وبين أن يفديه. فأما إذا قال: أردت أنه رهن عبده بألف له على فهل يقبل ذلك منه أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما يقبل لأن الألف يتعلق برقبة الراهن كما يتعلق أرش الجناية بها وهو الصحيح والثاني لا يقبل لأن الألف متعلقة بذمة الراهن، ويكون الرهن وثيقة به، فيكون تفسيره بذلك مخالفا لظاهر إطلاق إقراره، فلم يقبل منه وهذا أيضا قوي فإن قال له في هذا العبد شركة صح ذلك وكان له أن يفسر ذلك بما شاء قل أو كثر لأن ذلك كله يسمى شركة في العبد. إذا قال له في ميراث أبي أو من ميراث أبي ألف درهم، كان ذلك إقرارا بدين على أبيه، ولو قال له في ميراثي من أبي ألف درهم كان هبة، وهو بالخيار بين أن يقبضها فيمضي الهبة، وبين أن يمسكها فيرد الهبة، والفرق بين المسئلتين أنه إذ قال في ميراثي من أبي فقد أضاف الميراث إلى نفسه وجعل له منه جزءا، وإذا جعل له جزءا من ماله لم يكن ذلك إلا على وجه الهبة، وأما إذا لم يضفه إلى نفسه فما جعل له جزء من ماله، وإنما أقر له بدين في تركة أبيه، وكذلك إذا قال له في هذه الدار نصفها أو من هذه الدار نصفها، كان إقرارا، ولو قال له في داري نصفها أو من داري نصفها، كان ما أقر به منها هبة للمقر له، والفرق بينهما ما ذكرناه. وإذا قال له في مالي ألف أو له من مالي ألف، فمن الناس من قال إنه مثل ما تقدم، ومنهم من قال إنه إذا قال له من مالي كان ذلك إضافة للمال إلى نفسه، والألف جعله خبرا، وإذا قال له في مالي ألف احتمل أن يكون ماله ظرفا للألف

[ 22 ]

الذي ذكره، ويجوز أن يكون ظرفا له، وهو أن يكون له ألف يختلط بماله، ويفارق إذا قال له في داري نصفها لأن النصف الذي يبقى له لا يسمى دارا وإذا قال له في مالي ألف درهم فما يبقى بعد الألف يسمى مالا، هذا كله إذ لم يقل بحق واجب، فإن قال بحق واجب فسواء أضافه إلى نفسه أو لم يضفه فإنه يكون إقرارا ولا يكون هبة لأن الهبة لا يكون حقا واجبا. إذا قال: له عندي ألف درهم عارية، قيل فيه وجهان أحدهما يصح عارية الدراهم وهو الصحيح والثاني لا يصح، فإذا أقر بألف وجعلها عارية قبل منه ذلك، وتكون مضمونة على كل حال، لأن الدراهم والدنانير مضمونة في العارية بلا شرط، وما عداهما لا يضمن إلا بشرط. إذا قال: لك على ألف درهم إن شئت. لم يكن إقرارا لأن الاقرار إخبار عن حق واجب، وما كان واجبا عليه قبل إقراره لا يجوز أن يتعلق وجوبه بشرط مستقبل، وكذلك إذا قال: لك علي ألف درهم إن قدم زيد أو إن قدم الحاج أو إن رضى فلان أو إن هوى فلان، فكل ذلك لا يكون إقرارا لما قلناه، وكذلك إن قال لك على ألف درهم، إن شهد لك به شاهدان، لما ذكرناه، ولو قال: إن شهد لك علي شاهدان بألف فهما صادقان، لزمه الاقرار بالألف في الحال، لأن الشاهدين إذا صدقا في شهادتهما عليه بالألف إذا شهدا، فإن الحق واجب عليه، شهدا أو لم يشهدا. إذا قال هذا الشئ لك بألف إن شئت كان ذلك إيجابا للبيع، ولا يكون إقرارا والبيع يجوز أن يتعلق بمشية المشتري، لأنه لا يشتري إلا باختياره ومشيته، فقد شرط في العقد ما يقتضيه إطلاقه، فإذا ثبت أنه بيع كان بالخيار بين أن يقبل أو لا يقبل، والخيار ثابت لهما في المجلس، ما لم يتفرقا. إذا كان في يده عبد فأقر به لزيد وصدقه زيد على إقراره، وأقر العبد بنفسه لعمرو، وصدقه على إقراره لم يصح إقرار العبد، ويصح إقرار سيده به لأن يد السيد ثابتة على العبد لأنه ملكه، ويد العبد ليست ثابتة على نفسه، لأنه لا يملك نفسه، ولأن إقرار العبد إقرار بمال السيد عليه، فلا يقبل إقراره وإنما يقبل إقراره

[ 23 ]

في الجنايات التي تتعلق برقبته أو إتلاف الأموال. هذ إذا صدق السيد المقر له، فأما إذا كذب السيد في إقراره فهل يبقى العبد على رقه أو يعتق؟ فيه وجهان أحدهما أنه يعتق لأن الذي كان في يده أقر بأنه ليس له، والذي أقر له به قد أنكر، وإقرار العبد ما صح، فما ثبت عليه ملك لأحد والثاني أنه يبقى على رقه لأنه قد ثبت أنه كان رقيقا في يده فإذا أقر به لغيره ورده الغير بقي على ما كان عليه من رقه، والأول أقوى، ومن قال يبقى على رقه ففيه الأوجه الثلاثة التي مضت في كتاب الصلح، ومن قال يعتق فلا كلام. إذا ادعى رجل على رجل أنه مملوك له، وأنكر الرجل ذلك كان القول قول المدعى عليه مع يمينه، لأن الظاهر من حاله الحرية، وإن لم ينكر دعواه وأقر بما ادعاه من الرق، ثم ادعى أنه أعتقه وأنكر سيده ذلك كان القول قول سيده لأن الأصل أنه ما أعتقه. إذا التقط لقيطا ورباه ثم أقر الملتقط بأنه عبد لفلان لم يقبل إقراره عليه بذلك، لأن الظاهر من اللقيط الحرية. إذا أقر بأن العبد الذي في تركة أبيه لفلان ثم قال لا بل لفلان، كان بمنزلة قوله " غصبته من فلان لا بل من فلان " وفيها قولان، ولا فرق بين أن يسلم بنفسه إلى الأول، وبين أن يسلمه إلى الحاكم، وفي الناس من قال في هذه المسألة أنه لا يغرم للثاني قولا واحدا، لأنه غير مفرط، لأن الإحاطة لم يؤخذ عليه بما يتعلق بتركة أبيه، فيجوز أن يعتقد شيئا فيها ويكون الأمر بخلافه، وقد أخذت عليه الإحاطة بما يتعلق بأفعاله ويجب في ماله، فإن أقر ثم رجع كان مفرطا في إقراره الأول، والأقوى في هذه أيضا أنه يغرم على ما قلناه في مسألة الغصب. إذا شهدا على رجل بأنه أعتق عبده الذي في يده، فإن كانا عدلين حكم بعتق العبد، وإن لم يكونا عدلين فردت شهادتهما ثم اشتريا ذلك العبد من المشهود عليه صح الشراء ويفارق إذا قال لامرأة أنت أختي وأنكرت المرأة ذلك ثم إنه تزوج بها في أنه لا يصح العقد من وجهين: أحدهما أنه إذا أقر بأنها أخته فقد أقر بأن فرجها حرام عليه، فإذا تزوج

[ 24 ]

بها لم يقصد بذلك إلا المقام على الفرج الحرام، فلذلك لم يصح وليس كذلك ها هنا لأنهما إذا اشتريا هذا العبد فهما يقصدان غرضا صحيحا، وهو أن ينفذاه من الرق والثاني أنه إذا صححنا الشراء أعتق البعد، وإذا صححنا النكاح لم تطلق المرأة فيبقى معها على فرج حرام، فلذلك لم يصح النكاح. إذا ثبت صحة الشراء فإن العبد يعتق عليهما، وإنما منعناه من نفوذ العتق قبل الشراء لتعلق حق الغير بيه، فإذا سقط حق الغير نفذ إقرارهما بالعتق، كما إذا أتى المكاتب بمال الكتابة، فقال السيد هذا المال لفلان غصبته عليه، قيل له إما أن تقبضه وإما أن تبرئه، فإن قبضه لزمه رده على من أقر بأنه غصبه عليه. فإذا ثبت أنه يعتق فإن الولاء يكون موقوفا فإن رجع البائع وقال كنت أعتقته وقد صدق الشاهدان، رد الثمن عليهما وثبت له الولاء، وإن رجع الشاهدان ولم يرجع البايع فقالا كذبنا عليه حكمنا بأنه عتق عليهما من ملكهما وثبت الولاء لهما وإن لم يرجع أحد منهم كان الولاء موقوفا، فإن مات العبد كان ميراثه موقوفا، وقال قوم وهو الأقوى أنه يكون من ميراثه لهما قدر الثمن، لأن من له حق منعه ثم قدر عليه أخذه ولا يخلو المشتريان في قولهما في العتق من صدق أو كذب، فإن كانا صادقين فإن الثمن دين لهما على الجاحد، لأنه باع من لا يملكه وما تركه فهو لمولاه فلهما قدر الثمن منه، وإن كان قولهما كذبا فهو عبدهما وما ترك لهما، فباليقين إن لهما قدر الثمن من مال الميت. هذا إذا لم يكن له وارث غير بائعه، وترك أكثر من الثمن، فإن كان ما ترك أقل من الثمن، لم يكن لهما غيره، وما زاد على قدر الثمن ينبغي أن يكون موقوفا. إذا أقر بألف درهم نقص وهي جمع ناقص كان وصفه إياها بأنها نقص بمنزلة الاستثناء، ثم ينظر، فإن ذكر ذلك متصلا به في لفظه قبل، كما يقبل الاستثناء وإن كان منفصلا عنه لم يقبل منه لأن إطلاق اللفظ يقتضي الوزن الوافي، وإنما يقبل منه ما يسقط بعضه بلفظ متصل، مثل الاستثناء، هذا إذا كان في بلد وزنهم واف لأن الاطلاق في ذلك البلد التمام والوفاء، فأما إذا كان في بلد دراهم ناقصة، مثل

[ 25 ]

خوارزم، فإن درهمهم فيه أربعة دوانيق ونصف بوزن الاسلام، وطبرية الشام فيها نصف وقيراط، فإذا أقر بدرهم كان درهما من دراهم البلد اعتبارا بعادتهم كما إذا أطلق النقد رجع إلى نقدهم ووزنهم. وفي الناس من قال يرجع إقراره في ذلك البلد إلى الوزن الوافي، لأنه وزن الاسلام والأول أقوى، وإن كان في بلد يتعاملون به عددا فقال له عندي ألف درهم وجب عليه أن يكون عددا، اعتبارا بالعادة، وإذا قال له على مائة درهم عددا وهي وازنة فيلزمه مائة عددا ووزنا فأما العدد فبحق النطق، والوزن فبحق العادة، هذا في البلاد التي عادتهم الوزن. فإن أقر بدرهم صغير في بلد وزنه واف فهو صغير وازن، وإن كان للناس دراهم صغار القدور، فإن قال دريهم، فهو وازن، إن قال درهم كبير فهو وازن، فإن كان في البلد دراهم كبار القدور فهو درهم وازن منها. وإن قال له على ألف درهم زيف وهي جمع زائف، وهي التي لا يجوز بين الناس يرجع إليه فإن فسره بزيف لا فضة فيها بحال، لم يقبل منه سواء وصله بإقراره أو فصله لأن قوله ألف درهم، لا يقع على ما لا فضة فيها، لأنها لا تسمى دراهم، فلا يقبل تفسيره، وإن فسره بزيف فيها فضة مثل الدراهم التي فيها غش قبل منه سواء كان متصلا أو منفصلا. وإن قال من سكة كذا قبل منه، وفي الناس من قال إنه يقبل منه إن قال متصلا ولا يقبل منه إن قال منفصلا وهو الأقوى. إذا أقر بدراهم رجع إليه في تفسير ها في السكة، فبأي سكة فسرها قبل منه سواء فسرها بسكة بلده أو بسكة بلد أخرى لا يجوز في بلد الاقرار جوازها في ذلك البلد ولا يكون مطلق إقراره راجعا إلى سكة البلد الذي أقر فيه، هذا إذا كانا في الوزن سواء وفي الناس من قال يلزمه من دراهم بلده وهو الأقوى عندي. إذا قال له على درهم في دينار، لزمه درهم، ثم يرجع إليه في معنى قوله في دينار فإن قال أردت به مع دينار لزمه الدينار أيضا ويكون يستعمل في بمعنى مع، كما يقال جاء الأمير في جيش عظيم، ولا يلزمه بمجرد إقراره إلا درهم واحد، لأنه يحتمل أنه

[ 26 ]

يريد أقر ضني درهما في ثمن دينار فيكون عليه درهم في دينار على هذا التفسير، وإن قال وزن لنفسه درهما في ثمن بعض دينار، فيكون الحكم فيه كما لو قال له في ثمن هذا العبد ألف درهم، وقد مضى. إذا أقر فقال: له على درهم ودرهم، لزمه درهمان، لأن الثاني معطوف على الأول بواو، فلا يحتمل التكرار وكذلك لو قال درهم ودرهم ودرهم فالثانية غير الأول، والثالث غير الثاني، لمثل ما قلناه، وفي الناس من قال الثالث يحتمل التأكيد، وليس بشئ. إذا قال: له على درهم ثم درهم، لزمه درهمان، لأن ثم من حروف العطف الخالص كالواو، وفيه فائدة المهلة، ولا معنى لها ها هنا، وإذا قال له على درهم ثم درهم ثم درهم فهو كما لو عطف بالواو على ما مضى، فإن قال: له على درهم فدرهم، فإنه يلزمه درهم واحد بلا خلاف، وفي الثاني خلاف وعندي أنه يلزمه درهمان لأن الفاء من حروف العطف كالواو، وإن أفادت الفاء التعقيب ولا فائدة له ههنا. وإذا قال: لفلان على درهم فوق درهم، أو تحت درهم، أو مع درهم، أو قبل درهم أو بعد درهم، أو فوقه درهم، أو تحته درهم، أو معه درهم، أو قبله أو بعده: في الناس من قال هذه كلها على قولين أحدهما يلزمه درهمان لأن هذه الحروف بمنزلة حروف العطف مثل الواو وغيرها، ومنهم من قال يلزمه درهم واحد لأنه يحتمل أن يريد فوق درهم لي أو مع درهم لي أو قبل درهم لي، وإذا احتمل ذلك لم يلزم إلا اليقين لأن الأصل براءة الذمة، وهو الأقوى وفيهم من قال إذا قال فوقه درهم، أو تحته درهم، أو معه لم يلزمه إلا درهم واحد وإذا قال: قبله درهم أو بعده درهم لزمه درهمان وهذا أيضا قريب، والفرق بينهما أن قبل وبعد لا يحتمل إلا التاريخ، وفوق وتحت يحتملان الجودة والرداءة، وإذا احتملا لا يلزم إلا اليقين. إذا قال: له عندي قفيز لا بل قفيزان، أو درهم لا بل درهمان، لزمه قفيزان ودرهمان، لأن بل للأضراب من الأول، والاقتصار على الثاني، وإن قال: له على درهم لا بل أكثر لزمه درهم بزيادة، وإن قال له على قفيز حنطة لا بل قفيز

[ 27 ]

شعير، لزمه قفيز حنطه وقفيز شعير، لأنه أقر بجنس آخر فلا منه نفيه للأول. إذا قال مشيرا إلى جملتين من الدراهم حاضرتين فقال لفلان على إحداهما وعينها ثم قال لا بل هذه الأخرى، حكم عليه بالجملتين جميعا، ولا يصح رجوعه، لأن إحدى الجملتين غير داخلة في الأخرى، ويفارق قوله علي عشرة لا بل عشرون، لأن العشرة داخلة في العشرين ما لم يكن معينة. إذا قال يوم السبت: لفلان علي درهم، ثم قال يوم الأحد: له علي درهم، لم يلزمه إلا درهم واحد، ويرجع إليه في التفسير. إذا قال يوم السبت لفلان علي درهم، من ثمن عبد وقال يوم الأحد: له علي درهم من ثمن ثوب لزمه درهمان لأن ثمن العبد غير ثمن الثوب، ويفارق ذلك إذا قال مطلقا من غير إضافة إلى سبب لأنه يحتمل التكرار وكذلك إذا أضاف كل واحد من الاقرارين إلى سبب غير السبب الذي أضاف إليه الآخر. إذا قال: لفلان علي درهم لا بل درهم، لم يلزمه إلا درهم واحد، لأنه أمسك ليستدرك ثم تذكر أنه ليس عليه إلا ذلك، فثبت عليه، ولو قال لفلان علي عشرة لا بل تسعة لزمه عشرة لأنه نفى درهمان من العشرة على غير وجه الاستثناء، فلم يقبل منه، و يفارق إذا قال علي عشرة إلا درهما في أنه يقبل منه لأن للتسعة عبارتين إحداهما بلفظ التسعة، والأخرى بلفظ العشرة واستثناء الواحد، فبأيهما أتى فقد أتى بعبارة التسعة، وليس كذلك قوله علي عشرة لا بل تسعة لأنه أقر بالعشرة ثم رجع عن بعضها فلم يصح رجوعه، يدل على ذلك أنه إذا قال: علي دينار إلا درهم صح ذلك واستثنى قدر الدرهم، ولو قال: علي دينار لا بل درهم، لزمه الدينار والدرهم معا. إذا قال: له علي ما بين الدرهم والعشرة، لزمه ثمانية. لأنه أقر ما بين الواحد وبين العاشر، والذي بينهما ثمانية، وإن قال: له علي من درهم إلى عشرة، فمن الناس من قال ثمانية لأنه جعل الأول حدا والعاشر حدا والحد لا يدخل في المحدود، وقال

[ 28 ]

الباقون وهو الصحيح إنه يلزمه لأن الأول داخل فيه، لأن من لابتداء الغاية والابتداء يدخل فيه. إذا قال لفلان علي ألف درهم، أو عندي ألف درهم، أو قبلي، ثم فسر ذلك بالوديعة، نظر فإن وصل التفسير بالاقرار قبل منه، وكذلك إن فصله لأنه أوجب على نفسه بإقراره مالا، وقد يكون الايجاب تارة دينا وتارة عينا، لأن ذلك كله حق لصاحبه ويجب له عليه وأما إذا قال قد أقررت لك بالألف وكانت لك وديعة عندي وكان عندي أنها باقية حين الاقرار، وإذا إنها كانت تالفة، لم يقبل منه، لأنه كذب نفسه بالتفسير في إقراره، لأن الوديعة إذا هلكت من غير تعد فلا حق للمودع، فإن قال كانت باقية وقت الاقرار ثم إنها هلكت بعد ذلك، قبل منه. فأما إذا قال: لك علي ألف درهم وديعة هلكت، فقد عقب الاقرار بما يسقطه، فقيل فيه قولان كما لو قال علي ألف درهم من ثمن خنزير أحدهما أنه يقبل منه ذلك، ولا يلزم الألف، والثاني أنه لا يقبل منه ويلزمه الألف وهو الأقوى. إذا قال: لفلان علي من مالي ألف، كان له تفسيره بالهبة، ولا يكون إطلاقه إقرارا لأنه أضاف المال إلى نفسه وجعل له ألفا منه، وهذا يقتضي أن يكون هبة لأن ماله لا يصير لغيره إلا على وجه الهبة: فإن فسره بالاقرار لزمه ذلك (1) فأما إذا قال: له في مالي ألف درهم، فقال قوم: إنه إقرار، وهو الصحيح، وقال قوم: إنه هبة. إذا قال: هذه الدار لك هبة عارية، أو هبة سكنى، كان له أن يخرجه منها أي وقت شاء لأن ذلك إقرار بالعارية وهبة منفعتها، فما سكنها فقد قبضه، وما لم يسكنها فلم يقبضه، فله الرجوع أي وقت شاء. إذا أقر لميت بحق وقال هذا ابنه، وهذه امرأته، ولا وارث له غيرهما، لزمه تسليم المال إليهما، لأنه أقر بأنه لا يستحق غيرهما، فإن قال: هذا المال لفلان الميت أو قال لفلان الميت علي مال، وهذا الطفل ابنه، وهذا وصيه، لا يلزمه دفعه إلى الوصي لأنه لا يأمن أن يبلغ الطفل فينكر وصية الرجل، وإذا أنكر سمع ذلك منه ويجوز تسليمه إلى

(1) أو مات وفسره ورثته بالاقرار لزمه ذلك خ.

[ 29 ]

الحاكم لأن له على الطفل ولاية لا يمكنه إنكارها، ولا يثبت ولاية الوصي إلا ببينة عادلة. إذا كان لرجل أمة فوطئها رجل فاختلفا فقال السيد بعتكها فالجارية مملوكة لك وعليك الثمن، وقال الواطي زوجتنيها، فالجارية لك وعلي مهرها، فإن كل واحد منهما يدعي على صاحبه عقدا وينكر دعواه عليه، فلكل واحد منهما أن يحلف وينفي بيمينه ما يدعي صاحبه عليه، فإن حلف سيدها أنه ما زوجها وحلف الواطئ أنه ما اشتراها رجعت الجارية إلى سيدها لأن الواطي حلف أنه ما اشتراها فسقط الشراء، وحلف سيدها أنه ما زوجها فسقط النكاح، وفي كيفية الرجوع وجهان: أحدهما أنه يرجع إليه كما يرجع المبيع إلى البائع بإفلاس المشتري بثمنه لأنه تعذر عليه الوصول إلى الثمن، فعلى هذا يحتاج سيدها أن يقول فسخت العقد كما يحتاج إلى ذلك البايع في استرجاع المبيع من المشتري المفلس، فإذا فسخ حصلت الجارية ملكا له ظاهرا وباطنا. والثاني أنها ترجع إليه، بمعنى رجوع من عليه الدين ولا يقضيه، لأن له عليه ثمن الجارية وقد امتنع من أدائه بيمينه، وقدر هو على مال له فعلى هذا يبيعها فإن كان ثمنها وفق حقه أخذه، وإن كان أقل من حقه كان الباقي في ذمته، وإن كان أكثر من حقه احتال في رد ذلك على الواطي. هذا إذا حلفا معا فأما إن حلف سيدها أنه ما زوجها، ونكل الواطي عن اليمين ردت عليه فيحلف أنه باعها منه، فإذا حلف على ذلك ثبتت الجارية في الحكم ملكا للواطئ، وكان عليه الثمن له، لأنه قد أثبت بيمينه أنه قد اشتراها منه، وإن حلف الواطئ أنه ما اشتراها ونكل سيدها عن اليمين، ردت على الواطئ فحلف أنه تزوجها ثبتت الزوجية ورجعت الجارية إلى سيدها فكان له ملك رقبتها فإذا ارتفع النكاح بينها وبين الواطي جاز لسيدها وطيها في الحكم فأما في الباطن فهو على ما يعرفه من نفسه، فإن كان صادقا في دعواه لم يحل له وطيها، وإن كان كاذبا في دعواه لا

[ 30 ]

يحل له وطيها إلا على ما نبينه، وأما المهر فإنه مقر له به، وهو لا يدعيه. هذا إذا وطئها ولم يحبلها فأما إذا أحبلها وولدت منه فهو مدع أن الأمة ملك للواطئ، وأن الولد انعقد حرا، وأن الجارية صارت أم ولد له، وأن له عليه الثمن، والواطي يدعي أنها زوجته وأنها ملك لسيدها، فعندنا أن الولد لا حق به وهو حر، وعند المخالف الولد رق له، فإذا ثبت هذا فإن الولد حر والجارية أم ولد في حق السيد لأن ذلك إقرار على نفسه بما يضره فقبل منه، ولا يستحق الثمن عليه إلا ببينة، والقول قول الواطئ مع يمينه أنه ما اشتراها منه، فإذا حلف برئ من الثمن. وهل للسيد أن يرجع عليه بشئ؟ قيل فيه وجهان: أحدهما يستحق الرجوع على الواطئ بأقل الأمرين من ثمن الجارية أو مهرها، فإنه واجب عليه باتفاقهما والثاني لا يستحق عليه شيئا لأنا حكمنا بعدم البيع بيمين الواطئ والنكاح الذي اعترف به الواطي، والمهر الذي أقر به له لا يدعيه فلا يثبت له، وهل يحل للواطي وطئ هذه الجارية أم لا نظر، فإن كان يعلم أنه صادق فيما يدعيه من النكاح حل له ذلك فيما بينه وبين الله تعالى لأنها امرأته ويمنع منه في الحكم هذا إذا حلف الواطي ونكل السيد فأما إذا حلف السيد ونكل الواطي حكم عليه بثمن الجارية، وحكم بالجارية للواطي، فأما إذا حلف كل واحد منهما لم ترجع الجارية إلى البايع، لأنه أقر بما يمنع رجوعها إليه وهل يستحق على الواطي شيئا أم لا على الوجهين أحدهما أنه يستحق أقل الأمرين من الثمن والمهر، والثاني لا يستحق شيئا لما ذكرناه. وأما النفقة، فإن نفقة الولد على الأب وهو الواطي، ونفقة الأمة قيل فيه وجهان أحدهما يكون على سيدها دون الواطي لأن إقراره مقبول فيما يضره دون ما ينفعه، والثاني يكون ذلك في كسبها، و (أما) ما فضل عن كسبها بعد نفقتها يكون موقوفا لأن كل واحد منهما يقر بأنه لصاحبه. فأما إذا ماتت الجارية قبل موت الواطي كان ما في يدها من كسبها موقوفا بعد

[ 31 ]

أن يأخذ السيد منه مقدار الثمن، لأنه يستحقه على اليقين، لأنها إن كانت له فجميعها له، وإن كانت للواطي فهو يستحق مقدار الثمن، وإن مات الواطي قبل موتها عتقت الجارية بموته عندهم، لأنهم حكموا بأنها أم ولده. ثم إذا ماتت بعد ذلك، فإن كان ولدها حيا ورثها وإن مات ولدها كان مالها موقوفا لأنا لا نعلم أن الولاء للسيد أو للواطي، وليس لسيدها أن يأخذ من تركتها بقدر الثمن، لأنه لا يستحق ذلك إلا على الواطي، الواطي والميراث ليس له لأنه مات قبلها ويفارق إذا ماتت قبل موت الواطي، لأن ما في يدها يكون ملكا له، فلهذا قلنا له بمقدار الثمن فيها (1). هذا إذا لم يرجع واحد منهما، فأما إذا رجع سيدها عن دعوى البيع سقط الثمن عن الواطي ولا يقبل رجوعه، ولا يسقط بإسقاطه حقها من الحرية، وحق ولدها، ويكون له المهر، وإن رجع الواطي كان عليه الثمن لسيدها. إذا ادعى عليه مالا بين يدي الحاكم، وقال لا أقر ولا أنكر، قال له الحاكم هذا ليس بجواب فأجب بجواب صحيح، فإن أجبت وإلا جعلتك ناكلا، ورددت اليمين على صاحبك، فإن لم يجب بجواب صحيح فالمستحب أن يكرر عليه ذلك ثلاث مرات فإن لم يجب بجواب صحيح جعله ناكلا، ورد اليمين على صاحبه، وإن رد اليمين على صاحبه بعد المرة الأولى جاز لأنه هو القدر الواجب وإنما جعلناه ناكلا بذلك لأنه لو أجاب بجواب صحيح مع علمه بما يقول ثم امتنع عن اليمين جعل ناكلا، فإذا امتنع عن الجواب واليمين فأولى أن يكون ناكلا، وهكذا إذا قال أدري ما يقول لأن ذلك ليس بجواب صحيح، مع علمه بما يقول. وإن قال أقر ولا أنكر، لم يكن ذلك جوابا صحيحا، لاحتمال أن يريد أقر فيما بعد أو أقر بوحدانية الله تعالى، وكذلك يحتمل قوله ولا أنكر: ولا أنكر فضلك أو لا أنكر وحدانية الله وإذا كان ذلك محتملا لم يصح جوابه حتى يقطع الاحتمال، ويصرح

(1) منها خ ل.

[ 32 ]

بالجواب، حتى يمكن الحاكم أن يحكم به، وكذلك إن قال أنا مقر أو منكر، لم يكن ذلك جوابا صحيحا، فإن قال أنا مقر بما يدعيه أو منكر لما يدعيه كان جوابا صحيحا، فأما إذا قال لي عليك ألف درهم فقال نعم، أو قال أجل، كان ذلك إقرارا. إذا قال: وهبت لفلان هذه الجارية أو هذه الدار وقبضها فأقر له بالهبة والقبض ثم قال ما كان قبضها وإنما كنا توافقنا على الاقرار بالقبض، ولم يحصل القبض، فحلفوه أن الدار كانت مقبوضة له حين الاقرار، قال قوم إن كان المقر لم يتول إقباضها قبل منه ذلك، وحلف المقر له، لأنه لا يكذب نفسه في القبض الذي أقر به، لأنه يقول (كاتبني) أرسلني وكيلي بأنه أقبض الدار فأقررت بذلك، ثم بان أنه ما كان أقبضها إياه، فأما إذا كان تولى الاقباض بنفسه، لم يسمع منه ذلك، ولا يحلف المقر له لأنه يكذب إقراره بتلك الدعوى. وقال قوم تسمع منه تلك الدعوى ويحلف، سواء تولى القبض بنفسه أو ناب عنه وكيله، لأن العادة جرت في المعاملات أنهم يقدمون الاشهاد فيها على القبض والتسليم، وإذا كان كذلك يسمع قوله، وحلف المقر له، وهذا هو الصحيح. وكذلك إذا أقر بتسليم المبيع أو الثمن فادعى أنه أقر بذلك قبل القبض والتسليم، وطالب بيمين صاحبه، فإنه يحلف لمثل ما قلناه، وكذلك إذا أقر فقال: له علي ألف درهم، ثم قال كان واعدني أن يقرضني ألفا وتوافقنا على الاقرار بها، قبل القبض، فحلفوه أني قبضتها ثم أقررت بها، فإنه يحلف على ذلك لمثل ما ذكرناه. فأما إذا شهد عليه شاهدان بالهبة والقبض فشهدا أنه وهب هذه الدار لفلان وأقبضها إياه ثم ادعى أنه ما كان أقبضه، وطلب يمينه على أنه كان أقبضها لم يسمع منه ذلك، لأن فيه طعنا على البينة، لأنها شهدت بنفس القبض فأما إذا شهدت بإقراره بالقبض، فقال: صدقت البينة، قد أقررت بذلك قبل أن أقبضها إياه، فحلفوه أني ما أقبضتها حين أقررت، حلف على ذلك لأنه لا يكذب البينة لما ذكرنا.

[ 33 ]

فأما إذا أقر له بهبة مال ثم اختلفا بد ذلك فقال الموهوب له أقررت بالهبة بعد القبض، وقال الواهب ما كنت أقبضت الموهوب حين أقررت فأنكر القبض وادعاه الموهوب له كان القول قول الواهب لأنه اختلاف في القبض والإذن فيه، والأصل عدم القبض وعدم الإذن، ولا فرق بين أن يكون الموهوب في يد الواهب أو في يد الموهوب له، لأنه قد يقبضه بغصب وغير ذلك فيكون في يده، لا يدل على صحة القبض. ومن الناس من قال إذا كان الموهوب في يد الموهوب منه وقلنا إن الموهوب إذا كان في يد الموهوب منه لا يفتقر قبضه إلى الإذن فيه، كان القول قول الموهوب له، و الصحيح الأول لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض عن رضى الواهب. إذا قال لفلان على ألف درهم إذا جاء رأس الشهر كان ذلك إقرارا، وإذا قال إذا جاء رأس الشهر فلفلان على ألف درهم، لم يكن ذلك إقرارا والفرق بينهما أن في الاقرار الأول أقر مطلقا ثم ادعى التأخير بعد ذلك فصح الاقرار، وكان معنى قوله إذا جاء رأس الشهر أنه علق بمجيئه لأنه يجوز أن يكون مؤجلا عليه إلى رأس الشهر، وفي المسألة الثانية قدم التعليق بالصفة، ثم أقر، والاقرار لا يتعلق بالصفات المستقبلة، فلم يصح، والصحيح أنه لا فرق بين المسئلتين. إذا باع من عبده نفسه فقال بعتك نفسك قال قوم إنه يصح، وقال آخرون لا يصح فمن قال يصح فلا تفريع ومن قال يصح، فإذا ادعى السيد ذلك على العبد فإن صدقه العبد عتق ولزمه الثمن، وإن كذبه كان القول قوله مع يمينه، فإذا حلف عتق بإقرار السيد ولم يلزمه المال لأن إقراره ودعواه تضمن عتقه فلذلك لزمه. وكذلك إذا قال بعتك هذا العبد واشتريته وأعتقته، فحلف المشتري أنه ما اشتراه سقطت الدعوى، وعتق العبد بإقراره، وكذلك إذا قال بعتك ابنك واشتريته مني فعليك الثمن، فحلف المشتري سقطت الدعوى، وعتق العبد، وكذا إذا قال لامرأته قد طلقتك بألف، وقبلت ذلك، وأنكرت كان القول قولها مع يمينها، فإذا حلفت سقطت الدعوى ولزمه الطلاق البائن بإقراره، ولم يثبت له الرجعة. إذا قال لفلان على ألف درهم ثم سكت ثم قال من ثمن مبيع لم أقبضه، لزمه

[ 34 ]

الألف، ولم يقبل منه ما ادعاه من المبيع، لأنه أقر بالألف ثم فسره بما يسقط ولم يصل به إقراره، وكذلك لو قال: لفلان على ألف درهم من ثمن مبيع، ثم سكت ثم قال قد قبضتها. وإذا قال: لفلان على ألف درهم من ثمن مبيع ثم سكت ثم قال لم أقبضه، قبل منه ذلك، لأن قوله بعد السكوت لم أقبضه لا ينافي إقراره الأول لأنه قد يكون عليه ألف درهم ثمنا ولا يجب عليه تسليمها حتى يقبض المبيع، ولأن الأصل عدم القبض وإذا قال له على ألف درهم من ثمن مبيع لم أقبضه، لم يلزمه ولا فرق بين أن يعين المبيع أو يطلقه. إذا شهد عليه رجل أنه أقر لفلان بألف درهم، وشهد آخر أنه أقر له بألفين وأضافا ذلك إلى سببين مختلفين، فقال أحدهما ألف من ثمن ثوب، وقال الآخر ألفين من ثمن عبد، فإن شهادتهما لم يتفق على شئ واحد، لأن ثمن الثوب غير ثمن العبد، و يثبت له بالألف شاهد واحد، فله أن يحلف معه ويثبت له بالألفين شاهد واحد، فله أن يحلف معه. فأما إذا أطلقا ذلك ولم يضفاه إلى سببين مختلفين أو أضافاه إلى سبب متفق أو أضاف أحدهما إلى سبب وأطلق الآخر ففي المسائل الثلاث يتفق الشهادة على ألف فيحكم له بألف بشهادتهما، ويحصل له بالألف الآخر شاهد واحد فيحلف معه ويستحق. وإذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يشهد أحدهما بألف والآخر بألفين وبين أن يشهد أحدهما بمائة والآخر بمائتين أو بعشرة والآخر بعشرين أو بخمسة والآخر بعشرة أو بعشرة والآخر بمائة، سواء اتفق اللفظ أو اختلف، وكذلك إذا نقلا لفظ المقر بعينه، فقال أحدهما مثلا أشهد أنه قال: له على عشرة دراهم، وقال الآخر أشهد أنه قال: له على مائة درهم، فالشهادة متفقة على العشرة، لأن أحد المقدارين نقيض الآخر، واختلاف اللفظ في الاقرار لا يؤثر، لأن الاقرار إخبار، والمخبر عنه يكون واجبا والاخبار عنه يختلف ألفاظه، وكلها ترجع إلى شئ واحد. ويفارق إذا شهد أحدهما بأنه قال له وكلتك، وشهد الآخر أنه قال له أذنت لك في التصرف في مالي. لأن ذلك ليس بإخبار عن العقد، بل هو نفس العقد، وقد

[ 35 ]

اختلف اللفظ فيه، فاختلف الشهادة به، لأن العقد بلفظ التوكيل غير العقد بلفظ الإذن في التصرف. إذا أقر بكفالة بشرط الخيار أو بضمان بشرط الخيار فالحكم فيه مبني على أن عقد الكفالة والضمان لا يصح فيه شرط الخيار لأن الخيار وقع للحظ في العقد الذي شرطه ولا حظ للكفيل والضامن في هذين العقدين لأنه إما أن لا يغرم فلا يرجع أو يغرم فيرجع بقدر ما غرمه من غير زيادة. إذا ثبت أن شرط الخيار فيه لا يصح فإن شرط كان الشرط فاسدا والعقد فاسدا هذا عند المخالف وقد قلنا إنه لا يمتنع دخول خيار الشرط فيه، لأنه لا مانع منه، فعلى هذا العقد والشرط صحيحان، فإذا ثبت هذا فمتى أقر بكفالة بشرط الخيار أو بضمان بشرط الخيار: مثل أن يقول تكفلت لك ببدن فلان أو ضمنت لك مالك على فلان على أني بالخيار ثلاثة أيام، فقد أقر بالكفالة ووصل إقراره بما يسقطها، فلا يقبل إلا ببينة. وفي الناس من قال يقبل إقراره على صفة فلا يلزمه شئ. وكذلك إذا قال: له علي ألف درهم قضيتها أو ألف درهم من ثمن خمر أو خنزير أو من ثمن مبيع تلف قبل القبض، فيه قولان: فإذا تقرر هذان القولان فمن قال لا ينقض إقراره فادعى المقر له أنه ضمن من غير خيار وطلب يمينه على أنه ضمن بالخيار حلف على ذلك فإذا حلف سقطت دعوى المقر له، ومن قال ينقض إقراره فادعى أن المقر له يعلم أنه ضمن بشرط الخيار وطلب يمينه على أنه تكفل وضمن من غير خيار، كان له ذلك ويحلف المقر له عليه، و كذلك في باقي المسائل. إذا قال لفلان على ألف درهم مؤجلا إلى وقت كذا، لزمه الألف وهل يثبت التأجيل؟ من الناس من قال يثبت التأجيل وهو الصحيح ومنهم من قال على قولين قد مضى في كتاب الضمان أن ضمان العهدة يصح وأن في الناس من قال لا يصح. فأما ضمان الخلاص فلا يصح، ومعنى ذلك أن يضمن تخليص الدار المبيعة من

[ 36 ]

مستحقها للمشتري، وذلك لا يصح لأنه ليس يقدر على تخليصها من يد مستحقها لأنه لا يمكنه ذلك إلا بالشراء ولا يملك إجبار المستحق لها على البيع، فقد ضمن خلاص ما لا يملك تخليصه فلم يصح. الاقرار بالعجمية يصح كما يصح بالعربية لأنها لغة ولأنها تنبئ عما في النفس من الضمير كالعربية فإذا أقر بالعجمية عربي أو أقر بالعربية أعجمي فإن كان عالما بمعنى ما يقوله لزمه إقراره، وإن قال قلت ذلك ولا أعرف معناه فإن صدقه المقر له لم يلزمه شئ، وإن كذبه فالقول قول المقر مع يمينه أنه لم يدر معناه، لأن الظاهر من حال العربي أنه لا يعرف العجمية، ومن حال العجمي أنه لا يعرف العربية، فقدم قوله لهذا الظاهر. إذا شهد عليه الشهود بإقراره ولم يقولوا هو صحيح العقل، صحت الشهادة بذلك الاقرار، لأن الظاهر صحة إقراره ولأن الظاهر أنهم لا يتحملون الشهادة على من ليس بعاقل، فإن قالوا وهو صحيح العقل كان تأكيدا، فإن ادعى المشهود عليه بالاقرار أنه أقر وهو مجنون وأنكر المقر له ذلك، كان القول قوله مع يمينه، لأن الأصل عدم الجنون، لأن البينة تشهد على ظاهر الحال، فيجوز أن يخفي جنونه، ويكون المقر عالما به. فأما إذا شهد عليه الشهود بالاقرار فادعى أنه كان مكرها على ذلك، لم يقبل منه لأن الأصل عدم الاكراه وإن أقام البينة على أنه كان محبوسا أو مقيدا وادعى الاكراه قبل منه ذلك وكان القول قوله مع يمينه، لأن الظاهر من حال المحبوس والمقيد أنه مكره على تصرفه وإقراره. إذا قال: لفلان على درهم ودرهمان لزمه ثلاثة دراهم لأنه عطف الدرهمين على الدرهم، والمعطوف غير المعطوف عليه، ولو قال: له علي درهم في عشرة، فإن أراد بذلك ضرب الحساب لزمه عشرة دراهم، لأن واحد في عشرة عند من عرف الحساب عشرة، وإن لم يرد الحساب لم يلزمه إلا درهم، ويكون معناه درهم له في عشرة لي كما لو قال: له علي ثوب في منديل.

[ 37 ]

إذا قال تملكت هذه الدار من فلان، فقد أقر له بالدار وادعى أن ملكه زال عنها وملكها هو، فالقول قول المقر له فيما يد عيه المقر له من ذلك، وكذلك إن قال هذه الدار قبضتها من يد فلان فإنه أقر باليد فيجب عليه تسليمها إليه، وهو مدع لسقوط حق اليد وانتقاله إليه، فعليه البينة، والقول قول المقر له مع يمينه فأما إذا قال هذه الدار تملكتها على يد فلان، أو قبضتها على يد فلان، فليس ذلك بإقرار له بالملك، ولا باليد، لأن ظاهر اللفظ أنه قبضها أو ابتاعها بمعونته ووساطته فلم يكن ذلك إقرارا له به بملك ولا يد. إذا قال: كان لفلان علي ألف درهم قيل فيه وجهان أحدهما أن ذلك يكون إقرارا بالألف وهو مدع براءة ذمته، فعليه البينة والقول قول المقر له أنه ما برئ إليه منها، والوجه الثاني أن ذلك لا يكون إقرارا ولا يلزمه شئ لأنه إذا ادعى فقال كان لي عليه ألف درهم، لم يسمع الحاكم منه هذه الدعوى لأنها دعوى لا يقتضي ملكا فكذلك ههنا والأول أقوى. إذا ادعى رجل على صبي البلوغ وأنكر الصبي فعلى الرجل البينة على بلوغه وقد يقوم البينة عليه بذلك بإقراره على نفسه بالبلوغ أو باستيفاء عدد سن البلوغ: وهو أن يشهد أنه ولد في سنة كذا، فيكون له إلى هذه السنة خمس عشرة سنة أو شاهدوه وقد أنزل فإن لم يكن للمدعي بينة بذلك لم يحلف الصبي وكان القول قوله بغير يمين لأن إثبات اليمين تؤدي إلى نفيها وإسقاطها، لأنه إذا حلف أنه صبي وحكمنا بصباه أبطلنا يمينه لأن يمين الصبي لا يصح، وكل ما أدى إثباته إلى نفيه لم يكن لإثباته معنى. إذا أقر الصبي على نفسه بالبلوغ نظر، فإن لم يبلغ بعد القدر الذي يجوز أن يبلغ فيه لم يقبل إقراره، وإن كان بلغ القدر الذي يبلغ فيه صح إقراره، وحكم ببلوغه، لأنه أقر بما يمكن صدقه فيه، وكذلك الصبية إذا أقرت بأنها حاضت فإن كان ذلك في وقت الامكان حكم ببلوغها، وإن لم يكن في وقت الامكان لم يقبل منها

[ 38 ]

ذلك، وإذا قبلنا قوله لا يحلف لأنه لا يتعلق به حق لغيره، وإنما يتعلق به حق نفسه. إذا أقر بمال لعبد رجل صح الاقرار، وكان ذلك إقرارا لسيده لأن العبد يجوز أن يثبت له مال، وإذا ثبت له باكتساب أو غيره ثبت لسيده، وإن أقر بمال لبهيمة رجل لم يصح الاقرار لأن البهيمة لا يثبت لها مال، وبهذا يفارق العبد لأن العبد يثبت له المال بالاكتساب وغيره، وإن قال له علي بسبب هذه البهيمة ألف درهم كان ذلك إقرارا بالألف ومعنى السبب أن يكون الألف ثبت عليه بأرش جناية منه عليها أو أجرة منافعها، وما أشبه ذلك. إذا مات رجل وخلف ابنين فأقر أحدهما بأخ وجحد الآخر، فلا خلاف أن نسبه لا يثبت، فأما المال الذي حصل في يد المقر فإنه يثبت المشاركة، فمذهبنا أنه يلزمه بمقدار حصته، فيكون له ثلث ما في يده، ثم على هذا الحساب وفيه خلاف. إذا كان الوارث جماعة فأقر اثنان رجلان أو رجل وامرأتان بابن ثبت نسبه إذا كانا مرضي الشهادة وإن لم يكونا عدولا لم يثبت نسبه، ولزمهما بمقدار حصتهما. الاقرار بالنسب لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون المقر بالنسب مقرا على نفسه بالنسب أو غيره، فإن كان على نفسه مثل أن يقر بأنه ابنه نظر، فإن كان المقر به صغيرا اعتبر فيه ثلاثة شروط أحدها أن يمكن أن يكون ولدا له فإن لم يمكن أن يكون ولدا له فلا يثبت مثل أن يقر له وللمقر ست عشر سنة، وللمقر به عشر سنين، الثاني أن يكون مجهول النسب لأنه إذا كان معروف النسب فلا يثبت، والثالث أن لا ينازعه فيه غيره، لأنه إذا نازعه فيه غيره لم يثبت ما يقول إلا ببينة، فإذا حصلت هذه الشروط الثلاثة ثبت النسب. وإن كان المقر به كبيرا فإنه يعتبر فيه أربعة شروط الثلاثة التي ذكرناها والرابع تصديق المقر به لأنه إذا كذبه في إقراره به لم يثبت نسبه منه فإذا ثبت هذا فإن أقر بصغير ووجدت الشرايط الثلاث فيه ثبت نسبه فإذا بلغ وأنكر أن يكون ولدا

[ 39 ]

له لم يقبل منه ولم تسمع دعواه لذلك لأنه حكم عليه قبل أن يكون لكلامه حكم بأنه ابنه، فلا يسمع بعد الحكم دعواه، كما لو كان في يده صبي صغير محكوم له برقه فلما بلغ أنكر أن يكون عبدا له لم تسمع منه، لما تقدم من الحكم له بالرق قبل أن يكون لكلامه حكم. فأما إذا أقر بنسب على غيره: مثل أن يقر بأخ فإن كان صغيرا فبثلاثة شروط وإن كان كبيرا فبأربعة شروط على ما فصلناه، ويراعى في ذلك إقرار رجلين عدلين، أو رجل وامرأتين من الورثة، فإن لم يكن كذلك فلا يثبت النسب على ما بيناه، فإذا ثبت هذا فكل موضع ثبت النسب بالاقرار، ثبت المال إلا في موضع واحد، وهو إذا كان إثبات الميراث يؤدي إلى إسقاطه مثل أن يقر الأخوان بابن للمورث، فإن نسبه يثبت، ولا يثبت له الميراث لأنه لو ورث حجب الأخوين، وخرجا من كونهما وارثين، ويبطل الاقرار بالنسب لأنه إقرار ممن ليس بوارث، وإذا بطل النسب بطل الميراث، فلما أدى إثبات الميراث إلى إسقاطه أسقط فيثبت النسب دونه، ولو قلنا إنه يثبت الميراث أيضا كان قويا لأنه يكون قد ثبت نسبه بشهادتهما فتبعه الميراث لا بالاقرار. هذا في المقر الذي يثبت النسب بإقراره، وهو إذا كانا اثنين عدلين، فإذا كان المقر واحدا أو كانا غير عدلين فإنه يثبت لهما الميراث بمقدار ما يخصهما، ولو مات المقر له لم يرثه المقر لأنه لم يثبت نسبه اللهم إلا أن يكون قد صدقه المقر له في ذلك، وكان بالغا عاقلا، ولا يتعدى منهما إلى غيرهما إلا إلى أولادهما فقط، فأما غيرهما من ذوي النسب، فلا يثبت ميراثهما منه إلا بالاقرار منهم أيضا لذلك أو تصديق لهما فيقوم مقام الاقرار. إذا مات وخلف ابنا فأقر بأخ ثم إنهما أقرا بثالث، ثبت نسب الثالث، ثم إن الثالث أنكر الثاني وقال ليس بأخ لنا سقط نسبه، لأنه لم يقر بنسبه اثنان من الورثة، وإنما أقر الأول فيكون المال للأول والثالث ويأخذ الثاني من الأول ثلث ما في يده، لأنه مقر به وبغيره.

[ 40 ]

إذا خلف ثلاث بنين فأقر اثنان بأخ آخر وجحد الثالث، وكانا مرضيين ثبت نسبه بإقرارهما ولا يلتفت إلى إنكار الثالث، وإن كانا غير عدلين لا يثبت نسبه وقاسم الاثنين على قدر حصتهما. إذا خلف زوجة وأخا فأقرت الزوجة بابن الأخ وأنكره الأخ، لم يثبت نسبه إلا أنه يقاسمها، والمرأة تزعم أن لها الثمن لأن لمورثها ابنا فينظر، فإن كان المال في يد الأخ لم يأخذ إلا الثمن لأنه القدر الذي تدعيه، وإن كان في يدها لم يأخذ الأخ إلا ثلاثة أرباع المال، لأنه هو القدر الذي يدعيه لأنه يقول: لها الربع إذ ليس لمورثها ابن، فيبقى في يدها الربع وهي تدعي نصفه فيكون لها، والباقي يرده على الابن. إذا خلف ابنين فأقر أحدهما بأخ وجحد الآخر، فإن نسب المقر به لا يثبت فإن مات الجاحد فورث المقر جميع ماله وجب عليه أن يقاسم الأخ المقر به، لأنه كان أقر به، وإن خلف أخوه الجاحد ابنا فوافق عمه على إقراره ثبت النسب والميراث على ما ذكرناه لأنهما اثنان. إذا خلف ابنين أحدهما عاقل، والآخر (جاهل) مجنون فأقر العاقل بنسب أخ له لم يثبت النسب بإقراره لأنه واحد، فإن أفاق المجنون فوافقه على إقراره ثبت النسب والميراث، وإن خالفه لم يثبت نسبه وشاركه المقر به في مقدار ما يخصه وإن مات وهو مجنون فإن ورثه المقر جميع ماله قاسم المقر له، لأنه كان مقرا به وإن خلف ابنين أحدهما كافر والآخر مسلم فأقر أحدهما بأخ نظر فأن كان الميت كافرا فإن الميراث للمسلم، فإذا أقر بنسب قاسم المقر به إن كان مسلما وإلا حاز جميعه ولا يراعى جحود الكافر لأنه لا يرث شيئا، والمال كله للمسلم، وإن كان الميت المسلم فكذلك المال للمسلم فإذا أقر بنسب ثبت وقاسمه المال، ولا يراعى جحود الكافر، إن أقر الكافر في المسئلتين لم يكن لا قراره تأثير لأنه لا يرث شيئا إذا خلف ابنين أحدهما قاتل فالمال كله لغير القاتل، فإن أقر بنسب أخ شاركه في الميراث، وإن أقر القاتل لم يثبت النسب لأنه ليس له من الميراث شئ.

[ 41 ]

إذا أقر ببنوة صبي، لم يكن ذلك إقرارا بزوجية أمه، سواء كانت مشهورة الحرية أو لم يكن كذلك. إذا مات صبي مجهول النسب وله مال فأقر رجل بنسبه ثبت النسب وكان له ميراثه إذا كانت الشرايط حاصلة من الامكان وغيره، وليس لأحد أن يقول إن ها هنا تهمة من حيث يجوز أن يكون قصد بذلك أخذ المال وذلك أن هذا يقصد به إذا كان حيا وله مال فأقر به، فإن لحوق التهمة يجوز في هذه الحال لأنه ينتفع بماله ويساره كما ينتفع به بعد موته، وإن كان المقر به كبيرا فإنه يثبت نسبه بإقراره ووجود الشرايط، وتصديقه لا يراعى لأنه إذا مات صار في معنى الصغير والمجنون الذي لا حكم لكلامه، ولا اعتبار بتصديقه، ولا خلاف في هذه. من مسائل الدور: إذا أذن الرجل لعبده في النكاح فتزوج بامرأة بمهر، وضمن السيد ذلك المهر لها، ثم إنه باع العبد منها بقدر المهر الذي لزمه بالضمان لم يصح البيع لأن إثباته يؤدي إلى إسقاطه، والمسألة مفروضة إذا اشترته زوجته قبل الدخول بها لأنا إذا صححنا ذلك البيع ملكت المرأة زوجها، وإذا ملكته انفسخ النكاح وإذا انفسخ النكاح سقط المهر لأنه فسخ جاء من قبلها قبل الدخول، وإذا سقط المهر عري البيع عن الثمن، والبيع لا يصح إلا بالثمن، فلما كان إثباته يؤدي إلى إسقاطه لم يثبت. إذا أعتق أمة له في مرضه وتزوجها ومات لم يرث عند المخالف، لأن إثبات الميراث يؤدي إلى إسقاطه، لأنا إذا أورثناها كان عنده وصية لوارث، والوصية للوارث لا تصح وإذا بطلت الوصية بطل العتق، وعادت رقيقة، ولم يثبت لها الميراث فلما كان إثباته يؤدي إلى نفيه وإسقاطه، لم يثبت. وهذا على مذهبنا لم يصح لأن الوصية للوارث عندنا صحيحة على ما نبينه فيما بعد. إذا كانت له جارية قيمتها مائة وله مائة وزوجها من عبد بمائة ثم إنه أعتقها ومات ولم يدخل بها الزوج، لم يثبت لها الخيار لكونها معتقة تحت عبد، لأنا إذا أثبتنا لها الخيار فاختارت الفسخ سقط المهر لأنه فسخ من قبلها قبل الدخول، فإذا

[ 42 ]

سقط المهر لم يخرج قيمتها من الثلث، فيرق بعضها، وإذا رق بعضها لم يثبت لها الخيار في فسخ النكاح، فإثبات الخيار يؤدي إلى إسقاطه بإسقاط غير فلم يثبت أصلا هذا على مذهب المخالف وعلى مذهبنا لا يحتاج أن يشرط كونها مزوجة بعبد لأن عندنا ثبت لها الخيار وإن كانت تحت حر، والتفريع صحيح إذا جعلنا العتق في المرض من الثلث، فأما من جعله من أصل المال فهذا لا يصح على أصله. إذا مات وخلف أخا فادعى رجل أنه ابن الميت وأنكر ذلك الأخ فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف أسقط دعواه، وإن نكل ردت اليمين على المدعي وحلف أنه ابن الميت، وإذا حلف ثبت نسبه وهل يرث أم لا؟ قيل إن قلنا أن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه بمنزلة إقرار المدعى عليه لم يورث لأنه يؤدي إلى أن يكون ذلك إقرارا من غير وارث، لأنه يحجب المقر ويحوز المال دونه وإن قلنا إنه بمنزلة الشهادة، ثبت الإرث وهذا هو الصحيح عندي. إذا أعتق أمته في مرضه، وقيمتها مائة دينار، وله مائتان فتزوجها وأصدقها مائة دينار ومات لم يرث، لأنا إذا أورثناها كان إعتاقه إياها حال مرضه وصية لوارث والوصية للوارث لا تصح وإذا لم تصح بطل العتق، وإذا بطل العتق بطل النكاح وإذا بطل النكاح بطل الميراث، فإثبات الميراث يؤدي إلى إسقاطه، فلم يثبت. ولا يأخذ صداقها أيضا لأن ذلك يؤدي إلى إسقاط الصداق لأنها إذا أخذت مائة صداقا عاد ماله مائتين: مائة قيمتها، ومائة دينار حاصلة في يده، فيكون قيمتها نصف ماله فلا يخرج عتقها من ثلث ماله فيرق بعضها، وإذا رق البعض بطل النكاح وإذا بطل النكاح بطل الصداق، لأن ثبوته بثبوت النكاح، وقد بينا ما عندنا في نظير هذه المسألة. إذا أعتق رجل عبدين في حال صحته فادعى رجل عليه أنه غصبهما عليه وأنهما مملوكان له، فأنكر ذلك المعتق فشهد له المعتقان بذلك، لم يقبل شهادتهما لأن إثبات شهادتهما يؤدي إلى إسقاطه لأنه إذا حكم بشهادتهما لم ينفذ العتق وإذا لم ينفذ العتق بقيا على رقهما وإذا بقيا على رقهما لم تصح شهادتهما، فلما كان إثباتها يؤدي إلى إسقاطها لم يحكم بها، وهذا أيضا على مذهبنا لا تقبل شهادتهما

[ 43 ]

لأنا لو قبلناها لرجعا رقين، وتكون شهادتهما على المولى وشهادة العبد لا تقبل على مولاه، فلذلك بطل، لا لما قالوه. إذا كان ماله ثلاثة آلاف، فاشترى في مرضه أباه بألف درهم عتق عليه، فإذا مات الابن لم يرثه الأب، لأن توريثه يؤدي إلى إسقاط ميراثه، لأنا إذا أورثناه صار عتقه وصية له، والوصية للوارث لا يجوز، فبطل العتق، وإذا بطل العتق بطل الميراث، وعندنا يرث لأن الوصية للوارث تصح. فأما إذا أوصى له به وقبل الوصية أو وهب له فقبل الهبة عتق ولا يورث أيضا لأنا إذا أورثناه كان العتق وصية للوارث، وذلك لا يصح فيبطل العتق، وعلى مذهبنا يصح، ويرث لأن الوصية للوارث تصح، وفي المخالفين من قال يورث في هذه المسألة لأنه ملك الأب من غير عوض لأنه لم يخرج في مقابلته مالا، ولم يستقر عليه ملك، حتى يعد من جملة المال الذي في يده الذي يحتسب الوصية من ثلثه، وإذا كان كذلك لم يعد رقبة أبيه من جملة ماله. يدل على هذا أنه إذا اشترى أباه بألف وهو يسوى ألفين لم يجعل قيمته من جملة ماله، لأنه لم يستقر عليه ملكه، وإنما يعتبر القدر الذي أخرجه عوضا في مقابلته، فإذا كان كذلك فقد ثبت أنه لا اعتبار برقيته، لأن الملك لم يستقر عليها ولم يغرم في مقابلتها مالا فيكون في الحكم كأنه عتق على غيره، ولو عتق على غيره ورث، فكذلك إذا أعتق عليه لهذا الوجه، ولا فرق بينهما. إذا قال لا مرأته إن طلقتك طلاقا أملك فيه الرجعة فأنت طالق ثلاثا ثم قال لها أنت طالق، لم يقع طلاق من تلك الجملة لا الطلاق الذي أوقعه، ولا الطلاق المشروط لأنه جعل شرط وقوع الثلاث وقوع طلاق يملك فيه الرجعة، فإذا أوقعنا الطلاق المواجه وقع الثلاث عقيبه، لأن شرطها قد وجد، وإذا وقع الثلاث فإنها تقع عقيب الطلاق فيمنع الرجعي، فيخرج ذلك الطلاق عن أن يكون طلاقا يملك فيه الرجعة وإذا خرج من أن يكون كذلك لم يقع الثلاث، لأن الشرط لم يوجد فيه فيؤدي إيقاعه إلى إسقاطه وإسقاط غيره، وإن قال لها: إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا ثم

[ 44 ]

طلقها لم يقع عليها طلاق، لأنا إذا أوقعنا الطلقة المواجه بها احتجنا أن نوقع الثلاث قبله، وإذا وقعت الثلاث قبله لم يقع الطلقة المواجه بها وهي شرط في وقوع الثلاث وإذا لم يقع لم يوجد الشرط، وإذا لم يوجد الشرط لم يقع الثلاث فكان إيقاعها يؤدي إلى إسقاطها، فلهذا لم يقع. وعلى هذا لا يمكن إيقاع الطلاق على هذه المرأة. فأما إذا قال لغير المدخول بها إن طلقتك فأنت طالق قبله طلقة، ثم قال لها أنت طالق لم يقع طلاقه، لأنها إذا وقعت الطلقة المواجه بها وقعت الأخرى قبلها وإذا وقعت الأخرى لم يقع المواجه بها لأنها تبين بتلك، وإذا لم يقع المواجه بها وهي شرط في وقوع الأخرى لم يقع تلك، فكان إثبات الايقاع يؤدي إلى إسقاطه وكذلك إذا قال لو طلقتك غدا فأنت طالق اليوم، فيكون الحكم على ما ذكرناه. وفيهم من قال يقع الطلقة المواجه بها في هذه المواضع، ولا يقع الأخرى وليس بشئ عندهم وعلى مذهبنا لا يصح كل ذلك لأن الطلاق بشرط لا يصح عندنا على ما سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى. إذا قال لأمته: إن صليت مكشوفة الرأس غدا مع وجود السترة فأنت حرة اليوم فصلت مكشوفة الرأس من الغد، لم يقع العتق عليها، لأن إيقاعه يؤدي إلى سقوطه لأن إطلاق اللفظ يرجع إلى الصلوة الصحيحة، والحرة لا تصح صلوتها مكشوفة الرأس فإذا أوقعنا العتق لم تصح صلاتها لأنها حرة، وإذا لم تصح صلوتها لم يقع العتق فكان إثباته يؤدي إلى نفيه وإسقاطه، فلم تثبت. والمسألة مفروضة إذا كان معها سترة وتركتها وصلت مكشوفة الرأس وهذا لا يصح عندنا لأنه عتق بشرط، وذلك لا يصح وإن كانت لا تصح أيضا من الوجه الذي ذكروه. إن ادعى على صبي أنه بلغ فأنكر ذلك، لم يحلف، وكان القول قول الصبي من غير يمين، لأن إثبات اليمين عليه يؤدي إلى نفيها لأنه إذا حلف أنه صبي لم يبلغ ثبت صباه، وإذا ثبت صباه لم يصح يمينه، لأن يمين الصبي لا يصح ولا ينعقد، فلما كان إثباتها يؤدي إلى نفيها لم يثبت في الأصل بحال. إذا دخلت إلى دار الاسلام امرأة معها ولد، فأقر رجل أنه ابنه، ثبت النسب

[ 45 ]

لأنه أقر بصغير مجهول النسب مع وجود الامكان، وعدم المنازع، والاعتبار بالامكان اللهم إلا أن يعلم أنه لم يخرج إلى بلاد الروم، لم يدخل المرأة إلى بلاد الاسلام فإن علم ذلك لم يقبل إقراره. وقال بعض المخالفين وإن كان ظاهر الحال أنه لم يخرج إلى بلاد الحرب ولا خرجت إلى بلاد الاسلام إذا جوزنا أن يكون بعثت إليها بالنطفة في قارورة فاستدخلته ألحقنا به الولد، فراعى مجرد الامكان، والذي نقوله: إن المراعى في هذا الباب الامكان على ما جرت العادة به فأما ما لم تجر به العادة فلا اعتبار به، وإن كان مقدور الله عز وجل. إذا كانت لرجل جاريتان لكل واحدة منهما ولد، فأقر بأن أحد الولدين ابنه ثبت نسب أحدهما، ولحق به بإقراره دون الآخر إذا جمع الشرطين أحدهما أن لا يكون الامتان ذواتي زوجين، لأنهما إن كانتا ذواتي زوجين، كان الولد لا حقا بالزوج دون السيد، والثاني أن لا يكون قد أقر بوطيهما ولا بوطي إحداهما لأنه إذا أقر بالوطي صارت التي أقر بوطيها يلحق ولدها به من غير إقرار بالولد، فإذا ثبت الشرطان فأقر بنسب أحدهما مبهما (1) ثبت نسبه دون الآخر، ويحكم بحريته، لأنه ملك له، فإن كان وطيها في ملكه فهو حر الأصل، وإن كان وطيها في ملك غيره ثبت ملك الولد وانعتق عليه. هذا إذا كان شرط رقه فإن لم يشرط ذلك فإن الولد انعقد حرا في الأصل عندنا لأنه يلحق بالحرية إذا كان عن عقد نكاح، غير أن هذا الولد محكوم بحريته بلا خلاف. فإذا ثبت هذا فإنا نكلفه أن يعين الذي ينسبه كما إذا طلق إحدى امرأتيه لا بعينها، فإنا نكلفه التعيين، فإذا عين تعين، لأنه لما ثبت نسبه بإقراره ثبت تعيينه بتعيينه، فإذا تعين الولد كلفناه أن يبين كيفية الاستيلاد. فإن قال استولدتها في ملكي، حكمنا بالولد حرا في الأصل لا ولاء له وتصير الأمة

(1) منهما - خ ل.

[ 46 ]

أم ولد، وإن قال استولدتها في ملك الغير بنكاح، فالولد عندنا حر الأصل ولم يمسه الرق وعند المخالف قد مسه الرق وثبت له عليه الولاء ولا تصير المرأة أم ولده، وعندنا هي أم ولد. وإن قال استولدتها بوطئ شبهة فالولد حر الأصل بلا خلاف، والجارية عندنا أم ولد، وعندهم على قولين، فإن نازعته الأخرى، فادعت أنها التي أقر بنسب ولدها واستولدها، وأنكر المقر ذلك كان القول قوله مع يمينه، فإذا حلف أسقط دعواها، ورقت ورق ولدها، فإذا ثبت هذا وتعين الولد، ورقت الأخرى وولدها، ثم مات عتقت أم الولد من نصيب ولدها عندنا، وعندهم تنعتق بموته إن كان ثبت لها حرية الولادة فإن لم يثبت فإنها على الرق، ويرثها ابنها وعتقت عليه كما قلناه وإن كان معه وارث آخر ورث حصته منها وعتق عليه ذلك المقدار وبقي الباقي على الرق إذا لم يكن له مال غيرها، وإن كان له مال قومت عليه، وعندهم إنما يقوم عليه إذا باشر العتق بنفسه في البعض، أو كان بسبب من جهته، فإذا لم يكن كذلك لم يقوم عليه. هذا إذا مات بعد البيان، فإن مات قبل البيان قام وارثه مقامه في التعيين والبيان فإن عين الوارث الولد وبين كيفية الاستيلاد، فالحكم على ما ذكرناه في تعيين المورث وإن عين الولد وأنكر كيفية الاستيلاد فحكم الولد على ما مضى، والجارية إن كان في لفظ المقر ما استدل به على كيفية الاستيلاد حمل عليه، وإن لم يكن ذلك في لفظه فالأصل فيها الرق، وفي الناس من قال هي على الرق لأنه الأصل ولا ينتقل عنه إلا بدليل، ومنهم من قال يحكم بحريتها بالموت لأن الظاهر أنه وطئها في ملكه لأنه أقر بولدها وهي في ملكه، والأول أحوط. فأما إذا امتنع الوارث من التعيين والبيان، وقال لا علم لي به، استعملنا القرعة فمن خرج اسمه ألحقناه به وورثناه، ويكون الحكم على ما مضى في الأم في ثبوت الحرية لها. إذا كان رجل له أمة ولها ثلاثة أولاد فأقر بأن أحدهم ابنه، وليس للأمة زوج

[ 47 ]

ولم يقر سيدها بوطئها فإن الاقرار يصح وثبت النسب بينهما ويحكم بحرية الولد المقر به ويطالب بالتعيين، فإن عين الأصغر تعين، وبقي الأكبر والأوسط على رقهما ويطالب بكيفية الاستيلاد، وكان الحكم على ما بيناه في المسألة الأولى، فإن عين الأوسط تعين وبقي الأكبر على الرق ثم يطالب ببيان كيفية الاستيلاد ويكون على ما مضى، ويكون الأوسط حر الأصل والأصغر يكون رقا وإن عين الأكبر تعين ويرجع إليه في بيان كيفية الاستيلاد، ويكون على ما مضى، ويكون الأوسط والأصغر رقيقين والأكبر حرا. هذا إذا عين ومات فأما إذا مات ولم يعين رجعنا إلى الوارث، ويقومون مقامه فإن عينوا الأصغر تعين، وكان الأوسط والأكبر مملوكين، وحكم الاستيلاد على ما مضى، ويطالبون ببيانه، فإذا عينوا الولد وأنكروا الاستيلاد، كان أيضا على ما مضى، وإذا أنكر الورثة أقرع بينهم فمن خرج إسمه ألحق به وورث. إذا مات رجل وجاء رجل وادعى أنه وارثه، لم تسمع دعواه حتى يبين أي وارث هو؟ لأنه يجوز أن يعتقد أنه وارث وليس بوارث، فإن قال أنا أبوه أو أخوه سمع منه، ولا يحكم له به حتى يقيم البينة، ولا يسمع له إلا شاهدان ذكران ولا يسمع شاهد وامرأتان، ولا شاهد ويمين، لأن النسب لا يثبت بذلك. فإن أقام شاهدين نظر فيهما، فإن كانا من أهل الخبرة المتقادمة بالميت والمعرفة الباطنة فإن شهدا أنه وارثه لم تسمع تلك الشهادة لأنه يجوز أن يعتقدا أنه وارث وليس كذلك فإن عينا وقالا نشهد أن هذا ابنه أو أخوه، فإن قالا لا نعلم له وارثا غيره حكم بتلك الشهادة، ولا يلزمهما أن يقولا ليس له وارث غيره، لأن ذلك لا طريق لهما إليه، فإن شهدا أنه أخوه أو أبوه لا يعلمان له وارثا غيره سلم إليه الميراث وإن لم يقولا كذلك لا يحكم بشهادتهما وإن لم يكونا من أهل الخبرة المتقادمة ولا معرفة لهما بذلك، فلا يقبل شهادتهما، ونفيهما كلا نفي. فإذا ثبت نظر في حال هذا الوارث، فإن كان ممن له فرض لا يحجب عنه مثل

[ 48 ]

الزوجين فإنه يعطى حقه اليقين، فيعطى الزوج الربع المرأة ربع الثمن لأنه هو القدر اليقين، وإن كان لا فرض له لم يعط شيئا من المال سواء كان ابنا أو غيره لأنه إن كان ابنا فلا يعلم القدر الذي يستحقه، وإن كان أخا فلا يدري هو هل وارث أم لا ويوقف ويسأل الحاكم عن حال الميت في المواضع التي حضرها، وأقام فيها، ويبحث عن حال وارثه مدة يعلم في مثلها أنه لو كان له وارث لظهر، فإن لم يظهر نظر فإن كان ابنا سلم المال إليه لأنه وارث بيقين، وإن كان أخا يسلم إليه أيضا ويؤخذ منه كفيل وجوبا لا ندبا.

[ 49 ]

(كتاب العارية) العارية جايزة لدلالة الكتاب والسنة والاجماع، فالكتاب قوله تعالى " وتعاونوا على البر والتقوى (1) " والعارية من البر، وقوله تعالى: " ويمنعون الماعون " يدل عليه أيضا، قال أبو عبيد: الماعون اسم لكل منفعة ولكل عطية، وأنشد للأعشى: بأجود منه بما عونه إذا ما سماؤهم لم تغم (2) وروي عن ابن عباس ره أنه قال: الماعون العواري وعن ابن مسعود أنه قال: الماعون العواري من الولد والقدر والميزان، وعن على عليه السلام وابن عمر أنهما قالا الماعون الزكوة. وأما السنة فروى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وآله قال في خطبته في عام حجة الوداع: العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم، وروي عن صفوان بن أمية أن النبي صلى الله عليه وآله استعار منه يوم حنين درعا فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال بل عارية مضمونة مؤداة. وأما الاجماع فلا خلاف بين الأمة في جواز ذلك، وإنما اختلفوا في مسائل نذكرها. إذا ثبت جواز العارية فهي أمانة غير مضمونة إلا أن يشرط صاحبها، فإن شرط ضمانها كانت مضمونة وإن تعدى فيها كانت مضمونة، والذهب والفضة مضمونان شرط فيهما ذلك أو لم يشرط، فإذا ثبت أنها غير مضمونة إلا بالشرط فإذا استعار شيئا وقبضه

(1) المائدة: 2.
(2) هذا البيت من قصيدة يمدح بها قيس بن معدى كرب والمعنى أن الفرات إذا أزبد وتلاطمت أمواجه ليس بأجود منه في وقت الجدب والقحط حين تصحوا السماء وينقطع الأمطار عن الغيث.

[ 50 ]

كان له الانتفاع به، لأن المعير أذن له فيه، وإن نقص من أجزائه بالاستعمال من تصرفه فلا شئ عليه، وإن تعدى أو شرط عليه ضمان ما نقص، لزمه بمقدار ما نقص من الأجزاء فإن استعار منشفة فأذهب بخملها لا يلزمه ذلك لأن إذنه في استعمالها إذن في ذلك بمجرى العادة، وكذلك سائر الثياب التي يذهب جدتها بالاستعمال على ما جرت به العادة: العارية لا تضمن فإن كان ذلك بتعد كان ضامنا. هذا إذا ردها فأما إذا تلفت قبل أن ينقص من أجزائها شئ وكان شرط ضمانها أو تعدى فيها قومت عليه بأجزائها لأن الأجزاء المأذون في الاستعمال لا تعلم، وإن تلفت بعد ذهاب الأجزاء، وقد شرط عليه ضمانها وجب عليه ضمان القيمة يوم التلف، لأن ما ذهب من الأجزاء مأذون في إذهابها بمجرى العادة، وإذا رد العارية إلى صاحبها أو وكيله برئ من الضمان وإن ردها إلى ملكه: مثل أن يكون دابة فيردها إلى اصطبل صاحبها و يشدها فيه لم يبرء من الضمان. إذا اختلف صاحب الدابة والراكب فقال الراكب أعرتنيها مضمونة وقال صاحبها أكريتها فالقول قول الراكب مع يمينه، وعلى صاحبها البينة لأنه يدعي أجرة الركوب وكذلك إذا اختلف الزارع وصاحب الأرض، فادعى الزارع العارية وادعى صاحب الأرض الكرا، فالقول قول الزارع لمثل ما قلناه. وفي الناس من قال المسئلتان: على قولين، فإذا ثبت ما قلناه فمتى حلف الراكب أو الزارع أسقط عن نفسه الدعوى، وإن نكل ردت اليمين على صاحبها فإذا حلف حكم له بالا جرة المسماة لأن اليمين مع النكول بمنزلة الاقرار والبينة، ومن قال إن القول قول صاحبها فإن لم يحلف ونكل سقط حقه ولا يرد على الراكب لأنه ليس يدعي شيئا وإنما يدعى عليه فإذا لم يحلف سقطت دعواه كالمدعي إذا ردت عليه اليمين فلم يحلف فإنه ينصرف ولا يبقى له حق. وإن حلف فهل يستحق عوض المثل أو المسمى؟ قيل فيه وجهان أحدهما المسمى لأنه ادعاه وحلف عليه وهو الأقوى، والثاني عوض المثل لأن المسمى لا يثبت بيمينه

[ 51 ]

من غير نكول من صاحبه كما لو تحالف المتبايعان وحلفا لم يجب المسمى وإنما تجب القيمتان إذا كان المبيع تالفا. هذا إذا اختلفا والدابة لم تتلف وكان الاختلاف بعد مضي مدة لمثلها أجرة فأما إذا كان ذلك قبل مضي مدة لها أجرة وهو أن يختلفا عقيب تسليم الدابة فإن صاحبها يدعي عليه عقدا وهو ينكره، فكان القول قوله فيه، لأن الأصل عدمه كما لو قال بعتك هذا الشئ وقال ما اشتريته منك، فإن القول في ذلك قوله، كذلك ههنا فإذا حلف سقطت دعواه، وكان له أن يرد الدابة ولصاحبها استرجاعها منه. فأما إذا كانت تالفة، فإن كانت تلفت عقيب الأخذ، قبل أن تمضي مدة لمثلها أجرة فلا معنى لدعوى صاحبها لأنه يدعي أجرة وقد بطلت قبل أن يستقر عليه شئ وأما الراكب فإنه مقر له بقيمة الدابة، وهو لا يدعيها فلا معنى لدعوى أحدهما وإقرار الآخر وينصرفان. وإن كان بعد مضي المدة التي يدعيها بالإجارة فهو مدع عليه أجرة تلك المدة والراكب مقر له بقيمة الدابة. فمن الناس من قال إن كانت القيمة بقدر الأجرة، سلمت إليه وانفصل الأمر بينهما، لأنه مقر له بالمقدار الذي يدعيه وإنما يدعي استحقاقه بجهة أخرى، وذلك لا اعتبار به، وإن كانت الأجرة أكثر من القيمة سلم إليه مقدار القيمة وأما القدر الذي يبقى من الأجرة فعلى الطريقين اللذين مضيا. وإن كان الاختلاف بعد مضي بعض المدة، فقد انفسخ العقد فيما بقي، ويكون الحكم فيما مضى فمنهم من قال إن كانت الأجرة بقدر القيمة، سلمت القيمة إليه وإن كانت أكثر سلم إليه بقدر القيمة، والباقي على طريقين. هذا الكلام فيه إذا ادعى صاحبها الإجارة وادعى راكبها الإعارة، فإذا كان بخلاف ذلك فادعى صاحبها الإعارة، وادعى راكبها الإجارة فلا يخلو أن يكون الدابة تالفة أو باقية فإن كانت باقية وكان الاختلاف عقيب الأخذ قبل مضي مدة لمثلها أجرة فإن الراكب يدعي على صاحبها عقده وهو منكر فيكون القول قوله مع يمينه، فإذا حلف أسقط دعواه وكان له استرجاع الدابة، وإن كان بعد مضي المدة فلا معنى لهذه

[ 52 ]

الدعوى، لأن الراكب لا يدعي حقا مستأنفا وهو مقر له بالا جرة، وصاحبها لا يدعيها فله استرجاع دابته، وعليه ردها. وإن كان بعد مضي بعض المدة فهو يدعي حق الامساك بقية الإجارة فالقول قول صاحبها مع يمينه، فإذا حلف سقطت دعواه، وأما الذي مضى فهو مقر له ببدل، وهو لا يدعيه فلا معنى لإقراره. وأما إذا كانت الدابة تالفة فإن كانت تلفت عقيب الأخذ قبل مضي مدة لمثلها أجرة، فصاحبها يدعي أن عليه ضمان قيمتها، لأنها عارية بشرط الضمان، والراكب يدعي أنها كانت مستأجرة فتلفت وهي أمانة فلا قيمة عليه ولا أجرة، لأنه ما مضى شئ من المدة. فيكون القول قول صاحبها مع يمينه أنه أخذها إجارة، لأن صاحبها يدعي ضمانا في العارية، فعليه البينة، والأصل براءة ذمة الراكب، وإن كان ذلك بعد مضي المدة، فهو مدع للقيمة، وهو مقر بالأجرة، فإنه يسلم إليه مقدار الأجرة فإن كان وفق القيمة فقد استوفى ما يد عيه وإن كان أكثر فقد أقر له صاحبه به، فإن شاء أخذه وإن شاء رده، وإن كان أقل، كان القول قول الراكب مع يمينه لما قلناه. ومن الناس من قال هما جهتان مختلفتان، فلا يصرف ما يثبت في إحداهما إلى الأخرى وعلى ما قلناه يكون القول قول الراكب، وعلى قول المخالف القول قول صاحبها. وإن كان التلف في أثناء المدة فإن كانت أجرة ما مضى بقدر القيمة، فمنهم من قال يعطاه وينفصل الأمر، وإن كانت أقل من ذلك، فالقول قول صاحبها في الفاضل ومنهم من قال يكون القول قوله في جميع القيمة لاختلاف الجهتين. إذا اختلفا فقال صاحب الدابة غصبتنيها وقال الراكب بل أعرتنيها وكانت الدابة قائمة فالقول قول الراكب مع يمينه، وكان حكم هذه المسألة مثل حكم المسألة الأولى سواء فإن كانت الدابة باقية ردت على صاحبها وإن تلفت فإن كان التلف عقيب الأخذ فهو يدعي الغصب وذلك مقر له بقيمة العارية إن كانت مضمونة، فالمقدار واحد لأن وقت الضمان واحد وإن كان التلف بعد مضي مدة فإنه مقر له بقيمة العارية وقت التلف، وهو يدعي قيمة الغصب وهي أكثر ما كانت من وقت القبض إلى حين التلف، فيأخذ قدر العارية

[ 53 ]

وما زاد عليه فعليه البينة، وإلا فعلى المستعير اليمين فأما الأجرة فتكون على الاختلاف الذي ذكرناه. إذا أودعه شيئا ثم تعدى المودع في إخراجه من حرزه فانتفع به ثم رده إلى موضعه، فإن الضمان لا يزول بذلك وإذا استعار منه دابة لير كبها إلى النهروان، فركبها إلى حلوان فإنه يصير ضامنا لها إذا جاوز النهروان، فإذا ردها إلى النهروان لم يزل عنه ضمانها بلا خلاف. إذا أنكر الوديعة وجحدها ثم أقر بها بطل استيمانه بلا خلاف وإذا ثبت أنه ضمنها فإن ردها إلى صاحبها أو إلى وكيله زال عنه الضمان، وإن أبرأه صاحبه من غير أن يردها إلى وكيله أو إليه فإنه يسقط الضمان. وفي الناس من قال: لا يزول يجوز إعارة الأرض للبناء والغراس والزرع لأنه لا مانع منه بلا خلاف. فإذا ثبت ذلك فإن أعاره لبناء أو غراس أو زرع ففعل ما أذن له فيه جاز وإن فعل غير المأذون فيه نظر فإن كان أذن له في الغراس أو البناء فزرع جاز ذلك لأن ضرر الزرع أخف من ضرر الغراس والبناء بلا خلاف، وكذلك إن أذن في زرع حنطة فزرع شعيرا أو غيره جاز لأن ضرر هذه أخف من ضرر الحنطة وإن أذن له في الزرع فغرس أو بنى لم يجز لأن ضرر الغراس والبناء أعظم من الزرع ولا يكون الإذن في القليل إذنا في الكثير وكذلك إذا أذن له في زرع الحنطة فزرع القطن أو الذرة لم يجز لأن ضررهما أعظم من ضرر الحنطة. وإذا أذن له في الغراس فهل له أن يبني أم لا أو أذن له في البناء فهل له أن يغرس؟ قيل فيه وجهان أحدهما ليس له ذلك وهو الصحيح لأن ضرر أحدهما مخالف لضرر الآخر والثاني له ذلك لأن ضررهما متقارب. فإذا تقرر هذا فإنه يجوز أن يطلق الإذن له في ذلك، ولا يقدر المدة لأنه ليس من شرط العارية تقدير المدة بلا خلاف وإن قدر المدة كان جايزا بلا خلاف أيضا وتقديرها أولى وأحوط. فإذا ثبت جوازهما فإن أطلق له وأذن في الغراس والبناء كان له أن يبني ويغرس ما لم يمنعه من ذلك فإذا منعه لم يكن له بعد المنع أن يحدث شيئا من ذلك لأنه إنما

[ 54 ]

جاز له الاستحداث بالإذن فإذا منعه من ذلك سقط الإذن، وإن كانت المدة مقدرة كان له أن يغرس ويبني، ما لم تنقض المدة فإذا انقضت المدة لم يكن له أن يحدث شيئا بعد المنع. إذ تقرر ذلك فإذا غرس أو بنى أو انتفع بساير ما ذكرناه من وجوه الانتفاع الذي ليس له على حسب ما مضى كان متعديا بذلك، وله أن يطالبه بقلعه من غير شئ يضمنه لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس لعرق ظالم حق (1) وروي أن رجلا غصب أرضا لأنصاري وغرس فيها فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله فأمر بقلعها قال الراوي فلقد رأيتها والغروس تعمل في أصولها وإنها لنخل عم (2). فإذا ثبت أن عليه قلعها فإن عليه أجرة المثل إن كان تعدى بذلك من حين تسلم العارية: إن كان تعديه من حين التسليم كانت عليه الأجرة من ذلك الوقت، وإن كان تعدى بعد ذلك بمدة مثل أن يكون منعه من الغرس فخالفه، كانت عليه الأجرة من حين الغراس، لأن ذلك أول وقت التعدي، فإذا قلعها فعليه تسوية الحفر وطمها لأنها حدثت من غير رضى صاحب الأرض. هذا إذا كان متعديا بالغراس وأما إذا لم يكن تعدى بذلك فإنه لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون قد شرط القلع حين أذن له في ذلك، أو لم يشرط، فإن كان قد شرط وجب عليه القلع لأنه أذن له في الغراس بشرط قلعها فإذا قلعها فليس عليه تسوية الأرض من الحفر وطمها لأنه مأذون له فيها، وإن كان لم يشرط عليه القلع كان للمستعير أن يقلعها لأنها ملكه. فأن قلعها فهل عليه تسوية الأرض أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما أن عليه ذلك لأنه قلع غير مأذون له فيه، والثاني ليس له ذلك لأنه إنما أذن له في ذلك على

(1) يروى بالاضافة والوصفية، ومعناه أن من غرس في ملك غيره أو زرع فيه فلصاحب الملك قلعه مجانا من دون ضمان، والحديث رواه أحمد والترمذي وأبو داود ورواه مالك عن عروة مرسلا كما في المصباح: 255. وتراه في التهذيب ج 2 ص 174.
(2) العم - بالفتح والضم - النخل الطوال.

[ 55 ]

أن لصاحب الغرس القلع أي وقت أراد، فإذا كان دخوله في العارية على هذا كان ذلك قلعا مأذونا له فيه كما لو شرط. فأما إذا لم يقلعها المستعير وطالب المعير بالقلع نظر، فإن طالبه بذلك بشرط أن يضمن له ما ينقص بالقلع لزمه قلعها، لأنه لا ضرر عليه في ذلك لأنه يغرم له ما ينقص، فيقوم قايمة ومقلوعة، ويغرم ما بين القيمتين، وإن قال المعير: أنا أغرم لك قيمتها فطالبه بأخذ القيمة كان ذلك له وأجبر المستعير على قبضها، لأنه لا ضرر عليه فيه، وإن قال المستعير: أنا أبقي الغراس وأضمن للمعير قيمة الأرض لم يكن له ذلك. فأما إن طالبه من غير أن يضمن له أرش النقصان وأبى ذلك صاحب الغرس لا يجبر عليه، وفي الناس من قال يجبر عليه ولا يضمن وهو أبو حنيفة، دليلنا قوله عليه السلام ليس لعرق ظالم حق وروت عايشة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال من بنى في رباع قوم بإذنهم فله قيمته، فأما إذا أذن له إلى سنة ثم رجع قبل مضي السنة وطالب بالقلع من غير أن يضمن الأرش فلا يلزمه القلع إلا بعد الضمان بلا خلاف. فأما إذا أعاره أرضا يدفن فيها ميتا فإنه لا يجبر على قلع الميت، فإذا ثبت أنه لا يجبر على القلع من غير ضمان فإنه يعرض عليهما البيع فإن أجابا إلى ذلك بيعت الأرض بغراسها، وكان للمعير من جملة الثمن ما يخص قيمة الأرض وفيها غراس لغيره وللمستعير ما يخص قيمة الغراس في أرض غيره، فيقسم الثمن على قدر القيمتين وإن أبيا البيع قلنا لهما انصرفا فإنه لا حكم لكما عندنا ويمنعهما الحاكم من التواثب والتشاجر. وللمعير أن يدخل الأرض ينتفع بها، أو يقعد تحت الغراس في فيئه غير أنه لا ينتفع بغراسه ولا يشد فيه دابته ولا غيرها. وأما المستعير فليس له أن يدخلها لغير حاجة، فإذا أراد دخولها لحاجة مثل سقي الغراس وغيره مما يتعلق بمصالح غرسه فهل له ذلك أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما

[ 56 ]

ليس له الدخول لأن الانتفاع بالأرض لا يجوز بعد رجوعه من العارية، والثاني له ذلك لأنا إن لم نجعل له الدخول لمصالح الغراس أتلفناه عليه وذلك لا يجوز. فإن أراد المعير بيع الأرض كان له ذلك وإن أراد المستعير بيع الغراس، فإن باعها من المعير صح البيع، وإن باعها من غيره قيل فيه وجهان بناء على الوجهين في الدخول لمصالحها: أحدهما لا يجوز لأنه لا يمكن تسليمه، والآخر له ذلك لأنه يمكن تسليمها وتسلمها والأول أقوى في الموضعين. إذا استعار أرضا للزرع فزرع فيها ثم رجع المعير قبل أن يدرك الزرع وطالبه بالقلع فإنه يجبر على التبقية، لأن الزرع لا يتأبد، وله وقت ينتهي إليه فأجبرناه على التبقية، وفيهم من قال حكمه حكم الغراس سواء. إذا أعاره حائطا ليضع عليه جذوعه فوضعها عليه لم يكن لها أن يطالبه بقلعها على أن يضمن له أرش النقصان، لأنها موضوعة على حائط نفسه، فأحد الطرفين على أحدهما، والطرف الآخر على الآخر، فلو أجبرناه على القلع على هذا الوجه كان ذلك إجبارا على قلع جذوعه من ملكه، وليس كذلك الغرس، لأنها في ملك غيره. إذا أذن له في غرس شجرة في أرضه فغرسها ثم قلعها، فهل يعيد أخرى أم لا؟ فالصحيح أنه ليس له، وقيل: إن له ذلك لأن الإذن قائم ما لم يرجع، وكذلك إذا أعاره حائطا ليضع عليه جذوعا ثم انكسر الجذع فهل له إعادة آخر بدله؟ على هذين الوجهين. إذا كان له حبوب فحملها السيل إلى أرض رجل فنبتت فيها كان ذلك الزرع لصاحب الحب لأنه عين ماله كما قلنا فيمن غصب حبا فزرعه أو بيضا فحضنها عنده وفرخت فإن الزرع والفرخ للمغصوب منه لأنهما عين ماله. إذا ثبت هذا فليس عليه أجرة الأرض لأنها حصلت فيها بغير صنع عنه، وهل لصاحب الأرض أن يطالب صاحب الزرع بقلعه أم لا؟ من الناس من قال الحكم فيه كالحكم في الغراس المأذون له فيه في الأرض المستعارة لأنه غير متعد، ومنهم من قال يجبره على قلعه من غير أرش لأنه لم يأذن له في ذلك كما نقول في شجرة إذا تشعبت أغصانها

[ 57 ]

ودخلت في ملك لغيره فإن لصاحب الملك أن يجبره على قطعها إذا لم يمكن تحويلها من غير قطع، وهذا أقرب إلى الصواب. يجوز استعارة الحيوان الذي فيه منفعة لأنه لا مانع منه وهو إجماع سواء كان مما يجوز إجارته أو لا يجوز، مثل الفحل فإنه يجوز إعارته ولا يجوز إجارته ويجوز إعارة الكلب للصيد والانتفاع به، ويجوز إعارة العبد للخدمة والجارية يجوز إعارتها لامرأة للخدمة ويجوز إعارتها من رجل ذي محرم لها للخدمة و (أما) إعارتها لأجنبي فإن كانت عجوزا لا يرغب في مثلها جاز بلا خلاف، وإن كانت ذات هيئة كره ذلك ولا يجوز إعارتها للاستمتاع بها لأن البضع لا يستباح بالإعارة، وحكي عن مالك جواز ذلك، وعندنا يجوز ذلك بلفظ الإباحة، ولا يجوز بلفظ العارية. يكره استعارة الأبوين للخدمة لأنه يكره استخدامهما، وإن استعارهما ليرفه عنهما ويخفف عن خدمتهما لسيدهما كان ذلك مستحبا. لا يجوز إعارة العارية لأنه لا يملك منافعها بعقد الإجارة، وكذلك لا يجوز إعارتها لأنه إذن له في الانتفاع على وجه مخصوص، وكذلك إذا قدم له طعام ليأكله فله أن يأكل ولا يجوز له أن يلقم غيره ولا أن يزل (1) منه معه، لأنه لم يؤذن له في ذلك، وفي الناس من قال يجوز إعارة العارية كما يجوز إجارة المستأجرة وهو غلط. إذا كان في يد رجل حلال صيد لم يجز للمحرم أن يستعير منه، لأنه لا يجوز له إمساكه، فإن استعاره منه بشرط الضمان ضمنه باليد، وإن تلف في يده لزمه قيمته لصاحبه والجزاء لله. فأما إذا استعاره الحلال من المحرم، وذلك مثل أن يحرم وفي يده صيد قيل فيه قولان: أحدهما أن ملكه يزول عنه فيلزمه تخليته فعلى هذا إذا أخذه المحل كان له ذلك ولا يضمنه إذا تلف لأنه ليس يملك أخذه منه ولا يكون ذلك استعارة والثاني أن ملكه لا يزول وله إمساكه، وليس له قتله ولا بيعه، فعلى هذا يجوز للمحل أن يستعيره

(1) زل الطعام: أخذه معه ليأكل بعد.

[ 58 ]

منه، فإذا تلف في يده لزمه قيمته لصاحبه دون الجزاء والأول أصح إذا كان معه الصيد حاضرا، وإن كان في منزله وفي بلده كان الثاني أصح. إذا استعار من الغاصب المغصوب بشرط الضمان وثبت أنه غصب وتعين صاحبه بأن يقيم البينة على أن العارية ملكه فإن له استرجاعها من يد المستعير، وله أن يطالب الغاصب بالأجرة وأرش ما نقص بالاستعمال، وله أن يطالب المستعير لأنه تلف في يده بغير إذن صاحبه. فإذا غرم المستعير فهل يرجع على المعير بذلك؟ قيل فيه قولان: أحدهما لا يرجع، لأنه اختص بتلف المنافع والأجزاء في يده فاستقر عليه الضمان والثاني يرجع على الغاصب لأنه دخل في العقد على أن لا يكون عليه ضمان الأجرة والأرش فإذا بان أنه مغصوب كان الغاصب غارا له بذلك، فكان له الرجوع به عليه. فأما إذا غرم الغاصب فهل له الرجوع على المستعير؟ مبني على ما ذكرناه فمن قال للمستعير الرجوع إذا غرم، قال لم يكن للغاصب الرجوع، ومن قال ليس له ذلك كان للغاصب الرجوع، والأقوى أن للمستعير الرجوع. هذا إذا كانت العين باقية فإن تلفت في يد المستعير فإن كانت قيمتها وقت التلف أكثر ما كانت فله أن يغرمها من شاء منهما فإن غرمه المستعير لم يرجع على الغاصب وإن غرمه الغاصب لم يرجع على المستعير لأنه دخل على أن يضمن تلك القيمة فلا يكون الغاصب غارا بذلك، وإن كان قيمتها وقت التلف أقل مما كان قبله كان له أن يغرمها أيهما شاء فإذا غرم المستعير لم يرجع بقدر قيمتها وقت التلف، وهل يرجع بالزيادة عليها على الغاصب؟ قيل فيه قولان كما قلناه في الأجرة وأرش الأجزاء لأنه دخل على أن يضمنها كما دخل على أن لا يضمن الأجرة ولزمه الفضل، إن غرم الغاصب هل يرجع بقدر قيمتها وقت التلف والزيادة فمبني على القولين كما مضى. فأما إذا كان استعار من غير شرط الضمان وهو لا يعلم أنه غصب فإنه يرجع على المعير بكل حال عندنا، وإن كان علم أنه غصب فليس له الرجوع عليه بحال. وتجوز إعارة الشاة للحلب والانتفاع بلبنها لقوله عليه السلام " المنحة مردودة " وأراد به الشاة التي تستعار لينتفع بلبنها، ومن الناس من قال لا يجوز كما لا يجوز إجارتها.

[ 59 ]

(كتاب الغصب) تحريم الغصب معلوم بالأدلة العقلية، وبالكتاب والسنة والاجماع، قال الله تعالى " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم (1) " والغصب ليس عن تراض، وقال تعالى " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا " (2) ومن غصب مال اليتيم فقد ظلمه، وقال تعالى: " ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون " وما أشبه ذلك. وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه، وروى الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله قال: حرمة مال المسلم كحرمة دمه، وروى عبد الله بن السائب عن أبيه عن جده عن النبي أنه قال لا يأخذ أحدكم متاع أخيه جادا ولا لاعبا من أخذ عصا أخيه فليردها. وروى يعلي بن مرة الثقفي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من أخذ أرضا بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر وروي عنه عليه السلام أنه قال من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه يوم القيمة من سبع أرضين وروي عنه أنه قال ليأتين على الناس زمان لا يبالي الرجل بما يأخذ مال أخيه بحلال أو حرام، وروي عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال على اليد ما أخذت حتى تؤدي (3). والاجماع ثابت على أن الغصب حرام. فإذا ثبت تحريم الغصب فالأموال على ضربين حيوان وغير حيوان فأما غير الحيوان فعلى ضربين، ما له مثل وما لا مثل له فما له مثل ما تساوت أجزاؤه ومعناه تساوت قيمة أجزائه فكل هذا له مثل كالحبوب والأدهان

(1) النساء: 28.
(2) النساء: 10.
(3) أخرج الفراء البغوي تلك الأحاديث في مصابيحه كما في المشكاة: 255.

[ 60 ]

والتمور والأقطان والخلول التي لا ماء فيها، والأثمار ونحو هذا كله له مثل، فإذا غصب غاصب من هذا شيئا فإن كان قائما رده وإن كان تالفا فعليه مثله، لقوله تعالى " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (1) ولأن مثله يعرف مشاهدة وقيمته تعرف بالاجتهاد وما يعلم يقدم على ما يجتهد فيه ولأنه إذا أخذ المثل أخذ وفق حقه، وإذا أخذ القيمة ربما زاد أو نقص فكان المثل أولى، فإذا ثبت أنه يضمن بالمثل فإن كان المثل موجودا طالبه به واستوفاه، وإن أعوز المثل طالبه بقيمته فإن لم يقبض القيمة بعد الاعواز حتى مضت مدة يختلف فيها القيمة طالبه بقيمته حين القبض، لا حين الاعواز، فإن كان الحاكم قد حكم عليه بقيمته حين الاعواز فتأخر القبض لم يكن له إلا قيمته يوم القبض، ولا يلتفت إلى حكم الحاكم لأن الذي في ذمته المثل، وحكم الحاكم لا يؤثر فيما يتعلق بالذمة. هذا إذا كانت العين تالفة، فأما إذا جنا عليها جناية فنقص منها شئ أو غصب طعاما أو تمرا فتسوس كان عليه أرش ما نقص، ولا يجب عليه المثل لأنه لا مثل لما نقص وكان الضمان بالأرش، فإن غصب ما لا مثل له، ومعناه ما لا يتساوى أجزاؤه أي لا يتساوى قيمة أجزائه فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون من جنس الأثمان أو من غير جنسها، فإن كان من غير جنسها كالثياب والخشب والحديد والرصاص والنحاس والعقار ونحو ذلك من الأواني كالصحاف وغيرها، فكل هذا وما في معناه مضمون بالقيمة، فإذا ثبت أنه مضمون بالقيمة، فإذا تلف كان عليه قيمته، فإن تراخى وقت القبض لم يكن له إلا القيمة التي في ذمته حين التلف، وإن اختلفت القيمة اختلافا متباينا. وأما إذا جنى على هذه جناية فأتلف البعض مثل أن خرق الثوب أو كسر الآنية فعليه ما نقص لا شئ له غيره. هذا إذا كان من غير جنس الأثمان وأما إذا كان من جنس الأثمان لم يخل من

(1) البقرة: 194.

[ 61 ]

أحد أمرين: إما أن يكون مما فيه صنعة أو لا صنعة فيه، فإن كان مما لا صنعة فيه وهو النقرة، فعليه قيمة ما أتلف من غالب نقد البلد. ثم لا يخلو نقد البلد من أحد أمرين. إما أن يكون من جنسه أو من غير جنسه، فإن كان من غير جنسه مثل أن أتلف فضة وغالب نقد البلد دنانير، أو أتلف ذهبا وغالب نقد البلد دراهم، فعليه قيمته من غالب نقد البلد كما لو أتلف ما لا مثل له، وإن كان غالب نقد البلد من جنسه مثل أن أتلف فضة وغالب نقد البلد دراهم، نظرت، فإن كان الوزن والقيمة سواء أخذ وزنها من غالب نقد البلد، وإن اختلفا فكانت قيمتها أكثر من وزنها من غالب نقد البلد أو أقل من وزنها فله قيمتها، ولكنه لا يمكنه أخذ ذلك من غالب نقد البلد، لأنه ربا فيقوم بغير جنسه، ويأخذ قيمته ليسلم من الربا ويأخذ كمال حقه. هذا إذا لم يكن فيها صنعة فأما إذا كان فيها صنعة لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون استعمالها مباحا أو محظورا، فإن كان استعمالها مباحا كحلي النساء، وحلي الرجال، مثل الخواتيم والمنطقة، وكان وزنها مائة وقيمتها لأجل الصنعة مائة وعشرون نظرت، فإن كان غالب نقد البلد من غير جنسها قومت به لأنه لا ربا فيه، وإن كان غالب نقده من جنسها مثل أن كانت ذهبا وغالب نقده نصف قيمتها قيل فيه قولان: أحدهما يقوم بغير جنسها ليسلم من الربا، والصحيح أنها يجوز، لأن الوزن بحذاء الوزن، والفضل في مقابلة الصنعة، لأن الصنعة لها قيمة غير أصل العين بدليل أنه يصح الاستيجار على تحصيلها، ولأنه لو كسره انسان فعادت قيمته إلى مائة كان عليه أرش النقص، فيثبت بذلك أن الصنعة لها قيمة في المتلفات، وإن لم يكن لها قيمة في المعاوضات. وإن كان استعمالها حراما وهي آنية الذهب والفضة قيل فيه قولان أحدهما اتخاذها مباح والمحرم الاستعمال، والثاني محظور لأنها إنما يتخذ للاستعمال فمن قال اتخاذها حرام وهو الصحيح، قال: سقطت الصنعة، وكانت كالتي لا صنعه فيها وقد مضى، ومن قال اتخاذها مباح كانت كالحلي وقد مضى.

[ 62 ]

وأما الحيوان فهو على ضربين آدمي وغير آدمي فأما غير الآدمي فهو كالثياب وما لا مثل له، فإن أتلفها فكمال القيمة، وإن جنى عليها فقيمة ما نقص يقوم بعد الاندمال، فيكون عليه ما بين قيمته صحيحا قبل الاندمال وجريحا بعد الاندمال فهو كالثياب سواء، وإنما يختلفان من وجه واحد، وهو أن الجناية على الثياب لا تسري إلى باقيه، والجناية على البهيمة تسري إلى نفسها، ولا يختلف باختلاف المالكين ولا باختلاف المملوك أو المالك. فإن أتلف بهيمة ففيها ما ذكرنا، سواء كانت للقاضي أو لغير القاضي، وأما المملوك ففيه ما نقص أيضا سواء كان مما ينتفع بظهره دون لحمه كالبغال، أو بلحمه دون ظهره كالغنم والطيور، أو بظهره ولحمه معا كالإبل والبقر، وروى أصحابنا في عين الدابة نصف قيمتها، وفي العينين كمال قيمتها، وكذلك قالوا ا في ساير الأطراف ما في البدن منه اثنان ففيه كمال القيمة. فأما الكلام في الآدميين فهم على ضربين: أحرار وعبيد فإن كان عبدا نظرت فإن قتله ففيه قيمته، وإن زادت على دية الحر لم يلزم أكثر من ذلك، وإن مثل به لزمه قيمته وانعتق عليه. وإن جنى عليه جناية دون التمثيل فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون لها في الحر أرش مقدر أو لا أرش له، فإن كان فيه أرش من الحر مقدر كالأطراف والعينين والموضحة ونحو ذلك ففيه مقدر أيضا من أصل قيمته بحساب قيمته كما يضمن من الحر من ديته، وأما الحارصة والباضعة ففيها بحساب ذلك من دية الحر أيضا لأن هذه مقدرة عندنا في الحر. وأما الأحرار فإن قتل حرا ففيه ديته، وإن جنى عليه نظرت، فإن كان فيها مقدر ففيها ذلك المقدر، وإن لم يكن فيها مقدر ففيه حكومة، وهو أن يقوم لو كان حرا ولا جناية عليه، ثم يقوم وبه جناية، فيلزم بحساب ذلك. إذا جنى على ملك غيره جناية يحيط أرشها بقيمة ذلك الملك كان المالك بالخيار بين أن يمسكه ولا شئ له، وبين أن يسلمه ويأخذ قيمته على الكمال، وذلك مثل أن يقطع يدي العبد أو رجليه أو يقلع عينيه، وما أشبه ذلك، وإن جنى على ذلك جناية

[ 63 ]

لا يأتي على جميع ثمنه كان للمالك المطالبة بالأرش إما مقدرا أو حكومة على ما مضى ويمسك الملك. إذا غصب جارية فزادت في يده بسمن أو صنعة أو تعليم قرآن فزاد لذلك في ثمنها ثم ذهب عنها ذلك في يده حتى عادت إلى الصفة التي كانت عليها حين الغصب، كان عليه ضمان ما نقص في يده، وهكذا لو غصب حاملا أو حائلا فحملت في يده أو أسقطت فنقص بذلك ثمنها ضمن. فأما إذا كان لزيادة سوق فلا يضمن بلا خلاف، وذلك مثل أن يغصب جارية قيمتها مائة فزادت السوق فبلغت ألفا ثم رجعت إلى مائة لا ضمان بلا خلاف، فإذا تقرر أنه يضمن الزيادة فالتفريع عليه: إذا غصبها فساوت مائة فسمنت حتى بلغت ألفا ثم هزلت حتى عادت إلى المائة فعليه ردها وما نقصت وهو تسعمائة، لأن الزيادة حدثت مضمونة وهكذا لو كانت تساوي مائة فتعلمت القرآن فبلغت ألفا ثم نسيت وعادت إلى مائة ردها وتسعمائة لأن الزيادة وإن كانت أثرا فقد حدثت مضمونة، فإذا ذهبت في يده كان عليه الضمان. فإن كانت تساوي مائة فسمنت فبلغت ألفا وتعلمت القرآن فبلغت ألفين، ثم هزلت وعادت إلى مائة ردها وما نقصت وهو ألف وتسعمائة لأنهما زيادتان يضمن كل واحد منهما على الانفراد فإذا اجتمعتا ضمتا. وإذا زادت ثم نقصت، ثم زادت بعد النقصان لم تخل الزيادة بعد النقصان من أحد أمرين إما أن يكون من جنس الأول أو من غير جنسه، فإن كانت من غير جنس الأول مثل أن سمنت فبلغت ألفا ثم هزلت فعادت إلى مائة ثم تعلمت القرآن فبلغت ألفا، فإنه يردها وقيمتها ألفا، ويضمن ما نقصت بالهزال. وهكذا لو تعلمت القرآن فبلغت ألفا ثم نسيت فبلغت مائة ثم سمنت فبلغت ألفا فإنه يردها وما نقصت، لأن الزيادة حدثت مضمونة فضمنها بالتلف في يده، ثم زادت من وجه آخر فكان عليه ردها بزيادتها وضمان النقصان، فيردها وقيمتها ألف ويرد معها تسعمائة

[ 64 ]

وإن كانت الزيادة من جنس الأول مثل أن سمنت فبلغت ألفا ثم هزلت فعادت إلى مائة سمنت فعادت إلى الألف أو تعلمت القرآن فبلغت ألفا ثم نسيت فعادت إلى مائة ثم تعلمت القرآن فعادت إلى الألف قيل فيه وجهان: أحدهما لا يضمن شيئا بل يردها بحالها لأنه عاد إلى المغصوبة ما ذهب منها فلا ضمان عليه مثل رجل غصب عبدا فأبق وأخذنا قيمته منه، ثم رجع العبد فإنه يرده إلى سيده ويسترجع القيمة. والوجه الثاني عليه الضمان لأن هذا السمن غير الأول وهذا التعلم غير الأول فكان عليه ضمان الأول والأول أقوى لأن الأصل براءة الذمة، فمن قال يضمن الأول فالحكم فيه كالجنسين وقد مضى. ومن قال يسقط ضمان الأول نظرت فإن عادت إلى الألف ردها بحالها ولا شئ عليه وإن اختلف ذلك فعادت إلى الأقل أو الأكثر دخل الأقل في الأكثر مثل أن بلغت بالسمن ألفا ثم عادت إلى مائة فعليه تسعمائة فإن سمنت وبلغت خمسمائة ردها وخمسمائة لأنه عاد من النقصان تسعمائة أربعمائة، فكان عليه خمسمائة وإن عادت إلى الألف وأكثر ردها بحالها ولا شئ عليه. فإن غصب جارية سمينة مفرطة السمن قيمتها لفرط سمنها مائة فهزلت وحسنت فصارت تساوي ألفا أو لم ينقص من قيمتها شئ ردها بحالها ولا شئ عليه، وهكذا لو غصبها وقيمتها ألف فسمنت فرجعت إلى مائة ثم هزلت فعادت إلى ألف ردها ولا شئ عليه لأنه ما نقص منها ما له قيمة فلم يضمن شيئا. ولو غصب عبدا قيمته ألف فخصاه فبلغ ألفين رده وقيمة الخصيتين، لأنه ضمان مقدر المنافع تضمن بالغصب كالأعيان سواء وجملته أن كل منفعة تضمن بعقد الإجارة فإنها تضمن بالغصب كمنافع الدار والدابة والعبيد والثياب المقبوض عن بيع فاسد (فإنه) لا يملك بالبيع الفاسد ولا ينتقل به الملك بالعقد، وإذا وقع القبض لم يملك به أيضا لأنه لا دليل عليه، وإذا لم يملك به كان مضمونا.

[ 65 ]

فإن كان المبيع قائما رده، وإن كان تالفا رد بدله، إن كان له مثل، وإلا قيمته لأن البايع دخل على أن يسلم له الثمن المسمى في مقابلة ملكه فإذا لم يسلم له المسمى اقتضى الرجوع إلى عين ماله، فإذا هلكت كان له بدلها، وكذلك العقد الفاسد في النكاح يضمن المهر مع الدخول، وكذلك الإجارة الفاسدة، الباب واحد. فإذا ثبت هذا فالكلام في الأجرة والزيادة في العين فأما الأجرة فلا يخلو المبيع من أحد أمرين إما أن يكون له منافع أو لا يكون، فإن لم يكن له منافع يستباح بالإجارة كالغنم والشجر والطير لم يضمن الأجرة لأنه لا منافع لها، وإن كان لها منافع يستباح بالإجارة كالعقار والثياب والحيوان ونحو ذلك، فعليه أجرة المثل مدة بقائها عنده، لأن المشتري دخل على أن يكون له ملك الرقبة، والمنافع حادثة في ملكه بغير عوض، فإذا كان العقد فاسدا كان المنافع حادثة في ملك البايع لأن المشتري ما ملك الرقبة وإذا كانت في ملك البايع والمشتري قد استوفاها بغير إذن مالكها بغير حق، كان عليه ضمانها. وإنما قلنا إنه لا يملك بالعقد الفاسد لأنه إذا كان المبيع عبدا والبيع فاسدا فقال له البايع: أعتق عبدك أيها المشتري فأعتقه لم ينفذ عتقه لأنه غير مالك. هذا الكلام في المنافع فأما الكلام في الزيادة كالسمن وتعليم الصنعة والقرآن فهل يضمنها القابض أم لا فالصحيح أنه يضمنها، وفي الناس من قال: لا يضمن ذلك الحادث. فمن قال الزيادة مضمونة فالحكم فيها كالحكم في الغصب وقد فصلناه ومن قال لا يضمن الزيادة يقول يكون أمانة، فإن تلف بغير تفريط فلا ضمان: فلو قبضها وقيمتها مائة فسمنت وبلغت ألفا ثم ماتت، فإنه يحدث ما زاد في القيمة لأجل الزيادة، وعليه بعد ذلك أكثر ما كانت قيمته من حين القبض إلى حين التلف. من غصب جارية حاملا ضمنها وحملها معا، وولد المشتراة شراء فاسدا مثل ذلك وفي الناس من قال لا يضمن. إذا غصب جارية فوطئها الغاصب لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يكونا جاهلين بالتحريم أو عالمين، أو أحدهما جاهلا والآخر عالما، فإن كانا جاهلين لقرب عهدهما

[ 66 ]

بالاسلام، أو لبعدهما من بلاد الاسلام، ويعتقدون الملك بالمغصوب فإن الوطئ لم يكن حراما ولا حد عليهما، لقوله عليه السلام: " ادرؤا الحدود بالشبهات " والمهر واجب لأنه وطي بشبهة، فإن كانت ثيبا فلا شئ عليه سوى المهر، وإن كانت بكرا فعليه أرش البكارة وقيل إنه عشر قيمتها، رواه أصحابنا. وكذلك الحكم لو افتضها بأصبعه لزمه أرش البكارة وإذا جمع بينهما وجبا معا وعليه أجرة مثلها من حين القبض إلى حين الرد، لأن المنافع تضمن بالغصب على ما بيناه. هذا إذا لم يحبلها، فأما إذا أحبلها، فالحكم في الحد والمهر والأرش على ما مضى وأما الولد فنسبه لاحق بالواطي، لأنه أحبلها بوطي شبهة، فيكون الولد حرا، فإذا وضعت فعليه ما نقصت بالوضع، لأنها مضمونة باليد الغاصبة، ولأن سبب النقص كان منه فلزمه ضمان ما نقصت. فإذا ولدت لم يخل من أحد أمرين إما أن تضعه حيا أو ميتا، فإن وضعته حيا فعليه قيمته لأنه كان من سبيله أن يكون مملوكا لسيدها، وإذا حررناه وجب عليه قيمته ووقت التقويم يوم يسقط حيا لأنه الوقت الذي حال بين السيد وبين التصرف فيه لأنه قبل ذلك لم يملك التصرف فيه. وإن خرج ميتا فلا ضمان عليه لأنه لا يعلمه حيا قبل هذا ولأنه ما حال بينه وبين سيده في وقت التصرف. هذا إذا وضعته لغير سبب، فأما إذا ضرب أجنبي بطنها فألقت الجنين ميتا، فعلى الضارب الضمان لأنها لما ألقته عقيب الضرب، كان الظاهر أنه سقط بجنايته، ويفارق إذا سقط لنفسه لأن الأصل الموت حتى يعلم غيره. فإذا ثبت أن عليه الضمان فعليه دية الجنين وهو عشر دية أمه لو كانت حرة، و يكون ذلك ميراثا للغاصب لأنه أبوه، فكان ميراثا له، ولا يرث الأم منه شيئا لأنها مملوكة وللسيد على الغاصب ما في الجنين المملوك إذا سقط ميتا بالجناية وهو عشر قيمة أمه لأنه كان من سبيله أن يكون مملوكا، ويكون لسيده على الجاني عشر قيمة أمه، فلما صيره الغاصب حرا حول ما كان يجب (على يده) لسيده على الجاني إلى نفسه

[ 67 ]

وأوجبنا لسيد هذا الجنين عشر قيمة أمه. فيكون للغاصب على الجاني دية جنين حر، وللسيد على الغاصب ما في الجنين المملوك عشر قيمة أمه، فيقابل بينهما، فإن كانت القيمة والدية سواء أخذ الغاصب من الجاني ذلك وأعطاه السيد، وإن كانت القيمة أكثر أخذ الغاصب من الجاني الدية وسلمها إلى السيد ولم يلزمه أكثر منه عندنا، وإن كانت القيمة أقل أخذ الدية من الجاني ودفع قدر القيمة منها إلى السيد وكان الفضل للغاصب. وأما الجارية فإن كانت قائمة ردها وما وجب عليه مع ردها من مهر وأرش وأجرة ونقصان ولادة، وإن كانت تالفة فعليه ثمنها أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين الرد، و يدخل في هذه القمية أرش البكارة وما نقصتها الولادة لأنا قد ضمناه أكثر ما كانت قيمته فدخل فيها هذان الأمران. وأما إذا كانا عالمين بالتحريم فالحد واجب لأنه زنا صريح وإن كانت بكرا فعليه أرش البكارة لأنه إتلاف جزء، وعليه أجرة مثلها من حين القبض إلى حين الرد، فأما المهر نظرت فإن كانت مكرهة فلها المهر لأن المكرهة عندنا لها المهر، وإن طاوعته فلا مهر لها لأنها زانية، وفي الناس من قال لها المهر لأنه حق لسيدها فلا يسقط ببذلها كما لو بذلت يديها للقطع فقطعتا كان عليه الضمان. هذا إذا لم يحبلها وأما إن أحبلها فلا يلحق النسب لأنه عاهر لقوله عليه السلام: " وللعاهر الحجر ". وهو مملوك لأنها علقت من زنا فإذا وضعته فعليه ما نقصت بالولادة. وأما الولد فلا يخلو من أحد أمرين إما أن تضعه حيا أو ميتا فإن وضعته حيا فهو مملوك مغصوب في يده مضمون عليه، فإن كان قائما رده، وإن كان تالفا فعليه قيمته أكثر ما كانت قيمته من حين الوضع إلى حين التلف وإن وضعته ميتا قال قوم عليه قيمة الولد، وفيهم من قال: لا قيمة عليه، وهو الصحيح لأنا لا نعلم حياته. وأما إن ضرب أجنبي بطنها فألقت هذا الجنين، فعليه عشر قيمة أمه لسيدها لا حق للغاصب فيه، والفصل بينه وبين الحر أن الواجب في الحر الدية فلهذا كان ميراثا للواطي، فأما الأمة إن كانت قائمة ردها وما نقصت، وما وجب من مهر وأجرة وأرش،

[ 68 ]

وإن كانت تالفة رد بدلها، ومعها جميع ما يجب رده إذا كانت حية، إلا شيئين أرش البكارة وما ينقصها الولادة، لأن هذا دخل تحت قيمتها، لأنا نوجب عليه أكثر ما كانت قيمتها من حين الغصب إلى حين التلف. فأما إذا كان أحدهما عالما والآخر جاهلا نظرت فيه، فإن كانت عالمة وهو جاهل فإما أن يكرهها أو تطاوعه، فإن أكرهها فالحكم فيه كما لو كانا جاهلين، وقد مضى، وإن طاوعته فالحكم فيه كما لو كانا جاهلين إلا في فصلين: وجوب الحد عليها وسقوط المهر، وإن كان عالما وهي جاهلة، فالحكم فيه كما لو كانا عالمين إلا في فصلين سقوط الحد عنها و وجوب المهر. وإذا باعها الغاصب فوطئها المشتري فالكلام فيها في ثلاثة فصول فيما يجب من الضمان وفيمن يطالب به، وفي حكم الرجوع. أما الواجب فعلى المشتري من الغاصب ما على نفس الغاصب من ضمان وحد، على ما فصلناه حرفا بحرف، ولا فصل بينهما أكثر من أن المشتري أدخل في الجهالة من الغاصب لأنه قد يشتري ما لا يعلمه مستحقا ثم تبين كونه مستحقا، وأما الضمان فللسيد أن يرجع على الغاصب بما وجب عليه بفعله وحده، لا يرجع به على المشتري، وكل ما وجب بفعل المشتري من أرش بكارة ونقص ولادة وقيمتها إن تلفت وقيمة الولد والمهر والأجرة فللسيد أن يرجع على من شاء منهما أما المشتري فيرجع عليه به لأنه وجب بفعله وأما الغاصب فيرجع به عليه لأنه سبب يد المشتري. وأما الكلام في الرجوع نظرت فإن رجع على المشتري بذلك، فهل يرجع المشتري (به) على الغاصب أم لا؟ فإن كان المشتري قد دخل مع العلم بالحال لم يرجع على أحد بشئ، لأنه غر نفسه. وإن كان مع الجهل بالحال فكلما دخل المشتري على أنه يملكه ببدل وهو أرش البكارة ونقصان الولادة وقيمتها إن ماتت لا يرجع به على الغاصب، لأنه قد دخل على أنه مضمون عليه بالثمن فإذا تلفت في يده استقر الثمن عليه. وكلما دخل على أنه يستوفيه من ملكه لا يقابله الثمن نظرت فإن كان لم يحصل

[ 69 ]

عنه بدل عاد بعضه إليه، وهو قيمة الولد لأن الولد فايدة ملكه لكنه ضمن قيمته ولم يعد إليه في مقابلته نفع، لأن الولد مؤنة بلا معونة، فههنا يرجع به عليه بأنه غرم ما لم يحصل له في مقابلته فايدة بسبب فعل الغاصب، فكان له الرجوع عليه به، وإن كان مما لا يملك بالثمن لكنه حصل له في مقابلة ما غرم بدل وهو المهر، فإنه حصل له الوطي وعدم المهر، وكذلك أجرة غرمها في مقابلة ما حصل له من الاستخدام، فهل يرجع به على الغاصب أم لا، قيل فيه قولان: أحدهما يرجع به عليه لأنه غره، والآخر لا يرجع به عليه، لأنه إن كان غره فقد انتفع بالوطي والاستخدام، وهذا أقوى. فأما إذا رجع على الغاصب فهل يرجع الغاصب على المشتري أم لا؟ يبنى على حكم الرجوع، فكل موضع قلنا: لو رجع على المشتري فالمشتري يرجع على الغاصب، فالغاصب ههنا لا يرجع على المشتري، وكل موضع قلنا: لو رجع على المشتري لم يرجع على الغاصب، فالغاصب يرجع ههنا على المشتري، لأن الضمان استقر عليه. إذا غصب ثوبا لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يبقى في يده مدة لمثلها أجرة من غير نقص، أو ينقص في يده من غير مدة، أو يجتمع النقص والمدة معا، فإن بقي في يده مدة من غير نقص مثل إن كان ثوبا لا يذهب أجزاؤه بالاستعمال كالزلي (1) وغيره أو كان مما يذهب أجزاؤه لكنه ما استعمله فعليه أجرة المثل، لأن المنافع تضمن بالغصب. وأما إذا نقص من غير مدة مثل أن كان ثوبا ينقص إذا نشر، فنشره في الحال فنقص كالدبيقي والشاهجاني (2) ونحو ذلك أو كان شربا (3) فقطع تنوزه في الحال فعليه

(1) الزلي والزلية، معرب زيلو بالفارسية، وهو بساط كثيف من قطن.
(2) الدبيقي منسوب إلى دبيق من بلاد مصر، ينسب إليه الثياب الدبيقي وكان في نهاية اللطافة، والشاهجاني منسوب إلى شاه جان وهي ولاية واسعة في خراسان.
(3) الشرب - بالفتح - ثوب من كتان رقيق كان يعمل في مصر تنوزه أقطاعه.

[ 70 ]

ما نقص، لأنه نقصان جزء من العين المغصوبة، ولا أجرة، لأنه ما بقي عنده مدة لمثلها أجرة. وأما إن اجتمع الأمران معا، مثل أن أقام في يده شهرا ونقص بعض الأجزاء، لم يخل من أحد أمرين: إما أن ينقص بغير استعمال أو تحت الاستعمال، فإن ذهبت الأجزاء بغير استعمال مثل أن قطع استعماله وأقام عنده مدة بغير الاستعمال، أو استعمال لم ينقص به الأجزاء ولا شئ منها فعليه الأجرة لأنه فوت المنفعة وعليه ضمان الأجزاء، لأنها تلفت ولو بغير استعمال، فهو كما لو غصب جارية سمينة فبقيت عنده شهرا فهزلت فعليه أجرة مثلها وما نقص من ثمنها. وأما إن ذهبت الأجزاء تحت الاستعمال مثل أن كان ثوبا فلبسه فاستحق (1) ونحو هذا، فهل يضمن الأجرة والأجزاء معا أم لا؟ منهم من قال لا يضمن الأمرين معا، لكن يدخل الأقل في الأكثر، فإن كانت الأجرة أقل دخلت في ضمان وإن كان ضمان الأجزاء أقل دخل في الأجرة لأنهما وجبا بسبب واحد، كرجل اكترى دارا فسكنها شهرا فنقصت أجزاؤها فإنه لا يضمن الأجزاء وإنما يضمن الأجرة، والصحيح أنه يضمن الأمرين معا: أجرة المثل، وما نقص من الأجزاء، لأن كل واحد منهما يضمن على الانفراد، بدليل أنها لو بقيت في يده مدة لمثلها أجرة من غير نقصان جزء كان عليه الأجرة ولو ذهبت الأجزاء من غير استعمال كان عليه ضمانها فثبت أن كل واحد منهما منفصل عن الآخر، فوجب ضمانهما معا. فإذا ثبت أنه يلزمه الأمران، فبقيت عنده شهرا فعليه أجرة مثلها شهرا. وأما أرش النقص، فللمالك ما بين قيمته صحيحا يوم غصبه وقيمته (2) وقد أبلاه لأن الأجزاء ذهبت في يد الغاصب، والغصب إذا تلف كان على الغاصب أكثر ما كانت قيمته من حين الغصب إلى حين التلف، وما كان بعد البلى فلا يراعى فيه نقصان قيمة ولا زيادة قيمة، لأن المغصوب بعد البلى بحاله، فلا يضمن الغاصب قيمة زيادة السوق

(1) يعني بلى وخلق افتعال من السحق.
(2) وقيمة مثلها خ ل.

[ 71 ]

مع بقاء الغصب، ولا بعد تلف الغصب، كما لو غصب ثوبا فتلف فلا يعتبر ما يعتبر من قيمته بعد تلفه، كذلك لا يراعى قيمة ما تلف من الأجزاء بعد التلف. فإذا ثبت هذا تفرع على هذا فرعان: أحدهما إن اختلف الغاصب والمالك فقال الغاصب كانت القيمة زائدة وقت البلى وقال المالك قبل وقت البلى، فالقول قول الغاصب، لأن الأصل براءة الذمة. الثاني لو كان الغصب ثوبا فتلف وطولب بالقيمة، فاختلفا، وقد كانت القيمة زادت في وقت، فقال المالك قبل التلف فلي الزيادة، وقال الغاصب بل زيادة السوق بعد التلف فلا ضمان علي، فالقول قول الغاصب لمثل ما قلناه. وأما إذا باعه الغاصب فحصل الثوب عند المشتري، فالكلام في ثلاثة فصول أيضا في الواجب، وفي الذي يضمن الواجب، وفي الرجوع بالضمان. فالواجب على المشتري ما على الغاصب سواء على ما فصلناه، لأنه قبض مضمونا، والكلام فيمن يضمن، فالمالك يرجع على الغاصب بما وجب بفعله، لا يرجع بذلك على غيره، والذي وجب بفعل المشتري فهو بالخيار بين أن يرجع عليه لأنه سبب يد المشتري، ولا يرجع المالك بما تلف في يد الغاصب على المشتري. وأما الكلام في الرجوع، فإن رجع على المشتري نظرت، فإن غرم المشتري ما دخل على أنه عليه ببدل وهو نقصان الأجزاء، لم يرجع بذلك على الغاصب، لأنه دخل على أن الأجزاء عليه ببدل، وإن كان غرم ما دخل على أنه له بغير بدل وقد حصل في مقابله نفع وهو أجرة الخدمة، فهل يرجع بذلك على الغاصب أم لا؟ فيه قولان أحدهما يرجع لأنه غرم، والثاني لا يرجع وهو الأقوى، لأنه وإن غرم فقد انتفع بالاستخدام. وإن رجع على الغاصب، فهل يرجع على المشتري؟ فمن قال: لو رجع على المشتري لم يرجع المشتري على الغاصب فالغاصب ههنا يرجع عليه، ومن قال لو رجع على المشتري رجع المشتري على الغاصب، فالغاصب ههنا لا يرجع على المشتري، لأن الضمان على الغاصب.

[ 72 ]

إذا غصب ثوبا قيمته عشرة دراهم، فزادت قيمته لزيادة السوق، فبلغت عشرين ثم عادت قيمته إلى عشرة أو دونها نظرت، فإن هلك الثوب قبل الرد، فعليه قيمته أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التلف، وإن لم يتلف وكان قائما بحاله رده ولا يرد ما نقص من القيمة لأنه لا دليل عليه والأصل براءة الذمة. وإن غصب ثوبا فشقه بنصفين فتلف أحدهما كان عليه رد الباقي منهما، وعليه قيمة التالف أكثر ما كانت قيمته من حين الغصب إلى حين التلف، لأنه لو تلف كله كان عليه أكثر ما كانت قيمته إلى حين التلف، ثم لا يخلو الثوب من أحد أمرين: إما أن يكون مما لا ينقص بالشق، أو ينقص به، فإن كان مما لا ينقص به كالثياب الغليظة رده ولا شئ عليه غير قيمة التالف، وإن كان مما ينقص بالشق كالقصب (1) والدبيقي وغير ذلك، فعليه رده وما نقص بالشق، فيكون عليه أكثر ما كانت قيمة التالف، ويرد الباقي وما نقص بالشق، لأن نقصانه بالشق كان بجناية عليه، فلهذا ضمن الأمرين معا. إذا غصب خفين قيمتهما عشرة فتلف أحدهما وكانت قيمة الباقي ثلاثة، رده وقيمة التالف خمسة، وما نقص بالتفرقة وهو درهمان، فيرد الباقي ومعه سبعة، وفي الناس من قال يرد خمسة، دون نقصان التفرقة، لأنه لم يجن عليه والأول أصح، لأن التفرقة جناية منه، فلزمه ما نقص بها. وإذا غصب دابة أو دارا سكنها أو لم يسكنها ركبها أو لم يركبها ومضت مدة يستحق لمثلها الأجرة، لزمه ذلك، فإن غصب عصيرا فصار خمرا ثم حال خلا رد الخل بحاله، وليس عليه بدل العصير، لأن هذا عين ماله، وكذلك إذا غصب حملا فصار كبشا، رده بعينه بدل الحمل، وفي الناس من قال: يرد الخل وبدل العصير وليس بشئ. فإذا قلنا يرد الخل نظر، فإن كانت قيمته قيمة العصير أو أكثر رده ولا شئ عليه وإن كان أقل من ذلك رده وما نقص من قيمة العصير.

(1) القصب: ثياب رقاق ناعمة من كتان.

[ 73 ]

إذا أكره امرأة على الوطي فعليه الحد لأنه زان، ولا حد عليها، وأما المهر فيجب عليه حرة كانت أو أمة فإن كانت حرة وجب لها، وإن كانت أمة وجب لسيدها، فاعتبار المهر لها: متى سقط الحد عنها، فلها المهر زانيا كان الواطي أو غير زان، ومتى وجب عليها الحد فلا مهر زانيا كان الواطي أو غير زان، فإن كانا جميعا زانيين فلا خلاف في سقوط المهر وفي الأول خلاف: السارق يقطع ويغرم ما سرق. إذا غصب أرضا وغرس فيها غراسا فعليه نقله، ورد الأرض فارغة من الغراس لقوله عليه السلام " ليس لعرق ظالم حق " وعليه أجرة مثلها من حين القبض إلى حين الرد، لأن المنافع تضمن بالغصب، وعليه ما نقصت الأرض بالقلع، وعليه تسوية الأرض كما كانت. يصح غصب العقار ويضمن بالغصب، فإذا غصب العقار وحصلت يده عليه، فبيع المالك له لا يصح، لأن يده ليست عليه، ولو كان محبوسا ثم باع عقاره يصح لأن حبسه لا يزيل يده عنه، ولو انهجم على دار غيره ولم يكن صاحبها فيها، كان غاصبا ضامنا، وإن كان صاحبها فيها ضمن نصفها، ولا يملك شيئا منها، لأن يد صاحبها لم يزل عنها. ولو مد زمام الناقة من مكان إلى مكان، فإن لم يكن صاحبها عليها ضمنها، وإن كان صاحبها عليها لم يضمنها لأنه لم يزل يده عنها. إذا غصب أرضا وحفر فيها بئرا كان للمالك مطالبته بطمها، لأن على رب الأرض ضررا في ترك طمها، فإذا رد التراب إليها وطمها نظرت، فإن لم ينقص قيمة الأرض فعليه أجرة مثلها إلى حين الرد، وإن نقصت فعليه أجرة المثل وما نقصت. وإذا أراد الغاصب طم البئر كان له ذلك، رضي المالك أو لم يرض، لأنه حفر في ملك غيره فلا يأمن أن يقع فيه انسان أو بهيمة، فيلزمه ضمانها. هذا إذا لم يبرئه المالك من ذلك، فأما إن أبرأه المالك من ضمان ما يتعلق به من هذه البئر، فهل يبرء أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما لا يبرء لأنه إبراء عما لا يجب لأن معناه ضمان ما يقع فيها، ولأنه إبراء عما يستحق الغير، والآخر أنه يصح

[ 74 ]

الابراء وهو الصحيح لأن الغاصب إنما جنى بالحفر، والحفر نقص حصل على المالك فإذا أبرأه منه كان سقوط الضمان عنه فيما يقع فيها تبعا لحفره وإزالة الضمان عنه بالتعدي، فكأنه حفرها ابتداء بأمره، فسقط الضمان عنه تبعا للأصل. فإذا ثبت أنه يبرأ نظر فإن كان الغاصب له غرض في رد التراب إليها مثل أن كان نقله عنها إلى ملك نفسه، أو ملك غيره وغير مالكها، أو إلى طريق المسلمين كان له الرد، لأن فيها غرضا من دفع الضرر عن نفسه أو عن غيره، وإن لم يكن له غرض مثل أن يكون نقل التراب إلى ملك المالك إلى طرف هذه الأرض أو إلى غيرها لم يكن له الرد، لأنه لا غر ض له فيه، كما لو غصب نقرة فطبعها دراهم، فأراد أن يسبكها ويردها نقرة، لم يكن له، لأنه لا غرض له فيه إذا رضى صاحبها بذلك. إذا غصب دارا فجصصها وزوقها كان للمالك مطالبته بنقله عنها، لأنه شغل ملك غيره بملكه، وإن لم يطالب بذلك وأراد الغاصب النقل كان له، لأنه عين ماله وضعها في ملك غيره، فكان له تحويلها عنه، ومتى قلع الغاصب ذلك بمطالبة أو غير مطالبة نظرت فإن لم ينقص الدار عما كانت عليه قبل التزويق فعليها أجرة مثلها من حين الغصب إلى حين الرد، وإن نقص كان عليه أرش النقص والأجرة معا. وإن طالب رب الدار بالنقل، فقال الغاصب له: قدر وهبت لك مالي فيها من التزويق فهل عليه القبول أم لا؟ قيل فيه وجهان: أحدهما عليه القبول، لأنه متصل بملكه كالثوب إذا قصره، فإنه يرده ببياضه، والآخر لا يجب عليه القبول، لأنها غير ماله بحالها، مثل أن وهب له طعاما في داره فإنه لا يلزمه القبول، وهذا أقوى لأن الأصل براءة الذمة من وجوب قبوله، فمن قال لا يلزمه فالحكم فيه كما لو لم يهب له ذلك ومن قال يلزمه قبوله كانت الدار بتزويقها ملكا له ويكون على الغاصب أجرة مثلها إلى حين الرد لا غير. إذا غصب أرضا فنقل ترابها مثل أن قشط (1) التراب عن وجهها وحوله عنها، كان

(1) قشطه عنه: أزاله ونزعه وقلعه وكشطه وقشط لغة تميم وأسد، وكشط لغة قيس

[ 75 ]

للمالك مطالبته برد التراب، لأنه حول ملكه عن ملكه، فكان له المطالبة برده، ولأن على رب الأرض ضررا. فإذا رد التراب نظرت، فإن كلفه ربها أن يفرشه فيها كالذي كان، لزمه الفرش وإن منعها ربها من الفرش لم يكن له الفرش بل يترك فيها قائما إلا أن يكون للغاصب غرض في فرشه مثل أن كان فيها حفر يخاف أن يعثر بها انسان أو بهيمة فيتلف فيلزمه أرشها فحينئذ له فرشه فيها، فإذا فعل ذلك فعليه أجرة مثلها من حين الغصب إلى حين الرد والفرش معا، وإن كانت ناقصة عما كانت عليه فعليه أرش النقص، وإن لم يكن نقص لم يلزمه غير الأجرة. هذا إذا طولب بالرد، فأما إن أراد الرد من غير مطالبة، فهل له ذلك أم لا؟ نظرت فإن كان له غرض في الرد رده، مثل أن يكون نقله إلى طريق المسلمين أو إلى ملكه أو إلى ملك غيره، وأراد رده إليها، فالحكم على ما مضى من الفرش والترك والأجرة والنقص، وإن لم يكن له غرض في الرد مثل أن كان التراب منقولا إلى ملك مالكها لم يكن له الرد، لأنه لا غرض له فيه. إذا غصب جارية فهلكت فعليه أكثر ما كانت قيمتها من حين الغصب إلى حين التلف، فإن اختلفا في مقدار القيمة فقال سيدها عشرون وقال الغاصب عشرة، فالقول قول الغاصب مع يمينه، لأن الأصل براءة ذمته، ولقوله عليه السلام " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " والغاصب منكر. وهكذا لو اختلفا في الجنس فقال غصبتني عبدا، وقال الغاصب بل ثوبا، فالقول قول الغاصب، إلا أن الغاصب يعترف بالثوب، والمدعي لا يدعيه، ويدعي عبدا والمدعى عليه ينكره، فكان القول قول المدعى عليه، فإن كان مع المدعي بينة نظرت فإن شهدت بأن قيمتها ألف درهم قضينا بها لأنها شهادة بمعلوم وإن شهدت بأن قيمتها أكثر من ألف لم يحكم بها لأنها شهادة بمجهول، وإن لم تشهد بالقيمة لكنها تشهد بالصفة وتضبط الصفة، قومت بالصفة التي شهدت بها. وقيل: إنها لا تقوم على الصفة لأنها لا يضبط، لأنه تكون الجاريتان على

[ 76 ]

صفة واحدة ولون وسن وبينهما كسر في القيمة، لما يرجع إلى العقل والروح واللسان ولا يضبط إلا بالمعاينة، وهذا أقوى. وإن اختلفا فقال الغاصب كانت معيبة برصاء جذماء وغير ذلك، فالقول قول المالك لأن الأصل السلامة والغاصب يدعي خلاف الظاهر، فكان القول قول السيد، وفي الناس من قال: القول قول الغاصب لأن الأصل براءة ذمته والأول أقوى. فإن كانت بالعكس من هذا فقال السيد كانت صانعة أو تقرأ القرآن فأنكر الغاصب فالقول قول الغاصب، لأن الأصل أن لا صنعة ولا قراءة وفيهم من قال القول قول السيد لأنه أعرف بصفة ملكه، والأول أصح، لأنه وإن كان أعرف به فلا يقبل قوله على الغاصب في إيجاب حق عليه مما لا يعلم أصله. إذا غصب منه مالا مثلا بمصر فلقيه بمكة فطالبه به لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون لنقله مؤنة أو لا مؤنة لنقله، فإن لم يكن لنقله مؤنة كالأثمان فله مطالبته به سواء كان الصرف في البلدين متفقا أو مختلفا لأنه لا مؤنة في نقله في العادة، والذهب لا يقوم بغيره، والفضة لا يقوم بغيرها، إذا كانا مضروبين. وإن كان لنقله مؤنة لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون له مثل، أو لا مثل له فإن كان له مثل كالحبوب والأدهان نظرت، فإن كانت القيمتان في البلدين سواء، كان له مطالبته بالمثل، لأنه لا ضرر عليه في ذلك. وإن كانت القيمتان مختلفتين، فالحكم فيما له مثل وفيما لا مثل له سواء فللمغصوب منه إما أن يأخذ من الغاصب بمكة قيمته بمصر، وإما أن يدع حتى يستوفي ذلك منه بمصر لأن في النقل مؤنة والقيمة مختلفة فليس له أن يطالبه بالفضل، فإن صبر فلا كلام، وإن أخذ القيمة ملكها المغصوب منه، ولم يملك الغاصب ما غصب، لأن أخذ القيمة لأجل الحيلولة لا بدلا عن المغصوب كما لو غصب عبدا فأبق فأخذنا منه قيمته فإن القيمة تملك منه، ولا يملك الغاصب العبد، فإن عاد إلى مصر والشئ قائم بحاله انتقض ملكه عن القيمة التي أخذها وعاد إلى عين ماله كما قلناه في العبد الآبق. هذا الكلام في الغصب فأما الكلام في القرض، فالحكم فيه كالحكم في الغصب سواء

[ 77 ]

لا يفترقان فأما إن كان الحق وجب له عن سلم، لم يكن له مطالبته به بمكة لأن عليه أن يوفيه إياه في مكان العقد، ولا له مطالبته بالبدل، سواء كان لنقله مؤنة أو لا مؤنة لنقله، لأن أخذ البدل عن السلم في الذمة لا يجوز وإن اتفقا عليه لقوله " من أسلم في شئ فلا يصرفه إلى غيره ". وإن كان الحق مبيعا معينا لم يجز له مطالبته به بمكة، لأن عليه التسليم في بلد العقد، فإن اتفقا على أخذ البدل عنه لم يجز أيضا لأن العقد إذا تناول عينا لم يجز أخذ البدل عنها وروى أصحابنا أنه يجوز ذلك في المسئلتين إذا أخذ العوض من غير الجنس الذي أعطاه. إذا غصب ثوبا فصبغه لم يخل الصبغ من ثلاثة أحوال إما أن يكون للغاصب أو لرب الثوب أو لغيرهما فإن كان للغاصب لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن لا يزيد ولا ينقص بالصبغ أو يزيد، أو ينقص. فإن لم يزد ولم ينقص مثل أن كانت قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ عشرة، وهو بعد الصبغ يساوي عشرين، فهما فيه شريكان، لأن لكل واحد منهما عينا قائمة فيه، فهو كما لو غصب طعاما فخلطه بطعام من عنده، فهما فيه شريكان. ولو غصب غزلا فنسجه، أو ترابا فضربه لبنا، أو نقرة فضربها دراهم، أو ثوبا فقصره فزادت القيمة، كان ذلك كله لصاحب العين، والفرق بينهما أن هذه آثار أفعال، و (أما) تلك أعيان أموال. فإذا ثبت أنهما شريكان، ففيه ست مسائل: أن اتفقا على أن يكون على ما هما عليه من الشركة فعلا. وأن اتفقا على بيعه وقسمة ثمنه فعلا. الثالثة إذا اختار الغاصب قلع صبغه عن الثوب كان له، على أن عليه ما نقص بالقلع، فيقال له: إن شئت فاستخرج الصبغ على أن عليك ما نقص بالقلع، لأنه عين ماله، فكان له إزالتها عن ملك رب الثوب. الرابعة إذا امتنع صاحب الصبغ عن إزالة الصبغ عن الثوب، فهل لرب الثوب

[ 78 ]

إخباره على ذلك أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما له إجباره كما لو غصب دارا فزوقها أو أرضا فغرسها، كان للمالك مطالبته بالقلع، والثاني ليس له إجباره على قلعه بل يكونان شريكين والأول أقوى. الخامسة اختار رب الثوب أن يعطي الغاصب قيمة الصبغ، ليكون الثوب بصبغه له أو يأخذ الثوب مصبوغا ولا يعطي الغاصب ما زاد بالصبغ فهل له ذلك أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما له أخذ الثوب مصبوغا، ويكون له الصبغ بغير قيمة، لأنها زيادة متصلة بالثوب كما إذا قصره وهذا ليس بصحيح، والثاني ليس له ذلك، بل له أن يعطيه قيمة الصبغ، ليكون الثوب وصبغه له فالصحيح أنه ليس له مطالبته بأخذ القيمة، بل يكونان فيه شريكان، لأنها عين ما له قائمة بحالها غير تابعة لغيرها فلا يجبر على أخذ قيمتها كما لو خلط طعامه بطعامه. السادسة وهب الغاصب الصبغ من رب الثوب فهل يلزم رب الثوب قبوله منه أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما يلزمه كالسمن وتعليم القرآن والقصارة، والثاني لا يجبر لأنها غير ماله، فلم يجبر على قبولها كالعين المنفردة عن المال، وهذا هو الصحيح لأن الأصل براءة الذمة من لزوم ذلك. وجملته أن كل من وهب لغيره هبة هل يلزمه القبول أم لا؟ فيها ثلاث مسائل أحدها لا يلزمه القبول، وهو العين المنفردة بنفسها، الثانية عين قائمة متصلة لا يمكن إفرادها فيلزمه قبولها وجها واحدا مثل السمن، الثالثة زيادة متصلة لا يمكن إفرادها مثل مسئلتنا وكالتزويق في الدار وهو على وجهين، والأقوى أنه لا يجبر. هذا إذا لم يزد ولم ينقص وأما إن زاد مثل أن كانت قيمة الثوب عشرة، وقيمة الصبغ عشرة، فلما صبغ ساوى ثلاثين لم يخل من أحد أمرين إما أن تكون الزيادة لزيادة السوق أو لاجتماع ذلك، فإن كان لاجتماع الأمرين، فالثوب بزيادته شركة بينهما، لأن الزيادة حصلت باجتماع الثوب والصبغ، ويكون الحكم فيه كما لو كانت قيمة الثوب خمسة عشر، وقيمة الصبغ خمسة عشر، فصبغه به فلم يزد ولم ينقص وفيه المسائل الست على ما فصلناها فإن اختار الغاصب القلع فعليه ما نقص الثوب عن خمسة عشر.

[ 79 ]

وإن كانت الزيادة لزيادة السوق مثل أن غلت الثياب فبلغت قيمة الثوب عشرين والصبغ بحاله أو غلى الصبغ فبلغ عشرين وقيمة الثوب بحاله كانت الزيادة لمن غلت عين ماله وحده لا يشاركه غيره فيها. وأما إن نقص نظرت فإن صار بعد الصبغ تساوي خمسة عشر، فقد نقص خمسة يكون من صاحب الصبغ وحده، لأنه إن كان النقص عاد إلى الثوب فقد حدث بجنايته عليه، وإن كان النقص عاد إلى الصبغ فهو الذي جنى على صبغ نفسه، فيصيران فيه شريكان: لصاحب الثوب ثلثاه ولصاحب الصبغ ثلثه وفيه المسائل الست. فأما إذا نقص فصار يساوي عشرة فالنقص أيضا على صاحب الصبغ ولا شركة له فيه ولا يجيئ من المسائل الست فيه إلا واحدة، وهو أن له قلع صبغه على أن عليه ما نقص والباقي لا يجيئ فيها فإن نقص عن العشرة فعلى الغاصب ما نقص من الثوب بالصبغ، فإن أراد القلع على أن عليه ما نقص أو ما لعله أن يزيد بالقلع، كان له ذلك فقد ثبت أن للغاصب قلع الصبغ. فأما إذا كان الثوب والصبغ معا لرب الثوب فإن لم يزد ولم ينقص فلا كلام، وإن زاد فالزيادة له، وإن نقص فعلى الغاصب لأنه نقص بجنايته وإن كان الثوب لواحد والصبغ لواحد، فإن لم يزد ولم ينقص فلا كلام وهما فيه شريكان، وإن زاد فالزيادة لهما وإن نقص فإن كان النقصان من جانب الصبغ فلصاحب الصبغ مطالبة الغاصب بما نقصه دون صاحب الثوب، وإن كان النقص من قبل الثوب كان المطالبة لصاحب الثوب دون صاحب الصبغ. إذا غصب زيتا فصبه في مايع آخر فإما أن يصبه في جنسه أو في غير جنسه، فإن صبه في جنسه فإما أن يصبه في زيت هو أجود منه أو مثله أو دونه، أو في غير جنسه من الأدهان أو في ماء. فإن خلطه بزيت أجود منه، فالغاصب بالخيار بين أن يعطيه من عينه أو مثله من غيره، فإذا ثبت ذلك، فإن باعاه قسم الثمن بينهما على قدر الزيتين، والصحيح أن هذا كالمستهلك فيسقط حقه من العين ويصير في ذمة الغاصب لأنه قد تعذر أن يصل إلى عين

[ 80 ]

ماله بعينها، فانتقل إلى الذمة ويكون الغاصب بالخيار بين أن يعطيه من عينه فيلزم المغصوب منه قبوله، لأجل أنه تطوع له بخير من زيته، لا لأنه أعطاه عين ماله، وبين أن يعطيه مثله من غيره، لأنه كالمستهلك. فإن خلطه بمثله فهو كالمستهلك والغاصب بالخيار بين أن يعطيه بكيله من عينه أو مثله من غيره، وفي الناس من قال هو شريكه فيه يملك مطالبته بقسمته يأخذ مثل كيله منه وهو أقرب، لأنه قدر على بعض عين ماله وبدل الباقي، ولا معنى أن يجبر على مثل من غيره مع وجود بعض العين، كما لو غصب (حبا) صاعين فتلف أحدهما، فإن المغصوب منه يأخذ الموجود وبدل التالف، ولا يلزمه أن يأخذ البدل من الموجود والتالف معا. وإذا خلطه بما هو أدون منه فهو كالمستهلك أيضا، فعلى هذا على الغاصب أن يعطيه مثل زيته من غير هذه الجملة، فإذا فعل لزمه أن يقبل، فإن أراد أن يعطيه من عينه لم يجبر المغصوب منه على قبوله لأنه دون حقه، وإن اختار المغصوب منه أن يأخذ من عينه لم يجبر الغاصب على ذلك، وإن رضي المغصوب منه بدون حقه، لأن حقه في الذمة فلا يجبر عليه جهات القضاء. وإن اتفقا على أن يأخذ مقداره من عينه جاز لأنه قد رضي ببعض حقه وإن اتفقا على أن يعطيه من عينه بقيمة زيته لم يجز، لأنه ربا. وإن خلطه بغير جنسه مثل أن صبه في شيرج أو بان (1) فيكون ذلك مستهلكا لأنه يتعذر عليه أن يصل إلى عين ماله وعلى الغاصب مثل زيته من غير هذه الجملة، فإن اختار أن يعطيه من عينه لم يجبر على قبوله، لأنه لا يلزمه أن يقبل من غير جنس حقه، وإن اختار المالك أن يأخذ من عينه لم يجبر الغاصب عليه، لأنه لا يلزمه أن يعطيه من غير جنسه، فإن تراضيا على أن يأخذ مقداره من عينه، جاز لأن له أن يأخذ بدل حقه مع التراضي.

(1) البان: شجر سبط القوام لين ورقه كورق الصفصاف ولحب ثمره دهن طيب، و حبه نافع للبرش والنمش والكلف والحصف والبهق والسعفة والجرب وتقشر الجلد طلاء بالخل وله منافع أخر.

[ 81 ]

فإن صبه في الماء نظرت فإن كان لا يضره ولا ينقص ثمنه، فعلى الغاصب تمييزه منه وتخليصه منه، كما لو غصب ساجة فبنى عليها فعليه نقض البناء والرد، وعليه أجرة التخليص لأنه يخلص ماله من مال غيره، وإن نقص بالتخليص، من الناس من قال: هو كالمستهلك وعليه مثل زيته، ومنهم من قال: يأخذ عين ماله وما دخل عليه من النقص وهو الصحيح. إذا غصب طعاما فخلطه بطعام من عنده، فالحكم فيه كالحكم في الزيت سواء على القولين أحدهما كالمستهلك، والآخر أنهما شركاء ويباع لهما ويقسم بينهما وهو الصحيح وهكذا كل ما تساوت أجزاؤه من جميع الحبوب والأدهان. هذا إذا خلط بما لا يتميز أحدهما عن صاحبه فإن خلط بما يتميز أحدهما عن صاحبه مثل أن خلط صغار الحب بالكبار، والبيضاء بالسمراء أو كانا جنسين كخلط الشعير بالحنطة، والدخن (1) بالسمسم، ونحو ذلك، فعلى الغاصب تمييزه ورده وأجرة التمييز عليه وعليه النقص إن نقص بذلك شئ. إذا غصب منه صاعين زيتا فأغلاهما، لم يخل من أحد أربعة أحوال: إما أن لا ينقص كيله ولا قيمته، أو ينقص كيله دون قيمته، أو قيمته دون كيله، أو نقصا معا. فإن لم ينقص كيله ولا قيمته فلا شئ عليه يرده بحاله، وإن نقص كيله دون قيمته، مثل أن غصب صاعين بأربعة فعاد إلى صاع قيمته أربعة، فهذه الزيادة للمغصوب منه لا حق للغاصب فيها، وعليه ما نقص بالنار وهو صاع، لأنه ذهب بفعله. وإن نقص من القيمة دون الكيل، مثل أن تغير لونه أو طعمه بالنار، فعادت إلى درهمين والكيل بحاله، فعليه رد الزيت بحاله، وعليه أرش ما نقص، لأنه نقص بجنايته. وإن نقصا معا فعادت إلى صاع والقيمة إلى درهمين، فعليه رده بعينه، وأرش نقصه

(1) الدخن - بالضم - حب صغير أملس جدا، وهو غير الجاورش كما في أقرب الموارد.

[ 82 ]

وعليه صاع آخر مثل الذي غصبه. فإن غصبه صاعين عصيرا فأغلاه فنقص كيله دون قيمته، مثل أن كانت قيمتهما أربعة فعاد إلى صاع قيمته أربعة منهم من قال: الحكم فيه كالحكم في الزيت سواء وقد مضى، وليس بصحيح، ومنهم من قال يرد هذا الصاع ولا شئ عليه سواه وهو الصحيح والفصل بينهما أن النار لا تعقد أجزاء الزيت فإذا ذهب بعض العين كان كالتالف للزيت عينه وذاته، فلهذا كان عليه ما نقص. وليس كذلك العصير لأن فيه ماء فالنار تأكل منه الماء وتعقد الأجزاء، ألا تراه يثخن ويزيد حلاوته، فكان الذي ذهب منه لا قيمة له، فلهذا لم يضمن نقصان الكيل. إذا غصب دقيقا فخلطه بدقيق من عنده، فهو كالزيت ولا خلاف أنه إن لم تزد قيمته أنه لا يضمن بالمثل لأن الدقيق يضمن بقيمته من غالب نقد البلد، كالثياب والحيوان والخبز فإذا خلطه بدقيق من عنده فهو على ما مضى من القولين: أحدهما أنه كالمستهلك والقيمة في ذمة الغاصب، والآخر أنهما شركاء وهو الصحيح. ثم ينظر، فإن كان الدقيقان مختلفين بيعا معا لهما، وإن كان أسواء فهل يقسم بينهما أم لا؟ يبنى على القولين في القسمة، فمن قال القسمة بيع لم يجز، لأن بيع الدقيق بالدقيق لا يجوز، وإذا قالوا إفراد حق جاز، كما لو قالوا في قسم الرطب. وهذا غير صحيح عندنا على الوجهين: لأن بيع الدقيق بالدقيق عندنا جايز والقسمة أيضا ليس ببيع. إذا غصب طعاما فعفن عنده بطول المكث أو بصب الماء عليه: نظر، فإن استقر نقصه وأمن أن يزداد فيما بعد نقصانه، رده وعليه أرش ما نقص، لأن جنايته قد استقرت، فهو كما لو كان ثوبا فجنا عليه فإنه يرده وما نقص بالجناية. وإن كان العيب والعفن لم يستقر وقالوا إنه ينقص فيما بعد فالحكم فيه كالحكم في الزيت إذا صبه في الماء وقالوا ينقص فيما بعد وقيل فيه قولان أحدهما كالمستهلك وهو الأقوى، والثاني أنه يأخذه وما نقص، وكل ما ينقص في المستقبل يطالبه به أبدا حتى يستقر النقص.

[ 83 ]

وجملة ذلك أن كل عين غصبها فنقصت في يده، فإن كان النقص مستقرا كان للمغصوب منه عين ماله، وأرش النقص، وإن كان النقص غير مستقر فهو كالزيت والطعام على ما بيناه من الوجهين: أحدهما عليه البدل، والثاني عليه الأرش فيما نقص. إذا غصب ثوبا وزعفرانا من رجل فصبغه به كان ربه بالخيار بين أن يأخذه بحاله وبين أن يعتبر التقويم؟ فإن اختار أن يأخذه بحاله من غير تقويم كان له ذلك، لأنه رضي به، نقص أو لم ينقص. وإن اختار أن يعتبر التقويم كان له، فينظر فيه، فإن لم يكن زاد ولا نقص، مثل أن كان قيمة الثوب عشرة، وقيمة الزعفران صحيحا عشرة، وهو بعد الصبغ يساوي عشرين، فلا شئ للمغصوب منه. وإن كان قد نقص مثل أن صار بعد الصبغ بخمسة عشر فعليه ضمان ما نقص وهو خمسة، لأنه نقص بفعله، وإن زاد بالصبغ فصارت القيمتان ثلاثين فالزيادة للمالك لا حق للغاصب فيها، لأنها آثار أفعال لا أعيان أموال. وإذا غصب سمنا وعسلا ودقيقا فعصده فالمغصوب منه بالخيار كما قلنا في المسألة قبلها فإن اختار أخذه من غير تقويم أخذه، وإن اختار التقويم قوم كل واحد من الثلاثة منفردا فإن لم تزد القيمة بالعمل أخذه ولا شئ له، وإن كان أقل كان له أرش ما نقص وإن زاد بالعمل كان له. إذا غصب شيئا لم يملكه، غيره عن صفته التي هو عليها أو لم يغيره، مثل أن كانت نقرة فضربها دراهم، أو حنطة فطحنها، أو عصيرا فاستحال خمرا ثم استحال خلا، كان عليه رد الخل على صاحب العصير، لأنه عين ماله، وليس عليه بدل العصير. وفي الناس من قال: يرد مثل العصير. والأول هو الصحيح، فإن نقص العصير بكونه خلا كان عليه ما نقص، وإن لم ينقص فلا شيئ عليه، وإن أخذ من غيره خمرا فاستحال في يده خلا رده عليه لأنه عين ماله. إذا غصب خشبة فشقها ألواحا رد الألواح، لأنها عين ماله، وإن نقص من قيمتها كان عليه أرش النقص، وإن لم ينقص فلا شئ عليه، وإن زاد كان للمالك.

[ 84 ]

فإن ألف الألواح أبوابا وسمرها بمسامير للمالك أو من نفس الخشب، أو جعل منها أواني قصاعا ونحوها، فإنه يرد وما عمل منها، وإن كان قد زاد في قيمته، لأن الزيادة آثار، فإن سمرها بمسامير من عنده فله قلعها، لأنها عين ماله، وعليه رد الأبواب وما نقص بقلع المسامير دون قيمة المسامير، ولأن المسامير له. وإن اختار تسليم الأبواب إلى مالكها مع مسامير نفسها على وجهين أحدهما يجبر على قبوله، والثاني لا يجبر، وهو الصحيح. وإن غصب نقرة فضربها دراهم فإن زادت قيمتها أو لم يزد ولم ينقص ردها ولا شئ عليه، وإن نقصت نظرت، فإن نقصت في الوزن دون القيمة، فعليه ما نقصت من الوزن، لأنه أتلف أجزاء منها ولا شئ عليه فيما زاد بالضرب، لأنها آثار. وإن نقصت قيمتها دون وزنها، مثل أن ضربها ضربا وحشا (1) فعليه ما بين قيمتها نقرة غير مضروبة، وبين كونها مضروبة، وإن نقص الأمران فعليه ضمانها. وجملته أنه إذا غصب شيئا نظرت، فإن لم يزد ولم ينقص رده بحاله ولا شئ عليه، إلا أن يكون مما يملك منافعه بعقد إجارة فحينئذ عليه أجرة مثله من حين الغصب إلى حين الرد، وإن كان نقص نظرت، فإن كان النقصان في الأجزاء ردها وبدل التالف مثله إن كان له مثل، أو قيمته إن لم يكن له مثل. وإن كان نقص قيمته نظرت، فإن كان نقصان سعر وسوق، فلا ضمان عليه مع النقص وبقاء العين، وإن كان النقص بشئ يلحقه عنده كالثوب إذا اتسخ أو بلي عنده ورق فعليه ما نقص ههنا. وإن زاد الغصب فإن كانت الزيادة منه، فهو لمالكه، سواء كان متصلا، كالسمن وتعليم القرآن، أو منفصلا كالثمار والولد لأنها أعيان ماله، وإن كانت الزيادة زيادة إضافة نظرت، فإن كانت مفصلة كسرج الدابة وثياب العبد والأبواب والرفوف في الدار مسمرة وغيره مسمرة، يردها دون الزيادة، فإن رد الزيادة معها لم يلزمه قبولها قولا واحدا، وإن كانت الزيادة متصلة مثل المسامير في الأبواب، والصبغ في

(1) في بعض النسخ: " وحيشا " والوحش الردئ من كل شئ ورذاله.

[ 85 ]

الثوب فعلى ما مضى من الوجهين. فإن غصب شاة فاستدعى قصابا فذبحها له، كان للمالك أن يأخذها، وله ما بين قيمتها حية ومذبوحة، يطالب بذلك من شاء منهما: يطالب الغاصب لأنه سبب يد الذابح ويطالب الذابح لأنه باشر الذبح بنفسه، فإن طالب الغاصب لم يكن له أن يرجع على الذابح لأن الذابح إنما ذبحها له، وإن طالب الذابح كان للذابح مطالبة الغاصب بذلك، لأنه إنما ناب عنه فيه، وكانت يده يد نيابة عنه. وإن غصب طعاما واستدعى من يأكله كان له أن يطالب من شاء منهما، فإن طالب الآكل لم يكن للأكل الرجوع به على الغاصب، وقد قيل: إن له أن يرجع على الغاصب لأن (1) الآكل أتلفه في حق نفسه، فعاد النفع إليه، فلهذا استقر الضمان عليه وهذا أقوى. إذا غصب ثوبا فباعه فنقص في يد المشتري كان للمالك أخذ ثوبه، وله أن يطالب بأرش النقص من شاء منهما: يطالب الغاصب لأنه سبب يد المشتري، ويطالب المشتري لأنه نقص في يده، فإن طالب الغاصب رجع بما غرم على المشتري، وإن طالب المشتري لم يرجع بما غرم على الغاصب، لأنه دخل على أن العين عليه مضمونة بالبدل، فإذا ذهب بعضها كان بدل الذاهب عليه. فإن غصب ثوبا فنقص في يده فإن أبلاه ثم باعه فتلف في يد المشتري كان له أن يطالب الغاصب بقدر ما نقص في يده، ولا يطالب به سواه، لأنه هو الغاصب وفي يده كان النقص ولم يكن المشتري سببا ليد الغاصب، وله أن يطالب بما تلف في يد المشتري من شاء منهما: يطالب الغاصب، لأنه سبب يد المشتري، ويطالب المشتري لأن الشئ تلف في يده. فإن طالب الغاصب كان له مطالبته بقيمته أكثر ما كانت قيمته من حين الغصب إلى حين التلف في يد المشتري، ثم يرجع الغاصب على المشتري بقيمته أكثر ما كانت

(1) هذه علة عدم الرجوع، وفي الكلام سقط. وسيجئ بعد صفات مفصلا.

[ 86 ]

من حين قبضه المشتري إلى حين التلف، وإن طالب المشتري كان له مطالبته بقيمته أكثر ما كانت من حين قبضه إلى حين التلف، ويطالب الغاصب بما بقي، فيقال كم قيمته من حين الغصب إلى حين التلف، قالوا مائة. قلنا: وكم قيمته من حين قبضه المشتري إلى حين التلف قالوا تسعين، قلنا له فقد قبضت من المشتري تسعين، ولك قبل الغاصب عشرة. إذا غصب ساجة فبنى عليها، أو لوحا فأدخله في سفينته، كان عليه رده سواء كان فيه قلع ما بناه في ملكه أو لم يكن فيه قلع ما بناه في ملكه. فأما إذا خاف على حائط من الوقوع جاز له أن يأخذ جذع غيره بغير أمره فيستنده به بلا خلاف فإذا ثبت أن عليه ردها فعليه أجرة مثلها من حين الغصب إلى وقت الرد لأن الخشب يستأجر للتسنيد، وللتسقيف عليه، والانتفاع به ونحو ذلك، فإن كانت الساجة قد نقصت فعليه أرش النقص، لأنه أدخل النقص بفعله، فإن عفنت (1) في البناء ومتى أخرجها لم ينتفع بها، فعليه قيمتها وليس عليه ردها، لأنها مستهلكة تالفة. وإن كان لوحا وأدخله في سفينته نظرت: فإن كانت في البر أو في البحر بقرب البر فالحكم فيه كالساجة في البناء حرفا بحرف، وإن كانت السفينة في لجة البحر نظرت فإن كان اللوح في أعلاها أو في موضع لا يخشى عليها الغرق بقلعه، قلع ورد، وإن كانت في موضع متى قلع اللوح غرقت السفينة نظرت، فإن كان فيها حيوان له حرمة أو كان هو فيها لم يقلع، لأنه إن كانت حرمته سقطت في حقة فما سقطت حرمة الحيوان في نفسه وإن رضى بإتلاف نفسه لم يقلع لأنه لا يملك إدخال الضرر على نفسه. وإن لم يكن فيها حيوان نظرت فإن كان فيها مال لغيره لا يقلع، لأنه لا يملك إدخال الضرر على غير الغاصب وإن كان المال للغاصب أو لم يكن له فيها متاع لكنه يخاف متى قلع اللوح غرقت السفينة في نفسها فهل يقلع أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما يقلع، لأنه ليس في قلعه أكثر من إدخال الضرر على ماله فهو كالساجة، والآخر وهو الصحيح أنه

(1) عفنت الخشبة: إذا فسدت من ندوة أصابته فهي تتفتت عند مسها.

[ 87 ]

لا يقلع، لأنه يمكن إزالة الضرر عن كل واحد منهما: عن الغاصب بالتأخير، حتى يقرب من البر، وعن المالك بأن يصبر حتى يصل إليه عين ماله، ولا معنى لإسقاط أحدهما مع القدرة على حفظهما. ويفارق البناء لأنه لا يمكن الرد إلا باد خال الضرر على الغاصب. فكل موضع قلنا له القلع كان عليه الأجرة والنقص وغيره مثل الساجة حرفا بحرف، وكل موضع قلنا لا يرد، قيل للمالك إن اخترت أن تطالبه بالقيمة، وإلا فاصبر حتى إذا تمكن من الرد ردها كما قلنا. إذا غصب عبدا فأبق فإن السيد بالخيار بين المطالبة بالقيمة وبين الصبر حتى إذا عاد استرده. إذا غصب خيطا فخاط به شيئا نظرت فإن كان غير حيوان كالثياب ونحوها فالحكم فيه كالحكم في الساجة، إن كان لم يهلك رده وإن نقص فعليه النقص، وإن كان بلي ومتى نزع تقطع وذهب، فهو كالساجة إذا عنفت لا يقلع وله قيمته. وإن كان خاط به جرح حيوان لم يخل أن يكون له حرمة أو لا حرمة له، فإن كان لا حرمة له كالخنزير وكلب العقور فالحكم فيه كما لو خاط به ثوبا وقد مضى، وإن كان حيوانا له حرمة لم يخل من أحد أمرين إما أن يؤكل لحمه أو لا يؤكل لحمه، فإن كان لا يؤكل لحمه كالانسان والبغل والحمار عند المخالف نظرت، فإن خاف من قلعه التلف أو الزيادة في العلة لم يقلع، لأن له حرمة في نفسه ونهى النبي صلى الله عليه وآله عن إتلافه في نفسه، فلم يكن عليه الرد، وعليه القيمة، وإن لم يخف الزيادة في العلة ولا التلف فإن لم يخف شيئا ولا إبطاء برء كان عليه القلع والرد، وإن خاف شيئا أو إبطاء البرء فهل عليه القلع أم لا؟ قيل فيه وجهان: أحدهما عليه، لأنه لا يخاف الزيادة، والثاني ليس عليه، لأن في رده إدخال الضرر على الحيوان، وهو الصحيح. وإن كان الحيوان مأكول اللحم كالنعم وغيرها فهل عليه رده أم لا؟ الصحيح أنه لا يجب وقال قوم إنه يرد لأنه ليس فيه أكثر من إدخال الضرر على ملك الغاصب

[ 88 ]

فهو كالساجة إذا بنا عليها، والقول الأول أصح لنهي النبي صلى الله عليه وآله عن ذبح الحيوان لغير أكله. إذا غصب طعاما فأطعم رجلا، لم يخل الآكل من أحد أمرين إما أن يكون مالكه أو غير مالكه فإن كان غير مالكه فالكلام في ثلاثة فصول في الضمان، وقدر الضمان وفي الرجوع. فأما الضمان فله أن يضمن من شاء منهما: فله أن يضمن الغاصب، لأنه حال بينه وبين ماله، وله أن يطالب الآكل لأنه أكل مال غيره بغير حق، ولأنه قبضه عن يد ضامنة. وأما قدر الضمان عليه فله أن يطالب الغاصب بأكثر ما كانت قيمته من حين الغصب إلى حين التلف لأنه سبب يد الآكل، وإن طالب الآكل فإنه يطالبه بأكثر ما كانت قيمته من حين قبضه هو إلى حين التلف، ولا يطالب بما ذهب في يد الغاصب، لأنه ليس هو سبب يد الغاصب. وأما الرجوع فلا يخلو الغاصب حين أطعمه من ثلاثة أحوال: إما أن يقول كل فيطلق أو يقول كله فهو طعام فلان غصبته إياه، أو يقول كله فإنه ملكي، فإن قال كله مطلقا أو قال وهبته لك، فاندفع غير المالك على الآكل، فهل يرجع الآكل على الغاصب أم لا؟ قيل فيه قولان: أحدهما يرجع لأنه غره، والثاني لا يرجع لأن التلف كان في يده فاستقر الضمان عليه، والأول أقوى. فإن رجع على الغاصب، فهل يرجع الغاصب على الآكل أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما: إذا قيل يرجع الآكل به على الغاصب، لم يرجع الغاصب به على الآكل وهو الأقوى، ومن قال لا يرجع الآكل به على الغاصب، قال يرجع الغاصب به على الآكل. وإذا قال كله فهو طعام فلان غصبته إياه أو منه فأكل، استقر الضمان على الآكل لأنه دخل مع العلم بالغصب، فإذا رجع به عليه، لم يرجع هو على الغاصب، وإن رجع على الغاصب رجع الغاصب به على الآكل.

[ 89 ]

وهكذا كل ما كان قبضا مضمونا مثل أن يأخذه على سبيل السوم، أو على أنه بيع صحيح، أو كان ثوبا فأخذه على أنه عارية مضمونة، فكل هذا يستقر عليه، لأنه دخل على أنه مضمون عليه، فلم يكن مغرورا فيه. وإن قال: هذا طعامي كله، فأكل، نظرت، فإن رجع المالك على الغاصب لم يرجع الغاصب على الآكل لأنه يقول أطعمتك ملكي، وإنما ظلمني فأخذ ما لا يستحقه فلا أرجع به على أحد، وإن رجع على الآكل فهل يرجع الآكل على الغاصب أم لا؟ قيل فيه قولان: أحدهما يرجع لأنه غره. فأما إذا أطعمه مالكه، فهل تبرء ذمة الغاصب بذلك أم لا؟ نظرت فإن كان المالك عالما بأنه ملكه فأكل ملكه مع العلم بحاله برئت ذمته بذلك لأنه رضى بأكل مال نفسه فبرئت ذمة الغاصب منه، كما لو كان عبدا فأعتقه، وإن كان مع الجهل بحاله، فهل تبرء ذمته أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما لا تبرء وهو الصحيح، والثاني أنه تبرأ. وإن غصبه دابة وشعيرا فأطعمه إياها لم يبرأ بلا خلاف، وإن غصب حطبا فاستدعى مالكه فقال أسجر به التنور واخبز به، لم يزل الضمان عنه بلا خلاف. إذا فتح قفصا أو حل دابة وهيج كل واحد منهما ونفره حتى ذهب فعليه الضمان بلا خلاف، لأنه سبب ملجئ يتعلق الضمان به، كما لو حفر بئرا ثم دفع فيها بهيمة أو انسانا، كان عليه الضمان لأنه ألجأه، وإن وقفا ثم ذهبا لا ضمان عند الشافعي عليه، ويقوى عندي أن عليه الضمان، وإن خرجا عقيب الحل والفتح بلا وقوف كان عليه الضمان أيضا. وإن فتح مراحا (1) للغنم فخر جت الغنم ودخلت زرع انسان فأفسد ته كان ضمان الزرع على من فتح المراح بلا خلاف، ولو حبس عبدا له، أغلق الباب عليه ففتح غيره الباب، فذهب العبد عقيب الفتح من غير فصل لا ضمان عليه عندهم كلهم، ويقوى في نفسي أنه يلزمه الضمان. إذا حل رأس زق أو راوية فخرج ما فيها لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون

(1) المراح - بالضم - مأوى الإبل والبقر والغنم، أي موضع راحتها.

[ 90 ]

مايعا أو جامدا، فإن كان مايعا كالخل والدهن والماء نظرت، فإن كان خروجه بحله مثل أن كان مطروحا على الأرض لا يمسكه غير شد الزق فعليه الضمان بلا خلاف، لأنه خرج بفعله، وإن جرى بعد الحل بسبب كان منه، مثل أن كان مستندا معه معتدلا فلما حله جرى بعضه فخف هذا الجانب وثقل الجانب الآخر، فوقع واندفق، أو نزل ما جرى أولا إلى تحتها قبل الأرض فلانت، فمال الزق فوقع، فاندفق ما فيه، فعليه أيضا الضمان ولأنه بسبب منه. وإن اندفق ما فيه بفعل حادث بعد الحل، مثل أن كان مستندا فحله وبقي مستندا محلولا على ما هو عليه، ثم حدث ما حرك الزق من ريح أو زلزلة أو حركة النار فسقط فاندفق، فإن السبب يسقط حكمه، لأنه قد حصلت مباشرة وسبب غير ملجئ فيسقط حكمه بلا خلاف. وأصل هذا الباب وما في معناه أنه إن فعل فعلا بيده كان الضمان عليه كما لو باشر القتل، وإن كان من سبب نظرت فإن كان ملجئا مثل أن حفر بئرا فوقع فيها انسان في ظلمة فعليه الضمان، وإن حصل به سبب وحدث بعده فعل سقط حكم السبب، ثم نظرت في المباشر إن كان مما يتعلق به الضمان ضمن كالحافر والدافع والممسك و الذابح، وإن كان مما لا يضمن فعله سقط حكمه كالطائر يذهب بعد وقوفه عندهم، وقد قلنا ما عندنا فيه. وأما إن كان ما في الزق جامدا كالدقيق والسمن والعسل فحلها نظرت، فإن كان على صفة لو كان ما فيها مايعا لم يخرج وبقي بحالها ثم ذاب ما فيها فاندفع بسبب آخر فلا ضمان عليه، وإن كان على صفة لو كان مايعا خرج ثم ذاب بحر الشمس أو الصيف وخرج، فهل عليه الضمان؟ على وجهين: أحدهما لا ضمان عليه لأنه خرج بسبب بعد الحل، والثاني وهو الصحيح أن عليه الضمان لأن خروجه بسبب كان منه، لأنه حل الزق ولم يحدث بعد الحل مباشرة من غيره وإنما ذاب بحر الشمس، فإذا لم يحدث بعد حله فعل كان ذهابه بسراية فعله، كما لو جرح رجلا فسرى إلى نفسه ثم مات، فعليه الضمان.

[ 91 ]

إذا ادعى دارا في يديه لم يسمع الدعوى حتى يعينها، والتعيين أن يذكر الموضع والحدود، فإذا فعل هذا نظرت، فإن أنكر المدعى عليه حلف وانصرف وإن قال صدق له في يدي دار، قلنا: صف الدار، فإذا وصفها لم يخل المدعي من أحد الأمرين إما أن يقبل ما وصفه أو يرد، فإن قبل التي وصفه وقال: صدق هذه الدار التي وصفها داري ففيه ثلاث مسائل إحديها قال قد أقر لي بما ادعيته، ووصف ما أقر به قلنا له تسلم الدار وانصرف، الثانية قال أقر لي بغير ما ادعيته ووصف ما أقر به قلنا له فاقبض التي وصفها واستحلفه على شئ واحد، وهو أنك لا تستحق عليه التي ادعيتها، الثالثة قال أقر بما ادعيته ووصف غير ما أقر به قلنا فاقبض التي وصفها ولك أن تستحلفه على شيئين أحدهما أنه ما أقر لك بما ادعيته، وأنك لا تستحق التي ادعيتها. هذا إذا قبل ما وصفه: فأما إن رد التي وصفها وقال هذه التي وصفتها ليست لي ففيه مسئلتان إحداهما قال: أقر بغير ما ادعيته ووصف ما أقر به، قلنا فاستحلفه على شئ واحد، وهو أنك لا تستحق عليه ما تدعيه. وإن قال أقر بما ادعيته، و وصف غير ما أقر به بلسانه، فاستحلفه على أمرين أحدهما أنه ما أقر لك بما ادعيته وأنك لا تستحق عليه ما ادعيته. إذا أقر لرجل بدار كلف التعيين، لأن عليه تسليم ما أقربه، فإذا لم يعين تعذر التسليم، ثم لا يخلو من أحد أمرين إما أن يعين أو يمتنع، فإن عين فقال هذه الدار التي أقررت بها له، نظرت في المقر له، فإن قال قد عين ما أقربه، قلنا تسلم دارك وانصرف. فإن قال قد عين غير ما أقربه، قلنا للمقر له فما تقول في التي عينها؟ فإن قال: التي عينها لي، قلنا تسلم الدار، واستحلفه أن التي أقر بها لك هي التي عينها وإن قال: التي عينها ليست لي قلنا له فقد أقر لك بما لا تدعيه، وتدعي عليه أن التي عينها غير التي أقربها، فاستحلفه أن التي عينها هي التي أقر لك بها. وإنما قلنا القول قوله في التفسير لأنه أقر بمبهم، فكان المرجع في تفسيره إليه كما لو أقر بمال كان المرجع في جنسه وقدره إليه، لأنه أعرف بما اعترف به.

[ 92 ]

هذا إذا عين، فإن لم يعين حبس حتى يعين، والأحوط أن يقال للمقر له قد امتنع من التعيين عين الدار أنت، فإذا عينها سألنا المقر، فإن قال: هي التي عينها قلنا للمقر له تسلمها، وإن قال ليست له قلنا له: فعليك اليمين أنها ليست له، فإن حلف سقط التعيين، وإن نكل رددنا اليمين على المقر له، فإن حلف تسلمها، وإن لم يحلف انصرف حتى يحلف. إذا أكلت بهيمة له مالا لغيره لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون يده عليها أو لا يكون فإن لم يكن يده عليها مثل إن كانت تمشي في الطريق لنفسها فلا ضمان على أحد لقوله عليه السلام " العجماء جبار جرحها، والمعدن جبار، والبئر جبار وفي الركاز الخمس " (1). وإن كانت يد صاحبها عليها مثل أن كان راكبها أو قائدها أو سائقها، فالضمان على صاحبها، لأن فعلها منسوب إليه، فعليه الضمان بلا خلاف، ثم نظرت فيما أتلفت فإن كان مضمونا بالدية، فالدية على عاقلته، والكفارة في ماله، وإن كان مضمونا بغير الدية وهو ما عدا الأحرار نظرت، فإن كان شيئا يتلف بالأكل، فعليه مثله إن كان له مثل أو قيمته إن لم يكن له مثل، وإن كان مما لا يهلك بالأكل كالجوهر والذهب والفضة نظرت في الحيوان فإن كان مما لا يؤكل لحمه لم يذبح لحرمته في نفسه، فكان الضمان على مالكه. وإن كان مأكول اللحم قيل فيه وجهان أحدهما يذبح لأن أكثر ما فيه إدخال الضرر

(1) الحديث متفق عليه كما في مشكاة المصابيح ص 305 بزيادة قوله ص: والنار جبار. والجبار كغراب: الهدر فلا طلب فيه يقال: ذهب دمه جبارا وقوله ص: العجماء جرحها جبار، يعني إذا رفس برجلها أو عض بأسنانها، حينما لم يكن لها قائد ولا سائق ولا راكب، وهكذا النار التي يوقدها الرجل في ملكه فيطير بها الريح إلى ملك غيره أو تسري بنفسها إلى زرع غيره من حيث لا يمكنه ردها واطفاؤها والمعدن جبار يعني إذا انهار على من يعمل فيه فهلك لا يؤخذ به من استأجره، والبئر جبار يعني إذا حفره في ملكه فدخله رجل ووقع فيه فلا قود ولا دية.

[ 93 ]

عليه بالرد فهو كالساجة إذا بنى عليها، والثاني لا يذبح للرد، وعليه الضمان لأن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكله. فإن باع بهيمة فأكلت ثمنها لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون معينا أو في الذمة فإن كان معينا لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون قبل القبض أو بعده، فإن كان قبل القبض مثل أن كان الثمن في يد المشتري من قبل أن يقبض الشاة نظرت، فإن لم يكن يد البايع على الشاة انفسخ البيع، لأن الثمن تلف قبل القبض ولا ضمان على أحد، لأن هذه الشاة لا يد لأحد عليها، ويعود ملك البايع إلى الشاة، وإن كان يد البايع عليها استقر العقد بذلك كما لو باشر البايع إتلاف الثمن، لأنه إذا كانت يده عليها كان ما أتلفته بمنزلة إتلافه. وأما ضمان الثمن فلا يجب على أحد، لأنها شاة للمشتري، ويد البايع عليها وقد أكلت الثمن والثمن ملك للبايع، فلا يرجع البايع به على أحد كما لو استعار شاة فلما قبضها وحصلت في يده أكلت مالا للمستعير فإنه لا ضمان على أحد، فإذا ثبت هذا فإنه يأخذ المشتري شاة نفسه. هذا إذا كان قبل القبض، فأما إذا كان بعد القبض فهذه شاة المشتري أكلت ملكا للبايع، فالحكم فيها كما لو كانت شاة غير مبيعة أكلت مال الغير فالحكم فيها ما مضى. وإن كان الثمن في الذمة فعزله المشتري ليدفعه إلى البايع فأكلته الشاة، فالعقد بحاله، لأن الثمن باق في الذمة، وهذه شاة للمشتري قد أكلت مال مالكها، فإن كانت في يد البايع فعليه الضمان لأن يده عليها فكان كشاة استعارها انسان فأكلت الشاة مال مالكها، وكذلك لو ارتهن شاة فأكلت مال الراهن فالضمان على المرتهن، وإن لم يكن في يد البايع، فلا ضمان على أحد. إذا أدخلت شاة رأسها في قدر الباقلاني، ولم يمكن إخراجه منها، فهل يقطع أم لا يقطع لا يخلو الشاة من أحد أمرين إما أن يكون يد صاحبها عليها أو لا يكون، فإن كانت يد صاحبها عليها فالحكم فيه كما لو أدخل هو رأسها في القدر مباشرة، لأن التفريط منه

[ 94 ]

ثم ينظر فيه فإن كانت بهيمة لا يؤكل لحمها قطعت القدر ولم يذبح البهيمة لحرمتها في نفسها ويكون الضمان على صاحبها. وإن كانت مأكولة اللحم قيل فيه وجهان أحدهما تذبح لأن التفريط من صاحبها وهي مثل الساجة التي بنى عليها، والثاني لا يذبح لأن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكله، فعلى هذا إذا كان كذلك تكسر القدر، وعلى صاحب الشاة الضمان لأنه مفرط. هذا إذا كانت يد صاحبها عليها، فإن لم يكن يد صاحبها عليها نظرت، فإن كان الباقلاني مفرطا مثل أن وضع القدر في الطريق، يكسر القدر ولا ضمان على صاحب الشاة لأن التفريط منه، وإن لم يكن من واحد منهما تفريط، مثل أن كانت البهيمة تسير لنفسها، وقد ترك الباقلاني قدره في ملكه، فمرت الشاة بها فأدخلت رأسها فيها فههنا تكسر القدر، والضمان على صاحب الشاة لأنها كسرت لاستصلاح ملكه. فإن حصل فصيل في دار انسان لرجل وكبروا احتيج إلى هدم الباب لإخراجه نظرت فإن كان التفريط من رب الدار مثل أن يكون غصبه وأدخله داره فضمان الهدم على صاحب الدار، لأنه المفرط وكذلك لو ضيق هو (هذا) الباب، نقض ولا ضمان على أحد، وإن كان التفريط من صاحب الفصيل مثل أن أدخله هو فيها فالضمان عليه، لأنه هو المفرط، و لأن نقض الباب لمصلحة ملكه، وإن لم يكن من واحد منهما تفريط فالضمان على صاحب الفصيل لأنه لمصلحة ملكه. وعلى هذا لو باع دارا وله فيها ما لا يمكن إخراجه منها إلا أن ينقض الباب كالخوابي والحباب ونحوها نقضناه وأخر جنا ذلك، والضمان على البايع لأنه لمصلحة ملكه. فإن حصل في محبرته دينار لغيره نظرت فإن كان التفريط من صاحب المحبرة مثل أن أخذ دينار غيره فطرحه فيها أو مسها فوقع من يده فيها فإنها تكسر وتخرج، ولا ضمان على أحد لأن التفريط منه، فإن كان التفريط من صاحب الدينار مثل أن طرح في محبرة غيره بغير أمره، قلنا له أنت بالخيار بين أن تدع الدينار في المحبرة يكون لك فيها، و

[ 95 ]

بين أن تكسرها وعليك الضمان، لأن التفريط منه، والكسر لأجل ملكه. وإن لم يكن من واحد منهما تفريط، مثل أن رمى فيها طاير، أو سقط فيها من مكان فإنها تكسر والضمان على صاحب الدينار، لأنه لصلاح ملكه. إن سرق من رجل فرد خف فهلك في يده، وقيمة الخفين عشرة؟ فلما فرق بينهما كانت قيمة كل واحد منهما على الانفراد درهمين، ففي قدر الضمان قيل فيه وجهان أحدهما درهمان لأنهما قيمة ما هلك في يده والثاني يضمن ثمانية ثمن الخف درهمان وستة بالجناية وهي التفرقة بينهما، فكان عليه ضمان التفرقة وضمان العين فأما القطع فلا يجب عليه لأن القطع بإخراج نصاب أو قيمة نصاب من الحرز، وهذا أخرج ما قيمته درهمان والستة في ذمته ولا يقطع بما في ذمته، وكذلك لو دخل الحرز فذبح شاة قيمتها دينار، فصارت تساوي درهمين فأخرجها، فلا قطع لأنه أخرج ما قيمته درهمان والباقي في ذمته. إذا غصب ملكا لغيره فخرج عن يده مثل أن غصب عبدا فأبق أو فرسا فشرد أو بعيرا فند أو ثوبا فسرق، كان للمالك مطالبته بقيمته، لأنه حال بينهما بالغصب فإذا أخذ القيمة ملكها بلا خلاف لأنه أخذها لأجل الحيلولة بينه وبين ملكه، فإذا ملك القيمة فهل يملك المقوم أم لا؟ فعندنا أنه ما يملكها، وأنها باقية على ملك المغصوب منه، فإن ظهر انتقض ملك المالك عن القيمة فكان عليه ردها إلى الغاصب، وعلى الغاصب تسليم العين إلى مالكها. فإذا تقرر هذا فالكلام في فصلين حكم القيمة وحكم العين، أما القيمة فقد ملكها المغصوب منه، فمتى ظهرت العين نظرت، فإن كانت القيمة تالفة، فعليه رد بدها مثلها إن كان لها مثل، أو قيمتها إن لم يكن لها مثل، وإن كانت قائمة ردها بحالها، ثم ينظر فيه، فإن لم يكن لها نماء فلا كلام، وإن كان لها نماء نظرت، فإن كان متميزا كالثمرة والنتاج ردها دون النماء، لأنه نماء تميز في ملكه، وإن كان النماء غير متميز، كالكبر والسمن وتعليم القرآن ردها بنمائها، لأن النماء إذا لم يكن متميزا تبع الأصل.

[ 96 ]

فأما الكلام في العين فإنه يردها بنمائها منفصلا كان أو متصلا، وإن كان لمثلها أجرة فإنها واجبة على الغاصب، من حين القبض إلى حين دفع القيمة، لأنها مضمونة بالغصب وأجرتها من حين دفع القيمة إلى حين الرد على وجهين: أحدهما لا أجرة عليه، لأنه دفع قيمتها فانتفع بها مالكها، فكانت أجرتها في مقابلتها وهو الأقوى، والثاني عليه أجرتها إلى حين الرد لأنه ما ملكها وهذا قوي أيضا. إذا غصب شاة فأنزى عليها فحل نفسه، فأتت بولد كان لصاحب الشاة، لا حق له فيها، لأن الولد يتبع الأم ثم ينظر، فإن كان الفحل قد نقص بذلك فلا ضمان على صاحب الشاة لأن التعدي من صاحبه فلا يرجع به على غيره، وأما إن كان غصب فحلا فأنزاه على شاة نفسه فالولد لصاحب الشاة، وأما أجرة الفحل فلا يجب على الغاصب، لأن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن كسب الفحل، وإن كان الفحل قد نقص بالضراب، فعلى الغاصب الضمان بتعديه. إذا باع عبدا فادعى مدع أن العبد الذي بعته إنما غصبته مني، فقبض المشتري أو لم يقبض الحكم واحد، غير أن المشتري [ إذا ] لم يعتقه فيه ثلاث مسائل: إحداها أن يصدقه البايع والمشتري، فإنه يحكم ببطلان البيع، لأنهما متى اتفقا على بطلانه كان باطلا، لأن الحق لهما لا يخرج عنهما، فيرد العبد على المدعي ويرجع المشتري على البايع لأنه قبضه بغير حق. الثانية أن يصدقه البايع وحده ويكذبه المشتري لم يقبل قول البايع على المشتري لأن إقراره في ملك غيره لا يقبل، فإذا لم يقبل قول البايع عليه فللمدعي أن يرجع على البايع بقيمة العبد، ثم ينظر فيه: فإن كان البايع ما قبض الثمن من المشتري، لم يكن له مطالبته به، لأنه مقر أنه لا يستحقه عليه، وإن كان البايع قد قبض الثمن من المشتري، فليس للمشتري مطالبته به لأنه لا يدعيه. فإن عاد المبيع إلى البايع لعيب أو ميراث أو هبة أو شراء لزمه تسليمه إلى المدعي لأنه إنما لم يقبل قوله لأنه مقر في حق الغير، فإذا صار الحق إليه لزمه في حقه. وإن كان هذا الاقرار من البايع في مدة الخيار يلزمه الاقرار، وينفسخ البيع

[ 97 ]

ويتسلم المدعي عبده لأنه يملك فسخ البيع في مدة الخيار، فلهذا نفذ إقراره في البيع وإن لم يكن في مدة الخيار فأقام البايع البينة بما يدعيه على المشتري لم يقبل بينته لأنه مكذب لها، وذلك أنها تشهد بالملك حين البيع لغيره، وهو يقول: بل الملك لي فلهذا لم يقبل بينته. وإن أقام المدعي البينة بما ادعاه، واعترف له به البايع نظرت، فإن شهد له به البايع لم يقبل، لأنه مقر بالغصب والغاصب لا يقبل شهادته، لأنه فاسق، ولأنه يجر إلى نفسه نفعا وهو سقوط حق المدعي عنه، وإن أقام شاهدين غير البايع قبل شهادتهما وحكم ببطلان البيع، فأخذ المدعي العبد ورجع المشتري على البايع بالثمن إن كان قد قبضه. وإن لم يكن للمدعي بينة وأراد إحلاف المشتري كان له، لأنه لما قضي عليه بالاقرار لزمه اليمين مع الانكار. الثالثة إذا صدقه المشتري دون البايع قبل إقراره في حق نفسه، وقيل له سلم العبد إلى المدعي، لأنه مقر في حق نفسه، ولا يقبل إقراره على البايع في نقض البيع، لأنه مقر في حق الغير، وليس له أن يرجع على البايع بالثمن، لأنه مقر في حق الغير. وإن كان المشتري قد أعتق العبد وصدق البايع هذا المدعي، لم يقبل قوله في حق المشتري لما مضى، ولا في حق العبد، ويغرم للمدعي قيمة العبد، وإن صدقه المشتري لم يقبل قوله على البايع، ولا على العبد، وإن صدقه البايع والمشتري معا لم يقبل قولهما على العبد، وإن صدقه البايع والمشتري والعبد معا لم يقبل قولهم في حرية العبد لأنه قد تعلق به حق الله تعالى، وهو كون العبد من أهل العبادات: الجمعة والزكاة والحج والجهاد. فإذا تقرر أن الحرية بحالها فللمدعي مطالبة من شاء منهما، يطالب البايع لأنه غاصب، ويطالب المشتري لأنه مقر أنه اشتراه من غاصب، فإن طالب البايع طالبه بأكثر ما كانت قيمته من حين القبض إلى حين العتق، وإن طالب المشتري طالبه

[ 98 ]

بأكثر ما كانت قيمته من حين القبض إلى حين العتق، وإن طالب البايع رجع البايع على المشتري بأكثر ما كانت قيمته من حين قبضه إلى حين العتق، لأنه دخل على أنه عليه بعوض، وقد تلف في يده، وإن طالب المشتري لم يرجع المشتري على البايع بما غرم لأن التلف في يده، فاستقر الضمان عليه. فإن أقام المدعي البينة بما يدعي نقضنا العتق والبيع وعاد العبد إليه فأما إن لم يقم البينة، وحكمنا بحرية العبد، فالولاء موقوف لأن أحدا لا يدعيه، فإن البايع والمشتري والمدعي كلهم يقولون هذا مملوك، وإن لم يرد إلى الرق لتعلق حق الله به. فإن مات العبد وخلف مالا كان للمدعي، لأنهم أجمعوا على أنه مملوك له و مملوك الانسان إذا مات فماله لسيده، ويفارق الحرية لأنها حق الله تعالى فلم يقبل قولهم فيه، وهذه حقوق أموال تقبل قولهم فيها وسلمت إليه. إذا غصب عبدا لم يخل من أحد أمرين إما أن يجنى على العبد أو يجني هو على غيره، فإن جنى عليه مثل أن قطع إحدى يديه فإن للسيد أن يضمن الجاني لأنه نقص لحق العبد بإتلافه، وله أن يضمن الغاصب لأنه نقص لحق العبد في يديه، فإن ضمن الغاصب كان له أن يضمنه أكثر الأمرين مما نقص وأرش الجناية، لأنه إن كان أرش الجناية أكثر، فهذا نقص لحق العبد في يده وإن كان ما نقص أكثر فإنه نقص لحق العبد في يده بالجناية من الغير وإمساكه غصبا وإن رجع على القاطع الجاني رجع عليه بأرش الجناية، فيلزمه نصف قيمة العبد لا غير، وإن كان ما نقص أكثر من ذلك، لأنه إنما ضمنه بالجناية، فلا يجب عليه إلا المقدر. فإن رجع على الغاصب بما ذكرناه نظرت، فإن كان أكثر الأمرين هو الأرش فالغاصب يرجع على الجاني بذلك كله، لأنه وجب بجنايته، وإن كان أكثر الأمرين ما نقص رجع على الجاني بأرش الجناية فقط وما زاد عليها ففي مال الغاصب، وإن رجع على الجاني فإنه يرجع بأرش الجناية، وهو نصف القيمة، فإن كان الأرش بقدر ما نقص أو أكثر فلا شئ على الغاصب، وإن كان أرش الجناية أقل أخذه من الجاني ورجع بتمام

[ 99 ]

ما نقص على الغاصب، لأنه لا يلزم الجاني أبدا إلا أرش الجناية فإن كان الجاني هو العبد، مثل أن جنى على عبد لآخر كان على الغاصب ضمان جنايته، لأن الجناية تتعلق برقبته، وهذا نقص وضمانه على الغاصب لأنه نقص لحق العبد في يده فإذا ثبت أنه عليه لم يخل جنايته من أحد أمرين: إما أن يكون قتلا أو قطعا فإن كان قتلا فسيد العبد المقتول بالخيار، بين أن يقتص أو يعفو على مال، فإن قتل كان على الغاصب قيمة العبد المقتول في يده أكثر ما كانت قيمته من حين الغصب إلى حين التلف، وإن عفا سيد المقتول على مال تعلقت قيمته برقبة العبد القاتل، وكان على الغاصب أقل الأمرين: من قيمة المقتول أو قيمة القاتل، لأنه إن كانت قيمة القاتل أقل فلا يجب عليه إلا قيمة ما حصل في يده، وإن كانت قيمة العبد أقل فما يتعلق برقبة القاتل أكثر منها. وإن كانت الجناية قطعا فسيد المقطوع بالخيار بين أن يعفو أو يقتص، فإن عفا على مال تعلق برقبة القاطع، وعلى الغاصب أقل الأمرين: من قيمة القطع وأرش الجناية، لما مضى، فإن اقتص سيد المقطوع منه، كان على الغاصب ما نقص، لأن يده ذهبت بقطع غير مضمون، فهو كما لو ذهبت بأمر سماوي. فإن غصبت أرضا فزرعها بحب نفسه، كان الزرع له دون رب الأرض، لأنه عين ماله زاد ونما، كما لو غصب شعيرا فعلف به دوابه فسمنت وعظمت، فإن الدابة له. فإذا ثبت أن الزرع له فإن عليه أجرة مثلها، من حين الغصب إلى حين الرد لأن هذه المنافع مضمونة على الغاصب، كما هي مضمونة بالبيع، وإن نقصت الأرض فعليه أرش النقص، وإن لم يزرعها فعليه أجرة المثل من حين الغصب إلى حين الرد لمثل ذلك، وإن نقصت بترك المزارعة فيها كأراضي البصرة فعليه ما نقصت بذلك. وإن غصب شجرا فأثمرت كالنخل ونحوها، فالثمار لصاحب الشجر، لأنه عين ماله نما وزاد، فإذا ثبت أنه ماله رده، أن كان رطبا بحاله وإن تلف رطبا فعليه قيمته، لأن كل رطب من الثمار كالرطب والتفاح والعنب ونحوها إنما تضمن بالقيمة، و

[ 100 ]

إن كان رطبا فشمسه فعليه رده إن كان قائما، ومثله إن كان تالفا لأن الثمر له مثل. فإذا رد مثله إن كان تالفا أو رد المشمس بحاله إن كان قائما نظرت، فإن كانت قيمته زادت بالتشميس أو لم تزد ولم تنقص عن قيمة الرطب فلا شئ على الغاصب، وإن نقص بالتشميس فعليه ما نقص. وأما الشجر فإن كان قد نقص عنده فعليه أرش النقص، وأما الأجرة فلا يضمنها والفصل بين الشجر والأرض أن منافع الشجر ثمرها وتربيتها إلى حين إدراكها، وهذه المنافع قد عادت إلى مالكها بكون ثمارها له، فلهذا لم يضمنها الغاصب، كمنافع الغنم ومنافع الأرض عادت إلى الغاصب فلهذا كان عليه ضمان أجرتها. وإن كان الغصب ماشية فنتجت نتاجا كان النتاج لمالكها كالثمرة سواء فإن كان النتاج قائما رده، وإن كان تالفا رد قيمته، وأما اللبن فعليه مثله لأنه يضمن بالمثلية كالحبوب والأدهان وأما الصوف والشعر والوبر فعليه مثلها إن كان له مثل، وقيمتها إن لم يكن لها مثل. إذا كان في يد مسلم خمر أو خنزير فأتلفه متلف، فلا ضمان عليه، مسلما كان المتلف أو مشركا، وإن كان ذلك في يد ذمي فأتلفه متلف فعليه الضمان عندنا، مسلما كان المتلف أو مشركا، والضمان هو قيمة الخنزير والخمر عند مستحليه، ولا يضمن بالمثلية على حال. إذا غصب من رجل دارا وباعها ثم ملكها الغاصب بميراث أو هبة أو شراء صحيح ثم ادعى الغاصب على الذي باعها منه فقال اشتريت مني غير ملكي فالبيع باطل وعليك رد الدار، وأقام البايع الغاصب شاهدين بذلك، فهل يقبل هذه الشهادة أم لا؟ نظرت، فإن كان البايع قال حين البيع: بعتك ملكي سقطت الشهادة لأنه مكذب لها لأنه قال حين البيع ملكي وأقام البينة أنها غير ملكه وهو مكذب لها. وإن كان قد أطلق البيع ولم يقل ملكي قبلت هذه الشهادة لأنه قد يبيع ملكه وغير ملكه فإذا قامت البينة أنها لم تكن ملكا له، لم يكن مكذبا لها، فقبلت هذه الشهادة إلا أن تكون في ضمن البيع ما يدل على أنها ملكه مثل أن قال قبضت ثمن ملكي أو ملكت الثمن

[ 101 ]

في مقابلة ملكي فيسقط الشهادة. إذا غصب من رجل ثوبا وأتلفه فاختلفا في قيمته، فالقول قول الغاصب لأنه غارم، فإذا حلف الغاصب على ذلك وغرمه، ثم أقام بها شاهدين أن مثل الذي غصبه منه تساوي أكثر مما حلف عليه الغاصب لا يقبل، لأن قولها يساوي أكثر مجهول والشهادة بمجهول لا تسمع ولأن الغاصب أعرف بصفة الثوب، وقد يكون به عيب يعلمه ويخفى على الشاهدين. إذا ادعى دارا في يد رجل فأنكر فأقام المدعي شاهدين شهد أحدهما أنها ملكه وشهد الآخر أنها حيزه، لم يكن الثاني شاهدا بالملك، ويقال: لك بما تدعيه شاهد واحد فإما أن تحلف معه وتستحق أو تدع، فإن فسر الثاني ما ذكره من الحيز بالملك كملت البينة، لأنه إذا فسر مراده زال الاحتمال. إذا ادعى في يد رجل دارا فقال غصبتها مني فأنكر فأقام المدعي شاهدين نظرت فإن شهد أحدهما أنه غصبها يوم الخميس وشهد الآخر أنه غصبها يوم الجمعة لم تكمل الشهادة، لأنها شهادة بغصبين، لأن غصبه يوم الخميس غير غصبه يوم الجمعة، فإذا لم تكمل على فعل واحد لم يثبت بها غصب وهكذا لو شهد أحدهما أنه غصبها وشهد الآخر على إقراره بغصبها، لأن الغصب غير الاقرار به، فإن شهد أحدهما على إقراره بذلك يوم الخميس، وشهد الآخر على إقراره يوم الجمعة، كانت الشهادة صحيحة، لأن المقر به واحد، لكن وقع الاقرار به في وقتين، وقال قوم لا يقبل ذلك والأول أصح. إذا غصب طعاما بمصر فنقله إلى مكة، فلقيه مالكه بمكة كان له مطالبته برده إلى مصر، لأنه نقله بغير حق. ولأن رده يجري مجرى ضمان المثل، فإن قال له صاحبه: دعه بمكة ولا ترده لم يكن للغاصب رده لأنه قد خففت عنه مؤنة النقل، فإن قال للغاصب عليك الرد لكن لا أكلفك ذلك أعطني أجرة رده إلى مصر لم يكن على الغاصب ذلك، لأن الواجب عليه هو المنفعة، فلا يملك مطالبته بالبدل، ولأن مع القدرة على المثل لا يضمن القيمة. إذا غصب دارا فباعها وقبضها المشتري ونقضها ثم بناها ثانيا ثم قامت البينة بذلك

[ 102 ]

فأول شئ يفعله أن يرد العرصة على المالك، لأنها بعض العين وللمالك ما بين قيمتها مبنية ومنقوضة، وله مطالبته بنقض ما بناه لأنه بناه في ملك غيره بغير حق، وله أجرة المثل من حين قبضها المشتري إلى حين النقض وأجرة العرصة من حين النقض إلى حين الرد وليس عليه أجرة ما بنا فيها: فإذا ثبت أن هذا للمالك، فله أن يرجع به على من شاء من الغاصب والمشتري أما المشتري فلأنه أتلف وجنى بفعله، وأما الغاصب فلأنه سبب يد المشتري. فإذا ثبت هذا نظرت، فإن رجع على المشتري فكل شئ دخل المشتري على أنه له بعوض وهو قيمة ما تلف من الأعيان لم يرجع به على البايع، لأنه دخل على أنه بعوض، وقد حصل عليه العوض، وكل ما دخل على أنه له بغير عوض نظرت، فإن لم يحصل له في مقابلته نفع وهو نقض التأليف، رجع به على البايع، وإن حصل له في مقابلته نفع، فهل يرجع على البايع أم لا؟ على وجهين على ما قررناه فيما سلف. إذا غصب أمة فباعها فأحبلها المشتري، فإن السيد يرجع على المشتري، وهل يرجع المشتري على البايع أم لا؟ نظرت، فكلما دخل على أنه له بعوض وهو قيمة الرقبة لم يرجع به على أحد، وكل ما دخل على أنه له بغير عوض فإن لم يحصل له في مقابلته نفع وهو قيمة الولد، يرجع به على البائع قولا واحدا، وإن حصل له في مقابلته نفع وهو مهر المثل في مقابلة الاستمتاع فعلى قولين على ما بيناه. وإن رجع على البايع فكلما لو رجع به على المشتري رجع المشتري به على البايع فالبايع لا يرجع به عليه، وكلما لو رجع به على المشتري لم يرجع به على البايع، فإذا رجع به على البايع رجع البايع به على المشتري. إذا أرسل في ملكه ماء فسال إلى ملك غيره فأفسد عليه أو أجج في ملكه نارا فتعدى إلى ملك غيره فأحرقته. فالماء والنار سواء ينظر فيه، فإن أرسل الماء في ملكه بقدر حاجة ملكه، فسال إلى ملك غيره نظرت، فإن كان غير مفرط مثل أن نقب الفار

[ 103 ]

أو غيره نقبة أو كان هناك نقبة لم يعلم بها فلا ضمان عليه، لأنها سراية عن مباح فيذهب هدرا. وهكذا النار إذا أججها في ملكه فحملتها الريح إلى ملك غيره فأتلفته فلا ضمان عليه لأنها سراية عن مباح. وأما إن أرسل الماء إلى ملكه وتوانى، وهو يعلم أنه يطفح إلى ملك غيره فأتلفه كان عليه الضمان، لأنها سراية عن فعل محظور، وهكذا إن أجج نارا عظيمة في زرعه أو حطبة على سطحه، وهو يعلم في العادة أنه يصل إلى ملك غيره كان عليه الضمان. فأما إن أرسل الماء إلى ملكه بقدر حاجته إليه وهو يعلم أن الماء ينزل إلى ملك غيره وأن للماء طريقا إليه فعليه الضمان لأنه إذا علم أنه يسري إلى ملك غيره وأنه لا حاجز يحجزه عنه فهو المرسل له، وهكذا النار إذا طرحها في زرعه وهو يعلم أن زرعه متصل بزرع غيره، وأن النار تأتي على ملكه، وتتصل بملك غيره فعليه الضمان لأنها سراية حصلت بفعله. وإن ادعى دارا في يدر جل فاعترف له بدار مبهمة ثم مات المقر قيل للوارث بين فإن لم يبين قيل للمدعي بين أنت، فإن عين دارا وقال هذه التي ادعيتها، وقد أقر لي بها. قيل للوارث ما تقول؟ فإن قال صدق تسلم، وإن قال ليست هذه، فالقول قول الوارث مع يمينه فإذا حلف سقط تعيين المدعي، وقيل للوارث نحبسك حتى تبين الدار التي أقر له أبوك بها. إذا غصب مالا لرجل فتلف في يده لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون له مثل أو لا مثل له، فإن كان له مثل فعليه مثل ما تلف في يده يشتريه بأي ثمن كان، ويدفعه إلى المالك إجماعا وإن كان مما لا مثل له كالثياب والحيوان فعليه قيمته أكثر ما كانت قيمته من حين الغصب إلى حين التلف، لأنه مأمور برده في كل وقت، فوجب عليه قيمته إذا تعذر. فإن غصب ما لا يبقى كالفواكه الرطبة: التفاح والكمثرى والموز والرطب ونحوها

[ 104 ]

فتلف في يده، وتأخرت المطالبة بقيمته، فعليه أكثر ما كانت قيمته من حين الغصب إلى حين التلف، ولا يراعى ما وراء ذلك. وإن كان الغصب مما يجري فيه الربا، كالأثمان والموزون والمكيل فجنى عليه جناية استقر أرشها، مثل أن كان الغصب دنانير فسبكها أو طعاما فبله فاستقر نقصه، فعليه رده بعينه، وعليه ما نقص. فإن غصب جارية تساوي مائة فسمنت في يده فبلغت ألفا، كانت الزيادة مضمونة فإن هزلت بعدها فالضمان عليه، فإن هزلت بغير تفريط أو بتفريط كان ضامنا وفي الناس من قال: إن الزيادة الحادثة أمانة، إن هلكت بغير تفريط لا يضمن، والأول أصح. وكذلك الولد يكون مضمونا وعنده يكون أمانة غير أنه يقول إذا باعها سمينة ضمن السمن لأنه تعدي في الأمانة، كما لو باع الوديعة. فإن غصب جارية فأتت بولد مملوك ونقصت قيمتها بالولادة، فعليه رد الولد وأرش نقصها، وإن كان الولد قائما رده، وإن كان تالفا رد قيمته. إذا غصب مملوكا أمرد فنبتت لحيته فنقص ثمنه أو جارية ناهدا فسقط ثدياها، أو رجلا شابا فابيضت لحيته فعليه ما نقص في كل ذلك. فإن غصب عبدا فرده وهو أعور فاختلفا فقال سيده عور عندك، وقال الغاصب بل عندك، فالقول قول الغاصب لأنه غارم، فإن اختلفا في هذا والعبد قد مات ودفن، فالقول قول سيده أنه ما كان أعور. والفصل بينهما أنه إذا مات ودفن فالأصل السلامة حتى يعرف عيب، فكان القول قول السيد وليس كذلك إذا كان حيا، لأن العور موجود مشاهد، فالظاهر أنه لم يزل حتى يعلم حدوثه عند الغاصب. فإن باع عبدا فوجد به عيب عند المشتري يحتمل حدوثه عنده ويحتمل حدوثه حين العقد، واختلفا، فالقول قول البايع ههنا، والفصل بينهما أن البايع معه بقاء العقد على الصحة والسلامة، فكان القول قوله وليس كذلك في هذه المسألة لأنهما اختلفا في الغصب

[ 105 ]

فقال الغاصب ما غصبت العين والأصل معه حتى يعلم غيره. فإن غصب عبدا ومات العبد واختلفا فقال رددته حيا ومات في يدك، وقال المالك بل مات في يدك أيها الغاصب، وأقام كل واحد منهما البينة بما ادعاه، عمل بما نذكره في تقابل البينتين فإن قلنا إن البينتين إذا تقابلتا سقطتا وعدنا إلى الأصل وهو بقاء العبد عنده حتى يعلم رده كان قويا. إذا غصب ماله مثل كالأدهان والحبوب ونحوها، فجنى عليه جناية استقر أرشها فعليه رد العين ناقصة وعليه أرش النقص لا غير، فإن غصب عبدا قيمته ألف فزاد في يده فبلغ ألفين فقتله قاتل في يد الغاصب، فللسيد أن يرجع بالألفين على من شاء منهما، فإن رجع على القاتل لم يرجع القاتل على الغاصب لأن الضمان استقر عليه وإن رجع بذلك على الغاصب رجع الغاصب على القاتل لأن الضمان استقر عليه. فإن غصب حبا فزرعه، أو بيضة فأحضنها الدجاجة، فالزرع والفروخ للغاصب و عليه قيمة الحب والبيض، لأن عين الغصب تالفة، وإذا تلفت عين الغصب فلا يلزمه غير القيمة، وفي الناس من قال هما للمغصوب منه، وإنما نمى والأول أقوى. فإن غصب عبدا فمات في يده فعليه قيمته قنا كان أو مدبرا أو أم ولد، سواء مات بسبب أو مات حتف أنفه. وإن غصب حرا صغيرا فتلف في يده فلا ضمان عليه، بسبب كان أو غير سبب إذا لم يكن السبب منه، مثل لسع حية أو لدغ عقرب أو أكل سبع أو وقوع حايط عليه.

[ 106 ]

(كتاب الشفعة) الشفعة الزيادة، وسئل ثعلب عن اشتقاقها فقال الشفعة الزيادة وذلك أن المشتري يشفع نصيب الشريك يزيد به بعد أن كان ناقصا كأنه كان وترا فصار شفعا. والأصل فيه السنة: روى سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة (1) وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال الشفعة في كل مشترك ربع أو حائط، ولا يحل له أن يبيعها حتى يعرضه على شريكه فإن باعه فشريكه أحق به.
(2) والأشياء في الشفعة على ثلاثة أضرب ما يجب فيه الشفعة متبوعا، وما لا يجب فيه تابعا ولا متبوعا، وما يجب فيه تابعا ولا يجب فيه متبوعا. فأما ما يجب فيه مقصودا متبوعا، فالعراص والأراضي البراح (3) لقوله عليه السلام: الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة. وأما ما لا يجب فيه تابعا ولا متبوعا بحال، فكل ما ينتقل ويحول غير متصل

(1) ورواه في الخلاف المسألة 1 من كتاب الشفعة عن جابر ولفظه: إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وآله الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطريق فلا شفعة، ورواه البغوي في المصابيح عن جابر ولفظه: قضى النبي صلى الله عليه وآله بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الخ كما في المشكاة ص 256.
(2) رواه بهذا اللفظ في الخلاف المسألة 13 من كتاب الشفعة وفيه: " أحق به بالثمن " ولفظ الحديث على ما نقله البغوي في المصابيح عن مسلم " قال قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بالشفعة في كل شركة لم يقسم، ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به، راجع المشكاة ص 256.
(3) العراص: جمع عرصة: كل بقعة بين الدور ليس فيها بناء. والأراضي البراح: ما لا سترة فيه من شجر وغيره.

[ 107 ]

كالحيوان والثياب والحبوب والسفن ونحو ذلك كله لا شفعة فيه وفي أصحابنا من أوجب الشفعة في ذلك. فأما ما يجب فيه تابعا ولا يجب متبوعا فكل ما كان في الأرض من نبات وأصل وهو البناء والشجر فإن أفرد بالبيع دون الأرض فلا شفعة فيه، فإن بيعت الأرض تبعها هذا الأصل، ووجبت الشفعة في الأرض أصلا وفي هذه على وجه التبع بلا خلاف. وأما ما لم يكن أصلا ثابتا كالزروع والثمار فإذا دخلت في المبيع بالشرط كانت الشفعة واجبة في الأصل دونها، ولا تثبت الشفعة إلا لشريك مخالط، ولا تثبت بالجوار، فإذا كانت دار بين شريكين باع أحدهما نصيبه كان لشريكه الشفعة، فإن قسماه وتميز كل واحد منهما ثم باعه فلا شفعة للآخر عليه. وتثبت أيضا الشفعة بالاشتراك في الطريق مثل أن يكون زقاق مشترك بين نفسين دارهما فيه: فإذا باع أحدهما داره كان الآخر أحق بها، فإن أفرد بيع الدار عن الممر المشترك على أن تحول الباب إلى زقاق آخر ودار أخرى، بطلت الشفعة. وإن كانت الدور أكثر من اثنتين والشركاء ثلاثة فصا عدا بطلت الشفعة عند أكثر أصحابنا لأن الشركاء إذا زادوا على الاثنين فلا شفعة وفيهم من قال على عدد الرؤس. ومتى كانت الدار بين شريكين وإليها طريق واحد واسع يحتمل القسمة وهو بينهما فإذا اقتسما الدار ووقعت الحدود فلا شفعة فيها وتثبت الشفعة في الطريق إليها، فإذا قسمت الطريق فلا شفعة فيها فإن اشترى نصيب أحد الشريكين من الدار من يحول الطريق إليها فلا شفعة للشريك في الطريق فيها. وإن باع دارا مفردة وشقصا من دار أخرى وجبت الشفعة في الشقص دون الدار المفردة. فإذا ثبت أن الشفعة تستحق بالشركة أو الطريق فإن الشفيع إذا وجبت له الشفعة استحقها بالثمن الذي وقع العقد عليه، دون ما يقترحه البايع أو المشتري، أو قيمة الشقص في نفسه، وهو الذي يستقر عليه إذا لزم البيع بالتفرق أو بالتخاير أو بانقضاء مدة الخيار.

[ 108 ]

فأما ما زادا فيه بعد العقد أو نقصا منه نظرت، فإن كان في مدة الخيار صحت الزيادة لأنه بمنزلة ما يفعل حال العقد، لأن الثمن ما يستقر العقد عليه، وإن كان النقصان أو الزيادة بعد استقرار العقد لم يلحق العقد عندنا وإن كانت زيادة فهي هبة، وإن كان حطا فهو إبراء، ولا يلزم الشفيع هذه الزيادة بلا خلاف. فإذا ثبت أن الشفيع يأخذ بالثمن الذي استقر عليه العقد، نظرت، فإن كان الثمن له مثل، أخذه بمثله، وإن لم يكن له مثل أخذه بقيمته. فإذا ثبت أن الشفعة لا تستحق بالجوار فمتى وجبت الشفعة ولم يعلم ذلك لجهل بالبيع أو كان غايبا فلم يبلغه، لم تسقط شفعته، وإن طال الوقت وبعد الزمان فإذا ثبت هذا فمتى علم بالشفعة عقيب البيع أو إذا علم بها بعد مدة، كان له المطالبة واستيفاء حقه من غير حاكم، لأنه حق له بنص. فإذا ثبت أن له المطالبة بغير حاكم، سار إلى المطالبة على حسب العرف والعادة فإن المطالبة على ما جرت العادة به، فمتى بلغه وجوب الشفعة ولم يك مشغولا بشئ قام من وقته، وإن كان مشغولا بشئ كالصلوة والطهارة والأكل فحتى يفرغ، وإن كان وقت الصلوة قد دخل فحتى يؤذن ويقيم ويصلي، ويتطهر إن كان على غير طهر، وإن كان البلاغ ليلا حتى يصبح ويصلي الصبح على عادته، ويتوجه إليها ولا يلزم أن يجد سيره إلا بالعادة بل يمشي على سجية مشيه، ولا يستعجل فيه وإن كان قادرا على العجلة، وإن كان راكبا فلا يعدي بها فيركض عليها بل يسير على سجية مشيه، لأنه هو العرف والعادة. فإذا ثبت أن المطالبة على ما جرت به العادة نظرت، فإن طالب على هذا الوجه استحق الشفعة وإن ترك المطالبة لم يخل من أحد أمرين إما أن يؤخر من عذر أو من غير عذر فإن كان لغير عذر فبما ذا سقط الشفعة؟ فيه أربعة أقوال: أحدها وهو الأصح أن المطالبة على الفور كالرد بالعيب، فإن تركها مع القدرة عليها بطلت شفعته. فإذا ثبت أنها على الفور، فإذا بلغه وهو في المجلس فهل له خيار المجلس أم لا؟ قيل فيه قولان، والذي نقوله إنه إن أسقط حق الشفعة في المجلس سقط، وإن لم يطالب لغير عذر سقط، وإن أخر لعذر فالعذر على ثلاثة أضرب: مرض وحبس وغيبة.

[ 109 ]

فإن كان مريضا نظرت فإن كان المرض خفيفا يمكنه المطالبة، وإن كان به هذا المرض كالصداع ونحوه فهو كالصحيح، وإن كان مرضا شديدا لا يمكنه المطالبة به لأجل المرض نظرت، فإن قدر على التوكيل، وكل في المطالبة، فإن ترك ذلك مع القدرة بطلت شفعته، وإن لم يقدر على التوكيل كان هذا عذرا، يصبر حتى إذا قدر عليها طالب، لأنه معذور في حكم [ الغائب ]. وإن كان محبوسا لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون محبوسا بحق أو بغير حق فإن كان محبوسا بغير حق مثل أن حبسه ظالم أو حبسه الحاكم بالدين وهو معسر فهو كالمريض فإن قدر على التوكيل وكل وطالب وكيله، وإن لم يقدر على التوكيل كان على شفعته، لأنه معذور كالمريض، وإن كان محبوسا بحق مثل أن كان عليه دين يقدر على أدائه فهذا ليس بعذر لأنه حبس نفسه، فإنه يقدر على خلاصه والخروج منه فهو كالمطلق سواء، وقد مضى حكمه. وإن كان غايبا لم تبطل شفعته بالغيبة، فإذا بلغته وهو غايب، فإن كان قادرا على المسير وكان الطريق مأمونا والرفقة موجودة، فلم يفعل، سقطت شفعته كالحاضر في طرف البلد، وإن لم يقدر على المسير وقدر على التوكيل وكل، فإن لم يفعل بطلت شفعته، فإن لم يقدر على الميسر بنفسه ولا على التوكيل كان على شفعته، لأنه عذر. فمتى بلغه وهو غائب فهل يفتقر ثبوت شفعته إلى الاشهاد أم لا سواء قدر على المسير أو على التوكيل أو لم يقدر عليهما، قيل فيه قولان أحدهما أن الاشهاد شرط، والثاني له الشفعة أشهد أو لم يشهد، وهو الصحيح، لأن وجوب الاشهاد يحتاج إلى دليل. فإن كانا بمصر ولهما بمكة دار شركة بينهما فباع أحدهما نصيبه من أجنبي فسكت شريكه عن المطالبة فلما قدما مكة طالبه بالشفعة وذكر أنه ترك المطالبة بها لتكون المطالبة بالبلد الذي فيه الدار بطلت شفعته، لأنه ترك المطالبة بها مع القدرة عليها. قد بينا أن الشفيع يأخذ الشفعة بالثمن الذي استقر العقد عليه، فإن اتفقا على

[ 110 ]

قدره فلا كلام وإن اختلفا لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن يكون مع واحد منهما بينة أو مع كل واحد منهما بينة أو لا بينة مع واحد منهما، فإن كان مع أحدهما بينة أقامها وكانت الشفعة بما ثبت من قدره، سواء كان الشفيع أو المشتري، لأن البينة أقوى من الدعوى، والبينة شاهدان أو شاهد وامرأتان أو شاهد ويمين، فإن لم يكن هناك شاهد غير البايع لم يقبل شهادته لواحد منهما، لأنه إن شهد للمشتري لم تقبل لأنها شهادة على فعل نفسه، وتلك لا تقبل، وإن شهد للشفيع لم يقبل لمثل ذلك، ولأنه يجر إلى نفسه نفعا فإن الدرك عليه، فهو يميل إلى تقليل الثمن خوف الدرك فيما باع. فإن كان مع كل واحد منهما بينة فالبينة بينة المشتري الداخل وقال قوم إن البينة بينة الشفيع، لأنه الخارج ولأنه المدعي للثمن، والمشتري منكر له فإذا ثبت أن البينة بينة المشتري، فالحكم فيه كما لو كانت البينة له وقد مضى. وإن لم يكن مع واحد منهما بينة فالقول قول المشتري، لقوله عليه السلام " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " والمدعى عليه هو المشتري، لأن الشفيع يدعي أن الشراء بألف والمشتري منكر، ولأن الملك للمشتري والشفيع ينزعه منه ببدل فكان القول قوله فيما يزال به الملك. فإن تبايعا شقصا واختلفا في قدر ثمنه نظرت، فإن كان مع أحدهما بينة أقامها وثبت قوله وحكم له بها، وكان للشفيع الشفعة بما ثبت من الثمن. وإن كان لكل واحد منهما بينة فالبينتان متعارضتان، فالحكم فيهما القرعة عندنا، فمن خرج اسمه حكم له به، وأخذ الشفيع بذلك الثمن الذي يحكم به بالقرعة. وفي المخالفين من قال: يتحالفان، فإذا تحالفا فهل يفسخ البيع أم لا على وجهين أحدهما لا يفسخ، فعلى هذا يقال للشفيع إن اخترت أن تأخذ الشفعة بالثمن الذي يذكره البايع فخذ أودع، وإذا قال يفسخ البيع فعلى هذا للشفيع أن يسقط الفسخ ويأخذ بما يدعيه البايع، لأن المتبايعين إذا تفاسخا لم يسقط حق الشفيع، كما لو تقايلا، فإن للشفيع شفعته. إذا كان الشراء بثمن له مثل كالحبوب والأثمان، كان للشفيع الشفعة بلا خلاف

[ 111 ]

وإن كان بثمن لا مثل له كالثياب والحيوان ونحو ذلك، فلا شفعة عند أصحابنا وفيه خلاف (1). إذا وجبت الشفعة للشفيع فلم يعلم بها حتى استقال من المشتري البيع، فأقاله كان للشفيع إسقاط الإقالة، ورد الشقص إلى المشتري، وأخذه بالشفعة، لأن حق الشفعة ثبت على وجه لا يملك المتعاقدان إسقاطه، وإن باع المشتري الشقص كان الشفيع بالخيار بين أن يقر المشتري الثاني على ما اشتراه ويأخذ بالشفعة منه وبين أن يفسخ ويأخذها من المشتري الأول. فإن علم الشفيع فعفى عنها ثم عاد الشقص إلى البايع، فهل للشفيع أن يأخذ الشفعة من البايع؟ نظرت، فإن عاد إليه بالاقالة لم يكن له أن يأخذ منه لأنه عاد بالفسخ، والشفيع إنما يستحق الشفعة بعقد المعاوضة وهو البيع، وإن عاد الشقص إليه بالشراء كان للشفيع الشفعة، لأنه تركها على المشتري، فإذا تجدد بيع غير الأول تجدد له الأمر، كما لو باعها المشتري من غير البايع، وإن عاد إلى البايع بالتولية كان للشفيع الشفعة لأن التولية بيع، كل ذلك لا خلاف فيه. إذا تزوج امرأة وأصدقها شقصا فإنه لا يستحق الشفيع عليها الشفعة، لإجماع الفرقة وأخبارهم، فإن طلقها قبل الدخول بها عاد منه النصف إلى الزوج، و في الناس من قال: للشفيع مطالبتها بالشفعة بمهر المثل، ومنهم من قال: بقيمة الشقص حين العقد. فإن طلقها قبل الدخول فإن كان الشفيع أخذ بالشفعة، فلا حق للزوج وإنما يرجع عليها بنصف قيمة أقل الأمرين: من نصف القيمة يوم العقد، أو يوم قبضها، و إن كان عفا عنها وتركها ثم طلقها عاد الزوج إلى نصف العين. وإن كان لم يعف ولم يأخذ وطلقها عقيب النكاح أو بعده بمدة لم يعلم الشفيع

(1) قال أبو حنفية ومالك والشافعي: له الشفعة ويأخذها بقيمة الثمن والاعتبار بقيمته حين العقد لا حين الأخذ بالشفعة على قول الشافعي وبقيمته حين المحاكمة على قول مالك وبقيمته يوم انقضاء الخيار على قول ابن سريج.

[ 112 ]

ثم علم فالزوج يقول أنا أحق، والشفيع يقول: أنا أحق، وفي أيهما أحق وجهان أحدهما الزوج لأن حقه ثابت بنص القرآن، والشفعة ثابتة بالاجتهاد وخبر الوحد، والثاني وهو الصحيح عندهم الشفيع أولى. إذا اشترى بثمن إلى أجل قيل في كيفية الأخذ بالشفعة ثلاثة أقوال: أحدها أن الشفيع بالخيار بين أن يأخذ بالثمن حالا وبين أن يؤخر حتى إذا حل الحق أخذ من محله، والثاني أن يأخذ بالثمن إلى المدة، والثالث يأخذه بسلعة تساوي بالثمن إلى سنة، والأول هو الصحيح عندي. فعلى هذا إن مات المشتري حل الثمن عليه، وكان الشفيع مع وارث المشتري بالخيار على ما كان، لأن الحق حل في حق المشتري فلا يحل في حق الشفيع وإن لم يمت المشتري لكنه باع صح البيع وكان الشفيع بالخيار إذا حل الأجل بين أن يقر البيع الثاني ويأخذ من المشتري الثاني، وبين أن يفسخ ويأخذ من الأول. وقال بعض أصحابنا: إن الشفيع يأخذ بالثمن إلى أجل في الحال، فإن لم يكن مليا أقام ضمينا إلى حين حلول الأجل. إذا مات وخلف دارا وابنين فهي بينهما نصفين، فإن مات أحدهما وخلف ابنين كان نصفها بينهما نصفين، ولعمهما النصف، ولكل واحد منهما الربع، فإن باع أحدهما نصيبه من أجنبي بطلت الشفعة ها هنا لأن الشريك أكثر من واحد. ومن قال من أصحابنا: إن الشفعة على عدد الرؤس يجب أن يقول الشفعة بين العم والأخ وفي الناس من قال للأخ وحده، فإن عفا الأخ فهل يتوفر على العم؟ فيه وجهان، وكذلك لو اشترى رجل نصف دار ثم اشترى باقيها رجلان، ثم باع أحد الآخرين نصيبه فعلى القولين. وكذلك إذا خلف دارا وثلاثة بنين فباع أحدهم نصيبه من اثنين، وعفى أخواه ثم باع أحد الأخوين (1) نصيبه من أجنبي ففيها قولان أحدهما الشفعة لمن اشترى معه دون الأخوين، والثاني بينه وبين الأخوين.

(1) المشتريين خ ل، الشريكين خ ل.

[ 113 ]

وكذلك إذا خلف دارا وبنتين واختين، فللبنتين عندهم الثلثان، وللأختين الثلث، فإن باعت إحدى الأختين نصيبها فعلى قولين: وكذلك إن خلف دارا وثلاثة بنين ثم مات أحدهم وخلف ابنين ثم باع أحد الابنين (1) حصته فهل يكون الشفعة للعم وحده ويأخذ هو دون ابن أخيه فعلى قولين وقد قلنا ما عندنا في هذه المسائل، وعلى قول من خالف من أصحابنا ينبغي أن نقول بينهم على السواء. قد بينا أن أكثر أصحابنا المحصلين على أن الشفعة تبطل إذا كان أكثر من شريك واحد، وقال قوم منهم، وروي فيه أخبار: إنها على عدد الرؤس، وفي الناس من قال مثل هذا القول، وفيهم من قال على عدد الانصباء فأما على الأول فلم يوافقنا عليه أحد. الشفعة لا تورث عند أكثر أصحابنا، وقال قوم إنها تورث من أصحابنا ولا أعرف فيه نصا والأول هو المروي عنهم عليهم السلام فمن أثبت الميراث في الشفعة ورثه على فرائض الله تعالى، فإن خلف زوجة وابنا كان لها الثمن والباقي لابنه، وعلى هذا أبدا عند من قسمه على الأنصباء، ومن قسمه على الرؤس جعل بينهما نصفين. إذا خلف شفعة وابنين كان بينهما نصفين، فإن عفوا سقطت وإن أخذاها ثبتت وإن عفا أحدهما دون صاحبه سقط حقه وهل يسقط حق أخيه أم لا على وجهين أحدهما يسقط لأنهما يقومان مقام أبيهما، والأب لو عفا عن البعض سقطت كلها. والوجه الثاني وهو الأصح على هذا القول يتوفر على أخيه فيكون الكل له لأنها شفعة لاثنين، فإذا عفا أحدهما توفر على شريكه كما لو وجبت لهما بالبيع، وأما المورث فالمستحق واحد، فإذا عفا عن نصف حقه سقط كله، وليس كذلك ها هنا لأنه عفا عن كل حقه فلهذا لم يسقط حق شريكه منهما. قد قلنا إن الشريك إذا كان أكثر من واحد بطلت الشفعة، ومن قال على عدد الرؤس يقول إذا كانت الدار بين أربعة أرباعا فباع واحد منهم نصيبه كان للباقين الشفعة

(1) العمين خ ل.

[ 114 ]

بينهم بالسوية، لأنهم متساوون في العدد والأنصباء، ثم لا يخلو حالهم من أحد أمرين إما أن يكونوا حضورا أو غيبا، فإن كانوا حضورا واختاروها كانوا فيه سواء فإن عفا واحد منهم قيل للآخرين: فإما أن تدعا الكل أو تأخذا الكل أخذا فلا كلام وإن امتنعا وقالا: لا نأخذ إلا حقنا. لم يكن لهما، لأن ذلك يؤدي إلى الضرر. وهكذا إذا وجبت لاثنين وعفا أحدهما قيل للآخر: أنت بالخيار بين أن تأخذ الكل أو تتركه، فإن عفا اثنان عنها قلنا للثالث أنت بالخيار بين أن تأخذ الكل أو تتركه لمثل ذلك. وإن كانوا غيبا فالشفعة لهم أيضا على ما مضى، فإن حضر واحد منهم أو كانوا كلهم حضورا فغاب اثنان الباب واحد، يقال للحاضر أنت بالخيار بين أن تأخذ الكل أو تدع الكل، وليس لك أن تأخذ قدر حقك، لأنا لا نعرف شفيعا سواك. فإذا ثبت هذا لم يخل من أحد أمرين إما أن يأخذ أو يؤخر، فإن أخذ ملك الشقص، فإن قدم أحد الغائبين فإما أن يأخذ أو يعفو، فإن عفا سقط حقه وإن اختار الأخذ أخذ من الحاضر النصف لأنه لا شفيع سواهما. فإن قدم الغائب الآخر فإما أن يعفو أو يأخذ، فإن عفا استقر للأولين ما أخذا، وإن اختار الأخذ شاركهما فيكون المبيع بينهم أثلاثا وينتقض القسمة بالمطالبة بالشفعة إن كانا اقتسما وإن كانت وقعت صحيحة، لأن الثالث إذا طالب بالشفعة كان بمنزلة الموجود حين القسمة لأن حقه وجب قبل القسمة. فإن أخذ الحاضر الشفعة فأصاب بالشقص عيب ورده على المشتري، ثم حضر الغايبان كان لهما الشفعة لأن رده بالعيب بمنزلة عفوه عنها، ولو عفا عنها ثم حضرا أخذاها، فإن اختار الحاضر الأخذ فأخذها فاستغلها ثم حضر الغايب فاختار الأخذ أخذه، وكانت الغلة للأول لا حق للقادم فيها، لأن الأول استغل ملك نفسه. وإن أخذها الحاضر وملكها، ثم حضر الغايبان وأخذا منه، ودفعا الثمن إليه ثم خرج الشقص مستحقا كان دركهما على المشتري دون الشفيع الأول، وإن كان الآخذ هو فإنه بمنزلة النائب عنهما في الأخذ لهما، والمستوفي لهما كالوكيل، لأنهما

[ 115 ]

يستحقان عليه ذلك بعقد البيع قبل أن يأخذ لنفسه. هذا إذا اختار الأخذ فأما إن اختار التأخير، وقال لست آمن الغائبين وإني متى أخذت الكل وحضرا، انتزعا الثلثين من يدي، فلا أوثر هذا ولا أختار بل أتوقعهما حتى يحضرا، فإن عفوا أخذت الكل، وإن أخذا شاركتهما في هذا، فهل يبطل نصيبه بهذا التأخير أم لا؟ قيل فيه وجهان: قال قوم لا يبطل وهو الأقوى، لأنه تأخير لعذر فلا تبطل شفعته، وقال آخرون يبطل حقه لأنه ترك الأخذ مع القدرة عليه. إذا كانت دار بين أربعة أرباعا فباع واحد منهم حقه، فاستحقها الثلاثة وكان أحد الثلاثة غايبا، فاختار الآخران أن يأخذا بجميع المبيع: نفرض المسألة من ثمانية وأربعين، فباع واحد منهم سهمه وهو اثنا عشر سهما فأخذه الحاضران معا، صار لكل واحد منهما ستة، ثم غاب أحدهما ويسمى هذا الغائب الثاني ثم حضر الغائب الثالث فطلب حقه. فإن كان الحاكم ممن يرى الحكم على الغائب وهو مذهبنا، قضى للثالث بجميع حقه وهو أربعة أسهم: سهمان على الحاضر وسهمان على الغائب فيصير لكل واحد منهم أربعة أسهم. وإن كان لا يرى القضاء على الغائب، فبكم يقضي لهذا الثالث على الحاضر؟ قيل فيه وجهان أحدهما بنصف ما في يديه، لأن الثالث يقول للحاضر في يدك نصف المبيع فكأنه لا مبيع غيره ولا شفيع غيرنا، ووجب أن يكون بيننا نصفين، والثاني يقضى له على الحاضر بثلث ما في يده، لأنه لا يستحق عليه إلا قدر ما حصل في يديه من حقه الواجب له بأجل، والذي حصل في يديه من حقه ثلث ما في يديه، فلا يستحق أكثر منه. فإذا حصل للثالث ما قضى له به، ثم غاب هذا الثالث ثم حضر الثاني وفي يده ستة أسهم وإنما يستحق بها أربعة أسهم، فبماذا يرجع الحاضر على هذا الثاني؟ يبني على ما قضى به للثالث.

[ 116 ]

فإن كان الثالث أخذ من الحاضر ثلث ما في يده، لم يرجع على الثاني بشئ، بل في يد الثاني فضل سهمين هما للثالث فمتى حضر استوفاهما، وإن كان الثالث أخذ من الحاضر نصف ما في يديه وهو ثلاثة أسهم فقد قدم الثاني وفي يده فضل سهمين أحدهما للحاضر يأخذ منه فيصير ما في يد الحاضر أربعة أسهم، ويبقى في يد الثاني خمسة أسهم، فإذا قدم الثالث أخذ منه سهما فيصير في يد الثالث أربعة أسهم، وفي يد الثاني أربعة وفي يد الحاضر أربعة، فمتى حضروا حصل لكل واحد منهم كمال حقه، فيرجع كل واحد منهم على صاحبه بما حصل له في يديه. إذا اشترى شقصا فوجب للشفيع فيه الشفعة فأصابه نقص وهدم قبل أن يأخذ الشفيع بالشفعة، فهو بالخيار بين أن يأخذه ناقصا بكل الثمن أو يدع، وسواء ذلك هدمها المشتري أو غيره، أو انهدمت من غير فعل أحد. وكذلك إن حرق بعضها، أو كانت أرضا فغرق بعضها فللشفيع أن يأخذ ما يبقى بجميع الثمن أو يدع، لأنه إن هلك بأمر سماوي فما فرط فيه، وإن هدمه هو فإنما هدم ملك نفسه، وإذا أخذه بالشفعة أخذ ما اتصل به، وما انفصل عنه من الآلة (1) لأنه جميع المبيع. وقيل: إنه بالخيار بين أن يأخذ الموجود بما يخصه من الثمن أو يدع، وهو الأصح عندهم، والذي يقوى في نفسي أنها إذا انهدمت وكانت آلتها باقية، فإنه يأخذها وآلتها بجميع الثمن أو يتركها وإن كان قد استعمل آلتها المشتري أخذ العرصة بالقيمة وإن احترقت الدار أخذ العرصة بجميع الثمن أو يترك، لأنه ما فرط. ولو اشترى شقصا بمائة وغرم عليه من الدلالة والوكالة وغير ذلك مؤونة لم يلزم الشفيع غير الثمن الذي قابل ما اشتراه وباشره. وفي الناس من قال: إذا انتقض البناء وكانت الأعيان المنهدمة موجودة دخلت في الشفعة، وإن كانت منفصلة عن العرصة، لأنه يقبلها بالثمن الذي وقع البيع به والاستحقاق

(1) الآلة: كل ما اعتملت به من أداة، والمراد هنا أجزاء البناء مثلا من العمد والأجر والأبواب.

[ 117 ]

وجب له حين العقد فكان له أخذ كل ما تناوله عقد البيع، ويفارق هذا إذا اشترى دارا قد سقط بعضها فإن الساقط منها انفصل عنها، لأنه لا يدخل في عقد البيع، لأنه منفصل حين عقد البيع، وهذا انفصل بعد عقد البيع. وفي الناس من قال: إن ذهب بفعل آدمي أخذه بالحصة من الثمن، وإن ذهب بأمر سماوي أخذه بكل الثمن كما قلنا، غير أنه قال: فإن غرق بعض العرصة أخذ الباقي بالحصة من الثمن، أو ترك، وعلى ما قلناه يجب أن يقول يأخذ الباقي بكل الثمن أو يترك. إذا اشترى شقصا ووجب للشفيع فيه الشفعة، ثم قاسم المشتري وأفرد ما اشتراه ثم غرس وبنا، ثم طلب الشفيع الشفعة، قيل للشفيع: إن شئت فخذ بالثمن وقيمة الغراس والبناء اليوم أودع. فإن قيل: كيف يصح هذه المسألة مع أن حق الشفيع على الفور، ومتى قاسم المشتري بطلت شفعته، فكيف يكون له الشفعة بعد القسمة؟ قلنا: تصح له الشفعة من أربعة أوجه أحدها أظهر الشريك الجديد أنه ملك الشفعة بالهبة فقاسمه الشفيع، ثم بان أنه ملكه بالشراء. والثاني: أظهر أنه اشتراه بألف فزهد الشفيع ثم بان أنه اشتراه بمائة بالبينة أو بالاعتراف من المشتري. وثالثها وكل المشتري (الشريك) ظ في الدار وكيلا في استيفاء حقه، ومقاسمة شركائه والأخذ بالشفعة له، وغاب الموكل ثم وجبت له الشفعة وهو غائب فرأى الوكيل ترك الشفعة، فقاسم المشتري وغرس المشتري، أو رأى الحظ في الأخذ فتوانا ولم يأخذ وقاسم فإن المقاسمة تصح ولا يبطل حقه بترك وكيله. الرابع اشترى المشتري والشفيع غائب، فلم يمكنه البناء في المشاع فثبت الشراء عند الحاكم، وسأله قسمته على الغائب فأفرد له حقه فتصرف، ثم قدم الشفيع فله الأخذ بالشفعة. فإذا ثبت أنها تصح من هذا الوجه، فإذا طالب الشفيع بها لم يخل المشتري من

[ 118 ]

أحد أمرين إما أن يختار القلع أو الترك، فإن اختار القلع كان له ذلك لأنه قلع ملكه عن ملكه الذي يملك بيعها، فإذا قلع فليس عليه تسوية الحفر، ولا أرش ما نقصت بالقلع لأنه تصرف في ملك نفسه. ويقال للشفيع أنت بالخيار بين أن تأخذ بكل الثمن أو تدع لأنه لا ضمان على المشتري فيما دخل المبيع من النقص، فإذا أخذه فلا كلام، وإن لم يأخذه سقطت شفعته وإن اختار التبقية قلنا للشفيع أنت بالخيار بين ثلاثة أشياء بين أن تدع الشفعة، أو تأخذ وتعطيه قيمة الغراس والبناء، أو تجبره على القلع وعليك ما نقص، فإن اختار الترك فلا كلام، وإن اختار الأخذ ودفع القيمة أخذ الشقص بالثمن المسمى، ويأخذ ما أخذ به المشتري بقيمته حين الأخذ سواء كانت القيمة أكثر مما أنفقه المشتري أو أقل، لأنه إذا كان الأخذ بالقيمة كان اعتبار القيمة حين الأخذ وإن اختار القلع قلنا: تأخذ الشقص بالثمن وعليك ما نقص بالقلع، فيقال كم يساوي هذا الغراس غير مقلوع؟ قالوا مائة قلنا وكم يساوي مقلوعا؟ قالوا خمسون قلنا فأعطه خمسين، فإن قال الشفيع لا أختار شيئا من هذا لكني أطالبه بالقلع ولا التزم له ما نقص، لم يكن ذلك له. قد ذكرنا أن الأشياء على ثلاثة أضرب ما يجب فيه الشفعة متبوعا، وما لا يجب تبعا ولا متبوعا، وما يجب فيه تبعا ولا يجب فيه متبوعا: فما يجب فيه مقصودا متبوعا الأرض لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: الشفعة في كل شركة ربع أو حائط، ولا يحل له أن يبيعه حتى يعرضه على شريكه، فإن باعه فشريكه أحق به بالثمن. وما لا يجب فيه بحال لا تبعا ولا متبوعا كل ما ينقل ويحول كالمتاع والمأكول والحيوان والسفن والثمار. وما يجب فيه تبعا ولا يجب فيه متبوعا ما كان بناء وأصلا و هو الغراس إن أفرده بالبيع فلا شفعة، وإن بيع مع الأصل تبعه في الشفعة، لأنه لما دخل في البيع المطلق وجب فيه الشفعة. فإذا ثبت هذا فباع الأرض وفيها نخل فإن كان فيها طلع مؤبر (1) فهو للبايع إلا أن يشرط المبتاع، وإن اشتراه مطلقا فالثمن للبايع، والأرض والنخل

(1) تأبير النخل: تلقيحه وإصلاحه.

[ 119 ]

للمشتري، يأخذ الشفيع ذلك بالشفعة وتبقى الثمرة للبايع، وإن اشترى النخل و الأرض وشرط الثمرة كان للشفيع أن يأخذ الكل مع الثمرة وفي الناس من قال له جميع ذلك إلا الثمرة. وأما إن اشترى شقصا وزاد في يده ثم علم الشفيع بالشفعة، فله أن يأخذه بالشفعة، سواء كانت الزيادة غير متميزة كطول النخل وغلظه وكثرة سعفه، وطول الأغصان في الشجرة، فكل هذا يتبع الأصل بلا خلاف، وإن كانت الزيادة متميزة مثل أن كان طلعا مؤبرا أو نماء منفصلا عن الأصل كان الأصل للشفيع دون النماء، لأنها فايدة تميزت في ملكه كما نقول في رد المبيع فإنه يرد المبيع دون النماء المتميز. وأما إن كانت الزيادة لا من نفس المبيع ولا زيادة متميزة لكنه كان الطلع قد حدث به إلا أنه غير مؤبر، فهل يتبع الأصل فيأخذه الشفيع، أم لا؟ قيل فيه قولان أولاهما أن نقول إنه يتبع لعموم الأخبار. إذا باع شقصا من متاع لا يجوز قسمته شرعا كالحمام والارحية والدور الضيقة والعضائد (1) الضيقة فلا شفعة فيها. قد ذكرنا أن الشفعة تجب فيما يجوز قسمته شرعا ولا يجب فيما لا يجوز قسمته شرعا ويحتاج أن نبين ما يجوز قسمته شرعا. وجملته أن كل مشاع بين نفسين فإن كانا لا يستضران بقسمته جازت قسمته، و أيهما طلب القسمة أجبر الآخر عليه، وإن كانا يستضران بها لا تجب قسمته شرعا ومعناه أن أيهما طلب لم يجبر الآخر عليه. ولا خلاف أنهما إذا كانا يستضران بها لم يقسم شرعا واختلفوا في الضرر فقال قوم المحصل من ذلك أن الضرر نقصان قيمة نصيب كل واحد منهما بالقسمة، فمتى طلبها أحدهما فهل يجبر الآخر أم لا؟ لا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن لا يستضر واحد منهما أو يستضر أحدهما، أو يستضر كل واحد منهما: فإن لم يستضر واحد منهما فأيهما طلبها أجبر الآخر عليها، لأنه لا ضرر فيها، وإن كان أحدهما يستضر بها وحده مثل أن كان نصيبه قليلا ونصيب شريكه كثيرا نظرت، فإن طلب من لا يستضر بها أجبرنا الآخر، وإن كان

(1) العضائد جمع عضدة، لعلها: الدكان.

[ 120 ]

يستضر بها، لأنه يطلبها من لا يستضر بها فأشبه إذا لم يستضرا، وإن كان الطالب هو المستضر بها فهل يجبر الآخر عليها أم لا؟ قيل فيه وجهان: أحدهما لا يجبر، لأنه يطلبها من يستضر بها، فأشبه أنه استضرا معا، لأن الطالب يطلب سفها يدخل عليه فلا يجيبه إليه (1) الحاكم. والوجه الثاني يجبر عليها لأن أحد الشريكين لا يستضر به، فأشبه إذا استضر المطلوب دون الطالب. وإن كان كل واحد منهما يستضر بها، فأيهما طلبها لم يجبر الآخر عليها، لأنها قسمة ضرر. وقال قوم: الضرر أن لا ينتفع بحصته بعد القسمة، وإن انتفع به بعد القسمة فهي قسمة شرعية سواء نقصت القيمة أو لم تنقص وهذا هو الأقوى عندي لأنه متفق عليه لأن ما لا ينتفع به لا خلاف أنه لا يوجب القسمة، والأول ليس عليه دليل. فإذا ثبت هذا فكل ما يقسم شرعا أفاد حكمين الاجبار على القسمة، والمطالبة بالشفعة، وما لا يقسم شرعا أفاد حكمين، لا يجبر عليها، ولا يتعلق به الشفعة. فإذا ثبت ذلك فمما لا يقسم البئر والحمام والرحى والطريق: فالبئر على ضربين بئر معها بياض أرض، وبئر مفردة، فإن كان معها بياض أرض بقدر قيمتها (2) أمكن أن تكون بينهما والأرض بالقيمة بينهما فهذه قسمة شرعية يتعلق بها الحكمان معا كما نقول في أرض مائة جريب قيمة عشر منها بقيمة ما بقي، فإنها تعدل بالقيمة سهمين، ويقرع بينهما كذلك البئر وبياض الأرض. وإن كانت البئر وحدها أو معها بياض لا يبلغ قيمة الأرض نظرت، فإن كانت البئر مما تقسم شرعا كالمصنع العظيم ونحو هذا، فإن كانت وحدها قسمت نصفين، وإن كان معها البياض اليسير جعل منها مع البياض بقدر نصف القيمة ثم أقرع بينهما فيتعلق بها الحكمان معا، وإن كانت بئرا ضيقة لا يمكن قسمتها لم يتعلق بها الحكمان معا ولا واحد منهما.

(1) فلا يجبره خ ل.
(2) يعني قيمة البئر.

[ 121 ]

وأما الحمام فكالبئر المفردة إذا احتملت القسمة الشرعية وهو أن يكون كل حصة حماما مفردا من غير نقصان القيمة، تعلق بها الحكمان معا، وإن لم يحتمل هذا لم يتعلق بها الحكمان معا ولا واحد منهما على ما فصلناه في البئر سواء. وأما الرحا فينظر فيها فإن احتملت القسمة الشرعية مثل أن كانت في البيت حجران دائران يمكن أن يجعل كل حجر داير بينهما بالقيمة، تعلق به الحكمان معا، و إن كانت فيه حجر واحد، فإنه لا يمكن قسمته لأن الفوقاني متى أفرد عن السفلاني نقصت قيمته، ولا ينتفع به، فلا يتعلق به الحكمان ولا واحد منهما، وحكم الحجر الضيقة والعضايد مع هذا الحكم سواء. وأما الأرض، فلا تكاد تنقص بالقسمة، وإن قلت، فالحكمان يتعلق بها أبدا. وأما الطريق فعلى ضربين: مملوك وغير مملوك، فغير المملوك الشوارع الواسعة والدروب النافذة، فإذا اشترى رجل دارا والطريق إليها من شارع أو درب نافذ فلا شفعة في الطريق، وإن كان واسعا لأنه غير مملوك، وأما الدار فلا شفعة فيها لأنه لا شفعة بالجوار. وإن كان الطريق مملوكا مثل الدروب التي لا ينفذ، المشترك بين أهلها وطريقهم إلى منازلهم، فإذا اشترى رجل دارا في هذا الدرب وكان الشركاء أكثر من واحد فلا شفعة وإن كان واحدا فله شفعة إلا أن يكون المشتري يحول باب الدار إلى درب آخر فتبطل الشفعة في الدار، وأما الدرب فمشاع بين أهله، فإن كان ضيقا لا يقسم شرعا فلا شفعة فيها، وعند قوم أنها يثبت بها الشفعة في الدار وهو الصحيح عندنا. وإن كانت مما تقسم شرعا وهو أن يكون نصيب كل واحد منهما قدر كفايته، ولا ينقص قيمتها بعد القسمة، فهل يجب فيها الشفعة أم لا؟ فإن كان الشريك واحدا فيه الشفعة، وإن كان أكثر فلا شفعة، لعموم الأخبار في ثبوت الشفعة بالاشتراك في الطريق وقال قوم ممن لم يوجب الشفعة بالاشتراك في الطريق، إن كانت الدار المشتراة لها طريق من غير هذا الدرب، مثل أن كان في غير هذا الدرب لها باب، أو كان لها موضع يمكنه إحداث باب فيه كالشارع في الدرب النافذ أخذ ما ملكه من الطريق بالشفعة،

[ 122 ]

لأنه يقدر على طريق إلى داره من غير هذا الدرب. وإن لم يكن له طريق إلى غيره، ومتى أخذ نصيبه بالشفعة بقيت الدار التي اشتراها بغير طريق، فهل يؤخذ بالشفعة أم لا قيل فيه ثلاثة أوجه إحداها يؤخذ منه لأنه مما يقسم شرعا، والثاني لا يؤخذ منه بالشفعة لأن وجوب الشفعة لإزالة الضرر، فلو قلنا يؤخذ منه أزلنا عن الشفيع الضرر بإدخاله على المشتري بحصول دار لا يقدر لها على طريق، والثالث يؤخذ بالشفعة فيكون له حق الاستطراق إلى داره في ملك غيره، وهذا ضعيف جدا عندهم، لأنه إذا ملك عليه سقط حق الاستطراق. الشفعة يجب للمولى عليه، ولوليه أن يأخذ ذلك له فالمولى عليه الصبي والمجنون والمحجور عليه لسفه، وولي هؤلاء الأب أو الجد أو الوصي من قبل واحد منهما أو أمين الحاكم إن لم يكن هناك أب ولا جد، ولوليه أن يأخذ له، ولا يجب أن ينتظر بلوغه ورشاده. فإذا تقرر أن الشفعة تجب له، فإن لوليه أن يستوفيه ولا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون الحظ في الأخذ أو الترك، فإن كان الحظ في الأخذ مثل أن يكون للصبي مال معد لا يباع العقار، وكان الشقص بثمن مثله أو بأقل من ثمن مثله، فإنه يجب على الولي أن يأخذ بالشفعة فإن أخذ صح الأخذ، وملك الصبي الشقص، لأنه قبله له، فإذا بلغ الصبي لم يكن له ردها على المشتري الولي، وإن ترك الأخذ لم يسقط حق الصبي فإذا بلغ ورشد كان بالخيار بين أن يأخذ أو يدع، لأنه لا دلالة على سقوط حقه. هذا إذا كان حظه في الأخذ وأما إن كان حظه في الترك مثل أن كان مبيعا بأكثر من ثمن مثله أو بثمن مثله، لكن لم يكن له مال واحتاج إلى بيع عقار هو أجود منه فلا يجوز له الأخذ لأنه لا حظ له. فإذا ثبت هذا لم يخل من أحد أمرين إما أن يأخذ أو يترك، فإن أخذ لم يصح أخذه ولم يملك الصبي الشقص، لأنه أخذ ما لا حظ فيه، وإذا لم يملك الصبي فلا

[ 123 ]

يملك وليه، لأن الشفعة تستحق بالملك، ولا ملك للولي في العقار، وإن لم يأخذه واختار الترك ثم بلغ الصبي ورشد فهل له أن يأخذ ما ترك وليه أم لا؟ الأولى أن نقول: له الخيار في الأخذ والترك، وقال قوم ليس له ذلك. إذا باع شقصا بشرط الخيار فإن كان الخيار للبايع أو لهما لم يكن للشفيع الشفعة لأن الشفعة إنما تجب إذا انتقل الملك إليه، وإن كان الخيار للمشتري وجبت الشفعة للشفيع لأن الملك يثبت للمشتري بنفس العقد، وله المطالبة بعد انقضاء الخيار، وحكم خيار المجلس وخيار الشرط سواء على ما فصلناه. إذا باع شقصا بشرط الخيار فعلم الشفيع بذلك، فباع نصيبه بعد العلم بها سقطت شفعته، لأنه إنما يستحق الشفعة بالملك، وقد زال ملكه الذي يستحقها به فسقطت شفعته، وبقي البايع الأول والمشتري الأول، وللمشتري الأول الشفعة على المشتري الثاني. ومن قال إنه ينتقل المبيع بالشرطين يقول: الشفعة للبايع الأول لأن ملكه ثابت حين العقد، ومن قال مراعى نظر فإن تم البيع فالشفعة للمشتري الأول لأنه تبين أن الملك له، فإن لم يتم فالشفعة للبايع، لأنه تبين أن ملكه ما زال، وأما إذا باع بشرط الخيار للبايع أولهما، فالشفعة للبايع الأول لا غير. إذا اشترى شقصا وسيفا أو شقصا وعبدا أو شقصا وعرضا من العروض، كان للشفيع الشفعة بحصته من الثمن، ولا حق له فيما بيع معه لأنه لا دليل عليه، فإذا ثبت هذا فإنه يأخذ الشقص بحصته من الثمن، ويدع السيف على المشتري بحصته من الثمن. فإذا ثبت هذا فلا خيار للمشتري، ثم ينظر في قيمة الشقص والسيف ويأخذ الشقص بحصته من الثمن، لأن الشفيع يأخذ الشقص بثمنه، وثمنه ما قابله منه، فيقال كم قيمة الشقص؟ قالوا مائة قلنا كم قيمة السيف؟ قالوا مائة قلنا فخذ الشقص بنصف الثمن، وإن كانت قيمة الشقص خمسين، وقيمة السيف مائة أخذ بثلث الثمن، وعلى هذا الحساب. فإن باع شقصين من دار ين متفرقين صفقة واحدة، ووجبت الشفعة فيما باع لم يخل

[ 124 ]

الشفيع من أحد أمرين إما أن يكون الشفيع في إحداهما غير الشفيع في الأخرى؟ أو يكون الشفيع فيهما واحدا، فإن كان الشفيع في إحداهما غير الشفيع في الأخرى، نظرت فإن عفوا سقطت، وإن أخذا معا أخذ كل واحد منهما شفعته بالحصة من الثمن وإن عفا أحدهما وأخذ الآخر سقطت شفعة العافي في شركته، وكان للآخر أن يأخذ شفعته في شركته وحدها بالحصة من الثمن، لأنه يأخذ الشفعة بشركته وهو شريكه في هذه الدار وحدها، ويكون التقويم على ما قلناه في الشقص والسيف. وإن كان الشفيع في الموضعين واحدا نظرت فإن عفا عنهما سقطت، وإن اختارهما معا ثبتت، فإن عفا عن أحدهما فهل له الآخر أم لا؟ قيل فيه وجهان: أحدهما ليس له ذلك، لأنه أخذ بالشفعة بعض ما وجب له بها فلم يصح، كما لو كان الشقص واحدا فترك بعضه وأخذ بعضه لم يصح. والثاني وهو الصحيح أن له أخذ أحدهما وترك الآخر، لأنهما ليسا كالشقص الواحد، بل هما شقصان: ألا ترى أنه لو كان لكل واحد منهما شفيع فعفا عن حقه لم يتوفر على الآخر، ولو كان شقصا واحدا فمتى عفا عن أحدهما يوفر على الآخر فعلم بذلك أنهما لا يشبهان شقصا واحدا، فإذا ثبت ذلك، فله أن يأخذه بالحصة من الثمن على ما فصلناه من التقويم في الشقص والسيف سواء. إذا وجبت الشفعة للشفيع استحقها على المشتري، فإن كان المشتري قد قبض الشقص قبض الشفيع منه، ودفع الثمن إليه، وكان ضمان الدرك على المشتري لا على البايع، وإن كان قبل أن يقبض المشتري فإن الشفيع يستحقها على المشتري أيضا ويدفع الثمن إليه، ويقبض الشقص من يد البايع، ويكون هذا القبض بمنزلة قبض المشتري من البايع، ثم قبض المشتري من المشتري. فإن أراد الشفيع فسخ البيع والأخذ من البايع، لم يكن له، وإذا أخذها من يد البايع لم يكن الأخذ منه فسخا للبيع، ومتى باع المشتري الشقص كان الشفيع بالخيار بين أن يفسخ العقد الثاني ويأخذ بالشفعة في العقد الأول، وبين أن يطالب بالشفعة في الأخذ الثاني وإن تقايل المتبايعان كان للشفيع رفع الإقالة ورد الملك إلى المشتري والأخذ منه.

[ 125 ]

ولو ادعى البايع البيع وأنكر المشتري وحلف، كان للشفيع أن يأخذ من البايع وتكون العهدة عليه، ولو أبرء البايع الشفيع من الثمن لم يبرأ ولم يسقط حق البايع من الثمن لأن ثمنه على المشتري، ولو أصاب الشفيع عيبا بالشقص رده على المشتري دون البايع. وقال قوم إذا حلف المشتري سقطت الشفعة، لأن الشراء ما صح، والأول أصح لأن البايع اعترف بحقين أحدهما عليه وهو حق الشفعة، والثاني على المشتري فلم يقبل قوله على المشتري، لأن الحق له، وقبلناه للشفيع لأنه عليه. إذا تبايعا شقصا فضمن الشفيع الدرك للبايع عن المستحق أو المشتري عن البايع في نفس العقد، أو تبايعا بشرط الخيار على أن الخيار للشفيع، فإن عندنا يصح شرط الأجنبي، ولا يسقط شفعته، لأنه لا دليل عليه. إذا كانت الدار بين ثلاثة فباع أحدهم نصيبه فاشتراه أحد الآخرين فإن له النصف، وللذي لم يشتر النصف الآخر، على قول من قال من أصحابنا بثبوت الشفعة بين أكثر من اثنين. إذا كان الشفيع وكيلا في بيع الشقص الذي يستحقه بالشفعة، لم يسقط بذلك شفعته، سواء كان وكيل البايع في البيع أو وكيل المشتري في الشراء، لأنه لا مانع من وكالته لهما، ولا دليل على سقوط حقه من الشفعة بذلك. ويجوز بيع الشقص من الدار والأرض بالبراءة من العيوب علم المشتري بالعيب أو لم يعلم، ظاهرا كان العيب أو باطنا، فإذا باعه كذلك وأخذه الشفيع بالشفعة، فظهر به عيب لم يخل من أحد أربعة أحوال: إما أن يكون المشتري والشفيع جاهلين بالعيب أو عالمين، أو يكون المشتري جاهلا دون الشفيع، أو الشفيع دون المشتري. فإن كانا جاهلين به كان للشفيع رده على المشتري، وكان المشتري بالخيار بين رده على البايع وبين إمساكه. وإن كانا عالمين به استقر الشراء والأخذ بالشفعة معا، لأن كل واحد منهما دخل مع العلم بالعيب، وإن كان المشتري جاهلا به والشفيع عالما به سقط رد الشفيع

[ 126 ]

لأنه دخل مع العلم بالعيب. وأما المشتري إذا علم لم يمكنه الرد بالعيب، لأن الشقص قد خرج عن ملكه وليس له أن يطالبه بأرش العيب قولا واحدا فمتى عاد الشقص إلى المشتري بشراء أو هبة أو وجه من وجوه الملك فهل له رده؟ قيل فيه وجهان وهذا الذي ذكرناه لا يصح على مذهب من لا يجيز البيع بالبراءة من العيوب إلا في العيوب الباطنة في الحيوان. وإن كان المشتري عالما بالعيب والشفيع جاهلا به، كان للشفيع رده على المشتري، لأنه كان جاهلا بالعيب، فإذا رده لم يكن للمشتري رده على البايع، لأنه اشتراه على بصيرة بالعيب. إذا اشترى شقصا فأخذ منه بالشفعة، ثم ظهر أن الدنانير التي اشتراه بها كانت مستحقة لغير المشتري، لم يخل الشراء من أحد أمرين إما أن يكون بثمن معين أو بثمن في الذمة، فإن كان بثمن بعينه، كأنه قال: بعني هذا الشقص بهذه الدنانير، فالشراء باطل، لأن الأثمان تتعين بالعقد عندنا كالثياب، فإذا كان الشراء باطلا بطلت الشفعة لأن الشفيع إنما يملك من المشتري ما يملك، ولم يملك ها هنا إذا كان البيع باطلا. وإن كان المشتري اشترى بثمن في الذمة فالشراء والشفعة صحيحان، ويأخذ المستحق الثمن، ويطالب البايع المشتري بالثمن، لأن الثمن في ذمته، فإذا أعطاه ما لا يملك لم تبرأ ذمته، وكان للبايع مطالبته بالثمن. فأما إن أخذ الشفيع الشفعة، وقبض المشتري الثمن منه فبان الثمن مستحقا لم يخل الشفيع من أحد أمرين إما أن يكون أخذ الشفعة بثمن بعينه، أو بغير عينه، فإن أخذه بغير عينه ثم وزن وخرج مستحقا أخذه المستحق، وكان للمشتري مطالبة الشفيع بالثمن لأنه أعطاه ما لم يسلم له. وأما إن أخذه الشفيع بثمن معين مثل أن يقول اخترت الأخذ بهذا الثمن فخرج مستحقا أخذه المستحق وهل تبطل شفعته أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما تبطل لأنه اختار أخذها بثمن مستحق، فقد اختار أخذها بغير ثمن، فهذا تبطل شفعته،

[ 127 ]

والثاني أن شفعته لا تسقط لأن الشفيع استحقها بثمن لا بعينه، فإذا أعطاه ثمنا مستحقا فقد أعطاه غير ما يستحقها به، فلم يسقط شفعته وهذا أقوى. إذا حط البايع من المشتري بعض الثمن سقط عن المشتري وهل يسقط عن الشفيع أم لا؟ لا يخلو الحط من أحد أمرين إما أن يكون قبل لزوم العقد أو بعد لزومه فإن كان قبل لزومه مثل أن حطه في مدة خيار المجلس أو خيار الشرط كان حطا من حق المشتري والشفيع معا، لأن الشفيع يأخذ الشقص بالثمن الذي يستقر العقد عليه وهذا هو الذي استقر عليه، وإن كان الحط بعد انقضاء الخيار وثبوت العقد فلا يلحق بالعقد، ويكون هبة مجددة وهبها البايع للمشتري سواء حط كل الثمن أو بعضه ولا يسقط عن الشفيع. هذا إذا تبرع البايع بالحط، فأما إن كان الحط لأجل العيب فجملته أنه إذا اشترى شقصا فبان فيه عيب لم يخل من أحد أمرين: إما أن يمكنه الرد بالعيب أو لا يمكنه، فإن لم يمكنه ذلك: وهو إذا حدث به عيب عنده نقص من ثمنه، كان له مطالبة البايع بأرش العيب، فإذا أخذ المشتري الأرش انحط عن أصل الثمن، وللشفيع أن يأخذه بما بعد الحط. وأما إن علم قبل أن يحدث به نقص، فإما أن يختار الرد أو الامساك أو الأرش فإن اختار الرد قيل للشفيع: أنت بالخيار بين أن ترفع الرد وتعيد الملك إلى المشتري وتأخذ منه بالشفعة، أو تدع، وإن اختار المشتري إمساكه معيبا قلنا للشفيع: أنت بالخيار بين أن تأخذه معيبا بكل الثمن أو تدع، وإن أراد المشتري الأرش لم يكن له ما لم يرض البايع بذلك، فإن رضي به فهل يصح أخذ الأرش بتراضيهما؟ قال قوم لا يجوز لأنه قادر على الرد، فإن خالف وأخذ لم يملك، فهل يسقط رده؟ قيل فيه وجهان: أحدهما يسقط لأن رضاه بقبول الأرش ترك للرد مع القدرة عليه، فلهذا سقط رده، والثاني لا يسقط رده، لأنه إنما ترك الرد ليسلم له الأرش فإذا لم يسلم له ماله، لم يلزم ما عليه. وقال بعضهم: يجوز أخذ الأرش مع القدرة على الرد وهو الأقوى.

[ 128 ]

فإذا ثبت هذا وأخذ المشتري الأرش كان الثمن ما بعد الأرش وهو الصحيح عندي وأما الكلام في الزيادة فإنه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون الزيادة قبل لزوم البيع أو بعده، فإن كانت قبل لزومه لحقت بالعقد وثبت على الشفيع لأنه الثمن الذي يستقر عليه الشفعة وإن كانت الزيادة بعد لزومه، فهذه هبة مجددة من المشتري للبايع لا يلحق العقد ولا يتعلق بالشفيع. إذا كان نفسان في دار يدهما عليها، فادعى أحدهما على شريكه فقال ملكي فيها قديم، وقد اشتريت ما في يدك الآن، وأنا أستحقه عليك بالشفعة، فأنكر المدعى عليه فالقول قوله مع يمينه، لأنه مدعى عليه، وينظر في جوابه فإن قال لا يستحقه على بالشفعة حلف على ما أجاب ولا يكلف أن يحلف أنه ما اشترى، لأنه قد يكون قد اشتراه ثم سقطت الشفعة بعد الشراء بعقد أو بغيره وإن حلف أنه لا يستحق كان صادقا، وإن كلف أن يحلف ما اشتراه لم يمكنه، فلهذا يحلف على ما أجاب. وإن كان جوابه ما اشتريت فكيف يحلف؟ قيل فيه وجهان أحدهما يحلف ما يستحق عليه الشفعة لما مضى، والثاني يحلف ما اشتراه لأنه ما أجاب بهذا إلا وهو قادر على أن يحلف على ما أجاب والأول أقوى. وكذلك لو ادعى على رجل أنه غصب داره فقال لا تستحق على شيئا حلف على ما أجاب، وإن قال ما غصبتها كيف يحلف؟ على هذين الوجهين: أحدهما يحلف لا يستحق والثاني يحلف ما غصب لما مضى والأول أقوى أيضا. فإذا ثبت أن القول قوله مع يمينه فحلف سقطت شفعة الشفيع، وإن نكل رددنا اليمين على الشفيع، فإذا حلف حكمنا له بالشقص ويكون الشفيع معترفا بالثمن للمشتري والمشتري لا يدعيه، ما الذي يفعل به؟ قيل فيه ثلاثة أوجه: أحدها يقال للمدعى عليه إما أن تقبض أو تبرئ، والثاني يقر الثمن في يد [ المقر ] الشفيع كما لو أقر بدار لزيد فأنكر زيد فإنها تقر في يد زيد الثالث يؤخذ الثمن من الشفيع فيوضع في بيت المال حتى إذا اعترف به المشتري سلم إليه لأنا حكمنا عليه بتسليم الشقص، والاعتراف قد حصل بأن هذا الثمن بدل عنه، فأي وقت طلبه

[ 129 ]

سلمناه إليه، وهذا هو الأقوى. إذا كانت الدار في يد رجلين يد كل واحد منهما على نصفها، فقال أحدهما لصاحبه هذا النصف الذي في يديك قد اشتريته أنت من فلان الغائب بألف ولي شفعته وأقام بذلك البينة، فقال المدعى عليه ما باعنيها فلان وإنما أودعنيها وأقام بذلك بينة لم يخل البينتان من أحد أمرين إما أن يكونا مطلقتين أو مؤرختين أو مطلقة ومؤرخة. فإن كانتا مطلقتين أو مطلقة ومؤرخة، قضينا للشفيع بالبينة لأنها أثبتت شراء وأوجبت شفعة وبينة الايداع لا يقدح فيها بل زادت تأكيدا لأن الوديعة لا تمنع الشراء فلهذا قضينا له بها. فأما إن كانتا مؤرختين وتاريخ الوديعة بعد الشراء، فإنه يصح بأن يشتري ويقبض ثم يغصبه البايع ثم يسلمه إليه بعد الغصب فيظن بينة الوديعة أنه قبض وديعة لا رد غصب، ويمكن أن يكون المشتري ملك الشقص بالبيع وقامت البينة به، وتقرر عليه تسليم الثمن، فقال للبايع: خذ الشقص وديعة عندك حتى إذا قدرت على الثمن قبضته منك، وقد صح قيام البينة. فإذا ثبت هذا فتفرع عليه مسئلتان إحداهما أن تكون المسألة بحالها، فأقام الشفيع البينة بالشراء من فلان الغائب بألف وأقام المدعى عليه البينة أنه ورثها من فلان، فهما متعارضتان والحكم فيهما القرعة. الثانية إن كانت المسألة بحالها فادعى على صاحبها أنه اشترى ما في يديه بألف من زيد الغائب وأقام البينة بما ادعاه وأقام من هي في يديه البينة أن عمرو الغايب أودعينها وأقام بذلك البينة، فشهدت بينة الايداع أنه أودعه ما هو ملكه، وكانت بينة الشراء مطلقة، قدمت بينة الايداع، لأنها انفردت بالملك وأسقطت بينة الشراء، وأقر الشقص في يد المدعى عليه، وكتب إلى عمرو فيسأل عما ذكر هذا الحاضر فإن قال: صدق والشقص وديعة لي عليه في يديه سقطت الشفعة والشئ وديعة على ما هو عليه، وإن قال عمرو: ما أودعته ولا حق لي فيها. قضى للمدعي ببينة الشراء وسلم الشقص إليه.

[ 130 ]

فإن كانت المسألة بحالها وشهدت بينة الشفيع بأن زيدا باعه وهو ملكه، وكانت بينة الايداع مطلقة، قدمنا بينة الشراء وحكمنا عليه بالشفعة، ولم تراسل ها هنا زيدا لأنه لو أنكر الشراء لم يلتفت إليه فلا معنى لمراسلته. إذا كانت دار بين ثلاثة أثلاثا، فباع اثنان نصيبهما من رجل واحد صفقة واحدة فالمشتري واحد والبايع اثنان، فإنه تبطل الشفعة عند من لا يوجب الشفعة إذا كان الشركاء أكثر من اثنين، ومن أوجبه للشركاء قال يكون الشفيع بالخيار بين أن يأخذ منهما الكل أو يدع الكل. وفي الناس من قال: له أن يأخذ نصيب أحدهما دون الآخر. فإن كان البايع واحدا والمشتري اثنين فللشفيع أن يأخذ منهما، ومن أيهما شاء دون صاحبه لأنه حق له أخذه وتركه، وترك بعضه وأخذ بعضه. فإن كانت الدار بينهما نصفين فباع أحدهما نصيبه منها في دفعتين من رجل واحد أو من رجلين ثم علم الشفيع بذلك كان له أن يأخذهما معا، وله أن يأخذ الأول دون الثاني، أو الثاني دون الأول. لأن لكل واحد من العقدين حكم نفسه. فإن كانت الدار بين ثلاثة فباع اثنان منهم نصيبهما من رجلين صفقة واحدة، فهي بمنزلة أربعة عقود عند قوم، لأن عقد الواحد مع الاثنين كالعقدين، وإذا كان اثنان مع اثنين كانت أربعة فيكون الشفيع بالخيار بين أن يأخذ الكل أو يدع الكل أو يأخذ ربع المبيع أو نصفه أو ثلثه أو ثلاثة أرباعه، ويدع ما بقي. إذا كانت الدار بين اثنين فباع أحدهما نصيبه من ثلاثة أنفس صفقة واحدة، كان للشفيع أن يأخذ الكل منهم، وله أن يأخذ من بعضهم دون بعض، وإن أخذ من واحد وعفا عن الآخرين كان ذلك له. فإن قال الآخران: قد عفونا عنها في حقنا وصرنا لك شريكين على أن تشاركنا في شفعة الثالث لم يلزمه هذا، لأن ملك الثالث انتقل إليهم دفعة واحدة لم يسبق أحدهما صاحبه فكأن ملك المأخوذ منه وملك الطالب انتقل دفعة في زمان واحد، فلهذا لم يستحقا الأخذ بالشفعة كما لو اشترى نفسان دارا مشاعا، فطلب أحدهما شريكه بالشفعة لم يكن له

[ 131 ]

لأن ملك أحدهما لم يسبق صاحبه. إذا كانت الدار بين اثنين فباع أحدهما نصيبه من ثلاثة أنفس في ثلاثة عقود عقدا بعد عقد ثم علم الشفيع، كان له أخد الكل، وله أن يأخذ البعض دون بعض، فإن أخذ عن الأول وعفا عمن بعده لم يكن لمن بعده مشاركته في الشفعة، لأنهما ملكا بعد وجوب الشفعة. فإن أخذ من الثاني لم يكن للثالث الشفعة أيضا لأنه ملك بعد وجوب الشفعة فأما إن أخذ من الثالث وعفا عن الأول والثاني، كان لهما مشاركته في الشفعة لأن الشفعة وجبت على الثالث بعد ملك الأولين فلهذا كانوا فيه شركاء. فإذا ثبت أنهما يشاركانه فهل المشاركة على عدد الرؤس أو قدر الأنصباء؟ على ما مضى من القولين ومن لم يوجب الشفعة إذا كانت الشركة بين أكثر من اثنين قال إذا عفا عن الأول والثاني بطلت الشفعة رأسا. إذا أخذ الشفيع الشقص بألف ثم أقام البايع البينة أن المشتري اشتراه منه بألفين كان للبايع عليه الألفان، فإذا استوفاها منه لم يرجع المشتري على الشفيع بشئ لأن المشتري لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يقول قد قلت إني اشتريتها بألف والأمر على ما قلت أو يقول نسيت، فإن قال ما اشتريت من البايع إلا بألف لم يكن له أن يرجع على الشفيع، لأنه يقول البايع ظلمني بألف فلا أرجع به على غيري، وإن قال: كان الشراء بألفين لكن نسيت فأخبرت بألف لم يقبل منه، لأنه يدعيه على غيره كما لو أقر بألفين ثم قال ما كان له على إلا ألف، وإنما نسيت فقلت ألفين، لم يقبل قوله على المقر له، لأنه يريد إسقاط حق غيره بقوله فلا يقبل منه. إذا اشترى شقصا بعبد واستحقه الشفيع بالشفعة أخذه بقيمة العبد، وفي أصحابنا من قال: إذا باع بعرض تبطل الشفعة، فإذا أصاب بالعبد البايع عيبا لم يخل من أحد أمرين إما أن يعلم بالعيب قبل أن يحدث به عنده نقص أو بعده، فإن علم بالعيب قبل أن يحدث به عنده نقص كان له رده بالعيب. فإذا رده لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون الشفيع قد أخذ الشقص بالشفعة أو

[ 132 ]

لم يأخذه، فإن أخذه لم يكن للبايع الرجوع في الشقص، لأنه رد الثمن بالعيب بعد زوال ملك المشتري عن المبيع، فلم يكن له استرجاع المبيع، كما لو زال ملك المشتري عنه ببيع أو هبة، فإذا ثبت أنه لا يفرد (1) في الشقص فبما ذا يرجع على المشتري؟ فالصحيح أنه يرجع عليه بقيمة الشقص، وكذلك لو اشترى ثوبا بعبد فرد العبد بالعيب كان عليه رد الثوب، إذا كان موجودا، أو رد بدله، إذا كان مفقودا. فإذا ثبت هذا فإن البايع يأخذ من المشتري قيمة الشقص، ثم نظرت فإن عاد الشقص إلى ملك المشتري بشراء أو هبة أو ميراث لم يكن له رده على البايع، ولا عليه رده وإن طالبه البايع به، فإن لم يعد إليه فقد استقر الشقص على المشتري بقيمته وعلى الشفيع قيمة العبد، وانقطعت العلقة بين المشتري وبين البايع. وهل بين الشفيع وبين المشتري تراجع أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما لا تراجع بينهما، لأن الشفيع يأخذ الشقص بالثمن الذي استقر العقد عليه، والذي استقر عليه العقد أن العبد هو الثمن، والثاني بينهما تراجع لأن الشفيع يأخذ الشقص من المشتري بالثمن الذي استقر على المشتري، والثمن الذي استقر عليه قيمة الشقص، فوجب أن يكون بينهما تراجع. فإذا قلنا لا تراجع فلا كلام، وإن قلنا بينهما تراجع، قابلت بين قيمة العبد و قيمة الشقص فإن كانت القيمتان سواء فلا كلام، وإن كانت بينهما فضل تراجعا به، فإن كانت قيمة الشقص أكثر من قيمة العبد رجع المشتري على الشفيع بتمام قيمة الشقص وإن كانت قيمة الشقص أقل رجع الشفيع على المشتري بما بينهما من الفضل. هذا إذا رده بالعيب، والشقص مأخوذ من يد المشتري بالشفعة، فأما إن كان قائما في يديه فلم يعلم الشفيع بالبيع حتى رد البايع العبد بالعيب، فالبايع يقول أنا أحق بالشقص، والشفيع يقول أنا أحق فأيهما أولى؟ قيل فيه قولان أحدهما الشفيع أحق لأن حقه أسبق لأنه وجب بالعقد فكان به أحق، والثاني البايع أحق لأن الشفعة لإزالة الضرر، فلو قلنا الشفيع أحق دخل

(1) لا يعوض خ ل.

[ 133 ]

الضرر على البايع لأن قيمة الشقص قد يكون أقل فيأخذه الشفيع بقيمته، والضرر لا يزال بالضرر، فمن قال يأخذه البايع فلا كلام ومن قال يأخذه الشفيع فبكم يأخذه؟ فيه وجهان أحدهما بقيمة الشقص، لأنه هو الثمن الذي استقر على المشتري، والثاني بقيمة العبد، لأنه الثمن الذي استقر عليه العقد وهو الأقوى. هذا إذا أصاب البايع بالعبد عيبا ولم يتجدد عنده عيب، فأما إن أصاب العيب بعد أن حدث عنده عيب يمنع الرد، كان له الرجوع بالأرش على المشتري، لأنه قد تعذر الرد، فإذا رجع به عليه، فهل يرجع المشتري به على الشفيع أم لا؟ فإن كان الشفيع أخذه منه بقيمة عبد لا عيب فيه لم يرجع عليه، لأنه قد استدرك الظلامة وإن كان الشفيع أخذ الشقص بقيمة عبد معيب فعلى وجهين أحدهما لا يرجع به عليه، لأن الشفيع يأخذ الشقص بالثمن الذي استقر عليه العقد، والثاني يرجع عليه لأن للشفيع الشفعة بالثمن الذي استقر عليه العقد على المشتري، وقد استقر عليه عبد وأرش نقص ذلك العبد، فيلزمه ما استقر العقد عليه. إذا اشترى شقصا بعبد فأخذه الشفيع بالشفعة بقيمة العبد، ثم بان العبد مستحقا فالبيع باطل، والشفعة باطلة: بطل البيع لأنه بيع بعين العبد والعبد مستحق، فلا ينعقد البيع به، وأما بطلان الشفعة فلأن الشفيع إنما يملك عن المشتري وإذا بطل البيع لم يملك المشتري شيئا فبطل الأخذ بالشفعة. فإن باع شقصا بعبد ثم أقر المتبايعان والشفيع معهما أن العبد غصب أوحر الأصل فالبيع والشفعة باطلان، لأن الحق لهم، وقد اتفقوا على بطلانه، وإن اتفق البايع والمشتري على أن العبد غصب وأنكر الشفيع ذلك لم يقبل قولهما عليه، لأن الحق له كما لو تقايلا أو رد المبيع بالعيب، فإن الشفيع له رفع الإقالة والرد بالعيب. فإن باع شقصا بعبد فتلف العبد قبل القبض بطل البيع وبطلت الشفعة ببطلانه. إذا كانت الدار في يد رجلين يد كل واحد منهما على نصفها فادعى أجنبي على أحدهما ما في يديه فقال: الشقص الذي في يديك لي، فصالحه منه على ألف، لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون الصلح على إقرار أو على إنكار، فإن كان على إقرار فالمدعى

[ 134 ]

عليه مشتر لما في يديه، فيكون للشفيع الشفعة يأخذ بما صالحه عليه من الثمن: مثله إن كان له مثل، وقيمته إن لم يكن له مثل، وإن كان الصلح على إنكار فالصلح باطل ولا شفعة. هذا عند قوم وعلى ما ذكرناه في كتاب الصلح الصلحان جميعا جائزان، ولا يستحق بهما الشفعة لأن الصلح ليس ببيع. فإن كانت المسألة بحالها لكن ادعى الأجنبي على أحدهما ألفا فصالحه منها على شقص فأخذ المدعي منه الشقص بعد الصلح لم يستحق به الشفعة، سواء كان صلح إقرار أو إنكار كما قلناه. ومن خالف هناك خالف ها هنا على حد واحد. إذا أخذ الشفيع الشقص بالشفعة لم يكن للمشتري خيار المجلس لأنه أخذه قهرا بحق، والشفيع فلا خيار له أيضا، لأنه لا دلالة عليه، والأخذ بالشفعة ليس ببيع فيتبعه أحكامه بل هو عقد قائم بنفسه. إذا وهب شقصا لغيره فلا شفعة فيه، سواء وهبه لمن هو دونه، أو من هو فوقه أو من هو نظيره، لأن الهبة ليست بيعا، وقال قوم إن كانت لنظيره فهو تودد، وإن كان لمن دونه فهو استعطاف ولا يثاب عليهما ولا يتعوض، ولا شفعة فيهما، وإن كانت الهبة لمن هو فوقه فإنه يثاب عليها ويستحق بها الشفعة. إذا كانت دار بين رجلين فادعى كل واحد منهما على صاحبه أن النصف الذي في يده يستحقه عليه بالشفعة، رجعنا إليهما في وقت الملك فإن قالا: ملكنا ها معا في زمان واحد بالشراء من رجل واحد أو من رجلين فلا شفعة لأحدهما على صاحبه، لأن ملك كل واحد منهما لم يسبق ملك صاحبه. وإن قال كل واحد منهما: ملكي سابق وأنت ملكت بعدي فلي الشفعة، لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن لا يكون هناك بينة، أو يكون مع أحدهما بينة أو مع كل واحد منهما بينة: فإن لم يكن مع واحد منهما بينة فكل واحد منهما مدع و مدعى عليه.

[ 135 ]

فإن سبق أحدهما بالدعوى على صاحبه، قلنا له أجب عن الدعوى، فإن قال ملكي هو السابق، قلنا ليس هذا جواب الدعوى، بل ادعيت كما ادعى فأجب عن الدعوى، فإن أجاب فقال لا يستحق على الشفعة فالقول قوله مع يمينه، وإن نكل ولم يحلف رددنا اليمين على المدعي، فإذا حلف قضينا له بالشفعة، وسقطت دعوى صاحبه لأنه لم يبق ملك يدعي به الشفعة بعدها، وإن حلف سقطت دعوى صاحبه، ويقال: لك الدعوى بعد هذا، فإذا ادعى بعد هذا على صاحبه نظرت فإن نكل حلف هو و استحق الشفعة، وإن لم ينكل لكنه حلف سقطت الدعوى، وثبتت الدار بينهما على ما كانت. هذا إذا لم تكن بينة، فإن كانت هناك بينة مع أحدهما نظرت، فإن شهدت له بالتاريخ فقط، فقالت أشهد أنه ملكها منذ سنة أو في شهر كذا، قلنا لا فايدة في هذا التاريخ لأنا لا نعرف وقت ملك الآخر، وإن شهدت له بأنه ملك قبل صاحبه قضينا بالبينة، وحكمنا له بالشفعة، لأن البينة مقدمة على دعوى صاحبه. فإن كان مع كل واحد منهما بينة، لم يخل من أحد أمرين: إما أن تكونا متعارضتين أو غير متعارضتين، فإن لم تكونا متعارضتين وهو إن كانتا مورختين تاريخين مختلفين، قضينا بالشفعة للذي سبق ملكه، وإن كانتا مورختين تاريخا واحدا فلا شفعة لواحد منهما. وإن كانتا متعارضتين، وهو أن شهدت كل واحدة منهما أن هذا سبق الآخر بالملك استعملنا القرعة، فمن خرج اسمه حكمنا له به مع يمينه. وفي الناس من قال: إذا تعارضتا سقطتا، وفيهم من قال يقسم بينهما: فإن كانا متساويين في الملك فلا فائدة في القسمة وإن كانا متفاضلين بأن يكون لأحدهما الثلث وللآخر الثلثان، قسمناها هنا، لأن فيه فايدة، وهو أن صاحب الثلث يصير له النصف ولصاحب الثلثين النصف لأن كل واحد منهما يأخذ من صاحبه نصف ما في يده. إذا كانت الدار بين شريكين بينهما فادعى أحدهما أنه قد باع نصيبه من فلان بألف وصدقه البايع، رجعنا إلى فلان، فإن قال صدق قضينا بالشفعة للشفيع، وإن

[ 136 ]

أنكر فلان الشراء، فالصحيح أنه تثبت الشفعة لأن البايع أقر بحقين حق للمشتري و حق للشفيع، فإذا رد أحدهما ثبت حق الآخر، كما لو أقر بدار لرجلين فرده أحدهما فإنه يثبت للآخر. وقال قوم لا تثبت الشفعة لأنها تثبت بثبوت المشتري فإذا لم تثبت فلا شفعة، فمن قال لا شفعة فالخصومة بين البايع والمشتري فيكون القول قول المشتري مع يمينه، فنن حلف برئ وإن نكل حلف البايع وثبت البيع ووجب له على المبتاع الثمن، وقضينا للشفيع بالشفعة على المشتري. وعلى ما قلناه من أن له الشفعة فلا يخلو البايع من أحد أمرين إما أن يؤثر محاكمة المشتري أو يدع، فإن آثر ترك محاكمته، قلنا له تسلم الثمن من الشفيع، وسلم الشقص إليه، ويكون الدرك له عليك، وإن اختار محاكمة المشتري فهل له ذلك أم لا؟ قيل فيه وجهان: أحدهما ليس له ذلك، لأن المقصود من البيع حصول الثمن وقد حصل فلا فايدة في الخصومة، والثاني له مخاصمته لأن له فايدة بأن تكون معاملة المشتري أسهل من الشفيع، فيكون المعالمة بينه وبين المشتري دون الشفيع فيما يقع من العقد والدرك معا فلهذا كانت له مخاصمته. فمن قال ليس له مخاصمة المشتري قال: عليه قبض الثمن من الشفيع وتسليم الشقص والدرك عليه، ومن قال له مخاصمة المشتري، فالقول قول المشتري مع يمينه، فإن حلف سقطت دعوى البايع، ويأخذ الشفيع منه الشقص، وإن نكل حلف البايع ويستحق الثمن على المشتري، والشفيع يأخذ الشقص من المشتري بالثمن، لأن الشراء ثبت له، و يكون عهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البايع. هذا إذا اعترف البايع بالبيع وأنه ما قبض الثمن من المشتري فإن اعترف أنه قبض الثمن من المشتري، وأنكر المشتري الكل فهل للشفيع الشفعة أم لا؟ قيل فيه وجهان: أحدهما لا شفعة، لأن الشفيع إنما يأخذ الشقص بالثمن، وههنا لو قضينا بها له أخذه بغير ثمن، والآخر له الشفعة، لأن البايع أقر بحق المشتري والشفيع معا.

[ 137 ]

فإذا لم يقبل المشتري، ثبت حق الشفيع، فيأخذ الشفيع الشفعة، وهو معترف بالثمن للمشتري وهو لا يدعيه فما الذي يصنع به؟ قيل فيه ثلاثة أوجه أحدها يقال للمشتري إما أن تقبض أو تبرئه، والثاني يقر الثمن في ذمة الشفيع للمشتري لأنه معترف له به وهو لا يدعيه، والثالث يقبضه منه الحاكم ويكون في بيت المال حتى إذا اعترف به المشتري أخذه، لأنه لا يجوز ترك العوض والمعوض معا عند الشفيع. إذا كانت الدار بين أربعة فباع أحدهم نصيبه كان للباقين الشفعة على المشتري عند من أوجب الشفعة إذا كان الشركاء أكثر من اثنين: ثم إن المشتري ادعى أن أحد الثلاثة عفا عن حقه من الشفعة، فشهد الآخران بذلك للمشتري نظرت، فإن شهدا بعد أن عفوا عن حقهما فيها، كانت مقبولة، لأنهما لا يجران بها نفعا، وإن لم يكونا عفوا لم يقبل شهادتهما، لأنهما يجران إلى أنفسهما نفعا، وهو أن العفو متى ثبت توفر حقه عليهما. فإذا ثبت أنها غير مقبولة فعفوا عن الشفعة، ثم أعادا الشهادة لم يقبل شهادتهما لأنها شهادة ردت للتهمة فلا تسمع بعد ذلك كالمردود للفسق. وإن شهدا بذلك وقد عفا أحدهما ولم يعف الآخر، كانت شهادة العافي مقبولة وشهادة الآخر مردودة، وقد حصل بالعفو شاهد واحد، فإنها تثبت مع اليمين لأنه حق هو مال. فإذا ثبت ذلك فمن الذي يحلف مع الشاهد نظرت، فإن كان الذي ردت شهادته ما عفا عنها، حلف هو مع الشاهد، واستحق الشفعة على المشتري، وإن كان الذي ردت شهادته قد عفا عنها حلف المشتري مع الشاهد، واستحق كل الشفعة. دار بين رجلين: حاضر وغائب ونصيب الغائب في يد وكيل له حاضر، ثم إن المالك الحاضر ادعى أن الوكيل الحاضر اشترى نصيب موكله الغايب بألف، وأقام بذلك شاهدين سمع ذلك الحاكم وقضى بالشراء، فأوجب للحاضر الشفعة. ومن الناس من قال: هذا قضاء على الغايب، ومنهم من قال ليس هذا قضاء على الغائب والصحيح الأول.

[ 138 ]

إذا كانت الدار بين ثلاثة أثلاثا فاشترى أحدهم نصيب الآخر ين فقد حصل ههنا بايع ومشتر وشفيع، فهل يستحق المشتري الشفعة مع الشفيع فيما اشتراه أم لا؟ قيل فيه قولان، فالصحيح على هذا المذهب أنهما في المبيع شريكان، لكل واحد منهما نصف المبيع. وفي الناس من قال: الشقص يأخذ الشفيع بالشفعة، لا حق للمشتري فيه، فمن قال: لا حق للمشتري قال: الشفيع بالخيار بين أن يأخذ الكل أو يدع، وليس له أن يأخذ النصف، ومن قال يشاركه قال: المبيع بينهما نصفين: نصف للشفيع بحق الشفعة ونصف للمشتري ملكا بالشراء لا بالشفعة. فإن اتفقا على أن يأخذ كل واحد منهما النصف كان ذلك، وإن عفا أحدهما عن حقه، فإن كان العافي هو الشفيع صح عفوه وتوفر الحق على المشتري لأنه ما ملك وإنما ملك أن يملك، فكان له الخيار بين العفو والأخذ، وإن كان العافي المشتري لم يصح عفوه عن حقه، لأنه ملك النصف بالشراء ملكا صحيحا فلا يزول ملكه بالعفو. إذا شجه موضحة عمدا أو خطاء فصالحه العاقلة على شقص وهما يعلما ن أرش الموضحة أو لا يعلمان، فإنه يصح الصلح ولا يستحق الشفعة به، لأن الصلح ليس ببيع على ما بيناه. وفي الناس من قال: هذا الصلح لا يصح فلا شفعة فيه وفيهم من قال: يصح ويجب فيه الشفعة. الشفعة ثابتة بين المشركين كهي بين المسلمين، لعموم الأخبار الموجبة للشفعة فإذا ثبت ذلك نظرت، فإن كان البيع بثمن حلال أخذه الشفيع بالشفعة، وإن كان بثمن حرام كالخمر والخنزير ونحو ذلك ففيه ثلاث مسائل: إحداها وقع القبض بين المتبايعين وقد أخذ الشفيع بالشفعة، فالحاكم لا يعرض لذلك، لأن ما يعقدون عليه صحيح عندنا، وعند المخالف وإن لم يكن صحيحا أقروا عليه لأنهم تراضوا به.

[ 139 ]

الثانية إن كان القبض قد حصل بين المتبايعين ولم يؤخذ بالشفعة، فالشفعة ساقطة لأن الشفيع يستحقها بالثمن، فإذا كان حراما لم يمكن أخذه فكأنه أخذه بغير ثمن فلهذا لا شفعة. هذا قول المخالف والذي يقتضيه مذهبنا أن الشفيع يأخذ الشفعة بمثل ذلك الثمن لأن الخمر عندهم مال مملوك. الثالثة إذا ترافعوا إلينا ولم يقع القبض في الطرفين أو في أحدهما حكم ببطلان البيع، لأنه إنما يحكم بينهم بما هو صحيح في شرعنا، وهذا لا خلاف فيه. لا يستحق الذمي الشفعة على المسلم سواء اشتراه من مسلم أو من ذمي، ويستحق المسلم الشفعة على الذمي بلا خلاف، والأول فيه خلاف (1) والثانية لا خلاف فيها. دليلنا إجماع الفرقة المحقة وقوله تعالى " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " (2) وذلك عام، وروي عن النبي [ صلى الله عليه وآله ] أنه قال: لا شفعة لذمي على مسلم. إذا اشترى شقصا فأصاب به عيبا كان له رده فإن منعه الشفيع من الرد كان له ذلك لأن حق الشفيع أسبق، لأنه وجب بالعقد وحق الرد بالعيب بعده لأنه وجب حين العلم، وإذا كان أسبق كان أحق، فإن لم يعلم الشفيع بذلك حتى رد بالعيب، كان له رفع الفسخ وإبطال الرد لأنه تصرف فيما فيه إبطال الشفعة، كما لو تقايلا ثم علم بالبيع، كان له رد الإقالة، ورده إلى المشتري. إذا ملك المشتري الشقص فتصرف فيه قبل أن يأخذ الشفيع بالشفعة، صح تصرفه فيه، لأنه ملكه بالشراء وقبضه، فإذا ثبت أن تصرفه صحيح كان هذا التصرف لا يقدح في حق الشفيع، أي تصرف كان، لأن حق الشفيع أسبق، فكان بالملك أحق.

(1) قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والأوزاعي: يستحق الذمي الشفعة على المسلم مثل المسلم على الذمي سواء، وقال الحسين بن صالح: لا شفعة له عليه في الأمصار وله الشفعة عليه في القرى.
(2) النساء: 141.

[ 140 ]

فإذا ثبت أن حق الشفيع قائم لم يخل التصرف من أحد أمرين إما أن يكون تصرفا تجب به الشفعة، أو لا تجب به، فإن كان تصرفا تجب به الشفعة مثل أن باعه المشتري عندنا أو عند المخالف أو استأجر به دارا أو صالح به أو جعل صداقا لزوجة أو كان المشتري امرأة فخالعت به كان الشفيع بالخيار بين أن يفسخ تصرف المشتري ويأخذ الشقص بالشفعة منه، وبين أن يقره، ويأخذه من الثاني لأن الشفعة تجب له بالشركة الموجودة حين العقد، وهذا موجود ههنا في العقدين معا. فإذا ثبت هذا نظرت، فإن اختار أخذه من المشتري الأول أخذه منه بما ملكه: مثله إن كان له مثل، وقيمته إن لم يكن له مثل. وإن اختار أخذه من الثاني كان له أيضا فإن كان الثاني ملكه بالشراء أخذه منه بالثمن، وإن كان ملكه بعقد نكاح أو عقد خلع أخذه منه بمهر المثل عندهم. وإن كان تصرفه بما لا تجب به الشفعة كالهبة والوقف كان للشفيع إبطاله ونقضه لأن حقه أسبق وإن كان قد بنى مسجدا كان له نقضه وأخذه بالشفعة إجماعا وفي الناس من قال: لا ينقض المسجد. إذا قال الشفيع للمشتري اشتر نصيبي أو نصيب شريكي، فقد نزلت لك عن الشفعة وتركتها، ثم اشترى على هذا لم تسقط شفعته، وكان له المطالبة بها لأنه إنما يستحق الشفعة بعد العقد، فإذا عفا قبله فقد عفا عما لا يملك ولم يجب له ولا يسقط حقه حين وجوبه، كالوارث إذا أجاز ما زاد على الثلث قبل موت الموصي لم تصح إجازته، لأنه إجازة قبل وقت الإجازة. ولا نعتد نحن بهذا، لأن عندنا أن إجازة الوارث قبل موت الموصي جائزة. إذا كانت الدار بين رجلين نصفين فباع أحدهما نصف نصيبه وهو الربع صفقة واحدة، ثم باع الربع الثاني له صفقة أخرى، ثم علم الشفيع بالشفعة، كان للشفيع أخذ الصفقتين معا، وكل واحدة منهما بالشفعة، لأن لكل صفقة حكم نفسها في باب الشفعة. فإذا ثبت أنه بالخيار نظرت فإن أخذ الجميع فلا كلام، وإن أراد أن يأخذ أحد

[ 141 ]

الربعين نظرت، فإن اختار الربع الأول أخذه واستقر الربع الثاني لمشتريه، ولم يكن لمشتريه الشفعة مع صاحب النصف، لأن حقه تجدد بعد وجوب الشفعة للأول وإن اختار الربع الثاني وعفى عن الأول صار الأول شريكا لصاحب النصف حين وجوب الشفعة في الثاني. وتبطل الشفعة ها هنا على قول من يقول من أصحابنا إنهم إذا زادوا على اثنين بطلت الشفعة إذا كان المشتري غير الأول وإن كان هو الأول ثبتت شفعته. ومن لا يبطل ذلك يقول لا يخلو المشتري الثاني من أحد أمرين إما أن يكون هو المشتري الأول أو غيره، فإن كان غير الأول فالأول وصاحب النصف شريكان في الشفعة وهل يكون على عدد الرؤس أو قدر الأنصباء على ما مضى. وإن كان المشتري الثاني هو الأول فهو الشفيع قد اشترى، فهل يستحق الشفعة فيما اشتراه، بنينا على ما مضى من الوجهين فإن قلنا لا حق له فيما اشتراه كان كله لصاحب النصف، وإن قلنا يستحق كان هو وصاحب النصف شريكين فيما اشتراه، وهل هو على عدد الرؤس أو قدر الأنصباء على ما مضى من القولين. إذا بلغه وجوب الشفعة فقال لم أصدق من أخبرني بذلك، فهل تبطل شفعته أم لا؟ نظرت فإن بلغه ذلك بخبر التواتر سقطت شفعته، لأن خبر التواتر يوجب العلم ويقطع العذر. وإن كان خبر الواحد نظرت فإن أخبره شاهدان يحكم بشهادتهما بطلت شفعته لأنه بلغه بقول من يحكم له بقوله فيها، فإذا قال لم أصدقهما لم يلتفت إلى قوله، و إن أخبره بذلك صبي أو عبد أو امرأة صدق فيما قال لأن هذا مما لا يثبت بقوله مع يمين المدعي حق. وإن أخبره بذلك شاهد عدل قيل فيه وجهان: أحدهما يقبل قوله، لأن الشاهد الواحد ليس بحجة عند قوم، والثاني لا يقبل قوله لأنه حجة مع يمين المدعي فلهذا لم يصدق فيما يدعيه والأول أقوى. إذا بلغته الشفعة فسار إليها فلما لقي المشتري قال له سلام علكيم بارك الله لك في

[ 142 ]

صفقة يمينك أنا مطالب بالشفعة، لم تسقط شفعته بالتشاغل بالسلام والدعاء، لأن السلام تحية السنة، والدعاء له بالبركة إلى نفسه ترجع، لأنه يملك عن المشتري ما ملك المشتري، فلهذا لم تسقط شفعته. إذا كانت الدار بين شريكين نصفين فوكل أحدهما شريكه في بيع نصف نصيبه وهو الربع منها، وقال له إن اخترت أن تبيع نصف نصيبك صفقة واحدة مع نصيبي فافعل، فباع الوكيل نصفها: الربع بحق الوكالة، والربع بحق الملك، صح البيع في الكل لأن حصة كل واحد منهما من الثمن معلومة حين العقد، فلا يضر أن يكونا صفقة واحدة، فإذا صح البيع فقد صح البيع في نصيب الوكيل، وهو الربع، وفي نصيب الموكل وهو الربع. فأما الموكل فله أن يأخذ نصيب الوكيل بالشفعة لأنه ليس فيه أكثر من رضا الموكل بالبيع وإسقاط شفعته قبل البيع، وهذا لا يسقط به الشفعة، ولأنه لا شفيع سواه وأما الوكيل فهل يستحق الشفعة في نصيب الموكل أم لا؟ قيل فيه وجهان: أحدهما يستحق لأنه إذا باشر العقد فليس فيه إلا رضاه بالبيع، وهذا لا يسقط الشفعة، كما لو باشر العقد الموكل، والثاني ليس له الأخذ بها لأن الوكيل لو أراد أن يشتري هذا المبيع من نفسه لم يصح، فلذلك لا يستحق الأخذ بالشفعة، ولأنا لو جعلنا له أخذه بالشفعة كان متهما في تقليل الثمن وهذا أقوى. إذا كانت الدار بين شريكين فباع أحدهما نصيبه منها فلم يعلم الشفيع بذلك حتى باع ملكه، ثم علم بعد ذلك فهل له الشفعة أم لا؟ على وجهين: أحدهما تجب الشفعة لأنها وجبت له بالملك الموجود حين الوجوب، وكان مالكا له حين الوجوب و الوجه الثاني لا يجب الشفعة لأنه إنما يستحقها بالملك والملك قد زال، والأول أولى (1). فإذا ثبت الوجهان فمن قال له الشفعة، أخذها ولا كلام، ومن قال لا شفعة له فقال: إن لم يبع الشفيع جميع ملكه لكنه باع نصفه ثم علم بالشفعة فهل تسقط شفعته

(1) أقوى خ ل.

[ 143 ]

أم لا؟ عل وجهين أحدهما لا يسقط شفعته، لأنها تستحق بالملك اليسير كما تستحق بالملك الكثير، والثاني يسقط شفعته لأن الشفعة تستحق بكل ملكه قليلا كان أو كثيرا كالموضحة تستحق بها خمس من الإبل صغيرة كانت أو كبيرة، فإذا ذهب بعضه سقط من الشفعة بقدر ذلك فكأنه ترك بعض الشفعة وأراد أن يأخذ البعض سقطت شفعته وكذلك ها هنا. إذا باع في مرضه المخوف شقصا من دار ولذلك الشقص شفيع لم يخل من أحد أمرين: إما أن يبيع بثمن مثله أو يحابي فيه، فإن باع بثمن مثله كان للشفيع أخذه بالشفعة سواء كان المشتري والشفيع وارثين، أو أجنبيين أو أحدهما وارثا والآخر أجنبيا، و إن باع وحابا مثل أن باع بألف ما يساوي ألفين لم يخل المشتري من أحد أمرين إما أن يكون وارثا أو غير وارث، فإن كان وارثا صح عندنا لأن الوصية تصح له، وعند المخالف تبطل البيع في قدر المحاباة لأن المحاباة هبة ووصية، ولا وصية لوارث، فإذا بطل فيه كان الشفيع بالخيار بين أن يأخذ أو يدع، وارثا كان أو غير وارث. ثم ينظر فيه فإن أخذ فلا خيار للمشتري، وإن كانت الصفقة قد تبعضت عليه لأن ضرر التبعيض قد زال عنه بأخذ الشفيع، وإن لم يأخذه الشفيع فالمشتري بالخيار بين أن يمسك أو يرد، لأن الصفقة قد تبعضت عليه. هذا إذا كان المشتري وارثا وإن كان غير وارث لم يخل الشفيع من أحد أمرين: إما أن يكون وارثا أو غير وارث، فإن لم يكن وارثا نظرت في المحاباة، فإن كانت تخرج من الثلث كان للشفيع أخذ الكل بالثمن المسمى، لأنه إذا كان أجنبيا فحوبي فيه فقد اشتراه رخيصا، وللشفيع المبيع بالمسمى رخيصا كان أو غير رخيص، وإن كانت المحاباة لا تخرج من الثلث كان للوارث إبطال ما زاد على الثلث، فإذا بطل تبعضت الصفقة على المشتري، وكان الشفيع بالخيار بين أن يأخذ ما بقي بكل الثمن أو يدع، فإن أخذه فلا خيار للمشتري، لما مضى في التي قبلها، وإن ترك كان المشتري بالخيار بين أن يأخذ ما بقي بكل الثمن أو يدع.

[ 144 ]

وأما إن كان وارثا فالحكم في الشفعة والبيع فيها خمسة أوجه: أحدها يصح البيع في الكل، لكن الشفيع يأخذ النصف بكل الثمن، ويكون للمشتري النصف الآخر بغير بدل، لأن الشفيع لا يمكنه أن يأخذ كل المبيع بكل الثمن لأن هناك محاباة تصير إليه، وهو وارث، ولا محاباة للوارث، فتكون المحاباة للمشتري لأنه أجنبي، ويكون ما بقي بكل الثمن للشفيع، فيكون بالخيار بين أن يأخذها أو يدع، لأنه بمنزلة أن يشتري نصف المبيع بعقد مفرد، والنصف الباقي وصية بعقد آخر، ولو كان على هذا كانت الوصية للأجنبي والمبيع للشفيع. والوجه الثاني يبطل البيع في قدر المحاباة ويصح فيما قابل الثمن، ويكون الشفيع بالخيار في أن يأخذ أو يدع. وإنما قال يبطل البيع في قدر المحاباة لأنه لا يمكن أن يأخذها الشفيع، لأنه وارث، ولا يمكن أن يقال للشفيع خذ نصف المبيع بكل الثمن، ودع النصف بغير بدل، لأن المشتري ملك الكل بالثمن، وإذا لم يمكن هذا أبطلنا المحاباة، وأخذنا ما عداها، فيأخذ الشفيع جميع ما ملكه المشتري بكل الثمن. والوجه الثالث البيع باطل في الكل لأنا قررنا أن الشفيع لا يأخذ الكل بكل الثمن، ولا النصف بكل الثمن، فإذا تعذر أن يأخذ الشفيع الكل أو البعض فلا بد من إبطال البيع في الكل لأنه لا يمكن تبقيته على المشتري، وإسقاط حق الشفيع، فأبطلنا الكل. والوجه الرابع يصح البيع في الكل، ويأخذه الشفيع بالثمن المسمى، وهو أصحها، وبه يفتي من خالف الآمرين أحدهما أن المحاباة وصية، وإنما لا تصح للوارث إذا تلقاها من المورث، فأما إذا كانت لأجنبي والوارث استحقها على الأجنبي فلا يمنع ذلك، ألا ترى أنه لو أوصى لفقير بثلث ماله، وكان لوارثه على الفقير دين كان لمن له الدين مطالبته بالدين، واستيفاء حقه منه وإن كان نفع الوصية انتقل إلى وارثه، وأيضا فإن الاعتبار بالمشتري لا بالشفيع، بدليل أن المشتري لو كان وارثا بطلت المحاباة وإن كان الشفيع غير وارث، اعتبارا بالمشتري لا بالشفيع.

[ 145 ]

الخامس أنه يصح البيع في الكل وتبطل الشفعة، لأنا قر رنا أن الشفعة متى وجبت بطل البيع، فأبطلنا ها وصح البيع، لأن كل أمر إذا ثبت جر ثبوته سقوطه وسقوط غيره، سقط في نفسه، فأسقطنا الشفعة وأثبتنا البيع، وقد قلنا إن الذي يقتضيه مذهبنا أن البيع صحيح، سواء كان المشتري وارثا أو غير وارث، وللشفيع أن يأخذ الكل بجميع الثمن، سواء كان وارثا أو غير وارث، وإنما هذه الأوجه للمخالف على أصولهم ذكرناها. إذا وجبت له الشفعة فصالحه المشتري على تركها بعوض صح عندنا، وقال بعضهم: لا يصح لأنه خيار لا يسقط إلى مال، فلم يجز تركه بمال كخيار المجلس، وخيار الشرط، وعكسه خيار القصاص، لما سقط إلى مال صح تركه بمال، وإنما اخترنا الأول، لأنه لا مانع منه، وما ذكروه قياس لا نقول به، وخيار العيب على وجهين عند المخالف فينتقض ما قاله على أحد الوجهين. فإذا ثبت هذا كان على الشفيع رد العوض، لأنه أخذه بغير حق، وهل يسقط شفعته أم لا؟ قيل فيه وجهان: أحدهما يسقط، لأنه يتركه بعوض لا يسلم له، فعلم أنه تركه رأسا، والوجه الثاني لا يسقط شفعته، لأنه إنما تركها ليسلم له العوض عنها، فإذا لم يسلم له ماله لم يلزم ما عليه. إذا كان نصف الدار وقفا ونصفها طلقا فبيع الطلق لم يستحق أهل الوقف الشفعة بلا خلاف. دار بين رجلين حاضر وغايب ونصيب الغايب في يد وكيل له حاضر، فباع الوكيل نصيب الغايب وذكر أنه باع بإذن مالكه، فهل للشفيع الشفعة أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما لا شفعة له، لأن قول الوكيل لا يقبل على موكله في البيع، ويكتب إليه فإن صدقه الموكل أخذه الشفيع بالشفعة، وإن أنكر فالقول قوله مع يمينه ولا بيع ولا شفعة. الوجه الثاني يستحق أخذه بالشفعة، لأن يده على نصف الدار، فإذا أخذه الشفيع بالشفعة ثم قدم الغائب نظرت، فإن كان الأمر على ما ذكر الوكيل، فلا كلام

[ 146 ]

وإن أنكر فالقول قوله مع يمينه، ويأخذ الموكل شقصه من الشفيع، وله أجرة المثل من حين القبض إلى حين الرد، وله أن يرجع بذلك على من شاء من الوكيل والشفيع: يرجع على الشفيع لأن الشئ قد تلف في يده، ويرجع على الوكيل لأنه سبب يد الشفيع، فإن رجع على الشفيع لم يرجع الشفيع على الوكيل لأن الشئ تلف في يده فاستقر الضمان عليه، وإن رجع على الوكيل رجع الوكيل على الشفيع لأن الضمان استقر عليه. وقيل إنه إذا رجع على الشفيع رجع الشفيع على الوكيل، لأنه غره وإن رجع على الوكيل لم يرجع الوكيل على الشفيع، وهذا هو الأقوى. فأما إذا كانت الدار بينهما نصفين، فباع أحدهما نصيبه منها بمائة وأظهر أنه باع نصف نصيبه بمائة فترك الشفيع الشفعة ثم بان له أنه إنما باع كل نصيبه بالمائة كان له الشفعة، لأنه إنما ترك أخذ ربع الدار بالمائة وقد بان له أن النصف بالمائة فلا يسقط. فأما إن باع نصف نصيبه بمائة وأظهر أنه باع كل نصيبه بالمائة، فترك الشفعة ثم بان له أنه إنما باع نصف نصيبه بالمائة، فلا شفعة له، لأنه إذا ترك نصف الدار بالمائة فبأن يترك الربع بالمائة أولى، فلا يكون في ترك الأخذ بالشفعة عذر. دار بين أربعة لكل واحد ربعها، ثم باع ثلاثة منهم نصيبهم منها لم يخل من أحد أمرين إما أن يبيعوه من ثلاثة أو واحد، فإن باعوه من ثلاثة لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون البيع من الكل في زمان واحد، أو واحد بعد آخر. فإن كان البيع في زمان واحد، فلا فصل بين أن يكون صفقة واحدة أو كل واحدة على الانفراد لم يسبق أحدهما صاحبه، فالشفيع بالخيار بين أن يأخذ الكل أو يدع الكل أو يأخذ البعض دون بعض، لأن لكل صفقة حكم نفسها، فإن أخذ البعض و ترك البعض لم يكن لمن عفا له عن الشفعة مشاركته فيما أخذ، لأن ملكه قارن وجوب الشفعة فلم يكن له ملك موجود حين وجوبها فلهذا لم يشاركه فيها. وإن كان البيع من واحد بعد آخر فله أخذ الكل، لأن الشركة موجودة حين

[ 147 ]

عقد كل واحد منهم، وإن ترك الكل أو أخذ الكل فلا كلام، وإن ترك البعض وأخذ البعض، نظرت فإن أخذ من الأول وعفى عن الثاني والثالث، لم يشاركاه في الشفعة، لأن ملكهما بعد وجوب الشفعة على الأول، وإن عفا عن الأول والثاني وأخذ من الثالث، كان للأولين مشاركته فيها، لأن ملكهما سبق وجوب الشفعة على الثالث. وأما إن باعوا نصيبهم على واحد لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون صفقة واحدة أو عقدا بعد عقد، فإن كان صفقة واحدة كان له أن يأخذ الكل، ويدع الكل ويأخذ البعض، يدع البعض، فإن أخذ الكل أو ترك الكل فلا كلام، وإن أخذ البعض انفرد به ولم يكن للمشتري مشاركته فيما أخذه لأن ملكه حدث عند وجوب الشفعة. وإن كان عقدا بعد عقد، فقد ملك المشتري ثلاثة أرباع الدار في ثلاثة عقود، فللشفيع أخذ بعضها دون بعض، فإن أخذ الأول أو الأول والثاني، فلا شفعة للمشتري معه، لأنه ملك الربع الثالث بعد وجوب الشفعة فيما قبله. وإن عفا عن الأول والثاني وأخذ من الثالث فالمشتري شفيع، وهل يستحق الشفعة فيما ملكه من الثالث أم لا على وجهين أحدهما له الشفعة والثاني لا شفعة له فمن قال: لا شفعة له: استحق الشفيع كل الربع الثالث بالشفعة ومن قال له الشفعة قال: فله الربعان الأولان وللشفيع ربع واحد، وللمستحق بالشفعة الربع. وكيف يقسم بينهما؟ على ما مضى من الخلاف في قسمته على الرؤس أو الأنصباء فمن قال على عدد الرؤس كان الربع بينهما نصفين، ومن قال على عدد الأنصباء كان الربع بينهم الثلث والثلثان: ثلثاه للمشتري وثلث للشفيع وهذا الفرع يسقط على مذهب من قال من أصحابنا إن الشركاء إذا زادوا على الاثنين بطلت الشفعة، وإنما يصح على مذهب الباقين على ما بيناه. إذا باع جارية بألف وهي تساوي مائة، فلما ثبت الألف على المشتري أعطاه المشتري بالألف شقصا تساوي مائة صح، فإن أراد الشفيع الأخذ بالشفعة كان بالخيار بين أن يأخذه بالألف أو يدع، لأنه إنما يأخذ الشقص بالثمن الذي ملكه به وقد

[ 148 ]

ملكه بألف، وهذا مكروه لأنه حيلة في إسقاط الشفعة. رجل خلف شقصا من دار وحملا وأوصى إلى رجل بالقيام بتركته والانتظار لحمله، فبيع الشقص من الدار التي خلفها قال قوم وهو قوي ليس للوصي أن يأخذه للحمل بالشفعة، لأنه لا يدري هل هناك حمل أم لا؟ ولأنه لا يدرك أذكر هو أم أنثى فإن كان أنثى لم يأخذ كل الشفعة، لأنه يذهب بعض الملك، ويسقط بعض الشفعة فإذا لم يعلم هذا لم يأخذ بالشفعة، وإذا وضعت كان للوصي الآن أن يأخذها له. دار بين ثلاثة حاضران وغايب، باع أحد الحاضرين نصيبه منها كان للشفيع الحاضر كل المبيع بالشفعة، لأنا لا نعلم اليوم شفيعا سواه، فإن أخذ ثم أصاب بالشقص عيبا فرده، ثم قدم الغايب كان له أخذ الجميع من المشتري بالشفعة وقال قوم ليس له أخذ الكل، بل يأخذ النصف، لأن الشفيع إذا عفا توفر كل حقه على الشفيع الآخر وإن أخذا كانا فيه شريكين، فإذا رد بالعيب فما ترك الشفعة ولا عفى عنها، وإنما رد الشقص من حيث الرد بالعيب لا من حيث العفو عنها، فلهذا قلنا لا يتوفر ما رده على الشفيع الآخر. وهذا غلط لأن الشفيع إذا ترك الأخذ توفر الحق على شريكه، وهذا وإن كان ردا بالعيب فقد ترك الشفعة، لأنه أعاد الشقص إلى المشتري من الوجه الذي أخذه منه، فكأنه أقره في يده ولم يعرض له، ولو فعل هذا توفر كل الحق على شريكه فكذلك ههنا. دار بين أربعة حاضران وغايبان، باع أحد الحاضرين نصيبه منها من آخر كان للشفيع الحاضر أخذ جميعه بالشفعة، لأنه لا شفيع اليوم سواه، فإذا أخد هذا المبيع وهو الربع فقدم أحد الغائبين كان له مشاركته فيه فيأخذانه نصفين فنفرض المسألة من ستة يأخذ كل واحد النصف، وهو ثلاثة أسهم، لأنهما يقولان نحن شفيعان لا شفيع اليوم سوانا. فإذا أخذاه نصفين فقدم الغايب الثاني فإنه يشاركهما فيما أخذا، فيأخذ من كل واحد منهما ثلث ما في يده سهم من ثلاثة أسهم، فيكون لكل واحد منهم سهمان،

[ 149 ]

فإن كانت بحالها فقدم القادم الأول فقال للشفيع الحاضر: لست آخذ معك النصف، بل أقتصر على الثلث وآخذ السهمين من ستة، لئلا يحضر الشفيع الغايب فيأخذ مني كان له ذلك، لأن له أخذ النصف، فإذا أخذ الثلث فقد ترك بعض حقه. فإذا أخذ حصل في يده سهمان من ستة وهو الثلث، وحصل في يد الشفيع الحاضر أربعة أسهم من ستة، ثم قدم القادم وطالب بحقه، فله أن يأخذ من القادم الأول ثلث ما في يده، وهو ثلثا سهم، لأنه يقول له كان لك أخذ ثلاثة أسهم من الشفيع الحاضر فاقتصرت على سهمين وتركت الثالث، فكان الترك من حقك لا من حقي، و الذي أخذته لا تنفرد به، فإنه مشاع، فلي أن آخذ ثلث ما في يدك كما لو وجدت النصف في يدك. فإذا أخذ منه ثلثي سهم وهو ثلث ما في يده يبقى مع القادم الأول سهم وثلث، وفي يد القادم الثاني ثلاثة أسهم وفي يد الشفيع الحاضر أربعة أسهم بضم القادم الثاني إليها ما أخذ من القادم الأول يصير أربعة أسهم، وثلثي سهم، يكون الجميع بينهما نصفين: للقادم الثاني سهمان وثلث، وللشفيع الحاضر سهمان وثلث، وسهم وثلث سهم في يد القادم الأول. فإن أردت أن تقسمها بينهم من غير كسر فاضرب ثلاثة وهو عددهم في أصل المسألة وهي ستة فتصير ثمانية عشر، فكل من له سهم من ستة فاضربه في ثلاثة وهو حقه، فللقادم الأول سهم وثلث، اضربه في ثلاثة يصير أربعة، يبقى أربعة عشر: للقادم الثاني سهمان وثلث في ثلاثة يصير سبعة، وللشفيع الحاضر سهمان وثلث في ثلاثة يصير سبعة، فصحت المسألة من ثمانية عشر. فإن كانت بحالها فاقتسموها من ثمانية عشر فقدم قادم ثالث وهو الشفيع الرابع فإنه يأخذ من القادم الأول سهما من أربعة يضيفه إلى ما في يد القادم الثاني والشفيع الحاضر، وهي أربعة عشر سهما يصير خمسة عشر سهما ويكون بينهم أثلاثا لكل واحد خمسة. وإن كانت بحالها فاقتسموها من ثمانية عشر فقدم قادم ثالث وهو الشفيع فلم يجد

[ 150 ]

إلا أربعة أسهم في يد القادم الأول وقد ملك الشفيع الحاضر والقادم الثاني فكم يأخذ من القادم الأول قيل فيه وجهان أحدهما يأخذ النصف فيأخذ منه سهمين، لأنه يقول لا شفيع غيري وغيرك، فيكون بيني وبينك نصفين والوجه الثاني يأخذ مما في يديه سهما واحدا من أربعة لأنه يقول أنا شفيع فآخذ ربع ما في يديك. دار بين ثلاثة لواحد الربع وللآخر الربع، وللثالث النصف، ثم إن صاحب الربع قارض صاحب الربع الآخر على ذلك فاشترى العامل من صاحب النصف نصف ما في يده من مال القراض قال قوم لا شفعة في هذا المبيع، لأن البايع بقي له ربع الدار، و البايع لا شفعة له والمبيع من مال القراض فلا يستحقه رب المال بالشفعة، لا العامل لأنه اشترى بمال القراض، فالعامل ورب المال بمنزلة شريكين اشترياه معا، ولو اشترياه معا لم يستحق أحدهما على صاحبه الشفعة كذلك ههنا. فإن باع صاحب النصف ما بقي له منها وهو الربع من أجنبي كان مستحقا بالشفعة أثلاثا ثلثه لرب المال، وربعه وثلثه للعامل، وربعه وثلثه لمال القراض، فصار مال القراض بمنزلة شريك منفرد وهذا الفرع أيضا على مذهب من أوجب الشفعة لأكثر من شريكين. دار بين ثلاثة أثلاثا بين أخوين وأجنبي، فاشترى أجنبي من الأجنبي ما في يديه وهو الثلث، فقال له أحد الأخوين: أنت وكيل أخي اشتريته له نظرت فإن صدقه أخوه كان المبيع بين الأخوين نصفين بحق الشفعة، فأعطى الشريك المشتري حصته بالشفعة. فإن ادعى هذا الأخ على المشتري أنه إنما اشتراه لنفسه لا لأخيه، فالقول قول المشتري بلا يمين، لأنه لو اعترف بذلك لنفسه اقتسما الأخوان المبيع نصفين، ولو ثبت أنه وكيل أخيه اقتسما المبيع نصفين، فلا فائدة في استحلافه، فلهذا لم يحلفه. فإن قال أحد الأخوين للمشتري: الشراء باطل لأن المبيع مستحق، فأنكر المشتري وصدقه الأخ الآخر، انفرد المصدق بالشفعة، دون الذي قال البيع فاسد

[ 151 ]

لأنه معترف أنه لا شفعة له فيه، وإذا قال أحد الأخوين للمشتري ما اشتريته وإنما اتهبته فقد ملكته بالهبة، وقال بل ملكته بالشراء وصدقه الآخر كانت الشفعة لمن صدقه بالشراء دون من ادعى بالهبة، لأن من ادعى الهبة معترف أنه لا شفعة له مع أخيه. (فصل) (في الحيل التي تسقط بها الشفعة) من ذلك أن يكون ثمن الشقص مائة فيشتريه بألف، ثم يعطي البايع بدل الألف ما قيمته مائة، ويبيعه إياه بألف، فإذا فعل هذا تعذر على الشفيع الأخذ، لأنه إنما يأخذ بثمن الشقص لا ببدل ثمنه، وتسقط شفعته. ومن ذلك إذا كان ثمن الشقص مائة فاشترى صاحبه جارية من رجل تساوي مائة بألف، فلما ثبت في ذمته الألف ثمن الجارية أعطاه بالألف هذا الشقص، فإذا ملكه بألف وهو يساوي مائة، لا ينشط الشفيع لأخذه بها فتسقط شفعته. ومن ذلك أن يشتريه بألف وثمنه مائة، ثم يبرئه البايع عن تسع مائة، ويقبض مائة منه، فإن الابراء يلحق المشتري دون الشفيع. وهذه حيل فيها مخاطرة على البايع، لأن المشتري قد يطالبه بالمبيع والبايع قد أبرأه عن تسع مائة أخذ منه بدله ولا يبرئه عن بعضه ومن وجه آخر وهو أن الشفيع قد ينشط إلى أخذه وإن كان أكثر من ثمنه. ومن ذلك وهو أشدها أن يهب صاحب الشقص شقصه، ويهب المشتري من البايع ثمنه، فيملكه بالهبة فلا يؤخذ منه بالشفعة. ومن ذلك أن يكون الثمن جزافا مشارا إليه فيحلف المشتري أنه لا يعلم مبلغه فتسقط الشفعة، لأن الثمن إذا لم يعلم مبلغه لم يمكن أخذ الشفعة بثمن مجهول. إذا قال: اشتريت هذا الشقص في شركتي بألف، فقال قد اشتريت كما قلت غير أني لا أعرف مبلغ الثمن لأني نسيته، أو كان الثمن جزافا قيل فيه وجهان أحدهما أن هذا جواب صحيح، فيكون القول قوله مع يمينه يحلف وتسقط الشفعة، والثاني

[ 152 ]

أنه ليس بجواب صحيح، ويقال إن أجبت عن الدعوى وإلا جعلناك ناكلا يحلف الشفيع ويستحق كما تقول في رجل ادعى على رجل ألفا فقال أنت أعرف بمبلغ حقك عندي، قلنا له ليس هذا بجواب صحيح، فإن أجبته وإلا جعلناك ناكلا وحلف المدعي واستحق. والأول هو الصحيح لأن الذي يذكره المشتري ممكن، لأنه قد بينا أنه قد ينسى مبلغ الثمن، وقد يكون جزافا لا يعرف مبلغه، فإذا كان كذلك كان القول قوله مع يمينه، فإذا حلف فلا شفعة له، لأنه ملكه على صفة لا يقدر الشفيع على دفع البدل عنه، كما لو ملكه بالهبة. والفرق بين هذا وبين ما ذكره من الدين من وجهين أحدهما قوله لا أعرف مبلغ دينك، نكول عن نفس ما ادعى عليه، فلهذا كان ناكلا، وليس كذلك ههنا، لأن المشتري أجاب بجواب صحيح. فإن قال صدقت قد اشتريت بما يجب لك فيه الشفعة ثم أنكر شيئا غير هذا، وهو أنه لا يعرف مبلغ الثمن، فوزان الدين من هذا أن يقول: لا أدري ألك شفعة أم لا؟ فحينئذ يكون نكولا والثاني من له الدين يعرف مبلغ دينه لمعرفته بقدره، فلهذا صح دعواه، ومتى لم يذكر المدعى عليه جوابا صحيحا جعلناه ناكلا وليس كذلك في مسئلتنا لأن المشتري هو المباشر للعقد، وقد يكون الثمن جزافا، فمن المحال أن يعرف الشفيع المبلغ ولا يعرف المشتري، فلهذا كان جوابا. قد ذكرنا فيما سلف أن المشتري إذا قال: اشتريت الشقص بمائة وعشرين فترك الشفيع الشفعة، فبان الثمن مائة، وكذلك لو قال المشتري اشتريته بمائة حالة، فبانت إلى سنة أو قال اشتريت نصف الشقص بمائة، فبان كله بمائة، فإن هذا مما لا يسقط شفعة الشفيع، لأن تركه الأخذ بالثمن الكثير لا يدل على تركه بالثمن القليل فكان ما أخبر به تدليسا عليه فيه. وبالضد من ذلك إذا قال اشتريته بمائة فزهد في الشفعة ثم بان الثمن مائة وعشرين سقطت شفعته، وهكذا لو قال اشتريته بمائة إلى سنة، وبان الثمن حالا، أو قال نصف

[ 153 ]

الدار بمائة، فبان أنه اشترى الربع بالمائة، ففي كل هذا إذا ترك الشفعة ثم بان خلافه سقطت شفعته، لأنه إذا ترك الأخذ بالثمن القليل، كان تركه بالثمن الكثير أزهد فلهذا سقطت شفعته. ولو قال اشتريت النصف بمائة فزهد الشفيع ثم بان أنه اشترى الربع بخمسين أو قال اشتريت الربع بخمسين فبان أنه اشترى النصف بمائة لم تسقط شفعته، لأنه إذا قال اشتريت النصف بمائة، فقد لا يكون معه مائة ومعه خمسون، فلهذا كان هذا عذرا وهكذا إذا قال بعت الربع بخمسين فبان النصف بمائة كان له الأخذ، لأنه قد يزهد في المبيع اليسير بخمسين، ويرغب في الكثير بمائة، فبان الفصل بينهما. وجملته أن الشفيع متى بلغته الشفعة فلم يأخذ لغرض صحيح ثم بان خلاف ذلك لم يسقط شفعته. قد مضى أن الشفيع يستحق الشقص بالثمن الذي استقر العقد عليه، وهو بعد التفريق أو بعد انقضاء خيار الشرط، وأنه إن كان له مثل أخذه بمثله وإن لم يكن له مثل أخذه بقيمته، وذكرنا أن الاعتبار بقيمته حين وجوب الشفعة، وهو حين استقرار العقد. فإن اختلفا في قيمة الثمن وكان عبدا قد قبضه البايع وهلك، أو كان الثمن متاعا فاختلف سعره إلى حين المطالبة، فالقول قول المشتري، لأن الشفيع ينتزع ملك المشتري وهذا بدل ملكه، فكان القول قوله في قدره، فإن كان ثمن الشقص معينا فهلك قبل أن يقبضه البايع من المشتري، بطل البيع لأن الثمن المعين تلف قبل القبض، فإذا بطل البيع بطلت الشفعة، لأن البايع لا يملك مطالبة المشتري بالثمن لأنه معين فتلف قبل القبض فلا يطالبه ببدله، لأن الثمن إذا كان معينا فتلف قبل القبض لم يجز أخذ البدل عنه، فإذا تعذر تسليم الثمن إلى البايع من هذا الوجه بطلت شفعة الشفيع، لأنه يأخذ الشفعة بالثمن الذي لزم المشتري، والمشتري ما لزمه الثمن ولا بدل الثمن، فوجب أن يبطل الشفعة. ويفارق إذا تقايلا أو رد الشقص بالعيب، حيث قلنا إن للشفيع رفع الفسخ

[ 154 ]

ورد الملك إلى المشتري، وأخذه بالشفعة، لأن البايع يملك مطالبة المشتري بالثمن وههنا لا يملك فبطلت الشفعة. فإن طالب الشفيع المشتري بالشفعة، فادعى المشتري أن البناء الموجود أنا أحدثته بعد الشراء، أو هذا البيت من الدار أنا بنيته، وأنكر الشفيع ذلك، وقال بل كان موجودا قبل الشراء، فالقول قول المشتري، لأنه ملكه والشفيع يريد أن ينتزعه منه، فكان القول قوله. إذا اشترى بعيرا وشقصا بعبد وجارية، وقيمة البعير والشقص مائتان، وقيمة العبد والجارية مائتان، كان للشفيع أن يأخذ الشقص بنصف قيمة العبد والجارية فإن هلك البعير قبل القبض بطل البيع فيه، وهل يبطل في الشقص أم لا؟ قيل فيه قولان أصحهما أنه لا يبطل والثاني يبطل، فمن قال يبطل فلا كلام، ومن قال يصح يبطل ما قابل البعير والجارية، وهو نصف الجارية والعبد وأخذ الشفيع الشقص بما تم بالعقد عليه وهو نصف قيمة الجارية والعبد. فإن كانت بحالها ولم يكن هكذا ولكن تلفت الجارية بطل البيع فيها، وفي العبد على قولين فمن قال باطل فلا كلام، ومن قال لا يبطل بطل في الجارية وحدها، وفي ما قابلها من البعير والشقص والذي قابلها منهما النصف فيصح البيع في نصف الشقص وفي نصف البعير ويبطل في الباقي، أما البعير فلا شفعة له فيه، وأما الشقص فقد صح البيع في نصفه بنصف ما قابله من الثمن وهو خمسون، فالشفيع بالخيار بين أن يأخذه بها أو يدع، وهذا الفرع يسقط على مذهب من لا يوجب الشفعة في المعاوضات. إذا كانت الدار كلها في يد رجل فادعى عليه مدع أنه يستحق منها سدسها فأنكر وانصرف المدعي، ثم قال له المدعى عليه خذ مني السدس الذي ادعيته منها بسدس دارك، فإذا فعلا هذا صح، ولم يكن صلحا على إنكار، لأن المدعي سأل المدعى عليه أن يعطيه ما ترك المطالبة به ببدل، فإذا صح البيع وجبت الشفعة في كل واحد من الشقصين، فيأخذه الشفيع بالشفعة بقيمة السدس الذي هو بدله، وإنما يصح إذا كان نصفها في يده فأما إذا كانت كلها في يده فلا شفعة فيما باع منها، وهذه مثل

[ 155 ]

الأولى سواء في أنه لا شفعة فيها بحال لما قلناه. إذا كانت دار بين شريكين نصفين فباع أحدهما نصيبه من عرصتها دون البناء والسقف كان للشفيع الشفعة فيه، فإن باع هذا البايع ما بقي له منها من البناء والسقف فلا شفعة فيه، لأن الشفعة يجب فيها تبعا، وهو إذا بيع تبع الأصل ولا يجب فيه متبوعا، وهو إذا أفرد بالبيع. وقال بعضهم إن الدولاب في الأرض والناعورة بمنزلة البناء فيها، لأنه يتبع الأصل بإطلاق العقد إذا كان الدولاب غرافا فأما الدولاب الذي له حبل يدور عليه وفي الحبل دلاء فكان دولاب الرجل أو دولاب غيره، فإن هذه المرسلة التي فيها الدلاء لا تدخل في البيع بإطلاق العقد، فإذا شرطت فيها فلا شفعة فيها، لأنها ينقل ويحول من دولاب إلى دولاب، قال وكذلك الزرنوق وهو جذع الدالية الذي يركب الرجل أحد رأسيه والباطنة الغرافة في الرأس الآخر لا شفعة فيها، لأنها من آلة الأرض وهي كأرض فيها غلمان يعملون فيها، فإذا بيع منها قسط وقسط من الغلمان فلا شفعة في الغلمان كذلك ههنا. داران بين رجلين نصفان باع أحدهما نصيبه من أحدهما، كان للآخر الشفعة فإن ترك الشفعة وقال لشريكه البايع قاسمني على الدار الباقية بيننا وانقض البيع في الأخرى، حتى أقاسمك فيها دون المشتري، كان له مقاسمته على الباقية، ولم يكن له مطالبته بنقض البيع في الأخرى، لأن ملكه منها صار للمشتري، فلا يطالب باسترجاع ملكه، بل يكون المقاسم هو المشتري فيما اشتراه. إذا بلغه وجوب الشفعة له فقال قد اخترت شفعتي بالثمن الذي تم العقد به، لم يخل الثمن به من أحد أمرين إما أن يكون معلوما عند الشفيع أو مجهولا، فإن كان معلوما عنده صح الأخذ، وانتقل ملك الشقص عن المشتري إليه ووجب الثمن عليه للمشتري بغير اختياره، لأنه ملك قبوله بالثمن الذي يملكه به، ولم يعتبر رضا المشتري فيه لأنه استحق الأخذ تحكما عليه. وإن كان الثمن مجهولا لم يصح الأخذ، لأن الشفيع مع المشتري كالمشتري

[ 156 ]

من المشتري، والمشتري لا يملكه بالثمن المجهول، كذلك الشفيع، فإن قال الشفيع قد اخترته بالثمن بالغا ما بلغ لم يصح الأخذ، وهكذا لو قال إن كان الثمن مائة دينار فما دونها فقد اخترته بالثمن، فكان الثمن مائة دينار فما دون، لم يصح، لأنه ثمن مجهول. فإذا قلنا لا يصح الأخذ فلا كلام، وكل موضع قلنا يصح الأخذ فلا خيار للشفيع خيار المجلس على ما بيناه وعند المخالف له ذلك فإذا تم العقد بينهما فعليه تسليم الثمن إلى المشتري، فإن كان موجودا لم يجب على المشتري تسليم الشقص حتى يقبض الثمن، وإن تعذر تسليم الثمن في الحال قال قوم أجل الشفيع ثلاثا فإذا جاء به فلا كلام، وإن تعذر عليه بعد ثلاث فسخ الحاكم الأخذ، ورد الشقص إلى المشتري، وهكذا لو هرب الشفيع بعد التملك كان للحاكم فسخ الأخذ ورد الشقص على المشتري. فإن تملكه الشفيع ووجب الثمن عليه ففلس الشفيع كان المشتري بالخيار بين أن يرجع في عين ماله وبين أن يضرب مع الغرماء بالثمن، فإن المشتري مع الشفيع ها هنا كالبايع مع المشتري في حكم التفليس. إذا وجبت له الشفعة فسار إلى المطالبة بها على العادة قال قوم إن أتى المشتري فطالبه بها فهو على شفعته، وإن تركه ومضى إلى الحاكم فطالبه بها عنده فهو على شفعته أيضا عند قوم، وقال قوم تبطل شفعته، فإن ترك الحاكم والمشتري معا ومضى فأشهد على نفسه أنه على المطالبة بطلت شفعته، وقال أبو حنيفة لا تبطل، ويكون على المطالبة بها أبدا، قال من خالفه غلط، لأنه ترك المطالبة بها مع القدرة عليها، فأشبه إذا لم يشهد وقول أبي حنيفة أقوى، لأنه لا دليل على بطلانها. أرض بين شريكين نصفين عمد أحدهما إلى قطعة منها فباعها، فالبيع في نصيب شريكه باطل، لأنه باع مال شريكه بغير حق، ولا يبطل في نصيب نفسه، وقال قوم إنه يبطل. وإذا صح فالشفيع يأخذه بالشفعة ومن قال يبطل قال لأن الثمن مجهول لأن

[ 157 ]

الصفقة الواحدة جمعت حراما وحلالا، ولأن هذا البايع لو قاسم شريكه قبل البيع ربما وقعت هذه القطعة في نصيب شريكه بالقسمة، فإذا باعها بعد أن تملكها شريكه وحده بالمقاسمة لكان فيه اعتراض على حق شريكه عند المقاسمة فلهذا بطل البيع. إذا اشترى المأذون شقصا من دار ثم بيع في شركته شقص، كان له الأخذ بالشفعة لأنه لما كان له أن يشتريه ابتداء كان له أخذه بالشفعة، فإن عفا عن الشفعة كان لسيده إبطال عفوه، لأن الملك له، وإن عفى السيد عنها سقطت ولم يكن للمأذون الأخذ، لأن لسيده أن يحجر عليه في جنس من المال، فإذا منعه من هذا فقد حجر عليه فيه. فأما المكاتب فله الأخذ بالشفعة ولا اعتراض لسيده عليه، لأنه يتصرف في حق نفسه، ويفارق المأذون لأنه يتصرف فيما هو ملك لسيده، وما منع السيد نفسه من التصرف مما في يديه. فإن حجر على الحر لفلس فبيع في شركته شقص كان العفو والأخذ إليه لا اعتراض للغرماء عليه، لأن الأخذ بالشفعة تصرف في الذمة، لأن المشتري يملك الثمن في ذمة الشفيع، وليس للغرماء الأخذ ولا العفو، لأن التصرف ما دخل تحت الحجر. فإن أوصى بثلث ضيعته لرجل ثم مات وخلف ابنين وقبل الموصى له الوصية بكل الثلث فإن باع أحد الابنين نصيبه منها كانت الشفعة لأخيه، وللموصى له بالثلث، لأنه شريكه حين البيع. هذا عند من قال إن العم والأخ في الشفعة سواء، ومن قال إن الأخ أولى من العم، كان الأخ أولى من الموصى له، والصحيح أنهما سواء إذا أثبتنا الشفعة بين أكثر من اثنين. إذا دفع إلى رجل ألفا قراضا فاشترى به شقصا يساوي ألفا وكان رب المال هو الشفيع، فهل له أن يأخذ الشفعة أم لا؟ قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها يأخذه من العامل برمته (1) لا بالشفعة، لأنه ملكه، ولا فضل في المال

(1) برقبته خ.

[ 158 ]

فكان له أخذه من العامل وفسخ القراض. والثاني يأخذ الشفعة وليس له أخذه بغير شفعة لأن رب المال لا يملك أخذ المال من يد العامل قبل أن ينض، فيأخذه بالشفعة ويدفع الثمن إليه، فإذا فعل هذا فقد نض مال القراض، فإن شاء أقره على القراض وإن شاء قبضه، فسخ القراض. والثالث ليس له أن يأخذ بغير شفعة لما مضى، ولا له أن يأخذ بشفعة، لأنه ملكه والانسان لا يملك الشفعة على نفسه. فعلى هذا الوجه إن باعه العامل من أجنبي فهل لرب المال أن يأخذ من المشتري بالشفعة أم لا؟ على وجهين أحدهما له ذلك، لأنه شريكه حين البيع، والثاني ليس له ذلك، لأن العامل وكيله باع ملكه والوكيل إذا باع ملك موكله لم يكن للموكل أخذه بالشفعة. هذا إذا كان الشفيع رب المال، فأما إذا كان العامل هو الشفيع، وهو أن يشتري شقصا في شركة نفسه نظرت، فإن لم يكن في المال ربح، كان له أخذه بالشفعة، لأنه وكيل المشتري له، وإن كان في المال ربح فهي مبنية على قولين متى يملك العامل حصته من الربح فإذا قلنا لا يملك حصته بالظهور أخذ الكل بالشفعة، ورد الفضل في مال القراض، ومن قال يملك حصته بالظهور، وهو مذهبنا، أخذ أصل المال وحصة رب المال بالشفعة، وأما حصة نفسه فقد قيل فيها ثلاثة أوجه على ما ذكرناه: إذا كان الشفيع هو رب المال. إذا كان في حجره يتيمان بين اليتيمين دار، فباع نصيب أحدهما منها كان له أخذه بالشفعة لليتيم الآخر، فإن كان الشفيع هو الوصي فعلى وجهين أحدهما ليس له كما لم يكن له أن يشتريه لنفسه، ولأنه متهم، لأنه يؤثر تقليل الثمن، والوجه الثاني له ذلك لأنه شريكه حين الشراء والأول أقوى، وإن كان الولي هو الأب أو الجد كان له أخذه لنفسه بالشفعة، قولا واحدا، لأنه غير متهم ولأنه يجوز له أن يشتريه لنفسه. وإن اشترى الشقص نفسان فبلغ الشفيع أن المشتري أحدهما وحده فعفا عن الشفعة، ثم بان له أن المشتري اثنان كان له الأخذ منهما، ومن كل واحد منهما

[ 159 ]

لأنه إذا كان المشتري واحدا كانت الصفقة واحدة، ولا يمكنه تبعضها على المشتري ولا يملك ثمن الكل، ولا يقدر عليه، وإذا علم أن المشتري اثنان كان البيع صفقتين فله أن يأخذهما وكل واحد منهما فإذا بان له أنه يقدر على أخذ بعضه لم يسقط شفعته بالعفو عن الكل. وعلى هذا لو بلغه أن المشتري زيد لنفسه فعفا عنها، ثم بان أنه اشتراه لغيره، كان له الأخذ، لأنه قد رضى زيدا شريكا ولا يرضى غيره، فإن بلغه أن الثمن حنطة فعفى ثم بان له أنه شعير أو بلغه أنه شعير ثم بأن أنه حنطة، لم تسقط شفعته، لأن له غرضا في أخذه بأحد الثمنين دون الآخر، كما لو بلغه أن الثمن دنانير فعفى، فبان أنه دراهم أو بلغه أنه دراهم فعفى فبان أنه دنانير لم تسقط شفعته، كذلك ها هنا. فإن علم الشفيع بالشفعة وقد قاسم المشتري، وبنى، فقد قلنا إن له الشفعة، يدفع إلى المشتري قيمة ما أحدثه، فإن كانت بحالها وقد زرع المشتري، قلنا للشفيع: خذ بالشفعة ويبقى زرع المشتري إلى الحصاد لأن ضرره لا يتلافى، فإن قال أنا أؤخر الأخذ حتى إذا حصد الزرع أخذت إذ ذاك، كان له ذلك، ولم تسقط شفعته، لأن له فيه غرضا صحيحا، وهو أن ينتفع بالثمن إلى الحصاد، ولا يدفع الثمن ويأخذ أرضا لا منفعة له فيها كما قلنا فيه إذا كان الثمن إلى أجل أن له تأخير الأخذ حتى يأخذ في محله بالثمن. إن اشترى شقصا تجب فيه الشفعة، وضمن الدرك عن البايع اثنان، ثم شهدا عليه أنه قد باع الشقص بعد الشراء، وأنه سلمه بعد الشفعة إلى الشفيع، أو أن الشفيع قد أخذه منه بالشفعة، قبلت شهادتهما، لأن ضمانهما لا يختلف بشئ من ذلك، فلا يجران نفعا، ولا يدفعان ضررا، فلم ترد به شهادتهما بحال، فإن وجبت له الشفعة والشقص في يد البايع، فقضى القاضي له بها، ودفع الثمن إلى المشتري، كان للشفيع أخذه من البايع، وإن قال البايع للشفيع أقلني هذا لبيع فأقاله، كانت الإقالة باطلة لأنها إنما تصح من المتبايعين، فأما بين البايع وغير المشتري فلا. فإن باع المشتري الشقص قبل أن يقبضه الشفيع لم يصح، لأنه ملكه عنه الشفيع

[ 160 ]

وإن باعه الشفيع قبل القبض من البايع لم يصح، لأنه باع ذلك قبل القبض، فإن الشفيع مع المشتري كالمشتري من البايع. دار بين اثنين ادعى أحدهما على شريكه فيها، فقال: هذا النصف الذي في يديك اشتريته من زيد بألف بعد أن ملكت حقي فيها وأنا أستحقه عليك بالشفعة، فقال زيد البايع: صدق الشفيع، وقال المشتري ما ملكته بالشراء، بل ملكته ميراثا فلا شفعة لك فيه، فأقام الشفيع البينة أن زيدا ملك هذا النصف من أبيه ميراثا ولم يشهد بأكثر من ذلك. قال محمد بن الحسن: ثبت للشفيع الشفعة، ويقال للمشتري إما أن تدفع الشقص إليه ويدفع الثمن إليك، أو ترده على البايع ليأخذه الشفيع من البايع، ويأخذ الثمن يدفعه إليك، قال لأن الشاهدين شهدا له بأنه ملك الشقص ميراثا واعترف زيد أن المشتري قد ملكه منه بالشراء فكأنما شهدا لزيد بالملك وعليه بالبيع. وقال ابن شريح هذا غلط لا شفعة للشفيع، لأن البينة شهدت لزيد بالملك عن أبيه ميراثا وما شهدت عليه بالبيع، وإنما اعترف هو بالبيع، فليس بينه وبين المشتري منازعة، وإنما المنازعة بين الشفيع وبين المشتري، فالشفيع يقول اشتريت الشقص من زيد بألف وهو يقول بل ورثته من أبي، فلا يقبل قول زيد عليه من استحقاق ملكه عليه بالشفعة، لأن الشفعة ليست من حقوق العقد، فلا يتعلق به الشفعة بقول البايع، كما لو حلف رجل لا اشتريت هذه الدار من زيد فقال زيد قد بعتكها منك أيها الحالف فأنكر الحالف لم يحنث بقول البايع، ولا يطلق زوجته إن كانت يمينه بالطلاق لأن الطلاق ليس من حقوق العقد، ولا يقبل قول البايع على المشتري في ذلك فيطلق زوجته كذلك لا يقبل قوله ها هنا فيؤخذ منه الشقص بالشفعة، فإن شهد البايع للشفيع بالشراء لم يقبل شهادته، لأنها شهادة على فعل نفسه وقول ابن شريح أقوى. إذا وجبت له الشفعة نظرت، فإن كان قد شاهد المبيع كان له الأخذ، فإذا أخذ صح، كما لو اشترى ما شاهده، فإن لم يكن شاهد المبيع، لم يصح الأخذ بالشفعة لأن الشفيع مع المشتري بمنزلة المشتري من المشتري، ألا ترى أنه يفتقر إلى معرفة

[ 161 ]

الثمن وقدره ومعرفة المبيع وقدره، وكذلك إلى مشاهدته، وهكذا إذا قلنا بيع خيار الرؤية يصح فههنا لا يصح لأنا إنما أجزنا خيار الرؤية، لأنه أخذ الشقص بغير اختياره لأن البايع دخل على أن المشتري له خيار الرؤية. وههنا المشتري ما دخل أن الشفيع له خيار الرؤية، لأنه أخذ الشقص بغير اختياره، فلا يصح أن يكون له مع هذا خيار الرؤية، إلا أن يقول المشتري قد رضيت أن يكون لك أيها الشفيع خيار الرؤية، فههنا إذا اختار الأخذ هل يصح أم لا؟ على قولين: إذا قلنا لا يصح خيار الرؤية لا يصح الأخذ، وإذا قلنا يصح وهو الأقوى فعلى هذا إذا شاهده الشفيع كان له خيار الرؤية، فإن رضيه أمسكه، وإن كرهه رده على المشتري، واسترجع الثمن. إذا وجبت الشفعة ودفع الثمن إلى المشتري والمبيع في يد البايع، فهل للشفيع أن يقول: لا أقبضه من يد البايع، بل يقبضه المشتري منه أولا حتى إذا قبضه أخذته من يد المشتري أم لا، قيل فيه قولان: أحدهما له أن يقول لا أقبض حتى يقبض المشتري لأن الشفيع مثل المشتري من المشتري، ومن اشترى شيئا قبل قبضه لم يصح حتى يقبضه ثم يبيعه، ويقبضه المشتري الثاني منه، فعلى هذا إذا كان المشتري حاضرا كلفه الحاكم أن يقبضه بنفسه أو بوكيله ثم يقبضه الشفيع بعد هذا، وإن كان المشتري غايبا، نصب الحاكم عنه وكيلا يقبض له فإذا قبض له وكيله قبضه الشفيع من وكيله. والوجه الثاني يأخذه من يد البايع ولا يكلف المشتري القبض، لأن الشفعة حق يثبت للشفيع على المشتري كالدين، وإذا كان له هذا الحق أخذه حيث قدر عليه وحيث وجده، وقد جده في يد البايع فكان له الأخذ منه، ولأن يد الشفيع كيد المشتري كالنائب عنه، فإذا كانت يده كيده كان له القبض كقبضه، كما أنه لو وجبت عليه رقبة في ظهار فقال لرجل: أعتق عبدك عني عن ظهاري ففعل صح، وكان المأمور بالعتق عنه كالقابض له، والعتق عنه بعد القبض. دار بين أربعة لكل واحد منهم ربعها، اشترى اثنان منهم سهم ثالث منهم ونفرض

[ 162 ]

المسألة إذا كان سهم كل واحد منهم اثني عشر سهما ليصح الكلام فيه، فيكون المبيع اثني عشر سهما، فإذا اشترياه فقد اشترى كل واحد منهما نصف المبيع ونصفه ستة أسهم وللمبيع ثلاثة شفعاء المشتريان والذي لم يشتر، فإذا ثبت أنهم ثلاثة فكل واحد من المشتريين يستحق الشفعة على الذي اشترى منه، ولا يستحق واحد منهما الشفعة على الذي لم يشتر، لأنه ما اشترى شيئا، ويستحق الذي لم يشتر الشفعة على كل واحد منهما، فإذا تقررت الصورة ففي ذلك أربع مسائل: إحداها إذا اختار الكل الأخذ، اقتسموا المبيع أثلاثا وهو اثني عشر سهما فيأخذا الذي لم يشتر من كل واحد منهما سهمين، ويأخذ كل واحد من اللذين اشتريا من صاحبه سهمين، فيصير مع كل واحد منهم أربعة أسهم. الثانية عفى كل واحد من المشتريين عن صاحبه، فحصل في كل واحد منهما ستة أسهم، ولم يعف الذي لم يشتر عن واحد منهما فيأخذ من يد كل واحد منهما نصف ما حصل له وهو ثلاثة أسهم يصير معه ستة أسهم نصف كل المبيع، ويستقر لكل واحد منهما ربع المبيع ثلاثة أسهم. الثالثة عفى الذي لم يشتر عن كل واحد منهما فلا حق فيما يشتريانه، ويكون لكل واحد منهما الشفعة على صاحبه، فيأخذ كل واحد منهما من يد الآخر نصف ما في يده، وهو ثلاثة أسهم، فيصير المبيع بينهما نصفين، في يد كل واحد منهما ستة أسهم. الرابعة عفا الذي لم يشتر عن أحدهما، فقد حصل ها هنا عاف ومعفو عنه والثالث غير عاف ولا معفو عنه فيعبر عنه بالثالث أما العافي فقد سقط حقه من المعفو عنه، وفي يد المعفو عنه ستة أسهم، فقد عفا العافي عن سهمين منها، فالعافي يستحق الشفعة على الثالث والثالث يستحق الشفعة على المعفو عنه، لأنه ما عفا عنه، فيأخذ العافي من الثالث سهمين يبقى مع الثالث أربعة، يرجع الثالث على المعفو عنه فيأخذ منه ثلاثة نصف ما في يده يصير معه سبعة، ويرجع المعفو عنه على الثالث فيأخذ منه سهمين، وهما نصف ما في يده بعد أخذ العافي منه السهمين يبقى في يده خمسة فيكون في يد العافي سهمان، وفي يد الثالث خمسة، وفي يد المعفو عنه خمسة فيكون الكل اثني عشر سهما.

[ 163 ]

المسئلة بحالها في يد كل واحد من المشتريين ستة أسهم غاب أحدهما، وفي يده ستة أسهم، وأقام أحدهما وفي يده ستة أسهم، كان للذي لم يشتر أن يأخذ من الحاضر نصف ما في يديه ثلاثة أسهم، لأنه يقول لا شفيع سوانا، ولا مبيع الآن إلا في يديك، فحصل في يد كل واحد منهما ثلاثة أسهم، والشفعاء ثلاثة الذي لم يشتر، والمشتري الحاضر، والمشتري الغائب، وفي يده ستة أسهم، قدم الغايب وفي يده ستة أسهم بعد قدومه فيه ثلاث مسائل: إحداها لما قدم الغائب عفى عن المشتري الحاضر، وعن الذي لم يشتر وفي يد كل واحد منهما ثلاثة أسهم، ثم عفى المشتري الحاضر عن القادم فقد عفى كل واحد من المشتريين عن صاحبه، وما عفى الذي لم يشتر عن أحدهما، وقد أخذ من المشتري الحاضر نصف ما في يده ثلاثة ويأخذ من القادم نصف ما في يده ثلاثة يصير معه ستة أسهم نصف المبيع، ومع كل واحد من المشتريين ربع المبيع ثلاثة أسهم. الثانية عفى الذي لم يشتر عن القادم، وعفا عنه المشتري الحاضر أيضا فاستقر في يد القادم ستة أسهم نصف المبيع، والقادم ما عفا عن الذي لم يشتر ولا عن المشتري الحاضر، فيأخذ من يد كل واحد منهما ثلث ما في يده، وفي يد كل واحد منهما ثلاثة أسهم، وفي يده ستة أسهم، يصير معه ثمانية ثلثا المبيع، وفي يد كل واحد من الآخرين سهمان سدس المبيع. الثالثة عفا الذي لم يشتر عن القادم وما عفى عن القادم المشتري الحاضر، وفي يد القادم ستة أسهم، فللعافي على المشتري الحاضر الشفعة، لأنه ما عفا عنه وللقادم على المشتري الحاضر الشفعة. لأنه قائم مقامه، وللمشتري الحاضر على القادم شفعة لأنه ما عفا عنه، وفي يد المشتري الحاضر ستة أسهم يأخذ منها الذي لم يشتر سهمين، يبقى معه أربعة، وفي يد القادم سته يأخذ المشتري الحاضر من القادم نصف ما في يده ويأخذ القادم من المشتري الحاضر نصف ما في يده، وفي يده أربعة فيكون في يد القادم خمسة، وفي يد المشتري الحاضر خمسة وفي يد الذي لم يشتر سهمان وهذا يسقط على مذهب من لا توجب الشفعة إذا كانوا أكثر من شريكين.

[ 164 ]

إذا باع شقصا بثمن مؤجل، فقد بينا أن الشفيع بالخيار بين أن يأخذ بالثمن عاجلا أو يصبر إلى الأجل، ثم يأخذه بالشفعة، فإن مات المشتري قبل انقضاء الأجل حل الثمن عليه، وسقط الأجل، وللبايع أن يطالب الوارث بالثمن في الحال، فإذا قبض الثمن لم يجب على الشفع دفع الثمن في الحال، وكان الخيار ثابتا في حقه، إن شاء عجله وأخذ الشقص، وإن شاء أخره، لأن ذلك ثبت له واستحقه بالعقد الذي يستحق به الشفعة، وحلوله في حق الميت لا يوجب حلوله في حقه. كما نقول في رجل له في ذمة رجل دين ألف درهم مؤجل، فضمنها له رجل إلى ذلك الأجل، ثم مات الذي عليه الدين فحل عليه الدين، ولصاحب الدين مطالبة الوارث، ولا يجوز له مطالبة الضامن يحل الأجل. ولو اشترى شقصا له شفيعان فادعى أنهما عفوا عن الشفعة، كان صحيحا فإن أقرا بالعفو سقطت شفعتهما، وإن أنكرا العفو كان القول قولهما مع أيمانهما، فإن حلفا سقطت دعوى العفو وحكم لهما بالشفعة، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، لا ترد اليمين ها هنا لأنه لا يستفيد بيمينه شيئا لأن الشقص يأخذه الشفيع الآخر، فإن عفى أحدهما إذا صح وثبت كان للآخر أن يأخذ جميع الشقص وإذا ثبت هذا يصرف الناكل ويقال لهما لا حكم لكما عندنا وإنما الحكم البينة أو اليمين، فإذا لم تكن له بينة ولم يحلف سقط دعواه، فإذا جاء الحالف يطالب بالشفعة سلم الجميع إليه، فإن جاء الناكل وطالبه بحصته منه، فإن كان يصدقه أنه لم يعف دفع حصته إليه، وإن لم يصدقه وادعى عليه العفو، كان القول قول الناكل مع يمينه، وعرضت اليمين عليه لأن هذه الدعوى على الشفيع غير الدعوى على المشتري، فنكوله في إحداها لا يسقط يمينه في الأخرى، فإن حلف استحق، وإن نكل عن اليمين ردت اليمين عليه، فإن حلف سقطت دعوى الأجنبي، وإن نكل عن اليمين، صرفا ولم يكن لهما حكم عندنا. إذا اشترى شقصا من دار أو أرض ففلس قبل أن يقبض البايع الثمن، وقبل أن يأخذ الشفيع الشفعة، ثم حضر البايع والشفيع وسائر الغرماء كان الشفيع أولى لأن حقه سابق من وقت الشراء، وحق البايع متجدد بالتفليس، وحق الغرماء في ذمته.

[ 165 ]

ومثل ذلك إذا طلق الرجل زوجته وحضر الزوج يدعي نصف الشقص الممهور وحضر الشفيع، فالشفيع أولى، لأن حقه سابق وهو الصحيح عندهم، وعلى مذهبنا لا يصح ذلك لأن ما جعله مهرا لا شفعة فيه بحال وقالوا فيه وجه آخر وهو أن الزوج أولى من الشفيع. إذا بيع بعض الدار بدينه لم يثبت الشفعة لورثته، لأن ملك الورثة بمنزلة المتأخر عن البيع، والملك الحادث بعد البيع لا يستحق به الشفعة. بيان ذلك أن هذا البيع يستحق على الميت بسبب وجد في حياته فكأنه يتبعه في حياته وملك الورثة حادث بعد موته وكذلك إذا أوصى ببيع الدار والتصدق بثمنها فإنه لا شفعة لورثته لما ذكرناه، ولو كان لهم في الدار شريك قبل موت صاحبهم، كان لهم الأخذ بالشفعة فيما بيع في الدين أو بيع في الوصايا لأنهم شركاؤه ولو أن وصيا على صبي باع له شقصا فيما لا بد له منه وهو شريكه، فأراد أن يأخذ بالشفعة فليس له ذلك لأنه قد كان يصل إلى الحاكم حتى يأمر ببيعه فيأخذ إن شاء وكذلك إن وكل في بيع شقص وهو شفيع، فباع لم يكن له شفعة، ولكنه لو وكل في شراء شقص وهو شفيع لم يبطل ما كان له من الأخذ وله الشفعة إن شاء وفي الناس من قال تثبت الشفعة في الحالين لوجود البيع في المشاع الذي لم يقسم، والصحيح الأول. وأما إذا باع الأب والجد فيجب أن يثبت لهما الشفعة في الحالين لأنه لا تهمة عليهما، لأنهما يبيعان من أنفسهما. دار بين ثلاثة أنفس: لواحد نصفها، وللآخر ربعها، وللثالث ربعها، فاشترى صاحب النصف نصيب أحد شريكيه، والشريك الثالث غائب، ثم إن الشريك الذي اشترى الربع باع ستة أسهم، وأراد قسمة الربع، ثم قدم الثالث كان بالخيار بين أن يأخذ من الأول دون الثاني حقه، أو من الثاني دون الأول حقه أو منهما. فإن طلب حقه من الأول وهو أشكل الأقسام كان له نصف الربع، وهو ثلاثة أسهم بناء على القول على عدد الرؤس، لا عدد الأنصباء، فعلى هذا نصف الربع وهو الثمن يجب أن يقسم على المبيع، وعلى ما في يده على الثلث والثلثين لأن المبيع

[ 166 ]

ثلث ملكه، فلا يصح الثمن من ثمانية على ثلاثة: يضرب ثلاثة في ثمانية يكون أربعة وعشرين، يكون لصاحب النصف اثنا عشر منها، وللقادم ستة، وبقي ستة: للقادم فيها ثلاثة دخل في البيع سهم واحد منها، وهو الثلث من حقه وبقي في يده سهمان، وإن رجع على المشتري الثاني فيفسخ البيع به، ويأخذه ويبقى له خمسة، ويرجع على صاحب النصف سهمين، فيحصل للقادم تسعة أسهم ستة وثلاثة، ويحصل للمشتري وصاحب النصف خمسة أسهم، يحصل لصاحب النصف عشرة أسهم فذلك أربعة وعشرون سهما. وأما على القول الذي يقول على قدر الأنصباء فإن الربع من المبيع بينه وبين المشتري، وهو صاحب النصف على الثلث والثلثين، لأن نصيب القادم نصف نصيب المشتري فيكون له سهم، وللمشتري سهمان، فيجب أن يقسم الربع على ثلاثة: للقادم ثلث الربع وذلك الثلث ينقسم على الثلث، فتضرب في مخرج الثلث يكون تسعة، ويضرب في مخرج الربع يكون ستة وثلاثين، فبها يصح، فإن عفى عن الأول وطلب الثاني، أخذ الستة وإن طلب الجميع أخذ الستة، وسهمين من الأول في يده، فيكون ثمانية وستة وأربعة عشر.

[ 167 ]

(كتاب القراض المضاربة) القراض والمضاربة اسمان بمعنى واحد، وهو أن يدفع الانسان إلى غيره مالا يتجر به على أن ما رزق الله من ربح كان بينهما على ما يشتر طانه. والقراض لغة أهل الحجاز والمضاربة لغة أهل العراق، وقيل في اشتقاقه شيئان أحدهما أنه من القرض وهو القطع، ومنه قيل: قرض الفأر الثوب، إذا قطعته، ومعناه ههنا أن رب المال قطع قطعة من ماله يسلمها إلى العامل وقطع له منه قطعة من الربح ومنه يسمى القرض قرضا لأن المقرض يقطع قطعة من ماله يدفعها إلى المقترض والآخر أن اشتقاقه من المقارضة وهي المساواة والموازاة، يقال: تقارض الشاعران إذا تساويا في قول كل واحد منهما في صاحبه من مدح وهجو. وروي عن أبي الدرداء أنه قال: قارض الناس ما قارضوك فإن تركتهم لم يتركوك يعني ساوهم فيما يقولون فيك، ومعناه ههنا من وجهين: أحدهما من رب المال المال ومن العامل العمل، والثاني يساوي كل واحد منهما صاحبه في الاشتراك في الربح، و المقارض بكسر الراء رب المال، والمقارض بفتح الراء العامل. وأما المضاربة فاشتقاقها من الضرب بالمال، والتقليب له، وقيل اشتقاقها من أن كل واحد من رب المال والعامل يضربان في الربح والأول أصح والمضارب بكسر الراء العامل لأنه هو الذي يضرب فيه ويقلبه، وليس لرب المال اشتقاق منه. يدل على ذلك ما رواه الحسن عن علي عليه السلام أنه قال إذا خالف المضارب فلا ضمان، هما على ما شرطاه، والظاهر أنه أراد العامل لأن الخلاف منه، والضمان بالتعدي عليه. وعلى جوازه دليل الكتاب وإجماع الأمة فالكتاب قوله تعالى: " فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله " [ وقال الله تعالى: " وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله " ] (1) ولم يفصل، وأما الاجماع فإنه لا خلاف فيه

(1) الجمعة: 11، المزمل: 20، والآية الأخيرة ساقطة عن بعض النسخ.

[ 168 ]

وأيضا فإن الصحابة كانت تستعمله، روي ذلك عن علي عليه السلام وعمر وابن مسعود و حكيم بن حزام وابن عمر وأبي موسى الأشعري ولا مخالفا لهم. فإذا ثبت جواز القراض، فالكلام في ما يجوز أن يكون رأس مال في القراض وما لا يجوز، وجملته أن القراض لا يجوز إلا بالأثمان من الدراهم والدنانير، وأما غيرهما فلا يجوز وفيه خلاف (1) وأما القراض بالنقرة فلا يصح لأنها معتبرة فيما له قيمة، فهي كالثياب والحيوان، والقراض بالفلوس لا يجوز، والقراض بالورق المغشوش لا يجوز، سواء كان الغش أقل أو أكثر أو سواء، وفيه خلاف (2). فإن دفع إلى حائك غزلا وقال انسجه ثوبا على أن يكون الفضل بيننا فهو قراض فاسد، لأن موضوع القراض على أن يتصرف العامل في رقبة المال ويقلبها ويتجر فيها فإذا كان غزلا فهو نفس المال وعينه فهو كالطعام إذا أعطاه ليطحنه ويكون الفضل بينهما، فيكون الكل لرب المال، وللعامل أجرة مثله. وإن أعطاه شبكة وقال: تصطاد بها فما رزق الله من صيد كان بيننا كان قرضا فاسدا لما مضى، فإذا اصطاد شيئا كان له دون صاحب الشبكة لأنه صيده، ويكون لصاحب الشبكة أجرة مثله، كما أنه لو غصبت شبكة فصاد بها كان الصيد له دون مالكها. وليس كذلك الغزل لو غصبه فنسجه لأن الثوب يكون لصاحب الغزل، لأنه عين ماله. وإن دفع له ثوبا فقال له بعد فإذا نض ثمنه (3) فقد قارضتك عليه فالقراض باطل لأنه قراض بمال مجهول لأنه لا يعلم كم قيمته حين العقد، وللعامل أجرة مثله

(1) قال الأوزاعي وابن أبي ليلى: يجوز بكل شئ يتمول كالحبوب والأدهان.
(2) المخالف في المسألة الأولى محمد بن الحسن قال: أجيز القراض بالفلوس استحسانا لأنها ثمن الأشياء في بعض البلاد وفي الأخيرة أبو حنيفة قال: إن كان الغش سواء أو كان أقل جاز وإن كان أكثر لم يجز.
(3) يقال: ما نض بيدي منه شئ: أي ما حصل، ويقال خذ ما نض لك من دين أو ثمن: أي تيسر وتعجل وتمكن.

[ 169 ]

وهذا أصل القراض الفاسد فبان مشروحا. إذا دفع إليه ألفا قراضا على أن ما رزق الله من ربح كان له الثلث، وللعامل الثلث، ولغلام رب المال الثلث، والغلام مملوك لرب المال كان جائزا سواء شرط فيه عمل الغلام أو لم يشرط مع العامل، وفي الناس من قال لا يصح إذا شرط عمل الغلام مع العامل لأن موضوع القراض على أن من رب المال المال، ومن العامل العمل، فإذا شرط هذا كان من رب المال المال والعمل، وذلك لا يجوز، ولأن موضوع القراض على أن رب المال يستحق الربح بماله دون عليه، ويستحق العامل الربح بعمله من غير مال، وإذا شرط هذا استحق رب المال الربح بماله وعمله، وهذا لا يجوز. وإنما قلنا إن الأول أصح لأنه إذا شرط هذا، فقد شرط ضم مال إلى ماله لأن عبده ماله أيضا فصح ذلك، فإذا ثبت هذا فلو دفع إليه ألفا قراضا على أن له من الربح النصف ودفع إليه بغلا أو حمارا يستعين به في نقل المتاع والركوب وغير ذلك صح. هذا إذا شرط الربح لغلامه، فإن شرط ثلث الربح لأجنبي مثل أن يقول ثلثه لك، وثلثه لي وثلثه لزوجتي أو أبي أو ولدي أو صديقي فلان نظرت، فإن لم يشرط بأن على الأجنبي العمل بطل القراض، لأن الربح يستفاد في القراض بالمال أو العمل وليس هذا واحد منهما، وإن شرط أن يكون من الأجنبي العمل مع العامل صح، و يكون كأنه قارض عاملين. فخرج من هذه الجملة: إذا شرط رب المال الربح لغلامه لم يخل من أن يكون حرا أو عبدا، فإن كان عبدا نظرت، فإن لم يكن من الغلام عمل صح قولا واحدا، وإن شرط عليه العمل فعلى وجهين، وإن كان حرا أو أجنبيا فشرط له قسطا من الربح فإن لم يشرط منه العمل بطل قولا واحدا وإن شرط العمل صح قولا واحدا. القراض من العقود الجايزة كالوكالة، فإذا ثبت ذلك ففيه ثلاثة مسائل إحداها أن يقول: قارضتك على ألف سنة فإذا انتهت فلا تبع ولا تشتر، فالقراض باطل لأن من مقتضى القراض أن يتصرف في المال إلى أن يؤخذ منه المال نضا.

[ 170 ]

الثانية أن يقول قارضتك سنة على أن لك البيع والشراء لا أملك منعك منهما فالقراض باطل لأنه من العقود الجايزة، فإذا شرط فيه اللزوم بطل كالشركة والوكالة. الثالثة أن يقول قارضتك سنة على أنه إذا انتهت السنة امتنع من الشراء دون البيع فالقراض صحيح لأنه شرط ما هو من موجب العقد ومقتضاه، لأن لرب المال أن يمنع العامل من الشراء أي وقت شاء، فإذا عقد على هذا، كان شرطا من مقتضى العقد وموجبه، فلم يقدح فيه. إذا دفع إليه قراضا على أن ما رزق الله من ربح كان لي منه درهم، والباقي بيننا أو يكون لك منه درهم والباقي بيننا نصفين، فالقراض باطل، لأنه يمكن أن يكون هذا الدرهم جميع الربح، فيتفرد أحدهما بكل الربح وأيضا فإنه لا يصح القراض حتى يكون نصيب العامل معلوما بالأجزاء فإذا ضم إليها درهما، صارت مجهولة فلهذا بطل القراض. فإن شرط عليه أن يوليه سلعة من السلع مثل أن يقول رب المال: أعطني هذا الثوب بقيمته من غير ربح، كان باطلا لأنه قد لا يكون الربح إلا في ذلك الثوب فيؤدي إلى ما قدمناه من انفراد أحدهما بالربح، وكذلك إن قال: على أن لي أن أنتفع ببعض المال مثل أن يكون عبدا يستخدمه وثوبا يلبسه. إذا شرط في القراض أن لا يشتري إلا من فلان ولا يبيع إلا منه كان فاسدا عند قوم، وعند قوم أنه جائز وهو الأقوى، لأنه لا مانع منه، ومن قال لا يجوز قال لأنه يسقط المقصود من الربح لأن فلانا قد يغيب أو يموت، فلا يقدر على الشراء ولا البيع، أو ربما لا يختار أن يبيعه أو يشتري منه، وهكذا الحكم فيه لو قال على أن لا يشتري إلا العقار الفلاني أو الثوب الفلاني كان فاسدا لما مضى، وعندي أنه يجوز. وكذلك إذا قال لا تشتري إلا جنسا لا يعم وجوده في أيدي الناس، لكن يوجد ولا يوجد، مثل أن يقول: لا تتجر إلا في لحوم الصيد فإن هذا قد يوجد وقد لا يوجد فلا يجوز، وإنما يصح القراض فيما يتمكن من طلب المقصود به، مثل أن يقول اتجر فيما شئت، وعامل من شئت كيف شئت، فيكون جائزا وهكذا لو عين جنسا

[ 171 ]

لا ينقطع عن أيدي الناس كقوله اتجر في الطعام وحده أو في التمر وحده أو في الثياب القطن فكل هذا يوجد غالبا ولا ينقطع، فالقراض صحيح لا يتعذر المقصود منه. وهكذا لو شرط ألا يتجر إلا فيما يعم وجوده في بعض السنة كالرطب والعنب و الفواكه الرطبة فإنه جايز لأنه لا يعدم في وقته غالبا وفي الناس من قال لا يتجر إلا فيه وقد قلنا إن جميع ذلك يقوى في النفس أنه جايز وكل ما ذكروه قياس، وقوله عليه السلام المؤمنون عند شروطهم، يقوي ما قلناه. إذا قارضه على أن يشتري أصلا له فائدة يستبقي الأصل ويطلب فائدته كالشجر يسقيها ليكون ثمارها بينهما أو عقارا يستغله أو غنما يرجو نسلها ودرها أو عبيدا يأخذ كسبها فالكل قراض فاسد، لأن موضوع القراض على أن يتصرف العامل في رقبة المال وهذا خروج عن بابه. الكلام في القراض الفاسد في ثلاثة فصول في التصرف والربح والأجرة: أما التصرف فإنه جايز صحيح، لأن القراض الفاسد يشتمل على الإذن بالتصرف وعلى شرط فاسد، فإذا فسد الشرط كان الإذن بالتصرف قائما فهو كالوكالة الفاسدة تصرف الوكيل صحيح لحصول الإذن فيه. وأما الربح فكله لرب المال لا حق للعامل فيه، لأن العامل اشترى لرب المال فيكون الملك له، وإذا كان الملك له كان الربح له. وأما الأجرة فللعامل أجرة مثله سواء كان في المال ربح أو لم يكن فيه ربح وفيه خلاف فإذا ثبت هذا فإن له أجرة المثل، فإن الأجرة يستحقها في مقابلة عمله على كل المال، لأن عمله وجد في كله واستحق الأجرة على جميعه. إذا دفع إليه مالا قراضا نظرت فإن أتجر به حضرا كان عليه أن يلي من التصرف فيه ما يليه رب المال في العادة من نشر الثوب وطيه، وتقليبه على من يشتريه وعقد البيع، قبض الثمن، ونقده، وإحراز في كيسه وختمه، ونقله إلى صندوقه وحفظه ونحو ذلك مما جرت العادة بمثله. وإن كان شيئا لا يليه رب المال في العادة مثل النداء على المتاع في الأسواق، و

[ 172 ]

نقله إلى الخان، ومن مكان إلى مكان، فليس على العامل أن يعمله بنفسه، بل يكتري من يتولاه لأن القراض متى وقع مطلقا من غير اشتراط من غير اشتراط شئ من هذا، وجب أن يحمل إطلاقه على ما جرت به العادة، كما نقول في صفة القبض والتصرف. فإن خالف العامل فحمل على نفسه، وتولى من التصرف ما لا يليه في العرف لم يستحق الأجرة على فعله، لأنه تطوع بذلك، وإن خالف واستأجر أجيرا يعمل فيه ما يعمله بنفسه، كانت الأجرة من ضمانه، لأنه أنفق المال في غير حقه. فأما النفقة مثل القوت والادم والكسوة ونحو هذا فليس له أن ينفق على نفسه من مال القراض بحال، لأنه دخل على أن يكون له من الربح سهم معلوم، فليس له أكثر من ذلك، لأنه ربما لا يربح المال أكثر من هذا القدر. هذا إذا كان حاضرا فأما إن كان في السفر فأول ما فيه أن العامل ليس أن يسافر بمال القراض بغير إذن رب المال، وفيه خلاف، فإن سافر بإذن رب المال فعليه أن يلي بنفسه من العمل عليه ما يليه رب المال في العادة من حمله وحطه وحفظه والاحتياط له في حراسته وليس عليه رفع الأحمال بنفسه، ولا حطها، بل له أن يكتري من يلي ذلك من مال القراض فإن خالف فاكترى لما يعمله بنفسه، أو حمل على نفسه فعمل فيما يكتري له، فالحكم على ما مضى. وأما نفقة المأكول والمشروب والملبوس والمركوب، من الناس من قال ليس له أن ينفق من مال القراض بحال حضرا ولا سفرا، ومنهم من قال له النفقة لأن السفر إنما أنشأه وتلبس به لمال القراض فوجب أن يكون الانفاق عليه، والأول أقوى لما مضى. فمن قال ينفق ففي قدرها قيل وجهان: أحدهما ينفق كمال النفقة من المأكول والمشروب والملبوس والمركوب لأنه يسافر لأجله، والثاني وهو الأصح أنه ينفق القدر الذي يزيد على نفقة الحضر، لأجل السفر، مثل زيادة مأكول وملبوس وتفاوت سعر من ثمن ماء وغيره. فإذا تقرر هذا خرج من الجملة أنه لا ينفق من مال القراض إذا كان في الحضر بحال، فإذا سافر فيها ثلاثة أوجه: أحدها لا ينفق كالحضر، وهو الذي اخترناه، و

[ 173 ]

الثاني ينفق كمال نفقته، والثالث ينفق القدر الزايد على نفقة الحضر. فإن كان له في صحبته مال لنفسه غير مال القراض كانت النفقة بقسطه على قدر المالين بالحصص، على قول من قال له كمال النفقة، وعلى ما قلناه ينفق من مال نفسه خاصة. إذا شرط أن يكون لأحدهما مائة من الربح وما فضل كان بينهما نصفين، لم يصح وكان باطلا. إذا دفع إليه ألفين منفردين فقال أحدهما قراض على أن يكون الربح من هذا الألف لي وربح الآخر لك فالقراض فاسد، لأن موضوع القراض على أن يكون ربح كل جزء من المال بينهما. إذا خلط الألفين وقال ما رزق الله من فضل كان لي ربح ألف، ولك ربح ألف كان جايزا لأنه شرط له نصف الربح، وقال قوم لا يصح لأن موضوع القراض على أن يكون ربح كل جزء بينهما فإذا شرط لنفسه ربح ألف فقد شرط لنفسه ربح ألف لا يشاركه العامل، والأول أصح، لأن الألف الذي شرط ربحها ليست متميزة، وإنما كانت تبطل لو كان متميزة وذلك لا يجوز. إذا اشترى العامل سلعة للقراض فأصاب بها عيبا كان له ردها بالعيب، لأنه قائم مقام رب المال، فإن كان الحظ في الرد لزمه الرد، وإن كان الحظ في الامساك لزمه الامساك، ولم يكن له الرد لأن المقصود طلب الفضل فأيهما كان الحظ فيه لم يكن له تركه، فإن حضر رب المال وعلم بالعيب فإن اتفقا على الرد ردا، وإن اتفقا على الامساك أمسكا، وإن اختلفا قدمنا قول من الحظ معه من إمساك أو رد لأن لكل واحد منهما في المال حقا، والمقصود الربح. وكذلك الوكيل إذا أصاب بما اشتراه عيبا كان له رده، فإن كان الموكل غايبا فقال له البايع لا ترد أيها الوكيل فلعل موكلك يرضى به معيبا، كان له الرد لأن في ذلك غررا عليه، لأن الموكل قد لا يرضى، فإن قال ليس لك الرد لأن الموكل قد رضي به معيبا لم يقبل قوله على الوكيل، وقد منا قول الوكيل. وإن كان الموكل حاضرا فإن اتفقا على الرد ردا، وإن اتفقا على الامساك

[ 174 ]

أمسكا، وإن اختلفا قدمنا قول الموكل ولا يراعى الحظ لأن المال كله له، فلا اعتراض للوكيل عليه. للعامل في القراض أن يشتري المعيب والسليم ابتداء وليس كذلك للوكيل لأن المقصود من القراض طلب الربح، وقد يكون الربح في المعيب كالصحيح، وليس كذلك الوكالة لأن المقصود إمساك المبيع واقتناؤه، فلهذا لم يكن له شراء المعيب. إذا دفع إليه مالا قراضا نظرت فإن نص على صفة التصرف فقال: بع نقدا أو نسيئة بنقد البلد وغير نقد البلد كان له ذلك لأنه قد نص عليه، وعليه إن أطلق فقال اتجر أو قال تصرف كيف شئت، واصنع ما ترى، كان كالمطلق، والمطلق يقتضي ثلاثة أشياء أن يشتري بثمن مثله نقدا بنقد البلد، وفيه خلاف. فإذا ثبت هذا نظرت فإن لم يخالف ذلك فلا كلام، وإن خالف لم يخل من أحد أمرين إما أن يخالف في البيع أو في الشراء، فإن خالف في البيع فباع عينا من أعيان المال نسيئا أو دون ثمن المثل، أو بغير نقد البلد، فالبيع باطل لأنه باع مال غيره بغير حق، فإن كان المبيع قائما رده، وإن كان تالفا كان لرب المال أن يضمن من شاء منهما: يضمن العامل لأنه تعدى، ويضمن المشتري لأنه قبض عن يد ضامنة، فإن ضمن المشتري لم يرجع على العامل لأن التلف في يده فاستقر الضمان عليه، وإن ضمن العامل رجع العامل على المشتري لهذا المعنى أيضا. وإن كان الخلاف في الشراء لم يخل من أحد أمرين: إما أن يذكر العامل رب المال حين الشراء أو لا يذكره، فإن لم يذكره تعلق العقد به، وكان المبيع له دون رب المال وتعلق الثمن بذمته، وإن ذكر أنه يشتريه لرب المال قيل فيه وجهان أحدهما يصح العقد، ويكون الشراء له كما لو أطلق، وقال آخرون أنه باطل لأنه عقد لغيره وإذا لم يصح لذلك الغير بطل، وهذا الوجه أولى. العامل في القراض أمين في ما في يديه كالوكيل لأنه يتصرف في مال المالك بإذنه كالوكيل، وينظر فإن ادعى العامل تلف المال في يده كان القول قوله لأنه أمين، و إن ادعى رده إلى مالكه فهل يقبل قوله؟ فيه قولان، أحدهما وهو الصحيح أنه يقبل

[ 175 ]

قوله، وفي الناس من قال لا يقبل قوله. وجملته أن الأمناء على ثلاثة أضرب؟ من يقبل قوله في الرد قولا واحدا ومن لا يقبل قوله في الرد قولا واحدا ومختلف فيه، والأصل فيه أن من قبض الشئ لمنفعة مالكه قبل قوله في رده وهو المودع والوكيل، وكل من قبض الشئ ومعظم المنفعة له لم يقبل قوله في الرد قولا واحدا كالمرتهن والمكتري وكل من قبض العين ليشتركا في الانتفاع فعلى وجهين، كالعامل في القراض والوكيل بجعل والأجير المشترك إذا قلنا قبضه قبض أمانة. هنا ثلاث مسائل: إذا اشترى العامل من يعتق على رب المال، وإذا اشترى المأذون من يعتق على سيده، وإذا اشترى العامل في القراض من يعتق عليه. أما إذا اشترى العامل من يعتق على رب المال وهم العمودان: الوالدون والمولودون آباؤه وأمهاته وإن علوا والمولودون وولد الولد الذكور والإناث وإن سفلوا فإن اشترى واحدا من هؤلاء لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون بإذنه أو بغير إذنه فإن كان بإذنه فالشراء صحيح، لأنه يقوم مقامه، ويعتق عليه لأنه ملك من يعتق عليه. ثم ينظر فإن كان اشتراه بجميع مال القراض انفسخ القراض لأنه خرج عن أن يكون مالا، فإن لم يكن في المال فضل فلا كلام، وإن كان فيه فضل كان على رب المال ضمان حصة العامل فيه، وإن لم يكن في المال فضل انصرف العامل ولا شئ له، وإن كان الشراء ببعض مال القراض انفسخ من القراض بقدر قيمة العبد كما لو أتلفه رب المال مباشرة. هذا إذا كان بإذنه وإن كان اشتراه بغير إذنه نظرت، فإن اشتراه بعين المال فالشراء باطل لأنه اشترى ما يتلف ويهلك عقيب الشراء، وإن كان الشراء في الذمة وقع الملك للعامل وصح الشراء، لأنه إذا لم يصح لمن اشتراه لزمه في نفسه، كالوكيل، وليس له أن يدفع ثمنه من مال القراض فإن خالف وفعل فعليه الضمان لأنه قد تعدى: بأن وزن مال غيره عن ثمن لزمه في ذمته.

[ 176 ]

إذا كان رب المال امرأة ولها زوج مملوك، فإن اشترى عاملها من يعتق عليها فالحكم على ما مضى، وإن اشترى زوجها للقراض فهل يصح الشراء أم لا؟ نظرت فإن كان بإذنها صح وانفسخ النكاح، ويكون العبد قراضا، وإن كان بغير إذنها قيل إن الشراء باطل، لأن عليها ضررا وهو أنها يملك زوجها فيفسخ نكاحها ويسقط نفقتها والعامل إذا اشترى ما يضر برب المال لم يصح الشراء كما لو اشترى لها من يعتق عليها بغير إذنها، وفي الناس من قال: يصح الشراء لأن المقصود من القراض طلب الربح، و قد يكون الفضل في شراء زوجها والأول أقوى. فمن قال يصح أن يشتريه للقراض فلا فصل بين أن يشتريه بعين المال أو بثمن في الذمة كغير زوجها فإذا فعل هذا ملكته وانفسخ نكاحها، وسقطت نفقتها، لأنها ملكته ويكون في مال القراض، ومن قال لا يصح فالحكم فيه كما لو اشترى من يعتق عليها فإن كان بإذنها صح وإن كان بغير إذنها فإن اشتراه بعين المال فالعقد باطل، وإن كان بثمن في الذمة صح العقد له دونها وليس له أن ينقد ثمنه من مال القراض، فإن خالف وفعل فعليه الضمان. الثانية إذا اشترى المأذون من يعتق على سيده لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون بإذنه أو بغير إذنه، فإن كان بإذنه صح لأنه أقامه مقام نفسه، ثم نظرت فإن لم يكن على العبد دين عتق على سيده لأنه ملك أباه، ولم يتعلق به حق الغير ملكا صحيحا، وإن كان على العبد دين فهل يعتق أم لا؟ قيل فيه قولان: بناء على عتق الراهن إذا أعتق العبد المرهون، هل يصح أم لا؟ على القولين. ووجه الجمع بينهما أن العبد إذا كان رهنا، تعلق الدين برقبته وذمة الراهن كما يتعلق الدين برقبة ما في يد المأذون والذمة فلما كانت في الرهن على قولين كذلك ههنا فمن قال لا ينعتق فلا كلام، ومن قال ينعتق أخذ العبد من سيده قيمة ذلك فيكون في يده يقضي الدين منه. فأما إذا اشتراه بغير إذن سيده لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون على العبد دين أو لا دين عليه؟ فإن لم يكن عليه دين فهل يصح الشراء ههنا أم لا؟ قيل فيه

[ 177 ]

قولان أحدهما وهو الصحيح أنه لا يصح الشراء، لأن السيد إنما أذن في طلب الربح والفضل، وهذا يبطل مقصوده لأنه يعتق عليه فيذهب ماله، فهو كالعامل إذا اشترى لرب المال أباه، فعلى هذا لا فرق بين أن يشتريه بعين المال أو في الذمة فإن الشراء باطل. والفصل بينه وبين العامل في القراض واضح، لأن العامل حر يصح أن يشتري لنفسه في الذمة، وليس كذلك العبد لأنه إذا اشترى شيئا كان لمولاه، سواء كان بعين المال أو في الذمة، لأن الشراء في الذمة لا ينصرف إليه، فلهذا بطل على كان حال. وقال قوم يصح الشراء لأنه إذا أذن لعبده في الشراء فقد دخل مع العلم بأن العبد لا يصح منه الشراء لغير سيده، فلما لم يقع الشراء لغير سيده، فإذا أطلق الإذن له به، فقد أطلقه في شراء كل ما يصح أن يملك، وأن الشراء يقع لسيده، ويفارق العامل لأن شراه ينقسم لرب المال وفي الذمة، فمن قال باطل فلا كلام ومن قال يصح عتق على سيده لأنه لم يتعلق حق الغير به. هذا إذا لم يكن عليه دين، فأما إن كان عليه دين فقال قوم لا يصح لأنه بغير إذنه، ولأن عليه دينا، وفيهم من قال: يصح، فمن قال باطل وهو الصحيح، فلا كلام ومن قال يصح، ملكه سيده، وهل يعتق عليه أم لا؟ قيل فيه قولان، بناء على مسألة الراهن. المسألة الثالثة: إذا اشترى العامل أبا نفسه لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون في المال ربح أو لا ربح فيه، فإن لم يكن فيه ربح صح الشراء وملكه رب المال، لأن العامل وكيل في الشراء، فإذا ثبت أنه يصح نظرت، فإن بيع هذا العبد قبل أن يظهر في المال ربح فلا كلام، وإن بقي في يديه حتى يظهر فيه ربح فهل يعتق على العامل شئ منه أم لا يبنى على القولين: متى يملك العامل حصته من الربح فإنه على قولين أحدهما يملكها بالظهور، وهو الأظهر في روايات أصحابنا، والثاني بالقسم. فمن قال لا يملك بالظهور لم يعتق عليه شئ منه لأنه ما ملك شيئا من أبيه، ومن قال يملك بالظهور فهل يعتق عليه قدر ما ملكه أم لا؟ قيل فيه وجهان:

[ 178 ]

أحدهما يعتق عليه، وهو الظاهر في روايات أصحابنا، ويستسعي في الباقي لأنه قد ملك من أبيه سهما ملكا صحيحا، والثاني لا يعتق عليه لأن ملكه غير تام. فإذا تقرر ذلك فمن قال لا يعتق فلا كلام، ومن قال يعتق نظرت، فإن كان العامل موسرا قوم عليه نصيب رب المال، وعتق كله، وزال القراض، وإن كان معسرا عتق منه نصيبه واستقر الرق في نصيب رب المال، وانفسخ القراض في ذلك القدر، لأنه قد تميز قسط العامل منه. هذا إذا اشتراه وفي المال ربح، فأما إذا اشتراه وليس في المال ربح يبني على ما مضى. فأما إذا قيل لا يملك العامل حصته بالظهور أو قيل يملك بالظهور لكن لا ينعتق عليه ما ملكه، صح الشراء لأنه لا مانع منه، وإذا قيل يملك حصته بالظهور فيه و يعتق عليه نصيبه منه: فهل يصح الشراء أم لا؟ قيل فيه وجهان: أحدهما يصح لأنهما في المال شريكان، والثاني لا يصح الشراء لأنه يقتضي أن يكون العامل يستقر نصيبه فيه. فمن قال الشراء باطل نظرت، فإن اشترى بعين المال بطل وإن كان في الذمة لزمه في نفسه، ومن قال يصح قال يعتق قدر نصيبه منه، ثم ينظر في العامل فإن كان موسرا قوم عليه باقيه وعتق كله، وزال القراض، وإن كان معسرا عتق منه نصيبه، واستقر الرق في نصيب رب المال. القراض من العقود الجائزة لأن العامل يبتاع ويشتري به لرب المال بإذنه فهو كالوكيل وكذلك الشركة، فكل واحد منهما فسخ القراض سواء كان ذلك قبل أن يعمل العامل شيئا أو بعد العمل، كالشركة والوكالة، وإذا وقع الفسخ منع العامل من الشراء دون البيع، فإذا ثبت هذا لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون الفاسخ رب المال أو العامل، فإن كان رب المال نظرت، فإن كان المال ناضا قبل التصرف أو بعده ولم يكن فيه ربح تسلمه رب المال، وإن كان ناضا وفيه ربح اقتسما الربح، وأخذ كل واحد منهما ماله

[ 179 ]

وإن كان المال عرضا كان للعامل بيعه سواء لاح فيه ربح أم لم يلح، لأنه يطمع أن يرغب راغب فيشتريه بما يحصل فيه ربح، فلهذا كان له بيعه إلا أن يقول له رب المال أنا أعطيك قيمة العروض بقول مقومين فله ذلك وليس للعامل البيع، لأنه قد حصل له غرضه. وإن قال العامل لرب المال: لست أبيعه، بل خذه بحاله، بارك الله لك فيه نظرت فإن رضى رب المال بذلك فلا كلام، وإن قال لا أقبله بل بعه أنت حتى ينض المال، فهل على العامل البيع أم لا؟ على وجهين: أحدهما ليس عليه ذلك، لأنه إذا دفع المال بحاله إلى ربه فلا فائدة له في بيعه والثاني وهو الأصح أن عليه البيع ليرد إلى رب المال ماله ناضا، كما تسلمه منه، ولو لم يبعه تكلف رب المال البيع، وعليه فيه مشقة. وإن كان المال دينا مثل أن باع العامل نسيئا بإذن رب المال، فعلى العامل أن يجيبه ممن هو عليه، سواء كان في المال ربح أو لا ربح فيه، فإن كان الفاسخ العامل فالحكم فيه على ما فصلناه إذا كان الفاسخ رب المال حرفا بحرف. إذا مات أحد المتقارضين انفسخ القراض، فإن كان الميت رب المال فإن كان المال ناضا قبل التصرف فيه أخذه وارث رب المال، وإن كان ناضا بعد التصرف نظرت، فإن لم يكن فيه ربح أخذه أيضا، وإن كان فيه فضل قاسمه على الربح، وإن كان المال عروضا كان للعامل بيعه لأن رب المال خلفه في يديه وقد رضى اجتهاده، فإن باع فلا كلام وإن قال وارث المال أنا أعطيك القيمة، لم يكن للعامل البيع، وإن قال العامل للوارث خذ العروض بارك الله لك فيها، فإن قبل فلا كلام، وإن أبى أن يأخذه إلا ناضا فهل للعامل البيع على وجهين على ما مضى، وإن كان المال دينا فعلى العامل أن يقتضيه. وإن أراد وارث رب المال أن يقره في يد العامل قراضا نظرت، فإن كان ناضا ولا ربح هناك استأنف عقد القراض معه، وإن كان فيه ربح استأنف القراض معه بقدر ماله مشاعا، لأن القراض بالمشاع جايز كرجل له في يد غيره ألف مشاعا في ألف لمن هو

[ 180 ]

في يديه، فإذا قارضه على نصبيه فيه مشاعا يكون عاملا في ألف ومتصرفا في قدر ماله في ألف، وصح ذلك. وإن كان المال عروضا فهل يصح أن يقره في يده قراضا على ما كان أو لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما لا يصح أن يجدد معه قراضا لأنه قراض على غير الأثمان، و الثاني له أن يقره في يده قراضا، لأنه استصحاب قراض وليس بابتداء قراض، بل قام الوارث مقام مورثه فأقره على ما هو عليه، والأول أقوى، لأن القراض قد انفسخ بالموت، وهذا استيناف قراض على عروض ولا يصح. فأما إذا مات العامل نظرت، فإن كان المال ناضا لا ربح فيه أخذه ربه فإن كان فيه فضل كان بينهما على ما شرطاه، وإن كان المال عروضا فأراد وارث العامل بيعه لم يكن له لأن رب المال إنما رضى باجتهاد العامل لا باجتهاد وارث العامل فإذا ثبت هذا دفع المال إلى الحاكم ليباع ويأخذ كل واحد منهما حق إن كان فيه ربح، وإن لم يكن فيه ربح أخذ رب المال ماله ناضا. وإن اختار رب المال أن يستأنف القراض مع وارث العامل نظرت، فإن كان المال ناضا صح سواء كان فيه فضل أو لم يكن فيه فضل وإن كان عروضا لم يجز إعادته معه قولا واحدا. إذا دفع إلى رجل مالا قراضا على أن ما رزق الله من ربح كان بينهما نصفين فقارص العامل عاملا آخر لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون بإذن رب المال أو بغير إذنه فإن كان بإذنه مثل أن قال اعمل أنت فيه وإن اخترت أن تقارض عني من يقوم مقامك فافعل، أو أطلق القراض، ثم عجز العامل عن النظر له، فقال له رب المال فأقم غيرك فيه عني فإنه يصح لأنه يكون وكيلا لرب المال في عقد القراض عنه، فإذا ثبت أنه جايز فقارض العامل عاملا آخر نظرت، فإن قال على أن ما رزق الله من ربح كان بينك وبين رب المال نصفين ولا شئ لي فيه صح القراض وكان العامل الثاني عامل رب المال ولا شئ للعامل الأول، وإن قال على أن الربح بيننا أثلاثا ثلث لي وثلث لك، ثلث لرب المال، فإن القراض فاسد لأن العامل الأول شرط لنفسه قسطا من الربح بغير مال ولا عمل، والربح في القراض لا

[ 181 ]

يستحق إلا بمال أو عمل، وليس للعامل الأول أحدهما فيكون الربح كله لرب المال وللعامل الثاني أجرة مثله، لأنه عمل في قراض فاسد، ولا شئ للعامل الأول لأنه لا عمل له فيه. فإذا قارض العامل عاملا آخر بغير إذن رب المال فقال خذه قراضا على أن ما رزق الله من ربح كان بيننا نصفين كان القراض فاسدا لأنه تصرف في مال غيره بغير أمره فإذا ثبت أن القراض فاسد فعمل العامل وربح فما حكمه؟ فهذه المسألة مبنية على أصل نذكره أولا ثم نبين كيفية بناء هذه المسألة عليها، وذلك الأصل: إذا غصب رجل مالا فاتجر به فربح أو كان في يده مال أمانة وديعة أو نحوها فتعدى فيه فاتجر به فربح فلمن الربح قيل فيه قولان أحدهما أن الربح كله لرب المال ولا شئ للغاصب، لأنا لو جعلنا الربح للغاصب كان ذلك ذريعة إلى غصب الأموال والخيانة في الودايع، فجعلنا الربح لرب المال صيانة للأموال. والقول الثاني أن الربح كله للغاصب لا حق لرب المال في الربح، لأنه إن كان قد اشترى بعين المال فالشراء باطل، وإن كان الشراء في الذمة ملك المشتري المبيع، وكان الثمن في ذمته فإذا دفع مال غيره فقد قضى دين نفسه بمال غيره، وكان عليه ضمان المال فقط، والمبيع ملكه حلال له طلق، وإذا اتجر فيه وربح كان متصرفا في مال نفسه، فلهذا كان الربح له دون غيره، ولا يكون ذريعة إلى أخذ الأموال لأن حسم ذلك بالخوف من الله والحذر فيما يرتكبه من المعصية ويحذره من الإثم، وهذا القول أقوى، والأول تشهد به رواياتنا. فإذا ثبت ذلك عدنا إلى مسئلتنا: فإذا قارض العامل عاملا آخر فتصرف العامل الثاني كان متعديا بذلك، لأنه تصرف في مال غيره بغير حق، فإن كان عالما فهو آثم وإن كان جاهلا فالإثم ساقط، فإذا ربح بني على القولين فمن قال ربح الغاصب كله لرب المال، فعلى هذا يكون لرب المال النصف لأنه دخل على أن له نصفه منه، ولا يستحق أكثر مما شرط لنفسه. ويفارق ربح الغاصب لأن رب المال ما شرط لنفسه بعض الربح، ولهذا كان

[ 182 ]

كله له، والنصف الباقي فهو بين العامل الأول والثاني نصفين، لأن الأول قال للثاني على أن ما رزق الله من ربح كان بيننا نصفين، فهذا النصف هو القدر الذي رزق الله وكان بيننا. وهل يرجع العامل الثاني على الأول أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما لا يرجع عليه بشئ، لأنه يسلم له ما شرط من الربح ولا أجر له مع حصول المسمى، والوجه الثاني يرجع الثاني على الأول بنصف أجرة مثله لأنه دخل على أن يسلم له نصف كل الربح فلم يسلم له إلا نصف ما شرط له، فكان له أن يرجع بنصف أجرة مثله. فخرج من هذا أن لرب المال نصف الربح، والنصف الباقي بين العامل الأول والثاني نصفين فهل للثاني على العامل الأول نصف أجرة مثله على وجهين. ومن قال ربح الغاصب لنفسه ولا حق لرب المال فيه، فعلى هذا ما حكم الربح؟ منهم من قال إن الربح كله للعامل الأول وللثاني على الأول أجرة مثله، ومنهم من قال الربح كله للعامل الثاني لا حق للأول فيه لأنه هو المتعدي في التصرف فهو كالغاصب وربح الغاصب كله لنفسه، والأول أقوى لأن العامل الثاني وإن كان متعديا فإنه لما اشترى في ذمته بنية أنه للأول وقع الشراء للأول وحده، وملك المبيع دون كل أحد، وكان الربح كله له، لأنه ربح ملكه. ويفارق الغصب لأن الغاصب اشتراه لنفسه، فكان الملك له وحده، فلهذا كان الربح له، وللعامل أجرة مثله على الأول، لأنه دخل على أن يسلم له المسمى من الربح، فإذا لم يسلم، كان له أجرة مثله، فعلى هذا لا شئ لرب المال في الربح قولا واحدا، ولمن يكون الربح على وجهين: أحدهما للعامل الثاني لا شئ لغيره فيه، و الثاني للأول وعليه للثاني أجرة مثله. هذا الكلام في الربح فأما الكلام في حكم الضمان فعلى كل واحد منهما الضمان: على العامل الأول لأنه تعدى بتسليم مال غيره إلى الغير بغير أمره، وعلى الثاني لأنه قبض عن يد ضامنة، ولرب المال مطالبة من شاء منهما: يطالب الأول لأنه تعدى ويطالب الثاني لأن ما له حصل في يده فإن كان المال قائما أخذه وإن كان تالفا نظرت

[ 183 ]

فإن طالب الأول لم يكن للأول مطالبة الثاني بما غرم، لأنه دفع المال إليه وقال هو أمانة في يديك ولا ضمان عليك، وإن ضمن الثاني فهل للثاني أن يرجع على الأول؟ قيل فيه قولان أحدهما يرجع لأنه غره، والثاني لا يرجع لأن التلف في يده فاستقر الضمان عليه. إذا دفع إليه ألفا قراضا على أن ما رزق الله من ربح كان بينهما نصفين، فاشترى بها سلعة وحال الحول عليها، وهي تساوي ألفين كان الزكوة غير واجبة على مذهب (أكثر) أصحابنا لأن هذا مال التجارة فلا زكاة فيه، وفي أصحابنا من قال يجب فيها الزكوة، فعلى هذا يجب ها هنا زكوة الألف على رب المال، وليس حول الأصل حول الفائدة، بل للفائدة حول نفسه، من حيث بدا (ثبت)، وإذا تم الحول كان عليهما الزكوة بالحصص. إذا ملك كل واحد منهما نصابا يجب فيه الزكاة، ومن قال من المخالفين إن حول الفائدة حول الأصل قال يجب فيها أجمع الزكاة وعلى من تجب الزكوة فيها قولان؟ أحدهما زكاة الكل على رب المال وحده، والثاني على رب المال زكاة الأصل وزكوة حصته من الربح، وعلى العامل زكاة حصته من الربح، وأما إن دفع إليه نخلا مساقاة فأثمرت وبدا الصلاح فيها وكانت نصابا ففيها الزكوة، وعلى من تجب الزكاة؟ فمن الناس من قال على قولين كالقراض والأصح أن كل واحد منهما يلزمه زكوة حصته. وهذا يقتضيه مذهبنا لأن الثمرة تحدث ملكا لهما، بدليل أنه لو بقي منها رطبة لكان بينهما فإذا كانت ملكهما كانت الزكاة عليهما، وليس كذلك القراض لأنه إذا ظهر لم يظهر على الملكين معا، بدليل أنه إذا ذهب الربح لم يبق للعامل شئ فلهذا كانت الزكوة فيه على رب المال وحده، على أحد القولين. إذا دفع إليه ألفا وقال خذه قراضا على النصف أو على السدس أو على سهم ذكره معلوما صح القراض، لأن قوله خذه قراضا يقتضي أن من رب المال المال، ومن العامل العمل، فما يحدث فيه من ربح كان بينهما، هذا بماله وهذا بعمله، فإذا قال على النصف كان تقديرا لقسط العامل، وإذا كان تقديرا لقسطه كان القسط المذكور له

[ 184 ]

لأن إطلاق العمل يقتضي أن الربح كله لرب المال، وإنما يستحق العامل بالشرط والعمل، فإذا ذكر شيئا كان للعامل، والباقي لرب المال. فإن اختلفا فقال رب المال شرطته لنفسي لا لك، فالقراض فاسد، وقال العامل شرطته لي لا لك فالقراض صحيح، فالقول قول العامل لأن ظاهر الشرط له، ومعه سلامة العقد فلا تقبل قول غيره عليه. وإن قال: خذه قراضا على أن الربح بيننا، فالقراض صحيح، لأن قوله بيننا معناه بيننا نصفين كرجل قال هذه الدار بيني وبين زيد، كان إقرارا بأنها بينهما نصفين. وجملته أن ها هنا ثلاثة عقود: عقد يقتضي أن الربح كله لمن أخذ المال وهو القرض، وعقد يقتضي أن الربح كله لرب المال وهو البضاعة يقول له: خذ المال فاتجر به، والربح كله لي، فإنه يصح لأنها استعانة منه على ذلك، وعقد يقتضي أن الربح بينهما وهو القراض، فإذا قال خذه واتجر به صلح هذا للثلاثة عقود: قرض وقراض وبضاعة فإذا قرن به قرينة أخلصته إلى ما تدل القرينة عليه. فإن قال خذه فاتجر به والربح لك كان قرضا لأنها قرينة تدل عليه وإن قال خذه فاتجر به على أن الربح لي كان بضاعة، وإن قال خذه واتجر به على أن الربح بيننا كان قراضا لأن القرينة تدل عليه. وإن كانت اللفظة خالصة للعقد الواحد، فقرن به قرينة نظرت، فإن لم يخالف مقتضاه لم يقدح فيه، وإن خالفت مقتضاه فسد العقد، بيانه إذا قال خذه قراضا، هذا خالص للقراض، ومقتضاه أن الربح بينهما، فإن قال على أن الربح بيننا صح، لأنها قرينة تدل على مقتضاه، وإن قال: على أن الربح لك كان قراضا فاسدا لأنها قرينة تخالف مقتضاه. فإن قال على أن الربح كله لي، فهو قراض فاسد أيضا، ولا يكون بضاعة، وفي الناس من يقول يكون بضاعة ولا يكون قراضا فاسدا، وهذا غلط، لأن لفظ القراض يقتضي الاشتراك في الربح، فإذا شرط لأحدهما كان قراضا فاسدا كما لو شرط كله للعامل.

[ 185 ]

إذا دفع إلى رجل ألفا وقال له: اشتر بها هرويا أو مرويا (1) بالنصف، فإن القراض فاسد عند المخالف لأنه لم يطلقه في البيع، ولأنه لم يبين النصف، وعلى ما قلناه أولا يصح، وإن لم يطلقه في البيع، لكن (يوجب) من حيث لم يبين النصف كان قراضا فاسدا، فإذا ثبت أنه فاسد فالكلام في تصرفه وربحه وأجرته. أما التصرف فله الشراء لأنه مأذون فيه دون البيع الذي لم يؤذن له فيه، والربح كله لرب المال، لأن شرط العامل قد بطل والأجرة فله أجرة مثله لأنه دخل على أن يسلم له المسمى فإذا لم يسلم كان له أجرة المثل. إذا دفع إليه ألفا قراضا على أن ما رزق الله من الربح كان لك منه قدر ما شرطه فلان لعامله، نظرت فإن كانا يعلمان مبلغ ذلك صح لأن الاعتبار بمعرفة المعلوم من ذلك لا بلفظه، وإن كان جهلاه أو أحدهما، فالقراض فاسد، لأنه لا يصح حتى يكون نصيب كل واحد منهما من الربح معلوما عندهما كالأجرة في الإجارة والحكم في القراض الفاسد قد قضى. إذا قال خذه قراضا على أن ما رزق الله من ربح، فلك الثلث منه وثلثا ما بقي والباقي لي صح القراض لأنه قد شرط للعامل سبعة أتساع الربح، وتسعين لنفسه، لأن أقل مال له ثلث وثلثا ما بقي من غير كسر تسعة فيكون للعامل ثلثه الثلاث، وثلثا ما بقي أربعة تصير سبعة وبقي سهمان لرب المال. إذا تصرف العامل وحصل في المال فضل، وطالب بالمقاسمة، لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون المال ناضا أو عرضا، فإن كان ناضا دراهم أو دنانير نظرت، فإن كان من جنس رأس المال اقتسماه على ما شرط، وإن كان من غير جنسه مثل أن كان رأس المال دنانير وحصل دراهم، فإن اختار رب المال أن يأخذ منه بقيمة رأس المال فعل، ويكون الباقي بينهما على الشرط، فإن أبى ذلك، كان على العامل أن يبيع منه

(1) الهروي. ثوب منسوب إلى هرات بلدة بخراسان، والمروي: ثوب منسوب إلى مرو، وهما مروان مرو الشاهجان ومرو الروز، والمروي في الثياب نسبة إلى الأولى.

[ 186 ]

بقدر رأس المال، والباقي بينهما. هذا إذا كان ناضا فأما إن كان عرضا فإن اختار رب المال أن يأخذ بقدر رأس المال بالقيمة كان له، والباقي بينهما، وإن امتنع فعلى العامل أن يبيع منه بقدر رأس ماله، فإن لم يقدر باع الكل حتى يحصل لرب المال جنس رأس ماله، ويقتسمان الفضل على الشرط. فإن قال العامل خذه عرضا فقد تركت حقي لك فهل يلزم رب المال ذلك أم لا؟ قيل فيه وجهان: بناء على القولين متى يملك العامل حصته، فمن قال يملكه بالظهور قال لم يجب على رب المال القبول ومن قال يملكه بالقسمة كان عليه القبول. إذا دفع في مرضه مالا قراضا صح لأنه عقد يبتغي فيه الفضل، كالشراء والبيع فإذا ثبت أنه يصح فتصرف العامل وربح كان له من الربح ما شرط له، لأنه يستحقه بالشرط، ويكون من صلب ماله، سواء كان بقدر أجرة مثله أو أقل أو أكثر. فإذا ثبت أن الكل من صلب ماله، فإن مات رب المال انفسخ القراض؟ ثم لا يخلو مال القراض من أحد أمرين إما أن يكون ناضا أو عرضا فإن كان ناضا من جنس رأس المال نظرت، فإن لم يكن على رب المال دين، أخذ وارث رب المال رأس المال، واقتسما الربح على الشرط، وإن كان عليه دين انفرد العامل بنصيبه، وقضى من بعد دين الميت. وإن كان المال عرضا نظرت فإن لم يكن على رب المال دين، فأراد الوارث أن يأخذ من العرض بالقيمة، ويقتسما ما فضل جاز، وإن امتنع من الأخذ فعلى العامل بيعه ليرد إلى وارث رب المال من جنس رأس المال، وما فضل كان بينهما على الشرط، وإن كان عليه دين فعلى العامل أن يبيع الموجود ويصرف إلى غرماء الدين، ويفرد هو حصته. إذا اشترى العامل عبدا فاختلف هو ورب المال، فقال العامل: اشتريته لنفسي وقال رب المال بل للقراض، والعادة أن هذا الاختلاف يقع بينهما إذا كان في العبد رغبة وفيه ربح، فالقول قول العامل لأن العبد في يده، وظاهر ما في يده أنه ملكه، فلا يقبل

[ 187 ]

قول غيره في إزالة ملكه عنه. وإن اختلفا فقال رب المال: اشتريته لنفسك، وقال العامل للقراض، والعادة في هذا إذا لم يكن في العبد رغبة، فالقول أيضا قول العامل، لأنه أمين. إذا دفع إليه ألفا قراضا فاشترى متاعا للقراض بألف، لم يكن له أن يشتري للقراض غير الأول، لأنه إنما أذن له أن يتصرف للقراض بالألف، فلا يملك الزيادة عليه، فإن خالف واشترى لم يكن للقراض لأنه غير مأذون فيه، ثم ينظر، فإن كان الشراء الثاني بعين الألف، فهو باطل. لأنه إن كان الشراء الأول بعين الألف، فالألف للبايع، وليس للعامل أن يشتري شيئا بمال غيره، وإن كان الشراء الأول في الذمة فقد استحق على العامل تسليم الألف عن المبيع الأول، فإذا اشترى بطل لهذا المعنى، ولأنه غير مأذون فيه. وإن كان شراؤه الثاني في الذمة لم يكن المبيع للقراض، وانصرف إلى العامل لأنه اشتراه في الذمة لغيره، فإذا لم يسلم للغير لزمه في نفسه، كالوكيل فإذا ثبت أنه لم يكن له أن يدفع الثمن من مال القراض، فإن خالف وفعل وتصرف وربح فالربح لمن يكون؟ على ما مضى من القولين في مسألة البضاعة وإن نهاه رب المال أن يشتري ويبيع فقد مضى الكلام عليه. إذا دفع إليه ألفا للقراض بالنصف، فذكر العامل أنه ربح ألفا ثم قال بعد هذا غلطت لأني رجعت إلى حسابي فما وجدت ربحا، أو قال خفت أن ينتزع من يدي فرجوت فيه الربح، لزمه إقراره، ولم ينفعه رجوعه لأنه إذا اعترف بربح ألف فقد اعترف بخمسمائة، فإذا ثبت حق الآدمي بالاقرار لم يسقط برجوعه كسائر الاقرارات. فإن كانت بحالها فقال قد خسرت وتلف الربح: كان القول قوله لأنه ما أكذب نفسه، ولا رجع في إقراره، وإنما أخبر بتلف الأمانة في يده، فكان القول قوله، ومثله ما مضى في الوكالة إذا دفع إليه وديعة فطالبه بها فجحده فأقام البينة أنه أودعه كان عليه الضمان وإن لم يجحد لكنه قال لا حق لك قبلي فأقام البينة أنه أودعه فلا ضمان عليه، لأنه ما أكذب البينة في الثانية، وأكذبها في الأولى، لأنه قال: لا حق له قبلي،

[ 188 ]

وقد يكون صادقا لأنها حين الجواب كانت تالفة فلهذا لم يكن عليه الضمان. ليس للعامل أن يشتري ولا يبيع إلا بثمن مثله، أو بما يتغابن الناس بمثله، لأنه كالوكيل فإذا ثبت هذا فإن خالف نظرت فإن خالف في الشراء بأن اشترى بعين المال بطل، وإن اشترى في الذمة لزمه في نفسه دون رب المال، وإن كان الخلاف في البيع فباع ما يساوي مائة بخمسين وما يتغابن به عشرة، كان التفريط ما بين الخمسين والتسعين وهو أربعون وليس له أن يسلم فإن سلم المبيع رد إن كان قائما وكان له قيمته إن كان تالفا. ولرب المال أن يضمن من شاء منهما: يضمن العامل لأنه تعدى بالتسليم، و يضمن المشتري لأنه قبض عن يد ضامنة، فإن ضمن المشتري، ضمنه كمال القيمة لأن الشئ تلف كله في يده، وإن ضمن العامل فكم يضمنه؟ قيل فيه قولان: أحدهما ما زاد على ما يتغابن الناس بمثله، وهو أربعون، لأنه هو الذي تعدى فيه، والثاني يضمنه الكل وهو الصحيح لأنه تعدى بتسليم كله وكان عليه ضمان كله. إذا اشترى العامل في القراض خمرا أو خنزيرا لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون العامل مسلما أو ذميا فإن كان مسلما فالشراء باطل، سواء كان رب المال مسلما أو ذميا لأنه اشترى بالمال ما ليس بمال، فهو كما لو اشترى الميتة والدم، وإن كان العامل ذميا فالشراء باطل أيضا بمثل ذلك، وإن كان في يد العامل خمر فباعه مثل أن استحال العصير في يده خمرا فالبيع باطل، وفيه خلاف. وإنما قلنا ذلك، لأن هذه الأشياء محرمة بلا خلاف، وجواز التصرف فيها يحتاج إلى دليل، لعموم الأخبار في تحريم بيع الخمر، فإذا كان الشراء باطلا فنقد المال من مال القراض فهل عليه ضمان؟ قيل فيه وجهان: أحدهما لا ضمان عليه، لأن رب المال، كل الاجتهاد إليه في شراء ما يطلب فيه الفضل، وقد أدى اجتهاده إليه فلا ضمان عليه، والآخر وهو الصحيح أن عليه الضمان، لأن الشراء باطل، ولا يجوز للعامل دفع الثمن بغير حق، فإذا فعل فقد تعدى فلزمه الضمان. إذا دفع إلى رجل مالا قراضا كان للعامل من الربح قدر ما شرطه له قليلا كان أو

[ 189 ]

كثيرا، فإن شرط للعامل العشر جاز، وإن شرط تسعة أعشار الربح جاز، لأنه إنما يستحق الربح بالشرط، بدليل أنه لو كان القراض فاسدا لم يكن له من الربح شئ ولو قال خذ هذا المال فاتجر به كان الربح كله لرب المال، فإذا كان استحقاقه بالشرط وجب أن يكون على ما شرط. فإن دفع إليه ألفا قراضا وقال على أن الربح بيننا، قال قوم: القراض صحيح والربح بينهما نصفين، وقال آخرون: القراض فاسد لأنه مجهول والأول أقوى، لأنهما تساويا في إضافة الربح إليهما، وكان كقوله هذه الدار بيني وبين زيد فإنها يكون بينهما نصفين. إذا دفع إليه ألفا قراضا فقال على أن لك النصف، ولم يزد عليه، كان صحيحا لأن الربح لرب المال، وإنما يستحق العامل قسطا بالشرط، فإذا ذكر قدر قسطه كان المسكوت عنه لرب المال، لقوله تعالى " وورثه أبواه فلأمه الثلث " فذكر للأم الثلث وكان المفهوم أن ما بقي فللأب. فإن قال خذه قراضا على أن لك النصف ولي السدس صح، وكان النصف لرب المال، لأن قوله على أن لك النصف يفيد أن الباقي لرب المال وإذا ذكر رب المال من الباقي بعضه لنفسه، لم يضره. إذا قال خذه قراضا على أن لي نصف الربح، من الناس من قال: إنه يكون فاسدا كما أنه لو قال ساقيتك على هذا النخل على أن لي نصف الثمرة كان فاسدا، و في الناس من قال: يصح لأنه لو قال على أن لك أيها العامل النصف، ولم يذكر لنفسه شيئا صح. والأول أصح لأن الربح كله لرب المال، وإنما يستحق العامل بالشرط فإذا شرط النصف لنفسه فما شرط للعامل شيئا فبطل القراض، كالمساقات سواء، فمن قال يصح فلا كلام ومن قال فاسد، قال: لو قال على أن لي النصف ولك الثلث، وسكت صح وكان للعامل الثلث ولرب المال الثلثان، وكذلك لو قال لك الثلثان أيها العامل وسكت، كان لرب المال الثلث وهو الباقي.

[ 190 ]

فإن دفع إليه ألفين قراضا فتلف بعض المال: نظرت، فإن تلف إحدى الألفين قبل أن يدور المال في التجارة كان محتسبا من رأس المال، لأن التالف عين مال رب المال، وإن تلف المال بعد أن دار في التجارة كان من الربح لأن الربح وقاية لمال رب المال، فما ربح بعد هذا كان وقاية لما تلف منه. وإن أخذ الألفين فاشترى بكل ألف عبدا فتلف أحد العبدين قيل فيه وجهان: أحدهما من الربح لأنه تلف بعد أن دار المال في التجارة، فهو كما لو تكرر دورانه والوجه الثاني من صلب المال، لأن هذا العبد التالف بدل ذلك الألف، وكأن الألف قد تلف بنفسه. وقيل إنه متى تلف من المال شئ بعد أن قبضه العامل كان من الربح، بكل حال، سواء كان بعد أن دار في التجارة أو قبل ذلك، وهو الصحيح. فإذا ذهب بعض المال قبل أن يعمل ثم عمل فربح، فأراد أن يجعل البقية رأس المال بعد الذي هلك فلا يقبل قوله، ويوفي رأس المال من ربحه حتى إذا وفاه اقتسما الربح على شرطهما، لأن المال إنما يصير قراضا في يد العامل بالقبض فلا فصل بين أن يملك قبل التصرف، أو بعده وقبل الربح، فالكل هالك من مال رب المال فوجب أن يكون الهالك أبدا من الربح لا من رأس المال. فإن دفع إلى رجلين ألفا على أن الربح لهما منه النصف نظرت، فإن سكت على هذا ولم يزد، كان لهما النصف بينهما نصفين، والباقي لرب المال، لأن عقد الواحد مع الاثنين في حكم العقدين المنفردين؟ وكأن رب المال عقد مع أحدهما قراضا بخمس مائة على أن له نصف الربح، ومع الآخر على خمسمائة على أن له نصف الربح، وهذا سائغ. فإن كانت بحالها فقال لهما إن لكما نصف الربح: الثلثان منه لهذا، وثلثه لهذا، صح أيضا فيكون كأن أحد العاملين عقد معه على الانفراد على خمس مائة على أن له ثلث الربح والآخر عقد على الانفراد على أن له سدس الربح، ولو عقدا منفردين هكذا لكان صحيحا كذلك إذا كان صفقة واحدة.

[ 191 ]

وأما إن كان العامل واحدا ورب المال اثنين، فقالا: خذ هذا الألف قراضا نظرت، فإن قالا خذ قراضا على أن لك النصف، فيهما مسئلتان: إحداهما قالا له هكذا وسكتا، ولم يذكرا مالهما، فالقراض صحيح، لأنهما إذا سكتا عن مالهما كان الباقي وهو النصف بينهما نصفين، لأنهما مستحقان بالمال فهما في المال سواء فكانا في الربح سواء. الثانية قالا: على أن لك النصف، ولنا النصف: الثلث من النصف الباقي لي و الثلثان منه لشريكي، فالقراض فاسد لأنهما شرطا التفاضل في الربح مع التساوي في المال، فلهذا فسد القراض. هذا إذا شرطا له النصف مطلقا فأما إن شرطا النصف وقالا له: ثلث هذا النصف لك من مالي وثلثاه من مال الآخر وتفرض المسألة من ثمانية عشر، وكان الربح كله من ثمانية عشر فقالا له: لك النصف منه تسعة: ستة من مال هذا وثلاثة من مال ذاك، ففيها مسئلتان أيضا: إحداهما قالا هذا وسكتا، فإنه يصح ويكون للعامل ما شرط، والنصف الباقي لهما الثلث منه لمن شرط للعامل الثلثين، والثلثان منه لمن شرط للعامل الثلث وكان تسعة ستة لصاحب الثلثين وثلاثة لصاحب الثلث، لأن عقد الواحد مع الاثنين في حكم العقدين وكأن أحدهما قال له قارضتك على خمس مائة على أن لي ثلثي الربح، وقال له الآخر قارضتك على خمسمائة على أن لك الثلث من الربح، ولو كان كذلك لصح فكذلك إذا جمع بينهما. الثانية قالا له: لك النصف: ثلثه من مال هذا، وثلثاه من مال الآخر، والباقي بيننا نصفين، كان القراض فاسدا وفي الناس من قال يكون صحيحا، ويكون على ما شرطا والأول هو الأقوى لأن الثاني يؤدي إلى التفاضل في الربح مع التساوي في رأس المال وذلك لا يجوز. إذا كان له في يد غيره ألف وديعة فقال قارضتك على الألف الذي في يدك صح لأن يد المودع كيد المودع، ولو دفع إليه ألفا ابتداء صح كذلك إذا قارضه على ما في يديه

[ 192 ]

فإن كان له في يد غيره ألف غصبا فقارض رب المال الغاصب عليه قيل فيه وجهان: أحدهما أنه قراض فاسد، لأن الغصب مضمون، ومال القراض أمانة فلا يصح أن يكون الألف في يده مضمونة أمانة. والوجه الثاني وهو الصحيح أنه يكون قراضا صحيحا ويكون أمانة من حيث القراض، وإن كان مضمونا من حيث الغصب، كما أنه إذا رهن الغصب عند الغاصب صح ويكون في يده وثيقة بالحق ومضمونا بالغصب، فمن قال القراض فاسد فالحكم في القراض الفاسد مضى، وإذا قلنا صحيح لا يزول الضمان عن الغاصب بعقد القراض، بل يكون الضمان على ما كان، فإذا اشترى العامل شيئا للقراض كان ما اشتراه للقراض ويكون المال مضمونا في يده، فإذا نقده في ثمن ما اشتراه زال عنه الضمان، لأنه قضى به دين رب المال بإذنه، فلهذا برئت ذمته وسقط الضمان. فإن كان له ألف في ذمة غيره فقال لمن عليه الدين: إقبض الألف لي من نفسك وأفرده من مالك، فإذا فعلت هذا فقد قارضتك عليه، فإن قبض العامل من نفسه وميزه من ماله لم يصح قبضه ولم ينفع التميز، وتكون ذمته مشغولة كما كانت، والألف المفردة المميزة ملك لمن عليه الدين دون من له الدين لأن الانسان لا يكون وكيلا لغيره في القبض له من نفسه. فإذا ثبت أن هذا القبض لا يصح، فإن تصرف العامل واشترى ينوى القراض نظرت، فإن اشترى بعين المال كان الشراء له، لأنه لا يملك أن يشتري بعين ماله ملكا لغيره. وإن اشترى في الذمة قيل فيه وجهان أحدهما قراض فاسد، لأنه علقه بصفة، فهو كما لو قال: خذ هذا الثوب وبعه فإذا نض ثمنه فقد قارضتك عليه، كان قراضا فاسدا. فعلى هذا متى اشترى شيئا للقراض كان لما اشتراه فإن دفع العامل في ثمنه الألف صح ذلك وبرئت به ذمته لأنه قد قضى به دين غيره بأمره وبرئت به ذمته والحكم في القراض الفاسد قد مضى.

[ 193 ]

وفي الناس من قال: لا يكون قراضا فاسدا ولا صحيحا بل يقع الملك للعامل، و الربح والخسران له، لأنه إنما يكون قراضا إذا كان رأس المال ملكا لرب المال فأما إذا لم يكن ملكا له لم يكن هناك قراض، ويكون الشراء للعامل وحده، كما لو دفع إليه ألفا غصبا قراضا، فإن العامل متى اشترى كان له دون رب المال كذلك ههنا الألف لم يملكه رب المال بالتمييز فقد قارضه على ألف لم يملكها فلهذا لم يكن قراضا فاسدا ولا صحيحا. فعلى هذا الشراء للعامل، والدين في ذمته لا تبرء ذمته عنه، وإن كان قد دفع ذلك ونوى به عن رب المال لأن رب المال ما ملك شيئا. هذا إذا قارضه على ألف في ذمته، فأما إذا كان له في ذمة غيره ألف فقال لغيره من عليه الدين: إقبض لي منه وقد قارضتك عليها، فإذا قبضه له صح القبض لأنه يقبض له، وكان القراض فاسدا لأنه قراض بصفة، فوقع العقد على ما هو ملكه بالقبض له. ويفارق التي قبلها لأنه قارضه على ما ليس بملك له، فلهذا لم يكن هناك قراض بحال، فإذا ثبت أنه فاسد، كان الربح كله لرب المال، وللعامل أجرة مثله. فإن دفع إليه ألفا قرضا فنض ألفين فاختلفا في نصيب العامل، فقال له رب المال شرطت لك النصف، وقال العامل شرطت لي الثلثين، تحالفا كما لو اختلفا في البيع فإذا تحالفا انفسخ القراض وكان فاسدا، لأنه ما ثبت فيه شرط صحيح وقد مضى حكم القراض الفاسد. ويقوى في نفسي أن القول قول رب المال مع يمينه لأن المال والربح له، وإنما يثبت للعامل بالشرط فعليه البينة في ما يدعيه. فإن دفع إليه مالا قراضا فنض ثلاثة آلاف فاتفقا على نصيب العامل، وأنه النصف من الربح واختلفا في رأس المال، فقال العامل رأس المال ألف، والربح ألفان وقال رب المال رأس المال ألفان والربح ألف كان القول قول العامل، لأن الخلاف وقع في الحقيقة في قدر ما قبض العامل من رب المال، فكان القول قول العامل، لأن الأصل أن لا قبض.

[ 194 ]

وإذا دفع إليه ألفا قراضا فاشترى به عبدا للقراض، فهلك الألف قبل أن يدفعه في ثمنه، قال قوم إن المبيع للعامل والثمن عليه، ولا شئ على رب المال، وقال قوم المبيع لرب المال، وعليه أن يدفع إليه ألفا غير الأول، ليقضي به الدين، ويكون الألف الأول والثاني قراضا، وهما معا رأس المال وهو الأقوى. وقال قوم رب المال بالخيار بين أن يعطيه ألفا غير الأول ليقضي به الدين و يكون الألف الثاني رأس المال دون الألف الأول أو لا يدفع إليه شيئا فيكون المبيع للعامل والثمن عليه. وإذا سرق المال قبل أن يدفعه في ثمن المبيع، قال قوم: يكون المبيع للعامل، والثمن عليه ولا شئ على رب المال. وفي الناس من قال إذا تلف المال لم يخل من أحد أمرين إما أن يتلف قبل الشراء أو بعده، فإن تلف قبل الشراء مثل أن اشترى السلعة والثمن في بيته فسرق قبل الشراء فههنا يكون المبيع للمشتري، لأنه اشتراه بعد زوال عقد القراض وبطلان الإذن بالشراء، وإن كان التلف بعد الشراء كان الشراء للقراض، ووقع الملك لرب المال، لأنه اشتراه والقراض بحاله، لأن الإذن قائم، فإذا كان الشراء له كان الثمن عليه. فإذا دفع إليه ألفا آخر ليدفعه في الثمن نظر، فإن سلم فلا كلام وإن هلك فعليه غيره وكذلك أبدا، فعلى هذا إذا هلك الألف الأول ودفع إليه ألفا آخر، فدفعه في الثمن فإن الألفين يكونان رأس المال وهو الصحيح، لأن الأول تلف بعد أن قبضه العامل، فلم يكن من أصل المال، كما لو كان في التجارة. وفيهم من قال: يكون من أصل المال، لأنه هلك بعينه، والملك لربه قبل أن يتصرف فيه. وقال قوم إن المبيع للعامل وعليه الثمن دون رب المال، لأنه لا يخلو أن يكون الألف تلف قبل الشراء أو بعده، فإن كان التلف قبل الشراء، وقع الشراء للعامل، لأنه اشتراه بعد زوال القراض، وإن كان التلف بعد الشراء فالبيع وقع لرب المال على أن يدفع الثمن من ماله الذي سلمه إليه، فإذا هلك المال تحول الملك إلى العامل، وكان الثمن

[ 195 ]

عليه لأن رب المال إنما فتح للعامل في التصرف في الأول إما أن يستوفيه به (1) بعينه أو في الذمة وينقد منه، ولم يدخل على أن يكون له من القراض أكثر منه، فإذا تعذر تسليم الثمن من مال رب المال تحول الملك إلى العامل كما أن الأجير إذا أحرم بالحج عن الغير فالعقد صحيح (2) فإن بقي على السلامة كان للمحجوج عنه وإن أفسده الأجير تحول الاحرام إليه، لأنه لم يكمله على الوجه الذي افتتحه. فإن كان هذا في الوكالة فأعطاه ألفا ليشتري له عبدا فاشترى العبد وتلف الثمن قبل الدفع، قيل فيه وجهان أحدهما يتحول الملك إلى الوكيل والثمن عليه كالعامل في القراض، والوجه الثاني على رب المال أن يعطيه ألفا آخر ليدفعه في الثمن. والفصل بينهما أن رب المال أعطاه ألفا على أن لا يزيد عليها في القراض شيئا فلهذا لم يكن عليه غير الأول، وليس كذلك الوكالة، لأنه دفع إليه الألف ليحصل له العبد، فإذا اشتراه له فذهب الثمن كان عليه دفع ثمنه إليه. فإذا ثبت هذا، قلنا إنه على رب المال أن يدفع إليه غيره، فإن هلك دفع إليه غيره كذلك أبدا. وقال قوم: إن على الموكل أن يدفع إليه ألفا آخر، فإن هلك الثاني لم يكن عليه أن يدفع إليه غيره وهذا غلط، لأنه إما أن يكون للوكيل فلا يجب على الموكل شئ أو للموكل فعليه أن يدفع الثمن إليه أبدا حتى تبرأ ذمته. إذا دفع إليه ألفا قراضا بالنصف فاتجر وربح فنض المال كله أو نض قدر الربح منه، فطالب أحدهما بقسمة الربح وإفراز رأس المال بحاله، لم يجبر الممتنع منهما على القسمة، سواء كان المطالب بذلك العامل أو رب المال، لأنه إن كان المطالب به هو العامل لم يجبر رب المال عليه، لأنه يقول: الربح وقاية لرأس مال، متى خسرت شيئا جبرناه بالربح، فلا تأخذ شيئا من الربح قبل أن آخذ رأس مالي، وإن كان المطالب رب المال لم يجبر العامل، لأنه يقول: متى قبضت شيئا من الربح، لم

(1) أن يشتريه به بعينه خ.
(2) فانعقد صحيحا خ ل.

[ 196 ]

يستقر ملكي عليه، لأن المال قد يخسر فيلزمني رد ما أخذت، لأجبر به الخسران فلا أختار قسمة الربح. وإن اتفقا على قسمة الربح وإفراز رأس المال جاز، لأن الربح لهما، فإذا فعلا واتجر العامل في رأس المال نظرت، فإن ربح أو لم يربح ولم يخسر، فلا كلام وإن خسر احتجنا إلى جبران رأس المال، بما اقتسماه، ليعود رأس المال، فإن كان المقسوم قدر الخسران جبرناه، وإن كان أقل من الخسران جبرنا به ما أمكن، وإن كان أكثر من الخسران جبرنا منه ما يحتاج إليه، لأن الربح وقاية للمال. ورب المال لا حاجة به إلى رد شئ، بل العامل يرد، ورب المال يحتسب ما يلزمه من ذلك من جهته، وعلى العامل أقل الأمرين مما أخذه أو نصف الخسران فإن كان المقسوم مائتين نظرت في الخسران، فإن كان مائة، فعلى العامل نصف الخسران لأن أقل ما قبضه وإن كان مائتين رد العامل كل ما أخذه لأنه وفق نصف الخسران، و إن كان الخسران ثلاثمائة رد العامل ما أخذه وليس عليه أكثر من ذلك. إذا أراد رب المال أن يشتري من العامل شيئا من مال القراض لم يجز، لأن المال ملكه، فلا يشتري ملكه بملكه كالمال في يد وكيله، ولهذا قلنا إذا اشترى العامل شقصا في شفعة رب المال فلا شفعة لرب المال، لأن المبيع ملكه فلا يستحق الشفعة على نفسه. فأما إن أراد السيد أن يشتري من مكاتبه شيئا مما في يده من مال الكتابة جاز، لأن الذي في يد المكاتب ليس بملك السيد، ولهذا قلنا إذا اشترى المكاتب شقصا في شفعته كان لسيده أخذه منه بالشفعة، لأنه لا يملكه، فالسيد فيما يتعلق بالمعاوضات كالأجنبي. فأما إن أراد السيد أن يشتري من العبد المأذون شيئا مما في يده للتجارة نظرت فإن لم يكن على العبد دين لم يجز، لأنه ملكه،، فهود كالعامل في القراض والوكيل، وإن كان عليه دين فقد تعلق الدين بما في يديه، فإن اشترى السيد شيئا منه قيل فيه قولان:

[ 197 ]

أحدهما يصح، لأنه حق للغرماء، لا حق للسيد فيه، فهو كمال الكتابة والثاني أنه لا يجوز وهو الصحيح، لأن المال ملك لسيده، وإنما تعلق حق الغير به بدليل أن له قضاء الدين، وأخذ المال، فهو كالرهن، والراهن لا يملك أن يشتري الرهن كذلك ههنا، ويفارق مال الكتابة فإنه لا يملكه فلهذا جاز أن يشتريه. إذا دفع إليه ألفا قراضا بالنصف على أن يأخذ منه ألفا بضاعة، والبضاعة أن يتجر له فيها بغير جعل ولا قسط من الربح، فلا يصح هذا، والشرط فاسد، لأن العامل في القراض لا يعمل عملا لا يستحق في مقابلته عوضا فبطل الشرط، وإذا بطل الشرط بطل القراض، لأن قسط العامل يكون مجهولا فيه. وذلك أن رب المال ما قارض بالنصف حتى يشترط للعامل له عملا بغير جعل وقد بطل الشرط، وإذا بطل ذهب من نصيب العامل وهو النصف، قدر ما زيد فيه لأجل البضاعة وذلك القدر مجهول، وإذا ذهب من المعلوم مجهول كان الباقي مجهولا، ولهذا بطل القراض، وإن قلنا القراض صحيح والشرط جايز لكنه لا يلزمه الوفاء به، لأن البضاعة لا يلزم القيام بها، كان قويا. إذا أعطاه ألفا قراضا بالنصف، وقال له: أحب أن تأخذ ألفا بضاعة تعاونني فيه صح لأن البضاعة ما أخذت بالشرط، وإنما تطوع بالعمل له فيها من غير شرط، فلهذا لم يفسد القراض، ويفارق الأولى لأنه شرط أخذ البضاعة، وفرق بين الارتفاق بالشرط وبين الشرط. ألا ترى أنه لو باع دارا بشرط أن يعطيه المشتري عبدا يخدمه شهرا، بطل البيع، ولو قال له ادفع إلى عبدك أيها المشتري يخدمني شهرا، من غير شرط صح البيع، والفرق بينهما ما مضى. إذا دفع إليه ألفا قراضا بالنصف ثم دفع إليه ألفا قراضا بالنصف نظرت فإن كان الثاني قبل أن يدور الأول في التجارة صح، وكان معا قراضا بالنصف، وإن كان الثاني بعد أن دار الأول في التجارة لم يصح الثاني. والفصل بينهما أن الثاني عقد ثان بعد الأول، وإذا ترادف قراضان كان لكل

[ 198 ]

عقد حكم نفسه في الخسران والربح، وإذا ربح أحد القراضين وخسر الآخر لم يجبر خسران أحدهما بر بح الآخر، فإذا كان الأصل هذا، ظهر الفرق بين المسئلتين. لأنه إن كان الأول ما دار في التجارة فإذا خلط الألفين كان الربح فيهما والخسران فيهما ولا يقضي إلى أن ينفرد كل واحد بحكم نفسه، وليس كذلك إذا دار في التجارة لأنه قد يربح أحدهما دون صاحبه فيلزم أن يجبر خسران أحدهما بربح الآخر، فلهذا لم يصح. إذا دفع إليه ألفا قراضا، وقال له أضف من عندك إليه ألفا آخر واتجر بهما على أن الربح بيننا لك منه الثلثان، والثلث لي، أو لك منه الثلث والثلثان لي، كان فاسدا، سوء كان الفضل لرب المال أو العامل، لأنه إن كان لرب المال فهو ظاهر الفساد، لأن له نصف المال من غير عمل، وللعامل نصف المال والعمل معا فإذا شرط لنفسه الثلثين من الربح أخذ من ربح ألف العامل قسطا بغير وضع مال فيه ولا عمل، و هذا لا يجوز. وإن شرط العامل لنفسه فسد أيضا لأن المال شركة بينهما، والربح في الشركة على قدر المالين، لا يفضل أحدهما صاحبه بشئ، فإذا شرط الفضل لأحدهما بطلت فإذا ثبت أنه باطل فيهما كان العقد قرضا فاسدا، لأنه دفعه إليه بلفظ القراض. وأما إن دفع إليه ألفين وقال أضف إليه من عندك ألفا يكون ألفان من كل المال شركة بيننا، والألف الثالث قراضا بالنصف صح، لأن المال إذا خلط فهو شركة مشاعا كله، فقد أقر ألفين على الشركة، وقارضه على ألف مشاع فصح لأن القراض على المشاع جايز، وقد قلنا إذا كان بينهما ألفان شركة فقارض أحدهما صاحبه على نصيبه منه مشاعا صح كذلك ههنا. إذا كان رأس المال في القراض معلوما بالمشاهدة دون المقدار، بأن يكون أعطاه جزافا قراضا، فالقراض فاسد، لأن رب المال يرجع حين المفاصلة إلى رأس ماله، ويكون الربح بينهما فإذا كان رأس المال مجهولا تعذر إفرازه لربه، فبطل القراض. فأما إن كان رأس المال مال السلم جزافا قيل فيه قولان أحدهما يصح، لأنه ثمن

[ 199 ]

في بيع فأشبه بيوع الأعيان، والثاني باطل لأن السلم لا يقع منبرما بل يشرب الفساد لتعذر المسلم فيه في محله، فإذا تعذر المسلم فيه في محله، صرف إلى رب المال رأس ماله، فإذا كان مجهول القدر بطل العقد كالقراض سواء. وقال قوم يصح القراض بمال مجهول فإذا كان حين المفاصلة يكون القول قول العامل في قدره، فإن كان مع واحد منهما بينة فالبينة بينة رب المال، لأنها بينة الخارج وإن كان في السلم لا يصح، وهذا هو الأقوى عندي، فأما البيع فلا يصح عندنا بثمن مجهول، لا بيوع الأعيان ولا بيوع السلم. لولي اليتيم أن يدفع مال اليتيم قراضا والولي هو الأب، أو الجد إن لم يكن له أب، أو الوصي إن لم يكن أب ولا جد، أو أمين الحاكم إن لم يكن واحد من هؤلاء وإنما يجوز دفعه قراضا إلى من يجوز إيداع ماله عنده من كونه ثقة أمينا، فإن دفعه إلى غير ثقة أمين فعليه الضمان. إذا خلط العامل مال القراض بمال نفسه خلطا لا يتميز فعليه الضمان كالمودع والوكيل، لأنه صيره كالتالف بدلالة أنه لا يقدر على رد المال إلى ربه بعينه. وإذا دفع إليه ثوبا وقال بعه فإذا نض ثمنه فقد قارضتك عليه، فالقراض فاسد لأنه قراض بصفة، ولأن رأس المال مجهول، والعامل له أجرة مثله، وله أجرة المثل على بيع الثوب وأجرة مثله على عمل القراض، وأجرة بيعه لازم على بيع الثوب سواء كان في المال ربح أو لم يكن، وسواء تصرف فيه بعد بيعه أو لم يتصرف. إذا اشترى العامل سلعة للقراض فقال رب المال كنت نهيتك عن ابتياعها فاشتريت بعد النهي فليست للقراض، وقال العامل ما نهيتني عن هذا قط، كان القول قول العامل لأنها أمين، ورب المال يدعي الخيانة. إذا دفع إليه ألفا قراضا فاتجر ونض المال وقد خسر مائة، فخاف أن يعلم رب المال بالخسران فينتزع المال من يده، فأتى العامل صديقا له فأخبر بحاله وقال: أقرضني مائة أضمها إلى مال رب المال لأحمله إليه كاملا، وإذا استبقاه في يدي رددت

[ 200 ]

المائة إليك، ففعل ذلك، فلما حمل العامل المال إلى رب المال أخذه من يده، وفسخ القراض: قال قوم: للمقرض أن يرجع بالمائة على رب المال، وقال آخرون ليس له ذلك لأن العامل اقترض المائة من المقرض، وملكها بالقرض وحملها إلى رب المال فقال هذا كله رأس مالك، فليس للعامل أن يرجع على رب المال، لأنه فاعترف له بأن كل ذلك ماله، ولا للمقرض أن يرجع على رب المال لأنه أقرض غيره، فيرجع المقرض على العامل بها وحده، وهذا هو الأقوى. إذا دفع إليه ألفا قراضا فأذن له في السفر إلى مكة، فسافر فاتفق رب المال معه بمكة وقد نض المال فأخذه من العامل، فأراد العامل أن يرجع إلى بلده، فهل له مطالبة رب المال بنفقة رجوعه إلى بلده، قال قوم له ذلك، وقال آخرون: ليس له ذلك، وهو الأقوى دليلا. فإذا مات العامل هل على رب المال تكفينه؟ مبني على هذين القولين، فمن قال يلزمه نفقته قال يلزمه تكفينه، ومن قال لا يلزمه نفقته قال لا يلزمه تكفينه وهو الصحيح لأنه لا دليل على لزومه، والأصل براءة الذمة، وأصل المسألة على ما مضى من أن نفقة العامل على نفسه أو من مال القراض، مضى أنه على وجهين، فمن قال يجب فهل له كل النفقة أو ما زاد على نفقة الحضر على وجهين، فمن قال لا نفقة لذهابه فكذلك لرجوعه، من قال له النفقة لذهابه فعليه النفقة لرجوعه. إذا كان العامل واحدا ورب المال اثنين، فدفع كل واحد منهما إليه مائة قراضا بالنصف، فاشترى العامل جارية لأحدهما بمائة وللآخر أخرى بمائة، ثم اختلطا فلم يعلم جارية الأول من الثاني، قال قوم الجاريتان لربي المال بينهما لأنهما مالهما اختلط بعضه ببعض، ككيسين اختلطا، ويباعان في القراض ويدفع إلى كل واحد منهما نصفه، إذا لم يكن في المال فضل، وإن كان فيه فضل أخذ كل واحد منهما رأس ماله واقتسموا الربح على الشرط وإن كان فيه خسران فالضمان على العامل، لأنه فرط في اختلاط المال.

[ 201 ]

وقال قوم ينقلب المال إلى العامل، لأنه لما فرط بالخلط كان كالتفريط منه حال العقد، فيكون الجاريتان له وعليه لكل واحد منهما رأس ماله، والأول أقوى وهو المنصوص لأصحابنا، ولو قلنا تستعمل في ذلك القرعة كان أقوى. إذا دفع إليه مالا قراضا وهو يعلم أنه لا يقدر أن يتجر بمثله لكثرته أو لضعفه عن ذلك مع قلته، فعليه الضمان لأنه مفرط في قبضه. إذا كان المال في القراض مائة فخسر عشرة فأخذ رب المال بعد الخسران عشرة ثم اتجر العامل وربح بعد هذا فأراد المقاسمة، أفرد رأس المال تسعين إلا درهما وتسع درهم، وما فضل فهو بينهما على الشرط، لأن المال إذا خسر لم ينتقض القراض فيه بدليل أن المال متى ربح بعد الخسران رد إليه من الربح حتى يتم ما ذهب من رأس ماله، فإذا لم ينتقض القراض من الخسران، كان الخسران كالموجود في يد العامل، فإذا أخذ رب المال عشرة انتقض القراض في المال المأخوذ، بدليل أنه لو أخذ الكل انتقض القراض فيه، فإذا انتقض في العشرة انتقض في الخسران ما يخصه من العشرة، فيقسط العشرة المأخوذة على تسعين يكون لكل عشرة درهم وتسع درهم، فكأنه أخذ أحد عشر درهما وتسعا، فيكون رأس المال ما بقي بعد هذا. بيان هذا إذا خسر عشرة وأخذ رب المال خمسة وأربعين، انتقض القراض في المأخوذ وهو خمسة وأربعون، وفي نصف الخسران وهو خمسة، فيكون رأس المال بعد هذا خمسين. وأصل هذا أن يجعل الخسران كالموجود فإذا انتقض القراض في سهم من الموجود انتقض بحصته من الخسران، فإن أخذ رب المال ثلث التسعين انتقض القراض فيها، في ثلث الخسران، وإن أخذ ربع التسعين انتقض فيها وفي ربع العشرة، وعلى هذا أبدا. إذا اشترى العامل عبدا للقراض فقتله عبد لأجنبي، وجب على القاتل القصاص لأنهما متكافئان، ثم ينظر فيه، فإن لم يكن في المال فضل كان القصاص لرب المال وحده لأنه لا حق للعامل فيه، فإن اقتص فلا كلام وزال القراض، وإن عفى على غير

[ 202 ]

مال فكذلك وإن عفا على مال ثبت المال وكان قراضا لأن الأجنبي متى أتلف مال القراض كان بدله للقراض. فإذا ثبت أنه قراض نظرت فإن لم يكن في العفو (1) ربح، فالكل لرب المال وإن كان فيه فضل كان الفضل على الشرط. هذا إذا قتل وليس في المال فضل فأما إن كان فيه فضل فليس للعامل القصاص على الانفراد ولا لرب المال لتعلق حق العامل به، ولأنا إن قلنا قد ملك حصته بالظهور فهو شريك، وإن قلنا ما ملك حصته بالظهور فحقه متعلق به، بدليل أن له المطالبة بالقسمة، فإذا كان كذلك فإن اتفقا على القصاص أو العفو على غير مال زال القراض، و إن عفوا على مال كان لرب المال رأس ماله، ويقتسمان الربح على ما شرطاه. وإن اشترى العامل جارية فليس للعامل وطؤها، لأنه إن كان في المال فضل فهو شريك، وإن لم يكن فيه فضل فالكل لرب المال، فإن أراد رب المال وطيها لم يكن له أيضا لأنه إن كان فيه فضل فهو شريك، وإن لم يكن فيه فضل فليس لرب المال أن يتصرف في السلعة المشتراة للقراض ما يضر بها، فإن أراد أحدهما تزويجها لم يجز وإن اتفقا عليه جاز، لأن الحق لهما. إذا اشترى العامل عبدا وأراد أن يكاتبه لم يجز، وإن أراد رب المال لم يجز لأنه نقصان، وإن اتفقا عليه جاز، لأنه لهما لا حق لغيرهما فيه، فإذا فعلا ذلك فإن أدركه عتق نظرت، فإن لم يكن في المال فضل فالولاء كله لرب المال، وإن كان فيه فضل فالولاء بينهما على ما شرطاه في الربح بالحصة، هذا إذا كانا شرطا عليه الولاء لأنه إن لم يشترطاه فلا ولاء لأحد عليه عندنا. إذا دفع مالا قراضا إلى عاملين على أن له نصف الربح ولهما النصف، فاتجرا ونض المال ثلاثة آلاف ثم اختلفوا فقال رب المال رأس المال ألفان، والربح ألف، ولي منه خمس مائة، ولكما خمس مائة لكل واحد منكما مائتان وخمسون، فصدقه أحدهما وكذبه الآخر فقال: بل رأس المال ألف، والربح ألفان، لك من الربح ألف

(1) في العبد خ ل.

[ 203 ]

ولنا ألف لكل واحد منا خمس مائة، فهذه تبنى على أصول ثلاثة: أحدها إذا اختلف العامل ورب المال في قدر رأس المال فالقول قول العامل، لأن المال في يده أمانة، ورب المال مدع. والثاني لا يستحق العامل حصته من الربح حتى يسلم لرب المال رأس ماله. والثالث أن العاملين كالعامل الواحد، إن ربح المال كان لهما قسطاهما، وإن خسر فلا شئ عليهما. فإذا ثبت هذا فإذا حلف الذي كذبه ثبت أن رأس المال ألف، والربح ألفان في حقه يأخذ من الربح خمس مائة ويبقى ألفان وخمسمائة يقول المصدق لرب المال لك رأس مالك ألفان يبقى خمس مائة، لك ثلثاها ولي ثلثها لأنه يقول لو أخذ شريكي قدر حقه من الربح وهو مائتان وخمسون، بقي منه سبع مائة وخمسون لك ثلثاها خمس مائة ولي ثلثها مائتان وخمسون فلما أخذ شريكي منها مائتين وخمسين، كان غاصبا لها منا معا: منك الثلثان، ومني الثلث، ويكون الباقي بيننا الثلث والثلثان كما لو غصبنا على ثلث المال أجنبي كان الباقي بيننا بالحصة. وإنما احتاجت إلى أصول ثلاثة ليكون: القول قول العامل في رأس المال، والثاني لا يستحق العامل المصدق شيئا حتى يسلم لرب المال رأس ماله ألفان، والثالث العاملان كالعامل الواحد، لئلا يقول الذي صدقه: العامل غصبه من حقك دون حقي. إذا أحضر رب المال أجناسا من المال مثل أن أحضر ألف درهم، وألف دينار وألف ثوب فقال: خذ أيها شئت قراضا بالنصف، كان باطلا لأنه لم يعين رأس المال وكذلك لو أحضر ألف دينار وألف درهم، فقال: خذ أيهما شئت قراضا كان فاسدا لأنه ما عين رأس المال، فهو كما لو قال في البيع: بعتك هذا العبد بأحد هذين الجنسين كان فاسدا. فإن دفع إليه ألفا قراضا فقال على أن لك نصف ربحها صح بلا خلاف، وإن قال: على أن لك ربح نصفها كان باطلا عند قوم، والصحيح أنه جايز، ولا فرق بينهما، ومن قال يبطل، قال لأن موضوع القراض على أن ما رزق الله من ربح كان بينهما على ما يشترطانه، ولا يربح المال حبة إلا وهو بينهما فإذا قال ربح نصفه فسد من الجانبين: من

[ 204 ]

جانب العامل لأنه يأخذ ربح نصفه لا حق لرب المال فيه، ولرب المال ربح النصف الآخر لا حق للعامل فيه، وربما ربح نصفه وانفرد أحدهما به، فلهذا بطل. وهذا ليس بشئ لأن النصف الذي جعل له ربحه، مشاع غير مقسوم، فلا درهم منها إلا وله ربح نصفه إنما كان يؤدي إلى ذلك لو كانت الخمس مائة معينة. فإن دفع إليه بغلا وقال تركبه وتستعمله فيما ينقل عليه، والفائدة بيننا نصفان كانت هذه معاملة فاسدة لأن القراض هو أن يتصرف العامل في رقبة المال، وههنا تستبقي الرقبة، فإذا عمل كان الفضل كله لرب المال، وللعامل أجرة مثله، وإن أعطاه شبكة يصطاد بها فما رزق الله من صيد كان بينهما نصفين، كان الصيد للعامل، ولرب الشبكة عليه أجرة مثل شبكته. والفصل بينهما أن العمل للبغل، وعمل العامل تابع، فلهذا كان الفضل كله لرب البغل، وليس كذلك الشبكة لأن الأصل عمل العامل بدليل أن الصيد يضاف إليه والشبكة تبع، فلهذا كان الصيد للصياد، وعليه أجرة مثل الشبكة، لأنه دخل على أن له نصف الصيد بها، فإذا لم يسلم له المسمى كان على العامل رد المنافع وقد أتلفها وتعذر ردها فكان عليه بدلها وبدلها أجرة مثلها، فإن دفع إليه رجل أرضا وقال: اغرسها كذا وكذا على أن ما رزق الله من غرس فيها كان بيننا نصفين، والأرض بيننا نصفين، نصف الأرض بعملك وغرسك، ونصف الغرس لي بأرضي، فإن هذه معاملة فاسدة، ليست شركة لأن المالين لا يختلطان، ولا قراض لأن من العامل العمل والمال معا. فإذا ثبت أنها فاسدة كان لرب الأرض أرضه لأنها عين ماله، وللعامل غرسه لأنه عين ماله، لا يملك أحدهما على صاحبه ما بذله، فرب الأرض لا يملك نصف الغراس لأنه باع معلوما وهو نصف أرضه بمجهول، وهو نصف الغراس وعمل العامل، والعامل لا يملك نصف الأرض لأنه اشترى معلوما بمجهول، فإذا ثبت أن لكل واحد منهما عين ماله، فلرب الأرض على الغارس أجرة مثل أرضه لأنه غرسها بغير حق. فإن أراد رب الأرض قلع الغراس نظرت، فإن لم يكن على الغراس نقص بالقلع

[ 205 ]

مثل أن غرسه قريبا، أو بعيدا إن تصور أنه لا ينقصها بالقلع كان له مطالبة الغارس بالقلع لأنه لا [ ضرر عليه في غرسه بتحويله كما لو صب طعاما في دار غيره بغير حق فعليه نقله وتحويله لأنه لا ضرر عليه في طعامه بنقله. وإن كان الغراس يستضر بالقلع وينقص به قلنا لرب الأرض لك الخيار بين ثلاثة أشياء إما أن يقلعه وعليك ما نقص، أو تعطيه قيمته ليكون الغرس مع الأرض لك أو تقره في أرضك ولك الأجرة حتى ننظر ما الذي يقول الغارس. ولو كان مكان الغرس زرع كان عليه أن يقره في أرضه وله أجرة مثله، والفرق بينهما من وجهين أحدهما ضرر الزرع يقل لأن له غاية إذا انتهى إليها حصد، فلهذا أقره فيها بالأجرة، وليس كذلك الغراس لأن ضرره يكثر، فإنه لا غاية له إذا انتهى إليها قلع، فلهذا لم يكن عليه أن يقره بالأجرة. والثاني لا قيمة للزرع بعد قلعه، فلهذا لزمه أن يقره في أرضه بأجرة، وليس كذلك الغراس لأن له قيمة بعد قلعه فلهذا أجبرناه على قلعه. فإذا تقرر هذا رجعنا إلى [ رب ] الغراس، فقلنا قد خيرنا رب الأرض بين ثلاثة أشياء بين القيمة، والقلع، والأجرة، ما تقول أنت؟ فإن اتفقا على شئ أقرا على ما اتفقا عليه، وإن اختلفا نظرت، فإن قال رب الأرض إقلع وعلي ما نقص، وقال العامل بل أقره في أرضك ولك الأجرة، قدمنا قول رب الأرض، لأن العامل لا يملك إقرار غرسه في أرض غيره، إذا لم يكن عليه في تحويله ضرر، لأن رب الأرض يضمن له ما نقص. فإن كانت بالضد فقال الغارس أعطني ما نقص لأقلع، وقال رب الأرض أقره في أرضي وعليك الأجرة فالقول قول الغارس، ويقال لرب الأرض إما أن يقلع وعليك ما نقص أو تقره في أرضك بغير أجرة. هذا إذا اختلفا في القلع والأجرة، فأما إن اختلفا في القيمة والقلع، فقال رب الأرض خذ القيمة ليكون الكل لي، وقال الغارس بل أقلع أنا وعليك ما نقص، قدمنا قول الغارس، لأنه لا يجبر على بيع غرسه.

[ 206 ]

فإن كانت بالضد فقال الغارس أعطني القيمة، وقال رب الأرض بل إقلع وعلي ما نقص قدمنا قول رب الأرض لأن رب الأرض لا يجبر على شراء الغراس. وإن اختلفا في القيمة والأجرة فقال رب الأرض: خذ القيمة، وقال الغارس بل أقره ولك الأجرة، أو قال العامل: أعطني القيمة ليكونا لك، قال رب الأرض بل أعطني الأجرة لأقره في أرضي، لم يجبر واحد منهما على ما يطلبه صاحبه، فحصلت ثلاثة فصول في كل فصل مسئلتان: مسئلتان في القلع والأجرة، ومسئلتان في القيمة والقلع ومسئلتان في القيمة والأجرة.

[ 207 ]

(كتاب المساقاة) المساقاة هو أن يدفع الانسان نخلة إلى غيره على أن يلقحه ويصرف الجريد ويصلح الاجاجين (1) تحت النخل ويسقيها، أو يدفع إليه الكرم على أن يعمل فيه فيقطع الشيف (2) ويصلح مواضع الماء ويسقيه، على أن ما رزق الله من ثمرة كانت بينهما على ما يشتر طانه، وسميت مساقاة، لأن الغالب في الحجاز والمطلوب السقي لأنها تسقى من الآبار بنضح أو غرب. وهي جارية (3) بشرطين مدة معلومة كالإجارة، ويكون قدر نصيب العامل معلوما كالقراض، وفي جوازها خلاف، فإذا ثبت جوازها، فإنها جايزة في النخل والكرم معا ويجوز عندنا المساقاة فيما عدا النخل والكرم من شجر الفواكه وفيمن أجاز في النخل والكرم من منع فيما سواهما، وكل ما لا ثمرة له من الشجر كالتوت الذكر والخلاف فلا يجوز مساقاته بلا خلاف. فصار الشجر على ضربين ضرب له ثمر يؤكل سواء تعلق به الزكوة أو لم يتعلق فإنه يتعلق به المساقاة، وشجر لا ثمرة له فلا يجوز المساقاة فيه. المساقاة تحتاج إلى مدة معلومة كالا جارة لأن كل من أجازها أجازها كذلك فهو إجماع، وهي من العقود اللازمة لأنها كالإجارة، وبهذا فارق القراض لأنه لا يحتاج إلى مدة، والمدة فيها مثل المدة في الإجارة سواء، فما يجوز هناك يجوز ههنا، سواء كان سنة أو سنتين، ومن خالف هناك خالف ههنا. المساقاة على النخل (4) والمخابرة على الأرض جائزة عندنا سواء كانت الأرض

(1) التلقيح: التأبير، وهو أن يضرب طلع النخل على موضع الثمرة من النخلة، و تصريف الجريد: تجريدها عن خوصها وإنما تسمى جريدة إذا جرد عنها خوصها والأجاجين جمع إجانة - بالكسر وتشديد الجيم - ما يصنع حول الغراس شيه الأحواض.
(2) الشيف: الشوك يكون في مؤخر عسيب النخل (3) جائزة خ (4) الشجر خ.

[ 208 ]

خلال النخل أو منفردا ومن خالفنا في ذلك فمنهم من قال لا يجوز المخابرة على الأرض بحال، وفيهم من قال إن كانت منفردة أو بين ظهراني النخل وكانت كثيرة لا يجوز، وإن كانت يسيرة بين ظهراني النخل، جاز أن يساقيه على الشجرة، ويخابره على الأرض إذا كان من رب الأرض البذر والأرض معا ويكون من العامل العمل فقط. وينبغي أن يخص كل واحد منهما بلفظ، فيقول ساقيتك على النخل، وخابرتك على الأرض بالنصف، أو يذكر لفظة واحدة تصلح لهما، فيقول عاملتك على النخل و الأرض معا بالنصف مما يخرج من ثمر وزرع، كل هذا صحيح لأن اللفظ يأتي عليه، فإن اقتصر على لفظ المساقاة لم يتضمن هذا مخابرة الأرض لأن الاسم لا يشتمل عليه. فإن ثبت هذا فإن زرع العامل الأرض فقد تعدى وغصب، ويقلع زرعه منها وعليه أجرة مثل الأرض من حين القبض إلى حين الرد، فكل موضع أجازوا فيه المخابرة فإنها تجوز سواء كانا معا بالنصف، أو اختلفا، مثل أن يساقي بالنصف، ويخابر على الربع، وكذلك إذا كان له أنواع نخل معقلي وبرني وسكر (1) فساقاه بالنصف على البعض وبالربع على البعض الآخر، أو أقل أو أكثر كان جايزا، وهو الذي نختاره ونفتي به وإن خالفناهم في جواز المخابرة في الأرضين في كل موضع. وإذا ساقاه على النخل بعقد، ثم خابره على الأرض بعقد آخر كان جايزا، وفيمن وافقنا فيه قال: لا يجوز، وفيهم من قال كما قلنا. هذا إذا كان البياض يسيرا بين ظهراني نخل كثير، فإن كان البياض يسيرا منفردا عن النخل يمكن إفراد كل واحد منهما بالسقي، فإذا ساقاه على الأول لم تصح أن يخابره على هذه الأرض، لأنا أجزنا لموضع الحاجة، وإن كان البياض كثيرا بين ظهراني نخل يسير، فساقاه على النخل وخابره على الأرض بعقد واحد، فيها وجهان أحدهما يصح

(1) الرطب المعقلي - من أجوده: نسبة إلى معقل - كمجلس - ابن يسار من الصحابة وهو من مزينة مضر، وينسب إليه نهر بالبصرة أيضا والبرني بفتح الباء وسكون الراء ضرب من التمر وهو من أجوده. والسكر: رطب طيب وعنب يصيبه المرق فينتثر وهو من أحسن العنب.

[ 209 ]

والآخر لا يصح لأنه إذا كان البياض هو الأكثر فالنخل تبع فلهذا لم يصح، وقد قلنا إن عندنا يجوز ذلك أجمع. ولا يجوز المساقاة حتى يشترط للعامل جزءا معلوما من الثمرة، فإذا ثبت أنه يفتقر إلى أن يكون سهمه معلوما إما النصف أو الثلث أو الربع، فلا يجوز أن يكون معلوم المقدار مثل أن يكون ألف رطل أو خمس مائة رطل بلا خلاف، ومهما شرط ذلك من الأجزاء كان جايزا قليلا كان أو كثيرا لأنه لو شرط لرب الأرض سهما من ألف سهم والباقي للعامل، أو بالعكس من ذلك كان جائزا، لأن ذلك يستحق بالشرط فعلى حسب الشرط. إذا ساقاه على تمرة نخلات بعينها كانت المساقاة باطلة، لأن موضعها على الاشتراك بلا خلاف بين من أجازها ولأنه قد لا يسلم إلا النخل المعين فيبقى رب الأرض والنخل بلا شئ من الثمرة، أو لا تحمل شئ منها فيكون العامل بلا فائدة، ومتى ساقاه على هذا الوجه كانت باطلة، وكانت الثمرة لرب النخل ويكون للعامل أجرة مثله. ومن استأجره على أن له سهما من الثمرة في مقابلة عمله، فإن كان قبل خلق الثمرة فالعقد باطل، وإن كانت مخلوقة فإن كان بعد بدو صلاحها فاستأجره بكل الثمرة أو بسهم منها صح، لأنه لما صح بيعها أو بيع بعضها كذلك هيهنا، وإن كان قبل بدو صلاحها فإن استأجره بكلها بشرط القطع صح، وإن استأجره بسهم غير مشاع منها لم يصح، لأنه إن أطلق فإطلاقها لا يصح بالعقد، وإن كان بشرط القطع لم يصح لأنه لا يمكن أن يسلم إليه ما وقع العقد عليه إلا بقطع غيره، وهذا يفسد العقد. كل ما كان مستزادا في الثمرة كان على العامل وهو التأبير والتلقيح، وتصريف الجريد وهو السعف اليابس، وما يحتاج إلى قطعه لمصلحة النخل والثمرة وتسوية الثمرة لأن الثمار تظهر وتبقى قائمة في قلب النخل، فإذا كثرت الثمرة ثقلت فنزلت فيحتاج أن يعبيها على السعف اليابس وغيره حتى يكون كالطوق في حلق النخل، وعليه إصلاح الاجاجين تحت النخل، ليجتمع الماء فيها عند السقي، وعليه قطع الحشيش المضر بالنخل، وعليه كري السواقي ليجري الماء فيها، وإدارة الدولاب، فإذا بدا صلاحها

[ 210 ]

فعليه اللقاط، إن كان مما يلقط، فإذا جف ما فيه جذه، وإن كان مما يشمس فعليه إصلاح موضع التشميس، وهو الذي يقال له في البصرة الجوخان وبالحجاز الجرين و الأندر والبيدر (1) وعليه الجذاذ والنقل إليه، وعليه حفظه في نخله وغيره حتى يقسم لما روى نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم وأن لرسول الله صلى الله عليه وآله شطر ثمرتها. وأما الذي على رب المال مما فيه حفظ الأصل وهو شد الحصار وإن شاء الأنهار والدولاب، والثور الذي يديره، وعليه الكشن: وهو طلع النخل الذي يلقح به، لأن ذلك أجمع أصول الأموال. فإذا ثبت أن هذا يقتضيه إطلاقه، فإن وقع العقد مطلقا حمل على مقتضاه، وإن شرط فيه العمل مطلقا نظرت، فإن شرط على العامل ما يقتضيه إطلاقه، وعلى رب النخل ما يقتضيه إطلاقه كان الشرط تأكيدا، وإن شرط على العامل ما على رب النخل أو بعضه أو شرط على رب النخل ما على العامل أو بعضه، فالمساقاة باطلة عند قوم، لأنه شرط ليس من مصلحة العقد ينافي مقتضاه، والذي يقوى في نفسي أنه لا يمنع من صحة هذا الشرط مانع، لأنه ليس في الشرع ما يمنعه منه إلا أن يشرط جميع ما يجب على العامل على رب النخل فيبقى العامل لا عمل له فلا يصح، فيبطل. قد مضى الكلام في المساقاة مطلقا فأما الكلام في وقت عقد المساقاة فهل يجوز بعد ظهور الثمرة أو قبلها؟ فالذي ورد الشرع به ما عامل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل خيبر عليها قبل ظهور الثمرة، فروى نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، ثبت إذا أن المعاملة قبل ظهور الثمرة، وإن ساقاه بعد ظهور الثمرة فيقوى في نفسي أنه لا يمنع منه مانع، بعد أن يبقى للمساقي عمل يعمله إلى وقت الجذاذ.

(1) الجوخان بالفتح والجمع جواخين: هو فارسي معرب من عرف أهل البصرة و هو بالعربية: الجرين وهو موضع تجفف فيه التمر، وقال الثعالبي: البيدر - والأندر - للحنطة بإزاء الجرين للزبيب والمربد للتمر.

[ 211 ]

وفي الناس من قال: لا يجوز كالقراض فمن قال لا يجوز فلا كلام، وإذا قلنا يجوز فإنما يجوز إذا بقي من العمل على العامل ما يستزاد به الثمرة، كالتأبير وإصلاح الثمرة والسقي، فإن لم يبق من العمل ما فيه مستزاد كاللقاط والجذاذ لم تجز المساقاة. إذا شرط العامل في المساقاة أن يعمل غلام رب المال معه، كان ذلك جايزا لأنه ضم مال إلى مال، وليس بضم عمل إلى مال. وفي الناس من قال لا يجوز فمن قال لا يجوز فلا كلام، وإذا قلنا يجوز فإنما يجوز تبعا على ما فصلناه ولا فصل بين أن يكون الغلام مرسوما بعمل هذا البستان وحده، وبين أن يعمل لرب المال فيه وفي غيره. ويجوز أن يكون من تحت تدبير العامل، ويجوز أن لا يكون كذلك ولا يجوز أن يكون أصلا في نفسه وينبغي أن يكون الغلام يعمل مع العامل في خاص مال رب المال فأما إذا شرط أن يعمل معه في حائط رب المال وفي حايط للعامل غيره فلا يجوز. وأما نفقة الغلام نظرت، فإن وقع العقد مطلقا كان على سيده لأنه مملوكه وإن شرط نظرت فإن شرط على المولى صح، لأن ذلك من مقتضى العقد، وإن شرط على العامل صح لأنها إعانة منه على ذلك، فإذا ثبت أنه يجوز شرطها عليه فالنفقة غير مقدرة بل الكفاية بمقتضى العادة. إذا ساقاه بالنصف على أن يعمل رب المال معه، فالمساقاة باطلة، لأن المساقاة موضوعة على أن من صاحب المال المال، ومن العامل العمل كالقراض، فإذا شرط على رب المال العمل وجب أن يبطل كالقراض. وإذا قال: ساقيتك على الحائط بالنصف على أن أساقيك على هذا الآخر بالثلث بطلت، لأنه بيعتان في بيعة فإنه ما رضي أن يعطيه من هذا النصف إلا بأن يرضى منه بالثلث من الآخر. وهكذا في البيع إذا قال بعتك عبدي هذا بألف على أن تبيعني عبدك بخمس مائة فالكل باطل لأن قوله على أن تبيعني عبدك بألف إنما هو وعد من صاحب العبد بذلك وهو بالخيار بين الوفاء به وبين الترك، فإذا لم يف به سقط وعلى هذا ما رضى أن يبيعه بألف إلا بأن يشتري منه العبد بخمس مائة فقد نقصه من الثمن لأجله، فإذا بطل ذلك رددنا

[ 212 ]

إلى الثمن ما نقصناه لأجله، وذلك المردود مجهول، والمجهول إذا أضيف إلى معلوم كان الكل مجهولا فلهذا بطل. ويفارق هذا إذا قال ساقيتك على هذين الحايطين بالنصف من هذا وبالثلث من هذا، حيث قلنا يصح، لأنها صفقة واحدة وعقد واحد، وليس كذلك ههنا لأنهما صفقتان في صفقة، ألا ترى أنه لو قال: بعتك داري هذه بألف على أن تبيعني عبدك بمائة، بطل الكل، ولو قال: بعتك داري هذه وعبدي هذا معا بألف: الدار بستمائة والعبد بأربع مائة صح، وكان الفصل بينهما ما مضى. وإذا كان العامل واحدا ورب المال اثنين، فقالا له: ساقيناك على أن لك من نصيب هذا النصف ومن نصيب الآخر الثلث، والعامل عالم بقدر نصيب كل واحد منهما في الحايط صح لأن العقد الواحد مع الاثنين في حكم العقدين المنفردين، كما لو أفرد كل واحد منهما العقد معه على نصيبه بما يتفقان عليه صح، فكذلك إذا جمع ذلك في عقد واحد. وهكذا كل العقود مثل القراض والاجارة والبيوع، كل هذا جايز إلا في المكاتب فإنه إذا كان بينهما عبد نصفين فكاتباه على التفاضل هذا على نصيبه بألف، وهذا بألفين، فالكتابة باطلة. والفصل بينهما وبين هذه العقود أنهما إذا تفاضلا في مال المكاتبة أفضى إلى أن ينفرد أحدهما بمنفعة مال شريكه مدة بغير حق، لأن الكتابة لازمة من جهة السيد، جايزة من جهة المكاتب: فإذا أدى إلى أحدهما ألفا وإلى الآخر خمسمائة كان له الامتناع عن أداء الباقي، فإذا فعل كان لهما الفسخ، فإذا فسخا رد المال إلى الوسط واقتسماه نصفين، لأنه كسب عبدهما، فيكون من أخذ الأكثر قد انتفع ببعض مال شريكه مدة إلى حين رده عليه، فلهذا لم يصح، وليس كذلك سائر العقود فإنها لا يفضي إلى هذا، فلهذا صح التفاضل فيهما فبان الفصل بينهما. هذا إذا كان العامل عالما بقدر نصيب كل واحد منهما، فأما إن كان جاهلا بنصيب كل واحد منهما، فقالا له: لك من نصيب هذا النصف، ومن نصيب هذا الثلث، بطل

[ 213 ]

العقد، لأنه غرر، لأنه يدخل على أن من بذل له النصف من ماله، له نصف الحائط فيتبين أن له السدس منه، فيقل ما أخذه فإذا أفضى إلى هذا بطل العقد. وإما إذا كان رب المال واحدا والعامل اثنين فقال لهما: ساقيتكما على أن لهذا النصف، ولهذا السدس، والباقي لي صح، لأن كل واحد منهما قد عرف قدر ما يصيبه من جميع الثمرة، ولا غرر على واحد منهما في ذلك. إذا كان في حائط أنواع كثيرة بعضه دقل وبعضه عجوة وبعضه برني فساقاه على هذا الحايط على أن له من الدقل النصف، ومن العجوة الثلث، ومن البرنى السدس، نظرت فإن كان العامل يعلم قدر كل صنف منها في الحائط صح لأن كل صنف كالمنفرد بحائط، ولو كان كل صنف في حائط مفرد صح هذا كله، وإذا كان في حائط واحد وجب أن يصح. ومتى كان العامل جاهلا بقدر هذه الأصناف فلم يعلم البرنى منه نصف الحائط أو ربعه أو أقل أو أكثر؟ فالعقد باطل، لأنه غرر، لأنه يدخل معتقدا أن البرنى نصف الحائط فيقل ما كان يظن أنه يكثر وذلك غرر. وإذا قال ساقيتك على أن لك من الثمرة نصفها ولم يزد عليه صح العقد، لأن الثمرة كلها له، فإذا اشترط النصف للعامل، كان ما بعد ذلك له، كما لو قال بعتك نصف عبدي هذا صح، وكان ما بعد النصف له، وإن قال: على أن لي النصف ولم يزد على هذا لا يصح. وفي الناس من قال يصح لأن قوله ساقيتك يقتضي المشاركة في الثمرة، فإذا قال لي منها النصف، علم أنه ترك الباقي للعامل كقوله تعالى " وورثه أبواه فلأمه الثلث " علم أن للأب ما بقي، فمن قال يصح فلا كلام، ومن قال باطل كان للعامل أجرة مثله وهذا القول أصح. إذا كان الحائط بين نفسين: نصفين، فساقا أحدهما شريكه نظرت فيما شرطاه من الثمرة، فإن شرط له منها الثلثين صح لأن له النصف بحق ملكه وثلث ما بقي على المساقاة، فكأنه ساقاه منفردا على نصيبه على أن له منه ثلث الثمرة، ولو فعل هذا صح

[ 214 ]

وإن شرط له نصف الثمرة كانت باطلة، لأنه ساقاه بغير عوض، وإن ساقاه على أن له ثلث الثمرة بطلت أيضا لأنه ساقاه بغير عوض ولأنه شرط على العامل العمل وثلث ثمرته، وذلك لا يجوز، فإذا ثبت بطلانها فإن عمل كانت الثمرة بينهما نصفين لكل واحد منهما بقدر ملكه، وللعامل أجرة مثله، وقال قوم لا شئ. إذا كانت النخيل بينهما نصفين فساقا أحدهما شريكه على أن يعمل معه فالمساقاة باطلة لأن موضوعها على أن من رب المال المال، ومن العامل العمل، فإذا شرط أن يكون من رب المال المال والعمل بطلت المساقاة، فإذا عملا وظهرت الثمرة كانت بينهما نصفين بحق ملكهما، لا حق للعامل فيها. وهل للعامل أجرة المثل؟ نظرت فإن كانا في العمل سواء فلا حق للعامل لأنه ما عمل على مال شريكه، لأن كل واحد منهما قد عمل بقدر ملكه، وإن كان عمل العامل أكثر نظرت فيما شرط له، فإن كان المشروط له أكثر من النصف فله بقدر فضل عمله على مال شريكه، لأنه دخل على أن يسلم له المسمى، فإذا لم يسلم، كان له أجرة مثله وإن كان المشروط نصف الثمرة أو أقل، فهل له الأجرة، على ما مضى من الوجهين أحدهما يستحق والآخر لا يستحق. إذا كانت المساقاة صحيحة فهرب العامل لم يبطل مساقاته لأنه عقد لازم، فلا يبطل بالفرار كالإجارة والبيع، وإذا كان بحاله فإن رب المال يحضر عند الحاكم فيثبت العقد عنده، فإذا ثبت طلب الحاكم العامل فإن وجده كلفه العمل وأجبره عليه. وإن لم يجده نظرت فإن وجد له مالا أنفق عليه منه، وإن لم يجد له مالا أنفق عليه من بيت المال، فإن لم يكن في بيت المال مال أو كان فيه مال لكن هناك ما هو أهم منه، استقرض عليه وأنفق. فإن لم يجد من يقرضه قال الحاكم لرب المال أتتطوع أنت بالإنفاق؟ فإن تطوع فلا كلام، وإن لم يتطوع قال له: فاقرضه دينا عليه تستوفيه منه، فإن فعل فلا كلام، وإن لم يفعل لم تخل الثمرة من أحد من أمرين، إما أن تكون ظاهرة أو غير ظاهره: فإن لم تكن ظاهرة فهل لرب المال الفسخ أم لا؟ قيل فيه وجهان:

[ 215 ]

أحدهما وهو الصحيح أن له الفسخ، لأنه تعذر عليه استيفاء العمل، فكان له الفسخ للضرورة، وقال قوم لا يفسخ ولكن يطلب الحاكم عاملا يساقيه عن الهارب، و هذا غلط لأن المساقاة إنما تنعقد على أصل يشتر كان في فائدته والعامل لا أصل له، وإنما له قسط من الثمرة فلا يصح أن يساقي عليه. وإن كانت الثمرة ظاهرة قيل لرب النخل هذه الثمرة شركة بينكما، فاختر البيع أو الشراء، فإن اختار البيع نظرت، فإن كان بعد أن بدا صلاحها بيعت لهما يبيع الحاكم نصيب العامل ورب النخل نصيبه، وما بقي من العمل عليها فما هو على العامل يكتري عنه من يعمل عنه، وإن كان قبل أن يبدو صلاحها فلا تباع إلا على شرط القطع، فيباع ويحفظ نصيب العامل له، حتى إذا عاد سلم إليه. وإن قال رب النخل لا أبيع ولكني أشتري، نظرت، فإن كان بعد أن بدا صلاحها صح، وإن كان قبل أن يبدو صلاحها لم يجز بشرط القطع، لأنه مشاع ولكن إذا اشتراها مطلقا فهل يصح أم لا؟ قيل فيه وجهان: لأنه يشتريها وهو مالك النخل، فإذا قلنا يصح فلا كلام، وهو الصحيح، وإذا قلنا لا يصح فالحكم فيه كما لو قال لا أبيع ولا أشتري، ومتى قال هذا قيل له انصرف فما بقي لك حكومة. هذا إذا كان هناك قاض، وإن لم يكن هناك قاض فأنفق رب المال نظرت فإن أنفق ولم يشهد أو أشهد ولم يشرط الرجوع، كان متطوعا به، ولا يرجع على العامل فإن أشهد على الرجوع فهل له الرجوع أم لا؟ قيل فيه وجهان، بناء على مسألة الجمال إذا هرب فأنفق المكتري، هل يرجع أم لا؟ على وجهين. إذا ادعى رب النخل على العامل أنه خان أو سرق، لم تسمع هذه الدعوى لأنها مجهولة، فإذا حررها فذكر قيمة ذلك صحت الدعوى، وكان القول قول العامل لأنه أمين، فإن حلف برئ وإن لم يحلف ثبتت الخيانة عليه، فإنها تثبت بثلاثة أشياء: بينة أو اعتراف أو يمين المدعي مع نكول المدعى عليه. فإذا ثبت ذلك، أوجبنا عليه الضمان، وهل تقر النخل في يده أم لا؟ قيل يكتري من يكون معه لحفظ الثمرة منه وقيل أيضا ينتزع الثمرة من يده ويكتري

[ 216 ]

من يقوم مقامه. إذا ماتا أو مات أحدهما انفسخت المساقاة كالإجارة عندنا ومن خالف في الإجارة خالف هيهنا، فإذا ثبت هذا فمن قال لا تبطل قال نظرت، فإن كان الميت رب المال قام وارثه مقامه والعامل على عمله، وإن كان الميت العامل، عرضنا على وارثه النيابة عنه فإن ناب عنه فلا كلام، وإن امتنع لم يجبر عليه، لأن العمل على المورث لا يجبر عليه الوارث. ثم ينظر الحاكم، فإن كانت له تركة اكترى منها من ينوب عنه، وإن لم تكن له تركة لم يجز أن يقترض عليه، لأنه لا ذمة له، ويفارق هذا إذا هرب لأن الهارب له ذمة. ويقول الحاكم لرب النخل: تطوع أنت بالا نفاق فإن تطوع فلا كلام، وإن امتنع نظرت فإن كانت الثمرة غير ظاهرة فسخ العقد، لأنه موضع ضرورة، وعلى رب النخل أجرة العامل إلى حين الوفاة، وإن كانت الثمرة ظاهرة فالحكم كما لو هرب بعد ظهور الثمرة وقد مضى. إذا دفع إلى غيره نخلا مساقاة بالنصف، فبانت مستحقة، أخذها ربها لأنها عين ماله، وأخذ الثمرة أيضا لأنها نماء ماله وثمرة نخله، ولا حق للعامل في الثمرة، لأنه عمل فيها بغير إذن مالكها، ولا أجرة له على ربها لأنه عمل فيها بغير إذنه. وللعامل أجرة مثله على الغاصب، لأنه دخل بأمره على أن يسلم له ما شرط له فلما لم يسلم له، كان له أجرة مثله كالمساقاة الفاسدة. فإذا ثبت هذا فإن كانت الثمرة بحالها أخذها ولا كلام، وإن كان قد شمست نظرت فإن لم تنقص بالتشميس أخذها ولا كلام، وإن نقصت كان عليه ما بين قيمتها رطبا وتمرا وعلى من يجب ذلك؟ يأتي الكلام عليه. هذا إذا كانت الثمرة باقية، أما إذا كانت هالكة، وهو إذا كانا قد اقتسماها وأخذ كل واحد منهما نصفها، فاستهلكت فلرب النخل أن يرجع على من شاء منهما:

[ 217 ]

يرجع على الغاصب لأنه تعدى، وكان سبب يد العامل، ويرجع على العامل لأن الثمرة حصلت في يده، فكان عليه الضمان، فإن رجع على الغاصب كان له أن يرجع بجميعها عليه لما مضى، فإذا غرمها رجع الغاصب على العامل بنصف بدل الثمرة، وهو القدر الذي هلك في يده، ورجع العامل على الغاصب بأجرة مثله، لأنه لم يسلم له المسمى. وإن رجع على العامل، فبكم يرجع عليه؟ قال قوم: يرجع عليه بنصف الثمرة وهو القدر الذي هلك، لأنه ما قبض الثمرة كلها، وإنما كان مراعيا لها حافظا لها نائبا عن الغاصب، فلا ضمان عليه. فعلى بهذا لو هلكت كلها بغير تفريط كان منه فلا ضمان عليه. ومنهم من قال: له أن يضمنه الكل، لأن يده ثبتت على الكل مشاهدة بغير حق، فعلى هذا إذا هلكت كلها بغير تفريط كان ضمان الكل عليه، والأول أقوى. فمن قال يضمن النصف، قال: إذا ضمن كان له أن يرجع على الغاصب بأجرة مثله، ولا يرجع بالثمرة عليه، لأن التلف كان في يده، فاستقر الضمان عليه، و من قال يضمن الكل، فإذا ضمنه لم يرجع على الغاصب بما تلف في يده، وهو نصيبه من الثمرة، ورجع عليه بما هلك في يد الغاصب لأن الضمان استقر عليه، ورجع عليه بأجرة مثله لأن المسمى لم يسلم له. إذا ساقاه على أنه لو سقاها بماء السماء أو سيح (1) فله الثلث، وإن سقاها بالنضح أو الغرب فله النصف، فالمساقاة باطلة لأن هذا عمل مجهول غير معين، ولأن نصيبه من الثمرة سهم غير معين، لأنه ما قطع على نصيبه، فإذا ثبت أنها فاسدة فالثمرة كلها لرب النخل، وللعامل أجرة المثل لأنه لم يسلم ما شرط له. إذا ساقاه على أن أجرة الأجراء الذين يعملون ويستعان بهم من الثمرة فالعقد فاسد لأن المساقاة موضوعة على أن من رب المال المال، ومن العامل العمل، فإذا شرط

(1) السيح: الماء الجاري على وجه الأرض والنضح الاستقاء على البعير والغرب: الدلو العظيمة يستقى بها.

[ 218 ]

أن يكون أجرة الأجراء من الثمرة، كان على رب المال المال، العمل معا، وهذا لا يجوز. الودي صغار النخل قبل أن يحمل، فإذا ساقاه على ودي ففيها ثلاث مسائل: إحداها ساقاه إلى مدة تحمل مثلها غالبا، فالمساقاة صحيحة، لأنه ليس فيه أكثر من أن عمل العامل يكثر ويقل نصيبه، وهذا لا يمنع صحتها كما لو جعل له سمها من ألف سهم، فإذا عمل نظرت، فإن حملت فله ما شرط، وإن لم تحمل فلا شئ له لأنها مساقاة صحيحة، ونصيبه من ثمرها معلوم، فإذا لم تثمر لم يستحق شيئا كالقراض الصحيح إذا لم يربح شيئا. الثانية ساقاه إلى مدة لا يحمل الودي إليها فالمساقاة باطلة، لأنه ساقاه بشرط أن يستحق شيئا، فعلى هذا إذا عمل فهل له أجرة المثل على وجهين: أحدهما له ذلك لأن إطلاق المساقاة يقتضي ذلك، والثاني لا يستحق ذلك لأنه دخل على أنه لا يقابل عمله عوض. الثالثة ساقاه إلى وقت قد يحمل وقد لا يحمل، وليس أحدهما أولى من الآخر قيل فيه وجهان أحدهما يصح لأنه ساقاه لوقت يحمل فيه غالبا والثاني لا تصح لأنه ساقاه لمدة لا يحمل فيها غالبا، وهذا يفسد العقد. فمن قال يصح نظرت فإن حمل كان له ما شرط، وإن لم يحمل فلا شئ له، لأن المساقاة صحيحة، ومن قال فاسدة فلا شئ للعامل في الثمرة وله أجرة مثله لأنه لم يسلم له ما سمي له. إذا ساقاه على ودي على أنه إذا كبر وحمل، فله نصف الثمرة، ونصف الودي فالعقد باطل، لأن موضوع المساقاة على أن يشتركا في الفايدة دون الأصول، فإذا شرط المشاركة في الأصول بطل: كالقراض إذا شرط له جزءا من أصل رأس المال مضافا إلى وجود الربح. إذا كان الودي مقلوعا فساقاه على أن يغرس، فإذا علق وحمل فله نصف الثمرة والمدة يحمل في مثلها إن علق، فالمساقاة باطلة، لأنها تصح على أصل ثابت يشتركان في

[ 219 ]

فوايده، فإذا كانت الأصول مقلوعة لم تصح المساقاة، فإذا عمل العامل فهل له أجرة أم لا؟ نظرت، فإن كانت إلى مدة تحمل في مثلها أو علقت كان له أجرة مثله، وإن كان إلى مدة لا تحمل فيها، فعلى الوجهين. إذا أثمرت النخل في يدي العامل وأراد القسمة واختلفا فقال رب المال المساقاة على أن لك الثلث، وقال العامل على النصف تحالفا، لأنهما اختلفا في قدر العوض كالمتبايعين إذا اختلفا، ويقوى في نفسي أن البينة على العامل، لأن الثمرة كلها الأصل فيها أنها لصاحب النخل، والعامل يدعي شرطا فعليه البينة، وعلى رب النخل اليمين. ومن قال يتحالفان فإذا تحالفا فسخ العقد بينهما، وكانت الثمرة كلها لرب المال، وللعامل أجرة مثله، لأن المسمى له لم يسلم، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر ردت اليمين على الآخر فإذا حلف استحق. هذا إذا لم يكن هناك بينة، فإن كان هناك بينة نظرت فإن كانت مع أحدهما حكمنا له بها، وإن كان مع كل واحد منهما بينة تعارضتا، ورجعنا على مذهبنا إلى القرعة، وعند المخالف يسقطان. وفيهم من قال يستعملان (1) وكيف يستعملان؟ فيه ثلاثة أقوال أحدها يوقف، والثاني يقرع، والثالث يقسم، ولا وقف ههنا ولا قسمة، لأنه عقد فليس غير القرعة مثل ما قلناه، فمن خرج اسمه قد منا قرعته، وهل يحلف أم لا؟ قيل فيه قولان: أحدهما يحلف، والثاني لا يحلف وهو الصحيح والأول أحوط. إذا كان رب المال اثنين، والعامل واحدا، فاختلفوا حين القمسة فقال العامل شرطتما لي النصف، فصدقه أحدهما وكذبه الآخر، وقال بل على الثلث كان له من نصيب من صدقه النصف، وبقي الكلام بينه وبين المنكر، فينظر فيه فإن كان المصدق عدلا فشهد للعامل بما ادعاه، حلف واستحق، لأنه مما يثبت باليمين مع الشاهد، و إن لم يكن عدلا أو كان فلم يشهد فالحكم فيه كما لو كان العامل واحدا، ورب المال

(1) يستغلان ظ.

[ 220 ]

واحدا، فقد مضى الكلام فيه: عندهم يتحالفان، وعندنا البينة على العامل، و اليمين على رب النخل. إذا كان العامل واحدا ورب المال اثنين، فشرط العامل النصف من نصيب أحدهما والثلث من نصيب الآخر، فإن كان عالما بقدر نصيب كل واحد منهما صح، وإن كان جاهلا بذلك بطل العقد، وقد مضت: فإن شرط من نصيب أحدهما بعينه النصف، ومن نصيب الآخر بعينه الثلث، فإن جهل ذلك لم يجز على ما قلناه، وإن ساقاه فقال على أن لك النصف أجرة عملك أو عوضا عن عملك جاز لأن الذي شرط له عوض وهو أجرة، فبأي العبارتين عبر صح. إذا ساقاه على نخل في أرض الخراج فالخراج على رب النخل، لأنه يجب لأجل رقبة الأرض فإذا أطلعت النخل فالكلام في الزكوة قد مضى في القراض حيث قلنا إذا ربح المال في القراض قيل فيه قولان أحدهما زكوة الكل على رب المال، والثاني على رب المال زكوة الأصل، وزكوة حصته من الربح، وهذا مذهبنا ولكن تراعى في الفائدة الحول ولا تبنى على حول الأصل. فأما في المساقاة في الناس من قال: إنه كالقراض، وأصحهما عندهم أن الزكوة عليهما، والثمرة إذا ظهرت كان بينهما، والذي نقوله إن الثمرة الزكوة فيها عليهما إذا بلغ نصيب كل واحد منهما نصابا، وإن نقص لم يلزمهما الزكوة، وإن كان الجميع أكثر من النصاب. وإنما قلنا ذلك، لأن الثمرة إذا ظهرت كانت بينهما وعلى ملكهما بدليل أنها لو ذهبت إلا تمرة واحدة كان الباقي بينهما، وليس كذلك الربح في القراض، لأنه وقاية لمال رب المال، بدليل أنه لو ذهب من المال شئ كمل من الربح، فبان الفصل بينهما

[ 221 ]

(كتاب الإجارات) كل ما يستباح بعقد العارية، يجوز أن يستباح بعقد الإجارة من إجارة الرجل نفسه وعبيده وثيابه وداره وعقاره بلا خلاف، ويدل عليه القرآن والسنة، قد ذكرناه في الخلاف (1). فإذا ثبت جوازها، فإنها تفتقر إلى شيئين: أحدهما أن تكون المدة معلومة، والثاني أن يكون العمل معلوما. فإذا ثبت ذلك فالا جارة على ضربين أحدهما ما يكون المدة معلومة، والعمل مجهولا، والثاني ما يكون المدة مجهولة والعمل معلوما. فما يكون المدة معلومة والعمل مجهولا، مثل أن يقول آجرتك شهرا لتبني أو تخيط، فهذه مدة معلومة، والعمل مجهول، وما يكون المدة مجهولة والعمل معلوما. فهو أن يقول آجرتك لتخيط ثوبي أو تبني هذه الدار فالمدة مجهولة والعمل معلوم فأما إذا كانت المدة معلومة والعمل معلوما فلا يصح، لأنه إذا قال استأجر تك اليوم لتخيط قميصي هذا كانت الإجارة باطلة، لأنه ربما يخيط قبل مضي النهار فيبقى بعض المدة بلا عمل، وربما لا يفرغ منه بيوم ويحتاج إلى مدة أخرى ويحصل العمل بلا مدة.

(1) قال في الخلاف: فالكتاب قوله تعالى: " فإن أرضعن لكم فآتوهن " وقوله تعالى: " يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين قال أني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثمان حجج " وقوله تعالى " لو شئت لاتخذت عليه أجرا " لما استضافوهم فأبوا. وأما السنة: روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: أعطوا الأجير أجرته قبل أن يجف عرقه، وروى أبو سعيد الخدري وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من أستأجر أجيرا فليعلمه أجره وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة.. ورجل استأجر أجيرا واستوفى منه ولم يوفه أجره.

[ 222 ]

والاجارة عقد معاوضة وهي من عقود المعاوضات اللازمة كالبيع، فإذا آجر الرجل داره وعبده أو دابته فإنه يلزمه العقد من الطرفين، ويستحق المؤجر الأجرة على المستأجر ويستحق المستأجر المنفعة على المؤجر، وليس لأحدهما فسخ عقد الإجارة بحال، سواء كان لعذر أو لغير عذر. فهي كالبيع في باب الفسخ، لأن من اشترى شيئا ملك البايع الفسخ إذا وجد بالثمن عيبا، وكذلك المشتري إذا وجد بالمبيع عيبا، ولا يملك بغير العيب، وكذلك المؤجر إنما يملك الفسخ إذا تعذر استيفاء الحق منه لفلس أو لغيره وكذلك المستأجر إنما يملك الفسخ إذا وجد بالمنافع عيبا مثل أن تنهدم الدار أو تغرق ولا يمكنه استيفاء المنفعة منه، وليس لهما الفسخ لغير عذر. إذا استأجره على قلع ضرسه ثم بدا له فلا يخلو من أحد من أمرين إما أن يكون زال الوجع أو يكون الألم باقيا؟ فإن كان بحاله فإنه لا يملك فسخ الإجارة ولكن يقال له قد استأجرته على استيفاء منفعة وأنت متمكن من استيفائه فأما أن تستوفي منه ذلك وإلا إذا مضت مدة يمكنه أن يقلع ذلك فإنه قد استقر له الأجرة. كمن استأجر دابة لير كبها إلى بلد، وسلمها إليه، فلم يركبها، فإنه يقال له أنت متمكن من استيفاء المنفعة من أن تركب وتمضي، فأما أن تستوفي وإلا إذا مضت مدة يمكنك أن تستوفيها فقد استقر عليك الأجرة، وكذلك إذا استأجر دارا فسلمت إليه، يقال له: إما أن تسكنها، وإلا يستوفي منك الأجرة إذا مضت المدة. وأما إذا زال الوجع فإنه قد تعذر استيفاء المنفعة من جهة الله شرعا لأنه لو أراد أن يقلعها لم يجز، ويمنع الشرع من قلع السن الصحيحة، فانفسخت الإجارة بذلك كالدار إذا انهدمت، ألا ترى أن الوجع إذا عاد بعد ذلك احتاج أن يستأنف عقد الإجارة لقلع الضرس، وإنما ملك الفسخ لتعذر المعقود عليه وأما إذا استأجر عبدا فأبق فإنه تنفسخ الإجارة لتعذر استيفاء المنفعة المعقود عليها، كالدار إذا انهدمت. والمستأجر يملك من المستأجر المنفعة التي في العبد والدار والدابة إلى المدة التي اشترط حتى يكون أحق بها من مالكها، والمؤجر يملك الأجرة بنفس العقد. ولا تخلو الأجرة من ثلاثة أحوال إما أن يشترطا فيه التأجيل أو التعجيل أو يطلقا

[ 223 ]

فإن شرطا التأجيل إلى سنة أو إلى شهر فإنه لا يلزمه تسليم الأجرة إلى تلك المدة بلا خلاف، وإن اشترطا التعجيل أو أطلقا لزمه ذلك على خلاف فيه. ومتى عقد الإجارة ثم أسقط المؤجر مال الإجارة وأبرأ صاحبه منها سقط بلا خلاف وإن أسقط المستأجر المنافع المعقود عليها لم يسقط بلا خلاف. إذا باع شيئا بثمن جزاف جاز إذا كان معلوما مشاهدا، وإن لم يعلم وزنه ولا يجوز أن يكون مال القراض جزافا، والثمن في السلم أيضا يجوز أن يكون جزافا وقيل إنه لا يجوز كالقراض، ومال الإجارة يصح أن يكون جزافا، وفي الناس من قال لا يجوز والأول أصح. إذا قال آجر تك هذه الدار كل شهر بكذا كان ذلك صحيحا، لأنه لا دليل على بطلانه ولأن الشهر معلوم، وقال قوم ذلك باطل، لأنه أضافه إلى مجهول فمن قال يصح قال يلزمه أجرة شهر واحد الأجر المسمى، وما زاد عليه فعليه أجرة المثل، ومن قال باطل أوجب في الكل أجرة المثل لأنها إجارة فاسدة. إذا آجر عبدا سنة معلومة فمات العبد قبل استيفاء المنفعة، فلا يخلو من أربعة أحوال إما أن يتلف بعد انقضاء المدة واستيفاء المنفعة، أو يتلف قبل القبض أو يتلف بعد القبض وقبل استيفاء المنفعة أو يتلف وقد استوفى بعض المنفعة. فإن تلف بعد انقضاء المدة فإن الإجارة صحيحة، وقد استوفى كما لو اشترى شيئا فتلف في يد المشتري، فيكون من ضمان المشتري، لأنه تلف في يده. وإن تلف قبل القبض فإن العقد ينفسخ بتلف المعقود عليه، كما لو اشترى فتلف في يد البايع قبل القبض. وإن تلف بعد القبض قبل استيفاء المنفعة فإنه تنفسخ الإجارة. والرابع إذا استوفى بعض المنفعة ثم تلف مثل أن يكون آجر عبده سنة معلومة أجرة معلومة فاستخدمه سته أشهر ثم مات العبد، فلا خلاف في أن العقد فيما بقي يبطل، وفيما مضى لا يبطل عندنا، وفيهم من قال يبطل مبنيا على تفريق الصفقة. وإذا ثبت ما قلناه إن الإجارة صحيحة فيما مضى، وباطلة فيما بقي، فهو بالخيار

[ 224 ]

بين أن يفسخ وأن يقيم، فإن أراد الفسخ فلا كلام فيه كما لو انفسخ وقلنا ببطلانه، فله أجرة المثل، وإن أقام نظرت فإن كان أجرة ما بقي مثل أجرة ما مضى، فإنه يأخذه لما مضى. وإن كان فيما بقي من المدة أجرته أكثر مما مضى، فإنه يستحق تلك الزيادة وذلك مثل أن يكون أجرة المدة التي مضت مائة درهم، وأجرة مدة ما بقي مائتين فإنه يستحق عليه مائتين ويعكس هذا إن كانت أجرة المدة التي مضت مائتين ومدة الباقي مائة، فإنه يستحق مائة. وهكذا في أجرة الدار: إذا آجر دارا ثم انهدمت الدار، فالكلام في ثلاثة فصول كما مضى في فصول التلف في العبد، فإن كانت انهدمت بعد مضي ستة أشهر، وكانت المدة سنة، منهم من قال الكلام فيه كالكلام في العبد سواء يبطل الإجارة فيما انهدمت، وهل تبطل فيما مضى؟ على ما مضى من القولين. ومنهم من قال: تصح الإجارة فيما مضى، وفيما بقي، وفرق بينهما بأن العبد إذا تلف فقد تلف عين المعقود عليه، ولا يمكن الانتفاع به على وجه وليس كذلك الدار لأن بعض العين باق، وينتفع به بالعرصة، والصحيح الأول لأن هذا ما اكترى العرصة وإنما اكترى الدار والدار قد انهدمت. فمن قال بطلت الإجارة أو تصح وله الخيار فاختار الفسخ فالكلام فيه على ما مضى يستحق عليه أجرة المثل فيما مضى، وليس عليه شئ فيما بقي، ومن قال عقد الإجارة تصح واختار المقام فإنه يستحق جميع أجرة المسمى. الموت يفسخ الإجارة سواء كانت الميت المؤجر أو المستأجر عند أصحابنا، والأظهر عندهم أن موت المستأجر يبطلها، وموت المؤجر لا يبطلها، وفيه خلاف (1). إن اكترى دابة من بغداد إلى حلوان ثم تجاوز بها إلى همدان فإن الكلام هيهنا إلى فصلين أحدهما في الأجرة، والثاني في الضمان:

(1) قال أبو حنيفة وأصحابه والليث بن سعد والثوري: الموت يبطل الإجارة مطلقا وقال الشافعي: الموت لا يفسخ الإجارة من أيهما كان وبه قال عثمان البتي ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وفي أصحابنا من قال: موت المستأجر يبطلها وموت المؤجر لا يبطلها.

[ 225 ]

فأما الكلام في الأجرة فإنه يلزمه أجرة المسمى من بغداد إلى حلوان ومن حلوان إلى همدان أجرة المثل لأنه استوفى المنفعة من بغداد إلى همدان، فاستقر عليه المسمى. وأما الكلام في الضمان فإنه لا يخلو إما أن يكون صاحبها معها، أو لم يكن معها فإن لم يكن صاحبها معها فإنه يكون مضمونا، ثم نظرت فإن ردها إلى بغداد إلى يد صاحبها فلا ضمان عليه وعليه أجرة المثل فيما تعدى فيه، وإن تلفت فإنه يضمن بالغا ما بلغ من وقت التعدي إلى حين التلف، لا من يوم اكتراها، وإن ردها إلى حلوان فإنه لا يزول ضمانه وفي الناس من قال يزول. وإن كان صاحبها معها وكان ساكتا ولم ينطق بشئ حتى تعدى بها، فإن هذا لا يكون مضمونا ضمان اليد لأن يد صاحبها عليها، وما زال يد صاحبها عنها، فإن ماتت فلا يخلو إما أن يكون هذا راكبها أو لم يكن راكبها فإن لم يكن راكبها وماتت فإنه لا شئ عليه، لأنها ماتت بغير تعد، وإن ماتت وهو راكبها فإنه يضمن لأن الظاهر أنها ماتت عن جنايته وركوبها. إذا ثبت هذا وأنها تكون في ضمانه فكم يضمن؟ قيل فيه قولان: أحدهما يضمن بنصف قيمتها، لأنها ماتت من مباح ومحظور، والثاني يقسط على الفراسخ ويضمن بقدره. وللانسان أن يؤجر داره أو ضيعته ما شاء من الزمان: إن شاء سنة، وإن شاء ثلاثين أو ما زاد عليه، ولا عدد في ذلك لا يجوز أكثر منه، فإذا ثبت هذا فإنه يعتبر تبقية ذلك الشئ المواجر فيواجر إلى مدة جرت العادة ببقائه إلى تلك المدة سواء كانت دارا أو دابة أو ثوبا أو ما كان. وإذا كانت الإجارة سنة فلا يحتاج أن يذكر أجرة كل شهر، لأن الغالب من العادة أن الأجرة لا تختلف في هذا القدر، وإذا لم يختلف أو كانت الجملة فلا يحتاج إلى شئ آخر. وإن كانت إلى ثلاثين سنة، هل يحتاج أن يذكر أجرة كل سنة أم لا؟ قيل فيه

[ 226 ]

قولان أحدهما لا يحتاج إلى ذكر ذلك لأن الجملة معلومة وهو الأقوى، والثاني لا بد من ذكر كل سنة لأنه ربما انهدمت الدار أو يموت الغلام أو يهرب فيحتاج أن يعتبر ما مضى أو ما بقي، وربما نسي ما مضى فلا يدري كيف تتقسط عليه. فإذا قيل يذكر أجرة كل سنة ثم انهدمت بعد مضي بعض السنين فإنه يرجع بالمسمى، ويقسط عليه على أجرة المسمى وإن لم يذكر حين العقد هذا فإن الإجارة تبطل. وإذا قيل لا يحتاج أن يذكر أجرة كل سنة ثم انهدمت الدار، فإنه يرجع عليه بأجرة المثل، ويقسط بأجرة المثل. إذا اكترى دارا أو عبدا وأراد أن يوجره من انسان آخر نظرت، فإن كان بعد القبض وبعد أن أحدث فيه حدثا فإنه جايز، وإن كان قبل أن يحدث فلا يجوز، وفي الناس من أجاز ذلك وإن لم يحدث فيه حدثا. وإذا آجره بعد إحداث الحدث، فلا فرق بين أن يوجره من المكر ى أو من غيره بمثل ما استأجره أو أقل منه أو أكثر. الإجارة على ضربين: معينة، وإجارة في الذمة، فالمعينة أن يستأجر دارا أو عبدا شهرا أو سنة وفي الذمة أن يستأجر من يبني له حائطا أو يخيط له ثوبا وكلاهما يجوز أن يشرط فيه خيار المجلس وخيار الثلاث، ولا مانع منه لقول النبي صلى الله عليه وآله " المؤمنون عند شروطهم " وفي الناس من قال لا يجوز ذلك. قد مضى ذكر الأراضي والعقار والدور، والكلام في البهايم والحيوان فإنه يكتري للركوب ويكتري للحمولة، ويكتري للعمل عليها، بدلالة قوله تعالى " والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة " (1) وروي عن ابن عباس في قوله تعالى " لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلا من ربكم " (2) فقال تحجوا وتكروا الجمال. فإذا ثبت ذلك وأنه يكتري للحمولة والركوب والعمل، فإن آجرها ليركب

(1) النحل: 8.
(2) البقرة: 198 ونصه " ليس عليكم جناح ".

[ 227 ]

عليها فلا بد من أن يكون المحمول معلوما، والمحمول له، وأن يكون المركوب معلوما والراكب معلوما: أما المركوب فيصير معلوما إما بالمشاهدة أو بالصفة، فالمشاهدة أن يقول اكتريت منك هذا الجمل شهرا أو يقول اكتريت منك هذا الجمل لأركبه إلى مكة فإن هذا يجزيه. فأما إذا كان معلوما بالصفة، فلا بد من ذكر ثلاثة أشياء: الجنس والنوع و الذكورية والاناثية أما الجنس فمثل أن يقول جمل حمار بغل دابة، والنوع بذكر حمار مصري جمل بختي أو عربي، ويقول ناقة أو جمل، لأن السير على النوق أطيب منه على الجمل. وأما الراكب فيجب أن يكون معلوما ولا يمكن ذلك إلا بالمشاهدة لأنه لا يوزن والرجل يكون طويلا خفيفا وقد يكون قصيرا ثقيلا فإذا كان كذلك فلا بد من المشاهدة ثم هو بالخيار إن شاء ركبه هو أو يركب من يوازيه ويكون في معناه، وإن كان ممن له زاملة ويريد أن يركب فيقول على أن تركبني على زاملتك أو على قتب، وإن كان ممن معه زاملة أو محمل، فإنه لا بد من أن يشاهده أو يذكر فيقول كنيسة محمل (1). فإن كان محملا فلا بد أن يشاهد لأنها تختلف بالكبر والطول والعرض، ويذكر مغطى أو مكشوفا لأن المغطى أثقل على الجمل، والأولى أن يذكر مغطى بالنطع أو باللبد أو بالخرقة لأن بعضها أخف من بعض، ويذكر المعاليق وهي السفرة والدلو والسطيحة والقدر، والأولى أن يشاهد. وفي الناس من قال يكفي أن يذكر المعاليق ويرجع إلى العرف والأول أحوط. فأما إن أراد أن يحمل عليها حمولة، فإنه لا يحتاج أن يذكر الأنوثية والذكورية لأن الغرض تحميل المتاع في الموضع، سواء حمل على ذكر أو أنثى، ولا بد من ذكر الجنس والمقدار، فيقول حديد قطن ثياب، لأن الحديد ثقيل على المحمل والقطن أخف.

(1) الكنيسة: شبه هودج: يغرز في المحمل أو في الرحل قضبان ويلقى عليه ثوب يستظل به الراكب.

[ 228 ]

وأما الظرف فإن كان المتاع في ظرف فيقول مائة منا قطن في هذا الظرف، فإنه جايز، وإن قال مائة منا قطن، فالظرف يكون زياد عليها فإن لم تكن مشاهدة فإنه لا يجوز إلا أن يكون ظروفا لا يختلف بمجرى العادة فإنه يرجع إلى العرف، وكل ما ليس له عرف ولم يذكر في العقد ولم يشاهد فإنه يبطل العقد للجهل بذلك. إذا ثبت هذا فكل ما يحتاج لتمكن الركوب عليها فيكون على المكري، وكل ما يحتاج لتوطئة الركوب فإنه يكون على المكتري، وذلك مثل الحبل الذي يشد به الحمل والمحمل، فإنه يكون على المكتري والحبل الذي يشد بعضه في بعض، والوطاء الذي يكون فيه التبن فيكون فوق البلان (1) تحت المحمل فإنه يكون على المكتري. وأما ما يكون على المكري فالقتب والعير الذي يكون تحت القتب والقطام والحزام وشده وحبله وشيله وحطه، فأما شد المحمل فعلى من هو؟ قيل فيه وجهان أحدهما يكون على المكتري لأنه من جملة التوطئة، والثاني أنه يكون على المكري لأنه مثل الشد والرحل. وأما السوق نظرت فإن كان اكترى ليحمل عليها المكتري، أو ليركب هو عليها فإن السوق عليه. وإن اكترى لحمل المتاع فالسوق على المكري. فأما إن اكترى ليعمل عليها بأن يستقي عليها ماء أو يكون للحرث، فإن كان للسقي والدواليب فإنه يذكر بغل أو دابة أو حمار، ولا بد من أن يشاهد الدولاب لأنه قد يكون خفيفا وثقيلا، ولا بد من ذكر المدة شهرا وشهرين، أو يوما ويومين، فأما إن كان للحرث فلا بد من مشاهدة الثور أو يذكر ثورا قويا من حاله وقصته، و أن يذكر الأرض لأنها يكون صلبة ويكون رخوة ولا بد من ذكر المدة. وإذا اكترى الدابة أو الجمل وجب أن يكون السير معلوما ويقول كل يوم خمس فراسخ أو ستة، فإن لم يذكر نظرت، فإن كان في الطريق مراحل معروفة فإنه ترجع إلى العرف، وإن لم يكن مراحل في الطريق فإنه يبطل.

(1) البالان خ.

[ 229 ]

وطريق الحج الآن لا بد من ذكر السير لأن المراحل هلكت، ويسيرون ليلا ونهارا فإذا لا بد من ذكره فيقال على أن يسير في يوم عشرة فراسخ أو عشرين فرسخا. وإن اختلفا في النزول فقال الجمال ننزل في طرف البلد موضعا يكون قريبا إلى الماء والكلاء، وقال المكتري لا بل ننزل في وسط القرية أو وسط البلد حتى يكون متاعي محفوظا. فإنه لا يلتفت إلى قول واحد منهما، ويرجع فيه إلى العرف، وينزلون منزلا جرت العادة به. وإذا اكترى بهيمة وذكر أنها تتعبه وتكده نظر، فإن كان ذلك من جهة أنه لا يضر له بعادة الركوب، لم يلزم المكري شئ وإن كان من جهة البهيمة نظر، فإن أكراها بعينها كان له ردها، وليس له أن يستبدل بها غيرها، ويكون ذلك عيبا يردها به، وإن كان اكتراها في الذمة ردها، وأخذ بدلها. وعليه أن يبرك البعير لركوب المرأة ونزولها، لأنها ضعيفة الخلقة، فلا يتمكن من الصعود للركوب، ولا من النزول، ولأنها عورة ربما تكشف والرجل إن كان مريضا فكذلك، وإن كان صحيحا لم يلزمه أن يبركه لركوبه ونزوله، لأنه يتمكن من ذلك ويختلف ذلك على حسب اختلاف حاله في المرض والصحة، ولا يعتبر حال العقد، لأنه إن كان صحيحا حال العقد ثم مرض لزمه أن يبركه، وإن كان مريضا حال العقد ثم صح لم يلزمه أن يبركه. ولا يلزمه لأكل المكتري وشربه لأنه يتمكن من ذلك وهو راكب، وكذلك لصلوة النافلة، لأنها تجوز في الراحلة، وأما الفريضة فإنه يلزمه أن يبرك البهيمة لفعلها لأنها لا يجوز عليها. وليس للمصلي أن يطول صلاته، بل يصلي صلوة المسافر، صلوة الوقت فحسب غير أنه يتم الأفعال ويختصر الأركان لأن حق الغير تعلق به. إذا اكترى عينا من الأعيان لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون عقارا أو غيره فإن كان عقارا مثل الدار أو الدكان أو الأرض لم يجز ذلك إلا بشرطين أحدهما أن يكون العين معلومة، والثاني أن تكون المنفعة معلومة.

[ 230 ]

وتصير العين معلومة بشيئين أحدهما المشاهدة، والثاني التحديد، ويشاهد ها ثم يحددها له المكري، فيذكر حدودها الأربعة حتى يتبين حصر الذي اكتراه، و المنفعة تصير معلومة بالتقدير، لأنه لا يمكن مشاهدتها ولا تقديرها بكيل ولا وزن و لا نوع، بل يقدر بتقدير الزمان. فإذا ثبت أنها لا بد أن تكون معلومة، والمنفعة معلومة، فمن شرط صحة العقد أن تكون المنفعة متصلة بالعقد، ويشرط أنها من حين العقد، فإذا قال آجرتك هذه الدار شهرا ولم يقل من هذا الوقت، ولكنه أطلق الشهر فإنه لا يجوز وكذلك إن آجره الدار في شهر مستقبل بعد ما دخل، فإنه لا يجوز، فعلى هذا إذا قال في رجب آجر تك هذه الدار شهر رمضان، لم تصح الإجارة وعند قوم تصح وهو قوي. فإذا ثبت ما قلناه فإذا آجره العقار واتصلت المنافع بالعقد، لم يخل من أحد أمرين إما أن يسلم العقار إليه، أو لا يسلم، فإن سلم له ما استحقه من المنافع، فقد استقر له حقه، ينظر. فإن كان العقد صادف أول الشهر كان الاعتبار بالهلال، وإن كان أكراه شهرا فحتى يهل الهلال للشهر الآخر، سواء كان الشهر ناقصا أو كاملا. وإن كان العقد لم يصادف أول الشهر كان الاعتبار بالعدد، فيعد من ذلك الوقت تمام ثلاثين يوما فإذا انقضى ذلك فقد استوفى حقه بلا خلاف في ذلك، وإن تلفت الدار قبل مضي الوقت انفسخ العقد فيما بقي ولا ينفسخ فيما مضى. وأما إذا لم يسلمه إليه ومضى بعض المدة في يده، فقد انفسخ العقد في ذلك القدر الذي مضى، لأنه معقود عليه تلف قبل القبض، ويكون الحكم في الباقي صحيحا، و في الناس من قال لا يصح فيما بقي، ومنهم من قال يصح فيما بقي وله الخيار. وأما غير العقار مثل الدابة والبغل والجمل والحمال والبقر وغير ذلك فإنه يجوز أن يعقد عليها عقد الإجارة معينا وفي الذمة، لأن هذه الأشياء يجوز ثبوتها في الذمة في البيع، فكذلك في الإجارة، ويفارق العقار التي لا بد فيه من تعيين

[ 231 ]

موضعه، لأنه يختلف باختلاف مواضعه، وإذا كان التعيين مقصودا في العقار لم يثبت في الذمة. فإذا ثبت أنه يجوز العقد على غير العقار معينا وفي الذمة فإن استأجر شيئا منها معينا لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون العمل مجهولا أو معلوما فإن كان مجهولا كان من شرطه تقدير الزمان، لأن الإجارة لا تصح والمنفعة مجهولة، فإذا لم يمكن تقديرها في نفسها وجب تقديرها بالزمان. فأما إذا قدر الزمان كان الحكم فيه كما قلنا في العقار سواء فصلا ففصلا، ومتى تقدر ذلك الزمان بتقدير المغاير، لم يجز تقديره مع ذلك في نفسه إن كان مما يتقدر في نفسه لأن الإجارة غرر وتقدير المنفعة في نفسها غرر، والغرر إذا أضيف إلى الغرر في العقد منع الجواز. فأما إذا كان العمل معلوما في نفسه مثل أن يقول: استأجر تك لتخيط هذا الثوب أو تنقل هذا التراب من هذا الموضع صح العقد، لأن المنفعة صارت معلومة بتقدير العمل كما تصير معلومة بتقدير الزمان. فإذا ثبت هذا فإن أطلق ذلك كان على التعجيل، وإن شرط التعجيل كان تأكيدا لما يقتضيه العقد، وإن شرط تأخيره أو قدره بزمان كان باطلا، لأن العقد وقع على معين، وشرط التأخير في التسليم لا يجوز. وإن كان لم يشترط التأخير لكنه تأخر التسليم منه كان المعقود عليه بحاله، و لم ينقص منه شئ بما مضى من الزمان، فإذا سلم المعقود عليه إلى المكتري ومضت مدة أمكنه أن يستوفي المنفعة فيها فلم يفعل، استقرت الأجرة عليه، ويكون كما لو استوفى المنفعة، مثل أن يكتري بهيمة ليركبها إلى النهروان مثلا فسلمها إليه وأمسكها مدة يمكنه السير فيها، فلم يفعل استقرت الأجرة عليه. هذا إذا كانت الإجارة معينة والمنفعة معلومة بتقدير الزمان أو العمل فأما إذا كانت في الذمة، مثل أن يقول استأجرت منك ظهرا للركوب، ووصف الشرايط التي يضبط بها من ذكر الجنس والنوع وغيرهما جاز ذلك، وعليه تسليم الظهر إليه على

[ 232 ]

الصفات التي شرطت، فإذا ثبت هذا فإنه يجوز أن يكون حالا مؤجلا لأن ما ثبت بالصفة فإنه يجوز حالا ومؤجلا مثل السلم والثمن في الذمة. إذا ثبت هذا فإذا سلم إليه الظهر في وقته، وتلفت قبل استيفاء المنافع كان له أن يستبدل بها غيرها لأن العقد لم يتناول عينا مثل الثمن إذا كان في الذمة. إذا استأجر رجلا لتحصيل خياطة خمسة أيام بعد شهر لم يجز، لأن العمل يختلف على حسب اختلاف العامل من جلادته وبلادته فإذا قدر المدة من غير أن تكون العين معينة كان في ذلك تفاوت شديد. يجوز السلم في المنافع كالأعيان فإذا سلم إليه في منافع نظرت، فإن كان بلفظ السلم كان من شرطه قبض الأجرة في المجلس، وإن كان بلفظ الإجارة مثل أن يقول استأجرت منك ظهرا بكذا ووصف الأوصاف التي يعتبرها قيل فيه وجهان أحدهما من شرطه قبض المال في المجلس مثل السلم، والثاني ليس القبض شرطا اعتبارا باللفظ، واللفظ لفظ الإجارة. وإذا قال في البيع أسلمت إليك في كذا كان من شرطه قبض المال في المجلس، و لو قال اشتريت منك كذا ووصفه بأوصاف السلم قيل فيه وجهان اعتبارا بالمعنى وباللفظ. إذا غصب البهيمة المستأجرة فإن كانت في يد المكري فغصبها المكتري كان كالقابض للمعقود عليه، وإن كانت في يد المكتري فغصبها المكري وأمسكها حتى مضت المدة كان كالمتلف للمعقود عليه، وانفسخ العقد وإن غصبها أجنبي ومضت المدة وهي في يده قيل فيه قولان أحدهما ينفسخ العقد فيرجع على المكري بالمسمى والثاني لا ينفسخ و يكون بالخيار بين أن يفسخه ويرجع على المكري، وبين أن لا يفسخه ويرجع على المكري، وبين أن لا يفسخه فيرجع على الغاصب بأجرة المثل وكذلك القول في البيع. وإن استأجر عبدا فأبق ثبت الخيار للمكتري، ولا يبطل العقد لأنه يرجى رجوعه، فإن فسخ العقد كان له ذلك، وإن لم يفسخه نظر، فإن رجع وقد بقي إلى المدة بقية انفسخ العقد فيما مضى من حال الإباق، ولا ينفسخ فيما بقي. وفيهم من قال فيما بقي ينفسخ وفيهم من قال لا ينفسخ مثل ما قلناه وله الخيار.

[ 233 ]

وإن كانت المدة قد مضت ولم يرجع العبد فقد انفسخ العقد فيما فات من المنافع حال إباقه إلى أن انقضت المدة وأما ما كان استوفاه قبل الإباق فلا ينفسخ. ولا فرق بين أن يأبق من يدي المكتري أو من يدي المكري، لأن المنافع في ضمان المكري حتى يستوفيها المكتري. إذا اختلف الراكب في المحمل والمكري، فقال المكري للراكب وسع قيل المحمل المقدم، وضيق القيد المؤخر حتى ينحط مقدم المحمل ويرتفع مؤخره، لأن ذلك أخف على الجمل وأسهل عليه، إلا أنه أتعب للراكب فإنه يحتاج أن يجلس في المحمل مكبوبا. وقال الراكب لا بل وسع القيد المؤخر، وضيق المقدم حتى ينحط مؤخر المحمل، ويرتفع مقدمه، فيكون أسهل على الراكب، غير أنه أتعب على الجمل فإنه لا يقبل قول أحدهما، ولكنه يجعل مستويا فلا يكون مكبوبا ولا مستلقيا. وإن اختلفا في السير فقال الراكب نسير نهارا لأنه أصون للمتاع وقال المكري نسير ليلا لأنه أخف للبهيمة، نظر فإن كانا قد شرطا السير في وقت معلوم إما بالليل أو بالنهار، حملا على ذلك، وإن كانا أطلقا نظر، فإن كان للسير في تلك المسافة عادة في تلك القوافل، كان الاطلاق راجعا إليها، وإن لم يكن هناك عادة، وكانت السابلة تختلف فيها فإن العقد يكون باطلا كما إذا أطلق الثمن وكانت النقود مختلفة. إذا اكترى بهيمة للركوب وشرط حمل الزاد معه عليها، ثم إن زاده قد سرق منه جميعه، كان له أن يبدله ويشتري مثله في قدره، بلا خلاف، وإن أكله أو أكل بعضه فهل له أن يشتري بدله أو يكمله إن كان أكل بعضه؟ قيل فيه قولان: أحدهما له ذلك كما إذا اكتراها لحمل شئ معلوم ثم إنه باعه أو باع شيئا منه في الطريق كان له إبداله، وهو الأقوى. والثاني ليس له إبداله لأن العرف والعادة أنه إذا نقص في الأكل لم يبدل، فعلى هذا إن نفد الزاد كله وكان بين يديه مراحل يوجد فيها ما يتزود فإنه يشتري كفايته مرحلة مرحلة، وإن لم يوجد فيها طعام أو يوجد لكن بثمن غال كان له أن يبدل الزاد ويحمله مع نفسه. فأما النزول في الرواح، فإن كان شرط على المكتري لزمه النزول له في وقته، و

[ 234 ]

إن كان المكتري قد شرط ألا ينزل لم يلزمه النزول، ووجب الوفاء بالشرط، وإن كان أطلق قيل فيه وجهان أحدهما لا يلزمه لأنه استحق عليه أن يحمل إلى الموضع المحدود وهو الأقوى، والثاني يلزمه النزول للرواح لأن العادة جرت بذلك فيرجع إليها. هذا فيمن يقوى على الرواح من الرجال، فأما من لا يقوى عليه لضعفه أو مرضه أو إناثيته فلا يلزم النزول للرواح إذا كان العقد مطلقا لأن العادة ما جرت في هؤلاء بالنزول للرواح فيحملون على العادة. إذا اكترى منه جملا للركوب أو الحمل، فهرب الجمال مع جماله رفع المكتري أمره إلى الحاكم، وثبت عنده عقد الإجارة، فإذا ثبت ذلك عنده بما يثبت به مثله بعث في طلبه فإن وجده ألزمه الوفاء بحق الإجارة، وإن لم يجده نظر في الإجارة، فإن كانت في الذمة، ووجد الحاكم للجمال ما لا حاضرا باع عليه بعض ماله واكترى به على حسب ما قد استحقه المكتري، وإن لم يوجد له مال استقرض الحاكم عليه من رجل من المسلمين أو من بيت المال، واكترى له ما يستحقه على الجمال فإن لم يجد رجع إلى المكتري و استقرض منه، فإن فعل اكترى له بما أعطاه إياه على وجه القرض. ومتى ما حصل القرض من جهته أو من جهة غيره أو كان قد وجد له مالا فباعه فإنه يكتري له أو يأمر أمينه بذلك ولا يعطيه ذلك المال ليكتري به لنفسه، لأنه لا يجوز أن يكون وكيلا في حقه، وإن لم يجد أحدا يقرضه ولم يقرضه المكتري ثبت للمكتري خيار الفسخ، لأنه حقه متعجل، وقد تأخر بهرب الجمال فهو مثل المكتري إذا أفلس بالأجرة أن الخيار يثبت للمكتري. فإذا ثبت له الخيار فإن فسخ سقطت الإجارة، وثبت له ما كان أعطاه من الأجرة في ذمته، وينظر فإن كان قد ظهر له مال في ذلك الوقت أدى حقه منه، وكذلك إذا كان له مال ظاهر غير أنه لم يجد مكريا، بيع ذلك المال وقضى منه حقه، وإذا لم يجد له مالا لم يستقرض عليه مالا، لأن الذي يثبت له عليه دين في ذمته والذي يستقرض دين يثبت عليه أيضا في الذمة، فيكون ذلك قضاء دين بدين، وذلك لا يجوز، ويبقى له الحق في ذمته إلى أن يرجع فيطالب به.

[ 235 ]

فأما إذا كانت الإجارة معينة لم يجز أن يكتري الحاكم للمكتري شيئا من ما الجمال إن وجد له مالا، ولا أن يستقرض له، لأن العقد يتناول العين، فلا يجوز إبدالها بتعذرها. كما إذا اشترى عينا فأصاب بها عيبا فإنه فأصاب بها عيبا فإنه يردها، وليس له أن يستبدل بها، ويفارق إذا كان له في الذمة لأن العقد هناك ما وقع على عين، فلهذا جاز الاستبدال به كما إذا سلم المسلم فيه فأصاب به عيبا فإنه يرده ويأخذ بدله سليما. فإذا ثبت ذلك فإنه بالخيار لأن حقه حال قد تعذر عليه استيفاؤه في الحال. إذا ثبت أن الخيار يثبت له، فإنه ينظر فإن فسخ العقد سقطت الإجارة، وثبت له ما أعطاه في ذمته، فإن كان له مال بيع عليه وقضى منه حقه، وإن لم يكن له مال بقي ذلك في ذمته، ولا يستقرض عليه، لأن الدين لا يقضى بالدين. وإن لم يفسخ وبقي على العقد نظرت، فإن كان العمل مجهولا في نفسه ووقعت الإجارة لمدة مقدرة، فإن المعقود عليه يتلف على حسب ما مضى من الزمان، فإن رجع قبل مضي المدة فقد انفسخ العقد فيما فات، ولا ينفسخ فيما لم يفت. فإن رجع بعد مضي المدة انفسخ العقد فيما فات، وما كان قد استوفاه قبل الهرب لا ينفسخ، وإن كان العمل في نفسه معلوما غير مقدر بالزمان، فإذا رجع الجمال طولب بإيفاء ذلك، سواء كان ذلك بعد مضي مدة كانت المنفعة المستأجرة يستوفى في مثلها أو قبل مضيها، لأن المعقود عليه لا يتلف بمضي الزمان، فعلى هذا متى ما بقي الثمن طولب بإيفاء الحق لأنه بحاله لم ينقص منه شئ. هذا إذا هرب بجماله فأما إذا هرب وترك الجمال، فإن النفقة على الجمال تجب على الجمال في ماله لأنه مالكها ونفقة المملوك على المالك، فإذا ثبت هذا فإنه يرفع خبره إلى الحاكم ويثبت ذلك عنده. فإذا ثبت طلبه الحاكم، فإن لم يجده ووجد له مالا أنفق عليها من ماله، فإن لم يجده وكان في الجمال فضل يستحقه المكتري بعقد الإجارة باعه، وأنفق على الباقي، وإن لم يجد استقرض عليه شئ من بعض المسلمين، أو من بيت المال، أو من المكتري إن

[ 236 ]

لم يجد من يقرض، فإذا حصل أنفقه الحاكم عليها في علفها وما يحتاج إليه أو أمينه، و هل يجوز أن يعطيه للمكتري لينفق عليها أو لا؟ قيل فيه قولان: أحدهما ليس له ذلك لأنه لا يجوز أن يكون أمينا في حق نفسه والثاني يجوز لأن ذلك سواء في أن يعطيه أمينه أو يجعله أمينا في ذلك وهو الأقوى. فإذا ثبت ذلك فإن الأمين ينفق عليها، وإن جعله إليه وأنفق عليها كان كما لو أنفق عليها من غير حكم حاكم، فيكون كالمتطوع، فإن ادعى قدرا وصدقه الجمال أو قامت عليه بينة رجع عليه به، وإن لم يصدقه ولم يقم به بينة لم يكن له الرجوع. هذا على قول من لا يجوز أن يجعله إليه، ومن قال: يجوز أن يجعله إليه فإذا ادعى قدرا من الانفاق فإن كان ذلك من تقدير الحاكم قبل قوله فيه، وإن لم يكن من تقديره وصدقه الجمال لزمه ورجع عليه به وإن لم يصدقه وكانت قدر كفايته بالمعروف قبل قوله فيه، ولا يقبل في الزيادة. هذا كله إذا رفع إلى الحاكم فإن لم يرفعه إليه مع تمكنه منه، فإنه لا يرجع بما أنفق إليه، لأنه أنفق بغير إذن صاحبها، وإذن من يقوم مقامه، وإن لم يكن هناك حاكم، فإن لم يشهد أو أشهد ولم يشترط له الرجوع، فإنه لا يرجع به عليه، وإن أشهد على الانفاق وشرط له الرجوع حين الاشهاد، فهل له الرجوع به أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما ذلك له، لأنه موضع ضرورة. والثاني لا يرجع لأنه أنفق عليها بغير إذن صاحبها وإذن من يقوم مقامه وهو الحاكم. فإذا تقرر هذا فكل موضع جعلنا له الرجوع بما أنفق فإذا بلغ الغاية المحدودة ولم يرجع الهارب، فإن الحاكم يبيع بعض جماله أو جميعها، ويوفيه حقه منها فإن باع البعض ووفى بقدر الانفاق نظر فيما بقي، فإن كان الأحوط له أن يبيعها لأنه لو تركها أكل بعضها بعضا فإنه يبيعها ويحفظ الثمن عليه، وإن كان الأحوط إمساكها أمسكها، فإذا رجع ردها عليه. يجوز الاستيجار لحفر البئر، غير أنه لا يجوز حتى يكون المعقود عليه معلوما ويصير معلوما بأحد أمرين: بتقدير المدة، وتقدير نفس العمل، فأما المدة فيكفي

[ 237 ]

أن يقول اكتريتك لتحفر لي بئرا يوما أو عشرة وما يقدره، لأن المعقود عليه يصير معلوما محدودا بذلك المقدار. وإن قدر العمل فلا بد من مشاهدة الأرض التي يريد أن يحفر فيها، لأنها تختلف في الرخاوة والصلابة، ولا بد من تقدير العرض والعمق، فيقول قدر عرضه كذا ذراعا وقدر عمقه كذا وكذا ذراعا، وتقدير ذلك بالذراع الذي هو معتاد بين الناس كما يقول في المكيال. فإذا استأجره على ذلك وأخذ ليحفرها فانهار عليه الجرف، فحصل تراب الجرف في البئر فانطم بعضها كان على المستأجر إخراجها ولا يجب على الأجير لأنه ملك المستأجر حصل في تلك الحفيرة، فهو بمنزلة ما لو وقع فيها طعام له أو دابة له أو تراب من موضع آخر، وإن وقع من تراب البئر فيها لزم الحفار إخراجه لأن ذلك مما تضمنه العقد لأنه استؤجر ليحفر ويخرج التراب. وإن استقبله حجر نظرت فإن أمكن حفره ونقبه لزمه، وإن كان عليه مشقة فيه لأنه التزم الحفر بالعقد فيلزمه على اختلاف حاله، وإن لم يمكن حفره ولا نقبه انفسخ العقد فيما بقي، ولا ينفسخ فيما حفر على الصحيح من الأقوال، ويقسط على أجرة المثل لأن الحفر يختلف فحفر ما قرب من الأرض أسهل لأنه يخرج التراب من قرب وحفر ما هو أبعد أصعب: نظر فإن كان أجرة المثل على ما بقي عشرة، وفيما حفر خمسة أخذ ثلث المسمى وقد روى أصحابنا في مثل هذا مقدرا ذكرناه في النهاية. وعلى هذا إن نبع الماء قبل انتهاء الحد ولم يمكن الزيادة على الحفر، فالحكم على ما ذكرناه في الحجر إذا استقبله ولم يمكن حفره. وأما الاستيجار لحفر الأنهار والقنى فإنه يجوز، ويقدر ذلك بالزمان و بالعمل، فإن قدره الزمان مثل أن يقول استأجرتك لتحفر لي نهرا أو قناة كذا وكذا يوما وإن قدره بالعمل أراه الأرض، وقدر العرض والعمق والطول، لأنه لا يصير معلوما إلا كذلك. وإن استأجره لضرب اللبن جاز لما ذكرناه، ولا يجوز حتى يكون معلوما إما

[ 238 ]

بالزمان ما شاء من الأيام أو يقدره من العمل بعد أن يشاهد الموضع الذي يضرب فيه لأن الغرض يختلف في ذلك بقرب الماء منها وبعده، ويذكر العدد ويشاهد القالب ليعرف بذلك مقدار اللبن، فإذا حصل ذلك صار معلوما. ويجوز الاستيجار للبناء يقدر ذلك بالزمان ما شاء من الأيام أو يقدر العمل فيه بأن يقدر عرض الحايط وطوله وسمكه بآجر وجص أو طين ولبن، لأن الغرض يختلف باختلاف ذلك، فلا بد من ذكره ليصير معلوما. فأما الاستيجار للرضاع فيجوز لقوله " فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن " (1) فالاستيجار يقع على الارضاع، دون الحضانة من مراعاة الصبي وغسل خرقه، فإذا أطلق العقد لم يلزم إلا الارضاع ولا يلزمها غيره، وإن شرط في العقد الحضانة مع الرضاع لزمها الأمران معا، فترضع المولود، وتراعي أحواله في تربيته وخدمته وغسل خرقه وغيره من أحواله. ومن شرط صحة العقد أن تكون المدة مقدرة، لأنه لا يمكن تقدير المعقود عليه بالعمل نفسه، لأن الرضاع يختلف، ومن شرطه أن يشاهد الصبي لأن رضاعه يختلف على حسب اختلافه في نفسه من صغر أو كبر، ولا يجوز العقد حتى تكون الأجرة معلومة. وإن استأجرها بنفقتها وكسوتها مدة الرضاع لم يصح ذلك. فإذا ثبت أن الاستيجار في الرضاع صحيح فإن كان المرضع موسرا كانت الأجرة من ماله لأن ذلك من نفقته ونفقة الموسر من ماله، وإن كان معسرا كانت من مال أبيه لأن نفقة المعسر على أبيه. ومن شرط صحة الاستيجار في الرضاع أن يعين الموضع الذي ترضعه فيه، إما بيتها أو بيت أبوي المرضع، لأن الغرض تختلف، فلا بد من تعيينه، فإن أطلقاه كان باطلا. إذا استؤجرت المرأة للرضاع فمات أحد الثلاثة فإنه تبطل الإجارة، سواء كان

(1) الطلاق: 6.

[ 239 ]

المستأجر الذي هو أبو المرتضع أو المرأة أو الصبي. إذا آجرت المرأة نفسها للرضاع أو غيره بإذن الزوج صحت الإجارة لأنه حق لهما، وإن لم يأذن لها الزوج لم تصح الإجارة لأنه لا دليل على صحتها. إذا رزق الرجل من زوجته ولدا لم يكن له أن يجبرها على إرضاعه لأن ذلك من نفقة الابن، ونفقته على الأب، وله أن يجبر الأمة وأم الولد والمدبرة بلا خلاف في ذلك، وأما المكاتبة فإن كانت مشروطا عليها فله أن يجبرها، لأنها مملوكة، وإن لم يكن مشروطا عليها لم يكن له إجبارها. وإذا تطوعت المرأة بإرضاع الولد، لم يجبر الزوج على ذلك، وكان له أن يمنعها منه، لأن الاستمتاع الذي هو حق له يخل باشتغالها بالرضاع، فكان له منعها من ذلك. وإن تعاقدا عقد الإجارة على رضاع الولد، لم تصح لأنها أخذت منه عوضا في مقابلة الاستمتاع، وعوضا آخر في مقابلة التمكين من الاستمتاع، فأما إذا بانت منه صح أن يستأجرها للرضاع لأنها قد خرجت من حبسه وصارت أجنبية فإذا بذلت الرضاع متطوعة بذلك، كانت أحق بالولد من غيرها، وإن طلبت أكثر من أجرة المثل في الرضاع، والأب يجد من يتطوع له أو من يرضى بأجرة المثل لم يكن الأم أولى بالولد من الأب، وللأب أن يسلم الولد إلى غيرها، فإن رضيت بأجرة المثل وهو لا يجد إلا بأجرة المثل كانت هي أولى، فإن كانت يجد غيرها بدون أجرة المثل أو متطوعة كان له أن ينزعه من يدها، وفيهم من قال ليس له ذلك. إذا باع الرقبة المستأجرة لم تبطل الإجارة، لأن البيع لا يبطل الإجارة عندنا فإن كان قد علم المشتري بذلك أمضاه، وإن لم يعلم كان له ردها بالعيب. إذا آجر عبده مدة معلومة ثم إنه أعتقه نفذ عتقه فيه، لأنه مالك الرقبة كما لو أعتقه قبل الإجارة، فإذا ثبت ذلك فالاجارة بحالها، وهي لازمة للعبد، وهل له أن يرجع على السيد بأجرة المثل كما يلزمه بعد الحرية؟ قيل فيه قولان أحدهما يرجع بأجرة المثل في تلك المدة، والآخر لا يلزمه، وهو الصحيح لأنه لا دليل عليه، و

[ 240 ]

الأصل براءة الذمة. إذا آجر الأب أو الوصي الصبي أو ماله صح ذلك، كما يصح بيع ماله، فإذا بلغ وقد بقي من مدة الإجارة بعضها، كان له فسخها فيما بقي، وقيل إنه ليس له ذلك وهو الأقوى. ومتى آجر الوصي صبيا أو شيئا من ماله مدة يتيقن أنه يبلغ قبل مضيها مثل أن يكون للصبي أربع عشرة سنة، فأجره ثلاث سنين فإنه يبلغ باستكمال خمس عشرة سنة، فإن السنة الوحدة يكون العقد صحيحا، وما زاد عليه يكون باطلا ومتى آجره مدة لا يتيقن أنه يبلغ قبل مضيها مثل أن يوجره سنة أو سنتين وله عشر سنين، فإنه يجوز أن يبلغ بالاحتلام قبل مضي مدة الإجارة، فيكون العقد صحيحا، وإذا بلغ و كان رشيدا كان له الفسخ. إذا استأجر رجلا ليبيع له شيئا بعينه أو يشتري له شيئا موصوفا فإنه يجوز ذلك. يجوز إجارة الدفاتر عندنا سواء كان ذلك مصحفا أو غيره من كتب النحو والأدب والفقه وغيرها إذا لم يكن فيها كفر لأنه لا مانع منه، والأصل جوازه، وأما الحائط المزوق فلا يجوز إجارته للنظر إليه، ولا البناء المحكم للنظر إليه والتعلم فيه، لأن ذلك عبث لا غرض فيه حكمي.

[ 241 ]

(فصل) في تضمين الأجراء إذا تلف الشئ في يد الصانع: مثل الحائك والقصار والصباغ والخياط و كل صانع يتلف مال المستأجر الذي استأجره للعمل في يده فإنه ينظر، فإن كان استأجره ثم حمله إلى ملكه إما في بيته أو دكانه أو غيرهما من أملاكه فأخذ يعمل فيه فتلف الشئ من غير تعد من الأجير، مثل أن يسرق أو يطير شرارة فتحرقه أو غير ذلك من أنواع التلف فإنه لا ضمان على الأجير لأن المال في يد المستأجر ما دام في ملكه، والمال إذا تلف في يده لم يجب الضمان على غيره، إلا إذا كان منه تعد فيه. وإن كان المال مع الأجير في دكانه أو ملكه دون ملك المستأجر نظر، فإن كان المستأجر معه وهو يعمله بين يديه فتلف بغير تعد منه فلا ضمان عليه، لأنه إذا كان صاحب المال معه عنده: فالمال في يده، فأما إذا انفرد الأجير به في غير ملك المستأجر فإنه لا ضمان عليه أيضا إلا إذا كان بفعله أو تعد منه أو تفريط، مثل أن يدق القصار الثوب فيتخرق أو يعصر فيتقزز، فيكون عليه الضمان، وإن كان دقه دق مثله وعصره عصر مثله أو زاد عليه، وكذلك كل من اعطي شيئا ليصلحه فأفسده أو أعابه بفعله فعليه ضمانه. إذا قطع الختان حشفة الغلام ضمنه والحجام إذا جنى في الحجامة كان ضامنا وكذلك البيطار. وأما الراعي فلا ضمان عليه فيما يأخذه العرب والأكراد واللصوص أو تأكله السباع والذئاب إلا إذا تعدى فيه بأن يخالف صاحب الغنم في موضع المرعى، فإن أطلق ولم يعين الموضع وقال له: ارع كيف شئت فلا ضمان عليه إلا إذا تعدى فيه، وفي الناس من قال يضمن مع الاطلاق. والأجير الذي في الحانوت يحفظ ما فيه من البز وبيعه معه لا ضمان عليه بلا خلاف

[ 242 ]

وأما إذا حبس حرا فسرق ثيابه كان ضامنا وكذلك العبد. فأما إذا قال له الحر: اقطع يدي فقطعها لم يلزمه الضمان بلا خلاف، وإن قال له عبد لزمه الضمان لسيده. وجملة الأمر أن الشئ إذا كان في يد مالكه فتلف فلا ضمان على الأجير إلا بتعد منه وإذا كان في ملك غيره فعلى الأجير الضمان على ما بيناه، وفي الناس من قال: عليه الضمان على كل حال كان بتعد أو بغير تعد أو تفريط أو غير ذلك. الأجير المنفرد هو الذي يستأجر مدة معلومة لخياطة أو بناء أو غيرهما من الأعمال ويسمى الأجير الخاص ولقب بذلك من حيث المعنى، وهو إذا آجر نفسه رجلا مدة مقدرة استحق المستأجر منافعه وعمله في تلك المدة فيلزمه العمل له فيها ولا يجوز له أن يعمل لغيره فيها ويعقد على منافعه وعمله في مقدارها. والمشترك هو الذي يكري نفسه في عمل مقدر في نفسه، لا بالزمان، مثل أن يستأجره ليخيط ثوبا بعينه أو يصبغ له ثيابا بعينها، وما أشبه ذلك، ولقب مشتركا لأن له أن يتقبل الأعمال لكل أحد في كل مدة ولا يستحق عليه أحد من المستأجرين منفعة زمان بعينه. فكل مال حصل تحت عمله وهو تحت يد ربه أو في حكم يده فلا يضمنه إلا بالتعدي بالجناية وكل مال حصل تحت عمله وفي يده وليس في يد ربه ولا في حكم يده فإنه لا يضمن إلا بتعد أو جناية بفعله، سواء كان الأجير مشتركا أو منفردا. والمنفرد يستحق منافعه في زمان بعينه فإذا مضى الوقت ولم يعمل فقد بطل المعقود عليه وانفسخ العقد عليه، والمشترك يستحق عليه العمل ولا يبطل بمضي الزمان ولا ينفسخ العقد عليه. إذا تلف العين التي استؤجر للعمل فيها، فالكلام فيه في فصلين في الأجرة والعمل فأما الأجرة فإنه ينظر، فإن كان المال في ملك المستأجر بأن يكون قد استدعى الأجير واستعمله في داره، أو كان حضره الأجير وهو يعمل بين يديه فتلف المال فإن الأجرة تلزم المستأجر له ولا تسقط بتلف المال، لأن المال إذا كان في ملكه أو كان حاضرا و

[ 243 ]

الأجير يعمل بين يديه فيه فهو في يده فكلما يفرغ من جزء من العمل يصير مسلما إليه فإذا فرغ من العمل ثم تلف، فقد تلف بعد التسليم، ولا يسقط أجرته، لأنها تستقر بالتسليم، وقد حصل التسليم ثم تعقبه التلف. وإن كان الأجير حمله إلى ملكه ولم يحضر صاحبه فعمل وتلف قبل التسليم لم يستحق الأجرة لأن الأجرة في مقابلة العمل وإنما يستحق الأجرة إذا سلم العمل وإذا تلف المال بعد العمل فقد تلف العمل الذي هو المعوض قبل التسليم فهو كما لو تلف المثمن قبل التسليم فلا يستحق الأجرة، كما لا يستحق البايع الثمن إذا تلف المثمن قبل التسليم. وأما الضمان فإن تلف بغير تعد منه ولا جناية فلا ضمان عليه وإن تلف بجناية فعليه قيمته وقت الجناية، وإن تلف بعد تعديه فيه: مثل أن يكون ثوبا فاستعمله فإنه يضمنه لأن أمانته بطلت بالتعدي وعليه قيمته أكثر ما كانت من حين التعدي إلى أن تلف. إذا استأجره ليحجم حرا أو عبدا أو يعلمه صنعة، فتلف فلا ضمان عليه، فأما الحر فلا يضمنه، لأن اليد لا تثبت عليه، وأما العبد فإن كان في يد صاحبه فلا ضمان إلا بالتعدي وإن لم يكن في يد صاحبه فكذلك لا يضمن إلا بالتعدي وقال قوم إنه يضمن والأول أصح. وإذا استأجره ليحمل شيئا وينقله من موضع إلى موضع فحمله فتلف في الطريق فإن كان صاحبه معه فلا يضمنه إلا إذا تعدى أو فرط بلا خلاف، إن لم يكن معه فكذلك لا يضمن عندنا إلا بالتعدي وقال قوم يضمن. وإذا استأجر من يخبز له في تنور أو فرن (1) فخبز له واحترق الخبز أو شئ منه فإنه ينظر فإن كان خبز في حال لا يخبز في مثله لاستيقاد النار وشدة التلهب ضمنه لأنه

(1) الفرن بالضم: بيت معد لأن يخبز فيه غير التنور - ونسميه الآن فرن بكسر الفاء - ويطبخ فيه الفرنى - بالضم وهو خبز غليظ مستدير مضمومة الجوانب إلى الوسط تشوى ثم تروى سمنا ولبنا وسكرا ونعرفه اليوم " پيرايشكى ".

[ 244 ]

مفرط، وإن كان خبزه في حال يخبز مثله فيه، ينظر، فإن كان في يد صاحب الخبز فلا ضمان على الأجير بلا خلاف، وإن لم يكن في يده فلا يضمن عندنا إلا بتفريط، وفيهم من قال يضمن وإن لم يفرط. إذا اكترى دابة ليركبها أو يحمل أو يحمل عليها فضربها ضرب العادة في تسيير مثلها فتلفت فلا ضمان عليه في ذلك، وإن كان خارجا عن العادة لزمه الضمان، وكذلك إن كبحها (1) باللجام، فعلى هذا التفصيل لأن الأصل براءة الذمة لأن ذلك معلوم بالعادة، وفيه خلاف، فأما إذا ضرب عليه الإكاف أو السرج أو اللجام فماتت فلا يضمن بلا خلاف. ومن ضرب امرأته تأديبا فجنى عليها ضمن بلا خلاف، ومن أخرج روشنا أو جناحا إلى طريق فتلف به شئ كان ضامنا بلا خلاف فأما الرائض فإنه يضرب البهيمة أكثر مما يضربها المستأجر للركوب والحمل، لأنها صغيره لا تتأدب ولا تطاوع إلا بذلك للرواض عادة في رياضة البهائم فيراعي في ذلك عادتهم، فإن ضربها الرائض ضربا خارجا عن عادة الرواض فتلف وجب عليه الضمان بكل حال: كانت في يد صاحبها أو لم تكن لأنه متعد بذلك وجان عليها، والجاني عليها يضمن تلفها. وإن كانت في يد صاحبها أو في غير ملكه لكنه معها فهي في يده فلا يضمنها بلا خلاف إلا بتعد وجناية، وإن لم يكن في ملكه ولا هو معها فلا يضمنها عندنا إلا بتعد وجناية، وفيهم من قال يضمنها بكل حال. الراعي إذا رعى الغنم في ملك صاحب الغنم أو في ملك غيره وهو معها لم يضمن ما يتلف، إلا بالتعدي بلا خلاف، وإن لم يكن في ملكه ولا يكون معها فكذلك عندنا لا يضمن إلا بتعد، وفيهم من قال يضمن، وأما ما يتعدى فيه فلا خلاف أنه يضمن، وإن ضرب شيئا منها ضربا معتادا فعلى ما رتبناه من ضرب البهيمة سواء. المعلم إذا ضرب الصبي ضربا معتادا فتلف المضروب، وجب الدية على عاقلته والكفارة في ماله، وتكون الدية مغلظة. وعندنا أن الدية في ماله خاصة، لأن

(1) كبح الدابة باللجام: جذبها إليه باللجام وضرب فأهابه لتقف ولا تجري، و قيل: جذب عنانها حتى تصير منتصبة الرأس، والإكاف: البرذعة.

[ 245 ]

ذلك شبه العمد، فأما إذا تلف الصبي في يده من غير ضرب، فإن كان حرا فلا ضمان عليه بحال بلا خلاف، وإن كان رقيقا وسلم إلى المؤدب فمات حتف أنفه أو وقع عليه شئ من السقف فتلف في يده فلا ضمان عليه، وفي الناس من قال عليه ضمان ذلك. إذا عزر الإمام رجلا فأدى إلى تلفه فلا ضمان عليه، ولا يلزمه الكفارة و فيه خلاف، وإذا أقام عليه الحد فتلف فلا ضمان عليه بلا خلاف. رجل له صبرتان من طعام أحدهما حاضرة مشاهدة والأخرى غائبة، وقال: استأجر تك لتحمل هذه الصبرة كل قفيز منها بدرهم، وما زاد على الصبرة الأخرى فبحساب ذلك، فإن العقد جايز في الصبرة المشاهدة وباطل في الصبرة الغائبة، لأن شرط صحة العقد قد وجد في إحداهما وهي المشاهدة، ولم يوجد في الأخرى فصح فيما وجد فيه، وبطل فيما لم يوجد فيه. وإذا كان له صبرة واحدة مشاهدة يتيقن المكتري أن فيها عشرة أقفزة، و شك في الزيادة، فيقول: استأجر تك لتحمل عشرة أقفزة كل قفيز بدرهم، وما زاد فبحسابه، فيصح العقد في عشرة أقفزة لأنها معلومة، ويبطل فيما زاد لأن وجودها مشكوك فيه، لأنه لا يدري هل تزيد على عشرة أقفزة أو لا تزيد؟ والعقد على ما لم يتحقق وجوده عقد على غرر، فلم يجز. وإذا قال استأجر تك لحمل هذه الصبرة لتحمل عشرة أقفزة منها كل قفيز بدرهم وما زاد فبحسابه فإنه جايز ويصير كأنه قال استأجر تك لتحمل هذه الصبرة كل قفيز بدرهم ومثل ذلك جايز في البيع، وهو إذا قال اشتريت منك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، أو قال بعتكها كل قفيز بدرهم ويفارق إذا قال آجرتك هذه الدار كل شهر بدرهم، عند من قال لا يجوز، لأن جملة المدة مجهولة المقدار، وليس كذلك هيهنا لأن الجملة معلومة بالمشاهدة. إذا قال استأجر تك لتحمل من هذه الصبرة عشرة أقفزة على أن تحمل ما زاد عليها بحسابه، أو قال استأجر تك لتحمل الصبرة كل قفيز بدرهم على أن تحمل الصبرة

[ 246 ]

الأخرى على حسابها لم يجز، لأنه في معنى البيعتين في بيعة، وذلك منهى عنه، و يقوى عندي أنه يجوز لأن بيعتين في بيعة عندنا جايز. إذا اكترى رجلا ليحمل له من صبرة مشاهدة عشرة أقفزة فكيل ذلك وحمله مثل أن يكون قد نقله من بغداد إلى الكوفة، فوجد خمسة عشر قفيزا، لم يخل ذلك من أحد ثلاثة أحوال إما أن يكون المكتري هو الذي اكتالها من تلك الصبرة، وحملها على بهيمة المكري، أو اكتالها الحمال أو انسان أجنبي: فإن كان المكتري هو الذي اكتالها وحملها على البهيمة، فالكلام فيه في فصلين في الأجرة والضمان، فأما الأجرة فعليه المسمى في مقابلة عشرة أقفزة منها، وعليه أجرة المثل في مقابلة الخمسة، لأنه متعد في حمل ذلك المقدار عليها. وأما الضمان فإن كانت قد تلفت وهي في يده، وليس معها صاحبها، فإنه يلزمه جميع الضمان لأنه متعد في ذلك. وإن كان معها صاحبها قيل فيه قولان أحدهما يلزمه نصف القيمة، لأنها تلفت من فعل مأذون وغير مأذون، والآخر يلزمه بقسط ما تعدى منه وهو الثلث مثل مسألة الجلاد وأما إذا اكتالها الحمال بنفسه وحملها على بهيمته فلا أجرة له في ذلك الزيادة لأنه متطوع بحملها، متعد بذلك، ولصاحبها أن يطالبه بردها إلى بغداد لأنه في حكم الغاصب وإن أراد أن يأخذها منه بالكوفة، كان له ذلك، وليس له أن يحملها إلى بغداد لأنها عين مال المكتري، هذا إذا اجتمعا في الكوفة. وأما إذا كانا قد رجعا إلى بغداد وعلم المكتري ذلك قيل فيه قولان: أحدهما أن يطالبه بردها إلى بغداد، لأنه حملها إلى الكوفة بالتعدي، والآخر لا يجب عليه ذلك، وله أن يطالبه بمثلها كما قلنا في العبد إذا غصبه رجل ثم أبق فإن للمغصوب منه أن يطالبه بقيمته، وليس له أن يطالبه برد العبد. فعلى هذا إذا أخذ مثل طعامه ملكه ولم يملك الحمال ذلك الطعام وله التصرف فيه فإذا رد الحمال ذلك استرجع طعامه إن كان بعينه وإن كان قد تلف وتصرف فيه المكتري طالبه ببدله، فأما إذا اكتاله أجنبي فالحكم في ذلك مترتب على ما قلناه، فهو مع المكتري

[ 247 ]

فيما يرجع إليه بمنزلة الحمال مع المكتري، وهو مع الحمال بمنزلة المكتري معه. هذا كله إذا اكتاله واحد وحمله على البهيمة فأما إذا اكتاله المكتري وحمله الحمال على البهيمة، قيل فيه وجهان: أحدهما أن الحكم فيه كما لو حمله المكتري لأن التدليس قد وجد منه، لأنه هو الذي اكتال أكثر من المقدار المقدر، فالحكم فيه كما لو حمله هو أيضا. والثاني أن الحكم فيه كما لو اكتاله الحمال وحمله على البهيمة لأنه هو الذي نقل الطعام، والأول أصح، فإذا ثبت هذا، فالحكم على ما ذكرنا. هذا إذا كانت الزيادة على المقدار المسمى مقدارا لا يقع الخطأ في مثله، فأما إذا كان ذلك مقدارا يقع الخطاء في مثله في الكيل، وهو زيادة مقدار يسير، فذلك معفو عنه، يكون الحكم فيه كالحكم في المقدار المسمى إذا لم يكن هناك زيادة عليه لأن ذلك لا يمكن الاحتراز منه. إذا أعطى الغسال ثوبا فغسله نظر، فإن كانا قد شرطا أجرة صحيحة أو فاسدة استحق الأجرة إما المسمى أو المثل، وكذلك إن كان قد عرض بالأجرة مثل أن يقول أنت تعلم أني لا أغسل إلا بأجرة، فإنه يستحق الأجرة، فإن التعريض يقتضي استدعاء الأجرة، فأما إذا لم يشرطها ولم يعرض، قال قوم لا أجرة له إذا غسله، وقال آخرون إذا أمره بغسله كان عليه الأجرة وهو الصحيح. إذا اكترى منه ثوبا ليلبسه فاتزر به (1) صار ضامنا لأن الاتزار أشد على الثوب و أبلغ في بلاه من لبسه، وله أن يقيل في الثوب وليس له أن يبيت فيه، لأن العادة جرت بالقيلولة في الثياب دون البيتوتة، فيرجع الاطلاق إلى العرف والعادة. إذا استأجر بهيمة ليركبها أو يحمل عليها مسافة معلومة مثل أن يكون اكتراها لقطع مسافة إلى ناحية الكوفة، فسار إلى ناحية خراسان، قال قوم إن كانت المسافتان واحدة في السهولة والحزونة كان له أن يقطع أيهما شاء ولا يتعين عليه إحداهما ولا

(1) هذه لغة عامية، والأصل ائتزر، لأن الهمزة لا تدغم في التاء في اللغة الفصيحة.

[ 248 ]

يضمنها إن تلفت، كما لو اكتراها لحمل شئ كان له أن يحملها ما هو من جنسه في مقداره، ولا يتعين، ويقوى في نفسي أنه يتعين يكون ضامنا بالمخالفة. إذا استأجر بهيمة كان له أن يركبها من هو في مثل حاله ودونه، وليس لصاحبها أن يبدلها بأخرى غيرها، والفرق بينهما أن البهيمة إذا عينت فقد استحق منافعها، لأنه يجبر على تسليمها إلى المكتري، وليس كذلك ركوب المكتري بنفسه و لأن البهيمة إذا هلكت انفسخ العقد، وإذا مات المستأجر قام وارثه مقامه عند قوم وعندنا تنفسخ الإجارة فلا فرق بينهما. إذا استأجر منه دارا وجب على المكري تسليم مفتاحها إليه لأنه استحق استيفاء منافعها، وإنما يتمكن من ذلك بفتح الباب وما لا يتمكن استيفاء المنافع إلا به فهو على المكري مثل الزمام والمقود في إجارة البهايم. إجارة المشاع جايزة، ويقوم المستأجر مقام المالك يعمل ما يعمله سواء. إذا سلم رجل إلى الخياط ثوبا فقطعه الخياط قباء ثم اختلفا فقال أذنت لك في قطعه قميصا، قطعته قباء؟ وقال الخياط بل أذنت في قطعه قباء وقد فعلت ما أمرتني به فالقول قول الخياط، وقال قوم القول قول رب الثوب وهو الصحيح، لأن الثوب له، و الخياط مدع للإذن في قطع القباء، فعليه البينة ويحلف بالله ما أذن له في قطعه قباء وأنه أذن له في قطعه قميصا ويجوز أن يحلف على النفي ويترك الاثبات. فإذا حلف سقطت الأجرة لأنه ثبت أن ذلك القطع غير مأذون له، وقال قوم: له الأجرة في مقابلة القطع الذي يصلح للقميص، لأن ذلك القدر مأذون له فيه، و أما الغرامة فإنها تلزمه لأنه ثبت بيمينه أنه قطع قطعا غير مأذون له فيه. فإذا ثبت هذا فكم القدر الذي يلزمه؟ قيل فيه قولان أحدهما: يلزمه ما بين قيمته ثوبا غير مقطوع، وبين قيمته مقطوعا قباء، لأن قطعه قباء غير مأذون له فيه والثاني ما بين قيمته مقطوعا قميصا وبين قيمته قباء. وإذا لم يثبت له الأجرة نظر، فإن كان الثوب مخيطا بخيط قد سله (1) منه

(1) سل الشئ من الشئ واستله: انتزعه وأخرجه في رفق كسل الشعرة من العجين.

[ 249 ]

سلمه كما هو، لأنه ليس له فيه إلا أثر، وإن كان خاطه بخيط من عنده كان له نزعه وسله، لأنه عين ماله، وليس له أن يمسكه ببدله، لأن صاحبه لا يجبر على أخذ البدل من ماله، وإن أراد أن يشد بذلك الخيط خيطا حتى إذا سله دخل خيطه مكانه حتى لا ينفتق نظام الخيط، لم يكن له ذلك إلا برضاه لأنه لا يجوز أن ينتفع بمال غيره بغير إذنه. إذا اكترى منه بهيمة ليقطع بها مسافة فأمسكها قدر قطع المسافة، ولم يسير ها فيه استقرت عليه الأجرة، فإذا انقضت المدة في الإجارة استوفى المكتري حقه أو لم يستوف وأمسك البهيمة بعد مضي المدة فهل يصير ضامنا لها؟ وهل يجب عليه مؤنتها ومؤنة الرد بعد الاستيفاء أم لا؟ فإنه يجب عليه الرد بعد مضي المدة ومؤنة الرد. وإذا أمسكها وقد أمكنه الرد على حسب العادة صار ضامنا وإنما قلنا ذلك لأن ما بعد المدة غير مأذون له في إمساكها، ومن أمسك شيئا بغير إذن صاحبه، وأمكنه الرد فلم يرد ضمن. وفي الناس من قال: لا يصير ضامنا له ولا يجب عليه الرد، ولا مؤنة الرد وأكثر ما يلزمه أن يرفع يده عن البهيمة إذا أراد صاحبها أن يسترجعها لأنها أمانة في يده فلم يجب عليه ردها مثل الوديعة. إذا استأجر دارا على أن يتخذها مسجدا يصلي فيه صحت الإجارة، لأنه لا مانع منه، وفيه خلاف ويجوز استيجار ثوب للصلوة فيه بلا خلاف ويجوز استيجار السطح للنوم عليه. إذا استأجر دارا ليتخذها ماخورا (1) يبيع فيه الخمر أو ليتخذه كنيسة أو بيعة أو بيت نار، فإن ذلك لا يجوز، والعقد باطل، وكذلك إذا استأجر رجلا لينقل له خمرا من موضع إلى موضع لم يصح عقد الإجارة. إذا استأجره ليخيط له ثوبا بعينه، وقال إن خطته اليوم فلك درهم، وإن خطته

(1) الماخور: مجلس الفساق، وبيت الريبة، وهي لغة فارسية يقال للخرابات و بيوت الشرب والقمار.

[ 250 ]

غدا فلك نصف درهم صح العقد فيهما: فإن خاطه في اليوم الأول كان له الدرهم، وإن خاطه في الغد كان له أجرة المثل، وهو ما بين الدرهم والنصف، لا ينقص من النصف الذي سمي، ولا يبلغ الدرهم، وقال قوم إن هذا باطل. إذا استأجره ليخيط ثوبا وقال إن خطته بدرزين فلك درهم، وإن خطته بدرز واحد فلك نصف درهم، كان العقد صحيحا، لأنه لا مانع منه وفيها خلاف. يجوز إجارة الدراهم والدنانير لأنه لا مانع منه، ولأنه يصح الانتفاع بها من غير استهلاك، مثل الجمال والنظر والزينة وغير ذلك، فإذا ثبت ذلك، فيحتاج أن يعين جهة الانتفاع بها، فإن عين صح وإن أطلق لم تصح الإجارة، ويكون قرضا [ لا إجارة ]. إجارة الكلب للصيد وحراسة الماشية والزرع صحيحة، لأنه لا مانع من ذلك ولأن بيع هذه الكلاب يصح، وما يصح بيعه يصح إجارته، ويجوز إجارة الشجر لبسط الثياب عليها، وكذلك إجارة الخيط لبسط الثياب عليه جايزة، ويجوز إجارة السنور لاصطياد الفار، لأنه لا مانع من جميع ذلك ولا خلاف أيضا فيها. إذا استأجره لينقل ميتة على أن يكون له جلدها لم يجزلان جلد الميتة لا يجوز بيعه، وهذا لا خلاف فيه. وأما إذا استأجره ليسلخ له مذكى على أن يكون له جلده يجوز، لأنه لا مانع منه. إذا استأجره ليطحن له حنطة بمكوك (1) دقيق منها كان صحيحا، وفيهم من قال لا يصح لأنه مجهول والأول أصح. إذا استأجر راعيا ليرعى له غنما بأعيانها جاز العقد، ويتعين في تلك الغنم بأعيانها وليس له أن يسترعيه أكثر من ذلك، وإن هلكت لم يبدلها وانفسخ العقد فيها، و

(1) المكوك: طاس يشرب فيه أعلاه ضيق ووسطه واسع، ومكيال يسع صاعا و نصف صاع.

[ 251 ]

إن هلكت بعضها لم يبدله وانفسخ العقد فيه، وإن نتجت لم يلزمه أن يرعى نتاجها لأن العقد تناول العين، فاختص بها دون غيرها. فأما إذا كان أطلق ذلك واستأجره ليرعى له غنما مدة معلومة، فإنه يسترعيه القدر الذي يرعاه الواحد في العادة من العدد، فإذا كانت العادة مائة استرعاه مائة، ومتى ما هلك شئ منها أو هلكت كان له إبدالها، وإن نتجت كان عليه أن يرعى سخالها معها لأن العادة في السخال أن لا تفصل عن الأمهات في الرعي. إذا استأجر حماما لم يصح العقد إلا بعد أن يشاهد منه سبعة أشياء: أن يشاهد منه البيوت، لأن الغرض يختلف باختلافها في السعة والضيق وأن يشاهد القدر لمثل ذلك في السعة والضيق وأن يشاهد بئره الذي يستقي منها لمثل ذلك، لأن الحال يختلف إذا كانت عميقة بعيدة الغور أو لا يكون كذلك، وأن يشاهد الأتون (1) وهو موضع الايقاد لأن الغرض يختلف بلطافته وسعته، وأن يشاهد موضع الرماد لأن الغرض يختلف في القرب والبعد من موضع الأتون، وأن يشاهد موضع الحطب لأن الغرض يختلف بسعته وضيقه، وأن يشاهد جوبة الحمام ويسمى جية (2) لأن الغرض يختلف بصغره و كبره. ولا يجوز أن يشرط على المكتري الانفاق على الحمام في إصلاح ما يتشعث منه لأن ذلك يجب على صاحب الحمام دون المكتري، وإذا شرط عليه كان العقد باطلا لأنه شرط عليه نفقة مجهولة، فإن قبل ذلك المكتري وأنفق ثم اختلفا في مقدار النفقة، كان

(1) الأتون - كتنور وصبور - موقد نار الحمام والجمع أتاتين وأتن، ويطلق على أخدود الجيار والجصاص ونحوه. وأصله من الفارسية آتون وتون من دون الف.
(2) الجوبة: الحفرة والمكان الوطئ في جلد من الأرض ورحبها، والجية كالجوبة: هي الركية المنتنة، والماء المتغير وعن ثعلب " الجية: الماء المستنقع في الموضع غير مهمور يشدد ولا يشدد، والمراد: الخزانة التي يجتمع فيها الغسالة كانت بئرا، أو حفرة، أو مكانا وطيئا، أو غير ذلك.

[ 252 ]

القول قول المكتري لأنه أمين، ولا يجوز أن يشترط على المكتري سلفا قائما (1) وهو عادة الناس ببغداد، لأنهم يشرطون على المكتري سلفا يأخذونه يكون في يد المكري بحاله على وجه الرهن ويرده على المكتري إذا انقضت مدة إجارته، فإن شرط ذلك كان العقد باطلا. إذا استأجر دارا فانهدم فيها حايط أو وقع سقف وامتنع المكري من بنائه لم يجبر عليه، ويثبت للمكتري الخيار في فسخ الإجارة وإمضائها، لأن العقد تناول العين، فإذا بطلت لم يطالب ببدلها. إذا استأجر دارا فانسدت البالوعة، وامتلأ الخلا، فعلى المكتري إصلاح ذلك لأنه حصل بسبب من جهته، وكان عليه إزالته، فأما إذا أكراها والبالوعة منسدة والخلا ممتلئ، فإن على المكري أن ينقي دون المكتري لأنه لم يحصل بسبب من جهته. إذا استأجر رجلان جملا للعقبة فإنه يجوز، سواء كان في الذمة أو كان معينا لأنه لا مانع منه، وكذلك إن استأجر رجل جملا ليركبه عقبة: فيركبه مرة وينزل أخرى جاز ويحمل إطلاقه على ما جرت به العادة في الركوب والنزول في العقب. إذا استأجر كحالا ليداوي عينه جاز ويكون الدواء على المستأجر، وإن شرطه على الطبيب صح، لأن العادة جارية به، وفي الناس من قال مع الشرط لا يجوز.

(1) السلف: القرض الذي لا منفعة فيه للمقرض وعلى المقترض رده كما أخذه.

[ 253 ]

(كتاب المزارعة (1) المخابرة والمزارعة اسمان لعقد واحد وهو استكراء الأرض ببعض ما يخرج منها في الناس من قال المخابرة غير المزارعة وهي أن تكون من أحدهما الأرض وحدها والباقي من البذر والأعمال من الآخر، والمزارعة أن تكون الأرض والبذر وما يحتاج إليه من الفدان (2) وغيرها من رب الأرض، ولا يكون من الأكار إلا عمل نفسه والأول أظهر. فإذا ثبت ذلك فالمزارعة مشتقة من الزرع، والمخابرة من الخبار، وهي الأرض اللينة، والأكار يسمى خابرا، والمعاملة على الأرض ببعض ما يخرج من نمائها على ثلاثة أضرب مقارضة ومساقاة ومزارعة فأما المقارضة فإنها تصح بلا خلاف بين الأمة وأما المساقاة فجايزة عند جميع الفقهاء إلا عند أبي حنيفة وحده، وأما المزارعة فعلى ضربين: ضرب باطل بلا خلاف وضرب مختلف فيه. فالضرب الباطل بلا خلاف فيه، هو أن يشرط لأحدهما شيئا بعينه ولم يجعله مشاعا مثل أن يعقد المزارعة على أن يكون لأحدهما الهرف وهو ما يدرك أولا، و للآخر الأول (3) وهو ما يتأخر إدراكه أو على أن يكون لأحدهما ما ينبت على الجداول والماذيانات (4) وللآخر ما ينبت على الأبواب أو على أن الشتوي لأحدهما، والصيفي للآخر، فهذا باطل بلا خلاف لأنه غرر، لأنه قد ينمو أحدهما ويهلك الآخر. وأما الضرب المختلف فيه فهو أن يزارعه على سهم مشاع مثل أن يجعل له النصف

(1) في بعض النسخ كتاب المخابرة.
(2) الفدان، الثور أو الثوران يقرن للحرث بينهما، ولا يقال للواحد فدان، وقيل هو آلة الثورين.
(3) الافل خ الاقل خ.
(4) الماذيات - بكسر الذال وتفتح -: مسايل الماء. وقيل: ما ينبت على حافتي مسيل الماء، أو ما ينبت حول السواقي.

[ 254 ]

أو الثلث أو الربع أو أقل منه أو أكثر كان ذلك جايزا عندنا، وفيه خلاف (1) دليلنا إجماع الفرقة والأخبار عن النبي ودلالة الأصل، ومقال لا يجوز قال إذا زارع رجلا فعمل كان الزرع لصاحب البذر، لأنه عين ماله، فإن كان البذر لرب الأرض فالزرع له، وعليه أجرة المثل للأكار، وإن كان البذر للأكار فالزرع له، وعليه أجرة المثل لرب الأرض عن أرضه، وإن كان البذر لهما فالزرع لهما ولصاحب الأرض أن يرجع على الأكار بنصف أجرة أرضه، وللأكار أن يرجع على رب الأرض بنصف أجرة عمله، فإن تساوى الحقان تقاصا، وإن اختلفا تقاصا فيما تساويا فيه، ويرجع صاحب الفضل على صاحبه بالفضل. فإذا أراد رب الأرض والأكار أن يخرج الغلة على الحقين ويثبت على الملكين فإن رب الأرض يكتري نصف عمل الأكار ونصف عمل فدانه وآلته، بنصف منفعة أرضه ويراعي في ذلك الشرايط التي تراعى في الإجارة من مشاهدة الأرض والفدان وغيره ويضرب المدة كذلك حتى يصير العمل معلوما بتقديرها ويكون البذر بينهما نصفين فيكون الأكار عاملا في جميع الزرع في نصفه لنفسه، وفي النصف لصاحب الأرض. وإن أراد أن يكون البذر من أحدهما فإن جعلناه من صاحب الأرض اكترى نصف عمل الأكار ونصف منفعة آلته بنصف منفعة أرضه وبنصف البذر وإن جعلناه من الأكار اكترى الأكار من رب الأرض نصف منفعة أرضه بنصف عمله وعمل آلته [ وبنصف آلته ] ونصف البذر. وإن أرادا أن يكون للأكار ثلث المنفعة اكترى رب الأرض منه ثلثي عمله بثلث منفعة أرضه وثلث بذره، وإن كان البذر من الأكار اكترى بثلث منفعة أرضه ثلثي عمله وعمل آلته وثلثي البذر وعلى هذا الترتيب فيما قل أو كثر، ويكون هذا إجارة

(1) أجازه في الصحابة على عليه الصلاة والسلام وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وسعد بن أبي وخباب بن الارت، وفي الفقهاء ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد و أحمد وإسحاق، ومنعه ابن عباس وعبد الله بن عمر وأبو هريرة، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأبو ثور.

[ 255 ]

منفعة بمنفعة، ولا يكون إجارة وبيعا. ويجوز أيضا أن يكتري رب الأرض نصف عمل الأكار ونصف عمل آلته بمائة درهم، ويكريه نصف أرضه بمائة، والبذر بينهما ويتقاصان في الأجرين. تجوز إجارة الأرضين للزارعة بالدراهم والدنانير بلا خلاف إلا من الحسن البصري وطاووس ويجوز إجارتها بكل ما يجوز أن يكون ثمنا من الطعام والشعير وغير ذلك بعد أن يكون ذلك في الذمة ولا يكون من تلك الأرض. المعقود عليه عقد الإجارة يجب أن يكون معلوما وقد بينا أنه يصير معلوما تارة بتقدير المدة وتارة بتقدير العمل، والعقار فلا يقدر منفعته إلا بتقدير المدة لأنه لا عمل لها فيقدر في نفسه. إذا ثبت هذا فاكتراها سنة وجب أن يتصل المدة بالعقد، ويذكر الاتصال بالعقد لفظا، ولا يخلو إما أن يشتر طا سنة عددية أو هلالية أو يطلقا ذلك فإن شرطاها عددية وجبت سنة كاملة وهي ثلاث مائة وستون يوما (1) وإن شرطاها هلالية كان الاعتبار بالهلال ناقصا أو كاملا لقوله تعالى " يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج " وإن أطلقا ذلك رجع إلى السنة الهلالية لأن الشرع ورد بها. إذا ثبت هذا فإن وافق ذلك أول الهلال كانت السنة كلها بالأهلة وإن لم يوافق ذلك أول الهلال عدد الباقي من ذلك الشهر، وكان ما عداه بالأهلة ثم يكمل ذلك الشهر الأول من الشهر الأخير ثلاثين يوما، وإن قلنا: إنه يكمل بقدر ما مضى من ذلك الشهر كان قويا. وإن شرطا سنة بالشهور الرومية التي أولها أيلول وآخرها آب أو بالشهور الفارسية التي أولها فروردين وآخرها اسفندار مذماه، وهو شهر النيروز كان أيضا جايزا إذا كانا يعلمان هذه الاسامي، وإن لم يعلماها أو أحدهما لم يجز، وإن آجرها إلى العيد فإن أطلق العيد لم يجز حتى يعينه، وإن عين العيد فقال عيد الفطر أو عيد الأضحى جاز ذلك، وكذلك إن سمى عيدا من أعياد أهل الذمة مثل المهرجان والنوروز

(1) وذلك لأن مبنى العدد على عد كل شهر تاما: ثلاثين

[ 256 ]

جاز ذلك لأنه مشهور فيما بين المسلمين كشهرته بين أهل الذمة (1) وإن كانت أعيادا يختصون بها مثل الفطير والسعانين والفصح، وربما قيل بالسين والأسمونيا والسدق (2) لم يجز، لأن ذلك غير مشهور بين المسلمين، فلا يتعين إلا بالرجوع إليهم ولا يجوز قبول قولهم في ذلك. إذا أكراه أرضا للزارعة ذات ماء قائما إما يقينا أو غالبا مثل الأرضين التي يستسقى من الأنهار الكبار مثل الفرات ودجلة والنيل والجيحون أو من الأنهار المشتقة الصغار من الأنهار الكبار، فإن ذلك جايز، لأنه عقد على منفعة يمكن استيفاؤها. وكذلك الحكم في العثرى وهو الزرع الذي يستسقى من المصانع التي يجتمع فيها الماء من السيل في الأراضي التي ليس لها سيح، ويكون لها سواقي ممتدة إلى الأرض التي يستسقى منها ويسمى الساقية من تلك السواقي عاثورا ويجمع على عواثير، وسميت بذلك لأنه يتعثر بها ويسمى ذلك الماء عثريا، وكذلك الزرع يسمى عثريا. والبعل هو الشجر الذي يشرب بعروقه من نداوة الأرض، وذلك يكون في الأرضين التي يكثر فيها الندا، وأما الغيل والغليل والسيح فهو الماء الذي يجري إلى الأراضي من غير أن يستقى بدولاب ولا غيره. إذا ثبت هذا فكل أرض كان لها ماء قائم من نهر كبير أو صغير مشتق من كبير أو عين أو مصنع أو بئر فإنه يجوز اكتراؤها للزراعة لما ذكرناه، فإن ثبت الماء إلى أن

(1) النيروز أول برج الحمل والمهرجان هو اليوم السادس عشر من شهرهم السابع مهرماه.
(2) الفطير: من أعياد اليهود، والسعانين: عيد للنصارى قبل الفصح بأسبوع والمشهور الشعانين بالمعجمة عبرانية معربة. والفصح: عيد تذكار قيامة المسيح من الموت، ويعرف بالعيد الكبير، ولليهود أيضا فصح وهو عيد تذكار مفارقتهم لمصر عند أكلهم الخروف والمرائر، وهم متأهبون للسفر وهو معرب فسح بالعبرانية، ومعناه اجتياز وعبور أو نجاة و الاسمونيا لم نعرفه، وأما السذق، معرب سده بالفارسية وهي ليلة مشهورة عندهم وهي الليلة العاشرة لشهرة لشهرهم الحادي عشر بهمن ماه، يوقدون فيها النار الكثيرة.

[ 257 ]

يستوفي الغلتين الصيفي والشتوي منها، فقد استوفى حقه. وإن كان قد استوفى إحداهما ثم انقطع الماء نظر فإن قال المكري أنا أجري إليها الماء من موضع آخر لأن لي فيه حق الشرب لأرضي، لم يكن للمكتري الخيار لأن العيب قد زال بذلك كما لو أصاب بالمبيع عيبا ثم زال قبل الرد، فإنه لا يرد وأما إذا تعذر إجراء الماء إليها من موضع آخر فإن الخيار يثبت له في الفسخ. وكذلك القول في كل الإجارات، مثل الدار إذا أكراها ثم انهدمت، فإن الإجارة تنفسخ لتعذر المقصود منها لأن المقصود السكنى، وقد تعذر بانهدامها، والمقصود من الأرض الزراعة وقد تعذرت بانقطاع الماء عنها. وفيهم من قال لا يبطل لأن جميع المنافع لم يتعذر، ويمكنه الانتفاع بالعرصة والأرض التي انقطع عنها الماء بغير الوجه المقصود، فمن قال يثبت له الخيار في ذلك فأمسكها فلا كلام، ويجب عليه الأجرة، وإن ردها أو قال ينفسخ العقد فإنها تبطل فيما بقي، ولا تبطل فيما مضى، وفي الناس من قال تبطل في الجميع والأول أصح. فإذا ثبت ما قلناه من أنها لا تنفسخ فيما مضى نظرت، فإن كانت أوقات السنة كلها متساوية في الأجرة حسب على ما مضى، يقسط من الأجرة المسماة، وإن كانت مختلفة نظركم أجرة مثلها فيما مضى وفيما بقي، فإن كانت أجرة المثل في المدة التي مضت مثل أجرة المدة التي بقيت، فعليه ثلثا أجرة المسماة، وعلى هذا الترتيب إن كانت الحال بخلاف ذلك و من قال ينفسخ في الكل أوجب أجرة المثل لما مضى. إذا اكترى أرضا للزراعة مدة معلومة لم تخل الزراعة من أحد أمرين إما أن يكون مطلقة أو معينة فإن كانت مطلقة كان له أن يزرعها في تلك المدة أبلغ الزرع ضررا فإن أراد أن يزرعها زرعا ليس ببالغ في تلك المدة لكنه يمكن إدراكه إلى ما بعدها كان للمكري منعه من ذلك في الحال، لأنه إذا لم يكن له منعه وزرع وانقضت المدة احتاج أن يطالب بالقلع، والزرع ثابت في ملكه ومثل ذلك يشق، فجعل له المنع في الحال حتى يتخلص من ذلك. فإن زرع لم يكن له أن يطالب بالقلع في الحال لأن له حق الانتفاع بالأرض

[ 258 ]

في تلك المدة بالزراعة فهو مستوف منفعته، فلم يمنع من ذلك، فإن انقضت المدة كان له أن يطالب بالقلع، لأن صاحب الأرض لم يأذن له في ذلك، فهو في معنى الغاصب والغاصب إذا زرع الأرض المغصوبة كان لصاحبها أن يطالبه بالقلع. فإذا ثبت ذلك، فإن قلعه فلا كلام، وإن اتفقا على التبقية بإعارة أو إجارة جاز، غير أن الإجارة لا تصح إلا بعد أن يقدر المدة ولا يجوز أن يجعلا ها إلى الحصاد لأنه مجهول، وإن زرع زرعا يبلغ في تلك المدة فقد استوفى حقه، وسلم الأرض مفرغة. وإن كان قد اكترى للزراعة عن أول المدة وزرع بعد مضي مدة، وانقضت المدة والزرع لم يدرك بعد، كان له المطالبة بالقلع: لأنه فرط في التأخير، والحكم في ذلك ما ذكرناه في المسألة الأولى، وهو إذا عدل إلى زرع لا يبلغ في ذلك الوقت، لأنه مفرط في أحد الموضعين، وعادل في الآخر. وأما إذا لم يؤخر وزرع في أول وقته غير أنه تأخر ولم يدرك في الوقت المحدود لاضطراب الماء أو شدة البرد، فهل يجبر على القلع بعد مضيها؟ قيل فيه وجهان أحدهما له ذلك، لأنه مفرط وكان من حقه أن يحتاط في تقدير المدة التي يبلغ في مثلها والثاني لا يجبر على القلع لأن هذا التأخير ليس بسبب من جهته، وإنما وهو من الله تعالى وهو الأقوى، فعلى هذا له تبقيته إلى الادراك، وعليه أجرة المثل لتلك المدة. هذا إذا كانت الزراعة مطلقة فأما إذا كانت معينة لم يخل من أحد أمرين: إما أ ن يكون مثلها يبلغ في تلك المدة المقدرة أو لا يبلغ، فإن كانت يبلغ مثلها في تلك المدة، قال قوم: إن بالتعيين لا يتعين عليه، لأنه إنما قصد تقدير المدة، وله أن ينتفع بالأرض بزراعة ما سماه وبغيره مما هو مثله في الضرر ودونه والحكم في هذا القسم كالحكم في القسم الأول، وهو إذا كانت الزراعة مطلقة سواء في التأخير والمطالبة بالقلع وغيرهما. وإن كان ذلك الزرع لا يقلع في مثل ذلك الوقت لم يخل من ثلاثة أحوال إما

[ 259 ]

يشرط القلع أو يشرط التبقية أو يطلق: فإن شرط القلع جاز ذلك، لأن الزرع قد يقصل قبل بلوغه وينتفع يالقصيل وهو مقصود (1) وإن شرط التبقية كان العقد باطلا لأنه عقد الإجارة مدة على أن ينتفع بالأرض مدة أخرى، وذلك لا يجوز كما لا يجوز أن يستأجر دارا ويشرط أن ينتفع بدار أخرى للمكري. فإذا ثبت أن العقد باطل فإن له أن يمنعه من الزرع، لأنه لا يملك الانتفاع لفساد العقد، فإن زرع قبل أن يمنعه من ذلك لم يكن له قلعه، لأن العقد وإن كان فاسدا فإن الإذن باق، وقد زرع بإذن صاحب الأرض، فيكون له التبقية إلى بلوغ الحصاد، وعليه أجرة المثل لتلك المدة. وأما إذا أطلق ذلك، فإن الإجارة صحيحة، لأنه يجوز أن يزرعها للقصيل، فإذا انقضت المدة فهل له أن يجبره على القلع أم لا؟ قيل فيه وجها ن أحدهما أن له أن يجبره على القلع لأن التحديد يقتضي التفريغ عقيب مضي المدة، والثاني لا يجبر على ذلك، لأن المكري لما دخل في هذا العقد ولم يشرط قلع الزرع مع علمه أن ذلك الزرع الذي سماه لا يبلغ في ذلك الوقت، كان رضى منه بالتبقية. فإذا قيل يجبره فالحكم على ما مضى في الأقسام، وإذا قيل لا يجبره فالحكم على ما مضى في الأقسام التي جعل له التبقية فيها. إذا اكترى أرضا لا ماء لها إلا المطر، وهي مثل المزارع التي تكون على الظراب (2) أو اكترى أرضا تسقى بماء النهر غير أنه لا يبلغها إلا إذا زاد الماء في النهر زيادة مفرطة نادرة، فإن ذلك لا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن يشترط في العقد أنه يعقد عليها للزارعة أو يذكر في العقد أنه لا ماء لها أو يطلق. فإن شرطا في العقد أنها للزراعة، كان العقد باطلا، لأنه عقد على منفعة لا يمكن استيفاؤها، فهو مثل إجارة الآبق للخدمة، وإن ذكر المكري أنها أرض بيضاء

(1) القصيل: الشعير يجز أخضر لعلف الدواب سمي به لسرعة اقتصاله من رخاصته، والفقهاء تسمي الزرع قبل إدراكه قصيلا وهو مجاز. قاله في الأقرب.
(2) الظراب جمع الظرب - ككتف - الجبل المنبسط أو الرابية الصغيرة.

[ 260 ]

لا ماء لها جاز العقد لأنه ينتفع بها بغير الزارعة، فيكون للمكتري أن يجعلها بيدرا يدوس فيها الغلات أو يجعلها حظيرة للغنم أو يضرب فيها الخيم أو ينصب فيها الشباك يصطاد بها، أو غير ذلك من وجوه الانتفاع إلا أنه لا يبني ولا يغرس لأنها للتأبيد وفيها إضرار بالأرض فلا يجوز إلا بالشرط. وإن أطلقا ذلك فلم يذكر أنها للزراعة ولا أنه لا ماء لها، من الناس من قال يبطل العقد لأن الزراع إنما يقصد بها الزراعة فإطلاق العقد فيها يرجع إلى المقصود فهو كما لو أكراها للزراعة، ومنهم من قال إن علم المكتري أنه لا ماء لها ولا يمكن أن يجري إليها صح العقد لأن مثلها لا يكون للزراعة، فيكون كأنه شرط ذلك في العقد، فينتفع بها بما ذكرناه من وجوه الانتفاع إذا شرط أنه لا ماء لها. وإن كانت بحيث يمكن أن يسقي بطل العقد، لأنه يحتمل أن تكون للزراعة وقد أطلق العقد فلم يذكر وجه الانتفاع بها، فكان ذلك باطلا، وأما المواضع التي يكون في بلاد لا ينقطع فيها المطر مثل طبرستان وغيرها فإنه يجوز إجارتها وإن كانت لا تسقى إلا بالمطر لأن المطر فيها معتاد بمجرى العادة والغالب أنه لا ينقطع. الأرض إذا كانت لا تسقى إلا بزيادة ماء في النهر نظر فإن كانت الزيادة التي تسقى بها نادرة ففيه ثلاث مسائل أوليها إذا استأجرها للزراعة، فإن العقد يكون باطلا لأنه استأجرها لمنافع لا يمكن استيفاؤها والثانية إذا استأجرها على أنها أرض بيضاء لا ماء لها جاز ذلك، وينتفع بها بغير الزراعة، مثل ما ذكرناه، وإن أطلق بطل العقد لأنه يمكن إجراء الماء إلى هذه الأراضي من نهر أو بئر أو غيره، فاحتمل أن تكون الإجارة للزراعة، فبطل العقد كما لو صرح أنها للزراعة. وإذا كانت المسألة بحالها غير أن الماء زاد تلك الزيادة التي تسقى بها جاز إكراؤها لأنه يملك الانتفاع بها في الحال، والماء الذي يستقى بها موجود، وأما إذا كانت تلك الزيادة زيادة معتادة جاز عقد الإجارة لأنه مأمون الانقطاع في الغالب وذلك مثل أرض البصرة التي تسقى بالمد لأن للمد وقتا معتادا لا ينقطع فيه، وكذلك سائر الأراضي التي تسقى بالزيادة المعتادة التي توجد في كل سنة في وقتها.

[ 261 ]

ويقال إن النيل يزيد في وقت الخريف، وهو وقت الزراعات، ويزداد زيادتين مأمونة وغير مأمونة: فالمأمونة أن يزيد دون ستة عشر ذراعا، والتي ليست بمأمونة فستة عشر ذراعا فما فوق ذلك، فإن كانت الأرض على دون ستة عشر ذراعا من الماء فتلك زيادة معتادة، فيجوز إكراؤها لأنها مأمون الانقطاع، وإن كانت على أكثر من ذلك، فالكراء فاسد، لأن تلك الزيادة نادرة فماؤها غير مأمون الانقطاع. إذا اكترى أرضا وفيها ماء قايم فإنه ينظر، فإن كان ذلك الماء لا ينحسر عنها يقينا أو لا ينحسر في الغالب فإنه لا يصح العقد، لأنه لا يمكن الانتفاع بالزراعة، وإن كان قد ينحسر وقد لا ينحسر لم يجز أيضا، لأن الانتفاع بها مشكوك فيه، وإن كان الماء ينحسر عنه يقينا أو في الغالب جاز لأن الغالب بمنزلة اليقين. وفي الناس من قال إذا كان فيها ماء لا يمنع الانتفاع بها بنوع من الزرع، فإن العقد جايز، وذلك مثل أن يكون الماء قدر شبر فما دونه لأنه يمكن أن يزرع أرزا وإذا أمكن الانتفاع بها بنوع من الزرع، رجع إطلاق العقد إليه، وجاز. وإذا كان فيها من الماء ما يمنع الزراعة جملة، ولا يمكن أن ينتفع بها بنوع من الزروع فإن العقد باطل والصحيح الأول. فأما إذا استأجر الأرض ليس فيها ماء قايم، غير أن الغالب أنها تغرق بعد ذلك ويحصل فيها وقت الزراعة ماء قايم يمنع الانتفاع بها فما يتوقع بعد ذلك لا يمنع جواز العقد عليها، كما يجوز أن يستأجر عبدا سنتين وإن جاز ألا يبقى ولا يتيقن ذلك. إذا اكترى أرضا للزراعة وغرقت بعد ذلك نظر، فإن كانت غرقت عقيب العقد بطل العقد، وإن كان بعد مضي مدة انفسخ العقد فيما بقي ولا ينفسخ فيما مضى، و منهم من قال يبطل فيما مضى أيضا فإن غرق بعض الأرض انفسخ العقد فيما غرق، ولا ينفسخ فيما لم يغرق، وفيهم من قال فيما لم يغرق أنها تبطل. فإذا ثبت أنها لا تنفسخ فإن له الخيار، لأن الصفقة تبعضت عليه، فإن رد فلا كلام، وإن أمسك فبحصته، وفيهم من قال يمسك بجميع الأجرة. فأما إذا كان

[ 262 ]

الماء ينحسر عنها يوما بعد يوم كان ذلك عيبا في المعقود عليه يثبت له به الخيار، ولا ينفسخ العقد لأجله. فأما إذا غصبت الأرض ومضت المدة في يد الغاصب فالمسألة على قولين أحدهما ينفسخ العقد فيرجع بالمسمى على المكري، ويرجع المكري على الغاصب بأجرة المثل والثاني لا ينفسخ، ويثبت له الخيار، فإن شاء فسخ وإن شاء أمضى ورجع على الغاصب بأجرة المثل، وإن غصب بعضها ومضت المدة فالأمر فيما بقي أنه ينفسخ، وفيما مضى يكون صحيحا و إن كان مدة الغصب يوما أو يومين فذلك عيب يثبت له به الخيار، ولا ينفسخ العقد بذلك. إذا اكتريها للزراعة فزرع فمر بالأرض سيل فأفسد الزرع أو أصابه حريق فاحترق أو جراد فأهلكه، فذلك فساد في الزرع لا في الأرض، ولا ينفسخ العقد به، كما لو اكترى دكانا ليبيع فيه البز فاحترق بزه لم تنفسخ الإجارة. إذا أكرى أرضا ليزرعها لم يخل من أربعة أحوال إما أن يقول أكريتها للزراعة ويطلق ذلك، أو يقول ليزرعها طعاما ويسكت على ذلك، أو يقول ليزرعها طعاما أو ما يقوم مقامه، أو يقول ليزرعها طعاما ولا يزرعها غيره. فأما الأول وهو إذا أطلق فإن له أن يزرع أي زرع شاء، لأن أعظمها ضررا مأذون له فيه، وإن ذكر الطعام وسكت كان للمكتري أن يزرع الطعام وما ضرره ضرر الطعام، ويكون تقدير الطعام تقديرا لضرر الانتفاع بالأرض التي تناولها العقد وإن ذكر الطعام وما يقوم مقامه فهو تأكيد له كما لو قال بعتك هذا على أن أسلمه إليك. وإن شرط ألا يزرعها غير الطعام، فالشرط يسقط وهل يبطل العقد أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما يبطل، لأنه شرط ما ينافي العقد وليس فيه مصلحة، والثاني لا يبطل وهو الصحيح، لأنه إذا سقط هذا الشرط لم يعد إسقاطه بضرر عليهما ولا على أحدهما. هذا قول جميع المخالفين، ويقوى في نفسي أنه إذا شرط أن يزرع طعاما لم يجز له أن يزرع غيره، وبه قال داود وكذلك إذا اكترى دارا ليسكنها هو، لم يجز أن يسكنها غيره، وبه قال داود. إذا اكترى أرضا للزراعة وأراد أن يزرعها زرعا ضرره أكثر من ضرر الزرع

[ 263 ]

الذي سماه، وهو أن يكون قد أكراها ليزرع الطعام فأراد أن يزرعها قطنا أو دخنا أو كتانا أو ما أشبه ذلك، لم يجز، لأن هذه أضر بالأرض من الطعام. فإذا ثبت هذا فإن للمكري أن يمنعه من ذلك، لأنه ضرر لم يتناوله عقد الإجارة، فإن خالف فزرع لم يخل إما أن يكون المكري علم بذلك بعد أن أدرك الزرع واستحصد، أو قبل أن يدرك، فإن كان بعد أن أدرك واستحصد، قال قوم: لرب الأرض الخيار إن شاء أخذ الكري وما نقص الأرض كما ينقصها الطعام أو يأخذ منه كري مثلها وقال آخرون له أجرة المثل والأول أشبه بالصواب. وكذلك إذا اكترى منزلا يسكنه فجعل فيه القصارين والحدادين فيقطع البناء، أو اكترى غرفة ليترك فيه ألف من قطن فيترك فيه ألف من حديد فانشقت، كل هذه المسائل فيها قولان أحدهما وهو الصحيح أنه يأخذ الأجرة المسماة، وقدر ما نقص بالتعدي. هذا كله إن علم به وقد استحصد الزرع، فأما إذا علم بذلك قبل أن يدرك الزرع، فإن له أن يقلعه، لأنه غير مأذون له فيه، كالغاصب إذا زرع الأرض، فإذا قلعه نظر، فإن كانت المدة التي قد بقيت يحتمل أن يكون متى يزرع في مثلها زرع يدرك فيها كان للمكتري أن يزرعها، وإن لم يحتمل لم يكن له أن يزرعها، وقد استقرت الأجرة عليه، لأنه فوت المنفعة على نفسه، فهو كما لو أمسكها طول المدة ولم يزرعها. إذا اكترى أرضا وأطلق لم يجز لأنها تكترى لمنافع مختلفة متباينة، فلا بد من تعيين جنس منها، كما إذا اكترى بهيمة وأطلق لم يجز، لأن البهيمة ينتفع بها بأجناس مختلفة فلا بد من التعيين. وإن اكترى الأرض ليزرعها وأطلق الزرع جاز، وله أن يزرع أي زرع شاء، وإن كان أبلغ ضررا، وفيهم من قال لا يجوز ذلك، لأن أنواع الزرع تختلف وتتباين، فلا بد من التعيين والأول أقوى. ومتى اكتراها للزرع لا يجوز له أن يغرس فيها لأن الغرس أعظم ضررا وكذلك

[ 264 ]

إن عين له زرعا لم يكن له أن يزرع ما هو أعظم ضررا لما ذكرناه. وإن اكتراها للغراس وأطلق جاز وفيهم من قال لا يجوز، لأنه يختلف والأول أقوى لأن الأصل جوازه ولا يجوز أن يبني فيها بلا خلاف لأن البناء ضرره مخالف لضرر الغراس بلا خلاف، وإن اكترى بهيمة لم يجز أن يطلق ذلك لأن أنواع الانتفاع فيها تختلف اختلافا متباينا فلا بد من التعيين بلا خلاف. وإن اكترى دارا جاز إطلاق ذلك وله أن يسكنها ويسكن غيره، وله أن يضع فيها متاعا لا يضر بحيطانها، ولا يجوز أن يفرغ فيها سرقينا وما جرى مجراه لأنه يفسدها، ولا يجوز أن ينصب فيها حدادين وقصارين، لأن ضرره أعظم من ضرر السكنى. إذا أكراه أرضا على أن يزرعها ويغرسها ولم يعين مقدار كل واحد منهما لم يجز، وقال قوم يجوز، ويغرس نصفه، ويزرع نصفه، والأول أقوى لأن ذلك مجهول لا يجوز العقد عليه. إذا اكترى أرضا سنة ليغرسها جاز ذلك، لأنها منفعة مقدرة مقدور على تسليمها وله أن يغرس فيها ما لم تنقض المدة، فإذا انقضت المدة لم يجز له بعد ذلك أن يستأنف غراسا لأنه غير مأذون له فيه. فأما الذي قد غرسها فهل يلزم قلعها نظر، فإن كان شرط عليه قلعها بعد مضي المدة لزمه قلعها لأنه دخل في العقد راضيا لدخول هذا الضرر عليه، فإذا قلعها فليس عليه تسوية الأرض من الحفر، لأنه قلع مأذون له فيه، وإن لم يشرط عليه القلع لكن أطلق لم يجبر على القلع، لأن إطلاقه يقتضي التأبيد لأن الغراس يراد للتأبيد، و يرجع في ذلك إلى العرف. فإذا ثبت أن له التبقية على ما يقتضيه العرف، فإن أراد قلعها كان ذلك له لأنه ملكه، وإذا قلعها فعليه تسوية الحفر لأنه غير مأذون له فيه أي في ذلك القلع، و إن لم يرد قلعها كان المكري بالخيار بين ثلاثة أشياء: بين أن يغرم له قيمتها ويجبر المكتري على أخذها، فيحصل له الأرض بغراسها، وبين أن يجبره على قلعها بشرط أن

[ 265 ]

يغرم له أرش ما ينقص بالقلع فيلزم ما بين قيمتها ثابتة، وبين قيمتها مقلوعة، وبين أن يتركها ويطالب بالأجرة. فأما إذا أراد أن يجبره على القلع من غير أن يغرم له شيئا فليس له ذلك، و متى ما بقيناها في الأرض فباعها منه جاز، وإن باعها من غيره قيل فيه وجهان أحدهما يجوز وهو الأصح لأنه ملكه، والثاني لا يجوز لأن المكري يملك أن يزيل ملكه بغرامة القيمة، فملك المكتري غير مستقر عليه فلم يجز بيعه، وقال قوم له أن يجبره على القلع من غير أن يغرم له شيئا. إذا اكترى دارا أو أرضا مدة معلومة وكانت الإجارة صحيحة، ومضت المدة استقرت عليه الأجرة، استوفى تلك المنافع وانتفع بها أو لم ينتفع، وكذلك إن كانت الإجارة فاسدة استقرت عليه الأجرة بمضي المدة انتفع أو لم ينتفع، إذا كان متمكنا منه، وفيه خلاف. إذا اكترى دارا سنة فغصبها رجل نظر فإن كان ذلك عقيب العقد ثبت له الخيار مثل العبد إذا أبق عقيب الشراء وقبل التسليم، لأنه تعذر تسليم المعقود عليه، وإن كان المكتري قبض الدار ومضى بعض المدة في يده ثم غصب ثبت له الخيار، فإن فسخ العقد انفسخ فيما بقي، ولا ينفسخ فيما مضى وفيهم من قال ينفسخ فيما مضى. وإن لم يفسخ حتى مضت المدة كلها في يد الغاصب وهو أن يكون الغاصب غصبها عقيب العقد، وأمسكها حتى مضت المدة قيل فيه قولان: أحدهما أن العقد ينفسخ ويرجع على المكري بالمسمى ويرجع المكري على الغاصب بأجرة المثل، و الثاني أنه لا ينفسخ، لأنه قبضه، والغصب بعد القبض لا يؤثر في العقد، ويرجع على الغاصب بأجرة المثل مثل المبيع إذا أتلفه أجنبي بعد القبض. إذا اختلف المكري والمكتري في قدر المنفعة، مثل أن يقول أكريتها شهرا وقال بل شهرين، أو قال أكريتها لتركبها إلى الكوفة، قال بل إلى بغداد، أو اختلفا في قدر الأجرة فقال بعشرين، وقال المكتري بعشرة، قال قوم فيها كلها أنهما يتحالفان مثل المتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن والمثمن، فإن تحالفا فهل ينفسخ العقد بنفس

[ 266 ]

التحالف أو يفسخ بفسخ نظر. فإن كان لم يمض من المدة شئ رجع كل واحد منهما إلى حقه وإن كان بعد مضي المدة في يد المكتري، فقد تلفت المنفعة المعقود عليها في يده، فيلزمه أجرة المثل مثل المبيع إذا كان باقيا بعد التحالف رده وإن كان تالفا رد قيمته. وعلى مذهب قوم أنه إذا كان ذلك قبل مضي المدة تحالفا، وإن كان بعد مضي المدة في يد المكتري لم يتحالفا، وكان القول قول المكتري، كما قال في البيع فيجعل القول قول المشتري إذا كانت السلعة تالفة، وهذا الذي يقتضيه مذهبنا. وإن قلنا يرجعان إلى القرعة، فمن خرج اسمه حلف وحكم له به كان قويا. إذا زرع رجل أرض غيره ثم اختلف هو ورب الأرض فقال الزارع أعرتنيها وقال رب الأرض بل أكريتكها وليس مع واحد منهما بينة، فالقول قول رب الأرض مع يمينه، وقال قوم إن القول قول الزارع، والأول أقوى، لأن العادة جرت بإكراء الأرضين دون العارية، ووجه الثاني أن الأصل براءة الذمة والأحوط أن يستعمل القرعة. فمن قال القول قول الزارع، فإذا حلف أنه أعارها إياه وما اكتراه ثبت أنها عارية ولا أجرة عليه من حين الزرع إلى حين اختلفا وحلف، وله الرجوع عن العارية التي ثبتها الزارع بيمينه، غير أنه لا يمكن قلع الزرع لأنه مأذون له فيه، وعليه أجرة المثل من ذلك الوقت إلى أن يدرك ويستحصد، ومن قال: القول قول رب الأرض حلف بالله لقد أكراها وما أعارها، فإذا حلف كانت له الأجرة من حين زرع، وللزارع التبقية حتى يدرك ويستحصد ولا يجبر على القلع، لأنه ثبت أنه زرع بعقد الإجارة، فإن امتنع الزارع من تسليم الأجرة أجبر على ذلك، ويلزمه أجرة المثل دون المسمى، لأنه قبل يمينه في ذلك، ولو قبل في المسمى ربما ادعى مالا عظيما فيؤدي ذلك إلى أن يلزمه ذلك بيمينه ابتداء، وذلك لا يجوز. وإن اختلف الغسال وصاحب الثوب، فقال أمرتني بغسله، وأنكر صاحب الثوب، فالقول قول رب الثوب مع يمينه.

[ 267 ]

وإن اختلف الراكب ورب الدابة فقال الراكب أعرتنيها وقال رب الدابة: بل غصبتنيها، فالقول قول رب الدابة، لأن الراكب يدعي الإذن عليه في الركوب، و هو ينكره، والأصل عدم الإذن، وفيهم من قال القول قول المدعي للعارية لأن الأصل براءة ذمته. وإذا زرع أرض غيره فيدعي أنه زرعها بإجارة، وقال رب الأرض بل غصبتنيها فالقول قول رب الأرض مع يمينه، فإذا حلف أجبر على القلع عقيب اليمين وعليه أجرة المثل من حين الزرع إلى ذلك الوقت.

[ 268 ]

(كتاب إحياء الموات) روى هشام ابن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد بن نفيل أن النبي صلى الله عليه آله وسلم قال من أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق، وربما ذكروا العرق مضافا إلى الظالم، والصحيح تنوين القاف. وروى سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من أحاط حائطا على أرض فهي له، وروى عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو أحق به، وروى عنه عليه السلام أنه قال عاري الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم مني، وروى عنه عليه السلام أنه قال موتان الأرض لله ورسوله، ثم هي لكم مني بنصب الميم والموتان بضم الميم وتسكين الواو الموت الذريع الذي يقع في الناس والبهايم، ويقال رجل موتان القلب بنصب الميم وجزم الواو إذا كان لا يفهم شيئا. إذا ثبت هذا فالبلاد على ضربين بلاد الاسلام وبلاد الشرك، فبلاد الاسلام على ضربين عامر وغامر، فالعامر ملك لأهله لا يجوز لأحد الشروع فيه والتصرف فيه إلا بإذن صاحبه. وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله كتب لبلال بن الحارث المزني بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أقطع بلال بن الحرث المزني معادن القبلية جلسيها وغوريها وحيث ما يصلح للزرع من قدس، ولم يعطه حق مسلم (1). وجلسيها ما كان إلى ناحية نجد وغوريها ما كان إلى ناحية الغور. إذا ثبت فإن مرافقها التي لا بد لها منها مثل الطريق ومسيل الماء والفناء فإنها في معنى العامر، من حيث إن صاحب العامر أحق به، ولا يجوز لأحد أن يتصرف فيه إلا بإذنه، وكذلك إذا حفر بئرا في موات ملكها وكان أحق بها وبحريمها الذي هومن مرافقها على حسب الحاجة.

(1) القبلية: ناحية من الفرع وهو من موضع بين نخلة والمدينة والجلسية: ما ارتفع من الأرض والغور ما انخفض، والقدس: الرابية التي تصلح للزراعة.

[ 269 ]

فإن كانت البئر يستقى منها الماء بالسانية فقدر ما يمتد إليه السانية (1)، وهو مقدار عمق البئر وإن كانت بالدولاب فقدر دور الدولاب، وإن كان يستقى منها بدلو اليد فمقدار ما يقف فيه المستقى، وهذا على قوله عليه السلام حريم البئر أربعون ذراعا وقد فصلناه في النهاية وهذا التقرير إنما هو على حسب الحاجة، فإن أراد أن يحفر انسان بئرا بجنب تلك البئر ليسوق ماء ها منها لم يكن ذلك له. وأما الغامر فعلى ضربين غامر لم يجر عليه ملك المسلم وغامر جرى عليه ملك المسلم، فأما الذي لم يجر عليه ملك المسلم فهو الموات الذي قصد به هذا الكتاب، و سنبين حكمه فيما بعد. وأما الذي جرى عليه ملك المسلم فمثل قرى المسلمين التي خربت وتعطلت فإنه ينظر فإن كان صاحبه معينا فهو أحق بها، وهو في معنى العامر، وإن لم يكن معينا فإنه يملك بالإحياء لعموم الخبر، وعند قوم لا يملك. ثم لا يخلو أن يكون لمالكها عقب أو لا عقب له فإن كان له عقب فهي لهم وإن لم يكن له عقب فهي للإمام خاصة فإذا ثبت ذلك ثبت أنها مملوكة لا يحييها أحد إلا بإذن الإمام. وأما بلاد الشرك فعلى ضربين عامر وغامر، فالعامر ملك لأهله، وكذلك كل ما كان به صلاح العامر من الغامر، فإن صاحب العامر أحق به كما قلناه في الغامر في بلا د المسلمين، ولا فرق بينهما أكثر من أن العامر في بلاد الاسلام لا يملك بالقهر و الغلبة، والعامر في بلاد الشرك يملك بالقهر والغلبة. وأما الغامر فعلى ضربين أحدهما لم يجر عليه ملك أحد، والآخر جرى عليه ملكه، فالذي لم يجر عليه ملك أحد فهي للإمام خاصة لعموم الأخبار، وعند المخالف من أحياه من مشرك ومسلم فإنه يملكه بذلك. وأما الذي جرى عليه ملك فإنه ينظر فإن كان صاحبه معينا فهو له ولا يملك

(1) السانية: الغرب مع أدواته من الفلك وغيرها، وكان يطلق على الناقة يستقى عليها من البئر، يجعل حبل الغرب على غاربها فإذا راحت جرت الغرب مع الماء من البئر وإذا رجعت دخل الغرب في البئر.

[ 270 ]

بالإحياء بلا خلاف وإن لم يكن معينا فهو للإمام عندنا وفيهم من قال يملك بالإحياء وفيهم من قال لا يملك بالإحياء لأنه يجوز أن يكون تلك الأرض لكافر لم تبلغه الدعوة وقد ورثه المسلم فيكون ملك المسلم. الأرضون الموات عندنا للإمام خاصة لا يملكها أحد بالإحياء إلا أن يأذن له الإمام فأما الذمي فلا يملك إذا أحيا أرضا في بلاد الاسلام، وكذلك المستأمن إلا أن يأذن له الإمام، وفيهم من قال إن المستأمن إذا أحيا أرضا في بلاد الاسلام صار ذميا ولا يمكن من الرجوع إلى بلاد الشرك. إذا أحيا أرضا مواتا بقرب العامر الذي هو لغيره بإذن الإمام، ملك بالإحياء وقال قوم: لا يملك لأن في ذلك ضررا على أهل العامر، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه أقطع الدور بالمدينة، واختلف الناس في ذلك فمنهم من قال إنه أقطع الخراب الذي أرادوا أن يبنوا فيه دورا فسماه دورا بما يؤل إليه من العمارة، ومنهم من قال كانت تلك الخرابة من ديار عاد فسماه باسمها الذي كان. الأحكام التي تتعلق بالموات ثلاثة: الإحياء والحمى والاقطاع، فأما الإحياء فقد ذكرنا فيما مضى ما يملك منه ومن يملكه، وأما كيفية الإحياء فسيجيئ ذكره وأما الاقطاع فسنذكره أيضا. فأما الحمى فهذا موضعه، وهو أن يحمي قطعة من الأرض للمواشي ترعي فيها والناس في ذلك على ثلاثة أضرب: النبي محمد عليه وآله أفضل الصلوة والسلام والبركات - والأئمة من بعده - عليهم أفضل الصلوة والسلام والتحيات وآحاد المسلمين، فأما النبي صلى الله عليه وآله فكان له أن يحمي لنفسه ولعامة المسلمين لقوله عليه السلام لا حمى إلا لله و لرسوله، وروي عنه عليه السلام أنه حمى النقيع بالنون - وروى نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله حمى النقيع لخيل المجاهدين ترعى فيه. فأما آحاد المسلمين فليس لهم أن يحموا لأنفسهم ولا لعامة المسلمين لقوله عليه السلام لا حمى إلا لله ولرسوله، وهذا خاص في هذا الموضع، وهذان لا خلاف فيهما. وأما الأئمة الذين نذهب إلى إما متهم المعصومون، فإن حموا كان لهم ذلك،

[ 271 ]

لأن أفعالهم حجة ولا يجوز عليهم الخطأ والقبيح، وفي المخالفين من قال ليس للإمام أن يحمي لنفسه شيئا، وإن أراد أن يحميه للمسلمين ليس له ذلك، وفيهم من قال له أن يحمي للمسلمين. فإذا ثبت ذلك فالكلام في فصلين أحدهما بيان ما يحمي له، والثاني قدر ما يحمي. فأما الذي يحمي له فإنه يحمي للخيل المعدة لسبيل الله، ونعم الجزية، ونعم الصدقة والضوال. وأما قدر ما يحمي فهو ما لا يعود بضرر على المسلمين، أو يضيق مراعيهم، لأن الإمام لا يفعل عندنا إلا ما هو من مصالح المسلمين. فإذا ثبت هذا فإنه يحمي القدر الذي يفضل عنه ما فيه كفاية لمواشي المسلمين فأما ما حماه رسول الله صلى الله عليه وآله فإنه لا يجوز للإمام القائم مقامه نقضه وحله، لأن فعله حجة يجب اتباعه فيه، وما يفعله الإمام القائم مقامه لا يجوز لأحد تغييره، وإن غيره هو أو من بعده من الأئمة أو أذن واحد منهم لغيره في إحياء ميت فأحياه فانه يملكه فأما من يحييه بغير إذنه فإنه لا يملك به حسب ما قدمناه. وأما ما به يكون الإحياء فلم يرد الشرع ببيان ما يكون إحياء دون ما لا يكون غير أنه إذا قال النبي عليه وآله السلام: من أحيا أرضا فهي له، ولم يوجد في اللغة معنى ذلك، فالمرجع في ذلك إلى العرف والعادة، فما عرفه الناس إحياء في العادة كان إحياء، وملكت به الموات، كما أنه لما قال: البيعان بالخيار ما لم يفترفا، وأنه نهى عن بيع ما لم يقبض، وأن القطع يجب في قيمة المجن، رجع في جميع ذلك إلى العادة. فإذا ثبت ذلك فجملة ذلك على أن الأرض تحيى للدار والحظيرة والزراعة فإحياؤها للدار فهي بأن يحوط عليها حائط ويسقف عليه، فإذا فعل ذلك فقد أحياها وملكها ملكا مستقرا ولا فرق بين أن يبنى الحائط بطين أو بآجر وجص أو خشب. وأما إذا أخذها للحظيرة فقدر الإحياء أن يحوطها بحائط من آجر أو لبن أو طين وهو الرهص أو خشب وليس من شرط الحظيرة أن يجعل لها سقف، وتعليق الأبواب

[ 272 ]

في الدور والحظيرة ليس من شرطه، وفيهم من قال هو شرط والأول أقرب. وأما الإحياء للزراعة فهو أن يجمع حولها ترابا وهو الذي يسمى مرزا وأن يرتب لها الماء إما بساقية فيحفرها ويسوق الماء فيها، أو بقناة يحفرها أو بئر أو عين يستنبطها ولا خلاف أن هذه الثلاثة شرط في الإحياء للزراعة وفي الناس من ألحق بها أن يزرعها ويحرثها، والصحيح أنه ليس من شرطه، كما أن سكنى الدار ليس من شرط الإحياء. وأما إذا أحياها للغراس، فإنه يملكها إذا ثبت الغراس فيها ورتب الماء فيها فإذا فعل ذلك فقد أحياها فإذا أحياها وملكها فإنه يملك مرافقها التي لا صلاح للأرض إلا بها وقد بيناه فيما مضى. وأما إذا حفر بئرا أو شق نهرا أو ساقية فإنه يملك حريمها حسب ما رسمناه فيما مضى وجملته أنه ما لا بد منه في استيفاء الماء مطرح الطين إذا نضب الماء وكريت الساقية والنهر، ويكون ذلك على حسب الحاجة قل أم كثر. وقد روى أصحابنا أن حد البئر الناضح أربعون ذراعا وروي ستون ذرعا وروي أن حد القناة ألف ذراع في الرخو من الأرض وفي الحزن منه خمس مائة ذراع، وقول النبي صلى الله عليه وآله حد البئر أربعون ذراعا يوافق ما قلناه، وفي المخالفين من قال بالتحديد مثل ما قلناه. فإذا ثبت ذلك فإذا حفر بئرا في موات وملكها وأراد غيره أن يحفر بجنبها بئرا ليسوق ماءها لم يكن له ذلك، ومنع منه بلا خلاف وكذلك إذا استنبط عينا في موات وأراد آخر أن يستنبط عينا بجنبها لم يكن له ذلك، إلا أن يكون بينهما الحد الذي قدمناه. وأما إن أراد أن يحفر بئرا في داره أو ملكه وأراد جاره أن يحفر لنفسه بئرا بقرب ذلك البئر لم يمنع منه بلا خلاف في جميع ذلك وإن كان ينقص بذلك ماء البئر الأولى، لأن الناس مسلطون على أملا كهم، والفرق بين الملك والموات أن الموات يملك بالإحياء فمن سبق إلى حفر البئر ملك حريمه وصار أحق به، وليس كذلك في الملك، لأن ملك كل واحد منهما ثابت مستقر، وللمالك أن يفعل في ملكه ما

[ 273 ]

شاء، وكذلك إذا أحيا أرضا ليغرس فيها بجنب أرض فيها غراس لغيره بحيث يلتف أغصان الغراسين، وبحيث تلتقي عروقهما، كان للأول منعه لما ذكرناه. وإن حفر رجل بئرا في داره وأراد جاره أن يحفر بالوعة أو بئر كنيف بقرب هذه البئر لم يمنع منه، وإن أدى ذلك إلى تغيير ماء البئر أو كان صاحب البئر تستقذر ماء بئره لقرب الكنيف والبالوعة لأنه يتصرف في ملكه بلا خلاف. إذا أقطع السلطان رجلا من الرعية قطعة من الموات، صار أحق به من غيره باقطاع السلطان إياه بلا خلاف، وكذلك إذا تحجر أرضا من الموات، والتحجير أن يؤثر فيها أثرا لم يبلغ به حد الإحياء، مثل أن ينصب فيها المروز أو يحوط عليها حائطا وما أشبه ذلك من آثار الإحياء، فإنه يكون أحق بها من غيره، فاقطاع السلطان بمنزلة التحجير. فإن أخر الإحياء فقال له السلطان إما أن تحييها، أو تخلي بينه وبين غيرك حتى يحييها، فإن ذكر عذرا في التأخير مثل أن يزعم أن الآلة قد عابت يريد إصلاحها أو أصحابه وأكرته هربوا أو عبيده أبقوا واستأجل في ذلك أجله السلطان في ذلك، و إن لم يكن له عذر في ذلك وخيره السلطان بين الأمرين فلم يفعل، أخرجها من يده فإن بدر غيره قبل أن يخرجها السلطان من يده فأحياها لم يملك بذلك، لأنه لم يأذن له السلطان، وفيهم من قال أساء وملك، وفيهم من قال لا يملك كما قلنا ه، لأنه ممنوع من ذلك بتحجير الأول. إذا تحجر أرضا وباعها لم يصح بيعها، وفي الناس من قال يصح، وهو شاذ فأما عندنا فلا يصح بيعه، لأنه لا يملك رقبة الأرض بالإحياء، وإنما يملك التصرف بشرط أن يؤدي إلى الإمام ما يلزمه عليها، وعند المخالف لا يجوز، لأنه لا يملك بالتحجير قبل الإحياء فكيف يبيع ما لا يملك. فأما ما يجوز أن يقطعه السلطان وما لا يجوز فجملته أن مالا يملكه أحد من الناس على ضربين أحدهما لا يملكه أحد إلا بما يستحدث فيه، وذلك مثل الموات من الأرض، وقد ذكرنا أنه يملك بالإحياء بإذن السلطان التصرف فيها، وهو أولى

[ 274 ]

من غيره، وإذا تحجر صار أحق به من غيره. ويجوز للسلطان أن يعطيه من غير إحياء ولا تحجير، لأن الموات ملكه، فله أن يعطيه، وهذا لا خلاف فيه وإن اختلفوا في جهة الملك، ولأن النبي صلى الله عليه وآله أقطع الدور بالمدينة (1) وأنه عليه السلام أقطع وائل بن حجر أرضا بحضر موت وأقطع الزبير حضر فرسه فأجرى فلما قام الفرس رمى بسوطه، فقال النبي صلى الله عليه وآله أعطوه منتهى سوطه (2) وأقطع بلال بن الحرث المزني المعادن القبلية جلسيها وغوريها. وأما المعادن فعلى ضربين ظاهرة وباطنة، فالباطنة لها باب نذكره، وأما الظاهرة فهي الماء والقير والنفط والموميا والكبريت والملح وما أشبه ذلك، فهذا لا يملك بالإحياء، ولا يصير أحد أولى به بالتحجير من غيره، وليس للسلطان أن يقطعه بل الناس كلهم فيه سواء يأخذون منه قدر حاجتهم، بل يجب عندنا فيها الخمس ولا خلاف في أن ذلك لا يملك. وروي أن الأبيض بن حمال المأربي استقطع رسول الله صلى الله عليه وآله ملح ماء مأرب فروي أنه أقطعه، وروي أنه أراد أن يقطعه فقال له رجل وقيل إنه الأقرع بن حابس: أتدري يا رسول الله ما الذي تقطعه؟ إنما هو الماء العد، قال فلا إذا. والماء العد الدايم الذي لا ينقطع أراد أن ذلك الملح بمنزلة الماء الدايم لا ينقطع ولا يحتاج إلى عمل واستحداث شئ. ولا خلاف أنه لا يجوز للسلطان أن يقطع مشارع الماء فيجعله أحق بها من

(1) روي في شرح السنة أن النبي صلى الله عليه وآله اقطع لعبد الله بن مسعود الدور بالمدينة (يعني عرصة يبني فيها دورا) وهي بين ظهراني عمارة الأنصار من المنازل والنخل فقال بنو عبد بن زهرة نكب عنا ابن أم عبد فقال لهم رسول الله فلم انبعثني الله إذا ان الله لا يقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيهم حقه، راجع مشكاة المصابيح ص 259. وهكذا رواه المؤلف قدس سره في الخلاف.
(2) حضر الفرس - بالضم - منتهى عدوه، وقد كان في النسخ في تلك الأحاديث المنقولة تصحيفات صححناها على سائر الأصول.

[ 275 ]

غيره، وكذلك المعادن الظاهرة، وطعن في ذلك الخبر بأن هذا يؤدي إلى تخطئة النبي صلى الله عليه وآله في الاقطاع وأجيب عنه بأنه ما أقطع وإنما أراد ولم يفعل، فنقل الراوي الفعل، ولأنه عليه السلام أقطع على ظاهر الحال، فلما انكشف رجع. فإذا ثبت أنها لا تملك فمن سبق إليها أخذ منها قدر حاجته وانصرف، فإن أقام يريد أن يأخذ فوق حاجته فللإمام منعه منه، وقيل ليس له منعه وهو الأقوى فإن سبق إليه اثنان أقرع بينهما الإمام، وقيل إنه يقدم أيهما شاء، والأول أصح. وقيل أيضا إنه يقيم الإمام من يأخذه فيقسم بينهما. وإذا كان في الساحل بقعة إذا حفرت وانساق إليها الماء ظهر لها ملح، فإن هذا في حكم الموات، لأنه لا ينتفع إلا باستحداث شئ، فيملك بالإحياء ويصير بالتحجير عليه أولى، وللسلطان أن يقطعها، فإذا حصل واحد منها صار أولى بها من غير.

[ 276 ]

(فصل) (في تفريع القطايع وغيرها) القطايع جمع قطيعة، والقطيعة القطعة من الأرض المقطوعة، فعيل بمعنى مفعول والقطائع ضربان أحدهما يملك بالإحياء وهو الموات. وقد ذكرنا حكمه والثاني الارفاق، وهو أن يقطعه موضعا يجلس فيه في المواضع الواسعة في الطرقات ورحاب الجوامع. قال قوم: للسلطان أن يقطع ذلك، لأن له في ذلك يدا وتصرفا كما أن له أن يحفر في الطريق بئرا للمطر من الطريق، وله أن يمنع غيره من ذلك حسب ما يراه من المصلحة، ويقوى في نفسي أنه ليس له ذلك لأن الناس في ذلك شرع سواء، ولا دليل على جوازه. فمن أجازه قال إذا أقطع رجلا موضعا من ذلك فإنه أحق به من غيره، وإن كان بعد لم يشغله وإذا وضع متاعه فيه ثم قام وحوله كان أحق بذلك الموضع، وإن كان قد حول متاعه، وليس له أن ينصب فيه مستندا ولا يبني فيه دكة، لأن ذلك مما تستضر به المارة. وكذلك إذا سبق إلى موضع من تلك المواضع كان أحق بها من غيره لأن ذلك جرت به عادة أهل الاعصار يفعلون ذلك، ولا ينكره أحد غير أنه لا يجوز أن يبني دكة ولا ينصب مستندا لما تقدم، فإذا قام عن ذلك الموضع فإن ترك رحله فيه فحقه باق، وإن حول رحله منه انقطع حقه منه، فمن سبقه بعد ذلك إليه كان أحق به منه. وهكذا الحكم في المسجد فمن سبق إلى مكان كان أحق به، فإن قام وترك رحله فيه فحقه باق، وإن حوله زال حقه، والمسجد لا خلاف فيه، وفيه نص لنا عن الأئمة عليه السلام.

[ 277 ]

فأما إذا سبق اثنان إلى موضع من تلك المواضع ففيه وجهان أحدهما يتقارعان و هو الصحيح، والثاني يقدم الإمام من شاء منهما. وأما المعادن الباطنة مثل الذهب والفضة والنحاس والرصاص وحجارة البرام وغيرها مما يكون في بطون الأرض والجبال، ولا يظهر إلا بالعمل فيها والمؤنة عليها، فهل تملك بالإحياء أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما أنه يملك وهو الصحيح عندنا، و الثاني لا يملك لأنه لا خلاف أنه لا يجوز بيعه، فلو ملك لجاز بيعه، وعندنا يجوز بيعه. فإذا ثبت أنها تملك بالإحياء فإن إحياءه أن يبلغ نيله وما دون البلوغ فهو تحجير وليس بإحياء، فيصير أولى به مثل الموات، ويجوز للسلطان إقطاعه لأنه يملكه عندنا، وقال المخالف لا يقطعه إلا القدر الذي يطيقه آلته ورجاله وإذا أحياه ملكه وصار أحق به وبمرافقه التي لا بد لها منها على قدر الحاجة إليه إن كان يخرج ما يخرج منه بالأيدي، وإن كان يخرج بأعمال فكما قلناه في الموات. ومتى ما تحجر المعدن بالحفر وأراد آخر إحياءه، قال السلطان للأول إما أن تحييه أو تخلي بينه وبين غيرك، فإن استأجله أجله حسب ما قلناه في إحياء الموات سواء، ومن قال إنه لا يملك فهل للسلطان أن يقطعه أم لا؟ قيل فيه قولان: أحدهما لا يقطعه، لأنه لا يملك بالإحياء، والثاني يقطعه، كما أقطع النبي صلى الله عليه وآله بلالا وغيره. إذا أحيا مواتا من الأرض فظهر فيها معدن ملكها بالإحياء، وملك المعدن الذي ظهر فيها بلا خلاف، لأن المعدن مخلوق خلقه الأرض فهو جزء من أجزائها، وكذلك إذا اشترى دارا فظهر فيها معدن كان للمشتري دون البايع فأما إذا وجد فيها كنزا مدفونا فإن كان ذلك من دفن الجاهلية ملكه بالإصابة والظهور عليه، وحكمه حكم الكنوز وإن كان من دفن الاسلام فهو لقطة، وإن كان ذلك في أرض اشتراها فإن الكنز لا يدخل في البيع لأنه مودع فيه. إذا غنم بلدان المشركين وفيها موات قد عمل جاهلي في معدن فيه فإنه لا يكون

[ 278 ]

غنيمة، ولا يملكه الغانمون، ويكون على الإباحة كالموات، لأنه لا يدري هل من أظهره قصد التملك أم لا، فلا يدري أنه كان ملكه فيغنم، والأصل أنه على الإباحة. عفو بلاد العرب هي الموات، ويروى: عقو بلاد العرب وهي الساحة والمراد به الموات فالصحيح أنه بالفاء وهي الأرض المتروكة التي لم يعمرها أحد، ولا يكون فيها عين ولا أثر. فإذا ثبت هذا فبلاد الاسلام على ضربين: بلاد أسلم أهلها عليها، وبلاد فتحت، فأما التي أسلم أهلها عليها مثل مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله فإن العامر لأهله بلا خلاف، وأما الموات فعلى ما مضى ذكره: ما جرى عليه أثر ملك وما لم يجر عليه ملك وقد مضى بيانه. وأما التي فتحت عليه فإنها لا تخلو إما أن تكون فتحت عنوة أو صلحا فإن فتحت عنوة فإن كان عامرا كان غنيمة، وقد ذكرنا من يستحقه، عندنا جميع المسلمين وعند المخالف المقاتلة. فأما الموات فإن الذي لم يقاتلوا عنه من الموات يكون حكمه حكم موات دار الاسلام، وأما الذي قاتلوا عنه من الموات فعندنا أنه للإمام أيضا لعموم الخبر، وفي الناس من قال إن قتالهم عنه يكون تحجيرا فيكونون أولى به، وفيهم من قال ليس ذلك بتحجير، بل هو سبب للاغتنام، فيصير من جملة الغنيمة. وأما إذا فتح صلحا فلا يخلو إما أن يصالحهم على أن يكون الدار لنا أو على أن يكون الدار لهم، فإن صالحهم على أن يكون الدار لهم بشئ يبذلونه صح ذلك ويكون الدار لهم، والعامر ملكهم والموات على ما كان عليه، فمن أحيا شيئا بإذن الإمام كان أولى به، وإن أحيا المسلم منه شيئا بإذن الإمام كان أيضا أولى به، وفيهم من قال إذا أحياه المسلم لم يملك. ويفارق دار الحرب حيث قلنا إذا أحيا شيئا منها ملك، لأن دار الحرب تملك بالقهر والغلبة، فتملك بالإحياء، وليس كذلك هذه الدار التي حصلت لهم بالصلح لأن المسلمين لا يملكونها بالقهر والغلبة. وعلى مذهبنا لا فرق بين الموضعين.

[ 279 ]

وأما إذا صالحوهم على أن يكون الدار لنا صح، ويكون الحكم في ذلك حكم دار الاسلام، لأنه صار للمسلمين بالمصالحة، فحكم عامره وحكم مواته حكم عامر بلاد المسلمين ومواتها على ما مضى، وما يحصل بالمصالحة فهو فيئ وحكمه حكم الفئ في أربعة أخماسه وخمسه، فإن وقع الصلح على عامرها ومواتها كان العامر للمسلمين، والموات للإمام على ما بيناه، عند المخالف يكون الكل مملوكا لأنه يجعل المقاتلة عن الموات بمنزلة التحجير يملك به. وعلى قول بعضهم وهم الأكثر يقوم المسلمون الذين ملكوا العامر منهم مقامهم في التحجر، فيكونون أولى به من غيرهم، كما يكون المتحجر للموات أولى به من غيره. وإذا ملك معدنا في أرض أحياها أو اشتراها فظهر فيها ثم إن رجلا عمل فيه فأخرج منه قطعا فإنه لا يخلو إما أن يكون بإذنه أو بغير إذنه، فإن كان بغير إذنه فهو متعد بذلك، ولا أجرة له، وما أخرجه لصاحبه، وإن كان ذلك بإذن المالك فلا يخلو إما أن يأذن له على أن يخرجه له أو يخرجه لنفسه، فإن أذن له أن يخرجه له فما يخرجه له، وهل له الأجرة أم لا؟ قال قوم الحكم فيه كالحكم في الغسال إذا أعطاه الثوب ليغسل فغسله من غير أن يشرط له أجرة. وأما إذا أذن له على أن ما يخرجه فهو لنفسه دونه، فإن ذلك لا يصح لأنها هبة مجهولة، والمجهول لا يصح تملكه، فكل ما يخرجه فإنه لصاحب المعدن إلا أن يستأنف له هبة بعد الاخراج ويقبضه إياه، ولا أجرة للعامل، لأنه عمل لنفسه وإنما يثبت له الأجرة إذا عمل لغيره بإجارة صحيحة أو فاسدة. ويجرى ذلك مجرى أن يهب انسان زرعه وهو مجهول، فينقله الموهوب له من موضع إلى موضع آخر يذريه وينقيه ثم تبين أن الهبة كانت فاسدة، فلا يكون للموهوب له شئ من الزرع، ولا له أجرة المثل في عمله، لأنه إنما عمل لنفسه و على أنه مالكه. وأما إذا استأجره لا خراج شئ من المعدن فإنه ينظر فإن استأجره مدة معلومة

[ 280 ]

صحت الإجارة، وإن كان العمل معلوما مثل أن يقول تحفر لي كذا ذراعا صح ذلك إذا كانت الأجرة معلومة فأما إذا استأجره لذلك وجعل أجرته جزءا مما يخرجه من المعدن، مثل أن يقول لك ثلثه أو دونه، فإن كان الإجارة فاسدة لأن الأجرة غير معلومة بل هي مجهولة، وله أجرة المثل، فإن كان ذلك بلفظ الجعالة، وجعل له بعض ما يخرجه مثل أن يقول إن أخرجت منه شيئا فلك نصفه أو ثلثه، فإنه لا يجوز لأن الذي جعل له مجهول المقدار، وإن جعله معلوما فقال إن أخرجت منه كذا فلك عشرة دراهم صح ذلك، كما لو قال من جاء بعبدي أو إن جئت بعبدي فله دينار صح ذلك. الآبار على ثلاثة أضرب: ضرب يحفره في ملكه وضرب يحفره في الموات ليملكها وضرب يحفره في الموات لا للتملك، فأما ما يحفره في ملكه فإنما هو نقل ملكه إلى ملكه لأنه ملك المحل قبل الحفر، والثاني إذا حفر في الموات ليتملكها فإنه يملكها بالإحياء، والإحياء أن يبلغ الماء لأن ذلك نيلها فإذا بلغ نيل ما أراد ملك، وقبل أن يبلغ الماء يكون ذلك تحجيرا كما قلناه في المعادن الباطنة أن تحجيره ما لم يبلغ النيل فإذا بلغ النيل كان ذلك إحياء وملكه. فإذا ثبت هذا فالماء الذي يحصل في هذين الضربين هل يملك أم لا؟ قيل فيه وجهان: أحدهما أنه يملكه وهو الصحيح، والثاني أنه لا يملكه، لأنه لو ملكه لم يستبح بالإجارة، وإنما قلنا إنه مملوك لأنه نماء في ملكه مثل ثمرة الشجرة وهو معدن ظاهر مثل ساير المعادن، وإنما يستباح بالإجارة لأنه لا ضرر على مالكه، لأنه يستخلفه في الحال بالنبع، وما لا ضرر عليه فليس له منعه منه مثل الاستظلال بحائطه. فإذا قلنا إنه مملوك فليس لأحد أن يأخذه إلا بإذن، وإن أخذه كان عليه رده وإنما يجوز للمستأجر لأنه لا بد له منه، ومن قال لا يملكه قال ليس لأحد أن يأخذه أيضا، لأنه يتخطى في ملك غيره بغير إذنه فإن خالف وتخطى وأخذ ملك بالأخذ ولا يلزمه رده، كما إذا توحل في أرضه صيد فليس لغيره أن يأخذه لأنه يحتاج أن يتخطى في ملك غيره بغير إذنه، فإن خالف وأخذ الصيد ملك. وأما إذا أراد بيع شئ منه، فمن قال إنه غير مملوك لم يجز أن يبيع منه شيئا

[ 281 ]

حتى يستقيه ويحوزه فيملك بالحيازة والاستقاء، ومن قال إنه مملوك قال جاز أن يبيع منه شيئا وهو في البئر إذا شاهده المشتري كيلا أو وزنا ولا يجوز أن يبيع جميع ما في البئر، لأنه لا يمكن تسليمه، لأنه ينبع ويزيد كلما استقى شئ منه، فلا يمكن تمييز المبيع من غيره. وأما الضرب الثالث من الآبار، وهو إذا نزل قوم موضعا من الموات فحفروا فيه بئرا ليشربوا منها ويسقوا بهائمهم ومواشيهم منها مدة مقامهم، ولم يقصدوا التملك بالإحياء فإنهم لا يملكونها لأن المحيي لا يملك بالإحياء إلا إذا قصد تملكه به، فإذا ثبت أنه لا يملكه فإنه يكون أحق به مدة مقامه، فإذا رحل فكل من سبق إليه فهو أحق به، مثل المعادن الظاهرة. فكل موضع قلنا إنه يملك البئر فإنه أحق من مائها بقدر حاجته لشربه و شرب ماشيته وسقى زروعه فإذا فضل بعد ذلك شئ وجب عليه بذله بلا عوض لمن احتاج إليه لشربه وشرب ما شيته من السابلة وغيرهم، وليس له منع الماء الفاضل من حاجته حتى لا يتمكن غيره من رعي الكلاء الذي بقرب ذلك الماء، وإنما يجب عليه ذلك لشرب المحتاج إليه وشرب ماشيته فأما لسقي زرعه فلا يجب عليه ذلك، لكنه يستحب. وفيهم من قال يستحب ذلك لشرب ماشيته وسقي زرعه، ولا يجب، وفيهم من قال يجب بذله بلا عوض لشرب الماشية ولسقي الزرع، وفيهم من قال يجب عليه بالعوض فأما بلا عوض فلا. وإنما قلنا ذلك لما رواه ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: الناس شركاء في ثلاث النار والماء والكلاء. وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع فضل الماء فإذا ثبت أنه يلزمه البذل، فإنه لا يلزمه بذل آلته التي يستقي بها من البكرة والدلو والحبل وغير ذلك، لأن ذلك يبلى بالاستعمال، ويفارق الماء لأنه ينبع فيخلف وأما الماء الذي حازه وجمعه في حبه أو جرته أو كوره أو بركته أو بئره أو مصنعه أو غير ذلك فإنه لا يجب عليه بذل شئ منه، وإن كان فضلا عن حاجته بلا خلاف، لأنه لا مادة له.

[ 282 ]

هذا في ماء البئر، وأما العين الذي على ظاهر القرار، على صاحب القرار بذل الفاضل عن حاجته لماشية غيره مثل البئر سواء. الكلام في المياه في فصلين أحدهما في ملكها، والآخر في السقي منها، فأما الكلام في ملكها فهي على ثلاثة أضرب: مباح، ومملوك ومختلف فيه، فالمباح مثل ماء البحر والنهر الكبير مثل دجلة والفرات والنيل وجيحون وسيحان ومثل العيون النابعة في موات السهل والجبل فكل هذا مباح ولكل أحد أن يستعمل منه ما أراد كيف شاء بلا خلاف، لخبر ابن عباس المتقدم، وإن زاد هذا الماء فدخل إلى أملاك الناس واجتمع فيها لم يملكوه كما أنه لو نزل مطر واجتمع في ملكهم أو ثلج فمكث في ملكهم أو فرخ طائر في بستانهم أو توحل ظبي في أرضهم أو وقعت سمكة في سماريتهم (1) لم يملكوه، وكان ذلك لمن حازه بلا خلاف. وأما المملوك فكل ما حازه من الماء المباح في قربة أو جرة أو بركة أو بئر جمعه فيها، فهذا مملوك له كسائر المايعات المملوكة من الأدهان والألبان وغيرها، و متى غصب غاصب من ذلك، وجب عليه رده على صاحبه، إن كان باقيا أو مثله إن كان تالفا. وأما المختلف في كونه مملوكا فهو كل ما نبع في ملكه من بئر أو عين، فقد اختلف فيه على وجهين: أحدهما أنه مملوك، والثاني ليس بمملوك، وقد مضى ذلك وقلنا إن الأقوى على مذهبنا أنه مملوك، لأنه نماء في ملكه، ولا دليل على كونه مباحا، فمن قال إنه غير مملوك، قال: لا يجوز بيعه ولا شئ منه كيلا ولا وزنا. وإذا باع دارا فيها بئر ماء فإنه لا يدخل الماء الذي في البئر في البيع، ومن قال هو مملوك له قال يجوز أن يبيع منه كيلا أو وزنا ولا يجوز أن يبيع جميعه لأنه لا يقدر على تسليمه، فإنه يختلط به غيره. وإن باع دارا وفيها بئر ماء لم يدخل الماء في البيع لأنه مودع فيها غير متصل

(1) كأنها جمع سمروط - كزنبور - الجلد أول الطويلة تعبأ لدخول السمك، فاذا أراد الرواح لم يهتد إلى البحر.

[ 283 ]

بها، فهو بمنزلة الطعام في الدار، وقال قوم يحتمل أن يقال يدخل في البيع تابعا مثل اللبن في الضرع في بيع اللبون تابعا. ومن قال لا يدخل في البيع تابعا قال فإذا شرط صح البيع ودخل فيه، ويقول إذا باع البئر فما يحدث من الماء يكون للمشتري، فلا يتعذر تسليم المبيع إليه، و ليس كذلك إذا باع الماء وحده لأنه لا يمكن تسليم الجميع لأنه إلى أن يسلمه قد نبع فيه ماء آخر فاختلط. وأما السقي منه فإن الماء المباح على ثلاثة أضرب: ضرب هو ماء نهر عظيم مثل ماء دجلة والفرات والنيل وجيحون، فإن الناس في السقي منه شرع سواء، فلا يحتاج فيه إلى ترتيب وتقديم وتأخير لكثرته واتساعه لجميع الأراضي من الأعلى والأسفل. والثاني ماء مباح في نهر غير مملوك صغير يأخذ من النهر الكبير، ولا يسقي جميع الأراضي إذا سقيت في وقت واحد، ويقع في التقديم والتأخير نزاع وخصومة فهذا يقدم فيه الأقرب فالأقرب إلى أول النهر الصغير، لما رواه عروة أن عبد الله بن الزبير حدثه أن رجلا خاصم الزبير في شرج الحرة (1) التي يسقون بها، فقال الأنصاري: شرج الماء يمر. فأبى عليه الزبير، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للزبير: يا زبير إسق ثم أرسل إلى جارك فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر.. فقال الزبير فوالله إني لأحسب هذه نزلت في ذلك " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم " الآية (2) فدل هذا على أن الأقرب أولى، فإذا استكفى أرسله إلى من يليه. وروى أبو داود بإسناده عن ثعلبة بن أبي مالك أنه سمع كبراءهم يذكرون أن رجلا من قريش كان له سهم في بني قريظة فخاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في مهزور السيل الذي يقتسمون ماءه وفصل بينهم رسول الله صلى الله عليه وآله بأن الماء إلى الكعب لا يحبس

(1) الشرج: مسيل الماء من الحرة إلى السهل.
(2) النساء: 65.

[ 284 ]

الأعلى على الأسفل. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله قضى في سيل المهزور أن تمسك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل. تفسير ما في الحديثين: فالشراج جمع شرج وهو النهر، والحرة الحجارة السود والجدر جمع جدار، ومهروز السيل الموضع الذي يجتمع فيه ماء السيل (1) وليس بين الحديثين تنافر لأن الأرض إذا كانت مستوية وحبس الماء إلى الكعبين فإنه يبلغ الجدر فالحديثان متفقان. وروى أصحابنا أن الأعلى يحبس إلى الساق للنخل وللشجر إلى القدم و للزرع إلى الشراك، فإذا ثبت هذا فالأقرب إلى الفوهة يسقي ويحبس الماء عمن دونه، فإذا بلغ الماء الكعبين أرسله إلى جاره هكذا الأقرب فالأقرب كلما حبس الماء وبلغ في أرضه إلى الكعبين أرسله إلى من يليه، حتى تشرب الأرض كلها، فإن كان زرع الأسفل يهلك إلى أن ينتهي الماء إليه لم يجب على من فوقه إرساله إليه. وإذا أحيا على هذا النهر الصغير رجل أرضا مواتا هي أقرب إلى فوهة هذا النهر من أرضهم فإنهم أحق بمائه، فإذا فضل عنهم سقى المحيي، لأنه من مرافق ملكهم فكانوا أحق به من غيرهم مع حاجتهم إليه، فما فضل عنهم كان لمن أحيا على ذلك الماء مواتا. وأما الماء الذي في نهر مملوك فهو أن يحفروا في الموات نهرا صغيرا ليحيوا على مائة أرضا، فإذا بدءوا بالحفر فقد تحجروا إلى أن يصل الحفر إلى النهر الكبير الذي يأخذون منه الماء، فإذا وصلوا إليه ملكوه كما إذا حفروا بئرا فوصلوا إلى الماء ملكوه، وإن حفروا معدنا من المعادن الباطنة فإذا وصلوا إلى النيل ملكوه، فإذا ثبت هذا فإنهم يملكونه على قدر نفقاتهم عليه، فإن أنفقوا على السواء كان النهر بينهم بالسوية، وإن تفاضلوا كان ملكهم على قدر ما أنفقوا. فإذا تقرر هذا فالماء إذا جرى فيه لم يملكوه، كما إذا جرى الفيض إلى ملك

(1) المهزور - بتقديم المعجمة على المهملة - واد لبني قريظة.

[ 285 ]

رجل واجتمع فيه لا يملكه، لكن يكون أهل النهر أولى به لأن يدهم عليه، و ليس لأحد مزاحمتهم فيه لأن النهر ملك لهم، ولكل واحد منهم أن ينتفع به على قدر الملك، لأن الانتفاع به لأجل الملك، فإن كان الماء كثيرا يسعهم أن يسقوا من غير قسمة سقوا منه وإن لم يسعهم فإن تهابوا وتراضوا على ذلك جاز لهم ما تراضوا به وإن لم يفعلوا ذلك واختلفوا نصب الحاكم في موضع القسمة خشبة مستوية الظهر محفرة بقدر حقوقهم فإن كان لأهل ساقية مائة جريب وللآخرين ألف جريب كانت الحفر إحدى عشرة حفرة متساوية، فتكون حفرة منها لساقية من له مائة جريب، والباقي للباقي وذلك قسمة الماء العادلة.

[ 286 ]

(كتاب الوقوف والصدقات) وجوه العطايا ثلاثة: اثنان منها في الحياة، وواحد بعد الوفاة، فأما الذي بعد الوفاة فهو الوصية، ولها كتاب مفرد نذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى، وأما اللذان في حال الحياة فهما الهبة والوقف: فالهبة لها باب مفرد يجئ فيما بعد، وأما الوقف فهذا موضعه. إذا ثبت هذا فالوقف تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، وجمعه وقوف وأوقاف يقال وقفت ولا يقال أوقفت إلا نادرا شاذا، ويقال حبست وأحبست، فإذا وقف شيئا زال ملكه إذا قبض الموقوف عليه أو من يتولى عنه وإن لم يقبض لم يمض الوقف، ولم يلزم وقال قوم يلزم بنفس الوقت وإن لم يقبض والأول أصح. فإذا قبض الوقف، فلا يجوز له الرجوع فيه بعد ذلك، ولا التصرف فيه ببيع ولا هبة ولا غيرهما ولا يجوز لأحد من ورثته التصرف فيه، وليس من شرط لزومه حكم الحاكم به وفيه خلاف. وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لا حبس بعد سورة النساء وفي حديث آخر عن شريح قال جاء محمد بإطلاق الحبس، فالمعنى في ذلك في أحد أمرين أحدهما أراد حبس الزواني اللاتي ذكرهن في قوله " فأمسكوهن في البيوت " وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم. والثاني أراد الحبس الذي كان يفعله الجاهلية في نفي السائبة والبحيرة و الوصيلة والحام، قال الله تعالى " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ". فالسائبة هي الناقة تلد عشر بطون كلها إناث فتسيب تلك الناقة فلا تركب ولا تحلب إلا للضيف.

[ 287 ]

والبحيرة هي ولدها الذي تجئ به في البطن الحادي عشر، فإن كان أنثى فهي البحيرة، وسموها بحيرة لأنهم كانوا يتبحرون أذنها أي يشقونها، والبحر الشق ولهذا سمي البحر بحرا لأنه شق في الأرض. وأما الوصيلة فهي الشاة تلد خمس بطون في كل بطن عناقين، فإذا ولدت بطنا سادسا ذكرا وأنثى قيل قد وصلت أخاها فما تلد بعد ذلك يكون حلالا للذكور، و حراما على الإناث. وأما الحامي فهو الفحل ينتج من صلبه عشرة أبطن فيسيب ويقال حمى ظهره فكان لا يركب. إذا وقف أرضا أو دارا أو غيرهما وقبضه فإنه يزول ملك الواقف كما يزول بالبيع وقال بعضهم إنه لا يزول، فإذا ثبت أنه يزول وهو الصحيح فإنه ينتقل إلى الموقوف عليه وهو الصحيح وقال قوم ينتقل إلى الله تعالى ولا ينتقل إلى الموقوف عليه. وإنما قلنا إنه ينتقل إلى الموقوف عليه، لأنه يضمن بالغصب ويثبت عليه اليد وليس فيه أكثر من أنه لا يملك بيعه على كل حال، وإنما يملك بيعه على وجه عندنا، وهو إذا خيف على الوقف الخراب، وكان بأربابه حاجة شديدة أو لا يقدرون على القيام به فحينئذ لهم بيعه، ومع عدم ذلك لا يجوز بيعه، وعند المخالف لا يجوز بيعه على وجه، ومنع البيع فيه لا يدل على أنه لا يملكه لأن السيد لا يبيع أم ولده وهي ملك له، وعندنا لا يملك بيعها مع وجود ولدها، وإن كانت مملوكة. يجوز وقف الأراضي والعقار والدور والرقيق والماشية والسلاح وكل عين تبقى بقاء متصلا ويمكن الانتفاع بها، خلافا لأبي يوسف أنه لا يجوز إلا في الأراضي والدور والكراع والسلاح والغلمان تبعا للضيعة الموقوفة. وكل عين جاز بيعها وأمكن الانتفاع بها مع بقائها المتصل، فإنه يجوز وقفها إذا كانت معينة فإما إذا كانت في الذمة أو كانت مطلقة وهو أن يقول وقفت فرسا أو عبدا، فإن ذلك لا يجوز، لأنه لا يمكن الانتفاع به ما لم يتعين، ولا يمكن تسليمه ولا يمكن فيه القبض ومن شرط لزومه القبض.

[ 288 ]

فأما الكلب فإنه لا يجوز وقفه، لأنه لا يصح ملكه، وما يملك منه فأولى أن نقول إنه يصح وقفه، لأنه يمكن الانتفاع به وأما الدنانير والدراهم فلا يصح وقفها بلا خلاف، وفيهم من قال يصح وقفهما وهو شاذ، وإنما قلنا لا يجوز لأنه لا منفعة لهما مقصودة غير التصرف فيهما، وما عدا ذلك من الأواني والفرش والدواب والبهايم فإنه يجوز وقفها لما ذكرناه. ويجوز وقف المشاع كما يجوز وقف المقسوم، ويصح قبضه كما يصح قبضه في البيع. إذا وقف حصة من الأرض صح ذلك ولا يثبت فيه الشفعة لشريكه لأنه ليس ببيع، ومتى أراد صاحب الطلق أن يقاسمه صاحب الوقف فمن قال: إن القسمة بيع لم يجز القسمة، لأن بيع الوقف لا يجوز، ومن قال القسمة تميز أحد الحقين من الآخر، قال يجوز قسمته. فإن كان فيها رد من صاحب الوقف رد على صاحب الطلق جاز، لأنه يزيد في الوقف، وإن كان فيها رد من صاحب الطلق على صاحب الوقف، لم يجز لأنه يبيع جزءا من الوقف وذلك لا يجوز. فإن وقف حصته من عبده صح ذلك، فإن أعتقه الواقف لم ينفذ فيه العتق لأن ملكه زال عنه بالوقف، ومن قال لم يزل ملكه قال أيضا لا ينفذ عتقه أيضا، لأنه لا يملك التصرف فيه، وإن أعتقه الموقوف عليه لم يصح عتقه أيضا لأن من قال ينتقل ملكه إلى الله فليس بمملوك له، ومن قال انتقل إليه فقد تعلق به حق البطون التي بعده، فليس له أن يبطل حقهم بإعتاقه إياه، كما ليس للراهن أن يبطل حق المرتهن الذي تعلق بالعبد المرهون بإعتاقه إياه، وإن أعتق الشريك حصته فقد انعتق ولا يسري إلى النصف الموقوف ولا يقوم عليه موسرا كان أو معسرا لأن النصف الموقوف لا ينفذ فيه العتق المباشر فكيف ينفذ فيه عتق السراية. إذا وقف غلاما وشرط أن يكون نفقته من كسبه أو في شئ آخر كان على ما شرط، فإن أطلق ذلك كان في كسبه لأن الغرض بالوقف انتفاع الموقوف عليه، وإنما

[ 289 ]

يمكنه ذلك ببقاء عين الوقف، وإنما يبقى عينه بالنفقة، فيصير كأنه شرطها في كسبه. فأما إذا زمن العبد في شبابه أو شاخ فلم يقدر على الكسب، فمن قال إن الملك ينتقل إلى الموقوف عليه، فنفقته في ماله، لأنه عبده، ومن قال انتقل إلى الله فنفقته في مال بيت المال، وهو مال الله، وعلى مذهبنا يصير حرا بالزمانة العبد الموقوف إذا جنى فلا يخلو إما أن يكون جناية عمد توجب القصاص، أو خطأ توجب المال، فإن كانت عمدا لزمه القصاص، فإن كانت تلك الجناية قتلا قتل ويبطل الوقف، وإن كان قطعا قطع به وبقي الباقي وقفا كما كان، وإن كانت الجناية خطأ توجب المال فالمال لا يتعلق برقبته، لأنه إنما يتعلق برقبة من يباع فيه، فأما رقبة من لا يباع فالأرش لا يتعلق بها. فإذا ثبت ذلك، فمن قال إن الملك ينتقل إليه فهو في ماله، ومن قال ينتقل إلى الله فقد قيل ثلاثة أقوال أحدها إلى مال الواقف، لأنه هو الذي منع رقبته أن يتعلق بها الأرش، والثاني يكون في بيت المال كالحر المعسر إذا جنى جناية خطأ والثالث في كسبه لأن أقرب الأشياء إلى رقبته كسبه، فإذا تعذر تعلقه برقبته، تعلق بما هو أقرب إليه. فأما إذا جنى على العبد الموقوف فقتل وجبت قيمته، لأنه يضمن بالغصب فلم يخرج عن المالية، وقال قوم يشتري بها عبد آخر ويقام مقامه، سواء قيل انتقل إليه ملكه أو إلى الله، لأن حق البطون الأخر يتعلق برقبة العبد، فإذا فاتت أقيم غيرها بقيمتها مقامها، وفيهم من قال ينتقل القيمة إليه وهو الأقوى، لأنا قد بينا أن ملكه له، والأول قول من قال ينتقل إلى الله. إذا وقف جارية صح ذلك وهل يجوز تزويجها أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما يجوز لأن ذلك عقد معاوضة على منفعتها فهو كإجارتها، والثاني لا يجوز لأن قيمتها تنقص بذلك، لأن النكاح سبب الاحبال، ويخاف من الحبل عليها، والأول أقوى. فمن قال لا يجوز فلا كلام، ومن قال يجوز وقال ينتقل الملك إليه زوجها (1) وهو

(1) أي زوجها الموقوف عليه.

[ 290 ]

الصحيح ومن قال ينتقل إلى الله زوجت هي نفسها لأنها مالكة نفسها، وعند المخالف يزوجها الحاكم. فإذا تزوجت صح النكاح ووجب المهر، ويكون للموقوف عليه، لأن ذلك من كسبها، فإذا ولدت فعندنا يكون الولد لا حقا بالحرية إذا زوجت من حر، وإن زوجت من مملوك كان بينهما، وعند المخالف يكون لاحقا بأمه. فإن استكرهها انسان فوطئها فأتت بولد، فإن المهر يكون للموقوف عليه، و يلزم الواطي الحد، وأما الولد فرقيق عندنا أيضا وفي ولدها الرقيق قيل فيه وجهان أحدهما يكون طلقا ويكون للموقوف عليه لأنه نماؤها، فهو ككسبها وكثمر البستان والثاني يكون رقيقا كامها لأن حكم كل ولد ذات رحم حكم أمها مثل المدبرة عندنا، وأم الولد على مذهب القوم، وكذلك ولد الأضحية والهدي وهو الأقوى. فمن قال يكون طلقا فهو له، فإن قتل فقيمته له كرقيقه، ومن قال كأمه فإن قتل قيمته على ما مضى من القولين أحدهما يكون له، والثاني يشتري بدله غيره. فأما إذا وطئها رجل بشبهة وجب المهر ويكون له لأنه عن كسبها، والولد حر عندنا، وعندهم على الواطي قيمته، ولمن يكون؟ فمن قال إن الولد إذا كان مملوكا يكون طلقا، فالقيمة للموقوف عليه، وكذلك من قال إنه يوقف كالأم وإذا قتل كانت القيمة له، ومن قال يشتري به آخر، قال هيهنا يشتري بها آخر ويقام مقامه. فأما إذا وطئها الواقف فالحكم فيه كما لو وطئها أجنبي وقد مضى، وأما الموقوف عليه فليس له وطيها، لأن من قال الملك ينتقل إليه قال ملكه غير ثابت فلم يحل له فإن خالف فوطئها فلا حد للشبهة، والولد حر، ومن قال ينتقل إلى الله فليست ملكا له فلا يجوز له وطيها وكان عليه الحد كالأجنبي سواء. وكل موضع قلنا بأن الولد له والقيمة له، إذا أتلف لم يؤخذ منه قيمته، وكل موضع قلنا لا يكون القيمة له أو يشتري به آخر مكانه أخذت منه القيمة واشتري بها آخر يوقف مع الأم. وأما المهر فلا يلزمه لأنه لو وجب له لكان له، لأنه من كسبها، وهل تصير

[ 291 ]

أم ولد أم لا؟ من قال انتقل الملك إلى الله لم تصر أم ولد، لأنها علقت بالولد في غير ملكه، ومن قال انتقل إليه صارت أم ولد له، وعتقت بموته وتؤخذ القيمة من تركته عند المخالف، لأن ولده منها حصل بعد انقطاع حقه عنها، ويخالف إذا وجبت القيمة حال جنايته لأنها وجبت وحقه باق ثابت. فإذا ثبت أن القيمة تؤخذ من تركته فما يعمل بها؟ فمن قال إن الموقوف إذا تلف اشترى بقيمته آخر يقوم مقامه، فكذلك ها هنا يشتري بقيمتها آخر يقوم مقامه ومن قال ينتقل إليه، أعطى من يليه من البطون تلك القيمة، كما إذا وجبت القيمة وهو حي. ألفاظ الوقوف ستة: تصدقت، ووقفت، وسبلت، وحبست، وحرمت، و أبدت، فإذا قال تصدقت بداري أو بكذا لم ينصرف إلى الوقف، لأن التصدق يحتمل الوقف، ويحتمل صدقة التمليك المتطوع بها، ويحتمل الصدقة المفروضة، فإذا قرنه بقرينة تدل على الوقف انصرف إلى الوقف، وزال الاحتمال. والقرينة أن يقول: تصدقت صدقة موقوفة أو محبسة أو مسبلة أو محرمة أو مؤبدة أو قال صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث، لأن هذا كله يصرفه إلى الوقف. وكذلك إذا نوى الوقف انصرف إلى الوقف فيما بينه وبين الله ولا يصير وقفا في الحكم، فإذا أقر بأنه نوى الوقف صار وقفا في الحكم حينئذ. وأما إذا قال وقفت كان ذلك صريحا في الوقف، لأن هذه اللفظة في العادة لا تستعمل إلا في الوقف، ولا تعرفها العامة إلا فيه. فأما إذا قال حبست أو أسبلت رجع أيضا إلى الوقف، وصار وقفا وكان ذلك صريحا فيه لأن الشرع ورد بهما، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال لعمر: حبس الأصل وسبل الثمرة، وعرف الشرع آكد من عرف العادة. فأما إذا قال حرمت وأبدت فقيل فيه وجهان أحدهما أنهما كنايتان لأنه. ما ورد بهما عرف ولا عادة ولا عرف الشرع، والآخر أنهما صريحان فيه لأنهما لا يستعملان إلا في الوقف، ولا يحتملان غيره، فمن قال إنهما صريحان، قال: الحكم

[ 292 ]

على ما ذكرنا في الصريح، ومن قال كنايتان، فلا بد من القرينة أو النية على ما ذكرنا فيما هو كناية فيه من ألفاظه. هذا تفصيل مذهب الفقهاء والذي يقوى في نفسي أن صريح الوقف قول واحد وهو وقفت لا غير، وبه يحكم بالوقف، فأما غيره من الألفاظ فلا يحكم به إلا بدليل. ومن شرط صحة الوقف أن يكون الموقوف عليه ابتداء ممن يملك المنفعة، ولا يجوز أن يقف شيئا على من لا يملك في الحال، مثل أن يقف على عبد أو على من يرزق من الأولاد أو على حمل هذه الجارية ولم ينفصل الحمل بعد، بلا خلاف، ولا ينتقض بالوقف على أولاد الأولاد وما تناسلوا، لأن الاعتبار بأوله، وقد وقف أولا على من هو من أهل الملك في الحال، فإذا صح حقهم صح في حق الباقين على وجه التبع لهم. فأما الوقف على القناطر والمساجد والمارستان وغيرها مما فيه مصالح المسلمين إنما صح وإن كانت هذه الأشياء لا يملك لأن الوقف عليها لمصالح المسلمين فالوقف عليها وقف على المسلمين، والمسلمون يملكون. إذا وقف شيئا على قوم لم يخل ذلك من أحد أمرين إما أن يعلقه بما لا ينقرض مثل أن يقول وقفت هذا على أولادي وأولاد أولادي ما تناسلوا، فإن انقرضوا فعلى الفقراء والمساكين، أو قال وقفت هذا على الفقراء والمساكين، فإن ذلك وقف صحيح بلا خلاف، لأن من شرطه أن يتأبد، وقد علقه بما يتأبد. فإذا علقه بما ينقرض مثل أن يقول وقفت هذا على أولادي وأولاد أولادي، و سكت على ذلك، أو وقف على رجل بعينه أو على جماعة بأعيانهم، وسكت على ذلك، فهل يصح ذلك أم لا؟ من أصحابنا من قال يصح، ومنهم من قال لا يصح، و بهذين القولين قال المخالفون. فمن قال يصح، إذا انقرضوا صرف إلى وجوه البر والصدقة، لأن الاعتبار بصحة الوقف أوله، فإذا صح في أوله ووجدت شرائطه لا يضره بعد ذلك انقراض الموقوف عليه، ومن قال لا يصح قال: لأن من شرط صحته أن يتأبد، وإذا علقه بما ينقرض فلم يوجد شرطه فلم يصح، ومن قال لا يصح الوقف فلا كلام، ومن قال يصح، قال:

[ 293 ]

إذا انقرض الموقوف عليه لم يرجع الوقف إلى الواقف إن كان حيا، ولا إلى ورثته إن كان ميتا، وقال قوم يرجع إليه إن كان حيا وإلى ورثته إن كان ميتا، وبه يشهد روايات أصحابنا، ولأن رجوعه إلى أبواب البر يحتاج إلى دليل. ومن قال: يرجع إلى أبواب البر والصدقة، قال: هو إلى أقرب الناس إليه لأنهم أولى ببره وصدقته من غيرهم، وهل يعتبر الفقر مع القربى أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما يعتبر الفقر مع القربى، والآخر يصرف إلى الفقراء والأغنياء لأن الوقف يصح عليهم أجمع، وليس من شرطه الفقر، من راعى الفقر فقط قال يستوي فيه الذكر والأنثى، ويقدم الأولاد، لأنهم أقرب، ثم الآباء والأمهات فإن كان هناك أب وأم تساويا، وإن كان أبو أم وأبو أب تساويا، وإن كان جد وأخ ففيه قولان أحدهما سواء والثاني أن الأخ يقدم، والأول أولى. وإذا اعتبر الفقر مع القرب فإن كان أقربهم غنيا فلا اعتبار به، وكأنه معدوم والاعتبار بمن دونه من الفقراء من أقاربه، فإن افتقر بعد ذلك وقد حصلت علة الوقف قدم على غيره، لأن الشرط قد وجد وهو الفقر. وعلى هذا إذا وقف على من لا يصح عليه الوقف ثم على من يصح عليه مثل أن يقف على عبده، فإن انقرض فعلى أولاده وهم موجودون، فإن انقرضوا فعلى الفقراء والمساكين، أو وقف على عبده ثم على الفقراء والمساكين بعد ه، أو وقف على حمل أو على وارث والواقف مريض مرضا مخوفا أو وقف على مجهول مثل أن يقول وقفته على رجل أو على قوم، أو وقف على معدوم مثل أن يقف على أولاده وليس له أولاد وما أشبه ذلك فالذي يقتضيه مذهبنا أنه لا يصح الوقف، لأنه لا دليل عليه، وفي الناس من قال: يصح بناء على تفريق الصفقة، فإذا قال لا يصح تفريق الصفقة أبطل الوقف في الجميع وبقي الوقف على ملك الواقف، لم يزل عنه، ومن قال يصح تفريق الصفقة أبطل في حق من لا يصح الوقف عليه، وصححه في حق الباقين. وهذا قوي يجوز أن يعتمد عليه لأنا نقول بتفريق الصفقة، فإذا قال بهذا فهل تصرف منفعة الوقف إلى من صح في حقهم في الحال أم لا؟ ينظر، فإن كان الذي بطل

[ 294 ]

الوقف في حقه لا يمكن الوقف على بقائه واعتبار انقراضه مثل أن يقف على مجهول أو معدوم، لأنه لا يدري كم بقاء ذلك المجهول والمعدوم، فإن منفعة الوقف يصرف إلى من صح في حقهم في الحال، ويكونون أولئك بمنزلة المعدوم الذي لم يذكر في الوقف. فأما إذا كان الموقوف عليه أولا يمكن اعتبار انقراضه مثل العبد، فهل يصرف منفعة الوقف إلى من صح في حقهم في الحال؟ منهم من قال تصرف إليهم في الحال لأنه لا يستحق غيرهم، وهو الصحيح. ومنهم من قال: لا يصرف إليهم في الحال لأنه إنما جعل منفعة الوقف لهم بشرط انقراض من قبلهم، والشرط لم يوجد فلم يجز صرفه إليهم قبل وجود الشرط، فتصرف إلى الفقراء والمساكين، مدة الموقوف عليه أولا، ثم إذا انقرض رجعت إليهم. ويبدأ بفقراء أقاربه لأنهم أولى بصدقته كما قلنا إذا علق الوقف على ما ينقرض في العادة، ثم انقرض: إنه يصرف إلى فقراء أقاربه. إذا وقف مطلقا ولم يذكر الموقوف عليه، مثل أن يقول وقفت هذه الدار، وهذه الضيغة ثم سكت، فلا يبين على من وقفها عليه؟ فإنه لا يصح الوقف، وفيهم من قال يصح، ويصرف إلى الفقراء والمساكين ويبدأ بأقاربه المحتاجين إليه لأنهم أولى بصدقته، والأول أقوى، لأنه لا دليل على صحة هذا الوقف. إذا وقف وقفا وشرط أن يصرف في سبيل الله، وسبيل الثواب، وسبيل الخير صرف ثلثه إلى الغزاة والحج والعمرة على ما مضى من الخلاف وثلثه إلى الفقراء والمساكين ويبدء بأقاربه وهو سبيل الثواب، وثلثه إلى خمسة أصناف من الذين ذكرهم الله في آية الصدقة، وهم الفقراء والمساكين وابن السبيل والغارمون الذين استدانوا لمصلحة أنفسهم والرقاب وهم المكاتبون فهؤلاء سبيل الخير. ولو قيل إن هؤلاء الثلاثة أصناف متداخلة لكان قويا، لأن سبيل الله وسبيل الثواب وسبيل الخير يشترك الجميع فيه. يجوز الوقف على الذمي إذا كانوا أقاربه، وكذلك تجوز الوصية له، فإذا لم

[ 295 ]

يكونوا أقاربه لم يجز ذلك، وفي الناس من قال يجوز ذلك مطلقا. فأما وقف المسلم على البيعة والكنيسة فلا يصح، ويكون باطلا بلا خلاف، لأنها مدارس الكفر ومشتم الأنبياء والمسلمين، فالوقف عليها وقف على معصية فلم يجز، فإن وقف على من ينزلها من مارة المسلمين وأهل الذمة جاز. وإن وقف على كتب التوراة لا يجوز، لأنه مبدل مغير، لا لأنه منسوخ، لأن نسخها لا يذهب بحرمتها كما أن في القرآن آيات منسوخة، ولم تذهب حرمتها، و هذا لا خلاف فيه، ويجب أن يقال في حفظه وتلاوته إنه لا يجوز الوقف عليه لتخالف ما نسخ من القرآن. إذا كان له مولى من فوق وهو مولى نعمته فأطلق الوقف على المولى رجع إليه وإن كان له مولى من أسفل وهو مولى عتاقه ولم يكن له مولى من فوق فأطلق على المولى رجع إليه، وإن كان له مولى من فوق ومن أسفل فأطلق الوقف نظر، فإن كان هناك أمارة تدل على أنه أراد أحدهما انصرف إليه، وإن لم يكن انصرف إليهما. ومنهم من قال يرجع إلى المولى من فوق، لأن حقهم آكد، بدلالة أنهم يرثون، وفيهم من قال يبطل الوقف لأنه مجهول والأول أصح لأن الاسم تناولهما. يعتبر في الوقف وفي صرف ما يرتفع من غلاته شروط الواقف وترتيبه، فإن قدم قوما على قوم وجعل لقوم أكثر مما جعل للآخرين أو جعل ذلك لأهل الفقر والحاجة دون الغني، أو للإناث دون الذكور، أو للإناث على صفة: وهو ما لم تتزوج، فإذا تزوجت لم يكن لها فيه حق، فإذا طلقت عاد حقها، أو جعل ذلك لمن أقام في ذلك البلد أو تلك الدار دون من خرج، ومن خرج منهم من ذلك البلد انقطع حقه، فإذا عاد رجع حقه، أو جعل ذلك لمن هو يصفه على مذهب دون مذهب وما أشبه ذلك، كان الأمر على ما رتب وعلى ما شرط لا يخالف في شئ من ذلك بلا خلاف، لأن استحقاق ذلك من جهته، فهو على ما يشرطه، وتعليق الوقف بشرائط في الترتيب جايز، ولا يجوز ذلك في الوقف نفسه، لأنه إذا قال إذا جاء رأس الشهر فقد وقفت هذه الدار فلا يصح بلا خلاف.

[ 296 ]

إذا قال: وقفت هذا على أولادي وأولاد أولادي وأولاد أولاد أولادي، فإن انقرضوا فعلى الفقراء والمساكين، كان البطون الثلاثة يشتركون في ارتفاع الوقف، لأنه وقف عليهم وعطف بعضهم على بعض بالواو، وهي تقتضي الاشتراك لأنها تقتضي الجمع، و يستوي فيه الذكور والإناث، والفقراء والأغنياء، لأن اسم أولاد يتناولهم. ويدخل في ذلك أولاد البنات ذكرهم إناثهم، كما يدخل فيه أولاد البنين ذكرهم، إناثهم، وفي الناس من قال أولاد البنات لا يدخلون فيه، والأول أصح لأن الاسم يتناولهم. فإذا ثبت ذلك وقال: وقفت هذا على أولادي، وأولاد أولادي، وأولاد أولاد أولادي من انتسب منهم إلى، كان ذلك وقفا على من ينسب إليه من أولاد بنيه ولا يدخل فيه أولاد البنات، لأنهم لا ينتسبون إليه وإنما ينسبون إلى قوم آخرين. فإن قال وقفت على أولادي أو على ولدي، فإن انقرضوا فعلى الفقراء والمساكين كان ذلك وقفا على أولاد صلبه، دون أولاد أولاده، لأن ولد الولد إن كان ولدا فمن طريق المجاز، ألا ترى أنه يصح أن يقول هذا ليس بولدي، وإنما هو ولد ولي، و هو كما يسمى الجد أبا، وذلك من طريق المجاز، فإن قال وقفته على أولادي وأولاد أولادي دخل فيه البطن الأول والثاني، ولم يدخل فيه البطن الثالث، لأنه لا يقع عليه اسم ولد الولد حقيقة، وفي أصحابنا من قال إذا قال وقفت على ولدي دخل فيه ولد الولد من جهة البنين والبنات البطن الثاني والثالث وما زاد عليه، والأول أقوى. إذا قال وقفت هذا على أولادي ثم على أولاد أولادي، ثم على أولاد أولاد أولادي ثم على الفقراء والمساكين فقد شرط فيه الترتيب، فيقدم البطن الأول ولا يشاركهم الثاني في ارتفاع الوقف، فإذا انقرضوا كان للبطن الثاني، ولا يشاركهم الثالث حتى ينقرضوا وعلى هذا، لأن ثم للترتيب، وتقديم البعض على البعض. وكذلك إذا قال وقفت هذا على أولادي، فإذا انقرضوا فعلى أولاد أولادي، فإذا انقرضوا فعلى أولاد أولاد أولادي، فإذا انقرضوا فعلى الفقراء والمساكين، فقد شرط

[ 297 ]

الترتيب أيضا لأنه شرط في الوقف على البطن الثاني انقراض البطن الأول، فيكون على ما ذكرناه. وكذلك إن قال: وقفت هذا على أولادي، وأولاد أولادي، وأولاد أولاد أولادي الأعلى فالأعلى، أو قال: البطن الأول ثم الثاني ثم الثالث، فإن ذلك على الترتيب. وإن قال وقفت هذا على أولادي، ثم على أولاد أولادي، وأولاد أولاد أولادي، فقد رتب البعض فيقدم البطن الأول ولا يشاركهم أحد من البطن الثاني والثالث، فإن انقرضوا اشترك فيه البطن الثاني والثالث، لأنه جمع بينهما وتساويا واشتركا. إذا قال وقفت هذا على أولادي وأولاد أولادي وأولاد أولاد أولادي ما تناسلوا فإن انقرضوا فعلى أقرب الناس إلى، فإن الوقف على أولاده ما تناسلوا، فإذا انقرضوا فأقرب الناس إليه بعد البنين الآباء والأمهات، فإن كان أبوه حيا صرف إليه وكذلك إن كانت أمه حية صرف إليها، وإن كانا حيين فإليهما، وإن كان جد وأم فالأم أقرب يصرف إليها وأبو الأم وأبو الأب سواء لأنهما في درجة واحدة في الولادة. وعلى هذا إذا اجتمع أخ وجد فهو بينهما، وإن اجتمع إخوة متفرقون كان الأخ من الأب والأم أولى من غيره، لأن الانفراد بقرابة تجري مجرى التقدم بدرجة فيكون الأخوة من الأب والإخوة من الأم بمنزلة بني الإخوة مع الأخ ولهذا كان أولى بالميراث. فإن اجتمع أخ من أب وابن أخ من أب وأم قدم الأخ من الأب لأن التقدم حصل من جنبته وحصل في جنبة ابن الأخ انفراد بقرابة هو بمنزلة التقدم، وهذا كما نقول في " الولاء بمنزلة النسب " فإذا اجتمعا قدم النسبة عليه والخال والخالة في القربى سواء وكذلك العم والعمة، والخال والعمة، كلهم سواء لأن الاعتبار بالدرجات وهم فيها سواء، ولا اعتبار بالميراث عند المخالف، وعندنا أن الميراث يجري على هذا المنهاج فسوينا بين الميراث، وبين هذه المسائل. إذا كان له ثلاثة أولاد وله أولاد أولاد فقال: وقفت هذا على أولادي، ثم على أولاد أولادي، فإن أولاده يتقدمون، فيكون لهم ارتفاع الوقف، فإن انقرضوا صار

[ 298 ]

لأولاد أولاده، وإن مات أحدهم صرف حصته إلى الآخرين، ولا يصرف إلى أولاد أولاده لأنه شرط انقراض أولاده، وبعد ما انقرضوا. وفي الناس من قال: إن اللفظ أفاد أن حصة الميت منهم تصرف إلى الآخرين ومنهم من قال لا نستفيد ذلك باللفظة، وإنما نستفيده بالاشتراك، لأنه لا يمكن أن يجعل لأولاد أولاده، لأن الشرط ما وجد وهو الانقراض، وليس هناك من هو أولى منهما، فصرف إليهما حصته. هذا إذا أطلق، فأما إذا صرح فقال: فمن مات من أولادي فحصته تصرف إلى الباقين منهم، فإنه تصرف إليهم حصة الميت منهم، لأنه صرح بذلك وإن قال: فمن مات من أولادي فحصته لا بنه كانت حصته لا بنه على حسب ما شرط. إذا قال وقفت هذا على أولادي، فإن انقرضوا وانقرض أولاد أولادي فهو على الفقراء والمساكين فقد صرح بالوقف على أولاده أولا وعلى الفقراء والمساكين أخيرا وأطلق أولاد أولاده، فمن الناس من قال لا يكون لهم من الوقف شئ، لأنه لم يقف عليهم، وإنما شرط انقراضهم في الوقف على الفقراء والمساكين، فعلى هذا إن انقرض أولاده وبقي أولاد أولاده صرف ارتفاعه إلى أقرب الناس إليه إلى أن ينقرضوا، فإن انقرضوا صرف إلى الفقراء والمساكين. ومنهم من قال يكون وقفا على أولاد أولاده، بعد انقراض أولاده، لأنه شرط انقراضهم، وذلك بظاهره يقتضي أنه وقف عليهم، فهو كما لو صرح به، فعلى هذا يصرف إليهم بعد الأولاد، فإذا انقرضوا صرف إلى المساكين وهذا أقوى. إذا وقف في مرضه المخوف وكذلك صدقة التمليك والهبة والوصية لأصحابنا فيه روايتان إحداهما أن ذلك من الثلث، وهو مذهب المخالفين، والأخرى أن ذلك منجز في الحال، فإذا ثبت الأول فإن كان الموقوف عليه وارثا عندنا لزم من الثلث على كل حال، وعند المخالف لا يلزم شئ حتى يجيزه باقي الورثة، لقولهم إنه لا وصية لوارث، فإن كان على أجنبي وخرج من الثلث لزم الوقف، وإن كان لا يخرج من ثلثه، فإن أجازت الورثة ما زاد على الثلث، لزم في الجميع، وإن لم تجز

[ 299 ]

ذلك لزم في قدر الثلث، وبطل فيما زاد عليه. وأما إذا وقف في مرضه ووهب وأقبض وأعتق وباع وحابى ومات، فإن كان الثلث يفي بالجميع نفذ ذلك كله، وإن كان لا يفي بالجميع قدم الأول فالأول وسواء في تمليك العتق وغير العتق الباب واحد على ما ذكرناه من الخلاف. فأما إذا كانت العطايا مؤخرة مثل أن يوصي بوقف أو عتق أو بيع بمحاباة وما أشبه ذلك، فإن وفى الثلث بالجميع فذاك، وإن لم يف بالجميع، فإن لم يكن في جملتها عتق قسم الثلث عليها بالحصص، ولا يقدم بعضها على بعض، لأنها كلها تنجزت في وقت واحد: وهو وقت الموت. هذا عند المخالف وعندنا أنه يقدم الأول فالأول، مثل الأول سواء. وإن كانت في جملتها عتق قيل فيه قولان أحدهما يقدم العتق لمزيته وغلبته والثاني لا يقدم ويكون كواحد منها، فيقسم الثلث بالحصص، وعندنا أن كون العتق فيها لا يغيرها يقدم الأول فالأول، فإن لم يعلم ذلك قسم عليها بالحصص. إذا قال هذا وقف على فلان سنة لا يصح الوقف، وقال قوم يصح لأن القصد به الصدقة، وانصرف إلى وجه البر، فإذا مضت السنة صرف إلى الفقراء والمساكين ويبدأ بقراباته لأنهم أو لي الناس بصدقته. إذا قال: إذا جاء رأس الشهر فقد وقفت هذه الدار على فلان لم يصح الوقف بلا خلاف لأنه مثل البيع والهبة، وعندنا مثل العتق أيضا. إذا وقف على بني تميم أو على بني هاشم صح الوقف، وإن كانوا غير محصورين مثل الفقراء والمساكين، وفي الناس من قال لا يصح لأنهم غير محصين (1) فهو مجهول. ولا يصح أن يقف على نفسه على جهة الخصوص، وفيه خلاف مع أبي يوسف و جماعة، فإن أنفذ الحاكم وحكم بصحته لم ينفذ حكمه، وعند قوم أنه ينفذ حكمه (2). فأما إذا وقف وفقا عاما مثل أن يوقفه على المسلمين جاز له الانتفاع به، بلا خلاف لأنه يعود إلى أصل الإباحة فيكون هو وغيره سواء.

(1) غير محصورين خ ل.
(2) كان في النسخ تقديم وتأخير صححناه على كتاب الخلاف.

[ 300 ]

إذا وقف وقفا وشرط فيه أن يبيعه أي وقت شاء كان الوقف باطلا لأنه خلاف مقتضاه، لأن الوقف لا يباع، وإن شرط أن يخرج من شاء منهم ويدخل في ذلك من شاء، وأن يفضل بعضهم على بعض إن شاء أو يسوى بينهم إن شاء، كان ذلك كله باطلا لأنه شرط لنفسه التصرف فيما هو ملك لغيره، هذا بلا خلاف وقد روى أصحابنا أنه يجوز أن يدخل فيهم غيرهم، وأما الاخراج والنقل، فلا خلاف عندنا أيضا فيه. إذا بنى مسجدا وأذن لقوم فصلوا فيه أو بنى مقبرة فأذن لقوم فدفنوا فيه لم يزل ملكه حتى يبينه لفظا على ما بيناه فيما مضى، وقال قوم يزول ملكه إذا أذن وصلوا فيه، ودفنوا في المقبرة، والأول أصح لأنه لا دليل على زوال ملكه والأصل بقاؤه. إذا وقف مسجدا وخرب وخربت المحلة أو القرية لم يعد ملكه، وقال محمد بن الحسن يعود المسجد إلى ملكه والأول أصح، لأنه ثبت زوال ملكه وعوده يحتاج إلى دليل. وإذا ذهب السيل بالميت أو أكله السبع عاد الكفن إلى ملك الورثة، غير أن المورث أحق به، فعلى هذا لا نسلم أنه يدخل في ملكهم باستغناء الميت عنه، لأنه كان في ملكهم قبل ذلك. وفيهم من قال إن الكفن يستر الميت، فإذا ذهب السيل الميت أو أكله السبع زال المعنى ولا يرجى عوده، وليس كذلك المسجد، لأنه إنما وقف للصلوة، وذلك المعنى حاصل، لأن المارة يصلون فيه، ويرجى عمارة القرية كما كانت. فأما إذا وقف دارا على قوم ثم انهدمت الدار لم يكن للموقوف عليهم بيع العرصة وقال أحمد: لهم بيع العرصة، لأنهم لا يتوصلون إلى الانتفاع بها إلا على ذلك الوجه وقد بينا مذهبنا أنه يجوز بيع الوقف إذا خيف خرابه وبطلانه أو خيف خلف بين الأرباب. إذا انقطعت نخلة من أرض الوقف أو انكسرت جاز بيعها لأرباب الوقف، لأنه

[ 301 ]

تعذر الانتفاع بها على الوجه الذي شرطه، وهو أخذ ثمرتها، وقيل لا يجوز لأنه لا يجوز بيعه قبل الاختلال، فكذلك بعده، والأول أقوى. إذا وقف على بطون فأكرى البطن الأول عشر سنين وانقرضوا لخمس سنين فإنه تبطل الإجارة، لأن الموت يبطلها على ما بيناه، ومن قال الموت لا يبطلها قال ها هنا لا يبطل، وربما قال يبطل ها هنا، لأن البطن الثاني يأخذ عن الواقف، لا عن البطن الأول، فقد بينا أنهم تصرفوا في حق الغير وكان باطلا. فإذا ثبت هذا، فمن قال لا تبطل، فللبطن الأول ما قابل مدتهم وللبطن الثاني ما قابل مدتهم من الأجرة، فإن كان القدر الذي يخص البطن الثاني على المستأجر أخذوه منه، وإن كان البطن الأول أخذوه رجعوا عليهم في تركتهم به، ومن قال يبطل، فهل يبطل في الثاني؟ قيل فيه قولان، مثل تفريق الصفقة أصحهما أنه لا يبطل في الجميع والثاني يبطل (1). فمن قال يبطل في الجميع كان للبطن الأول أجرة المثل لمدتهم، وكان البطن الثاني بالخيار فيما بقي من المدة، فإن شاؤا أكروه إياه وإن شاؤا أكروه من غيره ومن قال لا يبطل وهو الصحيح، فللبطن الأول ما قابل ذلك من المسمى، والبطن الثاني بالخيار في حقهم على ما مضى. إذا وقف على قوم وجعل النظر في الوقف إلى نفسه كان النظر إليه، وإن جعله إلى غيره كان النظر إلى من جعله إليه، وإن أطلق ذلك قيل فيه وجهان، بناء على انتقال الملك، فمن قال ينتقل الملك إلى الله، فالنظر إلى الحاكم في الوقف، ومن قال ينتقل إلى الموقوف عليه فالنظر إليهم. إذا وقف شاة كان صوفها ولبنها من منافعها، وهي للموقوف عليه. الناس في الصدقة على ثلاثة أضرب النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام وسائر الناس فأما النبي صلى الله عليه وآله فالصدقة المفروضة محرمة عليه، وكذلك أهل بيته لقوله عليهم أفضل

(1) في بعض النسخ: ومن قال يبطل فهل يبطل في الجميع أم لا؟ فيه قولان أحدهما يبطل والثاني لا يبطل.

[ 302 ]

الصلوة والسلام: إنا أهل البيت لا تحل لنا الصدقة، وروي أنه عليه السلام رأى تمرة ملقاة فقال: لولا أني أخشى أن تكوني من تمر الصدقة لأكلتك، وقال عليه السلام لفضل بن عباس لما طلب العمالة على الصدقات: أما في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس؟ وأما صدقة التطوع فإن النبي صلى الله عليه وآله ما كان يقبلها، لأنه رد صدقة سلمان فلما حمل فيما بعد وقال هذا هدية، قبلها وأكلها، وأكل من لحم من تصدق على بريدة وقال هو لها صدقة، ولنا هدية، وهل كان للتحريم أو الاستحباب؟ قيل فيه قولان أصحهما أنه على وجه الاستحباب. فأما أهل بيته فالصدقة المفروضة محرمة عليهم من غيرهم عندنا، ولا يحرم من بعضهم على بعض، والفقهاء يطلقون ذلك. وأما صدقة التطوع فلا تحرم عليهم من غيرهم عندنا وعندهم: روي أن الحسن عليه السلام أخذ تمرة من الصدقة المفروضة فأكلها فقال النبي صلى الله عليه وآله كخ كخ يعني ارم بها. وأما التطوع فحلال لهم بلا خلاف: روي أن جعفر بن محمد عليه السلام كان يشرب من السقايات التي بين مكة والمدينة فقيل له في ذلك، فقال إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة. فإذا ثبت هذا فالمعنى بأهل بيته بنو هاشم خاصة، هم ولد أبي طالب والعباس وأبي لهب وليس لهاشم عقب إلا من هؤلاء، وأضاف قوم من المخالفين بني عبد المطلب وجميع ولد عبد مناف، وهم أربعة هاشم، والمطلب، ونوفل، وعبد شمس، وكذلك قولهم في سهم ذي القربى، والصحيح الأول، لإجماع الفرقة على ذلك. فأما آل الرسول الذين نذكرهم في التشهد، فقد قيل بنو هاشم وبنو عبد المطلب وقيل هم المؤمنون كلهم، وآل الرجل أتباعه وأشياعه وأنصاره قال الله تعالى " أدخلوا آل فرعون أشد العذاب " (1) وعندنا أن آل النبي صلى الله عليه وآله هم أهل بيته خاصة الذين هم ولده، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

(1) غافر: 46.

[ 303 ]

(كتاب الهبات) الهبة جائزة لكتاب الله تعالى وسنة نبيه وإجماع الأمة فالكتاب قوله تعالى " تعاونوا على البر والتقوى (1) " والهبة من البر. وقوله تعالى " ليس البر أن تولوا وجوهكم " إلى قوله " وآتي المال على حبه ذوي القربى (2) " الآية. والسنة ما رواه محمد بن المنكدر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال كل معروف مرغب فيه، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال لو أهدى إلى ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت، وروى أبو قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله كان يأمر بالهدية صلة بين الناس، وروى عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: تدرون أي الصدقة خير؟ قلنا الله ورسوله أعلم، قال: خير الصدقة المنحة. والمنحة أن يمنح الرجل أخاه الدراهم، أو يمنحه ظهر الدابة أو يمنحه لبن الشاة. وروت عايشة أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. وأما الاجماع فقد اجتمعت الأمة على جواز الهبة واستحبابها. إذا تقرر هذا فالهبة والصدقة والهدية بمعنى واحد، ولهذا نقول إذا حلف لا يهب هبة فتصدق على مسكين بقطعة أنه يحنث، غير أنه إذا قصد الثواب والتقرب بالهبة إلى الله عز وجل سميت صدقة، وإذا قصد به التودد والمواصلة سميت هدية. إذا ثبت هذا فإنه لا يلزم شئ منها إلا بالقبض، وكذلك الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وكذلك العارية، وله أن يرجع فيها ويسترجع العارية، وكذلك إذا كان له دين حال فأجله فيه كان ذلك هبة، فلا يلزم التأجيل إلا بمضيه، فأما ما لم يمض

(1) المائدة: 2.
(2) البقرة: 177

[ 304 ]

فهو تطوع غير لازم، وله أن يرجع عنه ويطالبه بالرد في الحال، وقال قوم يلزم ذلك كله بنفس العقد، ولا يفتقر إلى القبض، ويتأجل الحق بالتأجيل، ويلزم الأجل والأول أصح، لأن ما ذكرناه مجمع على لزومه به، وما ذكروه ليس عليه دليل. فإذا ثبت أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، فإذا وهب شيئا هبة صحيحة ثم إنه باعها فإن كان قبل الاقباض صح البيع وانفسخت الهبة، وإن كان بعد القبض لم يصح البيع لأنه صار ملكا لغيره. وإن كانت الهبة فاسدة فباع قبل القبض صح البيع، وإن باع بعد القبض فإن كان يعلم أنها فاسدة، وأنه لا يملك بها صح البيع، وإن كان يعتقد أنها صحيحة و أن الموهوب له قد ملكها فهل يصح البيع؟ قيل فيه وجهان أحدهما يصح لأنه صادف ملكه وهو الصحيح، والثاني لا يصح لأنه لا يبيع ويعتقد أنه متلاعب بذلك، كما نقول في الرجل يبيع مال مورثه وعنده أنه ما مات، ثم يتفق أن يكون قد مات قبل البيع، قيل فيه قولان، وكذلك إذا كاتب عبده كتابة فاسدة، ثم إنه أوصى برقبته، وهو معتقد صحة الكتابة ولزومها، فهل تصح الوصية؟ على قولين أحدهما تصح لأنها صادفت ملكه، والثاني لا تصح، لأنه يعتقد أن الوصية لا تصح، وأن الكتابة لازمة له. إذا ثبت أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض فإذا قبض الموهوب لم يخل إما أن يكون قد قبض بإذن الواهب أو بغير إذنه، فإن كان قبضه بإذنه صح القبض ولزمت الهبة و حصل الملك ويحصل الملك من حين القبض. ومنهم من قال يتبين بالقبض أن الملك قد وقع بالعقد كما قلناه في الوصية فإن الموصى له إذا قبل تبينا بالقبول أن الملك حصل بالموت والصحيح الأول، لأن القبض من شرطه في حصول الملك كما نقول إنه شرط في لزوم الرهن، فأما إذا لم يأذن له في القبض فليس له أن يقبضه، فإن قبضه كان القبض فاسدا ووجب عليه رده [ كما أنه إذا قبض المبيع قبل تسليم الثمن كان القبض فاسدا ووجب عليه رده. ]. وفي الناس من قال إن القبض إذا حصل في المجلس بغير إذن الواهب صح ولزم

[ 305 ]

العقد، وإن قام من المجلس لم يكن له أن يقبضه إلا بإذنه، فإذا قبضه بعد هذا بغير إذنه لم يلزم العقد، ولزمه رده. إذا وهب له شيئا وقبل الموهوب له الهبة، ثم مات الواهب قبل القبض، فهل تبطل الهبة أم لا؟ قبل فيه وجهان أحدهما أنه لا يبطل العقد بموت الواهب مثل البيع في مدة الخيار وقام الوارث مقامه، وهو الصحيح، والآخر أنه يبطل لأنه عقد جائز مثل الشركة والوكالة. إذا وهب له هبة وقبل الموهوب له ثم أذن له في قبضها ثم رجع عن الإذن، فإنه ينظر، فإن كان بعد القبض لم ينفعه رجوعه، ولزم العقد، وإن كان قبل القبض لم يكن له القبض، وإن قبض لم يلزم العقد كما نقول في السيد يأذن لعبده في الاحرام بالحج والنكاح، ثم يرجع، فإن رجع قبل العقد بطل الإذن، وإن رجع بعد العقد لم ينفعه رجوعه. إذا وهب له شيئا في يده مثل أن يكون له في يده وديعة فيهبها له نظر، فإن أذن له في القبض ومضى بعد ذلك زمان يمكن القبض فيه لزم العقد، وإن لم يأذن له في القبض، فهل يلزم القبض بمضي الزمان الذي يمكن فيه القبض أو لا بد من القبض فمنهم من قال الإذن شرط فيه، ومنهم من قال لا يفتقر إلى الإذن، وهو الأقوى، لأن إقرار يده عليه بعد العقد دليل على رضاه بالقبض. إذا وهب للصبي المولى عليه شئ نظر، فإن كان الواهب غير وليه قبل الولي سواء كان بغير تولية مثل الأب والجد أو بتولية كالوصي، وإن وهب الولي للصبي فإن كان وليا بغير تولية قبلها أيضا ويصح ذلك كما يصح منه في البيع أن يكون موجبا قابلا وهذا هو مذهبنا، وإن كان بتولية لم يصح أن يقبلها كما لا يصح أن يبيع من الصبي شيئا بنفسه أو يشتري منه، وينصب الحاكم أمينا يقبل منه هبته للصبي فإذا قبلها صحت الهبة. إذا قال: وهبت له هذا الشئ وقبل الهبة وأقبضته إياها. صح العقد، ولزم بإقراره سواء كان الموهوب في يد الواهب أو في يد الموهوب له، لأن كونه في يد الواهب

[ 306 ]

لا يدل على أنه ما أقبضه بعد، لأنه يجوز أن يكون أقبضه ثم رجع إليه بسبب آخر. فإن قال بعد ذلك ما كنت أقبضه إياها وإنما كنت وعدته بالقبض لم يقبل رجوعه عن إقراره، لأنه مكذب نفسه فيما تقدم من إقراره، فإن قال حلفوه لي أنه كان قد قبضه، فهل يحلف أم لا؟ قيل إنه يحلف وهو الصحيح، وفي الناس من قال إن كان يدعي أن وكيله أخبره أنه أقبضه إياه فأخبر على ذلك الظاهر ثم بان له بعد ذلك أنه ما كان قد أقبضه وكذب في قوله، حلف المقر له بالهبة فأما إذا لم يدع ذلك وكان إقراره بقبض تولاه بنفسه لم يحلف له الموهوب له. وإذا قال وهبت هذا الشئ له وخرجت إليه منه فليس هذا بصريح في الاقرار بالقبض فينظر، فإن كان الموهوب في يد الموهوب له، كان ذلك إقرارا بالقبض ويكون ذلك أمارة على أنه أراد به القبض، وإن كان في يد الواهب لم يلزمه الاقرار بالقبض ويكون معنى قوله خرجت إليه منه أنه أذن له في القبض ولم يقبض بعد. ولو قال وهبته له وملكه لم يكن إقرارا بلزوم الهبة لأنه يجوز أن يقول ذلك على قول مالك، لأن عند مالك يلزم بنفس العقد ويملك الموهوب، فلا يلزمه الهبة مع احتماله. ولو قال: وهبت لي هذا الشئ وأقبضتنيه وملكته؟ فقال نعم، كان ذلك إقرارا بلزوم الهبة، فكأنه قال: وهبت لك الشئ وأقبضتكه وملكته، لأن لفظ نعم يرجع إلى جميع ذلك على وجه التصديق، ولهذا لو قال لرجل لي عليك ألف درهم؟ فقال نعم كان إقرارا بالألف على نفسه، فكأنه قال لك على ألف درهم. هبة المشاع جايزة سواء كان ذلك مما يمكن قسمته أو لا يمكن قسمته، وفيه خلاف، فإذا ثبت ذلك فإن وهب شيئا مشاعا فلا يخلو أن يكون مما ينقل ويحول أو مما لا ينقل، مثل أن يهب له نصف دار، فالقبض فيها التخلية، فإذا خلى بينه وبينها فقد حصل القبض، ولزم العقد. وإن كان مما ينقل فلا بد من القبض، والقبض النقل والتحويل، ولا يمكن النقل والتحويل إلا بإذن الشريك، فيقال للشريك أترضى أن يقبض الموهوب له الكل

[ 307 ]

فيصير نصفه مقبوضا ونصفه وديعة لك عنده؟ فإن أجاب فذاك، وإن أبى قيل للموهوب له أترضى أن توكل الشريك فيقبض الكل نصفه لك ونصفه له، فإن أجاب قبض له وإن أبى كل واحد منهما نصب الحاكم من يقبض الكل، نصفه قبض هبة ونصفه قبض أمانة للشريك، حتى يتم عقد الهبة بينهما. إذا وهب رجل شيئا لرجلين فإن قبلا وقبضا تمت الهبة في الجميع، وإن قبل أحدهما وقبض تمت الهبة في النصف، لأنه بمنزلة العقدين، لأن العقد الواحد مع الاثنين بمنزلة العقدين والصفقتين إذا انفردتا. النحلة هي العطية، يقال نحل ونحل ونحلة، قال الله تعالى " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة (1) " أي عطية عن طيب نفس، وأكثر ما يستعمل في عطية الولد، يقال نحل ولده نحلة والعطية مندوب إليها ومرغب فيها، وهي للولد وذي الرحم والقرابة أفضل والثواب بها أكثر لقوله تعالى " وآتي المال على حبه ذوي القربى و اليتامى (2) " فبدأ بالقرابة. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال صدقتك على غير ذي رحمك صدقة، وصدقتك على ذي رحمك صدقة وصلة، وروي أن زينب امرأة عبد الله بن مسعود كانت صناعا و كانت تنفق على زوجها وولده، فأتت النبي صلى الله عليه وآله وقالت يا رسول الله: إن عبد الله وولده شغلاني عن الصدقة، فقال النبي صلى الله عليه وآله: لك في ذلك أجران أجر الصلة وأجر الصدقة. وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال أفضل الصدقة على ذي رحم كاشح، وقال: لا يدخل الجنة قاطع رحم، وقال من سره أن ينسأ في أجله ويوسع في رزقه، فليصل رحمه وقال تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يقول الله تعالى: أنا الرحيم، وإنما خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته.

(1) النساء: 4.
(2) البقرة: 177.

[ 308 ]

فإذا ثبت هذا فالمستحب إذا أعطى ولده أن يقسم بينهم ويسوى بين جماعتهم ولا يفضل بعضهم على بعض، سواء كانوا ذكورا أو إناثا أو ذكورا وإناثا فإذا ثبت ذلك فإن خالف ففاضل أو أعطى بعضهم وحرم الباقين جاز ذلك، ووقعت العطية موقعها، و يصح استرجاعها منهم، إذا كانوا كبارا ويقسمه بالسوية، وفي الناس من قال يصح استرجاعها من الصغار. فإذا ثبت أن له الرجوع فيها إذا كانوا كبارا وعنده وإن كانوا صغارا لم يخل حال الموهوب من ثلاثة أحوال إما أن يكون بحالة لم تزد ولم تنقص، أو نقص أو زاد فإن كان بحاله كان له الرجوع فيه، وإن كان قد نقص في يد الموهوب له كان له الرجوع أيضا وليس له المطالبة بأرش ما نقص، وإن كان قد زاد لم تخل الزيادة من أحد أمرين إما أن تكون زيادة متميزة أو غير متميزة فإن كانت غير متميزة مثل السمن وغيره كان له الرجوع فيه مع زيادته لأن النماء الذي لا يتميز يتبع الأصل. وإن كانت الزيادة متميزة لم تخل إما أن تكون ولدا أو غيره، فإن كان غيره مثل أن يكون شجرة فأثمرت أو عبدا اكتسب فإنها تكون للموهوب له لأنه تميز في ملكه ويسترجع الواهب العين بلا نماء وإن كان النماء ولدا، فلا يخلو [ إما ] أن تكون الموهوبة حين وهبها حايلا أو حاملا. فإن كانت حاملا ووضعت قبل الرجوع، فمن قال لا حكم للحمل قال يرجع في الأم دون الولد، ومن قال له حكم قال يرجع فيهما معا، وإن كان رجع قبل الوضع استرجعها مع الولد على كل حال. وإن كانت حائلا ثم حملت بعد ذلك فإنه ينظر، فإن وضعت قبل الرجوع فإنه يرجع في الأم دون الولد، لأنه نماء حدث في ملك الموهوب له، لم يتناوله العقد وإن كان رجع قبل الوضع فمن قال للحمل حكم فهو كما لو كان منفصلا فيرجع في الأم دون الحمل، ومن قال لا حكم له، رجع فيهما. هذا إذا كان الموهوب له لم يتصرف في الموهوب فأما إذا تصرف فيه فلا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن يكون مما لا يقطع فيه مثل أن يكون آجره أو زوجه أو أعاره

[ 309 ]

فإن ذلك العقد لا يمنع رجوعه فيه، لأن ذلك لا يمنع التصرف، وإن كان ذلك مما يقطعه قطعا مراعى مثل أن يكون كاتبه أو رهنه فإن التصرف موقوف (1) على ما يبين في آخر الأمر من العتق بالأداء أو الفسخ بالعجز، أو القضاء من غير الرهن وانفكاك الرهن أو الامتناع من القضاء وبيع الرهن وقضاء الحق منه، فإن رجوعه في الموهوب يكون موقوفا على ذلك، فإن انفك الرهن وانفسخت الكتابة رجع، وإن بيع الرهن أو عتق المكاتب بالأداء سقط حق الرجوع. وإن كان ذلك مما يقطع التصرف قطعا تاما، مثل أن يبيعه أو يهبه ويقبضه فإن كان وهبه لم يخل إما أن وهبه لمن يجوز له الرجوع في هبته، أو لمن لا يجوز له الرجوع في هبته: فإن وهبه لمن يجوز له الرجوع في هبته فهل للواهب أن يرجع في الهبة التي حصلت في يد ولد ولده أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما له، والثاني ليس له، لأنه ما ملكه منه، وإنما ملكه من غيره. والذي يقتضيه مذهبنا أنه متى تصرف فيه الموهوب له بطل حكم الرجوع لعموم الأخبار. وأما إذا وهبه لمن ليس له الرجوع في هبته أو باعه، سقط بذلك حق الرجوع فيها، فإن عاد بعد ذلك إلى ملكه فهل له أن يرجع فيه؟ قيل فيه وجهان: أحدهما يرجع فيه، والثاني ليس له. فإذا فلس الموهوب له وحجر عليه، والعين الموهوبة قائمة بحالها، قيل فيه وجهان: أحدهما أن الواهب أولى بها من الغرماء لأن حقه أسبق، والثاني الغرماء أولى كما أن المرتهن أولى بعين الرهن من الراهن، والأول أصح إذا كان ذلك فيمن له الرجوع في هبته. إذا وهب لأجنبي أو لقريب غير الولد فإن الهبة تلزم بالقبض، وله الرجوع فيها، وفيمن وافقنا فيه من قال إذا لم يكن لذي رحم محرم أو زوج أو زوجة، وعندنا أن الرجوع في هبة الزوج أو الزوجة مكروه، فأما إذا كانت الهبة لولده الصغار فليس

(1) كان في النسخ هنا تقديم وتأخير اختل به المعنى، صححناه بالقرينة.

[ 310 ]

له الرجوع فيها بحال. الهبات على ثلاثة أضرب: هبة لمن هو فوق الواهب، وهبة لمن هو دونه، وهبة لمن هو مثله. فأما الهبة لمن هو دونه، فمثل هبة السلطان للرعية، والأستاذ للغلام، والغني للفقير، فإنها لا تقتضي الثواب، لأنه يقصد بها نفع الموهوب له، وأما الهبة لمن هو مثله فمثل أن يهب السلطان لمثله، والغني للغني، والتاجر للتاجر، فإنها لا تقتضي الثواب أيضا لأنها للتحاب والتواد. وأما الهبة لمن هو فوقه من هبة الرعية لسلطانهم، والفقير للغني، والغلام للأستاذ، فهل يقتضي الثواب أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما يقتضي الثواب، والثاني لا يقتضي الثواب. هذا قول مخالفينا والذي يقتضيه مذهبنا أنه يقتضي الثواب على كل حال لعموم الأخبار في ذلك، مثل ما رواه أصحابنا وقد أوردناها في الكتاب الكبير في الأخبار. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال الواهب أحق بهبته مال يثب (1) منها، و روي عن عائشة أنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقبل الهدية ويثيب عليها. فإذا ثبت هذا فمن قال لا يقتضي الثواب قال إذا وهب لا يخلو إما أن يطلق أو يشرط الثواب، فإن أطلق فإنها تلزم بالتسليم ولا رجوع له فيها، وإن أثابه الموهوب له كان ذلك ابتداء هبة، ولا يكون بدلا في الحقيقة، ولا يتعلق إحدى الهبتين بالأخرى فإذا وقع الاستحقاق (2) في أحدهما واسترجعت لم يؤثر ذلك في الأخرى. وإن شرط الثواب لم يخل إما أن يشرط ثوابا مجهولا أو معلوما، فإن شرط ثوابا مجهولا كان العقد باطلا، لأنه تمليك عين ببدل مجهول، وذلك لا يجوز كالبيع بثمن مجهول، وإن شرط ثوابا معلوما قيل فيه قولان أحدهما يصح، الآخر لا يصح فمن قالا لا يصح كان للواهب استرجاع الهبة إن كانت باقية، وإن كانت تالفة فقيمتها، و

(1) ما لم يرغب عنها خ ل.
(2) يعني علم أنها كانت مستحقة للغير.

[ 311 ]

من قال يصح قال فهو كالبيع في جميع الأحكام في الخيار والاستحقاق وغيرهما. ومن قال الهبة تقتضي الثواب فلا يخلو إما أن يطلق أو يشرط الثواب، فإن أطلق فأي ثواب يقتضي؟ قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدهما يثيبه حتى يرضى الواهب لما روى أبو هريرة أن أعرابيا وهب للنبي صلى الله عليه وآله ناقة فأعطاه ثلاثا فأبى فزاده ثلاثا فلما استكمل تسعة قال رضيت فقال النبي صلى الله عليه وآله لا أقبل بعد هذا اليوم هدية إلا أن يكون قرشيا أو أنصاريا أو دوسيا أو ثقفيا، والثاني يثيبه قدر قيمة الهبة أو مثلها، والثالث يثيبه قدر ما يكون ثوابا لمثله في العادة، وهذا هو المعتمد عليه، لأن أصل الثواب إنما يثبت بعقد الهبة اعتبارا بالعادة. فإذا تقرر هذا فإذا أثابه على ما ذكرنا لزمته الهبة، وإن لم يثبه لم يجبر على الثواب، لكن يقال للواهب إما أن تمضي أو تسترجع، فإن أمضى فذاك، وإن رجع فإن كانت الهبة بحالها أخذها، وإن كانت زايدة غير متميزة أخذها بزيادتها، وإن كانت متميزة فهي للموهوب له، ويرجع الواهب في الأصل. وإن كانت ناقصة أو كانت تلفت فهل يرجع عليه بقيمتها أو بأرش نقصانها؟ قيل فيه وجهان أحدهما يرجع عليه، لأن العين لو كانت باقية لاسترجعها لتعذر العوض عنها، فإذا كانت تالفة كان الرجوع بقيمتها، والثاني ليس له ذلك لأن التلف والنقصان وجد في ملكه، وما حصل في ملكه لا يرجع به عليه، وهذا هو مذهبنا. فأما إذا شرط الثواب فإن كان مجهولا صح لأنه وافق ما يقتضيه الاطلاق وإن كان معلوما فهل يصح أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما يصح لأنه إذا صح والعوض مجهول فأولى أن يصح وهو معلوم، والثاني لا يصح لأنه خالف مقتضى إطلاق العقد، لأن إطلاقه يقتضي جهالته، والشرط إذا خالف إطلاق العقد أبطله. إذا وهب الأب لابنه ثوبا خاما فقصره الابن ثم رجع فيه الأب، فمن قال القصارة بمنزلة الزيادة المتميزة كان الابن شريكا للأب في الثوب بقدر القصارة، وإن قلنا إن القصارة بمنزلة الزيادة المتصلة فالثوب للأب بقصارته، لا حق للابن فيه، و الذي يقتضيه مذهبنا أنه إذا قصره من له الرجوع في هبته وهو الأجنبي لم يكن له

[ 312 ]

الرجوع، لأنه قد تصرف فيه، وروى أصحابنا أن الموهوب له إذا تصرف في الهبة لم يكن للواهب الرجوع فيها. إذا وهب لابنه جارية فليس له الرجوع فيها عندنا إن كان صغيرا، وإن كان كبيرا وقبضه إياها مثل ذلك، وإن لم يكن قبضه جاز له الرجوع، وفي الناس من قال له الرجوع فيها على كل حال، فإن وطئها فهل يكون ذلك رجوعا أم لا؟ قيل فيه قولان: أحدهما يكون رجوعا كما قال في البايع إذا وطئ الجارية المبيعة في يده في مدة الخيار الذي شرطه لنفسه، ويكون ذلك استرجاعا منه في المبيع، والثاني لا يكون رجوعا لأن ملك الابن قد استقر عليها، والأب يريد أن يزيل ملكه المستقر فالرجوع من ذلك لا يصح بالقول، كما لو اشترى جارية ثم فلس المشتري وثبت للبايع الخيار فوطئها لم يكن فسخا واسترجاعا منه. إذا وطئ الابن الجارية ثم استرجعها الأب فلا مهر لها عليه، لأنه وطئها في ملكه كالمشتري إذا وطئها ثم أصاب بها عيبا فإنه يردها ولا مهر عليه، وعلى مذهبنا لا يصح هذا في الابن ولا في الأجنبي لأنه تصرف في الموهوب، وقد بينا أنه إذا تصرف فيه فليس له الرجوع فيه. إذا وهب للغاصب العين المغصوبة صحت الهبة، فإذا أذن له في القبض ومضى زمان يمكن فيه القبض، لزمت الهبة، وسقط عنه ضمان الغصب، لأنه ملكه، فهو كما لو باعه، وإن وهب لغير الغاصب، فإن كان الموهوب له لا يقدر على انتزاعه من الغاصب لم يصح كما لا يصح بيعه على هذه الصورة. وإن كان يقدر على ذلك بأن يكون أقوى يدا منه صح العقد، فإذا أذن له في قبضه منه فقبضه لزم العقد وبرئ الغاصب، وإن أذن له في القبض فوكل الموهوب له الغاصب في القبض له من نفسه صح ذلك، فإذا مضى زمان الامكان لزمت الهبة بحصول القبض، وبرئ الغاصب من الضمان، لأن الملك قد زال عمن كان غصبه عليه و ضمنه بالتعدي في حقه، فحصل في ملك من لم يتعد في حقه. إذا وهب الجارية للمستعير صح العقد، فإذا أذن له في القبض ومضى زمان الامكان

[ 313 ]

لزم العقد، وإن وهبها لغيره صح أيضا، فإذا أذن له في القبض ووكل المستعير في قبضها صح القبض وصارت مقبوضة، ولزمت الهبة، وانقطع انتفاع المستعير بها، لأنها صارت ملكا لغير المستعير، ولا يجوز له أن ينتفع بها إلا بإذن مستأنف من جهة الموهوب له. وإن وهب الدار المستأجرة لغير المستأجر فالحكم فيه مبني على البيع، وفي بيعها قيل فيه قولان وكذلك في هبتها، فمن قال لا يصح بيعها قال لا يصح هبتها، و من قال يصح بيعها قال يصح هبتها، وهو الصحيح. وإذا خلى بينه وبينها فقد أقبضه إياها ولزم العقد وكان للمستأجر استيفاء حقه كما قلنا في البيع، وأما الجارية المزوجة فإنها يجوز هبتها كما يجوز بيعها عندنا وعند قوم. إذا وهب رجل حليا من ذهب أو فضة فمن قال إن الهبة تقتضي الثواب، أو قالا تقتضي الثواب وشرط الثواب وقال شرطه لا يصح، فإذا أثابه فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون ذلك قبل التفرق من مجلس عقد الهبة أو بعد التفرق، فإن كان ذلك قبل التفرق نظر، فإن أثابه بغير جنس النقود مثل أن يثيبه بشئ من الثياب أو المأكول أو المشروب وما أشبه ذلك صح، وليس القبض فيه قبل التفرق شرطا، وإن أثابه بشئ من جنس النقود نظر: فإن كان من غير جنس الموهوب مثل أن يكون الموهوب من ذهب فأثابه من فضة فإنه يجوز ولا يعتبر فيه التماثل، والقبض قبل التفرق شرط في صحته، لأنه صرف وإن كان من جنس الموهوب كان التماثل والقبض قبل التصرف شرطا فيه، لأن ذلك صرف من جنس واحد. وأما إن أثابه بعد التفرق فإن أثابه بشئ غير النقود جاز ذلك فإن أثابه بشئ من جنس النقود سواء كان من جنس الموهوب أو غير جنسه لم يصح، لأن القبض قبل التفرق فيهما شرط، ولا يجوز أن يثيبه ولا يعتبر جنس النقود. هذا مذهب المخالف، والذي يقتضيه مذهبنا أن كل ذلك لا اعتبار به، و يجوز الإثابة في المجلس وغير المجلس، بجنسه وغير جنسه، وبمثله وبما زاد عليه

[ 314 ]

لأن ذلك ليس بصرف، وإنما يراعي جميع ذلك في البيع والصرف، وعلى من جمع بينهما الدلالة. إذا كان له في ذمة رجل مال فوهبه له ذلك كان ذلك إبراء بلفظ الهبة، وهل من شرط صحة الابراء قبول المبرء أم لا؟ قال قوم من شرط صحته قبوله ولا يصح حتى يقبل وما لم يقبل فالحق ثابت بحاله، وهو الذي يقوى في نفسي لأن في إبرائه إياه من الحق الذي له عليه منة عليه، ولا يجبر على قبول المنة، فإذا لم نعتبر قبوله أجبرناه على ذلك كما نقول في هبة العين له أنها لا تصح إلا إذا قبل. وقال قوم إنه يصح شاء من عليه الحق أو أبى، لقوله تعالى " فنظرة إلى ميسرة وأن تصد قوا خير لكم " (1) فاعتبر مجرد الصدقة ولم يعتبر القبول، وقال تعالى " ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا " (2) فأسقط الدية بمجرد التصدق ولم يعتبر القبول، و التصدق في هذا الموضع الابراء، وهذا أيضا ظاهر قوي. هذا إذا وهب لمن عليه الحق فأما إذا وهبه لغيره فهل يصح أم لا؟ يصح ذلك إذا كان من عليه الحق معينا وكان قدر الحق الذي عليه معلوما، ويجوز أيضا بيعه وقال قوم: لا يجوز هبته كما لا يجوز بيعه، فمن قال يصح هبته لزمت الهبة بنفس العقد، ولا يشترط القبض في لزومه مثل الحوالة، ومنهم من قال لا يصح بيعه ولا هبته ولا رهنه، والذي يقتضيه مذهبنا أنه يجوز بيعه وهبته ورهنه ولا مانع منه. صدقة التطوع عندنا بمنزلة الهبة في جميع الأحكام، من شرطها الايجاب والقبول ولا يلزم إلا بالقبض، وكل من له الرجوع في الهبة له الرجوع في الصدقة عليه. الحاج إذا اشترى في سفره شيئا بأسامي أصدقائه ومات في الطريق، كان ورثته بالخيار فيما اشتراه وسماه لأصدقائه، إن شاؤا أمسكوه، وإن شاؤا أهدوا لهم، لأن الهدية لا تصح إلا بالايجاب والقبول، ولا تلزم إلا بالقبض، وكذلك إذا أهدى إلى رجل شيئا على يد رسول فإنه على ملكه بعد، وإن مات المهدى إليه كان له استرجاعه

(1) البقرة: 280.
(2) النساء: 92.

[ 315 ]

وإن مات المهدي كان لوارثه الخيار. وإذا وصلت الهدية إلى المهدى إليه لم يملكها بالوصول ولم تلزم، ويكون ذلك إباحة من المهدي حتى أنه لو أهدى إليه جارية لم يجز أن يستمتع بها، لأن الإباحة لا تدخل في الاستمتاع، ومن أراد الهدية ولزومها وانتقال الملك فيها إلى المهدى إليه الغائب، فليوكل رسوله في عقد الهدية معه، فإذا مضى وأوجب له وقبل المهدى إليه وقبضه إياها لزم العقد، وملك المهدى إليه الهدية. إذا وهب في مرضه المخوف شيئا وسلمه إليه فإن صح من مرضه لزمه الهبة في جميعه، سواء كان قدر الثلث أو أكثر، وإن مات منه لزمه الهبة قدر الثلث، وما زاد عليه فالورثة فيه بالخيار إن شاؤا أجازوه، وإن شاؤا ردوه واسترجعوه، عند من قال إن الهبة في حال المرض من الثلث، وإن كان بعد ما سلمه إليه، لم يلزم عقد الهبة و كانوا بالخيار بين أن يسلموه إلى الموهوب له، وبين أن يمسكوه، ويفسخوا العقد لأن الموهوب ما لم يقبض فللوارث فيه الخيار إن مات هو. وأما إذا أوصى له بشئ فإن الوصية تلزمه في الثلث بكل حال، سواء كان الموصى له قد تسلم القدر الموصى به، أو لم يتسلمه.

[ 316 ]

(فصل) (في العمرى والرقبى والسكنى) العمرى نوع من الهبات يفتقر صحتها إلى إيجاب وقبول، ويفتقر لزومها إلى قبض كساير الهبات وهي مشتقة من العمر وصورتها أن يقول الرجل للرجل: أعمرتك هذه الدار وجعلتها لك عمرك، أو هي لك ما حييت أو ما بقيت أو ما عشت وما أشبه هذا مما هو في معناه. وهذا عقد جائز، وفي الناس من قال العمرى لا تجوز، فإذا ثبت جوازها فلا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن يقول هذه الدار لك عمرك ولعقبك من بعدك، أو يطلق ذلك، أو يقول هذه الدار لك عمرك، فإذا مت رجعت إلى. فإذا قال: لك عمرك ولعقبك من بعدك، فإنه جائز لما رواه جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال أيما رجل أعمر عمري له ولعقبه فإنما هي للذي يعطاها لا يرجع إلى الذي أعطاها فإنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث. وأما إذا أطلق ذلك ولم يذكر العقب، فهل يصح أم لا؟ قال قوم يصح ويكون له ولعقبه من بعده مثل القسم الأول، وقال آخرون إن العمرى تصح ويكون للمعمر حياته، فإذا مات رجعت إلى المعمر أو إلى ورثته إن كان مات. وهذا هو الصحيح على مذهبنا ومنهم من قال العمرى تبطل. الرقبى أيضا جايزة عندنا وصورتها صورة العمرى إلا أن اللفظ يختلف، فإنه يقول أعمرتك هذه الدار مدة حيوتك أو مدة حيوتي، والرقبى يحتاج أن يقول أرقبتك هذه الدار مدة حياتك أو مدة حيوتي، وفي أصحابنا من قال: الرقبى أن يقول جعلت خدمة هذا العبد لك مدة حياتك أو مدة حياتي، وهو مأخوذ من رقبة العبد، والأول مأخوذ من رقبة الملك. وقال قوم: الرقبى نوع من الهبات، تفتقر صحتها إلى الايجاب والقبول، و

[ 317 ]

لزومها إلى القبض مثل العمرى، وقال قوم الرقبى باطلة لأن صورتها أن يقول أرقبتك هذه الدار فإن مت قبلك كانت الدار لك، وإن مت قبلي كانت راجعة إلى وباقية على ملكي كما كانت، وهذا تعليق ملك بصفة، وذلك لا يصح، كما إذا قال إذا جاء رأس الشهر فقد وهبت لك كذا، أو إن قدم الحاج. وهذا الذي ذكره هذا القائل مذهبنا أيضا لإجماع الفرقة على ذلك، غير أنها تلزم مدة حيوة من علقها به، ويرجع ملكا بعد موته على ما شرط. وفرق قوم بين العمرى والرقبى بأن الرقبى إذا مات المرقب استقرت الرقبى للمرقب، فأما إذا مات بعد ذلك لا يرجع إلى ورثة المرقب، والعمرى فإن المعمر إذا مات قبل المعمر ثم مات المعمر رجعت إلى ورثة المعمر، فتفرق العمرى والرقبى من هذا الوجه. وقد قلنا إنه لا فرق بينهما عندنا، سواء علقه بموت المعمر أو المعمر، فإن علقه بموت المعمر رجع إلى ورثته، وإن مات المعمر أو لا كان لورثته إلى أن يموت المعمر، وإن علقه بموت المعمر ومات المعمر لم يكن لورثته عليه سبيل حتى يموت فإذا مات رجع إليهم، ولم يكن لورثة المعمر شئ بحال، وإن مات المعمر أولا لم يكن لورثته شئ ورجع إلى المعمر ومنه بعد ذلك إلى ورثته.

[ 318 ]

(كتاب اللقطة) الأصل في اللقطة السنة، روي عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأل عن اللقطة فقال: أعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها، فسأل عن ضالة الغنم فقال: خذها إنما هي لك أو لأخيك أو للذئب، فسأل عن ضالة البعير فقال مالك ولها وغضب حتى احمرت وجنتاه أو وجهه، فقال مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر وفي بعض الأخبار: مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها حتى يأتي ربها. الضالة من البهايم ما يضيع يقال ضالة وما يكون من غير الحيوان يقال لقطة قال خليل ابن أحمد اللقطة الرجل الذي يلتقط ويقال له لقيطة ولقيط، فأما الشئ الملتقط يقال له لقطة بتخفيف القاف (1) وقال أبو عبيدة وما عليه عامة أهل العلم أن اللقطة هي الشئ الذي يلتقط وقوله عليه السلام معها حذاؤها أي خفها يعني تمشي ولا تعقب [ تقف ] عن المشي حتى تهلك، وقوله معها سقاؤها يعني تشرب الماء الكثير وتبقي في كرشها فتصبر عن الماء يوما أو يومين ولا يخشى عليها الهلاك والموت. إذا ثبت هذا فاللقطة لا يخلو إما أن يكون وجدها في البرية أو في العمران فإن وجدها في البرية والصحارى فلا تخلو إما أن يكون حيوانا أو غير حيوان، فإن كان حيوانا فلا يخلو إما أن يكون قويا ممتنعا من صغار السباع مثل الإبل والبقر والخيل والبغال، فإنها تمتنع من صغار السباع مثل الثعلب وابن آوى فإنه لا يقدر عليه أو يكون مما يمتنع لسرعة مشيه مثل الظباء والغزلان والأرنب أو مما يمتنع بطيرانه فيدفع بالطيران عن نفسه فما هذه صفته فليس له أن يأخذها، وقال قوم له أخذها مثل الغنم والأول أقوى للخبر الذي قدمناه لأنه لما سأله عن الضالة فقال: مالك ولها و روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لا يأوى الضالة إلا ضال، وقيل لا يؤوي بضم الياء وهو الأصح والأول جايز أيضا.

(1) بتسكين القاف ظ.

[ 319 ]

وروى الحسين بن مطرف عن أبيه أنه قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله في وفد بني عامر فقال عليه السلام أنا لا أحملكم فقلنا يا رسول الله إنا نجد الإبل الهوامي (1) فقال لا تفعلوا ضالة المؤمن حرق النار. قال ابن الأعرابي حرق النار لهبها، وحرق الثوب إذا كان به من القصارة (3) يقال حرق بتحريك الراء وإذا كان بالنار يقال حرق الثوب بتخفيف الراء. فإن أخذها لزمه الضمان ويكون عليه مضمونا، لأنه أخذ مال الغير بغير حق فإن سيبها (3) بعد ذلك لم يزل الضمان عنه كما لو سرق من غيره شيئا ثم يطرحه في داره، فإنه لا يزول ضمانه، فإن ردها إلى صاحبها زال عنه الضمان، برئ. وإن سلمها إلى الإمام فهل يسقط عنه؟ قيل فيه وجهان أحدهما لا يزول لأن صاحبها ربما كان رشيدا، والإمام لا يلي على من كان كذلك، والثاني يزول لأن للإمام أن يأخذ الضوال ابتداء لأنه منصوب لمصالح المسلمين، فإذا كان يضيع من الرشيد له أن يحفظ عليه وإن وجده الإمام له أن يأخذه لما قلناه. فإذا ثبت أن له أخذها نظرت فإن كان له حمى يدع فيها لترعى حتى يجئ صاحبها، وإن لم يكن له حمى فإنه يمسكها يوما ويومين وثلاثة أيام، فإن جاء صاحبها وإلا باعها، ويعرف ثمنها فإن جاء صاحبها وإلا حفظ الثمن عليه. فأما إن أخذها العامي ليمسكها على صاحبها، هل له ذلك أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما أن له أن يفعل لأن هذا يؤدي إلى مصالح المسلمين كالإمام، والثاني ليس له أن يفعل وأن يمسك لأنه لا يقوم بمصالح المسلمين ولا يلي أمورهم، وليس كذلك الإمام، لأنه منصوب لذلك، وهذا هو الأقوى.

(1) الهوامي: جمع الهامية: وهي الماشية ندت للرعي، وهوامي الإبل: ضوالها التي همت على وجوهها.
(2) قال في الصحاح: الحرق: احترق يصيب الثوب من الدق، وقد يسكن، والمراد بالاحتراق: الاحتكاك.
(3) يقال: سيب الدابة: تركها تسيب حيث شاءت.

[ 320 ]

هذا إذا كان حيوانا ممتنعا من صغار السباع، فأما إذا كان غير ممتنع مثل الشاة وأولاد البقر والإبل والحمير والخيل، فله أن يأخذه لقوله عليه السلام خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب، فإن أخذها فهو بالخيار بين ثلاثة أشياء إما أن يأكلها على أن تكون القيمة في ذمته، وإذا جاء صاحبها ردها عليه، وإن شاء ينفق عليها تطوعا وإن شاء يرفع إلى الحاكم ليأخذها الحاكم ويبيعها، ويعرف ثمنها فإن لم يجئ صاحبها يرد ذلك إلى الذي وجدها ليكون في ذمته ومتى جاء صاحبها ردها عليه. هذا كله إذا كان في البرية، فأما إذا كان في العمران وما يتصل بالعمران على نصف فرسخ وأقل، فإن له أخذها سواء كان حيوانا ممتنعا أو غير ممتنع وهو بالخيار بين أن ينفق عليها تطوعا أو يرفع خبرها إلى الإمام أو الحاكم ولا يأكلها ههنا، وفي الناس من قال: حكم هذا حكم ما كان في البرية سواء. وأما غير الحيوان فإنه لا يخلو من ثلاثة أحوال أحدها أن يكون مما يبقى مثل الثوب والدراهم والدنانير أو يكون مما لا يبقى مثل الطعام الرطب أو يكون مما يبقى لكنه يحتاج إلى النفقة والعلاج. فإن كان مما يبقى فإنه يعرف سنة، فإن جاء صاحبها وإلا أنفقه على أنه متى جاء صاحبها رد قيمته، فإن كان طعاما رطبا مثل الهريسة والفواكه فهو بالخيار إن شاء أكله، ويرد القيمة إذا جاء صاحبه، وإن شاء سلمه إلى الحاكم ليبيعه ويعرف ثمنه فإن لم يجئ صاحبه رد قيمته إلى الذي وجده. فإن كان مما يبقى لكن بعلاج مثل العنب والرطب نظرت، فإن كان الحظ في البيع فإنه إلى يرجع الحاكم ليبيعه، وإن كان الحظ في تجفيفه فإن الحاكم يبيع منه وينفق عليه ليجف، ويدخر ليجئ صاحبه. ومن أخذ لقطة ثم ردها إلى موضعها لم يزل ضمانه وفي الناس من قال يزول ضمانه. ومن وجده لقطة فإنها تكون في يده أمانة ولزمه أن يعرفها سنة، فإذا عرفها سنة كان بعد ذلك بالخيار إن شاء حفظ على صاحبها، وإن شاء تصدق بها بشرط الضمان

[ 321 ]

وإن شاء تصرف فيها وضمنها. هذا إذا كان في غير الحرم، فإن كان في الحرم عرفها سنة ثم يكون مخيرا بين شيئين: الحفظ والصدقة بشرط الضمان، ولا يجوز أن يتملكها بحال. وفي الناس من قال من وجد لقطة فهو مخير بعد السنة بين الحفظ على صاحبها وبين أن يتملكها وعليه ضمانها بالمثل والقيمة، وقال آخرون إن كان قبل الحول و كان فقيرا مثل هذا، وإن كان بعد الحول وكان فقيرا فهو مخير بين ثلاثة أشياء التي ذكرناها، وإن كان غنيا كان مخيرا بين شيئين الحفظ والصدقة، وليس له الأكل ومتى تصدق بها فإنما تصدق بها عن صاحبها على إجازته، وفي الناس من قال: له أن يتصدق بها عن نفسه وفيهم من قال يجوز للغني أكلها ولا يجوز للفقير أكلها. لا يخلو واجد اللقطة من أحد أمرين، إما أن يكون أمينا أو غير أمين، فإن كان أمينا، في الناس من قال إذا كان أمينا في العمران وكان الناس بها أمناء أو أكثرهم أمناء فلا يلزمه أخذه، ولكن يستحب له أخذه وحفظه على صاحبه وإن كان أمينا في مفازة أو في خراب، أو في عمران لكن الناس ليسوا أمناء فإنه واجب عليه أخذها لأنه إن ترك تلف على صاحبه، ويكون هذا فرضا على الكفاية مثل صلاة الجنازة. وفيهم من قال المسألة على قولين: أحدهما يجب عليه أخذها، والآخر ليس بواجب بل يستحب ذلك، وهو الأقوى، لأن الأصل براءة الذمة، ولا دليل على وجوب أخذها وقد روى أصحابنا كراهية أخذها مطلقا. وقد قال بعضهم يحتاج أن يعرف من اللقطة ستة أشياء: أحدها وعاؤها، والثاني عفاصها، والثالث وكاؤها، والرابع جنسها، والخامس قدرها، والسادس أن يشهد عليها (1).

(1) روي عن زيد بن خالد قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأله عن اللقطة فقال: أعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها قال: فضالة الغنم؟ قال: هي لك أو لأخيك أو للذئب، قال: فضالة الإبل؟ قال: مالك و لها؟ معها سقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها.

[ 322 ]

فالوعاء الظرف، والوكاء الخيط الذي يشد به من سير أو خيط، والعفاص الجلد الذي يشد به رأس القارورة والذي يشد به رأسها يقال له ضمام، فالعفاص الذي يكون فوق الضمام وهي مثل الوعاء، وجنسها أن يعرفها دراهم أو دنانير أو ثياب وقدرها عددها. والاشهاد (1): في الناس من قال إنه واجب، والآخر أنه استحباب، وهو الأقوى لأن اللقطة أمانة، والأمين لا يلزمه الاشهاد. فإذا ثبت هذا ووجد لقطة نظرت، فإن أراد حفظها على صاحبها لا يلزمه أن يعرف، لأن التعريف إنما يكون ليتملك، فأما إذا أراد أن يتملك فيلزمه أن يعرف سنة بالاجماع، فإن عرفها سنة متوالية فإنه أتى بما عليه وإن عرف ستة أشهر ثم ترك التعريف فهل يستأنف أو يبنى؟ قيل فيه وجهان أحدهما يستأنف، والثاني يبنى عليها وهو الأقوى، لأنه ليس في الخبر أكثر من أن يعرف سنة، ولم يقل متوالية أو متواترة. فإذا ثبت ذلك فالكلام في ثلاثة أشياء: أحدها وقت التعريف، والثاني كيفية التعريف، والثالث زمان التعريف: فأما وقت التعريف فإنه يعرف بالغداة والعشي وقت بروز الناس، ولا يعرف بالليل، ولا عند الظهيرة والهاجرة التي يقيل فيه الناس. وأما كيفية التعريف فإنه يقول: من ضاع له لقطة أو يقول: من ضاع له دينار أو دينارين أو درهم أو دراهم، أو يقول مبهما ولا يفسره وهو الأحوط لأنه ربما طرح عليه انسان علامة. وأما الزمان فإنه يعرف في الجماعات والجمعات، ويقف على أبواب المساجد التي يكون فيه الجماعات، ويعرف في الأسواق ويكون أكثر تعريفه في الجمعة التي أصابها فيها لأن من العادة أن من ضاع له شئ فإنه يهتم بطلبه في أول الأسبوع

(1) عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب، فإن وجد صاحبها فليردها عليه، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء، راجع مشكاة المصابيح: 262.

[ 323 ]

فإذا زاد على ذلك لا يهتم به، ولا يعرف في المسجد داخل المسجد، لأنه منهى عنه لأن النبي صلى الله عليه وآله سمع رجلا ينشد ضالة فقال لا وجدتها إنما بنيت المساجد لله تعالى وللصلوة. فإن كان الواجد ممن يعرف بنفسه فعل ذلك، وإن كان ممن يستعين بغيره فله أن يستعين بغيره في تعريفه، فإن لم يجد من يستعين به فإنه يستأجر من يعرفه من ماله ومتى كان قبل الحول فليس له أن يملكها لعموم الأخبار والأمر بتعريفها سنة، فإذا عرفها سنة فإن اختار تملكها ملكها باختياره، لا بحول الحول، ومتى شاء حفظها على صاحبها أو يتملكها فإنه يكفي في ذلك النية، وإن لم يتلفظ، وفيهم من قال: لا بد من التلفظ به والأول أصح. فأما الكلام في الضمان نظرت فإن كان قبل الحول فإنه تكون في يده أمانة، فإن جاء صاحبها وهي على حالها أخذها فإن كان تالفا فهو من ضمان صاحبها وإن كان ناقصا يأخذها ناقصة، وإن كان زايدا أخذها مع الزيادة، سواء كانت متميزة أو غير متميزة وإن كان بعد الحول، فإنه لا يملك إلا باختياره، فإن لم يختره فحكمه حكم ما قبل الحول سواء، وإن اختارها فقد ضمنها، وإن جاء صاحبها قبل أن يتصرف فيها بعد اختياره كان أحق بها، وإن كان بعد التصرف كان له المثل أو القيمة. ومن قال يملكه بغير اختياره يقول: يكون مضمونا عليه، فإن كان باقيا ردها وإن كان تالفا رد مثلها أو قيمتها إن لم يكن لها مثل، وإن كان زايدا نظرت فإن كان غير متميزة فإنه يردها مع الزيادة، وإن كانت متميزة رد الأصل دون الزيادة لأنها حصلت في ملكه، وإن كان ناقصا ردها ورد الأرش. وفي الناس من قال هو بالخيار إن شاء أخذها مع أرشها، وإن شاء تركها ويأخذ قيمتها أو مثلها والأول أصح. إذا وجد رجلان لقطة فإنهما يعرفان سنة، فإن جاء صاحبها وإلا كانت بينهما نصفين على شرط الضمان، وإن رأى رجلان لقطة فسبق أحدهما وأخذها فإنه يكون للذي تناوله بحق يده، لأنه يده عليه، وباليد استحق التعريف، وبالرؤية لا

[ 324 ]

يستحق شيئا. وإذا وجد رجل لقطة ثم ضاعت منه فوجدها انسان فالأول أولى من هذا الثاني لأن الأول لما تناولها استحق التعريف باليد، والثاني أخذها بغير استحقاق، وإذا وجد رجل كلبا فإنه يعرف سنة، فإن لم يجئ صاحبه بعد السنة فله أن يصطاد به فإن تلف في يده فلا يضمنه عند قوم، لأنه لا قيمة له عندهم، وعندنا يضمن لأن كلب الصيد له قيمة على ما بيناه. اللقطة إذا كان قيمتها دون الدرهم لا يجب تعريفها وقال قوم يجب تعريفها سنة قليلا كان أو كثيرا إلا ما تعافه النفس، وفيهم من قدره بدينار لخبر الدينار الذي وجده على عليه السلام (1) ومن قال خلافه قال: لأنه لقطة وجب تعريف قليله وكثيره. وفي الناس من قال: إن كان قيمته ما يقطع فيه (2) وجب تعريفها، وإن نقص عن ذلك لم يجب تعريفها، ومنهم من قال يجب تعريف الجميع إلا ما لا خطر له، مثل الكسرة والتمرة والزبيبة لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله رخص في العصا والسوط و الحبل وأشباهها يلتقطها وينتفع بها (3). المولى عليه لسفه أو لصغر إذا وجد لقطة له أن يأخذها لأن هذا من كسبه و هو غير ممنوع من الكسب، لكن لا يقر في يده لأنها أمانة وهو ليس بموضع الأمانة ويسلم إلى وليه، فالولي يعرفها لأنه يقوم مقامه، فإن جاء صاحبها ردها، فإن تلف في يده قبل مجيئ صاحبها نظرت، فإن تلف بتفريط من جهته فإنه يضمنها، وإن تلف بغير تفريط منه فلا يضمنه، ويكون من مال صاحبها. فإن عرفها سنة ولم يجئ صاحبها نظرت، فإن كان المولى من أهل من يستقرض

(1) عن أبي سعيد الخدري أن علي بن أبي طالب وجد دينارا فأتى به فاطمة فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال رسول الله: هذا رزق الله، فأكل منه رسول الله وأكل على وفاطمة، فلما كان بعد ذلك أتته امرأة تنشد الدينار، فقال رسول الله: يا علي أدا الدينار (2) أي يقطع فيه اليد، وهو قيمة المجن مثلا.
(3) راجع مشكاة المصابيح: 262، قال: رواه أبو داود

[ 325 ]

له، فإنه يستقرضه على أنه إن جاء صاحبها ردها بعينها أو بالمثل أو القيمة، وإن لم يكن من أهل من يستقرض له، فإنه يحفظها ويكون في يد المولى أمانة. هل للعبد أن يلتقط اللقطة؟ قيل فيه قولان أحدهما له أن يلتقط كالحر المعسر والثاني ليس له ذلك، والأول أقوى، لعموم الأخبار، فمن قال له أن يأخذ فهو كالحر سواء ثم لا يخلو إما أن يعلم سيده أو لم يعلم: فإن لم يعلم سيده فله أن يأخذها، فإن أخذها يكون في يده أمانة، فإن عرف صح تعريفه، فإن هلك فلا ضمان عليه، فإن عرفها وحال الحول فليس له أن يتملكها لأن العبد لا يملك، فإن تملكها يكون مثل قرض فاسد يكون مضمونا في رقبته يتبع به إذا أعتق. فأما إن علم سيده فلا يخلو إما أن ينتزع من يده أو يتركه في يده، فإن انتزعه له ذلك، لأن هذا من كسب العبد، ثم نظرت فإن عرفها عبده فإنه يبنى على تعريفه ولا يستأنف وإن لم يعرف العبد، فإنه يعرفها حولا، فإن جاء صاحبها وإلا فهو بالخيار بين الحفظ والتملك والتصدق على ما مضى. وإن تركها في يده فلا يخلو إما أن يكون العبد أمينا أو غير أمين، فإن كان أمينا فله ذلك، ويكون أمانة فيعرفها على ما مضى، وإن كان العبد غير أمين وتركه في يده فإنه يكون في ضمان السيد لا في رقبة العبد لأن السيد كان قادرا على انتزاعه من يده فلما تركه في يده تعدى بتركه، فصار كما لو وجدها وسلمها إلى فاسق فإنه يضمنها. فأما من قال ليس له أن يأخذها، فإن أخذها كان مضمونا عليه كالغاصب ويتعلق برقبته، فإن عرفها لم يصح تعريفه. فإن علم سيده فلا يخلو حال السيد من ثلاثة أحوال إما أن ينتزعها من يده أو يتركها أو يهملها فإن أخذها زال الضمان عن العبد، ولا يعتد بتعريف العبد بل يستأنف تعريفه سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فهو مخير بين الثلاثة أشياء على ما مضى، وإن كان العبد غير أمين وتركه في يده، فإن الضمان يسقط عن العبد، ويتعلق برقبة السيد

[ 326 ]

لأنه كان قادرا على انتزاعه فإن أفلس السيد فإن صاحب اللقطة يضرب مع الغرماء لا يرجع في رقبة العبد. وإن أهمله ولم ينتزعه فهل يتعلق الضمان برقبة العبد أو برقبة العبد وذمة السيد؟ قيل فيه قولان أحدهما يتعلق برقبة العبد وذمة السيد والثاني يتعلق برقبة العبد. ومن قال الضمان يتعلق برقبة العبد، قال: إن صاحب اللقطة يرجع في رقبته، فإن كان وفقا لقيمة اللقطة أخذه، وإن كان ينقص منه، فليس له إلا ذلك، وإن مات العبد سقط حقه. ومن قال يتعلق بذمة السيد ورقبة العبد، فإن صاحب اللقطة إن شاء رجع في رقبة العبد، وإن شاء رجع في ذمة السيد، فإن كان قيمة اللقطة أكثر من قيمة العبد فإنه يرجع بالزيادة على السيد، وإن مات العبد رجع على السيد بجميع قيمتها. عبد وجد لقطة ولم يعلم به سيده فأعتقه، ما الذي يفعل باللقطة؟ مبنى على هذين القولين، فمن قال للعبد أخذها فإن السيد يأخذها منه، لأن هذا من كسبه كالصيد ومن قال ليس للعبد أخذها فهو متعد، فلما أعتقه صار كأنه وجده في الحال، ليس للسيد أخذها منه، لأنه صار ممن يصح منه التملك، وللعبد أن يعرفه فإذا حال الحول له أن يتملكه. يكره للفاسق أن يأخذ اللقطة، لأنه ربما تشره نفسه ويتملكه قبل التعريف وقبل الحول، فإن أخذها قيل فيه وجهان: أحدهما يترك في يده ويضم إليه آخر والثاني ينتزع من يده ويدفع إلى أمين الحاكم ويقوى في نفسي أن يترك في يده لأنه لا دليل على وجوب نزعه منه. فمن قال يدفع إلى أمين الحاكم قال إذا حال الحول من أولى بالتصرف؟ قيل فيه قولان أحدهما الملتقط، والثاني أمين الحاكم، والأول أصح لما بيناه. ومن قال لا ينتزع فإنه يضم إليه آخر ليعرفه كرجل ضعيف وجد اللقطة ولا يقدر على تعريفها لضعفه، فإنه يضم إليه آخر على القولين معا فإنه يتملك هذا

[ 327 ]

الفاسق، لأن في باب التملك الفاسق وغير الفاسق سواء. ومن وجد لقطة بمكة أو في الحرم وجب أن يعرفها سنة، فإن وجد صاحبها و إلا فهو مخير بين شيئين بين أن يتصدق بها عن صاحبها بشرط الضمان، أو يحفظها عليه وليس له أن يتملكها، ولا خلاف أن له أن يأخذها ليحفظها على صاحبها، فأما إن أراد أخذها ليتملكها قال قوم ليس له، لمثل ما قلناه، وقال شاذ منهم يجوز له ذلك. وإنما قلنا ما اخترناه لإجماع الفرقة وأخبارهم وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في مكة: لا ينفر صيدها، ولا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد. يعني لمعرف، يقال نشد ينشد إذا طلبه ووجده وأنشده إذا عرفه. وأيضا قوله تعالى: " أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا (1) " الآية، فإذا وصفه بأنه يكون حرما فلا يجوز التقاط ما يسقط فيه. يجوز للمكاتب والمدبر وأم الولد أخذ اللقطة، وقال قوم لا يجوز لهم ذلك والأول أصح لعموم الأخبار، فإذا أخذها المكاتب عرفها فإذا حال الحول إن شاء أن يتملكها فعل، وإن شاء أن يحفظها على صاحبها فعل، كما قلنا في الحر. ومن قال المكاتب كالعبد، ولا يجوز للعبد أخذها، قال إن أخذها كان متعديا وليس لسيده أخذه منه، لأنه لا ولاية له عليه، وللحاكم أن ينتزع من يده ويعرفها وإذا حال الحول ولم ير الحاكم صاحبها ردها إلى المكاتب والمكاتب بالخيار إن شاء تملكها، وإن شاء حفظها على صاحبها، لأنه ممن يصح أن يتملك، وفي الناس من قال هو كالحر كما قلناه. إذا كان العبد نصفه حرا ونصفه مملوكا جاز له أن يأخذ اللقطة، وفيهم من قال ليس له ذلك، فإذا ثبت جوازه فإذا لم يكن بينهما مهاياة (2) فإنهما كالرجلين

(1) العنكبوت: 68 وذيله " ويتخطف الناس من حولهم " (2) هاياه في دار كذا بينهما: أي سكنها هذا مدة، وقيل انتفع كل منهما بقدر سهمه، ويقال: فعلوا كذا بالمهاياة وهذا من مواضعات الفقهاء، قاله في أقرب الموارد.

[ 328 ]

إذا وجدا شيئا يعرفانه، فإذا حال الحول إن شاءا تملكا وكان بينهما نصفين، وإن كان بينهما مهاياة إما مهاياة في الكسب المعتاد مثل الصياغة والخياطة فإنه يجوز، وإن كان بينهما مهاياة في كسب غير معتاد مثل الالتقاط والركاز فهل تصح المهاياة؟ قيل فيه قولان أحدهما تصح المهاياة، والثاني لا تصح، منصوص. ومن أصحابنا من قال إنه تصح المهاياة ولم يفصلوا. فمن قال لا تصح المهاياة، قال كأنه لم يكن بينهما مهاياة، فيكون كرجلين فوجدا لقطة يعرفان سنة، ثم إن شاءا يتملكان أو يحفظان على أصحابه، ومن قال تصح المهاياة فإن وجدها في يوم سيده فإنها تكون لسيده، ويعرفها السيد، فإذا حال الحول إن شاء تملكها وإن شاء حفظها، وإن شاء تصدق بها بشرط الضمان. وإن وجدها في يوم نفسه فإذا حال الحول يتملكها إن شاء بشرط الضمان أو يتصدق بذلك أو يحفظها على صاحبها. أم الولد يجوز لها أن يلتقط عندنا لعموم الأخبار، وفي الناس من قال ليس لها ذلك مثل العبد، غير أنه إذا تلف في يد العبد بتعديه تعلق ذلك برقبته، وإن تلف في يدها كان الضمان على سيدها، لأن السيد بوطيه منعها من بيعها ولم يبلغ بها حدا يتعلق الجناية برقبتها، والذي يقتضيه مذهبنا أنه يتعلق الجناية برقبتها مثل العبد، لأنها مملوكة. إذا وجد عبدا فلا يخلو إما أن يكون صغيرا أو مراهقا كبيرا، فإن كان صغيرا له أن يلتقطه بعد أن يعلم أنه عبد لأنه يجري مجرى المال، وإن كان مراهقا كبيرا مميزا فإنه كالضوال مثل الإبل والخيل ليس له أن يلتقطه، فإن أخذه يرفعه إلى الحاكم ويأخذه الحاكم، فإن كان الحظ في حفظه حفظه وينفق عليه حتى يجئ صاحبه، و إن كان الحظ في بيعه باعه وحفظ ثمنه على صاحبه. فإن جاء صاحبه وقال كنت أعتقته قبل هذا، فهل يقبل إقراره أم لا؟ قيل فيه وجهان: أحدهما يقبل لأنه غير متهم في هذا، لأنه يقول لا أريد الثمن، والثاني لا يقبل قوله، لأن بيع الحاكم كبيعه، ولو باعه ثم قال: كنت أعتقته قبل البيع لم

[ 329 ]

يقبل قوله. والأول أصح، والفرق بين بيعه وبيع الحاكم أنه إذا أقر ببيع نفسه فإنه يكذب نفسه، وليس كذلك بيع الحاكم، لأنه لا يكذب نفسه وإذا أقام البينة بالعتق قبلت بينته. إذا وجد لقطة وجاء رجل ووصفها فإنه لا يخلو أن يكون معه بينة أو لم يكن معه بينة فإن وصفها ومعه بينة فإنه يعطيه بها وإن كان معه شاهد واحد حلف وإن لم يكن معه بينة فإنه لا يعطيه، وإن وصفها ولم يكن معه بينة ووصف عفاصها و وكاءها وذكر وزنها وعددها وحليتها ووقع في قلبه أنه صادق يجوز أن يعطيه. وأما اللزوم فلا يلزمه الدفع إليه وقال قوم شذاذ: يلزمه أن يعطيه إذا وصفها والأول أصح، لأنه لا دلالة على وجوب تسليمها إليه. فإذا ثبت ذلك ووصفها انسان وقلنا يجوز أن يسلمها إليه فأعطاه، ثم جاء آخر وأقام بينة بأنها كانت له، فلا يخلو أن يكون العين باقية أو تالفة، فإن كانت باقية فإنه يأخذها لأنه أقام البينة وليس عليه أكثر من إقامتها. وإن كان تالفا فلا يخلو إما أن يكون ردها بحكم الحاكم أو بغير حكمه، فإن ردها بغير حكم الحاكم فإن صاحبها بالخيار، إن شاء طالب الملتقط، وإن شاء طالب الآخذ، لأنه أخذه بغير حق. وإن طالب الآخذ وأخذ منه، فإن الآخذ لا يرجع على الملتقط بكل حال وإن طالب الملتقط فأخذ منه القيمة، فهل يرجع الملتقط على الآخذ أم لا؟ نظرت فإن قال: الذي دفعت إليه صاحبها لم يرجع على الآخذ، لأنه يقول إني دفعت إلى صاحبها وظلموني بالغرامة، وإن قال: كان يغلب في ظني أنه صاحبها فإنه يرجع على الآخذ، لأنه لا يدعي أنه صاحبها. وإن كان دفعها بحكم الحاكم، فإن كان الحاكم ممن يرى وجوب الرد بالوصف فإن صاحبها لا يطالب الملتقط، لأن ذلك دفعه بحكم الحاكم أو إجباره، وتبقي الخصومة بين الآخذ والمدعي الذي معه البينة.

[ 330 ]

هذا على مذهب من يقول بالاجتهاد، فأما على مذهبنا فإن حكمه باطل، وله الرجوع على الآخذ على كل حال. وأما إذا أقام البينة وردها بالبينة، ثم جاء آخر وأقام البينة بأنها له فإن كان قد رد لا بحكم الحاكم، فإنه يضمن للمدعي الثاني لأنه دفع باجتهاد نفسه والاجتهاد في هذا إلى الحاكم لا إليه، لأنه يجوز أن يكون البينتان هنا صادقتين، و يجوز أن تكونا كاذبتين، والذي يقتضيه مذهبنا أنه يستعمل القرعة. وإن دفعه بحكم الحاكم فإن كان قبل الحول وقبل أن يتملكها فإنه لا ضمان عليه، وبقي الخلاف بين المدعي الأول، والمدعي الثاني، وإن دفعه بعد الحول و بعد التصرف، فإنه يضمن للثاني، لأن هذا ليس عين ماله فلما أجبره الحاكم بدفع القيمة بقي عين هذا المدعي في رقبته، لأن ما دفعه إلى الأول ليس بعين ماله. ومتى وجد ذمي لقطة في دار الاسلام له أن يلتقطها لعموم الأخبار، وفيهم من قال ليس له، لأنها أمانة وليس الذمي من أهل الأمانة، فإذا ثبت أن له أن يأخذها فإنه يعرفها سنة، فإذا حال الحول إن شاء تملكها أو تصدق بها بشرط الضمان، فعل ومن قال ليس له أن يلتقطها قال فهو متعد في أخذها والحاكم ينتزع من يده، فإن تلف قبل أن يسلم إلى الحاكم لم يلزمه الضمان. رجل وجد لقطة فادعى عليه آخر أن هذه اللقطة لي ومعه شاهد واحد فإنه يحلف مع الشاهد ويستحق اللقطة. رجل في يده عبد فادعى آخر بأن هذا العبد لي وأقام شاهدين على ذلك، قال الذي في يده العبد: هذا العبد اشتريت من فلان الغايب، ولي بينة غايبة حتى تجئ وأقيمها، فإنه يسلم العبد إلى الذي أقام البينة لأنه لا يعجز أحد من المدعى عليه أن يقول لي بينة غائبة حتى تجيئ فيؤدي ذلك إلى وقوف الأحكام. فإن جاءت البينة نظرت فإن كانت عادلة حكمنا له، وانتزعت من يد المدعي ودفع إليه، لأنه كان يده عليه فيتعارض البينتان وحكمنا له باليد الذي كان له. قال قوم: يلزم الملتقط الضمان وقت مطالبة صاحبها، لقوله عليه السلام: من وجد

[ 331 ]

لقطة فليشهد ذا عدل ولا يكتم ولا يغيب، فإن جاء صاحبها فليردها وإلا فهو مال الله يورثه من يشاء (1). وقال آخرون اللقطة بعد الحول تجري مجرى القرض والقرض يلزم بنفس القرض لا بمطالبة المقرض، والأول أقوى. متى مات الملتقط فإنها تنتقل إلى الورثة وحكمه حكم الملتقط سواء. رجل ضاع منه عبد فوجد بمصر فجاء صاحب العبد إلى حاكم مكة فقال ضاع لي عبد من حاله وقصته.. وذكر صفته، وأقام بذلك شاهدين بأنه ضاع منه عبد من حاله وقصته.. ولا يعلم أنه زال ملكه عنه إلى هذه الغاية. فسأل الحاكم ليكتب إلى حاكم مصر فإنه يكتب معه ويقول: حضر فلان بن فلان الفلاني وادعى أنه ضاع منه عبد من صفته وقصته.. وأقام على ذلك عندي شاهدين عدلين، أو يقول فلانا وفلانا إذا كان يعرفهما. ودفع إليه الكتاب فجاء إلى مصر فقرأ الحاكم كتابه فإنه لا يسلم العبد إليه لأن الصفة تشبه الصفة ويطابق الصفة الصفة ويجوز أن يكون عبد آخر يوجد فيه الأوصاف. فإن حضر الشاهدان اللذان كانا بمكة فشهدا فقالا هذا العبد لهذا الرجل فإنه يسلم إليه، لأنهما شهدا على عين وفي الأول شهدا على صفة. فإن جاء صاحب العبد وأشار على الحاكم حتى يبيع هذا العبد في الضوال فأجابه فنصب هذا صاحب العبد أمينا فاشترى العبد من الحاكم فلما اشتراه حمله إلى مكة فشهد شاهدان بأنه عبده، وقبل الحاكم شهادتهما، فإنه يبرء الذي اشتراه يعني أمينه، و يتبين أن بيع الحاكم كان باطلا، لأنه كان عبده واشترى عبد نفسه، ثم نظرت فإن لم يدفع الثمن فإنه لا يدفعه وإن كان دفعه استرجع ممن دفعه إليه. وإن جعل الحاكم في عنق العبد ختما من رصاص ويجعله في عنقه من حيث لا يمكنه أن يخرج رأسه منه يجعله مثل القلادة وسلمه إليه ويجعله في ضمانه وينفذه إلى حاكم مكة، فإن شهدا بأنه عبده، فإنه يكون عبده ويكتب إلى حاكم مصر ويبرأ

(1) قد مرص 322 لفظ الحديث وسنده عن مشكاة المصابيح.

[ 332 ]

الذي اشتراه، فأما إن لم يشهد الشهود يلزمه الرد إلى مصر، فإن تلف في المجئ قبل وصوله إلى مكة أو تلف في الرجوع فإنه يلزمه الضمان، وإن تلف العبد وأفلس المدعي فلا يكون له ذمة يرجع إليه، ويلزمه ضمان ما عطل من كسب هذا العبد و منفعة هذه المدة، وكذلك حكم الأمة سواء. من ضاع له ضالة أو سلعة أو متاع يجوز له أن يجعل له جعلا لمن جاء به و هكذا إن قال من يبني داري هذه فله كذا، أو يقول من يخيط ثوبي هذا فله كذا فإنه جايز لقوله تعالى " ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (1) " فإذا ثبت هذا فإنه يجوز أن يكون العمل منه مجهولا والمدة مجهولة، لأن هذا من العقود الجائزة لا اللازمة كالعارية وأما العوض فلا بد من أن يكون معلوما. فإذا ثبت هذا فإن هذه الجعالة قبل الشروع فيها جايزة من الطرفين ومتى تلبس بهما فالمجعول له بالخيار إن شاء أتم وإن شاء رجع، فإن لم يتم وتبرء بعد الشروع، فله ذلك وقد أبطل المنفعة على نفسه، وإن أراد الجاعل الرجوع بعد أن تلبس بها فليس له ذلك إلا أن يبذل له أجرة ما قد عمل. من جاء بضالة انسان أو بآبقة أو بلقطة من غير جعل ولم يشترط فيه، فإنه لا يستحق شيئا، سواء كان ضالة أو آبقا أو لقطة، قليلا كان ثمنه أو كثيرا، سواء كان معروفا برد الضوال أم لم يكن، وسواء جاء به من طريق بعيدة تقصر الصلوة فيه أو جاء به من طريق دون ذلك. وقال بعضهم إن كان معروفا برد الضوال وممن يستأجر لرده فإنه يستحق الجعل، وإن لم يكن معروفا لم يستحق. وقال قوم إن كان ضوالا أو لقطة فإنه لا يستحق الأجرة، وإن كان آبقا فإن جاء به من مسيرة ثلاثة أيام وكان ثمنه أربعين درهما وزيادة فإنه متى جمع هذين الشرطين فإنه يستحق أربعين درهما، وإن أخل بهذين الشرطين فإن جاء به من مسيرة أقل من ثلاثة أيام فبحسابه وإن جاء به من مسيرة يوم استحق ثلث أربعين، وإن جاء

(1) يوسف: 72.

[ 333 ]

به من مسيرة يومين ثلثين. وإن كان أقل ثمنا من أربعين ينقص من ثمنه درهما ويستحق الباقي، فإن كان قيمته أربعين استحق تسعة وثلاثين وإن كان ثلاثين استحق تسعة وعشرين، وعلى هذا إن سوى درهما فلا يستحق شيئا وقال أبو يوسف يستحق أربعين ولو سوى درهما قال والقياس أن لا يستحق شيئا لكن يعطى أربعين استحسانا وأول الأقوال أصح وأقرب إلى السداد. وقد روى أصحابنا فيمن رد أربعين درهما قيمته أربعة دنانير ولم يفصلوا ولم يذكروا في غيره شيئا وهذا على جهة الأفضل لا الوجوب. رجل له عبد آبق فجاء به انسان فقال المشروط له: شارطتني على جعل وأنا أستحق الأجرة عليك، فقال الجاعل ما شارطتك على جعل، فإن القول قول الجاعل مع يمينه، لأن المجعول له يدعي إحداث شرط والأصل ألا شرط. من له عبدان آبقان فقال لرجل إن جئتني بعبدي الفلاني فلك كذا، فجاء بأحد عبدين، ثم اختلفا فقال الجاعل ما شارطتك على هذا ولكن شارطتك على الآخر، وقال المجعول له بل شارطتني على هذا، فهذه في التقدير كالمسألة قبلها، لأن الأصل ألا شرط، فالقول قول الجاعل مع يمينه. إذا قال إن جئتني بعبدي الآبق فلك كذا فجاء به ثم اختلفا: فقال المجعول له شارطتني على دينار، وقال الجاعل شارطتك على نصف دينار، فهذا خلاف في قدر الأجرة قال قوم يتحالفان، لأن الخلاف إذا وقع في قدر العوض الذي عقد عليه أوجب التحالف كالمتبايعين، ويفسخ العقد، ويستحق أجرة المثل، والذي يقتضيه مذهبنا أن له أجرة المثل مع يمين الجاعل، لأنه المدعى عليه. لو قال من جاء بعبدي الآبق فله دينار، فجاء به واحد، فإنه يستحق دينارا وإن جاء به اثنان استحقا دينارا، وكذلك القول في الثلاثة، ما زاد عليه لكل واحد ما يصيبه. ولو قال: من دخل داري فله دينار فدخله اثنان فصاعدا يستحق كل واحد دينارا

[ 334 ]

والفرق بينهما أن من قال من دخل داري فله كذا علق الاستحقاق بالدخول، وقد وجد من كل واحد منهم ذلك فاستحقه، وليس كذلك الرد، لأنه علق الاستحقاق برده ولم يرده كل واحد منهم، وإنما جاء به جميعهم، فبجميعهم حصل المقصود، فلهم كلهم الأجرة، لأن السبب وجد من جميعهم، ولم يوجد من كل واحد على الانفراد. وإذا قال من جاءني بعبدي الآبق فله ثوب أو له دابة، فجاء به رجل فإنه يستحق أجرة المثل، لأن العقد فاسد، لأن الأجرة مجهولة، فإن جاء به ثلاثة استحق كل واحد منهم ثلث أجرة المثل. ولو قال لواحد: إن جئتني بعبدي الآبق فلك ثوب وقال لآخر: إن جئتني به فلك عشرة، وقال لآخر إن جئتني به فلك عشرون، وقال لآخر: فلك الثلاثون فجاؤا به فلكل واحد ثلث ما سماه، وكذا إن سوى فقال لكل واحد إن جئتني بعبدي فلك العشرة، فلكل واحد ثلث العشرة. وإن كان سمى لبعضهم مجهولا ولبعضهم معلوما مثل أن يقول لواحد إن جئتني بعبدي الآبق فلك ثوب، وقال لآخر: إن جئتني به فلك عشرة، ولآخر عشرون فجاؤا به، فإن لمن جعل له مجهولا ثلث أجرة مثله ولمن له معلوما ثلث المسمى. وإن قال لواحد إن جئتني بعبدي فلك دينار، فجاء به هو وغيره، فإن هذا الذي عينه يستحق نصف الدينار، ولا يستحق الآخر شيئا، لأنه تطوع به، و على ما قلناه يستحق نصف أجرة المثل. وهكذا إن جاء به ومعه رجلان آخران، فإن هذا استحق ثلث الدينار لأنه عمل ثلث العمل ولا يستحق الآخران شيئا. ولو قال من جاءني بعبد آبق من البصرة، فله دينار، فجاء به من واسط فإنه يستحق نصف دينار، لأنه عمل نصف العمل، ولو قال إن جئتني بعبدي فلك كذا فجاء به إلى باب البلد ثم هرب، فإنه لا يستحق شيئا لأنه ما جاء به، لأن المقصود من المجئ به التسليم. وإذا وجد طعاما رطبا لا يبقى فهو بالخيار بين أن يقومه على نفسه ويضمن ثمنه

[ 335 ]

لصاحبه، إذا جاء، وبين أن يبيعه ويحفظه على صاحبه، أو يتصدق به، على ما قلناه من شرط الضمان، وفيهم من رجح البيع على الأكل لأنه أشبه بأحكام اللقطة. وتعريف السنة لا يسقط بلا خلاف، وينبغي أن يعرف الطعام لا القيمة، لأن القيمة لا يقف عليها صاحب الطعام، وهل يلزمه أن يعزل القيمة في الحول أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما لا يلزمه لأنه كالمقبوض الثاني يلزمه أن يعزل القيمة في الحول لأن ذلك من مقتضى اللقطة، فإنه لا يجوز التملك إلا بعد السنة، وهذا أحوط. وفائدة ذلك أنه إذا عزله ليس له أن يتصرف فيه بنفسه، ولا لورثته إن مات أو أفلس، فإن جاء صاحبه رجع في عين ماله، لأنه في يده أمانة، فإن تلف يكون من مال صاحب اللقطة، ومن قال لا يلزمه أن يعزله فإن جاء صاحبه ولم يعزله وكان هذا مفلسا ضرب مع الغرماء، وإن كان قد عزله فكأنه لم يعزل، وكأنه عزل من مال نفسه. فأما إن باعه واختار البيع نظرت، فإن لم يكن الحاكم في البلد فباع أو كان الحاكم وأمره ببيعه أو نصب أمينا يبيعه فباعه، فإنه يعرف الثمن، فإن جاء صاحبه ووجد عين ماله فإنه لا يرجع في العين، وإنما له الثمن. فأما إن باعه هو والحاكم ببلده فالبيع باطل، لأن هذا لا يلي بيعه، فإن جاء صاحبه فإن وجد عين ماله أخذه، وإن لم يجده نظرت فإن كان الثمن وفق القيمة أخذه وإن كان أكثر من قيمته فإنه يرد تلك الزيادة، وإن كان أقل فهو بالخيار إن شاء أخذ ناقصا، وإن شاء أخذ القيمة.

[ 336 ]

(فصل) (في حكم اللقيط وما يوجد معه) المنبوذ والملقوط واللقيط بمعنى واحد، وأخذ الملقوط واجب وهو فرض على الكفاية، مثل الصلوة على الجنازة ودفن الموتى، لقوله تعالى " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان (1) " وأخذه من البر، وتركه من الإثم وقوله تعالى " وافعلوا الخير " (2) وأخذه من الخير، ولأنه في معنى المضطر لأنه احتاج الحضانة والكسوة والطعام، وإطعام المضطر واجب بلا خلاف. فإذا ثبت فإنه يملك هذا الصغير كما يملك الكبير، وله يد كما أن للكبير يدا ويملك بالإرث والوصية، فإنه يوصي له ويقبل الولي وصيته، وكل من ثبت ملكه ثبت يده كالكبير، غير أن الكبير أرفع حالا في باب التملك من الصغير، لأنه يملك التصرف بالبيع والشراء ويملك بالاختيار والصغير يملك بلا اختيار، فكلما كان ملكا للكبير جاز أن يكون ملكا للصغير، وكلما كان يد الكبير عليه كذلك يد الصغير عليه، وصح ملكه كالكبير. فإذا ثبت أنه يصح ملكه فكيف ينفق عليه، سنذكره فيما بعد، ثم ينظر فيه فإن كل ما كان عليه من الثياب مثل العمامة والقميص فإن يده عليه، وما كان مفروشا وما كان مطروحا عليه يكون يده عليه، وما كان تحت رأسه مثل صرة فيها دنانير أو دراهم، فإنه يثبت يده عليه، وإن كان مشدودا في يده. وإن كانت دابة مشدودة في رحله فإن يده عليها، وإن كان على فرس مشدود فإن الفرس له، وجميع ما على الفرس يكون يده عليه، وكل ما كان مشدودا على الفرس فإن يده عليه.

(1) المائدة: 2.
(2) الحج: 77.

[ 337 ]

فإن وجد في برية في خيمة أو فسطاط فإن الخيمة والفسطاط وما فيهما يكون له، ويده عليه، ولو جاز أن يكون دارا لا مالك لها يوجد في تلك الدار، فإنها تكون له كالخيمة. فأما ما كان مدفونا تحته فإنه لا يكون يده عليه، لأن بينه حائلا كالكنز، و كذا ما كان بعيدا منه مثل رزمة ثياب أو صرة أو دابة بعيدة منه، فإنه لا يكون يده عليه، وهذا كله لا خلاف فيه، فأما ما كان قريبا منه مثل أن يكون بين يديه صرة أو رزمة فهل يحكم بأن يده عليه أم لا؟ قيل فيه وجهان: أحدهما: لا يكون يده عليه، لأن اليد يدان، يد مشاهدة ويد حكمي، فيد المشاهدة ما كان متمسكا به، ويمسك بيده، ويد الحكمي ما كان في بيته ويتصرف فيه، وهذا ليس بأحدهما، والوجه الثاني يكون يده عليه، لأن العادة جرت بأن يكون ما بين يديه يكون يده عليه، مثل البنيكة (1) بين يدي الطواف والميزان وغيرهما فإن يده عليه، وهذا أقوى. وفي الناس من قال: فلو كان هذا المنبوذ مطروحا على دكة فما يكون على الدكة يكون يده عليه، فإذا ثبت هذا فإنه لا يخلو أن يوجد في ملك انسان أو في غير ملك فإن وجد في ملك الغير، فإن ما يكون معه لصاحب الملك كرجل وجد ثوبا في دار رجل فإنه يكون لصاحب الدار. فأما إن وجده في طريق نظرت فإن كان في طريق منشأة، وكان مما لا يجوز أن يبقى من الجاهلي مثل الحيوان والطعام والثياب، فكل ما كان حيوانا حكمه حكم الضوال، ويلحق بالضوال، وما يكون من الطعام وغيره يكون حكمه حكم اللقطة. وإن وجده في طريق موات وكان من ضرب الجاهلية، فإن كان على وجه الأرض يكون لقطة، وإن كان مدفونا في أرض ميتة فلا يخلو من ثلاثة أقسام أحدها أن يكون من ضرب الاسلام، والثاني ما يكون من ضرب الجاهلية، والثالث ما لا يعرف هل

(1) البنيكة - تصغير بنك بالضم ثم الفتح - وهو معرب بنه - بالفارسية - وهو مجمع الأثاث، أو هو معرب بنگه مخفف بنگاه بمعنى پيش خان.

[ 338 ]

هو من ضرب الاسلام أو من ضرب الجاهلية. فإن كان من ضرب الاسلام فإنه يكون لقطة، وما كان من ضرب الجاهلية يكون حكمه حكم الركاز فخمسة لأهل الخمس، والباقي للواجد، الثالث إذا كانت آنية لا يعرف أنها من ضرب الاسلام أو من ضرب الجاهلية، فإنه يحكم له بحكم الركاز فإنه لا يعرف صاحبه ووجد مدفونا، الحق بالركاز فخمسه لأهله، والباقي للواجد. إذا وجد هذا المنبوذ فلا يخلو ملتقطه من أحد أمرين إما أن يكون أمينا ثقة أو غير ثقة، فإن كان فاسقا غير ثقة، فإن الحاكم ينتزعه من يده ويسلمه إلى أمين ليقوم بأمره، لأن هذا أمانة وولاية وحضانة، والفاسق ليس بأهل لذلك، فإن كان أمينا أو كان فاسقا فانتزع الحاكم من يده وسلمه إلى من نصبه كان الحكم فيه واحدا فإنه يترك في يده وينفق عليه. فإذا وجده هذا الأمين فإنه يكتب ويشهد عليه وهل الاشهاد واجب أو مستحب قيل فيه وجهان كاللقطة. فأما من أين ينفق عليه؟ فلا يخلو حال المنبوذ من أحد أمرين إما أن يكون له مال يوجد معه، أو لم يكن له مال، فإن كان له مال فإنه ينفق عليه من ماله كمعروف النسب، فإذا ثبت هذا فلا يخلو إما أن يكون هناك حاكم أو لم يكن هناك حاكم فإن كان هناك حاكم فليس للملتقط أن ينفق عليه بغير إذن الحاكم، لأن التربية والحضانة ولاية وكذلك الانفاق، وذلك لا يكون إلا للوالد أو الجد أو الوصي أو أمين الحاكم وهذا ليس منهم، فلا يكون له ولاية، ولأنه يجوز أن يكون لهذا المنبوذ نسيب أو يكون مملوكا فيجب أن يرفع إلى الحاكم ليتبين فيما بعد أمره. فإن أنفق عليه بغير إذن الحاكم كان مضمونا عليه، لأنه أنفق مال الغير بغير حق كرجل عنده وديعة فأبق عبد للمودع فأنفق الوديعة على الآبق للمودع، فإنه يكون خائنا، وإن رفع إلى الحاكم فهل للحاكم أن يأذن لهذا الذي وجده أن ينفق عليه أو ينتزعه من يده ويسلمه إلى أمين ويقدر له نفقة؟ قال قوم للحاكم أن يأذن له في الانفاق عليه وقال آخرون ليس له ذلك وإذا أنفق

[ 339 ]

عليه فقد تطوع بذلك فلا يرجع عليه، والأول أصح، وإذا سلم الحاكم إلى الأمين يقدر له نفقة كل يوم والأمين بالخيار إن شاء أنفق بنفسه، وإن شاء سلم إلى الذي في يده نفقة كل يوم يوما فيوما ثم ينظر فإن كانت النفقة قدر كفايته فلا كلام، وإن كان أكثر، فإنه يرد تلك الزيادة، وإن كانت أقل رجع إلى الحاكم ويطالبه بزيادته ليقدر له. وإذا لم يكن هناك حاكم وأنفق عليه فهل يضمن أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما لا يضمنه لأنه موضع الضرورة، والثاني يضمن لأنه أنفق مال غيره بغير إذنه، وهذه مثل مسألة الجمال إذا هرب والمكتري ينفق على الجمل، فهل يضمن على قولين. فأما إذا لم ينفق عليه ولم يكن للقيط مال فإنه ينفق عليه من بيت المال بلا خلاف لأن ذلك من المصالح، فإذا لم يكن في بيت المال مال أو يكون لكن يحتاج إليه فيما هو أهم من هذا مثل ظهور عدو فيحتاج إلى جيش ويحتاج إلى نفقتهم، فعلى من نفقة هذا اللقيط؟ قيل فيه قولان: أحدهما على سائر الناس، والثاني يستقرض عليه. فمن قال نفقته على المسلمين فإذا قام به واحد سقط عن الباقين، وإن ظهر مال في بيت المال فقد سقط عنهم جملة، ومن قال: يستقرض، فإن استقرض من الذي وجده فهل يأمره بالإنفاق عليه أو ينزع من يده ويسلم إلى غيره لينفق عليه على قولين أصحهما أنه يجوز تسليم ذلك إليه وإن استقرض من غيره، فإن الحاكم يقدر قدر كفايته لينفق عليه بالمعروف. وإن لم يوجد من يستقرض منه ولا في بيت المال مال، فإن الحاكم يقسم على نفسه وعلى المسلمين نفقته بالمعروف، فإن ظهر في بيت المال مال فإنه يسقط عن ذمته ويقضى من بيت المال. ومن قال لا ينزع من يده ويأمره بالإنفاق عليه بالمعروف، فإذا بلغ اللقيط فما أنفق عليه من مال نفسه رجع عليه بقدر ما أنفقه بالمعروف فإن ادعى أكثر من ذلك فلا يقبل قوله في الزيادة. وإن اختلفا في قدر النفقة فالقول قول الملتقط لأنا نعلم أنه لا بد من غذائه و

[ 340 ]

إن كثر الغذاء، ويقبل قوله فيما يد عيه من المعروف، ومتى بلغ اللقيط وادعى على الملتقط أنه لم ينفق عليه ماله، كان القول قول الملتقط مع يمينه لأنه أمين. رجلان وجدا لقيطا فتشاحا على حضانته وتربيته، فلا يخلو حالهما من أحد أمرين إما أن يكونا متساويين أو غير متساويين، فإن كانا متساويين مثل أن يكونا حرين مسلمين عدلين مقيمين موسرين وإن كان أحدهما خيرا من الآخر بأن يكون أزهد و أعدل، فإنه يقرع بينهما وأعطي من خرج اسمه، سواء كانا رجلين أو امرأتين أو رجلا وامرأة فإنه يقرع بينهما لأن القرعة تستعمل في كل أمر مشكل. رجلان وجدا لقيطا وكانا قد استويا في الشروط فترك أحدهما، للآخر أخذ الكل أو يحتاج إلى إذن الحاكم؟ قيل فيه وجها ن: فيهم من قال ليس له أخذه حتى يأذن له الحاكم، لأنه إنما يملك إسقاط حقه ولا يملك تحصيله لغيره ولاية، و فيهم من قال له أن يأخذ الكل بغير إذن الحاكم وهو الأقوى، لأنهما ملكا الحضانة بالالتقاط، ألا ترى أنه لو أقرع بينهما لما احتيج إلى إذن الحاكم، فإذا أسقط أحدهما حقه صار الكل للآخر كالشفيعين. وهذا كله إذا كانا متساويين، فأما إذا كان مختلفين فإنا نذكر أولا الحكم في الأفراد ثم يجمع بينهما: إن وجده عبد فإنه ينزع من يده، لأنه لا يملك من نفسه شيئا يشتغل به في الحضانة، إلا أن يأذن له سيده، فحينئذ لا ينزع من يده، كما لو وجده سيده ودفعه إلى عبده. وإن وجده حر فلا يخلو أن يكون مسلما أو كافرا فإن كان كافرا نظرت في اللقيط فإن كان بحكم الاسلام نزع من يده، لأن الكافر لا يلي على مسلم، ولأنه ربما فتنه عن دينه، وإن كان حكم له بالكفر فإنه يترك في يده ولا ينزع من يده. وإن كان الذي وجده مسلما فلا يخلو إما أن يكون أمينا أو فاسقا فإن كان فاسقا فإنه ينزع من يده لأن الفاسق لا ولاية له، ولأنه ربما يسترقه. وإن كان أمينا فلا يخلو أن يكون حضريا أو بدويا، فإن كان حضريا وأراد

[ 341 ]

أن يسافر به نظرت، فإن أراد أن يسافر به إلى البادية فإنه ينزع من يده، لأنه يضيع نسبه لأنه يطلب في هذا الموضع، فإن كان له نسب فإنه يظهر في الموضع الذي وجد ولأن الحضر أحوط للقيط، ولأنه ربما استرقه. وإن أراد أن يسافر به إلى قرية قيل فيه وجهان أحدهما يترك في يده، لأنه لا فرق بين القريتين إذا كان حضرا والثاني ينتزع من يده لما قدمناه من أمر البدوي. وإن كان الذي وجده بدويا فلا يخلو أن يكون بدويا له حلة مرتبة ولا ينز عج عن مكانه أو يكون بدويا ينتقل من مكان إلى غيره، فإن كان له حلة فإنه يترك في يده ولا ينزع، وإن كان ينتقل فهل يترك أو ينزع؟ قيل فيه وجهان. هذا كله إذا كان منفردا فأما إذا كانا نفسين غير متساويين عبد وحر فإنه يسلم إلى الحر إلا أن يأذن له سيده فحينئذ يقرع بينهما، وإن وجده مسلم وكافر، وكان اللقيط حكم له بالاسلام، فإنه يسلم إلى المسلم، وإن كان حكم له بالكفر فإنه يقرع بينهما، وإن وجده أمين وفاسق، فإنه يسلم إلى الأمين. وإن وجده أمينان فقد تساويا في الأمانة قال قوم يدفع إلى أيسرهما، فإن تساويا في اليسار أقرع بينهما، وإن وجده قروي وبدوي نظرت فإن وجداه في حضر وقرية فإنه يسلم إلى القروي فإن وجداه في البادية فلا يخلو البدوي إما أن يكون له حلة مرتبة أو ممن ينتقل، فإن كان له حلة مرتبة فإنه يقرع بينهما، وإن كان منتقلا فمبني على الوجهين: فمن قال ينزع من يده إذا انفرد فهيهنا مثله، ومن قال لا ينزع فههنا يقرع، وكل موضع قيل ينزع فإنه يسلم إلى الأمين. الناس على ضربين مكلفون وغير مكلفين، فالمكلف البالغ الرشيد فحكم إسلامه بنفسه لا بغيره، ويعتبر إسلامه بنفسه، وغير المكلف مثل المجنون والطفل فالتفريع على الطفل، فإذا ثبت فيه فالمجنون حكمه حكمه. إذا ثبت هذا فاعتبار إسلام الطفل بشيئين أحدهما يعتبر بنفسه، والثاني يعتبر بغيره فاعتباره بنفسه سيجئ بيانه، وأما اعتباره بغيره فعلى ثلاثة أضرب أحدها الأبوان والثاني السابي، والثالث دار الاسلام.

[ 342 ]

فاعتباره بالوالدين إذا كان أبواه مسلمين، فإنه يحكم بإسلامه لقوله تعالى " الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم " (1) فأخبر تعالى أن إيمان الذرية يحلق بإيمان أبويه، وهكذا إن كان أبواه كافرين، فإنه يحكم بكفر الأولاد الأطفال تبعا لهما. فإن كان مسلم الأب فإن إسلامه يكون بشيئين أحدهما أن يكون مسلما في الأصل فيتزوج بكتابية، والثاني كانا مشركين فأسلم الأب، فإذا أسلم الأب فإن كان حملا أو ولدا منفصلا فإنه يتبع الأب للآية لا خلاف أيضا فيه. فأما إن أسلمت الأم، فإن إسلامها بشئ واحد، وهو إذا كانا مشركين فأسلمت هي، لأنه لا يجوز للمشرك أن يتزوج مسلمة، فإذا أسلمت فإن الحمل والولد تبع لا سلامها للآية، وإجماع الفرقة. فإن بلغ هذا الطفل نظرت فإن بلغ مجنونا فإن إسلامه يتبع إسلام الوالدين لأنه لا يصح إسلامه في هذا الوقت، وإن بلغ وكان رشيدا، فإن إسلامه يعتبر بنفسه لا بإسلام والديه، لأنه لو أسلم في هذا الوقت لصح إسلامه. وإن بلغ رشيدا ثم جن هل يعتبر إسلامه بإسلام أبيه أو يعتبر إسلامه بنفسه؟ قيل فيه وجهان أحدهما يعتبر إسلامه بنفسه، لأنه بالبلوغ انقطع حكم الأبوين و الثاني وهو الصحيح عندهم أن إسلامه يعتبر بإسلام أبويه، لأنه لما جن عاد إلى حكم الطفولية، وعاد الحجر كما كان، لأنه لو أسلم في هذا الحال لم يصح إسلامه. فأما السابي فينظر فيه فإن سبي معه أبواه، فإن حكم إسلامه بإسلام أبويه، لأن هذا الطفل لا حكم له بنفسه، وليس هيهنا أولى من الأبوين، وهكذا إن كان الأبوان كافرين فيحكم بكفر هذا الطفل تبعا للأبوين، فإن مات أبواه أقر على دين أبويه، لأن الذمي إذا مات بيننا فإن أولاده يقرون على دينه، فكذلك هيهنا. وإن سبي وحده فإنه يتبع السابي لأن هذا الطفل لا حكم له بنفسه، وليس هيهنا غير السابي، فيحكم إسلامه بإسلام السابي، وهكذا إن كان السابي كافرا فإنه

(1) الطور: 21.

[ 343 ]

يحكم بكفر هذا الطفل تبعا للسابي. وأما الدار فداران دار الاسلام ودار الحرب، فدار الاسلام على ثلاثة أضرب بلد بني في الاسلام ولم يقربها المشركون، مثل بغداد والبصرة، فإن وجد لقيط هيهنا فإنه يحكم بإسلامه، لأنه يجوز أن يكون ابنا لمسلم، ويجوز أن يكون لذمي فيغلب حكم الاسلام لقوله عليه السلام " الاسلام يعلو ولا يعلى عليه ". والثاني كان دار كفر فغلب عليه المسلمون وأخذوه صلحا وأقروهم على ما كانوا عليه، على أن يؤدوا الجزية، فإن وجد لقيط نظرت، فإن كان هناك مسلم مستوطن، فإنه يحكم بإسلامه، لما ذكرناه وإن لم يكن هناك مسلم أصلا حكم بكفره، لأن الدار دار كفر. والثالث دار كانت للمسلمين وتغلب عليها المشركون، مثل الطرسوس فإذا وجد فيها لقيط نظرت، فإن كان هناك مسلم مستوطن حكم بإسلامه، وإن لم يكن هناك مسلم قال قوم يحكم بإسلامه، لأنه يجوز أن يكون هناك مسلم مستقر متق لا يقدر أن يظهر، وهذا ضعيف. فأما الضرب الثاني من الدار دار الحرب، مثل الروم فإن وجد فيها لقيط نظرت فإن كان هناك أسارى فإنه يحكم بإسلامه، وإن لم يكن أسارى ويدخلها التجار فهل يحكم بإسلامه قيل فيه وجهان أحدهما يحكم بإسلامه لتغليب الاسلام، والثاني يحكم بكفره، لأن الدار دار حرب. قد ذكرنا أن إسلام الصبي معتبر بشيئين بإسلام غيره وبنفسه، وقد ذكرنا أن إسلامه بغيره على ثلاثة أضرب إسلام بالأبوين أو أحدهما، وإسلام بالسابي، بالدار دار الاسلام، فأما إسلامه بوالديه أو بأحدهما فإنه يصح، ويكون مسلما ظاهرا و باطنا، لأنا حكمنا بإسلام أبويه ظاهرا وباطنا، فإذا بلغ نظرت فإن وصف الاسلام صح إسلامه، وإن وصف الكفر كان مرتدا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وفي الناس من قال لا يقتل ويقر على ذلك لأنه كان تبعا لأبويه، فإذا بلغ انقطع تعلق الأبوين فحكمه حكم نفسه وهذا ضعيف، لأنا حكمنا بإسلام أبويه

[ 344 ]

ظاهرا وباطنا فهو كما لو ارتد أحد أبويه، يرث ويورث ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، فإذا ارتد حكم بحكم من ارتد من المسلم الأصلي. فأما إن بلغ ولم يصف إسلاما ولا كفرا فسكت فقتله انسان فالأقوى أنه ليس على القاتل القود، ولا يقتل به، وفي الناس من قال يقتل قاتله، لأنا حكمنا بإسلامه والظاهر أنه مسلم حتى يظهر منه شئ آخر. وهذا ليس بشئ لأنه يجوز أنه سكت لأنه ما سئل، ويجوز أنه سكت لاعتقاده الكفر، فإذا احتمل هذا وغيره فالقتل سقط بالشبهة وهو قوي عندي. فأما إسلامه بالسابي فالحكم كما ذكرنا يرث ويورث عنه ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، والقتل كما ذكرناه. فأما إسلامه بالدار فإنه أضعف لأنا حكمنا من حيث الظاهر وإسلامه من حيث الظاهر لأنه لو أقام البينة بأن أبويه كافران حكمنا بكفره، ويفارق السابي لأنه إذا أقام البينة بأن أبويه كافران ما حكمنا بكفره، لأنا تحققنا أن السابي مسلم ظاهرا وباطنا، وحكمنا بإسلام هذا ظاهرا وباطنا، فإن مات فإنه يورث عنه ويرثه إن ظهر نسبه، ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين وإن قتله انسان فإن كان عمدا وجب على قاتله القود، وإن كان خطأ وجبت الدية على عاقلته. وإن بلغ نظرت فإن وصف الاسلام صح إسلامه، وإن وصف الكفر فالأقوى أنه لا يقتل، بل يهدد ويقرع ويقال حكمنا بإسلامك ترجع إلى الاسلام. وفي الناس من قال يقتل لأن حكمه حكم المرتد يستتاب، فإن رجع وإلا قتل، لأنا حكمنا بإسلامه والظاهر أنه مسلم فإذا وصف كفرا كان مرتدا. وقال قوم هذا خطأ لأنا حكمنا بإسلامه ظاهرا ويجوز أن يكون كافرا ومسلما فإذا احتمل هذا سقط القتل ويفارق الأول لأنه محكوم بإسلامه ظاهرا وباطنا ويقوى في نفسي أن كل موضع حكمنا بإسلامه أن من قتله يجب عليه القود، لأنه محكوم بإسلامه، وكل موضع قلنا يقر على دينه نظرت فإن كان متمسكا بدين أهل الكتاب فإنه يقال له إما أن تسلم أو تقيم وتؤدي الجزية أو تلحق بدار الحرب، فأما أن تقيم

[ 345 ]

بلا جزية فلا. وإن كان متمسكا بدين لا يقر أهله عليه يقال له إما أن تسلم أو تقيم على دين يقر أهله عليه وتلزم أحكامنا أو تحلق بدار الحرب، وكل موضع قلنا لا يقر على دينه فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل والمجنون في هذه الأحكام كلها كحكم الصبي. وأما إن كان إسلامه معتبرا بإسلام نفسه نظرت، فإن كان طفلا بحيث لا يعبر عن نفسه دون سبع سنين، فإن أسلم فلا حكم له بلا خلاف، وإن كان مراهقا مميزا فأسلم فإن عند قوم لا يحكم بإسلامه، ولا بارتداده، ويكون تبعا للوالدين، غير أنه يفرق بينه وبينهما لكي لا يفتناه. وفيهم من قال يحكم بإسلامه ظاهرا، فإذا بلغ ووصف الاسلام كان مسلما من هذا الوقت وقال قوم يحكم بإسلامه وبارتداده غير أنه لا يقتل لأن هذا الوقت ليس بوقت للتعذيب حتى يبلغ، ولا يكون تبعا للوالدين والأول أقوى. رجل وجد لقيطا وكان أمينا وتركناه في يده، فأراد أن يسافر به هل يترك أو يمنع؟ نظرت فإن كان أمينا من حيث الظاهر والباطن جميعا مثل أن يكون ولد في ذلك ونشأ فيه وعرف باطنه أنه أمين، فإنه يترك في يده، وإن كان أمينا في الظاهر مثل أن يكون غريبا يصلي معنا ويكون معنا في الجماعة، يعرف ظاهره أنه أمين، فتركنا اللقيط في يده، ثم أراد أن يسافر به فإنه يمنع من ذلك، ولا يترك أن يحمله، لأنه يخاف أن يسترقه. إذا جنى اللقيط جناية فلا يخلو إما أن يكون عمدا أو خطاء، فإن كان خطاء فإن عاقلته بيت المال سواء كان صغيرا أو كبيرا فإنه حر مسلم لا عاقلة له، ولأن نفقته في بيت المال، ولأنه لو مات وله مال ولا وارث له كان لبيت المال، وأيضا فلا خلاف في ذلك. وإن كانت عمدا فلا يخلو أن يكون صغيرا أو كبيرا فإن كان كبيرا فالمجني عليه بالخيار بين أن يقتص أو يعفو، وإن كان صغيرا فعندنا أن عمد الصبي وخطأه

[ 346 ]

واحد، فديته على عاقلته وهيهنا في بيت المال، وفي الناس من قال يثبت ذلك في رقبته لأنها متعلقة بماله. وإن جني عليه فلا يخلو إما أن يكون في النفس أو في الطرف، فإن كان في النفس فلا يخلو أن يكون عمدا أو خطأ، فإن كان عمدا فإنه إلى الإمام، فإن رأى من المصلحة أن يقتص اقتص، وإن رأى العفو على مال ويدع المال في بيت المال لمصالح المسلمين فعل. وإن كانت الجناية خطأ فإنها توجب المال، فيؤخذ المال ويترك في بيت المال بلا خلاف في هذا كله. وإن كانت الجناية في الطرف فإن كانت خطاء محضا أو عمدا لا يوجب القود فإن ذلك كله يوجب المال، ويدفع إلى وليه ليحفظه مع ماله، وإن كان عمدا يوجب القود فلا يخلو أن يكون كبيرا أو صغيرا فإن كان كبيرا كان إليه إن شاء اقتص وإن شاء عفى، وإن كان صغيرا لا يخلو أن يكون معتوها أو غير معتوه. فإن كان غير معتوه صبيا عاقلا مميزا فإنه لا يقتص عنه، ولا يؤخذ منه المال لأن القصاص للتشفي وهذا ليس من أهله حتى يبلغ، ولا يؤخذ منه المال لأنه إذا بلغ ربما طلب القود، فترك حقه حتى يبلغ مثل الصبي الذي حصل له قصاص فليس لأبيه أن يقتص ولا للحاكم ولا للجد حتى يبلغ. وإن كان معتوها فلا يخلو أن يكون معسرا أو موسرا، فإن كان موسرا فلا يؤخذ عنه المال، وإن كان معسرا يؤخذ المال. وأما القذف فلا يخلو أن يكون قذف هو أو قذف، فإن كان هو قد قذف نظرت فإن كان صبيا فلا حد عليه وعليه التعزير، وإن كان المقذوف صبيا فلا حد ولا تعزير، وإن كان بالغا كبيرا نظرت فإن كان المقذوف بالغا فإنه يحد. فأما إذا قذف نظرت فإن كان صبيا فلا شئ عليه، وإن كان كبيرا والمقذوف صبيا فلا حد وعليه التعزير، وإن كانا كبيرين نظرت، فإن ادعى الحرية وصدقه القاذف حد القاذف، وإن ادعى القاذف أنه عبد وصدقه المقذوف فإنه يسقط الحد

[ 347 ]

ولا شئ عليه. وإن اختلفا فقال المقذوف أنا حر قذفتني فعليك الحد، وقال القاذف أنت عبد ولا حد على، قيل فيه قولان أحدهما القول قول المقذوف لأنا حكمنا بحريته وإسلامه وأجري عليه أحكام الحر في القصاص وهو الأقوى. والثاني أنا حكمنا بإسلامه من حيث الظاهر، ويجوز أن يكون مملوكا والأصل براءة الذمة وهذا أيضا قوي. اللقيط لا ولاء له ما لم يتوال إلى أحد، فإن مات فميراثه لبيت المال، وقال شاذ منهم إن ولاءه لملتقطه. الدعوة في اللقيط لا يخلو من أربعة أحوال: إما أن يدعي الملتقط، أو يدعي أجنبي أنه ابنه أو يكونا أجنبيين يدعيان أنه ابنه، الرابع ادعى الملتقط والأجنبي. فأما إن ادعى الملتقط أنه ابنه فإنه يصح إقراره ويثبت به النسب لأنه أقر بمجهول النسب، وأمكن أن يكون منه، ومن كان كذلك قبل إقراره به، ولأن إقراره به لا يضر بغيره ولا يخالف الظاهر. فإذا ثبت هذا فإنه يحكم له به، ويستحب أن يذكر النسب، فيقول: هذا ابني ولد على فراشي، أو يقول أولدته من جاريتي، لأنه ربما يظن هذا الملتقط ويعتقد أن بالالتقاط يصير ابنه، وإن لم يذكر جاز، ويثبت النسب، ويرث ويورث مثل الناسب. وإن ادعى أجنبي بأنه ابنه فالحكم فيه كما ذكرنا في الملتقط سواء وينزع من يد الملتقط ويدفع إليه لأنه أبوه وهو أولى به، فإن ادعى أجنبيان كل واحد منهما أنه أبيه فإن كان مع أحدهما بينة فإنه يحكم له بها، وإن أقام كل واحد منهما بينة فقد تعارضتا وحكم بالقرعة، وفي الناس من قال يبطلان ويرجع إلى القافة. فإذا اختلف الملتقط والأجنبي، ومعناه من يلتقطه، لأن الملتقط أيضا أجنبي مثل أن وجد أحدهما لقيطا وبقي في يده أياما ولم يدع أنه ابنه فجاء آخر وادعى أنه ابنه، ثم ادعى الملتقط أنه ابنه، نظرت فإن ادعيا دفعة واحدة فالحكم فيها كالحكم في الأجنبيين سواء.

[ 348 ]

فإن ادعى الملتقط فقد ثبت دعواه في حال لم يكن منازع، فمتى ادعى الأجنبي بعد ذلك فيقال له ألك بينة، فإن قال نعم وأقامها، قيل للملتقط ما تقول؟ فإن قال ليس لي بينة فإنه يحكم للثاني، لأن البينة أولى من الدعوى، وإن قال لي بينة فقد حصل مع كل واحد منهما بينة وقد تعارضتا، وقد مضى القول فيها، واليد لا تأثير له هيهنا، لأن اليد إنما تكون له تأثير فيما يملك، والنسب ليس كذلك. ومن قال تبطل البينتان وقال نريه القافة، فإن قالت للأول ألحقناه به، و إن قالت هو للثاني حكم للثاني، وإن قالت هو ابن لهما تحقق خطاؤها، لأنه لا يجوز أن يكون ابنا لهما ويوقف حتى يبلغ ويختار. فإذا أراد الاختيار قيل له: اختر ولا تختر أنظفهما ولا أغناهما وإنما تختار لما تميل إليه طبعك. فكل موضع حكم بالقافة ودفع إليه بحكمهم، وأقام الآخر البينة فإنه يحكم ببينته، لأنها أولى من القافة، لأنها تشهد عن سماع، والقافة يحكم بغلبة الظن ولأن البينة متفق عليها والقافة مختلف فيها. المسألة بحالها ويدهما عليه، والأولى كانت يد أحدهما عليه فإذا كان يدهما عليه: فإذا كان مع أحدهما بينة حكم له بها وإن أقام كل واحد منهما بينة فقد تعارضتا و أقرع بينهما. وإن وصف أحدهما لا يحكم له به، خلافا لأبي حنيفة، لأنه قال: إن وصف أحدهما شيئا على يديه حكم له به. رجلان ادعيا لقيطا وادعيا حضانته، فادعيا ملكه، وادعى كل واحد منهما أنه وجده والحضانة له، فإن كان مع أحدهما بينة ولم يكن مع الآخر حكم له بها. وإن كان مع كل واحد منهما بينة، فإن كانتا مطلقتين أو مورختين متفقتين أو أحدهما مؤرخة والأخرى مطلقة، فالحكم فيها كلها واحد، فقد تعارضتا وحكم بالقرعة، والخلاف على ما مضى، وفيمن وافقنا في القرعة من قال: إنه إذا خرج اسم أحدهما حلف مع ذلك.

[ 349 ]

وإن كانت البينتان مورختين مختلفتين مثل أن شهد شاهدان أنه وجده في رمضان وشهد آخران أنه وجده في شوال حكم للسابق، لأنها شهدت بأن يده سابقة، و ثبتت حضانته فيما قبل. وإن لم يكن مع أحدهما بينة فلا يخلو أن يكون في يد أحدهما، أو في أيديهما أو لم يكن في أيديهما، فإن لم يكن في أيديهما فإن أمره إلى الحاكم يدفعه إلى من شاء وإن كان في يد أحدهما فإنه يدفع إليه لأن اليد والدعوى أولى من دعوى مجردة وإن كان في أيديهما أقرع بينهما لقوله تعالى " إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم (1) ". إذا ادعى العبد النسب فإنه يلحق به إذا قال: هذا ابني، لأنه في باب إلحاق النسب كالحر والنكاح الصحيح كالفاسد والوطي بالشبهة. إذا ثبت أنه ابنه فلا حضانة له، لأن العبد مشغول بخدمة سيده ولا نفقة عليه لأنه لا يملك، ونفقته على قدر كفايته فلا يلزمه نفقة ابنه ولا نفقة ابن ابنه وهكذا الذمي إذا ادعى النسب فإنه يحلق به لأن الذمي مثل المسلم الحر والعبد غير أن الذمي أحسن حالا من العبد، لأن له أن يتسرى وليس للعبد أن يتسرى (2) فإذا ادعى نسبا فإنه يلحق به. وهل يحكم بإسلام هذا الصبي أم لا؟ من الناس من قال أجعله مسلما، وفيهم من قال إن كان معه بينة فإنه يحكم بكفره، لأن البينة أثبتت فراشه، والمولود على فراش الكافر يكون كافرا غير أنه يستحب نزعه من يده، وأن يجعل في يد مسلم حتى يبلغ رجاء أن يسلم وإن لم يكن معه بينة، حكم بإسلامه، لأنه وجد في دار الاسلام تابعا للدار. وهذا هو الأقوى والأولى، لأنه أقر بما له وعليه، فيقبل إقراره بما عليه ولا يقبل فيما له، وما عليه النسب وما له الاسلام، وإذا حكم بإسلامه أجري عليه أحكام المسلمين من الميراث ولزوم القود بقتله عمدا، والدية إذا كان خطاء.

(1) آل عمران: 44.
(2) تسرى: أخذ السرية: الأمة ينزلها بيتا.

[ 350 ]

وإذا بلغ ووصف الاسلام حكم به من حين ادعى أبوه، وإن وصف الكفر حكم له بحكم المرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل ومن قال إنه كافر قال حكمه حكم المشركين إن قتله مسلم فلا قود له ولا دية كاملة، فإذا بلغ ووصف الاسلام كان مسلما وإن وصف الكفر كان كافرا وأقر عليه. الحر والعبد والكافر والمسلم في دعوى النسب سواء لا مزية لأحدهم على صاحبه وقال قوم الحر أولى من العبد، والمسلم أولى من الكافر، وهذا أقوى. امرأة ادعت نسبا ووجدت لقيطا فادعت أنه ولدها قيل فيه ثلاثة أوجه أحدها لا تقبل دعواها، سواء كان معها زوج أو لم يكن، لأن نسبها يمكن أن يعلم حسا و مشاهدة ولا يتعذر عليها إقامة البينة، فلا يقبل دعواها التي توجب الظن. ويفارق الرجل، لأن النسب من جهته لا يمكن العلم به، ولا يمكن إقامة البينة عليه، وفرق بين ما يمكن إقامة البينة عليه، وبين ما لا يمكن، ألا ترى أنه لو قال أنت طالق إن حضت فقالت حضت، فالقول قولها مع يمينها لتعذر البينة ولو قال أنت طالق إن دخلت الدار أو قال أنت طالق إن ولدت فقالت ولدت أو دخلت الدار فإنه لا يقبل قولها حتى تقيم البينة لأنها تقدر على إقامة البينة، ولأنا لو ألحقنا بدعواها لألحقنا بها وبالزوج، وأجمعت الأمة على أنه لا يلحق بالزوج بدعواها. فإذا ثبت أنه لا يلحق بالزوج، فإنه لا يلحق بها أيضا، لأنه لا يتبعض فعلى هذا تسقط دعواها، كان معها زوج أو لم يكن. والوجه الثاني أنه تقبل دعواها ويلحق النسب بها دونه، كما أنه لو أقر الزوج ألحق به دونها. الثالث إن كان معها زوج لا تقبل دعواها، وإن لم يكن معها زوج قبل دعوها، والحكم في الأمة كالحكم في الحرة سواء على هذه الثلاثة أوجه والوجه الثاني أقوى الوجوه. وإن كانت امرأة وأقامت البينة بالنسب ألحق بها وبالزوج، لأن هيهنا يثبت النسب بالبينة وإن كانت امرأتان فادعتا لقيطا فلا يخلو إما أن يكون معهما بينة

[ 351 ]

أو لم يكن معهما بينة، فإن لم يكن معهما بينة فإن هذه تبنى على الوجوه الثلاثة: فمن قال لا يقبل فهيهنا لا يقبل دعواهما ويسقطان، ومن قال يقبل قبل دعواهما هيهنا وحكمهما حكم الرجلين إذا ادعيا نسبا وقد مضى شرحه، ومن قال إذا كان (1) معها زوج قبل، نظرت، فإن كان معهما زوج لكل واحد منهما زوج فإنهما يسقطان ولا يقبل دعواهما، وإن لم يكن معهما زوج فقد تساويا، ويرجع إلى القرعة عندنا، و عندهم إلى القافة وإن كان مع واحدة زوج دون الأخرى، فإنه يحكم لمن لا زوج معها لما مضى وإن كان معهما بينة نظرت فإن كان مع إحداهما فإنه يحكم لها ويثبت النسب و يلحق بها وبزوجها، وإن كانت معهما بينة فقد تعارضتا وقد مضى القول فيهما. رجل وجد لقيطا فادعى آخر أنه عبده، فإنه تسمع هذه الدعوى لأنه يجوز أن أمته جاءت به من زنا أو من زوج، ويمكن أن يكون صادقا، فإذا أمكن كونه صادقا سمعت دعواه، وهكذا إن ادعى الملتقط أنه عبده فإنه يسمع منه [ دعواه ] لجواز كونه صادقا إلا أن هذه الدعوى لا يحكم بها إلا بعد أن يقيم البينة، فإن لم يكن معه بينة فلا حكم، لأن ما يدعيه خلاف الظاهر، لأن ظاهره الاسلام والحرية بحكم الدار. والبينة شاهدان، أو شاهد وامرأتان، ولا يقبل شهادة أربع نسوة إذا ثبت ذلك فلا يخلو حال البينة من ثلاثة أحوال إما أن يشهدوا بالولادة، أو يشهدوا بالملك، أو يشهدوا باليد. فإن شهدوا بالولادة فقالوا هذه ولدته أمته في ملكه، فإنه يحكم بملكه، لأنها أثبتت الملك، وإن شهدا أن هذا ابن أمته أو ولدته قال قوم يكون رقيقا لأن ولد الأمة يكون رقيقا، ومنهم من قال لا يكون رقيقا لأنه يجوز أن يكون ولدته قبل أن ملكها. والذي يقتضيه مذهبنا أنه لا يكون رقيقا لجواز أن يكون ولدته من زوج حر فيكون حرا عندنا، لأنه يلحق بالحرية.

(1) إذا لم يكن ظ.

[ 352 ]

فأما إن شهدا بالملك فقالا: هذا ملكه فإن عزياه إلى سبب مثل الإرث والهبة والشراء فإنه يحكم له بالملك، وإن لم يعزياه إلى سبب فهل يكون ملكا؟ قيل فيه قولان أحدهما يكون ملكا لأن البينة شهدت بالملك، والقول الثاني لا يكون ملكا لأنه يجوز أن يكون قد رآه في يده يد الالتقاط وظنوا أنه ملكه والأول أقوى. فأما إن شهدوا باليد فقالوا كانت يده عليه أو كان في يده: نظرت، فإن كان في يد الملتقط فإنه لا يحكم له به، وإن كان في يد الغير فإنه يحكم له بالملك، لكن يحلف مع البينة. اللقيط إذا وجد في دار الاسلام حكم بحريته وإسلامه لأنه وجد في دار الاسلام وإذا وجد في دار الشرك يحكم بكفره تبعا للدار، ويحكم بالحرية لأنها الأصل حتى يحدث الرق. إذا ثبت هذا وبلغ اللقيط واشترى وباع وتزوج وأصدق ثم أقر بأنه عبد فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يدعي عليه غيره بأنه عبده أو اعترف هو ابتداء من غير دعوى، فإن ادعى انسان أنه عبده فلا يخلو إما أن يكون معه بينة أو لم يكن، فإن كان معه بينة يحكم له، وإن لم يكن له بينة رجع إلى العبد: فإن كذبه وقال إني حر. فالقول قوله، لأن الأصل الحرية فهل يحلف العبد أم لا؟ مبنى على أنه هل يقبل قوله في الرق أم لا، قيل فيه قولان فمن قال يقبل قوله في الرق فههنا يحلف رجاء أن يمتنع ويعترف، ومن قال لا يقبل إقراره بالرق فلا يحلف لأنه لا معنى لهذه اليمين، لأنه لو اعترف لم يقبل إقراره، فلا فائدة في يمينه ههنا. وإن صدقه فقال صدق وأنا عبده، فإن كان قد اعترف قبل ذلك بالحرية فإنه لا يقبل إقراره في تصديقه إياه لأنا حكمنا بحريته وألزمناه أحكام الحرية من الحج والجهاد والطلاق، ويريد بهذا الاقرار إسقاط ذلك من نفسه فلا يقبل، وإن لم يكن اعترف قبل هذا بالحرية نظرت في المقر له، فإن كذبه فقد أسقط حقه يعني المقر له.

[ 353 ]

وإن أقر هذا العبد بعد هذا لغيره فلا يقبل إقراره وقال قوم يقبل إقراره الثاني لأن هذا الاقرار كأنه لم يكن وإقراره الثاني إقرار مبتدأ كما أن من كان في يده دار فأقر بها لزيد فلم يقبل زيد، ثم أقر بعد لعمرو فإنه يقبل إقراره في حق عمرو. ومن قال لا يقبل قال لأنه لما اعترف بأنه عبده يقول لا مالك لي غيره، فبقي أن يكون لغيره، فإذا لم يقبل ذلك الغير فكأنه قال لا مالك لي وأنا حر، ولو اعترف بالحرية قبل هذا لقبلنا، ولأن هذا المقر له، لما قال ليس هو عبد فكأنه قال ليس لي وأعتقته، فصار حرا بتكذيبه إياه. وإن صدقه المقر له فالكلام في هذا الفصل والفصل الذي قبله إذا ادعى غيره و صدقه العبد سواء. وهل يقبل إقرار العبد على نفسه بالعبودية أم لا؟ عندنا أنه يقبل إذا كان عاقلا رشيدا لم يعرف قبل ذلك حريته، وإلا كان مدعيا لها. وفي الناس من قال لا يقبل، فمن قال يقبل، قال لأنه مجهول النسب فوجب أن يقبل إقراره، كالحربي إذا دخل في دار الاسلام وادعى رقا، لأنه غير متهم على نفسه، ولأنه لو أقام البينة بأنه عبده لقبلنا كذلك إذا أقر. ومن قال لا يقبل قال لأنا حكمنا بحريته وألزمناه بأحكام الحرية فإذا اعترف بالعبودية أراد إسقاط ذلك عن نفسه، وفي الناس من قال يقبل إقراره في الرق، ولا يقبل في أحكام الرق وفرع على هذا القول. وقيل على الأول يقبل إقراره فيما يضره ويضر غيره، وعلى الثاني يقبل فيما يضر نفسه، ولا يقبل فيما يضر غيره. ثم لا يخلو هذا اللقيط الذي اعترف بالرق من أحد أمرين إما أن يكون ذكرا أو أنثى، فإن كان أنثى، فمن قال يبطل إقرارها فيما يضر نفسها وفيما يضر غيرها، فإن نكاحها يبطل في الأصل، لأن الحاكم زوجها على أنها حرة، فلما بان أنها مملوكة فقد تزوجت بغير إذن سيدها وذلك باطل، ثم لا يخلو إما أن يكون دخل بها أو لم يدخل، فإن كان قبل الدخول فلا يلزم الزوج المهر، لأن النكاح إذا كان فاسدا ولم يدخل بها فلا

[ 354 ]

يجب المهر، وإن كان دخل بها وكان هذا بعد الدخول فإنه يلزمه المهر مهر المثل لأن النكاح إذا بطل بعد الدخول لزم مهر المثل، وأولادها أحرار، لأنه اعتقد أنها حرة يطأها بالزوجية، ويلزمه قيمة الأولاد لأنه لو لم يعتقد هذا لكانوا مماليك، و يلزمه القيمة يوم سقط لأنه أقرب ما يمكن أن يقوم وهو حي ذلك الوقت، ويلزمها هي عدة قرء واحد عدة أمة. ومن قال يقبل قولها فيما يضر نفسها فالنكاح صحيح، لأن على هذا القول لا يقبل قولها فيما يضر غيرها، وفي إبطال النكاح يضر الزوج. ثم ينظر فإن كان قبل الدخول فلا يلزمه المهر، لأن هذا كان لها وأسقطته بإقرارها، وإن كان بعد الدخول فإنه يلزم، لأنه وجد الوطي وهو يدعي مهر المسمى والسيد يدعي مهر المثل، فإذا أفسد العقد وجب مهر المثل. ثم نظرت فإن كان المسمى وفق المثل أو دونه، فإنه لا يلزمه إلا ذلك القدر لأنه لا يقبل إقرارها في الزيادة لأنه يضر بالزوج، وإن كان المسمى أكثر فلا يلزمه أكثر من ذلك، لأن سيدها لا يدعي أكثر من ذلك، إلا أن يكون قد دفع الزوج مهر المسمى، فإنه لا يسترجع، لأنه يقول هذه زوجتي وأخذها باستحقاق وأولاده أحرار لما قدمناه من اعتقاده، ولا يلزمه قيمة الأولاد، لأنا حكمنا بصحة العقد في الأصل. ثم نقول للزوج: أنت بالخيار إن شئت أن تقيم على هذا ويكون أولادك مماليك وإن شئت طلقها، فإن اختار الطلاق طلقها طلاق السنة، ويلزمها العدة ثلاثة أقراء لأن هذه العدة مستندة إلى ما مضى من العقد الأول، وكان حكمها حينئذ حكم الأحرار، وإن اختار المقام، فإن أولاده مماليك، لأنه دخل على هذا على أن يكون أولاده عبيدا، فإن مات انفسخ النكاح ويلزمها عدة الإماء. وإن كان ذكرا عبدا أقر بالرق لغيره مبنى على ما مضى من القولين: فمن قال يقبل إقراره فيما يضره ويضر غيره، فإن النكاح باطل بكل حال، لأنه تزوج بغير إذن سيده، ويلزمه المهر، ومن أين؟ قيل فيه قولان أحدهما في ذمته يتبع به إذا أعتق

[ 355 ]

والثاني يكون في رقبته يباع فيه كالجناية. ومن قال يقبل إقراره فيما يضر نفسه ولا يقبل فيما يضر غيره، فالنكاح صحيح في الأصل لكن ينفسخ بإقراره، لأن الزوج إذا أقر بانفساخ النكاح انفسخ بقوله و لزمه المهر، فإن كان في يده مال أخذ منه، ولا يلتفت إلى سيده، وإن لم يكن في يده مال فإنه يكون في كسبه كالحر إذا أعسر، وكالعبد إذا تزوج بإذن سيده. وأما إن تصرف مثل البيع والشراء، أو جنى على انسان أو جني عليه فإن العبد والأمة فيه سواء، وإنما افترقا في النكاح، وهذا مبنى على القولين فمن قال يقبل إقراره فيما يضره ويضر غيره، فإن تصرفاته كلها يبطل، لأنه عبد تصرف بغير إذن سيده، ثم نظرت فإن كان العين باقية فإنها ترد إلى أربابها وإن كانت تالفة فإنها تكون في ذمته يتبع به إذا أعتق، لأنهم دفعوا برضاهم. ومن قال يقبل إقراره فيما يضر نفسه، ولا يقبل فيما يضر غيره، فإن تصرفاته صحيح، فإنه يدفع الأثمان من المال الذي في يده، فإن كان فضل عما عليه، فإن ذلك الفضل يكون لسيده، وإن لم يكن في يده كان في ذمته يتبع به إذا أعتق كالحر المعسر. فأما الجناية فلا يخلو إما أن يجني هو على غيره أو يجنى عليه، فإن جنى على غيره فإنه لا يخلو أن يكون عمدا أو خطأ، فإن كان عمدا فلا يخلو المجني عليه أن يكون عبدا أو حرا فإن كان عمدا يقتل به سواء كان حرا أو عبدا، وإن كانت خطأ كان ينبغي أن يكون في بيت المال لأن هذا لقيط وجناية اللقيط من بيت المال، لكن لما أقر على نفسه بالعبودية أسقط من بيت المال حقه، فيكون في رقبته. وإن كان قد جني عليه فلا يخلو أن يكون خطأ أو عمدا، فإن كان عمدا فلا يخلو الجاني من أن يكون حرا أو عبدا، فإن كان عبدا اقتص منه، لأنه عبد يجب الاقتصاص منه للحر والعبد، وإن كان خطاء فالكلام في النفس والطرف واحد لكن يصور في اليد إذا قطع وكان حرا فإنه يوجب قطع اليد نصف الدية. فإذا ثبت هذا فلو كان حرا لوجب نصف الدية، فلما أقر بالعبودية أوجب نصف

[ 356 ]

قيمته، ثم ينظر فإن كان نصف القمية وفق نصف الدية أو دونه، فإنه يقبل إقراره و يلزمه القيمة، لأنه يضر به لا بغيره، وإن كان نصف القيمة أكثر من نصف الدية فمبني على القولين: فمن قال: إنه يقبل إقراره فيما يضر نفسه، وفيما يضر غيره، فإنه يلزمه القمية أكثر الأمرين، ومن قال يقبل إقراره فيما يضر نفسه لا فيما يضر غيره، فإنه يلزم الدية الأقل. وعندنا لا اعتبار بتلك الزيادة، لأن قيمة العبد لا تزيد عندنا في الجناية عليه على دية الحر بحال. إلى هنا تم كتاب اللقطة ويليه في الجزء الرابع كتاب الوصايا.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية